خطبه۱۳۲ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

القسم الأول

وَ انْقَادَتْ لَهُ الدُّنْیَا وَ الْآخِرَهُ بِأَزِمَّتِهَا- وَ قَذَفَتْ إِلَیْهِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرَضُونَ‏ مَقَالِیدَهَا- وَ سَجَدَتْ لَهُ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصَالِ الْأَشْجَارُ النَّاضِرَهُ- وَ قَدَحَتْ لَهُ مِنْ قُضْبَانِهَا النِّیرَانَ الْمُضِیئَهَ- وَ آتَتْ أُکُلَهَا بِکَلِمَاتِهِ الثِّمَارُ الْیَانِعَهُ

اللغه

أقول: المقالید: المفاتیح جمع مقلد بکسر المیم. و الیانع من التمار: المدرک.

و هذا الفصل یشتمل على تمجید اللّه سبحانه و إظهار عظمه سلطانه.

فانقیاد الدنیا و الآخره له بأزمّتها: دخولها ذلّ الإمکان و الحاجه إلیه.

و قوله: و قذفت إلیه السماوات و الأرضون مقالیدها. کقوله تعالى «لَهُ مَقالِیدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ»«» قال ابن عبّاس و مقاتل: المراد بمفاتیح السماوات و الأرض الرزق و الرحمه، و قال اللیث: القلاد: الخزانه. و مقالید السماوات و الأرض خزائنهما، و أقول: لفظ القذف مجاز فی تسلیمها و انقیادها بزمام الحاجه و الإمکان إلى قدرته مع جمیع ما هى سبب فی وجوده فی هذا العالم ممّا هو رزق و رحمه للخلق، و کذلک لفظ المفاتیح على رأى ابن عبّاس استعاره للأسباب المعدّه للأرزاق و الرحمه، و تلک الأسباب کحرکات السماوات و اتّصالات بعض الکواکب ببعض و کاستعدادات الأرض للنبات و غیره، و وجه الاستعاره أنّ هذه الأسباب باعدادها الموادّ الأرضیّه تفتح بها خزائن الجود الإلهىّ کما تفتح الأبواب المحسوسه بمفاتیحها، و کلّها مسلّمه إلى حکمه و جریانها بمشیئته، و على قول اللیث فلفظ الخزائن استعاره فی موادّها و استعدادتها، و وجه الاستعاره أنّ تلک الموادّ و الاستعدادات تکون فیها بالقوّه و الفعل جمیع المحدثات من الأرزاق و غیرها کما یکون فی الخزائن ما یحتاج إلیه. و سجود الأشجار الناضره له بالغدوّ و الآصال: خضوعها و ذلّها تحت قدرته و حاجتها إلى جوده، و نسب قدح النیران إلیها لما أنّها السبب المادّىّ و إن کان القدح حقیقه فی فعال السبب الفاعلیّ القریب، و جعل ذلک له تعالى لأنّه الفاعل الأوّل. و قوله: و آتت. إلى آخره.

فأراد بکلماته أوامره و أحکام قدرته المعبّر عنها بقوله: کن، و إطلاق الکلمات علیها استعاره وجهها نفوذ تلک الأحکام فی المحکومات کنفوذ الأوامر القولیّه فی المأمورات، و أراد بإتیان الثمار دخولها طوعا فی الوجود المعبّر عنه بقوله تعالى «فَیَکُونُ». و باللّه التوفیق و العصمه.

القسم الثانی منها:

وَ کِتَابُ اللَّهِ بَیْنَ أَظْهُرِکُمْ- نَاطِقٌ لَا یَعْیَا لِسَانُهُ- وَ بَیْتٌ لَا تُهْدَمُ أَرْکَانُهُ- وَ عِزٌّ لَا تُهْزَمُ أَعْوَانُهُ

أقول: هذا الفصل کأنّه فی معرض التوبیخ على ترک أوامر اللّه و مخالفه أحکامه
و یشبه أن یکون الواو للحال کأنّه یقول: تفعلون کذا و کتاب اللّه بین أظهرکم ناطق، و کونه بین أظهرهم کنایه عن وجوده بینهم مع أنّ من شأنه أن یستند إلیه، و استعار لفظ الناطق للکتاب باعتبار أن المکتوب یعبّر عن المقصود کما أنّ الناطق کذلک، و لفظ اللسان و أنّه لا یعیا ترشیح للاستعاره کنّى بها عن بیان الکتاب على مرور الأوقات، و یحتمل أن یرید باللسان نفسه علیه السّلام مجازا. إذ کان هو لسان الکتاب الّذی لا یفتر و لا یقصر عن بیان مقاصده، و کذلک استعار لفظ البیت باعتبار کونه حافظا لحافظیه و العاملین به کما یحفظ البیت أهله، و أرکانه: قواعده الکلّیّه الّتى یبنى علیها نظام العالم من الأوامر و النواهى و المواعظ و الحکم، و تلک القواعد لا تکاد تنهدم فی وقت من الأوقات. إذ الحکم الکلّیّه صالحه لجمیع الأوقات، و کونه عزّا مجاز إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه. إذ کان حفظه و العمل به مستلزما للعزّ الدائم الّذی لا یعرض له ذلّ، و أعوانه هم اللّه و ملائکته و رسله و أولیاؤه.
و أولئک أعوان لا خوف علیهم و لا انهزام لجمعیّتهم من أمر. و باللّه التوفیق.

القسم الثالث منها:

أَرْسَلَهُ عَلَى حِینِ فَتْرَهٍ مِنَ الرُّسُلِ- وَ تَنَازُعٍ مِنَ الْأَلْسُنِ- فَقَفَّى بِهِ الرُّسُلَ وَ خَتَمَ بِهِ الْوَحْیَ- فَجَاهَدَ فِی اللَّهِ الْمُدْبِرِینَ عَنْهُ وَ الْعَادِلِینَ بِهِ

اللغه
أقول: قفّى به: اتّبع به من قبله.

و غرض الفصل الثناء على الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.
فقوله: أرسله. إلى قوله: الألسن. بیان لبعض أمارات النبوّه فإنّ منها الزمان المتطاول الّذى تندرس فیه الشریعه السابقه و القوانین الّتی بها نظام العالم و یحتاج الخلق إلى قوانین مجدّده لنظام أحوالهم. و حینئذ تجب بعثه رسول. و کان الفتره بین عیسى و محمّد علیهما السّلام ستّه مأئه و عشرین سنه، و منها تنازع الألسن و اختلاف الخلق فی الآراء و المذاهب و قلّه الاتّفاق على قانون شرعىّ جامع لهم. فقوله: فقفّى به الرسل. کقوله تعالى «وَ قَفَّیْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ»«».

و قوله: و ختم به الوحى. کقوله «وَ خاتَمَ النَّبِیِّینَ» و هذا الختام مستفاد من الشریعه و لیس للعقل فی الحکم بانقطاع الرسل فیما بعد مجال بل ذلک من الامور الممکنه عنده. و المدبرون عن اللّه: المعرضون عن اتّباع أوامره و نواهیه. و العادلون به: الجاعلون له عدیلا و هو الندّ و المثل کالمشرکین- تعالى عمّا یقولون علوّا کبیرا- و نسبه المجاهده إلى اللّه تعالى استعاره، و وجهها أنّه تعالى رمى بمحمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم المشرکین کما یرمى المجاهد بنفسه و أعوانه مجاهدیه. و باللّه التوفیق.

القسم الرابع منها:

وَ إِنَّمَا الدُّنْیَا مُنْتَهَى بَصَرِ الْأَعْمَى- لَا یُبْصِرُ مِمَّا وَرَاءَهَا شَیْئاً- وَ الْبَصِیرُ یَنْفُذُهَا بَصَرُهُ- وَ یَعْلَمُ أَنَّ الدَّارَ وَرَاءَهَا- فَالْبَصِیرُ مِنْهَا شَاخِصٌ- وَ الْأَعْمَى إِلَیْهَا شَاخِصٌ- وَ الْبَصِیرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدٌ- وَ الْأَعْمَى لَهَا مُتَزَوِّدٌ

اللغه
أقول: الشاخص: الذاهل و المسافر، و الشاخص أیضا الّذی یرفع بصره إلى الشی‏ء و یمدّه إلیه.

و هذا الفصل مع قلّه ألفاظه یشتمل على لطائف:
فالاولى: أنّ الدنیا منتهى بصر الأعمى شیئا
و استعار لفظ الأعمى للجاهل کقوله تعالى «أَ فَلَمْ یَسِیرُوا فِی الْأَرْضِ فَتَکُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ یَعْقِلُونَ بِها أَوْ»«» و وجه الاستعاره أنّ الجاهل لا یدرک بعین بصیرته الحقّ کما لا یدرک الأعمى من المبصرات، و أشار بقوله: لا یبصر من ورائها شیئا إلى جهله بأحوال الموت و ما بعده من سعاده الآخره و شقاوتها.
فإن قلت: إنّه أثبت للأعمى العمى، و أثبت أنّه یبصر الدنیا و ذلک نوع مناقضه.
قلت: إنّه لمّا أراد بالأعمى أعمى البصیره و هو الجاهل استعاره لم یکن فی إثبات البصر الحسّى له و نظر الدنیا به مناقضه، و یحتمل أن یرید ببصره أیضا بصر بصیرته استعاره، و ظاهر أن منتهى بصر بصیره الجاهل التصرّف فی أحوال الدنیا و کیفیّه تحصیلها و التمتّع بها دون أن یفیده عبره لما ورائها من أحوال الآخره.

الثانیه: قوله: و البصیر ینفذها بصره
استعار لفظ البصیر للعالم، و نفوذ بصره کنایه عن إدراکه ما وراء الدنیا من أحوال الآخره و علمه أنّها دار القرار.

الثالثه: قوله: فالبصیر منها شاخص
أى راحل مسافر قد جعلها طریقا له إلى الآخره، و الأعمى إلیها شاخص: أى متطلّع إلیها بعین بصیرته و وهمه و إن کان أعمى عن مصالحه الحقیقیّه و عن آفاتها و طرقها المخوفه، و فی هذه الکلمه مع الّتی قبلها من أقسام البدیع التجنیس التامّ و المطابقه بین الأعمى و البصیر.
الرابعه: قوله: و البصیر منها متزوّد

أى بالتقوى و الأعمال الصالحه فی سفره إلى اللّه تعالى، و الأعمى لها متزوّد: أى متّخذ للذّاتها و قیناتها زادا له فی قطعها مدّه عمره قد جعل ذلک هو الزاد الحقیقىّ و الکمال الّذی ینبغی له و هی فی البدیع کالّتی قبلها. و باللّه التوفیق.

 

القسم الخامس منها

وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَیْسَ مِنْ شَیْ‏ءٍ- إِلَّا وَ یَکَادُ صَاحِبُهُ یَشْبَعُ مِنْهُ- وَ یَمَلُّهُ إِلَّا الْحَیَاهَ فَإِنَّهُ لَا یَجِدُ فِی الْمَوْتِ رَاحَهً- وَ إِنَّمَا ذَلِکَ بِمَنْزِلَهِ الْحِکْمَهِ- الَّتِی هِیَ حَیَاهٌ لِلْقَلْبِ الْمَیِّتِ- وَ بَصَرٌ لِلْعَیْنِ الْعَمْیَاءِ- وَ سَمْعٌ لِلْأُذُنِ الصَّمَّاءِ- وَ رِیٌّ لِلظَّمْآنِ وَ فِیهَا الْغِنَى کُلُّهُ وَ السَّلَامَهُ- کِتَابُ اللَّهِ تُبْصِرُونَ بِهِ- وَ تَنْطِقُونَ بِهِ وَ تَسْمَعُونَ بِهِ- وَ یَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ- وَ یَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ- وَ لَا یَخْتَلِفُ فِی اللَّهِ- وَ لَا یُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللَّهِ- قَدِ اصْطَلَحْتُمْ عَلَى الْغِلِّ فِیمَا بَیْنَکُمْ- وَ نَبَتَ الْمَرْعَى عَلَى دِمَنِکُمْ- وَ تَصَافَیْتُمْ عَلَى حُبِّ الْآمَالِ- وَ تَعَادَیْتُمْ فِی کَسْبِ الْأَمْوَالِ- لَقَدِ اسْتَهَامَ بِکُمُ الْخَبِیثُ وَ تَاهَ بِکُمُ الْغُرُورُ- وَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِی وَ أَنْفُسِکُمْ

اللغه
أقول: الدمن: ما تلبّد من آثار الناس و ما اسوّد و هو جمع دمنه: و الغلّ: الغشّ و الحقد.

المعنى
و قد استثنى الحیاه ممّا یشبع منه و یملّ ثمّ علّل عدم ملال الحیاه بفقدان الراحه فی الموت. قال بعض الشارحین: إنّ فقدان الراحه فی الموت مخصوص بأهل الشقاوه فی الآخره فأمّا أولیاء اللّه و عباده الصالحون فلهم فی الموت الراحه الکبرى کما أشار إلیه سیّد المرسلین صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: لیس للمؤمن راحه دون لقاء اللّه. و قال بعضهم: بل یحمل على العموم مراعاه لظاهر الکلام و ذلک من وجهین:

أحدهما: أنّ بالموت یفوت متجر الآخره و ینقطع الاستعداد لکمال أشرف ممّا حصل علیه المیّت و إن کان ولیّا فلا جرم لا یجد الراحه الّتى تلحقه بما یفوته من ذلک الکمال.

الثانی: أنّ النفوس البشریّه لمّا لم یکن معارفها ضروریّه و لم یتمکّن ما دامت فی هذه الأبدان من الاطّلاع على ما بعد الموت من سعاده أو شقاوه فبالحریّ أن لا تجد لها راحه تتصوّرها فی الموت. قال: و ذلک لا ینافی الخبر: لیس للمؤمن راحه دون لقاء اللّه: أمّا على الوجه الأوّل فلأنّ الراحه الحاصله من الکمال الفائت بالموت لا تحصل له و إن حصل على راحه ما بحسب طاعته السابقه، و أمّا على الثانی فلأنّ المؤمن لا یجد له ما دام فی الدنیا راحه فی الموت و ذلک لا ینافی أن تحصل له الراحه عند لقاء اللّه کما نقل أنّ الحسن علیه السّلام لمّا آن سفره إلى الآخره بکى فقال له أخوه الحسین علیه السّلام: ما لى أراک تکاد تجزع مع یقینک بأنّک تقدم حیث تقدم على جدّک و أبیک. فقال: نعم یا أخى لا شکّ فی ذلک إلّا أنّنى سالک مسلکا لا أسلکه من قبل.

و أقول: إن کان مراده علیه السّلام بقوله: لا یجد فی الموت راحه: أى فی نفس الموت مع قطع النظر عن غیره من أحوال الآخره فالحقّ قول من عمّم فقدان الراحه فی حق الجمیع. إذ الموت من حیث هو موت لا راحه فیه لأحد من الناس کافّه، و إن کان مراده فقدان الراحه فی الموت و ما بعده فالحقّ التخصیص بأهل الشقاوه الدائمه. فإنّ شدّه محبّه الحیاه و نقصانها متفاوته بحسب تصوّر زیاده الراحه فی الآخره و نقصانها، و ذلک ظاهر عند اعتبار أهل الدنیا المقبلین علیها بالکلّیّه، و أهل الآخره المقبلین علیها بالکلّیّه، و من بینهم من طبقات السالکین.

و قوله: و إنّما ذلک. أى الأمر الّذی هو أحقّ بأن لا یملّ و لا یشبع منه بمنزله الحکمه: أی ما کان بمنزله الحکمه، و الحکمه فی لسان الشریعه هى العلم النافع فی الآخره، و قد یطلق على ما هو أعمّ من ذلک. ثمّ ذکر لها أوصافا: الأوّل: أنّها حیاه للقلب المیّت، و قد مرّ أنّ القلب فی عرف العارفین هى النفس الإنسانیّه، و استعار للحکمه لفظ الحیاه، و وجه المشابهه کون الحیاه بها وجود القلب و بقائه کما أنّ الحکمه بها بقاء الإنسان و سعادته فی الدارین، و کذلک استعار لفظ المیّت للقلب الجاهل باعتبار أنّه غیر مطّلع على وجوه مصالحه و مفاسده‏ فی الدارین غیر مهتد لانتفاع أو دفع تضرّر کالمیّت.

الثانی: استعار لفظ البصر للحکمه، و وصف العمیاء لعین الجاهل. ثمّ یجوز أن یکون لفظ العین أیضا استعاره فی بصیره الجاهل، و یجوز أن یکون المراد حقیقته، و وجه الاستعاره الاولى: أنّ بالحکمه یبصر الإنسان مقاصده و یهتدى وجوه مصالحه الدنیویّه و الاخرویّه کما یهتدى البصیر بعینه وجوه مسالکه و مقاصده، و وجه الثانیه: أنّ بصیره الجاهل لا تهتدى لتلک الوجوه کما لا تهتدى العین العمیاء إلى شی‏ء، و وجه الثالثه: أنّ بصر الجاهل تابع لبصیرته فإقدامه و إحجامه و تصرّفاته المنسوبه إلى حسّ البصر و غیره تابعه لما یتصوّره، و لمّا کانت تلک التصرّفات غیر نافعه فی الأکثر بل قد یکون ضارّه لا جرم أشبهت عینه الباصره الّتی وقع بها سوء ذلک التصرف العین العمیاء فاستعیر لها لفظها و کذلک استعار لفظ السمع و لفظ الصّماء للاذن، و وجه الاستعارات ما سبق فإنّ المراد بالسمع إدراک البصیره.

و الاذن یحتمل أن یراد بها البصیره استعاره، أو الاذن المحسوسه، و کذلک استعار لفظ الرّى للحکمه، و لفظ الظمآن للجاهل، و وجه الاولى: أنّ الحکمه تملأ النفس و تجدها شفاء لها من داء الجهل کما یملأ الماء جوف الظمآن و ینقع غلّته و یشفى من ألم الظماء، و وجه الثانیه: أنّ الجاهل یلحقه ألم الجهل و یکون سببا لموته فی الآخره کما یلحق الظمآن ألم الظمأ. الثالث: أنّ فیها الغنى کلّه و السلامه، و أراد بالغنى غنى النفس عن کلّ شی‏ء و کمالها بها فإنّ غایه الحکمه الوصول إلى الحقّ سبحانه و الغرق فی بحار معرفته و فی ذلک غنى العارفین عن کلّ شی‏ء، و أراد بالسلامه سلامه النفوس من عذاب الجهل. إذ ثبت فی اصول الحکمه أنّه السبب الأکبر فی الهلاک الاخروىّ. قوله: کتاب اللّه. خبر مبتدأ: إمّا خبر ثان لذلک، و ما کان بمنزله الحکمه خبر أوّل، أو لمبتدأ محذوف تقدیره و هو کتاب اللّه، و یحتمل أن یکون عطف بیان لما کان بمنزله الحکمه و ذکر له أوصافا:

الأوّل: قوله: تبصرون به. إشاره إلى اشتمال الکتاب على الحکمه، و وجه شبهه بها أنّ به إبصار الجاهلین لمقاصدهم الدنیویّه و الاخرویّه لما فیه من الحکمه.

الثانی: و کذلک ینطقون به.

الثالث: و یسمعون به.

الرابع: قوله: ینطق بعضه ببعض. أى یفسّر بعضه ببعض کالمبیّن المفسّر للمجمل، و المقیّد المبیّن للمطلق، و المخصّص المبیّن للعامّ.

الخامس: و یشهد بعضه على بعض: أى یستشهد ببعضه على أنّ المراد بعض آخر و هو قریب ممّا قبله.

السادس: قوله: و لا یختلف فی اللّه. أی لمّا کان مدار الکتاب على بیان القواعد الکلّیّه الّتی بها یکون صلاح حال نوع الإنسان فی معاشه و معاده و کانت غایه ذلک الجذب إلى اللّه سبحانه و الوصول إلى جواره لم یکن فیه لفظ یختلف فی الدلاله على هذه المقاصد بل کلّه متطابق الألفاظ على مقصود واحد و هو الوصول إلى الحقّ- سبحانه- بصفه الطهاره عن نجاسات هذه الدار و إن تعدّدت الأسباب الموصله إلى ذلک المقصود.

السابع: قوله: و لا یخالف بصاحبه عن اللّه. أی لا یجوز بالمهتدین بأنواره فی سلوک سبیل اللّه عن الغایه الحقیقیّه و هو اللّه- سبحانه- . و قوله: قد اصطلحتم. إلى آخره. توبیخ للسامعین على ارتکاب رذائل الأخلاق، و استعار لفظ الاصطلاح لسکوتهم عن إنکار بعضهم على بعض ما یصدر عنه من المنکر کالغشّ و الحقد و الحسد، و اشتراکهم فی تلک الرذائل. و قوله: و نبت المرعى على دمنکم. یضرب مثلا للمتصالحین فی الظاهر مع غلّ القلوب فیما بینهم، و وجه مطابقه المثل أنّ ذلک الصلح سریع الزوال لا أصل له کما یسرع جفاف النبات فی الدمن.

و قوله: تصافیتم على حبّ الآمال. إشاره إلى وجه الصلح الّذی ذکره و لذلک اسقط حرف العطف هنا.

و قوله: و تعادیتم فی کسب الأموال. إشاره إلى وجه الغلّ الّذی أشار إلیه: أمّا الأوّل: فلأنّ الجامع للناس فی الظاهر هو ما یؤمّل کلّ من صاحبه من الانتفاع به أو دفع شرّه فیما هو بصدده من المأمولات الدنیویّه و إن انطوى له على غلّ کما هو المتعارف فی زماننا، و أمّا الثانی: فلأنّ الأحقاد و العداوات أغلب ما تکون على مجاذبه أموال الدنیا و قیناتها.

و قوله: لقد استهام بکم الخبیث. أى اشتدّ عشقه لکم و لازمکم، و أراد بالخبیث إبلیس، و ذلک تنبیه على ما یظهر منهم من آثار وسوسته و ملازمتهم لما ینهون عنه، و کذلک قوله: و تاه بکم الغرور: أى استغفلکم فتهتم فی استغفاله لکم عن سواء سبیل اللّه، و الغرور هو الشیطان کما قال تعالى «وَ لا یَغُرَّنَّکُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ»«». ثمّ ختم باستعانه اللّه تعالى له و لهم على النفوس الأمّاره بالسوء: أمّا فی حقّه علیه السّلام ففی دوامها مقهوره لعقله، و أمّا فی حقّهم قهرها و قمعها. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۵۳

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۳۹شرح ابن میثم بحرانی

 

و من کلام له علیه السّلام فی النهى عن غیبه الناس

وَ إِنَّمَا یَنْبَغِی لِأَهْلِ الْعِصْمَهِ وَ الْمَصْنُوعِ إِلَیْهِمْ فِی السَّلَامَهِ- أَنْ یَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنُوبِ وَ الْمَعْصِیَهِ- وَ یَکُونَ الشُّکْرُ هُوَ الْغَالِبَ عَلَیْهِمْ- وَ الْحَاجِزَ لَهُمْ عَنْهُمْ- فَکَیْفَ بِالْعَائِبِ الَّذِی عَابَ أَخَاهُ وَ عَیَّرَهُ بِبَلْوَاهُ- أَ مَا ذَکَرَ مَوْضِعَ سَتْرِ اللَّهِ عَلَیْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ- مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِی عَابَهُ بِهِ- وَ کَیْفَ یَذُمُّهُ بِذَنْبٍ قَدْ رَکِبَ مِثْلَهُ- فَإِنْ لَمْ یَکُنْ رَکِبَ ذَلِکَ الذَّنْبَ بِعَیْنِهِ- فَقَدْ عَصَى‏ اللَّهَ فِیمَا سِوَاهُ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ- وَ ایْمُ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ یَکُنْ عَصَاهُ فِی الْکَبِیرِ- وَ عَصَاهُ فِی الصَّغِیرِ لَجُرْأَتُهُ عَلَى عَیْبِ النَّاسِ أَکْبَرُ- یَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ فِی عَیْبِ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ- فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ وَ لَا تَأْمَنْ عَلَى نَفْسِکَ صَغِیرَ مَعْصِیَهٍ- فَلَعَلَّکَ مُعَذَّبٌ عَلَیْهِ- فَلْیَکْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْکُمْ عَیْبَ غَیْرِهِ لِمَا یَعْلَمُ مِنْ عَیْبِ نَفْسِهِ- وَ لْیَکُنِ الشُّکْرُ شَاغِلًا لَهُ عَلَى مُعَافَاتِهِ مِمَّا ابْتُلِیَ بِهِ غَیْرُهُ

المعنى

أقول: أهل العصمه هم الّذین أعانهم اللّه سبحانه على قهر نفوسهم الأمّاره بالسوء حتّى صارت أسیره فی أیدى نفوسهم العاقله فحصلوا من ذلک على ملکه ترک الذنوب و الانزجار عن ولوج أبواب المحارم، و اولئک هم الّذین اصطنع اللّه إلیهم السلامه من الانحراف عن سبیله و الوقوع فی مهاوى الهلاک. فنبّههم أوّلا على ما ینبغی لهم و هو أن یرحموا أهل الذنوب. و حصول تلک الرحمه منهم باعتبارهم حال العصاه و وقوعهم فی مهاوى الهلاک. و من عاده عباد اللّه الرحمه لمن یرونه فی مهلکه بإنقاذه و إعانته على الخروج منها، و أن یکون الشکر هو الغالب علیهم و الحاجز لهم، و ذلک باعتبارهم عند مشاهده أهل المعاصى لما أنعم اللّه به علیهم من إعانته لهم على قهر شیاطینهم الّتى هى موادّ الذنوب.

و قوله: فکیف بالغایب. شروع فی تنبیه من هو دون أهل العصمه ممّن یرتکب کبیره أو صغیره على ما ینبغی له من ترک الغیبه فکأنّه قال: فهذا هو ما ینبغی لأهل العصمه فکیف یلیق بغیرهم ممّن یعیب أخاه و یعیّره ببلواه بل ینبغی لمثله أن یترک الغیبه و یشکر اللّه بالطریق الأولى. و ذلک باعتبار ستر اللّه علیه من ذنوبه ما هو أعظم ممّا عیّر أخاه به.
و تلک نعمه اللّه یجب شکره علیها، و أشار بموضع ستر اللّه علیه إلى النعمه المصطنعه عنده و هى تأهیله و إعداده له، و الاستفهام على سبیل الإنکار أخذ بالتعجّب من ذمّ العائب لأخیه على ذنب. و هو فی صوره احتجاج علیه فی ارتکابه لهذا الذنب، و ذلک قوله: و کیف یذمّه. إلى قوله: یا عبد اللّه. فکأنّه یقول: لا یجوز لأحد أن یعیب أخاه لأنّه إمّا أن یکون بذنب قد رکب العائب مثله أو أکبر منه أو أصغر. فإن کان بذنب قد رکب مثله أو أکبر کان له فی عیبه لنفسه شغل عن عیب غیره، و إن کان ارتکب أصغر منه فهو ممنوع على تقدیر جرأته على الغیبه و صدوره عنه لأنّها من الکبایر، و إنّما قال: هى أکبر ما عند اللّه. إمّا مبالغه أو لأنّ المفاسد الّتى یشتمل علیها ارتکاب سایر المنهیّات جزئیّه و مفسده الغیبه کلّیّه لأنّه لمّا کان من المقاصد المهمّه للشارع اجتماع النفوس على همّ واحد و طریقه واحده و هى سلوک سبیل اللّه بسایر وجوه الأوامر و النواهى و لن یتمّ ذلک إلّا بتعاون هممهم و تصافی بواطنهم و اجتماعهم على الالفه و المحبّه حتّى یکونوا بمنزله عبد واحد فی طاعه مولاه، و لن یتمّ ذلک إلّا بنفى الضغائن و الأحقاد و الحسد و نحوه، و کانت الغیبه من کلّ منهم لأخیه مشیره لضغنه و مستدعیه منه مثلها فی حقّه لا جرم کانت ضدّ المقصود الکلّىّ للشارع فکانت مفسده کلّیّه، و لذلک أکثر اللّه تعالى و رسوله من النهى عنها کقوله تعالى «وَ لا یَغْتَبْ بَعْضُکُمْ بَعْضاً»«» حتّى استعار لما یقترضه الغائب من عرض أخیه لفظ اللحم و زاده تقبیحا و تکریها بصفه المیّت فقال «أَ یُحِبُّ أَحَدُکُمْ أَنْ یَأْکُلَ لَحْمَ أَخِیهِ مَیْتاً» و قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: إیّاکم و الغیبه فإنّ الغیبه أشدّ من الزنا إنّ الرجل یزنی فیتوب اللّه علیه و إنّ صاحب الغیبه لا یغفر له حتّى یغفر له صاحبه، و عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مررت لیله اسرى بى فرأیت قوما یخمشون وجوههم بأظافیرهم فسألت جبرئیل عنهم.
فقال: هؤلاء الّذین یغتابون الناس، و فی حدیث البراء بن عاذب: خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حتّى أسمع العواتق فی بیوتهنّ. فقال: ألا لا تغتابوا المسلمین و لا تتّبعوا عوراتهم فمن تتّبع عوره أخیه تتّبع اللّه عورته و من تتّبع اللّه عورته یفضحه فی جوف بیته. ثمّ نهى عن الاستعجال و التسرّع إلى العیب، و نبّه على‏ وجوب ذلک الاحتمال [لانتهاء- خ- ] باحتمال أن یکون الذنب الّذی یعیب أخاه به مغفورا له و إن کان کبیرا، و ذلک لاحتمال أن یکون حاله لم تتمکّن من جوهر نفسه، و نهى عن أن یأمن على نفسه صغیر معصیه یرتکبها لاحتمال أن یعذّب علیها لصیرورتها ملکه متمکّنه من جوهر نفسه. ثمّ عاد إلى الأمر بالکفّ عن العیب باعتبار ما یعلم الإنسان من عیب نفسه، و أن یکون الشکر للّه دأبه على السلامه من التورّط فی مورد الهلکه الّذی سلکه صاحب الذنب و ابتلاه اللّه به.

و اعلم أن تعریف الغیبه یعود إلى ذکر الإنسان بما یکره نسبته إلیه ممّا یعدّ نقصانا فی العرف ذکرا على سبیل قصد الانتقاص و الذمّ سواء کان ذلک النقصان عدم کمال بدنىّ کالعور و العمى، أو نفسانىّ کالجهل و الشره و الظلم، أو عدم کمال من خارج کسقوط الأصل و دناءه الآباء. و احترزنا بالقید الأخیر فی تعریفها و هو قصد الانتقاص عن ذکر العیب للطبیب مثلا أو لاستدعاء الرحمه من السلطان فی حقّ الزمن و الأعمى بذکر نقصانهما. ثمّ الغیبه قد تکون باللسان و هی الحقیقیّه، و قد تکون بالإشاره و غیرها من سایر ما یعلم به انتقاص أخیک و التنبیه على عیبه، و تسمّى غیبه مجازا لقیامها مقام الغیبه. و لها أسباب غائیّه: أحدها: شفاء الغیظ. فانّ الإنسان کثیرا ما یشفى غیظه بذکر مساوى من غاظه. الثانی: المباهاه و التفاضل کما یقول من یتعاطى الإنشاء و الشعر: کلام فلان رکیک و شعره بارد. الثالث: اللعب و الهزل و ترجیه الوقت فیذکر غیره بما یضحک الحاضرین. الرابع: أن یستشعر من غیره أنّه سیذمّه عند السلطان مثلا فیقصد سبقه بذکر مساویه لیسقط شهادته عنده علیه، و قد تکون لها غایات أخر. و قد وردت الرخصه فی غیبه الفاسق المتجاهر بفسقه کالخمّار و المخنّث و العشّار الّذی ربّما یفتخر بعیبه و لا یستحیى منه. قال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: من ألقى جلباب الحیاء عن وجهه فلا غیبه له. لکن ترکها إلى السکوت أولى. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۷۶

 

بازدیدها: ۳

خطبه ۱۳۸شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام فی وقت الشورى

لَنْ یُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِی إِلَى دَعْوَهِ حَقٍّ- وَ صِلَهِ رَحِمٍ وَ عَائِدَهِ کَرَمٍ- فَاسْمَعُوا قَوْلِی وَ عُوا مَنْطِقِی- عَسَى أَنْ تَرَوْا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِ هَذَا الْیَوْمِ- تُنْتَضَى فِیهِ السُّیُوفُ وَ تُخَانُ فِیهِ الْعُهُودُ- حَتَّى یَکُونَ بَعْضُکُمْ أَئِمَّهً لِأَهْلِ الضَّلَالَهِ- وَ شِیعَهً لِأَهْلِ الْجَهَالَهِ

أقول: هذا من جمله کلام قاله علیه السّلام لأهل الشورى و قد ذکرنا طرفا من أخبارها.

فقوله: لن یسرع أحد. إلى قوله: و عائده کرم. تقریر لفضیلته لیسمع قوله، و لذلک قال بعده: فسمعوا قولى و عوا منطقى، و ذکر فضائل ثلاثا: الدعوه إلى الحقّ الّذی لن یسارعه أحد إلیها إلّا سرعه. و هى ثمره العداله، و صله الرحم، و عائده الکرم. و هما فضیلتان تحت ملکه العفّه. و الّذى أمرهم بسماعه هو التنبیه على عاقبه أمر الخلافه، و ما یقع فیها من الهرج و المرج بعدهم بناء على ما حضر من الخبط و الاختلاط فیها فکأنّه یقول: إذا کان حال هذا الأمر هذه الحال من الخبط و مجاذبه من لا یستحقّه [لمن یستحقّه خ‏] و التغلّب فیه على أهله فعسى أن ترونه بعد هذا الیوم بحال یختصم الناس فیه بالسیوف و تخان فیه العهود، و هو إشاره إلى ما علمه من حال البغاه و الخوارج علیه و الناکثین لعهد بیعته. فقوله: حتّى یکون بعضهم أئمّه لأهل الضلاله و شیعه لأهل الجهاله. غایه للتغالب على هذا الأمر، و أشار بالأئمّه إلى طلحه و الزبیر، و بأهل الضلاله إلى أتباعهم، و بأهل الجهاله إلى معاویه و رؤساء الخوارج و سائر امراء بنى امیّه، و بشیعه أهل الجهاله إلى أتباعهم. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۷۵

 

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۳۷شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام فی ذکر الملاحم

القسم الأول

یَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى- إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى- وَ یَعْطِفُ الرَّأْیَ عَلَى الْقُرْآنِ- إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْیِ

أقول: الإشاره فی هذا الفصل إلى وصف الإمام المنتظر فی آخر الزمان الموعود به فی الخبر و الأثر.

فقوله: یعطف الهوى على الهدى أى یردّ النفوس الحایره عن سبیل اللّه المتّبعه لظلمات أهوائها عن طرقها الفاسده و مذاهبها المختلفه إلى سلوک سبیله و اتّباع أنوار هداه، و ذلک إذا ارتدّت تلک النفوس عن اتّباع أنوار هدى اللّه فی سبیله الواضح إلى اتّباع أهوائها فی آخر الزمان، و حین ضعفت الشریعه و زعمت أنّ الحقّ و الهدى هو ذلک. و کذلک قوله: و یعطف الرأى على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأى: أى یردّ على کلّ رأى رآه غیره إلى القرآن فیحملهم على ما وافقه منها دون ما خالفه، و ذلک إذا تأوّل الناس القرآن و حملوه على آرائهم و ردّوه إلى أهوائهم کما علیه أهل المذاهب المتفرّقه من فرق الإسلام کلّ على ما خیل إلیه، و کلّ یزعم أنّ الحقّ الّذی یشهد به القرآن هو ما رآه و أنّه لا حقّ وراه سواه. و باللّه التوفیق.

القسم الثانی منها:

حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِکُمْ عَلَى سَاقٍ بَادِیاً نَوَاجِذُهَا- مَمْلُوءَهً أَخْلَافُهَا حُلْواً رَضَاعُهَا عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا- أَلَا وَ فِی غَدٍ وَ سَیَأْتِی غَدٌ بِمَا لَا تَعْرِفُونَ- یَأْخُذُ الْوَالِی مِنْ غَیْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا- وَ تُخْرِجُ لَهُ الْأَرْضُ أَفَالِیذَ کَبِدِهَا- وَ تُلْقِی إِلَیْهِ سِلْماً مَقَالِیدَهَا- فَیُرِیکُمْ کَیْفَ عَدْلُ السِّیرَهِ- وَ یُحْیِی مَیِّتَ الْکِتَابِ وَ السُّنَّهِ

اللغه
أقول: أخلاف الناقه. حلمات ضرعها. و أفالیذ: جمع الجمع لفلذه، و هى القطعه من الکبد و جمعها فلذ.

المعنى
فقوله: حتّى تقوم الحرب بکم على ساق. إلى قوله: عاقبتها. کأنّه غایه لتخاذلهم عن طاعته فی أمر الحرب و لقاء العدوّ. کأنّه یقول: إنّکم لا تزالون متخاذلین متقاعدین حتّى یشتدّ العدوّ و یقوم بکم الحرب على ساق. و قیامها على الساق کنایه عن بلوغها الغایه فی الشدّه، و بدوّ نواجدها کنایه عمّا یستلزمه من الشدّه و الأذى، و هو من أوصاف الأسد عند غضبه. لأنّه حاول أن یستعیر لها لفظ الأسد فأتى بوصفه.

و قال بعض الشارحین: بدوّ النواجد فی الضحک: أى تبلغ بکم الحرب الغایه کما أنّ غایه الضحک أن تبدو النواجد. فهی أقصى الأضراس. فکنّى بذلک عن إقبالها.
قلت: هذا و إن کان محتملا إلّا أنّ الحرب مظنّه إقبال الغضب لا إقبال الضحک. فکان الأوّل أنسب. و کذلک قوله: مملوّه أخلافها. استعاره لوصف الناقه لحال استعداد الحرب و استکمالها عدّتها و رجالها کاستکمال ضرع الناقه اللبن. و قوله: حلوا رضاعها. استعاره لوصف المرضع لها، و کنّى بحلاوه رضاعها عن إقبال أهل النجده فی أوّل الحرب علیها. فکلّ منهم یحبّ أن یناجز قرنه و یستحلى مغالبته کما یستحلى الراضع لبن امّه، و کذلک استعار لفظ العلقم لعاقبتها، و وجه الاستعاره المشابهه بین المرارتین الحسیّه و العقلیّه، و المنصوبات الأربعه: بادیا، و مملوّه، و حلوا، و علقما. أحوال. و المرفوعات بعد کلّ منها فاعله، و إنّما ارتفع عاقبتها عن علقما مع أنّه اسم صریح لقیامه مقام اسم الفاعل کأنّه قال: مریره عاقبتها.

و قوله: ألا و فی غد. إخبار عن بعض الامور الّتی ستکون. و قوله: و سیأتى غد بما لا تعرفون. المراد به تعظیم شأن الموعود بمجیئه. و بیان لفضیلته علیه السّلام بعلم ما جهلوه.

و هو جمله اعتراضیّه کقوله تعالى «فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِیمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ کَرِیمٌ»«» فقوله: و إنّه لقسم. اعتراض.

و قوله: یأخذ الوالى من غیرها عمّالها. یشبه أن یکون قد سبقه ذکر طائفه من الناس ذات ملک و إمره فأخبر علیه السّلام‏ أنّ الوالى من غیر تلک الطائفه- یؤمى به إلى الإمام المنتظر- یأخذ عمّالها على مساوى أعمالها: أى یؤاخذهم بذنوبهم. و قوله: و تخرج الأرض أفالیذ کبدها. استعار لفظ الکبد لما فی الأرض من الکنوز و الخزائن، و وجهها مشابهه الکنوز للکبد فی العزّه و الخفاء، و رشّح بذکر الأفالیذ. و قد ورد ذلک فی الخبر المرقوع، و من لفظه: و قادت له الأرض أفلاذ کبدها. و فسّر بعضهم قوله تعالى «وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها» بذلک. فأمّا کیفیّه ذلک الإخراج: فقال بعض المحقّقین: هو إشاره إلى أنّ جمیع ملوک الأرض تسلّم إلیه مقالید ممالکها طوعا و کرها و تحمل إلیه الکنوز و الذخائر، و أسند الإخراج إلى الأرض مجازا لأنّ المخرج أهلها. و استبعد أن یکون الأرض بنفسها هی المخرجه لکنوزها. و لأهل الظاهر أن یقولوا إنّ المخرج یکون هو اللّه تعالى، و یکون ذلک من معجزات الإمام و لا مانع.

و قوله: و تلقى إلیه سلما مقالیدها. أسند أیضا لفظ الإلقاء إلى الأرض مجازا لأنّ الملقى للمقالید مسالما هو أهل الأرض، و کنّى بذلک عن طاعتهم و انقیادهم أجمعین لأوامره و تحت حکمه، و سلما مصدر سدّ مسدّ الحال. ثمّ أخبر أنّه سیریهم عدل سیرته، و أنّه یحیى میّت الکتاب و السنّه. و لفظ المیّت استعاره لما ترک منهما فانقطع أثره و الانتفاع به کما ینقطع أثر المیّت.
فإنّ قلت: قوله: و یریکم. یدلّ على أنّ المخاطبین یدرکون المخبر عنه و یرون عدله مع أنّکم قلتم أنّه یکون فی آخر الزمان فکیف وجه ذلک.
قلت: خطاب الحاضرین من الامّه کالعامّ لکلّ الامّه، و ذلک کسائر خطابات القرآن الکریم مع الموجودین فی عصر الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فإنّه یتناول الموجودین إلى یوم القیامه ثمّ یخرج المخاطبون بدلیل العاده. إذ من عادتهم أن لا تمتدّ أعمارهم إلى وقت ظهوره فبقى الموجودون فی زمانه. و باللّه التوفیق.

 

القسم الثالث منها:

کَأَنِّی بِهِ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ- وَ فَحَصَ بِرَایَاتِهِ فِی ضَوَاحِی کُوفَانَ- فَعَطَفَ عَلَیْهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ- وَ فَرَشَ الْأَرْضَ بِالرُّءُوسِ- قَدْ فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ وَ ثَقُلَتْ فِی الْأَرْضِ وَطْأَتُهُ بَعِیدَ الْجَوْلَهِ عَظِیمَ الصَّوْلَهِ- وَ اللَّهِ لَیُشَرِّدَنَّکُمْ فِی أَطْرَافِ الْأَرْضِ- حَتَّى لَا یَبْقَى مِنْکُمْ إِلَّا قَلِیلٌ کَالْکُحْلِ فِی الْعَیْنِ- فَلَا تَزَالُونَ کَذَلِکَ- حَتَّى تَئُوبَ إِلَى الْعَرَبِ عَوَازِبُ أَحْلَامِهَا- فَالْزَمُوا السُّنَنَ الْقَائِمَهَ وَ الْآثَارَ الْبَیِّنَهَ- وَ الْعَهْدَ الْقَرِیبَ الَّذِی عَلَیْهِ بَاقِی النُّبُوَّهِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ الشَّیْطَانَ- إِنَّمَا یُسَنِّی لَکُمْ طُرُقَهُ لِتَتَّبِعُوا عَقِبَهُ

اللغه
أقول: نعق الغراب و نعق الراعى بغنمه بالعین و الغین: صاح. و فحص المطر التراب: قلّبه، و الفحص: البحث. و کوفان: اسم للکوفه. و ضواحیها: نواحیها البارزه. و الضروس: الناقه السیّئه الخلق تعضّ حالبها. و فغرت فاغرته: انفتح فوه.
و أکّد الفعل بذکر الفاعل من لفظه. و یسنّى: یسهّل. و العقب بکسر القاف: مؤخّر القدم.

المعنى
و قد أخبر فی هذا الفصل أنّه سیظهر رجل بهذه الصفات. قال بعض الشارحین: هو عبد الملک بن مروان، و ذلک لأنّه ظهر بالشام حین جعله أبوه الخلیفه من بعده و سار لقتال مصعب بن الزبیر إلى الکوفه بعد أن قتل مصعب المختار بن أبی عبیده الثقفىّ فالتقوا بأرض مسکن- بکسر الکاف- من نواحى الکوفه. ثمّ قتل مصعبا و دخل الکوفه فبایعه أهلها و بعث الحجّاج بن یوسف إلى عبد اللّه بن الزبیر بمکّه فقتله و هدم الکعبه، و ذلک سنه ثلاث و سبعین من الهجره، و قتل خلقا عظیما من العرب فی وقایع عبد الرحمن بن الأشعث، و رمى الناس بالحجّاج بن یوسف،
و فی الفصل لطایف:

الاولى: أطلق لفظ النعیق
لظهور أوامره و دعوته بالشام مجازا، و کذلک استعار لفظ الفحص لقلبه أهل الکوفه بعضهم على بعض و نقصه لحالاتهم الّتى کانوا علیها. ثمّ شبّه عطفه و حمله علیها بعطف الناقه الضروس، و وجه التشبیه شدّه الغضب و الحنق و الأذى الحاصل منها.

الثانیه: فرشه الأرض بالرءوس
کنایه عن کثره قتله فیها، و ذلک ممّا یشهد به التواریخ. و فغر: فیه استعاره ببعض أوصاف السبع الضارى کنّى به عن شدّه إقدامه على القتل و إقباله على الناس بشدّه الغضب و الأذى، و کذلک ثقل وطأته فی الأرض کنایه عن شدّه بأسه و تمکّنه فی الأرض.

الثالثه: بعد جولته
کنایه عن اتّساع ملکه و جولان خیله و رجله فی البلاد البعیده، و بعید و عظیم حالان، و من روى بالرفع فهما خبرا مبتدأ  محذوف.

الرابعه: لمّا فرغ من صفاته العامّه بیّن لهم ما سیفعله معهم
من التشرید و الطرد فی أطراف البلاد، و أکّد ذلک بالقسم البارّ، و ذلک إشاره إلى ما فعله عبد الملک و من ولى الأمر من ولده فی باقى الصحابه و التابعین، و أحوالهم معهم فی الانتقاض و الاحتقار و الطرد و القتل ظاهره، و شبّه البقیّه منهم بالغبار الّذی یکون فی العین من الکحل، و وجه التشبیه الاشتراک فی القلّه.

الخامسه: أخبر أنّهم لا یزالون کذلک
أى بالحال الموصوفه مع عبد الملک و من بعده من أولاده حتّى تعود إلى العرب عوازب أحلامها: أى ما کان ذهب من عقولها العملیّه فی نظام أحوالهم، و العرب هم بنو العبّاس و من معهم من العرب أیّام ظهور الدوله کقحطبه بن شبیب الطائىّ و ابنیه حمید و الحسن، و کبنى زریق أبى طاهر بن الحسین و إسحاق بن إبراهیم المصعبىّ و من فی عدادهم من خزاعه و غیرهم من العرب من شیعه بنى العبّاس. و قیل: إنّ أبا مسلم أصله عربىّ. و کلّ هؤلاء کانوا مستضعفین مقهورین مقمورین فی دوله بنى أمیّه لهم ینهض منهم ناهض إلى أن أفاء اللّه تعالى علیهم ما کان عزب عنهم من حمیّاتهم فغاروا للدین و للمسلمین من جور بنى مروان و أقاموا الأمر و أزالوا تلک الدوله.

فإن قلت: إنّ قوله: تؤوب. یدلّ على أنّ انقطاع تلک الدوله بظهور العرب و عود عوازب أحلامها، و عبد الملک مات و قامت بنوه بعده بالدوله، و لم یزل الملک عنه بظهور العرب فأین فایده الغایه قلت: إنّ تلک الغایه لیست غایه لدوله عبد الملک بل غایه من کونهم لا یزالون مشرّدین فی البلاد، و ذلک الانقهار و إن کان أصله من عبد الملک إلّا أنّه استمرّ فی زمن أولاده إلى حین انقضاء دولتهم فکانت غایته ما ذکر، و قال بعض الشارحین فی الجواب: إنّ ملک أولاده ملکه و ما زال الملک عن بنى مروان حتّى آبت إلى العرب عوازب أحلامها. و هذا جواب من لم یتدبّر کلامه علیه السّلام، و لم یتتبّع ألفاظ الفصل حتّى یعلم أنّ هذه الغایه لأیّ شی‏ء منه فیلحقها به. ثمّ أمرهم بلزوم سنن اللّه و رسوله القائمه فیهم من بعده و آثاره البیّنه فیهم و عهده القریب بینهم و بینه. و وجّه علیهم ذلک الأمر فی الحال و عند نزول تلک الشدائد بهم: أى إذا نزل بکم منه ما وصف فلتکن وظیفتکم لزوم ما ذکرت. ثمّ نبّههم على ما فی سهوله المعاصى و فی تسهیل نفوسهم الأمّاره بالسوء علیهم طرق المحارم من المحذور و هو أن تنقاد لها النفوس العاقله فتضلّها عن سبیل اللّه و یقودها الضلال إلى الهلاک الاخروىّ. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۶۹

 

بازدیدها: ۲

خطبه ۱۳۶شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام فی معنى طلحه و الزبیر

القسم الأول

وَ اللَّهِ مَا أَنْکَرُوا عَلَیَّ مُنْکَراً- وَ لَا جَعَلُوا بَیْنِی وَ بَیْنَهُمْ نِصْفاً- وَ إِنَّهُمْ لَیَطْلُبُونَ حَقّاً هُمْ تَرَکُوهُ وَ دَماً هُمْ سَفَکُوهُ- فَإِنْ کُنْتُ شَرِیکَهُمْ فِیهِ فَإِنَّ لَهُمْ نَصِیبَهُمْ مِنْهُ- وَ إِنْ کَانُوا وَلُوهُ دُونِی فَمَا الطَّلِبَهُ إِلَّا قِبَلَهُمْ- وَ إِنَّ أَوَّلَ عَدْلِهِمْ لَلْحُکْمُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ- وَ إِنَّ مَعِی لَبَصِیرَتِی مَا لَبَسْتُ وَ لَا لُبِسَ عَلَیَّ- وَ إِنَّهَا لَلْفِئَهُ الْبَاغِیَهُ فِیهَا الْحَمَأُ وَ الْحُمَّهُ- وَ الشُّبْهَهُ الْمُغْدِفَهُ وَ إِنَّ الْأَمْرَ لَوَاضِحٌ- وَ قَدْ زَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ نِصَابِهِ- وَ انْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ شَغْبِهِ- وَ ایْمُ اللَّهِ لَأُفْرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ- لَا یَصْدُرُونَ عَنْهُ بِرِیٍّ- وَ لَا یَعُبُّونَ بَعْدَهُ فِی حَسْیٍ

اللغه
أقول: النصف: النصفه. و الطلبه بکسر اللام: المطلوب. و الحمأ: الطین الأسود المنتن کما قال تعالى «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا»«» و یروى الحما بألف مقصوره. و الحمه بضمّ الحاء و تخفیف المیم و فتحها: اسم العقرب. و المغدفه بالدال و الفاء:المظلمه. یقال: أغدف اللیل إذا اشتدّ ظلامه، و روى: المغدفه بفتح الدال: الخفیّه.
و أصله أنّ المرأه تغدف وجهها بالقناع. و زاح الباطل: انحرف. و نصابه: أصله و مقرّه. و لافرطنّ: لأملأنّ. و الشغب بالتسکین: المشاغبه و تهییج الشرّ. و الماتح بنقطتین من فوق: المستقى، و بنقطتین من تحت: الّذی یملأ الدلو فی البئر. و العبّ: الشرب. و الحسى بکسر الحاء و سکون السین: الماء الّذی یشربه الرمل فینتهى إلى أرض صلبه تحفظه ثمّ یحفر عنه فیستخرج.

المعنى
و اعلم أنّ قوله: و اللّه. إلى قوله: و لا لبس علىّ. قد تقدّم تفسیره فی قوله: ألا و إنّ الشیطان قد ذمّر حزبه. و فی فصل قبله بروایه اخرى فلا حاجه إلى إعادته.

و أمّا قوله: و إنّها للفئه الباغیه فیها الحمأ و الحمه. فقال بعض الشارحین: فی تعریف الفئه بالألف و اللام تنبیه على أنّه کان عنده علم من الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه ستبغى علیه فئه من غیر تعیین لها. فلمّا خرجت هذه الفئه علمها بإماراتها، و قد سبق أیضا تفسیر الحمأ و الحمه على بعض الروایات، و أمّا على هذه الروایه فاستعاره للغلّ و الفساد الّذی کان فی صدور هذه الفئه، و وجه الاستعاره استلزامه لتکدیر الإسلام و إثاره الفتنه بین المسلمین کما تکدّر الحمأ الماء و تخبثه، و استلزامه للأذى و القتل کما یستلزم ذلک سمّ العقرب، و أشار بالشبهه المغدفه إلى شبهتهم فی الطلب بدم عثمان، و استعار لها وصف الظلمه لعدم اهتداء أکثر الخلق فیها حتّى قتلوا بسببها کما لا یهتدى فی اللیل المظلم و قوله: و إنّ الأمر لواضح. إلى قوله: شغبه. نفى لتلک الشبهه عن نفسه و ولایته، و أنّ الحقّ واضح فی حاله لا أصل للباطل فیه و لا لسان یشغب به، و لفظه اللسان استعاره، و الشغب ترشیح لها. و باقى الفصل قد تقدّم تفسیره أیضا فی الفصل المذکور.

القسم الثانی منه

فَأَقْبَلْتُمْ إِلَیَّ إِقْبَالَ الْعُوذِ الْمَطَافِیلِ عَلَى أَوْلَادِهَا- تَقُولُونَ الْبَیْعَهَ الْبَیْعَهَ- قَبَضْتُ کَفِّی فَبَسَطْتُمُوهَا- وَ نَازَعْتُکُمْ یَدِی فَجَاذَبْتُمُوهَا- اللَّهُمَّ إِنَّهُمَا قَطَعَانِی وَ ظَلَمَانِی- وَ نَکَثَا بَیْعَتِی وَ أَلَّبَا النَّاسَ عَلَیَّ- فَاحْلُلْ مَا عَقَدَا وَ لَا تُحْکِمْ لَهُمَا مَا أَبْرَمَا- وَ أَرِهِمَا الْمَسَاءَهَ فِیمَا أَمَّلَا وَ عَمِلَا- وَ لَقَدِ اسْتَثَبْتُهُمَا قَبْلَ الْقِتَالِ- وَ اسْتَأْنَیْتُ بِهِمَا أَمَامَ الْوِقَاعِ- فَغَمَطَا النِّعْمَهَ وَ رَدَّا الْعَافِیَهَ

اللغه
أقول: العوذ: جمع عوذه و هى الناقه المسنّه. و المطافیل: جمع مطفل بضم المیم و هى قریبه العهد بالنتاج. و التألیب: التحریص. و أبرمت الأمر: أحکمته. و استثبتّهما بالثاء المعجمه بثلاث نقط: طلبت رجوعهما، و یروى بالتاء من التوبه.
و استأنیت: انتظرت.

و هذا الفصل احتجاج على طلحه و الزبیر و من تابعهما على نکث بیعته.

فقوله: فأقبلتم. إلى قوله: فجاذ بتموها. یجرى مجرى صغرى قیاس ضمیر من الشکل الأوّل، و تلخیصها أنّکم اجتهدتم علىّ فی طلب البیعه حتّى بایعتکم و أخذت عهودکم. و تقدیر الکبرى و کلّ من اجتهد اجتهادکم إلى تلک الغایه فیجب علیه الوفاء بعهده. و الصغرى مسلّمه منهم. و برهان الکبرى الکتاب «یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»«» و «أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ»«» الآیه، و قد شبّه إقبالهم علیه طالبین للبیعه بإقبال مسنّات النوق على أطفالها، و وجه التشبیه شدّه الإقبال و الحرص على مبایعته، و خصّ المسنّات لأنّها أقوى حنّه على أولادها، و نصب البیعه على الإغراء، و فائده التکریر فی الإغراء تأکید الأمر الدالّ على شدّه الاهتمام بالمأمور به. و قال بعض الشارحین: فایده التکرار دلاله المنصوب الأوّل على تخصیص الأمر الأوّل بالحال، و دلاله الثانی على تخصیص الأمر الثانی بالمستقبل: أى خذ البیعه فی الحال و خذها للاستقبال. قال: و کذلک قوله: اللّه اللّه: أى أتّقوا اللّه فی الحال و اتّقوه فی الاستقبال.
و أقول: إنّ ذلک غیر مستفاد من اللفظ بإحدى الدلالات.

و قوله: اللّهم إلى قوله: علىّ. شکایه إلى اللّه منهم فی امور ثلاثه: قطع رحمه و ظلمهما له بمطالبتهما له بغیر حقّ لهما عنده. ثمّ نکث بیعته. ثمّ جمع الناس على قتاله.

و قوله: فاحلل. دعاء علیهما بأمور ثلاثه: أن یحلّ ما عقدا من العزوم الفاسده الّتى فیها هلاک المسلمین، و أن لا یحکم ما أبرماه من الإغراء فی حربه، و أن یریهما المسئاه فی آمالهما و أعمالهما: أی عکس أغراضهما فیهما. و استجابه دعاءه ظاهره بقتلهما.

و قوله: و لقد استثبتّهما. إلى قوله: الوقاع. إظهار لعذره مع الناس فی حقّهما قبل وقاع الحرب بتأنّیه فیه فی حقّهما، و استعطافه لهما فی الرجوع إلى الحقّ و استتابته لهما من ذنبهما فی نکث البیعه.

و قوله: فغمطا. إلى آخره. بیان لجوابهم عن إعذاره إلیهم و هو مقابلتهم نعمه اللّه: أی قسمهما من الفى‏ء بالاحتقار لها و النظر علیها. إذ کان أحد الأسباب الباعثه لهما على منافرته هو التسویه بینهم و بین غیرهم فی العطاء، و کذلک مقابلتهم للسلامه و العافیه من بلاء الحرب و الشقاق و هلاک الدین و النفس فی عاقبه فعلهما بردّهما لهما و الإصرار على الحرب و المنابذه من غیر نظر فی عاقبه أمرها. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۶۶

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۳۵شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

لَمْ تَکُنْ بَیْعَتُکُمْ إِیَّایَ فَلْتَهً- وَ لَیْسَ أَمْرِی وَ أَمْرُکُمْ وَاحِداً- إِنِّی أُرِیدُکُمْ لِلَّهِ وَ أَنْتُمْ تُرِیدُونَنِی لِأَنْفُسِکُمْ- أَیُّهَا النَّاسُ أَعِینُونِی عَلَى أَنْفُسِکُمْ- وَ ایْمُ اللَّهِ لَأُنْصِفَنَّ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ وَ لَأَقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِهِ- حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وَ إِنْ کَانَ کَارِهاً

اللغه
أقول: الفلته: الأمر یقع بغیر تدبّر و لا رویّه. و الحزامه: الحلقه من الشعر یجعل فی أنف البعیر.

المعنى
و مفهوم قوله: لم تکن بیعتکم إیّاى فلته. أنّها لمّا کانت عن تدبّر و اجتماع رأى منکم لم یکن لأحدکم بعدها أن یخالف أو یندم علیها، و فیه تعریض ببیعه أبى بکر حیث قال عمر فیها: کانت بیعه أبى بکر فلته وقى اللّه شرّها. و قوله: و لیس أمرى و أمرکم واحدا. إشاره إلى الاختلاف بین حرکاته و مقاصدهم. ثمّ بیّن الفرق بقوله: إنّى اریدکم للّه: أى إنّما ارید طاعتکم لإقامه دین اللّه، و إقامه حدوده، و أنتم تریدوننی‏ لأنفسکم: أى لحظوظ أنفسکم من العطاء و التقریب و سایر منافع الدنیا. ثمّ لمّا وبّخهم بذلک أیّه بهم، و طلب منهم الإعانه على أنفسهم: أى بالطاعه له و امتثال أوامره. فأقسم لینصفنّ المظلوم و لیقودنّ الظالم بخزامته، و کذلک استعار لفظ المنهل للحقّ. و وجه الاستعار کونه موردا یشفى به ألم المظلوم کما یشفى به ألم العطشان.
و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۶۵

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۳۴شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

قد وقعت مشاجره بینه و بین عثمان فقال المغیره ابن أخنس لعثمان: أنا أکفیکه. فقال أمیر المؤمنین علیه السّلام:

یَا ابْنَ اللَّعِینِ الْأَبْتَرِ- وَ الشَّجَرَهِ الَّتِی لَا أَصْلَ لَهَا وَ لَا فَرْعَ- أَنْتَ تَکْفِینِی- فَوَ اللَّهِ مَا أَعَزَّ اللَّهُ مَنْ أَنْتَ نَاصِرُهُ- وَ لَا قَامَ مَنْ أَنْتَ مُنْهِضُهُ- اخْرُجْ عَنَّا أَبْعَدَ اللَّهُ نَوَاکَ ثُمَّ ابْلُغْ جَهْدَکَ- فَلَا أَبْقَى اللَّهُ عَلَیْکَ إِنْ أَبْقَیْتَ

أقول: هذه المشاجره کانت فی زمن ثوران الفتنه على عثمان فی خلافته، و کان الناس یستسفرونه علیه السّلام إلیه.

اللغه
و الأبتر: کلّ أمر انقطع من الخیر أثره. و النوى: المقصد الّذی ینویه المسافر من قرب أو بعد. و النوى: لغه فی النأى: و هو البعد.

المعنى
و قد ذمّ المغیره بسقوط الأصل، و لعنه. و استعار لبیته لفظ الشجره، و کنّى بنفى أصلها و فرعها عن سقوط بیته و دناءته و حقارته فی الناس. ثمّ استفهمه عمّا ادّعى من الکفایه له استفهاما على سبیل الإنکار و الاستحقار له، و أقسم أنّ اللّه لا یعزّ من هو ناصره، و إنّما یعزّ اللّه من نصره أولیاء اللّه و أهل عنایته، و من لم یعزّ اللّه لم یقم من نهضته کقوله تعالى «إِنْ یَنْصُرْکُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَکُمْ وَ إِنْ یَخْذُلْکُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِی یَنْصُرُکُمْ مِنْ بَعْدِهِ»«». ثمّ دعا علیه بإبعاد اللّه مقصده. و قوله: أبلغ جهدک. أى فی الأذى فلا أبقى اللّه علیک إن أبقیت، أى لارعاک و لا رحمک إن راعیتنى.
یقال: أبقیت على فلان إذا راعیته و رحمیته.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۶۴

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۳۳شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام و قد شاوره عمر بن الخطاب فی الخروج إلى غزو الروم بنفسه

وَ قَدْ تَوَکَّلَ اللَّهُ- لِأَهْلِ هَذَا الدِّینِ بِإِعْزَازِ الْحَوْزَهِ- وَ سَتْرِ الْعَوْرَهِ وَ الَّذِی نَصَرَهُمْ- وَ هُمْ قَلِیلٌ لَا یَنْتَصِرُونَ- وَ مَنَعَهُمْ وَ هُمْ قَلِیلٌ لَا یَمْتَنِعُونَ- حَیٌّ لَا یَمُوتُ- إِنَّکَ مَتَى تَسِرْ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ بِنَفْسِکَ- فَتَلْقَهُمْ فَتُنْکَبْ- لَا تَکُنْ لِلْمُسْلِمِینَ‏ کَانِفَهٌ دُونَ أَقْصَى بِلَادِهِمْ- لَیْسَ بَعْدَکَ مَرْجِعٌ یَرْجِعُونَ إِلَیْهِ- فَابْعَثْ إِلَیْهِمْ رَجُلًا مِحْرَباً- وَ احْفِزْ مَعَهُ أَهْلَ الْبَلَاءِ وَ النَّصِیحَهِ- فَإِنْ أَظْهَرَ اللَّهُ فَذَاکَ مَا تُحِبُّ- وَ إِنْ تَکُنِ الْأُخْرَى- کُنْتَ رِدْءاً لِلنَّاسِ وَ مَثَابَهً لِلْمُسْلِمِینَ

أقول: ذلک حین خرج قیصر الروم فی جماهیر أهلها إلى المسلمین، و انزوى خالد بن الولید فلازم بیته و صعب الأمر على أبى عبیده بن الجرّاح. و شرحبیل بن حسنه و غیرهما من امراء سرایا الإسلام.

اللغه

و حوزه کلّ شی‏ء: بیضته و جمعیّته. و کنفه: حفظه و آواه. و المحرب بکسر المیم: الرجل صاحب حروب. و حفز کذا: أى دفعه. و حفزه ضمّه إلى غیره. و أظهر اللّه على فلان: نصر علیه. و الرده: العون. و المثابه: المرجع.

المعنى

و قوله: و قد توکّل اللّه. إلى قوله: لا یموت. صدر لهذه النصیحه و الرأى، نبّه فیه على وجوه التوکّل على اللّه و الاستناد إلیه فی هذا الأمر، و خلاصتها أنّه ضمن إقامه هذا الدین و إعزاز حوزه أهله، و کنّى بالعوره عن هتک الستر فی النساء، و یحتمل أن یکون استعاره لما یظهر علیهم من الذلّ و القهر لو اصیبوا فضمن سبحانه ستر ذلک بإفاضه النصر علیهم، و هذا الحکم من قوله تعالى «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا مِنْکُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَیَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِی الْأَرْضِ کَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَیُمَکِّنَنَّ لَهُمْ دِینَهُمُ الَّذِی ارْتَضى‏ لَهُمْ وَ لَیُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً»«».

و قوله: و الّذى نصرهم. إلى آخر الصدر. احتجاج فی هذه الخطابه یشبه أن یکون تمثیلا، و تلخیصه أنّ الّذی نصرهم حال قلّتهم حىّ لا یموت فهو ینصرهم حال کثرتهم. فأصل التمثیل هو حال قلّتهم و فرعه حال کثرتهم، و حکمه النصر و علّه ذلک الحکم هو حیاته الباقیه الّتی لا یعاقبها موت.

و قوله: إنّک متى تسر. إلى آخره. نفس الرأى و خلاصه المشوره بعدم خروجه بنفسه، و وجه هذا الرأى تجویز النکبه و انقهاره عند ملاقات العدوّ مع أنّه یومئذ ظهر المسلمین الّذین یلجؤن إلیه. فلو انکسر لم تبق لهم کانفه قوام یحوطهم، و لا جمع یستندون إلیه. ثمّ بإخراج من یقوم مقامه من أهل النجده ممّن عرف بکثره الوقایع و الحروب فیکون على بصیره فی أمر الحرب، و أن یضمّ إلیه أهل البلاء: أى المختبرون فی النصیحه و المجرّبون فی الوقائع. ثمّ استنتج من هذا الرأى أنّه إن نصر اللّه المسلمین فذاک الّذی تحبّ، و إن تکن الاخرى: أى الانکسار و عدم الانتصار کان للمسلمین ظهر یستندون إلیه و مأمن یأوون إلیه.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۶۲

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۳۱شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

القسم الأول

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَخَذَ وَ أَعْطَى- وَ عَلَى مَا أَبْلَى وَ ابْتَلَى- الْبَاطِنُ لِکُلِّ خَفِیَّهٍ- وَ الْحَاضِرُ لِکُلِّ سَرِیرَهٍ- الْعَالِمُ بِمَا تُکِنُّ الصُّدُورُ- وَ مَا تَخُونُ الْعُیُونُ- وَ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ غَیْرُهُ- وَ أَنَّ مُحَمَّداً ص نَجِیبُهُ وَ بَعِیثُهُ- شَهَادَهً یُوَافِقُ فِیهَا السِّرُّ الْإِعْلَانَ وَ الْقَلْبُ اللِّسَانَ

المعنى

أقول: الضمیر فی قوله: نحمده. یعود إلى اسم اللّه فی کلام سابق لم یذکر، و قد علّم شکر اللّه تعالى على أخذه و إعطائه و على إبلائه بالخیر و ابتلائه بالشرّ،و نبّه بذلک على وجوب شکر اللّه تعالى فی طوارى السرّاء و الضرّاء و حالتى الشدّه و الرخاء، فأمّا وصفه له بالباطن و الحاضر و العالم فقد سبق شرحه غیر مرّه و مصداق الوصفین الأوّلین قوله تعالى «یَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى‏»«»، و مصداق الأخیرین قوله تعالى «یَعْلَمُ خائِنَهَ الْأَعْیُنِ وَ ما تُخْفِی الصُّدُورُ»«» و کذلک سبقت الإشاره إلى سرّ الشهادتین. و نجیبه و بعیثه: منتخبه و مبعوثه. فعیل بمعنى مفعول. و قوله: شهاده یوافق فیها. إلى آخره. أى شهاده خالصه من النفاق و الریاء. و باللّه التوفیق.

القسم الثانی منه:

فَإِنَّهُ وَ اللَّهِ الْجِدُّ لَا اللَّعِبُ- وَ الْحَقُّ لَا الْکَذِبُ- وَ مَا هُوَ إِلَّا الْمَوْتُ قَدْ أَسْمَعَ دَاعِیهِ- وَ أَعْجَلَ حَادِیهِ- فَلَا یَغُرَّنَّکَ سَوَادُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِکَ- فَقَدْ رَأَیْتَ مَنْ کَانَ قَبْلَکَ- مِمَّنْ جَمَعَ الْمَالَ وَ حَذِرَ الْإِقْلَالَ- وَ أَمِنَ الْعَوَاقِبَ طُولَ أَمَلٍ وَ اسْتِبْعَادَ أَجَلٍ- کَیْفَ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَأَزْعَجَهُ عَنْ وَطَنِهِ- وَ أَخَذَهُ مِنْ مَأْمَنِهِ- مَحْمُولًا عَلَى أَعْوَادِ الْمَنَایَا- یَتَعَاطَى بِهِ الرِّجَالُ الرِّجَالَ- حَمْلًا عَلَى الْمَنَاکِبِ- وَ إِمْسَاکاً بِالْأَنَامِلِ- أَ مَا رَأَیْتُمُ الَّذِینَ یَأْمُلُونَ بَعِیداً- وَ یَبْنُونَ مَشِیداً وَ یَجْمَعُونَ کَثِیراً- کَیْفَ أَصْبَحَتْ بُیُوتُهُمْ قُبُوراً- وَ مَا جَمَعُوا بُوراً- وَ صَارَتْ أَمْوَالُهُمْ لِلْوَارِثِینَ- وَ أَزْوَاجُهُمْ لِقَوْمٍ آخَرِینَ- لَا فِی حَسَنَهٍ یَزِیدُونَ- وَ لَا مِنْ سَیِّئَهٍ یَسْتَعْتِبُونَ- فَمَنْ أَشْعَرَ التَّقْوَى قَلْبَهُ بَرَّزَ مَهَلُهُ- وَ فَازَ عَمَلُهُ‏ فَاهْتَبِلُوا هَبَلَهَا- وَ اعْمَلُوا لِلْجَنَّهِ عَمَلَهَا- فَإِنَّ الدُّنْیَا لَمْ تُخْلَقْ لَکُمْ دَارَ مُقَامٍ- بَلْ خُلِقَتْ لَکُمْ مَجَازاً- لِتَزَوَّدُوا مِنْهَا الْأَعْمَالَ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ- فَکُونُوا مِنْهَا عَلَى أَوْفَازٍ- وَ قَرِّبُوا الظُّهُورَ لِلزِّیَالِ

 

اللغه

أقول: المشید: المعلّى. و الاهتبال فی الأمر: السعى فی إحکامه، و هبلها مصدر مضاف إلى ضمیر التقوى مؤکّد للفعل: أى احکموها إحکاما. و الأوفاز: جمع وفزه و هى العجله،

المعنى

و الضمیر فی قوله: فإنّه. إمّا أن یرجع إلى مذکور سابق أو إلى معنى کلامه و هو التحذیر و الإنذار، و کذلک الّذى فی قوله: و ما هو إلّا الموت. یحتمل أن یعود إلى ملفوظ به سابق و یحتمل أن یعود إلى المعنىّ بالتحذیر منه و الإنذار به: أى و ما الّذى احذّرکم هجومه علیکم إلّا الموت، و أسمع و أعجل محلّهما النصب على الحال من معنى الإشاره.

و قوله: فلا یغرّنّک إلى قوله: و أمن العواقب. أى فلا یغرّنّک من نفسک الأمّاره بالسوء و سوستها و استغفالها لک عن ملاحظه الموت برؤیه سواد الناس: أى کثرتهم. إذ کثیرا ما یرى الإنسان المیّت محمولا فیتدارکه من ذلک رقّه و روعه. ثمّ یعاوده الوسواس الخنّاس و یأمره باعتبار کثره المشیّعین له من الناس و أن یجعل نفسه من الأحیاء الکثیرین بملاحظه شبابه و صحّته و یأمره باعتبار أسباب موت ذلک المیّت من القتل و سائر الأمراض و باعتبار زوال تلک الأسباب فی حقّ نفسه، و بالجمله فیبعّد فی اعتباره الموت بکلّ حیله. فنهى السامعین عن الانخداع للنفس بهذه الخدیعه، و أسند الغرور إلى سواد الناس لأنّه مادّته. ثمّ نبّههم بقوله: و قد رأیت. إلى قوله: یستعتبون. على کذب تلک الخدیعه مشاهده، و الواو فی قوله: و قد. واو الحال، و من فی قوله: من جمع. بدل البعض من الکلّ من قوله: من کان قبلک. و المعنى أنّه کما نزل بأولئک الموت و أزعجهم عن أوطانهم فکذلک أنتم.

و قوله: طول أمل. نصب على المفعول له.
أى فعلوا ذلک لأجل طول الأمل، و یحتمل أن یکون مصدرا سدّ مسدّ الحال، و یحتمل أن یکون ظرفا و العامل أمن، و قیل: هو بدل من قوله: من کان قبلک: أى رأیت طول أمل من کان قبلک، و یروى بطول أمل. و أعواد المنایا: النعوش، و یتعاطى به الرجال الرجال: أى یسلّمه الحاملون له بعضهم إلى بعض، و الخطاب بالکاف لنوع المخاطب أو لشخص على طریقه قولهم: إیّاک أعنى و اسمعى یا جاره.

و قوله: أما رأیتم استفهام على سبیل التقریر، و إنّما کانوا لا یستطیعون زیاده فی حسنه و لا استعتابا من سیّئه لأنّ محلّ الأعمال هى الدنیا دون ما بعدها. و قوله: فمن أشعر التقوى قلبه. أى من اتّقى تقوى حقیقه برزت تؤدته: أى ظهرت علیه آثار الرحمه الإلهیّه فی السکینه و الوقار و الحلم و الأناه عن التسرّع إلى مطالب الدنیا، و علمت راحته فی الآخره، و فاز عمله فیها بالجزاء الأوفى. ثمّ أمرهم بإحکام التقوى: أى أن تتّقوا اللّه تقوى حقیقیّه فإنّها الّتى یستحقّ بها الثواب الدائم، و أن یعملوا للجنّه عملها الّتى تستحقّ به. ثمّ نبّههم على وجوب العمل للجنّه بالتصریح بما لأجله خلقت الدنیا، و أنّها لم تخلق دار إقامه بل طریقا یعبر بها إلى الآخره کما یعبر المسافرون، و یتزوّد منها الأعمال الصالحه الموصله إلى الجنّه، و أمرهم أن یکونوا فیها على سرعه فی قطع عقباتها و عجل فی الارتحال عنها لأنّ التأنّی فیها یستلزم الالتفات إلى لذّاتها و الغفله عن المقصد الحقّ، و استعار لفظ الظهور و هى الرکوب لمطایا الآخره و هی الأعمال الصالحه، و تقریبها للزیال هو العنایه الإلهیّه بالأعمال المقرّبه إلى الآخره المستلزمه للبعد عن الدنیا و الإعراض عنها و مفارقتها.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۵۰

بازدیدها: ۴

خطبه ۱۳۰شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

أَیَّتُهَا النُّفُوسُ الْمُخْتَلِفَهُ وَ الْقُلُوبُ الْمُتَشَتِّتَهُ- الشَّاهِدَهُ أَبْدَانُهُمْ وَ الْغَائِبَهُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ- أَظْأَرُکُمْ عَلَى الْحَقِّ- وَ أَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَهِ الْأَسَدِ- هَیْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِکُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ- أَوْ أُقِیمَ اعْوِجَاجَ الْحَقِّ- اللَّهُمَّ إِنَّکَ تَعْلَمُ- أَنَّهُ لَمْ یَکُنِ الَّذِی کَانَ مِنَّا مُنَافَسَهً فِی سُلْطَانٍ- وَ لَا الْتِمَاسَ شَیْ‏ءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ- وَ لَکِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِینِکَ- وَ نُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِی بِلَادِکَ- فَیَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِکَ- وَ تُقَامَ الْمُعَطَّلَهُ مِنْ حُدُودِکَ- اللَّهُمَّ إِنِّی أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ- وَ سَمِعَ وَ أَجَابَ- لَمْ یَسْبِقْنِی إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ص بِالصَّلَاهِ- وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَا یَنْبَغِی أَنْ یَکُونَ الْوَالِی عَلَى الْفُرُوجِ- وَ الدِّمَاءِ وَ الْمَغَانِمِ‏ وَ الْأَحْکَامِ- وَ إِمَامَهِ الْمُسْلِمِینَ الْبَخِیلُ- فَتَکُونَ فِی أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ- وَ لَا الْجَاهِلُ فَیُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ- وَ لَا الْجَافِی فَیَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ- وَ لَا الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ فَیَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ- وَ لَا الْمُرْتَشِی فِی الْحُکْمِ- فَیَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ- وَ یَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِعِ- وَ لَا الْمُعَطِّلُ لِلسُّنَّهِ فَیُهْلِکَ الْأُمَّهَ

اللغه

أقول: أظأرکم: أعطفکم. و وعوعه الأسد: صوته. و سرار العدل: ما خفى منه، و النهمه: الحرص على الدنیا.

المعنى

و قد أیّه بالنفوس بصفه الاختلاف: أی اختلاف الأهواء و القلوب المتشتّته: أى المتفرّقه عن مصالحها و ما خلقت لأجله. و أراد بغیبه عقولهم ذهولها عن رشدها، و إصابه وجه الحقّ بانصرافها عن دعائه إلى ما ینبغی، و شبّه نفارهم بنفور المعزى من صوت الأسد، و وجه التشبیه شدّه نفارهم عن الحقّ، ثمّ استبعد إظهاره للعدل و إقامه الدین بمثلهم على ما هم علیهم من قلّه طاعته. ثمّ عقّب ذلک باستشهاد اللّه سبحانه على أنّ قصده بمنافسته فی أمر الخلافه لم یکن فی سلطان و لا لفضل حطام دنیویّ، و لکن للغایه الّتى ذکرها من ردّ معالم الدین و هى الآثار الّتى یهتدى بها و کذا سائر ما عدّده من المصالح. ثمّ تلا ذلک الاستشهاد باستشهاده على أنّه أوّل من أناب. أی رجع إلى اللّه تعالى عمّا لعلّه کان یعدّ فی حقّه ذنبا، و سمع: أى أطاع اللّه و أجاب: أی داعى اللّه. ثمّ استثنى سبق الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم إلى الدین بالصلاه و ذلک أمر معلوم من حاله، و إنّما یقول خصمه: إنّه حین تبع الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم کان طفلا لا اعتداد بإسلامه. و سنذکر ذلک فی موضعه من الخطبه المسمّاه بالقاصعه، و غرضه من هذا الاستشهاد مع ما بعده من الإشاره إلى الرذائل الّتى ینبغی أن یکون الإمام منزّها عنها تقریر فضیلته، و نبّه على أنّ فیه من الفضائل ما یقابل تلک الرذائل بتعدیدها و نفیها عن الإمام الوالى لامور المسلمین، و الإشاره إلى وجوه المقاصد اللازمه عنها، و تذکیرهم بما علموه من ذلک بقوله. و قد علمتم. إلى آخره:

أمّا البخیل فلشدّه حرصه على ما فی أیدى الناس من الرعیّه و قد عرفت ما یستلزمه من نفارهم عنه و عدم انتظام الأحوال به، و أمّا الجاهل فلأنّه لجهله بقوانین الدین و تدبیر امور العالم ضالّ و ضلاله یستلزم ضلال من اقتدى به و ذلک ضدّ مقصود الشارع، و أمّا الجافی فلأنّ جفاءه یستلزم النفره و الانقطاع عنه و ذلک ضدّ الالفه و الاجتماع المطلوب للشارع، و أمّا الخائف من الدول فیخصّص بعنایته من یخافه دون غیره و ذلک ظلم لا ینتظم معه نظام العالم، و أمّا المرتشى فی الحکم فلظلمه و ذهابه بالحقوق و الوقوف فیها على الحیف دون المقاطع الحقّه. فترى أحد هؤلاء إذا أراد فصل قضیّه دافع بها طویلا و صعّب الحقّ و عرّض بغموضه و أشار بالصلح بین الخصمین مع ظهور الحقّ لأحدهما و کانت غایته من ذلک تخویف صاحب الحقّ من فواته لیجنح إلى الاصلاح [الصلح. خ‏] و الرضى ببعض حقّه مع أنّه قد یأخذ منه رشوه أیضا، و ربّما کانت فی المقدار کرشوه المبطل منهما. و لهم فی ذلک حیل یعرفها من عاناهم. و اللّه المستعان على ما یصفون، و أمّا المعطّل للسنّه فلتضییعه قوانین الشریعه و إهمالها المستلزم لفساد النظام فی الدنیا و الهلاک الدائم فی الاخرى. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۴۸

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۲۹شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام لأبى ذر رحمه اللّه لما اخرج إلى الربذه

یَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّکَ غَضِبْتَ لِلَّهِ فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ- إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوکَ عَلَى دُنْیَاهُمْ وَ خِفْتَهُمْ عَلَى دِینِکَ- فَاتْرُکْ فِی أَیْدِیهِمْ مَا خَافُوکَ عَلَیْهِ- وَ اهْرُبْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَیْهِ- فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ- و مَا أَغْنَاکَ عَمَّا مَنَعُوکَ- وَ سَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابِحُ غَداً وَ الْأَکْثَرُ حُسَّداً- وَ لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِینَ کَانَتَا عَلَى عَبْدٍ رَتْقاً- ثُمَّ اتَّقَى اللَّهَ لَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْهُمَا مَخْرَجاً- لَا یُؤْنِسَنَّکَ إِلَّا الْحَقُّ- وَ لَا یُوحِشَنَّکَ إِلَّا الْبَاطِلُ- فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْیَاهُمْ لَأَحَبُّوکَ- وَ لَوْ قَرَضْتَ مِنْهَا لَأَمَّنُوکَ

المعنى

أقول: أبوذرّ: اسمه جندب بن جناده، و هو من بنى غفار قبیله من کنانه، و أسلم بمکّه و لم یشهد بدرا و لا الخندق لأنّه حین أسلم رجع إلى بلاد قومه فأقام حتّى مضت [قامت خ‏] هذه المشاهد. ثمّ قدم المدینه على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و کانّ یتولّى علیّا و أهل بیته، و هو الّذی قال الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی حقّه: ما أقلّت الغبراء و لا أظلّت الخضراء على ذى لهجه أصدق من أبى ذرّ، و روى ابن المعمّر عنه قال: رأیت أباذرّ آخذا بحلقه باب الکعبه و هو یقول: أنا أبوذرّ الغفارىّ فمن لم یعرفنی فأنا جندب صاحب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم یقول: مثل أهل بیتى کمثل سفینه نوح من رکبها نجى و من تخلّف عنها غرق. و کان قد أخرجه عثمان إلى الربذه، و هى موضع قریب إلى المدینه. و اختلف فی سبب إخراجه فروى عن زید بن وهب أنّه قال: قلت لأبى ذرّ- رحمه اللّه علیه- و هو بالربذه: ما أنزلک هذا المنزل قال: اخبرک أنّى کنت بالشام فی أیّام معاویه فذکرت قوله تعالى «وَ الَّذِینَ یَکْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّهَ وَ لا یُنْفِقُونَها فِی سَبِیلِ اللَّهِ» الایه«» فقال معاویه هذه نزلت فی أهل‏ الکتاب. قلت: بل فینا و فیهم. فکتب معاویه إلى عثمان یشکومنّى فی ذلک فکتب إلىّ أن أقدم علىّ فقدمت علیه فامثال الناس علىّ کأنّهم لم یعرفونی فشکوت ذلک إلى عثمان فخیّرنى فقال: أنزل حیث شئت فنزلت الربذه. و هذا قول من نزّه عثمان عن ظلم أبى ذرّ و نفیه. إذ کان خروجه إلى الربذه باختیاره، و قیل: بل کان یغلّظ القول فی إنکار ما یراه منکرا و فی حقّ عثمان، و یقول: لم تبق أصحاب محمّد على ما عهد. و ینفرّ بهذا القول و أمثاله عنه. فأخرجه لذلک، و خطابه علیه السّلام لأبى ذرّ ألیق بالقول الثانی.

فقوله: إنّک عضبت للّه. شهاده له أنّ إنکاره لما ینکره إنّما یقصد به وجه اللّه تعالى. و قوله: إنّ القوم خافوک على دنیاهم. أى على أمر الخلافه بالتنفیر عنهم، و خفتهم على دینک باجتناب موافقتهم و أخذ عطائهم على غیر السنّه. و قوله: فاترک. إلى قوله: منعوک. أى اترک لهم دنیاهم و انج بدینک فما أحوجهم إلى دینک و أغناک عن دنیاهم. و قوله: ستعلم من الرابح غدا و الأکثر حسّدا. أشار به إلى یوم القیامه، و ظاهر کون تارک الدنیا أربح من المقبل علیها. و أکثریّه الحسّد من لواحق أکثریّه الربح. و قوله: و لو أنّ السماوات. إلى قوله: مخرجا. بشاره له بخلاصه ممّا هو فیه من ضیق الحال بسبب الإخراج، و شرط فی ذلک تقوى اللّه إشارهً إلى قوله تعالى «وَ مَنْ یَتَّقِ اللَّهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً»«» قال ابن عبّاس قرء رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و من یتّق اللّه یجعل له مخرجا، قال: من شبهات الدنیا، و من غمرات الموت و شدائد یوم القیامه. و ظاهر کون التقوى عند استشعارها سببا قاطعا لطمع المتّقى من الدنیا و قیناتها، و هو مستلزم لراجیه من مجاذبه النفس الأمّاره بالسوء عن الوقوع فی شبهات الدنیا، و هى فی استلزام الخلاص من غمرات الموت و شدائد یوم القیامه أظهر، و کنّى علیه السّلام بالغایه المذکوره و هی رتق السماوات و الأرض على العبد عن غایه الشدّه مبالغه لیتبیّن فضل التقوى، ثمّ أمره بالاستیناس بالحقّ وحده، و الاستیحاش من الباطل وحده. و أکّد الحصر فی الموضعین بقوله: وحده. تنفیرا عن أن یستوحش من حقّ ما فیترک و ینفر عنه و إن صعب و شقّ على النفس، أو یستأنس بباطل ما فیفعل أو یسکت علیه و إن لذّ لها. و نبّه على علّه بغضهم و إخافتهم له و هو عدم مشارکتهم فی دنیاهم و الانفراد بالإنکار و غلظه القول علیهم، و کنّى بالقرض من الدنیا عن الأخذ. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۴۵

 

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۲۸شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام فی ذکر المکائیل و الموازین.

عِبَادَ اللَّهِ إِنَّکُمْ وَ مَا تَأْمُلُونَ- مِنْ هَذِهِ الدُّنْیَا أَثْوِیَاءُ مُؤَجَّلُونَ- وَ مَدِینُونَ مُقْتَضَوْنَ أَجَلٌ مَنْقُوصٌ- وَ عَمَلٌ مَحْفُوظٌ- فَرُبَّ دَائِبٍ مُضَیَّعٌ وَ رُبَّ کَادِحٍ خَاسِرٌ- وَ قَدْ أَصْبَحْتُمْ فِی زَمَنٍ لَا یَزْدَادُ الْخَیْرُ فِیهِ إِلَّا إِدْبَاراً- وَ الشَّرُّ فِیهِ إِلَّا إِقْبَالًا- وَ الشَّیْطَانُ فِی هَلَاکِ النَّاسِ إِلَّا طَمَعاً- فَهَذَا أَوَانٌ قَوِیَتْ عُدَّتُهُ- وَ عَمَّتْ مَکِیدَتُهُ وَ أَمْکَنَتْ فَرِیسَتُهُ- اضْرِبْ بِطَرْفِکَ حَیْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ- فَهَلْ تُبْصِرُ إِلَّا فَقِیراً یُکَابِدُ فَقْراً- أَوْ غَنِیّاً بَدَّلَ نِعْمَهَ اللَّهِ کُفْراً- أَوْ بَخِیلًا اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّهِ وَفْراً- أَوْ مُتَمَرِّداً کَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً- أَیْنَ أَخْیَارُکُمْ وَ صُلَحَاؤُکُمْ- وَ أَیْنَ أَحْرَارُکُمْ وَ سُمَحَاؤُکُمْ- وَ أَیْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ فِی مَکَاسِبِهِمْ- وَ الْمُتَنَزِّهُونَ فِی مَذَاهِبِهِمْ- أَ لَیْسَ قَدْ ظَعَنُوا جَمِیعاً- عَنْ هَذِهِ الدُّنْیَا الدَّنِیَّهِ- وَ الْعَاجِلَهِ الْمُنَغِّصَهِ- وَ هَلْ خُلِقْتُمْ إِلَّا فِی حُثَالَهٍ- لَا تَلْتَقِی بِذَمِّهِمُ الشَّفَتَانِ- اسْتِصْغَاراً لِقَدْرِهِمْ وَ ذَهَاباً عَنْ ذِکْرِهِمْ- فَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَیْهِ راجِعُونَ- ظَهَرَ الْفَسَادُ فَلَا مُنْکِرٌ مُغَیِّرٌ- وَ لَا زَاجِرٌ مُزْدَجِرٌ- أَ فَبِهَذَا تُرِیدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللَّهَ فِی دَارِ قُدْسِهِ- وَ تَکُونُوا أَعَزَّ أَوْلِیَائِهِ عِنْدَهُ- هَیْهَاتَ لَا یُخْدَعُ اللَّهُ عَنْ جَنَّتِهِ- وَ لَا تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ- لَعَنَ اللَّهُ الْآمِرِینَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِکِینَ لَهُ- وَ النَّاهِینَ عَنِ الْمُنْکَرِ الْعَامِلِینَ بِهِ

اللغه

أقول: أثویاء: جمع ثوىّ على فعیل و هو الضیف. و الدائب: المجدّ فی العمل.
و الکدح: العمل. و الوقر: الصمم. و الحثاله: الثقل، و کأنّه الردیّ من کلّ شی‏ء.

المعنى

و قد نفّر علیه السّلام عن الدنیا بذکر عدّه من معایبها:

أحدها: کونهم فیها ضیفانا
و استعار لهم لفظ الضیف و کذلک لما یأملون منها و وجه الاستعاره مشابهتهم للضیف فی تأجیل الإقامه و انقطاع وقته و قرب رحیله، و مؤجّلون ترشیح للاستعاره.

الثانیه: کونهم مدینون فیها
و استعار لفظ المدین باعتبار وجوب الفرائض المطلوبه منهم و عهد اللّه المأخوذ علیهم أن یرجعوا الیه طاهرین عن نجس الملحدین، و رشّح بذکر المقتضین لما أنّ شأن المدین أن یقتضى فیه الدین. ثمّ لمّا ذکر کونهم مؤجّلین و مدینین کرّر ذکر الأجل بوصف النقصان، و لا شکّ فی نقصان ما لا یبقى، و ذکر العمل الّذی خالصه و صالحه هو الدین المقتضى منهم بوصف کونهم محفوظا علیهم لیجذب بنقصان الأجل إلى العمل، و بحفظ العمل إلى إصلاحه و الإخلاص فیه.

و أجل و عمل: خبران حذف مبتدئهما: أى أجلکم أجل منقوص، و عملکم عمل محفوظ. و نبّه بقوله: فربّ دائب مضیّع، و ربّ کادح خاسر: أنّ العمل و إن قصد فیه الصلاح أیضا إلّا أنّه قد یقع على وجه الغلط فیحصل بذلک انحراف عن الدین و ضلال عن الحقّ فیضیّع العمل و یخسر الکدح کدأب الخوارج و نحوهم فربما دخل الکادح فی قوله تعالى «هَلْ نُنَبِّئُکُمْ بِالْأَخْسَرِینَ أَعْمالًا الَّذِینَ ضَلَّ سَعْیُهُمْ فِی الْحَیاهِ الدُّنْیا وَ هُمْ‏یَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ یُحْسِنُونَ صُنْعاً»«» و ذلک ککدح أهل الکتاب و نحوهم.

و قوله: و قد أصبحتم: إلى قوله: إقبالا. شکایه للزمان و ذمّ له، و هو کقوله: إنّا قد أصبحنا فی زمن کنود، و دهر عنود. و ذلک لأخذ الزمان فی البعد عن وقت ظهور الشریعه و طراوتها و جرأه الناس على هتک الدین و ارتکاب مناهى اللّه، و کذلک طمع الشیطان فی هلاکهم: أى فی هلاک دینهم الّذی یکون غایته هلاکهم فی الآخره، و أشار إلى أنّ ذلک الوقت هو أوان قوّه عدّته و عموم مکیدته و إمکان عمله فما ظنّک بزماننا هذا و ما بعده، و استعار لفظ الفریسه لمطاوعى الشیطان و المنفعلین عنه، و وجه الاستعاره بلوغه منهم مراده و تصریفه لهم لغایه هلاکهم کالأسد مع فریسته. و قوله: اضرب بطرفک. إلى قوله: و قرا. شرح لما أجمله أوّلا من ازدیاد إقبال الشرّ و إدبار الخیر، و کفر الغنىّ ترکه و إعراضه عن شکر نعم اللّه سبحانه علیه. و قوله: بحقّ اللّه متعلّق بالبخل.

أى: أنّ البخیل یقصد ببخله بحقّ اللّه على مستحقّه توفیر المال و الزیاده فیه. و قوله: أین خیارکم: إلى قوله: مذاهبهم. سؤال من باب تجاهل العارف تنبیها لهم على ما صار و إلیه من الفناء و فراق الدنیا، و على أنّه لم یبق فیهم من اولى الأعمال الصالحه أحد لعلّهم یرجعون إلى لزوم الأعمال الصالحه، و أراد بالأحرار الکرماء، و المتورّعون فی مکاسبهم الملازمون للأعمال الجمیله فیها من التقوى و المسالمه و إخراج حقوق اللّه تعالى، و المتنزّهون فی مذاهبهم الممتنعون عن ولوج أبواب المحارم و الشبهات فی مسالکهم و حرکاتهم.

و قوله: ألیس. إلى قوله: المنغّصه. سؤال على سبیل التقریر لما نبّههم علیه من فراق الدنیا و دناءتها بالنسبه إلى عظیم ثواب الآخره و تنغیصها بالآلام و نحوها حتّى قال بعض الحکماء: إنّ کلّ لذّه فی الدنیا فإنّما هى خلاص من ألم. و قوله: و هل خلقتم. إلى قوله: عن ذکرهم. سؤال على سبیل التقریر لما ذکر أیضا، و استعار لفظ الحثاله لرعاع الناس و همجهم. و قوله: لا تلتقى بذمّهم الشفتان. أى إنّهم أحقر من أن یشتغل الإنسان بذمّهم. و انتصب استصغارا و ذهابا على المفعول له، و حسن اقتباس القرآن هاهنا لما أنّ هذه الحال الّتى الناس علیها من فقد خیارهم و بقاء شرارهم مصیبه لحقتهم، و من آداب اللّه للصابرین على نزول المصائب أن یسلّموا أنفسهم و أحوالهم إلیه فیقولوا عندها: إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون کما قال سبحانه «وَ بَشِّرِ الصَّابِرِینَ» الآیه. ثمّ حکم على سبیل التوجّع و الأسف بظهور الفساد و بنفى المنکر المغیّر للفساد المزدجر عنه تنبیها لهم على أنّهم و إن کان فیهم من ینکر و یزجر إلّا أنّه لا یغیّر ما ینکره و لا یزدجر عن مثله، و ذلک من قبایح الأعمال و الریاء فیها. و قوله: أ فبهذا. أى بأعمالکم هذه المدخوله و بتقصیرکم. و مجاوره اللّه: الوصول إلیه و المقام معه فی جنّته الّتى هى مقام الطهاره عن نجاسات الهیئات البدنیّه و مقام تنزیه ذات اللّه تعالى و طهارتها عن اتّخاذ الشرکاء و الأنداد، و هو استفهام على سبیل الإنکار و لذلک عقبّه بقوله: هیهات. إلى آخره، و لمّا کان ذلک یجرى مجرى الزهد الظاهر مع النفاق فی الباطن أعنى أعمالهم المدخوله من إنکار المنکر و ارتکابهم نبّههم على أنّ فعلهم کخداع اللّه عن جنّته، و صرّح بأنّ اللّه لا یخدع لعلمه بالسرائر و أنّه لا تنال مرضاته إلّا بطاعته: أى الطاعه الحقیقیّه الخالصه دون الظاهره. ثمّ ختم بلعن الآمرین بالمعروف مع ترکهم للعمل به، و الناهین عن المنکر المرتکبین له لأنّهم منافقون مغرون بذلک لمن یقتدى بهم و النفاق مستلزم اللعن و البعد عن رحمه اللّه. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۴۲

بازدیدها: ۲

خطبه ۱۲۷شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام یؤمى به إلى وصف الأتراک

کَأَنِّی أَرَاهُمْ قَوْماً- کَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَهُ- یَلْبَسُونَ السَّرَقَ وَ الدِّیبَاجَ- وَ یَعْتَقِبُونَ الْخَیْلَ الْعِتَاقَ- وَ یَکُونُ هُنَاکَ اسْتِحْرَارُ قَتْلٍ- حَتَّى یَمْشِیَ الْمَجْرُوحُ عَلَى الْمَقْتُولِ- وَ یَکُونَ الْمُفْلِتُ أَقَلَّ مِنَ الْمَأْسُورِ- فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ- لَقَدْ أُعْطِیتَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ عِلْمَ الْغَیْبِ- فَضَحِکَ ع وَ قَالَ لِلرَّجُلِ وَ کَانَ کَلْبِیّاً یَا أَخَا کَلْبٍ لَیْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَیْبٍ- وَ إِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِی عِلْمٍ- وَ إِنَّمَا عِلْمُ الْغَیْبِ عِلْمُ السَّاعَهِ- وَ مَا عَدَّدَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ- إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَهِ- الْآیَهَ- فَیَعْلَمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا فِی الْأَرْحَامِ- مِنْ ذَکَرٍ أَوْ أُنْثَى وَ قَبِیحٍ أَوْ جَمِیلٍ- وَ سَخِیٍّ أَوْ بَخِیلٍ- وَ شَقِیٍّ أَوْ سَعِیدٍ- وَ مَنْ یَکُونُ فِی النَّارِ حَطَباً- أَوْ فِی الْجِنَانِ لِلنَّبِیِّینَ مُرَافِقاً- فَهَذَا عِلْمُ الْغَیْبِ الَّذِی لَا یَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ- وَ مَا سِوَى ذَلِکَ فَعِلْمٌ- عَلَّمَهُ اللَّهُ نَبِیَّهُ ص فَعَلَّمَنِیهِ- وَ دَعَا لِی بِأَنْ یَعِیَهُ صَدْرِی- وَ تَضْطَمَّ عَلَیْهِ جَوَانِحِی

اللغه

أقول: المجانّ بالفتح: جمع مجنّ بکسر المیم و هو الترس. و المطرقه بفتح الراء و التخفیف: الّتى تطبق و تخصف کطبقات النعل. یقال: أطرقت بالجلد إذا ألبست. و السرق بفتح السین و الراء: شقق الحریر واحدتها سرقه. قال أبو عبیده: هى البیض منها، و هو فارسىّ معرّب أصله سره: أى جیّد کالاستبرق الغلیظ من الدیباج. و یعتقبون الخیل: یحتبسونها و یرتبطونها. و استحرّ القتل و حرّ: أى اشتدّ.

المعنى

و اعلم أنّه علیه السّلام من عادته إذا أراد الإخبار عن أمر سیکون فإنّه یصدّره بقوله: کأنّى کما سبق من إخباره علیه السّلام عن الکوفه کأنّى بک یا کوفه، و کقوله:

کأنّى به و قد نعق بالشام. و وجه ذلک أنّ مشاهدته بعین بصیرته لمّا افیض على نفسه القدسیّه من أنوار الغیب على سبیل الإلهام بواسطه الاستاد المرشد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم تشبّه المشاهده بعین البصر فی الجلاء و الظهور الخالى عن الشکّ فلذلک حسن حرف التشبیه صدرا، و ضمایر الجمع فی الفصل تعود إلى الأتراک، و شبّه وجوههم بالتروس المطبقه، و وجه الشبه فی تشبیهها بالتروس الاستداره و العظم و الانبساط، و فی کونها مطرقه الخشونه و الغلظه و هو تشبیه للمحسوس بالمحسوس، و أمّا وصفه لهم بمراعاه لبس السرق و الدیباج، و اعتقاب الخیل فاعتبار أحوال الترک تشهد بصدقه، و أمّا إخباره عن استحرار القتل إلى الغایه المذکوره حین ظهورهم فممّا یشهد بصدقه التواریخ بالوقایع المشهوره بینهم و بین العرب و غیرهم من المسلمین فی أیّام عبد اللّه بن الزبیر، و فی أیّام قتیبه بن مسلم، و یکفى فی صدق ذلک إلى الغایه المذکوره ما شهدناه من وقایع التتار مع المسلمین و قتلهم إیّاهم بالعراقین و خراسان و غیرها من البلاد فأمّا جوابه علیه السّلام للکلبىّ إنّ ذلک لیس بعلم غیب، و إنّما هو تعلّم من ذى علم، و تعدیده للمعلومات بعلم الغیب الّذی لا یعلمها إلّا اللّه سبحانه فحقّ و صدق، و قد نبّهنا على الفرق بین علم الغیب و الإخبار عن المغیبات فی المقدّمات لکن ینبغی أن یعلم أنّ التعلّم الحاصل له من قبل الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم لیس على سبیل أنّ کلّ ما القى إلیه صور جزئیّه و وقایع جزئیّه بل معناه هو إعداد نفسه القدسیّه على طول الصحبه من حیث کان طفلا إلى أن توفّى الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لهذه العلوم بالریاضه التامّه، و تعلیم کیفیّه السلوک و أسباب تطویع النفس الأمّاره بالسوء للنفس المطمئنّه حتّى استعدّت نفسه الشریفه للانتقاش بالامور الغیبیّه، و انتقشت فیها الصور الکلّیّه فأمکنه الإخبار عنها و بها، و لذلک قال: و دعا لى بأن یعیه صدرى و تضطمّ علیه جوانحى: أى یضبطه قلبى و یشتمل علیه، و کنّى بالجوانح عن القلب لاشتمالها علیه و لو کانت تلک العلوم صورا جزئیّه لم یحتج إلى مثل هذا الدعاء فإنّ فهم الصور الجزئیّه و ضبطها و الإخبار عنها ممکن لکلّ الصحابه من العوامّ و غیرهم، و إنّما الصعب المحتاج إلى الدعاء بأن یعیه الصدر و یستعدّ الأذهان لقبوله‏ هو القوانین الکلّیّه، و کیفیّه انشعابها و تفصیلها و أسباب تلک الامور المعدّه لإدراکها حتّى إذا استعدّت النفس بها أمکن أن ینتقش بالصور الجزئیّه من مفیضها کما سبقت الاشاره إلیه.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۳۹

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۲۶شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام فیما یخبر به عن الملاحم بالبصره

یَا أَحْنَفُ کَأَنِّی بِهِ وَ قَدْ سَارَ بِالْجَیْشِ- الَّذِی لَا یَکُونُ لَهُ غُبَارٌ وَ لَا لَجَبٌ- وَ لَا قَعْقَعَهُ لُجُمٍ وَ لَا حَمْحَمَهُ خَیْلٍ- یُثِیرُونَ الْأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمْ- کَأَنَّهَا أَقْدَامُ النَّعَامِ یومئ بذلک إلى صاحب الزنج ثُمَّ قَالَ ع- وَیْلٌ لِسِکَکِکُمُ الْعَامِرَهِ وَ الدُّورِ الْمُزَخْرَفَهِ- الَّتِی لَهَا أَجْنِحَهٌ کَأَجْنِحَهِ النُّسُورِ- وَ خَرَاطِیمُ کَخَرَاطِیمِ الْفِیَلَهِ- مِنْ أُولَئِکَ الَّذِینَ لَا یُنْدَبُ قَتِیلُهُمْ- وَ لَا یُفْقَدُ غَائِبُهُمْ- أَنَا کَابُّ الدُّنْیَا لِوَجْهِهَا- وَ قَادِرُهَا بِقَدْرِهَا وَ نَاظِرُهَا بِعَیْنِهَا

اللغه

أقول: الملحمه: الوقعه العظیمه.

المعنى

و هذا الفصل من خطبه له علیه السّلام بالبصره بعد وقعه الجمل ذکرنا منها فصولا فیما سبق، و الخطاب مع الأحنف بن قیس لأنّه کان رئیسا ذا عقل و سابقه فی قومه، و کان اسمه صخر بن قیس بن معاویه بن حصن بن عباد بن مرّه بن عبید بن تمیم، و قیل: اسمه الضحّاک، و کنیته أبو بحر. و بسببه کان إسلام بنى تمیم حین دعاهم رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فلم یجیبوا. فقال لهم الأحنف: إنّه یدعوکم إلى مکارم الأخلاق و ینهاکم عن ملاعبها فأسلموا. و أسلم الأحنف و شهد مع علىّ علیه السّلام صفّین و لم یشهد الجمل مع أحد الفریقین، و الضمیر فی قوله: کأنّى به. لصاحب الزنج و اسمه علىّ بن محمّد علوىّ النسب، و الجیش المشار إلیه هم الزنج، و واقعتهم بالبصره مشهوره و أخبارهم و بیان أحوالهم و تفصیل واقعتهم یشتمل علیها کتاب منفرد فی نحو من عشرین کرّاسه فلیطلب علمها من هناک، و أمّا وصف ذلک الجیش بالأوصاف المذکوره فلأنّ الزنج لم یکونوا أهل خیل و لا جند من قبل حتّى یکون بالأوصاف المشار إلیها، و إثارتهم التراب بأقدامهم کنایه عن کونهم حفاه فی الأغلب سائرین بالأقدام فهى [من اعتیاد الحفاه- خ- ] باعتبار الحفاء و مباشره الأرض بالخشب و نحوه فکانت مظنّه إثاره التراب عوضا من حوافر الخیل، و وجه شبهها بأقدام النعام أنّ أقدامهم فی الأغلب قصارعراض منتشره الصدور و مفرّقات الأصابع فهی من عرضها لا یتبیّن لها طول فأشبهت أقدام النعام فی بعض تلک الأوصاف، ثمّ أخبر بالویل لمحالّ البصره و دورها المزوّقه من اولئک، و استعار لدورها لفظ الأجنحه، و أراد بها القطانیّات الّتى تعمل من الأخشاب و البوارى بارزه عن السقوف کالوقایه للمشارف و الحیطان عن آثار الأمطار و هى أشبه الاشیاء فی هیئتها و صوره وضعها بأجنحه کبار الطیر کالنسور، و کذلک استعار لفظ خراطیم الفیله للمیازیب الّتى تعمل من الخوص على شکل خرطوم الفیل و تطلى بالقار یکون نحوا من خمسه أزرع أو أزید تدلى من السطوح حفظا للحیطان من أذى السیل أیضا، و هى أشبه الأشیاء فی صورتها بخراطیم الفیله، و أمّا وصفه لهم بأنّه لا یندب قتیلهم و لا یفتقد غایبهم. قال بعض الشارحین: ذلک وصف لهم بشدّه البأس و الحرص على الحرب و القتال و أنّهم لا یبالون بالموت و لا یأسفون على من فقد منهم.

و أقول: و الأشبه أنّ ذلک لکونهم لا اصول لهم و لا أهل لأکثرهم من امّ أو أخت أو غیر ذلک ممّن عادته أن ینوح و یندب قتیله و یفتقد غائبه لکون أکثرهم غرباء فی البصره فمن قتل منهم لا یکون له من یندبه و من غاب لا یکون له من یفتقده. و قوله: أنا کابّ الدنیا لوجهها. إشاره إلى زهده فیها، و تنبیه على فضیلته. یقال: کببت فلانا لوجهه إذا ترکته و ما التفت إلیه، و قادرها بقدرها: أى معامل لها بمقدارها، و لمّا کان مقدارها حقیرا عنده کان التفاته إلیها التفاتا حقیرا حسب ضروره البقاء فیها، و کذلک ناظرها بعینها: أى معتبرها بالعین الّتى ینبغی أن تعتبر بها الدنیا من کونها غرّاره غدّاره حائله إلى غیر ذلک من أوصافها، و أنّها مزرعه الآخره و طریق إلیها غیر مطلوبه لذاتها. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۳۷

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۲۵شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام أیضا للخوارج.

فَإِنْ أَبَیْتُمْ إِلَّا أَنْ تَزْعُمُوا أَنِّی أَخْطَأْتُ وَ ضَلَلْتُ- فَلِمَ تُضَلِّلُونَ عَامَّهَ أُمَّهِ مُحَمَّدٍ ص بِضَلَالِی- وَ تَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَئِی- وَ تُکَفِّرُونَهُمْ بِذُنُوبِی- سُیُوفُکُمْ عَلَى عَوَاتِقِکُمْ- تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ الْبُرْءِ وَ السُّقْمِ- وَ تَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ یُذْنِبْ- وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص رَجَمَ الزَّانِیَ الْمُحْصَنَ- ثُمَّ صَلَّى عَلَیْهِ ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ- وَ قَتَلَ الْقَاتِلَ وَ وَرَّثَ مِیرَاثَهُ أَهْلَهُ- وَ قَطَعَ السَّارِقَ وَ جَلَدَ الزَّانِیَ غَیْرَ الْمُحْصَنِ- ثُمَّ قَسَمَ عَلَیْهِمَا مِنَ الْفَیْ‏ءِ وَ نَکَحَا الْمُسْلِمَاتِ- فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ص بِذُنُوبِهِمْ- وَ أَقَامَ حَقَّ اللَّهِ فِیهِمْ- وَ لَمْ یَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ- وَ لَمْ یُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَیْنِ أَهْلِهِ- ثُمَّ أَنْتُمْ شِرَارُ النَّاسِ- وَ مَنْ رَمَى بِهِ الشَّیْطَانُ مَرَامِیَهُ وَ ضَرَبَ بِهِ تِیهَهُ- وَ سَیَهْلِکُ فِیَّ صِنْفَانِ- مُحِبٌّ مُفْرِطٌ یَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَى غَیْرِ الْحَقِّ- وَ مُبْغِضٌ مُفْرِطٌ یَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلَى غَیْرِ الْحَقِّ- وَ خَیْرُ النَّاسِ فِیَّ حَالًا النَّمَطُ الْأَوْسَطُ فَالْزَمُوهُ- وَ الْزَمُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ- فَإِنَّ یَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَهِ- وَ إِیَّاکُمْ وَ الْفُرْقَهَ- فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّیْطَانِ- کَمَا أَنَّ الشَّاذَّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْبِ- أَلَا مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ- وَ لَوْ کَانَ تَحْتَ عِمَامَتِی هَذِهِ- فَإِنَّمَا حُکِّمَ الْحَکَمَانِ لِیُحْیِیَا مَا أَحْیَا الْقُرْآنُ- وَ یُمِیتَا مَا أَمَاتَ الْقُرْآنُ- وَ إِحْیَاؤُهُ الِاجْتِمَاعُ عَلَیْهِ- وَ إِمَاتَتُهُ الِافْتِرَاقُ عَنْهُ- فَإِنْ جَرَّنَا الْقُرْآنُ إِلَیْهِمُ اتَّبَعْنَاهُمْ- وَ إِنْ جَرَّهُمْ إِلَیْنَا اتَّبَعُونَا- فَلَمْ آتِ لَا أَبَا لَکُمْ بُجْراً- وَ لَا خَتَلْتُکُمْ عَنْ أَمْرِکُمْ- وَ لَا لَبَّسْتُهُ عَلَیْکُمْ- إِنَّمَا اجْتَمَعَ رَأْیُ مَلَئِکُمْ عَلَى اخْتِیَارِ رَجُلَیْنِ- أَخَذْنَا عَلَیْهِمَا أَلَّا یَتَعَدَّیَا الْقُرْآنَ فَتَاهَا عَنْهُ- وَ تَرَکَا الْحَقَّ وَ هُمَا یُبْصِرَانِهِ- وَ کَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا فَمَضَیَا عَلَیْهِ- وَ قَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَیْهِمَا فِی الْحُکُومَهِ بِالْعَدْلِ- وَ الصَّمْدِ لِلْحَقِّ سُوءَ رَأْیِهِمَا وَ جَوْرَ حُکْمِهِمَا

اللغه

أقول: البحر: الشرّ و الأمر العظیم. و الختل: الخدیعه. و الصمد: القصد.

و هذا الفصل مشاجره مع الخوارج

و هو منع لشبههم الّتی بها کفّروا أصحابه علیه السّلام و صورتها إنّکم ضللتم بالتحکیم، و کلّ ضالّ کافر ینتج أنّهم کفّار.

فقوله: فإن أبیتم. إلى قوله: و ضللت. یجرى مجرى تسلیم جدل لما منعه أوّلا فی الفصول السابقه من صغرى شبههم و بین أنّ التحکیم لم یکن منه خطأ و لا ضلالا. فکأنّه یقول: وهب أنى أخطأت کما زعمتم.

و قوله: فلم تضلّلون عامّه امّه محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بضلالى. منع لصغرى هذه الشبهه.

و قوله: و تکفّرونهم بذنوبى. إلى قوله: بمن لم یذنب. منع للکبرى. فکأنّه یقول: و هب أنّکم ضلّلتموهم بضلالى فلم تکفّرونهم، و تقتلون بسبب تکفیرهم المذنب و غیر المذنب.

و قوله: و قد علمتم. إلى قوله: بین أهله. استشهاد علیهم بفعل الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیمن أخطأ، و أنّه لم یکفّرهم بذنوبهم بل أجرى علیهم أحکام الإسلام، و لم یسلبهم اسمه، و هذا الاستشهاد یجرى مجرى‏ ذکره مستند المنع. و الزانى الّذی رجمه هو المحصن، و لم یمنعه استحقاقه الرجم صدق الإسلام علیه و لحوق أحکامه له من الصلاه علیه و توریث ماله لأهله، و کذلک الباقون من أهل الکبائر من الأمّه لم یمنعهم ذلک من إجراء أحکام الإسلام علیهم، و صدق اسمه المنافی لصدق الکفر علیهم، و ضمیر الاثنین فی نکحا یرجع إلى السارق و الزانی: أى لم یمنعهم استحقاق القطع و الجلد من حصّتهما من الفی‏ء و لا من نکاح المسلمات، و ضمائر الجمع فی قوله: فأخذهم اللّه بذنوبهم. إلى قوله: بین أهله راجعه إلى کلّ من جرى ذکره من المذنبین، و الکلام المذکور حکایه لحالهم، و الضمیر فی أهله یرجع إلى الإسلام.

ثمّ لمّا فرغ من بیان غلطهم ذمّهم و نسبهم إلى الانفعال عن الشیطان. إذ کانت وساوسه مبادى الأغلاط و الشبه. ثمّ عقّب ذلک بالإخبار عن هلاک من سلک طریق الإفراط فی حبّه أو بغضه لخروجهما عن الحقّ و العدل إلى الباطل و الجور، و إفراط الحبّ أن جعل إلهاً کالمنسوب إلى النصیریّه و نحوهم من الغلاه، و إفراط البغض أن نسب إلى الکفر کالمنقول عن الخوارج، و جعل خیر الناس فیه حالًا النمط الأوسط فی المحبّه، و هم أهل العدل فیه. و النمط الأوسط الجماعه من الناس أمرهم واحد، و فی الحدیث خیر هذه الامّه النمط الأوسط یلحق بهم التالى و یرجع إلیهم الغالى. فالتالى هو المقصّر الواقف فی طرف التفریط، و الغالى هو العابر إلى طرف الإفراط. و أمر بلزوم ذلک النمط و لزوم طریقه السواد الأعظم: أى أکثر المسلمین المتّفقین على رأى واحد، و رغّب فی لزوم طریقتهم بأنّ ید اللّه على الجماعه فتجوّز بلفظ الید فی قدره اللّه و حراسته للجماعه. إذ کانوا أمنع و أبعد عن الانفعال للعدوّ، و آمن من الغلط و الخطاء لکثره آرائهم و اتّفاقها فلا تکاد تتّفق على أمر لا مصلحه فیه مع کثرتها و اختلافها، و حذّر من الفرقه و الشذوذ عن الجماعه بأنّ الشاذّ من الناس: أى المتفرّد المستبدّ برأیه للشیطان: أى محلّ تطرّق الشیطان لانفراده، و شبّه ذلک بالشّاذ من الغنم، و وجه الشبه کون انفراده محلّا لتطرّق الهلاک إلیه باستغواء الشیطان له کمان أنّ الشاه المنفرده فی مظنّه الهلاک لانفرادها و وحدتها للذئب. ثمّ أمر بقتل من دعا إلى هذا الشعار و هو مفارقه الجماعه و الاستبداد بالرأى. و قوله: و لو کان تحت عما متى هذه. مبالغه فی الکلام کنّى بها عن أقصى القرب من عنایته: أى و لو کان ذلک الداعى إلى هذا الحدّ من عنایتى به، و قیل: أراد و لو کان ذلک الداعى أنا. و قوله: و إنّما حکّم الحکمان. اعتذار عن شبهه التحکیم، و أسند إلیهما لفظى الإحیاء و الإماته مجازا باعتبار کونهما فی الاجتماع علیه و العمل به مظهرین لمنفعته و فایدته کما یفعله موجد الحیاه، و کونهما فی ترکه و الإعراض عنه سببا لبطلان منفعته و عدم منفعته کما یفعله ممیت الشی‏ء و مبطل حیاته. فلم آت- لا أبالکم- بجراً: إلى آخر. لمّا بیّن وجه عذره فی التحکیم أنکر أن یکون فعله ذلک مشتملا على قصد شرّ أو خدیعه لهم أو تلبیسا علیهم فی التحکیم من غیر اتّفاق منهم و مراجعه لهم بل إنّما کان ذلک عن اجتماع آراء قومهم على اختیار حکمین اخذت علیهما الشرائط المعدوده فی کتاب الصلح، و فی نسبته اختیار الحکمین إلى ملائهم، و نسبه أخذ العهد علیها فی اتّباع الکتاب إلى نفسه أو إلى جماعه هو أحدهم تنبیه على أنّ أخذ العهد علیهما کان منه أو بشرکته دون تعیینهما للحکومه لما نقل إنّه کان غیر راض بنصب أبى موسى نائبا عنه، و إنّما اکره على ذلک و کان میله و اختیاره فی ذلک لابن عبّاس.

و تلخیص الکلام: أنّا إنّما رضینا بالحکمین بشرط أن یعملا بکتاب اللّه، و المشروط بشرط عدم عند عدم ذلک الشرط. فحیث خالفا الشرط عمدا بعد أن سبق استثناؤنا علیهما سوء رأیهما وجبت مخالفتهم. و انتصب سوء رأیهما لأنّه مفعول به عن سبق. و باللّه التوفیق و العصمه.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۳۳

 

بازدیدها: ۴

خطبه ۱۲۴شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام لما عوتب على التسویه فی العطاء

أَ تَأْمُرُونِّی أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ- فِیمَنْ وُلِّیتُ عَلَیْهِ- وَ اللَّهِ لَا أَطُورُ بِهِ‏ مَا سَمَرَ سَمِیرٌ- وَ مَا أَمَّ نَجْمٌ فِی السَّمَاءِ نَجْماً- لَوْ کَانَ الْمَالُ لِی لَسَوَّیْتُ بَیْنَهُمْ- فَکَیْفَ وَ إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ- أَلَا وَ إِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِی غَیْرِ حَقِّهِ تَبْذِیرٌ وَ إِسْرَافٌ- وَ هُوَ یَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِی الدُّنْیَا- وَ یَضَعُهُ فِی الْآخِرَهِ- وَ یُکْرِمُهُ فِی النَّاسِ وَ یُهِینُهُ عِنْدَ اللَّهِ- وَ لَمْ یَضَعِ امْرُؤٌ مَالَهُ فِی غَیْرِ حَقِّهِ وَ لَا عِنْدَ غَیْرِ أَهْلِهِ- إِلَّا حَرَمَهُ اللَّهُ شُکْرَهُمْ- وَ کَانَ لِغَیْرِهِ وُدُّهُمْ- فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ یَوْماً- فَاحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَلِیلٍ- وَ أَلْأَمُ خَدِینٍ

اللغه

أقول: لا أطور به: أى لا أقرّبه. و السمیر: الدهر. یقال: لا أفعله ما سمر سمیر: أى الدهر کلّه، و کذلک لا أفعله ما سمر ابنا سمیر: أى الدهر کلّه، و ابناه: اللیل و النهار. و الخدین: الصدیق.

المعنى

و التسویه فی العطاء من سنّه الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و کان أبو بکر کذلک على تلک السنّه فلمّا فضّل من بعدهما أهل السابقه و الشرف فی العطاء على غیرهم اعتاد المفضّلون بذلک إلى زمانه علیه السّلام و لمّا کان سالکا مسالک الرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و مقتفیا أثر سنّته لم یمکنه إلّا التسویه فطلب المفضّلون عادتهم من التفضیل عند ولایته لهذا الأمر فقال الکلام.

فقوله: أتامرونىّ أن أطلب النصر بالجور، جواب لمن أشار علیه بالتفضیل، و کأنّ المشیر قال له: إن فضّلت هؤلاء کانوا معک بقلوبهم و نصروک. فأجابهم بذلک. و الجور: العدول عن سبیل اللّه بالتفضیل حیث کان خارجا عن سنّه الرسول. ثمّ أقسم أنّه لا یقرب التفضیل أبدا، و أنّ المال لو کان له لکان من العدل أن یسوّى بینهم فیه فکیف و المال للّه و لهم، و وجه ذلک أنّ التسویه هى العدل الّذی تجتمع به النفوس على النصره و تتألّف الهمم على مقاومه العدوّ دون التفضیل‏ المستلزم لانکسار قلوب المفضولین مع کثرتهم. فلو کان المال له مع کونه بطباع البشریّه المیّاله إلى شخص دون شخص لم یسوّ بینهم فکیف و المال للّه الّذى تساوى نسبه الخلق إلیه و ما لهم الّذى فرضه اللّه لهم على سواء، و هو کالاعتذار الحاسم لمادّه الطمع فی التفضیل. ثمّ نبّه على قبح وضع المال فی غیر أهله و على غیر وجهه. و غیر أهله: هم غیر المفروض لهم، و غیر وجهه: غیر حقّه الّذى یفرضه الشارع، و أشار إلى وجوه المفاسد ففى غیر أهله تبذیر، و فی غیر وجهه إسراف، و عرفت أنّهما طرفا الإفراط و التفریط من فضیله السخاء.

و قوله: یرفع صاحبه فی الدنیا. أى یحصل له بالتبذیر ذکر الکرم بین العوامّ و الغاغه، و من لا یعرف حقیقه الکرم، و یضعه فی الآخره. إذ کان به على رذیله، و کذلک یکرمه عند الناس و یهینه عند اللّه، و أمّا حکمه علیه السّلام بأنّ الواضع لماله فی غیر حقّه و عند غیر أهله محروم شکرهم و لغیره ودّهم و على تقدیر وقوع الزلّه منه الّتى یحتاج فیها إلى مساعدتهم یتقاعدون عنه فذلک أمر یحصل بالاستقراء و ربّما بلغ التجربه، و أمّا سرّ ذلک فیحتمل أن یکون لأنّهم لمّا کانوا غیر أهل لوضع المعروف لم یکونوا أهلا للاعتراف به إمّا لجهلهم و غفلتهم أو لاعتقادهم أنّ المسدى إلیهم غیر أهل لشکرهم، و أنّهم على مرتبته و أحقّ بالمال منه. و أکثر ما یکون عدم الشکر من هؤلاء لنظر کلّ منهم إلى أنّ غیره من المسدى إلیه غیر أهل، و أنّه هو أحقّ فیرى نفسه دائما مبخوس الحظّ من باذل المعروف فلا یزال متسخّطا عاتبا علیه ذامّا للزمان، و حینئذ لا یتحقّق اعترافه بنعمه الباذل فإذا أصابه من غیره أدنى معروف أو لم یصبه بل سمع مدح أحد و شکر الناس له ساعد على مدحه و أظهر فضله، و قال: إنّه ممّن یضع المعروف فی أهله فیکون ذلک کالمستنهض لهمه الباذل أو کالمزرى علیه و المغایر له، و کنّى بزلّ النعل عن خطائه و عثاره فی المصائب. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۳۱

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۲۳شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام فی التحکیم

إِنَّا لَمْ نُحَکِّمِ الرِّجَالَ- وَ إِنَّمَا حَکَّمْنَا الْقُرْآنَ هَذَا الْقُرْآنُ- إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَیْنَ الدَّفَّتَیْنِ- لَا یَنْطِقُ بِلِسَانٍ وَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ- وَ إِنَّمَا یَنْطِقُ عَنْهُ الرِّجَالُ- وَ لَمَّا دَعَانَا الْقَوْمُ- إلَى أَنْ نُحَکِّمَ بَیْنَنَا الْقُرْآنَ- لَمْ نَکُنِ الْفَرِیقَ الْمُتَوَلِّیَ- عَنْ کِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى- وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ- فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِی شَیْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ- فَرَدُّهُ إِلَى اللَّهِ أَنْ نَحْکُمَ بِکِتَابِهِ- وَ رَدُّهُ إِلَى الرَّسُولِ أَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّتِهِ- فَإِذَا حُکِمَ بِالصِّدْقِ فِی کِتَابِ اللَّهِ- فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ- وَ إِنْ حُکِمَ بِسُنَّهِ رَسُولِ اللَّهِ ص- فَنَحْنُ أَوْلَاهُمْ بِهِ- وَ أَمَّا قَوْلُکُمْ- لِمَ جَعَلْتَ بَیْنَکَ وَ بَیْنَهُمْ أَجَلًا فِی التَّحْکِیمِ- فَإِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِکَ لِیَتَبَیَّنَ الْجَاهِلُ- وَ یَتَثَبَّتَ الْعَالِمُ- وَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ یُصْلِحَ فِی هَذِهِ الْهُدْنَهِ- أَمْرَ هَذِهِ‏ الْأُمَّهِ- وَ لَا تُؤْخَذَ بِأَکْظَامِهَا- فَتَعْجَلَ عَنْ تَبَیُّنِ الْحَقِّ- وَ تَنْقَادَ لِأَوَّلِ الْغَیِّ- إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ- مَنْ کَانَ الْعَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَیْهِ- وَ إِنْ نَقَصَهُ وَ کَرَثَهُ مِنَ الْبَاطِلِ- وَ إِنْ جَرَّ إِلَیْهِ فَائِدَهً وَ زَادَهُ- فَأَیْنَ یُتَاهُ بِکُمْ- وَ مِنْ أَیْنَ أُتِیتُمْ- اسْتَعِدُّوا لِلْمَسِیرِ إِلَى قَوْمٍ حَیَارَى- عَنِ الْحَقِّ لَا یُبْصِرُونَهُ- وَ مُوزَعِینَ بِالْجَوْرِ لَا یَعْدِلُونَ بِهِ- جُفَاهٍ عَنِ الْکِتَابِ- نُکُبٍ عَنِ الطَّرِیقِ- مَا أَنْتُمْ بِوَثِیقَهٍ یُعْلَقُ بِهَا- وَ لَا زَوَافِرَ عِزٍّ یُعْتَصَمُ إِلَیْهَا- لَبِئْسَ حُشَّاشُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ- أُفٍّ لَکُمْ- لَقَدْ لَقِیتُ مِنْکُمْ بَرْحاً یَوْماً أُنَادِیکُمْ- وَ یَوْماً أُنَاجِیکُمْ- فَلَا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ النِّدَاءِ- وَ لَا إِخْوَانُ ثِقَهٍ عِنْدَ النَّجَاءِ

أقول: هذا الفصل من کلام له بعد سماعه لأمر الحکمین و خدعه عمرو بن العاص لأبى موسى.

اللغه

کرثه الأمر. اشتدّ علیه. و أوزع له بکذا فهو موزع: إذا أغرى به. و نکّب بتشدید الکاف: جمع ناکب و هو العادل عن الطریق کباذل و بذّل. و زوافر الرجل: أنصاره و عشیرته. و الحشّاش: جمع حاشّ و هو موقد النار، و کذلک الحشاش بکسر الحاء و تخفیف الشین کنائم و نوّام و نیام، و قیل: هو ما یحشّ به النار: أى یوقد.
و البرح بسکون الراء: الشدّه و الأذى. یقال: لقیت منه برحا بارحا، و روى ترحا و هو الحزن.

المعنى

و هذا الفصل من أوله. إلى قوله: أولاهم به. جواب له عن شبهه التحکیم للخوارج عن أمره بالحرب بعد أن رضى بالتحکیم. و تقدیر الشبهه أنّک رضیت بتحکیم رجلین فی هذا الأمر و عاهدت على ذلک، و کلّ من رضى بأمر و عاهد علیه فلیس له أن ینقض عهده. فقدح فی صغرى هذه الشبهه بقوله: إنّا لم نحکّم الرجال:

أى لکونها رجالا، و إنّما حکّمنا القرآن لکن لمّا کان القرآن لابدّ له من ترجمان یبیّن مقاصده، و دعانا القوم إلى حکم القرآن و لم نکن نحن الفریق الکاره لکتاب اللّه، المتولّى عنه بعد أمره تعالى بالرجوع إلیه و إلى رسوله فی الکتاب و السنّه فیما اشتبه أمره بقوله «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ» الآیه. فإذا حکم بالصدق عن علم بکتابه فنحن أحقّ الناس به: أى أولاهم باتّباعه و أولاهم بأن ینصّ على کون الأمر لنا کما فی قوله تعالى «وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ». إلى قوله: «وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ»«» و ظاهر کون اولئک بعد عقد الإمامه بغاه علیه فوجب بنصّ الکتاب قتالهم، و کذلک الآیات الدالّه على وجوب الوفاء بالعهود و العقود و کان هو أولى بالحقّ الّذى یجب قتالهم علیه فکان الحاکم لهم مخطئا مخالفا لکتاب اللّه غیر عامل به فوجبت مخالفه حکمه، و إن حکم بسنّه رسول اللّه فنحن أولى الناس برسول اللّه للقرابه و للعمل بسنّته لموافقتها الکتاب و نصّه على وجوب متابعه الإمام العادل فکان الحاکم لغیره مخالفا للسنّه أیضا. فصارت خلاصه هذا الجواب أنّا لم نرض بتحکیم الرجلین و لکن بتقدیر حکمهما بکتاب اللّه الّذى هما ترجمان عنه و هو الحاکم الّذی دعانا الخصم إلیه و حیث خالفاه لم یجب علینا قبول قولهما.

و قوله: و أمّا قولکم. إلى قوله: لأوّل الغیّ. فتقدیر سؤال آخر لهم مع جوابه، و ذلک أنّهم حین اتّفقوا على التحکیم کتبوا کتاب الصلح و ضربوا لحکم الحکمین أجلًا مدّه سنه، و صوره الکتاب: هذا ما تقاضى علیه علىّ بن ابی طالب و معاویه بن أبى سفیان قاضى علىّ بن أبی طالب على أهل العراق و من کان معه من شیعته من المؤمنین و المسلمین، و قاضى معاویه بن أبى سفیان على أهل الشام و من کان من شیعته من المؤمنین و المسلمین إنّما ننزل عند حکم اللّه تعالى و کتابه و لا یجمع بیننا إلا إیّاه، و إنّ کتاب اللّه سبحانه بیننا من فاتحته إلى خاتمته نحیى ما أحیى القرآن و نمیت ما أمات القرآن. فإن وجد الحکمان ذلک فی کتاب اللّه اتّبعاه، و إن لم یجداه أخذا بالسنّه العادله غیر المفرّقه،و الحکمان عبد اللّه و عمرو بن العاص، و قد أخذ الحکمان من علىّ و معاویه و من الجندین أنّهما آمنان على أنفسهما و أموالهما و الامّه لهما أنصار، و على الّذى یقضیان علیه و على المؤمنین و المسلمین من الطائفتین عهد اللّه أن یعمل بما یقضیان علیه ممّا وافق الکتاب و السنّه، و إنّ الأمن و الموادعه و وضع السلاح متّفق علیه بین الطائفتین إلى أن یقع الحکم، و على کلّ واحد من الحکمین عهد اللّه لیحکمنّ بین الأمّه بالحقّ لا بما یهوى، و أجل الموادعه سنه کامله فإن أحبّ الحکمان أن یعجّلا الحکم عجّلاه، و إن توفّى أحدهما فلأمیر شیعته أن یختار مکانه رجلا لا یألو الحقّ و العدل و إن توفّی أحد الأمیرین کان نصب غیره إلى أصحابه ممّن یرتضون أمره و یحمدون طریقته. اللّهم إنّا نستنصرک على من ترک ما فی هذه الصحیفه و أراد فیها إلحادا و ظلما.

و شهد فیه من أصحاب علىّ علیه السّلام عشره، و من أصحاب معاویه عشره. فذلک معنى الأجل فی التحکیم. و تقدیر هذا السؤال إنّک حین رضیت بالتحکیم لم ضربت بینک و بینهم أجلا، و ما الحکمه فی ذلک. فأجاب إنّما فعلت ذلک لیتبیّن الجاهل: أى فی وجه الحقّ، و یتثبّت العالم: أى فی أمره بحیث یخلص من الشبهه، و رجاء إصلاح هذه الامّه بهذا الصلح. و قوله: و لا تؤخذ بأکظامها فتعجل. إلى آخره. فعبّر بأخذ الکظم عن الأخذ بغته و على غرّه، و هؤلاء القوم لمّا أخذوا لأوّل شبهه عرضت من رفع المصاحف و هو أوّل الغىّ و لم یتثبّتوا فی أمرهم أشبهوا من اخذ بمجرى نفسه فلم یتمکّن من‏ الاستراحه إلى التنفیس فاستعیر وصف الکظم لهم. و قوله: إنّ أفضل الناس. إلى قوله: و زاده. جذب إلى الحقّ و إن أدّى إلى الغایه المذکوره و تنفیر عن الباطل و إن استلزم الغایه المذکوره بذکر الأفضلیّه عند اللّه.

و قوله: من الباطل. متعلّق بأحبّ إلیه.
و قوله: و إن نقصه و کرثه.
اعتراض بینهما. و الحکم فی هذه القضیّه ظاهر الصدق. إذ کان ملازم الحقّ‏ أتقى الخلق، و الأتقى أفضل عند اللّه تعالى کما قال تعالى «إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاکُمْ»«». و قوله: فأین یتاه بکم یرید إلى أىّ غایه یکون هذا التیه الّذى أخذتم فیه، و فیه تنبیه على أنّ ذلک التیه فعل الغیر بهم. و من أین اتیتم: أى من أىّ وجه دخلت علیکم الشبهه. و یشبه هذا السؤال تجاهل العارف. إذ کان یعلم وجه الداخل علیهم. ثمّ أعقب ذلک التعنیف لهم بالأمر بالمسیر إلى أهل الشام. و وصفهم بالحیره عن الحقّ و العمى عنه و الإغراء بالجور عن طریق اللّه بحیث لا مثل للجور عندهم، و بجفاوه الطباع عن فهم کتاب اللّه و نبوء الأفهام عنه و بعدولهم عن طریقه کلّ ذلک إغراء بهم.

و قوله: ما أنتم بوثیقه: أى بعروه وثیقه. إلى آخره و هو عتاب لهم و تضجّر منهم على قلّه طاعته. و قوله: یوما انادیکم. أى أدعوکم إلى النصره و أستغیث بکم، و یوما اناجیکم: أى اعاتبکم و اجادلکم على تقصیرکم. و قوله فلا أحرار صدق عند النداء. لأنّ الحرّ من شأنه إجابه الداعى و الوفاء بالوعد و لستم کذلک، و لا إخوان ثقه عند النجاء لأنّ أخا الثقه إذا زلّ و عوتب من أخیه انعتب، و إذا أحوج و اعتذر إلیه رجع إلى صفاء الاخوّه لمکان وثاقتها و لستم من ذلک فی شی‏ء. و باللّه التوفیق.

شرح نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۳۱

 

بازدیدها: ۴

خطبه ۱۲۲شرح ابن میثم بحرانی

 و من کلام له علیه السّلام فی حث أصحابه على القتال

فَقَدِّمُوا الدَّارِعَ وَ أَخِّرُوا الْحَاسِرَ- وَ عَضُّوا عَلَى الْأَضْرَاسِ- فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّیُوفِ عَنِ الْهَامِ- وَ الْتَوُوا فِی أَطْرَافِ الرِّمَاحِ فَإِنَّهُ أَمْوَرُ لِلْأَسِنَّهِ- وَ غُضُّوا الْأَبْصَارَ فَإِنَّهُ أَرْبَطُ لِلْجَأْشِ وَ أَسْکَنُ لِلْقُلُوبِ- وَ أَمِیتُوا الْأَصْوَاتَ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ- وَ رَایَتَکُمْ فَلَا تُمِیلُوهَا وَ لَا تُخِلُّوهَا- وَ لَا تَجْعَلُوهَا إِلَّا بِأَیْدِی شُجْعَانِکُمْ- وَ الْمَانِعِینَ الذِّمَارَ مِنْکُمْ- فَإِنَّ الصَّابِرِینَ عَلَى نُزُولِ الْحَقَائِقِ- هُمُ الَّذِینَ یَحُفُّونَ بِرَایَاتِهِمْ- وَ یَکْتَنِفُونَهَا حِفَافَیْهَا وَ وَرَاءَهَا وَ أَمَامَهَا- لَا یَتَأَخَّرُونَ عَنْهَا فَیُسْلِمُوهَا- وَ لَا یَتَقَدَّمُونَ عَلَیْهَا فَیُفْرِدُوهَا أَجْزَأَ امْرُؤٌ قِرْنَهُ وَ آسَى أَخَاهُ بِنَفْسِهِ- وَ لَمْ یَکِلْ قِرْنَهُ إِلَى أَخِیهِ- فَیَجْتَمِعَ عَلَیْهِ قِرْنُهُ وَ قِرْنُ أَخِیهِ- وَ ایْمُ اللَّهِ لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سَیْفِ الْعَاجِلَهِ- لَا تَسْلَمُوا مِنْ‏ سَیْفِ الْآخِرَهِ- وَ أَنْتُمْ لَهَامِیمُ الْعَرَبِ وَ السَّنَامُ الْأَعْظَمُ- إِنَّ فِی الْفِرَارِ مَوْجِدَهَ اللَّهِ وَ الذُّلَّ اللَّازِمَ وَ الْعَارَ الْبَاقِیَ- وَ إِنَّ الْفَارَّ لَغَیْرُ مَزِیدٍ فِی عُمُرِهِ- وَ لَا مَحْجُوزٍ بَیْنَهُ وَ بَیْنَ یَوْمِهِ- الرَّائِحُ إِلَى اللَّهِ کَالظَّمْآنِ یَرِدُ الْمَاءَ- الْجَنَّهُ تَحْتَ أَطْرَافِ الْعَوَالِی- الْیَوْمَ تُبْلَى الْأَخْبَارُ- وَ اللَّهِ لَأَنَا أَشْوَقُ إِلَى لِقَائِهِمْ مِنْهُمْ إِلَى دِیَارِهِمْ- اللَّهُمَّ فَإِنْ رَدُّوا الْحَقَّ فَافْضُضْ جَمَاعَتَهُمْ- وَ شَتِّتْ کَلِمَتَهُمْ وَ أَبْسِلْهُمْ بِخَطَایَاهُمْ إِنَّهُمْ لَنْ یَزُولُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ- دُونَ طَعْنٍ دِرَاکٍ یَخْرُجُ مِنْهُ النَّسِیمُ- وَ ضَرْبٍ یَفْلِقُ الْهَامَ وَ یُطِیحُ الْعِظَامَ- وَ یُنْدِرُ السَّوَاعِدَ وَ الْأَقْدَامَ- وَ حَتَّى یُرْمَوْا بِالْمَنَاسِرِ تَتْبَعُهَا الْمَنَاسِرُ- وَ یُرْجَمُوا بِالْکَتَائِبِ تَقْفُوهَا الْحَلَائِبُ- وَ حَتَّى یُجَرَّ بِبِلَادِهِمُ الْخَمِیسُ یَتْلُوهُ الْخَمِیسُ- وَ حَتَّى تَدْعَقَ الْخُیُولُ فِی نَوَاحِرِ أَرْضِهِمْ- وَ بِأَعْنَانِ مَسَارِبِهِمْ وَ مَسَارِحِهِمْ قال الشریف: أقول: الدعق: الدق، أى: تدق الخیول بحوافرها أرضهم، و نواحر أرضهم: متقابلاتها، یقال: منازل بنى فلان تتناحر، أى: تتقابل أقول: هذا الکلام. قاله بصفّین.

اللغه

أمور: أشدّ حرکه و نفوذا. و الجأش: روعه القلب و اضطرابه عند الخوف. و الذمار: ما وراء الرجل ممّا یجب علیه حمایته، و حفافا الشی‏ء: جانباه. و لهامیم العرب: أجوادهم. و الموجده: الغضب. و أبسلهم: أسلمهم للهلکه. و العوالى: جمع عالیه: الرمح، و هو ما دخل منه إلى ثلثه. و النسیم: النفس. و المنسر: القطعه من الجیش، و کذلک الخمیس: الجیش. و النواحر: جمع نحیره و هى آخر لیله من‏ الشهر مع یومها کأنّها تنحر الشهر المستقبل فیکون مراده بنواحر أرضهم أقاصیها. و أعنان مساربهم: أقطارها و ما اعترض منها. و مساربهم: مراعیهم واحدتها مسربه و هکذا مسارحهم: واحدتها مسرحه.

المعنى

و قد أمرهم بأوامر فی مصلحه الحرب و کیفیّتها و نهاهم مناهى: فأوّلها:

الأمر بتقدیم الدارع و تأخیر الحاسر. و المصلحه فیه ظاهره.

الثانی: العضّ على الأضراس. و حکمته ما سبق فی قوله: معاشر المسلمین استشعروا الخشیه، و فی قوله لابنه محمّد بن الحنفیّه: تزول الجبال و لا تزل، و قد کرّره هنا أیضا.

الثالث: الالتواء فی أطراف الرماح. و علّته ما ذکر، و هو أنّه إذا التوى الإنسان مع الرمح حال إرساله کان الرمى به أشدّ، و ذلک لحرکه صدر الإنسان بعد التوائه مع حرکه یده حین الإرسال فکانت حرکته أشدّ و أقوى نفوذا.

الرابع: غضّ الأبصار. و فائدته ما ذکر من کونه أربط لاضطراب القلب و أسکن، و ضدّ ذلک مدّ البصر إلى القوم فإنّه مظنّه الخوف و الفشل و علامه لهما عند العدوّ.

الخامس: إماته الأصوات. و فائدته أیضا طرد الفشل، إذ کانت کثره اللغط (اللفظ خ) و الصیاخ علامه لخوف الصائخ، و ذلک مستلزم لطمع العدوّ فیه و جرئته علیه.

السادس: قوله: و رایتکم فلا تمیلوها. فإنّ إمالتها ممّا یظنّ به العدوّ تشویشا و اضطراب حال فیطمع و یقدم، و لأنّها إذا امیلت تغیب عن عیون الجیش فربّما لا یهتدى کثیر منهم للوجه المطلوب.

السابع: و لا تخلّوها. و سیفسّر هو التخلیه.

الثامن: لا تجعلوها. إلى قوله: منکم. و ذلک أنّها أصل نظام العسکر و علیها یدور و بها یقوى قلوبهم ما دامت قائمه فیجب فی ترتیب الحرب أن یکون حاملها أشجع القوم. و قوله: فإنّ الصابرین. إلى قوله: فیفردوها. تخصیص لمن یحفظ الرایه و یحفّها بوصف الصبر على نزول الحقائق: أى الشدائد الحقّه المتیقّنه الّتى‏ لا شکّ فی نزولها، کى یسارعوا إلى حفظها و الإحاطه بها رغبه فی تلک المحمده، و بیّن بقوله: لا یتأخّرون عنها. إلى قوله: فیفردوها. معنى التخلیه الّتى نهاهم عنها، و قوله: فیسلموها و یفردوها. نصب الفعلان بإضمار أن عقیب الفاء فی جواب النفى.

التاسع: قوله: أجزء امرؤ قرنه. العاشر: آسى أخاه بنفسه فعلان ماضیان فی معنى الامر، و التقدیر و لیجزى امرؤ قرنه و هو خصمه و کفوه فی الحرب: أى لتقاومه و لیواس أخاه بنفسه فی الذبّ عنه و لا یفرّ من قرنه اعتمادا على أخیه فی دفعه فیجتمع على أخیه قرنه و قرن أخیه. ثم ذکّرهم عدم الفائده فی الفرار. إذ کانت غایه الفرار السلامه من الموت و هو لا بدّ منه کقوله تعالى قُلْ لَنْ یَنْفَعَکُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَ إِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِیلًا«» و استعار لفظ سیف الآخره للموت. و وجه المشابهه کونهما مبطلین للحیاه. و إنّما کان سیف الآخره لأنّها غایته. ثمّ مدحهم بأوصاف یستقبح معها الفرار، و هى کونهم أجود العرب و السنام الأعظم، و استعار لهم لفظ السنام لمشارکتهم إیّاه فی العلوّ و الرفعه. ثمّ أکّد تقبیح الفرار بذکر معایبه، و أنّه لا فائده فیه أیضا: أمّا معایبه فکونه یستلزم غضب اللّه فإنّ الفارّ من الجهاد فی سبیله عاص لأمره و العاصى له مستحقّ لغضبه و عقابه. ثمّ کونه مستلزما للذّل اللازم و العار الباقى فی الأعقاب و هو ظاهر، و أمّا أنّه لا فائده فیه فلأنّ الفارّ لا یزاد فی عمره لفراره. إذ علمنا أنّه بفراره لم یبلغ إلّا أجله المکتوب له فکان بقائه فی مدّه الفرار من عمره لازیاده فیه و إنّ له یوما فی القضاء الإلهىّ لا یحجز بینه و بینه فرار. و فیه تخویف بالموت.

و قوله: رائح إلى اللّه کالظمآن یرد الماء. استفهام عمّن یسلک سبیل اللّه و یروح إلیه کما یروح الظمآن استفهاما على سبیل العرض لذلک الرواح، و وجه الشبه القوّه فی السیر و السعى الحثیث، و أشار بقوله: الجنّه تحت أطراف العوالى. إلى أنّ مطلوبه الرواح إلى اللّه بالجهاد و جذب إلیه بذکر الجنّه، و خصّها بجهه تحت لأنّ دخول الجنّه غایه من الحرکات بالرماح فی سبیل اللّه و تلک الحرکات‏ إنّما هی تحت العوالى، و قد أطلق لفظ الجنّه على تلک الأفعال الّتى هى غایه منها مجازا تسمیه باسم غایته. ثمّ أعقب ذلک بدعاء اللّه على محاربیه إن ردّوا دعوته الحقّ بالتفریق و الإهلاک. ثمّ حکم بأنّهم لن یزولوا عن مواقفهم دون ما ذکر حکما على سبیل التهدید و الوعید لهم. و الطعن الدراک: المتدارک. و کنّى بخروج النسیم منه عن کونه بخرق الجوف و الأمعاء بحیث یتنفّس المطعون من الطعنه، و روى النسم، و روى القشم بالقاف و الشین المعجمه و هو اللحم و الشحم و هو بعید. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۲۳

 

بازدیدها: ۰