خطبه۷۹ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام فى صفه الدنیا

مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وَ آخِرُهَا فَنَاءٌ- فِی حَلَالِهَا حِسَابٌ وَ فِی حَرَامِهَا عِقَابٌ- مَنِ اسْتَغْنَى فِیهَا فُتِنَ- وَ مَنِ افْتَقَرَ

فِیهَا حَزِنَ وَ مَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ- وَ مَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ وَ مَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ- وَ مَنْ أَبْصَرَ إِلَیْهَا أَعْمَتْهُ

قال الشریف: أقول: و إذا تامل المتأمل قوله علیه السّلام «من أبصر بها بصرته» وجد تحته من المعنى العجیب و الغرض البعید ما لا تبلغ غایته و لا یدرک غوره، و لا سیما إذا قرن إلیه قوله «و من أبصر إلیها أعمته»، فإنه یجد الفرق بین «أبصر بها» و «أبصر إلیها» واضحا نیرا و عجیبا باهرا

اللغه

أقول: العناء: التعب،

و قد ذکر للدنیا فی معرض ذمّها و التنفیر عنها أوصافا عشره:

الأوّل: کون أوّلها عناء
و هو إشاره إلى أنّ الإنسان من لدن ولادته فی تعب‏ و شقاء، و یکفى فی الإشاره إلى متاعب الإنسان فیها ما ذکره الحکیم برزویه فی صدر کتاب کلیله و دمنه فی معرض تطویع نفسه بالصبر على عیش النسّاک: أو لیست الدنیا کلّها أذى و بلاء أو لیس الإنسان یتقلّب فی ذلک من حین یکون جنینا إلى أن یستوفى أیّامه فإنّا قد وجدنا فی کتب الطبّ أنّ الماء الّذی یقدّر منه الولد السوىّ إذا وقع فی رحم المرأه اختلط بمائها و دمها و غلظ ثمّ الریح تمحص ذلک الماء و الدم حتّى تترکه کالرائب الغلیظ ثمّ تقسمه فی أعضائه لآناء أیّامه فإن کان ذکرا فوجهه قبل ظهر امّه و إن کان انثى فوجهها قبل بطن امّها، و ذقنه على رکبتیه و یداه على جنبیه مقبض فی المشیمه کأنّه مصرور، و یتنفّس من متنفّس شاقّ، و لیس منه عضو إلّا کأنّه مقموط، فوقه حرّ البطن و تحته ما تحته، و هو منوط بمعاء من سرّته إلى سرّه امّه منها یمصّ و یعیش من طعام امّه و شرابها فهو بهذه الحاله فی الغمّ و الظلمات و الضیق حتّى إذا کان یوم ولادته سلّط اللّه الریح على بطن امّه و قوى علیه التحریک فتصوّب رأسه قبل المخرج فیجد من ضیق المخرج و عصره ما یجده صاحب الرهق [الرمق خ‏] فإذا وقع على الأرض فأصابته ریح أو مسّته ید وجد من ذلک من الألم ما لم یجده من سلخ جلده ثمّ هو فی ألوان من العذاب إن جاع فلیس له استطعام، و إن عطش فلیس له استقاء، أو وجع فلیس له استغاثه مع ما یلقى من الرفع و الوضع و اللفّ و الحلّ و الدهن و المرخ، إذا انیم على ظهره لم یستطع تقلّبا. فلا یزال فی أصناف هذا العذاب ما دام رضیعا. فإذا أفلت من ذلک اخذ بعذاب الأدب فاذیق منه ألوانا، و فی الحمیّه و الأدواء و الأوجاع و الأسقام. فإذا أدرک فهمّ المال و الأهل و الولد و الشره و الحرص و مخاطره الطلب و السعى. و کلّ هذا یتقلّب معه فیها أعداؤه الأربعه: المرّه و البلغم و الدم و الریح، و السمّ الممیت و الحیّات اللادغه مع و خوف السباع و الناس و خوف البرد و الحرّ ثمّ ألوان عذاب الهرم لمن بلغه.

الثانی: کون آخرها فناء.
هو تنفیر عنها بذکر غایتها و هو الموت و ما یستصحبه من فراق الأهل و الأحبّه، و الإشراف على أهوانه العظیمه المعضله.

الثالث: کونها فی حلالها حساب.
و هو إشاره إلى ما یظهر فی صحیفه الإنسان یوم القیامه من الآثار المکتوبه علیه ممّا خاض فیه من مباحات الدنیا، و توسّع فیه من المآکل‏ و المشارب و المناکح و المراکب، و ما یظهر فی لوح نفسه من محبّه ذلک فیعوقه عن اللحوق بالمجرّدین عنها الّذین لم یتصرّفوا فیها تصرّف الملّاک فلم یکتب علیه فی شی‏ء منها ما یحاسبون علیه. و إلیه إشاره سیّد المرسلین صلى اللّه علیه و آله و سلّم: إنّ الفقراء لیدخلون الجنّه قبل الأغنیاء بخمس مائه عام، و إنّ فقراء امّتى لیدخلون الجنّه سعیا، و عبد الرحمن یدخلها حبوا. و ما ذاک إلّا لکثره حساب الأغنیا بتعویقهم بثقل ما حملوا من محبّه الدنیا و قیناتها عن اللحوق بدرجه المخفّین منها. و قد عرفت کیفیّه الحساب.

الرابع: کونها فی حرامها عقاب.
و هو تنفیر عمّا یوجب العقاب من الآثام بذکره.

الخامس: کونها من استغنى فیها فتن
أى کانت محبّته لما اقتنى فیها سببا لفتنته و ضلاله عن سبیل اللّه کما قال تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُکُمْ وَ«»

السادس: کونها من افتقر فیها حزن.
و ظاهر أنّ الفقیر الطالب للدنیا غیر الواجد لها فی غایه المحنه و الحزن على ما یفوته منها، و خاصّه ما یفوته بعد حصوله له.

السابع: من ساعاها فاتته.
و أقوى أسباب هذا الفوات أنّ تحصیلها أکثر ما یکون بمنازعه أهلها علیها و مجاذبتهم إیّاها، و قد علمت ثوران الشهوه و الغضب و الحرص عند المجاذبه للشی‏ء و قوّه منع الإنسان له. و تجاذب الخلق للشی‏ء و عزّته عندهم سبب لتفویت بعضهم له على بعض، و فیه تنبیه على وجوب ترک الحرص علیها و الإعراض عنها.
إذ کان فواتها اللازم عن شدّه السعى فی فضلها مکروها للسامعین.

الثامن: کونها من قعد عنها و اتته.
و هو أیضا جذب إلى القعود عنها و ترکها و إن کان الغرض مواتاتها کما یفعله أهل الزهد الظاهرىّ المشوب بالریاء، و قد علمت أنّ الزهد الظاهرىّ مطلوب أیضا للشارع إذ کان وسیله إلى الزهد الحقیقىّ کما قال الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم: الریاء قنطره الإخلاص. و قد راعى فی القرائن السجع المتوازى.

التاسع: من أبصر بها بصّرته:
أى من جعلها سبب هدایته و بصره استفاد منها البصر و الهدایه، و ذلک أنّک علمت أنّ مقصود الحکمه الإلهیّه من خلق هذا البدن و ما فیه من الآلات و المنافع إنّما هو استکمال نفسه باستخلاص العلوم الکلّیّه و فضایل‏ الأخلاق من تصفّح جزئیّات الدنیا و مقایسات بعضها إلى بعض کالاستدلال بحوادثها و عجائب مخلوقات اللّه فیها على وجوده و حکمته وجوده، و تحصیل الهدایه بها إلى أسرار ملکه فکانت سببا مادّیا لذلک فلأجله صدق أنّها تبصّر من أبصر بها.

العاشر: و من أبصر إلیها أعمته:
أى من مدّ إلیها بصر بصیرته، و تطّلع إلیها بعین قلبه محبّه و عشقا أعمت عین بصیرته عن إدراک أنوار اللّه و الاهتداء لکیفیّه سلوک سبیله.

و إلیه الإشاره بالنهى فی قوله تعالى وَ لا تَمُدَّنَّ عَیْنَیْکَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَهَ الْحَیاهِ الدُّنْیا لِنَفْتِنَهُمْ فِیهِ«» و قد ظهر الفرق بین قوله: من أبصر بها، و من أبصر إلیها، و مدح السیّد لهذا الفصل مدح فی موضعه.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۲۲۸

بازدیدها: ۰

دیدگاه‌ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد.

این سایت از اکیسمت برای کاهش هرزنامه استفاده می کند. بیاموزید که چگونه اطلاعات دیدگاه های شما پردازش می‌شوند.