نامه ۷۹ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۷۹ و من کتاب کتبه ع لما استخلف إلى أمراء الأجناد

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا أَهْلَکَ مَنْ کَانَ قَبْلَکُمْ-  أَنَّهُمْ مَنَعُوا النَّاسَ الْحَقَّ فَاشْتَرَوْهُ-  وَ أَخَذُوهُمْ بِالْبَاطِلِ فَاقْتَدَوْهُ أی منعوا الناس الحق-  فاشترى الناس الحق منهم بالرشى و الأموال-  أی لم یضعوا الأمور مواضعها-  و لا ولوا الولایات مستحقیها-  و کانت أمورهم الدینیه و الدنیاویه تجری على وفق الهوى-  و الغرض الفاسد-  فاشترى الناس منهم المیراث و الحقوق-  کما تشترى السلع بالمال- .

ثم قال و أخذوهم بالباطل فاقتدوه-  أی حملوهم على الباطل فجاء الخلف من بعد السلف-  فاقتدوا بآبائهم و أسلافهم فی ارتکاب ذلک الباطل-  ظنا أنه حق لما قد ألفوه و نشئوا و ربوا علیه- . و روی فاستروه بالسین المهمله أی اختاروه-  یقال استریت خیار المال أی اخترته-  و یکون الضمیر عائدا إلى الظلمه لا إلى الناس-  أی منعوا الناس حقهم من المال-  و اختاروه لأنفسهم و استأثروا به

 

باب الحکم و المواعظ

 

باب المختار من حکم أمیر المؤمنین و مواعظه و یدخل فی ذلک المختار من أجوبه مسائله و الکلام القصیر الخارج من سائر أغراضه اعلم أن هذا الباب من کتابنا کالروح من البدن-  و السواد من العین-  و هو الدره المکنونه التی سائر الکتاب صدفها-  و ربما وقع فیه تکرار لبعض ما تقدم یسیر جدا-  و سبب ذلک طول الکتاب و بعد أطرافه عن الذهن-  و إذا کان الرضی رحمه الله قدسها-  فکرر فی مواضع کثیره فی نهج البلاغه على اختصاره-  کنا نحن فی تکرار یسیر فی کتابنا الطویل أعذر

 

 شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

بازدیدها: ۳۰

نامه ۷۸ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۷۸ و من کتاب له ع أجاب به أبا موسى الأشعری

 عن کتاب کتبه إلیه-  من المکان الذی اتعدوا فیه للحکومه-  و ذکر هذا الکتاب سعید بن یحیى الأموی فی کتاب المغازی: فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَغَیَّرَ کَثِیرٌ مِنْهُمْ عَنْ کَثِیرٍ مِنْ حَظِّهِمْ-  فَمَالُوا مَعَ الدُّنْیَا وَ نَطَقُوا بِالْهَوَى-  وَ إِنِّی نَزَلْتُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَنْزِلًا مُعْجِباً-  اجْتَمَعَ بِهِ أَقْوَامٌ أَعْجَبَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ-  وَ أَنَا أُدَاوِی مِنْهُمْ قَرْحاً أَخَافُ أَنْ یَعُودَ عَلَقاً یَعُودُ-  وَ لَیْسَ رَجُلٌ فَاعْلَمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى جَمَاعَهِ أُمَّهِ مُحَمَّدٍ ص-  وَ أُلْفَتِهَا مِنِّی-  أَبْتَغِی بِذَلِکَ حُسْنَ الثَّوَابِ وَ کَرَمَ الْمَآبِ-  وَ سَأَفِی بِالَّذِی وَأَیْتُ عَلَى نَفْسِی-  وَ إِنْ تَغَیَّرْتَ عَنْ صَالِحِ مَا فَارَقْتَنِی عَلَیْهِ-  فَإِنَّ الشَّقِیَّ مَنْ حُرِمَ نَفْعَ مَا أُوتِیَ مِنَ الْعَقْلِ وَ التَّجْرِبَهِ-  وَ إِنِّی لَأَعْبَدُ أَنْ یَقُولَ قَائِلٌ بِبَاطِلٍ-  وَ أَنْ أُفْسِدَ أَمْراً قَدْ أَصْلَحَهُ اللَّهُ-  فَدَعْ عَنْکَ مَا لَا تَعْرِفُ-  فَإِنَّ شِرَارَ النَّاسِ طَائِرُونَ إِلَیْکَ بِأَقَاوِیلِ السُّوءِ-  وَ السَّلَامُ روی و نطقوا مع الهوى-  أی مائلین مع الهوى- . و روی و أنا أداری بالراء-  من المداراه و هی الملاینه و المساهله- .

 

و روی نفع ما أولى باللام یقول أولیته معروفا- . و روی-  إن قال قائل بباطل و یفسد أمرا قد أصلحه الله- . و اعلم أن هذا الکتاب کتاب من شک فی أبی موسى-  و استوحش منه-  و من قد نقل عنه إلى أبی موسى کلاما إما صدقا و إما کذبا-  و قد نقل عن أبی موسى إلیه کلاما إما صدقا أیضا و إما کذبا-  قال ع-  إن الناس قد تغیر کثیر منهم عن حظهم من الآخره-  فمالوا مع الدنیا-  و إنی نزلت من هذا الأمر منزلا معجبا-  بکسر الجیم أی یعجب من رآه-  أی یجعله متعجبا منه- .

و هذا الکلام شکوى من أصحابه و نصاره من أهل العراق-  فإنهم کان اختلافهم علیه و اضطرابهم شدیدا جدا-  و المنزل و النزول هاهنا مجاز و استعاره-  و المعنى أنی حصلت فی هذا الأمر-  الذی حصلت فیه على حال معجبه لمن تأملها-  لأنی حصلت بین قوم کل واحد منهم مستبد برأی-  یخالف فیه رأی صاحبه-  فلا تنتظم لهم کلمه و لا یستوثق لهم أمر-  و إن حکمت علیهم برأی أراه أنا خالفوه و عصوه-  و من لا یطاع فلا رأی له-  و أنا معهم کالطبیب الذی یداوی قرحا-  أی جراحه قد قاربت الاندمال و لم تندمل بعد-  فهو یخاف أن یعود علقا أی دما- .

ثم قال له-  لیس أحد فاعلم-  أحرص على ألفه الأمه و ضم نشر المسلمین- . و أدخل قوله فاعلم بین اسم لیس و خبرها فصاحه-  و یجوز رفع أحرص بجعله صفه لاسم لیس-  و یکون الخبر محذوفا أی لیس فی الوجود رجل- . و تقول قد وأیت وأیا أی وعدت وعدا-  قال له أما أنا فسوف أفی بما وعدت-  و ما استقر بینی و بینک-  و إن کنت أنت قد تغیرت عن صالح ما فارقتنی علیه- .

فإن قلت فهل یجوز أن یکون قوله-  و إن تغیرت من جمله قوله فیما بعد-  فإن الشقی-  کما تقول إن خالفتنی فإن الشقی من یخالف الحق- . قلت نعم و الأول أحسن-  لأنه أدخل فی مدح أمیر المؤمنین ع-  کأنه یقول أنا أفی و إن کنت لا تفی-  و الإیجاب یحسنه السلب الواقع فی مقابلته- و الضد یظهر حسنه الضد- .

ثم قال و إنی لأعبد أی آنف-  من عبد بالکسر أی أنف-  و فسروا قوله فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِینَ بذلک-  یقول إنی لآنف من أن یقول غیری قولا باطلا-  فکیف لا آنف أنا من ذلک لنفسی-  ثم تختلف الروایات فی اللفظه بعدها کما ذکرنا- . ثم قال فدع عنک ما لا تعرف-  أی لا تبن أمرک إلا على الیقین و العلم القطعی-  و لا تصغ إلى أقوال الوشاه و نقله الحدیث-  فإن الکذب یخالط أقوالهم کثیرا-  فلا تصدق ما عساه یبلغک عنی شرار الناس-  فإنهم سراع إلى أقاویل السوء-  و لقد أحسن القائل فیهم- 

 أن یسمعوا الخیر یخفوه و إن سمعوا
شرا أذاعوا و إن لم یسمعوا کذبوا

و نحو قول الآخر-

إن یسمعوا ریبه طاروا بها فرحا
و إن ذکرت بخیر عندهم دفنوا

  شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

بازدیدها: ۱۴

نامه ۷۷ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۷۷ و من وصیه له ع لعبد الله بن العباس أیضا-  لما بعثه للاحتجاج على الخوارج

لَا تُخَاصِمْهُمْ بِالْقُرْآنِ-  فَإِنَّ الْقُرْآنَ حَمَّالٌ ذُو وُجُوهٍ-  تَقُولُ وَ یَقُولُونَ… وَ لَکِنْ حَاجِجْهُمْ بِالسُّنَّهِ-  فَإِنَّهُمْ لَنْ یَجِدُوا عَنْهَا مَحِیصاً هذا الکلام لا نظیر له فی شرفه و علو معناه-  و ذلک أن القرآن کثیر الاشتباه-  فیه مواضع یظن فی الظاهر أنها متناقضه متنافیه-  نحو قوله لا تُدْرِکُهُ الْأَبْصارُ-  و قوله إِلى‏ رَبِّها ناظِرَهٌ-  و نحو قوله وَ جَعَلْنا مِنْ بَیْنِ أَیْدِیهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا-  فَأَغْشَیْناهُمْ فَهُمْ لا یُبْصِرُونَ-  و قوله وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَیْناهُمْ-  فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى‏ عَلَى الْهُدى‏-  و نحو ذلک و هو کثیر جدا-  و أما السنه فلیست کذلک-  و ذلک لأن الصحابه کانت تسأل رسول الله ص-  و تستوضح منه الأحکام فی الوقائع-  و ما عساه یشتبه علیهم من کلامهم یراجعونه فیه-  و لم یکونوا یراجعونه فی القرآن إلا فیما قل-  بل کانوا یأخذونه منه تلقفا-  و أکثرهم لا یفهم معناه‏لا لأنه غیر مفهوم-  بل لأنهم ما کانوا یتعاطون فهمه-  إما إجلالا له أو لرسول الله أن یسألوه عنه-  أو یجرونه مجرى الأسماء الشریفه-  التی إنما یراد منها برکتها لا الإحاطه بمعناها-  فلذلک کثر الاختلاف فی القرآن-  و أیضا فإن ناسخه و منسوخه-  أکثر من ناسخ السنه و منسوخها-  و قد کان فی الصحابه من یسأل الرسول-  عن کلمه فی القرآن یفسرها له تفسیرا موجزا-  فلا یحصل له کل الفهم-  لما أنزلت آیه الکلاله و قال فی آخرها-  یُبَیِّنُ اللَّهُ لَکُمْ أَنْ تَضِلُّوا- 

سأله عمر عن الکلاله ما هو-  فقال له یکفیک آیه الصیف-  لم یزد على ذلک فلم یراجعه عمر و انصرف عنه-  فلم یفهم مراده و بقی عمر على ذلک إلى أن مات-  و کان یقول بعد ذلک اللهم مهما بینت-  فإن عمر لم یتبین-  یشیر إلى قوله یُبَیِّنُ اللَّهُ لَکُمْ أَنْ تَضِلُّوا-  و کانوا فی السنه و مخاطبه الرسول على خلاف هذه القاعده-  فلذلک أوصاه علی ع أن یحاجهم بالسنه لا بالقرآن- .

فإن قلت فهل حاجهم بوصیته- . قلت لا بل حاجهم بالقرآن-  مثل قوله فَابْعَثُوا حَکَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَکَماً مِنْ أَهْلِها-  و مثل قوله فی صید المحرم-  یَحْکُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْکُمْ-  و لذلک لم یرجعوا و التحمت الحرب-  و إنما رجع باحتجاجه نفر منهم- . فإن قلت-  فما هی السنه التی أمره أن یحاجهم بها- . قلت کان لأمیر المؤمنین ع فی ذلک غرض صحیح-  و إلیه أشار و حوله کان یطوف و یحوم-  و ذلک أنه أراد أن یقول لهم- 

 قال رسول الله ص علی مع الحق و الحق مع علی یدور معه حیثما دارو قوله اللهم وال من والاه و عاد من عاداه-  و انصر من نصره و اخذل من خذله-  و نحو ذلک من الأخبار-  التی‏کانت الصحابه قد سمعتها من فلق فیه ص-  و قد بقی ممن سمعها جماعه تقوم الحجه و تثبت بنقلهم-  و لو احتج بها على الخوارج-  أنه لا یحل مخالفته و العدول عنه بحال-  لحصل من ذلک غرض أمیر المؤمنین فی محاجتهم-  و أغراض أخرى أرفع و أعلى منهم-  فلم یقع الأمر بموجب ما أراد-  و قضی علیهم بالحرب حتى أکلتهم عن آخرهم-  و کان أمر الله مفعولا

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

بازدیدها: ۱۲

نامه ۷۶ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۷۶ و من وصیه له ع لعبد الله بن العباس-  عند استخلافه إیاه على البصره

سَعِ النَّاسَ بِوَجْهِکَ وَ مَجْلِسِکَ وَ حُکْمِکَ-  وَ إِیَّاکَ وَ الْغَضَبَ فَإِنَّهُ طَیْرَهٌ مِنَ الشَّیْطَانِ-  وَ اعْلَمْ أَنَّ مَا قَرَّبَکَ مِنَ اللَّهِ یُبَاعِدُکَ مِنَ النَّارِ-  وَ مَا بَاعَدَکَ مِنَ اللَّهِ یُقَرِّبُکَ مِنَ النَّارِ روی و حلمک-  و القرب من الله هو القرب من ثوابه-  و لا شبهه أن ما قرب من الثواب باعد من العقاب-  و بالعکس لتنافیهما- . فأما وصیته له أن یسع الناس بوجهه و مجلسه و حکمه-  فقد تقدم شرح مثله-  و کذلک القول فی الغضب- . و طیره من الشیطان بفتح الطاء و سکون الیاء-  أی خفه و طیش-  قال الکمیت

  و حلمک عز إذا ما حلمت
و طیرتک الصاب و الحنظل‏

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

بازدیدها: ۷

نامه ۷۵ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۷۵ و من کتاب له ع إلى معاویه من المدینه-  فی أول ما بویع له بالخلافه

ذکره الواقدی فی کتاب الجمل: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِیٍّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ-  إِلَى مُعَاوِیَهَ بْنِ أَبِی سُفْیَانَ-  أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ عَلِمْتَ إِعْذَارِی فِیکُمْ-  وَ إِعْرَاضِی عَنْکُمْ-  حَتَّى کَانَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَ لَا دَفْعَ لَهُ-  وَ الْحَدِیثُ طَوِیلٌ وَ الْکَلَامُ کَثِیرٌ-  وَ قَدْ أَدْبَرَ مَا أَدْبَرَ-  وَ أَقْبَلَ مَا أَقْبَلَ-  فَبَایِعْ مَنْ قِبَلَکَ-  وَ أَقْبِلْ إِلَیَّ فِی وَفْدٍ مِنْ أَصْحَابِکَ وَ السَّلَامُ کتابه إلى معاویه و مخاطبته لبنی أمیه جمیعا-  قال و قد علمت إعذاری فیکم-  أی کونی ذا عذر لو لمتکم أو ذممتکم-  یعنی فی أیام عثمان- .

ثم قال و إعراضی عنکم-  أی مع کونی ذا عذر لو فعلت ذلک فلم أفعله-  بل أعرضت عن إساءتکم إلی و ضربت عنکم صفحا-  حتى کان ما لا بد منه-  یعنی قتل عثمان و ما جرى من الرجبه بالمدینه- . ثم قاطعه الکلام مقاطعه و قال له-  و الحدیث طویل و الکلام کثیر-  و قد أدبر ذلک الزمان و أقبل زمان آخر-  فبایع و أقدم فلم یبایع و لا قدم-  و کیف یبایع‏و عینه طامحه إلى الملک و الرئاسه-  منذ أمره عمر على الشام و کان عالی الهمه-  تواقا إلى معالی الأمور-  و کیف یطیع علیا و المحرضون له على حربه عدد الحصى-  و لو لم یکن إلا الولید بن عقبه لکفى-  و کیف یسمع قوله- 

   فو الله ما هند بأمک إن مضى النهار
و لم یثأر بعثمان ثائر

أ یقتل عبد القوم سید أهله‏
و لم تقتلوه لیت أمک عاقر

و من عجب أن بت بالشام وادعا
قریرا و قد دارت علیه الدوائر

 و یطیع علیا و یبایع له-  و یقدم علیه و یسلم نفسه إلیه-  و هو نازل بالشام فی وسط قحطان و دونه منهم حره لا ترام-  و هم أطوع له من نعله-  و الأمر قد أمکنه الشروع فیه-  و تالله لو سمع هذا التحریض-  أجبن الناس و أضعفهم نفسا و أنقصهم همه-  لحرکه و شحذ من عزمه-  فکیف معاویه-  و قد أیقظ الولید بشعره من لا ینام

 شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

بازدیدها: ۱۲

نامه ۷۴ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۷۴ و من حلف له ع کتبه بین ربیعه و الیمن

–  و نقل من خط هشام بن الکلبی: هَذَا مَا اجْتَمَعَ عَلَیْهِ أَهْلُ الْیَمَنِ-  حَاضِرُهَا وَ بَادِیهَا-  وَ رَبِیعَهُ حَاضِرُهَا وَ بَادِیهَا-  أَنَّهُمْ عَلَى کِتَابِ اللَّهِ یَدْعُونَ إِلَیْهِ-  وَ یَأْمُرُونَ بِهِ وَ یُجِیبُونَ مَنْ دَعَا إِلَیْهِ وَ أَمَرَ بِهِ-  لَا یَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِیلًا-  وَ لَا یَرْضَوْنَ بِهِ بَدَلًا-  وَ أَنَّهُمْ یَدٌ وَاحِدَهٌ عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِکَ وَ تَرَکَهُ-  وَ أَنَّهُمْ أَنْصَارٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ-  دَعْوَتُهُمْ وَاحِدَهٌ-  لَا یَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ لِمَعْتَبَهِ عَاتِبٍ-  وَ لَا لِغَضَبِ غَاضِبٍ-  وَ لَا لِاسْتِذْلَالِ قَوْمٍ قَوْماً-  وَ لَا لِمَسَبَّهِ قَوْمٍ قَوْماً-  عَلَى ذَلِکَ شَاهِدُهُمْ وَ غَائِبُهُمْ-  وَ سَفِیهُهُمْ وَ عَالِمُهُمْ وَ حَلِیمُهُمْ وَ جَاهِلُهُمْ-  ثُمَّ إِنَّ عَلَیْهِمْ بِذَلِکَ عَهْدَ اللَّهِ وَ مِیثَاقَهُ-  إِنَّ عَهْدَ اللَّهِ کَانَ مَسْئُولًا-  وَ کَتَبَ عَلِیُّ بْنُ أَبِی طَالِبٍ الحلف العهد أی و من کتاب حلف فحذف المضاف-  و الیمن کل من ولده قحطان نحو حمیر و عک-  و جذام و کنده و الأزد و غیرهم- . و ربیعه هو ربیعه بن نزار بن معد بن عدنان-  و هم بکر و تغلب و عبد القیس- . و هشام هو هشام بن محمد بن السائب الکلبی-  نسابه ابن نسابه عالم بأیام العرب و أخبارها-  و أبوه أعلم منه و هو یروى عن أبیه- .

 

و الحاضر ساکنو الحضر-  و البادی ساکنو البادیه-  و اللفظ لفظ المفرد و المعنى الجمع- . قوله إنهم على کتاب الله-  حرف الجر یتعلق بمحذوف أی مجتمعون- . قوله لا یشترون به ثمنا قلیلا-  أی لا یتعوضون عنه بالثمن فسمى التعوض اشتراء-  و الأصل هو أن یشترى الشی‏ء بالثمن لا الثمن بالشی‏ء-  لکنه من باب اتساع العرب-  و هو من ألفاظ القرآن العزیز- .

و إنهم ید واحده أی لا خلف بینهم- . قوله لمعتبه عاتب-  أی لا یؤثر فی هذا العهد و الحلف-  و لا ینقضه أن یعتب أحد منهم على بعضهم-  لأنه استجداه فلم یجده-  أو طلب منه أمرا فلم یقم به-  و لا لأن أحدا منهم غضب من أمر صدر من صاحبه-  و لا لأن عزیزا منهم استذل ذلیلا منهم-  و لا لأن إنسانا منهم سب أو هجا بعضهم-  فإن أمثال هذه الأمور یتعذر ارتفاعها بین الناس-  و لو کانت تنقض الحلف لما کان حلف أصلا- .

و اعلم أنه قد ورد فی الحدیث عن النبی ص کل حلف کان فی الجاهلیه فلا یزیده الإسلام إلا شده-  و لا حلف فی الإسلام-  لکن فعل أمیر المؤمنین ع أولى بالاتباع من خبر الواحد-  و قد تحالفت العرب فی الإسلام مرارا-  و من أراد الوقوف على ذلک-  فلیطلبه من کتب التواریخ

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

بازدیدها: ۸

نامه ۷۳ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۷۳ و من کتاب له ع إلى معاویه

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّی عَلَى التَّرَدُّدِ فِی جَوَابِکَ-  وَ الِاسْتِمَاعِ إِلَى کِتَابِکَ-  لَمُوَهِّنٌ رَأْیِی وَ مُخَطِّئٌ فِرَاسَتِی-  وَ إِنَّکَ إِذْ تُحَاوِلُنِی الْأُمُورَ-  وَ تُرَاجِعُنِی السُّطُورَ-  کَالْمُسْتَثْقِلِ النَّائِمِ تَکْذِبُهُ أَحْلَامُهُ-  وَ الْمُتَحَیِّرِ الْقَائِمِ یَبْهَظُهُ مَقَامُهُ-  لَا یَدْرِی أَ لَهُ مَا یَأْتِی أَمْ عَلَیْهِ-  وَ لَسْتَ بِهِ غَیْرَ أَنَّهُ بِکَ شَبِیهٌ-  وَ أُقْسِمُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَوْ لَا بَعْضُ الِاسْتِبْقَاءِ-  لَوَصَلَتْ مِنِّی إِلَیْکَ قَوَارِعُ تَقْرَعُ الْعَظْمَ-  وَ تَنْهَسُ اللَّحْمَ-  وَ اعْلَمْ أَنَّ الشَّیْطَانَ قَدْ ثَبَّطَکَ-  عَنْ أَنْ تُرَاجِعَ أَحْسَنَ أُمُورِکَ-  وَ تَأْذَنَ لِمَقَالِ نَصِیحِکَ وَ السَّلَامُ لِأَهْلِهِ روی نوازع جمع نازعه أی جاذبه قالعه-  و روی تهلس اللحم و تلهس بتقدیم اللام-  و تهلس بکسر اللام-  تذیبه حتى یصیر کبدن به الهلاس و هو السل-  و أما تلهس فهو بمعنى تلحس أبدلت الحاء هاء-  و هو عن لحست کذا بلسانی بالکسر-  ألحسه أی تأتی على اللحم حتى تلحسه لحسا-  لأن الشی‏ء إنما یلحس إذا ذهب و بقی أثره-  و أما ینهس و هی الروایه المشهوره فمعناه یعترق- .

 

و تأذن بفتح الذال أی تسمع- . قوله ع إنی لموهن رأیی بالتشدید-  أی إنی لائم نفسی-  و مستضعف رأیی فی أن جعلتک نظیرا-  أکتب و تجیبنی و تکتب و أجیبک-  و إنما کان ینبغی أن یکون جواب مثلک السکوت لهوانک- . فإن قلت فما معنى قوله على التردد- . قلت لیس معناه التوقف-  بل معناه الترداد و التکرار-  أی أنا لائم نفسی-  على أنی أکرر تاره بعد تاره أجوبتک عما تکتبه ثم قال-  و إنک فی مناظرتی و مقاومتی بالأمور التی تحاولها-  و الکتب التی تکتبها کالنائم یرى أحلاما کاذبه-  أو کمن قام مقاما بین یدی سلطان-  أو بین قوم عقلاء لیعتذر عن أمر-  أو لیخطب بأمر فی نفسه-  قد بهظه مقامه ذلک-  أی أثقله فهو لا یدری هل ینطق بکلام هو له أم علیه-  فیتحیر و یتبلد و یدرکه العمى و الحصر- .

قال و إن کنت لست بذلک الرجل فإنک شبیه به-  أما تشبیهه بالنائم ثم ذی الأحلام-  فإن معاویه لو رأى فی المنام فی حیاه رسول الله ص أنه خلیفه-  یخاطب بإمره المؤمنین و یحارب علیا على الخلافه-  و یقوم فی المسلمین مقام رسول الله ص-  لما طلب لذلک المنام تأویلا و لا تعبیرا-  و لعده من وساوس الخیال و أضغاث الأحلام-  و کیف و أنى له أن یخطر هذا بباله-  و هو أبعد الخلق منه-  و هذا کما یخطر للنفاط أن یکون ملکا-  و لا تنظرن إلى نسبه فی المناقب-  بل انظر إلى أن‏الإمامه هی نبوه مختصره-  و أن الطلیق المعدود من المؤلفه قلوبهم-  المکذب بقلبه و أن أقر بلسانه-  الناقص المنزله عند المسلمین-  القاعد فی أخریات الصف- 

إذا دخل إلى مجلس فیه أهل السوابق من المهاجرین-  کیف یخطر ببال أحد أنها تصیر فیه-  و یملکها و یسمه الناس وسمها-  و یکون للمؤمنین أمیرا-  و یصیر هو الحاکم فی رقاب أولئک العظماء-  من أهل الدین و الفضل-  و هذا أعجب من العجب-  أن یجاهد النبی ص قوما بسیفه و لسانه ثلاثا و عشرین سنه-  و یلعنهم و یبعدهم عنه-  و ینزل القرآن بذمهم و لعنهم و البراءه منهم-  فلما تمهدت له الدوله-  و غلب الدین على الدنیا-  و صارت شریعه دینیه محکمه-  مات فشید دینه الصالحون من أصحابه-  و أوسعوا رقعه ملته-  و عظم قدرها فی النفوس-  فتسلمها منهم أولئک الأعداء-  الذین جاهدهم النبی ص فملکوها و حکموا فیها-  و قتلوا الصلحاء و الأبرار-  و أقارب نبیهم الذین یظهرون طاعته-  و آلت تلک الحرکه الأولى و ذلک الاجتهاد السابق-  إلى أن کان ثمرته لهم-  فلیته کان یبعث فیرى معاویه الطلیق و ابنه-  و مروان و ابنه خلفاء فی مقامه یحکمون على المسلمین-  فوضح أن معاویه فیما یراجعه و یکاتبه به-  کصاحب الأحلام- .

و أما تشبیهه إیاه بالقائم مقاما قد بهظه-  فلأن الحجج و الشبه و المعاذیر-  التی یذکرها معاویه فی کتبه أوهن من نسج العنکبوت-  فهو حال ما یکتب کالقائم ذلک المقام-  یخبط خبط العشواء-  و یکتب ما یعلم هو و العقلاء من الناس أنه سفه و باطل- . فإن قلت فما معنى قوله ع-  لو لا بعض الاستبقاء-  و هل کانت الحال تقتضی أن یستبقی-  و ما تلک القوارع التی أشار إلیها- .

 

قلت قد قیل-  إن النبی ص فوض إلیه أمر نسائه بعد موته-  و جعل إلیه أن یقطع عصمه أیتهن شاء إذا رأى ذلک-  و له من الصحابه جماعه یشهدون له بذلک-  فقد کان قادرا على أن یقطع عصمه أم حبیبه-  و یبیح نکاحها الرجال عقوبه لها و لمعاویه أخیها-  فإنها کانت تبغض علیا کما یبغضه أخوها-  و لو فعل ذلک لانتهس لحمه-  و هذا قول الإمامیه-  و قد رووا عن رجالهم أنه ع تهدد عائشه بضرب من ذلک-  و أما نحن فلا نصدق هذا الخبر-  و نفسر کلامه على معنى آخر-  و هو أنه قد کان معه من الصحابه قوم کثیرون-  سمعوا من رسول الله ص یلعن معاویه بعد إسلامه-  و یقول إنه منافق کافر و إنه من أهل النار-  و الأخبار فی ذلک مشهوره-  فلو شاء أن یحمل إلى أهل الشام-  خطوطهم و شهاداتهم بذلک-  و یسمعهم قولهم ملافظه و مشافهه لفعل-  و لکنه رأى العدول عن ذلک-  مصلحه لأمر یعلمه هو ع-  و لو فعل ذلک لانتهس لحمه و إنما أبقى علیه- . و قلت لأبی زید البصری لم أبقى علیه-  فقال و الله ما أبقى علیه مراعاه له و لا رفقا به-  و لکنه خاف أن یفعل کفعله-  فیقول لعمرو بن العاص و حبیب بن مسلمه-  و بسر بن أبی أرطاه و أبی الأعور و أمثالهم-  ارووا أنتم عن النبی ص-  أن علیا ع منافق من أهل النار-  ثم یحمل ذلک إلى أهل العراق-  فلهذا السبب أبقى علیه

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

بازدیدها: ۲۸

نامه ۷۲ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۷۲ و من کتاب له ع إلى عبد الله بن العباس رضی الله عنه

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّکَ لَسْتُ بِسَابِقٍ أَجَلَکَ-  وَ لَا مَرْزُوقٍ مَا لَیْسَ لَکَ-  وَ اعْلَمْ بِأَنَّ الدَّهْرَ یَوْمَانِ-  یَوْمٌ لَکَ وَ یَوْمٌ عَلَیْکَ-  وَ أَنَّ الدُّنْیَا دَارُ دُوَلٍ-  فَمَا کَانَ مِنْهَا لَکَ أَتَاکَ عَلَى ضَعْفِکَ-  وَ مَا کَانَ مِنْهَا عَلَیْکَ لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِکَ قد تقدم شرح مثل هذا الکلام-  و هذا معنى مطروق-  قد قال الناس فیه فأکثروا-  قال الشاعر

قد یرزق العاجز الضعیف و ما
شد بکور رحلا و لا قتبا

و یحرم المرء ذو الجلاده و الرأی‏
و من لا یزال مغتربا

و من جید ما قیل فی هذا المعنى- قول أبی یعقوب الخریمی-

هل الدهر إلا صرفه و نوائبه
و سراء عیش زائل و مصائبه‏

یقول الفتى ثمرت مالی و إنما
لوارثه ما ثمر المال کاسبه‏

یحاسب فیه نفسه فی حیاته
و یترکه نهبا لمن لا یحاسبه‏

فکله و أطعمه و خالسه وارثا
شحیحا و دهرا تعتریک نوائبه‏

أرى المال و الإنسان للدهر نهبه
فلا البخل مبقیه و لا الجود خاربه‏

لکل امرئ رزق و للرزق جالب‏
و لیس یفوت المرء ما خط کاتبه‏

یخیب الفتى من حیث یرزق غیره
و یعطى الفتى من حیث یحرم صاحبه‏

یساق إلى ذا رزقه و هو وادع‏
و یحرم هذا الرزق و هو یغالبه‏

و إنک لا تدری أ رزقک فی الذی
تطالبه أم فی الذی لا تطالبه‏

تناس ذنوب الأقربین فإنه‏
لکل حمیم راکب هو راکبه‏

له هفوات فی الرخاء یشوبها
بنصره یوم لا توارى کواکبه‏

تراه غدوا ما أمنت و تتقی‏
بجبهته یوم الوغى من یحاربه‏

لکل امرئ إخوان بؤس و نعمه
و أعظمهم فی النائبات أقاربه‏

 

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

بازدیدها: ۱۴

نامه ۷۱ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۷۱ و من کتاب له ع إلى المنذر بن الجارود العبدی

و قد کان استعمله على بعض النواحی-  فخان الأمانه فی بعض ما ولاه من أعماله: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ صَلَاحَ أَبِیکَ غَرَّنِی مِنْکَ-  وَ ظَنَنْتُ أَنَّکَ تَتَّبِعُ هَدْیَهُ-  وَ تَسْلُکُ سَبِیلَهُ-  فَإِذَا أَنْتَ فِیمَا رُقِّیَ إِلَیَّ عَنْکَ لَا تَدَعُ لِهَوَاکَ انْقِیَاداً-  وَ لَا تُبْقِی لآِخِرَتِکَ عَتَاداً-  تَعْمُرُ دُنْیَاکَ بِخَرَابِ آخِرَتِکَ-  وَ تَصِلُ عَشِیرَتَکَ بِقَطِیعَهِ دِینِکَ-  وَ لَئِنْ کَانَ مَا بَلَغَنِی عَنْکَ حَقّاً-  لَجَمَلُ أَهْلِکَ وَ شِسْعُ نَعْلِکَ خَیْرٌ مِنْکَ-  وَ مَنْ کَانَ بِصِفَتِکَ فَلَیْسَ بِأَهْلٍ أَنْ یُسَدَّ بِهِ ثَغْرٌ-  أَوْ یُنْفَذَ بِهِ أَمْرٌ أَوْ یُعْلَى لَهُ قَدْرٌ-  أَوْ یُشْرَکَ فِی أَمَانَهٍ أَوْ یُؤْمَنَ عَلَى جِبَایَهٍ-  فَأَقْبِلْ إِلَیَّ حِینَ یَصِلُ إِلَیْکَ کِتَابِی هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ: قال الرضی رضی الله عنه: المنذر بن الجارود-  هذا هو الذی قال فیه أمیر المؤمنین ع-  إنه لنظار فی عطفیه مختال فی بردیه-  تفال فی شراکیه‏

 

 ذکر المنذر و أبیه الجارود

هو المنذر بن الجارود-  و اسم الجارود بشر بن خنیس بن المعلى-  و هو الحارث بن زید بن حارثه بن معاویه بن ثعلبه-  بن جذیمه بن عوف بن أنمار بن عمرو بن ودیعه-  بن لکیز بن أفصى بن عبد القیس بن أفصى-  بن دعمی بن جدیله بن أسد بن ربیعه-  بن نزار بن معد بن عدنان-  بیتهم بیت الشرف فی عبد القیس-  و إنما سمی الجارود لبیت قاله بعض الشعراء فیه فی آخره- .

کما جرد الجارود بکر بن وائل‏

و وفد الجارود على النبی ص فی سنه تسع-  و قیل فی سنه عشر- . و ذکر أبو عمر بن عبد البر فی کتاب الإستیعاب-  أنه کان نصرانیا فأسلم و حسن إسلامه-  و کان قد وفد مع المنذر بن ساوى فی جماعه من عبد القیس-  و قال

 شهدت بأن الله حق و سامحت
بنات فؤادی بالشهاده و النهض‏

فأبلغ رسول الله منی رساله
بأنی حنیف حیث کنت من الأرض‏

قال و قد اختلف فی نسبه اختلافا کثیرا-  فقیل بشر بن المعلى بن خنیس-  و قیل بشر بن خنیس بن المعلى-  و قیل بشر بن عمرو بن العلاء-  و قیل بشر بن عمرو بن المعلى-  و کنیته أبو عتاب و یکنى أیضا أبا المنذر- . و سکن الجارود البصره و قتل بأرض فارس-  و قیل بل قتل بنهاوند مع النعمان بن مقرن-  و قیل إن عثمان بن العاص بعث الجارود فی بعث نحو ساحل فارس-  فقتل‏بموضع یعرف بعقبه الجارود-  و کان قبل ذلک یعرف بعقبه الطین-  فلما قتل الجارود فیه عرفه الناس بعقبه الجارود-  و ذلک فی سنه إحدى و عشرین- . و قد روی عن النبی ص أحادیث و روی عنه-  و أمه دریمکه بنت رویم الشیبانیه- .

و قال أبو عبیده معمر بن المثنى فی کتاب التاج-  إن رسول الله ص أکرم الجارود و عبد القیس حین وفدا إلیه-  و قال للأنصار قوموا إلى إخوانکم-  و أشبه الناس بکم-  قال لأنهم أصحاب نخل-  کما أن الأوس و الخزرج أصحاب نخل-  و مسکنهم البحرین و الیمامه-  قال أبو عبیده و قال عمر بن الخطاب لو لا أنی سمعت رسول الله ص یقول إن هذا الأمر لا یکون إلا فی قریش

لما عدلت بالخلافه عن الجارود بن بشر بن المعلى-  و لا تخالجنی فی ذلک الأمور- . قال أبو عبیده-  و لعبد القیس ست خصال فاقت بها على العرب-  منها أسود العرب بیتا-  و أشرفهم رهطا الجارود هو و ولده- . و منها أشجع العرب حکیم بن جبله-  قطعت رجله یوم الجمل-  فأخذها بیده و زحف على قاتله فضربه بها حتى قتله-  و هو یقول

  یا نفس لا تراعی
إن قطعت کراعی‏
إن معی ذراعی‏

 فلا یعرف فی العرب أحد صنع صنیعه- . و منها أعبد العرب هرم بن حیان-  صاحب أویس القرنی- . و منها أجود العرب عبد الله بن سواد بن همام-  غزا السند فی أربعه آلاف-  ففتحها و أطعم الجیش کله ذاهبا و قافلا-  فبلغه أن رجلا من الجیش مرض فاشتهى خبیصا-فأمر باتخاذ الخبیص لأربعه آلاف إنسان-  فأطعمهم حتى فضل و تقدم إلیهم-  ألا یوقد أحد منهم نارا لطعام فی عسکره مع ناره- . و منها أخطب العرب مصقله بن رقبه-  به یضرب المثل فیقال أخطب من مصقله- . و منها أهدى العرب فی الجاهلیه-  و أبعدهم مغارا و أثرا فی الأرض فی عدوه-  و هو دعیمیص الرمل کان یعرف بالنجوم هدایه-  و کان أهدى من القطا-  یدفن بیض النعام فی الرمل مملوءا ماء-  ثم یعود إلیه فیستخرجه- .

فأما المنذر بن الجارود فکان شریفا-  و ابنه الحکم بن المنذر یتلوه فی الشرف-  و المنذر غیر معدود فی الصحابه-  و لا رأى رسول الله ص و لا ولد له فی أیامه-  و کان تائها معجبا بنفسه-  و فی الحکم ابنه یقول الراجز- 

    یا حکم بن المنذر بن الجارود
أنت الجواد ابن الجواد المحمود
سرادق المجد علیک ممدود

  و کان یقال-  أطوع الناس فی قومه الجارود بن بشر بن المعلى-  لما قبض رسول الله ص فارتدت العرب-  خطب قومه فقال أیها الناس-  إن کان محمد قد مات فإن الله حتى لا یموت-  فاستمسکوا بدینکم-  و من ذهب له فی هذه الفتنه-  دینار أو درهم أو بقره أو شاه فعلی مثلاه-  فما خالفه من عبد القیس أحد- .

قوله ع إن صلاح أبیک غرنی منک-  قد ذکرنا حال الجارود و صحبته و صلاحه-  و کثیرا ما یغتر الإنسان بحال الآباء-  فیظن أن الأبناء على منهاجهم-  فلا یکون و الأمر کذلک-  یُخْرِجُ الْحَیَّ مِنَ الْمَیِّتِ وَ یُخْرِجُ الْمَیِّتَ مِنَ الْحَیِّ- . قوله فیما رقی بالتشدید أی فیما رفع إلی-  و أصله أن یکون الإنسان فی موضع عال‏ فیرقى إلیه شی‏ء-  و کان العلو هاهنا-  هو علو المرتبه بین الإمام و الأمیر-  و نحوه قولهم تعال باعتبار علو رتبه الآمر على المأمور-  و اللام فی لهواک متعلقه بمحذوف دل علیه انقیادا-  و لا یتعلق بنفس انقیاد-  لأن المتعلق من حروف الجر بالمصدر-  لا یجوز أن یتقدم على المصدر- . و العتاد العده- .

قوله و تصل عشیرتک-  کان فیما رقی إلیه عنه أنه یقتطع المال-  و یفیضه على رهطه و قومه-  و یخرج بعضه فی لذاته و مآربه- . قوله لجمل أهلک-  العرب تضرب بالجمل المثل فی الهوان قال- 

 لقد عظم البعیر بغیر لب
و لم یستغن بالعظم البعیر

یصرفه الصبی بکل وجه‏
و یحبسه على الخسف الجریر

و تضربه الولیده بالهراوى
فلا غیر لدیه و لا نکیر

فأما شسع النعل فضرب المثل بها فی الاستهانه مشهور-  لابتذالها و وطئها الأقدام فی التراب- . ثم ذکر أنه من کان بصفته فلیس بأهل لکذا و لا کذا-  إلى أن قال أو یشرک فی أمانه-  و قد جعل الله تعالى البلاد و الرعایا أمانه فی ذمه الإمام-  فإذا استعمل العمال على البلاد و الرعایا-  فقد شرکهم فی تلک الأمانه- . قال أو یؤمن على جبایه-  أی على استجباء الخراج و جمعه-  و هذه الروایه التی سمعناها-  و من الناس من یرویها على خیانه-  و هکذا رواها الراوندی-  و لم یرو الروایه الصحیحه التی ذکرناها نحن-  و قال یکون على متعلقه بمحذوف-  أو بیؤمن نفسها و هو بعید و متکلف- .

ثم أمره أن یقبل إلیه-  و هذه کنایه عن العزل- . فأما الکلمات التی ذکرها الرضی عنه ع فی أمر المنذر-  فهی داله على أنه نسبه إلى التیه و العجب-  فقال نظار فی عطفیه أی جانبیه-  ینظر تاره هکذا و تاره هکذا-  ینظر لنفسه و یستحسن هیئته و لبسته-  و ینظر هل عنده نقص فی ذلک أو عیب فیستدرکه بإزالته-  کما یفعل أرباب الزهو و من یدعی لنفسه الحسن و الملاحه- .

قال مختال فی بردیه-  یمشی الخیلاء عجبا-  قال محمد بن واسع لابن له-  و قد رآه یختال فی برد له ادن-  فدنا فقال من أین جاءتک هذه الخیلاء ویلک-  أما أمک فأمه ابتعتها بمائتی درهم-  و أما أبوک فلا أکثر الله فی الناس أمثاله- . قوله تفال فی شراکیه-  الشراک السیر الذی یکون فی النعل على ظهر القدم- . و التفل بالسکون مصدر تفل أی بصق-  و التفل محرکا البصاق نفسه-  و إنما یفعله المعجب و التائه فی شراکیه-  لیذهب عنهما الغبار و الوسخ-  یتفل فیهما و یمسحهما لیعودا کالجدیدین

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

بازدیدها: ۱۰

نامه ۷۰ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۷۰ و من کتاب له ع إلى سهل بن حنیف الأنصاری-  و هو عامله على المدینه-  فی معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاویه

أَمَّا بَعْدُ-  فَقَدْ بَلَغَنِی أَنَّ رِجَالًا مِمَّنْ قِبَلَکَ یَتَسَلَّلُونَ إِلَى مُعَاوِیَهَ-  فَلَا تَأْسَفْ عَلَى مَا یَفُوتُکَ مِنْ عَدَدِهِمْ-  وَ یَذْهَبُ عَنْکَ مِنْ مَدَدِهِمْ-  فَکَفَى لَهُمْ غَیّاً-  وَ لَکَ مِنْهُمْ شَافِیاً فِرَارُهُمْ مِنَ الْهُدَى وَ الْحَقِّ-  وَ إِیضَاعُهُمْ إِلَى الْعَمَى وَ الْجَهْلِ-  فَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ دُنْیَا مُقْبِلُونَ عَلَیْهَا وَ مُهْطِعُونَ إِلَیْهَا-  قَدْ عَرَفُوا الْعَدْلَ وَ رَأَوْهُ وَ سَمِعُوهُ وَ وَعَوْهُ-  وَ عَلِمُوا أَنَّ النَّاسَ عِنْدَنَا فِی الْحَقِّ أُسْوَهٌ-  فَهَرَبُوا إِلَى الْأَثَرَهِ-  فَبُعْداً لَهُمْ وَ سُحْقاً-  إِنَّهُمْ وَ اللَّهِ لَمْ یَفِرُّوا مِنْ جَوْرٍ-  وَ لَمْ یَلْحَقُوا بِعَدْلٍ-  وَ إِنَّا لَنَطْمَعُ فِی هَذَا الْأَمْرِ أَنْ یُذَلِّلَ اللَّهُ لَنَا صَعْبَهُ-  وَ یُسَهِّلَ لَنَا حَزْنَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ-  وَ السَّلَامُ عَلَیْکَ وَ رَحْمَهُ اللَّهِ وَ بَرَکَاتُهُ قد تقدم نسب سهل بن حنیف-  و أخیه عثمان فیما مضى- . و یتسللون یخرجون إلى معاویه هاربین فی خفیه و استتار- . قال فلا تأسف أی لا تحزن-  و الغی الضلال- . قال و لک منهم شافیا-  أی یکفیک فی الانتقام منهم و شفاء النفس من عقوبتهم-  أنهم یتسللون إلى معاویه- .

 قال ارض لمن غاب عنک غیبته-  فذاک ذنب عقابه فیه- . و الإیضاع الإسراع-  وضع البعیر أی أسرع و أوضعه صاحبه-  قال

  رأى برقا فأوضع فوق بکر
فلا یک ما أسال و لا أعاما

و مهطعون مسرعون أیضا-  و الأثره الاستئثار-  یقول قد عرفوا أنی لا أقسم إلا بالسویه-  و أنی لا أنفل قوما على قوم-  و لا أعطی على الأحساب و الأنساب کما فعل غیری-  فترکونی و هربوا إلى من یستأثر و یؤثر- . قال فبعدا لهم و سحقا-  دعاء علیهم بالبعد و الهلاک- . و روی أنهم لم ینفروا بالنون من نفر-  ثم ذکر أنه راج من الله-  أن یذلل له صعب هذا الأمر و یسهل له حزنه-  و الحزن ما غلظ من الأرض-  و ضده السهل

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

بازدیدها: ۱۸

نامه ۶۹ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)( کتبه إلى الحارث الهمدانی)

۶۹ و من کتاب له ع کتبه إلى الحارث الهمدانی

وَ تَمَسَّکْ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ وَ انْتَصِحْهُ-  وَ أَحِلَّ حَلَالَهُ وَ حَرِّمْ حَرَامَهُ-  وَ صَدِّقْ بِمَا سَلَفَ مِنَ الْحَقِّ-  وَ اعْتَبِرْ بِمَا مَضَى مِنَ الدُّنْیَا لِمَا بَقِیَ مِنْهَا-  فَإِنَّ بَعْضَهَا یُشْبِهُ بَعْضاً-  وَ آخِرَهَا لَاحِقٌ بِأَوَّلِهَا-  وَ کُلُّهَا حَائِلٌ مُفَارِقٌ-  وَ عَظِّمِ اسْمَ اللَّهِ أَنْ تَذْکُرَهُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ-  وَ أَکْثِرْ ذِکْرَ الْمَوْتِ وَ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ-  وَ لَا تَتَمَنَّ الْمَوْتَ إِلَّا بِشَرْطٍ وَثِیقٍ-  وَ احْذَرْ کُلَّ عَمَلٍ یَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ-  وَ یَکْرَهُهُ لِعَامَّهِ الْمُسْلِمِینَ-  وَ احْذَرْ کُلَّ عَمَلٍ یُعْمَلُ بِهِ فِی السِّرِّ-  وَ یُسْتَحَى مِنْهُ فِی الْعَلَانِیَهِ-  وَ احْذَرْ کُلَّ عَمَلٍ إِذَا سُئِلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَنْکَرَهُ وَ اعْتَذَرَ مِنْهُ-  وَ لَا تَجْعَلْ عِرْضَکَ غَرَضاً لِنِبَالِ الْقَوْمِ-  وَ لَا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِکُلِّ مَا سَمِعْتَ بِهِ-  فَکَفَى بِذَلِکَ کَذِباً-  وَ لَا تَرُدَّ عَلَى النَّاسِ کُلَّ مَا حَدَّثُوکَ بِهِ-  فَکَفَى بِذَلِکَ جَهْلًا-  وَ اکْظِمِ الْغَیْظَ وَ احْلُمْ عِنْدَ الْغَضَبِ-  وَ تَجَاوَزْ عِنْدَ الْمَقْدِرَهِ-  وَ اصْفَحْ مَعَ الدَّوْلَهِ تَکُنْ لَکَ الْعَاقِبَهُ-  وَ اسْتَصْلِحْ کُلَّ نِعْمَهٍ أَنْعَمَهَا اللَّهُ عَلَیْکَ-  وَ لَا تُضَیِّعَنَّ نِعْمَهً مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَکَ-  وَ لْیُرَ عَلَیْکَ أَثَرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَیْکَ-  وَ اعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الْمُؤْمِنِینَ-  أَفْضَلُهُمْ تَقْدِمَهً مِنْ نَفْسِهِ وَ أَهْلِهِ وَ مَالِهِ-  وَ إِنَّکَ مَا تُقَدِّمْ مِنْ خَیْرٍ یَبْقَ لَکَ ذُخْرُهُ-  وَ مَا تُؤَخِّرْهُ یَکُنْ لِغَیْرِکَ خَیْرُهُ-وَ احْذَرْ صَحَابَهَ مَنْ یَفِیلُ رَأْیُهُ-  وَ یُنْکَرُ عَمَلُهُ فَإِنَّ الصَّاحِبَ مُعْتَبَرٌ بِصَاحِبِهِ-  وَ اسْکُنِ الْأَمْصَارَ الْعِظَامَ فَإِنَّهَا جِمَاعُ الْمُسْلِمِینَ-  وَ احْذَرْ مَنَازِلَ الْغَفْلَهِ وَ الْجَفَاءِ-  وَ قِلَّهَ الْأَعْوَانِ عَلَى طَاعَهِ اللَّهِ-  وَ اقْصُرْ رَأْیَکَ عَلَى مَا یَعْنِیکَ-  وَ إِیَّاکَ وَ مَقَاعِدَ الْأَسْوَاقِ-  فَإِنَّهَا مَحَاضِرُ الشَّیْطَانِ وَ مَعَارِیضُ الْفِتَنِ-  وَ أَکْثِرْ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَنْ فُضِّلْتَ عَلَیْهِ-  فَإِنَّ ذَلِکَ مِنْ أَبْوَابِ الشُّکْرِ-  وَ لَا تُسَافِرْ فِی یَوْمِ جُمُعَهٍ حَتَّى تَشْهَدَ الصَّلَاهَ-  إِلَّا فَاصِلًا فِی سَبِیلِ اللَّهِ أَوْ فِی أَمْرٍ تُعْذَرُ بِهِ-  وَ أَطِعِ اللَّهَ فِی جُمَلِ أُمُورِکَ-  فَإِنَّ طَاعَهَ اللَّهِ فَاضِلَهٌ عَلَى مَا سِوَاهَا-  وَ خَادِعْ نَفْسَکَ فِی الْعِبَادَهِ وَ ارْفُقْ بِهَا وَ لَا تَقْهَرْهَا-  وَ خُذْ عَفْوَهَا وَ نَشَاطَهَا-  إِلَّا مَا کَانَ مَکْتُوباً عَلَیْکَ مِنَ الْفَرِیضَهِ-  فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا وَ تَعَاهُدِهَا عِنْدَ مَحَلِّهَا-  وَ إِیَّاکَ أَنْ یَنْزِلَ بِکَ الْمَوْتُ-  وَ أَنْتَ آبِقٌ مِنْ رَبِّکَ فِی طَلَبِ الدُّنْیَا-  وَ إِیَّاکَ وَ مُصَاحَبَهَ الْفُسَّاقِ-  فَإِنَّ الشَّرَّ بِالشَّرِّ مُلْحَقٌ-  وَ وَقِّرِ اللَّهَ وَ أَحْبِبْ أَحِبَّاءَهُ-  وَ احْذَرِ الْغَضَبَ فَإِنَّهُ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِیسَ-  وَ السَّلَامُ

الحارث الأعور و نسبه

هو الحارث الأعور صاحب أمیر المؤمنین ع-  و هو الحارث بن عبد الله بن کعب بن أسد بن نخله بن حرث-  بن سبع بن صعب بن معاویه الهمدانی-  کان أحدالفقهاء له قول فی الفتیا-  و کان صاحب علی ع-  و إلیه تنسب الشیعه الخطاب الذی خاطبه به فی قوله ع‏

  یا حار همدان من یمت یرنی
من مؤمن أو منافق قبلا

 و هی أبیات مشهوره قد ذکرناها فیما تقدم

نبذ من الأقوال الحکیمه

و قد اشتمل هذا الفصل على وصایا جلیله الموقع-  منها قوله و تمسک بحبل القرآن-  جاء فی الخبر المرفوع لما ذکر الثقلین-  فقال أحدهما کتاب الله-  حبل ممدود من السماء إلى الأرض-  طرف بید الله و طرف بأیدیکم- . و منها قوله انتصحه-  أی عده ناصحا لک فیما أمرک به و نهاک عنه- . و منها قوله و أحل حلاله و حرم حرامه-  أی احکم بین الناس فی الحلال و الحرام بما نص علیه القرآن- . و منها قوله و صدق بما سلف من الحق-  أی صدق بما تضمنه القرآن من أیام الله-  و مثلاته فی الأمم السالفه لما عصوا و کذبوا- . و منها قوله و اعتبر بما مضى من الدنیا لما بقی منها-  و فی المثل إذا شئت أن تنظر الدنیا بعدک فانظرها بعد غیرک-  و قال الشاعر- 

و ما نحن إلا مثلهم غیر أننا
أقمنا قلیلا بعدهم ثم نرحل‏

 و یناسب قوله و آخرها لاحق بأولها-  و کلها حائل مفارق-  قوله أیضا ع‏فی غیر هذا الفصل الماضی- للمقیم عبره و المیت للحی عظه-  و لیس لأمس عوده و لا المرء من غد على ثقه-  الأول للأوسط رائد و الأوسط للأخیر قائد-  و کل بکل لاحق و الکل للکل مفارق- . و منها قوله و عظم اسم الله أن تذکره إلا على حق-  قال الله سبحانه وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَهً لِأَیْمانِکُمْ-  و قد نهى عن الحلف بالله فی الکذب و الصدق-  أما فی أحدهما فمحرم و أما فی الآخر فمکروه-  و لذلک لا یجوز ذکر اسمه تعالى-  فی لغو القول و الهزء و العبث- .

و منها قوله و أکثر ذکر الموت و ما بعد الموت-  جاء فی الخبر المرفوع أکثروا ذکر هاذم اللذات-  و ما بعد الموت العقاب و الثواب فی القبر و فی الآخره- . و منها قوله و لا تتمن الموت إلا بشرط وثیق-  هذه کلمه شریفه عظیمه القدر-  أی لا تتمن الموت إلا و أنت واثق من أعمالک الصالحه-  أنها تؤدیک إلى الجنه و تنقذک من النار-  و هذا هو معنى قوله تعالى للیهود-  إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّکُمْ أَوْلِیاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ-  فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ کُنْتُمْ صادِقِینَ-  وَ لا یَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَیْدِیهِمْ-  وَ اللَّهُ عَلِیمٌ بِالظَّالِمِینَ- . و منها قوله و احذر کل عمل یرضاه صاحبه لنفسه-  و یکرهه لعامه المسلمین-  و احذر کل عمل یعمل فی السر-  و یستحیا منه فی العلانیه-  و احذر کل عمل إذا سئل عنه صاحبه أنکره و اعتذر منه-  و هذه الوصایا الثلاث متقاربه فی المعنى-  و یشملها معنى قول الشاعر- 

  لا تنه عن خلق و تأتی مثله
عار علیک إذا فعلت عظیم‏

 و قال الله تعالى حاکیا عن نبی من أنبیائه-  وَ ما أُرِیدُ أَنْ أُخالِفَکُمْ إِلى‏ ما أَنْهاکُمْ عَنْهُ- . و من کلام الجنید الصوفی-  لیکن عملک من وراء سترک-  کعملک من وراء الزجاج الصافی-  و فی المثل و هو منسوب إلى علی ع-  إیاک و ما یعتذر منه- . و منها قوله و لا تجعل عرضک غرضا لنبال القوم-  قال الشاعر

  لا تستتر أبدا ما لا تقوم له
و لا تهیجن من عریسه الأسدا

إن الزنابیر إن حرکتها سفها
من کورها أوجعت من لسعها الجسدا

و قال

مقاله السوء إلى أهلها
أسرع من منحدر سائل‏

و من دعا الناس إلى ذمه‏
ذموه بالحق و بالباطل‏

 و منها قوله و لا تحدث الناس بکل ما سمعت-  فکفى بذلک کذبا-  قد نهى أن یحدث الإنسان بکل ما رأى من العجائب-  فضلا عما سمع-  لأن الحدیث الغریب المعجب تسارع النفس إلى تکذیبه-  و إلى أن تقوم الدلاله على صدقه-  قد فرط من سوء الظن فیه ما فرط- . و یقال إن بعض العلویه- 

قال فی حضره عضد الدوله ببغداد-  عندنا فی الکوفه نبق وزن کل نبقه مثقالان-  فاستطرف الملک ذلک و کاد یکذبه الحاضرون-  فلما قام ذکر ذلک لأبیه-  فأرسل حماما کان عنده فی الحال إلى الکوفه-  یأمر وکلاءه بإرسال مائه حمامه-  فی رجلی کل واحده نبقتان من ذلک النبق-  فجاء النبق فی بکره الغد و حمل إلى عضد الدوله-  فاستحسنه و صدقه حینئذ-  ثم قال له لعمری لقد صدقت-و لکن لا تحدث فیما بعد بکل ما رأیت من الغرائب-  فلیس کل وقت یتهیأ لک إرسال الحمام- . و کان یقال الناس یکتبون أحسن ما یسمعون-  و یحفظون أحسن ما یکتبون-  و یتحدثون بأحسن ما یحفظون-  و الأصدق نوع تحت جنس الأحسن و منها قوله و لا ترد على الناس کل ما حدثوک-  فکفى بذلک جهلا-  من الجهل المبادره بإنکار ما یسمعه- 

و قال ابن سینا فی آخر الإشارات-  إیاک أن یکون تکیسک و تبرؤک من العامه-  هو أن تنبری منکرا لکل شی‏ء-  فلذلک عجز و طیش-  و لیس الخرق فی تکذیبک ما لم یستبن لک بعد جلیته-  دون الخرق فی تصدیقک بما لم تقم بین یدیک بینه-  بل علیک الاعتصام بحبل التوقف-  و إن أزعجک استنکار ما یوعیه سمعک-  مما لم یبرهن على استحالته لک-  فالصواب أن تسرح أمثال ذلک إلى بقعه الإمکان-  ما لم یذدک عنها قائم البرهان- . و منها قوله و اکظم الغیظ-  قد مدح الله تعالى ذلک فقال-  وَ الْکاظِمِینَ الْغَیْظَ- 

و روی أن عبدا لموسى بن جعفر ع قدم إلیه صحفه-  فیها طعام حار-  فعجل فصبها على رأسه و وجهه فغضب-  فقال له وَ الْکاظِمِینَ الْغَیْظَ قال قد کظمت-  قال وَ الْعافِینَ عَنِ النَّاسِ قال قد عفوت-  قال وَ اللَّهُ یُحِبُّ الْمُحْسِنِینَ-  قال أنت حر لوجه الله-  و قد نحلتک ضیعتی الفلانیه- . و منها قوله و احلم عند الغضب-  هذه مناسبه الأولى-  و قد تقدم منا قول کثیر فی الحلم و فضله-  و کذلک القول فی قوله ع-  و تجاوز عند القدره-  و کان یقال القدره تذهب الحفیظه- .

 

و منها قوله و اصفح مع الدوله تکن لک العاقبه-  هذه کانت شیمه رسول الله ص-  و شیمه علی ع-  أما شیمه رسول الله ص فظفر بمشرکی مکه و عفا عنهم-  کما سبق القول فیه فی عام الفتح-  و أما علی ع فظفر بأصحاب الجمل-  و قد شقوا عصا الإسلام علیه-  و طعنوا فیه و فی خلافته فعفا عنهم-  مع علمه بأنهم یفسدون علیه أمره فیما بعد-  و یصیرون إلى معاویه-  إما بأنفسهم أو بآرائهم و مکتوباتهم-  و هذا أعظم من الصفح عن أهل مکه-  لأن أهل مکه لم یبق لهم لما فتحت فئه یتحیزون إلیها-  و یفسدون الدین عندها- . و منها قوله و استصلح کل نعمه أنعمها الله علیک-  معنى استصلحها استدمها-  لأنه إذا استدامها فقد أصلحها-  فإن بقاءها صلاح لها و استدامتها بالشکر- . و منها قوله و لا تضیعن نعمه من نعم الله عندک-  أی واس الناس منها و أحسن إلیهم-  و اجعل بعضها لنفسک و بعضها للصدقه و الإیثار-  فإنک إن لم تفعل ذلک تکن قد أضعتها- .

و منها قوله و لیر علیک أثر النعمه-  قد أمر بأن یظهر الإنسان على نفسه-  آثار نعمه الله علیه-  و قال سبحانه وَ أَمَّا بِنِعْمَهِ رَبِّکَ فَحَدِّثْ-  و قال الرشید لجعفر قم بنا لنمضی إلى منزل الأصمعی-  فمضیا إلیه خفیه-  و معهما خادم معه ألف دینار لیدفع ذلک إلیه-  فدخلا داره فوجدا کساء جرداء و باریه سملاء-  و حصیرا مقطوعا و خباء قدیمه-  و أباریق من خزف و دواه من زجاج-  و دفاتر علیها التراب و حیطانا مملوءه من نسج العناکب-  فوجم الرشید-  و سأله مسائل غشه لم تکن من غرضه-  و إنما قطع بها خجله-  و قال الرشید لجعفر أ لا ترى إلى نفس هذا المهین-  قد بررناه بأکثر  من خمسین ألف دینار و هذه حاله-  لم تظهر علیه آثار نعمتنا-  و الله لا دفعت إلیه شیئا-  و خرج و لم یعطه- .

و منها قوله و اعلم أن أفضل المؤمنین-  أفضلهم تقدمه من نفسه و أهله و ماله-  أی أفضلهم إنفاقا فی البر و الخیر من ماله-  و هی التقدمه-  قال الله تعالى وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِکُمْ مِنْ خَیْرٍ تَجِدُوهُ-  فأما النفس و الأهل فإن تقدمتهما فی الجهاد-  و قد تکون التقدمه فی النفس بأن یشفع شفاعه حسنه-  أو یحضر عند السلطان بکلام طیب و ثناء حسن-  و أن یصلح بین المتخاصمین و نحو ذلک-  و التقدمه فی الأهل أن یحج بولده و زوجته-  و یکلفهما المشاق فی طاعه الله-  و أن یؤدب ولده إن أذنب-  و أن یقیم علیه الحد و نحو ذلک- . و منها قوله و ما تقدم من خیر یبق لک زخره-  و ما تؤخره یکن لغیرک خیره-  و قد سبق مثل هذا-  و أن ما یترکه الإنسان بعده فقد حرم نفعه-  و کأنما کان یکدح لغیره-  و ذلک من الشقاوه و قله التوفیق- .

و منها قوله و احذر صحابه من یفیل رأیه-  الصحابه بفتح الصاد مصدر صحبت-  و الصحابه بالفتح أیضا جمع صاحب-  و المراد هاهنا الأول-  و فال رأیه فسد و هذا المعنى قد تکرر-  و قال طرفه

عن المرء لا تسأل و سل عن قرینه
فإن القرین بالمقارن یقتدی‏

 و منها قوله و اسکن الأمصار العظام-  قد قیل لا تسکن إلا فی مصر فیه سوق قائمه-  و نهر جار و طبیب حاذق و سلطان عادل-  فأما منازل الغفله و الجفاء-  فمثل قرى السواد الصغار-  فإن أهلها لا نور فیهم و لا ضوء علیهم-  و إنما هم کالدواب‏ و الأنعام-  همهم الحرث و الفلاحه-  و لا یفقهون شیئا أصلا-  فمجاورتهم تعمی القلب و تظلم الحس-  و إذا لم یجد الإنسان من یعینه على طاعه الله-  و على تعلم العلم قصر فیهما- . و منها قوله و اقصر رأیک على ما یعنیک-  کان یقال من دخل فیما لا یعنیه فاته ما یعنیه- . و منها نهیه إیاه عن القعود فی الأسواق-  قد جاء فی المثل السوق محل الفسوق- .

و جاء فی الخبر المرفوع الأسواق مواطن إبلیس و جنده-  و ذلک لأنها قلما تخلو عن الأیمان الکاذبه-  و البیوع الفاسده-  و هی أیضا مجمع النساء المومسات و فجار الرجال-  و فیها اجتماع أرباب الأهواء و البدع-  فلا یخلو أن یتجادل اثنان منهم-  فی المذاهب و النحل فیفضی إلى الفتن- .

و منها قوله و انظر إلى من فضلت علیه-  کان یقال انظر إلى من دونک-  و لا تنظر إلى من فوقک-  و قد بین ع السر فیه فقال-  إن ذلک من أبواب الشکر-  و صدق ع لأنک إذا رأیت جاهلا و أنت عالم-  أو عالما و أنت أعلم منه-  أو فقیرا و أنت أغنى منه-  أو مبتلى بسقم و أنت معافى عنه-  کان ذلک باعثا و داعیا لک إلى الشکر- . و منها نهیه عن السفر یوم الجمعه-  ینبغی أن یکون هذا النهی-  عن السفر یوم الجمعه قبل الصلاه-  و أما بعد الصلاه فلا بأس به-  و استثنى فقال إلا فاصلا فی سبیل الله-  أی شاخصا إلى الجهاد- . قال أو فی أمر تعذر به-  أی لضروره دعتک إلى ذلک- .

 

و قد ورد نهی کثیر عن السفر یوم الجمعه-  قبل أداء الفرض-  على أن من الناس من کره ذلک بعد الصلاه أیضا-  و هو قول شاذ- . و منها قوله و أطع الله فی جمل أمورک-  أی فی جملتها و فیها کلها-  و لیس یعنی فی جملتها دون تفاصیلها-  قال فإن طاعه الله فاضله على غیرها-  و صدق ع لأنها توجب السعاده الدائمه-  و الخلاص من الشقاء الدائم-  و لا أفضل مما یؤدی إلى ذلک- . و منها قوله و خادع نفسک فی العباده-  أمره أن یتلطف بنفسه فی النوافل-  و أن یخادعها و لا یقهرها فتمل و تضجر و تترک-  بل یأخذ عفوها و یتوخى أوقات النشاط-  و انشراح الصدر للعباده- .

قال فأما الفرائض فحکمها غیر هذا الحکم-  علیک أن تقوم بها کرهتها النفس أو لم تکرهها-  ثم أمره أن یقوم بالفریضه فی وقتها-  و لا یؤخرها عنه فتصیر قضاء- . و منها قوله و إیاک أن ینزل بک المنون-  و أنت آبق من ربک فی طلب الدنیا-  هذه وصیه شریفه جدا-  جعل طالب الدنیا المعرض عن الله عند موته-  کالعبد الآبق یقدم به على مولاه أسیرا مکتوفا ناکس الرأس-  فما ظنک به حینئذ- . و منها قوله و إیاک و مصاحبه الفساق-  فإن الشر بالشر ملحق-  یقول إن الطباع ینزع بعضها إلى بعض-  فلا تصحبن الفساق-  فإنه ینزع بک ما فیک من طبع الشر-  إلى مساعدتهم على الفسوق و المعصیه-  و ما هو إلا کالنار تقوى بالنار-  فإذا لم تجاورها و تمازجها نار-  کانت إلى الانطفاء و الخمود أقرب- .

 

و روی ملحق بکسر الحاء-  و قد جاء ذلک فی الخبر النبوی فإن عذابک بالکفار ملحقبالکسر- . و منها قوله و أحب أحباءه-  قد جاء فی الخبر لا یکمل إیمان امرئ حتى یحب من أحب الله-  و یبغض من أبغض الله-  و منها قوله و احذر الغضب-  قد تقدم لنا کلام طویل فی الغضب-  وقال إنسان للنبی ص أوصنی-  قال لا تغضب-  فقال زدنی فقال لا تغضب-  قال زدنی قال لا أجد لک مزیدا-  و إنما جعله ع جندا عظیما من جنود إبلیس-  لأنه أصل الظلم و القتل و إفساد کل أمر صالح-  و هو إحدى القوتین المشئومتین-  اللتین لم یخلق أضر منهما على الإنسان-  و هما منبع الشر الغضب و الشهوه

 شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

بازدیدها: ۳۹

نامه ۶۸ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)(کتبه إلى سلمان الفارسی رحمه الله)

۶۸ و من کتاب له ع کتبه إلى سلمان الفارسی رحمه الله-  قبل أیام خلافته

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا مَثَلُ الدُّنْیَا مَثَلُ الْحَیَّهِ-  لَیِّنٌ مَسُّهَا قَاتِلٌ سَمُّهَا-  فَأَعْرِضْ عَمَّا یُعْجِبُکَ فِیهَا-  لِقِلَّهِ مَا یَصْحَبُکَ مِنْهَا-  وَ ضَعْ عَنْکَ هُمُومَهَا-  لِمَا أَیْقَنْتَ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا-  وَ تَصَرُّفِ حَالَاتِهَا-  وَ کُنْ آنَسَ مَا تَکُونُ بِهَا أَحْذَرَ مَا تَکُونُ مِنْهَا-  فَإِنَّ صَاحِبَهَا کُلَّمَا اطْمَأَنَّ فِیهَا إِلَى سُرُورٍ-  أَشْخَصَتْهُ إِلَى مَحْذُورٍ-  أَوْ إِلَى إِینَاسٍ أَزَالَتْهُ عَنْهُ إِلَى إِیحَاشٍ وَ السَّلَامُ

سلمان الفارسی و خبر إسلامه

سلمان رجل من فارس من رامهرمز-  و قیل بل من أصبهان-  من قریه یقال لها جی-  و هو معدود من موالی رسول الله ص-  و کنیته أبو عبد الله-  و کان إذا قیل ابن من أنت-  یقول أنا سلمان ابن الإسلام أنا من بنی آدم- . و قد روی أنه قد تداوله أرباب کثیره-  بضعه عشر ربا-  من واحد إلى آخر حتى أفضى إلى رسول الله ص- .

و روى أبو عمر بن عبد البر فی کتاب الإستیعاب-  أن سلمان أتى رسول الله‏ ص بصدقه-  فقال هذه صدقه علیک و على أصحابک-  فلم یقبلها و قال إنه لا تحل لنا الصدقه-  فرفعها ثم جاء من الغد بمثلها-  و قال هدیه هذه فقال لأصحابه کلوا- . و اشتراه من أربابه و هم قوم یهود بدراهم-  و على أن یغرس لهم من النخیل کذا و کذا-  و یعمل فیها حتى تدرک-  فغرس رسول الله ص ذلک النخل کله بیده-  إلا نخله واحده غرسها عمر بن الخطاب-  فأطعم النخل کله إلا تلک النخله-  فقال رسول الله ص من غرسها قیل عمر-  فقلعها و غرسها رسول الله ص بیده فأطعمت- .

قال أبو عمر و کان سلمان یسف الخوص-  و هو أمیر على المدائن و یبیعه و یأکل منه-  و یقول لا أحب أن آکل إلا من عمل یدی-  و کان قد تعلم سف الخوص من المدینه- . و أول مشاهده الخندق و هو الذی أشار بحفره-  فقال أبو سفیان و أصحابه لما رأوه-  هذه مکیده ما کانت العرب تکیدها- . قال أبو عمر و قد روی أن سلمان شهد بدرا و أحدا-  و هو عبد یومئذ و الأکثر أن أول مشاهده الخندق-  و لم یفته بعد ذلک مشهد- . قال و کان سلمان خیرا فاضلا حبرا-  عالما زاهدا متقشفا- .

قال و ذکر هشام بن حسان عن الحسن البصری-  قال کان عطاء سلمان خمسه آلاف-  و کان إذا خرج عطاؤه تصدق به-  و یأکل من عمل یده-  و کانت له عباءه یفرش بعضها و یلبس بعضها- .قال و قد ذکر ابن وهب و ابن نافع-  أن سلمان لم یکن له بیت-  إنما کان یستظل بالجدر و الشجر-  و أن رجلا قال له أ لا أبنی لک بیتا تسکن فیه-  قال لا حاجه لی فی ذلک-  فما زال به الرجل حتى قال له-  أنا أعرف البیت الذی یوافقک قال فصفه لی-  قال أبنی لک بیتا إذا أنت قمت فیه-  أصاب رأسک سقفه-  و إن أنت مددت فیه رجلیک أصابهما الجدار-  قال نعم فبنى له- .

 قال أبو عمر و قد روی عن رسول الله ص من وجوه أنه قال لو کان الدین فی الثریا لناله سلمانو فی روایه أخرى لناله رجل من فارسقال و قد روینا عن عائشه قالت کان لسلمان مجلس من رسول الله ص-  ینفرد به باللیل حتى کاد یغلبنا على رسول الله ص قال و قد روی من حدیث ابن بریده عن أبیه أن رسول الله ص قال أمرنی ربی بحب أربعه و أخبرنی أنه یحبهم-  علی و أبو ذر و المقداد و سلمان قال و روى قتاده عن أبی هریره قال سلمان صاحب الکتابین-  یعنی الإنجیل و القرآن- .

و قد روى الأعمش عن عمرو بن مره عن أبی البختری عن علی ع أنه سئل عن سلمان فقال-  علم العلم الأول و العلم الآخر-  ذاک بحر لا ینزف و هو منا أهل البیت قال و فی روایه زاذان عن علی ع سلمان الفارسی کلقمان الحکیم قال و قال فیه کعب الأحبار سلمان حشی علما و حکمه- .

 

قال و فی الحدیث المروی-  أن أبا سفیان مر على سلمان و صهیب و بلال-  فی نفر من المسلمین-  فقالوا ما أخذت السیوف من عنق عدو الله مأخذها-  و أبو سفیان یسمع قولهم-  فقال لهم أبو بکر أ تقولون هذا لشیخ قریش و سیدها-  و أتى النبی ص و أخبره فقال-  یا أبا بکر لعلک أغضبتهم-  لئن کنت أغضبتهم لقد أغضبت الله فأتاهم أبو بکر-  فقال أبو بکر یا إخوتاه لعلی أغضبتکم-  قالوا لا یا أبا بکر یغفر الله لک- . قال و آخى رسول الله ص بینه و بین أبی الدرداء-  لما آخى بین المسلمین- .

قال و لسلمان فضائل جمه و أخبار حسان-  و توفی فی آخر خلافه عثمان سنه خمس و ثلاثین-  و قیل توفی فی أول سنه ست و ثلاثین-  و قال قوم توفی فی خلافه عمر و الأول أکثر- . و أما حدیث إسلام سلمان-  فقد ذکره کثیر من المحدثین و رووه عنه-  قال کنت ابن دهقان قریه جی من أصبهان-  و بلغ من حب أبی لی أن حبسنی فی البیت-  کما تحبس الجاریه-  فاجتهدت فی المجوسیه حتى صرت قطن بیت النار-  فأرسلنی أبی یوما إلى ضیعه له-  فمررت بکنیسه النصارى فدخلت علیهم-  فأعجبتنی صلاتهم-  فقلت دین هؤلاء خیر من دینی-  فسألتهم أین أصل هذا الدین-  قالوا بالشام فهربت من والدی حتى قدمت الشام-  فدخلت على الأسقف فجعلت أخدمه و أتعلم منه-  حتى حضرته الوفاه-  فقلت إلى من توصی بی فقال-  قد هلک الناس و ترکوا دینهم إلا رجلا بالموصل فالحق به-  فلما قضى نحبه لحقت بذلک الرجل-فلم یلبث إلا قلیلا حتى حضرته الوفاه-  فقلت إلى من توصی بی فقال-  ما أعلم رجلا بقی على الطریقه المستقیمه إلا رجلا بنصیبین-  فلحقت بصاحب نصیبین-  قالوا و تلک الصومعه الیوم باقیه-  و هی التی تعبد فیها سلمان قبل الإسلام- 

قال ثم احتضر صاحب نصیبین-  فبعثنی إلى رجل بعموریه من أرض الروم-  فأتیته و أقمت عنده و اکتسبت بقیرات و غنیمات-  فلما نزل به الموت قلت له بمن توصی بی-  فقال قد ترک الناس دینهم و ما بقی أحد منهم على الحق-  و قد أظل زمان نبی مبعوث بدین إبراهیم-  یخرج بأرض العرب مهاجرا إلى أرض بین حرتین-  لها نخل قلت فما علامته-  قال یأکل الهدیه-  و لا یأکل الصدقه-  بین کتفیه خاتم النبوه قال و مر بی رکب من کلب فخرجت معهم-  فلما بلغوا بی وادی القرى ظلمونی و باعونی من یهودی-  فکنت أعمل له فی زرعه و نخله-  فبینا أنا عنده إذ قدم ابن عم له-  فابتاعنی منه و حملنی إلى المدینه-  فو الله ما هو إلا أن رأیتها فعرفتها-  و بعث الله محمدا بمکه-  و لا أعلم بشی‏ء من أمره-  فبینا أنا فی رأس نخله إذ أقبل ابن عم لسیدی- 

فقال قاتل الله بنی قیله-  قد اجتمعوا على رجل بقباء قدم علیهم من مکه-  یزعمون أنه نبی قال فأخذنی القر و الانتفاض-  و نزلت عن النخله و جعلت أستقصی فی السؤال-  فما کلمنی سیدی بکلمه-  بل قال أقبل على شأنک و دع ما لا یعنیک-  فلما أمسیت أخذت شیئا کان عندی من التمر-  و أتیت به النبی ص فقلت له بلغنی أنک رجل صالح-  و أن لک أصحابا غرباء ذوی حاجه-  و هذا شی‏ء عندی للصدقه-  فرأیتکم أحق به من غیرکم-  فقال ع لأصحابه کلوا و أمسک فلم یأکل-  فقلت فی نفسی هذه واحده و انصرفت-  فلما کان من الغد أخذت ما کان بقی عندی و أتیته به-  فقلت له إنی رأیتک لا تأکل الصدقه-  و هذه هدیه فقال کلوا و أکل معهم-  فقلت إنه لهو فأکببت علیه أقبله و أبکی-  فقال ما لک فقصصت علیه القصه فأعجبه-  ثم قال یا سلمان کاتب صاحبک-  فکاتبته على ثلاثمائه نخله و أربعین أوقیه-  فقال رسول الله ص للأنصار أعینوا أخاکم-  فأعانونی بالنخل حتى جمعت ثلاثمائه ودیه-  فوضعها رسول الله ص بیده فصحت کلها-  و أتاه مال من بعض المغازی فأعطانی منه-  و قال أد کتابتک فأدیت و عتقت- .

و کان سلمان من شیعه علی ع و خاصته-  و تزعم الإمامیه أنه أحد الأربعه الذین حلقوا رءوسهم-  و أتوه متقلدی سیوفهم فی خبر یطول-  و لیس هذا موضع ذکره-  و أصحابنا لا یخالفونهم فی أن سلمان کان من الشیعه-  و إنما یخالفونهم فی أمر أزید من ذلک-  و ما یذکره المحدثون من قوله للمسلمین یوم السقیفه-  کردید و نکردید-  محمول عند أصحابنا على أن المراد صنعتم شیئا و ما صنعتم-  أی استخلفتم خلیفه و نعم ما فعلتم-  إلا أنکم عدلتم عن أهل البیت-  فلو کان الخلیفه منهم کان أولى-  و الإمامیه تقول معناه أسلمتم و ما أسلمتم-  و اللفظه المذکوره فی الفارسیه لا تعطی هذا المعنى-  و إنما تدل على الفعل و العمل لا غیر-  و یدل على صحه قول أصحابنا أن سلمان عمل لعمر على المدائن-  فلو کان ما تنسبه الإمامیه إلیه حقا لم یعمل له.

فأما ألفاظ الفصل و معانیه فظاهره-  و مما یناسب مضمونه قول بعض الحکماء-  تعز عن الشی‏ء إذا منعته بقله صحبته لک إذا أعطیته- . و کان یقال الهالک على الدنیا رجلان-  رجل نافس فی عزها و رجل أنف من ذلها- .

 

و مر بعض الزهاد بباب دار و أهلها یبکون میتا لهم-  فقال وا عجبا لقوم مسافرین-  یبکون مسافرا قد بلغ منزله- . و کان یقال یا ابن آدم-  لا تأسف على مفقود لا یرده علیک الفوت-  و لا تفرح بموجود لا یترکه علیک الموت- . لقی عالم من العلماء راهبا فقال أیها الراهب-  کیف ترى الدنیا قال تخلق الأبدان-  و تجدد الآمال و تباعد الأمنیه و تقرب المنیه-  قال فما حال أهلها-  قال من ظفر بها نصب و من فاتته أسف-  قال فکیف الغنى عنها-  قال بقطع الرجاء منها-  قال فأی الأصحاب أبر و أوفى-  قال العمل الصالح-  قال فأیهم أضر و أنکى-  قال النفس و الهوى-  قال فکیف المخرج قال فی سلوک المنهج-  قال و بما ذا أسلکه-  قال بأن تخلع لباس الشهوات الفانیه-  و تعمل للدار الباقیه

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

بازدیدها: ۱۴

نامه ۶۷ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۶۷ و من کتاب له ع کتبه إلى قثم بن العباس-  و هو عامله على مکه

أَمَّا بَعْدُ فَأَقِمْ لِلنَّاسِ الْحَجَّ-  وَ ذَکِّرْهُمْ بِأَیَّامِ اللَّهِ-  وَ اجْلِسْ لَهُمُ الْعَصْرَیْنِ-  فَأَفْتِ الْمُسْتَفْتِیَ-  وَ عَلِّمِ الْجَاهِلَ وَ ذَاکِرِ الْعَالِمَ-  وَ لَا یَکُنْ لَکَ إِلَى النَّاسِ سَفِیرٌ إِلَّا لِسَانُکَ-  وَ لَا حَاجِبٌ إِلَّا وَجْهُکَ-  وَ لَا تَحْجُبَنَّ ذَا حَاجَهٍ عَنْ لِقَائِکَ بِهَا-  فَإِنَّهَا إِنْ ذِیدَتْ عَنْ أَبْوَابِکَ فِی أَوَّلِ وِرْدِهَا-  لَمْ تُحْمَدْ فِیمَا بَعْدُ عَلَى قَضَائِهَا-  وَ انْظُرْ إِلَى مَا اجْتَمَعَ عِنْدَکَ مِنْ مَالِ اللَّهِ-  فَاصْرِفْهُ إِلَى مَنْ قِبَلَکَ مِنْ ذَوِی الْعِیَالِ وَ الْمَجَاعَهِ-  مُصِیباً بِهِ مَوَاضِعَ الْمَفَاقِرِ وَ الْخَلَّاتِ-  وَ مَا فَضَلَ عَنْ ذَلِکَ فَاحْمِلْهُ إِلَیْنَا لِنَقْسِمَهُ فِیمَنْ قِبَلَنَا-  وَ مُرْ أَهْلَ مَکَّهَ أَلَّا یَأْخُذُوا مِنْ سَاکِنٍ أَجْراً-  فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ یَقُولُ-  سَواءً الْعاکِفُ فِیهِ وَ الْبادِ-  فَالْعَاکِفُ الْمُقِیمُ بِهِ-  وَ الْبَادِی الَّذِی یَحُجُّ إِلَیْهِ مِنْ غَیْرِ أَهْلِهِ-  وَفَّقَنَا اللَّهُ وَ إِیَّاکُمْ لِمَحَابِّهِ وَ السَّلَامُ‏

 

قد تقدم ذکر قثم و نسبه-  أمره أن یقیم للناس حجهم-  و أن یذکرهم بأیام الله و هی أیام الإنعام-  و أیام الانتقام لتحصل الرغبه و الرهبه- . و اجلس لهم العصرین الغداه و العشی- . ثم قسم له ثمره جلوسه لهم ثلاثه أقسام-  إما أن یفتی مستفتیا من العامه فی بعض الأحکام-  و إما أن یعلم متعلما یطلب الفقه-  و إما أن یذاکر عالما و یباحثه و یفاوضه-  و لم یذکر السیاسه و الأمور السلطانیه-  لأن غرضه متعلق بالحجیج و هم أضیافه-  یقیمون لیالی یسیره و یقفلون- 

و إنما یذکر السیاسه و ما یتعلق بها فیما یرجع إلى أهل مکه-  و من یدخل تحت ولایته دائما-  ثم نهاه عن توسط السفراء و الحجاب بینه و بینهم-  بل ینبغی أن یکون سفیره لسانه و حاجبه وجهه-  و روی و لا یکن إلا لسانک سفیرا لک إلى الناس-  بجعل لسانک اسم کان مثل قوله-  فَما کانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا-  و الروایه الأولى هی المشهوره-  و هو أن یکون سفیرا اسم کان-  و لک خبرها-  و لا یصح ما قاله الراوندی إن خبرها إلى الناس-  لأن إلى هاهنا متعلقه بنفس سفیر-  فلا یجوز أن تکون-  الخبر عن سفیر تقول سفرت إلى بنی فلان فی الصلح-  و إذا تعلق حرف الجر بالکلمه صار کالشی‏ء الواحد- . ثم قال فإنها إن ذیدت أی طردت و دفعت- . کان أبو عباد ثابت بن یحیى کاتب المأمون إذا سئل الحاجه-  یشتم السائل و یسطو علیه و یخجله و یبکته ساعه-  ثم یأمر له بها فیقوم و قد صارت إلیه-  و هو یذمه و یلعنه قال علی بن جبله العکوک-

 

  لعن الله أبا عباد
لعنا یتوالى‏

یوسع السائل شتما
ثم یعطیه السؤالا

و کان الناس یقفون لأبی عباد وقت رکوبه-  فیتقدم الواحد منهم إلیه بقصته لیناوله إیاها-  فیرکله برجله بالرکاب و یضربه بسوطه-  و یطیر غضبا ثم لا ینزل عن فرسه حتى یقضی حاجته-  و یأمر له بطلبته فینصرف الرجل بها-  و هو ذام له ساخط علیه فقال فیه دعبل- 

أولى الأمور بضیعه و فساد
ملک یدبره أبو عباد

متعمد بدواته جلساءه‏
فمضرج و مخضب بمداد

و کأنه من دیر هزقل مفلت
حرب یجر سلاسل الأقیاد

فاشدد أمیر المؤمنین صفاده‏
بأشد منه فی ید الحداد

و قال فیه بعض الشعراء-

قل للخلیفه یا ابن عم محمد
قید وزیرک إنه رکال‏

فلسوطه بین الرءوس مسالک‏
و لرجله بین الصدور مجال‏

و المفاقر الحاجات یقال سد الله مفاقره-  أی أغنى الله فقره-  ثم أمره أن یأمر أهل مکه-  ألا یأخذوا من أحد من الحجیج أجره مسکن-  و احتج على ذلک بالآیه-  و أصحاب أبی حنیفه یتمسکون بها-  فی امتناع بیع دور مکه و إجارتها-  و هذا بناء على أن‏المسجد الحرام هو مکه کلها-  و الشافعی یرى خلاف ذلک و یقول إنه الکعبه-  و لا یمنع من بیع دور مکه و لا إجارتها-  و یحتج بقوله تعالى الَّذِینَ أُخْرِجُوا مِنْ دِیارِهِمْ-  و أصحاب أبی حنیفه یقولون-  إنها إضافه اختصاص لا إضافه تملیک-  کما تقول جل الدابه-  و قرأ سواء بالنصب على أن یکون أحد مفعولی جعلنا-  أی جعلناه مستویا فیه العاکف و الباد-  و من قرأ بالرفع جعل الجمله هی المفعول الثانی

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

 

بازدیدها: ۳۴

نامه ۶۶ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۶۶ و من کتاب له ع کتبه إلى عبد الله بن العباس

و قد تقدم ذکره بخلاف هذه الروایه: أَمَّا بَعْدُ-  فَإِنَّ الْعَبْدَ لَیَفْرَحُ بِالشَّیْ‏ءِ الَّذِی لَمْ یَکُنْ لِیَفُوتَهُ-  وَ یَحْزَنُ عَلَى الشَّیْ‏ءِ الَّذِی لَمْ یَکُنْ لِیُصِیبَهُ-  فَلَا یَکُنْ أَفْضَلَ مَا نِلْتَ فِی نَفْسِکَ-  مِنْ دُنْیَاکَ بُلُوغُ لَذَّهٍ-  أَوْ شِفَاءُ غَیْظٍ-  وَ لَکِنْ إِطْفَاءُ بَاطِلٍ وَ إِحْیَاءُ حَقٍّ-  وَ لْیَکُنْ سُرُورُکَ بِمَا قَدَّمْتَ-  وَ أَسَفُکَ عَلَى مَا خَلَّفْتَ-  وَ هَمُّکَ فِیمَا بَعْدَ الْمَوْتِ هذا الفصل قد تقدم شرح نظیره-  و لیس فی ألفاظه و لا معانیه ما یفتقر إلى تفسیر-  و لکنا سنذکر من کلام الحکماء و الصالحین-  کلمات تناسبه

نبذ من کلام الحکماء

فمن کلام بعضهم ما قدر لک أتاک-  و ما لم یقدر لک تعداک-  فعلام تفرح بما لم یکن بد من وصوله إلیک-  و علام تحزن بما لم یکن لیقدم علیک- . و من کلامهم الدنیا تقبل إقبال الطالب-  و تدبر إدبار الهارب-  و تصل وصال المتهالک-  و تفارق فراق المبغض الفارک-  فخیرها یسیر و عیشها قصیر-  و إقبالها خدعه و إدبارهافجعه-  و لذاتها فانیه و تبعاتها باقیه-  فاغتنم غفله الزمان و انتهز فرصه الإمکان-  و خذ من نفسک لنفسک-  و تزود من یومک لغدک قبل نفاذ المده-  و زوال القدره-  فلکل امرئ من دنیاه ما ینفعه على عماره أخراه- .

و من کلامهم من نکد الدنیا أنها لا تبقى على حاله-  و لا تخلو من استحاله-  تصلح جانبا بإفساد جانب و تسر صاحبا بمساءه صاحب-  فالسکون فیها خطر و الثقه إلیها غرر-  و الالتجاء إلیها محال و الاعتماد علیها ضلال- . و من کلامهم-  لا تبتهجن لنفسک بما أدرکت من لذاتها الجسمانیه-  و ابتهج لها بما تناله من لذاتها العقلیه-  و من القول بالحق و العمل بالحق-  فإن اللذات الحسیه خیال ینفد-  و المعارف العقلیه باقیه بقاء الأبد

 شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

بازدیدها: ۶

نامه ۶۵ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۶۵ و من کتاب له ع إلیه أیضا

أَمَّا بَعْدُ-  فَقَدْ آنَ لَکَ أَنْ تَنْتَفِعَ بِاللَّمْحِ الْبَاصِرِ مِنْ عِیَانِ الْأُمُورِ-  فَلَقَدْ سَلَکْتَ مَدَارِجَ أَسْلَافِکَ بِادِّعَائِکَ الْأَبَاطِیلَ-  وَ اقْتِحَامِکَ غُرُورَ الْمَیْنِ وَ الْأَکَاذِیبِ مِنِ انْتِحَالِکَ مَا قَدْ عَلَا عَنْکَ-  وَ ابْتِزَازِکَ لِمَا قَدِ اخْتُزِنَ دُونَکَ-  فِرَاراً مِنَ الْحَقِّ-  وَ جُحُوداً لِمَا هُوَ أَلْزَمُ لَکَ مِنْ لَحْمِکَ وَ دَمِکَ-  مِمَّا قَدْ وَعَاهُ سَمْعُکَ-  وَ مُلِئَ بِهِ صَدْرُکَ-  فَمَا ذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ-  وَ بَعْدَ الْبَیَانِ إِلَّا اللَّبْسُ-  فَاحْذَرِ الشُّبْهَهَ وَ اشْتِمَالَهَا عَلَى لُبْسَتِهَا-  فَإِنَّ الْفِتْنَهَ طَالَمَا أَغْدَفَتْ جَلَابِیبَهَا-  وَ أَعْشَتِ الْأَبْصَارَ ظُلْمَتُهَا-  وَ قَدْ أَتَانِی کِتَابٌ مِنْکَ ذُو أَفَانِینَ مِنَ الْقَوْلِ-  ضَعُفَتْ قُوَاهَا عَنِ السِّلْمِ-  وَ أَسَاطِیرَ لَمْ یَحُکْهَا عَنْکَ عِلْمٌ وَ لَا حِلْمٌ-  أَصْبَحْتَ مِنْهَا کَالْخَائِضِ فِی الدَّهَاسِ-  وَ الْخَابِطِ فِی الدِّیمَاسِ-  وَ تَرَقَّیْتَ إِلَى مَرْقَبَهٍ بَعِیدَهِ الْمَرَامِ-  نَازِحَهِ الْأَعْلَامِ-  تَقْصُرُ دُونَهَا الْأَنُوقُ-  وَ یُحَاذَى بِهَا الْعَیُّوقُ-  وَ حَاشَ لِلَّهِ أَنْ تَلِیَ لِلْمُسْلِمِینَ مِنْ بَعْدِی صَدْراً أَوْ وِرْداً-  أَوْ أُجْرِیَ لَکَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ عَقْداً أَوْ عَهْداً-  فَمِنَ الآْنَ فَتَدَارَکْ نَفْسَکَ وَ انْظُرْ لَهَا-  فَإِنَّکَ إِنْ فَرَّطْتَ حَتَّى یَنْهَدَ إِلَیْکَ عِبَادُ اللَّهِ-  أُرْتِجَتْ عَلَیْکَ الْأُمُورُ-  وَ مُنِعْتَ أَمْراً هُوَ مِنْکَ الْیَوْمَ مَقْبُولٌ وَ السَّلَامُ‏

 

آن لک و أنى لک بمعنى أی قرب و حان-  تقول آن لک أن تفعل کذا یئین أینا و قال- 

  أ لم یأن أن لی تجل عنی عمایتی
و أقصر عن لیلى بلى قد أنى لیا

فجمع بین اللغتین-  و أنى مقلوبه عن آن-  و مما یجری مجرى المثل قولهم لمن یرونه شیئا-  شدیدا یبصره و لا یشک فیه-  قد رأیته لمحا باصرا-  قالوا أی نظرا بتحدیق شدید-  و مخرجه مخرج رجل لابن و تامر-  أی ذو لبن و تمر-  فمعنى باصر ذو بصر-  یقول ع لمعاویه-  قد حان لک أن تنتفع بما تعلمه من معاینه الأمور و الأحوال-  و تتحققه یقینا بقلبک-  کما یتحقق ذو اللمح الباصر ما یبصره بحاسه بصره-  و أراد ببیان الأمور هاهنا معاینتها-  و هو ما یعرفه ضروره من استحقاق علی ع للخلافه دونه-  و براءته من کل شبهه ینسبها إلیه- . ثم قال له فقد سلکت-  أی اتبعت طرائق أبی سفیان أبیک-  و عتبه جدک و أمثالهما من أهلک-  ذوی الکفر و الشقاق- . و الأباطیل جمع باطل على غیر قیاس-  کأنهم جمعوا إبطیلا- . و الاقتحام إلقاء النفس فی الأمر من غیر رویه- . و المین الکذب-  و الغرور بالضم المصدر و بالفتح الاسم- . و انتحلت القصیده أی ادعیتها کذبا- . قال ما قد علا عنک أی أنت دون الخلافه-  و لست من أهلها-  و الابتزاز الاستلاب- .

 

قال لما قد اختزن دونک-  یعنی التسمی بإمره المؤمنین- . ثم قال فرارا من الحق-  أی فعلت ذلک کله هربا من التمسک بالحق و الدین-  و حبا للکفر و الشقاق و التغلب- . قال و جحودا لما هو ألزم-  یعنی فرض طاعه علی ع لأنه قد وعاها سمعه-  لا ریب فی ذلک إما بالنص فی أیام رسول الله ص-  کما تذکره الشیعه فقد کان معاویه حاضرا یوم الغدیر-  لأنه حج معهم حجه الوداع-  و قد کان أیضا حاضرا یوم تبوک-  حین قال له بمحضر من الناس کافه-  أنت منی بمنزله هارون من موسى-  و قد سمع غیر ذلک-  و أما بالبیعه کما نذکره نحن فإنه قد اتصل به خبرها-  و تواتر عنده وقوعها-  فصار وقوعها عنده معلوما بالضروره-  کعلمه بأن فی الدنیا بلدا اسمها مصر-  و إن کان ما رآها- .

و الظاهر من کلام أمیر المؤمنین ع-  أنه یرید المعنى الأول-  و نحن نخرجه على وجه لا یلزم منه ما تقوله الشیعه-  فنقول لنفرض أن النبی ص ما نص علیه بالخلافه بعده-  أ لیس یعلم معاویه و غیره من الصحابه-  أنه لو قال له فی ألف مقام-  أنا حرب لمن حاربت و سلم لمن سالمت-  و نحو ذلک من قوله اللهم عاد من عاداه-  و وال من والاه-  و قوله حربک حربی و سلمک سلمی-  و قوله أنت مع الحق و الحق معک-  و قوله هذا منی و أنا منه-  و قوله هذا أخی-  و قوله یحب الله و رسوله-  و یحبه الله و رسوله-  و قوله اللهم ائتنی بأحب خلقک إلیک-  و قوله إنه ولی کل مؤمن و مؤمنه بعدی-  و قوله فی کلام قاله خاصف النعل-  و قوله لا یحبه إلا مؤمن و لا یبغضه إلا منافق-  و قوله إن الجنه لتشتاق إلى أربعه-  و جعله أولهم-  و قوله لعمار تقتلک الفئه الباغیه-  و قوله ستقاتل الناکثین و القاسطین-و المارقین بعدی-  إلى غیر ذلک مما یطول تعداده جدا-  و یحتاج إلى کتاب مفرد یوضع له-  أ فما کان ینبغی لمعاویه أن یفکر فی هذا و یتأمله-  و یخشى الله و یتقیه-  فلعله ع إلى هذا أشار بقوله-  و جحودا لما هو ألزم لک من لحمک و دمک-  مما قد وعاه سمعک و ملئ به صدرک- . قوله فما ذا بعد الحق إلا الضلال-  کلمه من الکلام الإلهی المقدس- .

قال و بعد البیان إلا اللبس-  یقال لبست علیه الأمر لبسا-  أی خلطته و المضارع یلبس بالکسر- . قال فاحذر الشبهه و اشتمالها على اللبسه بالضم-  یقال فی الأمر لبسه أی اشتباه و لیس بواضح-  و یجوز أن یکون اشتمال مصدرا مضافا إلى معاویه-  أی احذر الشبهه و احذر اشتمالک إیاها على اللبسه-  أی ادراعک بها و تقمصک بها على ما فیها-  من الإبهام و الاشتباه-  و یجوز أن یکون مصدرا مضافا إلى ضمیر الشبهه فقط-  أی احذر الشبهه و احتواءها على اللبسه التی فیها- .

و تقول أغدفت المرأه قناعها-  أی أرسلته على وجهها-  و أغدف اللیل-  أی أرخى سدوله-  و أصل الکلمه التغطیه- . و الجلابیب جمع جلباب و هو الثوب- . قال و أعشت الأبصار ظلمتها-  أی أکسبتها العشی و هو ظلمه العین-  و روی و أغشت بالغین المعجمه ظلمتها بالنصب-  أی جعلت الفتنه ظلمتها غشاء للأبصار- . و الأفانین الأسالیب المختلفه- . قوله ضعفت قواها عن السلم أی عن الإسلام-  أی لا تصدر تلک الأفانین‏المختلطه عن مسلم-  و کان کتب إلیه یطلب منه أن یفرده بالشام-  و أن یولیه العهد من بعده-  و ألا یکلفه الحضور عنده-  و قرأ أبو عمرو ادْخُلُوا فِی السِّلْمِ کَافَّهً-  و قال لیس المعنی بهذا الصلح-  بل الإسلام و الإیمان لا غیر-  و معنى ضعفت قواها أی لیس لتلک الطلبات و الدعاوی-  و الشبهات التی تضمنها کتابک من القوه-  ما یقتضی أن یکون المتمسک به مسلما-  لأنه کلام لا یقوله إلا من هو-  إما کافر منافق أو فاسق-  و الکافر لیس بمسلم-  و الفاسق أیضا لیس بمسلم على قول أصحابنا و لا کافر- . ثم قال و أساطیر لم یحکها منک علم و لا حلم-  الأساطیر الأباطیل واحدها أسطوره بالضم-  و إسطاره بالکسر و الألف-  و حوک الکلام صنعته و نظمه-  و الحلم العقل یقول له-  ما صدر هذا الکلام و الهجر الفاسد عن عالم و لا عاقل- .

و من رواها الدهاس بالکسر فهو جمع دهس-  و من قرأها بالفتح فهو مفرد-  یقول هذا دهس و دهاس بالفتح مثل لبث و لباث-  للمکان السهل الذی لا یبلغ أن یکون رملا-  و لیس هو بتراب و لا طین- . و الدیماس بالکسر السرب المظلم تحت الأرض-  و فی حدیث المسیح أنه سبط الشعر-  کثیر خیلان الوجه کأنه خرج من دیماس-  یعنی فی نضرته و کثره ماء وجهه-  کأنه خرج من کن-  لأنه قال فی وصفه کان رأسه یقطر ماء-  و کان للحجاج سجن اسمه الدیماس لظلمته-  و أصله من دمس الظلام یدمس أی اشتد-  و لیل دامس و داموس أی مظلم-  و جاءنا فلان بأمور دمس أی مظلمه عظیمه-  یقول له أنت فی کتابک هذا کالخائض فی تلک الأرض الرخوه-  و تقوم و تقع و لا تتخلص-  و کالخابط فی اللیل المظلم یعثر و ینهض-  و لا یهتدى الطریق- .

 

و المرقبه الموضع العالی و الأعلام جمع علم-  و هو ما یهتدى به فی الطرقات من المنار-  یقول له سمت همتک إلى دعوى الخلافه-  و هی منک کالمرقبه التی لا ترام بتعد على من یطلبها-  و لیس فیها أعلام تهدى إلى سلوک طریقها-  أی الطرق إلیها غامضه-  کالجبل الأملس الذی لیس فیه درج و مراق-  یسلک منها إلى ذروته- . و الأنوق على فعول بالفتح کأکول و شروب طائر-  و هو الرخمه و فی المثل أعز من بیض الأنوق-  لأنها تحرزه و لا یکاد أحد یظفر به-  و ذلک لأن أوکارها فی رءوس الجبال-  و الأماکن الصعبه البعیده- . و العیوق کوکب معروف فوق زحل فی العلو-  و هذه أمثال ضربها فی بعد معاویه عن الخلافه- .

ثم قال حاش لله-  إن أولیک شیئا من أمور المسلمین بعدی-  أی معاذ الله و الأصل إثبات الألف فی حاشا-  و إنما اتبع فیها المصحف- . و الورد و الصدر الدخول و الخروج-  و أصله فی الإبل و الماء-  و ینهد إلیک عباد الله أی ینهض-  و أرتجت علیک الأمور أغلقت- . و هذا الکتاب هو جواب کتاب وصل من معاویه إلیه ع-  بعد قتل علی ع الخوارج-  و فیه تلویح بما کان یقوله من قبل-  إن رسول الله وعدنی بقتال طائفه أخرى-  غیر أصحاب الجمل و صفین و إنه سماهم المارقین-  فلما واقعهم ع بالنهروان و قتلهم کلهم بیوم واحد-  و هم عشره آلاف فارس-  أحب أن یذکر معاویه بما کان یقول من قبل-  و یعد به أصحابه و خواصه-  فقال له قد آن لک أن تنتفع بما عاینت-  و شاهدت معاینه و مشاهده-  من صدق القول الذی کنت أقوله للناس-  و یبلغک فتستهزئ به

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

بازدیدها: ۲۰

نامه ۶۴ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

 ۶۴ و من کتاب له ع إلى معاویه جوابا عن کتابه

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّا کُنَّا نَحْنُ وَ أَنْتُمْ عَلَى مَا ذَکَرْتَ-  مِنَ الْأُلْفَهِ وَ الْجَمَاعَهِ-  فَفَرَّقَ بَیْنَنَا وَ بَیْنَکُمْ أَمْسِ أَنَّا آمَنَّا وَ کَفَرْتُمْ-  وَ الْیَوْمَ أَنَّا اسْتَقَمْنَا وَ فُتِنْتُمْ-  وَ مَا أَسْلَمَ مُسْلِمُکُمْ إِلَّا کَرْهاً-  وَ بَعْدَ أَنْ کَانَ أَنْفُ الْإِسْلَامِ کُلُّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ص حَرْباً-  وَ ذَکَرْتَ أَنِّی قَتَلْتُ طَلْحَهَ وَ الزُّبَیْرَ-  وَ شَرَّدْتُ بِعَائِشَهَ وَ نَزَلْتُ بَیْنَ الْمِصْرَیْنِ-  وَ ذَلِکَ أَمْرٌ غِبْتَ عَنْهُ فَلَا عَلَیْکَ وَ لَا الْعُذْرُ فِیهِ إِلَیْکَ-  وَ ذَکَرْتَ أَنَّکَ زَائِرِی فِی جَمْعِ الْمُهَاجِرِینَ وَ الْأَنْصَارِ-  وَ قَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَهُ یَوْمَ أُسِرَ أَخُوکَ-  فَإِنْ کَانَ فِیکَ عَجَلٌ فَاسْتَرْفِهْ-  فَإِنِّی إِنْ أَزُرْکَ فَذَلِکَ جَدِیرٌ-  أَنْ یَکُونَ اللَّهُ إِنَّمَا بَعَثَنِی إِلَیْکَ لِلنِّقْمَهِ مِنْکَ-  وَ إِنْ تَزُرْنِی فَکَمَا قَالَ أَخُو بَنِی أَسَدٍ- 

  مُسْتَقْبِلِینَ رِیَاحَ الصَّیْفِ تَضْرِبُهُمْ
بِحَاصِبٍ بَیْنَ أَغْوَارٍ وَ جُلْمُودِ

 وَ عِنْدِی السَّیْفُ الَّذِی أَعْضَضْتُهُ بِجَدِّکَ-  وَ خَالِکَ وَ أَخِیکَ فِی مَقَامٍ وَاحِدٍ-  فَإِنَّکَ وَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ الْأَغْلَفُ الْقَلْبِ الْمُقَارِبُ الْعَقْلِ-  وَ الْأَوْلَى أَنْ یُقَالَ لَکَ-  إِنَّکَ رَقِیتَ سُلَّماً أَطْلَعَکَ مَطْلَعَ سُوءٍ عَلَیْکَ لَا لَکَ-  لِأَنَّکَ نَشَدْتَ غَیْرَ ضَالَّتِکَ وَ رَعَیْتَ غَیْرَ سَائِمَتِکَ-  وَ طَلَبْتَ أَمْراً لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ وَ لَا فِی مَعْدِنِهِ-  فَمَا أَبْعَدَ قَوْلَکَ مِنْ فِعْلِکَ-وَ قَرِیبٌ مَا أَشْبَهْتَ مِنْ أَعْمَامٍ وَ أَخْوَالٍ-  حَمَلَتْهُمُ الشَّقَاوَهُ وَ تَمَنِّی الْبَاطِلِ عَلَى الْجُحُودِ بِمُحَمَّدٍ ص-  فَصُرِعُوا مَصَارِعَهُمْ حَیْثُ عَلِمْتَ-  لَمْ یَدْفَعُوا عَظِیماً وَ لَمْ یَمْنَعُوا حَرِیماً-  بِوَقْعِ سُیُوفٍ مَا خَلَا مِنْهَا الْوَغَى-  وَ لَمْ تُمَاشِهَا الْهُوَیْنَى-  وَ قَدْ أَکْثَرْتَ فِی قَتَلَهِ عُثْمَانَ-  فَادْخُلْ فِیمَا دَخَلَ فِیهِ النَّاسُ ثُمَّ حَاکِمِ الْقَوْمَ إِلَیَّ-  أَحْمِلْکَ وَ إِیَّاهُمْ عَلَى کِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى-  وَ أَمَّا تِلْکَ الَّتِی تُرِیدُ-  فَإِنَّهَا خُدْعَهُ الصَّبِیِّ عَنِ اللَّبَنِ فِی أَوَّلِ الْفِصَالِ-  وَ السَّلَامُ لِأَهْلِهِ

کتاب معاویه إلى علی

أما الکتاب الذی کتبه إلیه معاویه-  و هذا الکتاب جوابه فهو-  من معاویه بن أبی سفیان إلى علی بن أبی طالب-  أما بعد فإنا بنی عبد مناف-  لم نزل ننزع من قلیب واحد و نجری فی حلبه واحده-  لیس لبعضنا على بعض فضل-  و لا لقائمنا على قاعدنا فخر-  کلمتنا مؤتلفه و ألفتنا جامعه و دارنا واحده-  یجمعنا کرم العرق و یحوینا شرف النجار-  و یحنو قوینا على ضعیفنا و یواسی غنینا فقیرنا-  قد خلصت قلوبنا من وغل الحسد-  و طهرت أنفسنا من خبث النیه-  فلم نزل کذلک حتى کان منک ما کان من الإدهان-  فی أمر ابن عمک و الحسد له-  و نصره الناس علیه حتى قتل بمشهد منک-  لا تدفع عنه بلسان و لا ید-  فلیتک‏ أظهرت نصره حیث أسررت خبره-  فکنت کالمتعلق بین الناس بعذر و إن ضعف-  و المتبرئ من دمه بدفع و إن وهن-  و لکنک جلست فی دارک تدس إلیه الدواهی-  و ترسل إلیه الأفاعی-  حتى إذا قضیت وطرک منه-  أظهرت شماته و أبدیت طلاقه-  و حسرت للأمر عن ساعدک و شمرت عن ساقک-  و دعوت الناس إلى نفسک-  و أکرهت أعیان المسلمین على بیعتک-  ثم کان منک بعد ما کان-  من قتلک شیخی المسلمین-  أبی محمد طلحه و أبی عبد الله الزبیر-  و هما من الموعودین بالجنه-  و المبشر قاتل أحدهما بالنار فی الآخره-  هذا إلى تشریدک بأم المؤمنین عائشه-  و إحلالها محل الهون-  متبذله بین أیدی الأعراب و فسقه أهل الکوفه-  فمن بین مشهر لها و بین شامت بها و بین ساخر منها-  ترى ابن عمک کان بهذه لو رآه راضیا-  أم کان یکون علیک ساخطا و لک عنه زاجرا-  أن تؤذی أهله و تشرد بحلیلته و تسفک دماء أهل ملته-  ثم ترکک دار الهجره التی قال رسول الله ص عنها إن المدینه لتنفی خبثها کما ینفی الکیر خبث الحدید-  فلعمری لقد صح وعده و صدق قوله-  و لقد نفت خبثها-  و طردت عنها من لیس بأهل أن یستوطنها-  فأقمت بین المصرین و بعدت عن برکه الحرمین-  و رضیت بالکوفه بدلا من المدینه-  و بمجاوره الخورنق و الحیره عوضا من مجاوره خاتم النبوه-  و من قبل ذلک ما عبت خلیفتی رسول الله ص أیام حیاتهما-  فقعدت عنهما و ألبت علیهما و امتنعت من بیعتهما-  و رمت أمرا لم یرک الله تعالى له أهلا-  و رقیت سلما وعرا و حاولت مقاما دحضا-  و ادعیت ما لم تجد علیه ناصرا-  و لعمری لو ولیتها حینئذ لما ازدادت-  إلا فسادا و اضطرابا-  و لا أعقبت ولایتکها إلا انتشارا و ارتدادا-  لأنک الشامخ بأنفه الذاهب بنفسه-  المستطیل على الناس بلسانه و یده-  و ها أنا سائر إلیک فی جمع‏من المهاجرین و الأنصار-  تحفهم سیوف شامیه و رماح قحطانیه-  حتى یحاکموک إلى الله-  فانظر لنفسک و للمسلمین و ادفع إلی قتله عثمان-  فإنهم خاصتک و خلصاؤک و المحدقون بک-  فإن أبیت إلا سلوک سبیل اللجاج-  و الإصرار على الغی و الضلال-  فاعلم أن هذه الآیه إنما نزلت فیک-  و فی أهل العراق معک وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْیَهً کانَتْ آمِنَهً مُطْمَئِنَّهً-  یَأْتِیها رِزْقُها رَغَداً مِنْ کُلِّ مَکانٍ فَکَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ-  فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِما کانُوا یَصْنَعُونَ.

ثم نعود إلى تفسیر ألفاظ الفصل و معانیه-  قال ع لعمری إنا کنا بیتا واحدا فی الجاهلیه-  لأنا بنو عبد مناف إلا أن الفرقه بیننا و بینکم-  حصلت منذ بعث الله محمدا ص فإنا آمنا و کفرتم-  ثم تأکدت الفرقه الیوم-  بأنا استقمنا على منهاج الحق و فتنتم- . ثم قال و ما أسلم من أسلم منکم إلا کرها-  کأبی سفیان و أولاده یزید و معاویه-  و غیرهم من بنی عبد شمس- . قال و بعد أن کان أنف الإسلام محاربا لرسول الله ص-  أی فی أول الإسلام-  یقال کان ذلک فی أنف دوله بنی فلان أی فی أولها-  و أنف کل شی‏ء أوله و طرفه-  و کان أبو سفیان و أهله من بنی عبد شمس-  أشد الناس على رسول الله ص فی أول الهجره-  إلى أن فتح مکه-  ثم أجابه عن قوله قتلت طلحه و الزبیر و شردت بعائشه-  و نزلت بین المصرین-  بکلام مختصر أعرض فیه عنه‏هوانا به-  فقال هذا أمر غبت عنه-  فلیس علیک کان العدوان الذی تزعم-  و لا العذر إلیک لو وجب على العذر عنه- .

فأما الجواب المفصل فأن یقال-  إن طلحه و الزبیر قتلا أنفسهما ببغیهما و نکثهما-  و لو استقاما على الطریقه لسلما-  و من قتله الحق فدمه هدر-  و أما کونهما شیخین من شیوخ الإسلام فغیر مدفوع-  و لکن العیب یحدث-  و أصحابنا یذهبون إلى أنهما تابا و فارقا الدنیا-  نادمین على ما صنعا-  و کذلک نقول نحن فإن الأخبار کثرت بذلک-  فهما من أهل الجنه لتوبتهما-  و لو لا توبتهما لکانا هالکین کما هلک غیرهما-  فإن الله تعالى لا یحابی أحدا فی الطاعه و التقوى-  لِیَهْلِکَ مَنْ هَلَکَ عَنْ بَیِّنَهٍ وَ یَحْیى‏ مَنْ حَیَّ عَنْ بَیِّنَهٍ- . و أما الوعد لهما بالجنه فمشروط بسلامه العاقبه-  و الکلام فی سلامتهما-  و إذا ثبتت توبتهما فقد صح الوعد لهما و تحقق- 

وقوله بشر قاتل ابن صفیه بالنار-  فقد اختلف فیه-  فقال قوم من أرباب السیر و علماء الحدیث-  هو کلام أمیر المؤمنین ع غیر مرفوع-  و قوم منهم جعلوه مرفوعا-  و على کل حال فهو حق-  لأن ابن جرموز قلته مولیا خارجا من الصف-  مفارقا للحرب-  فقد قتله على توبه و إنابه و رجوع من الباطل-  و قاتل من هذه حاله فاسق مستحق للنار-  و أما أم المؤمنین عائشه فقد صحت توبتها-  و الأخبار الوارده فی توبتها-  أکثر من الأخبار الوارده فی توبه طلحه و الزبیر-  لأنها عاشت زمانا طویلا و هما لم یبقیا-  و الذی جرى لها کان خطأ منها-  فأی ذنب لأمیر المؤمنین ع فی ذلک-  و لو أقامت فی منزلها-  لم تبتذل بین الأعراب و أهل الکوفه-  على أن أمیر المؤمنین ع أکرمها و صانها و عظم من شأنها-  و من أحب أن یقف على ما فعله معها-  فلیطالع کتب السیره-  و لو کانت فعلت بعمر ما فعلت به-  و شقت عصا الأمه علیه ثم ظفر بها-  لقتلها و مزقها إربا إربا-  و لکن علیا کان حلیما کریما- .

 

و أما قوله لو عاش رسول الله ص-  فبربک هل کان یرضى لک أن تؤذی حلیلته-  فلعلی ع أن یقلب الکلام علیه فیقول-  أ فتراه لو عاش أ کان یرضى لحلیلته أن تؤذی أخاه و وصیه-  و أیضا أ تراه لو عاش أ کان یرضى لک یا ابن أبی سفیان-  أن تنازع علیا الخلافه و تفرق جماعه هذه الأمه-  و أیضا أ تراه لو عاش-  أ کان یرضى لطلحه و الزبیر أن یبایعا-  ثم ینکثا لا لسبب بل قالا جئنا نطلب الدراهم-  فقد قیل لنا إن بالبصره أموالا کثیره-  هذا کلام یقوله مثلهما- .

فأما قوله ترکت دار الهجره فلا عیب علیه-  إذا انقضت علیه أطراف الإسلام بالبغی و الفساد-  أن یخرج من المدینه إلیها و یهذب أهلها-  و لیس کل من خرج من المدینه کان خبثا-  فقد خرج عنها عمر مرارا إلى الشام-  ثم لعلی ع أن یقلب علیه الکلام فیقول له-  و أنت یا معاویه فقد نفتک المدینه أیضا عنها-  فأنت إذا خبث و کذلک طلحه و الزبیر و عائشه-  الذین تتعصب لهم و تحتج على الناس بهم-  و قد خرج عن المدینه الصالحون-  کابن مسعود و أبی ذر و غیرهما-  و ماتوا فی بلاد نائیه عنها و أما قوله بعدت عن حرمه الحرمین-  و مجاوره قبر رسول الله ص-  فکلام إقناعی ضعیف-  و الواجب على الإمام أن یقدم الأهم فالأهم-  من مصالح الإسلام-  و تقدیم قتال أهل البغی على المقام بین الحرمین أولى-  فأما ما ذکره من خذلانه عثمان و شماتته به-  و دعائه الناس بعد قتله إلى نفسه-  و إکراهه طلحه و الزبیر و غیرهما على بیعته-  فکله دعوى و الأمر بخلافها-  و من نظر کتب السیر عرف أنه قد بهته-  و ادعى علیه ما لم یقع منه- .

و أما قوله التویت على أبی بکر و عمر و قعدت عنهما-  و حاولت الخلافه بعد رسول الله ص-  فإن علیا ع لم یکن یجحد ذلک و لا ینکره-  و لا ریب‏أنه کان یدعى الأمر بعد وفاه رسول الله ص لنفسه-  على الجمله-  أما لنص کما تقوله الشیعه-  أو لأمر آخر کما یقوله أصحابنا-  فأما قوله لو ولیتها حینئذ لفسد الأمر و اضطرب الإسلام-  فهذا علم غیب لا یعلمه إلا الله-  و لعله لو ولیها حینئذ لاستقام الأمر-  و صلح الإسلام و تمهد-  فإنه ما وقع الاضطراب عند ولایته بعد عثمان-  إلا لأن أمره هان عندهم بتأخره عن الخلافه-  و تقدم غیره علیه-  فصغر شأنه فی النفوس-  و قرر من تقدمه فی قلوب الناس-  أنه لا یصلح لها کل الصلاحیه-  و الناس على ما یحصل فی نفوسهم-  و لو کان ولیها ابتداء و هو على تلک الحاله-  التی کان علیها أیام حیاه رسول الله ص-  و تلک المنزله الرفیعه و الاختصاص الذی کان له-  لکان الأمر غیر الذی رأیناه عند ولایته بعد عثمان-  و أما قوله لأنک الشامخ بأنفه الذاهب بنفسه-  فقد أسرف فی وصفه بما وصفه به-  و لا شک أن علیا ع کان عنده زهو لکن لا هکذا-  و کان ع مع زهوه ألطف الناس خلقا- .

ثم نرجع إلى تفسیر ألفاظه ع-  قوله و ذکرت أنک زائری فی جمع من المهاجرین و الأنصار-  و قد انقطعت الهجره یوم أسر أخوک-  هذا الکلام تکذیب له فی قوله-  فی جمع من المهاجرین و الأنصار أی لیس معک مهاجر-  لأن أکثر من معک ممن رأى رسول الله ص هم أبناء الطلقاء-  و من أسلم بعد الفتح و قد قال النبی ص لا هجره بعد الفتح- . و عبر عن یوم الفتح بعباره حسنه-  فیها تقریع لمعاویه و أهله بالکفر-  و أنهم لیسوا من ذوی السوابق-  فقال قد انقطعت الهجره یوم أسر أخوک-  یعنی یزید بن أبی سفیان أسر یوم الفتح فی باب الخندمه-  و کان خرج فی نفر من قریش-  یحاربون و یمنعون‏من دخول مکه-  فقتل منهم قوم و أسر یزید بن أبی سفیان-  أسره خالد بن الولید-  فخلصه أبو سفیان منه و أدخله داره-  فأمن لأن رسول الله ص قال یومئذ من دخل دار أبی سفیان فهو آمن

ذکر الخبر عن فتح مکه

و یجب أن نذکر فی هذا الموضع-  ملخص ما ذکره الواقدی فی کتاب المغازی-  فی فتح مکه فإن الموضع یقتضیه-  لقوله ع ما أسلم مسلمکم إلا کرها-  و قوله یوم أسر أخوک- . قال محمد بن عمر الواقدی فی کتاب المغازی-  کان رسول الله ص-  قد هادن قریشا فی عام الحدیبیه عشر سنین-  و جعل خزاعه داخله معه-  و جعلت قریش بنی بکر بن عبد مناه من کنانه داخله معهم-  و کان بین بنی بکر و بین خزاعه-  تراث فی الجاهلیه و دماء-  و قد کانت خزاعه من قبل حالفت عبد المطلب بن هاشم-  و کان معها کتاب منه و کان رسول الله ص یعرف ذلک-  فلما تم صلح الحدیبیه و أمن الناس-  سمع غلام من خزاعه إنسانا من بنی کنانه-  یقال له أنس بن زنیم الدؤلی-  ینشد هجاء له فی رسول الله ص-  فضربه فشجه-  فخرج أنس إلى قومه فأراهم شجته فثار بینهم الشر-  و تذاکروا أحقادهم القدیمه-  و القوم مجاورون بمکه-  فاستنجدت بکر بن عبد مناه قریشا على خزاعه-  فمن قریش من کره ذلک و قال لا انقض عهد محمد-  و منهم من خف إلیه و کان أبو سفیان أحد من کره ذلک-  و کان صفوان بن أمیه و حویطب بن عبد العزى-  و مکرز بن حفص‏ممن أعان بنی بکر-  و دسوا إلیهم الرجال بالسلاح سرا-  و بیتوا خزاعه لیلا فأوقعوا بهم-  فقتلوا منهم عشرین رجلا-  فلما أصبحوا عاتبوا قریشا-  فجحدت قریش أنها أعانت بکرا و کذبت فی ذلک-  و تبرأ أبو سفیان و قوم من قریش مما جرى-  و شخص قوم من خزاعه إلى المدینه مستصرخین برسول الله ص-  فدخلوا علیه و هو فی المسجد-  فقام عمرو بن سالم الخزاعی فأنشده- 

  لا هم إنی ناشد محمدا
حلف أبینا و أبیه الأتلدا

لکنت والدا و کنا ولدا
ثمت أسلمنا و لم ننزع یدا

إن قریشا أخلفوک الموعدا
و نقضوا میثاقک المؤکدا

هم بیتونا بالوتیر هجدا
نتلو القران رکعا و سجدا

و زعموا أن لست تدعو أحدا
و هم أذل و أقل عددا

فانصر هداک الله نصرا أیدا
و ادع عباد الله یأتوا مددا

فی فیلق کالبحر یجری مزبدا
فیهم رسول الله قد تجردا
قرم لقوم من قروم أصیدا

ثم ذکروا له ما أثار الشر-  و قالوا له إن أنس بن زنیم هجاک-  و إن صفوان بن أمیه-  و فلانا و فلانا-  دسوا إلینا رجال قریش مستنصرین-  فبیتونا بمنزلنا بالوتیر فقتلونا-  و جئناک مستصرخین بک-  فزعموا أن رسول الله ص قام مغضبا یجر رداءه و یقول-  لا نصرت إن لم أنصر خزاعه فیما أنصر منه نفسی- .

قلت-  فصادف ذلک من رسول الله ص إیثارا و حبا لنقض العهد-  لأنه کان یرید أن یفتح مکه و هم بها فی عام الحدیبیه فصد-  ثم هم بها فی عمره القضیه-  ثم وقف لأجل العهد و المیثاق الذی کان عقده معهم-  فلما جرى ما جرى على خزاعه اغتنمها- . قال الواقدی-  فکتب إلى جمیع الناس فی أقطار الحجاز و غیرها-  یأمرهم أن یکونوا بالمدینه فی رمضان من سنه ثمان للهجره-  فوافته الوفود و القبائل من کل جهه-  فخرج من المدینه بالناس-  یوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان فی عشره آلاف-  فکان المهاجرون سبعمائه و معهم من الخیل ثلاثمائه فرس-  و کانت الأنصار أربعه آلاف معهم من الخیل خمسمائه-  و کانت مزینه ألفا فیها من الخیل مائه فرس-  و کانت أسلم أربعمائه فیها من الخیل ثلاثون فرسا-  و کانت جهینه ثمانمائه معها خمسون فرسا-  و من سائر الناس تمام عشره آلاف-  و هم بنو ضمره و بنو غفار و أشجع-  و بنو سلیم و بنو کعب بن عمرو و غیرهم-  و عقد للمهاجرین ثلاثه ألویه-  لواء مع علی و لواء مع الزبیر-  و لواء مع سعد بن أبی وقاص-  و کانت الرایات فی الأنصار و غیرهم-  و کتم عن الناس الخبر فلم یعلم به إلا خواصه-  و أما قریش بمکه فندمت على ما صنعت بخزاعه-  و عرفت أن ذلک انقضاء ما بینهم و بین النبی ص من العهد-  و مشى الحارث بن هشام و عبد الله بن أبی ربیعه-  إلى أبی سفیان فقالا له-  إن هذا أمر لا بد له أن یصلح-  و الله إن لم یصلح لا یروعکم إلا محمد فی أصحابه-  و قال أبو سفیان قد رأت هند بنت عتبه رؤیا-  کرهتها و أفظعتها و خفت من شرها-  قالوا ما رأت قال رأت کان دما أقبل من الحجون یسیل-  حتى وقف بالخندمه ملیا-  ثم کان ذلک الدم لم یکن-  فکره القوم ذلک و قالوا هذا شر- .

قال الواقدی-  فلما رأى أبو سفیان ما رأى من الشر قال-  هذا و الله أمر لم أشهده‏و لم أغب عنه-  لا یحمل هذا إلا علی-  و لا و الله ما شوورت و لا هونت حیث بلغنی-  و الله لیغزونا محمد إن صدق ظنی و هو صادق-  و ما لی بد أن آتی محمدا فأکلمه أن یزید فی الهدنه-  و یجدد العهد قبل أن یبلغه هذا الأمر-  قالت قریش قد و الله أصبت-  و ندمت قریش على ما صنعت بخزاعه-  و عرفت أن رسول الله ص لا بد أن یغزوها-  فخرج أبو سفیان و خرج معه مولى له على راحلتین-  و أسرع السیر-  و هو یرى أنه أول من خرج من مکه إلى رسول الله ص قال الواقدی و قد روى الخبر على وجه آخر-  و هو أنه لما قدم رکب خزاعه على رسول الله ص-  فأخبروه بمن قتل منهم- 

قال لهم بمن تهمتکم و طلبتکم-  قالوا بنو بکر بن عبد مناه-  قال کلها قالوا لا و لکن تهمتنا بنو نفاثه قصره-  و رأسهم نوفل بن معاویه النفاثی-  فقال هذا بطن من بکر-  فأنا باعث إلى أهل مکه فسائلهم عن هذا الأمر-  و مخیرهم فی خصال-  فبعث إلیهم ضمره یخیرهم بین إحدى خلال ثلاث-  بین أن یدوا خزاعه أو یبرءوا من حلف نفاثه-  أو ینبذ إلیهم على سواء-  فأتاهم ضمره فخیرهم بین الخلال الثلاث-  فقال قریظه بن عبد عمرو الأعمى-  أما أن ندی قتلى خزاعه-  فإنا إن ودیناهم لم یبق لنا سبد و لا لبد-  و أما أن نبرأ من حلف نفاثه-  فإنه لیس قبیله تحج هذا البیت أشد تعظیما له من نفاثه-  و هم حلفاؤنا فلا نبرأ من حلفهم-  و لکنا ننبذ إلیه على سواء-  فعاد ضمره إلى رسول الله ص بذلک-  و ندمت قریش أن ردت ضمره بما ردته به- . قال الواقدی و قد روی غیر ذلک-  روی أن قریشا لما ندمت على قتل خزاعه-  و قالت محمد غازینا- 

قال لهم عبد الله بن سعد بن أبی سرح-  و هو یومئذ کافر مرتد عندهم-  أن عندی رأیا أن محمدا لیس یغزوکم-  حتى یعذر إلیکم و یخیرکم فی خصال-  کلها أهون علیکم من غزوه-  قالوا ما هی قال یرسل إلیکم أن تدوا قتلى خزاعه-  أو تبرءوا من حلف من نقض العهد و هم بنو نفاثه-  أو ینبذ إلیکم العهد-  فقال القوم أحر بما قال ابن أبی سرح أن یکون-  فقال سهیل بن عمرو-  ما خصله أیسر علینا من أن نبرأ من حلف نفاثه-  فقال شیبه بن عثمان العبدری-  حطت أخوالک خزاعه و غضبت لهم-  قال سهیل و أی قریش لم تلد خزاعه-  قال شیبه لا و لکن ندی قتلى خزاعه فهو أهون علینا-  فقال قریظه بن عبد عمرو-  لا و الله لا ندیهم و لا نبرأ عن نفاثه أبر العرب بنا-  و أعمرهم لبیت ربنا-  و لکن ننبذ إلیهم على سواء-  فقال أبو سفیان ما هذا بشی‏ء و ما الرأی إلا جحد هذا الأمر-  أن تکون قریش دخلت فی نقض العهد أو قطع مده-  فإن قطعه قوم بغیر هوى منا و لا مشوره فما علینا- 

قالوا هذا هو الرأی لا رأی إلا الجحد لکل ما کان من ذلک-  فقال أنا أقسم أنی لم أشهد و لم أوامر و أنا صادق-  لقد کرهت ما صنعتم و عرفت أن سیکون له یوم غماس-  قالت قریش لأبی سفیان فاخرج أنت بذلک فخرج- . قال الواقدی و حدثنی عبد الله بن عامر الأسلمی-  عن عطاء بن أبی مروان قال-  قال رسول الله ص لعائشه صبیحه اللیله-  التی أوقعت فیها نفاثه و قریش بخزاعه بالوتیر-  یا عائشه لقد حدث اللیله فی خزاعه أمر-  فقالت عائشه یا رسول الله-  أ ترى قریشا تجترئ على نقض العهد بینک و بینهم-  أ ینقضون و قد أفناهم السیف-  فقال العهد لأمر یریده الله بهم-  فقالت خیر أم شر یا رسول الله فقال خیر- .

 قال الواقدی و حدثنی عبد الحمید بن جعفر قال حدثنی عمران بن أبی أنس عن ابن عباس قال قام رسول الله ص و هو یجر طرف ردائه و یقول-لا نصرت إن لم أنصر بنی کعب یعنی خزاعه-  فیما أنصر منه نفسی- .

قال الواقدی و حدثنی حرام بن هشام عن أبیه قال-  قال رسول الله ص لکأنکم بأبی سفیان قد جاءکم یقول-  جدد العهد و زد فی الهدنه و هو راجع بسخطه-  و قال لبنی خزاعه عمرو بن سالم و أصحابه-  ارجعوا و تفرقوا فی الأودیه-  و قام فدخل على عائشه و هو مغضب فدعا بماء فدخل یغتسل  قالت عائشه فأسمعه یقول و هو یصب الماء على رجلیه-  لا نصرت أن لم أنصر بنی کعب- .

قال الواقدی فأما أبو سفیان فخرج من مکه و هو متخوف-  أن یکون عمرو بن سالم-  و رهطه من خزاعه سبقوه إلى المدینه-  و کان القوم لما رجعوا من المدینه و أتوا الأبواء-  تفرقوا کما أوصاهم رسول الله ص-  فذهبت طائفه إلى الساحل تعارض الطریق-  و لزم بدیل بن أم أصرم الطریق فی نفر معه-  فلقیهم أبو سفیان فلما رآهم أشفق أن یکونوا-  لقوا محمدا ص بل کان الیقین عنده-  فقام للقوم منذ کم عهدکم بیثرب قالوا لا عهد لنا بها-  فعرف أنهم کتموه فقال-  أ ما معکم من تمر یثرب شی‏ء تطعموناه-  فإن لتمر یثرب فضلا على تمر تهامه-  قالوا لا-  ثم أبت نفسه أن تقر فقال یا بدیل هل جئت محمدا-  قال لا و لکنی سرت فی بلاد خزاعه من هذا الساحل-  فی قتیل کان بینهم حتى أصلحت بینهم-  قال یقول أبو سفیان إنک و الله ما علمت بر واصل-  فلما راح بدیل و أصحابه جاء أبو سفیان إلى أبعار إبلهم-  ففتها فإذا فیها النوى-  و وجد فی منزلهم نوى من تمر عجوه کأنه ألسنه العصافیر-  فقال أحلف بالله لقد جاء القوم محمدا-  و أقبل حتى قدم المدینه فدخل على النبی ص-  فقال یا محمد إنی کنت غائبا فی صلح الحدیبیه-  فاشدد العهد و زدنا فی المده-  فقال رسول الله ص و لذلک قدمت یا أبا سفیان-  قال نعم قال فهل کان قبلکم حدث-

 فقال معاذ الله-  فقال رسول الله-  فنحن على موثقنا و صلحنا یوم الحدیبیه لا نغیر و لا نبدل-  فقام من عنده فدخل على ابنته أم حبیبه-  فلما ذهب لیجلس على فراش رسول الله ص طوته دونه-  فقال أ رغبت بهذا الفراش عنی أم رغبت بی عنه-  فقالت بل هو فراش رسول الله ص-  و أنت امرؤ نجس مشرک-  قال یا بنیه لقد أصابک بعدی شر-  فقالت إن الله هدانی للإسلام-  و أنت یا أبت سید قریش و کبیرها-  کیف یخفى عنک فضل الإسلام-  و تعبد حجرا لا یسمع و لا یبصر-  فقال یا عجبا و هذا منک أیضا-  أ أترک ما کان یعبد آبائی و أتبع دین محمد-  ثم قام من عندها فلقی أبا بکر فکلمه-  و قال تکلم أنت محمدا و تجیر أنت بین الناس-  فقال أبو بکر جواری جوار رسول الله ص-  ثم لقی عمر فکلمه بمثل ما کلم به أبا بکر فقال عمر-  و الله لو وجدت السنور تقاتلکم لأعنتها علیکم- 

قال أبو سفیان جزیت من ذی رحم شرا-  ثم دخل على عثمان بن عفان فقال له-  إنه لیس فی القوم أحد أمس بی رحما منک-  فزدنی الهدنه و جدد العهد-  فإن صاحبک لا یرد علیک أبدا-  و الله ما رأیت رجلا قط أشد إکراما لصاحب من محمد لأصحابه-  فقال عثمان جواری جوار رسول الله ص-  فجاء أبو سفیان حتى دخل على فاطمه بنت رسول الله ص-  فکلمها و قال أجیری بین الناس-  فقالت إنما أنا امرأه-  قال إن جوارک جائز-  و قد أجارت أختک أبا العاص بن الربیع-  فأجاز محمد ذلک-  فقالت فاطمه ذلک إلى رسول الله ص و أبت علیه-  فقال مری أحد هذین ابنیک یجیر بین الناس-  قالت إنهما صبیان و لیس یجیر الصبی-  فلما أبت علیه أتى علیا ع فقال یا أبا حسن-  أجر بین الناس و کلم محمدا لیزید فی المده-  فقال علی ع ویحک یا أبا سفیان-  إن رسول الله ص قد عزمألا یفعل-  و لیس أحد یستطیع أن یکلمه فی شی‏ء یکرهه-  قال أبو سفیان فما الرأی عندک فتشیر لأمری-  فإنه قد ضاق علی فمرنی بأمر ترى أنه نافعی- 

قال علی ع و الله ما أجد لک شیئا-  مثل أن تقوم فتجیر بین الناس-  فإنک سید کنانه-  قال أ ترى ذلک مغنیا عنی شیئا-  قال علی إنی لا أظن ذلک و الله و لکنی لا أجد لک غیره-  فقام أبو سفیان بین ظهری الناس فصاح-  ألا إنی قد أجرت بین الناس و لا أظن محمدا یحقرنی-  ثم دخل على رسول الله ص فقال-  یا محمد ما أظن أن ترد جواری-  فقال ع أنت تقول ذلک یا أبا سفیان-  و یقال إنه لما صاح لم یأت النبی ص-  و رکب راحلته و انطلق إلى مکه-  و یروى أنه أیضا أتى سعد بن عباده فکلمه فی ذلک-  و قال یا أبا ثابت قد عرفت الذی کان بینی و بینک-  و إنی کنت لک فی حرمنا جارا و کنت لی بیثرب مثل ذلک-  و أنت سید هذه المدره فأجر بین الناس و زدنی فی المده-  فقال سعد جواری جوار رسول الله ص-  ما یجیر أحد على رسول الله ص-  فلما انطلق أبو سفیان إلى مکه-  و قد کان طالت غیبته عن قریش و أبطأ فاتهموه و قالوا-  نراه قد صبا و اتبع محمدا سرا و کتم إسلامه-  فلما دخل على هند لیلا قالت-  قد احتبست حتى اتهمک قومک-  فإن کنت جئتهم بنجح فأنت الرجل-  و قد کان دنا منها لیغشاها-  فأخبرها الخبر و قال لم أجد إلا ما قال لی علی-  فضربت برجلها فی صدوره و قالت-  قبحت من رسول قوم- .

قال الواقدی فحدثنی عبد الله بن عثمان-  عن أبی سلیمان عن أبیه قال-  لما أصبح أبو سفیان حلق رأسه عند الصنمین-  أساف و نائله و ذبح لهما-  و جعل یمسح بالدم رءوسهما و یقول-  لا أفارق عبادتکما حتى أموت على ما مات علیه أبی-  قال فعل ذلک لیبرئ نفسه مما اتهمته قریش به‏

قال الواقدی و قالت قریش لأبی سفیان-  ما صنعت و ما وراءک-  و هل جئتنا بکتاب من محمد و زیاده فی المده-  فإنا لا نأمن من أن یغزونا-  فقال و الله لقد أبى علی-  و لقد کلمت علیه أصحابه فما قدرت على شی‏ء منهم-  و رمونی بکلمه منهم واحده-  إلا أن علیا قال لما ضاقت بی الأمور-  أنت سید کنانه فأجر بین الناس فنادیت بالجوار-  ثم دخلت على محمد فقلت إنی قد أجرت بین الناس-  و ما أظن محمدا یرد جواری-  فقال محمد أنت تقول ذاک یا أبا سفیان-  لم یزد على ذلک-  قالوا ما زاد علی على أن یلعب بک تلعبا-  قال فو الله ما وجدت غیر ذلک- .

 قال الواقدی فحدثنی محمد بن عبد الله عن الزهری عن محمد بن جبیر بن مطعم قال لما خرج أبو سفیان عن المدینه-  قال رسول الله ص لعائشه-  جهزینا و أخفی أمرکو قال رسول الله ص اللهم خذ عن قریش الأخبار و العیون حتى نأتیهم بغتهو روی أنه قال اللهم خذ على أبصارهم فلا یرونی إلا بغته-  و لا یسمعون بی إلا فجأه-  قال و أخذ رسول الله ص الأنقاب و جعل علیها الرجال-  و منع من یخرج من المدینه-  فدخل أبو بکر على عائشه و هی تجهز رسول الله ص-  تعمل له قمحا سویقا و دقیقا و تمرا-  فقال لها أ هم رسول الله ص بغزو قالت لا أدری-  قال إن کان هم بسفر فآذنینا نتهیأ له-  قالت لا أدری لعله أراد بنی سلیم-  لعله أراد ثقیفا أو هوازن فاستعجمت علیه-  فدخل على رسول الله ص فقال-  یا رسول الله أردت سفرا قال نعم قال أ فأتجهز قال نعم-  قال و أین ترید قال قریشا و أخف ذلک یا أبا بکر-  و أمر رسول الله ص الناس فتجهزوا-  و طوى عنهم الوجه الذی یرید- 

و قال له أبو بکر یا رسول الله أ و لیس بیننا و بینهم مده-  فقال إنهم غدروا و نقضوا العهدفأنا غازیهم-  فاطو ما ذکرت لک-  فکان الناس بین ظان یظن أنه یرید سلیما-  و ظان یظن أنه یرید هوازن و ظان یظن أنه یرید ثقیفا-  و ظان یظن أنه یرید الشام-  و بعث رسول الله ص أبا قتاده بن ربعی فی نفر إلى بطن-  لیظن الناس أن رسول الله ص قدم أمامه أولئک الرجال-  لتوجهه إلى تلک الجهه و لتذهب بذلک الأخبار- .

قال الواقدی حدثنی المنذر بن سعد-  عن یزید بن رومان قال-  لما أجمع رسول الله ص المسیر إلى قریش-  و علم بذلک من علم من الناس-  کتب حاطب بن أبی بلتعه إلى قریش-  یخبرهم بالذی أجمع علیه رسول الله ص فی أمرهم-  و أعطى الکتاب امرأه من مزینه-  و جعل لها على ذلک جعلا على أن تبلغه قریشا-  فجعلت الکتاب فی رأسها-  ثم فتلت علیه قرونها و خرجت به-  و أتى الخبر إلى النبی ص من السماء بما صنع حاطب-  فبعث علیا ع و الزبیر فقال-  أدرکا امرأه من مزینه-  قد کتب معها حاطب کتابا یحذر قریشا-  فخرجا و أدرکاها بذی الحلیفه-  فاستنزلاها و التمسا الکتاب فی رحلها فلم یجدا شیئا-  فقالا لها نحلف بالله ما کذب رسول الله ص-  و لا کذبنا-  و لتخرجن الکتاب أو لنکشفنک-  فلما رأت منهما الجد حلت قرونها-  و استخرجت الکتاب فدفعته إلیهما-  فأقبلا به إلى رسول الله ص-  فدعا حاطبا و قال له ما حملک على هذا-  فقال یا رسول الله و الله إنی لمسلم مؤمن بالله و رسوله-  ما غیرت و لا بدلت-  و لکنی کنت امرأ لیس لی فی القوم أصل و لا عشیره-  و کان لی بین أظهرهم أهل و ولد فصانعتهم-  فقال عمر قاتلک الله ترى رسول الله ص یأخذ بالأنقاب-  و تکتب إلى قریش تحذرهم-  دعنی یا رسول الله أضرب عنقه فإنه قد نافق-  فقال رسول الله ص‏و ما یدریک یا عمر-  لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال- 

اعملوا ما شئتم فقد غفرت لکم-  قال الواقدی فلما خرج رسول الله ص من المدینه-  بالألویه المعقوده و الرایات-  بعد العصر من یوم الأربعاء لعشر خلون من شهر رمضان-  لم یحل عقده حتى انتهى إلى الصلصل-  و المسلمون یقودون الخیل و قد امتطوا الإبل-  و قدم أمامه الزبیر بن العوام فی مائتین-  قال فلما کان بالبیداء نظر إلى عنان السماء-  فقال إنی لأرى السحاب تستهل بنصر بنی کعب یعنی خزاعه- . قال الواقدی-  و جاء کعب بن مالک لیعلم أی جهه یقصد-  فبرک بین یدیه على رکبتیه ثم أنشده- 

قضینا من تهامه کل نحب
و خیبر ثم أحمینا السیوفا

فسائلها و لو نطقت لقالت‏
قواضبهن دوسا أو ثقیفا

فلست بحاضر إن لم تروها
بساحه دارکم منها ألوفا

فننتزع الخیام ببطن وج‏
و نترک دورکم منها خلوفا

قال فتبسم رسول الله ص و لم یزد على ذلک-  فجعل الناس یقولون و الله ما بین لک رسول الله ص شیئا-  فلم تزل الناس کذلک حتى نزلوا بمر الظهران- . قال الواقدی و خرج العباس بن عبد المطلب-  و مخرمه بن نوفل-  من مکه یطلبان رسول الله ص-  ظنا منهما أنه بالمدینه یریدان الإسلام-  فلقیاه بالسقیا- .

قال الواقدی فلما کانت اللیله التی أصبح فیها بالجحفه-  رأى فیها أبو بکر فی منامه أن النبی ص و أصحابه-  قد دنوا من مکه فخرجت علیهم کلبه تهر-  فلما دنوا منها استلقت على قفاها-  و إذا أطباؤها تشخب لبنا-  فقصها على رسول الله ص-  فقال ذهب کلبهم و أقبل درهم-  و هم سائلونا بأرحامهم و أنتم لاقون بعضهم-  فإن لقیتم أبا سفیان فلا تقتلوه قال الواقدی و إلى أن وصل مر الظهران-  لم یبلغ قریشا حرف واحد من حاله-  فلما نزل بمر الظهران أمر أصحابه أن یوقدوا النار-  فأوقدوا عشره آلاف نار-  و أجمعت قریش أن یبعثوا أبا سفیان یتجسس لهم الأخبار-  فخرج هو و حکیم بن حزام و بدیل بن ورقاء-  قال و قد کان العباس بن عبد المطلب قال-  وا سوء صباح قریش-  و الله إن دخلها رسول الله ص عنوه-  إنه لهلاک قریش آخر الدهر-  قال العباس فأخذت بغله رسول الله ص الشهباء فرکبتها-  و قلت ألتمس حطابا أو إنسانا أبعثه إلى قریش-  فیلقوا رسول الله ص قبل أن یدخلها علیهم عنوه-  فو الله إنی لفی الأراک لیلا أبتغی ذلک إذ سمعت کلاما یقول-  و الله إن رأیت کاللیله نارا- 

قال یقول بدیل بن ورقاء-  إنها نیران خزاعه جاشها الحرب-  قال یقول أبو سفیان خزاعه أذل-  من أن تکون هذه نیرانها و عسکرها-  فعرفت صوته فقلت أبا حنظله-  فعرف صوتی فقال لبیک أبا الفضل-  فقلت ویحک هذا رسول الله ص فی عشره آلاف و هو مصبحکم-  فقال بأبی و أمی فهل من حیله فقلت نعم-  ترکب عجز هذه البغله فأذهب بک إلى رسول الله ص-  فإنه إن ظفر بک دون ذلک لیقتلنک-  قال و الله أنا أرى ذلک فرکب خلفی-  و رحل‏بدیل و حکیم فتوجهت به-  فلما مررت به على نار من نیران المسلمین قالوا من هذا-  فإذا رأونی قالوا عم رسول الله ص على بغله رسول الله-  حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فلما رآنی قال من هذا- 

قلت العباس فذهب ینظر فرأى أبا سفیان خلفی-  فقال أبو سفیان عدو الله-  الحمد لله الذی أمکن منک بغیر عهد و لا عقد-  ثم خرج یشتد نحو رسول الله ص-  و رکضت البغله-  حتى اجتمعنا جمیعا على باب قبه رسول الله ص-  فدخلت و دخل عمر بن الخطاب على أثری-  فقال عمر یا رسول الله هذا أبو سفیان عدو الله-  قد أمکن الله منه بغیر عقد و لا عهد فدعنی أضرب عنقه-  فقلت یا رسول الله إنی قد أجرته-  ثم لزمت رسول الله ص فقلت-  و الله لا یناجیه اللیله أحد دونی-  فلما أکثر عمر فیه قلت مهلا یا عمر-  فإنه لو کان رجلا من عدی بن کعب ما قلت هذا-  و لکنه أحد بنی عبد مناف-  فقال عمر مهلا یا أبا الفضل-  فو الله لإسلامک کان أحب إلی من إسلام الخطاب-  أو قال من إسلام رجل من ولد الخطاب لو أسلم-  فقال رسول الله ص اذهب به فقد أجرناه-  فلیبت عندک حتى تغدو به علینا إذا أصبحت-  فلما أصبحت غدوت به-  فلما رآه رسول الله ص قال ویحک یا أبا سفیان-  أ لم یأن لک أن تعلم لا إله إلا الله-  قال بأبی أنت ما أحلمک و أکرمک و أعظم عفوک-  قد کان یقع فی نفسی أن لو کان مع الله إله آخر لأغنى- 

قال یا أبا سفیان أ لم یأن لک أن تعلم أنی رسول الله-  قال بأبی أنت ما أحلمک و أکرمک و أعظم عفوک-  أما هذه فو الله إن فی النفس منها لشیئا بعد-  قال العباس فقلت ویحک-  تشهد و قل لا إله الله محمد رسول الله قبل أن تقتل-  فتشهد-  و قال العباس یا رسول الله-  إنک قد عرفت أبا سفیان و فیه الشرف و الفخر فاجعل له شیئا- 

 فقال من دخل دار أبی سفیان فهو آمن-  و من أغلق داره فهو آمن-  ثم قال خذه فاحبسه بمضیق الوادی إلى خطم الجبل-حتى تمر علیه جنود الله فیراها-  قال العباس فعدلت به فی مضیق الوادی إلى خطم الجبل-  فحبسته هناک فقال أ غدرا یا بنی هاشم-  فقلت له إن أهل النبوه لا یغدرون-  و إنما حبستک لحاجه-  قال فهلا بدأت بها أولا فأعلمتنیها فکان أفرخ لروعی-  ثم مرت به القبائل على قادتها و الکتائب على رایاتها-  فکان أول من مر به خالد بن الولید فی بنی سلیم و هم ألف-  و لهم لواءان یحمل أحدهما العباس بن مرداس-  و الآخر خفاف بن ندبه و رایه یحملها المقداد-  فقال أبو سفیان یا أبا الفضل من هؤلاء-  قال هؤلاء بنو سلیم و علیهم خالد بن الولید-  قال الغلام قال نعم-  فلما حاذى خالد العباس و أبا سفیان کبر ثلاثا-  و کبروا معه ثم مضوا-  و مر على أثره الزبیر بن العوام فی خمسمائه-  فیهم جماعه من المهاجرین و قوم من أفناء الناس-  و معه رایه سوداء فلما حاذاهما کبر ثلاثا و کبر أصحابه-  فقال من هذا-  قال هذا الزبیر قال ابن أختک قال نعم-  قال ثم مرت به بنو غفار فی ثلاثمائه یحمل رایتهم أبو ذر-  و یقال إیماء بن رحضه-  فلما حاذوهما کبروا ثلاثا- 

قال یا أبا الفضل من هؤلاء قال بنو غفار-  قال ما لی و لبنی غفار-  ثم مرت به أسلم فی أربعمائه-  یحمل لواءها یزید بن الخصیب-  و لواء آخر مع ناجیه بن الأعجم فلما حاذوه کبروا ثلاثا-  فسأل عنهم فقال هؤلاء أسلم فقال ما لی و لأسلم-  ما کان بیننا و بینهم تره قط-  ثم مرت بنو کعب بن عمرو بن خزاعه فی خمسمائه-  یحمل رایتهم بشر بن سفیان-  فقال من هؤلاء قال کعب بن عمرو قال نعم حلفاء محمد-  فلما حاذوه کبروا ثلاثا-  ثم مرت مزینه فی ألف فیها ثلاثه ألویه-  مع النعمان بن مقرن و بلال بن الحارث و عبد الله بن عمرو-  فلما حاذوهما کبروا-  قال من هؤلاء قال مزینه قال یا أبا الفضل ما لی و لمزینه-  قد جاءتنی تقعقع من شواهقها-ثم مرت جهینه فی ثمانمائه فیها أربعه ألویه-  مع معبد بن خالد و سوید بن صخر و رافع بن مکیث-  و عبد الله بن بدر-  فلما حاذوه کبروا ثلاثا فسأل عنهم فقیل جهینه-  ثم مرت بنو کنانه و بنو لیث و ضمره و سعد بن أبی بکر-  فی مائتین یحمل لواءهم أبو واقد اللیثی-  فلما حاذوه کبروا ثلاثا- 

قال من هؤلاء قال بنو بکر قال نعم أهل شؤم هؤلاء-  الذین غزانا محمد لأجلهم-  أما و الله ما شوورت فیهم و لا علمته-  و لقد کنت له کارها حیث بلغنی و لکنه أمر حم-  قال العباس لقد خار الله لک فی غزو محمد إیاکم-  و دخلتم فی الإسلام کافه-  ثم مرت أشجع-  و هم آخر من مر به قبل أن تأتی کتیبه رسول الله ص-  و هم ثلاثه یحمل لواءهم معقل بن سنان-  و لواء آخر مع نعیم بن مسعود فکبروا-  قال من هؤلاء قال أشجع-  فقال هؤلاء کانوا أشد العرب على محمد-  قال العباس نعم و لکن الله أدخل الإسلام قلوبهم-  و ذلک من فضل الله-  فسکت و قال أ ما مر محمد بعد قال لا-  و لو رأیت الکتیبه التی هو فیها-  لرأیت الحدید و الخیل و الرجال و ما لیس لأحد به طاقه-  فلما طلعت کتیبه رسول الله ص الخضراء-  طلع سواد شدید و غبره من سنابک الخیل-  و جعل الناس یمرون کل ذلک یقول أ ما مر محمد بعد-  فیقول العباس لا حتى مر رسول الله ص-  یسیر على ناقته القصوى بین أبی بکر و أسید بن حضیر-  و هو یحدثهما- 

و قال له العباس هذا رسول الله ص فی کتیبته الخضراء-  فانظر-  قال و کان فی تلک الکتیبه وجوه المهاجرین و الأنصار-  و فیها الألویه و الرایات-  و کلهم منغمسون فی الحدید لا یرى منهم إلا الحدق-  و لعمر بن الخطاب فیها زجل و علیه الحدید و صوته عال و هو یزعها-  فقال یا أبا الفضل من هذا المتکلم-  قال هذاعمر بن الخطاب-  قال لقد أمر أمر بنی عدی بعد قله و ذله-  فقال إن الله یرفع من یشاء بما یشاء-  و إن عمر ممن رفعه الإسلام-  و کان فی الکتیبه ألفا دارع-  و رایه رسول الله ص مع سعد بن عباده و هو أمام الکتیبه-  فلما حاذاهما سعد نادى یا أبا سفیان- 

   الیوم یوم الملحمه
الیوم تسبى الحرمه

الیوم أذل الله قریشا- فلما حاذاهما رسول الله ص ناداه أبو سفیان- یا رسول الله أمرت بقتل قومک أن سعدا قال-

الیوم یوم الملحمه
الیوم تسبى الحرمه

 الیوم أذل الله قریشا-  و إنی أنشدک الله فی قومک فأنت أبر الناس-  و أرحم الناس و أوصل الناس-  فقال عثمان بن عفان و عبد الرحمن بن عوف-  یا رسول الله إنا لا نأمن سعدا أن یکون له فی قریش صوله- فوقف رسول الله ص و ناداه-  یا أبا سفیان بل الیوم یوم المرحمه-  الیوم أعز الله قریشا-  و أرسل إلى سعد فعزله عن اللواء-  و اختلف فیمن دفع إلیه اللواء-  فقیل دفعه إلى علی بن أبی طالب ع-  فذهب به حتى دخل مکه فغرزه عند الرکن-  و هو قول ضرار بن الخطاب الفهری-  و قیل دفعه إلى قیس بن سعد بن عباده-  و رأى رسول الله ص أنه لم یخرجه عن سعد حیث دفعه إلى ولده-  فذهب به حتى غرزه بالحجون-  قال و قال أبو سفیان للعباس-  ما رأیت مثل هذه الکتیبه قط و لا أخبرنیه مخبر-  سبحان الله ما لأحد بهؤلاء طاقه و لا یدان-  لقد أصبح ملک ابن أخیک یا عباس عظیما-  قال فقلت ویحک إنه لیس بملک و إنها النبوه قال نعم- .

قال الواقدی قال العباس فقلت له-  انج ویحک فأدرک قومک قبل أن یدخل‏ علیهم-  فخرج أبو سفیان حتى دخل من کداء و هو ینادی-  من دخل دار أبی سفیان فهو آمن-  و من أغلق علیه بابه فهو آمن-  حتى انتهى إلى هند بنت عتبه فقالت ما وراءک-  قال هذا محمد فی عشره آلاف علیهم الحدید-  و قد جعل لی أنه من دخل داری فهو آمن-  و من أغلق علیه بابه فهو آمن و من ألقى سلاحه فهو آمن-  فقالت قبحک الله من رسول قوم و جعلت تقول ویحکم-  اقتلوا وافدکم قبحه الله من وافد قوم-  فیقول أبو سفیان ویحکم-  لا تغرنکم هذه من أنفسکم فإنی رأیت ما لم تروا-  الرجال و الکراع و السلاح لیس لأحد بهذا طاقه-  محمد فی عشره آلاف فأسلموا تسلموا-  و قال المبرد فی الکامل-  أمسکت هند برأس أبی سفیان و قالت بئس طلیعه القوم-  و الله ما خدشت خدشا یا أهل مکه-  علیکم الحمیت الدسم فاقتلوه-  قال الحمیت الزق المزفت- .

قال الواقدی و خرج أهل مکه إلى ذی طوى-  ینظرون إلى رسول الله ص-  و انضوى إلى صفوان بن أمیه و عکرمه بن أبی جهل-  و سهیل بن عمرو ناس من أهل مکه و من بنی بکر و هذیل-  فلبسوا السلاح و أقسموا لا یدخل محمد مکه عنوه أبدا-  و کان رجل من بنی الدؤل یقال له-  حماس بن قیس بن خالد الدؤلی-  لما سمع برسول الله ص جلس یصلح سلاحه-  فقالت له امرأته لم تعد السلاح قال لمحمد و أصحابه-  و إنی لأرجو أن أخدمک منهم خادما فإنک إلیه محتاجه-  قالت ویحک لا تفعل لا تقاتل محمدا-  و الله لیضلن هذا عنک لو رأیت محمدا و أصحابه-  قال سترین و أقبل رسول الله ص-  و هو على ناقته القصواء معتجرا ببرد حبره-  و علیه عمامه سوداء و رایته سوداء و لواؤه أسود-  حتى وقف بذی طوى و توسط الناس-  و إن عثنونه لیمس واسطه الرحل أو یقرب منه تواضعا لله-  حیث رأى ما رأى من الفتح و کثره المسلمین-  و قال لا عیش إلا عیش الآخره- .

   و جعلت الخیل تعج بذی طوى فی کل وجه-  ثم ثابت و سکنت و التفت رسول الله ص إلى أسید بن حضیر-  فقال کیف قال حسان بن ثابت قال فأنشده- 

   عدمنا خیلنا إن لم تروها
تثیر النقع موعدها کداء

تظل جیادنا متمطرات‏
تلطمهن بالخمر النساء

 فتبسم رسول الله ص و حمد الله-  و أمر الزبیر بن العوام أن یدخل من کداء-  و أمر خالد بن الولید أن یدخل من اللیط-  و أمر قیس بن سعد أن یدخل من کدى-  و دخل هو ص من أذاخر- . قال الواقدی-  و حدثنی مروان بن محمد عن عیسى بن عمیله الفزاری-  قال دخل رسول الله ص مکه بین الأقرع بن حابس و عیینه بن حصن- . قال الواقدی و روى عیسى بن معمر-  عن عباد بن عبد الله عن أسماء بنت أبی بکر قالت-  صعد أبو قحافه بصغرى بناته و اسمها قریبه-  و هو یومئذ أعمى و هی تقوده حتى ظهرت به إلى أبی قبیس-  فلما أشرفت به قال یا بنیه ما ذا ترین- 

قالت أرى سوادا مجتمعا مقبلا کثیرا-  قال یا بنیه تلک الخیل فانظری ما ذا ترین-  قالت أرى رجلا یسعى بین ذلک السواد مقبلا و مدبرا-  قال ذاک الوازع فانظری ما ذا ترین-  قالت قد تفرق السواد قال قد تفرق الجیش البیت البیت-  قالت فنزلت الجاریه به و هی ترعب لما ترى-  فقال یا بنیه لا تخافی-  فو الله إن أخاک عتیقا لآثر أصحاب محمد عند محمد-  قالت و علیها طوق من فضه-  فاختلسه بعض من دخل- فلما دخل رسول الله ص مکه-  جعل أبو بکر ینادی أنشدکم الله أیها الناس طوق أختی-  فلم یرد أحد علیه-  فقال یا أخیه احتسبی طوقک-  فإن الأمانه فی الناس قلیل- . قال الواقدی و نهى رسول الله ص عن الحرب-  و أمر بقتل سته رجال و أربع نسوه-  عکرمه بن أبی جهل و هبار بن الأسود-  و عبد الله بن سعد بن أبی سرح-  و مقیس بن صبابه اللیثی و الحویرث بن نفیل-  و عبد الله بن هلال بن خطل الأدرمی-  و هند بنت عتبه و ساره مولاه لبنی هاشم-  و قینتین لابن خطل قریبا و قریبه-  و یقال قرینا و أرنب- .

قال الواقدی و دخلت الجنود کلها-  فلم تلق حربا إلا خالد بن الولید-  فإنه وجد جمعا من قریش و أحابیشها قد جمعوا له-  فیهم صفوان بن أمیه و عکرمه بن أبی جهل-  و سهیل بن عمرو-  فمنعوه الدخول و شهروا السلاح و رموه بالنبل-  و قالوا لا تدخلها عنوه أبدا-  فصاح خالد فی أصحابه و قاتلهم-  فقتل من قریش أربعه و عشرون و من هذیل أربعه-  و انهزموا أقبح انهزام حتى قتلوا بالحزوره-  و هم مولون من کل وجه-  و انطلقت طائفه منهم فوق رءوس الجبال-  و اتبعهم المسلمون-  و جعل أبو سفیان بن حرب و حکیم بن حزام ینادیان-  یا معشر قریش علام تقتلون أنفسکم-  من دخل داره فهو آمن و من أغلق علیه بابه فهو آمن-  و من وضع السلاح فهو آمن-  فجعل الناس یقتحمون الدور و یغلقون علیهم الأبواب-  و یطرحون السلاح فی الطرق حتى یأخذه المسلمون- . قال الواقدی و أشرف رسول الله ص من على ثنیه أذاخر-  فنظر إلى البارقه فقال ما هذه البارقه-  أ لم أنه عن القتال-  قیل یا رسول الله خالد بن الولیدقوتل-  و لو لم یقاتل ما قاتل-  فقال قضاء الله خیر-  و أقبل ابن خطل مدججا فی الحدید-  على فرس ذنوب بیده قناه یقول-  لا و الله لا یدخلها عنوه حتى یرى ضربا کأفواه المزاد-  فلما انتهى إلى الخندمه و رأى القتال-  دخله رعب حتى ما یستمسک من الرعده-  و مر هاربا حتى انتهى إلى الکعبه-  فدخل بین أستارها بعد أن طرح سلاحه و ترک فرسه-  و أقبل حماس بن خالد الدؤلی منهزما حتى أتى بیته فدقه-  ففتحت له امرأته فدخل و قد ذهبت روحه-  فقالت أین الخادم التی وعدتنی-  ما زلت منتظرتک منذ الیوم تسخر به-  فقال دعی هذا و أغلقی الباب-  فإنه من أغلق بابه فهو آمن-  قالت ویحک أ لم أنهک عن قتال محمد-  و قلت لک إنی ما رأیته یقاتلکم مره-  إلا و ظهر علیکم و ما بابنا-  قال إنه لا یفتح على أحد بابه-  ثم أنشدها- 

   إنک لو شهدتنا بالخندمه
إذ فر صفوان و فر عکرمه‏

و بو یزید کالعجوز المؤتمه‏
و ضربناهم بالسیوف المسلمه‏

لهم زئیر خلفنا و غمغمه
لم تنطقی فی اللوم أدنى کلمه‏

 قال الواقدی و حدثنی قدامه بن موسى-  عن بشیر مولى المازنیین عن جابر بن عبد الله قال-  کنت ممن لزم رسول الله ص یومئذ-  فدخلت معه یوم الفتح من أذاخر-  فلما أشرف نظر إلى بیوت مکه فحمد الله و أثنى علیه-  و نظر إلى موضع قبه بالأبطح تجاه شعب بنی هاشم-  حیث حصر رسول الله ص و أهله ثلاث‏سنین-  و قال یا جابر-  إن منزلنا الیوم حیث تقاسمت علینا قریش فی کفرها-  قال جابر فذکرت کلاما کنت أسمعه فی المدینه قبل ذلک-  کان یقول منزلنا غدا إن شاء الله إذا فتح علینا مکه-  فی الخیف حیث تقاسموا على الکفر- . قال الواقدی-  و کانت قبته یومئذ بالأدم ضربت له بالحجون-  فأقبل حتى انتهى إلیها و معه أم سلمه و میمونه قال الواقدی و حدثنی معاویه بن عبد الله بن عبید الله-  عن أبیه عن أبی رافع قال-  قیل للنبی ص أ لا تنزل منزلک من الشعب-  قال و هل ترک لنا عقیل من منزل-  و کان عقیل قد باع منزل رسول الله ص-  و منازل إخوته من الرجال و النساء بمکه-  فقیل لرسول الله ص فانزل فی بعض بیوت مکه من غیر منازلک-  فأبى و قال لا أدخل البیوت-  فلم یزل مضطربا بالحجون لم یدخل بیتا-  و کان یأتی إلى المسجد من الحجون-  قال و کذلک فعل فی عمره القضیه و فی حجته- .

قال الواقدی و کانت أم هانئ بنت أبی طالب-  تحت هبیره بن أبی وهب المخزومی-  فلما کان یوم الفتح دخل علیها حموان لها-  عبد الله بن أبی ربیعه و الحارث بن هشام المخزومیان-  فاستجارا بها و قالا نحن فی جوارک-  فقالت نعم أنتما فی جواری-  قالت أم هانئ-  فهما عندی إذ دخل علی فارس مدجج فی الحدید و لا أعرفه-  فقلت له أنا بنت عم رسول الله فأسفر عن وجهه-  فإذا علی أخی فاعتنقته-  و نظر إلیهما فشهر السیف علیهما-  فقلت أخی من بین الناس تصنع بی هذا-  فألقیت علیهما ثوبا فقال أ تجیرین المشرکین-  فحلت دونهما و قلت لا و الله و ابتدئ بی قبلهما-  قالت فخرج و لم یکد فأغلقت علیهما بیتا و قلت لا تخافا-  و ذهبت إلى خباء رسول الله ص‏بالبطحاء فلم أجده-  و وجدت فیه فاطمه فقلت لها ما لقیت من ابن أمی علی-  أجرت حموین لی من المشرکین فتفلت علیهما لیقتلهما-  قالت و کانت أشد علی من زوجها-  و قالت لم تجیرین المشرکین-  و طلع رسول الله ص و علیه الغبار-  فقال مرحبا بفاخته و هو اسم أم هانئ-  فقلت ما ذا لقیت من ابن أمی علی ما کدت أفلت منه-  أجرت حموین لی من المشرکین فتفلت علیهما لیقتلهما-  فقال ما کان ذلک له قد أجرنا من أجرت و أمنا من أمنت-  ثم أمر فاطمه فسکبت له غسلا فاغتسل-  ثم صلى ثمانی رکعات-  فی ثوب واحد ملتحفا به وقت الضحى-  قالت فرجعت إلیهما و أخبرتهما و قلت إن شئتما فأقیما-  و إن شئتما فارجعا إلى منازلکما-  فأقاما عندی فی منزلی یومین ثم انصرفا إلى منازلهما- .

و أتى آت إلى النبی ص فقال-  إن الحارث بن هشام و عبد الله بن أبی ربیعه-  جالسان فی نادیهما متفضلان فی الملإ المزعفر-  فقال لا سبیل إلیهما قد أجرناهما- . قال الواقدی-  و مکث رسول الله ص فی قبه ساعه من النهار-  ثم دعا براحلته بعد أن اغتسل و صلى-  فأدنیت إلى باب القبه-  و خرج و علیه السلاح و المغفر على رأسه و قد صف له الناس-  فرکبها و الخیل تمعج ما بین الخندمه إلى الحجون-  ثم مر و أبو بکر إلى جانبه على راحله أخرى یسیر و یحادثه-  و إذا بنات أبی أحیحه سعید بن العاص بالبطحاء-  حذاء منزل أبی أحیحه و قد نشرن شعورهن-  فلطمن وجوه الخیل بالخمر-  فنظر رسول الله ص إلى أبی بکر فتبسم و أنشده قول حسان-

تظل جیادنا متمطرات
تلطمهن بالخمر النساء

فلما انتهى إلى الکعبه تقدم على راحلته-  فاستلم الرکن بمحجنه و کبر فکبر المسلمون لتکبیره-  و عجوا بالتکبیر حتى ارتجت مکه-  و جعل رسول الله ص یشیر إلیهم أن اسکتوا-  و المشرکون فوق الجبال ینظرون-  ثم طاف بالبیت على راحلته-  و محمد بن مسلمه آخذ بزمامها-  و حول الکعبه ثلاثمائه و ستون صنما مرصوصه بالرصاص-  و کان هبل أعظمها و هو تجاه الکعبه على بابها-  و إساف و نائله حیث ینحرون و یذبحون الذبائح-  فجعل کلما یمر بصنم منها یشیر بقضیب فی یده-  و یقول جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل کان زهوقا-  فیقع الصنم لوجهه ثم أمر بهبل فکسر و هو واقف علیه-  فقال الزبیر لأبی سفیان یا أبا سفیان قد کسر هبل-  أ ما إنک قد کنت منه یوم أحد فی غرور-  حین تزعم أنه قد أنعم-  فقال دع هذا عنک یا ابن العوام-  فقد أرى أن لو کان مع إله محمد غیره لکان غیر ما کان- .

قال الواقدی ثم انصرف رسول الله ص-  فجلس ناحیه من المسجد-  و أرسل بلالا إلى عثمان بن طلحه یأتیه بالمفتاح-  مفتاح الکعبه-  فقال عثمان نعم فخرج إلى أمه و هی بنت شیبه-  فقال لها و المفتاح عندها یومئذ-  إن رسول الله ص قد طلب المفتاح-  فقالت أعیذک بالله-  أن یکون الذی یذهب مأثره قومه على یده-  فقال فو الله لتأتینی به أو لیأتینک غیری فیأخذه منک-  فأدخلته فی حجرتها و قالت-  أی رجل یدخل یده هاهنا-  فبینما هما على ذلک و هو یکلمها-  إذ سمعت صوت أبی بکر و عمر فی الدار-  و عمر رافع صوته حین رأى عثمان أبطأ-  یا عثمان اخرج فقالت أمه خذ المفتاح-  فلأن تأخذه أنت أحب إلی من أن یأخذه تیم و عدی-  فأخذه فأتى به رسول الله ص-  فلما تناوله بسط العباس بن عبد المطلب یده و قال-  یا رسول الله بأبی أنت اجمع لنا بین السقایه و الحجابه-  فقال إنما أعطیکم ما ترضون فیه-  و لا أعطیکم ما ترزءون منه-قالوا و کان عثمان بن طلحه قد قدم على رسول الله ص-  مع خالد بن الولید و عمرو بن العاص مسلما قبل الفتح- .

قال الواقدی-  و بعث رسول الله ص عمر بن الخطاب-  و معه عثمان بن طلحه-  و أمره أن یفتح البیت فلا یدع فیه صوره و لا تمثالا-  إلا صوره إبراهیم الخلیل ع-  فلما دخل الکعبه-  رأى صوره إبراهیم شیخا کبیرا یستقسم بالأزلام- .

قال الواقدی-  و قد روی أنه أمره بمحو الصور کلها لم یستثن-  فترک عمر صوره إبراهیم-  فقال لعمر أ لم آمرک ألا تدع فیها صوره-  فقال عمر کانت صوره إبراهیم قال فامحها-  و قال قاتلهم الله جعلوه شیخا یستقسم بالأزلام- . قال و محا صوره مریم-  قال و قد روی أن رسول الله ص محا الصور بیده-  روى ذلک ابن أبی ذئب عن عبد الرحمن بن مهران عن عمیر مولى ابن عباس عن أسامه بن زید قال دخلت مع رسول الله ص الکعبه-  فرأى فیها صورا فأمرنی أن آتیه فی الدلو بماء-  فجعل یبل به الثوب و یضرب به الصور و یقول-  قاتل الله قوما یصورون ما لا یخلقون

 قال الواقدی و أمر رسول الله ص بالکعبه فأغلقت علیه-  و معه فیها أسامه بن زید و بلال بن رباح و عثمان بن طلحه-  فمکث فیها ما شاء الله-  و خالد بن الولید واقف على الباب یذب الناس عنه-  حتى خرج رسول الله ص-  فوقف و أخذ بعضادتی الباب-  و أشرف على الناس و فی یده المفتاح-  ثم جعله فی کمه و أهل مکه قیام تحته-  و بعضهم جلوس قد لیط بهم-  فقال الحمد لله الذی‏ صدق وعده و نصر عبده-  و هزم الأحزاب وحده ما ذا تقولون-  و ما ذا تظنون قالوا نقول خیرا و نظن شرا-  أخ کریم و ابن أخ کریم و قد قدرت-  فقال إنی أقول کما قال أخی یوسف-  لا تَثْرِیبَ عَلَیْکُمُ الْیَوْمَ-  یَغْفِرُ اللَّهُ لَکُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِینَ-  ألا إن کل ربا فی الجاهلیه أو دم أو مأثره-  فهو تحت قدمی هاتین إلا سدانه الکعبه و سقایه الحاج-  ألا و فی قتیل شبه العمد-  قتیل العصا و السوط الدیه مغلظه مائه ناقه-  منها أربعون فی بطونها أولادها-  إن الله قد أذهب نخوه الجاهلیه و تکبرها بآبائها-  کلکم لآدم و آدم من تراب-  و أکرمکم عند الله أتقاکم-  ألا إن الله حرم مکه یوم خلق السماوات و الأرض-  فهی حرام بحرم الله لم تحل لأحد کان قبل-  و لا تحل لأحد یأتی بعدی-  و ما أحلت لی إلا ساعه من النهار- 

قال یقصدها رسول الله ص بیده هکذا-  لا ینفر صیدها و لا یعضد عضاهها-  و لا تحل لقطتها إلا لمنشد و لا یختلى خلاها-  فقال العباس إلا الإذخر یا رسول الله-  فإنه لا بد منه للقبور و البیوت-  فسکت رسول الله ص ساعه-  ثم قال إلا الإذخر فإنه حلال-  و لا وصیه لوارث و الولد للفراش و للعاهر الحجر-  و لا یحل لامرأه أن تعطی من مالها إلا بإذن زوجها-  و المسلم أخو المسلم و المسلمون إخوه-  ید واحده على من سواهم تتکافأ دماؤهم-  یسعى بذمتهم أدناهم و یرد علیهم أقصاهم-  و لا یقتل مسلم بکافر و لا ذو عهد فی عهده-  و لا یتوارث أهل ملتین مختلفتین-  و لا تنکح المرأه على عمتها و لا على خالتها-  و البینه على من ادعى و الیمین على من أنکر-  و لا تسافر امرأه مسیره ثلاث إلا مع ذی محرم-  و لا صلاه بعد العصر و لا بعد الصبح-  و أنهاکم عن صیام یومین یوم الأضحى و یوم الفطرثم قال ادعوا لی عثمان بن طلحه فجاء-  و قد کان رسول الله ص قال له یوما بمکه قبل الهجره-  و مع عثمان المفتاح-  لعلک سترى هذا المفتاح بیدی یوما أضعه حیث شئت-  فقال عثمان لقد هلکت قریش إذا و ذلت-  فقال ع بل عمرت و عزت- 

قال عثمان فلما دعانی یومئذ و المفتاح بیده-  ذکرت قوله حین قال-  فاستقبلته‏ببشر فاستقبلنی بمثله-  ثم قال خذوها یا بنی أبی طلحه خالده تالده-  لا ینزعها منکم إلا ظالم-  یا عثمان إن الله استأمنکم على بیته-  فکلوا بالمعروف-  قال عثمان فلما ولیت نادانی فرجعت-  فقال أ لم یکن الذی قلت لک-  یعنی ما کان قاله بمکه من قبل-  فقلت بلى أشهد أنک رسول الله ص قال الواقدی و أمر رسول الله ص یومئذ برفع السلاح-  و قال إلا خزاعه عن بنی بکر إلى صلاه العصر-  فخبطوهم بالسیف ساعه و هی الساعه التی أحلت لرسول الله ص- .

قال الواقدی و قد کان نوفل بن معاویه الدؤلی من بنی بکر-  استأمن رسول الله ص على نفسه فأمنه-  و کانت خزاعه-  تطلبه بدماء من قتلت بکر و قریش منها بالوتیر-  و قد کانت خزاعه قالت أیضا لرسول الله ص-  إن أنس بن زنیم هجاک فهدر رسول الله ص-  دمه-  فلما فتح مکه هرب و التحق بالجبال-  و قد کان قبل أن یفتح رسول الله ص مکه-  قال شعرا یعتذر فیه إلى رسول الله ص من جملته- 

 أنت الذی تهدى معد بأمره
بک الله یهدیها و قال لها ارشدی‏

فما حملت من ناقه فوق کورها
أبر و أوفى ذمه من محمد

أحث على خیر و أوسع نائلا
إذا راح یهتز اهتزاز المهند

و أکسى لبرد الخال قبل ارتدائه‏
و أعطى لرأس السابق المتجرد

تعلم رسول الله أنک مدرکی
و إن وعیدا منک کالأخذ بالید

تعلم رسول الله أنک قادر
على کل حی من تهام و منجد

و نبی رسول الله أنی هجوته
فلا رفعت سوطی إلی إذن یدی‏

سوى أننی قد قلت یا ویح فتیه
أصیبوا بنحس یوم طلق و أسعد

أصابهم من لم یکن لدمائهم
کفاء فعزت عبرتی و تلددی‏

ذؤیبا و کلثوما و سلمى تتابعوا
جمیعا فإلا تدمع العین أکمد

على أن سلمى لیس منهم کمثله
و إخوته و هل ملوک کأعبد

فإنی لا عرضا خرقت و لا دما
هرقت ففکر عالم الحق و اقصد

قال الواقدی و کانت کلمته هذه-  قد بلغت رسول الله ص قبل أن یفتح مکه-  فنهنهت عنه و کلمه یوم الفتح نوفل بن معاویه الدؤلی-  فقال یا رسول الله أنت أولى الناس بالعفو-  و من منا لم یعادک و لم یؤذک-  و نحن فی جاهلیه لا ندری ما نأخذ و ما ندع-  حتى هدانا الله بک و أنقذنا بیمنک من الهلکه-  و قد کذب علیه الرکب و کثروا فی أمره عندک-  فقال رسول الله ص دع الرکب عنک أنا لم نجد بتهامه أحدا-  من ذوی رحم و لا بعید الرحم کان أبر بنا من خزاعه-  فاسکت یا نوفل-  فلما سکت قال رسول الله ص-  قد عفوت عنه فقال نوفل فداک أبی و أمی- .

قال الواقدی و جاءت الظهر-  فأمر رسول الله ص بلالا أن یؤذن فوق ظهر الکعبه-  و قریش فی رءوس الجبال-  و منهم من قد تغیب و ستر وجهه خوفا من أن یقتلوا-  و منهم من یطلب الأمان و منهم من قد أمن-  فلما أذن بلال و بلغ إلى قوله-  أشهد أن محمدا رسول الله ص-  رفع صوته کأشد ما یکون قال-  تقول جویریه بنت أبی جهل قد لعمری رفع لک ذکرک-  فأما الصلاه فسنصلی-  و لکن و الله لا نحب من قتل الأحبه أبدا-  و لقد کان جاء أبی الذی جاء محمدا من النبوه-  فردها و لم یرد خلاف قومه- .

و قال خالد بن سعید بن العاص-  الحمد لله الذی أکرم أبی فلم یدرک هذا الیوم-و قال الحارث بن هشام وا ثکلاه-  لیتنی مت قبل هذا الیوم-  قبل أن أسمع بلالا ینهق فوق الکعبه-  و قال الحکم بن أبی العاص هذا و الله الحدث العظیم-  أن یصیح عبد بنی جمح-  یصیح بما یصیح به على بیت أبی طلحه-  و قال سهیل بن عمرو-  إن کان هذا سخطا من الله تعالى فسیغیره-  و إن کان لله رضا فسیقره-  و قال أبو سفیان أما أنا فلا أقول شیئا-  لو قلت شیئا لأخبرته هذه الحصباء-  قال فأتى جبرئیل ع رسول الله ص فأخبره مقاله القوم- .

قال الواقدی فکان سهیل بن عمرو یحدث فیقول-  لما دخل محمد مکه انقمعت فدخلت بیتی و أغلقته علی-  و قلت لابنی عبد الله بن سهیل-  اذهب فاطلب لی جوارا من محمد فإنی لا آمن أن أقتل-  و جعلت أتذکر أثری عنده و عند أصحابه-  فلا أرى أسوأ أثرا منی-  فإنی لقیته یوم الحدیبیه بما لم یلقه أحد به-  و کنت الذی کاتبه مع حضوری بدرا و أحدا-  و کلما تحرکت قریش کنت فیها-  فذهب عبد الله بن سهیل إلى رسول الله ص فقال-  یا رسول الله أبی تؤمنه قال نعم هو آمن بأمان الله-  فلیظهر-  ثم التفت إلى من حوله فقال-  من لقی سهیل بن عمرو فلا یشدن النظر إلیه-  ثم قال قل له فلیخرج فلعمری إن سهیلا له عقل و شرف-  و ما مثل سهیل جهل الإسلام-  و لقد رأى ما کان یوضع فیه إن لم یکن له تتابع-  فخرج عبد الله إلى أبیه فأخبره بمقاله رسول الله ص-  فقال سهیل کان و الله برا صغیرا و کبیرا-  و کان سهیل یقبل و یدبر غیر خائف-  و خرج إلى خیبر مع النبی ص و هو على شرکه حتى أسلم بالجعرانه

الجزء الثامن عشر

تتمه أبواب الکتب و الرسائل

تتمه ۶۴ کتاب له ع إلى معاویه

ذکر بقیه الخبر عن فتح مکه

بسم الله الرحمن الرحیم-  الحمد لله الواحد العدل قال الواقدی و هرب هبیره بن أبی وهب-  و عبد الله بن الزبعری جمیعا حتى انتهیا إلى نجران-  فلم یأمنا الخوف حتى دخلا حصن نجران-  فقیل ما شأنکما قالا-  أما قریش فقد قتلت و دخل محمد مکه-  و نحن و الله نرى أن محمدا سائر إلى حصنکم هذا-  فجعلت بلحارث بن کعب یصلحون ما رث من حصنهم-  و جمعوا ماشیتهم فأرسل حسان بن ثابت إلى ابن الزبعرى- 

لا تعدمن رجلا أحلک بغضه
نجران فی عیش أجد ذمیم‏

بلیت قناتک فی الحروب فألفیت‏
جوفاء ذات معایب و وصوم‏

غضب الإله على الزبعرى و ابنه
بعذاب سوء فی الحیاه مقیم‏

 فلما جاء ابن الزبعرى شعر حسان تهیأ للخروج-  فقال هبیره بن وهب أین ترید یا ابن عم-  قال له أرید و الله محمدا-  قال أ ترید أن تتبعه قال إی و الله-  قال هبیره یا لیت أنی کنت رافقت غیرک-  و الله ما ظننت أنک تتبع محمدا أبدا-  قال ابن الزبعرى هو ذاک-  فعلى أی شی‏ء أقیم مع بنی الحارث بن کعب-  و أترک ابن عمى و خیر الناس و أبرهم-  و بین قومی و داری-  فانحدر ابن الزبعرى-  حتى جاء رسول الله ص-و هو جالس فی أصحابه فلما نظر إلیه قال-  هذا ابن الزبعرى و معه وجه فیه نور الإسلام-  فلما وقف على رسول الله ص قال-  السلام علیک یا رسول الله-  شهدت أن لا إله إلا الله-  و أنک عبده و رسوله-  و الحمد لله الذی هدانی للإسلام-  لقد عادیتک و أجلبت علیک-  و رکبت الفرس و البعیر-  و مشیت على قدمی فی عداوتک-  ثم هربت منک إلى نجران-  و أنا أرید ألا أقرب الإسلام أبدا-  ثم أرادنی الله منه بخیر-  فألقاه فی قلبی و حببه إلی-  و ذکرت ما کنت فیه من الضلال-  و اتباع ما لا ینفع ذا عقل من حجر یعبد-  و یذبح له لا یدرى من عبده و من لا یعبده-  فقال رسول الله ص الحمد لله الذی هداک للإسلام-  احمد الله إن الإسلام یجب ما کان قبله-  و أقام هبیره بنجران-  و أسلمت أم هانئ-  فقال هبیره حین بلغه إسلامها یوم الفتح-  یؤنبها شعرا من جملته- 

    و إن کنت قد تابعت دین محمد
و قطعت الأرحام منک حبالها

فکونی على أعلى سحوق بهضبه
ململمه غبراء یبس بلالها

 فأقام بنجران حتى مات مشرکا- . قال الواقدی و هرب حویطب بن عبد العزى-  فدخل حائطا بمکه-  و جاء أبو ذر لحاجته-  فدخل الحائط فرآه-  فهرب حویطب فقال أبو ذر-  تعال فأنت آمن فرجع إلیه فقال-  أنت آمن فاذهب حیث شئت-  و إن شئت أدخلتک على رسول الله ص-  و إن شئت فإلى منزلک-  قال و هل من سبیل إلى منزلی ألفى-  فأقتل قبل أن أصل إلى منزلی-أو یدخل علی منزلی فأقتل-  قال فأنا أبلغ معک منزلک-  فبلغ معه منزله ثم جعل ینادی على بابه-  أن حویطبا آمن فلا یهیج-  ثم انصرف إلى رسول الله ص فأخبره-  فقال أ و لیس قد أمنا الناس کلهم-  إلا من أمرت بقتله- .

قال الواقدی و هرب عکرمه بن أبی جهل إلى الیمن-  حتى رکب البحر-  قال و جاءت زوجته أم حکیم بنت الحارث بن هشام-  إلى رسول الله ص فی نسوه منهن هند بنت عتبه-  و قد کان رسول الله ص أمر بقتلها-  و البغوم بنت المعدل الکنانیه امرأه صفوان بن أمیه-  و فاطمه بنت الولید بن المغیره امرأه الحارث بن هشام-  و هند بنت عتبه بن الحجاج-  أم عبد الله بن عمرو بن العاص-  و رسول الله ص بالأبطح فأسلمن-  و لما دخلن علیه دخلن و عنده زوجتاه-  و ابنته فاطمه و نساء من نساء بنی عبد المطلب-  و سألن أن یبایعهن فقال إنی لا أصافح النساء- 

و یقال إنه وضع على یده ثوبا فمسحن علیه-  و یقال کان یؤتى بقدح من ماء فیدخل یده فیه-  ثم یرفعه إلیهن فیدخلن أیدیهن فیه-  فقالت أم حکیم امرأه عکرمه یا رسول الله-  إن عکرمه هرب منک إلى الیمن-  خاف أن تقتله فأمنه-  فقال هو آمن فخرجت أم حکیم فی طلبه-  و معها غلام لها رومی فراودها عن نفسها-  فجعلت تمنیه حتى قدمت به على حی-  فاستغاثت بهم علیه فأوثقوه رباطا-  و أدرکت عکرمه و قد انتهى إلى ساحل من سواحل تهامه-  فرکب البحر فهاج بهم-  فجعل نوتی السفینه یقول له-  أن أخلص قال أی شی‏ء أقول-  قال قل لا إله إلا الله- 

قال عکرمه ما هربت إلا من هذا-  فجاءت أم حکیم على هذا من الأمر-  فجعلت تلح علیه و تقول یا ابن عم-  جئتک من عند خیر الناس و أوصل الناس و أبر الناس-  لا تهلک نفسک فوقف لها حتى أدرکته-  فقالت إنی قد استأمنت لک رسول الله ص فأمنک-  قال‏أنت فعلت قالت نعم أنا کلمته فأمنک-  فرجع معها فقالت ما لقیت من غلامک الرومی-  و أخبرته خبره فقتله عکرمه-  فلما دنا من مکه قال رسول الله ص لأصحابه یأتیکم عکرمه بن أبی جهل مؤمنا-  فلا تسبوا أباه فإن سب المیت یؤذی الحی-  و لا یبلغ المیت-  فلما وصل عکرمه و دخل على رسول الله ص-  وثب إلیه ص و لیس علیه رداء فرحا به-  ثم جلس فوق عکرمه بین یدیه-  و معه زوجته منقبه فقال یا محمد-  إن هذه أخبرتنی أنک أمنتنی-  فقال صدقت أنت آمن-  فقال عکرمه فإلام تدعو-  فقال إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله-  و أنی رسول الله و أن تقیم الصلاه و تؤتی الزکاه-  و عد خصال الإسلام فقال عکرمه-  ما دعوت إلا إلى حق و إلى حسن جمیل-  و لقد کنت فینا من قبل أن تدعو إلى ما دعوت إلیه-  و أنت أصدقنا حدیثا و أعظمنا برا-  ثم قال فإنی أشهد أن لا إله إلا الله و أنک رسول الله-  فقال رسول الله ص-  لا تسألنی الیوم شیئا أعطیه أحدا إلا أعطیتکه- 

قال فإنی أسألک أن تغفر لی کل عداوه عادیتکها-  أو مسیر أوضعت فیه أو مقام لقیتک فیه-  أو کلام قلته فی وجهک أو أنت غائب عنه-  فقال اللهم اغفر له کل عداوه عادانیها-  و کل مسیر سار فیه إلی یرید بذلک إطفاء نورک-  و اغفر له ما نال منی و من عرضی-  فی وجهی أو أنا غائب عنه-  فقال عکرمه رضیت بذلک یا رسول الله-  ثم قال أما و الله لا أدع نفقه کنت أنفقها-  فی صد عن سبیل الله إلا أنفقت ضعفها-  فی سبیل الإسلام و فی سبیل الله-  و لأجتهدن فی القتال بین یدیک حتى أقتل شهیدا-  قال فرد علیه رسول الله ص امرأته بذلک النکاح الأول- . قال الواقدی و أما صفوان بن أمیه-  فهرب حتى أتى الشعبه و جعل یقول لغلامه‏ یسار-  و لیس معه غیره ویحک انظر من ترى-  فقال هذا عمیر بن وهب- 

قال صفوان ما أصنع بعمیر-  و الله ما جاء إلا یرید قتلی قد ظاهر محمدا علی-  فلحقه فقال صفوان یا عمیر ما لک-  ما کفاک ما صنعت حملتنی دینک و عیالک-  ثم جئت ترید قتلی فقال یا أبا وهب-  جعلت فداک جئتک من عند خیر الناس-  و أبر الناس و أوصل الناس-  و قد کان عمیر قال لرسول الله ص یا رسول الله-  سید قومی صفوان بن أمیه خرج هاربا لیقذف نفسه فی البحر-  خاف ألا تؤمنه فأمنه فداک أبی و أمی-  فقال قد أمنته فخرج فی أثره فقال-  إن رسول الله ص قد أمنک صفوان-  لا و الله حتى تأتینی بعلامه أعرفها-  فرجع إلى رسول الله ص فأخبره و قال-  یا رسول الله جئته و هو یرید أن یقتل نفسه-  فقال لا أرجع إلا بعلامه أعرفها-  فقال خذ عمامتی-  فرجع عمیر إلیه بعمامه رسول الله ص-  و هی البرد الذی دخل فیه رسول الله ص مکه-  معتجرا به برد حبره أحمر-  فخرج عمیر فی طلبه الثانیه حتى جاءه بالبرد فقال-  یا أبا وهب جئتک من عند خیر الناس-  و أوصل الناس و أبر الناس و أحلم الناس-  مجده مجدک و عزه عزک-  و ملکه ملکک ابن أبیک و أمک-  أذکرک الله فی نفسک-  فقال أخاف أن أقتل-  قال فإنه دعاک إلى الإسلام فإن رضیت-  و إلا سیرک شهرین فهو أوفى الناس و أبرهم-  و قد بعث إلیک ببرده الذی دخل به معتجرا-  أ تعرفه قال نعم-  فأخرجه-  فقال نعم هو هو-  فرجع صفوان حتى انتهى إلى رسول الله ص-  فوجده یصلی العصر بالناس فقال-  کم یصلون قالوا خمس صلوات فی الیوم و اللیله-  قال أ محمد یصلی بهم قالوا نعم-  فلما سلم من صلاته صاح صفوان یا محمد-  إن عمیر بن وهب جاءنی ببردک-  و زعم أنک دعوتنی إلى القدوم إلیک-  فإن رضیت أمرا و إلا سیرتنی شهرین-  فقال رسول الله ص انزل أبا وهب-  فقال لا و الله أو تبین لی- 

قال بل سر أربعه أشهر-  فنزل صفوان و خرج معه إلى حنین و هو کافر-  و أرسل إلیه یستعیر أدراعه و کانت مائه درع-  فقال أ طوعا أم کرها فقال ع-  بل طوعا عاریه مؤداه فأعاره إیاها-  ثم أعادها إلیه بعد انقضاء حنین و الطائف-  فلما کان رسول الله ص بالجعرانه-  یسیر فی غنائم هوازن ینظر إلیها-  فنظر صفوان إلى شعب هناک مملوء نعما وشاء ورعاء-  فأدام النظر إلیه و رسول الله ص یرمقه فقال-  أبا وهب یعجبک هذا الشعب-  قال نعم قال هو لک و ما فیه-  فقال صفوان ما طابت نفس أحد بمثل هذا-  إلا نفس نبی أشهد أن لا إله إلا الله-  و أنک رسول الله ص- .

قال الواقدی فأما عبد الله بن سعد بن أبی سرح-  فکان قد أسلم و کان یکتب لرسول الله ص الوحی-  فربما أملى علیه رسول الله ص سمیع علیم-  فیکتب عزیز حکیم و نحو ذلک-  و یقرأ على رسول الله ص فیقول کذلک الله-  و یقرأ فافتتن-  و قال و الله ما یدری ما یقول-  إنی لأکتب له ما شئت فلا ینکر-  و إنه لیوحى إلی کما یوحى إلى محمد-  و خرج هاربا من المدینه إلى مکه مرتدا-  فأهدر رسول الله دمه-  و أمر بقتله یوم الفتح-  فلما کان یومئذ جاء إلى عثمان و کان أخاه من الرضاعه-  فقال یا أخی إنی قد أجرتک فاحتبسنی هاهنا-  و اذهب إلى محمد فکلمه فی-  فإن محمدا إن رآنی ضرب عنقی-  أن جرمی أعظم الجرم و قد جئت تائبا-  فقال عثمان قم فاذهب معی إلیه-  قال کلا و الله إنه إن رآنی ضرب عنقی و لم یناظرنی-  قد أهدر دمی و أصحابه یطلبوننی فی کل موضع-  فقال عثمان انطلق معی فإنه لا یقتلک إن شاء الله-  فلم یرع رسول الله ص إلا بعثمان-آخذا بید عبد الله بن سعد واقفین بین یدیه-  فقال عثمان یا رسول الله هذا أخی من الرضاعه-  إن أمه کانت تحملنی و تمشیه و ترضعنی و تفطمه-  و تلطفنی و تترکه فهبه لی-  فأعرض رسول الله ص عنه-  و جعل عثمان کلما أعرض رسول الله عنه استقبله بوجهه-  و أعاد علیه هذا الکلام-  و إنما أعرض ع عنه إراده لأن یقوم رجل فیضرب عنقه-  فلما رأى ألا یقوم أحد و عثمان قد انکب علیه-  یقبل رأسه و یقول یا رسول الله-  بایعه فداک أبی و أمی على الإسلام-  فقال رسول الله ص نعم فبایعه- .

قال الواقدی قال رسول الله ص بعد ذلک للمسلمین-  ما منعکم أن یقوم منکم واحد إلى هذا الکلب فیقتله-  أو قال الفاسق-  فقال عباد بن بشر و الذی بعثک بالحق-  إنی لأتبع طرفک من کل ناحیه-  رجاء أن تشیر إلی فأضرب عنقه-  و یقال إن أبا البشیر هو الذی قال هذا-  و یقال بل قاله عمر بن الخطاب-  فقال ع إنی لا أقتل بالإشاره-  و قیل إنه قال إن النبی لا یکون له خائنه الأعین- . قال الواقدی فجعل عبد الله بن سعد-  یفر من رسول الله ص کلما رآه-  فقال له عثمان بأبی أنت و أمی-  لو ترى ابن أم عبد یفر منک کلما رآک-  فتبسم رسول الله ص فقال-  أ و لم أبایعه و أؤمنه-  قال بلى و لکنه یتذکر عظم جرمه فی الإسلام-  فقال إن الإسلام یجب ما قبله

قال الواقدی و أما الحویرث بن معبد-  و هو من ولد قصی بن کلاب-  فإنه کان یؤذی رسول الله ص بمکه فأهدر دمه-  فبینما هو فی منزله یوم الفتح و قد أغلق علیه بابه-  جاء علی ع یسأل عنه-  فقیل له هو فی البادیه-  و أخبر الحویرث أنه جاء یطلبه و تنحى علی ع عن بابه-  فخرج الحویرث یرید أن‏ یهرب من بیت إلى بیت آخر-  فتلقاه علی ع فضرب عنقه- .

قال الواقدی و أما هبار بن الأسود-  فقد کان رسول الله ص أمر أن یحرقه بالنار-  ثم قال إنما یعذب بالنار رب النار-  اقطعوا یدیه و رجلیه إن قدرتم علیه ثم اقتلوه-  و کان جرمه أن نخس زینب بنت رسول الله ص لما هاجرت-  و ضرب ظهرها بالرمح و هی حبلى فأسقطت-  فلم یقدر المسلمون علیه یوم الفتح-  فلما رجع رسول الله ص إلى المدینه-  طلع هبار بن الأسود قائلا-  أشهد أن لا إله إلا الله-  و أشهد أن محمدا رسول الله-  فقبل النبی ص إسلامه-  فخرجت سلمى مولاه النبی ص فقالت-  لا أنعم الله بک عینا-  أنت الذی فعلت و فعلت-  فقال رسول الله ص و هبار یعتذر إلیه-  أن الإسلام محا ذلک و نهى عن التعرض له- .

قال الواقدی قال ابن عباس رضی الله عنه-  رأیت رسول الله ص و هبار یعتذر إلیه-  و هو یطأطئ رأسه استحیاء مما یعتذر هبار-  و یقول له قد عفوت عنک- . قال الواقدی و أما ابن خطل-  فإنه خرج حتى دخل بین أستار الکعبه-  فأخرجه أبو برزه الأسلمی منها-  فضرب عنقه بین الرکن و المقام-  و یقال بل قتله عمار بن یاسر-  و قیل سعد بن حریث المخزومی-  و قیل شریک بن عبده العجلانی-  و الأثبت أنه أبو برزه-  قال و کان جرمه أنه أسلم و هاجر إلى المدینه-  و بعثه رسول الله ص ساعیا-  و بعث معه رجلا من خزاعه فقتله-  و ساق ما أخذ من مال الصدقه و رجع إلى مکه-  فقالت له قریش ما جاء بک-  قال لم أجد دینا خیرا من دینکم-  و کانت له قینتان إحداهما قرینى-  و الأخرى قرینه أو أرنب-  و کان ابن خطل یقول‏ الشعر-  یهجو به رسول الله ص و یغنیان به-  و یدخل علیه المشرکون بیته فیشربون عنده الخمر-  و یسمعون الغناء بهجاء رسول الله ص- .

قال الواقدی و أما مقیس بن صبابه فإن أمه سهمیه-  و کان یوم الفتح عند أخواله بنی سهم-  فاصطبح الخمر ذلک الیوم فی ندامى له-  و خرج ثملا یتغنى و یتمثل بأبیات منها- 

دعینی أصطبح یا بکر إنی
رأیت الموت نقب عن هشام‏

و نقب عن أبیک أبی یزید
أخی القینات و الشرب الکرام‏

یخبرنا ابن کبشه أن سنحیا
و کیف حیاه أصداء و هام‏

إذا ما الرأس زال بمنکبیه‏
فقد شبع الأنیس من الطعام‏

أ تقتلنی إذا ما کنت حیا
و تحیینی إذا رمت عظامی‏

 فلقیه نمیله بن عبد الله اللیثی و هو من رهطه- فضربه بالسیف حتى قتله- فقالت أخته ترثیه-

لعمری لقد أخزى نمیله رهطه
و فجع أصناف النساء بمقیس‏

فلله عینا من رأى مثل مقیس‏
إذا النفساء أصبحت لم تخرس‏

 و کان جرم مقیس من قبل أن أخاه-  هاشم بن صبابه أسلم و شهد المریسیع-  مع رسول الله ص-  فقتله رجل من رهط عباده بن الصامت-  و قیل من بنی عمرو بن عوف و هو لا یعرفه-  فظنه من المشرکین-  فقضى له رسول الله ص بالدیه على العاقله-  فقدم مقیس أخوه المدینه فأخذ دیته و أسلم-  ثم عدا على قاتل أخیه فقتله-  و هرب مرتدا کافرا یهجو رسول الله ص بالشعر-  فأهدر دمه- .

 

قال الواقدی فأما ساره مولاه بنی هاشم-  و کانت مغنیه نواحه بمکه-  و کانت قد قدمت على رسول الله ص المدینه-  تطلب أن یصلها و شکت إلیه الحاجه-  و ذلک بعد بدر و أحد فقال لها-  أ ما کان لک فی غنائک و نیاحک ما یغنیک-  قالت یا محمد إن قریشا منذ قتل من قتل منهم ببدر-  ترکوا استماع الغناء-  فوصلها رسول الله ص و أوقر لها بعیرا طعاما-  فرجعت إلى قریش و هی على دینها-  و کانت یلقى علیها هجاء رسول الله ص فتغنى به-  فأمر بها رسول الله ص یوم الفتح أن تقتل فقتلت-  و أما قینتا ابن خطل فقتل یوم الفتح إحداهما-  و هی أرنب أو قرینه-  و أما قرینی فاستؤمن لها رسول الله ص فأمنها-  و عاشت حتى ماتت فی أیام عثمان- . قال الواقدی و قد روی أن رسول الله ص-  أمر بقتل وحشی یوم الفتح-  فهرب إلى الطائف-  فلم یزل بها مقیما حتى قدم مع وفد الطائف-  على رسول الله ص فدخل علیه فقال-  أشهد أن لا إله إلا الله و أنک رسول الله-  فقال أ وحشی قال نعم-  قال اجلس و حدثنی کیف قتلت حمزه-  فلما أخبره قال قم و غیب عنی وجهک-  فکان إذا رآه توارى عنه- .

 قال الواقدی و حدثنی ابن أبی ذئب و معمر عن الزهری عن أبی سلمه بن عبد الرحمن بن عوف عن أبی عمرو بن عدی بن أبی الحمراء قال سمعت رسول الله ص یقول بعد فراغه من أمر الفتح-  و هو یرید الخروج من مکه أما و الله إنک لخیر أرض الله-  و أحب بلاد الله إلی-  و لو لا أن أهلک أخرجونی ما خرجت- . و زاد محمد بن إسحاق فی کتاب المغازی-  أن هند بنت عتبه جاءت إلى رسول الله‏ص-  مع نساء قریش متنکره متنقبه-  لحدثها الذی کان فی الإسلام-  و ما صنعت بحمزه حین جدعته و بقرت بطنه عن کبده-  فهی تخاف أن یأخذها رسول الله ص بحدثها ذلک-  فلما دنت منه و قال حین بایعنه-  على ألا یشرکن بالله شیئا قلن نعم-  قال و لا یسرقن فقالت هند-  و الله أنا کنت لأصیب من مال أبی سفیان-  الهنه و الهنیهه فما أعلم أ حلال ذلک أم لا-  فقال رسول الله ص و إنک لهند-  قالت نعم أنا هند-  و أنا أشهد أن لا إله إلا الله و أنک رسول الله-  فاعف عما سلف عفا الله عنک-  فقال رسول الله ص و لا یزنین-  فقالت هند و هل تزنی الحره-  فقال لا و لا یقتلن أولادهن-  فقالت هند قد لعمری ربیناهم صغارا و قتلتهم کبارا ببدر-  فأنت و هم أعرف-  فضحک عمر بن الخطاب من قولها حتى أسفرت نواجذه-  قال و لا یأتین ببهتان یفترینه-  فقالت هند إن إتیان البهتان لقبیح-  فقال و لا یعصینک فی معروف-  فقالت ما جلسنا هذه الجلسه و نحن نرید أن نعصیک- . قال محمد بن إسحاق-  و من جید شعر عبد الله بن الزبعرى-  الذی اعتذر به إلى رسول الله ص حین قدم علیه- 

منع الرقاد بلابل و هموم
فاللیل ممتد الرواق بهیم‏

مما أتانی أن أحمد لامنی‏
فیه فبت کأننی محموم‏

یا خیر من حملت على أوصالها
عیرانه سرح الیدین سعوم‏

إنی لمعتذر إلیک من الذی
أسدیت إذ أنا فی الضلال أهیم‏

أیان تأمرنی بأغوى خطه
سهم و تأمرنی به مخزوم‏

و أمد أسباب الردى و یقودنی
أمر الغواه و أمرهم مشئوم‏

فالیوم آمن بالنبی محمد
قلبی و مخطئ هذه محروم‏

مضت العداوه و انقضت أسبابها
و دعت أواصر بیننا و حلوم‏

فاغفر فدى لک والدی کلاهما
زللی فإنک راحم مرحوم‏

و علیک من علم الملیک علامه
نور أغر و خاتم مختوم‏

أعطاک بعد محبه برهانه‏
شرفا و برهان الإله عظیم‏

و لقد شهدت بأن دینک صادق
بر و شأنک فی العباد جسیم‏

و الله یشهد أن أحمد مصطفى‏
متقبل فی الصالحین کریم‏

فرع علا بنیانه من هاشم
دوح تمکن فی العلا و أروم‏

قال الواقدی و فی یوم الفتح-  سمى رسول الله ص أهل مکه الذین دخلها علیهم الطلقاء-  لمنه علیهم بعد أن أظفره الله بهم-  فصاروا أرقاء له-  و قد قیل له یوم الفتح قد أمکنک الله تعالى-  فخذ ما شئت من أقمار على غصون یعنون النساء-  فقال ع یأبى ذلک إطعامهم الضیف-  و إکرامهم البیت و وجؤهم مناحر الهدی.

ثم نعود إلى تفسیر ما بقی من ألفاظ الفصل-  قوله فإن کان فیک عجل فاسترفه-أی کن ذا رفاهیه-  و لا ترهقن نفسک بالعجل-  فلا بد من لقاء بعضنا بعضا-  فأی حاجه بک إلى أن تعجل-  ثم فسر ذلک فقال إن أزرک فی بلادک-  أی إن غزوتک فی بلادک-  فخلیق أن یکون الله بعثنی للانتقام منک-  و إن زرتنی أی إن غزوتنی فی بلادی-  و أقبلت بجموعک إلی- . کنتم کما قال أخو بنی أسد کنت أسمع قدیما-  أن هذا البیت من شعر بشر بن أبی خازم الأسدی-  و الآن فقد تصفحت شعره فلم أجده-  و لا وقفت بعد على قائله-  و إن وقفت فیما یستقبل من الزمان علیه ألحقته- . و ریح حاصب تحمل الحصباء-  و هی صغار الحصى-  و إذا کانت بین أغوار و هی ما سفل من الأرض-  و کانت مع ذلک ریح صیف-  کانت أعظم مشقه-  و أشد ضررا على من تلاقیه-  و جلمود یمکن أن یکون عطفا على حاصب-  و یمکن أن یکون عطفا على أغوار-  أی بین غور من الأرض و حره-  و ذلک أشد لأذاها لما تکسبه الحره-  من لفح السموم و وهجها و الوجه الأول ألیق- .

و أعضضته أی جعلته معضوضا برءوس أهلک-  و أکثر ما یأتی أفعلته أن تجعله فاعلا-  و هی هاهنا من المقلوب-  أی أعضضت رءوس أهلک به-  کقوله قد قطع الحبل بالمرود- . و جده عتبه بن ربیعه و خاله الولید بن عتبه-  و أخوه حنظله بن أبی سفیان-  قتلهم علی ع یوم بدر- . و الأغلف القلب الذی لا بصیره له-  کأن قلبه فی غلاف قال تعالى-  وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ- .

 

و المقارب العقل بالکسر-  الذی لیس عقله بجید-  و العامه تقول فیما هذا شأنه-  مقارب بفتح الراء- . ثم قال الأولى أن یقال هذه الکلمه لک- . و نشدت الضاله طلبتها-  و أنشدتها عرفتها أی طلبت ما لیس لک- . و السائمه المال الراعی-  و الکلام خارج مخرج الاستعاره- . فإن قلت کل هذا الکلام یطابق بعضه بعضا-  إلا قوله فما أبعد قولک من فعلک-  و کیف استبعد ع ذلک و لا بعد بینهما-  لأنه یطلب الخلافه قولا و فعلا-  فأی بعد بین قوله و فعله- . قلت لأن فعله البغی-  و الخروج على الإمام الذی ثبتت إمامته و صحت-  و تفریق جماعه المسلمین و شق العصا-  هذا مع الأمور التی کانت تظهر علیه و تقتضی الفسق-  من لبس الحریر و المنسوج بالذهب-  و ما کان یتعاطاه فی حیاه عثمان من المنکرات-  التی لم تثبت توبته منها فهذا فعله- .

و أما قوله فزعمه أنه أمیر المؤمنین-  و خلیفه المسلمین-  و هذا القول بعید من ذلک الفعل جدا- . و ما فی قوله و قریب ما أشبهت مصدریه-  أی و قریب شبهک بأعمام و أخوال-  و قد ذکرنا من قتل من بنی أمیه-  فی حروب رسول الله ص فیما تقدم-  و إلیهم الإشاره بالأعمام و الأخوال-  لأن أخوال معاویه من بنی عبد شمس-  کما أن أعمامه من بنی عبد شمس- . قوله و لم تماشها الهوینى أی لم تصحبها-  یصفها بالسرعه و المضی فی الرءوس الأعناق-

 

و أما قوله ادخل فیما دخل فیه الناس و حاکم القوم-  فهی الحجه التی یحتج بها أصحابنا له-  فی أنه لم یسلم قتله عثمان إلى معاویه-  و هی حجه صحیحه-  لأن الإمام یجب أن یطاع-  ثم یتحاکم إلیه أولیاء الدم و المتهمون-  فإن حکم بالحق استدیمت حکومته-  و إلا فسق و بطلت إمامته- .

قوله فأما تلک التی تریدها-  قیل إنه یرید التعلق بهذه الشبهه-  و هی قتله عثمان-  و قیل أراد به ما کان معاویه یکرر طلبه-  من أمیر المؤمنین ع و هو أن یقره على الشام وحده-  و لا یکلفه البیعه-  قال إن ذلک کمخادعه الصبی فی أول فطامه عن اللبن-  بما تصنعه النساء له مما یکره إلیه الثدی و یسلیه عنه-  و یرغبه فی التعوض بغیره-  و کتاب معاویه الذی ذکرناه لم یتضمن حدیث الشام

 

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۷-۱۸

 

بازدیدها: ۱۳۲

نامه ۶۳ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۶۳ و من کتاب له ع إلى أبی موسى الأشعری

و هو عامله على الکوفه-  و قد بلغه عنه تثبیطه الناس عن الخروج إلیه-  لما ندبهم لحرب أصحاب الجمل-  مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِیٍّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَیْسٍ-  أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِی عَنْکَ قَوْلٌ هُوَ لَکَ وَ عَلَیْکَ-  فَإِذَا قَدِمَ عَلَیْکَ رَسُولِی فَارْفَعْ ذَیْلَکَ-  وَ اشْدُدْ مِئْزَرَکَ وَ اخْرُجْ مِنْ جُحْرِکَ وَ انْدُبْ مَنْ مَعَکَ-  فَإِنْ حَقَّقْتَ فَانْفُذْ وَ إِنْ تَفَشَّلْتَ فَابْعُدْ-  وَ ایْمُ اللَّهِ لَتُؤْتَیَنَّ مِنْ حَیْثُ أَنْتَ-  وَ لَا تُتْرَکُ حَتَّى یُخْلَطَ زُبْدُکَ بِخَاثِرِکَ-  وَ ذَائِبُکَ بِجَامِدِکَ-  وَ حَتَّى تُعْجَلُ عَنْ قِعْدَتِکَ-  وَ تَحْذَرَ مِنْ أَمَامِکَ کَحَذَرِکَ مِنْ خَلْفِکَ-  وَ مَا هِیَ بِالْهُوَیْنَى الَّتِی تَرْجُو-  وَ لَکِنَّهَا الدَّاهِیَهُ الْکُبْرَى-  یُرْکَبُ جَمَلُهَا وَ یُذَلُّ صَعْبُهَا وَ یُسَهَّلُ جَبَلُهَا-  فَاعْقِلْ عَقْلَکَ وَ امْلِکْ أَمْرَکَ وَ خُذْ نَصِیبَکَ وَ حَظَّکَ-  فَإِنْ کَرِهْتَ فَتَنَحَّ إِلَى غَیْرِ رَحْبٍ وَ لَا فِی نَجَاهٍ-  فَبِالْحَرِیِّ لَتُکْفَیَنَّ وَ أَنْتَ نَائِمٌ حَتَّى لَا یُقَالَ أَیْنَ فُلَانٌ-  وَ اللَّهِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مَعَ مُحِقٍّ وَ مَا یُبَالِی مَا صَنَعَ الْمُلْحِدُونَ-  وَ السَّلَامُ المراد بقوله قول هو لک و علیک-  أن أبا موسى کان یقول لأهل الکوفه-  إن علیا إمام هدى و بیعته صحیحه-  ألا إنه لا یجوز القتال معه لأهل القبله-  و هذا القول بعضه حق و بعضه باطل- .

و قوله فارفع ذیلک-  أی شمر للنهوض معی و اللحاق بی-  لنشهد حرب أهل البصره-  و کذلک قوله و اشدد مئزرک-  و کلتاهما کنایتان عن الجد و التشمیر فی الأمر- . قال و اخرج من جحرک-  أمر له بالخروج من منزله للحاق به-  و هی کنایه فیها غض من أبی موسى و استهانه به-  لأنه لو أراد إعظامه لقال و اخرج من خیسک-  أو من غیلک کما یقال للأسد-  و لکنه جعله ثعلبا أو ضبا- .

قال و اندب من معک-  أی و اندب رعیتک من أهل الکوفه-  إلى الخروج معی و اللحاق بی- . ثم قال و إن تحققت فانفذ-  أی أمرک مبنی على الشک-  و کلامک فی طاعتی کالمتناقض-  فإن حققت لزوم طاعتی لک فانفذ-  أی سر حتى تقدم علی-  و إن أقمت على الشک فاعتزل العمل فقد عزلتک- . قوله و ایم الله لتؤتین-  معناه إن أقمت على الشک و الاسترابه-  و تثبیط أهل الکوفه عن الخروج إلی و قولک لهم-  لا یحل لکم سل السیف لا مع علی و لا مع طلحه-  و الزموا بیوتکم و اکسروا سیوفکم لیأتینکم-  و أنتم فی منازلکم بالکوفه أهل البصره مع طلحه-  و نأتینکم نحن بأهل المدینه و الحجاز-  فیجتمع علیکم سیفان من أمامکم و من خلفکم-  فتکون ذلک الداهیه الکبرى التی لا شواه لها- .

قوله و لا تترک حتى یخلط زبدک بخاثرک-  تقول للرجل إذا ضربته حتى أثخنته-  لقد ضربته حتى خلطت زبده بخاثره-  و کذلک حتى خلطت ذائبه بجامده-  و الخاثر اللبن الغیظ و الزبد خلاصه اللبن و صفوته-  فإذا أثخنت الإنسان ضربا کنت کأنک‏ خلطت ما رق-  و لطف من أخلاطه بما کثف و غلظ منها-  و هذا مثل و معناه لتفسدن حالک و لتخلطن-  و لیضربن ما هو الآن منتظم من أمرک- . قوله و حتى تعجل عن قعدتک-  القعده بالکسر هیئه القعود کالجلسه و الرکبه-  أی و لیعجلنک الأمر عن هیئه قعودک-  یصف شده الأمر و صعوبته- .

قوله و تحذر من أمامک کحذرک من خلفک-  یعنی یأتیک من خلفک-  إن أقمت على منع الناس عن الحرب معنا-  و معهم أهل البصره و أهل المدینه-  فتکون کما قال الله تعالى-  إِذْ جاؤُکُمْ مِنْ فَوْقِکُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْکُمْ- . قوله و ما هی بالهوینى التی ترجو-  الهوینى تصغیر الهونى التی هی أنثى أهون-  أی لیست هذه الداهیه و الجائحه-  التی أذکرها لک بالشی‏ء الهین-  الذی ترجو اندفاعه و سهولته- . ثم قال بل هی الداهیه الکبرى ستفعل لا محاله-  إن استمررت على ما أنت علیه-  و کنى عن قوله ستفعل لا محاله-  بقوله یرکب جملها و ما بعده-  و ذلک لأنها إذا رکب جملها-  و ذلل صعبها و سهل وعرها فقد فعلت-  أی لا تقل هذا أمر عظیم صعب المرام-  أی قصد الجیوش من کلا الجانبین الکوفه-  فإنه إن دام الأمر على ما أشرت إلى أهل الکوفه-  من التخاذل و الجلوس فی البیوت-  و قولک لهم کن عبد الله المقتول-  لنقعن بموجب ما ذکرته لک-  و لیرتکبن أهل الحجاز و أهل البصره-  هذا الأمر المستصعب-  لأنا نحن نطلب أن نملک الکوفه-  و أهل البصره کذلک-  فیجتمع علیها الفریقان- .

ثم عاد إلى أمره بالخروج إلیه فقال له-  فاعقل عقلک و املک أمرک و خذ نصیبک‏ و حظک-  أی من الطاعه و اتباع الإمام الذی لزمتک بیعته-  فإن کرهت ذلک فتنح عن العمل فقد عزلتک-  و ابعد عنا لا فی رحب أی لا فی سعه-  و هذا ضد قولهم مرحبا- . ثم قال فجدیر أن تکفى ما کلفته-  من حضور الحرب و أنت نائم-  أی لست معدودا عندنا و لا عند الناس من الرجال-  الذین تفتقر الحروب و التدبیرات إلیهم-  فسیغنی الله عنک و لا یقال أین فلان- . ثم أقسم إنه لحق أی إنی فی حرب هؤلاء لعلى حق-  و إن من أطاعنی مع إمام محق لیس یبالی ما صنع الملحدون-  و هذا إشاره إلى  قول النبی ص اللهم أدر الحق معه حیثما دار

 شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۷  

بازدیدها: ۱۳

نامه ۶۲ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۶۲ و من کتاب له ع إلى أهل مصر مع مالک الأشتر رحمه الله-  لما ولاه إمارتها

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً ص-  نَذِیراً لِلْعَالَمِینَ وَ مُهَیْمِناً عَلَى الْمُرْسَلِینَ-  فَلَمَّا مَضَى ص تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ-  فَوَاللَّهِ مَا کَانَ یُلْقَى فِی رُوعِی-  وَ لَا یَخْطُرُ بِبَالِی أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هَذَا الْأَمْرَ-  مِنْ بَعْدِهِ ص عَنْ أَهْلِ بَیْتِهِ-  وَ لَا أَنَّهُمْ مُنَحُّوهُ عَنِّی مِنْ بَعْدِهِ-  فَمَا رَاعَنِی إِلَّا انْثِیَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ یُبَایِعُونَهُ-  فَأَمْسَکْتُ بِیَدِی حَتَّى رَأَیْتُ رَاجِعَهَ النَّاسِ-  قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ-  یَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَیْنِ مُحَمَّدٍ ص-  فَخَشِیتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَ أَهْلَهُ-  أَنْ أَرَى فِیهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً-  تَکُونُ الْمُصِیبَهُ بِهِ عَلَیَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَایَتِکُمُ-  الَّتِی إِنَّمَا هِیَ مَتَاعُ أَیَّامٍ قَلَائِلَ-  یَزُولُ مِنْهَا مَا کَانَ کَمَا یَزُولُ السَّرَابُ-  وَ کَمَا یَتَقَشَّعُ السَّحَابُ-  فَنَهَضْتُ فِی تِلْکَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَ زَهَقَ-  وَ اطْمَأَنَّ الدِّینُ وَ تَنَهْنَهَ المهیمن الشاهد-  قال الله تعالى-  إِنَّا أَرْسَلْناکَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً-  أی تشهد بإیمان من آمن و کفر من کفر-  و قیل تشهد بصحه نبوه الأنبیاء قبلک-و قوله على المرسلین یؤکد صحه هذا التفسیر الثانی-  و أصل اللفظه من آمن غیره من الخوف-  لأن الشاهد یؤمن غیره من الخوف بشهادته-  ثم تصرفوا فیها فابدلوا إحدى همزتی مؤامن یاء-  فصار مؤیمن-  ثم قلبوا الهمزه هاء کأرقت و هرقت فصار مهیمن- . و الروع الخلد-  و فی الحدیث أن روح القدس نفث فی روعی-  قال ما یخطر لی ببال أن العرب تعدل بالأمر-  بعد وفاه محمد ص عن بنی هاشم ثم من بنی هاشم عنی-  لأنه کان المتیقن بحکم الحال الحاضره-  و هذا الکلام یدل على بطلان دعوى الإمامیه-  النص و خصوصا الجلی- .

قال فما راعنی إلا انثیال الناس-  تقول للشی‏ء یفجؤک بغته ما راعنی إلا کذا-  و الروع بالفتح الفزع-  کأنه یقول ما أفزعنی شی‏ء بعد ذلک السکون-  الذی کان عندی-  و تلک الثقه التی اطمأننت إلیها-  إلا وقوع ما وقع من انثیال الناس-  أی انصبابهم من کل وجه کما ینثاب التراب-  على أبی بکر-  و هکذا لفظ الکتاب الذی کتبه للأشتر-  و إنما الناس یکتبونه الآن إلى فلان-  تذمما من ذکر الاسم کما یکتبون فی أول الشقشقیه-  أما و الله لقد تقمصها فلان-  و اللفظ أما و الله لقد تقمصها ابن أبی قحافه- . قوله فأمسکت یدی أی امتنعت عن بیعته-  حتى رأیت راجعه الناس یعنی أهل الرده کمسیلمه-  و سجاح و طلیحه بن خویلد و مانعی الزکاه-  و إن کان مانعو الزکاه قد اختلف فی أنهم أهل رده أم لا- . و محق الدین إبطاله- . و زهق خرج و زال-  تنهنه سکن و أصله الکف-  تقول نهنهت السبع فتنهنه- أی کف عن حرکته و إقدامه-  فکان الدین کان متحرکا مضطربا فسکن-  و کف عن ذلک الاضطراب- .

روى أبو جعفر محمد بن جریر الطبری فی التاریخ الکبیر-  أن رسول الله ص لما مات-  اجتمعت أسد و غطفان و طی‏ء-  على طلیحه بن خویلد-  إلا ما کان من خواص أقوام فی الطوائف الثلاث-  فاجتمعت أسد بسمیراء و غطفان بجنوب طیبه-  و طی‏ء فی حدود أرضهم-  و اجتمعت ثعلبه بن أسد و من یلیهم من قیس-  بالأبرق من الربذه-  و تأشب إلیهم ناس من بنی کنانه-  و لم تحملهم البلاد فافترقوا فرقتین-  أقامت إحداهما بالأبرق و سارت الأخرى إلى ذی القصه-  و بعثوا وفودا إلى أبی بکر-  یسألونه أن یقارهم على إقامه الصلاه و منع الزکاه-  فعزم الله لأبی بکر على الحق-  فقال لو منعونی عقالا لجاهدتهم علیه-  و رجع الوفود إلى قومهم-  فأخبروهم بقله من أهل المدینه-  فأطمعوهم فیها و علم أبو بکر و المسلمون بذلک-  و قال لهم أبو بکر أیها المسلمون إن الأرض کافره-  و قد رأى وفدهم منکم قله-  و إنکم لا تدرون أ لیلا تؤتون أم نهارا-  و أدناهم منکم على برید-  و قد کان القوم یأملون أن نقبل منهم و نوادعهم-  و قد أبینا علیهم و نبذنا إلیهم فأعدوا و استعدوا-  فخرج علی ع بنفسه-  و کان على نقب من أنقاب المدینه-  و خرج الزبیر و طلحه و عبد الله بن مسعود و غیرهم-  فکانوا على الأنقاب الثلاثه-  فلم یلبثوا إلا قلیلا-  حتى طرق القوم المدینه غاره مع اللیل-  و خلفوا بعضهم بذی حسى لیکونوا ردءا لهم-  فوافوا الأنقاب و علیها المسلمون-  فأرسلوا إلى أبی بکر بالخبر-  فأرسل إلیهم أن الزموا مکانکم ففعلوا- 

و خرج أبو بکر فی جمع من أهل المدینه على النواضح فانتشر العدو بین أیدیهم-  و اتبعهم المسلمون على النواضح حتى بلغوا ذا حسى-  فخرج علیهم الکمین بأنحاء قد نفخوها-  و جعلوا فیها الحبال-  ثم دهدهوها بأرجلهم فی وجوه الإبل-  فتدهده کل نحی منها فی طوله فنفرت إبل المسلمین-  و هم علیها و لا تنفر الإبل من شی‏ء نفارها من الأنحاء-  فعاجت بهم لا یملکونها حتى دخلت بهم المدینه-  و لم یصرع منهم أحد و لم یصب-  فبات المسلمون تلک اللیله یتهیئون-  ثم خرجوا على تعبئه-  فما طلع الفجر إلا و هم و القوم على صعید واحد-  فلم یسمعوا للمسلمین حسا و لا همسا-  حتى وضعوا فیهم السیف فاقتتلوا أعجاز لیلتهم-  فما ذر قرن الشمس إلا و قد ولوا الأدبار-  و غلبوهم على عامه ظهرهم-  و رجعوا إلى المدینه ظافرین- . قلت هذا هو الحدیث الذی أشار ع-  إلى أنه نهض فیه أیام أبی بکر-  و کأنه جواب عن قول قائل إنه عمل لأبی بکر-  و جاهد بین یدی أبی بکر فبین ع عذره فی ذلک-  و قال إنه لم یکن کما ظنه القائل-  و لکنه من باب دفع الضرر عن النفس و الدین-  فإنه واجب سواء کان للناس إمام أو لم یکن

ذکر ما طعن به الشیعه فی إمامه أبی بکر و الجواب عنها

و ینبغی حیث جرى ذکر أبی بکر فی کلام أمیر المؤمنین ع-  أن نذکر ما أورده قاضی القضاه فی المغنی-  من المطاعن التی طعن بها فیه-  و جواب قاضی القضاه عنها-  و اعتراض المرتضى فی الشافی على قاضی القضاه-  و نذکر ما عندنا فی ذلک-  ثم نذکر مطاعن أخرى لم یذکرها قاضی القضاه- .

الطعن الأول

 قال قاضی القضاه-  بعد أن ذکر ما طعن به فیه فی أمر فدک-  و قد سبق القول فیه-  و مما طعن به علیه قولهم-  کیف یصلح للإمامه-  من یخبر عن نفسه أن له شیطانا یعتریه-  و من یحذر الناس نفسه-  و من یقول أقیلونی بعد دخوله فی الإمامه-  مع أنه لا یحل للإمام أن یقول أقیلونی البیعه- . أجاب قاضی القضاه فقال إن شیخنا أبا علی قال-  لو کان ذلک نقصا فیه لکان قول الله فی آدم و حواء-  فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّیْطانُ-  و قوله فَأَزَلَّهُمَا الشَّیْطانُ-  و قوله وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِکَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِیٍّ-  إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّیْطانُ فِی أُمْنِیَّتِهِ-  یوجب النقص فی الأنبیاء-  و إذا لم یجب ذلک فکذلک ما وصف به أبو بکر نفسه-  و إنما أراد أنه عند الغضب یشفق من المعصیه و یحذر منها-  و یخاف أن یکون الشیطان یعتریه فی تلک الحال-  فیوسوس إلیه-  و ذلک منه على طریقه الزجر لنفسه عن المعاصی-  و قد روی عن أمیر المؤمنین ع-  أنه ترک مخاصمه الناس فی حقوقه-  إشفاقا من المعصیه-  و کان یولی ذلک عقیلا-  فلما أسن عقیل کان یولیها عبد الله بن جعفر-  فأما ما روی فی إقاله البیعه فهو خبر ضعیف-  و إن صح فالمراد به التنبیه على أنه لا یبالی لأمر-  یرجع إلیه أن یقیله الناس البیعه-  و إنما یضرون بذلک أنفسهم-  و کأنه نبه بذلک‏على أنه غیر مکره لهم-  و أنه قد خلاهم و ما یریدون إلا أن یعرض ما یوجب خلافه-  و قد روی أن أمیر المؤمنین ع-  أقال عبد الله بن عمر البیعه حین استقاله-  و المراد بذلک أنه ترکه و ما یختار- .

اعترض المرتضى رضی الله عنه فقال-  أما قول أبی بکر ولیتکم و لست بخیرکم-  فإن استقمت فاتبعونی و إن اعوججت فقومونی-  فإن لی شیطانا یعترینی عند غضبی-  فإذا رأیتمونی مغضبا فاجتنبونی-  لا أؤثر فی أشعارکم و أبشارکم-  فإنه یدل على أنه لا یصلح للإمامه من وجهین-  أحدهما أن هذا صفه من لیس بمعصوم-  و لا یأمن الغلط على نفسه-  من یحتاج إلى تقویم رعیته له إذا وقع فی المعصیه-  و قد بینا أن الإمام لا بد أن یکون معصوما موفقا مسددا-  و الوجه الآخر أن هذه صفه من لا یملک نفسه-  و لا یضبط غضبه-  و من هو فی نهایه الطیش و الحده و الخرق و العجله-  و لا خلاف أن الإمام-  یجب أن یکون منزها عن هذه الأوصاف-  غیر حاصل علیها و لیس یشبه قول أبی بکر-  ما تلاه من الآیات کلها-  لأن أبا بکر خبر عن نفسه بطاعه الشیطان عند الغضب-  و أن عادته بذلک جاریه-  و لیس هذا بمنزله من یوسوس إلیه الشیطان و لا یطیعه-  و یزین له القبیح فلا یأتیه-  و لیس وسوسه الشیطان بعیب على الموسوس له-  إذا لم یستزله ذلک عن الصواب-  بل هو زیاده فی التکلیف-  و وجه یتضاعف معه الثواب-  و قوله تعالى أَلْقَى الشَّیْطانُ فِی أُمْنِیَّتِهِ-  قیل معناه فی تلاوته-  و قیل فی فکرته على سبیل الخاطر-  و أی الأمرین کان-  فلا عار فی ذلک على النبی ص و لا نقص- 

و إنما العار و النقص على من یطیع الشیطان-  و یتبع ما یدعو إلیه-  و لیس لأحد أن یقول-  هذا إن سلم لکم فی جمیع الآیات لم یسلم فی قوله تعالى-  فَأَزَلَّهُمَا الشَّیْطانُ-  لأنه قد خبر عن تأثیر غوایته و وسوسته-  بما کان منهما من الفعل-  و ذلک أن المعنى الصحیح فی هذه الآیه أن آدم و حواء-  کانا مندوبین إلى اجتناب الشجره و ترک التناول منها-  و لم یکن ذلک علیهما واجبا لازما- لأن الأنبیاء لا یخلون بالواجب-  فوسوس لهما الشیطان حتى تناولا من الشجره-  فترکا مندوبا إلیه و حرما بذلک أنفسهما الثواب-  و سماه إزلالا-  لأنه حط لهما عن درجه الثواب و فعل الأفضل-  و قوله تعالى فی موضع آخر-  وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏-  لا ینافی هذا المعنى-  لأن المعصیه قد یسمى بها من أخل بالواجب و الندب معا-  قوله فغوى-  أی خاب من حیث لم یستحق الثواب على ما ندب إلیه على أن صاحب الکتاب یقول- 

إن هذه المعصیه من آدم کانت صغیره-  لا یستحق بها عقابا و لا ذما-  فعلى مذهبه أیضا-  تکون المفارقه بینه و بین أبی بکر ظاهره-  لأن أبا بکر خبر عن نفسه أن الشیطان یعتریه-  حتى یؤثر فی الأشعار و الأبشار-  و یأتی ما یستحق به التقویم-  فأین هذا من ذنب صغیر لا ذم و لا عقاب علیه-  و هو یجری من وجه من الوجوه مجرى المباح-  لأنه لا یؤثر فی أحوال فاعله و حط رتبته-  و لیس یجوز أن یکون ذلک منه-  على سبیل الخشیه و الإشفاق على ما ظن-  لأن مفهوم خطابه یقتضی خلاف ذلک-  أ لا ترى أنه قال إن لی شیطانا یعترینی-  و هذا قول من قد عرف عادته-  و لو کان على سبیل الإشفاق و الخوف لخرج عن هذا المخرج-  و لکان یقول-  فإنی آمن من کذا و إنی لمشفق منه-  فأما ترک أمیر المؤمنین ع مخاصمه الناس فی حقوقه-  فکأنه إنما کان تنزها و تکرما-  و أی نسبه بین ذلک و بین من صرح و شهد على نفسه-  بما لا یلیق بالأئمه-  و أما خبر استقاله البیعه و تضعیف صاحب الکتاب له-  فهو أبدا یضعف ما لا یوافقه-  من غیر حجه یعتمدها فی تضعیفه-  و قوله إنه ما استقال على التحقیق- 

و إنما نبه على أنه لا یبالی بخروج الأمر عنه-  و أنه غیر مکره لهم علیه-  فبعید من الصواب-  لأن ظاهر قوله أقیلونی أمر بالإقاله-  و أقل أحواله أن یکون عرضا لها و بذلا-  و کلا الأمرین قبیح-  و لو أراد ما ظنه لکان له  فی غیر هذا القول مندوحه-  و لکان یقول إنی ما أکرهتکم و لا حملتکم على مبایعتی-  و ما کنت أبالی ألا یکون هذا الأمر فی و لا إلی-  و إن مفارقته لتسرنی-  لو لا ما ألزمنیه الدخول فیه من التمسک به-  و متى عدلنا عن ظواهر الکلام بلا دلیل-  جر ذلک علینا ما لا قبل لنا به-  و أما أمیر المؤمنین ع-  فإنه لم یقل ابن عمر البیعه بعد دخولها فیها-  و إنما استعفاه من أن یلزمه البیعه ابتداء-  فأعفاه قله فکر فیه-  و علما بأن إمامته لا تثبت بمبایعه من یبایعه علیها-  فأین هذا من استقاله بیعه قد تقدمت و استقرت- .

قلت أما قول أبی بکر ولیتکم و لست بخیرکم-  فقد صدق عند کثیر من أصحابنا-  لأن خیرهم علی بن أبی طالب ع-  و من لا یقول بذلک یقول بما قاله الحسن البصری-  و الله إنه لیعلم أنه خیرهم و لکن المؤمن یهضم نفسه-  و لم یطعن المرتضى فیه بهذه اللفظه لنطیل القول فیها-  و أما قول المرتضى عنه أنه قال-  فإن لی شیطانا یعترینی عند غضبى-  فالمشهور فی الروایه فإن لی شیطانا یعترینی-  قال المفسرون أراد بالشیطان الغضب-  و سماه شیطانا على طریق الاستعاره-  و کذا ذکره شیخنا أبو الحسین فی الغرر-  قال معاویه لإنسان غضب فی حضرته-  فتکلم بما لا یتکلم بمثله فی حضره الخلفاء-  اربع على ظلعک أیها الإنسان- 

فإنما الغضب شیطان و أنا لم نقل إلا خیرا- . و قد ذکر أبو جعفر محمد بن جریر الطبری-  فی کتاب التاریخ الکبیر-  خطبتی أبی بکر عقیب بیعته بالسقیفه-  و نحن نذکرهما نقلا من کتابه-  أما الخطبه الأولى فهی-  أما بعد أیها الناس فإنی ولیتکم و لست بخیرکم-  فإن أحسنت فأعینونی و إن أسأت فقومونی-  لأن الصدق أمانه و الکذب خیانه-  الضعیف منکم قوی عندی حتى أریح علیه حقه-  و القوی منکم ضعیف عندی حتى آخذ الحق منه-  لا یدع قوم الجهاد فی سبیل الله إلا ضربهم الله بالذل-  و لا تشیع الفاحشه فی قوم إلا عمهم الله بالبلاء-  أطیعونی ما أطعت الله و رسوله-  فإذا عصیت الله و رسوله فلا طاعه لی علیکم-  قوموا إلى صلاتکم رحمکم الله و أما الخطبه الثانیه فهی أیها الناس إنما أنا مثلکم-  و إنی لا أدری لعلکم ستکلفوننی-  ما کان رسول الله ص یطیقه- 

إن الله اصطفى محمدا ص على العالمین-  و عصمه من الآفات-  و إنما أنا متبع و لست بمتبوع-  فإن استقمت فاتبعونی و إن زغت فقومونی-  و إن رسول الله ص-  قبض و لیس أحد من هذه الأمه-  یطلبه بمظلمه ضربه سوط فما دونها-  ألا و إن لی شیطانا یعترینی-  فإذا غضبت فاجتنبونی لا أؤثر فی أشعارکم و أبشارکم-  ألا و إنکم تغدون و تروحون فی أجل قد غیب عنکم علمه-  فإن استطعتم ألا یمضی هذا الأجل-  إلا و أنتم فی عمل صالح فافعلوا-  و لن تستطیعوا ذلک إلا بالله-  فسابقوا فی مهل آجالکم-  من قبل أن تسلمکم آجالکم إلى انقطاع الأعمال-  فإن قوما نسوا آجالهم و جعلوا أعمالهم لغیرهم-  فأنهاکم أن تکونوا أمثالهم-  الجد الجد الوحا الوحا-  فإن وراءکم طالبا حثیثا-  أجل مره سریع احذروا الموت-  و اعتبروا بالآباء و الأبناء و الإخوان-  و لا تغبطوا الأحیاء إلا بما یغبط به الأموات- . إن الله لا یقبل من الأعمال إلا ما یراد به وجهه-  فأریدوا وجه الله بأعمالکم- 

و اعلمواأن ما أخلصتم لله من أعمالکم-  فلطاعه أتیتموها-  و حظ ظفرتم به و ضرائب أدیتموها-  و سلف قدمتموه من أیام فانیه لأخرى باقیه-  لحین فقرکم و حاجتکم-  فاعتبروا عباد الله بمن مات منکم-  و تفکروا فیمن کان قبلکم-  أین کانوا أمس و أین هم الیوم أین الجبارون-  أین الذین کان لهم ذکر القتال و الغلبه-  فی مواطن الحرب-  قد تضعضع بهم الدهر و صاروا رمیما-  قد ترکت علیهم القالات الخبیثات-  و إنما الخبیثات للخبیثین و الخبیثون للخبیثات-  و أین الملوک الذین أثاروا الأرض و عمروها-  قد بعدوا بسیئ ذکرهم-  و بقی ذکرهم و صاروا کلا شی‏ء-  ألا إن الله قد أبقى علیهم التبعات-  و قطع عنهم الشهوات و مضوا-  و الأعمال أعمالهم و الدنیا دنیا غیرهم-  و بقینا خلفا من بعدهم-  فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا-  و إن اغتررنا کنا مثلهم-  أین الوضاء الحسنه وجوههم المعجبون بشبابهم-  صاروا ترابا و صار ما فرطوا فیه حسره علیهم-  أین الذین بنوا المدائن و حصنوها بالحوائط-  و جعلوا فیها العجائب و ترکوها لمن خلفهم-  فتلک مساکنهم خاویه و هم فی ظلم القبور-  هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم رکزا-  أین من تعرفون من آبائکم و إخوانکم-  قد انتهت بهم آجالهم فوردوا على ما قدموا علیه-  و أقاموا للشقوه و للسعاده-  إلا إن الله لا شریک له-  لیس بینه و بین أحد من خلقه سبب-  یعطیه به خیرا و لا یصرف عنه به شرا-  إلا بطاعته و اتباع أمره- 

و اعلموا أنکم عباد مدینون-  و أن ما عنده لا یدرک إلا بتقواه و عبادته-  ألا و إنه لا خیر بخیر بعده النار-  و لا شر بشر بعد الجنه- .فهذه خطبتا أبی بکر یوم السقیفه و الیوم الذی یلیه-  إنما قال إن لی شیطانا یعترینی-  و أراد بالشیطان الغضب-  و لم یرد أن له شیطانا من مرده الجن-  یعتریه إذا غضب-  فالزیاده فیما ذکره المرتضى فی قوله-  إن لی شیطانا یعترینی عند غضبی-  تحریف لا محاله-  و لو کان له شیطان من الجن یعتاده و ینوبه-  لکان فی عداد المصروعین من المجانین-  و ما ادعى أحد على أبی بکر هذا-  لا من أولیائه و لا من أعدائه-  و إنما ذکرنا خطبته على طولها-  و المراد منها کلمه واحده-  لما فیها من الفصاحه و الموعظه-  على عادتنا فی الاعتناء بإیداع هذا الکتاب-  ما کان ذاهبا هذا المذهب و سالکا هذا السبیل- . فأما قول المرتضى فهذه صفه من لیس بمعصوم-  فالأمر کذلک و العصمه عندنا لیست شرطا فی الإمامه-  و لو لم یدل على عدم اشتراطها-  إلا أنه قال على المنبر بحضور الصحابه هذا القول-  و أقروه على الإمامه-  لکفى فی عدم کون العصمه شرطا-  لأنه قد حصل الإجماع على عدم اشتراط ذلک-  إذ لو کان شرطا لأنکر منکر إمامته کما لو قال- 

إنی لا أصبر عن شرب الخمر و عن الزنا- . فأما قوله هذه صفه طائش لا یملک نفسه-  فلعمری إن أبا بکر کان حدیدا و قد ذکره عمر بذلک-  و ذکره غیره من الصحابه بالحده و السرعه-  و لکن لا بحیث أن تبطل به أهلیته للإمامه-  لأن الذی یبطل الإمامه من ذلک-  و ما یخرج الإنسان عن العقل-  و أما ما هو دون ذلک فلا-  و لیس قوله فاجتنبونی لا أؤثر فی أشعارکم و أبشارکم-  محمول على ظاهره-  و إنما أراد به المبالغه فی وصف القوه الغضبیه عنده-  و إلا فما سمعنا و لا نقل ناقل-  من الشیعه و لا من غیر الشیعه-  أن أبا بکر فی أیام رسول الله ص-  و لا فی الجاهلیه و لا فی أیام خلافته-  احتد على إنسان-  فقام إلیه فضربه بیده و مزق شعره- .

فأما ما حکاه قاضی القضاه عن الشیخ أبی علی-  من تشبیه هذه اللفظه بما ورد فی القرآن-  فهو على تقدیر أن یکون أبو بکر عنى الشیطان حقیقه-  و ما اعترض به المرتضى ثانیه علیه غیر لازم-  لأن الله تعالى قال فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّیْطانُ-  و تعقب ذلک قبولهما وسوسته و أکلهما من الشجره-  فکیف یقول المرتضى-  لیس قول أبی بکر بمنزله من وسوس له الشیطان فلم یطعه-  و کذلک قوله تعالى فی قصه موسى لما قتل القبطی-  هذا مِنْ عَمَلِ الشَّیْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِینٌ-  و کذلک قوله فَأَزَلَّهُمَا الشَّیْطانُ عَنْها-  و قوله أَلْقَى الشَّیْطانُ فِی أُمْنِیَّتِهِ-  و ما ذهب إلیه المرتضى من التأویلات-  مبنی على مذهبه فی العصمه الکلیه-  و هو مذهب یحتاج فی نصرته إلى تکلف شدید-  و تعسف عظیم فی تأویل الآیات-  على أنه إذا سلم أن الشیطان-  ألقى فی تلاوه الرسول ص ما لیس من القرآن-  حتى ظنه السامعون کلاما من کلام الرسول-  فقد نقض دلاله التنفیر المقتضیه عنده فی العصمه-  لأنه لا تنفیر عنده أبلغ من تمکین الله الشیطان-  أن یخلط کلامه بکلامه و رسوله یؤدیه إلى المکلفین-  حتى یعتقد السامعون کلهم أن الکلامین کلام واحد- .

و أما قوله إن آدم کان مندوبا-  إلى ألا یأکل من الشجره لا محرم علیه أکلها-  و لفظه عصى إنما المراد بها خالف المندوب-  و لفظه غوى إنما المراد خاب-  من حیث لم یستحق الثواب على اعتماد ما ندب إلیه-  فقول یدفعه ظاهر الآیه لأن الصیغه صیغه النهی-  و هی قوله وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَهَ-  و النهی عند المرتضى یقتضی التحریم لا محاله-  و لیس الأمر الذی قد یراد به الندب-  و قد یراد به الوجوب- . و أما قول شیخنا أبی علی-  إن کلام أبی بکر خرج مخرج الإشفاق و الحذر-  من المعصیه عند الغضب فجید- . و اعتراض المرتضى علیه-  بأنه لیس ظاهر اللفظ ذاک غیر لازم-  لأن هذه عاده العرب-  یعبرون عن الأمر بما هو منه بسبب و سبیل-  کقولهم لا تدن من الأسد فیأکلک-  فلیس أنهم قطعوا على الأکل عند الدنو-  و إنما المراد الحذر و الخوف-  و التوقع للأکل عند الدنو- .

 

و أما الکلام فی قوله أقیلونی-  فلو صح الخبر لم یکن فیه مطعن علیه-  لأنه إنما أراد فی الیوم الثانی اختبار حالهم فی البیعه-  التی وقعت فی الیوم الأول لیعلم ولیه من عدوه منهم-  و قد روى جمیع أصحاب السیر أن أمیر المؤمنین خطب فی الیوم الثانی من بیعته-  فقال أیها الناس إنکم بایعتمونی على السمع و الطاعه-  و أنا أعرض الیوم علیکم ما دعوتمونی إلیه أمس-  فإن أجبتم قعدت لکم و إلا فلا أجد على أحد-  و لیس بجید قول المرتضى-  إنه لو کان یرید العرض و البذل-  لکان قد قال کذا و کذا-  فإن هذه مضایقه منه شدیده للألفاظ-  و لو شرعنا فی مثل هذا لفسد أکثر ما یتکلم به الناس-  على أنا لو سلمنا أنه استقالهم البیعه حقیقه-  فلم قال المرتضى إن ذلک لا یجوز-  أ لیس یجوز للقاضی أن یستقیل من القضاء-  بعد تولیته إیاه و دخوله فیه-  فکذلک یجوز للإمام أن یستقیل من الإمامه-  إذا أنس من نفسه ضعفا عنها-  أو أنس من رعیته نبوه عنه-  أو أحس بفساد ینشأ فی الأرض-  من جهه ولایته على الناس-  و من یذهب إلى أن الإمامه تکون بالاختیار-  کیف یمنع من جواز استقاله الإمام-  و طلبه إلى الأمه أن یختاروا غیره-  لعذر یعلمه من حال نفسه-  و إنما یمنع من ذلک المرتضى و أصحابه-  القائلون بأن الإمامه بالنص-  و إن الإمام محرم علیه ألا یقوم بالإمامه-  لأنه مأمور بالقیام بها لتعینه خاصه-  دون کل أحد من المکلفین-  و أصحاب الاختیار یقولون-  إذا لم یکن زید إماما کان عمرو إماما عوضه-  لأنهم لا یعتبرون الشروط-  التی یعتبرها الإمامیه من العصمه-  و أنه أفضل أهل عصره و أکثرهم ثوابا-  و أعلمهم و أشجعهم و غیر ذلک من الشروط-  التی تقتضی تفرده و توحده بالأمر-  على أنه إذا جاز عندهم-  أن یترک الإمام الإمامه فی الظاهر کما فعله الحسن-  و کما فعله غیره من الأئمه بعد الحسین ع للتقیه-  جاز للإمام‏ على مذهب أصحاب الاختیار-  أن یترک الإمامه ظاهرا و باطنا-  لعذر یعلمه من حال نفسه أو حال رعیته

الطعن الثانی

قال قاضی القضاه بعد أن ذکر قول عمر کانت بیعه أبی بکر فلته-  و قد تقدم منا القول فی ذلک فی أول هذا الکتاب-  و مما طعنوا به على أبی بکر أنه قال عند موته-  لیتنی کنت سألت رسول الله ص عن ثلاثه-  فذکر فی أحدها لیتنی کنت سألته-  هل للأنصار فی هذا الأمر حق-  قالوا و ذلک یدل على شکه فی صحه بیعته-  و ربما قالوا قد روی أنه قال فی مرضه-  لیتنی کنت ترکت بیت فاطمه لم أکشفه-  و لیتنی فی ظله بنی ساعده کنت-  ضربت على ید أحد الرجلین-  فکان هو الأمیر و کنت الوزیر-  قالوا و ذلک یدل-  على ما روی من إقدامه على بیت فاطمه ع-  عند اجتماع علی ع و الزبیر و غیرهما فیه-  و یدل على أنه کان یرى الفضل لغیره لا لنفسه- .

قال قاضی القضاه و الجواب أن قوله-  لیتنی لا یدل على الشک فیما تمناه-  و قول إبراهیم ع-  رَبِّ أَرِنِی کَیْفَ تُحْیِ الْمَوْتى‏-  قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لکِنْ لِیَطْمَئِنَّ قَلْبِی-  أقوى من ذلک فی الشبهه-  ثم حمل تمنیه على أنه أراد سماع شی‏ء مفصل-  أو أراد لیتنی سألته عند الموت-  لقرب العهد لأن ما قرب عهده لا ینسى-  و یکون أردع للأنصار على ما حاولوه-  ثم قال على أنه لیس فی ظاهره أنه تمنى أن‏ یسأل-  هل لهم حق فی الإمامه أم لا-  لأن الإمامه قد یتعلق بها حقوق سواها-  ثم دفع الروایه المتعلقه ببیت فاطمه ع-  و قال فأما تمنیه أن یبایع غیره فلو ثبت لم یکن ذما-  لأن من اشتد التکلیف علیه فهو یتمنى خلافه- .

اعترض المرتضى رحمه الله هذا الکلام فقال-  لیس یجوز أن یقول أبو بکر-  لیتنی کنت سألت عن کذا-  إلا مع الشک و الشبهه-  لأن مع العلم و الیقین لا یجوز مثل هذا القول-  هکذا یقتضی الظاهر-  فأما قول إبراهیم ع-  فإنما ساغ أن یعدل عن ظاهره-  لأن الشک لا یجوز على الأنبیاء و یجوز على غیرهم-  على أنه ع قد نفى عن نفسه الشک بقوله-  بَلى‏ وَ لکِنْ لِیَطْمَئِنَّ قَلْبِی-  و قد قیل إن نمرود قال له-  إذا کنت تزعم أن لک ربا یحیی الموتى-  فاسأله أن یحیی لنا میتا إن کان على ذلک قادرا-  فإن لم تفعل ذلک قتلتک-  فأراد بقوله وَ لکِنْ لِیَطْمَئِنَّ قَلْبِی-  أی لآمن توعد عدوک لی بالقتل-  و قد یجوز أن یکون طلب ذلک لقومه-  و قد سألوه أن یرغب إلى الله تعالى فیه فقال-  لیطمئن قلبی إلى إجابتک لی-  و إلى إزاحه عله قومی-  و لم یرد لیطمئن قلبی إلى أنک تقدر على أن تحیی الموتى-  لأن قلبه قد کان بذلک مطمئنا-  و أی شی‏ء یرید أبو بکر من التفضیل أکثر من قوله-  إن هذا الأمر لا یصلح إلا لهذا الحی من قریش-  و أی فرق بین ما یقال عند الموت و بین ما یقال قبله-  إذا کان محفوظا معلوما-  لم ترفع کلمه و لم تنسخ- . و بعد فظاهر الکلام لا یقتضی هذا التخصیص-  و نحن مع الإطلاق و الظاهر-  و أی حق یجوز أن یکون للأنصار فی الإمامه-  غیر أن یتولاها رجل منهم حتى یجوز أن یکون الحق-  الذی تمنى أن یسأل عنه غیر الإمامه-  و هل هذا إلا تعسف و تکلف-و أی شبهه تبقى بعد قول أبی بکر-  لیتنی کنت سألته هل للأنصار فی هذا الأمر حق-  فکنا لا ننازعه أهله-  و معلوم أن التنازع لم یقع بینهم-  إلا فی الإمامه نفسها لا فی حق آخر من حقوقها- .

فأما قوله إنا قد بینا أنه لم یکن منه فی بیت فاطمه-  ما یوجب أن یتمنى أنه لم یفعله-  فقد بینا فساد ما ظنه فیما تقدم- . فأما قوله-  إن من اشتد التکلیف علیه قد یتمنى خلافه-  فلیس بصحیح-  لأن ولایه أبی بکر إذا کانت هی التی اقتضاها الدین-  و النظر للمسلمین فی تلک الحال و ما عداها کان مفسده-  و مؤدیا إلى الفتنه-  فالتمنی لخلافها لا یکون إلا قبیحا- . قلت أما قول قاضی القضاه-  إن هذا التمنی لا یقتضی الشک-  فی أن الإمامه لا تکون إلا فی قریش-  کما أن قول إبراهیم وَ لکِنْ لِیَطْمَئِنَّ قَلْبِی-  لا یقتضی الشک فی أنه تعالى قادر على ذلک فجید- .

فأما قول المرتضى-  إنما ساغ أن یعدل عن الظاهر فی حق إبراهیم-  لأنه نبی معصوم لا یجوز علیه الشک-  فیقال له و کذلک ینبغی أن یعدل عن ظاهر کلام أبی بکر-  لأنه رجل مسلم عاقل-  فحسن الظن به-  یقتضی صیانه أفعاله و أقواله عن التناقض-  قوله إن إبراهیم قد نفى عن نفسه الشک بقوله-  بَلى‏ وَ لکِنْ لِیَطْمَئِنَّ قَلْبِی-  قلنا إن أبا بکر قد نفى عن نفسه الشک-  بدفع الأنصار عن الإمامه و إثباتها فی قریش خاصه-  فإن کانت لفظه بلى دافعه لشک إبراهیم-  الذی یقتضیه قوله وَ لکِنْ لِیَطْمَئِنَّ قَلْبِی-  ففعل أبی بکر و قوله یوم السقیفه- یدفع الشک الذی یقتضیه قوله لیتنی سألته-  و لا فرق فی دفع الشک-  بین أن یتقدم الدافع أو یتأخر أو یقارن- . ثم یقال للمرتضى أ لست فی هذا الکتاب-  و هو الشافی بینت أن قصه السقیفه لم یجر فیها ذکر نص-  عن رسول الله ص بأن الأئمه من قریش-  و أنه لم یکن هناک إلا احتجاج أبی بکر و عمر-  بأن قریشا أهل النبی ص و عشیرته-  و أن العرب لا تطیع غیر قریش-  و ذکرت عن الزهری و غیره أن القول الصادر عن أبی بکر-  إن هذا الأمر لا یصلح إلا لهذا الحی من قریش-  لیس نصا مرویا عن رسول الله ص-  و إنما هو قول قاله أبو بکر من تلقاء نفسه-  و رویت فی ذلک الروایات-  و نقلت من الکتب من تاریخ الطبری و غیره-  صوره الکلام و الجدال الدائر بینه و بین الأنصار-  فإذا کان هذا قولک فلم تنکر على أبی بکر قوله-  لیتنی کنت سألت رسول الله ص-  هل للأنصار فی هذا الأمر حق-  لأنه لم یسمع النص و لا رواه و لا روی له-  و إنما دفع الأنصار بنوع من الجدل-  فلا جرم بقی فی نفسه شی‏ء من ذلک- 

و قال عند موته لیتنی کنت سألت رسول الله ص-  و لیس ذلک مما یقتضی شکه فی بیعته کما زعم الطاعن-  لأنه إنما یشک فی بیعته-  لو کان قال قائل أو ذهب ذاهب-  إلى أن الإمامه لیست إلا فی الأنصار-  و لم یقل أحد ذلک-  بل النزاع کان فی هل الإمامه مقصوره على قریش خاصه-  أم هی فوضى بین الناس کلهم-  و إذا کانت الحال هذه-  لم یکن شاکا فی إمامته و بیعته بقوله-  لیتنی سألت رسول الله ص-  هل للأنصار فی هذا حق-  لأن بیعته على کلا التقدیرین تکون صحیحه- .

 

فأما قول قاضی القضاه-  لعله أراد حقا للأنصار غیر الإمامه نفسها-  فلیس بجید و الذی اعترضه به المرتضى جید-  فإن الکلام لا یدل إلا على الإمامه نفسها-  و لفظه المنازعه تؤکد ذلک- . و أما حدیث الهجوم على بیت فاطمه ع-  فقد تقدم الکلام فیه-  و الظاهر عندی صحه ما یرویه المرتضى و الشیعه-  و لکن لا کل ما یزعمونه بل کان بعض ذلک-  و حق لأبی بکر أن یندم و یتأسف على ذلک-  و هذا یدل على قوه دینه و خوفه من الله تعالى-  فهو بأن یکون منقبه له أولى من کونه طعنا علیه- .

فأما قول قاضی القضاه-  إن من اشتد التکلیف علیه فقد یتمنى خلافه-  و اعتراض المرتضى علیه-  فکلام قاضی القضاه أصح و أصوب-  لأن أبا بکر و إن کانت ولایته مصلحه-  و ولایه غیر مفسده-  فإنه ما یتمنى أن یکون الإمام غیره-  مع استلزام ذلک للمفسده-  بل تمنى أن یلی الأمر غیره و تکون المصلحه بحالها-  أ لا ترى أن خصال الکفاره فی الیمین-  کل واحده منها مصلحه-  و ما عداها لا یقوم مقامها فی المصلحه-  و أحدها یقوم مقام الأخرى فی المصلحه-  فأبو بکر تمنى أن یلی الأمر عمر أو أبو عبیده-  بشرط أن تکون المصلحه الدینیه-  التی تحصل من بیعته-  حاصله من بیعه کل واحد من الآخرین

الطعن الثالث

قالوا إنه ولی عمر الخلافه-  و لم یوله رسول الله ص شیئامن أعماله البته-  إلا ما ولاه یوم خیبر فرجع منهزما-  و ولاه الصدقه فلما شکاه العباس عزله- . أجاب قاضی القضاه بأن ترکه ع أن یولیه-  لا یدل على أنه لا یصلح لذلک-  و تولیته إیاه لا یدل على صلاحیته للإمامه-  فإنه ص قد ولى خالد بن الولید و عمرو بن العاص-  و لم یدل ذلک على صلاحیتهما للإمامه-  و کذلک ترکه أن یولی لا یدل على أنه غیر صالح-  بل المعتبر بالصفات التی تصلح للإمامه-  فإذا کملت صلح لذلک ولی من قبل أو لم یول-  و قد ثبت أن النبی ص-  ترک أن یولی أمیر المؤمنین ع أمورا کثیره-  و لم یجب إلا من یصلح لها-  و ثبت أن أمیر المؤمنین ع لم یول الحسین ع ابنه-  و لم یمنع ذلک من أن یصلح للإمامه-  و حکی عن أبی علی-  أن ذلک إنما کان یصح أن یتعلق به-  لو ظفروا بتقصیر من عمر فیما تولاه-  فأما و أحواله معروفه فی قیامه بالأمر-  حین یعجز غیره فکیف یصح ما قالوه-  و بعد فهلا دل ما روی من قوله-  و إن تولوا عمر تجدوه قویا فی أمر الله-  قویا فی بدنه على جواز ذلک-  و إن ترک النبی ص تولیته-  لأن هذا القول أقوى من الفعل- .

اعترض المرتضى رحمه الله فقال-  قد علمنا بالعاده أن من ترشح لکبار الأمور-  لا بد من أن یدرج إلیها بصغارها-  لأن من یرید بعض الملوک تأهیله للأمر من بعده-  لا بد من أن ینبه علیه بکل قول و فعل-  یدل على ترشیحه لهذه المنزله-  و یستکفیه من أمور ولایاته ما یعلم عنده-  أو یغلب على ظنه صلاحه لما یریده له-  و إن من یرى الملک مع حضوره و امتداد الزمان و تطاوله-  لا یستکفیه شیئا من الولایات-  و متى ولاه عزله-  و إنما یولی غیره و یستکفی سواه-  لا بد أن یغلب فی الظن أنه لیس بأهل للولایه-  و إن جوزنا أنه لم یوله لأسباب کثیره-  سوى أنه لا یصلح للولایه-  إلا أن مع هذا التجویز-  لا بد أن یغلب على الظن بما ذکرناه-  فأما خالد و عمرو فإنما لم یصلحا للإمامه-  لفقد شروط الإمامه فیهما-  و إن کانا یصلحان لما ولیاه من الإماره-  فترک الولایه مع امتداد الزمان و تطاول الأیام-  و جمیع الشروط التی ذکرناها-  تقتضی غلبه الظن لفقد الصلاح-  و الولایه لشی‏ء لا تدل على الصلاح لغیره-  إذا کانت الشرائط فی القیام بذلک الغیر معلوما فقدها-  و قد نجد الملک یولی بعض أموره-  من لا یصلح للملک بعده لظهور فقد الشرائط فیه-  و لا یجوز أن یکون بحضرته من یرشحه للملک بعده-  ثم لا یولیه على تطاول الزمان شیئا من الولایات-  فبان الفرق بین الولایه و ترکها فیما ذکرناه- . فأما أمیر المؤمنین ع-  و إن یتول جمیع أمور النبی ص فی حیاته-  فقد تولى أکثرها و أعظمها و خلفه فی المدینه-  و کان الأمیر على الجیش المبعوث إلى خیبر-  و جرى الفتح على یدیه بعد انهزام من انهزم منها-  و کان المؤدی عنه سوره براءه-  بعد عزل من عزل عنها و ارتجاعها منه-  إلى غیر ذلک من عظیم الولایات و المقامات-  بما یطول شرحه-  و لو لم یکن إلا أنه لم یول علیه والیا قط لکفى- .

فأما اعتراضه بأن أمیر المؤمنین ع-  لم یول الحسین فبعید عن الصواب-  لأن أیام أمیر المؤمنین ع لم تطل-  فیتمکن فیها من مراداته-  و کانت على قصرها منقسمه بین قتال الأعداء-  لأنه ع لما بویع لم یلبث أن خرج علیه أهل البصره-  فاحتاج إلى قتالهم-  ثم انکفأ من قتالهم إلى قتال أهل الشام-  و تعقب ذلک قتال أهل النهروان-  و لم تستقر به الدار و لا امتد به الزمان-  و هذا بخلاف أیام النبی ص-  التی تطاولت و امتدت-  على أنه قد نص علیه بالإمامه بعد أخیه الحسن-  و إنما تطلب الولایات لغلبه الظن بالصلاح للإمامه- . فإن کان هناک وجه یقتضی العلم بالصلاح لها-  کان أولى من طریق الظن-  على أنه‏ لا خلاف بین المسلمین-  أن الحسین ع کان یصلح للإمامه-  و إن لم یوله أبوه الولایات-  و فی مثل ذلک خلاف من حال عمر فافترق الأمران-  فأما قوله إنه لم یعثر على عمر بتقصیر فی الولایه-  فمن سلم بذلک-  أ و لیس یعلم أن مخالفته تعد تقصیرا کثیرا-  و لو لم یکن إلا ما اتفق علیه من خطئه فی الأحکام-  و رجوعه من قول إلى غیره-  و استفتائه الناس فی الصغیر و الکبیر-  و قوله کل الناس أفقه من عمر لکان فیه کفایه-  و لیس کل النهوض بالإمامه-  یرجع إلى حسن التدبیر و السیاسه الدنیاویه-  و رم الأعمال و الاستظهار فی جبایه الأموال-  و تمصیر الأمصار و وضع الأعشار-  بل حظ الإمامه من العلم بالأحکام-  و الفتیا بالحلال و الحرام-  و الناسخ و المنسوخ و المحکم و المتشابه أقوى-  فمن قصر فی هذا لم ینفعه أن یکون کاملا فی ذلک- .

فأما قوله فهلا دل ما روی من  قوله ع فإن ولیتم عمر-  وجدتموه قویا فی أمر الله قویا فی بدنه-  فهذا لو ثبت لدل و قد تقدم القول علیه-  و أقوى ما یبطله عدول أبی بکر عن ذکره-  و الاحتجاج به لما أراد النص على عمر-  فعوتب على ذلک و قیل له-  ما تقول لربک إذ ولیت علینا فظا غلیظا-  فلو کان صحیحا لکان یحتج به و یقول-  ولیت علیکم من شهد النبی ص-  بأنه قوی فی أمر الله قوی فی بدنه-  و قد قیل فی الطعن على صحه هذا الخبر-  إن ظاهره یقتضی تفضیل عمر على أبی بکر-  و الإجماع بخلاف ذلک لأن القوه فی الجسم فضل-  قال الله تعالى إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَیْکُمْ-  وَ زادَهُ بَسْطَهً فِی الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ-  و بعد فکیف یعارض ما اعتمدناه-  من عدوله ع عن ولایته-  و هو أمر معلوم-  بهذا الخبر المردود المدفوع- . قلت أما ما ادعاه من عاده الملوک فالأمر بخلافه-  فإنا قد وقفنا على سیر الأکاسره و ملوک الروم و غیرهم-  فما سمعنا أن أحدا منهم رشح ولده‏ للملک بعده-  باستعماله على طرف من الأطراف و لا جیش من الجیوش-  و إنما کانوا یثقفونهم بالآداب و الفروسیه-  فی مقار ملکهم لا غیر-  و الحال فی ملوک الإسلام کذلک-  فقد سمعنا بالدوله الأمویه-  و رأینا الدوله العباسیه-  فلم نعرف الدوله التی ادعاها المرتضى- 

و إنما قد یقع فی الأقل النادر شی‏ء مما أشار إلیه-  و الأغلب الأکثر خلاف ذلک-  على أن أصحابنا لا یقولون إن عمر کان مرشحا للخلافه-  بعد رسول الله ص لیقال لهم-  فلو کان قد رشحه للخلافه بعده-  لاستکفاه کثیرا من أموره-  و إنما عمر مرشح عندهم-  فی أیام أبی بکر للخلافه بعد أبی بکر-  و قد کان أبو بکر استعمله على القضاء مده خلافته-  بل کان هو الخلیفه فی المعنى-  لأنه فوض إلیه أکثر التدبیر-  فعلى هذا یکون قد سلمنا-  أن ترک استعمال النبی ص لعمر-  یدل على أنه غیر مرشح فی نظره للخلافه بعده-  و کذلک نقول و لا یلزم من ذلک-  ألا یکون خلیفه بعد أبی بکر على أنا لا نسلم أنه ما استعمله-  فقد ذکر الواقدی و ابن إسحاق-  أنه بعثه فی سریه فی سنه سبع من الهجره-  إلى الوادی المعروف ببرمه بضم الباء و فتح الراء-  و بها جمع من هوازن-  فخرج و معه دلیل من بنی هلال-  و کانوا یسیرون اللیل و یکمنون النهار-  و أتى الخبر هوازن فهربوا-  و جاء عمر محالهم فلم یلق منهم أحدا-  فانصرف إلى المدینه- .

ثم یعارض المرتضى بما ذکره قاضی القضاه-  من ترک تولیه علی ابنه الحسین ع-  و قوله فی العذر عن ذلک-  إن علیا ع کان ممنوا-  بحرب البغاه و الخوارج لا یدفع المعارضه-  لأن تلک الأیام التی هی أیام حروبه مع هؤلاء-  هی الأیام التی کان ینبغی أن یولی الحسین ع-  بعض الأمور فیها-  کاستعماله على جیش ینفذه سریه إلى بعض الجهات-  و استعماله على الکوفه بعد خروجه منها إلى حرب صفین-  أو استعماله على القضاء-و لیس اشتغاله بالحرب بمانع له عن ولایه ولده-  و قد کان مشتغلا بالحرب-  و هو یولی بنی عمه العباس الولایات و البلاد الجلیله فأما قوله-  على أنه قد نص علیه بالإمامه بعد أخیه الحسن-  فهذا یغنی عن تولیته شیئا من الأعمال-  فلقائل أن یمنع ما ذکره من حدیث النص-  فإنه أمر تنفرد به الشیعه-  و أکثر أرباب السیر و التواریخ لا یذکرون-  أن أمیر المؤمنین ع نص على أحد-  ثم إن ساغ له ذلک ساغ لقاضی القضاه أن یقول-  إن  قول النبی ص اقتدوا باللذین من بعدی أبی بکر و عمر-  یغنی عن تولیه عمر شیئا من الولایات-  لأن هذا القول آکد من الولایه فی ترشحه للخلافه- .

فأما قوله على أنه لا خلاف بین المسلمین-  فی صلاحیه الحسین للخلافه-  و إن لم یوله أبوه الولایات-  و فی عمر خلاف ظاهر بین المسلمین-  فلقائل أن یقول له-  إجماع المسلمین على صلاحیه الحسین للخلافه-  لا یدفع المعارضه بل یؤکدها-  لأنه إذا کان المسلمون-  قد أجمعوا على صلاحیته للخلافه-  و لم یکن ترک تولیه أبیه إیاه الولایات-  قادحا فی صلاحیته لها بعده-  جاز أیضا أن یکون ترک تولیه رسول الله ص-  عمر الولایات فی حیاته-  غیر قادح فی صلاحیته للخلافه بعده- . ثم ما ذکره من تقصیر عمر فی الخلافه-  بطریق اختلاف أحکامه و رجوعه إلى فتاوى العلماء-  فقد ذکرنا ذلک فیما تقدم-  لما تکلمنا فی مطاعن الشیعه على عمر و أجبنا عنه- .

و أما قوله لا یغنی حسن التدبیر و السیاسه و رم الأمور-  مر القصور فی الفقه-  فأصحابنا یذهبون-  إلى أنه إذا تساوى اثنان فی خصال الإمامه-  إلا أنه کان أحدهما أعلم و الآخرأسوس-  فإن الأسوس أولى بالإمامه-  لأن حاجه الإمامه إلى السیاسه و حسن التدبیر-  آکد من حاجتها إلى العلم و الفقه- . و أما الخبر المروی فی عمر-  و هو قوله و إن تولوها عمر-  فیجوز ألا یکون أبو بکر سمعه من رسول الله ص-  و یکون الراوی له غیره-  و یجوز أن یکون سمعه و شذ عنه-  أن یحتج به على طلحه لما أنکر استخلاف عمر-  و یجوز ألا یکون شذ عنه و ترک الاحتجاج به-  استغناء عنه لعلمه أن طلحه لا یعتد بقوله-  عند الناس إذا عارض قوله-  و لعله کنى عن هذا النص بقوله-  إذا سألنی ربی قلت له-  استخلفت علیهم خیر أهلک-  على أنا متى فتحنا باب هلا احتج فلان بکذا-  جر علینا ما لا قبل لنا به-  و قیل هلا احتج علی ع على-  طلحه و عائشه و الزبیر-  بقول رسول الله ص من کنت مولاه فهذا علی مولاه-  و هلا احتج علیهم بقوله أنت منی بمنزله هارون من موسى-  و لا یمکن الشیعه أن یعتذروا هاهنا بالتقیه-  لأن السیوف کانت قد سلت من الفریقین-  و لم یکن مقام تقیه- .

و أما قوله هذا الخبر لو صح-  لاقتضى أن یکون عمر أفضل من أبی بکر-  و هو خلاف إجماع المسلمین-  فلقائل أن یقول لم قلت إن المسلمین أجمعوا-  على أن أبا بکر أفضل من عمر-  مع أن کتب الکلام و التصانیف المصنفه فی المقالات-  مشحونه بذکر الفرقه العمریه-  و هم القائلون إن عمر أفضل من أبی بکر-  و هی طائفه عظیمه من المسلمین-  یقال إن عبد الله بن مسعود منهم-  و قد رأیت أن جماعه من الفقهاء یذهبون إلى هذا-  و یناظرون علیه-  على أنه لا یدل الخبر على ما ذکره المرتضى-  لأنه و إن کان عمر أفضل منه باعتبار قوه البدن-  فلا یدل على أنه أفضل منه مطلقا-  فمن الجائز أن یکون بإزاء هذه الخصله-  خصال کثیره فی أبی بکر من خصال الخیر-  یفضل بها على عمر-أ لا ترى أنا نقول أبو دجانه أفضل من أبی بکر-  بجهاده بالسیف فی مقام الحرب-  و لا یلزم من ذلک أن یکون أفضل منه مطلقا-  لأن فی أبی بکر من خصال الفضل-  ما إذا قیس بهذه الخصله-  أربى علیها أضعافا مضاعفه

الطعن الرابع

قالوا إن أبا بکر کان فی جیش أسامه-  و إن رسول الله ص-  کرر حین موته الأمر بتنفیذ جیش أسامه-  فتأخره یقتضی مخالفه الرسول ص-  فإن قلتم إنه لم یکن فی الجیش-  قیل لکم لا شک أن عمر بن الخطاب کان فی الجیش-  و أنه حبسه و منعه من النفوذ مع القوم-  و هذا کالأول فی أنه معصیه-  و ربما قالوا إنه ص-  جعل هؤلاء القوم فی جیش أسامه-  لیبعدوا بعد وفاته عن المدینه-  فلا یقع منهم توثب على الإمامه-  و لذلک لم یجعل أمیر المؤمنین ع فی ذلک الجیش-  و جعل فیه أبا بکر و عمر و عثمان و غیرهم-  و ذلک من أوکد الدلاله-  على أنه لم یرد أن یختاروا للإمامه- .

أجاب قاضی القضاه-  بأن أنکر أولا أن یکون أبو بکر فی جیش أسامه-  و أحال على کتب المغازی-  ثم سلم ذلک و قال إن الأمر لا یقتضی الفور-  فلا یلزم من تأخر أبی بکر عن النفوذ أن یکون عاصیا-  ثم قال إن خطابه ص بتنفیذ الجیش-  یجب أن یکون متوجها إلى القائم بعده-  لأنه من خطاب الأئمه-  و هذا یقتضی ألا یدخل المخاطب بالتنفیذ فی الجمله-  ثم قال-  و هذا یدل على أنه لم یکن هناک إمام منصوص علیه-  لأنه لو کان لأقبل بالخطاب علیه-  و خصه بالأمر بالتنفیذ دون الجمیع-ثم ذکر أن أمر رسول الله ص-  لا بد أن یکون مشروطا بالمصلحه-  و بأن لا یعرض ما هو أهم منه-  لأنه لا یجوز أن یأمرهم بالنفوذ-  و إن أعقب ضررا فی الدین-  ثم قوى ذلک بأنه لم ینکر على أسامه تأخره- 

و قوله لم أکن لأسأل عنک الرکب-  ثم قال لو کان الإمام منصوصا علیه-  لجاز أن یسترد جیش أسامه أو بعضه لنصرته-  و کذلک إذا کان بالاختیار-  ثم حکى عن الشیخ أبی علی استدلاله-  على أن أبا بکر لم یکن فی جیش أسامه-  بأنه ولاه الصلاه فی مرضه-  مع تکریره أمر الجیش بالنفوذ و الخروج- . ثم ذکر أن الرسول ص-  إنما یأمر بما یتعلق بمصالح الدنیا-  من الحروب و نحوها عن اجتهاده-  و لیس بواجب أن یکون ذلک عن وحی-  کما یجب فی الأحکام الشرعیه-  و أن اجتهاده یجوز أن یخالف بعد وفاته-  و إن لم یجز فی حیاته-  لأن اجتهاده فی الحیاه أولى من اجتهاد غیره-  ثم ذکر أن العله فی احتباس عمر عن الجیش-  حاجه أبی بکر إلیه و قیامه بما لا یقوم به غیره-  و أن ذلک أحوط للدین من نفوذه- . ثم ذکر أن أمیر المؤمنین ع حارب معاویه-  بأمر الله تعالى و أمر رسوله-  و مع هذا فقد ترک محاربته فی بعض الأوقات-  و لم یجب بذلک ألا یکون متمثلا للأمر-  و ذکر تولیته ع أبا موسى-  و تولیه الرسول ص خالد بن الولید-  مع ما جرى منهما و أن ذلک یقتضی الشرط- .

ثم ذکر أن من یصلح للإمامه ممن ضمه جیش أسامه-  یجب تأخیره لیختار للإمامه أحدهم-  فإن ذلک أهم من نفوذهم-  فإذا جاز لهذه العله التأخیر قبل العقد-  جاز التأخیر بعده للمعاضده و غیرها-  و طعن فی قول من جعل أن إخراجهم فی الجیش-  على جهه الإبعاد لهم عن المدینه بأن قال-  إن بعدهم عن المدینه-  لا یمنع من أن یختاروا للإمامه-و لأنه ع لم یکن قاطعا على موته لا محاله-  لأنه لم یردنفذوا جیش أسامه فی حیاتی-  ثم ذکر أن ولایه أسامه علیهما-  لا تقتضی فضله و أنهما دونه-  و ذکر ولایه عمرو بن العاص علیهما-  و إن لم یکونا دونه فی الفضل-  و أن أحدا لم یفضل أسامه علیهما ثم ذکر أن السبب فی کون عمر من جمله جیش أسامه-  أن عبد الله بن أبی ربیعه المخزومی-  قال عند ولایه أسامه-  تولى علینا شاب حدث و نحن مشیخه قریش-  فقال عمر یا رسول الله مرنی حتى أضرب عنقه-  فقد طعن فی تأمیرک إیاه-  ثم قال أنا أخرج فی جیش أسامه-  تواضعا و تعظیما لأمره ع- .

اعترض المرتضى هذه الأجوبه فقال-  أما کون أبی بکر فی جمله جیش أسامه فظاهر-  قد ذکره أصحاب السیر و التواریخ-  و قد روى البلاذری فی تاریخه-  و هو معروف بالثقه و الضبط-  و بری‏ء من ممالاه الشیعه و مقاربتها-  أن أبا بکر و عمر معا کانا فی جیش أسامه-  و الإنکار لما یجری هذا المجرى لا یغنی شیئا-  و قد کان یجب على من أحال بذلک-  على کتب المغازی فی الجمله-  أن یومئ إلى الکتاب المتضمن لذلک بعینه لیرجع إلیه-  فأما خطابه ع بالتنفیذ للجیش-  فالمقصود به الفور دون التراخی-  إما من حیث مقتضى الأمر على مذهب من یرى ذلک لغه-  و إما شرعا من حیث وجدنا جمیع الأمه-  من لدن الصحابه إلى هذا الوقت-  یحملون أوامره على الفور-  و یطلبون فی تراخیها الأدله-  ثم لو لم یثبت کل ذلک لکان قول أسامه-  لم أکن لأسأل عنک الرکب-  أوضح دلیل على أنه عقل من الأمر الفور-  لأن سؤال الرکب عنه ع بعد وفاته لا معنى له- .

 و أما قول صاحب الکتاب-  إنه لم ینکر على أسامه تأخره فلیس بشی‏ء-  و أی إنکار أبلغ من تکراره الأمر-  و ترداده القول فی حال یشغل عن المهم-  و یقطع الفکر إلا فیها-  و قد کرر الأمر على المأمور تاره بتکرار الأمر-  و أخرى بغیره-  و إذا سلمنا أن أمره ع-  کان متوجها إلى القائم بعده بالأمر لتنفیذ الجیش بعد الوفاه-  لم یلزم ما ذکره من خروج المخاطب بالتنفیذ عن الجمله-  و کیف یصح ذلک و هو من جمله الجیش-  و الأمر متضمن تنفیذ الجیش-  فلا بد من نفوذ کل من کان فی جملته-  لأن تأخر بعضهم-  یسلب النافذین اسم الجیش على الإطلاق-  أ و لیس من مذهب صاحب الکتاب-  أن الأمر بالشی‏ء أمر بما لا یتم إلا معه-  و قد اعتمد على هذا فی مواضع کثیره-  فإن کان خروج الجیش و نفوذه لا یتم إلا بخروج أبی بکر-  فالأمر بخروج الجیش أمر لأبی بکر بالنفوذ و الخروج-  و کذلک لو أقبل علیه على سبیل التخصیص-  و قال نفذوا جیش أسامه-  و کان هو من جمله الجیش-  فلا بد أن یکون ذلک أمرا له بالخروج-  و استدلاله على أنه لم یکن هناک إمام منصوص علیه-  بعموم الأمر بالتنفیذ لیس بصحیح-  لأنا قد بینا أن الخطاب إنما توجه إلى الحاضرین-  و لم یتوجه إلى الإمام بعده-  على أن هذا لازم له-  لأن الإمام بعده لا یکون إلا واحدا-  فلم عمم الخطاب و لم یفرد به الواحد فیقول-  لینفذ القائم من بعدی بالأمر جیش أسامه-  فإن الحال لا یختلف فی کون الإمام بعده واحدا-  بین أن یکون منصوصا علیه أو مختارا- .

و أما ما ادعاه أن الشرط فی أمره ع لهم بالنفوذ-  فباطل لأن إطلاق الأمر یمنع من إثبات الشرط-  و إنما یثبت من الشروط ما یقتضی الدلیل إثباته-  من التمکن و القدره-  لأن ذلک شرط ثابت فی کل أمر ورد من حکیم-  و المصلحه بخلاف ذلک لأن الحکیم لا یأمر بشرط المصلحه-  بل إطلاق الأمر منه یقتضی ثبوت المصلحه-  و انتفاء المفسده-  و لیس کذلک التمکن و ما یجری مجراه-  و لهذا لا یشترط أحد فی أوامر الله تعالى و رسوله ص-  بالشرائع المصلحه و انتفاء المفسده-  و شرطوا فی ذلک التمکن و رفع التعذر-  و لو کان الإمام منصوصا علیه بعینه و اسمه-  لما جاز أن یسترد جیش أسامه بخلاف ما ظنه-  و لا یعزل من ولاه ع و لا یولی من عزله للعله التی ذکرناها- . فأما استدلال أبی علی على أن أبا بکر-  لم یکن فی الجیش بحدیث الصلاه-  فأول ما فیه أنه اعتراف بأن الأمر بتنفیذ الجیش-  کان فی الحیاه دون بعد الوفاه-  و هذا ناقض لما بنى صاحب الکتاب علیه أمره ع- .

ثم إنا قد بینا أنه ع لم یوله الصلاه-  و ذکرنا ما فی ذلک-  ثم ما المانع من أن یولیه تلک الصلاه إن کان ولاه إیاها-  ثم یأمره بالنفوذ من بعد مع الجیش-  فإن الأمر بالصلاه فی تلک الحال-  لا یقتضی أمره بها على التأبید- . و أما ادعاؤه أن النبی ص یأمر بالحروب-  و ما یتصل بها عن اجتهاد دون الوحی-  فمعاذ الله أن یکون صحیحا-  لأن حروبه ع لم تکن مما یختص بمصالح أمور الدنیا-  بل للدین فیها أقوى تعلق لما یعود على الإسلام و أهله-  بفتوحه من العز و القوه و علو الکلمه-  و لیس یجری ذلک مجرى أکله و شربه و نومه-  لأن ذلک لا تعلق له بالدین-  فیجوز أن یکون عن رأیه-  و لو جاز أن تکون مغازیه و بعوثه-  مع التعلق القوی لها بالدین عن اجتهاد-  لجاز ذلک فی الأحکام- .

ثم لو کان ذلک عن اجتهاد-  لما ساغت مخالفته فیه بعد وفاته-  کما لا تسوغ فی حیاته-  فکل عله تمنع من أحد الأمرین هی مانعه من الآخر-  فأما الاعتذار له عن حبس عمر عن الجیش-  بما ذکره فباطل لأنا قد قلنا-  إن ما یأمر به ع لا یسوغ مخالفته مع الإمکان-  و لا مراعاه لما عساه یعرض فیه من رأی غیره-  و أی حاجه إلى عمر بعد تمام العقد-  و استقراره و رضا الأمه به-  على طریق المخالف و إجماعها علیه-  و لم یکن‏ هناک فتنه و لا تنازع-  و لا اختلاف یحتاج فیه إلى مشاورته و تدبیره-  و کل هذا تعلل باطل- . فأما محاربه أمیر المؤمنین ع معاویه-  فإنما کان مأمورا بها مع التمکن و وجود الأنصار-  و قد فعل ع من ذلک ما وجب علیه لما تمکن منه-  فأما مع التعذر و فقد الأنصار فما کان مأمورا بها-  و لیس کذلک القول فی جیش أسامه-  لأن تأخر من تأخر عنه کان مع القدره و التمکن-  فأما تولیه أبی موسى فلا ندری کیف یشبه ما نحن فیه-  لأنه إنما ولاه بأن یرجع إلى کتاب الله تعالى-  فیحکم فیه و فی خصمه بما یقتضیه-  و أبو موسى فعل خلاف ما جعل إلیه-  فلم یکن ممتثلا لأمر من ولاه-  و کذلک خالد بن الولید-  إنما خالف ما أمره به الرسول ص فتبرأ من فعله-  و کل هذا لا یشبه أمره ع-  بتنفیذ جیش أسامه أمرا مطلقا-  و تأکیده ذلک و تکراره له-  فأما جیش أسامه فإنه لم یضم من یصلح للإمامه-  فیجوز تأخرهم لیختار أحدهم على ما ظنه صاحب الکتاب-  على أن ذلک لو صح أیضا لم یکن عذرا فی التأخر-  لأن من خرج فی الجیش-  یمکن أن یختار و إن کان بعیدا-  و لا یمنع بعده من صحه الاختیار-  و قد صرح صاحب الکتاب بذلک-  ثم لو صح هذا العذر لکان عذرا فی التأخر قبل العقد-  فأما بعد إبرامه فلا عذر فیه-  و المعاضده التی ادعاها قد بینا ما فیها- .

فأما ادعاء صاحب الکتاب-  رادا على من جعل إخراج القوم فی الجیش لیتم أمر النص-  أن من أبعدهم لا یمنع أن یختاروا للإمامه-  فیدل على أنه لم یتبین معنى هذا الطعن على حقیقته-  لأن الطاعن به لا یقول إنه أبعدهم-  لئلا یختاروا للإمامه-  و إنما یقول-  إنه أبعدهم حتى ینتصب بعده فی الأرض من نص علیه-  و لا یکون هناک من ینازعه و یخالفه‏

 و أما قوله لم یکن قاطعا علی موته فلا یضر تسلیمه-  أ لیس کان مشفقا و خائفا-  و على الخائف أن یتحرز ممن یخاف منه-  فأما قوله فإنه لم یرد-  نفذوا الجیش فی حیاتی فقد بینا ما فیه-  فأما ولایه أسامه على من ولی علیه-  فلا بد من اقتضائها لفضله على الجماعه-  فیما کان والیا فیه-  و قد دللنا فیما تقدم من الکتاب-  على أن ولایه المفضول على الفاضل-  فیما کان أفضل منه فیه قبیحه-  فکذلک القول فی ولایه عمرو بن العاص علیها فیما تقدم-  و القول فی الأمرین واحد- .

و قوله إن أحدا لم یدع فضل أسامه على أبی بکر و عمر-  فلیس الأمر علی ما ظنه-  لأن من ذهب إلى فساد إمامه المفضول-  لا بد من أن یفضل أسامه علیهما فیما کان والیا فیه-  فأما ادعاؤه ما ذکره من السبب-  فی دخول عمر فی الجیش فما نعرفه-  و لا وقفنا علیه إلا من کتابه ثم لو صح لم یغن شیئا-  لأن عمر لو کان أفضل من أسامه-  لمنعه الرسول ص من الدخول فی إمارته-  و المسیر تحت لوائه-  و التواضع لا یقتضی فعل القبیح- . قلت إن الکلام فی هذا الفصل قد تشعب شعبا کثیره-  و المرتضى رحمه الله لا یورد کلام قاضی القضاه بنصه-  و إنما یختصره و یورده مبتورا-  و یومئ إلى المعانی إیماء لطیفا و غرضه الإیجاز-  و لو أورد کلام قاضی القضاه بنصه لکان ألیق-  و کان أبعد عن الظنه و أدفع لقول قائل من خصومه-  إنه یحرف کلام قاضی القضاه و یذکر على غیر وجه-  أ لا ترى أن من نصب نفسه لاختصار کلام-  فقد ضمن على نفسه أنه قد فهم معانی ذلک الکلام-  حتى یصح منه اختصاره-  و من الجائز أن یظن أنه قد فهم بعض المواضع-  و لم یکن قد فهمه على الحقیقه-  فیختصر ما فی نفسه لا ما فی تصنیف ذلک الشخص-  و أما من یورد کلام الناس بنصه-  فقد استراح من هذه التبعه-  و عرض عقل غیره و عقل نفسه على الناظرین و السامعین- . ثم نقول إن هذا الفصل ینقسم أقساما-  منها قول قاضی القضاه-  لا نسلم أن أبا بکر کان فی جیش أسامه- .

و أما قول المرتضى-  إنه قد ذکره أرباب السیر و التواریخ-  و قوله إن البلاذری ذکره فی تاریخه-  و قوله هلا عین قاضی القضاه الکتاب-  الذی ذکر أنه یتضمن عدم کون أبی بکر فی ذلک الجیش-  فإن الأمر عندی فی هذا الموضع مشتبه-  و التواریخ مختلفه فی هذه القضیه-  فمنهم من یقول إن أبا بکر کان فی جمله الجیش-  و منهم من یقول إنه لم یکن-  و ما أشار إلیه قاضی القضاه بقوله فی کتب المغازی-  لا ینتهی إلى أمر صحیح-  و لم یکن ممن یستحل القول بالباطل فی دینه و لا فی رئاسته-  ذکر الواقدی فی کتاب المغازی-  أن أبا بکر لم یکن فی جیش أسامه-  و إنما کان عمر و أبو عبیده و سعد بن أبی وقاص-  و سعید بن زید بن عمرو بن نفیل-  و قتاده بن النعمان و سلمه بن أسلم-  و رجال کثیر من المهاجرین و الأنصار-  قال و کان المنکر لإماره أسامه عیاش بن أبی ربیعه-  و غیر الواقدی یقول عبد الله بن عیاش-  و قد قیل عبد الله بن أبی ربیعه أخو عیاش- .

و قال الواقدی-  و جاء عمر بن الخطاب فودع رسول الله ص لیسیر مع أسامه-  و قال و جاء أبو بکر فقال یا رسول الله-  أصبحت مفیقا بحمد الله-  و الیوم یوم ابنه خارجه-  فأذن لی فأذن له-  فذهب إلى منزله بالسنح و سار أسامه فی العسکر-  و هذا تصریح بأن أبا بکر لم یکن فی جیش أسامه- .

 

و ذکر موسى بن عقبه فی کتاب المغازی-  أن أبا بکر لم یکن فی جیش أسامه-  و کثیر من المحدثین یقولون بل کان فی جیشه- . فأما أبو جعفر محمد بن جریر الطبری-  فلم یذکر أنه کان فی جیش أسامه إلا عمر-  و قال أبو جعفر-  حدثنی السدی بإسناد ذکره أن رسول الله ص-  ضرب قبل وفاته بعثا على أهل المدینه و من حولهم-  و فیهم عمر بن الخطاب-  و أمر علیهم أسامه بن زید-  فلم یجاوز آخرهم الخندق حتى قبض رسول الله ص-  فوقف أسامه بالناس ثم قال لعمر-  ارجع إلى خلیفه رسول الله ص-  فاستأذنه یأذن لی أرجع بالناس-  فإن معی وجوه الصحابه-  و لا آمن على خلیفه رسول الله ص-  و ثقل رسول الله ص و أثقال المسلمین-  أن یتخطفهم المشرکون حول المدینه-  و قالت الأنصار لعمر سرا-  فإن أبى إلا أن یمضی فأبلغه عنا-  و اطلب إلیه أن یولی أمرنا رجلا أقدم سنا من أسامه-  فخرج عمر بأمر أسامه-  فأتى أبا بکر فأخبره بما قال أسامه-  فقال أبو بکر لو تخطفتنی الکلاب و الذئاب-  لم أرد قضاء قضى به رسول الله ص- 

قال فإن الأنصار أمرونی أن أبلغک أنهم یطلبون إلیک-  أن تولی أمرهم رجلا أقدم سنا من أسامه-  فوثب أبو بکر و کان جالسا فأخذ بلحیه عمر-  و قال ثکلتک أمک یا ابن الخطاب-  أ یستعمله رسول الله ص و تأمرنی أن أنزعه-  فخرج عمر إلى الناس فقالوا له ما صنعت-  فقال امضوا ثکلتکم أمهاتکم-  ما لقیت فی سبیلکم الیوم من خلیفه رسول الله ص-  ثم خرج أبو بکر حتى أتاهم فأشخصهم و شیعهم-  و هو ماش و أسامه راکب-  و عبد الرحمن بن عوف یقود دابه أبی بکر-  فقال له أسامه بن زید یا خلیفه رسول الله-  لترکبن أو لأنزلن-  فقال و الله لا تنزل و لا أرکب-  و ما علی أن أغبر قدمی فی سبیل الله ساعه-فإن للغازی بکل خطوه یخطوها-  سبعمائه حسنه تکتب له-  و سبعمائه درجه ترفع له-  و سبعمائه خطیئه تمحى عنه-  حتى إذا انتهى قال لأسامه-  إن رأیت أن تعیننی بعمر فافعل فأذن له-  ثم قال أیها الناس قفوا حتى أوصیکم بعشر فاحفظوها عنی-  لا تخونوا و لا تغدروا و لا تغلوا و لا تمثلوا-  و لا تقتلوا طفلا صغیرا و لا شیخا کبیرا و لا امرأه-  و لا تعقروا نخلا و لا تحرقوه و لا تقطعوا شجره مثمره-  و لا تذبحوا شاه و لا بعیرا و لا بقره إلا لمأکله-  و سوف تمرون بأقوام-  قد فرغوا أنفسهم للعباده فی الصوامع-  فدعوهم فیما فرغوا أنفسهم له-  و سوف تقدمون على أقوام-  یأتونکم بصحاف فیها ألوان الطعام-  فلا تأکلوا من شی‏ء حتى تذکروا اسم الله علیه-  و سوف تلقون أقواما قد حصوا أوساط رءوسهم-  و ترکوا حولها مثل العصائب-  فاخفقوهم بالسیوف خفقا-  أفناهم الله بالطعن و الطاعون-  سیروا على اسم الله- .

و أما قول الشیخ أبی علی-  فإنه یدل على أنه لم یکن فی جیش أسامه-  أمره إیاه بالصلاه-  و قول المرتضى هذا اعتراف بأن الأمر بتنفیذ الجیش-  کان فی الحال دون ما بعد الوفاه-  و هذا ینقض ما بنى علیه قاضی القضاه أمره-  فلقائل أن یقول إنه لا ینقض ما بناه-  لأن قاضی القضاه ما قال-  إن الأمر بتنفیذ الجیش ما کان إلا بعد الوفاه-  بل قال إنه أمر و الأمر على التراخی-  فلو نفذ الجیش فی الحال لجاز-  و لو تأخر إلى بعد الوفاه لجاز- .

فأما إنکار المرتضى-  أن تکون صلاه أبی بکر بالناس کانت عن أمر رسول الله ص-  فقد ذکرنا ما عندنا فی هذا فیما تقدم- . و أما قوله-  یجوز أن یکون أمر بصلاه واحده أو صلاتین-  ثم أمره بالنفوذ بعدذلک فهذا لعمری جائز-  و قد یمکن أن یقال-  إنه لما خرج متحاملا من شده المرض-  فتأخر أبو بکر عن مقامه-  و صلى رسول الله ص بالناس-  أمره بالنفوذ مع الجیش-  و أسکت رسول الله ص فی أثناء ذلک الیوم-  و استمر أبو بکر على الصلاه بالناس إلى أن توفی ع-  فقد جاء فی الحدیث أنه أسکت-  و أن أسامه دخل علیه فلم یستطع کلامه-  لکنه کان یرفع یدیه و یضعهما علیه کالداعی له-  و یمکن أن یکون زمان هذه السکته-  قد امتد یوما أو یومین-  و هذا الموضع من المواضع المشتبهه عندی و منها قول قاضی القضاه إن الأمر على التراخی-  فلا یلزم من تأخر أبی بکر عن النفوذ أن یکون عاصیا- . فأما قول المرتضى-  الأمر على الفور إما لغه عند من قال به-  أو شرعا لإجماع الکل-  على أن الأوامر الشرعیه على الفور-  إلا ما خرج بالدلیل-  فالظاهر فی هذا الموضع صحه ما قاله المرتضى-  لأن قرائن الأحوال-  عند من یقرأ السیر و یعرف التواریخ-  تدل على أن الرسول ص-  کان یحثهم على الخروج و المسیر و هذا هو الفور- .

و أما قول المرتضى و قول أسامه-  لم أکن لأسأل عنک الرکب-  فهو أوضح دلیل على أنه عقل من الأمر الفور-  لأن سؤال الرکب عنه بعد الوفاه لا معنى له-  فلقائل أن یقول إن ذلک لا یدل على الفور-  بل یدل على أنه مأمور فی الجمله بالنفوذ و المسیر-  فإن التعجیل و التأخیر مفوضان إلى رأیه-  فلما قال له النبی ص لم تأخرت عن المسیر-  قال لم أکن لأسیر و أسأل عنک الرکب-  إنی انتظرت عافیتک فإنی إذا سرت و أنت على هذه الحال-  لم یکن لی قلب للجهاد بل أکون قلقا شدید الجزع-  أسأل‏ عنک الرکبان-  و هذا الکلام لا یدل-  على أنه عقل من الأمر الفور لا محاله-  بل هو على أن یدل على التراخی أظهر-  و قول النبی ص لم تأخرت عن المسیر-  لا یدل على الفور-  لأنه قد یقال مثل ذلک-  لمن یؤمر بالشی‏ء على جهه التراخی-  إذا لم یکن سؤال إنکار- .

و قول المرتضى-  لأن سؤال الرکب عنه بعد الوفاه لا معنى له-  قول من قد توهم على قاضی القضاه أنه یقول-  إن النبی ص ما أمرهم بالنفوذ-  إلا بعد وفاته-  و لم یقل قاضی القضاه ذلک-  و إنما ادعى أن الأمر على التراخی لا غیر-  و کیف یظن بقاضی القضاه-  أنه حمل کلام أسامه على سؤال الرکب بعد الموت-  و هل کان أسامه یعلم الغیب فیقول ذاک-  و هل سأل أحد عن حال أحد من المرضى بعد موته- . فأما قول المرتضى عقیب هذا الکلام-  لا معنى لقول قاضی القضاه-  إنه لم ینکر على أسامه تأخره-  فإن الإنکار قد وقع بتکرار الأمر حالا بعد حال-  فلقائل أن یقول-  إن قاضی القضاه لم یجعل عدم الإنکار على أسامه-  حجه على کون الأمر على التراخی-  و إنما جعل ذلک دلیلا-  على أن الأمر کان مشروطا بالمصلحه-  و من تأمل کلام قاضی القضاه-  الذی حکاه عنه المرتضى تحقق ذلک-  فلا یجوز للمرتضى أن ینتزعه-  من الوضع الذی أورده فیه-  فیجعله فی موضع آخر- .

و منها قول قاضی القضاه-  الأمر بتنفیذ الجیش-  یجب أن یکون متوجها إلى الخلیفه بعده-  و المخاطب لا یدخل تحت الخطاب-  و اعتراض المرتضى علیه-  بأن لفظه الجیش یدخل تحتها أبو بکر-  فلا بد من وجوب النفوذ علیه-  لأن عدم نفوذه یسلب الجماعه اسم الجیش-  فلیس بجید-  لأن لفظه الجیش لفظه موضوعه لجماعه من الناس-  قد أعدت للحرب-  فإذا خرج منها واحد أو اثنان-  لم یزل مسمى الجیش عن الباقین-  و المرتضى‏ اعتقد أن ذلک مثل الماهیات المرکبه-  نحو العشره إذا عدم منها واحد زال مسمى العشره-  و لیس الأمر کذلک-  یبین ذلک أنه لو قال بعض الملوک لمائه إنسان-  أنتم جیشی-  ثم قال لواحد منهم-  إذا مت فأعط کل واحد من جیشی درهما من خزانتی-  فقد جعلتک أمیرا علیهم-  لم یکن له أن یأخذ لنفسه درهما-  و یقول أنا من جمله الجماعه-  الذین أطلق علیهم لفظه الجیش- .

و منها قول قاضی القضاه-  هذه القضیه تدل على أنه لم یکن هناک-  إمام منصوص علیه-  و أما قول المرتضى-  فقد بینا أن الخطاب إنما توجه إلى الحاضرین-  لا إلى القائم بالأمر بعده-  فلم نجد فی کلامه فی هذا الفصل بطوله ما بین فیه ذلک-  و لا أعلم على ما ذا أحال-  و لو کان قد بین على ما زعم-  أن الخطاب متوجه إلى الحاضرین-  لکان الإشکال قائما-  لأنه یقال له-  إذا کان الإمام المنصوص علیه حاضرا عنده-  فلم وجه الخطاب إلى الحاضرین-  أ لا ترى أنه لا یجوز أن یقول الملک للرعیه-  اقضوا بین هذین الشخصین و القاضی حاضر عنده-  إلا إذا کان قد عزله عن القضاء-  فی تلک الواقعه عن الرعیه- .

فأما قول المرتضى هذا ینقلب علیکم فلیس ینقلب-  و إنما ینقلب لو کان یرید تنفیذ الجیش بعد موته فقط-  و لا یریده و هو حی-  فکان یجی‏ء ما قاله المرتضى-  لینفذ القائم بالأمر بعدی جیش أسامه-  فأما إذا کان یرید نفوذ الجیش-  من حین ما أمر بنفوذه فقد سقط القلب-  لأن الخلیفه حینئذ لم یکن قد تعین-  لأن الاختیار ما وقع بعد-  و على مذهب المرتضى-  الإمام متعین حاضر عنده نصب عینه-  فافترق الوصفان- . و منها قول قاضی القضاه-  إن مخالفه أمره ص فی النفوذ مع الجیش-  أو فی إنفاذ الجیش لا یکون معصیه-  و بین ذلک من وجوه-أحدها أن أمره ع بذلک-  لا بد أن یکون مشروطا بالمصلحه-  و ألا یعرض ما هو أهم من نفوذ الجیش-  لأنه لا یجوز أن یأمرهم بالنفوذ-  و إن أعقب ضررا فی الدین- 

فأما قول المرتضى-  الأمر المطلق یدل على ثبوت المصلحه-  و لا یجوز أن یجعل الأمر المطلق-  فقول جید إذا اعترض به-  على الوجه الذی أورده قاضی القضاه-  فأما إذا أورده أصحابنا على وجه آخر-  فإنه یندفع کلام المرتضى-  و ذلک أنه یجوز تخصیص عمومات النصوص-  بالقیاس الجلی عند کثیر من أصحابنا-  على ما هو مذکور فی أصول الفقه-  فلم لا یجوز لأبی بکر أن یخص عموم قوله-  انفذوا بعث أسامه-  لمصلحه غلبت على ظنه فی عدم نفوذه نفسه-  و لمفسده غلبت على نفسه فی نفوذه نفسه مع البعث- . و ثانیها أنه ع کان یبعث السرایا-  عن اجتهاد لا عن وحی یحرم مخالفته-  فأما قول المرتضى إن للدین تعلقا قویا بأمثال ذلک-  و إنها لیست من الأمور الدنیاویه المحضه-  نحو أکله و شربه و نومه-  فإنه یعود على الإسلام بفتوحه عز و قوه و علو کلمه-  فیقال له و إذا أکل اللحم و قوی مزاجه بذلک-  و نام نوما طبیعیا یزول عنه به المرض و الإعیاء-  اقتضى ذلک أیضا عز الإسلام و قوته-  فقل إن ذلک أیضا عن وحی- .

ثم إن الذی یقتضیه فتوحه و غزواته و حروبه-  من العز و علو الکلمه-  لا ینافی کون تلک الغزوات و الحروب باجتهاده-  لأنه لا منافاه بین اجتهاده و بین عز الدین-  و علو کلمته بحروبه-  و إن الذی ینافی اجتهاده بالرأی-  هو مثل فرائض الصلوات و مقادیر الزکوات-  و مناسک الحج و نحو ذلک من الأحکام-  التی تشعر بأنها متلقاه من محض الوحی-  و لیس للرأی و الاجتهاد فیها مدخل-  و قد خرج بهذا الکلام الجواب عن قوله-لو جاز أن تکون السرایا و الحروب عن اجتهاده-  لجاز أن تکون الأحکام کلها عن اجتهاده-  و أیضا فإن الصحابه کانوا یراجعونه فی الحروب و آراءه-  التی یدبرها بها و یرجع ع إلیهم-  فی کثیر منها بعد أن قد رأى غیره-  و أما الأحکام فلم یکن یراجع فیها أصلا-  فکیف یحمل أحد البابین على الآخر- .

فأما قوله لو کانت عن اجتهاد-  لوجب أن یحرم مخالفته فیها و هو حی-  لا فرق بین الحالین-  فلقائل أن یقول القیاس یقتضی ما ذکرت-  إلا أنه وقع الإجماع-  على أنه لو کان فی الأحکام أو فی الحروب و الجهاد-  ما هو باجتهاده لما جازت مخالفته-  و العدول عن مذهبه و هو حی-  لم یختلف أحد من المسلمین فی ذلک-  و أجازوا مخالفته بعد وفاته-  بتقدیر أن یکون ما صار إلیه عن اجتهاد-  و الإجماع حجه- . فأما قول قاضی القضاه-  لأن اجتهاده و هو حی أولى من اجتهاد غیره-  فلیس یکاد یظهر-  لأن اجتهاده و هو میت أولى أیضا من اجتهاد غیره-  و یغلب على ظنی-  أنهم فرقوا بین حالتی الحیاه و الموت-  فإن فی مخالفته و هو حی نوعا من أذى له-  و أذاه محرم لقوله تعالى وَ ما کانَ لَکُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ-  و الأذى بعد الموت لا یکون-  فافترق الحالان- .

و ثالثها أنه لو کان الإمام منصوصا علیه-  لجاز أن یسترد جیش أسامه أو بعضه لنصرته-  فکذلک إذا کان بالاختیار-  و هذا قد منع منه المرتضى-  و قال إنه لا یجوز للمنصوص علیه ذلک-  و لا أن یولی من عزله رسول الله ص-  و لا أن یعزل من ولاه رسول الله ص‏ و رابعها-  أنه ع ترک حرب معاویه فی بعض الحالات-  و لم یوجب ذلک أن یکون عاصیا-  فکذلک أبو بکر فی ترک النفوذ فی جیش أسامه- . فأما قول المرتضى-  إن علیا ع کان مأمورا بحرب معاویه-  مع التمکن و وجود الأنصار-  فإذا عدما لم یکن مأمورا بحربه-  فلقائل أن یقول و أبو بکر کان مأمورا-  بالنفوذ فی جیش أسامه مع التمکن و وجود الأنصار-  و قد عدم التمکن لما استخلف-  فإنه قد تحمل أعباء الإمامه-  و تعذر علیه الخروج عن المدینه التی هی دار الإمامه-  فلم یکن مأمورا و الحال هذه بالنفوذ فی جیش أسامه- .

فإن قلت-  الإشکال علیکم إنما هو من قبل الاستخلاف-  کیف جاز لأبی بکر أن یتأخر عن المسیر-  و کیف جاز له أن یرجع إلى المدینه و هو مأمور بالمسیر-  و هلا نفذ لوجهه و لم یرجع-  و إن بلغه موت رسول الله ص- . قلت لعل أسامه أذن له فهو مأمور بطاعته-  و لأنه رأى أسامه و قد عاد باللواء فعاد هو-  لأنه لم یکن یمکنه أن یسیر إلى الروم وحده-  و أیضا فإن أصحابنا قالوا-  إن ولایه أسامه بطلت بموت النبی ص-  و عاد الأمر إلى رأی من ینصب للأمر-  قالوا لأن تصرف أسامه إنما کان من جهه النبی ص-  ثم زال تصرف النبی ص بموته-  فوجب أن یزول تصرف أسامه-  لأن تصرفه تبع لتصرف الرسول ص-  قالوا و ذلک کالوکیل تبطل وکالته بموت الموکل- 

قالوا و یفارق الوصی-  لأن ولایته لا تثبت إلا بعد موت الموصی-  فهو کعهد الإمام إلى غیره-  لا یثبت إلا بعد موت الإمام-  ثم فرع أصحابنا على هذا الأصل مسأله-  و هی الحاکم هل ینعزل بموت الإمام أم لا-  قال قوم من أصحابنا لا ینعزل-  و بنوه على أن التولی من غیر جهه الإمام یجوز-  فجعلوا الحاکم نائبا عن المسلمین أجمعین-  لا عن الإمام- و إن وقف تصرفه على اختیاره-  و صار ذلک عندهم بمنزله أن یختار المسلمون واحدا-  یحکم بینهم ثم یموت من رضی بذلک-  فإن تصرفه یبقى على ما کان علیه-  و قال قوم من أصحابنا ینعزل-  و إن هذا النوع من التصرف لا یستفاد إلا من جهه الإمام-  و لا یقوم به غیره-  و إذا ثبت أن أسامه قد بطلت ولایته-  لم تبق تبعه على أبی بکر-  فی الرجوع من بعض الطریق إلى المدینه- .

و خامسها-  أن أمیر المؤمنین ولى أبا موسى الحکم-  و ولى رسول الله ص-  خالد بن الولید السریه إلى الغمیصاء-  و هذا الکلام إنما ذکره قاضی القضاه تتمه لقوله-  إن أمره ع بنفوذ بعث أسامه کان مشروطا بالمصلحه-  قال کما أن تولیته ع أبا موسى-  کانت مشروطه باتباع القرآن-  و کما أن تولیه رسول الله ص خالد بن الولید-  کانت مشروطه بأن یعمل بما أوصاه به-  فخالفا و لم یعملا الحق-  فإذا کانت هذه الأوامر مشروطه-  فکذلک أمره جیش أسامه بالنفوذ-  کان مشروطا بالمصلحه-  و ألا یعرض ما یقتضی رجوع الجیش أو بعضه إلى المدینه-  و قد سبق القول فی کون الأمر مشروطا- . و سادسها-  أن أبا بکر کان محتاجا إلى مقام عمر عنده-  لیعاضده و یقوم فی تمهید أمر الإمامه ما لا یقوم به غیره-  فکان ذلک أصلح فی باب الدین من مسیره مع الجیش-  فجاز أن یحبسه عنده لذلک-  و هذا الوجه مختص بمن قال إن أبا بکر لم یکن فی الجیش-  و إیضاح عذره فی حبس عمر عن النفوذ مع الجیش- .

 

فأما قول المرتضى فإن ذلک غیر جائز-  لأن مخالفه النص حرام-  فقد قلنا إن هذا مبنی على مسأله تخصیص العمومات-  الوارده فی القرآن بالقیاس- .و أما قوله-  أی حاجه کانت لأبی بکر إلى عمر بعد وقوع البیعه-  و لم یکن هناک تنازع و لا اختلاف فعجیب-  و هل کان لو لا مقام عمر و حضوره فی تلک المقامات-  یتم لأبی بکر أمر أو ینتظم له حال-  و لو لا عمر-  لما بایع علی و لا الزبیر و لا أکثر الأنصار-  و الأمر فی هذا أظهر من کل ظاهر- . و سابعها أن من یصلح للإمامه ممن ضمه جیش أسامه-  یجب تأخرهم لیختار للإمامه أحدهم-  فإن ذلک أهم من نفوذهم-  فإذا جاز لهذه العله التأخر قبل العقد-  جاز التأخر بعده للمعاضده و غیرها- .

فأما قول المرتضى-  إن ذلک الجیش لم یضم من یصلح للإمامه-  فبناء على مذهبه-  فی أن کل من لیس بمعصوم لا یصلح للإمامه-  فأما قوله و لو صح ذلک لم یکن عذرا فی التأخر-  لأن من خرج فی الجیش یمکن أن یختار و لو کان بعیدا-  و لا یمکن بعده من صحه الاختیار-  فلقائل أن یقول-  دار الهجره هی التی فیها أهل الحل و العقد-  و أقارب رسول الله ص و القراء و أصحاب السقیفه-  فلا یجوز العدول عن الاجتماع و المشاوره فیها-  إلى الاختیار على البعد-  و على جناح السفر-  من غیر مشارکه من ذکرنا من أعیان المسلمین- . فأما قوله و لو صح هذا العقد-  لکان عذرا فی التأخر قبل العقد-  فأما بعد إبرامه فلا عذر فیه-  فلقائل أن یقول-  إذا أجزت التأخر قبل العقد لنوع من المصلحه-  فأجز التأخر بعد العقد لنوع آخر من المصلحه-  و هو المعاضده و المساعده- .

 

هذه الوجوه السبعه کلها لبیان قوله-  تأخر أبی بکر أو عمر عن النفوذ فی جیش أسامه-  و إن کان مأمورا بالنفوذ- .ثم نعود إلى تمام أقسام الفصل-  و منها قول قاضی القضاه لا معنى لقول من قال-  إن رسول الله ص قصد إبعادهم عن المدینه-  لأن بعدهم عنها-  لا یمنعهم من أن یختاروا واحدا منهم للإمامه-  و لأنه ع لم یکن قاطعا على موته لا محاله-  لأنه لم یرد نفذوا جیش أسامه فی حیاته- . و قد اعترض المرتضى هذا فقال-  إنه لم یتبین معنى الطعن-  لأن الطاعن لا یقول-  إنهم أبعدوا عن المدینه کی لا یختاروا واحدا للإمامه-  بل یقول إنما أبعدوا لینتصب بعد موته ص فی المدینه-  الشخص الذی نص علیه-  و لا یکون حاضرا بالمدینه من یخالفه و ینازعه-  و لیس یضرنا ألا یکون ص قاطعا على موته-  لأنه و إن لم یکن قاطعا-  فهو لا محاله یشفق و یخاف من الموت-  و على الخائف أن یتحرز مما یخاف منه-  و کلام المرتضى فی هذا الموضع-  أظهر من کلام قاضی القضاه- . و منها قول قاضی القضاه-  إن ولایه أسامه علیهما لا تقتضی کونهما دونه فی الفضل-  کما أن عمرو بن العاص لما ولی علیهما-  لم یقتض کونه أفضل منهما-  و قد اعترض المرتضى-  هذا بأنه یقبح تقدیم المفضول على الفاضل-  فیما هو أفضل منه-  و إن تقدیم عمرو بن العاص علیهما فی الإمره-  یقتضی أن یکون أفضل منهما-  فیما یرجع إلى الإمره و السیاسه-  و لا یقتضی أفضلیته علیهما فی غیر ذلک-  و کذلک القول فی أسامه- .

و لقائل أن یقول-  إن الملوک قد یؤمرون الأمراء على الجیوش لوجهین-  أحدهما أن یقصد الملک بتأمیر ذلک الشخص-  أن یسوس الجیش و یدبره بفضل رأیه و شیخوخته-  و قدیم تجربته-  و ما عرف من یمن نقیبته فی الحرب و قود العساکر-  و الثانی أن یؤمر على الجیش-  غلاما حدثا من غلمانه أو من ولده أو من أهله-  و یأمر الأکابر من الجیش أن یثقفوه و یعلموه-  و یأمره أن یتدبر بتدبیرهم و یرجع إلى رأیهم-  و یکون قصد الملک من ذلک-  تخریج ذلک الغلام و تمرینه على الإماره-  و أن یثبت له فی نفوس الناس منزله-  و أن یرشحه لجلائل الأمور و معاظم الشئون-  ففی الوجه الأول یقبح تقدیم المفضول على الفاضل-  و فی الوجه الثانی لا یقبح-  فلم لا یجوز أن یکون تأمیر أسامه علیهما-  من قبیل الوجه الثانی و الحال یشهد لذلک-  لأن أسامه کان غلاما لم یبلغ ثمانی عشره سنه-  حین قبض النبی ص-  فمن أین حصل له من تجربه الحرب و ممارسه الوقائع-  و قود الجیش ما یکون به أعرف بالإمره من أبی بکر-  و عمر و أبی عبیده و سعد بن أبی وقاص و غیرهم- .

و منها قول قاضی القضاه-  إن السبب فی کون عمر فی الجیش-  أنه أنکر على عبد الله بن عیاش بن أبی ربیعه-  تسخطه إمره أسامه-  و قال أنا أخرج فی جیش أسامه-  فخرج من تلقاء نفسه تعظیما لأمر رسول الله ص-  و قد اعترضه المرتضى فقال-  هذا شی‏ء لم نسمعه من راو و لا قرأناه فی کتاب-  و صدق المرتضى فیما قال-  فإن هذا حدیث غریب لا یعرف- . و أما قول عمر دعنی أضرب عنقه فقد نافق-  فمنقول مشهور لا محاله-  و إنما الغریب الذی لم یعرف-  کون عمر خرج من تلقاء نفسه فی الجیش-  مراغمه لعبد الله بن عیاش بن أبی ربیعه-  حیث أنکر ما أنکر-  و لعل قاضی القضاه سمعه من راو أو نقله من کتاب-  إلا أنا نحن ما وقفنا على ذلک

 

الطعن الخامس

قالوا-  إنه ص لم یول أبا بکر الأعمال و ولى غیره-  و لما ولاه الحج بالناس و قراءه سوره براءه على الناس-  عزله عن ذلک کله-  و جعل الأمر إلى أمیر المؤمنین ع-  و قال لا یؤدی عنی إلا أنا أو رجل منی-  حتى یرجع أبو بکر إلى النبی ص- . أجاب قاضی القضاه فقال-  لو سلمنا أنه لم یوله لما دل ذلک على نقص-  و لا على أنه لم یصلح للإماره و الإمامه-  بل لو قیل إنه لم یوله لحاجته إلیه بحضرته-  و إن ذلک رفعه له لکان أقرب-  لا سیما و قد روی عنه ما یدل على أنهما وزیراه-  و أنه کان ص محتاجا إلیهما و إلى رأیهما-  فلذلک لم یولهما-  و لو کان للعمل على ترکه فضل-  لکان عمرو بن العاص و خالد بن الولید و غیرهما-  أفضل من أکابر الصحابه-  لأنه ع ولاهما و قدمهما-  و قد قدمنا أن تولیته هی بحسب الصلاح-  و قد یولى المفضول على الفاضل تاره و الفاضل أخرى-  و ربما ولى الواحد لاستغنائه عنه بحضرته-  و ربما ولاه لاتصال بینه و بین من یولى علیه إلى غیر ذلک-  ثم ادعى أنه ولى أبا بکر على الموسم و الحج-  قد ثبتت بلا خلاف بین أهل الأخبار و لم یصح أنه عزله-  و لا یدل رجوع أبی بکر إلى النبی ص-  مستفهما عن القصه على العزل-  ثم جعل إنکار من أنکر حج أبی بکر فی تلک السنه بالناس-  کإنکار عباد و طبقته-  أخذ أمیر المؤمنین ع سوره براءه من أبی بکر-  و حکی عن أبی علی أن المعنى کان فی أخذ السوره من أبی بکر-  أن من عاده العرب أن سیدا من سادات قبائلهم-  إذا عقد عقد القوم فإن ذلک العقد لا ینحل-  إلا أن یحله هو أو بعض سادات قومه-  فلما کان هذا عادتهم-  و أراد النبی ص أن ینبذ إلیهم عقدهم-  و ینقض ما کان بینه و بینهم-  علم أنه لا ینحل ذلک إلا به-  أو بسید من سادات رهطه-  فعدل عن أبی بکر إلى أمیر المؤمنین المقرب فی النسب-  ثم ادعى أنه ص ولى أبا بکر فی مرضه الصلاه-  و ذلک أشرف الولایات و قال فی ذلک-  یأبى الله و رسوله و المسلمون إلا أبا بکر- . ثم اعترض نفسه بصلاته ع خلف عبد الرحمن بن عوف-  و أجاب بأنه ص إنما صلى خلفه-  لا أنه ولاه الصلاه و قدمه فیها-  قال و إنما قدم عبد الرحمن عند غیبه النبی ص-  فصلى بغیر أمره-  و قد ضاق الوقت فجاء النبی ص فصلى خلفه- .

اعترض المرتضى فقال-  قد بینا أن ترکه ص الولایه لبعض أصحابه-  مع حضوره و إمکان ولایته و العدول عنه إلى غیره-  مع تطاول الزمان و امتداده-  لا بد من أن تقتضی غلبه الظن بأنه لا یصلح للولایه-  فأما ادعاؤه أنه لم یوله لافتقاره إلیه بحضرته-  و حاجته إلى تدبیره و رأیه-  فقد بینا أنه ع ما کان یفتقر إلى رأی أحد-  لکماله و رجحانه على کل أحد-  و إنما کان یشاور أصحابه على سبیل التعلیم لهم و التأدیب-  أو لغیر ذلک مما قد ذکر-  و بعد فکیف استمرت هذه الحاجه و اتصلت منه إلیهما-  حتى لم یستغن فی زمان من الأزمان عن حضورهما فیولیهما-  و هل هذا إلا قدح فی رأی رسول الله ص-  و نسبته إلى أنه کان ممن یحتاج-  إلى أن یلقن و یوقف على کل شی‏ء-  و قد نزهه الله تعالى عن ذلک-  فأما ادعاؤه أن الروایه قد وردت بأنهما وزیراه-  فقد کان یجب أن یصحح ذلک قبل أن یعتمده و یحتج به-  فإنا ندفعه عنه أشد دفع-  فأما ولایه عمرو بن العاص و خالد بن الولید-  فقد تکلمنا علیها من قبل-  و بینا أن ولایتهما تدل على صلاحهما لما ولیاه-  و لا تدل على صلاحهما للإمامه-  لأن شرائط الإمامه لم تتکامل فیهما-  و بینا أیضا لأن ولایه المفضول على الفاضل لا تجوز-  فأما تعظیمه‏ و إکباره قول من یذهب إلى أن أبا بکر-  عزل عن أداء السوره و الموسم جمیعا-  و جمعه بین ذلک فی البعد و بین إنکار عباد-  أن یکون أمیر المؤمنین ع ارتجع سوره براءه من أبی بکر-  فأول ما فیه أنا لا ننکر أن یکون أکثر الأخبار وارده-  بأن أبا بکر حج بالناس فی تلک السنه-  إلا أنه قد روى قوم من أصحابنا خلاف ذلک-  و أن أمیر المؤمنین ع کان أمیر الموسم فی تلک السنه-  و أن عزل الرجل کان عن الأمرین معا-  و استکبار ذلک-  و فیه خلاف لا معنى له-  فأما ما حکاه عن عباد فإنا لا نعرفه-  و ما نظن أحدا یذهب إلى مثله-  و لیس یمکنه بإزاء ذلک جحد مذهب أصحابنا-  الذی حکیناه-  و لیس عباد لو صحت الروایه عنه بإزاء من ذکرناه-  فهو ملی‏ء بالجهالات و دفع الضرورات-  و بعد فلو سلمنا أن ولایه الموسم لم تفسخ-  لکان الکلام باقیا-  لأنه إذا کان ما ولی مع تطاول الزمان إلا هذه الولایه-  ثم سلب شطرها و الأفخم الأعظم منها-  فلیس ذلک إلا تنبیها على ما ذکرناه- .

فأما ما حکاه عن أبی علی-  من أن عاده العرب ألا یحل ما عقده الرئیس منهم-  إلا هو أو المتقدم من رهطه-  فمعاذ الله أن یجری النبی ص-  سنته و أحکامه على عادات الجاهلیه-  و قد بین ع لما رجع إلیه أبو بکر-  یسأله عن أخذ السوره منه الحال-  فقال إنه أوحی إلی ألا یؤدی عنی-  إلا أنا أو رجل منی-  و لم یذکر ما ادعاه أبو علی-  على أن هذه العاده قد کان یعرفها النبی ص-  قبل بعثه أبا بکر بسوره براءه-  فما باله لم یعتمدها فی الابتداء-  و یبعث من یجوز أن یحل عقده من قومه- . فأما ادعاؤه ولایه أبی بکر الصلاه-  فقد ذکرنا فیما تقدم أنه لم یوله إیاها-  فأما فصله بین صلاته خلف عبد الرحمن-  و بین صلاه أبی بکر بالناس فلیس بشی‏ء-  لأنا إذا کنا قد دللنا على أن الرسول ص-  ما قدم أبا بکر إلى الصلاه-  فقداستوى الأمران-  و بعد فأی فرق بین أن یصلی خلفه و بین أن یولیه و یقدمه-  و نحن نعلم أن صلاته خلفه إقرار لولایته و رضا بها-  فقد عاد الأمر إلى أن عبد الرحمن-  کأنه قد صلى بأمره و إذنه-  على أن قصه عبد الرحمن أوکد-  لأنه قد اعترف بأن الرسول صلى خلفه-  و لم یصل خلف أبی بکر-  و إن ذهب کثیر من الناس إلى أنه قدمه و أمر بالصلاه-  قبل خروجه إلى المسجد و تحامله- . ثم سأل المرتضى رحمه الله نفسه فقال-  إن قیل لیس یخلو النبی ص-  من أن یکون سلم فی الابتداء سوره براءه إلى أبی بکر-  بأمر الله أو باجتهاده و رأیه-  فإن کان بأمر الله تعالى-  فکیف یجوز أن یرتجع منه السوره قبل وقت الأداء-  و عندکم أنه لا یجوز نسخ الشی‏ء قبل تقضی وقت فعله-  و إن کان باجتهاده ص-  فعندکم أنه لا یجوز أن یجتهد فیما یجری هذا المجرى- . و أجاب فقال-  إنه ما سلم السوره إلى أبی بکر إلا بإذنه تعالى-  إلا أنه لم یأمره بأدائها-  و لا کلفه قراءتها على أهل الموسم-  لأن أحدا لم یمکنه أن ینقل ع فی ذلک-  لفظ الأمر و التکلیف-  فکأنه سلم سوره براءه إلیه لتقرأ على أهل الموسم-  و لم یصرح بذکر القارئ المبلغ لها فی الحال-  و لو نقل عنه تصریح لجاز أن یکون مشروطا بشرط لم یظهر- .

فإن قیل فأی فائده فی دفع السوره إلى أبی بکر-  و هو لا یرید أن یؤدیها ثم ارتجاعها منه-  و هلا دفعت فی الابتداء إلى أمیر المؤمنین ع- . قیل الفائده فی ذلک-  ظهور فضل أمیر المؤمنین ع و مرتبته-  و أن الرجل الذی نزعت السوره عنه لا یصلح لما یصلح له-  و هذا غرض قوی فی وقوع الأمر على ما وقع علیه‏ قلت قد ذکرنا فیما تقدم-  القول فی تولیه الملک بعض أصحابه-  و ترک تولیه بعضهم-  و کیفیه الحال فی ذلک-  على أنه قد روى أصحاب المغازی-  أنه أمر أبا بکر فی شعبان من سنه سبع على سریه-  بعثها إلى نجد فلقوا جمعا من هوازن فبیتوهم-  فروى إیاس بن سلمه عن أبیه قال-  کنت فی ذلک البعث فقتلت بیدی سبعه منهم-  و کان شعارنا أمت أمت-  و قتل من أصحاب النبی ص قوم-  و جرح أبو بکر و ارتث و عاد إلى المدینه-  على أن أمراء السرایا الذین کان یبعثهم ص-  کانوا قوما مشهورین بالشجاعه و لقاء الحروب-  کمحمد بن مسلمه و أبی دجانه و زید بن حارثه و نحوهم-  و لم یکن أبو بکر مشهورا بالشجاعه و لقاء الحروب-  و لم یکن جبانا و لا خوارا-  و إنما کان رجلا مجتمع القلب عاقلا ذا رأی و حسن تدبیر-  و کان رسول الله ص یترک بعثه فی السرایا-  لأن غیره أنفع منه فیها-  و لا یدل ذلک على أنه لا یصلح للإمامه-  و أن الإمامه-  لا تحتاج أن یکون صاحبها من المشهورین بالشجاعه-  و إنما یحتاج إلى ثبات القلب-  و إلا یکون هلعا طائر الجنان-  و کیف یقول المرتضى إنه ص لم یکن محتاجا إلى رأی أحد-  و قد نقل الناس کلهم رجوعه من رأی إلى رأی عند المشوره-  نحو ما جرى یوم بدر-  من تغیر المنزل لما أشار علیه الحباب بن المنذر-  و نحو ما جرى یوم الخندق-  من فسخ رأیه فی دفع ثلث تمر المدینه-  إلى عیینه بن حصن لیرجع بالأحزاب عنهم-  لأجل ما رآه سعد بن معاذ و سعد بن عباده من الحرب-  و العدول عن الصلح-  و نحو ما جرى فی تلقیح النخل بالمدینه و غیر ذلک-  فأما ولایه أبی بکر الموسم فأکثر الأخبار على ذلک-  و لم یرو عزله عن الموسم إلا قوم من الشیعه- .

 

و أما ما أنکره المرتضى من حال عباد بن سلیمان-  و دفعه أن یکون علی أخذ براءه من أبی بکر-  و استغرابه ذلک عجب-  فإن قول عباد قد ذهب إلیه کثیر من الناس-  و رووا أن رسول الله ص-  لم یدفع براءه إلى أبی بکر-  و أنه بعد أن نفذ أبو بکر بالحجیج-  أتبعه علیا و معه تسع آیات من براءه-  و قد أمره أن یقرأها على الناس-  و یؤذنهم بنقض العهد و قطع الدنیه-  فانصرف أبو بکر إلى رسول الله ص-  فأعاده على الحجیج-  و قال له أنت الأمیر و علی المبلغ-  فإنه لا یبلغ عنی إلا أنا أو رجل منی-  و لم ینکر عباد أمر براءه بالکلیه- 

و إنما أنکر أن یکون النبی ص دفعها إلى أبی بکر-  ثم انتزعها منه-  و طائفه عظیمه من المحدثین یروون ما ذکرناه-  و إن کان الأکثر الأظهر أنه دفعها إلیه-  ثم أتبعه بعلی ع فانتزعها منه-  و المقصود أن المرتضى قد تعجب مما لا یتعجب من مثله-  فظن أن عبادا أنکر حدیث براءه بالکلیه-  و قد وقفت أنا على ما ذکره عباد فی هذه القضیه-  فی کتابه المعروف بکتاب الأبواب-  و هو الکتاب الذی نقضه شیخنا أبو هاشم-  فأما عذر شیخنا أبی علی-  و قوله إن عاده العرب ذلک و اعتراض المرتضى علیه-  فالذی قاله المرتضى أصح و أظهر-  و ما نسب إلى عاده العرب غیر معروف- 

و إنما هو تأویل تأول به متعصبو أبی بکر-  لانتزاع براءه منه-  و لیس بشی‏ء-  و لست أقول ما قاله المرتضى-  من أن غرض رسول الله ص-  إظهار أن أبا بکر لا یصلح للأداء عنه-  بل أقول فعل ذلک لمصلحه رآها-  و لعل السبب فی ذلک أن علیا ع من بنی عبد مناف-  و هم جمره قریش بمکه-  و علی أیضا شجاع لا یقام له-  و قد حصل فی صدور قریش منه-  الهیبه الشدیده و المخافه العظیمه-  فإذا حصل مثل هذا الشجاع البطل و حوله من بنی عمه-  و هم أهل العزه و القوه و الحمیه-کان أدعى إلى نجاته من قریش-  و سلامه نفسه و بلوغ الغرض من نبذ العهد على یده-  أ لا ترى أن رسول الله ص فی عمره الحدیبیه-  بعث عثمان بن عفان إلى مکه-  یطلب منهم الإذن له فی الدخول-  و إنما بعثه لأنه من بنی عبد مناف-  و لم یکن بنو عبد مناف و خصوصا بنی عبد شمس-  لیمکنوا من قتله-  و لذلک حمله بنو سعید بن العاص على بعیر یوم دخل مکه-  و أحدقوا به مستلئمین بالسلاح-  و قالوا له أقبل و أدبر و لا تخف أحدا-  بنو سعید أعزه الحرم-  و أما القول فی تولیه رسول الله ص أبا بکر الصلاه-  فقد تقدم-  و ما رامه قاضی القضاه-  من الفرق بین صلاه أبی بکر بالناس-  و صلاه عبد الرحمن بهم-  مع کون رسول الله ص صلى خلفه ضعیف-  و کلام المرتضى أقوى منه-  فأما السؤال الذی سأله المرتضى من نفسه فقوی-  و الجواب الصحیح أن بعث براءه مع أبی بکر-  کان باجتهاد من الرسول ص-  و لم یکن عن وحی و لا من جمله الشرائع-  التی تتلقى عن جبرائیل ع-  فلم یقبح نسخ ذلک قبل تقضی وقت فعله-  و جواب المرتضى لیس بقوی-  لأنه من البعید أن یسلم سوره براءه إلى أبی بکر-  و لا یقال له ما ذا تصنع بها-  بل یقال خذ هذه معک لا غیر-  و القول بأن الکلام مشروط بشرط لم یظهر خلاف الظاهر-  و فتح هذا الباب یفسد کثیرا من القواعد.

الطعن السادس

أن أبا بکر لم یکن یعرف الفقه و أحکام الشریعه-  فقد قال فی الکلاله أقول‏ فیها برأیی-  فإن یکن صوابا فمن الله و إن یکن خطأ فمنی-  و لم یعرف میراث الجد-  و من حاله هذه لا یصلح للإمامه- . أجاب قاضی القضاه-  بأن الإمام لا یجب أن یعلم جمیع الأحکام-  و أن القدر الذی یحتاج إلیه-  هو القدر الذی یحتاج إلیه الحاکم-  و أن القول بالرأی هو الواجب فیما لا نص فیه-  و قد قال أمیر المؤمنین ع بالرأی فی مسائل کثیره- .

اعترض المرتضى فقال-  قد دللنا على أن الإمام-  لا بد أن یکون عالما بجمیع الشرعیات-  و فرقنا بینه و بین الحاکم-  و دللنا على فساد الرأی و الاجتهاد-  و أما أمیر المؤمنین ع فلم یقل قط بالرأی-  و ما یروى من خبر بیع أمهات الأولاد غیر صحیح-  و لو صح لجاز أن یکون أراد بالرأی-  الرجوع إلى النصوص و الأدله-  و لا شبهه عندنا أن قوله کان واحدا فی الحالین-  و إن ظهر فی أحدهما خلاف مذهبه للتقیه- . قلت هذا الطعن مبنی على أمرین-  أحدهما هل من شرط الإمامه-  أن یعلم الإمام کل الأحکام الشرعیه أم لا-  و هذا مذکور فی کتبنا الکلامیه-  و الثانی هو القول فی الاجتهاد و الرأی حق أم لا-  و هذا مذکور فی کتبنا الأصولیه.

الطعن السابع

قصه خالد بن الولید و قتله مالک بن نویره-  و مضاجعته امرأته من لیلته-  و أن أبا بکرترک إقامه الحد علیه-  و زعم أنه سیف من سیوف الله سله الله على أعدائه-  مع أن الله تعالى قد أوجب القود و حد الزناء عموما-  و أن عمر نبهه و قال له-  اقتله فإنه قتل مسلما- . أجاب قاضی القضاه فقال إن شیخنا أبا علی قال-  إن الرده ظهرت من مالک بن نویره-  لأنه جاء فی الأخبار أنه رد صدقات قومه علیهم-  لما بلغه موت رسول الله ص-  کما فعله سائر أهل الرده فاستحق القتل-  فإن قال قائل فقد کان یصلی-  قیل له و کذلک سائر أهل الرده- 

و إنما کفروا بالامتناع من الزکاه-  و اعتقادهم إسقاط وجوبها دون غیره-  فإن قیل فلم أنکر عمر-  قیل کان الأمر إلى أبی بکر فلا وجه لإنکار عمر-  و قد یجوز أن یعلم أبو بکر من الحال ما یخفى على عمر-  فإن قیل فما معنى ما روی عن أبی بکر-  من أن خالدا تأول فأخطأ-  قیل أراد عجلته علیه بالقتل-  و قد کان الواجب عنده على خالد أن یتوقف للشبهه-  و استدل أبو علی على ردته-  بأن أخاه متمم بن نویره لما أنشد عمر مرثیته أخاه-  قال له وددت أنی أقول الشعر-  فأرثی أخی زیدا بمثل ما رثیت به أخاک-  فقال متمم-  لو قتل أخی على مثل ما قتل علیه أخوک ما رثیته-  فقال عمر ما عزانی أحد بمثل تعزیتک-  فدل هذا على أن مالکا لم یقتل على الإسلام-  کما قتل زید- . و أجاب عن تزویج خالد بامرأته-  بأنه إذا قتل على الرده فی دار الکفر-  جاز تزویج امرأته عند کثیر من أهل العلم-  و إن کان لا یجوز أن یطأها إلا بعد الاستبراء- .

و حکی عن أبی علی-  أنه إنما قتله لأنه ذکر رسول الله ص فقال-  صاحبک و أوهم بذلک أنه لیس بصاحب له-  و کان عنده أن ذلک رده و علم عند المشاهدهالمقصد-  و هو أمیر القوم-  فجاز أن یقتله و إن کان الأولى ألا یستعجل-  و أن یکشف الأمر فی ردته حتى یتضح-  فلهذا لم یقتله أبو بکر به-  فأما وطؤه لامرأته فلم یثبت فلا یصح أن یجعل طعنا فیه اعترض المرتضى فقال-  أما منع خالد فی قتل مالک بن نویره-  و استباحه امرأته و أمواله لنسبته إیاه إلى رده-  لم تظهر منه-  بل کان الظاهر خلافها من الإسلام فعظیم-  و یجری مجراه فی العظم تغافل من تغافل عن أمره-  و لم یقم فیه حکم الله تعالى-  و أقره على الخطإ الذی شهد هو به على نفسه-  و یجری مجراهما من أمکنه أن یعلم الحال فأهملها-  و لم یتصفح ما روی من الأخبار فی هذا الباب-  و تعصب لأسلافه و مذهبه-  و کیف یجوز عند خصومنا على مالک و أصحابه جحد الزکاه-  مع المقام على الصلاه-  و هما جمیعا فی قرن-  لأن العلم الضروری-  بأنهما من دینه ع و شریعته على حد واحد-  و هل نسبه مالک إلى الرده مع ما ذکرناه-  إلا قدح فی الأصول و نقض لما تضمنته-  من أن الزکاه معلومه ضروره من دینه ع-  و أعجب من کل عجیب قوله-  و کذلک سائر أهل الرده-  یعنی أنهم کانوا یصلون و یجحدون الزکاه-  لأنا قد بینا أن ذلک مستحیل غیر ممکن-  و کیف یصح ذلک- 

و قد روى جمیع أهل النقل-  أن أبا بکر لما وصى الجیش-  الذین أنفذهم بأن یؤذنوا و یقیموا-  فإن أذن القوم کأذانهم و إقامتهم کفوا عنهم-  و إن لم یفعلوا أغاروا علیهم-  فجعل أماره الإسلام و البراءه من الرده-  الأذان و الإقامه-  و کیف یطلق فی سائر أهل الرده-  ما أطلقه من أنهم کانوا یصلون-  و قد علمنا أن أصحاب مسیلمه و طلیحه و غیرهما-  ممن کان ادعى النبوه و خلع الشریعه-  ما کانوا یرون الصلاه و لا شیئا مما جاءت به شریعتنا-  و قصه مالک معروفه عند من تأمل کتب السیر و النقل-  لأنه کان على صدقات قومه بنی‏یربوع والیا-  من قبل رسول الله ص-  و لما بلغته وفاه رسول الله ص أمسک عن أخذ الصدقه من قومه-  و قال لهم تربصوا بها حتى یقوم قائم بعد النبی ص-  و ننظر ما یکون من أمره-  و قد صرح بذلک فی شعره حیث یقول- 

  و قال رجال سدد الیوم مالک
و قال رجال مالک لم یسدد

فقلت دعونی لا أبا لأبیکم‏
فلم أخط رأیا فی المقام و لا الندی‏

و قلت خذوا أموالکم غیر خائف
و لا ناظر فیما یجی‏ء به غدی‏

فدونکموها إنما هی مالکم‏
مصوره أخلاقها لم تجدد

سأجعل نفسی دون ما تحذرونه
و أرهنکم یوما بما قلته یدی‏

فإن قام بالأمر المجدد قائم‏
أطعنا و قلنا الدین دین محمد

 فصرح کما ترى أنه استبقى الصدقه فی أیدی قومه-  رفقا بهم و تقربا إلیهم-  إلى أن یقوم بالأمر من یدفع ذلک إلیه-  و قد روى جماعه من أهل السیر-  و ذکره الطبری فی تاریخه-  أن مالکا نهى قومه-  عن الاجتماع على منع الصدقات و فرقهم-  و قال یا بنی یربوع-  إنا کنا قد عصینا أمراءنا إذ دعونا إلى هذا الدین-  و بطأنا الناس عنه فلم نفلح و لم ننجح-  و أنی قد نظرت فی هذا الأمر-  فوجدت الأمر یتأتى لهؤلاء القوم بغیر سیاسه-  و إذا أمر لا یسوسه الناس-  فإیاکم و معاداه قوم یصنع لهم-  فتفرقوا على ذلک إلى أموالهم-  و رجع مالک إلى منزله-  فلما قدم خالد البطاح بث السرایا و أمرهم بداعیه الإسلام-  و أن یأتوه بکل من لم یجب-  و أمرهم إن امتنع أن یقاتلوه-  فجاءته الخیل بمالک بن نویره فی نفر من بنی یربوع-  و اختلف السریه فی أمرهم-  و فی السریه أبو قتاده الحارث بن ربعی-  فکان ممن شهد أنهم أذنوا و أقاموا و صلوا-  فلما اختلفوا فیهم‏أمر بهم خالد فحبسوا-  و کانت لیله بارده لا یقوم لها شی‏ء-  فأمر خالد منادیا ینادی-  أدفئوا أسراءکم-  فظنوا أنهم أمروا بقتلهم-  لأن هذه اللفظه تستعمل فی لغه کنانه للقتل-  فقتل ضرار بن الأزور مالکا-  و تزوج خالد زوجته أم تمیم بنت المنهال- .

و فی خبر آخر أن السریه التی بعث بها خالد-  لما غشیت القوم تحت اللیل راعوهم-  فأخذ القوم السلاح-  قال فقلنا إنا المسلمون فقالوا و نحن المسلمون-  قلنا فما بال السلاح معکم قلنا فضعوا السلاح-  فلما وضعوا السلاح ربطوا أسارى-  فأتوا بهم خالدا-  فحدث أبو قتاده خالد بن الولید-  أن القوم نادوا بالإسلام و أن لهم أمانا-  فلم یلتفت خالد إلى قولهم و أمر بقتلهم و قسم سبیهم-  و حلف أبو قتاده ألا یسیر تحت لواء خالد فی جیش أبدا-  و رکب فرسه شاذا إلى أبی بکر فأخبره الخبر-  و قال له إنی نهیت خالدا عن قتله فلم یقبل قولی-  و أخذ بشهاده الأعراب الذین غرضهم الغنائم-  و أن عمر لما سمع ذلک تکلم فیه عند أبی بکر فأکثر-  و قال إن القصاص قد وجب علیه-  و لما أقبل خالد بن الولید قافلا دخل المسجد-  و علیه قباء له علیه صدأ الحدید-  معتجرا بعمامه له قد غرز فی عمامته أسهما-  فلما دخل المسجد قام إلیه عمر-  فنزع الأسهم عن رأسه فحطمها-  ثم قال له یا عدو نفسه أ عدوت على امرئ مسلم فقتلته-  ثم نزوت على امرأته-  و الله لنرجمنک بأحجارک-  و خالد لا یکلمه-  و لا یظن إلا أن رأی أبی بکر مثل رأیه-  حتى دخل إلى أبی بکر و اعتذر إلیه بعذره و تجاوز عنه-  فخرج خالد و عمر جالس فی المسجد-  فقال هلم إلى یا ابن أم شمله-  فعرف عمر أن أبا بکر قد رضی عنه فلم یکلمه-  و دخل بیته- .

و قد روی أیضا أن عمر لما ولی-  جمع من عشیره مالک بن نویره من وجد منهم-و استرجع ما وجد عند المسلمین من أموالهم-  و أولادهم و نسائهم-  فرد ذلک علیهم جمیعا مع نصیبه کان منهم-  و قیل إنه ارتجع بعض نسائهم من نواحی دمشق-  و بعضهن حوامل فردهن على أزواجهن-  فالأمر ظاهر فی خطإ خالد و خطإ من تجاوز عنه-  و قول صاحب الکتاب-  إنه یجوز أن یخفى عن عمر ما یظهر لأبی بکر لیس بشی‏ء-  لأن الأمر فی قصه خالد لم یکن مشتبها-  بل کان مشاهدا معلوما لکل من حضره-  و ما تأول به فی القتل لا یعذر لأجله-  و ما رأینا أبا بکر حکم فیه بحکم المتأول و لا غیره-  و لا تلافى خطأه و زلله-  و کونه سیفا من سیوف الله-  على ما ادعاه لا یسقط عنه الأحکام-  و یبرئه من الآثام-  و أما قول متمم-  لو قتل أخی على ما قتل علیه أخوک لما رثیته-  لا یدل على أنه کان مرتدا-  فکیف یظن عاقل أن متمما یعترف برده أخیه-  و هو یطالب أبا بکر بدمه و الاقتصاص من قاتلیه و رد سبیه-  و أنه أراد فی الجمله التقرب إلى عمر بتقریظ أخیه-  ثم لو کان ظاهر هذا القول کباطنه-  لکان إنما یقصد تفضیل قتله زید على قتله مالک-  و الحال فی ذلک أظهر-  لأن زیدا قتل فی بعث المسلمین ذابا عن وجوههم-  و مالک قتل على شبهه و بین الأمرین فرق- .

و أما قوله فی النبی ص صاحبک-  فقد قال أهل العلم إنه أراد القرشیه-  لأن خالدا قرشی-  و بعد فلیس فی ظاهر إضافته إلیه-  دلاله على نفیه له عن نفسه-  و لو کان علم من مقصده-  الاستخفاف و الإهانه على ما ادعاه صاحب الکتاب-  لوجب أن یعتذر خالد بذلک-  عند أبی بکر و عمر-  و یعتذر به أبو بکر لما طالبه عمر بقتله-  فإن عمر-  ما کان یمنع من قتل قادح فی نبوه النبی ص-  و إن کان الأمر على ذلک فأی معنى لقول أبی بکر-  تأول فأخطأ-  و إنما تأول فأصاب إن کان الأمر على ما ذکرقلت أما تعجب المرتضى-  من کون قوم منعوا الزکاه و أقاموا على الصلاه-  و دعواه أن هذا غیر ممکن و لا صحیح-  فالعجب منه کیف ینکر وقوع ذلک-  و کیف ینکر إمکانه-  أما الإمکان فلأنه لا ملازمه بین العبادتین-  إلا من کونهما مقترنتین فی بعض المواضع فی القرآن-  و ذلک لا یوجب تلازمهما فی الوجود-  أو من قوله إن الناس یعلمون-  کون الزکاه واجبه فی دین الإسلام ضروره-  کما تعلمون کون الصلاه فی دین الإسلام ضروره-  و هذا لا یمنع اعتقادهم سقوط وجوب الزکاه-  لشبهه دخلت علیهم-  فإنهم قالوا إن الله تعالى قال لرسوله-  خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَهً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَکِّیهِمْ بِها-  وَ صَلِّ عَلَیْهِمْ إِنَّ صَلاتَکَ سَکَنٌ لَهُمْ-  قالوا فوصف الصدقه المفروضه-  بأنها صدقه من شأنها أن یطهر رسول الله ص الناس-  و یزکیهم بأخذها منهم-  ثم عقب ذلک بأن فرض علیه مع أخذ الزکاه منهم-  أن یصلی علیهم صلاه تکون سکنا لهم-  قالوا و هذه الصفات لا تتحقق فی غیره-  لأن غیره لا یطهر الناس و یزکیهم بأخذ الصدقه-  و لا إذا صلى على الناس کانت صلاته سکنا لهم-  فلم یجب علینا دفع الزکاه إلى غیره-  و هذه الشبهه لا تنافی کون الزکاه-  معلوما وجوبها ضروره من دین محمد ص-  لأنهم ما جحدوا وجوبها-  و لکنهم قالوا إنه وجوب مشروط-  و لیس یعلم بالضروره انتفاء کونها مشروطه-  و إنما یعلم ذلک بنظر و تأویل-  فقد بان أن ما ادعاه من الضروره-  لیس بدال على أنه لا یمکن أحد-  اعتقاد نفی وجوب الزکاه بعد موت الرسول-  و لو عرضت مثل هذه الشبهه فی صلاه-  لصح لذاهب أن یذهب إلى أنها قد سقطت عن الناس-  فأما الوقوع فهو المعلوم ضروره بالتواتر-  کالعلم بأن أبا بکر ولی الخلافه بعد الرسول ص-  ضروره بطریق التواتر-  و من أراد الوقوف على ذلک فلینظر فی کتب التواریخ- فإنها تشتمل من ذلک على ما یشفی و یکفی-  و قال أبو جعفر محمد بن جریر الطبری-  فی التاریخ الکبیر بإسناد ذکره-  أن أبا بکر أقام بالمدینه بعد وفاه رسول الله ص-  و توجیهه أسامه فی جیشه-  إلى حیث قتل أبوه زید بن حارثه لم یحدث شیئا-  و جاءته وفود العرب مرتدین-  یقرون بالصلاه و یمنعون الصدقه-  فلم یقیل منهم و ردهم-  و أقام حتى قدم أسامه بعد أربعین یوما من شخوصه-  و یقال بعد سبعین یوما- . و روى أبو جعفر قال امتنعت العرب قاطبه-  من أداء الزکاه بعد رسول الله ص إلا قریشا و ثقیفا- . و روى أبو جعفر عن السری عن شعیب عن سیف-  عن هشام بن عروه عن أبیه قال-  ارتدت العرب و منعت الزکاه إلا قریشا و ثقیفا-  فأما هوازن فقدمت رجلا و أخرت أخرى-  أمسکوا الصدقه- .

و روى أبو جعفر قال-  لما منعت العرب الزکاه-  کان أبو بکر ینتظر قدوم أسامه بالجیش-  فلم یحارب أحدا قبل قدومه إلا عبسا و ذبیان-  فإنه قاتلهم قبل رجوع أسامه- . و روى أبو جعفر قال-  قدمت وفود من قبائل العرب المدینه-  فنزلوا على وجوه الناس بها-  و یحملونهم إلى أبی بکر أن یقیموا الصلاه-  و ألا یؤتوا الزکاه فعزم الله لأبی بکر على الحق-  و قال لو منعونی عقال بعیر لجاهدتهم علیه- . و روى أبو جعفر شعرا للخطیل بن أوس-  أخی الحطیئه فی معنى منع الزکاه-  و أن‏أبا بکر رد سؤال العرب و لم یجبهم من جملته- 

  أطعنا رسول الله إذا کان بیننا
فیا لعباد الله ما لأبی بکر

أ یورثها بکر إذا مات بعده‏
و تلک لعمر الله قاصمه الظهر

فهلا رددتم وفدنا بإجابه
و هلا حسبتم منه راعیه البکر

فإن الذی سألوکم فمنعتم‏
لکالتمر أو أحلى لحلف بنی فهر

و روى أبو جعفر قال-  لما قدمت العرب المدینه على أبی بکر-  فکلموه فی إسقاط الزکاه-  نزلوا على وجوه الناس بالمدینه-  فلم یبق أحد إلا و أنزل علیه ناسا منهم-  إلا العباس بن عبد المطلب-  ثم اجتمع إلى أبی بکر المسلمون-  فخوفوه بأس العرب و اجتماعها-  قال ضرار بن الأزور-  فما رأیت أحدا لیس رسول الله أملأ بحرب شعواء-  من أبی بکر فجعلنا نخوفه و نروعه-  و کأنما إنما نخبره بما له لا ما علیه-  و اجتمعت کلمه المسلمین على إجابه العرب إلى ما طلبت-  و أبى أبو بکر أن یفعل إلا ما کان یفعله رسول الله ص-  و أن یأخذ إلا ما کان یأخذ-  ثم أجلهم یوما و لیله ثم أمرهم بالانصراف-  و طاروا إلى عشائرهم- .

و روى أبو جعفر قال-  کان رسول الله ص-  بعث عمرو بن العاص إلى عمان قبل موته-  فمات و هو بعمان فأقبل قافلا إلى المدینه-  فوجد العرب قد منعت الزکاه-  فنزل فی بنی عامر على قره بن هبیره-  و قره یقدم رجلا و یؤخر أخرى-  و على ذلک بنو عامر کلهم إلا الخواص-  ثم قدم المدینه فأطافت به قریش-  فأخبرهم أن العساکر معسکره حولهم-  فتفرق المسلمون و تحلقوا حلقا-  و أقبل عمر بن الخطاب-  فمر بحلقهو هم یتحدثون فیما سمعوا من عمرو-  و فی تلک الحلقه علی و عثمان و طلحه و الزبیر-  و عبد الرحمن بن عوف و سعد-  فلما دنا عمر منهم سکتوا-  فقال فی أی شی‏ء أنتم فلم یخبروه-  فقال ما أعلمنی بالذی خلوتم علیه-  فغضب طلحه و قال الله یا ابن الخطاب إنک لتعلم الغیب-  فقال لا یعلم الغیب إلا الله و لکن أظن قلتم-  ما أخوفنا على قریش من العرب و أخلقهم-  ألا یقروا بهذا الأمر-  قالوا صدقت-  فقال فلا تخافوا هذه المنزله-  أنا و الله منکم على العرب أخوف منی علیکم من العرب- .

قال أبو جعفر و حدثنی السری قال-  حدثنا شعیب عن سیف عن هشام بن عروه عن أبیه قال-  نزل عمرو بن العاص بمنصرفه من عمان-  بعد وفاه رسول الله ص-  بقره بن هبیره بن سلمه بن یسیر-  و حوله عساکر من أفنائهم فذبح له-  و أکرم منزلته فلما أراد الرحله خلا به و قال-  یا هذا إن العرب لا تطیب لکم أنفسا بالإتاوه-  فإن أنتم أعفیتموها من أخذ أموالها فستسمع و تطیع-  و إن أبیتم فإنها تجتمع علیکم-  فقال عمرو أ توعدنا بالعرب و تخوفنا بها-  موعدنا حفش أمک أما و الله لأوطئنه علیک الخیل-  و قدم على أبی بکر و المسلمین فأخبرهم- .

و روى أبو جعفر قال-  کان رسول الله ص-  قد فرق عماله فی بنی تمیم على قبض الصدقات-  فجعل الزبرقان بن بدر على عوف و الرباب-  و قیس بن عاصم على مقاعس و البطون-  و صفوان بن صفوان و سبره بن عمرو على بنی عمرو-  و مالک بن نویره على بنی حنظله-  فلما توفی رسول الله ص ضرب صفوان إلى أبی بکر-  حین وقع إلیه الخبر بموت النبی ص بصدقات بنی عمرو-  و بما ولی منها و ما ولی سبره-  و أقام سبره فی قومه لحدث إن ناب-  و أطرق قیس بن عاصم ینظر ما الزبرقان صانع-  فکان له عدوا و قال و هو ینتظره و ینتظر ما یصنع-  و یلی علیه ما أدری ما أصنع-  إن أنابایعت أبا بکر و أتیته بصدقات قومی-  خلفنی فیهم فساءنی عندهم-  و إن رددتها علیهم فلیأتین أبا بکر فیسوءنی عنده-  ثم عزم قیس على قسمتها فی مقاعس و البطون-  ففعل و عزم الزبرقان على الوفاء-  فاتبع صفوان بصدقات عوف و الرباب-  حتى قدم بها المدینه و قال شعرا یعرض فیه بقیس بن عاصم-  و من جملته- 

وفیت بأذواد الرسول و قد أبت
سعاه فلم یردد بعیرا أمیرها

فلما أرسل أبو بکر إلى قیس العلاء بن الحضرمی-  أخرج الصدقه فأتاه بها و قدم معه إلى المدینه- . و فی تاریخ أبی جعفر الطبری من هذا الکثیر الواسع-  و کذلک فی تاریخ غیره من التواریخ-  و هذا أمر معلوم باضطرار لا یجوز لأحد أن یخالف فیه فأما قوله کیف یصح ذلک و قد قال لهم أبو بکر-  إذا أذنوا و أقاموا کإقامتکم فکفوا عنهم-  فجعل أماره الإسلام و البراءه من الرده-  الأذان و الإقامه-  فإنه قد أسقط بعض الخبر-  قال أبو جعفر الطبری فی کتابه-  کانت وصیته لهم إذا نزلتم فأذنوا و أقیموا-  فإن أذن القوم و أقاموا فکفوا عنهم-  فإن لم یفعلوا فلا شی‏ء إلا الغاره-  ثم اقتلوهم کل قتله-  الحرق فما سواه-  و إن أجابوا داعیه الإسلام فاسألوهم-  فإن أقروا بالزکاه فاقبلوا منهم-  و إن أبوا فلا شی‏ء إلا الغاره و لا کلمه- .

فأما قوله-  و کیف یطلق قاضی القضاه فی سائر أهل الرده-  ما أطلقه من أنهم کانوا یصلون-  و من جملتهم أصحاب مسیلمه و طلحه-  فإنما أراد قاضی القضاه بأهل الرده هاهنا-  مانعی الزکاه لا غیر-  و لم یرد من جحد الإسلام بالکلیه- . فأما قصه مالک بن نویره و خالد بن الولید-  فإنها مشتبهه عندی و لا غرو فقد اشتهت على الصحابه-  و ذلک أن من حضرها من العرب اختلفوا فی حال القوم-  هل کان‏ علیهم شعار الإسلام أو لا-  و اختلف أبو بکر و عمر فی خالد مع شده اتفاقهما-  فأما الشعر الذی رواه المرتضى لمالک بن نویره-  فهو معروف إلا البیت الأخیر فإنه غیر معروف-  و علیه عمده المرتضى فی هذا المقام-  و ما ذکره بعد من قصه القوم صحیح کله-  مطابق لما فی التواریخ إلا مویضعات یسیره- .

منها قوله-  إن مالکا نهى قومه عن الاجتماع على منع الصدقات-  فإن ذلک غیر منقول-  و إنما المنقول أنه نهى قومه عن الاجتماع فی موضع واحد-  و أمرهم أن یتفرقوا فی میاههم-  ذکر ذلک الطبری و لم یذکر نهیه إیاهم-  عن الاجتماع على منع الصدقه-  و قال الطبری إن مالکا تردد فی أمره-  هل یحمل الصدقات أم لا-  فجاءه خالد و هو متحیر سبح- . و منها أن الطبری ذکر أن ضرار بن الأزور-  قتل مالکا عن غیر أمر خالد-  و أن خالدا لما سمع الواعیه خرج و قد فرغوا منهم-  فقال إذا أراد الله أمرا أصابه-  قال الطبری و غضب أبو قتاده لذلک-  و قال لخالد هذا عملک-  و فارقه و أتى أبا بکر فأخبره فغضب علیه أبو بکر-  حتى کلمه فیه عمر فلم یرض إلا أن یرجع إلى خالد-  فرجع إلیه حتى قدم معه المدینه- .

و منها أن الطبری روى أن خالدا-  لما تزوج أم تمیم بنت المنهال امرأه مالک-  لم یدخل بها و ترکها حتى تقضی طهرها-  و لم یذکر المرتضى ذلک- . و منها أن الطبری روى-  أن متمما لما قدم المدینه طلب إلى أبی بکر فی سبیهم-  فکتب له برد السبی-  و المرتضى ذکر أنه لم یرد إلا فی خلافه عمر- . فأما قول المرتضى إن قول متمم-  لو قتل أخی على مثل ما قتل علیه أخوک لما رثیته-لا یدل على ردته فصحیح-  و لا ریب أنه قصد تقریظ زید بن الخطاب-  و أن یرضی عمر أخاه بذلک-  و نعما قال المرتضى إن بین القتلتین فرقا ظاهرا-  و إلیه أشار متمم لا محاله- . فأما قول مالک صاحبک یعنی النبی ص-  فقد روى هذه اللفظه الطبری فی التاریخ قال-  کان خالد یعتذر عن قتله فیقول-  إنه قال له و هو یراجعه-  ما إخال صاحبکم إلا قال کذا و کذا-  فقال له خالد أ و ما تعده لک صاحبا-  و هذه لعمری کلمه جافیه و إن کان لها مخرج فی التأویل-  إلا أنه مستکره-  و قرائن الأحوال یعرفها من شاهدها و سمعها-  فإذا کان خالد قد کان یعتذر بذلک-  فقد اندفع قول المرتضى هلا اعتذر بذلک-  و لست أنزه خالدا عن الخطإ-  و أعلم أنه کان جبارا فاتکا-  لا یراقب الدین فیما یحمله علیه الغضب و هوى نفسه-  و لقد وقع منه فی حیاه رسول الله ص-  مع بنی خذیمه بالغمیصاء-  أعظم مما وقع منه فی حق مالک بن نویره-  و عفا عنه رسول الله ص-  بعد أن غضب علیه مده و أعرض عنه-  و ذلک العفو هو الذی أطمعه-  حتى فعل ببنی یربوع ما فعل بالبطاح.

الطعن الثامن

قولهم إن مما یؤثر فی حاله و حال عمر-  دفنهما مع رسول الله ص فی بیته-  و قد منع الله تعالى الکل من ذلک-  فی حال حیاته فکیف بعد الممات-  بقوله تعالى-  لا تَدْخُلُوا بُیُوتَ النَّبِیِّ إِلَّا أَنْ یُؤْذَنَ لَکُمْ- . أجاب قاضی القضاه بأن الموضع کان ملکا لعائشه-  و هی حجرتها التی کانت‏معروفه بها-  و الحجر کلها کانت أملاکا لأزواج النبی ص-  و قد نطق القرآن بذلک فی قوله-  وَ قَرْنَ فِی بُیُوتِکُنَّ-  و ذکر أن عمر استأذن عائشه-  فی أن یدفن فی ذلک الموضع-  و حتى قال إن لم تأذن لی فادفنونی فی البقیع-  و على هذا الوجه یحمل-  ما روی عن الحسن ع أنه لما مات-  أوصى أن یدفن إلى جنب رسول الله ص-  و إن لم یترک ففی البقیع-  فلما کان من مروان و سعید بن العاص ما کان دفن بالبقیع-  و إنما أوصى بذلک بإذن عائشه-  و یجوز أن یکون علم من عائشه-  أنها جعلت الموضع فی حکم الوقف-  فاستباحوا ذلک لهذا الوجه-  قال و فی دفنه ع فی ذلک الموضع ما یدل على فضل أبی بکر-  لأنه ع لما مات اختلفوا فی موضع دفنه-  و کثر القول حتى روى أبو بکر عنه ص أنه قال-  ما یدل على أن الأنبیاء إذا ماتوا دفنوا حیث ماتوا-  فزال الخلاف فی ذلک- .

اعترض المرتضى فقال-  لا یخلو موضع قبر النبی ص من أن یکون باقیا على ملکه ع-  أو یکون انتقل فی حیاته إلى عائشه على ما ادعاه-  فإن کان الأول لم یخل أن یکون میراثا بعده أو صدقه-  فإن کان میراثا فما کان یحل لأبی بکر و لا لعمر من بعده-  أن یأمرا بدفنهما فیه إلا بعد إرضاء الورثه-  الذین هم على مذهبنا فاطمه و جماعه الأزواج-  و على مذهبهم هؤلاء و العباس-  و لم نجد واحدا منهما خاطب أحدا من هؤلاء الورثه-  على ابتیاع هذا المکان و لا استنزله عنه بثمن و لا غیره-  و إن کان صدقه-  فقد کان یجب أن یرضى عنه جماعه المسلمین و یبتاعه منهم-  هذا إن جاز الابتیاع لما یجری هذا المجرى-  و إن کان انتقل فی حیاته-  فقد کان یجب أن یظهر سبب انتقاله و الحجه فیه-  فإن فاطمه ع-  لم یقنع منها فی انتقال فدک إلى ملکها بقولها-  و لا بشهاده من‏شهد لها-  فأما تعلقه بإضافه البیوت إلیهن فی قوله-  وَ قَرْنَ فِی بُیُوتِکُنَّ فمن ضعیف الشبهه-  لأنا قد بینا فیما مضى من هذا الکتاب-  أن هذه الإضافه لا تقتضی الملک و إنما تقتضی السکنى-  و العاده فی استعمال هذه اللفظه فیما ذکرناه ظاهره-  قال تعالى لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُیُوتِهِنَّ-  و لم یرد الله تعالى إلا حیث یسکن و ینزلن-  دون حیث یملکن و ما أشبهه-  و أظرف من کل شی‏ء تقدم قوله-  إن الحسن ع استأذن عائشه فی أن یدفن فی البیت-  حتى منعه مروان و سعید بن العاص-  لأن هذه مکابره منه ظاهره-  فإن المانع للحسن ع من ذلک لم یکن إلا عائشه-  و لعل من ذکره من مروان و سعید و غیرهما-  أعانها و اتبع فی ذلک أمرهما- 

و روی أنها خرجت فی ذلک الیوم على بغل-  حتى قال ابن عباس یوما على بغل و یوما على جمل-  فکیف تأذن عائشه فی ذلک و هی مالکه الموضع على قولهم-  و یمنع منه مروان و غیره-  ممن لا ملک له فی الموضع و لا شرکه و لا ید-  و هذا من قبیح ما یرتکب-  و أی فضل لأبی بکر فی روایته عن النبی ص حدیث الدفن-  و عملهم بقوله إن صح فمن مذهب صاحب الکتاب و أصحابه-  العمل بخبر الواحد العدل فی أحکام الدین العظیمه-  فکیف لا یعمل بقول أبی بکر فی الدفن-  و هم یعملون بقول من هو دونه فیما هو أعظم من ذلک قلت أما أبو بکر فإنه لا یلحقه بدفنه مع الرسول ص ذم-  لأنه ما دفن نفسه و إنما دفنه الناس و هو میت-  فإن کان ذلک خطأ فالإثم و الذم لاحقان بمن فعل به ذلک-  و لم یثبت عنه بأنه أوصى أن یدفن مع رسول الله ص- 

و إنما قد یمکن أن یتوجه هذا الطعن إلى عمر-  لأنه سأل عائشه أن یدفن فی الحجره-  مع رسول الله ص و أبی بکر-  و القول عندی مشتبه فی أمر حجر الأزواج- هل کانت على ملک رسول الله ص إلى أن توفی-  أم ملکها نساؤه-  و الذی تنطق به التواریخ أنه لما خرج من قباء-  و دخل المدینه و سکن منزل أبی أیوب-  اختط المسجد و اختط حجر نسائه و بناته-  و هذا یدل على أنه کان المالک للمواضع-  و أما خروجها عن ملکه إلى الأزواج و البنات-  فمما لم أقف علیه-  و یجوز أن تکون الصحابه قد فهمت-  من قرائن الأحوال و مما شاهدوه منه ع-  أنه قد أقر کل بیت منها فی ید زوجه من الزوجات-  على سبیل الهبه و العطیه-  و إن لم ینقل عنه فی ذلک صیغه لفظ معین-  و القول فی بیت فاطمه ع کذلک-  لأن فاطمه ع لم تکن تملک مالا-  و علی ع بعلها کان فقیرا فی حیاه رسول الله ص-  حتى أنه کان یستقی الماء لیهود بیده-  یسقی بساتینهم لقوت یدفعونه إلیه-  فمن أین کان له ما یبتاع به حجره یسکن فیها هو و زوجته-  و القول فی کثیر من الزوجات کذلک-  أنهن کن فقیرات مدقعات-  نحو صفیه بنت حیی بن أخطب و جویریه بنت الحارث-  و میمونه و غیرهن-  فلا وجه یمکن أن یتملک منه هؤلاء النسوه و البنت الحجر-  إلا أن یکون رسول الله ص وهبها لهن-  هذا إن ثبت أنها خرجت عن ملکیته ع-  و إلا فهی باقیه على ملکیته باستصحاب الحال-  و القول فی حجره زینب بنت رسول الله ص کذلک-  لأنه أقدمها من مکه-  مفارقه لبعلها أبی العاص بن الربیع-  فأسکنها بالمدینه فی حجره منفرده خالیه عن بعل-  فلا بد أن تکون تلک الحجره بمقتضى ما یتغلب على الظن-  ملکا له ع-  فیستدام الحکم بملکه لها-  إلى أن نجد دلیلا ینقلنا عن ذلک-  و أما رقیه و أم کلثوم زوجتا عثمان-  فإن کان مثریا ذا مال-  فیجوز أن یکون ابتاع حجره-  سکنت فیها الأولى منهما ثم الثانیه بعدها- .

 

فأما احتجاج قاضی القضاه بقوله-  وَ قَرْنَ فِی بُیُوتِکُنَّ-  فاعتراض المرتضى علیه قوی-  لأن هذه الإضافه إنما تقتضی التخصیص فقط لا التملیک-  کما قال-  لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُیُوتِهِنَّ-  و یجوز أن یکون أبو بکر لما روى قوله-  نحن لا نورث-  ترک الحجر فی أیدی الزوجات و البنت-  على سبیل الإقطاع لهن لا التملیک أی أباحهن السکنى-  لا التصرف فی رقاب الأرض و الأبنیه و الآلات-  لما رأى فی ذلک من المصلحه-  و لأنه کان من المتهجن القبیح إخراجهن من البیوت-  و لیس کذلک فدک-  فإنها قریه کبیره ذات نخل کثیر خارجه عن المدینه-  و لم تکن فاطمه متصرفه فیها من قبل نفسها و لا بوکیلها-  و لا رأتها قط فلا تشبه حالها حال الحجر-  و أیضا لإباحه هذه الحجر و نزاره أثمانهن-  فإنها کانت مبنیه من طین قصیره الجدران-  فلعل أبا بکر و الصحابه استحقروها-  فأقروا النساء فیها-  و عوضوا المسلمین عنها بالشی‏ء الیسیر-  مما یقتضی الحساب أن یکون من سهم الأزواج و البنت-  عند قسمه الفی‏ء- .

و أما القول فی الحسن و ما جرى من عائشه و بنی أمیه-  فقد تقدم-  و کذلک القول فی الخبر المروی فی دفن الرسول ع-  فکان أبو المظفر هبه الله بن الموسوی صدر المخزن المعمور-  کان فی أیام الناصر لدین الله-  إذا حادثته حدیث وفاه رسول الله ص و روایه أبی بکر-  ما رواه من قوله ع الأنبیاء یدفنون حیث یموتون-  یحلف أن أبا بکر افتعل هذا الحدیث فی الحال و الوقت-  لیدفن النبی ص فی حجره ابنته-  ثم یدفن هو معه عند موته-  علما منه أنه لم یبق من عمره إلا مثل ظم‏ء الحمار-  و أنه إذا دفن النبی ص فی حجره ابنته-  فإن ابنته تدفنه لا محاله فی حجرتها عند بعلها-  و إن دفن النبی ص فی موضع‏آخر-  فربما لا یتهیأ له أن یدفن عنده-  فرأى أن هذا الفوز بهذا الشرف العظیم-  و هذا المکان الجلیل-  مما لا یقتضی حسن التدبیر فوته-  و إن انتهاز الفرصه فیه واجب-  فروى لهم الخبر فلا یمکنهم بعد روایته ألا یعملوا به-  لا سیما و قد صار هو الخلیفه-  و إلیه السلطان و النفع و الضرر-  و أدرک ما کان فی نفسه-  ثم نسج عمر على منواله-  فرغب إلى عائشه فی مثل ذلک-  و قد کان یکرمها-  و یقدمها على سائر الزوجات فی العطاء و غیره-  فأجابته إلى ذلک-  و کان مطاعا فی حیاته و بعد مماته-  و کان یقول وا عجبا للحسن-  و طمعه فی أن یدفن فی حجره عائشه-  و الله لو کان أبوه الخلیفه یومئذ لما تهیأ له ذلک-  و لا تم لبغض عائشه لهم و حسد الناس إیاهم-  و تمالؤ بنی أمیه و غیرهم من قریش علیهم-  و لهذا قالوا یدفن عثمان فی حش کوکب-  و یدفن الحسن فی حجره رسول الله ص-  فکیف و الخلیفه معاویه و الأمراء بالمدینه بنو أمیه-  و عائشه صاحبه الموضع-  و الناصر لبنی هاشم قلیل و الشانئ کثیر- . و أنا أستغفر الله مما کان أبو المظفر یحلف علیه-  و أعلم و أظن ظنا شبیها بالعلم-  أن أبا بکر ما روى إلا ما سمع-  و أنه کان أتقى لله من ذلک.

الطعن التاسع

قولهم إنه نص على عمر بالخلافه-  فخالف رسول الله ص على زعمه-  لأنه کان یزعم هو و من قال بقوله-  أن رسول الله ص لم یستخلف- .و الجواب أن کونه لم یستخلف-  لا یدل على تحریم الاستخلاف-  کما أنه من لم یرکب الفیل لا یدل على تحریم رکوب الفیل-  فإن قالوا رکوب الفیل فیه منفعه و لا مضره فیه-  و لم یرد نص بتحریمه فوجب أن یحسن-  قیل لهم و الاستخلاف مصلحه و لا مضره فیه-  و قد أجمع المسلمون أنه طریق إلى الإمامه-  فوجب کونه طریقا إلیها-  و قد روی عن عمر أنه قال إن أستخلف فقد استخلف من هو خیر منی یعنی أبا بکر-  و إن أترک فقد ترک من هو خیر منی یعنی رسول الله ص-  فأما الاجتماع المشار إلیه-  فهو أن الصحابه أجمعوا-  على أن عمر إمام بنص أبی بکر علیه-  و أنفذوا أحکامه و انقادوا إلیه-  لأجل نص أبی بکر لا لشی‏ء سواه-  فلو لم یکن ذلک طریقا إلى الإمامه لما أطبقوا علیه-  و قد اختلف الشیخان أبو علی و أبو هاشم-  فی أن نص الإمام على إمام بعده-  هل یکفی فی انعقاد إمامته-  فقال أبو علی لا یکفی-  بل لا بد من أن یرضى به أربعه-  حتى یجری عهده إلیه مجرى عقد الواحد برضا أربعه-  فإذا قارنه رضا أربعه صار بذلک إماما-  و یقول فی بیعه عمر-  أن أبا بکر أحضر جماعه من الصحابه لما نص علیه-  و رجع إلى رضاهم بذلک-  و قال أبو هاشم بل یکفی نصه ع-  و لا یراعى فی ذلک رضا غیره به-  و لو ثبت أن أبا بکر فعله-  لکان على طریق التبع للنص-  لا أنه یؤثر فی إمامته مع العهد-  و لعل أبا بکر إن کان فعل ذلک فقد استطاب به نفوسهم-  و لهذا لم یؤثر فیه کراهیه طلحه حین قال-  ولیت علینا فظا غلیظا-  و یبین ذلک أنه لم ینقل استئناف العقد من الصحابه-  لعمر بعد موت أبی بکر-  و لا اجتماع جماعه لعقد البیعه له و الرضا به-  فدل على أنهم اکتفوا بعهد أبی بکر إلیه

 

الطعن العاشر

–  قولهم إنه سمى نفسه بخلیفه رسول الله ص-  لاستخلافه إیاه بعد موته-  مع اعترافه أنه لم یستخلفه- . و الجواب أن الصحابه سمته خلیفه رسول الله ص-  لاستخلافه إیاه على الصلاه عند موته-  و الاستخلاف على الصلاه عند الموت له مزیه-  على الاستخلاف على الصلاه حال الحیاه-  لأن حال الموت هی الحال التی تکون فیها العهود-  و الوصایا و ما یهتم به الإنسان من أمور الدنیا و الدین-  لأنها حال المفارقه-  و أیضا فإن رسول الله ص-  ما استخلف أحدا على الصلاه بالمدینه و هو حاضر-  و إنما کان یستخلف على الصلاه قوما-  أیام غیبته عن المدینه-  فلم یحصل الاستخلاف المطلق على الصلاه بالناس کلهم-  و هو ص حاضر بین الناس حی إلا لأبی بکر-  و هذه مزیه ظاهره على سائر الاستخلافات فی أمر الصلاه-  فلذلک سموه خلیفه رسول الله ص-  و بعد فإذا ثبت أن الإجماع على کون الاختیار-  طریقا إلى الإمامه و حجه-  و ثبت أن قوما من أفاضل الصحابه اختاروه للخلافه-  فقد ثبت أنه خلیفه رسول الله ص-  لأنه لا فرق بین أن ینص الرسول ص-  على شخص معین-  و بین أن یشیر إلى قوم فیقول-  من اختار هؤلاء القوم فهو الإمام-  فی أن کل واحد منهما یصح أن یطلق علیه خلیفه رسول الله ص.

 

الطعن الحادی عشر

قولهم إنه حرق الفجاءه السلمی بالنار-  و قد نهى النبی ص أن یحرق أحد بالنار- . و الجواب أن الفجاءه جاء إلى أبی بکر-  کما ذکر أصحاب التواریخ-  فطلب منه سلاحا یتقوى به على الجهاد فی أهل الرده-  فأعطاه فلما خرج قطع الطریق-  و نهب أموال المسلمین و أهل الرده جمیعا-  و قتل کل من وجد-  کما فعلت الخوارج حیث خرجت-  فلما ظفر به أبو بکر رأى حرقه بالنار-  إرهابا لأمثاله من أهل الفساد-  و یجوز للإمام أن یخص النص العام بالقیاس الجلی عندنا.

الطعن الثانی عشر

قولهم إنه تکلم فی الصلاه قبل التسلیم-  فقال لا یفعلن خالد ما أمرته-  قالوا و لذلک جاز عند أبی حنیفه-  أن یخرج الإنسان من الصلاه بالکلام و غیره-  من مفسدات الصلاه من دون تسلیم-  و بهذا احتج أبو حنیفه- . و الجواب أن هذا من الأخبار التی تتفرد بها الإمامیه-  و لم تثبت-  و أما أبو حنیفه فلم یذهب إلى ما ذهب إلیه-  لأجل هذا الحدیث-  و إنما احتج بأن التسلیم خطاب آدمی-  و لیس هو من الصلاه و أذکارها-  و لا من أرکانها بل هو ضدها-  و لذلک یبطلها قبل التمام-  و لذلک لا یسلم المسبوق تبعا لسلام الإمام-  بل یقوم من غیر تسلیم-  فدل على أنه ضد للصلاه-  و جمیع الأضداد بالنسبه إلى رفع الضد-  على وتیره واحده-  و لذلک استوى الکل فی‏ الإبطال قبل التمام-  فیستوی الکل فی الانتهاء بعد التمام-  و ما یذکره القوم من سبب کلام أبی بکر فی الصلاه أمر بعید-  و لو کان أبو بکر یرید ذلک-  لأمر خالد أن یفعل ذلک الفعل بالشخص المعروف-  و هو نائم لیلا فی بیته-  و لا یعلم أحد من الفاعل.

الطعن الثالث عشر

قولهم إنه کتب إلى خالد بن الولید و هو على الشام-  یأمره أن یقتل سعد بن عباده-  فکمن له هو و آخر معه لیلا-  فلما مر بهما رمیاه فقتلاه-  و هتف صاحب خالد فی ظلام اللیل-  بعد أن ألقیا سعدا فی بئر هناک فیها ماء ببیتین- 

نحن قتلنا سید الخزرج
سعد بن عباده‏

و رمیناه بسهمین‏
فلم تخط فؤاده‏

 یوهم أن ذلک شعر الجن و أن الجن قتلت سعدا-  فلما أصبح الناس فقدوا سعدا-  و قد سمع قوم منهم ذلک الهاتف فطلبوه-  فوجدوه بعد ثلاثه أیام فی تلک البئر و قد اخضر-  فقالوا هذا مسیس الجن-  و قال شیطان الطاق لسائل سأله-  ما منع علیا أن یخاصم أبا بکر فی الخلافه-  فقال یا ابن أخی خاف أن تقتله الجن- . و الجواب-  أما أنا فلا أعتقد أن الجن قتلت سعدا-  و لا أن هذا شعر الجن و لا أرتاب أن البشر قتلوه-  و أن هذا الشعر شعر البشر-  و لکن لم یثبت عندی أن أبا بکر أمر خالدا-  و لا أستبعد أن یکون فعله من تلقاء نفسه-  لیرضى بذلک أبا بکر و حاشاه-  فیکون الإثم على‏خالد و أبو بکر بری‏ء من إثمه-  و ما ذلک من أفعال خالد ببعید.

الطعن الرابع عشر

قولهم إنه لما استخلف قطع لنفسه على بیت المال أجره-  کل یوم ثلاثه دراهم-  قالوا و ذلک لا یجوز-  لأن مصارف أموال بیت المسلمین-  لم یذکر فیها أجره للإمام- . و الجواب أنه تعالى جعل فی جمله مصرف أموال الصدقات-  العاملین علیها و أبو بکر من العاملین-  و اعلم أن الإمامیه لو أنصفت لرأت أن هذا الطعن-  بأن یکون من مناقب أبی بکر-  أولى من أن یکون من مساویه و مثالبه-  و لکن العصبیه لا حیله فیها.

الطعن الخامس عشر

قولهم إنه لما استخلف صرخ منادیه فی المدینه-  من کان عنده شی‏ء من کلام الله فلیأتنا به-  فإنا عازمون على جمع القرآن-  و لا یأتنا بشی‏ء منه إلا و معه شاهدا عدل-  قالوا و هذا خطأ-  لأن القرآن قد بان بفصاحته عن فصاحه البشر-  فأی حاجه إلى شاهدی عدل- . و الجواب أن المرتضى و من تابعه من الشیعه-  لا یصح لهم هذا الطعن-  لأن القرآن عندهم لیس معجزا بفصاحته-  على أن من جعل معجزته للفصاحه لم یقل-  إن کل آیه من القرآن هی معجزه فی الفصاحه-  و أبو بکر إنما طلب کل آیه من القرآن-  لا السوره بتمامها و کمالها-  التی یتحقق الإعجاز من طریق الفصاحه فیها-  و أیضا فإنه لو أحضر إنسان آیه أو آیتین-  و لم یکن معه شاهد فربما تختلف العرب-  هل هذه فی الفصاحه بالغهمبلغ الإعجاز الکلی-  أم هی ثابته من کلام العرب بثبوته-  غیر بالغه إلى حد الإعجاز-  فکان یلتبس الأمر و یقع النزاع-  فاستظهر أبو بکر بطلب الشهود تأکیدا-  لأنه إذا انضمت الشهاده إلى الفصاحه الظاهره-  ثبت أن ذلک الکلام من القرآن

وَ مِنْ هَذَا الْکِتَابِ-  إِنِّی وَ اللَّهِ لَوْ لَقِیتُهُمْ وَاحِداً وَ هُمْ طِلَاعُ الْأَرْضِ کُلِّهَا-  مَا بَالَیْتُ وَ لَا اسْتَوْحَشْتُ-  وَ إِنِّی مِنْ ضَلَالِهِمُ الَّذِی هُمْ فِیهِ-  وَ الْهُدَى الَّذِی أَنَا عَلَیْهِ-  لَعَلَى بَصِیرَهٍ مِنْ نَفْسِی وَ یَقِینٍ مِنْ رَبِّی-  وَ إِنِّی إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ لَمُشْتَاقٌ-  وَ لِحُسْنِ ثَوَابِهِ لَمُنْتَظِرٌ رَاجٍ-  وَ لَکِنَّنِی آسَى أَنْ یَلِیَ هَذِهِ الْأُمَّهَ سُفَهَاؤُهَا وَ فُجَّارُهَا-  فَیَتَّخِذُوا مَالَ اللَّهِ دُوَلًا وَ عِبَادَهُ خَوَلًا-  وَ الصَّالِحِینَ حَرْباً وَ الْفَاسِقِینَ حِزْباً-  فَإِنَّ مِنْهُمُ الَّذِی شَرِبَ فِیکُمُ الْحَرَامَ-  وَ جُلِدَ حَدّاً فِی الْإِسْلَامِ-  وَ إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ یُسْلِمْ حَتَّى رُضِخَتْ لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ الرَّضَائِخُ-  فَلَوْ لَا ذَلِکَ مَا أَکْثَرْتُ تَأْلِیبَکُمْ وَ تَأْنِیبَکُمْ-  وَ جَمْعَکُمْ وَ تَحْرِیضَکُمْ-  وَ لَتَرَکْتُکُمْ إِذْ أَبَیْتُمْ وَ وَنَیْتُمْ-  أَ لَا تَرَوْنَ إِلَى أَطْرَافِکُمْ قَدِ انْتَقَصَتْ-  وَ إِلَى أَمْصَارِکُمْ قَدِ افْتُتِحَتْ-  وَ إِلَى مَمَالِکِکُمْ تُزْوَى وَ إِلَى بِلَادِکُمْ تُغْزَى-  انْفِرُوا رَحِمَکُمُ اللَّهُ إِلَى قِتَالِ عَدُوِّکُمْ-  وَ لَا تَثَّاقَلُوا إِلَى الْأَرْضِ فَتُقِرُّوا بِالْخَسْفِ-  وَ تَبَوَّءُوا بِالذُّلِّ وَ یَکُونَ نَصِیبُکُمُ الْأَخَسَّ-  وَ إِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الْأَرِقُ وَ مَنْ نَامَ لَمْ یُنَمْ عَنْهُ وَ السَّلَامُ‏ طلاع الأرض ملؤها-  و منه قول عمر لو أن لی طلاع الأرض ذهبا-  لافتدیت به من هول المطلع- . و آسى أحزن- . و أکثرت تألیبکم تحریضکم و إغراءکم به-  و التأنیب أشد اللوم- . و ونیتم ضعفتم و فترتم-  و ممالککم تزوى أی تقبض- . و لا تثاقلوا بالتشدید أصله تتثاقلوا-  و تقروا بالخسف تعترفوا بالضیم و تصبروا له-  و تبوءوا بالذل ترجعوا به و الأرق الذی لا ینام-  و مثل قوله ع-  من نام لم ینم عنه قول الشاعر- 

   لله درک ما أردت بثائر
حران لیس عن الترات براقد

أسهرته ثم اضطجعت و لم ینم‏
حنقا علیک و کیف نوم الحاقد

فأما الذی رضخت له على الإسلام الرضائخ فمعاویه-  و الرضیخه شی‏ء قلیل یعطاه الإنسان-  یصانع به عن شی‏ء یطلب منه کالأجر-  و ذلک لأنه من المؤلفه قلوبهم الذین رغبوا فی الإسلام-  و الطاعه بجمال وشاء دفعت إلیهم-  و هم قوم معروفون کمعاویه و أخیه یزید-  و أبیهما أبی سفیان و حکیم بن حزام و سهیل بن عمرو-  و الحارث بن هشام بن المغیره و حویطب بن عبد العزى-  و الأخنس بن شریق و صفوان بن أمیه-  و عمیر بن وهب الجمحی و عیینه بن حصن-  و الأقرع بن حابس و عباس بن مرداس و غیرهم-  و کان إسلام هؤلاء للطمع و الأغراض الدنیاویه-  و لم یکن عن أصل و لا عن یقین و علم- .

 

و قال الراوندی-  عنى بقوله رضخت لهم الرضائخ-  عمرو بن العاص-  و لیس بصحیح لأن عمرا لم یسلم بعد الفتح-  و أصحاب الرضائخ کلهم أسلموا بعد الفتح-  صونعوا على الإسلام بغنائم حنین-  و لعمری إن إسلام عمرو کان مدخولا أیضا-  إلا أنه لم یکن عن رضیخه و إنما کان لمعنى آخر-  فأما الذی شرب الحرام و جلد فی حد الإسلام-  فقد قال الراوندی هو المغیره بن شعبه-  و أخطأ فیما قال-  لأن المغیره إنما اتهم بالزنى و لم یحد-  و لم یجر للمغیره ذکر فی شرب الخمر-  و قد تقدم خبر المغیره مستوفى-  و أیضا فإن المغیره لم یشهد صفین مع معاویه و لا مع علی ع-  و ما للراوندی و لهذا-  إنما یعرف هذا الفن أربابه-  و الذی عناه علی ع الولید بن عقبه بن أبی معیط-  و کان أشد الناس علیه-  و أبلغهم تحریضا لمعاویه و أهل الشام على حربه

أخبار الولید بن عقبه

و نحن نذکر خبر الولید و شربه الخمر-  منقولا من کتاب الأغانی-  لأبی الفرج علی بن الحسین الأصفهانی-  قال أبو الفرج-  کان سبب إماره الولید بن عقبه الکوفه لعثمان-  ما حدثنی به أحمد بن عبد العزیز الجوهری قال-  حدثنا عمر بن شبه قال-  حدثنی عبد العزیز بن محمد بن حکیم-  عن خالد بن سعید بن عمرو بن سعید عن أبیه قال-  لم یکن یجلس مع عثمان على سریره-  إلا العباس بن عبد المطلب و أبو سفیان بن حرب-  و الحکم بن أبی العاص و الولید بن عقبه-  و لم یکن سریره یسع إلا عثمان و واحدا منهم-  فأقبل الولید یوما فجلس-  فجاء الحکم بن أبی العاص فأومأ عثمان إلى الولید-  فرحل له عن مجلسه-  فلما قام الحکم قال الولید-  و الله یا أمیر المؤمنین لقد تلجلج فی صدری بیتان-  قلتهما حین رأیتک آثرت ابن عمک على ابن أمک-  و کان الحکم عم عثمان و الولید أخاه‏ لأمه-  فقال عثمان إن الحکم شیخ قریش فما البیتان-  فقال

   رأیت لعم المرء زلفى قرابه
دوین أخیه حادثا لم یکن قدما

فأملت عمرا أن یشب و خالدا
لکی یدعوانی یوم نائبه عما

یعنی عمرا و خالدا ابنی عثمان-  قال فرق له عثمان و قال-  قد ولیتک الکوفه فأخرجه إلیها- . قال أبو الفرج و أخبرنی أحمد بن عبد العزیز قال-  حدثنی عمر بن شبه قال-  حدثنی بعض أصحابنا عن ابن دأب قال-  لما ولى عثمان الولید بن عقبه الکوفه-  قدمها و علیها سعد بن أبی وقاص-  فأخبر بقدومه و لم یعلم أنه قد أمر فقال و ما صنع-  قالوا وقف فی السوق فهو یحدث الناس هناک-  و لسنا ننکر شیئا من أمره-  فلم یلبث أن جاءه نصف النهار-  فاستأذن على سعد فأذن له-  فسلم علیه بالإمره و جلس معه-  فقال له سعد-  ما أقدمک یا أبا وهب قال أحببت زیارتک-  قال و على ذاک أ جئت بریدا-  قال أنا أرزن من ذلک-  و لکن القوم احتاجوا إلى عملهم فسرحونی إلیه-  و قد استعملنی أمیر المؤمنین على الکوفه-  فسکت سعد طویلا ثم قال-  لا و الله ما أدری أصلحت بعدنا أم فسدنا بعدک-  ثم قال- 

کلینی و جرینی ضباع و أبشری
بلحم امرئ لم یشهد الیوم ناصره‏

فقال الولید أما و الله لأنا أقول للشعر منک-  و أروى له و لو شئت لأجبتک و لکنی أدع ذاک لما تعلم-  نعم و الله لقد أمرت بمحاسبتک و النظر فی أمر عمالک-  ثم بعث إلى عمال سعد فحبسهم و ضیق علیهم-  فکتبوا إلى سعد یستغیثون به-  فکلمه فیهم فقال له أ و للمعروف عندک موضع-  قال نعم فخلى سبیلهم- .

 

قال أحمد و حدثنی عمر عن أبی بکر الباهلی-  عن هشیم عن العوام بن حوشب قال-  لما قدم الولید على سعد قال له سعد-  و الله ما أدری کست بعدنا أم حمقنا بعدک-  فقال لا تجزعن یا أبا إسحاق-  فإنه الملک یتغداه قوم و یتعشاه آخرون-  فقال سعد أراکم و الله ستجعلونه ملکا- . قال أبو الفرج و حدثنا أحمد قال حدثنی عمر قال-  حدثنی هارون بن معروف عن ضمره بن ربیعه-  عن ابن شوذب قال-  صلى الولید بأهل الکوفه الغداه أربع رکعات-  ثم التفت إلیهم فقال أزیدکم-  فقال عبد الله بن مسعود ما زلنا معک فی زیاده منذ الیوم- . قال أبو الفرج-  و حدثنی أحمد قال حدثنا عمر قال-  حدثنا محمد بن حمید قال-  حدثنا جریر عن الأجلح عن الشعبی قال-  قال الحطیئه یذکر الولید- 

 شهد الحطیئه یوم یلقى ربه
إن الولید أحق بالغدر

نادى و قد تمت صلاتهم‏
أ أزیدکم سکرا و لم یدر

فأبوا أبا وهب و لو أذنوا
لقرنت بین الشفع و الوتر

کفوا عنانک إذ جریت و لو
ترکوا عنانک لم تزل تجری‏

و قال الحطیئه أیضا-

تکلم فی الصلاه و زاد فیها
علانیه و أعلن بالنفاق‏

و مج الخمر فی سنن المصلی‏
و نادى و الجمیع إلى افتراق‏

أزیدکم على أن تحمدونی
فما لکم و ما لی من خلاق‏

قال أبو الفرج و أخبرنا محمد بن خلف وکیع قال-  حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثنی أبی قال-  قال أبو عبیده و هشام بن الکلبی و الأصمعی-  کان الولید زانیا یشرب الخمر-  فشرب بالکوفه و قام لیصلی بهم الصبح فی المسجد الجامع-  فصلى بهم أربع رکعات ثم التفت إلیهم فقال أزیدکم-  و تقیأ فی المحراب بعد أن قرأ بهم رافعا صوته فی الصلاه- 

        علق القلب الربابا
بعد ما شابت و شابا

فشخص أهل الکوفه إلى عثمان فأخبروه بخبره-  و شهدوا علیه بشرب الخمر-  فأتی به فأمر رجلا من المسلمین أن یضربه الحد-  فلما دنا منه قال نشدتک الله و قرابتی من أمیر المؤمنین فترکه-  فخاف علی بن أبی طالب ع أن یعطل الحد-  فقام إلیه فحده بیده-  فقال الولید نشدتک الله و القرابه-  فقال أمیر المؤمنین ع اسکت أبا وهب-  فإنما هلک بنو إسرائیل لتعطیلهم الحدود-  فلما ضربه و فرغ منه قال-  لتدعونی قریش بعدها جلادا-  قال إسحاق و حدثنی مصعب بن الزبیر قال-  قال الولید بعد ما شهدوا علیه فجلد-  اللهم إنهم قد شهدوا علی بزور فلا ترضهم عن أمیر-  و لا ترض عنهم أمیرا-  قال و قد عکس الحطیئه أبیاته فجعلها مدحا للولید- 

شهد الحطیئه حین یلقى ربه
أن الولید أحق بالعذر

کفوا عنانک إذ جریت و لو
ترکوا عنانک لم تزل تجری‏

و رأوا شمائل ماجد أنف‏
یعطى على المیسور و العسر

فنزعت مکذوبا علیک و لم
تنزع على طمع و لا ذعر

 قال أبو الفرج و نسخت من کتاب هارون بن الرباب بخطه-  عن عمر بن شبه قال-  شهد رجل عند أبی العجاج و کان على قضاء البصره-  على رجل من المعیطیین بشهاده-  و کان الشاهد سکران فقال المشهود علیه-  و هو المعیطی أعزک الله أیها القاضی-  إنه لا یحسن من السکر أن یقرأ شیئا من القرآن-  فقال الشاهد بلى أحسن قال فاقرأ فقال- 

علق القلب الربابا
بعد ما شابت و شابا

 یمجن بذلک-  و یحکی ما قاله الولید فی الصلاه-  و کان أبو العجاج أحمق فظن أن هذا الکلام من القرآن-  فجعل یقول صدق الله و رسوله-  ویلکم کم تعلمون و لا تعملون- . قال أبو الفرج و أخبرنی أحمد بن عبد العزیز قال-  حدثنا عمر بن شبه عن المدائنی عن مبارک بن سلام-  عن فطر بن خلیفه عن أبی الضحى قال-  کان ناس من أهل الکوفه یتطلبون عثره الولید بن عقبه-  منهم أبو زینب الأزدی و أبو مورع-  فجاءا یوما و لم یحضر الولید الصلاه-  فسألا عنه فتلطفا حتى علما أنه یشرب-  فاقتحما الدار فوجداه یقی‏ء-  فاحتملاه و هو سکران حتى وضعاه على سریره-  و أخذا خاتمه من یده فأفاق فافتقد خاتمه-  فسأل عنه أهله فقالوا لا ندری-  و قد رأینا رجلین دخلا علیک-فاحتملاک فوضعاک على سریرک-  فقال صفوهما لی-  فقالوا أحدهما آدم طوال حسن الوجه-  و الآخر عریض مربوع علیه خمیصه-  فقال هذا أبو زینب و هذا أبو مورع- .

قال و لقی أبو زینب و صاحبه عبد الله بن حبیش الأسدی-  و علقمه بن یزید البکری و غیرهما-  فأخبروهم فقالوا أشخصوا إلى أمیر المؤمنین فأعلموه-  و قال بعضهم إنه لا یقبل قولکم فی أخیه-  فشخصوا إلیه فقالوا إنا جئناک فی أمر-  و نحن مخرجوه إلیک من أعناقنا-  و قد قیل إنک لا تقبله-  قال و ما هو قالوا رأینا الولید-  و هو سکران من خمر شربها-  و هذا خاتمه أخذناه من یده و هو لا یعقل- فأرسل عثمان إلى علی ع فأخبره-  فقال أرى أن تشخصه-  فإذا شهدوا علیه بمحضر منه حددته-  فکتب عثمان إلى الولید فقدم علیه-  فشهد علیه أبو زینب و أبو مورع-  و جندب الأزدی و سعد بن مالک الأشعری-  فقال عثمان لعلی ع-  قم یا أبا الحسن فاجلده-  فقال علی ع للحسن ابنه قم فاضربه-  فقال الحسن ما لک و لهذا یکفیک غیرک-  فقال علی لعبد الله بن جعفر قم فاضربه-  فضربه بمخصره فیها سیر له رأسان-  فلما بلغ أربعین قال حسبک- .

قال أبو الفرج و حدثنی أحمد قال حدثنا عمر قال-  حدثنی المدائنی عن الوقاصی عن الزهری قال-  خرج رهط من أهل الکوفه إلى عثمان فی أمر الولید-  فقال أ کلما غضب رجل على أمیره رماه بالباطل-  لئن أصبحت لکم لأنکلن بکم-  فاستجاروا بعائشه-  و أصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتا و کلاما-  فیه بعض الغلظه-  فقال أ ما یجد فساق العراق و مراقها ملجأ-  إلا بیت عائشه-  فسمعت فرفعت نعل رسول الله ص و قالت-  ترکت سنه صاحب هذا النعل-  و تسامع الناس فجاءوا حتى ملئوا المسجد-  فمن قائل قد أحسنت و من قائل ما للنساء و لهذا-  حتى تخاصمواو تضاربوا بالنعال-  و دخل رهط من أصحاب رسول الله ص على عثمان-  فقالوا له اتق الله و لا تعطل الحدود-  و اعزل أخاک عنهم ففعل قال أبو الفرج حدثنا أحمد قال حدثنی عمر-  عن المدائنی عن أبی محمد الناجی-  عن مطر الوراق قال-  قدم رجل من أهل الکوفه إلى المدینه-  فقال لعثمان إنی صلیت صلاه الغداه خلف الولید-  فالتفت فی الصلاه إلى الناس فقال أ أزیدکم-  فإنی أجد الیوم نشاطا-  و شممنا منه رائحه الخمر-  فضرب عثمان الرجل-  فقال الناس عطلت الحدود و ضربت الشهود- . قال أبو الفرج و حدثنا أحمد قال حدثنا عمر قال-  حدثنا أبو بکر الباهلی عن بعض من حدثه قال-  لما شهد على الولید عند عثمان بشرب الخمر-  کتب إلیه یأمره بالشخوص-  فخرج و خرج معه قوم یعذرونه-  منهم عدی بن حاتم الطائی-  فنزل الولید یوما یسوق بهم فارتجز و قال- 

لا تحسبنا قد نسینا الأحقاف
و النشوات من معتق صاف‏
و عزف قینات علینا عزاف‏

فقال عدی فأین تذهب بنا إذن فأقم- . قال أبو الفرج و قد روى أحمد عن عمر عن رجاله-  عن الشعبی عن جندب الأزدی قال-  کنت فیمن شهد على الولید عند عثمان-  فلما استتممنا علیه الشهاده حبسه عثمان-  ثم ذکر باقی الخبر و ضرب علی ع إیاه-  و قول الحسن ابنه ما لک و لهذا-  و زاد فیه و قال علی ع لست إذن مسلما-  أو قال من المسلمین- .

 

 قال أبو الفرج و أخبرنی أحمد عن عمر عن رجاله أن الشهاده لما تمت قال عثمان لعلی ع-  دونک ابن عمک فأقم علیه الحد-  فأمر علی ع ابنه الحسن ع فلم یفعل فقال یکفیک غیرک-  فقال علی ع بل ضعفت و وهنت و عجزت-  قم یا عبد الله بن جعفر فاجلده فقام فجلده-  و علی ع یعد حتى بلغ أربعین-  فقال له علی ع أمسک حسبک-  جلد رسول الله ص أربعین-  و جلد أبو بکر أربعین و کملها عمر ثمانین-  و کل سنه- .

قال أبو الفرج و حدثنی أحمد عن عمر-  عن عبد الله بن محمد بن حکیم عن خالد بن سعید قال-  و أخبرنی بذلک أیضا إبراهیم بن محمد بن أیوب-  عن عبد الله بن مسلم قالوا جمیعا-  لما ضرب عثمان الولید الحد قال-  إنک لتضربنی الیوم بشهاده قوم لیقتلنک عاما قابلا- . قال أبو الفرج-  و حدثنی أحمد بن عبد العزیز الجوهری-  عن عمر بن شبه عن عبد الله بن محمد بن حکیم-  عن خالد بن سعید-  و أخبرنی أیضا إبراهیم عن عبد الله قالوا جمیعا-  کان أبو زبید الطائی ندیما للولید بن عقبه-  أیام ولایته الکوفه-  فلما شهدوا علیه بالسکر من الخمر خرج عن الکوفه معزولا-  فقال أبو زبید یتذکر أیامه و ندامته- 

 من یرى العیر أن تمشی على ظهر
المرورى حداتهن عجال‏

ناعجات و البیت بیت أبی وهب‏
خلاء تحن فیه الشمال‏

یعرف الجاهل المضلل أن الدهر
فیه النکراء و الزلزال‏

لیت شعری کذا کم العهد أم کانوا
أناسا کمن یزول فزالوا

بعد ما تعلمین یا أم عمرو
کان فیهم عز لنا و جمال‏

و وجوه تودنا مشرقات‏
و نوال إذا أرید النوال‏

أصبح البیت قد تبدل بالحی
وجوها کأنها الأقیال‏

کل شی‏ء یحتال فیه الرجال‏
غیر أن لیس للمنایا احتیال‏

و لعمر الإله لو کان للسیف
مضاء و للسان مقال‏

ما تناسیتک الصفاء و لا
الود و لا حال دونک الإشغال‏

و لحرمت لحمک المتعضی
ضله ضل حلمهم ما اغتالوا

قولهم شربک الحرام و قد کان‏
شراب سوى الحرام حلال‏

و أبی ظاهر العداوه و الشنآن
إلا مقال ما لا یقال‏

من رجال تقارضوا منکرات‏
لینالوا الذی أرادوا فنالوا

غیر ما طالبین ذحلا و لکن
مال دهر على أناس فمالوا

من یخنک الصفاء أو یتبدل‏
أو یزل مثل ما یزول الظلال‏

فاعلمن أننی أخوک أخو
الود حیاتی حتى تزول الجبال‏

لیس بخلی علیک یوما بمال‏
أبدا ما أقل نعلا قبال‏

و لک النصر باللسان و بالکف
إذا کان للیدین مصال‏

قال أبو الفرج و حدثنی أحمد قال حدثنی عمر قال-  لما قدم الولید بن عقبه الکوفه قدم علیه أبو زبید-  فأنزله دار عقیل بن أبی طالب على باب المسجد-  و هی التی‏ تعرف بدار القبطی-  فکان مما احتج به علیه أهل الکوفه-  أن أبا زبید کان یخرج إلیه من داره-  و هو نصرانی یخترق المسجد فیجعله طریقا- . قال أبو الفرج-  و أخبرنی محمد بن العباس الیزیدی قال-  حدثنی عمی عبید الله عن ابن حبیب عن ابن الأعرابی-  أن أبا زبید وفد على الولید-  حین استعمله عثمان على الکوفه-  فأنزله الولید دار عقیل بن أبی طالب عند باب المسجد-  و استوهبها منه فوهبها له-  فکان ذلک أول الطعن علیه من أهل الکوفه-  لأن أبا زبید کان یخرج من داره حتى یشق المسجد إلى الولید-  فیسمر عنده و یشرب معه-  و یخرج فیشق المسجد و هو سکران-  فذاک نبههم علیه-  قال و قد کان عثمان ولى الولید صدقات بنی تغلب-  فبلغه عنه شعر فیه خلاعه فعزله-  قال فلما ولاه الکوفه اختص أبا زبید الطائی و قربه-  و مدحه أبو زبید بشعر کثیر-  و قد کان الولید استعمل-  الربیع بن مری بن أوس بن حارثه بن لام الطائی-  على الحمى فیما بین الجزیره و ظهر الحیره-  فأجدبت الجزیره-  و کان أبو زبید فی بنی تغلب نازلا-  فخرج بإبلهم لیرعیهم-  فأبى علیهم الربیع بن مری و منعهم-  و قال لأبی زبید إن شئت أرعیک وحدک فعلت-  فأتى أبو زبید إلى الولید فشکاه-  فأعطاه ما بین القصور الحمر من الشام-  إلى القصور الحمر من الحیره و جعلها له حمى-  و أخذها من الربیع بن مری فقال أبو زبید یمدح الولید-  و الشعر یدل على أن الحمى کان بید مری بن أوس-  لا بید الربیع ابنه-  و هکذا هو فی روایه عمر بن شبه- 

لعمر أبیک یا ابن أبی مری
لغیرک من أباح لنا الدیارا

أباح لنا أبارق ذات قور
و نرعى القف منها و القفارا

بحمد الله ثم فتى قریش
أبی وهب غدت بدنا غزارا

أباح لنا و لا نحمی علیکم‏
إذا ما کنتم سنه جزارا

قال یقول إذا أجدبتم فإنا لا نحمیها علیکم- و إذا کنتم أسأتم و حمیتموها علینا- .

فتى طالت یداه إلى المعالی
و طحطحت المجذمه القصارا

قال و من شعر أبی زبید- فیه یذکر نصره له على مری بن أوس بن حارثه-

یا لیت شعری بأنباء أنبؤها
قد کان یعنى بها صدری و تقدیری‏

عن امرئ ما یزده الله من شرف‏
أفرح به و مری غیر مسرور

إن الولید له عندی و حق له
ود الخلیل و نصح غیر مذخور

لقد دعانی و أدنانی أظهرنی‏
على الأعادی بنصر غیر تغریر

و شذب القوم عنی غیر مکترث
حتى تناهوا على رغم و تصغیر

نفسی فداء أبی وهب و قل له‏
یا أم عمرو فحلی الیوم أو سیری‏

و قال أبو زبید یمدح الولید و یتألم لفراقه- حین عزل عن الکوفه-

لعمری لئن أمسى الولید ببلده
سوای لقد أمسیت للدهر معورا

خلا أن رزق الله غاد و رائح‏
و إنی له راج و إن سار أشهرا

و کان هو الحصن الذی لیس مسلمی
إذا أنا بالنکراء هیجت معشرا

إذا صادفوا دونی الولید فإنما
یرون بوادی ذی حماس مزعفرا

و هی طویله یصف فیها الأسد قال أبو الفرج و حدثنا أحمد بن عبد العزیز-  قال حدثنا عمر عن رجاله عن الولید قال-  لما فتح رسول الله ص مکه-  جعل أهل مکه یأتونه بصبیانهم-  فیدعو لهم بالبرکه و یمسح یده على رءوسهم-  فجی‏ء بی إلیه و أنا مخلق فلم یمسنی-  و ما منعه إلا أن أمی خلقتنی بخلوق-  فلم یمسنی من أجل الخلوق- .

 قال أبو الفرج و حدثنی إسحاق بن بنان الأنماطی عن حنیش بن میسر عن عبد الله بن موسى عن أبی لیلى عن الحکم عن سعید بن جبیر عن ابن عباس قال قال الولید بن عقبه لعلی بن أبی طالب ع-  أنا أحد منک سنانا و أبسط منک لسانا و أملأ للکتیبه-  فقال علی ع اسکت یا فاسق فنزل القرآن فیهما-  أَ فَمَنْ کانَ مُؤْمِناً کَمَنْ کانَ فاسِقاً لا یَسْتَوُونَ‏- .

قال أبو الفرج و حدثنی أحمد بن عبد العزیز-  عن عمر بن شبه عن محمد بن حاتم عن یونس بن عمر-  عن شیبان عن یونس عن قتاده فی قوله تعالى-  یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِنْ جاءَکُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَیَّنُوا-  قال هو الولید بن عقبه بعثه النبی ص مصدقا إلى بنی المصطلق-  فلما رأوه أقبلوا نحوه فهابهم-  فرجع إلى النبی ص فقال له-  إنهم ارتدوا عن الإسلام-  فبعث النبی ص خالد بن الولید فعلم عملهم-  و أمره أن یتثبت و قال له انطلق و لا تعجل-  فانطلق حتى أتاهم لیلا و أنفذ عیونه نحوهم-  فلما جاءوه أخبروه أنهم متمسکون بالإسلام-  و سمع أذانهم و صلاتهم-  فلما أصبح أتاهم فرأى ما یعجبه-  فرجع إلى الرسول ص فأخبره فنزلت هذه الآیه- .

 

قلت-  قد لمح ابن عبد البر صاحب کتاب الإستیعاب-  فی هذا الموضع نکته حسنه-  فقال فی حدیث الخلوق-  هذا حدیث مضطرب منکر لا یصح-  و لیس یمکن أن یکون من بعثه النبی ص مصدقا-  صبیا یوم الفتح-  قال و یدل أیضا على فساده-  أن الزبیر بن بکار و غیره من أهل العلم بالسیر و الأخبار-  ذکروا أن الولید و أخاه عماره ابنی عقبه بن أبی معیط-  خرجا من مکه لیردا أختهما أم کلثوم عن الهجره-  و کانت هجرتها فی الهدنه-  التی بین النبی ص و بین أهل مکه-  و من کان غلاما مخلقا بالخلوق یوم الفتح-  لیس یجی‏ء منه مثل هذا-  قال و لا خلاف بین أهل العلم بتأویل القرآن-  أن قوله عز و جل إِنْ جاءَکُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَیَّنُوا-  أنزلت فی الولید لما بعثه رسول الله ص مصدقا-  فکذب على بنی المصطلق و قال-  إنهم ارتدوا و امتنعوا من أداء الصدقه-  قال أبو عمر و فیه و فی علی ع نزل-  أَ فَمَنْ کانَ مُؤْمِناً کَمَنْ کانَ فاسِقاً لا یَسْتَوُونَ-  فی قصتهما المشهوره-  قال و من کان صبیا یوم الفتح لا یجی‏ء منه مثل هذا-  فوجب أن ینظر فی حدیث الخلوق-  فإنه روایه جعفر بن برقان عن ثابت-  عن الحجاج عن أبی موسى الهمدانی-  و أبو موسى مجهول لا یصح حدیثه- .

ثم نعود إلى کتاب أبی الفرج الأصبهانی-  قال أبو الفرج و أخبرنی أحمد بن عبد العزیز عن عمر بن شبه عن عبد الله بن موسى عن نعیم بن حکیم عن أبی مریم عن علی ع أن امرأه الولید بن عقبه جاءت إلى النبی ص-  تشتکی إلیه الولید و قالت إنه یضربها-  فقال لها ارجعی إلیه و قولی له-  إن رسول الله قد أجارنی فانطلقت-  فمکثت ساعه ثم رجعت فقالت-  إنه‏ ما أقلع عنی-  فقطع رسول الله ص هدبه من ثوبه-  و قال اذهبی بها إلیه و قولی له إن رسول الله قد أجارنی-  فانطلقت فمکثت ساعه ثم رجعت فقالت-  ما زادنی إلا ضربا-  فرفع رسول الله ص یده ثم قال-  اللهم علیک بالولید مرتین أو ثلاثا- .

قال أبو الفرج-  و اختص الولید لما کان والیا بالکوفه ساحرا-  کاد یفتن الناس-  کان یریه کتیبتین تقتتلان-  فتحمل إحداهما على الأخرى فتهزمها-  ثم یقول له أ یسرک-  أن أریک المنهزمه تغلب الغالبه فتهزمها-  فیقول نعم-  فجاء جندب الأزدی مشتملا على سیفه-  فقال أفرجوا لی فأفرجوا فضربه حتى قتله-  فحبسه الولید قلیلا ثم ترکه- . قال أبو الفرج و روى أحمد عن عمر عن رجاله-  أن جندبا لما قتل الساحر حبسه الولید-  فقال له دینار بن دینار فیم حبست هذا-  و قد قتل من أعلن بالسحر فی دین محمد ص-  ثم مضى إلیه فأخرجه من الحبس-  فأرسل الولید إلى دینار بن دینار فقتله- . قال أبو الفرج حدثنی عمی الحسن بن محمد قال-  حدثنی الخراز عن المدائنی عن علی بن مجاهد-  عن محمد بن إسحاق عن یزید بن رومان-  عن الزهری و غیره-  أن رسول الله ص-  لما انصرف عن غزاه بنی المصطلق-  نزل رجل من المسلمین فساق بالقوم و رجز-  ثم آخر فساق بهم و رجز-  ثم بدا لرسول الله ص أن یواسی أصحابه-  فنزل فساق بهم و رجز و جعل یقول فیما یقول- 

جندب و ما جندب
و الأقطع زید الخیر

فدنا منه أصحابه فقالوا یا رسول الله- ما ینفعنا سیرنا مخافه أن تنهشک دابه- أو تصیبک نکبه- فرکب و دنوا منه و قالوا- قلت قولا لا ندری ما هو قال و ما ذاک- قالوا کنت تقول-

جندب و ما جندب
و الأقطع زید الخیر

 فقال رجلان یکونان فی هذه الأمه- یضرب أحدهما ضربه یفرق بین الحق و الباطل- و تقطع ید الآخر فی سبیل الله- ثم یتبع الله آخر جسده بأوله- و کان زید هو زید بن صوحان- و قطعت یده فی سبیل الله یوم جلولاء- و قتل یوم الجمل مع علی بن أبی طالب ع- و أما جندب هذا فدخل على الولید بن عقبه- و عنده ساحر یقال له أبو شیبان- یأخذ أعین الناس فیخرج مصارین بطنهم ثم یردها- فجاء من خلفه فضربه فقتله و قال-

العن ولیدا و أبا شیبان
و ابن حبیش راکب الشیطان‏
رسول فرعون إلى هامان‏

 قال أبو الفرج و قد روی أن هذا الساحر-  کان یدخل عند الولید فی جوف بقره حیه-  ثم یخرج منها-  فرآه جندب فذهب إلى بیته فاشتمل على سیف-  فلما دخل الساحر فی البقره قال جندب-  أ فتأتون السحر و أنتم تبصرون-  ثم ضرب وسط البقره فقطعها و قطع الساحر معها-  فذعر الناس فسجنه الولید و کتب بأمره إلى عثمان- . قال أبو الفرج فروى أحمد بن عبد العزیز-  عن حجاج بن نصیر عن قره عن‏محمد بن سیرین قال-  انطلق بجندب بن کعب الأزدی-  قاتل الساحر بالکوفه إلى السجن-  و على السجن رجل نصرانی من قبل الولید-  و کان یرى جندب بن کعب یقوم باللیل و یصبح صائما-  فوکل بالسجن رجلا-  ثم خرج فسأل الناس عن أفضل أهل الکوفه-  فقالوا الأشعث بن قیس فاستضافه-  فجعل یراه ینام اللیل ثم یصبح فیدعو بغدائه-  فخرج من عنده و سأل أی أهل الکوفه أفضل-  قالوا جریر بن عبد الله فذهب إلیه-  فوجده ینام اللیل ثم یصبح فیدعو بغدائه-  فاستقبل القبله و قال ربی رب جندب و دینی دین جندب-  ثم أسلم- . قال أبو الفرج-  فلما نزع عثمان الولید عن الکوفه-  أمر علیها سعید بن العاص-  فلما قدمها قال اغسلوا هذا المنبر-  فإن الولید کان رجلا نجسا فلم یصعده حتى غسل-  قال أبو الفرج و کان الولید أسن من سعید بن العاص-  و أسخى نفسا و ألین جانبا و أرضى عندهم-  فقال بعض شعرائهم- 

   و جاءنا من بعده سعید
ینقص فی الصاع و لا یزید

و قال آخر منهم-

فررت من الولید إلى سعید
کأهل الحجر إذ فزعوا فباروا

یلینا من قریش کل عام‏
أمیر محدث أو مستشار

لنا نار تحرقنا فنخشى
و لیس لهم و لا یخشون نار

قال أبو الفرج و حدثنا أحمد قال-  حدثنا عمر عن المدائنی قال-  قدم الولید بن‏ عقبه الکوفه فی أیام معاویه-  زائرا للمغیره بن شعبه-  فأتاه أشراف الکوفه فسلموا علیه-  و قالوا و الله ما رأینا بعدک مثلک-  فقال أ خیرا أم شرا قالوا بل خیرا-  قال و لکنی ما رأیت بعدکم شرا منکم-  فأعادوا الثناء علیه-  فقال بعض ما تأتون به-  فو الله إن بغضکم لتلف و إن حبکم لصلف قال أبو الفرج و روى عمر بن شبه-  أن قبیصه بن جابر کان ممن کثر على الولید-  فقال معاویه یوما و الولید و قبیصه عنده-  یا قبیصه ما کان شأنک و شأن الولید-  قال خیر یا أمیر المؤمنین-  إنه فی أول الأمر وصل الرحم و أحسن الکلام-  فلا تسأل عن شکر و حسن ثناء-  ثم غضب على الناس و غضبوا علیه و کنا معهم-  فإما ظالمون فنستغفر الله و إما مظلومون فیغفر الله له-  فخذ فی غیر هذا یا أمیر المؤمنین-  فإن الحدیث ینسی القدیم-  قال معاویه ما أعلمه إلا قد أحسن السیره-  و بسط الخیر و قبض الشر-  قال فأنت یا أمیر المؤمنین الیوم أقدر على ذلک فافعله-  فقال اسکت لا سکت فسکت و سکت القوم-  فقال معاویه بعد یسیر ما لک لا تتکلم یا قبیصه-  قال نهیتنی عما کنت أحب فسکت عما لا أحب- . قال أبو الفرج-  و مات الولید بن عقبه فویق الرقه-  و مات أبو زبید هناک-  فدفنا جمیعا فی موضع واحد-  فقال فی ذلک أشجع السلمی و قد مر بقبریهما- 

 مررت على عظام أبی زبید
و قد لاحت ببلقعه صلود

فکان له الولید ندیم صدق‏
فنادم قبره قبر الولید

و ما أدری بمن تبدو المنایا
بحمزه أم بأشجع أم یزید

قیل هم إخوته و قیل ندماؤه- . قال أبو الفرج و حدثنی أحمد بن عبد العزیز-  عن محمد بن زکریا الغلابی‏ عن عبد الله بن الضحاک-  عن هشام بن محمد عن أبیه قال-  وفد الولید بن عقبه و کان جوادا إلى معاویه-  فقیل له هذا الولید بن عقبه بالباب-  فقال و الله لیرجعن مغیظا غیر معطى-  فإنه الآن قد أتانا یقول-  علی دین و علی کذا-  ائذن له فأذن له فسأله و تحدث معه-  ثم قال له معاویه-  أما و الله إن کنا لنحب إتیان مالک بالوادی-  و لقد کان یعجب أمیر المؤمنین-  فإن رأیت أن تهبه لیزید فافعل-  قال هو لیزید-  ثم خرج و جعل یختلف إلى معاویه-  فقال له یوما انظر یا أمیر المؤمنین فی شأنی-  فإن علی مئونه و قد أرهقنی دین-  فقال له أ لا تستحیی لنفسک و حسبک-  تأخذ ما تأخذه فتبذره-  ثم لا تنفک تشکو دینا-  فقال الولید أفعل ثم انطلق من مکانه-  فسار إلى الجزیره و قال یخاطب معاویه- 

  فإذا سئلت تقول لا
و إذا سألت تقول هات‏

تأبى فعال الخیر لا
تروی و أنت على الفرات‏

أ فلا تمیل إلى نعم
أو ترک لا حتى الممات‏

و بلغ معاویه شخوصه إلى الجزیره فخافه- و کتب إلیه أقبل فکتب-

أعف و أستعفی کما قد أمرتنی
فأعط سوای ما بدا لک و ابخل‏

سأحدو رکابی عنک إن عزیمتی‏
إذا نابنی أمر کسله منصل‏

و إنی امرؤ للنأی منی تطرب
و لیس شبا قفل علی بمقفل‏

ثم رحل إلى الحجاز فبعث إلیه معاویه بجائزه- . و أما أبو عمر بن عبد البر-  فإنه ذکر فی الإستیعاب فی باب الولید قال-  إن له أخبارا فیها شناعه تقطع على سوء حاله-  و قبح أفعاله غفر الله لنا و له-  فلقد کان من رجال قریش‏ظرفا و حلما-  و شجاعه و جودا و أدبا-  و کان من الشعراء المطبوعین-  قال و کان الأصمعی و أبو عبیده و ابن الکلبی و غیرهم-  یقولون إنه کان فاسقا شریب خمر و کان شاعرا کریما-  قال و أخباره فی شربه الخمر-  و منادمته أبا زبید الطائی کثیره مشهوره-  و یسمج بنا ذکرها و لکنا نذکر منها طرفا-  ثم ذکر ما ذکره أبو الفرج فی الأغانی-  و قال إن خبر الصلاه و هو سکران-  و قوله أ أزیدکم-  خبر مشهور روته الثقات من نقله الحدیث- . قال أبو عمر بن عبد البر-  و قد ذکر الطبری فی روایه-  أنه تغضب علیه قوم من أهل الکوفه حسدا و بغیا-  و شهدوا علیه بشرب الخمر-  و قال إن عثمان قال له یا أخی اصبر-  فإن الله یأجرک و یبوء القوم بإثمک- . قال أبو عمر-  هذا الحدیث لا یصح عند أهل الأخبار و نقله الحدیث-  و لا له عند أهل العلم أصل-  و الصحیح ثبوت الشهاده علیه عند عثمان-  و جلده الحد و أن علیا هو الذی جلده-  قال و لم یجلده بیده-  و إنما أمر بجلده فنسب الجلد إلیه- . قال أبو عمر-  و لم یرو الولید من السنه ما یحتاج فیها إلیه-  و لکن حارثه بن مضرب روى عنه أنه قال-  ما کانت نبوه إلا کان بعدها ملک

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۷

بازدیدها: ۱۴۰

نامه ۶۱ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۶۱ و من کتاب له ع إلى کمیل بن زیاد النخعی

و هو عامله على هیت ینکر علیه ترکه دفع من یجتاز به-  من جیش العدو طالبا للغاره- : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ تَضْیِیعَ الْمَرْءِ مَا وُلِّیَ وَ تَکَلُّفَهُ مَا کُفِیَ-  لَعَجْزٌ حَاضِرٌ وَ رَأْیٌ مُتَبَّرٌ-  وَ إِنَّ تَعَاطِیَکَ الْغَارَهَ عَلَى أَهْلِ قِرْقِیسِیَا-  وَ تَعْطِیلَکَ مَسَالِحَکَ الَّتِی وَلَّیْنَاکَ-  لَیْسَ لَهَا مَنْ یَمْنَعُهَا وَ لَا یَرُدُّ الْجَیْشَ عَنْهَا-  لَرَأْیٌ شَعَاعٌ-  فَقَدْ صِرْتَ جِسْراً لِمَنْ أَرَادَ الْغَارَهَ-  مِنْ أَعْدَائِکَ عَلَى أَوْلِیَائِکَ-  غَیْرَ شَدِیدِ الْمَنْکِبِ وَ لَا مَهِیبِ الْجَانِبِ-  وَ لَا سَادٍّ ثُغْرَهً وَ لَا کَاسِرٍ لِعَدُوٍّ شَوْکَهً-  وَ لَا مُغْنٍ عَنْ أَهْلِ مِصْرِهِ وَ لَا مُجْزٍ عَنْ أَمِیرِهِ

کمیل بن زیاد و نسبه

هو کمیل بن زیاد بن سهیل بن هیثم بن سعد بن مالک-  بن الحارث بن صهبان بن سعد بن مالک بن النخع بن عمرو-  بن وعله بن خالد بن مالک بن أدد-  کان من أصحاب علی ع و شیعته و خاصته-  و قتله الحجاج على المذهب فیمن قتل من الشیعه-  و کان کمیل بن زیاد عامل علی ع على هیت-  و کان ضعیفا یمر علیه سرایا معاویه-  تنهب أطراف العراق و لا یردها-  و یحاول أن یجبر ما عنده من الضعف-  بأن یغیرعلى أطراف أعمال معاویه مثل قرقیسیا-  و ما یجری مجراها من القرى التی على الفرات-  فأنکر ع ذلک من فعله و قال-  إن من العجز الحاضر أن یهمل الوالی ما ولیه-  و یتکلف ما لیس من تکلیفهو المتبر الهالک قال تعالى-  إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِیهِ- . و المسالح جمع مسلحه-  و هی المواضع التی یقام فیها طائفه من الجند لحمایتها- . و رأی شعاع بالفتح أی متفرق- .

ثم قال له قد صرت جسرا-  أی یعبر علیک العدو کما یعبر الناس على الجسور-  و کما أن الجسر لا یمنع من یعبر به و یمر علیه فکذاک أنت- . و الثغره الثلمه-  و مجز کاف و مغن-  و الأصل مجزئ بالهمز فخفف

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۷

بازدیدها: ۱۷

نامه ۶۰ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۶۰ و من کتاب له ع إلى العمال-  الذین یطأ عملهم الجیوش

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِیٍّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ إِلَى مَنْ مَرَّ بِهِ الْجَیْشُ-  مِنْ جُبَاهِ الْخَرَاجِ وَ عُمَّالِ الْبِلَادِ-  أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّی قَدْ سَیَّرْتُ جُنُوداً-  هِیَ مَارَّهٌ بِکُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ-  وَ قَدْ أَوْصَیْتُهُمْ بِمَا یَجِبُ لِلَّهِ عَلَیْهِمْ-  مِنْ کَفِّ الْأَذَى وَ صَرْفِ الشَّذَا-  وَ أَنَا أَبْرَأُ إِلَیْکُمْ وَ إِلَى ذِمَّتِکُمْ مِنْ مَعَرَّهِ الْجَیْشِ-  إِلَّا مِنْ جَوْعَهِ الْمُضْطَرِّ لَا یَجِدُ عَنْهَا مَذْهَباً إِلَى شِبَعِهِ-  فَنَکِّلُوا مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُمْ ظُلْماً عَنْ ظُلْمِهِمْ-  وَ کُفُّوا أَیْدِیَ سُفَهَائِکُمْ عَنْ مُضَادَّتِهِمْ-  وَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِیمَا اسْتَثْنَیْنَاهُ مِنْهُمْ-  وَ أَنَا بَیْنَ أَظْهُرِ الْجَیْشِ-  فَارْفَعُوا إِلَیَّ مَظَالِمَکُمْ-  وَ مَا عَرَاکُمْ مِمَّا یَغْلِبُکُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ-  وَ لَا تُطِیقُونَ دَفَعَهُ إِلَّا بِاللَّهِ وَ بِی-  أُغَیِّرُهُ بِمَعُونَهِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ روی عن مضارتهم بالراء المشدده-  و جباه الخراج الذین یجمعونه-  جبیت الماء فی الحوض أی جمعته-  و الشذا و الضر الشر تقول لقد أشذیت و آذیت-  و إلى ذمتکم أی إلى الیهود و النصارى الذین بینکم-  قال ع من آذى ذمیا فکأنما آذانی-

و قال إنما بذلوا الجزیه لتکون دماؤهم کدمائنا-  و أموالهم کأموالنا-  و یسمى هؤلاء ذمه أی أهل ذمه بحذف المضاف-  و المعره المضره-  قال الجیش ممنوع من أذى من یمر به من المسلمین و أهل الذمه-  إلا من سد جوعه المضطر منهم خاصه-  لأن المضطر تباح له المیته فضلا عن غیرها- . ثم قال فنکلوا من تناول-  و روی بمن تناول بالباء أی عاقبوه-  و عن فی قوله عن ظلمهم یتعلق بنکلوا-  لأنها فی معنى اردعوا لأن النکال یوجب الردع- . ثم أمرهم أن یکفوا أیدی أحداثهم و سفهائهم-  عن منازعه الجیش و مصادمته-  و التعرض لمنعه عما استثناه-  و هو سد الجوعه عند الاضطرار-  فإن ذلک لا یجوز فی الشرع-  و أیضا فإنه یفضی إلى فتنه و هرج- . ثم قال و أنا بین أظهر الجیش أی أنا قریب منکم-  و سائر على أثر الجیش-  فارفعوا إلی مظالمکم و ما عراکم منهم-  على وجه الغلبه و القهر-  فإنی مغیر ذلک و منتصف لکم منهم

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۷

بازدیدها: ۷

نامه ۵۹ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۵۹ و من کتاب له ع-  إلى الأسود بن قطبه صاحب جند حلوان

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْوَالِیَ إِذَا اخْتَلَفَ هَوَاهُ-  مَنَعَهُ ذَلِکَ کَثِیراً مِنَ الْعَدْلِ-  فَلْیَکُنْ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَکَ فِی الْحَقِّ سَوَاءً-  فَإِنَّهُ لَیْسَ فِی الْجَوْرِ عِوَضٌ مِنَ الْعَدْلِ-  فَاجْتَنِبْ مَا تُنْکِرُ أَمْثَالَهُ-  وَ ابْتَذِلْ نَفْسَکَ فِیمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَیْکَ-  رَاجِیاً ثَوَابَهُ وَ مُتَخَوِّفاً عِقَابَهُ-  وَ اعْلَمْ أَنَّ الدُّنْیَا دَارُ بَلِیَّهٍ-  لَمْ یَفْرُغْ صَاحِبُهَا فِیهَا قَطُّ سَاعَهً-  إِلَّا کَانَتْ فَرْغَتُهُ عَلَیْهِ حَسْرَهً یَوْمَ الْقِیَامَهِ-  وَ أَنَّهُ لَنْ یُغْنِیَکَ عَنِ الْحَقِّ شَیْ‏ءٌ أَبَداً-  وَ مِنَ الْحَقِّ عَلَیْکَ حِفْظُ نَفْسِکَ-  وَ الِاحْتِسَابُ عَلَى الرَّعِیَّهِ بِجُهْدِکَ-  فَإِنَّ الَّذِی یَصِلُ إِلَیْکَ مِنْ ذَلِکَ-  أَفْضَلُ مِنَ الَّذِی یَصِلُ بِکَ وَ السَّلَامُ

الأسود بن قطبه

لم أقف إلى الآن على نسب الأسود بن قطبه-  و قرأت فی کثیر من النسخ-  أنه حارثی من بنی الحارث بن کعب و لم أتحقق ذلک-  و الذی یغلب على ظنی أنه الأسود بن زید-  بن قطبه بن غنم الأنصاری من بنی عبید بن عدی-  ذکره أبو عمر بن عبد البر فی کتاب الإستیعاب-  و قال إن موسى بن عقبه عده فیمن شهد بدرا قوله ع إذا اختلف هوى الوالی-  منعه کثیرا من الحق قول صدق-  لأنه متى لم یکن الخصمان عند الوالی سواء فی الحق-  جار و ظلم- .

ثم قال له فإنه لیس فی الجور عوض من العدل-  و هذا أیضا حق-  و فی العدل کل العوض من الجور- . ثم أمره باجتناب ما ینکر مثله من غیره-  و قد تقدم نحو هذا- . و قوله إلا کانت فرغته کلمه فصیحه-  و هی المره الواحده من الفراغ-  و قد روی عن النبی ص أن الله یبغض الصحیح الفارغ-  لا فی شغل الدنیا و لا فی شغل الآخره-  و مراد أمیر المؤمنین ع هاهنا-  الفراغ من عمل الآخره خاصه- . قوله فإن الذی یصل إلیک من ذلک-  أفضل من الذی یصل بک-  معناه فإن الذی یصل إلیک-  من ثواب الاحتساب على الرعیه-  و حفظ نفسک من مظالمهم و الحیف علیهم-  أفضل من الذی یصل بک من حراسه دمائهم-  و أعراضهم و أموالهم-  و لا شبهه فی ذلک لأن إحدى المنفعتین دائمه-  و الأخرى منقطعه و النفع الدائم أفضل من المنقطع

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۷

بازدیدها: ۷

نامه ۵۸ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۵۸ و من کتاب له ع کتبه إلى أهل الأمصار-  یقص فیه ما جرى بینه و بین أهل صفین

وَ کَانَ بَدْءُ أَمْرِنَا أَنَّا الْتَقَیْنَا بِالْقَوْمِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ-  وَ الظَّاهِرُ أَنَّ رَبَّنَا وَاحِدٌ وَ نَبِیَّنَا وَاحِدٌ-  وَ دَعْوَتَنَا فِی الْإِسْلَامِ وَاحِدَهٌ-  وَ لَا نَسْتَزِیدُهُمْ فِی الْإِیمَانِ بِاللَّهِ وَ التَّصْدِیقِ بِرَسُولِهِ-  وَ لَا یَسْتَزِیدُونَنَا-  وَ الْأَمْرُ وَاحِدٌ إِلَّا مَا اخْتَلَفْنَا فِیهِ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ-  وَ نَحْنُ مِنْهُ بَرَاءٌ-  فَقُلْنَا تَعَالَوْا نُدَاوِی مَا لَا یُدْرَکُ الْیَوْمَ-  بِإِطْفَاءِ النَّائِرَهِ وَ تَسْکِینِ الْعَامَّهِ-  حَتَّى یَشْتَدَّ الْأَمْرُ وَ یَسْتَجْمِعَ-  فَنَقْوَى عَلَى وَضْعِ الْحَقِّ فِی مَوَاضِعِهِ-  فَقَالُوا بَلْ نُدَاوِیهِ بِالْمُکَابَرَهِ-  فَأَبَوْا حَتَّى جَنَحَتِ الْحَرْبُ وَ رَکَدَتْ-  وَ وَقَدَتْ نِیرَانُهَا وَ حَمِشَتْ-  فَلَمَّا ضَرَّسَتْنَا وَ إِیَّاهُمْ-  وَ وَضَعَتْ مَخَالِبَهَا فِینَا وَ فِیهِمْ-  أَجَابُوا عِنْدَ ذَلِکَ إِلَى الَّذِی دَعَوْنَاهُمْ إِلَیْهِ-  فَأَجَبْنَاهُمْ إِلَى مَا دَعَوْا وَ سَارَعْنَاهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا-  حَتَّى اسْتَبَانَتْ عَلَیْهِمُ الْحُجَّهُ-  وَ انْقَطَعَتْ مِنْهُمُ الْمَعْذِرَهُ-  فَمَنْ تَمَّ عَلَى ذَلِکَ مِنْهُمْ-  فَهُوَ الَّذِی أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنَ الْهَلَکَهِ-  وَ مَنْ لَجَّ وَ تَمَادَى فَهُوَ الرَّاکِسُ-  الَّذِی رَانَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ-  وَ صَارَتْ دَائِرَهُ السَّوْءِ عَلَى رَأْسِهِ‏ روی التقینا و القوم بالواو-  کما قال

قلت إذ أقبلت و زهر تهادى‏- . و من لم یروها بالواو فقد استراح من التکلف- . قوله و الظاهر أن ربنا واحد-  کلام من لم یحکم لأهل صفین من جانب معاویه-  حکما قاطعا بالإسلام-  بل قال ظاهرهم الإسلام-  و لا خلف بیننا و بینهم فیه بل الخلف فی دم عثمان- . قال ع قلنا لهم-  تعالوا فلنطفئ هذه النائره الآن یوضع الحرب-  إلى أن تتمهد قاعدتی فی الخلافه-  و تزول هذه الشوائب التی تکدر علی الأمر-  و یکون للناس جماعه ترجع إلیها-  و بعد ذلک أتمکن من قتله عثمان بأعیانهم فأقتص منهم-  فأبوا إلا المکابره و المغالبه و الحرب- . قوله حتى جنحت الحرب و رکدت-  جنحت أقبلت و منه قد جنح اللیل أی أقبل-  و رکدت دامت و ثبتت- . قوله و وقدت نیرانها أی التهبت- . قوله و حمشت أی استعرت و شبت-  و روی و استحشمت و هو أصح-  و من رواها حمست بالسین المهمله-  أراد اشتدت و صلبت- . قوله فلما ضرستنا و إیاهم أی عضتنا بأضراسها-  و یقال ضرسهم الدهر أی اشتد علیهم- .

 

قال لما اشتدت الحرب علینا و علیهم-  و أکلت منا و منهم-  عادوا إلى ما کنا سألناهم ابتداء-  و ضرعوا إلینا فی رفع الحرب-  و رفعوا المصاحف یسألون النزول على حکمها-  و إغماد السیف فأجبناهم إلى ذلک- . قوله و سارعناهم إلى ما طلبوا کلمه فصیحه-  و هی تعدیه الفعل اللازم-  کأنها لما کانت فی معنى المسابقه-  و المسابقه متعدیه عدی المسارعه- .

قوله حتى استبانت-  یقول استمررنا على کف الحرب و وضعها-  إجابه لسؤالهم-  إلى أن استبانت علیهم حجتنا-  و بطلت معاذیرهم و شبهتهم فی الحرب و شق العصا-  فمن تم منهم على ذلک-  أی على انقیاده إلى الحق بعد ظهوره له-  فذاک الذی خلصه الله من الهلاک و عذاب الآخره-  و من لج منهم على ذلک و تمادى فی ضلاله فهو الراکس-  قال قوم الراکس هنا بمعنى المرکوس-  فهو مقلوب فاعل بمعنى مفعول-  کقوله تعالى فَهُوَ فِی عِیشَهٍ راضِیَهٍ أی مرضیه-  و عندی أن اللفظه على بابها-  یعنی أن من لج فقد رکس نفسه فهو الراکس و هو المرکوس-  یقال رکسه و أرکسه بمعنى-  و الکتاب العزیز جاء بالهمز فقال-  وَ اللَّهُ أَرْکَسَهُمْ بِما کَسَبُوا أی ردهم إلى کفرهم-  و یقول ارتکس فلان فی أمر کان نجا منه-  و ران على قلبه أی ران هو على قلبه کما قلنا فی الراکس-  و لا یجوز أن یکون الفاعل و هو الله محذوفا-  لأن الفاعل لا یحذف-  بل یجوز أن یکون الفاعل کالمحذوف-  و لیس بمحذوف-  و یکون المصدر و هو الرین و دل الفعل علیه-  کقوله تعالى ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآیاتِ-  أی بدا لهم البداء-  و ران بمعنى غلب و غطى-  و روی فهو الراکس الذی رین على قلبه- .

قال و صارت دائره السوء على رأسه-  من ألفاظ القرآن العزیز قال الله تعالى-  عَلَیْهِمْ دائِرَهُ السَّوْءِ و الدوائر الدول- .  و إن على الباغی تدور الدوائر- . و الدائره أیضا الهزیمه یقال على من الدائره منهما-  و الدوائر أیضا الدواهی

 شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۷

بازدیدها: ۸

نامه ۵۷ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

 ۵۷ و من کتاب له ع إلى أهل الکوفه-  عند مسیره من المدینه إلى البصره

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّی خَرَجْتُ عَنْ حَیِّی هَذَا-  إِمَّا ظَالِماً وَ إِمَّا مَظْلُوماً وَ إِمَّا بَاغِیاً وَ إِمَّا مَبْغِیّاً عَلَیْهِ-  وَ أَنَا أُذَکِّرُ اللَّهَ مَنْ بَلَغَهُ کِتَابِی هَذَا لَمَّا نَفَرَ إِلَیَّ-  فَإِنْ کُنْتُ مُحْسِناً أَعَانَنِی-  وَ إِنْ کُنْتُ مُسِیئاً اسْتَعْتَبَنِی ما أحسن هذا التقسیم و ما أبلغه فی عطف القلوب علیه-  و استماله النفوس إلیه- .

قال لا یخلو حالی فی خروجی من أحد أمرین-  إما أن أکون ظالما أو مظلوما-  و بدأ بالظالم هضما لنفسه-  و لئلا یقول عدوه بدأ بدعوى کونه مظلوما-  فأعطى عدوه من نفسه ما أراد- . قال فلینفر المسلمون إلی فإن وجدونی مظلوما أعانونی-  و إن وجدونی ظالما نهونی عن ظلمی-  لأعتب و أنیب إلى الحق-  و هذا کلام حسن-  و مراده ع یحصل على کلا الوجهین-  لأنه إنما أراد أن یستنفرهم-  و هذان الوجهان یقتضیان نفیرهم إلیه على کل حال-  و الحی المنزل و لما هاهنا بمعنى إلا-  کقوله تعالى إِنْ کُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَیْها حافِظٌ-  فی قراءه من قرأها بالتشدید

 شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۷

بازدیدها: ۸

نامه ۵۶ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

 ۵۶ و من کلام له ع وصى به شریح بن هانئ-  لما جعله على مقدمته إلى الشام

اتَّقِ اللَّهَ فِی کُلِّ مَسَاءٍ وَ صَبَاحٍ-  وَ خَفْ عَلَى نَفْسِکَ الدُّنْیَا الْغَرُورَ-  وَ لَا تَأْمَنْهَا عَلَى حَالٍ-  وَ اعْلَمْ أَنَّکَ إِنْ لَمْ تَرْدَعْ نَفْسَکَ عَنْ کَثِیرٍ مِمَّا تُحِبُّ-  مَخَافَهَ مَکْرُوهِهِ-  سَمَتْ بِکَ الْأَهْوَاءُ إِلَى کَثِیرٍ مِنَ الضَّرَرِ-  فَکُنْ لِنَفْسِکَ مَانِعاً رَادِعاً-  وَ لِنَزَوَاتِکَ عِنْدَ الْحَفِیظَهِ وَاقِماً قَامِعاً

شریح بن هانئ

هو شریح بن هانئ بن یزید-  بن نهیک بن درید بن سفیان بن الضباب-  و هو سلمه بن الحارث بن ربیعه بن الحارث بن کعب المذحجی-  کان هانئ یکنى فی الجاهلیه أبا الحکم لأنه کان یحکم بینهم-  فکناه رسول الله ص بأبی شریح إذ وفد علیه-  و ابنه شریح هذا من جله أصحاب علی ع-  شهد معه المشاهد کلها-  و عاش حتى قتل بسجستان فی زمن الحجاج-  و شریح جاهلی إسلامی یکنى أبا المقدام-ذکر ذلک کله أبو عمر بن عبد البر فی کتاب الإستیعاب

قوله ع و خف على نفسک الغرور یعنی الشیطان-  فأما الغرور بالضم فمصدر و الرادع الکاف المانع-  و النزوات الوثبات و الحفیظه الغضب-  و الواقم فاعل-  من وقمته أی رددته أقبح الرد و قهرته-  یقول ع إن لم تردع نفسک عن کثیر من شهواتک-  أفضت بک إلى کثیر من الضرر-  و مثل هذا قول الشاعر- 

  فإنک إن أعطیت بطنک سؤلها
و فرجک نالا منتهى الذم أجمعا

 شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۷

بازدیدها: ۱۱

نامه ۵۵ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

 ۵۵ و من کتاب له ع إلى معاویه

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الدُّنْیَا لِمَا بَعْدَهَا-  وَ ابْتَلَى فِیهَا أَهْلَهَا لِیَعْلَمَ أَیُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا-  وَ لَسْنَا لِلدُّنْیَا خُلِقْنَا وَ لَا بِالسَّعْیِ فِیهَا أُمِرْنَا-  وَ إِنَّمَا وُضِعْنَا فِیهَا لِنُبْتَلَی بِهَا-  وَ قَدِ ابْتَلَانِی اللَّهُ بِکَ وَ ابْتَلَاکَ بِی-  فَجَعَلَ أَحَدُنَا حُجَّهً عَلَى الآْخَرِ-  فَعَدَوْتَ عَلَى طَلَبِ الدُّنْیَا بِتَأْوِیلِ الْقُرْآنِ-  وَ طَلَبْتَنِی بِمَا لَمْ تَجْنِ یَدِی وَ لَا لِسَانِی-  وَ عَصَبْتَهُ أَنْتَ وَ أَهْلُ الشَّامِ بِی-  وَ أَلَّبَ عَالِمُکُمْ جَاهِلَکُمْ وَ قَائِمُکُمْ قَاعِدَکُمْ-  فَاتَّقِ اللَّهَ فِی نَفْسِکَ وَ نَازِعِ الشَّیْطَانَ قِیَادَکَ-  وَ اصْرِفْ إِلَى الآْخِرَهِ وَجْهَکَ-  فَهِیَ طَرِیقُنَا وَ طَرِیقُکَ-  وَ احْذَرْ أَنْ یُصِیبَکَ اللَّهُ مِنْهُ بِعَاجِلِ قَارِعَهٍ-  تَمَسُّ الْأَصْلَ وَ تَقْطَعُ الدَّابِرَ-  فَإِنِّی أُولِی لَکَ بِاللَّهِ أَلِیَّهً غَیْرَ فَاجِرَهٍ-  لَئِنْ جَمَعَتْنِی وَ إِیَّاکَ جَوَامِعُ الْأَقْدَارِ لَا أَزَالُ بِبَاحَتِکَ-  حَتَّى یَحْکُمَ اللَّهُ بَیْنَنَا وَ هُوَ خَیْرُ الْحَاکِمِینَ قال ع إن الله قد جعل الدنیا لما بعدها-  أی جعلها طریقا إلى الآخره- . و من الکلمات الحکمیه-  الدنیا قنطره فاعبروها و لا تعمروها-  و ابتلی فیها أهلها أی اختبرهم لیعلم أیهم أحسن عملا-  و هذا من ألفاظ القرآن العزیز-  و المراد لیعلم خلقه‏أو لیعلم ملائکته و رسله-  فحذف المضاف-  و قد سبق ذکر شی‏ء یناسب ذلک فیما تقدم-  قال و لسنا للدنیا خلقنا أی لم نخلق للدنیا فقط- .

قال و لا بالسعی فیها أمرنا-  أی لم نؤمر بالسعی فیها لها-  بل أمرنا بالسعی فیها لغیرها- . ثم ذکر أن کل واحد منه و من معاویه مبتلى بصاحبه-  و ذلک کابتلاء آدم بإبلیس و إبلیس بآدم- . قال فغدوت على طلب الدنیا بتأویل القرآن-  أی تعدیت و ظلمت-  و على هاهنا متعلقه بمحذوف دل علیه الکلام-  تقدیره مثابرا على طلب الدنیا أو مصرا على طلب الدنیا-  و تأویل القرآن ما کان معاویه یموه به على أهل الشام-  فیقول لهم أنا ولی عثمان و قد قال الله تعالى-  وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِیِّهِ سُلْطاناً- . ثم یعدهم الظفر و الدوله على أهل العراق بقوله تعالى-  فَلا یُسْرِفْ فِی الْقَتْلِ إِنَّهُ کانَ مَنْصُوراً- . قوله و عصبته أنت و أهل الشام-  أی ألزمتنیه کما تلزم العصابه الرأس-  و ألب عالمکم جاهلکم أی حرض- . و القیاد حبل تقاد به الدابه- . قوله و احذر أن یصیبک الله منه بعاجل قارعه-  الضمیر فی منه راجع إلى الله تعالى-  و من لابتداء الغایه- .

 و قال الراوندی منه أی من البهتان الذی أتیته-  أی من أجله و من للتعلیل-  و هذا بعید و خلاف الظاهر- . قوله تمس الأصل أی تقطعه-  و منه ماء ممسوس أی یقطع الغله-  و یقطع الدابر أی العقب و النسل- . و الألیه الیمین-  و باحه الدار وسطها و کذلک ساحتها-  و روی بناحیتک- . قوله بعاجل قارعه و جوامع الأقدار-  من باب إضافه الصفه إلى الموصوف للتأکید-  کقوله تعالى وَ إِنَّهُ لَحَقُّ الْیَقِینِ

 شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۷

بازدیدها: ۲۱

نامه ۵۴ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۵۴ و من کتاب له ع إلى طلحه و الزبیر

–  مع عمران بن الحصین الخزاعی-  و ذکر هذا الکتاب أبو جعفر الإسکافی فی کتاب المقامات- : أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ عَلِمْتُمَا وَ إِنْ کَتَمْتُمَا-  أَنِّی لَمْ أُرِدِ النَّاسَ حَتَّى أَرَادُونِی-  وَ لَمْ أُبَایِعْهُمْ حَتَّى بَایَعُونِی-  وَ إِنَّکُمَا مِمَّنْ أَرَادَنِی وَ بَایَعَنِی-  وَ إِنَّ الْعَامَّهَ لَمْ تُبَایِعْنِی لِسُلْطَانٍ غَالِبٍ وَ لَا لِحِرْصٍ حَاضِرٍ-  فَإِنْ کُنْتُمَا بَایَعْتُمَانِی طَائِعَیْنِ-  فَارْجِعَا وَ تُوبَا إِلَى اللَّهِ مِنْ قَرِیبٍ-  وَ إِنْ کُنْتُمَا بَایَعْتُمَانِی کَارِهَیْنِ-  فَقَدْ جَعَلْتُمَا لِی عَلَیْکُمَا السَّبِیلَ بِإِظْهَارِکُمَا الطَّاعَهَ-  وَ إِسْرَارِکُمَا الْمَعْصِیَهَ-  وَ لَعَمْرِی مَا کُنْتُمَا بِأَحَقَّ الْمُهَاجِرِینَ-  بِالتَّقِیَّهِ وَ الْکِتْمَانِ-  وَ إِنَّ دَفْعَکُمَا هَذَا الْأَمْرَ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَا فِیهِ-  کَانَ أَوْسَعَ عَلَیْکُمَا مِنْ خُرُوجِکُمَا مِنْهُ-  بَعْدَ إِقْرَارِکُمَا بِهِ-  وَ قَدْ زَعَمْتُمَا أَنِّی قَتَلْتُ عُثْمَانَ-  فَبَیْنِی وَ بَیْنَکُمَا مَنْ تَخَلَّفَ عَنِّی وَ عَنْکُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِینَهِ-  ثُمَّ یُلْزَمُ کُلُّ امْرِئٍ بِقَدْرِ مَا احْتَمَلَ-  فَارْجِعَا أَیُّهَا الشَّیْخَانِ عَنْ رَأْیِکُمَا-  فَإِنَّ الآْنَ أَعْظَمَ أَمْرِکُمَا الْعَارُ-  مِنْ قَبْلِ أَنْ یَجْتَمِعَ الْعَارُ وَ النَّارُ-  وَ السَّلَامُ‏

  عمران بن الحصین

  هو عمران بن الحصین بن عبید بن خلف بن عبد بن نهم-  بن سالم بن غاضره بن سلول بن حبشیه بن سلول-  بن کعب بن عمرو الخزاعی-  یکنى أبا بجید بابنه بجید بن عمران-  أسلم هو و أبو هریره عام خیبر-  و کان من فضلاء الصحابه و فقهائهم-  یقول أهل البصره عنه-  إنه کان یرى الحفظه و کانت تکلمه حتى اکتوى- . و قال محمد بن سیرین أفضل من نزل البصره-  من أصحاب رسول الله ص عمران بن الحصین و أبو بکره-  و استقضاه عبد الله بن عامر بن کریز على البصره-  فعمل له أیاما ثم استعفاه فأعفاه-  و مات بالبصره سنه اثنتین و خمسین فی أیام معاویه

أبو جعفر الإسکافی

و أما أبو جعفر الإسکافی-  و هو شیخنا محمد بن عبد الله الإسکافی-  عده قاضی القضاه فی الطبقه السابعه من طبقات المعتزله-  مع عباد بن سلیمان الصیمری و مع زرقان-  و مع عیسى بن الهیثم الصوفی-  و جعل أول الطبقه ثمامه بن أشرس أبا معن-  ثم أبا عثمان الجاحظ-  ثم أبا موسى عیسى بن صبیح المردار-  ثم أبا عمران یونس بن عمران ثم محمد بن شبیب-  ثم محمد بن إسماعیل بن العسکری-  ثم عبد الکریم بن روح العسکری-  ثم أبا یعقوب یوسف بن عبد الله الشحام-  ثم أبا الحسین الصالحی-ثم الجعفران جعفر بن جریر و جعفر بن میسر-  ثم أبا عمران بن النقاش-  ثم أبا سعید أحمد بن سعید الأسدی-  ثم عباد بن سلیمان ثم أبا جعفر الإسکافی هذا-  و قال کان أبو جعفر فاضلا عالما-  و صنف سبعین کتابا فی علم الکلام- .

و هو الذی نقض کتاب العثمانیه-  على أبی عثمان الجاحظ فی حیاته-  و دخل الجاحظ الوراقین ببغداد فقال-  من هذا الغلام السوادی-  الذی بلغنی أنه تعرض لنقض کتابی-  و أبو جعفر جالس فاختفى منه حتى لم یره- . و کان أبو جعفر یقول بالتفضیل-  على قاعده معتزله بغداد و یبالغ فی ذلک-  و کان علوی الرأی محققا منصفا قلیل العصبیه ثم نعود إلى شرح ألفاظ الفصل و معانیه-  قوله ع لم أرد الناس-  أی لم أرد الولایه علیهم حتى أرادوا هم منی ذلک- .

قال و لم أبایعهم حتى بایعونی-  أی لم أمدد یدی إلیهم مد الطلب و الحرص على الأمر-  و لم أمددها إلا بعد أن خاطبونی بالإمره و الخلافه-  و قالوا بألسنتهم قد بایعناک-  فحینئذ مددت یدی إلیهم- . قال و لم یبایعنی العامه و المسلمون لسلطان-  غصبهم و قهرهم على ذلک-  و لا لحرص حاضر أی مال موجود فرقته علیهم- . ثم قسم علیهما الکلام فقال-  إن کنتما بایعتمانی طوعا عن رضا-  فقد وجب علیکما الرجوع-  لأنه لا وجه لانتقاض تلک البیعه-  و إن کنتما بایعتمانی مکرهین علیها-  فالإکراه‏ له صوره-  و هی أن یجرد السیف و یمد العنق-  و لم یکن قد وقع ذلک و لا یمکنکما أن تدعیاه-  و إن کنتما بایعتمانی لا عن رضا و لا مکرهین بل کارهین-  و بین المکره و الکاره فرق بین-  فالأمور الشرعیه إنما تبنی على الظاهر-  و قد جعلتما لی على أنفسکما السبیل بإظهارکما الطاعه-  و الدخول فیما دخل فیه الناس-  و لا اعتبار بما أسررتما من کراهیه ذلک-  على أنه لو کان عندی ما یکرهه المسلمون-  لکان المهاجرون فی کراهیه ذلک سواء-  فما الذی جعلکما أحق المهاجرین کلهم-  بالکتمان و التقیه- .

ثم قال و قد کان امتناعکما عن البیعه فی مبدإ الأمر-  أجمل من دخولکما فیها ثم نکثها- . قال و قد زعمتما أن الشبهه-  التی دخلت علیکما فی أمری أنی قتلت عثمان-  و قد جعلت الحکم بینی و بینکما-  من تخلف عنی و عنکما من أهل المدینه-  أی الجماعه التی لم تنصر علیا و لا طلحه-  کمحمد بن مسلمه و أسامه بن زید-  و عبد الله بن عمر و غیرهم-  یعنی أنهم غیر متهمین علیه و لا على طلحه و الزبیر-  فإذا حکموا لزم کل امرئ منا بقدر ما تقتضیه الشهادات-  و لا شبهه أنهم لو حکموا و شهدوا بصوره الحال-  لحکموا ببراءه علی ع من دم عثمان-  و بأن طلحه کان هو الجمله-  و التفصیل فی أمره و حصره و قتله-  و کان الزبیر مساعدا له على ذلک-  و إن لم یکن مکاشفا مکاشفه طلحه- . ثم نهاهما عن الإصرار على الخطیئه-  و قال لهما إنکما إنما تخافان العار-  فی رجوعکما و انصرافکما عن الحرب-  فإن لم ترجعا اجتمع علیکما العار و النار-  أما العار فلأنکما تهزمان-  و تفران عند اللقاء فتعیران بذلک-  و أیضا سیکشف للناس أنکما کنتما على باطل-  فتعیران بذلک-  و أما النار فإلیها مصیر العصاه إذا ماتوا على غیر توبه-  و احتمال العار وحده-  أهون من احتماله و احتمال النار معه

 شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۷

بازدیدها: ۲۲

نامه ۵۳ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)( کتبه للأشتر النخعی رحمه الله)

۵۳ و من کتاب له ع کتبه للأشتر النخعی رحمه الله-  لما ولاه على مصر و أعمالها

حین اضطرب أمر أمیرها محمد بن أبی بکر-  و هو أطول عهد کتبه و أجمعه للمحاسن- : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیمِ-  هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِیٌّ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ-  مَالِکَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِی عَهْدِهِ إِلَیْهِ-  حِینَ وَلَّاهُ مِصْرَ جِبَایَهَ خَرَاجِهَا وَ جِهَادَ عَدُوِّهَا-  وَ اسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا وَ عِمَارَهَ بِلَادِهَا-  أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ إِیْثَارِ طَاعَتِهِ-  وَ اتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِی کِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَ سُنَنِهِ-  الَّتِی لَا یَسْعَدُ أَحَدٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهَا-  وَ لَا یَشْقَى إِلَّا مَعَ جُحُودِهَا وَ إِضَاعَتِهَا-  وَ أَنْ یَنْصُرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِیَدِهِ وَ قَلْبِهِ وَ لِسَانِهِ-  فَإِنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ قَدْ تَکَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ وَ إِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ-  وَ أَمَرَهُ أَنْ یَکْسِرَ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَ الشَّهَوَاتِ-  وَ یَنْزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ-  فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَهٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ اللَّهُ-  ثُمَّ اعْلَمْ یَا مَالِکُ-  أَنِّی قَدْ وَجَّهْتُکَ إِلَى بِلَادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَیْهَا دُوَلٌ قَبْلَکَ-  مِنْ عَدْلٍ وَ جَوْرٍ-  وَ أَنَّ النَّاسَ یَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِکَ-  فِی مِثْلِ مَا کُنْتَ تَنْظُرُ فِیهِ مِنْ أُمُورِالْوُلَاهِ قَبْلَکَ-  وَ یَقُولُونَ فِیکَ مَا کُنْتَ تَقُولُهُ فِیهِمْ-  وَ إِنَّمَا یُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِینَ-  بِمَا یُجْرِی اللَّهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ-  فَلْیَکُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَیْکَ ذَخِیرَهُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ-  فَامْلِکْ هَوَاکَ وَ شُحَّ بِنَفْسِکَ عَمَّا لَا یَحِلُّ لَکَ-  فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ الْإِنْصَافُ مِنْهَا فِیمَا أَحَبَّتْ أَوْ کَرِهَتْ نصره الله بالید الجهاد بالسیف و بالقلب الاعتقاد للحق-  و باللسان قول الحق و الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر-  و قد تکفل الله بنصره من نصره لأنه تعالى قال-  وَ لَیَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ یَنْصُرُهُ- . و الجمحات منازعه النفس إلى شهواتها و مآربها-  و نزعها بکفها- .

ثم قال له قد کنت تسمع أخبار الولاه-  و تعیب قوما و تمدح قوما-  و سیقول الناس فی إمارتک الآن-  نحو ما کنت تقول فی الأمراء-  فاحذر أن تعاب و تذم کما کنت تعیب و تذم من یستحق الذم- . ثم قال إنما یستدل على الصالحین-  بما یکثر سماعه من ألسنه الناس بمدحهم و الثناء علیهم-  و کذلک یستدل على الفاسقین بمثل ذلک- . و کان یقال ألسنه الرعیه أقلام الحق سبحانه إلى الملوک- . ثم أمره أن یشح بنفسه و فسر له الشح ما هو-  فقال إن تنتصف منها فیما أحبت‏و کرهت-  أی لا تمکنها من الاسترسال فی الشهوات-  و کن أمیرا علیها-  و مسیطرا و قامعا لها من التهور-  و الانهماک- . فإن قلت هذا معنى قوله فیما أحبت-  فما معنى قوله و کرهت-  قلت لأنها تکره الصلاه و الصوم و غیرهما-  من العبادات الشرعیه و من الواجبات العقلیه-  و کما یجب أن یکون الإنسان مهیمنا علیها فی طرف الفعل-  یجب أن یکون مهیمنا علیها فی طرف الترک:

وَ أَشْعِرْ قَلْبَکَ الرَّحْمَهَ لِلرَّعِیَّهِ-  وَ الْمَحَبَّهَ لَهُمْ وَ اللُّطْفَ بِهِمْ-  وَ لَا تَکُونَنَّ عَلَیْهِمْ سَبُعاً ضَارِیاً تَغْتَنِمُ أَکْلَهُمْ-  فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَکَ فِی الدِّینِ-  وَ إِمَّا نَظِیرٌ لَکَ فِی الْخَلْقِ-  یَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وَ تَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ-  وَ یُؤْتَى عَلَى أَیْدِیهِمْ فِی الْعَمْدِ وَ الْخَطَإِ-  فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِکَ وَ صَفْحِکَ-  مِثْلِ الَّذِی تُحِبُّ وَ تَرْضَى أَنْ یُعْطِیَکَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَ صَفْحِهِ-  فَإِنَّکَ فَوْقَهُمْ وَ وَالِی الْأَمْرِ عَلَیْکَ فَوْقَکَ-  وَ اللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاکَ-  وَ قَدِ اسْتَکْفَاکَ أَمْرَهُمْ وَ ابْتَلَاکَ بِهِمْ-  وَ لَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَکَ لِحَرْبِ اللَّهِ-  فَإِنَّهُ لَا یَدَیْ لَکَ بِنِقْمَتِهِ-  وَ لَا غِنَى بِکَ عَنْ عَفْوِهِ وَ رَحْمَتِهِ-  وَ لَا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوٍ وَ لَا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَهٍ-  وَ لَا تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَهٍ وَجَدْتَ عَنْهَا مَنْدُوحَهً-  وَ لَا تَقُولَنَّ إِنِّی مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ-  فَإِنَّ ذَلِکَ إِدْغَالٌ فِی الْقَلْبِ-  وَ مَنْهَکَهٌ لِلدِّینِ وَ تَقَرُّبٌ مِنَ الْغِیَرِ-وَ إِذَا أَحْدَثَ لَکَ مَا أَنْتَ فِیهِ مِنْ سُلْطَانِکَ أُبَّهَهً أَوْ مَخِیلَهً-  فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْکِ اللَّهِ فَوْقَکَ-  وَ قُدْرَتِهِ مِنْکَ عَلَى مَا لَا تَقْدِرُ عَلَیْهِ مِنْ نَفْسِکَ-  فَإِنَّ ذَلِکَ یُطَامِنُ إِلَیْکَ مِنْ طِمَاحِکَ-  وَ یَکُفُّ عَنْکَ مِنْ غَرْبِکَ-  وَ یَفِی‏ءُ إِلَیْکَ بِمَا عَزَبَ عَنْکَ مِنْ عَقْلِکَ-  إِیَّاکَ وَ مُسَامَاهَ اللَّهِ فِی عَظَمَتِهِ وَ التَّشَبُّهَ بِهِ فِی جَبَرُوتِهِ-  فَإِنَّ اللَّهَ یُذِلُّ کُلَّ جَبَّارٍ وَ یُهِینُ کُلَّ مُخْتَالٍ أشعر قلبک الرحمه أی اجعلها کالشعار له-  و هو الثوب الملاصق للجسد-  قال لأن الرعیه إما أخوک فی الدین-  أو إنسان مثلک تقتضی رقه الجنسیه-  و طبع البشریه الرحمه له- .

قوله و یؤتى على أیدیهم-  مثل قولک و یؤخذ على أیدیهم-  أی یهذبون و یثقفون یقال خذ على ید هذا السفیه-  و قد حجر الحاکم على فلان و أخذ على یده- . ثم قال فنسبتهم إلیک کنسبتک إلى الله تعالى-  و کما تحب أن یصفح الله عنک ینبغی أن تصفح أنت عنهم- . قوله لا تنصبن نفسک لحرب الله-  أی لا تبارزه بالمعاصی-  فإنه لا یدی لک بنقمته-  اللام مقحمه و المراد الإضافه-  و نحوه قولهم لا أبا لک- . قوله و لا تقولن إنی مؤمر-  أی لا تقل إنی أمیر و وال آمر بالشی‏ء فأطاع- .

 و الإدغال الإفساد و منهکه للدین ضعف و سقم- . ثم أمره عند حدوث الأبهه و العظمه عنده-  لأجل الرئاسه و الإمره أن یذکر عظمه الله تعالى-  و قدرته على إعدامه و إیجاده و إماتته و إحیائه-  فإن تذکر ذلک یطامن من غلوائه-  أی یغض من تعظمه و تکبره و یطأطئ منه- . و الغرب حد السیف و یستعار للسطوه-  و السرعه فی البطش و الفتک- . قوله و یفی‏ء-  أی یرجع إلیک بما بعد عنک من عقلک-  و حرف المضارعه مضموم لأنه من أفاء- . و مساماه الله تعالى مباراته فی السمو و هو العلو: أَنْصِفِ اللَّهَ وَ أَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِکَ-  وَ مِنْ خَاصَّهً أَهْلِکَ-  وَ مَنْ لَکَ هَوًى فِیهِ مِنْ رَعِیَّتِکَ-  فَإِنَّکَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ-  وَ مَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ کَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ-  وَ مَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ-  وَ کَانَ لِلَّهِ حَرْباً حَتَّى یَنْزِعَ أَوْ یَتُوبَ-  وَ لَیْسَ شَیْ‏ءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْیِیرِ نِعْمَهِ اللَّهِ وَ تَعْجِیلِ نِقْمَتِهِ-  مِنْ إِقَامَهٍ عَلَى ظُلْمٍ-  فَإِنَّ اللَّهَ یَسْمَعُ دَعْوَهَ الْمُضْطَهَدِینَ-  وَ هُوَ لِلظَّالِمِینَ بِالْمِرْصَادِ-  وَ لْیَکُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَیْکَ أَوْسَطُهَا فِی الْحَقِّ-  وَ أَعَمُّهَا فِی الْعَدْلِ وَ أَجْمَعُهَا لِرِضَا الرَّعِیَّهِ-  فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّهِ یُجْحِفُ بِرِضَا الْخَاصَّهِ-  وَ إِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّهِ یُغْتَفَرُ مَعَ رِضَا الْعَامَّهِ-وَ لَیْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِیَّهِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِی مَئُونَهً فِی الرَّخَاءِ-  وَ أَقَلَّ مَعُونَهً لَهُ فِی الْبَلَاءِ-  وَ أَکْرَهَ لِلْإِنْصَافِ وَ أَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ-  وَ أَقَلَّ شُکْراً عِنْدَ الْإِعْطَاءِ وَ أَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ-  وَ أَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ-  مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّهِ-  وَ إِنَّمَا عَمُودُ الدِّینِ وَ جِمَاعُ الْمُسْلِمِینَ-  وَ الْعُدَّهُ لِلْأَعْدَاءِ الْعَامَّهُ مِنَ الْأُمَّهِ-  فَلْیَکُنْ صِغْوُکَ لَهُمْ وَ مَیْلُکَ مَعَهُمْ قال له أنصف الله أی قم له بما فرض علیک-  من العباده و الواجبات العقلیه و السمعیه- .

ثم قال و أنصف الناس من نفسک و من ولدک و خاصه أهلک-  و من تحبه و تمیل إلیه من رعیتک-  فمتى لم تفعل ذلک کنت ظالما- . ثم نهاه عن الظلم و أکد الوصایه علیه فی ذلک- . ثم عرفه أن قانون الإماره الاجتهاد فی رضا العامه-  فإنه لا مبالاه بسخط خاصه الأمیر مع رضا العامه-  فأما إذا سخطت العامه لم ینفعه رضا الخاصه-  و ذلک مثل أن یکون فی البلد عشره أو عشرون من أغنیائه-  و ذوی الثروه من أهله-  یلازمون الوالی و یخدمونه و یسامرونه-  و قد صار کالصدیق لهم-  فإن هؤلاء و من ضارعهم من حواشی الوالی-  و أرباب الشفاعات و القربات عنده لا یغنون عنه شیئا-  عند تنکر العامه له-  و کذاک لا یضر سخط هؤلاء إذا رضیت العامه-  و ذلک لأن هؤلاء عنهم غنى و لهم بدل-  و العامه لا غنى عنهم و لا بدل منهم-  و لأنهم إذا شغبوا علیه کانوا کالبحر إذا هاج و اضطرب-  فلا یقاومه أحد و لیس الخاصه کذلک- .

ثم قال ع و نعم ما قال-  لیس شی‏ء أقل نفعا-  و لا أکثر ضررا على الوالی من خواصه أیام الولایه-  لأنهم یثقلون علیه بالحاجات و المسائل و الشفاعات-  فإذا عزل هجروه و رفضوه-  حتى لو لقوه فی الطریق لم یسلموا علیه- . و الصغو بالکسر و الفتح و الصغا مقصور المیل: وَ لْیَکُنْ أَبْعَدَ رَعِیَّتِکَ مِنْکَ وَ أَشْنَأَهُمْ عِنْدَکَ-  أَطْلَبُهُمْ لِمَعَایِبِ النَّاسِ-  فَإِنَّ فِی النَّاسِ عُیُوباً الْوَالِی أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا-  فَلَا تَکْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْکَ مِنْهَا-  فَإِنَّمَا عَلَیْکَ تَطْهِیرُ مَا ظَهَرَ لَکَ-  وَ اللَّهُ یَحْکُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْکَ-  فَاسْتُرِ الْعَوْرَهَ مَا اسْتَطَعْتَ-  یَسْتُرِ اللَّهُ مِنْکَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِیَّتِکَ-  أَطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عُقْدَهَ کُلِّ حِقْدٍ-  وَ اقْطَعْ عَنْکَ سَبَبَ کُلِّ وِتْرٍ-  وَ تَغَابَ عَنْ کُلِّ مَا لَا یَضِحُ لَکَ-  وَ لَا تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِیقِ سَاعٍ-  فَإِنَّ السَّاعِیَ غَاشٌّ وَ إِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِینَ-  وَ لَا تُدْخِلَنَّ فِی مَشُورَتِکَ بَخِیلًا یَعْدِلُ بِکَ عَنِ الْفَضْلِ-  وَ یَعِدُکَ الْفَقْرَ-  وَ لَا جَبَاناً یُضْعِفُکَ عَنِ الْأُمُورِ-  وَ لَا حَرِیصاً یُزَیِّنُ لَکَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ-  فَإِنَّ الْبُخْلَ وَ الْجُبْنَ وَ الْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى-  یَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ أشناهم عندک أبغضهم إلیک- . و تغاب تغافل یقال تغابى فلان عن کذا- . و یضح یظهر و الماضی وضح

فصل فی النهی عن ذکر عیوب الناس و ما ورد فی ذلک من الآثار

عاب رجل رجلا عند بعض الأشراف فقال له-  لقد استدللت على کثره عیوبک-  بما تکثر فیه من عیوب الناس-  لأن طالب العیوب إنما یطلبها بقدر ما فیه منها- . و قال الشاعر- 

   و أجرأ من رأیت بظهر غیب
على عیب الرجال أولو العیوب‏

 و قال آخر-

یا من یعیب و عیبه متشعب
کم فیک من عیب و أنت تعیب‏

 و فی الخبر المرفوع دعوا الناس بغفلاتهم یعیش بعضهم مع بعض – . و قال الولید بن عتبه بن أبی سفیان-  کنت أسایر أبی و رجل معنا یقع فی رجل-  فالتفت أبی إلی فقال یا بنی-  نزه سمعک عن استماع الخنى-  کما تنزه لسانک عن الکلام به-  فإن المستمع شریک القائل-  إنما نظر إلى أخبث ما فی وعائه فأفرغه فی وعائک-  و لو ردت کلمه جاهل فی فیه لسعد رادها کما شقی قائلها- . و قال ابن عباس الحدث حدثان-  حدث من فیک و حدث من فرجک- .

و عاب رجل رجلا عند قتیبه بن مسلم-  فقال له قتیبه أمسک ویحک-  فقد تلمظت بمضغه طالما لفظها الکرام- . و مر رجل بجارین له و معه ریبه-  فقال أحدهما لصاحبه أ فهمت ما معه من الریبه-  قال و ما معه قال کذا قال-  عبدی حر لوجه الله شکرا له تعالى-  إذ لم یعرفنی من الشر ما عرفک- . و قال الفضیل بن عیاض-  إن الفاحشه لتشیع فی کثیر من المسلمین-  حتى إذا صارت إلى الصالحین کانوا لها خزانا- . و قیل لبزرجمهر هل من أحد لا عیب فیه-  فقال الذی لا عیب فیه لا یموت- . و قال الشاعر- 

و لست بذی نیرب فی الرجا
ل مناع خیر و سبابها

و لا من إذا کان فی جانب‏
أضاع العشیره و اغتابها

و لکن أطاوع ساداتها
و لا أتعلم ألقابها

و قال آخر-

لا تلتمس من مساوی الناس ما ستروا
فیکشف الله سترا من مساویکا

و اذکر محاسن ما فیهم إذا ذکروا
و لا تعب أحدا منهم بما فیکا

و قال آخر-

ابدأ بنفسک فإنهما عن عیبها
فإذا انتهت عنه فأنت حکیم‏

فهناک تعذر إن وعظت و یقتدى‏
بالقول منک و یقبل التعلیم‏

فأما قوله ع أطلق عن الناس عقده کل حقد-  فقد استوفى هذا المعنى زیاد فی خطبته البتراء-  فقال و قد کانت بینی و بین أقوام إحن-  و قد جعلت ذلک دبر أذنی و تحت قدمی-  فمن کان منکم محسنا فلیزدد إحسانا-  و من کان منکم مسیئا فلینزع عن إساءته-  إنی لو علمت أن أحدکم قد قتله السلال-  من بغضی لم أکشف عنه قناعا-  و لم أهتک له سترا حتى یبدی لی صفحته-  فإذا فعل لم أناظره-  ألا فلیشمل کل امرئ منکم على ما فی صدره-  و لا یکونن لسانه شفره تجری على ودجه

فصل فی النهی عن سماع السعایه و ما ورد ذلک من الآثار

فأما قوله ع و لا تعجلن إلى تصدیق ساع-  فقد ورد فی هذا المعنى کلام حسن-  قال ذو الرئاستین قبول السعایه شر من السعایه-  لأن السعایه دلاله و القبول إجازه-  و لیس من دل على شی‏ء کمن قبله و أجازه-  فامقت الساعی على سعایته-  فإنه لو کان صادقا کان لئیما-  إذ هتک العوره و أضاع الحرمه- . و عاتب مصعب بن الزبیر الأحنف على أمر بلغه عنه فأنکره-  فقال مصعب أخبرنی به الثقه-  قال کلا أیها الأمیر إن الثقه لا یبلغ- . و کان یقال لو لم یکن من عیب الساعی-  إلا أنه أصدق ما یکون أضر ما یکون على الناس لکان کافیا- . کانت الأکاسره لا تأذن لأحد أن یطبخ السکباج-  و کان ذلک مما یختص به الملک-  فرفع ساع إلى أنوشروان-  إن فلانا دعانا و نحن جماعه-  إلى طعام له و فیه‏ سکباج-  فوقع أنوشروان على رقعته قد حمدنا نصیحتک-  و ذممنا صدیقک على سوء اختیاره للإخوان- . جاء رجل إلى الولید بن عبد الملک-  و هو خلیفه عبد الملک على دمشق-  فقال أیها الأمیر إن عندی نصیحه قال اذکرها-  قال جار لی رجع من بعثه سرا-  فقال أما أنت فقد أخبرتنا أنک جار سوء-  فإن شئت أرسلنا معک فإن کنت کاذبا عاقبناک-  و إن کنت صادقا مقتناک و إن ترکتنا ترکناک-  قال بل أترکک أیها الأمیر قال فانصرف- . و مثل هذا یحکى عن عبد الملک أن إنسانا سأله الخلوه-  فقال لجلسائه إذا شئتم فانصرفوا-  فلما تهیأ الرجل للکلام قال له اسمع ما أقول-  إیاک أن تمدحنی فأنا أعرف بنفسی منک-  أو تکذبنی فإنه لا رأی لمکذوب-  أو تسعى بأحد إلی فإنی لا أحب السعایه-  قال أ فیأذن أمیر المؤمنین بالانصراف قال إذا شئت- . و قال بعض الشعراء- 

لعمرک ما سب الأمیر عدوه
و لکنما سب الأمیر المبلغ‏

و قال آخر-

حرمت منائی منک إن کان ذا الذی
أتاک به الواشون عنی کما قالوا

و لکنهم لما رأوک شریعه
إلی تواصوا بالنمیمه و احتالوا

فقد صرت أذنا للوشاه سمیعه
ینالون من عرضی و لو شئت ما نالوا

و قال عبد الملک بن صالح لجعفر بن یحیى-  و قد خرج یودعه لما شخص إلى خراسان-  أیها الأمیر أحب أن تکون لی کما قال الشاعر-

 فکونی على الواشین لداء شغبه
کما أنا للواشی ألد شغوب‏

قال بل أکون کما قال القائل-

و إذا الواشی وشى یوما بها
نفع الواشی بما جاء یضر

 و قال العباس بن الأحنف-

ما حطک الواشون من رتبه
عندی و لا ضرک مغتاب‏

کأنهم أثنوا و لم یعلموا
علیک عندی بالذی عابوا

 قوله ع-  و لا تدخلن فی مشورتک بخیلا یعدل بک عن الفضل-  و یعدک الفقر-  مأخوذ من قول الله تعالى-  الشَّیْطانُ یَعِدُکُمُ الْفَقْرَ وَ یَأْمُرُکُمْ بِالْفَحْشاءِ-  وَ اللَّهُ یَعِدُکُمْ مَغْفِرَهً مِنْهُ وَ فَضْلًا-  قال المفسرون الفحشاء هاهنا البخل-  و معنى یَعِدُکُمُ الْفَقْرَ-  یخیل إلیکم أنکم إن سمحتم بأموالکم افتقرتم-  فیخوفکم فتخافون فتبخلون- . قوله ع-  فإن البخل و الجبن و الحرص غرائز شتى-  یجمعها سوء الظن بالله-  کلام شریف عال على کلام الحکماء-  یقول إن بینها قدرا مشترکا-  و إن کانت غرائز و طبائع مختلفه-  و ذلک القدر المشترک هو سوء الظن بالله-  لأن الجبان یقول فی نفسه إن أقدمت قتلت-  و البخیل یقول إن سمحت و أنفقت افتقرت-  و الحریص یقول إن لم أجد و أجتهد و أدأب فاتنی ما أروم-  و کل هذه الأمور ترجع إلى سوء الظن بالله-  و لو أحسن الظن الإنسان بالله و کان یقینه صادقا-  لعلم أن الأجل مقدر و أن الرزق مقدر-  و أن الغنى و الفقر مقدران-  و أنه لا یکون من ذلک إلا ما قضى الله تعالى کونه‏

شَرُّ وُزَرَائِکَ مَنْ کَانَ قَبْلَکَ لِلْأَشْرَارِ وَزِیراً-  وَ مَنْ شَرِکَهُمْ فِی الآْثَامِ فَلَا یَکُونَنَّ لَکَ بِطَانَهً-  فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَهِ وَ إِخْوَانُ الظَّلَمَهِ-  وَ أَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَیْرَ الْخَلَفِ-  مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَ نَفَاذِهِمْ-  وَ لَیْسَ عَلَیْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَ أَوْزَارِهِمْ وَ آثَامِهِمْ-  مِمَّنْ لَمْ یُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ وَ لَا آثِماً عَلَى إِثْمِهِ-  أُولَئِکَ أَخَفُّ عَلَیْکَ مَئُونَهً وَ أَحْسَنُ لَکَ مَعُونَهً-  وَ أَحْنَى عَلَیْکَ عَطْفاً وَ أَقَلُّ لِغَیْرِکَ إِلْفاً-  فَاتَّخِذْ أُولَئِکَ خَاصَّهً لِخَلَوَاتِکَ وَ حَفَلَاتِکَ-  ثُمَّ لْیَکُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَکَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَکَ-  وَ أَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَهً فِیمَا یَکُونُ مِنْکَ مِمَّا کَرِهَ اللَّهُ لِأَوْلِیَائِهِ-  وَاقِعاً ذَلِکَ مِنْ هَوَاکَ حَیْثُ وَقَعَ نهاه ع ألا یتخذ بطانه-  قد کانوا من قبل بطانه للظلمه-  و ذلک لأن الظلم و تحسینه قد صار ملکه ثابته فی أنفسهم-  فبعید أن یمکنهم الخلو منها-  إذ قد صارت کالخلق الغریزی اللازم-  لتکرارها و صیرورتها عاده-  فقد جاءت النصوص فی الکتاب و السنه-  بتحریم معاونه الظلمه و مساعدتهم-  و تحریم الاستعانه بهم-  فإن من استعان بهم کان معینا لهم-  قال تعالى وَ ما کُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّینَ عَضُداً-  و قال لا تَجِدُ قَوْماً یُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْیَوْمِ الْآخِرِ-  یُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ و جاء فی الخبر المرفوع ینادى یوم القیامه-  أین من بری لهم أی الظالمین قلما- .

أتی الولید بن عبد الملک برجل من الخوارج-  فقال له ما تقول فی الحجاج-  قال و ما عسیت أن أقول فیه-  هل هو إلا خطیئه من خطایاک و شرر من نارک-  فلعنک الله و لعن الحجاج معک و أقبل یشتمهما-  فالتفت الولید إلى عمر بن عبد العزیز فقال-  ما تقول فی هذا قال ما أقول فیه-  هذا رجل یشتمکم-  فإما أن تشتموه کما شتمکم و إما أن تعفوا عنه-  فغضب الولید و قال لعمر-  ما أظنک إلا خارجیا-  فقال عمر و ما أظنک إلا مجنونا و قام فخرج مغضبا-  و لحقه خالد بن الریان صاحب شرطه الولید-  فقال له ما دعاک إلى ما کلمت به أمیر المؤمنین-  لقد ضربت بیدی إلى قائم سیفی-  أنتظر متى یأمرنی بضرب عنقک-  قال أ و کنت فاعلا لو أمرک قال نعم-  فلما استخلف عمر جاء خالد بن الریان-  فوقف على رأسه متقلدا سیفه فنظر إلیه و قال یا خالد-  ضع سیفک فإنک مطیعنا فی کل أمر نأمرک به-  و کان بین یدیه کاتب للولید-  فقال له ضع أنت قلمک فإنک کنت تضر به و تنفع-  اللهم إنی قد وضعتهما فلا ترفعهما-  قال فو الله ما زالا وضیعین مهینین حتى ماتا- .

و روى الغزالی فی کتاب إحیاء علوم الدین-  قال لما خالط الزهری السلطان کتب أخ له فی الدین إلیه-  عافانا الله و إیاک أبا بکر من الفتن-  فقد أصبحت بحال ینبغی لمن عرفک أن یدعو الله لک و یرحمک-  فقد أصبحت شیخا کبیرا-  و قد أثقلتک نعم الله علیک بما فهمک من کتابه-  و علمک من سنه نبیه-  و لیس کذلک أخذ الله المیثاق على العلماء-  فإنه تعالى قال-  لَتُبَیِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَکْتُمُونَهُ-  و اعلم أن أیسر ما ارتکبت و أخف ما احتملت-  أنک آنست وحشه الظالم-  و سهلت سبیل الغی بدنوک إلى من لم یؤد حقا-  و لم یترک باطلا حین أدناک-  اتخذوک أبا بکر قطبا تدورعلیه رحى ظلمهم-  و جسرا یعبرون علیه إلى بلائهم و معاصیهم-  و سلما یصعدون فیه إلى ضلالتهم-  یدخلون بک الشک على العلماء-  و یقتادون بک قلوب الجهلاء-  فما أیسر ما عمروا لک فی جنب ما خربوا علیک-  و ما أکثر ما أخذوا منک-  فی جنب ما أفسدوا من حالک و دینک-  و ما یؤمنک أن تکون ممن قال الله تعالى فیهم-  فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاهَ-  وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ یَلْقَوْنَ غَیًّا-  یا أبا بکر إنک تعامل من لا یجهل-  و یحفظ علیک من لا یغفل-  فداو دینک فقد دخله سقم-  و هیئ زادک فقد حضر سفر بعید-  و ما یخفى على الله من شی‏ء فی الأرض و لا فی السماء-  و السلام: وَ الْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَ الصِّدْقِ-  ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَلَّا یُطْرُوکَ-  وَ لَا یَبْجَحُوکَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ-  فَإِنَّ کَثْرَهَ الْإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ وَ تُدْنِی مِنَ الْعِزَّهِ-  وَ لَا یَکُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَ الْمُسِی‏ءُ عِنْدَکَ بِمَنْزِلَهٍ سَوَاءٍ-  فَإِنَّ فِی ذَلِکَ تَزْهِیداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِی الْإِحْسَانِ-  وَ تَدْرِیباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَهِ-  وَ أَلْزِمْ کُلًّا مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ‏

قوله و الصق بأهل الورع کلمه فصیحه-  یقول اجعلهم خاصتک و خلصاءک- . قال ثم رضهم على ألا یطروک-  أی عودهم ألا یمدحوک فی وجهک-  و لا یبجحوک بباطل-  لا یجعلوک ممن یبجح أی یفخر بباطل لم یفعله-  کما یبجح أصحاب الأمراء الأمراء بأن یقولوا لهم-  ما رأینا أعدل منکم و لا أسمح-  و لا حمى هذا الثغر أمیر أشد بأسا منکم-  و نحو ذلک و قد جاء فی الخبر احثوا فی وجوه المداحین التراب- . و قال عبد الملک لمن قام یساره ما ترید-  أ ترید أن تمدحنی و تصفنی أنا أعلم بنفسی منک- . و قام خالد بن عبد الله القسری-  إلى عمر بن عبد العزیز یوم بیعته-  فقال یا أمیر المؤمنین-  من کانت الخلافه زائنته فقد زینتها-  و من کانت شرفته فقد شرفتها-  فإنک لکما قال القائل- 

و إذا الدر زان حسن وجوه
کان للدر حسن وجهک زینا

 فقال عمر بن عبد العزیز-  لقد أعطی صاحبکم هذا مقولا و حرم معقولا-  و أمره أن یجلس- . و لما عقد معاویه البیعه لابنه یزید قام الناس یخطبون-  فقال معاویه لعمرو بن سعید الأشدق-  قم فاخطب یا أبا أمیه فقام فقال-  أما بعد فإن یزید ابن أمیر المؤمنین-  أمل تأملونه-  و أجل تأمنونه-  إن افتقرتم إلى حلمه وسعکم-  و إن احتجتم إلى رأیه أرشدکم-  و إن اجتدیتم ذات یده أغناکم و شملکم-  جذع قارح سوبق فسبق و موجد فمجد-و قورع فقرع-  و هو خلف أمیر المؤمنین و لا خلف منه-  فقال معاویه أوسعت یا أبا أمیه فاجلس-  فإنما أردنا بعض هذا- .

و أثنى رجل على علی ع فی وجهه ثناء أوسع فیه-  و کان عنده متهما-  فقال له أنا دون ما تقول و فوق ما فی نفسک و قال ابن عباس لعتبه بن أبی سفیان-  و قد أثنى علیه فأکثر-  رویدا فقد أمهیت یا أبا الولید-  یعنی بالغت یقال أمهى حافر البئر إذا استقصى حفرها- . فأما قوله ع-  و لا یکونن المحسن و المسی‏ء عندک بمنزله سواء-  فقد أخذه الصابی فقال-  و إذا لم یکن للمحسن ما یرفعه و للمسی‏ء ما یضعه-  زهد المحسن فی الإحسان و استمر المسی‏ء على الطغیان-  و قال أبو الطیب- 

 شر البلاد بلاد لا صدیق بها
و شر ما یکسب الإنسان ما یصم‏

و شر ما قبضته راحتی قنص‏
شهب البزاه سواء فیه و الرخم‏

و کان یقال قضاء حق المحسن أدب للمسی‏ء-  و عقوبه المسی‏ء جزاء للمحسن: وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَیْسَ شَیْ‏ءٌ بِأَدْعَى-  إِلَى حُسْنِ ظَنِّ وَالٍ بِرَعِیَّتِهِ-  مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَیْهِمْ وَ تَخْفِیفِهِ الْمَئُونَاتِ عَلَیْهِمْ-  وَ تَرْکِ اسْتِکْرَاهِهِ إِیَّاهُمْ عَلَى مَا لَیْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ-  فَلْیَکُنْ مِنْکَ فِی ذَلِکَ أَمْرٌ-  یَجْتَمِعُ لَکَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِیَّتِکَ-  فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ یَقْطَعُ عَنْکَ نَصَباً طَوِیلًا-  وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّکَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلَاؤُکَ عِنْدَهُ-  وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّکَ بِهِ لَمَنْ سَاءَ بَلَاؤُکَ عِنْدَهُ-وَ لَا تَنْقُضْ سُنَّهً صَالِحَهً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّهِ-  وَ اجْتَمَعَتْ بِهَا الْأُلْفَهُ وَ صَلَحَتْ عَلَیْهَا الرَّعِیَّهُ-  وَ لَا تُحْدِثَنَّ سُنَّهً تَضُرُّ بِشَیْ‏ءٍ مِنْ مَاضِی تِلْکَ السُّنَنِ-  فَیَکُونَ الْأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا-  وَ الْوِزْرُ عَلَیْکَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا-  وَ أَکْثِرْ مُدَارَسَهَ الْعُلَمَاءِ وَ مُنَاقَشَهَ الْحُکَمَاءِ-  فِی تَثْبِیتِ مَا صَلَحَ عَلَیْهِ أَمْرُ بِلَادِکَ-  وَ إِقَامَهِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَکَ خلاصه صدر هذا الفصل-  أن من أحسن إلیک حسن ظنه فیک-  و من أساء إلیک استوحش منک-  و ذلک لأنک إذا أحسنت إلى إنسان-  و تکرر منک ذلک الإحسان-  تبع ذلک اعتقادک أنه قد أحبک-  ثم یتبع ذلک الاعتقاد أمر آخر و هو أنک تحبه-  لأن الإنسان مجبول على أن یحب من یحبه-  و إذا أحببته سکنت إلیه و حسن ظنک فیه-  و بالعکس من ذلک إذا أسأت إلى زید-  لأنک إذا أسأت إلیه و تکررت الإساءه-  تبع ذلک اعتقادک أنه قد أبغضک-  ثم یتبع ذلک الاعتقاد أمر آخر و هو أن تبغضه أنت-  و إذا أبغضته انقبضت منه و استوحشت و ساء ظنک به- .

قال المنصور للربیع-  سلنی لنفسک قال یا أمیر المؤمنین-  ملأت یدی فلم یبق عندی موضع للمسأله-  قال فسلنی لولدک قال أسألک أن تحبه-  فقال المنصور یا ربیع إن الحب لا یسأل-  و إنما هو أمر تقتضیه الأسباب-  قال یا أمیر المؤمنین و إنما أسألک أن تزید من إحسانک-  فإذا تکرر أحبک و إذا أحبک أحببته-  فاستحسن‏المنصور ذلک-  ثم نهاه عن نقض السنن الصالحه-  التی قد عمل بها من قبله من صالحی الأمه-  فیکون الوزر علیه بما نقض و الأجر لأولئک بما أسسوا-  ثم أمره بمطارحه العلماء و الحکماء فی مصالح عمله-  فإن المشوره برکه و من استشار فقد أضاف عقلا إلى عقله- . و مما جاء فی معنى الأول-  قال رجل لإیاس بن معاویه من أحب الناس إلیک-  قال الذین یعطونی قال ثم من قال الذین أعطیهم- .

و قال رجل لهشام بن عبد الملک-  إن الله جعل العطاء محبه و المنع مبغضه-  فأعنی على حبک و لا تعنی فی بغضک: وَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّعِیَّهَ طَبَقَاتٌ-  لَا یَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ-  وَ لَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ-  فَمِنْهَا جُنُودُ اللَّهِ وَ مِنْهَا کُتَّابُ الْعَامَّهِ وَ الْخَاصَّهِ-  وَ مِنْهَا قُضَاهُ الْعَدْلِ وَ مِنْهَا عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَ الرِّفْقِ-  وَ مِنْهَا أَهْلُ الْجِزْیَهِ وَ الْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّهِ وَ مُسْلِمَهِ النَّاسِ-  وَ مِنْهَا التُّجَّارُ وَ أَهْلُ الصِّنَاعَاتِ-  وَ مِنْهَا الطَّبَقَهُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِی الْحَاجَاتِ وَ الْمَسْکَنَهِ-  وَ کُلٌّ قَدْ سَمَّى اللَّهُ لَهُ سَهْمَهُ-  وَ وَضَعَ عَلَى حَدِّهِ وَ فَرِیضَتِهِ فِی کِتَابِهِ أَوْ سُنَّهِ نَبِیِّهِ ص عَهْداً-  مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً-  فَالْجُنُودُ بِإِذْنِ اللَّهِ حُصُونُ الرَّعِیَّهِ وَ زَیْنُ الْوُلَاهِ-  وَ عِزُّ الدِّینِ وَ سُبُلُ الْأَمْنِ-  وَ لَیْسَ تَقُومُ الرَّعِیَّهُ إِلَّا بِهِمْ-  ثُمَّ لَا قِوَامَ لِلْجُنُودِ-  إِلَّا بِمَا یُخْرِجُ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ-  الَّذِی یَقْوَوْنَ بِهِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ-  وَ یَعْتَمِدُونَ عَلَیْهِ فِیمَا یُصْلِحُهُمْ-  وَ یَکُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ-  ثُمَّ لَا قِوَامَ لِهَذَیْنِ الصِّنْفَیْنِ إِلَّا بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ-  مِنَ الْقُضَاهِ وَ الْعُمَّالِ‏ وَ الْکُتَّابِ-  لِمَا یُحْکِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ وَ یَجْمَعُونَ مِنَ الْمَنَافِعِ-  وَ یُؤْتَمَنُونَ عَلَیْهِ مِنْ خَوَاصِّ الْأُمُورِ وَ عَوَامِّهَا-  وَ لَا قِوَامَ لَهُمْ جَمِیعاً إِلَّا بِالتُّجَّارِ وَ ذَوِی الصِّنَاعَاتِ-  فِیمَا یَجْتَمِعُونَ عَلَیْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ-  وَ یُقِیمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ-  وَ یَکْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُّقِ بِأَیْدِیهِمْ-  مِمَّا لَا یَبْلُغُهُ رِفْقُ غَیْرِهِمْ-  ثُمَّ الطَّبَقَهُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَهِ وَ الْمَسْکَنَهِ-  الَّذِینَ یَحِقُّ رِفْدُهُمْ وَ مَعُونَتُهُمْ-  وَ فِی اللَّهِ لِکُلٍّ سَعَهٌ-  وَ لِکُلٍّ عَلَى الْوَالِی حَقٌّ بِقَدْرِ مَا یُصْلِحُهُ-  وَ لَیْسَ یَخْرُجُ الْوَالِی-  مِنْ حَقِیقَهِ مَا أَلْزَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِکَ-  إِلَّا بِالِاهْتِمَامِ وَ الِاسْتِعَانَهِ بِاللَّهِ-  وَ تَوْطِینِ نَفْسِهِ عَلَى لُزُومِ الْحَقِّ-  وَ الصَّبْرِ عَلَیْهِ فِیمَا خَفَّ عَلَیْهِ أَوْ ثَقُلَ قالت الحکماء الإنسان مدنی بالطبع-  و معناه أنه خلق خلقه-  لا بد معها من أن یکون منضما إلى أشخاص من بنی جنسه-  و متمدنا فی مکان بعینه-  و لیس المراد بالمتمدن ساکن المدینه ذات السور و السوق-  بل لا بد أن یقیم فی موضع ما مع قوم من البشر-  و ذلک لأن الإنسان مضطر-  إلى ما یأکله و یشربه لیقیم صورته-  و مضطر إلى ما یلبسه لیدفع عنه أذى الحر و البرد-  و إلى مسکن یسکنه لیرد عنه عادیه غیره من الحیوانات-  و لیکون منزلا له لیتمکن من التصرف و الحرکه علیه-  و معلوم أن الإنسان وحده-  لا یستقل بالأمور التی عددناها-  بل لا بد من جماعه یحرث بعضهم لغیره الحرث-  و ذلک الغیر یحوک للحراث الثوب-  و ذلک الحائک یبنی له غیره المسکن-  و ذلک البناء یحمل له‏ غیره الماء-  و ذلک السقاء یکفیه غیره أمر تحصیل الآله-  التی یطحن بها الحب و یعجن بها الدقیق-  و یخبز بها العجین-  و ذلک المحصل لهذه الأشیاء یکفیه غیره-  الاهتمام بتحصیل الزوجه-  التی تدعو إلیها داعیه الشبق-  فیحصل مساعده بعض الناس لبعض-  لو لا ذلک لما قامت الدنیا-  فلهذا معنى قوله ع-  إنهم طبقات لا یصلح بعضها إلا ببعض-  و لا غناء ببعضها عن بعض- .

ثم فصلهم و قسمهم فقال-  منهم الجند و منهم الکتاب-  و منهم القضاه و منهم العمال-  و منهم أرباب الجزیه من أهل الذمه-  و منهم أرباب الخراج من المسلمین-  و منهم التجار و منهم أرباب الصناعات-  و منهم ذوو الحاجات و المسکنه و هم أدون الطبقات- . ثم ذکر أعمال هذه الطبقات فقال الجند للحمایه-  و الخراج یصرف إلى الجند و القضاه و العمال و الکتاب-  لما یحکمونه من المعاقد و یجمعونه من المنافع-  و لا بد لهؤلاء جمیعا من التجار-  لأجل البیع و الشراء الذی لا غناء عنه-  و لا بد لکل من أرباب الصناعات-  کالحداد و النجار و البناء و أمثالهم-  ثم تلی هؤلاء الطبقه السفلى و هم أهل الفقر و الحاجه-  الذین تجب معونتهم و الإحسان إلیهم- . و إنما قسمهم فی هذا الفصل هذا التقسیم-  تمهیدا لما یذکره فیما بعد فإنه قد شرع بعد هذا الفصل-  فذکر طبقه طبقه و صنفا صنفا-  و أوصاه فی کل طبقه و فی کل صنف منهم بما یلیق بحاله-  و کأنه مهد هذا التمهید-  کالفهرست لما یأتی بعده من التفصیل‏

فَوَلِّ مِنْ جُنُودِکَ-  أَنْصَحَهُمْ فِی نَفْسِکَ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِإِمَامِکَ-  وَ أَطْهَرَهُمْ جَیْباً وَ أَفْضَلَهُمْ حِلْماً-  مِمَّنْ یُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ وَ یَسْتَرِیحُ إِلَى الْعُذْرِ-  وَ یَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ وَ یَنْبُو عَلَى الْأَقْوِیَاءِ-  وَ مِمَّنْ لَا یُثِیرُهُ الْعُنْفُ وَ لَا یَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ-  ثُمَّ الْصَقْ بِذَوِی الْمُرُوءَاتِ وَ الْأَحْسَابِ-  وَ أَهْلِ الْبُیُوتَاتِ الصَّالِحَهِ وَ السَّوَابِقِ الْحَسَنَهِ-  ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَهِ وَ الشَّجَاعَهِ وَ السَّخَاءِ وَ السَّمَاحَهِ-  فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْکَرَمِ وَ شُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ-  ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا یَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا-  وَ لَا یَتَفَاقَمَنَّ فِی نَفْسِکَ شَیْ‏ءٌ قَوَّیْتَهُمْ بِهِ-  وَ لَا تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَ إِنْ قَلَّ-  فَإِنَّهُ دَاعِیَهٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِیحَهِ لَکَ وَ حُسْنِ الظَّنِّ بِکَ-  وَ لَا تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطِیفِ أُمُورِهِمُ اتِّکَالًا عَلَى جَسِیمِهَا-  فَإِنَّ لِلْیَسِیرِ مِنْ لُطْفِکَ مَوْضِعاً یَنْتَفِعُونَ بِهِ-  وَ لِلْجَسِیمِ مَوْقِعاً لَا یَسْتَغْنُونَ عَنْهُ-  وَ لْیَکُنْ آثَرُ رُءُوسِ جُنْدِکَ عِنْدَکَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِی مَعُونَتِهِ-  وَ أَفْضَلَ عَلَیْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ-  بِمَا یَسَعُهُمْ وَ یَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِیهِمْ-  حَتَّى یَکُونَ هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِی جِهَادِ الْعَدُوِّ-  فَإِنَّ عَطْفَکَ عَلَیْهِمْ یَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَیْکَ-  وَ لَا تَصِحُّ نَصِیحَتُهُمْ إِلَّا بِحِیطَتِهِمْ عَلَى وُلَاهِ أُمُورِهِمْ-  وَ قِلَّهِ اسْتَثْقَالِ دُوَلِهِمْ-  وَ تَرْکِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ-  فَافْسَحْ فِی آمَالِهِمْ وَ وَاصِلْ مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَیْهِمْ-  وَ تَعْدِیدِ مَا أَبْلَى ذَوُو الْبَلَاءِ مِنْهُمْ-  فَإِنَّ کَثْرَهَ الذِّکْرِ لِحُسْنِ فِعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ-  وَ تُحَرِّضُ النَّاکِلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ-  ثُمَّ اعْرِفْ لِکُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَى-  وَ لَا تَضُمَّنَّ بَلَاءَ امْرِئٍ إِلَى غَیْرِهِ-  وَ لَا تُقَصِّرَنَّ بِهِ دُونَ غَایَهِ بَلَائِهِ-  وَ لَا یَدْعُوَنَّکَ شَرَفُ امْرِئٍ-  إِلَى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا کَانَ صَغِیراً-  وَ لَا ضَعَهُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلَائِهِ مَا کَانَ عَظِیماً-  وَ ارْدُدْ إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ مَا یُضْلِعُکَ مِنَ الْخُطُوبِ-  وَ یَشْتَبِهُ عَلَیْکَ مِنَ الْأُمُورِ-  فَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ-  یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا أَطِیعُوا اللَّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ-  وَ أُولِی الْأَمْرِ مِنْکُمْ-  فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِی شَیْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ-  فَالرَّدُّ إِلَى اللَّهِ الْأَخْذُ بِمُحْکَمِ کِتَابِهِ-  وَ الرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ الْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَهِ غَیْرِ الْمُفَرِّقَهِ هذا الفصل مختص بالوصاه فیما یتعلق بأمراء الجیش-  أمره أن یولى أمر الجیش من جنوده-  من کان أنصحهم لله فی ظنه-  و أطهرهم جیبا أی عفیفا أمینا-  و یکنى عن العفه و الأمانه بطهاره الجیب-  لأن الذی یسرق یجعل المسروق فی جیبه- .

فإن قلت و أی تعلق لهذا بولاه الجیش-  إنما ینبغی أن تکون هذه الوصیه فی ولاه الخراج-  قلت لا بد منها فی أمراء الجیش لأجل الغنائم- . ثم وصف ذلک الأمیر فقال-  ممن یبطئ عن الغضب و یستریح إلى العذر-  أی یقبل‏ أدنى عذر و یستریح إلیه و یسکن عنده-  و یرؤف على الضعفاء یرفق بهم و یرحمهم-  و الرأفه الرحمه-  و ینبو عن الأقویاء یتجافى عنهم و یبعد-  أی لا یمکنهم من الظلم و التعدی على الضعفاء-  و لا یثیره العنف لا یهیج غضبه عنف و قسوه-  و لا یقعد به الضعف أی لیس عاجزا- . ثم أمره أن یلصق بذوی الأحساب و أهل البیوتات-  أی یکرمهم و یجعل معوله فی ذلک علیهم-  و لا یتعداهم إلى غیرهم-  و کان یقال علیکم بذوی الأحساب-  فإن هم لم یتکرموا استحیوا- . ثم ذکر بعدهم أهل الشجاعه و السخاء-  ثم قال إنها جماع من الکرم و شعب من العرف-  من هاهنا زائده-  و إن کانت فی الإیجاب على مذهب أبی الحسن الأخفش-  أی جماع الکرم أی یجمعه-  کقول النبی ص الخمر جماع الإثم-  و العرف المعروف- . و کذلک من فی قوله و شعب من العرف-  أی شعب العرف أی هی أقسامه و أجزاؤه-  و یجوز أن تکون من على حقیقتها للتبعیض-  أی هذه الخلال جمله من الکرم و أقسام المعروف-  و ذلک لأن غیرها أیضا من الکرم و المعروف-  و نحو العدل و العفه- . قوله ثم تفقد من أمورهم-  الضمیر هاهنا یرجع إلى الأجناد لا إلى الأمراء-  لما سنذکره مما یدل الکلام علیه- . فإن قلت إنه لم یجر للأجناد ذکر فیما سبق-  و إنما المذکور الأمراء-  قلت کلا بل سبق ذکر الأجناد-  و هو قوله الضعفاء و الأقویاء- .

و أمره ع أن یتفقد من أمور الجیش-  ما یتفقد الوالدان من حال الولد-  و أمره ألا یعظم عنده ما یقویهم به و إن عظم-  و ألا یستحقر شیئا تعهدهم به و إن قل-  و ألا یمنعه تفقد جسیم أمورهم عن تفقد صغیرها-  و أمره أن یکون آثر رءوس جنوده عنده و أحظاهم عنده-  و أقربهم إلیه من واساهم فی معونته-  هذا هو الضمیر الدال على أن الضمیر المذکور أولا للجند-  لا لأمراء الجند-  لو لا ذلک لما انتظم الکلام- . قوله من خلوف أهلیهم-  أی ممن یخلفونه من أولادهم و أهلیهم- . ثم قال لا یصح نصیحه الجند لک-  إلا بحیطتهم على ولاتهم أی بتعطفهم علیهم و تحننهم-  و هی الحیطه على وزن الشیمه-  مصدر حاطه یحوطه حوطا و حیاطا و حیطه أی کلأه و رعاه-  و أکثر الناس یروونها إلا بحیطتهم-  بتشدید الیاء و کسرها-  و الصحیح ما ذکرناه- . قوله و قله استثقال دولهم-  أی لا تصح نصیحه الجند لک إلا إذا أحبوا أمراءهم-  ثم لم یستثقلوا دولهم و لم یتمنوا زوالها- .

ثم أمره أن یذکر فی المجالس و المحافل-  بلاء ذوی البلاء منهم-  فإن ذلک مما یرهف عزم الشجاع و یحرک الجبان- . قوله و لا تضمن بلاء امرئ إلى غیره-  أی اذکر کل من أبلى منهم مفردا-  غیر مضموم ذکر بلائه إلى غیره-  کی لا یکون مغمورا فی جنب ذکر غیره- . ثم قال له لا تعظم بلاء ذوی الشرف لأجل شرفهم-  و لا تحقر بلاء ذوی الضعه لضعه أنسابهم-  بل اذکر الأمور على حقائقها- . ثم أمره أن یرد إلى الله و رسوله ما یضلعه من الخطوب-  أی ما یئوده و یمیله‏لثقله-  و هذه الروایه أصح من روایه من رواها بالظاء-  و إن کان لتلک وجه

رساله الإسکندر إلى أرسطو و رد أرسطو علیه

و ینبغی أن نذکر فی هذا الموضع-  رساله أرسطو إلى الإسکندر-  فی معنى المحافظه على أهل البیوتات و ذوی الأحساب-  و أن یخصهم بالرئاسه و الإمره-  و لا یعدل عنهم إلى العامه و السفله-  فإن فی ذلک تشییدا لکلام أمیر المؤمنین ع و وصیته- . لما ملک الإسکندر ایرانشهر-  و هو العراق مملکه الأکاسره-  و قتل دارا بن دارا کتب إلى أرسطو و هو ببلاد الیونان-  علیک أیها الحکیم منا السلام-  أما بعد فإن الأفلاک الدائره و العلل السمائیه-  و إن کانت أسعدتنا بالأمور-  التی أصبح الناس لنا بها دائبین-  فإنا جد واجدین لمس الاضطرار إلى حکمتک-  غیر جاحدین لفضلک و الإقرار بمنزلتک-  و الاستنامه إلى مشورتک و الاقتداء برأیک-  و الاعتماد لأمرک و نهیک-  لما بلونا من جدا ذلک علینا و ذقنا من جنا منفعته-  حتى صار ذلک بنجوعه فینا-  و ترسخه فی أذهاننا و عقولنا کالغذاء لنا-  فما ننفک نعول علیه-  و نستمد منه استمداد الجداول من البحور-  و تعویل الفروع على الأصول-  و قوه الأشکال بالأشکال-  و قد کان مما سیق إلینا من النصر و الفلج-  و أتیح لنا من الظفر-  و بلغنا فی العدو من النکایه و البطش-  ما یعجز القول عن وصفه-  و یقصر شکر المنعم عن موقع الإنعام به-  و کان من ذلک أنا جاوزنا أرض سوریه و الجزیره-  إلى بابل و أرض فارس-  فلما حللنا بعقوه أهلها و ساحه بلادهم-  لم یکن إلا ریثما تلقانا نفر منهم-  برأس ملکهم هدیه إلینا و طلبا للحظوه عندنا-  فأمرنا بصلب من‏ جاء به و شهرته لسوء بلائه-  و قله ارعوائه و وفائه-  ثم أمرنا بجمع من کان هناک من أولاد ملوکهم-  و أحرارهم و ذی الشرف منهم-  فرأینا رجالا عظیمه أجسامهم و أحلامهم-  حاضره ألبابهم و أذهانهم رائعه مناظرهم و مناطقهم-  دلیلا على أن ما یظهر من روائهم و منطقهم-  أن وراءه من قوه أیدیهم-  و شده نجدتهم و بأسهم ما لم یکن-  لیکون لنا سبیل إلى غلبتهم و إعطائهم بأیدیهم-  لو لا أن القضاء أدالنا منهم-  و أظفرنا بهم و أظهرنا علیهم-  و لم نر بعیدا من الرأی فی أمرهم أن نستأصل شأفتهم-  و نجتث أصلهم و نلحقهم بمن مضى من أسلافهم-  لتسکن القلوب بذلک الأمن إلى جرائرهم و بوائقهم-  فرأینا ألا نجعل بإسعاف بادئ الرأی فی قتلهم-  دون الاستظهار علیهم بمشورتک فیهم-  فارفع إلینا رأیک فیما استشرناک فیه بعد صحته عندک-  و تقلیبک إیاه بجلی نظرک-  و سلام أهل السلام فلیکن علینا و علیک- .

فکتب إلیه أرسطو-  لملک الملوک و عظیم العظماء-  الإسکندر المؤید بالنصر على الأعداء-  المهدی له الظفر بالملوک-  من أصغر عبیده و أقل خوله-  أرسطوطالیس البخوع بالسجود و التذلل فی السلام-  و الإذعان فی الطاعه-  أما بعد فإنه لا قوه بالمنطق و إن احتشد الناطق فیه-  و اجتهد فی تثقیف معانیه و تألیف حروفه و مبانیه-  على الإحاطه بأقل ما تناله القدره-  من بسطه علو الملک و سمو ارتفاعه عن کل قول-  و إبرازه على کل وصف و اغترافه بکل إطناب-  و قد کان تقرر عندی-  من مقدمات إعلام فضل الملک فی صهله سبقه-  و بروز شأوه و یمن نقیبته-  مذ أدت إلی حاسه بصری صوره شخصه-  و اضطرب فی حس سمعی صوت لفظه-  و وقع وهمی‏ على تعقیب نجاح رأیه-  أیام کنت أؤدی إلیه من تکلف تعلیمی إیاه-  ما أصبحت قاضیا على نفسی بالحاجه إلى تعلمه منه-  و مهما یکن منی إلیه فی ذلک- 

فإنما هو عقل مردود إلى عقله-  مستنبطه أوالیه و توالیه من علمه و حکمته-  و قد جلا إلى کتاب الملک و مخاطبته إیای و مسألته لی-  عما لا یتخالجنی الشک فی لقاح ذلک و إنتاجه من عنده-  فعنه صدر و علیه ورد-  و أنا فیما أشیر به على الملک-  و إن اجتهدت فیه و احتشدت له-  و تجاوزت حد الوسع و الطاقه منی فی استنظافه و استقصائه-  کالعدم مع الوجود بل کما لا یتجزأ فی جنب معظم الأشیاء-  و لکنی غیر ممتنع من إجابه الملک إلى ما سأل-  مع علمی و یقینی بعظیم غناه عنی و شده فاقتی إلیه-  و أنا راد إلى الملک ما اکتسبته منه-  و مشیر علیه بما أخذته منه فقائل له-  إن لکل تربه لا محاله قسما من الفضائل-  و إن لفارس قسمها من النجده و القوه-  و إنک إن تقتل أشرافهم تخلف الوضعاء علی أعقابهم-  و تورث سفلتهم على منازل علیتهم-  و تغلب أدنیاءهم على مراتب ذوی أخطارهم-  و لم یبتل الملوک قط ببلاء هو أعظم علیهم-  و أشد توهینا لسلطانهم من غلبه السفله و ذل الوجوه-  فاحذر الحذر کله أن تمکن تلک الطبقه من الغلبه و الحرکه-  فإنه إن نجم منهم بعد الیوم على جندک و أهل بلادک ناجم-  دهمهم منه ما لا رویه فیه و لا بقیه معه-  فانصرف عن هذا الرأی إلى غیره-  و اعمد إلى من قبلک من أولئک العظماء و الأحرار-  فوزع بینهم مملکتهم-  و ألزم اسم الملک کل من ولیته منهم ناحیته-  و اعقد التاج على رأسه و إن صغر ملکه-  فإن المتسمی بالملک لازم لاسمه-  و المعقود التاج على رأسه لا یخضع لغیره-  فلیس ینشب ذلک أن یوقع کل ملک منهم-  بینه و بین صاحبه تدابرا و تقاطعا و تغالبا على الملک-  و تفاخرا بالمال و الجند-  حتى ینسوا بذلک أضغانهم علیک و أوتارهم فیک-  و یعود حربهم لک حربا بینهم-  و حنقهم علیک حنقا منهم على أنفسهم-  ثم لا یزدادون فی ذلک بصیره-  إلا أحدثوا لک بها استقامه-  إن دنوت منهم دانوا لک و إن نأیت عنهم تعززوا بک-  حتى یثب من ملک منهم على جاره باسمک و یسترهبه بجندک-  و فی ذلک شاغل لهم عنک و أمان لأحداثهم بعدک-  و إن کان لا أمان للدهر و لا ثقه بالأیام- . قد أدیت إلى الملک ما رأیته لی حظا و علی حقا-  من إجابتی إیاه إلى ما سألنی عنه-  و محضته النصیحه فیه-  و الملک أعلى عینا و أنفذ رویه و أفضل رأیا-  و أبعد همه فیما استعان بی علیه-  و کلفنی بتبیینه و المشوره علیه فیه-  لا زال الملک متعرفا من عوائد النعم و عواقب الصنع-  و توطید الملک و تنفیس الأجل و درک الأمل-  ما تأتی فیه قدرته على غایه قصوى ما تناله قدره البشر- . و السلام الذی لا انقضاء له-  و لا انتهاء و لا غایه و لا فناء-  فلیکن على الملک- .

قالوا فعمل الملک برأیه-  و استخلف على ایرانشهر-  أبناء الملوک و العظماء من أهل فارس-  فهم ملوک الطوائف الذین بقوا بعده-  و المملکه موزعه بینهم-  إلى أن جاء أردشیر بن بابک فانتزع الملک منهمثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُکْمِ بَیْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِیَّتِکَ فِی نَفْسِکَ-  مِمَّنْ لَا تَضِیقُ بِهِ الْأُمُورُ وَ لَا تُمَحِّکُهُ الْخُصُومُ-  وَ لَا یَتَمَادَى فِی الزَّلَّهِ-  وَ لَا یَحْصَرُ مِنَ الْفَیْ‏ءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ-  وَ لَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ-  وَ لَا یَکْتَفِی بِأَدْنَى فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ-  وَ أَوْقَفَهُمْ فِی الشُّبُهَاتِ وَ آخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ-  وَ أَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَهِ الْخَصْمِ-  وَ أَصْبَرَهُمْ‏ عَلَى تَکَشُّفِ الْأُمُورِ-  وَ أَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُکْمِ-  مِمَّنْ لَا یَزْدَهِیهِ إِطْرَاءٌ وَ لَا یَسْتَمِیلُهُ إِغْرَاءٌ-  وَ أُولَئِکَ قَلِیلٌ-  ثُمَّ أَکْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ-  وَ أَفْسِحْ لَهُ فِی الْبَذْلِ مَا یُزِیحُ عِلَّتَهُ-  وَ تَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ-  وَ أَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَهِ لَدَیْکَ مَا لَا یَطْمَعُ فِیهِ غَیْرُهُ مِنْ خَاصَّتِکَ-  لِیَأْمَنَ بِذَلِکَ اغْتِیَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَکَ-  فَانْظُرْ فِی ذَلِکَ نَظَراً بَلِیغاً-  فَإِنَّ هَذَا الدِّینَ قَدْ کَانَ أَسِیراً فِی أَیْدِی الْأَشْرَارِ-  یُعْمَلُ فِیهِ بِالْهَوَى وَ تُطْلَبُ بِهِ الدُّنْیَا تمحکه الخصوم تجعله ما حکا أی لجوجا-  محک الرجل أی لج و ماحک زید عمرا أی لاجه- . قوله و لا یتمادى فی الزله أی إن زل رجع و أناب-  و الرجوع إلى الحق خیر من التمادی فی الباطل- . قوله و لا یحصر من الفی‏ء هو المعنى الأول بعینه-  و الفی‏ء الرجوع إلا أن هاهنا زیاده-  و هو أنه لا یحصر أی لا یعیا فی المنطق-  لأن من الناس من إذا زل حصر عن أن یرجع-  و أصابه کالفهاهه و العی خجلا- . قوله و لا تشرف نفسه أی لا تشفق-  و الإشراف الإشفاق و الخوف-  و أنشد اللیث

و من مضر الحمراء إسراف أنفس
علینا و حیاها علینا تمضرا

و قال عروه بن أذینه-

لقد علمت و ما الإشراف من خلقی
أن الذی هو رزقی سوف یأتینی‏

 و المعنى و لا تشفق نفسه-  و تخاف من فوت المنافع و المرافق- . ثم قال و لا یکتفى بأدنى فهم-  أی لا یکون قانعا بما یخطر له بادئ الرأی من أمر الخصوم-  بل یستقصی و یبحث أشد البحث- . قوله و أقلهم تبرما بمراجعه الخصم أی تضجرا-  و هذه الخصله من محاسن ما شرطه ع-  فإن القلق و الضجر و التبرم قبیح-  و أقبح ما یکون من القاضی- . قوله و أصرمهم أی أقطعهم و أمضاهم-  و ازدهاه کذا أی استخفه-  و الإطراء المدح و الإغراء التحریض- . ثم أمره أن یتطلع على أحکامه و أقضیته-  و أن یفرض له عطاء واسعا یملأ عینه-  و یتعفف به عن المرافق و الرشوات-  و أن یکون قریب المکان منه کثیر الاختصاص به-  لیمنع قربه من سعایه الرجال به و تقبیحهم ذکره عنده- . ثم قال إن هذا الدین قد کان أسیرا-  هذه إشاره إلى قضاه عثمان و حکامه-  و أنهم لم یکونوا یقضون بالحق عنده-  بل بالهوى لطلب الدنیا- . و أما أصحابنا فیقولون-  رحم الله عثمان فإنه کان ضعیفا و استولى علیه أهله-  قطعوا الأمور دونه فإثمهم علیهم و عثمان بری‏ء منهم‏

فصل فی القضاه و ما یلزمهم و ذکر بعض نوادرهم

 قد جاء فی الحدیث المرفوع لا یقضی القاضی و هو غضبانو جاء فی الحدیث المرفوع أیضا من ابتلی بالقضاء بین المسلمین-  فلیعدل بینهم فی لحظه و إشارته و مجلسه و مقعده- . دخل ابن شهاب على الولید أو سلیمان فقال له-  یا ابن شهاب ما حدیث یرویه أهل الشام-  قال ما هو یا أمیر المؤمنین-  قال إنهم یروون أن الله تعالى إذا استرعى عبدا رعیه-  کتب له الحسنات و لم یکتب علیه السیئات-  فقال کذبوا یا أمیر المؤمنین-  أیما أقرب إلى الله نبی أم خلیفه قال بل نبی-  قال فإنه تعالى یقول لنبیه داود-  یا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناکَ خَلِیفَهً فِی الْأَرْضِ-  فَاحْکُمْ بَیْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ-  وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ فَیُضِلَّکَ عَنْ سَبِیلِ اللَّهِ-  إِنَّ الَّذِینَ یَضِلُّونَ عَنْ سَبِیلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِیدٌ-  فقال سلیمان إن الناس لیغروننا عن دیننا- .

و قال بکر بن عبد الله العدوی لابن أرطاه-  و أراد أن یستقضیه و الله ما أحسن القضاء-  فإن کنت صادقا لم یحل لک أن تستقضی من لا یحسن-  و إن کنت کاذبا فقد فسقت-  و الله لا یحل أن تستقضی الفاسق- . و قال الزهری ثلاث إذا کن فی القاضی فلیس بقاض-  أن یکره اللائمه و یحب المحمده و یخاف العزل- . و قال محارب بن زیاد للأعمش ولیت القضاء فبکى أهلی-  فلما عزلت بکى أهلی فما أدری مم ذلک-  قال لأنک ولیت القضاء و أنت تکرهه و تجزع منه-فبکى أهلک لجزعک-  و عزلت عنه فکرهت العزل و جزعت فبکى أهلک لجزعک-  قال صدقت- . أتی ابن شبرمه بقوم یشهدون على قراح نخل-  فشهدوا و کانوا عدولا فامتحنهم فقال-  کم فی القراح من نخله قالوا لا نعلم فرد شهادتهم-  فقال له أحدهم-  أنت أیها القاضی تقضی فی هذا المسجد منذ ثلاثین سنه-  فأعلمنا کم فیه من أسطوانه-  فسکت و أجازهم- . خرج شریک و هو على قضاء الکوفه یتلقى الخیزران-  و قد أقبلت ترید الحج-  و قد کان استقضی و هو کاره-  فأتی شاهی فأقام بها ثلاثا فلم تواف-  فخف زاده و ما کان معه-  فجعل یبله بالماء و یأکله بالملح-  فقال العلاء بن المنهال الغنوی- 

   فإن کان الذی قد قلت حقا
بأن قد أکرهوک على القضاء

فما لک موضعا فی کل یوم‏
تلقى من یحج من النساء

مقیما فی قرى شاهی ثلاثا
بلا زاد سوى کسر و ماء

و تقدمت کلثم بنت سریع مولى عمرو بن حریث- و کانت جمیله- و أخوها الولید بن سریع إلى عبد الملک بن عمیر- و هو قاض بالکوفه فقضى لها على أخیها- فقال هذیل الأشجعی-

أتاه ولید بالشهود یسوقهم
على ما ادعى من صامت المال و الخول‏

و جاءت إلیه کلثم و کلامها
شفاء من الداء المخامر و الخبل‏

فأدلى ولید عند ذاک بحقه
و کان ولید ذا مراء و ذا جدل‏

فدلهت القبطی حتى قضى لها
بغیر قضاء الله فی محکم الطول‏

فلو کان من فی القصر یعلم علمه
لما استعمل القبطی فینا على عمل‏

له حین یقضی للنساء تخاوص‏
و کان و ما فیه التخاوص و الحول‏

إذا ذات دل کلمته لحاجه
فهم بأن یقضی تنحنح أو سعل‏

و برق عینیه و لاک لسانه‏
یرى کل شی‏ء ما خلا وصلها جلل‏

 و کان عبد الملک بن عمیر یقول لعن الله الأشجعی-  و الله لربما جاءتنی السعله و النحنحه و أنا فی المتوضإ-  فأردهما لما شاع من شعره- . کتب عمر بن الخطاب إلى معاویه-  أما بعد فقد کتبت إلیک فی القضاء بکتاب-  لم آلک و نفسی فیه خیرا-  الزم خمس خصال یسلم لک دینک و تأخذ بأفضل حظک-  إذا تقدم إلیک الخصمان-  فعلیک بالبینه العادله أو الیمین القاطعه-  و ادن الضعیف حتى یشتد قلبه و ینبسط لسانه-  و تعهد الغریب-  فإنک إن لم تتعهده ترک حقه و رجع إلى أهله-  و إنما ضیع حقه من لم یرفق به-  و آس بین الخصوم فی لحظک و لفظک-  و علیک بالصلح بین الناس-  ما لم یستبن لک فصل القضاء- . و کتب عمر إلى شریح لا تسارر و لا تضارر-  و لا تبع و لا تبتع فی مجلس القضاء-  و لا تقض و أنت غضبان و لا شدید الجوع-  و لا مشغول القلب- . شهد رجل عند سوار القاضی-  فقال ما صناعتک فقال مؤدب-  قال أنا لا أجیز شهادتک قال و لم-  قال لأنک تأخذ على تعلیم القرآن أجرا-  قال و أنت أیضا تأخذ على القضاء بین المسلمین أجرا-  قال إنهم أکرهونی قال نعم أکرهوک على القضاء-  فهل أکرهوک على أخذ الأجر-  قال هلم شهادتک- . و دخل أبو دلامه لیشهد عند أبی لیلى-  فقال حین جلس بین یدیه- 

 إذا الناس غطونی تغطیت عنهم
و إن بحثوا عنی ففیهم مباحث‏

و إن حفروا بئری حفرت بئارهم
لیعلم ما تخفیه تلک النبائث‏

– . فقال بل نغطیک یا أبا دلامه و لا نبحثک-  و صرفه راضیا-  و أعطى المشهود علیه من عنده قیمه ذلک الشی‏ء- . کان عامر بن الظرب العدوانی حاکم العرب و قاضیها-  فنزل به قوم یستفتونه فی الخنثى و میراثه-  فلم یدر ما یقضی فیه-  و کان له جاریه اسمها خصیله-  ربما لامها فی الإبطاء عن الرعی و فی الشی‏ء یجده علیها-  فقال لها یا خصیله لقد أسرع هؤلاء القوم فی غنمی-  و أطالوا المکث-  قالت و ما یکبر علیک من ذلک اتبعه مباله و خلاک ذم-  فقال لها مسی خصیل بعدها أو روحی- . و قال أعرابی لقوم یتنازعون-  هل لکم فی الحق أو ما هو خیر من الحق-  قیل و ما الذی هو خیر من الحق-  قال التحاط و الهضم فإن أخذ الحق کله مر- . و عزل عمر بن عبد العزیز بعض قضاته-  فقال لم عزلتنی-  فقال بلغنی أن کلامک أکثر من کلام الخصمین-  إذا تحاکما إلیک- . و دخل إیاس بن معاویه الشام و هو غلام-  فقدم خصما إلى باب القاضی فی أیام عبد الملک-  فقال القاضی أ ما تستحیی تخاصم و أنت غلام شیخا کبیرا-  فقال الحق أکبر منه فقال اسکت ویحک-  قال فمن ینطق بحجتی إذا-  قال ما أظنک تقول الیوم حقا حتى تقوم-  فقال لا إله إلا الله-  فقام القاضی و دخل على عبد الملک و أخبره-  فقال اقض حاجته-  و أخرجه من الشام کی لا یفسد علینا الناس- . و اختصم أعرابی و حضری إلى قاض-  فقال الأعرابی أیها القاضی إنه و إن هملج إلى الباطل-  فإنه عن الحق لعطوف- . و رد رجل جاریه على رجل اشتراها منه بالحمق-  فترافعا إلى إیاس بن معاویه-فقال لها إیاس أی رجلیک أطول فقالت هذه-  فقال أ تذکرین لیله ولدتک أمک قالت نعم-  فقال إیاس رد رد- .

و جاء فی الخبر المرفوع من روایه عبد الله بن عمر لا قدست أمه لا یقضى فیها بالحقو من الحدیث المرفوع من روایه أبی هریره لیس أحد یحکم بین الناس-  إلا جی‏ء به یوم القیامه مغلوله یداه إلى عنقه-  فکه العدل و أسلمه الجور واستعدى رجل على علی بن أبی طالب ع-  عمر بن الخطاب رضی الله عنه و علی جالس-  فالتفت عمر إلیه فقال-  قم یا أبا الحسن فاجلس مع خصمک-  فقام فجلس معه و تناظرا-  ثم انصرف الرجل و رجع علی ع إلى محله-  فتبین عمر التغیر فی وجهه-  فقال یا أبا الحسن ما لی أراک متغیرا أ کرهت ما کان-  قال نعم قال و ما ذاک-  قال کنیتنی بحضره خصمی-  هلا قلت قم یا علی فاجلس مع خصمک-  فاعتنق عمر علیا و جعل یقبل وجهه-  و قال بأبی أنتم بکم هدانا الله-  و بکم أخرجنا من الظلمه إلى النور- . أبان بن عبد الحمید اللاحقی فی سوار بن عبد الله القاضی- 

   لا تقدح الظنه فی حکمه
شیمته عدل و إنصاف‏

یمضی إذا لم تلقه شبهه
و فی اعتراض الشک وقاف‏

کان ببغداد رجل یذکر بالصلاح و الزهد یقال له رویم-  فولی القضاء فقال الجنید-  من أراد أن یستودع سره من لا یفشیه فعلیه برویم-  فإنه کتم حب الدنیا أربعین سنه إلى أن قدر علیها- . الأشهب الکوفی

یا أهل بغداد قد قامت قیامتکم
مذ صار قاضیکم نوح بن دراج‏

لو کان حیا له الحجاج ما سلمت‏
صحیحه یده من وسم حجاج‏

و کان الحجاج یسم أیدی النبط بالمشراط و النیل- . لما وقعت فتنه ابن الزبیر اعتزل شریح القضاء-  و قال لا أقضی فی الفتنه-  فبقی لا یقضی تسع سنین-  ثم عاد إلى القضاء و قد کبرت سنه-  فاعترضه رجل و قد انصرف من مجلس القضاء-  فقال له أ ما حان لک أن تخاف الله-  کبرت سنک و فسد ذهنک و صارت الأمور تجوز علیک-  فقال و الله لا یقولها بعدک لی أحد-  فلزم بیته حتى مات- . قیل لأبی قلابه و قد هرب من القضاء لو أجبت-  قال أخاف الهلاک-  قیل لو اجتهدت لم یکن علیک بأس-  قال ویحکم إذا وقع السابح فی البحر کم عسى أن یسبح- . دعا رجل لسلیمان الشاذکونی-  فقال أرانیک الله یا أبا أیوب على قضاء أصبهان-  قال ویحک إن کان و لا بد فعلى خراجها-  فإن أخذ أموال الأغنیاء أسهل من أخذ أموال الأیتام- . ارتفعت جمیله بنت عیسى بن جراد و کانت جمیله کاسمها-  مع خصم لها إلى الشعبی و هو قاضی عبد الملک فقضى لها-  فقال هذیل الأشجعی

  فتن الشعبی لما
رفع الطرف إلیها

فتنته بثنایا
ها و قوسی حاجبیها

و مشت مشیا رویدا
ثم هزت منکبیها

فقضى جورا على الخصم‏
و لم یقض علیها

–  فقبض الشعبی علیه و ضربه ثلاثین سوطا- . قال ابن أبی لیلى-  ثم انصرف الشعبی یوما من مجلس القضاء-  و قد شاعت الأبیات‏و تناشدها الناس-  و نحن معه فمررنا بخادم تغسل الثیاب-  و تقولفتن الشعبی لما-  و لا تحفظ تتمه البیت فوقف علیها و لقنها-  و قال رفع الطرف إلیها-  ثم ضحک و قال-  أبعده الله و الله ما قضینا لها إلا بالحق- . جاءت امرأه إلى قاض فقالت-  مات بعلی و ترک أبوین و ابنا و بنی عم-  فقال القاضی لأبویه الثکل و لابنه الیتم-  و لک اللائمه و لبنی عمه الذله-  و احملی المال إلینا إلى أن ترتفع الخصوم- . لقی سفیان الثوری شریکا بعد ما استقضی-  فقال له یا أبا عبد الله-  بعد الإسلام و الفقه و الصلاح تلی القضاء-  قال یا أبا عبد الله فهل للناس بد من قاض-  قال و لا بد یا أبا عبد الله للناس من شرطی- . و کان الحسن بن صالح بن حی یقول-  لما ولی شریک القضاء أی شیخ أفسدوا- .

 قال أبو ذر رضی الله عنه قال لی رسول الله ص-  یا أبا ذر اعقل ما أقول لک-  جعل یرددها على سته أیام ثم قال لی فی الیوم السابع-  أوصیک بتقوى الله فی سریرتک و علانیتک-  و إذا أسأت فأحسن-  و لا تسألن أحدا شیئا و لو سقط سوطک-  و لا تتقلدن أمانه و لا تلین ولایه-  و لا تکفلن یتیما و لا تقضین بین اثنین- . أراد عثمان بن عفان أن یستقضی عبد الله بن عمر-  فقال له أ لست قد سمعت النبی ص یقول من استعاذ بالله فقد عاذ بمعاذ-  قال بلى قال فإنی أعوذ بالله منک أن تستقضینی- .

و قد ذکر الفقهاء فی آداب القاضی أمورا-  قالوا لا یجوز أن یقبل هدیه فی أیام القضاء-  إلا ممن کانت له عاده یهدی إلیه قبل أیام القضاء-  و لا یجوز قبولها فی أیام القضاء ممن له حکومه و خصومه-  و إن کان ممن له عاده قدیمه-  و کذلک إن کانت الهدیه أنفس و أرفع-  مما کانت قبل أیام القضاء لا یجوز قبولها-  و یجوز أن یحضر القاضی الولائم-  و لا یحضر عند قوم دون قوم لأن التخصیص یشعر بالمیل-  و یجوز أن یعود المرضى و یشهد الجنائز-  و یأتی مقدم الغائب و یکره له مباشره البیع و الشراء-  و لا یجوز أن یقضی و هو غضبان و لا جائع و لا عطشان-  و لا فی حال الحزن الشدید و لا الفرح الشدید-  و لا یقضی و النعاس یغلبه و المرض یقلقه-  و لا و هو یدافع الأخبثین-  و لا فی حر مزعج و لا فی برد مزعج-  و ینبغی أن یجلس للحکم فی موضع بارز یصل إلیه کل أحد-  و لا یحتجب إلا لعذر-  و یستحب أن یکون مجلسه فسیحا لا یتأذى بذلک هو أیضا-  و یکره الجلوس فی المساجد للقضاء-  فإن احتاج إلى وکلاء جاز أن یتخذهم-  و یوصیهم بالرفق بالخصوم-  و یستحب أن یکون له حبس-  و أن یتخذ کاتبا إن احتاج إلیه-  و من شرط کاتبه أن یکون عارفا بما یکتب به عن القضاء- . و اختلف فی جواز کونه ذمیا و الأظهر أنه لا یجوز-  و لا یجوز أن یکون کاتبه فاسقا-  و لا یجوز أن یکون الشهود عنده قوما معینین-  بل الشهاده عامه فیمن استکمل شروطها

ثُمَّ انْظُرْ فِی أُمُورِ عُمَّالِکَ فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِیَاراً-  وَ لَا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاهً وَ أَثَرَهً-  فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَ الْخِیَانَهِ-  وَ تَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَهِ وَ الْحَیَاءِ-  مِنْ أَهْلِ الْبُیُوتَاتِ الصَّالِحَهِ وَ الْقَدَمِ فِی الْإِسْلَامِ الْمُتَقَدِّمَهِ-  فَإِنَّهُمْ أَکْرَمُ أَخْلَاقاً وَ أَصَحُّ أَعْرَاضاً-  وَ أَقَلُّ فِی الْمَطَامِعِ إِشْرَافاً-  وَ أَبْلَغُ فِی عَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَراً-ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَیْهِمُ الْأَرْزَاقَ-  فَإِنَّ ذَلِکَ قُوَّهٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلَاحِ أَنْفُسِهِمْ-  وَ غِنًى لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَیْدِیهِمْ-  وَ حُجَّهٌ عَلَیْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَکَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَکَ-  ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ-  وَ ابْعَثِ الْعُیُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَ الْوَفَاءِ عَلَیْهِمْ-  فَإِنَّ تَعَاهُدَکَ فِی السِّرِّ لِأُمُورِهِمْ-  حَدْوَهٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْأَمَانَهِ وَ الرِّفْقِ بِالرَّعِیَّهِ-  وَ تَحَفَّظْ مِنَ الْأَعْوَانِ-  فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ یَدَهُ إِلَى خِیَانَهٍ-  اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَیْهِ عِنْدَکَ أَخْبَارُ عُیُونِکَ-  اکْتَفَیْتَ بِذَلِکَ شَاهِداً-  فَبَسَطْتَ عَلَیْهِ الْعُقُوبَهَ فِی بَدَنِهِ-  وَ أَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ-  ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّهِ وَ وَسَمْتَهُ بِالْخِیَانَهِ-  وَ قَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَهِ لما فرغ ع من أمر القضاء شرع فی أمر العمال-  و هم عمال السواد و الصدقات و الوقوف و المصالح و غیرها-  فأمره أن یستعملهم بعد اختبارهم و تجربتهم-  و ألا یولیهم محاباه لهم و لمن یشفع فیهم-  و لا أثره و لا إنعاما علیهم- .

کان أبو الحسن بن الفرات یقول-  الأعمال للکفاه من أصحابنا-  و قضاء الحقوق على خواص أموالنا- . و کان یحیى بن خالد یقول من تسبب إلینا بشفاعه فی عمل-  فقد حل عندنا محل من ینهض بغیره-  و من لم ینهض بنفسه لم یکن للعمل أهلا- . و وقع جعفر بن یحیى فی رقعه متحرم به-  هذا فتى له حرمه الأمل فامتحنه بالعمل-  فإن کان کافیا فالسلطان له دوننا-  و إن لم یکن کافیا فنحن له دون السلطان- . ثم قال ع فإنهما یعنی استعمالهم للمحاباه و الأثره-  جماع من شعب الجور و الخیانه-  و قد تقدم شرح مثل هذه اللفظه-  و المعنى أن ذلک یجمع ضروبا من الجور و الخیانه-  أما الجور-  فإنه یکون قد عدل عن المستحق إلى غیر المستحق-  ففی ذلک جور على المستحق- .

و أما الخیانه-  فلأن الأمانه تقتضی تقلید الأعمال الأکفاء-  فمن لم یعتمد ذلک فقد خان من ولاه- . ثم أمره بتخیر من قد جرب-  و من هو من أهل البیوتات و الأشراف-  لشده الحرص على الشی‏ء و الخوف من فواته- . ثم أمره بإسباغ الأرزاق علیهم فإن الجائع لا أمانه له-  و لأن الحجه تکون لازمه لهم إن خانوا-  لأنهم قد کفوا مئونه أنفسهم و أهلیهم-  بما فرض لهم من الأرزاق- . ثم أمره بالتطلع علیهم-  و إذکاء العیون و الأرصاد على حرکاتهم- . و حدوه باعث یقال حدانی هذا الأمر حدوه على کذا-  و أصله سوق الإبل-  و یقال للشمال حدواء لأنها تسوق السحاب- . ثم أمره بمؤاخذه من ثبتت خیانته و استعاده المال منه-  و قد صنع عمر کثیرا من ذلک و ذکرناه فیما تقدم- . قال بعض الأکاسره لعامل من عماله-  کیف نومک باللیل قال أنامه کله-  قال أحسنت لو سرقت ما نمت هذا النوم: وَ تَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا یُصْلِحُ أَهْلَهُ-  فَإِنَّ فِی صَلَاحِهِ وَ صَلَاحِهِمْ صَلَاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ-  وَ لَا صَلَاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلَّا بِهِمْ-  لِأَنَّ النَّاسَ کُلَّهُمْ عِیَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَ أَهْلِهِ-  وَ لْیَکُنْ نَظَرُکَ فِی عِمَارَهِ الْأَرْضِ-  أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِکَ فِی اسْتِجْلَابِ الْخَرَاجِ-  لِأَنَّ ذَلِکَ لَا یُدْرَکُ إِلَّا بِالْعِمَارَهِ-  وَ مَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَیْرِ عِمَارَهٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ-  وَ أَهْلَکَ‏ الْعِبَادَ وَ لَمْ یَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلَّا قَلِیلًا-  فَإِنْ شَکَوْا ثِقَلًا أَوْ عِلَّهً أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ أَوْ بَالَّهٍ-  أَوْ إِحَالَهَ أَرْضٍ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ-  أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ-  خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ یَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ-  وَ لَا یَثْقُلَنَّ عَلَیْکَ شَیْ‏ءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمَئُونَهَ عَنْهُمْ-  فَإِنَّهُ ذُخْرٌ یَعُودُونَ بِهِ عَلَیْکَ فِی عِمَارَهِ بِلَادِکَ-  وَ تَزْیِینِ وِلَایَتِکَ مَعَ اسْتِجْلَابِکَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ-  وَ تَبَجُّحِکَ بِاسْتِفَاضَهِ الْعَدْلِ فِیهِمْ-  مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ-  بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِکَ لَهُمْ-  وَ الثِّقَهَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِکَ عَلَیْهِمْ وَ رِفْقِکَ بِهِمْ-  فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الْأُمُورِ-  مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِیهِ عَلَیْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ-  طَیِّبَهً أَنْفُسُهُمْ بِهِ-  فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا حَمَّلْتَهُ-  وَ إِنَّمَا یُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا-  وَ إِنَّمَا یُعْوِزُ أَهْلُهَا لِإِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلَاهِ عَلَى الْجَمْعِ-  وَ سُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ وَ قِلَّهِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ انتقل ع من ذکر العمال-  إلى ذکر أرباب الخراج و دهاقین السواد-  فقال تفقد أمرهم فإن الناس عیال علیهم-  و کان یقال استوصوا بأهل الخراج-  فإنکم لا تزالون سمانا ما سمنوا- .

و رفع إلى أنوشروان أن عامل الأهواز-  قد حمل من مال الخراج ما یزید على العاده-  و ربما یکون ذلک قد أجحف بالرعیه-  فوقع یرد هذا المال على من قد استوفى منه-  فإن تکثیر الملک ماله بأموال رعیته-  بمنزله من یحصن سطوحه بما یقتلعه من قواعد بنیانه- .

و کان على خاتم أنوشروان-  لا یکون عمران حیث یجور السلطان- . و روی استحلاب الخراج بالحاء- . ثم قال فإن شکوا ثقلا-  أی ثقل طسق الخراج المضروب علیهم-  أو ثقل وطأه العامل- . قال أو عله نحو أن یصیب الغله آفه-  کالجراد و البرق أو البرد- . قال أو انقطاع شرب بأن ینقص الماء فی النهر-  أو تتعلق أرض الشرب عنه لفقد الحفر- . قال أو باله یعنی المطر- . قال أو إحاله أرض اغتمرها غرق-  یعنی أو کون الأرض قد حالت و لم یحصل منها ارتفاع-  لأن الغرق غمرها و أفسد زرعها- .

قال أو أجحف بها عطش أی أتلفها- . فإن قلت فهذا هو انقطاع الشرب-  قلت لا قد یکون الشرب غیر منقطع-  و مع ذلک یجحف بها العطش-  بأن لا یکفیها الماء الموجود فی الشرب- . ثم أمره أن یخفف عنهم متى لحقهم شی‏ء من ذلک-  فإن التخفیف یصلح أمورهم-  و هو و إن کان یدخل على المال نقصا فی العاجل-  إلا أنه یقتضی توفیر زیاده فی الآجل-  فهو بمنزله التجاره-  التی لا بد فیها من إخراج رأس المال-  و انتظار عوده و عود ربحه- .

قال و مع ذلک فإنه یفضی إلى تزین بلادک بعمارتها-  و إلى أنک تبجح بین الولاه بإفاضه العدل فی رعیتک-  معتمدا فضل قوتهم-  و معتمدا منصوب على الحال من الضمیر فی خففت الأولى-  أی خففت عنهم معتمدا بالتخفیف فضل قوتهم- . و الإجمام الترفیه- . ثم قال له و ربما احتجت فیما بعد-  إلى تکلفهم بحادث یحدث عندک-  المساعده بمال یقسطونه علیهم قرضا أو معونه محضه-  فإذا کانت لهم ثروه نهضوا بمثل ذلک طیبه قلوبهم به- . ثم قال ع فإن العمران محتمل ما حملته- . سمعت أبا محمد بن خلید-  و کان صاحب دیوان الخراج فی أیام الناصر لدین الله-  یقول لمن قال له قد قیل عنک إن واسط و البصره-  قد خربت لشده العنف بأهلها فی تحصیل الأموال-  فقال أبو محمد ما دام هذا الشط بحاله-  و النخل نابتا فی منابته بحاله-  ما تخرب واسط و البصره أبدا- . ثم قال ع إنما تؤتى الأرض-  أی إنما تدهى من إعواز أهلها أی من فقرهم- .

قال و الموجب لإعوازهم طمع ولاتهم فی الجبایه-  و جمع الأموال لأنفسهم و لسلطانهم و سوء ظنهم بالبقاء-  یحتمل أن یرید به أنهم یظنون طول البقاء-  و ینسون الموت و الزوال- . و یحتمل أن یرید به أنهم یتخیلون العزل و الصرف-  فینتهزون الفرص و یقتطعون الأموال-  و لا ینظرون فی عماره البلاد

عهد سابور بن أردشیر لابنه

و قد وجدت فی عهد سابور بن أردشیر إلى ابنه کلاما-  یشابه کلام أمیر المؤمنین ع فی هذا العهد-  و هو قوله و اعلم أن قوام أمرک بدرور الخراج-  و درور الخراج بعماره البلاد-  و بلوغ الغایه فی ذلک استصلاح أهله-  بالعدل علیهم و المعونه لهم-  فإن بعض الأمور لبعض سبب و عوام الناس لخواصهم عده-  و بکل صنف منهم إلى الآخر حاجه-  فاختر لذلک أفضل من تقدر علیه من کتابک-  و لیکونوا من أهل البصر و العفاف و الکفایه-  و استرسل إلى کل امرئ منهم شخصا یضطلع به-  و یمکنه تعجیل الفراغ منه-  فإن اطلعت على أن أحدا منهم خان أو تعدى-  فنکل به و بالغ فی عقوبته-  و احذر أن تستعمل على الأرض الکثیر خراجها-  إلا البعید الصوت العظیم شرف المنزله- . و لا تولین أحدا من قواد جندک الذین هم عده للحرب-  و جنه من الأعداء شیئا من أمر الخراج-  فلعلک تهجم من بعضهم-  على خیانه فی المال أو تضییع للعمل-  فإن سوغته المال و أغضیت له على التضییع-  کان ذلک هلاکا و إضرارا بک و برعیتک-  و داعیه إلى فساد غیره-  و إن أنت کافأته فقد استفسدته و أضقت صدره-  و هذا أمر توقیه حزم و الإقدام علیه خرق-  و التقصیر فیه عجز- .

و اعلم أن من أهل الخراج من یلجئ بعض أرضه و ضیاعه-  إلى خاصه الملک و بطانته لأحد أمرین-  أنت حری بکراهتهما-  إما لامتناع من جور العمال و ظلم الولاه-  و تلک منزله یظهر بها سوء أثر العمال-  و ضعف الملک و إخلاله بما تحت یده-  و إما للدفع عما یلزمهم‏ من الحق و التیسر له-  و هذه خله تفسد بها آداب الرعیه-  و تنتقص بها أموال الملک-  فاحذر ذلک و عاقب الملتجئین و الملجأ إلیهمرکب زیاد یوما بالسوس یطوف بالضیاع و الزروع-  فرأى عماره حسنه فتعجب منها-  فخاف أهلها أن یزید فی خراجهم-  فلما نزل دعا وجوه البلد و قال بارک الله علیکم-  فقد أحسنتم العماره و قد وضعت عنکم مائه ألف درهم-  ثم قال ما توفر علی من تهالک غیرهم على العماره-  و أمنهم جوری أضعاف ما وضعت عن هؤلاء الآن-  و الذی وضعته بقدر ما یحصل من ذاک-  و ثواب عموم العماره و أمن الرعیه أفضل ربح: ثُمَّ انْظُرْ فِی حَالِ کُتَّابِکَ-  فَوَلِّ عَلَى أُمُورِکَ خَیْرَهُمْ-  وَ اخْصُصْ رَسَائِلَکَ الَّتِی تُدْخِلُ فِیهَا مَکَایِدَکَ وَ أَسْرَارَکَ-  بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُودِ صَالِحِ الْأَخْلَاقِ مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ الْکَرَامَهُ-  فَیَجْتَرِئَ بِهَا عَلَیْکَ فِی خِلَافٍ لَکَ بِحَضْرَهِ مَلٍا-  وَ لَا تُقَصِّرُ بِهِ الْغَفْلَهُ عَنْ إِیرَادِ مُکَاتَبَاتِ عُمِّالِکَ عَلَیْکَ-  وَ إِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْکَ-  وَ فِیمَا یَأْخُذُ لَکَ وَ یُعْطِی مِنْکَ-  وَ لَا یُضْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَکَ-  وَ لَا یَعْجِزُ عَنْ إِطْلَاقِ مَا عُقِدَ عَلَیْکَ-  وَ لَا یَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِی الْأُمُورِ-  فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ یَکُونُ بِقَدْرِ غَیْرِهِ أَجْهَلَ-  ثُمَّ لَا یَکُنِ اخْتِیَارُکَ إِیَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِکَ-  وَ اسْتِنَامَتِکَ وَ حُسْنِ الظَّنِّ مِنْکَ-فَإِنَّ الرِّجَالَ یَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلَاهِ-  بِتَصَنُّعِهِمْ وَ حُسْنِ حَدِیثِهِمْ-  وَ لَیْسَ وَرَاءَ ذَلِکَ مِنَ النَّصِیحَهِ وَ الْأَمَانَهِ شَیْ‏ءٌ-  وَ لَکِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِینَ قَبْلَکَ-  فَاعْمِدْ لِأَحْسَنِهِمْ کَانَ فِی الْعَامَّهِ أَثَراً-  وَ أَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَهِ وَجْهاً-  فَإِنَّ ذَلِکَ دَلِیلٌ عَلَى نَصِیحَتِکَ لِلَّهِ وَ لِمَنْ وُلِّیتَ أَمْرَهُ-  وَ اجْعَلْ لِرَأْسِ کُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِکَ رَأْساً مِنْهُمْ-  لَا یَقْهَرُهُ کَبِیرُهَا وَ لَا یَتَشَتَّتُ عَلَیْهِ کَثِیرُهَا-  وَ مَهْمَا کَانَ فِی کُتَّابِکَ مِنْ عَیْبٍ فَتَغَابَیْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ

فصل فیما یجب على مصاحب الملک

لما فرغ من أمر الخراج شرع فی أمر الکتاب-  الذین یلون أمر الحضره-  و یترسلون عنه إلى عماله و أمرائه-  و إلیهم معاقد التدبیر و أمر الدیوان-  فأمره أن یتخیر الصالح منهم-  و من یوثق على الاطلاع على الأسرار و المکاید-  و الحیل و التدبیرات-  و من لا یبطره الإکرام و التقریب-  فیطمع فیجترئ على مخالفته فی ملإ من الناس و الرد علیه-  ففی ذلک من الوهن للأمیر و سوء الأدب-  الذی انکشف الکاتب عنه ما لا خفاء به- . قال الرشید للکسائی یا علی بن حمزه-  قد أحللناک المحل الذی لم تکن تبلغه همتک-  فرونا من الأشعار أعفها-  و من الأحادیث أجمعها لمحاسن الأخلاق-  و ذاکرنا بآداب الفرس و الهند-  و لا تسرع علینا الرد فی ملإ و لا تترک تثقیفنا فی خلإ- . و فی آداب ابن المقفع-  لا تکونن صحبتک للسلطان إلا بعد ریاضه منک لنفسک-  على‏طاعتهم فی المکروه عندک و موافقتهم فیما خالفک-  و تقدیر الأمور على أهوائهم دون هواک-  فإن کنت حافظا إذا ولوک حذرا إذا قربوک-  أمینا إذا ائتمنوک-  تعلمهم و کأنک تتعلم منهم-  و تأدبهم و کأنک تتأدب بهم-  و تشکر لهم و لا تکلفهم الشکر-  ذلیلا إن صرموک راضیا إن أسخطوک-  و إلا فالبعد منهم کل البعد و الحذر منهم کل الحذر-  و إن وجدت عن السلطان و صحبته غنى فاستغن عنه-  فإنه من یخدم السلطان حق خدمته-  یخلى بینه و بین لذه الدنیا و عمل الأخرى-  و من یخدمه غیر حق الخدمه فقد احتمل وزر الآخره-  و عرض نفسه للهلکه و الفضیحه فی الدنیا-  فإذا صحبت السلطان-  فعلیک بطول الملازمه من غیر إملال-  و إذا نزلت منه بمنزله الثقه فاعزل عنه کلام الملق-  و لا تکثر له من الدعاء-  و لا تردن علیه کلاما فی حفل و إن أخطأ-  فإذا خلوت به فبصره فی رفق-  و لا یکونن طلبک ما عنده بالمسأله-  و لا تستبطئه و إن أبطأ-  و لا تخبرنه أن لک علیه حقا-  و أنک تعتمد علیه ببلاء-  و إن استطعت ألا تنسى حقک و بلاءک-  بتجدید النصح و الاجتهاد فافعل-  و لا تعطینه المجهود کله من نفسک فی أول صحبتک له-  و أعد موضعا للمزید-  و إذا سأل غیرک عن شی‏ء فلا تکن المجیب- .

و اعلم أن استلابک الکلام خفه فیک-  و استخفاف منک بالسائل و المسئول-  فما أنت قائل إن قال لک السائل ما إیاک سألت-  أو قال المسئول أجب بمجالسته و محادثته-  أیها المعجب بنفسه و المستخف بسلطانه- . و قال عبد الملک بن صالح لمؤدب ولده-  بعد أن اختصه بمجالسته و محادثته-  یا عبد الله کن على التماس الحظ فیک بالسکوت-  أحرص منک على التماسه بالکلام-  فإنهم قالوا إذا أعجبک الکلام فاصمت-  و إذا أعجبک الصمت فتکلم-  و اعلم أن أصعب الملوک معامله الجبار الفطن المتفقد-  فإن ابتلیت بصحبته فاحترس-  و إن عوفیت فاشکر الله على السلامه-  فإن السلامه أصل کل نعمه-  لا تساعدنی على ما یقبح بی-  و لا تردن علی‏خطأ فی مجلس-  و لا تکلفنی جواب التشمیت و التهنئه-  و دع عنک کیف أصبح الأمیر و کیف أمسى-  و کلمنی بقدر ما أستنطقک-  و اجعل بدل التقریظ لی صواب الاستماع منی-  و اعلم أن صواب الاستماع أحسن من صواب القول-  فإذا سمعتنی أتحدث فلا یفوتنک منه شی‏ء-  و أرنی فهمک إیاه فی طرفک و وجهک-  فما ظنک بالملک-  و قد أحلک محل المعجب بما یسمعک إیاه-  و أحللته محل من لا یسمع منه-  و کل من هذا یحبط إحسانک و یسقط حق حرمتک-  و لا تستدع الزیاده من کلامی-  بما تظهر من استحسان ما یکون منی-  فمن أسوأ حالا ممن یستکد الملوک بالباطل-  و ذلک یدل على تهاونه بقدر ما أوجب الله تعالى من حقهم- 

و اعلم أنی جعلتک مؤدبا بعد أن کنت معلما-  و جعلتک جلیسا مقربا بعد أن کنت مع الصبیان مباعدا-  فمتى لم تعرف نقصان ما خرجت منه-  لم تعرف رجحان ما دخلت فیه-  و قد قالوا من لم یعرف سوء ما أولى-  لم یعرف حسن ما أبلىثم قال ع و لیکن کاتبک غیر مقصر-  عن عرض مکتوبات عمالک علیک-  و الإجابه عنها حسن الوکاله و النیابه عنک-  فیما یحتج به لک علیهم من مکتوباتهم-  و ما یصدره عنک إلیهم من الأجوبه-  فإن عقد لک عقدا قواه و أحکمه-  و إن عقد علیک عقدا اجتهد فی نقضه و حله-  قال و أن یکون عارفا بنفسه-  فمن لم یعرف قدر نفسه لم یعرف قدر غیره- . ثم نهاه أن یکون مستند اختیاره لهؤلاء فراسته فیهم-  و غلبه ظنه بأحوالهم-  فإن التدلیس ینم فی ذلک کثیرا-  و ما زال الکتاب یتصنعون للأمراء بحسن الظاهر-  و لیس وراء ذلک کثیر طائل فی النصیحه و المعرفه-  و لکن ینبغی أن یرجع فی ذلک-  إلى ما حکمت‏به التجربه لهم و ما ولوه من قبل-  فإن کانت ولایتهم و کتابتهم حسنه مشکوره فهم هم-  و إلا فلا-  و یتعرفون لفراسات الولاه-  یجعلون أنفسهم بحیث یعرف بضروب من التصنع-  و روی یتعرضون- . ثم أمره أن یقسم فنون الکتابه و ضروبها بینهم-  نحو أن یکون أحدهم للرسائل إلى الأطراف و الأعداء-  و الآخر لأجوبه عمال السواد-  و الآخره بحضره الأمیر فی خاصته و داره و حاشیته و ثقاته- . ثم ذکر له أنه مأخوذ مع الله تعالى بما یتغابى عنه-  و یتغافل من عیوب کتابه-  فإن الدین لا یبیح الإغضاء و الغفله عن الأعوان و الخول-  و یوجب التطلع علیهم

فصل فی الکتاب و ما یلزمهم من الآداب

و اعلم أن الکاتب الذی یشیر أمیر المؤمنین ع إلیه-  هو الذی یسمى الآن فی الاصطلاح العرفی وزیرا-  لأنه صاحب تدبیر حضره الأمیر و النائب عنه فی أموره-  و إلیه تصل مکتوبات العمال و عنه تصدر الأجوبه-  و إلیه العرض على الأمیر-  و هو المستدرک على العمال و المهیمن علیهم-  و هو على الحقیقه کاتب الکتاب-  و لهذا یسمونه الکاتب المطلق- . و کان یقال للکاتب على الملک ثلاث-  رفع الحجاب عنه و اتهام الوشاه علیه-  و إفشاء السر إلیه- . و کان یقال صاحب السلطان نصفه و کاتبه کله-  و ینبغی لصاحب الشرطه أن یطیل الجلوس و یدیم العبوس-  و یستخف بالشفاعات- .

و کان یقال إذا کان الملک ضعیفا و الوزیر شرها-  و القاضی جائرا فرقوا الملک شعاعا- . و کان یقال لا تخف صوله الأمیر مع رضا الکاتب-  و لا تثقن برضا الأمیر مع سخط الکاتب-  و أخذ هذا المعنى أبو الفضل بن العمید فقال- 

   و زعمت أنک لست تفکر بعد ما
علقت یداک بذمه الأمراء

هیهات قد کذبتک فکرتک التی‏
قد أوهمتک غنى عن الوزراء

لم تغن عن أحد سماء لم تجد
أرضا و لا أرض بغیر سماء

 و کان یقال إذا لم یشرف الملک على أموره-  صار أغش الناس إلیه وزیره- . و کان یقال لیس الحرب الغشوم بأسرع فی اجتیاح الملک-  من تضییع مراتب الکتاب حتى یصیبها أهل النذاله-  و یزهد فیها أولو الفضل

فصل فی ذکر ما نصحت به الأوائل الوزراء

و کان یقال لا شی‏ء أذهب بالدول-  من استکفاء الملک الأسرار- . و کان یقال من سعاده جد المرء-  ألا یکون فی الزمان المختلط وزیرا للسلطان- . و کان یقال کما أن أشجع الرجال یحتاج إلى السلاح-  و أسبق الخیل یحتاج إلى السوط-  و أحد الشفار یحتاج إلى المسن-  کذلک أحزم الملوک و أعقلهم-  یحتاج إلى الوزیر الصالح- . و کان یقال صلاح الدنیا بصلاح الملوک-  و صلاح الملوک بصلاح الوزراء-و کما لا یصلح الملک إلا بمن یستحق الملک-  کذلک لا تصلح الوزاره إلا بمن یستحق الوزاره- . و کان یقال-  الوزیر الصالح لا یرى أن صلاحه فی نفسه کائن صلاحا-  حتى یتصل بصلاح الملک و صلاح رعیته-  و أن تکون عنایته فیما عطف الملک على رعیته-  و فیما استعطف قلوب الرعیه و العامه-  على الطاعه للملک-  و فیما فیه قوام أمر الملک من التدبیر الحسن-  حتى یجمع إلى أخذ الحق تقدیم عموم الأمن-  و إذا طرقت الحوادث کان للملک عده و عتادا-  و للرعیه کافیا محتاطا و من ورائها محامیا ذابا-  یعنیه من صلاحها ما لا یعنیه من صلاح نفسه دونها- . و کان یقال مثل الملک الصالح إذا کان وزیره فاسدا-  مثل الماء العذب الصافی و فیه التمساح-  لا یستطیع الإنسان و إن کان سابحا-  و إلى الماء ظامئا دخوله-  حذرا على نفسه- .

قال عمر بن عبد العزیز لمحمد بن کعب القرظی-  حین استخلف-  لو کنت کاتبی و ردءا لی على ما دفعت إلیه-  قال لا أفعل و لکنی سأرشدک-  أسرع الاستماع و أبطئ فی التصدیق-  حتى یأتیک واضح البرهان-  و لا تعملن ثبجتک فیما تکتفی فیه بلسانک-  و لا سوطک فیما تکتفی فیه بثبجتک-  و لا سیفک فیما تکتفی فیه بسوطک- . و کان یقال-  التقاط الکاتب للرشا و ضبط الملک لا یجتمعان- . و قال أبرویز لکاتبه اکتم السر و اصدق الحدیث-  و اجتهد فی النصیحه و علیک بالحذر-  فإن لک علی ألا أعجل علیک حتى أستأنی لک-  و لا أقبل فیک قولا حتى أستیقن-  و لا أطمع فیک أحدا فتغتال- 

و اعلم أنک بمنجاه رفعه فلا تحطنها-  و فی‏ظل مملکه فلا تستزیلنه-  قارب الناس مجامله من نفسک-  و باعدهم مسامحه عن عدوک-  و اقصد إلى الجمیل ازدراعا لغدک-  و تنزه بالعفاف صونا لمروءتک-  و تحسن عندی بما قدرت علیه-  احذر لا تسرعن الألسنه علیک-  و لا تقبحن الأحدوثه عنک-  و صن نفسک صون الدره الصافیه-  و أخلصها إخلاص الفضه البیضاء-  و عاتبها معاتبه الحذر المشفق-  و حصنها تحصین المدینه المنیعه-  لا تدعن أن ترفع إلى الصغیر فإنه یدل على الکبیر-  و لا تکتمن عنی الکبیر فإنه لیس بشاغل عن الصغیر-  هذب أمورک ثم القنی بها-  و احکم أمرک ثم راجعنی فیه-  و لا تجترئن علی فأمتعض-  و لا تنقبضن منی فأتهم-  و لا تمرضن ما تلقانی به و لا تخدجنه-  و إذا أفکرت فلا تجعل و إذا کتبت فلا تعذر-  و لا تستعن بالفضول فإنها علاوه على الکفایه-  و لا تقصرن عن التحقیق فإنها هجنه بالمقاله-  و لا تلبس کلاما بکلام و لا تبعدن معنى عن معنى-  و أکرم لی کتابک عن ثلاث-  خضوع یستخفه و انتشار یهجنه و معان تعقد به-  و اجمع الکثیر مما ترید فی القلیل مما تقول-  و لیکن بسطه کلامک على کلام السوقه کبسطه الملک-  الذی تحدثه على الملوک-  لا یکن ما نلته عظیما و ما تتکلم به صغیرا- 

فإنما کلام الکاتب على مقدار الملک-  فاجعله عالیا کعلوه و فائقا کتفوقه-  فإنما جماع الکلام کله خصال أربع-  سؤالک الشی‏ء و سؤالک عن الشی‏ء-  و أمرک بالشی‏ء و خبرک عن الشی‏ء-  فهذه الخصال دعائم المقالات-  إن التمس إلیها خامس لم یوجد-  و إن نقص منها واحد لم یتم-  فإذا أمرت فاحکم و إذا سألت فأوضح-  و إذا طلبت فأسمح و إذا أخبرت فحقق-  فإنک إذا فعلت ذلک أخذت بجراثیم القول کله-  فلم یشتبه علیک وارده و لم تعجزک صادره-  أثبت فی دواوینک ما أخذت و أحص فیها ما أخرجت-  و تیقظ لما تعطی و تجرد لما تأخذ-  و لا یغلبنک النسیان عن الإحصاء-  و لا الأناه عن التقدم-  و لا تخرجن‏ وزن قیراط فی غیر حق-  و لا تعظمن إخراج الألوف الکثیره فی الحق-  و لیکن ذلک کله عن مؤامرتی

ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ وَ ذَوِی الصِّنَاعَاتِ وَ أَوْصِ بِهِمْ خَیْراً-  الْمُقِیمِ مِنْهُمْ وَ الْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ وَ الْمُتَرَفِّقِ بِبَدَنِهِ-  فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ وَ أَسْبَابُ الْمَرَافِقِ-  وَ جُلَّابُهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ وَ الْمَطَارِحِ-  فِی بَرِّکَ وَ بَحْرِکَ وَ سَهْلِکَ وَ جَبَلِکَ-  وَ حَیْثُ لَا یَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا-  وَ لَا یَجْتَرِءُونَ عَلَیْهَا-  فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لَا تُخَافُ بَائِقَتُهُ-  وَ صُلْحٌ لَا تُخْشَى غَائِلَتُهُ-  وَ تَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِکَ وَ فِی حَوَاشِی بِلَادِکَ-  وَ اعْلَمْ مَعَ ذَلِکَ أَنَّ فِی کَثِیرٍ مِنْهُمْ ضِیقاً فَاحِشاً-  وَ شُحّاً قَبِیحاً-  وَ احْتِکَاراً لِلْمَنَافِعِ وَ تَحَکُّماً فِی الْبِیَاعَاتِ-  وَ ذَلِکَ بَابُ مَضَرَّهٍ لِلْعَامَّهِ-  وَ عَیْبٌ عَلَى الْوُلَاهِ فَامْنَعْ مِنَ الِاحْتِکَارِ-  فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص مَنَعَ مِنْهُ-  وَ لْیَکُنِ الْبَیْعُ بَیْعاً سَمْحاً بِمَوَازِینِ عَدْلٍ-  وَ أَسْعَارٍ لَا تُجْحِفُ بِالْفَرِیقَیْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَ الْمُبْتَاعِ-  فَمَنْ قَارَفَ حُکْرَهً بَعْدَ نَهْیِکَ إِیَّاهُ فَنَکِّلْ بِهِ-  وَ عَاقِبْهُ مِنْ غَیْرِ إِسْرَافٍ خرج ع الآن إلى ذکر التجار و ذوی الصناعات-  و أمره بأن یعمل معهم الخیر-  و أن یوصى غیره من أمرائه و عماله أن یعملوا معهم الخیر-  و استوص بمعنى أوص‏نحو قر فی المکان و استقر-  و علا قرنه و استعلاه- .

و قوله استوص بالتجار خیرا أی أوص نفسک بذلک-  و منه قول النبی ص استوصوا بالنساء خیرا-  و مفعولا استوص و أوص هاهنا محذوفان للعلم بهما-  و یجوز أن یکون استوص أی اقبل الوصیه منی بهم-  و أوص بهم أنت غیرک- . ثم قسم ع الموصى بهم ثلاثه أقسام-  اثنان منها للتجار و هما المقیم-  و المضطرب یعنی المسافر و الضرب السیر فی الأرض-  قال تعالى إِذا ضَرَبْتُمْ فِی الْأَرْضِ-  و واحد لأرباب الصناعات-  و هو قوله و المترفق ببدنه-  و روی بیدیه تثنیه ید- . و المطارح الأماکن البعیده- . و حیث لا یلتئم الناس لا یجتمعون-  و روی حیث لا یلتئم بحذف الواو-  ثم قال فإنهم أولو سلم یعنی التجار و الصناع-  استعطفه علیهم و استماله إلیهم- .

و قال لیسوا کعمال الخراج و أمراء الأجناد-  فجانبهم ینبغی أن یراعى و حالهم یجب أن یحاط و یحمى-  إذ لا یتخوف منهم بائقه لا فی مال یخونون فیه-  و لا فی دوله یفسدونها-  و حواشی البلاد أطرافها- . ثم قال له قد یکون فی کثیر منهم نوع من الشح و البخل-  فیدعوهم ذلک إلى الاحتکار فی الأقوات-  و الحیف فی البیاعات-  و الاحتکار ابتیاع الغلات فی أیام‏رخصها-  و ادخارها فی المخازن إلى أیام الغلاء و القحط-  و الحیف تطفیف فی الوزن و الکیل و زیاده فی السعر-  و هو الذی عبر عنه بالتحکم-  و قد نهى رسول الله ص عن الاحتکار-  و أما التطفیف و زیاد التسعیر فمنهی عنهما فی نص الکتاب- . و قارف حکره واقعها و الحاء مضمومه-  و أمره أن یؤدب فاعل ذلک من غیر إسراف-  و ذلک أنه دون المعاصی التی توجب الحدود-  فغایه أمره من التعزیر الإهانه و المنع: ثُمَّ اللَّهَ اللَّهَ فِی الطَّبَقَهِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِینَ لَا حِیلَهَ لَهُمْ-  مِنَ الْمَسَاکِینِ وَ الْمُحْتَاجِینَ وَ أَهْلِ الْبُؤْسَى وَ الزَّمْنَى-  فَإِنَّ فِی هَذِهِ الطَّبَقَهِ قَانِعاً وَ مُعْتَرّاً-  وَ احْفَظِ اللَّهَ مَا اسْتَحْفَظَکَ مِنْ حَقِّهِ فِیهِمْ-  وَ اجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَیْتِ مَالِکِ-  وَ قِسْماً مِنْ غَلَّاتِ صَوَافِی الْإِسْلَامِ فِی کُلِّ بَلَدٍ-  فَإِنَّ لِلْأَقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِی لِلْأَدْنَى-  وَ کُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِیتَ حَقَّهُ-  وَ لَا یَشْغَلَنَّکَ عَنْهُمْ بَطَرٌ-  فَإِنَّکَ لَا تُعْذَرُ بِتَضْیِیعِ التَّافِهِ لِإِحْکَامِکَ الْکَثِیرَ الْمُهِمَّ-  فَلَا تُشْخِصْ هَمَّکَ عَنْهُمْ وَ لَا تُصَعِّرْ خَدَّکَ لَهُمْ-  وَ تَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لَا یَصِلُ إِلَیْکَ مِنْهُمْ-  مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُیُونُ وَ تَحْقِرُهُ الرِّجَالُ-  فَفَرِّغْ لِأُولَئِکَ ثِقَتَکَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْیَهِ وَ التَّوَاضُعِ-  فَلْیَرْفَعْ إِلَیْکَ أُمُورَهُمْ-  ثُمَّ اعْمَلْ فِیهِمْ بِالْإِعْذَارِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ یَوْمَ تَلْقَاهُ-  فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ بَیْنِ الرَّعِیَّهِ أَحْوَجُ إِلَى الْإِنْصَافِ مِنْ غَیْرِهِمْ-  وَ کُلٌّ فَأَعْذِرْ إِلَى اللَّهِ فِی تَأْدِیَهِ حَقِّهِ إِلَیْهِ-وَ تَعَهَّدْ أَهْلَ الْیُتْمِ وَ ذَوِی الرِّقَّهِ فِی السِّنِّ-  مِمَّنْ لَا حِیلَهَ لَهُ وَ لَا یَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَهِ نَفْسَهُ-  وَ ذَلِکَ عَلَى الْوُلَاهِ ثَقِیلٌ-  وَ الْحَقُّ کُلُّهُ ثَقِیلٌ وَ قَدْ یُخَفِّفُهُ اللَّهُ عَلَى أَقْوَامٍ-  طَلَبُوا الْعَاقِبَهَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ-  وَ وَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللَّهِ لَهُمْ انتقل من التجار و أرباب الصناعات-  إلى ذکر فقراء الرعیه و مغموریها فقال-  و أهل البؤسى و هی البؤس کالنعمى للنعیم-  و الزمنى أولو الزمانه- .

و القانع السائل و المعتر الذی یعرض لک و لا یسألک-  و هما من ألفاظ الکتاب العزیز- . و أمره أن یعطیهم من بیت مال المسلمین-  لأنهم من الأصناف المذکورین فی قوله تعالى-  وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَیْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ-  وَ لِذِی الْقُرْبى‏ وَ الْیَتامى‏ وَ الْمَساکِینِ وَ ابْنِ السَّبِیلِ-  و أن یعطیهم من غلات صوافی الإسلام-  و هی الأرضون التی لم یوجف علیها بخیل و لا رکاب-  و کانت صافیه لرسول الله ص-  فلما قبض صارت لفقراء المسلمین-  و لما یراه الإمام من مصالح الإسلام- .

ثم قال له فإن للأقصى منهم مثل الذی للأدنى-  أی کل فقراء المسلمین سواء فی سهامهم-  لیس فیها أقصى و أدنى-  أی لا تؤثر من هو قریب إلیک أو إلى أحد من خاصتک-  على من هو بعید لیس له سبب إلیک-  و لا علقه بینه و بینک-  و یمکن أن یرید به-  لا تصرف غلات ما کان من الصوافی فی بعض البلاد-  إلى مساکین ذلک‏ البلد خاصه-  فإن حق البعید عن ذلک البلد فیها-  کمثل حق المقیم فی ذلک البلد- . و التافه الحقیر-  و أشخصت زیدا من موضع کذا أخرجته عنه-  و فلان یصعر خده للناس أی یتکبر علیهم- . و تقتحمه العیون تزدریه و تحتقره-  و الإعذار إلى الله-  الاجتهاد و المبالغه فی تأدیه حقه و القیام بفرائضه- . کان بعض الأکاسره یجلس للمظالم بنفسه-  و لا یثق إلى غیره-  و یقعد بحیث یسمع الصوت-  فإذا سمعه أدخل المتظلم فأصیب بصمم فی سمعه-  فنادى منادیه أن الملک یقول أیها الرعیه-  إنی إن أصبت بصمم فی سمعی فلم أصب فی بصری-  کل ذی ظلامه فلیلبس ثوبا أحمر-  ثم جلس لهم فی مستشرف له- . و کان لأمیر المؤمنین ع بیت سماه بیت القصص-  یلقی الناس فیه رقاعهم-  و کذلک کان فعل المهدی محمد بن هارون الواثق-  من خلفاء بنی العباس: وَ اجْعَلْ لِذَوِی الْحَاجَاتِ مِنْکَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِیهِ شَخْصَکَ-  وَ تَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً-  فَتَتَوَاضَعُ فِیهِ لِلَّهِ الَّذِی خَلَقَکَ-  وَ تُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَکَ وَ أَعْوَانَکَ مِنْ أَحْرَاسِکَ وَ شُرَطِکَ-  حَتَّى یُکَلِّمَکَ مُتَکَلِّمُهُمْ غَیْرَ مُتَتَعْتِعٍ-  فَإِنِّی سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص یَقُولُ فِی غَیْرِ مَوْطِنٍ-  لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّهٌ لَا یُؤْخَذُ لِلضَّعِیفِ فِیهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِیِّ-  غَیْرَ مُتَتَعْتِعٍ-ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ وَ الْعِیَّ-  وَ نَحِّ عَنْهُمُ الضِّیقَ وَ الْأَنَفَ-  یَبْسُطِ اللَّهُ عَلَیْکَ بِذَلِکَ أَکْنَافَ رَحْمَتِهِ-  وَ یُوجِبُ لَکَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ-  وَ أَعْطِ مَا أَعْطَیْتَ هَنِیئاً وَ امْنَعْ فِی إِجْمَالٍ وَ إِعْذَارٍ-  ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِکَ لَا بُدَّ لَکَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا-  مِنْهَا إِجَابَهُ عُمَّالِکَ بِمَا یَعْیَا عَنْهُ کُتَّابُکَ-  وَ مِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ عِنْدَ وُرُودِهَا عَلَیْکَ-  بِمَا تَحْرَجُ بِهِ صُدُورُ أَعْوَانِکَ-  وَ أَمْضِ لِکُلِّ یَوْمٍ عَمَلَهُ فَإِنَّ لِکُلِّ یَوْمٍ مَا فِیهِ هذا الفصل من تتمه ما قبله-  و قد روی حتى یکلمک مکلمهم فاعل من کلم-  و الروایه الأولى الأحسن- . و غیر متتعتع غیر مزعج و لا مقلق-  و المتتعتع فی الخبر النبوی-  المتردد المضطرب فی کلامه عیا من خوف لحقه-  و هو راجع إلى المعنى الأول- . و الخرق الجهل- 

و روی ثم احتمل الخرق منهم و الغی-  و الغی و هو الجهل أیضا-  و الروایه الأولى أحسن- . ثم بین له ع أنه لا بد له من هذا المجلس-  لأمر آخر-  غیر ما قدمه ع-  و ذلک لأنه لا بد من أن یکون فی حاجات الناس-  ما یضیق به صدور أعوانه و النواب عنه-  فیتعین علیه أن یباشرها بنفسه-  و لا بد من أن یکون فی کتب عماله الوارده علیه-ما یعیا کتابه عن جوابه-  فیجیب عنه بعلمه-  و یدخل فی ذلک-  أن یکون فیها ما لا یجوز فی حکم السیاسه و مصلحه الولایه-  أن یطلع الکتاب علیه-  فیجیب أیضا عن ذلک بعلمه- .

ثم قال له لا تدخل عمل یوم فی عمل یوم آخر-  فیتعبک و یکدرک-  فإن لکل یوم ما فیه من العمل: وَ اجْعَلْ لِنَفْسِکَ فِیمَا بَیْنَکَ وَ بَیْنَ اللَّهِ تَعَالَى-  أَفْضَلَ تِلْکَ الْمَوَاقِیتِ وَ أَجْزَلَ تِلْکَ الْأَقْسَامِ-  وَ إِنْ کَانَتْ کُلُّهَا لِلَّهِ إِذَا صَلَحَتْ فِیهَا النِّیَّهُ-  وَ سَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِیَّهُ-  وَ لْیَکُنْ فِی خَاصَّهِ مَا تُخْلِصُ بِهِ لِلَّهِ دِینَکَ إِقَامَهُ فَرَائِضِهِ-  الَّتِی هِیَ لَهُ خَاصَّهً-  فَأَعْطِ اللَّهَ مِنْ بَدَنِکَ فِی لَیْلِکَ وَ نَهَارِکَ-  وَ وَفِّ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ-  مِنْ ذَلِکَ کَامِلًا غَیْرَ مَثْلُومٍ وَ لَا مَنْقُوصٍ-  بَالِغاً مِنْ بَدَنِکَ مَا بَلَغَ-  وَ إِذَا قُمْتَ فِی صَلَاتِکَ لِلنَّاسِ-  فَلَا تَکُونَنَّ مُنَفِّراً وَ لَا مُضَیِّعاً-  فَإِنَّ فِی النَّاسِ مَنْ بِهِ الْعِلَّهُ وَ لَهُ الْحَاجَهُ-  وَ قَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص حِینَ وَجَّهَنِی إِلَى الْیَمَنِ-  کَیْفَ أُصَلِّی بِهِمْ-  فَقَالَ صَلِّ بِهِمْ کَصَلَاهِ أَضْعَفِهِمْ-  وَ کُنْ بِالْمُؤْمِنِینَ رَحِیماً لمافرغ ع من وصیته بأمور رعیته-  شرع فی وصیته بأداء الفرائض-  التی‏افترضها الله علیه من عبادته-  و لقد أحسن ع فی قوله و إن کانت کلها لله-  أی أن النظر فی أمور الرعیه-  مع صحه النیه و سلامه الناس من الظلم-  من جمله العبادات و الفرائض أیضا- .

ثم قال له کاملا غیر مثلوم-  أی لا یحملنک شغل السلطان على أن تختصر الصلاه اختصارا-  بل صلها بفرائضها و سننها و شعائرها فی نهارک و لیلک-  و إن أتعبک ذلک و نال من بدنک و قوتک- . ثم أمره إذا صلى بالناس جماعه ألا یطیل فینفرهم عنها-  و ألا یخدج الصلاه و ینقصها فیضیعها- . ثم روى خبرا عن النبی ص-  و هو قوله ع له صل بهم کصلاه أضعفهم-  و قوله و کن بالمؤمنین رحیما-  یحتمل أن یکون من تتمه الخبر النبوی-  و یحتمل أن یکون من کلام أمیر المؤمنین ع-  و الظاهر أنه من کلام أمیر المؤمنین من الوصیه للأشتر-  لأن اللفظه الأولى عند أرباب الحدیث-  هی المشهور فی الخبر: وَ أَمَّا بَعْدَ هَذَا فَلَا تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَکَ عَنْ رَعِیَّتِکَ-  فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلَاهِ عَنِ الرَّعِیَّهِ شُعْبَهٌ مِنَ الضِّیقِ-  وَ قِلَّهُ عِلْمٍ بِالْأُمُورِ-  وَ الِاحْتِجَابُ مِنْهُمْ یَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دُونَهُ-  فَیَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْکَبِیرُ وَ یَعْظُمُ الصَّغِیرُ-  وَ یَقْبُحُ الْحَسَنُ وَ یَحْسُنُ الْقَبِیحُ-  وَ یُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ-  وَ إِنَّمَا الْوَالِی بَشَرٌ-  لَا یَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ-  وَ لَیْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سِمَاتٌ-  تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ‏ الْکَذِبِ-  وَ إِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَیْنِ-  إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُکَ بِالْبَذْلِ فِی الْحَقِّ-  فَفِیمَ احْتِجَابُکَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِیهِ-  أَوْ فِعْلٍ کَرِیمٍ تُسْدِیهِ أَوْ مُبْتَلًى بِالْمَنْعِ-  فَمَا أَسْرَعَ کَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِکَ-  إِذَا أَیِسُوا مِنْ بَذْلِکَ-  مَعَ أَنَّ أَکْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَیْکَ-  مَا لَا مَئُونَهَ فِیهِ عَلَیْکَ-  مِنْ شَکَاهِ مَظْلِمَهٍ أَوْ طَلَبِ إِنْصَافٍ فِی مُعَامَلَهٍ نهاه عن الاحتجاب فإنه مظنه انطواء الأمور عنه-  و إذا رفع الحجاب دخل علیه کل أحد فعرف الأخبار-  و لم یخف علیه شی‏ء من أحوال عمله- .

ثم قال لم تحتجب-  فإن أکثر الناس یحتجبون کیلا یطلب منهم الرفد- . و أنت فإن کنت جوادا سمحا لم یکن لک إلى الحجاب داع-  و إن کنت ممسکا فسیعلم الناس ذلک منک-  فلا یسألک أحد شیئا- . ثم قال-  على أن أکثر ما یسأل منک ما لا مئونه علیه فی ماله-  کرد ظلامه أو إنصاف من خصم

ذکر الحجاب و ما ورد فیه من الخبر و الشعر

و القول فی الحجاب کثیر-  حضر باب عمر جماعه من الأشراف-  منهم سهیل بن عمرو و عیینه بن حصن-  و الأقرع بن حابس-  فحجبوا ثم خرج الآذن فنادى-  أین عمار أین سلمان أین صهیب-فأدخلهم فتمعرت وجوه القوم-  فقال سهیل بن عمرو لم تتمعر وجوهکم-  دعوا و دعینا فأسرعوا و أبطأنا-  و لئن حسدتموهم على باب عمر الیوم لأنتم غدا لهم أحسد- . و استأذن أبو سفیان على عثمان فحجبه-  فقیل له حجبک-  فقال لا عدمت من أهلی من إذا شاء حجبنی- . و حجب معاویه أبا الدرداء-  فقیل لأبی الدرداء حجبک معاویه-  فقال من یغش أبواب الملوک یهن و یکرم-  و من صادف بابا مغلقا علیه وجد إلى جانبه بابا مفتوحا-  إن سأل أعطی و إن دعا أجیب-  و إن یکن معاویه قد احتجب فرب معاویه لم یحتجب- .

و قال أبرویز لحاجبه لا تضعن شریفا بصعوبه حجاب-  و لا ترفعن وضیعا بسهولته-  ضع الرجال مواضع أخطارهم-  فمن کان قدیما شرفه ثم ازدرعه و لم یهدمه بعد آبائه-  فقدمه على شرفه الأول و حسن رأیه الآخر-  و من کان له شرف متقدم و لم یصن ذلک حیاطه له-  و لم یزدرعه تثمیر المغارسه-  فألحق بآبائه من رفعه حاله ما یقتضیه سابق شرفهم-  و ألحق به فی خاصته ما ألحق بنفسه-  و لا تأذن له إلا دبریا و إلا سرارا-  و لا تلحقه بطبقه الأولین-  و إذا ورد کتاب عامل من عمالی فلا تحبسه عنی طرفه عین-  إلا أن أکون على حال لا تستطیع الوصول إلی فیها-  و إذا أتاک من یدعی النصیحه لنا فلتکتبها سرا-  ثم أدخله بعد أن تستأذن له-  حتى إذا کان منی بحیث أراه فادفع إلی کتابه-  فإن أحمدت قبلت و إن کرهت رفضت-  و إن أتاک عالم مشتهر بالعلم و الفضل یستأذن فأذن له-  فإن العلم شریف و شریف صاحبه-  و لا تحجبن عنی أحدا من أفناء الناس-  إذا أخذت مجلسی مجلس العامه-  فإن الملک لا یحجب إلا عن ثلاث-  عی یکره أن یطلع علیه منه-  أو بخل یکره أن یدخل علیه من یسأله-  أو ریبه هو مصر علیها فیشفق من إبدائها-و وقوف الناس علیها-  و لا بد أن یحیطوا بها علما و إن اجتهد فی سترها-  و قد أخذ هذا المعنى الأخیر محمود الوراق فقال- 

 إذا اعتصم الوالی بإغلاق بابه
و رد ذوی الحاجات دون حجابه‏

ظننت به إحدى ثلاث و ربما
رجمت بظن واقع بصوابه‏

أقول به مس من العی ظاهر
ففی إذنه للناس إظهار ما به‏

فإن لم یکن عی اللسان فغالب‏
من البخل یحمى ماله عن طلابه‏

و إن لم یکن لا ذا و لا ذا فریبه
یکتمها مستوره بثیابه‏

أقام عبد العزیز بن زراره الکلابی-  على باب معاویه سنه فی شمله من صوف لا یأذن له-  ثم أذن له و قربه و أدناه-  و لطف محله عنده حتى ولاه مصر-  فکان یقال استأذن أقوام لعبد العزیز بن زراره-  ثم صار یستأذن لهم-  و قال فی ذلک

دخلت على معاویه بن حرب
و لکن بعد یأس من دخول‏

و ما نلت الدخول علیه حتى‏
حللت محله الرجل الذلیل‏

و أغضیت الجفون على قذاها
و لم أنظر إلى قال و قیل‏

و أدرکت الذی أملت منه‏
و حرمان المنى زاد العجول‏

 و یقال إنه قال له لما دخل علیه- أمیر المؤمنین دخلت إلیک بالأمل- و احتملت جفوتک بالصبر- و رأیت ببابک أقواما قدمهم الحظ- و آخرین أخرهم الحرمان- فلیس ینبغی للمقدم أن یأمن عواقب الأیام- و لا للمؤخر أن ییأس من عطف الزمان- . و أول المعرفه الاختبار فابل و اختبر إن رأیت- و کان یقال لم یلزم باب السلطان أحد- فصبر على ذل الحجاب و کلام البواب- و ألقى الأنف و حمل الضیم و أدام الملازمه- إلا وصل إلى حاجته أو إلى معظمها- .

قال عبد الملک لحاجبه إنک عین أنظر بها- و جنه أستلئم بها- و قد ولیتک ما وراء بابی فما ذا تراک صانعا برعیتی- قال أنظر إلیهم بعینک و أحملهم على قدر منازلهم عندک- و أضعهم فی إبطائهم عن بابک- و لزوم خدمتک مواضع استحقاقهم- و أرتبهم حیث وضعهم ترتیبک- و أحسن إبلاغهم عنک و إبلاغک عنهم- قال لقد وفیت بما علیک و لکن إن صدقت ذلک بفعلک- و قال دعبل و قد حجب عن باب مالک بن طوق-

لعمری لئن حجبتنی العبید
لما حجبت دونک القافیه‏

سأرمی بها من وراء الحجاب‏
شنعاء تأتیک بالداهیه‏

تصم السمیع و تعمی البصیر
و یسأل من مثلها العافیه‏

 و قال آخر

سأترک هذا الباب ما دام إذنه
على ما أرى حتى یلین قلیلا

فما خاب من لم یأته مترفعا
و لا فاز من قد رام فیه دخولا

إذا لم نجد للإذن عندک موضعا
وجدنا إلى ترک المجی‏ء سبیلا

و کتب أبو العتاهیه إلى أحمد بن یوسف الکاتب و قد حجبه-

و إن عدت بعد الیوم إنی لظالم
سأصرف وجهی حیث تبغی المکارم‏

متى یفلح الغادی إلیک لحاجه
و نصفک محجوب و نصفک نائم‏

– یعنی لیله و نهاره- . استأذن رجلان على معاویه فأذن لأحدهما- و کان أشرف منزله من الآخر- ثم أذن للآخر فدخل فجلس فوق الأول- فقال معاویه إن الله قد ألزمنا تأدیبکم-کما ألزمنا رعایتکم- و أنا لم نأذن له قبلک- و نحن نرید أن یکون مجلسه دونک- فقم لا أقام الله لک وزنا- و قال بشار

تأبى خلائق خالد و فعاله
إلا تجنب کل أمر عائب‏

و إذا أتینا الباب وقت غدائه‏
أدنى الغداء لنا برغم الحاجب‏

 و قال آخر یهجو-

یا أمیرا على جریب من الأر
ض له تسعه من الحجاب‏

قاعد فی الخراب یحجب عنا
ما سمعنا بحاجب فی خراب‏

 و کتب بعضهم إلى جعفر بن محمد- بن القاسم بن عبید الله بن سلیمان بن وهب-

أبا جعفر إن الولایه إن تکن
منبله قوسا فأنت لها نبل‏

فلا ترتفع عنا لأمر ولیته‏
کما لم یصغر عندنا شأنک العزل‏

 و من جید ما مدح به بشر بن مروان قول القائل-

بعید مراد الطرف ما رد طرفه
حذار الغواشی باب دار و لا ستر

و لو شاء بشر کان من دون بابه‏
طماطم سود أو صقالبه حمر

و لکن بشرا یستر الباب للتی
یکون لها فی غبها الحمد و الأجر

 و قال بشار

خلیلی من کعب أعینا أخاکما
على دهره إن الکریم یعین‏

و لا تبخلا بخل ابن قرعه إنه‏
مخافه أن یرجى نداه حزین‏

إذا جئته للعرف أغلق بابه
فلم تلقه إلا و أنت کمین‏

فقل لأبی یحیى متى تدرک العلا
و فی کل معروف علیک یمین‏

و قال إبراهیم بن هرمه

هش إذا نزل الوفود ببابه
سهل الحجاب مؤدب الخدام‏

و إذا رأیت صدیقه و شقیقه‏
لم تدر أیهما ذوی الأرحام‏

و قال آخر

و إنی لأستحیی الکریم إذا أتى
على طمع عند اللئیم یطالبه‏

و أرثی له من مجلس عند بابه‏
کمرثیتی للطرف و العلج راکبه‏

و قال عبد الله بن محمد بن عیینه-

أتیتک زائرا لقضاء حق
فحال الستر دونک و الحجاب‏

و رأیی مذهب عن کل ناء
یجانبه إذا عز الذهاب‏

و لست بساقط فی قدر قوم
و إن کرهوا کما یقع الذباب‏

و قال آخر

ما ضاقت الأرض على راغب
تطلب الرزق و لا راهب‏

بل ضاقت الأرض على شاعر
أصبح یشکو جفوه الحاجب‏

قد شتم الحاجب فی شعره
و إنما یقصد للصاحب‏

ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِی خَاصَّهً وَ بِطَانَهً-  فِیهِمُ اسْتِئْثَارٌ وَ تَطَاوُلٌ وَ قِلَّهُ إِنْصَافٍ فِی مُعَامَلَهٍ-  فَاحْسِمْ مَئُونَهَ أُولَئِکَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ تِلْکَ الْأَحْوَالِ-  وَ لَا تُقْطِعَنَّ لِأَحَدٍ مِنْ حَاشِیَتِکَ وَ حَامَّتِکَ قَطِیعَهً-  وَ لَا یَطْمَعَنَّ مِنْکَ فِی اعْتِقَادِ عُقْدَهٍ-  تَضُرُّ بِمَنْ یَلِیهَا مِنَ النَّاسِ-  فِی‏ شِرْبٍ أَوْ عَمَلٍ مُشْتَرَکٍ-  یَحْمِلُونَ مَئُونَتَهُ عَلَى غَیْرِهِمْ-  فَیَکُونَ مَهْنَأُ ذَلِکَ لَهُمْ دُونَکَ-  وَ عَیْبُهُ عَلَیْکَ فِی الدُّنْیَا وَ الآْخِرَهِ-  وَ أَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِیبِ وَ الْبَعِیدِ-  وَ کُنْ فِی ذَلِکَ صَابِراً مُحْتَسِباً-  وَاقِعاً ذَلِکَ مِنْ قَرَابَتِکَ وَ خَوَاصِّکَ حَیْثُ وَقَعَ-  وَ ابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا یَثْقُلُ عَلَیْکَ مِنْهُ-  فَإِنَّ مَغَبَّهَ ذَلِکَ مَحْمُودَهٌ-  وَ إِنْ ظَنَّتِ الرَّعِیَّهُ بِکَ حَیْفاً فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِکَ-  وَ اعْدِلْ عَنْکَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِکَ-  فَإِنَّ فِی ذَلِکَ إِعْذَاراً-  تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَکَ مِنْ تَقْوِیمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ نهاه ع عن أن یحمل أقاربه و حاشیته و خواصه-  على رقاب الناس-  و أن یمکنهم من الاستئثار علیهم و التطاول و الإذلال-  و نهاه من أن یقطع أحدا منهم قطیعه-  أو یملکه ضیعه تضر بمن یجاورها من الساده و الدهاقین-  فی شرب یتغلبون على الماء منه-  أو ضیاع یضیفونها إلى ما ملکهم إیاه-  و إعفاء لهم من مئونه أو حفر و غیره-  فیعفیهم الولاه منه مراقبه لهم-  فیکون مئونه ذلک الواجب علیهم قد أسقطت عنهم-  و حمل ثقلها على غیرهم- . ثم قال ع لأن منفعه ذلک فی الدنیا تکون لهم دونک-  و الوزر فی الآخره علیک-  و العیب و الذم فی الدنیا أیضا لاحقان بک- . ثم قال له إن اتهمتک الرعیه بحیف علیهم-  أو ظنت بک جورا فاذکر لهم عذرک‏ فی ذلک-  و ما عندک ظاهرا غیر مستور-  فإنه الأولى و الأقرب إلى استقامتهم لک على الحق- .

و أصحرت بکذا أی کشفته-  مأخوذ من الإصحار و هو الخروج إلى الصحراء- . و حامه الرجل أقاربه و بطانته-  و اعتقدت عقده أی ادخرت ذخیره-  و المهنأ مصدر هنأه کذا و مغبه الشی‏ء عاقبته- . و اعدل عنک ظنونهم نحها و الإعذار إقامه العذر

طرف من أخبار عمر بن عبد العزیز و نزاهته فی خلافته

رد عمر بن عبد العزیز المظالم-  التی احتقبها بنو مروان فأبغضوه و ذموه-  و قیل إنهم سموه فمات- . و روى الزبیر بن بکار فی الموفقیات-  أن عبد الملک بن عمر بن عبد العزیز-  دخل على أبیه یوما و هو فی قائلته فأیقظه-  و قال له ما یؤمنک أن تؤتى فی منامک-  و قد رفعت إلیک مظالم لم تقض حق الله فیها-  فقال یا بنی إن نفسی مطیتی إن لم أرفق بها لم تبلغنی-  إنی لو أتعبت نفسی و أعوانی لم یکن ذلک-  إلا قلیلا حتى أسقط و یسقطوا-  و إنی لأحتسب فی نومتی من الأجر-  مثل الذی أحتسب فی یقظتی-  إن الله جل ثناؤه لو أراد أن ینزل القرآن جمله لأنزله-  و لکنه أنزل الآیه و الآیتین-  حتى استکثر الإیمان فی قلوبهم- .

ثم قال یا بنی مما أنا فیه آمر هو أهم إلى أهل بیتک-  هم أهل العده و العدد و قبلهم ما قبلهم-  فلو جمعت ذلک فی یوم واحد خشیت انتشارهم علی-  و لکنی أنصف من الرجل‏و الاثنین-  فیبلغ ذلک من وراءهما فیکون أنجع له-  فإن یرد الله إتمام هذا الأمر أتمه-  و إن تکن الأخرى فحسب عبد-  أن یعلم الله منه أنه یحب أن ینصف جمیع رعیته- . و روى جویریه بن أسماء عن إسماعیل بن أبی حکیم قال-  کنا عند عمر بن عبد العزیز فلما تفرقنا نادى منادیه-  الصلاه جامعه فجئت المسجد-  فإذا عمر على المنبر فحمد الله و أثنى علیه-  ثم قال أما بعد فإن هؤلاء یعنی خلفاء بنی أمیه قبله-  قد کانوا أعطونا عطایا ما کان ینبغی لنا أن نأخذها منهم-  و ما کان ینبغی لهم أن یعطوناها-  و إنی قد رأیت الآن أنه لیس علی فی ذلک دون الله حسیب-  و قد بدأت بنفسی و الأقربین من أهل بیتی-  اقرأ یا مزاحم فجعل مزاحم یقرأ کتابا-  فیه الإقطاعات بالضیاع و النواحی-  ثم یأخذه عمر بیده فیقصه بالجلم-  لم یزل کذلک حتى نودی بالظهر- .

و روى الفرات بن السائب قال-  کان عند فاطمه بنت عبد الملک بن مروان جوهر جلیل-  وهبها أبوها و لم یکن لأحد مثله-  و کانت تحت عمر بن عبد العزیز-  فلما ولی الخلافه قال لها اختاری-  إما أن تردی جوهرک و حلیک إلى بیت مال المسلمین-  و إما أن تأذنی لی فی فراقک-  فإنی أکره أن اجتمع أنا و أنت و هو فی بیت واحد-  فقالت بل أختارک علیه و على أضعافه لو کان لی-  و أمرت به فحمل إلى بیت المال-  فلما هلک عمر و استخلف یزید بن عبد الملک-  قال لفاطمه أخته إن شئت رددته علیک-  قالت فإنی لا أشاء ذلک-  طبت عنه نفسا فی حیاه عمر-  و أرجع فیه بعد موته لا و الله أبدا-  فلما رأى یزید ذلک قسمه بین ولده و أهله- .

و روى سهیل بن یحیى المروزی عن أبیه-  عن عبد العزیز عن عمر بن عبد العزیز قال-  لما دفن سلیمان صعد عمر على المنبر فقال-  إنی قد خلعت ما فی رقبتی من بیعتکم-  فصاح الناس صیحه واحده قد اخترناک-  فنزل و دخل و أمر بالستور فهتکت-و الثیاب التی کانت تبسط للخلفاء-  فحملت إلى بیت المال-  ثم خرج و نادى منادیه من کانت له مظلمه-  من بعید أو قریب من أمیر المؤمنین فلیحضر-  فقام رجل ذمی من أهل حمص أبیض الرأس و اللحیه-  فقال أسألک کتاب الله قال ما شأنک-  قال العباس بن الولید بن عبد الملک اغتصبنی ضیعتی-  و العباس جالس-  فقال عمر ما تقول یا عباس-  قال أقطعنیها أمیر المؤمنین الولید و کتب لی بها سجلا-  فقال عمر ما تقول أنت أیها الذمی-  قال یا أمیر المؤمنین أسألک کتاب الله-  فقال عمر إیها لعمری إن کتاب الله لأحق أن یتبع-  من کتاب الولید-  اردد علیه یا عباس ضیعته-  فجعل لا یدع شیئا مما کان فی أیدی أهل بیته من المظالم-  إلا ردها مظلمه مظلمه- .

و روى میمون بن مهران قال-  بعث إلی عمر بن عبد العزیز و إلى مکحول و أبی قلابه-  فقال ما ترون فی هذه الأموال-  التی أخذها أهلی من الناس ظلما-  فقال مکحول قولا ضعیفا کرهه عمر-  فقال أرى أن تستأنف و تدع ما مضى-  فنظر إلی عمر کالمستغیث بی-  فقلت یا أمیر المؤمنین-  أحضر ولدک عبد الملک لننظر ما یقول فحضر-  فقال ما تقول یا عبد الملک فقال ما ذا أقول أ لست تعرف مواضعها-  قال بلى و الله قال فارددها-  فإن لم تفعل کنت شریکا لمن أخذها- . و روى ابن درستویه عن یعقوب بن سفیان-  عن جویریه بن أسماء قال-  کان بید عمر بن عبد العزیز قبل الخلافه-  ضیعته المعروفه بالسهله و کانت بالیمامه-  و کانت أمرا عظیما لها غله عظیمه کثیره-  إنما عیشه و عیش أهله منها-  فلما ولی الخلافه قال لمزاحم مولاه و کان فاضلا-  إنی قد عزمت أن أرد السهله إلى بیت مال المسلمین-  فقال مزاحم أ تدری کم ولدک إنهم کذا و کذا-  قال فذرفت عیناه فجعل یستدمع-  و یمسح الدمعه بإصبعه الوسطى و یقول-  أکلهم إلى الله أکلهم إلى الله-  فمضى مزاحم فدخل على عبد الملک بن عمر فقال له-  أ لا تعلم ما قد عزم علیه أبوک إنه یرید أن یرد السهله-  قال فما قلت‏ له قال ذکرت له ولده-  فجعل یستدمع و یقول أکلهم إلى الله-  فقال عبد الملک بئس وزیر الدین أنت-  ثم وثب و انطلق إلى أبیه فقال للآذن استأذن لی علیه-  فقال إنه قد وضع رأسه الساعه للقائله-  فقال استأذن لی علیه فقال أ ما ترحمونه-  لیس له من اللیل و النهار إلا هذه الساعه-  قال استأذن لی علیه لا أم لک-  فسمع عمر کلامهما فقال ائذن لعبد الملک-  فدخل فقال على ما ذا عزمت قال أرد السهله-  قال فلا تؤخر ذلک قم الآن-  قال فجعل عمر یرفع یدیه و یقول-  الحمد لله الذی جعل لی من ذریتی من یعیننی على أمر دینی-  قال نعم یا بنی أصلی الظهر ثم أصعد المنبر-  فأردها علانیه على رءوس الناس-  قال و من لک أن تعیش إلى الظهر-  ثم من لک أن تسلم نیتک إلى الظهر إن عشت إلیها-  فقام عمر فصعد المنبر فخطب الناس و رد السهله- .

قال و کتب عمر بن الولید بن عبد الملک-  إلى عمر بن عبد العزیز لما أخذ بنی مروان-  برد المظالم کتابا أغلظ له فیه-  من جملته أنک أزریت على کل من کان قبلک-  من الخلفاء و عبتهم و سرت بغیر سیرتهم-  بغضا لهم و شنآنا لمن بعدهم من أولادهم-  و قطعت ما أمر الله به أن یوصل-  و عمدت إلى أموال قریش و مواریثهم-  فأدخلتها بیت المال جورا و عدوانا-  فاتق الله یا ابن عبد العزیز و راقبه-  فإنک خصصت أهل بیتک بالظلم و الجور-  و و الذی خص محمد ص بما خصه به-  لقد ازددت من الله بعدا بولایتک هذه-  التی زعمت أنها علیک بلاء-  فأقصر عن بعض ما صنعت-  و اعلم أنک بعین جبار عزیز و فی قبضته-  و لن یترکک على ما أنت علیه- .

قالوا فکتب عمر جوابه أما بعد فقد قرأت کتابک-  و سوف أجیبک بنحو منه-  أما أول أمرک یا ابن الولید فإن أمک نباته أمه السکون-  کانت تطوف فی أسواق حمص-  و تدخل حوانیتها ثم الله أعلم بها-  اشتراها ذبیان بن ذبیان من فی‏ء المسلمین-  فأهداهالأبیک فحملت بک-  فبئس الحامل و بئس المحمول-  ثم نشأت فکنت جبارا عنیدا-  و تزعم أنی من الظالمین لأنی حرمتک و أهل بیتک فی‏ء الله-  الذی هو حق القرابه و المساکین و الأرامل-  و إن أظلم منی و أترک لعهد الله-  من استعملک صبیا سفیها على جند المسلمین-  تحکم فیهم برأیک-  و لم یکن له فی ذاک نیه إلا حب الوالد ولده-  فویل لک و ویل لأبیک-  ما أکثر خصماءکما یوم القیامه-  و إن أظلم منی و أترک لعهد الله-  من استعمل الحجاج بن یوسف على خمسی العرب-  یسفک الدم الحرام و یأخذ المال الحرام-  و إن أظلم منی و أترک لعهد الله-  من استعمل قره بن شریک أعرابیا جافیا على مصر-  و أذن له فی المعازف و الخمر و الشرب و اللهو-  و إن أظلم منی و أترک لعهد الله-  من استعمل عثمان بن حیان على الحجاز-  فینشد الأشعار على منبر رسول الله ص-  و من جعل للعالیه البربریه سهما فی الخمس-  فرویدا یا ابن نباته-  و لو التقت حلقتا البطان و رد الفی‏ء إلى أهله-  لتفرغت لک و لأهل بیتک فوضعتکم على المحجه البیضاء-  فطالما ترکتم الحق و أخذتم فی بنیات الطریق-  و من وراء هذا من الفضل ما أرجو أن أعمله-  بیع رقبتک-  و قسم ثمنک بین الأرامل و الیتامى و المساکین-  فإن لکل فیک حقا-  و السلام علینا و لا ینال سلام الله الظالمین- .

و روى الأوزاعی قال-  لما قطع عمر بن عبد العزیز عن أهل بیته ما کان من قبله-  یجرونه علیهم من أرزاق الخاصه-  فتکلم فی ذلک عنبسه بن سعید فقال-  یا أمیر المؤمنین إن لنا قرابه-  فقال مالی إن یتسع لکم و أما هذا المال فحقکم فیه-  کحق رجل بأقصى برک الغماد-  و لا یمنعه من أخذه إلا بعد مکانه-  و الله إنی لأرى أن الأمورلو استحالت حتى یصبح أهل الأرض-  یرون مثل رأیکم لنزلت بهم بائقه من عذاب الله- . و روى الأوزاعی أیضا قال قال عمر بن عبد العزیز یوما-  و قد بلغه عن بنی أمیه کلام أغضبه-  إن لله فی بنی أمیه یوما أو قال ذبحا-  و ایم الله لئن کان ذلک الذبح أو قال ذلک الیوم-  على یدی لأعذرن الله فیهم-  قال فلما بلغهم ذلک کفوا-  و کانوا یعلمون صرامته-  و إنه إذا وقع فی أمر مضى فیه- .

و روى إسماعیل بن أبی حکیم قال-  قال عمر بن عبد العزیز یوما لحاجبه-  لا تدخلن علی الیوم إلا مروانیا-  فلما اجتمعوا قال یا بنی مروان-  إنکم قد أعطیتم حظا و شرفا و أموالا-  إنی لأحسب شطر أموال هذه الأمه أو ثلثیها فی أیدیکم-  فسکتوا فقال أ لا تجیبونی-  فقال رجل منهم فما بالک-  قال إنی أرید أن أنتزعها منکم-  فأردها إلى بیت مال المسلمین-  فقال رجل منهم و الله لا یکون ذلک-  حتى یحال بین رءوسنا و أجسادنا-  و الله لا نکفر أسلافنا و لا نفقر أولادنا-  فقال عمر و الله لو لا أن تستعینوا علی بمن أطلب هذا الحق له-  لأضرعت خدودکم قوموا عنی- . و روى مالک بن أنس قال ذکر عمر بن عبد العزیز-  من کان قبله من المروانیه فعابهم-  و عنده هشام بن عبد الملک فقال یا أمیر المؤمنین-  إنا و الله نکره أن تعیب آباءنا و تضع شرفنا-  فقال عمر و أی عیب أعیب مما عابه القرآن- .

و روى نوفل بن الفرات قال-  شکا بنو مروان إلى عاتکه بنت مروان بن الحکم عمر-  فقالوا إنه یعیب أسلافنا و یأخذ أموالنا-  فذکرت ذلک له و کانت عظیمه عند بنی مروان-  فقال لها یا عمه إن رسول الله ص قبض-  و ترک‏الناس على نهر مورود-  فولی ذلک النهر بعده رجلان-  لم یستخصا أنفسهما و أهلهما منه بشی‏ء-  ثم ولیه ثالث فکرى منه ساقیه-  ثم لم تزل الناس یکرون منه السواقی-  حتى ترکوه یابسا لا قطره فیه-  و ایم الله لئن أبقانی الله لأسکرن تلک السواقی-  حتى أعید النهر إلى مجراه الأول-  قالت فلا یسبون إذا عندک-  قال و من یسبهم إنما یرفع الرجل مظلمته فأردها علیه- .

و روى عبد الله بن محمد التیمی قال-  کان بنو أمیه ینزلون عاتکه بنت مروان بن الحکم-  على أبواب قصورهم-  و کانت جلیله الموضع عندهم-  فلما ولی عمر قال لا یلی إنزالها أحد غیری-  فأدخلوها على دابتها إلى باب قبته فأنزلها-  ثم طبق لها وسادتین إحداهما على الأخرى-  ثم أنشأ یمازحها و لم یکن من شأنه و لا من شأنها المزاح-  فقال أ ما رأیت الحرس الذین على الباب-  فقالت بلى و ربما رأیتهم عند من هو خیر منک-  فلما رأى الغضب لا یتحلل عنها ترک المزاح-  و سألها أن تذکر حاجتها-  فقالت إن قرابتک یشکونک-  و یزعمون أنک أخذت منهم خیر غیرک-  قال ما منعتهم شیئا هو لهم-  و لا أخذت منهم حقا یستحقونه-  قالت إنی أخاف أن یهیجوا علیک یوما عصیبا-  و قال کل یوم أخافه دون یوم القیامه فلا وقانی الله شره-  ثم دعا بدینار و مجمره و جلد فألقى الدینار فی النار-  و جعل ینفخ حتى احمر-  ثم تناوله بشی‏ء فأخرجه فوضعه على الجلد فنش و فتر-  فقال یا عمه أ ما تأوین لابن أخیک من مثل هذا-  فقامت فخرجت إلى بنی مروان فقالت-  تزوجون فی آل عمر بن الخطاب-  فإذا نزعوا إلى الشبه جزعتم اصبروا له- .

و روى وهیب بن الورد قال-  اجتمع بنو مروان على باب عمر بن عبد العزیز-  فقالوا لولد له قل لأبیک یأذن لنا-  فإن لم یأذن فأبلغ إلیه عنا و سأله-  فلم یأذن لهم و قال‏ فلیقولوا-  فقالوا قل له إن من کان قبلک من الخلفاء کان یعطینا-  و یعرف لنا مواضعنا-  و إن أباک قد حرمنا ما فی یدیه-  فدخل إلى أبیه فأبلغه عنهم-  فقال اخرج فقل لهم-  إنی أخاف إن عصیت ربی عذاب یوم عظیم و روى سعید بن عمار عن أسماء بنت عبید قال-  دخل عنبسه بن سعید بن العاص على عمر بن عبد العزیز فقال-  یا أمیر المؤمنین إن من کان قبلک من الخلفاء-  کانوا یعطوننا عطایا منعتناها و لی عیال و ضیعه-  فأذن لی أخرج إلى ضیعتی و ما یصلح عیالی-  فقال عمر إن أحبکم إلینا من کفانا مئونته-  فخرج عنبسه فلما صار إلى الباب ناداه أبا خالد أبا خالد-  فرجع فقال أکثر ذکر الموت-  فإن کنت فی ضیق من العیش وسعه علیک-  و إن کنت فی سعه من العیش ضیقه علیک- .

و روى عمر بن علی بن مقدم قال-  قال ابن صغیر لسلیمان بن عبد الملک لمزاحم-  إن لی حاجه إلى أمیر المؤمنین عمر-  قال فاستأذنت له فأدخله-  فقال یا أمیر المؤمنین لم أخذت قطیعتی-  قال معاذ الله إن آخذ قطیعه ثبتت فی الإسلام-  قال فهذا کتابی بها و أخرج کتابا من کمه-  فقرأه عمر و قال لمن کانت هذه الأرض-  قال کانت للمسلمین قال فالمسلمون أولى بها-  قال فاردد علی کتابی-  قال إنک لو لم تأتنی به لم أسألکه-  فأما إذ جئتنی به فلست أدعک تطلب به ما لیس لک بحق-  فبکى ابن سلیمان فقال مزاحم-  یا أمیر المؤمنین ابن سلیمان تصنع به هذا-  قال و ذلک لأن سلیمان عهد إلى عمر و قدمه على إخوته-  فقال عمر ویحک یا مزاحم-  إنی لأجد له من اللوط ما أجد لولدی-  و لکنها نفسی أجادل عنها- .

و روى الأوزاعی قال قال هشام بن عبد الملک-  و سعید بن خالد بن عمر بن عثمان‏ بن عفان-  لعمر بن عبد العزیز یا أمیر المؤمنین-  استأنف العمل برأیک فیما تحت یدک-  و خل بین من سبقک و بین ما ولوه علیهم کان أو لهم-  فإنک مستکف أن تدخل فی خیر ذلک و شره-  قال أنشدکما الله الذی إلیه تعودان-  لو أن رجلا هلک و ترک بنین أصاغر و أکابر-  فغر الأکابر الأصاغر بقوتهم فأکلوا أموالهم-  ثم بلغ الأصاغر الحلم فجاءوکما بهم-  و بما صنعوا فی أموالهم ما کنتما صانعین-  قالا کنا نرد علیهم حقوقهم حتى یستوفوها-  قال فإنی وجدت کثیرا ممن کان قبلی من الولاه-  غر الناس بسلطانه و قوته-  و آثر بأموالهم أتباعه و أهله و رهطه و خاصته-  فلما ولیت أتونی بذلک-  فلم یسعنی إلا الرد على الضعیف من القوی-  و على الدنی‏ء من الشریف-  فقالا یوفق الله أمیر المؤمنین

وَ لَا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاکَ إِلَیْهِ عَدُوُّکَ لِلَّهِ فِیهِ رِضًا-  فَإِنَّ فِی الصُّلْحِ دَعَهً لِجُنُودِکَ-  وَ رَاحَهً مِنْ هُمُومِکَ وَ أَمْناً لِبِلَادِکَ-  وَ لَکِنِ الْحَذَرَ کُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّکَ بَعْدَ صُلْحِهِ-  فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِیَتَغَفَّلَ-  فَخُذْ بِالْحَزْمِ وَ اتَّهِمْ فِی ذَلِکَ حُسْنَ الظَّنِّ-  وَ إِنْ عَقَدْتَ بَیْنَکَ وَ بَیْنَ عَدُوٍّ لَکَ عُقْدَهً-  أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْکَ ذِمَّهً-  فَحُطْ عَهْدَکَ بِالْوَفَاءِ وَ ارْعَ ذِمَّتَکَ بِالْأَمَانَهِ-  وَ اجْعَلْ نَفْسَکَ جُنَّهً دُونَ مَا أَعْطَیْتَ-  فَإِنَّهُ لَیْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ شَیْ‏ءٌ-  النَّاسُ أَشَدُّ عَلَیْهِ اجْتِمَاعاً مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ-  وَ تَشَتُّتِ آرَائِهِمْ-  مِنْ تَعْظِیمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ-  وَ قَدْ لَزِمَ ذَلِکَ الْمُشْرِکُونَ فِیمَا بَیْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِینَ-  لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ-  فَلَا تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِکَ وَ لَا تَخِیسَنَّ بِعَهْدِکَ-  وَ لَا تَخْتِلَنَّ عَدُوَّکَ-  فَإِنَّهُ لَا یَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا جَاهِلٌ شَقِیٌّ-  وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهُ وَ ذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَیْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ-وَ حَرِیماً یَسْکُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ وَ یَسْتَفِیضُونَ إِلَى جِوَارِهِ-  فَلَا إِدْغَالَ وَ لَا مُدَالَسَهَ وَ لَا خِدَاعَ فِیهِ-  وَ لَا تَعْقِدْهُ عَقْداً تُجَوِّزُ فِیهِ الْعِلَلَ-  وَ لَا تُعَوِّلَنَّ عَلَى لَحْنِ الْقَوْلِ بَعْدَ التَّأْکِیدِ وَ التَّوْثِقَهِ-  وَ لَا یَدْعُوَنَّکَ ضِیقُ أَمْرٍ-  لَزِمَکَ فِیهِ عَهْدُ اللَّهِ إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَیْرِ الْحَقِّ-  فَإِنَّ صَبْرَکَ عَلَى ضِیقِ أَمْرٍ تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَ فَضْلَ عَاقِبَتِهِ-  خَیْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ-  وَ أَنْ تُحِیطَ بِکَ مِنَ اللَّهِ طِلْبَهٌ-  لَا تَسْتَقِیلُ فِیهَا دُنْیَاکَ وَ لَا آخِرَتَکَ أمره أن یقبل السلم و الصلح إذا دعی إلیه-  لما فیه من دعه الجنود-  و الراحه من الهم و الأمن للبلاد-  و لکن ینبغی أن یحذر بعد الصلح من غائله العدو و کیده-  فإنه ربما قارب بالصلح لیتغفل أی یطلب غفلتک-  فخذ بالحزم و اتهم حسن ظنک-  لا تثق و لا تسکن إلى حسن ظنک بالعدو-  و کن کالطائر الحذر- .

ثم أمره بالوفاء بالعهود-  قال و اجعل نفسک جنه دون ما أعطیت-  أی و لو ذهبت نفسک فلا تغدر- . و قال الراوندی الناس مبتدأ و أشد مبتدأ ثان-  و من تعظیم الوفاء خبره-  و هذا المبتدأ الثانی مع خبره خبر المبتدإ الأول-  و محل الجمله نصب لأنها خبر لیس-  و محل لیس مع اسمه و خبره رفع لأنه خبر-  فإنه و شی‏ء اسم لیس و من فرائض الله حال-  و لو تأخر لکان صفه لشی‏ء-  و الصواب أن شی‏ء اسم لیس-  و جاز ذلک و إن کان نکره لاعتماده على النفی-  و لأن الجار و المجرور قبله فی موضع الحال کالصفه-  فتخصص بذلک و قرب من المعرفه-  و الناس مبتدأ و أشد خبره-  و هذه الجمله المرکبه من مبتدإ

و خبر فی موضع رفع-  لأنها صفه شی‏ء-  و أما خبر المبتدإ الذی هو شی‏ء فمحذوف-  و تقدیره فی الوجود کما حذف الخبر فی قولنا-  لا إله إلا الله أی فی الوجود-  و لیس یصح ما قال الراوندی من أن أشد مبتدأ ثان-  و من تعظیم الوفاء خبره-  لأن حرف الجر إذا کان خبرا لمبتدإ تعلق بمحذوف-  و هاهنا هو متعلق بأشد نفسه فکیف یکون خبرا عنه-  و أیضا فإنه لا یجوز أن یکون أشد من تعظیم الوفاء-  خبرا عن الناس-  کما زعم الراوندی لأن ذلک کلام غیر مفید-  أ لا ترى أنک إذا أردت أن تخبر بهذا الکلام عن المبتدإ-  الذی هو الناس لم یقم من ذلک صوره محصله تفیدک شیئا-  بل یکون کلاما مضطربا- . و یمکن أیضا أن یکون من فرائض الله فی موضع رفع-  لأنه خبر المبتدإ و قد قدم علیه-  و یکون موضع الناس و ما بعده رفع-  لأنه خبر المبتدإ الذی هو شی‏ء کما قلناه أولا-  و لیس یمتنع أیضا أن یکون من فرائض الله-  منصوب الموضع لأنه حال-  و یکون موضع الناس أشد رفعا-  لأنه خبر المبتدإ الذی هو شی‏ء- .

ثم قال له ع-  و قد لزم المشرکون مع شرکهم الوفاء بالعهود-  و صار ذلک لهم شریعه و بینهم سنه-  فالإسلام أولى باللزوم و الوفاء- . و استوبلوا وجدوه وبیلا أی ثقیلا-  استوبلت البلد أی استوخمته و استثقلته-  و لم یوافق مزاجک- . و لا تخیسن بعهدک أی لا تغدرن-  خاس فلان بذمته أی غدر و نکث- . قوله و لا تختلن عدوک أی لا تمکرن به-  ختلته أی خدعته- . و قوله أفضاه بین عباده جعله مشترکا بینهم-  لا یختص به فریق دون فریق- .

قال و یستفیضون إلى جواره-  أی ینتشرون فی طلب حاجاتهم و مآربهم-  ساکنین إلى جواره-  فإلى هاهنا متعلقه بمحذوف مقدر-  کقوله تعالى فِی تِسْعِ آیاتٍ إِلى‏ فِرْعَوْنَ أی مرسلا-  قال فلا إدغال أی لا إفساد-  و الدغل الفساد-  و لا مدالسه أی لا خدیعه-  یقال فلان لا یوالس و لا یدالس أی لا یخادع و لا یخون-  و أصل الدلس الظلمه-  و التدلیس فی البیع کتمان عیب السلعه عن المشتری- . ثم نهاه عن أن یعقد عقدا یمکن فیه التأویلات-  و العلل و طلب المخارج-  و نهاه إذا عقد العقد بینه و بین العدو أن ینقضه-  معولا على تأویل خفی أو فحوى قول-  أو یقول إنما عنیت کذا-  و لم أعن ظاهر اللفظه-  فإن العقود إنما تعقد على ما هو ظاهر فی الاستعمال-  متداول فی الاصطلاح و العرف لا على ما فی الباطن- . و روی انفساحه بالحاء المهمله أی سعته

فصل فیما جاء فی الحذر من کید العدو

قد جاء فی الحذر من کید العدو-  و النهی عن التفریط فی الرأی السکون-  إلى ظاهر السلم أشیاء کثیره-  و کذا فی النهی عن الغدر و النهی عن طلب تأویلات العهود-  و فسخها بغیر الحق- . فرط عبد الله بن طاهر فی أیام أبیه فی أمر-  أشرف فیه على العطب و نجا بعد لأی-  فکتب إلیه أبوه أتانی یا بنی من خبر تفریطک-  ما کان أکبر عندی من نعیک لو ورد-  لأنی لم أرج قط ألا تموت-  و قد کنت أرجو ألا تفتضح بترک الحزم و التیقظ- .

و روى ابن الکلبی أن قیس بن زهیر-  لما قتل حذیفه بن بدر و من معه بجفر الهباءه-خرج حتى لحق بالنمر بن قاسط و قال-  لا تنظر فی وجهی غطفانیه بعد الیوم-  فقال یا معاخرج حتى لحق بالنمر بن قاسط و قال-  لا تنظر فی وجهی غطفانیه بعد الیوم-  فقال یا معاشر النمر أنا قیس بن زهیر-  غریب حریب طرید شرید موتور-  فانظروا لی امرأه قد أدبها الغنی و أذلها الفقر-  فزوجوه بامرأه منهم-  فقال لهم إنی لا أقیم فیکم حتى أخبرکم بأخلاقی-  أنا فخور غیور أنف و لست أفخر حتى أبتلى-  و لا أغار حتى أرى و لا آنف حتى أظلم-  فرضوا أخلاقه فأقام فیهم حتى ولد له-  ثم أراد أن یتحول عنهم-  فقال یا معشر النمر إن لکم حقا علی فی مصاهرتی فیکم-  و مقامی بین أظهرکم-  و إنی موصیکم بخصال آمرکم بها و أنهاکم عن خصال-  علیکم بالأناه فإن بها تدرک الحاجه و تنال الفرصه-  و تسوید من لا تعابون بتسویده-  و الوفاء بالعهود فإن به یعیش الناس-  و إعطاء ما تریدون إعطاءه قبل المسأله-  و منع ما تریدون منعه قبل الإنعام-  و إجاره الجار على الدهر-  و تنفیس البیوت عن منازل الأیامى-  و خلط الضیف بالعیال-  و أنهاکم عن الغدر فإنه عار الدهر-  و عن الرهان فإن به ثکلت مالکا أخی-  و عن البغی فإن به صرع زهیر أبی-  و عن السرف فی الدماء-  فإن قتلی أهل الهباءه أورثنی العار-  و لا تعطوا فی الفضول فتعجزوا عن الحقوق-  و أنکحوا الأیامى الأکفاء-  فإن لم تصیبوا بهن الأکفاء فخیر بیوتهن القبور- 

و اعلموا أنی أصبحت ظالما و مظلوما-  ظلمنی بنو بدر بقتلهم مالکا-  و ظلمتهم بقتلی من لا ذنب له-  ثم رحل عنهم إلى غمار فتنصر بها-  و عف عن المآکل حتى أکل الحنظل إلى أن ماتإِیَّاکَ وَ الدِّمَاءَ وَ سَفْکَهَا بِغَیْرِ حِلِّهَا-  فَإِنَّهُ لَیْسَ شَیْ‏ءٌ أَدْعَى لِنِقْمَهٍ وَ لَا أَعْظَمَ‏لِتَبِعَهٍ-  وَ لَا أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَهٍ وَ انْقِطَاعِ مُدَّهٍ-  مِنْ سَفْکِ الدِّمَاءِ بِغَیْرِ حَقِّهَا-  وَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِئٌ بِالْحُکْمِ بَیْنَ الْعِبَادِ-  فِیمَا تَسَافَکُوا مِنَ الدِّمَاءِ یَوْمَ الْقِیَامَهِ-  فَلَا تُقَوِّیَنَّ سُلْطَانَکَ بِسَفْکِ دَمٍ حَرَامٍ-  فَإِنَّ ذَلِکَ مِمَّا یُضْعِفُهُ وَ یُوهِنُهُ بَلْ یُزِیلُهُ وَ یَنْقُلُهُ-  وَ لَا عُذْرَ لَکَ عِنْدَ اللَّهِ وَ لَا عِنْدِی فِی قَتْلِ الْعَمْدِ-  لِأَنَّ فِیهِ قَوَدَ الْبَدَنِ-  وَ إِنِ ابْتُلِیتَ بِخَطَإٍ-  وَ أَفْرَطَ عَلَیْکَ سَوْطُکَ أَوْ یَدُکَ بِالْعُقُوبَهِ-  فَإِنَّ فِی الْوَکْزَهِ فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَهً-  فَلَا تَطْمَحَنَّ بِکَ نَخْوَهُ سُلْطَانِکَ-  عَنْ أَنْ تُؤَدِّیَ إِلَى أَوْلِیَاءِ الْمَقْتُولِ حَقَّهُمْ قد ذکرنا فی وصیه قیس بن زهیر آنفا-  النهی عن الإسراف فی الدماء-  و تلک وصیه مبنیه على شریعه الجاهلیه-  مع حمیتها و تهالکها على القتل و القتال-  و وصیه أمیر المؤمنین ع مبنیه على الشریعه الإسلامیه-  و النهی عن القتل و العدوان الذی لا یسیغه الدین-  و قد ورد فی الخبر المرفوع أن أول ما یقضی الله به یوم القیامه بین العباد-  أمر الدماء-  قال إنه لیس شی‏ء أدعى إلى حلول النقم-  و زوال النعم و انتقال الدول-  من سفک الدم الحرام-  و إنک إن ظننت أنک تقوی سلطانک بذلک-  فلیس الأمر کما ظننت-  بل تضعفه بل تعدمه بالکلیه- . ثم عرفه أن قتل العمد یوجب القود-  و قال له قود البدن أی یجب علیک هدم صورتک-  کما هدمت صوره المقتول-  و المراد إرهابه بهذه اللفظه-  أنها أبلغ من أن یقول له فإن فیه القود- .

ثم قال إن قتلت خطأ أو شبه عمد-  کالضرب بالسوط فعلیک الدیه-  و قد اختلف‏الفقهاء فی هذه المسأله-  فقال أبو حنیفه و أصحابه القتل على خمسه أوجه-  عمد و شبه عمد و خطأ-  و ما أجری مجرى الخطإ و قتل بسبب- . فالعمد ما تعمد به ضرب الإنسان بسلاح-  أو ما یجری مجرى السلاح کالمحدد من الخشب و لیطه القصب-  و المروءه المحدده و النار و موجب ذلک المأثم و القود-  إلا أن یعفو الأولیاء و لا کفاره فیه- . و شبه العمد أن یتعمد الضرب بما لیس بسلاح-  و لا أجری مجرى السلاح کالحجر العظیم-  و الخشبه العظیمه-  و موجب ذلک المأثم و الکفاره و لا قود فیه-  و فیه الدیه مغلظه على العاقله- . و الخطأ على وجهین خطأ فی القصد-  و هو أن یرمی شخصا یظنه صیدا فإذا هو آدمی-  و خطأ فی الفعل و هو أن یرمی غرضا فیصیب آدمیا-  و موجب النوعین جمیعا الکفاره و الدیه على العاقله-  و لا مأثم فیه- . و ما أجری مجرى الخطإ-  مثل النائم یتقلب على رجل فیقتله-  فحکمه حکم الخطإ-  و أما القتل بسبب-  فحافر البئر و واضع الحجر فی غیر ملکه-  و موجبه إذا تلف فیه إنسان الدیه على العاقله-  و لا کفاره فیه- . فهذا قول أبی حنیفه و من تابعه-  و قد خالفه صاحباه أبو یوسف و محمد فی شبه العمد-  و قالا إذا ضربه بحجر عظیم أو خشبه غلیظه فهو عمد-  قال و شبه العمد أن یتعمد ضربه بما لا یقتل به غالبا-  کالعصا الصغیره و السوط-  و بهذا القول قال الشافعی- . و کلام أمیر المؤمنین ع یدل-  على أن المؤدب من الولاه-  إذا تلف تحت‏ یده إنسان فی التأدیب فعلیه الدیه-  و قال لی قوم من فقهاء الإمامیه أن مذهبنا أن لا دیه علیه-  و هو خلاف ما یقتضیه کلام أمیر المؤمنین ع: وَ إِیَّاکَ وَ الْإِعْجَابَ بِنَفْسِکَ-  وَ الثِّقَهَ بِمَا یُعْجِبُکَ مِنْهَا وَ حُبَّ الْإِطْرَاءِ-  فَإِنَّ ذَلِکَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّیْطَانِ فِی نَفْسِهِ-  لِیَمْحَقَ مَا یَکُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِینَ-  وَ إِیَّاکَ وَ الْمَنَّ عَلَى رَعِیَّتِکَ بِإِحْسَانِکَ-  أَوِ التَّزَیُّدَ فِیمَا کَانَ مِنْ فِعْلِکَ-  أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَکَ بِخُلْفِکَ-  فَإِنَّ الْمَنَّ یُبْطِلُ الْإِحْسَانَ وَ التَّزَیُّدَ یَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ-  وَ الْخُلْفَ یُوجِبُ الْمَقْتَ عِنْدَ اللَّهِ وَ النَّاسِ-  قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى-  کَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ-  وَ إِیَّاکَ وَ الْعَجَلَهَ بِالْأُمُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا-  أَوِ التَّسَاقُطَ فِیهَا عِنْدَ إِمْکَانِهَا-  أَوِ اللَّجَاجَهَ فِیهَا إِذَا تَنَکَّرَتْ-  أَوِ الْوَهْنَ عَنْهَا إِذَا اسْتَوْضَحَتْ-  فَضَعْ کُلَّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُ وَ أَوْقِعْ کُلَّ عَمَلٍ مَوْقِعَهُ-  وَ إِیَّاکَ وَ الِاسْتِئْثَارَ بِمَا النَّاسُ فِیهِ أُسْوَهٌ-  وَ التَّغَابِیَ عَمَّا تُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُیُونِ-  فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْکَ لِغَیْرِکَ-  وَ عَمَّا قَلِیلٍ تَنْکَشِفُ عَنْکَ أَغْطِیَهُ الْأُمُورِ-  وَ یُنْتَصَفُ مِنْکَ لِلْمَظْلُومِ-  امْلِکْ حَمِیَّهَ أَنْفِکَ وَ سَوْرَهَ حَدِّکَ-  وَ سَطْوَهَ یَدِکَ وَ غَرْبَ لِسَانِکَ-  وَ احْتَرِسْ مِنْ کُلِّ ذَلِکَ بِکَفِّ الْبَادِرَهِ وَ تَأْخِیرِ السَّطْوَهِ-  حَتَّى یَسْکُنَ غَضَبُکَ فَتَمْلِکَ الِاخْتِیَارَ-  وَ لَنْ تَحْکُمَ ذَلِکَ مِنْ نَفْسِکَ-  حَتَّى تُکْثِرَ هُمُومَکَ بِذِکْرِ الْمَعَادِ إِلَى رَبِّکَ-وَ الْوَاجِبُ عَلَیْکَ أَنْ تَتَذَکَّرَ مَا مَضَى لِمَنْ تَقَدَّمَکَ-  مِنْ حُکُومَهٍ عَادِلَهٍ أَوْ سُنَّهٍ فَاضِلَهٍ-  أَوْ أَثَرٍ عَنْ نَبِیِّنَا ص أَوْ فَرِیضَهٍ فِی کِتَابِ اللَّهِ-  فَتَقْتَدِیَ بِمَا شَاهَدْتَ مِمَّا عَمِلْنَا بِهِ فِیهَا-  وَ تَجْتَهِدَ لِنَفْسِکَ فِی اتِّبَاعِ مَا عَهِدْتُ إِلَیْکَ فِی عَهْدِی هَذَا-  وَ اسْتَوْثَقْتُ بِهِ مِنَ الْحُجَّهِ لِنَفْسِی عَلَیْکَ-  لِکَیْلَا تَکُونَ لَکَ عِلَّهٌ عِنْدَ تَسَرُّعِ نَفْسِکَ إِلَى هَوَاهَا قد اشتمل هذا الفصل على وصایا نحن شارحوها-  منها قوله ع إیاک و ما یعجبک من نفسک-  و الثقه بما یعجبک منها- 

 قد ورد فی الخبر ثلاث مهلکات شح مطاع و هوى متبع و إعجاب المرء بنفسهو فی الخبر أیضا لا وحشه أشد من العجبو فی الخبر الناس لآدم و آدم من تراب-  فما لابن آدم و الفخر و العجبو فی الخبر الجار ثوبه خیلاء لا ینظر الله إلیه یوم القیامهو فی الخبر و قد رأى أبا دجانه-  یتبختر-  إنها لمشیه یبغضها الله إلا بین الصفین- .

و منها قوله و حب الإطراء-  ناظر المأمون محمد بن القاسم النوشجانی المتکلم-  فجعل یصدقه و یطریه و یستحسن قوله-  فقال المأمون یا محمد-  أراک تنقاد إلى ما تظن أنه یسرنی-  قبل وجوب الحجه لی علیک-  و تطرینی بما لست أحب أن أطری به-  و تستخذی لی فی المقام-  الذی ینبغی أن تکون فیه مقاوما لی و محتجا علی-  و لو شئت أن أقسر الأمور بفضل بیان و طول لسان-  و أغتصب الحجه بقوه الخلافه-  و أبهه الرئاسه لصدقت و إن کنت کاذبا-  و عدلت و إن کنت جائرا و صوبت و إن کنت مخطئا-لکنی لا أرضى إلا بغلبه الحجه و دفع الشبهه-  و إن أنقص الملوک عقلا و أسخفهم رأیا-  من رضی بقولهم صدق الأمیر- . و أثنى رجل على رجل فقال الحمد لله الذی سترنی عنک-  و کان بعض الصالحین یقول إذا أطراه إنسان-  لیسألک الله عن حسن ظنک- . و منها قوله و إیاک و المن-  قال الله تعالى یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا-  لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِکُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى‏-  و کان یقال المن محبه للنفس مفسده للصنع- .

و منها نهیه إیاه عن التزید فی فعله-  قال ع إنه یذهب بنور الحق-  و ذلک لأنه محض الکذب-  مثل أن یسدی ثلاثه أجزاء من الجمیل-  فیدعی فی المجالس و المحافل أنه أسدى عشره-  و إذا خالط الحق الکذب أذهب نوره- . و منها نهیه إیاه عن خلف الوعد-  قد مدح الله نبیا من الأنبیاء-  و هو إسماعیل بن إبراهیم ع بصدق الوعد-  و کان یقال وعد الکریم نقد و تعجیل-  و وعد اللئیم مطل و تعطیل-  و کتب بعض الکتاب و حق لمن أزهر بقول أن یثمر بفعل-  و قال أبو مقاتل الضریر قلت لأعرابی-  قد أکثر الناس فی المواعید فما قولک فیها-  فقال بئس الشی‏ء الوعد مشغله للقلب الفارغ-  متعبه للبدن الخافض خیره غائب و شره حاضر-  و فی الحدیث المرفوع عده المؤمن کأخذ بالید-  فأما أمیر المؤمنین ع فقال إنه یوجب المقت-  و استشهد علیه بالآیه-  و المقت البغض- . و منها نهیه عن العجله و کان یقال-  أصاب متثبت أو کاد و أخطأ عجل أو کاد-  و فی المثل رب عجله تهب ریثا-  و ذمها الله تعالى فقال خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ- .

و منها نهیه عن التساقط فی الشی‏ء الممکن عند حضوره-  و هذا عباره عن النهی عن الحرص و الجشع-  قال الشنفری

 و إن مدت الأیدی إلى الزاد لم أکن
بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل‏

و منها نهیه عن اللجاجه فی الحاجه إذا تعذرت- کان یقال من لاج الله فقد جعله خصما- و من کان الله خصمه فهو مخصوم- قال الغزی

دعها سماویه تجری على قدر
لا تفسدنها برأی منک معکوس‏

و منها نهیه له عن الوهن فیها إذا استوضحت- أی وضحت و انکشفت- و یروى و استوضحت فعل ما لم یسم فاعله- و الوهن فیها إهمالها و ترک انتهاز الفرصه فیها- قال الشاعر

فإذا أمکنت فبادر إلیها
حذرا من تعذر الإمکان‏

و منها نهیه عن الاستئثار و هذا هو الخلق النبوی-  غنم رسول الله ص غنائم خیبر و کانت مل‏ء الأرض نعما-  فلما رکب راحلته و سار تبعه الناس-  یطلبون الغنائم و قسمها و هو ساکت لا یکلمهم-  و قد أکثروا علیه إلحاحا و سؤالا-  فمر بشجره فخطفت رداءه فالتفت فقال-  ردوا علی ردائی-  فلو ملکت بعدد رمل تهامه مغنما-  لقسمته بینکم عن آخره-  ثم لا تجدوننی بخیلا و لا جبانا-  و نزل و قسم ذلک المال عن آخره علیهم کله-  لم یأخذ لنفسه منه وبره- . و منها نهیه له عن التغابی-  و صوره ذلک أن الأمیر یومئ إلیه-  أن فلانا من خاصته یفعل کذا-  و یفعل کذا من الأمور المنکره و یرتکبها سرا-  فیتغابى عنه و یتغافل-  نهاه ع عن ذلک و قال-  إنک مأخوذ منک لغیرک أی معاقب-  تقول اللهم خذ لی من فلان بحقی-  أی اللهم انتقم لی منه- .

و منها نهیه إیاه عن الغضب-  و عن الحکم بما تقتضیه قوته الغضبیه حتى یسکن غضبه-  قد جاء فی الخبر المرفوع لا یقضی القاضی و هو غضبان-  فإذا کان قد نهی أن یقضی القاضی-  و هو غضبان على غیر صاحب الخصومه-  فبالأولى أن ینهى الأمیر عن أن یسطو على إنسان-  و هو غضبان علیه- . و کان لکسرى أنوشروان صاحب قد رتبه و نصبه لهذا المعنى-  یقف على رأس الملک یوم جلوسه-  فإذا غضب على إنسان و أمر به-  قرع سلسله تاجه بقضیب فی یده و قال له-  إنما أنت بشر-  فارحم من فی الأرض یرحمک من فی السماء: وَ مِنْ هَذَا الْعَهْدِ وَ هُوَ آخِرُهُ-  وَ أَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ بِسَعَهِ رَحْمَتِهِ-  وَ عَظِیمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ کُلِّ رَغْبَهٍ-  أَنْ یُوَفِّقَنِی وَ إِیَّاکَ لِمَا فِیهِ رِضَاهُ-  مِنَ الْإِقَامَهِ عَلَى الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَیْهِ وَ إِلَى خَلْقِهِ-  مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِی الْعِبَادِ وَ جَمِیلِ الْأَثَرِ فِی الْبِلَادِ-  وَ تَمَامِ النِّعْمَهِ وَ تَضْعِیفِ الْکَرَامَهِ-  وَ أَنْ یَخْتِمَ لِی وَ لَکَ بِالسَّعَادَهِ وَ الشَّهَادَهِ-  إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ-  وَ السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ-  صَلَّى اللَّهِ عَلَیْهِ وَ عَلَى آلِهِ الطَّیِّبِینَ الطَّاهِرِینَ روی کل رغیبه و الرغیبه ما یرغب فیه-  فأما الرغبه فمصدر رغب فی کذا-  کأنه قال القادر على إعطاء کل سؤال-  أی إعطاء کل سائل ما سأله- .

و معنى قوله من الإقامه على العذر-  أی أسأل الله أن یوفقنی للإقامه على الاجتهاد-  و بذل الوسع فی الطاعه-  و ذلک لأنه إذا بذل جهده فقد أعذر-  ثم فسر اجتهاده فی ذلک فی رضا الخلق-  و لم یفسر اجتهاده فی رضا الخالق لأنه معلوم-  فقال هو حسن الثناء فی العباد و جمیل الأثر فی البلاد- . فإن قلت فقوله و تمام النعمه على ما ذا تعطفه-  قلت هو معطوف على ما من قوله لما فیه-  کأنه قال أسأل الله توفیقی لذا و لتمام النعمه-  أی و لتمام نعمته علی و تضاعف کرامته لدی-  و توفیقه لهما هو توفیقه للأعمال الصالحه-  التی یستوجبهما بها

فصل فی ذکر بعض وصایا العرب

و ینبغی أن یذکر فی هذا الموضع وصایا-  من کلام قوم من رؤساء العرب-  أوصوا بها أولادهم و رهطهم-  فیها آداب حسان و کلام فصیح-  و هی مناسبه لعهد أمیر المؤمنین ع هذا-  و وصایاه المودعه فیه-  و إن کان کلام أمیر المؤمنین ع أجل و أعلى-  من أن یناسبه کلام-  لأنه قبس من نور الکلام الإلهی-  و فرع من دوحه المنطق النبوی- .

روى ابن الکلبی قال-  لما حضرت الوفاه أوس بن حارثه أخا الخزرج-  لم یکن له ولد غیر مالک بن الأوس-  و کان لأخیه الخزرج خمسه-  قیل له کنا نأمرک بأن تتزوج فی شبابک-  فلم تفعل حتى حضرک الموت-  و لا ولد لک إلا مالک-  فقال لم یهلک هالک ترک مثل مالک-  و إن کان الخزرج ذا عدد و لیس لمالک ولد-  فلعل الذی استخرج‏ العذق من الجریمه و النار من الوثیمه-  أن یجعل لمالک نسلا و رجالا بسلا-  و کلنا إلى الموت-  یا مالک المنیه و لا الدنیه-  و العتاب قبل العقاب و التجلد لا التبلد-  و اعلم أن القبر خیر من الفقر-  و من لم یعط قاعدا حرم قائما-  و شر الشرب الاشتفاف و شر الطعم الاقتفاف-  و ذهاب البصر خیر من کثیر من النظر-  و من کرم الکریم الدفع عن الحریم-  و من قل ذل-  و خیر الغنى القناعه و شر الفقر الخضوع-  الدهر صرفان صرف رخاء و صرف بلاء-  و الیوم یومان یوم لک و یوم علیک-  فإذا کان لک فلا تبطر و إذا کان علیک فاصطبر-  و کلاهما سینحسر و کیف بالسلامه لمن لیست له إقامه-  و حیاک ربک- .

و أوصى الحارث بن کعب بنیه فقال-  یا بنی قد أتت علی مائه و ستون سنه-  ما صافحت یمینی یمین غادر-  و لا قنعت لنفسی بخله فاجر-  و لا صبوت بابنه عم و لا کنه و لا بحت لصدیق بسر-  و لا طرحت عن مومسه قناعا-  و لا بقی على دین عیسى ابن مریم-  و قد روی على دین شعیب-  من العرب غیری و غیر تمیم بن مر بن أسد بن خزیمه-  فموتوا على شریعتی و احفظوا علی وصیتی-  و إلهکم فاتقوا یکفکم ما أهمکم و یصلح لکم حالکم-  و إیاکم و معصیته فیحل بکم الدمار-  و یوحش منکم الدیار-  کونوا جمیعا و لا تفرقوا فتکنوا شیعا-  و بزوا قبل أن تبزوا-  فموت‏ فی عز خیر من حیاه فی ذل و عجز-  و کل ما هو کائن کائن و کل جمع إلى تباین-  و الدهر صرفان صرف بلاء و صرف رخاء-  و الیوم یومان یوم حبره و یوم عبره-  و الناس رجلان رجل لک و رجل علیک-  زوجوا النساء الأکفاء و إلا فانتظروا بهن القضاء-  و لیکن أطیب طیبهم الماء-  و إیاکم و الورهاء فإنها أدوأ الداء-  و إن ولدها إلى أفن یکون-  لا راحه لقاطع القرابه-  و إذا اختلف القوم أمکنوا عدوهم-  و آفه العدد اختلاف الکلمه-  و التفضل بالحسنه یقی السیئه-  و المکافأه بالسیئه دخول فیها-  و عمل السوء یزیل النعماء-  و قطیعه الرحم تورث الهم-  و انتهاک الحرمه یزیل النعمه-  و عقوق الوالدین یعقب النکد و یخرب البلد-  و یمحق العدد-  و الإسراف فی النصیحه هو الفضیحه-  و الحقد منع الرفد-  و لزوم الخطیئه یعقب البلیه-  و سوء الدعه یقطع أسباب المنفعه-  و الضغائن تدعو إلى التباین-  یا بنی إنی قد أکلت مع أقوام و شربت-  فذهبوا و غبرت و کأنی بهم قد لحقت-  ثم قال

أکلت شبابی فأفنیته
و أبلیت بعد دهور دهورا

ثلاثه أهلین صاحبتهم‏
فبادروا و أصبحت شیخا کبیرا

قلیل الطعام عسیر القیام
قد ترک الدهر خطوی قصیرا

أبیت أراعی نجوم السماء
أقلب أمری بطونا ظهورا

وصى أکثم بن صیفی بنیه و رهطه فقال-  یا بنی تمیم لا یفوتنکم وعظی إن فاتکم الدهر بنفسی-  إن بین حیزومی و صدری لکلاما لا أجد له مواقع-  إلا أسماعکم و لا مقار إلا قلوبکم-  فتلقوه بأسماع مصغیه و قلوب دواعیه-  تحمدوا مغبته الهوى‏ یقظان و العقل راقد-  و الشهوات مطلقه و الحزم معقول-  و النفس مهمله و الرویه مقیده-  و من جهه التوانی و ترک الرویه یتلف الحزم-  و لن یعدم المشاور مرشدا-  و المستبد برأیه موقوف على مداحض الزلل-  و من سمع سمع به-  و مصارع الرجال تحت بروق الطمع-  و لو اعتبرت مواقع المحن ما وجدت-  إلا فی مقاتل الکرام-  و على الاعتبار طریق الرشاد-  و من سلک الجدد أمن العثار-  و لن یعدم الحسود أن یتعب قلبه و یشغل فکره-  و یورث غیظه و لا تجاوز مضرته نفسه-  یا بنی تمیم-  الصبر على جرع الحلم أعذب من جنا ثمر الندامه-  و من جعل عرضه دون ماله استهدف للذم-  و کلم اللسان أنکى من کلم السنان-  و الکلمه مرهونه ما لم تنجم من الفم-  فإذا نجمت مزجت-  فهی أسد محرب أو نار تلهب-  و رأی الناصح اللبیب دلیل لا یجوز-  و نفاذ الرأی فی الحرب أجدى من الطعن و الضرب- . و أوصى یزید بن المهلب ابنه مخلدا-  حین استخلفه على جرجان-  فقال له یا بنی قد استخلفتک على هذه البلاد-  فانظر هذا الحی من الیمن فکن لهم کما قال الشاعر- 

 إذا کنت مرتاد الرجال لنفعهم
فرش و اصطنع عند الذین بهم ترمی‏

و انظر هذا الحی من ربیعه-  فإنهم شیعتک و أنصارک فاقض حقوقهم-  و انظر هذا الحی من تمیم فأمطرهم و لا تزه لهم-  و لا تدنهم فیطمعوا و لا تقصهم فیقطعوا-  و انظر هذا الحی من قیس-  فإنهم أکفاء قومک فی الجاهلیه-  و مناصفوهم المآثر فی الإسلام و رضاهم منک البشر-  یا بنی إن لأبیک صنائع فلا تفسدها-  فإنه کفى بالمرء نقصا أن یهدم ما بنى أبوه-  و إیاک و الدماء فإنه لا تقیه معها-  و إیاک و شتم الأعراض-  فإن الحر لا یرضیه عن عرضه عوض-  و إیاک و ضرب الأبشار فإنه عار باق و وتر مطلوب-  و استعمل على النجده و الفضل دون الهوى-  و لا تعزل إلا عن عجز أو خیانه-  و لا یمنعک من اصطناع الرجل-  أن یکون غیرک قد سبقک إلیه-  فإنک إنما تصطنع الرجال لفضلها-  و لیکن صنیعک عند من یکافئک عنه العشائر-  احمل الناس على أحسن أدبک یکفوک أنفسهم-  و إذا کتبت کتابا فأکثر النظر فیه-  و لیکن رسولک فیما بینی و بینک من یفقه عنی و عنک-  فإن کتاب الرجل موضع عقله و رسوله موضع سره-  و أستودعک الله فلا بد للمودع أن یسکت-  و للمشیع أن یرجع-  و ما عف من المنطق و قل من الخطیئه أحب إلى أبیک- . و أوصى قیس بن عاصم المنقری بنیه فقال-  یا بنی خذوا عنی فلا أحد أنصح لکم منی-  إذا دفنتمونی فانصرفوا إلى رحالکم-  فسودوا أکبرکم-  فإن القوم إذا سودوا أکبرهم خلفوا أباهم-  و إذا سودوا أصغرهم أزرى ذلک بهم فی أکفائهم-  و إیاکم و معصیه الله و قطیعه الرحم-  و تمسکوا بطاعه أمرائکم فإنهم من رفعوا ارتفع-  و من وضعوا اتضع-  و علیکم بهذا المال فأصلحوه-  فإنه منبهه للکریم و جنه لعرض اللئیم-  و إیاکم و المسأله فإنها آخر کسب الرجل-  و إن أحدا لم یسأل إلا ترک الکسب-  و إیاکم و النیاحه فإنی سمعت رسول الله ص ینهى عنها-  و ادفنونی فی ثیابی التی کنت أصلی فیها و أصوم-  و لا یعلم بکر بن وائل بمدفنی-  فقد کانت بینی و بینهم-  مشاحنات فی الجاهلیه و الإسلام-  و أخاف أن یدخلوا علیکم بی عارا-  و خذوا عنی ثلاث خصال-  إیاکم و کل عرق لئیم أن تلابسوه-  فإنه إن یسررکم الیوم یسؤکم غدا-  و اکظموا الغیظ-  و احذروا بنی أعداء آبائکم فإنهم على منهاج آبائهم-  ثم قال‏

   أحیا الضغائن آباء لنا سلفوا
فلن تبید و للآباء أبناء

 قال ابن الکلبی فیحکی الناس هذا البیت سابقا للزبیر-  و ما هو إلا لقیس بن عاصم- . و أوصى عمرو بن کلثوم التغلبی بنیه فقال-  یا بنی إنی قد بلغت من العمر-  ما لم یبلغ أحد من آبائی و أجدادی-  و لا بد من أمر مقتبل-  و أن ینزل بی ما نزل بالآباء-  و الأجداد و الأمهات و الأولاد-  فاحفظوا عنی ما أوصیکم به-  إنی و الله ما عیرت رجلا قط أمرا إلا عیرنی مثله-  إن حقا فحق و إن باطلا فباطل-  و من سب سب-  فکفوا عن الشتم فإنه أسلم لأعراضکم-  و صلوا أرحامکم تعمر دارکم-  و أکرموا جارکم بحسن ثنائکم-  و زوجوا بنات العم بنی العم-  فإن تعدیتم بهن إلى الغرباء فلا تألوا بهن عن الأکفاء-  و أبعدوا بیوت النساء من بیوت الرجال-  فإنه أغض للبصر و أعف للذکر-  و متى کانت المعاینه و اللقاء-  ففی ذلک داء من الأدو