خطبه۳۹شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام فى الخوارج لما سمع قولهم: لا حکم إلا للّه،

قال علیه السّلام

کَلِمَهُ حَقٍّ یُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ- نَعَمْ إِنَّهُ لَا حُکْمَ إِلَّا لِلَّهِ- وَ لَکِنَّ هَؤُلَاءِ یَقُولُونَ لَا إِمْرَهَ- إِلَّا لِلَّهِ- وَ إِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ

أَمِیرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ- یَعْمَلُ فِی إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ- وَ یَسْتَمْتِعُ فِیهَا الْکَافِرُ- وَ یُبَلِّغُ اللَّهُ فِیهَا الْأَجَلَ وَ یُجْمَعُ بِهِ الْفَیْ‏ءُ- وَ

یُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ وَ تَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ- وَ یُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِیفِ مِنَ الْقَوِیِّ- حَتَّى یَسْتَرِیحَ بَرٌّ وَ یُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ- وَ

فِی رِوَایَهٍ أُخْرَى أَنَّهُ ع لَمَّا سَمِعَ تَحْکِیمَهُمْ قَالَ حُکْمَ اللَّهِ أَنْتَظِرُ فِیکُمْ- وَ قَالَ أَمَّا الْإِمْرَهُ الْبَرَّهُ فَیَعْمَلُ فِیهَا

التَّقِیُّ- وَ أَمَّا الْإِمْرَهُ الْفَاجِرَهُ فَیَتَمَتَّعُ فِیهَا الشَّقِیُّ- إِلَى أَنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ وَ تُدْرِکَهُ مَنِیَّتُهُ

المعنى

قوله: کلمه حقّ یراد بها الباطل
أقول: قوله: کلمه حقّ یراد بها الباطل. هذه کلمه ردّ لما انغرس فی أذهان الخوارج من حقیّه دعاء أصحاب معاویه إلى کتاب اللّه: أى أنّ دعائهم لکم إلى کتاب اللّه کلمه حقّ‏ لکن لیس مقصودهم بها کتاب اللّه بل غرض آخر باطل و هو فتور الحرب عنهم و تفرّق أهوائکم و نحوه ممّا لا یجوز أن یفعل.

قوله: لا حکم إلّا للّه.
 تصدیق لقولهم لکن لما علیه الکلمه فی نفس الأمر لا لما رأوه حقّا من ظاهرها فإنّ حصر الحکم لیس بحقّ على معنى أنّه لیس للعبد أن یحکم بغیر ما نصّ کتاب اللّه علیه فإنّ أکثر الأحکام الفروعیّه غیر منصوص علیها مع أنّها أحکام اللّه بل تکون منتزعه بحسب الاجتهاد و سایر طرقها لمن کان أهلا لذلک، و یجب على من لیس له أهلیّه الاجتهاد امتثالها، و لمّا تصوّر الخوارج تلک الکلمه بمعنى أنّه لا یصحّ حکم لم یوجد فی کتاب اللّه و لا یجوز امتثاله و العمل به لا جرم قال: نعم لا حکم إلّا للّه لکن هؤلاء القوم یقولون: لا إمره: أی لمّا نفوا أن یکون لغیر اللّه حکم لم ینصّ علیه فقد نفوا الإمره لأنّ استنباط الأحکام و النظر فی وجوه المصالح من لوازم الإمره الّتی هى حال الأمیر فی رعیّته، و نفى اللازم یستلزم نفى الملزوم، و لمّا کانوا قد نفوا الإمره کذّبهم علیه السّلام بقوله: و لا بدّ للناس من أمیر برّ أو فاجر. فکان جمله الکلام فی معنى شرطیّه متّصله هکذا: إذا قالوا لا حکم إلّا للّه کما تصوّروه فقد قالوا بنفى الإمره لکنّ القول بنفى الإمره باطل فالقول بنفى الحکم إلّا للّه کما تصوّروه باطل. فقوله: و لا بدّ للناس من أمیر. فی معنى استثناء نقیض تالى المتّصله، و تقریره: أنّ الإنسان خلق ممنوّا بمقارنه النفس الأمّاره بالسوء محتاجا إلى مجموع قوى فی بدنه هى منابع الشرّ. فأهواء الخلق لذلک مختلفه، و قلوبهم متفرّقه فکانت طبیعه نظام أحوالهم فی معاشهم و بقائهم محوجه إلى سلطان قاهر تأتلف برهبته الأهواء، و تجتمع بهیبته القلوب، و تنکفّ بسطوته الأیدى العادیه إذ فی طباع الخلق من حبّ المغالبه على ما آثروه، و القهر لمن عاندوه ما لا ینکفّون عنه إلّا بمانع قوىّ و رادع ملىّ. و قد أفصح المتنبّى عن ذلک حیث یقول:
لا یسلم الشرف الرفیع من الأذى حتّى یراق على جوانبه الدم‏
و الظلم من شیم النفوس فإن‏
تجد ذاعفه فلعلّه لا یظلم‏

و هذه العلّه المانعه من الظلم عند الاستقراء یرجع إلى امور أربعه: إمّا عقل زاجر، أو دین حاجز، أو عجز مانع، أو سلطان رادع. و السلطان القاهر أبلغها نفعا لأنّ العقل و الدین ربّما کانا مغلوبین بدواعى الهوى فیکون رهبه السلطان أقوى ردعا و أعمّ نفعا و إن کان جائرا فإنّه روى عن رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلّم: إنّ اللّه لیؤیّد هذا الدین بقوم لا خلاق لهم فی الآخره، و روى: بالرجل الفاسق، و روى عنه أنّه قال: الإمام الجائر خیر من الفتنه فکلّ لا خیر فیه فی، و بعض الشرّ خیار: أى و أنّ وجود الإمام و إن کان جائرا خیر من عدمه المستلزم لوجود الفتنه و وقوع الهرج و المرج بین الخلق إذ کان بوجوده صلاح بعض الامور على أنّه و إن کان لا خیر فیه أیضا من جهه ما هو جائر کما قال: و کلّ لا خیر فیه إلّا أنّ هیبته و وجوده بین الخلق ممّا یوجب الانزجار عن إثاره الفتن و یکون ذلک خیرا وقع فی الوجود بوجوده لا یحصل مع عدمه فوجوده مطلقا واجب و ذلک معنى قوله علیه السّلام: لا بدّ للناس من أمیر برّ أو فاجر.

و قوله: یعمل فی إمرته المؤمن و یستمتع فیها الکافر.
 الضمیر فی إمرته لمّا عاد إلى الأمیر، و کان لفظ الأمیر محتملا للبرّ و الفاجر کان المراد بالإمره الّتی یعمل فیها المؤمن إمره الأمیر من حیث هو برّ، و بالّتی یستمتع فیها الکافر إمرته من حیث هو فاجر، و هذا أولى من قول بعض الشارحین: إنّ الضمیر یعود إلى الفاجر فإنّ إمره الفاجر لیست مظنّه تمکّن المؤمن من عمله، و المراد یعمل المؤمن فی إمره البرّ عمله على وفق أوامر اللّه و نواهیه إذ ذلک وقت تمکّنه منه، و المراد باستمتاع الکافر فی إمره الفاجر انهما که فی اللذّات الحاضره الّتی یخالف فیها أوامر اللّه و ذلک فی وقت تمکّنه من مخالفه الدین.

و قوله: یبلّغ اللّه فیها الأجل.
 أى فی إمره الأمیر سواء کان برّا أو فاجرا، و فائده هذه الکلمه تذکیر العصاه ببلوغ الأجل و تخویفهم به.

و قوله: و یجمع به الفى‏ء. إلى قوله: القوىّ.
 الضمائر المجروره کلّها راجعه إلى الأمیر المطلق إذ قد تحصل الامور المذکوره کلّها من وجوده کیف کان برّا أو فاجرا. و ممّا یؤیّد ذلک أنّ أکثر الخلق متّفقون على أنّ‏ امراء بنى امیّه کانوا فجّارا عدا رجلین أو ثلاثه: کعثمان و عمر بن عبد العزیز و کان الفى‏ء یجمع بهم، و البلاد تفتح فی أیّامهم، و الثغور الإسلامیّه محروسه، و السبل آمنه، و القوىّ مأخوذ بالضعیف، و لم یضرّ جورهم شیئا فی تلک الامور.

و قوله: حتّى یستریح برّ و یستراح من فاجر.
 غایه من الامور المذکوره: أى غایه صدور هذه الامور أن یستریح برّ بوجودها و یستراح من تعدّى الفاجر و بغیه، و قیل: أراد أنّ هذه الامور لا تزال تحصل بوجود الأمیر برّا کان أو فاجرا إلى أن یستریح برّ بموته، و یستراح من فاجر بموته أو بعزله، و أمّا الروایه الاخرى فمعنى الکلام فیها ظاهر، و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج‏ البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۰۲

بازدیدها: ۴۴

خطبه۳۸شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

مُنِیتُ بِمَنْ لَا یُطِیعُ إِذَا أَمَرْتُ- وَ لَا یُجِیبُ إِذَا دَعَوْتُ- لَا أَبَا لَکُمْ مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِکُمْ رَبَّکُمْ- أَ مَا دِینٌ یَجْمَعُکُمْ وَ

لَا حَمِیَّهَ تُحْمِشُکُمْ- أَقُومُ فِیکُمْ مُسْتَصْرِخاً وَ أُنَادِیکُمْ مُتَغَوِّثاً- فَلَا تَسْمَعُونَ لِی قَوْلًا وَ لَا تُطِیعُونَ لِی أَمْراً-

حَتَّى تَکَشَّفَ الْأُمُورُ عَنْ عَوَاقِبِ الْمَسَاءَهِ- فَمَا یُدْرَکُ بِکُمْ ثَارٌ وَ لَا یُبْلَغُ بِکُمْ مَرَامٌ- دَعَوْتُکُمْ إِلَى نَصْرِ إِخْوَانِکُمْ-

فَجَرْجَرْتُمْ جَرْجَرَهَ الْجَمَلِ الْأَسَرِّ- وَ تَثَاقَلْتُمْ تَثَاقُلَ النِّضْوِ الْأَدْبَرِ- ثُمَّ خَرَجَ إِلَیَّ مِنْکُمْ جُنَیْدٌ مُتَذَائِبٌ ضَعِیفٌ- کَأَنَّما

یُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ یَنْظُرُونَ

أقول: یروى أنّ هذه الخطبه خطب بها علیه السّلام فی غاره النعمان بن بشیر بعین التمر. و السبب أنّ معاویه بعث النعمان بن بشیر فی ألفى فارس لإرهاب أهل العراق فأقبل حتّى دنا من عین التمر، و کان عاملها یومئذ من قبل علىّ علیه السّلام مالک بن کعب الأرجىّ و لم یکن معه إذ ذاک سوى مائه رجل و نحوها فکتب مالک إلیه علیه السّلام یعلمه الخبر. فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى علیه ثمّ قال: اخرجوا هداکم اللّه إلى مالک بن کعب أحنیکم فإنّ نعمان بن بشیر قد نزل به فی جمع من أهل الشام لیس بالکثیر فانهضوا إلى إخوانکم لعلّ اللّه یقطع بکم طرفا من الکافرین. ثمّ نزل فتثاقلوا فأرسل إلى وجوههم فأمرهم بالنهوض فتثاقلوا و لم یجتمع منهم إلّا نفر یسیر نحو ثلاث مائه رجل فقام علیه السّلام و قال: [ألا إنّى‏] منیت. الفصل، و یروى أنّ الدایره کانت لمالک بمن معه على النعمان و جمعه.

اللغه

منیت: أى ابتلیت. و یحمشکم: أى یغضبکم. و المستصرخ: المستجلب بصوته من ینصره. و الغوث: الصوت یستصرخ به، و قیل: هو قول الرجل: و اغوثاه. و الثار: الذحل.و الجرجره: تردید صوت البعیر فی ضجرته عند عسفه. و السرّ: داء یأخذ البعیر فی سرّته یقال منه جمل أسرّ. و النضو من الإبل: البالى من تعب السیر. و الأدبر: الّذی به دبر و هى القروح فی ظهره.

و فی الفصل مطالب:

الأوّل: قوله: منیت بمن لا یطیع. إلى قوله: دعوت.
و هو إظهار لغدر نفسه على أصحابه لینسب إلیهم التقصیر دونه و یقع علیهم لائمه غیرهم.
الثانی: قوله: لا أبالکم. إلى قوله: مرام.
و هو استنهاض لهم إلى نصره اللّه بسؤالهم عن سبب تثاقلهم عن نصرته و الذبّ عن دینه سؤالا على سبیل الإنکار للسبب، و تنبیه لهم على الأسباب الّتی توجب اجتماعهم لنصره اللّه و الغضب له بسؤالهم عنها هل هى موجوده لهم أم لا سؤالا على سبیل الإنکار أیضا إذ هم یدّعون وجودها لهم و هى الدین الّذی امروا بلزومه و الاتّحاد فیه کما قال تعالى وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِیَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِینَ لَهُ الدِّینَ حُنَفاءَ«» الآیه. ثمّ الحمیّه و هى ملکه تحت الشجاعه، و کذلک قوله: أقوم فیکم. إلى قوله: أمرا. من الأسباب الباعثه لهم أیضا على الاجتماع فإنّ ذکر حاله من استصراخه لهم و استغاثته بهم مع ذکر حالهم فی مقابله ذلک من تثاقلهم عن ندائه و عدم طاعتهم له ممّا ینبّئهم على خطأهم و تقصیرهم. و قوله: حتّى تکشّف الامور عن عواقب المسائه. ذکر لغایه تثاقلهم عن دعوته و تنبیه بذکر استعقابه للمساءه على خطأهم فیه، و کذلک قوله: فما یدرک بکم ثار و لا یبلغ بکم مرام. عتاب و توبیخ یبعث طباع العرب على التآلف فی النصره إذ من شأنهم ثوران الطباع بمثل هذه الأقوال.

و قوله: دعوتکم. إلى قوله: الأدبر. استعار لفظ الجرجره لکثره تملّلهم و قوّه تضجّرهم من ثقل ما یدعوهم إلیه، و لمّا کانت جرجره الجمل الأسرّ أشدّ من جرجره غیره لاحظ شبه ما نسبه إلیهم من التضجّر بها. و کذلک تشبیهه تثاقلهم بتثاقل النضو الأدبر و ذکرهم ما دعاهم إلیه من‏ نصره أخوانهم أعنى أصحاب مالک بن کعب المذکور و جوابهم له بالتبرّم من ذلک و التثاقل ثمّ أردف ذلک بتصغیر من خرج منهم من الجند و وصفه بالاضطراب و الضعف. و تشبیههم بمن یساق إلى الموت و هو ینظر فی تثاقله و اضطرابه و ضعفه عن الحرکه إلى ما یساق إلیه لشدّه خوفه. کلّ ذلک ذمّ و توبیخ یستثیر به طباعهم عمّا هى علیه من التثاقل عن ندائه و التقصیر فی إجابه دعائه. و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۰۰

بازدیدها: ۲۷

خطبه۳۷شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

وَ إِنَّمَا سُمِّیَتِ الشُّبْهَهُ شُبْهَهً لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْحَقَّ- فَأَمَّا أَوْلِیَاءُ اللَّهِ فَضِیَاؤُهُمْ فِیهَا الْیَقِینُ- وَ دَلِیلُهُمْ سَمْتُ

الْهُدَى- وَ أَمَّا أَعْدَاءُ اللَّهِ فَدُعَاؤُهُمْ فِیهَا الضَّلَالُ- وَ دَلِیلُهُمُ الْعَمَى- فَمَا یَنْجُو مِنَ الْمَوْتِ مَنْ خَافَهُ وَ لَا یُعْطَى

الْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ‏

المعنى

أقول: یحتمل أن یکون هذا الکلام فصلین:

أحدهما: قوله: و إنّما سمّیت الشبهه. إلى قوله: و دلیلهم العمى
و الثانی: و الباقى.

فالفصل الأوّل إشاره إلى علّه تسمیه الشبهه شبهه، ثمّ إلى بیان حال الناس فیها.

أمّا الأوّل: فالشبهه عباره عمّا یشبه الحقّ ممّا یحتجّ به إمّا فی صورته أو فی مادّته أو فیهما معا، و ظاهر أنّ علّه تسمیتها شبهه هو ذلک الشبه. فلذلک حصرها فیه.

و أمّا الثانی: فلأنّ الناس إمّا أولیاء اللّه أو أعداء له. أمّا أولیاؤه فلمّا کانت نفوسهم مشرقه بنور الیقین مستضیئه بمصباح النبوّه فی سلوک الصراط المستقیم کان بتلک الأنوار هدى أذهانهم فی ظلمات الشبهات و حرزهم عن الهوى فی مهاوى الجهالات کما قال تعالى یَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِینَ وَ الْمُؤْمِناتِ یَسْعى‏ نُورُهُمْ بَیْنَ أَیْدِیهِمْ وَ بِأَیْمانِهِمْ بُشْراکُمُ الْیَوْمَ«» الآیه. و هو الهدى المأمور بلزوم سمته و السلوک إلى المطالب الحقّه، و هو المراد بقوله: فضیاؤهم فیها الیقین، و دلیلهم سمت الهدى، و أمّا أعداؤه فلیس دعاؤهم إلى ما یدعون إلیه إلّا ضلالا عن القصد القویم، و إضلالا للخلق عن الطریق الحقّ و لیس ما یعتمدونه دلیلا یزعمون أنّهم یهدون به السبیل إلّا شبهه هى فی نفسها عمى لأبصارهم [لبصائرهم خ‏] عن مطالعه نور الحقّ و طمس لأذهان من استجاب لهم عند اهتداء سلوک سبیل اللّه وَ مَنْ لَمْ یَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ.

و أمّا الفصل الثانی: و هو قوله: فما ینجو. إلى آخره.
فصدق القضیّه الاولى قوله تعالى قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِی تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِیکُمْ«» و قوله أَیْنَما تَکُونُوا یُدْرِکْکُمُ الْمَوْتُ«» الآیه. و حاصله التذکیر بها دم اللذّات، و التخویف بذکره، و التنفیر عن محبّه ما لا بدّ من زواله لیفرغ السامعون إلى العمل لما بعده إن أخذ التوفیق بأزمّه عقولهم فإنّ خوفه و محبّه ضدّه و هو البقاء لا ینفعان فی الخلاص منه لکونه ضروریّا فی الطبیعه، و یحتمل أن یکون الکلام متصّلا و یکون الفصل الثانی قد سبق له قبل الأوّل کلام یحسن تعلّقه به، و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۹۹

 

بازدیدها: ۲۷

خطبه۳۶شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام یجرى مجرى الخطبه

فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ حِینَ فَشِلُوا- وَ تَطَلَّعْتُ حِینَ تَقَبَّعُوا- وَ نَطَقْتُ حِینَ تَمْنَعُوا-وَ مَضَیْتُ بِنُورِ اللَّهِ حِینَ وَقَفُوا- وَ کُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً وَ أَعْلَاهُمْ فَوْتاً- فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا وَ اسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا- کَالْجَبَلِ لَا تُحَرِّکُهُ الْقَوَاصِفُ- وَ لَا تُزِیلُهُ الْعَوَاصِفُ- لَمْ یَکُنْ لِأَحَدٍ فِیَّ مَهْمَزٌ وَ لَا لِقَائِلٍ فِیَّ مَغْمَزٌ- الذَّلِیلُ عِنْدِی عَزِیزٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ لَهُ- وَ الْقَوِیُّ عِنْدِی ضَعِیفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ- رَضِینَا عَنِ اللَّهِ قَضَاءَهُ وَ سَلَّمْنَا لِلَّهِ أَمْرَهُ- أَ تَرَانِی أَکْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص – وَ اللَّهِ لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ- فَلَا أَکُونُ أَوَّلَ مَنْ کَذَبَ عَلَیْهِ- فَنَظَرْتُ فِی أَمْرِی- فَإِذَا طَاعَتِی قَدْ سَبَقَتْ بَیْعَتِی- وَ إِذَا الْمِیثَاقُ فِی عُنُقِی لِغَیْرِی

اللغه

أقول: التعتعه: الاضطراب فی الکلام عند الحصر. و تطلّع الأمر: اختباره و تعرّفه. و التقبّع: التقبّض. یقال: قبع القنفذ إذا قبض رأسه بین کتفیه. و الاستبداد: الانفراد. و الرهان: ما یرهن و یستبق علیه. و الهمز: الغیبه بالعیب، و کذلک الغمز.

قال بعض الشارحین: هذا الفصل فیه فصول أربعه التقطها الرضىّ رحمه اللّه من کلام طویل له علیه السّلام قاله بعد وقعه النهروان ذکر فیه حاله منذ توفّى رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلّم إلى آخر وقته.

الفصل الأوّل:

فقمت بالأمر حین فشلوا. إلى قوله: برهانها.
هذا الکلام ورد فی معرض افتخاره و إثبات فضیلته على سائر الصحابه لغایه قبول رأیه. فقیامه بالأمر حین فشلهم إشاره إلى فضیله شجاعته: أى فقمت بأمر اللّه بین یدی رسوله و بعده فی الحروب و المقامات الصعبه الّتی ضعفوا عنها و الأوقات الّتی فشلوا فیها و أمره فی ذلک ظاهر.

و قوله: و نطقت حین تعتعوا [تمنّعوا خ‏]. إشاره إلى ملکه الفصاحه المستتبعه لملکه العلم: أى نطقت فی القضایا المهمّه و الأحکام المشکله و المقاول الّتی حصرت فیها بلغاؤهم، فکنّى بنطقه و تعتعتهم عن فضاحتهم و عیّهم.

و قوله تطلّعت حین تقبّعوا. إشاره إلى کبر الهمّه فی تحصیل ما ینبغی للإنسان أن یحصّله من تعرّف الامور و اختبارها و النظر فی مصادرها و مواردها، و هی ملکه تحت الشجاعه، و لمّا کان التطّلع على الأمر یحتاج الإنسان فیه إلى نحو من التطاول و مدّ العنق و تحدیق العین و نحوه، و کان تعرّف الامور و اختبارها لابدّ فیه من بعث رائد الفکر الّذی هو عین النفس الّتی بها یبصر و تحدیقه نحو الامور المعقوله و إرسال المتخیّله لتفتیش خزائن المحسوسات أشبه ذلک التطلّع فاستعار له لفظ التطلّع و کنّى به عنه،

و قوله: حین تقبّعوا. أی کان تعرّفی للأمور حین قصورهم عن ذلک، و لمّا کان التقبّع یقابل مدّ العین و التطاول إلى رؤیه الأشیاء المسمّى تطلّعا، و کان قصور أفکارهم و عدم اعتبارهم للأشیاء یقابل مدّ الفکر و تطاول الذهن إلى معرفه الامور و کان قصور الفکر أیضا و العجز عن المعرفه یشبه التقبّع استعار لفظ التقبّع و کنّى به عنه.

و قوله: و مضیت بنور اللّه حین وقفوا. إشاره إلى فضیله العلم أى کان سلوکى لسبیل الحقّ على وفق العلم و هو نور اللّه الّذی لا یضلّ من اهتدى به. و ذلک حین وقفوا حائرین متردّدین جاهلین بالقصد و کیفیّه سلوک الطریق. و إنّما أثبت لنفسه هذه الفضائل و قرن کلّ فضیله له برذیله فیهم یقابلها لتبیّن فضله بالنسبه إلیهم إذ کان الغرض ذلک.

و قوله: و کنت أخفضهم صوتا و أعلاهم صوتا. کنّى بخفض الصوت عن ربط الجأش فی الامور و الثبات فیها و التصمیم على فعل ما ینبغی من غیر التفات إلى الحوادث [الجواذب خ‏] و الموانع على فعل ما هو خیر و مصلحه فإنّ کثره الأصوات و علوّها فی الأفعال الّتی هی مظنّه الخوف دلیل الفشل، و لا شکّ أنّ من کان أشدّ فی ذلک کان أعلى صوتا و أشدّ سبقا إلى مراتب الکمال و درجات السعاده ممّن کان أضعف فیه.

و قوله: فطرت بعنانها و استبددت برهانها. الضمیران یعودان إلى الفضیله و إن لم یجر لها ذکر لفظىّ فاستعار هاهنا لفظ الطیران للسبق العقلىّ لما یشترکان فیه من معنى السرعه، و استعار لفظى العنان و الرهان اللذین هما من متعلّقات الخیل للفضیله الّتی استکملتها نفسه تشبیها لها مع فضائل نفوسهم بخیل الحلبه، و وجه المشابهه أنّ الصحابه- رضى اللّه عنهم- لمّا کانوا یقتنون الفضائل و یستبقون بها إلى رضوان اللّه و سعادات الآخره کانت فضائلهم الّتی علیها یستبقون کخیل الرهان، و لمّا کانت فضیلته علیه السّلام أکمل فضایلهم و أتمّها کانت بالنسبه إلى فضائلهم کالفرس الّذی لا یشقّ غباره. فحسن منه أن یستعیر لسبقه بها لفظ الطیران، و یجرى علیها لفظ العنان و الرهان.

الفصل الثانی:

قوله: لا تحرّکه القواصف. إلى قوله: آخذ الحقّ منه.
و هذا الفصل یحکى فیه قیامه بأعباء الخلافه حین انتهائها إلیه و جریه فیها على القانون العدل و الأوامر الإلهیّه.

فقوله: کالجبل. تشبیه له فی الثبات على الحقّ بالجبل فکما لا تحرّکها قواصف الریاح و عواصفها کذلک هو لا تحرّکه عن سواء السبیل مراعاه هوى لأحد أو اتّباع طبع یخالف ما یقتضیه سنّه اللّه و شرعه بل هو ثابت على القانون العدل و موافقه الأمر الإلهىّ.

و قوله: لم یکن لأحد فیّ مهمز و لا لقائل فیّ مغمز. أی لم یکن فیّ عیب اعاب به. و قد راعى فی هذه القرائن الأربع مع الأربع الأخیره من الفصل الأوّل السجع المتوازى.

و قوله: الذلیل عندى عزیز حتّى آخذ الحقّ له. إعزازه للذلیل اعتناؤه بحاله و اهتمامه بأمر ظلامته، و من اعتنى بحال إنسان فقد أعزّه ثمّ جعل لإعزازه غایه هى أخذ الحقّ له، و کذلک قوله: و القوىّ عندى ضعیف حتّى آخذ الحقّ منه، فإنّ ضعف القوى هو قهره تحت حکمه إلى غایه یستوفى منه حقّ المظلوم.
فإن قلت: یفهم من هاتین الغایتین أنّ نظره إلى الذلیل بعد استیفاء حقّه و إلى‏ القوىّ بعد أخذ الحقّ منه لا یکون على السواء بل یکون التفاته إلى القوىّ أکثر و ذلک لیس من العدل.

قلت: إنّه لمّا لم یکن الغرض من الأمر بمساواه النظر بین الخلق إلّا أخذ حقّ الضعیف من القوىّ و عدم التظالم بینهم لم تجب مساواه النظر بین الضعیف و القوىّ إلّا من تلک الجهه. و لم یکن إعزازه المقوىّ و إکرامه فی غیر وجه الظلم قبیحا لجواز انفراده بفضیله یوجب إعزازه من جهه الدین أیضا.

الفصل الثالث:

قوله: رضینا عن اللّه قضاؤه و سلّمنا له أمره. إلى قوله: من کذب علیه.
قیل: ذکر ذلک علیه السّلام لما تفرّس فی طائفه من قومه أنّهم یتّهمونه فیما یخبرهم به عن النبیّ صلى اللّه علیه و آله و سلّم من أخبار الملاحم فی الامور المستقبله، و قد کان منهم من یواجهه بذلک کما روى أنّه لمّا قال: سلونى قبل أن تفقدونى فو اللّه لا تسألونى عن فئه تضلّ مائه و تهدى مائه إلّا أنبأتکم بناعقها و سائقها. قام إلیه أنس النخعىّ فقال: أخبرنى کم فی رأسى و لحیتى طاقه شعر. فقال علیه السّلام: و اللّه لقد حدّثنى حبیبى أنّ على کلّ طاقه شعر من رأسک ملک یلعنک، و أنّ على کلّ طاقه شعر من لحیتک شیطانا یغویک، و أنّ فی بیتک سخلا یقتل ابن رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلّم و کان ابنه سنان بن أنس قاتل الحسین علیه السّلام یومئذ طفلا یحبو، و سیأتى بعض تلک الأخبار.

فقوله: رضینا عن اللّه قضاءه و سلّمنا له أمره. قد عرفت أنّ الرضا بقضاء اللّه و التسلیم لأمره باب من أبواب الجنّه یفتحه اللّه لخواصّ أولیائه، و لمّا کان علیه السّلام سیّد العارفین بعد رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلّم و کان قلم القضاء الإلهىّ قد جرى على قوم بالتکذیب له و التهمه فیما یقول لا جرم هو کان علیه السّلام أولى الناس بلزوم باب الرضا. و قوله: أ ترانى أکذب. إلى قوله: علیه. استنکار لما صدر منهم فی حقّه من التکذیب، و إیراد حجّه لبطلان أوهامهم فی حقّه بصوره قیاس الضمیر مع نتیجته، و تقدیره و اللّه لأنا أوّل من صدّقه و کلّ من کان‏ أوّل مصدّق له فلن یکون أوّل مکذّب له ینتج أنّی لا أکون أوّل مکذّب له
الفصل الرابع: قوله: فنظرت فی أمرى إلى آخره.

فیه إحتمالان: أحدهما قال بعض الشارحین: إنّه مقطوع من کلام یذکر فیه حاله بعد وفاه الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم و أنّه کان معهودا إلیه أن لا ینازع فی أمر الخلافه بل إن حصل له بالرفق و إلّا فلیمسک. فقوله: فنظرت فإذا طاعتى قد سبقت بیعتى: أى طاعتى لرسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلّم فیما أمرنى به من ترک القتال قد سبقت بیعتى للقوم فلا سبیل إلى الامتناع منها.

و قوله: و إذا المیثاق فی عنقى لغیرى. أى میثاق رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلّم و عهده إلىّ بعدم المشاقّه، و قیل: المیثاق ما لزمه من بیعه أبى بکر بعد ایقاعها: أى فإذا میثاق القوم قد لزمنى فلم یمکننی المخالفه بعده. الاحتمال الثانی: أن یکون ذلک فی تضجّره و تبرّئه من ثقل أعباء الخلافه، و تکلّف مداراه الناس على اختلاف أهوائهم. و یکون المعنى إنّى نظرت فإذا طاعه الخلق لى و اتّفاقهم علىّ قد سبقت بیعتهم لى، و إذا میثاقهم قد صار فی عنقى فلم أجد بدّا من القیام بأمرهم و لم یسعنی عند اللّه إلّا النهوض بأمرهم و لو لم یکن کذلک لترکت کما قال من قبل: أما و اللّه لو لا حضور الحاضر و قیام الحجّه بوجود الناصر و ما أخذ اللّه على العلماء أن لا یقارّوا على کظّه ظالم و لا سغب مظلوم لألقیت حبلها على غاربها، و لسقیت آخرها بکأس أوّلها. و الأوّل أشهر بین الشارحین، و اللّه أعلم بالصواب.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۹۳

بازدیدها: ۳۰

خطبه۳۵شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام (فی تخویف أهل النهروان)

فَأَنَا نَذِیرٌ لَکُمْ أَنْ تُصْبِحُوا صَرْعَى بِأَثْنَاءِ هَذَا النَّهَرِ- وَ بِأَهْضَامِ هَذَا الْغَائِطِ عَلَى غَیْرِ بَیِّنَهٍ مِنْ رَبِّکُمْ- وَ لَا سُلْطَانٍ

مُبِینٍ مَعَکُمْ- قَدْ طَوَّحَتْ بِکُمُ الدَّارُ وَ احْتَبَلَکُمُ الْمِقْدَارُ- وَ قَدْ کُنْتُ نَهَیْتُکُمْ عَنْ هَذِهِ الْحُکُومَهِ- فَأَبَیْتُمْ عَلَیَّ إِبَاءَ

الْمُخَالِفِینَ- حَتَّى صَرَفْتُ رَأْیِی إِلَى هَوَاکُمْ- وَ أَنْتُمْ مَعَاشِرُ أَخِفَّاءُ الْهَامِ- سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ وَ لَمْ آتِ لَا أَبَا لَکُمْ

بُجْراً- وَ لَا أَرَدْتُ لَکُمْ ضُرّاً

أقول: الخطاب للخوارج الّذین قتلهم علیه السّلام بالنهروان، و قد کان القضاءالالهىّ‏ سبق فیهم بما کان منهم من الخروج. روی فی صحیح الأخبار أنّ رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلّم بینا هو یقسم قسما جاءه رجل من بنى تمیم یقال له ذو الخویصره فقال: اعدل یا محمّد فقال صلى اللّه علیه و آله و سلّم: قد عدلت. فقال له ثانیه: اعدل یا محمّد فإنّک لم تعدل. فقال صلى اللّه علیه و آله و سلّم: ویلک من یعدل إذا لم أعدل. فقام عمر و قال: یا رسول اللّه ائذن لى فی ضرب عنقه. فقال: دعه فسیخرج من ضئضئ هذا قوم یمرقون من الدین کما یمرق السهم من الرمیه یخرجون على خیر فرقه من الناس تحتقر صلاتکم عند صلاتهم و صومکم عند صومهم یقرءون القرآن لا یجاوز تراقیهم فیهم رجل أسود مخدج الید إحدى یدیه کأنّها ثدى امرأه أو بضعه یقتله أولى الفریقین بالحقّ. و فی مسند أحمد عنه عن مسروق قال: قالت لى عایشه: إنّک من ولدى و أحبّهم إلیّ فهل عندک علم من المخدج. فقلت: نعم قتله علىّ بن أبی طالب على نهر یقال لأعلاه تأمر و لأسفله النهروان بین لخاقیق و طرفاء. فقالت: ایتنى على ذلک بیّنه. فأقمت على ذلک رجالا شهدوا عندها بذلک ثمّ قلت لها: سألتک بصاحب القبر ما الّذی سمعت منه فیهم. فقالت: سمعته یقول: إنّهم شرّ الخلق و الخلیقه یقتلهم خیر الخلق و الخلیقه، و أقربهم عند اللّه وسیله. فأمّا سبب خروج هؤلاء القوم فهو أنّه علیه السّلام لمّا قهره أصحابه على التحکیم و أظهروا عنه الرضى به بعد أنّ حذّرهم و وعظهم فلم یلتفوا کتبوا کتاب التحکیم و أخذه الأشعث بن قیس فطاف به على أصحاب معاویه فرضوا به، و طاف به على أصحاب علىّ فرض را به حتّى مرّ برایات عنزه و کان مع علیّ علیه السّلام منهم بصفّین أربعه آلاف فارس فلمّا قرء الکتاب علیهم قال فتیان منهم: لا حکم إلّا للّه ثمّ حملا على أصحاب معاویه فقتلا فهما أوّل من حکم، ثمّ مرّ على مراد، ثمّ على رایات بنى راسب، ثمّ على بنى تمیم فکلّ فرقه فرأه علیهم قالوا: لا حکم إلّا للّه لا نرضى و لا نحکّم الرجال فی دین اللّه فرجع الأشعث فأخبر علیّا علیه السّلام بذلک فاستصغر أمرهم و ظنّ أنّهم قلیلون، فلمّا بلغهم أمر الحکمین ما راعه إلّا و الناس یتنادون من کلّ جانب لا حکم إلّا للّه الحکم للّه یا علیّ لا لک و قد کنّا أخطأنا حین رضینا بالحکمین فرجعنا إلى اللّه و تبنا فارجع أنت و تب إلى اللّه کما تبنا و إلّا برئنا منک. فأبى علیه السّلام الرجوع، و قال: و یحکم أبعد العهد نرجع فما نصنع بقوله تعالى أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ«» الآیه و أبت الخوارج إلّا تضلیل التحکیم‏ و الطعن فیه فبرئوا من علىّ و برى‏ء منهم ثمّ کان اجتماعهم بحرور فسمّاهم علیه السّلام لذلک الحروریّه فناظرهم بها فرجع منهم ألفان ثمّ مضوا إلى النهروان و کان أمیرهم یومئذ عبد اللّه بن الکوّا، و حین القتال عبد اللّه بن وهب الراسبى فسار إلیهم فخطبهم و قال: نحن أهل بیت النبوّه و موضع الرساله و مختلف الملائکه و عنصر الرحمه و معدن العلم و الحکمه أیّها القوم إنّی نذیر لکم. الفصل، و روى أنّه علیه السّلام لمّا قتلهم طلب ذو الثدیه فیهم طلبا شدیدا فلم یجده فجعل یقول: و اللّه ما کذب و لا کذبت اطلبوا الرجل و إنّه لفی القوم.
فلم یزل یطلبه حتّى وجده فی و هده من الأرض تحت القتلى و هو رجل مخدج الید کأنّها ثدی فی صدره و علیها شعرات کسبال الهرّه فکبّر علیّ علیه السّلام و کبّر الناس معه و سرّوا بذلک.

اللغه

الأهضام: جمع هضم و هو المطمئنّ من الوادی. وح الغائط: ما سفل من الأرض.
و طوّحت بکم: أی توّهتکم فی امورکم و رمت بکم المرامى. و احتبلکم: أوقعکم فی الحباله. و النکر: المنکر، و یروى بحرا. و البحر: الأمر العظیم و الداهیه، و یروى هجرا: و هو الساقط من القول، و یروى عرّا. و العرّ و المعرّه: الإثم، و العرّ أیضا: داء یأخذ الإبل فی مشافرها و یستعار للداهیه.

المعنى

و اعلم أنّ حاصل هذا الفصل تحذیر للقوم من الهلاک و هم على غیر بیّنه من ربّهم و لا حجّه واضحه یحتجّون بها على ما یدّعونه حقّا و یقاتلون علیه و ذلک ممّا یجب الحذر منه إذ فیه حرمان سعاده الدارین، و إنّما سمّیت الحجّه نفسها سلطانا لأنّ بها الغلبه و التسلّط و هو من باب الاستعاره.

و قوله: قد طوّحت بکم الدار.
 کنّى بالدار عن الدنیا و إنّما نسب هلاکهم أو إبعادهم و رمیهم إلیها لأنّ المهلک لهم و الموجب لتیههم إنّما هو اتّباع أهوائهم الباطله الّتی منشاؤها إنّما هو تحصیل أمر دنیویّ من مال أو جاه و نحوه فکانت الدنیا هی الّتی رمت بهم المرامى عن رحمه اللّه و أخرجتهم عن طاعته.

و قوله: و احتبلکم المقدار.
استعاره حسنه لإحاطه القدر النازل عن قضاء اللّه بهم فهو کحباله الصاید الّتی لا یخرج للطائر منها إذا نزلت به.

و قوله: کنت نهیتکم عن هذه الحکومه. إلى قوله: إلى هواکم.
 تقریر للحجّه علیهم و کأنّه یقول لهم: إن کان الحقّ هو عدم الحکومه فلم طلبتموها و أبیتم علىّ إباء المخالفین المنابذین لمّا نهیتکم عنها حتّى صرت إلى أهوائکم فیها، و إن کان الحقّ هو ایقاعها فلم شاققتمونى الآن لمّا أوقعتها و جعلت للّه علىّ بها عهدا. و على التقدیرین یلزمهم الخطاء،

و قوله: و أنتم معاشر أخفّاء الهام سفهاء الأحلام.
 الواو للحال و العامل صرفت، و الإضافه فی أخفّاء و سفهاء غیر محضه و لذلک صحّ کونهما و صفین لمعاشر، و خفّه الهامه کنایه عن رذیله الطیش المقابله لفضیله الثبات، و السفه رذیله مقابله للحلم، و الثبات و الحلم فضیلتان تحت ملکه الشجاعه، و لمّا کانت لهاتین الرذیلتین نسبه إلى الفضیلتین صحّ إضافتها إلیهما.

و قوله: و لم آت- لا أبالکم- نکرا و لا أردت بکم ضرّا.
 خرج مخرج الاعتذار إلیهم و استدراجهم ببیان تحسین فعله و نفی المنکر عنه و عدم قصد الإساءه إلیهم لیرجعوا عمّا شبّه إلیهم، و قوله: لا أبا لکم کلمه اعتیدت فی ألسنه العرب. قال الجوهرى: یراد بها المدح، و قال غیره: یراد بها الذمّ فإنّ عدم اللحوق بأب یستلزم العار و السبّه، و قیل: هی دعاء على المرء أن لا یکون له أب یعزّه و یشدًّ ظهره و نفی الأب یستلزم نفی العشیره له فکأنّه دعاء بالذلّ و عدم الناصر.
و اللّه أعلم.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۹۰

بازدیدها: ۲۲

خطبه۳۴شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام بعد التحکیم

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ إِنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْفَادِحِ- وَ الْحَدَثِ الْجَلِیلِ- وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِیکَ لَهُ-

لَیْسَ مَعَهُ إِلَهٌ غَیْرُهُ- وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ ص أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَعْصِیَهَ النَّاصِحِ الشَّفِیقِ الْعَالِمِ الْمُجَرِّبِ-

تُورِثُ الْحَیرَهَ وَ تُعْقِبُ النَّدَامَهَ- وَ قَدْ کُنْتُ أَمَرْتُکُمْ فِی هَذِهِ الْحُکُومَهِ أَمْرِی- وَ نَخَلْتُ لَکُمْ مَخْزُونَ رَأْیِی- لَوْ کَانَ

یُطَاعُ لِقَصِیرٍ أَمْرٌ- فَأَبَیْتُمْ عَلَیَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِینَ الْجُفَاهِ وَ الْمُنَابِذِینَ الْعُصَاهِ- حَتَّى ارْتَابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِهِ وَ ضَنَّ

الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ- فَکُنْتُ أَنَا وَ إِیَّاکُمْ کَمَا قَالَ أَخُو هَوَازِنَ

أَمَرْتُکُمْ أَمْرِی بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى               فَلَمْ تَسْتَبِینُوا النُّصْحَ إِلَّا ضُحَى الْغَدِ

أقول: روى أنّ عمرو بن العاص و أبا موسى الأشعریّ لمّا التقیا بدومه الجندل و قد حکما فی أمر الناس کان علىّ یومئذ قد دخل الکوفه ینتظر ما یحکمان به. فلمّا تمّت خدعه عمرو لأبی موسى و بلغه ذلک علیه السّلام اغتمّ له غمّا شدیدا و وجم منه و قام فخطب الناس.

فقال: الحمد للّه. الفصل. و زاد بعد الاستشهاد ببیت درید فی بعض الروایات: ألا إنّ هذین الرجلین اللذین اخترتموهما قد نبذا حکم الکتاب و أحییا ما أمات‏ و اتّبع کلّ واحد منهما هواه و حکم بغیر حجّه و لا بیّنه ماضیه و اختلفا فیما حکما فکلاهما لم یرشدا للّه. فاستعدّوا للجهاد و تأهّبوا للمسیر و أصبحوا فی معسکر کم یوم کذا. و أمّا قصّه التحکیم و سببها فمذکور فی التواریخ.

اللغه

و الخطب: الأمر العظیم. و فدحه الأمر: إذا عاله و أبهظه. و الجافی: خشن الطباع الّذی ینبوا طبعه عن المؤانسه فیقاطع و یباین.

المعنى

فقوله: الحمد للّه. إلى قوله: الجلیل.
 قد عرفت نسبه الخیر و الشرّ إلى الدهر على أىّ وجه هی، و مراده أحمد اللّه على کلّ حال من السرّاء و الضرّاء. و إن هنا للغایه. و یفهم من هذا الصدر وقوع الخطب الفادح و هو ما وقع من أمر الحکمین. و حمد اللّه علیه.

و قوله: لیس معه إله غیره. تأکید لمعنى کلمه التوحید و تقریر لمقتضاها.

و قوله: أمّا بعد. إلى قوله: الندامه.
 القیود الأربعه الّتی ذکرها من صفات المشیر معتبره فی حسن الرأى و وجوب قبوله: أمّا کونه ناصحا فلأنّ الناصح یصدق الفکر و یمحض الرأى و غیر الناصح ربّما یشیر بفطیر الرأى فیوقع فی المضرّه، و أمّا کونه شفیقا فلأنّ الشفقه تحمل على النصح فتحمل على حسن التروّى فی الأمر و ایقاع الرأى فیه من تثبّت و اجتهاد.

و الباعث على هذین أعنى النصح و الشفقه إمّا الدین أو محبّه المستشیر، و أمّا کونه عالما ففائدته إصابته لعلمه وجه المصلحه فی الأمر فإنّ الجاهل أعمى لا یبصر وجه المصلحه فیه. قال رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلّم: استرشدوا العاقل ترشدوا و لا تعصوه فتندموا، و قال عبد اللّه بن الحسن لابنه محمّد: احذر مشوره الجاهل و إن کان ناصحا کما تحذر عداوه العدوّ العاقل فإنّه کما یوشک أن یقع بک مکر العاقل کذلک یوشک أن یورّطک شور الجاهل، و أمّا کونه مجرّبا فلأنّه لا یتمّ رأى العالم ما لم ینضمّ إلیه التجربه. و ذلک أنّ العالم و إن علم وجه المصلحه فی الأمر إلّا أنّ ذلک الأمر قد یشتمل على بعض وجوه المفاسد لا یطّلع علیه إلّا بالتجربه مرّه و مرّه فالمشوره من دون تجربه مظنّه الخطاء، و قیل‏ فی منثور الحکم: کلّ شی‏ء محتاج إلى العقل و العقل محتاج إلى التجارب. و إذا عرفت أنّ طاعه المشیر الموصوف بالصفات المذکوره مستلزمه فی أغلب الأحوال للسرور بحسن ثمره رأیه و الفوز بها لا جرم کان معصیته و مخالفه رأیه مستلزمه للحسره مستعقبه للندامه.

و قوله: و قد کنت أمرتکم فی هذه الحکومه أمرى.
 لمّا قدّم أنّ معصیه المشیر المذکور تعقّب الحسره و الندامه أردف ذلک ببیان أنّه هو المشیر و أنّه أشار علیهم فخالفوه لیتّضح لهم أنّهم عصوا مشیرا قد استکمل شرائط الرأى فیتوقّعوا الندم على معصیته.

و قوله: و نخلت لکم مخزون رأیى.
 استعاره للفظ النخل لاستخلاص أسدّ آرائه و أجودها لهم بحسب اجتهاده، و وجه المشابهه أنّ أجود ما ینتفع به ممّا ینخل من دقیق و نحوه هو المنخول کذلک الرأى أجوده و أنفعه ما استخلص وصفى من کدورات الشهوه و الغضب.

و قوله: لو کان یطاع لقصیر أمر.
 مثل. و قصیر هذا هو قصیر بن سعد اللخمىّ مولى جذیمه الأبرش بعض ملوک العرب. و أصل المثل أنّ جذیمه کان قتل أبا الزباء ملکه الجزیره فبعثت إلیه عن حین لیتزوّج بها خدعه و سألته القدوم فأجابها إلى ذلک، و خرج فی ألف فارس و خلّف باقى جنوده مع ابن اخته عمرو بن عدّى، و کان قصیر أشار إلى جذیمه أن لا یتوجّه إلیها فلم یقبل رأیه فلمّا قرب جذیمه من الجزیره استقبله جنود الزباء بالعدّه و لم یر منهم إکراما له فأشار علیه قصیر بالرجوع عنها، و قال: إنّها امرأه و من شأن النساء الغدر.

فلم یقبل. فلمّا دخل إلیها غدرت به و قتلته. فعندها قال قصیر: لا یطاع لقصیر أمر.
فذهبت مثلا لکلّ ناصح عصى و هو مصیب فی رأیه. و قد یتوهّم أنّ جواب لو هاهنا متقدّم، و الحقّ أنّ جوابها محذوف و المعنى یتّضح بترتیب الکلام، و التقدیر إنّى کنت أمرتکم أمرى فی هذه الحکومه و نصحت لکم فلو اطعتمونی لفعلتم ما أمرتکم به و محّضت لکم النصیحه فیه، فقولنا: لفعلتم هو تقدیر الجواب، و ممّا ینبّه علیه أنّ قوله: فأبیتم علىّ إباء المخالفین الجفاه و المنابذین العصاه. و هو فی تقدیر استثناء نقیض ذلک‏ التالى، و تقدیره لکنّکم أبیتم علىّ إباء من خالف الأمر و جفا المشیر و عصاه حتّى شکّ فی نصحه هل کان صوابا أو خطاء. و هذا الحکم حقّ فإنّ المشیر بالرأى الصواب إذ اکثر مخالفوه فیه قد یتّهم نفسه فی صحّه ذلک الرأى و صوابه لأنّ استخراج وجه المصلحه فی الأمر أمر اجتهادىّ یغلب على الظنّ بکثره الأمارات اللایحه للمشیر فإذا جوّز المشیر أن یکون خلاف ما رآه هو المصلحه فلا مانع إذن أن یعرض لغیره.

أمارات اخرى یغلب على ظنّه أنّ ما رآه هو لیس بمصلحه فیعارض بها ما رآه الأوّل حقّا و یخالفه فی رأیه فإذا کثرت تلک المخالفه من جمع عظیم جاز أن یتشکّک الإنسان فیما ظنّه من المصلحه أنّه لیس بمصلحه و أنّ الأمارات الّتی اقتضت ذلک الظنّ غیر صحیحه فلذلک قال علیه السّلام: حتّى ارتاب الناصح بنصحه. و عنى بالناصح نفسه أو من رأى رأیه لإطباق أکثر أصحابه على مخالفتهم، و قال بعض الشارحین: یحمل ذلک على المبالغه لأنّه علیه السّلام منزّه عن أن یشکّ فیما یراه صوابا بعد شوره به.

و قوله: و ضنّ الزند بقدحه.
 قیل: هو مثل یضرب لمن یبخل بفوائده إذا لم یجد لها قابلا عارفا بحقّها أو لم یتمکّن من إفادتها فإنّ المشیر إذا اتّهم و استغّش أو خطى‏ء فی رأیه ربما لا ینقدح له بعد ذلک رأى صالح لحکم الغضب علیه من جهه مخالفته و عدم قبول رأیه.

و لمّا کان غرضه أن یقرّر علیهم الندامه فی مخالفه رأیه و یریهم ثمره عصیان أمره الصادر عن معاینه وجه المصلحه کما هو قال: فکنت و إیّاکم کما قال اخو هوازن: أمرتهم أمرى. البیت، و هو لدرید بن الصمه من قصیده له فی الحماسه أوّلها: نصحت لعارض و أصحاب عارض و رهط بنى السوداء و القوم سهّدو قصّته فی هذه القصیده أنّ أخاه عبد اللّه بن الصمه غزا بنى بکر بن هوازن بن غطفان فغنم منهم و استاق إبلهم فلمّا کان بمنعرج اللوى قال: لا و اللّه لا أبرح حتّى أنحر البقیعه و هی ما ینحر من النهب قبل القسمه، و احیل السهام. فقال له أخوه درید: لا تفعل. فإنّ القوم فی طلبک. فأبى علیه و أقام و أنحر البقیعه و بات فلمّا أصبح هجم القوم علیه و طعن عبد اللّه بن صمه فاستغاث بأخیه درید فنهنه عنه القوم حتّى طعن هو

أیضا و صرع و قتل عبد اللّه و حال اللیل بین القوم فنجا درید بعد طعنات و جراح حصل له فقال القصیده، و إنّما قال علیه السّلام: أخو هوازن. لنسبته إلیهم فإنّ دریدا ابن الصمه بن بنى جشم بن معاویه بن بکر بن هوازن. و نحوه قوله تعالى وَ اذْکُرْ أَخا عادٍ لنسبته فیهم و کذلک قال لهم أخوهم لوط و یکفی فی إطلاق لفظ الأخوّه مجازا مجرّد الاتّصال بهم و الملابسه لهم و قد عرفت ذلک، و وجه تمثّله علیه السّلام بالبیت: إنّى کنت و إیّاکم فی نصیحتی و نهیی من الحکومه و مخالفتکم أمرى المستلزمه لندامتکم على التفریط کهذا القائل مع قومه حیث نصح لهم فعصوه فلحقهم من الندامه و الهلاک. و اعلم أنّ الّذی کان أشار به على أصحابه: هو ترک الحکومه و الصبر على قتال أهل الشام. و مجمل السبب أنّ أمارات الغلبه لیله الهرّیر کانت لایحه على أهل الشام فلمّا عاینوا الهلاک استشار معاویه بعمرو بن العاص فی کیفیّه الخلاص فقال عمرو: إنّ رجالک لا تقوم لرجاله، و لست مثله إنّه یقاتلک على أمر و أنت تقاتله على غیره و أنت ترید البقاء و هو یرید الفناء، و أهل العراق یخافون منک إن ظفرت بهم و أهل الشام لا یخافون علیّا إن ظفر بهم، و لکن ألق إلى القوم أمرا إن قبلوه اختلفوا و إن ردّوه اختلفوا:

ادعهم إلى کتاب اللّه حکما فیما بینک و بینهم فإنّک بالغ به حاجتک فإنّى لم أزل ادّخر هذا الأمر لوقت حاجتک إلیه فعرف معاویه ذلک فلمّا أصبحوا رفعوا المصاحف على أطراف الرماح و کان عددها خمس مائه مصحف و رفعوا مصحف المسجد الأعظم على ثلاثه رماح مشدوده یمسکها عشره رهط و نادوا بأجمعهم: اللّه اللّه معشر العرب فی النساء و البنات اللّه اللّه دینکم هذا کتاب اللّه بیننا و بینکم. فقال علیه السّلام: اللّهمّ إنّک تعلم أنّهم ما الکتاب‏  یریدون فاحکم بیننا و بینهم إنّک أنت الحکم الحقّ المبین، و حینئذ اختلف أصحابه فقالت طائفه: القتال القتال، و قال أکثرهم: المحاکمه إلى الکتاب و لا یحلّ لنا الحرب و قد دعینا إلى حکم الکتاب و تنادوا من کلّ جانب الموادعه فقال علیه السّلام فی جوابهم: أیّها الناس إنّى أحقّ من أجاب إلى کتاب اللّه و لکن معاویه و عمرو بن العاص و ابن أبی معیط لیسوا بأصحاب دین و لا قرآن إنّى أعرف بهم منکم صحبتهم صغارا و رجالا فکانوا شرّ صغار و شرّ رجال و یحکم إنّها کلمه حقّ یراد بها الباطل إنّهم ما رفعوها إنّهم یعرفونها و لا یعلمون بها و لکنّها الخدیعه و المکیده و الوهن أعیرونى سواعدکم و جماجمکم ساعه واحده فقد بلغ الحقّ مقطعه و لم یبق إلّا أن یقطع دابر القوم الظالمین، فجاءه عشرون ألفا من أصحابه و نادوه باسمه دون إمره المؤمنین: أجب الیوم إلى کتاب اللّه إذا دعیت و إلّا قتلناک کما قتلنا عثمان.

فقال علیه السّلام: و یحکم أنا أوّل من أجاب إلى کتاب اللّه، و أوّل من دعا إلیه فکیف لا أقبله و إنّما قاتلتهم لیدینو بحکم القرآن و لکنّى قد أعلمتکم أنّهم قد کادوکم و لیس العمل بالقرآن یریدون.
فقالوا: ابعث إلى الأشتر یأتیک. و قد کان الأشتر صبیحه لیله الهریر قد أشرف على عسکر معاویه لیدخله و لاح له الظفر فبعث إلیه فرجع على کره منه و وقع بینه و بین من أجاب إلى الحکومه من أصحاب علیّ علیه السّلام مسابّ و مجادلات على ما اختاروا من ترک الحرب و تنادوا من کلّ جانب رضى أمیر المؤمنین بالتحکیم و کتبوا عهدا على الرضا به، و سنذکر کیفیّته إجمالا إنشاء اللّه تعالى. و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج‏ البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۸۵

بازدیدها: ۳۴

خطبه۳۳شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام فى استنفار الناس إلى أهل الشام

أُفٍّ لَکُمْ لَقَدْ سَئِمْتُ عِتَابَکُمْ- أَ رَضِیتُمْ بِالْحَیاهِ الدُّنْیا مِنَ الْآخِرَهِ عِوَضاً- وَ بِالذُّلِّ مِنَ الْعِزِّ خَلَفاً- إِذَا دَعَوْتُکُمْ إِلَى

جِهَادِ عَدُوِّکُمْ دَارَتْ أَعْیُنُکُمْ- کَأَنَّکُمْ مِنَ الْمَوْتِ فِی غَمْرَهٍ- وَ مِنَ الذُّهُولِ فِی سَکْرَهٍ- یُرْتَجُ عَلَیْکُمْ حَوَارِی

فَتَعْمَهُونَ- فَکَأَنَّ قُلُوبَکُمْ مَأْلُوسَهٌ فَأَنْتُمْ لَا تَعْقِلُونَ- مَا أَنْتُمْ لِی بِثِقَهٍ سَجِیسَ اللَّیَالِی- وَ مَا أَنْتُمْ بِرُکْنٍ یُمَالُ

بِکُمْ- وَ لَا زَوَافِرُ عِزٍّ یُفْتَقَرُ إِلَیْکُمْ- مَا أَنْتُمْ إِلَّا کَإِبِلٍ ضَلَّ رُعَاتُهَا- فَکُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ انْتَشَرَتْ مِنْ آخَرَ-

لَبِئْسَ لَعَمْرُ اللَّهِ سُعْرُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ- تُکَادُونَ وَ لَا تَکِیدُونَ- وَ تُنْتَقَصُ أَطْرَافُکُمْ فَلَا تَمْتَعِضُونَ- لَا یُنَامُ عَنْکُمْ وَ

أَنْتُمْ فِی غَفْلَهٍ سَاهُونَ- غُلِبَ وَ اللَّهِ الْمُتَخَاذِلُونَ- وَ ایْمُ اللَّهِ- إِنِّی لَأَظُنُّ بِکُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى- وَ اسْتَحَرَّ

الْمَوْتُ- قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِی طَالِبٍ انْفِرَاجَ الرَّأْسِ- وَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأً یُمَکِّنُ‏ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ- یَعْرُقُ لَحْمَهُ وَ

یَهْشِمُ عَظْمَهُ- وَ یَفْرِی جِلْدَهُ لَعَظِیمٌ عَجْزُهُ- ضَعِیفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَیْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ- أَنْتَ فَکُنْ ذَاکَ إِنْ شِئْتَ-

فَأَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ دُونَ أَنْ أُعْطِیَ ذَلِکَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِیَّهِ- تَطِیرُ مِنْهُ فَرَاشُ الْهَامِ- وَ تَطِیحُ السَّوَاعِدُ وَ الْأَقْدَامُ- وَ

یَفْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِکَ مِمَّا یَشاءُ أَیُّهَا النَّاسُ- إِنَّ لِی عَلَیْکُمْ حَقّاً وَ لَکُمْ عَلَیَّ حَقٌّ- فَأَمَّا حَقُّکُمْ عَلَیَّ فَالنَّصِیحَهُ

لَکُمْ- وَ تَوْفِیرُ فَیْئِکُمْ عَلَیْکُمْ- وَ تَعْلِیمُکُمْ کَیْلَا تَجْهَلُوا وَ تَأْدِیبُکُمْ کَیْمَا تَعْلَمُوا- وَ أَمَّا حَقِّی عَلَیْکُمْ فَالْوَفَاءُ

بِالْبَیْعَهِ- وَ النَّصِیحَهُ فِی الْمَشْهَدِ وَ الْمَغِیبِ- وَ الْإِجَابَهُ حِینَ أَدْعُوکُمْ وَ الطَّاعَهُ حِینَ آمُرُکُمْ

أقول: روى أنّه  علیه السّلام خطب بهذه الخطبه بعد فراغه من أمر الخوارج و قد کان قام بالنهروان فحمد اللّه و أثنى علیه و قال: أمّا بعد فإنّ اللّه تعالى قد أحسن بنا نصرتکم فتوجّهوا من فورکم هذا إلى عدوّکم من أهل الشام. فقالوا له: قد نفدت نبالنا و کلّت سیوفنا ارجع بنا إلى مصرنا لنصلح عدّتنا، و لعلّ أمیر المؤمنین یزید فی عددنا مثل من هلک منّا لنستعین به. فأجابهم یا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَهَ الَّتِی کَتَبَ اللَّهُ لَکُمْ وَ لا تَرْتَدُّوا عَلى‏ أَدْبارِکُمْ«» الآیه فتلکّؤوا علیه و قالوا: إنّ البرد شدید. فقال: إنّهم یجدون البرد کما تجدون افّ لکم ثمّ تلا قوله تعالى قالُوا یا مُوسى‏ إِنَّ فِیها قَوْماً جَبَّارِینَ«» الآیه. فقام منهم ناس و اعتذروا بکثره الجراح فی الناس و طلبوا أن یرجع بهم إلى الکوفه أیّاما. ثمّ یخرج بهم. فرجع بهم غیر راض و أنزلهم نخیله. و أمرهم أن یزمّلوا معسکرهم و یوّطنوا على الجهاد أنفسهم و یقلّوا زیاره أهلهم. فلم یقبلوا و جعلوا یتسلّلون و یدخلون الکوفه حتّى لم یبق معه إلّا القلیل منهم. فلمّا رأى ذلک دخل الکوفه فخطب الناس. فقال: أیّها الناس استعدّوا لقتال عدوّ فی جهادهم القربه إلى اللّه و درک الوسیله عنده قوم حیازى عن الحقّ لا ینصرونه، موزعین بالجور و الظلم لا یعدلون به.
جفاه عن الکتاب نکب عن الدین یعمهون فی الطغیان، و یتسکّعون فی غمره الضلال وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّهٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَیْلِ و تَوَکَّلْ عَلَى اللَّهِ وَ کَفى‏ بِاللَّهِ وَکِیلًا قال: فلم ینفروا. فترکهم أیّاما ثمّ خطبهم هذه الخطبه فقال: افّ لکم. الفصل.

اللغه

افّ: کلمه تضجّر من الشی‏ء. و غمرات الموت: سکراته الّتی یغمر فیها العقل. و الذهول: النسیان و السهو. و یرتج علیکم: أى یفلق. و الحوار. المخاطبه. و تعمهون: تتحیّرون و تتردّدون. و المألوس: المجنون و المختلط العقل. و سجیس اللیالى و سجیس الأوجس: أى أبدا مدى اللیالی. و الزوافر: جمع زافره، و زافره الرجل أنصاره و عشیرته. و سعر: جمع ساعر، و إسعار النار تهییجها و إلهابها. و الامتعاض: الغضب. و حمس الوغى: اشتداد الحرب و جلبه الأصوات. و عرقت اللحم أعرقه: إذا لم أبق على العظم منه شیئا. و المشرّفیه: سیوف منسوبه إلى مشارف: قرى من أرض العرب تدنوا من الریف. و فراش الهام: العظام الرقیقه تلى القحف.

المعنى

و اعلم أنّه علیه السّلام لمّا أراد استنفارهم إلى الحرب. و کانوا کثیرا ما یتثاقلون عن دعوته استقبلهم بالتأنیف و التضجّر بما لا یرتضیه من أفعالهم.

و قوله: لقد سئمت عتابکم.  تفسیر لبعض ما تأنف منه.

و قوله: أ رضیتم بالحیاه الدنیا من الآخره عوضا، و بالذلّ من العزّ خلفا.
 استفهام على سبیل الإنکار علیهم یستلزم الحثّ على الجهاد فإنّ الجهاد لمّا کان مستلزما لثواب الآخره و لعزّه الجانب، و خوف الأعداء، و القعود عنه یستلزم فی الأغلب السلامه فی الدنیا و البقاء فیها لکن مع طمع العدوّ فیهم و ذلّتهم له کانوا بقعودهم عنه کمن اعتاض الدنیا من الآخره، و استخلف الذلّ من العزّه. و ذلک ممّا لا یرضى به ذو عقل سلیم. و عوضا و خلفا منصوبان على التمییز.

قوله إذا دعوتکم إلى جهاد عدوّکم. إلى قوله: لا تعقلون.
 تبکیت لهم و توبیخ برذائل تعرض لهم عند دعائه لهم إلى الجهاد.
الاولى: بأنّه تدور أعینهم حیره و تردّدا و خوفا من أحد أمرین: إمّا مخالفه دعوته، أو الإقدام على الموت. و فی کلا الأمرین خطر. ثمّ شبّه حالتهم تلک فی دوران أعینهم و حیرتهم بحال المغمور فی سکرات الموت، الساهى فیها عن حاضر أحواله، المشغول بما یجده من الألم. و نحوه قوله تعالى یَنْظُرُونَ إِلَیْکَ تَدُورُ أَعْیُنُهُمْ کَالَّذِی یُغْشى‏ عَلَیْهِ مِنَ الْمَوْتِ.
الثانیه: أنّه یرتج علیهم حواره، و یرتج فی موضع الحال و تعمهون عطف علیه أى یرتج علیکم فیتحیّرون. ثمّ شبّه حالهم عند دعائه إلى الجهاد تشبیها ثانیا بحال من اختلط عقله أى أنّهم فی حیرتهم و تردّدهم فی جوابه کمختلط العقل ما یفقه ما یقول.

الثالثه: أنّهم لیسوا له بثقه أبدا. و هو وصف لهم برذیله الخلف و الکذب المستلزم لعدم ثقته بأقوالهم.

الرابعه: کونهم لیسوا برکن یمیل به المستند إلیه فی خصمه. یقال: فلان رکن شدید. استعاره له من رکن الجبل و هو جانبه لما بینهما من المشارکه فی الشدّه و امتناع المعتصم به. و نحوه قوله تعالى قالَ لَوْ أَنَّ لِی بِکُمْ قُوَّهً أَوْ آوِی إِلى‏ رُکْنٍ«» أى قوىّ یمنعنی منکم و هو وصف بالتخاذل و العجز.

الخامسه: و لا زوافر عزّ یفتقر إلیهم. و هو وصف لهم برذیله الذلّ و الحقاره.

السادسه: تشبیههم بإبل ضلّ رعاتها، و الإیماء إلى وجه الشبه و هو أنّها کلّما جمعت من جانب انتشرت من جانب. إشاره إلى أنّهم ضعیفوا العزوم متشتّتوا الآراء لا یجتمعون على مصلحه بها یکون نظام أحوالهم فی الدارین. و قد علمت أنّ ذلک من نقصان القوّه العلمیّه فکانوا منها على رذیله البله.

السابعه: کونهم لیسوا بسعر نار الحرب: أى لیسوا من رجالها. و ذلک أنّ مدار الحرب على الشجاعه و الرأى. و قد سبقت منه الإشاره إلى ذمّهم بالفشل و ضعف الرأى.

فإذن لیسوا من رجال الحرب، و لمّا استعار لهیجان الحرب لفظ النار لما یستلزمانه من الأذى الشدید رشّح تلک الاستعاره بذکر الإسعار و وصف رجالها به. الثامنه: کونهم یکادون و لا یکیدون: أى یخدعون و یمکر بهم عدوّهم فی ایقاع الحیله، و لیس لهم قوّه المکر و الحیله به. و ذلک أیضا من رذیله ضعف الرأى.

التاسعه: کونهم تنقص أطرافهم فلا یمتعضون: أى یغار العدوّ فی کلّ وقت على بعض بلادهم فیحوزها فلا یشقّ ذلک علیکم و لا یدرککم منه أنفه و لا حمیّه، و هو وصف لهم برذیله المهانه.

العاشره: کونهم فی غفله ساهون مع انتباه عدوّهم. و هو وصف لهم برذیله الغفله أیضا عمّا یراد بهم، و قلّه عقلیّتهم لمصالح أنفسهم، و کلّ هذا التوبیخ تثقیف لهم و تنبیه لنفوسهم الراقده فی مراقد طبائعها على ما ینبغی لهم من المصالح الّتی یکون بها نظام أحوالهم على قانون الدین.

و قوله: غلب و اللّه المتخاذلون.
 تنبیه على أنّهم بتخاذلهم سیغلبون. و أورد الغلب المطلق بعلّه التخاذل لأنّهم للحکم العامّ أشدّ قبولا منهم له على أنفسهم إذ لو خصّصهم به فقال غلبتم و اللّه أو تخاذلتم لم یکن وقعه فی الذوق کوقعه عامّا.

و قوله: و أیم اللّه. إلى قوله: انفراج الرأس.
 أقسم أنّه لیظنّ بهم أنّهم عند اشتداد الحرب و حراره الموت ینفرجون عند انفراج الرأس: أى یتفرّقون أشدّ تفریق. و انفراج الرأس مثل. قیل: أوّل من تکلّم به أکثم بن صیفى فی وصیّه له: یا بنىّ لا تنفرجوا عند الشدائد انفراج الرأس فإنّکم بعد ذلک لا تجتمعون على عزّ. و فی معناه أقوال.
أحدها: قال ابن درید: معناه أنّ الرأس إذا انفرج عن البدن لا یعود إلیه و لا یکون بعده اتّصال و ذلک أشدّ انفراج.

الثانی: قال المفضّل، الرأس اسم رجل ینسب إلیه قریه من قرى الشام یقال لها بیت الرأس و فیها یباع الخمر. قال حسّان: کان سببه من بیت رأس یکون مزاجها عسلا و ماء و هذا الرجل قد انفرج عن قومه و مکانه فلم یعد إلیه فضرب به المثل فی المباینه و المفارقه.

الثالث: قال بعضهم: معناه أنّ الرأس إذا انفرج بعض عظامه عن بعض کان ذلک بعید الالتیام و العود إلى الصحّه.

الرابع: قال بعضهم: معناه انفرجتم عنّى رأسا أى بالکلّیّه.

الخامس: قیل معناه: انفراج من یرید أن ینجو برأسه.

السادس: قیل معناه: انفراج المرأه عن رأس ولدها حاله الوضع فإنّه یکون فی غایه من الشدّه و تفرّق الاتّصال و الانفراج. و نحوه قوله علیه السّلام فی موضع آخر: انفراج المرأه عن قبلها، و على کلّ تقدیر فمقصوده شدّه انفصالهم و تفرّقهم عنه لهم أحوج ما یکون إلیهم، و استحرار الموت یحتمل أن یراد به شدّته الشبیهه بالحراره مجازا کما سبق، و یحتمل أن یراد به خلوصه و حضوره فیکون اشتقاقه من الحریّه، و الجمله الشرطیه خبر أن المخفّفه من المثقّله. و اسمها الضمیر الشأن و هى مع اسمها و خبرها قائمه مقام مفعولى ظنّ، و فیه توبیخ لهم على التقصیر البالغ فی حقّه إلى حدّ أن یظنّ بهم الظنّ المذکور.

و قوله: و اللّه إنّ امرأ. إلى قوله: إن شئت.
 من لطیف الحیله فی الخطاب الموجب للانفعال عنه، و ذلک أنّه صوّر لهم أفعالهم من التخاذل على العدوّ و الضعف و سائر أفعالهم المذمومه الّتی الفوا التوبیخ و التعنیف بعباره تریهم إیّاها فی أقبح صوره و أشدّها کراهه إلیهم و أبلغها نکایه فیهم و هو تمکینهم للعدوّ من أنفسهم فإنّ أفعالهم من التخاذل و نحوه. و هی بعینها تمکین للعدوّ فیما یرید بهم و إعداد له و تقویه لحاله، و لمّا کان من عاده ظفر العدوّ احتیاج المال و القتل و تفریق الحال کنّى عن الأوّل بقوله: یعرق لحمه، و وجه استعاره عرق اللحم لسلب المال بکلّیّته ظاهر، و کذلک کنّى عن القتل و سائر أسباب الهلاک من فعل العدوّ بهشم العظم، و عن تمزیق الحال المنتظم بفرى الجلد. ثمّ لمّا کان من البیّن أنّ تخاذلهم تمکین لعدوّهم منهم و کان تمکین الإنسان لعدوّ من نفسه یفعل به الأفعال المنکره لا یکون إلّا عن عجز عظیم و ضعف فی القلب عن مقاومته لا جرم أثبت العجز و ضعف القلب لامرء مکّن عدوّه من نفسه و أکدّ ذلک بأنّ، و بالقسم البارّ، و کنّى بضعف القلب عن الجبن و أتى بذلک الإثبات على وجه عامّ لکلّ امرء فعل ذلک و لم یخصّهم بالخطاب و لا نسب تمکین العدوّ إلیهم صریحا و إن کانوا هم المقصودین بذلک رجاء لنفارهم عن الدخول تحت هذا العموم بالانقیاد  لأمره و الجهاد. ثمّ أردفه بالأمر أن یکونوا ذلک المرء الّذی وصفه بما وصفه أمرا على سبیل التهدید و التنفیر، و ذلک قوله: أنت فکن ذاک إن شئت. أى ذاک المرء الموصوف بالعجز و الضعف. خطاب للشخص المطلق الصادق على أىّ واحد منهم کان و أمر له أن یکون بصفه المرء الموصوف أوّلا تنفیرا له عمّا ذکره ممّا یلزم الإنسان من الأحوال الردیئه عند تمکینه عدوّه من نفسه.

و روى: أنّه خاطب بقوله: أنت فکن ذاک. الأشعث بن قیس. فإنّه روى: أنّه قال و هو یخطب و یلوم الناس عن تقاعدهم عن الحرب: هلّا فعلت فعل ابن عفان فقال علیه السّلام له: إنّ فعل ابن عفان مخزاه على من لا دین له و لا وثیقه معه، و إنّ امرء أمکن عدوّه من نفسه یهشم عظمه و یفرى جلده لضعیف رأیه ما فوق عقله أنت فکن ذاک إن شئت. الفصل.

و قوله. فأمّا أنا. إلى قوله: ما یشاء.
 لما خیّرهم أن یکونوا ذلک المرء على سبیل التهدید أردف ذلک بالتبرّء من حال المرء المذکور لیکون لهم به علیه السّلام اسوه فی النفار عن تمکین العدوّ من أنفسهم إلّا بعد بذل النفس فی الجهاد أى على تقدیر اختیار المخاطب تلک الحال فإنّه هو لا یختار ذلک الحال بل دون أن یعطى عدوّه من نفسه ذلک التمکین ضرب بالمشرّفیه یطیر منه الهام و تطیح منه السواعد و الأقدام، و کلّ ذلک کنایه عن أشدّ المجاهده، و یفعل اللّه بعد ذلک الجهاد و المناجزه ما یشاء من تمکین العدوّ أو عدم تمکینه فإنّ إلیه مصیر الامور و عواقبها.

و قوله: أیّها الناس. إلى آخره.
ذکر ما لهم علیه من الحقّ و ما له علیهم منه لیعرفهم أنّه أدّى ما علیه من الواجب لهم فینبغى لهم أن یخرجوا إلیه من واجب حقّه الّذی فرض اللّه علیهم فبدء ببیان حقّهم‏ علیه أدبا و استدراجا لطباعهم فإنّ البداءه بحقّ الغیر قبل حقّ النفس ألیق بالأدب و هم لسماعه أقبل. فذکر منها أربعه امور بها یکون صلاح حالهم فی الدارین.

أحدها: النصیحه لهم و هی حثّهم على مکارم الأخلاق و جذبهم إلى ما هو الألیق بهم فی معاشهم و معادهم.

الثانی: توفیر فیئهم علیهم بترک ظلمهم فیه و تفریقه فی غیر وجوهه ممّا لیس بمصلحه لهم کما نسبوه إلى من کان قبله.

الثالث: تعلیمهم کیلا یجهلوا. و إنّما لم یقل کیما یعلموا لأنّ ظهور المنّه علیهم بذکر نفى الجهل عنهم أشدّ من ظهورها فی ذکر عرض إیجاد العلم لهم و لذلک کان تأذّى الرجل و أنفته من أن یقال له: یا جاهل. أشدّ بکثیر من نفار من یقال له: لست بعالم.

الرابع: تأدیبهم کیما یعملوا. فهذه الامور الأربعه هی الواجبه على الإمام للرعیّه واحد منها یرجع إلى صلاح أبدانهم و قوامها: و هو توفیر فیئهم علیهم بضبطه، و عدم التصرف فیه لغیر وجوه مصالحهم. و إثنان یرجعان إلى صلاح حال نفوسهم إمّا من جهه إصلاح القوّه النظریّه: و هو التعلیم لغرض العلم أو من جهه إصلاح القوّه العملیّه و هو التأدیب لغرض العمل. و واحد مشترک بین مصلحتى البدن و النفس و نظام أحوالهما و هو النصیحه لهم. ثمّ أردف ذلک بیان حقّه علیه السّلام و ذکر أیضا أربعه.

الأوّل: الوفاء بالبیعه و هی أهمّ الامور إذ بها النظام الکلّىّ الجامع لهم معه.

الثانی: النصیحه له فی غیبته و حضوره و الذبّ عنه إذ بذلک نظم شمل المصلحه بینهم و بینه أیضا.

الثالث: إجابته حین یدعوهم من غیر تثاقل عن ندائه فإنّ للتثاقل عن دعوته ما علمت من قهر العدوّ. و غلبته علیهم و فوات مصالح عظیمه.

الرابع: طاعتهم له حین یأمرهم، و ظاهر أنّ شمل المصلحه لا ینتظم بدون ذلک. و أنت تعلم بأدنى تأمّل أنّ هذه الامور الأربعه و إن کانت حقوقا له علیهم إلّا أنّه إنّما یطلبها منهم لما یعود علیهم به من النفع فی الدنیا و الآخره فإنّ الوفاء ملکه تحت العفّه و النصیحه له سبب لانتظام امورهم به و إجابه دعوته إجابه لداعى اللّه الجاذب‏ إلى الخیر و المصلحه، و کذلک طاعه أمره طاعه لأمر اللّه إذ هو الناطق به، و قد علمت ما تستلزمه إطاعه اللّه من الکرامه عنده. و باللّه التوفیق و العصمه.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۷۷

بازدیدها: ۲۳

خطبه۳۲شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام عند خروجه لقتال أهل البصره

قال عبد اللّه بن العباس: دخلت على أمیر المؤمنین علیه السّلام بذى قار و هو یخصف نعله فقال لى: ما قیمه هذه النعل فقلت: لا قیمه لها. فقال‏ علیه السّلام:

و اللّه لهى أحب إلى من إمرتکم إلا أن أقیم حقا، أو أدفع باطلا، ثم خرج فحطب الناس فقال:- إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ

مُحَمَّداً ص- وَ لَیْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ یَقْرَأُ کِتَاباً وَ لَا یَدَّعِی نُبُوَّهً- فَسَاقَ النَّاسَ حَتَّى بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ- وَ بَلَّغَهُمْ

مَنْجَاتَهُمْ- فَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ وَ اطْمَأَنَّتْ صَفَاتُهُمْ- أَمَا وَ اللَّهِ إِنْ کُنْتُ لَفِی سَاقَتِهَا- حَتَّى وَلَّتْ بِحَذَافِیرِهَا مَا

ضَعُفْتُ وَ لَا جَبُنْتُ- وَ إِنَّ مَسِیرِی هَذَا لِمِثْلِهَا- فَلَأَنْقُبَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى یَخْرُجَ الْحَقُّ مِنْ جَنْبِهِ- مَا لِی وَ لِقُرَیْشٍ-

وَ اللَّهِ لَقَدْ قَاتَلْتُهُمْ کَافِرِینَ- وَ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ مَفْتُونِینَ- وَ إِنِّی لَصَاحِبُهُمْ بِالْأَمْسِ کَمَا أَنَا صَاحِبُهُمُ الْیَوْمَ

اللغه

أقول: ذوقار: موضع قریب من البصره، و هو الموضع الّذی نصرت فیه العرب على الفرس قبل الإسلام. و یخصف نعله: أی یخرزها. و بوّأهم: أسکنهم. و المخلّه: المنزله. و المنجاه: موضع النجاه. و القناه: الرمج، و عمود الظهر المنتظم للفقار.
و الصفاه: الحجر الأملس المنبسط. و الساقه: جمع سائق. و تولّت بحذافیرها: أی بأسرها. و البقر: الشقّ.

المعنى

و اعلم أنّه علیه السّلام قدّم لنفسه مقدّمه من الکلام أشار فیها إلى فضیله الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم فی مبعثه و هو سوقه للخلق إلى الدین الحقّ لیبنى علیها فضیله نفسه. و کانت غایته من ذلک توبیخ من خرج علیه من قریش و الاستعداد علیهم.

فقوله: إنّ اللّه بعث محمّدا. إلى قوله: صفاتهم. صدر الکلام. أشار فیه إلى فضیله الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم. و الواوان الداخلتان على حرفی النفى للحال. فإن قلت: کیف یجوز أن یقال إنّه لم یکن أحد من العرب فی ذلک‏ الوقت یقرأ کتابا و کانت الیهود یقرءون التوراه و النصارى الإنجیل. قلت: إنّ الکتاب الّذی تدعیّه الیهود و تسمیّه فی ذلک الوقت التوراه لیس هو الکتاب الّذی انزل على. موسى علیه السّلام فإنّهم کانوا حرّفوه و بدلوه فصار کتابا آخر بدلیل قوله تعالى قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْکِتابَ الَّذِی جاءَ بِهِ مُوسى‏ نُوراً وَ هُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِیسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ کَثِیراً«» و ظاهر أنّه من حیث هو مبدّل و محرّف لیس هو المنزّل على موسى علیه السّلام، و أمّا الکتاب الّذی تدّعى النصارى بقاءه فی أیدیهم فغیر معتمد على نقلهم فیه لکونهم کفّارا بسبب القول بالتثلیث، و أمّا النافون للتثلیث فهم فی غایه القلّه فلا یفید قولهم: إنّ ما فی أیدیهم هو إنجیل عیسى. علم فإذن لا یکون المقرّ و لهم حال مبعث محمّد صلى اللّه علیه و آله و سلّم کتابا هو من عند اللّه. سلّمناه لکن یحتمل أن یرید بالعرب جمهورهم فإنّ أکثرهم لم یکن له دین و لا کتاب و إنّما کان بعضهم یتمسّک بآثار من شریعه إسماعیل و بعضهم برسوم لهم.

و قوله: فساق الناس حتّى بوّأهم محلّتهم.
الإشاره بسوقه لهم إلى سوقه العقلىّ لأذهانهم بحسب المعجزات إلى تصدیقه فیما جاء به بحسب ما جاءهم من القرآن الکریم و السنّه النبویّه و إلى معرفه سبیل اللّه، ثمّ بحسب الترغیب لبعضهم و الترهیب للبعض إلى سلوک تلک السبیل. فأصبحوا و قد تبوّؤوا محلّتهم: أى منزلتهم و مرتبتهم الّتی خلقوا لأجلها، و کانت هی مطلوب العنایه الأزلیّه بوجودهم فی هذا الدار و هی لزوم القصد فی سبیل اللّه المسمّى إسلاما و دینا و إیمانا و هو فی الحقیقه المنجاه الّتی لا خوف على سالکها و لا سلامه للمنحرف عنها، و ذلک معنى قوله: و بلّغهم منجاتهم.

و قوله: و استقامت قناتهم.

و المراد بالقناه: القوّه و الغلبه و الدوله الّتی حصلت لهم مجازا و هو من باب إطلاق اسم السبب على المسبّب فإنّ الرمح أو الظهر سبب للقوّه و الشدّه، و معنى إسناد الاستقامه إلیها انتظام قهرهم و دولتهم.

و قوله: و اطمأنّت صفاتهم.

استعاره للفظ الصفاه لحالهم الّتی کانوا علیها، و وجه المشابهه أنّهم کانوا قبل الإسلام فی مواطنهم و على أحوالهم متزلزلین لا یقرّ بعضهم بعضا فی موطن و لا على حال بل کانوا أبدا فی الغاره و النهب و الجلاء. فکانوا کالواقف على حجر أملس متزلزل مضطرب. فاطمأنّت أحوالهم و سکنوا فی مواطنهم. کلّ ذلک بسبب مقدم محمّد صلى اللّه علیه و آله و سلّم.

و قوله: أمّا و اللّه إن کنت لفى ساقتها.

إلى قوله: و لا جبنت. تقریر لفضیلته. فأثبت لنفسه أنّه کان من ساقتها إلى أن تولّت بأسرها من غیر عجز اعتراه و لا جبن، و الضمیر فی ساقتها لکتائب الحرب و إن لم یجر لها ذکر صریح بل ما یحصل منه معنى الذکر و هو الناس فکأنّه قال: فساق الناس و هم یومئذ کتائب علیه فکنت فی ساقتها حتّى تولّت تلک الکتائب بأسرها لم یبق منها من یغالبه، و قد علمت أنّ السوق قد یکون سوق طرد و هزیمه، و الأوّل هو غایته علیه السّلام من السوق الثانی إذ لم یکن مقصوده من حروبه إلّا السوق إلى الدین، و لمّا لم یمکن حصول الهدایه للخلق إلّا بوجود النبیّ صلى اللّه علیه و آله و سلّم، و إیضاح سبیل الحقّ کان ذبّه و طرده الکتائب حتّى تولّت بحذافیرها حمایه عن النبیّ صلى اللّه علیه و آله و سلّم و عن حوزه الدین أمرا واجبا لا لذاته لکن لغرض تمام الهدى الّذی هو غایه وجود النبىّ صلى اللّه علیه و آله و سلّم.

و قوله: ما عجزت [ما ضعفت خ‏] و لا جبنت.

تمام لإثبات الفضیله المذکوره له، و تقریر لما علم من شجاعته، و تأکید لعدم العجز و الجبن الّذی هو طرف التفریط من فضیله الشجاعه.

و قوله: و إنّ مسیرى هذا لمثلها.
. أى لمثل تلک الحال الّتی کنت علیها معهم زمان کفرهم من سوق کتائبهم و طردها من غیر جبن و لا ضعف. و هو فی معنى التهدید الّذی عساه أن یبلغ خصومه و تقوى به نفوس أولیائه، و کذلک قوله: و لأبقرنّ الباطل حتّى أخرج الحقّ من خاصرته. أیضا فی معنى التهدید، و تنبیه على ما علیه خصومه من الباطل. و استعار هنا لفظ الخاصره للباطل و البقر لتفریق الباطل و تمییز الحقّ منه تشبیها له فی استتار الحقّ فیه و عدم‏ تمییزه منه بحیوان ابتلع جوهرا ثمینا أعزّ منه قیمه و أتمّ فایده فاحتیج إلى شقّ بطنه فی استخلاص ما ابتلع.

و قوله: ما لى و لقریش.
 استفهام على سبیل الإنکار لما بینه و بینهم ممّا یوجب الاختلاف و جحد فضیلته، و حسم لاعذار هم فی حربه.

و قوله: و اللّه لقد قاتلتهم کافرین.
 إظهار للمنّه علیهم بسوقه لهم إلى الدین أوّلا و تعییر لهم بما کانوا علیه من الکفر لیعترفوا بفضیلته و نعمه اللّه علیهم به و لیخجلوا من مقابلته بالباطل و هو إظهار الإنکار علیه إذ کانوا أولى باتیان المنکر منه و هو أولى بردّهم عنه آخرا کما کان أوّلا. و کذلک قوله: و قاتلتهم مفتونین. على أحد الروایتین، و أمّا على روایه و لاقاتلنّهم مفتونین فهو تهدید بأن یوقع بهم القتال على فتنتهم و ضلالتهم على الدین. و کافرین و مفتونین نصبا على الحال، و فی ذکر هذین الحالین تنبیه على علّه قتاله لهم فی الحالتین و هو طلبه لاستقامتهم على الدین و رجوعهم إلى الحقّ عن الضلال و إغراء السامعین بهم.

و قوله: و إنّی لصاحبهم بالأمس کما أنا صاحبهم الیوم.
 إشاره إلى أنّه لم تتغیّر حالته الّتی بها قاتلهم کافرین، و فائدته تذکیر الخصم الان بابتلاء الکفّار به فی ذلک الوقت لیتقهقروا عن محاربته إذ فی تذکّر وقایعه فی بدو الإسلام و شدّه بأسه ما تطیر منه القلوب و تقشعرّ منه الجلود. و قد نقلت فی تمام هذه الخطبه فی بعض النسخ: لتضجّ قریش ضجیجها إن تکن فینا النبوّه و الخلافه، و اللّه ما أتینا إلیهم إلّا أنّا اجترأنا علیهم.
و ذلک إشاره إلى السبب الأصلىّ لخروج طلحه و الزبیر و غیرهما من قریش علیه.

و هو الحسد و المنافسه إن تکن الخلافه و النبوّه فی بنی هاشم دونهم. و الضجیج: الصراح القوّى. و هو کنایه عن أشدّ مخاصماتهم و منافراتهم معه على هذا الأمر.

و قوله: و اللّه ما آتینا. إلى آخره.

تأکید لما نسبه إلیهم من سبب الخروج بالقسم البارّ على أنّه لم یکن الباعث لهم على قتاله أو على حسده و البغى علیه أمرا من قبله سوى الاجتراء علیهم أى الشجاعه و الإقدام علیهم فی منعهم عمّا یریدون من قول أو فعل لا تسوّغه الشریعه فإنّه لمّا لم یکن ذلک فی الحقیقه إساءه فی حقّهم یستحقّ بها المکافاه منهم بل إحسان و ردع عن سلوک طرق الضلال تعیّن أنّ السبب فی الخروج علیه و نکث بیعته هو الحسد و المنافسه و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۷۲

بازدیدها: ۱۵

خطبه۳۱شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

أَیُّهَا النَّاسُ- إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِی دَهْرٍ عَنُودٍ وَ زَمَنٍ کَنُودٍ یُعَدُّ فِیهِ الْمُحْسِنُ مُسِیئاً- وَ یَزْدَادُ الظَّالِمُ فِیهِ عُتُوّاً- لَا

نَنْتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا وَ لَا نَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا- وَ لَا نَتَخَوَّفُ قَارِعَهً حَتَّى تَحُلَّ بِنَا- وَ النَّاسُ عَلَى أَرْبَعَهِ أَصْنَافٍ- مِنْهُمْ

مَنْ لَا یَمْنَعُهُ الْفَسَادَ فِی الْأَرْضِ- إِلَّا مَهَانَهُ نَفْسِهِ وَ کَلَالَهُ حَدِّهِ- وَ نَضِیضُ وَفْرِهِ- وَ مِنْهُمْ الْمُصْلِتُ لِسَیْفِهِ وَ

الْمُعْلِنُ بِشَرِّهِ- وَ الْمُجْلِبُ بِخَیْلِهِ وَ رَجِلِهِ- قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ وَ أَوْبَقَ دِینَهُ- لِحُطَامٍ یَنْتَهِزُهُ أَوْ مِقْنَبٍ یَقُودُهُ- أَوْ

مِنْبَرٍ یَفْرَعُهُ- وَ لَبِئْسَ الْمَتْجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْیَا لِنَفْسِکَ ثَمَناً- وَ مِمَّا لَکَ عِنْدَ اللَّهِ عِوَضاً- وَ مِنْهُمْ مَنْ یَطْلُبُ الدُّنْیَا

بِعَمَلِ الْآخِرَهِ- وَ لَا یَطْلُبُ الْآخِرَهَ بِعَمَلِ الدُّنْیَا- قَدْ طَامَنَ مِنْ شَخْصِهِ- وَ قَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ وَ شَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ- وَ

زَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلْأَمَانَهِ- وَ اتَّخَذَ سِتْرَ اللَّهِ ذَرِیعَهً إِلَى الْمَعْصِیَهِ- وَ مِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْکِ ضُئُولَهُ

نَفْسِهِ- وَ انْقِطَاعُ سَبَبِهِ فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ عَلَى حَالِهِ- فَتَحَلَّى بِاسْمِ الْقَنَاعَهِ-

وَ تَزَیَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَهِ- وَ لَیْسَ مِنْ ذَلِکَ فِی مَرَاحٍ وَ لَا مَغْدًى- وَ بَقِیَ رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِکْرُ الْمَرْجِعِ-

وَ أَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ- فَهُمْ بَیْنَ شَرِیدٍ نَادٍّ- وَ خَائِفٍ مَقْمُوعٍ وَ سَاکِتٍ مَکْعُومٍ- وَ دَاعٍ مُخْلِصٍ وَ ثَکْلَانَ

مُوجَعٍ- قَدْ أَخْمَلَتْهُمُ التَّقِیَّهُ وَ شَمِلَتْهُمُ الذِّلَّهُ- فَهُمْ فِی بَحْرٍ أُجَاجٍ- أَفْوَاهُهُمْ ضَامِزَهٌ وَ قُلُوبُهُمْ قَرِحَهٌ- قَدْ وَعَظُوا

حَتَّى مَلُّوا- وَ قُهِرُوا حَتَّى ذَلُّوا وَ قُتِلُوا حَتَّى قَلُّوا- فَلْتَکُنِ الدُّنْیَا فِی أَعْیُنِکُمْ- أَصْغَرَ مِنْ حُثَالَهِ الْقَرَظِ- وَ قُرَاضَهِ

الْجَلَمِ- وَ اتَّعِظُوا بِمَنْ کَانَ قَبْلَکُمْ- قَبْلَ أَنْ یَتَّعِظَ بِکُمْ مَنْ بَعْدَکُمْ- وَ ارْفُضُوهَا ذَمِیمَهً- فَإِنَّهَا قَدْ رَفَضَتْ مَنْ کَانَ

أَشْغَفَ بِهَا مِنْکُمْ

قال الشریف: أقول: هذه الخطبه ربما نسبها من لا علم له إلى معاویه، و هى من کلامأمیر المؤمنین علیه

السّلام الذى لا یشک فیه، و أین الذهب من الرغام، و العذب من الأجاج و قد دل على  ذلک الدلیل

الخرّیت، و نقده الناقد البصیر عمرو بن بحر الجاحظ، فإنه ذکر هذه الخطبه فى کتاب البیان و التبیین، و ذکر

من نسبها إلى معاویه، ثم قال: هى بکلام على علیه السّلام أشبه و بمذهبه فى تصنیف الناس، و

بالإخبار عما هم علیه من القهر و الإذلال، و من التقیه و الخوف- ألیق قال: و متى وجدنا معاویه فى حال

من الأحوال یسلک فى کلامه مسلک الزهاد، و مذاهب العباد

اللغه

أقول: عنود: جائر. و کنود: کفور. و العتوّ: الکبر. و القارعه: الخطب العظیم. و مهانه النفس: حقارتها. و کلّ حدّ السیف و غیره: إذا وقف عن القطع. و نضیض وفره:قلّه ماله. و المصلت بسیفه: الماضى فی الامور بقوّته. و المجلب. المستعین على الأمر بالجمع. و الرجل: جمع راجل. و أشرط نفسه لکذا: أى أعلمها و أعدّها له. و أوبق دینا: أى أهلکه. و الحطام: متاع الدنیا، و أصله ما تکسر من الیبس. و الانتهار: الاختلاس و الاستلاب بقدر الامکان. و المقنب بکسر المیم و فتح النون: الجمع من الخیل ما بین الثلاثین إلى الأربعین. و فرع المنبر یفرعه: أى علاه. و طأمن من شخصه: أى خفض، و الاسم الطمأنینه. و شمّر من ذیله: إذا رفعه. و زخرف: أى زیّن و نمّق. و ضؤوله نفسه: حقارتها. المراح: المکان الّذی یأوى إلیه الماشیه باللیل. و المغدى: هو الّذی یأوى إلیه بالغداه. و الشرید. المشرّد: و هو المطرود. و النادّ: الذاهب على وجهه. و القمع: الإذلال. و المکعوم: الّذی لا یمکنه الکلام کأنّه سدّ فوه بالکعام، و هو شی‏ء یجعل فی فم.
البعیر عند الهیاج. و الثکل: الحزن على فقد بعض المحابّ. و اخملتهم: أى اسقطتهم و أرذلتهم بین الناس. و التقیّه و التقوى: الخوف. و الاجاج: الملح. و الضامز. بالزاء: الساکته. و الحثاله الثفل. و القرظ، ورق السلم یدبغ به. و الجلم: المقراض تجزّ به أوبار الإبل، و قراضته ما تساقط من قرضه.

المعنى

و أعلم أن نسبه الخیر إلى بعض الأزمنه و الشرّ إلى بعض آخر، و تفضیل بعض الأزمنه على بعض نسبه صحیحه لما أنّ الزمان من الأسباب المعدّه لحصول ما یحصل فی هذا العالم من الامتزاجات و ما یتبعها ممّا یعدّ خیرا أو شرّا. و قد یتفاوت الأزمنه فی الإعداد لقبول الخیر و الشرّ ففى بعضها یکون بحسب الاستقراء ما یعدّ شرا کثیرا فیقال: زمان صعب و زمان جائر. و خصوصا زمان ضعف الدین و النوامیس الشرعیّه الّتی هی سبب نظام العالم و بقاؤه و سبب الحیاه الأبدیّه فی الدار الآخره، و فی بعضها یکون ما یعدّ خیرا کثیرا فیقال: زمان حسن و زمان عادل، و هو الزمان الّذی یکون أحوال الخلق فیه منتظمه صالحه خصوصا زمان قوّه الدین و ظهوره و بقاء ستر ناموس الشریعه مسدولا. هذا.

و إن کنّا إذا اعتبرنا أجزاء الخیر و أجزاء الشرّ الواقعه فی کلّ العالم بحسب کلّ زمان لم یکن هناک کثیر تفاوت بین الأزمنه فیما یعدّ خیرا فیها و شرّا. و لذلک قال أفلاطون: الناس یتوهّمون بکلّ زمان أنّه آخرالأزمنه و یثبتون تقصیرا عمّا تقدّمه و لیس یوفون الزمان الماضى و المقیم حقّیهما من التأمّل.

و ذلک أنّهم یقیسون الأحداث فی الزمان المقیم إلى من تناهت سنّه و تجاریبه فی الزمان الماضى، و ینظرون إلى قصور المروّات فی الزمان المقیم و اتّساعها فی الماضى من غیر أن ینظروا إلى الأغراض فی الزمانین و ما یوجبه کلّ واحد منهما. و إذا تتّبع هذا بعدل و استقصى تصریف الزمانین من القوى و الجدات، و الأمن و الخوف، و الأسباب و الأحوال کانا متقاربین. إذا عرفت هذا فتقول:

قوله علیه السّلام إنّا قد أصبحنا. إلى قوله:

حتّى تحلّ بنا. ذمّ للزمان بوصفى الجور و الشدّه لمّا أعدله ممّا عدّد فیه من الأوصاف المعدوده شرّا بالقیاس إلى نظام العالم و بقائه. و ذکر من تلک الأوصاف خمسه: أوّلها: أنّه یعدّ فیه المحسن مسیئا. و ذلک من حساب المسیئین الکسالى عن القیام بطاعه اللّه فیعدّون إنفاق المحسن لما له ریاء و سمعه أو خوفا أو رغبه فی مجازاه، و کذلک سایر فضایله رذایل. کلّ ذلک طعنا فی فضیلته و حسدا أن ینال رتبه أعلى. فیلحقونه بدرجاتهم فی الإساءه. و ثانیها: أنّه یزداد الظالم فیه عتوّا. و ذلک أنّ منشأ الظلم هو النفس الأمّاره بالسوء و هی فی زمان العدل تکون مقهوره دائما أو فی أکثر الأحوال. و ثورانها فی ذلک الوقت طالبه للظلم یکون فلته و انتهاز فرصه. فالظالم فی زمان العدل إن ظلم أو تجاوز حدّه فکالسارق الّذی لا یأمن فی کلّ لحظه أن یقع به المکروه فکذلک الظالم فی زمن العدل مقموع بحرسه الشریعه مرصود بعیون طلایعها. أمّا فی زمان ضعف الشریعه فالظالم فیه کالناهب معط لقوّته سؤلها، غیر ملتفت إلى وازع الدین فلا جرم کان عتوّه فیه أزید. و قد کان فی زمانه بالنسبه إلى عهد الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم کذلک. و ثالثها: أنّه لا ینتفع أهله فیه بما علموا. و هو توبیخ للمقصّرین فی أعمال الآخره على وفق ما علموا من الشریعه ممّا ینبغی أن یعمل لها إذ الانتفاع بالعلم إنّما یکون إذا وافقه العمل، و إلیه الإشاره بقوله علیه السّلام فی موضع آخر: العلم مقرون بالعمل، و العلم یهتف بالعمل فإن أجابه و إلّا ارتحل. فإنّ المراد بارتحال العلم‏هو عدم الانتفاع به و بهتفه بالعمل اقتضاؤه ما ینبغی من مقارنه العمل له. و رابعها: أنّهم لا یسئلون عمّا جهلوا. و هو توبیخ للمقصّرین فی طلب العلم بعدم السؤال عمّا جهلوا منه، و قلّه الالتفات لقصور أفهامهم عن فضیلته، و اشتغالهم بحاضر اللذّات الحسیّه. و خامسها: کونهم لا یتخوّفون قارعه حتّى تحلّ بهم. و ذلک لعدم فکرهم فی عواقب امورهم و اشتغالهم بحاضرها عن الالتفات إلى مصالحهم و تدبیرها و هو توبیخ للمقصّرین فی أمر الجهاد و تنبیه لهم بذکر القارعه و حلولها بهم. و کلّ هذه امور مضادّه لمصلحه العالم. فلذلک عدّ الزمان الواقعه فیه عنودا و شدیدا.

قوله: فالناس على أربعه أصناف. إلى قوله: قلّوا.
أقول: وجه هذه القسمه أنّ الناس إمّا مریدون للدنیا أو للّه. و المریدون لها فإمّا قادرون علیها أو غیر قادرین. و غیر القادرین إمّا غیر محتالین لها، أو محتالون.
و المحتالون إمّا أن یؤهّلوا نفوسهم للإمره و الملک، أو لما هو دون ذلک. فهذه أقسام خمسه مطابقه لما ذکره علیه السّلام من الأوصاف الأربعه الّذین عرضهم للذمّ مع الصنف الخامس الّذین أفردهم بالمدح.
فالصنف الأوّل. فهم المریدون للدنیا القادرون علیها
المشار إلیه فی القسم الثانی من قسمته بقوله: و منهم المصلت لسیفه و المعلن بشرّه. إلى قوله: یفرعه. و المقصود بهذا الصنف القادرون على الدنیا المطلقون لعنان الشهوه و الغضب فی تحصیل ما یتخیّل کمالا من القینات الدنیویّه. فإصلات السیف کنایه عن التغلّب و تناول ما أمکن تناوله بالغلبه و القهر و إعلان الشرّ و المجاهره بالظلم و غیره من رذائل الأخلاق. و الإجلاب بالخیل و الرجل کنایه عن جمع أسباب الظلم و الغلبه و الاستعلاء على الغیر. و إشراط نفسه: تأهیلها و إعدادها للفساد فی الأرض. و ظاهر أنّ من کان کذلک فقد أوبق دینه و أفسده و قوله: لحطام ینتهزه أو مقنب یقوده أو منبر یفرعه. إشاره إلى بعض العلل الغائیّه للصنف المذکور من کونهم بالأوصاف المذکوره.
و استعار لفظ الحطام للمال. و وجه المشابهه أنّ الیبس من النبات کما أنّه لا نفع له‏ بالقیاس إلى ما یبقى خضرته و نضارته أو یکون ذا ثمره کذلک المال بالنسبه إلى الأعمال الصالحه الباقى نفعها فی الآخره، و إنّما خصّ هذه الامور الثلاثه لأنّها الأغلب فیما یسعى أهل الدنیا لأجله إذ الغالب أنّ السعى فیها إمّا لجمع المال أو لریاسه دنیویّه باقتناء الخیل و النعم، أو دینیّه کافتراع المنابر و الترأس بناموس الدین مع قصد الدنیا.

و قوله: و لبئس المتجر. إلى آخره.
تنبیه لهذا الصنف من الناس على خسرانهم فی أفعالهم الشبیهه بالتجاره الخاسره فإنّ طالب الدنیا المحصّل لها کیف ما اتّفق هالک فی الآخره. فهو کالبائع لها بما حصل له من دنیاه، و المعتاض بما له عند اللّه من الأجر الجزیل لو أطاعه حطاما تفنى عینه و تبقى تبعته. و لذلک استعار لفظ التجاره لها.
الصنف الثانی: و هم المریدون لها غیر القادرین علیها و غیر المحتالین لها
و هو المشار إلیه بقوله: منهم من لا یمنعه من الفساد [فی الأرض‏] إلّا مهانه نفسه و کلاله حدّه و نضیض وفره. و کنّى بقوله: کلاله حدّه. عن عدم صراحته فی الامور و ضعفه عنها. و ظاهر أنّ المرید للدنیا المعرض عن اللّه لو خلّى عن الموانع المذکوره و وجد الدنیا لم یکن سعیه فیها إلّا فسادا.
الصنف الثالث: الغیر القادرین على الدنیا مع احتیالهم لها و إعداد أنفسهم لامور دون الملک
و هو المشار إلیه بقوله: و منهم من یطلب الدنیا بعمل الآخره و لا یطلب الآخره بعمل الدنیا. إلى آخره. و قوله: یطلب الدنیا بعمل الآخره إشاره إلى الحیله للدنیا کالریاء و السمعه. و قوله: و لا یطلب الآخره بعمل الدنیا إشاره إلى أنّه مرید للدنیا فقط. قوله: قد طأمن من شخصه. إلى آخره.

تفصیل لکیفیّه الحیله فإنّ خضوع الإنسان و تطأمن شخصه و المقاربه بین خطوه و تشمیر ثوبه و زخرفته لنفسه بما هو شعار الصالحین من عباد اللّه و ستر اللّه الّذی حمى به أهل التقوى أن یردوا موارد الهلکه یقع من صنف من الناس التماسا لدخولهم فی عیون أهل الدنیا و أرباب أهل القینات لیسکنوا إلیهم فی الأمانات و نحوها و یجعلون‏ ذلک ذریعه لهم إلى ما أمّلوه من الدنیا الفانیه فیکونون قد اتّخذوا ستر اللّه و ظاهر دینه وسیله إلى معصیته.

الصنف الرابع: الغیر القادرین علیها المحتالون لها المؤهّلون أنفسهم للملک و الإمره
و هم المشار إلیهم بقوله: و منهم من أقعدهم عن طلب الملک ضؤوله نفسه. إلى آخره. و ذکر من موانع هذا الصنف عمّا رامه مانعین: أحدهما ضؤوله نفسه و قصورها عن المناواه و تخیّلها العجز عن طلب الملک و إن کان مطلوبا ل ه، الثانی سبب ذلک الضعف و هو انقطاع سببه من قلّه المال و عدم الأعوان و الأنصار فی الطلب. فلذلک وقفت به حال القدر على حالته الّتی لم یبلغ معها ما أراد، و قصّرته علیها. فعدل لذلک إلى الحیله الجاذبه لرغبات الخلق إلیه من التحلّى بالقناعه و التزیّن بلباس أهل الزهاده من المواظبه على العبادات و لزوم ظواهر أوامر اللّه و إن لم یکن ذلک عن أصل و اعتقاد قاده إلیه. و قوله: و لیس [هو] من ذلک فی مراح و لا مغدى. کنایه عن أنّه لیس من القناعه و الزهد فی شی‏ء أصلا، و یحتمل أن یکون هذا الصنف من غیر القادرین و غیر المحتالین.

الصنف الخامس: و هم المریدون للّه تعالى
و هم المشار إلیهم بقوله علیه السّلام: و بقى رجال. إلى آخره. و ذکر لهم أوصافا: الأوّل: کونهم قد غضّ أبصارهم ذکر المرجع. و ذلک أنّ المرید للّه إذا التفت إلى جنابه المقدّس و استحضر أنّه راجع إلیه بل مایل بین یدیه. فلا بدّ أن یعرض عن غیره حیاء منه و ابتهاجا بمطالعه أنواره و خوفا أن یحمّج به بصره عن صعود مراتب الأملاک إلى مهاوى الهلاک، و لأنّ الحسّ تابع للقلب فإذا کان بصر القلب مشغولا غریقا فی جلال اللّه کان مستتبعا للحسّ فلم یکن له التفات من طریقه إلى أمر آخر.

و هو المراد بالغضّ. الثانی: کونهم قد أراق دموعهم خوف المحشر. و اعلم أنّ خوف الخائفین قد یکون لامور مکروهه لذاتها، و قد یکون لامور مکروهه لأدائها إلى ما هو مکروه لذاته، و أقسام القسم الثانی کثیره کخوف الموت قبل التوبه، أو خوف نقض القربه، أو خوف الانحراف عن القصد فی عباده اللّه، أو خوف استیلاء القوى الشهوانیّه بحسب مجرى العاده فی استعمال الشهوات المألوفه، أو خوف تبعات الناس عنده، أو خوف سوء الخاتمه، أو خوف سبق الشقاوه فی علم اللّه تعالى. و کلّ هذه و نحوها مخاوف عباد اللّه الصالحین. و أغلبها على قلوب المتّقین خوف الخاتمه فإنّ الأمر فیه خطر، و أعلى الأقسام و أدّلها على کمال المعرفه خوف السابقه لکون الخاتمه تبعا لها و مظهره لما سبق فی اللوح المحفوظ. و قد مثّل من له خوف السابقه و من له خوف الخاتمه برجلین وقع لهما ملک بتوقیع یحتمل أن یکون لهما فیه غناء أو هلاک فتعلّق قلب أحدهما بحال نشر التوقیع و ما یظهر فیه من خیر أو شرّ، و تعلّق قلب الآخر بما خطر للملک حاله التوقیع من رحمه أو غضب. و هذا التفات إلى السبب. فکان أعلى. فکذلک الالتفات إلى القضاء الأزلىّ الّذی جرى بتوقیعه القلم الإلهىّ فی اللوح المحفوظ أعلى من الالتفات إلى الأبد. و إلى ذلک أشار الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم حیث کان على المنبر فقبض کفّه الیمنى ثمّ قال: هذا کتاب اللّه کتب فیه أهل الجنّه بأسمائهم و أسماء آبائهم لا یزاد فیه و لا ینقض.
و لیعمل أهل السعاده بعمل أهل الشقاوه حتّى یقال: کأنّهم منهم بل هم ثمّ یستخرجهم (یستنقذهم خ) اللّه قبل الموت و لو بفواق ناقه، و لیعمل أهل الشقاوه بعمل أهل السعاده حتّى یقال: کأنّهم منهم بل هم هم ثمّ یستخرجهم اللّه قبل الموت و لو بفواق ناقه. السعید من سعد بقضاء اللّه، و الشقىّ من شقى بقضاء اللّه، و الأعمال بالخواتیم.

و أمّا أقسام القسم الأوّل فمثل أن یتمثّل فی نفوسهم ما هو المکروه لذاته کسکرات الموت و شدّته، أو سؤال منکر و نکیر، أو عذاب القبر، أو هول الموقف بین یدی اللّه تعالى و الحیاء من کشف السرّ و السؤال عن النقیر و القطمیر، أو الخوف من الصراط و حدّته و کیفیّه العبور علیه، أو من النار و أغلالها و أحوالها، أو من حرمان الجنّه، أو من نقصان الدرجات فیها، أو خوف الحجاب من اللّه تعالى. و کلّ هذه الأسباب مکروهه فی نفسها و مختلف حال السالکین إلى اللّه فیها، و أعلاها رتبه خوف الفراق و الحجاب عن اللّه تعالى و هو خوف العارفین، و ما قبل ذلک و هو خوف العابدین و الصالحین و الزاهدین و من لم تکمل معرفته بعد.

إذا عرفت ذلک فنقول: الخوف الّذی أشار إلیه علیه السّلام من هذا القسم إذ خوف المحشر یشمل ما ذکرناه من أقسامه. الثالث: کونهم بین شرید نادّ. أى مشرّد فی البلاد مطرود إمّا لکثره إنکاره المنکر أو لقلّه صبره على مشاهده المنکر، و خائف مقموع و ساکت مکعوم: أى کأنّ التقیّه سدّت فاه عن الکلام. و هو من باب الاستعاره، وداع مخلص للّه و ثکلان موجع إمّا لمصابه فی الدین أو من کثره أذى الظالمین. و هذا تفصیل حال آحاد المتّقین، و یحتمل أن یکون ذلک تفصیلا لحالهم بالنسبه إلى خوف المحشر أى أنّ خوف المحشر أراق دموعهم و فعل بکلّ واحد منهم ما ذکر عنه من الحاله الّتی هو علیها. الرابع: کونهم قد أخملتهم التقیّه: أى تقیّه الظالمین و هو تأکید لما سبق. الخامس: کونهم قد شملتهم الذلّه: أى بسبب التقیّه. السادس: کونهم فی بحر اجاج، و استعار لفظ البحر بوصف الاجاج لما فیه من أحوال الدنیا الباطله. و وجه المشابهه أنّ الدنیا کما لا تصلح للاقتناء و الاستمتاع بها بل یکون سببا للعذاب فی الآخره کذلک البحر لا یمکن سابحه و إن بلغ به جهد العطش مبلغه شربه و التروّى به. و قوله: أفواههم ضامره و قلوبهم قرحه. أی إنّهم لمّا فطموا أنفسهم عن لذّاتها و مخالطه أهلها فیما هم فیه من الانهماک فیها لا جرم کانت أفواههم ضامره لکثره صیامهم بعیده العهد بالمضغ، و قلوبهم قرحه جوعا أو خوفا من اللّه أو عطشا إلى رحمته و رضوانه أو لما یشاهدونه من کثره المنکرات و عدم تمکّنهم من إنکارها. و من روى ضامزه بالزاى المعجمه أراد سکوتهم و قلّه کلامهم. السابع: کونهم قد وعظوا حتّى ملّوا: أی ملّوا وعظ الخلق لعدم نفعه فیهم. الثامن: کونهم قد قهروا حتّى ذلّوا. التاسع: کونهم قد قتلوا حتّى قلّوا: أی قتلهم الظالمون لعدم سلکهم فی انتظامهم فان قلت: کیف یقال قتلوا مع بقائهم. قلت: إسناد الفعل إلى الکلّ لوجود القتل فی‏ البعض مجازا من باب إسناد حکم الجزء إلى الکلّ، و لأنّ الکلّ لمّا کان مقصودا بالقتل کان کونهم مقتولین علّه غائیّه فجاز إسناد القتل إلیهم و إن کان المقتول بعضهم.

و قوله: فلتکن الدنیا فی أعینکم. إلى آخره.
أمر للسامعین باستصغار الدنیا و احتقارها إلى حدّ لا یکون فی أعینهم ما هو أحقر منها فإنّ حثاله القرظ و قراضه الجلم فی غایه الحقاره، و المراد من هذا الأمر.
و غایته الترک لها فإنّ استحقار الشی‏ء و استصغاره یستتبع ترکه و الإعراض عنه، ثمّ أمرهم بالاتّعاظ بالامم السابقه فإنّ فی الماضین عبره لاولى الأبصار، و محلّ الاعتبار ما کانوا فیه من نعیم الدنیا و لذّاتها و المباهاه بکثره قیناتها ثمّ مفارقتهم لذلک کلّه بالموت و بقاء الحسره و الندامه للمستکثرین منها حجبا حایله بینهم و بین الوصول إلى حضره جلال اللّه، و نبّههم بقوله: قبل أن یتّعظ بکم من بعدکم. على أنّهم مضطرّون إلى مفارقه ما هم فیه و سیصیرون عبره لغیرهم، و فایده الأمر بالاتّعاظ أیضا الإعراض عنها و الاقلاع و الاغترار بها، ثمّ لمّا أمرهم بهذه الأوامر الّتی لیست صریحه فی الترک أردف ذلک بالأمر الصریح بالترک فقال: و ارفضوها ذمیمه: أی أترکوا ما حاله الحقاره و الذمامه، ثمّ نبّه بعده على ما یصلح علّه لترکها و هو عدم دوام صحبتها و ثباتها لمن کان أحبّ منهم لها: أی و لو دام سرورها و نعیمها لأحد لدام لأحبّ الخلق لها و أحرصهم على المحافظه علیها فلمّا لم تدم لمن هو أشدّ حبّا لها منکم فبالأولى أن لا تدوم لکم، و إذا کان طباعها رفض کلّ محبّ فالأحرى بذی المروّه اللبیب الترفّع و الإعراض عمّن لا تدوم صحبته و لا تصفو محبّته. و باللّه التوفیق.

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۶۳

بازدیدها: ۱۴

خطبه۳۰شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام لابن العباس

لما أرسله إلى الزبیر یستفیئه إلى طاعته قبل حرب الجمل

لَا تَلْقَیَنَّ طَلْحَهَ- فَإِنَّکَ إِنْ تَلْقَهُ تَجِدْهُ کَالثَّوْرِ عَاقِصاً قَرْنَهُ- یَرْکَبُ الصَّعْبَ وَ یَقُولُ هُوَ الذَّلُولُ- وَ لَکِنِ الْقَ الزُّبَیْرَ

فَإِنَّهُ أَلْیَنُ عَرِیکَهً- فَقُلْ لَهُ یَقُولُ لَکَ ابْنُ خَالِکَ- عَرَفْتَنِی بِالْحِجَازِ وَ أَنْکَرْتَنِی بِالْعِرَاقِ- فَمَا عَدَا مِمَّا بَدَا قال

الشریف: أقول: هو أول من سمعت منه هذه الکلمه، أعنى «فما عدا مما بدا»

اللغه

أقول: یستفیئه: أى یسترجعه من فاء إذا رجع. و فی روایه إن تلقه تلقه من الفیئه على کذا إذا وجدته علیه. و العقص: الاعوجاج، و عقص الثور قرنیه: بالفتح متعدّ، و عقص قرنه: بالکسر لازم. و الصعب: الدابّه الجموح السغبه. و الذلول: السهله الساکنه. و العریکه: فعیل بمعنى مفعول و التاء لنقل الاسم من الوصفیّه إلى الاسمیّه الصرفه، و أصل العرک دلک الجلد بالدباغ و غیره. و عدا: جاوز. و بدا: ظهر.

المعنى

و أعلم أنّه علیه السّلام لمّا نهى ابن عبّاس عن لقاء طلحه بحسب ما رأى فی ذلک من المصلحه نبّهه على علّه وجه نهیه عنه بقوله:

فإنّک إن تلقه تجده کذا. و قد شبّهه بالثور، و أشار إلى وجه الشبه بعقص القرن. استعار لفظ القرن و کنّى به عن شجاعته، و لفظ العقص لما یتبع تعاطیه بالقوّه و الشجاعه من منع الجانب و عدم الانقیاد تحت طاعه الغیر اللازم عن الکبر و العجب بالنفس الّذی قد تعرض للشجاع. و وجه الاستعاره الاولى أنّ القرن آله للثور بها یمنع ما یراد به عن نفسه. و کذلک الشجاعه یلزمها الغلبه و القوّه و منع الجانب. و وجه الاستعاره الثانیه أنّ الثور عند إراده الخصام یعقص قرنیه‏ أى یرخى رأسه و یعطف قرنیه لیصوّبهما إلى جهه خصمه. و یقارن ذلک منه نفح صادر عن توهّم غلبته لمقاومه و شدّته علیه و أنّه لا قدر له عنده کذلک المشبّه هینها علم منه علیه السّلام أنّه عند لقاء ابن عباس له یکون مانعا جانبه، متهیّئا للقتال، مقابلا للخشونه و عدم الانقیاد له الصادر عن عجبه بنفسه و غروره لشجاعته. فذلک حسن التشبیه، و یحتمل أن یکون وجه الشبه هو التواء طلحه فی آرائه و انحرافه عنه علیه السّلام الشبیه بالتواء القرن.

و هو تشبیه للمعقول بالمحسوس. و یقال: إنّ الکبر الّذی تداخل طلحه لم یکن فیه قبل یوم احد. و إنّما حدث به فی ذلک الیوم و ذلک أنّه أبلى فیه بلاء حسنا. ثم أشار إلى بن عبّاس بلقاء الزبیر، و أشار إلى وجه الرأى فی ذلک، و هو کونه ألین عریکه، و یکنّى بالعریکه عن الطبع و الخلق کنایه بالمستعار. فیقال: فلان لیّن العریکه إذا کان سهل الجانب لا یحتاج فیما یراد منه إلى تکلّف و مجاذبه قویّه کالجلد اللیّن الّذی یسهل عرکه. و فلان شدید العریکه: إذا کان بالضدّ بذلک. و ظاهر أنّ الزبیر کان سهل الجانب. فلأجل ذلک أمره بلقائه لما عهد من طبیعته أنّها أقبل للاستدراج، و أقرب إلى الانفعال عن الموعظه، و تذکّر الرحم. و أحسن بهذه الاستماله له بذکر النسب المستلزم تصوّره للمیل و الانعطاف من الطبایع السلیمه: و نحوه قوله تعالى حکایه قول هرون لموسى علیه السّلام «قالَ یَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْیَتِی وَ لا» «وَ: لَمَّا رَجَعَ مُوسى‏ إِلى‏ قَوْمِهِ» فإنّ فیه من الاستماله و الاسترقاق بتذکیره حقّ الاخوّه ممّا یدعو إلى عطفه علیه ممّا لم یوجد فی کلام آخر. و أمّا کون علىّ علیه السّلام ابن خال الزبیر فإنّ أبا طالب وصفیّه امّ الزبیر من أولاد عبد المطلب بن هاشم.

و قوله: فما عدا ممّا بدا. قال ابن أبی الحدید. عدا بمعنى صرف. و من: هینها بمعنى عن. و معنى الکلام فما صرفک عمّا کان بدا منک أى ظهر: أى ما الّذی صدّک عن طاعتى بعد إظهارک لها، و حذف الضمیر المفعول کثیر کقوله تعالى وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِکَ أى أرسلناه.

و قال القطب الراوندى: له معنیان:

أحدهما: ما الّذی منعک ممّا کان قد بدا منک من البیعه قبل هذه الحاله، الثانی: ما الّذی عاقک من البداء الّذی یبدو للإنسان، ویکون المفعول الثانی لعدا محذوفا یدلّ علیه الکلام أى ما عداک. یرید ما شغلک و ما منعک عمّا کان بدا لک من نصرتى.

قال ابن أبی الحدید: لیس فی الوجه الثانی ممّا ذکره القطب زیاده على الوجه الأوّل إلّا زیاده فاسده، أمّا أنّه لا زیاده. فلأنّه فسّر عدا فی الوجهین بمعنى منع، و فسّر قوله ممّا کان بدا منک فی الوجهین أیضا بتفسیر واحد. فلم یبق بینهما تفاوت، و أمّا الزیاده الفاسده فظنّه أنّ عدا یتعدّى إلى مفعولین و هو باطل باجماع النحاه.

و أقول: الوجه الّذی ذکره ابن أبی الحدید هو الوجه الأوّل من الوجهین اللذین ذکرهما الراوندى لأنّ الصرف و المنع لا کثیر تفاوت بینهما و إن کان قد یفهم أنّ المنع أعمّ. و أمّا اعتراضه علیه بأنّه لا فرق بین الوجهین اللّذین ذکرهما فهو سهو. لأنّ معنى بدا فی الوجه الأوّل ما ظهر للناس منک من البیعه لى. و مراده به فی الثانی ما ظهر لک فی الرأى من نصرتى و طاعتى. و فرق بین ما یظهر. من الإنسان لغیره، و بین ما یظهر له من نفسه أو من غیره، و أمّا ما ذکره من أنّه زیاده فاسده فالأظهر أنّ لفظه الثانی فی قوله المفعول الثانی زیاده من قلمه أو قلم الناسخ سهوا، و یؤیّده إظهاره للمفعول الأوّل تفسیرا لقوله و یکون المفعول لعدا محذوفا.

ثمّ أقول: و هذه الوجوه و إن احتملت أن یکون تفسیرا إلّا أنّ فی کلّ واحد عدولا عن الظاهر من وجه: أمّا الوجه الّذی ذکره المدائنى فلأنّه لمّا حمل عدا على حقیقتها و هى المجاوزه، و حمل ما بدا على الطاعه السابقه. احتاج أن یجعل من بمعنى عن. و هو خلاف الظاهر. و أمّا الراوندى فإنّه فسّر عدا بمعنى منع أو عاق و شغل، و حمل ما بدا على الطاعه السابقه أو على البیعه. و لا یتمّ ذلک إلّا أن یکون من بمعنى عن.

و الحقّ أن یقال: إنّ عدا بمعنى جاوز. و من لبیان الجنس. و المراد ما الّذی جاوز بک عن بیعتى ممّا بدا لک بعدها من الامور الّتی ظهرت لک. و حینئذ یبقى الألفاظ على أوصاعها الأصلیّه مع استقامه المعنى و حسنه. و روی عن الصادق جعفر بن محمّد علیهما السّلام عن أبیه عن جدّه قال: سألت ابن عباس- رضوان اللّه علیه- عن تلک الرساله فقال: بعثنى فأتیت الزبیر فقلت له. فقال: إنّى ارید ما یرید. کأنّه یقول: الملک. و لم یزدنی على‏ ذلک. فرجعت إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام فأخبرته. و عن ابن عباس أیضا أنّه قال: قلت الکلمه لزبیر فلم یزدنی على أن قال: أنا مع الخوف الشدید لنطمع. و سئل ابن عباس عمّا یعنى الزنیر بقوله هذا.

فقال: یقول: أنا على الخوف لنطمع أن نلى من الأمر ما ولّیتم، و قد فسرّ غیره ذلک بتفسیر آخر. فقال: أراد أنا مع الخوف الشدید من اللّه نطمع أن یغفر لنا هذا الذنب.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۶۰

بازدیدها: ۵

خطبه۲۹شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام فى معنى قتل عثمان

لَوْ أَمَرْتُ بِهِ لَکُنْتُ قَاتِلًا- أَوْ نَهَیْتُ عَنْهُ لَکُنْتُ نَاصِراً- غَیْرَ أَنَّ مَنْ نَصَرَهُ لَا یَسْتَطِیعُ أَنْ یَقُولَ خَذَلَهُ مَنْ أَنَا خَیْرٌ

مِنْهُ- وَ مَنْ خَذَلَهُ لَا یَسْتَطِیعُ أَنْ یَقُولَ نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَیْرٌ مِنِّی- وَ أَنَا جَامِعٌ لَکُمْ أَمْرَهُ اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ الْأَثَرَهَ- وَ

جَزِعْتُمْ فَأَسَأْتُمُ الْجَزَعَ- وَ لِلَّهِ حُکْمٌ وَاقِعٌ فِی الْمُسْتَأْثِرِ وَ الْجَازِعِ

اللغه

أقول: المستأثر بالشی‏ء: المستبدّ به

المعنى

و مقتضى هذا الفصل تبرّؤه علیه السّلام من الدخول فی دم عثمان بأمر أو نهى کما نسبه إلیه معاویه و غیره.

و قوله: لو أمرت به لکنت قاتلا. قضیّه شرطیّه بیّن فیها لزوم کونه قاتلا لکونه آمرا. و هذا اللزوم عرّفی. إذ یقال فی العرف للآمر بالقتل قاتل. و الآمر شریک الفاعل و إن کان القاتل فی اللغه هو المباشر للفعل و الّذی صدر عنه. و کذلک بیّن فی قوله: أو نهیت عنه لکنت ناصرا لزوم کونه ناصرا لکونه ناهیا. و هو ظاهر، و قد عرفت أنّ استثناء نقیض اللازم یستلزم نقیض الملزوم، و اللازمان فی هاتین القضیّتین هما القتل و النصره، و معلوم أنّ القتل لم یوجد منه علیه السّلام بالاتّفاق فإنّ غایه ما یقول الخصم أنّ قعوده عن نصرته دلیل على إرادته لقتله. و ذلک باطل. لأنّ القعود عن النصره قد یکون لأسباب اخرى کما سنبیّنه. ثمّ لو سلّمنا أنّ القعود عن النصره دلیل إراده القتل لکن إراده القتل لیس بقتل. فإنّ کلّ أحد یحبّ قتل خصمه لکن لا یکون بذلک قاتلا. و کذلک‏ ظاهر کلامه یقتضى أنّ النصره لم توجد منه، و إذا انتقى اللازمان استلزم نفى أمره بقتله و نهیه عنه. و یحتمل أن یرید فی القضیّه الثانیه استثناء عین مقدّمها لینتج تالیها: أى لکنّى نهیت عنه فکنت ناصرا. لا یقال: لا یخلو إمّا أن یکون مرتکب المنکر هو عثمان أو قاتلیه و على التقدیرین فیجب على علیّ علیه السّلام القیام و الإنکار إمّا على عثمان بالمساعده علیه إن کان هو مرتکب المنکر، أو على قاتلیه بالإنکار علیهم و نصرته. فقعوده عن أحد الأمرین یستلزم الخطأ، لکنّه لم یخطأ فلم یکن تارکا لأحد الأمرین.

فلا یثبت التبرّء. و الجواب البرى‏ء من العصبیّه فی هذا الموضع: أنّ عثمان أحدث امورا نقمها جمهور الصحابه علیه، و قاتلوه أحدثوا حدثا یجب إنکاره: أمّا أحداث عثمان فلم ینته فی نظر على علیه السّلام إلى حدّ یستحقّ بها القتل و إنّما استحقّ فی نظره أن ینبّهه علیها. فلذلک ورد فی النقل أنّه أنکرها علیه و حذّره من الناس غیر مرّه کما سیجی‏ء فی کلامه علیه السّلام. فإن صحّ ذلک النقل ثبت أنّه أنکر علیه ما أحدثه لکنّه لا یکون بذلک داخلا فی دمه لاحتمال أنّه لمّا حذّره الناس و لم ینته اعتزله. و إن لم یثبت ذلک النقل فالإنکار لیس من فروض الأعیان بل هو من فروض الکفایات إذا قام به البعض سقط عن الباقین، و قد ثبت أنّ جمهور الصحابه أنکروا تلک الأحداث من عثمان فلا یتعیّن وجوب الإنکار على علیّ علیه السّلام، و أمّا حدث قاتلیه فهو قتله. فإن ثبت أنّه علیه السّلام ما أنکر علیهم. قلنا: إنّ من جمله شروط إنکار المنکرات أن یعلم المنکر أو یغلب على ظنّه قبول قوله، أو تمکّنه من الدفع بیده فلعلّه علیه السّلام علم من حالهم أنّه لا یفید إنکاره معهم. و ظاهر أنّ الأمر کان کذلک: أمّا عدم فائده إنکاره بالقول معهم فلأنّه نقل عنه علیه السّلام أنّه کان یعد الناس بإصلاح الحال بینهم و بین عثمان و إزالته عمّا نقموه علیه و تکرّر منه وعده لهم بذلک و لم یتمکّن منه، و ظاهر أنّهم بعد تلک المواعید لا یلتفتون إلى قوله، و أمّا إنکاره بیده فمعلوم بالضروره أنّ الإنسان الواحد أو العشره لا یمکنهم دفع الجمع العظیم من عوامّ العرب و دعاتهم خصوصا عن طباع ثارت و تألّفت و جمعها أشدّ جامع و هو ما نسبوه إلیه حقّا و باطلا. ثمّ من المحتمل من تفرّقه مال المسلمین الّذی هو قوام حیاتهم سواء کان ما نسبوه إلیه حقّا أم لا أن یکون قد غلب على ظنّه أنّه لو قام فی نصرته لقتل معه و لا یجوز للإنسان أن یعرض نفسه للأذى و القتل فی دفع بعض المنکرات الجزئیّه. و أمّا إن ثبت أنّه أنکر علیهم کما نقلنا حملنا ذلک النهى على نهیه لهم حال اجتماعهم لقتله قبل حال قتله،

و قوله: و لو نهیت عنه لکنت ناصرا. على عدم المنع من قتله حال قتله لعدم تمکّنه من ذلک و عدم إفاده قوله. قال بعض الشارحین: هذا الکلام بظاهره یقتضى أنّه ما أمر بقتله و لا نهى عنه. فیکون دمه عنده فی حکم الامور المباحه الّتی لا یؤمر بها و لا ینهى عنها. قلت: هذا سهو لأنّ التبرّء من الأمر بالشى‏ء و النهى عنه غایه ما یفهم منه عدم الدخول فیه و السکوت عنه و لا یلزم من ذلک الحکم بأنّه من الامور المباحه لاحتمال أنّ اعتزاله هذا الأمر کان لأحد ما ذکرناه. و بالجمله فإنّ أهل التحقیق متّفقون على أنّ السکوت على الأمر لا یدلّ على حال الساکت بمجرّده و إن دلّ بقرینه اخرى.

و ممّا یدلّ على أنّه کان متبرّئا من الدخول فی دم عثمان بأمر أو نهى ما نقل عنه لمّا سئل: أساءک قتل عثمان أم سرّک فقال: ما ساءنى و لا سرّنى. و قیل: أرضیت بقتله فقال: لم أرض. فقیل: أسخطت قتله. فقال: لم أسخط. و هذا کلّه کلام حقّ یستلزم عدم التعرّض بأمره فإنّ من أعرض عن شی‏ء و لم یدخل فیه یصدق أن یقول: إنّی لم أسخط به و لم أرض و لم أسأ به و لم أسرّ، فإنّ السخط و الرضا و الإساءه و السرور حالات تتوارد على النفس بأسباب تتعلّق بها فخالع تلک الأسباب عن نفسه فی أمر من الامور کیف یعرض له أحد هذه الحالات فیه. فإن قلت: إن کان قتل عثمان منکرا کان مستلزما لسخطه علیه السّلام و مساءته منه و قد نقل عنه أنّه لم یسخط له و ذلک یقتضى أحد الأمرین: أحدهما أنّه علیه السّلام لا یسخط للمنکر و هو باطل بالاتّفاق، و الثانی أن قتل عثمان لم یکن عنده منکرا، و التقدیر أنّه منکر.

قلت: إنّ قتل عثمان یستلزم سخطه لکن لا من حیث إنّه قتل عثمان بل من جهه کونه منکرا، و المنقول أنّه لم یسخط لقتل عثمان و لا سائه ذلک أى من جهه کونه قتل عثمان و ذلک لا ینافی أن یسوئه و یسخطه من جهه کونه منکرا. و فی الجواب‏ غموض. فلیتفّطن. و لأجل اشتباه الحال خبط الجهّال. و فیها یقول شاعر أهل الشام:
و ما فی علیّ لمستعتب مقال سوى صحبه المحدثینا
و ایثاره الیوم أهل الذنوب‏
و رفع القصاص عن القاتلینا
إذا سئل عنه حدا شبهه و عمّى الجواب على السائلینا
و لیس براض و لا ساخط
و لا فی النهاه و لا الآمرینا
و لا هو سائه و لا [هو] سرّه و لا بدّ من بعض ذا أن یکونا

فأمّا تفصیل الاعتراضات و الأجوبه فی معنى قتل عثمان و ما نسب إلى علىّ علیه السّلام من ذلک فمبسوط فی کتب المتکلّمین کالقاضى عبد الجبّار و أبى الحسین البصریّ و السیّد المرتضى و غیرهم فلا نطول بذکرها، و ربّما أشرنا إلى شی‏ء من ذلک فیما بعد.

و قوله: غیر أنّ من نصره لا یستطیع. إلى قوله: خیر منّی. فأعلم أنّ هذا الفصل ذکره علیه السّلام جوابا لبعض من أنکر بحضرته قعود من قعد عن نصره عثمان و جعلهم منشأ الفتنه، و قال: إنّهم لو نصروه و هم أکابر الصحابه لما اجترى‏ء علیه طغام الامّه و جهّالها، و إن کانوا رأوا أنّ قتله و قتاله هو الحقّ فقد کان یتعیّن علیهم أن یعرّفوا الناس ذلک حتّى یرتفع عنهم الشبهه، و فهم علیه السّلام أنّ القائل یعنیه بذلک. فأجابه بهذا الکلام تلویحا لا تصریحا. إذ کان فی محلّ یلزمه التوقّى. فقرّر أوّلا أنّه ما أمر فی ذلک بأمر و لا نهى ثمّ عاد إلى الاستثناء فقرّرها فی هاتین القضیّتین: إنّ الّذین خذلوه کانوا أفضل من الناصرین له إذ لا یستطیع ناصروه کمروان و أشباهه أن یفضّلوا أنفسهم على خاذلیه کعلىّ علیه السّلام بزعم المنکر و کطلحه و سائر أکابر الصحابه إذا العقل و العرف یشهد بأفضلیّتهم، و کذلک لا یستطیع الخاذلون أن یفضّلوا الناصرین على أنفسهم اللّهمّ إلّا على سبیل التواضع. و لیس الکلام فیه. فکأنّه علیه السّلام سلّم تسلیم جدل أنّه دخل فی أمر عثمان و کان من الخاذلین له.

ثمّ أخذ فی الردّ على المنکر بوجه آخر فقال: غیر أنّى لو سلّمت أنّى ممّن خذله‏ لکنّ الخاذلون له أفضل من الناصرین و أثبت المقدّمه بهاتین القضیّتین و حذف التالیه للعلم بها، و تقدیرها: و الأفضل یجب على من عداه اتّباعه و الاقتداء به، فینتج هذا القیاس أنّه کان یتعیّن على من نصره أن یتبع من خذله. و هذا عکس اعتقاد المنکر. و قال بعض النقّاد: إنّ هذه کلمه قرشیّه، و أراد بذلک أنّه عمّى على الناس فی کلامه. قال: و لم یرد التبرّء من أمره. و إنّما أراد أنّ الخاذلین لا یلحقهم المفضولیّه بکونهم خاذلین له، و إنّ الناصرین له لا یلحقهم الأفضلیّه بنصرته. و الّذی ذکره بعید الفهم من هذا الکلام. و یمکن أن یحمل على وجه آخر و ذلک أنّه إنّما قرّر أفضلیّه الخاذلین على الناصرین لیسلم هو من التخصیص باللائمه فی القعود عن النصره فکأنّه قال: و إذا کان الخاذلون له أفضل ممّن نصره. تعیّن علیهم السؤال عن التخلّف، و أن یستشهد علیهم بحال الناصرین له مع کونهم مفضولین. فلم خصّصت باللائمه من بینهم و المطالبه بدمه لو لا الأغراض الفاسده. و قوله: و أنا جامع لکم أمره. إلى قوله: الأثره. أشار علیه السّلام فی هذا اللفظ الوجیز إجمالا إلى أنّ کلّ واحد. من عثمان و قاتلیه کانا على طرف الإفراط من فضیله العداله: أمّا عثمان فاستیثاره و استبداده برأیه فیما الامّه شرکاء فیه و الخروج فی ذلک إلى حدّ الإفراط الّذی فسد معه نظام الخلافه علیه و أدّى إلى قتله، و أمّا قاتلوه فلخروجهم فی الجزع من فعله إلى طرف التفریط عمّا کان ینبغی لهم من التثبّت و انتظار صلاح الحال بینهم و بینه بدون القتل، حتّى استلزم ذلک الجزع ارتکابهم لرذیله الجور فی قتله. فلذلک کان فعله إساءه للاستیثار، و فعلهم إساءه للجزع، و قیل: أراد أنّکم أسأتم الجزع علیه بعد القتل. و قد کان ینبغی منکم ذلک الجزع له قبل قتله

و قوله: و للّه حکم واقع فی المستأثر و الجازع. المفهوم من ذلک أنّه یرید بالحکم الواقع للّه فی المستأثر هو الحکم المقدّر اللاحق لعثمان بالقتل المکتوب بقلم القضاء الإلهىّ فی اللوح المحفوظ، و فی الجازغ هو الحکم اللاحق لقاتلیه من کونهم قاتلین، أو قالین و جازعین. و فی نسبه هذه الأحکام إلى اللّه تنبیه على‏ تبرّئه من الدخول فی أمر عثمان و قاتلیه بعد الإشاره إلى السبب المعدّ لوقوعها فی حقّهم و هو الاسائه فی الاستیثار و الجزع، و یحتمل أن یرید الحکم فی الآخره اللاحق للکلّ: من ثواب أو عقاب عمّا ارتکبه. و باللّه التوفیق و العصمه.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۵۵

بازدیدها: ۱۵

خطبه۲۸شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

أَیُّهَا النَّاسُ الْمُجْتَمِعَهُ أَبْدَانُهُمْ- الْمُخْتَلِفَهُ أَهْوَاؤُهُمْ- کَلَامُکُمْ یُوهِی الصُّمَّ الصِّلَابَ- وَ فِعْلُکُمْ یُطْمِعُ فِیکُمُ

الْأَعْدَاءَ- تَقُولُونَ فِی الْمَجَالِسِ کَیْتَ وَ کَیْتَ- فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ حِیدِی حَیَادِ- مَا عَزَّتْ دَعْوَهُ مَنْ دَعَاکُمْ- وَ لَا

اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاکُمْ- أَعَالِیلُ بِأَضَالِیلَ دِفَاعَ ذِی الدَّیْنِ الْمَطُولِ- لَا یَمْنَعُ الضَّیْمَ الذَّلِیلُ- وَ لَا یُدْرَکُ الْحَقُّ

إِلَّا بِالْجِدِّ- أَیَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِکُمْ تَمْنَعُونَ- وَ مَعَ أَیِّ إِمَامٍ بَعْدِی تُقَاتِلُونَ- الْمَغْرُورُ وَ اللَّهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ- وَ مَنْ فَازَ بِکُمْ

فَقَدْ فَازَ وَ اللَّهِ بِالسَّهْمِ الْأَخْیَبِ- وَ مَنْ رَمَى بِکُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ-

أَصْبَحْتُ وَ اللَّهِ لَا أُصَدِّقُ قَوْلَکُمْ- وَ لَا أَطْمَعُ فِی نَصْرِکُمْ- وَ لَا أُوعِدُ الْعَدُوَّ بِکُمْ- مَا بَالُکُمْ مَا دَوَاؤُکُمْ مَا طِبُّکُمْ-

الْقَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُکُمْ- أَ قَوْلًا بِغَیْرِ عِلْمٍ- وَ غَفْلهً مِنْ غَیْرِ وَرَعٍ- وَ طَمَعاً فِی غَیْرِ حَقٍّ

أقول: روى أنّ السبب فی  هذه الخطبه هو غاره الضحّاک بن قیس بعد قصّه الحکمین و عزمه على المسیر إلى الشام. و ذلک أنّ معاویه لمّا سمع باختلاف الناس على علیّ علیه السّلام، و تفرّقهم عنه، و قتله من قتل من الخوارج بعث الضحّاک بن قیس فی نحو من أربعه آلاف فارس و أوعز علیه بالنهب و الغاره. فأقبل الضحّاک یقتل و ینهب حتّى مرّ بالثعلبیّه. فأغار على الحاجّ فأخذ أمتعتهم. و قتل عمرو بن عمیس بن مسعود ابن أخی عبد اللّه بن مسعود صاحب رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلّم و قتل معه ناسا من أصحابه. فلمّا بلغ علیّا علیه السّلام ذلک استصرخ أصحابه على أطراف أعماله و استشارهم إلى لقاء العدوّ فتلکّؤوا.
و رأى منهم تعاجزا و فشلا. فخطبهم هذه الخطبه. و لنرجع إلى المتن.

اللغه

فالأهواء: الآراء، و الوهی: الضعف، و کیت و کیت: کنایه عن الحدیث. و حاد عن الأمر: عدل عنه. قال الجوهری: قولهم حیدی حیاد کقولهم: فیحی فیاح، و نقل أنّ فیاح اسم للغاره کقطام. فحیاد أیضا اسم لها. و المعنیّ: اعزلی عنّا [عنها خ‏] أیّتها الحرب، و یحتمل أن یکون حیاد من أسماء الأفعال کنزال. فیکون قد أمر بالتنحّی مرّتین بلفظین مختلفین. و أعالیل و أضالیل: جمع أعلال و أضلال و هما جمع علّه: اسم لما یتعلّل به من مرض و غیره، و ضلّه: اسم من الضلال بمعنى الباطل، و المطول: کثیر المطال و هو تطویل الوعد و تسویفه، و الجدّ: الاجتهاد، و الأخیب: أشدّ خیبه و هی الحرمان، لأفوق: السهم المکسور الفوق و هو موضع الوتر منه، و الناصل: الّذی لا نصل فیه.

المعنى

و المقصود أنّه علیه السّلام نبّههم على ما یستقبح فی الدین، و مراعاه حسن السیره من أحوالهم و أقوالهم و أفعالهم: أمّا أحوالهم فاجتماع أبدانهم مع تفرّق آرائهم الموجب لتخاذلهم عن الذبّ عن الدین و المفرّق لشمل مصالحهم. و أمّا أقوالهم فکلامهم الّذی یضعف عند سماعه القلوب الصلبه الثابته و یظنّ سامعه أن تحته نجده و ثباتا و هو قولهم مثلا فی مجالسهم: إنّه لا محلّ لخصومنا، و إنّا سنفعل بهم کذا، و سیکون منّا کذا. و أمثاله.

و استعار لفظی الصمّ الصلاب من أوصاف الحجاره للقلوب الّتی تضعف من سماع کلامهم کما شبّه القرآن الکریم بها: فَهِیَ کَالْحِجارَهِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَهً. و أمّا أفعالهم فهو تعقیب هذه الأقوال عند حضور القتال و دعوتهم إلى الحرب بالتخاذل و عدم التناصر و التقاعد عن إجابه داعی اللّه و کراهیّه الحرب و الفرار عن مقاتله العدوّ، و کنّى بقوله: قلتم حیدی حیاد. عن ذلک، و هى کلمه کانت تستعملها العرب عند الفرار. ثمّ أردف ذلک بما العاده أن یأنف منه من یطلب الانتصار به على وجه التضجّر منهم عن کثره تقاعدهم عن صوته.

و ذلک قوله: ما عزّت دعوه من دعاکم. المستلزم للحکم بذلّه داعیهم، و لا استراح قلب من قاساکم. المتلزم للحکم بتعبه، و قوله: أعالیل بأضالیل. خبر مبتدأ محذوف أی و إذا دعوتکم إلى القتال تعللّتم بأعالیل هی باطله ضلالا عن سبیل اللّه و سألتمونی التأخیر و تطویل المدّه دفاعا،

و قوله: دفاع ذی الدین المطول. یحتمل أن بکون تشبیها لدفاعهم له بدفاع ذی الدین فیکون منصوبا محذوف الجار، و یحتمل أن یکون قد استعار دفاع ذى الدین المطول لدفاعهم فیکون مرفوعا، و وجه الاستعاره أنّ المدین المطول أبدا مشتهی لعدم المطالبه و تودّ نفسه أن لا یراه غریمه فکذلک فهم علیه السّلام منهم أنّهم کانوا یحبّون أن لا یعرض لهم بذکر القتال و لا یطالبهم به. فاستعار لدفاعهم الدفاع المذکور لمکان المشابهه، ثمّ نبّههم على قبح الذلّ لیفیؤوا إلى فضیله الشجاعه بذکر بعض لوازمه المنفره و هو أنّ صاحبه لا یتمکّن من رفع الضیم عن نفسه، و على قبح التوانی و التخاذل بأنّه لا یدرک الإنسان حقّه إلّا بضدّ ذلک و هو الجدّ و التشمیر فی طلبه، ثمّ أعقب ذلک بالسؤال على جهه الإنکار و التقریع عن تعبین الدار الّتی ینبغی لهم حمایتها بعد دار الإسلام الّتی لا نسبه لغیرها إلیها فی العزّ و الکرامه عند اللّه و وجوب الدفع عنها و الّتی هی موطنهم و محلّ دولتهم. کذلک قوله: و مع أىّ إمام بعدی تقاتلون. و فیه تنبیه لهم على أفضلیّته و ما وثق به من إخلاص نفسه للّه فی جمیع حرکاته، و تثبیت لهم على طاعته إذ کان علیه السّلام یتوهّم فی بعضهم المیل إلى معاویه و الرغبه فیما عنده من الدنیا. ثمّ أردف ذلک بذمّ من اغترّ بکلامهم و نسبه إلى الغرور و الغفله.

ثمّ بالإخبار عن سوء حال من کانوا حزبه و من یقاتل بهم: أمّا الأوّل: فهو قوله: المغرور و اللّه من غرّرتموه. و المقصود بالحقیقه ذمّهم و توبیخهم على خلف المواعید و المماطله بالنفار إلى الحرب لأنّه إنّما ینسب من وثق بهم إلى الغرور بعد خلفهم فی وعدهم له بالنهوض معه. و جعل المغرور مبتدأ و من خبره أبلغ فی إثبات الغرّه لمن اغترّ بهم من العکس لاقتضاء الکلام إذن انحصار المغرور فی من اغترّ بهم. و لا کذلک لو کان من مبتدأ. و أمّا الثانی: فهو قوله: و من فاز بکم فقد فاز بالسهم الأخیب و من رمى بکم فقد رمى بأفوق ناصل. و قد شبّه نفسه و خصومه باللاعبین بالمیسر، و لا حظ شبه حصولهم فی حقّه. بخروج أحد السهام الخائبه الّتی لا غنم لها أو الأوغاد الّتی فیها غرم کالّتی لم یخرج حتّى استوفیت أجزاء الجزور فحصل لصاحبها غرم و خیبه. فلأجل ملاحظه هذا الشبه استعار لهم لفظ السهم بصفه الأخیب، و إطلاق الفوز هنا مجاز فی حصولهم له من باب إطلاق اسم أحد الضدّین على الآخر کتسمیه السیّئه جزاء. کذلک لاحظ المشابهه بین رجال الحرب و بین السهام فی کون کلّ منهما عدّه للحرب و دفع العدوّ و لاحظها أیضا بین إرسالهم فی الحرب و بین الرمی بالسهام. فلأجل ذلک استعار أوصاف السهم من الأفوق و الناصل، و استعار لفظ الرمی لمقاتلته بهم ثمّ خصّصهم بأردء أوصاف السهم الّتی یبطل معها فائدته لمشابتهم ذلک السهم فی عدم الانتفاع بهم فی الحرب. و کأنّه أیضا خصّص بعثه لهم إلى الحرب باستعاره الرمى بالسهم الموصوف لزیاده الشبه و هی عدم انبعاثهم عن أمره.

و تجاوزهم أوطانهم کالرمى بالسهم الّذی لا فوق له و لا نصل فإنّه لا یکاد یتجاوز عن القوس مسافه. و هی من لطائف ملاحظات المشابهه و الاستعاره عنها. و المعنى أنّ من حصلتم فی حربه فالخیبه حاصله له فیما یطلب بکم، و من قاتل بکم عدوّه فلا نفع له فیکم. ثمّ أردفه بالإخبار عن نفسه بامور نشأت عن إساءه ظنّه بهم و عدم وثوقه بأقوالهم بکثره خلفهم و مواعیدهم الباطله بالنهوض معه و هی أنّه لا یصدّقهم لأنّه من أکثر من شی‏ء عرف به. و من أمثالهم: إنّ الکذوب‏ لا یصدّق و أنّه لا یطمع فی نصرهم و أنّه لا یوعد بهم عدوّهم إذ کان وعیده بهم مع طول تخلّفهم و شعور العدوّ بذلک ممّا یوجب جرأته و تسلّطه و أمانه من المقاومه. ثمّ أردفه بالاستفهام على سبیل الاستنکار و التقریع عن حالهم الّتی توجب لهم التخاذل و التصامم عن ندائه و هو قوله: ما بالکم. ثمّ عن دوائهم الصالح للمرض الّذی هم فیه.
ثمّ عن کیفیّه علاجهم منه بقوله: ما دوائکم ما طبّکم. و قیل أراد بقوله ما طبّکم أی ما عادتکم و الأوّل أظهر و ألیق. ثمّ نبّههم على ما عساهم یتوهّمونه من قوّه خصومهم و بأسهم بأنّهم رجال أمثالکم فی الرجولیّه الّتی هی مظنّه الشجاعه و البأس فلا مزیّه لهم علیکم فلا معنى للخوف منهم. ثمّ عاد إلى سؤالهم على جهه التقریع و نبّههم به على امور لا ینبغی، منفور عنها، مستقبحه فی الشریعه و العاده.
فأوّلا: عن قولهم ما لا یفعلون و هو إشاره إلى ما یعدون به من النهوض إلى الحرب ثمّ لا یفعلون و ذلک بقوله: أقولا بغیر عمل تذکیرا لهم بما یستلزم ذلک من المقت عند اللّه کما اشیر إلیه فی القرآن الکریم یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ کَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ«» و على الروایه الثانیه و هی أقولا بغیر علم أى أ تقولون بألسنتکم ما لیس فی قلوبکم و لا تعتقدونه و تجزمون به من أنّا سنفعل کذا. و یحتمل أن یکون معناه أ تقولون إنّا مخلصون للّه و إنّا مسلمون و لا تعلمون شرائط الإسلام و الایمان. و ثانیا: عن غفلتهم الّتی لیست عن ورع و هی عدم تعقّلهم للمصالح الّتی ینبغی أن یکونوا علیها و هی طرف التفریط من فضیله الفطانه. و هذه بخلاف الغفله مع الورع.

فإنّ تلک نافعه فی المعاد إن کان الورع عباره عن لزوم الأعمال الجمیله المستعدّه فی الآخره فالغفله معه عن الامور الدنیویّه و المصالح المتعلّقه بجزئیّاتها لیست بضارّه، بل ربما کانت سببا للخلاص من عذاب ما فی الآخره. و ثالثا: عن طمعهم فی غیر حقّ أى فی أن یمنحهم ما لا یستحقّونه لینهضوا معه و یجیبوا دعوته، و کأنّه علیه السّلام عقل من بعضهم أنّ أحد أسباب تخلّفهم من ندائه‏

إنّما هو طمعهم فی أن یوفر عطیّاتهم و یمنحهم زیاده على ما یستحقّون کما فعل غیره مع غیرهم فأشار إلى ذلک و نبّههم على قبحه من حیث إنّه طمع فی غیر حقّ.
و اللّه أعلم.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۵۰

بازدیدها: ۹

خطبه۲۷شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْیَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَ آذَنَتْ بِوَدَاعٍ- وَ إِنَّ الْآخِرَهَ قَدْ أَشْرَفَتْ بِاطِّلَاعٍ- أَلَا وَ إِنَّ الْیَوْمَ الْمِضْمَارَ وَ غَداً

السِّبَاقَ- وَ السَّبَقَهُ الْجَنَّهُ وَ الْغَایَهُ النَّارُ- أَ فَلَا تَائِبٌ مِنْ خَطِیئَتِهِ قَبْلَ مَنِیَّتِهِ- أَ لَا عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ یَوْمِ‏

بُؤْسِهِ- أَلَا وَ إِنَّکُمْ فِی أَیَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ- فَمَنْ عَمِلَ فِی أَیَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ- فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ وَ

لَمْ یَضْرُرْهُ أَجَلُهُ- وَ مَنْ قَصَّرَ فِی أَیَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ- فَقَدْ خَسِرَ عَمَلُهُ وَ ضَرَّهُ أَجَلُهُ- أَلَا فَاعْمَلُوا فِی

الرَّغْبَهِ کَمَا تَعْمَلُونَ فِی الرَّهْبَهِ- أَلَا وَ إِنِّی لَمْ أَرَ کَالْجَنَّهِ نَامَ طَالِبُهَا وَ لَا کَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا- أَلَا وَ إِنَّهُ مَنْ لَا

یَنْفَعُهُ الْحَقُّ یَضُرُّهُ الْبَاطِلُ- وَ مَنْ لَا یَسْتَقِیمُ بِهِ الْهُدَى یَجُرُّ بِهِ الضَّلَالُ إِلَى الرَّدَى- أَلَا وَ إِنَّکُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ

وَ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ- وَ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَیْکُمْ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَ طُولُ الْأَمَلِ- فَتَزَوَّدُوا مِنَ الدُّنْیَا- مَا تَحْرُزُونَ بِهِ

أَنْفُسَکُمْ غَداً

قال الشریف: أقول: لو کان کلام یأخذ بالأعناق إلى الزهد فى الدنیا و یضطر إلى عمل الآخره  لکان هذا الکلام، و کفى به قاطعا لعلائق الآمال، و قادحا زناد الاتعاظ و الازدجار، و من أعجبه قوله علیه السّلام «ألا و إنّ الیوم المضمار و غدا السّباق و السّبقه الجنّه و الغایه النّار» فإن فیه- مع فخامه اللفظ، و عظم قدر المعنى، و صادق التمثیل، و واقع التشبیه- سرا عجیبا، و معنى لطیفا، و هو قوله علیه السّلام: «و السبقه الجنه، و الغایه النار» فخالف بین اللفظین لاختلاف المعنیین، و لم یقل «السبقه النار» کما قال «السبقه الجنه»، لأن الاستباق إنما یکون إلى أمر محبوب، و غرض مطلوب، و هذه صفه الجنه و لیس هذا المعنى موجودا فى النار نعوذ باللّه منها، فلم یجز أن یقول «و السبقه النار» بل قال «و الغایه النار»، لأن الغایه ینتهى إلیها من لا یسره الانتهاء و من یسره ذلک، فصلح أن یعبر بها عن الأمرین معا، فهى فى هذا الموضع کالمصیر و المآل، قال اللّه تعالى: (وَ جَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِیُضِلُّوا عَنْ) و لا یجوز فى هذا الموضع أن یقال: سبقتکم- بسکون الباء- إلى النار، فتأمل ذلک فباطنه عجیب و غوره بعید. و کذلک أکثر کلامه علیه السّلام، و فى بعض النسخ، و قد جاء فی روایه أخرى «و السبقه الجنه»- بضم السین- و السبقه عندهم: اسم لما یجعل للسابق إذا سبق من مال أو عرض، و المعنیان متقاربان لأن ذلک لا یکون جزاء على فعل الأمر المذموم، و إنما یکون جزاء على فعل الأمر المحمود. أقول: هذا الفصل من الخطبه الّتی فی أوّلها الحمد للّه غیر مقنوط من رحمته. و سیجی‏ء بعد، و إنّما قدّمه الرضیّ علیها لما سبق من اعتذاره فی خطبه الکتاب أنّه لا یراعى التتالى و النسق فی کلامه علیه السّلام.

اللغه

و قوله: قد أدبرت أى ولىّ دبره. و آذنت أى أعلمت. و أشرفت أى أطّلعت، و المضمار: المدّه الّتی یضمر فیها الخیل للمسابقه أى تعلف حتّى تسمن ثمّ تردّ إلى القوت و المدّه أربعون یوما، و قد یطلق على الموضع الّذی یضمر فیه أیضا. و السباق: مصدر مرادف للمسابقه و هو أیضا جمع سبقه کنظفه و نظاف، أو سبقه کحجله و حجال، أو سبق کجمل و جمال. و الثلاثه اسم لما یجعل للسابق من مال أو غرض، و المنیّه: الموت، و البؤس: شدّه الحاجه، و تحرزون: تحفظون.

و اعلم انّ هذا الفصل یشتمل على أحد عشر تنبیها:

الأوّل: على وجوب النفار عن الدنیا و عدم الرکون إلیها.

و ذلک بقوله: ألا و إنّ الدنیا قد أدبرت و آذنت بوداع. و أشار بإدبار الدنیا و إعلامها بالوداع إلى تقضّى الأحوال الحاضره بالنسبه إلى کلّ شخص من الناس من صحّه و شباب و جاه و مال و کلّ ما یکون سببا لصلاح حال الإنسان، و أنّ کلّ ذلک فی هذا الحیاه الدنیا لدنوّهامن الإنسان. و لمّا کانت هذه الامور أبدا فی التغیّر و التقضّى المقتضى لمفارقه الإنسان لها و بعدها عنه لا جرم حسن إطلاق اسم الإدبار على تقضّیها و بعدها استعاره تشبیها لها بالحیوان فی إدباره. فقیل لکلّ أمر یکون الإنسان فیه من خیر و شرّ إذا کان فی أوّله: أقبل، و إذا کان فی آخره و بعد تقتضیّه: أدبر، و کذلک اسم الوداع فإنّ التقضّى لمّا استلزم المفارقه و کانت مفارقه الدنیا مستلزمه لأسف الإنسان علیها و وجده لها أشبه ذلک ما یفعله الإنسان فی حقّ صدیقه المرتحل عنه فی وداعه له من الأسف على فراقه و الحزن و البکاء و نحوه. فاستعیر اسم الوداع له، و کنّى بإعلامها بذلک عن الشعور الحاصل بمفارقتها من تقضّیها شیئا فشیئا، أو هو إعلام بلسان الحال.

الثانی: التنبیه على الإقبال على الآخره و التیقّظ للاستعداد لها

بقوله: ألا و إنّ الآخره- قد أقبلت- و أشرفت باطّلاع. و لمّا کانت الآخره عباره عن الدار الجامعه للأحوال الّتی یکون الناس علیها بعد الموت من سعاده و شقاوه و ألم و لذّه، و کان تقضّى العمر مقرّبا للوصول إلى تلک الدار و الحصول فیما یشمل علیه من خیر أو شرّ حسن إطلاق لفظ الإقبال علیها مجازا. ثمّ نزّلها لشرفها على الدنیا فی حال إقبالها منزله حال عند سافل. فأسند إلیها لفظ الإشراف. و لأجل إحصاء الأعمال الدنیویّه فیها منزله عالم مطّلع.
فأطلق علیها لفظ الاطّلاع، و یحتمل أن یکون إسناد الإشراف بکیفیّه الاطّلاع إلى ربّ الآخره، و إنّما عبّر بالآخره عنه تعظیما لجلاله کما یکنّى عن الرجل الفاضل بمجلسه و حضرته و یکون کیفیّه الاطّلاع قرینه ذلک.

الثالث: التنبیه على وجوب الاستعداد بذکر ما یستعدّ لأجله
و هو السباق، و ذکر ما یستبق إلیه و ما هو غایه المقصّر المتخلّف عن نداء اللّه. و ذلک قوله: و إنّ الیوم المضمار. إلى قوله: و الغایه النار. کنّى بالیوم عن عمر الإنسان الباقیه له و أخبر بالمضمار عنها.
و اعلم أنّه قد ورد المضمار و السباق مرفوعین و منصوبین: فأمّا رفع المضمار فلأنّه خبر أنّ. و الیوم اسمها، و إنّما اطلق اسم المضمار على تلک المدّه لما بینهما من المشابهه فإنّ الإنسان فی مدّه عمره یستعدّ بالتقوى و یرتاض بالأعمال الصالحه لتکمیل قوّته فیکون من السابقین إلى لقاء اللّه و المقرّبین فی حضرته کما یستعدّ الفرس بالتضمیر لسبق مثله، و أمّا نصبه ففیه شکّ. إذ یحتمل أن یقال: إنّ المضمار زمان و الیوم زمان فلو أخبرنا عنه بالیوم لکان ذلک إخبارا بوقوع الزمان فی الزمان فیکون الزمان محتاجا إلى زمان آخر. و ذلک محال. و جوابه: لا نسلّم أنّ الإخبار بوقوع الزمان فی الزمان محوج للزمان إلى زمان آخر. فإنّ بعض أجزاء الزمان قد یخبر عنها بالزمان بمعنى أنّها أجزاؤه و الجزء فی الکلّ لا بمعنى أنّها حاصله فی زمان آخر. و إن کان إنّما یحسن الإخبار عنها به إذا قیّدت بوصف و اشتملت على أحداث یتخصّص بها کما تقول: أنّ مصطبح القوم الیوم. فکذلک المضمار لمّا کان وقتا مشتملا على التضمیر و هو حدث صحّ الإخبار عنه بالیوم. و أمّا نصب السباق فلأنّه اسم إنّ أى و إنّ غدا السباق و کنّى بغد عمّا بعد الموت، و أمّا رفعه فلا وجه له إلّا أن یکون مبتدأ خبره غدا و یکون اسم إنّ ضمیر الشأن. و قال بعض الشارحین: یجوز أن یکون خبر إنّ. و هو ظاهر الفساد لأنّ الحکم بشی‏ء على شی‏ء إمّا بمعنى أنّه هو هو کما یقال: الإنسان هو الضحّاک. و هو ما یسمّیه المنطقیّون حمل المواطاه، أو على أنّ المحکوم علیه ذو المحکوم به کما یقال: الجسم أبیض أى ذو بیاض.

و هو ما یسمّونه حمل الاشتقاق. و لا واحد من المعنیین بحاصل فی الحکم بالسباق على غد. فیمتنع أن یکون خبر إنّ، اللّهم إلّا على تقدیر حذف المضاف و إقامه المضاف إلیه مقامه: أى و إنّ غدا وقت السباق. لکن لا یکون السباق هو الخبر فی الحقیقه.

ثمّ إن قلنا: إنّ السباق مصدر. کان التقدیر ضمّروا أنفسکم الیوم فإنّکم غدا تستبقون.
و تحقیق ذلک أنّ الإنسان کلّما کان أکمل فی قوّتیه النظریّه و العملیّه کان وصوله إلى حضره القدس قبل وصول من هو أنقص منه و لمّا کان مبدء النقصان فی هاتین القوّتین إنّما هو محبّه ما عدا الواحد الحقّ، و اتّباع الشهوات، و المیل إلى أنواع اللذّات الفانیه، و الإعراض بسبب ذلک عن تولّى القبله الحقیقیّه. و مبدء الکمال فیهما هو الإعراض عمّا عدا الواحد الحقّ من الامور المعدوده، و الإقبال علیه بالکلّیه. و کان الناس فی محبّه الدنیا و فی الإعراض عنها و الاستکمال بطاعه اللّه على مراتب مختلفه و درجات متفاوته کان کون الیوم هو المضمار و غدا السباق متصوّرا جلیّا. فإنّ کلّ من کان أکثر استعدادا و أقطع لعلائق الدنیا عن قلبه لم یکن له بعد الموت عائق یعوقه عن الوصول إلى اللّه‏ و ما أعدّ له فی الجنّه من الثواب الجزیل، بل کان خفیف الظهر ناجیا من ثقل الوزر کما أشار إلیه الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم بقوله: نجا المخفّفون. و کما سبق من إشاره علىّ علیه السّلام إلى ذلک بقوله: تخفّفوا تلحقوا. فیکون بعد الموت سابقا ممّن کان أضعف استکمالا منه، و ممّن لسعت عقارب الهیئات البدنیّه و الملکات الردیئه قلبه و أثقلت الأوزار ظهره و أوجب له التخلّف عن درجه السابقین الأوّلین. و کذلک یکون سبق هذا بالنسبه إلى من هو أقلّ استعدادا منه و أشدّ علاقه للدنیا بقلبه. فکان معنى المسابقه ظاهرا إن کان استعاره من السباق المتعارف بین العرب.

و إن قلنا: إنّ السباق جمع سبقه: اسم لمّا یستبق إلیه و یجعل للسابق. فالمعنى أیضا ظاهر فإنّ ما یستبق إلیه إنّما یکمل الوصول إلیه بعد المفارقه، و یکون الاستباق إمّا قبل المفارقه و هو السعى فی درجات الریاضات کما أشار إلیه سبحانه بقوله سابِقُوا إِلى‏ مَغْفِرَهٍ مِنْ رَبِّکُمْ وَ جَنَّهٍ عَرْضُها کَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِینَ آمَنُوا«» الآیه، و قوله فَاسْتَبِقُوا الْخَیْراتِ. أو بعد المفارقه کما أشرنا إلیه.

و یکون قوله بعد ذلک: و السبقه الجنّه. تعیینا للمستبق إلیه بعد التنبیه علیه إجمالا و أمّا قوله: و الغایه النار. فالّذی ذکره الرضىّ- رضوان اللّه علیه- فی تخصیص الجنّه بالسبقه و النار بالغایه حسن و کاف فی بیان مراده علیه السّلام إلّا أنّه یبقى هاهنا بحث و هو أنّ هذه الغایه من أىّ الغایات هی و هل هی غایه حقیقیّه أو لازمه لغایه فنقول: إنّ ما ینتهى إلیه قد یکون بسوق طبیعىّ، و قد یکون بسوق إرادیّ. و کلّ واحد منهما قد یکون ذاتیّا، و قد یکون عرضیّا. فالسوق الذّاتی منهما یقال له غایه إمّا طبیعیّه کاستقرار الحجر فی حیّزه عن حرکته بسوق طبیعته له إلیه و إمّا إرادیّه کغایات الإنسان من حرکاته المنتهى إلیها بسوق إرادته. و أمّا المنتهى إلیه بالسوق العرضىّ فهو من لوازم إحدى الغایتین و قد یسمّى غایه عرضیّه. فاللازم عن الطبیعیّه کمنع الحجر غیره أن یحلّ بحیث هو فإنّ ذلک من لوازم استقراره فی حیّزه، و عن الإرادیّه کاستضاءه الجار بسراج جاره فإنّ ذلک من لواحق استضاءته و کهلاک الطائر فی حبائل الصیّاد عن المیل إلى التقاط حبّه.

إذا عرفت ذلک فنقول: إنّ کون النار غایه بهذا المعنى الرابع.

و بیانه: أن محبّه الدنیا و المیل إلیها و الانهماک فی مشتهیاتها. سواء کان معها مسکه للإنسان باللّه تعالى أو لم یکن فإنّ من لوازمها الانتهاء إلى النار إلّا أن یشاء اللّه کما قال تعالى مَنْ کانَ یُرِیدُ حَرْثَ الدُّنْیا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِی الْآخِرَهِ مِنْ نَصِیبٍ«» و کان المقصود الأوّل للإنسان هو تناول اللذّات الحاضره لکن لمّا کان من لوازم الوصول إلى تلک اللذّات و الإقبال علیها دخول النار و الانتهاء إلیها کانت عرضیّه.

الرابع: التنبیه على التوبه قبل الموت

 هو قوله: أفلا تائب من خطیئه قبل منیّته. و لا شکّ أنّها یجب أن تکون مقدّمه على الأعمال لأنّک علمت أنّ التوبه هی انزجار النفس العاقله عن متابعه النفس الأمّاره بالسوء لجاذب إلهىّ اطّلعت معه على قبح ما کانت علیه من اتّباع شیاطینها و هو من مقام الزهد و التخلّى. و قد علمت فی بیان کیفیّه السلوک إلى اللّه تعالى أنّ مقام التخلیه مقدّم على مقام التحلیه. فکان الأمر بها مقدّما على الأمر بسایر الطاعات.

الخامس: التنبیه على العمل للنفس قبل یوم البؤس

و الإشاره إلى ما بعد الموت من العذاب اللازم للنقصان اللازم عن التقصیر فی العمل إذ الواصل إلى یوم بؤسه على غیر عمل أسیر فی ید شیاطینه. و قد علمت أن غایه الاسترسال فی ید الشیطان دخول النار و الحجب عن لقاء ربّ العالمین. و لمّا کان العمل هو المعین على قهر الشیاطین و المخلص من أسره نبّه علیه، ثمّ أردفه بالتنبیه على وجود الزمان الّذی یمکنهم فیه العمل و هو أیّام آمالهم للعمل و غیره على أنّ ذلک الزمان منقطع بلحوق الأجل، ثمّ أردفه ببیان فایده العمل فی ذلک الزمان و هی المنفعه بالثواب فی الآخره و ما یلزمها من عدم مضرّه الأجل، و بیان ثمره التقصیر فی العمل فیه و هی خسران العمل المستلزم لمضرّه الأجل. و أحسن باستعارته علیه لفظ الخسران لفوات العمل فإنّ الخسران فی البیع لمّا کان هو النقصان فی رأس المال أو ذهاب جملته، و کان العمل هو رأس مال العامل الّذی یکتسب الکمال و السعاده الاخرویّه لا جرم حسنت استعاره لفظ الخسران لعدم العمل، و أمّا استلزام المنفعه لعدم مضرّه الموت و استلزام الخسران لمضرّته فهو أمر ظاهر إذ کان الکامل فی‏ قوّتیه المعرض عن متاع الدنیا غیر ملتفت إلیها بعد المفارقه فلم یحصل له بسببها تعذیب.

فکانت المضرّه منفیّه عنه. و کان المقصّر عن الاستکمال فیهما من ضروره طباعه المیل إلى اللذّات الحسّیه. فإذا قصر عن العمل و التعلّق بطاعه اللّه الجاذبه إلیه فلا بدّ و أن یستضرّ بحضور الأجل إذ کان الأجل قاطعا لزمان الاستکمال و حائلا بین الإنسان و بین ما هو معشوق له من حاضر اللذّات.

السادس: التنبیه على وجوب التسویه للعامل بین العمل فی الرغبه و العمل فی الرهبه.

و فیه شمیمه التوبیخ للعبد على غفلته عن ذکر اللّه و إعراضه عن عبادته فی حال صفاء اللذّات الحاضره له، و لجأه إلیه و فزعه عند نازله إن نزلت به. فإنّ ذلک لیس من شأن العبودیّه الصادقه للّه. و إلى مثل هذا التوبیخ أشار التنزیل الإلهىّ بقوله وَ إِذا مَسَّکُمُ الضُّرُّ فِی الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِیَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاکُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَ کانَ الْإِنْسانُ کَفُوراً«» و غیره من الآیات، بل من شأن العابد للّه القاصد له أن یتساوى عبادته فی أزمان شدّته و رخائه. فیقابل الشدّه بالصبر، و الرخاء بالشکر، و أن یعبده لا لرغبه و لا رهبه و أن یعبده فیهما من غیر فرق.

السابع: قوله: ألا و إنّى لم أر کالجنّه نام طالبها و لا کالنار نام هاربها

قوله: ألا و إنّى لم أر کالجنّه نام طالبها و لا کالنار نام هاربها. و اعلم أنّ الضمیر فی طالبها و هاربها یعود إلى المفعول الأوّل لرأیت المحذوف المشبّه فی الموضعین و التقدیر لم أر نعمه کالجنّه نام طالبها و لا نقمه کالنار نام هاربها، و نام فی محلّ النصب مفعولا ثانیا. و مغزى هذا الکلام أنّه نفى علمه بما یشبه الجنّه و ما یشبه النار و لم ینف علمه بذات التشبیه بل علمه من جهه الشبه و هی نوم الطالب و الهارب. و لذلک استدعت أرى بمعنى أعلم هنا مفعولین أى لم أر نعمه کالجنّه بصفه نوم الطالب لها. فنبّه على وجه الشبه بقوله: نام طالبها، ثمّ نفى التشبیه من تلک الجهه.

و کذلک قوله: و لا کالنار بصفه نوم هاربها. و المفعول الثانی فی الجملتین صفه جاریه على غیر من هی له. و هی تنبیه للموقنین بالجنّه و النار على کونهم نائمین فی مراقد الطبیعه لینتبهوا منها و یتفطّنوا [یتّعظوا خ‏] للاستعداد بالعمل التامّ لما ورائهم‏ من مرغوب و مرهوب. و فیه شمیمه التعجّب من جمع الموقن بالجنّه و النار بین علمه بما فی الجنّه من تمام النعمه و تقصیره عن طلبها بما یؤدّى إلیها من الأعمال الصالحه، و جمع الموقن بالنار بین علمه بما فیها من عظیم العذاب و بین تقصیره و غفلته عن الهرب إلى ما یخلص منها.

الثامن: قوله ألا و إنّه من لم ینفعه الحقّ یضرّه الباطل

قوله ألا و إنّه من لم ینفعه الحقّ یضرّه الباطل. فالضمیر فی إنّه ضمیر الشأن. و أراد بالحقّ الإقبال على اللّه بلزوم الأعمال الصالحه المطابقه للعقاید المطابقه، و بالباطل الالتفات عنه إلى غیر ذلک ممّا لا یجدی نفعا فی الآخره. و هو تنبیه على استلزام عدم منفعه الحقّ لمضرّه الباطل فی صوره شرطیّه متّصله، و بیان الملازمه فیها ظاهر فإنّ وجود الحقّ مستلزم لمنفعته فعدم منفعته إذن مستلزم لعدمه و عدمه مستلزم لوجود الباطل لأن اعتقاد المکلّف و عمله إمّا أن یطابقا أوامر اللّه تعالی، أو لیس.

و الأوّل هو الحق، و الثانی هو الباطل. و ظاهر أنّ عدم الأوّل مستلزم لوجود الثانی. ثمّ إنّ وجود الباطل مستلزم لمضرّته. فیظهر بهذا البیان أنّ عدم منفعه الحقّ مستلزم لوجود مضرّه الباطل. و إذا ثبت ذلک فنقول: مراده علیه السّلام بلزوم الحقّ ما هو المستلزم لمنفعته و بنفى الباطل ما هو المستلزم لعدم مضرّته. فإنّ لزوم الطاعه للّه بامتثال أوامره و الإقبال علیه مستلزم للوصول إلى جواره المقدّس، و الالتفات إلى ما عداه المعبّر عنه بالباطل مستلزم للنقصان الموجب للتخلّف عن السابقین و الهوى فی درک الهالکین. و ذلک محض المضرّه. فظهر أذن سرّ قوله: علیه السّلام من لم ینفعه الحقّ یضرره الباطل. و من غفله بعض من یدّعى العلم عن بیان هذه الملازمه ذهب إلى أنّ الوعیدات الوارده فی الکتب الإلهیّه إنما جاءت للتخویف دون أن یکون هناک شقاوه للعصاه.
محتجّا على ذلک بتمثیلات خطابیّه عن مشهورات فی بادى‏ء الرأى إذا تعقّبها النظر زالت شهرتها.

التاسع و من لا یستقم به الهدى یجرّ به الضلال إلى الردى

و من لا یستقم به الهدى یجرّ به الضلال إلى الردى. أراد بالهدى نور العلم و الإیمان، و بالضلال الجهل و الخروج عن أمر اللّه. و المعنى أنّ من لم یکن الهدى دلیله القائد له بزمام عقله فی سبیل اللّه و یستقیم به فی سلوک صراطه المستقیم‏ فلا بدّ و أن ینحرف به الضلال عن سواء الصراط إلى أحد جانبى التفریط و الإفراط.
و ملازمه هذه الشرطیّه أیضا ظاهره. لأنّ وجود الهدى لمّا استلزم وجود استقامه بالإنسان على سواء السبیل کان عدم استقامه الهدى به مستلزما لعدم الهدى المستلزم لوجود الضلال المستلزم للجرّ بالإنسان إلى مهاوى الردى، و العدول به عن الصراط المستقیم إلى سواء الجحیم.

العاشر: ألا و إنّکم قد امرتم بالظعن و دللتم على الزاد

قوله: ألا و إنّکم قد امرتم بالظعن و دللتم على الزاد. و هو تنبیه على ملاحظه الأوامر الوارده بالظعن کقوله تعالى فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّی لَکُمْ مِنْهُ نَذِیرٌ مُبِینٌ«» و کقوله تعالى سابِقُوا إِلى‏ مَغْفِرَهٍ مِنْ رَبِّکُمْ«» على الأمر باتّخاذ الزاد کقوله تعالى وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَیْرَ الزَّادِ التَّقْوى‏«» و أحسن باستعارته الظعن للسفر إلى اللّه و استعاره الزاد لما یقرّب إلیه. و وجه درجه الاستعاره الاولى: أنّ الظعن لمّا کان عباره عن قطع المراحل المحسوسه بالرجل و الجمل و نحوه فکذلک السفر إلى اللّه عباره عن قطع المراحل المعقوله بقدم العقل، و وجه الثانیه أنّ الزاد لمّا کان إنّما یعدّ لتقوى به الطبیعه على الحرکه الحسّیه و کانت الامور المقرّبه إلى اللّه تعالى ممّا تقوى به النفس على الوصول إلى جنابه المقدّس کان ذلک من أتمّ المشابهه الّتی یقرّب معها اتّحاد المتشابهین. و بحسب قوّه المشابهه یکون قوّه حسن الاستعاره.

الحادى عشر: التنبیه على أخوف الامور

الّتی ینبغی أن تخاف لتجتنب و هو الجمع بین اتّباع الهوى و طول الأمل. و سیذکر علیه السّلام هذا الکلام فی موضع آخر مع ذکر علّه التحذیر من هذین الأمرین، و سنوضح معناه هناک. و یکفى هاهنا أن یقال: إنّما حذّر منهما عقیب التنبیه على الظعن و الأمر باتّخاد الزاد لکون الجمع بینهما مستلزما للإعراض عن الآخره فیکون مستلزما لعدم الظعن و عدم اتّخاذ الزاد. فخوّف منهما لیجتنبا. فیحصل مع اجتنابهما الإقبال على اتّخاذ الزاد و الاهبّه للظعن و لذلک أردف التخویف منهما بالأمر باتّخاذ الزاد. و فی قوله: من الدنیا فی الدنیا لطف. فإنّ الزاد الموصل إلى اللّه تعالى إمّا علم أو عمل و کلاهما یحصلان من الدنیا: أمّا العمل‏ فلا شکّ أنّه عباره من حرکات و سکنات تستلزم هیئات مخصوصه إنّما تحصل بواسطه هذا البدن و کلّ ذلک من الدنیا فی الدنیا، و أمّا العلم فلأنّ الاستکمال به إنّما یحصل بواسطه هذا البدن أیضا إمّا بواسطه الحواسّ الظاهره و الباطنه، أو بتفطّن النفس لمشارکات بین المحسوسات و مباینات بینها و ظاهر أنّ ذلک من الدنیا فی الدنیا و أشار بقوله: ما تحرزون أنفسکم به غدا. أنّ کلّ زاد عدّ به الإنسان نفسه للوصول إلى جوا اللّه فقد تدرع به من غدا به و حفظ به نفسه یوم لا ینفع مال و لا بنون.

و قد اشتمل هذا الفصل على استدراجات لطیفه لانفعالات عن أوامر للّه و زواجره، و إذا تأمّلت اسلوب کلامه علیه السّلام، و راعیت ما فیه: من فخامه الألفاظ، و جزاله المعانی المطابقه للبراهین العقلیّه، و حسن الاستعارات و التشبیهات و مواقعها، و صحّه ترتیب أجزائه. و وضع کلّ مع ما یناسبه. وجدته لا یصدر إلّا عن علم لدنىّ و فیض ربّانیّ. و أمکنک حینئذ الفرق بین کلامه علیه السّلام و کلام غیره و التمییز بینهما بسهوله. و باللّه العصمه و التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۴۰

بازدیدها: ۱۲

خطبه۲۶شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّهِ- فَتَحَهُ اللَّهُ لِخَاصَّهِ أَوْلِیَائِهِ وَ هُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى- وَ دِرْعُ اللَّهِ الْحَصِینَهُ وَ

جُنَّتُهُ الْوَثِیقَهُ- فَمَنْ تَرَکَهُ رَغْبَهً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ وَ شَمِلَهُ الْبَلَاءُ- وَ دُیِّثَ بِالصَّغَارِ وَ الْقَمَاءَهِ- وَ ضُرِبَ

عَلَى قَلْبِهِ بِالْإِسْهَابِ- وَ أُدِیلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْیِیعِ الْجِهَادِ- وَ سِیمَ الْخَسْفَ وَ مُنِعَ النَّصَفَ أَلَا وَ إِنِّی قَدْ دَعَوْتُکُمْ

إِلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ- لَیْلًا وَ نَهَاراً وَ سِرّاً وَ إِعْلَاناً- وَ قُلْتُ لَکُمُ اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ یَغْزُوکُمْ- فَوَاللَّهِ مَا غُزِیَ قَوْمٌ

قَطُّ فِی عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا- فَتَوَاکَلْتُمْ وَ تَخَاذَلْتُمْ- حَتَّى شُنَّتْ عَلَیْکُمُ الْغَارَاتُ- وَ مُلِکَتْ عَلَیْکُمُ الْأَوْطَانُ- وَ هَذَا

أَخُو غَامِدٍ وَ قَدْ وَرَدَتْ خَیْلُهُ الْأَنْبَارَ- وَ قَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَکْرِیَّ- وَ أَزَالَ خَیْلَکُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا- وَ لَقَدْ

بَلَغَنِی أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ کَانَ یَدْخُلُ- عَلَى الْمَرْأَهِ الْمُسْلِمَهِ وَ الْأُخْرَى الْمُعَاهِدَهِ- فَیَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَ قُلُبَهَا وَ

قَلَائِدَهَا وَ رُعُثَهَا- مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا بِالِاسْتِرْجَاعِ وَ الِاسْتِرْحَامِ- ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِینَ- مَا نَالَ رَجُلًا مِنْهُمْ کَلْمٌ وَ لَا

أُرِیقَ لَهُمْ دَمٌ- فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ‏ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً- مَا کَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ کَانَ بِهِ عِنْدِی جَدِیراً- فَیَا

عَجَباً وَ اللَّهِ یُمِیتُ الْقَلْبَ وَ یَجْلِبُ الْهَمَّ- مِنَ اجْتِمَاعِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ- وَ تَفَرُّقِکُمْ عَنْ حَقِّکُمْ- فَقُبْحاً

لَکُمْ وَ تَرَحاً حِینَ صِرْتُمْ غَرَضاً یُرْمَى- یُغَارُ عَلَیْکُمْ وَ لَا تُغِیرُونَ- وَ تُغْزَوْنَ وَ لَا تَغْزُونَ وَ یُعْصَى اللَّهُ وَ تَرْضَوْنَ- فَإِذَا

أَمَرْتُکُمْ بِالسَّیْرِ إِلَیْهِمْ فِی أَیَّامِ الْحَرِّ- قُلْتُمْ هَذِهِ حَمَارَّهُ الْقَیْظِ- أَمْهِلْنَا یُسَبَّخْ عَنَّا الْحَرُّ- وَ إِذَا أَمَرْتُکُمْ بِالسَّیْرِ

إِلَیْهِمْ فِی الشِّتَاءِ- قُلْتُمْ هَذِهِ صَبَارَّهُ الْقُرِّ- أَمْهِلْنَا یَنْسَلِخْ عَنَّا الْبَرْدُ- کُلُّ هَذَا فِرَاراً مِنَ الْحَرِّ وَ الْقُرِّ- «» فَأَنْتُمْ وَ

اللَّهِ مِنَ السَّیْفِ أَفَرُّ- یَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَ لَا رِجَالَ- حُلُومُ الْأَطْفَالِ وَ عُقُولُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ- لَوَدِدْتُ أَنِّی لَمْ أَرَکُمْ وَ

لَمْ أَعْرِفْکُمْ مَعْرِفَهً- وَ اللَّهِ جَرَّتْ نَدَماً وَ أَعْقَبَتْ سَدَماً- قَاتَلَکُمُ اللَّهُ لَقَدْ مَلَأْتُمْ قَلْبِی قَیْحاً- وَ شَحَنْتُمْ صَدْرِی

غَیْظاً- وَ جَرَّعْتُمُونِی نُغَبَ التَّهْمَامِ أَنْفَاساً- وَ أَفْسَدْتُمْ عَلَیَّ رَأْیِی بِالْعِصْیَانِ وَ الْخِذْلَانِ- حَتَّى لَقَدْ قَالَتْ

قُرَیْشٌ- إِنَّ ابْنَ أَبِی طَالِبٍ رَجُلٌ شُجَاعٌ- وَ لَکِنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ- لِلَّهِ أَبُوهُمْ- وَ هَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا

مِرَاساً وَ أَقْدَمُ فِیهَا مَقَاماً مِنِّی- لَقَدْ نَهَضْتُ فِیهَا وَ مَا بَلَغْتُ الْعِشْرِینَ- وَ هَا أَنَا ذَا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى السِّتِّینَ- وَ

لَکِنْ لَا رَأْیَ لِمَنْ لَا یُطَاعُ

أقول: هذه الخطبه مشهوره ذکرها أبو العباس المبرّد و غیره، و السبب المشهور لها أنّه ورد علیه علج من أهل الأنبار فأخبره أنّ سفیان بن عوف الغامدىّ قد ورد فی خیل المعاویه إلى الأنبار و قتل عامله حسّان بن حسّان البکرىّ. فصعد علیه السّلام المنبر و خطب الناس و قال: إنّ أخاکم البکرىّ قد اصیب بالأنبار و هو مغترّ لا یخاف ما کان، و اختار ما عند اللّه على الدنیا. فانتدبوا إلیهم حتّى تلاقوهم فإن أصبتم منهم طرفا انکلتموهم عن العراق أبدا ما بقوا. ثمّ سکت رجاء أن یجیبوه بشى‏ء فلم یفه أحد منهم بکلمه. فلمّا رأى صمتهم نزل و خرج یمشى راجلا حتّى أتى النخیله و الناس یمشون خلفه حتى أحاط به قوم من أشرافهم و قالوا: ترجع یا أمیر المؤمنین و نحن نکفیک. فقال: ما تکفونى و لا تکفون أنفسکم. فلم یزالوا به حتّى ردّوه إلى منزله. فبعث سعید بن قیس الهمدانى فی ثمانیه آلاف فی طلب سفیان بن عوف فخرج حتّى انتهى إلى أدانى أرض قنّسرین و قد فاتوه. فرجع و کان علىّ علیه السّلام فی ذلک الوقت علیلا فلم یقو على القیام فی الناس بما یریده من القول.

فجلس بباب السدّه الّتی تصل إلى المسجد و معه الحسن و الحسین علیهما السّلام و عبد اللّه بن جعفر، و دعى سعدا مولاه فدفع إلیه کتابا کتب فیه هذه الخطبه و أمره أن یقرأها على الناس بحیث یسمع علیه السّلام و یسمعون، و فی روایه المبرّد أنّه لمّا انتهى إلیه ورود خیل معاویه الأنبار و قتل حسّان بن حسّان خرج مغضبا فجرّ ردائه حتّى أتى النخیله و معه الناس فرقى رباوه من الأرض فحمد اللّه و أثنى علیه و صلّى على النبی صلى اللّه علیه و آله و سلّم ثمّ قال الخطبه. و روایه المبرّد ألیق بصوره الحال و أظهر، و روى أنّه قام إلیه رجل فی آخر الخطبه و معه ابن أخ له فقال: یا أمیر المؤمنین: إنّى و ابن أخى هذا کما قال تعالى قالَ رَبِّ إِنِّی لا أَمْلِکُ إِلَّا نَفْسِی وَ«» فمرنا بأمرک فو اللّه لننهیّن إلیه و لو حال بیننا و بینه جمر الغضا و شوک القتاد فدعا لهما بخیر، و قال: و أین أنتما مما ارید.

اللغه

و لنرجع إلى التفسیر فنقول: الجنّه: ما استترت به من سلاح أو غیره، و دّیث: أى ذلّل، و منه الدیوث: الّذی لا غیره له. و الصغار: الذلّ و الضیم، و القماء ممدود مصدر قمأ قمأه فهو قمی‏ء: الحقاره و الذلّ، و روى الراوندى القما بالقصر و هو غیر معروف، و اسدل الرجل بالبناء للمفعول إذ ذهب عقله من أذى یلحقه. و ادیل الحقّ من فلان أى غلبه علیه عدوّه،و سامه خسفا بضمّ الخاء و فتحها: أى أولاه ذلّا و کلّفه المشقّه، و النصف بکسر النون و سکون الصاد: الاسم من الانصاف، و ضمّ النون لغه فیه، و عقر الشی‏ء: أصله، و التواکل: أن یکل کلّ واحد منهم الأمر إلى صاحبه و یعتمد علیه فیه. و شنّ الغاره و أشنّها: فرّقها علیهم من کلّ وجه. و غامد: قبیله من الیمن و هى من الأزد ازد شنوءه، و المسالح جمع مسلحه و هى الحدود الّتی ترتّب فیها ذو و الأسلحه مخافه عادیه العدوّ کالثغر، و المعاهده: الذمیّه، و الحجل بکسر الحاء و فتحها: الخلخال، و القلب السوار المصمت، و الرعاث جمع رعثه بفتح الراء و سکون العین و فتحها: و هى القرط، و الرعاث أیضا: ضرب من الخرز و الحلى، و الاسترجاع قول: إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون، و الاسترحام: مناشده الرحم، و الوافر: التامّ، و الکلم: الجرح. و الترح: الحزن. و الغرض: الهدف، و حمارّه القیظ بتشدید الراء: شدّه حرّه: و سبخ الحرّ: فتر، و خفّ، و صبارّه القرّ بتشدید الراء أیضا: شدّه البرد، و ینسلخ: ینقضی، و ربّات الحجال: النساء، و الحجال جمع حجله: و هى بیت العروس یزّین بالستور و الثیاب، و السدم: الحزن عن الندم، و القیح: ما یکون فی القرحه من المدّه و الصدید، و شحنتم: ملأتم و النغب جمع نغبه بضم النون و هى الجرعه، و التهمام بالفتح التهمّ، و المراس العلاج، و ذرّفت على الستّین بتشدید الراء أى زدت.

المعنى

و اعلم أنّ قوله: أمّا بعد. إلى قوله: و منع النصف. صدر الخطبه بیّن فیه غرضه إجمالا و هو الحثّ على الجهاد، فإنّه ممّا ذکر من أمر الجهاد و تعظیمه و خطأ من قصر عنه علم أنّه یرید أن یحثّ السامعین على جهاد عدوّهم فذکر من ممادح الجهاد امورا.
أحدها: أنّه باب من أبواب الجنّه.
و بیانه أنّ الجهاد تاره یراد به جهاد العدوّ الظاهر کما هو الظاهر هاهنا، و تاره یعنى به جهاد العدوّ الخفىّ و هو النفس الأماره بالسوء.
و کلاهما بابان من أبواب الجنّه، و الثانی منهما مراد بواسطه الأوّل إذ هو لازمه له، و ذلک أنّک علمت أنّ لقاء اللّه سبحانه و مشاهده حضره الربوبیّه هى ثمره الخلقه و غایه سعى عباد اللّه الأبرار، ثمّ. قد ثبت بالضروره من دین محمّد صلى اللّه علیه و آله و سلّم أنّ الجهاد أحد العبادات الخمس، و ثبت أیضا فی علم السلوک إلى اللّه أنّ العبادات الشرعیّه هى المتمّه و المعینه على تطویع النفس الأمّاره بالسوء للنفس المطمئنّه، و أنّ التطویع کیف یکون‏ وسیله إلى الجنّه الّتی وعد المتّقون. فیعلم من هذه المقدّمات أنّ الجهاد الشرعىّ باب من أبواب الجنّه إذ منه یعبر المجاهد السالک إلى اللّه إلى الباب الأعظم للجنّه و هو الریاضه و قهر الشیطان.

و من وقوفک على هذا السرّ تعلم أنّ الصلاه و الصوم و سائر العبادات کلّها أبواب للجنّه إذ کان امتثالها على الوجه المأمور بها مستلزما للوصول إلى الجنّه. فإنّ باب کلّ شی‏ء هو ما یدخل إلیه منه و یتوصّل به إلیه. و نحوه قول الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم فی الصلاه: إنّها مفتاح الجنّه، و فی الصوم إنّ للجنّه بابا یقال له الریّان لا یدخله إلّا الصائمون.

الثانی من أوصاف الجهاد
أنّه باب فتحه اللّه لخاصّه أولیائه. و المراد بخواصّ الأولیاء المخلصون له فی المحبّه و العباده. و ظاهر أنّ المجاهده للّه لا لغرض آخر من خواصّ الأولیاء، و ذلک أنّ المرء المسلم إذا فارق أهله و ولده و ماله و أقدم على من یغلب على ظنّه أنّه أقوى منه کما امر المسلمون بأن یثبت أحدهم لعشره من الکفّار، ثمّ یعلم أنّه لو قهره لقتله و استباح ذرّیته و هو فی کلّ تلک الأحوال صابر شاکر و معترف بالعبودیّه للّه مسلّم أمره إلى اللّه فذلک هو الولىّ الحقّ الّذی قد أعرض عن غیر اللّه رأسا، و قهر شیطانه قهرا، و آیسه أن یطیع له أمرا.

فإن قلت: إذا کان الغرض من العبادات هو جهاد الشیطان و الإخلاص للّه و کان التخصیص بالوصفین المذکورین لاستلزامه ذلک المعنى لم یبق حینئذ لسائر العبادات مزیّه علیه فما معنى قول الصحابه و قد رجعوا من جهاد المشرکین: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأکبر.

قلت: یحتمل معنیین: أحدهما: أنّ الجهاد الظاهر لیس کلّ غرضه الذاتىّ هو جهاد النفس، بل ربّما کان من أعظم أغراضه الذاتیّه هو قهر العدوّ الظاهر لیستقیم الناس على الدین الحقّ، و ینتظم أمرهم فی سلوکه. و لذلک دخل فیه من أراد منه إلّا ذلک کالمؤلّفه قلوبهم و إن کانوا کفّارا. و ذلک بخلاف سائر العبادات إذ غرضها لیس إلّا جهاد النفس و لا شکّ أنّه هو الجهاد الأکبر: أمّا أوّلا فباعتبار مضرّه العدّوین فإنّ مضرّه العدّو الظاهر مضرّه دنیاویّه فانیه، و مضرّه الشیطان مضرّه اخرویّه باقیه. و من کانت مضرّته أعظم کان جهاده‏ أکبر و أهمّ، و أمّا ثانیا فلأنّ مجاهده الشیطان مجاهده عدوّ لازم و مع ذلک فلا یزال مخادعا غرّارا لا ینال غرضه إلّا بالخروج فی ذىّ الناصحین الأصدقاء، و لا شکّ أنّ الاحتراز من مثل هذا العدّو أصعب، و جهاده أکبر من جهاد عدوّ مظهر لعداوته‏ یقاتله الإنسان فی عمره مرّه أو مرّتین. فحسن لذلک تخصیص الجهاد بالأصغر، و مجاهده النفس بالأکبر.

المعنى الثانی: أنّا و إن قلنا: إنّ الغرض من الجهاد الأصغر هو جهاد النفس إلّا أنّ جهادها فی حال جهاد العدوّ الظاهر قد یکون أسهل و ذلک أنّ القوى البدنیّه کالغضب و الشهوه یثوران عند مناجزه العدّو طلبا لدفعه، و تصیران مطیعین للنفس الإنسانیّه فیما تراه و تأمر به فلا یکون علیها کثیر کلفه فی تطویع تلک القوى. بخلاف سائر العبادات فإنّ طباع تلک القوى معاکسه فیها لرأى النفس. فلذلک کان جهادها فی سائر العبادات أصعب و أکبر من جهادها فی حال الحرب. و اللّه أعلم.

الثالث: کونه لباس التقوى، و درع اللّه الحصینه، و جنتّه الوثیقه.
و استعار لفظ اللباس و الدرع و الجنّه ثمّ رشّح الاستعارتین الأخیرتین بوصفى الحصانه و الوثاقه. و وجه المشابهه أنّ الإنسان یتّقى شرّ العدوّ أو سوء العذاب یوم القیامه کما یتّقى بثوبه ما یؤذیه من حرّ أو برد، و بدرعه و جنّته ما یخشاه من عدوّه ثمّ أردف علیه السّلام ممادح الجهاد بتوعید من ترکه رغبه عنه من غیر عذر یوجب تخلّفه بامور منفور عنها طبعا:

منها: أنّه یستعدّ بالترک لأن یلبسه اللّه ثوب الذلّ. و استعار لفظ الثوب للذلّ و لفظ اللباس لشموله له. و وجه المشابهه إحاطه الذلّ به إحاطه الصفه بالموصوف کإحاطه الثوب بملابسه، و أن یشمله بلاء العدوّ فیذلّله بالصغار و القماء، و أن یضرب على قلبه بالأسهاب أى یذهب وجه عقله العملىّ فی تدبیر مصالحه: أمّا لحوق الذلّ به فذلک أنّ کثره غارات العدوّ و تکرّرها منه موجب لتوهّم قهره و قوّته و ذلک ممّا ینفعل عنه النفس بالانقهار و الذلّ.

و حینئذ تذعن لشمول بلائه، و تذهب وجه عقلها فی استخراج وجوه المصالح فی دفعه و مقاومته إمّا لقلّه اهتمامها بذلک عن عدم طمعها فی مقاومته أو لتشویشها لخوفه عن ملاحظه وجه المصلحه.
و فی إطلاق لفظ الضرب على قلبه استعاره کقوله تعالى وَ ضُرِبَتْ عَلَیْهِمُ الذِّلَّهُ وَ الْمَسْکَنَهُ و وجه الشبه فیها إحاطه القبّه المضروبه بمن فیها، أو لزوم قلّه العقل له کلزوم الطین المضروب على الحائط. و یحتمل أن یراد بالأسهاب کثره الکلام من غیر فائده فإنّ الإنسان حال الخوف و الذلّ کثیرا ما یخبط فی القول و یکثر من غیر إصابه فیه. و کذلک لحوق باقى الامور به کإداله الحقّ منه، و غلبه العدوّ له، و عدم انتصافه منه أمر ظاهر عن ترک جهاد عدوّه مع التمکن من ذلک. و هى امور منفور عنها طبعا و مضرّه بحال من تلحقه فی الدارین.

و قد ورد فی التنزیل الإلهىّ من فضل الجهاد و الحثّ علیه امور کثیره کقوله تعالى لا یَسْتَوِی الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ غَیْرُ أُولِی الضَّرَرِ وَ الْمُجاهِدُونَ فِی سَبِیلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِینَ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِینَ دَرَجَهً إلى قوله فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِینَ عَلَى الْقاعِدِینَ أَجْراً عَظِیماً دَرَجاتٍ مِنْهُ وَ مَغْفِرَهً وَ رَحْمَهً«» و قوله وَ جاهِدُوا فِی اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ«» و قوله وَ مَنْ جاهَدَ فَإِنَّما یُجاهِدُ لِنَفْسِهِ«» و نحو ذلک.

قوله: ألا و إنّى قد دعوتکم. إلخ. لمّا ذکر صدر الخطبه أردفه بتفصیل غرضه ممّا أجمله فیه و هو حثّهم على الجهاد و توبیخهم على ترکه. فنبّهم أوّلا على ما کان دعاهم إلیه قبل من قتال معاویه و أصحابه مرارا کثیره، و ذکّرهم نصیحه السابقه لهم فی أمرهم بغزو عدوّهم قبل أن یغزوهم، و یذکّرهم بما کان أعلمهم أوّلا من القاعده الکلّیّه المعلومه بالتجربه و البرهان و هو أنّه ما غزى قوم قطّ فی عقر دارهم إلّا ذلّوا.

و قد أشرنا إلى علّه ذلک: و هو أنّ للأوهام أفعالا عجیبه فی الأبدان تاره بزیاده القوّه و تاره بنقصانها حتّى أنّ الوهم ربّما کان سببا لمرض الصحیح لتوهّمه المرض، و بالعکس. فکان السبب فی ذلّ من غزى فی داره و إن کان معروفا بالشجاعه هو الأوهام: إمّا أوهامهم فلأنّها تحکم بأنّها لم تقدم على غزوهم إلّا لقوّه غازیهم، و اعتقادهم فیهم الضعف بالنسبه إلیهم.

فینفعل إذن نفوسهم عن تلک الأوهام و تنقهر عن المقاومه و تضعف عن الانبعاث و تزول غیرتها و حمیّتها. فتحصل على طرف رذیله الذلّ، و إمّا أوهام غیرهم فلأنّ الغزو الّذی یلحقهم یکون باعثا لکثیر الأوهام على الحکم بضعفهم و محرّکا لطمع کلّ طامع فیهم. فیثیر ذلک لهم أحکاما و همیّه بعجزهم عن المقاومه. ثمّ إنّه أردف ذلک بما قابلوا به نّصیحته من‏ تواکلهم و تخاذلهم عن العمل بمقتضى أمره إلى غایه ظهور العدوّ علیهم و تفریق الغارات من کلّ جانب على أوطانهم و حدودهم. ثمّ عقّب ذکر العدوّ المطلق بذکره فی شخص معیّن مشاهد، و نبّههم علیه لیکونوا إلى التصدیق بظهور العدوّ علیهم أقبل، و قصّ علیهم ما أحدث من ورود خیله دیارهم و قتله لعاملهم و إزاله خیلهم عن ثغورهم و مسالحهم و هتک المسلمات و المعاهدات و سلب أموال المسلمین و سائر ما عدّده على الوجه المذکور ممّا هو مستغن عن الایضاح. ثمّ ختم ذلک القصص بما الأولى أن یلحق المسلم الحقّ ذا الغیره و الحمیّه للّه من الأسف و الحزن الممیت له بسبب ما یشاهد من الأحوال المنکره الواقعه بالمسلمین مع تقصیرهم عن مقاومه عدوّهم. کلّ ذلک التقریر لیمهّد قانونا یحسن معه توبیخهیم و ذمّهم على التقصیر فیما ینبغی لهم من امتثال أمره و قبول شوره فیما هو الأولى و الأصحّ لهم. ثم أردف ذلک بالتعجّب من حالهم تأکیدا لذلک التمهید. فنادى: العجب من حالهم منکّرا لیحضر له کأنّه غیر متعیّن فی حال ندائه، ثمّ تعیّن بندائه و حضر فکررّه لیصفه بالشدّه. و نصبه على المصدر کأنّه لمّا حضر و تعیّن قال عجبت عجبا من شأنه کذا.

و نحو هذا المنادى قوله تعالى: یا بُشْرى‏ فی قراءه من قرء بغیر إضافه، و یحتمل أن یکون العجب الأوّل نصبا على المصدر أیضا و الثانی للتأکید أو لما ذکرناه، و یکون المنادى محذوفا تقدیره یا قوم أو نحوه، و أمّا وصفه له بأنّه یمیت القلب و یجلب الهمّ: فاعلم أنّ السبب فی التعجّب من الامور عدم اطّلاع النفس على أسبابه لغموضها مع کونه فی نفسه أمرا غریبا.

و لذلک وضع أهل اللغه قولهم ما أفعله صیغه للتعجّب کقولک ما أحسن زیدا، و علمت أن التقدیر فیها السؤال عن أسباب حسنه. و کلّما کان الأمر أغرب و أسبابه أخفى کان أعجب. فإذا کان أمرا خطرا مهمّا و انبعثت النفس فی طلب سببه فقد تعجز من تحصیله و تکلّ القوّه المتخیلّه عن تعیینه فیحدث بسبب عدم الاطّلاع على سببه همّ و غمّ لأنّه کالمرض الّذی لا یمکن علاجه إلّا بالوقوف على سببه فیسمّى ذلک الهمّ موتا للقلب تجوّزا بلفظ الموت فی الهمّ و الغمّ تسمیه للشی‏ء باسم ما یؤول إلیه، و إطلاقا لاسم المسبّب على السبب.

إذا عرفت ذلک فنقول: إنّ حال قومه علیه السّلام فی تفرّقهم عن حقّهم مع علمهم بحقیّته، و حال اجتماعهم على باطلهم مع اشتراکهم فی الشجاعه و کون قومه واثقین برضاء اللّه لو امتثلوا أمره من العجب الممیت للقلب الّذی لا یهتدى بسببه.

و أمّا أنّه یجلب الهمّ فظاهر إذ کان حاله علیه السّلام معهم کحال طبیب لمرضى الزم بعلاجهم مع خطر أمراضهم و عدم لزومهم لما یأمر به من حمیه أو شرب دواء. و ظاهر أنّ تلک الحال ممّا یجلب همّ الطبیب. ثمّ لمّا أظهر لهم التعجّب و وصفه بالشدّه أعقبه بذکر الأمر المتعجّب منه لیکون فی نفوسهم أوقع.

ثمّ أردف ذلک المتعجّب بالدعاء علیهم بالبعد عن الخیر و بالحزن بسبب تفریطهم، و أعقبه بالتوبیخ لهم و التبکیت بما یأنف منه أهل المروّه و الحمیّه و یوجب لهم الخجل و الاستحیاء من صیرورتهم بسبب تقصیرهم غرضا للرماه یغار علیهم و قد کان الأولى بهم أن یغزوا، و یغزون و قد کانوا هم أولى بأن یغزوا، و یعصى اللّه مع رضاهم بذلک.

ثمّ حکى صور أعذارهم فی التخلّف عن أمره و هى تاره شدّه الحرّ و تاره شدّه القرّ و نحوها من الأعذار الّتی یذوق العاقل منها طعم الکسل و الفتور، و أنّه لم یکن لهم بها مقصود الّا المدافعه.

ثمّ تسلّم تلک الأعذار منهم و استثبتها و جعلها مهادا للاحتجاج علیهم بقوله: فأنتم و اللّه من السیف أفرّ. و ذلک أنّ الفارّ من الأهون فارّ من الأشدّ بطریق الأولى إذ لا مناسبه لشدّه الحرّ و البرد مع القتل و المجالده بالسیف.

ثمّ أردف ذلک التبکیت بالذمّ لهم بثلاثه أوصاف: أحدها: أنّه نفى عنهم صفه الرجولیّه. لاستجماعها ما ینبغی من صفات الکمال الأنساىّ کالشجاعه و الأنفه و الحمیّه و الغیره. و عدم هذه الکمالات فیهم و إن کانوا بالصوره المحسوسه للرجال الموجبه لشبههم بهم.

و ذلک قوله: یا أشباه الرجال و لا رجال.
و ثانیها: أنّه وصفهم بحلوم الأطفال. و ذلک أنّ ملکه الحلم لیس بحاصل للطفل و إن کانت قوّه الحلم حاصله له لکن قد یحصل لهم ما یتصوّر بصوره الحلم کعدم التسرّع إلى الغضب عن خیال یرضیه و أغلب أحواله أن یکون ذلک فی غیر موضعه، و لیس تحصل له ملکه تکسب نفسه طمأنینه کما فی حقّ الکاملین. فهو إذن نقصان.

و لمّا کان تارکوا أمره علیه السّلام بالجهاد قد ترکو المقاومه حلما عن أدنى خیال‏ کترکهم الحرب بصفّین عن خدعه أهل الشام لهم بالمسالمه و طلب المحاکمه إلى کتاب اللّه و رفع المصاحف فقالوا: إخواننا فی الدین فلا یجوز لنا قتالهم. کان ذلک حلما فی غیر موضعه حتّى کان من أمرهم ما کان. فأشبه رضى الصبیان فأطلق اسمه علیه.

و ثالثها: إلحاق عقولهم بعقول النساء. و ذلک للمشارکه فی النقصان و عدم عقلیّتهم لوجوه المصالح المختصّه بتدبیر المدن و الحرب. ثمّ عرّفهم محبّته لعدم رؤیتهم و عدم معرفتهم لاستلزامها ندمه على الدخول فی أمرهم و الحزن من تقصیرهم فی الذّب عن الدین لأنّ المتولّى لأمر یغلب على ظنّه استقامته حتّى إذا دخل فیه و طلب انتظامه و وجده غیر ممکن له لا بدّ و أن یندم على تضییع الوقت به، و یحزن على عدم إمکانه له. و هذه حاله علیه السّلام مع أصحابه. و لذلک حزنت الأنبیاء علیه السّلام على تقصیر اممهم حتّى عاتبهم اللّه تعالى على ذلک کقوله لمحمّد صلى اللّه علیه و آله و سلّم وَ لا تَحْزَنْ عَلَیْهِمْ وَ لا تَکُ فِی ضَیْقٍ مِمَّا یَمْکُرُونَ. لَعَلَّکَ باخِعٌ نَفْسَکَ أَلَّا یَکُونُوا مُؤْمِنِینَ.

ثمّ عاد إلى الدعاء علیهم و الشکایه منهم،

و ذلک قوله: قاتلکم اللّه. إلى آخره. و أعظم بما دعا علیهم به فإنّ المقاتله لمّا کانت مستلزمه للعداوه، و العداوه مستلزمه لأحکام کاللعن و الطرد و البعد من الشفقه و الخیر من جهه العدوّ، و کان إطلاق المقاتله و العداوه على اللّه بحسب حقیقتهما غیر ممکن کان إطلاق لفظ المقاتله و العداوه مقصودا به لوازمهما کالإبعاد عن الرحمه مجازا. قال المفسّرون: معنى قول العرب: قاتلکم اللّه: أى لعنکم. و قال ابن الأنبارى: المقاتله من القتل. فإذا أخبر اللّه بها کان معناها اللعنه منه لأنّ من لعنه اللّه فهو بمنزله المقتول الهالک. و قوله: لقد ملأتم قلبى قیحا إشاره. إلى بلوغ الغایه فی التألّم الحاصل له من شدّه الاهتمام بأمرهم مع تقصیرهم و عدم طاعتهم لأوامره. فعبّر بالقیح عن ألم قلبه مجازا من باب إطلاق اسم الغایه على ذى الغایه. إذ کان غایه ألم العضو أن یتقّیح. و کذلک إطلاق لفظ الشحن على فعلهم المولم لقلبه مجاز لأنّ الشحن حقیقه فی نسبه بین جسمین،

و کذلک قوله: و جرّعتمونى نغب التهمام أنفاسا: أى جلبتم لى الهمّ وقتا فوقتا. مجاز لأنّ التجریع عباره عن إدخال الماء أو نحوه فی الحلق. و طریان الهمّ على نفسه و ما یلزم الهمّ من الآلام البدنیّه على بدنه، و تکرار ذلک منهم یشبه طریان المشروب و تجریعه. و قوله: أنفاسا. مجاز فی الدرجه الثانیه فإنّ النفس حقیقه لغویّه فی الهواء الداخل و الخارج فی الحیوان من قبل الطبیعه.

ثمّ استعمل عرفا لمقدار ما یشرب فی مدّه إدخال الهواء بقدر الحاجه إطلاقا لاسم المتعلّق على المتعلّق، ثمّ استعمل هاهنا فی کلّ مقدار من الهمّ یرد علیه من قبل أصحابه وقتا فوقتا و هی درجه ثانیه من المجاز.

و قوله: و أفسدتم رأیى بالعصیان. من تمام شکایته منهم. و معنى إفسادهم له خروجه بسبب عدم التفاتهم إلیه عن أن یکون منتفعا به لغیرهم حتّى قالت قریش: إنّه و إن کان رجلا شجاعا إلّا أنّه غیر عالم بالحرب. فإنّ الخلق إذا رأوا من قوم سوء تدبیر أو مقتضى رأى فاسد کان الغالب أن ینسبوه إلى رئیسهم و مقدّمهم و لا یعلمون أنّه علیه السّلام الألمعىّ الّذی یرى الرأی کأن قد رأى و قد سمع، و أنّ التقصیر من قومه.

ثمّ أردف ذلک بالردّ على قریش فی نسبتها له إلى قلّه العلم بالحرب بقوله: للّه أبوهم. إلى آخره.
و هی کلمه من ممادح العرب. ثمّ سألهم عن وجود من هو أشدّ للحرب معالجه أو أقدم منه فیها مقاما سؤالا على سبیل الإنکار علیهم، و نبّه على صدقه بنهوضه فی الحرب و معاناه أحوالها عامّه عمره و هو من قبل بلوغ العشرین إلى آخر عمره. ثمّ بیّن أنّ السبب فی فساد حال أصحابه لیس ما تخیّله قریش فیه من ضعف الرأى فی الحرب کما یزعمون، بل عدم طاعتهم له فیما یراه و یشیر علیهم به و ذلک قوله: و لکن لا رأى لمن لا یطاع. فإنّ الرأی الّذی لا یقبل بمنزله الفاسد و إن کان صوابا. و المثل له علیه السّلام.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۳۰

بازدیدها: ۱۵

خطبه۲۵شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

القسم الأول

إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّداً ص نَذِیراً لِلْعَالَمِینَ- وَ أَمِیناً عَلَى التَّنْزِیلِ- وَ أَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِینٍ وَ فِی شَرِّ دَارٍ- مُنِیخُونَ

بَیْنَ حِجَارَهٍ خُشْنٍ وَ حَیَّاتٍ صُمٍّ- تَشْرَبُونَ الْکَدِرَ وَ تَأْکُلُونَ الْجَشِبَ- وَ تَسْفِکُونَ دِمَاءَکُمْ وَ تَقْطَعُونَ أَرْحَامَکُمْ- الْأَصْنَامُ فِیکُمْ

مَنْصُوبَهٌ وَ الْآثَامُ بِکُمْ مَعْصُوبَهٌ

اللغه

أقول: الإناخه: المقام بالمکان. و الحیّه الصمّاء: هى الّتی لا تنزجر بالصوت کأنّها لا تسمع، و ربّما یراد بها الصلبه الشدیده. و الجشب: هو الطعام الغلیظ الخشن، و یقال: هو الّذی لا إدام معه، و معصوبه: مشدوده.

المعنى

و اعلم أنّه علیه السّلام اقتصّ امورا وقعت لیحسن مدحها و ذمّها. فبدأ بذکر النبیّ صلى اللّه علیه و آله و سلّم و ذکر بعض أسباب غایه البعثه فإنّه. لمّا کانت الغایه منها هو جذب الخلق عن دار الغرور إلى الواحد الحقّ و کان ذلک الجذب تاره بالنذاره و تاره بالبشاره. و ذکر هنا النذاره، و خصّها بالذکر لأنّها السبب الأقوى فی الردع فإنّ عامّه الخلق و جمهورهم قلّما یلتفتون إلى ما وعدوا به فی الآخره إذا قابلوا ذلک بلذّاتهم الحاضره فإنّ تلک امور غیر متصوّره لهم إلّا بحسب الوصف الّذی إنّما ینکشف لهم عن امور محسوسه تشبه ما هم فیه أو أضعف عندهم. ثمّ إنّ نیلها مشروط بشرائط صعبه فی الدنیا تکدّر علیهم ما هم فیه من حاضر لذّتهم مع براءتها عن الشروط و التکالیف الشاقّه فلذلک قلّما یلتفتون إلى الوعد عمّا هم فیه.

فکان السبب الأقوى فی الردع و الالتفات إلى اللّه إنّما هو الإنذار و التخویف فإذا انضمّ إلیه الوعد أفاد المجموع الغایه. و لمّا کان مقصوده علیه السّلام فی هذا الموضع التوبیخ المطلق للعرب و ترقیق قلوبهم المشتمله على الفظاظه و القسوه کان الألیق هاهنا ذکر إنذار النبیّ للعالمین لیتذکّروا بذلک تفصیل الإنذارات الوارده فی القرآن و السنّه، ثمّ أردف ذلک بذکر کونه أمینا على التنزیل لیتذکّروا أنّ الإنذارات الوارده هى من عند اللّه تعالى أتى بها الرسول غیر خائن فیها بتبدیل أو زیاده أو نقصان فیتأکّد فی قلوبهم ما قد علموه من ذلک لیکون أدعى لهم إلى الانفعال عن أقوله، ثمّ شرع بعده فی اقتصاص أحوالهم الّتی کانوا علیها، و الواو فی قوله: و أنتم. للحال أی حال ما کنتم بهذه الصفات بعث محمّدا، و ذکر أحوالهم فی معرض الذمّ لهم.

فذکر أنّهم کانوا على شرّ دین، و هو عباده الأصنام من دون اللّه. و أعظم بذلک افتضاحا لمن عقل منهم أسرار الشریعه و عرف اللّه سبحانه. فلا أحسبه عند سماع هذا التوبیخ إلّا خجلا ممّا فرّط فی جنب اللّه و یقول: وَ أُحِیطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ یُقَلِّبُ کَفَّیْهِ، ثمّ أردف ذلک بتذکیرهم ما کانوا فیه من شرّ دار. و أراد نجد أو تهامه و أرض الحجاز، و بیّن کونها شرّا ببیان فساد أحوالهم، أمّا فی مساکنهم فبانا ختهم بین الحجاره السود الخشن الّتی لا نداوه بها و لا نبات، و الحیّات الصمّ الّتی لا علاج لسمومها. و وصفها بالصمّ. لأنّ حیات تلک الأرض على غایه من القوّه و حدّه السموم لاستیلاء الحراره و الیبس علیها، و أمّا فی مشربهم فلأنّ الغالب علی المیاه الّتی یشربونها أن یکون کدره لا یکاد غیر المعتاد بها أن یقبل علیها مع العطش إلّا عند الضروره، و السبب الغالب فی ذلک عدم إقامتهم بالمکان الواحد بل هم أبدا فی الحلّ و الارتحال، و لا یحتفرون المیاه و یصلحونها إلّا ریثماهم علیها. فربما کان بعضهم یحتفر و بعضهم یشرب. و مشاهدتهم توضح ذلک، و أمّا فی مأکلهم فجشوبتها ظاهره فإنّک تجد عامّتهم یأکل ما دبّ من حیوان، و سئل بعض العرب أىّ الحیوانات تأکلون فی البادیه فقال: نأکل کلّ ما دبّ و درج إلّا امّ حیین (امّ جبین خ) فقال السائل: لیت تدرى أمّ حیین السلامه. قال صاحب الجمل: و أمّ جبین: دویبه قدر کفّ الإنسان. و بعضهم یخلط الشعر بنوى التمر و یطحنها و یتخدّ منهما خبزا، و روى أنّهم کانو فی أیّام المجاعه یلوّثون أوبار الإبل بدم القراد و یجفّفونها فإذا یبست و قوها و صنعوها طعاما، و أمّا فی سفکهم الدماء بعضهم لبعض و قطع أرحامهم فظاهر أیضا فإنّ الولد کان یقتل أباه و بالعکس، و أمّا نصبهم للأصنام و عصب الآثام بهم فی جاهلیّتهم فغنی عن البیان، و لفظ العصب مستعار للزوم الآثام لهم فی تلک الحال عن معناه الأصلی و هی استعاره لفظ للنسبه بین محسوسین للنسبه بین معقولین أو بین معقول و محسوس، و إنّما ذکرهم علیه السّلام بهذه الأحوال لینبّههم لنسبه ما کانو علیه فی الجاهلیّه إلى ما هم علیه فی تلک الحال من أضداد ذلک کلّه.

إذ بدّلوا ممّا کانوا فیه من فساد أحوالهم فی الدنیا إلى صلاح حالهم فیها ففتحو المدن و کسروا الجیوش و قتلوا الملوک و غنموا أموالهم کما قال تعالى فی المنّه علیهم و تذکیرهم أنواع ما أنعم علیهم به «وَ أَوْرَثَکُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِیارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها» و جعل لهم الذکر الباقی و الشرف الثابت. کلّ ذلک زیاده على هدایته لهم إلی الإسلام الّذی هو طریق دار السلام و سبب السعاده الباقیه.

و إنّما کان ذلک لسبب مقدم محمّد صلى اللّه علیه و آله و سلّم إلیهم و اعلم أنّ سیاق هذا الکلام یقتضى مدح النبیّ صلى اللّه علیه و آله و سلّم فیما حذف من الفصل بعده لیبنی علیه مقصودا له، و فیه تنبیه على دوام ملاحظه السامعین لنعماء اللّه علیهم فیلاحظوا استحقاقه لتمام العباده عامّه أحوالهم، و یکونون فی و جل من خوفه و فی و شوق إلیه. و اللّه یهدى من یشاء إلى صراط مستقم.

القسم الثانی و منها.

فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَیْسَ لِی مُعِینٌ إِلَّا أَهْلُ بَیْتِی- فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَوْتِ- وَ أَغْضَیْتُ عَلَى الْقَذَى وَ شَرِبْتُ عَلَى الشَّجَا- وَ

صَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ الْکَظَمِ- وَ عَلَى أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ الْعَلْقَمِ

اللغه

أقول: ضننت بکسر النون: أى بخلت، و نقل الفرّاء بالفتح أیضا. و أغضیت على کذا: أى اطبقت علیه جفنی. و القذى: ما یسقط فی العین فیؤذیها. و الشجى: ما یعرض فی الحلق عند الغبن و نحوه لا یکاد یسیغ الإنسان معه الشراب، و قد مرّ تفسیرهما. و أخذ بکظمه: أى بمجرى نفسه، و العلقم: شجر بالغ المراره، و یصدق بالعرف على کلّ مرّ.

المعنى

و اعلم أنّ هذا الفصل یشمل على اقتصاص صوره حاله بعد وفاه رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلّم فی أمر الخلافه و هو اقتصاص فی معرض التظلّم و الشکایه ممّن یرى أنّه أحقّ منه بالأمر. فأشار إلى أنّه فکّر فی أمر المقامه و الدفاع عن هذا الحقّ الّذی یراه أولى فرأى أنّه لا ناصر له إلّا أهل بیته و هم قلیلون بالنسبه إلى من لا یعینه و من یعین علیه.

فإنّه لم یکن له معین یغلب على الظنّ إلّا بنى هاشم کالعبّاس و بنیه و أبی سفیا بن الحرث بن عبد المطلب و من یخصّهم، و ضعفهم و قلّتهم عن مقاومه جمهور الصحابه ظاهر، فضنّ بهم على الموت لعلمه أنّهم لو قاوم بهم لقتلوا ثمّ لا یحصل على مقصوده، و لمّا ضنّ بهم عن الموت لزمه ما ذکر من الامور و هى الإغضاء على القذى، و کنّى بالإغضاء على القذى عن صبره عن المقاومه کنایه بالمستعار، و وجه المشابهه بینهما استلزامهما للألم البالغ، و بالقذى عمّا یعتقده ظلما فی حقّه،

و کذلک قوله: و شربت على الشجى. ملاحظه لوجه الشبه بین ما یجرى له من الامور الّتی توجب له الغضب و الغبن و بین الماء الّذی یشرب على الشجى و هو استلزامهما الأذى و عدم التلذّذ و الاساغه. و لذلک استعار له لفظه الشرب،

و کذلک قوله: و صبرت على أخذ الکظم و على أمرّ من طعم العلقم. فیه استعارات حسنه للفظ أخذ الکظم کنّى بها عن أخذ الوجوه علیه و تضییق الأمر فیما یطلبه، و لفظ المراره الّتی هی حقیقه فی الکیفیّه المخصوصه للأجسام لما یجده من التألّم بسبب فوت مطلوبه، و وجه المشابهه فی هاتین الاستعارتین لزوم الأذى أیضا، و أمّا أنّ الّذی وجده أمرّ من العلقم فظاهر إذ لا نسبه للألم البدنیّ فی الشدّه إلى الألم النفسانیّ. و أعلم أنّه قد اختلف الناقلون لکیفیّه حاله بعد وفاه رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلّم فروى المحدّثون من الشیعه و غیرهم أخبارا کثیره ربما خالف بعضها بعضا بحسب اختلاف الأهواء: منها و هو الّذی علیه جمهور الشیعه أنّ علیّا علیه السّلام امتنع من البیعه لأبى بکر بعد وفاه الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم و امتنع معه جماعه بنى هاشم کالزبیر و أبى سفیان بن الحرث و العبّاس و بنیه و غیرهم و قالوا: لا نبایع إلّا علیّا علیه السّلام و أنّ الزبیر شهر سیفه فجاء عمر فی جماعه من الأنصار فأخذ سیفه فضرب به الحجر فکسره و حملت جماعتهم إلى أبى بکر فبایعوه و بایع معهم علىّ إکراها،

و قیل: إنّ علیّا علیه السّلام اعتصم ببیت فاطمه علیها السّلام و علموا أنّه مفرد فترکوه، و روى نضر بن مزاحم فی کتاب صفّین أنّه کان‏ یقول. لو وجدت أربعین ذوى عزم لقاتلت، و منها و هو الّذی علیه جمهور المحدّثین من غیر الشیعه أنّه امتنع من البیعه ستّه أشهر حتّى ماتت فاطمه فبایع بعد ذلک طوعا،

و فی صحیحى مسلم و البخارى: کانت وجوه الناس مختلف إلیه و فاطمه لم تمت بعد فلمّا ماتت انصرفت وجوه الناس عنه. فخرج و بایع ابا بکر، و على الجمله فحال الصحابه فی اختلافهم بعد وفاه رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلّم و ما جرى فی سقیفه بنى ساعده و حال علىّ فی طلب هذا لأمر ظاهر، و العاقل إذا طرح العصبیّه و الهوى عن نفسه و نظر فیما نقله الناس فی هذا المعنى علم ما جرى بین الصحابه من الاختلاف و الاتّفاق، و هل بایع علىّ طوعا أو کرها و هل ترک المقاومه عجزا أو اختیارا. و لمّا لم یکن غرضنا إلّا تفسیر کلامه کان الاشتغال بغیرذلک تطویلا و فضولا خارجا عن المقصود. و من رام ذلک فعلیه بکتب التواریخ.

القسم الثالث و منها:

وَ لَمْ یُبَایِعْ حَتَّى شَرَطَ أَنْ یُؤْتِیَهُ عَلَى الْبَیْعَهِ ثَمَناً- فَلَا ظَفِرَتْ یَدُ الْبَائِعِ وَ خَزِیَتْ أَمَانَهُ الْمُبْتَاعِ- فَخُذُوا لِلْحَرْبِ أُهْبَتَهَا وَ أَعِدُّوا لَهَا عُدَّتَهَا- فَقَدْ

شَبَّ لَظَاهَا وَ عَلَا سَنَاهَا- وَ اسْتَشْعِرُوا الصَّبْرَ فَإِنَّهُ أَدْعَى إِلَى النَّصْرِ

اللغه

أقول: خزیت: أى ذلّت و هانت، و الاهبه: الاستعداد، و اعدّوا: أى هیّؤوا، و عدّه الحرب: ما یعدّ لها من الآلات و السلاح. و شبّ لظاها: أى أوقدت نارها و اثیرت، و روى شبّ بالبناء للفاعل أى ارتفع لهبها. و السنا مقصورا: الضؤ. و الشعار: ما یلی الجسد من الثیاب، و یلازمه.

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من الکلام اقتصاص ذکر علیه السّلام فیه حال عمرو بن العاص مع معاویه. فذکر أنّه لم یبایعه حتّى شرط أن یؤتیه على بیعته ثمنا، و ذلک أنّه لمّا نزل علیه السّلام بالکوفه بعد فراغه من أمر البصره کتب إلى معاویه کتابا یدعوه فیه إلى البیعه فأهمّه ذلک. فدعا قوما من أهل الشام إلى الطلب بدم عثمان فأجابوه و أراد الاستظهار فی أمره فأشار علیه أخوه عتبه بن أبی سفیان بالاستعانه بعمرو بن العاص و کان بالمدینه فاستدعاه فلمّا قدم علیه و عرف حاجته إلیه تباعد عنه و جعل یمدح علیّا علیه السّلام فی وجهه و یفضّله‏

لیخدعه عمّا یرید منه. فمن ذلک أنّ معاویه قال له یوما: یا أبا عبد اللّه إنى أدعوک إلى جهاد هذا الرجل الّذی عصى اللّه و شقّ عصا المسلمین و قتل الخلیفه و أظهر الفتنه و فرّق الجماعه و قطع الرحم. فقال عمرو: من هو. قال: علىّ. فقال: و اللّه یا معاویه ما أنت و علىّ حملی بعیر، لیس لک هجرته و لا سابقته و لا صحبته و لا جهاده و لا علمه و اللّه إنّ له مع ذلک لحظّا فی الحرب لیس لأحد غیره. و لکنّى قد تعوّدت من اللّه إحسانا و بلاء جمیلا. فما تجعل لى إن بایعتک على حربه و أنت تعلم ما فیه من الغرور و الخطر قال له: حکمک.

قال له: مصر الطعمه. فلم یزل معاویه یتلکّأ علیه و یماطله و هو یمتنع عن مساعدته حتّى رضى معاویه أن یعطیه مصر. فعاهده على ذلک و بایع عمر و معاویه، و کتب له بمصر کتابا.

فذلک معنى قوله علیه السّلام: و لم یبایع معاویه حتّى شرط أن یؤتیه على البیعه ثمنا، ثمّ أردف ذلک بالدعاء على البایع لدینه و هو عمرو بعدم الظفر فی الحرب أو بالتمن بقوله: فلا ظفرت ید البایع، و ألحقه بالتوبیخ و الذّم للمبتاع بذکر هو ان أمانته علیه و هى بلاد المسلمین و أموالهم الّتی أفاءها اللّه علیهم، و یحتمل أن یکون إسناد الخزى إلى الأمانه إسنادا مجازّیا أو على سبیل إضمار الفاعل یفسّره المبتاع أى و الخزى المبتاع فی أمانته بخیانته لها، و ذهب بعض الشارحین إلى أنّ المراد بالبایع معاویه و بالمبتاع عمرو.

و هو ضعیف. لأنّ الثمن إذا کان مصرا فالمبتاع هو معاویه. ثمّ لمّا ظهرت دعوه معاویه لأهل الشام و مبایعه عمرو له کان ذلک من دلائل الحرب فلذلک أمر علیه السّلام أصحابه بالتأهّب لها و إعداد عدّتها، و کنّى عمّا ذکرناه من إمارات وقوعها بقوله: و قد شبّ لظاها و علا سناها. کنایه بالمستعار. و وجه المشابهه بین لهب النار و سناها و أمارات الحرب کونها علامات على أمرین هما مظنّه الهلاک و محلّ الفتنه، و یحتمل أن یکون إطلاق لفظ السنا ترشیحا للاستعاره، ثمّ أردف ذلک بالأمر بالصبر فی الحرب و استشعاره إمّا أن یراد به اتّخاذه شعارا على وجه استعارته من الثوب لملازمته الجسد، أو یراد اتّخاذه علامه لأنّ شعار القوم علامتهم أیضا، و یحتمل أن یکون اشتقاقه من الشعور أى لیکن فی شعورکم الصبر و إن کان الأشتقاقیّون یردّون الشعار بالمعنى الثانی إلى الشعور.

و قوله: فإنّ ذلک أدعى إلى النصر. بیان لفائده اتّخاذ الصبر شعارا أو علامه، أمّا إن کان المقصود ألزموا أنفسکم الصبر فظاهر أنّ لزوم الصبر من أقوى أسباب النصر، و إن کان المقصود اتّخذوه علامه فلأنّ من کان الصبر فی الحرب علامه له یعرفه الخصم بها کان الخصم یتصوّرها منه أدعى إلى الانقهار فکان المستشعر لتلک العلامه أدعى إلى القهر و النصر، و إن کان المراد إخطاره بالبال فلأنّه سبب لزومه. و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بخرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۲۴

بازدیدها: ۱۱

خطبه۲۴شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

و قد تواترت علیه الأخبار باستیلاء أصحاب معاویه على البلاد و قدم علیه عاملاه على الیمن، و هما عبید اللّه بن عباس و سعید بن نمران لما غلب‏ علیهما بسر بن أبى أرطاه، فقام علیه السّلام على المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد و مخالفتهم له فى الرأى،

فقال: مَا هِیَ إِلَّا الْکُوفَهُ أَقْبِضُهَا وَ أَبْسُطُهَا- إِنْ لَمْ تَکُونِی إِلَّا أَنْتِ تَهُبُّ أَعَاصِیرُکِ فَقَبَّحَکِ اللَّهُ- وَ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ-

لَعَمْرُ أَبِیکَ الْخَیْرِ یَا عَمْرُو إِنَّنِی عَلَى وَضَرٍ مِنْ ذَا الْإِنَاءِ قَلِیلِ‏ ثُمَّ قَالَ ع أُنْبِئْتُ بُسْراً قَدِ اطَّلَعَ الْیَمَنَ- وَ إِنِّی وَ اللَّهِ لَأَظُنُّ أَنَّ

هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ سَیُدَالُونَ مِنْکُمْ- بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَ تَفَرُّقِکُمْ عَنْ حَقِّکُمْ- وَ بِمَعْصِیَتِکُمْ إِمَامَکُمْ فِی الْحَقِّ وَ طَاعَتِهِمْ

إِمَامَهُمْ فِی الْبَاطِلِ- وَ بِأَدَائِهِمُ الْأَمَانَهَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وَ خِیَانَتِکُمْ- وَ بِصَلَاحِهِمْ فِی بِلَادِهِمْ وَ فَسَادِکُمْ- فَلَوِ ائْتَمَنْتُ أَحَدَکُمْ

عَلَى قَعْبٍ- لَخَشِیتُ أَنْ یَذْهَبَ بِعِلَاقَتِهِ- اللَّهُمَّ إِنِّی قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَ مَلُّونِی وَ سَئِمْتُهُمْ وَ سَئِمُونِی- فَأَبْدِلْنِی بِهِمْ خَیْراً مِنْهُمْ

وَ أَبْدِلْهُمْ بِی شَرّاً مِنِّی- اللَّهُمَّ مِثْ قُلُوبَهُمْ کَمَا یُمَاثُ الْمِلْحُ فِی الْمَاءِ- أَمَا وَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ لِی بِکُمْ أَلْفَ فَارِسٍ- مِنْ بَنِی

فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ-

هُنَالِکَ لَوْ دَعَوْتَ أَتَاکَ مِنْهُمْ فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِیَهِ الْحَمِیمِ‏

ثم نزل علیه السّلام من المنبر

قال الشریف أقول: الأرمیه جمع رمى و هو السحاب، و الحمیم ههنا: وقت الصیف، و إنما خص الشاعر سحاب الصیف بالذکر لأنه أشد جفولا و أسرع خفوفا لأنه لا ماء فیه. و إنما یکون السحاب ثقیل السیر لامتلائه بالماء، و ذلک لا یکون فى الأکثر إلا زمان الشتاء، و إنما أراد الشاعر وصفهم بالسرعه إذا دعوا، و الإغاثه إذا استغیثوا، و الدلیل على ذلک.
قوله هنا لک لو دعوت أتاک منهم أقول: السبب: أنّ قوما بصنعاء کانوا من شیعه عثمان یعظّمون قتله فبایعوا علیّا علیه السّلام على دغل. فلمّا اختلف الناس علیه بالعراق، و کان العامل له یومئذ على صنعاء عبید اللّه بن عباس، و على الجند بها سعید بن نمران. ثمّ قتل محمّد بن ابى بکر بمصر و کثرت غارات أهل الشام. تکلّم هؤلاء و دعوا إلى الطلب بدم عثمان فأنکر علیهم عبید اللّه ابن عباس فتظاهروا بمنابذه علىّ علیه السّلام فحبسهم فکتبو إلى أصحابهم: الجند. فعزلوا سعید بن نمران عنهم و أظهروا أمرهم فانضمّ إلیهم خلق کثیر إراده منع الصدقه. فکتب عبید اللّه و سعید إلى أمیر المؤمنین علیه السّلام یخبر انه الخبر فکتب إلى أهل الیمن و الجند کتابا یهدّدهم فیه و یذکّرهم اللّه تعالى فأجابوه بأنّا مطیعون إن عزلت عنّا هذین الرجلین: عبید اللّه و سعیدا. ثمّ کتبوا إلى معاویه فأخبروه فوجّه إلیهم بسر بن أرطاه و کان فظّا سفّاکا للدماء فقتل فی طریقه بمکّه داود و سلیمان ابنى عبید اللّه بن عباس، و بالطائف عبد اللّه بن المدان و کان صهرا لابن عبّاس ثمّ انتهى إلى صنعاء و قد خرج منها عبید اللّه و سعید، و استخلفا علیها عبد اللّه بن عمرو بن أراکه الثقفىّ فقتله بسر، و أخذ صنعاء فلمّا قدم ابن عبّاس و سعید على علیّ علیه السّلام بالکوفه عاتبهما على ترکهما قتال بسر فاعتذرا إلیه بضعفهما عنه. فقام علیه السّلام إلى المنبر ضجرا من مخالفه أصحابه له فی الرأى فقال: ما هى إلّا الکوفه. الفصل.
إذا عرفت ذلک فنقول

اللغه

الإعصار: ریح تهّب فتثیر التراب. و الوضر: بفتح الضاد الدرن الباقى فی الإناء بعد الأکل، و یستعار لکلّ بقیّه من شی‏ء یقلّ الانتفاع بها. و الأناء: بالفتح‏

شجر حسن المنظر مرّ الطعم. و اطّلع الیمن: أى غشیها. سید الون أى: یصیر الأمر إلیهم و الدوله لهم. و القعب: القدح الضخم. و ماث الشی‏ء: أذابه

المعنى

و اعلم أنّ الضمیر فی قوله ما هی إلّا الکوفه و إن لم یجر لها ذکر فی اللفظ إلّا أن تضجّره من أهلها قبل ذلک و خوضه فی تدبیرها مرارا، و حضورها فی ذهنه یجرى مجرى الذکر السابق لها، و أقبضها خبر ثان لمبتدأ محذوف تقدیره: أنا، و یحتمل أن یکون هی ضمیر القصّه و أقبضها خبر عن الکوفه. و نظیره فی الاحتمالین قوله تعالى «کَلَّا إِنَّها لَظى‏ نَزَّاعَهً لِلشَّوى‏»«» و یفهم من هذا الکلام حصر ما بقى له من البلاد الّتی یعتمد علیها فی الحرب و مقابله العدوّ فی الکوفه. و هو کلام فی معرض التحقیر لما هو فیه من أمر الدنیا و ما بقى له من التصرّف الحقّ بالنسبه إلى ما لغیره من التصرّف الباطل. و أقبضها و أبسطها کنایتان عن وجوه التصرّف فیها أى إنّ الکوفه و التصرّف فیها بوجوه التصرّف حقیر بالنسبه إلى سائر البلاد الّتی علیها الخصم. فما عسى أصنع بتصرّفی فیها، و ما الّذی أبلغ به من دفع الخصم و مقاومته.

و هذا کما یقول الرجل فی تحقیر ما فی یده من الماء القلیل إذا رام به أمرا کبیرا: إنّما هو هذا الدینار فما عسى أبلغ به من الغرض، و قوله. إن لم تکونى إلّا أنت تهّب أعاصیرک. عدول من الغیبه إلى الخطاب، و الضمیر بعد إلّا تأکید للّذى قبلها و الجمله الفعلیّه بعده فی موضع الحال، و خبر کان محذوف. و لفظ الأعاصیر یحتمل أن یحمل على حقیقته فإنّ الکوفه معروف بهبوب الأعصار فیها، و یحتمل أن یکون مستعارا لما یحدث من آراء أهلها المختلفه الّتی هی منبع الغدر به، و التثاقل عن ندائه. و وجه المشابهه ما یستلزمه المستعار منه و له من الأذى و الإزعاج. و تقدیر الکلام فإن لم تکونی إلّا أنت عدّه لی و جنّه ألقى بها العدوّ، و حظّا من الملک و الخلافه مع ما علیه حالک من المذامّ فقبحا لک. و هو ذمّ لها بعد ذکر وجه الذمّ. و لأجل استصغاره لأمرها تمثّل بالبیت: لعمر ابیک. الخبر. و معنى تمثیله به أنّى على بقیّه من هذا الأمر کالوضر القلیل فی الإناء، و هو تمثیل على وجه الاستعاره فاستعار لفظ الإناء للدنیا و لفظ الوضر القلیل فیه للکوفه، و وجه المشابهه ما یشرک فیه الکوفه و الوضر من الحقاره بالنسبه إلى ما استولى علیه خصمه من الدنیا و ما اشتمل علیه‏ الإناء من الطعام، و من روى الأناء فإنّما أراد أنّى على بقیّه من هذا الأمر کالقدر الحاصل لناظر الأناء من حسن المنظر مع عدم انتفاعه منه بشى‏ء آخر، و یکون قد استعار لفظ الأناء لسائر بلاد الإسلام، و لفظ الوضر لما فی یده هو من حسن المنظر استعاره فی الدرجه الثانیه، و إنّما خصّص الکوفه دون البصره و غیرها لأنّ جمهور من کان یعتمد علیه فی الحرب إذن هم أهل الکوفه،

و قوله: انبئت بسرا. إلى قوله: منکم. شروع فی استنفارهم إلى الجهاد. فأعلمهم أوّلا بحال بسر و خروج الیمن من أیدیهم، ثمّ خوّفهم بما حکم به من الظنّ الصادق أن سیدال القوم منهم، ثمّ أعقب ذلک بذکر أسباب توجب وقوع ما حکم به و هی الإمارات الّتی عنها حکم، فذکر أربعه امور من قبلهم هی أسباب الانقهار، و أربعه امور من قبل الخصم مضادّه لها هی أسباب القهر، و رتّب کلّ أمر عقیب ضدّه لیظهر لهم المناسبه بین أفعالهم و أفعال خصومهم فیدعوهم داعى الدین و المروّه إلى الفرار من سوء الرأى.

فالأول من أفعال الخصم: الاجتماع و التوازر و إن کانوا على الباطل و هو التصرّف الغیر الحقّ فی البلاد،

و الأوّل من أفعالهم ما یضادّ ذلک: و هو تفرّقهم عن حقّهم أى تصرّفهم المستحقّ لهم بإذن ولىّ الأمر:

الثانی من أفعال الخصم: الطاعه للإمام الجائر فیما یأمر به من الباطل، و من أفعالهم: معصیه إمام الحقّ فی أمره بالحقّ

الثالث للخصم: تأدیتهم للأمانه إلى صاحبهم و هی لزوم عهده و الوفاء ببیعته، و من أفعالهم: ضدّ ذلک من الغدر و الخیانه فی العهد بترکهم لموازرته فی القتال و عصیانهم لأمره حتّى صار الغدر مثلا لأهل الکوفه

الرابع: صلاح القوم فی بلادهم أى انتظام امورهم فیها الناشى عن طاعه إمامهم، و من إفعالهم: ما یضادّ ذلک من فسادهم فی بلادهم لخروجهم عن طاعه إمامهم. و ظاهر أنّ الامور الأربعه المذکوره من أفعال الخصم من أسباب صلاح الحال و انتظام الدوله و الغلبه و القهر، و أنّ الامور الأربعه المضادّه لها من أفعالهم من أقوى الأسباب الموجبه للانقلاب و الانقهار،

و قوله: و لو ائتمنت أحدکم على قعب لخشیت أن یذهب بعلاقته. مبالغه فی ذمّهم بالخیانه على سبیل الکنایه عن خیانتهم لأمانتهم فی عهده على‏ قبول أوامر اللّه.

و قوله: اللهمّ إنى قد مللتهم و ملّونى. شکایه إلى اللّه سبحانه منهم و عرض لما فی ضمیره و ضمائرهم بحسب ما شهدت به قرائن أحوالهم، و الملال و السأم مترادفان.
و حقیقته إعراض النفس عن شی‏ء إمّا لفتور القوى البدنیّه و کلالها عن کثره الأفاعیل، و إمّا لاعتقاد النفس عن دلیل و إماره یتبیّن لها أنّ ما یطلبه غیر ممکن لها. و هذان السببان کانا موجودین: أمّا سأمه علیه السّلام من أفعالهم (أفعاله خ) فإنّه لم یشک منهم و لم یدع علیهم حتّى عجزت قواه عن التطلّع إلى وجوه إصلاحهم و انصرفت نفسه عن معالجه أحوالهم لاعتقاد أنّ تقویمهم غیر ممکن له، و أمّا سأمهم منه فإمّا لاعتقادهم أنّ مطلوباتهم الّتی کانوا أرادوه لها غیر ممکنه منه، أو لکثره تکرار أوامره بالجهاد و الذبّ عن دین اللّه و المواظبه على أوامر اللّه و زیادتها على قواهم الضعیفه الّتی هى مع ضعفها مشغوله بغیر اللّه.

فلذلک تنصرف نفوسهم عن قبول قوله و امتثال أوامره، ثم أردف تلک الشکایه بالتضرّع إلى اللّه تعالى فی الخلاص منهم، ثمّ الدعاء علیهم فدعا اللّه لنفسه أوّلا أن یبدله خیرا منهم أمّا فی الدنیا: قوما صالحین ینظرون بنور اللّه نعمه علیهم فیخلصوا له الدین،

و أمّا فی الآخره: قوما غرقوا فی مطالعه أنوار کبریاء اللّه فأعطاهم أعلى منازل جنّته و أسنى مراتب کرامته: قوما وَ مَنْ یُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِکَ مَعَ الَّذِینَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَیْهِمْ مِنَ النَّبِیِّینَ وَ. و طلبه الخیر منهم فی الدنیا هو الأرجح فی الذهن. لما یتمنّاه بعد من فوارس بنى فرس. ثمّ دعا اللّه علیهم أن یبدلهم شرّا منه.

فإن قلت: إنّ صدور مثل هذا الدعاء منه علیه السّلام مشکل من وجهین: أحدهما: أنّه یقتضى أن یکون هو ذا شرّ. و قد ثبت أنّه کان منزّها عن الشرور، الثانی أنّه کیف یجوز منه أن یدعو بوجود الشرور و وجود الأشرار. قلت: الجواب عن الأوّل من وجهین: أحدهما: أنّ صیغه أفعل التفصیل کما ترد لإثبات الأفضلیه کذلک قد ترد لإثبات الفضیله. و حینئذ یحتمل أن یکون مراده

من قوله: شرا منّی: أى أبدلهم بمن فیه شرّ غیرى، الثانی: أن یکون شرّا منّی على عقائدهم أنّ فیه شرّا علیهم. و اعتقادهم أنّه ذو شرّ لا یوجب کونه کذلک، و عن الثانی من وجهین: أحدهما: أنّه لمّا کان فی دعاء اللّه أن یبدلهم من هو شرّ منه مصلحه تامّه حسن منه ذلک، و بیان المصلحه من وجهین: أحدهما: أنّ ذلک الدعاء منه علیهم بمشهد منهم و مسمع من أعظم الأسباب المخوّفه الجاذبه لأکثرهم‏ إلى اللّه تعالى و ذلک مصلحه ظاهره، الثانی أنّ نزول الأمر المدعوّ به علیهم بعده مما ینبّههم على فضله، و یذکّرهم أنّه لم یصبهم ذلک إلّا لترکهم أوامر اللّه تعالى و خروجهم عن طاعته فیتقهقروا عن مسالک الغىّ و الفساد إلى واضح سبیل الرشاد، و یکون ذلک بلاء من اللّه لهم. الثانی: لعلّه إنّما دعا علیهم لعلمه أنّه لا یرجى صلاحهم فیما خلقوا لأجله ممّا یدعوهم إلیه. و من لا یرجى صلاح حاله مع فساد نظام العالم بوجوده و لزومه لما یضادّ مطلوب اللّه منه فعدمه أولى من وجوده. فکان دعاءهم علیهم إذن مندوبا إلیه. و على ذلک یحمل أیضا دعائه علیهم: اللهمّ مث قلوبهم کما یماث الملح فی الماء. و نحوه. و ذلک تأسّ منه علیه السّلام بالسابقین من الأنبیاء علیهم السّلام فی التضجّر من قولهم و الشکایه منهم إلى اللّه تعالى و دعائهم علیه کنوح علیه السّلام إذ قال: قالَ رَبِّ إِنِّی دَعَوْتُ قَوْمِی لَیْلًا وَ نَهاراً فَلَمْ یَزِدْهُمْ دُعائِی إِلَّا إلى قوله إِنَّهُمْ عَصَوْنِی، ثمّ ختم بالدعا على من لم یرج له صلاح، فقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْکافِرِینَ دَیَّاراً الآیه. و کلوط إذ قال لقومه: إِنِّی لِعَمَلِکُمْ مِنَ الْقالِینَ، و غیرهما من الأنبیاء و المراد بالمیث المدعوّ به یشبه أن یکون ما یحصل فی القلب من الانفعال عن الغمّ و الخوف و نحوهما، و ذلک أنّ الغمّ إذا وقع لزمه تکاثف الروح القلبی للبرد الحادث عند انطفاء الحراره الغریزّیه لشدّه انقباض الروح و اختناقه فیحسّ فی القلب بانفعال شبیه بالعصر و المرس. و ذلک فی الحقیقه ألم أو مستلزمه له فیحسن أن یکون مرادا له، و یحتمل أن یکون کنایه عن أسبابه من الغمّ و الخوف فکأنّه طلب من اللّه أن یقتصّ له منهم إذ ماثوا قلبه بفساد افعالهم، و یروى أنّ الیوم الّذی دعا علیهم فیه ولد فیه الحجّاج بن یوسف، و روى أنّه ولد بعد الیوم بأوقات یسیره. و فعل الحجّاج بأهل الکوفه ظاهر، و دماره لها مشهور.

و قوله: أما و اللّه لوددت أنّ لی بکم ألف فارس من بنی فرس بن غنم. یصلح تعیینه لمن ذکر بیانا للخیر منهم الّذی طلبه أوّلا من اللّه مجملا عوضا بهم. و بنو فرس حیّ من تغلب أبوهم غنم بفتح الغین و سکون النون، و هو غنم بن تغلب بن وائل، و إنّما خصّ هذا البطن لشهرتهم بالشجاعه و الحمیّه و سرعه إجابه الداعی، و أمّا البیت: هنالک لو دعیت. فمعناه ما ذکره السیّد الرضیّ- رضوان اللّه علیه- و وجه تمثیله علیه السّلام بهذا البیت أنّ‏ هؤلاء القوم الّذین ودّ أنّهم کانوا له عوضا عن قومه هم بصفه الفوارس الّذین أشار إلیهم الشاعر فی المبادره إلى إجابه الداعی و الاجتماع على دفع الضیم عنهم و نصره حقّهم فلذلک تمنّاهم عوضا، و مقصوده فی جمیع ذلک ذمّهم و توبیخهم و تحقیرهم بتفضیل غیرهم علیهم تنفیرا لطباعهم عمّا هى علیه من التثاقل عن دعوته للذبّ عن دین اللّه، و باللّه التوفیق و العصمه.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۷

بازدیدها: ۹

خطبه۲۳شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

وَ لَعَمْرِی مَا عَلَیَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الْحَقَّ وَ خَابَطَ الْغَیَّ- مِنْ إِدْهَانٍ وَ لَا إِیهَانٍ- فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَ فِرُّوا إِلَى اللَّهِ مِنَ اللَّهِ- وَ امْضُوا فِی الَّذِی نَهَجَهُ لَکُمْ- وَ قُومُوا بِمَا عَصَبَهُ بِکُمْ- فَعَلِیٌّ ضَامِنٌ لِفَلْجِکُمْ آجِلًا إِنْ لَمْ تُمْنَحُوهُ عَاجِلًا

اللغه

أقول: الإدهان و المداهنه: المصانعه، و الإیهان مصدر أوهنه أى أضعفه، و خابط الغیّ بلفظ المفاعله: یخبط کلّ منهما فی الآخر. و قد مرّ أنّ الخبط: هو المشی على غیر استقامه، و الغیّ: الجهل. و نهجه: أى أوضحه. و عصبه بکم أی علقه بکم و ربطه. و الفلج الفوز، و المنحه: العطیّه

المعنى

و فی هذا الفصل ردّ لقول من قال إنّ متابعته علیه السّلام لمحاربیه و مخالفیه و مداهنتهم أولى من محاربتهم فردّ ذلک بقوله: لعمری ما علیّ إلى قوله: و لا إیهان. أى لیس مصانعتهم بواجبه علیّ من طریق المصلحه الدینیّه، و لیسوا بمضعفین لی، و لا علیّ فی قتالهم عجز.

و فی ذکره علیه السّلام لهم بصفه مخالفه الحقّ و مخابطه الغیّ و البغى تنبیه للسامعین و استدراج لهم لقیام عذره فی قتالهم إذ کانت مقاتله من هذه صفته واجبه فلا یمکن إنکار وقوعها منه. ثمّ أردف ذلک بأوامر:

أوّلها: الأمر بتقوى اللَّه، و قد علمت أنّ تقوى اللَّه هی خشیته المستلزمه للإعراض عن کلّ مناهیه المبعّده عنه و هو الزهد الحقیقی کما سبقت الإشاره إلیه.

الثانی: الأمر بالفرار إلى اللَّه و هو أمر بالإقبال على اللَّه و توجیه وجه النفس إلى کعبه وجوب وجوده، و اعلم أنّ فرار العبد إلى اللَّه تعالى على مراتب: فاولیها: الفرار عن بعض آثاره إلى بعض کما یفرّ من أثر غضبه إلى أثر رحمته کما قال تعالى حکایه عن المؤمنین فی التضرّع إلیه «رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَهَ لَنا بِهِ وَ اعْفُ‏ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا»«» فکأنّهم لم یروا إلّا اللّه و أفعاله ففرُّوا إلى اللّه من بعضها إلى بعض.

الثانیه: أن یفنى العبد عن مشاهده الأفعال و یترقّى فی درجات القرب و المعرفه إلى مصادر الأفعال، و هی الصفات فیفرّ من بعضها إلى بعض کما ورد عن زین العابدین علیه السّلام، اللّهم اجعلنی اسوه من قد أنهضته بتجاوزک من مصارع المجرمین فأصبح طلیق عفوک من اسر سخطک، و العفو و السخط صفتان فاستعاذ بإحدیهما من الاخرى. الثالثه: أن یترقّى عن مقام الصفات إلى ملاحظه الذات فیفرّ منها إلیها کقوله تعالى «لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَیْهِ»«» و کالوارد فی الدعاء فی القیام إلى الصلاه: منک و بک و لک و إلیک. أى منک بدء الوجود، و بک قیامه، و لک ملکه، و إلیک رجوعه.

ثمّ أکّد ذلک بقوله لا ملجأ و لا منجأ و لا مفرّ منک إلّا إلیک. و قد جمع الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم هذه المراتب حین امر بالقرب فی قوله تعالى «وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ»«» و قال فی سجوده: أعوذ بعفوک من عقابک. و هو کلام من شاهد فعل اللّه فاستعاذ ببعض أفعاله من بعض، و العفو کما یراد به صفه العافی کذلک قد یراد به الأثر الحاصل عن صفه العفو فی المعفوّ عنه کالخلق و الصنع، ثمّ لمّا قرب فغنى عن مشاهده الأفعال و تترقّى إلى مصادرها و هى الصفات قال: و أعوذ برضاک من سخطک و هما صفتان، ثمّ لمّا رأى ذلک نقصانا فی التوحید اقترب و ترقّى عن مقام مشاهده الصفات إلى ملاحظه الذات فقال: و أعوذ بک منک، و هذا فرار إلیه منه مع قطع النظر عن الأفعال و الصفات، و هو أوّل مقام الوصول إلى ساحل العزّه. ثمّ للسباحه فی لجّه الوصول درجات اخر لا تتناهى. و لذلک لمّا ازداد صلى اللّه علیه و آله و سلّم قربا قال: لا احصى ثناء علیک. فکان ذلک حذفا لنفسه عن درجه الاعتبار فی ذلک المقام و اعترافا منه بالعجز عن الإحاطه بما له من صفات الجلال و نعوت الکمال، و کان قوله بعد ذلک: أنت کما أثنیت على نفسک. کمالا للإخلاص و تجریدا للکمال المطلق الّذی به هو هو أجلّ من أن یلحقه لغیره حکم و همیّ أو عقلیّ. إذا عرفت ذلک ظهر أنّ مقصوده علیه السّلام بقوله: و فرّو إلى اللّه من اللّه. أمر بالترقّی إلى المرتبه الثالثه من المراتب المذکوره.

الثالث: الأمر بالمضیّ فیما نهجه لهم من السبیل الواضح العدل الّذی هو واسطه بین طرفى الإفراط و التفریط، و الصراط المستقیم المدلول علیه بالأوامر الشرعیّه. و قد علمت أنّ الغرض من سلوک هذا السبیل و امتثال التکالیف الّتی الزم الإنسان بها و عصبت به إنّما هو تطویع النفس الأمّاره بالسوء للنفس المطمئنّه بحیث تصیر مؤتمره لها و متصرّفه تحت حکمها العقلیّ منقاده لها عن الانهماک فی میولها الطبیعیّه و لذّاتها الفانیه. و حینئذ تعلم أنّ هذه الأوامر الثلاثه هی الّتی علیها مدار الریاضه و السلوک إلى اللّه تعالى، فالأمر الأوّل و الثالث أمر بما هو معین على حذف الموانع عن الالتفات إلى اللّه تعالى، و على تطویع النفس الأمّاره، و الأمر الثانی أمر بتوجیه السیر إلى اللّه. و قد تبیّن فیما مرّ أنّ هذه الامور الثلاثه هی الأغراض الّتی یتوجّه نحوها الریاضه المستلزمه لکمال الاستعداد المستلزم للوصول التامّ.

و لذلک قال علیه السّلام: فعلیّ ضامن لفلحکم آجلا إن لم تمنحوه عاجلا. أى إذا قمتم بواجب ما امرتم به من هذه الأوامر کان ذلک مستلزما لفوزکم فی دار القرار بجنّات تجری من تحتها الأنهار الّتی هی الغایات الحقیقیه و لمثلها یعمل العاملون و فیها یتنافس المتنافسون إن لم یتمّ تأهّلکم للفوز فی الدار العاجله فمنحوه فیها، و قد یتمّ الفوز بالسعادتین العاجلیّه و الآجلیّه لمن وفت قوّته بالقیام بهما و کمل استحقاقه لذلک فی علم اللّه. و لمّا کان حصول السعاده و الفوز عن لزوم الأوامر المذکوره أمرا واجبا واضح الوجوب فی علمه علیه السّلام لا جرم کان ضامنا له.

فإن قلت: فما وجه اتّصال هذه الأوامر بصدر هذا الفصل قلت: لمّا کان مقتضى صدر الفصل إلى قوله: و لا إیهان. هو الإعذار إلى السامعین فی قتال مخالفی الحقّ، و کان مفهوم ذلک هو الحثّ على جهادهم و التنفیر عمّا هم علیه من الطریق الجائر کان تعقیب ذلک بذکر الطریق الواضح المأمور بسلوکه و لزوم حدود اللّه فیه لهو اللایق الواجب.

و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۵

بازدیدها: ۹

خطبه۲۲شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

وَ لَعَمْرِی مَا عَلَیَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الْحَقَّ وَ خَابَطَ الْغَیَّ- مِنْ إِدْهَانٍ وَ لَا إِیهَانٍ- فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَ فِرُّوا إِلَى اللَّهِ مِنَ اللَّهِ- وَ امْضُوا فِی الَّذِی نَهَجَهُ لَکُمْ- وَ قُومُوا بِمَا عَصَبَهُ بِکُمْ- فَعَلِیٌّ ضَامِنٌ لِفَلْجِکُمْ آجِلًا إِنْ لَمْ تُمْنَحُوهُ عَاجِلًا

اللغه

أقول: الإدهان و المداهنه: المصانعه، و الإیهان مصدر أوهنه أى أضعفه، و خابط الغیّ بلفظ المفاعله: یخبط کلّ منهما فی الآخر. و قد مرّ أنّ الخبط: هو المشی على غیر استقامه، و الغیّ: الجهل. و نهجه: أى أوضحه. و عصبه بکم أی علقه بکم و ربطه. و الفلج الفوز، و المنحه: العطیّه

المعنى

و فی هذا الفصل ردّ لقول من قال إنّ متابعته علیه السّلام لمحاربیه و مخالفیه و مداهنتهم أولى من محاربتهم فردّ ذلک بقوله: لعمری ما علیّ إلى قوله: و لا إیهان. أى لیس مصانعتهم بواجبه علیّ من طریق المصلحه الدینیّه، و لیسوا بمضعفین لی، و لا علیّ فی قتالهم عجز.

و فی ذکره علیه السّلام لهم بصفه مخالفه الحقّ و مخابطه الغیّ و البغى تنبیه للسامعین و استدراج لهم لقیام عذره فی قتالهم إذ کانت مقاتله من هذه صفته واجبه فلا یمکن إنکار وقوعها منه. ثمّ أردف ذلک بأوامر:

أوّلها: الأمر بتقوى اللَّه، و قد علمت أنّ تقوى اللَّه هی خشیته المستلزمه للإعراض عن کلّ مناهیه المبعّده عنه و هو الزهد الحقیقی کما سبقت الإشاره إلیه.

الثانی: الأمر بالفرار إلى اللَّه و هو أمر بالإقبال على اللَّه و توجیه وجه النفس إلى کعبه وجوب وجوده، و اعلم أنّ فرار العبد إلى اللَّه تعالى على مراتب:

فاولیها: الفرار عن بعض آثاره إلى بعض کما یفرّ من أثر غضبه إلى أثر رحمته کما قال تعالى حکایه عن المؤمنین فی التضرّع إلیه «رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَهَ لَنا بِهِ وَ اعْفُ‏ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا»«» فکأنّهم لم یروا إلّا اللّه و أفعاله ففرُّوا إلى اللّه من بعضها إلى بعض.

الثانیه: أن یفنى العبد عن مشاهده الأفعال و یترقّى فی درجات القرب و المعرفه إلى مصادر الأفعال، و هی الصفات فیفرّ من بعضها إلى بعض کما ورد عن زین العابدین علیه السّلام، اللّهم اجعلنی اسوه من قد أنهضته بتجاوزک من مصارع المجرمین فأصبح طلیق عفوک من اسر سخطک، و العفو و السخط صفتان فاستعاذ بإحدیهما من الاخرى.

الثالثه: أن یترقّى عن مقام الصفات إلى ملاحظه الذات فیفرّ منها إلیها کقوله تعالى «لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَیْهِ»«» و کالوارد فی الدعاء فی القیام إلى الصلاه: منک و بک و لک و إلیک. أى منک بدء الوجود، و بک قیامه، و لک ملکه، و إلیک رجوعه.

ثمّ أکّد ذلک بقوله لا ملجأ و لا منجأ و لا مفرّ منک إلّا إلیک. و قد جمع الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم هذه المراتب حین امر بالقرب فی قوله تعالى «وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ»«» و قال فی سجوده: أعوذ بعفوک من عقابک. و هو کلام من شاهد فعل اللّه فاستعاذ ببعض أفعاله من بعض، و العفو کما یراد به صفه العافی کذلک قد یراد به الأثر الحاصل عن صفه العفو فی المعفوّ عنه کالخلق و الصنع، ثمّ لمّا قرب فغنى عن مشاهده الأفعال و تترقّى إلى مصادرها و هى الصفات قال: و أعوذ برضاک من سخطک و هما صفتان، ثمّ لمّا رأى ذلک نقصانا فی التوحید اقترب و ترقّى عن مقام مشاهده الصفات إلى ملاحظه الذات فقال: و أعوذ بک منک، و هذا فرار إلیه منه مع قطع النظر عن الأفعال و الصفات، و هو أوّل مقام الوصول إلى ساحل العزّه. ثمّ للسباحه فی لجّه الوصول درجات اخر لا تتناهى. و لذلک لمّا ازداد صلى اللّه علیه و آله و سلّم قربا قال: لا احصى ثناء علیک. فکان ذلک حذفا لنفسه عن درجه الاعتبار فی ذلک المقام و اعترافا منه بالعجز عن الإحاطه بما له من صفات الجلال و نعوت الکمال، و کان قوله بعد ذلک: أنت کما أثنیت على نفسک.

کمالا للإخلاص و تجریدا للکمال المطلق الّذی به هو هو أجلّ من أن یلحقه لغیره حکم و همیّ أو عقلیّ. إذا عرفت ذلک ظهر أنّ مقصوده علیه السّلام بقوله: و فرّو إلى اللّه من اللّه. أمر بالترقّی إلى المرتبه الثالثه من المراتب المذکوره.

الثالث: الأمر بالمضیّ فیما نهجه لهم من السبیل الواضح العدل الّذی هو واسطه بین طرفى الإفراط و التفریط، و الصراط المستقیم المدلول علیه بالأوامر الشرعیّه. و قد علمت أنّ الغرض من سلوک هذا السبیل و امتثال التکالیف الّتی الزم الإنسان بها و عصبت به إنّما هو تطویع النفس الأمّاره بالسوء للنفس المطمئنّه بحیث تصیر مؤتمره لها و متصرّفه تحت حکمها العقلیّ منقاده لها عن الانهماک فی میولها الطبیعیّه و لذّاتها الفانیه. و حینئذ تعلم أنّ هذه الأوامر الثلاثه هی الّتی علیها مدار الریاضه و السلوک إلى اللّه تعالى، فالأمر الأوّل و الثالث أمر بما هو معین على حذف الموانع عن الالتفات إلى اللّه تعالى، و على تطویع النفس الأمّاره، و الأمر الثانی أمر بتوجیه السیر إلى اللّه. و قد تبیّن فیما مرّ أنّ هذه الامور الثلاثه هی الأغراض الّتی یتوجّه نحوها الریاضه المستلزمه لکمال الاستعداد المستلزم للوصول التامّ.

و لذلک قال علیه السّلام: فعلیّ ضامن لفلحکم آجلا إن لم تمنحوه عاجلا. أى إذا قمتم بواجب ما امرتم به من هذه الأوامر کان ذلک مستلزما لفوزکم فی دار القرار بجنّات تجری من تحتها الأنهار الّتی هی الغایات الحقیقیه و لمثلها یعمل العاملون و فیها یتنافس المتنافسون إن لم یتمّ تأهّلکم للفوز فی الدار العاجله فمنحوه فیها، و قد یتمّ الفوز بالسعادتین العاجلیّه و الآجلیّه لمن وفت قوّته بالقیام بهما و کمل استحقاقه لذلک فی علم اللّه. و لمّا کان حصول السعاده و الفوز عن لزوم الأوامر المذکوره أمرا واجبا واضح الوجوب فی علمه علیه السّلام لا جرم کان ضامنا له.

فإن قلت: فما وجه اتّصال هذه الأوامر بصدر هذا الفصل قلت: لمّا کان مقتضى صدر الفصل إلى قوله: و لا إیهان. هو الإعذار إلى السامعین فی قتال مخالفی الحقّ، و کان مفهوم ذلک هو الحثّ على جهادهم و التنفیر عمّا هم علیه من الطریق الجائر کان تعقیب ذلک بذکر الطریق الواضح المأمور بسلوکه و لزوم حدوداللّه فیه لهو اللایق الواجب.

و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۴

 

بازدیدها: ۷

خطبه۲۱شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

أَلَا وَ إِنَّ الشَّیْطَانَ قَدْ ذَمَرَ حِزْبَهُ وَ اسْتَجْلَبَ جَلَبَهُ- لِیَعُودَ الْجَوْرُ إِلَى أَوْطَانِهِ وَ یَرْجِعَ الْبَاطِلُ إِلَى نِصَابِهِ- وَ اللَّهِ مَا أَنْکَرُوا عَلَیَّ مُنْکَراً- وَ لَا جَعَلُوا بَیْنِی وَ بَیْنَهُمْ نَصِفاً وَ إِنَّهُمْ لَیَطْلُبُونَ حَقّاً هُمْ تَرَکُوهُ وَ دَماً هُمْ سَفَکُوهُ- فَلَئِنْ کُنْتُ شَرِیکَهُمْ فِیهِ فَإِنَّ لَهُمْ لَنَصِیبَهُمْ مِنْهُ- وَ لَئِنْ کَانُوا وَلُوهُ دُونِی فَمَا التَّبِعَهُ إِلَّا عِنْدَهُمْ- وَ إِنَّ أَعْظَمَ حُجَّتِهِمْ لَعَلَى أَنْفُسِهِمْ- یَرْتَضِعُونَ أُمّاً قَدْ فَطَمَتْ وَ یُحْیُونَ بِدْعَهً قَدْ أُمِیتَتْ- یَا خَیْبَهَ الدَّاعِی مَنْ دَعَا وَ إِلَامَ أُجِیبَ- وَ إِنِّی لَرَاضٍ بِحُجَّهِ اللَّهِ عَلَیْهِمْ وَ عِلْمِهِ فِیهِمْ- فَإِنْ أَبَوْا أَعْطَیْتُهُمْ حَدَّ السَّیْفِ- وَ کَفَى بِهِ شَافِیاً مِنَ الْبَاطِلِ وَ نَاصِراً لِلْحَقِّ- وَ مِنَ الْعَجَبِ بَعْثُهُمْ إِلَیَّ أَنْ أَبْرُزَ لِلطِّعَانِ وَ أَنْ أَصْبِرَ لِلْجِلَادِ- هَبِلَتْهُمُ الْهَبُولُ- لَقَدْ کُنْتُ وَ مَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ وَ لَا أُرْهَبُ بِالضَّرْبِ- وَ إِنِّی لَعَلَى یَقِینٍ مِنْ رَبِّی وَ غَیْرِ شُبْهَهٍ مِنْ دِینِی‏

 

أقول: أکثر هذا الفصل من الخطبه الّتی ذکرنا أنّه علیه السّلام خطبها حین بلغه أنّ طلحه و الزبیر خلعا بیعته، و فیه زیاده و نقصان، و قد أورد السیّد بعضه فیما قبل و إن کان قد نبّه فی خطبته على سبب التکرار و الاختلاف بالزیاده و النقصان، و نحن نورد الخطبه بتمامها لیتّضح المقصود و هی بعد حمد اللّه و الثناء علیه و الصلاه على رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله أیّها الناس إنّ اللّه افترض الجهاد فعظّمه و جعله نصرته و ناصره و اللّه ما صلحت دنیا و لا دین إلّا به، و قد جمع الشیطان حزبه و استجلب خیله و من أطاعه لیعود له دینه و سنّته و خدعه و قد رأیت امورا قد تمحّضت، و اللّه ما أنکروا علیّ منکرا و لا جعلوا بینی و بینهم نصفا، و إنّهم لیطلبون حقّا ترکوه و دما سفکوه فإن کنت شریکهم فیه فإنّ لهم لنصیبهم منه، و إن کانوا ولّوه دونی فما الطلبه إلّا قبلهم، و إنّ أوّل عدلهم لعلى أنفسهم، و لا أعتذر ممّا فعلته و لا أتبرء ممّا صنعت، و إنّ معی لبصیرتی ما لبست و لا لبّس علیّ و إنّها للفئه الباغیه، فیها الحمّ و الحمه طالت جلبتها و انکفت جونتها لیعودنّ الباطل فی نصابه یا خیبه الداعی من دعا لو قیل ما أنکر فی ذلک، و ما أمامه و فیمن سنّته، و اللّه إذن لزاح الباطل عن نصابه و أنقطع لسانه، و ما أظنّ الطریق له فیه واضح حیث نهج، و اللّه ما تاب من قتلوه قبل موته و لا تنصّل من خطیئته و ما اعتذر إلیهم فعذّروه و لا دعا فنصروه، و أیّم اللّه لأفرطنّ لهم حوضا أنا ماتحه لا یصدرون عنه برىّ و لا یعبّون حسوه أبدا، و إنّها لطیّبه نفسی بحجّه اللّه علیهم و علمه فیهم، و إنّی داعیهم فمعذّر إلیهم فإن تابوا و قبلوا و أجابوا و أنابوا فالتوبه مبذوله و الحقّ مقبول و لیس علیّ کفیل، و إن أبوا أعطیتهم حدّ السیف و کفى به شافیا من باطل و ناصر المؤمن و مع کلّ صحیفه شاهدها و کاتبها و اللّه إنّ الزبیر و طلحه و عائشه لیعلمون أنّی على الحقّ و هم مبطلون.

اللغه

ذمر مخفّفا و مشدّدا أی حثّ، و الجلب الجماعه من الناس و غیرهم تجمع و تؤلّف، و تمحضّت تحرّکت، و النصف بکسر النون و سکون الصاد النصفه و هی الاسم من الإنصاف، و التبعه ما یلحق الإنسان من درک، و الحمّ بفتح الحاء و تشدید المیم بقیّه الإلیّه الّتی اذیبت و اخذ دهنها، و الحمه السواد و هما استعارتان لأرذال الناس و عوامهم، و الجبله الأصوات، و جونتها بالضمّ سوادها، و انکفت و استکفت أی استدارت، و زاح و انزاح تنحى، و النصاب الأصل، و تنصلّ من الذنب تبرّأ منه، و العب‏ الشرب من غیر مصّ، و الحسوه بضم الحاء قدر ما یحسى مرّه، و الجلاد المضاربه بالسیف، و الهبول الثکلى، و الهبل الثکل.

المعنى

و اعلم أنّه علیه السّلام نبّه أوّلا على فضل الجهاد لأنّ غرضه استنفارهم لقتال أهل البصره فأشار أوّلا إلى وجوبه من اللّه تعالى و الکتاب العزیز مشحون بذلک کقوله تعالى «وَ جاهِدُوا بِأَمْوالِکُمْ وَ أَنْفُسِکُمْ»«» و نحوه، ثمّ أردفه بذکر تفضیل اللّه تعالى له و ذلک کقوله تعالى «لا یَسْتَوِی الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ غَیْرُ أُولِی الضَّرَرِ وَ الْمُجاهِدُونَ فِی سَبِیلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِینَ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِینَ دَرَجَهً وَ کُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى‏ وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِینَ عَلَى الْقاعِدِینَ أَجْراً عَظِیماً دَرَجاتٍ مِنْهُ وَ مَغْفِرَهً وَ رَحْمَهً وَ کانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِیماً»«» ثمّ یذکر أنّ اللّه جعله نصره له و ناصرا و ذلک کقوله تعالى «إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ یَنْصُرْکُمْ» و المراد نصره دین اللّه و عباده الصالحین إذ هو الغنیّ المطلق الّذی لا حاجه به إلى معین و ظهیر، ثمّ بالقسم الصادق أنّه ما صلحت دنیا و لا دین إلّا به أمّا صلاح الدنیا به فلأنّه لولا الجهاد فی سبیل اللّه و مقاومه أهل الغلبه لخربت الأرض و البلاد کما قال اللّه تعالى «وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَ لکِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِینَ»«» و أمّا صلاح الدین فظاهر أنّه إنّما یکون بمجاهده أعداء دین اللّه الساعین فی هدم قواعده، فأمّا قوله و قد ذمر الشیطان حزبه و استجلب جلبه و من أطاعه. فقد سبق بیانه، و قوله لیعود له دینه و سنّته و خدعه فظاهر أنّ غایه سعی الشیطان من وسوسته تمکّنه من الخداع و عود المذاهب الباطله الّتی کانت قبل الرسول صلى اللّه علیه و آله دینه و طریقته، و کلّ ذلک تنفیر للسامعین عمّا له من خالقه و جذب لهم إلى الحرب.

قوله و قد رأیت امورا قد تمحضت. إشاره إلى تعیین ما یستنفرهم إلیه، و تلک الامور هی ما یحسّ به من مخالفه القوم و اهبّتهم لقتاله. قوله و اللّه ما أنکروا علیّ منکرا و لا جعلوا بینی و بینهم نصفا و إنّهم إلى قوله سفکوه. إشاره إلى إنکار ما إدّعوه منکرا و نسبوه إلیه من قتل عثمان و السکوت عن النکیر على قاتلیه فأنکر أوّلا إنکارهم علیه تخلّفه عن عثمان الّذی زعموا أنّه منکر، و لمّا لم یکن منکرا کما ستعلم ذلک کان الإنکار علیه هو المنکر، و أشار بقوله و لا جعلوا بینی و بینهم نصفا إلى أنّهم لو وضعوا العدل بینهم و بینه لظهر أنّ دعواهم باطله، و قوله و إنّهم لیطلبون حقّا هم ترکوه و دما هم سفکوه. إشاره إلى طلبهم لدم عثمان مع کونهم شرکاء فیه. روى أبو جعفر الطبریّ فی تاریخه أنّ علیا علیه السّلام کان فی ماله بخیر لمّا أراد الناس حصر عثمان فقدم المدینه و الناس مجتمعون على طلحه فی داره فبعث عثمان إلیه یشکو أمر طلحه فقال علیه السّلام: أنا أکفیکه فانطلق إلى دار طلحه و هی مملوّه بالناس فقال له: یا طلحه ما هذا الأمر الّذی صنعت بعثمان فقال طلحه: یا أبا الحسن بعد ما مسّ الحزام طبیین فانصرف علیّ علیه السّلام إلى بیت المال فأمر بفتحه فلم یجدوا المفتاح فکسّر الباب و فرّق ما فیه على الناس فانصرفوا من عند طلحه حتّى بقى وحده فسرّ عثمان بذلک، و جاء طلحه إلى عثمان فقال له: یا أمیر المؤمنین إنّی أردت أمرا فحال اللّه بینی و بینه و قد جئتک تائبا فقال: و اللّه ما جئت تائبا و لکن جئت مغلوبا اللّه حسیبک یا طلحه، و روى أبو جعفر أیضا أنّه کان لعثمان على طلحه بن عبد اللّه خمسون ألفا فقال له یوما قد تهیّى‏ء مالک فاقبضه فقال هو لک معونه على مرّوتک فلمّا حصر عثمان قال علیّ علیه السّلام بطلحه أنشدک اللّه إلّا کففت عن عثمان فقال لا و اللّه حتّى تعطى بنی امیّه الحقّ من أنفسها فکان علیّ علیه السّلام یقول بعد ذلک ألحا اللّه ابن الصعبه أعطاه عثمان ما أعطاه و فعل به ما فعل، و روى أنّ الزبیر لمّا برز لعلیّ علیه السّلام یوم الجمل قال له: ما حملک یا عبد اللّه على ما صنعت قال: أطلب بدم عثمان فقال له: أنت و طلحه و لیّتماه و إنّما توبتک من ذلک أن تقدّم نفسک و تسلّمها إلى ورثته، و بالجمله فدخولهم فی قتل عثمان ظاهر و هذه مقدّمه من الحجّه علیهم.

و قوله فلئن کنت شریکهم فیه فإنّ لهم لنصیبهم منه و لئن کانوا ولّوه دونی فما التبعه إلّا عندهم. تمام للحجّه و تقریرها أنّهم دخلوا فی دم عثمان و کلّ من دخل فیه فإمّا بالشرکه أو بالاستقلال و على التقدیرین فلیس لهم أن یطلبوا بدمه، و أشار إلى القسم الأوّل بقوله فإن کنت شریکهم فیه فإنّ لهم لنصیبهم منه أی على تقدیر کونهم شرکائی فی ذلک فعلیهم أن یبدئوا بتسلیمهم أنفسهم إلى أولیائه، و أشار إلى الثانی بقوله و إن کانوا ولّوه دونی فما الطلبه إلّا قبلهم، و قوله و إنّ أوّل عدلهم لعلى أنفسهم زیاده تقریر للحجّه أی أنّ العدل الّذی یزعمون أنّهم یقیمونه فی الدم المطلوب ینبغی أن یصنعوه أوّلا على أنفسهم،

و قوله و لا أعتذر ممّا فعلت‏ و لا أبرء ممّا صنعت أی أنّ الاعتزال الّذی فعلته فی وقت قتل عثمان لم یکن على وجه تقصیر فی الدین یوجب الاعتذار و التبرّء منه فاعتذروا تبرّء کما سنبیّن وجه ذلک إنشاء اللّه قوله و إنّ معی لبصیرتی ما لبست و لا لبّس علیّ. تقدّم بیانه،

و قوله و إنّها للفئه الباغیه فیها الحمّ و الحمه. استعار هاتین اللفظتین لاسقاط الناس و أرذا لهم الّذین جمعوا لقتاله، و وجه الاستعاره مشابهتهم فحم الإلیه و ما اسوّد منها فی قلّه المنفعه و الخیر، و قوله طالت جلبتها أی ارتفعت أصواتها، و هی کنایه عمّا ظهر من القوم من تهدیدهم و توعیدهم بالقتال،

و قوله و انکفت جونتها أی استدار سوادها و اجتمع و هو کنایه أیضا عن مجمع جماعتهم لما یقصدون، و قوله یرتضعون أمّا قد فطمت استعار لفظ الامّ لنفسه علیه السّلام أو للخلافه فبیت المال لبنها، و المسلمون أولادها المرتضعون، و کنّى بارتضاعهم لها و قد فطمت عن التماسهم منه علیه السّلام من الصلات و التفصیلات مثل ما کان عثمان یصلهم به و یفضل بعضهم على بعض و منعه لهم من ذلک،

و قوله و یحیون بدعه قد امیتت إشاره إلى ذلک التفضیل فإنّه کان بخلاف سنّه رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سنّه الشیخین و البدعه مقابله للسنّه، و إماتتها ترکه علیه السّلام فی ولایته و قوله لیعودنّ الباطل فی نصابه توعّد لهم بعود ما کانوا علیه من الباطل فی الجاهلیّه و استنفار للسامعین إلى القتال،

و قوله یا خیبه الداعی من دعا خرج مخرج التعجّب من عظم خیبه الدعاه إلى قتاله و من دعا، و إلى ما اجیب استفهام على سبیل الاستحقار للمدعوّین لقتاله و الناصرین إذ کانوا عوامّ الناس و رعاعهم و للمدعوّ إلیه و هو الباطل الّذی دعوا لنصرته،

و قوله لو قیل ما أنکر فی ذلک و ما إمامه و فیمن سنّته و اللّه إذن لزاح الباطل عن نصابه و انقطع لسانه متّصله معناها لو سأل سائل مجادلا لهؤلاء الدعاه إلى الباطل عمّا أنکروه من أمری و عن إمامهم‏ الّذی به یقتدون و فیمن سنّتهم الّتی إلیها یرجعون لشهد لسان حالهم فأنّی أنا إمامهم و فیّ سنّتهم فانزاح باطلهم الّذی أتوابه و انقطع لسانه، و استعمال لفظ اللسان هاهنا حقیقه على تقدیر حذف المضاف أی انقطع لسان صاحبه عن الجواب به و تکون الاستعاره فی لفظ الانقطاع للسکوت، أو مجاز فی العباره عن الباطل و التکلّم به أی انقطع الجواب الباطل،

و قوله و ما أظنّ الطریق له فیه واضح حیث نهج الجمله عطف على قوله و انقطع لسانه، و واضح مبتدأ و فیه خبره و الجمله فی موضع النصب مفعول ثان لأظنّ أی و ما أظنّ لو سأل السائل عن ذلک أنّ الطریق الّذی یرتکبه المجیب له فیه مجال بیّن و مسلک واضح حیث سلک بل کیف توجّه فی الجواب انقطع،

و قوله و اللّه ما طاب من قتلوه إلى قوله فنصروه. إشاره إلى عثمان و ذمّ لهم من جهه طلبهم بدم من اعتذر إلیهم قبل موته فلم یغدروه، و دعاهم إلى نصرته فی حصاره فلم ینصروه مع تمکّنهم من ذلک، و قوله و ایم اللّه لأفرطنّ لهم حاضا أنا ماتحه ثمّ لا یصدرون عنه بری‏ء. قد تقدّم تفسیره، و قوله و لا یعبّون حسوه أبدا کنایه عن عدم تمکینه لهم من هذا الأمر أو شی‏ء منه کما تقول لخصمک فی شی‏ء و اللّه لا تذوق منه و لا تشرب منه جرعه، و قوله أنّها لطیّبه نفسی بحجّه اللّه علیهم و علمه فیهم. نفسی منصوب بدلا من الضمیر المتّصل بأن أو بإضمار فعل تفسیرا له، و حجّه اللّه إشاره إلى أوامر اللّه الصادره بقتال الفئه الباغیه کقوله تعالى «وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَیْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى‏»«» و کذلک کلّ أمر للّه أو نهی عصى فیه فهو حجّه للحقّ و کلّ حجّه للحقّ فهی حجّه للّه أی أنّی راض بقیام حجّه اللّه علیهم و علم بما یصنعون، و أیّ رضى للعاقل أتمّ و طیبه نفس أعظم من کونه لازما للحقّ و کون خصمه على الباطل خارجا من طاعه اللّه و هو القائم على کلّ نفس بما کسبت، و قوله و إنّی داعیهم فمعذّر إلى قوله و ناصر المؤمن واضح بیّن،

و قوله و لیس علىّ کفیل أی لا أحتاج فیما أبذله لهم من الصفح و الأمان على تقدیر إنابتهم إلى ضامن، و شافیا و ناصرا منصوبان على التمییز،

و قوله و مع کلّ صحیفه شاهدها و کاتبها الواو للحال أی أنّهم إن لم یرجعوا اعطیتهم حدّ السیف، و الملائکه الکرام الکاتبون الّذین یعلمون ما نفعل یکتب کلّ منهم أعمال من وکلّ به فی صحیفه و یشهد بها فی محفل القیامه، و قوله و من العجب بعثتهم إلىّ أن أبرز للطعان و أن أصبر للجلاد تعجّب من تهدّدهم له بذلک مع علمهم بحاله فی الشجاعه و الحرب و الصبر على المکاره، و هو محلّ الاستهزاء و التعجّب منهم، و قوله هبلتهم الهبول أی ثکلتهم الثواکل، و هی من الکلمات الّتی تدعو بها العرب، و قوله لقد کنت و ما أهدّد بالحرب و لا أرهب بالضرب أی من حیث أنا کنت کذلک،

و قوله و إنّی لعلى یقین من ربّی و فی غیر شبهه من أمری تأکید لقوّته على الحرب و إقدامه على الجلاد و جذب لقلوب السامعین إلى الثقه بأنّهم‏ على بیّنه من اللّه و بصیره فی متابعته على القتال و الحرب فإنّ الموقن بأنّه على الحقّ ناصر للّه ذابّ عن دینه عار عن غبار الشبه الباطله فی وجه یقینه یکون أشدّ صبرا و أقوى جلدا و أثبت فی المکاره ممّن لا یکون کذلک فیقدم على القتال بشبهه عظّت على عین بصیرته أو هوى لزخرف الدنیا و باطلها قاده إلى ذلک، و باللّه التوفیق

هذا آخر الجلد الأوّل و یتلوه أوّل الجلد الثانی من هذا الکتاب‏

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۱ ، صفحه‏ى ۳۳۳

 

 

بازدیدها: ۱۰

خطبه۲۰شرح ابن میثم

و من خطبه له علیه السّلام

فَإِنَّ الْغَایَهَ أَمَامَکُمْ وَ إِنَّ وَرَاءَکُمُ السَّاعَهَ تَحْدُوکُمْ- تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا فَإِنَّمَا یُنْتَظَرُ بِأَوَّلِکُمْ آخِرُکُمْ قال الشریف:

أقول: إن هذا الکلام لو وزن، بعد کلام اللّه سبحانه و بعد کلام رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله، بکل کلام لمال به راجحا، و برّز علیه سابقا. فأما قوله علیه السّلام «تخففوا تلحقوا» فما سمع کلام أقل منه مسموعا و لا أکثر محصولا و ما أبعد غورها من کلمه، و أنقع نطفتها من حکمه، و قد نبهنا فی کتاب الخصائص على عظم قدرها و شرف جوهرها

المعنى

أقول: لا شکّ أنّ هذه الکلمات الیسیره قد جمعت وجازه الألفاظ و جزاله المعنى المشتمل على الموعظه الحسنه و الحکمه البالغه و هی أربع کلمات: الاولى أنّ الغایه أمامکم. و اعلم أنّه لمّا کانت الغایه من وجود الخلق أن یکونوا عباد اللّه کما قال تعالى «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ»«» و کان المقصود من العباده إنّما هو الوصول إلى جناب عزّته و الطیران فی حظائر القدس بأجنحه الکمال مع الملائکه المقرّبین، و کان ذلک هو غایه الإنسان المطلوبه منه و المقصوده له و المأمور بالتوجّه إلیها بوجهه الحقیقی فإن سعى لها سعیها أدرکها و فاز بحلول جنّات النعیم و إن قصّر فی طلبها و انحرف سواء الصراط الموصل إلیها و قد علمت أنّ أبواب جهنّم عن جنبتی الصراط مفتّحه کان فیها من الهاوین، و کانت غایته فدخلها مع الداخلین.

فإذن ظهر أن غایه کلّ إنسان أمامه إلیها یسیر و بها یصیر. الثانیه قوله و إنّ ورائکم الساعه تحدوکم، و المراد بالساعه القیامه الصغرى و هی ضروره الموت، فأمّا کونها ورائهم فلأنّ الإنسان لمّا کان بطبعه ینفر من الموت و یفرّ منه و کانت العاده فی الهارب من الشی‏ء أن یکون ورائه مهروب منه و کان الموت متأخّرا عن وجود الإنسان و لاحقا تاخّرا و لحوقا عقلیّا أشبه المهروب منه المتأخّر اللاحق تأخّرا و لحوقا حسیّا، فلا جرم استعیر لفظ الجهه المحسوسه و هی الوراء. و أمّا کونها تحدوهم فلأنّ الحادی لمّا کان من شأنه سوق الإبل بالحداء و کان تذکّر الموت و سماع نواد به مقلقا مزعجا للنفوس إلى الاستعداد لامور الآخره و الاهبّه للقاء اللّه سبحانه فهو یحملها على قطع عقبات طریق الآخره کما یحمل الحادی الإبل على قطع الطریق البعیده الوعره لا جرم أشبه الحادی فأسند الحداء إلیه. الثالثه قوله تخفّفوا تلحقوا.

و لمّا نبّههم بکون الغایه أمامهم و أنّ الساعه تحدوهم فی سفر واجب و کان السابق إلى الغایه من ذلک السفر هو الفائز برضوان اللّه، و قد علمت أنّ التخفیف و قطع العلائق فی الأسفار سبب للسبق و الفوز بلحوق السابقین لا جرم أمرهم بالتخفیف لغایه اللحوق فی کلمتین: فالاولى منهما قوله تخفّفوا و کنّى بهذا الأمر عن الزهد الحقیقیّ الّذی هو أقوى أسباب السلوک إلى اللّه سبحانه و هو عباره عن حذف کلّ شاغل عن التوجّه إلى القبله الحقیقیّه و الإعراض عن متاع الدنیا و طیّباتها و تنحیه کلّ ما سوى الحقّ الأوّل عن مستن الإیثار فإنّ ذلک تخفیف لأثقال الأوزار المانعه عن الصعود فی درجات الأبرار الموجبه لحلول دار البوار و هی کنایه باللفظ المستعار، و هذا الأمر فی معنى الشرط، و الثانیه قوله تلحقوا و هو جزاء الشرط أی أن تخفّفوا تلحقوا، و المراد تلحقوا بدرجات السابقین الّذین هم أولیاء اللّه و الواصلون إلى ساحل عزّته، و ملازمه هذه الشرطیّه قد علمت بیانها فإنّ الجود الإلهیّ لا بخل فیه و لا قصور من جهته و الزهد الحقیقیّ أقوى أسباب السلوک إلى اللّه کما سبق فإذا استعدّت النفس بالإعراض عمّا سوى الحقّ سبحانه و توجّهت إلى استشراق أنوار کبریائه فلا بدّ أن یفاض علیها ما تقبله من الصوره التمامیّه فیلحق بدرجه السابقین و یتّصل بساحل العزّه فی مقام أمین. الرابعه فإنّما ینتظر بأوّلکم آخرکم أی إنّما ینتظر بالبعث الأکبر و القیامه الکبرى للّذین ماتوا أوّلا وصول الباقین و موتهم، و تحقیق ذلک الانتظار أنّه لمّا کان نظر العنایه الإلهیّه إلى الخلق نظرا واحدا و المطلوب‏

منهم واحد و هو الوصول إلى جناب عزّه اللّه الّذی هو غایتهم أشبه طلب العنایه الإلهیّه وصول الخلق إلى غایتهم انتظار الإنسان لقوم یرید حضور جمیعهم و ترقّبه بأوائلهم وصول أواخرهم فاطلق علیه لفظ الانتظار على سبیل الاستعاره، و لمّا صوّر هاهنا صوره انتظارهم لوصولهم جعل ذلک علّه لحثّهم على التخفیف و قطع العلائق، و لا شکّ أنّ المعقول لاولی الألباب من ذلک الانتظار حاثّ لهم أیضا على التوجّه بوجوه أنفسهم إلى اللّه و الإعراض عمّا سواه.
فهذا ما حضرنی من أسرار هذه الکلمات. و کفى بکلام السیّد- رحمه اللّه- مدحا لها و تنبیها على عظم قدرها، و قد استعار لفظ النطفه و هو الماء الصافی للحکمه. و باللّه التوفیق و العصمه

شرح ‏نهج‏ البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۱ ، صفحه‏ى ۳۳۱

بازدیدها: ۱۳