خطبه ۱۵۹ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

القسم الأول

أَمْرُهُ قَضَاءٌ وَ حِکْمَهٌ وَ رِضَاهُ أَمَانٌ وَ رَحْمَهُ- یَقْضِی بِعِلْمٍ وَ یَعْفُو بِحِلْمٍ- اللَّهُمَّ لَکَ الْحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وَ تُعْطِی- وَ عَلَى مَا تُعَافِی وَ تَبْتَلِی- حَمْداً یَکُونُ أَرْضَى الْحَمْدِ لَکَ- وَ أَحَبَّ الْحَمْدِ إِلَیْکَ وَ أَفْضَلَ الْحَمْدِ عِنْدَکَ- حَمْداً یَمْلَأُ مَا خَلَقْتَ وَ یَبْلُغُ مَا أَرَدْتَ- حَمْداً لَا یُحْجَبُ عَنْکَ وَ لَا یُقْصَرُ دُونَکَ- حَمْداً لَا یَنْقَطِعُ عَدَدُهُ وَ لَا یَفْنَى مَدَدُهُ- فَلَسْنَا نَعْلَمُ کُنْهَ عَظَمَتِکَ- إِلَّا أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّکَ حَیٌّ قَیُّومُ- لَا تَأْخُذُکَ سِنَهٌ وَ لَا نَوْمٌ- لَمْ یَنْتَهِ إِلَیْکَ نَظَرٌ وَ لَمْ یُدْرِکْکَ بَصَرٌ- أَدْرَکْتَ الْأَبْصَارَ وَ أَحْصَیْتَ الْأَعْمَالَ- وَ أَخَذْتَ بِالنَّوَاصِی وَ الْأَقْدَامِ- وَ مَا الَّذِی نَرَى مِنْ خَلْقِکَ- وَ نَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِکَ- وَ نَصِفُهُ مِنْ عَظِیمِ سُلْطَانِکَ- وَ مَا تَغَیَّبَ عَنَّا مِنْهُ وَ قَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ- وَ انْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ- وَ حَالَتْ سُتُورُ الْغُیُوبِ بَیْنَنَا وَ بَیْنَهُ أَعْظَمُ- فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ وَ أَعْمَلَ فِکْرَهُ- لِیَعْلَمَ کَیْفَ أَقَمْتَ عَرْشَکَ وَ کَیْفَ ذَرَأْتَ خَلْقَکَ- وَ کَیْفَ عَلَّقْتَ فِی الْهَوَاءِ سَمَاوَاتِکَ- وَ کَیْفَ مَدَدْتَ عَلَى مَوْرِ الْمَاءِ أَرْضَکَ رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِیراً- وَ عَقْلُهُ مَبْهُوراً وَ سَمْعُهُ وَالِهاً وَ فِکْرُهُ حَائِراً

المعنى

أقول: أمره هو حکم قدرته الإلهیّه، و کونه قضاء کونه حکما لازما لا یردّ، و کونه حکمه کونه على وفق الحکمه الإلهیّه و انتظام الأکمل، و رضاه یعود إلى علمه بطاعه العبد له على وفق أمره و نهیه. و قوله: یقضی بعلم. إعاده لمعنى قوله: أمره قضاء و حکمه. یجری مجرى التفسیر له. و قوله: و یعفو بحلم. فالعفو یعود إلى الرضا بالطاعه بعد تقدّم الذنب، و إنّما یتحقّق العفو مع تحقّق القدره على العقاب. إذ العجز لا یسمّى عفوا فلذلک قال: یعفو بحلم. ثمّ عقّب بخطاب اللّه بالاعتراف بنعمته و الحمد له باعتبار ضروب من السرّاء و الضرّاء إشاره إلى حمده على کلّ حال و هی الأخذ و الإعطاء و العافیه و الابتلاء. ثمّ باعتبار کیفیّته و هو کونه أرضى الحمد للّه و أحبّه إلیه و أفضله عنده: أی أشدّه وقوعا على الوجه اللائق المناسب لعظمته. ثمّ باعتبار کمیّته و هو کونه یملأ ما خلق و یبلغ ما أراد کثره. ثمّ باعتبار غایته و هو کونه لا یحجب عنه و لا یقصر دونه. ثمّ باعتبار مادّته و هو کونه لا ینقطع عدده و لا یفنى مدده، و قد یکون التفصیل فی القول فی بعض المواضع أبلغ وقعا فی النفوس و ألذّ، و قد یکون الإجمال أو الاختصار أنفع و أبلغ. ثمّ شرع فی الاعتراف بالعجز عن إدراک کنه عظمته، و فی بیان وجه معرفته الممکنه للخلق، و هی إمّا بالصفات الحقیقیّه أو الاعتبارات السلبیّه أو الإضافیّه. و أشار إلى الاعتبارات الثلاثه فکونه حیّا قیّوما إشاره إلى الصفات الحقیقیّه. و قد عرفت أنّهما یستلزمان الوجود. إذ کلّ حىّ موجود و القیّوم هو القائم بذاته المقیم لغیره و کلّ قائم بذاته فهو موجود واجب الوجود، و کونه لا تأخذه سنه و لا نوم و لا ینتهی إلیه نظر عقلیّ أو بصریّ و لا یدرکه بصر اعتبارات سلبیّه، و کونه مدرکا للأبصار محصیا للأعمال آخذا بالنواصی و الأقدام: أى محیط القدره بها. اعتبارات إضافیّه. ثمّ عاد إلى استحقار ما عدّده ممّا أدرکه بالنسبه إلى ما لم یدرکه من عظیم ملکوته، و ما فی قوله: و ما الّذی. استفهامیّه على سبیل الاستحقار لما استفهم عنه، و ما الثانیه فی قوله: و ما یغیب عنّا منه. بمعنى الّذی محلّها الرفع بالابتداء و خبره أعظم، و الواو فیها للحال. ثمّ عقّب بالحکم على من فرّغ قلبه و أعمل فکره لیصل إلى کنه معرفته و علم کیفیّه نظامه للعالم الأعلى و الأسفل برجوع کلّ من آلات إدراکه حسیرا مقهورا عن إدراک ما کلّفه من ذلک. و قد سبقت الإشاره إلى براهین هذه الأحکام غیر مرّه. و باللّه التوفیق.

 

القسم الثانی منها:

یَدَّعِی بِزَعْمِهِ أَنَّهُ یَرْجُو اللَّهَ کَذَبَ وَ الْعَظِیمِ- مَا بَالُهُ لَا یَتَبَیَّنُ رَجَاؤُهُ فِی عَمَلِهِ- فَکُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِی عَمَلِهِ- وَ کُلُّ رَجَاءٍ إِلَّا رَجَاءَ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ- وَ کُلُّ خَوْفٍ مُحَقَّقٌ إِلَّا خَوْفَ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ- یَرْجُو اللَّهَ فِی الْکَبِیرِ وَ یَرْجُو الْعِبَادَ فِی الصَّغِیرِ- فَیُعْطِی الْعَبْدَ مَا لَا یُعْطِی الرَّبَّ- فَمَا بَالُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ یُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا یُصْنَعُ بِهِ لِعِبَادِهِ- أَ تَخَافُ أَنْ تَکُونَ فِی رَجَائِکَ‏ لَهُ کَاذِباً- أَوْ تَکُونَ لَا تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً- وَ کَذَلِکَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِیدِهِ- أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لَا یُعْطِی رَبَّهُ- فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً- وَ خَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِمَاراً وَ وَعْداً- وَ کَذَلِکَ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْیَا فِی عَیْنِهِ- وَ کَبُرَ مَوْقِعُهَا مِنْ قَلْبِهِ آثَرَهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى- فَانْقَطَعَ إِلَیْهَا وَ صَارَ عَبْداً لَهَا وَ لَقَدْ کَانَ فِی رَسُولِ اللَّهِ ص کَافٍ لَکَ فِی الْأُسْوَهِ- وَ دَلِیلٌ لَکَ عَلَى ذَمِّ الدُّنْیَا وَ عَیْبِهَا- وَ کَثْرَهِ مَخَازِیهَا وَ مَسَاوِیهَا- إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا وَ وُطِّئَتْ لِغَیْرِهِ أَکْنَافُهَا- وَ فُطِمَ عَنْ رَضَاعِهَا وَ زُوِیَ عَنْ زَخَارِفِهَا- وَ إِنْ شِئْتَ ثَنَّیْتُ بِمُوسَى کَلِیمِ اللَّهِ ص إِذْ یَقُولُ- رَبِّ إِنِّی لِما أَنْزَلْتَ إِلَیَّ مِنْ خَیْرٍ فَقِیرٌ- وَ اللَّهِ مَا سَأَلَهُ إِلَّا خُبْزاً یَأْکُلُهُ- لِأَنَّهُ کَانَ یَأْکُلُ بَقْلَهَ الْأَرْضِ- وَ لَقَدْ کَانَتْ خُضْرَهُ الْبَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِیفِ صِفَاقِ بَطْنِهِ- لِهُزَالِهِ وَ تَشَذُّبِ لَحْمِهِ وَ إِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوُدَ ص صَاحِبِ الْمَزَامِیرِ- وَ قَارِئِ أَهْلِ الْجَنَّهِ- فَلَقَدْ کَانَ یَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخُوصِ بِیَدِهِ- وَ یَقُولُ لِجُلَسَائِهِ أَیُّکُمْ یَکْفِینِی بَیْعَهَا- وَ یَأْکُلُ قُرْصَ الشَّعِیرِ مِنْ ثَمَنِهَا وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِی عِیسَى ابْنِ مَرْیَمَ ع- فَلَقَدْ کَانَ یَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ- وَ یَلْبَسُ الْخَشِنَ وَ یَأْکُلُ الْجَشِبَ- وَ کَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ وَ سِرَاجُهُ بِاللَّیْلِ الْقَمَرَ- وَ ظِلَالُهُ‏ فِی الشِّتَاءِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا- وَ فَاکِهَتُهُ وَ رَیْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ لِلْبَهَائِمِ- وَ لَمْ تَکُنْ لَهُ زَوْجَهٌ تَفْتِنُهُ وَ لَا وَلَدٌ یَحْزُنُهُ- وَ لَا مَالٌ یَلْفِتُهُ وَ لَا طَمَعٌ یُذِلُّهُ- دَابَّتُهُ رِجْلَاهُ وَ خَادِمُهُ یَدَاهُ فَتَأَسَّ بِنَبِیِّکَ الْأَطْیَبِ الْأَطْهَرِ ص- فَإِنَّ فِیهِ أُسْوَهً لِمَنْ تَأَسَّى وَ عَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى- وَ أَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ الْمُتَأَسِّی بِنَبِیِّهِ- وَ الْمُقْتَصُّ لِأَثَرِهِ- قَضَمَ الدُّنْیَا قَضْماً وَ لَمْ یُعِرْهَا طَرْفاً- أَهْضَمُ أَهْلِ ال

ِ الدُّنْیَا کَشْحاً- وَ أَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْیَا بَطْناً- عُرِضَتْ عَلَیْهِ الدُّنْیَا فَأَبَى أَنْ یَقْبَلَهَا- وَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَیْئاً فَأَبْغَضَهُ- وَ حَقَّرَ شَیْئاً فَحَقَّرَهُ وَ صَغَّرَ شَیْئاً فَصَغَّرَهُ- وَ لَوْ لَمْ یَکُنْ فِینَا إِلَّا حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ- وَ تَعْظِیمُنَا مَا صَغَّرَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ- لَکَفَى بِهِ شِقَاقاً لِلَّهِ وَ مُحَادَّهً عَنْ أَمْرِ اللَّهِ- وَ لَقَدْ کَانَ ص یَأْکُلُ عَلَى الْأَرْضِ- وَ یَجْلِسُ جِلْسَهَ الْعَبْدِ وَ یَخْصِفُ بِیَدِهِ نَعْلَهُ- وَ یَرْقَعُ بِیَدِهِ ثَوْبَهُ وَ یَرْکَبُ الْحِمَارَ الْعَارِیَ- وَ یُرْدِفُ خَلْفَهُ- وَ یَکُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَیْتِهِ فَتَکُونُ فِیهِ التَّصَاوِیرُ فَیَقُولُ- یَا فُلَانَهُ لِإِحْدَى أَزْوَاجِهِ غَیِّبِیهِ عَنِّی- فَإِنِّی إِذَا نَظَرْتُ إِلَیْهِ ذَکَرْتُ الدُّنْیَا وَ زَخَارِفَهَا- فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْیَا بِقَلْبِهِ وَ أَمَاتَ ذِکْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ- وَ أَحَبَّ أَنْ تَغِیبَ زِینَتُهَا عَنْ عَیْنِهِ- لِکَیْلَا یَتَّخِذَ مِنْهَا رِیَاشاً وَ لَا یَعْتَقِدَهَا قَرَاراً- وَ لَا یَرْجُوَ فِیهَا مُقَاماً فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ- وَ أَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ وَ غَیَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ- وَ کَذَلِکَ مَنْ أَبْغَضَ شَیْئاً أَبْغَضَ أَنْ یَنْظُرَ إِلَیْهِ- وَ أَنْ یُذْکَرَ عِنْدَهُ- وَ لَقَدْ کَانَ فِی رَسُولِ اللَّهِ ص- مَا یَدُلُّکُ عَلَى مَسَاوِئِ الدُّنْیَا وَ عُیُوبِهَا- إِذْ جَاعَ فِیهَا مَعَ خَاصَّتِهِ- وَ زُوِیَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِیمِ زُلْفَتِهِ- فَلْیَنْظُرْ نَاظِرٌ بِعَقْلِهِ- أَکْرَمَ اللَّهُ مُحَمَّداً بِذَلِکَ أَمْ أَهَانَهُ- فَإِنْ قَالَ أَهَانَهُ فَقَدْ کَذَبَ وَ اللَّهِ الْعَظِیمِ بِالْإِفْکِ الْعَظِیمِ- وَ إِنْ قَالَ أَکْرَمَهُ- فَلْیَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهَانَ غَیْرَهُ حَیْثُ بَسَطَ الدُّنْیَا لَهُ- وَ زَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ- فَتَأَسَّى مُتَأَسٍّ بِنَبِیِّهِ- وَ اقْتَصَّ أَثَرَهُ وَ وَلَجَ مَوْلِجَهُ- وَ إِلَّا فَلَا یَأْمَنِ الْهَلَکَهَ- فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ مُحَمَّداً ص عَلَماً لِلسَّاعَهِ- وَ مُبَشِّراً بِالْجَنَّهِ وَ مُنْذِراً بِالْعُقُوبَهِ- خَرَجَ مِنَ الدُّنْیَا خَمِیصاً وَ وَرَدَ الْآخِرَهَ سَلِیماً- لَمْ یَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ- حَتَّى مَضَى لِسَبِیلِهِ وَ أَجَابَ دَاعِیَ رَبِّهِ- فَمَا أَعْظَمَ مِنَّهَ اللَّهِ عِنْدَنَا- حِینَ أَنْعَمَ عَلَیْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ وَ قَائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ- وَ اللَّهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِی هَذِهِ حَتَّى اسْتَحْیَیْتُ مِنْ رَاقِعِهَا- وَ لَقَدْ قَالَ لِی قَائِلٌ أَ لَا تَنْبِذُهَا عَنْکَ- فَقُلْتُ اغْرُبْ عَنِّی فَعِنْدَ الصَّبَاحِ یَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى‏

 

اللغه

أقول: المدخول: الّذی فیه شبهه و ریبه، و کذلک المعلول: الغیر الخالص.

و الضمار: الّذی لا یرجى من الموعود.

و المقتصّ للأثر: أى المتّبع له.

و القضم: الأکل بأدنى الفم.

و الهضیم: الخمیص لقلّه الأکل.

و المحادّه: المعاداه.

و الریاش: الزینه.

و المدرعه. الدرّاعه.

و أغرب: أى تباعد.

المعنى

و مساق الکلام یقتضی ذمّ من یدّعى رجاء اللّه و لا یعمل له و تنبیه أنّ رجائه لیس بخالص بتکذیبه و بیان تقصیره فی العمل.

فقوله: یدّعی بزعمه أنّه یرجو اللّه. ذکر صوره الدعوى الحالیّه أو المقالیّه. و قوله: کذب و العظیم. ردّ لتلک الدعوى مؤکّدا بالقسم البارّ، و إنّما قال: و العظیم دون اللّه لأنّ ذکر العظمه هنا أنسب للرجاء. و قوله: ما باله. إلى قوله: عرف رجاءه فی عمله. قیاس من الشکل الثانی بیّن فیه أنّه غیر راج. و تلخیصه أنّ هذا المدّعی للرجاء غیر راج، و مراده الرجاء التامّ الّذی یجتهد فی العمل له و لذلک قال: إلّا رجاء اللّه فإنّه مدخول فنبّه بأنّ فیه رخلا على وجوده إلّا أنّه غیر خالص، و بیان الدلیل أنّ کلّ من رجا أمرا من سلطان أو غیره فإنّه یخدمه بخدمته التامّه و یبالغ فی طلب رضاه و یکون عمله له بقدر قوّه رجائه له و خلوصه، و یرى هذا المدّعى للرجاء غیر عامل فیستدلّ بتقصیره فی الأعمال الدینیّه على عدم رجائه الخالص فی اللّه، و کذلک قوله: و کلّ خوف محقّق إلّا خوف اللّه فإنّه معلول. توبیخ للسامعین فی رجاء اللّه تعالى مع تقصیرهم فی الأعمال الدینیّه، و تقدیر الاستثناء الأوّل مع المستثنى منه: و کلّ رجاء لراج یعرف فی عمله أى یعرف خلوص رجائه فیما یرجوه إلّا رجاء الراجی للّه فإنّه غیر خالص. و روى و کلّ رجاء إلّا رجاء اللّه فإنّه مدخول، و التقدیر و کلّ رجاء محقّق أو خالص. لتطابق الکلّیّتین على مساق واحد، و ینبّه على الاضمار فی الکلّیّه الاولى قوله فی الثانیه: محقّق. فإنّه تفسیر المضمر هناک.

و قوله: یرجو اللّه فی الکبیر. إلى قوله: یعطى الربّ. فی قوّه قیاس ضمیر صغراه قوله: یرجو. إلى قوله: الصغیر، و تقدیر کبراه و کلّ من کان کذلک فینبغی أن یعطى اللّه الّذی هو ربّه من رجائه و العمل له ما لا یعطى المخلوقین و الّذین هم عباده، و الصغرى مسلّمه، فإنّ الحسّ یشهد بأکثریّه أعمال الخلق لما یرجوه بعضهم من بعض بالنسبه إلى أعمالهم لما یرجونه من اللّه تعالى، و أمّا الکبرى فبیانها أنّ المقرّر فی الفطر أنّ المرجوّ الکبیر یستدعی ما یناسبه ممّا هو وسیله إلیه کمیّه و کیفیّه. و قوله: فیعطى العبد ما لا یعطى الربّ. نقض للکبرى. و قوله: فما بال اللّه. إلى قوله: لعباده. توبیخ و تشنیع على‏ من یخالف العمل بالنتیجه المذکوره. و قوله: أ تخاف. إلى قوله: موضعا. استفسار عن علّه التفسیر المذکور فی الرجاء للّه و العمل له بالنسبه إلى رجاء العباد و العمل لهم استفسارا على سبیل الإنکار و تقریعا على ما عساه یدّعى من إحدى العلّتین المذکورتین و هما خوف الکذب فی رجاء اللّه أو ظنّه غیر أهل للرجاء. و الأمر الأوّل خطاء عظیم لزم عن التقصیر فی معرفه اللّه، و الثانی کفر صراح، و إنّما خصّص هاتین العلّتین بالذکر لأنّهما المشهورتان فی عدم رجاء الخلق بعضهم لبعض أو ضعفه، و انتفاؤهما فی حقّ اللّه تعالى ظاهر فإنّه تعالى الغنیّ المطلق الّذی لا بخل فیه و لا منع من جهته فإنّ العبد إذا استعدّ بقوّه الرجاء له و العمل لما یرجوه منه و حببت إفاضه الجود علیه ما یرجوه فلا یکذب رجاؤه و هو اللّه تعالى الموضع التامّ له. و قوله: و کذلک إن هو خاف. إلى قوله: یعطی ربّه. قیاس ضمیر استثنائیّ بیّن فیه قصور خوف الخائف من اللّه بالنسبه إلى خوفه من بعض عبیده، و الضّمیر فی عبیده للّه، و فی خوفه للخائف. و یحتمل عوده إلى العبد. و الملازمه فی الشرطیّه ظاهره، و کبرى القیاس استثناء غیر المقدّم لینتج‏ عین التالى. و قوله: فجعل. إلى قوله: وعداً. توبیخ و تشنیع على من لزمه ذلک الاحتجاج و أنّه من القبیح المشهور المذکور أنّ یجعل الإنسان خوفه من عبد مثله نقدا حاضرا و خوفه من خالقه وعداً غیر حاضر.

و قوله: و کذلک من عظمت الدنیا. إلى آخره.
إشاره إلى علّه إیثار الناس للحیاه الدنیا على ما عند اللّه ممّا وعد به و انقطاعهم إلیها و صیرورتهم عبیدا لها
و ذکر جزء العلّه القریبه و هی عظمه الدنیا فی أعینهم، و تمام هذه العلّه حقاره ما تصوّروه من الوعد الاخروىّ بالنسبه إلى الدنیا، و علّه هذه العلّه میلهم للذّات العاجله کما هی، و غیبوبه اللذّات الموعوده و تصوّرها الضعیف بحسب الوصف، الّذی غایته أن یوجب فی أذهانهم مشابهه ما وعدوا به لما حضر لهم الآن. فلذلک کانت العاجله أعظم فی نفوسهم و أکبر وقعا فی قلوبهم، و لذلک آثروها و انقطعوا إلیها فاستعبدتهم. و غایه هذا التوبیخ التنفیر عن الدنیا و الجذب عنها إلى الرغبه فیما وعد اللّه، و لذلک عقّب بالتنبیه على ترک الدنیا من الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و سایر الأنبیاء و المرسلین الّذین هم القدوه للخلق و إعراضهم عنها، و على کونهم محلّ الاسوه الکافیه لهم فی ذلک و هو کقوله تعالى «لَقَدْ کانَ لَکُمْ فِی رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَهٌ حَسَنَهٌ»«» الآیه، و الدلیل التامّ على ذمّها و عیبها و کثره مساویها و مخازیها. و أشار بقوله: إذ قبضت عنه أطرافها. إلى مقدّمه من مقدّمات الدلیل على حقارتها و خبثها و ذلک إلى قوله: و خادمه یداه. و قبض أطرافها عنه کنایه عن منعها عنه بالکلّیّه لعدم استعداده لها و قبوله إیّاها، و توطیه جوانبها لغیره کنایه عن إعطائه إیّاها و تذلیلها له کالملوک. و استعار لفظ الفطم لمنعه منها، و کذلک لفظ الرضاع لها ملاحظه لمشابهتها للامّ و له بالابن، و وجه المشابهه ظاهر. و الّذی ذکره علیه السّلام: و اللّه ما سأله إلّا خبزا. هو تفسیر الآیه کما نقله المفسّرون أیضا، و صفاق بطنه: هو الجلد الباطن. و شفیفه: ما رقّ منه فلم یحجب البصر عن إدراک ما رآه. و تشذّب لحمه: تفرّقه. و استعار لفظ المزامیر لأصوات داود علیه السّلام و لفظ الإدام للجوع، و السراج للقمر، و الظلال لمشارق الأرض و مغاربها، و الفاکهه و الریحان لما تنبت الأرض، و الدابّه للرجلین، و الخادم للیدین. و وجه الاولى مشارکه صوته علیه السّلام للمزمار و هی الآله الّتی یزمّر بها فی الحسّ روى أنّ الوحش و الطیر کانت تقع علیه حال القراءه فی محرابه لاستغراقها فی لذّه صوته و نغمته، و وجه الثانیه قیام بدنه علیه السّلام بالجوع کقیامه بالإدام، و وجه الثالثه مشارکه القمر للسراج فی الضوء، و وجه الرابعه استتاره عن البرد بالمشارق و المغارب کاستتاره بالظلال، و وجه الخامسه التذاذ ذوقه و شمّه بما تنبت الأرض کما یلتذّ غیره بالفاکهه و الریحان، و وجه السادسه و السابعه قیام انتفاعه برجلیه و یدیه کقیامه بالدابّه و الخادم. و بالجمله فحال الأنبیاء المذکورین- سلام اللّه علیهم أجمعین- فی التقشّف و ترک الدنیا و الإعراض عنها ظاهر معلوم بالتواتر، و أمّا کون داود قارى أهل الجنّه- کما ورد فی الخبر- فلأنّ کلّ أمر حسن ینسب إلى الجنّه فی العرف أو لأنّه مع حسنه جاذب إلى الجنّه وداع إلى اللّه تعالى. و لمّا وصف حالهم عاد إلى الأمر بالتأسّی بالرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لأنّهم المأمورون بوجوب الاقتداء به مطلقا و فیه الاسوه الکافیه لمن تأسّى به و لأنّه أقرب عهدا ممّن سبق، و حثّ على التأسی به بکون المتأسّی به المقتصّ لأثره أحبّ العباد إلى اللّه، و ذلک من قوله تعالى «قُلْ إِنْ کُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِی یُحْبِبْکُمُ اللَّهُ»«» ثمّ عاد إلى اقتصاص من حاله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی ترک الدنیا و الاقتصار منها على قدر الضروره لیتبیّن ما یکون فیه التأسی به، و کنّى عن ذلک بقضمها. ثمّ کنّى عن عدم التفاته لها بعدم إعادتها طرفه، و عن کونه أقلّ الناس شبعا فیها و التفاتا إلى مأکلها و مشربها بکونه أخمصهم خاصره و بطنا. روى عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: أنّه کان إذا اشتدّ جوعه یربط حجرا على بطنه و یسمّیه المشبّع مع ملکه قطعه واسعه من الدنیا، و روى: أنّه ما شبع آل محمّد من لحم قطّ، و أنّ فاطمه و بعلها و بنیها کانوا یصومون على أقراص من الشعیر کانوا یعدّونها لإفطارهم و ربّما آثروا بها السائلین و طووا. روى أنّهم فعلوا ذلک ثلاث لیال طووا فی أیّامها حتّى کان ذلک سبب نزول سوره هل أتى فی حقّهم کما هو المشهور فی التفاسیر، و أمّا قوله: و عرضت علیه فأبى أن یقبلها فکما روى [ورد خ‏] عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قال: عرضت علىّ کنوز الأرض و رفعت إلىّ مفاتیح خزائنها فکرهتها و اخترت الدار الآخره.
الإشاره إلى أن الدنیا لأولیاءه دارا لحقارتها بالقیاس إلى ما أعده لهم فی الآخره

و قوله: و علم أنّ اللّه أبغض شیئا. إلى قوله: فصغّر. فبغض اللّه لها عدم إرادتها لأولیائه دارا، أو إشاره إلى أنّها مقصود وجودها بالعرض و تحقیرها و تصغیرها بالقیاس إلى ما أعدّ لهم فی الآخره. ثمّ نفرّ عن محبّتها بعد أن أشار إلى بغض اللّه لها و تصغیره إیّاها بجمله اعتراضیّه یتلخّص منها قیاس هکذا: أقلّ معایبنا محبّتنا لما أبغض اللّه و تعظیمنا لما صغّر و کلّ محبّه و تعظیم کذلک فکفى به شقاقا له و محادّه عن أمره. فینتج أنّ أقلّ ما فینا من المعایب یکفینا فی مشاقّه اللّه و محادّته. ثمّ أردف ذلک بتمام أوصافه فی ترک الدنیا و التکلّف لها.

فقوله: و لقد کان صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یأکل على الأرض و یجلس جلسه العبد. کما روى عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قال: إنّما أنا عبد آکل أکل العبید، و أجلس جلسه العبید. و غایه ذلک هو التواضع، و کذلک غایه خصف نعله بیده و ترقیع ثوبه بیده و رکوبه للحمار العارى و إردافه خلفه، و أمّا أمره بتغییب التصاویر فمحافظه من حرکه الوسواس الخنّاس، و کما أنّ الأنبیاء علیهم السّلام کانوا کاسرین للنفس الأمّاره بالسوء و قاهرین لشیاطینهم کانوا أیضا محتاجین إلى مراعاتهم و مراقبتهم و تفقّد أحوال نفوسهم فی کلّ لحظه و طرفه فإنّها کاللصوص المخادعین للنفوس المطمئنّه، مهما ترکت و غفل عن قهرها و التحفّظ منها عادت إلى طباعها. و قوله: فأعرض عن الدنیا بقلبه. إلى قوله: و أن یذکر عنده. إشاره إلى الزهد الحقیقیّ و هو حذف الموانع الداخله النفسیّه عن النفس.

و ما قبله من الأوصاف إشاره إلى زهده الظاهرىّ و هو حذف الموانع الخارجیّه عنه. ثمّ عاد إلى التذکیر بالمقدّمه السابقه للدلیل على حقاره الدنیا و خبثها فأعاد ذکر جوعه هو و خاصّه من أهل بیته مع عظیم زلفته و رفعه منزلته عند اللّه و إزوائها عنه، و لمّا ذکر تلک المقدّمه شرع فی الاستدلال بقوله: فلینظر ناظر. إلى قوله: أقرب الناس إلیه و هو بقیاس شرطىّ متّصل مقدّمه حملیّه و تالیه قضیّه شرطیّه منفصله و تلخیصه: إذا کان محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم جاع فی الدنیا مع خاصّته و زوى اللّه عنه زخارفها مع عظیم زلفته عنده فلا یخلو فعله بذلک إمّا أن یکون إکراما له أو إهانه و القسم الثانی ظاهر البطلان إذ ثبت أنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أخصّ خواصّ اللّه، و إذا کان أحقر ملک فی الدنیا لا یقصد بأحد من خاصّته إذا کان مطیعا له الإهانه فکیف یصدر ذلک من جبّار الجبابره و مالک الدنیا و الآخره حکیم الحکماء و رحیم الرحماء فی حقّ أحقّ خواصّه و أشدّهم طاعه له، و لأجل وضوح ذلک اقتصر على تکذیب من قال به و أکّده بالقسم البارّ، و أمّا القسم الأوّل و هو أنّه أکرمه بذلک فمن المعلوم أنّ الشی‏ء إذا کان عدمه إکراما و کمالا کان وجوده نقصا و إهانه فکان وجود الدنیا فی حقّ غیره صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و إزوائها عنه مع قرب منزلته إهانه لذلک الغیر و ذلک یستلزم حقارتها و یبعث العاقل على النفار عنها. ثمّ عاد إلى الأمر بالتأسّی به صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی ترک الدنیا تأکیدا لما سبق بعد بیان وجوه التأسى و هو أمر فی صوره الخبر مع زیاده تنبیه على أنّ المیل إلیها یحلّ الهلکه فمن لم یتأسّ بالنبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی أحواله فی الدنیا و خالفه فی المیل إلى شی‏ء منها لم یأمن الهلکه.

إذ قد عرفت أن حبّ الدنیا رأس کلّ خطیئه و هی الجاذبه عن درجات دار النعیم إلى درکات دار الجحیم. و قوله: فإنّ اللّه جعل محمّداً إلى قوله: داعى ربّه. صوره احتجاج على قوله: و إلّا فلا یأمن الهلکه. و تقریره أنّ اللّه تعالى جعله علما للساعه و أماره على قربها و مبشّرا بالجنّه و منذرا بالعقوبه و اطّلعه على أحوال الآخره ثمّ خرج من الدنیا بهذه الأحوال المعدوده المستلزمه للنفار عنها و الغض لها و الحذر منها فلو لم یکن الرکون إلیها و ارتکاب أضداد هذه الأحوال منها مظنّه الهلکه لما نفر النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عنها و یرکن إلیها لکنّه نفر عنها فکانت مظنّه الهلکه فوجب التأسّی به فی نفاره عنها و إلّا لم یأمن غیر المتأسّى به الهلکه فیها.

و روى علما للساعه بکسر العین و هو مجاز إطلاقا لاسم المسبّب على السبب. إذ هو صلّى اللّه علیه و آله و سلّم سبب للعلم بالساعه، و کنّى بوضع الحجر على الحجر عن البناء. ثمّ عقّب بتعظیم منّه اللّه تعالى على الناس حین أنعم علیهم به سلفا یتّبعونه و قائدا یقتفون أثره، و أردف ذلک بذکر بعض أحواله الّتی تأسّى به علیه السّلام فیها من ترک الدنیا و الإعراض عن الاستمتاع بها إلى غایه ترقیع مدرعته حتّى استحیا من راقعها و قول من قال له: ألا تنبذها و تلقیها و جوابه الحسن. و قوله: فعند الصباح یحمد القوم السرى. مثل یضرب لمحتمل المشقّه لیصل إلى الراحه فأصله أنّ القوم یسیرون فی اللیل فیحمدون عاقبه ذلک بقرب المنزل إذا أصبحوا. و مطابقه الصباح لمفارقه النفس البدن أو لإعراضها عنه و اتّصالها بالملأ الأعلى بسبب تلک الریاضه الکامله و إشراق أنوار العالم العلوىّ علیها الّتی عنده تحمد عواقب الصبر على مکاره الدنیا و ترک لذّاتها و معاناه شدائدها مطابقه ظاهره واقعه موقعها، و روى أنّه سئل علیه السّلام لم رقعت قمیصک فقال: یخشع لها القلب و یقتدى بها المؤمنون. و ممّا نقل فی زهده علیه السّلام ما رواه أحمد فی مسنده عن أبی النور الحوّام بالکوفه قال: جاءنی علیّ بن أبی طالب علیه السّلام إلى السوق و معه غلام له و هو خلیفه فاشترى منّی قمیصین و قال لغلامه: اختر أیّهما شئت فأخذ أحدهما و أخذ علىّ الآخر. ثمّ لبسه و مدّ یده فوجد کمّه افاضله فقال: اقطع الفاضل فقطعه، ثمّ کفّه و ذهب، و روى أحمد أیضا قال: لما أرسل عثمان إلى علیّ وجدوه مؤتزرا بعباءه محتجرا بعقال و هو یهنأ بعیرا له: أى یمسحه بالقطران و هو الهناء والاخبار فى ذلک کثیره و بالله التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۲۷۷

 

بازدیدها: ۵

خطبه ۱۵۸ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

وَ لَقَدْ أَحْسَنْتُ جِوَارَکُمْ- وَ أَحَطْتُ بِجُهْدِی مِنْ وَرَائِکُمْ- وَ أَعْتَقْتُکُمْ مِنْ‏ رِبَقِ الذُّلِّ وَ حَلَقِ الضَّیْمِ- شُکْراً مِنِّی لِلْبِرِّ الْقَلِیلِ- وَ إِطْرَاقاً عَمَّا أَدْرَکَهُ الْبَصَرُ- وَ شَهِدَهُ الْبَدَنُ مِنَ الْمُنْکَرِ الْکَثِیرِ

المعنى

أقول: إحاطته بجهده من ورائهم إشاره إلى حفظه و حراسته لهم، و إعتاقهم من ربق الذلّ و حلق الضیم حمایتهم من عدوّهم و اعتزازهم به. ثمّ نبّههم على شکره للقلیل من برّهم: أى مقدار طاعتهم للّه فی طاعته، و إطراقه عن کثیر منکرهم ممّا شاهده منّا علیهم بالمسامحه و العفو.
فإن قلت: فکیف یجوز له أن یسکت عن إنکار المنکر مع مشاهدته له.

قلت: یحمل ذلک منه على عدم التمکّن من إزالته بالعنف و القهر لجواز أن یستلزم ذلک مفسده أکبر ممّا هم علیه من المنکر، و ظاهر أنّهم غیر معصومین و محال أن تستقیم دوله أو یتمّ ملک بدون الإحسان إلى المحسنین من الرعیّه و التجاوز عن بعض المسیئین. و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج‏ البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۲۷۶

بازدیدها: ۰

خطبه۱۵۷شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

القسم الأول

أَرْسَلَهُ عَلَى حِینِ فَتْرَهٍ مِنَ الرُّسُلِ- وَ طُولِ هَجْعَهٍ مِنَ الْأُمَمِ وَ انْتِقَاضٍ مِنَ الْمُبْرَمِ- فَجَاءَهُمْ بِتَصْدِیقِ الَّذِی بَیْنَ یَدَیْهِ- وَ النُّورِ الْمُقْتَدَى بِهِ ذَلِکَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ- وَ لَنْ یَنْطِقَ وَ لَکِنْ أُخْبِرُکُمْ عَنْهُ- أَلَا إِنَّ فِیهِ عِلْمَ مَا یَأْتِی- وَ الْحَدِیثَ عَنِ الْمَاضِی- وَ دَوَاءَ دَائِکُمْ وَ نَظْمَ مَا بَیْنَکُمْ

اللغه

أقول: الهجعه: النومه.

و المبرم. الحبل المحکم الفتل.

و ثمره الفصل التنبیه على فضیله الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الفتره الزمان بین الرسولین، و کنّى بالهجعه من الامم عن رقدتهم فی مراقد الطبیعه و نوم الغفله عمّا خلقوا لأجله فی مدّه زمان الفتره، و أشار بالمبرم إلى ما کان الخلق علیه من نظام الحال بالشرائع السابقه و انبرام امورهم بوجودها، و انتقاضها فساد ذلک النظام بتغیّر الشرائع و اضمحلالها، و الّذی صدّقه بین یدیه هو التوراه و الإنجیل کما قال تعالى «مُصَدِّقاً لِما بَیْنَ یَدَیْهِ مِنَ الْکِتابِ»«» و لکلّ أمر منتظر أو قریب یقال إنّه جار بین الیدین، و استعار لفظ النور للقرآن، و وجه الاستعاره ظاهر. ثمّ أمر باستنطاقه و فسّر ذلک الاستنطاق باستماع العباره عنه. إذ هو لسان الکتاب و السنّه، و کسّر أوهامهم الّتی عساها تستنکر آمره باستنطاقه بقوله: فلن ینطق، و نبّه على ما فیه من علم الأوّلین و الحدیث عن القرون الماضیه و علم ما یأتی من الفتن و أحوال القیامه و أنّ فیه‏ دواء دائهم، و ذلک الداء هو الرذائل المنقّصه، و دواء ذلک الداء هو لزوم الفضائل العلمیّه و العملیّه الّتی اشتمل علیها القرآن الکریم و نظام ما بینهم إشاره إلى ما اشتمل علیه من القوانین الشرعیّه و الحکمه السیاسیّه الّتی بها نظام العالم و استقامه اموره.

القسم الثانی منها:

فَعِنْدَ ذَلِکَ لَا یَبْقَى بَیْتُ مَدَرٍ وَ لَا وَبَرٍ- إِلَّا وَ أَدْخَلَهُ الظَّلَمَهُ تَرْحَهً وَ أَوْلَجُوا فِیهِ نِقْمَهً- فَیَوْمَئِذٍ لَا یَبْقَى لَهُمْ فِی السَّمَاءِ عَاذِرٌ- وَ لَا فِی الْأَرْضِ نَاصِرٌ- أَصْفَیْتُمْ بِالْأَمْرِ غَیْرَ أَهْلِهِ وَ أَوْرَدْتُمُوهُ غَیْرَ مَوْرِدِهِ- وَ سَیَنْتَقِمُ اللَّهُ مِمَّنْ ظَلَمَ- مَأْکَلًا بِمَأْکَلٍ وَ مَشْرَباً بِمَشْرَبٍ- مِنْ مَطَاعِمِ الْعَلْقَمِ وَ مَشَارِبِ الصَّبِرِ وَ الْمَقِرِ- وَ لِبَاسِ شِعَارِ الْخَوْفِ وَ دِثَارِ السَّیْفِ- وَ إِنَّمَا هُمْ مَطَایَا الْخَطِیئَاتِ وَ زَوَامِلُ الْآثَامِ- فَأُقْسِمُ ثُمَّ أُقْسِمُ- لَتَنْخَمَنَّهَا أُمَیَّهُ مِنْ بَعْدِی کَمَا تُلْفَظُ النُّخَامَهُ- ثُمَّ لَا تَذُوقُهَا وَ لَا تَطْعَمُ بِطَعْمِهَا أَبَداً- مَا کَرَّ الْجَدِیدَانِ

اللغه
أقول: الترحه: الحزن.

و المقر: المرّ.

و الزامله: الجمل یستظهر به الإنسان فی حمل متاعه.

و تنخّمت النخامه: لفظتها.

و سیاق الکلام الإخبار عن حال بنی امیّه و ما یحدث فی دولتهم من الظلم
و کنّى ببیت المدر و الوبر عن البدو و الحضر، و عن استحقاقهم عند فعلهم ذلک للتغیّر و زوال الدوله بعدم العاذر فی السماء و الناصر فی الأرض. ثمّ عقّب بتوبیخ السامعین على إصفائهم بأمر الخلافه غیر أهله، و الخطاب عامّ خصّه العقل بمن هو راض بدوله معاویه و ذریّته، و ربّما الحق من تقاعد عن القیام معه فی قتاله لأنّ العقود عن ردع الظالم و قتاله مستلزم لقوّته و یجرى مجرى نصرته و إعانته على ظلمه و إن لم یقصد القاعد عنه ذلک. ثمّ أخبر أنّ اللّه سینتقم منهم. و مأکلا و مشربا منصوبان بفعل مضمر و التقدیر و یبدّلهم مأکلا بمأکل، و استعار لفظ العلقم و الصبر و المقر لما یتجرّعونه من شدائد القتل و أهوال العدوّ و مرارات زوال الدوله، و کذلک لفظ الشعار للخوف، و رشّح بذکر اللباس و لفظ الدثار للسیف، و وجه الاستعاره الاولى ظاهر، و وجه الثانیه ملازمه الخوف لهم کملازمه الشعار للجسد، و أفاد بعض الشارحین أنّه إنّما خصّص الخوف بالشعار لأنّه باطن فی القلوب، و السیف بالدثار لأنّه ظاهر فی البدن کما أنّ الشعار ما کان یلی الجسد و الدثار ما کان فوقه، و استعار لهم لفظ المطایا و الزوامل، و وجه الاستعاره حملهم للآثام. و أتى بلفظ إنّما إشاره إلى أنّ جمیع حرکاتهم و تصرّفاتهم على غیر قانون شرعیّ فیکون خطیئه و إثما. ثمّ أقسم لتنخمنّها امیّه من بعده. فاستعار لفظ التنخّم لزوال الخلافه عنهم فکأنّهم قاءوها و قذفوها من صدورهم ملاحظه لشبهها بالنخامه، و کنّى بعدم ذوقها و تطعّمها عن عدم رجوعها إلیهم، و ما هنا بمعنى المدّه، و الجدیدان اللیل و النهار، و کنّى بذلک عن الأمد. و هو إخبار منه عمّا سیکون، و روى عن الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه أخبر أنّ بنی امیّه تملک الخلافه بعده مع ذمّ منه لهم نحو ما روى عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی تفسیر قوله «وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْیَا الَّتِی أَرَیْناکَ إِلَّا فِتْنَهً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَهَ الْمَلْعُونَهَ فِی الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ»«» قال المفسرون: تلک الرؤیا أنّه رأى بنی امیّه ینزون على منبره نزو القرده، و بهذا اللفظ فسّر صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الآیه و ساءه ذلک. ثمّ قال: الشجره الملعونه بنو امیّه و بنو المغیره، و روى عنه أنّه قال: إذا بلغ بنو أبی العاص ثلاثین رجلا اتّخذوا مال اللّه دولا و عباده خولا، و کما روى عنه فی تفسیره لقوله تعالى: «لَیْلَهُ الْقَدْرِ خَیْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» قال: ألف شهر یملک فیها بنو امیّه، و نحو قوله: أبغض الأسماء إلى اللّه الحکم و الهشام و الولید. إلى غیر ذلک.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۲۷۳

 

بازدیدها: ۰

خطبه۱۵۶شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی جَعَلَ الْحَمْدَ مِفْتَاحاً لِذِکْرِهِ- وَ سَبَباً لِلْمَزِیدِ مِنْ فَضْلِهِ- وَ دَلِیلًا عَلَى آلَائِهِ وَ عَظَمَتِهِ- عِبَادَ اللَّهِ- إِنَّ الدَّهْرَ یَجْرِی بِالْبَاقِینَ کَجَرْیِهِ بِالْمَاضِینَ- لَا یَعُودُ مَا قَدْ وَلَّى مِنْهُ- وَ لَا یَبْقَى سَرْمَداً مَا فِیهِ- آخِرُ فَعَالِهِ کَأَوَّلِهِ مُتَشَابِهَهٌ أُمُورُهُ- مُتَظَاهِرَهٌ أَعْلَامُهُ فَکَأَنَّکُمْ بِالسَّاعَهِ تَحْدُوکُمْ حَدْوَ الزَّاجِرِ بِشَوْلِهِ- فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَیْرِ نَفْسِهِ تَحَیَّرَ فِی الظُّلُمَاتِ- وَ ارْتَبَکَ فِی الْهَلَکَاتِ- وَ مَدَّتْ بِهِ شَیَاطِینُهُ فِی طُغْیَانِهِ- وَ زَیَّنَتْ لَهُ سَیِّئَ أَعْمَالِهِ- فَالْجَنَّهُ غَایَهُ السَّابِقِینَ وَ النَّارُ غَایَهُ الْمُفَرِّطِینَ- اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ- أَنَّ التَّقْوَى دَارُ حِصْنٍ عَزِیزٍ- وَ الْفُجُورَ دَارُ حِصْنٍ ذَلِیلٍ- لَا یَمْنَعُ أَهْلَهُ وَ لَا یُحْرِزُ مَنْ لَجَأَ إِلَیْهِ- أَلَا وَ بِالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَهُ الْخَطَایَا- وَ بِالْیَقِینِ تُدْرَکُ الْغَایَهُ الْقُصْوَى- عِبَادَ اللَّهِ اللَّهَ اللَّهَ فِی أَعَزِّ الْأَنْفُسِ عَلَیْکُمْ وَ أَحَبِّهَا إِلَیْکُمْ- فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْضَحَ لَکُمْ سَبِیلَ الْحَقِّ وَ أَنَارَ طُرُقَهُ- فَشِقْوَهٌ لَازِمَهٌ أَوْ سَعَادَهٌ دَائِمَهٌ- فَتَزَوَّدُوا فِی أَیَّامِ الْفَنَاءِ لِأَیَّامِ الْبَقَاءِ- قَدْ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ وَ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ- وَ حُثِثْتُمْ عَلَى الْمَسِیرِ- فَإِنَّمَا أَنْتُمْ کَرَکْبٍ وُقُوفٍ لَا یَدْرُونَ- مَتَى یُؤْمَرُونَ بِالسَّیْرِ- أَلَا فَمَا یَصْنَعُ بِالدُّنْیَا مَنْ خُلِقَ لِلْآخِرَهِ- وَ مَا یَصْنَعُ بِالْمَالِ مَنْ عَمَّا قَلِیلٍ یُسْلَبُهُ- وَ تَبْقَى عَلَیْهِ تَبِعَتُهُ وَ حِسَابُهُ- عِبَادَ اللَّهِ- إِنَّهُ لَیْسَ لِمَا وَعَدَ اللَّهُ مِنَ الْخَیْرِ مَتْرَکٌ- وَ لَا فِیمَا نَهَى عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مَرْغَبٌ- عِبَادَ اللَّهِ- احْذَرُوا یَوْماً تُفْحَصُ فِیهِ الْأَعْمَالُ- وَ یَکْثُرُ فِیهِ الزِّلْزَالُ وَ تَشِیبُ فِیهِ الْأَطْفَالُ- اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ- أَنَّ عَلَیْکُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِکُمْ- وَ عُیُوناً مِنْ جَوَارِحِکُمْ- وَ حُفَّاظَ صِدْقٍ یَحْفَظُونَ أَعْمَالَکُمْ وَ عَدَدَ أَنْفَاسِکُمْ- لَا تَسْتُرُکُمْ مِنْهُمْ ظُلْمَهُ لَیْلٍ دَاجٍ- وَ لَا یُکِنُّکُمْ مِنْهُمْ بَابٌ ذُو رِتَاجٍ- وَ إِنَّ غَداً مِنَ الْیَوْمِ قَرِیبٌ یَذْهَبُ الْیَوْمُ بِمَا فِیهِ- وَ یَجِی‏ءُ الْغَدُ لَاحِقاً بِهِ- فَکَأَنَّ کُلَّ امْرِئٍ مِنْکُمْ- قَدْ بَلَغَ مِنَ الْأَرْضِ مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ وَ مَخَطَّ حُفْرَتِهِ- فَیَا لَهُ مِنْ بَیْتِ وَحْدَهٍ- وَ مَنْزِلِ وَحْشَهٍ وَ مُفْرَدِ غُرْبَهٍ- وَ کَأَنَّ الصَّیْحَهَ قَدْ أَتَتْکُمْ- وَ السَّاعَهَ قَدْ غَشِیَتْکُمْ- وَ بَرَزْتُمْ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ- قَدْ زَاحَتْ عَنْکُمُ الْأَبَاطِیلُ- وَ اضْمَحَلَّتْ عَنْکُمُ الْعِلَلُ- وَ اسْتَحَقَّتْ بِکُمُ الْحَقَائِقُ- وَ صَدَرَتْ بِکُمُ الْأُمُورُ مَصَادِرَهَا- فَاتَّعِظُوا بِالْعِبَرِ- وَ اعْتَبِرُوا بِالْغِیَرِ وَ انْتَفِعُوا بِالنُّذُرِ

اللغه

أقول: الشول: النوق الّتی جفّ لبنها و ارتفع ضرعها و أتى علیها من نتاجها سبعه أشهر. الواحده شائله على غیر قیاس.

و الارتباک: الاختلاط.

و حمه العقرب: إبرتها، و هی محلّ سمّها.

و الرتاج: الغلق.

المعنى

و قد حمد اللّه تعالى باعتبارات: أحدها: جعله الحمد مفتاحا لذکره فی عدّه سور. الثانی: کونه سببا للمزید من فضله، و المراد بالحمد هنا الشکر لقوله تعالى «لَئِنْ شَکَرْتُمْ لَأَزِیدَنَّکُمْ»«» و قد عرفت إعداده لزیاده النعم. الثالث: و دلیلا على آلائه. لاختصاص الشکر بمولى النعم، و على عظمته. لاختصاصه باستحقاق ذلک لذاته. إذ هو مبدء لکلّ نعمه، و لأنّ الحمد لا ینبغی إلّا له، ثمّ أخذ فی الموعظه فنبّه السامعین على فعل الدهر بالماضین لیتذکّروا أنّهم أمثالهم و لاحقون بهم فیتقهقروا عن غیّهم و یعملوا لما بعد الموت. ثمّ نبّه على حاله فی تقضّیه بأنّ کلّ وقت مضى منه لا یعود، و أنّ کلّ وقت منه له أهل و متاع من الدنیا إنّما یکون فی الوجود بوجود ذلک الوقت، و ظاهر أنّه تنقضى بتقضّیه و لا یبقى سرمدا ما فیه، و أنّ آثاره متشابهه آخرها کأوّلها: أى یوجد ما یکون بإعداد وقت منه بوجود ذلک الوقت و ینقضی بانقضائه فحاله دائما على وتیره واحده، و کذلک قوله: متشابهه اموره فإنّه کما کان أوّلا یعدّ قوما للفقر و قوما للغنى، و قوما للضعه و قوما للرفعه، و قوما للوجود و آخرین للعدم کذلک هو آخرا. و قوله: متظاهره أعلامه. أى دلالاته على شیمته و طبیعته و أفعاله الّتی یعامل الناس بها قدیما و حدیثا متعاضده یتبع بعضها بعضا، و نسبه هذه الامور إلى الدهر جریا على ما فی أوهام العرب و إن کان الفاعل هو اللّه تعالى و إنّما للدهر الإعداد کما سبق. ثمّ نبّه على قرب الساعه و شبّه حدوها: أى سوقها لهم بسوق الزاجر للنوق فی حثّه لها، و قد عرفت کیفیّه ذلک السوق و وجه الاستعاره فیه و فی قوله: و إنّ الساعه من ورائکم تحدوکم، فأمّا وجه الشبه فهو السرعه و الحثّ، و إنّما خصّ الشول من النوق لخلوّها من العثار فیکون سوقها بعنف و أسرع، و لمّا نبّههم على قربها و إنّها تحدوهم نبّههم على وجوب اشتغال کلّ بنفسه.

إذ کلّ مشغل نفسه بغیر نفسه غیر محصّل لنور یهتدی به فی ظلمات طریق الآخره بل إنّما یحصل على أغطیه و أغشیه من الهیئات البدنیّه اکتسبها عمّا اشتغل به من متاع الدنیا و العمل بها، و علمت أنّ تلک الأغطیه مغشیّه لنور البصیره فلا جرم یتحیّر فی تلک الظلمات و یرتبک فی مهالک تلک الطریق و مغاویها، و تمدّ به شیاطینه و نفسه الأمّاره فی طغیانه، و تزیّن له سیّ‏ء أعماله. ثمّ ذکر غایه وجود الإنسان فخصّ الجنّه بالسابقین، و النّار بالمفرّطین، و قد کان ذکر الجنّه کافیا فی الجذب إلیها، و النار کافیا فی الجذب عنها فقرن ذکر الجنّه بذکر فضیله السبق، و ذکر النار برذیله التفریط لیقوى الباعث على طلب أشرف الغایتین و الهرب من أخسّهما، و أیضا فلأنّ السبق و التفریط علّتان للوصول إلى غایتیهما المذکورتین فهدى إلى طلب إحداهما، و الهرب من الاخرى بذکر سببها. ثمّ عاد إلى التنبیه على فضیله التقوى، و استعار له لفظ الدار الحصینه الّتی تعزّ من تحصّن بها، و وجه الاستعاره کونها تحصن النفس أمّا فی الدنیا فمن الرذائل الموبقه المنقّصه الموجبه لکثیر من الهلکات الدنیویّه، و أمّا فی الآخره فمن ثمرات الرذائل ملکات السوء المستلزمه للعذاب الألیم. ثمّ على رذیله الفجور، و هو طرف الإفراط من فضیله العفّه، و استعار لفظ الدار بقید کونها حصنا ذلیلا، و وجه الاستعاره کونه مستلزما لضدّ ما استلزم التقوى و یجب أن یخصّص التقوى هنا بفضیله القوّه البهیمیّه و هی العفّه و الزهد لمقابله الفجور للعفّه. ثمّ نبّه على فضیله اخرى للتقوى و هی کونها قاطعا لحمه الخطایا و لفظ الحمه مستعار لها باعتبار کونها أسبابا مستلزمه للأذى فی الآخره کما یستلزم إبره العقرب أو سمّها للأذى، و من روى حمّه مشددّه أراد شدّه الخطایا و بأسها لأنّ حمه الحرّ معظمته، و ظاهر کون التقوى قاطعا لبأس الخطایا و ماحیا لآثارها، و لمّا أشار إلى کون التقوى حاسما لمادّه الخطایا و کان بذلک إصلاح القوّه العملیّه أشار إلى أنّ الیقین الّذی به إصلاح القوّه النظریّه سبب لإدراک الغایه القصوى فإنّ الإنسان إذا حصل على کمال القوّه النظریّه بالیقین و على کمال القوّه العملیّه بالتقوى بلغ الغایه القصوى من الکمال الإنسانىّ.

ثمّ عقّب بتحذیر السامعین من اللّه تعالى فی أعزّ الأنفس علیهم و أحبّها إلیهم، و فی الکلام إشاره إلى أنّ للإنسان نفوسا متعدّده و هى باعتبار مطمئنّه، و أمّاره بالسوء، و لوّامه.
و باعتبار عاقله، و شهویّه، و غضبیّه. و الإشاره إلى الثلاث الأخیره. و أعزّها النفس العاقله. إذ هی الباقیه بعد الموت، و لها الثواب و علیها العقاب، و فیها الوصیّه، و غایه هذا التحذیر حفظ کلّ نفسه ممّا یوبقها فی الآخره، و ذلک بالاستقامه على سبیل اللّه، و لذلک قال: فقد أوضح لکم سبیل الحقّ و أبان طرقه، و روى و أنار طرقه: أی بالآیات و النذر. ثمّ نبّه على غایتى سبیل الحقّ و سبیل الباطل بقوله: فشقوه لازمه أو سعاده دائمه. ثمّ عاد إلى الحثّ على اتّخاذ الزاد بعد أن ذکر التقوى تنبیها على أنّ الزاد هو التقوى کما قال تعالى «وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَیْرَ الزَّادِ التَّقْوى‏»«» و أیّام البقاء الحال الّتی بعد الموت، و دلالتهم على الزاد فی الآیه الّتی دلّهم اللّه تعالى بها علیه و أمرهم بالظعن کقوله تعالى «سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَهٍ مِنْ رَبِّکُمْ وَ جَنَّهٍ»«» الآیه و قوله «فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ» و بالجمله فکلّ أمر بالإعراض عن الدنیا و التنفیر عنها فهو مستلزم للحثّ على الظعن و الأمر بالمسیر عن الدنیا بالقلوب‏ لأنّ الظعن هنا هو قطع درجات المعارف و الأعمال فی سبیل اللّه و صراطه المستقیم و المسیر فیها، و یحتمل أن یرید بالحثّ على المسیر حثّ اللیل و النهار بتعاقبهما على الأعمار فهما سابقان حثیثان عنیفان فیجب التنبیه لسوقهما على اتّخاذ الزاد لما یسوقان إلیه. و قوله: و إنّما أنتم کرکب. إلى آخره. فوجه التشبیه ظاهر فالإنسان هو النفس، و المطایا هی الأبدان و القوى النفسانیّه، و الطریق هى العالم الحسّیّ و العقلیّ، و السیر الذی ذکره قبل الموت هو تصرّف النفس فی العالمین لتحصیل الکمالات المسعده و هی الزاد لغایه السعاده الباقیه، و أمّا السیر الثانی الّذی هو وقوف ینتظرون و لا یدرون متى یؤمرون به فهو الرحیل إلى الآخره من دار الدنیا و طرح البدن و قطع عقبات الموت و القبر إذ الإنسان لا یعرف وقت ذلک.

و حینئذ یتبیّن لک من سرّ هذا الکلام أنّ قوله: و امرتم بالظعن مع قوله: لا تدرون متى تؤمرون بالسیر. غیر متنافیین کما ظنّه بعضهم. ثمّ أخذ فی تزهید الدنیا و التنفیر عنها بذکر أنّ الإنسان غیر مخلوق لها بل لغیرها و مقتضى العقل أن یعمل الإنسان لما خلق له، و فی تزهید المال بتذکیر سلبه عن قلیل بالموت و بقاء الحساب علیه و تبعاته من عقارب الهیئات الحاصله بسبب محبّته و جمعه و التصرّف الخارج عن العدل فیه لاسعه لمقتنیه. ثمّ عقّب بالترغیب فی وعد اللّه بأنّه لیس منه مترک: اى لیس منه عوض و بدل فی النفاسه بالتنفیر عمّا نهى اللّه عنه بکونه لا مرغب فیه: أى لیس فیه مصلحه ینبغی أن یجعلها العاقل غایه مقصوده له. إذ هو تعالى أعلم بالمصالح فلا یلیق بجوده أن ینهى العبد عمّا فیه مصلحه راجحه. ثمّ عقّب بالتحذیر من یوم الوعید و وصفه بالصفات الّتی باعتبارها یجب الخوف منه و العمل له و هی فحص الأعمال فیه و نقاش الحساب علیه کقوله تعالى «وَ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»«» و ظهور الزلزال کقوله تعالى «إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْض‏ ُ زِلْزالَها» و شیب الأطفال کقوله تعالى «یَوْماً یَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِیباً»«». و أعلم أنّ هذه الصفات فی یوم القیامه ظاهره فی الشریعه، و قد سلّط التأویل علیها بعض من تحذلق فقال: أمّا الفحص عن الأعمال فیرجع إلى إحاطه اللوح المحفوظ بها و ظهورها للنفس عند مفارقتها للبدن أو إلى انتقاش النفوس بها کما تقدّم شرحه کقوله تعالى «یَوْمَ تَجِدُ کُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَیْرٍ مُحْضَراً»«» الآیه، و أمّا ظهور الزلزال فیحتمل أن یرید التغیّر الّذی لا بدّ منه و الاضطراب العارض للبدن عند مفارقه النفس و التشویش لها أیضا على ما تقدّم من الإشاره إلى أنّ الدنیا هی مقبره النفوس و أجداثها، و أمّا مشیب الأطفال فکثیرا ما یکنّى بذلک عن غایه الشدّه یقال هذا أمر تشیب فیه النواصی و تهرم فیه الأطفال إذا کان صعبا. و لا أصعب على النفس من حال المفارقه و ما بعدها. ثمّ عقّب بالتحذیر من المعاصی بالتنبیه على الرصد القریب الملازم، و أشار بالرصد إلى الجوارح کما قال تعالى «یَوْمَ تَشْهَدُ عَلَیْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَیْدِیهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما کانُوا یَعْمَلُونَ»«» و قوله «وَ قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَیْنا»«» الآیه، و الشهاده هنا بلسان الحال و النطق به فإنّ کلّ عضو لمّا کان مباشرا لفعل من الأفعال کان حضور ذلک العضو و ما صدر عنه فی علم اللّه تعالى بمنزله الشهاده القولیّه بین یدیه و أکّد فی الدلاله، و أشار بحفّاظ الصدق إلى الکرام الکاتبین، و قد سبقت الإشاره إلى ذلک فی الخطبه الاولى، و ظاهر کونهم لا یستر منهم ساتر. ثمّ بالتحذیر بقرب غد، و کنّى به عن وقت الموت. ثمّ ببلوغ منزل الواحده، و کنّى به عن القبر، و وصفه بالأوصاف الموحشه المنفّره المستلزمه للعمل لحلوله و لما بعده. ثمّ بالصیحه و هی الصیحه الثانیه إن کانت إلّا صیحه واحده فإذا هم جمیع لدینا محضرون، و النفخه الثانیه و نفخ فیه اخرى فإذا هم قیام ینظرون. ثمّ بالقیامه الکبرى و البروز لفصل القضاء و هو حال استحقاق کلّ نفس ما لا بدّ لها منه من دوام عذاب أو دوام نعیم بحکم القضاء الإلهیّ، و ذلک بعد زوال الهیئات الباطله الممکنه الزوال من النفوس الّتی لها استکمال ما و لحوقها بعالمها و اضمحلال العلل الباطله للنفوس و استحقاق الحقائق بالخلق و رجوع کلّ امرى‏ء إلى ثمره ما قدّم. ثمّ عاد إلى الموعظه الجامعه الکلّیّه فأمر بالاتّعاظ بالعبر و کلّ ما یفید تنبیها على أحوال الآخره فهو عبره، و بالاعتبار بالغیر و هی جمع غیره فعله من التغیّر و اعتبارها طریق الاتّعاظ و الانزجار.
ثمّ بالانتفاع بالنذر جمع نذیر و هو أعمّ من الإنسان بل کلّ أمر أفاد تخویفا بأحوال الآخره فهو نذیر و الانتفاع به حصول الخوف عنه. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۲۶۶

بازدیدها: ۰

خطبه۱۵۵شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام خاطب به أهل البصره على جهه اقتصاص الملاحم

القسم الأول

فَمَنِ اسْتَطَاعَ عِنْدَ ذَلِکَ- أَنْ یَعْتَقِلَ نَفْسَهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَلْیَفْعَلْ- فَإِنْ أَطَعْتُمُونِی- فَإِنِّی حَامِلُکُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى سَبِیلِ الْجَنَّهِ- وَ إِنْ کَانَ ذَا مَشَقَّهٍ شَدِیدَهٍ وَ مَذَاقَهٍ مَرِیرَهٍ- وَ أَمَّا فُلَانَهُ فَأَدْرَکَهَا رَأْیُ النِّسَاءِ- وَ ضِغْنٌ غَلَا فِی صَدْرِهَا کَمِرْجَلِ الْقَیْنِ- وَ لَوْ دُعِیَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَیْرِی مَا أَتَتْ إِلَیَّ لَمْ تَفْعَلْ- وَ لَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا الْأُولَى وَ الْحِسَابُ عَلَى اللَّهِ

اللغه

أقول:

اعتقل نفسه: أی ضبطها و حبسها.

و الضغن: الحقد.

و المرجل: القدر.

المعنى

و قوله: عند ذلک. یقتضى أنّه سبق منه قبل هذا الفصل ذکر فتن و حروب یقع بین المسلمین وجب على من أدرکها أن یحبس نفسه على طاعه اللّه دون مخالطتها و الدخول فیها، و سبیل الجنّه هو الدین القیّم، و ظاهر شرط حمله لهم علیه بالطاعه. إذ لا رأى لمن لا یطاع، و نبّه على أنّ من الدین الحقّ ما هو ذو مشقّه شدیده و مذاقه مریره کالجهاد، و کذلک سائر التکالیف لها مشقّه، و فلانه کنایه عن عایشه و إدراک رأی النساء لها فی حربه بالبصره، و قد علمت أنّ رأى النساء یرجع إلى أفن و ضعف.

و فی الخبر: لا یفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأه، و جاء: إنّهنّ قلیلات عقل و دین. کما سبق بیان أخلاقهنّ، و أمّا الضغن فقد نقل له أسباب عدّه: منها ما کان بینها و بین فاطمه علیها السّلام بسبب تزویج الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لها عقیب موت خدیجه امّ فاطمه، و إقامتها مقامها، و من المعلوم المعتاد ما یقع بین المرأه و ابنه زوجها من غیرها من الکدر، و کان سبب البغض من المرأه لبنت الزوج حرکه المتخیّله بإقامه البنت مقام الامّ الّتی هی ضرّه لها و تشبیهها بها فتقیمها مقام الضرّه، و تتوهّم فیها العداوه و البغضاء ثمّ ینشأ ذلک الخیال و یقوى بأسباب اخرى فیتأکّد البغض خصوصا إن کان الزوج أکرم لبنته کما هو المنقول من الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی حقّ فاطمه علیها السّلام، و أمّا من جهه البنت فلتخیّلها أنّها ضرّه امّها و توهّمها بسبب ذلک بغضها لها، و الباغض للامّ باغض للبنت لا محاله، و یتأکّد ذلک بالمیل المنقول عن الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی حقّ عایشه و إیثارها على سائر نسائه، و النفوس البشریّه خصوصا نفوس النساء تغیظ على ما دون ذلک فکیف بذلک منه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، و لا شکّ فی تعدّى ذلک إلى نفس بعلها علیه السّلام فإنّ النساء کثیرا ما یحصل بسببهنّ الأحقاد فی قلوب الرجال، و عن بعض الحکماء: إذا رأیت فی الدنیا خصومه لیست بسبب امرأه فاحمد اللّه تعالى فإنّها أمر عجیب، و کثیراً ما کانت فاطمه علیها السّلام تشکو إلى بعلها من عایشه. و منها ما کان من أمر قذف عایشه، و نقل إنّ علیّا علیه السّلام کان من المشیرین بطلاقها تنزیها لعرض الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من أقوال المنافقین، و قال له لمّا استشاره: إن هی إلّا شسع نعلک، و قال: اسأل الخادمه و خوّفها فإن أقامت على الجحود فاضربها. و بلغها کلّ ذلک الکلام و سمعت أضعافه من الغیر ممّا جرت عاده الناس أن یتداولنه فی مثل هذه الواقعه، و نقل إلیها النساء: إنّ علیّا علیه السّلام و فاطمه سرّا بذلک. فتفاقم الأمر و غلظ. ثمّ لمّا نزلت براءتها و صالحها الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم ظهر منها ما جرت العاده بظهوره ممّن انتصر بعد ظلمه و ینتصر بعد غلبه من بسط اللسان و التبجّح بالبراءه من العیب، و فلتات القول فی أثناء ذلک. و بلغ ذلک علیّا و فاطمه علیهما السّلام، و منها کون النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم سدّ باب أبى بکر من المسجد و فتح باب صهره، و منها بعثه إیّاها بسوره براءه، ثمّ أخذها منه و دفعها إلى علیّ علیه السّلام. إلى غیر ذلک من الأسباب الجزئیّه الّتی تشهد بها قرائن الأحوال و لا تکاد تتبیّن بالأقوال. فإنّ کلّ ذلک ممّا یثیر الأحقاد و یؤکّد الأضغان.

و قوله: و لو دعیت. إلى آخره. کلام حقّ لمکان الباعث لها فی حقّه دون غیره. و قوله: و لها بعد حرمتها الاولى. وجه اعتذاره فی الکفّ عن أذاها بعد استحقاقها للأذى فی نظره، و حرمتها بنکاح رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و کونها زوجه له. و قوله: و الحساب على اللّه. تنبیه على أنّه و إن سامحها فی الدنیا بما فعلت فإنّ اللّه تعالى هو المتولّى لحسابها فی الآخره، و لعلّ هذا الکلام منه علیه السّلام قبل إظهارها للتوبه و علمه بذلک لأنّه فی معنى إظهار الوعید لها من اللّه.

القسم الثانی منها:

سَبِیلٌ أَبْلَجُ الْمِنْهَاجِ أَنْوَرُ السِّرَاجِ- فَبِالْإِیمَانِ یُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ- وَ بِالصَّالِحَاتِ یُسْتَدَلُّ عَلَى الْإِیمَانِ وَ بِالْإِیمَانِ یُعْمَرُ الْعِلْمُ- وَ بِالْعِلْمِ یُرْهَبُ الْمَوْتُ وَ بِالْمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْیَا- وَ بِالدُّنْیَا تُحْرَزُ الْآخِرَهُ- وَ إِنَّ الْخَلْقَ لَا مَقْصَرَ لَهُمْ عَنِ الْقِیَامَهِ- مُرْقِلِینَ فِی مِضْمَارِهَا إِلَى الْغَایَهِ الْقُصْوَى

اللغه

أقول:

[ازلفت خ‏]: قدّمت و قربت.

و الإرقال: ضرب من الخبب.

و لا مقصر له عن کذا: أی لا محبس.

المعنى

و مبدء الفصل فی وصف الإیمان، و المراد بالإیمان التصدیق القلبىّ بالتوحید و بما جاء به الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و لا شکّ فی کونه سبیلا أبلج واضح المسلک إلى الجنّه أنور السراج فی ظلمات الجهل، و لفظ السراج مستعار، و الصالحات هی الأعمال الصالحات من سایر العبادات و مکارم الأخلاق الّتی وردت بها الشریعه، و ظاهر کونها معلولات للإیمان و ثمرات له یستدلّ بوجوده فی قلب العبد على ملازمته لها استدلالا بالعلّه على المعلول، و یستدلّ بصدورها من العبد على وجود الإیمان فی قلبه استدلالا بالمعلول على العلّه، و أمّا قوله: و بالإیمان یعمر العلم.

فلأنّ‏ الإیمان بالتفسیر المذکور إذا عضده البرهان کان علما و هو روح العلوم، و یطلق اسم الإیمان علیه مع ثمراته، و هی الأعمال الصالحه لأنّها من کمالاته و لا تمام له و لا منفعه بدونها فإنّ العلم إذا لم یعضد بالعمل فهو قلیل الفائده فی الآخره بل لا ثمره له فهو کالخراب الغیر الصالح للاقتناء فکما لا یصلح الخراب للسکنى فکذلک العلم الخالى عن الأعمال الصالحه فلذلک قال علیه السّلام فی موضع آخر: العلم مقرون بالعمل، و العلم یهتفّ بالعمل فإن جاء به و إلّا ارتحل، و أمّا قوله: و بالعلم یرهب الموت. فلأنّ العلم باللّه تعالى و غایه خلقه للإنسان و ملاحظه نسبه الدنیا إلى الآخره و العلم بأحوال المعاد یستلزم ذکر الموت و دوام ملاحظته و ذلک مستلزم لرهبته و العمل له و لما بعده. و قوله: و بالموت یختم الدنیا. ظاهر إذ الدنیا عباره عمّا فیه الإنسان قبل الموت من التصرّفات البدنیّه. و قوله: و بالدنیا تحرز الآخره. إشاره إلى أنّ الدنیا محلّ الاستعداد لتحصیل الزاد لیوم المعاد، و فیها یحصل کمال النفوس الّذی تحرز به سعاده الآخره. و قد سبق بیانه. و قوله: [بالقیامه تزلف الجنّه للمتّقین و تبرز الجحیم للغاوین خ‏]. إشاره لطیفه ذکرناها غیر مرّه. و هو أنّ بالموت و طرح جلباب البدن یتبیّن ما للإنسان و ما علیه ممّا قدّم من خیر أو شرّ و إن کانت ثمره ذلک أثرا حاصلا للنفس فی الدنیا لأنّ التألّم به و الالتذاذ إنّما یحصل لها بعد طرح البدن.

و إلیه الإشاره بقوله تعالى «یَوْمَ تَجِدُ کُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَیْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَیْنَها وَ بَیْنَهُ أَمَداً بَعِیداً»«» و لفظ الإزلاف و البروز یشهد بذلک لأنّ فیه معنى الظهور: أى ظهور الإدراک إذن. و قوله: و إنّ الخلق لا مقصر لهم عن القیامه. إلى آخره. کلام فی غایه الحسن مع غزاره الفائده، و هو إشاره إلى أنّه لا بدّ لهم من‏ ورود القیامه. و مضمارها: مدّه الحیاه الدنیا. و هو لفظ مستعار، و وجه المشابهه کون تلک المدّه محلّ استعداد النفوس للسباق إلى حضره اللّه کما أنّ المضمار محلّ استعداد الخیل للسباق، و قد سبق بیان ذلک فی قوله: ألا و إنّ الیوم المضمار و غدا السباق، و مرقلین: حال. و إرقالهم کنایه عن سیرهم المتوهّم فی مدّه أعمارهم إلى الآخره و سرعه حثیث الزمان بهم فی إعداد أبدانهم للخراب، و الغایه القصوى هی السعاده و الشقاوه الاخرویّه.

القسم الثالث منها:

قَدْ شَخَصُوا مِنْ مُسْتَقَرِّ الْأَجْدَاثِ- وَ صَارُوا إِلَى مَصَایِرِ الْغَایَاتِ لِکُلِّ دَارٍ أَهْلُهَا- لَا یَسْتَبْدِلُونَ بِهَا وَ لَا یُنْقَلُونَ عَنْهَا- وَ إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْیَ عَنِ الْمُنْکَرِ- لَخُلُقَانِ مِنْ خُلُقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ- وَ إِنَّهُمَا لَا یُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ- وَ لَا یَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ- وَ عَلَیْکُمْ بِکِتَابِ اللَّهِ- فَإِنَّهُ الْحَبْلُ الْمَتِینُ وَ النُّورُ الْمُبِینُ- وَ الشِّفَاءُ النَّافِعُ وَ الرِّیُّ النَّاقِعُ- وَ الْعِصْمَهُ لِلْمُتَمَسِّکِ وَ النَّجَاهُ لِلْمُتَعَلِّقِ- لَا یَعْوَجُّ فَیُقَامَ وَ لَا یَزِیغُ فَیُسْتَعْتَبَ- وَ لَا تُخْلِقُهُ کَثْرَهُ الرَّدِّ وَ وُلُوجُ السَّمْعِ- مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَ مَنْ عَمِلَ بِهِ سَبَقَ و قام إلیه رجل و قال: أخبرنا عن الفتنه، و هل سألت عنها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فقال علیه السّلام: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ یُتْرَکُوا- أَنْ یَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا یُفْتَنُونَ- عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَهَ لَا تَنْزِلُ بِنَا- وَ رَسُولُ اللَّهِ ص بَیْنَ أَظْهُرِنَا- فَقُلْتُ‏ یَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الْفِتْنَهُ الَّتِی أَخْبَرَکَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا- فَقَالَ یَا عَلِیُّ إِنَّ أُمَّتِی سَیُفْتَنُونَ بَعْدِی- فَقُلْتُ یَا رَسُولُ اللَّهِ- أَ وَ لَیْسَ قَدْ قُلْتَ لِی یَوْمَ أُحُدٍ- حَیْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِینَ- وَ حِیزَتْ عَنِّی الشَّهَادَهُ فَشَقَّ ذَلِکَ عَلَیَّ- فَقُلْتَ لِی أَبْشِرْ فَإِنَّ الشَّهَادَهَ مِنْ وَرَائِکَ- فَقَالَ لِی إِنَّ ذَلِکَ لَکَذَلِکَ فَکَیْفَ صَبْرُکَ إِذاً- فَقُلْتُ یَا رَسُولَ اللَّهِ لَیْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ- وَ لَکِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى وَ الشُّکْرِ- وَ قَالَ یَا عَلِیُّ إِنَّ الْقَوْمَ سَیُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ- وَ یَمُنُّونَ بِدِینِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ- وَ یَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ وَ یَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ- وَ یَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْکَاذِبَهِ- وَ الْأَهْوَاءِ السَّاهِیَهِ فَیَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِیذِ- وَ السُّحْتَ بِالْهَدِیَّهِ وَ الرِّبَا بِالْبَیْعِ- قُلْتُ یَا رَسُولَ اللَّهِ- بِأَیِّ الْمَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذَلِکَ- أَ بِمَنْزِلَهِ رِدَّهٍ أَمْ بِمَنْزِلَهِ فِتْنَهٍ فَقَالَ بِمَنْزِلَهِ فِتْنَهٍ

المعنى

أقول:

صدر هذا الفصل صفه حال أهل القبور فی القیامه.

و مصائر الغایات: الجنّه و النار، و ظاهر أنّ لکلّ دار منهما أهل لا یستبدلون بها، و یجب أن یعنى بأهل النار الکفّار لیتمّ قوله: لا یستبدلون بها و لا ینقلون عنها فإنّ العصاه من أهل القبله و إن صحّ أنّهم یعذّبون لکن ثبت أنّهم ینتقلون عنها. و قوله: و إنّ الأمر بالمعروف و النهى عن المنکر. إلى قوله: من رزق. حثّ علیهما، یذکر کونهما خلقین من خلق اللّه. و اعلم أنّ إطلاق لفظ الخلق على اللّه استعاره لأنّ حقیقه الخلق أنّه ملکه نفسانیّه تصدر عن الإنسان‏ بها أفعال خیریّه أو شرّیّه. و إذ قد تنزّه قدسه تعالى عن الکیفیّات و الهیئات لم یصدق هذا اللفظ علیه حقیقه لکن لمّا کان الأمر بالمعروف و النهى عن المنکر من الأخلاق الفاضله أشبه ما نعتبره له تعالى من صفات الکمال و نعوت الجلال الّتی ینسب إلیها ما یصدر عنه من الأمر بالمعروف و النهى عن المنکر و الأفعال الخیریّه الّتی بها نظام العالم و بقاؤه کحکمته و قدرته وجوده و عنایته و عدم حاجته ما یتعارف من الأخلاق الفاضله الّتی تصدر عنها الأفعال الخیریّه و الشرّیّه فاستعیر لها لفظ الأخلاق، و اطلق علیه. فأمّا کونهما لا یقرّبان الأجل و لا ینقصان الرزق فلأنّ کثیرا من ضعفاء الاعتبار العقلىّ یمنعهم عن الأمر بالمعروف و النهى عن المنکر توهّم أحد الأمرین، و خصوصا ترک نهى الملوک من المنکرات. ثمّ شرع فی الحثّ على لزوم کتاب اللّه بأوصاف نبّه بها على فضیلته:

الأوّل: کونه الحبل المتین، و لفظ الحبل مستعار له، و وجه المشابهه کونه سببا لنجاه المتمسّک به من الهوى فی درکات الجحیم کالحبل فی نجاه المتمسّک به، و رشّح بذکر المتانه.

الثانی: کونه نورا مبینا، و لفظ النور أیضا استعاره له باعتبار الاهتداء به إلى المقاصد الحقیقیّه فی سلوک سبیل اللّه.

الثالث: کونه الشفاء النافع: أی من ألم الجهل، و کذلک الرىّ الناقع: أى للعطشان من ماء الحیاه الأبدیّه کالعلوم و الکمالات الباقیه.

الرابع: کونه عصمه للمتمسّک و نجاه للمتعلّق، و معناه کالّذی سبق فی کونه حبلا.

الخامس: لا یعوجّ فیقام. إذ لیس هو کسائر اللآلات المحسوسه.

السادس: و لا یزیع فیستعتب: أى یطلب منه العتبى و الرجوع إلى الحقّ کما یفعله سائر الحکام من الناس.

السابع: کونه و لا تخلقه کثره الردّ: أى التردید فی الألسنه و ولوج الأسماع و هو من خصائص القرآن الکریم فإنّ کلّ کلام نثر أو نظم إذا کثرت تلاوته محّته‏ الأسماع و استهجن إلّا القرآن الکریم فإنّه لا یزال غضّا طریّا یزداد على طول التکرار فی کرور الأعصار محبّه فی القلوب و حسنا، و الّذی یلوح من سرّ ذلک کثره أسراره و غموضها الّتی لا یطّلع علیها إلّا الأفراد مع کونه فی غایه من فصاحه الألفاظ و عذوبه المسمع. فأمّا ما حکاه من سؤاله الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و جواب الرسول له فقد روى کثیر من المحدّثین عنه علیه السّلام عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قال: إنّ اللّه قد کتب علیک جهاد المفتونین کما کتب علىّ جهاد المشرکین. قال: فقلت: یا رسول اللّه و ما هذه الفتنه الّتی کتب علیّ فیها الجهاد قال: فتنه قوم یشهدون أن لا إله إلّا اللّه و أنّی رسول اللّه و هم مخالفون للسنّه. فقلت: یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: فعلام اقاتلهم و هم یشهدون کما أشهد. قال: على الإحداث فی الدین و مخالفه الأمر. فقلت: یا رسول اللّه إنّک کنت وعدتنى بالشهاده فاسأل اللّه أن یعجّلها لى بین یدیک. قال: فمن یقاتل الناکثین و القاسطین و المارقین أما إنّی وعدتک الشهاده و ستشهد تضرب على هذا فتخضب هذه فکیف صبرک إذن. فقلت: یا رسول اللّه لیس ذا [هذا خ‏] بموطن صبر هذا موطن شکر. قال: أجل أصبت فأعدّ للخصومه فإنّک مخاصم. فقلت: یا رسول اللّه لو بیّنت لى قلیلا. فقال: إنّ امّتى ستفتن من بعدى فتتأوّل القرآن و تعمل بالرأى و تستحلّ الخمر بالنبیذ و السحت بالهدیه و الربا بالبیع و تحرّف الکتاب عن مواضعه و تغلب کلمه الضلال فکن حلس بیتک حتّى تقلّدها فإذا قلّدتها جاشت علیک الصدور و قلبت لک الامور فقاتل حینئذ على تأویل القرآن کما قاتلت على تنزیله فلیست حالهم الثانیه دون حالهم الاولى. فقلت: یا رسول اللّه فبأىّ المنازل هؤلاء المفتونین أ بمنزله فتنه أم بمنزله ردّه. فقال: بمنزله فتنه یعمهون فیها إلى أن یدرکهم العدل. فقلت: یا رسول اللّه أ یدرکهم العدل منّا أم من غیرنا قال: بل منّا فبنا فتح و بنا یختم و بنا ألّف اللّه بین القلوب بعد الشرک. فقلت: الحمد للّه على ما وهب لنا من فضله.

و لیس فی هذا الفصل غریب ینبّه علیه سوى قوله: لیس هذا من مواطن الصبر و لکن من مواطن الشکر. فإنّک علمت فیما سلف أنّ الصبر و الشکر من أبواب الجنّه و المقامات العالیه للسالک إلى اللّه تعالى لکن علمت أنّ‏ مقام الشکر أرفع من مقام الصبر، و لمّا کان هو علیه السّلام سیّد العارفین بعد سیّد المرسلین صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لا جرم کان أولى من صدرت عنه هذه الإشاره فأمّا إخبار الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بأنّ الناس سیفتنون بأموالهم و یمنّون بدینهم على ربّهم و یتمنّون رحمته و یأمنون سطوته و سائر ما أخبر به. إلى قوله: بالبیع. فکلّ ذلک مشاهد فی زماننا و قبله بقرون، و أمّا کون ذلک منزله فتنه لا منزله ردّه فلبقائهم على الإقرار بالشهادتین و إن ارتکبوا من المحارم ما ارتکبوا لشبه غطّت على أعین أبصارهم. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانى )، ج ۳ ، صفحه‏ى ۲۵۸

بازدیدها: ۱

خطبه۱۵۴شرح ابن میثم بحرانی

 و من خطبه له علیه السّلام یذکر فیها بدیع خلقه الخفاش

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی انْحَسَرَتِ الْأَوْصَافُ عَنْ کُنْهِ مَعْرِفَتِهِ- وَ رَدَعَتْ عَظَمَتُهُ الْعُقُولَ- فَلَمْ تَجِدْ مَسَاغاً إِلَى بُلُوغِ غَایَهِ مَلَکُوتِهِ- هُوَ اللَّهُ الْحَقُّ الْمُبِینُ- أَحَقُّ وَ أَبْیَنُ مِمَّا تَرَى الْعُیُونُ- لَمْ تَبْلُغْهُ الْعُقُولُ بِتَحْدِیدٍ فَیَکُونَ مُشَبَّهاً- وَ لَمْ تَقَعْ عَلَیْهِ الْأَوْهَامُ بِتَقْدِیرٍ فَیَکُونَ مُمَثَّلًا- خَلَقَ الْخَلْقَ عَلَى غَیْرِ تَمْثِیلٍ وَ لَا مَشُورَهِ مُشِیرٍ-وَ لَا مَعُونَهِ مُعِینٍ فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ وَ أَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ- فَأَجَابَ وَ لَمْ یُدَافِعْ وَ انْقَادَ وَ لَمْ یُنَازِعْ وَ مِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ وَ عَجَائِبِ خِلْقَتِهِ- مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ الْحِکْمَهِ فِی هَذِهِ الْخَفَافِیشِ- الَّتِی یَقْبِضُهَا الضِّیَاءُ الْبَاسِطُ لِکُلِّ شَیْ‏ءٍ- وَ یَبْسُطُهَا الظَّلَامُ الْقَابِضُ لِکُلِّ حَیٍّ- وَ کَیْفَ عَشِیَتْ أَعْیُنُهَا عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ- مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِیئَهِ نُوراً تَهْتَدِی بِهِ فِی مَذَاهِبِهَا- وَ تَتَّصِلُ بِعَلَانِیَهِ بُرْهَانِ الشَّمْسِ إِلَى مَعَارِفِهَا- وَ رَدَعَهَا بِتَلَأْلُؤِ ضِیَائِهَا عَنِ الْمُضِیِّ فِی سُبُحَاتِ إِشْرَاقِهَا- وَ أَکَنَّهَا فِی مَکَامِنِهَا عَنِ الذَّهَابِ فِی بُلَجِ ائْتِلَاقِهَا- فَهِیَ مُسْدَلَهُ الْجُفُونِ بِالنَّهَارِ عَلَى حِدَاقِهَا- وَ جَاعِلَهُ اللَّیْلِ سِرَاجاً تَسْتَدِلُّ بِهِ فِی الْتِمَاسِ أَرْزَاقِهَا- فَلَا یَرُدُّ أَبْصَارَهَا إِسْدَافُ ظُلْمَتِهِ- وَ لَا تَمْتَنِعُ مِنَ الْمُضِیِّ فِیهِ لِغَسَقِ دُجُنَّتِهِ- فَإِذَا أَلْقَتِ الشَّمْسُ قِنَاعَهَا وَ بَدَتْ أَوْضَاحُ نَهَارِهَا- وَ دَخَلَ مِنْ إِشْرَاقِ نُورِهَا عَلَى الضِّبَابِ فِی وِجَارِهَا- أَطْبَقَتِ الْأَجْفَانَ عَلَى مَآقِیهَا- وَ تَبَلَّغَتْ بِمَا اکْتَسَبَتْهُ مِنَ الْمَعَاشِ فِی ظُلَمِ لَیَالِیهَا فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ اللَّیْلَ لَهَا نَهَاراً وَ مَعَاشاً- وَ النَّهَارَ سَکَناً وَ قَرَاراً- وَ جَعَلَ لَهَا أَجْنِحَهً مِنْ لَحْمِهَا- تَعْرُجُ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَهِ إِلَى الطَّیَرَانِ- کَأَنَّهَا شَظَایَا الْآذَانِ غَیْرَ ذَوَاتِ رِیشٍ وَ لَا قَصَبٍ- إِلَّا أَنَّکَ تَرَى مَوَاضِعَ الْعُرُوقِ بَیِّنَهً أَعْلَاماً-لَهَا جَنَاحَانِ لَمَّا یَرِقَّا فَیَنْشَقَّا وَ لَمْ یَغْلُظَا فَیَثْقُلَا- تَطِیرُ وَ وَلَدُهَا لَاصِقٌ بِهَا لَاجِئٌ إِلَیْهَا- یَقَعُ إِذَا وَقَعَتْ وَ یَرْتَفِعُ إِذَا ارْتَفَعَتْ- لَا یُفَارِقُهَا حَتَّى تَشْتَدَّ أَرْکَانُهُ- وَ یَحْمِلَهُ لِلنُّهُوضِ جَنَاحُهُ- وَ یَعْرِفَ مَذَاهِبَ عَیْشِهِ وَ مَصَالِحَ نَفْسِهِ- فَسُبْحَانَ الْبَارِئِ لِکُلِّ شَیْ‏ءٍ عَلَى غَیْرِ مِثَالٍ خَلَا مِنْ غَیْرِهِ

اللغه

أقول:

الخفاش: مفرد جمعه خفافیش، و هو من الخفش و هو ضعف البصر خلقه.

و انحسرت: کلت.

و درعت: کفّت.

و المساغ: المسلک.

و سبحات إشراقها: جلالته و بهاؤه.

و البلج: جمع بلجه و هو أوّل ضوء الصبح، و قد یکون مصدرا.

و الائتلاق: اللمعان.

و الإسداف: مصدر أسدف اللیل ظلم.

و غسق الدجّنه: ظلام اللیل.

و وضح النهار: ضوءه.

و وجار الضبّ: بیته. و الشظایا: القطع.

المعنى

و قد حمد اللّه تعالى باعتبارات:

الأوّل: انحسار الأوصاف عن کنه معرفته
و لمّا کانت ذاته تعالى بریئه من أنحاء التراکیب لم یمکن العقول إدراکها بشی‏ء من الأوصاف بالکنه، و قد سبق ذلک مرارا.

الثانی: ردع عظمته العقول عن بلوغ غایه ملکوته
و ذلک ظاهر لأنّ الإدراک للأشیاء بحقائقها إنّما یتمّ بإدراک حقائق عللها، و إذا استلزمت عظمته و ارتفاعه عن إدراک العقول ردعها عن معرفه کنهه فظاهر أنّها لا تجد مسلکا إلى غایه ملکوته، و ما علیه نظام الوجود الأعلى و الأسفل کما هو.

الثالث: قوله: هو
فهو الهویه المطلق، و هو الّذی لا یکون هویّته موقوفه على غیره و مستفاده منه فإنّ کلّ ما کان مستفادا من الغیر فما لم یعتبر غیره لم یکن هو فلم یکن هو هو المطلق، و کلّ ما کان هو هو لذاته فسواء اعتبر غیره أ و لم یعتبر فهو هو لکن کلّ ممکن فوجوده من غیره فکلّ ما کان وجوده من غیر فخصوصیّه وجوده و تعیّنه من غیره و هو الهویّه فإذن کلّ ممکن فهویّته من غیره فلا یکون هو هو لذاته لکنّ المبدأ الأوّل هو هو لذاته فلا یکون من غیره فلا یکون ممکنا فهو واجب لذاته فإذن واجب الوجود هو الّذی لذاته هو هو بل ذاته أنّه هو البراءه عن الترکیب المستلزم للإمکان.

الرابع: تعقیبه لذکر الهویّه باسم اللّه
و ذلک لأنّه لمّا کانت تلک الهویّه و الخصوصیّه عدیمه الاسم لا یمکن شرحها إلّا بلوازمها، و اللوازم منها إضافیّه و منها سلبیّه، و اللوازم الإضافیّه أشدّ تعریفا و الأکمل فی التعریف هو اللازم الجامع لنوعی الإضافه و السلب، و ذلک هو کون تلک الهویّه إلیها فإنّ الإله هو الّذی ینسب إلیه غیره و لا ینسب هو إلى غیره فانتساب غیره إلیه إضافیّ، و عدم انتسابه إلى غیره سلبیّ فلا جرم عقّب ذکر الهویّه بما یدلّ على ذلک اللازم لأکملیّته فی التعریف من غیره لیکون کالکاشف لما دلّ علیه لفظ هو، و فیه سرّ آخر، و هو أنّه لمّا عرّف تلک الهویّه بلازمها، و هو الإلهیّه نبّه على أنّه لا جزء لتلک الهویّه و إلّا لکان العدول عنه إلى التعریف باللازم قصور.

الخامس: ذکر الحقّ
و هو الثابت الموجود فإنّه لمّا أشار إلى الهویّه و شرح اسمها عقّب ذلک بالإشاره إلى کونها حقّا موجودا وجودها عند العقول أحقّ و أبین ممّا [عمّا خ‏] ترى العیون، و ذلک ظاهر فإنّ العلم بوجود الصانع- جلّت عظمته- فطرىّ للعقول و إن احتاج إلى بیّنه ما. و العلوم الّتی مستندها الحس قد یقع الخلل فیها بسبب ما یقع للوهم من اشتباه المحسوسات و عدم ضبطها أو بسبب تقصیر الحسّ فی کیفیّه الأداء لصوره المحسوس فکانت المعقولات الصرفه أحقّ لإدراک العقل لها بذاته.

السادس: أنّ العقول لم تبلغه تجدید فیکون مشبّها
و فیه إشاره لطیفه تدل على کمال علمه علیه السّلام، و ذلک أنّک علمت فی المقدّمات أنّ العقول إذا قویت على الاتّصال بالامور المجرّده، و کانت القوّه المتخیّله بحیث تقوى على استخلاص الحسّ المشترک و ضبطه عن الحواسّ الظاهره فإنّ النفس و الحال هذه إذا توجّهت‏ لاقتناص أمر معقول و انجذبت القوى النفسانیّه أثرها انتقشت بذلک المعقول. ثمّ إنّها تستعین فی ضبط ذلک الأمر بالقوّه المتخیّله فتحاکیه بما یشبهه من الامور المحسوسه. ثمّ تحطّه إلى خزانه الخیال فیصیر مشاهدا ممثّلًا.
إذا عرفت ذلک فنقول: لو کان الباری تعالى ممّا تدرکه العقول و تشتبه بحدّ وصفه لکان استثباتها له على النحو المذکور فیلزم أن یکون مشبّها بغیره من الأجسام، و الجسمانیّات لیثبت صورته عند الذهن، و قد تنزّه قدس اللّه عن التشبیه بشی‏ء منها.

السابع: و کذلک لم تقع الأوهام علیه بتقدیر فیکون ممثّلا.
إذ الوهم لا یدرک إلّا المعانی الجزئیّه المتعلّقه بالمحسوسات، و لا بدّ له فی إدراک ذلک المدرک من بعث المتخیّله على تشبیهه بمثال من الصور الجسمانیّه فلو وقع علیه و هو لمثّله فی صوره حسّیه حتّى أنّ الوهم إنّما یدرک نفسه فی مثال من صوره و حجم و مقدار.

الثامن: خلقه [خلق خ‏] الخلق على غیر مثال. إلى قوله: معین
و قد سبق أیضا بیانه فی الخطبه الاولى و غیرها، و تمام خلقه بأمره بلوغه إلى غایته فی الکمال الممکن له إذ [إذا خ‏] نطقت البراهین العقلیّه أنّ کلّ ما أمکن لشی‏ء وصل إلیه من الجود الإلهی المنزّه عن البخل و المنع من جهته، و إذعانه لطاعته دخوله تحت القدره الالهیّه، و کذلک إجابته من غیر مدافعه و انقیاده من غیر منازعه.

ثمّ شرع فی مقصود الخطبه
و هو حمد اللّه تعالى باعتبار بعض لطائف صنعه و عجائب خلقه، و التنبیه على غوامض حکمته فی خلقه هذا الحیوان المخصوص، و بدأ بالتعجّب من مخالفتها لسایر الحیوان فی قبض الضیاء لإبصارها مع بسطها لسائر إبصار الحیوانات و إعداده لانبساط النبات و نموّه و غیره. ثمّ من بسط الظلام لإبصارها مع قبضه لسایر الإبصار. ثمّ نبّه على العلّه الطبیعیّه لذلک و هو عشاء أعینها و ضعفها أن تستمدّ من نور الشمس المضیئه نورا تهتدى به، و الّذی ذکر فی علّه ذلک الضعف هو إفراط التحلّل فی الروح الحامل للقوّه الباصره من هذا الحیوان إذا لقى حرّ النهار فیصیبه لذلل التحلّل ضعف یحتاج معه إلى التعوّض عمّا یتحلّل فیرجع عن‏ العضو الباصر منها طلبا لبدل ما یتحلّل فیستکمل البدل بقرب اللیل لمکان برده و ضعف حراره النهار فیعود الإبصار، و وصفه علیه السّلام بهذه الخاصیّه منها و کیفیّه حالها فیها إلى قوله: ظلم لیالیها. وصف لا مزید على فصاحته. و قوله: و تتّصل بعلانیه برهان الشمس إلى معارفها. فی غایه الفصاحه. و معارفها ما تعرفه من مذاهبها و وجوه تصرّفاتها، و تتّصل عطف على قوله: تستمدّ، و أمّا إسدالها لجفونها على حداقها فلأنّ تحلّل الروح الحامل للقوّه الباصره سبب للنوم أیضا فیکون ذلک الإسدال ضربا من النوم و کثیرا ما یلحق کثیرا من الحیوان و سببه ما ذکرناه، و استعار لفظ القناع للشمس ملاحظه لشبهها بالمرأه ذات القناع، و کنّى بإلقائه عن بروزها من حجاب الأرض. ثمّ ثنّى بتسبیح اللّه و تعظیمه باعتبار أمر آخر لها على سبیل التعجّب و هو خلق أجنحتها من لحم بلا ریش و لا قصب کسایر أجنحه الطیر بل من عروق و رقّ تبسطه و تقبضه على مفاصل مخصوصه من غیر رقّه توجب له الانشقاق عند الطیران، و لا غلظ یوجب له الثقل. ثمّ ثلّث بعجیب حالها مع ولدها، و ذلک أنّه یلصق بها فیرتضعها و لا یفارقها فی حالتی وقوعها و طیرانها حتّى یشتدّ و یمکنه الطیران و التصرّف بنفسه، و ذلک أمر یخالف به أیضا سایر الحیوان و هو محلّ التعجّب. ثمّ ختم الفصل بتسبیح اللّه تعالى باعتبار خلقه لکلّ شی‏ء من غیر مثال سبق من غیره، و من الأمثال العامّه: قیل للخفّاش: لما ذا لا جناح لک قالت: لأنّی تصویر مخلوق. قیل: فلما ذا لا تخرج نهارا قال: حیاء من الطیور. یریدون أنّ المسیح علیه السّلام صوّره. و إنّ إلیه الإشاره بقوله تعالى «إِذْ قالَ اللَّهُ یا عِیسَى ابْنَ مَرْیَمَ اذْکُرْ نِعْمَتِی عَلَیْکَ وَ عَلى‏ والِدَتِکَ»«» و فی الطیر عجائب لا تهتدی لها العقول بل و فی کلّ ذرّه من ذرّات مبدعاته و مکوّناته لطائف و أسرار کالنحل و البعوض و النمل تعجز عن إدراکها و استقصاء أوصافها ألباب الألبّاء و حکمه الحکماء فسبحانه ما أعظم شأنه و أبهر برهانه.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانى )، ج ۳ ، صفحه‏ى ۲۵۳

 

بازدیدها: ۰

خطبه۱۵۳شرح ابن میثم بحرانی

۱۵۳- و من خطبه له علیه السّلام

القسم الأول

وَ نَاظِرُ قَلْبِ اللَّبِیبِ بِهِ یُبْصِرُ أَمَدَهُ- وَ یَعْرِفُ غَوْرَهُ وَ نَجْدَهُ- دَاعٍ دَعَا وَ رَاعٍ رَعَى- فَاسْتَجِیبُوا لِلدَّاعِی وَ اتَّبِعُوا الرَّاعِیَ قَدْ خَاضُوا بِحَارَ الْفِتَنِ- وَ أَخَذُوا بِالْبِدَعِ دُونَ السُّنَنِ- وَ أَرَزَ الْمُؤْمِنُونَ وَ نَطَقَ الضَّالُّونَ الْمُکَذِّبُونَ- نَحْنُ الشِّعَارُ وَ الْأَصْحَابُ وَ الْخَزَنَهُ وَ الْأَبْوَابُ- وَ لَا تُؤْتَى الْبُیُوتُ إِلَّا مِنْ أَبْوَابِهَا- فَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَیْرِ أَبْوَابِهَا سُمِّیَ سَارِقاً

اللغه

أقول: الأمد: الغایه.

و غوره و نجده: منخفضه و مرتفعه.

و أرز بفتح الراء: أی انقبض و انجمع.

المعنى
و ناظر قلب اللبیب: عین بصیرته. و ظاهر أنّه یبصر بها طریقه و غایته الّتی هی متوجّه إلیها و مطلوبه منها، و غوره و نجده طریقاه للخیر و الشرّ و هما النجدان فی قوله تعالى «وَ هَدَیْناهُ النَّجْدَیْنِ»«» و عباره القرآن المجید أخص، و هذه العباره أنسب إلى المعنى فإنّ الغور هو المنخفض و المستفل أنسب إلى أن یعبّر به عن رتبه النازلین فی درکات الجحیم من النجد، و أشار بالداعى إلى الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ما جاء به القرآن الکریم و السنّه، و بالراعی إلى نفسه، و الأمر بالاستجابه للأوّل و الاتّباع للثانی، و ظاهر وجوب الاستجابه للّه و رسوله لقوله تعالى «یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اسْتَجِیبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاکُمْ لِما یُحْیِیکُمْ»«» فیجب اتّباع من أوجبا اتّباعه.

و قوله: قد خاضوا بحار الفتن. یحتمل أن یکون التفاتا إلى صفه قوم معهودین للسامعین کمعاویه و أصحاب الجمل و الخوارج، و یحتمل أن یکون منقطعا عمّا قبله متّصلا بکلام لم یحکه الرضیّ- رضوان اللّه علیه- و إلیه ذهب بعض الشارحین. قال: و هو ذکر قوم من أهل الضلال قد کان أخذ فی ذمّهم و عیبهم، و لفظ البحار مستعار لما عظم من الفتن و الحروب، و قد عرفت وجه الاستعاره قبل، و رشّح بذکر الخوض، و البدعه قد یراد بها ترک السنّه، و قد یراد بها أمر آخر یفعل مع ترک السنّه، و هو الأظهر فی العرف. ثمّ التفت إلى ذکر فضیلته فاستعار لفظ الشعار لنفسه و أهل بیته، و وجه المشابهه ملازمتهم للرسول صلى اللّه علیه و آله و سلم و اختصاصهم به کما یلزم الشعار الجسد. ثمّ ذکر کونهم أصحابا له. ثمّ کونهم خزنه علمه کما نقل عن الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و هو خازن علمى، و فی روایه عیبه علمى، و قیل: خزنه الجنّه على معنى أنّ من جاء یوم القیامه بولایتهم دخل الجنّه و إلّا فلا، و لفظ الخزن على التقدیرین مستعار، و وجه المشابهه تصرّفهم بمنع العلم و إعطائه أو بمنع الجنّه بسببهم، و إعطائها کما أنّ الخاذن للشی‏ء کذلک. ثمّ کونهم الأبواب: أی أبواب العلم کما قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: أنا مدینه العلم و علىّ بابها و أبواب الجنّه على الاستعاره السابقه. و قوله: لا تؤتى البیوت إلّا من أبوابها، و ذلک لوجوه: أحدها: العاده الجاریه على وفق الحکمه. الثانی: النصّ «یَسْئَلُونَکَ عَنِ الْأَهِلَّهِ قُلْ هِیَ مَواقِیتُ لِلنَّاسِ وَ». الثالث: العرف و هو أنّه من أتاها من غیر أبوابها سمّى سارقا، و التقبیح العرفیّ یستلزم الترک، و مراده أنّ من طلب العلم و الحکمه و أسرار الشریعه فلیرجع إلینا، و باللّه التوفیق.

القسم الثانی منها:

فِیهِمْ کَرَائِمُ الْقُرْآنِ وَ هُمْ کُنُوزُ الرَّحْمَنِ- إِنْ نَطَقُوا صَدَقُوا وَ إِنْ صَمَتُوا لَمْ یُسْبَقُوا- فَلْیَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ وَ لْیُحْضِرْ عَقْلَهُ- وَ لْیَکُنْ مِنْ‏ أَبْنَاءِ الْآخِرَهِ- فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ وَ إِلَیْهَا یَنْقَلِبُ- فَالنَّاظِرُ بِالْقَلْبِ الْعَامِلُ بِالْبَصَرِ- یَکُونُ مُبْتَدَأُ عَمَلِهِ أَنْ یَعْلَمَ أَ عَمَلُهُ عَلَیْهِ أَمْ لَهُ- فَإِنْ کَانَ لَهُ مَضَى فِیهِ وَ إِنْ کَانَ عَلَیْهِ وَقَفَ عَنْهُ- فَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَیْرِ عِلْمٍ کَالسَّائِرِ عَلَى غَیْرِ طَرِیقٍ- فَلَا یَزِیدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِیقِ الْوَاضِحِ إِلَّا بُعْداً مِنْ حَاجَتِهِ- وَ الْعَامِلُ بِالْعِلْمِ کَالسَّائِرِ عَلَى الطَّرِیقِ الْوَاضِحِ- فَلْیَنْظُرْ نَاظِرٌ أَ سَائِرٌ هُوَ أَمْ رَاجِعٌ وَ اعْلَمْ أَنَّ لِکُلِّ ظَاهِرٍ بَاطِناً عَلَى مِثَالِهِ- فَمَا طَابَ ظَاهِرُهُ طَابَ بَاطِنُهُ- وَ مَا خَبُثَ ظَاهِرُهُ خَبُثَ بَاطِنُهُ- وَ قَدْ قَالَ الرَّسُولُ الصَّادِقُ ص- إِنَّ اللَّهَ یُحِبُّ الْعَبْدَ وَ یُبْغِضُ عَمَلَهُ- وَ یُحِبُّ الْعَمَلَ وَ یُبْغِضُ بَدَنَهُ وَ اعْلَمْ أَنَّ لِکُلِّ عَمَلٍ نَبَاتاً- وَ کُلُّ نَبَاتٍ لَا غِنَى بِهِ عَنِ الْمَاءِ- وَ الْمِیَاهُ مُخْتَلِفَهٌ فَمَا طَابَ سَقْیُهُ طَابَ غَرْسُهُ وَ حَلَتْ ثَمَرَتُهُ- وَ مَا خَبُثَ سَقْیُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ وَ أَمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ

المعنى

أقول: الإشاره إلى فضائل أهل البیت علیهم السّلام فالاولى: فیهم کرائم الإیمان: أی نفائسه المستلزمه لأشدیّه القرب من اللّه تعالى کالأخلاق الفاضله و الاعتقادات الحقّه المطابقه لما علیه الأمر نفسه.

الثانیه: و هو کنوز الرحمن: أی خزائن علمه و سایر ما امر به من مکارم الأخلاق.

الثالثه: ملازمه منطقهم للصدق.

الرابعه: اختصاصهم بالحکمه الّتی لا یتمکّن غیرهم من النطق بها و السبق إلیها حال سکوتهم فهم إن نطقوا فبحکمه و إن صمتوا فحکمه و وضع للصمت فی‏ موضعه، و إنّما ذکر هذه الفضائل لنفسه و أهل بیته جذبا إلى سماع قوله و دعوته إلى اللّه و لذلک عقّب بالمثل فلیصدق رائد أهله، و أشار به إلى من یحضرنا طلبا لاختیارنا فلیصدق من یعینه أمره إنّنا أهل الحقّ و ینابیع العلوم و الحکمه و الأدلّاء إلى اللّه کما یصدق الرائد لطلب الکلاء و الماء أهله مبشّرا بهما، و لیحضر عقله لما یقوله لیعرف صحّه ما ادّعیناه. ثمّ شرع فیما ینبغی أن یقوله أمثاله، و هو التنبیه على أحوال الآخره، و أن یکون العاقل من أبنائها، و وجه استعاره النبوّه هاهنا. قوله: فإنّه منها قدم و إلیها ینقلب. أى کما أنّ الابن ینقلب عن الامّ و إلیها و له و رجوعه کذلک الإنسان مبدؤه الحضره الإلهیّه فعنها ینقلب و إلیها یعود فینبغی أن یکون من أبنائها بالرغبه فیها و الوله إلیها و العمل لها. ثمّ نبّه العاقل ذا الفکر السلیم الناظر بعین بصیرته على ما ینبغی له أن یبدأ به فی حرکاته و سکناته و هو أن یتفقّد أحوال نفسه فیما یهمّ به و ینبعث فی طلبه أو ترکه، و یعلم أذلک الخاطر أو تلک الحرکه مقرّبه له من اللّه تعالى فیکون له فینبغی أن یمضى فیها أو مبعّده له عن رضاه و مستلزمه لسخطه فیکون علیه فیقف عنها. ثمّ شبّه الجاهل فی حرکاته و سکناته بالسائر على غیر طریق و أشار إلى وجه التشبیه بقوله: فلا یزیده بعده عن الطریق إلّا بعدا عن حاجته.
إذ کان بعده عن مطلوبه بقدر بعده عن طریق ذلک المطلوب، و بضدّه العامل بالعلم فی سلوکه و قربه من مطلوبه، و نفر بذلک التشبیه عن الجهل و زاد فی التنفیر بقوله: فلینظر ناظر أسایر هوأم راجع فإنّه إذا علم أنّه سائر وجب أن یعلم کیف یسیر و یشعل مصباح العلم لیسلم من الضلال و الصرعه فی مهاوی الهلاک. و قوله: و اعلم أنّ لکلّ ظاهر باطنا. إلى قوله: ویبغض بدنه. فاعلم أنّ هذه القضیّه الکلّیّه صادقه و ذلک أنّه لمّا صدر عن الجود الإلهیّ عالما الغیب و الشهاده و إن شئت عالم الخلق و الأمر و إن شئت العالم الروحانیّ و الجسمانیّ اقتضت الحکمه الإلهیّه کون عالم الشهاده طریقا للنفوس البشریّه إلى عالم الغیب و لولاها لتعذّر السفر إلى الحضره الإلهیّه و انسدّ طریق الترقّی إلى‏ اللّه فکان جمیع ما ظهر فی عالم الشهاده مثالا مناسبا للأمر باطن من عالم الغیب هو الطریق إلیه، و الدلیل علیه غیر أنّ المفهوم من کلامه علیه السّلام هنا تخصیص تلک الکلّیّه بأحد أمرین فإنّه إمّا أن یشیر بالظاهر إلى أشخاص الناس أو إلى أفعالهم الظاهره، و الباطن إشاره إلى الأخلاق و أعمال القلوب و ما فی الأمزجه المختلفه من الخیر و الشرّ، و قیل: إشاره إلى ما یخفى من الثواب و العقاب فی الآخره، و قد دلّ الاستقراء و القیاس على أنّ حسن الصوره أو حسن الأعمال الظاهره الّتی تبدو من الإنسان حسن الأخلاق طیّب العشره مستقیم السیره، و على أنّ قبیحها سیّ‏ء الأخلاق شریر أمّا الاستقراء فظاهر، و أمّا القیاس فلأنّ حسن الأخلاق و قرب النفس من الاستقامه على طلب الحقّ مقتضى قرب المزاج من الاعتدال، و کذلک حسن الصوره فیترتّب قیاس هکذا: حسن الصوره معتدل المزاج و کلّ معتدل المزاج حسن الأخلاق فحسن الصوره حسن الأخلاق، و إن شئت هکذا: معتدل المزاج حسن الصوره و معتدل المزاج حسن الأخلاق و القضیّتان أکثریّتان فإنّ بعض حسن الصوره قبیح الباطن، و بعض خبیث الظاهر حسن الباطل، و لذلک استشهد بما رواه عن الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فإنّ اللّه یحبّ العبد من حیث صورته الحسنه لکونها مقتضى الحکمه الإلهیّه و أنسب إلى الوجود من القبیحه الّتی هی أنسب إلى العدم الّذی هو الشرّ المحض و یبغض عمله من جهه ما هو شرّ، و کذلک یحبّ العمل الحسن الباطن الطیب، و یبغض بدنه القبیح لنسبته إلى العدم الّذی هو شرّ، و أمّا النصّ فی دلاله الظاهر على الباطن فما نطق به القرآن الکریم «وَ الْبَلَدُ الطَّیِّبُ یَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِی خَبُثَ لا یَخْرُجُ إِلَّا نَکِداً»«» أی عسرا مشوما. قال ابن عبّاس و مجاهد و الحسن و قتاده و السدى: هذا مثل ضربه اللّه تعالى للمؤمن و الکافر بالأرض العذیه التربه و بالأرض السبخه المالحه، و شبّه فیه المؤمن الّذی إذا سمع القرآن و عاه و عقله و انتفع به فبان أثره علیه بحسن الأعمال و طیّبها بالبلد الطیّب. إذ کان البلد الطیّب یمرع و یخصب و یحسن أثر المطر علیه، و شبّه الکافر الّذی یسمع القرآن فلا یؤثّر فیه أثرا محمودا بالبلدالخبیث. إذ کان لا یمرع و لا یخصب و لا یتبیّن أثر المطر فیه، و أمّا البغض و المحبّه فقد علمت أنّهما یعودان فی اللّه سبحانه إلى إرادته و کراهیّته فما کان خیراً محضا أو الخیر غالب علیه فهو مراد له بالذات، و ما کان شرّا محضا أو غالبا فهو مراد له بالعرض مکروه له بالذات. و قوله: و أعلم أنّ لکلّ عمل نباتا. استعار لفظ النبات لزیاده الأعمال و نموّها، و رشّح تلک الاستعاره بذکر الماء.
و کنّى به عن المادّه القلبیّه للأعمال، و وجه المشابهه أنّ الحرکات فی العباده إنّما تکون بالمیول القلبیّه و النیّات کما أنّ حرکه النموّ للنبات إنّما تکون بالماء.

و ظاهر أنّ اختلاف المیاه فی الحلاوه و الملوحه سبب لاختلاف استعداد النبات لطیب المغارس و الثمار فما طاب سقیه: أی نصیبه من الماء طابت ثمرته و ما خبثت ثمرته فکذلک ما یشبه النباتات و هی الأعمال یکون طیب ثمارها و هی ثمار الجنّه و أنواع لذّاتها بحسب طیب مادّتها من الإخلاص للّه، و خبثها بحسب خبث مادّتها من الریاء و حبّ الشهره و تکون‏ثمرتها أمرّ الثمار. إذ لا أمرّ مذاقا من عذاب النار. و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۲۴۸

 

بازدیدها: ۱

خطبه۱۵۲شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام 

القسم الأول

وَ هُوَ فِی مُهْلَهٍ مِنَ اللَّهِ یَهْوِی مَعَ الْغَافِلِینَ- وَ یَغْدُو مَعَ الْمُذْنِبِینَ بِلَا سَبِیلٍ قَاصِدٍ وَ لَا إِمَامٍ قَائِدٍ

أقول: هذا الفصل یشتمل على صفه مطلق الضالّ
و أشار بالمهله إلى مدّه عمره المضروبه له من اللّه تعالى، و یهویه مع الغافلین إلى سقوطه و انخراطه فی سلکهم بسبب جهله و غفلته عمّا یراد به، و استعار لفظ الهوى لذلک الانخراط و تلک المتابعه، و وجه المشابهه أنّ المنهمک فی مجارى الغفله و مسالک الجهل ینحطّ بها عن درجه أهل السلامه، و یهوى فی مهابط الهلاک و هی الرذائل المبعّده عن اللّه تعالى کما أنّ الهاوى من علوّ کذلک، و یغدو مع المذنبین موافقته لهم فیما هم فیه، و مسارعته إلى المعاصى من غیر أن یسلک سبیلا قاصدا للحقّ و یتّبع إماما یقوده إلیه من استاد مرشد أو کتاب أو سنّه، و باللّه التوفیق.

القسم الثانی منها

حَتَّى إِذَا کَشَفَ لَهُمْ عَنْ جَزَاءِ مَعْصِیَتِهِمْ- وَ اسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ جَلَابِیبِ غَفْلَتِهِمُ- اسْتَقْبَلُوا مُدْبِراً وَ اسْتَدْبَرُوا مُقْبِلًا- فَلَمْ یَنْتَفِعُوا بِمَا أَدْرَکُوا مِنْ طَلِبَتِهِمْ- وَ لَا بِمَا قَضَوْا مِنْ وَطَرِهِمْ- إِنِّی أُحَذِّرُکُمْ وَ نَفْسِی هَذِهِ الْمَنْزِلَهَ- فَلْیَنْتَفِعِ امْرُؤٌ بِنَفْسِهِ- فَإِنَّمَا الْبَصِیرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَکَّرَ- وَ نَظَرَ فَأَبْصَرَ وَ انْتَفَعَ بِالْعِبَرِ- ثُمَّ سَلَکَ جَدَداً وَاضِحاً یَتَجَنَّبُ فِیهِ الصَّرْعَهَ فِی الْمَهَاوِی- وَ الضَّلَالَ فِی الْمَغَاوِی- وَ لَا یُعِینُ عَلَى نَفْسِهِ الْغُوَاهَ بِتَعَسُّفٍ فِی حَقٍّ- أَوْ تَحْرِیفٍ فِی نُطْقٍ أَوْ تَخَوُّفٍ مِنْ صِدْقٍ فَأَفِقْ أَیُّهَا السَّامِعُ مِنْ سَکْرَتِکَ- وَ اسْتَیْقِظْ مِنْ غَفْلَتِکَ وَ اخْتَصِرْ مِنْ عَجَلَتِکَ- وَ أَنْعِمِ الْفِکْرَ فِیمَا جَاءَکَ- عَلَى لِسَانِ النَّبِیِّ الْأُمِّیِّ ص مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ- وَ لَا مَحِیصَ عَنْهُ- وَ خَالِفْ مَنْ خَالَفَ ذَلِکَ إِلَى غَیْرِهِ- وَ دَعْهُ وَ مَا رَضِیَ لِنَفْسِهِ وَ ضَعْ فَخْرَکَ- وَ احْطُطْ کِبْرَکَ وَ اذْکُرْ قَبْرَکَ فَإِنَّ عَلَیْهِ مَمَرَّکَ- وَ کَمَا تَدِینُ تُدَانُ وَ کَمَا تَزْرَعُ تَحْصُدُ- وَ مَا قَدَّمْتَ الْیَوْمَ تَقْدَمُ عَلَیْهِ غَداً- فَامْهَدْ لِقَدَمِکَ وَ قَدِّمْ لِیَوْمِکَ- فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ أَیُّهَا الْمُسْتَمِعُ وَ الْجِدَّ الْجِدَّ أَیُّهَا الْغَافِلُ- وَ لا یُنَبِّئُکَ مِثْلُ خَبِیرٍ إِنَّ مِنْ عَزَائِمِ اللَّهِ فِی الذِّکْرِ الْحَکِیمِ- الَّتِی عَلَیْهَا یُثِیبُ وَ یُعَاقِبُ وَ لَهَا یَرْضَى

اللغه

أقول: الجلباب: الملحفه.

و الوطر: الحاجه.

و الجدد: الطریق الواضح.

و استنجح الحاجه: استقضائها.

و صدر هذا الفصل صفه غایه الغافلین عن أحوال الآخره المشمّرین فی طلب الدنیا و فاعل کشف ضمیر یعود إلى اسم اللّه تعالى فیما سبق من الکلام، و قد علمت أنّ النفس ذا جهتین: جهه تدبیر أحوالها البدنیّه بما لها من القوّه العملیّه، و جهه استکمالها بقوّتهما النظریّه الّتی تتلقّى بها من العالیات کمالها، و علمت أنّ بقدر خروجها عن حدّ العدل فی استکمال قوّتها العملیّه تنقطع عن الجهه الاخرى، و تکشفها الهیئات البدنیّه فتکون فی أغطیه منها و جلابیب من الغفله عن الجهه الاخرى بالانصباب إلى ما یقتنیه ممّا یعدّ خیرا فی الدنیا، و بحسب انصبابها فی هذه الجهه، و تمکّن تلک الهیئات البدنیّه منها یکون بعدها عن بارئها و نزولها فی درکات الجحیم عن درجات النعیم، و بالعکس کما قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: الدنیا و الآخره ضرّتان بقدر ما تقرب من إحداهما تبعد من الاخرى، و ظاهر أنّ بالموت تنقطع تلک الغفله و تنکشف تلک الحجب فیومئذ یتذکّر الإنسان و أنّى له الذکرى، و یکون ما اثیبه یومئذ من تعلّق تلک الهیئات بنفسه و حطّها له عن درجات الکمال و ما شاهده من السلاسل و الأغلال هو جزاء معصیتهم المنکشف لهم، و لفظ الجلابیب استعاره لفظ المحسوس للمعقول، و وجه المشابهه حجب الغفله لا غیر یصائرهم عن التنوّر بأنوار اللّه کحجب الوجه بالجلباب، و المدبر الّذی استقبلوه هو العذاب الاخروىّ، و الأهوال الّتی کانت غائبه عنهم، و المقبل الّذی استدبروه هو ما کانوا فیه من مأمولاتهم و أحوالهم الدنیویّه، و ظاهر أنّهم لم ینفعوا إذن بما أدرکوا من طلباتهم الدنیویّه، و لا بما قضوا من أوطارهم و حاجاتهم الحاضره فیها. ثمّ عاد إلى التحذیر من هذه المنزله: أى الحاله الّتی هؤلاء الموصوفون علیها من الغفله فإنّها مقام صعب و مزلّه قدم، و شرک نفسه فی التحذیر لأنّه أدخل فی جذب نفوس السامعین إلى طاعته. ثمّ أمر کلّا بالانتفاع بنفسه، و شرح کیفیّه الانتفاع بشرح حال البصیر لأنّه لا ینتفع بنفسه إلّا البصیر، و ذکر امورا: فالأوّل، أن یتفکّر فیما یسمعه من کلام اللّه و رسوله و المواعظ البالغه فإنّه لا ینتفع بها بدون الفکر کما علمته. الثانی: أن ینظر بعین حسّه، و بصیرته فیتوخى المقاصد النافعه فیبصرها و یدرک بعقله منها العبر. الثالث: أن ینتفع بما یدرکه من العبر و ذلک بالعمل على وفق ما علم و أدرک.

الرابع: أن یسلک الصراط المستقیم الّذی وردت به الشریعه و هو الجدد الواضح، و یتجنّب فیه العدول و الانحراف بأنّه من انحرف عنه و لو بالیسیر انصرع فی مهراه و ضلّ فی مغواه، و قد نبّهناک فیما سلف على ذلک بالمثل الّذی ضربه النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حیث قال: ضرب اللّه مثلا مستقیما، و على جنبتی الصراط أبواب مفتّحه، و علیها ستور مرخاه، و على رأس الصراط داع یقول: جوزوا و لا تعرّجوا. قال: فالصراط هو الدین، و هو الجدد الواضح هنا، و الداعى هو القرآن، و الأبواب المفتّحه محارم اللّه، و هی المهاوی و المغاوی هنا، و الستور المرخاه هی حدود اللّه و نواهیه. ثمّ نهى أن یعین الإنسان على نفسه الغواه بأحد امور: أن یتعسّف فی حقّ: أی لا یحملهم على مرّ الحقّ و صعبه فإنّ الحقّ له درجات بعضها أسهل من بعض فالاستقصاء فیه على غیر أهله یوجب لهم النفره عمّن یقوله و یأمره به، و العداوه له و القول فیه، و یحتمل أن یرید بالتعسّف فی الحقّ التکلّف فی العمل به مع نوع من التقصیر فیه فإنّ الغواه هم تارکوا الحقّ فإذا وجدوا رکیکا فیه أو متکلّفا للعمل به مقصّرا طمعوا فی الأبنه للباطل فکان قد أعانهم على نفسه بذلک، و کذلک إذا آنسوا منه الکذب و التحریف فی القول أو التخوّف من الصدق کأن ادعى لهم من الطمع فی انفعاله لباطلهم و إدخاله فیه فکان معینا لهم على إغواء نفسه بذلک. ثمّ عاد إلى أمر السامع بأوامر:

أحدها: الإفاقه من سکره الجهل و التیقّظ من الغفله فی الدنیا، و لفظ السکره مستعار، و وجه المشابهه کون الغفله مستلزمه لترک إعمال العقل کما أنّ السکر کذلک.

الثانی: بالاختصار من العجله، و أراد بالعجله سرعه الحرکه فی طلب الدنیا و الاهتمام بها، و باختصارها تخفیف تلک الحرکه و تقلیلها.

الثالث: بانعام الفکر فیما دار على لسان الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و کثر من ذکر الموت و عرض النفوس على دیّانها، و إنعام الفکر فی ذلک تدقیق النظر فی حال الموت و ما بعده، و الاعتبار بما لا بدّ منه و لا محیص عنه من ذلک.

الرابع: بمخالفه من خالف ذلک و نظر فی غیره ممّا عنه بدّ من أحوال الدنیا و زینتها، و أن یدع ذلک المخالف، و ما رضى لنفسه من التعوّض بالامور الفانیه عن الامور الباقیه، و ما یستلزم ذلک من الشقاوه الاخرویّه.

الخامس: أن یضع الفخر و یحطّ الکبر، و قد سبق بیان ما فی الکبر من الآفات، و الفخر مستلزم للکبر. إذ کلّ مفتخر متکبّر أو متلازمان.

السادس: أن یذکر قبره لأنّ فی ذکره عبره تامّه.

و قوله: فإنّ علیه ممرّک. تنبیه له على وجوب الذکر له فإنّ السالک لطریق لا بدّ من سلوکها إذا کان فیها منزل موحش مظلم وجب الاستعداد له بحمل الضوء للاستناره فیه، و الإنسان فی سلوکه لطریق الآخره لا بدّ له من المرور بالقبر و أحکام الشارع أکثریه، ثمّ نبّهه بالمثلین المشهورین: کما تدین تدان على وجوب حسن المعامله مع اللّه سبحانه. إذ کان حسن جزائه بقدر حسن معامله العبد، و قبحه بقبحها، و کذلک قوله: کما تزرع تحصد، و لفظ الزرع مستعار لما یفعله الإنسان فیکسب نفسه ملکه خیریّه أو شرّیّه، و کذلک لفظ الحصد للحصول على ما تثمره تلک الآثار، و تستلزمه من ثواب أو عقاب، و وجه الاستعارتین ظاهر. و قوله: و کما قدّمت الیوم تقدم علیه غدا. ظاهر فإنّ الهیئات النفسانیّه الّتی هی ثمرات الأفعال المستلزمه للسعاده أو الشقاوه و إن کانت مستصحبه للنفس مدّه بقائها فی الدنیا أیضا إلّا أنّها لا تنکشف لها إلّا بعد المفارقه کما سبق بیانه فتکون حینئذ حاله الانکشاف بمنزله من قدم على أمر لم یکن معه، و إذا کان کذلک فینبغی للإنسان أن یمهّد لقدمه: أى یوطى‏ء موضع قدمه فی الآخره بطیب الأعمال، و یقدّم صالحها لیوم قیامته. ثمّ عاد إلى تحذیره من حیث هو مستمع للموعظه، و إلى أمره بالجدّ فی العمل لما بعد الموت و الیقظه من الغفله، و نبّهه باقتباس الآیه على أنّ الواعظ له خبیر بأحوال طریق الآخره و أهوالها و لا یخبر بحقائق الامور کالعارف بها. ثمّ عاد إلى التحذیر من‏ بعض الکبائر الّتی نصّ القرآن المجید أنّها مستلزمه للعقاب لا محاله، و الذکر الحکیم هو القرآن، و قد سبق بیان معنى العزائم منه، و قیل: هو اللوح المحفوظ،

القسم الثالث

وَ یَسْخَطُ- أَنَّهُ لَا یَنْفَعُ عَبْداً- وَ إِنْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ وَ أَخْلَصَ فِعْلَهُ- أَنْ یَخْرُجَ مِنَ الدُّنْیَا لَاقِیاً رَبَّهُ- بِخَصْلَهٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ لَمْ یَتُبْ مِنْهَا- أَنْ یُشْرِکَ بِاللَّهِ فِیمَا افْتَرَضَ عَلَیْهِ مِنْ عِبَادَتِهِ- أَوْ یَشْفِیَ غَیْظَهُ بِهَلَاکِ نَفْسٍ- أَوْ یَعُرَّ بِأَمْرٍ فَعَلَهُ غَیْرُهُ- أَوْ یَسْتَنْجِحَ حَاجَهً إِلَى النَّاسِ بِإِظْهَارِ بِدْعَهٍ فِی دِینِهِ- أَوْ یَلْقَى النَّاسَ بِوَجْهَیْنِ أَوْ یَمْشِیَ فِیهِمْ بِلِسَانَیْنِ- اعْقِلْ ذَلِکَ فَإِنَّ الْمِثْلَ دَلِیلٌ عَلَى شِبْهِهِ- إِنَّ الْبَهَائِمَ هَمُّهَا بُطُونُهَا- وَ إِنَّ السِّبَاعَ هَمُّهَا الْعُدْوَانُ عَلَى غَیْرِهَا- وَ إِنَّ النِّسَاءَ هَمُّهُنَّ زِینَهُ الْحَیَاهِ الدُّنْیَا وَ الْفَسَادُ فِیهَا- إِنَّ الْمُؤْمِنِینَ مُسْتَکِینُونَ- إِنَّ الْمُؤْمِنِینَ مُشْفِقُونَ إِنَّ الْمُؤْمِنِینَ خَائِفُونَ

المعنى

اسم إنّ أنّه لا ینفع، و الضمیر فی أنّه ضمیر الشأن، و فاعل ینفع أن یخرج، و لاقیا نصب على الحال، و أراد أنّ من جمله نصوص اللّه سبحانه الّتی هی فی محکم کتابه العزیز الّتی باعتقادها و العمل على وفقها یثیت و یرضى، و بترکها یعاقب و یسخط أنّه لا ینفع عبدا خروجه من الدنیا لاقیا ربّه بأحد الخصال المذکوره و إن أجهد نفسه فی العمل و أخلص فیه: أحدها: الشرک باللّه تعالى، و قد سبق منّا بیان درجات الشرک، و بقدر قوّته و ضعفه یکون قوّه العقاب و ضعفه، و النصّ الدالّ على مضرّته المستلزم لعدم نفعه قوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ لا یَغْفِرُ أَنْ یُشْرَکَ بِهِ»«» و قوله: فیما افترض علیه من عبادته‏ یفهم منه أنّه أراد الشرک بالریاء فی العباده لا اتّخاذ إله ثان، و هذه الآیه تلحق النفس تاره من غلبه الجهل علیها و استیلاء الغفله و ترک النظر فی المعرفه و التوحید و تاره من غلبه الشهوه کما تلحق نفس المرائى بعبادته لطلب الدنیا. الثانیه: أن یشفى غیظه بهلاک نفس، و فی نسخه نفسه، و نفس أعمّ و ذلک الهلاک تاره فی الدنیا کما یستلزمه السعى بالنمیمه إلى الملوک و نحوه، و تاره فی الآخره باکتساب الآثام المستلزم لشفاء الغیظ، و النصّ فیه قوله تعالى «وَ مَنْ یَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِیها»«» الآیه، و هذه الآفه تلحقها بواسطه القوّه الغضبیّه. الثالثه: أن یقرّ بأمر فعله غیره: أی یتمّ على غیره بأمر فعله ذلک الغیر فیستلزمه إهلاکه و أذاه فیدخل فیمن یسعى فی الأرض فسادا، و النصّ علیه قوله «إِنَّما جَزاءُ الَّذِینَ یُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ یَسْعَوْنَ فِی الْأَرْضِ فَساداً أَنْ یُقَتَّلُوا»«» الآیه، و روى الشارحین یعرّ بالعین المهمله.

قال: و معناه أن یقذف غیره بأمر قد فعله هو فیکون غیره منصوبا مفعولا به، و العامل یعرّ یقال عرّه یعرّه عرّا: أی غابه و لحظه (لطخه خ) فعلى هذا یکون داخلا فی جمله الفاسقین و الکاذبین و الموذین للمؤمنین بغیر ما اکتسبوا، و هذه الآفه تلحق النفس بشرکه من الشهوه و الغضب. الرابعه: أن یستنجح حاجه إلى الناس بإظهار بدعه فی دینه کشاهد الزور لغایه یصل إلیها، و المرتشی فی الحکم و القضاء. الخامسه: أن یلقى الناس بوجهین أو یمشی فیهم بلسانین: أى یلقى کلّا من الصدیقین مثلا بغیر ما یلقى به الآخر لیفرّق بینهما أو بین العدوّین لیضرى بینهما، و بالجمله أن یقول بلسانه ما لیس فی‏ قلبه فیدخل فی زمره المنافقین، و وعید المنافقین فی القرآن «إِنَّ الْمُنافِقِینَ فِی الدَّرْکِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»«» و مطابقه ذلک من العقل أنّ من انتقش لوح نفسه بهیئات السوء و لم یمحها بالتوبه ألحقه فهو من أصحاب النار. و قوله: اعقل ذلک.

أی اعقل ما أضربه لک من المثل، و احمل علیه ما یشبهه فإنّ المثل دلیل على شبهه و ذلک المثل قوله: إنّ البهائم. إلى قوله: و الفساد فیها. فقوله: إنّ البهائم همّها بطونها. إشاره إلى أنّ الإنسان المتّبع لشهوته بمنزله البهیمه فی اتّباع قوّته الشهویّه، و الاهتمام بالطعام و الشراب دون المطالب الحقیقیّه. و قوله: إنّ السباع همّها العدوان على غیرها. إشاره إلى أنّ متّبع القوّه الغضبیّه بمنزله السبع فی اتّباعها و محبّه الانتقام و الغلبه على الغیر. و قوله: و إنّ النساء همّهنّ زینه الحیاه الدنیا و الفساد فیها. إشاره إلى أنّ النساء متّبعه للقوّتین: الشهویّه و لها کان همّهنّ زینه الحیاه الدنیا، و الغضبیّه و لها کان همّهنّ الفساد فی الدنیا فالتابع لشهوته و غضبه لاحق بالنساء فی ذلک. ثمّ لمّا حصر متابع الشرّ فی قوّتی الشهوه و الغضب ذکر المؤمنین بصفات ثلاث کلّ منها یستلزم کسر تینک القوّتین، و هی الاستکانه للّه و. الخضوع له. ثمّ الاشفاق من غضبه. ثمّ الخوف من عقابه، و ظاهر کون کلّ واحد من هذه الصفات جاذبا لهم عن طرف الافراط فی القوّتین و الخروج عن حدّ العدل فیهما، و غایه هذا المثل التنفیر عن طاعه الشهوه و الغضب بالتنبیه على أنّ الخارج فیهما عن حدّ العدل إلى ما لا ینبغی إمّا أن یشبه البهیمه أو السبع أو المرأه، و کلّ منها ممّا یرغب العاقل عنه، و هو الّذی أمر بعقلیّته فانظر إلى ما اشتمل علیه هذا الکلام من الإشاره اللطیفه الّتی یشهد علیه علیه السّلام بمشاهده الحقّ کما هو، و إذا اعتبرت ذلک و أمثاله من الحکم البالغه و نظرت إلى أنّه علیه السّلام لم یرجع فیه إلى مطالعه کتاب أو استفاده بحث علمت أنّه فیض ربّانیّ بواسطه إعداد سیّد البشر و الاستاد المرشد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال الشارح الفاضل عبد الحمید بن أبی الحدید- رحمه اللّه- إنّما رمز بباطن هذا الکلام إلى الرؤساء یوم الجمل لأنّهم حاولوا أن یشفوا غیظهم بإهلاکه و إهلاک غیره من المسلمین و عیّروه علیه السّلام بأمرهم فعلوه، و هو التألیب على عثمان و حصره و استنجحوا حوائجهم إلى أهل البصره بإظهار البدعه و الفتنه و لقوا الناس بوجهین و لسانین لأنّهم بایعوه و أظهروا الرضا به. ثمّ نکثوا من وجه آخر فجعل ذنوبهم هذه بمنزله الشرک فی أنّها لا تغفر إلّا بالتوبه. قال: و هذا معنى قوله: اعقل ذلک فإنّ المثل دلیل على شبهه. و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۲۴۰

 

 

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۵۱ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

القسم الأول

الْحَمْدُ لِلَّهِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ- وَ بِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِیَّتِهِ- وَ بِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لَا شَبَهَ لَهُ- لَا تَسْتَلِمُهُ الْمَشَاعِرُ وَ لَا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ- لِافْتِرَاقِ الصَّانِعِ وَ الْمَصْنُوعِ- وَ الْحَادِّ وَ الْمَحْدُودِ وَ الرَّبِّ وَ الْمَرْبُوبِ- الْأَحَدِ بِلَا تَأْوِیلِ عَدَدٍ- وَ الْخَالِقِ لَا بِمَعْنَى حَرَکَهٍ وَ نَصَبٍ- وَ السَّمِیعِ لَا بِأَدَاهٍ وَ الْبَصِیرِ لَا بِتَفْرِیقِ آلَهٍ- وَ الشَّاهِدِ لَا بِمُمَاسَّهٍ وَ الْبَائِنِ لَا بِتَرَاخِی مَسَافَهٍ- وَ الظَّاهِرِ لَا بِرُؤْیَهٍ وَ الْبَاطِنِ لَا بِلَطَافَهٍ- بَانَ مِنَ الْأَشْیَاءِ بِالْقَهْرِ لَهَا وَ الْقُدْرَهِ عَلَیْهَا- وَ بَانَتِ الْأَشْیَاءُ مِنْهُ بِالْخُضُوعِ لَهُ وَ الرُّجُوعِ إِلَیْهِ- مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ- وَ مَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ- وَ مَنْ قَالَ کَیْفَ فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ- وَ مَنْ قَالَ أَیْنَ فَقَدْ حَیَّزَهُ- عَالِمٌ إِذْ لَا مَعْلُومٌ وَ رَبٌّ إِذْ لَا مَرْبُوبٌ- وَ قَادِرٌ إِذْ لَا مَقْدُورٌ

اللغه

أقول: المشاعر: الحواس. إذ هی محلّ الشعور.

و قد حمد اللّه تعالى باعتبارات من أوصافه، و فی الفصل أبحاث من العلم الإلهىّ:
الأوّل: الإشاره إلى وجوده تعالى الواجب
و للناس فی إثباته طریقان: إحداهما: إثبات وجوده بالنظر فی نفس الوجود، و قسمته إلى أقسام حاصره، و تقریر هذه الطریقه أن یقال: لا شکّ فی وجود موجود فذلک الموجود إن کان واجب الوجود فهو المطلوب و إن کان ممکنا افتقر إلى مؤثّر بناء على أنّ العلّه المحوجه إلى المؤثّر هی الإمکان، و ذلک الموجود إن کان ممکنا افتقر إلى غیره و لزم الدور أو التسلسل و کلاهما باطلان: أمّا الأوّل: فلأنّه لو افتقر کلّ واحد من الأمرین إلى الآخر باعتبار واحد لزم تقدّم کلّ منهما على المتقدّم على نفسه فیلزم تقدّمه على نفسه بمراتب، و أمّا الثانی: فلأنّه و لو کانت سلسله من علل و معلولات لا نهایه لها فی الوجود لکان مجموعها ممکنا لافتقاره إلى الأجزاء الّتی هی غیره و بمجموعها علّه تامّه فهی إمّا نفسه و هو محال بالبدیهه أو أمر داخل فیه و هو باطل لأنّ العلّه التامّه للمرکّب علّه أوّلا لأجزائه و إلّا لتوقّف على علّه أجزائه فلم تکن علّه تامّه له بل هی مع علّه أجزائه هذا خلف، و إذا کانت علّه المرکّب علّه أوّلا لأجزائه لزم کون ذلک الجزء المؤثّر فی المجموع مؤثّرا فی نفسه أوّلا، و فی علله السابقه فیلزم تقدّمه على نفسه بمراتب غیر متناهیه و ذلک باطل بالبدیهه فبقى أن یکون المؤثّر فی ذلک المجموع إمّا أمرا خارجا عنه أو ما یترکّب من الداخل و الخارج عنه لکنّ القسم الثانی أیضا باطل لأنّ الداخل لمّا کان جزءا من العلّه المرکّبه فله تقدّم علیها، و هی متقدّمه على مجموع الممکنات فلها تقدّم علیه، و على أجزائه فجزئها کذلک فله تقدّم على نفسه و على علله و هو باطل فبقى الأوّل لکن الموجود الخارج عن کلّ الممکنات لا یکون ممکنا بل واجب الوجود، و هو المطلوب، و هذه طریق العلّیّین الّذین یستدلّون به على مخلوقاته و یسمّونه برهان اللمّ. و أمّا الطریق الثانیه: فهی الاستدلال بالنظر فی المخلوقات و طبائعها و إمکانها و تکثّرها و قبولها للتغیّر و الترکیب على مبادیها. ثمّ على المبدأ الأوّل- جلّت‏ عظمته- و هی طریق الطبیعیّین و هی الّتی أشار إلیها علیه السّلام بقوله: الدالّ على وجوده بخلقه،

و المتکلّمون فرّعوا هذه الطریق إلى أربع طرق:

أحدها: أنّهم استدلّوا بحدوث هذه الذوات على إمکانها و بإمکانها على حاجتها إلى موجد و مؤثّر، و هی طریق الأشعریّ و أبی الحسین البصرى و المتأخّرین من المتکلّمین.

الثانیه: استدلّوا بحدوث هذه الذوات فقط على وجود محدث لها من غیر نظر إلى الإمکان فقالوا: الأجسام محدثه و کلّ محدث فله محدث، و المقدّمه الاولى استدلالیّه، و الثانیه عندهم بدیهیّه.

الثالثه: استدلالهم بإمکان الصفات، و ذلک أن بیّنوا أنّ الأجسام الفلکیّه و العنصریّه متماثله، ثمّ قالوا: رأینا بعضها قد اختصّ بصفات لیست للآخر فذلک التخصیص لیس للجسمیّه و لا للوازمها، و إلّا لوجب فی کلّ جسم کذلک، و لا لعارض من عوارضها لأنّ الکلام فی تخصیص ذلک العارض کالکلام فی الأوّل و یلزم التسلسل، و لا للطبیعه کما یقول بعض الناس لأنّها لا تفعل فی المادّه البسیطه کالنقطه مثلا فعلًا مختلفا فبقى أن یکون ذلک التخصیص لمدبّر حکیم و هو مرادنا بالصانع.

الرابعه: الاستدلال بحدوث الصفات و هو ظاهر، و تقریر هذه الطرق و ما لها و علیها فی الکتب الکلامیّه، و ینبغی أن یخصّص المتکلّم قوله علیه السّلام: الدالّ على وجوده بخلقه الطریقه الاولى لهم، و الثالثه فإنّه علیه السّلام جعل الحدوث دلیلا على الأزلیّه.

البحث الثانی: فی أزلیّته

و بیانه ما ذکره علیه السّلام بقوله: و بمحدث خلقه على أزلیّته، و تقریر هذه الدلاله أنّه قد ثبت فی موضعه أنّ جمیع المحدثات صادره عن قدرته تعالى و منتهیه عندها فلو کان هو محدثا لکان محدثا لنفسه و هو باطل بالضروره.

البحث الثالث: أنّه لا مثل له و لا شبیه
و إلیه الإشاره بقوله: و باشتباههم على أنّه لا شبیه له، و أراد اشتباههم فی الحاجه إلى المؤثّر و المدبّر، و تقریر هذه الطریق أن نقول: إن کان تعالى غنیّا عن المؤثّر فلا شبیه له فی الحاجه إلیه لکن‏ المقدّم حقّ فالتالی مثله، و قیل: أراد اشتباههم فی الجسمیّه و الجنس و النوع و الأشکال و المقادیر و الألوان و نحو ذلک، و إذ لیس داخلا تحت جنس لبراءته عن الترکیب المستلزم للإمکان، و لا تحت النوع لافتقاره فی التخصیص بالعوارض إلى غیره، و لا بذى مادّه لاستلزامها الترکیب أیضا فلیس بذى شبیه فی شی‏ء من الامور المذکوره، و الأوّل أعمّ فی نفى الشبیه.

البحث الرابع: أنّ المشاعر لا تستلمه
و بیانه أنّ استلام المشاعر مستلزم للجسمیّه و الأعراض القائمه بها، و إذ قد تنزّه قدسه تعالى عن الجسمیّه و لواحقها فقد تنزّه عن إدراک المشاعر و لمسها.

البحث الخامس: أنّ السواتر لا تحجبه
و بیانه أنّ الحجاب و الستر من لواحق ذى الجهه و الجسمیّه، و إذ تنزّه قدسه عنها فقد تنزّه عن الحجب و الستر المحسوسین. و قوله: لافتراق الصانع و المصنوع. إلى قوله: و المربوب. التعلیل راجع إلى الجمل المتقدّمه کلّها. إذ کان لکلّ من الصانع و المصنوع صفات تخصّه و یتمیّز بها و هی ألیق به، و بها یفارق الآخر فالمخلوقیّه و الحدوث و الاشتباه و الملموسیّه بالمشاعر و الحجب بالسواتر من لواحق الامور الممکنه المصنوعه، و ممّا ینبغی لها و یلیق بها، و الوجود الأزلیّ الّذى لا شبیه له المنزّه عن المشاعر و حجب السواتر من لواحق الصانع الأوّل الواجب و هو الّذى ینبغی له و یلیق به، و یضادّ ما سبق من أوصاف الممکنات، و أراد بالحادّ خالق الحدود و النهایات و هو الصانع، و اعتبار الصانع غیر اعتبار الربّ لدخول المالکیّه فی مفهوم الربوبیّه دون الصنع.

البحث السادس: فی وحدانیّته
و قد سبق برهانها، و أراد بقوله: لیس بمعنى العدد أنّ وحدانیّته لیس بمعنى کونه مبدء لکثره تعدّ به کما یقال فی أوّل العدد واحد، و قد علمت فیما سبق أنّ الواحد یقال بالاشتراک اللفظی على معان عدیده عرفتها و عرفت إطلاق الواحد علیه تعالى بأىّ معنى هو، و أنّه لا یجوز أن یکون مبدء للعدد بل هو تعالى واحد بمعنى أنّه لا ثانى له فی الوجود بمعنى أنّه لا کثره فی ذاته بوجه لا ذهنا و لا خارجا، و بمعنى أنّه لم یفته من کماله شی‏ء بل کلّ ما ینبغی أن یکون له فهو بالذات و الفعل.

البحث السابع: فی کونه تعالى فی خالقیّته منزّها عن الحرکات و المتاعب،
و قد عرفت لمیّه ذلک فی الخطبه الاولى، و هو کونهما من لواحق الأجسام المنزّه قدسه عنها.

البحث الثامن: کونه سمیعا لا بأداه
أى لا بسمع، و قد سبق بیانه فی الخطبه الاولى.

البحث التاسع: کونه بصیرا لا بتفریق الآله
و تفریقها إمّا عباره عن بعث القوّه الباصره و توزیعها على المبصرات، و هذا المعنى على قول من جعل الإبصار بآله الشعاع الخارج من العین المتّصل بسطح المرئى أظهر فإنّ توزیعه أوضح من توزیع الآله على قول من یقول: إنّ الإدراک یحصل بانطباع صوره المرئى فی العین، و معنى التفریق على القول الثانی هو تقلیب الحدقه و توجیهها مرّه إلى هذا المبصر و مرّه إلى ذاک کما یقال: فلان مفرّق الهمّه و الخاطر إذا وزع فکره على حفظ أشیاء متباینه و مراعاتها کالعلم و تحصیل المال، و ظاهر تنزیهه تعالى عن الإبصار بآله الحسّ لکونها من توابع الجسمیّه و لواحقها.

البحث العاشر: کونه تعالى شاهدا
أى حاضرا لا بمماسّه شی‏ء، و المراد تنزیه حضوره عن مماثله حضور الجسمانیّات المستلزم للقرب المستلزم لمماسّه الأجسام و تقارب أین من أین فهو تعالى الحاضر بعلمه عند کلّ شی‏ء و الشاهد لکلّ شی‏ء من غیر قرب و لا مماسّه و لا أین مطلقا لتنزّهه عن الجسمیّه و لواحقها

البحث الحادى عشر: أنّه تعالى مباین للأشیاء لا بتراخى مسافه
أى أنّ مباینته للأشیاء لا تستدعى التمییز بالوضع و الأین بل بذاته فقط، و قد سبق تقریر ذلک فی الخطبه الاولى أیضا.

البحث الثانی عشر: أنّه الظاهر لا برؤیه، و الباطن لا بلطافه
و ذلک أنّ الظاهر من الأجسام ما کان منها مرئیّا بحاسّه البصر و الباطن منها ما کان لطیفا إمّا لصغر حجمه أو لطافه قوامه کالهواء، و ظهوره تعالى و بطونه منزّه من هاتین الکیفیّتین، و قد شرحنا هذین الوصفین غیر مرّه.

البحث الثالث عشر: کونه بان من الأشیاء بالقهر لها و القدره علیها.
إلى قوله: إلیه. ذکر فی بینونته تعالى من مخلوقاته ما ینبغی له من الصفات، و فی بینونتها منه ما ینبغی لها فالّذى ینبغی له کونه قاهرا لها غالبا علیها و مستولیا، و کونه قادرا على إیجادها و إعدامها، و الّذى ینبغی لها کونها خاضعه فی ذلّ الإمکان و الحاجه لعزّته و قهره و راجعه فی وجودها و کمالاتها إلى وجوده، و بذلک حصل التباین بینها و بینه.

البحث الرابع عشر: تنزیهه عن الصفات الزائده بالقیاس
الّذی ذکره بقوله: من وصفه فقد حدّه، و من حدّه فقد عدّه، و قد مرّ هذا القیاس بعینه فی الخطبه الاولى بأتمّ تقریر و أبلغ تحقیق غیر أنّه قال هناک: و من أشار إلیه فقد حدّه، و قال هاهنا: و من وصفه فقد حدّه لکن المراد بوصفه هنا هو إشاره الوهم إلیه و استثباته بکیفیّات و صفات فیکون معنى العبارتین واحد. و قوله: و من عدّه فقد أبطل أزله. لمّا کان عدّه عباره عن‏ جعله مبدءا لکثره معدوده أو عن کونه ذا أجزاء معدوت، و کان ذلک من لواحق الممکنات و المحدثات الغیر المستحقّه للأزلیّه بالذات لا جرم کان من عدّه بأحد الاعتبارین مبطلا أزله الّذى یستحقّه لذاته.

البحث الخامس عشر: تنزیهه أن یسأل عنه بکیف
لأنّها سؤال عن الکیفیّه و الصفه و هو معنى قوله: قد استوصفه، و قد بیّنا تنزیهه تعالى عن الکیفیّات و الصفات.

البحث السادس عشر: تنزیهه عن السؤال عنه بأین
و ذلک لأنّها سؤال عن الحیّز و الجهه اللّذین هما من لواحق الأجسام، و قد بیّنا تنزیهه تعالى عن الجسمیّه و ما ینبغی لها فلیس هو سبحانه فی مکان و هو فی کلّ مکان بعلمه و إحاطته.

البحث السابع عشر: کونه تعالى عالما.
إذ لا معلوم. إلى قوله: مقدور.و قد علمت معنى علمه و ربوبیّته و قدرته، و علمت أنّ الإشاره بإذ إلى اعتبار تقدّمه بذاته على معلوماته و معلولاته، و ظاهر عند ذلک الاعتبار أنّه لا معلوم فی الوجود سوى ذاته لذاته و لا مربوب و لا مقدور موجود هناک بل هى واجبه التأخّر عن ذلک الاعتبار سواء کانت بعد ذلک محدثه کلّها کما علیه المتکلّمون أو بعضها کما علیه الأوائل، و باللّه التوفیق و العصمه.

 

القسم الثانی منها:

قَدْ طَلَعَ طَالِعٌ وَ لَمَعَ لَامِعٌ وَ لَاحَ لَائِحٌ- وَ اعْتَدَلَ مَائِلٌ وَ اسْتَبْدَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ قَوْماً وَ بِیَوْمٍ یَوْماً- وَ انْتَظَرْنَا الْغِیَرَ انْتِظَارَ الْمُجْدِبِ الْمَطَرَ- وَ إِنَّمَا الْأَئِمَّهُ قُوَّامُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ- وَ عُرَفَاؤُهُ عَلَى عِبَادِهِ- وَ لَا یَدْخُلُ الْجَنَّهَ إِلَّا مَنْ عَرَفَهُمْ وَ عَرَفُوهُ- وَ لَا یَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا مَنْ أَنْکَرَهُمْ وَ أَنْکَرُوهُ- إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّکُمْ بِالْإِسْلَامِ وَ اسْتَخْلَصَکُمْ لَهُ- وَ ذَلِکَ لِأَنَّهُ اسْمُ سَلَامَهٍ وَ جِمَاعُ کَرَامَهٍ- اصْطَفَى اللَّهُ تَعَالَى مَنْهَجَهُ وَ بَیَّنَ حُجَجَهُ- مِنْ ظَاهِرِ عِلْمٍ وَ بَاطِنِ حُکْمٍ- لَا تَفْنَى غَرَائِبُهُ وَ لَا تَنْقَضِی عَجَائِبُهُ- فِیهِ مَرَابِیعُ النِّعَمِ وَ مَصَابِیحُ الظُّلَمِ- لَا تُفْتَحُ الْخَیْرَاتُ إِلَّا بِمَفَاتِیحِهِ- وَ لَا تُکْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلَّا بِمَصَابِیحِهِ- قَدْ أَحْمَى حِمَاهُ وَ أَرْعَى مَرْعَاهُ- فِیهِ شِفَاءُ الْمُشْتَفِی وَ کِفَایَهُ الْمُکْتَفِی

اللغه
أقول: العرفاء: جمع عریف و هو النقیب، و هو دون الرئیس.

المعنى

و أشار بطلوع الطالع إلى ظهور الإمره و الخلافه علیه، و انتقالها إلیه، و بلموع اللامع إلى ظهورها من حیث هى حقّ له، و سطوع أنوار العدل بصیرورتها إلیه، و بلوح اللائح إلى ما یلحق انتقالها إلیه من الفتن و الحروب الموعوده الّتی لاحت أماراتها یومئذ، و قال بعض الشارحین: المراد بالثلاثه معنى واحد، و هو انتقال الخلافه إلیه. فقوله: و اعتدل مائل. فالمائل الخلافه فیمن کان قبله فی نظره. إذ کان اعتقاده أنّه أولى بها و أنّ العدل أن یکون فیه، و اعتدل ذلک المائل بانتقالها إلیه، و استبدل اللّه بقوم: أی من سبق علیه قوما: أى و هو و تابعوه، و بیوم یوما کنایه عن زمانهم بزمانهم. و قوله: و انتظرنا الغیر انتظار المجدب المطر. إشاره إلى ما کان یتوقّعه من انتقال هذا الأمر إلیه، و أراد بالغیر تغیّرات الدهر و تقلبات الأحوال.

فإن قلت: ألیس هو المطلّق للدنیا فأین هذا القول من طلاقها ثلاثا قلت: إنّه یطلّقها من حیث هى دنیا، و لم یردها لذاتها، و لم یطلّقها من حیث یعمر بها الآخره بإنکار المنکرات، و إظهار العدل و إقامه عمود الدین و حراسته فإنّ طلبه لها إنّما کان لذلک کما سبق فی قوله لابن عبّاس بذی قار و هو یخصف نعله، و شبّه انتظاره للغیر بانتطار المجدب للمطر، و وجه الشبه شدّه التوقّع و انتظاره، و یمکن أن یلاحظ فی وجه الشبه لواحق الأمرین المنتظرین. إذ من لواحق ما انتظره هو عن الغیر و انتقال الأمر إلیه شمول العدل و ظهور الحقّ فی موارده المشبّه لوقع المطر فی الأرض المجدبه، و استلزامه للخیر و البرکه. ثمّ شرع فی تعریف حال الأئمّه و ما نصبوا له.

و قوله: لا یدخل الجنّه إلّا من عرفهم و عرفوه. معناه أنّ أهل کلّ عصر لا یدخلون الجنّه إلّا بمعرفه إمامهم و معرفته لهم، و أراد الأئمّه من ولده علیهم السّلام و معرفتهم معرفه حقّ ولایتهم و صدق إمامتهم، و بیان الحصر من وجهین: أحدهما: أنّ دخول الجنّه لا یمکن لأحد من هذه الأمّه إلّا باتّباع الشریعه و لزوم العمل بها و لا یمکن ذلک إلّا بمعرفتها و معرفه کیفیّه العمل بها، و لا یمکن ذلک إلّا ببیان صاحب الشریعه و القائم بها، و إرشاده و تعلیمه، و ذلک لا یمکن إلّا بمعرفه المأموم للإمام و حقیّه إمامته و صدق ولائه له لیقتدی به، و معرفه الإمام للماموم لیهدیه فإذن دخول الجنّه مستلزم لمعرفه الإمام للمأمومین و معرفتهم له. الثانی: أنّ معرفه هؤلاء الأئمّه على رأیه علیه السّلام کما هو المشهور المنقول عنه، و معرفه حقیّه إمامتهم و صدق ولایتهم رکن من أرکان الدین فلا یدخل الجنّه إلّا من أقامه، و من عرفهم کذلک وجبت معرفتهم له بذلک. فإن قلت: فنحن نرى کثیرا من شیعه هؤلاء الأئمّه و محبّیهم لا تعرفهم الأئمّه و لا یرون أشخاصهم.

قلت: لا یشترط فی معرفتهم لمحبّیهم و معرفه محبّیهم لهم المعرفه الشخصیّه العینیّه بل الشرط المعرفه على وجه کلّىّ، و هو أن یعلموا أنّ کلّ من اعتقد حقّ إمامتهم و اهتدى بما انتشر من هدیهم فهو ولیّ لهم، و مقیم لهذا الرکن من الدین فیکونون عارفین بمن یتولّاهم على هذا الوجه و من یتولّاهم عارفا بهم لمعرفته بحقیّه ولایتهم، و اعتقاد ما یقولون و إن لم یشترط المشاهده و المعرفه الشخصیّه، و أمّا أنّه لا یدخل النار إلّا من أنکرهم و أنکروه فهو أیضا حقّ و ذلک أنّ دخول الجنّه مستلزم لمعرفتهم على الوجه الّذی قرّرناه و منحصر فیه فکلّ واحد واحد ممّن یدخل الجنّه عارف بهم، و ذلک یستلزم أنّه لا واحد ممّن یدخل الجنّه بمنکر لهم لأنّ معرفتهم و إنکارهم ممّا لا یجتمعان فی ملزوم واحد.

إذا عرفت ذلک فنقول: إنّ من أنکرهم فأنکروه لا یجوز أن یکون أعمّ ممّن یدخل النار: أمّا أوّلا فللخبر المشهور من مات و لم یعرف إمام وقته مات میته جاهلیّه دلّ الخبر على أنّ إنکارهم مستلزم للمیته الجاهلیّه المستلزمه لدخول النار، و أمّا ثانیا فلأنّه لو کان أعمّ لصدق على بعض من یدخل الجنّه فبعض المنکر لهم یدخل الجنّه فینعکس بعض من یدخل الجنّه منکر لهم، و قد بیّنا أنّه لا واحد ممّن یدخل الجنّه بمنکر لهم هذا خلف، و کذلک لا یجوز أن یکون أخصّ و إلّا لصدق على بعض من یتولّاهم و یعترف بصدق إمامتهم أنّه یدخل النار لکن ذلک باطل لقول الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: یحشر المرء مع من أحبّ، و لقوله: لو أحبّ رجل حجرا لحشر معه دلّ الخبر على أنّ محبّه الإنسان لغیره مستلزمه لحشره معه، و قد ثبت أنّهم علیهم السّلام إلى الجنّه یحشرون فکذلک من أحبّهم و اعترف بحقیّه إمامتهم، و دخول الجنّه مع دخول النار ممّا لا یجتمعان فثبت أنّه لا واحد ممّن یحبّهم و یعترف بحقّهم یدخل النار فقد ظهر إذن صدق هذه الکلّیّه أیضا، و وجه الحصر فیها. ثمّ أخذ فی إظهار منّه اللّه تعالى علیهم بالقرآن الکریم و تخصیصهم به من سائر الکتب و استخلاصهم له، و إعدادهم لقبوله من سائر الامم.

ثمّ نبّه على بعض أسباب إکرامه تعالى لهم به أمّا من جهه اسمه فلأنّه مشتقّ من السلامه بالدخول فی الطاعه، و أمّا من معناه فمن وجوه:

أحدها: أنّه مجموع کرامه من اللّه لخلقه لأنّ مدار جمیع آیاته على هدایه الخلق إلى سبیل اللّه القائده إلى جنّته.
الثانی: أنّ اللّه تعالى اصطفى منهجه، و هو طریقته الواضحه المؤدیّه للسالکین بأیسر سعی إلى رضوان اللّه.

الثالث: أنّه تعالى بیّن حججه، و هی الأدلّه و الأمارات، و من للتمییز و التقسیم هنا تقسیم الحجج إلى ظاهر علم، و أشار إلى ظواهر الشریعه و أحکامها الفقهیّه و أدلّه تلک الأحکام، و باطن حکم و أشار به إلى ما یشتمل علیه الکتاب العزیز من الحکمه الإلهیّه و أسرار التوحید و علم الأخلاق و السیاسات و غیرها.

الرابع: أنّه لا تفنى عزائمه [غرائبه خ‏] و أراد بالعزایم هنا آیاته المحکمه و براهینه العازمه: أی القاطعه، و عدم فنائها إشاره إمّا إلى ثباتها و استقرارها و طول المدّه و تغیّر الأعصار، و إمّا إلى کثرتها عند البحث و التفتیش عنها.

الخامس: و لا تنقضى عجائبه، و ذلک أنّه کلّما تأمله الإنسان استخرج منه بفکره لطائف معجبه من أنواع العلوم لم یکن عنده من قبل.

السادس: فیه مرابیع النعم، و استعار لفظ المرابیع، و هی الأمطار تأتی زمن الربیع فتحیى الأرض و تنبت الکلاء لما یحصل علیه الإنسان من النعم ببرکه القرآن و لزوم أوامره و نواهیه و حکمه و آدابه: أمّا فی الدنیا فالنعم الّتی تحصل ببرکته لحاملیه من القرّاء و المفسّرین و غیرهم ظاهره الکثره، و أمّا بالنسبه إلى الآخره فما یحصل علیه مقتبسوا أنواره من الکمالات المسعده فی الآخره من العلوم و الأخلاق الفاضله أعظم نعمه و أتمّ فضل، و وجه الاستعاره ظاهر.

السابع: أنّ فیه مصابیح الظلم، و استعار لفظ المصابیح لقوانینه و قواعده الهادیه إلى اللّه فی سبیله کما یهدی المصباح فی الطریق المظلمه.

الثامن: أنّه لا تفتح الخیرات إلّا بمفاتیحه، و أراد الخیرات الحقیقیّه الباقیه، و استعار لفظ المفاتیح لمناهجه و طرقه الموصله إلى تلک الخیرات، و وجه الاستعاره کونها أسبابا موصله إلیها کما أنّ المفاتیح أسباب موصله إلى خیرات الخزائن مثلا

التاسع: و لا ینکشف الظلمات إلّا بمصابیحه، و أراد ظلمات الجهل، و بالمصابیح قوانینه کما سبق استعاره.

العاشر: کونه قد أحمى حماه: أی هیّأه و عرّضه لأن یحمى کما یقال: أقتلت فلانا و أضربته إذا هیّأته للقتل و عرّضته للضرب، و استعار لفظ الحمى لحفظه و تدبّره و العمل بقوانینه، و وجه الاستعاره أنّ بذلک یکون حفظ الشخص و حراسته: أمّا فی الدنیا فمن أیدى کثیر من الظالمین لاحترامهم حمله القرآن و مفسّریه، و من یتعلّق به، و أمّا فی الآخره فلحمایته حفظته و متدبّریه و العامل به من عذاب اللّه کما یحمی الحمى من یلوذ به، و نسبه الإحماء إلیه مجاز إذ المعرض له أن یتدبّر و یعمل به هو اللّه تعالى و رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و حملته، و قیل: أراد بحماه محارمه، و أحماه: أی منع بنواهیه و زواجره أن یستباح محارمه، و هو أخصّ ممّا قلناه أوّلا.

الحادی عشر: و کذلک أرعى مرعاه: أی هیّأه لأن یرعى، و استعار لفظ المرعى للعلوم و الحکم و الآداب الّتی یشتمل علیها القرآن، و وجه المشابهه أنّ هذه مراعی النفوس الإنسانیّه و غذاؤها الّذی به یکون نشوها العقلىّ و نمائها الفعلىّ کما أنّ المراعی المحسوسه من النبات و العشب غذاء للأبدان الحیوانیّه الّتى بها یقوم وجودها.

الثانی عشر: فیه شفاء المشتفی: أی طالب الشفاء منه: أمّا فی الأبدان فبالتعوّذ به مع صدق النیه فیه و سلامه الصدور، و أمّا فی النفوس فلشفائها به من أمراض الجهل.

الثالث عشر: و کفایه المکتفی، و أراد بالمکتفی طالب الکفایه: أمّا من الدنیا فلأنّ حمله القرآن الطالبین به المطالب الدنیویّه هم أقدر أکثر الناس على الاحتیال به فی تحصیل مطالبهم و کفایتهم بها، و أمّا فی الآخره فلأنّ طالب الکفایه منها یکفیه تدبّر القرآن و لزوم مقاصده فی تحصیل مطلوبه منها، و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۲۲۸

 

بازدیدها: ۸

خطبه ۱۵۰ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

القسم الأول

وَ أَسْتَعِینُهُ عَلَى مَدَاحِرِ الشَّیْطَانِ وَ مَزَاجِرِهِ- وَ الِاعْتِصَامِ مِنْ حَبَائِلِهِ وَ مَخَاتِلِهِ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ نَجِیبُهُ وَ صَفْوَتُهُ- لَا یُؤَازَى فَضْلُهُ وَ لَا یُجْبَرُ فَقْدُهُ- أَضَاءَتْ بِهِ الْبِلَادُ بَعْدَ الضَّلَالَهِ الْمُظْلِمَهِ- وَ الْجَهَالَهِ الْغَالِبَهِ وَ الْجَفْوَهِ الْجَافِیَهِ- وَ النَّاسُ یَسْتَحِلُّونَ الْحَرِیمَ- وَ یَسْتَذِلُّونَ الْحَکِیمَ- یَحْیَوْنَ عَلَى فَتْرَهٍ وَ یَمُوتُونَ عَلَى کَفْرَهٍ ثُمَّ إِنَّکُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَغْرَاضُ بَلَایَا قَدِ اقْتَرَبَتْ- فَاتَّقُوا سَکَرَاتِ النِّعْمَهِ وَ احْذَرُوا بَوَائِقَ النِّقْمَهِ- وَ تَثَبَّتُوا فِی قَتَامِ الْعِشْوَهِ وَ اعْوِجَاجِ الْفِتْنَهِ- عِنْدَ طُلُوعِ جَنِینِهَا وَ ظُهُورِ کَمِینِهَا- وَ انْتِصَابِ قُطْبِهَا وَ مَدَارِ رَحَاهَا- تَبْدَأُ فِی مَدَارِجَ خَفِیَّهٍ وَ تَئُولُ إِلَى فَظَاعَهٍ جَلِیَّهٍ- شِبَابُهَا کَشِبَابِ الْغُلَامِ وَ آثَارُهَا کَآثَارِ السِّلَامِ- یَتَوَارَثُهَا الظَّلَمَهُ بِالْعُهُودِ أَوَّلُهُمْ قَائِدٌ لِآخِرِهِمْ- وَ آخِرُهُمْ مُقْتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ یَتَنَافَسُونَ فِی دُنْیَا دَنِیَّهٍ- وَ یَتَکَالَبُونَ عَلَى جِیفَهٍ مُرِیحَهٍ- وَ عَنْ قَلِیلٍ یَتَبَرَّأُ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوعِ- وَ الْقَائِدُ مِنَ الْمَقُودِ فَیَتَزَایَلُونَ بِالْبَغْضَاءِ- وَ یَتَلَاعَنُونَ عِنْدَ اللِّقَاءِ- ثُمَّ یَأْتِی بَعْدَ ذَلِکَ طَالِعُ الْفِتْنَهِ الرَّجُوفِ- وَ الْقَاصِمَهِ الزَّحُوفِ فَتَزِیغُ قُلُوبٌ بَعْدَ اسْتِقَامَهٍ- وَ تَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلَامَهٍ- وَ تَخْتَلِفُ الْأَهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا- وَ تَلْتَبِسُ الْآرَاءُ عِنْدَ نُجُومِهَا- مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ وَ مَنْ سَعَى فِیهَا حَطَمَتْهُ- یَتَکَادَمُونَ فِیهَا تَکَادُمَ الْحُمُرِ فِی الْعَانَهِ- قَدِ اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الْحَبْلِ وَ عَمِیَ وَجْهُ الْأَمْرِ- تَغِیضُ فِیهَا الْحِکْمَهُ وَ تَنْطِقُ فِیهَا الظَّلَمَهُ- وَ تَدُقُّ أَهْلَ الْبَدْوِ بِمِسْحَلِهَا- وَ تَرُضُّهُمْ بِکَلْکَلِهَا یَضِیعُ فِی غُبَارِهَا الْوُحْدَانُ- وَ یَهْلِکُ فِی طَرِیقِهَا الرُّکْبَانُ تَرِدُ بِمُرِّ الْقَضَاءِ- وَ تَحْلُبُ عَبِیطَ الدِّمَاءِ وَ تَثْلِمُ مَنَارَ الدِّینِ- وَ تَنْقُضُ عَقْدَ الْیَقِینِ- یَهْرُبُ مِنْهَا الْأَکْیَاسُ وَ یُدَبِّرُهَا الْأَرْجَاسُ- مِرْعَادٌ مِبْرَاقٌ کَاشِفَهٌ عَنْ سَاقٍ تُقْطَعُ فِیهَا الْأَرْحَامُ- وَ یُفَارَقُ عَلَیْهَا الْإِسْلَامُ بَرِیئُهَا سَقِیمٌ وَ ظَاعِنُهَا مُقِیمٌ

اللغه
أقول: المداحر: جمع مدحر. و هی الامور الّتی بها یدحر: أى یطرد. و مخاتلها: محالّ غروره الّتی یخیّل إلى الناس بها و یوهمهم أنّها نافعه. و البوائق:جمع بائقه، و هی الداهیه. و القتام بفتح القاف: الغبار. و العشوه بکسر العین: الأمر على غیر بیان و وضوح. و الفظاعه: تجاوز الأمر الشدید الحدّ و المقدار. و السلام بالکسر: الحجاره الصمّ واحدها سلمه بکسر السین. و المریحه: المنتنه. و یتزایلون: یتفارقون. و نجومها: طلوعها. و أشرف لها: أى انتصب لدفعها. و التکادم: التعاضّ بأدنى الفم. و العانه: القطیع من حمر الوحش. و المسحل: المبرد، و المسحل: حلقه تکون فی طرف شکیمه اللجام مدخله فی مثلها. و الوحدان: جمع واحد. و العبیط: الخالص الطرىّ.

المعنى

و صدّر هذا الفصل باستعانه اللّه تعالى على ما یدحر الشیطان و یزجر به. و ذلک هو العبادات و الأعمال الصالحه المستلزمه لطرده و زجره و تطویعه، و على الاعتصام من حبائله و مخاتله. و هی الشهوات و اللذّات الدنیویّه، و استعار لها لفظ الحبایل و هی أشراک الصاید لمشابهتها إیّاها فی استلزام الحصول فیهما للبعد عن السلامه و الحصول فی العذاب، و من ممادح الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم کونه نجیبا للّه: أى مختارا، و روى نجیّه، و صفوه له من خلقه لا یوازى فضله: أى لا یحصل مثله فی أحد.

إذ کان کماله فی قوّتیه النظریّه و العملیّه غیر مدرک لأحد من الخلق، و من کان کذلک لم یجبر فقده إلّا بقیام مثله من الناس، و إذ لا مثل له فیهم فلا جبران لفقده. و قوله: أضاءت به البلاد بعد الضلاله. أى ضلاله الکفر، و وصفها بالظلمه لعدم الاهتداء فیها للحقّ. و الوصف مستعار، و کذلک وصف الإضاءه به مستعار لاهتداء الخلق به فی معاشهم و معادهم، و إسناد الإضاءه إلى البلاد مجاز. أو الجهاله الغالبه على أکثر الخلق، و أراد الجهل بالطریق إلى اللّه تعالى و بکیفیّه نظام المعاش ممّا بیّنه هو و کشفه بشریعته. و الجفوه الجافیه یرید غلظه العرب و ما کانوا علیه من قساوه القلوب و سفک الدماء، و وصفها بما اشتقّ منها مبالغه و تأکیدا لها، و أراد الجفوه القویّه. و الناس یستحلّون الحریم الواو للحال و العامل أضاءت و یستذلّون الحکیم، و ظاهر من عاده العرب إلى الآن استذلال من عقل منهم و حلم عن الغاره و النهب و إثاره الفتن، و استنهاضه بنسبته‏ إلى الجبن و الضعف. و یحیون على فتره: أى على حاله انقطاع الوحى و الرسل، و تلک حال انقطاع الخیر و موت النفوس بداء الجهل. و یموتون على کفره و هی الفعله من الکفر لأهل کلّ قرن حیث لا هادى لهم. ثمّ أخذ علیه السّلام فی إنذار السامعین باقتراب حوادث الوقایع المستقبله الّتی یرمون بها کما یرمى الغرض بالسهام، و استعار لفظ الغرض لهم، و لمّا کانت الفتن الحادثه کتدمیر قوم و إهلاکهم مثلا بحسب استعدادهم لذلک و کان أکبر الأسباب المعدّه له هی الغفله عن ذکر اللّه بالانهماک فی نعم الدنیا و لذّاتها استعار للغفلات لفظ السکرات.

ثمّ أمر باتّقائها، و حذّر من دواهی النقمات بسبب کفران النعم. ثمّ أمر بالتثبّت أو التبیّن على الروایتین عند اشتباه الامور علیهم و ظهور الشبهه المثیره للفتن کشبهه قتل عثمان الّتی نشأت منها وقایع الجمل و صفّین و الخوارج، و استعار لفظ القتام لذلک الأمر المشتبه، و وجه المشابهه کون ذلک الأمر ممّا لا یهتدى فیه خائضوه کما لا یهتدى القائم فی القتام عند ظهوره و خوضه، و اعوجاج الفتنه إتیانها على غیر وجهها، و لفظ الجنین یحتمل أن یکون حقیقه: أى عند طلوع ما اجتنّ منها و خفى علیکم، و کذلک کمینها: أى ما کمن منها و استتر، و یحتمل أن یکون استعاره، و عنّى بقطبها من تدور علیه من البغاه المنافرین استعاره. و انتصابه: قیامه لذلک الأمر، و کذلک استعار لفظ مدار الرحى لدورانها على من تدور علیه من أنصار ذلک القطب و عسکره الّذین تدور علیهم الفتنه. ثمّ أخبر أنّها تبدء فی مدارج خفیّه، و أراد بالمدارج صدور من ینوى القیام فیها و یقصد [یعقد على خ‏] إثارتها، و کان هذا إشاره إلى فتنه بنى أمیّه، و قد کان مبدأها شبهه قتل عثمان، و لم یکن أحد من الصحابه یتوهّم خصوصیّه هذه الفتنه و إنّما کانوا علموا من الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حدوث وقایع و فتن غیر معیّنه الأزمان، و لا من یثیرها و یکون قطبا لها. فخفاء مدارجها کتمان معاویه و طلحه و الزبیر و غیرهم لامورهم و ما عزموا علیه من إقامه الفتنه و الطمع فی الملک و الدوله حتّى آل ذلک الطمع إلى الامور القطعیّه الواضحه بعد الخفاء، و استعار لفظ الشباب لقیامها و ظهورها فی الناس، و وجه المشابهه السرعه فی الظهور و لذلک أکّدها بتشبیه ذلک الظهور بشباب الغلام: أى فی السرعه، و مع سرعتها لها آثار فی هدم الإسلام کآثار الحجاره الصلب فی الجلد، و وجه الشبه إفسادها للبین و لنظام المسلمین کإفساد الحجر ما یقع علیه بالرضّ و الکسر، و أشار بالظلمه الّتی یتوارثونها إلى بنى امیّه بعهد الأب لابنه إلى آخرهم، و ذکر قود أوّلهم لآخرهم إلى النار و الدخول فی الظلم و الضلاله و إثاره تلک الفتن، و استعار لفظ القود لتهیئه الأوّل منهم أسباب الملک لمن بعده و اقتداء آخرهم بأوّلهم فی ذلک، و ضمیر المفعول فی یتوارثونها یرجع إلى تلک الفتنه. ثمّ أشار إلى صفه حالهم فی إثاره تلک الفتن و توارثها و هی المنافسه فی الدنیا الدنیّه فی نظر العقلاء، و استعار لفظ التکالب لمجاذبه بعضهم لبعض علیها کالمجاذبه بین الکلاب على المیته. و استعار لها لفظ الجیفه، و رشّح بذکر المریحه للتنفیر عنها، و وجهها کونها مستلزمه لأذى طالبها مهروبا منها العقلاء کالهرب من الجیفه المنتنه و الانزواء عنها. ثمّ أخبر بانقضائها عن قلیل، و کنّى عن ذلک بتبرّء التابع من المتبوع و القاید من المقود: أى یتبرّء کلّ من الفریقین من الآخر کما قال تعالى «إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِینَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِینَ اتَّبَعُوا»«». و قوله «قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَکُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَیْئاً»«» و ذلک التبرّء قیل عند ظهور الدوله العباسیّه فإنّ العاده جاریه بتبرّء الناس من الولاه المعزولین خصوصا عند الخوف ممّن تولّى عزل اولئک أو قتلهم فیتباینون بالبغضاء إذ لم تکن الفتهم و محبّتهم إلّا لغرض دنیاوىّ زال، و یتلاعنون عند اللقاء. و قیل ذلک یوم القیامه. قوله: و عن قلیل. إلى قوله: عند اللقاء. جمله اعتراضیّه مؤکّد بها معنى تعجبّه منهم فکأنّه قال: إنّهم على تکالبهم علیها عن قلیل یتبرّء بعضهم من بعض، و ذلک أدعى لهم إلى ترک التکالب علیها.

و قوله: ثمّ یأتی بعد ذلک طالع الفتنه الرجوف، و کان هذه الفتنه هى فتنه التتار إذ الدائره فیها على العرب. و قال بعض الشارجین: بل ذلک إشاره إلى الملحمه الکائنه فی آخر الزّمان کفتنه الدّجال، و کنّى عن أهوالها و اضطراب أمر الإسلام‏ فیها بکونها رجوفا: أى کثیره الرجف، و طالعها مقدّماتها و أوائلها، و کنّى بقصمها عن إهلاک الخلق فیها، و استعار لها لفظ الزحوف ملاحظه لشبهها بالرجل الشجاع کثیر الزحف فی الحرب إلى أقرانه: أی یمشی إلیهم قدما. ثمّ شرع فی بیان أفعال تلک الفتنه بالناس من إزاغه قلوب قوم عن سبیل اللّه تعالى بعد استقامتها علیه، و ضلال رجال: أی هلاکهم فی الآخره بالمعاصی بعد سلامه منها، و اختلاف الأهواء عن إراده اللّه بهجومها، و التباس الآراء الصحیحه بالفاسده عند ظهورها على الناس فلا یعرفون وجه المصلحه من غیره، و من یطلع إلى مقاومتها و سعى فی دفعها هلک، و استعار لفظ التکادم إمّا لمغالبه مشیرى هذه الفتنه بعضهم لبعض أو مغالبتهم لغیرهم، و شبّه ذلک بتکادم الحمر فی العانه، و وجه التشبیه المغالبه مع الإیماء: أى خلعهم ربق التکلیف من أعناقهم و کثره غفلتهم عمّا یراد بهم فی الآخره، و استعار معقود الحبل لما کان انبرم من دوله الإسلام و استعار لفظ الحبل للدین، و کنّى باضطرابه عن عدم استقرار قواعد الدین عند ظهور أوّل هذه الفتنه، و عمى وجه هذا الأمر: أى عدم الاهتداء إلى وجه المصلحه، و أشار بالحکمه الّتى تغیض فیها إلى الحکمه الخلقیّه الّتى علیها مدار الشریعه و تعلیمها، و استعار لفظ الغیض لعدم ظهورها و الانتفاع بها و ینطق فیها الظلمه بالأمر و النهى، و ما یقتضیه آراؤهم الخارجه عن العدل، و استعار لفظ المسحل لما تؤذى به العرب و أهل البادیه، و وجه المشابهه اشتراک المبرد أو شکیمه اللجام و ما تؤذى به العرب من هذه الفتنه فی الإیذاء فکأنّها شجاع ساق علیهم فدقّهم بشکیمه فرسه أو نحو ذلک، و کذلک استعار لفظ الکلکل لما یدهم البدو منها ملاحظه لشبهها بالناقه التی برک على الشی‏ء فتستحقه.

و قوله: یضیع فی غبارها الوحدان و یهلک فی طریقها الرکبان. کنایه عن عظمتها: أی لا یقاومها أحد و لا یخلص منها الوحدان و الرکبان، و لفظ الغبار مستعار للقلیل الیسیر من حرکه أهلها: أى أنّ القلیل من الناس إذا أرادوا دفعها هلکوا فی غبارها من دون أن یدخلوا فی غمارها، و أمّا الرکبان و کنّى بهم عن الکثیر من الناس فإنّهم یهلکون فی طریقها و عند خوضها، و قیل: أراد بالوحدان فضلاء الوقت. إذ یقال: فلان واحد وقته، و بالغبار الشبه الّتى تغطى الحقّ عن أعینهم، و یکون الرکبان کنایه عن الجماعه أهل القوّه، و إذا کان هؤلاء یهلکون فی طریقها: أى عند الخوض لغمراتها فکیف بغیرهم، و کنّى بمرّ القضاء عن القتل و الأسر و نحوهما، و ظاهر کون المواردات الموذیه أو النافعه وارده عن القضاء الإلهىّ معلومه الکون، و کذلک استعار وصف الحلب لها ملاحظه لشبهها بالناقه، و کنّى بذلک عن سفک الدماء فیها، و منار الدین أعلامه و هم علماؤه و یحتمل أن یرید قوانینه الکلّیّه، و ثلمها عباره عن قتل العلماء و هدم قواعد الدین و ترک العمل به، و عقد الیقین هو الاعتقاد الموصل إلى علم الیقین أو إلى عین الیقین و هو اعتقاد الشریعه و إیصال ذلک إلى جوار اللّه تعالى و القرب منه و نقضه هو ترک العمل على وفقه من تغیّره و تبدّله، و الأکیاس الهاربون منها هم العلماء و أهل العقول السلیمه و کلّ هذه الإشارات معلومه من فتنه من ذکرنا، و ظاهر کونهم أرجاس النفوس یرجس الشیطان أنجاسها بالهیئات البدنیّه، و الملکات الردیئه أنجاس الأبدان بحکم الشریعه، و کنّى عن شدّتها و کونها محلّ المخاوف بوصف المرعاد و المبراق المستعارین ملاحظه لشبهها بالسحابه کثیره البروق و الرعود بوصف کشفها عن ساق عن إقبالها مجرّده کالمشمّر للحرب أو لأمر مهمّ، و ظاهر کونها تقطع فیها الأرحام و یفارق علیها الإسلام، و أشار بریّها إلى من یعتقد فی هذه الدوله أنّه ذو صلاح برى‏ء من المعاصى و الآثام مع کونه لیس کذلک. إذ من الظاهر أنّ السالم فی هذه الفتنه من معصیه اللّه قلیل بل أقلّ من القلیل، و لعلّه عند الاستقراء لا یوجد، و أشار بظاعنها إلى من یعتقد أنّه متخلّف عنها و غیر داخل فیها و ظاهر کونه غیر منحرف عنها، و یحتمل أن یرید أنّ من ارتحل عنها خوفا لا ینجو منها، و باللّه التوفیق.

القسم الثانی منها:

بَیْنَ قَتِیلٍ مَطْلُولٍ وَ خَائِفٍ مُسْتَجِیرٍ- یَخْتِلُونَ بِعَقْدِ الْأَیْمَانِ وَ بِغُرُورِ الْإِیمَانِ- فَلَا تَکُونُوا أَنْصَابَ الْفِتَنِ وَ أَعْلَامَ الْبِدَعِ- وَ الْزَمُوا مَا عُقِدَ عَلَیْهِ حَبْلُ الْجَمَاعَهِ- وَ بُنِیَتْ عَلَیْهِ أَرْکَانُ الطَّاعَهِ- وَ اقْدَمُوا عَلَى اللَّهِ مَظْلُومِینَ‏ وَ لَا تَقْدَمُوا عَلَیْهِ ظَالِمِینَ- وَ اتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّیْطَانِ وَ مَهَابِطَ الْعُدْوَانِ- وَ لَا تُدْخِلُوا بُطُونَکُمْ لُعَقَ الْحَرَامِ- فَإِنَّکُمْ بِعَیْنِ مَنْ حَرَّمَ عَلَیْکُمُ الْمَعْصِیَهَ- وَ سَهَّلَ لَکُمْ سُبُلَ الطَّاعَهِ

اللغه

أقول: یقال: طلّ دم فلان فهو مطلول: إذا هدر و لم یطلب به. و یختلون: یخدعون، و اللعق: جمع لعقه، و هی اسم لما تناوله الملعقه مرّه.

المعنى
فقوله: بین قتیل. إلى قوله: مستجیر. یشبه أن یکون صفه حال المتمسّکین بالدین فی زمان الفتنه الاولى. و قوله: یختلون. إلى قوله: و بغرور الإیمان. صفه حال استجلاب هؤلاء المقتولین: أی أنّهم یخدعون بإعطاء الأقسام و العهود الکاذبه و ذلک کخداع الحسین علیه السّلام عن نفسه و أصحابه، روی یختلون بالبناء للفاعل فیکون وصف حال أهل الفتنه و أتباعهم. ثمّ أخذ فی نهى السامعین أن یکونوا أنصارا للفتن الّتی یدرکونها، و أعلاما للبدع: أی رؤساء یشار إلیهم فیها، و یقتدی بهم کما یشار إلى الأعلام البیّنه و یقتدی بها، و فی الخبر کن فی الفتنه کابن لبون لا ظهر فیرکب و لا ضرع فیحلب.

و قوله: و أقدموا على اللّه مظلومین. لیس المراد منه الأمر بالانظلام فإنّ ذلک طرف التفریط من فضیله العداله، و هی رذیله بل المراد إنّکم إذا کانت لکم مکنه من الظلم فلا تظلموا و لو استلزم ترک الظلم انظلامکم و هو کسر للنفوس عن رذیله الظلم خصوصا نفوس العرب فإنّها أکثر تطاولا إلى الظلم و أمنع عن قبول الانظلام و الانفعال عنه و إن استلزم الظلم کما أشار إلیه العربیّ.

و من لم یذد عن حوضه بسهامه یهدم و من لا یظلم القوم یظلم‏ و مدارج الشیطان: طرقه، و هی الرذائل الّتی یحسّنها و یقود إلیه، و کذلک مهابط العدوان محالّه الّتی یهبط فیها. و هی من طرق الشیطان أیضا، و لعق الحرام‏ کنایه عمّا یکتسبه الإنسان من الدنیا و متاعها على غیر الوجه الشرعىّ، و نبّه، باللعق على قلتها و حقارتها بالنسبه الى متاع الاخره و نبه على وجوب الانتهاء عمّا نهى عنه بقوله: فإنّکم بعین من حرّم علیکم. إلى آخره یقال: فلان من فلان بمرآ و مسمع و بعین منه إذا کان مطّلعا على أمره: أی فإنّ الّذی حرّم علیکم المعصیه و أوجب علیکم طاعته مطّلع علیکم و عالم بما تفعلون، و ذلک أردع لهم من النهى المجرّد، و لفظ العین مجاز فی العلم.

 

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۲۲۱

بازدیدها: ۵

خطبه ۱۴۹ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام فی الملاحم

القسم الأول

وَ أَخَذُوا یَمِیناً وَ شِمَالًا ظَعْناً فِی مَسَالِکِ الْغَیِّ- وَ تَرْکاً لِمَذَاهِبِ الرُّشْدِ- فَلَا تَسْتَعْجِلُوا مَا هُوَ کَائِنٌ مُرْصَدٌ- وَ لَا تَسْتَبْطِئُوا مَا یَجِی‏ءُ بِهِ الْغَدُ- فَکَمْ مِنْ مُسْتَعْجِلٍ بِمَا إِنْ أَدْرَکَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ یُدْرِکْهُ- وَ مَا أَقْرَبَ الْیَوْمَ مِنْ تَبَاشِیرِ غَدٍ- یَا قَوْمِ هَذَا إِبَّانُ وُرُودِ کُلِّ مَوْعُودٍ- وَ دُنُوٍّ مِنْ طَلْعَهِ مَا لَا تَعْرِفُونَ- أَلَا وَ إِنَّ مَنْ أَدْرَکَهَا مِنَّا یَسْرِی فِیهَا بِسِرَاجٍ مُنِیرٍ- وَ یَحْذُو فِیهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِینَ- لِیَحُلَّ فِیهَا رِبْقاً- وَ یُعْتِقَ فِیهَا رِقّاً وَ یَصْدَعَ شَعْباً- وَ یَشْعَبَ صَدْعاً فِی سُتْرَهٍ عَنِ النَّاسِ- لَا یُبْصِرُ الْقَائِفُ أَثَرَهُ وَ لَوْ تَابَعَ نَظَرَهُ- ثُمَّ لَیُشْحَذَنَّ فِیهَا قَوْمٌ شَحْذَ الْقَیْنِ النَّصْلَ- تُجْلَى بِالتَّنْزِیلِ أَبْصَارُهُمْ- وَ یُرْمَى بِالتَّفْسِیرِ فِی مَسَامِعِهِمْ- وَ یُغْبَقُونَ کَأْسَ الْحِکْمَهِ بَعْدَ الصَّبُوحِ

اللغه

أقول: إبّان الشی‏ء. بکسر الهمزه و تشدید الباء: وقته. و الربق بکسر الراء و تسکین الباء: حبل فیه عدّه عرى یشدّ به البهم. و الصدع: الشقّ. و الشعب: إصلاحه. و الشحذ: التحدید. و القین: الحدّاد. و الغبوق: الشراب بالعشىّ.
و الصبوح: الشرب بالغداه.

المعنى

فقوله: و أخذوا یمینا و شمالا. إلى قوله: الرشد. إشاره إلى من ضلّ من فرق الإسلام عن طریق الهدى الّتى علیها الکتاب‏ و السنّه و سلکوا طرفى الإفراط و التفریط منها کما قال علیه السّلام فیما قبل: الیمین و الشمال مضلّه و الطریق الوسطى هى الجادّه. و قد سبق تفسیر ذلک مستوفی. و مسالک الغىّ: أطراف الرذائل من الفضایل الّتى عدّدناها کالحکمه و العفّه و الشجاعه و العداله و ما تحتها، و مذاهب الرشد: هى تلک الفضایل، و ظعنا و ترکا مصدران قاما مقام الحال.

و قوله: فلا تستعجلوا ما هو کائن مرصد. ذلک الاستعجال إشاره إلى ما کانوا یتوقّعونه من الفتن الّتى أخبر الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عن وقوعها فی المستقبل، و کانوا فی أکثر الوقت یسألونه علیه السّلام عنها فقال: لا تستعجلوا ما هو کائن: أى لا بدّ من وقوعه و هو مرصد معدّ. و لا تستبطئوا ما یجی‏ء به الغد: أى من الفتن و الوقایع.

و قوله: فکم من مستعجل. إلى قوله: لم یدرکه. ذمّ للاستعجال و الاستبطاء لهذا الموعود کقوله «وَ عَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَیْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَکُمْ»«» و ما أقرب الیوم من تباشیر غد: أى من البشرى بغد. کقوله: غد ما غد ما أقرب الیوم من غد، و کقوله: و إن غدا للناظرین قریب. ثمّ أخذ فی تقریب ذلک الموعود من الفتن فقال: هذا إبّان ورود کلّ موعود به أو وقت دنوّ ظهور ما لا تعرفون من تلک الامور بالتفصیل.

و قوله: ألا و إنّ من أدرکها منّا. أى من أدرک تلک الفتن من أهل بیته الأئمّه الأطهار یسرى فیها بسراج المنیر. و استعار لفظ السراج لکمالات نفسه الّتى استضاءت بها فی طریق اللّه من العلوم و الأخلاق الفاضله، و لفظ المنیر ترشیح. و هو إخبار عن معرفته للحقّ و تمییزه من الباطل، و أنّ تلک الفتن لا توقع له شبهه و لا تأثیر لها فی عقیدته الصادقه الصافیه بل یتصرّف فیها منقادا لأنوار اللّه على صراطه المستقیم لا یلویه عنه ملو بل یقتفى فیه أثر آبائه الصالحین و یلتزم مکارم الأخلاق فیحلّ ما انعقد فیها و أشکل على الناس من الشبه، و یفکّ ربق الشکّ من أعناق نفوسهم أو یفتدى فیها الأسرى فیفکّ ربق أسرهم و یعتقهم، و یصدع ما انشعب و التأم من ضلال یمکنه صدعه، و یشعب ممّا انصدع من أمر الدین ما أمکنه شعبه فی ستره عن الناس لا یبصر القائف أثره و لو تابع إلیه نظره، و ما زالت أئمّه أهل البیت علیهم السّلام مغمورین فی الناس لا یعرفهم إلّا من عرّفوه أنفسهم حتّى لو تعرّفهم من لا یریدون معرفته لهم لم یعرّفهم، و لست أقول لم یعرف أشخاصهم بل لا یعرف أنّهم أهل الحقّ و الأحقّون بالأمر.

و قوله: ثمّ لیشحذنّ فیها قوم. أی فی أثناء ما یأتی من الفتن تشحذ أذهان قوم. و تعدّ لقبول العلوم و الحکمه کما یشحذ الحدّاد النصل، و لفظ الشحذ مستعار لإعداد الأذهان، و وجه الاستعاره الاشتراک فی الإعداد التامّ النافع فهو یمضى فی مسائل الحکمه و العلوم کمضىّ النصل فیما یقطع به، و هو وجه التشبیه المذکور. ثمّ أخذ فی تفسیر ذلک الشحذه و الإعداد، فقال: تجلّى بالتنزیل أبصارهم: أى تعدّ بالقرآن الکریم و دراسته و تدبّره أبصار بصائرهم لإدراک الحکمه و أسرار العلوم و ذلک لاشتمال التنزیل الإلهىّ علیها، و یرمی التفسیر فی مسامعهم: أى یلقى إلیهم تفسیره على وجهه من إمام الوقت. ثمّ عبّر عن أخذهم الحکمه و مواظبتهم على تلقّفها بعد استعدادهم لها بالغبوق و الصبوح، و لفظ الصبوح و الغبوق مستعاران لکونهما حقیقتین فی الشرب المخصوص المحسوس. و هؤلاء المشار إلیهم بالاستعداد للحکمه و أخذها هم علماء الأمّه من جاء منهم قبلنا و من فی آخر الزمان من المستجمعین لکمالات النفوس السالکین لسبیل اللّه المرتضین فی نظره و نظر الأئمّه من ولده بعده.

القسم الثانی منها

وَ طَالَ الْأَمَدُ بِهِمْ لِیَسْتَکْمِلُوا الْخِزْیَ وَ یَسْتَوْجِبُوا الْغِیَرَ حَتَّى إِذَا اخْلَوْلَقَ الْأَجَلُ- وَ اسْتَرَاحَ قَوْمٌ إِلَى الْفِتَنِ- وَ أَشَالُوا عَنْ لَقَاحِ‏ حَرْبِهِمْ- لَمْ یَمُنُّوا عَلَى اللَّهِ بِالصَّبْرِ- وَ لَمْ یَسْتَعْظِمُوا بَذْلَ أَنْفُسِهِمْ فِی الْحَقِّ- حَتَّى إِذَا وَافَقَ وَارِدُ الْقَضَاءِ انْقِطَاعَ مُدَّهِ الْبَلَاءِ- حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَسْیَافِهِمْ- وَ دَانُوا لِرَبِّهِمْ بِأَمْرِ وَاعِظِهِمْ حَتَّى إِذَا قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ ص رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى الْأَعْقَابِ- وَ غَالَتْهُمُ السُّبُلُ وَ اتَّکَلُوا عَلَى الْوَلَائِجِ- وَ وَصَلُوا غَیْرَ الرَّحِمِ- وَ هَجَرُوا السَّبَبَ الَّذِی أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ- وَ نَقَلُوا الْبِنَاءَ عَنْ رَصِّ أَسَاسِهِ فَبَنَوْهُ فِی غَیْرِ مَوْضِعِهِ- مَعَادِنُ کُلِّ خَطِیئَهٍ وَ أَبْوَابُ کُلِّ ضَارِبٍ فِی غَمْرَهٍ- قَدْ مَارُوا فِی الْحَیْرَهِ وَ ذَهَلُوا فِی السَّکْرَهِ- عَلَى سُنَّهٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ- مِنْ مُنْقَطِعٍ إِلَى الدُّنْیَا رَاکِنٍ- أَوْ مُفَارِقٍ لِلدِّینِ مُبَایِنٍ

اللغه

أقول: الأمد: الوقت. و الاشتیال: الرفع. و الولیجه: البطانه، و هی خاصّه الرجل من أهله و عشیرته. و رصّ الأساس: إحکامه. و ما روا: تحرّکوا.

المعنى

و هذا الفصل یستدعى کلاما منقطعا قبله لم یذکره الرضىّ- رضوان اللّه علیه- قد وصف فیه فئه ضالّه قد استولت و ملکت و أملى لها اللّه سبحانه.
و قوله: و طال الأمد بهم لیستکملوا الخزى. کقوله تعالى «إِنَّما نُمْلِی لَهُمْ لِیَزْدادُوا إِثْماً»«» و قوله تعالى «وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِکَ قَرْیَهً أَمَرْنا مُتْرَفِیها فَفَسَقُوا فِیها فَحَقَّ عَلَیْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِیراً»«». و قوله: حتّى إذا اخلولق الأجل. اى صار خلقا و هو کنایه عن بلوغهم غایه مدتهم المکتوبه بقلم القضاء الالهى فی اللوح المحفوظ.

و قوله: و استراح قوم إلى الفتن. إشاره إلى من یعتزل الوقائع الّتی ستقع فی آخر الزمان من شیعه الحقّ و أنصاره. و یستریح إلیها: أى یجد فی اشتغال القوم بعضهم ببعض راحه له فی الانقطاع و العزله و الخمول، و اشتیالهم عن لقاح حربهم: رفعهم لأنفسهم عن تهییجها، و استعار لفظ اللقاح بفتح اللام لإثاره الحرب ملاحظه لشبهها بالناقه. و قوله: لم یمنّوا. جواب قوله: حتّى إذا اخلولق. و الضمیر فی یمنّوا قال بعض الشارحین: إنّه عائد إلى العارفین الّذین تقدّم ذکرهم فی الفصل السابق یقول: حتّى إذا ألقى هؤلاء السلّم إلى هذه الفئه الضالّه و عجزوا و استراحوا من منابذتهم إلى فتنتهم تقیّه منهم أنهض اللّه أولئک الّذین خصّهم بحکمته و اطّلعهم على أسرار العلوم فنهضوا و لم یمنّوا على اللّه تعالى بالصبر فی طاعته. و فی روایه بالنصر: أى بنصرهم له. و لم یستعظموا ما بذلوه من نفوسهم فی طلب الحقّ حتّى إذا وافق القدر الّذی هو وارد القضاء و تفصیله انقطاع مدّه هذه الفئه و ارتفاع ما کان شمل الخلق من بلائهم حمل هؤلاء العارفون بصائرهم على أسیافهم، و فیه معنى لطیف یرید أنّهم أظهروا عقاید قلوبهم للناس و کشفوها و جرّدوها مع تجرید سیوفهم فکأنّهم حملوها على سیوفهم فترى فی غایه الجلاء و الظهور کما ترى السیوف المجرّده، و منهم من قال: أراد بالبصائر جمع بصیره و هی الدم فکأنّه أراد طلبوا ثارهم و الدماء الّتی سفکتها تلک الفئه فکانت تلک الدماء المطلوب ثارها محموله على أسیافهم المجرّده للحرب، و أشار بواعظهم إلى الإمام القائم. و أقول: یحتمل أن یرید بالضمیر فی یمنّوا و ما بعده القوم الّذین استراحوا إلى الفتنه و اشتالوا عن لقاح الحرب، و ذلک أنّهم لم یفعلوا ذلک إلّا لأنّه لم یؤذن لهم فی القیام حین استراحتهم و إلقائهم السلّم لهذه الفئه، و لم یتمکّنوا من مقاومتهم لعدم قیام القائم بالأمر فکانوا حین مسالمتهم صابرین على مضض من ألم المنکر الّذی یشاهدونه غیر مستعظمین لبذل أنفسهم فی نصره الحقّ لو ظهر من یکون لهم ظهر یلجئون إلیه حتّى إذا ورد القضاء الإلهىّ بانقطاع مدّه بلاء هذه الفئه و ظهور من یقوم بنصر الحقّ و دعا إلیه حمل هؤلاء بصائرهم على أسیافهم و قاموا لربّهم بأمر من یقوم فیهم واعظا و مخوّفا و داعیا، و هذا الحمل یرجّحه عود الضمیر إلى الأقرب و هم القوم.

و قوله: حتّى إذا قبض اللّه و رسوله. إلى آخره. هذا الفصل منقطع عمّا قبله لأنّ صریحه ذکر غایه الاقتصاص حال حیاه الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و حال الناس قبله و بعده و معه، و لیس فی الکلام المتقدّم شی‏ء من ذلک. اللّهم إلّا أن یحمل من طال الأمد بهم فی الکلام المتقدّم على من کان أهل الضلال قبل الإسلام حتّى إذا اخلولق أجلهم و استراح قوم منهم إلى الفتن و الوقائع بالنهب و الغاره و اشتالوا عن لقاح حربهم: أى أعدّوا أنفسهم لها کما تعدّ الناقه نفسها بشول ذنبها للقاحها: أى برفعه، و تسمّى شائلا، و یکون الضمیر فی قوله: لم یمنّوا راجعا إلى ذکر سبق للصحابه فی هذه الخطبه حین قام الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فیهم و بهم للحرب فلم یمنّوا على اللّه بصبرهم معه و فی نصره الحقّ، و لم یستعظموا بذل أنفسهم له حتّى إذا وافق وارد القضاء انقطاع مدّه البلاء بدوله الجاهلیّه و الکفر حمل هؤلاء الّذین لم یمنّوا على اللّه بنصرهم بصائرهم: أى ما کانوا یخفونه من الإسلام فی أوّله على سیوفهم: أى کشفوا عقائدهم کما سبق القول فیه أو دمائهم و ثاراتهم من الکفّار، و دانوا لربّهم بأمر واعظهم و هو الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و حینئذ یصلح قوله: حتّى إذا قبض اللّه رسوله.

غایه لذلک الکلام على هذا التأویل. و قوله: رجع قوم على الأعقاب. إلى آخره. أمّا على المذاهب الإمامیّه فإشاره إلى عدول الصحابه بالخلافه عنه و عن أهل بیته علیهم السّلام إلى الخلفاء الثلاثه، و أمّا على مذهب من صحّح إمامه الخلفاء الثلاثه فیحتمل أن یرید بالقوم الراجعین على الأعقاب من خرج علیه فی زمن خلافته من الصحابه کمعاویه و طلحه و الزبیر و غیرهم، و زعموا أنّ غیره أحقّ بهامنه و من أولاده.
و الرجوع على الأعقاب کنایه عن الرجوع عمّا کانوا علیه من الانقیاد للشریعه و أوامر اللّه و رسوله و وصیّته بأهل بیته، و غیله السبل لهم کنایه عن اشتباه طرق الباطل‏ بالحقّ و استراق طرق الباطل لهم و إهلاکها إیّاهم، و هی الشبه المستلزمه للآراء الفاسده کما یقال فی العرف: أخذته الطریق إلى مضیق، و هی مجاز فی المفرد و المرکّب: أمّا فی المفرد فلأنّ سلوکهم لسبل الباطل لمّا کان عن غیر علم منهم بکونه باطلا ناسب الغیله فأطلق علیه لفظها، و أمّا فی المرکّب فلأنّ إسناد الغیله إلى السبل لیس حقیقه. إذ الغیله من فعل العقلاء. و اتّکالهم على الولائح اعتماد کلّ من رأى منهم رأیا فاسدا على أهله و خواصّه فی نصره ذلک الرأى. و وصلوا غیر الرحم: أى غیر الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ترک المضاف إلیه للعلم به. و کذلک هجروا السبب الّذی امروا بمودّته و لزومه یرید أهل البیت أیضا، و ظاهر کونهم سببا لمن اهتدى بهم فی الوصول إلى اللّه سبحانه کما قال الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: خلّفت فیکم الثقلین: کتاب اللّه و عترتى أهل بیتى حبلان ممدودان من السماء إلى الأرض لم یفترقا حتّى یردا علىّ الحوض. فاستعار لهم لفظ الحبل، و السبب فی اللغه الحبل و أمرهم بمودّته کما فی قوله تعالى «قُلْ لا أَسْئَلُکُمْ عَلَیْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّهَ فِی الْقُرْبى‏»«».

و قوله: و نقلوا البناء عن رصّ أساسه فبنوه فی غیر موضعه. إشاره إلى العدول بأمر الخلافه عنه و عن أهل بیته إلى غیرهم، و صله غیر الرحم خروج عن فضیله العداله إلى رذیله الظلم، و عدم مودّه اولى القربى رذیله التفریط من تلک الفضیله الداخله تحت العفّه، و کذلک نقل البناء عن موضعه دخول فی رذیله الظلم. ثمّ وصفهم وصفا إجمالیّا بکونهم معادن کلّ خطیئه: أى إنّهم مستعدّون لفعل کلّ خطیئه، و مهیّئون لها. فهم مظانّها، و لفظ المعادن استعاره، و کذلک أبواب کلّ ضارب فی عمره، و استعار لفظ الأبواب لهم باعتبار أنّ کلّ من دخل فی غمره جهاله أو شبهه یثیر بها فتنه، و استعان بهم فتحوا له ذلک الباب و ساعدوه و حسّنوا له رأیه فکأنّهم بذلک أبواب له إلى مراده الباطل یدخل منها.

و قوله: قد ما روا فی الحیره. أى تردّدوا فی أمرهم فهم حائرون لا یعرفون جهه الحقّ فیقصدونه، و ذهلوا:أى غابت أذهانهم فی سکره الجهل فهم على سنّه من آل فرعون و طریقته، و إنّما نکّر السنّه لأنّه یرید بها مشابهتهم فی بعض طرائقهم، و آل فرعون أتباعه.

و قوله: من منقطع إلى الدنیا. إلى آخره. تفصیل لهم باعتبار کونهم على سنّه من آل فرعون فمنهم المنقطع إلى الدنیا المنهمک فی لذّاتها المکبّ على تحصیلها، و منهم المفارق للدین المباین له و إن لم یکن له دنیا، و المنفصله مانعه الخلوّ بالنسبه إلى المشار إلیهم، و یحتمل أن یرید مانعه الجمع، و یشیر بمفارق الدین إلى من لیس براکن إلى الدنیا ککثیر ممّن یدعى الزهد مع کونه جاهلا بالطریق فتراه ینفر من الدنیا و یحسب أنّه على شی‏ء مع أنّ جهله بکیفیّه سلوک سبیل اللّه یقوده یمینا و شمالا عنها. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۲۱۳

 

بازدیدها: ۳

خطبه ۱۴۸ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام قبل موته

أَیُّهَا النَّاسُ- کُلُّ امْرِئٍ لَاقٍ مَا یَفِرُّ مِنْهُ فِی فِرَارِهِ- الْأَجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ وَ الْهَرَبُ مِنْهُ مُوَافَاتُهُ- کَمْ أَطْرَدْتُ الْأَیَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَکْنُونِ هَذَا الْأَمْرِ- فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا إِخْفَاءَهُ هَیْهَاتَ عِلْمٌ مَخْزُونٌ- أَمَّا وَصِیَّتِی فَاللَّهَ لَا تُشْرِکُوا بِهِ شَیْئاً- وَ مُحَمَّداً ص فَلَا تُضَیِّعُوا سُنَّتَهُ- أَقِیمُوا هَذَیْنِ الْعَمُودَیْنِ- وَ أَوْقِدُوا هَذَیْنِ الْمِصْبَاحَیْنِ- وَ خَلَاکُمْ ذَمٌّ مَا لَمْ تَشْرُدُوا- حُمِّلَ کُلُّ امْرِئٍ مِنْکُمْ مَجْهُودَهُ- وَ خُفِّفَ عَنِ الْجَهَلَهِ- رَبٌّ رَحِیمٌ وَ دِینٌ قَوِیمٌ وَ إِمَامٌ عَلِیمٌ- أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُکُمْ- وَ أَنَا الْیَوْمَ عِبْرَهٌ لَکُمْ وَ غَداً مُفَارِقُکُمْ- غَفَرَ اللَّهُ لِی وَ لَکُمْ- إِنْ تَثْبُتِ الْوَطْأَهُ فِی هَذِهِ الْمَزَلَّهِ فَذَاکَ- وَ إِنْ تَدْحَضِ الْقَدَمُ فَإِنَّا کُنَّا فِی أَفْیَاءِ أَغْصَانٍ- وَ مَهَبِّ رِیَاحٍ وَ تَحْتَ ظِلِّ غَمَامٍ- اضْمَحَلَّ فِی الْجَوِّ مُتَلَفَّقُهَا وَ عَفَا فِی الْأَرْضِ مَخَطُّهَا- وَ إِنَّمَا کُنْتُ جَاراً جَاوَرَکُمْ بَدَنِی أَیَّاماً- وَ سَتُعْقَبُونَ مِنِّی جُثَّهً خَلَاءً- سَاکِنَهً بَعْدَ حَرَاکٍ وَ صَامِتَهً بَعْدَ نُطُوقٍ- لِیَعِظْکُمْ هُدُوِّی وَ خُفُوتُ إِطْرَاقِی وَ سُکُونُ أَطْرَافِی- فَإِنَّهُ أَوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِینَ مِنَ الْمَنْطِقِ الْبَلِیغِ- وَ الْقَوْلِ الْمَسْمُوعِ- وَدَاعِی لَکُمْ وَدَاعُ امْرِئٍ مُرْصِدٍ لِلتَّلَاقِی- غَداً تَرَوْنَ أَیَّامِی وَ یُکْشَفُ لَکُمْ عَنْ سَرَائِرِی- وَ تَعْرِفُونَنِی بَعْدَ خُلُوِّ مَکَانِی وَ قِیَامِ غَیْرِی مَقَامِی

اللغه

أقول: أطردت الأیّام: صیّرتها طریده لی. و شرد الجمل: ذهب لوجهه. و دحضت القدم: زلفت. و اضمحلّ: فنى. و المخطّ: الأثر.

و هذا الفصل محلّ الوعظ و الاعتبار.
فأیّه بالناس و نبّههم على لحوق ضروره الموت المنفور منه طبعا. و أحسن بقوله: فی فراره. فإنّه لمّا کان الإنسان دائما فارّا من الموت و متوقیّا له، و کان لابدّ منه. لا جرم کان ضرورىّ اللقاء له فی فراره.

و الأجل قد یراد به غایه الحیاه الدنیا کما قال تعالى «فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا یَسْتَأْخِرُونَ»«» و قد یراد به المدّه المضروبه للإنسان و هى مدّه عمره، و إیّاه عنى هاهنا بقوله:

و الأجل مساق النفس فإنّ مدّه بقائها فی هذا البدن هو مساقها إلى غایتها لا محلّ قرارها. و قوله: و الهرب منه موافاته. فی غایه اللطف، و ذلک أنّ الفارّ من الموت مثلا بالحرکات و العلاجات و نحوها یستلزم حرکاته فی ذلک فناء الأوقات و تصرّمها و قطع تلک الأوقات مستلزم لملاقاته و موافاته فأطلق لفظ الموافاه على الهرب مجازا إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه. و قوله: کم أطردت الأیّام. أى صیّرتها طریده لی أتّبع بعضها بعضا بالبحث و تعرّف مکنون هذا الأمر: أى الّذى وقع له من القتل، و ذلک المکنون هو وقته المعیّن بالتفصیل و مکانه فإنّ ذلک ممّا استأثر اللّه تعالى بعلمه کقوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَهِ» و قوله «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَهِ وَ یُنَزِّلُ»«» و إن کان قد أخبره الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بکیفیّه قتله مجملا کما روى عنه أنّه قال: ستضرب على هذه- و أشار إلى هامّته- فیخضب منها هذه- و أشار إلى لحیته- . و عنه أنّه قال: أتعلم من أشقى الأوّلین قال: نعم عاقر الناقه. فقال له: أتعلم من أشقى الآخرین قال: لا. قال: من یضربک هاهنا فیخضب هذه. و أمّا بحثه هو فعن تفصیل الوقت و المکان و نحوهما من القرائن المشخّصه، و ذلک البحث إمّا بالسؤال من الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مدّه حیاته و کتمانه إیّاه أو بالفحص و التفرّس من قرائن أحواله فی سائر أوقاته مع الناس.

فأبى اللّه إلّا أن تخفى عنه تلک الحال. هیهات: أى بعد ذلک العلم فهو علم مخزون. ثمّ شرع فی الوصیّه فبدء بالأهمّ فالأهمّ فالأوّل: هو الإخلاص للّه بالإعراض عن کلّ ما سواه، و فی ذلک لزوم أوامره و نواهیه و سائر ما نطق به کتابه العزیز. الثانی: لزوم سنّه محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و عدم إهمالها. و إنّما قدّم اسم اللّه على محمّد لما بیّنا أنّ الواجب فی علم البیان تقدیم الأهمّ. ثمّ أکّد القول فی الأمر باتّباع التوحید المطلق و السنّه النبویّه، و استعار لهما لفظ العمودین و رشّح بذکر الإقامه، و لفظ المصباحین و رشّح بذکر الإیقاد، و وجه الاستعاره الاولى أنّ مدار الإسلام و نظام امور المسلمین فی معاشهم و معادهم على توحید اللّه و لزوم ما جاء به رسوله کما أنّ مدار الخیمه و قیامها بالعمد، و وجه الثانیه: أنّ توحید اللّه و الاقتداء بما جاء به رسوله مستلزمان للهدایه فی طریقه من ظلمات الجهل قائدان إلى جواره فی جنّات النعیم و هو المطلوب الحقیقیّ کما یهدى المصباح فی الظلام على الطریق إلى المطلوب. و قوله: و خلاکم ذمّ. أی عداکم، و هى کلمه تجری مجرى المثل: أی عند لزومکم لتوحید اللّه و سنّه رسوله لا ذمّ علیکم، و أوّل من قالها قصیر مولى جذیمه حین حثّ عمرو بن عدیّ ابن اخت جذیمه على ثاره من الزباء. فقال له عمرو: کیف لی بذلک و الزباء أمنع من عقاب الجوّ. فقال له قصیر: اطلب الأمر و خلاک ذمّ. و قوله: ما لم تشردوا. استثناء من نفى لحوق الذمّ لهم: أى أوقدوا هذین المصباحین فما دمتم کذلک فلا ذمّ یلحقکم إلّا أن تشردوا: أی تنفرّقوا عمّا أنتم علیه.

ثمّ لمّا کان قد أمرهم بلزوم هذین الأمرین اللذین یدور علیهما التکلیف بیّن لهم بقوله: حمل کلّ امری‏ء منکم. إلى قوله: الجهله. أنّ التکلیف بذلک یتفاوت فکلّ امرء من العلماء و أهل النباهه و من هو بصدد العلم یحمل مجهوده و طاقته منه بالتنبیه على الأدلّه و تعلیمها، و أمّا الجهّال کالنساء و أهل البادیه و الزنج و نحوهم من أهل الغباوه فتکلیفهم دون ذلک و هو بالمحسوس من العبادات دون الأمر بالتفکّر فی مقاصدها. ثمّ ذکر وصف الرحمه للربّ لمناسبه ما سبق من ذکر التخفیف عن الجهله فی التکلیف. و دین قویم: لا عوج فیه و لا زیغ عن القصد الحقیقیّ. و إمام علیم: إشاره إلى الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم العالم بکیفیّه سلوک طریق اللّه و مراحلها و منازلها، و الهادى فیها بما یقتضیه حکمته من القول و العمل، أو إلى نفسه لکونه وارث علمه و سالک مسالکه. و ربّ: خبر مبتدأ محذوف و تقدیره و ذلک المکلّف ربّ رحیم، و یجوز أن یکون فاعلا لفعل یفسّره قوله: حمل و خفّف: أی یحملکم ربّ کقوله تعالى «یُسَبِّحُ لَهُ فِیها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ.

لِلرِّجالِ»«» ثمّ ختم الوصیّه بالدعاء لهم و له و بطلب المغفره. ثمّ تمّم بالتنبیه لهم على وجه الاعتبار به، و هو تصرّف حالاته بحسب الأزمان فقد کان بالأمس صاحبهم فی الحرب و منازعه الأقران و صاحب الأمر و النهی فیهم، و الیوم عبره لهم بحال مصرعه و ضعفه عن الحراک، و غدا مفارقهم بالموت. و کلّ هذه التغییرات محلّ الاعتبار یجب التنبیه لها. و أراد بغد إمّا حقیقه إن کان قد غلب على ظنّه موته فی تلک الواقعه، أو ما یستقبل من الزمان و إن بعد، و هذا أرجح لقوله: إن ثبتت الوطأه فی هذه المزلّه: أی إن یکن لی ثبات فی الدنیا و بقاء فی هذه المزلّه: أی محلّ الزوال عن الحیاه فذاک المرجوّ، و کنّى بثبات الوطأه عمّا ذکرناه، و بدحض القدم عن عدم ذلک بالموت.

و قوله فی جواب الشرط: فإنّا کنّا فی أفیاء أغصان. إلى قوله: مخطّها. أی و إن نمت فإنّا کنّا فی کذا. و کنّى بالامور المذکوره عن أحوال الدنیا و ملذّاتها و بقائه فیها و متاعه بها، و قیل: استعار لفظ الأغصان للأرکان الأربعه من العناصر، و لفظ الأفیاء لما تستریح فیه النفوس من ترکیبها فی هذا العالم، و وجه الاستعاره الاولى: أنّ الأرکان فی مادّتها کالأغصان للشجره، و وجه الثانیه: أنّ الأفیاء محلّ الاستراحه و اللذه کما أنّ الکون فی هذا البدن حین صحّه الترکیب و اعتدال المزاج من هذه الأرکان کذلک. و کذلک استعار لفظ مهابّ الریاح للأبدان، و لفظ الریاح للأرواح و النفحات الإلهیّه علیها فی هذه الأبدان، و وجه الاولى: قبول الأبدان لنفحات الجود کقبول مهابّ الریاح لها استعاره لفظ المحسوس للمعقول، و وجه الثانیه: أظهر من أن یذکر. و کذلک لفظ الغمام للأسباب العلویّه من الحرکات السماویّه و الاتّصالات الکوکبیّه و الأرزاق المفاضه على الإنسان فی هذا العالم الّتی هی سبب بقائها، و وجهها الاشتراک فی الإفاضه و السببیّته، و کنّى بظلّها عمّا یستراح إلیه منها کما یقال: فلان یعیش فی ظلّ فلان: أی فی عیشه و عنایته، و کنّى باضمحلال متلفّقها فی الجوّ عن تفرّق الأسباب العلویّه للبقاء و فنائها، و بعفاء مخطّها فی الأرض عن فناء آثارها فی الأبدان، و الضمیر فی متلفّقها یعود إلى الغمام، و فی مخطّها یعود إلى مهابّ الریاح.

و قوله: فإنّما کنت جارا جاورکم بدنی أیّاما. فیه تنبیه على أنّ نفسه القدسیّه کانت متّصله بالملأ الأعلى، و لم یکن لها میل إلى البقاء فی الدنیا و مجاوره أهلها فیها فکانت مجاورته لهم ببدنه فقط، و أیضا فإنّ المجاوره من عوارض الجسمیّه فیحتمل أن یکون ذلک تنبیها منه على وجود أمر آخر غیر البدن و هو النفس، و کنّى بالأیّام عن مدّه حیاته الدنیا. و قوله: و ستعقبون. أی توجدون فی عاقبه أمرکم منّى جثّه خالیه لا روح بها و لا حراک قد افقرت من تلک المعانی المعهوده لکم من العقل و النطق و القوّه فهی متبدّله بالحراک السکون، و بالنطق السکوت. ثمّ عاد إلى أمرهم بالاتّعاظ بذلک الهدوء و خفوت الأطراق و سکون الأطراف بالموت. و قوله: فإنّه أوعظ للمعتبرین من المنطیق البلیغ. صاحب اللسن و الفصاحه.
کلام حقّ فإنّ الطباع أکثر انفعالا و اعتبارا عن مشاهده ما فیه العبره من الوصف له بالقول المسموع، و لو بأبلغ عباره. ثمّ أخذ علیه السّلام فی تودیعهم.

فقوله: و داعیکم. إنشاء لاخبر. و قوله: وداع امرء مرصد للتلاقی. أى معدّ و مهیّأ للقاء اللّه. و قوله: غدا ترون أیّامی. إلى آخره. تذکیر لهم بفضیلته و تنبیه علیها لیثبت متّبعوه على اتّباعه، و الغافلون عن فضله و محلّه بینهم إذا فارقهم و ولّى أمرهم الظالمون بعده فلابدّ أن ینکشف لهم ما کان مغطّى عن أعین بصائرهم من لزومه للقصد فی سبیل اللّه، و یعرفون منزلته و فضله حین مشاهده المنکرات ممّن یقوم مقامه خلفا فی الناس. و إنّ وقائعه و حروبه‏ و حرصه على هذا الأمر لم یکن لنیل دنیا بل لإقامه سنن العدل و رضا اللّه تعالى.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۲۰۸

 

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۴۷ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام فی ذکر أهل البصره

کُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا یَرْجُو الْأَمْرَ لَهُ- وَ یَعْطِفُهُ عَلَیْهِ دُونَ صَاحِبِهِ- لَا یَمُتَّانِ إِلَى اللَّهِ بِحَبْلٍ- وَ لَا یَمُدَّانِ إِلَیْهِ بِسَبَبٍ- کُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَامِلُ ضَبٍّ لِصَاحِبِهِ- وَ عَمَّا قَلِیلٍ یُکْشَفُ قِنَاعُهُ بِهِ- وَ اللَّهِ لَئِنْ أَصَابُوا الَّذِی یُرِیدُونَ- لَیَنْتَزِعَنَّ هَذَا نَفْسَ هَذَا- وَ لَیَأْتِیَنَّ هَذَا عَلَى هَذَا- قَدْ قَامَتِ الْفِئَهُ الْبَاغِیَهُ فَأَیْنَ الْمُحْتَسِبُونَ- فَقَدْ سُنَّتْ لَهُمُ السُّنَنُ وَ قُدِّمَ لَهُمُ الْخَبَرُ- وَ لِکُلِّ ضَلَّهٍ عِلَّهٌ وَ لِکُلِّ نَاکِثٍ شُبْهَهٌ- وَ اللَّهِ لَا أَکُونُ کَمُسْتَمِعِ اللَّدْمِ- یَسْمَعُ النَّاعِیَ وَ یَحْضُرُ الْبَاکِیَ

اللغه

أقول: متّ إلیه بکذا: أى تقرّب إلیه به. و الضبّ: الحقد و الغلّ. و المحتسبون: طالبون الأجر و الثواب. و اللدم: ضرب الصدر بالید فعل الحزین،

المعنى

و الضمیر فی منهما راجع إلى طلحه و الزبیر، و الأمر: أمر الخلافه، و ذلک حین خرجا إلى البصره مع عائشه، و یعطفه إلیه: یجذبه إلى نفسه و یزعم أنّه أحقّ به من صاحبه. و قوله: لا یمتّان. إلى قوله: بسبب. أى لا حجّه یعتذران إلى اللّه تعالى بها فی قتالهما له علیه السّلام و هلاک المسلمین فیما بینهم.

و قوله: کلّ واحد منهما حامل ضبّ لصاحبه. أى فی صدره غلّ علیه و عمّا قلیل یظهر و ینکشف، و استعار لفظ القناع لظاهره الساتر لباطنه، و ذلک مثل یضرب لمن ینافق صاحبه و یظهر له الصداقه مع حسده و عقوقه له فی الباطن. و العرب تضرب بالضبّ المثل فی العقوق. فیقال: أعقّ من ضبّ. و ذلک أنّه ربّما یأکل حسوله. ثمّ أقسم لئن أصابوا بغیتهم لینزعنّ هذا و لیأتینّ علیه: أى یسعى کلّ منهم فی قتل صاحبه، و هذا ممّا لا شکّ فیه فإنّ العاده جاریه بعدم قیام الأمر برئیسین معا، و سرّه أنّ الطباع البشریّه متشاحّه على الکمال و یتفاوت ذلک التشاحّ بحسب تفاوت ذلک الکمال فی تصوّر قوّته و ضعفه و لا شی‏ء فی نفوس طالبى الدنیا أعظم من الملک خصوصا فی نفس من یعتقد أنّه یقدر على تحصیل الآخره فیه أیضا فإنّ تحصیل الدنیا و الآخره هی أکمل الکمالات المطلوبه للإنسان. و لا شی‏ء یقاوم هذا المطلوب فی النفوس. فهی تسعى فی تحصیله بکلّ ممکن من قتل الولد و الوالد و الأخ. و لذلک قیل: الملک عقیم. و قد نقل عن هذین الرجلین الاختلاف قبل إصابتهما و قبل وقوع الحرب فاختلفا فی الأحقّ بالتقدیم فی الصلاه فأقامت عایشه محمّد بن طلحه و عبد اللّه بن الزبیر یصلّى هذا یوما و هذا یوما إلى أن ینقضی الحرب. ثمّ إنّ عبد اللّه بن الزبیر ادّعى أنّ عثمان نصّ علیه بالخلافه یوم الدار و احتجّ على ذلک باستخلافه له فی الصلاه، و احتجّ تاره بنصّ صریح ادّعاه. و طلب طلحه أن یسلّم الناس علیه بالإمره و أدلى إلیها بالسمیّه، و أدلى الزبیر بأختها أسماء. فأمرت الناس أن یسلّموا علیهما بالإمره، و اختلفا فی تولّى القتال فطلبه کلّ واحد منهما أوّلا ثمّ نکل عنه. و أحوالهم فی ذلک ظاهره. فقوله: قد قامت الفئه الباغیه. إشاره إلیهم و هم الناکثون الّذین نقل فیما سبق فیهم الخبر: امرت أن اقاتل الناکثین و القاسطین و المارقین.

و قوله: فأین المحتسبون و قد سنّت لهم السنن.

أى أین طالبو الثواب من اللّه بعد وضوح الطریق، و روى: فأین المحسنون. و قوله: و قدّم لهم الخبر. أى أخبرهم الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عن خروج فئه باغیه و ناکثه و مارقه. فبالحریّ أن یحذر هؤلاء أن یکونوا ممّن أخبر عنهم. و قوله: و لکلّ ضلّه علّه. أى لکلّ خروج عن سبیل اللّه علّه. و أشار إلى خروج هذه الفرقه عن الدین.
و تلک العلّه هی البغى و الحسد، و کذلک لکلّ ناکث شبهه تغطّى عین بصیرته عن النظر إلى وجه الحقّ کطلبهم بدم عثمان. و قوله: و اللّه لا أکون. إلى آخره. أقسم أنّه لا یکون کذلک: أى إنّه بعد سماعه لغلبه هؤلاء و جلبهم علیه و تهدیدهم إیّاه لا ینام عنهم و یصبر لهم حتّى یوافوه فیکون فی الغرور کمن یسمع الضرب و البکاء الّذی هو مظنّه الخطر ثمّ لا یصدّق حتّى یجی‏ء لمشاهده الحال و یحضر الباکی و قد کان الأولى به أن یکتفى بذلک السماع لظهور دلالته و یأخذ فی الاستعداد للعدوّ و الحرب منه.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۲۰۵

 

بازدیدها: ۱۱

خطبه ۱۴۶ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً ص بِالْحَقِّ- لِیُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَهِ الْأَوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ- وَ مِنْ طَاعَهِ الشَّیْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ- بِقُرْآنٍ قَدْ بَیَّنَهُ‏ وَ أَحْکَمَهُ- لِیَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ- وَ لِیُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ- وَ لِیُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْکَرُوهُ- فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِی کِتَابِهِ- مِنْ غَیْرِ أَنْ یَکُونُوا رَأَوْهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ- وَ خَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ- وَ کَیْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلَاتِ- وَ احْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ وَ إِنَّهُ سَیَأْتِی عَلَیْکُمْ مِنْ بَعْدِی زَمَانٌ- لَیْسَ فِیهِ شَیْ‏ءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ- وَ لَا أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ- وَ لَا أَکْثَرَ مِنَ الْکَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ- وَ لَیْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِکَ الزَّمَانِ سِلْعَهٌ أَبْوَرَ مِنَ الْکِتَابِ- إِذَا تُلِیَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ- وَ لَا أَنْفَقَ مِنْهُ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ- وَ لَا فِی الْبِلَادِ شَیْ‏ءٌ أَنْکَرَ مِنَ الْمَعْرُوفِ- وَ لَا أَعْرَفَ مِنَ الْمُنْکَرِ- فَقَدْ نَبَذَ الْکِتَابَ حَمَلَتُهُ وَ تَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ- فَالْکِتَابُ یَوْمَئِذٍ وَ أَهْلُهُ طَرِیدَانِ مَنْفِیَّانِ- وَ صَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِی طَرِیقٍ وَاحِدٍ لَا یُؤْوِیهِمَا مُؤْوٍ- فَالْکِتَابُ وَ أَهْلُهُ فِی ذَلِکَ الزَّمَانِ فِی النَّاسِ وَ لَیْسَا فِیهِمْ- وَ مَعَهُمْ وَ لَیْسَا مَعَهُمْ- لِأَنَّ الضَّلَالَهَ لَا تُوَافِقُ الْهُدَى وَ إِنِ اجْتَمَعَا- فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَهِ- وَ افْتَرَقُوا عَنِ الْجَمَاعَهِ کَأَنَّهُمْ أَئِمَّهُ الْکِتَابِ- وَ لَیْسَ الْکِتَابُ إِمَامَهُمْ- فَلَمْ یَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلَّا اسْمُهُ- وَ لَا یَعْرِفُونَ إِلَّا خَطَّهُ وَ زَبْرَهُ- وَ مِنْ قَبْلُ مَا مَثَّلُوا بِالصَّالِحِینَ کُلَّ مُثْلَهٍ- وَ سَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى اللَّهِ فِرْیَهً وَ جَعَلُوا فِی الْحَسَنَهِ عُقُوبَهَ السَّیِّئَهِ- وَ إِنَّمَا هَلَکَ مَنْ کَانَ قَبْلَکُمْ بِطُولِ آمَالِهِمْ وَ تَغَیُّبِ آجَالِهِمْ- حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ الْمَوْعُودُ الَّذِی تُرَدُّ عَنْهُ الْمَعْذِرَهُ- وَ تُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَهُ وَ تَحُلُّ مَعَهُ الْقَارِعَهُ وَ النِّقْمَهُ أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ مَنِ اسْتَنْصَحَ اللَّهَ وُفِّقَ- وَ مَنِ اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِیلًا هُدِیَ لِلَّتِی هِیَ أَقُومُ- فَإِنَّ جَارَ اللَّهِ آمِنٌ وَ عَدُوَّهُ خَائِفٌ- وَ إِنَّهُ لَا یَنْبَغِی لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَهَ اللَّهِ أَنْ یَتَعَظَّمَ- فَإِنَّ رِفْعَهَ الَّذِینَ یَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أَنْ یَتَوَاضَعُوا لَهُ- وَ سَلَامَهَ الَّذِینَ یَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَنْ یَسْتَسْلِمُوا لَهُ- فَلَا تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ الصَّحِیحِ مِنَ الْأَجْرَبِ- وَ الْبَارِئِ مِنْ ذِی السَّقَمِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّکُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ- حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِی تَرَکَهُ- وَ لَنْ تَأْخُذُوا بِمِیثَاقِ الْکِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِی نَقَضَهُ- وَ لَنْ تَمَسَّکُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِی نَبَذَهُ- فَالْتَمِسُوا ذَلِکَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ- فَإِنَّهُمْ عَیْشُ الْعِلْمِ وَ مَوْتُ الْجَهْلِ- هُمُ الَّذِینَ یُخْبِرُکُمْ حُکْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ- وَ صَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ- لَا یُخَالِفُونَ الدِّینَ وَ لَا یَخْتَلِفُونَ فِیهِ- فَهُوَ بَیْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ

اللغه

أقول: الأوثان: الأصنام. و زبره: کتبه. و مثّلوا: بفتح المیم و الثاء: أى نکّلوا.
و الاسم المثله بضمّ المیم و سکون الثاء. و القارعه: الشدیده من شدائد الدهر.

و مدار هذا الفصل على بیان بعثه الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و بیان غایه البعثه
و السبب المعدّ للوصول إلى تلک الغایه، ثمّ بیان غایه تلک الغایه. و الإشاره إلى البعثه بقوله:

فبعث. إلى قوله: بالحقّ، و أشار إلى غایتها بقوله: لیخرج إلى قوله: طاعته. و قد علمت أنّ طاعته بسلوک الصراط المستقیم فی الدنیا و هو اتّباع الدین القیّم، و العدول عن طاعه الشیطان الّتی هی بالخروج إلى أحد طرفی الإفراط و التفریط. فأشار إلى سبب تلک الغایه بقوله: بقرآن قد بیّنه و أحکمه. و قد علمت اشتمال القرآن الکریم على الجواذب الإلهیّه إلى طاعه اللّه، و سلوک صراطه المستقیم، و أشار إلى غایه تلک الغایه أعنى غایه طاعه اللّه بقوله: لیعلم العباد. إلى قوله: أنکروه. و هی مسئلتان من امّهات العلم الإلهىّ: الُاولى: معرفتهم له بعد جهلهم به. و الثانیه: الإقرار به بعد جحدهم له و إثباتهم له بعد إنکارهم إیّاه. و المعنى واحد و إن اختلفت العبارتان و هو التصدیق بودّه إلّا أن یحمل الإقرار على الإقرار باللسان و الجحد به، و یحمل الإثبات و الإنکار على إثباته بالقلب بعد الإنکار به و حینئذ یتغایر المعنیان، و أشار بتجلّیه- سبحانه- فی کتابه إلى ظهوره لهم فی تذکیرهم فیه بما أراهم من عجائب مصنوعاته، و بما خوّفهم به من وعیده، و بتذکیرهم أنّه کیف محق من محق من القرون الماضیه بالعقوبات و احتصد من احتصد منهم بالنقمات. کلّ ذلک الظهور و الجلاء من غیر رؤیه له. إذ تعالى عن إدراک الحواسّ. و قال بعض الفضلاء: یحتمل أن یرید بتجلّیه فی کتابه ظهوره فی عجائب مصنوعاته و مکنوناته، و یکون لفظ الکتاب استعاره فی العلم، و وجه المشابهه کونه محلّا قابلا لآثار الصنع المختلفه و عجائب الصور المنقوشه فیه کما أنّ الکتاب محلّ لنقش الحروف کلّ ذلک من غیر رؤیه بحاسّه البصر له لتعالیه و تقدّسه عن ذلک.

و قوله: سیأتى. إلى قوله: المنکر. إخبار عن زمان یأتی بعده بالصفات المذکوره، و قد رأیناه و رأته قرون قبلنا فإنّ خفاء الحقّ و ظهور الباطل علیه أمر ظاهر، و کون الحقّ لا شی‏ء أخفى منه و الباطل لا شی‏ء أظهر على سبیل المبالغه، و کذلک لا أکثر من الکذب على اللّه و على رسوله. روى عن شعبه و کان إمام المحدّثین أنّه قال: تسعه أعشار الحدیث کذب.

و عن الدارقطنى. ما الحدیث الصحیح إلّا کالشعره البیضاء فی الثور الأسود. و قوله: و لیس عند أهل. إلى آخره. قد مرّ تفسیره فی الفصل الّذی یذمّ من یتصدّى للحکم بین الامّه و لیس له بأهل، و نبذ حمله الکتاب له: إعراض قرّائه عن تدبّر ما فیه و العمل به، و تناسى حفظته أیضا: تعامیهم عن أمره و نواهیه و تغافلهم عن اتّباعها. و قوله: فالکتاب. إلى قوله: و إن اجتمعا. فأهل الکتاب الملازمون للعمل به. و حیث کان أهل ذلک الزمان المشار إلیه غیر ملتفتین إلى الکتاب کانوا أیضا غیر ملتفتین إلى أهله و من یعمل به بل مؤذون لهم فیما یخالفونهم فیه ممّا یقتضیه أحکام الکتاب و یوجبه اتّباعه فکان إعراضهم عنهم إبعادا لهم و نفیا و طردا، و الطریق الّذی اصطحب فیه الکتاب و أهله هو طریق اللّه الواحد. و صدق إذن أنّه لا یؤویهما مؤو من أهل ذلک الزمان. اللّهم إلّا إذا وافقتا غرضه لکن ذلک لیس للکتاب و للعامل به بل لموافقتهما الغرض. و کونهما فی الناس: أى بوجودهما، و کونهما لیسا فیهم لعدم اتّباعهما و إلغاء فائدتهما فأشبها ما لیس بموجود، و لأنّ فایده الموجود أن ینتفع به.

و کذلک معهم بالمصاحبه الاتّفاقیّه فی الوجود، و لیسا معهم لأنّ ضلالتهم لا تجامع هدى الکتاب و أهله فکانا مضادّین لهم و إن اجتمعا فی الوجود. و قوله: فاجتمع القوم على الفرقه. أى اتّفقوا على مفارقه الاجتماع و ما علیه الجماعه أمّا فی وقته علیه السّلام فکالخوارج و البغاه، و أمّا فیما یستقبل من الزمان بعده فکالآخذین بالآراء و المذاهب المتفرّقه المحدثه فی الدین. و الاجتماع على الفرقه یلازم الافتراق عن الجماعه. و قوله: کأنّهم أئمّه الکتاب. تشبیه لهم بالأئمّه له فی الجرأه على مخالفه ظواهره و الاختلاف فیه و تفریعه على حسب أغراضهم. إذ شأن الإمام مع المأموم ذلک مع أنّه إمامهم الّذی یجب أن یتّبعوه و یقتفوا أثره، و إذ خالفوه و نبذوه وراء ظهورهم فلم یبق معهم من تمسّکهم‏ به إلّا اسمه و علم خطّه و زبره دون اتّباع مقاصده. و قوله: و من قبل ما مثّلوا بالصالحین. إشاره إلى زمن بنى امیّه الکائن قبل زمن من یخبر عنهم. و تمثیل بنى امیّه بالصالحین من الصحابه و التابعین و حملهم لهم على المکروه، و نسبتهم لهم إلى الکذب على اللّه، و جعلهم لهم فی الحسنه عقوبه السیّئه ظاهر منهم. و وصفه لمن سیأتى فی ذلک الزمان بالأوصاف المذکوره لا ینافی وصف من قبلهم من بنى أمیّه بمثل تلک الأوصاف.

و- ما- مع الفعل فی حکم المصدر و محلّها الرفع بالابتداء و خبرها- من قبل- . و قوله: و إنّما هلک. إلى آخره. تنبیه على وجوب تقصیر الآمال فی الدنیا لاستلزام طلبها الهلاک الاخروىّ، و أشار إلى القرون الماضیه من قبل، و أراد الهلاک الاخروىّ، و جعل سبب هلاکهم طول آمالهم فی الدنیا الموجب للاستغراق فی لذّاتها المبعّده عن اللّه تعالى مع تغیّب آجالهم عنهم: أى غفلتهم عنها، و قلّه فکرهم فیها و عدم علمهم بتعیینها فإنّ استشعار الأجل موجب للإقلاع عن الانهماک فی اللذّات الحاضره، و منغّص لها. و قوله: حتّى نزل بهم الموعود. إلى آخره. ذکر غایه طول آمالهم. و الموعود هو الموت، و تردّ عنه المعذره: أى لا تقبل فیه معذره معتذر، و ترفع عنه التوبه: أى ینسدّ بابها حین نزوله کقوله تعالى «وَ لَیْسَتِ التَّوْبَهُ لِلَّذِینَ یَعْمَلُونَ السَّیِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّی تُبْتُ الْآنَ وَ لَا الَّذِینَ»«» الآیه، و تحلّ معه القارعه: أى تنزل بمن نزل به الشدائد و الأهوال و تتبعها العقوبات الاخرویّه. ثمّ عاد إلى الرأى الصالح للسامعین فأیّه بهم و نبّههم على وجوب استنصاحه: أى اتّخاذه ناصحا فی قبول أوامره و نواهیه و اتّخاذ قوله دلیلا إلى المطالب المهمّه فإنّ استنصاحه یستلزم التوفیق، و اتّخاذه دلیلا یستلزم الهدى للّتى هى أقوم: أى للطریق الّتی هی أقوم الطرق. ثمّ نبّه على حسن جوار اللّه بالأمن الّذی هو غایه الجوار، و على قبح عداوته بذکر الخوف الّذى‏ هو غایه عداوه الملوک خصوصا جبّار الجبابره و ملک الدنیا و الآخره، و أراد بجواره القرب منه بالطاعه، و بعداوته البعد عنه بالمعصیه و مخالفه أوامره.

و لا شکّ فی کون الأوّل أمنا من أهوال الآخره و فی کون الثانی فی محلّ الخوف و الخطر. و قوله: و إنّه لا ینبغی لمن عرف إلى آخره. إرشاد لهم إلى التواضع للّه و لمن ارشد إلى طریقه، و نهى عن التکبّر علیهم، و النفار عن قبول الحقّ منهم. و خاطب من یعرف عظمه اللّه لاحتقاره نفسه عند ملاحظته لنفسه و نسبته لها إلى جلال اللّه فهو أسرع انفعالا و أحقر فی نفسه أن یتکبّر على اللّه، و نبّه على حسن التواضع له بذکر عظمته و رفعه للعالمین بعظمته. فإنّه لمّا کان هو العظیم المطلق و کلّ عظمه و رفعه لعظیم فمستفاده من جوده و القرب منه، و کانت العاده جاریه من الملوک فی حقّ من یتواضع لهم و یوفّیهم حقّهم من الإجلال و الإکرام و حسن الانقیاد أن یرفعوه و یعظّموه فبالحرّى أن یکون رفعه المتواضع للملک المطلق و العظیم المطلق لازمه عن التواضع له، و کذلک العاده جاریه منهم بسلامه من استسلم لهم عن معرفته باقتدارهم فبالحرّى أن یکون سلامه المستسلم للّه عن العلم بغلبه قدرته و استیلاء سلطانه لازمه من استسلامه له. و إذ أدّبهم بالتواضع للّه و لأولیائه ندبهم إلى قبول الحقّ منهم و عدم النفار منه الشبیه بنفار الصحیح من الأجرب، و البارى‏ء من السقیم، و وجه الشبه هو شدّه النفار. ثمّ عاد إلى تنفیرهم عن أئمّه الضلال، و ذلک بتنبیههم على أنّهم لیسوا عارفین بالرشد و المعرفه الصحیحه، و لا آخذین بمیثاق الکتاب، و لا متمسّکین به الأخذ و التمسّک التامّ ما لم یعرفوا اولئک الضالّین.

و إنّما شرط معرفتهم للرشد بمعرفتهم لتارکه لأنّ المعرفه التامّه للرشد بل لکلّ شی‏ء تستدعى معرفه ما علیها من الشکوک و الشبهات الّتى هى سبب التشکیک فیها و ترک العمل على وفقها، و لمّا کان الرشد و هو الحقّ الّذی هو علیه و تابعوه، و کان التارک لذلک هم مخالفوه و خصومه فی الأمر من أئمّه الضلال لا جرم کان من تمام معرفه الحقّ الّذى فی یده و الرشد الّذى یدعو إلیه معرفه خصومه و أنّهم على شبهه إذا عرفها طالب الحقّ تمّت معرفته بطریق الرشد فسلکها و نفر عمّن نکب، و کذلک شرطه لأخذهم بمیثاق الکتاب و العمل بما فیه بمعرفتهم لمن نقضه من خصومه: أى إنّ أخذهم بما یعمل به علیه السّلام منه لا یتمّ منهم إلّا أن یعرفوا شبهه ناقضه و هو العامل بخلاف حکمه علیه السّلام على وفق الکتاب لشبهه حتّى إذا اطّلعوا على کیفیّه فسادها و ضلاله بها أخذوا بمیثاق الکتاب على بصیره، و علموا أنّه ناقض له فنفروا عنه، و کذلک شرطه لتمسّکهم بالکتاب و لزومهم بمیثاقه بمعرفه نابذه و أنّه ضالّ لتحصل النفره عنه فیتمّ التمسّک به و یتأکّد لزوم میثاقه. و غایه کلّ ذلک التنفیر عن أئمّه الضلال بمعرفتهم و معرفه ما هم علیه من الشبه و التبرّى منهم. ثمّ بعد أن نبّه على تلک المعرفه أمر بالتماسها من عند أهلها، و الإشاره بهم إلى نفسه و أهل بیته علیهم السّلام، و استعار لهم وصفى عیش العلم: أى حیاته، و موت الجهل. و وجه الاستعاره الاولى: أنّ بهم یکون وجود العلم و الانتفاع به کما یکون بحیاه الشی‏ء الانتفاع به، و وجه الثانیه: أنّ بهم یکون عدم الجهل و عدم التضرّر به کما یکون بموت الشریر عدمه و عدم مضرّته. و قوله: هم الّذین یخبرکم حکمهم عن علمهم. أى یدلّکم منطقهم بالحکمه، و سیرتهم على وفقها على کمال نفوسهم بالعلوم، و صمتهم عن منطقهم فإنّ لصمت المنطیق اللسن ذى الحکمه العزیزه وقتا و هیئه و حاله تکون قرائن دالّه على حسن منطقه و علمه بما یقول، و کذلک ظاهرهم عن باطنهم. و قوله: لا یخالفون الدین. إشاره إلى لزومهم لأوامر اللّه و طریق شریعته. و لا یختلفون فیه. إشاره إلى اتّفاق آرائهم على أحکامه عن کمال علومهم به. فإنّه لمّا کان طریقا واحدا و اتّفقوا على معرفته وجب أن لا یختلفوا فیه و لا یضلّ أحدهم عن حکم من أحکامه حتّى یخالف صاحبه فیه.. و قوله: فهو بینهم شاهد صادق. أى شاهد یستدلّون به على الأحکام و الوقایع النازله بهم و بغیرهم. لا یکذب‏ من حیث هو شاهد، و صامت ناطق لکونه حروفا و أصواتا. و إنّما ینطق بألسنتهم فهو بمنزله الناطق. و اللفظان استعاره، وجهها الإفاده مع النطق به و عدمها مع السکوت عنه کافاده الناطق و عدم إفاده الصامت.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۹۸

بازدیدها: ۱۵

خطبه ۱۴۵ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام لعمر بن الخطاب، و قد استشاره فی غزو الفرس بنفسه

إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ یَکُنْ نَصْرُهُ- وَ لَا خِذْلَانُهُ بِکَثْرَهٍ وَ لَا بِقِلَّهٍ- وَ هُوَ دِینُ اللَّهِ الَّذِی أَظْهَرَهُ- وَ جُنْدُهُ الَّذِی أَعَدَّهُ وَ أَمَدَّهُ- حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ وَ طَلَعَ حَیْثُ طَلَعَ- وَ نَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ اللَّهِ- وَ اللَّهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ وَ نَاصِرٌ جُنْدَهُ- وَ مَکَانُ الْقَیِّمِ بِالْأَمْرِ مَکَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ- یَجْمَعُهُ وَ یَضُمُّهُ- فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقَ الْخَرَزُ وَ ذَهَبَ- ثُمَّ لَمْ یَجْتَمِعْ بِحَذَافِیرِهِ أَبَداً- وَ الْعَرَبُ الْیَوْمَ وَ إِنْ کَانُوا قَلِیلًا- فَهُمْ کَثِیرُونَ بِالْإِسْلَامِ- عَزِیزُونَ بِالِاجْتِمَاعِ- فَکُنْ قُطْباً وَ اسْتَدِرِ الرَّحَى بِالْعَرَبِ- وَ أَصْلِهِمْ دُونَکَ نَارَ الْحَرْبِ- فَإِنَّکَ إِنْ شَخَصْتَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ- انْتَقَضَتْ عَلَیْکَ الْعَرَبُ مِنْ أَطْرَافِهَا وَ أَقْطَارِهَا- حَتَّى یَکُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَکَ مِنَ الْعَوْرَاتِ- أَهَمَّ إِلَیْکَ مِمَّا بَیْنَ یَدَیْکَ- إِنَّ الْأَعَاجِمَ إِنْ یَنْظُرُوا إِلَیْکَ غَداً یَقُولُوا- هَذَا أَصْلُ الْعَرَبِ فَإِذَا اقْتَطَعْتُمُوهُ اسْتَرَحْتُمْ- فَیَکُونُ ذَلِکَ أَشَدَّ لِکَلَبِهِمْ عَلَیْکَ وَ طَمَعِهِمْ فِیکَ- فَأَمَّا مَا ذَکَرْتَ مِنْ مَسِیرِ الْقَوْمِ إِلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِینَ- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ أَکْرَهُ لِمَسِیرِهِمْ مِنْکَ- وَ هُوَ أَقْدَرُ عَلَى تَغْیِیرِ مَا یَکْرَهُ- وَ أَمَّا مَا ذَکَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ- فَإِنَّا لَمْ نَکُنْ نُقَاتِلُ فِیمَا مَضَى بِالْکَثْرَهِ- وَ إِنَّمَا کُنَّا نُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ وَ الْمَعُونَهِ

المعنى

أقول: اختلف الناقلون لهذا الکلام فی الوقت الّذی قاله لعمر فیه.
فقیل: إنّه قاله فی غزاه القادسیّه. و هو المنقول عن المدائنى فی کتاب الفتوح. و قیل: فی غزاه نهاوند. و هو نقل محمّد بن جریر الطبرىّ. فأمّا وقعه القادسیّه فکانت سنه أربع عشره للهجره استشار عمر المسلمین فی خروجه فیها بنفسه فأشار علیه علىّ علیه السّلام بالرأى المسطور فأخذ عمر به و رجع عن عزم المسیر بنفسه، و أمّر سعد بن أبى وقّاص على المسلمین. و یروى فی تلک الواقعه أنّ رستم أمیر العسکر من قبل یزدجرد أقام بریدا من الرجال الواحد منهم إلى جانب الآخر من القادسیّه إلى المدائن کلّما تکلّم رستم بکلمه أدّاها بعضهم إلى بعض حتّى یصل إلى سمع یزدجرد، و قصص الواقعه مشهوره فی التواریخ، و أمّا وقعه نهاوند فإنّه لمّا أراد عمر أن یغزو العجم، و جیوش کسرى قد اجتمعت بنهاوند استشار أصحابه فأشار عثمان علیه بأن یخرج بنفسه بعد أن یکتب إلى جمیع المسلمین من أهل الشام و الیمن و الحرمین و الکوفه و البصره و یأمرهم بالخروج، و أشار علىّ علیه السّلام بالرأى المذکور: و قال: أمّا بعد و إنّ هذا الأمر لم یکن نصره و لا خذلانه. الفصل. فقال: عمر أجل هذا الرأى، و قد کنت احبّ أن اتابع علیه فأشیروا علىّ برجل اولّیه ذلک الثغر. فقالوا: أنت أفضل رأیا.
فقال: أشیروا علىّ به و اجعلوه عراقیّا. فقالوا: له أنت أعلم بأهل العراق و قد وفدوا علیک فرأیتهم و کلّمتهم. فقال: أما و اللّه لاولینّ أمرهم رجلا یکون غدا لأوّل الأسنّه. قیل: و من هو فقال: النعمان بن مقرن. قالوا: هولها. و کان نعمان یومئذ بالبصره فکتب إلیه عمر فولّاه أمر الجیش.

و لنرجع إلى المتن. فقوله: بحذافیره: أى بأسره. و قوله: إنّ هذا الأمر. إلى قوله: بالاجتماع: صدر الکلام أورده لیبتنى علیه الرأى فقرّر فیه أوّلا أنّ هذا الأمر: أى أمر الإسلام لیس نصره بکثره و لا خذلانه بقلّه، و نبّه على صدق هذه الدعوى بأنّه دین اللّه الّذی أظهره و جنوده، و هی جنده الّذی أعدّه و أمدّه بالملائکه و الناس حتّى بلغ هذا المبلغ، و طلع فی آفاق البلاد حیث طلع. ثمّ وعدنا بموعود و هو النصر و الغلبه و الاستخلاف فی الأرض کما قال «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا مِنْکُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَیَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِی الْأَرْضِ کَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِهِمْ»«» الآیه، و کلّ وعد من اللّه فهو منجّز لعدم الخلف فی خبره.

و قوله: و ناصر جنده. یجرى مجرى النتیجه. إذ من جمله وعده نصر جنده، و جنده هم المؤمنون. فالمؤمنون منصورون على کلّ حال سواء کانوا قلیلین أو کثیرین. ثمّ شبّه مکان القیّم بالأمر بمکان الخیط من العقد، و وجه التشبیه هو قوله: یجمعه و یضمّه. إلى قوله: أبدا.

و قوله: لم یجتمع بحذافیره أبدا. و ذلک أنّهم عند فساد نظامهم بقتل الإمام مثلا یقع بهم طمع العدوّ و ظفره فیکون ذلک سبب استیصالهم. ثمّ رفع عنه الشبهه فی عدم الحاجه إلى اجتماع کلّ العرب فی هذه الواقعه، و ذلک لکثرتهم بالإسلام و استقبال الدوله و عزّتهم باجتماع الرأى و اتّفاق القلوب الّذی هو خیر من کثره الأشخاص، و أراد بالکثره القوّه و الغلبه مجازا إطلاقا لاسم مظنّه الشی‏ء على الشی‏ء.

و قوله: فکن قطبا. شروع فی الرأى الخاصّ بعمر. فأشار علیه أن یجعل نفسه مرجعا للعرب تؤل إلیه، و تدور علیه، و استعار له لفظ القطب و لهم لفظ الرحا، و رشّح بالاستداره، و کنّى بذلک عن جعل العرب دربه دونه و حیطه له، و لذلک قال: و أصلهم دونک نار الحرب. لأنّهم إن سلموا و غنموا فذلک الّذی ینبغی، و إن انقهروا کان هو مرجعا لهم و سندا یقوى ظهورهم به بخلاف شخوصه معهم فإنهم إن ظفروا فذلک و إن انقهروا لم یکن لهم ظهر یلجئون إلیه کما سبق بیانه. و قوله: فإنّک إن شخصت. إلى قوله: فیک. بیان للمفسده فی خروجه بنفسه من وجهین:

أحدهما: أنّ الإسلام کان فی ذلک الوقت غضّا، و قلوب کثیر من العرب ممّن أسلم غیر مستقرّه بعد فإذا انضاف إلى من لم یسلم منهم و علموا خروجه و ترکه للبلاد کثر طمعهم و هاجت فتنتهم على الحرمین و بلاد الإسلام فیکون ما ترکه ورائه أهمّ عنده بما یستقبله و یطلبه و یلتقى علیه الفریقان من الأعداء. الثانی: أنّ الأعاجم إذا خرج إلیهم بنفسه طمعوا فیه و قالوا المقاله. فکان خروجه محرّصا لهم على القتال و هم أشدّ علیه کلبا و أقوى فیه طمعا. و قوله: فأمّا ما ذکرت من مسیر القوم. إلى آخره. فهو أنّه قال له: إنّ هؤلاء الفرس قد قصدوا المسیر إلى المسلمین و قصدهم إیّاهم دلیل قوّتهم، و أنا أکره أن یغزونا قبل أن نغزوهم. فأجابه بأنّک إن کرهت ذلک فإنّ اللّه تعالى أشدّ کراهیّه، و أقدر منک على التغیّر و الإزاله. و هذا الجواب یدور على حرف و هو أنّ مسیرهم إلى المسلمین و إن کان مفسده إلّا أنّ لقائه لهم بنفسه فیه مفسده أکبر، و إذا کان کذلک فینبغى أن یدفع العظمى، و یکل دفع المفسده الاخرى إلى اللّه تعالى فإنّه کاره لها و مع کراهیّته لها فهو أقدر على إزالتها.

و قوله: و أمّا ما ذکرت من عددهم. إلى آخره. فهو أنّ عمر ذکر کثره القوم و عددهم فأجابه علیه السّلام بتذکیر قتال المسلمین فی صدر الإسلام فإنّه کان من غیر کثره، و إنّما کان بنصر اللّه و معونته فینبغى أن یکون الحال الآن کذلک. و هو یجرى مجرى التمثیل کما أشرنا إلیه فی المشوره الأولى، و بوعد اللّه تعالى المسلمین بالاستخلاف فی الأرض و تمکین دینهم الّذی ارتضى لهم و تبدیلهم بخوفهم أمنا کما هو مقتضى الآیه.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۹۴

 

بازدیدها: ۵

خطبه ۱۴۴ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

القسم الأول

أَیُّهَا النَّاسُ- إِنَّمَا أَنْتُمْ فِی هَذِهِ الدُّنْیَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِیهِ الْمَنَایَا- مَعَ کُلِّ جَرْعَهٍ شَرَقٌ وَ فِی کُلِّ أَکْلَهٍ غَصَصٌ- لَا تَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَهً إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى- وَ لَا یُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْکُمْ یَوْماً مِنْ عُمُرِهِ- إِلَّا بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ- وَ لَا تُجَدَّدُ لَهُ زِیَادَهٌ فِی أَکْلِهِ إِلَّا بِنَفَادِ مَا قَبْلَهَا مِنْ رِزْقِهِ- وَ لَا یَحْیَا لَهُ أَثَرٌ إِلَّا مَاتَ لَهُ أَثَرٌ- وَ لَا یَتَجَدَّدُ لَهُ جَدِیدٌ إِلَّا بَعْدَ أَنْ یَخْلَقَ لَهُ جَدِیدٌ- وَ لَا تَقُومُ لَهُ نَابِتَهٌ إِلَّا وَ تَسْقُطُ مِنْهُ مَحْصُودَهٌ- وَ قَدْ مَضَتْ أُصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُهَا- فَمَا بَقَاءُ فَرْعٍ بَعْدَ ذَهَابِ أَصْلِهِ

اللغه

أقول: الغرض: الهدف.

و غرض هذا الفصل ذمّ الدنیا و تقبیحها بذکر معایبها لتخفّ الرغبات فیها و تنصرف إلى ما ورائها من الامور الباقیه.
فاستعار لهم لفظ الغرض، و وجه الاستعاره کونهم مقصودین بسهام المنیّه من سائر الأمراض و الأغراض کما یقصد الغرض بالسهام، و أسند الانتضال إلى المنایا مجازا لأنّ القاصد لهم بالأمراض هو فاعلها بهم.
فکان المجاز هاهنا فی الإفراد و الترکیب. ثمّ کنّى بالجرعه و الأکله عن لذّات‏ الدنیا، و بالشرق و الغصص عمّا فی کلّ منها من شوب الکدورات اللازمه لها طبعا من الأمراض و المخاوف و سائر المنغّصات لها. و قوله: لا تنالون نعمه إلّا بفراق اخرى. فیه لطف: و هو إشاره إلى أنّ کلّ نوع من نعمه فإنّما یتجدّد شخص منها و یلتذّ به بعد مفارقه مثله کلذّه اللقمه مثلا فإنّها تستدعى فوت اللذّه باختها السابقه، و کذلک لذّه ملبوس شخصىّ أو مرکوب شخصىّ، و سائر ما یعدّ نعما دنیویّه ملتذّا بها فإنّها إنّما تحصل بعد مفارقه ما سبق من أمثالها بل و أعمّ من ذلک فإنّ الإنسان لا یتهیّأ له الجمع بین الملاذّ الجسمانیّه فی وقت واحد بل و لا اثنین منها فإنّه حال ما یکون آکلا لا یکون مجامعا أو حال ما هو فی لذّه الأکل لا یکون یلتذّ بمشروب، و حال ما یکون جالسا على فراشه الوثیر لا یکون راکبا المنزهه. و نحو ذلک. و بالجمله لا یکون مشغولا بنوع من الملاذّ الجسمانیّه إلّا و هو تارک لغیره، و ما استلزم مفارقه نعمه اخرى لا یعدّ فی الحقیقه نعمه ملتذّا بها، و کذلک قوله: و لا یعمّر معمّر منکم. إلى قوله: أجله. لأنّ السرور بالبقاء إلى یوم معیّن لا یصل إلیه إلّا بعد انقضاء ما قبله من الأیّام المحسوسه من عمره.

فإذا هدم من عمره یوما فیکون لذّته فی الحقیقه ببقائه مستلزما لقربه من الموت و ما استلزم القرب من الموت فلا لذّه فیه عند الاعتبار، و کذلک قوله: و لا تجدّد له زیاده فی أکله إلّا بنفاد ما قبلها من رزقه: أى من رزقه المعلوم أنّه رزقه و هو ما وصل إلى جوفه مثلا فإنّ ما لم یصل جاز أن یکون رزقا لغیره. و قد علمت أنّ الإنسان لا یأکل لقمه حتّى یفنى ما قبلها فهو إذن لا یتجدّد له زیاده فی أکله إلّا بنفاد رزقه السابق، و ما استلزم نفاد الرزق لم یکن لذیذا فی الحقیقه، و روى: اکله.
و یحتمل أن یرید أنّه إذا تجدّدت له جهه رزق فتوجّه فیها طالبا له کان ذلک التوجّه مستلزما لانصرافه عمّا قبلها من الجهات و انقطاع رزقه من جهتها، و اللفظ مهمل یصدق و لو فی بعض الناس فلا تجب الکلّیّه، و کذلک قوله: و لا یحیى له أثر إلّا مات له أثر. و أراد بالأثر الذکر أو الفعل فإنّ ما کان یعرف به الانسان فی وقت‏ ما من فعل محمود أو مذموم أو ذکر حسن أو قبیح و یحیى له بین الناس یموت منه ما کان معروفا به قبله من الآثار و ینسى، و کذلک لا یتجدّد له جدید من زیادات بدنه و نقصانه و أوقاته إلّا بعد أن یخلق له جدید بتحلّل بدنه و معاقبه شیخوخته بشبابه و مستقبل أوقاته لسالفها، و کذلک لا تقوم له نابته إلّا بعد أن تسقط منه محصوده، و استعار لفظ النابته لمن ینشأ من أولاده و أقربائه، و لفظ المحصوده لمن یموت من آبائه و أهله. و لذلک قال: و قد مضت اصول یعنى الآباء و نحن فروعها. ثمّ استفهم على سبیل التعجّب عن بقاء الفرع بعد ذهاب أصله. و قد صرّح أبو العتاهیّه بهذا المعنى حیث قال:
کلّ حیاه إلى ممات و کلّ ذى جدّه یحول‏ 

کیف بقاء الفروع یوما
و ذوّب قبلها الاصول‏

القسم الثانی منها

وَ مَا أُحْدِثَتْ بِدْعَهٌ إِلَّا تُرِکَ بِهَا سُنَّهٌ- فَاتَّقُوا الْبِدَعَ وَ الْزَمُوا الْمَهْیَعَ- إِنَّ عَوَازِمَ الْأُمُورِ أَفْضَلُهَا- وَ إِنَّ مُحْدَثَاتِهَا شِرَارُهَا

اللغه

أقول: المهیع. الطریق الواسع. و العوازم: جمع عوزم و هی العجوز المسنّه.

المعنى

و المراد بالبدعه کلّ ما احدث ممّا لم یکن على عهد الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.
و قد اشتمل هذا الفصل على وجه ترک البدعه، و برهان استلزام إحداث البدعه لترک السنّه أنّ عدم إحداث البدع سنّته لقوله صلى اللّه علیه و آله و سلم: کلّ بدعه حرام. فکان إحداثها مستلزما لترک تلک السنّه. ثمّ على أمرهم بتقوى البدع: أى خشیه عواقبها.

ثمّ بلزوم الطریق الواضح، و هی سبیل اللّه و شریعته، و أراد بعوازم الامور: إمّا قدیمها و هو ما کان علیه عهد النبوّه. و إمّا جوازمها و هی المقطوع بها دون المحدثات منها الّتی هی محلّ الشبهه و الشکّ. و یرجّح الأوّل المقابله بمحدثاتها. و جهه وصفها بکونها شرارا کونها محلّ الشبهه و خارجه عن قانون الشریعه فکانت مستلزمه للهرج و المرج و أنواع الشرور. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۹۱

 

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۴۳ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

القسم الأول

بَعَثَ اللَّهُ رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْیِهِ- وَ جَعَلَهُمْ حُجَّهً لَهُ عَلَى خَلْقِهِ- لِئَلَّا تَجِبَ الْحُجَّهُ لَهُمْ بِتَرْکِ الْإِعْذَارِ إِلَیْهِمْ- فَدَعَاهُمْ بِلِسَانِ الصِّدْقِ إِلَى سَبِیلِ الْحَقِّ- أَلَا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ کَشَفَ الْخَلْقَ کَشْفَهً- لَا أَنَّهُ جَهِلَ مَا أَخْفَوْهُ مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِهِمْ- وَ مَکْنُونِ ضَمَائِرِهِمْ- وَ لَکِنْ لِیَبْلُوَهُمْ أَیُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا- فَیَکُونَ‏ الثَّوَابُ جَزَاءً وَ الْعِقَابُ بَوَاءً أَیْنَ الَّذِینَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ دُونَنَا- کَذِباً وَ بَغْیاً عَلَیْنَا أَنْ رَفَعَنَا اللَّهُ وَ وَضَعَهُمْ- وَ أَعْطَانَا وَ حَرَمَهُمْ وَ أَدْخَلَنَا وَ أَخْرَجَهُمْ- بِنَا یُسْتَعْطَى الْهُدَى وَ یُسْتَجْلَى الْعَمَى- إِنَّ الْأَئِمَّهَ مِنْ قُرَیْشٍ- غُرِسُوا فِی هَذَا الْبَطْنِ مِنْ هَاشِمٍ لَا تَصْلُحُ عَلَى سِوَاهُمْ- وَ لَا تَصْلُحُ الْوُلَاهُ مِنْ غَیْرِهِمْ

أقول: هذا الفصل منافره بینه و بین جمع من الصحابه الّذی کانوا ینازعونه الفضل

و البواء: الکفو. فقوله: بعث رسله. إلى قوله: سبیل الحقّ. کقوله تعالى «رُسُلًا مُبَشِّرِینَ وَ مُنْذِرِینَ لِئَلَّا یَکُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّهٌ بَعْدَ الرُّسُلِ»«» و لسان الصدق هو لسان الشریعه الناطقه عن مصباح النبوّه المشتعل عن نور الحقّ سبحانه، و سبیل الحقّ هو الطریق الموصله إلیه تعالى الّتی تطابقت على الهدایه إلیها ألسنه الرسل و الأولیاء. و صدّر الفصل بذلک لاشتماله على فضیله الأنبیاء لیبنى علیه فضیله نبیّه. و قوله: ألا إنّ اللّه. إلى قوله: بواء. کلام یجرى مجرى التهدید لمن نافره باطّلاع اللّه على أسرارهم، و أنّ ما کلّفهم به إنّما هو ابتلاء منه لهم أیّهم أحسن عملا، و قد عرفت معنى ابتلاء اللّه لخلقه مرارا، و أراد بالکشفه الاختبار و الابتلاء أیضا. ثمّ عقّب ذلک بالاستفهام عن الّذین زعموا أنّهم أفضل منه، و ذلک أنّ قوما من الصحابه کان منهم من یدّعى الأفضلیّه فی فنّ من العلم. فمنهم من کان یدّعى أنّه أفرض، و منهم من کان یدّعى أنّه أقرء، و منهم من کان یدّعى أنّه أعلم بالحلال و الحرام. و رووا أفرضکم زید بن ثابت‏ و أقرئکم أبىّ، و رووا مع ذلک أقضاکم علىّ. و ذلک الاستفهام على سبیل الإنکار علیهم و لذلک أردفه بالتکذیب لهم فیما ادّعوه من الأفضلیّه. ثمّ إن کان ما رووه حقّا مع أنّ القضاء یحتاج إلى جمیع ما ادّعوه فضیله لهم ثبت أنّه علیه السّلام أفضلهم لاستجماعه ما تفرّق فیهم من الفضایل فیهم، و إن لم یکن حقّا مع أنّ أنوار فضایله مستطیره فی آفاق الصدور فقد ظهر فضله علیهم، و ذلک وجه التکذیب لهم. ثمّ أشار إلى العلّه الحامله لهم على الکذب فیما ادّعوه، و هو قوله: أن رفعنا اللّه: أى رفع درجاتنا فی الدنیا و الآخره على الکافّه و وضعهم دوننا، و أن و ما بعدها نصب على المفعول له، و أعطانا: أى الملک و النبوّه و حرّمهم ذلک، و کذلک أدخلنا بعنایته الخاصّه بنا فیما أعطانا و أخرجهم من ذلک. قوله: بنا یستطعى الهدى، و یستجلى العمى. فاستعار لفظ العمى للجهل، و رشّح بذکر الاستجلاء، و لمّا کانوا علیهم السّلام المعدّین لأذهان الخلق لقبول أنوار اللّه و المرشدین لنفوسهم إلى سبیل اللّه لا جرم کان بهم یستعطى الهدى من اللّه. إذ بواسطه استعدادهم یفاض على النفوس هداها، و بواسطه إعطائهم القوانین الشرعیّه الکلّیّه و الجزئیّه یستجلى الجهل من واهب ذلک الجلاء. و هو کنایه عن الاستعداد أیضا.

و قوله: إنّ الأئمّه من قریش. إلى آخره. لفظ النصّ المشهور عن الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم الأئمّه من قریش و تخصیصه ذلک بهذا البطن من هاشم: أمّا على مذهب الشیعه فهو نصّ یجب اتّباعه کما یجب اتّباع نصّ الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لاعتقادهم عصمته، و أمّا على مذهب الباقین من المسلمین فواجب الاتّباع أیضا لقوله علیه الصلاه و السلام: إنّه لمع الحقّ و أنّ الحقّ معه یدور حیث دار. و مراده بذلک البطن: أمّا على مذهب الاثنى عشریّه فنفسه مع الأحد عشر من ولده بنصّ کلّ منهم على من بعدهم من کونهم معصومین، و أمّا على مذهب الباقین من الإمامیّه فکلّ منهم یحمل هذا الکلام على من اعتقد إمامته. لا یصلح على سواهم: أى لا یکون لها صلاح على ید غیرهم، و لا یصلح الولاه غیرهم.

القسم الثانی منها:

آثَرُوا عَاجِلًا وَ أَخَّرُوا آجِلًا- وَ تَرَکُوا صَافِیاً وَ شَرِبُوا آجِناً- کَأَنِّی أَنْظُرُ إِلَى فَاسِقِهِمْ وَ قَدْ صَحِبَ الْمُنْکَرَ فَأَلِفَهُ- وَ بَسِئَ بِهِ وَ وَافَقَهُ حَتَّى شَابَتْ عَلَیْهِ مَفَارِقُهُ- وَ صُبِغَتْ بِهِ خَلَائِقُهُ- ثُمَّ أَقْبَلَ مُزْبِداً کَالتَّیَّارِ لَا یُبَالِی مَا غَرَّقَ- أَوْ کَوَقْعِ النَّارِ فِی الْهَشِیمِ لَا یَحْفِلُ مَا حَرَّقَ- أَیْنَ الْعُقُولُ الْمُسْتَصْبِحَهُ بِمَصَابِیحِ الْهُدَى- وَ الْأَبْصَارُ اللَّامِحَهُ إِلَى مَنَارِ التَّقْوَى- أَیْنَ الْقُلُوبُ الَّتِی وُهِبَتْ لِلَّهِ وَ عُوقِدَتْ عَلَى طَاعَهِ اللَّهِ- ازْدَحَمُوا عَلَى الْحُطَامِ وَ تَشَاحُّوا عَلَى الْحَرَامِ- وَ رُفِعَ لَهُمْ عَلَمُ الْجَنَّهِ وَ النَّارِ- فَصَرَفُوا عَنِ الْجَنَّهِ وُجُوهَهُمْ- وَ أَقْبَلُوا إِلَى النَّارِ بِأَعْمَالِهِمْ- وَ دَعَاهُمْ رَبُّهُمْ فَنَفَرُوا وَ وَلَّوْا- وَ دَعَاهُمُ الشَّیْطَانُ فَاسْتَجَابُوا وَ أَقْبَلُوا

اللغه

أقول: بسى‏ء به: آلفه و استانس به.

المعنى

و اعلم أنّ ضمیر الجمع فی آثروا و أخّروا و ما بعدهما ضمائر مهمله یصدق إطلاقها على الجماعه و إن کان المعنىّ بها بعضهم، و هذا الکلام یصدق على من تخلّف من الناس إلى زمانه ممّن هو غیر مرضىّ الطریقه و إن کان معدودا من الصحابه بالظاهر کالمغیره بن شعبه و عمرو بن العاص و مروان بن الحکم و معاویه و نحوهم من امراء بنى امیّه ممّن آثر عاجل الدنیا و ثاور إلیه و أخّر آجل ثواب الاخرى فنبذه وراء ظهره و ترک ما وعد به من تلک اللذّات الصافیه عن کدورات الدنیا و العلایق البدنیّه إلى اللذّات الوهمیّه الآجنه بشوب الأعراض و الأمراض و التغیّر و الزوال، و استعار لفظ الآجن للذّات الدنیا ملاحظه لتشبیه ها بالماء الّذى لا یسوغ شربه لتغیّر طعمه، و رشّح بذکر الشوب.

و قوله: کأنّى أنظر إلى فاسقهم. یحتمل أن یرید فاسقا معیّنا کعبد الملک بن مروان و یکون الضمیر عائدا إلى بنى أمیّه و من تابعهم، و یحتمل أن یرید مطلق الفاسق: أى من یفسق من هؤلاء فیما بعده و یکون بالصفات الّتی ذکرها من صحبه المنکر و الفه له و موافقته لطبعه إلى غایه عمره، و کنّى عن تلک الغایه بشیب المفارق. و صبغت به خلائقه: أى صار المنکر ملکه له و خلقا، و استعار لفظ الازدیاد تشبیها له بالبحر الطامى، و وجه التشبیه کونه عند غضبه لا یحفل بما یفعله فی الناس من المنکرات کما لا حفله للبحر بمن غرق فیه، و کذلک شبّه حرکته فی المنکرات و الظلامات بوقع النار فی الحطب، و وجه الشّبه کونه لا یبالى بتلک الحرکات کما لا یبالى النار بما أحرقت. ثمّ أخذ یسئل عن العقول المستکمله بأنوار اللّه، و استعار لفظ مصابیح الهدى: إمّا لأئمّه الدین أو لقوانینه الکلّیّه. و الاستصباح بها: الاقتداء بها. و الأبصار اللامحه إلى منار التقوى: أى الناظره إلى أعلام التقوى، و استعاره لفظ المنار کاستعاره لفظ المصابیح.

ثمّ عن القلوب الّتی وهبها للّه أهلها: أى جعلوا هممهم مطالعه أنوار کبریاءه و التوجّه إلى کعبه وجوب وجوده. و عوقدت على طاعه اللّه: أى اخذ خلفاء اللّه علیهم العهد بطاعته و المواظبه علیها. ثمّ عاد إلى ذمّ السابقین و توبیخهم بازدحامهم على حطام الدنیا، و استعار لفظ الحطام لمقتنیات الدنیا، و وجه الاستعاره سرعه فنائها و فسادها کما یسرع فساد النبت الیابس و تکسیره، و بتشاحّهم على الحرام: أى کلّ واحد یشاحّ صاحبه على الحرام و یبخل به علیه، و أشار بعلم الجنّه إلى قانون الشریعه القاید إلى الجنّه و بعلم النار إلى الوساوس المزیّنه لقینات الدنیا. و العلم الأوّل بید الدعاه إلى اللّه و هم الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و من بعده من أولیاء اللّه من أهل بیته و التابعین لهم بإحسان، و العلم الثانی بید إبلیس و جنوده من شیاطین الجنّ و الإنس الداعین إلى النار. ثمّ ذمّهم بصرفهم وجوههم عن الجنّه و إقبالهم بأعمالهم على النار حین رفع العلمین من قبل الدعاه: و إنّما قال: و أقبلوا بأعمالهم. و لم یقل بوجوههم. کما قال: فصرفوا وجوههم. لأنّ إقبالهم بوجوه نفوسهم على لذّات الدنیا و اقتنائها یستلزم صرفها عن الأعمال الموصله إلى الجنّه و ذلک یستلزم إعراضها عن الجنّه. ثمّ لمّا کانت الغایه الّتی یطلبها الإنسان من الدنیا هو الحصول على لذّاتها و کانت النار لازمه للأعمال الموصله إلى تلک الغایه لزوما عرضیّا لم تکن النار غایه ذاتیّه قد أقبلوا بوجوههم علیها بل کان إقبالهم علیها بأعمالهم. إذ کانت هی المستلزمه لها. ثمّ أخبر فی معرض الذمّ لهم عن مقابلتهم لدعاء ربّهم لهم بالنفار عنه، و لدعاء الشیطان لهم باستجابتهم لدعوته و إقبالهم إلیه. و فی قوله: و دعاهم. إلى آخره تنبیه أنّ الرافع لعلم الجنّه هو اللّه بأیدى خلفائه، و الرافع لعلم النار هو الشیطان بأیدى أولیائه. و باللّه التوفیق.

 

شرح نهج البلاغه(اب‏ن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۸۷

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۴۲ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام فی الاستسقاء.

أَلَا وَ إِنَّ الْأَرْضَ الَّتِی تُقِلُّکُمْ- وَ السَّمَاءَ الَّتِی تُظِلُّکُمْ مُطِیعَتَانِ لِرَبِّکُمْ- وَ مَا أَصْبَحَتَا تَجُودَانِ لَکُمْ بِبَرَکَتِهِمَا تَوَجُّعاً لَکُمْ- وَ لَا زُلْفَهً إِلَیْکُمْ وَ لَا لِخَیْرٍ تَرْجُوَانِهِ مِنْکُمْ- وَ لَکِنْ أُمِرَتَا بِمَنَافِعِکُمْ فَأَطَاعَتَا- وَ أُقِیمَتَا عَلَى حُدُودِ مَصَالِحِکُمْ فَقَامَتَا- إِنَّ اللَّهَ یَبْتَلِی عِبَادَهُ عِنْدَ الْأَعْمَالِ السَّیِّئَهِ- بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ وَ حَبْسِ الْبَرَکَاتِ- وَ إِغْلَاقِ خَزَائِنِ الْخَیْرَاتِ لِیَتُوبَ تَائِبٌ- وَ یُقْلِعَ مُقْلِعٌ وَ یَتَذَکَّرَ مُتَذَکِّرٌ وَ یَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ- وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الِاسْتِغْفَارَ سَبَباً- لِدُرُورِ الرِّزْقِ وَ رَحْمَهِ الْخَلْقِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ- اسْتَغْفِرُوا رَبَّکُمْ إِنَّهُ کانَ غَفَّاراً- یُرْسِلِ السَّماءَ عَلَیْکُمْ مِدْراراً- وَ یُمْدِدْکُمْ‏ بِأَمْوالٍ وَ بَنِینَ- وَ یَجْعَلْ لَکُمْ جَنَّاتٍ وَ یَجْعَلْ لَکُمْ أَنْهاراً- فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً اسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ- وَ اسْتَقَالَ خَطِیئَتَهُ وَ بَادَرَ مَنِیَّتَهُ- اللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَیْکَ مِنْ تَحْتِ الْأَسْتَارِ وَ الْأَکْنَانِ- وَ بَعْدَ عَجِیجِ الْبَهَائِمِ وَ الْوِلْدَانِ- رَاغِبِینَ فِی رَحْمَتِکَ وَ رَاجِینَ فَضْلَ نِعْمَتِکَ- وَ خَائِفِینَ مِنْ عَذَابِکَ وَ نِقْمَتِکَ اللَّهُمَّ فَاسْقِنَا غَیْثَکَ وَ لَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِینَ- وَ لَا تُهْلِکْنَا بِالسِّنِینَ- وَ لَا تُؤَاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا یَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِینَ- اللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَیْکَ- نَشْکُو إِلَیْکَ مَا لَا یَخْفَى عَلَیْکَ- حِینَ أَلْجَأَتْنَا الْمَضَایِقُ الْوَعْرَهُ وَ أَجَاءَتْنَا الْمَقَاحِطُ الْمُجْدِبَهُ- وَ أَعْیَتْنَا الْمَطَالِبُ الْمُتَعَسِّرَهُ- وَ تَلَاحَمَتْ عَلَیْنَا الْفِتَنُ الْمُسْتَصْعِبَهُ- اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُکَ أَلَّا تَرُدَّنَا خَائِبِینَ- وَ لَا تَقْلِبَنَا وَاجِمِینَ وَ لَا تُخَاطِبَنَا بِذُنُوبِنَا- وَ لَا تُقَایِسَنَا بِأَعْمَالِنَا- اللَّهُمَّ انْشُرْ عَلَیْنَا غَیْثَکَ وَ بَرَکَتَکَ- وَ رِزْقَکَ وَ رَحْمَتَکَ وَ اسْقِنَا سُقْیَا نَاقِعَهً مُرْوِیَهً مُعْشِبَهً- تُنْبِتُ بِهَا مَا قَدْ فَاتَ وَ تُحْیِی بِهَا مَا قَدْ مَاتَ- نَافِعَهَ الْحَیَا کَثِیرَهَ الْمُجْتَنَى تُرْوِی بِهَا الْقِیعَانَ- وَ تُسِیلُ الْبُطْنَانَ وَ تَسْتَوْرِقُ الْأَشْجَارَ- وَ تُرْخِصُ الْأَسْعَارَ إِنَّکَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِیرٌ

 

اللغه

أقول: أقلع عن خطیئته: إذا رجع عنها و تاب. و المثاور: المواثب. و الزلفه: القربى و المنزله. و الواجم: الّذی اشتدّ حزنه حتّى سکت من الکلام. و النافعه: المرویه. و القیعان: جمع قاع: و هو المستوى من الأرض. و البطنان: جمع البطن: و هو ما انخفض من الأرض.

المعنى

و اعلم أنّا بیّنا فیما سبق أنّ الجود الإلهىّ لا بخل فیه و لا منع من جهته، و إنّما یکون منع الکمالات فی هذه الحیاه بعدم الاستعدادات لها فکلّ مستعدّ لأمر ملاق له و فایض علیه. إذا عرفت ذلک فاعلم أنّه علیه السّلام صدّر هذا الفصل بتنبیه العباد على وجوب الاستعداد لرحمه اللّه الّتی ارتفعت عنهم بحبس المطر، و ذلک فی قوله: ألا و إنّ الأرض. إلى قوله: و بادر منیّته. فنبّههم أوّلا فی ذلک الصدر على أنّ الأرض الّتی هی کالأمّ للنبات و الزرع، و السماء الّتی هى کالأب مطیعتان لربّهم، و أشار بالسماء إلى السحاب أو إلى السماوات لکونها بحرکاتها أسبابا معدّه لکلّ ما فی هذا العالم من الحوادث، و أشار بطاعتهما إلى دخولهما تحت حکم القدره الإلهیّه، و أشار بقوله: و ما أصبحنا. إلى قوله: ترجوا أنّه منکم. إلى لطیفه: و هی أنّ الحوادث الحادثه فی هذا العالم من العالیات لیست مقصوده بالذات لها فیکون ذلک منها لأجل توجّع للناس أو لأجل قرابه و منزله بینهم و بینها، و لا لخیر ترجو أنّه منهم کما هو المتعارف من منافع الناس بعضهم لبعض لأنّ السماوات و الأرض غنیّه عنها لکنّ لمّا کانت السماوات متحرّکه دائما طلبا لکمالاتها اللائقه بها من واهبها- جلّ و علا- و مسخّره بأمره عرض عن هذه الحرکات و الاتصالات إعداد الأرض لقبول النبات و الزرع و وجود الحیوانات الّتی هی أرزاق لها و بها قوام وجودها فکانت مصالح هذه الحیوانات إذن منوطه بتلک الحرکات و جاریه على وفقها بإذن المدبّر العزیز الحکیم سبحانه، و إلى ذلک أشار بقوله: و لکن. إلى قوله: فأقامتا، و غرضه ممّا سبق إلى هاهنا أن یقرّر فی النفوس عظمه اللّه سبحانه و أنّ الأرزاق و أسبابها منسوبه إلیه و منه حتّى تتوجّه النفوس إلیه بالإقلاع عن الذنوب الّتی هى حجب لها عن إفاضه الرحمه علیها منه.

ثمّ بیّن بعده أنّ اللّه سبحانه إنّما یفعل ما یفعل من نقص الثمرات و حبس البرکات و إغلاق خزائن الخیرات عن الخلق عند أعمالهم السیّئه ابتلاء لهم کقوله تعالى «وَ لَنَبْلُوَنَّکُمْ بِشَیْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِینَ»«» و قد علمت معنى ابتلائه لهم. ثمّ بیّن أنّ غایه العنایه الإلهیّه من ذلک الابتلاء رفع حجب النفوس الّتی هى الذنوب و المعاصى و استعدادها بذلک لقبول رحمه اللّه بالتوبه و الإقلاع منها و الازدجار عنها و التذکّر للمبدأ الأوّل- جلّت عظمته- و ما أعدّ لأولیائه الأبرار فی دار القرار و لأعدائه الأشرار فی دار البوار. ثمّ بیّن لهم أنّ اللّه سبحانه جعل الاستغفار سببا لدرور الرزق و الرحمه، و لمّا کان الاستغفار هو طلب غفر الذنوب و سترها على العبد أن یفتضح بها و ذلک إنّما یکون بمحوها من لوح نفسه لا جرم کان المستغفر المخلص ماحیا لخطیئته باستغفاره عن لوح نفسه و بذلک یکمل استعداده لإفاضه رحمه اللّه علیه فی الدنیا بإنزال البرکات و فی الآخره برفع الدرجات، و إلى ذلک الإشاره بالشاهد العدل قوله تعالى «فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّکُمْ إِنَّهُ کانَ غَفَّاراً یُرْسِلِ السَّماءَ عَلَیْکُمْ مِدْراراً»«» الآیات، و قوله تعالى «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى‏ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَیْهِمْ بَرَکاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ»«» الآیه، و قوله «وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراهَ وَ الْإِنْجِیلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَیْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَکَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ»«» و قوله: «وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِیقَهِ لَأَسْقَیْناهُمْ ماءً غَدَقاً»«» ثمّ دعا لمن استقبل توبته و شرع فی الاستعداد بها، و لمن استقال خطیئته: أى طلب الإقاله من الإلزام بعاقبتها و ثمرتها و هو العقاب علیها و المؤاخذه بها، و لمن واثب منیّته و عاجلها قبل إدراکها له بالتوبه. کلّ ذلک تنبیه على الاستعداد و طلب له منهم. إذ کان لا یتمّ المطلوب بدونه، و لفظ الإقاله استعاره، و وجهها أنّ المخطئ کالمعاهد و الملتزم لعقاب اخروىّ بلذّه عاجله لما علم استلزام تلک اللذّه المنهىّ عنها للعقاب فهو یطلب للإقاله من هذه المعاهده [المعاصى- خ- ] کما یطلب المشترى الإقاله من البیع.

و قوله: اللّهم. إلى آخره. لمّا قدّم الأمر بالاستعداد لرحمه اللّه رجع إلیه فی استنزالها علیهم فقدّم فی الدعاء ما عادته أن یقدّم بین یدی الملوک من الکلام المرفق للطباع و الموجب للعفو و الرحمه.

فذکر الخروج من تحت الأستار و الأکنان الّتی لیس من شأنها أن یفارق إلّا لضروره شدیده، و کذلک عجیج البهائم و الولدان و أصواتها المرتفعه بالبکاء، و ذکر الغایه من ذلک و هی الرغبه فی رحمته و الرجاء لفضل نعمته و الخوف من عذابه و نقمته. و هذه جهات المساعى البشریّه. ثمّ سأل بعد ذلک المطالب: و هی السقیا و عدم الهلاک بالجدب، و أن لا یؤاخذهم بأفعال السفها ء من المعاصى المبعّده عن رحمته کقوله تعالى حکایه عن موسى علیه السّلام «أَ تُهْلِکُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا»«» ثمّ عاد إلى تکریر شکوى الجدب بذکر أسبابها الحامله علیها لیکون أقوم للعذر. و المقاحط: أماکن القحط أو سنى القحط، و ظاهر کون الجوع و العرى و سایر المسبّبات عن القحط فتنه: أى صارفه للقلوب عمّا یراد بها. ثمّ عاد إلى طلب إجابه دعائه.

و قوله: و لا تخاطبنا بذنوبنا: أى لا تجعل جوابنا الاحتجاج علینا بذنوبنا، و لا تقایسنا بأعمالنا: أى لا تجعل فعلک بنا مقایسا لأعمالنا السیّئه و مشابها لها و سیّئه مثلها. ثمّ عاد إلى طلب أنواع ما یطلب منه سبحانه بأتمّ ما ینبغی على الوجه الّذی ینبغی. إلى آخر ه. و هو ظاهر. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۸۳

 

بازدیدها: ۷

خطبه ۱۴۱ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

وَ لَیْسَ لِوَاضِعِ الْمَعْرُوفِ فِی غَیْرِ حَقِّهِ- وَ عِنْدَ غَیْرِ أَهْلِهِ مِنَ الْحَظِّ فِیمَا أَتَى إِلَّا مَحْمَدَهُ اللِّئَامِ- وَ ثَنَاءُ الْأَشْرَارِ وَ مَقَالَهُ الْجُهَّالَ- مَا دَامَ مُنْعِماً عَلَیْهِمْ مَا أَجْوَدَ یَدَهُ- وَ هُوَ عَنْ ذَاتِ اللَّهِ بِخَیْلٌ- فَمَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلْیَصِلْ بِهِ الْقَرَابَهَ- وَ لْیُحْسِنْ مِنْهُ الضِّیَافَهَ وَ لْیَفُکَّ بِهِ الْأَسِیرَ وَ الْعَانِیَ- وَ لْیُعْطِ مِنْهُ الْفَقِیرَ وَ الْغَارِمَ- وَ لْیَصْبِرْ نَفْسَهُ عَلَى الْحُقُوقِ وَ النَّوَائِبِ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ- فَإِنَّ فَوْزاً بِهَذِهِ الْخِصَالِ شَرَفُ مَکَارِمِ الدُّنْیَا- وَ دَرْکُ فَضَائِلِ الْآخِرَهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ

المعنى

أقول: لمّا کان لواضع المعروف سواء کان فی أهله أو غیر أهله ثناء من الناس‏ و مدح له بالکرم و البذل کان ممّا یتمیّز به وضعه فی غیر أهله عن وضعه فی أهله أنّ الأوّل إنّما یحصل به لواضعه الحمد من لئام الناس: أى ساقطى الاصول و السفهاء و الأشرار و الجهّال لعدم معرفتهم بوضع الأشیاء فی مواضعها الّتی هی مقتضى العقل الّذی به نظام امور الدنیا و قوام نوع الإنسان فی الوجود مع أنّه فی الحقیقه و عند اولى الألباب العارفین بمواقع المعروف بخیل فی جنب اللّه تعالى، و أمّا الثانی: فتحصل له المحمده من الکلّ. فی الدنیا محمده مطابقه للحقّ مع الثواب الجزیل فی الاخرى فلا جرم أشار إلى الأوّل بقوله: فلیس لواضع المعروف. إلى قوله: و هو عن ذات اللّه بخیل.

و قوله: ما أجو دیده. متعلّق بمقاله: أى ذلک هو الأمر الّذی یقولونه ما دام منعما علیهم، و إنّما قیّد بهذا القید لأنّ الجاهل قد یعتقد أنّ ما یسدى إلیه حقّ له فربّما دام حمده بدوام ذلک الإنعام لکن ینقطع بانقطاعه، و أمّا الجاهل الشریر فکثیرا ما یعتقد أنّه إنّما یسدى إلیه لشرّه و خوف أذاه فربّما یشکر المنعم ما دام منعما حتّى إذا انقطع إنعامه جعل شرّه عوض شکره استجلابا لذلک الإنعام المنقطع و استعاده له، و أمّا الثانی: فنبّه أوّلا على مواضع المعروف و أمر بوضعه فیها، و ذکر منها خمسه: الأوّل: صله الرحم. الثانی: حسن الضیافه. الثالث: فکّ الأسیر و العانى. و إنّما اختلف اللفظ. و الرابع: إعطاء الفقیر و الغارم و هو من علیه دین. الخامس: الحقوق الواجبه على أهلها کالزکاه، و المستحبّه کالصدقات. و أشار بالنوائب إلى ما یلحق الإنسان من المصادرات و الغرامات الّتی یفکّ بها الإنسان من أیدى الظالمین و ألسنتهم، و الإنفاق فی ذلک من الحقوق الواجبه على الإنسان. و الفضایل الخمس داخله تحت فضیله الکرم، و الإشاره إلى ذلک بقوله: فمن آتاه اللّه.

إلى قوله: ابتغاء الثواب. و نبّه بهذه الغایه أعنى المفعول له على أنّ الإنفاق فی هذه الوجوه إنّما یکون وضعا للمعروف فی موضعه إذا قصد به وجه اللّه تعالى فأمّا إذا قصد به الریاء و السمعه فهو و إن عدّ فی ظاهر الشریعه مجزیا إلّا أنّه غیر مجز و لا مقبول فی باطنها ثمّ أشار بقوله: فإنّ فوزا بهذه الخصال. إلى آخره إلى ما یتمیّز به وضع المعروف فی أهله و هو شرف مکارم الدنیا من الذکر الجمیل بین الناس، و الجاه العریض، و درک فضایل الآخره و هی درجات الثواب الجزیل الموعود لأولى الفضایل النفسانیّه، و إنّما نکّر الفوز لأنّ تنکیره یفید نوع الفوز فقط الّذی یحصل بأىّ شخص کان من أشخاصه، و هذا و إن کان حاصلا مع الالف و اللام لتعریف تلک الطبیعه إلّا أنّ ذلک التعریف مشترک بین تعریف الطبیعه و المعهود الشخصىّ فکان موهما لفوز شخصىّ و لذلک کان الإتیان به منکّرا أفصح و أبلغ. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم ‏بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۸۱

 

بازدیدها: ۱۴

خطبه ۱۴۰شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

أَیُّهَا النَّاسُ- مَنْ عَرَفَ مِنْ أَخِیهِ وَثِیقَهَ دِینٍ وَ سَدَادَ طَرِیقٍ- فَلَا یَسْمَعَنَّ فِیهِ أَقَاوِیلَ الرِّجَالِ- أَمَا إِنَّهُ قَدْ یَرْمِی الرَّامِی- وَ تُخْطِئُ السِّهَامُ وَ یُحِیلُ الْکَلَامُ- وَ بَاطِلُ ذَلِکَ یَبُورُ وَ اللَّهُ سَمِیعٌ وَ شَهِیدٌ- أَمَا إِنَّهُ لَیْسَ بَیْنَ الْبَاطِل وَ الْحَقِّ إِلَّا أَرْبَعُ أَصَابِعَ

قال الشریف: فسئل علیه السلام عن معنى قوله هذا، فجمع أصابعه و وضعها بین أذنه و عینه، ثم قال: الباطل أن تقول سمعت، و الحقّ أن تقول رأیت.

اللغه
أقول: أحاک الکلام یحیک: إذا عمل و أثّر و کذلک حاک، و روى: یحیل: أى یبطل و لا یصیب.

و هذا الفصل نهى عن التسرّع إلى التصدیق بما یقال فی حقّ مستور الظاهر المشهور بالصلاح و التدیّن من العیب و القدح فی دینه،
و هو نهى عن سماع الغیبه بعد نهیه عنها نفسها، و إلیها الإشاره بقوله تعالى «یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِنْ جاءَکُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَیَّنُوا أَنْ تُصِیبُوا قَوْماً بِجَهالَهٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِینَ»«». ثمّ نبّه على جواز الخطأ على المتسرّعین إلى الغیبه بالمثل. فقال: أما إنّه قد یرمى الرامى و تخطى‏ء السهام. و وجه مطابقه هذا المثل أنّ الّذی یرمى بعیب قد یکون بریئا منه فیکون الکلام فی حقّه غیر مطابق و لا صائب کما لا یصیب السهم الّذی یرمى به فیخطئ الغرض. و على الروایه بالکاف، و یحیک الکلام: أى أنّ السهم قد یخطى‏ء فلا یؤثّر، و الکلام یؤثّر على کلّ حال، و إن لم یکن حقّا فإنّه یسوّد العرض و یلوّثه فی نظر من لا یعرفه.

و قوله: و باطل ذلک یبور و اللّه سمیع و شهید. یجرى مجرى التهدید و تحقیر ثمره ذلک القول الکاذب الّذی لا یبقى من مال أو جاه أو نحوهما بالنسبه إلى عظم عقوبه اللّه و غضبه الباقى فإنّ سمعه و شهادته مستلزمان لغضبه المستلزم لعقوبته. و قوله: أما إنّه لیس بین الحقّ و الباطل إلّا مقدار أربع أصابع. فتفسیره الفعل المذکور، و تفسیر ذلک الفعل هو قوله: الباطل أن تقول: سمعت، و الحقّ أن تقول: رأیت. ثمّ هاهنا لطیفتان: فالاولى: أنّ قوله: الباطل أن تقول سمعت. لا یستلزم الکلّیّه حتّى یکون کلّ ما سمعه باطلًا فإنّ الباطل و المسموع مهملان. الثانیه: أنّ الحقّ لیس هو قوله: رأیت. بل المرئىّ له، و الباطل هو قوله.
سمعت. بل القول المسموع له، و إنّما قوله: رأیت و سمعت. إخبار عن وصول المرئىّ و المسموع إلى بصره و سمعه فأقام هذین الخبرین مقام المخبر عنهما مجازا. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۱۷۹

 

بازدیدها: ۰