خطبه ۹۹ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۹۹ و من خطبه له ع

الْحَمْدُ لِلَّهِ النَّاشِرِ فِی الْخَلْقِ فَضْلَهُ- وَ الْبَاسِطِ فِیهِمْ بِالْجُودِ یَدَهُ- نَحْمَدُهُ فِی جَمِیعِ أُمُورِهِ- وَ نَسْتَعِینُهُ عَلَى رِعَایَهِ حُقُوقِهِ- وَ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ غَیْرُهُ- وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صَادِعاً وَ بِذِکْرِهِ نَاطِقاً- فَأَدَّى أَمِیناً وَ مَضَى رَشِیداً- وَ خَلَّفَ فِینَا رَایَهَ الْحَقِّ- مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ- وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا زَهَقَ- وَ مَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ- دَلِیلُهَا مَکِیثُ الْکَلَامِ- بَطِی‏ءُ الْقِیَامِ سَرِیعٌ إِذَا قَامَ- فَإِذَا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقَابَکُمْ- وَ أَشَرْتُمْ إِلَیْهِ بِأَصَابِعِکُمْ- جَاءَهُ الْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ- فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ- حَتَّى یُطْلِعَ اللَّهُ لَکُمْ مَنْ یَجْمَعُکُمْ وَ یَضُمُّ نَشْرَکُمْ- فَلَا تَطْمَعُوا فِی غَیْرِ مُقْبِلٍ- وَ لَا تَیْأَسُوا مِنْ مُدْبِرٍ- فَإِنَّ الْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلَّ بِهِ إِحْدَى قَائِمَتَیْهِ- وَ تَثْبُتَ الْأُخْرَى فَتَرْجِعَا حَتَّى تَثْبُتَا جَمِیعاً- أَلَا إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ ص کَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ- إِذَا خَوَى نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ- فَکَأَنَّکُمْ قَدْ تَکَامَلَتْ مِنَ اللَّهِ فِیکُمُ الصَّنَائِعُ- وَ أَرَاکُمْ مَا کُنْتُمْ تَأْمُلُونَ یده هاهنا نعمته- یقال لفلان عندی ید أی نعمه و إحسان- قال الشاعر

فإن ترجع الأیام بینی و بینها
فإن لها عندی یدا لا أضیعها

و صادعا أی مظهرا و مجاهرا للمشرکین- قال تعالى فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ- و رایه الحق الثقلان المخلفان بعد رسول الله ص- و هما الکتاب و العتره- . و مرق خرج أی فارق الحق- و مزق السهم عن الرمیه خرج من جانبها الآخر- و به سمیت الخوارق مارقه- . و زهقت نفسه بالفتح زهوقا أی خرجت- قال تعالى وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ کافِرُونَ- و زهقت الناقه- إذا سبقت و تقدمت أمام الرکاب- و زهق الباطل اضمحل- یقول ع- من خالفها متقدما لها أو متأخرا عنها- فقد خرج عن الحق- و من لازمها فقد أصاب الحق- . ثم قال دلیلها مکیث الکلام یعنی نفسه ع- لأنه المشار إلیه من العتره- و أعلم الناس بالکتاب- و مکیث الکلام بطیئه- و رجل مکیث أی رزین- و المکث اللبث و الانتظار- مکث و مکث بالفتح و الضم- و الاسم المکث و المکثه بالضم و کسرها- یعنی أنه ذو أناه و تؤده- ثم أکد ذلک بقوله بطی‏ء القیام- ثم قال سریع إذا قام- أی هو متأن متثبت فی أحواله- فإذا نهض جد و بالغ- و هذا المعنى کثیر جدا قال أبو الطیب-

و ما قلت للبدر أنت اللجین
و لا قلت للشمس أنت الذهب‏

فیقلق منه البعید الأناه
و یغضب منه البطی‏ء الغضب‏

– یعنی سیف الدولهأقوال مأثوره فی مدح الأناه و ذم العجله و من أمثالهم یریک الهوینى و الأمور تطیر- یضرب لمن ظاهره الأناه- و باطنه إبرام الأمور و تنفیذها- و الحاضرون لا یشعرون- و یقولون لمن هو کذلک- وَ تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَهً- وَ هِیَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ- . و وقع ذو الرئاستین إلى عامل له- أن أسرع النار التهابا أسرعها خمودا- فتأن فی أمرک-و یقال إن آدم ع أوصى ولده عند موته- فقال کل عمل تریدون أن تعملوه- فتوقفوا فیه ساعه- فإنی لو توقفت لم یصبنی ما أصابنی- . بعض الأعراب یوصی ولده- إیاکم و العجله- فإن أبی کان یکنیها أم الندم- . و کان یقال من ورد عجلا صدر خجلا- . و قال ابن هانی المغربی-

و کل أناه فی المواطن سؤدد
و لا کأناه من قدیر محکم‏

و من یتبین أن للصفح موضعا
من السیف یصفح عن کثیر و یحلم‏

و ما الرأی إلا بعد طول تثبت
و لا الحزم إلا بعد طول تلوم‏

و قوله ع- بطی‏ء القیام سریع إذا قام- فیه شبه من قول الشنفری-

مسبل فی الحی أحوى رفل
و إذا یغزو فسمع أزل‏

و من أمثالهم فی مدح الأناه و ذم العجله- أخطأ مستعجل أو کاد- و أصاب متثبت أو کاد- .و منهاو قد یکون مع المستعجل الزلل‏- . و منها رب عجله تهب ریثا- و قال البحتری-

حلیم إذا القوم استخفت حلومهم
وقور إذا ما حادث الدهر أجلبا

قال الأحنف لرجل سبه فأفرط- یا هذا إنک منذ الیوم تحدو بجمل ثقال- . و قال الشاعر

أحلامنا تزن الجبال رجاحه
و تخالنا جنا إذا ما نجهل‏

فصل فی مدح قله الکلام و ذم کثرته

فأما قوله ع مکیث الکلام- فإن قله الکلام من صفات المدح- و کثرته من صفات الذم- قالت جاریه ابن السماک له- ما أحسن کلامک لو لا أنک تکثر ترداده- فقال أردده حتى یفهمه من لم یفهمه- قالت فإلى أن یفهمه من لم یفهمه قد مله من فهمه- . بعث عبد العزیز بن مروان بن الحکم- إلى ابن أخیه الولید بن عبد الملک قطیفه حمراء- و کتب إلیه أما بعد- فقد بعثت إلیک بقطیفه حمراء حمراء حمراء- فکتب إلیه الولید أما بعد- فقد وصلت القطیفه و أنت یا عم أحمق أحمق أحمق- .

و قال المعتضد لأحمد بن الطیب السرخسی- طول لسانک دلیل على قصر عقلک- . قیل للعتابی ما البلاغه- قال کل من أفهمک حاجته- من غیر إعاده و لا خلسه و لا استعانه فهو بلیغ- قیل له ما الاستعانه- قال أ لا ترى الرجل إذا حدث- قال یا هناه و استمع إلی و افهم و أ لست تفهم- هذا کله عی و فساد- . دخل على المأمون جماعه من بنی العباس- فاستنطقهم فوجدهم لکنا مع یسار و هیئه- و من تکلم منهم أکثر و هذر- فکانت حاله أفحش من حال الساکتین- فقال ما أبین الخله فی هؤلاء- لا خله الأیدی بل خله الألسنه و الأحلام- .

و سئل علی ع عن اللسان- فقال معیار أطاشه الجهل- و أرجحه العقل- . سمع خالد بن صفوان مکثارا یتکلم- فقال له یا هذا لیست البلاغه بخفه اللسان- و لا بکثره الهذیان- و لکنها إصابه المعنى و القصد إلى الحجه- . قال أبو سفیان بن حرب لعبد الله بن الزبعری- ما لک لا تسهب فی شعرک- قال حسبک من الشعر غره لائحه أو وصمه فاضحه- . و فی خطبه کتاب البیان و التبیین- لشیخنا أبی عثمان- و نعوذ بک من شر السلاطه و الهذر- کما نعوذ بک من العی و الحصر- قال أحیحه بن الجلاح-

و الصمت أجمل بالفتى
ما لم یکن عی یشینه‏

و القول ذو خطل إذا
ما لم یکن لب یعینه‏

و قال الشاعر یرثی رجلا-

لقد وارى المقابر من شریک
کثیر تحلم و قلیل عاب‏
صموتا فی المجالس غیر عی
جدیرا حین ینطق بالصواب‏

و کان رسول الله ص یکره التشادق و الإطاله و الهذر- و قال إیاک و التشادقو قال ص أبغضکم إلی الثرثارون المتفیهقونو روى عمرو بن عبید رحمه الله تعالى عن النبی ص أنا معاشر الأنبیاء بکاءون قلیلو الکلام- رجل بکی‏ء على فعیل- . قال و کانوا یکرهون أن یزید منطق الرجل على عقله- . و قیل للخلیل و قد اجتمع بابن المقفع- کیف رأیته- فقال لسانه أرجح من عقله- و قیل لابن المقفع- کیف رأیت الخلیل- قال عقله أرجح من لسانه- فکان عاقبتهما أن عاش الخلیل مصونا مکرما- و قتل ابن المقفع تلک القتله- .

و سأل حفص بن سالم عمرو بن عبید عن البلاغه- فقال ما بلغک الجنه و باعدک عن النار- و بصرک مواقع رشدک و عواقب غیک- قال لیس عن هذا أسأل- فقال کانوا یخافون من فتنه القول- و من سقطات الکلام- و لا یخافون من فتنه السکوت و سقطات الصمت- . قال أبو عثمان الجاحظ- و کان عمرو بن عبید رحمه الله تعالى- لا یکاد یتکلم- فإن تکلم لم یکد یطیل- و کان یقول لا خیر فی المتکلم- إذا کان کلامه لمن شهده دون نفسه- و إذا أطال المتکلم الکلام- عرضت له أسباب التکلف- و لا خیر فی شی‏ء یأتیک بالتکلف- . و قال بعض الشعراء-

و إذا خطبت على الرجال فلا تکن
خطل الکلام تقوله مختالا
و اعلم بأن من السکوت إبانه
و من التکلف ما یکون خبالا

و کان یقال لسان العاقل من وراء قلبه- فإذا أراد الکلام تفکر- فإن کان له قال و إن کان علیه سکت- و قلب الجاهل من وراء لسانه- فإن هم بالکلام تکلم به- . و قال سعد بن أبی وقاص لعمرو ابنه- حین نطق مع القوم فبذهم- و قد کان غضب علیه فکلموه فی الرضا عنه- هذا الذی أغضبنی علیه سمعت رسول الله ص یقول یکون قوم یأکلون الدنیا بألسنتهم- کما تلحس الأرض البقر بألسنتها- .

و قال معاویه لعمرو بن العاص فی أبی موسى- قد ضم إلیک رجل طویل اللسان- قصیر الرأی فأجد الحز- و طبق المفصل و لا تلقه برأیک کله- . و کان یقال لو کان الکلام من فضه- لکان السکوت من ذهب- . و کان یقال مقتل الرجل بین فکیه- و قیل بین لحییه- . و کان یقال- ما شی‏ء بأحق بسجن من لسان- . و قالوا اللسان سبع عقور- . و أخذ أبو بکر بطرف لسانه- و قال هذا الذی أوردنی الموارد- . لما أنکح ضرار بن عمرو ابنته من معبد بن زراره- أوصاها حین أخرجها إلیه- فقال أمسکی علیک الفضلین قالت و ما هما- قال فضل الغلمه و فضل الکلام- . و سئل أعرابی کان یجالس الشعبی عن طول صمته- فقال أسمع فأعلم و أسکت فأسلم- .

وقال النبی ص و هل یکب الناس فی النار على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهمتکلم رجل فی مجلس النبی ص فخطل فی کلامه- فقال ع ما أعطی العبد شرا من ذلاقه لسان- . قال عمر بن عبد العزیز یوم بویع بالخلافه- خالد بن عبد الله القسری- و قد أنشده متمثلا-

و إذا الدر زان حسن نحور
کان للدر حسن نحرک زینا

 إن صاحبکم أعطی مقولا و حرم معقولا- . و قیل لإیاس بن عمر ادع لنا- فقال اللهم ارحمنا و عافنا و ارزقنا- فقالوا زدنا یا أبا الرحمن- فقال أعوذ بالله من الإسهاب- . و کان القباع- و هو الحارث بن عبد الله بن أبی ربیعه بن المغیره المخزومی- مسهابا سریع الحدیث کثیره- فقال فیه أبو الأسود الدؤلی-

أمیر المؤمنین جزیت خیرا
أرحنا من قباع بنی المغیره

بلوناه و لمناه فأعیا
علینا ما یمر لنا مریره‏

على أن الفتى نکح أکول
و مسهاب مذاهبه کثیره‏

و قال أبو العتاهیه-

کل امرئ فی نفسه
أعلى و أشرف من قرینه‏

و الصمت أجمل بالفتى‏
من منطق فی غیر حینه‏

و قال الشاعر

و إیاک إیاک المراء فإنه
إلى الشر دعاء و للشر جالب‏

– و کان یقال العجله قید الکلام- .أطال خطیب بین یدی الإسکندر فزبره- قال لیس حسن الخطبه على حسب طاقه الخاطب- و لکن على حسب طاقه السامع- .محمد الباقر ع إنی لأکره أن یکون مقدار لسان الرجل- فاضلا على مقدار علمه- کما أکره أن یکون مقدار علمه فاضلا على مقدار عقله- . أطال ربیعه الرأی الکلام- و عنده أعرابی- فلما فرغ من کلامه- قال للأعرابی ما تعدون العی و الفهاهه فیکم- قال ما کنت فیه أصلحک الله منذ الیوم- ومن کلام أمیر المؤمنین ع إذا تم العقل نقص الکلام- .واصل بن عطاء- لأن یقول الله لی یوم القیامه- هلا قلت أحب إلی من أن یقول لی لم قلت- لأنی إذا قلت طالبنی بالبرهان- و إذا سکت لم یطالبنی بشی‏ء- . نزل النعمان بن المنذر برابیه- فقال له رجل من أصحابه أبیت اللعن- لو ذبح رجل على رأس هذه الرابیه- إلى أین کان یبلغ دمه- فقال النعمان المذبوح و الله أنت- و لأنظرن إلى أین یبلغ دمک فذبحه- فقال رجل رب کلمه تقول دعنی- . أعرابی رب منطق صدع جمعا- و رب سکوت شعب صدعا- . قالت امرأه لبعلها- ما لک إذا خرجت تطلقت و تحدثت- و إذا دخلت قعدت و سکت- قال لأنی أدق عن جلیلک- و تجلین عن دقیقی- . النخعی- کانوا یتعلمون السکوت کما یتعلمون الکلام- . علی بن هشام-

لعمرک إن الحلم زین لأهله
و ما الحلم إلا عاده و تحلم‏

إذا لم یکن صمت الفتى من بلاده
و عی فإن الصمت أهدى و أسلم‏

وهیب بن الورد- إن الحکمه عشره أجزاء- تسعه منها فی الصمت- و العاشره العزله عن الناس- .مکث الربیع بن خثیم عشرین سنه- لا یتکلم إلى أن قتل الحسین ع- فسمعت منه کلمه واحده- قال لما بلغه ذلک أ و قد فعلوها- ثم قال اللهم فاطر السماوات و الأرض- عالم الغیب و الشهاده- أنت تحکم بین عبادک- فیما کانوا فیه یختلفون- ثم عاد إلى السکوت حتى مات- . الفضل بن العباس بن عتبه بن أبی لهب-

زعم ابن سلمى أن حلمی ضرنی
ما ضر قبلی أهله الحلم‏

إنا أناس من سجیتهم‏
صدق الحدیث و رأیهم حتم‏

لبسوا الحیاء فإن نظرت حسبتهم
سقموا و لم یمسسهم سقم‏

إنی وجدت العدم أکبره‏
عدم العقول و ذلک العدم‏

و المرء أکثر عیبه ضررا
خطل اللسان و صمته حکم‏

جاء فی الحدیث المرفوع عن النبی ص إذا رأیتم المؤمن صموتا فادنوا منه- فإنه یلقى الحکمه- . سفیان بن عیینه من حرم العلم فلیصمت- فإن حرمها فالموت خیر له- . و کان یقال إذا طلبت صلاح قلبک- فاستعن علیه بحفظ لسانکو اعلم أن هذه الخطبه خطب بها أمیر المؤمنین ع- فی الجمعه الثالثه من خلافته- و کنى فیها عن حال نفسه- و أعلمهم فیها أنهم سیفارقونه- و یفقدونه بعد اجتماعهم علیه و طاعتهم له- و هکذا وقع الأمر- فإنه نقل أن أهل العراق- لم یکونوا أشد اجتماعا علیه- من الشهر الذی قتل فیه ع- . و جاء فی الأخبار- أنه عقد للحسن ابنه ع على عشره آلاف- و لأبی أیوب‏الأنصاری على عشره آلاف- و لفلان و فلان حتى اجتمع له مائه ألف سیف- و أخرج مقدمته أمامه یرید الشام- فضربه اللعین ابن ملجم- و کان من أمره ما کان- و انفضت تلک الجموع و کانت کالغنم فقد راعیها- .

و معنى قوله ألنتم له رقابکم أطعتموه- و معنى أشرتم إلیه بأصابعکم أعظمتموه و أجللتموه- کالملک الذی یشار إلیه بالإصبع- و لا یخاطب باللسان- ثم أخبرهم أنهم یلبثون بعده ما شاء الله- و لم یحدد ذلک بوقت معین- ثم یطلع الله لهم من یجمعهم و یضمهم- یعنی من أهل البیت ع- و هذا إشاره إلى المهدی الذی یظهر فی آخر الوقت- و عند أصحابنا أنه غیر موجود الآن و سیوجد- و عند الإمامیه أنه موجود الآن- .

قوله ع فلا تطمعوا فی غیر مقبل- و لا تیأسوا من مدبر- ظاهر هذا الکلام متناقض- و تأویله أنه نهاهم عن أن یطمعوا فی صلاح أمورهم- على ید رئیس غیر مستأنف الرئاسه- و هو معنى مقبل أی قادم تقول سوف أفعل کذا فی الشهر المقبل- و فی السنه المقبله أی القادمه- یقول کل الرئاسات التی تشاهدونها- فلا تطمعوا فی صلاح أمورکم بشی‏ء منها- و لأن تنصلح أمورکم على ید رئیس یقدم علیکم- مستأنف الرئاسه خامل الذکر- لیس أبوه بخلیفه- و لا کان هو و لا أبوه مشهورین بینکم برئاسه- بل یتبع و یعلو أمره- و لم یکن قبل معروفا هو و لا أهله الأدنون- و هذه صفه المهدی الموعود به- .

و معنى قوله و لا تیأسوا من مدبر- أی و إذا مات هذا المهدی و خلفه بنوه بعده- فاضطرب أمر أحدهم فلا تیأسوا و تتشککوا- و تقولوا لعلنا أخطأنا فی اتباع هؤلاء- فإن المضطرب الأمر منا ستثبت دعائمه- و تنتظم أموره- و إذا زلت إحدى رجلیه- ثبتت‏ الأخرى فثبتت الأولى أیضا- و یروى فلا تطعنوا فی عین مقبل- أی لا تحاربوا أحدا منا- و لا تیأسوا من إقبال من یدبر أمره منا- .

ثم ذکر ع أنهم کنجوم السماء- کلما خوى نجم طلع نجم- خوى مال للمغیب- . ثم وعدهم بقرب الفرج- فقال إن تکامل صنائع الله عندکم- و رؤیه ما تأملونه أمر قد قرب وقته- و کأنکم به و قد حضر و کان- و هذا على نمط المواعید الإلهیه بقیام الساعه- فإن الکتب المنزله کلها صرحت بقربها- و إن کانت بعیده عندنا لأن البعید فی معلوم الله قریب- و قد قال سبحانه- إِنَّهُمْ یَرَوْنَهُ بَعِیداً وَ نَراهُ قَرِیباً

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی‏ الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۸۵

خطبه ۹۸ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۹۸ و من خطبه له ع

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا کَانَ- وَ نَسْتَعِینُهُ مِنْ أَمْرِنَا عَلَى مَا یَکُونُ- وَ نَسْأَلُهُ الْمُعَافَاهَ فِی الْأَدْیَانِ- کَمَا نَسْأَلُهُ الْمُعَافَاهَ فِی الْأَبْدَانِ- أُوصِیکُمْ بِالرَّفْضِ- لِهَذِهِ الدُّنْیَا التَّارِکَهِ لَکُمْ- وَ إِنْ لَمْ تُحِبُّوا تَرْکَهَا- وَ الْمُبْلِیَهِ لِأَجْسَامِکُمْ وَ إِنْ کُنْتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِیدَهَا- فَإِنَّمَا مَثَلُکُمْ وَ مَثَلُهَا کَسَفْرٍ- سَلَکُوا سَبِیلًا فَکَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ- وَ أَمُّوا عَلَماً فَکَأَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوهُ- وَ کَمْ عَسَى الْمُجْرِی إِلَى الْغَایَهِ- أَنْ یَجْرِیَ إِلَیْهَا حَتَّى یَبْلُغَهَا- وَ مَا عَسَى أَنْ یَکُونَ بَقَاءُ مَنْ لَهُ یَوْمٌ لَا یَعْدُوهُ- وَ طَالِبٌ حَثِیثٌ مِنَ الْمَوْتِ یَحْدُوهُ- وَ مُزْعِجٌ فِی الدُّنْیَا عَنِ الدُّنْیَا حَتَّى یُفَارِقَهَا رَغْماً- فَلَا تَنَافَسُوا فِی عِزِّ الدُّنْیَا وَ فَخْرِهَا- وَ لَا تَعْجَبُوا بِزِینَتِهَا وَ نَعِیمِهَا- وَ لَا تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا وَ بُؤْسِهَا- فَإِنَّ عِزَّهَا وَ فَخْرَهَا إِلَى انْقِطَاعٍ- وَ زِینَتَهَا وَ نَعِیمَهَا إِلَى زَوَالٍ- وَ ضَرَّاءَهَا وَ بُؤْسَهَا إِلَى نَفَادٍ- وَ کُلُّ مُدَّهٍ فِیهَا إِلَى انْتِهَاءٍ- وَ کُلُّ حَیٍّ فِیهَا إِلَى فَنَاءٍ- أَ وَ لَیْسَ لَکُمْ فِی آثَارِ الْأَوَّلِینَ مُزْدَجَرٌ وَ فِی آبَائِکُمُ الْأَوَّلِینَ تَبْصِرَهٌ وَ مُعْتَبَرٌ- إِنْ کُنْتُمْ تَعْقِلُونَ- أَ وَ لَمْ تَرَوْا إِلَى الْمَاضِینَ مِنْکُمْ لَا یَرْجِعُونَ- وَ إِلَى الْخَلَفِ الْبَاقِینَ لَا یَبْقَوْنَ- أَ وَ لَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْیَا- یُمْسُونَ وَ یُصْبِحُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى- فَمَیْتٌ یُبْکَى وَ آخَرُ یُعَزَّى- وَ صَرِیعٌ مُبْتَلًى وَ عَائِدٌ یَعُودُ- وَ آخَرُ بِنَفْسِهِ یَجُودُ- وَ طَالِبٌ لِلدُّنْیَا وَ الْمَوْتُ یَطْلُبُهُ- وَ غَافِلٌ وَ لَیْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ- وَ عَلَى أَثَرِ الْمَاضِی مَا یَمْضِی الْبَاقِی- أَلَا فَاذْکُرُوا هَاذِمَ اللَّذَّاتِ- وَ مُنَغِّصَ الشَّهَوَاتِ- وَ قَاطِعَ الْأُمْنِیَّاتِ- عِنْدَ الْمُسَاوَرَهِ لِلْأَعْمَالِ الْقَبِیحَهِ- وَ اسْتَعِینُوا اللَّهَ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبِ حَقِّهِ- وَ مَا لَا یُحْصَى مِنْ أَعْدَادِ نِعَمِهِ وَ إِحْسَانِهِ لما کان الماضی معلوما جعل الحمد بإزائه- لأن المجهول لا یحمد علیه- و لما کان المستقبل غیر معلوم جعل الاستعانه بإزائه- لأن الماضی لا یستعان علیه- و لقد ظرف و أبدع ع فی قوله- و نسأله المعافاه فی الأدیان- کما نسأله المعافاه فی الأبدان- و ذلک أن للأدیان سقما و طبا و شفاء- کما أن للأبدان سقما و طبا و شفاء- قال محمود الوراق-

و إذا مرضت من الذنوب فداوها
بالذکر إن الذکر خیر دواء

و السقم فی الأبدان لیس بضائر
و السقم فی الأدیان شر بلاء

 و قیل لأعرابی ما تشتکی قال ذنوبی- قیل فما تشتهی قال الجنه- قیل أ فلا ندعو لک طبیبا قال الطبیب أمرضنی- . سمعت عفیره بنت الولید البصریه العابده رجلا یقول- ما أشد العمى على من کان بصیرا- فقالت عبد الله غفلت عن مرض الذنوب- و اهتممت بمرض الأجساد- عمى القلوب عن الله أشد من عمى العین عن الدنیا- وددت أن الله وهب لی کنه محبته- و لم یبق منی جارحه إلا تبلها- . قیل لحسان بن أبی سنان فی مرضه ما مرضک- قال مرض لا یفهمه الأطباء- قیل‏ و ما هو قال مرض الذنوب- فقیل کیف تجدک الآن- قال بخیر إن نجوت من النار- قیل فما تشتهی- قال لیله طویله بعیده- ما بین الطرفین أحییها بذکر الله- . ابن شبرمه- عجبت ممن یحتمی من الطعام مخافه الداء- کیف لا یحتمی من الذنوب مخافه النار- قوله ع الدنیا التارکه لکم و إن لم تحبوا ترکها- معنى حسن- و منه قول أبی الطیب-

کل دمع یسیل منها علیها
و بفک الیدین عنها تخلى‏

و الرفض الترک- و إبل رفض متروکه ترعى حیث شاءت- و قوم سفر أی مسافرون- و أموا قصدوا- و العلم الجبل أو المنار فی الطریق یهتدى به- . و کأن فی هذه المواضع کهی فی قوله- کأنک بالدنیا لم تکن- و کأنک بالآخره لم تزل- ما أقرب ذلک و أسرعه- و تقدیر الکلام هاهنا- کأنهم فی حال کونهم غیر قاطعین له قاطعون له- و کأنهم فی حال کونهم غیر بالغین له بالغون له- لأنه لما قرب زمان إحدى الحالتین من زمان الأخرى- شبهوا و هم فی الحال الأولى بهم أنفسهم- و هم على الحال الثانیه- .

قوله ع و کم عسى المجری- أجرى فلان فرسه إلى الغایه إذا أرسلها- ثم نقل ذلک إلى کل من یقصد- بکلامه معنى أو بفعله غرضا- فقیل فلان یجری بقوله إلى کذا- أو یجری بحرکته الفلانیه إلى کذا- أی یقصد و ینتهی بإرادته و أغراضه- و لا یعدوه و لا یتجاوزه- . و الحثیث السریع و یحدوه یسوقه- و المنافسه المحاسده و نفست علیه بکذا أی ضننت- و البؤس الشده و النفاد الفناء- .

و ما فی قوله على أثر الماضی ما یمضی الباقی- إما زائده أو مصدریه- و قد أخذ هذا اللفظ الولید بن یزید بن عبد الملک- یوم مات مسلمه بن عبد الملک- قیل لما مات مسلمه بن عبد الملک- و اجتمع بنو أمیه و رؤساء العرب ینظرون جنازته- خرج الولید بن یزید على الناس- و هو نشوان ثمل یجر مطرف خز- و هو یندب مسلمه و موالیه حوله- فوقف على هشام- فقال یا أمیر المؤمنین- إن عقبى من بقی لحوق من مضى- و قد أقفر بعد مسلمه الصید لمن رمى- و اختل الثغر فوهى- و ارتج الطود فهوى- و على أثر من سلف ما یمضی من خلف- فتزودوا فإن خیر الزاد التقوى- . قوله ع عند مساوره الأعمال القبیحه- العامل فی عند قوله اذکروا- أی لیکن ذکرکم الموت وقت مساورتکم- و المساوره المواثبه- و سار إلیه یسور سورا وثب- قال الأخطل یصف خمرا له-

لما أتوها بمصباح و مبزلهم
سارت إلیهم سئور الأبجل الضاری‏

 أی کوثوب العرق الذی قد فصد أو قطع- فلا یکاد ینقطع دمه- و یقال إن لغضبه لسوره- و هو سوار أی وثاب معربد

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی‏ الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۴۱

خطبه ۹۷ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۹۷ و من کلام له ع

وَ اللَّهِ لَا یَزَالُونَ- حَتَّى لَا یَدَعُوا لِلَّهِ مُحَرَّماً إِلَّا اسْتَحَلُّوهُ- وَ لَا عَقْداً إِلَّا حَلُّوهُ- وَ حَتَّى لَا یَبْقَى بَیْتُ مَدَرٍ وَ لَا وَبَرٍ- إِلَّا دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ- وَ نَبَا بِهِ سُوءُ رِعَتِهِمْ وَ حَتَّى یَقُومَ الْبَاکِیَانِ یَبْکِیَانِ- بَاکٍ یَبْکِی لِدِینِهِ- وَ بَاکٍ یَبْکِی لِدُنْیَاهُ- وَ حَتَّى تَکُونَ نُصْرَهُ أَحَدِکُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ- کَنُصْرَهِ الْعَبْدِ مِنْ سَیِّدِهِ- إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ- وَ إِذَا غَابَ اغْتَابَهُ- وَ حَتَّى یَکُونَ أَعْظَمَکُمْ فِیهَا غَنَاءً أَحْسَنُکُمْ بِاللَّهِ ظَنّاً- فَإِنْ أَتَاکُمُ اللَّهُ بِعَافِیَهٍ فَاقْبَلُوا- وَ إِنِ ابْتُلِیتُمْ فَاصْبِرُوا- فَإِنَّ الْعَاقِبَهَ لِلْمُتَّقِینَ تقدیر الکلام لا یزالون ظالمین- فحذف الخبر و هو مراد- و سدت حتى و ما بعدها مسد الخبر- و لا یصح ما ذهب إلیه بعض المفسرین- من أن زال بمعنى تحرک و انتقل- فلا تکون محتاجه إلى خبر- بل تکون تامه فی نفسها- لأن تلک مستقبلها یزول بالواو- و هاهنا بالألف لا یزالون- فهی الناقصه التی لم تأت تامه قط- و مثلها فی أنها لا تزال ناقصه ظل و ما فتى و لیس- . و المحرم ما لا یحل انتهاکه- و کذلک المحرمه بفتح الراء و ضمها- . و بیوت المدر هی البیوت المبنیه فی القرى- و بیوت الوبر ما یتخذ فی البادیه من وبر الإبل- و الوبر لها کالصوف للضأن- و کالشعر للمعز- .

و قد وبر البعیر بالکسر- فهو وبر و أوبر إذا کثر وبره- و نبا به منزله إذا ضره و لم یوافقه- و کذلک نبا به فراشه- فالفعل لازم- فإذا أردت تعدیته بالهمزه قلت قد أنبى فلان على منزلی- أی جعله نابیا- و إن عدیته بحرف الجر- قلت قد نبا بمنزلی فلان أی أنباه علی- و هو فی هذا الموضع معدى بحرف الجر- . و سوء رعتهم أی سوء ورعهم أی تقواهم- و الورع بکسر الراء الرجل التقی- ورع یرع بالکسر فیهما ورعا و رعه- و یروى سوء رعیهم- أی سوء سیاستهم و إمرتهم- و نصره أحدکم من أحدهم أی انتصاره منه و انتقامه- فهو مصدر مضاف إلى الفاعل- و قد تقدم شرح هذا المعنى- و قد حمل قوم هذا المصدر على الإضافه إلى المفعول- و کذلک نصره العبد- و تقدیر الکلام- حتى یکون نصره أحد هؤلاء الولاه لأحدکم- کنصره سید العبد السیئ الطریقه إیاه- و من فی الموضعین مضافه إلى محذوف- تقدیره من جانب أحدهم و من جانب سیده- و هذا ضعیف لما فیه من الفصل بین العبد- و بین قوله إذا شهد أطاعه- و هو الکلام الذی إذا استمر المعنى- جعل حالا من العبد بقوله من سیده- و الضمیر فی قوله فیها یرجع إلى غیر مذکور لفظا- و لکنه کالمذکور یعنی الفتنه- أی حتى یکون أعظمکم فی الفتنه غناء- . و یروى برفع أعظمکم و نصب أحسنکم- و الأول ألیق و هذا الکلام کله إشاره إلى بنی أمیه

خطبه ۷ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

بازدیدها: ۲۷

خطبه ۹۶ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۹۶ و من کلام له ع- :

وَ لَئِنْ أَمْهَلَ اللَّهُ الظَّالِمَ- فَلَنْ یَفُوتَ أَخْذُهُ- وَ هُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَى مَجَازِ طَرِیقِهِ- وَ بِمَوْضِعِ الشَّجَا مِنْ مَسَاغِ رِیقِهِ- أَمَا وَ الَّذِی نَفْسِی بِیَدِهِ- لَیَظْهَرَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَیْکُمْ- لَیْسَ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْکُمْ- وَ لَکِنْ لِإِسْرَاعِهِمْ إِلَى بَاطِلِهِمْ وَ إِبْطَائِکُمْ عَنْ حَقِّی- وَ لَقَدْ أَصْبَحَتِ الْأُمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا- وَ أَصْبَحْتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِیَّتِی- اسْتَنْفَرْتُکُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا- وَ أَسْمَعْتُکُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا- وَ دَعَوْتُکُمْ سِرّاً وَ جَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِیبُوا- وَ نَصَحْتُ لَکُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا- شُهُودٌ کَغُیَّابٍ وَ عَبِیدٌ کَأَرْبَابٍ- أَتْلُو عَلَیْکُمْ الْحِکَمَ فَتَنْفِرُونَ مِنْهَا- وَ أَعِظُکُمْ بِالْمَوْعِظَهِ الْبَالِغَهِ- فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا- وَ أَحُثُّکُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ الْبَغْیِ- فَمَا آتِی عَلَى آخِرِ قَوْلِی- حَتَّى أَرَاکُمْ مُتَفَرِّقِینَ أَیَادِیَ سَبَا تَرْجِعُونَ إِلَى مَجَالِسِکُمْ- وَ تَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظِکُمْ- أُقَوِّمُکُمْ غُدْوَهً وَ تَرْجِعُونَ إِلَیَّ عَشِیَّهً- کَظَهْرِ الْحَنِیَّهِ عَجَزَ الْمُقَوِّمُ وَ أَعْضَلَ الْمُقَوَّمُ- أَیُّهَا الْقَوْمُ الشَّاهِدَهُ أَبْدَانُهُمْ- الْغَائِبَهُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ- الْمُخْتَلِفَهُ أَهْوَاؤُهُمْ- الْمُبْتَلَى بِهِمْ أُمَرَاؤُهُمْ- صَاحِبُکُمْ یُطِیعُ اللَّهَ وَ أَنْتُمْ تَعْصُونَهُ- وَ صَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ یَعْصِی اللَّهَ- وَ هُمْ یُطِیعُونَهُ- لَوَدِدْتُ وَ اللَّهِ أَنَّ مُعَاوِیَهَ صَارَفَنِی بِکُمْ- صَرْفَ الدِّینَارِ بِالدِّرْهَمِ- فَأَخَذَ مِنِّی عَشَرَهَ مِنْکُمْ- وَ أَعْطَانِی رَجُلًا مِنْهُمْ-یَا أَهْلَ الْکُوفَهِ- مُنِیتُ مِنْکُمْ بِثَلَاثٍ وَ اثْنَتَیْنِ- صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ- وَ بُکْمٌ ذَوُو کَلَامٍ- وَ عُمْیٌ ذَوُو أَبْصَارٍ- لَا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ- وَ لَا إِخْوَانُ ثِقَهٍ عِنْدَ الْبَلَاءِ- تَرِبَتْ أَیْدِیکُمْ- یَا أَشْبَاهَ الْإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا- کُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ آخَرَ- وَ اللَّهِ لَکَأَنِّی بِکُمْ فِیمَا إِخَالُکُمْ- أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى وَ حَمِیَ الضِّرَابُ- قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِی طَالِبٍ- انْفِرَاجَ الْمَرْأَهِ عَنْ قُبُلِهَا- وَ إِنِّی لَعَلَى بَیِّنَهٍ مِنْ رَبِّی وَ مِنْهَاجٍ مِنْ نَبِیِّی- وَ إِنِّی لَعَلَى الطَّرِیقِ الْوَاضِحِ- أَلْقُطُهُ لَقْطاً أمهله أخره و أخذه فاعل و المفعول محذوف- تقدیره فلن یفوته- و المرصاد الطریق و هی من ألفاظ الکتاب العزیز- .

و مجاز طریقه مسلکه و موضع جوازه- و الشجا ما ینشب فی الحلق من عظم أو غیره- و موضع الشجا هو الحلق نفسه- و مساغ ریقه موضع الإساغه- أسغت الشراب أوصلته إلى المعده- و یجوز سغت الشراب أسوغه و أسیغه- و ساغ الشراب نفسه یسوغ سوغا أی سهل مدخله فی الحلق- یتعدى و لا یتعدى- و هذا الکلام من باب التوسع و المجاز- لأن الله تعالى لا یجوز علیه الحصول فی الجهات- و لکنه کقوله تعالى- وَ هُوَ مَعَکُمْ أَیْنَ ما کُنْتُمْ- و قوله وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَیْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِیدِ- .

ثم أقسم ع- أن أهل الشام لا بد أن یظهروا على أهل العراق- و أن ذلک لیس لأنهم على الحق- و أهل العراق على الباطل- بل لأنهم أطوع لأمیرهم- و مدار النصره فی الحرب- إنما هو على طاعه الجیش و انتظام أمره- لا على اعتقاد الحق- فإنه لیس یغنی فی الحرب- أن یکون الجیش محقا فی العقیده- إذا کان مختلف الآراء- غیر مطیع لأمر المدبر له- و لهذا تجد أهل الشرک- کثیرا ما ینتصرون على أهل التوحید- . ثم ذکر ع نکته لطیفه فی هذا المعنى- فقال العاده أن الرعیه تخاف ظلم الوالی- و أنا أخاف ظلم رعیتی- و من تأمل أحواله ع فی خلافته- علم أنه کان کالمحجور علیه- لا یتمکن من بلوغ ما فی نفسه- و ذلک لأن العارفین بحقیقه حاله کانوا قلیلین- و کان السواد الأعظم- لا یعتقدون فیه الأمر الذی یجب اعتقاده فیه- و یرون تفضیل من تقدمه من الخلفاء علیه- و یظنون أن الأفضلیه إنما هی الخلافه- و یقلد أخلافهم أسلافهم- و یقولون لو لا أن الأوائل علموا- فضل المتقدمین علیه لما قدموهم- و لا یرونه إلا بعین التبعیه لمن سبقه- و أنه کان رعیه لهم- و أکثرهم إنما یحارب معه بالحمیه- و بنخوه العربیه لا بالدین و العقیده- و کان ع مدفوعا إلى مداراتهم و مقاربتهم- و لم یکن قادرا على إظهار ما عنده- أ لا ترى إلى کتابه إلى قضاته فی الأمصار- .

وقوله فاقضوا کما کنتم تقضون- حتى تکون للناس جماعه- و أموت کما مات أصحابی و هذا الکلام لا یحتاج إلى تفسیر- و معناه واضح- و هو أنه قال لهم اتبعوا عادتکم الآن بعاجل الحال- فی الأحکام و القضایا التی کنتم تقضون بها- إلى أن یکون للناس جماعه- أی إلى أن تسفر هذه الأمور و الخطوب- عن الاجتماع و زوال الفرقه و سکون الفتنه- و حینئذ أعرفکم ما عندی- فی هذه القضایا و الأحکام التی قد استمررتم علیها- .

ثم قال أو أموت کما مات أصحابی- فمن قائل یقول عنى بأصحابه الخلفاء المتقدمین-و من قائل یقول عنى بأصحابه شیعته- کسلمان و أبی ذر و المقداد و عمار و نحوهم- أ لا ترى إلىقوله على المنبر فی أمهات الأولاد کان رأیی و رأی عمر ألا یبعن- و أنا أرى الآن بیعهن- فقام علیه عبیده السلمانی- فقال له رأیک مع الجماعه أحب إلینا من رأیک وحدک- فما أعاد علیه حرفا- فهل یدل هذا على القوه و القهر- أم على الضعف فی السلطان و الرخاوه- و هل کانت المصلحه و الحکمه- تقتضی فی ذلک الوقت غیر السکوت و الإمساک- أ لا ترى أنه کان یقرأ فی صلاه الصبح- و خلفه جماعه من أصحابه- فقرأ واحد منهم رافعا صوته- معارضا قراءه أمیر المؤمنین ع- إن الحکم إلا لله یقضی بالحق و هو خیر الفاصلین- فلم یضطرب ع- و لم یقطع صلاته و لم یلتفت وراءه- و لکنه قرأ معارضا له على البدیهه- فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ- وَ لا یَسْتَخِفَّنَّکَ الَّذِینَ لا یُوقِنُونَ- و هذا صبر عظیم- و أناه عجیبه و توفیق بین- و بهذا و نحوه استدل أصحابنا المتکلمون- على حسن سیاسته و صحه تدبیره- لأن من منی بهذه الرعیه المختلفه الأهواء- و هذا الجیش العاصی له المتمرد علیه- ثم کسر بهم الأعداء- و قتل بهم الرؤساء- فلیس یبلغ أحد فی حسن السیاسه و صحه التدبیر مبلغه- و لا یقدر أحد قدره-

و قد قال بعض المتکلمین من أصحابنا- إن سیاسه علی ع إذا تأملها المنصف- متدبرا لها بالإضافه إلى أحواله- التی دفع إلیها مع أصحابه- جرت مجرى المعجزات- لصعوبه الأمر و تعذره- فإن أصحابه کانوا فرقتین- إحداهما تذهب إلى أن عثمان قتل مظلوما- و تتولاه و تبرأ من أعدائه- و الأخرى و هم جمهور أصحاب الحرب- و أهل الغناء و البأس- یعتقدون أن عثمان قتل- لأحداث أوجبت علیه القتل- و قد کان منهم من یصرح بتکفیره- و کل من هاتین الفرقتین یزعم- أن علیا ع موافق لها على رأیها- و تطالبه فی کل وقت بأن یبدی مذهبه فی عثمان- و تسأله أن یجیب بجواب واضح فی أمره- و کان ع یعلم- أنه متى وافق إحدى الطائفتین باینته الأخرى- و أسلمته و تولت عنه و خذلته- فأخذ ع یعتمد فی جوابه- و یستعمل فی کلامه- ما تظن به کل واحده من الفرقتین- أنه یوافق رأیها و یماثل اعتقادها- فتاره یقول الله قتله و أنا معه- و تذهب الطائفه الموالیه لعثمان- إلى أنه أراد أن الله أماته و سیمیتنی کما أماته- و تذهب الطائفه الأخرى- إلى أنه أراد أنه قتل عثمان مع قتل الله له أیضا- و کذلک قوله تاره أخرى ما أمرت به و لا نهیت عنه-

و قوله لو أمرت به لکنت قاتلا- و لو نهیت عنه لکنت ناصرا- و أشیاء من هذا الجنس مذکوره مرویه عنه- فلم یزل على هذه الوتیره حتى قبض ع- و کل من الطائفتین موالیه له معتقده- أن رأیه فی عثمان کرأیها- فلو لم یکن له من السیاسه إلا هذا القدر- مع کثره خوض الناس حینئذ فی أمر عثمان- و الحاجه إلى ذکره فی کل مقام- لکفاه فی الدلاله على أنه أعرف الناس بها- و أحذقهم فیها- و أعلمهم بوجوه مخارج الکلام- و تدبیر أحوال الرجال- .

ثم نعود إلى الشرح- قوله ع و نصحت لکم- هو الأفصح و علیه ورد لفظ القرآن- و قول العامه نصحتک لیس بالأفصح- . قوله و عبید کأرباب- یصفهم بالکبر و التیه- . فإن قلت کیف قال عنهم- إنهم عبید و کانوا عربا صلبیه- قلت یرید أن أخلاقهم کأخلاق العبید- من الغدر و الخلاف و دناءه الأنفس- و فیهم مع ذلک کبر السادات و الأرباب و تیههم- فقد جمعوا خصال السوء کلها- . و أیادی سبأ مثل یضرب للمتفرقین- و أصله قوله تعالى عن أهل سبإ- وَ مَزَّقْناهُمْ‏ کُلَّ مُمَزَّقٍ- و سبأ مهموز- و هو سبأ بن یشجب بن یعرب بن قحطان- و یقال ذهبوا أیدی سبأ و أیادی سبأ- الیاء ساکنه و کذلک الألف- و هکذا نقل المثل أی ذهبوا متفرقین- و هما اسمان جعلا واحدا مثل معدیکرب- .

قوله تتخادعون عن مواعظکم- أن تمسکون عن الاتعاظ و الانزجار- و تقلعون عن ذلک- من قولهم کان فلان یعطی ثم خدع- أی أمسک و أقلع- و یجوز أن یرید- تتلونون و تختلفون فی قبول الموعظه- من قولهم خلق فلان خلق خادع أی متلون- و سوق خادعه أی مختلفه متلونه- و لا یجوز أن یرید باللفظه المعنى المشهور منها- لأنه إنما یقال فلان یتخادع لفلان- إذا کان یریه أنه منخدع له- و لیس بمنخدع فی الحقیقه- و هذا لا یطابق معنى الکلام- . و الحنیه القوس- و قوله کظهر الحنیه یرید اعوجاجهم- کما أن ظهر القوس معوج- و أعظل المقوم أی أعضل داؤه أی أعیا- و یروى أیها الشاهده أبدانهم بحذف الموصوف- . ثم أقسم أنه یود أن معاویه صارفه بهم- فأعطاه من أهل الشام واحدا- و أخذ منه عشره صرف الدینار بالدراهم- أخذ هذا اللفظ عبد الله بن الزبیر- لما وفد إلیه أهل البصره و فیهم الأحنف- فتکلم منهم أبو حاضر الأسدی- و کان خطیبا جمیلا- فقال له عبد الله بن الزبیر اسکت- فو الله لوددت أن لی بکل عشره من أهل العراق واحدا- من أهل الشام- صرف الدینار بالدراهم- فقال یا أمیر المؤمنین- إن لنا و لک مثلا- أ فتأذن فی ذکره قال نعم- قال مثلنا و مثلک و مثل أهل الشام قول الأعشى-

علقتها عرضا و علقت رجلا
غیری و علق أخرى غیرها الرجل‏

أحبک أهل العراق و أحببت أهل الشام- و أحب أهل الشام عبد الملک فما تصنع- ثم ذکر ع أنه منی- أی بلی منهم بثلاث و اثنتین- إنما لم یقل بخمس- لأن الثلاث إیجابیه و الاثنتین سلبیه- فأحب أن یفرق بین الإثبات و النفی- . و یروى لا أحرار صدق عند اللقاء جمع صادق- و لا إخوان ثقه عند البلاء أی موثوق بهم- . تربت أیدیکم کلمه یدعى على الإنسان بها- أی لا أصبتم خیرا و أصل ترب أصابه التراب- فکأنه یدعو علیه- بأن یفتقر حتى یلتصق بالتراب- . قوله فما إخالکم أی فما أظنکم- و الأفصح کسر الألف و هو السماع- و بنو أسد یفتحونها و هو القیاس- . قوله ألو أصله أن لو- ثم أدغمت النون فی الألف فصارت کلمه واحده- . و حمس الوغى بکسر المیم اشتد و عظم- فهو حمس و أحمس بین الحمس و الحماسه- . و الوغى فی الأصل الأصوات و الجلبه- و سمیت الحرب نفسها وغى لما فیها من ذلک- .

و قوله انفراج المرأه عن قبلها- أی وقت الولاده- . قوله ألقطه لقطا- یرید أن الضلال غالب على الهدى- فأنا ألتقط طریق الهدى- من بین طریق الضلال لقطا من هاهنا و هاهنا- کما یسلک الإنسان طریقا دقیقه- قد اکتنفها الشوک و العوسج من جانبیهما کلیهما- فهو یلتقط النهج التقاطا: انْظُرُوا أَهْلَ بَیْتِ نَبِیِّکُمْ- فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ- وَ اتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ- فَلَنْ یُخْرِجُوکُمْ مِنْ هُدًى- وَ لَنْ یُعِیدُوکُمْ فِی رَدًى- فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا- وَ إِنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا- وَ لَا تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا- وَ لَا تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِکُوا-لَقَدْ رَأَیْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ص- فَمَا أَرَى أَحَداً یُشْبِهُهُمْ مِنْکُمْ- لَقَدْ کَانُوا یُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً- وَ قَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَ قِیَاماً- یُرَاوِحُونَ بَیْنَ جِبَاهِهِمْ وَ خُدُودِهِمْ- وَ یَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِکْرِ مَعَادِهِمْ- کَأَنَّ بَیْنَ أَعْیُنِهِمْ رُکَبَ الْمِعْزَى- مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ- إِذَا ذُکِرَ اللَّهُ هَمَلَتْ أَعْیُنُهُمْ- حَتَّى تَبُلَّ جُیُوبَهُمْ- وَ مَادُوا کَمَا یَمِیدُ الشَّجَرُ یَوْمَ الرِّیحِ الْعَاصِفِ- خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ وَ رَجَاءً لِلثَّوَابِ السمت الطریق- و لبد الشی‏ء بالأرض یلبد بالضم لبودا التصق بها- و یصبحون شعثا غبرا- من قشف العباده و قیام اللیل- و صوم النهار و هجر الملاذ- فیراوحون بین جباههم و خدودهم- تاره یسجدون على الجباه- و تاره یضعون خدودهم على الأرض بعد الصلاه- تذللا و خضوعا- و المراوحه بین العمل- أن یعمل هذا مره و هذا مره- و یراوح بین رجلیه- إذا قام على هذه تاره و على هذه أخرى- .

و یقال معزى لهذا الجنس من الغنم- و معز و معیز و أمعوز و معز بالتسکین- و واحد المعز ماعز کصحب و صاحب- و الأنثى ماعزه و الجمع مواعز- . و هملت أعینهم سالت تهمل و تهمل- . و یروى حتى تبل جباههم- أی یبل موضع السجود فتبتل الجبهه بملاقاته- و مادوا تحرکوا و اضطربوا- إما خوفا من العقاب- کما یتحرک الرجل و یضطرب- أو رجاء للثواب کما یتحرک النشوان من الطرب- و کما یتحرک الجذل المسرور من الفرح

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۴۵

خطبه ۹۵ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۹۵ و من خطبه له ع- :

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَوَّلِ فَلَا شَیْ‏ءَ قَبْلَهُ- وَ الآْخِرِ فَلَا شَیْ‏ءَ بَعْدَهُ- وَ الظَّاهِرِ فَلَا شَیْ‏ءَ فَوْقَهُ- وَ الْبَاطِنِ فَلَا شَیْ‏ءَ دُونَهُ تقدیر الکلام- و الظاهر فلا شی‏ء أجلى منه- و الباطن فلا شی‏ء أخفى منه- فلما کان الجلاء یستلزم العلو و الفوقیه- و الخفاء یستلزم الانخفاض و التحتیه- عبر عنهما بما یلازمهما- و قد تقدم الکلام فی معنى الأول- و الآخر و الظاهر و الباطن- . و ذهب أکثر المتکلمین- إلى أن الله تعالى یعدم أجزاء العالم ثم یعیدها- و ذهب قوم منهم- إلى أن الإعاده إنما هی جمع الأجزاء- بعد تفریقها لا غیر- . و احتج الأولون بقوله تعالى- هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ- قالوا لما کان أولا- بمعنى أنه الموجود و لا موجود معه- وجب أن یکون آخرا- بمعنى أنه سیئول الأمر إلى عدم کل شی‏ء إلا ذاته تعالى- کما کان أولا- و البحث المستقصى فی هذا الباب مشروح- فی کتبنا الکلامیه: وَ مِنْهَا فِی ذِکْرِ الرَّسُولِ ص- مُسْتَقَرُّهُ خَیْرُ مُسْتَقَرٍّ- وَ مَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِتٍ- فِی مَعَادِنِ الْکَرَامَهِ- وَ مَمَاهِدِ السَّلَامَهِ- قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَهُ الْأَبْرَارِ- وَ ثُنِیَتْ إِلَیْهِ أَزِمَّهُ الْأَبْصَارِ- دَفَنَ اللَّهُ بِهِ الضَّغَائِنَ- وَ أَطْفَأَ بِهِ النَّوَائِرَ أَلَّفَ بِهِ إِخْوَاناً- وَ فَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً- وَ أَعَزَّ بِهِ الذِّلَّهَ- وَ أَذَلَّ بِهِ الْعِزَّهَ- کَلَامُهُ بَیَانٌ وَ صَمْتُهُ لِسَانٌ المهاد الفراش- و لما قال فی معادن و هی جمع معدن- قال بحکم القرینه و الازدواج- و مماهد و إن لم یکن الواحد منها ممهدا- کما قالوا الغدایا و العشایا- و مأجورات و مأزوات و نحو ذلک- و یعنی بالسلامه هاهنا البراءه من العیوب- أی فی نسب طاهر غیر مأفون و لا معیب- .

ثم قال قد صرفت نحوه- أی نحو الرسول ص- و لم یقل من صرفها- بل جعله فعلا لم یسم فاعله- فإن شئت قلت- الصارف لها هو الله تعالى لا بالجبر- کما یقوله الأشعریه- بل بالتوفیق و اللطف کما یقوله أصحابنا- و إن شئت قلت صرفها أربابها- . و الضغائن جمع ضغینه و هی الحقد- ضغنت على فلان بالکسر ضغنا- و الضغن الاسم کالضغینه- و قد تضاغنوا و اضطغنوا انطووا على الأحقاد- و دفنها أکمنها و أخفاها و ألف به إخوانا- لأن الإسلام قد ألف بین المتباعدین- و فرق بین المتقاربین- و قال‏ تعالى فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً- قطع ما بین حمزه و أبی لهب مع تقاربهما- و ألف بین علی ع و عمار مع تباعدهما- .

قوله ع و صمته لسان- لا یعنی باللسان هاهنا الجارحه نفسها- بل الکلام الصادر عنها- کقول الأعشىإنی أتتنی لسان لا أسر بها- قالوا فی تفسیره أراد الکلمه و جمعه على هذا ألسن- لأنه مؤنث کقولک ذراع و أذرع- فأما جمع لسان للجارحه فألسنه لأنه مذکر- کقولک حمار و أحمره- یقول ع إن کلام الرسول ص بیان- و البیان إخراج الشی‏ء من حیز الخفاء- إلى حیز الوضوح- و صمته ص کلام و قول مفید- أی أن صمته لا یخلو من فائده- فکأنه کلام- و هذا من باب التشبیه المحذوف الأداه- کقولهم یده بحر و وجهه بدر

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۲۶

خطبه ۹۴ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۹۴ و من خطبه له ع- :

بَعَثَهُ وَ النَّاسُ ضُلَّالٌ فِی حَیْرَهٍ- وَ حَاطِبُونَ فِی فِتْنَهٍ- قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الْأَهْوَاءُ- وَ اسْتَزَلَّتْهُمُ الْکِبْرِیَاءُ- وَ اسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِیَّهُ الْجَهْلَاءُ- حَیَارَى فِی زَلْزَالٍ مِنَ الْأَمْرِ- وَ بَلَاءٍ مِنَ الْجَهْلِ- فَبَالَغَ ص فِی النَّصِیحَهِ- وَ مَضَى عَلَى الطَّرِیقَهِ- وَ دَعَا إِلَى الْحِکْمَهِ وَ الْمَوْعِظَهِ الْحَسَنَهِ حاطبون فی فتنه جمع حاطب و هو الذی یجمع الحطب- و یقال لمن یجمع بین الصواب و الخطإ- أو یتکلم بالغث و السمین- حاطب لیل لأنه لا یبصر ما یجمع فی حبله. و یروى خابطون- . و استهوتهم الأهواء دعتهم إلى نفسها- . و استزلتهم الکبریاء- جعلتهم ذوی زلل و خطإ- و استخفتهم الجاهلیه جعلتهم ذوی خفه و طیش و خرق- . و الزلزال بالفتح الاسم- بالکسر المصدر و الزلازل الشدائد- و مثله فی الکسر عند الاسمیه و الفتح عند المصدر القلقال

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی ‏الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۳۱

خطبه ۹۳ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۹۳ و من خطبه له ع

فَتَبَارَکَ اللَّهُ الَّذِی لَا یَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ- وَ لَا یَنَالُهُ حَدْسُ الْفِطَنِ- الْأَوَّلُ الَّذِی لَا غَایَهَ لَهُ فَیَنْتَهِی- وَ لَا آخِرَ لَهُ فَیَنْقَضِی البرکه کثره الخیر و زیادته- و تبارک الله منه و برکت أی دعوت بالبرکه- و طعام بریک أی مبارک- و یقال بارک الله لزید و فی زید و على زید- و بارک الله زیدا یتعدى بنفسه- و منه قوله تعالى أَنْ بُورِکَ مَنْ فِی النَّارِ- و یحتمل تبارک الله معنیین- أحدهما أن یراد تبارک خیره و زادت نعمته و إحسانه- و هذا دعاء- و ثانیهما أن یراد به تزاید و تعال فی ذاته و صفاته- عن أن یقاس به غیره- و هذا تمجید- . قوله ع لا یبلغه بعد الهمم أی بعد الأفکار و الأنظار- عبر عنها بالهمم لمشابهتها إیاها- و حدس الفطن ظنها و تخمینها- حدست أحدس بالکسر- . و یسأل عن قوله لا غایه له فینتهی و لا آخر له فینقضی- فیقال إنما تدخل الفاء فیما إذا کان الثانی غیر الأول- و کقولهم ما تأتینا فتحدثنا- و لیس الثانی هاهنا غیر الأول- لأن الانقضاء هو الآخریه بعینها- فکأنه قال لا آخر له فیکون له آخر و هذا لغو- و کذلک القول اللفظه فی الأولى- .

و ینبغی أن یقال فی الجواب- إن المراد لا آخر له بالإمکان و القوه- فینقضی بالفعل فیما لا یزال- و لا هو أیضا ممکن الوجود فیما مضى- فیلزم أن یکون وجوده مسبوقا بالعدم- و هو معنى قوله فینتهی- بل هو واجب الوجود فی حالین- فیما مضى و فی المستقبل- و هذان مفهومان متغایران- و هما العدم و إمکان العدم- فاندفع الإشکال: فَاسْتَوْدَعَهُمْ فِی أَفْضَلِ مُسْتَوْدَعٍ- وَ أَقَرَّهُمْ فِی خَیْرِ مُسْتَقَرٍّ- تَنَاسَخَتْهُمْ کَرَائِمُ الْأَصْلَابِ إِلَى مُطَهَّرَاتِ الْأَرْحَامِ- کُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ سَلَفٌ- قَامَ مِنْهُمْ بِدِینِ اللَّهِ خَلَفٌ- حَتَّى أَفْضَتْ کَرَامَهُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ ص- فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً- وَ أَعَزِّ الْأَرُومَاتِ مَغْرِساً- مِنَ الشَّجَرَهِ الَّتِی صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِیَاءَهُ- وَ انْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَهُ عِتْرَتُهُ خَیْرُ الْعِتَرِ- وَ أُسْرَتُهُ خَیْرُ الْأُسَرِ وَ شَجَرَتُهُ خَیْرُ الشَّجَرِ- نَبَتَتْ فِی حَرَمٍ وَ بَسَقَتْ فِی کَرَمٍ- لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ وَ ثَمَرٌ لَا یُنَالُ- فَهُوَ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى وَ بَصِیرَهُ مَنِ اهْتَدَى- سِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْؤُهُ وَ شِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ- وَ زَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ سِیرَتُهُ الْقَصْدُ- وَ سُنَّتُهُ الرُّشْدُ وَ کَلَامُهُ الْفَصْلُ وَ حُکْمُهُ الْعَدْلُ- أَرْسَلَهُ عَلَى حِینِ فَتْرَهٍ مِنَ الرُّسُلِ- وَ هَفْوَهٍ عَنِ الْعَمَلِ وَ غَبَاوَهٍ مِنَ الْأُمَمِ تناسختهم أی تناقلتهم- و التناسخ فی المیراث أن یموت ورثه بعد ورثه- و أصل المیراث قائم لم یقسم- کأن ذلک تناقل من واحد إلى آخر- و منه نسخت الکتاب و انتسخته و استنسخته أی نقلت ما فیه- و یروى تناسلتهم- . و السلف المتقدمون و الخلف الباقون- و یقال خلف صدق بالتحریک و خلف سوء بالتسکین- . و أفضت کرامه الله إلى محمد ص أی انتهت- و الأرومات جمع أرومه و هی الأصل و یقال أروم بغیر هاء- و صدع شق و انتجب اصطفى- و الأسره رهط الرجل- .

و قوله نبتت فی حرم- یجوز أن یعنی به مکه- و یجوز أن یعنی به المنعه و العز- . و بسقت طالت- و معنى قوله و ثمر لا ینال- لیس على أن یرید به أن ثمرها لا ینتفع به- لأن ذلک لیس بمدح- بل یرید به أن ثمرها لا ینال قهرا- و لا یجنى غصبا- و یجوز أن یرید بثمرها نفسه ع- و من یجری مجراه من أهل البیت ع- لأنهم ثمره تلک الشجره- . و لا ینال أی لا ینال مساعیهم و مآثرهم- و لا یباریهم أحد- و قد روی فی الحدیث عن النبی ص- فی فضل قریش و بنی هاشم الکثیر المستفیض- نحوقوله ع قدموا قریشا و لا تقدموهاوقوله الأئمه من قریشو
قوله إن الله اصطفى من العرب معدا- و اصطفى من معد بنی النضر بن کنانه- و اصطفى هاشما من بنی النضر- و اصطفانی من بنی هاشم
وقوله إن جبرائیل ع قال لی- یا محمد قد طفت الأرض شرقا و غربا- فلم أجد فیها أکرم منک- و لا بیتا أکرم من بنی هاشمو
قوله نقلنا من الأصلاب الطاهره- إلى الأرحام الزکیهوقوله ع إن الله تعالى لم یمسسنی بسفاح فی أرومتی- منذ إسماعیل بن إبراهیم إلى عبد الله‏ بن عبد المطلبوقوله ص ساده أهل محشر ساده أهل الدنیا- أنا و علی و حسن و حسین و حمزه و جعفروقوله و قد سمع رجلا ینشد-

یا أیها الرجل المحول رحله
هلا نزلت بآل عبد الدار

 أ هکذا قال یا أبا بکر منکرا لما سمع- فقال أبو بکر لا یا رسول الله- إنه لم یقل هکذا و لکنه قال-

یا أیها الرجل المحول رحله
هلا نزلت بآل عبد مناف‏

عمرو العلا هشم الثرید لقومه‏
و رجال مکه مسنتون عجاف‏

فسر ص بذلکوقوله أذل الله من أذل قریشا قالها ثلاثاوکقوله‏أنا النبی لا کذب- أنا ابن عبد المطلب‏وکقوله الناس تبع لقریش برهم لبرهم و فاجرهم لفاجرهموکقوله أنا ابن الأکرمینوقوله لبنی هاشم و الله لا یبغضکم أحد- إلا أکبه الله على منخریه فی الناروقوله ما بال رجال یزعمون- أن قرابتی غیر نافعه- بلى إنها لنافعه- و إنه لا یبغض أحد أهلی إلا حرمه الله الجنه- .

و الأخبار الوارده فی فضائل قریش و بنی هاشم- و شرفهم کثیره جدا- و لا نرى الإطاله هاهنا باستقصائها- . و سطع الصبح یسطع سطوعا أی ارتفع- و السطیع الصبح- و الزند العود تقدح به النار و هو الأعلى- و الزنده السفلى فیها ثقب و هی الأنثى- فإذا اجتمعا قیل زندان- و لم یقل زندتان تغلیبا للتذکیر- و الجمع زناد و أزند و أزناد- . و القصد الاعتدال- و کلامه الفصل أی الفاصل- و الفارق بین الحق و الباطل- و هو مصدر بمعنى الفاعل- کقولک رجل عدل أی عادل- . و الهفوه الزله هفا یهفو- و الغباوه الجهل و قله الفطنه- یقال غبیت عن الشی‏ء وغبیت‏الشی‏ء  

أیضا- أغبى غباوه إذا لم یفطن له- و غبی علی الشی‏ء کذلک إذا لم تعرفه- و فلان غبی على فعیل أی قلیل الفطنه: اعْمَلُوا رَحِمَکُمُ اللَّهُ عَلَى أَعْلَامٍ بَیِّنَهٍ- فَالطَّرِیقُ نَهْجٌ یَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ- وَ أَنْتُمْ فِی دَارِ مُسْتَعْتَبٍ عَلَى مَهَلٍ وَ فَرَاغٍ- وَ الصُّحُفُ مَنْشُورَهٌ- وَ الْأَقْلَامُ جَارِیَهٌ- وَ الْأَبْدَانُ صَحِیحَهٌ- وَ الْأَلْسُنُ مُطْلَقَهٌ- وَ التَّوْبَهُ مَسْمُوعَهٌ- وَ الْأَعْمَالُ مَقْبُولَهٌ الطریق یذکر و یؤنث- یقال هذا الطریق الأعظم و هذه الطریق العظمى- و الجمع أطرقه و طرق- . و أعلام بینه أی منار واضح و نهج أی واضح- و دار السلام الجنه- و یروى و الطریق نهج بالواو واو الحال- . و أنتم فی دار مستعتب- أی فی دار یمکنکم فیها استرضاء الخالق سبحانه- و استعتابه- .

ثم شرح ذلک فقال أنتم ممهلون متفرغون- و صحف أعمالکم لم تطو بعد- و أقلام الحفظه علیکم لم تجف بعد و أبدانکم صحیحه- و ألسنتکم ما اعتقلت- کما تعتقل ألسنه المحتضرین عند الموت- و توبتکم مسموعه- و أعمالکم مقبوله- لأنکم فی دار التکلیف لم تخرجوا منها

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی‏ الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۲۶

خطبه ۹۲ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۹۲ و من خطبه له ع

أَمَّا بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَ الثَّنَاءِ عَلَیْهِ- أَیُّهَا النَّاسُ- فَإِنِّی فَقَأْتُ عَیْنَ الْفِتْنَهِ- وَ لَمْ یَکُنْ لِیَجْتَرِئَ عَلَیْهَا أَحَدٌ غَیْرِی- بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَیْهَبُهَا- وَ اشْتَدَّ کَلَبُهَا- فَاسْأَلُونِی قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِی- فَوَالَّذِی نَفْسِی بِیَدِهِ- لَا تَسْأَلُونَنِی عَنْ شَیْ‏ءٍ- فِیمَا بَیْنَکُمْ وَ بَیْنَ السَّاعَهِ- وَ لَا عَنْ فِئَهٍ تَهْدِی مِائَهً وَ تُضِلُّ مِائَهً- إِلَّا أَنْبَأْتُکُمْ بِنَاعِقِهَا- وَ قَائِدِهَا وَ سَائِقِهَا وَ مُنَاخِ رِکَابِهَا- وَ مَحَطِّ رِحَالِهَا- وَ مَنْ یُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلًا- وَ مَنْ یَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً- وَ لَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِی- وَ نَزَلَتْ بِکُمْ کَرَائِهُ الْأُمُورِ- وَ حَوَازِبُ الْخُطُوبِ- لَأَطْرَقَ کَثِیرٌ مِنَ السَّائِلِینَ- وَ فَشِلَ کَثِیرٌ مِنَ الْمَسْئُولِینَ- وَ ذَلِکَ إِذَا قَلَّصَتْ حَرْبُکُمْ- وَ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ- وَ کَانَتِ الدُّنْیَا عَلَیْکُمْ ضِیقاً- تَسْتَطِیلُونَ أَیَّامَ الْبَلَاءِ عَلَیْکُمْ- حَتَّى یَفْتَحَ اللَّهُ لِبَقِیَّهِ الْأَبْرَارِ مِنْکُمْ- إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ- وَ إِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ- یُنْکَرْنَ مُقْبِلَاتٍ- وَ یُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ- یَحُمْنَ حَوْمَ الرِّیَاحِ یُصِبْنَ بَلَداً- وَ یُخْطِئْنَ بَلَداً- أَلَا وَ إِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِی عَلَیْکُمْ فِتْنَهُ بَنِی أُمَیَّهَ- فَإِنَّهَا فِتْنَهٌ عَمْیَاءُ مُظْلِمَهٌ عَمَّتْ خُطَّتُهَا- وَ خَصَّتْ بَلِیَّتُهَا- وَ أَصَابَ الْبَلَاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِیهَا- وَ أَخْطَأَ الْبَلَاءُ مَنْ عَمِیَ عَنْهَا- وَ ایْمُ اللَّهِ لَتَجِدُنَّ بَنِی أُمَیَّهَ لَکُمْ- أَرْبَابَ سُوءٍ بَعْدِی کَالنَّابِ الضَّرُوسِ- تَعْذِمُ‏ بِفِیهَا وَ تَخْبِطُ بِیَدِهَا- وَ تَزْبِنُ بِرِجْلِهَا وَ تَمْنَعُ دَرَّهَا- لَا یَزَالُونَ بِکُمْ حَتَّى لَا یَتْرُکُوا مِنْکُمْ إِلَّا نَافِعاً لَهُمْ- أَوْ غَیْرَ ضَائِرٍ بِهِمْ- وَ لَا یَزَالُ بَلَاؤُهُمْ عَنْکُمْ- حَتَّى لَا یَکُونَ انْتِصَارُ أَحَدِکُمْ مِنْهُمْ- إِلَّا مِثْلَ انْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ- وَ الصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ- تَرِدُ عَلَیْکُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهاً مَخْشِیَّهً- وَ قِطَعاً جَاهِلِیَّهً- لَیْسَ فِیهَا مَنَارُ هُدًى وَ لَا عَلَمٌ یُرَى- نَحْنُ أَهْلَ الْبَیْتِ مِنْهَا بِنَجَاهٍ وَ لَسْنَا فِیهَا بِدُعَاهٍ- ثُمَّ یُفَرِّجُهَا اللَّهُ عَنْکُمْ کَتَفْرِیجِ الْأَدِیمِ- بِمَنْ یَسُومُهُمْ خَسْفاً وَ یَسُوقُهُمْ عُنْفاً- وَ یَسْقِیهِمْ بِکَأْسٍ مُصَبَّرَهٍ لَا یُعْطِیهِمْ إِلَّا السَّیْفَ- وَ لَا یُحْلِسُهُمْ إِلَّا الْخَوْفَ- فَعِنْدَ ذَلِکَ تَوَدُّ قُرَیْشٌ بِالدُّنْیَا- وَ مَا فِیهَا لَوْ یَرَوْنَنِی مَقَاماً وَاحِداً- وَ لَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ- لِأَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أَطْلُبُ الْیَوْمَ بَعْضَهُ فَلَا یُعْطُونَنِیهِ فقأت عینه أی بخقتها- و تفقأت السحابه عن مائها- تشققت و تفقأ الدمل و القرح- و معنى فقئه ع عین الفتنه- إقدامه علیها حتى أطفأ نارها- کأنه جعل للفتنه عینا محدقه یهابها الناس- فأقدم هو علیها ففقأ عینها- فسکنت بعد حرکتها و هیجانها- و هذا من باب الاستعاره- و إنما قال و لم یکن لیجترئ علیها أحد غیری- لأن الناس کلهم کانوا یهابون قتال أهل القبله- و لا یعلمون کیف یقاتلونهم- هل یتبعون مولیهم أم لا- و هل یجهزون على جریحهم أم لا- و هل یقسمون فیئهم أم لا- و کانوا یستعظمون قتال من یؤذن کأذاننا- و یصلی کصلاتنا- و استعظموا أیضا حرب عائشه- و حرب طلحه و الزبیر- لمکانهم فی الإسلام- و توقف جماعتهم عن الدخول فی تلک الحرب- کالأحنف بن قیس و غیره- فلو لا أن علیا اجترأ على سل السیف فیها- ما أقدم أحد علیها- حتى‏ الحسن ع ابنه- أشار علیه ألا یبرح عرصه المدینه- و نهاه عن المسیر إلى البصره- حتى قال له منکرا علیه إنکاره- و لا تزال تخن خنین الأمه- و قد روى ابن هلال صاحب کتاب الغارات- أنه کلم أباه فی قتال أهل البصره بکلام أغضبه- فرماه ببیضه حدید عقرت ساقه- فعولج منها شهرین- . و الغیهب الظلمه و الجمع غیاهب- و إنما قال بعد ما ماج غیهبها- لأنه أراد بعد ما عم ضلالها فشمل- فکنى عن الضلال بالغیهب- و کنى عن العموم و الشمول بالتموج- لأن الظلمه إذا تموجت شملت أماکن کثیره- غیر الأماکن التی تشملها لو کانت ساکنه- و اشتد کلبها أی شرها و أذاها- و یقال للقحط الشدید کلب- و کذلک للقر الشدید- .

ثم قال ع سلونی قبل أن تفقدونی- روى صاحب کتاب الإستیعاب- و هو أبو عمر محمد بن عبد البر- عن جماعه من الرواه و المحدثین- قالوا لم یقل أحد من الصحابه رضی الله عنهم- سلونی إلا علی بن أبی طالب- و روى شیخنا أبو جعفر الإسکافی- فی کتاب نقض العثمانیه- عن علی بن الجعد عن ابن شبرمه- قال لیس لأحد من الناس أن یقول على المنبر- سلونی إلا علی بن أبی طالب ع- . و الفئه الطائفه- و الهاء عوض من الیاء التی نقصت من وسطه- و أصله فی‏ء مثال فیع لأنه من فاء- و یجمع على فئات مثل شیات و هبات و لدات- . و ناعقها الداعی إلیها من نعیق الراعی بغنمه- و هو صوته نعق ینعق بالکسر نعیقا و نعاقا- أی صاح بها و زجرها- قال الأخطل

فانعق بضأنک یا جریر فإنما
منتک نفسک فی الخلاء ضلالا

فأما الغراب- فیقال نغق بالغین المعجمه ینغق بالکسر أیضا- و حکى ابن کیسان نعق الغراب أیضا بعین غیر معجمه- . و الرکاب الإبل واحدتها راحله- و لا واحد لها من لفظها- و جمعها رکب مثل کتاب و کتب- و یقال زیت رکابی لأنه یحمل من الشام علیها- . و المناخ بضم المیم و محط بفتحها- یجوز أن یکونا مصدرین- و أن یکونا مکانین- أما کون المناخ مصدرا- فلأنه کالمقام الذی بمعنى الإقامه- و أما کون المحط مصدرا فلأنه کالمرد- فی قوله سبحانه وَ أَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ- و أما کونهما موضعین فلأن المناخ من أنخت الجمل- لا من ناخ الجمل لأنه لم یأت- و الفعل إذا جاوز الثلاثه فالموضع منه یأتی مضموم المیم- لأنه مشبه ببنات الأربعه- نحو دحرج و هذا مدحرجنا- و من قال هذا مقام بنی فلان- أی موضع مقامهم جعله کما جعلناه نحن- من أقام یقیم لا من قام یقوم- و أما المحط فإنه کالمقتل موضع القتل- یقال مقتل الرجل بین فکیه- و یقال للأعضاء التی إذا أصیب الإنسان فیها هلک مقاتل- و وجه المماثله کونهما مضمومی العین
فصل فی ذکر أمور غیبیه أخبر بها الإمام ثم تحققت.

و اعلم أنه ع قد أقسم فی هذا الفصل- بالله الذی نفسه بیده- أنهم لا یسألونه عن أمر یحدث بینهم- و بین القیامه إلا أخبرهم به- و أنه ما صح من طائفه من الناس- یهتدی بها مائه و تضل بها مائه إلا و هو مخبر لهم- إن سألوه برعاتها و قائدها و سائقها- و مواضع نزول رکابها و خیولها- و من یقتل منها قتلا- و من یموت منها موتا و هذه الدعوى لیست منه علیه ع ادعاء الربوبیه- و لا ادعاء النبوه- و لکنه کان یقول إن رسول الله ص‏ أخبره بذلک- و لقد امتحنا إخباره فوجدناه موافقا- فاستدللنا بذلک على صدق الدعوى المذکوره- کإخباره عن الضربه یضرب بها فی رأسه- فتخضب لحیته- و إخباره عن قتل الحسین ابنه ع- و ما قاله فی کربلاء حیث مر بها- و إخباره بملک معاویه الأمر من بعده- و إخباره عن الحجاج و عن یوسف بن عمر- و ما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان- و ما قدمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من یقتل منهم- و صلب من یصلب- و إخباره بقتال الناکثین و القاسطین و المارقین-

و إخباره بعده الجیش الوارد إلیه من الکوفه- لما شخص ع إلى البصره لحرب أهلها- و إخباره عن عبد الله بن الزبیر- و قوله فیه خب ضب یروم أمرا و لا یدرکه- ینصب حباله الدین لاصطیاد الدنیا- و هو بعد مصلوب قریش- و کإخباره عن هلاک البصره بالغرق- و هلاکها تاره أخرى بالزنج- و هو الذی صحفه قوم فقالوا بالریح- و کإخباره عن ظهور الرایات السود من خراسان- و تنصیصه على قوم من أهلها- یعرفون ببنی رزیق بتقدیم المهمله و هم آل مصعب- الذین منهم طاهر بن الحسین و ولده و إسحاق بن إبراهیم- و کانوا هم و سلفهم دعاه الدوله العباسیه- و کإخباره عن الأئمه الذین ظهروا من ولده بطبرستان- کالناصر و الداعی و غیرهما-فی قوله ع و إن لآل محمد بالطالقان لکنزا- سیظهره الله إذا شاء دعاؤه حتى یقوم بإذن الله- فیدعو إلى دین الله- و کإخباره عن مقتل النفس الزکیه بالمدینه- و قوله إنه یقتل عند أحجار الزیت- و کقوله عن أخیه إبراهیم المقتول بباب حمزه- یقتل بعد أن یظهر و یقهر بعد أن یقهر- و قوله فیه أیضا یأتیه سهم غرب یکون فیه منیته- فیا بؤسا للرامی شلت یده و وهن عضده- و کإخباره عن قتلى وج-

و قوله فیهم هم خیر أهل الأرض- و کإخباره عن المملکه العلویه بالغرب- و تصریحه بذکر کتامه- و هم الذین نصروا أبا عبد الله الداعی المعلم- و کقوله و هو یشیر إلى أبی عبد الله المهدی- و هو أولهم ثم یظهرصاحب القیروان الغض البض- ذو النسب المحض المنتجب من سلاله ذی البداء- المسجى بالرداء- و کان عبید الله المهدی أبیض مترفا مشربا بحمره- رخص البدن تار الأطراف- و ذو البداء إسماعیل بن جعفر بن محمد ع- و هو المسجى بالرداء- لأن أباه أبا عبد الله جعفرا سجاه بردائه لما مات- و أدخل إلیه وجوه الشیعه یشاهدونه لیعلموا موته- و تزول عنهم الشبهه فی أمره- . و کإخباره عن بنی بویه- و قوله فیهم و یخرج من دیلمان بنو الصیاد إشاره إلیهم- و کان أبوهم صیاد السمک- یصید منه بیده ما یتقوت هو و عیاله بثمنه- فأخرج الله تعالى من ولده لصلبه ملوکا ثلاثه و نشر ذریتهم حتى ضربت الأمثال بملکهم-و کقوله ع فیهم ثم یستشری أمرهم- حتى یملکوا الزوراء و یخلعوا الخلفاء-

فقال له قائل فکم مدتهم یا أمیر المؤمنین فقال مائه أو تزید قلیلا- و کقوله فیهم- و المترف ابن الأجذم یقتله ابن عمه على دجله- و هو إشاره إلى عز الدوله بختیار بن معز الدوله أبی الحسین- و کان معز الدوله أقطع الید- قطعت یده للنکوص فی الحرب- و کان ابنه عز الدول بختیار مترفا صاحب لهو و شرب- و قتله عضد الدوله فناخسرو- ابن عمه بقصر الجص على دجله فی الحرب و سلبه ملکه- فأما خلعهم للخلفاء- فإن معز الدوله خلع المستکفی- و رتب عوضه المطیع و بهاء الدوله أبا نصر بن عضد الدوله- خلع الطائع و رتب عوضه القادر- و کانت مده ملکهم کما أخبر به ع- . و کإخباره ع لعبد الله بن العباس رحمه الله تعالى- عن انتقال الأمر إلى أولاده- فإن علی بن عبد الله لما ولد- أخرجه أبوه عبد الله إلى علی ع- فأخذه و تفل فی فیه-و حنکه بتمره قد لاکها- و دفعه إلیه و قال خذ إلیک أبا الأملاک- هکذا الروایه الصحیحه- و هی التی ذکرها أبو العباس المبرد فی کتاب الکامل- و لیست الروایه التی یذکر فیها العدد- بصحیحه و لا منقوله من کتاب معتمد علیه- . و کم له من الأخبار عن الغیوب الجاریه هذا المجرى- مما لو أردنا استقصاءه- لکسرنا له کراریس کثیره- و کتب السیر تشتمل علیها مشروحه- .

فإن قلت لما ذا غلا الناس فی أمیر المؤمنین ع- فادعوا فیه الإلهیه- لإخباره عن الغیوب التی شاهدوا صدقها عیانا- و لم یغلوا فی رسول الله ص فیدعوا له الإلهیه- و أخباره عن الغیوب الصادقه- قد سمعوها و علموها یقینا- و هو کان أولى بذلک لأنه الأصل المتبوع- و معجزاته أعظم و أخباره عن الغیوب أکثر- قلت إن الذین صحبوا رسول الله ص- و شاهدوا معجزاته- و سمعوا أخباره عن الغیوب الصادقه عیانا- کانوا أشد آراء و أعظم أحلاما- و أوفر عقولا من تلک الطائفه الضعیفه العقول- السخیفه الأحلام- الذین رأوا أمیر المؤمنین ع فی آخر أیامه- کعبد الله بن سبإ و أصحابه- فإنهم کانوا من رکاکه البصائر- و ضعفها على حال مشهوره- فلا عجب عن مثلهم أن تستخفهم المعجزات- فیعتقدوا فی صاحبها أن الجوهر الإلهی قد حله- لاعتقادهم أنه لا یصح من البشر هذا إلا بالحلول- و قد قیل- إن جماعه من هؤلاء کانوا من نسل النصارى و الیهود- و قد کانوا سمعوا من آبائهم و سلفهم القول بالحلول- فی أنبیائهم و رؤسائهم- فاعتقدوا فیه ع مثل ذلک- و یجوز أن یکون أصل هذه المقاله من قوم ملحدین- أرادوا إدخال الإلحاد فی دین الإسلام- فذهبوا إلى ذلک- و لو کانوا فی أیام رسول الله ص- لقالوا فیه مثل هذه المقاله- إضلالا لأهلالإسلام- و قصدا لإیقاع الشبهه فی قلوبهم- و لم یکن فی الصحابه مثل هؤلاء- و لکن قد کان فیهم منافقون و زنادقه- و لم یهتدوا إلى هذه الفتنه- و لا خطر لهم مثل هذه المکیده- .

و مما ینقدح لی من الفرق بین هؤلاء القوم- و بین العرب الذین عاصروا رسول الله ص- أن هؤلاء من العراق و ساکنی الکوفه- و طینه العراق ما زالت تنبت أرباب الأهواء- و أصحاب النحل العجیبه و المذاهب البدیعه- و أهل هذا الإقلیم أهل بصر و تدقیق و نظر- و بحث عن الآراء و العقائد- و شبه معترضه فی المذاهب- و قد کان منهم فی أیام الأکاسره- مثل مانی و دیصان و مزدک و غیرهم- و لیست طینه الحجاز هذه الطینه- و لا أذهان أهل الحجاز هذه الأذهان- و الغالب على أهل الحجاز الجفاء- و العجرفیه و خشونه الطبع- و من سکن المدن منهم- کأهل مکه و المدینه و الطائف- فطباعهم قریبه من طباع أهل البادیه بالمجاوره- و لم یکن فیهم من قبل حکیم- و لا فیلسوف و لا صاحب نظر و جدل- و لا موقع شبهه و لا مبتدع نحله- و لهذا نجد مقاله الغلاه طارئه و ناشئه- من حیث سکن علی ع بالعراق و الکوفه- لا فی أیام مقامه بالمدینه- و هی أکثر عمره- . فهذا ما لاح لی من الفرق- بین الرجلین فی المعنى المقدم ذکره- .

فإن قلت لما ذا قال عن فئه تهدى مائه- و ما فائده التقیید بهذا العدد- قلت لأن ما دون المائه حقیر تافه- لا یعتد به لیذکر و یخبر عنه- فکأنه قال مائه فصاعدا- . قوله ع- کرائه الأمور جمع کریهه- و هی الشده فی الحرب- و حوازب الخطوب جمع حازب- و حزبه الأمر أی دهمه- .

و فشل جبن- فإن قلت أما فشل المسئول فمعلوم- فما الوجه فی إطراق السائل- قلت لشده الأمر و صعوبته- حتى أن السائل لیبهت و یدهش فیطرق- و لا یستطیع السؤال- . قوله ع- إذا قلصت حربکم یروى بالتشدید و بالتخفیف- و یروى عن حربکم- فمن رواه مشددا أراد انضمت و اجتمعت- و ذلک لأنه یکون أشد لها- و أصعب من أن تتفرق فی مواطن متباعده- أ لا ترى أن الجیوش إذا اجتمعت کلها- و اصطدم الفیلقان- کان الأمر أصعب و أفظع- من أن تکون کل کتیبه من تلک الجیوش- تحارب کتیبه أخرى فی بلاد متفرقه متباعده- و ذلک لأن اصطدام الفیلقین بأجمعهما- هو الاستئصال الذی لا شوى له و لا بقیا بعده- و من رواها بالتخفیف أراد کثرت و تزایدت- من قولهم قلصت البئر- أی ارتفع ماؤها إلى رأسها أو دونه- و هو ماء قالص و قلیص-

و من روى إذا قلصت عن حربکم- أراد إذا قلصت کرائه الأمور- و حوازب الخطوب عن حربکم- أی انکشفت عنها- و المضارع من قلص یقلص بالکسر- . قوله و شمرت عن ساق استعاره و کنایه- یقال للجاد فی أمره قد شمر عن ساق- و ذلک لأن سبوغ الذیل معثره- و یمکن أن یجری اللفظ على حقیقته- و ذلک أن قوله تعالى- یَوْمَ یُکْشَفُ عَنْ ساقٍ- فسروه فقالوا الساق الشده- فیکون قد أراد بقوله- و شمرت عن ساق- أی کشفت عن شده و مشقه- . ثم قال تستطیلون أیام البلاء- و ذلک لأن أیام البؤس طویله- قال الشاعر

فأیام الهموم مقصصات
و أیام السرور تطیر طیرا

و قال أبو تمام-

ثم انبرت أیام هجر أردفت
بجوى أسى فکأنها أعوام‏

قوله ع إن الفتن إذا أقبلت شبهت- معناه أن الفتن عند إقبالها و ابتداء حدوثها- یلتبس أمرها و لا یعلم الحق منها من الباطل- إلى أن تنقضی و تدبر- فحینئذ ینکشف حالها- و یعلم ما کان مشتبها منها- ثم أکد ع هذا المعنى- بقوله ینکرن مقبلات و یعرفن مدبرات- و مثال ذلک فتنه الجمل و فتنه الخوارج- کان کثیر من الناس فیها فی مبدإ الأمر متوقفین- و اشتبه علیهم الحال- و لم یعلموا موضع الحق إلى أن انقضت الفتنه- و وضعت الحرب أوزارها- و بان لهم صاحب الضلاله من صاحب الهدایه- .

ثم وصف الفتن فقال إنها تحوم حوم الریاح- یصبن بلدا و یخطئن بلدا- حام الطائر و غیره حول الشی‏ء- یحوم حوما و حومانا أی دار- . ثم ذکر أن أخوف ما یخاف علیهم فتنه بنی أمیه- و معنى قوله عمت خطتها و خصت بلیتها- أنها عمت الناس کافه- من حیث کانت رئاسه شامله لکل أحد- و لکن حظ أهل البیت ع و شیعتهم من بلیتها أعظم- و نصیبهم فیها أوفر- .

و معنى قوله و أصاب البلاء من أبصر فیها- و أخطأ البلاء من عمی عنها- أن العالم بارتکابهم المنکر مأثوم إذ لم ینکر- و الجاهل بذلک لا إثم علیه إذا لم ینههم عن المنکر- لأن من لا یعلم المنکر منکرا لا یلزمه إنکاره- و لا یعنی بالمنکر هاهنا-ما کان منکرا من الاعتقادات- و لا ما یتعلق بالأمانه- بل الزنى و شرب الخمر و نحوهما من الأفعال القبیحه- . فإن قلت أی فرق بین الأمرین- قلت لأن تلک یلحق الإثم من لا یعلمها- إذا کان متمکنا من العلم بها- و هذه لا یجب إنکارها إلا مع العلم بها- و من لا یعلمها لا یلحقه الإثم- إذا کان متمکنا من العلم بها- فافترق الموضوعان- .

ثم أقسم ع فقال و ایم الله- و أصله و ایمن الله و اختلف النحویون فی هذه الکلمه- فعند الأکثرین منهم أن ألفها ألف وصل- و أن أیمن اسم وضع للقسم هکذا بألف وصل- و بضم المیم و النون- قالوا و لم یأت فی الأسماء ألف وصل مفتوحه غیرها- و تدخل علیها اللام لتأکید الابتداء- فتقول لیمن الله فتذهب الألف- قال الشاعر

فقال فریق القوم لما نشدتهم
نعم و فریق لیمن الله ما ندری‏

و هذا الاسم مرفوع بالابتداء و خبره محذوف- و التقدیر لیمن الله قسمی- فإذا خاطبت قلت لیمنک- و فی حدیث عروه بن الزبیر- لیمنک لئن کنت ابتلیت لقد عافیت- و لئن کنت أخذت لقد أبقیت- و تحذف نونه فیصیر ایم الله بألف وصل مفتوحه- و قد تکسر- و ربما حذفوا الیاء فقالوا ام الله- و ربما أبقوا المیم وحدها مضمومه- فقالوا م الله- و قد یکسرونها لما صارت حرفا شبهوها بالباء- و ربما قالوا من الله بضم المیم و النون- و من الله بکسرهما و من الله بفتحهما- و ذهب أبو عبید و ابن کیسان و ابن درستویه- إلى أن أیمن جمع یمین- و الألف همزه قطع- و إنما خففت‏ و طرحت فی الوصل لکثره الاستعمال- قالوا و کانت العرب تحلف بالیمین- فتقول یمین الله لا أفعل- قال إمرؤ القیس

فقلت یمین الله أبرح قاعدا
و لو قطعوا رأسی لدیک و أوصالی‏

قالوا و الیمین تجمع على أیمن- قال زهیر

فتجمع أیمن منا و منکم
بمقسمه تمور بها الدماء

ثم حلفوا به فقالوا أیمن الله- ثم کثر فی کلامهم و خف على ألسنتهم- حتى حذفوا منه النون- کما حذفوا فی قوله لم یکن فقالوا لم یک- فأقسم ع لأصحابه- أنهم سیجدون بنی أمیه بعده لهم أرباب سوء- و صدق ص فیما قال- فإنهم ساموهم سوء العذاب قتلا و صلبا- و حبسا و تشریدا فی البلاد- . ثم شبه بنی أمیه بالناب الضروس- و الناب الناقه المسنه و الجمع نیب- تقول لا أفعله ما حنت النیب- و الضروس السیئه الخلق تعض حالبها- . و تعذم بفیها تکدم و العذم الأکل بجفاء- و فرس عذوم یعض بأسنانه- .

و الزبن الدفع- زبنت الناقه تزبن إذا ضربت بثفناتها عند الحلب- تدفع الحالب عنها و الدر اللبن- و فی المثل لا در دره الأصل لبنه- ثم قیل لکل خیر و ناقه درور أی کثیره اللبن- . ثم قال لا یزالون بکم قتلا و إفناء لکم- حتى لا یترکوا منکم إلا من ینفعهم إبقاؤه- أو لا یضرهم و لا ینفعهم- قال حتى یکون انتصار أحدکم منهم- کانتصار العبد من مولاه- أی لا انتصار لکم منهم- لأن العبد لا ینتصر من مولاه أبدا- و قد جاء فی کلامه‏ع- فی غیر هذا الموضع- تتمه هذا المعنى إن حضر أطاعه و إن غاب سبعه- أی ثلبه و شتمه و هذه أماره الذل- کما قال أبو الطیب

أبدو فیسجد من بالسوء یذکرنی
و لا أعاتبه صفحا و إهوانا

و هکذا کنت فی أهلی و فی وطنی‏
إن النفیس نفیس أینما کانا

قال ع- و الصاحب من مستصحبه- أی و التابع من متبوعه- . و الشوه جمع شوهاء و هی القبیحه الوجه- شاهت الوجوه تشوه شوها قبحت- و شوهه الله فهو مشوه و هی شوهاء- و لا یقال للذکر أشوه و مخشیه مخوفه- . و قطعا جاهلیه- شبهها بقطع السحاب لتراکمها على الناس- و جعلها جاهلیه لأنها کأفعال الجاهلیه- الذین لم یکن لهم دین یردعهم- و یروى شوهاء و قطعاء أی نکراء کالمقطوعه الید- . قوله نحن أهل البیت منها بمنجاه أی بمعزل- و النجاه و النجوه المکان المرتفع الذی تظن أنه نجاک- و لا یعلوه السیل- و لسنا فیها بدعاه- أی لسنا من أنصار تلک الدعوه- و أهل البیت منصوب على الاختصاص- کقولهم نحن معشر العرب نفعل کذا- و نحن آل فلان کرماء- . قوله کتفریج الأدیم الأدیم الجلد- و جمعه أدم مثل أفیق و أفق- و یجمع أیضا على آدمه کرغیف و أرغفه- و وجه التشبیه أن الجلد ینکشف عما تحته- فوعدهم ع بأن الله تعالى یکشف تلک الغماء- کانکشاف الجلد عن اللحم- بمن یسومهم خسفا و یولیهم ذلا- .

و العنف بالضم ضد الرفق- و کأس مصبره ممزوجه بالصبر لهذا المر- و یجوز أن یکون مصبره مملوءه إلى أصبارها و هی جوانبها- و فی المثل أخذها بأصبارها أی تامه الواحد صبر بالضم- . و یحلسهم یلبسهم أحلست البعیر ألبسته الحلس- و هو کساء رقیق یکون تحت البرذعه- یقال له حلس و حلس مثل شبه و شبه- . و الجزور من الإبل یقع على الذکر و الأنثى- و جزرها ذبحها- . و هذا الکلام إخبار عن ظهور المسوده- و انقراض ملک بنی أمیه- و وقع الأمر بموجب إخباره ص- حتى لقد صدق قوله لقد تود قریش الکلام إلى آخره- فإن أرباب السیر کلهم نقلوا- أن مروان بن محمد قال یوم الزاب- لما شاهد عبد الله بن علی بن عبد الله بن العباس- بإزائه فی صف خراسان- لوددت أن علی بن أبی طالب تحت هذه الرایه- بدلا من هذا الفتى- و القصه طویله و هی مشهوره- .

و هذه الخطبه ذکرها جماعه من أصحاب السیر- و هی متداوله منقوله مستفیضه- خطب بها علی ع بعد انقضاء أمر النهروان- و فیها ألفاظ لم یوردها الرضی رحمه الله- من ذلکقوله ع و لم یکن لیجترئ علیها غیری- و لو لم أک فیکم ما قوتل أصحاب الجمل و النهروان- و ایم الله لو لا أن تتکلوا فتدعوا العمل- لحدثتکم بما قضى الله عز و جل على لسان نبیکم ص- لمن قاتلهم مبصرا لضلالتهم- عارفا للهدى الذی نحن علیه- سلونی قبل أن تفقدونی- فإنی میت عن قریب أو مقتول- بل قتلا ما ینتظر أشقاها أن یخضب هذه بدم و ضرب بیده إلى لحیته و منها فی ذکر بنی أمیه یظهر أهل باطلها على أهل حقها- حتى تملأ الأرض عدوانا و ظلما و بدعا- إلى أن یضع الله عز و جل جبروتها- و یکسر عمدها و ینزع أوتادها- ألا و إنکم مدرکوها فانصروا قوما- کانوا أصحاب رایات بدر و حنین- تؤجروا و لا تمالئوا علیهم عدوهم- فتصرعکم البلیه- و تحل بکم النقمهو منها إلا مثل انتصار العبد من مولاه إذا رآه أطاعه- و إن توارى عنه شتمه- و ایم الله لو فرقوکم تحت کل حجر- لجمعکم الله لشر یوم لهمو منها فانظروا أهل بیت نبیکم- فإن لبدوا فالبدوا- و إن استنصروکم فانصروهم- فلیفرجن الله الفتنه برجل منا أهل البیت- بأبی ابن خیره الإماء- لا یعطیهم إلا السیف هرجا هرجا- موضوعا على عاتقه ثمانیه أشهر- حتى تقول قریش لو کان هذا من ولد فاطمه لرحمنا- یغریه الله ببنی أمیه حتى یجعلهم حطاما و رفاتا- مَلْعُونِینَ أَیْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِیلًا- سُنَّهَ اللَّهِ فِی الَّذِینَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ- وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّهِ اللَّهِ تَبْدِیلًا- .

فإن قیل لما ذا قال- و لو لم أک فیکم- لما قوتل أهل الجمل و أهل النهروان- و لم یذکر صفین- قیل لأن الشبهه کانت فی أهل الجمل و أهل النهروان- ظاهره الالتباس- لأن الزبیر و طلحه موعودان بالجنه- و عائشه موعوده أن تکون زوجه رسول الله ص فی الآخره- کما هی زوجته فی الدنیا- و حال طلحه و الزبیر فی السبق و الجهاد و الهجره معلومه- و حال عائشه فی محبه الرسول ص لها و ثنائه علیها- و نزول القرآن فیها معلومه- و أما أهل النهروان فکانوا أهل قرآن و عباده و اجتهاد- و عزوف عن الدنیا و إقبال على أمور الآخره- و هم کانوا قراء أهل العراق و زهادهم- و أما معاویه فکان فاسقا- مشهورا بقله الدین و الانحراف عن الإسلام- و کذلک ناصره و مظاهره على أمره عمرو بن العاص- و من اتبعهما من طغام أهل الشام- و أجلافهم و جهال الأعراب- فلم یکن أمرهم خافیا فی جواز محاربتهم- و استحلال قتالهم- بخلاف حال من تقدم ذکره- .

فإن قیل و من هذا الرجل الموعود به- الذی قال ع عنه بأبی ابن خیره الإماء- قیل أما الإمامیه فیزعمون أنه إمامهم الثانی عشر- و أنه ابن أمه اسمها نرجس- و أما أصحابنا فیزعمون أنه فاطمی- یولد فی مستقبل الزمان لأم ولد- و لیس بموجود الآن- . فإن قیل فمن یکون من بنی أمیه فی ذلک الوقت موجودا- حتى یقول ع فی أمرهم ما قال- من انتقام هذا الرجل منهم- حتى یودوا لو أن علیا ع کان المتولی لأمرهم عوضا عنه- .

قیل أما الإمامیه فیقولون بالرجعه- و یزعمون أنه سیعاد قوم بأعیانهم من بنی أمیه و غیرهم- إذا ظهر إمامهم المنتظر- و أنه یقطع أیدی أقوام و أرجلهم- و یسمل عیون بعضهم و یصلب قوما آخرین- و ینتقم من أعداء آل محمد ع المتقدمین و المتأخرین- و أما أصحابنا فیزعمون- أنه سیخلق الله تعالى فی آخر الزمان رجلا- من ولد فاطمه ع لیس موجود الآن- و أنه یملأ الأرض عدلا کما ملئت جورا و ظلما- و ینتقم من الظالمین و ینکل بهم أشد النکال- و أنه لأم ولد- کما قد ورد فی هذا الأثر و فی غیره من الآثار- و أن اسمه محمد کاسم رسول الله ص- و أنه إنما یظهر بعد أن یستولی على کثیر من الإسلام- ملک من أعقاب بنی أمیه- و هو السفیانی الموعود به فی الخبر الصحیح- من ولد أبی سفیان بن حرب بن أمیه- و أن الإمام الفاطمی یقتله- و یقتل أشیاعه من بنی أمیه و غیرهم- و حینئذ ینزل المسیح ع من السماء- و تبدو أشراط الساعه- و تظهر دابه الأرض و یبطل التکلیف- و یتحقق قیام الأجساد عند نفخ الصور- کما نطق به الکتاب العزیز- .

فإن قیل فإنکم قلتم فیما تقدم- أن الوعد إنما هو بالسفاح- و بعمه عبد الله بن علی و المسوده- و ما قلتموه الآن مخالف لذلک- . قیل إن ذلک التفسیر هو تفسیر ما ذکره الرضی- رحمه الله تعالى من کلام أمیر المؤمنین ع فی نهج البلاغه- و هذا التفسیر هو تفسیر الزیاده التی لم یذکرها الرضی- و هی قوله بأبی ابن خیره الإماء- و قوله لو کان هذا من ولد فاطمه لرحمنا- فلا مناقضه بین التفسیرین

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی ‏الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۶۲

خطبه ۹۱ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(لما أراده الناس على البیعه- بعد قتل عثمان رضی الله عنه)

۹۱ و من کلام له ع لما أراده الناس على البیعه- بعد قتل عثمان رضی الله عنه

دَعُونِی وَ الْتَمِسُوا غَیْرِی- فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً- لَهُ وُجُوهٌ وَ أَلْوَانٌ- لَا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ- وَ لَا تَثْبُتُ عَلَیْهِ الْعُقُولُ- وَ إِنَّ الآْفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ- وَ الْمَحَجَّهَ قَدْ تَنَکَّرَتْ- . وَ اعْلَمُوا أَنِّی إِنْ أَجَبْتُکُمْ- رَکِبْتُ بِکُمْ مَا أَعْلَمُ- وَ لَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَ عَتْبِ الْعَاتِبِ- وَ إِنْ تَرَکْتُمُونِی فَأَنَا کَأَحَدِکُمْ- وَ لَعَلِّی أَسْمَعُکُمْ وَ أَطْوَعُکُمْ- لِمَنْ وَلَّیْتُمُوهُ أَمْرَکُمْ- وَ أَنَا لَکُمْ وَزِیراً- خَیْرٌ لَکُمْ مِنِّی أَمِیراً فی أکثر النسخ لما اراده الناس على البیعه- و وجدت فی بعضها أداره الناس على البیعه- فمن روى الأول جعل على متعلقه بمحذوف- و تقدیره موافقا- و من روى الثانی- جعلها متعلقه بالفعل الظاهر نفسه و هو أداره- تقول أدرت فلانا على کذا- و داورت فلانا على کذا أی عالجته- . و لا تقوم له القلوب أی لا تصبر- و أغامت الآفاق غطاها الغیم- أغامت و غامت و أغیمت و تغیمت کله بمعنى- و المحجه الطریق- و تنکرت جهلت فلم تعرف- و وزیرا و أمیرا منصوبان على الحال- .

و هذا الکلام یحمله أصحابنا على ظاهره- و یقولون إنه ع لم یکن منصوصا علیه- بالإمامه من جهه الرسول ص- و إن کان أولى الناس بها و أحقهم بمنزلتها- لأنه لو کان منصوصا علیه بالإمامه- من جهه الرسول ع- لما جاز له أن یقول دعونی و التمسوا غیری- و لا أن یقول و لعلی أسمعکم و أطوعکم لمن ولیتموه أمرکم- و لا أن یقول و أنا لکم وزیرا خیر منی لکم أمیرا- و تحمله الإمامیه على وجه آخر- فیقولون إن الذین أرادوه على البیعه- هم کانوا العاقدین بیعه الخلفاء من قبل- و قد کان عثمان منعهم- أو منع کثیرا منهم عن حقه من العطاء- لأن بنی أمیه استأصلوا الأموال فی أیام عثمان- فلما قتل قالوا لعلی ع- نبایعک على أن تسیر فینا سیره أبی بکر و عمر- لأنهما کانا لا یستأثران بالمال لأنفسهما و لا لأهلهما- فطلبوا من علی ع البیعه- على أن یقسم علیهم بیوت الأموال قسمه أبی بکر و عمر- فاستعفاهم و سألهم أن یطلبوا غیره ممن یسیر بسیرتهما-

و قال لهم کلاما تحته رمز- و هو قوله إنا مستقبلون أمرا له وجوه و ألوان- لا تقوم له القلوب و لا تثبت علیه العقول- و إن الآفاق قد أغامت و المحجه قد تنکرت- . قالوا و هذا کلام له باطن و غور عمیق- معناه الإخبار عن غیب یعلمه هو و یجهلونه هم- و هو الإنذار بحرب المسلمین بعضهم لبعض- و اختلاف الکلمه و ظهور الفتنه- . و معنى قوله- له وجوه و ألوان- أنه موضع شبهه و تأویل- فمن قائل یقول أصاب علی- و من قائل یقول أخطأ- و کذلک القول فی تصویب محاربیه- من أهل الجمل و صفین و النهروان و تخطئتهم- فإن المذاهب فیه و فیهم تشعبت و تفرقت جدا- . و معنى قوله الآفاق قد أغامت- و المحجه قد تنکرت- أن الشبهه قد استولت على العقول و القلوب- و جهل أکثر الناس محجه الحق أین هی- فأنا لکم وزیرا عن رسول الله ص- أفتی فیکم بشریعته و أحکامه- خیر لکم منی أمیرا محجورا علیه-مدبرا بتدبیرکم- فإنی أعلم أنه لا قدره لی أن أسیر فیکم بسیره رسول الله ص- فی أصحابه مستقلا بالتدبیر- لفساد أحوالکم و تعذر صلاحکم- .

و قد حمل بعضهم کلامه على محمل آخر- فقال هذا کلام مستزید شاک من أصحابه- یقول لهم دعونی و التمسوا غیری- على طریق الضجر منهم- و التبرم بهم و التسخط لأفعالهم- لأنهم کانوا عدلوا عنه من قبل- و اختاروا علیه- فلما طلبوه بعد أجابهم جواب المتسخط العاتب- . و حمل قوم منهم الکلام على وجه آخر- فقالوا إنه أخرجه مخرج التهکم و السخریه- أی أنا لکم وزیرا خیر منی لکم أمیرا فیما تعتقدونه- کما قال سبحانه ذُقْ إِنَّکَ أَنْتَ الْعَزِیزُ الْکَرِیمُ- أی تزعم لنفسک ذلک و تعتقده- .

و اعلم أن ما ذکروه لیس ببعید أن یحمل الکلام علیه- لو کان الدلیل قد دل على ذلک- فأما إذا لم یدل علیه دلیل فلا یجوز صرف اللفظ عن ظاهره- و نحن نتمسک بالظاهر إلا أن تقوم دلاله على مذهبهم- تصدنا عن حمل اللفظ عن ظاهره- و لو جاز أن تصرف الألفاظ عن ظواهرها- لغیر دلیل قاهر یصدف و یصد عنها- لم یبق وثوق بکلام الله عز و جل- و بکلام رسوله ع- و قد ذکرنا فیما تقدم کیفیه الحال- التی کانت بعد قتل عثمان- و البیعه العلویه کیف وقعت فصل فیما کان من أمر طلحه و الزبیر عند قسم المال و نحن نذکر هاهنا فی هذه القصه- ما ذکره شیخنا أبو جعفر الإسکافی- فی کتابه‏ الذی نقض فیه کتاب العثمانیه- لشیخنا أبی عثمان- فإن الذی ذکره لم نورده نحن فیما تقدم- .

قال أبو جعفر- لما اجتمعت الصحابه فی مسجد رسول الله ص- بعد قتل عثمان للنظر فی أمر الإمامه- أشار أبو الهیثم بن التیهان- و رفاعه بن رافع و مالک بن العجلان- و أبو أیوب الأنصاری و عمار بن یاسر بعلی ع- و ذکروا فضله و سابقته و جهاده و قرابته- فأجابهم الناس إلیه- فقام کل واحد منهم خطیبا یذکر فضل علی ع- فمنهم من فضله على أهل عصره خاصه- و منهم من فضله على المسلمین کلهم کافه- ثم بویع و صعد المنبر فی الیوم الثانی من یوم البیعه- و هو یوم السبت لإحدى عشره لیله بقین من ذی الحجه- فحمد الله و أثنى علیه- و ذکر محمدا فصلى علیه- ثم ذکر نعمه الله على أهل الإسلام- ثم ذکر الدنیا فزهدهم فیها- و ذکر الآخره فرغبهم إلیها-

ثم قال أما بعد- فإنه لما قبض رسول الله ص استخلف الناس أبا بکر- ثم استخلف أبو بکر عمر فعمل بطریقه ثم جعلها شورى بین سته- فأفضی الأمر منهم إلى عثمان- فعمل ما أنکرتم و عرفتم ثم حصر و قتل- ثم جئتمونی طائعین فطلبتم إلی- و إنما أنا رجل منکم لی ما لکم و علی ما علیکم- و قد فتح الله الباب بینکم و بین أهل القبله- و أقبلت الفتن کقطع اللیل المظلم- و لا یحمل هذا الأمر- إلا أهل الصبر و البصر و العلم بمواقع الأمر- و إنی حاملکم على منهج نبیکم ص- و منفذ فیکم ما أمرت به إن استقمتم لی- و بالله المستعان- ألا إن موضعی من رسول الله ص بعد وفاته- کموضعی منه أیام حیاته- فامضوا لما تؤمرون به- و قفوا عند ما تنهون عنه- و لا تعجلوا فی أمر حتى نبینه لکم- فإن لنا عن کل أمر تنکرونه عذرا- ألا و إن الله عالم من فوق سمائه و عرشه- أنی کنت کارها للولایه على أمه محمد- حتى اجتمع رأیکم على ذلک- لأنی سمعت رسول الله ص یقول- أیما وال ولی الأمر من بعدی- أقیم على حد الصراط-و نشرت الملائکه صحیفته- فإن کان عادلا أنجاه الله بعدله- و إن کان جائرا انتفض به الصراط حتى تتزایل مفاصله ثم یهوى إلى النار- فیکون أول ما یتقیها به أنفه و حر وجهه- و لکنی لما اجتمع رأیکم لم یسعنی ترککم- ثم التفت ع یمینا و شمالا- فقال ألا لا یقولن رجال منکم غدا- قد غمرتهم الدنیا فاتخذوا العقار- و فجروا الأنهار و رکبوا الخیول الفارهه- و اتخذوا الوصائف الروقه- فصار ذلک علیهم عارا و شنارا- إذا ما منعتهم ما کانوا یخوضون فیه- و أصرتهم إلى حقوقهم التی یعلمون-

فینقمون ذلک- و یستنکرون و یقولون حرمنا ابن أبی طالب حقوقنا- ألا و أیما رجل من المهاجرین و الأنصار- من أصحاب رسول الله ص یرى- أن الفضل له على من سواه لصحبته- فإن الفضل النیر غدا عند الله- و ثوابه و أجره على الله- و أیما رجل استجاب لله و للرسول- فصدق ملتنا و دخل فی دیننا و استقبل قبلتنا- فقد استوجب حقوق الإسلام و حدوده- فأنتم عباد الله و المال مال الله یقسم بینکم بالسویه- لا فضل فیه لأحد على أحد- و للمتقین عند الله غدا أحسن الجزاء- و أفضل الثواب- لم یجعل الله الدنیا للمتقین أجرا و لا ثوابا- و ما عند الله خیر للأبرار- و إذا کان غدا إن شاء الله فاغدوا علینا- فإن عندنا مالا نقسمه فیکم- و لا یتخلفن أحد منکم عربی و لا عجمی- کان من أهل العطاء أو لم یکن- إلا حضر إذا کان مسلما حرا- أقول قولی هذا- و أستغفر الله لی و لکم ثم نزل- .

قال شیخنا أبو جعفر- و کان هذا أول ما أنکروه من کلامه ع- و أورثهم الضغن علیه- و کرهوا إعطاءه و قسمه بالسویه- فلما کان من الغد غدا و غدا الناس لقبض المال- فقال لعبید الله بن أبی رافع کاتبه- ابدأ بالمهاجرین فنادهم- و أعط کل‏ رجل ممن حضر ثلاثه دنانیر- ثم ثن بالأنصار فافعل معهم مثل ذلک- و من یحضر من الناس کلهم- الأحمر و الأسود فاصنع به مثل ذلک- . فقال سهل بن حنیف یا أمیر المؤمنین- هذا غلامی بالأمس و قد أعتقته الیوم- فقال نعطیه کما نعطیک- فأعطى کل واحد منهما ثلاثه دنانیر- و لم یفضل أحدا على أحد- و تخلف عن هذا القسم یومئذ- طلحه و الزبیر و عبد الله بن عمر- و سعید بن العاص و مروان بن الحکم- و رجال من قریش و غیرها- . قال- و سمع عبید الله بن أبی رافع عبد الله بن الزبیر- یقول لأبیه و طلحه و مروان و سعید- ما خفی علینا أمس من کلام علی ما یرید- فقال سعید بن العاص و التفت إلى زید بن ثابت- إیاک أعنی و اسمعی یا جاره- فقال عبید الله بن أبی رافع- لسعید و عبد الله بن الزبیر- إن الله یقول فی کتابه وَ لکِنَّ أَکْثَرَکُمْ لِلْحَقِّ کارِهُونَ- .

ثم إن عبید الله بن أبی رافع أخبر- علیا ع بذلک- فقال و الله إن بقیت و سلمت لهم- لأقیمنهم على المحجه البیضاء و الطریق الواضح- قاتل الله ابن العاص- لقد عرف من کلامی و نظری إلیه أمس- أنی أریده و أصحابه ممن هلک فیمن هلک- . قال فبینا الناس فی المسجد بعد الصبح- إذ طلع الزبیر و طلحه- فجلسا ناحیه عن علی ع- ثم طلع مروان و سعید و عبد الله بن الزبیر- فجلسوا إلیهما- ثم جاء قوم من قریش- فانضموا إلیهم- فتحدثوا نجیا ساعه- ثم قام الولید بن عقبه بن أبی معیط- فجاء إلى علی ع- فقال یا أبا الحسن- إنک قد وترتنا جمیعا- أما أنا فقتلت أبی یوم بدر صبرا- و خذلت أخی یوم الدار بالأمس- و أما سعید فقتلت أباه یوم بدر فی الحرب- و کان ثور قریش- و أما مروان فسخفت أباه عند عثمان إذ ضمه إلیه- و نحن إخوتک‏ و نظراؤک من بنی عبد مناف- و نحن نبایعک الیوم- على أن تضع عنا ما أصبناه- من المال فی أیام عثمان- و أن تقتل قتلته- و إنا إن خفناک ترکناک- فالتحقنا بالشام- .

فقال أما ما ذکرتم من وتری إیاکم- فالحق وترکم- و أما وضعی عنکم ما أصبتم- فلیس لی أن أضع حق الله عنکم- و لا عن غیرکم- و أما قتلی قتله عثمان- فلو لزمنی قتلهم الیوم لقتلتهم أمس- و لکن لکم علی- إن خفتمونی أن أؤمنکم- و إن خفتکم أن أسیرکم- . فقام الولید إلى أصحابه فحدثهم- و افترقوا على إظهار العداوه و إشاعه الخلاف- فلما ظهر ذلک من أمرهم- قال عمار بن یاسر لأصحابه- قوموا بنا إلى هؤلاء النفر من إخوانکم- فإنه قد بلغنا عنهم- و رأینا منهم ما نکره من الخلاف- و الطعن على إمامهم- و قد دخل أهل الجفاء بینهم- و بین الزبیر و الأعسر العاق یعنی طلحه- .

فقام أبو الهیثم و عمار و أبو أیوب و سهل بن حنیف- و جماعه معهم فدخلوا على علی ع- فقالوا یا أمیر المؤمنین- انظر فی أمرک و عاتب قومک- هذا الحی من قریش- فإنهم قد نقضوا عهدک- و أخلفوا وعدک- و قد دعونا فی السر إلى رفضک- هداک الله لرشدک- و ذاک لأنهم کرهوا الأسوه- و فقدوا الأثره- و لما آسیت بینهم و بین الأعاجم أنکروا- و استشاروا عدوک و عظموه- و أظهروا الطلب بدم عثمان فرقه للجماعه- و تألفا لأهل الضلاله فرأیک- .

فخرج علی ع- فدخل المسجد و صعد المنبر مرتدیا بطاق- مؤتزرا ببرد قطری متقلدا سیفا- متوکئا على قوس فقال أما بعد فإنا نحمد الله ربنا و إلهنا و ولینا- و ولی النعم علینا- الذی أصبحت نعمه علینا ظاهره و باطنه- امتنانا منه بغیر حول منا و لا قوه- لیبلونا أ نشکر أم نکفر- فمن شکر زاده و من کفر عذبه- فأفضل الناس عند الله منزله- و أقربهم من الله وسیله أطوعهم لأمره-و أعملهم بطاعته و أتبعهم لسنه رسوله- و أحیاهم لکتابه- لیس لأحد عندنا فضل إلا بطاعه الله و طاعه الرسول- هذا کتاب الله بین أظهرنا- و عهد رسول الله و سیرته فینا- لا یجهل ذلک إلا جاهل عاند عن الحق منکر- قال الله تعالى یا أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناکُمْ مِنْ ذَکَرٍ وَ أُنْثى‏- وَ جَعَلْناکُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ- لِتَعارَفُوا إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاکُمْ- ثم صاح بأعلى صوته- أَطِیعُوا اللَّهَ وَ أطیعوا الرَّسُولُ- فإن تولیتم فَإِنَّ اللَّهَ لا یُحِبُّ الْکافِرِینَ- ثم قال یا معشر المهاجرین و الأنصار- أ تمنون على الله و رسوله بإسلامکم- بَلِ اللَّهُ یَمُنُّ عَلَیْکُمْ- أَنْ هَداکُمْ لِلْإِیمانِ إِنْ کُنْتُمْ صادِقِینَ- ثم قال أنا أبو الحسن- و کان یقولها إذا غضب-

ثم قال ألا إن هذه الدنیا التی أصبحتم- تمنونها و ترغبون فیها- و أصبحت تغضبکم و ترضیکم- لیست بدارکم و لا منزلکم الذی خلقتم له- فلا تغرنکم فقد حذرتکموها- و استتموا نعم الله علیکم بالصبر- لأنفسکم على طاعه الله- و الذل لحکمه جل ثناؤه- فأما هذا الفی‏ء فلیس لأحد- على أحد فیه أثره- و قد فرغ الله من قسمته- فهو مال الله- و أنتم عباد الله المسلمون- و هذا کتاب الله به أقررنا و له أسلمنا- و عهد نبینا بین أظهرنا- فمن لم یرض به فلیتول کیف شاء- فإن العامل بطاعه الله- و الحاکم بحکم الله لا وحشه علیه- ثم نزل عن المنبر فصلى رکعتین- ثم بعث بعمار بن یاسر- و عبد الرحمن بن حنبل القرشی إلى طلحه و الزبیر- و هما فی ناحیه المسجد فأتیاهما فدعواهما- فقاما حتى جلسا إلیه ع- فقال لهما نشدتکما الله- هل جئتمانی طائعین للبیعه- و دعوتمانی إلیها- و أنا کاره لها قالا نعم- فقال غیر مجبرین و لا مقسورین- فأسلمتما لی بیعتکما و أعطیتمانی عهدکما-

قالا نعم- قال فما دعاکما بعد إلى ما أرى- قالا أعطیناک بیعتنا- على ألا تقضی الأمور و لا تقطعها دوننا- و أن تستشیرنا فی کل أمر- و لا تستبد بذلک علینا- و لنا من الفضل على غیرنا ما قد علمت- فأنت تقسم القسم و تقطع الأمر- و تمضی الحکم بغیر مشاورتنا و لا علمنا- فقال لقد نقمتما یسیرا- و أرجأتما کثیرا فاستغفرا الله یغفر لکما- أ لا تخبراننی أدفعتکما عن حق وجب لکما فظلمتکما إیاه- قالا معاذ الله قال فهل استأثرت من هذا المال لنفسی بشی‏ء- قالا معاذ الله- قال أ فوقع حکم أو حق لأحد من المسلمین- فجهلته أو ضعفت عنه قالا معاذ الله- قال فما الذی کرهتما من أمری حتى رأیتما خلافی- قالا خلافک عمر بن الخطاب فی القسم- أنک جعلت حقنا فی القسم کحق غیرنا- و سویت بیننا و بین من لا یماثلنا- فیما أفاء الله تعالى علینا بأسیافنا و رماحنا- و أوجفنا علیه بخیلنا و رجلنا- و ظهرت علیه دعوتنا و أخذناه قسرا قهرا- ممن لا یرى الإسلام إلا کرها-

فقال فأما ما ذکرتماه من الاستشاره بکما- فو الله ما کانت لی فی الولایه رغبه- و لکنکم دعوتمونی إلیها- و جعلتمونی علیها- فخفت أن أردکم فتختلف الأمه- فلما أفضت إلی نظرت فی کتاب الله و سنه رسوله- فأمضیت ما دلانی علیه و اتبعته- و لم أحتج إلى آرائکما فیه و لا رأی غیرکما- و لو وقع حکم لیس فی کتاب الله بیانه- و لا فی السنه برهانه- و احتیج إلى المشاوره فیه لشاورتکما فیه- و أما القسم و الأسوه- فإن ذلک أمر لم أحکم فیه بادئ بدء- قد وجدت أنا و أنتما رسول الله ص یحکم بذلک- و کتاب الله ناطق به- و هو الکتاب الذی لا یأتیه الباطل من بین یدیه- و لا من خلفه تنزیل من حکیم حمید- و أما قولکما جعلت فیئنا- و ما أفاءته سیوفنا و رماحنا- سواء بیننا و بین غیرنا- فقدیما سبق إلى الإسلام قوم- و نصروه بسیوفهم و رماحهم- فلم یفضلهم رسول الله ص فی القسم و لا آثرهم بالسبق- و الله‏ سبحانه- موف السابق و المجاهد یوم القیامه أعمالهم- و لیس لکما و الله عندی و لا لغیرکما إلا هذا- أخذ الله بقلوبنا و قلوبکم إلى الحق- و ألهمنا و إیاکم الصبر- ثم قال رحم الله امرأ رأى حقا فأعان علیه- و رأى جورا فرده- و کان عونا للحق على من خالفه- .

قال شیخنا أبو جعفر و قد روی أنهما قالا له وقت البیعه- نبایعک على أنا شرکاؤک فی هذا الأمر- فقال لهما لا و لکنکما شریکای فی الفی‏ء- لا أستأثر علیکما- و لا على عبد حبشی مجدع بدرهم فما دونه- لا أنا و لا ولدای هذان- فإن أبیتما إلا لفظ الشرکه- فإنما عونان لی عند العجز و الفاقه- لا عند القوه و الاستقامه- .

قال أبو جعفر- فاشترطا ما لا یجوز فی عقد الأمانه- و شرط ع لهما ما یجب فی الدین و الشریعه- . قال رحمه الله تعالى- و قد روی أیضا أن الزبیر قال فی ملإ من الناس- هذا جزاؤنا من علی- قمنا له فی أمر عثمان حتى قتل- فلما بلغ بنا ما أراد- جعل فوقنا من کنا فوقه- . و قال طلحه ما اللوم إلا علینا- کنا معه أهل الشورى ثلاثه- فکرهه أحدنا یعنی سعدا و بایعناه- فأعطیناه ما فی أیدینا و منعنا ما فی یده- فأصبحنا قد أخطأنا الیوم ما رجوناه أمس- و لا نرجو غدا ما أخطأنا الیوم- .

فإن قلت فإن أبا بکر قسم بالسواء- کما قسمه أمیر المؤمنین ع- و لم ینکروا ذلک کما أنکروه أیام أمیر المؤمنین ع- فما الفرق بین الحالتین- . قلت إن أبا بکر قسم محتذیا لقسم رسول الله ص- فلما ولی عمر الخلافه- و فضل قوما على قوم ألفوا ذلک- و نسوا تلک القسمه الأولى- و طالت أیام عمر-و أشربت قلوبهم حب المال و کثره العطاء- و أما الذین اهتضموا فقنعوا و مرنوا على القناعه- و لم یخطر لأحد من الفریقین له- أن هذه الحال تنتقض أو تتغیر بوجه ما- فلما ولی عثمان أجرى الأمر على ما کان عمر یجریه- فازداد وثوق القوم بذلک- و من ألف أمرا أشق علیه فراقه- و تغییر العاده فیه- فلما ولی أمیر المؤمنین ع- أراد أن یرد الأمر- إلى ما کان فی أیام رسول الله ص و أبی بکر- و قد نسی ذلک و رفض- و تخلل بین الزمانین اثنتان و عشرون سنه- فشق ذلک علیهم و أنکروه و أکبروه- حتى حدث ما حدث من نقض البیعه- و مفارقه الطاعه- و لله أمر هو بالغه

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی‏ الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۷۰

خطبه ۹۰ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(خطبه الأشباح)

۹۰ و من خطبه له ع تعرف بخطبه الأشباح و هی من جلائل خطبه ع

رَوَى مَسْعَدَهُ بْنُ صَدَقَهَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ع أَنَّهُ قَالَ: خَطَبَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ بِهَذِهِ الْخُطْبَهِ عَلَى مِنْبَرِ الْکُوفَهِ- وَ ذَلِکَ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ- صِفْ لَنَا رَبَّنَا مِثْلَ مَا نَرَاهُ عِیَاناً- لِنَزْدَادَ لَهُ حُبّاً وَ بِهِ مَعْرِفَهً- فَغَضِبَ وَ نَادَى الصَّلَاهَ جَامِعَهً- فَاجْتَمَعَ إِلَیْهِ النَّاسُ حَتَّى غَصَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ- فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَ هُوَ مُغْضَبٌ مُتَغَیِّرُ اللَّوْنِ- فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَیْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِیِّ ص- ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی لَا یَفِرُهُ الْمَنْعُ وَ الْجُمُودُ- وَ لَا یُکْدِیهِ الْإِعْطَاءُ وَ الْجُودُ- إِذْ کُلُّ مُعْطٍ مُنْتَقِصٌ سِوَاهُ وَ کُلُّ مَانِعٍ مَذْمُومٌ مَا خَلَاهُ- وَ هُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النِّعَمِ وَ عَوَائِدِ الْمَزِیدِ وَ الْقِسَمِ- عِیَالُهُ الْخَلَائِقُ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ- وَ نَهَجَ سَبِیلَ الرَّاغِبِینَ إِلَیْهِ وَ الطَّالِبِینَ مَا لَدَیْهِ- وَ لَیْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ یُسْأَلْ- الْأَوَّلُ الَّذِی لَمْ یَکُنْ لَهُ قَبْلٌ فَیَکُونَ شَیْ‏ءٌ قَبْلَهُ- وَ الآْخِرُ الَّذِی لَمْ یَکُنْ لَهُ بَعْدٌ فَیَکُونَ شَیْ‏ءٌ بَعْدَهُ- وَ الرَّادِعُ أَنَاسِیَّ الْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِکَهُ- مَا اخْتَلَفَ عَلَیْهِ دَهْرٌ فَیَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ- وَ لَا کَانَ فِی مَکَانٍ فَیَجُوزَ عَلَیْهِ الِانْتِقَالُ الأشباح الأشخاص و المراد بهم هاهنا الملائکه- لأن الخطبه تتضمن ذکر الملائکه- .

و قوله الصلاه جامعه منصوب بفعل مقدر- أی احضروا الصلاه و أقیموا الصلاه- و جامعه منصوب على الحال من الصلاه- . و غص المسجد بفتح الغین أی امتلأ و المسجد غاص بأهله- و یقال رجل مغضب بفتح الضاد- أی قد أغضب أی فعل به ما یوجب غضبه- . و یفره المنع یزید فی ماله و الموفور التام- وفرت الشی‏ء وفرا و وفر الشی‏ء نفسه وفورا- یتعدى و لا یتعدى و فی أمثالهم یوفر و یحمد- هو من قولک وفرته عرضه و وفرته ماله- .

و قوله و لا یکدیه الإعطاء أی لا یفقره و لا ینفد خزائنه- یقال کدت الأرض تکد و فهی کادیه- إذا أبطأ نباتها و قل خیرها فهذا لازم- فإذا عدیته أتیت بالهمزه- فقلت أکدیت الأرض أی جعلتها کادیه- و تقول أکدى الرجل إذا قل خیره- و قوله تعالى وَ أَعْطى‏ قَلِیلًا وَ أَکْدى‏ أی قطع القلیل- یقول إنه سبحانه قادر على المقدورات- و لیس کالملوک من البشر الذین إذا أعطوا- نقصت خزائنهم و إن منعوا زادت- و قد شرح ذلک و قال إذ کل معط منتقص أی منقوص- و یجی‏ء انتقص لازما و متعدیا- تقول انتقص الشی‏ء نفسه- و انتقصت الشی‏ء أی نقصته- و کذلک نقص یجی‏ء لازما و متعدیا- .

ثم قال و کل مانع مذموم غیره و ذلک لأنه تعالى- إنما یمنع من تقتضی الحکمه و المصلحه منعه- و لیس کما یمنع البشر- و سأل رجل علی بن موسى الرضا عن الجواد- فقال إن لکلامک وجهین فإن کنت تسأل عن المخلوق- فإن الجواد هو الذی یؤدی ما افترض الله علیه- و البخیل هو الذی یبخل بما افترض الله علیه- و إن کنت تعنی الخالق‏فهو الجواد إن أعطى- و هو الجواد إن منع لأنه إن أعطى عبدا أعطاه ما لیس له- و إن منعه منعه ما لیس له- .

قوله و لیس بما سئل بأجود منه بما لم یسأل- فیه معنى لطیف- و ذاک لأن هذا المعنى مما یختص بالبشر- لأنهم یتحرکون بالسؤال و تهزهم الطلبات- فیکونون بما سألهم السائل- أجود منهم بما لم یسألهم إیاه- و أما البارئ سبحانه فإن جوده لیس على هذا المنهاج- لأن جوده عام فی جمیع الأحوال- . ثم ذکر أن وجوده تعالى لیس بزمانی- فلا یطلق علیه البعدیه و القبلیه- کما یطلق على الزمانیات- و إنما لم یکن وجوده زمانیا لأنه لا یقبل الحرکه- و الزمان من لواحق الحرکه- و إنما لم تطلق علیه البعدیه و القبلیه إذ لم یکن زمانیا- لأن قولنا فی الشی‏ء إنه بعد الشی‏ء الفلانی- أی الموجود فی زمان- حضر بعد تقضی زمان ذلک الشی‏ء الفلانی- و قولنا فی الشی‏ء إنه قبل الشی‏ء الفلانی- أی إنه موجود فی زمان حضر- و لم یحضر زمان ذلک الشی‏ء الفلانی بعد- فما لیس فی الزمان- لیس یصدق علیه القبل و البعد الزمانیان- فیکون تقدیر الکلام على هذا- الأول الذی لا یصدق علیه القبلیه الزمانیه- لیمکن أن یکون شی‏ء ما قبله- و الآخر الذی لا یصدق علیه البعدیه الزمانیه- لیمکن أن یکون شی‏ء ما بعده- .

و قد یحمل الکلام على وجه آخر أقرب متناولا من هذا الوجه- و هو أن یکون أراد الذی لم یکن محدثا- أی موجودا قد سبقه عدم- فیقال إنه مسبوق بشی‏ء من الأشیاء- إما المؤثر فیه أو الزمان المقدم علیه- و أنه لیس بذات یمکن فناؤها و عدمها فیما لا یزال- فیقال إنه ینقضی و ینصرم و یکون بعده شی‏ء من الأشیاء- إما الزمان أو غیره و الوجه الأول أدق و ألطف- و یؤکد کونه مرادا قوله عقیبه- ما اختلف علیه دهر فیختلف منه الحال- و ذلک لأن واجب الوجود أعلى من الدهر و الزمان- فنسبه ذاته إلى الدهر و الزمان بجملته- و تفصیل أجزائه نسبه متحده- .

فإن قلت إذا لم یکن قبل الأشیاء بالزمان- و لا بعدها بالزمان فهو معها بالزمان- لأنه لا یبقى بعد نفی القبلیه و البعدیه إلا المعیه- . قلت إنما یلزم ذلک فیما وجوده زمانی- و أما ما لیس زمانیا- لا یلزم من نفی القبلیه و البعدیه إثبات المعیه- کما أنه ما لم یکن وجوده مکانیا- لم یلزم من نفی کونه فوق العالم- أو تحت العالم بالمکان أن یکون مع العالم بالمکان- . ثم قال الرادع أناسی الأبصار عن أن تناله أو تدرکه- الأناسی جمع إنسان و هو المثال الذی یرى فی السواد- و هذا اللفظ بظاهره یشعر بمذهب الأشعریه- و هو قولهم إن الله تعالى خلق فی الأبصار مانعا عن إدراکه- إلا أن الأدله العقلیه من جانبنا اقتضت تأویل هذا اللفظ- کما تأول شیوخنا قوله تعالى وُجُوهٌ یَوْمَئِذٍ ناضِرَهٌ إِلى‏ رَبِّها ناظِرَهٌ- فقالوا إلى جنه ربها فنقول تقدیره- الرادع أناسی الأبصار أن تنال أنوار جلالته- .

فإن قلت- أ تثبتون له تعالى أنوارا یمکن أن تدرکها الأبصار- و هل هذا إلا قول بالتجسیم- . قلت کلا لا تجسیم فی ذلک- فکما أن له عرشا و کرسیا و لیس بجسم- فکذلک أنوار عظیمه فوق العرش و لیس بجسم- فکیف تنکر الأنوار- و قد نطق الکتاب العزیز بها فی غیر موضع- کقوله وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها- و کقوله مَثَلُ نُورِهِ کَمِشْکاهٍ فِیها مِصْباحٌ‏: وَ لَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ- وَ ضَحِکْتَ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ مِنْ فِلِزِّ اللُّجَیْنِ وَ الْعِقْیَانِ- وَ نُثَارَهِ الدُّرِّ وَ حَصِیدِ الْمَرْجَانِ مَا أَثَّرَ ذَلِکَ فِی جُودِهِ- وَ لَا أَنْفَدَ سَعَهَ مَا عِنْدَهُ- وَ لَکَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الْأَنْعَامِ- مَا لَا تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ الْأَنَامِ- لِأَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِی لَا یَغِیضُهُ سُؤَالَ السَّائِلِینَ- وَ لَا یُبَخِّلُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّینَ هذاالکلام من تتمه الکلام الأول- و هو قوله لا یفره المنع و لا یکدیه الإعطاء و الجود- و تنفست عنه المعادن استعاره- کأنها لما أخرجته و ولدته کانت کالحیوان یتنفس- فیخرج من صدره و رئته الهواء- .

و ضحکت عنه الأصداف أی تفتحت عنه و انشقت- یقال للطلع حین ینشق الضحک بفتح الضاد- و إنما سمی الضاحک ضاحکا لأنه یفتح فاه- و الفلز اسم الأجسام الذائبه- کالذهب و الفضه و الرصاص و نحوها- و اللجین اسم الفضه جاء مصغرا کالکمیت و الثریا- و العقیان الذهب الخالص- و یقال هو ما ینبت نباتا و لیس مما یحصل من الحجاره- و نثاره الدر ما تناثر منه کالسقاطه و النخاله- و تأتی فعاله تاره للجید المختار- و تاره للساقط المتروک- فالأول نحو الخلاصه و الثانی نحو القلامه- . و حصید المرجان- کأنه أراد المتبدد منه کما یتبدد الحب المحصود- و یجوز أن یعنى به الصلب المحکم من قولهم شی‏ء مستحصد- أی مستحصف مستحکم یعنى أنه لیس برخو و لا هش- و یروى و حصباء المرجان و الحصباء الحصى- و أرض حصبه و محصبه بالفتح ذات حصباء- و المرجان صغار اللؤلؤ و قد قیل إنه هذا الحجر- و استعمله بعض المتأخرین فقال-

أدمى لها المرجان صفحه خده
و بکى علیها اللؤلؤ المکنون‏

و تنفده تفنیه نفد الشی‏ء أی فنی و أنفدته أنا- و مطالب الأنام جمع مطلب- و هو المصدر من طلبت الشی‏ء طلبا و مطلبا- . و یغیضه بفتح حرف المضارعه ینقصه- و یقال غاض الماء فهذا لازم و غاض الله الماء- فهذا متعد و جاء أغاض الله الماء- . و الإلحاح مصدر ألح على الأمر- أی أقام علیه دائما من ألح السحاب إذا دام مطره- و ألح البعیر حرن کما تقول خلأت الناقه- و روی و لا یبخله بالتخفیف- تقول أبخلت زیدا أی صادفته بخیلا- و أجبنته وجدته جبانا- .

و فی هذا الفصل من حسن الاستعاره- و بدیع الصنعه ما لا خفاء به: فَانْظُرْ أَیُّهَا السَّائِلُ- فَمَا دَلَّکَ الْقُرْآنُ عَلَیْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ- وَ اسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَایَتِهِ وَ مَا کَلَّفَکَ الشَّیْطَانُ عِلْمَهُ- مِمَّا لَیْسَ فِی الْکِتَابِ عَلَیْکَ فَرْضُهُ- وَ لَا فِی سُنَّهِ النَّبِیِّ ص وَ أَئِمَّهِ الْهُدَى أَثَرُهُ- فَکِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ- فَإِنَّ ذَلِکَ مُنْتَهَى حَقِّ اللَّهِ عَلَیْکَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِینَ فِی الْعِلْمِ هُمُ الَّذِینَ أَغْنَاهُمْ- عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَهِ دُونَ الْغُیُوبِ- الْإِقْرَارُ بِجُمْلَهِ مَا جَهِلُوا تَفْسِیرَهُ مِنَ الْغَیْبِ الْمَحْجُوبِ- فَمَدَحَ اللَّهُ‏ اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ- عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ یُحِیطُوا بِهِ عِلْماً- وَ سَمَّى تَرْکَهُمُ التَّعَمُّقَ- فِیمَا لَمْ یُکَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ کُنْهِهِ رُسُوخاً- فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِکَ- وَ لَا تُقَدِّرْ عَظَمَهَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِکَ- فَتَکُونَ مِنَ الْهَالِکِینَ تقول ائتم فلان بفلان أی جعله إماما و اقتدى به- فکل علمه من وکله إلى کذا وکلا و وکولا- و هذا الأمر موکول إلى رأیک- و الاقتحام الهجوم و الدخول مغالبه- و السدد المضروبه جمع سده و هی الرتاج- .

و اعلم أن هذا الفصل یمکن أن تتعلق به الحشویه- المانعون من تأویل الآیات الوارده فی الصفات- القائلین بالجمود على الظواهر- و یمکن أیضا أن یتعلق به من نفى النظر و حرمه أصلا- و نحن قبل أن نحققه و نتکلم فیه نبدأ بتفسیر قوله تعالى- وَ ما یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ- فنقول إن من الناس من وقف على قوله إِلَّا اللَّهَ- و منهم من لم یقف على ذلک- و هذا القول أقوى من الأول- لأنه إذا کان لا یعلم تأویل المتشابه إلا الله- لم یکن فی إنزاله و مخاطبه المکلفین به فائده- بل یکون کخطاب العربی بالزنجیه- و معلوم أن ذلک عیب قبیح- .فإن قلت فما الذی یکون موضع فَیَقُولُونَ من الإعراب- . قلت یمکن أن یکون نصبا على أنه حال من الراسخین- و یمکن أن یکون کلاما مستأنفا- أی هؤلاء العالمون بالتأویل یقولون آمنا به- .
و قد روی عن ابن عباس أنه تأول آیه- فقال قائل من الصحابه وَ ما یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلَّا اللَّهُ- فقال ابن عباس وَ الرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ- و أنا من جمله الراسخین- . ثم نعود إلى تفسیر کلام أمیر المؤمنین ع فنقول- إنه غضب و تغیر وجهه لقول السائل- صف لنا ربنا مثل ما نراه عیانا- و إذا هذا المعنى ینصرف وصیه له- بما أوصاه به من اتباع ما جاء فی القرآن و السنه- و ذلک لأن العلم الحاصل من رؤیه الشی‏ء عیانا- علم لا یمکن أن یتعلق مثله بالله سبحانه- لأن ذاته تعالى لا یمکن أن تعلم من حیث هی هی- کما تعلم المحسوسات- أ لا ترى أنا إذا علمنا أنه صانع العالم- و أنه قادر عالم حی سمیع بصیر مرید- و أنه لیس بجسم و لا جوهر و لا عرض- و علمنا جمیع الأمور السلبیه و الإیجابیه المتعلقه به- فإنما علمنا سلوبا و إضافات- و لا شک أن ماهیه الموصوف مغایره لماهیه الصفات- و الذوات المحسوسه بخلاف ذلک لأنا إذا رأینا السواد- فقد علمنا نفس حقیقه السواد لا صفه من صفات السواد- و أیضا فإنا لو قدرنا- أن العلم بوجوده و صفاته السلبیه و الإیجابیه- یستلزم العلم بذاته من حیث هی هی- لم یکن عالما بذاته علما جزئیا- لأنه یمکن أن یصدق هذا العلم على کثیرین على سبیل البدل- و إذا ثبت أنه یستحیل- أن یصدق على کثیرین على سبیل البدل- ثبت أنه یستحیل أن یصدق على کثیرین على سبیل الجمع- و العلم بالمحسوس یستحیل أن یصدق على کثیرین- لا على سبیل الجمع و لا على سبیل البدل- فقد بان أنه یستحیل أن یعلم الله تعالى- کما یعلم الشی‏ء المرئی عیانا- فأمیر المؤمنین ع أنکر هذا السؤال- کما أنکره الله تعالى على بنی إسرائیل- لما طلبوا الرؤیه قال تعالى وَ إِذْ قُلْتُمْ یا مُوسى‏- لَنْ نُؤْمِنَ لَکَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَهً فَأَخَذَتْکُمُ الصَّاعِقَهُ- .

ثم قال للسائل بعد غضبه و استحاله لونه- و ظهور أثر الإنکار علیه- ما دلک القرآن علیه من صفته فخذ به- فإن لم تجده فی الکتاب- فأطلبه من السنه و من مذاهب أئمه الحق- فإن لم تجد ذلک فاعلم أن الشیطان حینئذ- قد کلفک علم ما لم یکلفک الله علمه و هذا حق- لأن الکتاب و السنه قد نطقا بصفات الله- من کونه عالما قادرا حیا مریدا سمیعا بصیرا- و نطقا أیضا بتنزیهه عن سمات الحدوث- کالجسمیه و الحلول و الجهه و ما استلزم الجهه کالرؤیه- فلا إنکار على من طلب فی مدارک العقول وجوها- تعضد ما جاء به القرآن و السنه- و توفق بین بعض الآیات و بعض- و تحمل أحد اللفظین على الآخر إذا تناقضا فی الظاهر- صیانه لکلام الحکیم عن التهافت و التعارض- و أما ما لم یأت الکتاب و السنه فیه بشی‏ء- فهو الذی حرم و حظر على المکلفین الفکر فیه- کالکلام فی الماهیه التی یذهب ضرار المتکلم إلیها- و کإثبات صفات زائده- على الصفات المعقوله لذات البارئ سبحانه- و هی على قسمین- أحدهما ما لم یرد فیه نص- کإثبات طائفه تعرف بالماتریدیه صفه- سموها التکوین زائده على القدره و الإراده- .

و الثانی ما ورد فیه لفظ فأخطأ بعض أهل النظر- فأثبت لأجل ذلک اللفظه- صفه غیر معقوله للبارئ سبحانه- نحو قول الأشعریین إن الیدین صفه من صفات الله- و الاستواء على العرش صفه من صفات الله- و إن وجه الله صفه من صفاته أیضا- ثم قال إن الراسخین فی العلم الذین غنوا بالإقرار- بما عرفوه عن الولوج و التقحم فیما لم یعرفوه- و هؤلاء هم أصحابنا المعتزله لا شبهه فی ذلک- أ لا ترى أنهم یعللون أفعال الله تعالى بالحکم و المصالح- فإذا ضاق علیهم الأمر- فی تفصیل بعض المصالح فی بعض المواضع- قالوا نعلم على الجمله أن لهذا وجه حکمه و مصلحه- و إن کنا لا نعرف تفصیل تلک المصلحه- کما یقولون فی تکلیف من یعلم الله تعالى منه أنه یکفر- و کما یقولون فی اختصاص الحال- التی حدث فیها العالم بحدوثه دون ما قبلها و ما بعدها- .

و قد تأول القطب الراوندی- کلام أمیر المؤمنین فی هذا الفصل- فقال إنما أنکر على من یقول- لم تعبد الله المکلفین بإقامه خمس صلوات- و هلا کانت ستا أو أربعا- و لم جعل الظهر أربع رکعات و الصبح رکعتین- و هلا عکس الحال و هذا التأویل غیر صحیح- لأنه ع إنما أخرج هذا الکلام مخرج المنکر- على من سأله أن یصف له البارئ سبحانه- و لم یکن السائل قد سأل عن العله- فی أعداد الصلاه و کمیه أجزاء العبادات- . ثم إنه ع قد صرح فی غضون الکلام بذلک- فقال فانظر أیها السائل- فما دلک القرآن علیه من صفته فائتم به- و ما لم یدلک علیه فلیس علیک أن تخوض فیه- و هذا الکلام تصریح- بأن البحث إنما هو فی النظر العقلی فی فن الکلام- فلا یجوز أن یحمل على ما هو بمعزل عنه- . و اعلم أننا نتساهل فی ألفاظ المتکلمین- فنوردها بعباراتهم کقولهم فی المحسوسات- و الصواب المحسات- لأنه لفظ المفعول من أحس الرباعی- لکنا لما رأینا العدول عن ألفاظهم- إذا خضنا فی مباحثهم مستهجنا- عبرنا بعبارتهم على علم منا أن العربیه لا تسوغها: هُوَ الْقَادِرُ الَّذِی إِذَا ارْتَمَتِ الْأَوْهَامُ- لِتُدْرِکَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ- وَ حَاوَلَ الْفِکْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطْرِ الْوَسَاوِسِ- أَنْ یَقَعَ عَلَیْهِ فِی عَمِیقَاتِ غُیُوبِ مَلَکُوتِهِ- وَ تَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَیْهِ لِتَجْرِیَ فِی کَیْفِیَّهِ صِفَاتِهِ- وَ غَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِی حَیْثُ لَا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ- لِتَنَاوُلِ عِلْمِ ذَاتِهِ رَدَعَهَا- وَ هِیَ تَجُوبُ مَهَاوِیَ سُدَفِ الْغُیُوبِ مُتَخَلِّصَهً إِلَیْهِ سُبْحَانَهُ- فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ مُعْتَرِفَهً- بِأَنَّهُ لَا یُنَالُ بِجَوْرِ الِاعْتِسَافِ کُنْهُ مَعْرِفَتِهِ- وَ لَا تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِی الرَّوِیَّاتِ خَاطِرَهٌ مِنْ تَقْدِیرِ جَلَالِ عِزَّتِهِ

ارتمت الأوهام أی ترامت- یقال ارتمى القوم بالنبل أی تراموا- فشبه جولان الأوهام و الأفکار و تعارضها بالترامی- . و خطر الوساوس بتسکین الطاء مصدر خطر له خاطر- أی عرض فی قلبه و روی من خطرات الوساوس- . و تولهت القلوب إلیه- اشتد عشقها حتى أصابها الوله و هو الحیره- . و قوله لتجری فی کیفیه صفاته- أی لتصادف مجرى و مسلکا فی ذلک- و غمضت مداخل العقول أی غمض دخولها- و دق فی الأنظار العمیقه- التی لا تبلغ الصفات کنهها لدقتها و غموضها- طالبه أن تنال معرفته تعالى- . و لفظه ذات لفظه قد طال فیها کلام کثیر من أهل العربیه- فأنکر قوم إطلاقها على الله تعالى و إضافتها إلیه- أما إطلاقها فلأنها لفظه تأنیث- و البارئ سبحانه منزه عن الأسماء و الصفات المؤنثه- و أما إضافتها فلأنها عین الشی‏ء- و الشی‏ء لا یضاف إلى نفسه- و أجاز آخرون إطلاقها فی البارئ تعالى و إضافتها إلیه- أما استعمالها فلوجهین- أحدهما أنها قد جاءت فی الشعر القدیم- قال خبیب الصحابی عند صلبه-

و ذلک فی ذات الإله و إن یشأ
یبارک على أوصال شلو موزع‏

و یروى ممزع و قال النابغه-

محلتهم ذات الإله و دینهم
قدیم فما یخشون غیر العواقب‏

و الوجه الثانی أنها لفظه اصطلاحیه- فجاز استعمالها لا على أنها مؤنث ذو- بل تستعمل‏ ارتجالا فی مسماها- الذی عبر عنه بها أرباب النظر الإلهی- کما استعملوا لفظ الجوهر و العرض و غیرهما- فی غیر ما کان أهل العربیه و اللغه یستعملونها فیه- . و أما منعهم إضافتها إلیه تعالى و أنه لا یقال ذاته- لأن الشی‏ء لا یضاف إلى نفسه- فباطل بقولهم أخذته نفسه و أخذته عینه- فإنه بالاتفاق جائز و فیه إضافه الشی‏ء إلى نفسه- . ثم نعود إلى التفسیر- قوله ع ردعها أی کفها- و تجوب أی تقطع و المهاوی المهالک- الواحده مهواه بالفتح- و هی ما بین جبلین أو حائطین و نحو ذلک- و السدف جمع سدفه و هی القطعه من اللیل المظلم- و جبهت أی ردت و أصله من جبهته أی صککت جبهته- و الجور العدول عن الطریق- و الاعتساف قطع المسافه على غیر جاده معلومه- .

و خلاصه هذا الفصل أن العقول إذا حاولت أن تدرک- متى ینقطع اقتداره على المقدرات نکصت عن ذلک- لأنه قادر أبدا دائما على ما لا یتناهى- و إذا حاول الفکر الذی قد صفا- و خلا عن الوساوس و العوائق- أن یدرک مغیبات علمه تعالى کل و حسر و رجع ناقصا أیضا- و إذا اشتد عشق النفوس له- و تولهت نحوه لتسلک مسلکا- تقف منه على کیفیه صفاته عجزت عن ذلک- و إذا تغلغلت العقول- و غمضت مداخلها فی دقائق العلوم النظریه الإلهیه- التی لا توصف لدقتها طالبه أن تعلم حقیقه ذاته تعالى- انقطعت و أعیت و ردها سبحانه و تعالى و هی تجول- و تقطع ظلمات الغیب لتخلص إلیه- فارتدت حیث جبهها و ردعها- مقره معترفه بأن إدراکه و معرفته- لا تنال باعتساف المسافات التی بینها و بینه- و إن أرباب الأفکار و الرویات یتعذر علیهم- أن یخطر لهم خاطر یطابق ما فی الخارج من تقدیر جلال عزته- و لا بد من أخذ هذا القید فی الکلام- لأن أرباب الأنظار لا بد- أن تخطر لهم الخواطر فی تقدیر جلال عزته- و لکن تلک الخواطر لا تکون مطابقه لها فی الخارج- لأنها خواطر مستندها الوهم لا العقل الصریح- و ذلک لأن الوهم قد ألف الحسیات و المحسوسات- فهو یعقل خواطر بحسب ما ألفه من ذلک- و جلال واجب الوجود أعلى و أعظم من أن یتطرق الوهم نحوه- لأنه بری‏ء من المحسوسات سبحانه- و أما العقل الصریح فلا یدرک خصوصیه ذاته لما تقدم- .

و اعلم أن قوله تعالى فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى‏ مِنْ فُطُورٍ- ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ کَرَّتَیْنِ- یَنْقَلِبْ إِلَیْکَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِیرٌ- فیه إشاره إلى هذا المعنى- و کذلک قوله یَعْلَمُ ما بَیْنَ أَیْدِیهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ- وَ لا یُحِیطُونَ بِشَیْ‏ءٍ مِنْ عِلْمِهِ: الَّذِی ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَیْرِ مِثَالٍ امْتَثَلَهُ- وَ لَا مِقْدَارٍ احْتَذَى عَلَیْهِ مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ کَانَ قَبْلَهُ- وَ أَرَانَا مِنْ مَلَکُوتِ قُدْرَتِهِ- وَ عَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِکْمَتِهِ- وَ اعْتِرَافِ الْحَاجَهِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ یُقِیمَهَا بِمِسَاکِ قُوَّتِهِ- مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِیَامِ الْحُجَّهِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ- فَظَهَرَتْ فِی الْبَدَائِعِ- الَّتِی أَحْدَثَهَا آثَارُ صَنَعْتِهِ وَ أَعْلَامُ حِکْمَتِهِ- فَصَارَ کُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّهً لَهُ وَ دَلِیلًا عَلَیْهِ- وَ إِنْ کَانَ خَلْقاً صَامِتاً فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِیرِ نَاطِقَهٌ- وَ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ قَائِمَهٌ

االمساک بکسر المیم ما یمسک و یعصم به- . و قوله ابتدع الخلق على غیر مثال امتثله یحتمل وجهین- أحدهما أن یرید بامتثله مثله- کما تقول صنعت و اصطنعت بمعنى- فیکون التقدیر أنه لم یمثل لنفسه مثالا- قبل شروعه فی خلق العالم ثم احتذى ذلک المثال- و رکب العالم على حسب ترتیبه- کالصانع الذی یصوغ حلقه من رصاص مثالا- ثم یصوغ حلقه من ذهب علیها- و کالبناء یقدر و یفرض رسوما- و تقدیرات فی الأرض و خطوطا ثم یبنى بحسبها- .

و الوجه الثانی- أنه یرید بامتثله احتذاه و تقبله و اتبعه- و الأصل فیه امتثال الأمر فی القول- فنقل إلى احتذاء الترتیب العقلی- فیکون التقدیر أنه لم یمثل له فاعل آخر قبله مثالا- اتبعه و احتذاه و فعل نظیره- کما یفعل التلمیذ فی الصباغه و النجاره شیئا- قد مثل له أستاذه صورته و هیئته- . و اعلم أن هذا أحد الأسئله- التی یذکرها أصحابنا فی باب کونه عالما- لأنهم لما استدلوا على کونه تعالى عالما- بطریق إحکام العلم و إتقانه سألوا أنفسهم- فقالوا لم لا یجوز أن یکون القدیم سبحانه- أحدث العالم محتذیا لمثال مثله و هیئه اقتضاها- و المحتذی لا یجب کونه عالما بما یفعله- أ لا ترى أن من لا یحسن الکتابه قد یحتذی خطا مخصوصا- فیکتب قریبا منه- و کذلک من یطبع الشمع بالخاتم ثم یطبع فیه مثال الخاتم- فهو فعل الطابع و لا یجب کونه عالما- .

و أجاب أصحابنا عن ذلک فقالوا إن أول فعل محکم وقع منه- ثم احتذى علیه یکفی فی ثبوت کونه عالما- و أیضا فإن المحتذی لیست العالمیه بمسلوبه عنه- بل موصوف بهاأ لا ترى أنه متصور صوره ما یحتذیه- ثم یوقع الفعل مشابها له فالمحتذی عالم فی الجمله- و لکن علمه یحدث شیئا فشیئا- . فأما معنى الفصل فظاهر- یقول ع إنه ابتدع الخلق على غیر مثال قدمه لنفسه- و لا قدم له غیره لیحتذى علیه- و أرانا من عجائب صنعته- و من اعتراف الموجودات کلها- بأنها فقیره محتاجه إلى أن یمسکها بقوته- ما دلنا على معرفته ضروره- و فی هذا إشاره إلى أن کل ممکن مفتقر إلى المؤثر- و لما کانت الموجودات کلها غیره سبحانه ممکنه- لم تکن غنیه عنه سبحانه بل کانت فقیره إلیه- لأنها لولاه ما بقیت فهو سبحانه غنی عن کل شی‏ء- و لا شی‏ء من الأشیاء مطلقا بغنی عنه سبحانه- و هذه من خصوصیه الإلهیه- و أجل ما تدرکه العقول من الأنظار المتعلقه بها- .

فإن قلت فی هذا الکلام إشعار بمذهب شیخکم أبی عثمان- فی أن معرفته تعالى ضروریه- . قلت یکاد أن یکون الکلام مشعرا بذلک- إلا أنه غیر دال علیه- لأنه لم یقل ما دلنا على معرفته باضطرار- و لکن قال ما دلنا باضطرار قیام الحجه له على معرفته- فالاضطرار راجع إلى قیام الحجه لا إلى المعرفه- . ثم قال ع و ظهرت آثار صنعته و دلائل حکمته فی مخلوقاته- فکانت و هی صامته فی الصوره- ناطقه فی المعنى بوجوده و ربوبیته سبحانه- و إلى هذا المعنى نظر الشاعر فقال-

فو عجبا کیف یعصى الإله
أم کیف یجحده الجاحد

و فی کل شی‏ء له آیه
تدل على أنه واحد

و قال فی تفسیر قوله تعالى وَ إِنْ مِنْ شَیْ‏ءٍ إِلَّا یُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ- وَ لکِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِیحَهُمْ إنه عباره عن هذا المعنى: فَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَکَ بِتَبَایُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِکَ- وَ تَلَاحُمِ حِقَاقِ مَفَاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَهِ لِتَدْبِیرِ حِکْمَتِکَ- لَمْ یَعْقِدْ غَیْبَ ضَمِیرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِکَ- وَ لَمْ یُبَاشِرْ قَلْبَهُ الْیَقِینُ بِأَنَّهُ لَا نِدَّ لَکَ- وَ کَأَنَّهُ لَمْ یَسْمَعْ تَبَرُّؤُ التَّابِعِینَ عَنِ الْمَتْبُوعِینَ- إِذْ یَقُولُونَ تَاللَّهِ إِنْ کُنَّا لَفِی ضَلالٍ مُبِینٍ- إِذْ نُسَوِّیکُمْ بِرَبِّ الْعالَمِینَ- کَذَبَ الْعَادِلُونَ بِکَ إِذْ شَبَّهُوکَ بِأَصْنَامِهِمْ- وَ نَحَلُوکَ حِلْیَهَ الْمَخْلُوقِینَ بِأَوْهَامِهِمْ- وَ جَزَّءُوکَ تَجْزِئَهَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ- وَ قَدَّرُوکَ عَلَى الْخِلْقَهِ الْمُخْتَلِفَهِ الْقُوَى بِقَرَائِحِ عُقُولِهِمْ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ ساَوَاکَ بِشَیْ‏ءٍ مِنْ خَلْقِکَ فَقَدْ عَدَلَ بِکَ- وَ الْعَادِلُ بِکَ کَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْکَمَاتُ آیَاتِکَ- وَ نَطَقَتْ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَجِ بَیِّنَاتِکَ- وَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِی لَمْ تَتَنَاهَ فِی الْعُقُولِ- فَتَکُونَ فِی مَهَبِّ فِکْرِهَا مُکَیَّفاً- وَ لَا فِی رَوِیَّاتِ خَوَاطِرِهَا مَحْدُوداً مُصَرَّفاً حقاق المفاصل جمع حقه- و جاء فی جمعها حقاق و حقق و حق- و لما قال بتباین أعضاء خلقک و تلاحم حقاق مفاصلهم- فأوقع التلاحم فی مقابله التباین صناعه و بدیعا-

و روی‏المحتجه فمن قال المحتجه- أراد أنها بما فیها من لطیف الصنعه کالمحتجه- المستدله على التدبیر الحکمی من لدنه سبحانه- و من قال المحتجبه أراد المستتره- لأن ترکیبها الباطن خفی محجوب- . و الند المثل و العادلون بک- الذین جعلوا لک عدیلا و نظیرا- و نحلوک أعطوک و هی النحله- و روی لم یعقد على ما لم یسم فاعله- . و غیب ضمیره بالرفع و القرائح جمع قریحه- و هی القوه التی تستنبط بها المعقولات- و أصله من قریحه البئر و هو أول مائها- .

و معنى هذا الفصل أنه ع شهد بأن المجسم کافر- و أنه لا یعرف الله- و أن من شبه الله بالمخلوقین ذوی الأعضاء المتباینه- و المفاصل المتلاحمه لم یعرفه و لم یباشر قلبه الیقین- فإنه لا ند له و لا مثل- ثم أکد ذلک بآیات من کتاب الله تعالى- و هی قوله تعالى فَکُبْکِبُوا فِیها هُمْ وَ الْغاوُونَ- وَ جُنُودُ إِبْلِیسَ أَجْمَعُونَ قالُوا وَ هُمْ فِیها یَخْتَصِمُونَ- تَاللَّهِ إِنْ کُنَّا لَفِی ضَلالٍ مُبِینٍ- إِذْ نُسَوِّیکُمْ بِرَبِّ الْعالَمِینَ- حکى سبحانه حکایه قول الکفار فی النار و هم التابعون- للذین أغووهم من الشیاطین و هم المتبوعون- لقد کنا ضالین إذ سویناکم بالله تعالى و جعلناکم مثله- و وجه الحجه أنه تعالى حکى ذلک حکایه منکر- على من زعم أن شیئا من الأشیاء- یجوز تسویته بالباری سبحانه- فلو کان الباری سبحانه جسما مصورا- لکان مشابها لسائر الأجسام المصوره- فلم یکن لإنکاره على من سواه بالمخلوقات معنى- .

ثم زاد ع فی تأکید هذا المعنى- فقال کذب العادلون بک المثبتون لک نظیرا و شبیها- یعنى المشبهه و المجسمه إذ قالوا إنک على صوره آدم- فشبهوک بالأصنام التی‏ کانت الجاهلیه تعبدها- و أعطوک حلیه المخلوقین لما اقتضت أوهامهم ذلک- من حیث لم یألفوا- أن یکون القادر الفاعل العالم إلا جسما- و جعلوک مرکبا و متجزئا کما تتجزأ الأجسام- و قدروک على هذه الخلقه- یعنی خلقه البشر المختلفه القوى- لأنها مرکبه من عناصر مختلفه الطبائع- ثم کرر الشهاده فقال أشهد أن من ساواک بغیرک- و أثبت أنک جوهر أو جسم فهو عادل بک کافر- و قالت تلک الخارجیه للحجاج أشهد أنک قاسط عادل- فلم یفهم أهل الشام حوله ما قالت حتى فسره لهم- قال ع فمن یذهب إلى هذا المذهب فهو کافر بالکتاب- و بما دلت علیه حجج العقول ثم قال و إنک أنت الله- أی و أشهد أنک أنت الله الذی لم تحط العقول بک- کإحاطتها بالأشیاء المتناهیه فتکون ذا کیفیه- .

و قوله فی مهب فکرها استعاره حسنه- ثم قال و لا فی رویات خواطرها أی فی أفکارها محدودا- ذا حد مصرفا أی قابلا للحرکه و التغیر- . و قد استدل بعض المتکلمین- على نفی کون البارئ سبحانه جسما- بما هو مأخوذ من هذا الکلام- فقال لو جاز أن یکون البارئ جسما- لجاز أن یکون القمر هو إله للعالم- لکن لا یجوز أن یکون القمر إله العالم- فلا یجوز أن یکون البارئ جسما- بیان الملازمه أنه لو جاز أن یکون البارئ سبحانه جسما- لما کان بین الإلهیه و بین الجسمیه منافاه عقلیه- و إذا لم یکن بینهما منافاه عقلیه أمکن اجتماعهما- و إذا أمکن اجتماعهما جاز أن یکون القمر هو إله العالم- لأنه لا مانع من کونه إله العالم إلا کونه جسما- یجوز علیه الحرکه و الأفول- و نقصان ضوئه تاره و امتلاؤه أخرى- فإذا لم یکن ذلک منافیا للإلهیه- جاز أن یکون القمر إله العالم و بیان الثانی- إجماع المسلمین على کفر من أجاز کون القمر إله العالم- و إذا ثبتت الملازمه- و ثبتت المقدمه الثانیه فقد تمت الدلاله: وَ مِنْهَا- قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْکَمَ تَقْدِیرَهُ وَ دَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِیرَهُ- وَ وَجَّهَهُ لِوِجْهَتِهِ فَلَمْ یَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ- وَ لَمْ یَقْصُرْ دُونَ الِانْتِهَاءِ إِلَى غَایَتِهِ- وَ لَمْ یَسْتَصْعِبْ إِذْ أُمِرَ بِالْمُضِیِّ عَلَى إِرَادَتِهِ- فَکَیْفَ وَ إِنَّمَا صَدَرَتِ الْأُمُورُ عَنْ مَشِیئَتِهِ- الْمُنْشِئُ أَصْنَافَ الْأَشْیَاءِ بِلَا رَوِیَّهِ فِکْرٍ آلَ إِلَیْهَا- وَ لَا قَرِیحَهِ غَرِیزَهٍ أَضْمَرَ عَلَیْهَا- وَ لَا تَجْرِبَهٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ- وَ لَا شَرِیکٍ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الْأُمُورِ- فَتَمَّ خَلْقَهُ بِأَمْرِهِ وَ أَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ وَ أَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ- لَمْ یَعْتَرِضْ دُونَهُ رَیْثُ الْمُبْطِئِ وَ لَا أَنَاهُ الْمُتَلَکِّئِ- فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْیَاءِ أَوَدَهَا وَ نَهَجَ حُدُودَهَا- وَ لَاءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَیْنَ مُتَضَادِّهَا- وَ وَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا وَ فَرَّقَهَا أَجْنَاساً- مُخْتَلِفَاتٍ فِی الْحُدُودِ وَ الْأَقْدَارِ وَ الْغَرَائِزِ وَ الْهَیْئَاتِ- بَدَایَا خَلَائِقَ أَحْکَمَ صُنْعَهَا وَ فَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَ ابْتَدَعَهَا الوجهه بالکسر الجهه التی یتوجه نحوها- قال تعالى وَ لِکُلٍّ وِجْهَهٌ هُوَ مُوَلِّیها- .

و الریث البطء و المتلکئ المتأخر- و الأود الاعوجاج و لاءم بین کذا و کذا أی جمع- و القرائن هنا الأنفس واحدتها قرونه و قرینه- یقال سمحت قرینته و قرونته أی أطاعته نفسه و ذلت- و تابعته على الأمر و بدایا هاهنا جمع بدیه-و هی الحاله العجیبه أبدأ الرجل إذا جاء بالأمر البدی‏ء- أی المعجب و البدیه أیضا الحاله المبتدأه المبتکره- و منه قولهم فعله بادئ ذی بدی‏ء على وزن فعیل- أی أول کل شی‏ء- و یمکن أن یحمل کلامه أیضا على هذا الوجه- .

و أما خلائق فیجوز أن یکون أضاف بدایا إلیها- و یجوز إلا یکون أضافه إلیها- بل جعلها بدلا من أجناسا- و یروى برایا جمع بریه- یقول ع إنه تعالى قدر الأشیاء التی خلقها- فخلقها محکمه على حسب ما قدر- و ألطف تدبیرها أی جعله لطیفا- و أمضى الأمور إلى غایاتها و حدودها المقدره لها- فهیأ الصقره للاصطیاد و الخیل للرکوب و الطراد- و السیف للقطع و القلم للکتابه- و الفلک للدوران و نحو ذلک- و فی هذا إشاره إلىقول النبی ص کل میسر لما خلق له- فلم تتعد هذه المخلوقات حدود منزلتها- التی جعلت غایتها و لا قصرت دون الانتهاء إلیها- یقول لم تقف على الغایه و لا تجاوزتها- ثم قال و لا استصعبت و امتنعت- إذا أمرها بالمضی إلى تلک الغایه- بمقتضى الإراده الإلهیه و هذا کله من باب المجاز- کقوله تعالى فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِیا طَوْعاً أَوْ کَرْهاً- قالَتا أَتَیْنا طائِعِینَ- . و خلاصه ذلک الإبانه عن نفوذ إرادته و مشیئته- .

ثم علل نفی الاستصعاب- فقال و کیف یستصعب و إنما صدرت عن مشیئته- یقول إذا کانت مشیئته هی- المقتضیه لوجود هذه المخلوقات- فکیف یستصعب علیه بلوغها إلى غایاتها- التی جعلت لأجلها و أصل وجودها إنما هو مشیئته- فإذا کان أصل وجودها بمشیئته- فکیف یستصعب علیه توجیهها لوجهتها- و هو فرع من فروع وجودها و تابع له- .

ثم أعاد معانی القول الأول- فقال إنه أنشأ الأشیاء بغیر رویه و لا فکره و لا غریزه- أضمر علیها خلق ما خلق علیها و لا تجربه أفادها- أی استفادها من حوادث مرت علیه من قبل- کما تکسب التجارب علوما لم تکن- و لا بمساعده شریک أعانه علیها فتم خلقه بأمره- إشاره إلى قوله و لم یستصعب إذ أمر بالمضی- فلما أثبت هناک کونها أمرت أعاد لفظ الأمر هاهنا- و الکل مجاز و معناه نفوذ إرادته- و أنه إذا شاء أمرا استحال ألا یقع- و هذا المجاز هو المجاز المستعمل فی قوله تعالى- إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَیْئاً أَنْ یَقُولَ لَهُ کُنْ فَیَکُونُ- تعبیرا بهذا اللفظ عن سرعه مواتاه الأمور له- و انقیادها تحت قدرته- .

ثم قال لیس کالواحد منا یعترض دون مراده ریث و بطء- و تأخیر و التواء ثم قال و أقام العوج و أوضح الطریق- و جمع بین الأمور المتضاده- أ لا ترى أنه جمع فی بدن الحیوانات و النبات- بین الکیفیات المتباینه المتنافره- من الحراره و البروده و الرطوبه و الیبوسه- و وصل أسباب أنفسها بتعدیل أمزجتها- لأن اعتدال المزاج أو القرب من الاعتدال- سبب بقاء الروح- و فرقها أجناسا مختلفات الحدود و الأقدار- و الخلق و الأخلاق و الأشکال- أمور عجیبه بدیعه مبتکره الصنعه- غیر محتذ بها حذو صانع سابق بل مخلوقه على غیر مثال- قد أحکم سبحانه صنعها و خلقها على موجب ما أراد- و أخرجها من العدم المحض إلى الوجود- و هو معنى الابتداع- فإن الخلق فی الاصطلاح النظری على قسمین- أحدهما صوره تخلق فی ماده و الثانی ما لا ماده له- بل یکون وجود الثانی من الأول فقط من غیر توسط الماده- فالأول یسمى التکوین و الثانی یسمى الإبداع- و مرتبه الإبداع أعلى من مرتبه التکوین‏

: وَ مِنْهَا فِی صِفَهِ السَّمَاءِ- وَ نَظَمَ بِلَا تَعْلِیقٍ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا- وَ لَاحَمَ صُدُوعَ انْفِرَاجِهَا وَ وَشَّجَ بَیْنَهَا وَ بَیْنَ أَزْوَاجِهَا- وَ ذَلَّلَ لِلْهَابِطِینَ بِأَمْرِهِ- وَ الصَّاعِدِینَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ حُزُونَهَ مِعْرَاجِهَا- وَ نَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِیَ دُخَانٌ فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا- وَ فَتَقَ بَعْدَ الِارْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا- وَ أَقَامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا- وَ أَمْسَکَهَا مِنْ أَنْ تُمُورَ فِی خَرْقِ الْهَوَاءِ بِأَیْدِهِ- وَ أَمْرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَهً لِأَمْرِهِ- وَ جَعَلَ شَمْسَهَا آیَهً مُبْصِرَهً لِنَهَارِهَا- وَ قَمَرَهَا آیَهً مَمْحُوَّهً مِنْ لَیْلِهَا- وَ أَجْرَاهُمَا فِی مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا- وَ قَدَّرَ سَیْرَهُمَا فِی مَدَارِجِ دَرَجِهِمَا- لِیُمَیِّزَ بَیْنَ اللَّیْلِ وَ النَّهَارِ بِهِمَا- وَ لِیُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِینَ وَ الْحِسَابِ بِمَقَادِیرِهِمَا- ثُمَّ عَلَّقَ فِی جَوِّهَا فَلَکَهَا وَ نَاطَ بِهَا زِینَتَهَا- مِنْ خَفِیَّاتِ دَرَارِیِّهَا وَ مَصَابِیحِ کَوَاکِبِهَا- وَ رَمَى مُسْتَرِقِی السَّمْعِ بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا- وَ أَجْرَاهَا عَلَى أَذْلَالِ تَسْخِیرِهَا مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا- وَ مَسِیرِ سَائِرِهَا وَ هُبُوطِهَا وَ صُعُودِهَا وَ نُحُوسِهَا وَ سُعُودِهَا الرهوات جمع رهوه- و هی المکان المرتفع و المنخفض أیضا- یجتمع فیه ماء المطر و هو من الأضداد- و الفرج جمع فرجه و هی المکان الخالی و لاحم ألصق- و الصدع الشق و وشج بالتشدید أی شبک- و وشجت العروق و الأغصان بالتخفیف اشتبکت- و بیننا رحم واشجه أی مشتبکه- .

و أزواجها أقرانها و أشباهها- قال تعالى وَ کُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَهً أی أصنافا ثلاثه- .و الحزونه ضد السهوله و أشراجها جمع شرج- و هو عرا العیبه و أشرجت العیبه أی أقفلت أشراجها- و تسمى مجره السماء شرجا تشبیها بشرج العیبه- و أشراج الوادی ما انفسح منه و اتسع- . و الارتتاق الارتتاج و النقاب جمع نقب- و هو الطریق فی الجبل و تمور تتحرک و تذهب و تجی‏ء- قال تعالى یَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً- و الأید القوه و ناط بها علق- و الدراری الکواکب المضیئه نسبت إلى الدر لبیاضها- واحدها دری و یجوز کسر الدال مثل بحر لجی و لجی- . و الثواقب المضیئات- و تقول افعل ما أمرتک على أذلاله أی على وجهه- و دعه فی أذلاله أی على حاله- و أمور الله جاریه على أذلالها أی على مجاریها و طرقها- .

یقول ع کانت السماء أول ما خلقت غیر منتظمه الأجزاء- بل بعضها أرفع و بعضها أخفض فنظمها سبحانه- فجعلها بسیطا واحدا نظما اقتضته القدره الإلهیه- من غیر تعلیق أی لا کما ینظم الإنسان ثوبا مع ثوب- أو عقدا مع عقد بالتعلیق و الخیاطه- و ألصق تلک الفروج و الشقوق فجعلها جسما متصلا- و سطحا أملس لا نتوات فیه و لا فرج و لا صدوع- بل جعل کل جزء منها ملتصقا بمثله- و ذلل للملائکه الهابطین بأمره- و الصاعدین بأعمال خلقه لأنهم الکتبه الحافظون لها- حزونه العروج إلیها و هو الصعود- . ثم قال و ناداها بعد إذ هی روی بإضافه بعد إلى إذ- و روی بضم بعد أی و ناداها بعد ذلک إذ هی دخان- و الأول أحسن و أصوب لأنها على الضم- تکون دخانا بعد نظمه رهوات فروجها و ملاحمه صدوعها- و الحال تقتضی أن دخانها قبل ذلک لا بعده- .

فإن قلت ما هذا النداء- قلت هو قوله ائْتِیا طَوْعاً أَوْ کَرْهاً- فهو أمر فی اللفظ و نداء فی المعنى- و هو على الحقیقه کنایه عن سرعه الإبداع- ثم قال و فتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها- هذا صریح فی أن للسماء أبوابا- و کذلک قوله على نقابها- و هو مطابق لقوله سبحانه و تعالى- لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ- و القرآن العظیم و کلام هذا الإمام المعظم- أولى بالاتباع من کلام الفلاسفه- الذین أحالوا الخرق على الفلک- و أما إقامه الرصد من الشهب الثواقب- فهو نص القرآن العزیز وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها- مُلِئَتْ حَرَساً شَدِیداً وَ شُهُباً- وَ أَنَّا کُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ- فَمَنْ یَسْتَمِعِ الْآنَ یَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً- و القول بإحراق الشهب للشیاطین- اتباعا لنص الکتاب أولى من قول الفلاسفه- الذین أحالوا الانقضاض على الکواکب- .

ثم قال و أمسکها على الحرکه بقوته- و أمرها بالوقوف فاستمسکت و وقفت- ثم ذکره الشمس و القمر تذکره مأخوذ من قول الله تعالى- وَ جَعَلْنَا اللَّیْلَ وَ النَّهارَ آیَتَیْنِ- فَمَحَوْنا آیَهَ اللَّیْلِ وَ جَعَلْنا آیَهَ النَّهارِ مُبْصِرَهً- . ثم ذکر الحکم فی جریان الشمس و القمر فی مجراهما- تذکره مأخوذ من قوله تعالى- وَ الشَّمْسُ تَجْرِی لِمُسْتَقَرٍّ لَها- و قوله وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ- و قوله وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِینَ وَ الْحِسابَ- .

ثم قال ثم علق فی جوها فلکها- و هذا یقتضی أن الفلک غیر السماء- و هو خلاف قول الجمهور و قد قال به قائلون- و یمکن أن نفسر ذلک إذا أردنا موافقه قول الجمهور- بأنه أراد بالفلک دائره معدل النهار- فإنها الدائره العظمى فی الفلک الأعظم- و هی فی الاصطلاح النظری تسمى فلکا- . ثم ذکر أنه زین السماء الدنیا بالکواکب- و أنها رجوم لمسترقی السمع- و هو مأخوذ من قوله تعالى- إِنَّا زَیَّنَّا السَّماءَ الدُّنْیا بِزِینَهٍ الْکَواکِبِ- وَ حِفْظاً مِنْ کُلِّ شَیْطانٍ مارِدٍ- لا یَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى‏ وَ یُقْذَفُونَ مِنْ کُلِّ جانِبٍ- دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ- .

ثم شرح حال الدنیا فقال من ثبات ثابتها- یعنی الکواکب التی فی کره البروج و مسیر سائرها- یعنی الخمسه و النیرین لأنها سائره دائما- . ثم قال و صعودها و هبوطها- و ذلک أن للکواکب السیاره صعودا فی الأوج- و هبوطا فی الحضیض- فالأول هو البعد الأبعد عن المرکز و الثانی البعد الأقرب- . فإن قلت ما باله ع قال و نحوسها و سعودها- و هو القائل لمن أشار علیه ألا یحارب فی یوم مخصوص- المنجم کالکاهن و الکاهن کالساحر- و الساحر کالکافر و الکافر فی النار- . قلت إنه ع إنما أنکر فی ذلک القول على من یزعم- أن النجوم مؤثره فی الأمور الجزئیه- کالذین یحکمون لأرباب الموالید و علیهم- و کمن یحکم فی حرب أو سلم أو سفر أو مقام- بأنه للسعد أو النحس و أنه لم ینکر على من قال- إن النجوم تؤثر سعودا و نحوسا فی الأمور الکلیه- نحو أن تقتضی حرا أو بردا- أو تدل على مرض عام‏ أو قحط عام أو مطر دائم- و نحو ذلک من الأمور التی لا تخص إنسانا بعینه- و قد قدمنا فی ذلک الفصل- ما یدل على تصویب هذا الرأی و إفساد ما عداه: وَ مِنْهَا فِی صِفَهِ الْمَلَائِکَهِ- ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لِإِسْکَانِ سَمَاوَاتِهِ- وَ عِمَارَهِ الصَّفِیحِ الْأَعْلَى مِنْ مَلَکُوتِهِ- خَلْقاً بَدِیعاً مِنْ مَلَائِکَتِهِ- وَ مَلَأَ بِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا وَ حَشَى بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِهَا- وَ بَیْنَ فَجَوَاتِ تِلْکَ الْفُرُوجِ زَجَلُ الْمُسَبِّحِینَ- مِنْهُمْ فِی حَظَائِرِ الْقُدُسِ- وَ سُتُرَاتِ الْحُجُبِ وَ سُرَادِقَاتِ الْمَجْدِ- وَ وَرَاءَ ذَلِکَ الرَّجِیجِ الَّذِی تَسْتَکُّ مِنْهُ الْأَسْمَاعُ- سُبُحَاتُ نُورٍ تَرْدَعُ الْأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا- فَتَقِفُ خَاسِئَهً عَلَى حُدُودِهَا- .

وَ أَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ وَ أَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ- أُولِی أَجْنِحَهٍ تُسَبِّحُ جَلَالَ عِزَّتِهِ- لَا یَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِی الْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ- وَ لَا یَدَّعُونَ أَنَّهُمْ یَخْلُقُونَ شَیْئاً مَعَهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ- بَلْ عِبادٌ مُکْرَمُونَ لا یَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ یَعْمَلُونَ- جَعَلَهُمُ اللَّهُ فِیمَا هُنَالِکَ أَهْلَ الْأَمَانَهِ عَلَى وَحْیِهِ- وَ حَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِینَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَ نَهْیِهِ- وَ عَصَمَهُمْ مِنْ رَیْبِ الشُّبُهَاتِ- فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ عَنْ سَبِیلِ مَرْضَاتِهِ- وَ أَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ الْمَعُونَهِ- وَ أَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ السَّکِینَهِ- وَ فَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلًا إِلَى تَمَاجِیدِهِ- وَ نَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَهً عَلَى أَعْلَامِ تَوْحِیدِهِ- لَمْ تُثْقِلْهُمْ مُؤْصِرَاتُ الآْثَامِ- وَ لَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّیَالِی وَ الْأَیَّامِ- وَ لَمْ تَرْمِ الشُّکُوکُ بِنَوَازِعِهَا عَزِیمَهَ إِیمَانِهِمْ- وَ لَمْ تَعْتَرِکِ الظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ یَقِینِهِمْ- وَ لَا قَدَحَتْ قَادِحَهُ الْإِحَنِ فِیمَا بَیْنَهُمْ- وَ لَا سَلَبَتْهُمُ الْحَیْرَهُ مَا لَاقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ- وَ مَا سَکَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ‏ وَ هَیْبَهِ جَلَالِهِ فِی أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ- وَ لَمْ تَطْمَعْ فِیهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَیْنِهَا عَلَى فِکْرِهِمْ- وَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِی خَلْقِ الْغَمَامِ الدُّلَّحِ- وَ فِی عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ وَ فِی قَتْرَهِ الظَّلَامِ الْأَیْهَمِ- وَ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الْأَرْضِ السُّفْلَى- فَهِیَ کَرَایَاتٍ بِیضٍ قَدْ نَفَذَتْ فِی مَخَارِقِ الْهَوَاءِ- وَ تَحْتَهَا رِیحٌ هَفَّافَهٌ- تَحْبِسُهَا عَلَى حَیْثُ انْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِیَهِ- قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ- وَ وَصَّلَتْ حَقَائِقُ الْإِیمَانِ بَیْنَهُمْ وَ بَیْنَ مَعْرِفَتِهِ- وَ قَطَعَهُمُ الْإِیقَانُ بِهِ إِلَى الْوَلَهِ إِلَیْهِ- وَ لَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَیْرِهِ- قَدْ ذَاقُوا حَلَاوَهَ مَعْرِفَتِهِ- وَ شَرِبُوا بِالْکَأْسِ الرَّوِیَّهِ مِنْ مَحَبَّتِهِ- وَ تَمَکَّنَتْ مِنْ سُوَیْدَاوَاتِ قُلُوبِهِمْ وَشِیجَهُ خِیفَتِهِ- فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَهِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ- وَ لَمْ یُنْفِدْ طُولُ الرَّغْبَهِ إِلَیْهِ مَادَّهَ تَضَرُّعِهِمْ- وَ لَا أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِیمُ الزُّلْفَهِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ- وَ لَمْ یَتَوَلَّهُمُ الْإِعْجَابُ فَیَسْتَکْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ- وَ لَا تَرَکَتْ لَهُمُ اسْتِکَانَهُ الْإِجْلَالِ- نَصِیباً فِی تَعْظِیمِ حَسَنَاتِهِمْ- وَ لَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فِیهِمْ عَلَى طُولِ دُءُوبِهِمْ- وَ لَمْ تَغِضْ رَغَبَاتُهُمْ فَیُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ- وَ لَمْ تَجِفَّ لِطُولِ الْمُنَاجَاهِ أَسَلَاتُ أَلْسِنَتِهِمْ- وَ لَا مَلَکَتْهُمُ الْأَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ الْجُؤَارِ إِلَیْهِ أَصْوَاتُهُمْ- وَ لَمْ تَخْتَلِفْ فِی مَقَاوِمِ الطَّاعَهِ مَنَاکِبُهُمْ- وَ لَمْ یَثْنُوا إِلَى رَاحَهِ التَّقْصِیرِ فِی أَمْرِهِ رِقَابَهِمْ- . وَ لَا تَعْدُو عَلَى عَزِیمَهِ جِدِّهِمْ بَلَادَهُ الْغَفَلَاتِ- وَ لَا تَنْتَضِلُ فِی هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ- قَدِ اتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِیرَهً لِیَوْمِ فَاقَتِهِمْ- وَ یَمَّمُوهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَى الْمَخْلُوقِینَ بِرَغْبَتِهِمْ- لَا یَقْطَعُونَ أَمَدَ غَایَهِ عِبَادَتِهِ- وَ لَا یَرْجِعُ بِهِمُ الِاسْتِهْتَارُبِلُزُومِ طَاعَتِهِ- إِلَّا إِلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَیْرِ مُنْقَطِعَهٍ مِنْ رَجَائِهِ وَ مَخَافَتِهِ-

لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَهِ مِنْهُمْ فَیَنُوا فِی جِدِّهِمْ- وَ لَمْ تَأْسِرْهُمُ الْأَطْمَاعُ- فَیُؤْثِرُوا وَشِیکَ السَّعْیِ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ- لَمْ یَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ- وَ لَوِ اسْتَعْظَمُوا ذَلِکَ لَنَسَخَ الرَّجَاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ- وَ لَمْ یَخْتَلِفُوا فِی رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ الشَّیْطَانِ عَلَیْهِمْ- وَ لَمْ یُفَرِّقْهُمْ سُوءُ التَّقَاطُعِ وَ لَا تَوَلَّاهُمْ غِلُّ التَّحَاسُدِ- وَ لَا تَشَعَّبَتْهُمْ مَصَارِفُ الرَّیْبِ- وَ لَا اقْتَسَمَتْهُمْ أَخْیَافُ الْهِمَمِ- فَهُمْ أُسَرَاءُ إِیمَانٍ لَمْ یَفُکَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَیْغٌ وَ لَا عُدُولٌ- وَ لَا وَنًى وَ لَا فُتُورٌ- وَ لَیْسَ فِی أَطْبَاقِ السَّمَاءِ مَوْضِعُ إِهَابٍ إِلَّا وَ عَلَیْهِ مَلَکٌ سَاجِدٌ- أَوْ سَاعٍ حَافِدٌ یَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَهِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً- وَ تَزْدَادُ عِزَّهُ رَبِّهِمْ فِی قُلُوبِهِمْ عِظَماً هذا موضع المثل إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل- إذا جاء هذا الکلام الربانی و اللفظ القدسی- بطلت فصاحه العرب و کانت نسبه الفصیح من کلامها إلیه- نسبه التراب إلى النضار الخالص- و لو فرضنا أن العرب تقدر- على الألفاظ الفصیحه المناسبه- أو المقاربه لهذه الألفاظ- من أین لهم الماده التی عبرت هذه الألفاظ عنها- و من أین تعرف الجاهلیه- بل الصحابه المعاصرون لرسول الله ص- هذه المعانی الغامضه السمائیه- لیتهیأ لها التعبیر عنها- أما الجاهلیه فإنهم إنما کانت- تظهر فصاحتهم فی صفه بعیر أو فرس أو حمار وحش- أو ثور فلاه أو صفه جبال أو فلوات و نحو ذلک-

و أما الصحابه فالمذکورون منهم بفصاحه- إنما کان منتهى فصاحه أحدهم کلمات- لا تتجاوز السطرین أو الثلاثه- أما فی موعظه تتضمن ذکر الموت أو ذم الدنیا- أو یتعلق بحرب و قتال من ترغیب أو ترهیب- فأما الکلام فی الملائکه و صفاتها و صورها و عباداتها- و تسبیحها و معرفتها بخالقها و حبها له و ولهها إلیه- و ما جرى مجرى ذلک مما تضمنه هذا الفصل على طوله- فإنه لم یکن معروفا عندهم على هذا التفصیل- نعم ربما علموه جمله غیر مقسمه هذا التقسیم- و لا مرتبه هذا الترتیب- بما سمعوه من ذکر الملائکه فی القرآن العظیم- و أما من عنده علم من هذه الماده- کعبد الله بن سلام و أمیه بن أبی الصلت و غیرهم- فلم تکن لهم هذه العباره و لا قدروا على هذه الفصاحه- فثبت أن هذه الأمور الدقیقه- فی مثل هذه العباره الفصیحه لم تحصل إلا لعلی وحده- و أقسم أن هذا الکلام إذا تأمله اللبیب اقشعر جلده- و رجف قلبه و استشعر عظمه الله العظیم فی روعه و خلده- و هام نحوه و غلب الوجد علیه- و کاد أن یخرج من مسکه شوقا- و أن یفارق هیکله صبابه و وجدا- .

ثم نعود إلى التفسیر- فنقول الصفیح الأعلى سطح الفلک الأعظم- و یقال لوجه کل شی‏ء عریض صفیح و صفحه- . و الفروج الأماکن الخالیه و الفجاج جمع فج- و الفج الطریق الواسع بین جبلین أو حائطین- و أجوائها جمع جو و هو ما اتسع من الأودیه- و یقال لما بین السماء و الأرض جو- و یروى أجوابها جمع جوبه و هی الفرجه فی السحاب و غیره- و یروى أجوازها جمع جوز و هو وسط الشی‏ء- و الفجوات جمع فجوه و هی الفرجه بین الشیئین- تقول منه تفاجى الشی‏ء إذا صار له فجوه و منه الفجاء- و هو تباعد ما بین عرقوبی البعیر- . و الزجل الصوت- و حظائر القدس لفظه وردت فی کلام رسول الله ص- و أصل الحظیره ما یعمل شبه البیت- للإبل من الشجر لیقیها البرد- فسمى‏ ع تلک المواطن الشریفه المقدسه العالیه- التی فوق الفلک حظائر القدس- و القدس بتسکین الدال و ضمها الطهر- و التقدیس التطهیر و تقدس تطهر- و الأرض المقدسه المطهره و بیت المقدس أیضا- و النسبه إلیه قدسی و مقدسی و السترات جمع ستره- و الرجیج الزلزله و الاضطراب و منه ارتج البحر- و تستک الأسماع تنسد قال النابغه-

و نبئت خیر الناس أنک لمتنی
و تلک التی تستک منها المسامع‏

سبحات النور بضم السین و الباء- عباره عن جلاله الله تعالى و عظمته- و تردع الأبصار تکفها و خاسئه أی سادره- و منه یَنْقَلِبْ إِلَیْکَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِیرٌ- و خسا بصره خسا و خسوءا أی سدر- . و قوله على حدودها أی تقف حیث تنتهی قوتها- لأن قوتها متناهیه فإذا بلغت حدها وقفت- و قوله أولی أجنحه من الألفاظ القرآنیه- . و قوله لا ینتحلون ما ظهر فی الخلق من صنعه- أی لا یدعون الإلهیه لأنفسهم- و إن کان قوم من البشر یدعونها لهم- و قوله لا یدعون أنهم یخلقون شیئا معه مما انفرد به- فیه إشاره إلى مذهب أصحابنا- فی أن أفعال العباد مخلوقه لهم لأن فائده هذا القید- و هو قوله انفرد به إنما تظهر بذلک- . و أما الآیات المقدسه فالروایه المشهوره مُکْرَمُونَ- و قرئ مکرمون بالتشدید- و قرئ لا یسبقونه بالضم و المشهور القراءه بالکسر- و المعنى أنهم یتبعون قوله و لا یقولون شیئا حتى یقوله- فلا یسبق قولهم قوله و أراد أن یقول لا یسبقونه بقولهم- فحذف الضمیر المضاف إلیه و أناب اللام منابه- .

ثم قال و هم بأمره یعملون- أی کما أن قولهم تابع لقوله- فعملهم أیضا کذلک فرع على أمره- لا یعملون عملا ما لم یؤمروا به-و جاء فی الخبر المرفوع عن رسول الله ص أنه رأى جبرائیل لیله المعراج ساقطا- کالحلس من خشیه الله- و الحلس الکساء الخفیف- . و الزائغ العادل عن الطریق- و الإخبات التذلل و الاستکانه- و أبوابا ذللا أی سهله وطیئه و منه دابه ذلول- و تماجیده الثناء علیه بالمجد- و المؤصرات المثقلات و الإصر الثقل- . و تقول ارتحلت البعیر أی رکبته- و العقبه النوبه و الجمع عقب- و معنى قوله و لم ترتحلهم عقب اللیالی و الأیام- أی لم تؤثر فیهم نوبات اللیالی و الأیام و کرورها- کما یؤثر ارتحال الإنسان البعیر فی ظهره- و نوازعها شهواتها النازعه المحرکه- و روی نوازغها بالغین المعجمه من نزع بینهم أی أفسد- .

و لم تعترک الظنون- أی لم تزدحم الظنون على یقینهم الذی عقدوه- . و الإحن جمع إحنه و هی الحقد- یقول لم تقدح قوادح الحقد فی ضمائرهم- . و ما لاق أی ما التصق- و أثناء صدورهم جمع ثنی و هی التضاعیف- و الرین الدنس و الغلبه- قال تعالى کَلَّا بَلْ رانَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ- . و تقترع من الاقتراع بالسهام- بأن یتناوب کل من الوساوس علیها- و یروى فیفترع بالفاء أی تعلو برینها فرعه أی علاه- . و الغمام جمع غمامه و هی السحابه و الدلح الثقال- جاء یدلح بجمله أی جاء مثقلا به- و الجبال الشمخ العالیه الشاهقه- . و قوله فی قتره الظلام أی سواده- و الأیهم لا یهتدى فیه و منه‏ فلاه یهماء- و التخوم بضم التاء جمع تخم- و هو منتهى الأرض أو القریه مثل فلس و فلوس- و یروى تخوم بفتح التاء على أنها واحد- و الجمع تخم مثل صبور و صبر- . و ریح هفافه أی ساکنه طیبه- یقول کان أقدامهم التی خرقت الهواء إلى حضیض الأرض- رایات بیض تحتها ریح ساکنه لیست مضطربه- فتموج تلک الرایات- بل هی ساکنه تحبسها حیث انتهت-
و جاء فی الخبر أن لإسرافیل جناحین- أحدهما فی أقصى المشرق و الآخر فی أقصى المغرب- و أن العرش على کاهله- و أنه لیتضاءل أحیانا لعظمه الله- حتى یعود مثل الوضع و هو العصفور- .

ثم قال قد استفرغتهم أشغال عبادته تعالى- أی جعلتهم فارغین إلا منها- و یروى و وسلت حقائق الإیمان بالسین المشدده- یقال وسل فلان إلى ربه وسیله و الوسیله ما یتقرب به- و الجمع وسیل و وسائل- و یقال وسلت إلیه و توسلت إلیه بمعنى- . و سویداوات القلوب جمع سویداء و هی حبه القلب- و الوشیجه فی الأصل عرق الشجره و هی هنا استعاره- و حنیت ضلعی أی عوجتها و الربق جمع ربقه و هی الحبل- . قوله و لم یتولهم الإعجاب أی لم یستول علیهم- و الدءوب الجد و الاجتهاد و الأسلات جمع أسله- و هی طرف اللسان و مستدقه- و الجؤار الصوت المرتفع و الهمس الصوت الخفی- یقول لیست لهم أشغال خارجه عن العباده- فیکون لأجلها أصواتهم المرتفعه خافیه ساکنه- لا تعدو من عدا علیه إذا قهره و ظلمه و هو هاهنا استعاره- .

و لا تنتضل الخدائع فی هممهم استعاره أیضا من النضال- و هو المراماه بالسهام و ذو العرش هو الله تعالى- و هذه لفظه قرآنیه- قال سبحانه إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى‏ ذِی الْعَرْشِ‏ سَبِیلًا- یعنی لابتغوا إلى الله تعالى سبیلا- و قال تعالى ذُو الْعَرْشِ الْمَجِیدُ فَعَّالٌ لِما یُرِیدُ- و الاستهتار مصدر استهتر فلان بکذا أی لازمه و أولع به- . و قوله فینوا أی فیضعفوا ونی ینی- و الجد الاجتهاد و الانکماش- . ثم قال إنهم لا یستعظمون عبادتهم- و لو أن أحدا منهم استعظم عبادته لأذهب خوفه رجاءه- الذی یتولد من استعظام تلک العباده- یصفهم بعظم التقوى- . و الاستحواذ الغلبه و الغل الحقد- و تشعبتهم تقسمتهم و فرقتهم- و منه قیل للمنیه شعوب أی مفرقه- و أخیاف الهمم أی الهمم المختلفه و أصله من الخیف- و هو کحل إحدى العینین دون الأخرى- و منه المثل الناس أخیاف أی مختلفون و الإهاب الجلد- و الحافد المسرع و منه الدعاء- اللهم إلیک نسعى و نحفد- .

و اعلم أنه ع إنما کرر و أکد صفاتهم بما وصفهم به- لیکون ذلک مثالا یحتذی علیه أهل العرفان من البشر- فإن أعلى درجات البشر أن یتشبه بالملک- و خلاصه ذلک أمور- . منها العباده القائمه- . و منها ألا یدعى أحد لنفسه الحول و القوه بل لا حول و لا قوه- . و منها أن یکون متواضعا ذا سکینه و وقار- . و منها أن یکون ذا یقین لا تقدح فیه الشکوک و الشبهات- . و منها ألا یکون فی صدره إحنه على أحد من الناس- . و منها شده التعظیم و الهیبه لخالق الخلق تبارک اسمه- . و منها أن تستفرغه أشغال العباده له عن غیرها من الأشغال- .

و منها أنه لا تتجاوز رغباته مما عند الله تعالى- إلى ما عند غیره سبحانه- . و منها أن یعقد ضمیره و قلبه على محبه الله تعالى- و یشرب بالکأس الرویه من حبه- . و منها عظم التقوى بحیث یأمن کل شی‏ء عدا الله- و لا یهاب أحدا إلا الله- . و منها- الخشوع و الخضوع و الإخبت و الذل لجلال عزته سبحانه- . و منها ألا یستکثر الطاعه و العمل و إن جل و عظم- . و منها عظم الرجاء الواقع فی مقابله عظم الخوف- فإن الله تعالى یحب أن یرجى کما یحب أن یخاف

أبحاث تتعلق بالملائکه

و اعلم أنه یجب أن تعلم أبحاث متعدده- تتعلق بالملائکه و یقصد فیها قصد حکایه المذهب خاصه- و نکل الاحتجاج و النظر- إلى ما هو مذکور فی کتبنا الکلامیه- . البحث الأول فی وجود الملائکه- قال قوم من الباطنیه السبیل إلى إثبات الملائکه- هو الحس و المشاهده- و ذلک أن الملائکه عندهم أهل الباطن- . و قالت الفلاسفه هی العقول المفارقه- و هی جواهر مجرده عن الماده- لا تعلق لها بالأجسام تدبیرا- و احترزوا بذلک عن النفوس- لأنها جواهر مفارقه إلا أنها تدبر الأبدان- و زعموا أنهم أثبتوها نظرا- . و قال أصحابنا المتکلمون الطریق إلى إثبات الملائکه- الخبر الصادق المدلول على صدقه- و فی المتکلمین من زعم أنه أثبت الملائکه بطریق نظری- و هو أنه لما وجد خلقا من طین- وجب فی العقل أن یکون فی المخلوقات خلق من الهواء- و خلق من النار فالمخلوق من الهواء هو الملک- و المخلوق من النار الشیطان- .

البحث الثانی فی بنیه الملائکه و هیئه ترکیبهم- قال أصحابنا المتکلمون أن الملائکه أجسام لطاف- و لیسوا من لحم و دم و عظام کما خلق البشر من هذه الأشیاء- و قال أبو حفص المعود القرینسی من أصحابنا- إن الملائکه من أجسام من لحم و عظم- إنه لا فرق بینهم و بین البشر- و إنما لم یروا لبعد المسافه بیننا و بینهم- . و قد تبعه على هذا القول جماعه من معتزله ما وراء النهر- و هی مقاله ضعیفه لأن القرآن یشهد بخلافه فی قوله- وَ رُسُلُنا لَدَیْهِمْ یَکْتُبُونَ- و قوله إِذْ یَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّیانِ- عَنِ الْیَمِینِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِیدٌ- فلو کانوا أجساما کثیفه کأجسامنا لرأیناهم- . البحث الثالث فی تکلیف الملائکه- حکى عن قوم من الحشویه- أنهم یقولون إن الملائکه مضطرون الله جمیع أفعالهم- و لیسوا مکلفین- .

و قال جمهور أهل النظر إنهم مکلفون- . و حکى عن أبی إسحاق النظام- إنه قال إن قوما من المعتزله قالوا- إنهم جبلوا على الطاعه لمخالفه خلقهم خلقه المکلفین- و أنهم قالوا لو کانوا مکلفین- لم یؤمن أن یعصوا فیما أمروا به- و قد قال تعالى لا یَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ- وَ یَفْعَلُونَ ما یُؤْمَرُونَ- . و قال قوم إن أکثر الملائکه مکلفون- و إن فیهم من لیس بمکلف بل هو مسخر للملائکه المکلفین- کما أن الحیوانات ما هو غیر مکلف- بل هو مسخر للبشر و مخلوق لمصالحهم- . قالوا و لا ننکر أن یکون الملائکه الذین ذکر منهم- أنهم غلظ الأجسام و عظم الخلق و الترکیب- بحیث تبلغ أقدامهم إلى قرار الأرض- قد جعلوا عمدا للسموات و الأرض- فهم‏ یحملونها بمنزله الأساطین- التی تحمل السقوف العالیه- و لم یرشحوا لأمر من الأمور سوى ذلک- . البحث الرابع فیما یجوز من الملائکه و ما لا یجوز- قال شیخنا أبو القاسم حکى أبو الحسن الخیاط- عن قدماء المعتزله أنه لا یجوز أن یعصی أحد من الملائکه- و لم یذکر عنهم عله فی ذلک- .

و قال قوم إنهم لا یعصون و لا یجوز أن یعصوا- لأنهم غیر مطیقین الشهوه و الغضب- فلا داعی لهم إلى المعصیه- و الفاعل لا یفعل إلا بداع إلى الفعل- . و قال قوم إنهم لا یعصون- لأنهم یشاهدون من عجائب صنع الله و آثار هیبته- ما یبهرهم عن فعل المعصیه و القصد إلیها- و کذلک قال تعالى وَ هُمْ مِنْ خَشْیَتِهِ مُشْفِقُونَ- . و قال قوم إنما لم یجز أن یعصوا- لأن الله تعالى أخبر عنهم أنهم لا یعصون- و لا ینکر مع ذلک أن یکون منهم من یتغیر حاله- و یتبدل بها حاله أخرى و یعصی- على ما ورد من خبر الملکین ببابل و خبر إبلیس- و إنما یسلب عنهم المعصیه- ما داموا على حالهم التی هی علیها- .

و قال شیوخنا أصحاب أبی هاشم رحمه الله تعالى- إن المعصیه تجوز علیهم کما تجوز علینا- إلا أن الله تعالى علم أن لهم ألطافا- یمتنعون معها من القبیح لفعلها- فامتنعوا من فعل القبیح اختیارا- فکانت حالهم کحال الأنبیاء من البشر- یقدرون على المعصیه و لا یفعلونها-اختیارا من أنفسهم باعتبار الألطاف المفعوله لهم- و لو کان لإبلیس أو فرعون أو نمرود ألطاف- یعلم الله تعالى إذا فعلها فعلوا الواجب- و امتنعوا من فعل القبیح لفعلها بهم- و لکانوا معصومین کالأنبیاء و الملائکه- لکنه تعالى علم أنهم لا یؤمنون و لو فعل مهما فعل- فلا لطف فی المعلوم و هذا عندهم حکم- عام لجمیع المکلفین من الإنس و الجن و الملائکه- .

البحث الخامس فی أن أی القبیلین أفضل- الملائکه أو الأنبیاء- قال أصحابنا نوع الملائکه أفضل من نوع البشر- و الملائکه المقربون أفضل من نوع الأنبیاء- و لیس کل ملک عند الإطلاق أفضل من محمد ص- بل بعض المقربین أفضل منه- و هو ع أفضل من ملائکه أخرى غیر الأولین- و المراد بالأفضل الأکثر ثوابا- و کذلک القول فی موسى و عیسى و غیرهما من الأنبیاء- و الذی یحکیه قوم من أرباب المقالات- أن المعتزله قالوا إن أدنى ملک فی السماء- أفضل من محمد ص لیس بصحیح عنهم- . و قال أهل الحدیث و الأشعریه- أن الأنبیاء أفضل من الملائکه- . و قال الشیعه الأنبیاء أفضل من الملائکه- و الأئمه أفضل من الملائکه- .

و قال قوم منهم و من الحشویه- إن المؤمنین أفضل من الملائکه- . البحث السادس فی قدم الملائکه و حدوثهم- أما الفلاسفه القائلون بأنهم العقول المفارقه- فإنهم یذهبون إلى قدم الملائکه- .و قال غیرهم من أهل الملل إنهم محدثون- . و قال قوم من متأخری الحکماء- إن نفوس البشر إذا فارقت الأبدان بالموت- بقیت قائمه بأنفسها غیر مدبره لشی‏ء من الأبدان- فإن کانت خیره صالحه فهی الملائکه-و إن کانت شریره ردیئه الجوهر فهی الشیاطین- فالملائکه عند هؤلاء محدثون- و عندهم أن هذه النفوس تساعد نفوسا أخرى- متعلقه بتدبیر الأبدان أما على الخیر أو على الشر- فما ینسب فی الکتب الإلهیه- إلى إغواء الشیاطین للناس و إضلالهم- فالمراد به تلک النفوس الشریره و ما ینسب فیها- إلى إعانه الملائکه لهم على الخیر و الصلاح- فالمراد به تلک النفوس الخیره- . البحث السابع فی إبلیس أ هو من الملائکه أو لیس منها- قال شیخنا أبو عثمان و جماعه من أصحابنا- إنه من الملائکه و لذلک استثناه الله تعالى- فقال فَسَجَدَ الْمَلائِکَهُ کُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِیسَ- .

و قال قوم إنه کان من الملائکه بدلاله هذه الآیه- لکن الله مسخه حیث خالف الأمر- فهو بعد المسخ خارج عن الملائکه- و قد کان قبل ذلک ملکا- قالوا و معنى قوله کانَ مِنَ الْجِنِّ أی من خزان الجنه- و روی ذلک عن ابن عباس- قالوا و یحمل على معناه أنه صار من الجن- فیکون کان بمعنى صار- کقوله تعالى کَیْفَ نُکَلِّمُ مَنْ کانَ فِی الْمَهْدِ صَبِیًّا أی من صار- لأنها لو کانت کان على حقیقتها- لوجب إلا یکلم بعضهم بعضا- لأنهم کانوا صبیانا فی المهود- . قالوا و معنى صیرورته من الجن صیرورته ضالا- کما أن الجن ضالون لأن الکفار بعضهم من بعض- کما قال تعالى الْمُنافِقُونَ وَ الْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ- .

و قال معظم أصحابنا إن إبلیس لیس من الملائکه- و لا کان منها و إنما استثناه الله تعالى منهم- لأنه کان مأمورا بالسجود معهم- فهو مستثنى من عموم المأمورین بالسجود- لا من خصوص الملائکه- . البحث الثامن فی هاروت و ماروت- هل هما من الملائکه أم لا- قال جمهور أصحابنا إنهما من الملائکه- و إن القرآن العظیم قد صرح بذلک فی قوله- وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَکَیْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ- و إن الذی أنزل علیهما هو علم السحر- ابتلاء من الله تعالى للناس- فمن تعلمه منهم و عمل به کان کافرا- و من تجنبه أو تعلمه لا لیعمل به و لکن لیتوقاه کان مؤمنا- قالوا و ما کان هذان الملکان یعلمان أحدا- حتى ینبهاه و ینهیاه و ینصحاه- و یقولا له إِنَّما نَحْنُ فِتْنَهٌ أی ابتلاء و اختبار من الله- فَلا تَکْفُرْ و لا تتعلمه معتقدا أنه حق- .

و حکى عن الحسن البصری- أن هاروت و ماروت علجان أقلفان من أهل بابل- کانا یعلمان الناس السحر- و قرأ الحسن على الملکین ببابل بکسر اللام- . و قال قوم کانا من الملائکه- فعصیا الله تعالى بالحیف فی الحکومه- و قد کان استقضاهما فی الأرض- و رکب فیهما الشهوه و الغضب- على نحو ما رکب فی البشر امتحانا لهما- لأنهما قد کانا عیرا البشر بالمعصیه- فلما عصیا حبسهما الله تعالى و عاقبهما بعذاب معجل- و ألهمهما کلاما إذا تکلما به سکن بعض ما بهما من الألم- و إن السحره یستمعون ذلک الکلام فیحفظونه- و یفرقون به بین المرء و زوجه- فإنهما یتقدمان إلى من یحضرهما- عند ما یتکلمان بالزجر عن العمل بذلک الکلام- و یقولان إِنَّما نَحْنُ‏ فِتْنَهٌ فَلا تَکْفُرْ- و هما لم یکفرا و لا دعوا إلى السحر- و إن عذابهما سیقطع و قد جاء فی الأخبار ما یوافق هذا- .

و قال قوم من الحشویه إنهما شربا الخمر و قتلا النفس- و زنیا بامرأه اسمها باهید فمسخت- و هی الزهره التی فی السماء وَ مِنْهَا فِی صِفَهِ الْأَرْضِ وَ دَحْوِهَا عَلَى الْمَاءِ- کَبَسَ الْأَرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجٍ مُسْتَفْحِلَهٍ- وَ لُجَجِ بِحَارِ زَاخِرَهٍ تَلْتَطِمُ أَوَاذِیُّ أَمْوَاجِهَا- وَ تَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَثْبَاجِهَا- وَ تَرْغُو زَبَدًا کَالْفُحُولِ عِنْدَ هِیَاجِهَا- فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلَاطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا- وَ سَکَنَ هَیْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِکَلْکَلِهَا- وَ ذَلَّ مُسْتَخْذِیاً إِذْ تَمَعَّکَتْ عَلَیْهِ بِکَوَاهِلِهَا- فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ سَاجِیاً مَقْهُوراً- وَ فِی حَکَمَهِ الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِیراً- وَ سَکَنَتِ الْأَرْضُ مَدْحُوَّهً فِی لُجَّهِ تَیَّارِهِ- وَ رَدَّتْ مِنْ نَخْوَهِ بَأْوِهِ وَ اعْتِلَائِهِ وَ شُمُوخِ أَنْفِهِ وَ سُمُوِّ غُلَوَائِهِ- وَ کَعَمَتْهُ عَلَى کِظَّهِ جَرْیَتِهِ فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ- وَ لَبَدَ بَعْدَ زَیَفَانِ وَثَبَاتِهِ- فَلَمَّا سَکَنَ هَیْجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَکْنَافِهَا- وَ حَمَلَ شَوَاهِقَ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ الْبُذَّخِ عَلَى أَکْتَافِهَا- فَجَّرَ یَنَابِیعَ الْعُیُونِ مِنْ عَرَانِینِ أُنُوفِهَا- وَ فَرَّقَهَا فِی سُهُوبِ بِیدِهَا وَ أَخَادِیدِهَا- وَ عَدَّلَ حَرَکَاتِهَا بِالرَّاسِیَاتِ مِنْ جَلَامِیدِهَا- وَ ذَوَاتِ الشَّنَاخِیبِ الشُّمِّ مِنْ صَیَاخِیدِهَا- فَسَکَنَتْ مِنَ الْمَیَدَانِ لِرُسُوبِ الْجِبَالِ فِی قِطَعِ أَدِیمِهَا- وَ تَغَلْغُلِهَا مُتَسَرِّبَهً فِی جَوْبَاتِ خَیَاشِیمِهَا- وَ رُکُوبِهَا أَعْنَاقَ سُهُولِ الْأَرَضِینَ وَ جَرَاثِیمِهَا- وَ فَسَحَ‏بَیْنَ الْجَوِّ وَ بَیْنَهَا وَ أَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً لِسَاکِنِهَا- وَ أَخْرَجَ إِلَیْهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَامِ مَرَافِقِهَا- ثُمَّ لَمْ یَدَعْ جُرُزَ الْأَرْضِ- الَّتِی تَقْصُرُ مِیَاهُ الْعُیُونِ عَنْ رَوَابِیهَا- وَ لَا تَجِدُ جَدَاوِلُ الْأَنْهَارِ ذَرِیعَهً إِلَى بُلُوغِهَا- حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَهَ سَحَابٍ تُحْیِی مَوَاتَهَا- وَ تَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا- أَلَّفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهِ وَ تَبَایُنِ قَزَعِهِ- حَتَّى إِذَا تَمَخَّضَتْ لُجَّهُ الْمُزْنِ فِیهِ وَ الْتَمَعَ بَرْقُهُ فِی کُفَفِهِ- وَ لَمْ یَنَمْ وَمِیضُهُ فِی کَنَهْوَرِ رَبَابِهِ وَ مُتَرَاکِمِ سَحَابِهِ- أَرْسَلَهُ سَحّاً مُتَدَارِکاً قَدْ أَسَفَّ هَیْدَبُهُ- یَمْرِی الْجَنُوبُ دِرَرَ أَهَاضِیبِهِ وَ دُفَعَ شآبِیبِهِ- .

فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْکَ بِوَانَیْهَا- وَ بَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْ‏ءِ الْمَحْمُولِ عَلَیْهَا- أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الْأَرْضِ النَّبَاتَ- وَ مِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الْأَعْشَابَ فَهِیَ تَبْهَجُ بِزِینَهِ رِیَاضِهَا- وَ تَزْدَهِی بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَیْطِ أَزَاهِیرِهَا- وَ حِلْیَهِ مَا سُمِطَتْ بِهِ مِنْ نَاضِرِ أَنْوَارِهَا- وَ جَعَلَ ذَلِکَ بَلَاغاً لِلْأَنَامِ وَ رِزْقاً لِلْأَنْعَامِ- وَ خَرَقَ الْفِجَاجَ فِی آفَاقِهَا- وَ أَقَامَ الْمَنَارَ لِلسَّالِکِینَ عَلَى جَوَادِّ طُرُقِهَا کبس الأرض أی أدخلها فی الماء بقوه و اعتماد شدید- و یقال لضرب من التمر الکبیس- لأنه یکبس حتى یتراص- و المور مصدر مار أی ذهب و جاء- و مستفحله هائجه هیجان الفحول- و استفحل الأمر تفاقم و اشتد- و زاخره زخر الماء أی امتد جدا و ارتفع- . و الأواذی جمع آذی و هو الموج و تصطفق یضرب بعضها بعضا- و الأثباج هاهناأعالی الأمواج- و أصل الثبج ما بین الکاهل إلى الظهر- فنقل إلى هذا الموضع استعاره- .

و ترغو تصوت صوت البعیر- و الرغاء صوت ذات الخف- و فی المثل کفى برغائها منادیا- أی أن رغاء بعیر المضیف- یقوم مقام ندائه للضیافه و القرى- و زبدا على هذا منصوب بفعل مقدر- تقدیره و ترغو قاذفه زبدا- و الزبد ما یظهر فوق السیل- یقال قد أزبد البحر و السیل- و بحر مزبد أی مالح یقذف بالزبد- و الفحول عند هیاجها فحول الإبل إذا هاجت للضراب- . و جماح الماء صعوده و غلیانه و أصله من جماح الفرس- و هو أن یعز فارسه و یغلبه- و الجموح من الرجال الذی یرکب هواه فلا یمکن رده- و خضع ذل و هیج الماء اضطرابه هاج هیجا و هیاجا و هیجانا- و اهتاج و تهیج کله بمعنى أی ثار- و هاجه غیره یتعدى و لا یتعدى- و هیج ارتمائه یعنى تقاذفه و تلاطمه- یقال ارتمى القوم بالسهام و بالحجاره ارتماء- و کلکلها صدرها و جاء کلکل و کلکال- و ربما جاء فی ضروره الشعر مشددا قال-

کأن مهواها على الکلکل
موضع کفی راهب مصلى‏

و المستخذی الخاضع و قد یهمز- و قیل لأعرابی فی مجلس أبی زید- کیف تقول استخذأت لیتعرف منه الهمزه- فقال العرب لا تستخذئ و همزه و أکثر ما یستعمل ملینا- و أصله من خذا الشی‏ء یخذو و خذوا أی استرخى- و یجوز خذی بکسر الذال- و أذن خذواء بینه الخذاء أی مسترخیه- . و تمعکت تمرغت مستعار من تمعک الدابه فی الأرض- و قالوا معکت الأدیم أی دلکته و کواهلها جمع کاهل- و هو ما بین الکتفین و یسمى الحارک- .

 

و اصطخاب أمواجه افتعال من الصخب- و هو الصیاح و الجلبه یقال صخب الرجل فهو صخبان- و اصطخب افتعل منه قال-إن الضفادع فی الغدران تصطخب‏- . و الساجی الساکن- و الحکمه ما أحاط من اللجام بحنک الدابه- و کانت العرب تتخذها من القد و الأبق- لأن الزینه لم تکن قصدهم قال زهیر-

القائد الخیل منکوبا دوابرها
قد أحکمت حکمات القد و الأبقا

و استعار الحکمه هاهنا- فجعل للذل حکمه ینقاد الماء بها و یذل إلیها- . و مدحوه مبسوطه قال تعالى وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِکَ دَحاها- و یجوز أن تکون مدحوه هاهنا بمعنى مقذوفه مرمیه- یقال دحوت الحصاه أی قذفتها- و یقال للاعب الجوز ادح و أبعد المدى- و التیار أعظم الموج و لجته أعمقه- و البأو الکبر و الفخر- تقول بأوت على القوم أبأى بأوا قال حاتم-

فما زادنا بأوا على ذی قرابه
غنانا و لا أزرى بأحسابنا الفقر

و هذا الکلام استعاره- یقال کسرت الأرض سوره الماء الجامح- کما تکسر سوره بأو الرجل المتکبر المفتخر- و الاعتلاء التیه و التکبر و الشموخ العلو- مصدر شمخ بأنفه أی تکبر- و الجبال الشوامخ الشاهقه و السمو العلو- و سمو علوائه أی غلوه و تجاوزه الحد- .

و کعمته أی شددت فمه لما هاج- من الکعام و هو شی‏ء یجعل فی فم البعیر و بعیر مکعوم- . و الکظه الجهد و الثقل- الذی یعتری الإنسان عند الامتلاء من الطعام- یقول کعمت الأرض الماء حال کونه مکظوظا- لشده امتلائه و کثرته و ازدحام أمواجه- فهمد أی سکن همدت النار تهمد بالضم همودا- أی طفئت و ذهبت البته و الخمود دون الهمود- و النزقات الخفه و الطیش نزق الرجل بالکسر- ینزق نزقا و النزقات الدفعات من ذلک- . و لبد الشی‏ء بالأرض یلبد بالضم لبودا- أی لصق بها ساکنا- و الزیفان التبختر فی المشی- زاف البعیر یزیف و الزیافه من النوق المختاله- و یروى و لبد بعد زفیان وثباته- و الزفیان شده هبوب الریح- یقال زفته الریح زفیانا أی طردته- و ناقه زفیان سریعه و قوس زفیان سریعه الإرسال للسهم- و أکنافها جوانبها و کنفا الطائر جناحاه- و یقال صلاء مکنف أی أحیط به من جوانبه- و تکنفه القوم و اکتنفوه أحاطوا به- . و الجبال الشواهق العالیه و مثله البذخ- و العرنین أول الأنف تحت مجتمع الحاجبین- و الینابیع جمع ینبوع- و هو ما انفجر من الأرض عن الماء- و السهوب جمع سهب و هو الفلاه- و البید جمع بیداء و هی الفلاه أیضا- . و الأخادید جمع أخدود و هو الشق فی الأرض- قال تعالى قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ- و الراسیات الثقال- و الشناخیب رءوس الجبال- و الشم العالیه و الجلامید الصخور واحدها جلمود- و الصیاخید جمع صیخود و هی الصخره الصلبه- .

و المیدان التحرک و الاضطراب- و ماد الرجل یمید أی تبختر- و رسوب الجبال نزولها رسب الشی‏ء فی الماء أی سفل فیه- و سیف رسوب ینزل فی العظام- . و قوله فی قطع أدیمها جمع قطعه- یرید فی أجزائها و أبعاضها- و یروى فی قطع أدیمها بضم القاف و فتح الطاء- جمع قطعه و هی القطعه مفروزه من الأرض- و حکی أن أعرابیا قال ورثت من أبی قطعه- و یروى فی قطع أدیمها بسکون الطاء- و القطع طنفسه الرحل فنقل ذلک إلى هذا الموضع استعاره- کأنه جعل الأرض ناقه و جعل لها قطعا- و جعل الجبال ثابته فی ذلک القطع- . و أدیم الأرض وجهها و ظاهرها- و تغلغل الماء فی الشجر دخوله و تخلله فی أصوله- .

و عروقه متسربه أی داخله- تسرب الثعلب أی دخل السرب- و جوبات جمع جوبه و هی الفرجه فی جبل أو غیره- و خیاشیمها جمع خیشوم و هو أقصى الأنف- و تقول خشمت الرجل خشما أی کسرت خیشومه- و جراثیمها جمع جرثومه و هی أصل الشجر- . و فسح أوسع و متنسما یعنی موضع النسیم- و الأرض الجرز التی لا نبات فیها لانقطاع المطر عنها- و هذه من الألفاظ القرآنیه- و الروابی التلاع و ما علا من الأرض- و الجداول الأنهار الصغار جمع جدول و الذریعه الوصله- . و ناشئه سحاب ما یبتدئ ظهوره- و الموات بفتح المیم القفر من الأرض- و اللمع جمع لمعه و هی القطعه من السحاب أو غیره- و تباین قزعه القزع قطع من السحاب رقیقه واحدها قزعه- قال الشاعر

کأن رعاله قزع الجهام‏

و فی الحدیث کأنهم قزع الخریف- و تباینها افتراقها و تمخضت تحرکت بقوه- یقال تمخض اللبن إذا تحرک فی الممخضه- و تمخض الولد تحرک فی بطن الحامل- و الهاء فی فیه ترجع إلى المزن- أی تحرکت لجه المزن فی المزن نفسه- أی تحرک من السحاب وسطه و ثبجه- . و التمع البرق و لمع أی أضاء و کففه جمع کفه- و الکفه کالداره تکون فی السحاب- . و کان الأصمعی یقول کل ما استطال فهو کفه بالضم- نحو کفه الثوب و هی حاشیته و کفه الرمل و الجمع کفاف- و کل ما استدار فهو کفه بالکسر نحو کفه المیزان- و کفه الصائد و هی حبالته و الجمع کفف- و یقال أیضا کفه المیزان بالفتح- و الومیض الضیاء و اللمعان- .

و قوله لم ینم أی لم یفتر و لم ینقطع- فاستعار له لفظه النوم و الکنهور العظیم من السحاب- و الرباب الغمام الأبیض- و یقال إنه السحاب الذی تراه کأنه دون السحاب- و قد یکون أبیض و قد یکون أسود و هو جمع- و الواحده ربابه و به سمیت المرأه الرباب- . و المتراکم الذی قد رکب بعضه بعضا- و المیم بدل من الباء و سحا صبا و سحابه سحوح- و تسحسح الماء سال و مطر سحساح أی یسح شدیدا- و متدارکا یلحق بعضه بعضا من غیر انقطاع- و أسف دنا من الأرض و هیدبه ما تهدب منه- أی تدلى کما یتدلى هدب العین على أشفارها- و یمری الجنوب و هو بمعنى یحلب و یستدر- و یروى تمریه الجنوب- . على أن یعدى الفعل إلى المفعولین- کما تقول حلبت الناقه لبنا- و یروى تمتری الجنوب و هو بمعنى تمری- من مریت الفرس و امتریته- إذا استخرجت بالسوط ما عنده من الجری- و إنما خص الجنوب بذلک- لأنها الریح التی یکون علیها المطر- و الدرر جمع دره و هی کثره اللبن و سیلانه و صبه- و الأهاضیب جمع هضاب و الهضاب جمع هضب- و هی حلبات القطر بعد القطر- و الدفع جمع دفعه بالضم- و هی کالدفقه من المطر بالضم أیضا- و الشآبیب جمع شؤبوب و هی رشه قویه من المطر- تنزل دفعه بشده و البرک الصدر و بوانیها- تثنیه بوان على فعال بکسر الفاء و هو عمود الخیمه- و الجمع بون بالضم قال الشاعر-

أصبر من ذی ضاغط عرکرک
ألقى بوانی زوره للمبرک‏

و من روى بوانیها أراد لواصقها- من قولک قوص بانیه إذا التصقت بالوتر- . و الروایه الأولى أصح- و بعاع السحاب ثقله بالمطر قال إمرؤ القیس-

و ألقى بصحراء الغبیط بعاعه
نزول الیمانی بالعیاب المثقل‏

و العب‏ء الثقل و استقلت ارتفعت و نهضت- و هوامد الأرض هی الأرضون التی لا نبات بها- و زعر الجبال جمع أزعر و المراد به قله العشب و الخلى- و أصله من الزعر و هو قله الشعر فی الرأس قال-

من یک ذا لمه یرجلها
فإننی غیر ضائری زعری‏

و قد زعر الرجل یزعر قل شعره و تبهج تسر و تفرح- تقول بهجنی أمر کذا بالفتح و أبهجنی معا أی سرنی- و من رواه بضم الهاء أراد یحسن و یملح- من البهجه و هی الحسن یقال بهج الرجل بالضم- بهاجه فهو بهیج أی حسن- قال الله تعالى مِنْ کُلِّ زَوْجٍ بَهِیجٍ- و تقول قد أبهجت الأرض بالهمزه أی بهج نباتها و حسن- .

و تزدهی أی تتکبر و هی اللغه التی حکاها ابن درید- قال تقول زها الرجل یزهو زهوا- أی تکبر و على هذه اللغه تقول ازدهى الرجل یزدهی- کما تقول من علا اعتلى یعتلی و من رمى ارتمى یرتمی- و أما من رواها و تزدهى بما ألبسته على ما لم یسم فاعله- فهی اللغه المشهوره تقول زهی فلان علینا- و للعرب أحرف تتکلم بها على سبیل المفعول به- و إن کانت بمعنى الفاعل کقولهم عنی بالأمر- و نتجت الناقه فتقول على هذه اللغه فلان یزدهى بکذا- . و الریط جمع ریطه و هی الملاءه غیر ذات لفقین- و الأزاهیر النور ذو الألوان- . و سمطت به علق علیها السموط جمع سمط و هو العقد- و من رواه شمطت بالشین المعجمه- أراد ما خالط سواد الریاض من النور الأبیض- کالأقحوان و نحوه فصارت الریاض کالشعر الأشمط- و الناضر ذو النضاره و هی الحسن و الطراوه- . و بلاغا للأنام أی کفایه و الآفاق النواحی و المنار الأعلام

فصول متنوعه تتعلق بالخطبه

و ینبغی أن نتکلم فی هذا الموضع فی فصول- . الفصل الأول فی کیفیه ابتداء خلق الأرض- . ظاهر کلام أمیر المؤمنین ع أن الماء خلق قبل الأرض- و قد ذکرنا فیما تقدم أنه قول لبعض الحکماء- و أنه موافق لما فی التوراه- إلا أن فی کلامه ع فی هذا الموضع إشکالا- و ذلک أن لقائل أن یقول- کلامه یشعر بأن هیجان الماء و غلیانه و موجه-سکن بوضع الأرض علیه- و هذا خلاف ما یشاهد و خلاف ما یقتضیه العقل- لأن الماء الساکن إذا جعل فیه جسم ثقیل- اضطرب و تموج و صعد علوا- فکیف الماء المتموج یسکن بطرح الجسم الثقیل فیه- . و الجواب أن الماء إذا کان تموجه من قبل ریح هائجه- جاز أن یسکن هیجانه بجسم یحول بینه و بین تلک الریح- و لذلک إذا جعلنا فی الإناء ماء- و روحناه بمروحه تموجه فإنه یتحرک- فإن جعلنا على سطح الماء جسما یملأ حافات الإناء- و روحنا بالمروحه فإن الماء لا یتحرک- لأن ذلک الجسم قد حال بین الهواء- المجتلب بالمروحه و بین سطح الماء- فمن الجائز أن یکون الماء الأول هائجا لأجل ریح محرکه له- فإذا وضعت الأرض علیه- حال بین سطح الماء و بین تلک الریح- و قد مر فی کلام أمیر المؤمنین فی الخطبه الأولى- ذکر هذه الریح فقال ریح اعتقم مهبها- و أدام مربها و أعصف مجراها و أبعد منشأها- فأمرها بتصفیق الماء الزخار و إثاره موج البحار- فمخضت مخض السقاء و عصفت به عصفها بالفضاء- . الفصل الثانی فی بیان قوله ع- فلما سکن هیج الماء من تحت أکنافها- و حمل شواهق الجبال البذخ على أکتافها- فجر ینابیع العیون فیها- و عدل حرکاتها بالراسیات من جلامیدها- .

و ذلک لأن العامل فی لما- یجب أن یکون أمرا مباینا لما أضیفت إلیه- مثاله لما قام زید قام عمرو- فقام الثانیه هی العامله فی لما- فیجوز أن تکون أمرا مباینا لما أضیف لما إلیه- و هو قیام زید و هاهنا قد قال ع- لما حمل الله تعالى شواهق الجبال على الأرض- عدل حرکات الأرض بالجبال- و معلوم أن أحد الأمرین هو الآخر- . و الجواب أنه لیس أحد الأمرین هو الآخر بعینه- بل الثانی معلول الأول و موجب‏ عنه- لأن الأول هو حمل الجبال علیها- و الثانی تعدیل حرکاتها بالجبال المحمول علیها- فکأنه قال حمل علیها الجبال- فاقتضى ذلک الحمل تعدیل حرکاتها- و معلوم أن هذا الکلام منتظم- .

الفصل الثالث فی قوله إن الجبال هی المسکنه للأرض- . فنقول إن هذا القول یخالف قول الحکماء- لأن سکون الأرض عند الحکماء لم یکن لذلک- بل لأنها تطلب المرکز و هی حاصله فی حیزها الطبیعی- لکنا و إن کان مخالفا لقول الحکماء- فإنا نعتقده دینا و مذهبا- و نعدل عن قول الحکماء- لأن اتباع قوله ع أولى من اتباع أقوالهم- . الفصل الرابع فی ذکر نظائر- لما وصف به المطر و السحاب- . فمن ذلک ما رواه عبد الرحمن ابن أخی الأصمعی عن عمه- قال سئل أعرابی عن مطر- فقال استقل سد مع انتشار الطفل فشصا و احزأل- ثم اکفهرت أرجاؤه و احمومت ارحاؤه- و انزعرت فوارقه و تضاحکت بوارقه و استطار وادقه- و أرسعت جوبه و ارتعن هیدبه و حسکت أخلافه- و استقلت أردافه و انتشرت أکنافه- فالرعد یرتجس و البرق یختلس و الماء ینبجس- فأترع الغدر و أنبت الوجر و خلط الأوعال بالآجال- و قرن الصیران بالرئال فللأودیه هدیر- و للشراج خریر و للتلاع زفیر- و حط النبع و العنم من القلل الشم إلى القیعان الصحم- فلم یبق فی القلل إلا معصم مجرنثم أو داحض محرجم- و ذلک من فضل رب العالمین على عباده المذنبین- .

قلت السد السحاب الذی یسد الأفق و أصل الجبل- و الطفل اختلاط الظلام و انتشاره حال غروب الشمس- و شصا ارتفع و علا و احزأل انتصب- و اکفهرت أرجاؤه غلظت نواحیه و جوانبه- و تراکمت و احمومت اسودت مع مخالطه حمره- و أرجاؤه أوساطه و انزعرت تفرقت- و الفوارق قطع من السحاب تتفرق عنه مثل فرق الإبل- و هی النوق إذا أرادت الولاده فارقت الإبل- و بعدت عنها حیث لا ترى- و تضاحکت بوارقه لمعت و استطار انتشر- و الوادق ذو الودق و هو مطر کبار- و أرسعت جوبه أی تلاءمت فرجه و التحمت- و ارتعن استرخى و هیدبه ما تدلى منه- و حسکت أخلافه امتلأت ضروعه و أرادفه مآخره- و أکنافه نواحیه و یرتجس یصوت و الرجس الصوت- و یختلس یستلب البصر و ینبجس ینصب- فأترع الغدر ملأها جمع غدیر- و أنبت الوجر حفرها جمع وجار و هو بیت الضبع- و الآجال جمع إجل و هو قطیع البقر و الصیران مثله- جمع صوار و الرئال جمع رأل و هو فرخ النعام- و الهدیر الصوت و الشراج جمع شرج- و هو مسیل الماء إلى الحره و خریر الماء صوته- و زفیر التلاع أن تزفر بالماء لفرط امتلائها- و النبع شجر و العنم شجر آخر- و کلاهما لا ینبت إلا فی رءوس الجبال- و الشم العالیه و الصحم السود التی تضرب إلى الصفره- و المعصم المعتصم الملتجئ و المجرنثم المتقبض- و الداحض الزالق الواقع و المحرجم المصروع- . و من ذلک ما رواه أبو حاتم عن الأصمعی- قال سألت أعرابیا من بنی عامر بن صعصعه- عن مطر أصاب بلادهم- فقال نشأ عارضا فطلع ناهضا ثم ابتسم وامضا- فاعتن فی الأقطار فأشجاها و امتد فی الآفاق فغطاها- ثم ارتجس فهمهم ثم دوی فأظلم فأرک و دث و بغش و طش- ثم قطقط فأفرط ثم دیم فأغمط ثم رکد فأثجم ثم وبل فسجم- و جاد فأنعم فقمس الربا- و أفرط الزبى سیعا تباعا یرید انقشاعا- حتى إذا ارتوت الحزون و تضحضحت المتون- ساقه ربک إلى حیث یشاء کما جلبه من حیث شاء- .

قلت العارض سحاب یعترض فی الأفق- و اعتن اعترض و أشجاها ملأها فکان کالشجى فی حلقها- و ارتجس صوت و الهمهمه صوت الرعد و دوی أحدث دویا- فأظلم أعدم الضوء من الأرض بتکاثفه- فأرک أی مطر رکا و الرک المطر الضعیف- و کذلک الدث و البغش و الطش و فوق ذلک القطقط- و دیم صار دیمه و هی المطر أیاما لا یقلع- و أغمط أی دام و أثجم أقام و وبل جاء بالوابل- و هو المطر العظیم و سجم صب- و أنعم بالغ و قمس غوص فی الماء و أفرط الزبى ملأها- جمع زبیه و هی حفیره تحفر للوحوش فی مکان مرتفع- و الحزون جمع حزن و هو ما غلظ من الأرض- و المتون جمع متن و هو الصلب من الأرض- و تضحضحت صار فوقها ضحضاح من الماء و هو الرقیق- . و من ذلک ما رواه أبو حاتم أیضا عن الأصمعی- قال سألت أعرابیا عن مطر أصابهم بعد جدب- فقال ارتاح لنا ربک بعد ما استولى الیأس على الظنون- و خامر القلوب القنوط- فأنشأ بنوء الجبهه قزعه کالقرص من قبل العین- فاحزألت عند ترجل النهار لأدهم السرار- حتى إذا نهضت فی الأفق طالعه- أمر مسخرها الجنوب فتبسمت لها- فانتثرت أحضانها و احمومت أرکانها و بسق عنانها- و اکفهرت رحاها و انبعجت کلاها- و ذمرت‏ أخراها أولاها ثم استطارت عقائقها- و ارتعجت بوارقها و تعقعقت صواعقها- ثم ارتعبت جوانبها و تداعت سواکبها و درت حوالبها- فکانت للأرض طبقا شج فهضب- و عم فأحسب فعل القیعان و ضحضح الغیطان- و صوح الأضواج و أترع الشراج- فالحمد لله الذی جعل کفاء إساءتنا إحسانا- و جزاء ظلمنا غفرانا- .

قلت نوء الجبهه محمود عندهم للمطر- و القزعه القطعه الصغیره من السحاب- و القرص الترس و العین ما عن یمین قبله العراق- و ترجل النهار انبساط الشمس- و الأدهم أحد لیالی السرار و الأحضان النواحی- و احمومت اسودت و بسق علا- و العنان ما یعترض من السحاب فی الأفق- و انبعجت انفتقت و ذمرت حضت- و العقائق البروق و ارتعجت اهتزت و ارتعدت- و طبقا أی غطت الأرض- و هضب جاء بالمطر دفعه فدفعه- و أحسب کفى و عل القیعان سقاها مره بعد أخرى- و الغیطان جمع غائط و هو ما سفل من الأرض- و صوح الأضواج هدم الأجواف- و أترع الشراج ملأ المسیلات- . و من ذلک ما رواه ابن درید- عن عبد الرحمن عن عمه الأصمعی- قال سمعت أعرابیا من بنی عامر یصف مطرا- قال نشأ عند القصر بنوء الغفر حیا عارضا ضاحکا وامضا- فکلا و لا ما کان حتى شجیت به أقطار الهواء- و احتجبت به السماء ثم أطرق فاکفهر- و تراکم فادلهم و بسق فازلأم- ثم حدت به الریح فخر و البرق مرتعج- و الرعد مبتوج و الحدج مبتعج- فأثجم ثلاثا متحیرا هثهاثا أخلافه حاشکه- و دفعه متواشکه و سوامه متعارکه- ثم ودع منجما و أقلع متهما- محمود البلاء مترع النهاء مشکور النعماء- بطول ذی الکبریاء- . قلت القصر العشی و الغفر من نجوم الأسد- و الحیا الدانی من الأرض- .

و قوله کلا و لا أی فی زمان قصیر جدا- و شجیت به الأقطار صار کالشجى لهاو ازلأم انتصب- و المرتعج المتدارک و المبتوج العالی الصوت- و الحدج السحاب أول ما ینشأ و یتبعج یشقق- و أثجم دام متحیرا أی کأنه قد تحیر لا وجه له یقصده- و الهثهاث المداخل و أخلافه حاشکه أی ضروعه ممتلئه- و دفعه متواشکه أی مسرعه و سوامه متعارکه- شبه قطع السحاب بسوام الإبل و منجما مقلعا- و متهما یسیر نحو تهامه

الفصل الخامس فی بیان أنه ع إمام أرباب صناعه البدیع

و ذلک لأن هذا الفن لا یوجد منه فی کلام غیره ممن تقدمه- إلا ألفاظ یسیره غیر مقصوده- و لکنها واقعه بالاتفاق- کما وقع التجنیس فی القرآن العزیز اتفاقا غیر مقصود- و ذلک نحو قوله یا أَسَفى‏ عَلى‏ یُوسُفَ- و کما وقعت المقابله أیضا غیر مقصوده فی قوله- وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ الْمِیزانَ- على أنها لیست مقابله فی المعنى بل من اللفظ خاصه- و لما تأمل العلماء شعر إمرئ القیس- و وجدوا فیه من الاستعاره بیتا أو بیتین- نحو قوله یصف اللیل-

فقلت له لما تمطى بصلبه
و أردف أعجازا و ناء بکلکل‏

و قوله-
و إن یک قد ساءتک منی خلیقه
فسلی ثیابی من ثیابک تنسل‏

و لم ینشدوا مثل ذلک فی أشعار الجاهلیه- حکموا له بأنه إمام الشعراء و رئیسهم- . و هذا الفصل من کلام أمیر المؤمنین ع- قد اشتمل من الاستعاره العجیبه- و غیرها من أبواب البدیع- على ما لو کان موجودا فی دیوان شاعر مکثر أو مترسل مکثر-لکان مستحق التقدیم بذلک- أ لا تراه کیف وصف الأمواج بأنها مستفحله- و أنها ترغو رغاء فحول الإبل- ثم جعل الماء جماحا ثم وصفه بالخضوع- و جعل للأرض کلکلا و جعلها واطئه للماء به- و وصف الماء بالذل و الاستخذاء- لما جعل الأرض متمعکه علیه- کما یتمعک الحمار أو الفرس- و جعل لها کواهل و جعل للذل حکمه- و جعل الماء فی حکمه الذل منقادا أسیرا و ساجیا مقهورا- و جعل الماء قد کان ذا نخوه و بأو و اعتلاء- فردته الأرض خاضعا مسکینا و طأطأت من شموخ أنفه- و سمو غلوائه و جعلها کاعمه له- و جعل الماء ذا کظه بامتلائه- کما تعتری الکظه المستکثر من الأکل- ثم جعله هامدا بعد أن کانت له نزقات- و لابدا بعد أن کانت له وثبات- ثم جعل للأرض أکتافا و عرانین و أنوفا و خیاشیم- ثم نفى النوم عن ومیض البرق- و جعل الجنوب ماریه درر السحاب- ثم جعل للسحاب صدرا و بوانا- ثم جعل الأرض مبتهجه مسروره مزدهاه- و جعل لها ریطا من لباس الزهور و سموطا تحلى بها- فیا لله و للعجب من قوم زعموا- أن الکلام إنما یفضل بعضه بعضا- لاشتماله على أمثال هذه الصنعه- فإذا وجدوا فی مائه ورقه کلمتین أو ثلاثا منها- أقاموا القیامه و نفخوا فی الصور- و ملئوا الصحف بالاستحسان لذلک و الاستظراف- ثم یمرون على هذا الکلام المشحون کله- بهذه الصنعه على ألطف وجه و أرصع وجه و أرشق عباره- و أدق معنى و أحسن مقصد- ثم یحملهم الهوى و العصبیه على السکوت عن تفضیله- إذا أجملوا و أحسنوا- و لم یتعصبوا لتفضیل غیره علیه على أنه لا عجب- فإنه کلام علی ع و حظ الکلام حظ المتکلم- و أشبه امرأ بعض بزه

الجزء السابع

تتمه الخطب و الأوامر

بسم الله الرحمن الرحیم- الحمد لله الواحد العدل

تتمه خطبه ۹۰

فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ وَ أَنْفَذَ أَمْرَهُ- اخْتَارَ آدَمَ ع خِیَرَهً مِنْ خَلْقِهِ- وَ جَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ وَ أَسْکَنَهُ جَنَّتَهُ- وَ أَرْغَدَ فِیهَا أُکُلَهُ- وَ أَوْعَزَ إِلَیْهِ فِیمَا نَهَاهُ عَنْهُ- وَ أَعْلَمَهُ أَنَّ فِی الْإِقْدَامِ عَلَیْهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْصِیَتِهِ- وَ الْمُخَاطَرَهَ بِمَنْزِلَتِهِ- فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ مُوَافَاهً لِسَابِقِ عِلْمِهِ- فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَهِ- لِیَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ- وَ لِیُقِیمَ الْحُجَّهَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ- وَ لَمْ یُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ- مِمَّا یُؤَکِّدُ عَلَیْهِمْ حُجَّهَ رُبُوبِیَّتِهِ- وَ یَصِلُ بَیْنَهُمْ وَ بَیْنَ مَعْرِفَتِهِ- بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ- عَلَى أَلْسُنِ الْخِیَرَهِ مِنْ أَنْبِیَائِهِ- وَ مُتَحَمِّلِی وَدَائِعِ رِسَالَاتِهِ- قَرْناً فَقَرْناً- حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِیِّنَا مُحَمَّدٍ ص حُجَّتُهُ- وَ بَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذُرُهُ وَ نُذُرُهُ مهد أرضه سواها و أصلحها- و منه المهاد و هو الفراش- و مهدت الفراش بالتخفیف مهدا أی بسطته و وطأته- و قوله خیره من خلقه على فعله- مثل عنبه الاسم‏

من قولک اختاره الله- یقال محمد خیره الله من خلقه- و یجوز خیره الله بالتسکین- و الاختیار الاصطفاء- . و الجبله الخلق و منه قوله تعالى- وَ اتَّقُوا الَّذِی خَلَقَکُمْ- وَ الْجِبِلَّهَ الْأَوَّلِینَ- و یجوز الجبله بالضم- و قرأ بها الحسن البصری- و قرئ قوله سبحانه- وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْکُمْ جِبِلًّا کَثِیراً على وجوه- فقرأ أهل المدینه بالکسر و التشدید- و قرأ أبو عمرو- جبلا کثیرا مثل قفل- و قرأ الکسائی جبلا کثیرا بضم الباء مثل حلم- و قرأ عیسى بن عمر جبلا بکسر الجیم- و قرأ الحسن و ابن أبی إسحاق- جبلا بالضم و التشدید- . قوله و أرغد فیها أکله- أی جعل أکله و هو المأکول- رغدا أی واسعا طیبا قال سبحانه- وَ کُلا مِنْها رَغَداً حَیْثُ شِئْتُما- و تقرأ رغدا و رغدا بکسر الغین و ضمها- و أرغد القوم أخصبوا- و صاروا فی رغد من العیش- .

قوله و أوعز إلیه فیما نهاه عنه- أی تقدم إلیه بالإنذار- و یجوز و وعز إلیه بالتشدید توعیزا- و یجوز التخفیف أیضا وعز إلیه وعزا- . و الواو فی و أعلمه عاطفه على و أوعز- لا على نهاه- . قوله موافاه لسابق علمه لا یجوز أن ینتصب- لأنه مفعول له- و ذلک لأن المفعول له یکون عذرا و عله للفعل- و لا یجوز أن یکون إقدام آدم على الشجره- لأجل الموافاه للعلم الإلهی السابق- و لا یستمر ذلک على مذاهبنا- بل یجب أن ینصب موافاه- على‏المصدریه المحضه- کأنه قال فوافى بالمعصیه موافاه- و طابق بها سابق العلم مطابقه- . قوله فأهبطه بعد التوبه- قد اختلف الناس فی ذلک- فقال قوم بل أهبطه قبل التوبه- ثم تاب علیه و هو فی الأرض- و قال قوم تاب قبل الهبوط- و هو قول أمیر المؤمنین ع- و یدل علیه قوله تعالى- فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ کَلِماتٍ- فَتابَ عَلَیْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِیمُ- قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِیعاً- فأخبر عن أنه أهبطهم- بعد تلقی الکلمات و التوبه- و قال تعالى فی موضع آخر- وَ طَفِقا یَخْصِفانِ عَلَیْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّهِ- وَ ناداهُما رَبُّهُما- أَ لَمْ أَنْهَکُما عَنْ تِلْکُمَا الشَّجَرَهِ- وَ أَقُلْ لَکُما إِنَّ الشَّیْطانَ لَکُما عَدُوٌّ مُبِینٌ- قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا- وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَکُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِینَ- قالَ اهْبِطُوا بَعْضُکُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ- وَ لَکُمْ فِی الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِینٍ. فبین أن اعترافهما بالمعصیه و استغفارهما- کانا قبل أمرهما بالهبوط- و قال فی موضع آخر- وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏- ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَیْهِ وَ هَدى‏- قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِیعاً- فجعل الإهباط بعد الاجتباء و التوبه- و احتج الأولون بقوله تعالى- وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَهَ فَتَکُونا مِنَ الظَّالِمِینَ- فَأَزَلَّهُمَا الشَّیْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا کانا فِیهِ- وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُکُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ- وَ لَکُمْ فِی الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِینٍ- فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ کَلِماتٍ- فَتابَ عَلَیْهِ- قالوا فأخبر سبحانه عن أمره لهم- بالهبوط عقیب إزلال الشیطان لهما- ثم عقب الهبوط بفاء التعقیب- فی قوله فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ کَلِماتٍ- فدل على أن التوبه بعد الهبوط- .

و یمکن أن یجاب عن هذا- فیقال إنه تعالى لم یقل فقلنا اهبطوا بالفاء- بل قال وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بالواو- و الواو لا تقتضی الترتیب- و لو کان عوضها فاء- لکانت صریحه فی أن الإهباط کان عقیب الزله- فأما الواو فلا تدل على ذلک- بل یجوز أن تکون التوبه قبل الإهباط- و یخبر عن الإهباط بالواو- قبل أن یخبر عن التوبه- . قوله ع و لیقیم الحجه على عباده- أی إذا کان أبوهم أخرج من الجنه- بخطیئه واحده- فأخلق بها- ألا یدخلها ذو خطایا جمه- و هذا یؤکد مذهب أصحابنا فی الوعید- . ثم أخبر ع- أن البارئ سبحانه ما أخلى عباده بعد قبض آدم و توفیه- مما یؤکد علیهم حجج الربوبیه- بل أرسل إلیهم الرسل قرنا فقرنا بفتح القاف- و هو أهل الزمان الواحد- قال الشاعر

إذا ما مضى القرن الذی أنت فیهم
و خلفت فی قرن فأنت غریب‏

و تعاهدهم بالحجج أی جدد العهد عندهم بها- و یروى بل تعهدهم بالتشدید- و التعهد التحفظ بالشی‏ء- تعهدت فلانا و تعهدت ضیعتی- و هو أفصح من تعاهدت- لأن التفاعل إنما یکون من شیئین- و تقول فلان یتعهده صرع- . قوله و بلغ المقطع عذره و نذره- مقطع الشی‏ء حیث ینقطع- و لا یبقى خلفه شی‏ء منه- أی لم یزل یبعث الأنبیاء واحدا بعد واحد- حتى بعث محمدا ص- فتمت به حجته على الخلق أجمعین- و بلغ الأمر مقطعه أی لم یبق بعده رسول ینتظر-و انتهت عذر الله تعالى و نذره- فعذره ما بین للمکلفین من الإعذار- فی عقوبته لهم إن عصوه- و نذره ما أنذرهم به من الحوادث- و من أنذرهم على لسانه من الرسل

القول فی عصمه الأنبیاء

و اعلم أن المتکلمین اختلفوا فی عصمه الأنبیاء- و نحن نذکر هاهنا طرفا من حکایه المذاهب- فی هذه المسأله على سبیل الاقتصاص و نقل الآراء- لا على سبیل الحجاج- و نخص قصه آدم ع و الشجره بنوع من النظر- إذ کانت هذه القصه مذکوره- فی کلام أمیر المؤمنین ع فی هذا الفصل- فنقول اختلف الناس فی المعصوم ما هو- فقال قوم المعصوم هو الذی لا یمکنه الإتیان بالمعاصی- و هؤلاء هم الأقلون أهل النظر- و اختلفوا فی عدم التمکن کیف هو- فقال قوم منهم المعصوم هو المختص فی نفسه- أو بدنه أو فیهما بخاصیه تقضی امتناع إقدامه على المعاصی- . و قال قوم منهم- بل المعصوم مساو- فی الخواص النفسیه و البدنیه لغیر المعصوم- و إنما العصمه هی القدره على الطاعه- أو عدم القدره على المعصیه- و هذا قول الأشعری نفسه- و إن کان کثیر من أصحابه قد خالفه فیه- . و قال الأکثرون من أهل النظر- بل المعصوم مختار متمکن من المعصیه و الطاعه- . و فسروا العصمه بتفسیرین- أحدهما أنها أمور یفعلها الله تعالى بالمکلف- فتقتضی ألا یفعل المعصیه- اقتضاءغیر بالغ إلى حد الإیجاب-

و فسروا هذه الأمور فقالوا إنها أربعه أشیاء- أولها أن یکون لنفس الإنسان ملکه- مانعه من الفجور داعیه إلى العفه- و ثانیها العلم بمثالب المعصیه و مناقب الطاعه- و ثالثها تأکید ذلک العلم- بالوحی و البیان من الله تعالى- و رابعها أنه متى صدر عنه خطأ من باب النسیان و السهو- لم یترک مهملا بل یعاقب و ینبه و یضیق علیه العذر- قالوا فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعه- کان الشخص معصوما عن المعاصی لا محاله- لأن العفه إذا انضاف إلیها العلم- بما فی الطاعه من السعاده و ما فی المعصیه من الشقاوه- ثم أکد ذلک تتابع الوحی إلیه و ترادفه- و تظاهر البیان عنده- و تمم ذلک خوفه من العتاب على القدر القلیل- حصل من اجتماع هذه الأمور حقیقه العصمه- . و قال أصحابنا العصمه لطف- یمتنع المکلف عند فعله من القبیح اختیارا- و قد یکون ذلک اللطف خارجا عن الأمور الأربعه المعدوده- مثل أن یعلم الله تعالى أنه إن أنشأ سحابا- أو أهب ریحا أو حرک جسما- فإن زیدا یمتنع عن قبیح مخصوص اختیارا- فإنه تعالى یجب علیه فعل ذلک- و یکون هذا اللطف عصمه لزید- و إن کان الإطلاق المشتهر فی العصمه- إنما هو لمجموع ألطاف- یمتنع المکلف بها عن القبیح مده زمان تکلیفه- . و ینبغی أن یقع الکلام بعد هذه المقدمه فی ثلاثه فصول

الفصل الأول فی حال الأنبیاء قبل البعثه و من الذی یجوز أن یرسله الله تعالى إلى العبادفالذی علیه أصحابنا المعتزله رحمهم الله- أنه یجب أن ینزه النبی قبل البعثه- عما کان فیه تنفیر عن الحق الذی یدعو إلیه- و عما فیه غضاضه و عیب- .

فالأول نحو أن یکون کافرا أو فاسقا- و ذلک لأنا نجد التائب العائد إلى الصلاح- بعد أن عهد الناس منه السخف و المجون و الفسق- لا یقع أمره بالمعروف و نهیه عن المنکر- عند الناس موقعهما ممن لم یعهدوه- إلا على السداد و الصلاح- . و الثانی نحو أن یکون حجاما أو حائکا- أو محترفا بحرفه یقذرها الناس- و یستخفون بصاحبها- إلا أن یکون المبعوث إلیهم- على خلاف ما هو المعهود الآن- بألا یکون من تعاطى ذلک مستهانا به عندهم- . و وافق أصحابنا فی هذا القوم جمهور المتکلمین- .

و قال قوم من الخوارج- یجوز أن یبعث الله تعالى من کان کافرا قبل الرساله- و هو قول ابن فورک من الأشعریه- لکنه زعم أن هذا الجائز لم یقع- . و قال قوم من الحشویه- قد کان محمد ص کافرا قبل البعثه- و احتجوا بقوله تعالى وَ وَجَدَکَ ضَالًّا فَهَدى‏- و قال برغوث المتکلم و هو أحد النجاریه- لم یکن النبی ص مؤمنا بالله قبل أن یبعثه- لأنه تعالى قال له- ما کُنْتَ تَدْرِی مَا الْکِتابُ وَ لَا الْإِیمانُ- . و روی عن السدی فی قوله تعالى- وَ وَضَعْنا عَنْکَ وِزْرَکَ الَّذِی أَنْقَضَ ظَهْرَکَ- قال وزره الشرک- فإنه کان على دین قومه أربعین سنه- .

و قال بعض الکرامیه- فی قوله تعالى حکایه عن إبراهیم ص-قالَ أَسْلَمْتُ إنه أسلم یومئذ- و لم یکن من قبل ذلک مسلما- و مثل ذلک قال الیمان بن رباب متکلم الخوارج- . و حکى کثیر من أرباب المقالات- عن شیخنا أبی الهذیل و أبی علی- جواز أن یبعث الله تعالى- من قد ارتکب کبیره قبل البعثه- و لم أجد فی کتب أصحابنا- حکایه هذا المذهب عن الشیخ أبی الهذیل- و وجدته عن أبی علی- ذکره أبو محمد بن متویه فی کتاب الکفایه- فقال منع أهل العدل کلهم- من تجویز بعثه من کان فاسقا قبل النبوه- إلا ما جرى فی کلام الشیخ أبی علی رحمه الله تعالى- من ثبوت فصل بین البعثه و قبلها- فأجاز أن یکون قبل البعثه مرتکبا لکبیره ثم یتوب- فیبعثه الله تعالى حینئذ- و هو مذهب محکی عن عبد الله بن العباس الرامهرمزی- ثم قال الشیخ أبو محمد رحمه الله تعالى- و الصحیح من قول أبی علی رحمه الله تعالى- مثل ما نختاره من التسویه بین حال البعثه و قبلها- فی المنع من جواز ذلک- .

و قال قوم من الأشعریه و من أهل الظاهر و أرباب الحدیث- إن ذلک جائز واقع- و استدلوا بأحوال إخوه یوسف- و منع المانعون من ذلک من ثبوت نبوه إخوه یوسف- ثم هؤلاء المجوزون- منهم من جوز علیهم فعل الکبائر مطلقا- و منهم من جوز ذلک على سبیل الندره ثم یتوبون عنه- و یشتهر حالهم بین الخلق بالصلاح- فأما لو فرضنا إصرارهم على الکبائر- بحیث یصیرون مشهورین بالفسق و المعاصی- فإن ذلک لا یجوز- لأنه یفوت الغرض من إرسالهم و نبوتهم- على هذا التقدیر- . و قالت الإمامیه- لا یجوز أن یبعث الله تعالى نبیا- قد وقع منه قبیح قبل النبوه-لا صغیرا و لا کبیرا لا عمدا و لا خطأ- و لا على سبیل التأویل و الشبهه- و هذا المذهب مما تفردوا به- فإن أصحابنا و غیرهم من المانعین- للکبائر قبل النبوه- لم یمنعوا وقوع الصغائر منهم- إذا لم تکن مسخفه منفره- . اطردت الإمامیه هذا القول فی الأئمه- فجعلت حکمهم فی ذلک حکم الأنبیاء- فی وجوب العصمه المطلقه لهم قبل النبوه و بعدها

الفصل الثانی فی عصمه الأنبیاء فی زمن النبوه عن الذنوب فی أفعالهم و تروکهم عدا ما یتعلق بتبلیغ الوحی و الفتوى فی الأحکام
جوز قوم من الحشویه علیهم هذه الکبائر- و هم أنبیاء کالزنا و اللواط و غیرهما- و فیهم من جوز ذلک بشرط الاستسرار دون الإعلان- و فیهم من جوز ذلک على الأحوال کلها- . و منع أصحابنا المعتزله من وقوع الکبائر منهم ع أصلا- و منعوا أیضا من وقوع الصغائر المسخفه منهم- و جوزوا وقوع الصغائر التی لیست بمسخفه منهم- ثم اختلفوا فمنهم من جوز على النبی- الإقدام على المعصیه الصغیره غیر المسخفه عمدا- و هو قول شیخنا أبی هاشم رحمه الله تعالى فإنه أجاز ذلک- و قال إنه لا یقدم ع على ذلک إلا على خوف و وجل- و لا یتجرأ على الله سبحانه- . و منهم من منع من تعمد إتیان الصغیره- و قال إنهم لا یقدمون على الذنوب التی یعلمونها ذنوبا- بل على سبیل التأویل و دخول الشبهه- و هذا قول أبی علی رحمه الله تعالى- .

و حکى عن أبی إسحاق النظام و جعفر بن مبشر- أن ذنوبهم لا تکون إلا على سبیل السهو و النسیان- و أنهم مؤاخذون بذلک- و إن کان موضوعا عن أمتهم- لأن معرفتهم أقوى- و دلائلهم أکثر و أخطارهم أعظم- و یتهیأ لهم من التحفظ ما لا یتهیأ لغیرهم- . و قالت الإمامیه لا تجوز علیهم الکبائر و لا الصغائر- لا عمدا و لا خطأ و لا سهوا- و لا على سبیل التأویل و الشبهه- و کذلک قولهم فی الأئمه- و الخلاف بیننا و بینهم فی الأنبیاء یکاد یکون ساقطا- لأن أصحابنا إنما یجوزون علیهم الصغائر- لأنه لا عقاب علیها- و إنما تقتضی نقصان الثواب المستحق- على قاعدتهم فی مسأله الإحباط- فقد اعترف إذا أصحابنا- بأنه لا یقع من الأنبیاء ما یستحقون به ذما و لا عقابا- و الإمامیه إنما تنفی عن الأنبیاء الصغائر و الکبائر- من حیث کان کل شی‏ء منها یستحق فاعله به الذم و العقاب- لأن الإحباط باطل عندهم- فإذا کان استحقاق الذم و العقاب یجب أن ینفى عن الأنبیاء- وجب أن ینفى عنهم سائر الذنوب- فقد صار الخلاف إذا متعلقا بمسأله الإحباط- و صارت هذه المسأله فرعا من فروعها- .

و اعلم أن القول بجواز الصغائر على الأنبیاء بالتأویل و الشبهه- على ما ذهب إلیه شیخنا أبو علی رحمه الله تعالى- إنما اقتضاه تفسیره لآیه آدم و الشجره- و تکلفه إخراجها عن تعمد آدم للعصیان- فقال إن آدم نهی عن نوع تلک الشجره لا عن عینها- بقوله تعالى وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَهَ- و أراد سبحانه نوعها المطلق- فظن آدم أنه أراد خصوصیه تلک الشجره بعینها- و قد کان أشیر إلیها فلم یأکل منها بعینها- و لکنه أکل من شجره أخرى من نوعها- فأخطأ فی التأویل- و أصحاب شیخنا أبی هاشم لا یرضون هذا المذهب- و یقولون إن الإشکال باق بحاله- لأن آدم أخل بالنظر على‏ هذا القول فی أن المنهی عنه- هل هو عین الشجره أو نوعها- مع أنه قد کان مدلولا على ذلک- لأنه لو لم یکن مدلولا على ذلک- لکان تکلیف الامتناع عن التناول تکلیف ما لا یطاق- و إذا دل على ذلک وجب علیه النظر- و لا وجه یجب النظر لأجله إلا الخوف من ترکه- و إذا لم یکن بد من کونه خائفا- فهو عالم إذا بوجوب هذا التأمل و النظر- فإذا أخل به فقد وقعت منه المعصیه مع علمه- .

و کما لا یرضى أصحاب شیخنا أبی هاشم هذا المذهب- فکذلک لا یرتضون مذهب النظام و جعفر بن مبشر- و ذلک لأن القول بأن الأنبیاء یؤاخذون- على ما یفعلونه سهوا متناقض- لأن السهو یزیل التکلیف- و یخرج الفعل من کونه ذنبا مؤاخذا به- و لهذا لا یصح مؤاخذه المجنون و النائم- و السهو فی کونه مؤثرا فی رفع التکلیف- جار مجرى فقد القدر و الآلات و الأدله- فلو جاز أن یخالف حال الأنبیاء حال غیرهم- فی صحه تکلیفهم مع السهو- جاز أن یخالف حالهم حال غیرهم- فی صحه التکلیف مع فقد القدر و الآلات- و ذلک باطل- .

و اعلم أن الشریف المرتضى رحمه الله تعالى- قد تکلم فی کتابه المسمى بتنزیه الأنبیاء و الأئمه على هذه الآیه- و انتصر لمذهب الإمامیه فیها- و حاول صرفها عن ظاهرها- و تأول اللفظ بتأویل مستکره غیر صحیح- و أنا أحکی کلامه هاهنا- و أتکلم علیه نصره لأصحابنا- و نصره أیضا لأمیر المؤمنین ع- فإنه قد صرح فی هذا الفصل بوقوع الذنب من آدم ع- أ لا ترى إلى قوله و المخاطره بمنزلته- و هل تکون هذه اللفظه إلا فی الذنب- و کذلک سیاقه الفصل من أوله إلى آخره- إذا تأمله المنصف و اطرح الهوى و التعصب- ثم إنا نذکر- کلام السید الشریف المرتضى رحمه الله تعالى- قال رحمه الله تعالى-

أما قوله تعالى وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ- فإن المعصیه مخالفه للأمر- و الأمر من الحکیم تعالى قد یکون بالواجب و بالندب معا- فلا یمتنع على هذا أن یکون آدم مندوبا- إلى ترک التناول من الشجره- فیکون بمواقعتها تارکا فرضا و نفلا- و غیر فاعل قبیحا- و لیس یمتنع أن یسمى تارک النفل عاصیا- کما یسمى بذلک تارک الواجب- فإن تسمیه من خالف ما أمر به- سواء کان واجبا أو نفلا بأنه عاص ظاهر- و لهذا یقولون أمرت فلانا بکذا و کذا من الخیر- فعصانی و خالفنی- و إن لم یکن ما أمر به واجبا- . یقال له الکلام على هذا التأویل من وجوه- أولها أن ألفاظ الشرع یجب أن تحمل على حقائقها اللغویه- ما لم یکن لها حقائق شرعیه- فإذا کان لها حقائق شرعیه- وجب أن تحمل على عرف الشرع و اصطلاحه- کالصلاه و الحج و النفاق و الکفر- و نحو ذلک من الألفاظ الشرعیه- و هکذا قال السید المرتضى رحمه الله تعالى- فی کتابه فی أصول الفقه المعروف بالذریعه- فی باب کون الأمر للوجوب- و هو الحق الذی لا مندوحه عنه- و إذا کان لفظ العصیان فی الاصطلاح الشرعی- موضوعا لمخالفه الأمر الإیجابی لم یجز العدول عنه- و حمله على مخالفه الندب- .

و معلوم أن لفظ العصیان فی العرف الشرعی- لا یطلق إلا على مخالفه الأمر المقتضی للوجوب- فالقول بجواز حملها على مخالفه الأمر الندبی- قول تبطله و تدفعه تلک القاعده المقرره- التی ثبتت بالاتفاق و بالدلیل- على أننا قبل أن نجیب بهذا الوجه- نمنع أصلا أنه یجوز أن یقال لتارک النفل إنه عاص- لا فی أصل اللغه و لا فی العرف و لا فی الشرع- و ذلک لأن حقیقه النفل هو ما یقال فیه للمکلف- الأولى أن تفعل هذا و لک ألا تفعله- و معلوم أن‏ تارک مثل ذلک لا یطلق علیه أنه عاص- و یبین ذلک أن لفظ العصیان فی اللغه موضوع للامتناع- و لذلک سمیت العصا عصا لأنه یمتنع بها- و منه قولهم قد شق العصا- أی خرج عن الربقه المانعه من الاختلاف و التفرق- و تارک الندب لا یمتنع من أمر- لأن الأمر الندبی لا یقتضی شیئا اقتضاء اللزوم- بل معناه إن فعلت فهو أولى و یجوز ألا تفعل- فأی امتناع حدث- إذا خولف أمر الندب سمی المخالف له عاصیا- و یبین ذلک أیضا أن لفظ عاص اسم ذم- فلا یجوز إطلاقه على تارک الندب- کما لا یسمى فاسقا- و إن کان الفسق فی أصل اللغه للخروج- .

ثم یسأل المرتضى رحمه الله تعالى- عما سأل عنه نفسه- فیقال له کیف یجوز أن یکون ترک الندب معصیه- أ و لیس هذا یوجب أن یوصف الأنبیاء- بأنهم عصاه فی کل حال- و أنهم لا ینفکون عن المعصیه- لأنهم لا یکادون ینفکون من ترک الندب- . و قد أجاب رحمه الله تعالى عن هذا- فقال وصف تارک الندب بأنه عاص توسع و تجوز- و المجاز لا یقاس علیه و لا یعدی عن موضعه- و لو قیل إنه حقیقه فی فاعل القبیح- و تارک الأولى و الأفضل- لم یجز إطلاقه فی الأنبیاء إلا مع التقیید- لأن استعماله قد کثر فی فاعل القبائح- فإطلاقه عن التقیید موهم- .

لکنا نقول إن أردت بوصفهم- بأنهم عصاه أنهم فعلوا القبیح فلا یجوز ذلک- و إن أردت أنهم ترکوا ما لو فعلوه لاستحقوا الثواب- و لکان أولى فهم کذلک- . کذلک یقال له- لیس هذا من باب القیاس على المجاز- الذی اختلف فیه أرباب أصول الفقه- لأن من قال إذا ترک زید الندب فإنه یسمى عاصیا- یلزمه أن یقول إن عمرا إذا ترک الندب یسمى عاصیا- و لیس هذا قیاسا- کما أن من قال لزید البلید- هذاحمار قال لعمرو البلید هذا حمار- و القیاس على المجاز الذی اختلف الأصولیون فی جوازه- خارج عن هذا الموضع- . و مثال المسأله الأصولیه المختلف فیها- وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ- هل یجوز أن یقال طأطئ لهما عنق الذل- .

و أما قوله- لو سلمنا أنه حقیقه فی تارک الندب- لم یجز إطلاقه فی حق الأنبیاء- لأنه یوهم العصیان بل یجب أن یقید- . فیقال له لکن البارئ سبحانه أطلقه- و لم یقیده فی قوله وَ عَصى‏ آدَمُ- فیلزمک أن یکون تعالى موهما و فاعلا للقبیح- لأن إیهام القبیح قبیح- . فإن قال الدلاله العقلیه على استحاله المعاصی- على الأنبیاء تؤمن من الإیهام- . قیل له و تلک الدلاله بعینها تؤمن- من الإیهام فی قول القائل- الأنبیاء عصاه فهلا أجزت إطلاق ذلک- . و ثانیها أنه تعالى قال- فَغَوى‏ و الغی الضلال- . قال المرتضى رحمه الله تعالى معنى غوى هاهنا خاب- لأنه نعلم أنه لو فعل ما ندب إلیه- من ترک التناول من الشجره لاستحق الثواب العظیم- فإذا خالف الأمر و لم یصر إلى ما ندب إلیه- فقد خاب لا محاله من حیث لم یصر إلى الثواب- الذی کان یستحقه بالامتناع- و لا شبهه فی أن لفظ غوى یحتمل الخیبه- قال الشاعر

فمن یلق خیرا یحمد الناس أمره
و من یغو لا یعدم على الغی لائما

یقال له أ لست القائل فی مصنفاتک الکلامیه- إن المندوبات إنما ندب إلیها- لأنها کالمسهلات و المیسرات لفعل الواجبات العقلیه- و أنها لیست ألطافا فی واجب عقلی- و أن ثوابها یسیر جدا- بالإضافه إلى ثواب الواجب- فإذا کان آدم ع ما أخل بشی‏ء من الواجبات- و لا فعل شیئا من المقبحات- فقد استحق من الثواب العظیم- ما یستحقر ثواب المندوب بالإضافه إلیه- و مثل هذا لا یقال فیه- لمن ترک المندوب إنه قد خاب- أ لا ترى أن من اکتسب مائه ألف قنطار من المال- و ترک بعد ذلک درهما واحدا- کان یمکنه اکتسابه فلم یکتسبه- لا یقال إنه خاب- . و ثالثها أن ظاهر القرآن یخالف ما ذکره- لأنه تعالى أخبر أن آدم منهی عن أکل الشجره- بقوله وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَهَ- فَتَکُونا مِنَ الظَّالِمِینَ- و قوله أَ لَمْ أَنْهَکُما عَنْ تِلْکُمَا الشَّجَرَهِ- و هذا یوجب أنه قد عصى بأن فعل منهیا عنه- و الشریف المرتضى رحمه الله تعالى یقول- إنه عصى بأن ترک مأمورا به- .

قال المرتضى رحمه الله تعالى مجیبا عن هذا- إن الأمر و النهی- لیسا یختصان عندنا بصیغه لیس فیها احتمال و اشتراک- و قد یؤمر عندنا بلفظ النهی و ینهى بلفظ الأمر- و إنما یکون النهی نهیا بکراهه المنهی عنه- فإذا قال تعالى لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَهَ- و لم یکره قربهما لم یکن فی الحقیقه ناهیا- کما أنه تعالى لما قال اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا- و لم یرد ذلک لم یکن أمرا به- و إذا کان قد صحب قوله لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَهَ إراده ترک التناول- وجب أن یکون هذا القول أمرا- و إنما سماه منهیا و سمى‏أمره له- بأنه نهی من حیث کان فیه معنى النهی- لأن فی النهی ترغیبا فی الامتناع من الفعل- و تزهیدا فی الفعل نفسه- و لما کان الأمر ترغیبا من فعل المأمور- و تزهیدا فی ترکه جاز أن یسمى نهیا- . و قد یتداخل هذان الوضعان فی الشاهد- فیقول أحدنا قد أمرت فلانا بألا یلقى الأمیر- و إنما یرید أنه نهاه عن لقائه- و یقول نهیتک عن هجر زید- و إنما معناه أمرتک بمواصلته- .

یقال له هذا خلاف الظاهر- فلا یجوز المصیر إلیه إلا بدلاله قاطعه- تصرف اللفظ عن ظاهره- و یکفی أصحاب أبی هاشم فی نصره قولهم- التمسک بالظاهر- . و اعلم أن بعض أصحابنا تأول هذه الآیه- و قال إن ذلک وقع من آدم ع قبل نبوته- لأنه لو کان نبیا قبل إخراجه من الجنه- لکان إما أن یکون مرسلا إلى نفسه و هو باطل- أو إلى حواء و قد کان الخطاب یأتیها بغیر واسطه- لقوله تعالى وَ لا تَقْرَبا- أو إلى الملائکه و هذا باطل- لأن الملائکه رسل الله- بدلیل قوله جاعِلِ الْمَلائِکَهِ رُسُلًا- و الرسول لا یحتاج إلى رسول آخر- أو یکون رسولا و لیس هناک من یرسل إلیه و هذا محال- فثبت أن هذه الواقعه وقعت له ع- قبل نبوته و إرساله

الفصل الثالث فی خطئهم فی التبلیغ و الفتاوی

قال أصحابنا- إن الأنبیاء معصومون من کل خطإ- یتعلق بالأداء و التبلیغ- فلا یجوزعلیهم الکذب- و لا التغییر و لا التبدیل و لا الکتمان- و لا تأخر البیان عن وقت الحاجه- و لا الغلط فیما یؤدونه عن الله تعالى- و لا السهو فیه و لا الإلغاز و لا التعمیه- لأن کل ذلک إما أن ینقض دلاله المعجز على صدقه- أو یؤدى إلى تکلیف ما لا یطاق- . و قال قوم من الکرامیه و الحشویه- یجوز علیهم الخطأ فی أقوالهم کما جاز فی أفعالهم- قالوا و قد أخطأ رسول الله ص فی التبلیغ- حیث قال

تلک الغرانیق العلا
و إن شفاعتهن لترتجى‏

و قال قوم منهم یجوز الغلط على الأنبیاء- فیما لم تکن الحجه فیه مجرد خبرهم- لأنه لا یکون فی ذلک إبطال حجه الله على خلقه- کما وقع من النبی ص- فی هذه الصوره- فإن قوله ذلک لیس بمبطل لحجه العقل- فی أن الأصنام لا یجوز تعظیمها- و لا ترجى شفاعتها- فأما ما کان السبیل إلیه مجرد السمع- فلو أمکن الغلط فیه لبطلت الحجه بإخبارهم- . و قال قوم منهم- إن الأنبیاء یجوز أن یخطئوا فی أقوالهم و أفعالهم- إذا لم تجر تلک الأفعال مجرى بیان الوحی- کبیانه ع لنا الشریعه- و لا یجوز علیه الخطأ فی حال البیان- و إن کان یجوز علیه ذلک فی غیر حال البیان- کما روی من خبر ذی الیدین- حین سها النبی ص فی الصلاه- و کذلک ما یکون منه من تبلیغ وحی- فإنه لا یجوز علیه أن یخطئ فیه- لأنه حجه الله على عباده- فأما فی أقواله الخارجه عن التبلیغ- فیجوزأن یخطئ- کما روی عنه ص فی نهیه- لأهل المدینه عن تأبیر النخل- . فأما أصحابنا المعتزله- فإنهم اختلفوا فی الخبر المروی عنه ع فی سوره النجم- فمنهم من دفع الخبر أصلا و لم یقبله و طعن فی رواته- و منهم من اعترف بکونه قرآنا منزلا- و هم فریقان أحدهما القائلون بأنه کان وصفا للملائکه- فلما ظن المشرکون أنه وصف آلهتهم- رفع و نهی عن تلاوته- و ثانیهما القائلون إنه خارج- على وجه الاستفهام بمعنى الإنکار- فتوهم سامعوه أنه بمعنى التحقیق- فنسخه الله تعالى و نهى عن تلاوته- .

و منهم من قال لیس بقرآن منزل- بل هو کلام تکلم به رسول الله ص- من قبل نفسه على طریق الإنکار و الهزء بقریش- فظنوا أنه یرید التحقیق- فنسخه الله بأن بین خطأ ظنهم- و هذا معنى قوله- وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِکَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِیٍّ- إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّیْطانُ فِی أُمْنِیَّتِهِ- فَیَنْسَخُ اللَّهُ ما یُلْقِی الشَّیْطانُ- ثُمَّ یُحْکِمُ اللَّهُ آیاتِهِ- قالوا فإلقاء الشیطان هاهنا- هو إلقاء الشبهه فی قلوب المشرکین- و إنما أضافه إلى أمنیته- و هی تلاوته القرآن- لأن بغرور الشیطان و وسوسته أضاف المشرکون- إلى تلاوته ع ما لم یرده بها- . و أنکر أصحابنا الأخبار الوارده- التی تقتضی الطعن علی الرسول ص- قالوا و کیف یجوز أن تصدق هذه الأخبار الآحاد- على من قد قال الله تعالى له کَذلِکَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَکَ- و قال له سَنُقْرِئُکَ فَلا تَنْسى‏- و قال عنه وَ لَوْ تَقَوَّلَ‏عَلَیْنا بَعْضَ الْأَقاوِیلِ- لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْیَمِینِ- ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِینَ- و أما خبر ذی الیدین و خبر تأبیر النخل-

فقد تکلمنا علیهما فی کتبنا المصنفه فی أصول الفقهوَ قَدَّرَ الْأَرْزَاقَ فَکَثَّرَهَا وَ قَلَّلَهَا- وَ قَسَّمَهَا عَلَى الضِّیقِ وَ السَّعَهِ- فَعَدَّلَ فِیهَا لِیَبْتَلِیَ- مَنْ أَرَادَ بِمَیْسُورِهَا وَ مَعْسُورِهَا- وَ لِیَخْتَبِرَ بِذَلِکَ الشُّکْرَ وَ الصَّبْرَ مِنْ غَنِیِّهَا وَ فَقِیرِهَا- ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِیلَ فَاقَتِهَا- وَ بِسَلَامَتِهَا طَوَارِقَ آفَاتِهَا- وَ بِفُرَجِ أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا- وَ خَلَقَ الآْجَالَ فَأَطَالَهَا وَ قَصَّرَهَا وَ قَدَّمَهَا وَ أَخَّرَهَا- وَ وَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا- وَ جَعَلَهُ خَالِجاً لِأَشْطَانِهَا- وَ قَاطِعاً لِمَرَائِرِ أَقْرَانِهَا الضیق و الضیق لغتان- فأما المصدر من ضاق فالضیق بالکسر لا غیر- و عدل فیها من التعدیل و هو التقویم- و روی فعدل بالتخفیف من العدل نقیض الظلم- . و المیسور و المعسور مصدران- و قال سیبویه هما صفتان- و لا یجی‏ء عنده المصدر على وزن مفعول البته- و یتأول قولهم دعه إلى میسوره- و یقول کأنه قال دعه إلى أمر یوسر فیه- و کذلک یتأول المعقول أیضا- فیقول کأنه عقل له شی‏ء- أی حبس و أید و سدد- .

و معنى قوله ع- لیبتلی من أراد بمیسورها و معسورها- هو معنىقول النبی ص إن إعطاء هذا المال فتنه و إمساکه فتنه- .و العقابیل فی الأصل الحلأ- و هو قروح صغار تخرج بالشفه من بقایا المرض- و الفاقه الفقر- . و طوارق الآفات متجددات المصائب- و أصل الطروق ما یأتی لیلا- . و الأتراح الغموم الواحد ترح- و ترحه تتریحا أی حزنه- . و خالجا جاذبا و الخلج الجذب- خلجه یخلجه بالکسر و اختلجه- و منه الخلیج الحبل لأنه یجتذب به- و سمى خلیج البحر خلیجا- لأنه یجذب من معظم البحر- . و الأشطان الجبال واحدها شطن- و شطنت الفرس أشطنه- إذا شددته بالشطن- . و القرائن الحبال جمع قرن- و هو من شواذ الجموع قال الشاعر-

أبلغ خلیفتنا إن کنت لاقیه
أن لدى الباب کالمشدود فی قرن‏

 و مرائر القرائن جمع مریر- و هو ما لطف و طال منها و اشتد فتله- و هذا الکلام من باب الاستعاره: عَالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِینَ- وَ نَجْوَى الْمُتَخَافِتِینَ وَ خَوَاطِرِ رَجْمِ الظُّنُونِ- وَ عُقَدِ عَزِیمَاتِ الْیَقِینِ- وَ مَسَارِقِ إِیمَاضِ الْجُفُونِ- وَ مَا ضَمِنَتْهُ أَکْنَانُ الْقُلُوبِ- وَ غَیَابَاتُ الْغُیُوبِ- وَ مَا أَصْغَتْ لاسْتِرَاقِهِ مَصَائِخُ الْأَسْمَاعِ- وَ مَصَایِفِ الذَّرِّ وَ مَشَاتِی الْهَوَامِّ- وَ رَجْعِ الْحَنِینِ مِنَ الْمُولَهَاتِ وَ هَمْسِ الْأَقْدَامِ- وَ مُنْفَسَحِ الثَّمَرَهِ مِنْ وَلَائِجِ غُلُفِ الْأَکْمَامِ- وَ مُنْقَمَعِ الْوُحُوشِ مِنْ غِیرَانِ الْجِبَالِ وَ أَوْدِیَتِهَا- وَ مُخْتَبَإِ الْبَعُوضِ بَیْنَ سُوقِ‏الْأَشْجَارِ وَ أَلْحِیَتِهَا- وَ مَغْرِزِ الْأَوْرَاقِ مِنَ الْأَفْنَانِ- وَ مَحَطِّ الْأَمْشَاجِ مِنْ مَسَارِبِ الْأَصْلَابِ- وَ نَاشِئَهِ الْغُیُومِ وَ مُتَلَاحِمِهَا- وَ دُرُورِ قَطْرِ السَّحَابِ فِی مُتَرَاکِمِهَا- وَ مَا تَسْفِی الْأَعَاصِیرُ بِذُیُولِهَا وَ تَعْفُو الْأَمْطَارُ بِسُیُولِهَا- وَ عَوْمِ بَنَاتِ الْأَرْضِ فِی کُثْبَانِ الرِّمَالِ- وَ مُسْتَقَرِّ ذَوَاتِ الْأَجْنِحَهِ بِذُرَا شَنَاخِیبِ الْجِبَالِ- وَ تَغْرِیدِ ذَوَاتِ الْمَنْطِقِ فِی دَیَاجِیرِ الْأَوْکَارِ- وَ مَا أَوْعَبَتْهُ الْأَصْدَافُ- وَ حَضَنَتْ عَلَیْهِ أَمْوَاجُ الْبِحَارِ- وَ مَا غَشِیَتْهُ سُدْفَهُ لَیْلٍ أَوْ ذَرَّ عَلَیْهِ شَارِقُ نَهَارٍ- وَ مَا اعْتَقَبَتْ عَلَیْهِ أَطْبَاقُ الدَّیَاجِیرِ- وَ سُبُحَاتُ النُّورِ وَ أَثَرِ کُلِّ خَطْوَهٍ- وَ حِسِّ کُلِّ حَرَکَهٍ وَ رَجْعِ کُلِّ کَلِمَهٍ- وَ تَحْرِیکِ کُلِّ شَفَهٍ وَ مُسْتَقَرِّ کُلِّ نَسَمَهٍ- وَ مِثْقَالِ کُلِّ ذَرَّهٍ وَ هَمَاهِمِ کُلِّ نَفْسٍ هَامَّهٍ- وَ مَا عَلَیْهَا مِنْ ثَمَرِ شَجَرَهٍ أَوْ سَاقِطِ وَرَقَهٍ- أَوْ قَرَارَهِ نُطْفَهٍ أَوْ نُقَاعَهِ دَمٍ وَ مُضْغَهٍ- أَوْ نَاشِئَهِ خَلْقٍ وَ سُلَالَهٍ- لَمْ یَلْحَقْهُ فِی ذَلِکَ کُلْفَهٌ- وَ لَا اعْتَرَضَتْهُ فِی حِفْظِ مَا ابْتَدَعَ مِنْ خَلْقِهِ عَارِضَهٌ- وَ لَا اعْتَوَرَتْهُ فِی تَنْفِیذِ الْأُمُورِ وَ تَدَابِیرِ الْمَخْلُوقِینَ مَلَالَهٌ وَ لَا فَتْرَهٌ- بَلْ نَفَذَهُمْ عِلْمُهُ وَ أَحْصَاهُمْ عَدَدُهُ- وَ وَسِعَهُمْ عَدْلُهُ وَ غَمَرَهُمْ فَضْلُهُ- مَعَ تَقْصِیرِهِمْ عَنْ کُنْهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ لو سمع النضر بن کنانه هذا الکلام- لقال لقائله ما قاله علی بن العباس بن جریج لإسماعیل بن بلبل-

قالوا أبو الصقر من شیبان قلت لهم
کلا و لکن لعمری منه شیبان‏

و کم أب قد علا بابن ذرا شرف‏
کما علا برسول الله عدنان‏

 إذ کان یفخر به على عدنان و قحطان- بل کان یقر به عین أبیه إبراهیم خلیل الرحمن-و یقول له إنه لم یعف ما شیدت من معالم التوحید- بل أخرج الله تعالى لک من ظهری ولدا- ابتدع من علوم التوحید فی جاهلیه العرب- ما لم تبتدعه أنت فی جاهلیه النبط- بل لو سمع هذا الکلام أرسطوطالیس- القائل بأنه تعالى لا یعلم الجزئیات- لخشع قلبه و قف شعره و اضطرب فکره- أ لا ترى ما علیه من الرواء و المهابه- و العظمه و الفخامه و المتانه و الجزاله- مع ما قد أشرب من الحلاوه و الطلاوه و اللطف و السلاسه- لا أرى کلاما یشبه هذا- إلا أن یکون کلام الخالق سبحانه- فإن هذا الکلام نبعه من تلک الشجره- و جدول من ذلک البحر و جذوه من تلک النار- و کأنه شرح قوله تعالى- وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَیْبِ لا یَعْلَمُها إِلَّا هُوَ- وَ یَعْلَمُ ما فِی الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ- وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَهٍ إِلَّا یَعْلَمُها- وَ لا حَبَّهٍ فِی ظُلُماتِ الْأَرْضِ- وَ لا رَطْبٍ وَ لا یابِسٍ إِلَّا فِی کِتابٍ مُبِینٍ- .

ثم نعود إلى التفسیر- فنقول النجوى المساره- تقول انتجى القوم و تناجوا أی تساروا- و انتجیت زیدا إذا خصصته بمناجاتک-و منه الحدیث أنه ص أطال النجوى مع علی ع- فقال قوم لقد أطال الیوم نجوى ابن عمه- فبلغه ذلک فقال إنی ما انتجیته و لکن الله انتجاه- و یقال للسر نفسه النجو- یقال نجوته نجوا أی ساررته- و کذلک ناجیته مناجاه- و سمی ذلک الأمر المخصوص نجوى- لأنه یستسر به- فأما قوله تعالى وَ إِذْ هُمْ نَجْوى‏- فجعلهم هم النجوى و إنما النجوى فعلهم- فإنما هو کقولک قوم رضا و إنما الرضا فعلهم- و یقال للذی تساره النجی على فعیل- و جمعه أنجیه- قال الشاعر

إنی إذا ما القوم کانوا أنجیه‏

 و قد یکون النجی جماعه مثل الصدیق- قال الله تعالى خَلَصُوا نَجِیًّا- و قال الفراء قد یکون النجی و النجوى اسما و مصدرا- . و المتخافتین الذین یسرون المنطق- و هی المخافته و التخافت و الخفت- قال الشاعر

أخاطب جهرا إذ لهن تخافت
و شتان بین الجهر و المنطق الخفت‏

و رجم الظنون القول بالظن- قال سبحانه رَجْماً بِالْغَیْبِ- و منه الحدیث المرجم بالتشدید- و هو الذی لا یدرى أ حق هو أم باطل- و یقال صار رجما أی لا یوقف على حقیقه أمره- . و عقد عزیمات الیقین- العزائم التی یعقد القلب علیها و تطمئن النفس إلیها- . و مسارق إیماض الجفون- ما تسترقه الأبصار حین تومض- یقال أومض البصر و البرق إیماضا إذا لمع لمعا خفیفا- و یجوز ومض بغیر همز- یمض ومضا و ومیضا و ومضانا- و أکنان القلوب غلفها- و الکن الستر و الجمع أکنان- قال تعالى جَعَلَ لَکُمْ مِنَ الْجِبالِ أَکْناناً- و یروى أکنه القلوب و هی الأغطیه أیضا- قال تعالى وَ جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَکِنَّهً- و الواحد کنان- قال عمر بن أبی ربیعه

تحت عین کناننا
ظل برد مرحل‏

و یعنی بالذی ضمنته أکنان القلوب الضمائر- . و غیابات الغیوب جمع غیابه- و هی قعر البئر فی الأصل ثم نقلت إلى کل غامض خفی- مثل غیابه و قد روی غبابات بالباء- . و أصغت تسمعت و مالت نحوه- و لاستراقه لاستماعه فی خفیه- قال تعالى إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ- . و مصائخ الأسماع- خروقها التی یصیخ بها أی یتسمع- . و مصایف الذر- المواضع التی یصیف الذر فیها- أی یقیم الصیف یقال- صاف بالمکان و اصطاف بمعنى- و الموضع مصیف و مصطاف- . و الذر جمع ذره- و هی أصغر النمل- . و مشاتی الهوام- المواضع التی تشتو الهوام بها- یقال شتوت بموضع کذا و تشتیت- أی أقمت به الشتاء- . و الهوام جمع هامه- و لا یقع هذا الاسم- إلا على المخوف من الأحناش- .

و رجع الحنین ترجیعه و تردیده- و المولهات- النوق و النساء اللواتی حیل بینهن و بین أولادهن- . و همس الأقدام- صوت وطئها خفیا جدا- قال تعالى فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً- و منه قول الراجز- .فهن یمشین بنا همیسا- و الأسد الهموس الخفی الوطء- . و منفسح الثمره أی موضع سعتها من الأکمام- و قد روی متفسخ- بالخاء المعجمه و تشدید السین و بتاء بعد المیم مصدرا من تفسخت الثمره إذا انقطعت- . و الولائج المواضع الساتره و الواحده ولیجه- و هو کالکهف یستتر فیه الماره من مطر أو غیره- و یقال أیضا فی جمعه ولج و أولاج- . و متقمع الوحوش موضع تقمعها و استتارها- و سمی قمعه بن إلیاس بن مضر بذلک- لأنه انقمع فی بیته کما زعموا- .

و غیران الجبال جمع غار- و هو کالکهف فی الجبل- و المغار مثل الغار و المغاره مثله- . و مختبأ البعوض موضع اختبائها و استتارها- و سوق الأشجار جمع ساق- و ألحیتها جمع لحاء و هو القشر- . و مغرز الأوراق موضع غرزها فیها- .و الأفنان جمع فنن و هو الغصن- و الأمشاج ماء الرجل یختلط بماء المرأه و دمها- جمع مشیج کیتیم و أیتام- و محطها إما مصدر أو مکان- . و مسارب الأصلاب- المواضع التی یتسرب المنی فیها من الصلب أی یسیل- . و ناشئه الغیوم أول ما ینشأ منها و هو النشی‏ء أیضا- و ناشئه اللیل فی قوله تعالى- إِنَّ ناشِئَهَ اللَّیْلِ هِیَ أَشَدُّ وَطْئاً أول ساعاته- و یقال هی ما ینشأ فی اللیل من الطاعات- و متلاحمها ما یلتصق منها بعضها ببعض و یلتحم- . و درور قطر السحائب مصدر من در یدر أی سال- و ناقه درور أی کثیره اللبن- و سحاب درور أی کثیر المطر- و یقال إن لهذا السحاب لدره أی صبا- و الجمع درور- و متراکمها المجتمع المتکاثف منها- رکمت الشی‏ء أرکمه بالضم- جمعته و ألقیت بعضه على بعض- و رمل رکام و سحاب رکام أی مجتمع- .

و الأعاصیر جمع إعصار- و هی ریح تثیر الغبار فیرتفع إلى السماء کالعمود- و قال تعالى فَأَصابَها إِعْصارٌ فِیهِ نارٌ- . و تسفی من سفت الریح التراب سفیا- إذا أذرته فهو سفی- و ذیولها هاهنا یرید به أطرافها و ما لاحف الأرض منها- . و ما تعفو الأمطار أی ما تدرس- عفت الریح المنزل أی درسته- و عفا المنزل نفسه یعفو درس- یتعدى و لا یتعدى- . و بنات الأرض الهوام و الحشرات- التی تکون فی الرمال- و عومها فیها سباحتها- و یقال لسیر السفینه و سیر الإبل أیضا عوم- عمت فی الماء بضم أوله أعوم- .

و کثبان الرمال جمع کثیب- و هو ما انصب من الرمل- و اجتمع فی مکان واحد فصار تلا- و کثبت الشی‏ء أکثبه کثبا إذا جمعته- و انکثب الرمل اجتمع- . و شناخیب الجبال رءوسها واحدها شنخوب- و ذراها أعالیها جمع ذروه و ذروه بالکسر و الضم- . و التغرید التطریب بالغناء و التغرد مثله- و کذلک الغرد بفتحهما- و یقال غرد الطائر فهو غرد إذا طرب بصوته- . و ذوات المنطق هاهنا الأطیار- و سمی صوتها منطقا- و إن کان لا یطلق إلا على ألفاظ البشر مجازا- . و دیاجیر جمع دیجور و هو الظلام- و الأوکار جمع وکر و هو عش الطائر- و یجمع أیضا على وکور- و وکر الطائر یکر وکرا أی دخل وکره- . و قوله و ما أوعبته الأصداف أی من اللؤلؤ- و حضنت علیه أمواج البحار أی ما ضمته- کما تحضن الأنثى من الطیر بیضها- و هو ما یکون فی لجه- إما من سمک أو خشب أو ما یحمله البحر من العنبر- کالجماجم بین الأمواج و غیر ذلک- .

و سدفه اللیل ظلمته و جاء بالفتح- و قیل السدفه اختلاط الضوء و الظلمه معا- کوقت ما بین طلوع الفجر إلى الإسفار- . و غشیته غطته و ذر علیه شارق نهار- أی ما طلعت علیه الشمس- و ذرت الشمس تذر بالضم ذرورا طلعت- و ذر البقل إذا طلع من الأرض- . و شرقت الشمس طلعت- و أشرقت بالهمزه إذا أضاءت و صفت- . و اعتقبت تعاقبت- و أطباق الدیاجیر أطباق الظلم- و أطباقها جمع طبقه أی‏ أغطیتها- أطبقت الشی‏ء أی غطیته- و جعلته مطبقا و قد تطبق هو- و منه قولهم لو تطبقت السماء على الأرض لما فعلت کذا- و سبحات النور عطف على أطباق الدیاجیر- أی یعلم سبحانه ما تعاقب علیه الظلام و الضیاء- و سبحات هاهنا- لیس یعنی به ما یعنى بقوله سبحان وجه ربنا- لأنه هناک بمعنى ما یسبح علیه النور أی یجرى- من سبح الفرس و هو جریه و یقال فرس سابح- . و الخطوه ما بین القدمین بالضم- و خطوت خطوه بالفتح لأنه المصدر- .

و رجع کل کلمه- ما ترجع به من الکلام إلى نفسک و تردده فی فکرک- . و النسمه الإنسان نفسه و جمعها نسم- و مثقال کل ذره أی وزن کل ذره- و مما یخطئ فیه العامه قولهم للدینار- مثقال و إنما المثقال وزن کل شی‏ء- قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لا یَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّهٍ- . و هماهم کل نفس هامه الهماهم جمع همهمه- و هی تردید الصوت فی الصدر- و حمار همهیم یهمهم فی صوته- و همهمت المرأه فی رأس الصبی- و ذلک إذا نومته بصوت ترققه له- و النفس الهامه ذات الهمه التی تعزم على الأمر- . قوله و ما علیها أی ما على الأرض- فجاء بالضمیر و لم یسبق ذکر صاحبه- اعتمادا على فهم المخاطب- کما قال تعالى کُلُّ مَنْ عَلَیْها فانٍ- . و قراره النطفه ما یستقر فیه الماء من الأماکن- قال الشاعر

و أنتم قراره کل معدن سوءه
و لکل سائله تسیل قرار

و النطفه الماء نفسه-و منه قوله ع فی الخوارج إن مصارعهم النطفه- أی لا یعبرون النهر- و یجوز أن یرید بالنطفه المنی- و یقویه ما ذکره بعده من المضغه- .و النقاعه نقره یجتمع فیها الدم- و مثله أنقوعه و یقال لوقبه الثرید أنقوعه- . و المضغه قطعه اللحم- و السلاله فی الأصل ما استل من الشی‏ء- و سمیت النطفه سلاله الإنسان- لأنها استلت منه و کذلک الولد- . و الکلفه المشقه- و اعتورته مثل عرته و نفذهم علمه- تشبیه بنفوذ السهم- و عدی الفعل بنفسه- و إن کان معدى فی الأصل بحرف الجر- کقولک اخترت الرجال زیدا أی من الرجال- کأنه جعل علمه تعالى خارقا لهم و نافذا فیهم- و یروى و أحصاهم عده بالتضعیف: اللَّهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِیلِ- وَ التَّعْدَادِ الْکَثِیرِ- إِنْ تُؤَمَّلْ فَخَیْرُ مَأْمُولٍ وَ إِنْ تُرْجَ فَخَیْرُ مَرْجُوٍّ- اللَّهُمَّ فَقَدْ بَسَطْتَ لِی فِیمَا لَا أَمْدَحُ بِهِ غَیْرَکَ- وَ لَا أُثْنِی بِهِ عَلَى أَحَدٍ سِوَاکَ- وَ لَا أُوَجِّهُهُ إِلَى مَعَادِنِ الْخَیْبَهِ وَ مَوَاضِعِ الرِّیبَهِ- وَ عَدَلْتَ بِلِسَانِی عَنْ مَدَائِحِ الآْدَمِیِّینَ- وَ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْبُوبِینَ الْمَخْلُوقِینَ- اللَّهُمَّ وَ لِکُلِّ مُثْنٍ عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَیْهِ مَثُوبَهٌ مِنْ جَزَاءٍ- أَوْ عَارِفَهٌ مِنْ عَطَاءٍ- وَ قَدْ رَجَوْتُکَ دَلِیلًا عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَهِ- وَ کُنُوزِ الْمَغْفِرَهِ- اللَّهُمَّ وَ هَذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَکَ بِالتَّوْحِیدِ الَّذِی هُوَ لَکَ- وَ لَمْ یَرَ مُسْتَحِقّاً لِهَذِهِ الْمَحَامِدِ وَ الْمَمَادِحِ غَیْرَکَ- وَ بِی فَاقَهٌ إِلَیْکَ لَا یَجْبُرُ مَسْکَنَتَهَا إِلَّا فَضْلُکَ- وَ لَا یَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِهَا إِلَّا مَنُّکَ وَ جُودُکَ- فَهَبْ لَنَا فِی هَذَا الْمَقَامِ رِضَاکَ- وَ أَغْنِنَا عَنْ مَدِّ الْأَیْدِی إِلَى سِوَاکَ- إِنَّکَ عَلَى کُلِّ شَیْ‏ءٍ قَدِیرٌ

التعداد مصدر- و خیر خبر مبتدإ محذوف- تقدیره فأنت خیر مأمول- . و معنى قوله قد بسطت لی- أی قد آتیتنی لسنا و فصاحه و سعه منطق- فلا أمدح غیرک و لا أحمد سواک- . و یعنی بمعادن الخیبه البشر- لأن مادحهم و مؤملهم یخیب فی الأکثر- و جعلهم مواضع الریبه لأنهم لا یوثق بهم فی حال- . و معنى قوله ع- و قد رجوتک دلیلا على ذخائر الرحمه و کنوز المغفره- أنه راج منه أن یدله على الأعمال التی ترضیه سبحانه- و یستوجب بها منه الرحمه و المغفره- و کأنه جعل تلک الأعمال التی یرجو- أن یدل علیها ذخائر للرحمه و کنوزا- . و الفاقه الفقر و کذلک المسکنه- . و ینعش بالفتح یرفع- و الماضی نعش و منه النعش لارتفاعه و المن العطاء و النعمه- و المنان من أسماء الله سبحانه

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی‏ الحدید) ج ۶-۷

بازدیدها: ۲۲۴

خطبه ۸۹ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۸۹ و من خطبه له ع

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَیْرِ رُؤْیَهٍ وَ الْخَالِقِ مِنْ غَیْرِ رَوِیَّهٍ- الَّذِی لَمْ یَزَلْ قَائِماً دَائِماً إِذْ لَا سَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ- وَ لَا حُجُبٌ ذَاتُ إِرْتَاجٍ وَ لَا لَیْلٌ دَاجٍ وَ لَا بَحْرٌ سَاجٍ- وَ لَا جَبَلٌ ذُو فِجَاجٍ وَ لَا فَجٌّ ذُو اعْوِجَاجٍ- وَ لَا أَرْضٌ ذَاتُ مِهَادٍ وَ لَا خَلْقٌ ذُو اعْتِمَادٍ- وَ ذَلِکَ مُبْتَدِعُ الْخَلْقِ وَ وَارِثُهُ وَ إِلَهُ الْخَلْقِ وَ رَازِقُهُ- وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ دَائِبَانِ فِی مَرْضَاتِهِ- یُبْلِیَانِ کُلَّ جَدِیدٍ وَ یُقَرِّبَانِ کُلَّ بَعِیدٍ الرویه الفکره و أصلها الهمز روأت فی الأمر- و قد جاء مثلها کلمات یسیره شاذه- نحو البریه من برأ أی خلق- و الذریه من ذرأ أی خلق أیضا- و الدریه و هی ما یستتر به الصائد- أصله من درأت أی دفعت و فلان بری أصله بری‏ء- وصف الله تعالى بأنه یعرف- من غیر أن تتعلق الأبصار بذاته- و یخلق من غیر تفکر و ترو فیما یخلقه- . لم یزل قائما القائم و القیوم بمعنى- و هو الثابت الذی لا یزول- و یعبر عنه فی الاصطلاح النظری بالواجب الوجود- و قد یفسر القائم على معنى قولهم فلان قائم بأمر کذا- أی وال و ممسک له أن یضطرب- . ثم قال هو موصوف بأنه قائم دائم من قبل أن یخلق العالم- و هذا یؤکد التفسیر

الأول- لأنه إذا لم یکن العالم مخلوقا- بعد لم یصدق علیه أنه قائم بأمره إلا بالقوه لا بالفعل- کما یصدق علیه أنه سمیع بصیر فی الأزل- أی إذا وجدت المسموعات و المبصرات سمعها و أبصرها- و لو سمی قبل خلق الکلام متکلما- على هذا التفسیر لم أستبعده و إن کان أصحابنا یأبونه- . و الأبراج الأرکان فی اللغه العربیه- . فإن قلت- فهل یطابق هذا التفسیر ما یعتقده أصحاب الهیئه- و کثیر من الحکماء و المتکلمین- أن السماء کره لا زاویه فیها و لا ضلع- .

قلت نعم لا منافاه بین القولین- لأن الفلک و إن کان کره لکن فیه من المتممات- ما یجری مجرى أرکان الحصن أو السور- فصح إطلاق لفظه الأبراج علیه- و المتممات أجسام فی حشو الفلک تخف فی موضع- و الناس کلهم أثبتوها- . فإن قلت فهل یجوز أن یحمل لفظ الأبراج- على ما یعتقده المنجمون و أهل الهیئه- و کثیر من الحکماء و المتکلمین- من کون الفلک مقسوما باثنی عشر قسما- کل قسم منها یسمى برجا- .

قلت لا مانع من ذلک- لأن هذا المسمى کان معلوما متصورا قبل نزول القرآن- و کان أهل الاصطلاح قد وضعوا هذا اللفظ بإزائه- فجاز أن ینزل القرآن بموجبه- قال تعالى وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ- و أخذها علی ع منه فقال إذ لا سماء ذات أبراج- و ارتفع سماء لأنه مبتدأ و خبره محذوف- و تقدیره فی الوجود- .

ثم قال و لا حجب ذات إرتاج- و الإرتاج مصدر أرتج أی أغلق أی ذات إغلاق- و من رواه ذات رتاج على فعال فالرتاج الباب المغلق- و یبعد روایه من رواه‏ ذات أرتاج- لأن فعالا قل أن یجمع على أفعال- و یعنی بالحجب ذات الإرتاج- حجب النور المضروبه بین عرشه العظیم و بین ملائکته- و یجوز أن یرید بالحجب السموات أنفسها- لأنها حجبت الشیاطین عن أن تعلم ما الملائکه فیه- . و اللیل الداجی المظلم- و البحر الساجی الساکن و الفجاج جمع فج- و هو الطریق الواسع بین جبلین و المهاد الفراش- .

قوله و لا خلق ذو اعتماد- أی و لا مخلوق یسعى برجلین فیعتمد علیهما- أو یطیر بجناحیه فیعتمد علیهما- و یجوز أن یرید بالاعتماد هنا البطش و التصرف- مبتدع الخلق مخرجه من العدم المحض- کقوله تعالى بَدِیعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ- و دائبان تثنیه دائب و هو الجاد المجتهد المتعب- دأب فی عمله أی جد و تعب دأبا- و دءوبا فهو دءیب و دأبته أنا- و سمى الشمس و القمر دائبین- لتعاقبهما على حال واحده دائما لا یفتران و لا یسکنان-

و روی دائبین بالنصب على الحال- و یکون خبر المبتدأ یبلیان و هذه من الألفاظ القرآنیه: قَسَمَ أَرْزَاقَهُمْ وَ أَحْصَى آثَارَهُمْ وَ أَعْمَالَهُمْ- وَ عَدَدَ أَنْفُسِهِمْ وَ خَائِنَهَ أَعْیُنِهِمْ- وَ مَا تُخْفِی صُدُورُهُمْ مِنَ الضَّمِیرِ- وَ مُسْتَقَرَّهُمْ وَ مُسْتَوْدَعَهُمْ مِنَ الْأَرْحَامِ وَ الظُّهُورِ- إِلَى أَنْ تَتَنَاهَى بِهِمُ الْغَایَاتُ آثارهم یمکن أن یعنى به آثار وطئهم فی الأرض إیذانا- بأنه تعالى عالم بکل معلومکما آذن قوله سبحانه- وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَهٍ إِلَّا یَعْلَمُها بذلک- و یمکن أن یعنى به حرکاتهم و تصرفاتهم- .

و روی و عدد أنفاسهم على الإضافه- . و خائنه الأعین ما یومئ به مسارقه و خفیه- و مستقرهم أی فی الأرحام- و مستودعهم أی فی الأصلاب و قد فسر ذلک- فتکون من متعلقه بمستودعهم و مستقرهم- على إراده تکررها- و یمکن أن یقال أراد مستقرهم و مأواهم على ظهر الأرض- و مستودعهم فی بطنها بعد الموت- و تکون من هاهنا بمعنى مذ- أی مذ زمان کونهم فی الأرحام و الظهور- إلى أن تتناهى بهم الغایات- أی إلى أن یحشروا فی القیامه- و على التأویل الأول یکون تناهی الغایات بهم- عباره عن کونهم أحیاء فی الدنیا: هُوَ الَّذِی اشْتَدَّتْ نِقْمَتُهُ عَلَى أَعْدَائِهِ فِی سَعَهِ رَحْمَتِهِ- وَ اتَّسَعَتْ رَحْمَتُهُ لِأَوْلِیَائِهِ فِی شِدَّهِ نِقْمَتِهِ- قَاهِرُ مَنْ عَازَّهُ وَ مُدَمِّرُ مَنْ شَاقَّهُ وَ مُذِلُّ مَنْ نَاوَاهُ- وَ غَالِبُ مَنْ عَادَاهُ مَنْ تَوَکَّلَ عَلَیْهِ کَفَاهُ وَ مَنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ- وَ مَنْ أَقْرَضَهُ قَضَاهُ وَ مَنْ شَکَرَهُ جَزَاهُ- عِبَادَ اللَّهِ زِنُوا أَنْفُسَکُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُوزَنُوا- وَ حَاسِبُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُحَاسَبُوا- وَ تَنَفَّسُوا قَبْلَ ضِیقِ الْخِنَاقِ وَ انْقَادُوا قَبْلَ عُنْفِ السِّیَاقِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ یُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ- حَتَّى یَکُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظٌ وَ زَاجِرٌ- لَمْ یَکُنْ لَهُ مِنْ غَیْرِهَا لَا زَاجِرٌ وَ لَا وَاعِظٌ

یجوز نقمه و نقمه مثل کلمه و کلمه و لبنه و لبنه- و معنى الکلام أنه مع کونه واسع الرحمه فی نفس الأمر- و أنه أرحم الراحمین فإنه شدید النقمه على أعدائه- و مع کونه عظیم النقمه فی نفس الأمر- و کونه شدید العقاب فإنه واسع الرحمه لأولیائه- و عازه أی غالبه و عزه أی غلبه و منه وَ عَزَّنِی فِی الْخِطابِ- و فی المثل من عز بز أی من غلب سلب و المدمر المهلک- دمره و دمر علیه بمعنى أی أهلکه و شاقه عاداه- قیل إن أصله من الشق و هو النصف- لأن المعادی یأخذ فی شق و المعادی فی شق یقابله- و ناواه أی عاداه و اللفظه مهموزه- و إنما لینها لأجل القرینه السجعیه- و أصلها ناوأت الرجل مناوأه و نواء- و یقال فی المثل إذا ناوأت الرجل فاصبر- . قوله زنوا أنفسکم قبل أن توزنوا- من الکلام الفصیح النادر اللطیف- یقول اعتبروا أعمالکم- و أنتم مختارون قادرون على استدراک الفارط- قبل أن یکون هذا الاعتبار فعل غیرکم- و أنتم لا تقتدرون على استدراک الفارط- و مثله قوله و حاسبوها من قبل أن تحاسبوا- . ثم قال و تنفسوا قبل ضیق الخناق أی انتهزوا الفرصه- و اعملوا قبل أن یفوتکم الأمر- و یجد بکم الرحیل و یقع الندم قال الشاعر-

اختم و طینک رطب إن قدرت فکم
قد أمکن الختم أقواما فما ختموا

 ثم قال و انقادوا قبل عنف السیاق- هو العنف بالضم و هو ضد الرفق- یقال عنف علیه و عنف به أیضا- و العنیف الذی لا رفق له برکوب الخیل و الجمع عنف- و اعتنفت الأمر أی أخذته بعنف- یقول انقادوا أنتم من أنفسکم- قبل أن تقادوا و تساقوا بغیر اختیارکم سوقا عنیفا- ثم قال من لم یعنه الله على نفسه- حتى یجعل له منها واعظا و زاجرا- لم ینفعه الزجر و الوعظ من غیرها- أخذ هذا المعنى شاعر فقال-

و أقصرت عما تعهدین و زاجر
من النفس خیر من عتاب العواذل‏

 فإن قلت أ لیس فی هذا الکلام إشعار ما بالجبر- . قلت إنه لا خلاف بین أصحابنا- فی أن لله تعالى ألطافا یفعلها بعباده- فیقربهم من الواجب و یبعدهم من القبیح- و من یعلم الله تعالى من حاله أنه لا لطف له- لأن کل ما یعرض لطفا له فإنه لا یؤثر فی حاله- و لا یزداد به إلا إصرارا على القبیح و الباطل- فهو الذی عناه أمیر المؤمنین ع بقوله من لم یعن على نفسه- لأنه ما قبل المعونه و لا انقاد إلى مقتضاها- و قد روی و اعلموا أنه من لم یعن على نفسه بکسر العین- أی من لم یعن الواعظین له و المنذرین على نفسه- و لم یکن معهم إلبا علیها و قاهرا لها- لم ینتفع بالوعظ و الزجر- لأن هوى نفسه یغلب وعظ کل واعظ و زجر کل زاجر

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی‏ الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۱۸

خطبه ۸۸ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۸۸ و من خطبه له ع

أَرْسَلَهُ عَلَى حِینِ فَتْرَهٍ مِنَ الرُّسُلِ- وَ طُولِ هَجْعَهٍ مِنَ الْأُمَمِ وَ اعْتِزَامٍ مِنَ الْفِتَنِ- وَ انْتِشَارٍ مِنَ الْأُمُورِ وَ تَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ- وَ الدُّنْیَا کَاسِفَهُ النُّورِ ظَاهِرَهُ الْغُرُورِ- عَلَى حِینِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا- وَ إِیَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا وَ إِعْوَارٍ مِنْ مَائِهَا- قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى وَ ظَهَرَتْ أَعْلَامُ الرَّدَى- فَهِیَ مُتَجَهِّمَهٌ لِأَهْلِهَا عَابِسَهٌ فِی وَجْهِ طَالِبِهَا ثَمَرُهَا الْفِتْنَهُ- وَ طَعَامُهَا الْجِیفَهُ وَ شِعَارُهَا الْخَوْفُ وَ دِثَارُهَا السَّیْفُ- .

فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللَّهِ- وَ اذْکُرُوا تِیکَ الَّتِی آبَاؤُکُمْ وَ إِخْوَانُکُمْ بِهَا مُرْتَهَنُونَ- وَ عَلَیْهَا مُحَاسَبُونَ- وَ لَعَمْرِی مَا تَقَادَمَتْ بِکُمْ وَ لَا بِهِمُ الْعُهُودُ- وَ لَا خَلَتْ فِیمَا بَیْنَکُمْ وَ بَیْنَهُمُ الْأَحْقَابُ وَ الْقُرُونُ- وَ مَا أَنْتُمُ الْیَوْمَ مِنْ یَوْمَ کُنْتُمْ فِی أَصْلَابِهِمْ بِبَعِیدٍ- . وَ اللَّهِ مَا أَسْمَعَکُمُ الرَّسُولُ شَیْئاً- إِلَّا وَ هَا أَنَا ذَا الْیَوْمَ مُسْمِعُکُمُوهُ- وَ مَا أَسْمَاعُکُمْ الْیَوْمَ بِدُونِ أَسْمَاعِکُمْ بِالْأَمْسِ- وَ لَا شُقَّتْ لَهُمُ الْأَبْصَارُ- وَ لَا جُعِلَتْ لَهُمُ الْأَفْئِدَهُ فِی ذَلِکَ الزَّمَانِ- إِلَّا وَ قَدْ أُعْطِیتُمْ مِثْلَهَا فِی هَذَا الزَّمَانِ- وَ وَ اللَّهِ مَا بُصِّرْتُمْ بَعْدَهُمْ شَیْئاً جَهِلُوهُ- وَ لَا أُصْفِیتُمْ بِهِ وَ حُرِمُوهُ- وَ لَقَدْ نَزَلَتْ بِکُمُ الْبَلِیَّهُ جَائِلًا خِطَامُهَا رِخْواً بِطَانُهَا- فَلَا یَغُرَّنَّکُمْ مَا أَصْبَحَ فِیهِ أَهْلُ الْغُرُورِ- فَإِنَّمَا هُوَ ظِلٌّ مَمْدُودٌ إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٍ

الفتره بین الرسل انقطاع الرساله و الوحی- و کذلک کان إرسال محمد ص لأن بین محمد و بین عهد المسیح ع عهدا طویلا- أکثر الناس على أنه ستمائه سنه- و لم یرسل فی تلک المده رسول- اللهم إلا ما یقال عن خالد بن سنان العبسی- و لم یکن نبیا و لا مشهورا- . و الهجعه النومه لیلا و الهجوع مثله- و کذلک التهجاع بفتح التاء فأما الهجعه بکسر الهاء- فهی الهیئه کالجلسه من الجلوس- .

قوله و اعتزام من الفتن کأنه جعل الفتن معتزمه- أی مریده مصممه للشغب و الهرج و یروى و اعتراض- و یروى و اعترام بالراء المهمله من العرام- و هی الشره و التلظی التلهب- . و کاسفه النور قد ذهب ضوءها کما تکسف الشمس- ثم وصفها بالتغیر و ذبول الحال- فجعلها کالشجره التی اصفر ورقها و یبس ثمرها- و أعور ماؤها و الإعوار ذهاب الماء فلاه عوراء لا ماء بها- و من رواه و إغوار من مائها بالغین المعجمه- جعله من غار الماء أی ذهب- و منه قوله تعالى أَ رَأَیْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُکُمْ غَوْراً- . و متجهمه لأهلها کالحه فی وجوههم- .

ثم قال ثمرها الفتنه أی نتیجتها و ما یتولد عنها- و طعامها الجیفه یعنی أکل الجاهلیه المیته- أو یکون على وجه الاستعاره أی أکلها خبیث- و یروى الخیفه أی الخوف- ثم جعل الخوف و السیف شعارها و دثارها- فالشعار ما یلی الجسد و الدثار فوق‏ الشعار- و هذا من بدیع الکلام و من جید الصناعه- لأنه لما کان الخوف یتقدم السیف و السیف یتلوه- جعل الخوف شعارا لأنه الأقرب إلى الجسد- و جعل الدثار تالیا له- . ثم قال و اذکروا تیک کلمه إشاره إلى المؤنثه الغائبه- فیمکن أن یعنى بها الدنیا التی تقدم ذکرها- و قد جعل آباءهم و إخوانهم- مرتهنین بها و محاسبین علیها- و الارتهان الاحتباس- و یمکن أن یعنى بها الأمانه- التی عرضت على الإنسان فحملها- و المراد بالأمانه الطاعه و العباده- و فعل الواجب و تجنب القبیح- و قال تیک و لم یجر ذکرها- کما قال تعالى الم ذلِکَ الْکِتابُ و لم یجر ذکره- لأن الإشاره إلى مثل هذا أعظم و أهیب- و أشد روعه فی صدر المخاطب من التصریح- .

قوله و لا خلت فیما بینکم و بینهم الأحقاب- أی لم یطل العهد و الأحقاب المدد المتطاوله- و القرون الأمم من الناس- . و قوله من یوم کنتم یروى بفتح المیم من یوم على أنه مبنی- إذ هو مضاف إلیه الفعل المبنی و یروى بجرها بالإضافه- على اختلاف القولین فی علم العربیه- . ثم اختلفت الروایه فی قوله و الله ما أسمعکم- فروی بالکاف و روی أسمعهم- و کذلک اختلفت الروایه فی قوله- و ما أسماعکم الیوم بدون أسماعکم بالأمس- فروی هکذا و روی بدون أسماعهم- فمن رواه بهاء الغیبه فی الموضعین فالکلام منتظم- لا یحتاج إلى تأویل و من رواه بکاف الخطاب- قال إنه خاطب به من صحب النبی ص و شاهده و سمع خطابه- لأن أصحاب علی ع کانوا فریقین صحابه و تابعین- و یعضد الروایه الأولى سیاق الکلام- .

و قوله و لا شقت لهم الأبصار إلا و قد أعطیتم مثلها- .و أصفیتم به منحتموه من الصفا- و هو ما یصطفیه الرئیس من المغنم لنفسه قبل القسمه- یقال صفی و صفیه- . و خلاصه هذا الکلام- أن جمیع ما کان رسول الله ص قاله لأصحابه- قد قلت مثله لکم فأطاع أولئک و عصیتم أنتم- و حالکم مساویه لحالهم- . قلت لو أن مجیبا منهم یجیبه لأمکن أن یقول له- المخاطبون و إن کانوا نوعا واحدا متساویا- إلا أن المخاطب مختلف الحال و ذلک لأنک- و إن کنت ابن عمه فی النسب و أخاه و لحمه و دمه- و فضائلک مشتقه من فضائله- و أنت قبس من نوره و ثانیه على الحقیقه- و لا ثالث لکما- إلا أنک لم ترزق القبول الذی رزقه- و لا انفعلت نفوس الناس لک حسب انفعالها له- و تلک خاصیه النبوه التی امتاز بها عنک- فإنه کان لا یسمع أحد کلامه إلا أحبه و مال إلیه- و لذلک کانت قریش تسمی المسلمین قبل الهجره الصباه- و یقولون نخاف أن یصبو الولید بن المغیره- إلى دین محمد ص و لئن صبا الولید و هو ریحانه قریش- لتصبون قریش بأجمعها- و قالوا فیه ما کلامه إلا السحر- و إنه لیفعل بالألباب فوق ما تفعل الخمر- و نهوا صبیانهم عن الجلوس إلیه- لئلا یستمیلهم بکلامه و شمائله- و کان إذا صلى فی الحجر و جهر یجعلون أصابعهم فی آذانهم- خوفا أن یسحرهم و یستمیلهم بقراءته و بوعظه و تذکیره- هذا هو معنى قوله تعالى جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِی آذانِهِمْ- وَ اسْتَغْشَوْا ثِیابَهُمْ- .

و معنى قوله وَ إِذا ذَکَرْتَ رَبَّکَ فِی الْقُرْآنِ وَحْدَهُ- وَلَّوْا عَلى‏ أَدْبارِهِمْ نُفُوراً- لأنهم کانوا یهربون إذا سمعوه یتلو القرآن- خوفا أن یغیر عقائدهم فی أصنامهم- و لهذا أسلم أکثر الناس بمجرد سماع کلامه- و رؤیته و مشاهده روائه و منظره- و ما ذاقوه من حلاوه لفظه و سری کلامه فی آذانهم- و ملک قلوبهم و عقولهم حتى بذلوا المهج فی نصرته- و هذا من أعظم معجزاته ع- و هو القبول الذی منحه الله تعالى- و الطاعه التی جعلها فی قلوب الناس له- و ذلک على الحقیقه سر النبوه- الذی تفرد به ص- فکیف یروم أمیر المؤمنین من الناس- أن یکونوا معه کما کان آباؤهم و إخوانهم مع النبی ص- مع اختلاف حال الرئیسین و تساوی الأثرین- کما یعتبر فی تحققه تساوی حال المحلین- یعتبر فی حقیقته أیضا تساوی حال العلتین- .

ثم نعود إلى التفسیر- قال و لقد نزلت بکم البلیه أی المحنه العظیمه- یعنی فتنه معاویه و بنی أمیه- . و قال جائلا خطامها- لأن الناقه إذا اضطرب زمامها استصعبت على راکبها- و یسمى الزمام خطاما لکونه فی مقدم الأنف- و الخطم من کل دابه مقدم أنفها و فمها- و إنما جعلها رخوا بطانها لتکون أصعب على راکبها- لأنه إذا استرخى البطان- کان الراکب فی معرض السقوط عنها- و بطان القتب هو الحزام الذی یجعل تحت بطن البعیر- . ثم نهاهم عن الاغترار بالدنیا و متاعها- و قال إنها ظل ممدود إلى أجل معدود- و إنما جعلها کالظل لأنه ساکن فی رأی العین- و هو متحرک فی الحقیقه لا یزال یتقلص- کما قال تعالى ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَیْنا قَبْضاً یَسِیراً- و هو أشبه شی‏ء بأحوال الدنیا- . و قال بعض الحکماء أهل الدنیا کرکب سیر بهم و هم نیام

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۲۰

خطبه ۸۷ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۸۷ و من خطبه له ع

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ لَمْ یَقْصِمْ جَبَّارِی دَهْرٍ قَطُّ إِلَّا بَعْدَ تَمْهِیلٍ وَ رَخَاءٍ- وَ لَمْ یَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا بَعْدَ أَزْلٍ وَ بَلَاءٍ- وَ فِی دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَتْبٍ- وَ مَا اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ- وَ مَا کُلُّ ذِی قَلْبٍ بِلَبِیبٍ وَ لَا کُلُّ ذِی سَمْعٍ بِسَمِیعٍ- وَ لَا کُلُّ ذِی نَاظِرٍ بِبَصِیرٍ- فَیَا عَجَباً وَ مَا لِیَ لَا أَعْجَبُ مِنْ خَطَإِ هَذِهِ الْفِرَقِ- عَلَى اخْتِلَافِ حُجَجِهَا فِی دِینِهَا- لَا یَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِیٍّ وَ لَا یَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِیٍّ- وَ لَا یُؤْمِنُونَ بِغَیْبٍ وَ لَا یَعِفُّونَ عَنْ عَیْبٍ- یَعْمَلُونَ فِی الشُّبُهَاتِ وَ یَسِیرُونَ فِی الشَّهَوَاتِ- الْمَعْرُوفُ فِیهِمْ مَا عَرَفُوا وَ الْمُنْکَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْکَرُوا- مَفْزَعُهُمْ فِی الْمُعْضِلَاتِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ- وَ تَعْوِیلُهُمْ فِی الْمُهِمَّاتِ عَلَى آرَائِهِمْ- کَأَنَّ کُلَّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ- قَدْ أَخَذَ مِنْهَا فِیمَا یَرَى بِعُرًى ثِقَاتٍ وَ أَسْبَابٍ مُحْکَمَاتٍ القصم بالقاف و الصاد المهمله الکسر- قصمته فانقصم و قصمته فتقصم- و رجل أقصم الثنیه أی مکسورها بین القصم بفتح الصاد- . و التمهیل التأخیر و یروى رجاء و هو التأخیر أیضا- و الروایه المشهوره و رخاء- أی بعد إعطائهم من سعه العیش- و خصب الحال ما اقتضته المصلحه- .

و الأزل بفتح الهمزه الضیق و یقتصون یتبعون- قال سبحانه و تعالى وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّیهِ- . و یعفون بکسر العین عففت عن کذا- أعف عفا و عفه و عفافه أی کففت فأنا عف و عفیف- و امرأه عفه و عفیفه و قد أعفه الله- و استعف عن المسأله أی عف- . و تعفف الرجل أی تکلف العفه- و یروى و لا یعفون عن عیب أی لا یصفحون- . و مفزعهم ملجؤهم و فیما یرى أی فیما یظن- و یرى بفتح الیاء أی فیما یراه هو و روی بعرا وثیقات- .

یقول إن عاده الله تعالى- ألا یقصم الجبابره إلا بعد الإمهال و الاستدراج- بإضافه النعم علیهم- و ألا یجیر أولیاءه و ینصرهم- إلا بعد بؤس و بلاء یمتحنهم به- ثم قال لأصحابه إن فی دون ما استقبلتم من عتب لمعتبر- أی من مشقه یعنی بما استقبلوه- ما لاقوه فی مستقبل زمانهم من الشیب- و ولاه السوء و تنکر الوقت- و سمى المشقه عتبا لأن العتب مصدر عتب علیه أی وجد علیه- فجعل الزمان کالواجد علیهم- القائم فی إنزال مشاقه بهم- مقام الإنسان ذی الموجده یعتب على صاحبه-

و روی من عتب بفتح التاء جمع عتبه- یقال لقد حمل فلان على عتبه أی أمر کریه من البلاء- و فی المثل ما فی هذا الأمر رتب و لا عتب أی شده- و روی أیضا من عنت و هو الأمر الشاق- و ما استدبروه من خطب- یعنی به ما تصرم عنهم من الحروب و الوقائع- التی قضوها و نضوها و استدبروها- و یروى و استدبرتم من خصب و هو رخاء العیش- و هذا یقتضی المعنى الأول- أی و ما خلفتم وراءکم من الشباب و الصحه و صفو العیشه- . ثم قال ما کل ذی قلب بلبیب الکلام إلى آخره- و هو مأخوذ من قول الله‏ تعالى- لَهُمْ قُلُوبٌ لا یَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْیُنٌ لا یُبْصِرُونَ بِها- وَ لَهُمْ آذانٌ لا یَسْمَعُونَ بِها- .

ثم تعجب من اختلاف حجج الفرق فی الدین- و خطئهم و کونهم لا یتبعون أقوال الأنبیاء- و لا أقوال الأوصیاء- ثم نعى علیهم أحوالهم القبیحه- فقال إنهم لا یؤمنون بالغیب أی لا یصدقون بما لم یشاهدوه- و لا یکفون عن الأمور القبیحه لکنهم یعملون فی الشبهات- أی یعملون أعمالا داخله فی الشبهات متوسطه لها- و یسیرون فی الشهوات- جعل الشهوات کالطریق التی یسیر فیها الإنسان- .

ثم قال المعروف فیهم ما عرفوه- أی لیس المعروف عندهم- ما دل الدلیل على کونه معروفا و صوابا و حقا- بل المعروف عندهم ما ذهبوا إلى أنه حق- سواء کان حقا فی نفس الأمر أو لم یکن- و المنکر عندهم ما أنکروه کما شرحناه فی المعروف- . ثم قال إنهم لا یستشیرون بعالم و لا یستفتون فقیها فاضلا- بل مفزعهم فی الأمور المشکله إلى أنفسهم و آرائهم- و لقد صدق ع- فإن هذه صفات من یدعی العلم و الفضل فی زماننا- و قبله بدهر طویل- و ذلک أنهم یأنفون من التعلم و الاسترشاد- فالبادئ منهم یعتقد فی نفسه- أنه أفضل من البارع المنتهی- و متى ظفر الواحد منهم بمبادئ علم و حمله- شرع فی التدریس و التصنیف- فمنعه التزامه بذلک من التردد إلى أبواب العلماء- و أنف من سؤالهم عن الأمور المشکله- فدام جهله إلى أن یموت- . ثم قال کان کل واحد منهم إمام نفسه- و یروى بحذف کان و إسقاطها و هو أحسن

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی‏ الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۴۸

خطبه ۸۶ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۸۶ و من خطبه له ع

عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَیْهِ عَبْداً- أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ- وَ تَجَلْبَبَ الْخَوْفَ فَزَهَر مِصْبَاحُ الْهُدَى فِی قَلْبِهِ- وَ أَعَدَّ الْقِرَى لِیَوْمِهِ النَّازِلِ بِهِ- فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِیدَ وَ هَوَّنَ الشَّدِیدَ- نَظَرَ فَأَبْصَرَ وَ ذَکَرَ فَاسْتَکْثَرَ- وَ ارْتَوَى مِنْ عَذْبٍ فُرَاتٍ سُهِّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ- فَشَرِبَ نَهَلًا وَ سَلَکَ سَبِیلًا جَدَداً- قَدْ خَلَعَ سَرَابِیلَ الشَّهَوَاتِ وَ تَخَلَّى عَنِ الْهُمُومِ- إِلَّا هَمّاً وَاحِداً انْفَرَدَ بِهِ فَخَرَجَ مِنْ صِفَهِ الْعَمَى- وَ مُشَارَکَهِ أَهْلِ الْهَوَى وَ صَارَ مِنْ مَفَاتِیحِ أَبْوَابِ الْهُدَى- وَ مَغَالِیقِ أَبْوَابِ الرَّدَى- قَدْ أَبْصَرَ طَرِیقَهُ وَ سَلَکَ سَبِیلَهُ وَ عَرَفَ مَنَارَهُ- وَ قَطَعَ غِمَارَهُ وَ اسْتَمْسَکَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِهَا- وَ مِنَ الْحِبَالِ بِأَمْتَنِهَا فَهُوَ مِنَ الْیَقِینِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ- قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِی أَرْفَعِ الْأُمُورِ- مِنْ إِصْدَارِ کُلِّ وَارِدٍ عَلَیْهِ وَ تَصْیِیرِ کُلِّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلِهِ- مِصْبَاحُ ظُلُمَاتٍ کَشَّافُ عَشَوَاتٍ مِفْتَاحُ مُبْهَمَاتٍ- دَفَّاعِ مُعْضِلَاتٍ دَلِیلُ فَلَوَاتٍ یَقُولُ فَیُفْهِمُ وَ یَسْکُتُ فَیَسْلَمُ- قَدْ أَخْلَصَ لِلَّهِ فَاسْتَخْلَصَهُ- فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِینِهِ وَ أَوْتَادِ أَرْضِهِ- قَدْ أَلْزَمَ‏ نَفْسَهُ الْعَدْلَ فَکَانَ أَوَّلُ عَدْلِهِ نَفْیُ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ- یَصِفُ الْحَقَّ وَ یَعْمَلُ بِهِ لَا یَدَعُ لِلْخَیْرِ غَایَهً إِلَّا أَمَّهَا- وَ لَا مَظِنَّهً إِلَّا قَصَدَهَا قَدْ أَمْکَنَ الْکِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ- فَهُوَ قَائِدُهُ وَ إِمَامُهُ یَحُلُّ حَیْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ- وَ یَنْزِلُ حَیْثُ کَانَ مَنْزِلُهُ استشعر الحزن جعله کالشعار- و هو ما یلی الجسد من الثیاب- و تجلبب الخوف جعله جلبابا أی ثوبا- .

زهر مصباح الهدى أضاء و أعد القرى لیومه- أی أعد ما قدمه من الطاعات قرى- لضیف الموت النازل به و الفرات العذب- . و قوله فشرب نهلا یجوز أن یکون أراد بقوله نهلا المصدر- من نهل ینهل نهلا أی شرب حتى روی- و یجوز أن یرید بالنهل الشرب الأول خاصه- و یرید أنه اکتفى بما شربه أولا فلم یحتج إلى العلل- .

و طریق جدد لا عثار فیه لقوه أرضه و قطع غماره- یقال بحر غمر أی کثیر الماء و بحار غمار- و استمسک من العرى بأوثقها أی من العقود الوثیقه- قال تعالى فَقَدِ اسْتَمْسَکَ بِالْعُرْوَهِ الْوُثْقى‏- . و نصب نفسه لله أی أقامها- . کشاف عشوات جمع عشوه و عشوه و عشوه بالحرکات الثلاث- و هی الأمر الملتبس یقال أوطأنی عشوه- .

و المعضلات جمع معضله و هی الشدائد- و الأمور التی لا یهتدی لوجهها- . دلیل فلوات- أی یهتدى به کما یهتدی الرکب فی الفلاه بدلیلهم- . أمها قصدها و مظنه الشی‏ء حیث یظن وجوده- و الثقل متاع المسافر و حشمه

فصل فی العباد و الزهاد و العارفین و أحوالهم

و اعلم أن هذا الکلام منه- أخذ أصحاب علم الطریقه و الحقیقه علمهم- و هو تصریح بحال العارف و مکانته من الله تعالى- . و العرفان درجه حال رفیعه شریفه جدا مناسبه للنبوه- و یختص الله تعالى بها من یقربه إلیه من خلقه- . و الأولیاء على طبقات ثلاث- الطبقه الأولى حال العابد و هو صاحب الصلاه الکثیره- و الصوم الدائم و الحج و الصدقه- . و الطبقه الثانیه حال الزاهد- و هو المعرض عن ملاذ الدنیا و طیباتها- تقنعه الکسره و تستره الخرقه لا مال و لا زوجه و لا ولد- .

و الطبقه الثالثه حال العارف- و هو الواصل إلى الله سبحانه بنفسه لا ببدنه- و البارئ سبحانه متمثل فی نفسه- تمثل المعشوق فی ذات العاشق- و هو أرفع الطبقات و بعده الزاهد- . و أما العابد فهو أدونها- و ذلک لأن العابد معامل کالتاجر- یعبد لیثاب و یتعب نفسه لیرتاح- فهو یعطی من نفسه شیئا و یطلب ثمنه و عوضه- و قد یکون العابد غنیا موسرا کثیر المال و الولد- فلیست حاله من أحوال الکمال- .

و أما الزاهد فإنه احتقر الدنیا و عروضها و قیناتها- فخلصت نفسه من دناءه المطامع‏ و صار عزیزا ملکا- لا سلطان علیه لنفسه و لا لغیره- فاستراح من الذل و الهوان- و لم یبق لنفسه شی‏ء تشتاق إلیه بعد الموت- فکان أقرب إلى السلامه- و النجاه من العابد الغنی الموسر- . و أما العارف فإنه بالحال التی وصفناها- و یستلزم مع وجودها أن یکون زاهدا- لأنه لا یتصور العرفان- مع تعلق النفس بملاذ الدنیا و شهواتها- نعم قد یحصل بعض العرفان لبعض العلماء الفضلاء- مع تعلقهم بشهوات الدنیا- و لکنهم لا یکونون کاملین فی أحوالهم-

و إنما تحصل الحاله الکامله- لمن رفض الدنیا و تخلى عنها- و تستلزم الحاله المذکوره أیضا- أن یکون عابدا عباده ما- و لیس یشترط فی حصول حال العرفان- أن یکون على قدم عظیمه من العباده- بل الإکثار من العباده حجاب کما قیل- و لکن لا بد من القیام بالفرائض و شی‏ء یسیر من النوافل- .

و اعلم أن العارف هو العارف بالله تعالى- و صفاته و ملائکته و رسله و کتبه- و بالحکمه المودعه فی نظام العالم- لا سیما الأفلاک و الکواکب و ترکیب طبقات العناصر- و الأحکام و فی ترکیب الأبدان الإنسانیه- . فمن حصل له ذلک فهو العارف- و إن لم یحصل له ذلک فهو ناقص العرفان- و إن انضم إلى ذلک استشعاره جلال الله تعالى و عظمته- و ریاضه النفس و المجاهده و الصبر و الرضا و التوکل- فقد ارتفع طبقه أخرى- فإن حصل له بعد ذلک الحب و الوجد فقد ارتفع طبقه أخرى- فإن حصل له بعد ذلک الإعراض عن کل شی‏ء سوى الله- و أن یصیر مسلوبا عن الموجودات کلها- فلا یشعر إلا بنفسه و بالله تعالى- فقد ارتفع طبقه أخرى و هی أرفع طبقات- .

و هناک طبقه أخرى یذکرونها و هی أن یسلب عن نفسه أیضا- فلا یکون له شعور بها أصلا- و إنما یکون شاعرا بالقیوم الأول سبحانه لا غیر- و هذه درجه الاتحاد بأن تصیر الذاتان ذاتا واحده- . و هذا قول قوم من الأوائل و من المتأخرین أیضا- و هو مقام صعب لا تثبت العقول لتصوره و اکتناهه- . و اعلم أن هذه الصفات و الشروط و النعوت- التی ذکرها فی شرح حال العارف- إنما یعنی بها نفسه ع و هو من الکلام الذی له ظاهر و باطن- فظاهره أن یشرح حال العارف المطلق- و باطنه أن یشرح حال عارف معین و هو نفسه ع- و سیأتی فی آخر الخطبه ما یدل على ذلک- .

و نحن نذکر الصفات التی أشار ع إلیها واحده واحده- فأولها أن یکون عبدا أعانه الله على نفسه- و معنى ذلک أن یخصه بألطاف- یختار عندها الحسن و یتجنب القبیح- فکأنه أقام النفس فی مقام العدو- و أقام الألطاف مقام المعونه- التی یمده الله سبحانه بها- فیکسر عادیه العدو المذکور- و بهذا الاعتبار سمی قوم من المتکلمین اللطف عونا- .

و ثانیها أن یستشعر الحزن- أی یحزن على الأیام الماضیه إن لم یکن اکتسب فیها- من موجبات الاختصاص أضعاف ما اکتسبه- . و ثالثها أن یتجلبب الخوف أی یخاف من الإعراض عنه- بأن یصدر عنه ما یمحوه من جریده المخلصین- . و رابعها أن یعد القرى لضعیف المنیه- و ذلک بإقامه وظائف العباده- .

و خامسها أن یقرب على نفسه البعید- و ذلک بأن یمثل الموت بین عینیه صباحا و مساء- و ألا یطیل الأمل- . و سادسها- أن یهون علیه الشدائد و ذلک باحتمال کلف المجاهده- و ریاضه النفس على عمل المشاق- . و سابعها- أن یکون قد نظر فأبصر و ذلک بترتیب المقدمات- المطابقه لمتعلقاتها ترتیبا صحیحا- لتنتج العلم الیقینی- . و ثامنها- أن یذکر الله تعالى فیستکثر من ذکره- لأن ذکره سبحانه و الإکثار منه- یقتضی سکون النفس و طمأنینتها کما قال تعالى- أَلا بِذِکْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ- . و تاسعها- أن یرتوی من حب الله تعالى و هو العذب الفرات- الذی سهل موارده على من انتخبه الله- و جعله أهلا للوصول إلیه فشرب منه و نهل- و سلک طریقا لا عثار فیه و لا وعث- .

و عاشرها أن یخلع سرابیل الشهوات- لأن الشهوات تصدئ مرآه العقل- فلا تنطبع المعقولات فیها کما ینبغی و کذلک الغضب- . و حادی عشرها أن یتخلى من الهموم کلها- لأنها تزیدات و قواطع عن المطلوب- إلا هما واحدا و هو همه بمولاه- الذی لذته و سروره الاهتمام به- و التفرد بمناجاته و مطالعه أنوار عزته- فحینئذ یخرج عن صفه أهل العمى و من مشارکه أهل الهوى- لأنه قد امتاز عنهم بهذه المرتبه و الخاصیه- التی حصلت له فصار مفتاحا لباب الهدى- و مغلاقا لباب الضلال و الردى- قد أبصر طریق الهدى و سلک سبیله- و عرف مناره و قطع غماره- .

و ثانی عشرها أن ینصب نفسه لله فی أرفع الأمور- و هو الخلوه به و مقابله أنوار جلاله بمرآه فکره- حتى تتکیف نفسه بتلک الکیفیه العظیمه الإشراق- فهذا أرفع الأمور و أجلها و أعظمها- و قد رمز فی هذا الفصل- و مزجه بکلام خرج به إلى أمر آخر- و هو فقه النفس فی الدین- و الأمور الشرعیه النافعه للناس فی دنیاهم و أخراهم- أما فی دنیاهم فلردع المفسد و کف الظالم- و أما فی أخراهم فللفوز بالسعاده باعتبار امتثال الأوامر الإلهیه- فقال فی إصدار کل وارد علیه- أی فی فتیا کل مستفت له و هدایه کل مسترشد له فی الدین- ثم قال و تصییر کل فرع إلى أصله- و یمکن أن یحتج بهذا من قال بالقیاس- و یمکن أن یقال إنه لم یرد ذلک- بل أراد تخریج الفروع العقلیه و ردها إلى أصولها- کما یتکلف أصحابنا القول فی بیان حکمه القدیم تعالى- فی الآلام و ذبح الحیوانات ردا له إلى أصل العدل- و هو کونه تعالى لا یفعل القبیح- .

و ثالث عشرها أن یکون مصباحا لظلمات الضلال- کشافا لعشوات الشبه- مفتاحا لمبهمات الشکوک المستغلقه- دفاعا لمعضلات الاحتجاجات العقلیه الدقیقه الغامضه- دلیلا فی فلوات الأنظار الصعبه المشتبهه- و لم یکن فی أصحاب محمد ص أحد بهذه الصفه إلا هو- . و رابع عشرها أن یقول مخاطبا لغیره فیفهمه ما خاطبه به- و أن یسکت فیسلم و ذلک لأنه لیس کل قائل مفهما- و لا کل ساکت سالما- . و خامش عشرها أن یکون قد أخلص لله فاستخلصه الله- و الإخلاص لله مقام عظیم جدا و هو ینزه الأفعال عن الریاء- و ألا یمازج العباده أمر لا یکون لله سبحانه- و لهذا کان بعض الصالحین- یصبح من طول العباده نصبا قشفا- فیکتحل و یدهن لیذهب بذلک أثر العباده عنه- .

و قوله فهو من معادن دینه و أوتاد أرضه- معادن دینه الذین یقتبس الدین منهم- کمعادن الذهب و الفضه- و هی الأرضون التی یلتقط ذلک منها- و أوتاد أرضه هم الذین لولاهم- لمادت الأرض و ارتجت بأهلها- و هذا من باب الاستعاره الفصیحه- و أهل هذا العلم یقولون- أوتاد الأرض جماعه من الصالحین- و لهم فی الأوتاد و الأبدال و الأقطاب کلام مشهور فی کتبهم- . و سادس عشرها أن یکون قد ألزم نفسه العدل- و العداله ملکه تصدر بها عن النفس- الأفعال الفاضله خلقا لا تخلقا- . و أقسام العداله ثلاثه- هی الأصول و ما عداها من الفضائل فروع علیها- الأولى الشجاعه- و یدخل فیها السخاء لأنه شجاعه و تهوین للمال- کما أن الشجاعه الأصلیه تهوین للنفس- فالشجاع فی الحرب جواد بنفسه- و الجواد بالمال شجاع فی إنفاقه- و لهذا قال الطائی-

أیقنت أن من السماح شجاعه
تدمی و أن من الشجاعه جودا

و الثانیه الفقه- و یدخل فیها القناعه و الزهد و العزله- . و الثالثه الحکمه و هی أشرفها- . و لم تحصل العداله الکامله لأحد من البشر- بعد رسول الله ص إلا لهذا الرجل و من أنصف علم صحه ذلک- فإن شجاعته و جوده- و عفته و قناعته و زهده یضرب بها الأمثال- . و أما الحکمه و البحث فی الأمور الإلهیه- فلم یکن من فن أحد من العرب- و لا نقل فی جهاد أکابرهم و أصاغرهم شی‏ء من ذلک أصلا- و هذا فن کانت الیونان و أوائل الحکماء- و أساطین الحکمه ینفردون به- و أول من خاض فیه من العرب علی ع- و لهذا تجد المباحث الدقیقه فی التوحید و العدل- مبثوثه عنه فی فرش کلامه و خطبه- و لا تجد فی کلام أحد من الصحابه و التابعین- کلمه واحده من ذلک و لا یتصورونه- و لو فهموه لم یفهموه و أنى للعرب ذلک- .

و لهذا انتسب المتکلمون- الذین لججوا فی بحار المعقولات إلیه خاصه دون غیره- و سموه أستاذهم و رئیسهم- و اجتذبته کل فرقه من الفرق إلى نفسها- أ لا ترى أن أصحابنا ینتمون إلى واصل بن عطاء- و واصل تلمیذ أبی هاشم بن محمد بن الحنفیه- و أبو هاشم تلمیذ أبیه محمد و محمد تلمیذ أبیه علی ع- . فأما الشیعه من الإمامیه و الزیدیه و الکیسانیه- فانتماؤهم إلیه ظاهر- . و أما الأشعریه فإنهم بأخره ینتمون إلیه أیضا- لأن أبا الحسن الأشعری- تلمیذ شیخنا أبی علی رحمه الله تعالى- و أبو علی تلمیذ أبی یعقوب الشحام- و أبو یعقوب تلمیذ أبی الهذیل- و أبو الهذیل تلمیذ أبی عثمان الطویل- و أبو عثمان الطویل تلمیذ واصل بن عطاء- فعاد الأمر إلى انتهاء الأشعریه إلى علی ع- .

و أما الکرامیه فإن ابن الهیصم ذکر فی کتاب المقالات- أن أصل مقالتهم و عقیدتهم تنتهی إلى علی ع من طریقین- أحدهما بأنهم یسندون اعتقادهم عن شیخ بعد شیخ- إلى أن ینتهی إلى سفیان الثوری- ثم قال و سفیان الثوری من الزیدیه- ثم سأل نفسه فقال إذا کان شیخکم الأکبر- الذی تنتمون إلیه کان زیدیا- فما بالکم لا تکونون زیدیه- و أجاب بأن سفیان الثوری رحمه الله تعالى- و أن أشهر عنه الزیدیه إلا أن تزیده إنما کان عباره عن موالاه أهل البیت- و إنکار ما کان بنو أمیه علیه من الظلم- و إجلال زید بن علی و تعظیمه و تصوینه فی أحکامه و أحواله- و لم ینقل عن سفیان الثوری أنه طعن فی أحد من الصحابه- .

الطریق الثانی أنه عد مشایخهم واحدا فواحدا- حتى انتهى إلى علماء الکوفه من أصحاب علی- کسلمه بن کهیل و حبه العرنی و سالم بن الجعد- و الفضل بن دکین و شعبه و الأعمش و علقمه و هبیره ابن مریم- و أبی إسحاق الشعبی و غیرهم- ثم قال و هؤلاء أخذوا العلم من علی بن أبی طالب ع- فهو رئیس الجماعه یعنى أصحابه- و أقوالهم منقوله عنه و مأخوذه منه- . و أما الخوارج فانتماؤهم إلیه ظاهر أیضا مع طعنهم فیه- لأنهم کانوا أصحابه و عنه مرقوا- بعد أن تعلموا عنه و اقتبسوا منه- و هم شیعته و أنصاره بالجمل و صفین- و لکن الشیطان ران على قلوبهم و أعمى بصائرهم- .

ثم إنه ع ذکر حال هذا العارف العادل- فقال أول عدله نفی الهوى عن نفسه- و ذلک لأن من یأمر و لا یأتمر و ینهى و لا ینتهی- لا تؤثر عظته و لا ینفع إرشاده- ثم شرح ذلک فقال یصف الحق و یعمل به- ثم قال لا یدع للخیر غایه إلا أمها و لا مظنه إلا قصدها- و ذلک لأن الخیر لذته و سروره و راحته- فمتى وجد إلیه طریقا سلکها- ثم قال قد أمکن الکتاب یعنی القرآن من زمامه- أی قد أطاع الأوامر الإلهیه فالقرآن قائده و إمامه- یحل حیث حل و ینزل حیث نزل وَ آخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً وَ لَیْسَ بِهِ- فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وَ أَضَالِیلَ مِنْ ضُلَّالٍ- وَ نَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاکاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ وَ قَوْلِ زُورٍ- قَدْ حَمَلَ الْکِتَابَ عَلَى آرَائِهِ- وَ عَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ- یُؤَمِّنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ وَ یُهَوِّنُ کَبِیرَ الْجَرَائِمِ- یَقُولُ أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وَ فِیهَا وَقَعَ- وَ یَقُولُ أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ وَ بَیْنَهَا اضْطَجَعَ- فَالصُّورَهُ صُورَهُ إِنْسَانٍ وَ الْقَلْبُ قَلْبُ حَیَوَانٍ- لَا یَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَیَتَّبِعَهُ- وَ لَا بَابَ الْعَمَى فَیَصُدَّ عَنْهُ وَ ذَلِکَ مَیِّتُ الْأَحْیَاءِ- فَأَیْنَ تَذْهَبُونَ وَ أَنَّى تُؤْفَکُونَ- وَ الْأَعْلَامُ قَائِمَهٌ وَ الآْیَاتُ وَاضِحَهٌ وَ الْمَنَارُ مَنْصُوبَهٌ- فَأَیْنَ یُتَاهُ بِکُمْ وَ کَیْفَ تَعْمَهُونَ وَ بَیْنَکُمْ عِتْرَهُ نَبِیِّکُمْ- وَ هُمْ أَزِمَّهُ الْحَقِّ وَ أَعْلَامُ الدِّینِ وَ أَلْسِنَهُ الصِّدْقِ- فَأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرْآنِ- وَ رِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِیمِ الْعِطَاشِ- أَیُّهَا النَّاسُ خُذُوهَا عَنْ خَاتَمِ النَّبِیِّینَ ص- إِنَّهُ یَمُوتُ مِنْ مَاتَ مِنَّا وَ لَیْسَ بِمَیِّتٍ- وَ یَبْلَى مَنْ بَلِیَ مِنَّا وَ لَیْسَ بِبَالٍ- فَلَا تَقُولُوا بِمَا لَا تَعْرِفُونَ- فَإِنَّ أَکْثَرَ الْحَقِّ فِیمَا تُنْکِرُونَ- وَ أَعْذِرُوا مَنْ لَا حُجَّهَ لَکُمْ عَلَیْهِ وَ هُوَ أَنَا- أَ لَمْ أَعْمَلْ فِیکُمْ بِالثَّقَلِ الْأَکْبَرِ- وَ أَتْرُکْ فِیکُمُ الثَّقَلَ الْأَصْغَرَ- قَدْ رَکَزْتُ فِیکُمْ رَایَهَ الْإِیمَانِ- وَ وَقَفْتُکُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ- وَ أَلْبَسْتُکُمُ الْعَافِیَهَ مِنْ عَدْلِی- وَ فَرَشْتُکُمُ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِی وَ فِعْلِی- وَ أَرَیْتُکُمْ کَرَائِمَ الْأَخْلَاقِ مِنْ نَفْسِی- فَلَا تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْیَ فِیمَا لَا یُدْرِکُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ- وَ لَا تَتَغَلْغَلُ إِلَیْهِ الْفِکَرُ الجهائل جمع جهاله کما قالوا علاقه و علائق- و الأضالیل الضلال جمع لا واحد له من لفظه- . و قوله و قد حمل الکتاب على آرائه- یعنی قد فسر الکتاب و تأوله على مقتضى هواه- و قد أوضح ذلک بقوله و عطف الحق على أهوائه- .

و قوله یؤمن الناس من العظائم- فیه تأکید لمذهب أصحابنا فی الوعید- و تضعیف لمذهب المرجئه- الذین یؤمنون الناس من عظائم الذنوب- و یمنونهم العفو مع الإصرار و ترک التوبه-و جاء فی الخبر المرفوع المشهور الکیس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت- و الأحمق من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله- .

و قوله یقول أقف عند الشبهات- یعنی أن هذا المدعی للعلم یقول لنفسه و للناس- أنا واقف عند أدنى شبهه تحرجا و تورعا-کما قال ص دع ما یریبک إلى ما لا یریبک- . ثم قال و فی الشبهات وقع أی بجهله- لأن من لا یعلم الشبهه ما هی- کیف یقف عندها و یتخرج من الورطه فیها- و هو لا یأمن من کونها غیر شبهه على الحقیقه- . و قوله أعتزل البدع و بینها اضطجع- إشاره إلى تضعیف مذاهب العامه- و لحشویه- الذین رفضوا النظر العقلی و قالوا نعتزل البدع- . و قوله فالصوره صوره إنسان و ما بعده- فمراده بالحیوان هاهنا- الحیوان الأخرس الحمار و الثور- و لیس یرید العموم لأن الإنسان داخل فی الحیوان- و هذا مثل قوله تعالى إِنْ هُمْ إِلَّا کَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِیلًا- . و قال الشاعر-

و کائن ترى من صامت لک معجب
زیادته أو نقصه فی التکلم‏

لسان الفتى نصف و نصف فؤاده‏
فلم یبق إلا صوره اللحم و الدم‏

قوله و ذلک میت الأحیاء کلمه فصیحه- و قد أخذها شاعر فقال-

لیس من مات فاستراح بمیت
إنما المیت میت الأحیاء

 إلا أن أمیر المؤمنین ع أراد لجهله و الشاعر أراد لبؤسه- . و تؤفکون تقلبون و تصرفون- . و الأعلام المعجزات هاهنا جمع علم- و أصله الجبل أو الرایه و المناره- تنصب فی الفلاه لیهتدى بها- . و قوله فأین یتاه بکم أی أین یذهب بکم فی التیه- و یقال أرض تیهاء یتحیر سالکها- و تعمهون تتحیرون و تضلون- . و عتره رسول الله ص أهله الأدنون و نسله- و لیس بصحیح قول من قال إنهم رهطه و إن بعدوا- و إنما قال أبو بکر یوم السقیفه أو بعده- نحن عتره رسول الله ص و بیضته التی فقئت عنه- على طریق المجاز- لأنهم بالنسبه إلى الأمصار عتره له لا فی الحقیقه- أ لا ترى أن العدنانی یفاخر القحطانی- فیقول له أنا ابن عم رسول الله ص- لیس یعنی أنه ابن عمه على الحقیقه- بل هو بالإضافه إلى القحطانی کأنه ابن عمه- و إنما استعمل ذلک و نطق به مجازا- فإن قدر مقدر أنه على طریق حذف المضافات- أی ابن ابن عم أب الأب إلى عدد کثیر فی البنین و الآباء- فکذلک أراد أبو بکر أنهم عتره أجداده- على طریق حذف المضاف- و قد بین رسول الله ص عترته من هی-لما قال إنی تارک فیکم الثقلینفقال عترتی أهل بیتی- و بین فی مقام آخر من أهل بیته حیث طرح علیهم کساء- و قال حین نزلت- إِنَّما یُرِیدُ اللَّهُ‏لِیُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ اللهم هؤلاء أهل بیتی فأذهب الرجس عنهم- .

فإن قلت- فمن هی العتره التی عناها أمیر المؤمنین ع بهذا الکلام- . قلت نفسه و ولداه- و الأصل فی الحقیقه نفسه لأن ولدیه تابعان له- و نسبتهما إلیه مع وجوده کنسبه الکواکب المضیئه- مع طلوع الشمس المشرقه- و قد نبه النبی ص على ذلک بقوله و أبوکما خیر منکما
– . و قوله و هم أزمه الحق جمع زمام- کأنه جعل الحق دائرا معهم حیثما داروا- و ذاهبا معهم حیثما ذهبوا کما أن الناقه طوع زمامها- و قد نبه الرسول ص على صدق هذه القضیه بقوله و أدر الحق معه حیث دار- .

و قوله و ألسنه الصدق من الألفاظ الشریفه القرآنیه- قال الله تعالى وَ اجْعَلْ لِی لِسانَ صِدْقٍ فِی الْآخِرِینَ- لما کان یصدر عنهم حکم و لا قول إلا و هو موافق للحق- و الصواب جعلهم کأنهم ألسنه صدق- لا یصدر عنها قول کاذب أصلا بل هی کالمطبوعه على الصدق- . و قوله فأنزلوهم منازل القرآن تحته سر عظیم- و ذلک أنه أمر المکلفین- بأن یجروا العتره فی إجلالها و إعظامها- و الانقیاد لها و الطاعه لأوامرها مجرى القرآن- . فإن قلت فهذا القول منه یشعر بأن العتره معصومه- فما قول أصحابکم فی ذلک- . قلت نص أبو محمد بن متویه رحمه الله تعالى- فی کتاب الکفایه على أن علیا ع معصوم- و إن لم یکن واجب العصمه و لا العصمه شرط فی الإمامه- لکن أدله النصوص قد دلت على عصمته- و القطع على باطنه و مغیبه- و أن ذلک أمر اختص‏ هو به دون غیره من الصحابه- و الفرق ظاهر بین قولنا زید معصوم- و بین قولنا زید واجب العصمه لأنه إمام- و من شرط الإمام أن یکون معصوما- فالاعتبار الأول مذهبنا- و الاعتبار الثانی مذهب الإمامیه- .

ثم قال وردوهم ورود الهیم العطاش أی کونوا ذوی حرص- و انکماش على أخذ العلم و الدین منهم- کحرص الهیم الظماء على ورود الماء- . ثم قال أیها الناس خذوها عن خاتم النبیین- إلى قوله و لیس ببال- هذا الموضع یحتاج إلى تلطف فی الشرح- لأن لقائل أن یقول ظاهر هذا الکلام متناقض- لأنه قال یموت من مات منا و لیس بمیت- و هذا کما تقول یتحرک المتحرک و لیس بمتحرک- و کذلک قوله و یبلى من بلی منا و لیس ببال- أ لا ترى أنه سلب و إیجاب لشی‏ء واحد- فإن قلتم أراد بقاء النفس بعد موت الجسد- کما قاله الأوائل و قوم من المتکلمین- قیل لکم فلا اختصاص للنبی و لا لعلی بذلک- بل هذه قضیه عامه فی جمیع البشر- و الکلام خرج مخرج التمدح و الفخر- . فنقول فی الجواب- إن هذا یمکن أن یحمل على وجهین- أحدهما أن یکون النبی ص و علی- و من یتلوهما من أطائب العتره أحیاء- بأبدانهم التی کانت فی الدنیا بأعیانها- قد رفعهم الله تعالى إلى ملکوت سماواته- و على هذا لو قدرنا أن محتفرا- احتفر تلک الأجداث الطاهره عقب دفنهم- لم یجد الأبدان فی الأرض-

و قد روی فی الخبر النبوی ص مثل ذلک و هو قوله إن الأرض لم تسلط علی- و إنها لا تأکل لی لحما و لا تشرب لی دما- نعم یبقى الأشکال فی قوله و یبلى من بلی منا و لیس ببال- فإنه إن صح هذا التفسیر فی الکلام الأول- و هو قوله یموت‏ من مات منا و لیس بمیت- فلیس یصح فی القضیه الثانیه و هی حدیث البلاء- لأنها تقتضی أن الأبدان تبلى و ذاک الإنسان لم یبل- فأحوج هذا الأشکال إلى تقدیر فاعل محذوف- فیکون تقدیر الکلام- یموت من مات حال موته و لیس بمیت- فیما بعد ذلک من الأحوال و الأوقات- و یبلى کفن من بلی منا و لیس هو ببال- فحذف المضاف کقوله وَ إِلى‏ مَدْیَنَ أی و إلى أهل مدین- و لما کان الکفن کالجزء من المیت لاشتماله علیه- عبر بأحدهما عن الآخر للمجاوره و الاشتمال- کما عبروا عن المطر بالسماء- و عن الخارج المخصوص بالغائط و عن الخمر بالکأس- و یجوز أن یحذف الفاعل کقوله تعالى- حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ- و فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ-

و قول حاتم إذا حشرجت و حذف الفاعل کثیر- . و الوجه الثانی- أن أکثر المتکلمین ذهبوا إلى أن للإنسان الحی الفعال- أجزاء أصلیه فی هذه البنیه المشاهده- و هی أقل ما یمکن أن تأتلف منه البنیه- التی معها یصح کون الحی حیا- و جعلوا الخطاب متوجها نحوها- و التکلیف واردا علیها و ما عداها من الأجزاء- فهی فاضله لیست داخله فی حقیقه الإنسان- و إذا صح ذلک جاز أن ینتزع الله تلک الأجزاء الأصلیه- من أبدان الأنبیاء و الأوصیاء- فیرفعها إلیه بعد أن یخلق لها من الأجزاء الفاضله عنها- نظیر ما کان لها فی الدار الأولى- کما قاله من ذهب إلى قیامه الأنفس و الأبدان معا- فتنعم عنده و تلتذ بضروب اللذات الجسمانیه- و یکون هذا مخصوصا بهذه الشجرهالمبارکه دون غیرها- و لا عجب فقد ورد فی حق الشهداء نحو ذلک فی قوله تعالى- وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِینَ قُتِلُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ أَمْواتاً- بَلْ أَحْیاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ یُرْزَقُونَ- . و على الوجه الأول- لو أن محتفرا احتفر أجداثهم لوجد الأبدان فیها- و إن لم یعلم أن أصول تلک البنى قد انتزعت منها- و نقلت إلى الرفیق الأعلى- و هذا الوجه لا یحتاج إلى تقدیر ما قدرناه أولا من الحذف- لأن الجسد یبلى فی القبر إلا قدر ما انتزع منه- و نقل إلى محل القدس- و کذلک أیضا یصدق على الجسد أنه میت- و إن کان أصل بنیته لم یمت-

و قد ورد فی الخبر الصحیح أن أرواح الشهداء من المؤمنین فی حواصل طیور خضر- تدور فی أفناء الجنان و تأکل من ثمارها- و تأوی إلى قنادیل من ذهب معلقه فی ظل العرش- فإذا جاء هذا فی الشهداء- فما ظنک بموالی الشهداء و ساداتهم- . فإن قلت فهل یجوز أن یتأول کلامه- فیقال لعله أراد بقاء الذکر و الصیت- .

قلت إنه لبعید لأن غیرهم یشرکهم فی ذلک- و لأنه أخرج الکلام مخرج المستغرب المستعظم له- . فإن قلت فهل یمکن أن یقال- إن الضمیر یعود إلى النبی ص- لأنه قد ذکره فی قوله خاتم النبیین- فیکون التقدیر أنه یموت من مات منا- و النبی ص لیس بمیت- و یبلى من بلی منا و النبی لیس ببال- . قلت هذا أبعد من الأول- لأنه لو أراد ذلک لقال إن رسول الله ص لا تبلیه الأرض- و أنه الآن حی و لم یأت بهذا الکلام الموهم- و لأنه فی سیاق تعظیم العتره و تبجیل أمرها- و فخره بنفسه و تمدحه بخصائصه و مزایاه- فلا یجوز أن یدخل فی غضون ذلک ما لیس منه- .

فإن قلت فهل هذا الکلام منه أم قاله مرفوعا- قلت بل ذکره مرفوعا- أ لا تراه قال خذوها عن خاتم النبیین- ثم نعود إلى التفسیر فنقول إنه لما قال لهم ذلک علم- أنه قال قولا عجیبا و ذکر أمرا غریبا- و علم أنهم ینکرون ذلک و یعجبون منه- فقال لهم فلا تقولوا ما لا تعرفون- أی لا تکذبوا إخباری- و لا تکذبوا إخبار رسول الله لکم بهذا- فتقولون ما لا تعلمون صحته- ثم قال فإن أکثر الحق فی الأمور العجیبه- التی تنکرونها کإحیاء الموتى فی القیامه- و کالصراط و المیزان و النار و الجنه و سائر أحوال الآخره- هذا إن کان خاطب من لا یعتقد الإسلام- فإن کان الخطاب لمن یعتقد الإسلام فإنه یعنی بذلک- أن أکثرهم کانوا مرجئه و مشبهه و مجبره- و من یعتقد أفضلیه غیره علیه- و من یعتقد أنه شرک فی دم عثمان- و من یعتقد أن معاویه صاحب حجه فی حربه- أو شبهه یمکن أن یتعلق بها متعلق- و من یعتقد أنه أخطأ فی التحکیم- إلى غیر ذلک من ضروب الخطإ التی کان أکثرهم علیها- .

ثم قال و أعذروا من لا حجه لکم علیه و هو أنا- یقول قد عدلت فیکم- و أحسنت السیره و أقمتکم على المحجه البیضاء- حتى لم یبق لأحد منکم حجه یحتج بها علی- ثم شرح ذلک فقال عملت فیکم بالثقل الأکبر- یعنی الکتاب و خلفت فیکم الأصغر یعنی ولدیه- لأنهما بقیه الثقل الأصغر- فجاز أن یطلق علیهما بعد ذهاب من ذهب منه- أنهما الثقل الأصغر- و إنما سمى النبی ص الکتاب و العتره الثقلین- لأن الثقل فی اللغه متاع المسافر و حشمه- فکأنه ص لما شارف الانتقال إلى جوار ربه تعالى- جعل نفسه کالمسافر الذی ینتقل من منزل إلى منزل- و جعل الکتاب و العتره کمتاعه و حشمه- لأنهما أخص الأشیاء به- . قوله و رکزت فیکم رایه الإیمان أی غرزتها و أثبتها- و هذا من باب الاستعاره- .

و کذلک قوله- و وقفتکم على حدود الحلال و الحرام- من باب الاستعاره أیضا- مأخوذ من حدود الدار- و هی الجهات الفاصله بینها و بین غیرها- . قوله و ألبستکم العافیه من عدلی استعاره فصیحه- و أفصح منها قوله و فرشتکم المعروف من قولی و فعلی- أی جعلته لکم فراشا و فرش هاهنا متعد إلى مفعولین- یقال فرشته کذا أی أوسعته إیاه- .

ثم نهاهم أن یستعملوا الرأی فیما ذکره لهم- من خصائص العتره و عجائب ما منحها الله تعالى-فقال إن أمرنا أمر صعب لا تهتدی إلیه العقول- و لا تدرک الأبصار قعره و لا تتغلغل الأفکار إلیه- و التغلغل الدخول من تغلغل الماء بین الشجر- إذا تخللها و دخل بین أصولها: وَ مِنْهَا حَتَّى یَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّ الدُّنْیَا مَعْقُولَهٌ عَلَى بَنِی أُمَیَّهَ- تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا وَ تُورِدُهُمْ صَفْوَهَا- وَ لَا یُرْفَعُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّهِ سَوْطُهَا وَ لَا سَیْفُهَا وَ کَذَبَ الظَّانُّ لِذَلِکَ- بَلْ هِیَ مَجَّهٌ مِنْ لَذِیذِ الْعَیْشِ یَتَطَعَّمُونَهَا بُرْهَهً- ثُمَّ یَلْفِظُونَهَا جُمْلَهً معقوله محبوسه بعقال کما تعقل الناقه- و تمنحهم تعطیهم و المنح العطاء منح یمنح بالفتح- و الاسم المنحه بالکسر و استمنحت زیدا طلبت منحته- .

و الدر فی الأصل اللبن- جعل الدنیا کناقه معقوله علیهم تمنحهم لبنها- ثم استعمل‏ الدر فی کل خیر و نفع- فقیل لا در دره أی لا کثر خیره- و یقال فی المدح لله دره أی عمله- . و مجه من لذیذ العیش مصدر مج الشراب من فیه- أی رمى به و قذفه- و یقال انمجت نقطه من القلم أی ترششت- و شیخ ماج أی کبیر یمج الریق- و لا یستطیع حبسه لکبره- . و یتطعمونها أی یذوقونها- و برهه أی مده من الزمان فیها طول- و لفظت الشی‏ء من فمی ألفظه لفظا رمیته- و ذلک الشی‏ء اللفاظه و اللفاظ- أی یلفظونها کلها لا یبقى منها شی‏ء معهم- . و هذه الخطبه طویله-

و قد حذف الرضی رحمه الله تعالى منها کثیرا و من جملتها-أما و الذی فلق الحبه و برأ النسمه- لا یرون الذی ینتظرون حتى یهلک المتمنون- و یضمحل المحلون و یتثبت المؤمنون و قلیل ما یکون- و الله و الله لا ترون الذی تنتظرون- حتى لا تدعون الله إلا إشاره بأیدیکم و إیماضا بحواجبکم- و حتى لا تملکون من الأرض إلا مواضع أقدامکم- و حتى یکون موضع سلاحکم على ظهورکم- فیومئذ لا ینصرنی إلا الله بملائکته- و من کتب على قلبه الإیمان- و الذی نفس علی بیده- لا تقوم عصابه تطلب لی أو لغیری حقا- أو تدفع عنا ضیما إلا صرعتهم البلیه- حتى تقوم عصابه شهدت مع محمد ص بدرا- لا یودى قتیلهم و لا یداوى جریحهم و لا ینعش صریعهم- قال المفسرون هم الملائکه- .و منها لقد دعوتکم إلى الحق و تولیتم- و ضربتکم بالدره فما استقمتم- و ستلیکم‏ بعدی ولاه یعذبونکم بالسیاط و الحدید- و سیأتیکم غلاما ثقیف أخفش و جعبوب- یقتلان و یظلمان و قلیل ما یمکنان- .

قلت الأخفش الضعیف البصر خلقه- و الجعبوب القصیر الذمیم- و هما الحجاج و یوسف بن عمر- و فی کتاب عبد الملک إلى الحجاج- قاتلک الله أخیفش العینین أصک الجاعرنین- . و من کلام الحسن البصری رحمه الله تعالى- یذکر فیه الحجاج أتانا أعیمش أخیمش- یمد بید قصیره البنان ما عرق فیها عنان فی سبیل الله- . و کان المثل یضرب بقصر یوسف بن عمر- و کان یغضب إذا قیل له قصیر- فصل له الخیاط ثوبا فأبقى منه فضله کثیره- فقال له ما هذه- قال فضلت من قمیص الأمیر فضربه مائه سوط- فکان الخیاطون بعد ذلک یفصلون له الیسیر من الثوب- و یأخذون الباقی لأنفسهم

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی‏ الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۱۰۱

خطبه ۸۵ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۸۵ و من خطبه له ع

قَدْ عَلِمَ السَّرَائِرَ وَ خَبَرَ الضَّمَائِرَ- لَهُ الْإِحَاطَهُ بِکُلِّ شَیْ‏ءٍ وَ الْغَلَبَهُ لِکُلِّ شَیْ‏ءٍ- وَ الْقُوَّهُ عَلَى کُلِّ شَیْ‏ءٍ- فَلْیَعْمَلِ الْعَامِلُ مِنْکُمْ فِی أَیَّامِ مَهَلِهِ قَبْلَ إِرْهَاقِ أَجَلِهِ- وَ فِی فَرَاغِهِ قَبْلَ أَوَانِ شُغُلِهِ- وَ فِی مُتَنَفَّسِهِ قَبْلَ أَنْ یُؤْخَذَ بِکَظَمِهِ- وَ لْیُمَهِّدْ لِنَفْسِهِ وَ قَدَمِهِ وَ لْیَتَزَوَّدْ مِنْ دَارِ ظَعْنِهِ لِدَارِ إِقَامَتِهِ- فَاللَّهَ اللَّهَ أَیُّهَا النَّاسُ فِیمَا اسْتَحْفَظَکُمْ مِنْ کِتَابِهِ- وَ اسْتَوْدَعَکُمْ مِنْ حُقُوقِهِ- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ یَخْلُقْکُمْ عَبَثاً وَ لَمْ یَتْرُکْکُمْ سُدًى- وَ لَمْ یَدَعْکُمْ فِی جَهَالَهٍ وَ لَا عَمًی قَدْ سَمَّى آثَارَکُمْ- وَ عَلِمَ أَعْمَالَکُمْ وَ کَتَبَ آجَالَکُمْ- وَ أَنْزَلَ عَلَیْکُمُ الْکِتَابَ تِبْیَاناً لِکُلِّ شَیْ‏ءٍ- وَ عَمَّرَ فِیکُمْ نَبِیِّهُ أَزْمَاناَ حَتَّى أَکْمَلَ لَهُ وَ لَکُمْ- فِیمَا أَنْزَلَ مِنْ کِتَابِهِ دِینَهُ الَّذِی رَضِیَ لِنَفْسِهِ- وَ أَنْهَى إِلَیْکُمْ عَلَى لِسَانِهِ مَحَابَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَ مَکَارِهَهُ- وَ نَوَاهِیَهُ وَ أَوَامِرَهُ وَ أَلْقَى إِلَیْکُمُ الْمَعْذِرَهَ- وَ اتَّخَذَ عَلَیْکُمُ الْحُجَّهَ وَ قَدَّمَ إِلَیْکُمْ بِالْوَعِیدِ- وَ أَنْذَرَکُمْ بَیْنَ یَدَیْ عَذَابٍ شَدِیدٍ السرائر جمع سریره و هو ما یکتم من السر- . و خبر الضمائر بفتح الباء امتحنها و ابتلاها- و من رواه بکسر الباء أراد علم- و الاسم‏ الخبر بضم الخاء و هو العلم و الضمائر جمع ضمیر- و هو ما تضمره و تکنه فی نفسک- .

و فی قوله له الإحاطه بکل شی‏ء- و قد بینها ثلاث مسائل فی التوحید- إحداهن أنه تعالى عالم بکل المعلومات- . و الثانیه أنه لا شریک له- و إذا ثبت کونه عالما بکل شی‏ء- کان فی ضمن ذلک نفی الشریک لأن الشریک لا یکون مغلوبا- . و الثالثه أنه قادر على کل ما یصح تعلق قادریته تعالى به- .و أدله هذه المسائل مذکوره فی الکتب الکلامیه- .

 و قوله فلیعمل العامل منکم إلى قوله- و لیتزود من دار ظعنه لدار إقامته- مأخوذ من قول رسول الله ص فی خطبته المشهوره-و هی أیها الناس إن لکم معالم فانتهوا إلى معالمکم- و إن لکم غایه فانتهوا إلى غایتکم- إن المؤمن بین مخافتین- بین أجل قد مضى لا یدری ما الله صانع به- و أجل قد بقی لا یدری ما الله قاض فیه- فلیأخذ العبد من نفسه لنفسه و من دنیاه لآخرته- و من الشبیبه قبل الهرم و من الحیاه قبل الموت- فو الذی نفس محمد بیده ما بعد الموت من مستعتب- و ما بعد الدنیا من دار إلا الجنه أو النار- . و المهل المهله و التؤده و الإرهاق مصدر أرهق- تقول أرهقه قرنه فی الحرب إرهاقا إذا غشیه لیقتله- و زید مرهق قال الشاعر-

تندى أکفهم و فی أبیاتهم
ثقه المجاور و المضاف المرهق‏

و فی متنفسه أی فی سعه وقته- یقال أنت فی نفس من أمرک أی فی سعه- .و الکظم بفتحهما مخرج النفس و الجمع أکظام- و یجوز ظعنه و ظعنه بتحریک العین و تسکینها- و قرئ بهما یَوْمَ ظَعْنِکُمْ و ظعنکم- و نصب الله الله على الإغراء- و هو أن تقدر فعلا ینصب المفعول به أی اتقوا الله- و جعل تکریر اللفظ نائبا عن الفعل المقدر و دلیلا علیه- . استحفظکم من کتابه جعلکم حفظه له جمع حافظ- . السدى المهمل و یجوز سدى بالفتح- أسدیت الإبل أهملتها- و قوله قد سمى آثارکم یفسر بتفسیرین أحدهما- قد بین لکم أعمالکم خیرها و شرها- کقوله تعالى وَ هَدَیْناهُ النَّجْدَیْنِ- و الثانی قد أعلى مآثرکم- أی رفع منازلکم إن أطعتم- و یکون سمى بمعنى أسمى- کما کان فی الوجه الأول بمعنى أبان و أوضح- .

و التبیان بکسر التاء مصدر و هو شاذ- لأن المصادر إنما تجی‏ء على التفعال- بفتحها مثل التذکار و التکرار- و لم یأت بالکسر إلا حرفان و هما التبیان و التلقاء- . و قوله حتى أکمل له و لکم دینه- من قوله تعالى الْیَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینَکُمْ- وَ أَتْمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتِی- . و قوله الذی رضی لنفسه من قوله تعالى- وَ لَیُمَکِّنَنَّ لَهُمْ دِینَهُمُ الَّذِی ارْتَضى‏ لَهُمْ- لأنه إذا ارتضى لهم فقد ارتضاه لنفسه- أی ارتضى أن ینسب إلیه- فیقال هذا دین الحق و أنهى إلیکم عرفکم و أعلمکم- . و محابه جمع محبه و مکارهه جمع مکرهه و هی ما تکره- و فی هذا دلاله أن الله تعالى یحب الطاعه و یکره المعصیه- و هو خلاف قول المجبره- .

و الأوامر جمع آمر و أنکره قوم و قالوا هاهنا جمع أمر- کالأحاوص جمع أحوص و الأحامر جمع أحمر- یعنی الکلام الآمر لهم بالطاعات و هو القرآن- . و النواهی جمع ناهیه کالسواری جمع ساریه- و الغوادی جمع غادیه- یعنی الآیات الناهیه لهم عن المعاصی- و یضعف أن یکون الأوامر و النواهی جمع أمر و نهی- لأن فعلا لا یجمع على أفاعل و فواعل- و إن کان قال ذلک بعض الشواذ من أهل الأدب- .

و قوله و ألقى إلیکم المعذره کلام فصیح- و هو من قوله تعالى أَلْقى‏ إِلَیْکُمُ السَّلامَ- . و قدم إلیکم بالوعید و أنذرکم بین یدی عذاب شدید- أی أمامه و قبله مأخوذ أیضا من القرآن- و معنى قوله بین یدی عذاب شدید أی أمامه و قبله- لأن ما بین یدیک متقدم لک: فَاسْتَدْرِکُوا بَقِیَّهَ أَیَّامِکُمْ وَ اصْبِرُوا لَهَا أَنْفُسَکُمْ- فَإِنَّهَا قَلِیلٌ فِی کَثِیرِ الْأَیَّامِ الَّتِی تَکُونُ مِنْکُمْ فِیهَا الْغَفْلَهُ- وَ التَّشَاغُلُ عَنِ الْمَوْعِظَهِ وَ لَا تُرَخِّصُوا لِأَنْفُسِکُمْ- فَتَذْهَبَ بِکُمُ الرُّخَصُ مَذَاهِبَ الظَّلَمَهِ- وَ لَا تُدَاهِنُوا فَیَهْجُمَ بِکُمُ الْإِدْهَانُ عَلَى الْمَعْصِیَهِ- عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ- وَ إِنَّ أَغَشَّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ- وَ الْمَغْبُونُ مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ وَ الْمَغْبُوطُ مَنْ سَلِمَ لَهُ دِینُهُ- وَ السَّعِیدُ مَنْ وُعِظَ بِغَیْرِهِ- وَ الشَّقِیُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ وَ غُرُورِهِ-وَ اعْلَمُوا أَنَّ یَسِیرَ الرِّیَاءِ شِرْکٌ- وَ مُجَالَسَهَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاهٌ لِلْإِیمَانِ وَ مَحْضَرَهٌ لِلشَّیْطَانِ- جَانِبُوا الْکَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبٌ لِلْإِیمَانِ- الصَّادِقُ عَلَى شَفَا مَنْجَاهٍ وَ کَرَامَهٍ- وَ الْکَاذِبُ عَلَى شَرَفِ مَهْوَاهٍ وَ مَهَانَهٍ- وَ لَا تَحَاسَدُوا- فَإِنَّ الْحَسَدَ یَأْکُلُ الْإِیمَانَ کَمَا تَأْکُلُ النَّارُ الْحَطَبَ- وَ لَا تَبَاغَضُوا فَإِنَّهَا الْحَالِقَهُ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ الْأَمَلَ یُسْهِی الْعَقْلَ- وَ یُنْسِی الذِّکْرَ فَأَکْذِبُوا الْأَمَلَ- فَإِنَّهُ غَرُورٌ وَ صَاحِبُهُ مَغْرُورٌ قوله فاستدرکوا بقیه أیامکم- یقال استدرکت ما فات و تدارکت ما فات- بمعنى و اصبروا لها أنفسکم مأخوذ من قوله تعالى- وَ اصْبِرْ نَفْسَکَ مَعَ الَّذِینَ یَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداهِ وَ الْعَشِیِّ- یقال صبر فلان نفسه على کذا أی حبسها علیه- یتعدى فینصب قال عنتره-

فصبرت عارفه لذلک حره
ترسو إذا نفس الجبان تطلع‏

 أی حبست نفسا عارفه-و فی الحدیث النبوی فی رجل أمسک رجلا و قتله الآخر- فقال ع اقتلوا القاتل و اصبروا الصابر- أی احبسوا الذی أمسکه حتى یموت- . و الضمیر فی فإنها قلیل- عائد إلى الأیام التی أمرهم باستدراکها- یقول إن هذه الأیام التی قد بقیت من أعمارکم قلیله- بالنسبه و الإضافه إلى الأیام التی تغفلون فیها عن الموعظه- .

و قوله فإنها قلیل فأخبر عن المؤنث بصیغه المذکر- إنما معناه فإنها شی‏ء قلیل بحذف الموصوف- کقوله وَ حَسُنَ أُولئِکَ رَفِیقاً أی قبیلا رفیقا- . ثم قال و لا ترخصوا نهى عن الأخذ برخص المذاهب- و ذلک لأنه لا یجوز للواحد من العامه- أن یقلد کلا من أئمه الاجتهاد- فیما خف و سهل من الأحکام الشرعیه- أو لا تساهلوا أنفسکم فی ترک تشدید المعصیه- و لا تسامحوها و ترخصوا إلیها- فی ارتکاب الصغائر و المحقرات من الذنوب- فتهجم بکم على الکبائر- لأن من مرن على أمر تدرج من صغیره إلى کبیره- . و المداهنه النفاق و المصانعه و الادهان مثله- قال تعالى وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَیُدْهِنُونَ- .

قوله إن أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربه- لأنه قد صانها عن العقاب و أوجب لها الثواب- و ذلک غایه ما یمکن من نصیحتها و نفعها- . قوله و إن أغش الناس لنفسه أعصاهم لربه- لأنه ألقاها فی الهلاک الدائم- و ذلک أقصى ما یمکن من غشها و الإضرار بها- . ثم قال و المغبون من غبن نفسه- أی أحق الناس أن یسمى مغبونا من غبن نفسه- یقال غبنته فی البیع غبنا بالتسکین أی خدعته- و قد غبن فهو مغبون- و غبن الرجل رأیه بالکسر غبنا بالتحریک فهو غبین- أی ضعیف الرأی و فیه غبانه- و لفظ الغبن یدل على أنه من باب غبن البیع و الشراء- لأنه قال و المغبون و لم یقل و الغبین- . و المغبوط الذی یتمنى مثل حاله- و الذی یتمنى زوال حاله و انتقالها هو الحاسد-و الحسد مذموم و الغبطه غیر مذمومه- یقال غبطته بما نال أغبطه غبطا و غبطه فاغتبط هو- کقولک منعته فامتنع و حبسته فاحتبس قال الشاعر-

و بینما المرء فی الأحیاء مغتبط
إذ صار فی الرمس تعفوه الأعاصیر

هکذا أنشدوه بکسر الباء- و قالوا فیه مغتبط أی مغبوط- . قوله و السعید من وعظ بغیره مثل من الأمثال النبویه- . و قد ذکرنا فیما تقدم- ما جاء فی ذم الریاء و تفسیر کونه شرکا- . و قوله ع منسأه للإیمان- أی داعیه إلى نسیان الإیمان و إهماله- و الإیمان الاعتقاد و العمل- . و محضره للشیطان موضع حضوره- کقولک مسبعه أی موضع السباع و مفعاه أی موضع الأفاعی- .

ثم نهى عن الکذب و قال إنه مجانب للإیمان- و کذا ورد فی الخبر المرفوع- . و شفا منجاه أی حرف نجاه و خلاص و شفا الشی‏ء حرفه- قال تعالى وَ کُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَهٍ مِنَ النَّارِ- و أشفى على الشی‏ء و أشرف علیه بمعنى- و أکثر ما یقال ذلک فی المکروه- یقال أشفى المریض على الموت- و قد استعمله هاهنا فی غیر المکروه- . و الشرف المکان العالی بفتح الشین- و أشرفت علیه أی اطلعت من فوق- . و المهواه موضع السقوط و المهانه الحقاره- .

ثم نهى عن الحسد و قال- إنه یأکل الإیمان کما تأکل النار الحطب- و قد ورد هذا الکلام فی الأخبار المرفوعه- و قد تقدم منا کلام فی الحسد و ذکرنا کثیرا مما جاء فیه- .ثم نهى عن المباغضه و قال إنها الحالقه- أی المستأصله التی تأتی على القوم کالحلق للشعر- . ثم نهى عن الأمل و طوله- و قال إنه یورث العقل سهوا و ینسی الذکر- ثم أمر بإکذاب الأمل و نهى عن الاعتماد علیه- و السکون إلیه فإنه من باب الغرور- . و قد ذکرنا فی الأمل و طوله نکتا نافعه فیما تقدم- و یجب أن نذکر ما جاء فی النهی عن الکذب

فصل فی ذم الکذب و حقاره الکذابین

جاء فی الخبر عن رسول الله ص إذا کذب العبد کذبه- تباعد الملک منه مسیره میل من نتن ما جاء به و عنه ع إیاکم و الکذب- فإن الکذب یهدی إلى الفجور و الفجور یهدی إلى النار- و إن الرجل لیکذب و یتحرى الکذب- فیکتب عند الله کاذبا- و علیکم بالصدق فإن الصدق یهدی إلى البر- و إن البر لیهدی إلى الجنه- و إن الرجل لیصدق و یتحرى الصدق فیکتب عند الله صادقا

و روی أن رجلا قال للنبی ص أنا یا رسول الله أستسر بخلال أربع- الزنا و شرب الخمر و السرق و الکذب- فأیتهن شئت ترکتها لک قال دع الکذب- فلما ولى هم بالزنا- فقال یسألنی فإن جحدت نقضت ما جعلت له- و إن أقررت حددت ثم هم بالسرق ثم بشرب الخمر- ففکر فی مثل ذلک فرجع إلیه- فقال قد أخذت على السبیل کله فقد ترکتهن أجمع

قال العباس بن عبد المطلب لابنه عبد الله یا بنی أنت أفقه منی و أنا أعقل منک-و إن هذا الرجل یدنیک یعنی عمر بن الخطاب- فاحفظ عنی ثلاثا لا تفشین له سرا و لا تغتابن عنده أحدا- و لا یطلعن منک على کذبه- قال عبد الله فکانت هذه الثلاث- أحب إلی من ثلاث بدرات یاقوتا- قال الواثق لأحمد بن أبی داود رحمه الله تعالى- کان ابن الزیات عندی فذکرک بکل قبیح- قال الحمد لله الذی أحوجه إلى الکذب علی- و نزهنی عن الصدق فی أمره- .

و کان یقال أمران لا یکاد أحدهما ینفک من الکذب- کثره المواعید و شده الاعتذار- . و من الحکم القدیمه- إنما فضل الناطق على الأخرس بالنطق- و زین المنطق الصدق فالکاذب شر من الأخرس- . قال الرشید للفضل بن الربیع فی کلام جرى بینهما کذبت- فقال یا أمیر المؤمنین- وجه الکذوب لا یقابلک و لسانه لا یحاورک- .

قیل فی تفسیر قوله تعالى وَ لَکُمُ الْوَیْلُ مِمَّا تَصِفُونَ- هی فی الکذابین فالویل لکل کاذب إلى یوم القیامه- . و من کلام بعض الصالحین- لو لم أترک الکذب تأثما لترکته تکرما- . أبو حیان الکذب شعار خلق- و مورد رنق و أدب سیئ و عاده فاحشه- و قل من استرسل معه إلا ألفه و قل من ألفه إلا أتلفه- و الصدق ملبس بهی و منهل غذی و شعاع منبث- و قل من اعتاده و مرن علیه إلا صحبته السکینه- و أیده التوفیق و خدمته القلوب بالمحبه- و لحظته العیون بالمهابه- .

ابن السماک لا أدری- أوجر على ترک الکذب أم لا لأنی أترکه أنفه- . یحیى بن خالد رأیت شریب خمر نزع و لصا أقلع- و صاحب فواحش ارتدع و لم أر کاذبا رجع- . قالوا فی تفسیر هذا- إن المولع بالکذب لا یکاد یصبر عنه- فقد عوتب إنسان علیه- فقال لمعاتبه یا ابن أخی لو تغرغرت به لما صبرت عنه- . و قیل لکاذب معروف بالکذب أ صدقت قط- قال لو لا أنی أخاف أن أصدق لقلت لا- .

و جاء فی بعض الأخبار المرفوعه قیل له یا رسول الله أ یکون المؤمن جبانا- قال نعم قیل أ فیکون بخیلا قال نعم- قیل أ فیکون کاذبا قال لاو قال ابن عباس الحدث حدثان حدث من فیک و حدث من فرجک- . و قال بعضهم من أسرع إلى الناس بما یکرهون- قالوا فیه ما لا یعلمون أخذه شاعر فقال-

و من دعا الناس إلى ذمه
ذموه بالحق و بالباطل‏

و کان یقال خذوا عن أهل الشرف فإنهم قلما یکذبون- . و قال بعض الصالحین لو صحبنی رجل- فقال لی اشترط علی خصله واحده لا تزید علیها- لقلت لا تکذب- . و کان یقال خصلتان لا یجتمعان الکذب و المروءه- . کان یقال من شرف الصدق أن صاحبه یصدق على عدوه- و من دناءه الکذب أن صاحبه یکذب و إن کان صادقا- .و مثل هذا قولهم من عرف بالصدق جاز کذبه- و من عرف بالکذب لم یجز صدقه- .
و جاء فی الخبر المرفوع أن فی المعاریض لمندوحه عن الکذب- .

و قال ابن سیرین الکلام أوسع من أن یکذب ظریف- . و قالوا فی قوله تعالى لا تُؤاخِذْنِی بِما نَسِیتُ لم ینس- و لکنه من معاریض الکلام- و کذلک قالوا فی قول إبراهیم إِنِّی سَقِیمٌ- . و قال العتبی إنی لأصدق فی صغار ما یضرنی- فکیف لا أصدق فی کبار ما ینفعنی- و قال بعض الشعراء-

لا یکذب المرء إلا من مهانته
أو عاده السوء أو من قله الأدب‏

لعض جیفه کلب خیر رائحه
من کذبه المرء فی جد و فی لعب‏

شهد أعرابی عند معاویه بشهاده فقال له کذبت- فقال الکاذب و الله المتزمل فی ثیابک- فقال معاویه هذا جزاء من عجل- . و قال معاویه یوما للأحنف و حدثه حدیثا أ تکذب- فقال له الأحنف و الله ما کذبت- منذ علمت أن الکذب یشین أهله- . و دخل عبد الله بن الزبیر یوما على معاویه- فقال له اسمع أبیاتا قلتها و کان واجدا على معاویه- فقال هات فأنشده-

إذا أنت لم تنصف أخاک وجدته
على طرف الهجران إن کان یعقل‏

و یرکب حد السیف من أن تضیمه‏
إذا لم یکن عن شفره السیف مزحل‏

فقال معاویه لقد شعرت بعدنا یا أبا بکر- ثم لم یلبث معاویه أن دخل علیه معن‏ بن أوس المزنی- فقال أ قلت بعدنا شیئا قال نعم و أنشده-

لعمرک لا أدری و إنی لأوجل
على أینا تعدو المنیه أول‏

حتى صار إلى الأبیات التی أنشدها ابن الزبیر- فقال معاویه یا أبا بکر- أ ما ذکرت آنفا أن هذا الشعر لک- فقال أنا أصلحت المعانی و هو ألف الشعر و بعد- فهو ظئری و ما قال من شی‏ء فهو لی- . و کان عبد الله بن الزبیر مسترضعا فی مزینه- . و روى أبو العباس المبرد فی الکامل- أن عمر بن عبد العزیز کتب- فی إشخاص إیاس بن معاویه المزنی- و عدی بن أرطاه الفزاری أمیر البصره و قاضیها إلیه- فصار عدی إلى إیاس- و قدر أنه یمزنه عند عمر بن عبد العزیز و یثنی علیه- فقال له یا أبا وائله إن لنا حقا و رحما- فقال إیاس أ على الکذب تریدنی- و الله ما یسرنی أن کذبت کذبه یغفرها الله لی- و لا یطلع علیها هذا و أومأ إلى ابنه- و لی ما طلعت علیه الشمس- .

و روى أبو العباس أیضا- أن عمرو بن معدیکرب الزبیدی کان معروفا بالکذب- . و قیل لخلف الأحمر- و کان مولى لهم و شدید التعصب للیمن- أ کان عمرو بن معدیکرب یکذب- قال یکذب فی المقال و یصدق فی الفعال- .قال أبو العباس فروی لنا أن أهل الکوفه الأشراف- کانوا یظهرون بالکناسه- فیرکبون على دوابهم حتى تطردهم الشمس- فوقف عمرو بن معدیکرب الزبیدی- و خالد بن الصقعب النهدی و عمرو لا یعرفه- إنما یسمع باسمه فأقبل عمرو یحدثه- فقال أغرنا مره على بنی نهد- فخرجوا مسترعفین بخالد بن الصقعب فحملت علیه- فطعنته فأذریته ثم ملت علیه بالصمصامه فأخذت رأسه- فقال خالد بن الصقعب حلا أبا ثور- إن قتیلک هو المحدث- فقال عمرو یا هذا إذا حدثت فاستمع- فإنما نتحدث بمثل ما تستمع- لنرهب به هذه المعدیه- .

قوله مسترعفین أی مقدمین له- و قوله حلا أبا ثور أی استثن- یقال حلف و لم یتحلل أی لم یستثن- و المعدیه مضر و ربیعه و أیاد بنو معد بن عدنان- و هم أعداء الیمن فی المفاخره و التکاثر

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۷۱

خطبه ۸۴ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۸۴ و من خطبه له ع

وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِیکَ لَهُ- الْأَوَّلُ لَا شَیْ‏ءَ قَبْلَهُ وَ الآْخِرُ لَا غَایَهَ لَهُ- لَا تَقَعُ الْأَوْهَامُ لَهُ عَلَى صِفَهٍ- وَ لَا تُعْقَدُ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى کَیْفِیَّهٍ- وَ لَا تَنَالُهُ التَّجْزِئَهُ وَ التَّبْعِیضُ- وَ لَا تُحِیطُ بِهِ الْأَبْصَارُ وَ الْقُلُوبُ فی هذا الفصل على قصره ثمانی مسائل من مسائل التوحید- . الأولى أنه لا ثانی له سبحانه فی الإلهیه- . و الثانیه أنه قدیم لا أول له- فإن قلت لیس یدل کلامه على القدم- لأنه قال الأول لا شی‏ء قبله- فیوهم کونه غیر قدیم بأن یکون محدثا و لیس قبله شی‏ء- لأنه محدث عن عدم و العدم لیس بشی‏ء- قلت إذا کان محدثا کان له محدث- فکان ذلک المحدث قبله- فثبت أنه متى صدق أنه لیس شی‏ء قبله صدق کونه قدیما- . و الثالثه أنه أبدی لا انتهاء و لا انقضاء لذاته- . و الرابعه نفی الصفات عنه أعنی المعانی- . و الخامسه نفی کونه مکیفا- لأن کیف إنما یسأل بها عن ذوی الهیئات و الأشکال- و هو منزه عنها- . و السادسه أنه غیر متبعض لأنه لیس بجسم و لا عرض- .

و السابعه أنه لا یرى و لا یدرک- . و الثامنه أن ماهیته غیر معلومه و هو مذهب الحکماء- و کثیر من المتکلمین من أصحابنا و غیرهم- . و أدله هذه المسائل مشروحه فی کتبنا الکلامیه- . و اعلم أن التوحید و العدل- و المباحث الشریفه الإلهیه- ما عرفت إلا من کلام هذا الرجل- و أن کلام غیره من أکابر الصحابه- لم یتضمن شیئا من ذلک أصلا- و لا کانوا یتصورونه و لو تصوروه لذکروه- و هذه الفضیله عندی أعظم فضائله ع: وَ مِنْهَا فَاتَّعِظُوا عِبَادَ اللَّهِ بِالْعِبَرِ النَّوَافِعِ- وَ اعْتَبِرُوا بِالآْیِ السَّوَاطِعِ- وَ ازْدَجِرُوا بِالنُّذُرِ الْبَوَالِغِ- وَ انْتَفِعُوا بِالذِّکْرِ وَ الْمَوَاعِظِ- فَکَأَنْ قَدْ عَلِقَتْکُمْ مَخَالِبُ الْمَنِیَّهِ- وَ انْقَطَعَتْ مِنْکُمْ عَلَائِقُ الْأُمْنِیَّهِ- وَ دَهِمَتْکُمْ مُفْظِعَاتُ الْأُمُورِ وَ السِّیَاقَهُ إِلَى الْوِرْدِ الْمَوْرُودِ- فَکُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَ شَهِیدٌ- سَائِقٌ یَسُوقُهَا إِلَى مَحْشَرِهَا وَ شَاهِدٌ یَشْهَدُ عَلَیْهَا بِعَمَلِهَا العبر جمع عبره و هی ما یعتبر به أی یتعظ- و الآی جمع آیه و یجوز أن یریدبها آی القرآن- و یجوز أن یرید بها آیات الله فی خلقه- و فی غرائب الحوادث فی العالم- .

و السواطع المشرقه المنیره- . و النذر جمع نذیر و هو المخوف- و الأحسن أن یکون النذر هاهنا هی الإنذارات نفسها- لأنه قد وصف ذلک بالبوالغ- و فواعل لا تکون فی الأکثر إلا صفه المؤنث- . و مفظعات الأمور شدائدها الشنیعه- أفظع الأمر فهو مفظع- و یجوز فظع الأمر بالضم فظاعه فهو فظیع- و أفظع الرجل على ما لم یسم فاعله أی نزل به ذلک- .

و قوله و السیاقه إلى الورد المورود یعنی الموت- و قوله سائق و شهید و قد فسر ع ذلک- و قال سائق یسوقها إلى محشرها- و شاهد یشهد علیها بعملها- و قد قال بعض المفسرین إن الآیه لا تقتضی کونهما اثنین- بل من الجائز أن یکون ملکا واحدا جامعا بین الأمرین- کأنه قال و جاءت کل نفس- معها ملک یسوقها و یشهد علیها- و کلام أمیر المؤمنین یحتمل ذلک أیضا- لأنه لم یقل أحدهما- لکن الأظهر فی الأخبار و الآثار أنهما ملکان- .

فإن قلت إذا کان تعالى عالما بکل شی‏ء- فأی حاجه إلى الملائکه التی تکتب الأعمال- کما قال سبحانه بَلى‏ وَ رُسُلُنا لَدَیْهِمْ یَکْتُبُونَ- و إذا کان تعالى أعدل العادلین- فأی حاجه إلى ملک یشهد على المکلف یوم القیامه- و إذا کان قادرا لذاته- فأی حاجه إلى ملک یسوق المکلف إلى المحشر- قلت یجوز أن یکون فی تقریر مثل ذلک- فی أنفس المکلفین فی الدنیا- ألطاف و مصالح لهم فی أدیانهم- فیخاطبهم الله تعالى به‏ لوجوب اللطف فی حکمته- و إذا خاطبهم به وجب فعله فی الآخره- لأن خبره سبحانه لا یجوز الخلف علیه: وَ مِنْهَا فِی صِفَهِ الْجَنَّهِ- دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلَاتٌ وَ مَنَازِلُ مُتَفَاوِتَاتٌ- لَا یَنْقَطِعُ نَعِیمُهَا وَ لَا یَظْعَنُ مُقِیمُهَا- وَ لَا یَهْرَمُ خَالِدُهَا وَ لَا یَبْأَسُ سَاکِنُهَا الدرجات جمع درجه و هی الطبقات و المراتب- و یقال لها درجات فی الجنه و درکات فی النار- و إنما تفاضلت و تفاوتت بحسب الأعمال- و لا یجوز أن یقع ذلک تفضلا- لأن التفضل بالثواب قبیح- .

فإن قلت- فما قولک فی الحور و الولدان و الأطفال و المجانین- قلت یکون الواصل إلیهم نعیما و لذه لا شبهه فی ذلک- و لکن لا ثواب لهم و لا ینالونه- و الثواب أمر أخص من المنافع و النعیم- لأنه منافع یقترن بها التعظیم و التبجیل- و هذا الأمر الأخص لا یحسن إیصاله إلا إلى أرباب العمل- .

و قوله لا ینقطع نعیمها و لا یظعن مقیمها- قول متفق علیه بین أهل المله- إلا ما یحکى عن أبی الهذیل- أن حرکات أهل الجنه تنتهی إلى سکون دائم- و قد نزهه قوم من أصحابنا عن هذا القول و أکذبوا رواته- و من أثبته منهم عنه زعم أنه لم یقل بانقطاع النعیم- لکن بانقطاع الحرکه مع دوام النعیم- و إنما حمله على ذلک أنه لما استدل- على أن‏ الحرکه الماضیه یستحیل ألا یکون لها أول- عورض بالحرکات المستقبله لأهل الجنه و النار- فالتزم أنها متناهیه و إنما استبعد هذا عنه- لأنه کان أجل قدرا من أن یذهب علیه الفرق بین الصورتین- . و یبأس مضارع بئس و جاء فیه یبئس بالکسر- و هو شاذ کشذوذ یحسب و ینعم- و معنى یبأس یصیبه البؤس و هو الشقاء

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۲۲

خطبه ۸۳ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۸۳ و من کلام له ع فی ذکر عمرو بن العاص

عَجَباً لِابْنِ النَّابِغَهِ یَزْعُمُ لِأَهْلِ الشَّامِ أَنَّ فِیَّ دُعَابَهٌ- وَ أَنِّی امْرُؤٌ تِلْعَابَهٌ أُعَافِسُ وَ أُمَارِسُ- لَقَدْ قَالَ بَاطِلًا وَ نَطَقَ آثِماً- أَمَا وَ شَرُّ الْقَوْلِ الْکَذِبُ إِنَّهُ لَیَقُولُ فَیِکْذِبُ وَ یَعِدُ فَیُخْلِفُ- وَ یُسْأَلُ فَیَبْخَلُ وَ یَسْأَلُ فَیُلْحِفُ وَ یَخُونُ الْعَهْدَ وَ یَقْطَعُ الْإِلَّ- فَإِذَا کَانَ عِنْدَ الْحَرْبِ فَأَیُّ زَاجِرٍ وَ آمِرٍ هُوَ- مَا لَمْ تَأْخُذِ السُّیُوفُ مَآخِذَهَا- فَإِذَا کَانَ ذَلِکَ کَانَ أَکْبَرُ [أَکْبَرَ] مَکِیدَتِهِ أَنْ یَمْنَحَ الْقَوْمَ سَبَّتَهُ- أَمَا وَ اللَّهِ إِنِّی لَیَمْنَعُنِی مِنَ اللَّعِبِ ذِکْرُ الْمَوْتِ- وَ إِنَّهُ لَیَمْنَعُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ نِسْیَانُ الآْخِرَهِ- وَ إِنَّهُ لَمْ یُبَایِعْ مُعَاوِیَهَ حَتَّى شَرَطَ لَهُ أَنْ یُؤْتِیَهُ أَتِیَّهً- وَ یَرْضَخَ لَهُ عَلَى تَرْکِ الدِّینِ رَضِیخَهً الدعابه المزاح دعب الرجل بالفتح- و رجل تلعابه بکسر التاء کثیر اللعب- و التلعاب بالفتح مصدر لعب- . و المعافسه المعالجه و المصارعه- و منه الحدیث عافسنا النساء و الممارسه نحوه- .

یقول ع إن عمرا یقدح فی عند أهل الشام بالدعابه و اللعب- و أنی کثیرالممازحه- حتى أنی ألاعب النساء و أغازلهن- فعل المترف الفارغ القلب- الذی تتقضى أوقاته بملاذ نفسه- . و یلحف یلح فی السؤال- قال تعالى لا یَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً- و منه المثل لیس للملحف مثل الرد- . و الإل العهد و لما اختلف اللفظان حسن التقسیم بهما- و إن کان المعنى واحدا- . و معنى قوله ما لم تأخذ السیوف مآخذها- أی ما لم تبلغ الحرب إلى أن تخالط الرءوس- أی هو ملی‏ء بالتحریض و الإغراء قبل أن تلتحم الحرب- فإذا التحمت و اشتدت فلا یمکث و فعل فعلته التی فعل- . و السبه الاست و سبه یسبه طعنه فی السبه- . و یجوز رفع أکبر و نصبه- فإن رفعت فهو الاسم و إن نصبت فهو الخبر- . و الأتیه العطیه و الإیتاء الإعطاء- و رضخ له رضخا أعطاه عطاء بالکثیر- و هی الرضیخه لما یعطى

نسب عمرو بن العاص و طرف من أخباره

و نحن نذکر طرفا من نسب عمرو بن العاص- و أخباره إلى حین وفاته إن شاء الله- . هو عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعید بن سهم- بن عمرو بن هصیص بن کعب بن لؤی بن غالب بن فهر- بن مالک بن النضر یکنى أبا عبد الله و یقال أبو محمد- .

أبوه العاص بن وائل أحد المستهزءین برسول الله ص- و المکاشفین له بالعداوه و الأذى- و فیه و فی أصحابه أنزل قوله تعالى- إِنَّا کَفَیْناکَ الْمُسْتَهْزِئِینَ- . و یلقب العاص بن وائل فی الإسلام بالأبتر- لأنه قال لقریش سیموت هذا الأبتر غدا- فینقطع ذکره یعنی رسول الله ص- لأنه لم یکن له ص ولد ذکر یعقب منه- فأنزل الله سبحانه إِنَّ شانِئَکَ هُوَ الْأَبْتَرُ- . و کان عمرو أحد من یؤذی رسول الله ص بمکه- و یشتمه و یضع فی طریقه الحجاره- لأنه کان ص یخرج من منزله لیلا فیطوف بالکعبه- و کان عمرو یجعل له الحجاره فی مسلکه لیعثر بها- و هو أحد القوم الذین خرجوا إلى زینب ابنه رسول الله ص- لما خرجت مهاجره من مکه إلى المدینه- فروعوها و قرعوا هودجها بکعوب الرماح- حتى أجهضت جنینا میتا من أبی العاص بن الربیع بعلها- فلما بلغ ذلک رسول الله ص- نال منه و شق علیه مشقه شدیده و لعنهم- روى ذلک الواقدی- .

و روى الواقدی أیضا و غیره من أهل الحدیث- أن عمرو بن العاص هجا رسول الله ص هجاء کثیرا- کان یعلمه صبیان مکه- فینشدونه و یصیحون برسول الله إذا مر بهم- رافعین أصواتهم بذلک الهجاء-فقال رسول الله ص و هو یصلی بالحجر اللهم إن عمرو بن العاص هجانی- و لست بشاعر فالعنه بعدد ما هجانی- .

و روى أهل الحدیث أن النضر بن الحارث- و عقبه بن أبی معیط و عمرو بن العاص- عهدوا إلى سلی جمل فرفعوه بینهم- و وضعوه على رأس رسول الله ص و هو ساجد بفناء الکعبه- فسال علیه فصبر و لم یرفع رأسه- و بکى فی سجوده و دعا علیهم-فجاءت ابنته فاطمه ع و هی باکیه- فاحتضنت ذلک السلا فرفعته عنه فألقته- و قامت على رأسه تبکی فرفع رأسه ص-و قال اللهم علیک بقریش قالها ثلاثا- ثم قال رافعا صوته إنی مظلوم فانتصر قالها ثلاثاثم قام فدخل منزله و ذلک بعد وفاه عمه أبی طالب بشهرین- .

و لشده عداوه عمرو بن العاص لرسول الله ص- أرسله أهل مکه إلى النجاشی لیزهده فی الدین- و لیطرد عن بلاده مهاجره الحبشه- و لیقتل جعفر بن أبی طالب عنده إن أمکنه قتله- فکان منه فی أمر جعفر هناک ما هو مذکور مشهور فی السیر- و سنذکر بعضه- . فأما النابغه فقد ذکر الزمخشری فی کتاب ربیع الأبرار- قال کانت النابغه أم عمرو بن العاص- أمه لرجل من عنزه فسبیت- فاشتراها عبد الله بن جدعان التیمی بمکه- فکانت بغیا ثم أعتقها- فوقع علیها أبو لهب بن عبد المطلب- و أمیه بن خلف الجمحی و هشام بن المغیره المخزومی- و أبو سفیان بن حرب- و العاص بن وائل السهمی فی طهر واحد- فولدت عمرا فادعاه کلهم فحکمت أمه فیه- فقالت هو من العاص بن وائل- و ذاک لأن العاص بن وائل کان ینفق علیها کثیرا- قالوا و کان أشبه بأبی سفیان و فی ذلک یقول أبو سفیان بن الحارث- بن عبد المطلب فی عمرو بن العاص-

أبوک أبو سفیان لا شک قد بدت
لنا فیک منه بینات الشمائل‏

و قال أبو عمر بن عبد البر صاحب کتاب الإستیعاب- کان اسمها سلمى و تلقبت بالنابغه بنت حرمله- من بنی جلان بن عنزه بن أسد بن ربیعه بن نزارأصابها سباء- فصارت إلى العاص بن وائل- بعد جماعه من قریش فأولدها عمرا- . قال أبو عمر یقال إنه جعل لرجل ألف درهم- على أن یسأل عمرا و هو على المنبر من أمه فسأله- فقال أمی سلمى بنت حرمله تلقب بالنابغه- من بنی عنزه ثم أحد بنی جلان- و أصابتها راح العرب فبیعت بعکاظ- فاشتراها الفاکه بن المغیره- ثم اشتراها منه عبد الله بن جدعان- ثم صارت إلى العاص بن وائل فولدت فأنجبت- فإن کان جعل لک شی‏ء فخذ- .

و قال المبرد فی کتاب الکامل اسمها لیلى- و ذکر هذا الخبر و قال إنها لم تکن فی موضع مرضی- قال المبرد و قال المنذر بن الجارود مره لعمرو بن العاص- أی رجل أنت لو لا أن أمک أمک- فقال إنی أحمد الله إلیک لقد فکرت البارحه فیها- فأقبلت أنقلها فی قبائل العرب ممن أحب أن تکون منها- فما خطرت لی عبد القیس على بال- . و قال المبرد و دخل عمرو بن العاص مکه- فرأى قوما من قریش قد جلسوا حلقه- فلما رأوه رمقوه بأبصارهم فعدل إلیهم- فقال أحسبکم کنتم فی شی‏ء من ذکری قالوا أجل- کنا نمثل بینک و بین أخیک هشام بن العاص أیکما أفضل- فقال عمرو إن لهشام علی أربعه- أمه بنت هشام بن المغیره و أمی من قد عرفتم- و کان أحب إلى أبیه منی- و قد علمتم معرفه الوالد بولده- و أسلم قبلی و استشهد و بقیت- .

و روى أبو عبیده معمر بن المثنى فی کتاب الأنساب- أن عمرا اختصم فیه یوم‏ ولادته رجلان- أبو سفیان بن حرب و العاص بن وائل فقیل لتحکم أمه- فقالت أمه إنه من العاص بن وائل- فقال أبو سفیان أما إنی لا أشک أنی وضعته فی رحم أمه- فأبت إلا العاص- . فقیل لها أبو سفیان أشرف نسبا- فقالت إن العاص بن وائل کثیر النفقه علی- و أبو سفیان شحیح- . ففی ذلک یقول حسان بن ثابت لعمرو بن العاص- حیث هجاه مکافئا له عن هجاء رسول الله ص-

أبوک أبو سفیان لا شک قد بدت
لنا فیک منه بینات الدلائل‏

ففاخر به إما فخرت و لا تکن‏
تفاخر بالعاص الهجین بن وائل‏

و إن التی فی ذاک یا عمرو حکمت
فقالت رجاء عند ذاک لنائل‏

من العاص عمرو تخبر الناس کلما
تجمعت الأقوام عند المحافل‏

مفاخره بین الحسن بن علی و رجالات من قریش

و روى الزبیر بن بکار فی کتاب المفاخرات- قال اجتمع عند معاویه عمرو بن العاص- و الولید بن عقبه بن أبی معیط- و عتبه بن أبی سفیان بن حرب و المغیره بن شعبه- و قد کان بلغهم عن الحسن بن علی ع قوارص- و بلغه عنهم مثل ذلک- فقالوا یا أمیر المؤمنین- إن الحسن قد أحیا أباه و ذکره و قال فصدق و أمر فأطیع- و خفقت له النعال و إن ذلک لرافعه إلى ما هو أعظم منه- و لا یزال یبلغنا عنه ما یسوءنا- . قال معاویه فما تریدون- قالوا ابعث علیه فلیحضر لنسبه و نسب أباه و نعیره- و نوبخه و نخبره أن أباه قتل عثمان و نقرره بذلک- و لا یستطیع أن یغیر علینا شیئا من ذلک- .

قال معاویه إنی لا أرى ذلک و لا أفعله- قالوا عزمنا علیک یا أمیر المؤمنین لتفعلن- فقال ویحکم لا تفعلوا- فو الله ما رأیته قط جالسا عندی إلا خفت مقامه و عیبه لی- قالوا ابعث إلیه على کل حال- قال إن بعثت إلیه لأنصفنه منکم- . فقال عمرو بن العاص أ تخشى أن یأتی باطله على حقنا- أو یربی قوله على قولنا- قال معاویه أما إنی إن بعثت إلیه- لآمرنه أن یتکلم بلسانه کله قالوا مره بذلک- . قال أما إذ عصیتمونی و بعثتم إلیه- و أبیتم إلا ذلک فلا تمرضوا له فی القول- و اعلموا أنهم أهل بیت لا یعیبهم العائب- و لا یلصق بهم العار و لکن اقذفوه بحجره- تقولون له إن أباک قتل عثمان- و کره خلافه الخلفاء من قبله- .

فبعث إلیه معاویه فجاءه رسوله- فقال إن أمیر المؤمنین یدعوک- . قال من عنده فسماهم له- فقال الحسن ع ما لهم خر علیهم السقف من فوقهم- و أتاهم العذاب من حیث لا یشعرون- ثم قال یا جاریه ابغینی ثیابی- اللهم إنی أعوذ بک من شرورهم- و أدرأ بک فی نحورهم و أستعین بک علیهم- فاکفنیهم کیف شئت و أنى شئت- بحول منک و قوه یا أرحم الراحمین- ثم قام فلما دخل على معاویه- أعظمه و أکرمه و أجلسه إلى جانبه- و قد ارتاد القوم و خطروا خطران الفحول- بغیا فی أنفسهم و علوا- ثم قال یا أبا محمد إن هؤلاء بعثوا إلیک و عصونی- .

فقال الحسن ع سبحان الله- الدار دارک و الإذن فیها إلیک- و الله إن کنت أجبتهم إلى ما أرادوا و ما فی أنفسهم- إنی لأستحیی لک من الفحش- و إن کانوا غلبوک على رأیک إنی لأستحیی لک من الضعف- فأیهما تقرر و أیهما تنکر- أما إنی‏ لو علمت بمکانهم- جئت معی بمثلهم من بنی عبد المطلب- و ما لی أن أکون مستوحشا منک و لا منهم- إن ولیی الله و هو یتولى الصالحین- .

فقال معاویه یا هذا إنی کرهت أن أدعوک- و لکن هؤلاء حملونی على ذلک مع کراهتی له- و إن لک منهم النصف و منی- و إنما دعوناک لنقررک أن عثمان قتل مظلوما- و أن أباک قتله فاستمع منهم ثم أجبهم- و لا تمنعک وحدتک و اجتماعهم أن تتکلم بکل لسانک- . فتکلم عمرو بن العاص فحمد الله و صلى على رسوله- ثم ذکر علیا ع- فلم یترک شیئا یعیبه به إلا قاله- و قال إنه شتم أبا بکر و کره خلافته و امتنع من بیعته- ثم بایعه مکرها و شرک فی دم عمر و قتل عثمان ظلما- و ادعى من الخلافه ما لیس له- .

ثم ذکر الفتنه یعیره بها و أضاف إلیه مساوئ- و قال إنکم یا بنی عبد المطلب لم یکن الله- لیعطیکم الملک على قتلکم الخلفاء- و استحلالکم ما حرم الله من الدماء- و حرصکم على الملک و إتیانکم ما لا یحل- ثم إنک یا حسن تحدث نفسک أن الخلافه صائره إلیک- و لیس عندک عقل ذلک و لا لبه- کیف ترى الله سبحانه سلبک عقلک- و ترکک أحمق قریش یسخر منک و یهزأ بک- و ذلک لسوء عمل أبیک- و إنما دعوناک لنسبک و أباک- فأما أبوک فقد تفرد الله به و کفانا أمره- و أما أنت فإنک فی أیدینا نختار فیک الخصال- و لو قتلناک ما کان علینا إثم من الله- و لا عیب من الناس فهل تستطیع أن ترد علینا و تکذبنا- فإن کنت ترى أنا کذبنا فی شی‏ء فاردده علینا فیما قلنا- و إلا فاعلم أنک و أباک ظالمان- ثم تکلم الولید بن عقبه بن أبی معیط- فقال یا بنی هاشم إنکم کنتم أخوال عثمان- فنعم الولد کان لکن فعرف حقکم- و کنتم أصهاره فنعم الصهر کان لکم- یکرمکم فکنتم‏ أول من حسده- فقتله أبوک ظلما لا عذر له و لا حجه- فکیف ترون الله طلب بدمه و أنزلکم منزلتکم- و الله إن بنی أمیه خیر لبنی هاشم من بنی هاشم لبنی أمیه- و إن معاویه خیر لک من نفسک- .

ثم تکلم عتبه بن أبی سفیان- فقال یا حسن کان أبوک شر قریش لقریش- أسفکها لدمائها و أقطعها لأرحامها- طویل السیف و اللسان- یقتل الحی و یعیب المیت- و إنک ممن قتل عثمان و نحن قاتلوک به- و أما رجاؤک الخلافه فلست فی زندها قادحا- و لا فی میزانها راجحا- و إنکم یا بنی هاشم قتلتم عثمان- و إن فی الحق أن نقتلک و أخاک به- فأما أبوک فقد کفانا الله أمره و أقاد منه و أما أنت- فو الله ما علینا لو قتلناک بعثمان إثم و لا عدوان- . ثم تکلم المغیره بن شعبه فشتم علیا- و قال و الله ما أعیبه فی قضیه یخون و لا فی حکم یمیل- و لکنه قتل عثمان ثم سکتوا- .

فتکلم الحسن بن علی ع فحمد الله و أثنى علیه- و صلى على رسوله ص- ثم قال أما بعد یا معاویه- فما هؤلاء شتمونی و لکنک شتمتنی- فحشا ألفته و سوء رأی عرفت به- و خلقا سیئا ثبت علیه و بغیا علینا- عداوه منک لمحمد و أهله- و لکن اسمع یا معاویه- و اسمعوا فلأقولن فیک و فیهم ما هو دون ما فیکم- أنشدکم الله أیها الرهط- أ تعلمون أن الذی شتمتموه منذ الیوم- صلى القبلتین کلتیهما و أنت یا معاویه بهما کافر- تراها ضلاله و تعبد اللات و العزى غوایه- و أنشدکم الله هل تعلمون أنه بایع البیعتین کلتیهما- بیعه الفتح و بیعه الرضوان- و أنت یا معاویه بإحداهما کافر و بالأخرى ناکث- و أنشدکم الله هل تعلمون أنه أول الناس إیمانا- و أنک یا معاویه و أباک‏ من المؤلفه قلوبهم- تسرون الکفر و تظهرون الإسلام و تستمالون بالأموال- و أنشدکم الله أ لستم تعلمون- أنه کان صاحب رایه رسول الله ص یوم بدر- و أن رایه المشرکین کانت مع معاویه و مع أبیه- ثم لقیکم یوم أحد و یوم الأحزاب و معه رایه رسول الله ص- و معک و مع أبیک رایه الشرک- و فی کل ذلک یفتح الله له و یفلج حجته- و ینصر دعوته و یصدق حدیثه- و رسول الله ص فی تلک المواطن کلها عنه راض- و علیک و على أبیک ساخط- و أنشدک الله یا معاویه- أ تذکر یوما جاء أبوک على جمل أحمر و أنت تسوقه- و أخوک عتبه هذا یقوده فرآکم رسول الله ص- فقال اللهم العن الراکب و القائد و السائق- أ تنسى یا معاویه الشعر الذی کتبته إلى أبیک- لما هم أن یسلم تنهاه عن ذلک-

یا صخر لا تسلمن یوما فتفضحنا
بعد الذین ببدر أصبحوا فرقا

خالی و عمی و عم الأم ثالثهم‏
و حنظل الخیر قد أهدى لنا الأرقا

لا ترکنن إلى أمر تکلفنا
و الراقصات به فی مکه الخرقا

فالموت أهون من قول العداه لقد
حاد ابن حرب عن العزى إذا فرقا

 و الله لما أخفیت من أمرک أکبر مما أبدیت- و أنشدکم الله أیها الرهط أ تعلمون- أن علیا حرم الشهوات على نفسه بین أصحاب رسول الله ص- فأنزل فیه یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا- لا تُحَرِّمُوا طَیِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَکُمْ- و أن رسول الله ص بعث أکابر أصحابه إلى بنی قریظه- فنزلوا من حصنهم فهزموا فبعث علیا بالرایه- فاستنزلهم على حکم الله و حکم رسوله- و فعل فی خیبر مثلها-ثم قال یا معاویه أظنک لا تعلم- أنی أعلم ما دعا به علیک رسول الله ص- لما أراد أن یکتب کتابا إلى بنی خزیمه- فبعث إلیک ابن عباس فوجدک تأکل- ثم بعثه إلیک مره أخرى فوجدک تأکل- فدعا علیک الرسول بجوعک و نهمک إلى أن تموت- و أنتم أیها الرهط نشدتکم الله- أ لا تعلمون أن رسول الله ص لعن أبا سفیان فی سبعه مواطن- لا تستطیعون ردها-

أولها یوم لقی رسول الله ص خارجا من مکه إلى الطائف- یدعو ثقیفا إلى الدین- فوقع به و سبه و سفهه و شتمه و کذبه و توعده- و هم أن یبطش به- فلعنه الله و رسوله و صرف عنه-

و الثانیه یوم العیر- إذ عرض لها رسول الله ص و هی جائیه من الشام- فطردها أبو سفیان و ساحل بها فلم یظفر المسلمون بها- و لعنه رسول الله ص و دعا علیه- فکانت وقعه بدر لأجلها-

و الثالثه یوم أحد حیث وقف تحت الجبل- و رسول الله ص فی أعلاه و هو ینادی أعل هبل مرارا- فلعنه رسول الله ص عشر مرات و لعنه المسلمون-

و الرابعه یوم جاء بالأحزاب و غطفان و الیهود- فلعنه رسول الله و ابتهل-

و الخامسه یوم جاء أبو سفیان فی قریش- فصدوا رسول الله ص عن المسجد الحرام- و الهدی معکوفا أن یبلغ محله ذلک یوم الحدیبیه- فلعن رسول الله ص أبا سفیان و لعن القاده و الأتباع- و قال ملعونون کلهم و لیس فیهم من یؤمن- فقیل یا رسول الله- أ فما یرجى الإسلام لأحد منهم فکیف باللعنه- فقال لا تصیب اللعنه أحدا من الأتباع- و أما القاده فلا یفلح منهم أحد-

و السادسه یوم الجمل الأحمر-

و السابعه یوم وقفوا لرسول الله ص فی العقبه- لیستنفروا ناقته و کانوا اثنی عشر رجلا منهم أبو سفیان- فهذا لک یا معاویه و أما أنت یا ابن العاص- فإن أمرک مشترک- وضعتک أمک مجهولا من عهر و سفاح- فیک أربعه من قریش فغلب علیک جزارها- ألأمهم حسبا و أخبثهم منصبا ثم قام أبوک- فقال أنا شانئ محمد الأبتر فأنزل الله فیه ما أنزل- و قاتلت رسول الله ص فی جمیع المشاهد- و هجوته و آذیته بمکه و کدته کیدک کله- و کنت من أشد الناس له تکذیبا و عداوه- ثم خرجت ترید النجاشی مع أصحاب السفینه- لتأتی بجعفر و أصحابه إلى أهل مکه- فلما أخطأک ما رجوت و رجعک الله خائبا- و أکذبک واشیا جعلت حدک على صاحبک عماره بن الولید- فوشیت به إلى النجاشی حسدا لما ارتکب مع حلیلتک- ففضحک الله و فضح صاحبک- فأنت عدو بنی هاشم فی الجاهلیه و الإسلام- ثم إنک تعلم و کل هؤلاء الرهط یعلمون- أنک هجوت رسول الله ص بسبعین بیتا من الشعر-

فقال رسول الله ص اللهم إنی لا أقول الشعر و لا ینبغی لی- اللهم العنه بکل حرف ألف لعنه- فعلیک إذا من الله ما لا یحصى من اللعن و أما ذکرت من أمر عثمان- فأنت سعرت علیه الدنیا نارا ثم حلقت بفلسطین- فلما أتاک قتله قلت أنا أبو عبد الله- إذا نکأت قرحه أدمیتها- ثم حبست نفسک إلى معاویه- و بعت دینک بدنیاه فلسنا نلومک على بغض- و لا نعاتبک على ود- و بالله‏ ما نصرت عثمان حیا و لا غضبت له مقتولا- ویحک یا ابن العاص أ لست القائل فی بنی هاشم- لما خرجت من مکه إلى النجاشی-

تقول ابنتی أین هذا الرحیل
و ما السیر منی بمستنکر

فقلت ذرینی فإنی امرؤ
أرید النجاشی فی جعفر

لأکویه عنده کیه
أقیم بها نخوه الأصعر

و شانئ أحمد من بینهم‏
و أقولهم فیه بالمنکر

و أجری إلى عتبه جاهدا
و لو کان کالذهب الأحمر

و لا أنثنی عن بنی هاشم‏
و ما اسطعت فی الغیب و المحضر

فإن قبل العتب منی له
و إلا لویت له مشفری‏

 فهذا جوابک هل سمعته- و أما أنت یا ولید فو الله ما ألومک على بغض علی- و قد جلدک ثمانین فی الخمر- و قتل أباک بین یدی رسول الله صبرا- و أنت الذی سماه الله الفاسق و سمى علیا المؤمن- حیث تفاخرتما فقلت له اسکت یا علی- فأنا أشجع منک جنانا و أطول منک لسانا- فقال لک علی اسکت یا ولید فأنا مؤمن و أنت فاسق- فأنزل الله تعالى فی موافقه قوله- أَ فَمَنْ کانَ مُؤْمِناً کَمَنْ کانَ فاسِقاً لا یَسْتَوُونَ- ثم أنزل فیک على موافقه قوله أیضا- إِنْ جاءَکُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَیَّنُوا- ویحک یا ولید مهما نسیت- فلا تنس قول الشاعر فیک و فیه-

أنزل الله و الکتاب عزیز
فی علی و فی الولید قرآنا

فتبوأ الولید إذ ذاک فسقا
و علی مبوأ إیمانا

لیس من کان مؤمنا عمرک الله‏
کمن کان فاسقا خوانا

سوف یدعى الولید بعد قلیل
و علی إلى الحساب عیانا

فعلی یجزى بذاک جنانا
و ولید یجزى بذاک هوانا

رب جد لعقبه بن أبان
لابس فی بلادنا تبانا

– و ما أنت و قریش إنما أنت علج من أهل صفوریه- و أقسم بالله لأنت أکبر فی المیلاد و أسن ممن تدعى إلیه- و أما أنت یا عتبه فو الله ما أنت بحصیف فأجیبک- و لا عاقل فأحاورک و أعاتبک- و ما عندک خیر یرجى و لا شر یتقى- و ما عقلک و عقل أمتک إلا سواء- و ما یضر علیا لو سببته على رءوس الأشهاد- و أما وعیدک إیای بالقتل- فهلا قتلت اللحیانی إذا وجدته على فراشک- أما تستحیی من قول نصر بن حجاج فیک-

یا للرجال و حادث الأزمان
و لسبه تخزی أبا سفیان‏

نبئت عتبه خانه فی عرسه‏
جبس لئیم الأصل من لحیان

 و بعد هذا ما أربأ بنفسی عن ذکره لفحشه- فکیف یخاف أحد سیفک و لم تقتل فاضحک- و کیف ألومک على بغض علی- و قد قتل خالک الولید مبارزه یوم بدر- و شرک حمزه فی قتل جدک عتبه- و أوحدک من أخیک حنظله فی مقام واحد- و أما أنت یا مغیره فلم تکن بخلیق أن تقع فی هذا و شبهه- و إنما مثلک مثل البعوضه إذ قالت للنخله- استمسکی فإنی طائره عنک- فقالت النخله و هل علمت بک واقعه علی- فأعلم بک طائره عنی-و الله ما نشعر بعداوتک إیانا- و لا اغتممنا إذ علمنا بها و لا یشق علینا کلامک- و إن حد الله فی الزنا لثابت علیک- و لقد درأ عمر عنک حقا الله سائله عنه- و لقد سألت رسول الله ص- هل ینظر الرجل إلى المرأه یرید أن یتزوجها- فقال لا بأس بذلک یا مغیره ما لم ینو الزنا- لعلمه بأنک زان-

و أما فخرکم علینا بالإماره فإن الله تعالى یقول- وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِکَ قَرْیَهً أَمَرْنا مُتْرَفِیها- فَفَسَقُوا فِیها فَحَقَّ عَلَیْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِیراً- . ثم قام الحسن فنفض ثوبه و انصرف- فتعلق عمرو بن العاص بثوبه و قال یا أمیر المؤمنین- قد شهدت قوله فی و قذفه أمی بالزنا- و أنا مطالب له بحد القذف- فقال معاویه خل عنه لا جزاک الله خیرا فترکه- فقال معاویه قد أنبأتکم أنه ممن لا تطاق عارضته- و نهیتکم أن تسبوه فعصیتمونی- و الله ما قام حتى أظلم على البیت قوموا عنی- فلقد فضحکم الله و أخزاکم بترککم الحزم- و عدولکم عن رأی الناصح المشفق و الله المستعان

عمرو بن العاص و معاویه

و روى الشعبی- قال دخل عمرو بن العاص على معاویه یسأله حاجه- و قد کان بلغ معاویه عنه ما کرهه- فکره قضاءها و تشاغل- فقال عمرو یا معاویه إن السخاء فطنه و اللؤم تغافل- و الجفاء لیس من أخلاق المؤمنین- فقال معاویه یا عمرو- بما ذا تستحق منا قضاء الحوائج العظام- فغضب عمرو و قال بأعظم حق و أوجبه- إذ کنت فی بحر عجاج- فلو لا عمرو لغرقت فی أقل مائه و أرقه- و لکنی دفعتک فیه دفعه فصرت فی وسطه- ثم دفعتک فیه أخرى فصرت فی أعلى المواضع منه- فمضى حکمک و نفذ أمرک- و انطلق‏ لسانک بعد تلجلجه- و أضاء وجهک بعد ظلمته- و طمست لک الشمس بالعهن المنفوش- و أظلمت لک القمر باللیله المدلهمه- . فتناوم معاویه و أطبق جفنیه ملیا- فخرج عمرو فاستوى معاویه جالسا- و قال لجلسائه أ رأیتم ما خرج من فم ذلک الرجل- ما علیه لو عرض ففی التعریض ما یکفی- و لکنه جبهنی بکلامه و رمانی بسموم سهامه- .

فقال بعض جلسائه یا أمیر المؤمنین- إن الحوائج لتقضى على ثلاث خصال- إما أن یکون السائل لقضاء الحاجه مستحقا فتقضى له بحقه- و إما أن یکون السائل لئیما- فیصون الشریف نفسه عن لسانه فیقضی حاجته- و إما أن یکون المسئول کریما فیقضیها لکرمه- صغرت أو کبرت- . فقال معاویه لله أبوک ما أحسن ما نطقت- و بعث إلى عمرو فأخبره و قضى حاجته و وصله بصله جلیله- فلما أخذها ولى منصرفا- فقال معاویه فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا- وَ إِنْ لَمْ یُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ یَسْخَطُونَ- فسمعها عمرو فالتفت إلیه مغضبا- و قال و الله یا معاویه لا أزال آخذ منک قهرا- و لا أطیع لک أمرا و أحفر لک بئرا عمیقا- إذا وقعت فیه لم تدرک إلا رمیما فضحک معاویه- فقال ما أریدک یا أبا عبد الله بالکلمه- و إنما کانت آیه تلوتها من کتاب الله عرضت بقلبی- فاصنع ما شئت

عبد الله بن جعفر و عمرو بن العاص فی مجلس معاویه

و روى المدائنی- قال بینا معاویه یوما جالسا عنده عمرو بن العاص- إذ قال الآذن قد جاء عبد الله بن جعفر بن أبی طالب- فقال عمرو و الله لأسوءنه الیوم- فقال معاویه لا تفعل یا أبا عبد الله فإنک لا تنصف منه- و لعلک أن تظهر لنا من منقبته ما هو خفی عنا- و ما لا نحب أن نعلمه منه- .

و غشیهم عبد الله بن جعفر فأدناه معاویه و قربه- فمال عمرو إلى بعض جلساء معاویه- فنال من علی ع جهارا غیر ساتر له- و ثلبه ثلبا قبیحا- . فالتمع لون عبد الله بن جعفر و اعتراه- أفکل حتى أرعدت خصائله ثم نزل عن السریر کالفنیق- فقال عمرو مه یا أبا جعفر- فقال له عبد الله مه لا أم لک- ثم قال

أظن الحلم دل علی قومی
و قد یستجهل الرجل الحلیم‏

ثم حسر عن ذراعیه- و قال یا معاویه حتام نتجرع غیظک- و إلى کم الصبر على مکروه قولک- و سیئ أدبک و ذمیم أخلاقک هبلتک الهبول- أ ما یزجرک ذمام المجالسه عن القذع لجلیسک- إذا لم تکن لک حرمه من دینک تنهاک عما لا یجوز لک- أما و الله لو عطفتک أواصر الأرحام- أو حامیت على سهمک من الإسلام- ما أرعیت بنی الإماء المتک- و العبید الصک أعراض قومک- . و ما یجهل موضع الصفوه إلا أهل الجفوه- و إنک لتعرف وشائظ قریش و صبوه غرائزها- فلا یدعونک تصویب ما فرط من خطئک- فی سفک دماء المسلمین و محاربه أمیر المؤمنین- إلى التمادی فیما قد وضح لک الصواب فی خلافه- فاقصد لمنهج الحق- فقد طال عمهک عن سبیل الرشد- و خبطک فی بحور ظلمه الغی- .

فإن أبیت إلا تتابعنا فی قبح اختیارک لنفسک- فأعفنا من سوء القاله فینا إذا ضمنا و إیاک الندی- و شأنک و ما ترید إذا خلوت و الله حسیبک- فو الله لو لا ما جعل الله لنا فی یدیک لما أتیناک- . ثم قال إنک إن کلفتنی ما لم أطق- ساءک ما سرک منی من خلق- . فقال معاویه یا أبا جعفر أقسمت علیک لتجلسن- لعن الله من أخرج ضب صدرک من وجاره- محمول لک ما قلت و لک عندنا ما أملت- فلو لم یکن محمدک و منصبک- لکان خلقک و خلقک شافعین لک إلینا- و أنت ابن ذی الجناحین و سید بنی هاشم- . فقال عبد الله کلا- بل سید بنی هاشم حسن و حسین لا ینازعهما فی ذلک أحد- . فقال أبا جعفر أقسمت علیک- لما ذکرت حاجه لک إلا قضیتها کائنه ما کانت- و لو ذهبت بجمیع ما أملک- فقال أما فی هذا المجلس فلا ثم انصرف- . فأتبعه معاویه بصره- و قال و الله لکأنه رسول الله ص- مشیه و خلقه و خلقه و إنه لمن مشکاته- و لوددت أنه أخی بنفیس ما أملک- . ثم التفت إلى عمرو فقال أبا عبد الله- ما تراه منعه من الکلام معک- قال ما لا خفاء به عنک- قال أظنک تقول إنه هاب جوابک لا و الله- و لکنه ازدراک و استحقرک و لم یرک للکلام أهلا- أ ما رأیت إقباله علی دونک ذاهبا بنفسه عنک- . فقال عمرو فهل لک أن تسمع ما أعددته لجوابه- قال معاویه اذهب إلیک أبا عبد الله- فلاه حین جواب سائر الیوم- . و نهض معاویه و تفرق الناس

عبد الله بن العباس و رجالات قریش فی مجلس معاویه

و روى المدائنی أیضا- قال وفد عبد الله بن عباس على معاویه مره- فقال معاویه لابنه یزید و لزیاد بن سمیه- و عتبه بن أبی سفیان و مروان بن الحکم- و عمرو بن العاص و المغیره بن شعبه و سعید بن العاص- و عبد الرحمن بن أم الحکم- إنه قد طال العهد بعبد الله بن عباس- و ما کان شجر بیننا و بینه و بین ابن عمه- و لقد کان نصبه للتحکیم فدفع عنه- فحرکوه على الکلام لنبلغ حقیقه صفته- و نقف على کنه معرفته- و نعرف ما صرف عنا من شبا حده و زوی عنا من دهاء رأیه- فربما وصف المرء بغیر ما هو فیه- و أعطی من النعت و الاسم ما لا یستحقه- . ثم أرسل إلى عبد الله بن عباس-

فلما دخل و استقر به المجلس ابتدأه ابن أبی سفیان- فقال یا ابن عباس ما منع علیا أن یوجه بک حکما- فقال أما و الله لو فعل لقرن عمرا بصعبه من الإبل- یوجع کفه مراسها و لأذهلت عقله و أجرضته بریقه- و قدحت فی سویداء قلبه فلم یبرم أمرا و لم ینفض ترابا- إلا کنت منه بمرأى و مسمع- فإن أنکأه أدمیت قواه- و إن أدمه فصمت عراه بغرب مقول لا یقل حده- و أصاله رأی کمتاح الأجل لا وزر منه أصدع به أدیمه- و أفل به شبا حده و أشحذ به عزائم المتقین- و أزیح به شبه الشاکین- .

فقال عمرو بن العاص- هذا و الله یا أمیر المؤمنین نجوم أول الشر- و أفول آخر الخیر و فی حسمه قطع مادته- فبادره بالحمله و انتهز منه الفرصه- و اردع بالتنکیل به غیره و شرد به من خلفه- .فقال ابن عباس یا ابن النابغه ضل و الله عقلک- و سفه حلمک و نطق الشیطان على لسانک- هلا تولیت ذلک بنفسک یوم صفین حین دعیت نزال- و تکافح الأبطال‏ و کثرت الجراح و تقصفت الرماح- و برزت إلى أمیر المؤمنین مصلولا- فانکفأ نحوک بالسیف حاملا- فلما رأیت الکواشر من الموت- أعددت حیله السلامه قبل لقائه- و الانکفاء عنه بعد إجابه دعائه- فمنحته رجاء النجاه عورتک- و کشفت له خوف بأسه سوأتک- حذرا أن یصطلمک بسطوته و یلتهمک بحملته- ثم أشرت على معاویه کالناصح له بمبارزته- و حسنت له التعرض لمکافحته رجاء أن تکتفی مئونته- و تعدم صورته فعلم غل صدرک- و ما انحنت علیه من النفاق أضلعک- و عرف مقر سهمک فی غرضک- .

فاکفف غرب لسانک و اقمع عوراء لفظک- فإنک لمن أسد خادر و بحر زاخر- إن تبرزت للأسد افترسک و إن عمت فی البحر قمسک- . فقال مروان بن الحکم یا ابن عباس- إنک لتصرف أنیابک و توری نارک- کأنک ترجو الغلبه و تؤمل العافیه- و لو لا حلم أمیر المؤمنین عنکم لتناولکم بأقصر أنامله- فأوردکم منهلا بعیدا صدره- و لعمری لئن سطا بکم لیأخذن بعض حقه منکم- و لئن عفا عن جرائرکم فقدیما ما نسب إلى ذلک- .

فقال ابن عباس و إنک لتقول ذلک یا عدو الله- و طرید رسول الله و المباح دمه- و الداخل بین عثمان و رعیته- بما حملهم على قطع أوداجه و رکوب أثباجه- أما و الله لو طلب معاویه ثأره لأخذک به- و لو نظر فی أمر عثمان لوجدک أوله و آخره- . و أما قولک لی إنک لتصرف أنیابک و توری نارک- فسل معاویه و عمرا یخبراک لیله الهریر- کیف ثباتنا للمثلات و استخفافنا بالمعضلات- و صدق جلادنا عند المصاوله- و صبرنا على اللأواء و المطاوله- و مصافحتنا بجباهنا السیوف المرهفه- و مباشرتنا بنحورنا حد الأسنه- هل خمنا عن کرائم تلک المواقف- أم لم نبذل مهجنا للمتالف- و لیس لک إذ ذاک فیها مقام محمود- و لا یوم مشهود و لا أثر معدود- و إنهما شهدا ما لو شهدت لأقلقک- فأربع على ظلعک و لا تتعرض لما لیس لک- فإنک کالمغروز فی صفد لا یهبط برجل و لا یرقى بید- .

فقال زیاد یا ابن عباس- إنی لأعلم ما منع حسنا و حسینا- من الوفود معک على أمیر المؤمنین- إلا ما سولت لهما أنفسهما- و غرهما به من هو عند البأساء سلمهما- و ایم الله لو ولیتهما- لأدأبا فی الرحله إلى أمیر المؤمنین أنفسهما- و لقل بمکانهما لبثهما- . فقال ابن عباس إذن و الله یقصر دونهما باعک- و یضیق بهما ذراعک- و لو رمت ذلک لوجدت من دونهما فئه صدقا- صبرا على البلاء لا یخیمون عن اللقاء- فلعرکوک بکلاکلهم و وطئوک بمناسمهم- و أوجروک مشق رماحهم و شفار سیوفهم و و خز أسنتهم- حتى تشهد بسوء ما أتیت- و تتبین ضیاع الحزم فیما جنیت- فحذار حذار من سوء النیه فتکافأ برد الأمنیه- و تکون سببا لفساد هذین الحیین بعد صلاحهما- و سعیا فی اختلافهما بعد ائتلافهما- حیث لا یضرهما إبساسک و لا یغنی عنهما إیناسک- .

فقال عبد الرحمن بن أم الحکم لله در ابن ملجم- فقد بلغ الأمل و أمن الوجل- و أحد الشفره و الآن المهره و أدرک الثأر و نفى العار- و فاز بالمنزله العلیا و رقی الدرجه القصوى- . فقال ابن عباس أما و الله- لقد کرع کأس حتفه بیده و عجل الله إلى النار بروحه-و لو أبدى لأمیر المؤمنین صفحته- لخالطه الفحل القطم و السیف الخذم و لألعقه صابا- و سقاه سما و ألحقه بالولید و عتبه و حنظله- فکلهم کان أشد منه شکیمه و أمضى عزیمه- ففرى بالسیف هامهم و رملهم بدمائهم- و قرى الذئاب أشلاءهم و فرق بینهم و بین أحبائهم- أولئک حصب جهنم هم لها واردون- و هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم رکزا- و لا غرو إن ختل و لا وصمه إن قتل- فإنا لکما قال درید بن الصمه-

فإنا للحم السیف غیر مکره
و نلحمه طورا و لیس بذی نکر

یغار علینا واترین فیشتفى‏
بنا إن أصبنا أو نغیر على وتر

 فقال المغیره بن شعبه- أما و الله لقد أشرت على علی بالنصیحه فآثر رأیه- و مضى على غلوائه فکانت العاقبه علیه لا له- و إنی لأحسب أن خلقه یقتدون بمنهجه- . فقال ابن عباس کان و الله- أمیر المؤمنین ع أعلم بوجوه الرأی- و معاقد الحزم و تصریف الأمور- من أن یقبل مشورتک فیما نهى الله عنه و عنف علیه- قال سبحانه لا تَجِدُ قَوْماً یُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْیَوْمِ الْآخِرِ- یُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ- و لقد وقفک على ذکر مبین و آیه متلوه قوله تعالى- وَ ما کُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّینَ‏ عَضُداً- و هل کان یسوغ له- أن یحکم فی دماء المسلمین و فی‏ء المؤمنین- من لیس بمأمون عنده و لا موثوق به فی نفسه- هیهات هیهات هو أعلم بفرض الله و سنه رسوله- أن یبطن خلاف ما یظهر إلا للتقیه و لات حین تقیه- مع وضوح الحق و ثبوت الجنان و کثره الأنصار- یمضی کالسیف المصلت فی أمر الله مؤثرا لطاعه ربه- و التقوى على آراء أهل الدنیا- . فقال یزید بن معاویه یا ابن عباس- إنک لتنطق بلسان طلق ینبئ عن مکنون قلب حرق- فاطو ما أنت علیه کشحا فقد محا ضوء حقنا ظلمه باطلکم- .

فقال ابن عباس مهلا یزید- فو الله ما صفت القلوب لکم- منذ تکدرت بالعداوه علیکم- و لا دنت بالمحبه إلیکم مذ نأت بالبغضاء عنکم- لا رضیت الیوم منکم ما سخطت بالأمس من أفعالکم- و إن تدل الأیام نستقض ما سد عنا- و نسترجع ما ابتز منا کیلا بکیل و وزنا بوزن- و إن تکن الأخرى فکفى بالله ولیا لنا- و وکیلا على المعتدین علینا- . فقال معاویه إن فی نفسی منکم لحزازات یا بنی هاشم- و إنی لخلیق أن أدرک فیکم الثأر و أنفی العار- فإن دماءنا قبلکم و ظلامتنا فیکم- .

فقال ابن عباس و الله إن رمت ذلک یا معاویه- لتثیرن علیک أسدا مخدره و أفاعی مطرقه- لا یفثؤها کثره السلاح و لا یعضها نکایه الجراح- یضعون أسیافهم على عواتقهم- یضربون قدما قدما من ناوأهم- یهون علیهم نباح الکلاب و عواء الذئاب-لا یفاتون بوتر و لا یسبقون إلى کریم ذکر- قد وطنوا على الموت أنفسهم- و سمت بهم إلى العلیاء هممهم کما قالت الأزدیه-

قوم إذا شهدوا الهیاج فلا
ضرب ینهنههم و لا زجر

و کأنهم آساد غینه قد
غرثت و بل متونها القطر

فلتکونن منهم بحیث أعددت لیله الهریر للهرب فرسک- و کان أکبر همک سلامه حشاشه نفسک- و لو لا طغام من أهل الشام وقوک بأنفسهم- و بذلوا دونک مهجهم حتى إذا ذاقوا وخز الشفار- و أیقنوا بحلول الدمار رفعوا المصاحف مستجیرین بها- و عائذین بعصمتها لکنت شلوا مطروحا بالعراء- تسفی علیک ریاحها و یعتورک ذبابها- . و ما أقول هذا أرید صرفک عن عزیمتک- و لا إزالتک عن معقود نیتک- لکن الرحم التی تعطف علیک- و الأوامر التی توجب صرف النصیحه إلیک- .

فقال معاویه لله درک یا ابن عباس- ما تکشف الأیام منک إلا عن سیف صقیل و رأی أصیل- و بالله لو لم یلد هاشم غیرک لما نقص عددهم- و لو لم یکن لأهلک سواک لکان الله قد کثرهم- . ثم نهض فقام ابن عباس و انصرف- . و روى أبو العباس أحمد بن یحیى ثعلب فی أمالیه- أن عمرو بن العاص قال لعتبه بن أبی سفیان یوم الحکمین- أ ما ترى ابن عباس قد فتح عینیه و نشر أذنیه- و لو قدر أن یتکلم بهما فعل- و إن غفله أصحابه لمجبوره بفطنته- و هی ساعتنا الطولى فاکفنیه- . قال عتبه بجهدی- .

قال فقمت فقعدت إلى جانبه- فلما أخذ القوم فی الکلام أقبلت علیه بالحدیث- فقرع یدی و قال لیست ساعه حدیث- قال فأظهرت غضبا و قلت یا ابن عباس- إن ثقتک بأحلامنا أسرعت بک إلى أعراضنا- و قد و الله تقدم من قبل العذر و کثر منا الصبر- ثم أقذعته فجاش لی مرجله و ارتفعت أصواتنا- فجاء القوم فأخذوا بأیدینا فنحوه عنی و نحونی عنه- فجئت فقربت من عمرو بن العاص فرمانی بمؤخر عینیه- و قال ما صنعت فقلت کفیتک التقواله- فحمحم کما یحمحم الفرس للشعیر- قال و فات ابن عباس أول الکلام فکره أن یتکلم فی آخره- . و قد ذکرنا نحن هذا الخبر فیما تقدم- فی أخبار صفین على وجه آخر غیر هذا الوجه

عماره بن الولید و عمرو بن العاص فی الحبشه

فأما خبر عماره بن الولید بن المغیره المخزومی- أخی خالد بن الولید مع عمرو بن العاص- فقد ذکره ابن إسحاق فی کتاب المغازی قال- کان عماره بن الولید بن المغیره- و عمرو بن العاص بن وائل بعد مبعث رسول الله ص- خرجا إلى أرض الحبشه على شرکهما- و کلاهما کان شاعرا عارما فاتکا- . و کان عماره بن الولید رجلا جمیلا وسیما تهواه النساء- صاحب محادثه لهن- فرکبا البحر و مع عمرو بن العاص امرأته- حتى إذا صاروا فی البحر لیالی أصابا من خمر معهما- فلما انتشى عماره قال لامرأه عمرو بن العاص قبلینی- فقال لها عمرو قبلی ابن عمک فقبلته فهویها عماره- و جعل یراودها عن نفسها فامتنعت منه- ثم إن عمرا جلس على منجاف‏ السفینه یبول- فدفعه عماره فی البحر فلما وقع عمرو سبح- حتى أخذ بمنجاف السفینه-.

فقال له عماره أما و الله لو علمت أنک سابح ما طرحتک- و لکننی کنت أظن أنک لا تحسن السباحه- فضغن عمرو علیه فی نفسه و علم أنه کان أراد قتله- و مضیا على وجههما ذلک حتى قدما أرض الحبشه- فلما نزلاها کتب عمرو إلى أبیه العاص بن وائل أن اخلعنی- و تبرأ من جریرتی إلى بنی المغیره و سائر بنی مخزوم- و خشی على أبیه أن یتبغ بجریرته- فلما قدم الکتاب على العاص بن وائل- مشى إلى رجال بنی المغیره و بنی مخزوم- فقال إن هذین الرجلین قد خرجا حیث علمتم- و کلاهما فاتک صاحب شر غیر مأمونین على أنفسهما- و لا أدری ما یکون منهما- و إنی أبرأ إلیکم من عمرو و جریرته فقد خلعته- فقال عند ذلک بنو المغیره و بنو مخزوم- و أنت تخاف عمرا على عماره- و نحن فقد خلعنا عماره و تبرأنا إلیک من جریرته- فحل بین الرجلین قال قد فعلت- فخلعوهما و برئ کل قوم من صاحبهم و ما یجری منه- .

قال فلما اطمأنا بأرض الحبشه- لم یلبث عماره بن الولید أن دب لامرأه النجاشی- و کان جمیلا صبیحا وسیما فأدخلته فاختلف إلیها- و جعل إذا رجع من مدخله ذلک یخبر عمرا بما کان من أمره- فیقول عمرو لا أصدقک أنک قدرت على هذا- إن شأن هذه المرأه أرفع من ذلک- فلما أکثر علیه عماره بما کان یخبره- و کان عمرو قد علم صدقه و عرف أنه دخل علیها- و رأى من حاله و هیئته و ما تصنع المرأه به إذا کان معها- و بیتوتته عندها حتى یأتی إلیه مع السحر ما عرف به ذلک- و کانا فی منزل واحد- و لکنه کان یرید أن یأتیه بشی‏ء لا یستطاع دفعه- إن هو رفع شأنه إلى النجاشی- فقال له فی بعض‏ ما یتذاکران من أمرها- إن کنت صادقا فقل لها فلتدهنک بدهن النجاشی- الذی لا یدهن به غیره فإنی أعرفه- و ائتنی بشی‏ء منه حتى أصدقک قال أفعل- .

فجاء فی بعض ما یدخل إلیها فسألها ذلک فدهنته منه- و أعطته شیئا فی قاروره فلما شمه عمرو عرفه- فقال أشهد أنک قد صدقت- لقد أصبت شیئا ما أصاب أحد من العرب مثله قط- و نلت من امرأه الملک شیئا ما سمعنا بمثل هذا- و کانوا أهل جاهلیه و شبانا- و ذلک فی أنفسهم فضل لمن أصابه و قدر علیه- . ثم سکت عنه حتى اطمأن و دخل على النجاشی-

فقال أیها الملک إن معی سفیها من سفهاء قریش- و قد خشیت أن یعرنی عندک أمره- و أردت أن أعلمک بشأنه- و ألا أرفع ذلک إلیک حتى استثبت- أنه قد دخل على بعض نسائک فأکثر- و هذا دهنک قد أعطته و ادهن به- . فلما شم النجاشی الدهن قال صدقت- هذا دهنی الذی لا یکون إلا عند نسائی- فلما أثبت أمره دعا بعماره و دعا نسوه أخر- فجردوه من ثیابه- ثم أمرهن أن ینفخن فی إحلیله ثم خلى سبیله- . فخرج هاربا فی الوحش فلم یزل فی أرض الحبشه- حتى کانت خلافه عمر بن الخطاب- فخرج إلیه رجال من بنی المغیره- منهم عبد الله بن أبی ربیعه بن المغیره- و کان اسم عبد الله قبل أن یسلم بجیرا- فلما أسلم سماه رسول الله ص عبد الله- فرصدوه على ماء بأرض الحبشه کان یرده مع الوحش- فزعموا أنه أقبل فی حمر من حمر الوحش لیرد معها- فلما وجد ریح الإنس هرب منه حتى إذا أجهده العطش- ورد فشرب حتى تملأ و خرجوا فی طلبه- .

قال عبد الله بن أبی ربیعه فسبقت إلیه فالتزمته- فجعل یقول أرسلنی أنی أموت إن أمسکتنی- قال عبد الله فضبطته فمات فی یدی مکانه- فواروه ثم انصرفوا- . و کان شعره فیما یزعمون قد غطى کل شی‏ء منه- فقال عمرو بن العاص یذکر ما کان صنع به- و ما أراد من امرأته-

تعلم عمار أن من شر سنه
على المرء أن یدعى ابن عم له ابنما

أ أن کنت ذا بردین أحوى مرجلا
فلست براع لابن عمک محرما

إذا المرء لم یترک طعاما یحبه
و لم ینه قلبا غاویا حیث یمما

قضى وطرا منه یسیرا و أصبحت‏
إذا ذکرت أمثالها تملأ الفما

أمر عمرو بن العاص مع جعفر بن أبی طالب فی الحبشه

و أما خبر عمرو بن العاص فی شخوصه إلى الحبشه- لیکید جعفر بن أبی طالب- و المهاجرین من المؤمنین عند النجاشی- فقد رواه کل من صنف فی السیره- قال محمد بن إسحاق فی کتاب المغازی قال- حدثنی محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهری- عن أبی بکر بن عبد الرحمن- بن الحارث بن هشام المخزومی- عن أم سلمه بنت أبی أمیه بن المغیره المخزومیه- زوجه رسول الله ص- قالت لما نزلنا بأرض الحبشه جاورنا بها خیر جار- النجاشی أمنا على دیننا- و عبدنا الله لا نؤذى کما کنا نؤذى بمکه- و لا نسمع شیئا نکرهه- فلما بلغ ذلک قریشا ائتمروا بینهم- أن یبعثوا إلى النجاشی فی أمرنا رجلین منهم جلدین- و أن یهدوا للنجاشی هدایا مما یستطرف من متاع مکه- و کان من أعجب ما یأتیه منه الأدم فجمعوا أدما کثیرا- و لم یترکوا من بطارقته بطریقا إلا أهدوا إلیه هدیه- ثم بعثوا بذلک مع عبد الله بن أبی ربیعه- بن المغیره المخزومی و عمرو بن العاص بن وائل السهمی- و أمروهما أمرهم و قالوا لهما ادفعا إلى کل بطریق هدیته- قبل أن تکلما النجاشی فیهم- .

ثم قدما إلى النجاشی و نحن عنده فی خیر دار عند خیر جار- فلم یبق من بطارقته بطریق إلا دفعا إلیه هدیته- قبل أن یکلما النجاشی ثم قالا للبطارقه- أنه قد فر إلى بلد الملک منا غلمان سفهاء- فارقوا دین قومهم و لم یدخلوا فی دینکم- و جاءوا بدین مبتدع لا نعرفه نحن و لا أنتم- و قد بعثنا إلى الملک أشراف قومهم لنردهم إلیهم- فإذا کلمنا الملک فیهم فأشیروا علیه- أن یسلمهم إلینا و لا یکلمهم- فإن قومهم أعلى بهم عینا- و أعلم بما عابوا علیهم فقالوا لهما نعم- .

ثم إنهما قربا هدایا الملک إلیه فقبلها منهم- ثم کلماه فقالا له- أیها الملک قد فر إلى بلادک منا غلمان سفهاء- فارقوا دین قومهم و لم یدخلوا فی دینک- جاءوا بدین ابتدعوه لا نعرفه نحن و لا أنت- و قد بعثنا فیهم إلیک أشراف قومنا- من آبائهم و أعمامهم و عشائرهم- لتردهم علیهم فهم أعلى بهم عینا- و أعلم بما عابوا علیهم و عاینوه منهم- . قالت أم سلمه و لم یکن شی‏ء أبغض- إلى عبد الله بن أبی ربیعه و عمرو بن العاص- من أن یسمع النجاشی کلامهم- . فقالت بطارقه الملک و خواصه حوله صدقا أیها الملک- قومهم أعلى بهم عینا و أعلم‏بما عابوا علیهم- فلیسلمهم الملک إلیهما لیرادهم إلى بلادهم و قومهم- .

فغضب الملک و قال لا ها الله إذا لا أسلمهم إلیهما- و لا أخفر قوما جاورونی و نزلوا بلادی- و اختارونی على سوای- حتى أدعوهم و أسألهم عما یقول هذان فی أمرهم- فإن کانوا کما یقولون أسلمتهم إلیهما- و رددتهم إلى قومهم و إن کانوا على غیر ذلک منعتهم منهم- و أحسنت جوارهم ما جاورونی- .

قالت ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ص فدعاهم- فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض- ما تقولون للرجل إذا جئتموه- قالوا نقول و الله ما علمناه- و ما أمرنا به نبینا ص کائنا فی ذلک ما هو کائن- فلما جاءوه و قد دعا النجاشی أساقفته- فنشروا مصاحفهم حوله سألهم- فقال لهم ما هذا الدین الذی فارقتم فیه قومکم- و لم تدخلوا فی دینی و لا فی دین أحد من هذه الملل- قالت أم سلمه و کان الذی کلمه جعفر بن أبی طالب فقال له- أیها الملک إنا کنا قوما فی جاهلیه نعبد الأصنام- و نأکل المیته و نأتی الفواحش- و نقطع الأرحام و نسی‏ء الجوار و یأکل القوی منا الضعیف- فکنا على ذلک حتى بعث الله عز و جل علینا رسولا منا- نعرف نسبه و صدقه و أمانته و عفافه- فدعانا إلى الله لنوحده و نعبده- و نخلع ما کنا علیه نحن و آباؤنا من دونه- من الحجاره و الأوثان و أمرنا بصدق الحدیث- و أداء الأمانه و صله الرحم و حسن التجاور- و الکف عن المحارم و الدماء- و نهانا عن سائر الفواحش و قول الزور- و أکل مال الیتیم و قذف المحصنه- و أمرنا أن نعبد الله لا نشرک به شیئا- و بالصلاه و بالزکاه و الصیام- .

قالت فعدد علیه أمور الإسلام کلها فصدقناه و آمنا به- و اتبعناه على ما جاء به من الله- فعبدنا الله وحده فلم نشرک به شیئا- و حرمنا ما حرم علینا و أحللنا ما أحل لنا- فعدا علینا قومنا فعذبونا و فتنونا عن دیننا- لیردونا إلى عباده الأصنام و الأوثان عن عباده الله- و أن نستحل ما کنا نستحل من الخبائث- فلما قهرونا و ظلمونا و ضیقوا علینا- و حالوا بیننا و بین دیننا خرجنا إلى بلدک- و اخترناک على من سواک و رغبنا فی جوارک- و رجونا ألا نظلم عندک أیها الملک- .

فقال النجاشی فهل معک مما جاء به صاحبکم عن الله شی‏ء- فقال جعفر نعم فقال اقرأه علی- فقرأ علیه صدرا من کهیعص فبکى حتى اخضلت لحیته- و بکت أساقفته حتى أخضلوا لحاهم- ثم قال النجاشی و الله إن هذا و الذی جاء به عیسى- لیخرج من مشکاه واحده و الله لا أسلمکم إلیهم- . قالت أم سلمه فلما خرج القوم من عنده- قال عمرو بن العاص و الله لأعیبهم غدا عنده- بما یستأصل به خضراءهم فقال له عبد الله بن أبی ربیعه- و کان أتقى الرجلین لا تفعل- فإن لهم أرحاما و إن کانوا قد خالفوا- قال و الله لأخبرنه غدا- أنهم یقولون فی عیسى ابن مریم أنه عبد- ثم غدا علیه من الغد فقال أیها الملک- إن هؤلاء یقولون فی عیسى ابن مریم قولا عظیما- فأرسل إلیهم فسلهم عما یقولون فیه فأرسل إلیهم- . قالت أم سلمه فما نزل بنا مثلها و اجتمع المسلمون- و قال بعضهم لبعض ما تقولون فی عیسى إذا سألکم عنه- فقال جعفر بن أبی طالب نقول فیه و الله ما قال عز و جل- و ما جاء به نبینا ع کائنا فی ذلک ما هو کائن- .

فلما دخلوا علیه قال لهم ما تقولون فی عیسى ابن مریم- فقال جعفر نقول إنه عبد الله‏ و رسوله و روحه و کلمته- ألقاها إلى مریم العذراء البتول- . قالت فضرب النجاشی یدیه على الأرض- و أخذ منها عودا و قال- ما عدا عیسى ابن مریم ما قال هذا العود- . قالت فقد کانت بطارقته تناخرت حوله- حین قال جعفر ما قال فقال لهم النجاشی و إن تناخرتم- . ثم قال للمسلمین اذهبوا فأنتم سیوم بأرضی أی آمنون- من سبکم غرم ثم من سبکم غرم ثم من سبکم غرم- ما أحب أن لی دبرا ذهبا و أنی آذیت رجلا منکم- و الدبر بلسان الحبشه الجبل- ردوا علیهما هدایاهما فلا حاجه لی فیها- فو الله ما أخذ الله منی الرشوه حتى ردنی إلى ملکی- فآخذ الرشوه فیه و ما أطاع الناس فی أ فأطیعهم فیه- . قالت فخرج الرجلان من عنده مقبوحین- مردودا علیهما ما جاءا به- و أقمنا عنده فی خیر دار مع خیر جار- فو الله إنا لعلى ذلک- إذ نزل به رجل من الحبشه ینازعه فی ملکه- .

قالت أم سلمه فو الله ما أصابنا خوف و حزن قط- کان أشد من خوف و حزن نزل بنا- أن یظهر ذلک الرجل على النجاشی- فیأتی رجل لا یعرف من حقنا ما کان یعرف منه- . قالت و سار إلیه النجاشی و بینهما عرض النیل- فقال أصحاب رسول الله ص- من رجل یخرج حتى یحضر وقعه القوم ثم یأتینا بالخبر- فقال الزبیر بن العوام أنا- و کان من أحدث المسلمین سنا- فنفخوا له قربه فجعلناها تحت صدره- ثم سبح‏ علیها حتى خرج إلى ناحیه النیل- التی بها یلتقی القوم ثم انطلق حتى حضرهم- قالت و دعونا الله للنجاشی بالظهور على عدوه- و التمکین له فی بلاده- فو الله إنا لعلى ذلک متوقعون لما هو کائن- إذ طلع الزبیر یسعى و یلوح بثوبه و یقول ألا أبشروا- فقد ظهر النجاشی و أهلک الله عدوه- . قالت فو الله ما أعلمنا فرحنا فرحه مثلها قط- و رجع النجاشی و قد أهلک الله عدوه- و تمکن و مکن له فی بلاده و استوثق له أمر الحبشه- فکنا عنده فی خیر منزل و دار- إلى أن رجعنا إلى رسول الله ص بمکه- .

و روی عن عبد الله بن جعفر بن محمد ع- أنه قال لقد کاد عمرو بن العاص عمنا جعفرا- بأرض الحبشه عند النجاشی و عند کثیر من رعیته- بأنواع الکید ردها الله تعالى عنه بلطفه- رماه بالقتل و السرق و الزنا- فلم یلصق به شی‏ء من تلک العیوب- لما شاهده القوم من طهارته و عبادته- و نسکه و سیما النبوه علیه فلما نبا معوله عن صفاته- هیأ له سما قذفه إلیه فی طعام- فأرسل الله هرا کفأ تلک الصحفه- و قد مد یده نحو ثم مات لوقته و قد أکل منها- فتبین لجعفر کیده و غائلته فلم یأکل بعدها عنده- و ما زال ابن الجزار عدوا لنا أهل البیت

أمر عمرو بن العاص فی صفین

و أما خبر عمرو فی صفین و اتقائه حمله علی ع- بطرحه نفسه على الأرض و إبداء سوأته- فقد ذکره کل من صنف فی السیر کتابا- و خصوصا الکتب الموضوعه لصفین- .قال نصر بن مزاحم فی کتاب صفین قال- حدثنا محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبی عمرو- و عن عبد الرحمن بن حاطب- قال کان عمرو بن العاص عدوا للحارث بن نضر الخثعمی- و کان من أصحاب علی ع- و کان علی ع- قد تهیبته فرسان الشام و ملأ قلوبهم بشجاعته- و امتنع کل منهم من الإقدام علیه- و کان عمرو قلما جلس مجلسا- إلا ذکر فیه الحارث بن نضر الخثعمی و عابه- فقال الحارث-

لیس عمرو بتارک ذکره الحارث
بالسوء أو یلاقی علیا

واضع السیف فوق منکبه الأیمن‏
لا یحسب الفوارس شیا

لیت عمرا یلقاه فی حومه النقع
و قد أمست السیوف عصیا

حیث یدعو للحرب حامیه القوم‏
إذا کان بالبراز ملیا

فالقه إن أردت مکرمه الدهر
أو الموت کل ذاک علیا

 فشاعت هذه الأبیات حتى بلغت عمرا- فأقسم بالله لیلقین علیا و لو مات ألف موته- فلما اختلطت الصفوف لقیه فحمل علیه برمحه- فتقدم علی ع و هو مخترط سیفامعتقل رمحا- فلما رهقه همز فرسه لیعلو علیه- فألقى عمرو نفسه عن فرسه إلى الأرض شاغرا برجلیه- کاشفا عورته فانصرف عنه لافتا وجهه مستدبرا له- فعد الناس ذلک من مکارمه و سؤدده و ضرب بها المثل- . قال نصر و حدثنی محمد بن إسحاق- قال اجتمع عند معاویه فی بعض لیالی صفین- عمرو بن العاص و عتبه بن أبی سفیان و الولید بن عقبه- و مروان بن الحکم و عبد الله بن عامر- و ابن طلحه الطلحات الخزاعی- فقال عتبه إن أمرنا و أمر علی بن أبی طالب لعجب- ما فینا إلا موتور مجتاح- .

أما أنا فقتل جدی عتبه بن ربیعه و أخی حنظله- و شرک فی دم عمی شیبه یوم بدر- . و أما أنت یا ولید فقتل أباک صبرا- و أما أنت یا ابن عامر فصرع أباک و سلب عمک- . و أما أنت یا ابن طلحه- فقتل أباک یوم الجمل و أیتم إخوتک- و أما أنت یا مروان فکما قال الشاعر-

و أفلتهن علباء جریضا
و لو أدرکنه صفر الوطاب‏

فقال معاویه هذا الإقرار فأین الغیر- قال مروان و أی غیر ترید قال أرید أن تشجروه بالرماح- قال و الله یا معاویه ما أراک إلا هاذیا أو هازئا- و ما أرانا إلا ثقلنا علیک فقال ابن عقبه-

یقول لنا معاویه بن حرب
أ ما فیکم لواترکم طلوب‏

یشد على أبی حسن علی‏
بأسمر لا تهجنه الکعوب‏

فیهتک مجمع اللبات منه
و نقع الحرب مطرد یئوب‏

فقلت له أ تلعب یا ابن هند
کأنک بیننا رجل غریب‏

أ تغرینا بحیه بطن واد
إذا نهشت فلیس لها طبیب‏

و ما ضبع یدب ببطن واد
أتیح له به أسد مهیب‏

بأضعف حیله منا إذا ما
لقیناه و لقیاه عجیب‏

سوى عمرو وقته خصیتاه‏
و کان لقلبه منه وجیب‏

کان القوم لما عاینوه
خلال النقع لیس لهم قلوب‏

لعمر أبی معاویه بن حرب‏
و ما ظنی ستلحقه العیوب‏

لقد ناداه فی الهیجا علی
فأسمعه و لکن لا یجیب‏

فغضب عمرو و قال إن کان الولید صادقا فلیلق علیا- أو فلیقف حیث یسمع صوته- . و قال عمرو-

یذکرنی الولید دعا علی
و نطق المرء یملؤه الوعید

متى تذکر مشاهده قریش‏
یطر من خوفه القلب الشدید

فأما فی اللقاء فأین منه
معاویه بن حرب و الولید

و عیرنی الولید لقاء لیث‏
إذا ما شد هابته الأسود

لقیت و لست أجهله علیا
و قد بلت من العلق اللبود

فأطعنه و یطعنی خلاسا
و ما ذا بعد طعنته أرید

فرمها منه یا ابن أبی معیط
و أنت الفارس البطل النجید

و أقسم لو سمعت ندا علی‏
لطار القلب و انتفخ الورید

و لو لاقیته شقت جیوب
علیک و لطمت فیک الخدود

و ذکر أبو عمر بن عبد البر فی کتاب الإستیعاب- فی باب بسر بن أرطاه قال- کان بسر من الأبطال الطغاه و کان مع معاویه بصفین- فأمره أن یلقى علیا ع فی القتال- و قال له إنی سمعتک تتمنى لقاءه- فلو أظفرک الله به و صرعته- حصلت على الدنیا و الآخره- و لم یزل یشجعه و یمنیه حتى رأى علیا فی الحرب فقصده- و التقیا فصرعه علی ع- و عرض له معه مثل ما عرض له- مع عمرو بن العاص فی کشف السوأه- . قال أبو عمر و ذکر ابن الکلبی فی کتابه فی أخبار صفین- أن بسر بن أرطاه بارز علیا یوم صفین- فطعنه علی ع فصرعه فانکشف له فکف عنه- کما عرض له مثل ذلک مع عمرو بن العاص- . قال و للشعراء فیهما أشعار- مذکوره فی موضعها من ذلک الکتاب- منها فیما ذکر ابن الکلبی و المدائنی- قول الحارث بن نضر الخثعمی- و کان عدوا لعمرو بن العاص و بسر بن أرطاه-

أ فی کل یوم فارس لک ینتهی
و عورته وسط العجاحه بادیه‏

یکف لها عنه علی سنانه‏
و یضحک منها فی الخلاء معاویه

بدت أمس من عمرو فقنع رأسه
و عوره بسر مثلها حذو حاذیه‏

فقولا لعمرو ثم بسر ألا انظرا
لنفسکما لا تلقیا اللیث ثانیه‏

و لا تحمدا إلا الحیا و خصاکما
هما کانتا و الله للنفس واقیه‏

و لولاهما لم تنجوا من سنانه‏
و تلک بما فیها إلى العود ناهیه‏

متى تلقیا الخیل المغیره صبحه
و فیها علی فاترکا الخیل ناحیه‏

و کونا بعیدا حیث لا یبلغ القنا
نحورکما إن التجارب کافیه‏

و روى الواقدی قال قال معاویه یوما- بعد استقرار الخلافه له لعمرو بن العاص- یا أبا عبد الله لا أراک إلا و یغلبنی الضحک قال بما ذا- قال أذکر یوم حمل علیک أبو تراب فی صفین- فأزریت نفسک فرقا من شبا سنانه و کشفت سوأتک له- فقال عمرو أنا منک أشد ضحکا- إنی لأذکر یوم دعاک إلى البراز فانتفخ سحرک- و ربا لسانک فی فمک و غصصت بریقک- و ارتعدت فرائصک و بدا منک ما أکره ذکره لک- فقال معاویه لم یکن هذا کله- و کیف یکون و دونی عک و الأشعریون- قال إنک لتعلم أن الذی وصفت دون ما أصابک- و قد نزل ذلک بک و دونک عک و الأشعریون- فکیف کانت حالک لو جمعکما مأقط الحرب- فقال یا أبا عبد الله خض بنا الهزل إلى الجد- إن الجبن و الفرار من علی لا عار على أحد فیهما

خبر إسلام عمرو بن العاص

فأما القول فی إسلام عمرو بن العاص- فقد ذکره محمد بن إسحاق فی کتاب المغازی قال- حدثنی زید بن أبی حبیب عن راشد مولى حبیب بن أبی أوس الثقفی عن حبیب بن أبی أوس- قال حدثنی عمرو بن العاص من فیه- قال لما انصرفنا مع الأحزاب من الخندق- جمعت رجالا من قریش کانوا یرون رأیی و یسمعون منی- فقلت لهم و الله- إنی لأرى أمر محمد یعلو الأمور علوا منکرا- و إنی قد رأیت رأیا فما ترون فیه فقالوا ما رأیت- فقلت أرى أن نلحق بالنجاشی فنکون عنده- فإن ظهر محمد على قومه أقمنا عند النجاشی- فأن نکون تحت یدیه أحب إلینا- من أن نکون تحت یدی محمد- فإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن یأتنا منهم إلا خیر- قالوا إن هذا الرأی فقلت فاجمعوا ما نهدی له- و کان أحب ما یأتیه من أرضنا الأدم- فجمعنا له أدما کثیرا ثم خرجنا حتى قدمنا علیه- فو الله إنا لعنده إذ قدم عمرو بن أمیه الضمری- و کان رسول الله ص بعثه إلیه- فی شأن جعفر بن أبی طالب و أصحابه- . قال فدخل علیه ثم خرج من عنده- فقلت لأصحابی هذا عمرو بن أمیه- لو قد دخلت على النجاشی فسألته إیاه- فأعطانیه فضربت عنقه فإذا فعلت ذلک رأت قریش- أنی قد أجزأت عنها حین قتلت رسول محمد- قال فدخلت علیه فسجدت له- فقال مرحبا بصدیقی‏ أهدیت إلی من بلادک شیئا- قلت نعم أیها الملک قد أهدیت لک أدما کثیرا- ثم قربته إلیه فأعجبه و اشتهاه- ثم قلت له أیها الملک إنی قد رأیت رجلا خرج من عندک- و هو رسول رجل عدو لنا فأعطنیه لأقتله- فإنه قد أصاب من أشرافنا و خیارنا- .

فغضب الملک ثم مد یده- فضرب بها أنفه ضربه ظننت أنه قد کسره- فلو انشقت لی الأرض لدخلت فیها فرقا منه- ثم قلت أیها الملک- و الله لو ظننت أنک تکره هذا ما سألتکه- فقال أ تسألنی أن أعطیک رسول رجل- یأتیه الناموس الأکبر الذی کان یأتی موسى لتقتله- فقلت أیها الملک أ کذلک هو- فقال إی و الله أطعنی ویحک و اتبعه فإنه و الله لعلى حق- و لیظهرن على من خالفه کما ظهر موسى على فرعون و جنوده- قلت فبایعنی له على الإسلام فبسط یده- فبایعته على الإسلام و خرجت عامدا لرسول الله ص- فلما قدمت المدینه جئت إلى رسول الله ص- و قد أسلم خالد بن الولید- و قد کان صحبنی فی الطریق إلیه فقلت یا رسول الله- أبایعک على أن تغفر لی ما تقدم من ذنبی- و لم أذکر ما تأخر-فقال بایع یا عمرو فإن الإسلام یجب ما قبله- و إن الهجره تجب ما قبلها- فبایعته و أسلمت- . و ذکر أبو عمر فی الإستیعاب أن إسلامه کان سنه ثمان- و أنه قدم و خالد بن الولید و عثمان بن طلحه المدینه- فلما رآهم رسول الله قال رمتکم مکه بأفلاذ کبدها- . قال و قد قیل إنه أسلم بین الحدیبیه و خیبر- و القول الأول أصح

بعث رسول الله عمرا إلى ذات السلاسل

قال أبو عمر و بعث رسول الله عمرا إلى ذات السلاسل- من بلاد قضاعه فی ثلاثمائه- و کانت أم العاص بن وائل من بلی- فبعث رسول الله ص عمرا إلى أرض بلی‏ و عذره- یتألفهم بذلک و یدعوهم إلى الإسلام- فسار حتى إذا کان على ماء أرض جذام یقال له السلاسل- و قد سمیت تلک الغزاه ذات السلاسل خاف- فکتب إلى رسول الله ص یستنجد فأمده بجیش فیه مائتا فارس- فیه أهل الشرف و السوابق من المهاجرین و الأنصار- فیهم أبو بکر و عمر و أمر علیهم أبا عبیده بن الجراح- فلما قدموا على عمرو- قال عمرو أنا أمیرکم و إنما أنتم مددی- فقال أبو عبیده بل أنا أمیر من معی و أنت أمیر من معک- فأبى عمرو ذلک- فقال أبو عبیده إن رسول الله ص عهد إلی- فقال إذا قدمت إلى عمرو فتطاوعا و لا تختلفا- فإن خالفتنی أطعتک- قال عمرو فإنی أخالفک فسلم إلیه أبو عبیده- و صلى خلفه فی الجیش کله- و کان أمیرا علیهم و کانوا خمسمائه

ولایات عمرو فی عهد الرسول و الخلفاء

قال أبو عمر ثم ولاه رسول الله ص عمان- فلم یزل علیها حتى قبض رسول الله ص- و عمل لعمر و عثمان و معاویه- و کان عمر بن الخطاب ولاه- بعد موت یزید بن أبی سفیان فلسطین و الأردن- و ولى معاویه دمشق و بعلبک و البلقاء- و ولى سعید بن عامر بن خذیم حمص- ثم جمع الشام کلها لمعاویه- و کتب إلى عمرو بن العاص أن یسیر إلى مصر- فسار إلیها فافتتحها فلم یزل علیها والیا حتى مات عمر- فأمره عثمان علیها أربع سنین و نحوها- ثم عزله عنها و ولاها عبد الله بن سعد العامری- .

قال أبو عمر ثم إن عمرو بن العاص ادعى- على أهل الإسکندریه أنهم قد نقضوا العهد- الذی کان عاهدهم فعمد إلیها فحارب أهلها و افتتحها- و قتل المقاتله و سبى الذریه فنقم ذلک علیه عثمان- و لم یصح عنده نقضهم العهد- فأمر برد السبی الذی سبوا من القرى إلى مواضعهم- و عزل عمرا عن مصر- و ولى عبد الله بن سعد بن أبی سرح العامری‏ مصر بدله- فکان ذلک بدو الشر بین عمرو بن العاص و عثمان بن عفان- فلما بدا بینهما من الشر ما بدا- اعتزل عمرو فی ناحیه فلسطین بأهله- و کان یأتی المدینه أحیانا- فلما استقر الأمر لمعاویه- بالشام- بعثه إلى مصر بعد تحکیم الحکمین فافتتحها- فلم یزل بها إلى أن مات أمیرا علیها- فی سنه ثلاث و أربعین و قیل سنه اثنتین و أربعین- و قیل سنه ثمان و أربعین و قیل سنه إحدى و خمسین- .

قال أبو عمر و الصحیح أنه مات فی سنه ثلاث و أربعین- و مات یوم عید الفطر من هذه السنه و عمره تسعون سنه- و دفن بالمقطم من ناحیه السفح و صلى علیه ابنه عبد الله- ثم رجع فصلى بالناس صلاه العید فولاه معاویه مکانه- ثم عزله و ولى مکانه أخاه عتبه بن أبی سفیان- . قال أبو عمر و کان عمرو بن العاص من فرسان قریش- و أبطالهم فی الجاهلیه مذکورا فیهم بذلک- و کان شاعرا حسن الشعر- و أحد الدهاه المتقدمین فی الرأی و الذکاء- و کان عمر بن الخطاب إذا استضعف رجلا فی رأیه و عقله- قال أشهد أن خالقک و خالق عمرو واحد یرید خالق الأضداد

نبذ من کلام عمرو بن العاص

و نقلت أنا من کتب متفرقه کلمات حکمیه- تنسب إلى عمرو بن العاص استحسنتها و أوردتها- لأنی لا أجحد لفاضل فضله و إن کان دینه عندی غیر مرضی- . فمن کلامه ثلاث لا أملهن جلیسی ما فهم عنی و ثوبی ما سترنی- و دابتی ما حملت رحلی- .و قال لعبد الله بن عباس بصفین- إن هذا الأمر الذی نحن و أنتم فیه- لیس بأول أمر قاده البلاء- و قد بلغ الأمر منا و منکم ما ترى- و ما أبقت لنا هذه الحرب حیاه و لا صبرا- و لسنا نقول لیت الحرب عادت- و لکنا نقول لیتها لم تکن کانت- فافعل فیما بقی بغیر ما مضى- فإنک رأس هذا الأمر بعد علی- و إنما هو آمر مطاع و مأمور مطیع و مبارز مأمون و أنت هو- . و لما نصب معاویه قمیص عثمان على المنبر- و بکى أهل الشام حوله قال قد هممت أن أدعه على المنبر- فقال له عمرو إنه لیس بقمیص یوسف- أنه إن طال نظرهم إلیه و بحثوا عن السبب- وقفوا على ما لا تحب أن یقفوا علیه- و لکن لذعهم بالنظر إلیه فی الأوقات- .

و قال ما وضعت سری عند أحد فأفشاه فلمته- لأنی أحق باللوم منه إذ کنت أضیق به صدرا منه- . و قال لیس العاقل الذی یعرف الخیر من الشر- لکن العاقل من یعرف خیر الشرین- . و قال عمر بن الخطاب لجلسائه یوما و عمرو فیهم- ما أحسن الأشیاء فقال کل منهم ما عنده- فقال ما تقول أنت یا عمرو فقالالغمرات ثم ینجلینا- و قال لعائشه لوددت أنک قتلت یوم الجمل- قالت و لم لا أبا لک- قال کنت تموتین بأجلک و تدخلین الجنه- و نجعلک أکبر التشنیع على علی بن أبی طالب ع- .

و قال لبنیه یا بنی اطلبوا العلم- فإن استغنیتم کان جمالا و إن افتقرتم کان مالا- . و من کلامه أمیر عادل خیر من مطر وابل- و أسد حطوم خیر من سلطان ظلوم- و سلطان ظلوم خیر من فتنه تدوم و زله الرجل عظم یجبر- و زله اللسان لا تبقى و لا تذر و استراح من لا عقل له- .

و کتب إلیه عمر یسأله عن البحر- فکتب إلیه خلق عظیم یرکبه خلق ضعیف- . دود على عود بین غرق و نزق- . و قال لعثمان و هو یخطب على المنبر یا عثمان- إنک قد رکبت بهذه الأمه نهایه من الأمر- و زغت فزاغوا فاعتدل أو اعتزل- . و من کلامه استوحش من الکریم الجائع- و من اللئیم الشبعان- فإن الکریم یصول إذا جاع و اللئیم یصول إذا شبع- . و قال جمع العجز إلى التوانی فنتج بینهما الندامه- و جمع الجبن إلى الکسل فنتج بینهما الحرمان- .

و روى عبد الله بن عباس- قال دخلت على عمرو بن العاص و قد احتضر- فقلت یا أبا عبد الله- کنت تقول أشتهی أنی أرى عاقلا یموت- حتى أسأله کیف تجد فما ذا تجد- قال أجد السماء کأنها مطبقه على الأرض و أنا بینهما- و أرانی کأنما أتنفس من خرق إبره- ثم قال اللهم خذ منی حتى ترضى ثم رفع یده- فقال اللهم أمرت فعصینا و نهیت فرکبنا- فلا برئ فأعتذر و لا قوی فأنتصر- و لکن لا إله إلا الله فجعل یرددها حتى فاض- .

و قد روى أبو عمر بن عبد البر هذا الخبر- فی کتاب الإستیعاب- قال لما حضرت عمرو بن العاص الوفاه- قال اللهم أمرتنی فلم آتمر و زجرتنی فلم أنزجر- و وضع یده فی موضع الغل- ثم قال اللهم لا قوی فأنتصر و لا برئ فأعتذر- و لا مستکبر بل مستغفر لا إله إلا أنت- فلم یزل یرددها حتى مات- . قال أبو عمر و حدثنی خلف بن قاسم- قال حدثنی الحسن بن رشیق قال حدثنا الطحاوی- قال حدثنا المزنی قال سمعت الشافعی- یقول دخل ابن عباس على عمرو بن العاص فی مرضه فسلم علیه- فقال کیف أصبحت یا أبا عبد الله- قال أصبحت و قد أصلحت من دنیای قلیلا- و أفسدت من دینی کثیرا- فلو کان الذی أصلحت هو الذی‏ أفسدت- و الذی أفسدت هو الذی أصلحت لفزت- و لو کان ینفعنی أن أطلب طلبت- و لو کان ینجینی أن أهرب هربت- فقد صرت کالمنخنق بین السماء و الأرض- لا أرقى بیدین و لا أهبط برجلین- فعظنی بعظه أنتفع بها یا ابن أخی- فقال ابن عباس هیهات أبا عبد الله- صار ابن أخیک أخاک و لا تشاء أن تبلى إلا بلیت- کیف یؤمر برحیل من هو مقیم- فقال عمرو على حینها- من حین ابن بضع و ثمانین تقنطنی من رحمه ربی- اللهم إن ابن عباس یقنطنی من رحمتک- فخذ منی حتى ترضى- فقال ابن عباس هیهات أبا عبد الله- أخذت جدیدا و تعطى خلقا- قال عمرو ما لی و لک یا ابن عباس- ما أرسل کلمه إلا أرسلت نقیضها- .

و روى أبو عمر فی کتاب الإستیعاب أیضا عن رجال- قد ذکرهم و عددهم أن عمرا لما حضرته الوفاه- قال له ابنه عبد الله و قد رآه یبکی لم تبکی- أ جزعا من الموت قال لا و الله و لکن لما بعده- فقال له لقد کنت على خیر- فجعل یذکره صحبه رسول الله ص و فتوحه بالشام- فقال له عمرو ترکت أفضل من ذلک شهاده أن لا إله إلا الله- إنی کنت على ثلاثه أطباق- لیس منها طبق إلا عرفت نفسی فیه- کنت أول أمری کافرا- فکنت أشد الناس على رسول الله ص- فلو مت حینئذ وجبت لی النار- فلما بایعت رسول الله ص کنت أشد الناس حیاء منه- فما ملأت منه عینی قط- فلو مت یومئذ قال الناس هنیئا لعمرو- أسلم و کان على خیر و مات على خیر أحواله- فسرحوا له بالجنه- ثم تلبثت بعد ذلک بالسلطان و بأشیاء- فلا أدری‏أ علی أم لی فإذا مت فلا تبکین علی باکیه- و لا یتبعنی نائح و لا تقربوا من قبری نارا- و شدوا علی إزاری فإنی مخاصم و شنوا علی التراب شنا- فإن جنبی الأیمن لیس بأحق من جنبی الأیسر- و لا تجعلوا فی قبری خشبه و لا حجرا و إذا واریتمونی- فاقعدوا عندی قدر نحر جزور و تقطیعها أستأنس بکم- .

فإن قلت- فما الذی یقوله أصحابک المعتزله فی عمرو بن العاص- قلت إنهم یحکمون على کل من شهد صفین- بما یحکم به على الباغی الخارج على الإمام العادل- و مذهبهم فی صاحب الکبیره إذا لم یتب معلوم- . فإن قلت أ لیس فی هذه الأخبار ما یدل على توبته- نحو قوله و لا مستکبر بل مستغفر- و قوله اللهم خذ منی حتى ترضى- و قوله أمرت فعصیت و نهیت فرکبت- . و هذا اعتراف و ندم و هو معنى التوبه- قلت إن قوله تعالى- وَ لَیْسَتِ التَّوْبَهُ لِلَّذِینَ یَعْمَلُونَ السَّیِّئاتِ- حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّی تُبْتُ الْآنَ- یمنع من کون هذا توبه- و شروط التوبه و أرکانها معلومه- و لیس هذا الاعتراف و التأسف منها فی شی‏ء- . و قال شیخنا أبو عبد الله- أول من قال بالإرجاء المحض معاویه و عمرو بن العاص- کانا یزعمان أنه لا یضر مع الإیمان عصیه- و لذلک قال معاویه لمن قال له- حاربت من تعلم و ارتکبت ما تعلم- فقال وثقت بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ یَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِیعاً-و إلى هذا المعنى أشار عمرو بقوله لابنه- ترکت أفضل من ذلک شهاده أن لا إله إلا الله

فصل فی شرح ما نسب إلى علی من الدعابه

فأما ما کان یقوله عمرو بن العاص فی علی ع لأهل الشام- إن فیه دعابه یروم أن یعیبه بذلک عندهم- فأصل ذلک کلمه قالها عمر فتلقفها- حتى جعلها أعداؤه عیبا له و طعنا علیه- . قال أبو العباس أحمد بن یحیى ثعلب فی کتاب الأمالی- کان عبد الله بن عباس عند عمر فتنفس عمر نفسا عالیا- قال ابن عباس حتى ظننت أن أضلاعه قد انفرجت- فقلت له ما أخرج هذا النفس منک- یا أمیر المؤمنین إلا هم شدید- . قال إی و الله یا ابن عباس- إنی فکرت فلم أدر فیمن أجعل هذا الأمر بعدی- ثم قال لعلک ترى صاحبک لها أهلا- قلت و ما یمنعه من ذلک- مع جهاده و سابقته و قرابته و علمه- قال صدقت و لکنه امرؤ فیه دعابه- قلت فأین أنت من طلحه- قال هو ذو البأو بإصبعه المقطوعه قلت فعبد الرحمن- قال رجل ضعیف لو صار الأمر إلیه- لوضع خاتمه فی ید امرأته- قلت فالزبیر قال شکس لقس- یلاطم فی البقیع فی صاع من بر- قلت فسعد بن أبی وقاص قال صاحب مقنب و سلاح- قلت فعثمان قال أوه أوه مرارا- ثم قال و الله لئن ولیها- لیحملن بنی أبی معیط على رقاب الناس- ثم لتنهضن إلیه العرب فتقتله- ثم قال یا ابن عباس- إنه لا یصلح لهذا الأمر إلا حصیف العقده قلیل الغره- لا تأخذه فی الله لومه لائم یکون شدیدا من غیر عنف- لینا من‏ غیر ضعف- جوادا من غیر سرف ممسکا من غیر وکف- قال ابن عباس و کانت هذه صفات عمر ثم أقبل علی- فقال إن أحراهم أن یحملهم على کتاب ربهم- و سنه نبیهم لصاحبک و الله لئن ولیها- لیحملنهم على المحجه البیضاء و الصراط المستقیم- .

و اعلم أن الرجل ذا الخلق المخصوص- لا یرى الفضیله إلا فی ذلک الخلق- أ لا ترى أن الرجل یبخل- فیعتقد أن الفضیله فی الإمساک و البخیل- یعیب أهل السماح و الجود- و ینسبهم إلى التبذیر و إضاعه الحزم- و کذلک الرجل الجواد یعیب البخلاء- و ینسبهم إلى ضیق النفس و سوء الظن و حب المال- و الجبان یعتقد أن الفضیله فی الجبن و یعیب الشجاعه- و یعتقد کونها خرقا و تغریرا بالنفس کما قال المتنبی-یرى الجبناء أن الجبن حزم‏- و الشجاع یعیب الجبان و ینسبه إلى الضعف- و یعتقد أن الجبن ذل و مهانه- و هکذا القول فی جمیع الأخلاق- و السجایا المقتسمه بین نوع الإنسان- و لما کان عمر شدید الغلظه وعر الجانب- خشن الملمس دائم العبوس- کان یعتقد أن ذلک هو الفضیله و أن خلافه نقص- و لو کان سهلا طلقا مطبوعا على البشاشه و سماحه الخلق- لکان یعتقد أن ذاک هو الفضیله و أن خلافه نقص- حتى لو قدرنا أن خلقه حاصل لعلی ع و خلق علی حاصل له- لقال فی علی لو لا شراسه فیه- .

فهو غیر ملوم عندی فیما قاله- و لا منسوب إلى أنه أراد الغض من علی- و القدح‏فیه و لکنه أخبر عن خلقه- ظانا أن الخلافه لا تصلح- إلا لشدید الشکیمه العظیم الوعوره- و بمقتضى ما کان یظنه من هذا المعنى- تمم خلافه أبی بکر بمشارکته إیاه- فی جمیع تدابیراته و سیاسته و سائر أحواله- لرفق و سهوله کانت فی أخلاق أبی بکر- و بمقتضى هذا الخلق المتمکن عنده- کان یشیر على رسول الله ص فی مقامات کثیره- و خطوب متعده بقتل قوم کان یرى قتلهم- و کان النبی ص یرى استبقاءهم و استصلاحهم- فلم یقبل ع مشورته على هذا الخلق- . و أما إشارته علیه یوم بدر بقتل الأسرى- حیث أشار أبو بکر بالفداء- فکان الصواب مع عمر و نزل القرآن بموافقته- فلما کان فی الیوم الثانی و هو یوم الحدیبیه- أشار بالحرب و کره الصلح فنزل القرآن بضد ذلک- فلیس کل وقت یصلح تجرید السیف- و لا کل وقت یصلح إغماده- و السیاسه لا تجری على منهاج واحد و لا تلزم نظاما واحدا- .

و جمله الأمر أنه رضی الله عنه لم یقصد عیب علی ع- و لا کان عنده معیبا و لا منقوصا- أ لا ترى أنه قال فی آخر الخبر أن أحراهم أن ولیها- أن یحملهم على کتاب الله و سنه رسوله لصاحبک- ثم أکد ذلک بأن قال إن ولیهم- لیحملنهم على المحجه البیضاء و الصراط المستقیم- فلو کان أطلق تلک اللفظه- و عنى بها ما حملها علیه الخصوم- لم یقل فی خاتمه کلامه ما قاله- . و أنت إذا تأملت حال علی ع فی أیام رسول الله ص- وجدته بعیدا عن أن ینسب إلى الدعابه و المزاح- لأنه لم ینقل عنه شی‏ء من ذلک أصلا- لا فی کتب الشیعه و لا فی کتب المحدثین- و کذلک إذا تأملت حاله فی أیام الخلیفتین أبی بکر و عمر- لم تجد فی کتب السیره حدیثا واحدا- یمکن أن یتعلق به متعلق فی دعابته و مزاحه- فکیف یظن‏ بعمر أنه نسبه إلى أمر لم ینقله عنه ناقل- و لا ندد به صدیق و عدو- و إنما أراد سهوله خلقه لا غیر- و ظن أن ذلک مما یفضی به إلى ضعف إن ولی أمر الأمه- لاعتقاده أن قوام هذا الأمر إنما هو بالوعوره- بناء على ما قد ألفته نفسه و طبعت علیه سجیته- و الحال فی أیام عثمان- و أیام ولایته ع الأمر کالحال فیما تقدم- فی أنه لم یظهر منه دعابه- و لا مزاح یسمى الإنسان لأجله ذا دعابه و لعب- و من تأمل کتب السیر عرف صدق هذا القول- و عرف أن عمرو بن العاص أخذ کلمه عمر- إذ لم یقصد بها العیب فجعلها عیبا- و زاد علیها أنه کثیر اللعب- یعافس النساء و یمارسهن و أنه صاحب هزل- .

و لعمر الله لقد کان أبعد الناس من ذلک- و أی وقت کان یتسع لعلی ع حتى یکون فیه على هذه الصفات- فإن أزمانه کلها فی العباده و الصلاه- و الذکر و الفتاوی و العلم- و اختلاف الناس إلیه فی الأحکام و تفسیر القرآن- و نهاره کله أو معظمه مشغول بالصوم- و لیله کله أو معظمه مشغول بالصلاه هذا فی أیام سلمه- فأما أیام حربه فبالسیف الشهیر و السنان الطریر- و رکوب الخیل و قود الجیش و مباشره الحروب- .

و لقد صدق ع فی قوله-إننی لیمنعنی من اللعب ذکر الموت- و لکن الرجل الشریف النبیل- الذی لا یستطیع أعداؤه أن یذکروا له عیبا- أو یعدوا علیه وصمه- لا بد أن یحتالوا و یبذلوا جهدهم- فی تحصیل أمر ما و إن ضعف- یجعلونه عذرا لأنفسهم فی ذمه- و یتوسلون به إلى أتباعهم- فی تحسینهم لهم مفارقته و الانحراف عنه- و ما زال المشرکون و المنافقون- یصنعون لرسول الله ص الموضوعات- ینسبون إلیه ما قد برأه الله عنه من العیوب و المطاعن- فی حیاته و بعد وفاته إلى زماننا هذا- و ما یزیده الله سبحانه إلا رفعه و علوا- فغیر منکر أن یعیب علیا ع عمرو بن العاص- و أمثاله من أعدائه بما إذا تأمله المتأمل- علم أنهم باعتمادهم علیه و تعلقهم به- قد اجتهدوا فی مدحه و الثناء علیه- لأنهم لو وجدوا عیبا غیر ذلک لذکروه- و لو بالغ أمیر المؤمنین و بذل جهده فی أن یثنى أعداؤه- و شانئوه علیه من حیث لا یعلمون- لم یستطع إلى أن یجد إلى ذلک طریقا ألطف- من هذه الطریق التی أسلکهم الله تعالى فیها- و هداهم إلى منهاجها فظنوا أنهم یغضون منه- و إنما أعلوا شأنه و یضعون من قدره- و إنما رفعوا منزلته و مکانه

أقوال و حکایات فی المزاح

و نحن نذکر من بعد- ما جاء فی الأحادیث الصحاح و الآثار المستفیضه- المتفق على نقلها مزاح رسول الله ص- و مزاح الأشراف و الأفاضل و الأکابر- من أصحابه و التابعین له- لیعلم أن المزاح إذا لم یخرج عن القاعده الشرعیه- لم یکن قبیحا- .فأول ذلک ما رواه الناس قاطبه أن رسول الله ص قال إنی أمزح و لا أقول إلا حقا- . و قیل لسفیان الثوری المزاح هجنه فقال بل هو سنه-لقول رسول الله ص إنی أمزح و لا أقول إلا الحقو جاء فی الخبر أن رسول الله ص قال لامرأه من الأنصار- الحقی زوجک فإن فی عینه بیاضا- فسعت نحوه مرعوبه فقال لها ما دهاک فأخبرته- فقال نعم إن فی عینی بیاضا لا لسوء فخفضی علیک- فهذا من مزاح رسول الله ص و أتت عجوز من الأنصار إلیه ع- فسألته أن یدعو الله تعالى لها بالجنه- فقال إن الجنه لا تدخلها العجز فصاحت فتبسم ع فقال- إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبکارا

و فی الخبر أیضا أن امرأه استحملته- فقال إنا حاملوک إن شاء الله تعالى على ولد الناقه- فجعلت تقول یا رسول الله و ما أصنع بولد الناقه- و هل یستطیع أن یحملنی- و هو یبتسم و یقول لا أحملک إلا علیه- حتى قال لها أخیرا و هل یلد الإبل إلا النوقو فی الخبر أنه ع مر ببلال و هو نائم فضربه برجله- و قال أ نائمه أم عمرو فقال بلال مرعوبا- فضرب بیده إلى مذاکیره فقال له ما بالک- قال ظننت أنی تحولت امرأه- قیل فلم یمزح رسول الله بعد هذهو فی الخبر أیضا أن نغرا کان لصبی من صبیان الأنصار فطار من یده- فبکى الغلام فکان رسول الله ص یمر به- فیقول یا أبا عمیر ما فعل النغیر و الغلام یبکیو کان یمازح ابنی بنته مزاحا مشهورا- و کان یأخذ الحسین ع فیجعله على بطنه- و هو ع نائم على ظهرهو یقول له حزقه حزقه ترق عین بقه

و فی الحدیث الصحیح المتفق علیه أنه مر على أصحاب الدرکله و هم یلعبون و یرقصون- فقال جدوا یا بنی أرفده- حتى یعلم الیهود و النصارى أن فی دیننا فسحه- .

قال أهل اللغه الدرکله بکسر الدال و الکاف- لعبه للحبش فیها ترقص- و بنو أرفده جنس من الحبش یرقصون- .و جاء فی الخبر أنه سابق عائشه فسبقته ثم سابقها فسبقها- فقال هذه بتلکو فی الخبر أیضا أن أصحاب الزفافه و هم الراقصون- کانوا یقمعون باب حجره عائشه- فتخرج إلیهم مستمعه و مبصره- فیخرج هو ع من ورائها مستترا بهاو کان نعیمان و هو من أهل بدر- أولع الناس بالمزاح عند رسول الله ص-و کان یکثر الضحک- فقال رسول الله ص یدخل الجنه و هو یضحک- .

و خرج نعیمان هو و سویبط بن عبد العزى و أبو بکر الصدیق- فی تجاره قبل وفاه رسول الله ص بعامین- و کان سویبط على الزاد فکان نعیمان یستطعمه- فیقول حتى یجی‏ء أبو بکر فمر برکب من نجران- فباعه نعیمان منهم على أنه عبد له بعشر قلائص- و قال لهم إنه ذو لسان و لهجه- و عساه یقول لکم أنا حر فقالوا لا علیک- . و جاءوا إلیه فوضعوا عمامته فی عنقه و ذهبوا به- فلما جاء أبو بکر أخبر بذلک فرده و أعاد القلائص إلیهم- فضحک رسول الله ص و أصحابه من ذلک سنه- .

و روی أن أعرابیا باع نعیمان عکه عسل فاشتراها منه- فجاء بها إلى بیت عائشه فی یومها و قال خذوها- فظن رسول الله ص أنه أهداها إلیه و مضى نعیمان- فنزل الأعرابی على الباب- فلما طال قعوده نادى یا هؤلاء- إما أن تعطونا ثمن العسل أو تردوه علینا- فعلم رسول الله ص بالقصه و أعطى الأعرابی الثمن- و قال لنعیمان ما حملک على ما فعلت- قال رأیتک یا رسول الله تحب العسل- و رأیت العکه مع الأعرابی- فضحک رسول الله ص و لم ینکر علیه- . و سئل النخعی هل کان أصحاب رسول الله یضحکون و یمزحون- فقال نعم و الإیمان فی قلوبهم مثل الجبال الرواسی- .

و جاء فی الخبر أن یحیى ع لقی عیسى ع و عیسى متبسم- فقال یحیى ع ما لی أراک لاهیا کأنک آمن- فقال ع ما لی أراک عابساکأنک آیس- فقالا لا نبرح حتى ینزل علینا الوحی- فأوحى الله إلیهما أحبکما إلی الطلق البسام- أحسنکما ظنا بی- . و روی عن کبراء الصحابه رضی الله تعالى عنهم- أنهم کانوا یتمازحون و یتناشدون الأشعار- فإذا خاضوا فی الدین انقلبت حمالیقهم- و صاروا فی صور أخرى- . و روی أن عبد الله بن عمر قال لجاریته- خلقنی خالق الخیر و خلقک خالق الشر فبکت- فقال لا علیک- فإن الله تعالى هو خالق الخیر و هو خالق الشر- . قلت یعنی بالشر المرض و الغلاء و نحوهما- . و کان ابن سیرین ینشد-

نبئت أن فتاه کنت أخطبها
عرقوبها مثل شهر الصوم فی الطول‏

ثم یضحک حتى یسیل لعابه- . و جاء عبد الرحمن بن عوف إلى باب عمر بن الخطاب- فوجده مستلقیا على مرفقه له- رافعا إحدى رجلیه على الأخرى منشدا بصوت عال-

و کیف ثوائی بالمدینه بعد ما
قضى وطرا منها جمیل بن معمر

فلما دخل عبد الرحمن و جلس قال یا أبا محمد- إنا إذا خلونا قلنا کما یقول الناس- . و کان سعید بن المسیب ینشد-

لقد أصبحت عرس الفرزدق جامحا
و لو رضیت رمح استه لاستقرت‏

و یضحک حتى یستغرق- . و کان یقال لا بأس بقلیل المزاح- یخرج منه الرجل عن حد العبوس- .و من کلام بعض الأدباء و نحن نحمد الله إلیک- فإن عقده الإسلام فی قلوبنا صحیحه- و أواخیه عندنا ثابته- و قد اجتهد قوم أن یدخلوا قلوبنا من مرض قلوبهم- و أن یشوبوا یقیننا بشکهم فعصم الله منهم- و حال توفیقه دونهم و لنا بعد مذهب فی الدعابه جمیل- لا یشوبه أذى و لا قذى یخرج بنا إلى الأنس من العبوس- و إلى الاسترسال من القطوب- و یلحقنا بأحرار الناس الذین ارتفعوا عن لبسه الریاء- و أنفوا من التشوف بالتصنع- .

و قال ابن جریج سألت عطاء عن القراءه- على ألحان الغناء و الحداء فقال لی لا بأس بذلک- حدثنی عبید الله بن عمر اللیثی- أنه کان لداود النبی ع معزفه- قد یضرب بها إذا قرأ الزبور- فتجمع إلیه الطیر و الوحش فیبکی و یبکی من حوله- . و قال جابر بن عبد الله الجعفی- رأیت الشعبی یقول لخیاط یمازحه- عندنا حب مکسور و أحب أن تخیطه- فقال الخیاط أحضر لی خیوطا من ریح لأخیطه لک- . و سئل الشعبی هل یجوز أن یؤکل الجنی لو ظفر به- فقال لیتنا نخرج منه کفافا لا لنا و لا علینا- .

و سأل إنسان محمد بن سیرین عن هشام بن حسان- فقال توفی البارحه أ ما شعرت- فخرج یسترجع فلما رأى ابن سیرین جزعه- قرأ اللَّهُ یَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِینَ مَوْتِها- . و کان زید بن ثابت من أفکه الناس فی بیته و أرفثهم- و قد أباح الله تعالى الرفث إلى النساء- فقال أُحِلَّ لَکُمْ لَیْلَهَ الصِّیامِ الرَّفَثُ إِلى‏ نِسائِکُمْ- هُنَّ لِباسٌ لَکُمْ‏وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ- و قال أهل اللغه الرفث- القول الفاحش تخاطب به المرأه حال الجماع- . و مر بالشعبی حمال على ظهره دن خل فوضع الدن- و قال له ما کان اسم امرأه إبلیس- فقال الشعبی ذلک نکاح ما شهدناه- . و قال عکرمه ختن ابن عباس بنیه فأرسلنی- فدعوت اللعابین فلعبوا فأعطاهم أربعه دراهم- . و تقدم رجلان إلى شریح فی خصومه- فأقر أحدهما بما ادعی علیه و هو لا یدری فقضى شریح علیه- فقال أصلحک الله أ تقضی علی بغیر بینه- قال بلى شهد عندی ثقه- قال و من هو قال ابن أخت خالتک- .

و جاء فی الخبر أن النبی ص مر بصهیب و هو أرمد یأکل تمرا فنهاه- فقال إنما آکله عن جانب العین الصحیحه یا رسول الله- فضحک منه و لم ینکر علیهو فی الخبر أنه ص مر بحسان بن ثابت- و قد رش أطماره و عنده جاریه تغنیه-هل على ویحکماإن لغوت من حرج‏- فقال ص لا حرج إن شاء الله- . و قیل إن عبد الله بن جعفر- قال لحسان بن ثابت فی أیام معاویه- لو غنتک فلانه جاریتی صوت کذا- لم تدرک رکابک فقال یا أبا جعفر- فکلوا منها و أطعموا البائس الفقیر- .

و قال أسلم مولى عمر بن الخطاب مر بی عمر- و أنا و عاصم نغنی غناء النصب فوقف و قال أعیدا علی- فأعدنا علیه و قلنا أینا أحسن صنعه یا أمیر المؤمنین- فقال مثلکما کحماری العبادی قیل له أی حماریک شر- فقال هذا ثم هذا فقلت یا أمیر المؤمنین- أنا الأول من الحمارین فقال أنت الثانی منهما- . و مر نعیمان و هو بدری بمخرمه بن نوفل فی خلافه عثمان- و قد کف بصره فقال أ لا یقودنی رجل حتى أبول- فأخذ نعیمان بیده حتى صار به إلى مؤخر المسجد- و قال هاهنا فبل فبال فصاح به الناس- فقال من قادنی قیل نعیمان- قال لله علی أن أضربه بعصای هذه فبلغ نعیمان فأتاه- فقال بلغنی أنک أقسمت لتضربن نعیمان فهل لک فیه- قال نعم قال قم- فقام معه حتى وافى به عثمان بن عفان و هو یصلی- فقال دونک الرجل فجمع محرمه یدیه فی العصا و ضربه بها- فصاح الناس ویلک أمیر المؤمنین- قال من قادنی قالوا نعیمان- قال و ما لی و لنعیمان لا أعرض له أبدا- . و کان طویس یتغنى فی عرس- فدخل النعمان بن بشیر الأنصاری العرس و طویس یغنیهم-

أ جد بعمره هجرانها
و تسخط أم شاننا شانها

 فأشاروا إلیه بالسکوت- فقال النعمان دعوه إنه لم یقل بأسا إنما قال-

و عمره من سروات النساء
تنفح بالمسک أردانها

و عمره هذه أم النعمان و فیها قیل هذا النسیب- . و قد روی عن جماعه- من الصحابه و التابعین اللعب بالنرد و الشطرنج- و منهم من روی عنهم شرب النبیذ و سماع الغناء المطرب- .

فأما أمیر المؤمنین علی ع- فإذا نظرت إلى کتب الحدیث و السیر- لم تجد أحدا من خلق الله عدوا و لا صدیقا- روى عنه شیئا من هذا الفن لا قولا و لا فعلا- و لم یکن جد أعظم من جده و لا وقار أتم من وقاره- و ما هزل قط و لا لعب- و لا فارق الحق و الناموس الدینی سرا و لا جهرا- و کیف یکون هازلاو من کلامه المشهور عنه ما مزح امرؤ مزحه إلا و مج معها من عقله مجه- و لکنه خلق على سجیه لطیفه و أخلاق سهله و وجه طلق- و قول حسن و بشر ظاهر و ذلک من فضائله ع- و خصائصه التی منحه الله بشرفها و اختصه بمزیتها- و إنما کانت غلظته و فظاظته فعلا لا قولا- و ضربا بالسیف لا جبها بالقول- و طعنا بالسنان لا عضها باللسان کما قال الشاعر-

و تسفه أیدینا و یحلم رأینا
و نشتم بالأفعال لا بالتکلم‏

نبذ و أقول فی حسن الخلق و مدحه
فأما سوء الخلق فلم یکن من سجایاه-فقد قال النبی ص خصلتان لا یجتمعان فی مؤمن البخل و سوء الخلق- و قال الله تعالى لنبیه ص وَ إِنَّکَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِیمٍ- و قال أیضا- وَ لَوْ کُنْتَ فَظًّا غَلِیظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِکَ- .و قیل لرسول الله ص ما الشؤم فقال سوء الخلق
– . و صحب جابر رجلا فی طریق مکه فآذاه سوء خلقه- فقال جابر إنی لأرحمه نحن نفارقه و یبقى معه سوء خلقه- .

و قیل لعبد الله بن جعفر- کیف تجاور بنی زهره و فی أخلاقهم زعاره- قال لا یکون لی قبلهم شی‏ء إلا ترکته- و لا یطلبون منی شیئا إلا أعطیتهم- .و فی الحدیث المرفوع أنه ص قال أ لا أنبئکم بشر الناس قالوا بلى یا رسول الله- قال من نزل وحده و منع رفده و ضرب عبده- ثم قال أ لا أنبئکم بشر من ذلک قالوا بلى- قال من لم یقل عثره و لا یقبل معذره- .

و قال إبراهیم بن عباس الصولی- لو وزنت کلمه رسول الله ص بمحاسن الخلق کلها لرجحت-قوله إنکم لن تسعوا الناس بأموالکم فسعوهم بأخلاقکمو فی الخبر المرفوع حسن الخلق زمام من رحمه الله فی أنف صاحبه- و الزمام بید الملک و الملک یجره إلى الخیر- و الخیر یجره إلى الجنه- و سوء الخلق زمام من عذاب الله فی أنف صاحبه- و الزمام بید الشیطان و الشیطان یجره إلى الشر- و الشر یجره إلى النار
و روى الحسن بن علی ع عن النبی ص أن الرجل یدرک بحسن خلقه درجه الصائم القائم- و إنه لیکتب جبارا و لا یملک إلا أهله
و روى أبو موسى الأشعری قال بینا رسول الله ص یمشی و امرأه بین یدیه- فقلت الطریق لرسول الله ص فقالت الطریق معرض- إن شاء أخذ یمینا و إن شاء أخذ شمالا- فقال ص دعوها فإنها جباره- .

و قال بعض السلف الحسن الخلق ذو قرابه عند الأجانب- و السیئ الخلق أجنبی عند أهله- . و من کلام الأحنف أ لا أخبرکم بالمحمده بلا مذمه- الخلق السجیح و الکف عن القبیح- أ لا أخبرکم بأدوأ الداء الخلق الدنی‏ء و اللسان البذی‏ء- .و فی الحدیث المرفوع أول ما یوضع فی المیزان الخلق الحسنو جاء مرفوعا أیضا المؤمن هین لین کالجمل الأنف- إن قید انقاد و إن أنیخ على صخره استناخو جاء مرفوعا أیضا أ لا أخبرکم بأحبکم إلی- و أقربکم منی مجالس یوم القیامه- أحاسنکم أخلاقا الموطئون أکنافا- الذین یألفون و یؤلفون- أ لا أخبرکم بأبغضکم إلی- و أبعدکم منی مجالس یوم القیامه- الثرثارون المتفیهقون- . أبو رجاء العطاردی من سره أن یکون مؤمنا حقا- فلیکن أذل من قعود کل من مر به ادعاه- .

فضیل بن عیاض لأن یصحبنی فاجر حسن الخلق- أحب إلی من أن صحبنی عابد سیئ الخلق- لأن الفاسق إذا حسن خلقه خف على الناس و أحبوه- و العابد إذا ساء خلقه ثقل على الناس و مقتوه- .دخل فرقد و محمد بن واسع على رجل یعودانه- فجرى ذکر العنف و الرفق- فروى فرقد عن رسول الله ص أنه قیل له- على من حرمت النار یا رسول الله- قال على الهین اللین السهل القریب- فلم یجد محمد بن واسع بیاضا یکتب ذلک فیه- فکتبه على ساقه- . عبد الله بن الدارانی ما ضرب عبد بعقوبه- أعظم من قسوه القلب- .عائشه قال رسول الله ص إذا أراد الله بأهل بیت خیرا أدخل علیهم باب رفقو عنها عنه ص من أعطی حظه من الرفق أعطی حظه من خیر الدنیا و الآخرهجریر بن عبد الله البحلی رفعه أن الله لیعطی على الرفق ما لا یعطی على الخرق- فإذا أحب الله عبدا أعطاه الرفق- و کان یقال ما دخل الرفق فی شی‏ء إلا زانه- . أبو عون الأنصاری ما تکلم الإنسان بکلمه عنیفه- إلا و إلى جانبها کلمه ألین منها تجری مجراها- .

سئلت عائشه عن خلق رسول الله ص- فقالت کان خلقه القرآن- خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِینَ‏- . و سئل ابن المبارک عن حسن الخلق- فقال بسط الوجه و کف الأذى و بذل الندى- .ابن عباس أن الخلق الحسن یذیب الخطایا- کما تذیب الشمس الجلید- و أن الخلق السیئ یفسد العمل کما یفسد الخل العسلعلی ع ما من شی‏ء فی المیزان أثقل من خلق حسنو عنه ع عنوان صحیفه المؤمن حسن خلقهو عنه ع مرفوعا علیکم بحسن الخلق فإنه فی الجنه- و إیاکم و سوء الخلق فإنه فی النار- .

قال المنصور لأخیه أبی العباس فی بنی حسن- لما أزمعوا الخروج علیه- آنسهم یا أمیر المؤمنین بالإحسان- فإن استوحشوا فالشر یصلح ما یعجز عنه الخیر- و لا تدع محمدا یمرح فی أعنه العقوق- فقال أبو العباس یا أبا جعفر- إنه من شدد نفر و من لان ألف- و التغافل من سجایا الکرام

فصل فی ذکر أسباب الغلظه و الفظاظه

و نحن نذکر بعد کلاما کلیا- فی سبب الغلظه و الفظاظه- و هو الخلق المنافی للخلق الذی کان علیه أمیر المؤمنین- فنقول‏إنه قد یکون لأمر عائد إلى المزاج الجسمانی- و قد یکون لأمر راجع إلى النفس- فأما الأول- فإنما یکون من غلبه الأخلاط السوداویه و ترمدها- و عدم صفاء الدم و کثره کدرته و عکره- فإذا غلظ الدم و ثخن غلظ الروح النفسانی و ثخن أیضا- لأنه متولد من الدم- فیحدث منه نوع مما یحدث لأصحاب الفطره- من الاستیحاش و النبوه عن الناس- و عدم الاستئناس و البشاشه- و صار صاحبه ذا جفاء و أخلاق غلیظه- و یشبه أن یکون هذا سببا مادیا- فإن الذی یقوى فی نفسی- أن النفوس إن صحت و ثبتت مختلفه بالذات- .

و أما الراجع إلى النفس- فأن یجتمع عندها أسقاط و أنصباء من قوى مختلفه مذمومه- نحو أن تکون القوه الغضبیه عندها متوافره- و ینضاف إلیها تصور الکمال فی ذاتها- و توهم النقصان فی غیرها- فیعتقد أن حرکات غیره واقعه على غیر الصواب- و أن الصواب ما توهمه- . و ینضاف إلى ذلک قله أدب النفس- و عدم الضبط لها و استحقارها للغیر- و یقل التوقیر له و ینضاف إلى ذلک لجاج- و ضیق فی النفس و حده و استشاطه و قله صبر علیه- فیتولد من مجموع هذه الأمور خلق دنی- و هو الغلظه و الفظاظه و الوعوره و البادره المکروهه- و عدم حبه الناس و لقاؤهم بالأذى و قله المراقبه لهم- و استعمال القهر فی جمیع الأمور و تناول الأمر من السماء- و هو قادر على أن یتناوله من الأرض- .

و هذا الخلق خارج عن الاعتدال و داخل فی حیز الجور- و لا ینبغی أن یسمى بأسماء المدح- و أعنی بذلک أن قوما یسمون هذا النوع من العنف- و الخلق الوعر رجولیه و شده و شکیمه- و یذهبون به مذهب قوه النفس و شجاعتها- الذی هو بالحقیقه مدح و شتان بین الخلقین- فإن صاحب هذا الخلق الذی ذممناه- تصدر عنه أفعال کثیره یجور فیها على نفسه ثم على إخوانه- على الأقرب فالأقرب من معاملیه- حتى ینتهی إلى عبیده و حرمه- فیکون علیهم سوط عذاب لا یقیلهم عثره- و لا یرحم لهم عبره و إن کانوا برآء الذنوب- غیر مجرمین و لا مکتسبی سوء بل یتجرم علیهم- و یهیج من أدنى سبب یجد به طریقا إلیهم-حتى یبسط یده و لسانه و هم لا یمتنعون منه- و لا تجاسرون على رده عن أنفسهم- بل یذعنون له و یقرون بذنوب لم یقترفوها- استکفافا لعادیته و تسکینا لغضبه- و هو فی ذلک یستمر على طریقته لا یکف یدا و لا لسانا- .

و أصل هذا الخلق الذی ذکرناه- أنه مرکب من قوى مختلفه من شده القوه الغضبیه- فهی الحامله لصاحب هذا الخلق- على ما یصدر عنه من البادره المکروهه و الجبه و القحه- و قد رأینا و شاهدنا من تشتد القوه الغضبیه فیه- فیتجاوز الغضب على نوع الإنسان- إلى البهائم التی لا تعقل و إلى الأوانی التی لا تحس- و ربما قام إلى الحمار و إلى البرذون فضربهما و لکمهما- و ربما کسر الآنیه لشده غضبه- و ربما عض القفل إذا تعسر علیه- و ربما کسر القلم إذا تعلقت به شعره من الدواه- و اجتهد فی إزالتها فلم تزل- .

و یحکى عن بعض ملوک الیونان المتقدمین- أنه کان یغضب على البحر إذا هاج و اضطرب- و تأخرت سفنه عن النفوذ فیه- فیقسم بمعبوده لیطمنه- و لیطرحن الجبال فیه حتى یصیر أرضا- و یقف بنفسه على البحر و یهدده بذلک- و یزجره زجرا عنیفا- حتى تدر أوداجه و یشتد احمرار وجهه- و منهم من لا یسکن غضبه- حتى یصب علیه ماء بارد أو حتى یبول- و لهذا ورد فی الشریعه- الأمر لمن اشتد غضبه أن یتوضأ للصلاه و یصلی- . و کان عمر بن الخطاب إذا غضب على واحد من أهله- لا یسکن غضبه حتى یعض یده عضا شدیدا حتى یدمیها- .

و ذکر الزبیر بن بکار فی الموفقیات- أن سریه جاءت لعبد الرحمن- أو لعبید الله بن عمر بن الخطاب إلیه تشکوه- فقالت یا أمیر المؤمنین أ لا تعذرنی من أبی عیسى- قال و من أبو عیسى قالت ابنک عبید الله- قال ویحک و قد تکنی بأبی عیسى ثم دعاه- فقال أیها اکتنیت بأبی عیسى فحذر و فزع- و أخذ یده فعضها ثم ضربه- و قال ویلک و هل لعیسى أب أ تدری ما کنى العرب- أبو سلمه أبو حنظله أبو عرفطه أبو مره- . قال الزبیر و کان عمر إذا غضب على بعض أهله- لم یسکن غضبه حتى یعض یده عضا شدیدا- و کان عبد الله بن الزبیر کذلک و لقوه هذا الخلق عنده- أضمر عبد الله بن عباس فی خلافته إبطال القول بالعول- و أظهره بعده فقیل له هلا قلت هذا فی أیام عمر- فقال هبته و کان أمیرا مهیبا- .

و لذلک قال أیضا أبو سفیان فی استلحاق زیاد- أخاف من هذا العیر الجالس أن یخرق علی إهابی- فإذا هابه أبو سفیان- و هو من بنی عبد مناف فی المنزله التی تعلم- و حوله بنو عبد شمس و هم جمره قریش- فما ظنک بمن هو دونه- . و قد علمت حال جبله بن الأیهم و ارتداده عن الإسلام- لتهدده له و وعیده إیاه أن یضربه بالدره- و فساد الحال بینه و بین خالد بن الولید- بعد أن کان ولیا مصافیا و منحرفا عن غیره قالیا- و الشأن الذی کان بینه و بین طلحه حتى هم أن یوقع به- و حتى هم طلحه أن یجاهره- و طلحه هو الذی قال لأبی بکر عند موته- ما ذا تقول لربک و قد ولیت فینا فظا غلیظا- و هو القائل له یا خلیفه رسول الله- إنا کنا لا نحتمل شراسته و أنت حی تأخذ على یدیه- فکیف یکون حالنا معه و أنت میت و هو الخلیفه- .

و اعلم أنا لا نرید بهذا القول ذمه رضی الله عنه- و کیف نذمه و هو أولى الناس بالمدح‏ و التعظیم- لیمن نقیبته و برکه خلافته و کثره الفتوح فی أیامه- و انتظام أمور الإسلام على یده- و لکنا أردنا أن نشرح حال العنف و الرفق- و حال سعه الخلق و ضیقه و حال البشاشه و العبوس- و حال الطلاقه و الوعوره- فنذکر کل واحد منها ذکرا کلیا- لا نخص به إنسانا بعینه- فأما عمر فإنه و إن کان وعرا شدیدا خشنا- فقد رزق من التوفیق و العنایه الإلهیه و نجح المساعی- و طاعه الرعیه و نفوذ الحکم- و قوه الدین و حسن النیه و صحه الرأی- ما یربی محاسنه و محامده- على ما فی ذلک الخلق من نقص- و لیس الکامل المطلق إلا الله تعالى وحده- . فأما حدیث الرضیخه- و ما جعل معاویه لعمرو بن العاص- من جعاله على مبایعته و نصرته- فقد تقدم ذکره فی أخبار صفین- المشروحه فی هذا الکتاب من قبل

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی‏ الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۲۱۰

خطبه ۸۲ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(الغراء)

۸۲ و من خطبه له ع و تسمى بالغراء

و هی من الخطب العجیبه- : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی عَلَا بِحَوْلِهِ وَ دَنَا بِطَوْلِهِ- مَانِحِ کُلِّ غَنِیمَهٍ وَ فَضْلٍ وَ کَاشِفِ کُلِّ عَظِیمَهٍ وَ أَزْلٍ- أَحْمَدُهُ عَلَى عَوَاطِفِ کَرَمِهِ وَ سَوَابِغِ نِعَمِهِ- وَ أُومِنُ بِهِ أَوَّلًا بَادِیاً وَ أَسْتَهْدِیهِ قَرِیباً هَادِیاً- وَ أَسْتَعِینُهُ قَاهِراً قَادِراً وَ أَتَوَکَّلُ عَلَیْهِ کَافِیاً نَاصِراً- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ لِإِنْفَاذِ أَمْرِهِ وَ إِنْهَاءِ عُذْرِهِ وَ تَقْدِیمِ نُذُرِهِ الحول القوه و الطول الإفضال و المانح المعطی- و الأزل بفتح الهمزه الضیق و الحبس- و العواطف جمع عاطفه و هی ما یعطفک على الغیر- و یدنیه من معروفک- و السوابغ التوام الکوامل سبغ الظل إذا عم و شمل- . و أولا هاهنا منصوب على الظرفیه- کأنه قال قبل کل شی‏ء- و الأول نقیض الآخر أصله أوءل على أفعل مهموز الوسط- قلبت الهمزه واوا و أدغم- یدل على ذلک قولهم هذا أول منک- و الإتیان بحرف الجر دلیل على أنه أفعل- کقولهم هذا أفضل منک- و جمعه على أوائل و أوال أیضا على القلب- و قال قوم أصله وول على فوعل فقلبت الواو الأولى همزه- و إنما لم یجمع على ووال- لاستثقالهم اجتماع الواوین و بینهما ألف الجمع- .

و إذا جعلت الأول صفه لم تصرفه- تقول لقیته عاما أول لاجتماع وزن الفعل- و تقول ما رأیته مذ عام أول کلاهما بغیر تنوین- فمن رفع جعله صفه لعام- کأنه قال أول من عامنا و من نصب جعله کالظرف- کأنه قال مذ عام قبل عامنا- فإن قلت ابدأ بهذا أول ضممته على الغایه- . و الإنهاء الإبلاغ أنهیت إلیه الخبر فانتهى أی بلغ- و المعنى أن الله تعالى أعذر إلى خلقه و أنذرهم- فإعذاره إلیهم أن عرفهم بالحجج العقلیه و السمعیه- أنهم إن عصوه استحقوا العقاب- فأوضح عذره لهم فی عقوبته إیاهم على عصیانه- و إنذاره لهم تخویفه إیاهم من عقابه- و قد نظر البحتری إلى معنى قوله ع علا بحوله و دنا بطوله- فقال

دنوت تواضعا و علوت قدرا
فشأناک انخفاض و ارتفاع‏

کذاک الشمس تبعد أن تسامى‏
و یدنو النور منها و الشعاع‏

و فی هذا الفصل ضروب من البدیع- فمنها أن دنا فی مقابله علا لفظا و معنى- و کذلک حوله و طوله- . فإن قلت لا ریب فی تقابل دنا و علا- من حیث المعنى و اللفظ- و أما حوله و طوله فإنهما یتناسبان لفظا- و لیسا متقابلین معنى- لأنهما لیسا ضدین کما فی العلو و الدنو- . قلت بل فیهما معنى التضاد- لأن الحول هو القوه و هی مشعره بالسطوه و القهر- و منه منشأ الانتقام و الطول الإفضال و التکرم- و هو نقیض الانتقام و البطش- . فإن قلت أنت و أصحابک لا تقولون- إن الله تعالى قادر بقدره و هو عندکم قادر لذاته- فکیف تتأولون قوله ع الذی علا بحوله- أ لیس فی هذا إثبات قدره له زائده على ذاته- و هذا یخالف مذهبکم- .

قلت إن أصحابنا لا یمتنعون من إطلاق قولهم- إن لله قوه و قدره و حولا- و حاش لله أن یذهب ذاهب منهم إلى منع ذلک- و لکنهم یطلقونه و یعنون به حقیقته العرفیه- و هی کون الله تعالى قویا قادرا کما نقول نحن و المخالف- إن لله وجودا و بقاء و قدما- و لا نعنی بذلک أن وجوده أو بقاءه- أو قدمه معان زائده على نفسه- لکنا نعنی کلنا بإطلاق هذه الألفاظ علیه- کونه موجودا أو باقیا أو قدیما- و هذا هو العرف المستعمل فی قول الناس- لا قوه لی على ذلک و لا قدره لی على فلان- لا یعنون نفی المعنى- بل یعنون کون الإنسان قادرا قویا على ذلک- . و منها أن مانحا فی وزن کاشف- و غنیمه بإزاء عظیمه فی اللفظ و ضدها فی المعنى- و کذلک فضل و أزل- .

و منها أن عواطف بإزاء سوابغ و نعمه بإزاء کرمه- . و منها و هو ألطف ما یستعمله أرباب هذا الصناعه- أنه جعل قریبا هادیا مع قوله أستهدیه- لأن الدلیل القریب منک- أجدر بأن یهدیک من البعید النازح- و لم یجعله مع قوله و أستعینه- و جعل مع الاستعانه قاهرا قادرا- لأن القادر القاهر یلیق أن یستعان و یستنجد به- و لم یجعله قادرا قاهرا مع التوکل علیه- و جعل مع التوکل کافیا ناصرا- لأن الکافی الناصر أهل لأن یتوکل علیه- . و هذه اللطائف و الدقائق من معجزاته ع- التی فات بها البلغاء و أخرس الفصحاء: أُوصِیکُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِی ضَرَبَ لَکُمُ الْأَمْثَالَ- وَ وَقَّتَ لَکُمُ الآْجَالَ وَ أَلْبَسَکُمُ الرِّیَاشَ وَ أَرْفَغَ لَکُمُ الْمَعَاشَ- وَ أَحَاطَ بِکُمُ الْإِحْصَاءَ وَ أَرْصَدَ لَکُمُ الْجَزَاءَ- وَ آثَرَکُمْ بِالنِّعَمِ السَّوَابِغِ وَ الرِّفَدِ الرَّوَافِغِ- وَ أَنْذَرَکُمْ بِالْحُجَجِ الْبَوَالِغِ فَأَحْصَاکُمْ عَدَداً- وَ وَظَّفَ لَکُمْ مُدَداً فِی قَرَارِ خِبْرَهٍ وَ دَارِ عِبْرَهٍ- أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِیهَا وَ مُحَاسَبُونَ عَلَیْهَا وقت و أقت بمعنى أی جعل الآجال لوقت مقدر- . و الریاش و الریش واحد و هو اللباس- قال تعالى یُوارِی سَوْآتِکُمْ وَ رِیشاً- . و قرئ و ریاشا و یقال الریاش الخصب و الغنى- و منه ارتاش فلان حسنت حاله- و یکون لفظ ألبسکم مجازا إن فسر بذلک- . و أرفغ لکم المعاش أی جعله رفیغا أی واسعا مخصبا- یقال رفغ بالضم عیشه رفاغه اتسع- فهو رافغ و رفیغ و ترفغ الرجل- و هو فی رفاغیه من العیش مخففا- مثل رفاهیه و ثمانیه- .

و قوله و أحاط بکم الإحصاء- یمکن أن ینصب الإحصاء على أنه مصدر فیه اللام- و العامل فیه غیر لفظه کقوله یعجبه السخون- ثم قال حبا و لیس‏دخول اللام بمانع من ذلک- تقول ضربته الضربه کما تقول ضربته ضربا- و یجوز أن ینصب بأنه مفعول به- و یکون ذلک على وجهین- . أحدهما أن یکون من حاط ثلاثیا- تقول حاط فلان کرمه أی جعل علیه حائطا- فکأنه جعل الإحصاء و العد کالحائط المدار علیهم- لأنهم لا یبعدون منه و لا یخرجون عنه- . و الثانی أن یکون من حاط الحمار عانته یحوطها- بالواو أی جمعها فأدخل الهمزه- کأنه جعل الإحصاء یحوطهم و یجمعهم- تقول ضربت زیدا و أضربته أی جعلته ذا ضرب- فلذلک کأنه جعل ع الإحصاء- ذا تحویط علیهم بالاعتبار الأول- أو جعله ذا جمع لهم بالاعتبار الثانی- . و یمکن فیه وجه آخر- و هو أن یکون الإحصاء مفعولا له- و یکون فی الکلام محذوف تقدیره- و أحاط بکم حفظته و ملائکته للإحصاء- و دخول اللام فی المفعول له کثیر- کقوله و الهول من تهول الهبور- .

قوله و أرصد یعنی أعد- و فی الحدیث إلا أن أرصده لدین علی- . و آثرکم من الإیثار- و أصله أن تقدم غیرک على نفسک فی منفعه- أنت قادر على الاختصاص بها- و هو فی هذا الموضع مجاز مستحسن- . و الرفد جمع رفده مثل کسره و کسر- و فدره و فدر و الرفده و الرفد واحد- و هی العطیه و الصله و رفدت فلانا رفدا بالفتح- و المضارع أرفده بکسر الفاء و یجوز أرفدته بالهمزه- . و الروافغ الواسعه و الحجج البوالغ الظاهره المبینه- قال سبحانه فَلِلَّهِ الْحُجَّهُ الْبالِغَهُ- .

و وظف لکم مددا أی قدر و منه وظیفه الطعام- . و قرار خبره بکسر الخاء أی دار بلاء و اختبار- تقول خبرت زیدا أخبره خبره بالضم فیهما- و خبره بالکسر إذا بلوته و اختبرته- و منه قولهم صغر الخبر الخبر- . و دار عبره أی دار اعتبار و اتعاظ- و الضمیر فی فیها و علیها لیس واحدا- فإنه فی فیها یرجع إلى الدار- و فی علیها یرجع إلى النعم و الرفد- و یجوز أن یکون الضمیر فی علیها- عائدا إلى الدار على حذف المضاف أی على سکانها: فَإِنَّ الدُّنْیَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا رَدِغٌ مَشْرَعُهَا- یُونِقُ مَنْظَرُهَا وَ یُوبِقُ مَخْبَرُهَا- غُرُورٌ حَائِلٌ وَ ضَوْءٌ آفِلٌ وَ ظِلٌّ زَائِلٌ وَ سِنَادٌ مَائِلٌ- حَتَّى إِذَا أَنِسَ نَافِرُهَا وَ اطْمَأَنَّ نَاکِرُهَا- قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا وَ قَنَصَتْ بِأَحْبُلِهَا- وَ أَقْصَدَتْ بِأَسْهُمِهَا وَ أَعْلَقَتِ الْمَرْءَ أَوْهَاقَ الْمَنِیَّهِ- قَائِدَهً لَهُ إِلَى ضَنْکِ الْمَضْجَعِ وَ وَحْشَهِ الْمَرْجِعِ- وَ مُعَایَنَهِ الْمَحَلِّ وَ ثَوَابِ الْعَمَلِ- .

وَ کَذَلِکَ الْخَلَفُ بِعَقْبِ السَّلَفِ- لَا تُقْلِعُ الْمَنِیَّهُ اخْتِرَاماً- وَ لَا یَرْعَوِی الْبَاقُونَ اجْتِرَاماً یَحْتَذُونَ مِثَالًا- وَ یَمْضُونَ أَرْسَالًا إِلَى غَایَهِ الِانْتِهَاءِ وَ صَیُّورِ الْفَنَاءِ یقال عیش رنق بکسر النون أی کدر- و ماء رنق بالتسکین أی کدر و الرنق بفتح النون- مصدر قولک رنق الماء بالکسر- و رنقته أنا ترنیقا أی کدرته- و الروایه المشهوره فی هذا الفصل رنق مشربها بالکسر- أقامه مقام قولهم عیش رنق- و من رواه رنق مشربها بالسکون- و هم الأقلون أجرى اللفظ على حقیقته- .

و یقال مشرع ردغ ذو طین و وحل- روی الردغه بالتحریک- و یجوز تسکین الدال و الجمع رداغ و ردغ- . و یونق منظرها یعجب الناظر آنقنی الشی‏ء أعجبنی- و یوبق مخبرها یهلک وبق الرجل یبق وبوقا- هلک و الموبق مفعل منه کالموعد مفعل- من وعد یعد و منه قوله سبحانه- وَ جَعَلْنا بَیْنَهُمْ مَوْبِقاً- و قد جاء وبق یبق بالکسر فیهما- و هو نادر کورث یرث و جاء أیضا وبق یوبق وبقا- . و الغرور بضم الغین ما یغتر به من متاع الدنیا- و الغرور بالفتح الشیطان- و الحائل الزائل و الآفل الغائب- أفل غاب یأفل و یأفل أفولا- . و السناد دعامه یسند بها السقف- و ناکرها فاعل من نکرت کذا أی أنکرته- . و قمصت بأرجلها قمص الفرس و غیره- یقمص و یقمص قمصا و قماصا أی استن- و هو أن یرفع یدیه و یطرحهما معا و یعجن برجلیه- و فی المثل المضروب لمن ذل بعد عزه ما لعیر من قماص- . و جمع فقال بأرجلها و إنما للدابه رجلان- إما لأن المثنى قد یطلق علیه صیغه الجمع- کما فی قولهم امرأه ذات أوراک و مآکم و هما ورکان- و إما لأنه أجرى الیدین و الرجلین مجرى واحد- فسماها کلها أرجلا و من رواه بالحاء فهو جمع رحل الناقه- . و أقصدت قتلت مکانها من غیر تأخیر- .

و الأوهاق جمع وهق بالتحریک و هو الحبل- و قد یسکن مثل نهر و نهر- و أعلقت المرء الأوهاق جعلت الأوهاق عالقه به- و الضنک الضیق- . و المضجع المصدر أو المکان- و الفعل ضجع الرجل جنبه بالأرض بالفتح- یضجع ضجوعا و ضجعا فهو ضاجع و مثله أضجع- . و المرجع مصدر رجع و منه قوله تعالى- ثُمَّ إِلى‏ رَبِّکُمْ مَرْجِعُکُمْ و هو شاذ- لأن المصادر من فعل یفعل بکسر العین إنما یکون بالفتح- . قوله و معاینه المحل- أی الموضع الذی یحل به المکلف بعد الموت- و لا بد لکل مکلف أن یعلم عقیب الموت مصیره- أما إلى جنه و أما إلى نار- . و قوله ثواب العمل یرید جزاء العمل- و مراده الجزاء الأعم الشامل للسعاده و الشقاوه- لا الجزاء الأخص الذی هو جزاء الطاعه- و سمى الأعم ثوابا على أصل الحقیقه اللغویه- لأن الثواب فی اللغه الجزاء- یقال قد أثاب فلان الشاعر لقصیده کذا أی جازاه- .

و قوله و کذلک الخلف بعقب السلف- الخلف المتأخرون و السلف المتقدمون- و عقب هاهنا بالتسکین و هو بمعنى بعد- جئت بعقب فلان أی بعده و أصله جری الفرس بعد جریه- یقال لهذا الفرس عقب حسن- و قال ابن السکیت یقال جئت فی عقب شهر کذا بالضم- إذا جئت بعد ما یمضی کله و جئت فی عقب- بکسر القاف إذا جئت و قد بقیت منه بقیه- و قد روی یعقب السلف أی یتبع- . و قوله لا تقلع المنیه أی لا تکف- و الاخترام إذهاب الأنفس و استئصالها- .

و ارعوى کف عن الأمر و أمسک- و أصل فعله الماضی رعى یرعو أی کف عن الأمر- و فلان حسن الرعوه و الرعوه و الرعوه و الرعوى و الارعواء- و الاجترام افتعال من الجرم و هو الذنب و مثله الجریمه- یقال جرم و أجرم بمعنى- . قوله یحتذون مثالا أی یقتدون- و أصله من حذوت النعل بالنعل حذوا- إذا قدرت کل واحده على صاحبها- . قوله و یمضون أرسالا بفتح الهمزه جمع رسل بفتح السین- و هو القطیع من الإبل أو الغنم- یقال جاءت الخیل أرسالا أی قطیعا قطیعا- . و صیور الأمر آخره و ما یئول إلیه: حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ الْأُمُورُ- وَ تَقَضَّتِ الدُّهُورُ وَ أَزِفَ النُّشُورُ- أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ الْقُبُورِ وَ أَوْکَارِ الطُّیُورِ- وَ أَوْجِرَهِ السِّبَاعِ وَ مَطَارِحِ الْمَهَالِکِ سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ- مُهْطِعِینَ إِلَى مَعَادِهِ رَعِیلًا صُمُوتاً قِیَاماً صُفُوفاً- یَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ وَ یُسْمِعُهُمُ الدَّاعِی- عَلَیْهِمْ لَبُوسُ الِاسْتِکَانَهِ وَ ضَرَعُ الِاسْتِسْلَامِ وَ الذِّلَّهِ- قَدْ ضَلَّتِ الْحِیَلُ وَ انْقَطَعَ الْأَمَلُ وَ هَوَتِ الْأَفْئِدَهُ کَاظِمَهً- وَ خَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ مُهَیْنِمَهً- وَ أَلْجَمَ الْعَرَقُ وَ عَظُمَ الشَّفَقُ وَ أُرْعِدَتِ الْأَسْمَاعُ- لِزَبْرَهِ الدَّاعِی إِلَى فَصْلِ الْخِطَابِ وَ مُقَایَضَهِ الْجَزَاءِ- وَ نَکَالِ الْعِقَابِ وَ نَوَالِ الثَّوَابَ تصرمت الأمور تقطعت و مثله تقضت الدهور- و أزف قرب و دنا یأزف أزفا- و منه قوله تعالى أَزِفَتِ الْآزِفَهُ أی القیامه- الفاعل آزف- .

و الضرائح جمع ضریح و هو الشق فی وسط القبر- و اللحد ما کان فی جانب القبر- و ضرحت ضرحا إذا حفرت الضریح- . و الأوکار جمع وکر یفتح الواو و هو عش الطائر- و جمع الکثره وکور- وکر الطائر یکر وکرا أی دخل وکره- و الوکن بالفتح مثل الوکر أی العش- . و أوجره السباع جمع وجار بکسر الواو و یجوز فتحها- و هو بیت السبع و الضبع و نحوهما- . مهطعین مسرعین و الرعیل القطعه من الخیل- . قوله ع ینفذهم البصر و یسمعهم الداعی أی هم مع کثرتهم- لا یخفى منهم أحد عن إدراک البارئ سبحانه- و هم مع هذه الکثره أیضا لا یبقى منهم أحد- إلا إذا دعا داعی الموت سمع دعاءه و نداءه- . و اللبوس بفتح اللام ما یلبس قال-

البس لکل حاله لبوسها
إما نعیمها و إما بوسها

 و منه قوله تعالى وَ عَلَّمْناهُ صَنْعَهَ لَبُوسٍ لَکُمْ یعنی الدروع- . و الاستکانه الخضوع و الضرع الخشوع و الضعف- ضرع الرجل یضرع و أضرعه غیره- . و کاظمته ساکته کظم یکظم کظوما أی سکت- و قوم کظم أی ساکتون- .و مهینمه ذات هینمه و هی الصوت الخفی- و ألجم العرق صار لجاما-و فی الحدیث إن العرق لیجری منهم حتى إن منهم من یبلغ رکبتیه- و منهم من یبلغ صدره و منهم من یبلغ عنقه- و منهم من یلجمه و هم أعظمهم مشقه- . و قال لی قائل ما أرىلقوله ع المؤذنون أطول الناس أعناقا یوم القیامه- کثیر فائده- لأن طول العنق جدا لیس مما یرغب فی مثله- فذکرت له الخبر الوارد فی العرق- و قلت إذا کان الإنسان شدید طول العنق- کان عن إلجام العرق أبعد فظهرت فائده الخبر- . و یروى و أنجم العرق أی کثر و دام- . و الشفق و الشفقه بمعنى و هو الاسم من الإشفاق- و هو الخوف و الحذر قال الشاعر-

تهوى حیاتی و أهوى موتها شفقا
و الموت أکرم نزال على الحرم‏

 و أرعدت الأسماع عرتها الرعده و زبره الداعی صدته- و لا یقال الصوت زبره إلا إذا خالطه زجر و انتهار- زبرته أزبره بالضم- . و قوله إلى فصل الخطاب إلى هاهنا یتعلق بالداعی- و فصل الخطاب بت الحکومه- التی بین الله و بین عباده فی الموقف- رزقنا الله المسامحه فیها بمنه- و إنما خص الأسماع بالرعده- لأنها تحدث من صوت الملک- الذی یدعو الناس إلى محاسبته- . و المقایضه المعاوضه قایضت زیدا بالمتاع- و هما قیضان کما قالوا بیعان- .

فإن قلت کیف یصح ما ذکره المسلمون من حشر الأجساد- و کیف یمکن ما أشار إلیه ع من جمع الأجزاء البدنیه- من أوکار الطیور و أوجره السباع- و معلوم أنه قد یأکل الإنسان سبع- و یأکل ذلک السبع إنسان آخر- و یأکل هذا الإنسان طائر- ثم یأکل الطائر إنسان آخر- و المأکول یصیر أجزاء من أجزاء بدن الآکل- فإذا حشرت‏ الحیوانات کلها على ما تزعم المعتزله- فتلک الأجزاء المفروضه- إما أن تحشر أجزاء من بنیه الإنسان- أو بنیه السبع أو منهما معا- فإن کان الأول وجب إلا یحشر السبع- و إن کان الثانی وجب ألا یحشر الإنسان و الثالث محال عقلا- لأن الجزء الواحد لا یکون فی موضعین- .

قلت إن فی بدن کل إنسان و کل حیوان- أجزاء أصلیه و أجزاء زائده- فالأجزاء الزائده یمکن- أن تصیر أجزاء بدن حیوان إذا اغتذى بها- و الأجزاء الأصلیه لا یمکن ذلک فیها- بل یحرسها الله تعالى من الاستحاله و التغییر- و إذا کان کذلک- أمکن الحشر بأن تعاد الأجزاء الأصلیه إلى موضعها الأول- و لا فساد فی استحاله الأجزاء الزائده لأنه لا یجب حشرها- لأنها لیست أصل بنیه المکلف فاندفع الأشکال- و أما من یقول بالنفس الناطقه من أهل المله- فلا یلزمه الجواب عن السؤال- لأنه یقول إن الأنفس إذا أزف یوم القیامه- خلقت لها أبدان غیر الأبدان الأولى- لأن المکلف المطیع و العاصی- المستحق للثواب و العقاب عندهم هو النفس- و أما البدن فآله لها- نستعمله استعمال الکاتب للقلم و النجار للفأس: عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَاراً وَ مَرْبُوبُونَ اقْتِسَاراً- وَ مَقْبُوضُونَ احْتِضَاراً وَ مُضَمِّنُونَ أَجْدَاثاً وَ کَائِنُونَ رُفَاتاً- وَ مَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً وَ مَدِینُونَ جَزَاءً وَ مُمَیَّزُونَ حِسَاباً- قَدْ أُمْهِلُوا فِی طَلَبِ الْمَخْرَجِ وَ هُدُوا سَبِیلَ الْمَنْهَجِ- وَ عُمِّرُوا مَهَلَ الْمُسْتَعْتَبِ وَ کُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ الرِّیَبِ- وَ خُلُّوا لِمِضْمَارِ الْجِیَادِ وَ رَوِیَّهِ الِارْتِیَادِ- وَ أَنَاهِ الْمُقْتَبِسِ الْمُرْتَادِ فِی مُدَّهِ الْأَجَلِ وَ مُضْطَرَبِ الْمَهَلِ مربوبون مملوکون و الاقتسار الغلبه و القهر- . و الاحتضار حضور الملائکه عند المیت و هو حینئذ محتضر- و کانت العرب تقول لبن محتضر أی فاسد ذو آفه- یعنون أن الجن حضرته یقال اللبن محتضر فغط إناءک- . و الأجداث جمع جدث و هو القبر- و اجتدث الرجل اتخذ جدثا و یقال جدف بالفاء- . و الرفات الحطام تقول منه رفت الشی‏ء فهو مرفوت- .

و مدینون أی مجزیون و الدین الجزاء- و منه مالِکِ یَوْمِ الدِّینِ- . و ممیزون حسابا من قوله تعالى- وَ امْتازُوا الْیَوْمَ أَیُّهَا الْمُجْرِمُونَ- و من قوله تعالى وَ کُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَهً- کما أن قوله و مبعوثون أفرادا مأخوذ من قوله تعالى- وَ لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى‏- و أصل التمییز على الفصل و التبیین- . قوله قد أمهلوا فی طلب المخرج- أی انظروا لیفیئوا إلى الطاعه و یخلصوا التوبه- لأن إخلاص التوبه هو المخرج- الذی من سلکه خرج من ربقه المعصیه- و مثله قوله و هدوا سبیل المنهج و المنهج الطریق الواضح- . و المستعتب المسترضى- استعتبت زیدا إذا استرضیته عنی فأنا مستعتب له- و هو مستعتب و أعتبنی أی أرضانی- و إنما ضرب المثل بمهل المستعتب- لأن من یطلب رضاه فی مجرى العاده- لا یرهق بالتماس الرضا منه- و إنما یمهل لیرضى بقلبه لا بلسانه- .

و السدف جمع سدفه هی القطعه من اللیل المظلم- هذا فی لغه أهل نجد- و أما غیرهم‏ فیجعل السدفه الضوء- و هذا اللفظ من الأضداد- و کذلک السدف بفتح السین و الدال- . و قد قیل السدفه اختلاط الضوء و الظلمه- کوقت ما بین طلوع الفجر إلى الإسفار- و السدف الصبح و إقباله و أسدف اللیل أظلم- و أسدف الصبح أضاء یقال أسدف الباب- أی افتحه حتى یضی‏ء البیت- و فی لغه هوازن أسدفوا أی أسرجوا من السراج- و الریب الشبهه جمع ریبه- . و المضمار الموضع الذی تضمر فیه الخیل- و المضمار أیضا المده التی تضمر فیها- .

و التضمیر أن تعلف الفرس حتى یسمن- ثم ترده إلى قوته الأولى و ذلک فی أربعین یوما- و قد یطلق التضمیر على نقیض ذلک- و هو التجویع حتى یهزل و یخف لحمه- ضمر الفرس بالفتح یضمر بالضم ضمورا- و جاء ضمر الفرس بالضم و أضمرته أنا- و ضمرته فاضطمر هو- و لؤلؤ مضطمر فی وسطه بعض الانضمام- رجل لطیف الجسم ضمیر البطن- و ناقه ضامر و ضامره أیضا- یقول مکنهم الحکیم سبحانه و خلاهم و أعمالهم- کما تمکن الخیل التی تستبق فی المضمار لیعلم أیها أسبق- . و الرویه الفکره و الارتیاد الطلب- ارتاد فلان الکلأ یرتاده ارتیادا طلبه- و مثله راد الکلأ یروده رودا و ریادا-و فی الحدیث إذا بال أحدکم فلیرتد لبوله- أی فلیطلب مکانا لینا أو منحدرا- و الرائد الذی یرسله القوم فی طلب الکلإ- و فی المثل الرائد لا یکذب أهله- و الأناه التؤده و الانتظار مثل القناه- . و تأنى فی الأمر ترفق و استأنى فلان بفلان- أی انتظر به و جاء الأناء بالفتح و المد على فعال- قال الحطیئه

و أکریت العشاء إلى سهیل
أو الشعرى فطال بی الأناء

و المقتبس متعلم العلم هاهنا- و لا بد له من أناه و مهل لیبلغ حاجته فضرب مثلا- و جاء فی بعض الروایات- و مقبوضون اختضارا بالخاء المعجمه- و هو موت الشاب غضا أخضر أی مات شابا- و کان فتیان یقولون لشیخ أ جززت یا أبا فلان- فیقول أی بنی و تختضرون- أجز الحشیش آن أن یجز- و منه قیل للشیخ کاد یموت قد أجز- و الروایه الأولى أحسن لأنها أعم- . و فی روایه لمضمار الخیار أی للمضمار- الذی یستبق فیه الأبرار الأتقیاء إلى رضوان الله سبحانه: فَیَا لَهَا أَمْثَالًا صَائِبَهً وَ مَوَاعِظَ شَافِیَهً- لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زَاکِیَهً وَ أَسْمَاعاً وَاعِیَهً- وَ آرَاءً عَازِمَهً وَ أَلْبَاباً حَازِمَهً- فَاتَّقُوا اللَّهَ تَقِیَّهَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ وَ اقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ- وَ وَجِلَ فَعَمِلَ وَ حَاذَرَ فَبَادَرَ وَ أَیْقَنَ فَأَحْسَنَ وَ عُبِّرَ فَاعْتَبَرَ- وَ حُذِّرَ فَحَذِرَ وَ زُجِرَ فَازْدَجَرَ وَ أَجَابَ فَأَنَابَ وَ رَاجَعَ فَتَابَ- وَ اقْتَدَى فَاحْتَذَى وَ أُرِیَ فَرَأَى فَأَسْرَعَ طَالِباً وَ نَجَا هَارِباً- فَأَفَادَ ذَخِیرَهً وَ أَطَابَ سَرِیرَهً وَ عَمَّرَ مَعَاداً- وَ اسْتَظْهَرَ زَاداً لِیَوْمِ رَحِیلِهِ وَ وَجْهِ سَبِیلِهِ وَ حَالِ حَاجَتِهِ- وَ مَوْطِنِ فَاقَتِهِ وَ قَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارِ مُقَامِهِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ جِهَهَ مَا خَلَقَکُمْ لَهُ- وَ احْذَرُوا مِنْهُ کُنْهَ مَا حَذَّرَکُمُ مِنْ نَفْسِهِ- وَ اسْتَحِقُّوا مِنْهُ مَا أَعَدَّ لَکُمْ بِالتَّنَجُّزِ لِصِدْقِ مِیعَادِهِ- وَ الْحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعَادِهِ صائبه غیر عادله عن الصواب- صاب السهم یصوب صوبه أی قصد و لم یجر-و صاب السهم القرطاس یصیبه صبیا لغه فی أصابه- و فی المثل مع الخواطئ سهم صائب- . و شافیه تبرئ من مرض الجهل و الهوى- و القلوب الزاکیه الطاهره- و الأسماع الواعیه الحافظه- و الآراء العازمه ذات العزم- و الألباب العقول و الحازمه ذات الحزم- و الحزم ضبط الرجل أمره- .

و خشع الرجل أی خضع و اقترف اکتسب- و مثله قرف یقرف بالکسر- یقال هو یقرف لعیاله أی یکسب- . و وجل الرجل خاف وجلا بفتح الجیم- و مستقبله یوجل و یأجل و ییجل و ییجل- بکسر الیاء المضارعه- . و بادر سارع و عبر أی أری العبر مرارا کثیره- لأن التشدید هاهنا دلیل التکثیر- . فاعتبر أی فاتعظ و الزجر النهی و المنع زجر أی منع- و ازدجر مطاوع ازدجر اللفظ فیهما واحد- تقول ازدجرت زیدا عن کذا فازدجر هو و هذا غریب- و إنما جاء مطاوع ازدجر فی زجر لأنهما کالشی‏ء الواحد- و فی بعض الروایات ازدجر فازدجر- فلا یحتاج مع هذه الروایه إلى تأویل- .

و أناب الرجل إلى الله أی أقبل و تاب- و اقتدى بزید فعل مثل فعله و احتذى مثله- . قوله ع فأفاد ذخیره أی فاستفاد و هو من الأضداد- أفدت المال زیدا أعطیته إیاه- و أفدت أنا مالا أی استفدته و اکتسبته- . قوله ع فاتقوا الله عباد الله جهه ما خلقکم له- نصب جهه بفعل مقدر- تقدیره و اقصدوا جهه ما خلقکم له یعنی العباده- لأنه تعالى قال وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ- فحذف الفعل و استغنى عنه بقوله فَاتَّقُوا اللَّهَ- لأن التقوى‏ ملازمه لقصد المکلف العباده- فدلت علیه و استغنى بها عن إظهاره- . و الکنه الغایه و النهایه- تقول أعرفه کنه المعرفه أی نهایتها- .

ثم قال ع و استحقوا منه ما أعد لکم- أی اجعلوا أنفسکم مستحقین لثوابه- الذی أعده لکم إن أطعتم- . و الباء فی بالتنجز متعلق باستحقوا- و یقال فلان یتنجز الحاجه- أی یستنجحها و یطلب تعجلها- و الناجز العاجل یقال ناجزا بناجز- کقولک یدا بید أی تعجیلا بتعجیل- و التنجز من المکلفین بصدق میعاد القدیم سبحانه- و هو مواظبتهم على فعل الواجب و تجنب القبیح- و و الحذر مجرور بالعطف على التنجز- لا على الصدق لأنه لا معنى له: وَ مِنْهَا جَعَلَ لَکُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِیَ مَا عَنَاهَا- وَ أَبْصَاراً لِتَجْلُوَ عَنْ عَشَاهَا وَ أَشْلَاءً جَامِعَهً لِأَعْضَائِهَا- مُلَائِمَهً لِأَحْنَائِهَا فِی تَرْکِیبِ صُوَرِهَا وَ مُدَدِ عُمُرِهَا- بِأَبْدَانٍ قَائِمَهٍ بِأَرْفَاقِهَا وَ قُلُوبٍ رَائِدَهٍ لِأَرْزَاقِهَا- فِی مُجَلِّلَاتِ نِعَمِهِ وَ مُوجِبَاتِ مِنَنِهِ وَ حَوَاجِزِ عَافِیَتِهِ- وَ قَدَّرَ لَکُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْکُمْ- وَ خَلَّفَ لَکُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ الْمَاضِینَ قَبْلَکُمْ- مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلَاقِهِمْ وَ مُسْتَفْسَحِ خَنَاقِهِمْ- أَرْهَقَتْهُمُ الْمَنَایَا دُونَ الآْمَالِ وَ شَذَّبَهُمْ عَنْهَا تَخَرُّمُ الآْجَالِ- لَمْ یَمْهَدُوا فِی سَلَامَهِ الْأَبْدَانِ- وَ لَمْ یَعْتَبِرُوا فِی أُنُفِ الْأَوَانِ‏ قوله لتعی ما عناها أی لتحفظ و تفهم ما أهمها-و منه الأثر المرفوع من حسن إسلام المرء ترکه ما لا یعنیه- . و لتجلو أی لتکشف- . و عن هاهنا زائده و یجوز أن تکون بمعنى بعد کما قال-لقحت حرب وائل عن حیال‏- . أی بعد حیال فیکون قد حذف المفعول- و حذفه جائز لأنه فضله- و یکون التقدیر لتجلو الأذى بعد عشاها- و العشى مقصور مصدر عشی بکسر الشین یعشى فهو عش- إذا أبصر نهارا و لم یبصر لیلا- . و الأشلاء جمع شلو و هو العضو- .

فإن قلت فأی معنى فی قوله- أعضاء تجمع أعضاء تجمع أعضاءها- و کیف یجمع الشی‏ء نفسه- قلت أراد ع بالأشلاء هاهنا الأعضاء الظاهره- و بالأعضاء الجوارح الباطنه- و لا ریب أن الأعضاء الظاهره- تجمع الأعضاء الباطنه و تضمها- و الملاءمه الموافقه و الأحناء الجوانب و الجهات- و وجه الموافقه و الملاءمه أن کون الید فی الجانب أولى- من کونها فی الرأس أو فی أسفل القدم- لأنها إذا کانت فی الجانب کان البطش- و تناول ما یراد و دفع ما یؤذى أسهل- و کذلک القول فی جعل العین فی الموضع الذی جعلت به- لأنها کدیدبان السفینه البحریه- و لو جعلت فی أم الرأس- لم ینتفع بها هذا الحد من الانتفاع الآن- و إذا تأملت سائر أدوات الجسد و أعضائه وجدتها کذلک- .

ثم قال فی ترکیب صورها کأنه قال مرکبه أو مصوره- فأتى بلفظه فی کما تقول رکب بسلاحه و فی سلاحه أی متسلحا- . و قوله بأرفاقها أی بمنافعها جمع رفق- بکسر الراء مثل حمل و أحمال- و أرفقت فلانا أی نفعته- و المرفق من الأمر ما ارتفقت به و انتفعت- و یروى بأرماقها و الرمق بقیه الروح- . و رائده طالبه و مجللات النعم تجلل الناس أی تعمهم- من قولهم سحاب مجلل أی یطبق الأرض- و هذا من باب إضافه الصفه إلى الموصوف- کقولک أنا فی سابغ ظلک و عمیم فضلک- کأنه قال فی نعمه المجلله و کذلک القول فی موجبات مننه- أی فی مننه التی توجب الشکر- . و فی هاهنا متعلقه بمحذوف و الموضع نصب على الحال- .

ثم قال و حواجز عافیته الحواجز الموانع- أی فی عافیه تحجز و تمنع عنکم المضار- . و یروى و حواجز بلیته- و قد فسر قوله حواجز عافیته- على أن یراد به ما یحجز العافیه- و یمنعها عن الزوال و العدم- . قوله ع من مستمتع خلاقهم الخلاق النصیب- قال تعالى وَ ما لَهُ فِی الْآخِرَهِ مِنْ خَلاقٍ- و قال تعالى فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِکُمْ- کَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِکُمْ بِخَلاقِهِمْ- و تقدیر الکلام خلف لکم عبرا من القرون السالفه- منها تمتعهم بنصیبهم من الدنیا ثم فناؤهم- و منها فسحه خناقهم و طول إمهالهم- ثم کانت عاقبتهم الهلکه- . و أرهقتهم المنایا أدرکتهم مسرعه- .

و المرهق الذی أدرک لیقتل و شذبهم عنها قطعهم و فرقهم- من تشذیب الشجره و هو تقشیرها- . و تخرمت زیدا المنیه استأصلته و اقتطعته- . ثم قال لم یمهدوا فی سلامه الأبدان أی لم یمهدوا لأنفسهم- من تمهید الأمور و هو تسویتها و إصلاحها- . و أنف الأوان أوله یقال روضه أنف لم ترع قبل- و کأس أنف لم یشرب بها قبل: فَهَلْ یَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَهِ الشَّبَابِ إِلَّا حَوَانِیَ الْهَرَمِ- وَ أَهْلُ غَضَارَهِ الصِّحَّهِ إِلَّا نَوَازِلَ السَّقَمِ- وَ أَهْلُ مُدَّهِ الْبَقَاءِ إِلَّا آوِنَهَ الْفَنَاءِ مَعَ قُرْبِ الزِّیَالِ- وَ أُزُوفِ الِانْتِقَالِ وَ عَلَزِ الْقَلَقِ وَ أَلَمِ الْمَضَضِ وَ غُصَصِ الْجَرَضِ- وَ تَلَفُّتِ الِاسْتِغَاثَهِ بِنُصْرَهِ الْحَفَدَهِ وَ الْأَقْرِبَاءِ- وَ الْأَعِزَّهِ وَ الْقُرَنَاءِ فَهَلْ دَفَعَتِ الْأَقَارِبُ- أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ وَ قَدْ غُودِرَ فِی مَحَلَّهِ الْأَمْوَاتِ رَهِیناً- وَ فِی ضِیقِ الْمَضْجَعِ وَحِیداً قَدْ هَتَکَتِ الْهَوَامُّ جِلْدَتَهُ- وَ أَبْلَتِ النَّوَاهِکُ جِدَّتَهُ وَ عَفَتِ الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ- وَ مَحَا الْحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ وَ صَارَتِ الْأَجْسَادُ شَحِبَهً بَعْدَ بَضَّتِهَا- وَ الْعِظَامُ نَخِرَهً بَعْدَ قُوَّتِهَا- وَ الْأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَهً بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا- مُوقِنَهً بِغَیْبِ أَنْبَائِهَا لَا تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهَا- وَ لَا تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَیِّئِ زَلَلِهَا

البضاضه مصدر من بضضت یا رجل- بضضت بالفتح و الکسر بضاضه و بضوضه- و رجل بض أی ممتلئ البدن رقیق الجلد و امرأه بضه- . و حوانی الهرم جمع حانیه- و هی العله التی تحنی شطاط الجسد و تمیله عن الاستقامه- . و الهرم الکبر و الغضاره طیب العیش- و منه المثل أباد الله غضراءهم أی خیرهم و خصبهم- . و آونه الفناء جمع أوان و هو الحین کزمان و أزمنه- و فلان یصنع ذلک الأمر آونه- کقولک تارات أی یصنعه مرارا و یدعه مرارا- . و الزیال مصدر زایله مزایله و زیالا أی فارقه- . و الأزوف مصدر أزف أی دنا- . و العلز قلق و خفه و هلع یصیب الإنسان- و قد علز بالکسر و بات علزا أی وجعا قلقا- و المضض الوجع أمضنی الجرح و مضنی لغتان- و قد مضضت یا رجل بالکسر- . و الغصص جمع غصه و هی الشجا- و الغصص بالفتح مصدر قولک غصصت یا رجل تغص بالطعام- فأنت غاص و غصان و أغصصته أنا- .

و الجریض الریق یغص به- جرض بریقه بالفتح یجرض بالکسر مثل کسر یکسر- و هو أن یبلع ریقه على هم و حزن بالجهد و الجریض الغصه- و فی المثل حال‏ الجریض دون القریض- و فلان یجرض بنفسه إذا کان یموت- و أجرضه الله بریقه أغصه- . و الحفده الأعوان و الخدم و قیل ولد الولد واحدهم حافد- و الباء فی بنصره الحفده متعلق بالاستعانه- یقول إن المیت عند نزول الأمر به- یتلفت مستغیثا بنصره أهله و ولده- أی یستنصر یستصرخ بهم- . و النواحب جمع ناحبه و هی الرافعه صوتها بالبکاء- و یروى النوادب- . و الهوام جمع هامه و هی ما یخاف ضرره من الأحناش- کالعقارب و العناکب و نحوها- و النواهک جمع ناهکه و هی ما ینهک البدن أی یبلیه- . و عفت درست و یروى بالتشدید- و شحبه هالکه و الشحب الهلاک- شحب الرجل بالکسر یشحب- و جاء شحب بالفتح یشحب بالضم أی هلک- و شحبه الله یشحبه یتعدى و لا یتعدى- . و نخره بالیه و الأعباء الأثقال واحدها عب‏ء- .

و قال موقنه بغیب أنبائها- لأن المیت یعلم بعد موته ما یصیر إلیه حاله من جنه أو نار- . ثم قال إنها لا تکلف بعد ذلک زیاده فی العمل الصالح- و لا یطلب منها التوبه من العمل القبیح- لأن التکلیف قد بطل: أَ وَ لَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَ الآْبَاءَ وَ إِخْوَانَهُمْ وَ الْأَقْرِبَاءَ- تَحْتَذُونَ أَمْثِلَتَهُمْ وَ تَرْکَبُونَ قِدَّتَهُمْ وَ تَطَئُونَ جَادَّتَهُمْ- فَالْقُلُوبُ قَاسِیَهٌ عَنْ حَظِّهَا لَاهِیَهٌ عَنْ رُشْدِهَا-سَالِکَهٌ فِی غَیْرِ مِضْمَارِهَا کَأَنَّ الْمَعْنِیَّ سِوَاهَا- وَ کَأَنَّ الرُّشْدَ فِی إِحْرَازِ دُنْیَاهَا القده بالدال المهمله و بکسر القاف الطریقه- و یقال لکل فرقه من الناس- إذا کانت ذات هوى على حده قده- و منه قوله تعالى کُنَّا طَرائِقَ قِدَداً- و من رواه و یرکبون قذتهم بالذال المعجمه و ضم القاف- أراد الواحده من قذذ السهم و هی ریشه- یقال حذو القذه بالقذه و یکون معنى و ترکبون قذتهم- تقتفون آثارهم و تشابهون بهم فی أفعالهم- .

ثم قال و تطئون جادتهم و هذه لفظه فصیحه جدا- . ثم ذکر قساوه القلوب و ضلالها عن رشدها- و قال کأن المعنی سواها-هذا مثل قول النبی ص کأن الموت فیها على غیرنا کتب- و کأن الحق فیها على غیرنا وجب وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَکُمْ عَلَى الصِّرَاطِ وَ مَزَالِقِ دَحْضِهِ- وَ أَهَاوِیلِ زَلَلِهِ وَ تَارَاتِ أَهْوَالِهِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ- تَقِیَّهَ ذِی لُبٍّ شَغَلَ التَّفَکُّرُ قَلْبَهُ- وَ أَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ وَ أَسْهَرَ التَّهَجُّدُ غِرَارَ نَوْمِهِ- وَ أَظْمَأَ الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ یَوْمِهِ وَ ظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ-وَ أَوْجَفَ الذِّکْرُ بِلِسَانِهِ وَ قَدَّمَ الْخَوْفَ لِأَمَانِهِ- وَ تَنَکَّبَ الْمَخَالِجَ عَنْ وَضَحِ السَّبِیلِ- وَ سَلَکَ أَقْصَدَ الْمَسَالِکِ إِلَى النَّهْجِ الْمَطْلُوبِ- وَ لَمْ تَفْتِلْهُ فَاتِلَاتُ الْغُرُورِ- وَ لَمْ تَعْمَ عَلَیْهِ مُشْتَبِهَاتُ الْأُمُورِ- ظَافِراً بِفَرْحَهِ الْبُشْرَى وَ رَاحَهِ النُّعْمَى- فِی أَنْعَمِ نَوْمِهِ وَ آمَنِ یَوْمِهِ- قَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ الْعَاجِلَهِ حَمِیداً وَ قَدَّمَ زَادَ الآْجِلَهِ سَعِیداً- وَ بَادَرَ عَنْ وَجَلٍ وَ أَکْمَشَ فِی مَهَلٍ وَ رَغِبَ فِی طَلَبٍ- وَ ذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ وَ رَاقَبَ فِی یَوْمِهِ غَدَهُ- وَ رُبَّمَا نَظَرَ قُدُماً أَمَامَهُ- فَکَفَى بِالْجَنَّهِ ثَوَاباً وَ نَوَالًا وَ کَفَى بِالنَّارِ عِقَاباً وَ وَبَالًا- وَ کَفَى بِاللَّهِ مُنْتَقِماً وَ نَصِیراً- وَ کَفَى بِالْکِتَابِ حَجِیجاً وَ خَصِیماً و قال أصحابنا رحمهم الله تعالى- الصراط الوارد ذکره فی الکتاب العزیز- هو الطریق لأهل الجنه إلى الجنه- و لأهل النار إلى النار بعد المحاسبه- قالوا لأن أهل الجنه ممرهم على باب النار- فمن کان من أهل النار عدل به إلیها و قذف فیها- و من کان من أهل الجنه- مر بالنار مرورا نجا منها إلى الجنه- و هو معنى قوله تعالى وَ إِنْ مِنْکُمْ إِلَّا وارِدُها- لأن ورودها هو القرب منها و الدنو إلیها- و قد دل القرآن على سور مضروب بین مکان النار- و بین الموضع الذی یجتازون منه إلى الجنه فی قوله- فَضُرِبَ بَیْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ- باطِنُهُ فِیهِ الرَّحْمَهُ وَ ظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ- .

قالوا و لا یصح ما روی فی بعض الأخبار- أن الصراط أدق من الشعر و أحد من السیف- و أن المؤمن یقطعه کمرور البرق الخاطف- و الکافر یمشی علیه حبوا- و أنه ینتفض بالذین علیه حتى تتزایل مفاصلهم- قالوا لأن مثل ذلک لا یکون طریقا للماشی- و لا یتمکن من المشی علیه- و لو أمکن لم یصح التکلیف فی الآخره- لیؤمر العقلاء بالمرور علیه على وجه التعبد- . ثم سأل أصحابنا أنفسهم- فقالوا أی فائده فی عمل هذا السور- و أی فائده فی کون الطریق الذی هو الصراط- منتهیا إلى باب النار منفرجا منها إلى الجنه- أ لستم تعللون أفعال البارئ تعالى بالمصالح- و الآخره لیست دار تکلیف- لیفعل فیها هذه الأفعال للمصالح- .

و أجابوا بأن شعور المکلفین فی الدنیا بهذه الأشیاء- مصالح لهم و ألطاف فی الواجبات العقلیه- فإذا أعلم المکلفون بها- وجب إیقاعها على حسب ما وعدوا و أخبروا به- لأن الله صادق لا خلف فی إخباره- . و عندی أنه لا یمتنع- أن یکون الصراط على ما وردت به الأخبار- و لا مانع من ذلک قولهم لا یکون طریقا للماشی- و لا یتمکن من المشی علیه مسلم- و لکن لم لا یجوز أن یکون فی جعله على هذا الوجه- و الإخبار عن کیفیته هذه مصلحه للمکلفین فی الدنیا- و لیس عدم تمکن الإنسان من المشی علیه- بمانع من إیقاعه على هذا الوجه- لأن المراد من هذا و أمثاله هو التخویف و الزجر- . و أما قولهم الآخره لیست دار تکلیف- فلقائل أن یقول لهم لم قلتم إنه تکلیف- و لم لا یجوز أن یکون المکلفون مضطرین إلى سلوکه اضطرارا- فالمؤمن یخلق الله فیه الثبات و السکینه- و الحرکه السریعه فینجو و یسلم- و الکافر یخلق فیه ضد ذلک فیهوی و یعطب- و لا مانع من ذلک- .

یقال مکان دحض و دحض بالتحریک أی زلق- و أدحضته أنا أزلقته فدحض هو- . و الأهاویل الأمور المفزعه- و تارات أهواله کقوله دفعات أهواله- و إنما جعل أهواله تارات- لأن الأمور الهائله إذا استمرت- لم تکن فی الإزعاج و الترویع- کما تکون إذا طرأت تاره و سکنت تاره- . و انصب الخوف بدنه أتعب و النصب التعب- و التهجد هنا صلاه اللیل و أصله السهر- و قد جاء التهجد بمعنى النوم أیضا و هو من الأضداد- . الغرار قله النوم و أصله قله لبن الناقه- و یقال غارت الناقه تغار غرارا قل لبنها- . فإن قلت کیف توصف قله النوم بالسهر- و إنما یوصف بالسهر الإنسان نفسه- قلت هذا من مجازات کلامهم- کقولهم لیل ساهر و لیل نائم- .

و الهواجر جمع هاجره- و هی نصف النهار عند اشتداد الحر- یقال قد هجر النهار- و أتینا أهلنا مهجرین أی سائرین فی الهاجره- . و ظلف منع- و ظلفت نفس فلان بالکسر عن کذا أی کفت- . و أوجف أسرع- کأنه جعل الذکر لشده تحریکه اللسان موجفا به- کما توجف الناقه براکبها و الوجیف ضرب من السیر- . ثم قال و قدم الخوف لأمانه اللام هاهنا لام التعلیل- أی قدم خوفه لیأمن- و المخالج الأمور المختلجه أی الجاذبه- خلجه و اختلجه أی جذبه- . و أقصد المسالک أقومها و طریق قاصد أی مستقیم- . و فتله عن کذا أی رده و صرفه و هو قلب لفت- . و یروى قد عبر معبر العاجله حمیدا- و قدم زاد الآجله سعیدا- .

و أکمش أسرع و مثله انکمش- و رجل کمش أی سریع- و قد کمش بالضم کماشه فهو کمش و کمیش- و کمشته تکمیشا أعجلته- . قوله و رغب فی طلب و ذهب عن هرب- أی و رغب فیما یطلب مثله- و فر عما یهرب من مثله- فأقام المصدر مقام ذی المصدر- . و نظر قدما أمامه- أی و نظر ما بین یدیه مقدما لم ینثن و لم یعرج- و الدال مضمومه هاهنا- . قال الشاعر یذم امرأه-

تمضی إذا زجرت عن سوأه قدما
کأنها هدم فی الجفر منقاض‏

و من رواه بالتسکین- جاز أن یعنى به هذا و یکون قد خفف کما قالوا حلم و حلم- . و جاز أن یجعله مصدرا من قدم الرجل بالفتح- یقدم قدما أی تقدم- قال الله تعالى- یَقْدُمُ قَوْمَهُ یَوْمَ الْقِیامَهِ أی یتقدمهم إلى ورودها- کأنه قال و نظر بین یدیه متقدما لغیره- و سابقا إیاه إلى ذلک- و الباء فی بالجنه و بالنار- و بالله و بالکتاب زائده- و التقدیر کفى الله و کفى الکتاب‏: أُوصِیکُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِی أَعْذَرَ بِمَا أَنْذَرَ وَ احْتَجَّ بِمَا نَهَجَ- وَ حَذَّرَکُمْ عَدُوّاً نَفَذَ فِی الصُّدُورِ خَفِیّاً- وَ نَفَثَ فِی الآْذَانِ نَجِیّاً فَأَضَلَّ وَ أَرْدَى وَ وَعَدَ فَمَنَّى- وَ زَیَّنَ سَیِّئَاتِ الْجَرَائِمِ وَ هَوَّنَ مُوبِقَاتِ الْعَظَائِمِ- حَتَّى إِذَا اسْتَدْرَجَ قَرِینَتَهُ وَ اسْتَغْلَقَ رَهِینَتَهُ- أَنْکَرَ مَا زَیَّنَ وَ اسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ وَ حَذَّرَ مَا أَمَّنَ أعذر بما أنذر ما هاهنا مصدریه أی أعذر بإنذاره- و یجوز أن تکون بمعنى الذی- .

و العدو المذکور الشیطان- . و قوله نفذ فی الصدور و نفث فی الآذان کلام صحیح بدیع- و فی قوله نفذ فی الصدور مناسبه لقوله ص الشیطان یجری من بنی آدم مجرى الدم- و النجی الذی یساره و الجمع الأنجیه- قالإنی إذا ما القوم کانوا أنجیه‏- . و قد یکون النجی جماعه مثل الصدیق- قال الله تعالى خَلَصُوا نَجِیًّا أی متناجین- . القرینه هاهنا الإنسان الذی قارنه الشیطان- و لفظه لفظ التأنیث و هو مذکر أراد القرین- قال تعالى فَبِئْسَ الْقَرِینُ- و یجوز أن یکون أراد بالقرینه النفس- و یکون‏الضمیر عائدا إلى غیر مذکور لفظا- لما دل المعنى علیه لأن قوله فأضل و أردى و وعد فمنى- معناه أضل الإنسان و أردى و وعده فمنى- فالمفعول محذوف لفظا- و إلیه رجع الضمیر على هذا الوجه- و یقال غلق الرهن- إذا لم یفتکه الراهن فی الوقت المشروط- فاستحقه المرتهن- . و هذا الکلام مأخوذ من قوله تعالى- وَ قالَ الشَّیْطانُ لَمَّا قُضِیَ الْأَمْرُ- إِنَّ اللَّهَ وَعَدَکُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُکُمْ فَأَخْلَفْتُکُمْ- وَ ما کانَ لِی عَلَیْکُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُکُمْ- فَاسْتَجَبْتُمْ لِی فَلا تَلُومُونِی وَ لُومُوا أَنْفُسَکُمْ- ما أَنَا بِمُصْرِخِکُمْ وَ ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِیَّ الآیه: وَ مِنْهَا فِی صِفَهِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ- أَمْ هَذَا الَّذِی أَنْشَأَهُ فِی ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ وَ شُغُفِ الْأَسْتَارِ- نُطْفَهً دِهَاقاً وَ عَلَقَهً مِحَاقاً- وَ جَنِیناً وَ رَاضِعاً وَ وَلِیداً وَ یَافِعاً- ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً وَ لِسَاناً لَافِظاً وَ بَصَراً لَاحِظاً- لِیَفْهَمَ مُعْتَبِراً وَ یُقَصِّرَ مُزْدَجِراً- حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ وَ اسْتَوَى مِثَالُهُ- نَفَرَ مُسْتَکْبِراً وَ خَبَطَ سَادِراً مَاتِحاً فِی غَرْبِ هَوَاهُ- کَادِحاً سَعْیاً لِدُنْیَاهُ فِی لَذَّاتِ طَرَبِهِ وَ بَدَوَاتِ أَرَبِهِ- ثُمَّ لَا یَحْتَسِبُ رَزِیَّهً وَ لَا یَخْشَعُ تَقِیَّهً- فَمَاتَ فِی فِتْنَتِهِ غَرِیراً وَ عَاشَ فِی هَفْوَتِهِ یَسِیراً- لَمْ یُفِدْ عِوَضاً وَ لَمْ یَقْضِ مُفْتَرَضاً- دَهِمَتْهُ فَجَعَاتُ الْمَنِیَّهِ فِی غُبَّرِ جِمَاحِهِ وَ سَنَنِ مِرَاحِهِ- فَظَلَّ سَادِراً وَ بَاتَ سَاهِراً فِی غَمَرَاتِ الآْلَامِ- وَ طَوَارِقِ الْأَوْجَاعِ وَ الْأَسْقَامِ بَیْنَ أَخٍ شَقِیقٍ وَ وَالِدٍ شَفِیقٍ-وَ دَاعِیَهٍ بِالْوَیْلِ جَزَعاً وَ لَادِمَهٍ لِلصَّدْرِ قَلَقاً- وَ الْمَرْءُ فِی سَکْرَهٍ مُلْهِثَهٍ وَ غَمْرَهٍ کَارِثَهٍ- وَ أَنَّهٍ مُوجِعَهٍ وَ جَذْبَهٍ مُکْرِبَهٍ وَ سَوْقَهٍ مُتْعِبَهٍ- ثُمَّ أُدْرِجَ فِی أَکْفَانِهِ مُبْلِساً وَ جُذِبَ مُنْقَاداً سَلِساً- ثُمَّ أُلْقِیَ عَلَى الْأَعْوَادِ رَجِیعَ وَصَبٍ وَ نِضْوَ سَقَمٍ- تَحْمِلُهُ حَفَدَهُ الْوِلْدَانِ وَ حَشَدَهُ الْإِخْوَانِ إِلَى دَارِ غُرْبَتِهِ- وَ مُنْقَطَعِ زَوْرَتِهِ وَ مُفْرَدِ وَحْشَتِهِ- حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ الْمُشَیِّعُ وَ رَجَعَ الْمُتَفَجِّعُ- أُقْعِدَ فِی حُفْرَتِهِ نَجِیّاً لِبَهْتَهِ السُّؤَالِ وَ عَثْرَهِ الِامْتِحَانِ- وَ أَعْظَمُ مَا هُنَالِکَ بَلِیَّهً نُزُولُ الْحَمِیمِ- وَ تَصْلِیَهُ الْجَحِیمِ وَ فَوْرَاتُ السَّعِیرِ- وَ سَوْرَاتُ الزَّفِیرِ لَا فَتْرَهٌ مُرِیحَهٌ- وَ لَا دَعَهٌ مُزِیحَهٌ وَ لَا قُوَّهٌ حَاجِزَهٌ وَ لَا مَوْتَهٌ نَاجِزَهٌ وَ لَا سِنَهٌ مُسْلِیَهٌ- بَیْنَ أَطْوَارِ الْمَوْتَاتِ وَ عَذَابِ السَّاعَاتِ- إِنَّا بِاللَّهِ عَائِذُونَ أم هنا إما استفهامیه على حقیقتها- کأنه قال أعظکم و أذکرکم بحال الشیطان و إغوائه- أم بحال الإنسان منذ ابتدأ وجوده إلى حین مماته- و إما أن تکون منقطعه بمعنى بل- کأنه قال عادلا و تارکا لما وعظهم به- بل أتلو علیکم نبأ هذا الإنسان الذی حاله کذا- .

الشغف بالغین المعجمه جمع شغاف بفتح الشین- و أصله غلاف القلب یقال شغفه الحب أی بلغ شغافه- و قرئ قَدْ شَغَفَها حُبًّا- . و الدهاق المملوءه- و یروى دفاقا من دفقت الماء أی صببته- . قال و علقه محاقا- المحاق ثلاث لیال من آخر الشهر- و سمیت محاقا لأن القمر یمتحق فیهن- أی یخفى و تبطل صورته و- إنما جعل العلقه محاقا هاهنا- لأنها لم تحصل لها الصوره الإنسانیه بعد- فکانت ممحوه ممحوه ممحوقه- .

و الیافع الغلام المرتفع أیفع و هو یافع- و هذا من النوادر و غلام یفع و یفعه- و غلمان أیفاع و یفعه أیضا- . قوله و خبط سادرا خبط البعیر- إذا ضرب بیدیه إلى الأرض و مشى لا یتوقى شیئا- . و السادر المتحیر و السادر أیضا- الذی لا یهتم و لا یبالی ما صنع- و الموضع یحتمل کلا التفسیرین- . و الماتح الذی یستقی الماء من البئر و هو على رأسها- و المائح الذی نزل البئر إذا قل ماؤها فیملأ الدلاء- و سئل بعض أئمه اللغه عن الفرق بین الماتح و المائح- فقال اعتبر نقطتی الإعجام- فالأعلى للأعلى و الأدنى للأدنى- و الغرب الدلو العظیمه- و الکدح شده السعی و الحرکه- قال تعالى یا أَیُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّکَ کادِحٌ إِلى‏ رَبِّکَ کَدْحاً- . قوله و بدوات- أی ما یخطر له من آرائه التی تختلف فیها دواعیه- فتقدم و تحجم و مات غریرا أی شابا- و یمکن أن یراد به أنه غیر مجرب للأمور- . و الهفوه الزله هفا یهفو لم یفد عوضا أی لم یکتسب- . و غبر جماحه بقایاه قال أبو کبیر الهذلی-

و مبرإ من کل غبر حیضه
و فساد مرضعه و داء مغیل‏

و الجماح الشره و ارتکاب الهوى- و سنن مراحه السنن الطریقه- و المراح شده الفرج و النشاط- . قوله فظل سادرا السادر هاهنا غیر السادر الأول- لأنه هاهنا المغمى علیه کأنه‏ سکران- و أصله من سدر البعیر من شده الحر و کثره الطلاء بالقطران- فیکون کالنائم لا یحس و مراده ع هاهنا أنه بدأ به المرض- و لادمه للصدر ضاربه له- و التدام النساء ضربهن الصدور عند النیاحه- سکره ملهثه تجعل الإنسان لاهثا لشدتها- لهث یلهث لهثانا و لهاثا- و یروى ملهیه بالیاء أی تلهی الإنسان و تشغله- . و الکارثه فاعله من کرثه الغم یکرثه بالضم- أی اشتد علیه و بلغ منه غایه المشقه- .

الجذبه جذب الملک الروح من الجسد- أو جذب الإنسان إذا احتضر لیسجى- . و السوقه من سیاق الروح عند الموت- و المبلس الذی ییئس من رحمه الله و منه سمی إبلیس- و الإبلاس أیضا الانکسار و الحزن- و السلس السهل المقاده و الأعواد خشب الجنازه- و رجیع وصب الرجیع المعنى الکال- و الوصب الوجع وصب الرجل یوصب فهو واصب- و أوصبه الله فهو موصب- و الموصب بالتشدید الکثیر الأوجاع و النضو الهزیل- و حشده الإخوان جمع حاشد و هو المتأهب المستعد- و دار غربته قبره و کذلک منقطع زورته- لأن الزیاره تنقطع عنده- . و مفرد وحشته نحو ذلک- لانفراده بعمله و استیحاش الناس منه- حتى إذا انصرف المشیع و هو الخارج مع جنازته- أقعد فی حفرته هذا تصریح بعذاب القبر- و سنذکر ما یصلح ذکره فی هذا الموضع- . و النجی المناجی و نزول الحمیم و تصلیه الجحیم- من الألفاظ الشریفه القرآنیه- . ثم نفى ع أن یکون فی العذاب فتور یجد الإنسان معه راحه- أو سکون یزیح عنه الألم أی یزیله- أو أن الإنسان یجد فی نفسه قوه تحجز بینه و بین الألم- أی تمنع و یموت موتا ناجزا معجلا- فیستریح أو ینام فیسلو وقت نومه- عما أصابه من الألم فی الیقظه کما فی دار الدنیا- .

ثم قال بین أطوار الموتات و هذا فی ظاهره متناقض- لأنه نفى الموت مطلقا ثم قال بین أطوار الموتات- و الجواب أنه أراد بالموتات الآلام العظیمه- فسماها موتات لأن العرب تسمی المشقه العظیمه موتا- کما قالإنما المیت میت الأحیاء- . و یقولون الفقر الموت الأحمر- و استعمالهم مثل ذلک کثیر جدا- . ثم قال إنا بالله عائذون- عذت بفلان و استعذت به أی التجأت إلیه

فصل فی ذکر القبر و سؤال منکر و نکیر

و اعلم أن لقاضی القضاه فی کتاب طبقات المعتزله- فی باب القبر و سؤال منکر و نکیر کلاما- أنا أورد هاهنا بعضه قال رحمه الله تعالى- إن عذاب القبر إنما أنکره ضرار بن عمرو- و لما کان ضرار من أصحاب واصل بن عطاء- ظن کثیر من الناس أن ذلک مما أنکرته المعتزله- و لیس الأمر کذلک بل المعتزله رجلان- أحدهما یجوز عذاب القبر و لا یقطع به و هم الأقلون- و الآخر یقطع على ذلک- و هم أکثر أصحابنا لظهور الأخبار الوارده فیه- و إنما تنکر المعتزله قول طائفه من الجهله- إنهم یعذبون و هم موتى لأن العقل یمنع من ذلک- و إذا کان الإنسان مع قرب العهد بموته- و لما یدفن یعلمون أنه لا یسمع و لا یبصر و لا یدرک- و لا یألم و لا یلتذ فکیف یجوز علیه ذلک و هو میت فی قبره- و ما روی من أن الموتى یسمعون لا یصح- إلا أن یراد به أن الله تعالى أحیاهم- و قوى حاسه سمعهم فسمعوا و هم أحیاء- .

قال رحمه الله تعالى و أنکر أیضا مشایخنا- أن یکون عذاب القبر دائما فی کل حال- لأن الأخبار إنما وردت بذلک فی الجمله- فالذی یقال به هو قدر ما تقتضیه الأخبار- دون ما زاد علیه مما لا دلیل علیه- و لذلک لسنا نوقت فی التعذیب وقتا- و إن کان الأقرب فی الأخبار- أنها الأوقات المقارنه للدفن- و إن کان لا نعنیها بأعیانها- . هکذا قال قاضی القضاه و الذی أعرفه أنا- من مذهب کثیر من شیوخنا قبل قاضی القضاه- أن الأغلب أن یکون عذاب القبر بین النفختین- .

ثم إن قاضی القضاه سأل نفسه- فقال إذا کانت الآخره هی وقت المجازاه- فکیف یعذب فی القبر فی أیام الدنیا- . و أجاب بأن القلیل من العقاب المستحق- قد یجوز أن یجعله الله فی الدنیا لبعض المصالح- کما فعل فی تعجیل إقامه الحدود على من یستحقها- فلا یمنع منه تعالى أن یفعل ذلک بالإنسان- إذا کان من أهل النار- . ثم سأل نفسه- فقال إذا کان بالموت قد زال عنه التکلیف- فکیف یقولون یکون ذلک من مصالحه- . و أجاب بأنا لم نقل إن ذلک من مصالحه و هو میت- و إنما نقول إنه مصلحه- أن نعلم فی الدنیا ذلک من حال الموتى- لأنه إذا تصور أنه مات عوجل بضرب من العقاب فی القبر- کان أقرب إلى أن ینصرف عن کثیر من المعاصی- و قد یجوز أن یکون ذلک لطفا- للملائکه الذین یتولون هذا التعذیب- .

فأما القول فی منکر و نکیر- فإنه سأل نفسه رحمه الله تعالى- و قال کیف یجوز أن یسموا بأسماء الذم- و عندکم أن الملائکه أفضل من الأنبیاء- .و أجاب فقال إن التسمیه إذا کانت لقبا لم یقع بها ذم- لأن الذم إنما یقع لفائده الاسم- و الألقاب کالإشارات لا فائده تحتها- و لذا یلقب الرجل المسلم بظالم و کلب و نحو ذلک- فیجوز أن یکون هذان الاسمان من باب الألقاب- و یجوز أن یسمیا بذلک من حیث یهجمان على الإنسان عند- إکمال الله تعالى عقله على وجه ینکره و یرتاع منه- فسمیا منکرا و نکیرا- .

قال و قد روی فی المساءله فی القبر أخبار کثیره- و کل ذلک مما لا قبح فیه- بل یجوز أن یکون من مصالح المکلفین فلا یصح المنع عنه- . و جمله الأمر أن کل ما ثبت من ذلک بالتواتر و الإجماع- و لیس بمستحیل فی القدره- و لا قبیح فی الحکمه یجب القول به- و ما عداه مما وردت به آثار و أخبار آحاد یجب أن یجوز- و یقال إنه مظنون لیس بمعلوم إذا لم یمنع منه الدلیلعِبَادَ اللَّهِ أَیْنَ الَّذِینَ عُمِّرُوا فَنَعِمُوا وَ عُلِّمُوا فَفَهِمُوا- وَ أُنْظِرُوا فَلَهَوْا وَ سُلِّمُوا فَنَسُوا- أُمْهِلُوا طَوِیلًا وَ مُنِحُوا جَمِیلًا- وَ حُذِّرُوا أَلِیماً وَ وُعِدُوا جَسِیماً- احْذَرُوا الذُّنُوبَ الْمُوَرِّطَهَ وَ الْعُیُوبَ الْمُسْخِطَهَ- أُولِی الْأَبْصَارِ وَ الْأَسْمَاعِ وَ الْعَافِیَهِ وَ الْمَتَاعِ- هَلْ مِنْ مَنَاصٍ أَوْ خَلَاصٍ- أَوْ مَعَاذٍ أَوْ مَلَاذٍ أَوْ فِرَارٍ أَوْ مَحَارٍ- فَأَنَّى تُؤْفَکُونَ أَمْ أَیْنَ تُصْرَفُونَ أَمْ بِمَا ذَا تَغْتَرُّونَ- وَ إِنَّمَا حَظُّ أَحَدِکُمْ مِنَ الْأَرْضِ ذَاتِ الطُّوْلِ وَ الْعَرْضِ- قِیدُ قَدِّهِ مُنْعَفِراً عَلَى خَدِّهِ- الآْنَ عِبَادَ اللَّهِ وَ الْخِنَاقُ مُهْمَلٌ وَ الرُّوحُ مُرْسَلٌ- فِی فَیْنَهِ الْإِرْشَادِ وَ رَاحَهِالْأَجْسَادِ وَ بَاحَهِ الِاحْتِشَادِ- وَ مَهَلِ الْبَقِیَّهِ وَ أَنْفِ الْمَشِیَّهِ وَ إِنْظَارَ التَّوْبَهِ- وَ انْفِسَاحِ الْحَوْبَهِ قَبْلَ الضَّنْکِ وَ الْمَضِیقِ- وَ الرَّوْعِ وَ الزُّهُوقِ وَ قَبْلَ قُدُومِ الْغَائِبِ الْمُنْتَظَرِ- وَ أَخْذَهِ الْعَزِیزِ الْمُقْتَدِرِ قال الرضی رحمه الله- و فی الخبر أنه ع لما خطب بهذه الخطبه- اقشعرت لها الجلود و بکت العیون و رجفت القلوب- و من الناس من یسمی هذه الخطبه الغراء نعم الرجل ینعم ضد قولک بئس- و جاء شاذا نعم ینعم بالکسر و أنظروا أمهلوا- و الذنوب المورطه التی تلقی أصحابها فی الورطه- و هی الهلاک قال رؤبه-فأصبحوا فی ورطه الأوراط- . و أصله أرض مطمئنه لا طریق فیها- و قد أورطت زیدا و ورطته توریطا فتورط- ثم قال ع أولی الأبصار و الأسماع- ناداهم نداء ثانیا بعد النداء الذی فی أول الفصل- و هو قوله عباد الله- فقال یا من منحهم الله أبصارا و أسماعا و أعطاهم عافیه- و متعهم متاعا هل من مناص و هو الملجأ و المفر- یقال ناص عن قرنه مناصا أی فر و راوغ- قال سبحانه وَ لاتَ حِینَ مَناصٍ- .

و المحار المرجع من حار یحور أی رجع- قال تعالى إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ یَحُورَ- . و یؤفکون یقلبون- أفکه یأفکه عن کذا قلبه عنه إلى غیره- و مثله یصرفون- . و قید قده مقدار قده- یقال قرب منه قید رمح و قاد رمح- و المراد هاهنا هو القبر لأنه بمقدار قامه الإنسان- . و المنعفر الذی قد لامس العفر و هو التراب- . ثم قال ع الآن و الخناق مهمل- تقدیره اعملوا الآن و أنتم مخلون متمکنون- لم یعقد الحبل فی أعناقکم و لم تقبض أرواحکم- . و الروح یذکر و یؤنث و الفینه الوقت- و یروى و فینه الارتیاد و هو الطلب- . و أنف المشیه أول أوقات الإراده و الاختیار- . قوله و انفساح الحوبه أی سعه وقت الحاجه- و الحوبه الحاجه و الأرب- قال الفرزدق

فهب لی خنیسا و اتخذ فیه منه
لحوبه أم ما یسوغ شرابها

و الغائب المنتظر هو الموت- . قال شیخنا أبو عثمان رحمه الله تعالى حدثنی ثمامه- قال سمعت جعفر بن یحیى و کان من أبلغ الناس و أفصحهم- یقول الکتابه ضم اللفظه إلى أختها- أ لم تسمعوا قول شاعر لشاعر و قد تفاخرا- أنا أشعر منک لأنی أقول البیت و أخاه- و أنت تقول البیت و ابن عمه- ثم قال و ناهیک حسنا بقول علی بن أبی طالب ع- هل من مناص أو خلاص أو معاذ أو ملاذ أو فرار أو محار- .

قال أبو عثمان و کان جعفر یعجب أیضا بقول علی ع- أین من جد و اجتهد و جمع و احتشد و بنى فشید و فرش فمهد- و زخرف فنجد
– قال أ لا ترى أن کل لفظه منها آخذه بعنق قرینتها- جاذبه إیاها إلى نفسها داله علیها بذاتها- قال أبو عثمان فکان جعفر یسمیه فصیح قریش- . و اعلم أننا لا یتخالجنا الشک فی أنه ع أفصح- من کل ناطق بلغه العرب من الأولین و الآخرین- إلا من کلام الله سبحانه و کلام رسول الله ص- و ذلک لأن فضیله الخطیب- و الکاتب فی خطابته و کتابته- تعتمد على أمرین هما مفردات الألفاظ و مرکباتها- .

أما المفردات- فأن تکون سهله سلسه غیر وحشیه و لا معقده- و ألفاظه ع کلها کذلک- فأما المرکبات فحسن المعنى و سرعه وصوله إلى الأفهام- و اشتماله على الصفات التی باعتبارها- فضل بعض الکلام على بعض- و تلک الصفات هی الصناعه- التی سماها المتأخرون البدیع- من المقابله و المطابقه و حسن التقسیم- و رد آخر الکلام على صدره و الترصیع و التسهیم و التوشیح- و المماثله و الاستعاره و لطافه استعمال المجاز- و الموازنه و التکافؤ و التسمیط و المشاکله- . و لا شبهه أن هذه الصفات کلها موجوده فی خطبه و کتبه- مبثوثه متفرقه فی فرش کلامه ع- و لیس یوجد هذان الأمران فی کلام أحد غیره- فإن کان قد تعملها و أفکر فیها- و أعمل رویته فی رصفها و نثرها- فلقد أتى بالعجب العجاب- و وجب‏أن یکون إمام الناس کلهم فی ذلک- لأنه ابتکره و لم یعرف من قبله و إن کان اقتضبها ابتداء- و فاضت على لسانه مرتجله و جاش بها طبعه بدیهه- من غیر رویه و لا اعتمال فأعجب و أعجب- . و على کلا الأمرین فلقد جاء مجلیا- و الفصحاء تنقطع أنفاسهم على أثره- و بحق ما قال معاویه لمحقن الضبی- لما قال له جئتک من عند أعیا الناس یا ابن اللخناء- أ لعلی تقول هذا- و هل سن الفصاحه لقریش غیره- .

و اعلم أن تکلف الاستدلال على أن الشمس مضیئه یتعب- و صاحبه منسوب إلى السفه- و لیس جاحد الأمور المعلومه علما ضروریا بأشد سفها- ممن رام الاستدلال بالأدله النظریه علیها

شرح ‏نهج‏ البلاغه(ابن‏ أبی ‏الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۱۰۹

خطبه ۸۱ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(فی صفه الدنیا)

۸۱ و من کلام له ع فی صفه الدنیا

مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وَ آخِرُهَا فَنَاءٌ- فِی حَلَالِهَا حِسَابٌ وَ فِی حَرَامِهَا عِقَابٌ- مَنِ اسْتَغْنَى فِیهَا فُتِنَ- وَ مَنِ افْتَقَرَ فِیهَا حَزِنَ وَ مَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ- وَ مَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ وَ مَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ- وَ مَنْ أَبْصَرَ إِلَیْهَا أَعْمَتْهُ قال الرضی رحمه الله- أقول و إذا تأمل المتأمل قوله ع و من أبصر بها بصرته- وجد تحته من المعنى العجیب و الغرض البعید- ما لا یبلغ غایته و لا یدرک غوره- لا سیما إذا قرن إلیه قوله و من أبصر إلیها أعمته- فإنه یجد الفرق بین أبصر بها- و أبصر إلیها واضحا نیرا و عجیبا باهرا العناء التعب- و ساعاها جاراها سعیا و واتته طاوعته- . و نظر الرضی إلى قوله أولها عناء و آخرها فناء- فقال

و أولنا العناء إذا طلعنا
إلى الدنیا و آخرنا الذهاب‏

و نظر إلى قوله ع فی حلالها حساب و فی حرامها عقاب- بعض الشعراء فقال-

الدهر یومان فیوم مضى
عنک بما فیه و یوم جدید

حلال یومیک حساب و فی‏
حرام یومیک عذاب شدید

تجمع ما یأکله وارث
و أنت فی القبر وحید فرید

إنی لغیری واعظ تارک‏
نفسی و قولی من فعالی بعید

حلاوه الدنیا و لذاتها
تکلف العاقل ما لا یرید

و من المعنى أیضا قول بعضهم-

حلالها حسره تفضی إلى ندم
و فی المحارم منها الغنم منزور

و نظر الحسن البصری إلى قوله ع من استغنى فیها فتن- و من افتقر فیها حزن- فقال و قد جاءه إنسان یبشره بمولود له ذکر- لیهنک الفارس یا أبا سعید فقال بل الراجل- ثم قال لا مرحبا بمن إن کان غنیا فتننی- و إن کان فقیرا أحزننی- و إن عاش کدنی و إن مات هدنی- ثم لا أرضى بسعیی له سعیا و لا بکدحی له کدحا- حتى أهتم بما یصیبه بعد موتی- و أنا فی حال لا ینالنی بمساءته حزن و لا بسروره جذل- . و نظر ابن المعتز إلى قوله ع- من ساعاها فاتته و من قعد عنها واتته- فقال الدنیا کظلک کلما طلبته زاد منک بعدا- . و نظرت إلى قوله ع و من أبصر بها بصرته- و من أبصر إلیها أعمته فقلت-

دنیاک مثل الشمس تدنی إلیک
الضوء لکن دعوه المهلک‏

إن أنت أبصرت إلى نورها
تعش و إن تبصر به تدرک‏

فإن قلت المسموع أبصرت زیدا- و لم یسمع أبصرت إلى زید- قلت یجوز أن یکون قوله ع و من أبصر إلیها- أی و من أبصر متوجها إلیها- کقوله فِی تِسْعِ آیاتٍ إِلى‏ فِرْعَوْنَ- و لم یقل مرسلا و یجوز أن یکون- أقام ذلک مقام قوله نظر إلیها لما کان مثله- کما قالوا فی دخلت البیت و دخلت إلى البیت- أجروه مجرى ولجت إلى البیت لما کان نظیره

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی ‏الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۱۷

خطبه ۸۰ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۸۰ و من کلام له ع

أَیُّهَا النَّاسُ الزَّهَادَهُ قِصَرُ الْأَمَلِ- وَ الشُّکْرُ عِنْدَ النِّعَمِ وَ التَّوَرُّعُ عِنْدَ الْمَحَارِمِ- فَإِنْ عَزَبَ ذَلِکَ عَنْکُمْ فَلَا یَغْلِبِ الْحَرَامُ صَبْرَکُمْ- وَ لَا تَنْسَوْا عِنْدَ النِّعَمِ شُکْرَکُمْ- فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَیْکُمْ بِحُجَجٍ مُسْفِرَهٍ ظَاهِرَهٍ- وَ کُتُبٍ بَارِزَهِ الْعُذْرِ وَاضِحَهٍ فسر ع لفظ الزهاده- و هی الزهد بثلاثه أمور- و هی قصر الأمل- و شکر النعمه و الورع عن المحارم- فقال لا یسمى الزاهد زاهدا حتى یستکمل هذه الأمور الثلاثه- ثم قال فإن عزب ذلک عنکم أی بعد- فأمران من الثلاثه لا بد منهما و هما الورع و شکر النعم- جعلهما آکد و أهم من قصر الأمل- . و اعلم أن الزهد فی العرف المشهور- هو الإعراض عن متاع الدنیا و طیباتها- لکنه لما کانت الأمور الثلاثه طریقا موطئه إلى ذلک- أطلق ع لفظ الزهد علیها على وجه المجاز- . و قوله فقد أعذر الله إلیکم أی بالغ- یقال أعذر فلان فی الأمر أی بالغ فیه- و یقال ضرب فلان فأعذر أی أشرف على الهلاک- و أصل اللفظه من العذر- یرید أنه‏ قد أوضح لکم بالحجج النیره المشرقه- ما یجب اجتنابه و ما یجب فعله- فإن خالفتم استوجبتم العقوبه- فکان له فی تعذیبکم العذر

الآثار و الأخبار الوارده فی الزهد

و الآثار الوارده فی الزهد کثیره-قال رسول الله ص أفلح الزاهد فی الدنیا- حظی بعز العاجله و بثواب الآخرهو قال ص من أصبحت الدنیا همه و سدمه- نزع الله الغنى من قلبه و صیر الفقر بین عینیه- و لم یأته من الدنیا إلا ما کتب له- و من أصبحت الآخره همه و سدمه نزع الله الفقر عن قلبه- و صیر الغنى بین عینیه و أتته الدنیا و هی راغمهو قال ع للضحاک بن سفیان ما طعامک- قال اللحم و اللبن- قال ثم یصیر إلى ما ذا قال إلى ما علمت- قال فإن الله ضرب ما یخرج من ابن آدم مثلا للدنیا- .

و کان الفضیل بن عیاض یقول لأصحابه إذا فرغ من حدیثه- انطلقوا حتى أریکم الدنیا فیجی‏ء بهم إلى المزبله- فیقول انظروا إلى عنبهم و سمنهم و دجاجهم و بطهم- صار إلى ما ترون- .و من الکلام المنسوب إلى المسیح ع الدنیا قنطره فاعبروها و لا تعمروهاسئل رسول الله ص عن قوله سبحانه- فَمَنْ یُرِدِ اللَّهُ أَنْ یَهْدِیَهُ‏ یَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ- فقال إذا دخل النور القلب انفسح فذلک شرح الصدر- فقیل أ فلذلک علامه یعرف بها قال نعم- الإنابه إلى دار الخلود و التجافی عن دار الغرور- و الاستعداد للموت قبل نزوله قالوا أوحى الله تعالى إلى نبی من الأنبیاء- اتخذ الدنیا ظئرا و اتخذ الآخره أما- . الشعبی ما أعلم لنا و للدنیا مثلا إلا قول کثیر-

أسیئی بنا أو أحسنی لا ملومه
لدینا و لا مقلیه إن تقلت‏

بعض الصالحین المستغنی عن الدنیا بالدنیا- کالمطفئ النار بالتبن- . و فی بعض الکتب القدیمه الإلهیه- قال الله للدنیا من خدمنی فاخدمیه- و من خدمک فاستخدمیه- . دخل محمد بن واسع على قتیبه بن مسلم- و علیه مدرعه من صوف فقال ما هذه- فسکت فأعاد علیه السؤال- فقال أکره أن أقول زهدا فأزکی نفسی أو فقرا فأشکو ربی- . قیل فی صفه الدنیا و الآخره- هما کضرتین إن أرضیت إحداهما أسخطت الأخرى- .

قیل لمحمد بن واسع إنک لترضى بالدون- قال إنما رضی بالدون من رضی بالدنیا- . خطب أعرابی کان عاملا لجعفر بن سلیمان- على ضریه یوم جمعه خطبه- لم یسمع أوجز منها و لا أفصح- فقال إن الدنیا دار بلاغ و إن الآخره دار قرار- فخذوا من ممرکم لمستقرکم- و لا تهتکوا أستارکم عند من لا تخفى علیه أسرارکم- و أخرجوا من الدنیا قلوبکم قبل أن تخرج منها أبدانکم- ففیها جئتم و لغیرها خلقتم- إن المرء إذا هلک قال الناس ما ترک- و قالت الملائکه ما قدم- فلله آثارکم قدموا بعضا یکن لکم-و لا تؤخروا کلا فیکون علیکم أقول قولی هذا- و أستغفر الله و المدعو له الخلیفه ثم الأمیر جعفر و نزل- . أبو حازم الأعرج الدنیا کلها غموم- فما کان فیها سرورا فهو ربح- . محمد بن الحنفیه من عزت علیه نفسه هانت علیه الدنیا- .

قیل لعلی بن الحسین ع من أعظم الناس خطرا- قال من لم یر الدنیا لنفسه خطراقال المسیح ع لأصحابه حب الدنیا رأس کل خطیئه- و اقتناء المال فیها داء عظیم- قالوا له کیف ذلک- قال لا یسلم صاحبه من البغی و الکبر قیل فإن سلم منهما- قال یشغله إصلاحه عن ذکر اللهأشرف أبو الدرداء على أهل دمشق- فقال یا أهل دمشق تبنون ما لا تسکنون- و تجمعون ما لا تأکلون و تأملون ما لا تدرکون- أین من کان قبلکم بنوا شدیدا- و أملوا بعیدا و جمعوا کثیرا- فأصبحت مساکنهم قبورا و جمعهم بورا و أملهم غرورا- . قال المأمون لو سئلت الدنیا عن نفسها- لم تسطع أن تصف نفسها بأحسن من قول الشاعر-

إذا امتحن الدنیا لبیب تکشفت
له عن عدو فی ثیاب صدیق‏

و قال رجل یا رسول الله کیف لی أن أعلم أمری- قال إذا أردت شیئا من أمور الدنیا فعسر علیک فاعلم أنک بخیر- و إذا أردت شیئا من أمر الدنیا فیسر لک- فاعلم أنه شر لکقال رجل لیونس بن عبید- إن فلانا یعمل بعمل الحسن البصری- فقال و الله ما أعرف أحدا یقول بقوله- فکیف یعمل بعمله قیل فصفه لنا- قال کان إذا أقبل‏ فکأنه أقبل من دفن حبیب- و إذا جلس فکأنه أسیر أجلس لضرب عنقه- و إذا ذکرت النار فکأنها لم تخلق إلا له- .

و قال بعض الصالحین لرجل یا فلان- هل أنت على حال أنت فیها مستعد للموت قال لا- قال فهل أنت عالم بأنک تنتقل إلى حال ترضى به قال لا- قال أ فتعلم بعد الموت دارا فیها مستعتب قال لا- قال أ فتأمن الموت أن یأتیک صباحا أو مساء قال لا- قال أ فیرضى بهذه الحال عاقل- و قال أبو الدرداء أضحکتنی ثلاث و أبکتنی ثلاث- أضحکنی مؤمل الدنیا و الموت یطلبه- و غافل و لیس بمغفول عنه- و ضاحک مل‏ء فیه لا یدرى أ راض عنه الله أم ساخط- و أبکانی فراق محمد و حزبه و أبکانی هول الموت- و أبکانی هول الموقف یوم تبدو السرائر- حین لا أدری أ یؤخذ بی إلى جنه أم إلى نار- . و کان عبد الله بن صغیر یقول- أ تضحک و لعل أکفانک قد خرجت من عند القصار- و کان یقال من أتى الذنب ضاحکا دخل النار باکیا- . و کان مالک بن دینار یقول- وددت أن رزقی فی حصاه أمصها حتى أبول- فلقد اختلفت إلى الخلاء حتى استحییت من ربی- .

و قال رسول الله ص لا یبلغ العبد أن یکون من المتقین- حتى یدع ما لیس به بأس حذرا عما به البأس و قال المسیح ع بحق أقول لکم إن من طلب الفردوس فخبز الشعیر- و النوم على المزابل مع الکلاب له کثیر- . و أوصى ابن محرز رجلا- فقال إن استطعت أن تعرف و لا تعرف و تسأل و لا تسأل- و تمشی و لا یمشى إلیک فافعل- .

و قال علی ع طوبى لمن عرف الناس و لم یعرفوه تعجلت له منیته- و قل تراثه و فقد باکیاته – . و کان یقال فی الجوع ثلاث خصال- حیاه للقلب و مذله للنفس- و یورث العقل الدقیق من المعانی- . و قال رجل لإبراهیم بن أدهم أرید أن تقبل منی دراهم- قال إن کنت غنیا قبلتها منک- و إن کنت فقیرا لم أقبلها- قال فإنی غنی قال کم تملک قال ألفی درهم- قال أ فیسرک أن تکون أربعه آلاف قال نعم- قال لست بغنی و دراهمک لا أقبلها- . و کان أبو حازم الأعرج إذا نظر إلى الفاکهه فی السوق- قال موعدک الجنه إن شاء الله تعالى- . و مر أبو حازم بالقصابین- فقال له رجل منهم یا أبا حازم هذا سمین فاشتر منه- قال لیس عندی دراهم قال أنا أنظرک- قال فأفکر ساعه ثم قال أنا أنظر نفسی- .

نزل الحجاج فی یوم حار على بعض المیاه و دعا بالغداء- و قال لحاجبه انظر من یتغدى معی- و اجهد ألا یکون من أهل الدنیا- فرأى الحاجب أعرابیا نائما- علیه شمله من شعر فضربه برجله- و قال أجب الأمیر فأتاه فدعاه الحجاج إلى الأکل- فقال دعانی من هو خیر من الأمیر فأجبته قال من هو- قال الله دعانی إلى الصوم فصمت- قال أ فی هذا الیوم الحار قال نار جهنم أشد حرا- قال أفطر و تصوم غدا- قال إن ضمنت لی البقاء إلى غد قال لیس ذلک إلی- قال فکیف أدع عاجلا لآجل لا تقدر علیه- قال إنه طعام طیب- قال إنک لم تطیبه و لا الخباز و لکن العافیه طیبته لک- .

و قال شبیب کنا سنه فی طریق مکه- فجاء أعرابی فی یوم صائف شدید الحر-و معه جاریه سوداء و صحیفه- فقال أ فیکم کاتب قلنا نعم و حضر غداؤنا- فقلنا له لو دخلت فأصبت من طعامنا قال إنی صائم- قلنا الحر و شدته و جفاء البادیه- فقال إن الدنیا کانت و لم أکن فیها- و ستکون و لا أکون فیها و ما أحب أن أغبن أمامی- ثم نبذ إلینا الصحیفه- فقال للکاتب اکتب و لا تزد على ما أملیه علیک- هذا ما أعتق عبد الله بن عقیل الکلبی- أعتق جاریه له سوداء اسمها لؤلؤه- ابتغاء وجه الله و جواز العقبه- و إنه لا سبیل له علیها إلا سبیل الولاء- و المنه لله علینا و علیها واحده- .

قال الأصمعی فحدث بذلک الرشید- فأمر أن یعتق عنه ألف نسمه و یکتب لهم هذا الکتاب- . و قال خالد بن صفوان بت لیلتی هذه أتمنى- فکبست البحر الأخضر بالذهب الأحمر- فإذا الذی یلقانی من ذلک رغیفان و کوزان و طمران- . و رأى رجل رجلا من ولد معاویه یعمل على بعیر له- فقال هذا بعد ما کنتم فیه من الدنیا- قال رحمک الله یا ابن أخی ما فقدنا إلا الفضول- . و قال الحسن یا ابن آدم- إنما أنت أیام مجموعه کلما ذهب یوم ذهب بعضک- . قال یونس الکاتب- لو قیل بیت درید فی زاهد کان به جدیرا-

قلیل التشکی للمصیبات ذاکر
من الیوم أعقاب الأحادیث فی غد

و قال الحسن ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل- . و قال رجل للفضیل بن عیاض ما أعجب الأشیاء- قال قلب عرف الله ثم عصاه- . قال وکیع ما أحسنت قط إلى أحد و لا أسأت إلیه قیل کیف- قال لأن الله تعالى قال- إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِکُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهاو قال الحسن لرجل- إن استطعت ألا تسی‏ء إلى أحد ممن تحبه فافعل- قال الرجل یا أبا سعید أ و یسی‏ء المرء إلى من یحبه- قال نعم نفسک أحب النفوس إلیک- فإذا عصیت الله فقد أسأت إلیها- . و کان مالک بن دینار إذا منع نفسه شیئا من الشهوات- قال اصبری فو الله ما منعک إلا لکرامتک علی- .قام رسول الله ص اللیل حتى تورمت قدماه- فقیل له یا رسول الله أ تفعل هذا- و قد غفر الله ما تقدم من ذنبک و ما تأخر- قال أ فلا أکون عبدا شکورا- .

و قال عبد الله بن مسعود- لا یکونن أحدکم جیفه لیله قطرب نهاره- . و کان یقال من کثرت صلاته باللیل حسن وجهه بالنهار- . و کان مالک بن دینار یقول فی قصصه- ما أشد فطام الکبر و ینشد-

أ تروض عرسک بعد ما هرمت
و من العناء ریاضه الهرم‏

و قال آخر-

إن کنت تؤمن بالقیامه
و اجترأت على الخطیئه

فلقد هلکت و إن‏جحدت فذاک أعظم للبلیه

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی‏ الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۳۰