خطبه ۱۹۹ شرح ابن میثم بحرانی

و قال علیه السّلام لما اضطرب علیه أصحابه فى أمر الحکومه

أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ یَزَلْ أَمْرِی مَعَکُمْ عَلَى مَا أُحِبُّ- حَتَّى نَهِکَتْکُمُ الْحَرْبُ- وَ قَدْ وَ اللَّهِ أَخَذَتْ مِنْکُمْ وَ تَرَکَتْ- وَ هِیَ لِعَدُوِّکُمْ أَنْهَکُ- . لَقَدْ کُنْتُ أَمْسِ أَمِیراً فَأَصْبَحْتُ الْیَوْمَ مَأْمُوراً- وَ کُنْتُ أَمْسِ نَاهِیاً فَأَصْبَحْتُ الْیَوْمَ مَنْهِیّاً- وَ قَدْ أَحْبَبْتُمُ الْبَقَاءَ وَ لَیْسَ لِی أَنْ أَحْمِلَکُمْ عَلَى مَا تَکْرَهُونَ

اللغه

أقول: نهکتکم: خلقتکم.

المعنى

فقوله: على ما أحبّ.
أى من الطاعه لى، و لفظ النهک و استناده إلى الحرب استعاره لاضعافها لهم ملاحظه لشبههم بالثوب الّذی أخلقه اللبس، و تشبّهها بمستعمله فی کونها سببا لذلک الإضعاف: أى لم أزل کذلک إلى تلک الغایه.

و قوله: و اللّه أخذت منکم و ترکت.
کنایه عن تصرّفها فیهم بوجوه التصرّف و هو کالعذر لهم، و إرادته بقوله: و هى لعدوّکم أنهک لکى لا یتعاجزوا بعذر إنها کهالهم. ثمّ أخذ فی التشکّى منهم إلیهم‏ و عتابهم على عصیانهم له و حکمهم علیه بالرجوع إلى التحکیم حتّى صار مأمورا لهم و منهیّا بعد کونه آمرا فیهم و ناهیا، و ذلک من معکوس الحکم و مضادّ لما ینبغی لهم. و قوله: و قد أحببتم البقاء. أى بترک القتال و هو کالتوبیخ لهم على ذلک. و قوله: و لیس. إلى آخره. أی لیس لى قدره على ذلک و إن کان له ذلک بحسب المصلحه و الشرع.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۶

 

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۹۸ شرح ابن میثم بحرانی

و قال علیه السّلام فى بعض أیام صفین و قد رأى الحسن علیه السلام یتسرع إلى الحرب

امْلِکُوا عَنِّی هَذَا الْغُلَامَ لَا یَهُدَّنِی- فَإِنَّنِی أَنْفَسُ بِهَذَیْنِ یَعْنِی الْحَسَنَ وَ الْحُسَیْنَ ع- عَلَى الْمَوْتِ لِئَلَّا یَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُولِ اللَّهِ ص قال الرضى أبو الحسن: قوله علیه السلام «املکوا عنى هذا الغلام» من أعلى الکلام و أفصحه.

 

اللغه

أقول: املکوه: شدّوه و اضبطوه.

و یهدّنى: یکسرنی.

و نفست بالکسر أنفس بالفتح: أى أضنّ و أبخل.

المعنى

و لمّا کان وجود الولد المنتفع ممّا یشدّ القوّه و تقوى به النفس خصوصا مثل الحسن علیه السّلام کنّى بقوله: لا یهدّنى على تقدیر هلاکه عن إضعافه لرکنه و انکسار نفسه بذلک. ثمّ على علّه اخرى لوجوب المحافظه علیه مع أخیه علیهما السّلام و هى المحافظه على نسل الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۵

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۹۷ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام و قد سمع قوما من أصحابه یسبون أهل الشام أیام حربهم بصفین

إِنِّی أَکْرَهُ لَکُمْ أَنْ تَکُونُوا سَبَّابِینَ- وَ لَکِنَّکُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ وَ ذَکَرْتُمْ حَالَهُمْ- کَانَ أَصْوَبَ فِی الْقَوْلِ وَ أَبْلَغَ فِی الْعُذْرِ- وَ قُلْتُمْ مَکَانَ سَبِّکُمْ إِیَّاهُمْ- اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَنَا وَ دِمَاءَهُمْ- وَ أَصْلِحْ ذَاتَ بَیْنِنَا وَ بَیْنِهِمْ وَ اهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ- حَتَّى یَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ- وَ یَرْعَوِیَ عَنِ الْغَیِّ وَ الْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ

اللغه

أقول: لهج به: أولع و حرص علیه.

و حاصل الفصل تأدیب قومه و إرشادهم إلى السیره الحسنه و جذب لهم عن تعویدها و تمرینها بکلام الصالحین

و نبّه بکراهته للسبّ و النهى عنه على تحریمه، و نحوه إشاره الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بقوله: ما بعثت لعّانا و لا سبّابا. و قوله: اللهم إنّى بشر فإذا دعوت على إنسان فاجعل دعائى له لا علیه و اهده إلى الصراط المستقیم.

و قوله: لو وصفتم. إلى قوله: فی العذر.
أى لو عدلتم عن السباب إلى وصف أعمالهم و تذکیرهم بکونهم ظالمین لکم و ضالّین عن السبیل ذکرا على وجه النصیحه و الهدایه لهم. ثمّ قلتم مکان سبّکم إیّاهم هذا الدعاء لکان أصوب فی القول ممّا ذکرتموه من رذیله السباب و لأنّ فی تذکیرهم بأحوالهم و نصیحتهم إیّاهم فائده و هى رجاء أن یعودوا إلى الحقّ و لأنّ ذلک أبلغ فی العذر إلیهم من غیره. إذ لکم أن تقولوا بعد ذلک إنّکم نصحتموهم و طلبتم منهم العتبى فلم یستعینوا.

و قوله: و قلتم.
عطف على قوله: وصفتم و لو مقدّره علیه و جوابها مقدّر بعد تمام الدعاء و حذفا لدلاله لو الاولى علیهما، و التقدیر لو قلتم هذا الدعاء لکان أصوب و أبلغ فی العذر، و الدعاء الّذی علّمهم علیه السّلام إیّاه مطابق لصوره حال الحرب، و اشتمل على طلب حقن الدماء أوّلا لأنّ سفک الدماء هو الخوف الحاضر، و على طلب علّته و هى إصلاح ذات البین: أى ما بیننا و بینهم من الأحوال الموجبه للافتراق حتّى یکون أحوال الفه و اتّفاق، و لمّا کانت الأحوال ملابسه للبین قیل لها: ذات البین کقولک: اسقنى ذا إنائک: أى ما فی إنائک من الشراب، و قیل: ذات البین حقیقه الفرقه: أى صلح حقیقه الفرقه بیننا و بینهم و بدّلها بالالفه. ثمّ على طلب العلّه الحاسمه للفرقه الموجبه لاصلاحها و هى هداهم من ضلالتهم بمعرفه من جهل الحقّ له و ارعوا به من غباوته، و هى طرف التفریط من فضیله الحکمه، و عداوته و هو طرف الإفراط من فضیله العدل، و قد کانت الرذیلتان فی أصحاب معاویه فإنّه لمّا قصرت وطئتهم عن وجه الحقّ و غلبت علیهم الشبهه بغوا و تعدّوا و لهجوا بعدوانهم، و روى عوض الغىّ العمى و هو عمى البصیره و غباوتها.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۳

 

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۹۶ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

کلم به طلحه و الزبیر بعد بیعته بالخلافه و قد عتبا [علیه‏] من ترک مشورتهما، و الاستعانه فى الأمور بهما لَقَدْ نَقَمْتُمَا یَسِیراً وَ أَرْجَأْتُمَا کَثِیراً- أَ لَا تُخْبِرَانِی أَیُّ شَیْ‏ءٍ کَانَ لَکُمَا فِیهِ حَقٌّ دَفَعْتُکُمَا عَنْهُ- أَمْ أَیُّ قَسْمٍ اسْتَأْثَرْتُ عَلَیْکُمَا بِهِ- أَمْ أَیُّ حَقٍّ رَفَعَهُ إِلَیَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِینَ- ضَعُفْتُ عَنْهُ أَمْ جَهِلْتُهُ أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ- . وَ اللَّهِ مَا کَانَتْ لِی فِی الْخِلَافَهِ رَغْبَهٌ- وَ لَا فِی الْوِلَایَهِ إِرْبَهٌ- وَ لَکِنَّکُمْ دَعَوْتُمُونِی إِلَیْهَا وَ حَمَلْتُمُونِی عَلَیْهَا- فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَیَّ نَظَرْتُ إِلَى کِتَابِ اللَّهِ وَ مَا وَضَعَ لَنَا- وَ أَمَرَنَا بِالْحُکْمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ- وَ مَا اسْتَنَّ النَّبِیُّ ص فَاقْتَدَیْتُهُ- فَلَمْ أَحْتَجْ فِی ذَلِکَ إِلَى رَأْیِکُمَا وَ لَا رَأْیِ غَیْرِکُمَا- وَ لَا وَقَعَ حُکْمٌ جَهِلْتُهُ فَأَسْتَشِیرَکُمَا وَ إِخْوَانِی مِنَ الْمُسْلِمِینَ- وَ لَوْ کَانَ ذَلِکَ لَمْ أَرْغَبْ عَنْکُمَا وَ لَا عَنْ‏ غَیْرِکُمَا- . وَ أَمَّا مَا ذَکَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ الْأُسْوَهِ- فَإِنَّ ذَلِکَ أَمْرٌ لَمْ أَحْکُمْ أَنَا فِیهِ بِرَأْیِی- وَ لَا وَلِیتُهُ هَوًى مِنِّی- بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَ أَنْتُمَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ص قَدْ فُرِغَ مِنْهُ- فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَیْکُمَا فِیمَا قَدْ فَرَغَ اللَّهُ مِنْ قَسْمِهِ- وَ أَمْضَى فِیهِ حُکْمَهُ- فَلَیْسَ لَکُمَا وَ اللَّهِ عِنْدِی وَ لَا لِغَیْرِکُمَا فِی هَذَا عُتْبَى- . أَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَ قُلُوبِکُمْ إِلَى الْحَقِّ- وَ أَلْهَمَنَا وَ إِیَّاکُمُ الصَّبْرَ.

اللغه

أقول: أرجأتما: أخّرتما.

و استأثر: استبدّ. و الإربه: الحاجه.

و أفضت: وصلت.

و العتبى: الرجوع عن الإساءه

المعنى

و اعلم أنّ الرجلین کانا یؤمّلان الأمر لأنفسهما فلمّا صار إلیه علیه السّلام عاد إلى رجاء أن یداخلهما فی أمره و أن یزد لهما فی العطاء على غیرهما کما فضّل بعض الأئمّه من قبله و أن یشارکهما فی أکثر الآراء المصلحیّه محبّه منهما للجاه و نظرا إلى محلّهما و شرفهما لکنّ الرجل لمّا جعل دلیله الکتاب العزیز و السنّه النبویّه و کان هو القویّ على تفریع الأحکام منهما دون غیره و صاحب أسرارهما کما علمت رجوع أکابر الصحابه و الخلفاء السابقین إلیه فی کثیر الأحکام لا جرم لم یکن به حاجه إلى الاستشاره فیما یقع إلیه من الوقایع، و أشار بالیسیر الّذی نقماه إلى ترک مشورتهما و تسویتهما بغیرهما فی العطاء و إن کان عندهما صعبا فهو لکونه عنده غیر حقّ فی غایه من السهوله، و الکسیر الّذی أرجاه ما أخّراه من حقّه و لم یوفیاه إیّاه، و روى کثیرا بالثاء بثلاث نقط، و أشار به إلى ما یعود إلى صلاح المسلمین من الآراء الّتی ینبغی أن‏ یتحدّث فیها، و یحتمل أن یرید أنّ الّذی أبدیاه و نقماه بعض ممّا فی أنفسهما، و قد دلّ ذلک على أنّ فی أنفسهما أشیاء کثیره وراء ما ذکراه لم یقولاه.

و قوله: ألا تخبرانى. إلى قوله: بابه.
استفسار عن الحقّ الّذی نقما ترکه، و أشار إلى وجوه الحقّ و جهاته المتعارفه المعتاده، و تلخیصه أنّ الحقّ الّذی تنقمان على ترکه إمّا أن یکون متعلّقا بکما أو بغیر کما من المسلمین، و الأوّل إمّا أن یکون قسما استأثرت به أو غیره من الحقوق دفعتکما عنه ظلما، و الثانی إمّا أن یکون ترکه منّى ضعفا أو جهلا به أو خطأ لدلیل الحکم فیه، و الاستفهام فی الأقسام کلّها استفهام إنکار لها و مستند منعه و إنکاره لها ظاهر فإنّ التسویه فی العطاء سنّه الرسول فیجب اتّباعها، و الاستشاره فی الحوادث و نحوها إنّما یجب مع عدم الحکم فی الواقعه أو مع جهله و لم یکن عادما لأحکام الوقایع الوارده علیه و لا جاهلا بها، و کذلک لم یترک حقّا لأحد من المسلمین عن ضعف منه لأنّه کان خلیفه الوقت و لا عن جهل بحکم و لا بدلیله لأنّه کان أعلم الامّه بأحکام اللّه، و لمّا کان الّذی نقماه علیه فی تلک الحال من الأقسام المذکوره إنّما هو ترک مشورتهما و السویه فی العطاء بینهما و بین غیرهما أشار إلى الجواب عن الأوّل بقوله: و اللّه ما کانت.
إلى قوله: و لا عن غیرکما.
فقوله: و اللّه. إلى قوله: حملتمونى علیها.

کالمقدّمه فی الجواب المکاسره من توهّمهما رغبته فی الخلافه و محبّته للملک و السلطان لاستیثار علیهما و نحو ذلک فإنّه إذا انکسر ذلک الوهم لم یبق علّه طلبه للولایه إلّا نصره الحقّ و إقامته کما صرّح هو به فی غیر موضع و حینئذ تندفع شبهتها عنه.

و قوله: فلمّا أفضت. إلى قوله: فاقتدیته.
وجه الجواب دلّ به على صغرى القیاس فیه، و خلاصته: أى إنّما أحکم بالکتاب فأتّبعته و أقتدى بالسنّه، و تقدیر الکبرى و کلّ من فعل ذلک فلا حاجه به فی الحکم إلى الرأی.
و قوله، فلم أحتج. إلى قوله، غیرکما.
کالنتیجه.

و قوله: و لا وقع حکم جهلته.
أحد الأقسام الّتی استفهم عنها على سبیل الإنکار أوّلا قد صرّح بإنکاره هاهنا و منعه على تقدیر دعواهم له. ثمّ بتسلیمه تسلیم جدل أنّه لو وقع لم یکن یرغب عنهما و لا عن غیرهما من المسلمین و الاستشاره فیه. ثمّ ذکر الأمر الثانی ممّا نقماه علیه فقال: و أمّا ما ذکرتما من الأمر الأسوه: أى اسوتکما بغیر کما فی العطاء، و أجاب عنه بقوله: فإنّ ذلک أمر. إلى قوله: حکمه. فقوله: و لاولّیته هوى منّى.
أى لم أجعل الحاکم فی ذلک هواى، و روى و لا ولّیته هوى منّى على أن یکون هوى مفعولا له: و خلاصته أنّ حکمى بالتسویه فی القسمه لم یکن عن رأى منّى و لا هوى أتّبعته و لکن وجدته أنا و أنتم قد فرغ اللّه منه: أى من القضاء به فی اللوح المحفوظ و إنزاله، و یقال للأمر الثابت الّذی لا یحتاج إلى إیجاد أو تکمیل مفروغ منه، و نسبه الفراغ إلى اللّه مجاز لمناسبته ما قضاه بفعل العبد الّذی فرغ من عمله.

و قوله: فلم أحتج إلیکما. إلى قوله: حکمه.
أى لمّا وجدته کذلک لم أمل إلیکما بما یرضیکما مع مخالفته لما جاء به الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، و روى فلم أحتجّ إلیکما: أى فی الإرشاد إلى أحکام اللّه بعد فراغه منها.

و قوله: فلیس لکما. إلى قوله. عتبى.
لازم بنتیجتى قیاسیّه فی الجوابین فإنّه لمّا ثبت أنّه لا حقّ لهما فیما نقماه علیه لم یکن علیه أن یعتب. ثمّ أخذ فی الدعاء لهما و لنفسه بأخذ اللّه قلوبهم إلى الحقّ و إلهامهم الصبر عن المیول الباطله و على الحقّ. ثمّ دعا برحمه اللّه لرجل‏ رأى حقّا و عدلا و أعان على العمل به، أو رأى جورا و ظلما فردّه و أعان على صاحبه جذ بالهما إلى ذلک. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۹

بازدیدها: ۳

خطبه ۱۹۵ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام کان کثیرا ما ینادى به أصحابه

تَجَهَّزُوا رَحِمَکُمُ اللَّهُ فَقَدْ نُودِیَ فِیکُمْ بِالرَّحِیلِ- وَ أَقِلُّوا الْعُرْجَهَ عَلَى الدُّنْیَا- وَ انْقَلِبُوا بِصَالِحِ مَا بِحَضْرَتِکُمْ مِنَ الزَّادِ- فَإِنَّ أَمَامَکُمْ عَقَبَهً کَئُوداً وَ مَنَازِلَ مَخُوفَهً مَهُولَهً- لَا بُدَّ مِنَ الْوُرُودِ عَلَیْهَا وَ الْوُقُوفِ عِنْدَهَا- . وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَلَاحِظَ الْمَنِیَّهِ نَحْوَکُمْ دَانِیَهٌ- وَ کَأَنَّکُمْ بِمَخَالِبِهَا وَ قَدْ نَشِبَتْ فِیکُمْ- وَ قَدْ دَهَمَتْکُمْ فِیهَا مُفْظِعَاتُ الْأُمُورِ وَ مُعْضِلَاتُ الْمَحْذُورِ- . فَقَطِّعُوا عَلَائِقَ الدُّنْیَا وَ اسْتَظْهِرُوا بِزَادِ التَّقْوَى و قد مضى شی‏ء من هذا الکلام فیما تقدم، بخلاف هذه الروایه.

اللغه

أقول: العرجه و التعریج: الإقامه على المکان و الاحتباس به.

و عقبه کؤود: شاقه المصاعد.

و الملاحظ: جمع ملحظ و هو مصدر أو محلّ اللحظ و هو النظر بموخّر العین.

و دانیه: مجدّده.

و مفظعات الامور: عظائمها و شدائدها المجاوزه حدّ المقدار المعتاد.

و معضلات المحذور: ما ثقل منها و أمال.

و مدار الفصل على الأمر بالتجهیز من الدنیا

و هو الاستعداد للسفر إلى اللّه بما یحتاج إلیه المسافرون إلى حضرته من الزاد المبلغ و هو التقوى، و الرحیل یحتمل أن یرید به السفر بالموت فیکون المنادى هو حوادث الأیّام الداعیه بضرورتها للأمزجه إلى الانهدام، و یحتمل أن یرید به السفر إلى اللّه بالریاضه الکامله، و المنادى بذلک هو الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الکتاب العزیز و أولیاء اللّه. ثمّ على الأمر بإقلال التعریج على الدنیا: أی بقلّه الالتفات إلیها إلّا على القدر الضرورىّ منها و هو الزهد. ثمّ بالانقلاب عنها بصالح ما یحضرهم فی الدنیا و یمکنهم إعداده و الاستعداد به و هو الأعمال الصالحه و التقوى و قوله: فإنّ أمامکم عقبه کؤودا.

استعار لفظ العقبه بوصف الکؤود، و وجه المشابهه شدّه الملاقات و قطع منازله فی حال تألم النفوس إلى آخر الموت، و أراد بالمنازل المحوفه المهوله منازل الآخره بعد من القبر و سایر درجات النفوس فی الشقاوه و الأهوال الاخرویّه و ظاهر أنّه لا بدّ من ورود تلک المنازل و الوقوف عندها إلى حین عبورها خصوصا أصحاب الملکات الردیئه و العلایق الدنیّه البدنیّه فإنّ وقوفهم بتلک المنازل أطول و شدائدهم فیها أهول.

و قوله: و اعلموا. إلى قوله: فیکم.
أخذ بعض لوازم المستعار و هو الملاحظه و ذویها، و کنّى بذلک عن کونها هم بالرصد لا تنقطع عنهم، و روى دائنه: أى قریبه منهم، و کذلک المخالب و نشبتها کنایه عن لحوق الآفات و الأمراض المهلکه لهم، و معنى التشبیه هاهنا تشبیه المقدّر القریب وقوعه و هو لحوق الموت لهم، و نسبه مخالب المنیه فیهم بوقوع ذلک فی السرعه، و الباء فی بمخالبها للالصاق، و الواوان فی قوله: و قد للحال.

و قوله: و قد دهمتکم. إلى قوله: المحذور.
کنایه عن لحوق شدائد الموت و مثقلات الظهور المحذوره و هى الذنوب.

و قوله: فقطّعوا علایق الدنیا.
أمر بالزهد الحقیقىّ فیها و التخفیف منها بترک الفضول و الاستکثار من متاعها، و استظهروا بزاد التقوى: أى اتّخذوه ظهیرا لکم على مشاقّ السفر إلى الآخره، و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۸

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۹۴ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الدُّنْیَا دَارُ مَجَازٍ وَ الْآخِرَهُ دَارُ قَرَارٍ- فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّکُمْ لِمَقَرِّکُمْ- وَ لَا تَهْتِکُوا أَسْتَارَکُمْ عِنْدَ مَنْ یَعْلَمُ أَسْرَارَکُمْ- وَ أَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْیَا قُلُوبَکُمْ- مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُکُمْ- فَفِیهَا اخْتُبِرْتُمْ وَ لِغَیْرِهَا خُلِقْتُمْ- إِنَّ الْمَرْءَ إِذَا هَلَکَ قَالَ النَّاسُ مَا تَرَکَ- وَ قَالَتِ الْمَلَائِکَهُ مَا قَدَّمَ- لِلَّهِ آبَاؤُکُمْ فَقَدِّمُوا بَعْضاً یَکُنْ لَکُمْ- وَ لَا تُخْلِفُوا کُلًّا فَیَکُونَ فَرْضاً عَلَیْکُمْ

أقول: حاصل الفصل التنفیر عن الدنیا و الترغیب فی الآخره بذکر الغایه من وجودهما
فتکون الدنیا مجازا: أى یسلک بها إلى الآخره سلوکا اختیاریّا کسلوک عباد اللّه الصالحین إلیه، و اضطراریّا کعبور الکلّ إلى الآخره بالموت، و أراد هنا الاضطرارىّ، و هاتان القرینتان کالمقدّمه لقوله: فخذوا من ممرّکم لمقرّکم.

و قوله: و لا تهتکوا. إلى قوله: أسرارکم.أى لمجاهرته بالمعصیه فإنّه إذا کان یعلم أسرارکم فهو یعلم ظواهر کم أولى.

و قوله: و أخرجوا. إلى قوله: أبدانکم.
أمر لهم بالزهد فی الدنیا قبل الموت، و کنّى عنه بإخراج القلوب منها. یقال: خرج فلان عن کذا، و أخرج نفسه من کذا إذا أعرض عنه و تبرّء منه.

و قوله: ففیها اختبرتم.
إشاره إلى قصد العنایه الإلهیّه منها، و قد عرفت معنى الاختبار، و لغیرها خلقتم: أى لنیل السعاده فی الآخره بالذات، أو الشقاوه لمن حرّمها بالعرض.

و قوله: إنّ المرء. إلى قوله: قدّم.
أى ما ترک من متاع الدنیا أو ما قدّم من الأعمال الصالحه، و إنّما قرن ذکر الناس و ما یسئلون عنه بذکر الملائکه و ما یسئلون عنه لینبّه على شرف الأعمال المسعده فی الآخره على متاع الدنیا لکون الأوّل مطلوب الملائکه و ما تعتنون بالفحص عنه، و کون الثانی معتنى الناس الغافلین، و فی لفظ ما ترک و ما قدّم لطف شبیه [تنبیه خ‏] على أنّ متاع الدنیا مفارق متروک و الأعمال الصالحه مقدّمه باقیه نافعه للمرء فی معاده فینبغى أن تکون العنایه بها دون المفارق المتروک.

و قوله: للّه آباؤکم.
کلمه تقولها العرب لتعظیم المخاطب بنسبته أو بنسبه أبیه إلى اللّه یقال: للّه أنت و للّه أبوک، و قیل: اللام للعاقبه: أى إلى اللّه تصیر آبائکم لکن بذلک یخرج الکلام عن معنى التعجّب و الاستعظام.

و قوله: فقدّموا بعضا. إلى آخره.
أى فقدّموا بعضا من متاع الدنیا کالصدقات و نحوها یکن لکم ثوابها فی الآخره کقوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: یا بن آدم لیس لک من دنیاک إلّا ثلاث: ما أکلت فأفنیت أو لبست فأبلیت أو تصدّقت فأبقیت، و لا تخلّفوها بأسرها لغیرکم فیکون علیکم وزرها، و قد علمت کیفیّه استلزام الصدقه و الزکاه و نحوها للملکات الفاضله و الثواب الاخروى، و استلزام البخل و ادخار المال للشقاوه الاخرویّه، و إنّما خصّص‏ البعض بالتقدیم لأنّ حرمان الورثه لا یجوز، و نهى عن تخلیف الکلّ لأنّ ترک الزکاه و الصدقه لا یجوز، و روى یکن لکم قرضا و یکن علیکم کلّا و هو کقوله تعالى مَنْ ذَا الَّذِی یُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً«» و لفظ القرض مستعار، و وجه الاستعاره أنّ القرض یستلزم فی العاده الطلب من المقترض و شکره لمقرضه و أداه إلیه فأشبه ذلک تکرر أوامر اللّه الطالبه للزکاه و الصدقه و شکر اللّه للمنفقین فی سبیله و جزاؤه للمتصدّقین فی الآخره بأضعاف ما بذلوه و أنفس کمیّه و کیفیّه من الکلّ الّذی لا منفعه فیه مع وجود مضرّته، و لمّا کان حفظ المال و تخلیفه بعد الموت کذلک لا جرم کان کلّا. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۶

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۹۳ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

روى عنه أنه قاله عند دفن سیده النساء فاطمه علیها السلام کالمناجى به رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلم عند قبره

السَّلَامُ عَلَیْکَ یَا رَسُولَ اللَّهِ عَنِّی- وَ عَنِ ابْنَتِکَ النَّازِلَهِ فِی جِوَارِکَ- وَ السَّرِیعَهِ اللَّحَاقِ بِکَ- قَلَّ یَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ صَفِیَّتِکَ صَبْرِی وَ رَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِی- إِلَّا أَنَّ فِی التَّأَسِّی لِی بِعَظِیمِ فُرْقَتِکَ- وَ فَادِحِ مُصِیبَتِکَ مَوْضِعَ تَعَزٍّ- فَلَقَدْ وَسَّدْتُکَ فِی مَلْحُودَهِ قَبْرِکَ- وَ فَاضَتْ بَیْنَ نَحْرِی وَ صَدْرِی نَفْسُکَ- فَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَیْهِ راجِعُونَ- فَلَقَدِ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِیعَهُ وَ أُخِذَتِ الرَّهِینَهُ- أَمَّا حُزْنِی فَسَرْمَدٌ وَ أَمَّا لَیْلِی فَمُسَهَّدٌ- إِلَى أَنْ یَخْتَارَ اللَّهُ لِی دَارَکَ الَّتِی أَنْتَ بِهَا مُقِیمٌ- وَ سَتُنَبِّئُکَ ابْنَتُکَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِکَ عَلَى هَضْمِهَا- فَأَحْفِهَا السُّؤَالَ وَ اسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ- هَذَا وَ لَمْ یَطُلِ الْعَهْدُ وَ لَمْ یَخْلُ مِنْکَ الذِّکْرُ- وَ السَّلَامُ عَلَیْکُمَا سَلَامَ مُوَدِّعٍ لَا قَالٍ‏ وَ لَا سَئِمٍ- فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلَا عَنْ مَلَالَهٍ- وَ إِنْ أُقِمْ فَلَا عَنْ سُوءِ ظَنٍّ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ الصَّابِرِینَ

اللغه

أقول: مسهّد: مورق.

و أحفها السؤال: استقص علیها فیه.

المعنى

فأمّا قول السیّد- رضى اللّه تعالى عنه- سیّده النساء، فقد جاء فی الخبر أنّه رآها تبکى عند موته فقال لها: أ ما ترضین أن تکون سیّده نساء هذه الامّه، و روى أنّه قال: سادات نساء العالمین أربع: خدیجه بنت خویلد، و فاطمه بنت محمّد، و آسیه بنت مزاحم، و مریم بنت عمران. و السلام منه علیه السّلام على الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم کعاده الزائرین لکن الزیاره هنا قلبیّه، و عنها کالمستأذن لها فی الدخول علیه، و جوارها له: أى فی منازل الجنّه و أمّا سرعه لحاقها به ففائده ذکرها التشکّى إلیه من سرعه تواتر المصائب علیه بموته و لحوقها عقیبه، و المنقول أنّ مدّه حیاتها بعده صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أربعه أشهر، و قیل: ستّه أشهر. ثمّ أخذ فی التشکّى إلیه کالمخاطب له من قلّه صبره و رقّه تجلّده و تحمّله للمصیبه بها.

و فی قوله: صفیّتک.
إشاره إلى ما کان لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من التبجیل و المحبّه و الإکرام.

و قوله: إلّا أنّ لى. إلى قوله: موضع تعزّ.
کالعذر و التسلیه و إن کانت هذه المصیبه عظیمه یقلّ لها الصبر و یرقّ لها التجلّد فإنّ المصیبه بفراقک أعظم، و کما صبرت فی تلک على کونها أشدّ فلإن أصبر على هذه أولى. و التأسی الاقتداء بالصبر فی هذه المصیبه کالصبر فی تلک.

و قوله: فلقد وسّدتک. إلى قوله: نفسک.
کالشرح للمصیبه به صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و مقاساتها عند تلحیده و عند فیضان نفسه و هى دمه بین صدره و نحره، و کالتذکیر لنفسه بها.

و قوله: فإنّا للّه و إنّا إلیه راجعون.
امتثال لقوله تعالى وَ بَشِّرِ الصَّابِرِینَ الَّذِینَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِیبَهٌ قالُوا إِنَّا
لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَیْهِ راجِعُونَ«».

و قوله: فلقد استرجعت الودیعه. إلى قوله: الرهینه.
استعار لفظ الودیعه و الرهینه لتلک النفس، و وجه الاستعاره الاولى أنّ النفوس فی هذه الأبدان یشبه الودایع و الأمانات فی کونها تسترجع إلى عاملها فی وجوب المحافظه علیها من المهلکات، و یحتمل أن یرید ما هو المتعارف بین الناس من کون المرأه ودیعه الرجل کما یقال: النساء ودایع الکرام، و وجه الثانیه أنّ کلّ نفس رهینه على الوفاء بالمیثاق الّذی واثقها اللّه تعالى به، و العهد الّذی أخذ علیها حین الإهباط إلى عالم الحسّ و الخیال أن ترجع إلیه سالمه من سخطه، عامله بأوامره غیر منحرفه من صراطه الوضوح على لسان رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فإن وفیت بعهدها خرجت من وثاق الرهن و ضوعف لها الأجر کما قال تعالى إِنَّ الَّذِینَ یُبایِعُونَکَ إِنَّما یُبایِعُونَ اللَّهَ یَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَیْدِیهِمْ«» و إن نکثت و ارتکبت بما نهیت عنه بقیت رهینه بعملها کما قال تعالى کُلُّ نَفْسٍ بِما کَسَبَتْ رَهِینَهٌ«» و الرهینه تصدق على الذکر و الأنثى. و قد سبقت الإشاره إلى ذلک.

و قوله: أمّا حزنى. إلى قوله: مقیم.
صوره حاله بعدهما على سبیل الشکایه، و کنّى بالدار عن الجنّه لأنّه ممّن بشّر بها.

و قوله: و ستنبّئک ابنتک. إلى قوله: الذکر.
رمز للتشکّى إلى الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من امّته بعده فیما کان یعتقده حقّا له من الخلافه و نحله فدک لفاطمه علیها السّلام فزحزحا عنهما مع نوع من الاهتضام له، و الغلظه علیه فی القول على قرب عهدهم بالرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و طراوه الذکر الّذی هو القرآن الآمر بمودّه القربى.

و قوله: و السلام علیکما. إلى آخره.صوره وداع المحبّین الناصحین بجارى العاده.

و قوله: و إن اقم. إلى قوله: الصابرین.
تنزیه لنفسه عمّا عساه یعرض لبعض من یلازم القبور لشدّه الجزع و الأسف عن و هم أنّه لا عوض عن ذلک الفائت و الأجر على التعزّى و الصبر عنه، و ما وعد اللّه به الصابرین على نزول المصائب هو صلاته و رحمته فی قوله تعالى الَّذِینَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِیبَهٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَیْهِ راجِعُونَ أُولئِکَ عَلَیْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَهٌ«» و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(اب ‏میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى‏۳

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۹۲ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

أَیُّهَا النَّاسُ- لَا تَسْتَوْحِشُوا فِی طَرِیقِ الْهُدَى لِقِلَّهِ أَهْلِهِ- فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَهٍ شِبَعُهَا قَصِیرٌ- وَ جُوعُهَا طَوِیلٌ- أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا یَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا وَ السُّخْطُ- وَ إِنَّمَا عَقَرَ نَاقَهَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ- فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا- فَقَالَ سُبْحَانَهُ فَعَقَرُوها
فَأَصْبَحُوا نادِمِینَ- فَمَا کَانَ إِلَّا أَنْ خَارَتْ أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَهِ- خُوَارَ السِّکَّهِ الْمُحْمَاهِ فِی الْأَرْضِ الْخَوَّارَهِ- أَیُّهَا النَّاسُ مَنْ سَلَکَ الطَّرِیقَ الْوَاضِحَ وَرَدَ الْمَاءَ- وَ مَنْ خَالَفَ وَقَعَ فِی التِّیهِ

اللغه

أقول: السکّه: الحدیده تکون فی رأس خشبه الفدّان تثار بها الأرض.

و خوارها: صوتها فی الأرض.

و الأرض الخوّاره: الضعیفه.

و حاصل الفصل ترغیب أصحابه السالکین لطریق الهدى فی البقاء على ما هم علیه

بذکر کونه طریق الهدى، و من العاده أن یستوحش الناس من الوحده و قلّه الرفیق فی الطریق الطویل الصعب فنهى عن الاستیحاش فی تلک الطریق، و کنّى به عمّا عساه یعرض لبعضهم من الوسوسه بأنّهم لیسوا على حقّ لقلّتهم و کثره مخالفیهم لأنّ قلّه العدد فی الطریق مظنّه الهلاک و السلامه مع الکثره و نحو ذلک فنبّههم على أنّهم فی طریق الهدى و إن کانوا قلیلین. و قوله: فإنّ الناس اجتمعوا. إلى قوله: طویل. تنبیه على علّه قلّه أهل الهدى و هو اجتماع الناس على الدنیا، و استعار لها لفظ المائده ملاحظه لشبهها بها فی کونها مجتمع اللذّات، و کنّى عن قصر مدّتها بقصر شبعها، و عن استعقاب الانهماک فیها للعذاب الطویل فی الآخره بطول جوعها، و لفظ الجوع مستعار للحاجه الطویله بعد الموت إلى المطاعم الحقیقیّه الباقیه من الکمالات النفسانیّه الفانیه بسبب الغفله فی الدنیا فلذلک نسب الجوع إلیها، و یحتمل أن یکون مستعارا لما تتلهّف علیه النفس و تتأسّف بعد المفارقه من اللذّات الدنیویّه الّتی لا تحصل علیها بعد الموت أبدا فیطول جوعها منها، و راعى المقابله فالجوع بإزاء الشبع و الطول بإزاء القصر.

و قوله: أیّها الناس. إلى قوله: السخط. أى إنّما یجمع الناس فی عذاب اللّه رضاهم بالمنکرات و معاصى اللّه و إن‏ لم یباشرها أکثرهم و سخطهم لمحابّه من الأعمال، و مصداق ذلک قصّه ثمود فی عموم العذاب لهم بفعل عاقر الناقه فإنّهم بأسرهم ما فعلوا ذلک مع نسبه الفعل إلى جمیعهم کما قال تعالى «فَعَقَرُوها» الآیه و عمّتهم العقوبه لمّا عمّوه بالرضى، و الضمیر فی عمّوه یعود إلى الرجل أو إلى العقر الّذی دلّ علیه قوله: عقر: أى لمّا عمّوا فعله برضاهم به، و إلیه الإشاره بقوله تعالى «وَ اتَّقُوا فِتْنَهً لا تُصِیبَنَّ الَّذِینَ ظَلَمُوا مِنْکُمْ خَاصَّهً»«» و ظاهر أنّ الراضى بفعل شریک فاعله و فی قوّته، و کذلک إنّما یجمع اللّه الناس فی رحمته باجتماعهم على الرضا بمحابّه و السخط لمکارهه.

فقوله: فما کان إلّا أن خارت أرضهم. إلى قوله: الخوّاره. تفسیر للعذاب اللاحق لهم المشار إلیه بقوله: فأصبحوا نادمین فأخذهم العذاب، و قد فسّره القرآن الکریم أیضا فی قوله «فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَهُ»«» فبیّن علیه السّلام کیفیّه ذلک و شبّه صوت أرضهم فی خسوفها و ذهابها فی الأرض بصوت السکّه المحماه فی الأرض عند الحرث بها، و إنّما زادها صفه المحماه تنبیها على قوّه تصویتها و سرعه غوصها لأنّ المحماه یکون لها فی الأرض نشیش زائد على ما یقتضیه حرکتها و یعینها الحمى على النفوذ. فأمّا قصّه ثمود فالمنقول أنّهم خلف عاد فی الأرض بعد هلاکهم عنها فکثروا و عمّروا أعمارا طویله حتّى کان الرجل یبنى المسکن المحکم فینهدم فی حیاته فنحتّوا البیوت فی الجبال و کانوا فی سعه و رخاء من العیش فعتوا عن أمر اللّه و أفسدوا فی الأرض و عبدوا الأوثان. فبعث اللّه إلیهم صالحا و کانوا قوما عربا و صالح من أوسطهم نسبا فدعاهم إلى اللّه فلم یتّبعه إلّا قلیل منهم مستضعفون فحذّرهم و أنذرهم فسألوه آیه فقال: أیّه آیه تریدون. فقالوا: تخرج معنا إلى عیدنا فی یوم معلوم من السنه تدعو إلهک و ندعو آلهتنا فإن استجیب لک اتّبعناک و إن استجیب لنا اتّبعتنا. فقال: نعم. فخرج معهم و دعوا أربابهم و سألوها فلم تجب.

فقال کبیرهم و أشار إلى صخره مفرده فی ناحیه الجبل یسمّونها الکاثبه: أخرج لنا من هذه الصخره ناقه جوفاء و براء فإن فعلت صدّقناک و أجبناک. فأخذ علیهم‏ المواثیق بذلک. ثمّ صلّى و دعا ربّه فتمخّضت الصخره کما تمخّض النتوج بولدها فانصدعت عن ناقه عشراء جوفاء و براء کما یطلبون، و عظماؤهم ینظرون. ثمّ نتجت ولدا مثلها فی العظم. فآمن به رئیسهم و نفر من قومه و منع أعقابهم ناس من رؤسائهم أن یؤمنوا. فمکثت الناقه مع ولدها ترعى الشجر و تشرب الماء و کانت ترد غبّا فإذا کان یوم شربها وضعت رأسها فی البئر فما ترفعه حتّى تشرب کلّ ماء فیها. ثمّ تفجّج فیحلبون ما شاءوا حتّى تمتلى أوانیهم فیشربون و یدّخرون. فإذا وقع الحرّ تصیّفت بظهر الوادی فتهرب منها أنعامهم فتهبط إلى بطنه، و إذا وقع البرد تشتّت ببطن الوادی فتهرب مواشیهم إلى ظهره فشقّ ذلک علیهم، و زیّنت لهم عقرها امرأتان: عنیزه امّ غنم و صدقه بنت المختار کانتا کثیرتى المواشى لمّا أضرّت بمواشیهما.

فعقرها قدار الأحمر و اقتسموا لحمها و طبخوه فانطلق سقبها حتّى رقى جبلا یقال له غاره فرغا ثلاثا و کان صالح قال لهم: أدرکوا الفصیل عسى أن یرفع عنکم العذاب فلم یقدروا علیه و انفجّت الصخره بعد رغائه فدخلها فقال لهم صالح: تصبحون غدا و وجوهکم مصفرّه و بعد غد و هی محمّره و الیوم الثالث و هی مسوّده.

ثمّ یغشاکم العذاب. فلمّا رأوا العلامات همّوا بقتله فأنجاه اللّه إلى أرض فلسطین. فلمّا کان الیوم الرابع و ارتفع الضحى تحنّطوا بالصبر و تکفّنوا بالأنطاع فأتتهم الصیحه و خسف شدید و زلزال فتقطّعت قلوبهم فهلکوا. و باللّه العصمه و التوفیق هذا آخر المجلّد الثالث من هذا الکتاب تمّ ثالث أجزاء الکتاب من الأجزاء الخمسه على ما جزئه الشارح المحقّق- قدّس سرّه- فی أحسن وضع و على أنقى ورق و بأجود طباعه و یلیه الجزءان الآخران- إنشاء اللّه تعالى- و لو تدرى نفس ما یتحمّله المقدم من الصعوبه فی تهذیب طباعه کتاب لعبت به ید الأیّام و حرّفته أقلام الجهله لقبل ذلک عذرا فیما یؤخذ على الناشر، أو لیحثّه أن یغفر ما له من الذنب.
و علیه سبحانه التوکّل و به العصمه.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۴۷۳

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۹۱ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

وَ اللَّهِ مَا مُعَاوِیَهُ بِأَدْهَى مِنِّی وَ لَکِنَّهُ یَغْدِرُ وَ یَفْجُرُ- وَ لَوْ لَا کَرَاهِیَهُ الْغَدْرِ لَکُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ- وَ لَکِنْ کُلُّ غُدَرَهٍ فُجَرَهٌ وَ کُلُّ فُجَرَهٍ کُفَرَهٌ- وَ لِکُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ یُعْرَفُ بِهِ یَوْمَ الْقِیَامَهِ- وَ اللَّهِ مَا أُسْتَغْفَلُ بِالْمَکِیدَهِ وَ لَا أُسْتَغْمَزُ بِالشَّدِیدَهِ

اللغه

أقول: الدهاء: استعمال العقل و الرأى الجیّد فیما یراد فعله ممّا لا ینبغی مع إظهار إراده غیره. و یسمّى صاحبه داهیا، و داهیه للمبالغه، و خبیثا و مکّارا و حیّالا.
و هو داخل تحت رذیله الجربزه و هی طرف الإفراط من فضیله الحکمه العملیّه و یستلزم رذائل کثیره کالکذب.

و الغدر: هو الرذیله المقابله لفضیله الوفاء بالعهود الّتی هی ملکه تحت العفّه.

و الفجور: المقابل لفضیله العفّه.

المعنى

فقوله علیه السّلام: ما معاویه بأدهى منّى. أى لیس بأقدر منّی على فعل الدهاء، و أکّد ذلک بالقسم البارّ. و قوله: و لکنّه یغدر و یفجر. إشاره إلى لوازم الدهاء الّتی لأجلها ترکه و هو الغدر، و بواسطته الفجور فإنّ الوفاء لمّا کان نوعا تحت العفّه کان الغدر الّذى هو رذیلته نوعا تحت ما یقابل العفّه و هو الفجور و لذلک نفى الدهاء عن نفسه لکراهیّته للغدر، و نفیه له عن نفسه‏

لأنّ نفى اللازم مستلزم لنفى الملزوم. ثمّ جعل الغدر أوسط فی إثبات الفجور لمعاویه بقیاس ضمیر من الشکل الأوّل فقوله: و لکنّه یغدر. فی قوّه صغرى القیاس، و قوله: و یفجر. فی قوّه النتیجه فکأنّه قال: و لکنّه یغدر فهو یفجر، و نبّه على الکبرى بقوله: و کلّ غدره فجره. فصار الترتیب هکذا: و لکنّه یغدر و کلّ من یغدر یفجر و النتیجه فهو إذن یفجر. ثمّ نبّه على لزوم الکفر له بقیاس آخر من الشکل الأوّل نبّه على صغراه بقوله: و کلّ غدره فجره، و على کبراه بقوله: و کلّ فجره کفره، و إذ ثبت فی القیاس الأوّل أنّه فاجر و استلزم قوله: و کلّ فجره کفره أن کلّ فاجر کافر ثبت بهاتین المقدّمتین أنّه کافر. و روى: غدره، و فجره، و کفره.

و هو کثیر الغدر و الفجور و الکفر و ذلک أصرح فی إثبات المطلوب، قال بعض الشارحین: و وجه لزوم الکفر أنّ هنا الغادر على وجه استباحه ذلک و استحلاله، کما کان هو المشهور من حال عمرو بن العاص و معاویه فی استباحه ما علم تحریمه بالضروره من دین محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلم و جحده و هو معنى الکفر، و یحتمل أنّه یرید کفر نعم اللّه و سترها بإظهار معصیته کما هو المفهوم اللغویّ من لفظ الکفر. و إنّما وحّد الکفر لیتعدّد الکفر بحسب تعدّد الغدر فیکون أدعى إلى النفار عن الغدر. إذ هو فی معرض التنفیر عنه. و قوله: و لکلّ غادر لواء یعرف به یوم القیامه. لفظ الخبر النبوىّ، و فیه تنفیر عن رذیله الغدر. و قوله: و اللّه ما استغفل بالمکیده. تقریر و تأکید لما ذکره من معرفته بوجوه الآراء و کیفیّه الدهاء للداهى فإنّ من یکون کذلک لا یلحقه غفله عمّا یعمل علیه من الحیله و المکیده. و قوله: و لا استغمز. بالزاء المعجمه. أى لا یطلب غمزى و إضعافی فإنّى لا أضعف عمّا ارمى به من الشدائد، و روى بالراء أى لا استجهل بشدائد المکائد. و هذا القول صدر منه علیه السّلام کالجواب لما کان یسمعه من أقوال الجاهلین بحاله و نسبتهم له إلى قلّه التدبیر و سوء الرأى‏ و نسبه معاویه إلى استخراج وجوه المصالح و الآراء الصحیحه فی الحرب و غیرها. و اعلم أنّ الجواب عن هذا الخیال یستدعى فهم حاله علیه السّلام و حال معاویه و غیره ممّن ینسب إلى جوده الرأى، و بیان التفاوت بینهم و بینه و ذلک راجع إلى حرف واحد و هو أنّه علیه السّلام کان ملازما فی جمیع حرکاته قوانین الشریعه مدفوعا إلى اتّباعها و رفض ما العاده أن یستعمل فی الحروب.

فالتدابیر من الدهاء و الخبث و المکر و الحیله و الاجتهادات فی النصوص و تخصیص عموماتها بالآراء و غیر ذلک ممّا لم ترخص فیه الشریعه، و کان غیره یعتمد جمیع ذلک سواء وافق الشریعه أو لم یوافق فکانت وجوه الحیل و التدبیر علیهم أوسع، و کان مجالها علیه أضیق. و نقل عن أبى عثمان عمرو بن بحر الجاحظ فی هذا المعنى کلام طویل خلاصته أن قال: إنّى ربّما رأیت بعض من یظنّ بنفسه العقل و العلم و أنّه من الخاصّه و هو من العامّه، و یزعم أنّ معاویه کان أبعد غورا و أصحّ فکرا و أجود مسلکا من علىّ و لیس الأمر کذلک و ساؤمى إلى موضع غلطه، و ذلک أنّ علیّا علیه السّلام کان لا یستعمل فی حروبه إلّا ما یوافق الکتاب و السنّه، و کان معاویه یستعمل ما یخالفهما کاستعماله ما یوافقهما و یسیر فی الحرب بسیره ملک الهند إذا لا فى کسرى، و کان علىّ یقول لأصحابه: لا تبدءوهم بالقتال حتّى یبدؤکم و لا تتّبعوا مدبرا و لا تجهزوا على جریح و لا تفتحوا بابا مغلقا. هذه سیرته فی ذى الکلاع و فی أبى الأعور السلمى و فی عمرو بن العاص و فی حبیب بن مسلمه و فی جمیع الرؤساء کسیرته فی الحاشیه و الأتباع، و أصحاب الحروب إنّما یقصدون الوجه الّذى به هلاک الخصم و ینتظرون وجه الفرصه سواء کان مخالفا للشریعه کالحریق و الغریق و دفق السموم و التضریب بین الناس بالکذب و إلقاء الکتب فی العسکر أو موافقا لها فمن اقتصر فی التدبیر على الکتاب و السنّه فقد منع نفسه الطویل العریض من التدبیر و ما لا یتناهى من المکائد، و الصدق و الکذب أکثر من الصدق وحده و الحلال و الحرام أکثر من الحلال وحده فعلىّ کان ملجما بلجام الورع عن جمیع القول إلّا ما فیه للّه رضى، و ممنوع الیدین من کلّ بطش إلّا بما دلّ علیه الکتاب و السنّه دون أصحاب‏ الدهاء و المکر و المکائد فلمّا رأت العوامّ نوادر معاویه فی المکائد و کثره معایبه فی الخدیعه و ما تهیّأ له و لم یروا مثل ذلک من علىّ ظنّوا القصور فظنّهم أنّ ذلک من رجحان عند معاویه و نقصان فی علىّ. ثمّ انظر بعد ذلک کلّه هل یعدّ لمعاویه من الخداع أکبر من رفع المصاحف، ثمّ انظر هل خدع بها إلّا من عصى رأى علىّ و خالف أمره من أصحابه فإن زعمت أنّه قد نال ما أراد بخداعه من الاختلاف على علىّ فقد صدقت و لکن لیس ذلک محل النزاع و لم یختلف فی غراره أصحاب علىّ و عجلتهم و تسرّعهم و تنازعهم، و إنّما کانت البحث فی التمییز بینه و بین معاویه فی الدهاء و المکر و صحّه العقل و الرأى.

فهذه خلاصه کلامه، و من تأمّله بعین الانصاف علم صحّته و صدقه، و من هذا یتبیّن لک الجواب عن کلّ ما نسب إلیه من التقصیر فی خلافته کعدم إقراره لمعاویه على الولایه فی أوّل خلافته ثمّ یعزله بعد ذلک لما یستلزم تقریره من الظلم، و کشبهه التحکیم، و کنسبتهم له إلى التوحّش لبعض أصحابه حتّى فارقوه إلى معاویه کأخیه عقیل و شاعره النجاشی و مصقله بن هبیره، و کترکه لطلحه و الزبیر حتّى فارقاه و خرجا إلى مکّه و أذن لهما فی العمره و ذهب عنه الرأى فی ارتباطهما عنده و منعه لهما من البعد عنه، و أمثال ذلک فإنّ الانصاف عند اعتبار حاله فی جمیع ما نسب إلیه یقتضى موافقته للشریعه و عدم خروجه عنها. و تفصیل الأجوبه عن ذلک ممّا یخرج عن الغرض، و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج‏ البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۲۶۹

 

بازدیدها: ۲

خطبه ۱۹۰ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام کان یوصى به أصحابه

تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلَاهِ وَ حَافِظُوا عَلَیْهَا- وَ اسْتَکْثِرُوا مِنْهَا وَ تَقَرَّبُوا بِهَا- فَإِنَّهَا کانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ کِتاباً مَوْقُوتاً- أَ لَا تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ النَّارِ حِینَ سُئِلُوا- ما سَلَکَکُمْ فِی سَقَرَ- قالُوا لَمْ نَکُ مِنَ الْمُصَلِّینَ- وَ إِنَّهَا لَتَحُتُّ الذُّنُوبَ حَتَّ الْوَرَقِ- وَ تُطْلِقُهَا إِطْلَاقَ الرِّبَقِ- وَ شَبَّهَهَا رَسُولُ اللَّهِ ص بِالْحَمَّهِ تَکُونُ عَلَى بَابِ الرَّجُلِ- فَهُوَ یَغْتَسِلُ مِنْهَا فِی الْیَوْمِ وَ اللَّیْلَهِ خَمْسَ مَرَّاتٍ- فَمَا عَسَى أَنْ یَبْقَى عَلَیْهِ مِنَ الدَّرَنِ- وَ قَدْ عَرَفَ حَقَّهَا رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ- الَّذِینَ لَا تَشْغَلُهُمْ عَنْهَا زِینَهُ مَتَاعٍ وَ لَا قُرَّهُ عَیْنٍ- مِنْ وَلَدٍ وَ لَا مَالٍ- یَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ- رِجالٌ لا تُلْهِیهِمْ تِجارَهٌ وَ لا بَیْعٌ عَنْ ذِکْرِ اللَّهِ- وَ إِقامِ الصَّلاهِ وَ إِیتاءِ الزَّکاهِ- وَ کَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص نَصِباً بِالصَّلَاهِ- بَعْدَ التَّبْشِیرِ لَهُ بِالْجَنَّهِ- لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ أْمُرْ أَهْلَکَ‏ بِالصَّلاهِ وَ اصْطَبِرْ عَلَیْها- فَکَانَ یَأْمُرُ أَهْلَهُ وَ یُصْبِرُ نَفْسَهُ ثُمَّ إِنَّ الزَّکَاهَ جُعِلَتْ مَعَ الصَّلَاهِ قُرْبَاناً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ- فَمَنْ أَعْطَاهَا طَیِّبَ النَّفْسِ بِهَا- فَإِنَّهَا تُجْعَلُ لَهُ کَفَّارَهً وَ مِنَ النَّارِ حِجَازاً وَ وِقَایَهً- فَلَا یُتْبِعَنَّهَا أَحَدٌ نَفْسَهُ وَ لَا یُکْثِرَنَّ عَلَیْهَا لَهَفَهُ- فَإِنَّ مَنْ أَعْطَاهَا غَیْرَ طَیِّبِ النَّفْسِ بِهَا- یَرْجُو بِهَا مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا فَهُوَ جَاهِلٌ بِالسُّنَّهِ- مَغْبُونُ الْأَجْرِ ضَالُّ الْعَمَلِ- طَوِیلُ النَّدَمِ ثُمَّ أَدَاءَ الْأَمَانَهِ- فَقَدْ خَابَ مَنْ لَیْسَ مِنْ أَهْلِهَا- إِنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى السَّمَاوَاتِ الْمَبْنِیَّهِ- وَ الْأَرَضِینَ الْمَدْحُوَّهِ وَ الْجِبَالِ ذَاتِ الطُّولِ الْمَنْصُوبَهِ- فَلَا أَطْوَلَ وَ لَا أَعْرَضَ وَ لَا أَعْلَى وَ لَا أَعْظَمَ مِنْهَا- وَ لَوِ امْتَنَعَ شَیْ‏ءٌ بِطُولٍ أَوْ عَرْضٍ- أَوْ قُوَّهٍ أَوْ عِزٍّ لَامْتَنَعْنَ- وَ لَکِنْ أَشْفَقْنَ مِنَ الْعُقُوبَهِ- وَ عَقَلْنَ مَا جَهِلَ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُنَّ وَ هُوَ الْإِنْسَانُ- إِنَّهُ کانَ ظَلُوماً جَهُولًا إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لَا یَخْفَى عَلَیْهِ- مَا الْعِبَادُ مُقْتَرِفُونَ فِی لَیْلِهِمْ وَ نَهَارِهِمْ- لَطُفَ بِهِ خُبْراً وَ أَحَاطَ بِهِ عِلْماً أَعْضَاؤُکُمْ شُهُودُهُ- وَ جَوَارِحُکُمْ جُنُودُهُ وَ ضَمَائِرُکُمْ عُیُونُهُ وَ خَلَوَاتُکُمْ عِیَانُهُ

اللغه

أقول: الربق: جمع الربقه و هی الحلقه فی الحبل.

و الجمّه بالجیم: الحفیره یجمع فیها الماء، و روى بالحاء و المعنى واحد.

و الدرن: الوسخ.

و النصب: التاعب.

و الاقتراف: الاکتساب.

المعنى

و حاصل الفصل الوصیّه بالمحافظه على امور ثلاثه و الحثّ علیها:

أوّلها: الصلاه فأمر بتعاهد أمرها و المحافظه علیها
و ذلک بافتقار الإنسان لأحوال نفسه حال الصلاه و مراقبتها حذرا أن تشوبها نزغات الشیطان بریاء فیها أو التفاوت عنها. ثمّ بالمحافظه على أوقاتها و أداء أرکانها کما هى. ثمّ بالاستکثار منها و التقرّب بها إلى اللّه لکونها أفضل العبادات و القرب إلیه. ثمّ أشار إلى فضیلتها و وجه وجوبها: أحدها: قوله: فإنّها کانت على المؤمنین کتابا موقوتا و هو لفظ القرآن الکریم. و موقوتا: مفروضاً، و قیل منجّما فی کلّ وقت صلاه معیّنه. الثانی: التحذیر لتارکها بالتنبیه على استلزام ترکها لدخول النار بقوله: لا تسمعون. إلى قوله: من المصلّین. الثالث: أنّها تحتّ الذنوب حتّ الورق، و هو تشبیه للمعقول بالمحسوس و وجه الشبه ظاهر، و کذلک و تطلقها إطلاق الربق: أى و تطلق أعناق النفوس من أغلالها کما تطلق الربقه من عنق الشاه. الرابع: تشبیه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم لها بالجمّه تکون على باب الرجل. و صوره الخبر عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلم: أیسّر أحدکم أن یکون على بابه جمّه یغتسل منها کلّ یوم خمس مرّات فلا یبقى علیه من درنه شی‏ء فقالوا: نعم. قال: فإنّها الصلوات الخمس. الخامس: تنبیهه بذکر عرفان رجال من المؤمنین و هم الموصوفون فی الآیه بقدرها. السادس: نصب الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم فیها و أمر اللّه تعالى بالمواظبه علیها بعد تبشّره له بالجنّه و ذلک فی قوله «وَ أْمُرْ أَهْلَکَ بِالصَّلاهِ وَ اصْطَبِرْ عَلَیْها» و امتثاله لذلک الأمر فی نفسه و أمره أهله، و روى أنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم قام فی الصلاه حتّى تورمت قدماه.

فقیل له فی ذلک. فقال: أفلا أکون عبدا شکورا، و ذلک من أوضح الدلائل على کثره فوائدها و قوّه فضیلتها، و اعلم أنّه قد ورد فی فضلها أخبار کثیره بعد تأکید القرآن للأمر بها، و قد بیّنّا ذلک و أشرنا إلى فضیلتها إشاره مستوفاه فی الفصل‏

الّذى أوّله: إنّ أفضل ما یتوسّل به المتوسّلون إلى اللّه سبحانه الإیمان به و برسوله.
الثانیه ممّا أمر بالمحافظه علیه: الزکاه
و هى قرینه الصلاه فی الذکر فی الکتاب العزیز و فی الفضیله فلذلک قال: جعلت مع الصلاه. ثمّ أشار إلى سرّها و هو کونها قربانا لأهل الإسلام، و سنبیّن ذلک، و أشار بقوله: فمن أعطاها إلى قوله: طویل الندم إلى شرط کونها مقرّبه إلى اللّه تعالى و بیان کون قبولها مشروطا بطیب النفس ببیان سرّها، و قد عرفته أیضا فی ذلک الفصل و علمت أنّ من أقسام المستنزلین عن المال من اقتصر منه على أداء الواجب من الزکاه من غیر زیاده و لا نقصان و هم العوامّ لجهلهم بسرّ البذل و بخلهم بالمال و میلهم إلیه من ضعف حبّهم للآخره قال تعالى «إِنْ یَسْئَلْکُمُوها فَیُحْفِکُمْ تَبْخَلُوا» و طهاره الفرق الّذین ذکرناهم ممّن استنزل عن المال و محابّهم و قربهم من اللّه و بعدهم بقدر طیب أنفسهم عن بذل المال و الإعراض عنه و محبّته، و هذه الفرقه أعنى من اقتصر منهم على أداء الواجب فقط تنقسم إلى مؤدّ لذلک الحقّ بطیب نفس و مسامحه، و إلى مؤدّ له مع بقاء محبّته و تکدیر النفس ببذله و تلهّف علیه أو انتظار جزاء له، و باعتبار القسمین الأوّلین مع القسم الأوّل من هذه الفرقه یکون بذل المال و الزکاه قربه إلى اللّه تعالى و هو الّذی أشار إلیه أمیر المؤمنین بقوله: إنّ الزکاه. إلى قوله: و وقایه.

و إن کان قد خصّص الزکاه هنا، و إنّما یکون قربه لاستلزامه رفض هذا المحبوب الّذی یتصوّر باذنه أنّ جمیع الکمالات الدنیویّه یستفاد منه رغبه عنه و محبّه للّه و رغبه فیما عنده، و تکون کفّاره ماحیه لرذیله البخل و ما یستلزمه من الذنوب، و یکون حجابا بین العبد و بین عذاب اللّه. إذ قد علمت أنّ مبدء العذاب فی الآخره حبّ الدنیا و أعظمه حبّ المال فإذا کان بذل المال مستلزما لزوال حبّه کان بذلک الاعتبار حجابا من العذاب و وقایه منه، و أمّا إیتاء الزکاه على الوجه الثانی فهو المذموم و المنهىّ عنه بقوله: و لا یکثرنّ علیها لهفه.

بعد أمره بها فی قوله: فلا یتبعنّها أحد نفسه و یلزم باذلها على ذلک الوجه النقائص المذکوره: و هی الجهل بالسنّه فإنّ السنّه فی أدائها أن یؤدّى بطیب نفسه و مسامحه، و أن یکون مغبونا فی الأجر فإنّ إیتانها على وجه توقّع جزاء لها لا على وجه القربه إلى اللّه غیر مستلزمه لرضوانه و ذلک هو الغبن و إن حصل له جزاء غیر رضوان اللّه فإنّ الحصول على کلّ جزاء غیر رضوانه جزاء ناقص و غبن فاحش بالنسبه إلیه، و أن یکون ضالّ العمل و هو إعطاؤه ذلک المال و بذله على غیر وجهه و قصده به غیر سبیل الهدى إلى رضوان اللّه، و أن یکون طویل الندم: أی فی محبّه المال و فیما یرجوه به من الجزاء.

الثالثه ممّا أوصى به: أداء الأمانه
و هی الّتی أشار القرآن الکریم إلیها بقوله «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَهَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ»«» الآیه، و قد بیّنّا فیما سلف أنّها تعود إلى العباده و الطاعه المطلوبه من الإنسان بما هو إنسان، و ظاهر أنّ تلک العباده لا یمکن من غیره فإنّه إنّما حملها من حیث خلق مستصلحا للدارین، و بیان ذلک أنّ مخلوقات اللّه تعالى إمّا جمادات أو ذات حیاه، و ذوات الحیات إمّا الملائکه و الحیوان الأرضى، و الحیوان الأرضى إمّا أعجم أو ناطق.
فالحیوان منها و هو الإنسان هو المتأهّل لعماره الدارین و الکون فیها، و هو الواسطه بین خلقین وضیع و هو الحیوان الأعجم و شریف و هو الملک، و قد استجمع قوّتى العاملین فهو کالحیوان فی الشهوه و الغضب و قوّه التناسل و سایر القوى البدنیّه المختصّه بالحیوان، و کالملک فی القوّه المجرّده و العقل و العلم و العباده و سائر الکمالات النفسانیّه، و وجه الحکمه فی ذلک أنّه تعالى لمّا اقتضت عنایته إیجاده لهذه العباده المخصوصه أن یجعل فی الأرض خلیفه لعمارتها جمع له بین القوّتین فإنّه لو کان کالبهیمه خالیا عن العقل لم یتأهّل لمعرفته و عبادته الخاصّه، و لو خلق کالملک معرّى عن الشهوه و الغضب و سائر القوى البدنیّه لم یصلح لعماره أرضه و خلافته فیها و لذلک قال للملائکه «إِنِّی أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ» فإذن هذه العباده الخاصّه و هی الأمانه المشار إلیها لا یصلح لها إلّا الإنسان و لا یمکن من غیره، و قد علمت أیضا فیما سلف أنّ إباء السماوات و الأرض و الجبال عن حملها یعود إلى امتناع‏ قبولها بلسان حال قصورها و عدم صلاحیّتها لها، و إشفاقها من عقوبه اللّه على التقصیر عن أداء حقوقها کما أشار إلیه أمیر المؤمنین علیه السّلام بقوله: أشفقن من العقوبه. و لم یکن ذلک إباء استکبار لخضوعها تحت ذلّ الحاجه إلیه، و لفظ الإشفاق مجاز فی ثمرته و لازمه و ذلک أنّ السلطان مثلا إذا کلّف بعض رعیّته حمل أمانه تکلیف تخییر فخاف ذلک المکلّف العقوبه على تقصیره فی أداء تلک الأمانه فإنّ خوفه یستلزم ترکه و امتناعه من حمله فکان الامتناع من الأمانه مسبّبا عن الإشفاق فأطلق الإشفاق هنا على إباء السماوات و الأرض بلسان حالها مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب و قیل: إنّ ذلک الإباء و الإشفاق على وجه التقدیر و إنّما جی‏ء بلفظ الواقع لأنّ الواقع أبلغ من المقدّر: أى لو کانت هذه الأجرام عاقله ثمّ عرضت علیها وظائف الدین عرض تخییر لاستثقلت ذلک مع کبر أجسامها و شدّتها و لامتنعت من حملها إشفاقا من القصور عن أداء حقّها. ثمّ إنّ مخاطبه الجماد و الإخبار عنها نظرا إلى قرینه الحال طریقه مشهوره للعرب و مستحسنهم فی تعارفهم کقولهم: یا دار ما صنعت بک الأیّام، و نحوه. بل مخاطبه بعض الجمادات لبعض بلسان أحوالها کقولهم: قال الحائط للوتد: لم تشقّنى قال: سل من یدقّنى، و نحو ذلک کثیر. فأمّا قوله علیه السّلام: و قد خاب من لیس من أهلها. فتلک الخیبه تعود إلى حرمان ثمره هذه العباده و ما یستلزمه من الحصول على الکمالات. إذ لیست من أهلها، و ذکر کون السماوات مبنیّه و الأرض مدحوّه و الجبال بأطوالها و عروضها و علوّها و عظمتها تنبیه للإنسان على جرأته على المعاصى و تضییع هذه الأمانه إذ اهلّ لها و حملها، و تعجّب منه فی ذلک. فکأنّه یقول: إذا کانت هذه الأجرام العلویّه الّتی لا أعظم منها قد امتنعت من حمل هذه الأمانه حین عرضت علیها فکیف حملها من هو أضعف منها.

و قوله: و لو امتنع شی‏ء. إلى قوله: لامتنعن. إشاره إلى أنّ امتناعهنّ لم یکن لعزّه و عظمه أجساد و لا استکبار عن الطاعه له، و أنّه لو کان کذلک لکانت أولى بالمخالفه عن کلّ شی‏ء لأعظمیّه أجرامها عن کلّ المخلوقات بل إنّما ذلک عن ضعف و إشفاق من خشیه اللّه، و عقلن ما جهل الإنسان. قیل: إنّ اللّه تعالى عند خطابها خلق فیها فهما و عقلا، و قیل: إنّ إطلاق العقل مجاز فی مسبّبه و هو الامتناع عن قبول هذه الأمانه کلفظ الإشفاق فإنّ عقلیّه المکلّف العقوبه على التقصیر فی تکلیف یخیّر فیه و یخاف التقصیر یستلزم ترکه لذلک التکلیف و استقالته منه، و إذ لم یکن لها عقل من جهه ما هی أجرام اطلق لفظ العقل على لازمه و ثمرته و هو الامتناع و الإباء مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب کإطلاق لفظ الإراده على میل الحائط فی قوله تعالى «جِداراً یُرِیدُ أَنْ یَنْقَضَّ»«» و أقول: یحتمل أن یعود الضمیر فی أشفقن و عقلن إلى من یعقل من الملائکه السماویّه. إذ لکلّ جرم سماویّ ملک یدبّره هو کالبدن له لإمکان ذلک فیها دون سائر الأجرام الأرضیّه، و ما جهله الإنسان هو عظمه اللّه و غایه هذه الأمانه، و تقصیره فی أداء واجباتها المستلزم لعقوبته و استحقاق سخط اللّه، و کونه ظلوما: أی کثیر الظلم لنفسه لعدم محافظته على هذه الأمانه، و کونه جهولا: أی کثیر الجهل بأسرار هذه الأمانه و الغفله عمّا یستلزمه فعلها و ترکها و عن الوعیدات الوارده على التقصیر فیها. و قوله: إنّ اللّه لا یخفى علیه. إلى آخره. تنبیه لهذا الظلوم الجهول على إحاطه علم اللّه تعالى بجمیع أحواله و اکتساباته فی لیله و نهاره و أنّه لطیف الخبر و المعرفه بها ینفذ علمه فی البواطن کما یقع على الظواهر. و قوله: أعضاؤکم شهوده. أى شهود له علیکم من قوله تعالى «یَوْمَ تَشْهَدُ عَلَیْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَیْدِیهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما کانُوا یَعْمَلُونَ»«»، و جوارحکم جنوده و ذلک باعتبار کونها معینه علیهم، و ضمائرکم عیونه: أى طلائعه و جواسیسه کقوله تعالى «وَ شَهِدُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ کانُوا کافِرِینَ»«» و تلک الشهاده و الإعانه بلسان الحال و قد عرفت کیفیّه إنطاق الجوارح و شهاده النفوس على أنفسها، و کنّى بالخلوات عمّا یفعل فیها من معاصى اللّه مجازا، و إنّما خصّصها لأنّها مظنّه المعصیه، و یحتمل أن یرید بالخلوه مصدر قولک: خلوت خلوا. لا المکان. فیکون حقیقه و ظاهرا کونها عیانا للّه: أى معاینه له، و کلّ ذلک تحذیر و تنفیر عن تحریک الجوارح و الخلوه بها فیما لا ینبغی من المعاصی. و باللّه التوفیق و العصمه.

 

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۴۶۳

 

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۸۹ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

یَعْلَمُ عَجِیجَ الْوُحُوشِ فِی الْفَلَوَاتِ- وَ مَعَاصِیَ الْعِبَادِ فِی الْخَلَوَاتِ- وَ اخْتِلَافَ النِّینَانِ فِی الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ- وَ تَلَاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّیَاحِ الْعَاصِفَاتِ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً نَجِیبُ اللَّهِ- وَ سَفِیرُ وَحْیِهِ وَ رَسُولُ رَحْمَتِهِ‏ أَمَّا بَعْدُ- فَإِنِّی أُوصِیکُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِی ابْتَدَأَ خَلْقَکُمْ- وَ إِلَیْهِ یَکُونُ مَعَادُکُمْ وَ بِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِکُمْ- وَ إِلَیْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِکُمْ وَ نَحْوَهُ قَصْدُ سَبِیلِکُمْ- وَ إِلَیْهِ مَرَامِی مَفْزَعِکُمْ- فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِکُمْ- وَ بَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِکُمْ وَ شِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِکُمْ- وَ صَلَاحُ فَسَادِ صُدُورِکُمْ- وَ طُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِکُمْ وَ جِلَاءُ غِشَاءِ أَبْصَارِکُمْ- وَ أَمْنُ فَزَعِ جَأْشِکُمْ وَ ضِیَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِکُمْ فَاجْعَلُوا طَاعَهَ اللَّهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِکُمْ- وَ دَخِیلًا دُونَ شِعَارِکُمْ وَ لَطِیفاً بَیْنَ أَضْلَاعِکُمْ- وَ أَمِیراً فَوْقَ أُمُورِکُمْ وَ مَنْهَلًا لِحِینِ وُرُودِکُمْ- وَ شَفِیعاً لِدَرَکِ طَلِبَتِکُمْ وَ جُنَّهً لِیَوْمِ فَزَعِکُمْ- وَ مَصَابِیحَ لِبُطُونِ قُبُورِکُمْ- وَ سَکَناً لِطُولِ وَحْشَتِکُمْ وَ نَفَساً لِکَرْبِ مَوَاطِنِکُمْ- فَإِنَّ طَاعَهَ اللَّهِ حِرْزٌ مِنْ مَتَالِفَ مُکْتَنِفَهٍ- وَ مَخَاوِفَ مُتَوَقَّعَهٍ وَ أُوَارِ نِیرَانٍ مُوقَدَهٍ- فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوِّهَا- وَ احْلَوْلَتْ لَهُ الْأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا- وَ انْفَرَجَتْ عَنْهُ الْأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاکُمِهَا- وَ أَسْهَلَتْ لَهُ الصِّعَابُ بَعْدَ إِنْصَابِهَا- وَ هَطَلَتْ عَلَیْهِ الْکَرَامَهُ بَعْدَ قُحُوطِهَا- . وَ تَحَدَّبَتْ عَلَیْهِ الرَّحْمَهُ بَعْدَ نُفُورِهَا- وَ تَفَجَّرَتْ عَلَیْهِ النِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا- وَ وَبَلَتْ عَلَیْهِ الْبَرَکَهُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا- فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِی نَفَعَکُمْ بِمَوْعِظَتِهِ- وَ وَعَظَکُمْ بِرِسَالَتِهِ وَ امْتَنَّ عَلَیْکُمْ بِنِعْمَتِهِ-

فَعَبِّدُوا أَنْفُسَکُمْ لِعِبَادَتِهِ- وَ اخْرُجُوا إِلَیْهِ مِنْ حَقِّ طَاعَتِهِ ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْإِسْلَامَ دِینُ اللَّهِ الَّذِی اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ- وَ اصْطَنَعَهُ عَلَى عَیْنِهِ وَ أَصْفَاهُ خِیَرَهَ خَلْقِهِ- وَ أَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ- أَذَلَّ الْأَدْیَانَ بِعِزَّتِهِ وَ وَضَعَ الْمِلَلَ بِرَفْعِهِ- وَ أَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِکَرَامَتِهِ وَ خَذَلَ مُحَادِّیهِ بِنَصْرِهِ- وَ هَدَمَ أَرْکَانَ الضَّلَالَهِ بِرُکْنِهِ- وَ سَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِیَاضِهِ- وَ أَتْأَقَ الْحِیَاضَ لِمَوَاتِحِهِ- ثُمَّ جَعَلَهُ لَا انْفِصَامَ لِعُرْوَتِهِ وَ لَا فَکَّ لِحَلْقَتِهِ- وَ لَا انْهِدَامَ لِأَسَاسِهِ وَ لَا زَوَالَ لِدَعَائِمِهِ- وَ لَا انْقِلَاعَ لِشَجَرَتِهِ وَ لَا انْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ- وَ لَا عَفَاءَ لِشَرَائِعِهِ وَ لَا جَذَّ لِفُرُوعِهِ وَ لَا ضَنْکَ لِطُرُقِهِ- وَ لَا وُعُوثَهَ لِسُهُولَتِهِ وَ لَا سَوَادَ لِوَضَحِهِ- وَ لَا عِوَجَ لِانْتِصَابِهِ وَ لَا عَصَلَ فِی عُودِهِ- وَ لَا وَعَثَ لِفَجِّهِ وَ لَا انْطِفَاءَ لِمَصَابِیحِهِ- وَ لَا مَرَارَهَ لِحَلَاوَتِهِ- فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاخَ فِی الْحَقِّ أَسْنَاخَهَا- وَ ثَبَّتَ لَهَا آسَاسَهَا وَ یَنَابِیعُ غَزُرَتْ عُیُونُهَا- وَ مَصَابِیحُ شَبَّتْ نِیرَانُهَا- وَ مَنَارٌ اقْتَدَى بِهَا سُفَّارُهَا وَ أَعْلَامٌ قُصِدَ بِهَا فِجَاجُهَا- وَ مَنَاهِلُ رَوِیَ بِهَا وُرَّادُهَا- .

جَعَلَ اللَّهُ فِیهِ مُنْتَهَى رِضْوَانِهِ- وَ ذِرْوَهَ دَعَائِمِهِ وَ سَنَامَ طَاعَتِهِ- فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ وَثِیقُ الْأَرْکَانِ رَفِیعُ الْبُنْیَانِ- مُنِیرُ الْبُرْهَانِ مُضِی‏ءُ النِّیرَانِ- عَزِیزُ السُّلْطَانِ مُشْرِفُ الْمَنَارِ مُعْوِذُ الْمَثَارِ- فَشَرِّفُوهُ وَ اتَّبِعُوهُ وَ أَدُّوا إِلَیْهِ حَقَّهُ وَ ضَعُوهُ مَوَاضِیعَهُ‏ ثُمِّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً ص بِالْحَقِّ- حِینَ دَنَا مِنَ الدُّنْیَا الِانْقِطَاعُ وَ أَقْبَلَ مِنَ الْآخِرَهِ الِاطِّلَاعُ- وَ أَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقٍ وَ قَامَتْ بِأَهْلِهَا عَلَى سَاقٍ- وَ خَشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ وَ أَزِفَ مِنْهَا قِیَادٌ- فِی انْقِطَاعٍ مِنْ مُدَّتِهَا وَ اقْتِرَابٍ مِنْ أَشْرَاطِهَا- وَ تَصَرُّمٍ مِنْ أَهْلِهَا وَ انْفِصَامٍ مِنْ حَلْقَتِهَا- وَ انْتِشَارٍ مِنْ سَبَبِهَا وَ عَفَاءٍ مِنْ أَعْلَامِهَا- وَ تَکَشُّفٍ مِنْ عَوْرَاتِهَا وَ قِصَرٍ مِنْ طُولِهَا- جَعَلَهُ اللَّهُ بَلَاغاً لِرِسَالَتِهِ وَ کَرَامَهً لِأُمَّتِهِ- وَ رَبِیعاً لِأَهْلِ زَمَانِهِ وَ رِفْعَهً لِأَعْوَانِهِ وَ شَرَفاً لِأَنْصَارِهِ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَیْهِ الْکِتَابَ نُوراً لَا تُطْفَأُ مَصَابِیحُهُ- وَ سِرَاجاً لَا یَخْبُو تَوَقُّدُهُ وَ بَحْراً لَا یُدْرَکُ قَعْرُهُ- وَ مِنْهَاجاً لَا یُضِلُّ نَهْجُهُ وَ شُعَاعاً لَا یُظْلِمُ ضَوْءُهُ- وَ فُرْقَاناً لَا یُخْمَدُ بُرْهَانُهُ وَ تِبْیَاناً لَا تُهْدَمُ أَرْکَانُهُ- وَ شِفَاءً لَا تُخْشَى أَسْقَامُهُ وَ عِزّاً لَا تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ وَ حَقّاً لَا تُخْذَلُ أَعْوَانُهُ- فَهُوَ مَعْدِنُ الْإِیمَانِ وَ بُحْبُوحَتُهُ وَ یَنَابِیعُ الْعِلْمِ وَ بُحُورُهُ- وَ رِیَاضُ الْعَدْلِ وَ غُدْرَانُهُ وَ أَثَافِیُّ الْإِسْلَامِ وَ بُنْیَانُهُ- وَ أَوْدِیَهُ الْحَقِّ وَ غِیطَانُهُ وَ بَحْرٌ لَا یَنْزِفُهُ الْمُسْتَنْزِفُونَ- وَ عُیُونٌ لَا یُنْضِبُهَا الْمَاتِحُونَ- وَ مَنَاهِلُ لَا یَغِیضُهَا الْوَارِدُونَ- وَ مَنَازِلُ لَا یَضِلُّ نَهْجَهَا الْمُسَافِرُونَ- وَ أَعْلَامٌ لَا یَعْمَى عَنْهَا السَّائِرُونَ- وَ آکَامٌ لَا یَجُوزُ عَنْهَا الْقَاصِدُونَ جَعَلَهُ‏

اللَّهُ رِیّاً لِعَطَشِ الْعُلَمَاءِ وَ رَبِیعاً لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ- وَ مَحَاجَّ لِطُرُقِ الصُّلَحَاءِ وَ دَوَاءً لَیْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ- وَ نُوراً لَیْسَ مَعَهُ ظُلْمَهٌ وَ حَبْلًا وَثِیقاً عُرْوَتُهُ- وَ مَعْقِلًا مَنِیعاً ذِرْوَتُهُ وَ عِزّاً لِمَنْ تَوَلَّاهُ- وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَ هُدًى لِمَنِ ائْتَمَّ بِهِ- وَ عُذْراً لِمَنِ انْتَحَلَهُ وَ بُرْهَاناً لِمَنْ تَکَلَّمَ بِهِ- وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ وَ فَلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ- وَ حَامِلًا لِمَنْ حَمَلَهُ وَ مَطِیَّهً لِمَنْ أَعْمَلَهُ- وَ آیَهً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَ جُنَّهً لِمَنِ اسْتَلْأَمَ- وَ عِلْماً لِمَنْ وَعَى وَ حَدِیثاً لِمَنْ رَوَى وَ حُکْماً لِمَنْ قَضَى

اللغه

أقول: العجیج: رفع الصوت،

و النینان: جمع نون و هو الحوت.

و الجأش: القلب.

و الاوار: حرّ النار.

و الشمس عزبت: غابت.

و إنصابها: إتعابها.

و تحدّبت: عطفت و حنّت.

و الرذاذ: ضعیف المطر.

و عبّدوا: ذلّلوا.

و المحادّ: المشاقّ.

و أثاق الحیاض: ملأها.

و المواتح: المستقون.

و الوعوثه: کثره فی سهوله توجب صعوبه المشى کما فی الرمل.

و الوضح: البیاض.

و العوج: بالفتح فیما له ساق ینتصب کالنخله، و بالکسر فیما لیس کذلک کالطریق.

و العصل. الاعوجاج.

و ساخ: غاص. و السنخ: الأصل.

و أزف: دنا و بحبوحه الدار: وسطها.

و الغیطان: المواضع المطمئنّه من الأرض.

و المحاجّ: جمع محجّه و هى جادّه الطریق.

و المعقل: الملجأ.

و الفلج: الفوز.

و المتوسّم: المتفرّس.

و استلأم: لبس لامه الحرب و هی الدرع.

المعنى

و صدر الفصل تنبیه على إحاطه علمه بجزئیّات الموجودات على اختلافها و کثرتها
و نبّه بعجیج الوحوش على أنّه تعالى یعلمها حین یجأر إلیه من جدب الأرض و قلّه العشب فکأنّها تضرّع إلیه بالعجیج لیکون الإنسان أولى بذلک النزع [الفزع- خ- ] إلیه، و بعلمه بمعاصى العباد فی الخلوات تنفیرا عنها فی الخلوه الّتی‏ هی مظنّتها، و اختلاف النینان بالمجى‏ء و الذهاب و قطع البحار طولا و عرضا. ثمّ عقّب بشهاده الرساله. ثم بالوصیّه بتقوى اللّه، و قرنها باعتبارات من صفاته تعالى توجب الفزع إلیه و هى کونه سبحانه مبدءا لخلقهم و منتهى لمعادهم الحسّى و العقلىّ کقوله تعالى «وَ هُوَ خَلَقَکُمْ أَوَّلَ مَرَّهٍ وَ إِلَیْهِ تُرْجَعُونَ» و قد نبّهنا علیه مرارا، و أنّ به نجاح طلباتهم، و إلیه منتهى رغباتهم، و نحوه قصدهم و سلوکهم فإنّه تعالى غایه الکلّ، و إلیه مرامى مفزعهم یقال: فلان مرمى قصدى: أى إلیه مفزعى فی المهمّات، و نحوه قوله تعالى «إِذا مَسَّکُمُ الضُّرُّ فَإِلَیْهِ تَجْئَرُونَ».
ثمّ باعتبارات من صفه التقوى توجب الفزع إلیها.
(ا) و هى کونها دواء داء قلوبکم، و قد عرفت کونها دواء لأدواء الرذائل النفسانیّه الموبقه. (ب) و بصر عمى أفئدتکم: أى أبصار أفئدتکم من عمى الجهل. (ج) و شفاء مرض أجسادکم، و ذلک أنّ التقوى تستلزم قلّه الأکل و الشرب و استعمالهما بقدر الحاجه کما قال فی صفات المتّقین: منزورا أکله. و قد علمت ما تحدث البطنه من الأمراض البدنیّه، و لذلک قال علیه السّلام: المعده بیت الأدواء. (د) و صلاح فساد صدورکم: أى من الغلّ و الحسد و الخبث و النیّات المخالفه لأوامر اللّه. فإنّ التقوى تستلزم نفى ذلک کلّه. و صلاح الصدور منه لأنّ مبادى تلک الشرور کلّها محبّه الدنیا و باطلها، و المتّقون بمعزل عن ذلک. (ه) و کذلک طهور دنس أنفسکم: أى من نجاسات الرذائل المهلکه و هو کقوله: دواء قلوبکم. لکن اعتبار کونها دواء یخالف اعتبار کونها طهورا إذ فی الأوّل ملاحظه کون الرذائل أمراضا ضارّا تؤدّى إلى الهلاک السرمدى، و فی الثانی اعتبار کونها نجاسات تمنع من دخول حظیره القدس و مقعد الصدق. (و) و جلاء عشا أبصارکم، و فیه استعاره لفظ العشا لما یعرض عن ظلمه الجهل، و سائر الرذائل من عدم إدراک الحقائق، و یروى غشاء بالغین المعجمه و هو الظلمه المتوهّمه من الجهل الّتى هى حجاب الغفله، و بهذا الاعتبار ففى التقوى جلاء لتلک الظلمه لما تستلزمه من إعداد النفس للکمال، و کونها نفسها هى الجلاء مجاز إطلاقا لاسم المسبّب على السبب. (ز) و أمن فزع جأشکم. إذ قد علمت أنّ بها الأمان من عذاب الآخره، و قد یکون بها الأمان من فزع الدنیا. لأنّ أکبر مخاوف الدنیا الموت و ما یؤدّى إلیه، و المتّقون العارفون بمعزل عن تقیّه الموت بل عسى یکون محبوبا لهم لکونه وسیله لهم إلى اللقاء الخالص لمحبوبهم الأقصى، و إلیه الإشاره بقوله تعالى «یا أَیُّهَا الَّذِینَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّکُمْ أَوْلِیاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ کُنْتُمْ صادِقِینَ»«» دلّت الآیه على أنّ الصادق فی دعوى الولایه یتمنّى الموت، و کذلک قوله تعالى «قُلْ إِنْ کانَتْ لَکُمُ الدَّارُ الْآخِرَهُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَهً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ کُنْتُمْ صادِقِینَ»«». (ح) ضیاء سواد ظلمکم، و استعار لفظ الظلمه للجهل و تغطیه القلب، و رشّح بذکر السواد لاستلزام الظلمه السواد، و هو کقوله: و جلاء عشا أبصارکم، و راعى فی هذه القرائن کلّها المضادّه.

ثمّ أکّد الوصیّه بطاعه اللّه تعالى بآداب:
أحدها: أن یجعلوها شعارهم
و کنّى بذلک عن ملازمتهم لها کما یلزم الشعار الجسد. ثمّ عن کونها فی الباطن دون الظاهر لقلّه فایدته و هو المشار إلیه بقوله.
دون دثارکم.

الثانی: أکّد أمرهم بإبطانهم
بأمرهم باتّخاذها دخیلا تحت الشعار لإمکان ذلک فیها دون الشعار المحسوس. ثمّ فسّر ذلک فقال: و لطیفا بین أضلاعکم. و کنّى بلطفها عن اعتقادها و عقلیتها و یکون بین أضلاعهم عن إیداعها القلوب.

الثالث: أن یجعلوها أمیرا
و استعار لها لفظ الأمیر باعتبار إکرامهم لها و تقدیمها على سائر مهمّاتهم.

الرابع: أن یجعلوها منهلا لحین ورودهم
أی یوم القیامه، و استعار لفظ المنهل لها، و وجه المشابهه أنّ التقوى و الطاعه للّه مظنّه التروّى من شراب الأبرار یوم القیامه کما أنّ موارد الإبل مظنّه ریّها.

الخامس: أن یجعلوها شفیعا إلى اللّه و وسیله إلى مطالبهم منه
و ظاهر کون المطیع یستعدّ بطاعته لدرک بغیته من اللّه تعالى، و لفظ الشفیع مستعار للوسیله و القربه.

السادس: و جنّه لیوم فزعهم
و ظاهر کون الطاعه ساترا یوم القیامه من الفزع الأکبر من عذاب اللّه.

السابع: و مصابیح لبطون قبورهم
و قد عرفت کیفیّه إعداد الطاعه لقبول الأنفس الأنوار العلویّه و الأسرار الإلهیّه المخلّصه من ظلمه القبور و العذاب الاخروىّ. و فی الخبر: أنّ العمل الصالح یضی‏ء قبر صاحبه کما یضی‏ء المصباح الظلمه.
و استعار لها لفظ المصابیح لاستلزامها الإناره.

الثامن: و کذلک سکنا لطول الوحشه فی القبور تستأنس به النفوس
کما روى: أنّ العمل الصالح و الخلق الفاضل یراه صاحبه بعد الموت فی صوره شابّ حسن الصوره و الثیاب طیّب الریح فیسلّم علیه فیقول له: من أنت فیقول: أنا خلقک الحسن أو عملک الحسن. و حاصله یعود إلى کون الطاعه سببا للاستیناس من وحشه الآخره، و ذلک أنّ الوحشه إنّما تعرض فی المکان لمن کان غافلا عنه و غیر متوقّع له و لا متهیّى‏ء للانتقال إلیه و مطمئنّا بوطنه الأوّل و بأهله و جاعلهم کلّ الانس.

فأمّا أهل الطاعه فإنّهم أبدا متفکّرون فیما ینتقلون إلیه و متذکّرون له واثقون بانس ربّهم و ملتفتون إلیه. فانسهم أبدا به و فرحهم دائما بلقائه، و اعتقادهم فی الدنیا: أنّهم لأهلها بأبدانهم مجاورون. فمنهم یهربون و إلى العزله ینقطعون. فبالحرىّ أن لا تعرض لهم وحشه و أن تکون أعمالهم سببا لعدم الوحشه الّتی عساها تعرض لهم، و لمّا کان الإنسان فی الدنیا لا یتصوّر ما بعد الموت بالحقیقه لا جرم لا بدّ له من وحشه ما إلّا أنّ الأنوار الإلهیّه و الانس بالرفیق الأعلى مزیل لها.

التاسع: و کذلک و نفسا لکرب مواطنکم
أى سعه و روحا لما یعرض من‏ کرب منازل الآخره و أهوالها.

العاشر: کونها حرزا من متالف مکتنفه
و تلک المتالف هى الرذائل الموبقه الّتی هی محالّ الهلاک و التلف. و اکتنافها إحاطتها بالنفس بحیث لا یکفّها إلّا طاعه اللّه و سلوک سبیله، و المخاوف المتوقّعه مخاوف الآخره و حرّ نیرانها.

الحادى عشر: کون التقوى مستلزمه لبعد الشدائد عن المتّقى بعد دنوّها منه
و کثیرا ما یعبّر بالتقوى عن الطاعه و إن کانت أخصّ فی بعض المواضع. أمّا فی بعد شدائد الآخره فظاهر، و أمّا فی الدنیا فلأنّ المتّقین هم أسلم الناس من شرور الناس لبعدهم عن مخالطاتهم و مجاذباتهم لمتاع الدنیا، و بغضهم لها. إذ کانت محبّتها و الحرص علیها منبعا لجمیع الشرور و الشدائد.

الثانی عشر: کونها مستلزمه لحلاوه الامور بعد مرارتها
أمّا امور الآخره فکالتکلیف الوارد علیهم لها بالعبادات، و ظاهر أنّها عند المتّقین أحلى و ألذّ من کلّ شی‏ء بعد مرارتها فی ذوقهم فی مبدء سلوکهم و ثقلها علیهم و على غیرهم من الجاهلین، و أمّا المرّ من امور الدنیا فکالفقر و العرى و الجوع، و کلّ ذلک شعار المتّقین، و هو أحلى فی نفوسهم و آثر من کلّ شعار و إن کان مرّا فی ذوقهم فی مبدء السلوک و قبل وصولهم إلى ثمرات التقوى.

الثالث عشر: و انفراج الأمواج عنه بعد تراکمها
و استعار لفظ الأمواج للهیئات البدنیّه الردیئه و ملکات السوء الّتى إذا تکاثفت و توالت على النفس أغرقتها فی بحار عذاب اللّه. و ظاهر کون لزوم التقوى سببا ینفرج باستعداد النفوس به عنها تلک الهیئات و ینمحی من لوحها و إن کثرت.

الرابع عشر: کون لزومها سببا لتسهیل صعاب الأمور على النفس بعد إتعابها لها و ذلک أنّ المتّقین عند ملاحظه غایتهم من نفوسهم یسهل علیهم کلّ صعب من أمور الدنیا ممّا یشتدّ على غیرهم کالفقر و المرض و کلّ شدید، و کذلک یسهل علیهم کلّ صعب من مطالب الآخره بعد إتعاب تلک المطالب لهم قبل تصوّرها التامّ فی أوّل التکلیف.

الخامس عشر: کونه سببا لهطل الکرامه علیهم
و الکرامه تعود إلى الکمالات النفسانیّه الباقیه و الالتذاذ بها. و لاحظ فی إفاضتها علیهم مشابهتها بالغیث فاستعار لها لفظ الهطل و أسنده إلیها، و کذلک لفظ القحوط، و کنّى به عن منعهم إیّاها قبل استعدادهم بالتقوى لها.

السادس عشر: کونه سببا لتعطف الرحمه الإلهیّه بإفاضه الکمالات علیهم بعد نفورها عنهم لعدم الاستعداد أیضا، و لفظ التحدّب مستعار للإراده أو لأثر الرحمه، و کذلک لفظ النفور لعدم أثرها فی حقّهم قبل ذلک.

السابع عشر: کونه سببا لتفجّر النعم بعد نضوبها
و لفظ التفجّر مستعار لانتشار وجوه إفاضات النعم الدنیویّه و الاخرویّه کما قال تعالى «وَ مَنْ یَتَّقِ اللَّهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ یَرْزُقْهُ مِنْ حَیْثُ لا یَحْتَسِبُ»«» و کذلک لفظ النضوب لعدمها قبل الاستعداد لها ملاحظه لشبه النعم بالماء فی الاستعارتین.

الثامن عشر: کونه سببا لوبل البرکه بعد رذاذها
و لفظ الوبل مستعار للفیض الکثیر من البرکه بعد الاستعداد بالتقوى، و لفظ الرذاذ للقلیل قبل ذلک الاستعداد ملاحظه لشبهها بالغیث أیضا، و ظاهر کون التقوى سببا لمزید الفیض على کلّ من کان له بعض الکمالات کمن یستعدّ بالعلوم دون الزهد و العباده ثمّ یسلک بهما.
ثمّ بعد الفراغ من فضائلها و الترغیب فیها من تلک الجهه أعاد الأمر بها و رغّت فیها باعتبارات اخر من إنعام المنعم، و هی کونه تعالى نافعا لهم بموعظته: أى جاذبا لهم إلى جنّته، مرغّبا لهم فی کرامته، و واعظا لهم برسالته إلیهم، و ممتّنا علیهم بنعمته کقوله تعالى «وَ اذْکُرُوا نِعْمَهَ اللَّهِ عَلَیْکُمْ» فی غیر موضع من کتابه. ثمّ أمرهم بتعبید أنفسهم و تذلیلها لعبادته و الخروج إلیه من حقّه الّذی یطلبه منهم و هو طاعته.

ثمّ ذکر الإسلام و فضائله مرغّبا فیه
و هو کالتفسیر لطاعته و عبادته فکأنّه قال: و اخرجوا إلیه من حقّ طاعته الّذی هو الإسلام فإنّه ذکر له فضائل:

(ا) کونه اصطفاه لنفسه: أى طریقا إلى معرفته و نیل ثوابه.

(ب) کونه اصطنعه على عینه و هی کلمه یقال لما یهتمّ به و کأنّه للصنعه الّتی یختارها من عملت له و یشاهدها بعینه. و لفظ العین مجاز فی العلم. و على تفید الحال: أى على علم منه بشرفه و فضیلته و وجه الحکمه فیه، و نحو قوله تعالى «وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ عَیْنِی».

(ج) و اصطفاه خیر خلقه: أى اصطفى للبعثه به و إلیه خیر خلقه محمّد و آله.

(د) و أقام دعائمه على محبّته. و لفظ الدعائم مستعار إمّا لأهل الإسلام أو لأرکانه. و وجه المشابهه قیامه بها فی الوجود کقیام الشی‏ء المدعوم بدعائمه، و کلمه على للحال، و الضمیر فی محبّته للإسلام: أى أقام دعائمه حال المحبّه له، و قیل بل اللّه کما تقول طبع اللّه قلبی على محبّته.

(ه) أذلّ الأدیان بعزّه. و ذلّه الأدیان تعود إلى عدم الالتفات إلیها فیکون مجازا من باب إطلاق اسم السبب على المسبّب، أو ذلّه أهلها. فیکون من باب حذف المضاف. و ظاهر أنّ عزّ الإسلام سبب للأمرین.

(و) و کذلک إطلاق وضع الملل برفعه.

(ز) و کذلک إهانه أعدائه و هم المشرکون و المکذّبون له من الملل السابقه إهانتهم بالقتل و أخذ الجزیه و الصغار لهم، و کرامته إجلاله و أجلال أهله و تعظیمهم فی النفوس.

(ح) و خذل محادّیه بنصره: أى بنصر أهله و فی القرائن الأربع التضادّ: فالعزّ للذلّ، و الرفع للوضع، و الکرامه للإهانه، و النصر للخذلان.

(ط) و هدم أرکان الضلاله برکنه و قوّته، و أرکان الضلاله تعود إلى العقائد المضلّه فی الجاهلیّه و إلى أهل الضلاله و هو مستعار. و وجه الاستعاره قیام الضلاله بتلک العقائد أو بأهلها کقیام ذى الأرکان بها و کذلک لفظ الهدم لزوال الضلاله بقوّه الإسلام و أهله.

(ى) و سقى من عطش من حیاضه. فاستعار السقى لإفاضه علوم الدین على‏ على نفوسهم و کمالها بها، و لفظ العطش لما کانوا علیه من الجهل البسیط و عدم العلم و کذلک استعار لفظ الحیاض لعلماء الإسلام الّذین هم أوعیته و حیاضه الّتی ترده العطاش من العلوم و الحکمه الدینیّه.

(یا) و أثاق الحیاض لمواتحه، و استعار لفظ المواتح إمّا للأئمّه من القرن الأوّل الاخذین للإسلام من الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم الّذی هو الینبوع، أو لأفکار العلماء و سؤالاتهم و بحثهم عن الدین و أحکامه و استفادتهم بها، و وجه الاستعارتین کونهم مستخرجین للعلم و الدین عن مظانّه کما یستخرج الماتح الماء من البئر. و لفظ الحیاض للمستفیدین.

(یب) جعله له بحیث لا ینفصم عروته، و لفظ العروه مستعار لما یتمسّک الإنسان به منه، و رشّح بذکر الانفصام. و لمّا کان المتمسّک به ناجیا من الهلاک الأخروىّ و الشرور اللاحقه للملل السابقه و کان عدم الانفصام مظنّه سلامه المتمسّک عن الهلاک کنّى به عن دوام السلامه.

(یج) و لا فکّ لحلقته، کنایه عن عدم انقهار أهله و جماعته.

(ید) و لا انهدام لأساسه، استعار لفظ الأساس للکتاب و السنّه الّذین هما أساس الإسلام، و لفظ الانهدام لاضمحلالهما.

(یه) و لا زوال لدعائمه، استعار لفظ الدعائم لعلمائه أو للکتاب و السنّه و قوانینهما و أراد بعدم زوالهما عدم انقراض العلماء أو عدم القوانین الشرعیّه.

(یو) و لا انقلاع لشجرته، استعار لفظ الشجره لأصله و أرکانه، و هو کقوله: و لا انهدام لأساسه.

(یز) و لا انقطاع لمدّته، إشاره إلى بقائه إلى یوم الدین.

(یح) و لا عفاء لشرایعه، و شرایعه قوانینه و اصوله و هو کقوله: لا انقلاع لشجرته.

(یط) و لا جذّ لفروعه: أى لا ینقطع التفریع علیه بل کلّ ذهن سلیم فکّر فی اصوله و هی الکتاب و السنّه استخرج منها ما لم یستخرجه غیره.

(ک) و لا ضنک لطرقه، و کنّى بعدم الضیق عن عدم صعوبه قوانینه على أهل التکلیف، أو لازم الضیق و هو مشقّه السالکین به إلى اللّه کما قال صلّى اللّه علیه و آله و سلم: بعثت بالحنیفیّه السهله السمحه.

(کا) و لا وعوثه لسهولته، کنایه عن کونه فی غایه العدل بین الصعوبه و بین السهوله المفرطه کما علیه أکثر الأدیان السابقه من التشبیه و التجسیم فإنّ سلوکها مع ذلک و تصوّرها فی غایه السهوله لکنّها طرق یبعد حصول المطالب الحقیقیّه و الوصول إلى التوحید الخالص منها فکانت فی سهولها هذه الوعوثه.

(کب) و لا سواد لوضحه، استعار لفظ الوضح لصفائه عن کدر الباطل الّذى هو سواد ألواح نفوس الکافرین و المنافقین.

(کج) و لا عوج لانتصابه، و استعار لفظ الانتصاب لاستقامته فی إدّائه إلى اللّه تعالى. إذ هو الصراط المستقیم فی الدنیا.

(کد) و کذلک و لا عصل فی عوده.

(که) و لا وعث لفجّه.

(کو) و لا انطفاء لمصابیحه، عبّر بالمصابیح عن العلماء استعاره، و بعدم انطفائها عن عدم خلوّ الأرض منهم.

(کز) و لا مراره لحلاوته، و ذلک أنّ حلاوه الإسلام الحقیقیّ فی قلوب المتّقین لا یشوبها مراره من مشقّه تکلیف و نحوها لما یتصوّرونه من شرف غایتهم.

(کح) فهو دعائم: أى فالإسلام دعائم، و ذلک إشاره إلى تعریفه بأجزائه و هی کالشهادتین و العبادات الخمس کما ورد فی الخبر: بنى الإسلام على خمس. و قوله: أساخ فی الحقّ اسناخها إشاره إلى کونه تعالى بناها على أسرار من الحقّ عمیقه لا یهتدى إلیها إلّا آحاد الخلق و هو أسرار العبادات. (کط) قوله: و ینابیع غزرت عیونها، إشاره إلى تعریفه من قبل مادّته و هی الکتاب و السنّه، و استعار لهما لفظ الینابیع نظرا إلى فیضان العلوم الإسلامیّه النقلیّه و العقلیّه عنهما کفیضان الماء عن الینابیع، و لفظ العیون لما صدرا عنه، و هو علم اللّه تعالى و نفوس ملائکته و نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم، و ظاهر غزاره تلک العلوم و کثرتها.

(ل) و مصابیح شبّت نیرانها إشاره إلى مادّته أیضا باعتبار أنّ فی الکتاب و السنّه أدلّه أحکامها و براهینها، و استعار لها لفظ المصابیح باعتبار کونها تضی‏ء الطریق لخابطها إلى اللّه. و رشّح بذکر إضرام نیرانها، و عبّر به عن غایه إضاءتها.

(لا) و منار اقتدى بها سفّارها و أعلام قصد بها فجاجها. إشاره إلى تلک المادّه باعتبار أنّ فیها أمارات على أحکام اللّه الظنیّه یقتدى بها المسافرون السالکون إلى قصدها و القاصدون لطرقها الّتی هی منصوبه علیها.

(لب) و مناهل روى بها ورّادها، استعار لفظ المناهل لتلک الموادّ أیضا باعتبار کونها من العلم لواردیها و مقتبسیه منها کما تروى ورّاد الحیاض بمائها.

لج) جعل اللّه فیه منتهى رضوانه، و ذلک فی نحو قوله تعالى «حُرِّمَتْ عَلَیْکُمُ الْمَیْتَهُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِیرِ وَ» و قوله «إِنَّ الدِّینَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ» و لأنّ فیه أتمّ وسیله إلى غایه الکمالات الإنسانیّه الّتی هی منتهى ما یرضاه اللّه و یحبّه من عباده.

(لد) و ذروه دعائمه، و الضمیر فی دعائمه للّه: أى لدعائم الّتی جعلها اللّه عمده له فی إصلاح خلقه و هى الشرائع و قوانینها، و ظاهر أنّ الأنوار الّتی جاء بها الإسلام و الهدایه الّتی به أشرف و أعلى منها فی سائر الشرائع فهو کالذروه لها.

(له) و سنام طاعته، و لفظ السنام مستعار لمجموع ما اشتمل علیه من البیانات و الهدایات. و وجه المشابهه شرفها أیضا و علوّها بالنسبه إلى الطاعات السابقه علیه کشرف السنام بالنسبه إلى باقى الأعضاء.

(لو) فهو عند اللّه وثیق الأرکان، و أرکانه أجزائه، و وثاقتها تعود إلى بنائها على الأسرار الحقیقیّه و العلم التامّ لواضعها بکیفیّه وضعها و کمال فایدتها بحیث لا یمکن انتقاضها و لا زوالها.

(لز) رفیع البیّنات: أى ما ارتقى إلیه أهله من المجد و الفضیله، و ظاهر علوّ قدره و قدر أهله و تعظیمهم فی النفوس على سائر الأدیان و أهلها.

(لج) منیر البرهان، و أراد برهانه الّذى دعى الخلق إلیه و هو القرآن و سائر المعجزات، و لا شکّ فی إنارتها و إضاءتها فی أقطار العالم و اهتداء أکثر الخلق بها.

(لط) مضی‏ء النیران، و استعار لفظ النیران لأنواره من العلوم و الأخلاق المضیئه على علمائه و أئمّته.

(م) عزیز السلطان، و أراد قوّته و عزّه أهله و دولته و منعه من التجأ إلیه به.

(ما) مشرف المنار، و کنّى به عن علوّ قدر علمائه و أئمّته و انتشار فضلهم و الهدایه بهم.

(مب) معوز المثار: أى یعجز الخلق إثاره دفائنه و ما فیه من کنوز الحکمه و لا یمکنهم استقصاء ذلک منه، و روى المنال: أى یعجز الناس إمّا بالإتیان بمثله أو باستقصاء حکمه و ثمراته، و روى المثال و هو ظاهر. ثمّ لمّا بیّن فضیلته أمر بتعظیمه و اتّباعه و أداء حقّه و هو العمل به مع اعتقاد شرفه و کونه مؤدّیا إلى الجنّه.

ثمّ بوضعه مواضعه و هى القلوب لا الألسن و الشعار الظاهر فقطّ. ثمّ لمّا فرغ من ذلک شرع فی فضائل من بعث به لیذکّرهم نعمه من اللّه بعد نعمه، و قرن ذکره بذکر أحوال الدنیا حین البعثه لیظهر شرفها: ف (ا) کونها قد دنا انقطاعها و إقبال الآخره و اطّلاعها، و قد بیّنّا ذلک فی قوله: ألا و إنّ الدنیا قد أدبرت و آذنت بوداع، و على الجمله فیحتمل أن یرید قرب انقطاع الدنیا و زوالها بالکلّیّه و حضور الآخره و القیامه الکبرى کما علیه ظاهر الشریعه و یحتمل أن یرید قرب انقطاع دنیا کلّ امّه منهم و حضور آخرتهم بموتهم و انقراضهم و لفظ الاطّلاع استعاره کما سبق. (ب) کونها قد أظلمت بهجتها بعد إشراق، و أراد إشراق بهجتها بأنوار الأنبیاء السابقین و ضیاء الشرائع، و إظلامها حین بعثه الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم باندراس تلک الآثار و فسادها.

(ج) قیامها بأهلها على ساق، کنایه عن ظهوره شدائدها و إثاره الفتن بین أهلها و ما کانت العرب علیه من الخبط و الاختلاف فی الحروب و الغارات المؤدّیه إلى الفناء. (د) خشونه المهاد منها، و کنّى به عن عدم الاستقرار بها و طیب العیش فإنّ ذلک إنّما یتمّ و یعتدل بنظام الشرائع و النوامیس الإلهیّه. (ه) و أزف منها قیاد: أى قرب منها انقیاد للانقطاع و الزوال و الانخراط فی سلک التقضّى و اقتراب علامات ذلک منها، و علامات زوالها هى علامات الساعه و و أشراطها، و کذلک تصرّم أهلها و انفصام حلقتها، و کنّى بالحلقه عن نظامها و اجتماع أهلها بالنوامیس و الشرائع و بانفصامها عن فساد ذلک النظام بانتشار سببها عن فساد أسباب ذلک النظام فإنّ أسباب التصرّف النافع فیها إنّما یتمّ بالنوامیس الشرعیّه و قوانینها، و استعار لفظ أعلامها للعلماء و الصلحاء بها و کان علیهم العفاء حینئذ، و کذلک بعوراتها عن وجوه الفساد فیها، و بتکشّفها عن ظهورها بعد اختفاء، و کذلک القصر من طولها فإنّ الدنیا إنّما یکون طولها و دوامها عند صلاحها بالشرائع فإذن قصرها یکون عند فسادها و عدم النظام الشرعىّ.

ثمّ رجع إلى تعدید فوائد بعثه الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم: ف (ا) إنّ اللّه تعالى جعله بلاغا لرسالته و هو کقوله تعالى «یا أَیُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَیْکَ»«» الآیه. (ب) و کرامه لامّته لکونه داعیا لهم إلى الکرامه الباقیه التامّه و سبب للکرامه. (ج) و ربیعا لأهل زمانه، و استعار لفظ الربیع له، و وجه المشابهه کونه بهجه للمسلمین و علمائهم و سببا لبطنتهم من العلم و الحکمه کما أنّ الربیع سبب لبهجه الحیوان بمراعیها و بطنتهم و سمنهم. (د) و رفعه لأعوانه: أى لأعوان اللّه و أنصاره و هم المسلمون و ظاهر کونه صلّى اللّه علیه و آله و سلم سبب رفعتهم و شرفهم.

ثمّ عقّب بذکر بعض الأنوار الّتی بعث بها صلّى اللّه علیه و آله و سلم و هو الکتاب العزیز و عدّ فضائل: ف (ا) کونه نورا لا تطفى مصابیحه، و أراد نور العلم و الأخلاق المشتمل علیها، و استعار لفظ المصابیح إمّا لما انتشر من علومه و حکمه فاقتدى بها الناس، و إمّا لعلمائه و حاملى فوایده. (ب) کونه سراجا لا یخبو توقّده، و أراد أنّه لا تنقطع هدایه الناس بنوره فهو کالأوّل. (ج) و بحر لا یدرک قعره، لفظ البحر مستعار له باعتبارین: أحدهما عمق أسراره بحیث لا یحیط بها الأفهام و لا تصل إلى أغوارها العقول کما لا یدرک الغائض قعر البحر العمیق. و الثانی: کونه معدنا لجواهر العلوم النفیسه و الفضائل کما أنّ البحر معدن للجواهر. (د) و منهاجا لا یضلّ نهجه، و ظاهر کونه طریقا واضحا لمن سلک به إلى اللّه.
و من تفهم مقاصده لا یضلّ قصده. (ه) و شعاعا لا یظلم ضوءه: أى لا یغطّى الحقّ الوارد به ظلام شبهه و لا تلبیس باطل، و لفظ الشعاع و الضوء و الظلمه مستعار. (و) و فرقانا لا یخمد برهانه: أى فیه براهین یفرق بین الحقّ و الباطل لا یخمد، و لفظ الخمود مستعار ملاحظه لشبه البرهان بالنار فی الإضاءه فنسب إلیه وصفها. (ز) و بنیانا لا تهدم أرکانه، و استعار لفظ البنیان لما انتظم من الکتاب و رسخ فی القلوب، و رشّح بذکر الأرکان لاستلزام البنیان لها. (ح) و شفاء لا یخشى سقامه کما قال تعالى «وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَهٌ لِلْمُؤْمِنِینَ»، و ظاهر کون تدبّره و أسراره شفاء للنفوس من أعراض الجهل و رذائل الأخلاق، و ذلک شفاء لا یخاف استعقابه بمرض و ذلک أنّ الفضائل النفسانیّه

إذا صارت ملکات لم تزل و لم یتبدّل بأضدادها و إن کان أیضا شفاء للأبدان کما سبق. (ط) و عزّاً لا تهزم أنصاره. (ى) و حقّا لا تخذل أعوانه و أنصاره، و أعوانه هم المسلمون المعتزّون به [المعترفون به خ‏] و الملتجئون إلیه العاملون على وفقه السالکون به إلى اللّه، و ظاهر أنّ اولئک الأنصار و الأعوان لا یهزمهم أحد و لا یخذلهم اللّه أبدا. (یا) فهو معدن الإیمان الّذی یستنار منه الإیمان الکامل باللّه و رسوله و بما جاء به و بحبوحته، و ظاهر کون اعتقاد حقّیته و تفهّم مقاصده و العمل بها واسطه عقد الإیمان. (یب) و ینابع العلم و بحوره، و اللفظان استعاره له باعتبار کونه محلّ فیض العلوم النفیسه و استف استفادتها. (یج) و ریاض العدل و غدرانه، و اللفظان مستعاران أیضا باعتبار کونه موردا یؤخذ عنه العدل بکلّیّته فهو مورده الّذى لا یجور عن سنن الحقّ إلى أن یبلغ به صاحبه السالک به إلى اللّه.
(ید) و أثافىّ الإسلام و بنیانه، و اللفظان مستعاران له باعتبار کونه أصلا للإسلام یبتنى علیه، و به یقوم کما أنّ الأثافىّ للقدر و البنیان لما یحمل علیه کذلک. (ید) و أودیه الحقّ و غیطانه، و اللفظان مستعاران له باعتبار کونه معدنا للحقّ و مظنّه له کما أنّ الأودیه و الغیطان مظانّ الکلاء و الماء. (یو) و بحر لا یستنزفه المستنزفون. (یز) و عیون لا ینضبها الماتحون، إنّما کرّر استعاره البحر و العیون له باعتبار آخر و هو کونه لا ینتهى فوایده و المقاصد المستنبطه منه. (یح) و کذلک و مناهل لا یغیضها الواردون و خصّص النضوب بالعیون لإمکان ذلک فیها دون البحر و الورد بالمناهل لکون النهل و هوى الرىّ لغایه وارد الماء. (یط) منازل لا یضلّ نهجها المسافرون: أى مقامات من العلوم إذا نزلتها العقول المسافره إلى اللّه لا تضلّ لاستنارتها و شدّه إضاءتها.

(ک) و کذلک و أعلام لا تعمى عنها السائرون. (کا) و کذلک و آکام لا یجوز عنها القاصدون، استعار لفظ الأعلام و الآکام للأدلّه و الأمارات فیه على طریق إلى معرفته و أحکامه باعتبار کونها هادیه إلیها کما تهدى الأعلام و الجبال على الطرق. (کب) جعله اللّه ریّا لعطش العلماء، استعار لفظ الرىّ له باعتبار کونه دافعا لألم الجهل عن النفوس کما یدفع الماء ألم العطش، و لفظ العطش للجهل البسیط أو لاستعداد الطالبین للعلوم و اشتیاقهم إلى الاستفاده، و أطلق لفظ الرىّ على المروى مجازا إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه. (کج) و ربیعا لقلوب الفقهاء، و لفظ الربیع مستعار له باعتبار کونه مرعى لقلوب الفقهاء یستثمرون منه الأحکام، و بهجه لها کالربیع للحیوان.
(کد) و محاجّ لطرق الصلحاء، و ظاهر کونه طریقا واضحا للصالحین إلى اللّه. (که) و دواء لیس بعده داء کقوله: شفاء لا یخشى سقامه. (کو) و نورا لیس معه ظلمه: أى لا تبقى مع هدایته إلى الأحکام ظلمه على البصیره، و هو کقوله: و شعاعا لا یظلم نوره. (کز) و حبلا وثیقا عروته، استعار لفظ الحبل له و العروه لما یتمسّک به منه، و کنّى بوثاقه عروته عن کونه منجیا لمن تمسّک به. (کح) و معقلا منیعا ذروته، استعار لفظ المعقل باعتبار کونه ملجأ من الجهل و لوازمه و هو العذاب، و رشّح بذکر الذروه و کنّى بمنعتها عن کونه عزیزا یمنع من لجأ إلیه. (کط) و عزّا لمن تولّاه: أى اتّخذه ولیّا یلقى إلیه مقالید اموره و لا یخالفه، و ظاهر کونه سبب عزّه فی الدارین. (ل) و سلماً لمن دخله: أى أمنا. و دخوله: الخوض فی تدبّر مقاصده و اقتباسها، و بذلک الاعتبار یکون مأمنا من عذاب اللّه و من الوقوع فی الشبهات الّتی هی مهاوى الهلاک.

(لا) و هدى لمن ائتمّ و هو ظاهر. (لب) و عذرا لمن انتحله: أى من نسبه إلى نفسه بدعوى حفظه أو تفسیره و نحو ذلک معتذرا بذلک من تکلیف لا یلیق به أو یشقّ علیه کان ذلک عذرا منجیا له. و هذا کمال تقول لمن یقصد إنسانا بأذى: لا ینبغی لک أن تؤذیه فإنّه من حمله القرآن الکریم أو ممّن یعلم علومه فیکون ذلک سببا لترک أذاه. (لج) و برهانا لمن تکلّم به. (لد) و شاهدا لمن خاصم به (له) و فلجا لمن حاجّ به. الثلاثه متقاربه، و أطلق لفظ الفلج علیه من جهه ما یحتجّ به إطلاقا لاسم الغایه على ذى الغایه إذ غایه الاحتجاج به الفوز. و الشاهد و الحجّه أعمّ من البرهان. (لو) و حاملا لمن حمله: أى یحمل یوم القیامه حملته و حفظته الآن، و عبّر بحمله لهم عن إنجائه لهم من العذاب اطلاقا لاسم السبب على المسبّب. (لز) و مطیّه لمن أعمله، استعار له لفظ المطیّه باعتبار کونه منجیاً لهم کقوله: حاملا و لفظ الأعمال لاتّباع قوانینه و المواظبه علیها المنجیه من العذاب کما ینجى إعمال المطیّه فی الطریق البعید. (لح) و آیه لمن توسّم، و ذلک باعتبار تدبّر أمثاله و قصصه فإنّ فیها آیاتا و عبرا کما قال تعالى «إِنَّ فِی ذلِکَ لَآیاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِینَ»«». (لط) و جنّه لمن استلأم: أى لمن استلأمه و لبسه کالدرع، و استعار له لفظ الجنّه لوقایته من استعدّ بعلمه من عذاب اللّه، و کنّى باستلئامه عن ذلک الاستعداد به. (م) و علما لمن وعى: أى لمن حفظه و فهم مقاصده. (ما) و حدیثا لمن روى، و ذلک باعتبار ما فیه من القصص و أخبار القرون الماضیه فإنّ أصدق حدیث یروى منها ما اشتمل علیه القرآن، و یحتمل أن یرید بکونه حدیثا کونه قولا و کلاما لیس لمن نقله کما قال تعالى «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ‏ الْحَدِیثِ کِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِیَ» إلخ«» و تکون فایده هذا الوصف أنّ فیه غنیه لمن أراد أن یتحدّث بحدیث غیره ممّا لا یفید فایدته فینبغى أن یعدل إلیه و یشتغل بتلاوته و التحدّث به. (مب) و حکما لمن قضى: أى فیه الأحکام الّتى یحتاج إلیها القضاه، و روى حکما: أى حاکما ترجع إلیه القضاه و لا یخرجون عن حکمه. و باللّه التوفیق

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۴۶۳

بازدیدها: ۵

خطبه ۱۸۸ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

وَ لَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ص- أَنِّی لَمْ أَرُدَّ عَلَى اللَّهِ وَ لَا عَلَى رَسُولِهِ سَاعَهً قَطُّ- وَ لَقَدْ وَاسَیْتُهُ بِنَفْسِی فِی الْمَوَاطِنِ- الَّتِی تَنْکُصُ فِیهَا الْأَبْطَالُ- وَ تَتَأَخَّرُ فِیهَا الْأَقْدَامُ نَجْدَهً أَکْرَمَنِی اللَّهُ بِهَا- وَ لَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ إِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِی- وَ لَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِی کَفِّی فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِی- وَ لَقَدْ وُلِّیتُ غُسْلَهُ ص وَ الْمَلَائِکَهُ أَعْوَانِی- فَضَجَّتِ الدَّارُ وَ الْأَفْنِیَهُ- مَلَأٌ یَهْبِطُ وَ مَلَأٌ یَعْرُجُ- وَ مَا فَارَقَتْ سَمْعِی هَیْنَمَهٌ مِنْهُمْ- یُصَلُّونَ عَلَیْهِ حَتَّى وَارَیْنَاهُ فِی ضَرِیحِهِ- فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّی حَیّاً وَ مَیِّتاً- فَانْفُذُوا عَلَى بَصَائِرِکُمْ- وَ لْتَصْدُقْ نِیَّاتُکُمْ فِی جِهَادِ عَدُوِّکُمْ- فَوَالَّذِی لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّی لَعَلَى جَادَّهِ الْحَقِّ- وَ إِنَّهُمْ لَعَلَى مَزَلَّهِ الْبَاطِلِ- أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِی وَ لَکُمْ‏

 

اللغه

أقول: الهیمنه: صوت خفىّ یسمع و لا یفهم.

و حاصل الفصل: التنبیه على فضیلته لغایه قبول قوله فیما یأمرهم به.
فذکر منها: أنّه لم یردّ على اللّه و على رسوله فی وقت قطّ
فیما صدر من الأمر عنهما، و استشهد على ذلک بما علمه منه المستحفظون من الصحابه و هم العلماء و أهل الدین الّذین استحفظوا کتاب اللّه و دینه: أى جعلوا حفظه له و اودعوا إیّاه، و قال بعض الشارحین: و فیه ایماء إلى ما کان یفعله بعض الصحابه من التسرّع بالقول و الاعتراض على الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم فی مواضع کما نقل عن عمر یوم الحدیبیّه عند سطر کتاب الصلح أنّه أنکر ذلک و قال لرسول اللّه: ألسنا على الحقّ قال: بلى. قال: أو لیسوا الکاذبین. قال: بلى. قال: فکیف تعطى الریبه فی دیننا. فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلم: أنا أعمل بما اومر به. فقام عمر فقال لقوم من الصحابه: ألم یکن قد وعدنا اللّه بدخول مکّه و ها نحن قد صددنا عنها ثمّ ننصرف بعد أن اعطینا الریبه فی دیننا و اللّه لو وجدت أعوانا لم اعط الریبه أبدا. فقال له ابو بکر: ویحک الزم غزوه فو اللّه إنّه لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم و أنّ اللّه لا یضیّعه. ثمّ قال له: أقال لک: إنّه سیدخل مکّه هذا العام. فقال: لا. قال: فسیدخلها. فلمّا فتح النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلم مکّه و أخذ مفاتیح الکعبه دعاه. فقال: هذا الّذی وعدتم به.

و منها: مواساته لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم بنفسه و هو ممّا اختصّ به علیه السّلام،
و ذلک فی مواطن: فثبت معه یوم احد و فرّ الناس. روى المحدّثون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم لمّا ارتثّ یوم احد، و نادى الناس قتل محمّد رأته کتیبه من المشرکین و هو صریع بین القتلى إلّا أنّه حیّ فصمدت له. فقال لعلىّ: اکفنى هذه. فحمل علیها فهزمها و قتل رئیسها: ثمّ صمدت له اخرى. فقال یا على: اکفنى هذه فحمل علیها و قتل رئیسها.
ثمّ صمدت له ثالثه فکذلک. فکان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول: قال لى جبرئیل حینئذ: یا محمّد هذه المواساه. فقلت: و ما یمنعه و هو منّى و أنا منه. فقال جبرئیل: و أنا منکما، و روى المحدّثون أیضا أنّ المسلمین سمعوا ذلک الیوم هاتفا من قبل السماء ینادى: لا سیف إلّا ذو الفقار و لا فتى إلّا علىّ. فقال الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم: ألا تسمعون هذا صوت جبرئیل. و کذلک ثبت معه یوم حنین فی نفر یسیر من بنى هاشم بعد أنّ ولّى المسلمون الأدبار، و حامى عنه، و قتل قوما من هو اذن بین یدیه حتّى ثابت إلیه الأنصار و انهزمت هو اذن و غنمت أموالها، و أمّا یوم خبیر فقصّته مشهوره، و ذلک قوله: و لقد واسیته. إلى قوله: الأقدام. و قوله: نجده أکرمنى اللّه بها. فالنجده فضیله تحت الشجاعه، و قد یعبّر بها عن الشجاعه.

و منها حاله عند ما قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم
من تولّى أمره و مباشره ما یختصّ به من الأحوال حاله وفاته من وضع رأسه على صدره، و قیل: أراد بذلک أنّ رأسه حینئذ کان على رکبتیه، و على ذلک یکون فی صدره عند إکبابه علیه. و الأشبه أنّه أراد تسنیده حین اشتداد علّه موته. ثمّ سیلان نفسه فی کفه و إمرارها على وجهه، و أراد بنفسه دمه یقال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم قاء وقت موته دما یسیرا، و أنّ علیّا علیه السّلام مسح بذلک الدم وجهه، و لا ینافی ذلک نجاسه الدم لجواز أن یخصّص دم الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم کما روى أنّ أبا طیبه الحجّام شرب دمه صلّى اللّه علیه و آله و سلم حین حجمه. فقال: إذن لا یتّجع بطنک، و کذلک تولّیه لغسله بإعانه الملائکه، و کان هو الّذى یغسّله و الفضل بن عباس یصّب الماء علیه، روى أنّه عصب عینى الفضل حین صبّه الماء، و نقل عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلم أنّه قال: لا یبصر عورتى غیرک أحد إلّا عمى، و روى أنّه علیه السّلام قال: ما قلّبت عضوا إلّا و انقلب لا أجد له ثقلا کأنّ معى من یساعدنی علیه، و ما ذلک إلّا الملائکه. و حیّا و میّتا منصوبان على الحال من الضمیر المجرور فی به، و أمّا دفنه فتنازع الصحابه فی أنّه یلحد أو یضرح فأرسل العبّاس إلى عبیده بن الجرّاح و کان یحفر لأهل مکّه و یضرح لهم على عادتهم، و أرسل إلى أبى طلحه الأنصارى و کان یلحد لأهل المدینه على عادتهم فقال: اللهم اختر لنبیّک فجاء أبو طلحه فلحد له، و تنازعوا فیمن یدخل القبر معه فقال على علیه السّلام: لا ینزل معه أحد غیرى و غیر العبّاس. ثمّ أذن فی نزول الفضل و اسامه بن زید. ثمّ ضجّت الأنصار و سألوا أن ینزل منهم رجل فأنزلوا أوس بن خولىّ و کان بدریّا، و قد یعبّر بالضریح عن القبر فیکون أعمّ من الشقّ و اللحد.

فأمّا ضجیج الدار و الأفنیه بأصوات الملائکه ملأ یهبط منهم و ملأ یصعد بحیث لا یفارق هینمتهم سمعه فی حال صلاتهم علیه إلى أن واراه فی ضریحه. فقد عرفت کیفیّه سماع البشر لأصوات الملائکه فی مقدّمات الکتاب، و کذلک صلاتهم تعود إلى وساطتهم فی إفاضه الرحمه من اللّه تعالى على العباد، و کذلک علمت معنى الصعود و الهبوط منهم فیما سبق.

 

و اعلم أنّ حمل الکلام على ظاهره عند الإمکان أولى من التعسّف فی التأویل، و ذکر هذه الفضیله بهذه المقامات تجرى مجرى صغرى قیاس ضمیر من الشکل الأوّل استدلّ به على أنّه لا أحقّ منه به. و تقدیر کبراه: و کلّ من کان ذلک معه صلّى اللّه علیه و آله و سلم. فهو أحقّ به. و حینئذ یتبیّن أنّه لا أحقّ به منه، و أراد أنّه لا أحقّ بالمنزله و القرب منه. ففى حیاته بالاخوّه و الوزاره، و بعد موته بالوصیّه و الخلافه إذ لا یرید أنّه أحقّ بذاته فبقى أن یرید کونه أحقّ به فی المنزله و ولایه أمره بعده. ثمّ عقّب ذکر فضیلته بأمرهم أن یمضوا فی جهاد عدوّهم على بصائرهم: أى عقایدهم أنّهم على الحقّ و أنّ عدوّهم على الباطل، و أکّد تلک العقائد بالقسم البارّ أنّه فیما یأمرهم به على طریق الحقّ، و أنّ خصومه على مزلّه الباطل، و ذکر الجادّه للحقّ جذبا إلیه، و المزلّه للباطل تنفیرا عنه، و لأنّ الباطل لا طریق واضحه له بعلم حقّ أو برهان صدق کما علیه الطریق الحقّ، و باقى الکلام خاتمه الخطبه.
و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۴۴۰

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۸۷ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

بَعَثَهُ حِینَ لَا عَلَمٌ قَائِمٌ- وَ لَا مَنَارٌ سَاطِعٌ وَ لَا مَنْهَجٌ وَاضِحٌ أُوصِیکُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- وَ أُحَذِّرُکُمُ الدُّنْیَا فَإِنَّهَا دَارُ شُخُوصٍ- وَ مَحَلَّهُ تَنْغِیصٍ سَاکِنُهَا ظَاعِنٌ وَ قَاطِنُهَا بَائِنٌ- تَمِیدُ بِأَهْلِهَا مَیَدَانَ السَّفِینَهِ- تَقْصِفُهَا الْعَوَاصِفُ فِی لُجَجِ الْبِحَارِ- فَمِنْهُمُ الْغَرِقُ الْوَبِقُ وَ مِنْهُمُ النَّاجِی عَلَى بُطُونِ الْأَمْوَاجِ- تَحْفِزُهُ الرِّیَاحُ بِأَذْیَالِهَا وَ تَحْمِلُهُ عَلَى أَهْوَالِهَا- فَمَا غَرِقَ مِنْهَا فَلَیْسَ بِمُسْتَدْرَکٍ وَ مَا نَجَا مِنْهَا فَإِلَى مَهْلَکٍ- عِبَادَ اللَّهِ الْآنَ فَاعْلَمُوا وَ الْأَلْسُنُ مُطْلَقَهٌ- وَ الْأَبْدَانُ صَحِیحَهٌ وَ الْأَعْضَاءُ لَدْنَهٌ- وَ الْمُنْقَلَبُ فَسِیحٌ وَ الْمَجَالُ عَرِیضٌ- قَبْلَ إِرْهَاقِ الْفَوْتِ وَ حُلُولِ الْمَوْتِ- فَحَقِّقُوا عَلَیْکُمْ نُزُولَهُ وَ لَا تَنْتَظِرُوا قُدُومَهُ

اللغه

أقول: الساطع: المرتفع.

و الوبق: الهالک.

و اللدن: الناعم: و الإرهاق: الإلحاق.

 

المعنى

و قد ذکر البعثه حین ظهور الأحوال الّتی کان العالم علیها تنبیها على فضلها و فضیله الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم.
فقوله: حیث لا علم قائم. استعار لفظ العلم و المنار للهداه إلى اللّه الداعین إلیه، و عدم قیامه و سطوعه لعدمهم زمان الفتره. و قوله: و لا منهج واضح. أى لا طریق إلى اللَّه خالص عن شوب الأباطیل یتّبع. ثمّ عقّب بالوصیّه بتقوى اللّه. ثمّ بالتحذیر من الدنیا، و قرنها بذکر عیوبها للتنفیر عنها. و کونها دار شخوص إشاره إلى ضروره الارتحال عنها بالموت، و محلّه تنغیص: أى تنغیص لذّاتها بالآلام و الأمراض حتّى قیل: إنّ اللذّه فیها إنّما هی الخلاص عن الألم. و قوله: ساکنها ظاعن و قاطنها بائن. کالتفسیر لقوله: دار شخوص. و قوله: تمید بأهلها إلى قوله: إلى مهلک. ضربه لها و لأحوال أهلها فیها. فمثّلها بالسفینه عند عصف الریح، و مثّل تصرّفاتها و تغیّراتها بمیدان السفینه، و رمیهم فیها بالأمراض و الحوادث الّتی هى مظنّه الهلاک بالأحوال الّتى یلحق أهل السفینه عند هبوب الریح العاصف حال کونها فی لجج البحار، و مثّل انقسامهم عند بعض تلک الحوادث و نزولها بهم إلى میّت لا یرجى له عوده و إلى مستدرک متفارط بانقسام رکّاب السفینه عند عصف الریح علیها إلى غریق هالک و إلى ناج، و مثّل الناجى من بعض الأمراض الّذی تأخّر موته إلى مرض آخر فلاقى من أهوال الدنیا فی تلک المدّه ما لاقى ثمّ لحقه الموت بالأخره بالناجى من الغرق الّذى تحمله الأمواج و تدفعه الریاح و یقاسى أهوال البحر و شدائده ثمّ بعد خلاصه منه لا بدّ له من وقت هو أجله و مرض هو المهلک: أى محلّ هلاکه. ثمّ أمر بالعمل و ذکر الأحوال الّتى یمکن فیها و معها العمل تنبیها على انتهاز الفرصه، و تلک الأحوال صحّه الألسن و إمکان ذکر اللّه و الأمر بالمعروف و النهى عن المنکر و سائر التکالیف المتعلّقه بها، و کذلک صحّه الأبدان‏ و لدنه الأعضاء و مطاوعتها للعمل قبل یبسها بالسقم و الأمراض، و فسح المنقلب و هو محلّ التصرّف و التقلّب، و کنّى به عن وقت الصحّه و الشبیبه، و یقرب منه عرض المجال، و ذکر إرهاق الأجل و حلول الموت تحذیرا منه و جذبا إلى العمل لما بعده. ثمّ أمرهم أن یتحقّقوا نزوله قبل نزوله: أى یتذکّروه و یخطر ببالهم أنّه حقّ و یقدّروا أنّه واقع لیکون آکد فی العمل. و لذلک قال صلّى اللّه علیه و آله و سلم: أکثروا من ذکر هادم اللذّات. و نهاهم عن انتظار قدومه لاستلزام انتظارهم له توهّمهم لبعده عنهم، و ذلک یوقعهم فی التکاسل عن العمل. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۴۳۷

 

 

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۸۶ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی أَظْهَرَ مِنْ آثَارِ سُلْطَانِهِ وَ جَلَالِ کِبْرِیَائِهِ- مَا حَیَّرَ مُقَلَ الْعُیُونِ مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَتِهِ- وَ رَدَعَ خَطَرَاتِ هَمَاهِمِ النُّفُوسِ عَنْ عِرْفَانِ کُنْهِ صِفَتِهِ وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- شَهَادَهَ إِیمَانٍ وَ إِیقَانٍ وَ إِخْلَاصٍ وَ إِذْعَانٍ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ وَ أَعْلَامُ الْهُدَى دَارِسَهٌ- وَ مَنَاهِجُ الدِّینِ طَامِسَهٌ فَصَدَعَ بِالْحَقِّ- وَ نَصَحَ لِلْخَلْقِ وَ هَدَى إِلَى الرُّشْدِ وَ أَمَرَ بِالْقَصْدِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ‏

وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ- أَنَّهُ لَمْ یَخْلُقْکُمْ عَبَثاً وَ لَمْ یُرْسِلْکُمْ هَمَلًا- عَلِمَ مَبْلَغَ نِعَمِهِ عَلَیْکُمْ وَ أَحْصَى إِحْسَانَهُ إِلَیْکُمْ- فَاسْتَفْتِحُوهُ وَ اسْتَنْجِحُوهُ وَ اطْلُبُوا إِلَیْهِ وَ اسْتَمْنِحُوهُ- فَمَا قَطَعَکُمْ عَنْهُ حِجَابٌ وَ لَا أُغْلِقَ عَنْکُمْ دُونَهُ بَابٌ- وَ إِنَّهُ لَبِکُلِّ مَکَانٍ وَ فِی کُلِّ حِینٍ وَ أَوَانٍ- وَ مَعَ کُلِّ إِنْسٍ وَ جَانٍّ- لَا یَثْلِمُهُ الْعَطَاءُ وَ لَا یَنْقُصُهُ الْحِبَاءُ- وَ لَا یَسْتَنْفِدُهُ سَائِلٌ وَ لَا یَسْتَقْصِیهِ نَائِلٌ- وَ لَا یَلْوِیهِ شَخْصٌ عَنْ شَخْصٍ وَ لَا یُلْهِیهِ صَوْتٌ عَنْ صَوْتٍ- وَ لَا تَحْجُزُهُ هِبَهٌ عَنْ سَلْبٍ وَ لَا یَشْغَلُهُ غَضَبٌ عَنْ رَحْمَهٍ- وَ لَا تُولِهُهُ رَحْمَهٌ عَنْ عِقَابٍ وَ لَا یُجِنُّهُ الْبُطُونُ عَنِ الظُّهُورِ- وَ لَا یَقْطَعُهُ الظُّهُورُ عَنِ الْبُطُونِ- قَرُبَ فَنَأَى وَ عَلَا فَدَنَا وَ ظَهَرَ فَبَطَنَ- وَ بَطَنَ فَعَلَنَ وَ دَانَ وَ لَمْ یُدَنْ- لَمْ یَذْرَأِ الْخَلْقَ بِاحْتِیَالٍ وَ لَا اسْتَعَانَ بِهِمْ لِکَلَالٍ أُوصِیکُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- فَإِنَّهَا الزِّمَامُ وَ الْقِوَامُ فَتَمَسَّکُوا بِوَثَائِقِهَا وَ اعْتَصِمُوا بِحَقَائِقِهَا تَؤُلْ بِکُمْ إِلَى أَکْنَانِ الدَّعَهِ- وَ أَوْطَانِ السَّعَهِ وَ مَعَاقِلِ الْحِرْزِ وَ مَنَازِلِ الْعِزِّ- فِی یَوْمٍ تَشْخَصُ فِیهِ الْأَبْصَارُ وَ تُظْلِمُ لَهُ الْأَقْطَارُ- وَ تُعَطَّلُ فِیهِ صُرُومُ الْعِشَارِ وَ یُنْفَخُ فِی الصُّورِ- فَتَزْهَقُ کُلُّ مُهْجَهٍ وَ تَبْکَمُ کُلُّ لَهْجَهٍ- وَ تَذِلُّ الشُّمُّ الشَّوَامِخُ وَ الصُّمُّ الرَّوَاسِخُ- فَیَصِیرُ صَلْدُهَا سَرَاباً رَقْرَقاً وَ مَعْهَدُهَا قَاعاً سَمْلَقاً- فَلَا شَفِیعٌ یَشْفَعُ وَ لَا حَمِیمٌ یَنْفَعُ وَ لَا مَعْذِرَهٌ تَدْفَعُ‏

 

اللغه

أقول: مقله العین: شحمتها.

و الهمهمه: حدیث النفس مع صوت خفىّ لا یفهم.

و الطامسه: کالدراسه.

و الحباء: النوال.

و ذرء: خلق.

و المعقل: الملجأ.

و الصروم: جمع صرم و صرمه و هی القطعه من الإبل نحو الثلاثین.

و العشار: النوق أتى علیها بعد طروق الفحل عشره أشهر.

و الشمّ الشوامخ: الجبال العالیه.

و معهدها: ما کان مسکونا منها.

و قاعا: خالیا.

و السملق: الصفصف المستوى لیس بعضه أرفع من بعض.

المعنى

و قد حمد اللّه تعالى باعتبار إظهاره من آثار ملکه و سلطانه ما أظهره من ملکوت السماوات و الأرض، و ترتیب العالمین على وجه النظام الأتمّ ممّا هو محلّ العجب العجیب الّذی تحار أبصار البصائر فی کیفیّه وقوعه من القدره الإلهیّه، و فی ترتیبه على النظام الأکمل. بل کلّ مخلوق منها فهو محلّ ذلک العجب و الحیره، و لفظ المقل مستعار و نسبه ذلک إلى جلال کبریائه مناسب لما أنّ السلطان و العظمه و الکبریاء یناسب صدور الآثار العظیمه العجیبه المحکمه عنها. و ردع خطرات هماهم النفوس: أى ما یخطر للنفوس فیهمهم به، و ردعه لها استلزام کماله المطلق عجزها عن إدراک حقیقته. و قد سبق ذلک غیر مرّه. ثمّ شهد بکلمه التوحید معتبرا فیها أربعه أمور: أحدها: کونها شهاده إیمان: أى یطابق القول فیها للعقد القلبىّ. الثانی: و إیقان: أى یکون اعتقادها یقینا و هو اعتقاد أن لا إله إلّا هو مع اعتقاد أنّه لا یمکن أن یکون ذلک المعتقد إلّا کذلک. الثالث: و إخلاص: و هی أن یحذف عن ذلک المعتقد کلّ أمر عن درجه الاعتبار و لا یلاحظ معه غیره. الرابع: و إذعان: و الإذعان ثمره ذلک الإخلاص و کماله، و یتفاوت بتفاوته و یعود إلى سائر الطاعات و العبادات الّتى هی من حقوق تلک الکلمه و توابعها. ثمّ أردفها باختها. و ذکر الأحوال الّتی کان العالم علیها حین الرساله ممّا هی شرور تنبیها على فضیله الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم، و استعار أعلام الهدى لأئمّه الدین الهادین إلى‏ سبیل اللَّه. و لفظ المناهج لقوانین الشریعه الّتی یسلک فیها جزئیّات الأحکام. و لفظ دروسها و طموسها لاضمحلالها قبل النبوّه.

و الواو فی و أعلام للحال. فصدع بما جاء به من الحقّ ما طلب من الباطل، و نصح الخلق لیردّهم عن غوایتهم إلى صراط اللّه، و هداهم إلى الرشد فی سلوکه، و أمرهم بالعدل و الاستقامه علیه. ثمّ نبّه السامعین إجمالا على أنّ خلق اللّه تعالى لهم لیس خالیا عن غایه و أنّهم لم یرسلوا فی الدنیا مهملین عن أمر یراد بهم کإهمال البهیمه. ثمّ على علمه بمبلغ نعمه علیهم کمیّه و کیفیّه و إحصائه لها عدّا لیبعثهم على شکرها، و لذلک قال فاستفتحوه: أى اطلبوا منه أن یفتح علیکم أبواب برکاته و نصره، و استنجحوه: أى اطلبوا منه نجاح حاجاتکم، و اطلبوا إلیه: أى اطلبوا الهدایه إلى حضرته و وجوه مرضاته، و استمنحوه أن یعطیکم کمالکم. کلّ ذلک بالشکر و سائر العبادات الّتی بها الاستعداد لإفاضه رحمته. و قوله فما قطعکم عنه حجاب إلى قوله: إنس و جانّ. إظهار لوجود کماله و عظمته، و تنزیه له عن صفات المخلوقین المحدثین، و تقریب له من عباده لیطلبوا منه و یتقرّبوا إلیه و یستنجحوه و یستمنحوه و تنفتح آمالهم منه، و إذ لم یکن تعالى متحیّزا فلا حجاب دونه و لا باب، و کان بکلّ مکان فی حاله واحده: أى بعلمه المحیط لاستحاله ذلک التحیّز، و فی کلّ حین و أوان بمعنى مساوقه وجوده لوجود الزمان لا بمعنى الظرفیّه له لتنزّهه تعالى عن لحوق الزمان المتأخّر عنه بمراتب من المعلولات، و مع کلّ إنس و جانّ بعلمه «وَ هُوَ مَعَکُمْ أَیْنَ ما کُنْتُمْ». و قوله: لا یثلمه العطاء. إلى قوله: نائل. فاستقصاء النائل له بلوغ الجود منه أقصى مقدوره، و برهان تلک الأحکام أنّ الثلم و النقصان و الاستنفاد و الاستقصاء على المقدور یستلزم النهایه و الحاجه المستلزمین للإمکان، و لا شی‏ء من واجب الوجود بممکن، و کلّ من لحقته هذه الأحوال ممکن فواجب الوجود لا تلحقه هذه الأحوال، و کذلک قوله: لا یلویه‏ شخص عن شخص: أى لا یصرفه. إلى قوله: عقاب. و برهان هذه الأحکام أنّ الصرف و اللهو یستلزمان الغفله عن أمر و الفطنه لغیره بعد الغفله عنه، و کذلک حجز الهبه و منعها عن سلب نعمه اخرى و شغل الغضب له عن الرحمه مستلزمان قصور القدره و ضعفها و تعلّقها بمحلّ جسمانى، و ذلک مستلزم للنقصان المستلزم للحاجه و الإمکان المنزّه قدس اللّه تعالى عنه، و کذلک تولیهه الرحمه عن العقاب یستلزم رقّه الطبع و رحمه النفوس البشریه المستلزمه لعوارض الجسمیّه. و جلال اللّه منزّه عنها. و قوله: و لا تجنّه البطون عن الظهور. یحتمل وجهین: أحدهما: لا یخفیه بطون حقیقته عن العقول و خفاؤه عن العیون عن ظهوره للبصائر فی صور آثاره و ملکوت قدرته. الثانی: أنّه لیس فی شی‏ء حتّى یخفى فیه عن الظهور على الأشیاء و الاطّلاع علیها. و لا یقطعه الظهور عن البطون: أى لا یقطعه کونه ظاهرا أو عالما بالامور الظاهره عن أن یکون باطنا لا یطّلع العقل علیه أو عن علمه ببواطن الامور و حقایقها. و قوله: قرب. أى بعلمه و قدرته من الأشیاء قرب العلّه من المعلول. فنأى: أى بعد بحقیقته عن إدراک العقول و الحواسّ. و قوله: و علا فدنا. فعلّوه شرفه بالقیاس إلى آثاره شرف العلّه على المعلول و دنوّه منها قربه. و قوله: و ظهر فبطن و بطن فعلن. تأکید لما قبله، و قد سبق بیانه غیر مرّه. و قوله: لم یذرء الخلق باحتیال إلى قوله: الکلال. تنزیه لایجاده لآثاره عن استخراج الحیل و إجاله وجوه الآراء فی استخراجها.

ثمّ عن الاستعانه بغیره فی شی‏ء من آثاره. ثمّ عن مبدء الاستعانه و هو الکلال و الإعیاء لاستلزام ذلک تناهى القوّه المستلزمه للجسمیّه، و إذ قدّم تنزیه الحقّ سبحانه عمّا لا ینبغی له، و وصفه بما ینبغی له شرع فی الوصیّه بتقواه. ثمّ فی التنبیه على فضائلها، و استعار لفظ الزمام لها باعتبار کونها قائده للعبد إلى طریق الحقّ‏ مانعه له عن الجور إلى طرف الباطل کالزمام للناقه، و أراد بکونها قواما کونها مقیمه للعبد فی سلوک سبیل اللّه أیضا إقامه للمصدر مقام اسم الفاعل. و قوله: فتمسّکوا بوثائقها. أى بما به یوثق منها و هو سائر أنواع العبادات الّتی هی أجزاؤها، و التمسّک بها یقود إلى لزومها و المواظبه علیها. و اعتصموا بحقائقها: أى بالخالص منها دون المشوب بالریاء و النفاق فإنّ الالتجاء إلى خالصها هو المخلص من عذاب اللّه. و قوله: تؤل بکم. انجزم تؤل لکونه جواب الأمر بالتمسّک و الاعتصام. و أکنان الدعه مواطن الراحه من الآلام الحسّیّه و العقلیّه. و هی غرفات الجنّه و منازلها و هی أوطان السعه أیضا من ضیق الأبدان و ضنک بیوت النیران، و هی معاقل الحرز المانعه من عذاب اللّه. و هی منازل العزّ فی جوار اللّه. و قوله: فی یوم. متعلّق بتؤل، و الیوم یوم القیامه و سائر ما عدّده من صفات ذلک الیوم ممّا نطق به الکتاب الکریم کقوله تعالى «إِنَّما یُؤَخِّرُهُمْ لِیَوْمٍ تَشْخَصُ فِیهِ الْأَبْصارُ» و قوله «وَ إِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ» و قوله «وَ نُفِخَ فِی الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِی السَّماواتِ وَ مَنْ فِی الْأَرْضِ» و قوله «وَ یَسْئَلُونَکَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ یَنْسِفُها رَبِّی نَسْفاً» الآیه و قوله «فَما لَنا مِنْ شافِعِینَ وَ لا صَدِیقٍ حَمِیمٍ» و قوله «فَیَوْمَئِذٍ لا یَنْفَعُ الَّذِینَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ» فهذه بعض أهوال القیامه المحسوسه، و أمّا المعقوله فقال بعض السالکین: إنّ الإنسان إذا حضرته الوفاه شخص بصر عقله إلى ما انکشف له من الأطوار الاخرویّه، و أظلمت علیه أقطار الدنیا، و غاب منها ما کان یشاهده، و تعطّلت عنه عشاره، و ناداه داعى الأجل إلى الآخره فزهقت نفسه، و أجابت الداعى، و بکمت لهجته، و ذلّت شوامخ الجبال و رواسخها فی نظره لعظمه اللّه عند مشاهده کبریائه‏ فتصیر لا نسبه لها فی نظره إلى ما شاهد من عظیم ملکوته فکأنّها اضمحلّت و غابت و صارت فی نظره کالسراب المترقرق الّذى لا أصل له بعد ما کان یراها علیه من العلوّ و العظمه، و کذلک ینقطع نظره عن عالم الأجسام و الجسمانیّات عند التوجّه إلى عالم الملکوت، و کذلک یرى ما کان معهودا منها کالقاع الصفصف المستوى تحت سلطان اللّه و قهره، و حینئذ تنقطع عن الشفیع الشافع و الصدیق الدافع و العذر النافع. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۴۳۱

بازدیدها: ۲

خطبه ۱۸۵ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام یصف فیها المنافقین

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا وَفَّقَ لَهُ مِنَ الطَّاعَهِ- وَ ذَادَ عَنْهُ مِنَ الْمَعْصِیَهِ وَ نَسْأَلُهُ لِمِنَّتِهِ تَمَاماً- وَ بِحَبْلِهِ اعْتِصَاماً- وَ نَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- خَاضَ إِلَى رِضْوَانِ‏ اللَّهِ کُلَّ غَمْرَهٍ وَ تَجَرَّعَ فِیهِ کُلَّ غُصَّهٍ- وَ قَدْ تَلَوَّنَ لَهُ الْأَدْنَوْنَ وَ تَأَلَّبَ عَلَیْهِ الْأَقْصَوْنَ- وَ خَلَعَتْ إِلَیْهِ الْعَرَبُ أَعِنَّتَهَا- وَ ضَرَبَتْ إِلَى مُحَارَبَتِهِ بُطُونَ رَوَاحِلِهَا- حَتَّى أَنْزَلَتْ بِسَاحَتِهِ عَدَاوَتَهَا مِنْ أَبْعَدِ الدَّارِ وَ أَسْحَقِ الْمَزَارِ- أُوصِیکُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ أُحَذِّرُکُمْ أَهْلَ النِّفَاقِ- فَإِنَّهُمُ الضَّالُّونَ الْمُضِلُّونَ وَ الزَّالُّونَ الْمُزِلُّونَ- یَتَلَوَّنُونَ أَلْوَاناً وَ یَفْتَنُّونَ افْتِنَاناً- وَ یَعْمِدُونَکُمْ بِکُلِّ عِمَادٍ وَ یَرْصُدُونَکُمْ بِکُلِّ مِرْصَادٍ- قُلُوبُهُمْ دَوِیَّهٌ وَ صِفَاحُهُمْ نَقِیَّهٌ- یَمْشُونَ الْخَفَاءَ وَ یَدِبُّونَ الضَّرَاءَ- وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ وَ قَوْلُهُمْ شِفَاءٌ وَ فِعْلُهُمُ الدَّاءُ الْعَیَاءُ- حَسَدَهُ الرَّخَاءِ وَ مُؤَکِّدُو الْبَلَاءِ وَ مُقْنِطُو الرَّجَاءِ- لَهُمْ بِکُلِّ طَرِیقٍ صَرِیعٌ- وَ إِلَى کُلِّ قَلْبٍ شَفِیعٌ وَ لِکُلِّ شَجْوٍ دُمُوعٌ- یَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءَ وَ یَتَرَاقَبُونَ الْجَزَاءَ- إِنْ سَأَلُوا أَلْحَفُوا وَ إِنْ عَذَلُوا کَشَفُوا وَ إِنْ حَکَمُوا أَسْرَفُوا- قَدْ أَعَدُّوا لِکُلِّ حَقٍّ بَاطِلًا وَ لِکُلِّ قَائِمٍ مَائِلًا- وَ لِکُلِّ حَیٍّ قَاتِلًا وَ لِکُلِّ بَابٍ مِفْتَاحاً- وَ لِکُلِّ لَیْلٍ مِصْبَاحاً- یَتَوَصَّلُونَ إِلَى الطَّمَعِ بِالْیَأْسِ لِیُقِیمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ- وَ یُنْفِقُوا بِهِ أَعْلَاقَهُمْ یَقُولُونَ فَیُشَبِّهُونَ- وَ یَصِفُونَ فَیُمَوِّهُونَ قَدْ هَوَّنُوا الطَّرِیقَ- وَ أَضْلَعُوا الْمَضِیقَ فَهُمْ لُمَهُ الشَّیْطَانِ وَ حُمَهُ النِّیرَانِ- أُولئِکَ حِزْبُ الشَّیْطانِ- أَلا إِنَّ حِزْبَ‏ الشَّیْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ

اللغه

اقول: ذاد: طرد.

و الغمره من کلّ شی‏ء: معظمه.

و أسحق المزار: أبعده.

و السحق بضم السین: البعد، و کذلک بضمّ الحاء.

و یعمدونکم: یهدّونکم و یفدحونکم.

و العماد: الأمر الفادح.

یرصدونکم: یقعدون لکم المراصد و ینتظرونکم: و الضراء: ما واراک من الشجر الملتفّ.

و الإلحاف: الاستقصاء فی السؤال.

و الشجو: الحزن.

و الأعلاق: جمع علق و هى السعله الثمینه.

و التمویه: التزیین و التلبیس.

و أضلعوا المضیق إضلاعا: أى عوّجوه و أمالوه.

و هو ضلع: أى مائل.

و ضلع بفتح اللام: أى معوّج خلقه.

و اللمه بالتخفیف: الجماعه.

و حمّه النیران بالتشدید: معظم حرّها.

و بالتخفیف سمّ العقرب.

المعنى

و قد حمد اللّه تعالى باعتبارین: و هما التوفیق لطاعته الّتی هى سبب الفوز الأکبر و الطرد عن معصیته الّتى هى سبب الخسران الأخسر، و ذلک الذود إمّا بالنواهى أو بحسم أسباب المعاصى و عدم الإعداد لها و الکلّ منه سبحانه. ثمّ سأله أمرین: التمام لما شکره من النعمه نظرا إلى قوله تعالى «لَئِنْ شَکَرْتُمْ لَأَزِیدَنَّکُمْ» و الاعتصام بحبله المتین و هو الدین القویم العاصم لمن تمسّک له عن الهوى فی مهاوى الهلاک و درکات الجحیم، و أردف ذلک بشهاده الرساله و شرح حال المرسل صلّى اللّه علیه و آله و سلم فی أداء رسالته، و استعار لفظ الغمره لمعظم الشرور و المکاره المتکافئه المجتمعه حین بعثته صلّى اللّه علیه و آله و سلم ملاحظه لشبهها بغمره الماء، و رشّح بذکر الخوض، و کنّى به عن مقاساته للمتاعب الکثیره و ملاقاته للنوائب من المشرکین فی بدء دعوته، و کنّى بالغصص عن عوارض الغموم له من ملاقاه تلک المکاره، و کنّى بتلوّن الأدنین له عن تغیّر قلوب أقربائه علیه حینئذ بضروب التغیّرات، و تألّب الأقصین علیه اجتماع الأباعد عنه من العرب و انضمامهم من أقصى البلاد إلى حربه. و قوله: و خلعت إلیه العرب. إلى قوله: رواحلها. مثلان کنّى بهما عن المسارعه إلى حربه لأنّ أقوى عدوّ الخیل إذا خلعت أعنّتها، و أقوى عدوّ الرواحل إذا ضربت بطونها، و فیه إیماء إلى أنّهم أتوه فرسانا و رکبانا متسرّعین إلى حربه. و قوله: حتّى أنزلت بساحته عداوتها. أى حروبها و شرورها الّتی هى ثمره العداوه، و أطلق لفظ العداوه على الحرب مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب. و من طالع کتب السیر یطّلع على ما لاقى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم فی ذات اللّه سبحانه من المشاقّ کاستهزاء قریش به فی أوّل الدعوه، و رمیهم إیّاه بالحجاره حتّى أدموا عقبیه، و صیاح الصبیان به، و فرث الکرش على رأسه، و فتلهم الثوب فی عنقه، و حصره هو و أهله فی شعب بنى هاشم سنین عدّه محرّمه معاملتهم و مبایعتهم و مناکحتهم و کلامهم حتّى کادوا یتلفون جوعا لو لا بعض من کان یحنو علیهم لرحم أو لسبب آخر فکان یسترق لهم القلیل من الدقیق أو التمر فیلقیه إلیهم لیلا، ثمّ ضربهم لأصحابه و تعذیبهم بالجوع و الوثاق فی الشمس و طردهم إیّاهم عن شعاب مکّه حتّى خرج بعضهم إلى الحبشه و خرج هو علیه السّلام مستجیرا منهم تاره بثقیف و تاره ببنى عامر و تاره بربیعه الفرس و بغیرهم، ثمّ أجمعوا على قتله و الفتک به لیلا حتّى هرب منهم لائذا بالأوس و الخزرج تارکا لأولاده و أهله ناجیا بحشاشه نفسه حتّى وصل إلى المدینه فناصبوا الحرب و رموه بالکتایب و ضربوا إلیه آباط الإبل حتّى أکرمه اللّه تعالى و نصره و أیّد دینه و أظهر.
ثمّ عقّب علیه السّلام بالوصیّه بتقوى اللّه و التحذیر من المنافقین و تعدید مذاقهم لیعرفوا فیجتنبوا و یحصل النفار عنهم فإنّهم الضالّون: أى المنحرفون عن سبیل اللّه لعدم الاهتداء إلیها، المضلّون لغیرهم عنها بالشبهات الباطله. و کذلک الزالّون المزلّون. و کنّى بتلوّنهم ألوانا عن تغیّراتهم فی أقوالهم و أفعالهم من حال إلى حال بحسب أغراضهم الفاسده فیلقون کلا بوجه و لسان غیر الآخر. و کذلک تفتّنهم: أى تشعّب أقوالهم و حالاتهم بحسب تشعّب أغراضهم. و أراد بعمدهم لهم قصدهم لهم بکلّ مکروه على وجه الحیله و الخدعه، و ترصّدهم لهم بکلّ مرصاد تتّبع وجوه الحیل فی هلاکهم بکلّ مکروه على وجه الحیله. و أراد بقلوبهم دویّه و صفاحهم نقیّه اشتمال نفوسهم على الداء النفسانىّ من الحسد و الحقد و المکر و الخدیعه و إعمال الحیله مع إظهارالبشاشه و الصداقه و المحبّه و النصیحه لهم، و هذا هو الضابط فی النفاق، و هو أن یظهر الانسان بلسانه أمراً حسنا محمودا و یبطن خلافه، و أراد بصفاحهم وجوههم، و بنقائها سلامتها عن شرّ ظاهر. و قوله: یمشون الخفاء. کنایه عن کون حرکاتهم القولیّه و الفعلیّه فیما یریدونه فی خفاء أفهام الناس، و کذلک قوله: و یدبّون الضراء. و الخفاء و الضراء منصوبان على الظرف.
و هما مثلان لمن یختل غیره و یخدعه. و قوله: وصفهم دواء إلى قوله: العیاء. أى أقوالهم أقوال الزاهدین العابدین من الموعظه و الأمر بالتقوى و طاعه اللّه الّذی هو دواء الغىّ و الضلال و شفاء منهما، و أفعالهم أفعال الفاسقین الضالّین من معصیه اللّه الّتی هى الداء الأکبر. و العیاء: المعیى للأطبّاء. و قوله: حسده الرخاء. أى إن رأوا لامرء رخاء حسدوه، و مؤکّدو البلاء: أى إن رأوا به بلاء أکّدوه بالسعایه و التألیب علیه. و روى: و مولّدوا. و هو ظاهر. و مقنطوا الرجاء: أى إذا رجا راج أمرا ففى طباعهم أن یقنطوه و یؤیسوه. و هکذا شأن المنافق الکذّاب أن یبعّد القریب و یقرّب البعید. و قوله: لهم بکلّ طریق صریع. کنایه عن کثره من یقتلونه أو یؤذونه بخدیعتهم و مکرهم. و کنّى بالطریق إمّا عن کلّ مقصد قصدوه، أو عن کلّ حیله احتالوها و مکر مکروه فانّه لابدّ أن یستلزم أذى. و قوله: إلى کلّ قلب شفیع. أى إنّ من شأن المنافق أن یتّخذ إلى کلّ قلب ذریعه و وجها غیر الآخر فیکون صدیق الکلّ حتّى المتعادین لیتوصّل بذلک إلى إثاره الفتن و ایقاع الشرّ بینهم و هو فی نفس الأمر عدوّ الکلّ، و کذلک لهم لکلّ شجو دموع کنایه عن توجّعهم لکلّ‏ شجو و توصّلهم بذلک إلى أغراضهم و إن کانوا لأهل الشجو أعداء. و قوله: یتقارضون الثناء و یتراقبون الجزاء. أى یثنى أحدهم على الآخر لیثنى الآخر علیه، و یترقّب کلّ منهم الجزاء من صاحبه على ثنائه. و قوله: إن سألوا ألحفوا. أى ألحّوا فی السؤال و هو من المذامّ کما قال تعالى «لا یَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً»«». و قوله: و إن عذلوا کشفوا. أى إذا عذلک أحدهم کشف لک عیوبک فی ذلک العذل و جبّهک بها و ربّما ذکرها بمحضر من لا تحبّ ذکرها معه و لیسوا کالناصحین الّذین یعرضون بالذنب عند العتاب تعریضا لطیفا دون التصریح، و إذا حکموا أسرفوا: أى إذا ولّى أحدهم ولایه أسرف فیها بالظلم و الانهماک فی مأکله و مشربه و عبر فی قینات الدنیا إلى حدّ الإفراط من فضیله العدل. و ذلک لجهله بالعواقب و تصوّره أن لا غایه أشرف ممّا هو فیه، قد أعدّوا لکلّ حقّ باطلا: أى من الشبه یموّهون علیه و یغطّونه بها، و لکلّ حىّ قاتلا: أى سببا یمیتونه به. و الحىّ أعمّ من الإنسان هنا بل کلّ أمر یحیى و یقوم إذا أرادوا فساده، و لکلّ باب مفتاحا من الحیل و الخدیعه و لفظ المفتاح مستعار، و لکلّ لیل مصباحا و لفظ اللیل مستعار لما أشکل من الأمور و أظلم. و کذلک لفظ المصباح للرأى الّذی یدخلون به فی ذلک الأمر و یهتدون إلى وجهه به کرأى عمرو بن العاص على معاویه لیله الهریر برفع المصاحف و دعوتهم أهل العراق أن یحاکموهم إلى کتاب اللّه فلم یکن لذلک المشکل إلّا ذلک الرأى الصعب، و یتوصّلون إلى الطمع بالیأس: أى بإظهار الیأس عمّا فی أیدى الناس و الزهد فیه کما یفعله کثیر من زهّاد الوقت.
و وصفهم بأخذ الشی‏ء بضدّه أبلغ ما یکون فی وصف النفاق و الحیله. و قوله: لیقیموا به أسواقهم.

استعار لفظ الأسواق لأحوالهم فی معامله الخلق من أخذ و إعطاء فإنّ فعلهم ذلک یقیمها بین الناس و یروّجها علیهم. و کذلک ینفقوا به أعلاقهم. و لفظ الأعلاق مستعار لما یزعمون أنّه نفیس من آرائهم و حرکاتهم الخارجه عن أوامر اللّه. و قوله: یقولون. إلى قوله. فیوهّمون. أى یوقعون بأقوالهم الشبه فی القلوب و یوهّمون علیهم الباطل بصوره الحقّ. و قوله: قد هوّنوا الطریق. أى قد عرفوا کیف یسلکون فی مقاصدهم من الآراء و الحیل، و أضلعوا الطریق: عوّجوا مضائقها. و کنّى بمضائقها عن دقائق المداخل فی الامور، و بتعویجها عن أنّهم إذا أرادوا الدخول فی أمر مضیّق أظهروا أنّهم یریدون غیره تعمیه على الغیر و تلبیسا أن یقف على وجه الحیله فیفسد مقصودهم. و قوله: فهم لمه الشیطان. أى جماعته و أتباعه. و حمّه النیران مستعار لمعظم شرورهم. و وجه المشابهه استلزامها للأذى البالغ. و کذلک حمه بالتخفیف.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۴۲۶

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۸۴ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

روى أن صاحبا لأمیر المؤمنین علیه السلام- یقال له: همام- کان رجلا عابدا، فقال له: یا أمیر المؤمنین، صف لى المتقین حتى کأنى أنظر إلیهم فتثاقل علیه السلام عن جوابه، ثم قال: یا همّام اتّق اللّه و أحسن فإنّ اللّه مع الّذین اتّقوا و الّذین هم محسنون) فلم یقنع همام بهذا القول حتى عزم علیه، فحمد اللّه و أثنى علیه، و صلّى على النبی صلّى اللّه علیه و آله، ثم قال: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِینَ خَلَقَهُمْ- غَنِیّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِیَتِهِمْ- لِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِیَهُ مَنْ عَصَاهُ- وَ لَا تَنْفَعُهُ طَاعَهُ مَنْ‏ أَطَاعَهُ فَقَسَمَ بَیْنَهُمْ مَعَایِشَهُمْ- وَ وَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْیَا مَوَاضِعَهُمْ- فَالْمُتَّقُونَ فِیهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ- مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ وَ مَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ وَ مَشْیُهُمُ التَّوَاضُعُ- غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَیْهِمْ- وَ وَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ- نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِی الْبَلَاءِ- کَالَّتِی نُزِّلَتْ فِی الرَّخَاءِ- وَ لَوْ لَا الْأَجَلُ الَّذِی کَتَبَ اللَّهُ عَلَیْهِمْ- لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِی أَجْسَادِهِمْ طَرْفَهَ عَیْنٍ- شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ- عَظُمَ الْخَالِقُ فِی أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِی أَعْیُنِهِمْ- فَهُمْ وَ الْجَنَّهُ کَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِیهَا مُنَعَّمُونَ- وَ هُمْ وَ النَّارُ کَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِیهَا مُعَذَّبُونَ- قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَهٌ وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَهٌ- وَ أَجْسَادُهُمْ نَحِیفَهٌ وَ حَاجَاتُهُمْ خَفِیفَهٌ وَ أَنْفُسُهُمْ عَفِیفَهٌ- صَبَرُوا أَیَّاماً قَصِیرَهً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَهً طَوِیلَهً- تِجَارَهٌ مُرْبِحَهٌ یَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ- أَرَادَتْهُمُ الدُّنْیَا فَلَمْ یُرِیدُوهَا- وَ أَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا- أَمَّا اللَّیْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ- تَالِینَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ یُرَتِّلُونَهَا تَرْتِیلًا- یُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ یَسْتَثِیرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ- فَإِذَا مَرُّوا بِآیَهٍ فِیهَا تَشْوِیقٌ رَکَنُوا إِلَیْهَا طَمَعاً- وَ تَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَیْهَا شَوْقاً وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْیُنِهِمْ- وَ إِذَا مَرُّوا بِآیَهٍ فِیهَا تَخْوِیفٌ- أَصْغَوْا إِلَیْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ- وَ ظَنُّوا أَنَّ زَفِیرَ جَهَنَّمَ وَ شَهِیقَهَا فِی أُصُولِ آذَانِهِمْ- فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ- مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وَ أَکُفِّهِمْ وَ رُکَبِهِمْ وَ أَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ- یَطْلُبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِی فَکَاکِ رِقَابِهِمْ- وَ أَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِیَاءُ- قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْیَ الْقِدَاحِ- یَنْظُرُ إِلَیْهِمُ النَّاظِرُ فَیَحْسَبُهُمْ مَرْضَى- وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ وَ یَقُولُ قَدْ خُولِطُوا- وَ لَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِیمٌ- لَا یَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِیلَ- وَ لَا یَسْتَکْثِرُونَ الْکَثِیرَ- فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ- إِذَا زُکِّیَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا یُقَالُ لَهُ فَیَقُولُ- أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِی مِنْ غَیْرِی وَ رَبِّی أَعْلَمُ بِی مِنِّی بِنَفْسِی- اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِی بِمَا یَقُولُونَ- وَ اجْعَلْنِی أَفْضَلَ مِمَّا یَظُنُّونَ وَ اغْفِرْ لِی مَا لَا یَعْلَمُونَ فَمِنْ عَلَامَهِ أَحَدِهِمْ أَنَّکَ تَرَى لَهُ قُوَّهً فِی دِینٍ- وَ حَزْماً فِی لِینٍ وَ إِیمَاناً فِی یَقِینٍ وَ حِرْصاً فِی عِلْمٍ- وَ عِلْماً فِی حِلْمٍ وَ قَصْداً فِی غِنًى وَ خُشُوعاً فِی عِبَادَهٍ- وَ تَجَمُّلًا فِی فَاقَهٍ وَ صَبْراً فِی شِدَّهٍ وَ طَلَباً فِی حَلَالٍ- وَ نَشَاطاً فِی هُدًى وَ تَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ- یَعْمَلُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَهَ وَ هُوَ عَلَى وَجَلٍ- یُمْسِی وَ هَمُّهُ الشُّکْرُ وَ یُصْبِحُ وَ هَمُّهُ الذِّکْرُ- یَبِیتُ حَذِراً وَ یُصْبِحُ فَرِحاً- حَذِراً لِمَا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَهِ- وَ فَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَ الرَّحْمَهِ- إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَیْهِ نَفْسُهُ فِیمَا تَکْرَهُ- لَمْ یُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِیمَا تُحِبُّ- قُرَّهُ عَیْنِهِ فِیمَا لَا یَزُولُ وَ زَهَادَتُهُ فِیمَا لَا یَبْقَى- یَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَ الْقَوْلَ بِالْعَمَلِ- تَرَاهُ قَرِیباً أَمَلُهُ قَلِیلًا زَلَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ- قَانِعَهً نَفْسُهُ مَنْزُوراً أَکْلُهُ سَهْلًا أَمْرُهُ- حَرِیزاً دِینُهُ مَیِّتَهً شَهْوَتُهُ مَکْظُوماً غَیْظُهُ- الْخَیْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ- إِنْ کَانَ فِی الْغَافِلِینَ کُتِبَ فِی الذَّاکِرِینَ- وَ إِنْ کَانَ فِی الذَّاکِرِینَ لَمْ یُکْتَبْ مِنَ الْغَافِلِینَ- یَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَ یُعْطِی مَنْ حَرَمَهُ- وَ یَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ بَعِیداً فُحْشُهُ- لَیِّناً قَوْلُهُ غَائِباً مُنْکَرُهُ حَاضِراً مَعْرُوفُهُ- مُقْبِلًا خَیْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ- فِی الزَّلَازِلِ وَقُورٌ وَ فِی الْمَکَارِهِ صَبُورٌ- وَ فِی الرَّخَاءِ شَکُورٌ لَا یَحِیفُ عَلَى مَنْ یُبْغِضُ- وَ لَا یَأْثَمُ فِیمَنْ یُحِبُّ- یَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ یُشْهَدَ عَلَیْهِ- لَا یُضِیعُ مَا اسْتُحْفِظَ وَ لَا یَنْسَى مَا ذُکِّرَ- وَ لَا یُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ وَ لَا یُضَارُّ بِالْجَارِ- وَ لَا یَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ وَ لَا یَدْخُلُ فِی الْبَاطِلِ- وَ لَا یَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ- إِنْ صَمَتَ لَمْ یَغُمَّهُ صَمْتُهُ وَ إِنْ ضَحِکَ لَمْ یَعْلُ صَوْتُهُ- وَ إِنْ بُغِیَ عَلَیْهِ صَبَرَ حَتَّى یَکُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِی یَنْتَقِمُ لَهُ- نَفْسُهُ مِنْهُ فِی عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِی رَاحَهٍ- أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِآخِرَتِهِ وَ أَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ- بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَ نَزَاهَهٌ- وَ دُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِینٌ وَ رَحْمَهٌ- لَیْسَ تَبَاعُدُهُ بِکِبْرٍ وَ عَظَمَهٍ وَ لَا دُنُوُّهُ بِمَکْرٍ وَ خَدِیعَهٍ- قَالَ فَصَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَهً کَانَتْ نَفْسُهُ فِیهَا- فَقَالَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ ع‏

أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ کُنْتُ أَخَافُهَا عَلَیْهِ- ثُمَّ قَالَ أَ هَکَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَهُ بِأَهْلِهَا- فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ فَمَا بَالُکَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ- فَقَالَ ع وَیْحَکَ إِنَّ لِکُلِّ أَجَلٍ وَقْتاً لَا یَعْدُوهُ- وَ سَبَباً لَا یَتَجَاوَزُهُ فَمَهْلًا لَا تَعُدْ لِمِثْلِهَا- فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّیْطَانُ عَلَى لِسَانِکَ

المعنى

أقول: و من هاهنا اختلفت نسخ النهج فکثیر منها تکون هذه الخطبه فیها أوّل المجلد الثانی منه بعد الخطبه المسمّاه بالقاصعه، و یکون عقیب کلامه للبرج بن مسهر الطائى قوله: و من خطبه له علیه السّلام الحمد للّه الّذى لا تدرکه الشواهد و لا تحویه المشاهد، و کثیر من النسخ تکون هذه الخطبه فیها متّصله بکلامه علیه السّلام للبرج بن مسهر و یتأخّر تلک الخطبه فیکون بعد قوله: و من کلامه له علیه السّلام و هو یلی غسل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و یتّصل ذلک إلى تمام الخطبه المسمّاه بالقاصعه. ثمّ یلیه قوله: باب المختار من کتب أمیر المؤمنین و رسائله، و علیه جماعه الشارحین کالإمام قطب الدین أبى الحسن الکیدرىّ و الفاضل عبد الحمید بن أبى الحدید، و وافقتهم هذا الترتیب لغلبه الظنّ باعتمادهم على النسخ الصحیحه. فأمّا همام هذه فهو همام بن شریح بن یزید بن مرّه بن عمرو بن جابر بن عوف الأصهب، و کان من شیعه على علیه السّلام، و أولیائه ناسکا عابدا، و تثاقله علیه السّلام عن جوابه لما رأى من استعداد نفسه لأثر الموعظه، و خوفه علیه أن یخرج به خوف اللّه إلى انزعاج نفسه و صعوقها. فأمره بتقوى اللّه: أى فی نفسه أن یصیبها فادح بسبب سؤاله، و أحسن: أى أحسن إلیها بترک تکلیفها فوق طوقها، و لذلک قال علیه السّلام حین صعق همام: أما و اللّه لقد کنت أخافها علیه. فحیث لم یقنع همام إلّا بما سأل، و عزم علیه بذلک: أى ألحّ علیه فی‏ السؤال و أقسم، أجابه.

فإن قلت: کیف جاز منه علیه السّلام أن یجیبه مع غلبه ظنّه بهلاکه و هو کالطبیب إنّما یعطى کلّا من المرضى بحسب احتمال طبیعته من الدواء.
قلت: إنّه لم یکن یغلب على ظنّه علیه السّلام إلّا الصعقه عن الوجد الشدید فأمّا أنّ تلک الصعقه فیها موته فلم یکن مظنونا له. و إنّما قدّم بیان کونه تعالى غنیّا عن الخلق فی طاعتهم و آمنا منهم فی معصیتهم لأنّه لمّا کانت أوامره تعالى بأسرها أو أکثرها یعود إلى الأمر بتقواه و طاعته و کان أشرف ما یتقرّب إلیه البشر بالتقوى، و هو فی معرض صفه المتّقین فرّبما خطر ببعض أوهام الجاهلین أنّ للّه تعالى فی تقواه و طاعته منفعه، و له بمعصیته مضرّه فصدّره الخطبه بتنزیهه تعالى عن الانتفاع و التضرّر. و قد مرّ برهان ذلک غیر مرّه. و قوله: فقسم. إلى قوله: مواضعهم. تقریر و تأکید لکمال غناه عنهم لأنّه إذا کان وجوده هو مبدء خلقهم و قسمه معایشهم و وضعهم من الدنیا فی مراتبهم و منازلهم من غنىّ و فقیر و شریف و وضیع فهو الغنىّ المطلق عنهم، و إلیه الإشاره بقوله تعالى «نَحْنُ قَسَمْنا بَیْنَهُمْ مَعِیشَتَهُمْ فِی الْحَیاهِ الدُّنْیا وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ»«» ثمّ أخذ فی غرض الخطبه، و هو وصف المتّقین فوصفهم بالوصف المجمل.

فقال: فالمتّقون فیها هم أهل الفضایل: أى الّذین استجمعوا الفضایل المتعلّقه بإصلاح قوّتى العلم و العمل،
ثمّ شرع فی تفصیل تلک الفضایل و نسقها:

فالاولى: الصواب فی القول
و هو فضیله العدل المتعلّقه باللسان، و حاصله أن لا یسکت عمّا ینبغی أن یقال فیکون مفرّطا، و لا یقول ما ینبغی أن یسکت عنه فیکون مفرطا بل یضع کلّا من الکلام فی موضعه اللایق به، و هو أخصّ من الصدق لجواز أن یصدق الإنسان فیما لا ینبغی من القول.

الثانیه: و ملبسهم الاقتصاد
و هو فضیله العدل فی الملبوس فلا یلبس ما یلحقه‏ بدرجه المترفین، و لا ما یلحقه بأهل الخسّه و الدناءه ممّا یخرج به عن عرف الزاهدین فی الدنیا.

الثالثه: مشى التواضع
و التواضع ملکه تحت العفّه تعود إلى العدل بین رذیلتى المهانه و الکبر، و مشى التواضع مستلزم للسکون و الوقار عن تواضع نفسهم.

الرابعه: غضّ الأبصار عمّا حرّم اللّه
و هو ثمره العفّه.

الخامسه: و قوفهم أسماعهم على سماع العلم النافع
و هو فضیله العدل فی قوّه السمع، و العلوم النافعه ما هو کمال القوّه النظریّه من العلم الإلهى و ما یناسبه، و ما هو کمال للقوّه العملیّه و هى الحکمه العملیّه کما سبق بیانها.

السادسه: نزول أنفسهم منهم فی البلاء کنزولها فی الرخاء
أى لا تقنط من بلاء ینزل بها و لا یبطر برخاء یصیبها بل مقامها فی الحالین مقام الشکر. و الّذى صفه مصدر محذوف، و الضمیر العاید إلیه محذوف أیضا، و التقدیر نزلت کالنزول الّذى نزلته فی الرخاء، و یحتمل أن یکون المراد بالّذى الّذین محذف النون کما فی قوله تعالى «کَالَّذِینَ مِنْ» و یکون المقصود تشبیههم حال نزول أنفسهم منهم فی البلاء بالّذین نزلت أنفسهم منهم فی الرخاء، و المعنى واحد.

السابعه: غلبه الشوق إلى ثواب اللّه و الخوف من عقابه على نفوسهم
إلى غایه أنّ أرواحهم لا تستقرّ فی أجسادهم من ذلک لولا الآجال الّتی کتبت لهم، و هذا الشوق و الخوف إذا بلغ إلى حدّ الملکه فإنّه یستلزم دوام الجدّ فی العمل و الإعراض عن الدنیا، و مبدءهما تصوّر عظمه الخالق، و بقدر ذلک یکون تصوّر عظمه وعده و وعیده، و بحسب قوّه ذلک التصوّر یکون قوّه الخوف و الرجاء، و هما بابان عظیمان للجنّه.

الثامنه: عظم الخالق فی أنفسهم
و ذلک بحسب الجواذب الإلهیّه إلى الاستغراق فی معرفته و محبّته، و بحسب تفاوت ذلک الاستغراق یکون تفاوت تصوّر العظمه، و بحسب تصوّر عظمته تعالى یکون تصوّرهم لأصغریّه ما دونه و نسبته إلیه فی أعین بصائرهم.

و قوله: فهم و الجنّه کمن رآها. إلى قوله: معذّبون. إشاره إلى أنّ العارف و إن کان فی الدنیا بجسده فهو فی مشاهدته بعین بصیرته لأحوال الجنّه و سعادتها و أحوال النار و شقاوتها کالّذین شاهدوا الجنّه بعین حسّهم و تنعّموا فیها، و کالّذین شاهدوا النار و عذّبوا فیها. و هى مرتبه عین الیقین. فحسب هذه المرتبه کانت شدّه شوقهم إلى الجنّه و شدّه خوفهم من النار.

التاسعه: حزن قلوبهم
و ذلک ثمره خوف الغالب.

العاشره: کونهم مأمونى الشرّ
و ذلک أنّ مبدء الشرور محبّه الدنیا و أباطیلها و العارفون بمعزل عن ذلک.

الحادیه عشر: نحافه أجسادهم
و مبدء ذلک کثره الصیام و السهر و جشوبه المطعم و خشونه الملبس و هجر الملاذّ الدنیویّه.

الثانیه عشر: خفّه حاجتهم
و ذلک لاقتصارهم من حوائج الدنیا على القدر الضرورىّ من ملبس و مأکل، و لا أخفّ من هذه الحاجه.

الثالثه عشر: عفّه أنفسهم
و ملکه العفّه فضیله القوّه الشهویّه، و هى الوسط بین رذیلتى خمود الشهوه و الفجور.

الرابعه عشر: الصبر على المکاره أیّام حیاتهم من ترک الملاذّ الدنیویّه، و احتمال أذى الخلق، و قد عرفت أنّ الصبر مقاومه النفس الأمّاره بالسوء لئلّا ینقاد إلى قبائح اللذّات، و إنّما ذکر قصر مدّه الصبر و استعقابه للراحه الطویله ترغیبا فیه، و تلک الراحه بالسعاده فی الجنّه کما قال تعالى «وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّهً وَ حَرِیراً» الآیه. و قوله: تجاره مربحه. استعار لفظ التجاره لأعمالهم الصالحه و امتثال أوامر اللّه، و وجه المشابهه کونهم متعوّضین بمتاع الدنیا و بحرکاتهم فی العباده متاع الآخره، و رشّح بلفظ الربح لأفضلیّه متاع الآخره و زیادته فی النفاسه على ما ترکوه، و ظاهر أنّ ذلک بتیسیر اللّه لأسبابه و إعدادهم له بالجواذب الإلهیّه.

الخامسه عشر: عدم إرادتهم للدنیا مع إرادتها لهم
و هو إشاره إلى الزهد الحقیقىّ، و هو ملکه تحت العفّه، و کنّى بإرادتها عن کونهم أهلا لأن یکونوا فیها رؤساءاً و أشرافا کقضاه و وزراء و نحو ذلک، و کونها بمعرض أن تصل إلیهم لو أرادوها، و یحتمل أن یرید أرادهم أهل الدنیا فحذف المضاف.

السادسه عشر: افتداء من أسرته لنفسه منها
و هو إشاره إلى من ترکها و زهد فیها بعد الانهماک فیها و الاستمتاع بها ففکّ بذلک الترک و الإعراض و التمرّن على طاعه اللّه أغلال الهیئات الردیئه المکتسبه منها من عنقه، و لفظ الأسر استعاره فی تمکّن تلک الهیئات من نفوسهم، و لفظ الفدیه استعاره لتبدیل ذلک الاستمتاع بها بالإعراض عنها و المواظبه على طاعه اللّه، و إنّما عطف بالواو فی قوله: و لم یریدوها، و بالفاء فی قوله: ففدوا. لأنّ زهد الإنسان فی الدنیا کما یکون متأخّرا عن إقبالها علیه کذلک قد یکون متقدّما علیه لقوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: و من جعل الآخره أکبر همّه جمع اللّه علیه همّه و أتته الدنیا و هى راغمه. فلم یحسن العطف هنا بالفاء، و أمّا الفدیه فلمّا لم یکن إلّا بعد الأسر لا جرم عطفها بالفاء.

السابعه عشر: کونهم صافیّن أقدامهم باللیل یتلون القرآن و یرتّلونه.
إلى قوله: آذانهم. و ذلک إشاره إلى تطویع نفوسهم الأمّاره بالسوء بالعبادات، و شرح لکیفیّه استثارتهم للقرآن العزیز فی تلاوته و غایه ترتیلهم له بفهم مقاصده و تحزینهم لأنفسهم به عند ذکر الوعیدات من جمله استثارتهم لإدواء دائهم، و لمّا کان داؤهم هو الجهل و سائر رذائل العملیّه کان دواء الجهل بالعلم، و دواء کلّ رذیله الحصول على الفضیله المضادّه. فهم بتلاوه القرآن یستثیرون بالتحزین الخوف من وعید اللّه المضادّ للانهماک فی الدنیا، و دوائه العلم الّذى هو دواء الجهل، و کذلک کلّ فضیله حثّ القرآن علیها فهى دواء لما یضادّها من الرذائل، و باقى الکلام شرح لکیفیّه التحزین و التشویق. و قوله: فهم حانون على أوساطهم. ذکر لکیفیّه رکوعهم.

و قوله: مفترشون لجباههم. إلى قوله: أقدامهم. إشاره إلى کیفیّه سجودهم، و ذکر الأعضاء السبعه. و قوله: یطّلبون. إلى قوله: رقابهم. إشاره إلى غایتهم من عبادتهم تلک.

الثامنه عشر:- من صفات النهار- کونهم حکماء
و أراد الحکمه الشرعیّه و ما فیها من کمال القوّه العلمیّه و العملیّه لکونها المتعارفه بین الصحابه و التابعین، و روى: حلماء. و الحلم فضیله تحت ملکه الشجاعه هى الوسط بین رذیلتى المهانه و الإفراط فی الغضب، و إنّما خصّ اللیل بالصلاه لکونها أولى بها من النهار کما سبق.

التاسعه عشر: کونهم علماء
و أراد کمال القوّه النظریّه بالعلم النظرىّ و هو معرفه الصانع و صفاته.

العشرون: کونهم أبرار
و البرّ یعود إلى العفیف لمقابلته الفاجر.

الحادیه و العشرون: کونهم أتقیاء
و المراد بالتقوى هاهنا الخوف من اللّه. و قد مرّ ذکر العفّه و الخوف، و إنّما کرّرها هنا فی إعداد صفاتهم بالنهار و ذکرها هناک فی صفاتهم المطلقه.
قوله: و قد براهم الخوف. إلى قوله: عظیم. شرح لفعل الخوف الغالب بهم، و إنّما یفعل الخوف ذلک لاشتغال النفس المدبّره للبدن به عن النظر فی صلاح البدن، و وقوف القوّه الشهویّه و الغاذیّه عن إدّاء بدل ما یتحلّل، و شبّه برى الخوف لهم ببرى القداح و وجه التشبیه شدّه النحافه، و یتبع ذلک تغیّر السحنات و الضعف عن الانفعالات النفسانیّه من الخوف و الحزن حتّى یحسبهم الناظر مرضى و إن لم یکن بهم مرض، و یقول قد خولطوا إشاره إلى ما یعرض لبعض العارفین عند اتّصال نفسه بالملأ الأعلى و اشتغالها عن تدبیر البدن و ضبط حرکاته من أن یتکلّم بکلام خارج عن المتعارف مستبشع بین أهل الشریعه الظاهره فینسب ذلک منه إلى الاختلاط و الجنون و تاره إلى الکفر و الخروج عن الدین کما نقل عن الحسین بن منصور الحلّاج و غیره.
و قوله: و لقد خالطهم أمر عظیم. و هو اشتغال أسرارهم بملاحظه جلال اللّه و مطالعه أنوار الملأ الأعلى.

الثانیه و العشرون: کونهم لا یرضون القلیل.
إلى قوله: الکثیر، و ذلک لتصوّرهم شرف غایتهم المقصوده بأعمالهم. و قوله: فهم لأنفسهم متّهمون. إلى قوله: ما لا یعلمون. فتهمتهم لأنفسهم و خوفهم من أعمالهم یعود إلى شکّهم فیما یحکم به أوهامهم من حسن عبادتهم، و کونها مقبوله أو واقعه على الوجه المطلوب الموصل إلى اللّه تعالى فإنّ هذا الوهم یکون مبدءا للعجب بالعباده و التقاصر عن الازدیاد من العمل.
و التشکّک فی ذلک و تهمه النفس بانقیادها فی ذلک الحکم للنفس الأمّاره یستلزم خوفها أن تکون تلک الأعمال قاصره عن الوجه المطلوب و غیر واقعه علیه فیکون باعثا على العمل و کاسرا للعجب به، و قد عرفت أن العجب من المهلکات کما قال علیه السّلام: ثلاث مهلکات: شحّ مطاع و هوى متّبع و إعجاب المرء بنفسه. و کذلک خوفهم من تزکیه الناس لهم هو الدواء لما ینشأ عن تلک التزکیه من الکبر و العجب بما یزکّون به. فیکون جواب أحدهم عند تزکیته: إنّى أعلم بنفسى من غیرى. إلى آخره.

ثمّ شرع بعد ذلک فی علاماتهم الّتی بجملتها یعرف أحدهم.
و الصفات السابقه و إن کان کثیر منها مما یخصّ أحدهم و یعرف به إلّا أنّ بعضها قد یدخله الریاء فلا یدخل على التقوى الحقّه فجمعها هاهنا و نسقها:

فالأولى: القوّه فی الدین
و ذلک أن یقاوم فی دینه الوسواس الخنّاس و لا یدخل فیه خداع الناس، و هذا إنّما یکون فی دین العالم.

الثانیه: الحزم فی الأمور
الدنیویّه و التثبّت فیها ممزوجا باللین للخلق و عدم الفظاظه علیهم کما فی المثل: لا تکن حلوا فتسترط و لا مرّا فتلفظ. و هى فضیله العدل فی المعامله مع الخلق، و قد علمت أنّ اللین قد یکون للتواضع المطلوب بقوله‏ «وَ اخْفِضْ جَناحَکَ لِمَنِ اتَّبَعَکَ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ»«» و قد یکون عن مهانه و ضعف یقین، و الأوّل هو المطلوب و هو المقارن للحزم فی الدین و مصالح النفس، و الثانی رذیله و لا یمکن معه الحزم لانفعال المهین عن کلّ جاذب.

الثالثه: الإیمان فی الیقین
و لمّا کان الإیمان عباره عن التصدیق بالصانع و بما وردت به الشریعه، و کان ذلک التصدیق قابلا للشدّه و الضعف، فتاره یکون عن التقلید و هو الاعتقاد المطابق لا لموجب، و تاره یکون عن العلم و هو الاعتقاد المطابق لموجب هو الدلیل، و تاره عن العلم به مع العلم بأنّه لا یکون إلّا کذلک، و هو علم الیقین- و محقّقوا الساکین لا یقفون عند هذه المرتبه بل یطلبون الیقین بالمشاهده بعد طرح حجب الدنیا و الإعراض عنها- أراد أنّ علمهم علم یقین لا یتطرّق إلیه احتمال.

الرابعه:
الحرص فی العلم و الازدیاد منه.

الخامسه: مزج العلم و هو فضیله القوّه الملکیّه بالحلم
و هو من فضایل القوّه السبعیّه.

السادسه: القصد فی الغنى
و هو فضیله العدل فی استعمال متاع الدنیا و حذف الفضول عن قدر الضروره.

السابعه: الخشوع فی العباده
و هو من ثمره الفکر فی جلال المعبود و ملاحظه عظمته الّذی هو روح العباده.

الثامنه: التحمّل فی الفاقه
و ذلک بترک الشکوى إلى الخلق و الطلب منهم، و إظهار الغنى عنهم. و ذلک ینشأ عن القناعه و الرضا بالقضاء و علوّا الهمّه، و یعین على ذلک ملاحظه الوعد الأجلّ و ما اعدّ للمتّقین.

التاسعه:
و کذلک الصبر فی الشدّه.

العاشره:
الطلب فی الحلال، و ینشأ عن العفّه.

الحادیه عشر: النشاط فی الهدى
و سلوک سبیل اللّه. و ینشأ عن قوّه الاعتقاد فیما وعد المتّقون و تصوّر شرف الغایه.

الثانیه عشر: عمل الصالحات على وجل
أى من أن یکون على غیر الوجه اللایق فلا یقبل کما روى عن زین العابدین علیه السّلام أنّه کان فی التلبیه و هو على راحلته فخرّ مغشیّاً علیه فلمّا أفاق قیل له ذلک. فقال: خشیت أن یقول لی ربّى: لا لبّیک و لا سعدیک.

الثالثه عشر: أن یکون همّهم عند المساء الشکر
على ما رزقوا بالنهار و ما لم یرزقوا، و یصبحوا و همّهم الذکر للّه لیذکرهم فیرزقهم من الکمالات النفسانیّه و البدنیّه کما قال تعالى «فَاذْکُرُونِی أَذْکُرْکُمْ وَ اشْکُرُوا لِی وَ لا تَکْفُرُونِ».

الرابعه عشر: أن یبیت حذرا و یصبح فرحا. إلى قوله: الرحمه
تفسیر لمحذور و ما به الفرح، و لیس مقصوده تخصیص البیات بالحذر و الصباح بالفرح کما یقول أحدنا یمسى فلان و یصبح حذرا فرحا، و کذلک تخصیصه الشکر بالمساء و الذکر بالصباح یحتمل أن لا یکون مقصودا.

الخامسه عشر: قوله إن استصعبت. إلى قوله: تحبّ.
إشاره إلى مقاومته لنفسه الأمّاره بالسوء عند استصعابها علیه، و قهره لها على ما تکره و عدم مطاوعته لها فی میولها الطبیعیّه و محابّها.

السادسه عشر: أن یرى قرّه عینه فیما لا یزول
من الکمالات النفسانیّه الباقیه کالعلم و الحکمه و مکارم الأخلاق المستلزمه للذّات الباقیه و السعاده الدائمه، و قرّه عینه کنایه عن لذّته و ابتهاجه لاستلزامها لقرار العین و بردها برؤیه المطلوب، و زهادته فیما لا یبقى من متاع الدنیا.

السابعه عشر: أن یمزج بالحلم العلم
فلا یجهل و یطیش، و القول بالعمل فلا یقول ما لا یفعل فلا یأمر بمعروف و یقف دونه و لا ینهى عن منکر ثمّ یفعله، و لا یعد فیخلف فیدخل فی مقت اللّه کما قال تعالى «کَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ».

الثامنه عشر: قصر أمله و قربه
و ذلک لکثره ذکر الموت و الوصول إلى اللّه.

التاسعه عشر: قلّه زلله
قد عرفت أنّ زلل العارفین یکون من باب ترک الأولى‏ لأنّ صدور الخیرات عنهم صادر ملکه و الجواذب فیهم إلى الزلل و الخطیئات نادره تکون لضروره منهم أو سهو، و لا شکّ فی قلّته.

العشرون: خشوع قلبه
عن تصوّر عظمته المعبود و جلاله.

الحادیه و العشرون: قناعه نفسه
و ینشأ عن ملاحظه حکمه اللّه فی قدرته و قسمته الأرزاق، و یعین علیها تصوّر فوائدها الحاضره و غایتها فی الآخره.

الثانیه و العشرون: قلّه أکله
و ذلک لما یتصوّر فی البطنه من ذهاب الفطنه و زوال الرقّه و حدوث القسوه و الکسل عن العمل.

الثالثه و العشرون: سهوله أمره
أى لا یتکلّف لأحد و لا یکلّف أحدا.

الرابعه و العشرون: حرز دینه
فلا یهمل منه شیئا و لا یطرق إلیه خللا.

الخامسه و العشرون: موت شهوته
و لفظ الموت مستعار لخمود شهوته عمّا حرّم علیه. و یعود إلى العفّه.

السادسه و العشرون: کظم غیظه
و هو من فضائل القوّه الغضبیّه.

السابعه و العشرون: کونه مأمول الخیر
و ذلک لأکثریّه خیریّته، مأمون الشرور و ذلک لعلم الخلق بعدم قصده للشرور.

الثامنه و العشرون: قوله: إن کان فی الغافلین.
إلى قوله: الغافلین: أى إن رآه الناس فی عداد الغافلین عن ذکر اللّه لترکه الذکر باللسان کتب عند اللّه من الذاکرین لاشتغال قلبه بالذکر و إن ترکه بلسانه، و إن کان من الذاکرین بلسانه بینهم فظاهر أنّه لا یکتب من الغافلین. و لذکر اللّه ممادح کثیره و هو باب عظیم من أبواب الجنّه و الاتّصال لجناب اللّه، و قد أشرنا إلى فضیلته و أسراره.

التاسعه و العشرون: عفوه عمّن ظلمه
و العفو فضیله تحت الشجاعه، و خصّ من ظلمه لیتحقّق عفوه مع قوّه الداعى إلى الانتقام.

الثلاثون: و یعطى من حرمه
و هى فضیله تحت السخاء.

الحادیه و الثلاثون: و یصل من قطعه
و المواصله فضیله تحت العفّه.

الثانیه و الثلاثون: بعد فحشه
و أراد ببعد الفحش عنه أنّه قلّما یخرج فی‏ أقواله إلى ما لا ینبغی.

الثالثه و الثلاثون: لیّنه فی القول
عند محاوره الناس و وعظهم و معاملتهم، و هو من أجزاء التواضع.

الرابعه و الثلاثون: غیبه منکره
و حضور معروفه، و ذلک للزومه حدود اللّه.

الخامسه و الثلاثون: إقبال خیره و إدبار شرّه
و هو کقوله: الخیر منه مأمول و الشرّ منه مأمون، و یحتمل باقبال خیره أخذه فی الازدیاد من الطاعه و تشمیره فیها، و بقدر ذلک یکون إدباره عن الشرّ لأنّ من استقبل أمرا و سعى فیه بعد عمّا یضادّه و أدبر عنه.

السادسه و الثلاثون: وقاره فی الزلازل
و کنّى بها عن الامور العظام و الفتن الکبار المستلزمه لاضطراب القلوب و أحوال الناس. و الوقار ملکه تحت الشجاعه.

السابعه و الثلاثون: کثره صبره فی المکاره
و ذلک عن ثباته و علوّ همّته عن أحوال الدنیا.

الثامنه و الثلاثون: کثره شکره فی الرخاء
و ذلک لمحبّه المنعم الأوّل- جلّت قدرته- فیزداد شکره فی رخائه و إن قلّ.

التاسعه و الثلاثون: کونه لا یحیف على من یبغض
و هو سلب للحیف و الظلم مع قیام الداعى إلیهما و هو البغض لمن یتمکّن من حیفه و ظلمه.

الأربعون: کونه لا یأثم فیمن یحبّ
و هو سلب لرذیله الفجور عنه باتّباع الهوى فیمن یحبّ إمّا بإعطائه ما لا یستحقّ أو دفع ما یستحقّ علیه عنه کما یفعله قضاه السوء و امراء الجور. فالمتّقى لا یأثم بشی‏ء من ذلک مع قیام الداعى إلیه و هو المحبّه لمن یحبّه بل یکون على فضیله العدل فی الکلّ على السواء.

الحادیه و الأربعون: اعترافه بالحقّ قبل أن یشهدوا علیه
و ذلک لتحرّزه فی دینه من الکذب. إذ الشهاده إنّما یحتاج إلیها مع إنکار الحقّ، و ذلک کذب.

الثانیه و الأربعون: کونه لا یضیع أماناته و لا یفرط فیما استحفظه
اللّه من دینه و کتابه، و ذلک لورعه و لزوم حدود اللّه.

الثالثه و الأربعون: و لا ینسى ما ذکر
من آیات اللّه و عبره و أمثاله و لا یترک‏ العمل بها، و ذلک لمداومته ملاحظتها و کثره إخطارها بباله و العمل بها لغایته المطلوبه منه.

الرابعه و الأربعون: و لا ینابز بالألقاب
و ذلک لملاحظته النهى فی الذکر الحکیم «وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ»«» و لسرّ ذلک النهى و هو کون ذلک مستلزما لإثاره الفتن و التباغض بین الناس، و الفرقه المضادّه لمطلوب الشارع.

الخامسه و الأربعون: و لا یضارّ بالجار
لملاحظه وصیّه اللّه تعالى «وَ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ لا تُشْرِکُوا بِهِ»«» و وصیّه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم فی المرفوع إلیه: أوصانى ربّى بالجار حتّى ظننت أنّه یورّثه، و لغایه ذلک و هى الالفه و الاتّحاد فی الدین.

السادسه و الأربعون: و لا یشمت بالمصائب
و ذلک لعلمه بأسرار القدر، و ملاحظته لأسباب المصائب، و أنّه فی معرض أن تصیبه فیتصوّر أمثالها فی نفسه فلا یفرح بنزولها على غیره.

السابعه و الأربعون: أنّه لا یدخل الباطل و لا یخرج عن الحقّ
أى لا یدخل فیما یبعّد عن اللّه تعالى من باطل الدنیا و لا یخرج عمّا یقرّب إلیه من مطالبه الحقّه، و ذلک لتصوّر شرف غایته.

الثامنه و الأربعون: کونه لا یغمّه صمته
لوضعه کلّا من الصمت و الکلام فی موضعه، و إنّما یستلزم الغمّ الصمت عمّا ینبغی من القول و هو صمت فی غیر موضعه.

التاسعه و الأربعون: کونه لا یعلو ضحکه
و ذلک لغلبه ذکر الموت و ما بعده على قلبه، و ممّا نقل من صفات الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم: کان أکثر ضحکه التبسّم، و قد یفتر أحیانا، و لم یکن من أهل القهقهه و الکرکره. و هما کیفیّتان للضحک.

الخمسون: صبره فی البغى علیه إلى غایه انتقام اللّه له
و ذلک منه نظرا إلى ثمره الصبر و إلى الوعد الکریم ذلک «ذلِکَ وَ مَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِیَ عَلَیْهِ لَیَنْصُرَنَّهُ»«» الآیه و قوله «وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَیْرٌ لِلصَّابِرِینَ».

الحادیه و الخمسون: کون نفسه منه فی عناء
أى نفسه الأمّاره بالسوء لمقاومته‏ لها و قهرها و مراقبته إیّاها، و الناس من أذاه فی راحه لذلک.

الثانیه و الخمسون: کون بعده عمّن تباعد عنه لزهده
فیما فی أیدى الناس و نزاهته عنه لا عن کبر و تعظیم علیهم، و کذلک دنوّه ممن دنا منه عن لین و رحمه منه لهم لا بمکر بهم و خدیعه لهم عن بعض المطالب کما هو عاده الخبیث المکّار.

و هذه الصفات و العلامات قد یتداخل بعضها بعضا، و لکن تورد بعباره أخرى أو یذکر مفرده ثمّ یذکر ثانیا مرکّبه مع غیرها. و بالجمله فهذه الخطبه من جلیل و بلیغ وصفه و لذلک فعلت بهمّام ما فعلت. فأمّا جوابه علیه السّلام لمن سأله بقوله: ویحک إنّ لکلّ أجل وقتا لا یعدوه: أى ینتهى إلیه و یکون غایه له لا یتجاوزها و لا یتأخّر عنها، و الضمیر فی یعدوه للأجل. و سببا لا یتجاوزه: أى و لذلک الأجل سبب: أى علّه فاعله لا یتعدّاها إلى غیرها من الأسباب فمنها ما یکون موعظه بالغه کهذه. فهو جواب مقنع للسامع مع أنّه حقّ و صدق، و هو إشاره إلى السبب الأبعد لبقائه علیه السّلام عند سماع المواعظ البالغه و هو الأجل المحکوم به للقضاء الإلهىّ، و أمّا السبب القریب للفرق بینه و بین همّام و نحوه فقوّه نفسه القدسیّه على قبول الواردات الإلهیّه و تعوّده بها و بلوغ ریاضته حدّ السکینه عند ورود أکثرها و ضعف نفس همّام عمّا ورد علیه من خوف اللّه و رجائه. و لم یجب علیه السّلام بمثل هذا الجواب لاستلزامه تفضیل نفسه، أو لقصور فهم السائل. و نهیه له عن مثل هذا السؤال و التنفیر عنه کونه من نفثات الشیطان لوضعه فی غیر موضعه و هو من آثار الشیطان. و باللّه العصمه و التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۴۱۰

 

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۸۳ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

قاله للبرج بن مسهر الطائى، و قد قال له بحیث یسمعه: «لا حکم إلا للّه»، و کان من الخوارج

اسْکُتْ قَبَحَکَ اللَّهُ یَا أَثْرَمُ- فَوَاللَّهِ لَقَدْ ظَهَرَ الْحَقُّ فَکُنْتَ فِیهِ ضَئِیلًا شَخْصُکَ- خَفِیّاً صَوْتُکَ حَتَّى إِذَا نَعَرَ الْبَاطِلُ نَجَمْتَ نُجُومَ قَرْنِ الْمَاعِزِ

 

اللغه

أقول: هو البرج بالباء المضمومه و الجیم.

و قبّحه اللّه: نحّاه عن الخیر.

و أثرم: ساقط الثنیه.

و الضئیل: الصغیر الحقیر النحیف.

و نعر: صاح.

و نجم: طلع.

المعنى

و کان البرج شاعرا مشهورا من شعراء الخوارج نادى بشعارهم بحیث یسمعه علیه السّلام فزجره و قبّحه و دعاه بآفته إهانه له و انتقاصا کما هو العاده فی إهانه ذوى العاهات بذکر آفاتهم، و کنّى بضئوله شخصه عند ظهور الحقّ عن حقارته فی زمن العدل بین الجماعه و خمول ذکره- و ظهور الحقّ زمان قوّه الإسلام و قبل ظهور الفتن و قوّه الباطل- ، و بخفاء صوته عن عدم الالتفات إلى أقواله و حقارته، و استعار لفظ النعیر لظهور الباطل ملاحظه لشبهه فی قوّته و ظهوره بالرجل الصائل الصائح بکلامه عن جرأه و شجاعه، و شبّه ظهوره بین الناس و ارتفاع ذکره عند ظهور الباطل و قوّته بظهور قرن الماعز فی السرعه بغته: أى طلعت بلا شرف و لا شجاعه و لا قدم بل على غفله کنبات قرن الماعز و من البلاغه تشبیه من یراد إهانته بالمهین الحقیر و تشبیه من یراد تعظیمه بالعظیم الخطیر، و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۴۰۹

 

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۸۲ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

القسم الأول

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَیْرِ رُؤْیَهٍ- وَ الْخَالِقِ مِنْ غَیْرِ مَنْصَبَهٍ خَلَقَ الْخَلَائِقَ‏ بِقُدْرَتِهِ- وَ اسْتَعْبَدَ الْأَرْبَابَ بِعِزَّتِهِ وَ سَادَ الْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ- وَ هُوَ الَّذِی أَسْکَنَ الدُّنْیَا خَلْقَهُ- وَ بَعَثَ إِلَى الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ رُسُلَهُ- لِیَکْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا وَ لِیُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا- وَ لِیَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا وَ لِیَهْجُمُوا عَلَیْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وَ أَسْقَامِهَا- وَ لَیُبْصَرُوهُمْ عُیُوبَهَا و حَلَالِهَا وَ حَرَامِهَا- وَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلْمُطِیعِینَ مِنْهُمْ وَ الْعُصَاهِ- مِنْ جَنَّهٍ وَ نَارٍ وَ کَرَامَهٍ وَ هَوَانٍ- أَحْمَدُهُ إِلَى نَفْسِهِ کَمَا اسْتَحْمَدَ إِلَى خَلْقِهِ- وَ جَعَلَ لِکُلِّ شَیْ‏ءٍ قَدْراً وَ لِکُلِّ قَدْرٍ أَجَلًا وَ لِکُلِّ أَجَلٍ کِتَاباً

اللغه

أقول: المنصبه: التعب.

المعنى

 
و حمد اللّه باعتبار کونه معروفا بآیات آثاره عند العقول المعرفه المنزّهه عن إدراک البصر المختصّ بالأجسام و لواحقها. ثمّ باعتبار کونه خالقا و موجدا الایجاد المنزّه عن المتاعب لاستلزامها الآلات المستلزمه للجسمیّه الّتی من شأنها الضعف و النهایه فی القوّه. ثمّ نبّه على استناد الخلایق و النعم المفاضه إلى قدرته لیعتبر السامعون نسبتهم إلیه، و باعتبار استعباده الأرباب على کمال عزّه المطلق الواجبىّ المستلزم لخضوع کلّ موجود فی ذلّ الإمکان و الحاجه إلیه، و بسیادته للعظماء على کمال عظمه وجوده الواجبىّ المطلق المستلزم لفقر کلّ إلیه و تعبّده له، ثمّ بنسبه إسکانهم الدنیا و بعثه رسله إلى الجنّ و الإنس منهم کما قال «یا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ أَ لَمْ یَأْتِکُمْ رُسُلٌ مِنْکُمْ یَقُصُّونَ عَلَیْکُمْ آیاتِی»«» الآیه على کمال لطفه بخلقه و حکمته فی إیجادهم فی الدنیا. و غایه ذلک أن یکشفوا لهم ما یغطّى بحجب الدنیا عن أعین بصائرهم من أحوال الآخره الّتی خلقوا لها، و أن یجذبوهم بالتحذیر من‏ ضرّ الدنیا و عواقبها و ضرب الأمثال بنسبتها کما فی القرآن الکریم «إِنَّما مَثَلُ الْحَیاهِ الدُّنْیا کَماءٍ أَنْزَلْناهُ» الآیه و أمثالها، و أن یبصروهم عیوبها، و أن یهجموا علیهم بما فی تصاریفها من العبره و هی الصحّه و السقم و ما أحلّ و حرّم على طریق الابتلاء به. و حلالها عطف على تصرّف، و یحتمل أن یکون عطفا على أسقامها باعتبار أنّ الحلال و الحرام من تصاریف الدنیا، و بیانه أنّ کثیرا من المحرّمات لنبىّ کانت حلالا لنبىّ قبله، و بالعکس و ذلک تابع لمصالح الخلق بمقتضى تصاریف أوقاتهم و أحوالهم الّتی هی تصاریف الدنیا. و قوله: و ما أعدّ اللّه. إمّا عطف على معتبر أو على عیوبها: أى و یبصرونهم ما أعدّ اللّه للمطیعین و العصاه. إلى آخره. و قوله: أحمده إلى نفسه کما استحمد إلى خلقه. أى أحمده حمدا یکون فی الکیفیّه و الکمیّه على الوجه الّذی طلب الحمد لنفسه من خلقه. و قوله: جعل لکلّ شی‏ء قدرا. کقوله تعالى «قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِکُلِّ شَیْ‏ءٍ قَدْراً»«» أى مقدارا من الکیفیّه و الکمیّه ینتهى إلیه و حدّا یقف عنده، و لکلّ قدر أجلا: أى و لکلّ مقدار وقت یکون، انقضاؤه فیه و فناؤه و لکلّ أجل کتابا و أراد بالکتاب العلم الإلهى المعبّر عنه بالکتاب المبین و اللوح المحفوظ المحیط بکلّ شی‏ء و فیه رقم کلّ شی‏ء. و باللّه التوفیق.

القسم الثانی منها فی ذکر القرآن

فَالْقُرْآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ- حُجَّهُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ أَخَذَ عَلَیْهِ مِیثَاقَهُمْ- وَ ارْتَهَنَ عَلَیْهِمْ أَنْفُسَهُمْ أَتَمَّ نُورَهُ- وَ أَکْمَلَ بِهِ دِینَهُ وَ قَبَضَ نَبِیَّهُ ص- وَ قَدْ فَرَغَ إِلَى الْخَلْقِ مِنْ أَحْکَامِ‏ الْهُدَى بِهِ- فَعَظِّمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَظَّمَ مِنْ نَفْسِهِ- فَإِنَّهُ لَمْ یُخْفِ عَنْکُمْ شَیْئاً مِنْ دِینِهِ- وَ لَمْ یَتْرُکْ شَیْئاً رَضِیَهُ أَوْ کَرِهَهُ إِلَّا وَ جَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِیاً- وَ آیَهً مُحْکَمَهً تَزْجُرُ عَنْهُ أَوْ تَدْعُو إِلَیْهِ- فَرِضَاهُ فِیمَا بَقِیَ وَاحِدٌ وَ سَخَطُهُ فِیمَا بَقِیَ وَاحِدٌ وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ یَرْضَى عَنْکُمْ بِشَیْ‏ءٍ سَخِطَهُ- عَلَى مَنْ کَانَ قَبْلَکُمْ- وَ لَنْ یَسْخَطَ عَلَیْکُمْ بِشَیْ‏ءٍ رَضِیَهُ مِمَّنْ کَانَ قَبْلَکُمْ- وَ إِنَّمَا تَسِیرُونَ فِی أَثَرٍ بَیِّنٍ- وَ تَتَکَلَّمُونَ بِرَجْعِ قَوْلٍ قَدْ قَالَهُ الرِّجَالُ مِنْ قَبْلِکُمْ- قَدْ کَفَاکُمْ مَئُونَهَ دُنْیَاکُمْ وَ حَثَّکُمْ عَلَى الشُّکْرِ- وَ افْتَرَضَ مِنْ أَلْسِنَتِکُمُ الذِّکْرَ وَ أَوْصَاکُمْ بِالتَّقْوَى- وَ جَعَلَهَا مُنْتَهَى رِضَاهُ وَ حَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِی أَنْتُمْ بِعَیْنِهِ وَ نَوَاصِیکُمْ بِیَدِهِ- وَ تَقَلُّبُکُمْ فِی قَبْضَتِهِ- إِنْ أَسْرَرْتُمْ عَلِمَهُ وَ إِنْ أَعْلَنْتُمْ کَتَبَهُ- قَدْ وَکَّلَ بِذَلِکَ حَفَظَهً کِرَاماً لَا یُسْقِطُونَ حَقّاً وَ لَا یُثْبِتُونَ بَاطِلًا- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ یَتَّقِ اللَّهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ الْفِتَنِ- وَ نُوراً مِنَ الظُّلَمِ وَ یُخَلِّدْهُ فِیمَا اشْتَهَتْ نَفْسُهُ- وَ یُنْزِلْهُ مَنْزِلَ الْکَرَامَهِ عِنْدَهُ فِی دَارٍ اصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ- ظِلُّهَا عَرْشُهُ وَ نُورُهَا بَهْجَتُهُ- وَ زُوَّارُهَا مَلَائِکَتُهُ وَ رُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ- فَبَادِرُوا الْمَعَادَ وَ سَابِقُوا الْآجَالَ- فَإِنَّ النَّاسَ یُوشِکُ أَنْ یَنْقَطِعَ بِهِمُ الْأَمَلُ وَ یَرْهَقَهُمُ الْأَجَلُ- وَ یُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ التَّوْبَهِ- فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِی مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَیْهِ الرَّجْعَهَ مَنْ کَانَ قَبْلَکُمْ- وَ أَنْتُمْ‏ بَنُو سَبِیلٍ عَلَى سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَیْسَتْ بِدَارِکُمْ- وَ قَدْ أُوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالِارْتِحَالِ وَ أُمِرْتُمْ فِیهَا بِالزَّادِ وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَیْسَ لِهَذَا الْجِلْدِ الرَّقِیقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ- فَارْحَمُوا نُفُوسَکُمْ- فَإِنَّکُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِی مَصَائِبِ الدُّنْیَا- أَ فَرَأَیْتُمْ جَزَعَ أَحَدِکُمْ مِنَ الشَّوْکَهِ تُصِیبُهُ- وَ الْعَثْرَهِ تُدْمِیهِ وَ الرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ- فَکَیْفَ إِذَا کَانَ بَیْنَ طَابَقَیْنِ مِنْ نَارٍ- ضَجِیعَ حَجَرٍ وَ قَرِینَ شَیْطَانٍ- أَ عَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِکاً إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ- حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ- وَ إِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَیْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ- أَیُّهَا الْیَفَنُ الْکَبِیرُ الَّذِی قَدْ لَهَزَهُ الْقَتِیرُ- کَیْفَ أَنْتَ إِذَا الْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ النَّارِ بِعِظَامِ الْأَعْنَاقِ- وَ نَشِبَتِ الْجَوَامِعُ حَتَّى أَکَلَتْ لُحُومَ السَّوَاعِدِ- فَاللَّهَ اللَّهَ مَعْشَرَ الْعِبَادِ- وَ أَنْتُمْ سَالِمُونَ فِی الصِّحَّهِ قَبْلَ السُّقْمِ- وَ فِی الْفُسْحَهِ قَبْلَ الضِّیقِ- فَاسْعَوْا فِی فَکَاکِ رِقَابِکُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا- أَسْهِرُوا عُیُونَکُمْ وَ أَضْمِرُوا بُطُونَکُمْ- وَ اسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَکُمْ وَ أَنْفِقُوا أَمْوَالَکُمْ- وَ خُذُوا مِنْ أَجْسَادِکُمْ فَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِکُمْ- وَ لَا تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ- إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ یَنْصُرْکُمْ وَ یُثَبِّتْ أَقْدامَکُمْ- وَ قَالَ تَعَالَى مَنْ ذَا الَّذِی یُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً- فَیُضاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ کَرِیمٌ- فَلَمْ یَسْتَنْصِرْکُمْ‏ مِنْ ذُلٍّ- وَ لَمْ یَسْتَقْرِضْکُمْ مِنْ قُلٍّ- اسْتَنْصَرَکُمْ وَ لَهُ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِیزُ الْحَکِیمُ- وَ اسْتَقْرَضَکُمْ وَ لَهُ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ- وَ هُوَ الْغَنِیُّ الْحَمِیدُ- وَ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ یَبْلُوَکُمْ أَیُّکُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا- فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِکُمْ تَکُونُوا مَعَ جِیرَانِ اللَّهِ فِی دَارِهِ- رَافَقَ بِهِمْ رُسُلَهُ وَ أَزَارَهُمْ مَلَائِکَتَهُ- وَ أَکْرَمَ أَسْمَاعَهُمْ أَنْ تَسْمَعَ حَسِیسَ نَارٍ أَبَداً- وَ صَانَ أَجْسَادَهُمْ أَنْ تَلْقَى لُغُوباً وَ نَصَباً- ذلِکَ فَضْلُ اللَّهِ یُؤْتِیهِ مَنْ یَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِیمِ- أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلَى نَفْسِی وَ أَنْفُسِکُمْ- وَ هُوَ حَسْبُنَا وَ نِعْمَ الْوَکِیلُ

اللغه

أقول: الیفن. الشیخ الکبیر.

و القتیر: الشیب.

و لهزه: خالطه.

و الجوامع: جمع جامعه و هی الغلّ لجمعها الأیدى إلى الأعناق.

و اللغوب: التعب.

المعنى

و قد وصف القرآن الکریم بالأضداد المتعادیه لاختلاف الاعتبارات: فالآمر مع الزاجر. و إطلاقهما علیه مجاز من باب إطلاق اسم السبب على المسبّب. إذ الآمر و الناهى هو اللّه تعالى، و الصامت مع الناطق. و إطلاق لفظ الناطق علیه مجاز. إذ الناطق هو المتکلّم به من باب إطلاق اسم المتعلّق على المتعلّق، و کونه حجّه اللّه على خلقه لاشتماله على وعدهم و وعیدهم، و بیان غایه وجودهم و المطلوب منهم و الإعذار إلیهم «أن تقولوا یوم القیامه إنّا کنّا عن هذا غافلین» و لأنّه خلاصه ما بعث به الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم و قد بعث رسله مبشّرین و منذرین لئلّا یکون للناس على اللّه حجّه بعد الرسل، و لأنّه أقوى المعجزات الّتی احتجّ بها الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم على الخلق فی صدقه. و قوله: أخذ علیهم میثاقه.

الضمیر فی أخذ للّه و فی میثاقه للکتاب، و ذلک الأخذ هو خلقهم و بعثهم إلى الوجود إلى أن یعملوا بما اشتمل علیه الکتاب من مطالب اللّه الحقّه، و هو ما أشار إلیه القرآن الکریم «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّکَ مِنْ بَنِی آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّیَّتَهُمْ» الآیه، و التقدیر أخذ علیهم میثاق بما فیه. و قوله: وارتهن علیه أنفسهم. أى جعل أنفسهم رهنا على العمل بما فیه و الوفاء به «فَمَنْ نَکَثَ فَإِنَّما یَنْکُثُ عَلى‏ نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفى‏ بِما عاهَدَ عَلَیْهُ اللَّهَ فَسَیُؤْتِیهِ أَجْراً عَظِیماً»و أتمّ به نوره: أى نور هدایته للخلق، و النور المتمّم هو نور النبوّه و هو المشار إلیه بقوله تعالى «یُرِیدُونَ أَنْ یُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ یَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ یُتِمَّ نُورَهُ» و إطفاؤه بما کانوا یقولونه من کونه صلّى اللّه علیه و آله و سلم معلّم مجنون و ساحر کذّاب، و کون القرآن أساطیر الأوّلین اکتتبها. و کذلک أکرم به دینه. و قوله: و قبض نبیّه. إلى قوله: به. کقوله تعالى «الْیَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینَکُمْ» الآیه، و أحکام الهدى بیان طرقه و کیفیّه سلوکها و تثبیتها فی قلوب المؤمنین. ثمّ أمر بتعظیم اللّه سبحانه و تعالى.

یقال: عظّمت من فلان. کما یقال: عظّمته، و ما هنا مصدریّه: أى عظّموه کتعظیمه نفسه: أى اطلبوا المناسبه فی تعظیمکم له کتعظیمه نفسه. ثمّ أشار إلى وجه وجوب تعظیمنا له و هو قوله: لم یخف عنکم شیئا من دینه بل کشفه لنا و بیّنه بأجمعه بقدر الإمکان، و لم یترک شیئا من مراضیه و مکارهه إلّا نصب علیه علما ظاهرا أو آیه واضحه من کتابه یشتمل على أمر بما یرضیه أو زجر عمّا یکرهه. و قوله: فرضاه فیما بقى واحد و سخطه فیما بقى واحد. إشاره إلى أنّ المرضىّ له من الأحکام أو المسخوط فیما مضى هو المرضىّ أو المسخوط فیما بقى من الأوقات و استقبل من الزمان، و حکمه فی کونه مرضیّا أو مسخوطا واحد فی جمیع الأوقات لا یتغیّر و لا ینقض، و فیه إیماء إلى أنّ رفع شی‏ء من الأحکام السابقه بالقیاس و الرأى لا یجوز کما سبق بیان مذهبه علیه السّلام فی ذلک. و قوله: أنّه لن یرضى عنکم بشی‏ء سخطه على من کان قبلکم. إلى قوله: قبلکم. تأکید و تقریر لما سبق: أى أنّ ما سخطه و نهى عنه الصحابه مثلا فلن یرضى عنکم بفعله فلیس لکم أن تجوّزوه و تحلّوه باجتهاد، و کذلک ما رضیه لهم و أمرهم به فلن یسخط علیکم بفعله حتّى تحرّموه باجتهاد منکم. و یحتمل أن یرید بقوله: فرضاه فیما بقى واحد و سخطه فیما بقى واحد: أى فیما بقى من الأحکام الجزئیّه الّتی لم یدلّ النصّ علیها بالمطابقه بل یحتاج إلى اجتهاد فی إلحاقها بالمنصوص و إدراجها تحت النصوص. و معنى وحده رضاه و سخطه فیها أنّ الحکم المطلوب أو المکروه فیها واحد لا یجوز الاختلاف فیه حتّى یحکم أحد المجتهدین فی الشی‏ء الواحد بالحلّ و یحکم الآخر فیه بالحرمه، و یختلف الفتاوى فی تلک القضیّه.

لأنّها إمّا مسخوطه أو مرضىّ. و یکون ذلک نهیا منه علیه السّلام عن الاختلاف فی الفتیا کما علمت ذمّه لذلک فیما سبق من الفصول، و یکون قوله: و اعلموا أنّه لن یرضى عنکم. إلى قوله: قبلکم. فی معنى النهى عن رفع الأحکام الشرعیّه بالاجتهاد و القیاس کما قرّرناه، و قیل: معناه النهى عن الاختلاف فی الفتیا أیضا: أى أنّه لن یرضى عنکم بالاختلاف الّذی سخطه ممّن کان قبلکم کما أشار إلیه تعالى بقوله «إِنَّ الَّذِینَ فَرَّقُوا دِینَهُمْ وَ کانُوا شِیَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِی شَیْ‏ءٍ» و کذلک لیس یسخط علیکم بالإتّفاق و الاجتماع المرضىّ ممّن کان قبلکم، و قیل: بل المراد أنّه لم یرض عنکم بشى‏ء سخطه ممّن کان قبلکم من الاعتقادات الباطله فی المسائل الإلهیّه، و لم یسخط علیکم بشى‏ء رضیه ممّن کان قبلکم من الاعتقادات الحقّه فیها، و یکون ذلک مختصّا بالاصول دون الفروع. و قوله: و إنّما تسیرون فی أثر بیّن. إلى قوله: قبلکم. إشاره إلى أنّ الأدلّه لکم واضحه قد تداولها الأوّلون قبلکم. فأنتم المتکلّمون‏ بها و تردّدونها رجع القول المردّد منهم. و قوله: قد کفاکم مئونه دنیاکم. کقوله تعالى «وَ آتاکُمْ مِنْ کُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ»«» و تلک الکفایه إمّا بخلقها و إیجادها، و إمّا برزقه بکلّ ما کتب له فی اللوح المحفوظ. و حثّه على الشکر فی تکرار أوامره به‏. و نقل عن الحسن البصرىّ أنّه قال: إنّ اللّه کفانا مئونه دنیانا و حثّنا على القیام بوظائف دیننا فلیته کفانا مئونه دیننا و حثّنا على القیام بوظائف دنیانا، و هو إشاره منه إلى شدّه التحفّظ فی الدین و الاحتراز علیه. و قوله: و افترض من ألسنتکم الذکر.

لمّا کان لکلّ من الجوارح عباده کانت العباده المفروضه باعتبار اللسان الذکر، و قد علمت أنّه باب عظیم من أبواب السلوک إلى اللّه بل هو روح العبادات کلّها.
إذ کلّ عباده لم یشفع بالذکر فهی خداج. ثمّ نبّه على التقوى بوصیّه اللّه تعالى فیها، ثمّ بکونها منتهى رضاه و حاجته من خلقه، و لفظ الحاجه مستعار. إذ تنزّه قدسه تعالى عنها، و وجه مشابهته للمحتاج هو الحثّ و الطلب المتکرّر منه حتّى کأنّه محتاج إلى عباده العباد و تقویهم، و لمّا استلزمت التقوى الحقیقیّه الوصول إلى اللّه لا جرم کانت منتهى رضاه من خلقه. ثمّ أمرهم بها بعد التنبیه علیها. و نبّه على الوجوه الّتی لأجلها تحصل تقوى اللّه و خشیته و هی کونهم بعینه: أى بحیث یعلم ما یعملون، و لفظ العین مجاز فی العلم إطلاقا لاسم السبب على المسبّب لاستلزامها إیّاه، و کون نواصیهم بیده: أى فی قدرته. و إنّما خصّ الناصیه إشاره إلى أنّ أعظم جوارح الإنسان و أشرف ما فیه مملوک. و الید مجاز فی القدره إطلاقا لاسم السبب القابلىّ على المسبّب، و کذلک کون تقلّبهم فی قبضته: أى تصرّفهم فی حرکاتهم و سکناتهم بحسب تصریف قدرته و حکمه لا خروج عنه فی شی‏ء. و قوله: إن أسررتم. کقوله تعالى «یَعْلَمُ ما یُسِرُّونَ».

و قوله: إن أعلنتم کتبه. إلى قوله: باطلا. قد سبقت الإشاره إلى الکتبه غیر مرّه. ثمّ أکّد القول فی التقوى بقوله: و اعلموا. إلى قوله: من الفتن. و هو لفظ القرآن.

و قوله: من الفتن. تفسیر لقوله: مخرجا. و نورا من الظلم. أى من ظلم الجهل بأنوار العلوم الحاصله عن الاستعداد بالتقوى. و قوله: و یخلده فیما اشتهت نفسه. کقوله تعالى «لا یَسْمَعُونَ حَسِیسَها وَ هُمْ فِی مَا»«»، و منزل الکرامه هو المنزل المبارک المأمور بطلبه فی قوله تعالى «وَ قُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِی مُنْزَلًا مُبارَکاً وَ أَنْتَ خَیْرُ الْمُنْزِلِینَ»«» و الدار الّتی اصطنعها لنفسه کنایه عن الجنّه، و نسبها إلى نفسه تعظیما لها و ترغیبا فیها. و ظاهر حسن تلک النسبه فإنّ الجنّه المحسوسه أشرف دار رتّبت لأشرف المخلوقات. و أمّا المعقوله فیعود إلى درجات الوصول و الاستغراق فی المعارف الإلهیّه الّتی بها السعاده و البهجه و اللذّه التامّه و هی جامع الاعتبار العقلىّ لمنازل أولیاء اللّه و خاصّته و مقامات ملائکته و رسله. و من المتعارف أنّ الملک العظیم إذا صرف عنایته إلى بناء دار یسکنها هو و خاصّته أن یقال إنّها تخصّ بالملک و أنّه بناها. و ظاهر الکلام یدلّ على أنّها فی السماوات و أنّ العرش علیها، و فی هذه الکلمه لطیفه و ذلک أنّک علمت أنّ العرش یطلق و یراد به الفلک التاسع، و یطلق و یراد به العقل الأوّل باعتبار إحاطه علمه بجمیع الموجودات و باعتبار حمله لمعرفه صانعه الأوّل- جلّت عظمته- ، و یطلق و یراد به سلطانه و عظمته. و استعار لفظ الظلّ للعرش بالمعنى الأوّل باعتبار أنّ حرکه الفلک من الأسباب المعدّه لوصول النفوس البشریّه و الفلکیّه إلى کمالها بالمعارف الإلهیّه الّتی بها الراحه الکبرى من حراره نار الجهل کما أنّ بالظلّ یکون الراحه من حراره الشمس.
و بالمعنى الثانی أیضا هو أنّ المعارف الإلهیّه المفاضه على أسرار المستعدّین من‏ قبل ذلک الملک المقدّس یکون بها الراحه الکبرى کما تکون بالظلّ أیضا. و بالمعنى الثالث أنّ سلطانه تعالى و علوّه هو المستولى على کلّ سلطان و العالى علیه العلوّ المطلق. و إذ هو مبدء راحه جمیع النفوس بجمیع کمالاتها العقلیّه فهو ظلّها الّذی إلیه یلجأ. و إطلاق لفظ الظلّ على النعمه و السلطان فی العرف ظاهر یقال: أنا فی ظلّ فلان و فی ظلّ الملک و عدله إذا کان فی نعمه منه و عنایته. و قوله: و نورها بهجته. فبهجته تعالى تعود إلى بهائه و کماله المشرق فی أقطار العالمین على أسرار النفوس. و ظاهر کونه نور الجنّه الّذی تعشى فیه أبصار البصائر، و یستغرق فی الابتهاج به الملائکه المقرّبون. و قوله: و زوّارها ملائکته و رفقاؤها رسله. فیه لطیفه: و ذلک أنّه لمّا کانت النفوس البشریّه متّحده کانت متقاربه المنازل فی الکمال، و ممکن لها ذلک. فعبّر عن الرسل بالرفقاء فی الجنّه لسکّانها. و لمّا خالفت أنواع الملائکه السماویّه و المجرّدین عن علایق الأجسام فی الحقائق و تفاوتت فی الکمالات لا جرم خصّص الملائکه بکونهم زوّارها: أى زوّار ساکنیها.

إذ کان الرفیق ألصق و أقرب من الزائر. و عبّر بتلک الزیاره عن حضور الملأ الأعلى عند النفوس الکامله عند [حین خ‏] انقطاعها عن العلایق الحسیّه و التفاتها عنها. و لمّا کان ذلک الحضور غیر دایم بل بحسب فلتات النفس أشبه الزیاره فاستعیر له لفظها. و إنّما کان الملک هو الزائر دون النفس لأنّ صورته و مثاله هو الواصل إلى النفس عند استعدادها لتصوّره من فیض واهب الصور. ثمّ عاد إلى التذکیر بأمر المعاد فأمر بمبادرته إلى المعالجه إلى ما یصلحه و یخلص من أهواله من سائر القربات إلى اللّه. و کذلک مسابقه الآجال. و قوله: فإنّ الناس یوشک أن ینقطع بهم الأمل. أى أمل الدنیا و البقاء فیها. و لأجل ذلک الانقطاع و قربه یجب أن یلتفت إلى صلاح المعاد. و یرهقهم الأجل: أى یلحقهم. فلأجل ذلک اللحوق یجب أن یسارع إلى العمل لما یبقى. و یسدّ عنهم باب التوبه بإدراک الأجل فیجب مبادرتها. و قوله: فقد أصبحتم. إلى قوله: قبلکم. أى أصبحتم فی حال الحیاه و الصحّه و الأمن و سایر الأسباب الّتی یتمنّى من کان قبلکم الرجعه إلیها، و یمکنکم معها العمل. و قوله: و أنتم بنو سبیل. إلى قوله: بالزاد. فالواو فی أنتم للحال، و استعار لهم وصف بنو السبیل لکونهم فی هذه الدار بالعرض تقصد بهم العنایه الإلهیّه غایه اخرى، و تحثّهم بالشریعه على الرحیل عن الدنیا فهم فیها کالمسافرین. فأبواب مدینتهم جود اللّه. و أقرب الأبواب إلى الدنیا الأرحام الّتی منها یخرجون إلیها. و أبواب الخروج منها هی الموت. و لفظ السفر مستعار مشهور یقرب من الحقیقه. و ظاهر أنّ دارا لا یبقى الإنسان فیها بل تکون مرافق لطریق دار اخرى لیست بدار للسالک إلى تلک الدار، و نبّه على إیذانهم فیها بالرحیل منها تنفیرا عن الرکون إلیها و اتّخاذها وطنا، و على أمرهم باتّخاذ الزاد فیها تنبیها على أنّ هناک غایه لها یجب أن یستعدّ للسلوک إلیها فیها.

و لفظ الزاد مستعار لتقوى اللّه و طاعته الّتی هی زاد النفوس إلى حضره ربّ العالمین. و قوله: و اعلموا. إلى قوله: نفوسکم. تذکیر بالوعید على المعاصى، و أمر لهم برحمه نفوسهم. و ذلک بالأعمال الصالحه و اتّباع أوامر اللّه. و قوله: فإنّکم قد جرّبتموها. إلى قوله: شیطان. فی قوّه احتجاج على وجوب تلک الرحمه. و تلخیصه أنّکم جرّبتم أنفسکم فی هذه الأمور الحقیره فجزعتم، و کلّ من جزع من أمثال هذه فبالأولى أن یجزع من کونه بین طابقین من نار ضجیع حجر و قرین شیطان، و قد علمت فیما سلف أنّ للنار سبع طبقات و هی درکاتها، و ضجیع حجر من قوله تعالى «وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَهُ»، و قرین شیطان من قوله «فَکُبْکِبُوا فِیها هُمْ وَ الْغاوُونَ وَ جُنُودُ إِبْلِیسَ أَجْمَعُونَ» و هم الشیاطین، و قوله «وَ مَنْ یَعْشُ عَنْ ذِکْرِ الرَّحْمنِ نُقَیِّضْ لَهُ شَیْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِینٌ»«» إلى قوله «وَ لَنْ یَنْفَعَکُمُ الْیَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّکُمْ فِی الْعَذابِ مُشْتَرِکُونَ»«». و قوله: أعلمتم أنّ مالکا. إلى قوله: زجرته. من صفات النار المحسوسه ذکرها للتخویف و التحذیر. و قوله: أیّها الیفن الکبیر. إلى قوله: السواعد. خطاب للشیخ الکبیر لأنّه أولى بالإقلاع عن المعصیه لقربه من الآخره. و سؤاله عن حاله سؤاله تقریع و توبیخ على المعصیه. و أطواق النار المحسوسه ظاهره، و أطواقها المعقوله تمکّن الهیئات البدنیّه من أعناق النفوس، و أغلالها من سواعدها. ثمّ أخذ فی التحذیر من اللّه لغایه العمل بما یرضیه حال الصحّه و الفسحه قبل لحوق ضدّیهما. ثمّ فی الأمر بالسعى لغایه فکاک رقابهم من النار. قبل أن تغلق رهائنها بآثامها. و قد علمت وجه الاستعاره هنا للرهن. ثمّ فی الأمر بالسهر، و کنّى به عن قطع اللیل بالعباده کقوله تعالى «وَ مِنَ اللَّیْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَ سَبِّحْهُ لَیْلًا طَوِیلًا»«» و إنّما خصّ اللیل لأنّه مظنّه الخلوه باللّه و الفراغ من الناس، و لأنّ النهار محلّ عباده اخرى کالجهاد و الکدح للعیال. ثم بتضمیر البطون، و کنّى به عن صیام النهار. ثمّ باستعمال أقدامهم، و کنّى به عن القیام فی الصلاه. ثمّ بإنفاق أموالهم، و کنّى به عن الصدقات و الزکوات فی سبیل اللّه. ثمّ بالأخذ من أجسادهم، و کنّى به عن إذابتها بالصیام و القیام للصلوات و إیثار القشف المستلزم للإعراض عن تربیته هذه الأجساد لاستلزام ذلک حبّ الدنیا و الإقبال على لذّاتها. و لا شکّ أنّ الأخذ من الجسد بهذه العبادات جود على النفس بملکات الخیر و القرب من اللّه تعالى، و لذلک قال: فجودوا بها على أنفسکم و لا تبخلوا بها عنها. و فی ذکر أنّ إتعاب الجسد جود على النفس ترغیب فیه. ثمّ استشهد بالآیتین على وعد اللّه بالنصر لمن نصره، و بمضاعفه الأجر لمن أقرضه بعد أمره بنصر اللّه بامتثال أوامره و بقرضه بالصدقات، و وجه استعاره لفظ القرض کثره الأوامر الإلهیّه الطالبه للصدقات فاشبهت طلب‏ المحتاج المستقرض، و فائده هذه الاستشهاد إلى قوله: أیّکم أحسن عملا. إعلامهم بانّه الغنّى المطلق عن عباده فیما طلبه منهم من نصره و قرض، و بیان غایه العنایه الإلهیّه منهم بذلک و هو الابتلاء، و قد علمت ابتلاء اللّه تعالى لخلقه غیر مرّه. ثمّ أعاد الأمر بالمبادره إلى أعمال الآخره لغایه الکون مع خزّان اللّه [جیران اللّه- خ- ] فی جنّته مرافقین لرسله کما قال تعالى «وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَیْکُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِینَ»«» و مرافقه رسله کقوله تعالى «وَ مَنْ یُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِکَ مَعَ الَّذِینَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَیْهِمْ مِنَ النَّبِیِّینَ وَ الصِّدِّیقِینَ وَ الشُّهَداءِ»«» و مزارین للملائکه کقوله تعالى «وَ الْمَلائِکَهُ یَدْخُلُونَ عَلَیْهِمْ مِنْ کُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَیْکُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ» و تکرمه أسماعهم أن یسمع حسیس نار أبدا کقوله تعالى «لا یَسْمَعُونَ حَسِیسَها وَ هُمْ فِی مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُم‏ ْ خالِدُونَ» و صیانه أجسادهم أن یلقى لغوبا و نصبا کقوله تعالى «لا یَمَسُّنا فِیها نَصَبٌ وَ لا یَمَسُّنا فِیها لُغُوبٌ»«». و قوله: ذلک فضل اللّه الآیه. اقتباس للآیه و وجه الاقتباس ظاهر. و قوله: أقول. إلى آخره. خاتمه الخطبه، و فیها الاستعانه باللّه على النفوس الأمّاره بالسوء فی قهرها و تطویعها للنفوس المطمئنّه فإنّه نعم المعین و نعم الوکیل.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۳۹۶

 

بازدیدها: ۲

خطبه ۱۸۱شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

روى عن نوف البکالى قال: خطبنا هذه الخطبه بالکوفه أمیر المؤمنین علیه السلام و هو قائم على حجاره نصبها له جعده بن هبیره المخزومى، و علیه مدرعه من صوف، و حمائل سیفه لیف، و فی رجلیه نعلان من لیف، و کأن جبینه ثفنه بعیر. فقال علیه السلام:

 

القسم الأول

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی إِلَیْهِ مَصَائِرُ الْخَلْقِ- وَ عَوَاقِبُ الْأَمْرِ نَحْمَدُهُ عَلَى عَظِیمِ إِحْسَانِهِ- وَ نَیِّرِ بُرْهَانِهِ وَ نَوَامِی فَضْلِهِ وَ امْتِنَانِهِ- حَمْداً یَکُونُ لِحَقِّهِ قَضَاءً وَ لِشُکْرِهِ أَدَاءً- وَ إِلَى ثَوَابِهِ مُقَرِّباً وَ لِحُسْنِ مَزِیدِهِ مُوجِباً- وَ نَسْتَعِینُ بِهِ اسْتِعَانَهَ رَاجٍ لِفَضْلِهِ مُؤَمِّلٍ لِنَفْعِهِ وَاثِقٍ بِدَفْعِهِ- مُعْتَرِفٍ لَهُ بِالطَّوْلِ مُذْعِنٍ لَهُ بِالْعَمَلِ وَ الْقَوْلِ- وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِیمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِناً- وَ أَنَابَ إِلَیْهِ مُؤْمِناً وَ خَنَعَ لَهُ مُذْعِناً- وَ أَخْلَصَ لَهُ مُوَحِّداً وَ عَظَّمَهُ مُمَجِّداً وَ لَاذَ بِهِ رَاغِباً مُجْتَهِداً لَمْ یُولَدْ سُبْحَانَهُ فَیَکُونَ فِی الْعِزِّ مُشَارَکاً- وَ لَمْ یَلِدْ فَیَکُونَ مَوْرُوثاً هَالِکاً- وَ لَمْ یَتَقَدَّمْهُ وَقْتٌ وَ لَا زَمَانٌ- وَ لَمْ یَتَعَاوَرْهُ زِیَادَهٌ وَ لَا نُقْصَانٌ- بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلَامَاتِ التَّدْبِیرِ الْمُتْقَنِ- وَ الْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ- فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بِلَا عَمَدٍ- قَائِمَاتٍ بِلَا سَنَدٍ دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ- غَیْرَ مُتَلَکِّئَاتٍ وَ لَا مُبْطِئَاتٍ- وَ لَوْ لَا إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِیَّهِ- وَ إِذْعَانُهُنَّ بِالطَّوَاعِیَهِ- لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ وَ لَا مَسْکَناً لِمَلَائِکَتِهِ- وَ لَا مَصْعَداً لِلْکَلِمِ الطَّیِّبِ وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلَاماً یَسْتَدِلُّ بِهَا الْحَیْرَانُ- فِی مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الْأَقْطَارِ- لَمْ یَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا ادْلِهْمَامُ سُجُفِ اللَّیْلِ الْمُظْلِمِ- وَ لَا اسْتَطَاعَتْ جَلَابِیبُ سَوَادِ الْحَنَادِسِ- أَنْ‏ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِی السَّمَاوَاتِ مِنْ تَلَأْلُؤِ نُورِ الْقَمَرِ- فَسُبْحَانَ مَنْ لَا یَخْفَى عَلَیْهِ سَوَادُ غَسَقٍ دَاجٍ- وَ لَا لَیْلٍ سَاجٍ فِی بِقَاعِ الْأَرَضِینَ الْمُتَطَأْطِئَاتِ- وَ لَا فِی یَفَاعِ السُّفْعِ الْمُتَجَاوِرَاتِ- وَ مَا یَتَجَلْجَلُ بِهِ الرَّعْدُ فِی أُفُقِ السَّمَاءِ- وَ مَا تَلَاشَتْ عَنْهُ بُرُوقُ الْغَمَامِ- وَ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَهٍ تُزِیلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ الْأَنْوَاءِ- وَ انْهِطَالُ السَّمَاءِ- وَ یَعْلَمُ مَسْقَطَ الْقَطْرَهِ وَ مَقَرَّهَا وَ مَسْحَبَ الذَّرَّهِ وَ مَجَرَّهَا- وَ مَا یَکْفِی الْبَعُوضَهَ مِنْ قُوتِهَا وَ مَا تَحْمِلُ الْأُنْثَى فِی بَطْنِهَا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْکَائِنِ قَبْلَ أَنْ یَکُونَ کُرْسِیٌّ أَوْ عَرْشٌ- أَوْ سَمَاءٌ أَوْ أَرْضٌ أَوْ جَانٌّ أَوْ إِنْسٌ- لَا یُدْرَکُ بِوَهْمٍ وَ لَا یُقَدَّرُ بِفَهْمٍ- وَ لَا یَشْغَلُهُ سَائِلٌ وَ لَا یَنْقُصُهُ نَائِلٌ- وَ لَا یَنْظُرُ بِعَیْنٍ وَ لَا یُحَدُّ بِأَیْنٍ وَ لَا یُوصَفُ بِالْأَزْوَاجِ- وَ لَا یُخْلَقُ بِعِلَاجٍ وَ لَا یُدْرَکُ بِالْحَوَاسِّ وَ لَا یُقَاسُ بِالنَّاسِ- الَّذِی کَلَّمَ مُوسَى تَکْلِیماً وَ أَرَاهُ مِنْ آیَاتِهِ عَظِیماً- بِلَا جَوَارِحَ وَ لَا أَدَوَاتٍ وَ لَا نُطْقٍ وَ لَا لَهَوَاتٍ- بَلْ إِنْ کُنْتَ صَادِقاً أَیُّهَا الْمُتَکَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّکَ- فَصِفْ جِبْرِیلَ وَ مِیکَائِیلَ وَ جُنُودَ الْمَلَائِکَهِ الْمُقَرَّبِینَ فِی حُجُرَاتِ الْقُدُسِ مُرْجَحِنِّینَ- مُتَوَلِّهَهً عُقُولُهُمْ أَنْ یَحُدُّوا أَحْسَنَ الْخَالِقِینَ- فَإِنَّمَا یُدْرَکُ بِالصِّفَاتِ ذَوُو الْهَیْئَاتِ وَ الْأَدَوَاتِ- وَ مَنْ یَنْقَضِی إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ- فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَضَاءَ بِنُورِهِ کُلَّ ظَلَامٍ-وَ أَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ کُلَّ نُورٍ أُوصِیکُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- الَّذِی أَلْبَسَکُمُ الرِّیَاشَ وَ أَسْبَغَ عَلَیْکُمُ الْمَعَاشَ- فَلَوْ أَنَّ أَحَداً یَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِیلًا- لَکَانَ ذَلِکَ سُلَیْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ع الَّذِی سُخِّرَ لَهُ مُلْکُ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ- مَعَ النُّبُوَّهِ وَ عَظِیمِ الزُّلْفَهِ- فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ وَ اسْتَکْمَلَ مُدَّتَهُ- رَمَتْهُ قِسِیُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ الْمَوْتِ- وَ أَصْبَحَتِ الدِّیَارُ مِنْهُ خَالِیَهً- وَ الْمَسَاکِنُ مُعَطَّلَهً وَ وَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ- وَ إِنَّ لَکُمْ فِی الْقُرُونِ السَّالِفَهِ لَعِبْرَهً- أَیْنَ الْعَمَالِقَهُ وَ أَبْنَاءُ الْعَمَالِقَهِ- أَیْنَ الْفَرَاعِنَهُ وَ أَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَهِ- أَیْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسِّ الَّذِینَ قَتَلُوا النَّبِیِّینَ- وَ أَطْفَئُوا سُنَنَ الْمُرْسَلِینَ وَ أَحْیَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِینَ- أَیْنَ الَّذِینَ سَارُوا بِالْجُیُوشِ وَ هَزَمُوا بِالْأُلُوفِ- وَ عَسْکَرُوا الْعَسَاکِرَ وَ مَدَّنُوا الْمَدَائِنَ

اللغه

أقول: نقل الجوهرىّ فی الصحاح أنّ نوفا البکالى بفتح الباء و تخفیف الکاف کان صاحب علىّ علیه السّلام، و نقل عن ثعلب أنّه منسوب إلى بکاله قبیله. و قال القطب الراوندىّ: و هو منسوب إلى بکال، و بکیل و بکال شی‏ء واحد و هو اسم حىّ من همدان. قال: و بکیل أکثر، و قال الشارح عبد الحمید بن أبى الحدید: و الصواب غیر ما قالاه، و إنّما هو بکال بکسر الباء من حمیر فمنهم هذا الشخص و هو نوف بن فضاله صاحب علیّ علیه السّلام. و الأقوال محتمله. و أمّا جعده بن هبیره فهو ابن اخت أمیر المؤمنین علیه السّلام امّ هانى بنت أبى طالب بن عبد المطّلب بن هاشم، و أبوه هبیره بن أبى وهب بن عمرو بن عامد بن عمران بن مخزوم و هو صحابىّ. و ثفنه البعیر: واحده الثفنات و هی ما یقع على الأرض من أعضائه.

و الخنوع: الخضوع.

و یتعاوره.

یختلف علیه.

و موطّدات. ممهّدات.

و التلکّؤ: التوقّف.

و الطواعیه: الطاعه.

و الفجاج: الطریق بین الجبال.

و الادلهمام: شدّه الظلمه.

و السجف: الستور.

و الحندس بکسر الحاء: اللیل شدید الظلمه.

و السفع: الجبال.

و السفعه: سواد مشرب بحمره و لون الجبال فی الأکثر.

و الیفاع: المرتفع من الأرض.

و الجلجله: صوت الرعد.

و تلاشى: اضمحلّ: و الأنواء: جمع نوء، و هو سقوط نجم من منازل القمر الثمانیه و العشرین فی المغرب مع الفجر، و طلوع رقیبه من المشرق یقابله من ساعته فی کلّ لیله إلى ثلاثه عشر یوما، و هکذا کلّ نجم منها إلى انقضاء السنه ما خلا الجبهه فإنّ لها أربعه عشر یوما.

و مرجحنّین: مائلین إلى جهه تحت.

و الریاش: اللباس.

و الطعمه. المأکله.

المعنى

فقوله: الحمد للّه. إلى قوله: الأمر. حمد له باعتبار کونه منتهى جمیع آثاره فی عالمى الخلق و الأمر انتهاءاً فی أوّلیّتها بالصنع و الإبداع و انتهاء فی آخریّتها لأنّه غایه مطلوب السالکین، و هو الباقى بعد کلّ شی‏ء منها باعتبار وجوب وجوده فهو مستحقّ البقاء لذاته، و هى الممکنه و المستحقّه للفناء باعتبار کونه ممکنا لها، و لمّا کان الحمد قد یکون لأداء حقّ ما سبق من النعمه، و قد یکون للاستزاده منها کان قوله: نحمده. إلى قوله: أداء. نظرا إلى ما سبق من أنواع نعم اللّه و هی عظیم إحسانه بالخلق و الایجاد على وفق الحکمه و المنفعه. ثمّ بإناره برهانه فی متقن صنعه و محکمه و على ألسنه رسله لسوقنا فی صراطه المستقیم إلى جنّات النعیم و هدایتنا إلیها. ثمّ بإفاضه نوامى فضله و امتنانه بکفایتنا فی حیاتنا الدنیا. ثمّ بإفاضه أسباب معاشنا و معادنا، و کان قوله: و إلى ثوابه. إلى قوله: موجبا إشاره إلى ما یستزاد منها و هو القرب من ثوابه الاخروى لاستکمال النفس بذلک و حسن مزیده من نعمه الحاضره کما قال تعالى «لَئِنْ شَکَرْتُمْ لَأَزِیدَنَّکُمْ»«» ثمّ أردف ذلک الشکر بطلب المعونه منه استعانه بالصفات المعدوده. إلى قوله: و القول. فإنّ استعانه من هذه صفته تکون أقرب الاستعانات إلى إجابه المستعان بالعون لقوّتها باستجماعها قوّه الرجاء، و الأمل له تعالى، و حسن الیقین فی قدرته على بذل النفع و دفع الضرّ، و الشکر و الإذعان بالطاعه العملیّه و القولیّه. ثمّ أردف ذلک بالإقرار بالإیمان الکامل، و هو إیمان من استکمل الأوصاف المعدوده آنفا و هی رجاء المطالب العالیه منه حال الیقین التامّ بأنّه أهلها، و الرجوع إلیه عن جمیع الفرطات و فی سائر المهمّات حال الإیمان به، و الخضوع حال انقیاده لعزّته، ثمّ الإخلاص له حال توحیده، ثمّ تعظیمه حال تمجیده، و اللوذ به حال الرغبه إلیه و الاجتهاد فیها.
و ظاهر أنّ ذلک الإیمان کامل. ثمّ أخذ فی تنزیهه تعالى باعتبارات سلبیّه و إضافیّه هی غایه الواصفین: منها أنّه لم یکن له والد فیکون له شریک فی العزّ. إذ العاده أن یکون والد العزیز عزیزا. و منها أنّه لم یلد فیکون موروثا هالکا. و هو تنزیه له عن صفات البشر. إذ العاده أنّ الإنسان یهلک فیرثه ولده، و برهانهما أنّهما من لواحق الحیوانیّه المستلزمه للجسمیّه المنزّه قدسه عنها. و منها أنّه لم یتقدّمه وقت و لا زمان و الوقت جزء الزمان و إذا کان خالق الوقت و الزمان فبالحرىّ أن یتقدّمها. و منها أنّه لم یختلف علیه الزیاده و النقصان لأنّ الزیاده و النقصان من لواحق الممکنات لاستلزامهما التغیّر المستلزمه للإمکان المنزّه قدسه عنه. و منها أنّه ظاهر للعقول فی علامات التدبیر، و هى الإحکام و الإتقان فی مصنوعاته الموجوده على وفق القضاء المحکم فمن جملتها خلق السماوات کقوله تعالى «إِنَّ فِی خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» الآیه، و قوله «أَ وَ لَمْ یَنْظُرُوا فِی مَلَکُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» و قد مرّ بیان کونهما بلا عمد و قیامهما بلا سند فی الخطبه الاولى، و دعاؤهنّ حکم سلطان القدره الإلهیّه علیهنّ، و إجابتهنّ دخولهنّ فی الوجود عن ذلک الحکم و طوعهنّ و إذعانهنّ من غیر تلکّؤ و لا تباطى‏ء فی إجابتهنّ و خضوعهنّ فی رقّ الحاجه و الإمکان لواجب وجوده و سلطانه. و قوله: و لو لا إقرارهنّ. إلى قوله: و العمل الصالح من خلقه. کلام حقّ فإنّ الإقرار بالربوبیّه له راجع إلى شهاده لسان حال الممکن بالحاجه إلى الربّ و الانقیاد لحکم قدرته، و ظاهر أنّه لو لا إمکانها و انفعالها عن قدرته و تدبیره لم یکن فیها عرش و لم یکن أهلا لقبول تدبیر أحوال الملائکه و سکناها، و لم تکن قابله لصعود الملائکه بالکلم الطیّب و الأعمال الصالحه للخلق، و قد سبقت الإشاره إلى بیان الصعود بالأعمال و غیرها فی الخطبه الاولى بحسب الإمکان، و لفظ الدعاء و الإقرار و الإذعان مستعاره و یحتمل أن یکون حقائق نظرا إلى أنّ لها أرواحا مدبّره عاقله.

و قوله: و جعل نجومها. إلى قوله: الأقطار. إشاره إلى بعض غایات وجود النجوم، و قد سبق بیان ذلک. و قوله: لم یمنع. إلى قوله: القمر. استعار لفظ السجف و الجلابیب للساتر من سواد اللیل، و وجه الاستعاره ظاهر، و خصّ القمر بالذکر لکونه من الآیات العظیمه، و المقابله بین الضیاء و الظلم مقابله العدم و الملکه، و کلّ منهما یوجد بوجود سببه و یعدم بعدم سببه فلا یکون رفع أحدهما بالآخر، و ظاهر إذن أنّ نور القمر و النجوم لا یمنعه من الوجود و التحقّق ظلمه لیل بل یتعاقبان بحسب تعاقب أسبابهما المنتهیه إلى قدره الصانع الحکیم- جلّت قدرته-

. و قوله: فسبحان. إلى قوله: فی بطنها. تنزیه له بحسب إحاطه علمه بحسب کلّیّات الأشیاء و جزئیّاتها. و المطأطئات: مهابط الأرض، و ما یتجلجل به الرعد إشاره إلى تسبیحه فی قوله تعالى «وَ یُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ»«» و ذلک التسبیح یعود إلى شهادته بلسان حاله فی ذلک الصوت على کمال قدره مسخّر السحاب و مؤلّفه و المقدّر لتصویته، و قد عرفت سببه، و ما تلاشت‏ عنه بروق الغمام إشاره إلى ما ینکشف للأبصار بإضائتها، و إنّما خصّ ذلک دون ما أضاءته لأنّ العلم هناک أشرف لتعلّقه بما لا یدرکه أبصار المخلوقین دون ما تضیئه لإدراک الکلّ له، و إنّما أضاف العواصف إلى الأنواء لأنّ العرب تضیف الآثار العلویّه من الریاح و الأمطار و الحرّ و البرد إلیها. ثمّ عاد إلى حمده تعالى باعتبار تقدّمه فی الوجود على سائر مخلوقاته، و قد عرفت ما یقال فی الکرسىّ و العرش.

ثمّ نزّهه تعالى باعتبارات سلبیّه:

الأوّل: أنّه لا یدرک بوهم. الثانی: أنّه لا یقدّر بفهم: أى لا یحدّ بفهم، و الفهم من صفات العقل و قد مرّت الإشاره إلى عجز العقول و الأوهام عن وصفه تعالى. الثالث: و لا یشغله سائل لإحاطه علمه و قدرته. و قد سبق بیانه أیضا. الرابع: و لا ینقصه نائل لأنّ النقصان یتوجّه نحو ذى الحاجه، و قد تنزّه قدسه تعالى عنها. الخامس: کونه لا یبصر بعین: أى أنّ إدراکه لیس بحاسّه البصر و إن کان بصیرا و ذلک لتنزّه قدسه عن الحواسّ. السادس: و لا یحدّ بأین: أى لا تحدّه العقول بالأمکنه و لا تحیط به باعتبارها لبراءته عن التحیّز و هو نفى الکمیّه المتّصله عنه. السابع: و لا یوصف بالأزواج و هو نفى الکمّ المنفصل عنه: أى لیس فیه اثنینیه و تعدد. و الثامن: و لا یخلق بعلاج تنزیه لصنعه عن وساطه الآله و الحیله کما تزاوله أصحاب الصنائع. التاسع: و لا یدرک بالحواسّ لتخصیص إدراکها بالأجسام و کیفیّاتها و تنزّهه تعالى عن الجسمیّه و لواحقها. العاشر: و لا یقاس بالناس تنزیه له عن التشبّه بخلقه فی کمالاتهم کما یتوهّمه أهل التجسیم.

الحادى عشر: کونه متکلّما بلا جارحه نطق و لا لهوات، و هو تنزیه له عن حال البشریّه. و علمت فی المقدّمات کیفیّه سماع الأنبیاء علیهم السلام للوحى. فأمّا قوله: و أراه من آیاته عظیما. فقیل: أراد آیاته فی کلامه لئلّا یصیر بین قوله: تکلیما. و قوله: بلا جوارح. اعتراض غیر مناسب، و الّذی رآه من تلک الآیات ما روى أنّه کان یسمع الصوت من جهاته الستّ لیس على حدّ سماع البشر من جهه مخصوصه و له دوىّ کوقع السلاسل العظیمه على الحصا الأصمّ، و فی هذه الکیفیّه سرّ لطیف، و کونه یسمع من الجهات الستّ إشاره إلى أنّ الکلام کان یأتیه فینتقش فی لوح خیاله لا من جهه بل نسبه الجهات الستّ إلیه على سواء فی عدم سماعه منها فلا جرم قیل: یسمع من الجهات الستّ و هو أولى من أن یقال: یسمع لا من جهه لبعد ذلک عن أوهام الخلق. فأمّا کونه کوقع السلاسل فی القوّه فأشار إلى عظمته بالنسبه إلیه فشبّهه بأشدّ الأصوات جرسا.

و قیل: أراد بها الآیات التسع کانشقاق البحر و قلب العصا ثعبانا و غیرهما. ثمّ نبّه على عجز القوّه البشریّه عن وصف کماله تعالى بقوله: بل إن کنت صادقا إلى قوله: أحسن الخالقین. و هی صوره قیاس استثنائىّ متّصل نبّه به على عجز من یدّعى وصف ربّه کما هو، و تقدیره إن کنت صادقا أیّها المتکلّف لوصف ربّک فی وصفه فصف بعض خلقه و هو جبرئیل و میکائیل و جنود ملائکته المقرّبین، و و ینتج باستثناء نقیض تالیه: أى لکنّک لا یمکنک وصف هؤلاء بالحقیقه فلا یمکنک وصفه تعالى. بیان الملازمه أنّ وصفه تعالى إذا کان ممکنا لک فوصف بعض آثاره أسهل علیک، و أمّا بطلان التالى فلأنّ حقیقه جبرئیل و میکائیل و سایر الملائکه المقرّبین غیر معلومه لأحد من البشر، و من عجز عن وصف بعض آثاره فهو عن وصفه أعجز، و حجرات القدس: مقارّ الطهاره عن الهیئات البدنیّه و التعلّقات الخیالیّه عن شوائب النفس الأمّاره بالسوء، و استعار لفظ المرجحنّین لخضوعهم تحت سلطان هیبته و عظمته، و تولّه عقولهم: حیرتها و تشتّتها عن إدراک حقیقته بحدّ تقف عنده عظمته، ثمّ نبّه على ما یدرک من جهه الوصف و هو ذوو الهیئات و الآلات الّتی یحترف بها و یحیط بها الأفهام من جهتها، و ما یلحقه الفناء فینقضى إذا بلغ أمد حدّه، و تقف الأفهام على ذلک الحدّ و تحلّله إلى أجزائه فتطّلع على کنهه منها. ثمّ عقّب ذلک التنزیه بتوحیده و نفى الکثره عنه.

و قوله: أضاء بنوره کلّ ظلام. فالظلام إمّا محسوس فأضاء بأنوار الکواکب، أو معقول و هو ظلام الجهل فأضاءه بأنوار العلم و الشرائع. و قوله: و أظلم بنوره کلّ نور. إذ جمیع الأنوار المحسوسه أو المعقوله لغیره متلاشیه مضمحلّه فی نور علمه، و ظلام بالنسبه إلى ضیاء براهینه فی جمیع مخلوقاته الکاشفه على وجوده و کمال جوده. ثمّ شرع فی الموعظه فبدء بالوصیّه بتقوى اللّه باعتبار سلب أمرین هما سبب البقاء فی الحیاه الدنیا و هما الملبوس و المطعوم، و یحتمل أن یرید بالمعاش سائر أسباب البقاء، و ثنّى بذکر أنّه لا سبیل إلى البقاء و دفع الموت تخویفا به، و احتجّ علیه بقیاس استثنائى تلخیصه: لو أنّ أحدا یجد سبیلا إلى دفع الموت لوجده سلیمان علیه السّلام و تقدیر الاستثناء: لکنّه لم یجده فلن یجده أحد بعده. أمّا الملازمه فلأنّ سلیمان علیه السّلام کان أقوى سلطان وجد فی العالم لاستیلاء حکمه على ملک الجنّ و الإنس مع النبوّه و عظیم الزلفه عند اللّه فکان أولى بدفعه لو کان یمکن دفعه، و أمّا بطلان التالى فلأنّه علیه السّلام لما استوفى طعمته و استکمل مدّته مات فلو وجد مدفعا لدفعه عن نفسه.

فقوله: فلو أنّ. إلى قوله: سبیلا. هو مقدّم الشرطیّه.
و قوله: لکان ذلک. إلى قوله: علیه السّلام. هو التالى.
و قوله: الّذی. إلى قوله: الزلفه. بیان لوجه الملازمه.
و قوله: فلمّا استوفى. إلى قوله: قوم آخرون.

هو بیان بطلان التالى، و لفظ القسىّ و النبال استعاره لمرامى الأمراض و أسبابها الّتی هی نبال الموت، و وجها ظاهر. ثمّ شرع فی التنبیه على الاعتبارات بأحوال القرون السالفه و استفهم عن قرن قرن تنبیها على فنائهم استفهاما على سبیل التقریر.
و العمالیق أولاد لاوذ بن إرم بن سام بن نوح و کان بالیمن و الحجاز و ما تاخم ذلک من الأقالیم فمن أولاده عملاق و طسم و جدیس، و کان العزّ و الملک بعد عملاق بن لاوذ فی طسم فلمّا ملکهم عملاق بن طسم بغى و أکثر العبث و الفساد فی الأرض حتّى کان یطأ العروس لیله هدائها إلى بعلها و إن کانت بکرا افتضّها قبل وصولها إلیه ففعل ذلک بامراه من جدیس فغضب لها أخوها و تابعه قومه على الفتک بعملاق بن طسم و أهل بیته فصنع أخوها طعاما و [دخل خ‏] عملاق الملک إلیه. ثمّ وثب به و بطسم فأتى على رؤسائهم و نجا منهم ریاح بن مرّ فصار إلى ذى جیشان بن تبّع الحمیرى ملک الیمن فاستغاث به و استنجده على جدیس و أتى ذو جیشان فی حمیر بلاد جوّ و هی قصبه الیمامه فاستأصل جدیسا و أخرب الیمامه. فلم یبق لجدیس باقیه و لا لطسم إلّا الیسیر منهم. ثمّ ملک بعد طسم و جدیس و باز بن أمیم بن لاوذ بن إرم بولده و أهله فنزل بأرض و باز و هی المعروفه الآن برمل عالج فبغوا فی الأرض حینا ثمّ أفناهم اللّه. ثمّ ملک بعد و باز عبد ضخم [صمم خ‏] بن آسف بن لاوذ فنزلوا بالطایف حینا.

ثمّ بادوا. و أمّا الفراعنه فهم ملوک مصر فمنهم الولید بن ریّان فرعون یوسف، و منهم الولید بن مصعب فرعون موسى، و منهم فرعون الأعرج الّذی غزا بنى إسرائیل و أخرب بیت المقدس. و أمّا أصحاب مداین الرسّ. فقیل: إنّهم أصحاب شعیب النبىّ علیه السّلام و کانوا عبده أوثان و لهم مواشى و آبار یستقون منها، و الرسّ بئر عظیمه جدّا انخسفت بهم و هم حولها، و قیل: الرسّ قریه بالیمامه کان یسکنها قوم من بقایا ثمود فبغوا فاهلکوا، و قیل الرس: أصحاب الاخدود و هو الرسّ الأخدود، و قیل: الرسّ نهر عظیم فی إقلیم الباب و الأبواب مبدئه من مدینه طرار و ینتهى إلى نهر کبیر فیختلط به حتّى یصبّ فی بحر الخزر، و کان هناک ملوک اولو بأس و قدره فأهلکهم اللّه ببغیهم. و باللّه التوفیق.

 

القسم الثانی منها

قَدْ لَبِسَ لِلْحِکْمَهِ جُنَّتَهَا- وَ أَخَذَهَا بِجَمِیعِ أَدَبِهَا مِنَ الْإِقْبَالِ عَلَیْهَا- وَ الْمَعْرِفَهِ بِهَا وَ التَّفَرُّغِ لَهَا- فَهِیَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِی یَطْلُبُهَا- وَ حَاجَتُهُ الَّتِی یَسْأَلُ عَنْهَا- فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الْإِسْلَامُ- وَ ضَرَبَ بِعَسِیبِ ذَنَبِهِ- وَ أَلْصَقَ الْأَرْضَ بِجِرَانِهِ بَقِیَّهٌ مِنْ بَقَایَا حُجَّتِهِ- خَلِیفَهٌ مِنْ خَلَائِفِ أَنْبِیَائِهِ ثم قال علیه السلام: أَیُّهَا النَّاسُ إِنِّی قَدْ بَثَثْتُ لَکُمُ الْمَوَاعِظَ- الَّتِی وَعَظَ الْأَنْبِیَاءُ بِهَا أُمَمَهُمْ- وَ أَدَّیْتُ إِلَیْکُمْ مَا أَدَّتِ الْأَوْصِیَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ- وَ أَدَّبْتُکُمْ بِسَوْطِی فَلَمْ تَسْتَقِیمُوا- وَ حَدَوْتُکُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا- لِلَّهِ أَنْتُمْ- أَ تَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَیْرِی یَطَأُ بِکُمُ الطَّرِیقَ- وَ یُرْشِدُکُمُ السَّبِیلَ- أَلَا إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ الدُّنْیَا مَا کَانَ مُقْبِلًا- وَ أَقْبَلَ مِنْهَا مَا کَانَ مُدْبِراً- وَ أَزْمَعَ التَّرْحَالَ عِبَادُ اللَّهِ الْأَخْیَارُ- وَ بَاعُوا قَلِیلًا مِنَ الدُّنْیَا لَا یَبْقَى- بِکَثِیرٍ مِنَ الْآخِرَهِ لَا یَفْنَى- مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِینَ سُفِکَتْ دِمَاؤُهُم وَ هُمْ بِصِفِّینَ- أَلَّا یَکُونُوا الْیَوْمَ أَحْیَاءً یُسِیغُونَ الْغُصَصَ- وَ یَشْرَبُونَ الرَّنْقَ قَدْ وَ اللَّهِ لَقُوا اللَّهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ- وَ أَحَلَّهُمْ دَارَ الْأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ- أَیْنَ إِخْوَانِیَ الَّذِینَ رَکِبُوا الطَّرِیقَ- وَ مَضَوْا عَلَى الْحَقِّ أَیْنَ عَمَّارٌ وَ أَیْنَ ابْنُ التَّیِّهَانِ- وَ أَیْنَ ذُو الشَّهَادَتَیْنِ- وَ أَیْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِینَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِیَّهِ- وَ أُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَهِ- قَالَ ثُمَّ ضَرَبَ بِیَدِهِ عَلَى لِحْیَتِهِ الشَّرِیفَهِ الْکَرِیمَهِ- فَأَطَالَ الْبُکَاءَ ثُمَّ قَالَ ع- أَوْهِ عَلَى إِخْوَانِیَ الَّذِینَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْکَمُوهُ- وَ تَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ- أَحْیَوُا السُّنَّهَ وَ أَمَاتُوا الْبِدْعَهَ- دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا وَ وَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ الْجِهَادَ الْجِهَادَ عِبَادَ اللَّهِ- أَلَا وَ إِنِّی مُعَسْکِرٌ فِی یَومِی هَذَا- فَمَنْ أَرَادَ الرَّوَاحَ إِلَى اللَّهِ فَلْیَخْرُجْ

قال نوف: و عقد للحسین- علیه السلام- فی عشره آلاف، و لقیس بن سعد رحمه اللّه فی عشره آلاف، و لأبى أیوب الأنصارى فی عشره آلاف، و لغیرهم على أعداد أخر، و هو یرید الرجعه إلى صفین، فما دارت الجمعه حتى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه اللّه، فتراجعت العساکر فکنا کأغنام فقدت راعیها تختطفها الذئاب من کل مکان.

اللغه

أقول: جرانه: صدره.

و عسیب ذنبه: طرفه.

و استوسق الأمر: انتظم و اجتمع.

و أزمع: صمّم عزمه.

و الرنق بالسکون: الکدر.

و أبرد: أرسل.

و أوه: ساکنه الواو مکسوره الهاء کلمه توجّع.

و الاختطاف و التخطّف: الأخذ بسرعه.

المعنى

و الإشاره إلى العارف مطلقا، و قال بعض الإمامیّه: الإشاره إلى الإمام المنتظر، و لیس بواضح من هذا الکلام، و لفظ الجنّه مستعار فی الاستعداد للحکمه بالزهد و العباده الحقیقیّتین و المواظبه على العمل بأوامر اللّه، و وجه الاستعاره أنّ بذلک الاستعداد یأمن إصابه سهام الهوى و ثوران دواعى الشهوات القایده إلى النار کما یأمن لابس الجنّه من أذى الضرب و الجرح. و أخذه لها بجمیع آدابها من الإقبال علیها و المعرفه بها: أى بقدرها و التفرّغ لها عن العلایق الدنیویّه بالزهد من جمله الاستعداد لها أیضا، و استعار لها لفظ الضالّه لمکان إنشاده و طلبه کما تطلب الضالّه من الإبل، و إلیه الإشاره بقوله علیه السّلام: الحکمه ضالّه المؤمن. و قوله: فهو مغترب إذا اغترب الإسلام. إشاره إلى إخفائه نفسه و إیثاره العزله عند اغتراب الإسلام و ضعفه و ظهور البدع و المنکرات کما أشار إلیه سیّد المرسلین صلّى اللّه علیه و آله و سلم بدء الإسلام غریبا و سیعود غریبا کما بدء، و استعار لفظ العسیب و الذنب و الجران ملاحظه لشبهه بالبعیر البارک، و کنّى بذلک عن ضعفه و قلّه نفعه فإنّ البعیر أقلّ ما یکون نفعه حال بروکه. و قوله: بقیّه من بقایا حجّته. أى على خلقه. إذا العلماء و العارفون حجج اللّه فی الأرض على عباده، و ظاهر کونه خلیفه من خلفاء أنبیائه لقوله صلّى اللّه علیه و آله و سلم: العلماء ورثه الأنبیاء. و قوله: أیّها الناس. إلى قوله: تستوسقوا. تذکیر بموعظته لهم، و إعذار إلیهم بأداء ما کلّف به فی حقّهم ممّا کلّفت به الأنبیاء مع اممهم و الأوصیاء إلى من بعدهم، و معاتبه لهم، و توبیخ على عدم استقامتهم و اجتماعهم على أوامره مع تأدیبه لهم بالضرب و التحذیر بالزواجر.

و قوله: للّه أنتم. إلى قوله: السبیل. استفهام لهم عن توقّعهم إماما هادیا مرشدا غیره استفهاما على سبیل الإنکار لوجود سبیل ذلک الإمام، و أکّد ذلک الإنکار المفهوم من الاستفهام بقوله: ألا إنّه قد أدبر من الدنیا ما کان مقبلا: أى من الخیر و صلاح أهلها، و أقبل منها ما کان مدبرا: أى من الشرور الّتى أدبرت بمقدم الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم و ظهور الإسلام، و أزمع الترحال عباد اللّه الأخیار المتوقّع فیهم إمام کمثله علیه السّلام فی الهدایه لسبیل اللّه، و إزماعهم للترحال کنایه عن اقتضاء الزمان لفنائهم من الدنیا و الرحیل عنها. ثمّ استعار لفظ البیع لتعویضهم بالقلیل الفانى من متاع الدنیا و الکثیر الباقى من متاع الآخره. ثمّ أخذ فی التذکیر بنفى ضرر الموت و عدم الحیاه عن إخوانه من الصحابه الّذین قتلوا بصفّین، و زهّد فی تلک الحیاه بکونها محلّ تجرّع الغصص و شرب الکدر من الآلام و الأعراض و مشاهده المنکرات، و لمّا زهّد فی تلک الحیاه نبّه على مالهم فی عدمها من الفائده و هی لقاء اللّه، و توفیته لأجورهم على الأعمال الصالحه، و حلولهم فی دار الأمن: أى الجنّه بعد خوفهم من فتن أهل الضلال. ثمّ أخذ فی استفهام عمّن رکب طریق الحقّ و مضى علیه مستصحبا له استفهاما على سبیل التوجّع لفقدهم و التوحّش لفراقهم، ثمّ عن أعیان أکابرهم فذکر عمّار بن یاسر. و فضله فی الصحابه مشهور و أبوه عربىّ قحطانىّ و امّه کانت أمه لأبى حذیفه ابن المغیره المخزومىّ ولدت عمّارا فأعتقها أبو حذیفه فمن هناک کان عمّار مولى لبنى مخزوم، و أسلم هو و امّه سمیّه فعذّبهما بنو مخزوم فی اللّه فأعطاهم عمّار مولى أرادوا بلسانه مع اطمینان قلبه بالإیمان فنزلت فیه «مَنْ کَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِیمانِهِ إِلَّا»«» و هاجر إلى أرض الحبشه، و صلّى القبلتین، و هو من المهاجرین الأوّلین، و شهد بدرا و المشاهد کلّها، و ابلى بلاء حسنا، ثمّ شهد الیمامه فابلى فیها أیضا و یومئذ قطعت اذنه.
و عن ابن عبّاس فی قوله تعالى «أَ وَ مَنْ کانَ مَیْتاً فَأَحْیَیْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً یَمْشِی بِهِ فِی النَّاسِ»«» قال: هو عمّار بن یاسر، و عن عایشه أنّها قالت: ما من أحد من أصحاب محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلم أشاء أن أقول فیه إلّا قلت إلّا عمّار بن یاسر فإنّى سمعته صلّى اللّه علیه و آله و سلم یقول: إنّه ملى‏ء إیمانا إلى أخمص قدمیه. و عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلم: عمّار جلده ما بین عینى تقتله الفئه الباغیه لا أنالها اللّه شفاعتى. و عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلم من أبغض عمّاراً أبغضه اللّه. و أمّا ابن التیّهان بیاء مشدّده مفتوحه بنقطتین من تحت، و یروى مخفّفه ساکنه فهو من الأنصار کنیه أبو الهیثم. و اسمه مالک بن مالک، و قیل: بل اسم أبیه عمرو بن الحرب و هو- ابن التیّهان- کان أحد النقباء لیله العقبه، و شهد بدرا، و المشهور أنّه أدرک صفّین‏

مع علىّ علیه السّلام و قتل بها، و قیل: توفّى فی زمان الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم. و أمّا ذو الشهادتین فکنیه أبو عماره و اسمه حزیمه بن ثابت بن الفاکه بن ثعلبه الخطمى الأنصارى من الأوس. جعل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم شهادته بشهاده رجلین لقصّه مشهوره، و شهد بدرا و ما بعدها من المشاهد، و کانت رایه بنى خطمه من الأوس یوم الفتح بیده، و شهد صفّین مع علىّ علیه السّلام فلمّا قتل عمّار قاتل هو حتّى قتل معه. و نظراؤهم من إخوانه: أى الّذین قتلوا بصفّین معه من الصحابه کابن بدیل و هاشم بن عتبه و نحوهما، و تعاقدهم على المنیّه اتّفاقهم على المقاتله إلى غایه أن یقتلوا. و روى: تعاهدوا.

و الفجره الّذین حملت رؤوسهم إلیهم امراء الشام. ثمّ أخذ فی التشکّى و التوجّع على فقدهم. ثمّ أشار إلى فضائلهم الّتی هی غایه الشریعه المطلوبه منهم و هی تلاوه القرآن و إحکامه بفهم مقاصده و معانیه، و التدبّر للفرض: أى فهم ما لأجله العبادات و إقامتها و المواظبه علیها نظرا إلى أسرارها، و إحیاء السنن النبویّه، و إماته البدع المخالفه لها، و إجابتهم للدعوه إلى الجهاد لإقامه الدین، و وثوقهم إلیه فی سبیل اللّه یعنى نفسه و اتّباعهم له، و الرواح إلى اللّه الخروج إلى الجهاد الّذی هو سبیله الموصله إلیه و إلى ثوابه. و قیس بن سعد الخزرجى صحابى کنیته أبو عبد الملک روى عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم أحادیث و أبوه سعد من رؤساء بالخزرج و هو سعد بن عباده الّذی حاولت قومه إقامته خلیفه بعد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم و کان قیس هذا من کبار شیعه علىّ و محبّیه، و شهد معه حروبه کلّها، و کان مع الحسن ابنه و نقم علیه صلحه لمعاویه.

و أمّا أبو أیّوب الأنصارىّ فهو خالد بن سعد بن کعب الخزرجى من بنى النجّار شهد العقبه و بدرا و سایر المشاهد، و علیه نزل رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم لمّا خرج من بنى عمرو بن عوف حین قدم المدینه مهاجرا فلم یزل عنده حتّى بنى مسجده و مساکنه ثمّ انتقل إلیها، و شهد مع علىّ مشاهده کلّها الجمل و صفّین، و کان على مقدّمته یوم النهروان. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۳۸۱

 

بازدیدها: ۲

خطبه ۱۸۰شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

و قد أرسل رجلا من أصحابه یعلم له علم أحوال قوم من جند الکوفه قد هموا باللحاق بالخوارج، و کانوا على خوف منه علیه السلام، فلما عاد إلیه الرجل قال له: أمنوا فقطنوا أم جبنوا فظعنوا فقال الرجل: بل ظعنوا یا أمیر المؤمنین.

فقال: بُعْداً لَهُمْ کَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ- أَمَا لَوْ أُشْرِعَتِ الْأَسِنَّهُ إِلَیْهِمْ- وَ صُبَّتِ السُّیُوفُ عَلَى هَامَاتِهِمْ- لَقَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا کَانَ مِنْهُمْ- إِنَّ الشَّیْطَانَ الْیَوْمَ قَدِ اسْتَفَلَّهُمْ- وَ هُوَ غَداً مُتَبَرِّئٌ مِنْهُمْ وَ مُتَخَلٍّ عَنْهُمْ- فَحَسْبُهُمْ بِخُرُوجِهِمْ مِنَ الْهُدَى وَ ارْتِکَاسِهِمْ فِی الضَّلَالِ وَ الْعَمَى- وَ صَدِّهِمْ عَنِ الْحَقِّ وَ جِمَاحِهِمْ فِی التِّیهِ

اللغه

أقول: قطنوا: أقاموا.

و بعدت بالکسر: هلکت.

و أشرعت الرمح: سدّدته و صوّبته نحو من ترید ضربه.

و استفلّهم: أى طلب منهم التفرّق و الهزیمه و زیّنها لهم.

و الفلّ: التفریق و الانهزام.

و الارتکاس: الرجوع فی الشی‏ء مقلوبا.

و الفصل مشتمل على السؤال عن ظعنهم و إقامتهم و علّتهما و هما الأمن و الجبن
ثمّ على الدعاء علیهم بالهلاک. و انتصب بعدا على المصدر. ثمّ على ما لو فعل لکان سببا لندمهم على ما فعلوا و هو الهجوم علیهم بالقتل و الاذلال على ما کان منهم من اللحوق بأولیاء الشیطان. ثمّ على علّه لحوقهم بهم و هى استفلال الشیطان لهم و تفریقه لجماعتهم، و روى استفزّهم: أى استخفّهم، و روى استقبلهم: أى تقبّلهم و رضى عنهم. و هى أقوى القرینه. قوله: و هو غدا متبرّى‏ء منهم و متخلّ عنهم. أى تارک لهم فإنّ التبرى‏ء فی مقابله الاستقبال و ذلک کقوله تعالى «وَ إِذْ زَیَّنَ لَهُمُ الشَّیْطانُ أَعْمالَهُمْ» إلى قوله «وَ إِذْ زَیَّنَ»«». و قوله: فحسبهم بخروجهم من الهدى. أى یکفیهم ذلک عذاباً و شرّا، و الباء فی بخروجهم زائده کهی فی قوله تعالى «وَ کَفى‏ بِاللَّهِ شَهِیداً»، و ارتکاسهم فی الضلال و العمى رجوعهم إلى الضلال القدیم و عمى الجهل الّذی کانوا علیه بعد خروجهم منه بهدایته، و صدّهم عن الحقّ بالخروج عن طاعته و جماحهم فی تیه الجهل و الهوى بعد الاستقرار فی مدینه العلم و العقل، و لفظ الجماح مستعار لخروجهم عن فضیله العدل إلى رذیله الإفراط منها کما سبق و الغلوّ فی طلب الحقّ إلى حدّ الجور عن الصراط المستقیم. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم‏بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۳۸۱

 

 

بازدیدها: ۰

خطبه۱۹۹ترجمه شرح ابن میثم بحرانی

(خطبه۲۰۸صبحی صالح)

و من کلام له ( علیه ‏السلام ) قاله لما اضطرب علیه أصحابه فی أمر الحکومه

 
أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ یَزَلْ أَمْرِی مَعَکُمْ عَلَى مَا أُحِبُّ- حَتَّى نَهِکَتْکُمُ الْحَرْبُ- وَ قَدْ وَ اللَّهِ أَخَذَتْ مِنْکُمْ وَ تَرَکَتْ- وَ هِیَ لِعَدُوِّکُمْ أَنْهَکُ- .
لَقَدْ کُنْتُ أَمْسِ أَمِیراً فَأَصْبَحْتُ الْیَوْمَ مَأْمُوراً- وَ کُنْتُ أَمْسِ نَاهِیاً فَأَصْبَحْتُ الْیَوْمَ مَنْهِیّاً- وَ قَدْ أَحْبَبْتُمُ الْبَقَاءَ وَ لَیْسَ لِی أَنْ أَحْمِلَکُمْ عَلَى مَا تَکْرَهُونَ

لغت

نهکتکم: شما را کهنه و خسته کرد.

ترجمه

گفتار آن حضرت، هنگامى که یارانش در امر حکومت، با او به مخالفت برخاستند چنین فرمود:

«اى مردم تا کنون امر میان من و شما بر طبق خواسته من بود تا این که جنگ شما را خسته کرد، و به ضعف و ناتوانى کشاند، و به خدا سوگند که این جنگ بسیارى از شما را نابود کرد، و برخى را به دست حوادث سپرد، امّا براى دشمنان شما خسته کننده ‏تر بود.
دیروز فرمانرواى شما بودم ولى امروز تحت فرمانم، و دیروز نهى کننده بودم و امروز نهى شده، شما زنده ماندن را دوست مى‏ دارید و من نمى ‏توانم، شما را به آنچه میل ندارید، مجبور کنم.»

شرح

على ما احبّ،
تا کنون چنان که من دوست داشتم از من اطاعت و پیروى‏ مى ‏کردید. اسناد دادن نهک: کهنگى به جنگ، استعاره است براى آن که جنگ آنها را ناتوان ساخته بود و بعد حضرت آن را به جامه اى مانند ساخته است که بر اثر پوشیدن کهنه شده باشد و جنگ را که سبب این ناتوانى است، به پوشیدن لباس تشبیه کرده است، و معناى عبارت این است: در گذشته حال من چنین بود که مرا اطاعت مى‏کردید، تا زمانى که این چنین از جنگ خسته شدید.

و اللَّه اخذت منکم و ترکت،
کنایه از آن است که جنگ وضع آنها را دگرگون کرده و گویى همین امر براى آنها عذرى شده است که از زیر بار جنگ شانه خالى کنند و با جمله و هى لعدّوکم انهک اراده کرده است که به بهانه این عذر که جنگ آنها را خسته کرده از پاى ننشینند.

پس از بیان عذر یاران و پند دادن آنان شکایت آنها را به سوى خودشان برده و آنها را مورد عتاب و سرزنش قرار مى‏دهد زیرا علاوه بر آن که حرف او را گوش نداده و فرمانش را اطاعت نکردند، او را به زور وادار کردند که تن به حکمیّت دیگران دهد و در نتیجه شخصى که در گذشته نه چندان دور، فرمانده جامعه بود و آنان را امر و نهى مى‏کرد، اکنون دیگران او را امر و نهى مى‏کنند و این امرى است بر خلاف وظیفه آنها و کارى است که باید آن را انجام نمى‏دادند.

و قد احببتم البقاء،

یاران خود را توبیخ مى‏ کند که علاقه به زندگى دنیا آنها را به ترک جنگ وادار کرده است.

و لیس….:
معناى این عبارت چنین است: من توانائى بر آن ندارم که شما را بر آنچه دوست نمى‏دارید (جنگ) وادار کنم، یعنى بر حسب ظاهر بر آن توانایى ندارم اگر چه در صورت وجود مصلحت و اقتضاى شرع، حق آن را دارم.

ترجمه ‏شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۲۹-۲۷

بازدیدها: ۳۶

خطبه۱۹۸ترجمه شرح ابن میثم بحرانی

(خطبه۲۰۷صبحی صالح)

و من کلام له ( علیه ‏السلام ) فی بعض أیام صفین و قد رأى الحسن ابنه ( علیه‏السلام ) یتسرع إلى الحرب‏

امْلِکُوا عَنِّی هَذَا الْغُلَامَ لَا یَهُدَّنِی فَإِنَّنِی أَنْفَسُ بِهَذَیْنِ یَعْنِی الْحَسَنَ وَ الْحُسَیْنَ ( علیهماالسلام )عَلَى الْمَوْتِ لِئَلَّا یَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى ‏الله‏ علیه‏ وآله ‏وسلم )

قال السید الشریف قوله ( علیه‏ السلام ) املکوا عنی هذا الغلام من أعلى الکلام و أفصحه

لغات

املکوه: او را محکم گرفته و نگهدارى کنید.

یهدّنى: مرا درهم مى‏ شکند.

نفست به کسر (فا)، انفس به فتح (فا): بخل مى‏ ورزم.

ترجمه

«این جوان را محکم بگیرید تا (کشته شدن) او مرا درهم نشکند، زیرا که من نسبت به از دست دادن این دو شخص (حسن و حسین (ع)). بخل مى

‏ورزم، نکند که نسل رسول خدا قطع شود.»

شرح

سید رضى مى ‏فرماید: این کلام امام: املکوا عنّى هذا الغلام از بلندترین سخنان و فصیحترین آنهاست، به دلیل آن که وجود فرزند سودمند، از

چیزهایى است که به انسان سخت نیرو مى‏ بخشد، و قواى نفسانى را تقویت مى‏ کند، به ویژه فرزندى مانند حضرت‏ امام حسن علیه السلام، امام (ع) 

باجمله «لا یهدّنى» شدّت ناتوانى و ضعف و انکسار روحى خود را با از دست دادن چنین فرزندى بطور کنایه بیان فرموده، و براى وجوب و لزوم

نگهدارى و حفظ او و برادرش علت دیگرى ذکر کرده و آن، مراقبت بر حفظ نسل پیامبر اکرم است.

ترجمه ‏شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۲۷-۲۵

بازدیدها: ۵۵

خطبه۱۹۷ترجمه شرح ابن میثم بحرانی

(خطبه۲۰۶صبحی صالح)

 من کلام له ( علیه‏ السلام ) و قد سمع قوما من أصحابه یسبون أهل الشام أیام حربهم بصفین‏

إِنِّی أَکْرَهُ لَکُمْ أَنْ تَکُونُوا سَبَّابِینَ وَ لَکِنَّکُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ وَ ذَکَرْتُمْ حَالَهُمْ کَانَ أَصْوَبَ فِی الْقَوْلِ وَ أَبْلَغَ فِی الْعُذْرِ وَ قُلْتُمْ مَکَانَ سَبِّکُمْ إِیَّاهُمْ اللَّهُمَّ احْقِنْ

دِمَاءَنَا وَ دِمَاءَهُمْ وَ أَصْلِحْ ذَاتَ بَیْنِنَا وَ بَیْنِهِمْ وَ اهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ حَتَّى یَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ وَ یَرْعَوِیَ عَنِ الْغَیِّ وَ الْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ

لغت

لهج به: نسبت به آن حرص ورزید.

ترجمه

– گفتار آن حضرت، این سخن را هنگامى فرمود که شنید جمعى از یارانش اهل شام را در صفین دشنام مى‏ دادند:

«من دوست ندارم که شما از ناسزاگویان باشید، امّا اگر کارهاى آنان را بر شمرده، حالات آنها را به خاطر مى‏ آوردید به درستى نزدیکتر و براى اتمام حجت شما بلیغتر و رساتر بود، و (حق این بود) که به جاى ناسزا به آنها مى‏ گفتید: خدایا خون ما و ایشان را از ریختن حفظ فرما، و امر میان ما و آنها را اصلاح کن، و آنان را از گمراهى نجات ده، تا هر آن کس که نسبت به حق، ناآگاه است، آن را بشناسد و آن که حریص به گمراهى و ستیز با حق است از آن برگردد.»

 

شرح

نتیجه این فصل از گفتار امام (ع): ادب آموزى و ارشاد یاران به سیره‏ حسنه و وادار کردن آنهاست بر این که به سخنان نیکو خو گرفته و زبان خود را به آن عادت دهند، امام علیه السلام با اظهار ناخشنودى خود نسبت به ناسزاگوئى و نهى کردن از آن، حکم حرام بودن آن را صادر فرموده است، چنان که پیامبر اکرم نیز فرموده است: «من براى لعن و سبّ مبعوث نشده‏ ام» و جاى دیگر به درگاه خدا عرض مى‏ کند: «خدایا من بشرى بیش نیستم، پس هر گاه انسانى را نفرین کردم تو آن را به سود او قرار ده، نه به زیان او، و او را به راه راست هدایت فرما.»

لو وصفتم… فى العذر

یعنى، اگر از ناسزاگوئى مخالفان، صرف نظر کرده، کارهاى ناشایست آنها را بر ایشان بر مى‏شمردید و از روى خیرخواهى و راهنمائى، ستمگرى و انحراف آنان را یادآور مى‏شدید و سپس به جاى دشنام، این چنین در حق ایشان به دعا مى‏پرداختید به درستى نزدیکتر بود، زیرا موقعى که کارهاى زشت آنان را تذکر داده و آنها را نصیحت مى‏کردید، امید مى‏رفت که به سوى حق برگردند، و نیز براى شما بهترین اتمام حجت محسوب مى‏شد، زیرا بعدا مى‏توانستید ادعا کنید: وظیفه خود را انجام داده و براى دست برداشتن از خلافکارى آنها را نصیحت کرده‏اید، ولى آنان گوش نداده ‏اند.
قلتم عطف بر کلمه وصفتم و قبل از آن، لو در تقدیر است، و نیز جواب شرط بعد از پایان دعا، مقدّر است، و هر دو، به قرینه قبلى حذف شده است و تقدیر آن چنین است، اگر این دعا را بر زبان جارى مى‏کردید، در گفتار درست‏تر و در مقام عذر رساتر بود.
دعائى که حضرت به اصحاب خود مى‏ آموزد، با وضعیت جنگ مناسبت است و در آن، چند موضوع از خدا درخواست شده است:

۱- این که خدا خونها را از ریختن نگهدارى فرماید، زیرا اولین چیزى که در جنگ معمول است و خوف آن مى ‏رود خون‏ریزى است.

۲- علت حفظ خون که اصلاح ذات البین است، درخواست شده، یعنى خدایا میان ما و ایشان را از حالاتى که مایه اختلاف است، حفظ فرما و به جاى آن الفت و همبستگى قرار ده.

شارح در شرح ذات البین چنین مى‏ گوید: به علت این که احوال اجتماعى همراه با طرفین است لذا بر آنها ذات البین اطلاق شده (یعنى آن چه در میان است).

چنان که وقتى گفته مى‏ شود: اسقنى ذا إنائک، یعنى بنوشان به من آن چه از آشامیدنى که در ظرف خوددارى، به علت این است که آشامیدن همراه ظرف مى ‏باشد.

معناى دیگر براى ذات البین: این است که ذات به معناى حقیقت و ماهیت شیئى باشد، و بین از بینونیت و به معناى افتراق و جدایى باشد و کلمه ذات البین یعنى حقیقت اختلاف و معناى عبارت: (اصلح ذات…) این است: خدایا حقیقت تفرقه میان ما و ایشان را اصلاح فرما و آن را به الفت و همبستگى تبدیل کن.

۳- سپس عاملى که ریشه اختلاف و تفرقه را از بن بر مى‏کند و مایه اصلاح جامعه مى‏شود که همان هدایت و برگشتن از ضلالت است از خدا خواسته، تا با شناخت کسى که حقش ناشناخته مانده، از بى‏ خبرى نجات یافته و از عداوت و دشمنى برگردد«». غباوت (غفلت و بى‏ خبرى) طرف تفریط از صفت پسندیده حکمت است و عداوت طرف افراط از صفت عدالت مى‏باشد و این هر دو صفت پست در یاران معاویه وجود داشت، زیرا آنان وقتى از درک حقیقت ناتوان شده و شک بر آنان عارض شد ستم کردند و در دشمنى خود تجاوز و افراط کردند.
به جاى (غىّ) (عمى) نیز روایت شد. که مقصود کوردلى و غفلت آن است.

ترجمه ‏شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۲۵-۲۱

بازدیدها: ۳۷