خطبه ۲۳۲شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام
أَحْمَدُهُ شُکْراً لِإِنْعَامِهِ- وَ أَسْتَعِینُهُ عَلَى وَظَائِفِ حُقُوقِهِ- عَزِیزَ الْجُنْدِ عَظِیمَ الْمَجْدِ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- دَعَا إِلَى طَاعَتِهِ وَ قَاهَرَ أَعْدَاءَهُ جِهَاداً عَلَى‏ دِینِهِ- لَا یَثْنِیهِ عَنْ ذَلِکَ اجْتِمَاعٌ عَلَى تَکْذِیبِهِ- وَ الْتِمَاسٌ لِإِطْفَاءِ نُورِهِ- فَاعْتَصِمُوا بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّ لَهَا حَبْلًا وَثِیقاً عُرْوَتُهُ- وَ مَعْقِلًا مَنِیعاً ذِرْوَتُهُ- وَ بَادِرُوا الْمَوْتَ وَ غَمَرَاتِهِ وَ امْهَدُوا لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ- وَ أَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ فَإِنَّ الْغَایَهَ الْقِیَامَهُ- وَ کَفَى بِذَلِکَ وَاعِظاً لِمَنْ عَقَلَ وَ مُعْتَبَراً لِمَنْ جَهِلَ- وَ قَبْلَ بُلُوغِ الْغَایَهِ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ ضِیقِ الْأَرْمَاسِ- وَ شِدَّهِ الْإِبْلَاسِ وَ هَوْلِ الْمُطَّلَعِ- وَ رَوْعَاتِ الْفَزَعِ وَ اخْتِلَافِ الْأَضْلَاعِ- وَ اسْتِکَاکِ الْأَسْمَاعِ وَ ظُلْمَهِ اللَّحْدِ- وَ خِیفَهِ الْوَعْدِ وَ غَمِّ الضَّرِیحِ وَ رَدْمِ الصَّفِیحِ- فَاللَّهَ اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ- فَإِنَّ الدُّنْیَا مَاضِیَهٌ بِکُمْ عَلَى سَنَنٍ- وَ أَنْتُمْ وَ السَّاعَهُ فِی قَرَنٍ- وَ کَأَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ بِأَشْرَاطِهَا وَ أَزِفَتْ بِأَفْرَاطِهَا- وَ وَقَفَتْ بِکُمْ عَلَى صِرَاطِهَا وَ کَأَنَّهَا قَدْ أَشْرَفَتْ بِزَلَازِلِهَا- وَ أَنَاخَتْ بِکَلَاکِلِهَا وَ انْصَرَمَتِ الدُّنْیَا بِأَهْلِهَا- وَ أَخْرَجَتْهُمْ مِنْ حِضْنِهَا- فَکَانَتْ کَیَوْمٍ مَضَى أَوْ شَهْرٍ انْقَضَى- وَ صَارَ جَدِیدُهَا رَثّاً وَ سَمِینُهَا غَثّاً- فِی مَوْقِفٍ ضَنْکِ الْمَقَامِ وَ أُمُورٍ مُشْتَبِهَهٍ عِظَامٍ- وَ نَارٍ شَدِیدٍ کَلَبُهَا عَالٍ لَجَبُهَا- سَاطِعٍ لَهَبُهَا مُتَغَیِّظٍ زَفِیرُهَا- مُتَأَجِّجٍ سَعِیرُهَا بَعِیدٍ خُمُودُهَا- ذَاکٍ وُقُودُهَا مَخُوفٍ وَعِیدُهَا- عَمٍ قَرَارُهَا مُظْلِمَهٍ أَقْطَارُهَا- حَامِیَهٍ قُدُورُهَا فَظِیعَهٍ أُمُورُهَا- وَ سِیقَ الَّذِینَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّهِ زُمَراً- قَدْ أُمِنَ الْعَذَابُ وَ انْقَطَعَ الْعِتَابُ- وَ زُحْزِحُوا عَنِ النَّارِ وَ اطْمَأَنَّتْ بِهِمُ الدَّارُ- وَ رَضُوا الْمَثْوَى وَ الْقَرَارَ- الَّذِینَ کَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِی الدُّنْیَا زَاکِیَهً- وَ أَعْیُنُهُمْ بَاکِیَهً- وَ کَانَ لَیْلُهُمْ فِی دُنْیَاهُمْ نَهَاراً تَخَشُّعاً وَ اسْتِغْفَارًا- وَ کَانَ نَهَارُهُمْ لَیْلًا تَوَحُّشاً وَ انْقِطَاعاً- فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ الْجَنَّهَ مَآباً وَ الْجَزَاءَ ثَوَاباً- وَ کانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها- فِی مُلْکٍ دَائِمٍ وَ نَعِیمٍ قَائِمٍ- فَارْعَوْا عِبَادَ اللَّهِ مَا بِرِعَایَتِهِ یَفُوزُ فَائِزُکُمْ- وَ بِإِضَاعَتِهِ یَخْسَرُ مُبْطِلُکُمْ- وَ بَادِرُوا آجَالَکُمْ بِأَعْمَالِکُمْ- فَإِنَّکُمْ مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ- وَ مَدِینُونَ بِمَا قَدَّمْتُمْ- وَ کَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِکُمُ الْمَخُوفُ- فَلَا رَجْعَهً تُنَالُونَ وَ لَا عَثْرَهً تُقَالُونَ- اسْتَعْمَلَنَا اللَّهُ وَ إِیَّاکُمْ بِطَاعَتِهِ وَ طَاعَهِ رَسُولِهِ- وَ عَفَا عَنَّا وَ عَنْکُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ- الْزَمُوا الْأَرْضَ وَ اصْبِرُوا عَلَى الْبَلَاءِ- وَ لَا تُحَرِّکُوا بِأَیْدِیکُمْ وَ سُیُوفِکُمْ فِی هَوَى أَلْسِنَتِکُمْ- وَ لَا تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ یُعَجِّلْهُ اللَّهُ لَکُمْ- فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْکُمْ عَلَى فِرَاشِهِ- وَ هُوَ عَلَى مَعْرِفَهِ حَقِّ رَبِّهِ- وَ حَقِّ رَسُولِهِ وَ أَهْلِ بَیْتِهِ مَاتَ شَهِیداً- وَ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ- وَ اسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا نَوَى مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ- وَ قَامَتِ النِّیَّهُ مَقَامَ إِصْلَاتِهِ لِسَیْفِهِ- فَإِنَّ لِکُلِّ شَیْ‏ءٍ مُدَّهً وَ أَجَلًا

اللغه

أقول:

الوظیفه: ما یقدّر للإنسان فی کلّ یوم من طعام أو رزق أو عمل.

 و یثنیه: یصرفه.

و المعقل: الملجأ.

و ذروته: أعلاه.

و مهّدله: أی اتّخذ له مهادا و هو الفراش.

و الأرماس: جمع رمس و هو القبر.

و الإبلاس: الانکسار و الحزن.

و المطّلع: الاطّلاع من إشراف إلى أسفل.

و هوله: خوفه و فزعه.

و الروعه: الفزعه. و استکاک الأسماع: صممها.

و الصفیح: الحجاره العراض.

و ردمها: سدّ القبر بها.

و السنن: الطریقه.

و القرن: الحبل یقرن به البعیران.

و أشراطها: علاماتها.

و أزفت: دنت.

و أفراطها: مقدّماتها.

و منه أفراط الصبح أوائل تباشیره.

و الرثّ: الخلق.

و الغثّ: المهزول.

و الضنک: الضیق.

و الکلب: الشرّ.

و اللجب: الصوت.

و الساطع: المرتفع.

و سعیرها: لهبها.

و تأجّجه: اشتداد حرّه و وقودها بضمّ الواو: ایقادها و هو الحدث.

و ذکاه- مقصورا- : اشتعاله.

و فضاعه الأمر: شدّته و مجاوزته للمقدار.

و الزمر: الجماعات، واحدتها زمره.

و زحزحوا: بعدوا.

و اطمأنّت: سکنت.

و المثوى: المقام.

و المآب: المرجع.

و المدینون: مجزیّون.

و إصلاته بسیفه. تجرّده به.

المعنى
و اعلم أنّه علیه السّلام أنشأ حمد اللّه على نعمائه. و نصب شکرا على المصدر عن قوله: أحمد. من غیر لفظه. إذ المراد بالحمد هنا الشکر بقرینه ذکر الإنعام. ثمّ أردفه بطلب المعونه على ما وظّف علیه من حقوقه: واجباتها و نوافلها کالصلوات و العبادات الّتى ارتضاها منهم شکرا لنعمائه، و إذا اعتبرت کانت نعما تستحقّ الشکر لما یستلزمه المواظبه علیها من السعاده الحقیقیّه الباقیه کما سبق بیانه. و قوله عزیز الجند. نصب على الحال و الإضافه غیر محضه و العامل أستعینه، و کذلک قوله: عظیم المجد: أى أستعینه على أداء حقوقه حال ما هو بذینک الاعتبارین فإنّه باعتبار ما هو عزیز الجند عظیم المجد یکون مالک الملک قدیرا على ما یشاء فکان مبدأ استعانه به على أداء وظایف حقوقه. ثمّ أردفه بشهادته برساله نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ذکر أحواله الّتی کانت مبادئ لظهور الدین الحقّ لیقتدى السامعون به صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی تلک الأحوال.
و هی دعوته إلى الدین و مقاهرته لأعدائه و هم الکفّار على أصنافهم، و نصب جهاداعلى أنّه مصدر سدّ مسدّ الحال، أو نصب المصادر عن قوله: قاهر. من غیر لفظه. إذ فی قاهر معنى جاهد. و عن دینه متعلّق بجهادا إعمالا للأقرب، و یحتمل التعلّق بقاهر. و قوله: لا یثنیه. أی لا یصرفه عن دعوته و مقاهرته لأعدائه اجتماع الخلق على تکذیبه و التماسهم لإطفاء نوره، و لفظ النور مستعار لما جاء به من الکمالات الهادیه إلى سبیل اللّه. ثمّ لمّا نبّههم على تلک الأحوال الّتی مبدؤها تقوى اللّه تعالى أمرهم بالاعتصام بها بقوله: فاعتصموا بتقوى اللّه کما اعتصم نبیّکم بها فی إظهار دینه و مواظبته على ذلک، و لا تخافوا من عدوّ مع کثرتکم کما لا یخفّ هو مع وحدته فإنّ للتقوى حبلا وثیقا عروته من تمسّک به و اعتصم لم یضرّه عدوّ، و معقلا منیعا ذروته من لجأ إلیه لم یصل إلیه سوء. و لفظ الحبل و المعقل مستعاران للتقوى، و قد سبق بیان هذه الاستعارات. ثمّ أکّد ذلک الأمر بالأمر بمبادره الموت و غمراته و معنى مبادرته مسابقته إلى الاستعداد بالأعمال الصالحه کأنّهم یسابقون الموت و غمراته و ما یلحقهم من العذاب فیه و فیما بعده إلى الاستعداد بالأعمال الصالحه فیحصّلوا بها ملکات صالحه یکون مهادا له قبل حلوله بهم کیلا یقدحهم قدحا، و یجعلونها عدّه لأنفسهم قبل نزوله علیهم یلتقونه بها کیلا یؤثّر فی نفوسهم کثیر أثر کأنّه یسابقهم إلى أنفسهم لینقطعهم عن ذلک الاستعداد فیکون سببا لوقوع العذاب بهم. و قوله: فإنّ الغایه القیامه. تحذیر بذکر الغایه و تذکیر بأهوالها الموعوده: أى فإنّ غایتکم القیامه لا بدّ لکم منها.
و لمّا کانت تلک الغایه هی لازم الموت کما قال علیه السّلام: من مات فقد قامت قیامته. کان أمره بالاستعداد للموت أمر بالاستعداد لها، و لذلک أتى بعد الأمر بالاستعداد له بقوله: فإنّ. منبّها على وجوب ذلک الاستعداد بضمیر ذکر صغراه، و تقدیر الکبرى: و کلّ من کانت غایته القیامه فواجب أن یستعدّ لها. و قوله: و کفى بذلک. أى بذکر الموت و غمراته و القیامه و أحوالها، و خصّص من عقل لکونه‏ المقصود بالخطاب الشرعیّ، و معتبرا: أى محلّا للاعتبار و العلم، و ظاهر کون الموت و نزوله بهذه البنیه التامّه الّتی احکم بنیانها و وضعت بالوضع العجیب و الترتیب اللطیف و هدمه لها واعظا بلیغا یزجر النفوس عن متابعه هواها و معتبرا تقف منه على أنّ وراء هذا الوجود وجود أعلى و أشرف منه لولاه لما عطّلت هذه البنیه المحکمه المتقنه و لکان ذلک بعد إحکامها و إتقانها سفها ینافی الحکمه کما أنّ الإنسان إذا بنى دارا و أحکمها و زیّنها بزینه الألوان المعجبه فلمّا تمّت و حصلت غایتها عمد إلیها فهد مها فإنّه یعدّ فی العرف سفیها عابثا. أمّا لو کان غرضه من ذلک الوصول إلى غایه یحصل بوجودها وقتا ما ثمّ یستغنى عنها جاز هدمها. فکذلک هذه البنیه لمّا کانت الغرض منها استکمال النفوس البشریّه بالکمالات الّتی یستفاد من جهتها و هى العلوم و مکارم الأخلاق ثمّ الانتقال منها إلى عالمها جاز لذلک خرابها و فسادها بعد حصول ذلک الغرض منها. و قوله: قبل بلوغ الغایه ما تعلمون. عطف على قوله: قبل نزوله. و قوله: من ضیق الأرماس. إلى قوله: الصفیح. تفصیل لما یعلمونه من أحوال الموت و أهواله، و ظاهر أنّ القبور ضیّقه بالقیاس إلى مواطن الدنیا، و أنّ للنفوس عند مفارقتها غمّا شدیدا و حزنا قویّا على ما فارقته و ممّا لاقته من الأهوال التی کانت غافله عنها، و أنّ لما أشرفت علیه من أحوال الآخره هولا و فزعا تطیر منه الألباب و فی المرفوع: و أعوذ بک من هول المطّلع.
و إنّما حسن إضافه روعات إلى الفزع و إن کان الروع هو الفزع باعتبار تعدّدها و هى من حیث هى آحاد مجموع أفراد مهیّه الفزع فجازت إضافتها إلیها. و اختلاف الأضلاع کنایه عن ضغطه القبر. إذ یحصل بسببها تداخل الأضلاع و اختلافها، و استکاک الأسماع ذهابها بشدّه الأصوات الهایله و یحتمل أن یرید ذهابها بالموت. و إنّما قال: خیفه الوعد، لأنّ الوعد قد یستعمل فی الشرّ و الخیر عند ذکرهما قال: و لا تعدانی، الخیر و الشرّ مقبل. فإذا أسقطوا ذکرهما قالوا فی الخیر: العده و الوعد، و فی الشرّ الإیعاد و الوعید. و هاهنا و إن سقط ذکرهما إلّا أنّ قوله: خیفه. تدلّ على وجود الشرّ فکان کالقرینه، و غمّ الضریح: الغمّ الحاصل و الوحشه المتوهّمه فیه. إذ کان للنفوس من الهیئات المتوهّمه کونها مقصوره مضیّقا علیها بعد فسح المنازل الدنیویّه و سایر ما ذکره علیه السّلام من الأهوال، و إنّما عدّد هذه الأهوال لکون الکلام فی معرض الوعظ و التخویف و کون هذه الامور مخوفه منفورا عنها طبعا. ثمّ أکّد ذلک التخویف بالتحذیر من اللّه و علّل ذلک التحذیر بکون الدنیا ماضیه على سنن: أى على طریقه واحده لا یختلف حکمها فکما کان من شأنها أن أهلکت القرون الماضیه و فعلت بهم و بآثارهم ما فعلت و صیّرتهم إلى الأحوال الّتى عدّدناها فکذلک فعلها بکم. و قوله: و أنتم و الساعه فی قرن. کنایه عن قربها القریب منهم حتّى کأنّهم معها فی قرن واحد. و قوله: و کأنّها قد جاءت بأشراطها. تشبیه لها فی سرعه مجیئها بالّتی جاءت و حضرت. و أکّد ذلک التشبیه بقد المفیده لتحقیق المجی‏ء.
و علاماتها کظهور الدجّال، و دابّه الأرض، و ظهور المهدىّ و عیسى علیهما السّلام إلى غیر ذلک. و کذلک قوله: و أزفت بأفراطها و وقفت بکم على صراطها. إلى قوله: و سمینها غثّا: أى و تحقّق وقوفها بکم على صراطها و هو الصراط المعهود فیها. و قوله: و کأنّها قد أشرفت بزلازلها. أى أشبهت فیما یتوقّع منها من هذه الأحوال فی حقّکم حالها فی إیقاعها بکم و تحقیقها فیکم، و استعار لفظ الکلاکل لأهوالها الثقیله. و وصف الإناخه لهجومها بتلک الأهوال علیهم ملاحظا فی ذلک تشبّهها بالناقه. و إنّما حسن تعدید الکلاکل لها باعتبار تعدّد أهوالها الثقیله النازله بهم. و لمّا کانت الأفعال من قوله: و أناخت.إلى قوله: فصار سمینها غثّا. معطوفا بعضها على بعض دخلت فی حکم الشبه: أى و کانت الدنیا قد انصرفت بأهلها و کأنّکم قد أخرجتم من حصنها إلى آخر الأفعال.

و المشبّه الأوّل: هو الدنیا باعتبار حالها الحاضره و المشبّه به انصرافها بأهلها و زوالهم و وجه الشبه سرعه المضىّ. أى کأنّها من سرعه أحوالها الحاضره کالّتی وقع انصرافها. و کذلک الوجه فی باقى التشبیهات. و استعار لفظ الحضن لها ملاحظه لشبهها بالآم الّتی تحضن ولدها فینتزع من حضنها. و السمین و الغثّ تحتمل أن یرید بهما الحقیقه و یحتمل أن یکنّى به عن ما کثر من لذّاتها و خیراتها و تغیّر ذلک بالموت و زواله. و قوله: فی موقف. یتعلّق بصار و الموقف هو موقف القیامه. و ظاهر أنّ کلّ جدید للدنیا یومئذ رثّ. و کلّ سمین کان بها غثّ. و ضیق الموقف إمّا لکثره الخلق یومئذ و ازدحامهم أو لصعوبه الوقوف به و طولهم مع ما یتوقّع الظالمون لأنفسهم من إنزال المکروه بهم و الامور المشتبهه العظام أهوال الآخره. و اشتباهها کونها ملبسه یتحیّر فی وجه الخلاص منها. و الاعتبار یحکم بکونها عظیمه. و ظاهر کون النار شدیده الشرّ و قد نطق القرآن الکریم بأکثر ممّا وصفها علیه السّلام به ههینا من علوّ أصواتها، و سطوح لهبها، و تغیّظ زفیرها کقوله تعالى إِذا أُلْقُوا فِیها سَمِعُوا لَها شَهِیقاً وَ هِیَ تَفُورُ تَکادُ تَمَیَّزُ مِنَ الْغَیْظِ«» و قوله سَمِعُوا لَها تَغَیُّظاً وَ زَفِیراً«» و لفظ التغیّظ مستعار للنار باعتبار حرکتها بشدّه و عنف کالغضبان أو باعتبار استلزام حرکتها ظاهر للأذى و الشرّ. و قوله: عم قرارها. أسند العمى إلى قرارها مجازا باعتبار أنّه لا یهتدى فیه لظلمته أو لأنّ عمقها لا یوقف علیه لبعده، و لمّا استعار لفظ الحمى رشّح بذکر القدور، و ظاهر فظاعه تلک الامور و شدّتها.
و کلّ تلک الامور عدّدها فی معرض التخویف لکونها مخوفه تنفیرا لما یلزم عنه من ترک التقوى و اتّباع الهوى ثمّ ساق الآیه اقتباسا و نسق بعدها أحوال المتقیّن فی الآخره اللازمه عن تقویهم و هى أمنهم من العذاب و انقطاع‏ العقاب عنهم و إبعادهم عن النار و اطمینان الدار الّتی هی الجنّه بهم و رضاهم بها مثوى و قرارا ترغیبا فی التقوى بذکر لوازمها. ثمّ أردف ذلک بصفات المتقیّن أیضا عمّا عساه لا یعرفها فقال: هم الّذین کانت أعمالهم فی الدنیا زاکیه: أى طاهره من الریاء و الشرک الخفیّ، و أعینهم باکیه: أى من خشیه اللّه و خوف عقابه و حرمانه، و کان لیلهم فی دنیاهم نهارا فی کونه محلّ حرکاتهم فی عباده ربّهم و تخشّعهم له و استغفارهم إیّاه فأشبه النهار الّذی هو محلّ حرکات الخلق. و لهذا الشبه استعار لفظ النهار للّیل و کذلک استعار لفظ اللیل للنهار، و وجه الاستعاره کون النهار محلا لتوحّشهم من الخلق و انقطاعهم عنه و اعتزالهم إیّاهم کاللیل الّذی هو محلّ انقطاع الناس بعضهم عن بعض و افتراقهم، و فی نسخه الرضىّ- رحمه اللّه- بخطّه: کأنّ. للتشبیه رفع نهارا فی القرینه الاولى، و رفع لیلا فی الثانیه. و وجه التشبیه هو ما ذکرناه. و کأنّه یقول: فلمّا استعدّوا بتلک الصفات للحصول على الفضائل و الکمالات و استوجبوا رضى اللّه تعالى عنهم جعل اللّه لهم الجنّه مرجعا و مآبا أعدّ فیها من جزاء النعیم ثوابا و کانوا أحقّ بها و أهلها. و هو اقتباس. و قوله: فی ملک. إلى قوله: قائم. أى مقیم، تفسیر للجزاء. ثمّ أکّد الأمر بالتقوى برعایتها فی عباره اخرى نبّه فیها على بعض لوازمها، و ذلک أنّ فوز الفایزین إنّما یکون بالتقوى و لزوم الأعمال الصالحات، و المبطلون هم الّذین لا حقّ معهم فهم الخارجون عن التقوى الحقّه.
و إنّما یلحقهم الخسران بالخروج عنها. و قوله: بادروا آجالکم بأعمالکم. کقوله: بادروا الموت: أى و سابقوا آجالکم بالأعمال الصالحات إلى الاستعداد بها قبل أن یسبقکم إلى أنفسکم فیقطعکم عن الاستعداد بتحصیل الأزواد لیوم المعاد، و نبّههم بقوله: فإنّکم. إلى قوله: قدّمتم. على ارتهانهم بذنوبهم السالفه و الجزاء علیها فی القیامه لیسارعوا إلى فکاکها بالأعمال الصالحه و السلامه من الجزاء علیها، و لفظ المرتهن مستعار للنفوس الآثمه باعتبار تقیّدها بالسیّئه و إطلاقها بالحسنه کتقیّد الرهن المتعارف بما علیه من المال و افتکاکه بأدائه و إطلاق لفظ الجزاء على العقاب مجاز إطلاقا لاسم أحد الضدّین على الآخر. و قوله: و کأن قد نزل. هى المخفّفه من کأنّ للتشبیه، و اسمها ضمیر الشأن، و المقصود تشبیه حالهم و شأنهم الحاضر بحال نزول المخوف و هو الموت بهم و تحقّقه فی حقّهم الّذی یلزمه و یترتّب علیه عدم نیلهم للرجعه و إقالتهم للعثره. ثمّ عقّب بالدعاء لنفسه و لهم باستعمال اللّه إیّاهم فی طاعته و طاعه رسوله، و ذلک الاستعمال بتوفیقهم لأسباب الطاعه و إعدادهم لها و إفاضه صوره الطاعه على قواهم العقلیّه و البدنیّه و جوارحهم الّتی بسببها تکون السعاده القصوى، ثمّ بما یلزم ذلک الاستعمال من العفو عن جرائمهم. و إنّما نسبها إلى فضل رحمته لکونه مبدءا للعفو و المسامحه من جهه ما هو رحیم و ذلک من الاعتبارات الّتی تحدثها عقولنا الضعیفه و تجعلها من صفات کماله کما سبق بیانه فی الخطبه الاولى. ثمّ عقّب وعظهم و تحذیرهم و الدعاء لهم بأمرهم أن یلزموا الأرض و یصبروا على ما یلحقهم من بلاء أعدائهم و مخالفیهم فی العقیده کالخوارج و البغاه على الإمام بعده من ولده و الخطاب خاصّ بمن یکون بعده بدلاله سیاق الکلام و لزوم الأرض کنایه عن الصبر فی مواطنهم و قعودهم عن النهوض لجهاد الظالمین فی زمن عدم قیام الإمام الحقّ بعده علیه السّلام. و قوله: و لا تحرّکوا بأیدیکم و سیوفکم فی هوى ألسنتکم. نهى عن الجهاد من غیر أمر أحد من الأئمّه من ولده بعده، و ذلک عند عدم قیام من یقوم منهم لطلب الأمر فإنّه لا یجوز إجراء هذه الحرکات إلّا بإشاره من إمام الوقت. و هوى ألسنتهم میلها إلى السبّ و الشتم موافقه لهوى النفوس. و الباء فی بأیدیکم زائده. و یحتمل أن یکون مفعول تحرّکوا محذوفا تقدیره شیئا: اى و لا تتحرّکوا لهوى ألسنتکم و لا تستعجلوا بما لم یعجّله اللّه لکم من ذلک الجهاد. و قوله: فإنّه من مات منکم. إلى قوله: لسیفه. بیان لحکمهم فی زمن عدم قیام الإمام الحقّ بعده لطلب الأمر و تنبیه لهم‏ على ثمره الصبر، و هو أنّ من مات منهم على معرفه حقّ ربّه و حقّ رسوله و أهل بیته و الاعتراف بکونهم أئمّه الحقّ و الاقتداء بهم لحق بدرجه الشهداء و وقع أجره على اللّه بذلک و استحقّ الثواب منه على ما أتى به من الأعمال و الصبر على المکاره من الأعداء، و قامت نیّته أنّه من أنصار الإمام لو قام لطلب الأمر و أنّه معینه مقام تجرّده بسیفه معه فی استحقاق الأجر. وقوله: فإنّ لکلّ شی‏ء مدّه و أجلا. تنبیه على أنّ لکلّ من دوله العدوّ الباطله و دوله الحقّ العادله مدّه تنقضى بانقضائها و أجل تنتهى به فإذا حضرت مدّه دوله عدوّ فلیس ذلک وقت قیامکم فی دفعها فلا تستعجلوا به. هذا هو المتبادر إلى الفهم من هذا الکلام. و الخطبه من فصیح خطبه علیه السّلام و قد أخذ ابن نبانه الخطیب کثیرا من ألفاظها فی خطبته کقوله: شدید کلبها عال لجبها ساطعا لهبها متغیّظ زفیرها متأجّج سعیرها. إلى قوله: فظیعه امورها، و کقوله: هول المطّلع، و روعات الفزع. إلى قوله: وردم الصفیح.
فانّه أخذ کلّ هذه الألفاظ و رصّع بها کلامه. و باللّه التوفیق و العصمه.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۲۰۲

بازدیدها: ۲

خطبه ۲۳۰ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام
أُوصِیکُمْ أَیُّهَا النَّاسُ بِتَقْوَى اللَّهِ- وَ کَثْرَهِ حَمْدِهِ عَلَى آلَائِهِ إِلَیْکُمْ- وَ نَعْمَائِهِ عَلَیْکُمْ وَ بَلَائِهِ لَدَیْکُمْ- فَکَمْ خَصَّکُمْ بِنِعْمَهٍ وَ تَدَارَکَکُمْ بِرَحْمَهٍ- أَعْوَرْتُمْ لَهُ فَسَتَرَکُمْ وَ تَعَرَّضْتُمْ لِأَخْذِهِ فَأَمْهَلَکُمْ- وَ أُوصِیکُمْ بِذِکْرِ الْمَوْتِ وَ إِقْلَالِ الْغَفْلَهِ عَنْهُ- وَ کَیْفَ غَفْلَتُکُمْ عَمَّا لَیْسَ یُغْفِلُکُمْ- وَ طَمَعُکُمْ فِیمَنْ لَیْسَ یُمْهِلُکُمْ- فَکَفَى وَاعِظاً بِمَوْتَى عَایَنْتُمُوهُمْ- حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَیْرَ رَاکِبینَ- وَ أُنْزِلُوا فِیهَا غَیْرَ نَازِلِینَ- فَکَأَنَّهُمْ لَمْ یَکُونُوا لِلدُّنْیَا عُمَّاراً- وَ کَأَنَّ الْآخِرَهَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ دَاراً- أَوْحَشُوا مَا کَانُوا یُوطِنُونَ- وَ أَوْطَنُوا مَا کَانُوا یُوحِشُونَ- وَ اشْتَغَلُوا بِمَا فَارَقُوا- وَ أَضَاعُوا مَا إِلَیْهِ انْتَقَلُوا- لَا عَنْ قَبِیحٍ یَسْتَطِیعُونَ انْتِقَالًا- وَ لَا فِی حَسَنٍ یَسْتَطِیعُونَ ازْدِیَاداً- أَنِسُوا بِالدُّنْیَا فَغَرَّتْهُمْ-وَ وَثِقُوا بِهَا فَصَرَعَتْهُمْ فَسَابِقُوا رَحِمَکُمُ اللَّهُ إِلَى مَنَازِلِکُمُ- الَّتِی أُمِرْتُمْ أَنْ تَعْمُرُوهَا- وَ الَّتِی رَغِبْتُمْ فِیهَا وَ دُعِیتُمْ إِلَیْهَا- وَ اسْتَتِمُّوا نِعَمَ اللَّهِ عَلَیْکُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِهِ- وَ الْمُجَانَبَهِ لِمَعْصِیَتِهِ- فَإِنَّ غَداً مِنَ الْیَوْمِ قَرِیبٌ- مَا أَسْرَعَ السَّاعَاتِ فِی الْیَوْمِ- وَ أَسْرَعَ الْأَیَّامَ فِی الشَّهْرِ- وَ أَسْرَعَ الشُّهُورَ فِی السَّنَهِ- وَ أَسْرَعَ السِّنِینَ فِی الْعُمُرِ

اللغه

أقول:

أعورتم: أبدیتم عوراتکم.

و العوره: السوءه و کلّ ما یستحیى منه.

و الفصل یشتمل على الوصیّه بامور:
أوّلها: تقوى اللّه تعالى
فإنّها العمده الکبرى فیما یوصى به، ثمّ بکثره حمده تعالى على آلائه إلیهم و نعمائه علیهم و بلائه لدیهم. و قد علمت معنى بلائه و أنّه یکون بالخیر و الشرّ کما قال تعالى وَ نَبْلُوکُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَیْرِ فِتْنَهً«» و أردف ذلک بتقریر تخصیصهم بنعمته تعالى علیهم و تذکیرهم برحمته. و الرحمه کما یراد بها صفه اللّه تعالى کذلک یراد بها آثاره الحسنه الخیریّه کما هو مراده هنا فی حقّ عباده. و أتى بلفظ کم للتکثیر. ثمّ أردفه بذکر ضروب الرحمه و النعمه فمنها ستره علیهم حیث مجاهرتهم له بالمعصیه الّتی ینبغی أن یستحیوا منها و موافقتهم لها بمرأى منه و مسمع. و منها إمهالهم أن یبادرهم بالنقمه و یعاجلهم بالعقوبه حیث تعرّضوا لأخذه بارتکاب مناهیه و مخالفه أوامره.
الثانی: ممّا أوصاهم به ذکر الموت و إقلال الغفله عنه.
و ذلک لما یستلزم ذکره من الانزجار عن المعاصى، و ذکر المعاد إلى اللّه سبحانه و وعده و وعیده، و الرغبه عن الدنیا و تنقیص لذّاتها کما قال الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: أکثروا من ذکر هادم اللذّات. و إنّما استلزم ذکره ذلک لکونه ممّا یساعد العقل فیه الوهم على‏ ضروره وقوعه مع مساعدته على ما فیه من المشقّه الشاقّه. ثمّ استفهمهم عن غفلتهم عنه و طمعهم فیه مع کونه لا یغفلهم و لا یمهلهم استفهام توبیخ على ذلک. و لأجل ما فیه من شدّه الاعتبار قال: فکفى واعظا بموتى عاینتموهم. إلى قوله: فصرعتهم. و فی هذا القول زیاده موعظه على ذکر الموت و هى شرح أحوال من عاینوه من الموتى. و ذکر منها أحوالا: أحدها: کیفیّه حملهم إلى قبورهم غیر راکبین مع کونهم فی صوره رکوب منفور عنه. الثانیه: إنزالهم إلى القبور على غیر عاده النزول المتعارف المقصود فکأنّهم فی تلک الحال مع طول مددهم فی الدنیا و عمارتهم لها و رکونهم إلیها لم یکونوا لها عمّارا و کان الآخره لم تزل دارا. و وجه التشبیه الأوّل انقطاعهم عنها بالکلّیّه و عدم خیرهم فیها فأشبهوا لذلک من لم یکن فیها. و وجه الثانی کون الآخره هى مستقرّهم الدائم الثابت الّذی لا معدل عنه فأشبهت فی ذلک المنزل الّذی لم یزل له دارا. الثالثه: ایحاشهم ما کانوا یوطنون من منازل الدنیا و مسالکها. الرابعه: ایطانهم ما کانوا یوحشون من القبور الّتی هی أوّل منازل الآخره. الخامسه: اشتغالهم بما فارقوا. و ذلک أنّ النفوس الراکنه إلى الدنیا العاشقه لها المقبله على الاشتغال بلذّاتها یتمکّن فی جواهرها ذلک العشق لها و تصیر محبّتها ملکه و خلقا فیحصل لها بعد المفارقه لما أحبّته من العذاب به و الشقا الأشقى بالنزوع إلیه و عدم التمکّن من الحصول علیه أعظم شغل و أقوى شاغل و أصعب بلاء هایل بل تذهل فیه کلّ مرضعه عمّا أرضعت و تضع فیه کلّ ذات حمل حملها و ترى الناس سکارى و ما هم بسکارى و لکنّ عذاب اللّه شدید. السادسه: إضاعتهم ما إلیه انتقلوا و هی دار الآخره. و معنى إضاعتهم لها ترکهم الأسباب الموصله إلى ثوابها و المبعّده من عقابها. السابعه: کونهم لا یستطیعون الانتقال عمّا حصلوا علیه من الأفعال القبیحه الّتی ألزمتهم العذاب و أکسبت نفوسهم ملکات السوء. و ذلک ظاهر. إذا لانتقال عن ذلک لا یمکن إلّا فی دار العمل و هی الدنیا. الثامنه: و کذلک لا من حسن یستطیعون ازدیادا: أى من الأعمال الحسنه الموجبه للملکات الخیریّه و الثواب الدائم کما قال تعالى حکایه عنهم حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّی أَعْمَلُ«» الآیه. التاسعه: أنّهم أنسوا بالدنیا حتّی غرّتهم. العاشره: کونهم وثقوا بها حتّى صرعتهم. و السبب فی الاغترار بها و غرورها هم حصول لذّاتها المحسوسه مع قربهم من المحسوس و هو مستلزم للانس بها المستلزم للغرور بها و الغفله عمّا وراها و هو مستلزم للوثوق و هو مستلزم لصرعتهم فی مهاوى الهلاک حیث لا یقال عثره و لا ینفع ندامه. و أعلم أنّ ذکر الموت و إن کان یستلزم الاتّعاظ و الانزجار إلّا أنّ شرح الأحوال الّتی تعرض للإنسان فی موته أبلغ فی ذلک لما أنّ کلّ حال فیها منفور عنها طبعا و إن کانت إنّما تحصل النفره عنها لکونها حاله تعرض للمیّت و المقرون بالمولم و المکروه مکروه و مولم و منفور عنه طبعا.

الثالث: ممّا أمرهم به على طریق الوصیّه أن یسابقوا إلى منازلهم الّتی امروا أن یعمّروها و الّتی رغّبوا فیها و دعوا إلیها و هی منازل الجنّه و مراتب الأبرار فیها. و عمارتها بالأعمال الصالحه الموافقه لمقتضى النوامیس الإلهیّه و تحصیل الکمالات النفسانیّه عنها. و المعنى لیسابق بعضکم بعضا إلى منازلکم و مراتب درجاتکم من الجنّه و عمارتها بتحصیل الکمالات النفسانیّه و موافقه الشرع الإلهیّه.
و إلیه الإشاره بقوله تعالى وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَهٍ مِنْ رَبِّکُمْ وَ جَنَّهٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِینَ«» و الترغیب فیها لقوله تعالى وَ لَلدَّارُ الْآخِرَهُ خَیْرٌ لِلَّذِینَ یَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ«» و نحوه.
الرابعه: ممّا أمرهم به الصبر على طاعه اللّه و على مجانبه المعصیه.
و رغّب‏ بکونه سببا یستتمّ به نعمه اللّه علیهم. و لمّا کان استلزامه لها کالثمره له و کانت ثمره الصبر حلاوه قدّمها لیحلو الصبر بذکرها.

و قوله: فإن غدا من الیوم قریب.
 تخویف من الساعه و قربها. و لم یرد بغد و لا الیوم حقیقتهما بل أراد بغد القیامه و بالیوم مدّه الحیاه کقوله فیما سبق: ألا و إنّ الیوم المضمار و غدا السباق.
و هو یجری مجری المثل کقولهم: غد ما غدا، قرب الیوم من غد.

و قوله: ما أسرع الساعات فی الیوم. إلى آخره.
 بیان لقرب الغد الّذی کنّى به عن القیامه من الیوم فإنّ الساعات سریعه الإتیان و الانقضاء. و سرعتهما مستلزم لسرعه مجی‏ء الیوم و انقضائه. و سرعتهما مستلزم لسرعه مجی‏ء الشهر و انقضائه المستلزمین لسرعه مجی‏ء السنه و انقضائها المستلزمین لسرعه انقضاء عمر العاملین فیه لکنّ انقضاؤه بالقیامه. فإذن الساعات مستلزمه لسرعه انقضاء العمر و قرب غده من یومه. و أتى فی الکلّ بلفظ التعجّب تأکیدا لبیان تلک السرعه. و هو کلام شریف بالغ فی الفصاحه و الموعظه. و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج‏ البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۹۳

 

بازدیدها: ۴

خطبه ۲۲۸ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام فى التوحید، و تجمع هذه الخطبه من أصول العلم ما لا تجمعه خطبه
مَا وَحَّدَهُ مَنْ کَیَّفَهُ وَ لَا حَقِیقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ- وَ لَا إِیَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ- وَ لَا صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَیْهِ وَ تَوَهَّمَهُ- کُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ وَ کُلُّ قَائِمٍ فِی سِوَاهُ مَعْلُولٌ- فَاعِلٌ لَا بِاضْطِرَابِ آلَهٍ مُقَدِّرٌ لَا بِجَوْلِ فِکْرَهٍ- غَنِیٌّ لَا بِاسْتِفَادَهٍ- لَا تَصْحَبُهُ الْأَوْقَاتُ وَ لَا تَرْفِدُهُ الْأَدَوَاتُ- سَبَقَ الْأَوْقَاتَ کَوْنُهُ- وَ الْعَدَمَ وُجُودُهُ وَ الِابْتِدَاءَ أَزَلُهُ بِتَشْعِیرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لَا مَشْعَرَ لَهُ- وَ بِمُضَادَّتِهِ بَیْنَ الْأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لَا ضِدَّ لَهُ- وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَیْنَ الْأَشْیَاءِ عُرِفَ أَنْ لَا قَرِینَ لَهُ- ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَهِ وَ الْوُضُوحَ بِالْبُهْمَهِ- وَ الْجُمُودَ بِالْبَلَلِ وَ الْحَرُورَ بِالصَّرَدِ مُؤَلِّفٌ بَیْنَ مُتَعَادِیَاتِهَا مُقَارِنٌ بَیْنَ مُتَبَایِنَاتِهَا- مُقَرِّبٌ بَیْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا مُفَرِّقٌ بَیْنَ مُتَدَانِیَاتِهَا- لَا یُشْمَلُ بِحَدٍّ وَ لَا یُحْسَبُ بِعَدٍّ- وَ إِنَّمَا تَحُدُّ الْأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا- وَ تُشِیرُ الْآلَاتُ إِلَى نَظَائِرِهَا مَنَعَتْهَا مُنْذُ الْقِدْمَهَ وَ حَمَتْهَا قَدُ الْأَزَلِیَّهَ- وَ جَنَّبَتْهَا لَوْلَا التَّکْمِلَهَ بِهَا تَجَلَّى‏ صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ- وَ بِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُیُونِ- وَ لَا یَجْرِی عَلَیْهِ السُّکُونُ وَ الْحَرَکَهُ- وَ کَیْفَ یَجْرِی عَلَیْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ- وَ یَعُودُ فِیهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ وَ یَحْدُثُ فِیهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ- إِذاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ وَ لَتَجَزَّأَ کُنْهُهُ- وَ لَامْتَنَعَ مِنَ الْأَزَلِ مَعْنَاهُ- وَ لَکَانَ لَهُ وَرَاءٌ إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ- وَ لَالْتَمَسَ التَّمَامَ إِذْ لَزِمَهُ النُّقْصَانُ- وَ إِذاً لَقَامَتْ آیَهُ الْمَصْنُوعِ فِیهِ- وَ لَتَحَوَّلَ دَلِیلًا بَعْدَ أَنْ کَانَ مَدْلُولًا عَلَیْهِ- وَ خَرَجَ بِسُلْطَانِ الِامْتِنَاعِ- مِنْ أَنْ یُؤَثِّرَ فِیهِ مَا یُؤَثِّرُ فِی غَیْرِهِ الَّذِی لَا یَحُولُ وَ لَا یَزُولُ وَ لَا یَجُوزُ عَلَیْهِ الْأُفُولُ- لَمْ یَلِدْ فَیَکُونَ مَوْلُوداً وَ لَمْ یُولَدْ فَیَصِیرَ مَحْدُوداً- جَلَّ عَنِ اتِّخَاذِ الْأَبْنَاءِ وَ طَهُرَ عَنْ مُلَامَسَهِ النِّسَاءِ- لَا تَنَالُهُ الْأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ وَ لَا تَتَوَهَّمُهُ الْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ- وَ لَا تُدْرِکُهُ الْحَوَاسُّ فَتُحِسَّهُ وَ لَا تَلْمِسُهُ الْأَیْدِی فَتَمَسَّهُ- وَ لَا یَتَغَیَّرُ بِحَالٍ وَ لَا یَتَبَدَّلُ فِی الْأَحْوَالِ- وَ لَا تُبْلِیهِ اللَّیَالِی وَ الْأَیَّامُ وَ لَا یُغَیِّرُهُ الضِّیَاءُ وَ الظَّلَامُ وَ لَا یُوصَفُ بِشَیْ‏ءٍ مِنَ الْأَجْزَاءِ- وَ لَا بِالْجَوَارِحِ وَ الْأَعْضَاءِ وَ لَا بِعَرَضٍ مِنَ الْأَعْرَاضِ- وَ لَا بِالْغَیْرِیَّهِ وَ الْأَبْعَاضِ- وَ لَا یُقَالُ لَهُ حَدٌّ وَ لَا نِهَایَهٌ وَ لَا انْقِطَاعٌ وَ لَا غَایَهٌ- وَ لَا أَنَّ الْأَشْیَاءَ تَحْوِیهِ فَتُقِلَّهُ أَوْ تُهْوِیَهُ- أَوْ أَنَّ شَیْئاً یَحْمِلُهُ فَیُمِیلَهُ أَوْ یَعْدِلَهُ- لَیْسَ فِی الْأَشْیَاءِ بِوَالِجٍ وَ لَا عَنْهَا بِخَارِجٍ- یُخْبِرُ لَا بِلِسَانٍ وَ لَهَوَاتٍ- وَ یَسْمَعُ لَا بِخُرُوقٍ وَ أَدَوَاتٍ یَقُولُ وَ لَا یَلْفِظُ- وَ یَحْفَظُ وَ لَا یَتَحَفَّظُ وَ یُرِیدُ وَ لَا یُضْمِرُ- یُحِبُّ وَ یَرْضَى مِنْ غَیْرِ رِقَّهٍ- وَ یُبْغِضُ وَ یَغْضَبُ مِنْ غَیْرِ مَشَقَّهٍ- یَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ کَوْنَهُ کُنْ فَیَکُونُ- لَا بِصَوْتٍ یَقْرَعُ وَ لَا بِنِدَاءٍ یُسْمَعُ- وَ إِنَّمَا کَلَامُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَ مَثَّلَهُ- لَمْ یَکُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِکَ کَائِناً- وَ لَوْ کَانَ قَدِیماً لَکَانَ إِلَهاً ثَانِیاً لَا یُقَالُ کَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ یَکُنْ- فَتَجْرِیَ عَلَیْهِ الصِّفَاتُ الْمُحْدَثَاتُ- وَ لَا یَکُونُ بَیْنَهَا وَ بَیْنَهُ فَصْلٌ- وَ لَا لَهُ عَلَیْهَا فَضْلٌ فَیَسْتَوِیَ الصَّانِعُ وَ الْمَصْنُوعُ- وَ یَتَکَافَأَ الْمُبْتَدَعُ وَ الْبَدِیعُ- خَلَقَ الْخَلَائِقَ عَلَى غَیْرِ مِثَالٍ خَلَا مِنْ غَیْرِهِ- وَ لَمْ یَسْتَعِنْ عَلَى خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ- وَ أَنْشَأَ الْأَرْضَ فَأَمْسَکَهَا مِنْ غَیْرِ اشْتِغَالٍ- وَ أَرْسَاهَا عَلَى غَیْرِ قَرَارٍ وَ أَقَامَهَا بِغَیْرِ قَوَائِمَ- وَ رَفَعَهَا بِغَیْرِ دَعَائِمَ- وَ حَصَّنَهَا مِنَ الْأَوَدِ وَ الِاعْوِجَاجِ- وَ مَنَعَهَا مِنَ التَّهَافُتِ وَ الِانْفِرَاجِ- أَرْسَى أَوْتَادَهَا وَ ضَرَبَ أَسْدَادَهَا- وَ اسْتَفَاضَ عُیُونَهَا وَ خَدَّ أَوْدِیَتَهَا- فَلَمْ یَهِنْ مَا بَنَاهُ وَ لَا ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ هُوَ الظَّاهِرُ عَلَیْهَا بِسُلْطَانِهِ وَ عَظَمَتِهِ- وَ هُوَ الْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ وَ مَعْرِفَتِهِ- وَ الْعَالِی عَلَى کُلِّ شَیْ‏ءٍ مِنْهَا بِجَلَالِهِ وَ عِزَّتِهِ- لَا یُعْجِزُهُ شَیْ‏ءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ- وَ لَا یَمْتَنِعُ عَلَیْهِ‏ فَیَغْلِبَهُ- وَ لَا یَفُوتُهُ السَّرِیعُ مِنْهَا فَیَسْبِقَهُ- وَ لَا یَحْتَاجُ إِلَى ذِی مَالٍ فَیَرْزُقَهُ- خَضَعَتِ الْأَشْیَاءُ لَهُ وَ ذَلَّتْ مُسْتَکِینَهً لِعَظَمَتِهِ- لَا تَسْتَطِیعُ الْهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى غَیْرِهِ- فَتَمْتَنِعَ مِنْ نَفْعِهِ وَ ضَرِّهِ- وَ لَا کُفْ‏ءَ لَهُ فَیُکَافِئَهُ- وَ لَا نَظِیرَ لَهُ فَیُسَاوِیَهُ- هُوَ الْمُفْنِی لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا- حَتَّى یَصِیرَ مَوْجُودُهَا کَمَفْقُودِهَا- وَ لَیْسَ فَنَاءُ الدُّنْیَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا- بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْشَائِهَا وَ اخْتِرَاعِهَا- وَ کَیْفَ وَ لَوِ اجْتَمَعَ جَمِیعُ حَیَوَانِهَا مِنْ طَیْرِهَا وَ بَهَائِمِهَا- وَ مَا کَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَ سَائِمِهَا- وَ أَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا وَ أَجْنَاسِهَا- وَ مُتَبَلِّدَهِ أُمَمِهَا وَ أَکْیَاسِهَا- عَلَى إِحْدَاثِ بَعُوضَهٍ مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا- وَ لَا عَرَفَتْ کَیْفَ السَّبِیلُ إِلَى إِیجَادِهَا- وَ لَتَحَیَّرَتْ عُقُولُهَا فِی عِلْمِ ذَلِکَ وَ تَاهَتْ- وَ عَجَزَتْ قُوَاهَا وَ تَنَاهَتْ- وَ رَجَعَتْ خَاسِئَهً حَسِیرَهً- عَارِفَهً بِأَنَّهَا مَقْهُورَهٌ مُقِرَّهً بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَائِهَا- مُذْعِنَهً بِالضَّعْفِ عَنْ إِفْنَائِهَا وَ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ یَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْیَا وَحْدَهُ لَا شَیْ‏ءَ مَعَهُ- کَمَا کَانَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا کَذَلِکَ یَکُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا- بِلَا وَقْتٍ وَ لَا مَکَانٍ وَ لَا حِینٍ وَ لَا زَمَانٍ- عُدِمَتْ عِنْدَ ذَلِکَ الْآجَالُ وَ الْأَوْقَاتُ- وَ زَالَتِ السِّنُونَ وَ السَّاعَاتُ- فَلَا شَیْ‏ءَ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ- الَّذِی إِلَیْهِ مَصِیرُ جَمِیعِ الْأُمُورِ- بِلَا قُدْرَهٍ مِنْهَا کَانَ ابْتِدَاءُ خَلْقِهَا- وَ بِغَیْرِ امْتِنَاعٍ مِنْهَا کَانَ فَنَاؤُهَا- وَ لَوْ قَدَرَتْ عَلَى الِامْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا-

لَمْ یَتَکَاءَدْهُ صُنْعُ شَیْ‏ءٍ مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ- وَ لَمْ یَؤُدْهُ مِنْهَا خَلْقُ مَا خَلَقَهُ وَ بَرَأَهُ وَ لَمْ یُکَوِّنْهَا لِتَشْدِیدِ سُلْطَانٍ- وَ لَا لِخَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَ نُقْصَانٍ- وَ لَا لِلِاسْتِعَانَهِ بِهَا عَلَى نِدٍّ مُکَاثِرٍ- وَ لَا لِلِاحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدٍّ مُثَاوِرٍ- وَ لَا لِلِازْدِیَادِ بِهَا فِی مُلْکِهِ- وَ لَا لِمُکَاثَرَهِ شَرِیکٍ فِی شِرْکِهِ- وَ لَا لِوَحْشَهٍ کَانَتْ مِنْهُ- فَأَرَادَ أَنْ یَسْتَأْنِسَ إِلَیْهَا- ثُمَّ هُوَ یُفْنِیهَا بَعْدَ تَکْوِینِهَا- لَا لِسَأَمٍ دَخَلَ عَلَیْهِ فِی تَصْرِیفِهَا وَ تَدْبِیرِهَا- وَ لَا لِرَاحَهٍ وَاصِلَهٍ إِلَیْهِ- وَ لَا لِثِقَلِ شَیْ‏ءٍ مِنْهَا عَلَیْهِ- لَا یُمِلُّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَیَدْعُوَهُ إِلَى سُرْعَهِ إِفْنَائِهَا- وَ لَکِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ- وَ أَمْسَکَهَا بِأَمْرِهِ وَ أَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ- ثُمَّ یُعِیدُهَا بَعْدَ الْفَنَاءِ مِنْ غَیْرِ حَاجَهٍ مِنْهُ إِلَیْهَا- وَ لَا اسْتِعَانَهٍ بِشَیْ‏ءٍ مِنْهَا عَلَیْهَا- وَ لَا لِانْصِرَافٍ مِنْ حَالِ وَحْشَهٍ إِلَى حَالِ اسْتِئْنَاسٍ- وَ لَا مِنْ حَالِ جَهْلٍ وَ عَمًى إِلَى حَالِ عِلْمٍ وَ الْتِمَاسٍ- وَ لَا مِنْ فَقْرٍ وَ حَاجَهٍ إِلَى غِنًى وَ کَثْرَهٍ- وَ لَا مِنْ ذُلٍّ وَ ضَعَهٍ إِلَى عِزٍّ وَ قُدْرَهٍ

اللغه

أقول:

صمده: أى قصده.

و ترفده: تعینه.

و الوضوح و الوضح: البیاض.

و البهمه: السواد.

و الحرور هنا: الحراره.

و الصرد: البرد.

و الافول: الغیبه.

و الوالج: الداخل.

و خلا: مضى و سبق.

و الأود: الاعوجاج.

و التهافت: التساقط.

و الأسداد: جمع سدّ- و قد یضمّ- و هو کلّ ما حال و حجز بین شیئین.

و خدّ: شقّ.

و مراحها: ما یراح منها فی مرابطها و معاطنها.

و سائمها: ما ارسل منها للرعى.

و أسناخها: اصولها.

و المتبلّده: ذو البلاده و هى ضدّ الذکاء.

و الأکیاس: ذوو الذکاء و الفهم.

و تکاءده الأمر: شقّ علیه و صعب.

و آده: أثقله، و المثاور: المواثب.

و اعلم أنّ مدار هذه الخطبه على التوحید المطلق و التنزیه المحقّق،و قد أشار إلى توحیده تعالى و تنزیهه باعتبارات من الصفات الإضافیّه و السلبیّه:
فالأوّل: قوله: ما وحّده من کیّفه.
دلّت هذه الکلمه بالمطابقه على سلب التوحید له تعالى عمّن وصفه بکیفیّه، و بالالتزام على أنّه لا یجوز تکیّفه لمنافاه ذلک التوحید الواجب له تعالى. و لنشر إلى معنى الکیفیّه لیتبیّن أنّه لا یجوز وصفه بها. فنقول: أمّا رسمها فقیل: إنّها هیئه قارّه فی المحلّ لا یوجب اعتبار وجودها فیه نسبه إلى أمر خارج عنه و لا قسمه فی ذاته و لا نسبه واقعه فی أجزائه.
و بهذه القیود یفارق سائر الأعراض، و أقسامها أربعه: فإنّها إمّا أن تکون مختصّه بالکمّ من جهه ما هو کمّ کالمثلثیّه و المربعیّه و غیرها من الأشکال للسطوح. و کالاستقامه و الانحناء للخطوط و کالفردیّه و الزوجیّه للأعداد، و إمّا أن لا تکون مختصّه به و هی إمّا أن تکون محسوسه کالألوان و الطعوم و الحراره و البروده، و هذا ینقسم إلى راسخه کصفره الذهب و حلاوه العسل، و تسمّى کیفیّات انفعالیه إمّا لانفعال الحواسّ عنها و إمّا لانفعالات حصلت فی الموضوعات عنها، أو غیر راسخه إمّا سریعه الزوال کحمره الخجل و تسمّى انفعالات لکثره انفعالات موضوعاتها بسببها بسرعه، و هذا قسم ثانی، و إمّا أن لا یکون محسوسه، و هی إمّا لاستعدادات ما لکمالات کالاستعداد للمقاومه و الدفع، و إمّا لانفعال و یسمّى قوّه طبیعیّه کالمصحاحیّه و الصلابه، أو لنقائص مثل الاستعداد بسرعه الإدغان و الانفعال، و یسمّى ضعفا و لا قوّه طبیعیّه کالممراضیّه، و إمّا أن لا یکون استعداد لکمالات أو نقایص بل یکون فی أنفسها کمالات أو نقایص، و هی مع ذلک غیر محسوسه بذواتها فما کان منها ثابتا یسمّى ملکه کالعلم و العفّه و الشجاعه، و ما کان سریع الزوال یسمّى حالا کغضب الحلیم و مرض الصحاح. فهذه أقسام الکیف. إذا عرفت ذلک فنقول: إنّما قلنا: إنّه یلزم من وصفه بالکیفیّه عدم توحیده لما نبّه فی الخطبه الاولى من‏ قوله علیه السّلام فی وصف اللّه سبحانه: فقد قرنه و من قرنه فقد ثنّاه. و کما سبق تقریره فینتج أنّ من وصف اللّه سبحانه فقد ثنّاه. و حینئذ تبیّن أنّ من کیّفه لم یوحّده لأنّ توحیده و تثنیته ممّا لا یجتمعان.

الثانی: و لا حقیقته أصاب من مثّله
أى جعل له مثلا، و ذلک أنّ کلّ ماله مثل فلیس بواجب الوجود لذاته لأنّ المثلیّه إمّا أن یتحقّق من کلّ وجه فلا تعدّد إذن لأنّ التعدّد یقتضى المغایره بأمر ما و ذلک ینافی الاتّحاد و المثلیّه من کلّ وجه هذا خلف، و إمّا أن یتحقّق من بعض الوجوه و حینئذ ما به التماثل إمّا الحقیقه أو جزؤها أو أمر خارج عنها فإن کان الأوّل کان ما به الامتیاز عرضیّا للحقیقه لازما أو زائلا لکن ذلک باطل لأنّ المقتضى لذلک العرضیّه إمّا المهیّه فیلزم أن یکون مشترکا بین المثلین لأنّ مقتضى المهیّه الواحده لا یختلف فما به الامتیاز لأحد المثلین عن الآخر حاصل للآخر هذا خلف. أو غیرها فتکون ذات واجب الوجوده مفتقره فی تحصیل ما تمیّزها من غیرها إلى غیر خارجى هذا محال، و إن کان ما به التماثل و الاتّحاد جزء من المثلین لزم کون کلّ منهما مرکّبا فکلّ منهما ممکن هذا خلف. و بقی أن یکون التماثل بأمر خارج عن حقیقتهما مع اختلاف الحقیقتین لکن ذلک باطل أمّا أوّلا فلامتناع وصف واجب الوجود بأمر خارج عن حقیقته لاستلزام إثبات الصفه له تثنیته و ترکّبه على ما مرّ، و أمّا ثانیا فلأنّ ذلک الأمر الخارجى المشترک إن کان کمالا لذات واجب الوجود فواجب الوجود لذاته مستفید للکمال من غیره هذا خلف، و إن لم یکن کمالا کان إثباته له نقصا لأنّ الزیاده على الکمال نقص. فثبت أنّ کلّ ماله مثل فلیس بواجب الوجود لذاته فالطالب لمعرفته إذا أصاب ما له مثل فقد أصاب ما لیس بواجب الوجود لذاته فلم یصب صانع العالم، و مقصود الکلمه نفى المثل له تعالى فی مقام التوجّه إلیه و النظر لطلب معرفته.
الثالث: و لا إیّاه عنى من شبّهه
و معنى هذه القرینه کالّتی قبله.
الرابع: و لا صمده من أشار إلیه و توهّمه،
و ذلک لأنّ الإشاره إلیه إمّا حسیّه أو عقلیّه. و الاولى مستلزمه للوضع و الهیئه و الشکل و التحیّز کما علم فی غیر هذا الموضع، و ذلک على واجب الوجود محال، و أمّا الثانیه فقد علمت أنّ النفس الإنسانیّه ما دامت فی عالم الغربه إذا توجّهت لاقتناص أمر معقول من عالم الغیب فلا بدّ أن تستتبع القوّه الخیالیّه و الوهمیّه للاستعانه بهما على استثبات المعنى المعقول و ضبطه فإذن یستحیل أن یشیر العقل الإنسانیّ إلى شی‏ء من المعانی الإلهیّه إلّا بمشارکه من الوهم و الخیال و استثباته حدّا و کیفیّه یکون علیها لکن قد علمت تنزیهه تعالى عن الکیفیّات و الصفات و الحدود و الهیئه فکان المشیر إلیه و المدّعى لإصابه حقیقته قاصدا فی تلک الإشاره إلى ذى کیفیّه و حال لیس هو واجب الوجود فلم یکن قاصدا لواجب الوجود، و قد بیّنا فیما سلف امتناع الإشاره إلیه.
الخامس: قوله: کلّ معروف بنفسه مصنوع.
صغرى ضمیر من الشکل الأوّل استغنى معها عن ذکر الدعوى لدلالتها علیها، و هى أنّه تعالى لیس معلوما بنفسه: أى لیس معلوم الحقیقه بالکنه. و تقدیر الکبرى: و لا شی‏ء ممّا هو مصنوع بإله للعالم واجب الوجود لذاته دائما. ینتج أنّه لا شی‏ء من المعلوم بنفسه بواجب الوجود و إله العالم دائما، و ینعکس لا شی‏ء من واجب الوجود معلوم بنفسه. أو من الشکل الثانی، و یکون تقدیر الکبرى: و لا شی‏ء ممّا هو واجب الوجود بمصنوع. و ینتج النتیجه المذکوره، و ینعکس. و یحتمل أن تکون المقدّمه المذکوره هى الکبرى من الشکل الأوّل و لا حاجه إلى العکس المذکوره. و یحتمل أن یبیّن المطلوب المذکور بقیاس استثنائى متّصل، و تکون المقدّمه المذکوره تنبیها على ملازمه المتّصله و بیانا لها و تقدیرها: لو کان تعالى معلوما بنفسه لکان مصنوعا لأنّ کلّ معلوم بنفسه مصنوع لکن التالى باطل فالمقّدم کذلک فأمّا بیان أنّ کلّ معلوم بنفسه مصنوع فهو أنّ کلّ معلوم بحقیقته فإنّما یعلم من جهه أجزائه، و کلّ ذى جزء فهو مرکّب فکلّ مرکّب فمحتاج إلى مرکّب یرکّبه و صانع یصنعه فإذن کلّ معلوم الحقیقه فهو مصنوع، و أمّا بطلان التالى فلأنّه تعالى لوکان مصنوعا لکان ممکنا مفتقرا إلى الغیر فلا یکون واجب الوجود لذاته هذا خلف.
السادس: و کلّ قائم فی سواه معلول
کالمقدّمه الّتی قبلها فی أنّها یحتمل أن تکون صغرى قیاس ضمیر من الشکل الأوّل أو الثانی دلّ به على أنّه تعالى لیس بقائم فی سواه: أى لیس لعرض فیحتاج إلى محلّ یقوم. تقدیره أنّ کلّ قائم سواه فهو معلول، و لا شی‏ء من المعلول بواجب الوجود أولا شی‏ء من واجب الوجود بمعلول فینتج أنّه لا شی‏ء من القائم فی سواه بواجب الوجود، و ینعکس کنفسها لا شی‏ء من واجب الوجود بقائم فی سواه. و یحتمل أن یکون کبرى القیاس و لا حاجه إلى عکس النتیجه، و یحتمل أن یکون ذکرها تنبیها على ملازمه قیاس استثنائىّ: أى لو کان قائما فی سواه لکان معلولا و لکن التالى باطل فالمقدّم کذلک، و بیان الملازمه أنّ القائم بغیره مفتقر إلى محلّ و کلّ مفتقر إلى غیره ممکن و کلّ ممکن معلول فی وجوده و عدمه، و أمّا بطلان التالى فلأنّه لو کان معلولا لما کان واجب الوجود.
السابع: فاعل لا باضطراب آله.
أمّا أنّه فاعل فلأنّه موجد العالم، و أمّا أنّه منزّه فی فاعلیّته عن اضطراب الآله فلتنزّهه عن الآله الّتی هى من عوارض الأجسام.
و قد سبق بیانه.
الثامن: مقدّر لا بحول فکره،
و معنى کونه مقدّرا کونه معطیا لکلّ موجود المقدار الّذی تستحقّه من الکمال من الوجود و لواحق الوجود کالأجل و الرزق و نحوهما على وفق القضاء الإلهى، و کون ذلک لا بحول فکره لأنّ الفکر من لواحق النفوس البشریّه بآله بدنیّه، و قد تنزّه قدسه تعالى عن ذلک.
التاسع: کونه غنیّا لا باستفاده
و کونه غنیّا یعود إلى عدم حاجته فی شی‏ء ما إلى شی‏ء ما. إذ لو حصل له شی‏ء باستفاده من خارج کسائر الأغنیاء لزم کونه ناقصا بذاته مفتقرا إلى ذلک المستفاد موقوفا على حصول سببه فکان ممکنا هذا خلف و هو تنزیه له عن الغنى المشهور المتعارف.
العاشر: کونه لا تصحبه الأوقات،
و ذلک أنّ الصحبه الحقیقیّه تستدعى‏ المعیّه و المقارنه اللذین هما من لواحق الزمان الّذی هو من لواحق الحرکه الّتی هى من لواحق الجسم المتأخّر وجوده عن وجوده بعض الملائکه المتأخّر وجوده عن وجود الصانع الأوّل- جلّت عظمته- فکان وجود الزمان و الوقت متأخّرا عن وجوده تعالى بمراتب من الوجود فلم تصدق صحبه الأوقات لوجوده و لا کونها ظرفا له و إلّا لکان مفتقرا إلى وجود الزمان فکان یمتنع استغناؤه عنه لکنّه سابق علیه فوجب استغناؤه عنه. نعم قد یحکم الوهم بصحبه الزمان للمجرّدات و معیّته لها حیث تقسمها إلى الزمانیّات. إذ کان لا تعقل المجرّدات إلّا کذلک.
الحادى عشر: کونه لا ترفده الأدوات
و ظاهر أنّ المفتقر إلى المعونه بأداه و غیرها ممکن لذاته فلا یکون واجب الوجود لأنّه تعالى خالق الأدوات فکان سابقا علیها فی تأثیره فکان غنیّا عنها فیمتنع علیه الحاجه إلى الاستعانه بها.
الثانی عشر: سبق الأوقات کونه
أى وجوده. و قد مرّ بیانه.
الثالث عشر: و العدم وجوده
أى و سبق وجوده العدم، و بیانه أنّه تعالى مخالف لسائر الموجودات الممکنه فإنّها محدثه فیکون عدمها سابقا على وجودها.
ثمّ إن لم تکن کذلک، وجودها و عدمها بالسبه إلى ذواتها على سواء کما بیّن فی مظانّه و لها من ذواتها أنّها لا تستحقّ وجودا و عدما لذواتها و ذلک عدم سابق على وجودها. فعلى کلّ تقدیر فوجودها یکون مسبوقا بعدم. بخلاف الموجود الأوّل- جلّت عظمته- فإنّه لمّا کان واجب الوجود لذاته کان لما هو هو موجودا فکان لحوق العدم له محالا فکان وجوده سابقا على العدم المعتبر لغیره من الممکنات، و لأنّ عدم العالم قبل وجوده کان مستندا إلى عدم الداعى إلى إیجاده المستند إلى وجوده فکان وجوده تعالى سابقا على عدم العالم. ثمّ تبیّن.
الرابع عشر. و الابتداء أزله،
و ذلک أنّ الأزل عباره عن عدم الأوّلیّه و الابتداء و ذلک أمر یلحق واجب الوجود لما هو هو بحسب الاعتبار العقلىّ و هو ینافی لحوق الابتداء و الأوّلیّه لوجوده تعالى فاستحال أن یکون له مبدء لامتناع اجتماع النقیضین بل سبق فی الأزلیّه ابتداء ما کان له ابتداء وجود من الممکنات‏ إذ هو مبدأها و مصدرها.
الخامس عشر: بتشعیره المشاعر عرف أن لا مشعر له
و ذلک أنّه تعالى لمّا خلق المشاعر و أوجدها و هو المراد بتشعیره لها امتنع أن یکون له مشعر و حاسّه و إلّا لکان وجودها له إمّا من غیره و هو محال: أمّا أوّلا فلأنّه مشعّر المشاعر و أمّا ثانیا فلأنّه یکون محتاجا فی کماله إلى غیره فهو ناقص بذاته هذا محال، و إمّا منه و هو أیضا محال لأنّها إن کانت من الکمالات الوهمیّه کان موجدا لها من حیث هو فاقد کمالا فکان ناقصا بذاته هذا محال، و إن لم یکن کمالا کان إثباتها له نقصا لأنّ الزیاده على الکمال نقصان فکان إیجاده لها مستلزما لنقصانه و هو محال.
السادس عشر: و بمضادّته بین الامور عرف أنّ لا ضدّ له
لأنّه لمّا کان خالق الأضداد فلو کان له ضدّ لکان خالقا لنفسه و لضدّه و ذلک محال، و لأنّک لمّا علمت أنّ المضادّه من باب المضاف و علمت أنّ المضاف ینقسم إلى حقیقىّ و غیر حقیقىّ فالحقیقىّ هو الّذی لا تعقل مهیّته إلّا بالقیاس إلى غیره، و غیر الحقیقىّ هو الّذی له فی ذاته مهیّه غیر الإضافه تعرض لها الإضافه و کیف ما کان لا بدّ من وجود الغیر حتّى یوجد المضاف من حیث هو مضاف فیکون وجود أحد المضافین متعلّقا بوجود الآخر فلو کان لواجب الوجود ضدّ لکان متعلّق الوجود بالغیر فلم یکن واجب الوجود لذاته هذا خلف، و لأنّ الضدّین هما الأمران الثبوتیان اللذان یتعاقبان على محلّ واحد، و یمتنع اجتماعهما فیه فلو کان بینه و بین غیره مضادّه لکان محتاجا إلى محلّ یعاقب ضدّه علیه، و قد ثبت أنّه تعالى غنىّ من کلّ شی‏ء.
السابع عشر: و بمقارنته بین الأشیاء عرف أن لا قرین له،
و برهانه أمّا أوّلا فلأنّه تعالى خلق المقترنات و مبدء المقارنه بینها فلو کان تعالى مقارنا لغیره لکان خالقا لنفسه و لقرینه و ذلک محال، و لأنّ المقارنه من باب المضاف و یمتنع أن یلحقه. على ما تقدّم.
الثامن عشر: کونه تعالى مضادّا بین الامور.
المضادّه تأکید لقوله: ولمضادّته للأشیاء. فمنها النور و الظلمه، و فی کونهما ضدّین خلاف بین العلماء مبنىّ على کون الظلمه أمرا وجودیّا أو عدمیّا و الأقرب أنّها أمر وجودیّ مضادّ للنور، و قال بعضهم: إنّها عباره عن عدم الضوء عمّا من شأنه أن یضی‏ء و لیست على هذا القول عدما صرفا فجاز أن یطلق علیها أنّها ضدّ مجازا، و منها البیاض و السواد و الجمود و البلل: أى الیبوسه و الرطوبه و الحراره و البروده. و مضادّته بینها خلقه لها على ما هى علیه من الطبایع المتضادّه.
التاسع عشر: کونه مؤلّفا بین متعادیاتها
فی أمزجه المرکّبات من العناصر الأربعه فإنّه جمع بینها فیها على وجه الامتزاج حتّى حصل بینها کیفیّه متوسّطه على ما مرّ بیانه فی الخطبه الاولى.
العشرون:کونه مقارنا بین متبایناتها.
الحادى و العشرون: کونه مقرّبا بین متباعداتها،
و مرّ نظیر هاتین الفقرتین فی الخطبه الاولى.
الثانی و العشرون: کونه مفرّقا بین متدانیاتها
أى بالموت و الفناء لهذه المرکّبات فی هذا العالم. و أشار إلى استناد فسادها إلیه أیضا إذ هو مسبّب الأسباب.
و قد طاوعته علیه السّلام المطابقه فی هذه القرائن فالتألیف بإزاء المعاداه، و المقارنه بإزاء المباینه، و القرب بإزاء البعد، و التفریق بإزاء التدانى.
الثالث و العشرون: کونه تعالى لا یشمله حدّ،
و المراد: إمّا الحدّ الاصطلاحى و ظاهر کونه تعالى لا حدّ له، إذ لا أجزاء له فلا تشمل و تحاط حقیقه بحدّ، و إمّا الحدّ اللغوىّ و هى النهایه الّتی تحیط بالجسم مثلا فیقف عندها و ینتهى بها و ذلک من لواحق الکمّ المتّصل و المنفصل و هما من الأعراض و لا شی‏ء من واجب الوجود سبحانه بعرض أو محلّ له فامتنع أن یوصف بالنهایه. و أمّا وصفه باللانهایه فعلى سبیل سلب النهایه عنه مطلقا بسلب معروضها کالمقدار مثلا لا على سبیل العدول بمعنى أنّه معروض النهایه و اللانهایه لکن لیست النهایه حاصله له.

الرابع و العشرون: کونه لا یحسب بعد
أى لا یلحقه الحساب و العدّ فیدخل فی جمله المحسوبات المعدوده، و ذلک أنّ العدّ من لواحق الکمّ المنفصل الّذی هو العدد کما هو معلوم فی مظانّه و الکمّ عرض، و قد ثبت أنّه تعالى لیس بعرض و لا محلّ له، و استحال أن یکون معدودا. و قوله: و إنّما تحدّ الأدوات أنفسها. فالأدوات إشاره إلى الآلات البدنیّه و القوى الجسمانیّه، و قد ثبت أنّها لا یتعلّق إدراکها إلّا بما کان جسما أو جسمانیّا على ما علم فی موضعه فمعنى قوله: و إنّما تحدّ الأدوات أنفسها. أى إنّما تدرک الأجسام و الجسمانیّات ما هو مثلها من الأجسام و الجسمانیّات، و مثل الشی‏ء هو هو فی النوع أو الجنس، و یحتمل أن یدخل فی ذلک النوع الفکر لامتناع انفکاکه عن الوهم و الخیال حین توجّهه إلى المعقولات لما بیّناه من حاجته إلیهما فی التصویر و الشبح فکان لا یتعلّق إلّا بمماثل ممکن، و لا یحیط إلّا بما هو فی صوره جسم أو جسمانیّ، و کذلک قوله: و یشیر الأشیاء إلى نظائرها. و قوله: منعتها منذ القدمیّه و حمتها قد الأزلیّه و جنّبتها لو لا التکمله. الضمائر المتّصله بالافعال الثلاثه تعود إلى الآلات و الأدوات و هى مفعولات اولى. و القدمیّه و الأزلیّه التکمله مفعولات ثانیه، و منذ و قد و لولا محلّها الرفع بالفاعلیّه، و معنى الکلمه الاولى أنّ إطلاق لفظه- منذ- على الآلات و الأدوات فی مثل قولنا: هذه الآلات وجدت منذ کذا یمنع کونها قدیمه.
إذ کان وضعها لابتداء الزمان و کانت لإطلاقها علیها متعیّنه الابتداء و لا شی‏ء من القدیم بمتعیّن الابتداء فینتج أنّه لا شی‏ء من هذه الأدوات و الآلات بقدیم، و کذلک إطلاق لفظه- قد- علیها یحمیها و یمنعها من کونها أزلیّه إذ کانت- قد- تفید تقریب الماضى من الحال فإطلاقها علیها کما فی قولک: قد وجدت هذه الآله وقت کذا. یحکم بقربها من الحال و عدم أزلیّتها و لا شی‏ء من الأزلىّ بقریب من الحال فلا شی‏ء من هذه الآلات بأزلىّ. و کذلک إطلاق لفظ- لولا- على‏ هذه الآلات تجنّبها التکمله. إذ کان وضع لولا دالّا على امتناع الشی‏ء لوجود غیره فإطلاقها علیها فی مثل قولک عند نظرک إلى بعض الآلات المستحسنه و الخلقه العجیبه و الأذهان المتوقّده: ما أحسنها و أکملها لولا أنّ فیها کذا. فیدلّ بها على امتناع کمالها لوجود نقصان فیها فهى مانعه لها من الکمال المطلق، و إنّما أشار إلى حدوثها و نقصانها لیؤکّد کونها غیر متعلّقه بتحدیده سبحانه، و أنّها فی أبعد بعید من تقدیره و الإشاره إلیه. إذ کان القدیم الکامل فی ذاته التامّ فی صفاته أبعد الأشیاء عن مناسبته المحدث الناقص فی ذاته فکیف یمکن أن یدرکه أو یلیق أن یطمع فی ذلک، و قال بعض الشارحین: المراد بالأدوات و الآلات أهلها. و قد روى برفع القدمیّه و الأزلیّه و التکمله على الفاعلیّه. و الضمائر المتّصله بالأفعال مفعولات اولى، و منذ و قد و لولا مفعولات ثانیه، و یکون المعنى أنّ قدمه تعالى و أزلیّته و کماله منعت الأدوات و الآلات من إطلاق منذ و قد و لو لا علیه سبحانه لدلالتها على الحدوث و الابتداء المنافیین لقدمه و أزلیّته و کماله. و الروایه الاولى أولى لوجودها فی نسخه الرضیّ- رضى اللّه عنه- بخطّه. و قوله: بها تجلّى صانعها للعقول. أى بوجود هذه الآلات ظهور وجوده تعالى للعقول. إذ کان وجودها مستلزما لوجود صانعها بالضروره، و إحکامها و إتقانها شاهد بعلمه و حکمته شهاده تضطرّ إلى الحکم بها العقول، و کذلک تخصیصها بما تخصّصت به من الکمالات شاهد بإرادته و کمال عنایته فیکون ما شهد به وجودها من وجود صانعها أجلى و أوضح من أن یقع فیه شکّ أو یلحقه شبهه، و یتفاوت ذلک الظهور و التجلّى بحسب تفاوت صقال النفوس و جلائها فمنها من یراه بعد، و منها من یراه مع، و منها من یراه قبل، و منها من یراه لا شی‏ء معه و اولئک علیهم صلوات من ربّهم و رحمه و اولئک هم المهتدون. و قوله: و بها امتنع عن نظر العیون. أى بإیجادها و خلقها بحیث تدرک بحاسّه البصر علم أنّه تعالى یمتنع أن‏ یکون مرئیّا مثلها، و بیانه أنّ تلک الآلات إنّما کانت متعلّقه حسّ البصر باعتبار أنّها ذات وضع و جهه و لون و غیره من شرائط الرؤیه، و لمّا کانت هذه الامور ممتنعه فی حقّه تعالى لا جرم امتنع أن یکون محلّا لنظر العیون، و قال بعض الشارحین فی بیان ذلک: إنّه لمّا کان بالمشاعر و الحواسّ الّتی هى الآلات المشار إلیها أکملت عقولنا، و بعقولنا استخرجنا الدلیل على أنّه لا یصحّ رؤیته فإذن بخلق هذه الأدوات و الآلات لنا عرفناه عقلا و عرفناه أنّه یستحیل أن یعرف بغیر العقل.
الخامس و العشرون: کونه تعالى منزّها أن یجرى علیه السکون و الحرکه،
و قد أشار علیه السّلام إلى بیان امتناعهما علیه من أوجه: أحدها: قوله: و کیف یجرى علیه. إلى قوله: أحدثه، و هو استفهام على سبیل الاستنکار لجریان ما أجراه علیه و عود ما أبداه و أنشأه إلیه و حدوث ما أحدثه فیه. و بیان بطلان ذلک أنّ الحرکه و السکون من آثاره سبحانه فی الأجسام و کلّ ما کان من آثاره یستحیل أن یجرى علیه و یکون من صفاته: أمّا المقدّمه الاولى فظاهره، و أمّا الثانیه فلأنّ المؤثّر واجب التقدّم بالوجود على الأثر فذلک الأثر إمّا أن یکون معتبرا فی صفات الکمال فیلزم أن یکون تعالى باعتبار ما هو موجد له و مؤثّر فیه ناقصا بذاته مستکملا بذلک الأثر، و النقص علیه تعالى محال، و إن لم یکن معتبرا فی صفات کماله فله الکمال المطلق بدون ذلک الأثر فکان إثباته صفه له نقصا فی حقّه لأنّ الزیاده على الکمال المطلق نقصان و هو علیه تعالى محال. الثانی: لو کان کذلک للزم التغیّر فی ذاته تعالى و لحوق الإمکان له، و دلّ على ذلک بقوله: إذن لتفاوتت ذاته: أى تغیّرت بطریان الحرکه علیها تاره و السکون اخرى لأنّ الحرکه و السکون من الحوادث المتغیّره فیکون تعالى بقوله: لتعاقبهما محلّا للحوادث فی التغیّرات فکان متغیّرا لکن التغیّر مستلزم للإمکان فالواجب لذاته ممکن لذاته هذا خلف. الثالث: لو کان کذلک للزم حقیقته التجزیه و الترکیب لکنّ التالى باطل‏ و المقدّم کذلک. أمّا الملازمه فلأنّ الحرکه و السکون من عوارض الجسم الخاصّه به فلو یوصف تعالى بها لکان جسما و کلّ جسم فهو مرکّب قابل للتجزئه، و أمّا بطلان التالى فلأنّ کلّ مرکّب مفتقر إلى أجزائه و ممکن فالواجب ممکن.
هذا خلف. الرابع: أنّه لو کان کذلک للزم أن یبطل من الأزل معناه: أمّا على طریق المتکلّمین فظاهر لأنّ الحرکه و السکون من خواصّ الأجسام الحادثه فکان الموصوف بهما حادثا فلو کان تعالى موصوفا بهما لبطل من الأزل معناه و لم یکن أزلیّا.
و أمّا على رأى الحکماء فلأنّه تعالى لکونه واجب الوجود لذاته یستحقّ الأزلیّه، و لکون الممکن ممکنا لذاته فهو إنّما یستحقّ الأزلیّه لالذاته بل لأزلیّه علّته و تمامها أزلا حتّى لو توقّفت علّته على أمر ما فی مؤثریّتها لزم حدوث الممکن و لم یکن له من ذاته إلّا کونه لا یستحقّ لذاته وجودا و لا عدما و هو معنى الحدوث الذاتىّ عندهم. فعلى هذا لو کان تعالى قابلا للحرکه و السکون لکان جسما ممکنا لذاته فکان مستحقّا للحدوث الذاتىّ بذاته فلم یکن مستحقّا للأزلیّه بذاته فیبطل من الأزلیّه معناه و هو استحقاقه الأزلیّه بذاته لکن التالى باطل لما مرّ. الخامس: أنّه لو کان کذلک للزم أن یکون له وراء إذ وجد له أمام، و وجه الملازمه أنّه لو جرت علیه الحرکه لکان له أمام یتحرّک إلیه و حینئذ یلزم أن یکون له وراء إذ له أمام لأنّهما إضافیّتان لا تنفکّ إحداهما عن الاخرى لکن ذلک محال لأنّ کلّ ذى وجهین فهو منقسم و کلّ منقسم فهو ممکن على ما مرّ. السادس: لو کان کذلک لالتمس التمام إذ لزمه النقصان، و بیان الملازمه أنّ جریان الحرکه علیه مستلزم لتوجّهه بها إلى غایه إمّا جلب منفعه أو دفع مضرّه. إذ من لوازم حرکات العقلاء ذلک، و على التقدیرین فهما کمال مطلوب له لنقصان لازم لذاته لکنّ النقصان بالذات و الاستکمال بالغیر مستلزم الإمکان‏ فالواجب ممکن. هذا خلف. السابع: لو کان کذلک لقامت آیه المصنوع فیه، و بیان الملازمه أنّه حینئذ یکون قادرا على الحرکه و السکون فقدرته علیهما لیست من خلقه و إلّا لافتقر إیجاده لها إلى قدره اخرى سابقه علیها و لزم التسلسل و کان قادرا قبل أن کان قادرا و هما محالان فهى إذن من غیره فهو إذن مفتقر فی کماله إلى غیره فهو مصنوع و فیه آیات الصنع و علامات التأثیر فلیس هو بواجب الوجود. هذا خلف. الثامن: لو کان کذلک لتحوّل دلیلا بعد أن کان مدلولا علیه، و ذلک أن یکون مصنوعا على ما مرّ و کلّ مصنوع فیستدلّ به على صانعه کما هو المشهور فی الاستدلال بوجود العالم و حدوثه على وجود صانعه، و لأنّه یکون جسما فیکون مصنوعا فکان دلیلا على الصانع لکنّه هو الصانع الأوّل للکلّ و هو المدلول علیه فاستحال أن یکون دلیلا من جهه آثار الصنع فیه فاستحال أن یکون قابلا للحرکه و السکون فاستحال أن یجریا علیه. فانظر إلى هذه النفس الملکیّه له علیه السّلام کیف یفیض عنها هذه الأسرار الإلهیّه فیضا من غیر تقدّم مزاوله الصنائع العقلیّه و ممارسه البحث فی هذه الدقائق الإلهیّه. و أمّا قوله: و خرج بسلطان الامتناع.
إلى قوله: غیره. فقد یسبق إلى الوهم عطفه على الأدلّه المذکوره، و ظاهر أنّه لیس کذلک، بل هو عطف على قوله: امتنع. أى بها امتنع عن نظر العیون و خرج ذلک الامتناع: أى امتناع أن یکون مثلها فی کونها مرئیّه للعیون و محلّا للنظر إلیها عن أن یؤثّر فیه ما یؤثّر فی غیره من المرئیّات، و هى الأجسام و الجسمانیّات، و ظاهر أنّه تعالى لمّا امتنع عن نظر العیون إذ لم یکن جسما و لا قائما به فخرج بسلطان استحقاق ذلک الامتناع عن أن یؤثّر فیه ما یؤثّر فی غیره من الأجسام و الجسمانیّات و عن قبول ذلک. و قال بعض الشارحین: إنّه عطف على قوله: تجلّى: أى بها تجلّى للعقول و خرج بسلطان الامتناع کونه مثلا لها: أى یکون واجب الوجود ممتنع العدم عن أن یکون ممکنا فیقبل أثر غیره کما یقبل الممکنات.
السادس و العشرون: کونه تعالى لا یحول
أى لا ینتقل و یتغیّر من حال‏ إلى حال لما علمت من استلزام التغیّر للإمکان الممتنع علیه.
السابع و العشرون : و کذلک لا یزول.
الثامن و العشرون: و کذلک لا یجوز علیه الافول
و الغیبه بعد الظهور لما یستلزم من التغیّر أیضا.
التاسع و العشرون: کونه لم یلد فیکون مولودا و لم یولد فیکون محدودا.
فالجمله الاولى تشتمل على دعوى و الإشاره إلى البرهان، و هو فی صوره قیاس استثنائىّ تقدیره: لو کان له ولد لکان مولودا و حینئذ یکون الجمله الثانیه و هى قوله: و لم یولد. فی قوّه استثناء نقیض التالى، و قوله: فیکون محدودا فی قوّه قیاس استثنائىّ یدلّ على بطلان التالى، و تقدیره: لأنّه لو کان مولودا لکان محدودا. و اعلم أنّه یحتمل أن یرید بقوله: مولودا. ما هو المتعارف فیکون قد سلک فی ذلک مسلک المعتاد الظاهر فی بادى النظر بحسب الاستقراء أنّ کلّ ماله ولد فإنّه یکون مولودا و إن لم یجب ذلک فی العقل، و قد علمت أنّ الاستقراء ممّا یستعمل فی الخطابه و یحتجّ به فیکون مقنعا. إذ کانت غایتها الاقناع، و یحتمل أن یرید به ما هو أعمّ من المفهوم المتعارف أعنى التولّد عن آخر مثله من نوعه فإنّ ذلک غیر واجب کما فی اصول أنواع الحیوان الحادثه، و حینئذ یکون بیان الملازمه الاولى على الاحتمال الأوّل ظاهر، و أمّا على تقدیر الثانی فنقول فی بیانها: إنّ مفهوم الولد هو الّذی یتولّد و ینفصل عن آخر مثله من نوعه لکن أشخاص النوع الواحد لا یتعیّن فی الوجود مشخّصا إلّا بواسطه المادّه و علاقتها على ما علم ذلک فی مظانّه من الحکمه، و کلّ ما کان مادیّا و له علاقه بالمادّه کان متولّدا عن غیره و هو مادّته و صورته و أسباب وجوده و ترکیبه، و أمّا بیان الملازمه الثانیه فی برهان بطلان التالى فلأنّه لمّا لزم من کونه ذا ولد أن یکون مشارکا فی النوع لغیره ثبت أنّه متولّد من مادّه و صوره و مرکّب عنهما و عن جزئین بأحدهما یشارک نوعه و بالآخر ینفصل. فهو إذن منته إلى حدود و هی أجزاؤه الّتی یقف عندها و ینتهى فی التحلیل إلیها. فثبت أنّه تعالى لو کان مولودا لکان محدودا لأنّه لو کان مولودا لکان محاطا و محدودا بالمحلّ المتولّد منه لکن کلّ محدود على الاعتبارین مرکّب و کلّ مرکّب ممکن. هذا خلف. فإذن لیس هو بمحدود فلیس هو بمولود فلیس هو بذى ولد، و إن شئت أن تجعل المقدّمتین فی قوّه قیاس حملىّ مرکّب من شرطیّتین متّصلتین و الشرکه بینهما فی جزء تامّ، و تقدیره: لو کان تعالى ذا ولد لکان مولودا و لو کان مولودا لکان محدودا، و النتیجه لو کان ذا ولد لکان محدودا. ثمّ یستنتج من استثناء نقیض تالى هذه النتیجه عن المطلوب.
و بیان الملازمتین و نقیض تالى النتیجه ما سبق.
الثلاثون: کونه جلّ عن اتّخاذ الأبناء
أى علا و تقدّس عن ذلک، و هو تأکید لما سبق. و بیانه أنّه یستلزم لحوق مرتبته بمراتب الأجسام الّتی هى فی معرض الزوال و قبول التغیّر و الاضمحلال.
الحادى و الثلاثون: کونه طهر عن ملامسه النساء
و ذلک لما یستلزمه الملامسه من الجسمیّه و الترکیب الّذی تنزّه قدسه عنه، و طهارته تعود إلى تقدّسه عن الموادّ و علائقها من الملامسه و المماسّه و غیرها.
الثانی و الثلاثون: کونه لا تناله الأوهام فیقدّره
أى لو نالته الأوهام لقدّرته لکنّ التالى باطل فالمقدّم کذلک. بیان الملازمه: أنّک علمت أنّ الوهم إنّما یدرک المعانی المتعلّقه بالمادّه و لا ترتفع إدراکه عن المعانی المتعلّقه بالمحسوسات، و شأنه فیما یدرکه أن یستعمل المتخیّله فی تقدیره بمقدار مخصوص و کمیّه معیّنه و هیئه معیّنه و یحکم بأنّها مبلغه و نهایته. فلو أدرکته الأوهام لقدّرته بمقدار معیّن و فی محلّ معیّن. فأمّا بطلان التالى فلأنّ المقدار محدود و مرکّب و محتاج إلى المادّه و التعلّق بالغیر، و قد سبق بیان امتناعه.
الثالث و الثلاثون: و لا یتوهّمه الفطن فتصوّره.
و فطن العقول: سرعه حرکتها فی تحصیل الوسط فی المطالب، و إنّما قال: لا یتوهّمه الفطن لأنّ القوّه العقلیّه عند توجّهها فی تحصیل المطالب العقلیّه المجرّده لا بدّ لها من استتباع الوهم و المتخیّله و الاستعانه بها فی استثباتها بالشبح و التصویر بصوره یحطّها إلى‏ الخیال على ما علم ذلک فی موضعه. و لذلک ما کانت رؤیتها لجبرئیل فی صوره دحیه الکلبىّ. و کذلک المعانی المدرکه للنفوس فی النوم من الحوادث فإنّها لا یتمکّن من استثباتها عند اقتناصها من عالم التجرید و بقائها إلى حال الیقظه فی صوره خیالیّه مشاهده کما علمت ذلک فی صدر الکتاب. فظهر إذن معنى قوله: لا یتوهّمه الفطن فتصوّره: أى لو أدرکته لکان ذلک بمشارکه الوهم فکان یلزم أن یصوّره بصوره خیالیّه لکنّه تعالى منزّه عن الصوره فکان منزّها عن إدراکها.
الرابع و الثلاثون: لا تدرکه الحواسّ فتحسّه.
و أراد لو أدرکته الحواسّ لصدق علیه أنّها تحسّه و لزم کونه محسوسا، و بیان ذلک أنّ الإدراک و إن کان أعمّ من الإحساس لکن بإضافته إلى الحواسّ صار مساویا و ملازما له.
فإن قلت: إنّه لا معنى للإحساس إلّا إدراک الحواسّ فیکون کأنّه قال: لا تحسّه الحواسّ فتحسّه. و ذلک تکرار غیر مفید.
قلت: لیس مقصوده أنّه یلزم من معنى الإدراک معنى الإحساس بل مراده أنّ الّذی یصدق علیه أنّه إدراک الحواسّ هو المسمّى بالإحساس فیکون التقدیر أنّ الحواس لو أدرکته لصدق أنّها أحسّته أى لصدق هذا الاسم و لزم من صدقه علیها أن یصدق علیه کونه محسوسا، و إنّما ألزم ذلک کون الإحساس أشهر و أبین فی الاستحاله علیه تعالى من الادراک فجعله کالأوسط فی نفى إدراکها عنه لشنعته، و أمّا بیان أنّه تعالى لیس بمحسوس فلأنّه تعالى لیس بجسم و لا جسمانىّ و کلّ محسوس فإمّا جسم أو جسمانىّ فینتج أنّه تعالى لیس بمحسوس.
الخامس و الثلاثون: کونه تعالى لا تلمسه الأیدى فتمسّه
أى لو صدق علیها أنّها تلمسه لصدق أنّها تمسّه و هو ظاهر. إذ کان المسّ أعم من اللمس، و کلاهما ممتنعان علیه لاستلرامهما الجسمیّه الممتنعه علیه تعالى.
السادس و الثلاثون: کونه لا یتغیّر بحال
أى أبدا و البتّه و على وجه من الوجوه.
السابع و الثلاثون و لا یتبدّل فی الأحوال
أى لا ینتقل من حال إلى حال.و قد سبق بیان ذلک.
الثامن و الثلاثون: کونه لا تبلیه اللیالى و الأیّام
أمّا أوّلا فلأنّه تعالى لیس بزمانىّ یدخل تحت تصریف الزمان حتّى تبلیه، و أمّا ثانیا فلأنّ لحوق الإبلاء له تغیّر فی ذاته. و قد علمت امتناع التغیّر علیه، و أمّا ثالثا فلأنّ البالى من الامور المادیّه. و کلّ ذى مادّه فهو مرکّب على ما مرّ.
التاسع و الثلاثون: کونه لا یغیّره الضیاء و الظلام،
و ذلک لامتناع التغیّر علیه.
الأربعون: کونه لا یوصف بشی‏ء من الأجزاء
لأنّ کلّ ذى جزء مفتقر إلى جزء الّذی هو غیره فکان مفتقرا إلى غیره فکان ممکنا فی ذاته. هذا خلف.
الحادى و الأربعون: و لا بالجوارح و الأعضاء
لما یلزم من الجسمیّه و الترکیب و التجزیه.
الثانی و الأربعون: و لا بعرض من الأعراض
أقول: الأعراض تنحصر فی تسعه أجناس کما هو معلوم فی مظانّه، و ذلک أنّ کلّ الموجودات سوى اللّه تعالى مقسوم بعشره أقسام واحد منها جوهر و التسعه الباقیه أعراض، و یظهر بتقسیم هکذا: کلّ ما عداه سبحانه فوجوده زاید على مهیّته بالبراهین القاطعه فمهیّته إمّا أن تکون بحیث إذا وجدت کان وجودها لا فی موضوع. و هذا المعنىّ بالجوهر، أو یکون وجودها فی موضوع و هو المعنىّ بالعرض. و نعنی بالموضوع المحلّ الّذی لا یتقوّم بما یحلّ فیه بل یبقى حقیقته کما کانت قبل حلوله کالجسم الّذی یحلّه السواد. ثمّ العرض ینقسم إلى أقسامه التسعه و هى الکم و الکیف و المضاف و أین و متى و الوضع و الملک و أن یفعل و أن ینفعل. و تسمّى هذه الأقسام مع القسم العاشر و هو الجوهر المقولات العشر و الأجناس العالیه، و لنرسم کلّ واحد منها لیظهر أنّه تعالى منزّه عن الوصف بشی‏ء منها. فنقول، أمّا الجوهر فقد عرفت رسمه، و أمّا الکمّ فرسم بأنّه العرض الّذی یقبل لذاته المساواه و اللامساواه و التجزّى. و یقبل الجوهر بسببه هذه الصفات، و أمّا الکیف فقد عرفته و عرفت‏ أقسامه، و أمّا الإضافه فهى حاله للجوهر تعرض بسبب کون غیره فی مقابلته و لا یعقل وجودها إلّا بالقیاس إلى ذلک الغیر کالابّوه و البنوّه و قد عرفتها و عرفت أیضا أقسامها من قبل، و امّا الأین فهی حاله و هیئه تعرض للجسم بسبب نسبته إلى المکان و کونه فیه و لیس مجرّد النسبه إلیه، و أمّا متى فهى حاله تعرض للشی‏ء بسبب نسبته إلى زمانه و کونه فیه أو فی طرفه و هو الآن، و أمّا الوضع فهو هیئه یعرض للجسم بسبب نسبه أجزائه بعضها إلى بعض نسبه یختلف الأجزاء لأجلها بالقیاس إلى سائر الجهات کالقیام و القعود، و أمّا الملک فقد عرفت بأنّه نسبه إلى ملاصق ینقل بانتقال ما هو منسوب إلیه کالتسلّخ و التقمّص، و أمّا أن یفعل فهو کون الشی‏ء بحیث یؤثّر فی غیره ما دام مؤثّرا فیه کالتقطیع حاله التأثیر، و أمّا أن ینفعل و هو کون الشی‏ء متأثّرا عن غیره ما دام متأثّرا کالقطیع.
إذا عرفت ذلک فنقول: أمّا البرهان الجملىّ على امتناع اتّصافه تعالى بهذه الأعراض و استحاله کونه موضوعا لها فما سبق بیانه علیه السّلام بقوله: فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه و من قرنه فقد ثنّاه، و کذلک ما بیّناه من استلزام وصفه بشی‏ء حصول التغیّر فی ذاته و امتناع التغیّر علیه، و أمّا التفصیلىّ فأمّا امتناع وصفه بالکمّ فلأنّه لو صدق علیه الکمّ لصدق علیه قبول المساواه و المقارنه و التجزّى و کلّما قبل التجزیه کان متکثّرا و قابلا للکثره و قد ثبت أنّه تعالى واحد من کلّ وجه فیمتنع علیه الکمّ، و أمّا امتناع وصفه بالکیف فقد علمته فی أوّل الخطبه، و کذلک امتناع وصفه بالمضاف، و أمّا وصفه بالأین فلأنّه یستلزم أن یکون متحیّزا محویّا لکن کونه کذلک محال فکونه فی المکان محال، و أمّا وصفه بمتى فقد عرفته أنّه تعالى لیس بزمانىّ فاستحال أن یوصف بالنسبه إلى زمان یکون له، و أمّا وصفه بالوضع فلأنّ الوضع من خواصّ المحیّزات فإنّ الجسم المتناهی یحیط به سطح لا محاله أو سطوح ینتهى عندها فیکتنف حدّا و حدودا و نهایات و یکون له شکل و هیئه لکنّه تعالى لیس بمتحیّز فاستحال أن یکون ذا وضع، و أمّا الملک فلأنّه أیضا من خواصّ الأجسام المحاط بها إذ ما لیس بجسم و لا یحاط به بشی‏ء ینتقل بانتقاله و قد تنزّه تعالى عن الجسمیّه و أن یحیط به شی‏ء، و أمّا أن یفعل فلأنّ الفعل لا یصدق علیه إلّا بطریق الإبداع و محض الاختراع و الإبداع هو أن یکون للشی‏ء وجود من غیره متعلّق به فقط دون توسّط مادّه أو آله أو زمان و الفعل أعمّ من الإبداع إذ المفهوم من الفعل هو أن یوجد بسبب وجوده شی‏ء آخر سواء کان ذلک لسبب حرکه من الفاعل أو آله أو مادّه أو زمان أو قصد اختیارىّ فیقال للنجّار: إنّه فاعل و للسریر إنّه فعل، و یقال: لا بتوسط شی‏ء من ذلک بل بطبع و تولّد کالشمس فإنّها فاعله للنور و النور فعلها فالفعل إذن ینقسم إلى ما یکون بقصد و اختیار و إلى ما لا یکون کذلک بل یصدر عنه لأنّه ذات تفیض عنها ذلک الشی‏ء. ثمّ إن کان عالما بفیضان الشی‏ء عنه سمیّت تلک الإفاضه جودا و الفاعل بذلک الاعتبار جوادا و إن لم یکن عالما به تسمّى تلک الإفاضه طبعا و تولّدا کفیضان النور عن الشمس فالفاعل إمّا أن یفعل بالقصد و الغرض أو بالجود المحض أو بالطبع المحض، و البارى تعالى لا یجوز أن یفعل لغرض لأنّ الغرض و القصد إن کان أولى به لذاته کانت ذاته مستکمله بتلک الأولیّه ناقصه بعدمها هذا محال، و إن لم تکن أولى به کان ترجیحا من غیر مرجّح. ثمّ لا یجوز أن یکون أولى بالنظر إلى العبد لأنّ تلک الأولیّه و عدمها إن کانا بالنسبه إلیه على سواء فلا ترجیح أولا على سواء فیعود حدیث النقصان و الکمال فکان تعالى منزّها عن الفعل بهذا الوجه بل إنّما یصدر منه على وجه الإبداع بجوده المحض. و فی هذه المسأله بحث طویل لیس هذا موضعه، و أمّا وصفه بأن ینفعل فلأنّ الانفعال یستلزم التغیّر فی ذاته المستلزم للإمکان و قد تنزّه قدسه عنه.
الثالث و الأربعون: و لا بالغیریّه و الأبعاض
أى لیس له أبعاض یغایر بعضها بعضا لأنّ ذلک مستلزم للتجزئه و الترکیب الممتنعین علیه و امتناع اللازم یستلزم امتناع الملزوم.
الرابع و الأربعون: و لا یقال له حدّ و لا نهایه
لأنّ الحدود و النهایات من عوارض الأجسام ذوات الأوضاع و لواحقها. على ما سبق.

الخامس و الأربعون: و کذلک و لا انقطاع و لا غایه
أى لا انقطاع لوجوده و لا غایه له، و ذلک لأنّ الانقطاع عند الغایات من لواحق الامور الزمانیّه المحدثه الکاینه الفاسده، و قد بیّنا امتناع کونه تعالى زمانیّا و کونه مادیّا، و لأنّه تعالى واجب الوجود فیستحیل أن یلحقه العدم أو یتناهى وجوده و ینقطع عند غایه.
السادس و الأربعون. و لا أنّ الأشیاء تحویه فتقلّه أو تهویه
روی ما بعد الفاء منصوبا و علیه نسخه الرضى- رحمه اللّه- و ذلک بإضمار أن عقیبها فی جواب النفى، و روی مرفوعا على العطف. و المعنى أنّه لیس بذى مکان یحویه فیرتفع بارتفاعه و ینخفض بانخفاضه لما أنّ ذلک من لواحق الجسمیّه، و کذلک أو أنّ شیئا یحمله فیمیله أو یعدله.
السابع و الأربعون: لیس فی الأشیاء بوالج و لا عنها بخارج
لأنّ الدخول و الخروج من لواحق الأجسام أیضا فما لیس بجسم و لا جسمانىّ فهما مسلوبان عنه سلبا مطلقا لا السلب المقابل للملکه.
الثامن و الأربعون: کونه یخبر بلا لسان و لهوات
لأنّ اللسان و اللهوات من لواحق الأجسام الحیوانیّه المنزّه قدسه عنها، و السلب هاهنا کالّذی قبله. و الأخبار هو النوع الأکثر من الکلام و لذلک خصّه هنا بالذکر، و زعمت الأشعریّه أنّ الخبر هو أصل الکلام کلّه و إلیه یرجع أنواعه کالأمر و النهى و الاستفهام و التمنّى و الترجىّ و غیرها. ثمّ اختلف المتکلّمون فی حقیقه الکلام فاتّفقت المعتزله على أنّه المرکّب من الحرف و الصوت، و جمهور الأشعریّه على أنّ وراء الکلام اللسانىّ معنى قائم بالنفس یعبّر عنه بالکلام النفسانىّ و لفظ الکلام حقیقه فیه و فی اللسانىّ مجاز، و منهم من جعله حقیقه فی اللسانىّ مجاز فی النفسانىّ، و منهم من جعله مشترکا فیهما فکون اللّه تعالى متکلّما یعود إلى خلقه الکلام فی جسم الشی‏ء عند المعتزله، و عند الأشعریّه أنّه معنى قائم بذاته و

هذه الأصوات و الحروف المسموعه دلالات علیه. و سیفسّر علیه السّلام معنى‏

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷۰
کلامه تعالى.
التاسع و الأربعون: یسمع بلا خروق و أدوات
أى لیس سمعه بأداه هى الاذن و الصماخات کما یسمع الإنسان لتنزّهه تعالى عن الآلات الجسمانیّه، و قد کان هذا البرهان کافیا فی منع إطلاق السمیع علیه تعالى لکن لمّا ورد الإذن الشرعىّ بإطلاقه علیه و لم یمکن حمله على ظاهره و حقیقته وجب صرفه إلى مجازه و هو العلم بالمسموعات إطلاقا لاسم السبب على المسبّب. إذ کان السمع من أسباب العلم فإذن کونه تعالى سمیعا یعود إلى علمه بالمسموعات.
الخمسون: یقول و لا یلفظ
و إطلاق لفظ القول علیه کإطلاق الکلام.
و أمّا التلفّظ فلمّا کان عباره عن إخراج الحرف من آله النطق و هى اللسان و الشفه لا جرم لم یصدق فی حقّه لعدم الآله هنالک و کان الشارع لم یأذن فی إطلاقه علیه تعالى لما أنّ دلالته على الآله المذکوره أقوى من الکلام و القول.
الحادى و الخمسون: کونه یحفظ و لا یتحفّظ.
و حفظه یعود إلى علمه بالأشیاء، و لمّا کان المعروف من العاده أنّ الحفظ یکون بسبب التحفّظ و کان ذلک فی حقّه تعالى محالا لاستلزامه الآلات الجسمانیّه لا جرم احترز عنه. و قال بعض الشارحین: إنّما یرید بالحفظ أنّه یحفظ عباده و یحرسهم و لا یتحفّظ منهم: أى لا یحتاج إلى حراسه نفسه منهم. و هذا بعید الإراده هنا.
الثانی و الخمسون: یرید و لا یضمر
فإرادته تعالى تعود إلى اعتبار کونه تعالى عالما بما فی الفعل من الحکمه و المصلحه الّذی هو مبدء فعله، و لا فرق فی حقّه تعالى بین الإراده و الداعى، و لمّا کان المتعارف من الإراده أنّها میل القلب نحو ما یتصوّر کونه نافعا و لذیذا و ذلک المیل من المضمرات المستکنّه فی القلب لا جرم کان إطلاق الإراده فی حقّه یستلزم تصوّر الإضمار و لمّا تنزّه سبحانه عن الإضمار لا جرم احترز عنه فی إطلاق المرید علیه تعالى فکان ذلک الاحتراز کالقرینه الصارفه للّفظ عن حقیقته إلى مجازه و هو الاعتبار المذکور.
الثالث و الخمسون: کونه یحبّ و یرضى من غیر رقّه
فالمحبّه منه تعالى‏

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷۱
إراده هى مبدء فعل ما فمحبّته للعبد إرادته لثوابه و تکمیله و ما هو خیر له، و أمّا من العبد فهى إراده تقوى و تضعف بحسب تصوّر المنفعه و اللذّه و اعتقاد کمالها و نقصانها، و محبّته للّه هى إراده طاعته، و أمّا الرضا فقریب من المحبّه و یشبه أن یکون أعمّ منها لأنّ کلّ محبّ راض عمّا أحبّه و لا ینعکس. فرضاه تعالى عن العبد یعود إلى علمه تعالى بموافقته لأمره و طاعته له، و المفهوم منه فی حقّ العبد هو سکون نفسه بالنسبه إلى موافقه و ملایمه عند تصوّر کونه موافقا و ملایما، و لمّا کان الرضا و المحبّه من الإنسان لغیره یستلزم الرقّه القلبیّه له و الانفعال النفسانىّ عن تصوّر المعنى الّذی لأجله حصلت المحبّه و المیل إلیه و الداعى إلى الرضا عنه و کان البارى سبحانه منزّها عن الرقّه و الانفعال لتنزّهه عن قوابلها لا جرم احترز بقوله: من غیر رقّه.
الرابع و الخمسون: و یبغض و یغضب من غیر مشقّه
فالبغض منه تعالى للعبد یضادّ محبّته له و یعود إلى کراهته لثوابه، و کراهته یعود إلى علمه بعدم استحقاقه للثواب و أنّه لا مصلحه فی ثوابه و یلزمها إراده إهانته و تعذیبه، و البغض من العبد هو کراهته للغیر و میل نفسه عنه لتصوّر کونه مضرّا و مولما و یلزم ذلک النفره الطبعیّه منه و ثوران القوّه الغضبیّه علیه و إراده إهانته. و أمّا الغضب فیعود من اللّه تعالى إلى علمه بمخالفه أوامره و عدم طاعته له، و المفهوم منه فی حقّ العبد ثوران النفس و حرکه قوّتها الغضبیّه عن تصوّر المؤذى و الضارّ لإراده مقاومته و رفعه. و لمّا کان البغض و الغضب یستلزمان ثوران دم القلب و کان ذى النفس یستلزم مشقّه و کلفه لا جرم احترز عنها فی إطلاق لفظ البغض و الغضب علیه فقال: من غیر مشقّه. و اعلم أنّ إطلاق لفظ المحبّه و الرضا على ما ذکرناه من الاعتبارات فی حقّه مجاز. إذ کانت حقیقه الرضا هى سکون النفس الإنسانیّه و المحبّه میلها إلى النافع فإطلاقهما على العلم إطلاق لاسم اللازم على الملزوم، و کذلک إطلاق لفظى البغض و الغضب فی حقّه تعالى على علمه المخصوص.
الخامس و الخمسون: یقول لما أراد کونه کن فیکون
فإرادته لکونه هو

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷۲
عمله بما فی وجوده من الحکمه، و قوله: کن. إشاره إلى حکم قدرته الأزلیّه علیه بالایجاد و وجوب الصدور عن تمام مؤثریّته، و قوله: فیکون. إشاره إلى وجوده. و دلّ على اللزوم و عدم التأخّر و التراخى بالفاء المقتضیه للتعقیب بلا مهله.
السادس و الخمسون: لا بصوت یقرع
أى لیس بذى حاسّه للسمع فیقرعها الصوت، و ذلک أنّ الصوت کیفیّه یحدث فی الهواء عن قلع أو قرع وقوعه لما یصل إلیه من الصماخ أو جسم آخر هو وقع علیه بشدّه و عنف، و ذلک حال تعرض الأجسام فلو کان له تعالى آله سمع لکان جسما لکن التالى باطل فالمقدّم کذلک.
السابع و الخمسون: و لا بنداء یسمع
أى لمّا بیّن فی القرینه الاولى أنّه لا سمع له یقرع بصوت بیّن فی الثانیه أنّه لا یخرج منه الصوت لأنّ النداء صوت مخصوص و الصوت مستلزم المصوّت و هو جسم لما مرّ من استلزام الصوت القرع أو القلع المستلزمین الجسمیّه. و قوله: و إنّما کلامه تعالى. إلى قوله: کاینا. فاعلم أنّ هذا الکلام ممّا استفادت المعتزله منه کون کلامه تعالى محدثا، و فیه تصریح بغیر ما ذهبوا إلیه. فمعنى قوله: فعل منه أنشأه: أى أوجده فی لسان النبىّ. فأمّا قوله: و مثله. فأراد صوّره فی لسان النبىّ و سوّى مثاله فی ذهنه. و قال بعض الشارحین: مثله لجبرئیل فی اللوح المحفوظ حتّى بلّغه محمّدا صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و سایر الرسل علیهم السّلام و دلّ بقوله: لم یکن من قبل ذلک کائنا. على أنّه محدث مسبوق الوجود بالعدم، و أشار بقوله: و لو کان. إلى قوله: ثانیا، إلى برهان حدوثه و هو قیاس استثنائىّ و تقریره: لو کان کلامه تعالى قدیما لکان کلامه إلها ثانیا لکن التالى باطل فالمقدّم کذلک. فأمّا بیان الملازمه فلأنّه لو کان قدیما لکان إمّا واجب الوجود و إمّا ممکن الوجود. و التالى باطل لأنّه لو کان ممکنا مع أنّه موجود فی الأزل لکان وجوده مفتقرا إلى مؤثّر فذلک المؤثّر إن کان غیر ذاته فهو محال لوجهین:

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷۳
أحدهما: أنّه یلزم افتقاره تعالى فی تحصیل صفته إلى غیره فهو محال. الثانی: انّه یلزم أن یکون فی الأزل مع اللّه غیره یکون مستندا إلیه فی حصول تلک الصفه فیکون إلها ثانیا بل هو أولى بالإلهیّه هذا محال. و إن کان المؤثّر فی کلامه ذاته فهو محال أیضا لأنّ المؤثّر واجب التقدّم بالوجود على الأثر فالکلام إمّا أن یکون من صفات کماله أولا یکون فإن کان الأوّل فتأثیره فیه إن کان- و کلّ کمال له حاصلا له بالفعل- فقد کان وصف الکلام حاصلا له قبل أن کان حاصلا هذا خلف. و إن کان تأثیره فی حال ما هو خال عن صفه الکلام فقد کان خالیا عن صفه کماله فکان ناقصا بذاته و هذا محال، و أمّا إن لم یکن الکلام من صفات کماله کان إثباته له فی الأزل إثباتا لصفه زائده على الکمال و الزیاده على الکمال نقصان. فتعیّن أنّه لو کان قدیما لکان واجب الوجود لذاته فکان إلها ثانیا، و أمّا بطلان التالى فلمّا بیّنا من کونه تعالى واحدا. فثبت بهذا الدلیل الواضح أنّه لا یجوز أن یکون کلامه قدیما.
الثامن و الخمسون: لا یقال. إلى قوله: لم یکن.
إشاره إلى أنّه لیس بمحدث لأنّ کون الشی‏ء بعد أن لم یکن هو معنى حدوثه. و قوله: فتجرى علیه الصفات المحدثات. فالفاء فی جواب النفى لتقدیر الشرط: أى لو صدق علیه أنّه محدث للحقته الصفات المحدثه و إلّا لکانت صفاته قدیمه فکان الموصوف بها قدیما. هذا خلف. و التقدیر لکن لحوق الصفات المحدثه له باطل فکونه محدثا باطل، و أشار إلى بطلان التالى بقوله: و لا یکون بینها و بینه فصل. إلى قوله: و البدیع. و التقدیر أنّه لو لحقته الصفات المحدثات و جرت علیه على تقدیر کونه محدثا لکانت ذاته مساویه لها فی الحدوث المستلزم للإمکان المستلزم للحاجه إلى الصانع فلم یکن بینها و بینه فصل فی ذلک، و لاله علیها فضل لاشتراکه معها فی الحاجه. و قوله: فیستوى. إلى قوله: المبتدع. إشاره إلى ما یلزم تلک المساواه من المحال. إذ کان استواء الصانع و مصنوعه‏

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷۴
ظاهر الفساد. و أصل البدیع من الفعل ما لم یسبق فاعله إلى مثله، و سمّى الفعل الحسن بدیعا لمشابهته ما لم یسبق إلیه فی کونه محلّ التعجب منه، و المبدع هو فاعل البدیع، و المصدر الإبداع. و قد عرفت معناه فیما قبل. و فی نسخه الرضى المبدع بفتح الدال، و هو البدیع بالمعنى الّذی ذکرناه، و یکون مراده بالبدیع الصانع و هو فعیل بمعنى فاعل کقوله تعالى بَدِیعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ«» و إذا ثبت أنّه لا یجرى علیه الامور المحدثه و لواحق الحدوث من سبق العدم و التغیّر و الإمکان و الحاجه إلى المؤثّر و غیر ذلک و إلّا یلزم المحال المذکور أوّلا. و النسخه الاولى بخط الرضىّ- رضى اللّه عنه- .
التاسع و الخمسون: کونه تعالى خلق الخلق. إلى قوله: غیره،
و قد سبق بیانه فی الخطبه الاولى، و هو تنزیه له عن صفات الصانعین من البشر فإنّ صنایعهم تحذو حذو أمثله سبقت من غیرهم أو حصلت فی أذهانهم.
الستّون: کونه لم یستعن على خلق ما خلق بأحد من خلقه
و إلّا لکان ناقصا بذاته مفتقرا إلى ما کان هو مفتقرا إلیه و هو محال.
الحادى و الستّون: کونه أنشأ الأرض فأمسکها
أى أوجدها فقامت فی حیّزها بمساک قدرته، و لمّا کان شأن من تمسک شیئا و یحفظه من سایر الفاعلین لا یخلو عن کلفه و مشقّه فی حفظه و اشتغال بحفظه عن غیره من الأفعال نزّه حفظه تعالى لها عمّا یلزم حفظ غیره لما یحفظه من تلک الکلفه و الاشتغال بحفظها.
الثانی و الستّون: کونه أرساها
أى أثبتها فی حیّزها على غیر قرار اعتمدت علیه فأمسکها، و کذلک رفعه لها بغیر دعائم، بل بحسب قدرته التامّه.
الثالث و الستّون: کونه حصّنها من الأود و الاعوجاج
أى من المیل إلى أحد جوانب العالم عن المرکز الحقیقىّ و ذلک ممّا ثبت فی موضعه من الحکمه.
الرابع و الستّون: کونه منعها عن التهافت و الانفراج
أى جعلها کره واحده ثابته فی حیّزها، و منعها أن یتساقط قطعا أو ینفرج بعضها عن بعض.

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷۵
الخامس و الستّون: کونه أرسى أوتادها
أى أنبتها فیها. و أوتادها: جبالها.
و قد بیّنا فی الخطبه الاولى معنى کونها أوتادا لها.
السادس و الستّون. کونه ضرب أسدادها
و أراد بأسدادها ما أحاط بها من الجبال أو الّتی یحجز بین بقاعها و بلادها.
السابع و الستّون: کونه استفاض عیونها.
و استفاض بمعنى أفاض کما قال تعالى وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُیُوناً«» و قد سبقت الإشاره إلى ذلک.
الثامن و الستّون: کونه خدّ أودیتها
أى شقّها و بیّن جبالها و تلالها. و قوله: فلم یهن ما بناه و لا ضعف ما قوّاه. بعد تعدید ما عدّد من الآثار العظیمه إشاره إلى کمال هذه المخلوقات و قوّتها لیبیّن عظمه اللّه سبحانه بالقیاس إلیها.
التاسع و الستّون: کونه هو الظاهر علیها سلطانه و عظمته
فأشار بقوله: هو. إلى هویّته الّتی هى محض الوجود الحقّ الواجب، و لمّا لم یکن تعریف تلک الهویّه إلّا بالاعتبارات الخارجه عنها أشار إلى تعریفها بکونه ظاهرا علیها: أى غالبا قاهرا لها، و لمّا کان الظهور یحتمل الظهور الحسّیّ لا جرم قیّده بسلطانه و عظمته. إذ کان ظهوره علیها لیس ظهورا مکانیّا حسّیا بل بمجرّد ملکه و استیلاء قدرته و عظمه سلطانه.
السبعون: قوله: و هو الباطن لها
أى الداخل فی بواطنها بعلمه، و لمّا کان البطون یحتمل الحسّىّ قیّده بعلمه تنزیها له عن سوء الأفهام و أحکام الأوهام. و الضمائر فی قوله: علیها و لها یعود إلى الأرض و ما فیها ممّا بناه و سوّاه.
الحادى و السبعون: کونه عالیا على کلّ شی‏ء
أى من الأرض و سایر مخلوقاته بها بجلاله و عزّته: فجلاله و عزّته بالنسبه إلیها هو اعتبار کونه تعالى منزّها عن کلّ مالها من الصفات المحدثه و الکمالات المستفاده من الغیر المستلزمه للنقصان الذاتىّ، و لمّا کانت هذه الاعتبارات الّتی تنزّه عنها فی حضیض النقصان‏

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷۶
کان هو باعتبار تنزیهه عنها فی أوج الکمال الأعلى فکان عالیا علیها بذلک الاعتبار و لأنّه تعالى خالقها و موجدها فعلوّه علیها بجلال سلطان، و عزّته عن خضوع الحاجه و ذلّتها.
الثانی و السبعون: کونه لا یعجزه شی‏ء منها طلبه. إلى قوله: فیسبقه،
و ذلک لکونه تعالى واجب الوجود تامّ العلم و القدره لا نقصان فیه باعتبار، و کون کلّ ما عداه مفتقرا فی وجوده و جمیع أحوال وجوده إلیه فلا جرم لم یتصوّر أن یعجزه شی‏ء طلبه أو یمتنع علیه شی‏ء بقوّه فیغلبه، أو یفوته سریع بحرکته فیسبقه لما یستلزمه ذلک العجز عن الحاجه و الإمکان الممتنعین علیه.
الثالث و السبعون: و کذلک کونه لا یحتاج إلى ذى المال فیرزقه
لما یستلزمه الحاجه من الإمکان. و کلّ ذلک نفى الأحوال البشریّه عنه.
الرابع و السبعون: قوله: خضعت له الأشیاء. إلى قوله. لعظمته
فخضوعها و ذلّها یعود إلى دخولها فی ذلّ الإمکان تحت سلطانه و انقیادها فی اسر الحاجه إلى کمال قدرته، و بذلک الاعتبار لم یستطع الهرب من سلطانه للزوم الحاجه لذواتها إلیه و استناد کمالاتها إلى وجوده. فهو النافع لها بإفاضه کمالاتها و الضارّ لها بمنع ذلک. فإن قلت: إنّ النفع لا یهرب منه و لا یمتنع فکیف ذکره هنا.
قلت: المراد منه سلب قدرته علیها على تقدیر امتناعها منه، و هذا کما تقول لمن عجز عنک: إنّ فلانا لا یقدر على نفع و لا ضرّ، و لأنّ النفع جاز أن یمتنع منه لأنفه و استغناء بالغیر، و لا شی‏ء من الموجودات یمتنع من سلطانه و نفعه باستغناء عنه و أنفه و نحوها.
الخامس و السبعون: کونه لا کف‏ء له یکافیه
أى لیس له مثل فیقابله و یفعل بإزاء فعله، و قد علمت تنزیهه تعالى عن المثل، و کذلک لا نظیر له فیساویه.
السادس و السبعون: هو المفنى لها. إلى قوله: کمفقودها
عرّف هویّته باعتبار کونه معدما للأشیاء بعد وجودها، و قد ورد فی القرآن الکریم إشارات‏

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷۷
إلى ذلک کقوله تعالى یَوْمَ نَطْوِی السَّماءَ کَطَیِّ السِّجِلِّ لِلْکُتُبِ کَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِیدُهُ«» و معلوم أنّ الإعاده إنّما تکون بعد العدم، و قوله إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وَ إِذَا الْکَواکِبُ انْتَثَرَتْ«» و أمثالها. و قد أجمعت الأنبیاء على ذلک، و علم التصریح من دین محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بانّه سیکون، و هو الّذی علیه جمهور المتکلّمین و الخلاف فی جواز خراب العالم مع الحکماء فإنّهم اتّفقوا على أنّ الأجرام العلویّه و العقول و النفوس الملکیّه، و کذلک هیولى العالم العنصرىّ و أجرام العناصر، و ما ثبت قدمه امتنع عدمه لا لذاته بل لدوام علّه وجوده، و ما عدا ذلک فهو حادث و لیس کلّه ممّا یعاد بالاتّفاق، بل الخلاف فی المعاد الإنسانی البدنى فأنکره بعضهم. و الإسلامیّون منهم قالوا: لیس للعقل فی الحکم بوجوده أولا وجوده محال، بل إنّما یعلم بالسمع. هذا مع اتّفاقهم على القول بامتناع إعاده المعدوم. فإن أمکن الجمع بین القول بجواز المعاد الجسمانىّ مع القول بامتناع إعاده المعدوم فلیکن على ما ذهب إلیه أبو الحسین البصرىّ من المعتزله و هو قوله: إنّ الأجزاء یتشذّب و یتفرّق بحیث یخرج عن حدّ الانتفاع بها و لا تدخل فی العدم الصرف. لکن فی ذلک نظر لأنّ بدن زید مثلا لیس عباره عن تلک الأجزاء المتشذّبه و المتفرّقه فقط فإنّ القول بذلک مکابره للعقل بل عنها مع سائر الأعراض و التألیفات المخصوصه و الأوضاع فإذا شذب البدن و تفرّق فلا بدّ أن یعدم تلک الأعراض و تفنى و حینئذ یلزم فناء البدن من حیث هو ذلک البدن فعند الإعاده إن اعید بعینه وجب إعاده تلک الأعراض بعینها فلزمت إعاده المعدوم، و إن لم یعد بعینه عاد غیره فیکون الثواب و العقاب على غیره و ذلک مکذّب للقرآن الکریم فی قوله قُلْ أَ غَیْرَ اللَّهِ أَبْغِی رَبًّا«» اللهمّ إلّا أن یقال: إنّ الإنسان المثاب و المعاقب إنّما هو النفس الناطقه و هذا البدن کالآله فإذا عدم لم یلزم عوده بعینه بل جاز عود مثله. لکن هذا إنّما یستقیم على مذهب الحکماء القائلین بالنفس الناطقه، و أمّا على رأى أبى الحسین البصرىّ‏

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷۸
فلا، و مذهب أکثر المحقّقین من علماء الإسلام یؤول إلى هذا القول.
و قوله: و لیس فناء الدنیا. إلى قوله: اختراعها.
و قوله: و لیس فناء الدنیا. إلى قوله: اختراعها. رفع لما یعرض لبعض الأذهان من التعجّب بفناء هذا العالم بعد ابتداعه و خلقه بالتنبیه على حال إنشائه و اختراعه: أى لیس صیروره ما خلق إلى العدم بقدرته بعد الوجود بأعجب من صیرورته إلى الوجود بعد العدم عنها. إذ کانت کلّها ممکنه قابله للوجود و العدم لذواتها، بل صیرورتها إلى الوجود المشتمل على أعاجیب الخلقه و أسرار الحکمه الّتی لا یهتدی لها و لا یقدر على شی‏ء منها أعجب و أغرب من عدمها الّذی لا کلفه فیه.
و قوله: و کیف لو اجتمع. إلى قوله: إفنائها.
و قوله: و کیف لو اجتمع. إلى قوله: إفنائها. تأکید لنفى کون عدمها بعد وجودها أعجب من إیجادها بالتنبیه على عظم مخلوقاته تعالى و مکوّناته و ما اشتملت علیه من أسرار الحکمه المنسوبه إلى قدرته.
و المعنى و کیف یکون عدمها أعجب و فی إیجاده أضعف حیوان و أصغره ممّا خلق کالبعوضه من العجائب و الغرائب و الإعجاز ما یعجز عن تکوینه و إحداثه قدره کلّ من تنسب إلیه القدره، و تقصر عن معرفه الطریق إلى إیجادها ألباب الألبّاء، و یتحیّر فی کیفیّه خلقها حکمه الحکماء، و یقف دون علم ذلک و یتناهى عقول العقلاء، و ترجع خاسئه حسیره مقهوره معترفه بالعجز عن الاطّلاع على کنه صنعه فی إنشائها مقرّه بالضعف عن إفنائها. فإن قلت: کیف تقرّ العقول بالضعف عن إفناء البعوضه مع إمکان ذلک و سهولته.
قلت: إنّ العبد إذا نظر إلى نفسه بالنسبه إلى قدره الصانع الأوّل- جلّت عظمته- وجد نفسه عاجزه عن کلّ شی‏ء إلّا بإذن إلهىّ، و أنّه لیس له إلّا الإعداد لحدوث ما ینسب إلیه من الآثار. فأمّا نفس وجود الأثر فمن واهب العقل- عزّ سلطانه- فالعبد العاقل لما قلناه یعترف بالضعف عن إیجاد البعوضه و إعدامها، و ما هو أیسر من ذلک عند مقایسه نفسه إلى موجده و واهب کماله کما عرفت ذلک فی‏

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷۹
موضعه، و أیضا فإنّ اللّه سبحانه کما خلق للعبد قدره على الفعل و الترک و الإیذاء و الإضرار بغیره کذلک خلق للبعوضه قدره على الامتناع و الهرب من ضرره بالطیران و غیره بل أن تؤذیه و لا یتمکّن من دفعها عن نفسه فکیف یستسهل العاقل إفناها من غیر معونه صانعها له علیه.
و قوله: و إنّه سبحانه یعود. إلى قوله: الامور.
و قوله: و إنّه سبحانه یعود. إلى قوله: الامور. إشاره إلى کونه تعالى باقیا أبدا فیبقى بعد فناء الأشیاء وحده لا شی‏ء معه منها کما کان قبل وجوده کذلک بریئا عن لحوق الوقت و المکان و الحیّز و الزمان.
و قوله: یعود بعد.
و قوله: یعود بعد. إشعار بتغیّر من حاله سبقت إلى حاله لحقت، و هما یعودان إلى ما یعتبره أذهاننا له من حاله تقدّمه على وجودها و حاله تأخّره عنها بعد عدمها، و هما اعتباران ذهنیّان یلحقانه بالقیاس إلى مخلوقاته.
و قوله: عدمت عند ذلک. إلى قوله: الساعات.
و قوله: عدمت عند ذلک. إلى قوله: الساعات. ظاهر لأنّ کلّ ذلک أجزاء للزمان الّذی هو من لواحق الحرکه الّتی هى من لواحق الجسم فیلزم من عدم الأجسام عدم عوارضه.
و قوله: فلا شی‏ء. إلى قوله: الامور.
و قوله: فلا شی‏ء. إلى قوله: الامور. أى لا شی‏ء یبقى بعد فناء العالم إلّا هو، و ذکر الواحد لبقائه کذلک، و القهّار باعتبار کونه قاهرا لها بالعدم و الفناء، و کونه إلیه مصیر جمیع الامور فمعنى مصیرها إلیه أخذه لها بعد هبته لوجودها.
و قوله: بلا قدره. إلى قوله: فناؤها.
و قوله: بلا قدره. إلى قوله: فناؤها. إشاره إلى أنّه لا قدره لشی‏ء منها على إیجاده نفسه، و لا على الامتناع من لحوق الفناء له.
و قوله: و لو قدرت. إلى قوله: بقائها.
و قوله: و لو قدرت. إلى قوله: بقائها. استدلال بقیاس شرطىّ متّصل على عدم قدره شی‏ء منها على الامتناع من‏ الفناء، و إنّما خصّ الحکم بالاستدلال دون الأوّل لکون الأوّل ضروریّا. و بیان الملازمه أنّ الفناء مهروب منه لکلّ موجود فإمکان الامتناع منه مستلزم للداعى إلى الامتناع المستلزم للامتناع منه المستلزم للبقاء، و أمّا بطلان التالى فلمّا ثبت أنّه تعالى یفنیها فلزم أن لا یکون لها قدره على الامتناع.
و قوله: لم یتکاءده. إلى قوله: خلفه.
و قوله: لم یتکاءده. إلى قوله: خلفه. ظاهر لأنّ المشقّه فی الفعل و ثقله إنّما یعرض لذى القدره الضعیفه من الحیوان لنقصانها. و قدرته تعالى بریّه عن أنحاء النقصان لاستلزامه الإمکان و الحاجه إلى الغیر.
و قوله: و لم یکوّنها. إلى آخره.
و قوله: و لم یکوّنها. إلى آخره. إشاره إلى تعدید وجوه الأعراض المتعارفه للفاعلین فی إیجاد ما یوجدونه و إعدامه. و نفى تلک الأعراض عن فعله فی إیجاده ما أوجده و إعدامه ما أعدمه من الأشیاء: أمّا الأعراض المتعلّقه بالإیجاد فهو إمّا جلب منفعه کتشدید السلطان و جمع الأموال و القینات و تکثیر الجند و العدّه و الازدیاد فی الملک بأخذ الحصون و القلاع و مکابره الشریک فی الملک کما یکابر الإنسان غیره ممّن یشارکه فی الأموال و الأولاد أو رفع مضرّه کالتخوّف من العدم و الزوال فخلقها لیتحصّن بها من ذلک أو خوف النقصان فخلقها لیستکمل بها أو خوف الضعف عن مثل تکاثره فخلقها لیستعین بهما علیه أو خوف ضدّ یقاومه فأوجدها لیختزل منه و یدفع مضرّته أو لوحشه کانت له قبل إیجادها فأوجد لیدفع ضرر استیحاشه بالانس بها، و کذلک الأغراض المتعلّقه بعدمها: إمّا إلى دفع المضرّه کرفع السأم اللاحق له من تصریفها و تدبیرها و الثقل فی شی‏ء منها علیه و الملال من طول بقائها فیدعوه ذلک إلى إفنائها، أو جلب المنفعه کالراحه الواصله إلیه. فإنّ جلب المنفعه و دفع المضرّه من لواحق الإمکان الّذی تنزّه قدسه عنه.
و قوله: لکنّه سبحانه. إلى قوله: لقدرته.
و قوله: لکنّه سبحانه. إلى قوله: لقدرته. فتدبیرها بلطفه إشاره إلى إیجاده لها على وجه الحکمه و النظام الأتمّ‏ الأکمل الّذی لیس فی الإمکان أن یکون جملتها على أتمّ منه و لا ألطف، و إمساکه لها بأمره قیامها فی الوجود بحکم سلطانه، و إتقانها بقدرته إحکامها على وفق منفعتها و إن کان عن قدرته فعلى وفق علمه بوجوه الحکمه. کلّ ذلک بمحض الجود من غیر غرض من الأغراض المذکوره تعود إلیه.
و قوله: ثمّ یعیدها بعد الفناء.
و قوله: ثمّ یعیدها بعد الفناء. تصریح بإعاده الأشیاء بعد فنائها. و فناؤها إمّا عدمها کما هو مذهب من جوّز إعاده المعدوم، أو تشذّبها و تفرّقها و خروجها عن حدّ الانتفاع بها کما هو مذهب أبی الحسین البصرىّ من المعتزله.
و قوله: من غیر حاجه. إلى آخره.
و قوله: من غیر حاجه. إلى آخره. ذکر وجوه الأغراض الصالحه فی الإعاده، و الإشاره إلى نفیها عنه تعالى، و هو أیضا کالحاجه إلیها و الاستعانه ببعضها على بعض، أو لانصراف من حال وحشه إلى حال استیناس، أو انصراف من حال جهل و عمى فیه إلى حال علم و بصیره، و کذلک من فقر و حاجه إلى غنى و کثره و من ذلّ وضعه إلى عزّ و قدره. و قد عرفت أنّ کلّ هذه الأغراض من باب دفع المضرّه المنزّه قدسه تعالى عنها، و قد بیّنا فیما سلف البرهان الإجمالىّ على تنزیهه تعالى فی أفعاله من الأغراض بل إیجاده لما یوجد لمحض الجود الإلهىّ الّذی لا بخل فیه و لا منع من جهته. فهو الجواد المطلق و الملک المطلق الّذی یفید ما ینبغی لا لغرض و یوجد ما یوجد لا لفائده تعود إلیه و لا غرض. و هو مذهب جمهور أهل السنّه و الفلاسفه، و الخلاف فیه مع المعتزله.
فإن قلت: ظاهر کلامه علیه السّلام مشعر بأنّ الدنیا کما تفنى تعاد، و الّذی وردت به الشریعه، و فیه الخلاف بین جمهور المتکلّمین و الحکماء هو إعاده الأبدان البشریّه.
قلت: الضمیر فی قوله: تعیدها. سواء کان راجعا إلى الدنیا أو إلى الامور فی قوله: مصیر جمیع الامور. فإنّه مهمل کما یرجع إلى الکلّ جاز أن یرجع إلى البعض و هى الأبدان البشریّه. قال بعضهم: إنّ للسالکین فی هذا الکلام تأویلا عقلیّا و إن جزموا بکون مراده علیه السّلام هو ما ذکرناه من الظاهر فإنّهم قالوا یحتمل أن یشار بقوله: و إنّه یعود سبحانه. إلى قوله: الامور. إلى حال العارف إذا حقّ له الوصول التامّ حتّى غاب عن نفسه فلحظ جناب الحقّ سبحانه بعد حذف کلّ قید دنیاوىّ أو اخروىّ عن درجه الاعتبار فإنّه صحّ کما یفنى هو عن کلّ شی‏ء کذلک یفنى عنه کلّ شی‏ء حتّى نفسه فلا یبقى بعد فنائها عنه إلّا وجه اللّه ذو الجلال و الإکرام فکما کانت الأشیاء عند اعتبار ذواتها غیر مستحقّه للوجود و لواحقه کذلک یکون عند حذفها عن درجه الاعتبار و ملاحظه جلال الواحد القهّار لیس إلّا هو.
و قوله: ثمّ یعیدها بعد الفناء.
و قوله: ثمّ یعیدها بعد الفناء. فدلّ عودها إلى اعتبار أذهان العارفین لها عند عوجهم من الجناب المقدّس إلى الجنبه السافله و اشتغالهم بمصالح أبدانهم. و الکلّ منسوب إلى تصریف قدرته تعالى بحسب استعداد الأذهان لقبولها و حذفها. و قد علمت من بیانها لهذه الخطبه صدق کلام السیّد الرضى- رضى اللّه عنه- فی مدحها حیث قال: و تجمع هذه الخطبه من اصول العلم ما لا تجمعه غیرها. فإنّها بالغه فی علم التوحید کامله فی علم التنزیه و التقدیس لجلال الواحد الحقّ- جلّت عظمته- و باللّه التوفیق و العصمه.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۴۶

 

 

 

 

بازدیدها: ۴

خطبه ۲۲۷ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام
القسم الأول
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی لَا تُدْرِکُهُ الشَّوَاهِدُ- وَ لَا تَحْوِیهِ الْمَشَاهِدُ- وَ لَا تَرَاهُ النَّوَاظِرُ- وَ لَا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ- الدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ- وَ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَى وُجُودِهِ- وَ بِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لَا شَبَهَ لَهُ- الَّذِی صَدَقَ فِی مِیعَادِهِ- وَ ارْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ- وَ قَامَ بِالْقِسْطِ فِی خَلْقِهِ- وَ عَدَلَ عَلَیْهِمْ فِی حُکْمِهِ- مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ الْأَشْیَاءِ عَلَى أَزَلِیَّتِهِ- وَ بِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ- وَ بِمَا اضْطَرَّهَا إِلَیْهِ مِنَ الْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ- وَاحِدٌ لَا بِعَدَدٍ وَ دَائِمٌ لَا بِأَمَدٍ وَ قَائِمٌ لَا بِعَمَدٍ- تَتَلَقَّاهُ الْأَذْهَانُ لَا بِمُشَاعَرَهٍ- وَ تَشْهَدُ لَهُ الْمَرَائِی لَا بِمُحَاضَرَهٍ- لَمْ تُحِطْ بِهِ الْأَوْهَامُ بَلْ تَجَلَّى لَهَا بِهَا- وَ بِهَا امْتَنَعَ مِنْهَا وَ إِلَیْهَا حَاکَمَهَا- لَیْسَ بِذِی کِبَرٍ امْتَدَّتْ بِهِ النِّهَایَاتُ فَکَبَّرَتْهُ تَجْسِیماً- وَ لَا بِذِی عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ الْغَایَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجْسِیداً- بَلْ کَبُرَ شَأْناً وَ عَظُمَ سُلْطَاناً وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ الصَّفِیُّ- وَ أَمِینُهُ الرَّضِیُّ ص أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ الْحُجَجِ وَ ظُهُورِ الْفَلَجِ وَ إِیضَاحِ الْمَنْهَجِ- فَبَلَّغَ الرِّسَالَهَ صَادِعاً بِهَا- وَ حَمَلَ عَلَى الْمَحَجَّهِ دَالًّا عَلَیْهَا- وَ أَقَامَ أَعْلَامَ الِاهْتِدَاءِ وَ مَنَارَ الضِّیَاءِ- وَ جَعَلَ أَمْرَاسَ الْإِسْلَامِ مَتِینَهً- وَ عُرَى الْإِیمَانِ وَثِیقَهً

اللغه
أقول:

المشاهد: المحاضر و المجالس.

و المرائى: جمع مرآه بفتح المیم و هى المنظر یقال: فلان حسن فی مرآه العین و فی رأى العین: أى فی المنظر.

و الفلج: الظفر و أصله بسکون اللام.

و الأمراس: جمع مرس بفتح الراء و هى جمع مرسه و هى الحبل.

المعنى
و قد حمد اللّه تعالى باعتبارات من التنزیه:
الأوّل: کونه لا تدرکه الشواهد
و أراد الحواسّ، و سمّاها شواهد لکونها تشهد ما تدرکه و تحضر معه، و قد علمت تنزیهه عن إدراک الحواسّ غیر مرّه.
الثانی: و لا تحویه المشاهد
و قد علمت تنزیهه تعالى عن الأمکنه و الأحیاز.
الثالث: و لا تراه النواظر
أى نواظر الأبصار، و إنّما خصّص البصر بالذکر بعد ذکر الشواهد لظهور تنزیهه تعالى عن سایر الحواسّ و وقوع الشبهه و قوّتها فی أذهان کثیر من الخلق فی جواز إدراکه تعالى بهذه الحاسّه حتّى أنّ مذهب کثیر من العوامّ أن تنزیهه تعالى عن ذلک ضلال بل کفر تعالى اللّه عمّا یقول العادلون.
الرابع: و لا تحجبه السواتر
و قد علمت أنّ السواتر الجسمانیّه إنّما تعرض للأجسام و عوارضها، و علمت تنزیهه تعالى عن ذلک.
الخامس: کونه دالّا على قدمه بحدوث خلقه
و اعلم أنّه علیه السّلام جعل حدوث خلقه هنا دالّا على الأمرین: أحدهما: قدمه تعالى. و الثانی: وجوده. و قد سبق تقریر ذلک فی قوله علیه السّلام: الحمد للّه الدالّ على وجوده بخلقه و بحدوث خلقه على أزلیّته. غیر أنّه جعل هناک الدلیل على الوجود هو نفس الخلق و جعله هنا هو الحدوث، و لمّا کان مجرّد الوجود للممکنات و خلقها یدلّ على وجود صانع لها فأولى أن یدلّ حدوثها علیه. و قدمه و أزلیّته واحد.
السادس
و کذلک مرّ تقریر قوله: و باشتباههم على أن لا شبیه له. فی الفصل المذکور.

السابع: الّذی صدق فی میعاده،
و صدقه تعالى یعود إلى مطابقه ما نطقت به کتبه على ألسنه رسله الصادقین علیهم السّلام للواقع فی الوجود ممّا وعد به أمّا فی الدنیا کما وعد به رسوله و المؤمنین بالنصر أو الاستخلاف فی الأرض کقوله تعالى وَعَدَکُمُ اللَّهُ مَغانِمَ کَثِیرَهً تَأْخُذُونَها«» الآیه و قوله وَعَدَ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا مِنْکُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَیَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِی الْأَرْضِ«» و أمّا فی الآخره کما وعد عباده الصالحین بما أعدّ لهم فی الجنّه من الثواب الجزیل، و الخلف فی الوعد کذب و هو على اللّه سبحانه محال، و هو کقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا یُخْلِفُ الْمِیعادَ«».
الثامن: و ارتفع عن ظلم عباده
و هو تنزیه له عن حال ملوک الأرض الّذین من شأنهم ظلم رعیّتهم إذا رأوا أنّ ذلک أولى بهم، و أنّ فیه منفعه ولدّه أو فی ترکه ضرر و تألّم، و کلّ ذلک من توابع الأمزجه و عوارض البشریّه المحتاج إلى تحصیل الکمال الحقیقى أو الوهمىّ. و جناب الحقّ تعالى منزّه عن ذلک.
التاسع: و قام بالقسط فی خلقه
فقیامه بالقسط و هو العدل فیهم و إجراؤه لأحکامه فی مخلوقاته على وفق الحکمه و النظام الأکمل و هو أمر ظاهر و کذلک عدله علیهم فی حکمه.
العاشر: کونه یستشهد بحدوث الأشیاء على أزلیّته.
و الاستشهاد الاستدلال، و کرّره هنا تأکیدا باختلاف العباره.
الحادى عشر: و بما و سمها به من العجز عن قدرته.
العجز عباره عن عدم القدره عمّا من شأنه أن یقدر. إذ لا یقال مثلا للجدار: إنّه عاجز، و قد علمت أنّ کلّ موجود سواه فهو موصوف و موسوم بعدم القدره على ما یختصّ به قدرته تعالى من الموجودات بل بعدم القدره على شی‏ء أصلا. إذ کلّ موجود فهو منته فی سلسله الحاجه إلیه و هو تعالى مبدء وجوده. و سایر ما یعدّ سببا له فإنّما هو واسطه معدّه کما علم تحقیقه فی موضع آخر فإذن لا قدره فی الحقیقه إلّا له و منه. و وجه الاستدلال أنّه لو کان موسوما بالعجز عن شی‏ء لما کان مبدء له لکنّه مبدءلکلّ موجود فهو ثابت القدره تامّها.
الثانی عشر: و بما اضطرّها إلیه من الفناء دوامه.
و اضطراره لها إلى الفناء حکم قدرته القاهره على ما استعدّ منها للعدم بإفاضه صوره العدم علیه حین استعداده لذلک على وفق قضائه تعالى بذلک، و هو المشار إلیه بقوله تعالى وَ نُفِخَ فِی الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِی السَّماواتِ وَ مَنْ فِی الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ«» و وجه الاستدلال أنّه تعالى لو کان مضطرّا إلى الفناء کسایر الأشیاء لکان جایز الفناء فکان ممکنا لکن التالى باطل فهو واجب الوجود دائما.
الثالث عشر، کونه تعالى واحدا لا بعدد
أى أنّه لیس واحدا بمعنى أنّه مبدء لکثره یکون عادّا لها و مکیالا، و قد سبق بیان ذلک، و بیان إطلاق وجه الوحده علیه، و بأىّ معنى هو غیر مرّه. فلا معنى لإعادته.
الرابع عشر: کونه دائما لا بأمد
و قد سبق أیضا بیان أنّ کونه دائما بمعنى أنّ وجوده مساوق لوجود الزمان. إذ کان تعالى هو موجد الزمان بعد مراتب من خلقه، و مساوقه الزمان لا یقتضى الکون فی الزمان، و لمّا کان الأمد هو الغایه من الزمان و منتهى المدّه المضروبه لذى الزمان من زمانه، و ثبت أنّه تعالى لیس بذى زمان یعرض له الأمد ثبت أنّه دائم لا أمد له.
الخامس عشر: کونه قائما لا بعمد
أى بعمد ثابت الوجود من غیر استناد إلى سبب یعتمد علیه و یقیمه فی الوجود کسایر الموجودات الممکنه، و ذلک هو معنى کونه واجب الوجود، و قد أشرنا إلى برهان ذلک فی قوله: الحمد للّه الدالّ على وجوده بخلقه. و کثیر من قرائن هذا الفصل موجود هناک.
السادس عشر: کونه تتلقّاه الأذهان لا بمشاعره،
و تلقّى الأذهان له یعود إلى استقبالها و تقبّلها لما یمکنها أن یتصوّره به من صفاته السلبیّه و الإضافیّه، و کون ذلک لا بمشاعره: أى لیس تلقّیها لتلک التصوّرات من طریق المشاعره و هى الحواسّ، و لا على وجه شعورها بما یشعر به منها، بل تتلقّاها على وجه أعلى‏ و أشرف بتعقّل صرف برىّ عن علایق الموادّ مجرّد عن إدراک الحواسّ و توابع إدراکاتها من الوضع و الأین و المقدار و الکون و غیر ذلک.
السابع عشر: کونه و تشهد له المرائى لا بمحاضره.
إشاره إلى کون المرائى و النواظر طرقا للعقول إلى الشهاده بوجوده تعالى فی آثار قدرته و لطایف صنعته و ما یدرک بحسّ البصر منها، و لوضوح العلم به تعالى و شهاده العقول بوجوده فی المدرکات بهذه الآله صار کأنّه تعالى مشاهد مرئىّ فیها و إن لم تکن هذه الآله محاضره له و لا یتعلّق إدراکها به، و یحتمل أن یرید بالمرائى المرئیّات الّتی هى مجال أبصار الناظرین و مواقعها. و ذلک أنّ وجودها و ما اشتملت علیه من الحکمه شاهد بوجود الصانع سبحانه من غیر حضور و محاضره حسیّه کما علیه الصنّاع فی صنایعهم من محاضرتها و مباشرتها.
الثامن عشر: کونه تعالى لم تحط به الأوهام.
لمّا کان تعالى غیر مرکّب لم یمکن الإحاطه به بعقل أو وهم البتّه، و الأوهام أولى بذلک. إذ کانت إنّما یتعلّق بالمعانى الجزئیّه المتعلّقه بالمحسوسات و الموادّ الجسمانیّه فیترتّب فی تنزیهه تعالى عن إحاطه الأوهام به قیاس هکذا: لا شی‏ء من مسمّى واجب الوجود بمدرک بمادّه و وضع. و کلّ مدرک للوهم فهو متعلّق بذى مادّه و وضع. ینتج لا شی‏ء ممّا هو واجب الوجود بمدرک للأوهام أصلا فضلا أن یحیط به و یطّلع على حقیقته.و قد مرّ ذلک مرارا.
التاسع عشر: کونه تعالى تجلّى لها
و لمّا ثبت أنّها لا تدرک إلّا ما کان معنى جزئیّا فی محسوس فمعنى تجلّیه لها هو ظهوره لها فی صوره وجود سایر مدرکاتها من جهه من هو صانعها و موجدها. إذ کانت الأوهام عند اعتبارها لأحوال أنفسها من وجوداتها و عوارض وجوداتها و التغیّرات اللاحقه لها مشاهده لحاجتها إلى موجد و مقیم و مغیّر و مساعده للعقول على ذلک، و أنّ إدراکها لذلک فی أنفسها على وجه جزئىّ مخالف لإدراک العقول، و کانت مشاهده له بحسب ما طبعت علیه و بقدر إمکانها و هو متجلّى لها کذلک. و الباء فی- بها- للسببیّه. إذ وجودها هو السبب المادىّ فی تجلّیه لها، و یحتمل أن یکون بمعنى فی: أى تجلّى لها فی وجودها. و بل هنا للإضراب عمّا امتنع منها من الإحاطه به، و الإثبات لما أمکن و وجب فی تجلّیه لها.
العشرون: و بها امتنع منها
أى لمّا خلقت قاصره عن إدراک المعانی الکلیّه و عن التعلّق بالمجرّدات کانت بذلک مبدء الامتناعه عن إدراکها له و إن کان لذلک الامتناع أسباب اخر اولیها: کونه بریئا عن أنحاء التراکیب، و یحتمل أن یرید بقوله: بها: أى أنّها لمّا خلقت على ذلک القصور و کان هو تعالى ممتنع الإدراک بالکنه اعترفت عند توجّهها إلیه و طلبتها لمعرفته بالعجز عن إدراکه و أنّه ممتنع عنها فیها: أى باعترافها امتنع منها.
الحادى و العشرون: کونه إلیها حاکمها
أى جعلها حکما بینها و بینه عند رجوعها من توجّهها فی طلبه منجذبه خلف العقول حسره معترفه بأنّه لا تنال بجود الاعتساف کنه معرفته، و لا یخطر ببال اولى الرویّات خاطر من تقدیر جلاله مقرّه بحاجتها و استغنائه و نقصانها و کماله و مخلوقیّتها و خالقیّته. إلى غیر ذلک بما لها من صفات المصنوعیّه، و له من صفات الصانعیّه موافقه للعقول فی تلک الأحکام.
و استناد المحاکمه إلیها مجاز لمناسبته ما ذکرناه، و قال بعض الشارحین: أراد بالأوهام هاهنا العقول، و ظاهر أنّها لا تحیط به لکونه غیر مرکّب محدود. و تجلّیه لها هو کشف ما یمکن أن یصل إلیه العقول من صفاته الإضافیّه و السلبیّه. و قوله: و بها امتنع منها. أى بالعقول و نظرها علم أنّها لا تدرکه. و قوله: إلیها حاکمها: أى جعل العقول المدّعیه أنّها أحاطت به و أدرکته کالخصوم له سبحانه. ثمّ حاکمها إلى العقول السلیمه الصحیحه. فحکمت له العقول السلیمه على المدّعیه لما لیست أهلا له. و ما ذکره هذا الفاضل محتمل إلّا أنّ إطلاق لفظ الأوهام على العقول إن صحّ فمجاز بغیر قرینه و عدول عن الحقیقه من غیر ضروره، و قال غیره: أراد لم تحط به أهل الأوهام. فحذف المضاف‏ و عند تأمّل ما بیّناه یلوح أنّه هو مراده علیه السّلام أو قریب منه، و هذه الألفاظ الیسیره من لطائف إشاراته علیه السّلام و إطلاقه على أسرار الحکمه.
الثانی و العشرون: کونه تعالى لیس بذى کبر. إلى قوله: تجسیما.
الکبیر یقال لعظیم الحجم و المقدار، و یقال لعالى السنّ من الحیوان، و یقال لعظیم القدر و رفیعه. و مراده نفى الکبر عنه بالمعنى الأوّل. إذ من لوازم ذلک کون الکبر ممتدّا فی الجهات الثلاث طولا و عرضا و عمقا فیحصل الکبیر الجسمىّ، و قد تقدّس تعالى عن ذلک، و تقدّسه عن الکبر بالمعنى الثانی ظاهر. و تجسیما مصدر فی موضع الحال: أى فکبّرته مجسّما له أو مجسّمه، و إنّما أسند الامتداد به إلى النهایات لأنّها غایه الطبیعه بالامتداد یقف عندها و ینتهى بها فکانت من الأسباب الغائیه فلذلک أسند إلیها، و کذلک إسناد التکبیر إلیها. إذ کان التکبیر من لوازم الامتداد إلیها.
الثالث و العشرون: و لا بذى عظم، إلى قوله: تجسیدا،
و العظیم یقال على الکبیر بالمعنى الأوّل و الثالث دون الثانی، و مراده سلب العظیم عنه بالمعنى الأوّل لما مرّ، و إسناد التناهى إلى الغایات ظاهر. إذ کانت سببا لوقوفه و بها انقطع و إلیها یبلغ، و کذلک إسناد التعظیم إلیها کإسناد التکبیر و إن أسند التناهى إلیه بها جاز.
الرابع و العشرون:کونه کبر شأنا.
الخامس و العشرون: کونه عظم سلطانا.
لمّا سلب الکبر و العظم عنه بالمعنیین الأوّلین أشار إلى أنّ إطلاقهما علیه بالمعنى الثالث. و نصب شأنا و سلطانا على التمیز. فهو الکبیر شأنا إذ لا شأن أعلى من شأنه، و العظیم سلطانا إذ لا سلطان أرفع من سلطانه، و هو مبدء شأن کلّ ذى شأن، و منتهى سلطان کلّ ذى سلطان لا إله إلّا هو الکبیر المتعال ذو الکبریاء و العظمه و الجلال. ثمّ أردف تمجیده تعالى بما هو أهله بالکلمه المتمّمه لکلمه الإخلاص و الشهاده الّتی هى مبدء لکمال القوّه العلمیّه من النفوس البشریّه بعد کمال قوّتها النظریّه بالشهاده الاولى.

و ظاهر کونه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم صفیّا للّه و أمینا على وحیه و مرتضى لذلک. ثمّ أردف ذلک بالإشاره إلى کونه رسولا، و إلى وجوه ما ارسل به و هو وجوب الحجج، و أراد بها إمّا المعجزات أو ما هو أعمّ من ذلک و هو ما یکون حجّه للّه على خلقه فی تکلیفهم أن یقولوا لو لا أرسلت إلینا رسولا فنتّبع آیاتک. و یدخل فی ذلک دلائل الأحکام و طرق الدین التفصیلیّه. و کونه ارسل بوجوبها: أى وجوب قبولها على الخلق و وجوب العمل على وفقها، و ظهور الفلج و هو الظهور على سائر الأدیان و الظفر بأهلها و بالعادلین باللّه و الجاحدین له، و إیضاح المنهج و هى طریق اللّه و شریعته. و ظاهر کونه موضحا لها و مبیّنا، و إلى ذلک الإشاره بقوله تعالى هُوَ الَّذِی أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِینِ الْحَقِّ لِیُظْهِرَهُ عَلَى الدِّینِ کُلِّهِ«» فالهدى هو إیضاح المنهج، و قوله: لیظهره على الدین کلّه إشاره إلى بعض غایات بعثته و هى المراد بظهور الفلج، و روى بضمّ الفاء و اللام و هو بضمّ الفاء و سکون اللام للفوز، و یجوز ضمّ اللام للشاعر و الخطیب.
و قوله: فبلّغ الرساله. إلى آخره.
و قوله: فبلّغ الرساله. إلى آخره. إشاره إلى أدائه الأمانه فیما حمّل من الوحى، و صدعه بالرساله إظهارها و المجاهره بها، و قد علمت أن أصل الصدع الشقّ فکأنّه شقّ بالمجاهره بها عصا المشرکین و فرّق ما اجتمع من شرّهم، و حمله على المحجّه- و هى طریق اللّه الواضحه و شریعته- دعوته إلیها و جذبه للخلق إلى سلوکها بالحکمه و الموعظه الحسنه و المجادله بالّتی هى أحسن. ثمّ بالسیف لمن لم تنفعه المجادله. و أراد بأعلام الاهتداء أدلّته و هى المعجزات و قوانین الدین الکلّیّه، و کذلک منار الضیاء و إقامته له إظهارها و إلقاؤها إلى الخلق، و لفظ المحجّه و الأعلام و المنار مستعاره کما سبق غیر مرّه. و صادعا و دالّا نصب على الحال. و استعار لفظ الأمراس و العرى لما یتمسّک به من الدین و الإیمان، و رشّح بذکر المتانه و الوثاقه، و أشار بجعله کذلک إلى تثبیت قواعد الإسلام و غرسها فی قلوب الخلق واضحه جلیّه بحیث تکون عصمه للتمسّک بها فی طلب النجاه من مخاوف الدارین، و سببا لا ینقطع دون الغایه القصوى. و باللّه‏ التوفیق.

القسم الثانی منها: فى صفه عجیب خلق أصناف من الحیوانات:
وَ لَوْ فَکَّرُوا فِی عَظِیمِ الْقُدْرَهِ وَ جَسِیمِ النِّعْمَهِ- لَرَجَعُوا إِلَى الطَّرِیقِ وَ خَافُوا عَذَابَ الْحَرِیقِ- وَ لَکِنِ الْقُلُوبُ عَلِیلَهٌ وَ الْبَصَائِرُ مَدْخُولَهٌ- أَ لَا یَنْظُرُونَ إِلَى صَغِیرِ مَا خَلَقَ کَیْفَ أَحْکَمَ خَلْقَهُ- وَ أَتْقَنَ تَرْکِیبَهُ وَ فَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ- وَ سَوَّى لَهُ الْعَظْمَ وَ الْبَشَرَ- انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَهِ فِی صِغَرِ جُثَّتِهَا وَ لَطَافَهِ هَیْئَتِهَا- لَا تَکَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ وَ لَا بِمُسْتَدْرَکِ الْفِکَرِ- کَیْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا وَ صُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا- تَنْقُلُ الْحَبَّهَ إِلَى جُحْرِهَا وَ تُعِدُّهَا فِی مُسْتَقَرِّهَا- تَجْمَعُ فِی حَرِّهَا لِبَرْدِهَا وَ فِی وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا- مَکْفُولٌ بِرِزْقِهَا مَرْزُوقَهٌ بِوِفْقِهَا- لَا یُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ وَ لَا یَحْرِمُهَا الدَّیَّانُ- وَ لَوْ فِی الصَّفَا الْیَابِسِ وَ الْحَجَرِ الْجَامِسِ- وَ لَوْ فَکَّرْتَ فِی مَجَارِی أَکْلِهَا- فِی عُلْوِهَا وَ سُفْلِهَا- وَ مَا فِی الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِیفِ بَطْنِهَا- وَ مَا فِی الرَّأْسِ مِنْ عَیْنِهَا وَ أُذُنِهَا- لَقَضَیْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً وَ لَقِیتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً- فَتَعَالَى الَّذِی أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا- وَ بَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا- لَمْ یَشْرَکْهُ فِی فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ- وَ لَمْ‏ یُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ- وَ لَوْ ضَرَبْتَ فِی مَذَاهِبِ فِکْرِکَ لِتَبْلُغَ غَایَاتِهِ- مَا دَلَّتْکَ الدَّلَالَهُ إِلَّا عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَهِ- هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَهِ- لِدَقِیقِ تَفْصِیلِ کُلِّ شَیْ‏ءٍ- وَ غَامِضِ اخْتِلَافِ کُلِّ حَیٍّ- وَ مَا الْجَلِیلُ وَ اللَّطِیفُ وَ الثَّقِیلُ وَ الْخَفِیفُ- وَ الْقَوِیُّ وَ الضَّعِیفُ فِی خَلْقِهِ إِلَّا سَوَاءٌ- وَ کَذَلِکَ السَّمَاءُ وَ الْهَوَاءُ وَ الرِّیَاحُ وَ الْمَاءُ- فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ النَّبَاتِ وَ الشَّجَرِ- وَ الْمَاءِ وَ الْحَجَرِ وَ اخْتِلَافِ هَذَا اللَّیْلِ وَ النَّهَارِ- وَ تَفَجُّرِ هَذِهِ الْبِحَارِ وَ کَثْرَهِ هَذِهِ الْجِبَالِ- وَ طُولِ هَذِهِ الْقِلَالِ وَ تَفَرُّقِ هَذِهِ اللُّغَاتِ- وَ الْأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ- فَالْوَیْلُ لِمَنْ أَنْکَرَ الْمُقَدِّرَ وَ جَحَدَ الْمُدَبِّرَ- زَعَمُوا أَنَّهُمْ کَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ- وَ لَا لِاخْتِلَافِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ- وَ لَمْ یَلْجَئُوا إِلَى حُجَّهٍ فِیمَا ادَّعَوْا- وَ لَا تَحْقِیقٍ لِمَا- أَوْعَوْا وَ هَلْ یَکُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَیْرِ بَانٍ أَوْ جِنَایَهٌ مِنْ غَیْرِ جَانٍ وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِی الْجَرَادَهِ- إِذْ خَلَقَ لَهَا عَیْنَیْنِ حَمْرَاوَیْنِ- وَ أَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَیْنِ قَمْرَاوَیْنِ- وَ جَعَلَ لَهَا السَّمْعَ الْخَفِیَّ وَ فَتَحَ لَهَا الْفَمَ السَّوِیَّ- وَ جَعَلَ لَهَا الْحِسَّ الْقَوِیَّ وَ نَابَیْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ- وَ مِنْجَلَیْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ- یَرْهَبُهَا الزُّرَّاعُ فِی زَرْعِهِمْ- وَ لَا یَسْتَطِیعُونَ ذَبَّهَا وَ لَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ- حَتَّى تَرِدَ الْحَرْثَ فِی نَزَوَاتِهَا وَ تَقْضِیَ مِنْهُ شَهَوَاتِهَا- وَ خَلْقُهَا کُلُّهُ لَا یُکَوِّنُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَّهً- فَتَبَارَکَ اللَّهُ الَّذِی یَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِی السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ- طَوْعاً وَ کَرْهاً وَ یُعَفِّرُ لَهُ خَدّاً وَ وَجْهاً- وَ یُلْقِی إِلَیْهِ بِالطَّاعَهِ إِلَیْهِ سِلْماً وَ ضَعْفاً- وَ یُعْطِی لَهُ الْقِیَادَ رَهْبَهً وَ خَوْفاً- فَالطَّیْرُ مُسَخَّرَهٌ لِأَمْرِهِ- أَحْصَى عَدَدَ الرِّیشِ مِنْهَا وَ النَّفَسِ- وَ أَرْسَى قَوَائِمَهَا عَلَى النَّدَى وَ الْیَبَسِ- وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهَا وَ أَحْصَى أَجْنَاسَهَا- فَهَذَا غُرَابٌ وَ هَذَا عُقَابٌ- وَ هَذَا حَمَامٌ وَ هَذَا نَعَامٌ- دَعَا کُلَّ طَائِرٍ بِاسْمِهِ وَ کَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ- وَ أَنْشَأَ السَّحَابَ الثِّقَالَ فَأَهْطَلَ دِیَمَهَا- وَ عَدَّدَ قِسَمَهَا فَبَلَّ الْأَرْضَ بَعْدَ جُفُوفِهَا- وَ أَخْرَجَ نَبْتَهَا بَعْدَ جُدُوبِهَا

اللغه
أقول:

الدخل: العیب.

و البشره: ظاهر الجلد.

و الجامس: الجامد.

و الشراسیف: أطراف الأضلاع المشرفه على البطن.

و الضرب فی الأرض: السیاحه فیها.

و الحدقه: سواد العین.

و القمر: بیاضها و ضیاؤها، یقال: حدقه قمراء: مضیئه.

و أجلبوا: جمعوا. و النزوات: الوثبات.

و التعفیر: التمریغ فی العفر و هو التراب.

المعنى
و قوله: و لو فکّروا. إلى قوله: مدخوله. وضع حرف لو لیدلّ على امتناع الشی‏ء لامتناع غیره لکن الأغلب علیه أن یستعمل للدلاله على امتناع اللازم لامتناع ملزومه، و ذلک على وجهین: أحدهما: أن یکون ذلک اللازم مساویا لملزومه إمّا حقیقه أو وضعا.
و الثانی: أن یکون الملزوم علّه لذلک لیلزم من رفع الملزوم رفع اللازم و یمکن الاستدلال به فأمّا إذا لم یکونا کذلک جاز أن یدلّ به على امتناع الملزوم‏ لامتناع لازمه کما فی قوله تعالى لَوْ کانَ فِیهِما آلِهَهٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا«» و قد استعمله علیه السّلام هنا بالوجه الثانی من الوجهین الأوّلین، و استدلّ على أنّ الخلق لم یرجعوا إلى طریق اللّه عن غیّهم و جهالاتهم و لم یخافوا من وعیده بعذاب الحریق فی الآخره لأنّهم لم یفکّروا فیما عظم من قدرته فی خلق مخلوقاته و عجائب مصنوعاته و ما جسم من نعمته على عباده، و یحتمل أن یرید بالقدره المقدور مجازا إطلاقا لاسم المتعلّق على المتعلّق، و کان ذلک من باب الاستدلال بعدم العلّه على عدم المعلول. إذ کان الفکر فی ذلک سببا عظیما فی الجذب لهم إلى اتّباع شریعته و سلوک سبیله إلیها، و إلیه الإشاره بقوله تعالى أَ وَ لَمْ یَنْظُرُوا فِی مَلَکُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَیْ‏ءٍ«» و قوله أَ فَلَمْ یَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ کَیْفَ بَنَیْناها«» الآیه و نحوه. و قوله: و لکنّ القلوب. إلى قوله: مدخوله. بیان لعدم العلّه المذکوره منهم و هو الفکر، و أشار إلى عدمها بوجود ما ینافی وجود شرطها. إذ کان کون القلوب علیله و کون الأبصار معیبه ینافیان صحّتها و سلامتها الّذین هما شرطان فی وجود الفکر الصحیح، و مع وجود المنافى لصحّه قلوبهم و سلامه أبصار بصائرهم لا یحصل الصحّه الّتی هى شرط الفکر فلا یحصل الفکر فلا یحصل معلوله و هو الرجوع إلى اللّه، و علل القلوب و ما یلحق إبصار البصائر من العیوب یعود إلى الجهل و أغشیه الهیئات البدنیّه و الأخلاق الردیئه المکتسبه من جواذب الشهوات إلى خسایس اللذّات المغطّیه لأنوار البصائر الحاجبه عن إدراک واضح الطریق الحقّ. و قوله: ألا ینظرون. إلى قوله: البشر. تنبیه لهم على بعض مخلوقاته تعالى و مقدوراته الّتی أشار إلى عظمه القدره فیها. و أحسن بهذه الترتیب و التدریج الحسن فإنّک علمت من آداب الخطیب إذا أراد القول فی أمر نبّه علیه أوّلا على سبیل الإجمال بقول کلّىّ لیستعدّ السامعون‏ بذلک لما یرید قوله و بیانه. ثمّ یشرع فی تفصیله، و لمّا أراد علیه السّلام أن ینبّه على عظمه اللّه بتفصیل بعض مخلوقاته کالنمل و الجراد و نحوه أشار أوّلا إلى عظیم القدره، و وبّج السامعین على إغفالهم الفکر فیها لیعلم أنّه یرید أن ینبّه على تفصیل أمر. ثمّ تلاه بالتنبیه على لطیف الصنع فی صغیر ما خلق و کیف أحکم خلقه و أتقن ترکیبه على صغره و فلق له البصر و سوّى له العظم و لم یعیّن إلى أن استعدّت بذلک لتعظیم اللّه القلوب و أقبلت بإفهامها النفوس فتلاه بذکر النمله، و ذلک قوله: انظروا إلى النمله. إلى قوله: تعبا. و هیئتها: کیفیّتها الّتی علیها صورتها و صوره أعضائها، و ظاهر أنّ الإنسان لا یدرکها بلحظ البصر إلى أن یعید إلیها بعنایه، و لا یکاد عند مراجعه فکره و استدراک أوّله و بادیه یعلم حقیقتها و کیفیّه خلقتها و تشریح أعضائها، بل بإمعان فیه و تدقیق لا بدّ أن ینظر فی ذلک. و الباء فی قوله: بمستدرک یتعلّق بتنال.
و لا ینبغی أن یفهم من قوله: و لا ینال بمستدرک الفکر: أى فی صورتها الظاهره الّتی یدرکها البصر فربّما یسبق ذلک إلى بعض الأفهام لمکان العطف بل ما ذکرناه من شرح حقیقتها فإنّه لیس حظّ الفکر أن یدرک صورتها المحسوسه بالبصر بل أن یبحث عن عجائب صنعتها لیستدلّ بذلک على حکمه صانعها- جلّت عظمته- و محلّ قوله: لا تکاد تنال یحتمل أن یکون نصبا على الحال و العامل انظروا، و یحتمل أن یکون مستأنفا، و کیف فی محلّ الجرّ بدل من النمله، و یحتمل أن یکون کلاما مستانفا و فیه معنى التعجّب. و کیف صبّت: أى القیت على رزقها و بعثت علیه بهدایه و إلهام، و قیل: ذلک على العکس: أى صبّ علیها رزقها، و لفظ الصبّ مستعار لحرکتها فی طلبه ملاحظا لشبهها بالماء المصبوب.
فإن قلت: کیف جعل دبیبها على الأرض محلّ التعجّب و الفکر مع سهولته و وجوده لسائر الحیوان.

قلت: لم یجعل محلّ التعجّب هو دبیبها من حیث هو دبیب فقط بل مع الاعتبارات الاخر المذکوره فإنّک إذا اعتبرتها من حیث هى فی غایه اللطافه ثمّ‏ اعتبرت قوائمها و حرکات مفاصلها و خفضها و رفعها و بعد ذلک من استثبات الحسّ له و نسبتها إلى جرمها و إلى أجزاء المسافه الّتی تقطعها بل جزء من حرکتها، و کذلک انصبابها على رزقها بهدایه تامّه إلیه و نقلها إلى جحرها و غیر ذلک من الاعتبارات المذکوره فإنّک إذا اعتبرت ذلک منها وجدت لنفسک منه تعجّبا و تفکّرا فی لطف جزئیّات صنعتها و حکمه خالقها و مدبّرها. و قوله: تجمع فی حرّها لبردها: أى فی الصیف للشتاء، و فی ورودها لصدرها: أى فی أیّام ورودها و تمکّنها من الحرکه لأیّام صدورها و رجوعها عن الحرکه للعجز فإنّها تعجز فی أیّام الشتاء عن ملاقاه البرد فتطلب بطن الأرض لکمون الحراره فیه. و من العجایب الّتی حکاها أهل التجارب من أفعال النمل و إلهاماتها ما حکاه أبو- عثمان عمرو بن بحر الجاحظ فی کتاب «الحیوان» بفصیح عباراته. قال: إنّ النمله تدّخر فی الصیف للشتاء فتقدم فی أیّام المهمله و لا تضیّع أوقات إمکان الحزم، و تبلغ من تفقّدها و صحّه تمیزها و النظر فی عواقب امورها أنّها تخاف على الحبوب الّتی ادّخرتها للشتاء أن تعفّن و تسوس فی بطن الأرض، فتخرجها إلى ظهرها لتنشرها و تعید إلیها جفافها و یضربها النسیم فینفى عنها العفن و الفساد. قال: و ربّما تختار فی الأکثر أن یکون ذلک العمل لیلا لیکون أخفى، و فی القمر لأنّها فیه أبصر. فإن کان مکانها ندیّا و خافت أن تنبت الحبّه نقرت موضع الطمیر من وسطها لعلمها أنّها من ذلک الموضع تنبت، و ربّما فلقت الحبّه بنصفین.
فأمّا إن کان الحبّ من الکزبره فإنّها تفلقه أرباعا لأنّ أنصاف حبّ الکزبره ینبت من بین جمع الحبّ. فهى بهذا الاعتبار مجاوزه لفطنه جمیع الحیوان. قال: و نقل إلىّ بعض من أثق به أنّه احتفر بیت النمل فوجد الحبوب الّتی جمعتها کلّ نوع وحده. قال: و وجدنا فی بعضها أنّ بعض الحبوب فوق بعض و بینها فواصل حائله من التبن و نحوه. ثمّ إنّ لها مع لطافه شخصها و خفّه حجمها فی الشمّ و الاسترواح ما لیس لسائر الحیوان، و ذلک أنّه ربّما سقط من ید الإنسان جراده أو عضو منها مثلا فی موضع لیس بقربه ذرّد و لا عهد لذلک المنزل به فلا یلبث أن یقبل ذرّه قاصده إلى تلک الجراده فتروم حملها فإذا أعجزتها بعد أن تبلى عذرا مضت إلى جحرها راجعه فلا یلبث الإنسان أن یجدها و قد أقبلت و خلفها کالخیط الأسود من أخواتها حتّى یتعاونّ علیها لیحملنها فأعجب من صدق شمّها لما یشمّه الإنسان الجائع. ثمّ انظر إلى بعد همّتها فی ذلک و جرأتها على محاوله نقل شی‏ء فی وزن جسمها مائه مرّه و أضعافها، و لیس من الحیوان ما یحمل أضعاف وزنه مرارا کثیره کالنمله. قال: و الّذی ینبّه على إعلامها لأخواتها و إشعارها بمثل ما أشرنا إلیه قصّه سلیمان علیه السّلام مع النمل حیث حکى القرآن الکریم عنها قالَتْ نَمْلَهٌ یا أَیُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساکِنَکُمْ لا یَحْطِمَنَّکُمْ سُلَیْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا یَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضاحِکاً مِنْ قَوْلِها«» فإنّ القول المشار إلیه منها و إن لم یحمل على حقیقته فهو محمول على مجازه، و هو إشعارها لأخواتها بالحال المخوّفه للنمل من سلیمان و جنوده.
قال: و من عجیب ما یحکى عن النمل ما حکى عن بعض من یعمل الاصطرلاب أنّه أخرج طوقا من صفر من الکیر بحرارته فرمى به على الأرض لیبرد فاشتمل على نمله فکانت کلّما طلبت جانبا منه لتخرج منعتها الحراره فکانت مقتضى هروبها من الجوانب أن استقرّت ثم ماتت فوجدها قد استقرّت فی موضع رجل البرکار من نقطه المرکز و ما ذاک إلّا للطف حسّها و قوّه و همها أنّ ذلک الموضع هو أبعد الأمکنه عن الخطّ المحیط. قال: و من عجائبها إلهامها أنّها لا تعرض لجعل و لا جراده و لا خنفساء و لا نحوها ما لم یکن بها خبل أو عقر أو قطع ید أو رجل فإذا وجدت شیئا من ذلک و ثبت علیها حتّى لو أنّ حیّه بها ضربه أو خدش ثمّ کانت من ثعابین مصر لو ثبت علیها الذروره حتّى تأکلها، و لا تکاد الحیّه تسلم من الذرّ إذا کان بها أدنى عقر. و کلّ ذلک من الإلهامات الّتی إذا فکّر اللبیب فیها کاد أن یحکم بکونها أعلم بقوانین معاشها و تدبیر أحوال وجودها من کثیر من الناس فإنّ الإنسان قد تهمل ذلک التدبیر فلا یضبطه، و یستمرّ فیه على قانون واحد.

و قوله: مکفوله و مرزوقه. نصب على الحال.
و قوله: رزقها و وفقها: أى موافق و مطابق لقوّتها و على قدر کفایتها.
و یروى مکفول برزقها مرزوقه لوفقها. ثمّ ذکر نسبه ذلک إلى ربّها. فأشار إلى أنّه لا یغفلها: أى لا یترکها من لطفه و عنایته فإنّه باعتبار ما هو منّان على خلقه لا یجوز فی حکمته إهمال بعضها من رزق یقوم به فی الوجود، و کذلک لا یحرمها باعتبار کونه دیّانا: أى مجازیا، و وجه ذکر المجازاه هنا أنّها حیث دخلت فی الوجود طائعه لأمره و قامت فیه منقاده لتسخیره وجب فی الحکمه الإلهیّه جزاؤها و مقابلتها بما یقوم بوجودها فلا یکون محرومه من مادّه بقائها على وفق تدبیره، و لو کانت فی الصفاء الیابس و الحجر الجامس، بل یفتح لها أبواب معاشها فی کلّ مکان. ثمّ نبّه على محال اخرى للفکر فی النمله: فمنها مجارى أکلها ما تأکله و تلک المجارى کالحلق و الأمعاء، و منها علوها و سفلها و علوها بسکون اللام نقیض سفلها و هو رأسها و ما یلیه إلى الجزء المتوسّط منها و سفلها هو ما جاوز الجزء من طرفها الآخر، و منها ما اشتمل علیه جوفها من شراسیف بطنها أو ما یقوم مقامه فأطلق علیه أنّه شراسیف بالمجاز، و منها ما فی رأسها من عینها و اذنها و هى محلّ القوّه السامعه منها فإنّ کلّ ذلک على غایه صغره و لطافته محلّ العجب و محلّ النظر اللطیف المستلزم للشهاده بحکمه الصانع و لطف تدبیره الّذی یقضى الإنسان من تأمّله عجبا، و القضاء هاهنا بمعنى الأداء: أى لأدّیت عجبا، و یحتمل أن یکون بمعنى الموت: أى لقضیت نحبک من شدّه تعجّبک، و یکون عجبا نصب على المفعول له. ثمّ لمّا نبّه على محال الفکر و وجوه الحکمه فیها أردف ذلک بتنزیه صانعها و تعظیمه تعالى، و قرن ذلک التعظیم و التنزیه بنسبته إلى بعض صنعه بها، و هو إقامته لها على قوائمها و بناها على دعائمها، و أراد بدعائمها ما یقوم به بدنها من الامور الّتی مقام العظام و العصب و الأوتار و نحوها لیحصل التنبیه على عظمته من لطف تلک القوائم و اعتبار ضعف تلک الدعائم مع ما رکّب فیها من لطائف الصنعه و أودعها من عجایب الحکمه من غیر أن یشرکه فی فطر تلک الفطره فاطر أو یعینه على لطیف خلقها قادر فسبحانه ما أعظم شأنه و أبهر برهانه. و قوله: و لو ضربت. إلى قوله: النخله. أى لو سارت نفسک فی طرق فکرها و مذاهب نظرها، و هى الأدلّه و أجزاء الأدلّه من المقدّمات و أجزائها المستنبطه من عالم الخلق و الأمر لتصل إلى غایات فکرک فی الموجودات لم یمکن أن یدلّک دلیل إلّا على أنّ خالق النمله على غایه صغرها و خالق النخله على عظمها و طولها واحد و هو المدبّر الحکیم. و قوله: لدقیق تفصیل کلّ شی‏ء. إلى قوله: حىّ. إشاره إلى أوسط الحجّه على ما ادّعاه من اشتراک النمله و النخله فی الاستناد إلى صانع واحد مدبّر حکیم، و معنى ما ذکر أنّ لکلّ شی‏ء من الموجودات الممکنه تفصیل لطیف دقیق و اختلاف شکل و هیئه و لون و مقدار و وجوه من الحکمه تدلّ على صانع حکیم خصّصه بها دون غیره، و تقریر الحجّه أنّ وجود النمله و النخله اشتمل کلّ منهما على دقیق تفصیل الخلقه و غامض اختلاف شکل و هیئه و کلّ ما اشتمل على ذلک فله صانع مدبّر حکیم خصّصه بذلک فینتج أنّهما یشترکان فی الحاجه إلى صانع مدبّر حکیم خصّ کلّا منهما بما یشتمل علیه، و هذه الحجّه هى المسمّاه فی عرف المتکلّمین بالاستدلال بإمکان الصفات کما بیّناه قبل فی قوله: الحمد للّه الدالّ على وجوده بخلقه. و قوله: و ما الجلیل و اللطیف. إلى قوله: سواء. مؤکّد لما سبق من الدعوى، و کاسر لما عساه یعرض لبعض الأوهام من استبعاد نسبه الخلقه العظیمه و الخلقه اللطیفه الحقیره کالنمله إلى صانع واحد. فأشار إلى أنّ کلّ المخلوقات و إن تباینت أوصافها و تضادّت صورها و أشکالها فإنّه لا تفاوت بالنظر إلى قدرته و کمالها بین أن یفیض عنه صوره النخله أو صوره الذرّه، و لیس بعضها بالنسبه إلیه أولى و أقرب من بعض، و لا هو أقوى بعضها من بعض و إلّا لکان ناقصا فی ذاته، و کان بما هو أولى به مستفیدا کما لا یفوته بعدمه عنه، و قد ثبت تنزیه جنابه المقدّس عن ذلک فی مظانّه من الکتب الحکمیّه و الکلامیّه بل إن کان فیهما تفاوت و اختلاف فمن جانب القابل و اختلاف استعدادات الموادّ بالشدّه و الضعف و الأقدم و الأحدث على ما أشرنا إلیه غیر مرّه، و اللطیف کما یراد به صغر الخلقه کذلک قد یراد به دقیق الصفه، و قد یراد به الشفّاف کالهواء، و الأوّل هو مراده و لذلک جعله مقابلا للجلیل. و قوله: و کذلک السماء. إلى قوله: و الماء. فالمشبّه به هو الامور المضادّه السابقه و المشبّه هو السماء و الهواء و الریاح و الماء، و وجه الشبه هو حاجتها فی خلقها و ترکیبها و أحوالها المختلفه و المتّفقه إلى صانع حکیم، و أشار إلى الامور الاولى المتضادّه أوّلا و نسبها إلى قدرته تعالى باعتبار کلّیّتها و من جهه تضادّها لأنّها أدلّ على کمال قدرته، و أشار إلى الثانیه و هى السماء و ما عدّده معها لا لاعتبار تضادّها بل باعتبار ما اشتمل علیه کلّ منها من الحکمه و المنفعه و کونها موادّ الأجسام المرکّبات، و الهواء أعمّ من الریاح لتخصیص مسمّى الریاح بالحرکه دون الهواء. و قوله: فانظروا. إلى قوله: المختلفات. أمر باعتبار حال ما عدّد من المخلوقات و ما اختصّ به کلّ منها من الصفات و الأشکال و المقادیر و الأضواء و الألوان و المنافع إلى غیر ذلک ممّا یدلّ على حاجه کلّ منها إلى مخصّص حکیم یخصّصه بما هو ألیق به و أوفق للحاجه اللازمه له و أنسب إلى استعداده بعد اشتراک جمیعها فی الجسمیّه، و هو أمر بتقریر الحجّه الّتی ذکرناها فی کلّ واحد من الامور المذکوره، و لمّا کان حال أکثر هذه الامور المذکوره مفتقرا إلى تقدیم النظر البصرىّ لغایه التفکّر و الاعتبار فیها أمر به، و أمّا وجوه الاعتبارات فأکثر من أن یحصر فإنّک إذا اعتبرت حال الشمس و القمر فی عظم أجرامهما و الضیاء الصادر عنهما و حرکاتهما و تنقّلهما فی منازلهما، و ما تستلزمه تلک الحرکات من التأثیرات و الإعدادات لوجود المرکّبات العنصریّه من المعدن و النبات و الحیوان ثمّ اعتبرت ما ینفصل به أحدهما عن الآخر من الجرم و زمان السیر و کون القمر مستفیدا للنور من الشمس و غیر ذلک ممّا لا یعلم تفصیله إلّا اللّه سبحانه، و کذلک إذا نظرت إلى النبات و الشجر و جواهرهما و أشکالهما و اختلاف أجزائهما فی الألوان و المقادیر و الثمار و ما یستلزمه من المنفعه لوجود الحیوان و المضرّه لبعضها إلى غیر ذلک ممّا علمته فیما سلف، و کذلک الماء فی کونه على غایه من الرقّه و اللطافه و کون الحجر بعکس الوصفین مع أنّ أکثر المیاه إنّما تنبع من الأحجار ثمّ نظرت إلى المنافع الموجوده فیهما و المضارّ العارضه عنهما، و کذلک النظر إلى هذا اللیل و النهار و اختلافهما فی هذا العالم و تعاقبهما، و ما یستلزمانه من المنفعه المختصّه بکلّ منهما ممّا امتنّ اللّه تعالى على عباده بها حیث قال هُوَ الَّذِی جَعَلَ الشَّمْسَ ضِیاءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِینَ وَ الْحِسابَ«» و قال یُنْبِتُ لَکُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَ الزَّیْتُونَ«» الآیه و قال قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَکْفَرَهُ. إلى قوله مَتاعاً لَکُمْ وَ لِأَنْعامِکُمْ«» إلى غیر ذلک من الآیات و قال أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَکَهُ یَنابِیعَ فِی الْأَرْضِ«» و قال وَ جَعَلْنَا اللَّیْلَ لِباساً وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً إلى قوله أَلْفافاً«» و کذلک إذا اعتبرت تفجیر هذه البحار و ما تستلزمه من المنفعه کما قال تعالى مَرَجَ الْبَحْرَیْنِ یَلْتَقِیانِ«» و قال یَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ«» و کذلک إذا اعتبرت کثره الجبال و قلالها و عروضها و أطوالها و ما اشتملت علیه من معادن الجواهر و غیرها، و کذلک تفرّق اللغات و اختلاف الألسنه وجدت ذلک النکر و الاختلاف شاهدا بوجود صانع حکیم. و تقریرها کما علمت أن تقول: إنّ هذه الأجسام کلّها مشترکه فی الجسمیّه و اختصاص کلّ منها بما یمیّز به من الصفات المتعدّده لیس للجسمیّه و لوازمها و إلّا وجب لکلّ منها ما وجب للآخر ضروره اشتراکها فی علّه الاختصاص فلا ممیّز له. هذا خلف، و لا لشی‏ء من عوارض الجسمیّه لأنّ الکلام فی اختصاص کلّ منها بذلک العارض کالکلام فی الأوّل و یلزم التسلسل فیبقى أن یکون لأمر خارج عنها هو الفاعل الحکیم المخصّص لکلّ منها بحدّ من الحکمه و المصلحه، و قد مرّ تقریر هذه الحجّه مرارا. ثمّ لمّا نبّه على وجود الصانع سبحانه أردف ذلک بالدعاء على من جحده، أو الإخبار عن لحوق الویل له. قال سیبویه: الویل مشترک بین الدعاء و الخبر، و نقل عن عطاء بن یسار أنّ الویل واد فی جهنّم لو ارسلت فیه الجبال لماعت من حرّه. و رفعها بالابتداء، و الخبر لمن أنکر. و المدبّر: هو العالم بعاقبه الأمر و ما یشتمل علیه من المصلحه و یعود إلى القضاء، و القدر هو الموجد على وفق ذلک العلم کما سبق بیانه، و تأخیر الدعاء على الجاحدین بعد إیضاح الحجّه علیهم هو الترتیب الطبیعى، و الإشاره بالجاحدین إلى صنف من العرب أنکروا الخالق و البعث، و قالوا: بالدهر المفنى. کما حکیناه عنهم فی الخطبه الاولى، و هم الّذین أخبر القرآن المجید عنهم بقوله وَ قالُوا ما هِیَ إِلَّا حَیاتُنَا الدُّنْیا نَمُوتُ وَ نَحْیا وَ ما یُهْلِکُنا«». و قوله: زعموا. إلى قوله: صانع. إشاره إلى شبهتهم و هى من باب التمثیل فالأصل فیها هو النبات، و الفرع أنفسهم، و الحکم هو ما تو من کونهم بلا صانع کما أنّ النبات بلا زارع، و لعلّ الجامع فی اعتبارهم هو اختلاف الحیاه و الموت علیهم کما أشار إلیه القرآن الکریم حکایه عنهم نَمُوتُ وَ نَحْیا أو نحوه من الامور المشترکه و إن کانوا لا یلتفتون لفتا إلى هذا الجامع. إذ مراعاه هذه الامور و تحقیق أجزاء التمثیل من صناعه هم عنها بمعزل، و قد علمت أنّ التمثیل بعد تمام أجزائه إنّما یفید ظنّا یختلف بالشدّه و الضعف، و علمت وجوه‏

الفساد فیه. و قوله: و لم یلجئوا. إلى قوله: جان. إنکار و منع لما ادّعوه و أنّهم لم یأتوا فیه بحجّه و لا تحقیق برهان، ویحتمل أن یکون قوله: و هل یکون. إلى قوله: جان. تنبیها على وجود نقیض الحکم المدّعى، و هو کون خلقهم و خلقه النبات شاهده بوجود صانع لها، و ذلک التنبیه بالإشاره إلى أوسط قیاس من الشکل الأوّل، و کبراه فی صوره الاستفهام.
و تقریر القیاس: أنّهم صنعه و لا شی‏ء ممّا هو صنعه بلا صانع ینتج فلا شی‏ء منها بلا صانع و هو نقیض المدّعى، و لمّا کانت الکبرى ضروریّه اقتصر على التنبیه علیها بامتناع وجود البناء من غیر بان و الجنایه من غیر جان فإنّ ترجیح أحد طرفی الممکن على الآخر من غیر مرجّح محال بالبدیهه و ممتنع فی فطن الصبیان و البهائم. إذ کان الحمار عند صوت الخشبه یعد و خوفا من الضرب، و ذلک لما تقرّر فی فطرته أنّ حصول صوت الخشبه بدونها محال. ثمّ لو سلّم لهم ثبوت الحکم فی الأصل و هو کون النبات بلا زارع فلم کان عدم الزارع یدلّ على أنّ النبات لا فاعل له. و إنّما یلزم ذلک أن لو کان الفاعل إنّما هو الزارع و ذلک من الأوهام الظاهره کذبها بأدنى تأمّل إذا استعقب بالبذر. إذ کان الزارع لیس إلّا إعدادا ما للأرض و البذر: و أمّا وجود الزرع و النبات فمستند إلى مدبّر حکیم متعال عن الحسّ و المحسوس لا تدرکه الأبصار و لا تکتنفه الأوهام و الأفکار سبحانه و تعالى عمّا یقول الظالمون علوّا کبیرا. و قوله: إن شئت قلت فی الجراده. إلى قوله: مستدقّه. تنبیه آخر على وجود الصانع الحکیم- جلّت عظمته- فی وجود بعض جزئیّات مخلوقاته و صغیرها و هى الجراده: أى و إن شئت قلت فیها ما قلت فی النمله و غیرها قولا بیّنا کاشفا عن وجوه الحکمه فیها بحیث یشهد ذلک بوجود صانع حکیم لها فنبّه على بعض دقایق الحکمه فی خلقها و هى خلق العینین الحمراوین مع کون حدقتها قمراوین، و استعار لفظ السراج للحدقتین باعتبار الحمره الناریه و الإضاءه.
ثمّ خلق السمع الخفیّ: أى عن أعین الناظرین، و قیل: أراد بالخفیّ اللطیف السامع لخفىّ الأصوات فوصفه بالخفاء مجازا إطلاقا لاسم المقبول على قابله. ثمّ فتح الفم السوىّ. السوىّ: فعیل بمعنى مفعول: أى المسوىّ. و التسویه: التعدیل بحسب‏ المنفعه الخاصّه بها. ثمّ خلق الحسّ القوىّ، و أراد بحسّها قوّتها الوهمیّه و بقوّته [بقوّه خ‏] حذقها فیما الهمت إیّاه من وجوه معاشها و تصرّفها. یقال: لفلان حسّ حاذق إذا کان ذکیّا فطنا درّاکا. ثمّ خلق النابین، و استعار لفظ المنجلین لیدیها، و وجه المشابهه تعوّجهما و خشونتهما، و قرن بذکر النابین و المنجلین ذکر غایتهما و هما القرض و القبض، و من لطیف حکمته تعالى فی الرجلین أن جعل نصفهما الّذین تقع علیها اعتمادها و جلوسها شوکا کالمنشار لیکون لها معینا على الفحص و وقایه لذنبها عند جلوسها و عمده لها عند الطیران. و قوله: یرهبها الزرّاع. إلى قوله: شهواتها. أى أنّها إذا توجّهت بعساکرها من أبناء نوعها إلى بقعه و هجمت على زرعها و أشجارها أمحته و لم یستطع أحد دفعها حتّى لو أنّ ملکا من الملکوت أجلب علیها بخیله و رجله لیحمى بلاده منها لم یتمکّن من ذلک، و فی ذلک تنبیه على عظمه الخالق سبحانه و تدبیر حکمته. إذ کان یبعث أضعف خلقه على أقوى خلقه و یهیّى‏ء الضعیف من أسباب الغلبه ما لا یستطاع دفعه معها حتّى ترد ما ترید وروده و تقضى منه شهواته فیحلّ باختیار منه و ترحل باختیار، و من عجایب الخواصّ المودعه فی الجراد أنّها تلتمس لبیضها الموضع الصلد و الصخور الملس ثقه بأنّها إذا ضربت فیها بأذنابها انفرجت لها، و معلوم أنّ ذلک لیس بقوّه إذ لیس فی ذنب الجراده من القوّه أن یخرق الحجر الّذی یعجز عنه المعول بمجرّد قوّته لولا خاصیّه لها هناک.
ثمّ إذا ضربت فی تلک البقاع و ألقت بیضها و أنضمّت علیها تلک الأخادید الّتی أحدثتها و صارت لها کالأفاحیص صارت خاضنه لها و مربّیه و حافظه و واقیه حتّى إذا جاء وقت دبیب الروح خرجت من البیض صهیا إلى البیاض. ثمّ تصفرّ و تتلوّن فیه خطوط إلى السواد. ثمّ یصیر فیه خطوط سود و بیض، ثمّ یبدو حجم جناحیه. ثمّ یستقلّ فیموج بعضه فی بعض، و قیل: إنّ الجراد إذا أراد الخضره و دونه نهر جار صار بعضه جسر البعض لیعبر إلیها فمن الناس من جعل ذلک حیله لها الهمت إیّاها. و أباه قوم و قالوا: بل الزحف الأوّل من الدبى إذا أراد الخضره و لا یقدر علیها إلّا بالعبور إلیها عبر فإذا صارت تلک القطعه فوق الماء طافیه صارت للزحف الثانی الّذی یرید الخضره کالأرض، و ربّما نقل لها خواصّ اخرى لا تعلّق لها بما نحن بصدده.
و قوله: و خلقها کلّه لا یکون إصبعا مستدقّه. الواو للحال: أى أنّه تعالى خلقها على ما وصفت و أودعها من عجایب الصنع ما ذکرت بحیث یخاف منها الزرّاع مع أنّ خلقها کلّه دون الإصبع المستدقّه، و هذه الکلمه مستلزمه لتمام التعجّب من خلق اللّه فیها الامور الموصوفه حتّى لو قدّرنا أنّها وصفت لمن لم یرها فربّما اعتقد أنّ لها خلقا عظیما تستند إلیه هذه الأوصاف و لم یکن عنده تعجّب حتّى نتبیّن مقدار خلقها و صغر صورتها ثمّ لما بیّن بعض مبدعاته و مکوّناته نوّه بزیاده عظمته تعالى و برکته باعتبار کونه معبودا لمن فی السماوات و من فی الأرض فله یسجدون طوعا و کرها کلّ بعباده تخصّه و سجود لا یمکن من غیره مع اشتراک الکلّ فی الدخول تحت ذلّ الحاجه إلى کمال قدرته و خضوع الإمکان بین یدی رحمته. و إلیه الإشاره بقوله تعالى وَ لِلَّهِ یَسْجُدُ مَنْ فِی السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ کَرْهاً«» و کذلک قوله: و یعفّر له خدّا و وجها. فما کان ذا وجه و خدّ حقیقه فلفظ التعفیر صادق علیه حقیقه، و ما لم یکن السجود صادق علیه استعاره لخضوعه الخاصّ به، و لفظ التعفیر و الخدّ و الوجه ترشیحات على أنّ موضوع السجود فی اللغه هو الخضوع و کذلک إطلاق إعطاء القیاد و وصف الرهبه و الخوف، و نصبهما على المفعول له. و قول ه: فالطیر مسخّره لأمره. کقوله تعالى أَ لَمْ یَرَوْا إِلَى الطَّیْرِ مُسَخَّراتٍ فِی جَوِّ السَّماءِ ما یُمْسِکُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ«» و کونها مسخّره یعود إلى دخولها تحت حکم تصرّفه العامّ فیها قدره و علما و الخاصّ تخصیصا و تعیینا، و إحصاء الریش منها و النفس باعتبار تسخیرها تحت تصرّفه العامّ بعلمه تعالى.
و إرساؤها: أى تثبّتها على قوائمها فی الندى کطیرالماء و الیبس کطیر البرّ باعتبار دخولها تحت قدرته و خلقها کذلک، و تقدیره لأقواتها و ما یصلح منها و ما یکفیه باعتبار دخولها تحت قدرته و علمه معها. إذ کان التقدیر هو إنزال تلک المقادیر و إعدادها على وفق العلم الإلهىّ، و إحصاء أجناسها باعتبار علمه تعالى. و قوله: فهذا غراب. إلى قوله: نعام. تفصیل لأنواعها. و لم یرد الجنس بالاصطلاح الخاصّ بل اللغوىّ و هو النوع فی المصطلح العلمىّ، و راعى فی کلّ قرینتین من الأربع السجع المتوازى. و قوله: دعا کلّ طایر باسمه. فالدعاء استعاره فی أمر کلّ نوع بالدخول فی الوجود، و قد عرفت أنّ ذلک الأمر یعود إلى حکم القدره الإلهیّه العظیمه علیه بالدخول فی الوجود، و وجه الاستعاره ما یشترک فیه معنى الدعاء، و الأمر من طلب دخول مهیه المطلوب بالدعاء و الأمر فی الوجود و هو کقوله تعالى فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِیا طَوْعاً أَوْ کَرْهاً قالَتا أَتَیْنا طائِعِینَ فَقَضاهُنَّ«» الآیه، و لما استعار لفظ الدعا رشّح بذکر الاسم لأنّ الشی‏ء إنّما یدعى باسمه، و یحتمل أن یرید الاسم اللغوىّ و هو العلامه فإنّ لکلّ نوع من الطیر خاصّه و سمه لیست للآخر، و یکون المعنى أنّه تعالى أجرى علیها حکم القدره بمالها من السمات و الخواصّ فی العلم الإلهىّ و اللوح المحفوظ، و قال بعض الشارحین: أراد أسماء الأجناس، و ذلک أنّ اللّه تعالى کتب فی اللوح المحفوظ کلّ لغه تواضع علیها العباد فی المستقبل، و ذکر الأسماء الّتی یتواضعون علیها، و ذکر لکلّ اسم مسمّاه فعند إراده خلقها نادى کلّ نوع باسمه فأجاب دعواه و أسرع فی إجابته، و اعلم أنّک إذا تأمّلت حکمه الصانع فی خلق الطائر شاهدت عجبا. حین اقتضت الحکمه الإلهیّه أن یکون طائرا فی الجوّ خفّف جسمه و أدمج خلقه فاقتصر من القوائم على اثنتین و من الأصابع على أربع من منفذین للزبل و البول على منفذ. ثمّ خلقه تعالى على جؤجؤ محدّب‏ لیسهل علیه خرق الهواء کما یجعل صدر السفینه بهذه الهیئه لیشقّ الماء، و خلق فی جناحیه و ذنبه ریشات طوال لینهض بها إلى الطیران، و کسى جسمه کلّه ریشا لیتداخله الهواء فیقیله، و لمّا کان طعامه الحبّ أو اللحم یبلعه بلعا من غیر مضغ نقص من خلقه الأسنان و خلق له منقارا صلبا، و أعانه بفضل حرارته فی جوفه یستغنى بها عن المضغ. ثمّ خلقه تعالى یبیض بیضا و لا یلد لکیلا یثقل بکون الفراخ فی جوفه عن الطیران، و جعل عوض استعداد الولد فی البطن استعداده فی البیضه بحراره الحضن بمشارکه من الذکر و الانثى فی ذلک، و من العنایه اللإلهیّه بدوام نسله و بقائه أن ألهمه العطف على فراخه فیلتقط الحبّ فیغذو به فراخه بعد استقراره فی حوصلته لیلین، و إذا فکّرت فی الحوصله وجدتها کالمخلاه المعلّقه أمامه فهو یعبّى فیها ما أراد من الطعم بسرعه ثمّ ینفذ إلى القانصه على مهل، و ذلک أنّ مسلک الطعم إلى القانصه ضیّق لا ینفذ فیه الطعم إلّا قلیلا فلو کان هذا الطائر لا یلتقط حبّه ثانیه حتّى تصیر الاولى إلى القانصه لطال ذلک علیه فخلق تعالى له الحوصله لذلک. ثمّ انظر إلى الریش الّذی تراه فی الطواویس و الدراریج و غیرها عن استواء و مقابله على نحو ما یخطّ بالأقلام، و کذلک انظر إلى العمود الجامع للریشه الّذی یجرى مجرى الجدول الممدّ للریشه و المغذّى لها، و خلق عصبیّ الجوهر صلبا متینا لیحفظ الریش و یمسکه لصلابته. فسبحان الّذی خلق الأزواج کلّها، و أحصى کلّ شی‏ء عددا، و أحاط بکلّ شی‏ء علما.
و قوله: و أنشأ السحاب. إلى آخره. إشاره إلى کمال قدرته باعتبار خلقه السحاب الثقال بالماء، و إرسال دیمها و هی أمطارها، و تعدید قسمها و هو ما یصیب کلّ بلد و أرض منها من القسم.
و ظاهر أنّه تعالى یعدّ الأرض بتلک البلّه بعد الجفاف لأن یخرج منها النبات بعد الجدب و إلیه الإشاره بقوله تعالى أَ وَ لَمْ یَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْکُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَ أَنْفُسُهُمْ أَ فَلا یُبْصِرُونَ«»و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۲۱

بازدیدها: ۲

خطبه ۲۲۵ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام
روى ابو محمد الیمانى عن أحمد بن قتیبه عن عبد اللّه بن یزید عن مالک بن دحیه قال: کنا عند أمیر المؤمنین علیه السّلام و قد ذکر عنده اختلاف الناس فقال إِنَّمَا فَرَّقَ بَیْنَهُمْ مَبَادِئُ طِینِهِمْ- وَ ذَلِکَ أَنَّهُمْ کَانُوا فِلْقَهً مِنْ سَبَخِ أَرْضٍ‏ وَ عَذْبِهَا- وَ حَزْنِ تُرْبَهٍ وَ سَهْلِهَا- فَهُمْ عَلَى حَسَبِ قُرْبِ أَرْضِهِمْ یَتَقَارَبُونَ- وَ عَلَى قَدْرِ اخْتِلَافِهَا یَتَفَاوَتُونَ- فَتَامُّ الرُّوَاءِ نَاقِصُ الْعَقْلِ- وَ مَادُّ الْقَامَهِ قَصِیرُ الْهِمَّهِ- وَ زَاکِی الْعَمَلِ قَبِیحُ الْمَنْظَرِ- وَ قَرِیبُ الْقَعْرِ بَعِیدُ السَّبْرِ- وَ مَعْرُوفُ الضَّرِیبَهِ مُنْکَرُ الْجَلِیبَهِ- وَ تَائِهُ الْقَلْبِ مُتَفَرِّقُ اللُّبِّ- وَ طَلِیقُ اللِّسَانِ حَدِیدُ الْجَنَانِ أبو محمّد ذعلب الیمانىّ و أحمد و عبد اللّه و مالک من رجال الشیعه و محدّثیهم.

اللغه
و الفلقه: القطعه، و الشقّ من الشی‏ء.

و الرواء: المنظر الجمیل.

و سبرت الرجل أسبره: اختبرت باطنه و غوره.

و الضریبه: الخلق و الطبیعه.

و الجلیبه: ما یجلبه الإنسان و یتکلّفه.

و الکلام إشاره إلى السبب المادىّ لاختلاف الناس فی الصور و الأخلاق.
فقوله: إنّما فرّق بینهم. إلى قوله: یتفاوتون. فطینهم إشاره إلى التربه الّتی أشار إلى جمع اللّه لها فی قوله: فی الخطبه الاولى: ثمّ جمع سبحانه من سهل الأرض و حزنها و سبخها و عذبها تربه. إلى قوله: و أصلدها حتّى استمسکت. و المعنى أنّ تقاربهم فی الصور و الأخلاق تابع لتقارب طینهم و تقارب مبادیه و هى السهل و الحزن و السبخ و العذب، و تفاوتهم فیها تابع لتفاوت طینهم و مبادیه المذکوره. قال أهل التأویل: إضافه المبادى هنا إلى الطین إضافه بمعنى اللام: أى المبادى لطینهم، و الإشاره بطینهم إلى اصولهم، و هى الممتزجات المنتقله فی أطوار الخلقه کالنطفه و ما قبلها من موادّها و ما بعدها من العلقه و المضغه و العظم، و المزاج الإنسانىّ القابل للنفس المدبّره. قالوا: و لمّا کانت مبادى ذلک الطین فی ظاهر کلامه علیه السّلام هى السبخ و العذب و السهل و الحزن کان ذلک کنایه عن الأجزاء العنصریّه الّتی هى مبادی الممتزجات ذوات الأمزجه کالنبات و الغذاء و النطفه و ما بعدها. إذ کلّ ممتزج منها لا بدّ فیه من أجزاء متفاعل فیحصل بواسطتها استعداداتها، و تفاعلها ذو مزاج هو نطفه و غیرها فتلک الأجزاء المتفاعله المستعدّه لمزاج مزاج هى مبادى تلک الأمزجه و الممتزجات و لمّا کانت السبخیّه و العذوبه و السهوله و الحزونه امورا تلحق الممتزجات الأرضیّه الّتی هى مبادئ الطین و لها أثر فی اختلاف مزاجه و سایر الأمزجه المرکّبه منه، و کان اختلاف استعدادات تلک الامور الممتزجه لقبول الأمزجه الّتی هى السبب فی اختلاف الأمزجه و استعداداتها لقبول الأخلاق و الصور هو السبب فی اختلاف الأخلاق و الصور لا جرم کان السبب فی تفرّق الناس فی أخلاقهم و خلقهم إنّما هو اختلاف مبادئ طینهم، و قد علمت ممّا سلف فی الخطبه الاولى لمیّه تخصیصه علیه السّلام بعض الأجزاء العنصریّه بالترکّب عنها، و یحتمل أن یشیر بالسبخ و العذب و السهل و الحزن إلى الأجزاء الأرضیّه من حیث هى ذوات أمزجه متعادله الکیفیّات. فالسبخ کنایه عن الحارّ الیابس منها، و العذب کنایه عن الحارّ الرطب، و السهل کنایه عن البارد الرطب، و الحزن کنایه عن البارد الیابس قالوا: و على هذا حمل قول الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: إنّ اللّه سبحانه لمّا أراد خلق آدم أمر أن یؤخذ قبضه من کلّ أرض فجاء بنو آدم على قدر طینها الأحمر و الأبیض و السهل و الحزن و الطیّب و الخبیث. فالقبضه من کلّ أرض إشاره إلى الأجزاء الأرضیّه المذکوره، و کون الناس مختلفین عنها بالأبیض و الأحمر إشاره إلى اختلاف خلقهم، و کونهم مختلفین بالسهوله و الحزونه و الطیّب و الخبیث إشاره إلى اختلاف تلک الاستعدادات السابقه على کلّ مزاج فی أطوار خلقهم قالوا: و قد بان بذلک معنى قوله: فهم على حسب قرب أرضهم یتقاربون: أى على حسب قرب مبادى طینهم المذکوره و تشابهها فی استعداداتها و إعدادها یتقاربون و یتشابهون فی الصور و الأخلاق، و على قدر اختلاف تلک المبادی و تباینها فی ذلک یتفاوتون و تتضادّ أخلاقهم و تتباین خلقهم. قالوا: و یجب التأویل هنا لأنّا لو حملنا الکلام على ظاهره لاقتضى أنّ کلّا منهم قد خلق من الطین. قوله: فتامّ الرواء. إلى آخره.

تفصیل لهم فی تفاوتهم. و ذکر أقساما سبعه فبدء بالأقسام الّتی تضادّ خلقها لأخلاقها أو بعض أخلاقها لبعض و هى خمسه: الأوّل: من استعدّ مزاجه لقبول صوره کامله حسنه و عقل ناقص فهو داخل فی رذیله الغباوه. الثانی: المستعدّ لامتداد القامه و حسنها أیضا لکنّه ناقص فی همّته فهو داخل فی رذیله الجبن، و کلاهما یشترکان فی مخالفه ظاهرهما لباطنهما، و یتفاوتان فی الاستعداد الباطن. الثالث: المستعدّ لقبح صورته الظاهره و حسن باطنه باعتدال مزاج ذهنه المستلزم للأعمال الذاکیه. الرابع: قریب القعر: أى قصیر بعید السبر: أى داهیه ببعد اختیار باطنه و الوقوف على أسراره، و مخالفه ظاهر هذین القسمین لباطنهما ظاهر. الخامس. معروف الضریبه منکر الجلیبه: أى یکون له خلق معروف یتکلّف ضدّه فیستنکر منه، و یظهر علیه تکلّفه کأن یکون مستعدّا للجبن فیتکلّف الشجاعه أو بخیلا فیتکلّف السخاوه فیستنکر منه ما لم یکن معروفا منه. فهذه هى الأقسام الخمسه، و القسم الأوّل و الثالث قلیلان فإنّ الأغلب على المستعدّ لحسن الصوره و جمالها و اعتدال الخلقه أن یکون فطنا ذکیّا لدلاله تلک العوارض على استواء الترکیب و اعتدال المزاج، و الأغلب على المستعدّ لقبح الصوره عکس ذلک، و أما القسم الثانی و الرابع فهو أکثر فإنّ الأغلب على طویل القامه نقصان العقل و البلاده و یتبع ذلک فتور العزم و قصور الهمه، و على القصیر الفطنه و الذکاء و حسن الآراء و التدابیر، و قد نبّه بعض الحکماء على علّه ذلک فقال حین سئل ما بال القصار من الناس أدهى و أحذق: لقرب قلوبهم من أدمغتهم. و مراده أنّ القلب لمّا کان مبدء للحار الغریزىّ و کان الأعراض النفسانیّه من الفطنه و الفهم و الإقدام و الوقاحه و حسن الظنّ و جوده الرأى و الرجاء و النشاط و رجولیّه الأخلاق و قلّه الکسل و قلّه الانفعال عن الأشیاء کلّ ذلک یدلّ على الحراره و توفّرها، و أضداد هذه الامور یدلّ على البروده لا جرم کان قرب القلب من الدماغ فی القصیر لکونه سببا لتوفّر الحراره فی الدماغ وجوده استعداد القوى النفسانیّه فیه للأعراض المذکوره، و کان بعده منه فی الطویل سببا لقلّه الحراره فیه و ضعف استعداد القوى النفسانیّه فیه للأعراض المذکوره، و استعدادها لأضدادها و إن کانت الحراره لیست هى کمال السبب المادىّ، و القسم الخامس أکثرى و ذلک لمحبّه النفوس للکمالات فترى البخیل یحبّ أن یعدّ کریما فیتکلّف الکرم، و الجبان یحبّ أن یعدّ شجاعا فیتکلّف الشجاعه، و قد راعى فی هذه القرائن المطابقه فالتامّ بإزاء الناقص، و مادّ القامه بإزاء القصیر، و الذکىّ بإزاء القبیح، و القریب بإزاء البعید، و المعروف بإزاء المنکر، و أمّا القسمان الباقیان فأحدهما: تائه القلب متفرّق اللبّ، و هم العوامّ. و العامّه أتباع کل ناعق التائهون فی تیه الجهل المتفرّقه أهواؤهم بحسب کلّ سانح من المطالب الدنیویّه و الخواطر الشیطانیّه، و الثانی: طلیق اللسان حدید الجنان، و هو اللسن الزکىّ، و هذان القسمان مخالفان للأقسام الاولى فی مناسبه ظاهرهما لباطنهما، و راعى فی کلّ قرینتین من هذین القسمین السجع المتوازى. و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج‏ البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۱۵

 

بازدیدها: ۲

خطبه ۲۲۳ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

کلم به عبد اللّه بن زمعه، و هو من شیعته،و ذلک أنه قدم علیه فى خلافته یطلب منه مالا، فقال علیه السّلام:

إِنَّ هَذَا الْمَالَ لَیْسَ لِی وَ لَا لَکَ- وَ إِنَّمَا هُوَ فَیْ‏ءٌ لِلْمُسْلِمِینَ وَ جَلْبُ أَسْیَافِهِمْ- فَإِنْ شَرِکْتَهُمْ فِی حَرْبِهِمْ کَانَ لَکَ مِثْلُ حَظِّهِمْ- وَ إِلَّا فَجَنَاهُ أَیْدِیهِمْ لَا تَکُونُ لِغَیْرِ أَفْوَاهِهِمْ

أقول: هو عبد اللّه ابن زمعه بفتح المیم ابن أسود بن المطّلب بن أسود بن عبد العزّى بن قصّى بن کلاب. و کان من أصحاب علىّ و شیعته.

اللغه
و الجلب: المال المجلوب، و روى بالخا.

و جناه الثمر: ما یجنى منه.
المعنى
و ظاهر الکلام یقتضى أنّه استماحه علیه السّلام مالا فاعتذر إلیه، و وجه العذر أنّه لم یکن لیجمع لنفسه مالا یخصّه و إنّما یجمع له معه ما کان لبیت مال المسلمین من فیئهم، و هو جلبه أسیافهم من مال الکفّار غنیمه، و نطق القرآن الکریم بقسمه خمسه بین من ذکر فی قوله وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَیْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِی الْقُرْبى‏ وَ الْیَتامى‏ وَ الْمَساکِینِ وَ ابْنِ السَّبِیلِ«» و الأقسام الأربعه الباقیه للقائمین الّذین باشروا القتال. فعند الشافعى للفارس ثلاثه أسهم و للراجل سهم، و عند أبى حنیفه للفارس سهمان و للراجل سهم، و هو مذهب أهل البیت علیهم السّلام. و یحمل منعه علیه السّلام له من الخمس على أنّه طلب من مال المقاتله أو على أنّ الخمس کان قد قسّم أو على أنّه لم یکن من المساکین و هم أهل الفاقه و الفقر و لا ابن السبیل و هو المنقطع فی سفره، و أمّا سهم اللّه فأجمع المفسّرون على أنّ ذکر اللّه هنا للتعظیم و إن اختلفوا فی قسمه الخمس. فمنهم من قال: یقسّم خمسه أقسام لأنّ سهم اللّه و سهم الرسول للرسول فهو قسم واحد، و هو المرویّ عن ابن عبّاس و قتاده و جماعه من أهل التفسیر، و منهم من قال: یقسّم أربعه أقسام، و منهم من قال: ثلاثه أقسام، و المرویّ عن أهل البیت علیه السّلام أنّه ینقسم ستّه أقسام فسهم اللّه و سهم رسوله للرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و هما بعده مع سهم ذوى القربى للقائم مقامه ینفقها على نفسه و أهل بیته من بنى هاشم، و الثلاثه الأسهم الباقیه للیتامى و المساکین و أبناء السبیل من أهل‏ بیت الرسول لا یشرکهم فیها باقى الناس عوضا من الصدقات المحرّمه علیهم. و الأئمّه الأربعه على أنّ سهم الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم کان تصرف بعد عهده إلى ما أهمّ به من مصالح المسلمین من السلاح و الکراع. فإذن لم یکن أن یعطیه من سهم الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، و ظاهر أنّه لیس من اولى القربى و لا الیتامى، و أمّا منعه من الأخماس الأربعه فلأنّها کانت للمقاتله خاصّه و لم یکن هو منهم، و لذلک قال له: و إنّما هو فی‏ء للمسلمین و جلب أسیافهم فإن شرکتهم فی حربهم کان لک مثل حظّهم، و قد نطق کلامه علیه السّلام هنا بأنّ الفى‏ء و الغنیمه واحد و إن کان قد یختصّ الفى‏ء عند بعضهم بما اخذ من مال الکفّار بغیر قتال و هو قول الشافعى و المرویّ فی أخبار الإمامیه. و قوله: و إلّا: أى و إن لا تکن قد شرکتهم، و استعار لفظ الجناه لما اکتسبوه بأیدیهم من ذلک المال ملاحظه لمشابهته باقتطاف الثمره و اجتنائها و هو من أفصح الاستعارات، و یجرى مجرى المثل یضرب لمن یطلب مشارکه غیره فی ثمره فعل فعله ذلک الغیر و تعب فیه، و لمّا کان قوله: و إلّا. دالّا على مقدّم شرطیّه متّصله تقدیره و إلّا تکن قد شرکتهم فی حربهم. و نبّه بقوله: فجناه أیدیهم. إلى آخره على تالیها. إذ کان مفهوم هذا القول دالّا على عدم استحقاق غیر الجانى نصیبا ممّا جنّته ید الجانى فکأنّه قال: و إلّا شرکتهم فی حربهم فلا یکون لک نصیب فیما کسبته أیدیهم. و الفاء لجواب الشرط المقدّر. و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج‏ البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۱۳

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۲۲۲ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام خطبها بذى‏قار و هو متوجه الى البصره

ذکرها الواقدى فى کتاب الجمل فَصَدَعَ بِمَا أُمِرَ بِهِ وَ بَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ- فَلَمَّ اللَّهُ بِهِ الصَّدْعَ وَ رَتَقَ بِهِ الْفَتْقَ- وَ أَلَّفَ بِهِ الشَّمْلَ بَیْنَ ذَوِی الْأَرْحَامِ- بَعْدَ الْعَدَاوَهِ الْوَاغِرَهِ فِی الصُّدُورِ- وَ الضَّغَائِنِ الْقَادِحَهِ فِی الْقُلُوبِ‏

 

اللغه

أقول:

ذوقار: موضع قریب من البصره، و فیه کانت وقعه العرب مع الفرس قبل الإسلام.

و الصدع: الشقّ.

و الواغره: ذات الوغره: و هى شدّه توقّد الحرّ، و فی صدره و غر: أى عداوه وضعن توقد من الغیظ. و عداوه واغره: شدیده.

و الضغائن الأحقاد.

و الإشاره إلى أوصاف الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم:
فالأوّل: استعار له لفظ الصدع بما امر به من تبلیغ الوحى
و وجه المشابهه أنّه شقّ بما جاء به الرساله عصا الکفر و کلمه أهله، و فرّق ما اتّصل من أغشیه الجهل على رءوس الکافرین و حجب الغفله الّتی رانت على قلوبهم کما یصدع الحجر بالمعول و نحوه.
الثانی: ذکر تبلیغه لرساله ربّه
فی معرض مدحه لکونه أداء أمانه عظم تبلیغها و قدرها، و ذلک فضیله تحت ملکه العفّه.
الثالث: کونه قد لمّ اللّه به الصدع، و رتق به الفتق،
و استعار لفظى الصدع و الرتق لما کان بین العرب من الافتراق و تشتّت الأهواء و اختلاف الکلمه و العداوات و الأحقاد حتّى أنّ أحدهم کان یقتل أباه و ابنه و ذوى رحمه لهوى یقوده أو ضغن یحمله فجمع اللّه بمقدمه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أشتاتهم و ألّف بین قلوبهم حتّى جعل ذلک فی معرض امتنانه علیه. إذ یقول: و ألّف بین قلوبهم و لو أنفقت ما فی الأرض جمیعا ما ألّفت بین قلوبهم و لکنّ اللّه ألّف بینهم، و کذلک استعار لفظ القادحه للضغائن لاستلزامها إثاره الغضب و الفتن و الشرور کما یثیر القادح النار. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۱۰

بازدیدها: ۰

خطبه ۲۲۱ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام
القسم الأول
فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ مِفْتَاحُ سَدَادٍ- وَ ذَخِیرَهُ مَعَادٍ وَ عِتْقٌ مِنْ کُلِّ مَلَکَهٍ- وَ نَجَاهٌ مِنْ کُلِّ هَلَکَهٍ بِهَا یَنْجَحُ الطَّالِبُ- وَ یَنْجُو الْهَارِبُ وَ تُنَالُ الرَّغَائِبُ فَاعْمَلُوا وَ الْعَمَلُ یُرْفَعُ- وَ التَّوْبَهُ تَنْفَعُ وَ الدُّعَاءُ یُسْمَعُ- وَ الْحَالُ هَادِئَهٌ وَ الْأَقْلَامُ جَارِیَهٌ- وَ بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ عُمُراً نَاکِساً- أَوْ مَرَضاً حَابِساً أَوْ مَوْتاً خَالِساً- فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِکُمْ- وَ مُکَدِّرُ شَهَوَاتِکُمْ وَ مُبَاعِدُ طِیَّاتِکُمْ- زَائِرٌ غَیْرُ مَحْبُوبٍ وَ قِرْنٌ غَیْرُ مَغْلُوبٍ- وَ وَاتِرٌ غَیْرُ مَطْلُوبٍ- قَدْ أَعْلَقَتْکُمْ حَبَائِلُهُ- وَ تَکَنَّفَتْکُمْ غَوَائِلُهُ وَ أَقْصَدَتْکُمْ مَعَابِلُهُ- وَ عَظُمَتْ فِیکُمْ سَطْوَتُهُ وَ تَتَابَعَتْ عَلَیْکُمْ عَدْوَتُهُ- وَ قَلَّتْ عَنْکُمْ نَبْوَتُهُ- فَیُوشِکُ أَنْ تَغْشَاکُمْ دَوَاجِی ظُلَلِهِ- وَ احْتِدَامُ عِلَلِهِ وَ حَنَادِسُ غَمَرَاتِهِ- وَ غَوَاشِی سَکَرَاتِهِ وَ أَلِیمُ إِرْهَاقِهِ- وَ دُجُوُّ أَطْبَاقِهِ وَ جُشُوبَهُ مَذَاقِهِ- فَکَأَنْ قَدْ أَتَاکُمْ بَغْتَهً فَأَسْکَتَ نَجِیَّکُمْ- وَ فَرَّقَ نَدِیَّکُمْ وَ عَفَّى آثَارَکُمْ- وَ عَطَّلَ دِیَارَکُمْ وَ بَعَثَ وُرَّاثَکُمْ- یَقْتَسِمُونَ تُرَاثَکُمْ بَیْنَ حَمِیمٍ خَاصٍّ لَمْ یَنْفَعْ- وَ قَرِیبٍ مَحْزُونٍ لَمْ یَمْنَعْ- وَ آخَرَ شَامِتٍ لَمْ یَجْزَعْ فَعَلَیْکُمْ بِالْجَدِّ وَ الِاجْتِهَادِ وَ التَّأَهُّبِ وَ الِاسْتِعْدَادِ- وَ التَّزَوُّدِ فِی مَنْزِلِ الزَّادِ- وَ لَا تَغُرَّنَّکُمُ الْحَیَاهُ الدُّنْیَا- کَمَا غَرَّتْ مَنْ کَانَ قَبْلَکُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِیَهِ- وَ الْقُرُونِ‏ الْخَالِیَهِ الَّذِینَ احْتَلَبُوا دِرَّتَهَا- وَ أَصَابُوا غِرَّتَهَا وَ أَفْنَوْا عِدَّتَهَا- وَ أَخْلَقُوا جِدَّتَهَا وَ أَصْبَحَتْ مَسَاکِنُهُمْ أَجْدَاثاً- وَ أَمْوَالُهُمْ مِیرَاثاً لَا یَعْرِفُونَ مَنْ أَتَاهُمْ- وَ لَا یَحْفِلُونَ مَنْ بَکَاهُمْ وَ لَا یُجِیبُونَ مَنْ دَعَاهُمْ- فَاحْذَرُوا الدُّنْیَا فَإِنَّهَا غَدَّارَهٌ غَرَّارَهٌ خَدُوعٌ- مُعْطِیَهٌ مَنُوعٌ مُلْبِسَهٌ نَزُوعٌ- لَا یَدُومُ رَخَاؤُهَا- وَ لَا یَنْقَضِی عَنَاؤُهَا وَ لَا یَرْکُدُ بَلَاؤُهَا

اللغه
أقول:

الحابس: المانع.

و الخالس: المختطف.

و التکنّف: الإحاطه.

و الطیّات: جمع طیّه بالکسر، و هى منزل السفر.

و الواتر: الّذی یوجب لغیره الوتر و هو الذحل و الحقد.

و الغوائل: المصایب یأتی على غرّه، جمع غایله.

و المعابل: جمع معبل بکسر المیم و هى نصل طویل عریض.

و عدوته بفتح العین: ظلمه.

و نبا السیف: إذا لم یؤثّر فی الضربه.

و الظلل: جمع ظلّه، و هو السحاب.

و الاحتدام: شدّه الحدّه و الغیظ.

و الإرهاق: الإعجال، و یروى بالزای.

و الجشوبه بالجیم: غلظ الطعام.

و النجىّ: القوم یتناجون.

و الندىّ: القوم یجتمعون فی النادى، و هو المجتمع.

و لا یحفلون: لا یبالون، و الاحتفال بالشی‏ء: الاعتناء به.

المعنى
و فی الفصل مقاصد:
الأوّل. التنبیه على فضیله تقوى اللّه بأوصاف:
الأوّل: کونها مفتاح سداد،
و لمّا کان السداد هو الصواب و العدل فی القول و العمل، و کان ذلک هو غایه الدین و الطریق المسلوک إلى اللّه، و کانت تقوى اللّه تعود إلى خشیته المستلزمه للإعراض عن مناهیه استعار لها لفظ المفتاح باعتبار کونها سببا للاستقامه على الصواب و القصد فی صراط اللّه المستقیم إلى ثوابه المقیم الّذی أفضل المطالب کما أنّ المفتاح سبب الوصول إلی ما یخزن من‏ الأموال النفیسه.
الثانی: کونها ذخیره معاد
و ظاهر أنّ الاستعداد لخشیه اللّه و ما یستلزمه من الکمالات النفسانیّه من أنفس الذخائر المشفّع بها فی المعاد.
الثالث: کونها عتقا من کلّ ملکه.
استعار لفظ العتق لخلاص النفس العاقله من استیلاء حکم شیاطینها المطیفه بها کخلاص العبد من استیلاء سیّده. ثمّ جعل التقوى نفسها عتقا مجازا إطلاق لاسم السبب على المسبّب. إذ کانت التقوى سببا لذلک الخلاص المستعار له لفظ العتق.
الرابع: و نجاه من کلّ هلکه.
أطلق علیها لفظ النجاه مجازا کالعتق لکونها سببا لنجاه الناس من الهلکات الاخرویّه و عقوبات الآثام، و ربّما کانت التقوى سببا للنجاه من مخاوف دنیویّه لولاها لحقت.
الخامس: بها ینجح الطالب.
أمّا لثواب اللّه فی الآخره فظاهر، و أمّا فی الدنیا فلما نشاهده من اتّخاذ کثیر من الناس شعار المتّقین ذریعه إلى مطالبها و نجاح مساعیهم و إقبال الدنیا علیهم،
السادس: و ینجو الهارب
أى من عذاب اللّه و هو ظاهر.
و السابع: و تنال الرغائب،
و هو کقوله: و ینجح الطالب، و فی کلّ قرینتین من القرائن الستّ من أوّل الفصل السجع المتوازى.

المقصد الثانی: التنبیه على وجوب العمل الصالح المطلوب للّه. و مبادرته باعتبارات:
الأوّل: أنّهم فی وقت العمل و إمکان رفعه إلى اللّه
دون ما بعد الموت، و الواو فی قوله: و العمل. للحال.
الثانی: فی وقت قبول التوبه
منهم و الإقلاع من موبقات الآثام.
الثالث: فی وقت استماع الدعاء
و قبوله فإنّ شیئا من ذلک لا ینفع بل لا یمکن بعد الموت.
الرابع: و الحال هادئه.
أى حال الإنسان فی الدنیا فإنّ حاله حین الموت‏ و ما بعده فی غایه الاضطراب.
الخامس: و الأقلام جاریه
أی أقلام الحفظه، و فائده الإعلام بالعمل فی حال جریان الأقلام التنبیه على وقت الأعمال الخیریّه و إمکانها حین تکتب و ترفع إلى اللّه: أى فاعملوا فی الحال المذکوره ما دامت أقلام الکرام الکاتبین جاریه لتکتب أعمالکم.

المقصد الثالث: حثّهم على المبادره إلى الأعمال الخیریّه باعتبارات:
أحدها: أنّ أعمارهم الّتی هى محل الأعمال فی معرض الانتکاس
و الرجوع إلى الحاله المنافیه للتکلیف و هى الهرم المستلزم لضعف العقل و البنیه و نقصانهما و الرجوع إلى حال الطفل فی ذلک کقوله تعالى وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَکِّسْهُ فِی الْخَلْقِ«» فینبغی أن یبادر ذلک بالأعمال الصالحه الممکنه فیه.
الثانی: أنّ أبدانهم فی معرض التغییر و التبدیل بالصحه الّتی هى مظنّه العمل مرضا
و هو مظنّه بطلان العمل و امتناعه فینبغى أن یبادر الصحّه بالعمل قبل الحبس عنه بالمرض.
الثالث: أن یبادر ما هو أعظم من ذلک و هو الموت
الّذى لا بدّ منه، و استعار لفظ الخالس له باعتبار أخذه للأعمار على غرّه و غفله من أهلها کالمختلس للشی‏ء عن ید غیره.
ثمّ نبّه على وجوب العمل للموت و لما بعده بأوصافه المخوّفه:
أحدها: کونه هادم لذّاتهم الدنیویّه
و هو ظاهر، و نحوه قول الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: أکثروا من ذکر هادم اللذّات.
الثانی
کونه مکدّر شهواتهم.
الثالث: کونه مباعد طیّاتهم،
و استعار لفظ الطیّات لمنازل السفر إلى الآخره بالموت عن الدنیا و أهلها فإنّ الآخره أبعد منزل عن الدنیا.
الرابع: استعار لفظ الزائر باعتبار هجومه على الإنسان
و لمّا کان من شأن الزائر أن یکون محبوبا میّزه بکونه غیر محبوب لتحصل النفره عنه و تفرغ‏ إلى العمل له.
الخامس :استعار له لفظ القرن بوصف کونه غیر مغلوب لیهتّم بالاستعداد له.
السادس: استعار لفظ الواتر بوصف کونه غیر مطلوب
أى من شأنه أن یوتر القلوب و لا یمکن أن یطلب بوتر و لا ینتصف منه ملاحظه لشبهه بالرجل البالغ فی الشجاعه بحیث لا یغلب.
السابع:استعار لفظ الحبائل للأوصاب و الأمراض البدنیّه الّتی هى داعیه الموت و مؤدّیه إلیه کحباله الصاید، و رشّح بوصف الإعلاق.
الثامن:و تکنّفتکم غوائله: أى أحاطت بکم مصائبه.
التاسع
استعار لفظ المعابل للآفات الداعیه إلى الموت أیضا باعتبار کونها موذیه أو قاتله کالنصال، و رشّح بذکر الإقصاد.
العاشر
استعار لفظ السطوه له ملاحظه لشبهه بالسلطان القاهر أو السبع الضارى فی قوّه أخذه و شدّه بطشه.
الحادى عشر
کذلک لفظ العدوه له باعتبار کون أخذه على غیر حقّ له کالظالم.
فان قلت: إذا کانت حقیقه الظلم هى الأخذ بغیر حقّ و هذا الحدّ صادق فی محلّ الموت فوجب أن یکون لفظ العدوه هنا حقیقه لا استعاره.
قلت: لفظ الأخذ إنّما یصدق حقیقه على ذى الحیاه و إن سلّمنا صدقه على غیره لکنّ الأخذ بغیر حقّ لیس هو حقیقه الظلم بل الأخذ بغیر حقّ لمن یکون من شأنه أن یکون له حقّ، و ذلک مختصّ بالعقلاء فسلب الحقّ عمّن له اللفظ حقیقه هو سلب الملکه. و عمّاله اللفظ مستعارا هو السلب المطلق.
الثانی عشر
و کذلک لفظ النبوه لعدم تأثیره ملاحظه لشبهه بالسیف القاطع و وصفها بالقلّه. و راعى فی کلّ ثلاث قرائن من هذه التسع السجع المتوازى.
الثالث عشر
استعار لفظ الظلّ للأمراض و العلل الداعیه إلى الموت استعاره لفظ المحسوس بالبصر للمتخیّل ملاحظه لشبهها بالسحاب المظلّ واصفا بالدواجى.
إذ کان الکلام فی معرض التخویف، و السحاب المظلم أشدّ رهبه فی القلوب من غیره و یقرب منه قوله تعالى وَ إِذا غَشِیَهُمْ مَوْجٌ کَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ«» و هو شروع فی التخویف بنزول الموت.
الرابع عشر
و کذلک استعار وصف الاحتدام لعلله ملاحظه لشبهها فی نزولها بالرجل المستشیط غضبا فی قوّه الأخذ.
الخامس عشر
استعار لفظ الحنادس لما یتوهّمه الإنسان من الظلم فی غمرات الموت و سکراته.
السادس عشر
و کذلک لفظ الغواشى لما یعرض عند سکرات الموت من العوارض المانعه من الإدراک، المغشیه لآلاته.
السابع عشر
و ألیم إرهاقه: أى إعجاله المؤلم.
الثامن عشر
و دجّو إطباقه. استعار لفظ الإطباق لحالاته المتزایده و سکراته المتضاعفه الّتی بتضاعفها یزداد آلات إدراکه بعدا و انقطاعا عن المدرکات الدنیویّه، و باعتبار انقطاع الإدراک بسبب تلک الحالات وصفها بالدجوّ و شدّه الظلمه، و یحتمل أن یرید بإطباقه إطباق القبور.
التاسع عشر
استعار لفظ مذاقه لوجدانه باعتبار المشارکه فی الإدراک، و باعتبار شدّه ایلامه وصفه بالجشوبه.
العشرون: التخویف بإتیانه بغته
و کأن هى المخفّفه من کأنّ و الاسم ضمیر الشأن، و لمّا کانت کأنّ للتشبیه و کان التشبیه یستلزم المقاربه بین المشبّه و المشبّه به فی وصف ما و هو وجه الشبه کان المشبّه هنا هو حال الموت من جهه ما هو منتظر لا بدّ منه، و المشبّه به هو باعتبار إتیانه و موافاته لهم، و وجه الشبه هو القرب: أى قرب المنتظر الّذی لا بدّ منه من الواقع الموجود. إذ کلّ ما هو آت قریب. ثمّ أردف التخویف منه بذکر لوازمه المخوّفه، و هى إسکات المتناجین، و تفریق المجتمعین، و تعفیه الآثار. و تعطیل الدیار، و بعث‏ الوارث لاقتسام التراث. و أسند إلیه البعث باعتبار أنّه سبب یلزمه انبعاث دواعى الورثه إلى اقتسام التراث لزوما عرضیّا.
و قوله: بین حمیم. متعلّق بأتاکم بغته مع ما بعده من الأفعال: أى کأنّه قد أتاکم بغته ففعل بکم ما فعل من إسکات المتناجین و غیره بین صدیق خاصّ لأحدکم لا ینفع صداقته حینئذ، و قریب محزون لا ینفع حزنه و لا یقدر على المنع عنه، و آخر عدوّ شامت لا یجزع علیه. ثمّ أردف ذکر الموت و لوازمه بالحثّ على العمل و الجدّ فیه و التأهّب و الاستعداد لنزول الموت و ما بعده و التزوّد: أى بالتقوى فی منزل الزاد و هو الدنیا لأنّها المنزل الّذی لا یمکن تحصیل الزاد إلى الآخره إلّا فیه، و لذلک أضافه إلیه، ثمّ بالنهى عن الانخداع لغرور الدنیا کانخداع السابقین و القرون الماضین، و استعار لفظ الدرّه لمنافع الدنیا و خیراتها، و لفظ الاحتلاب لجمعها و اقتنائها: أى الّذین فازوا بخیراتها و حصلوا علیها، و لذلک استعار لفظ الغرّه لعدم وصول حوادثها إلیهم فی مدّه استمتاعهم بها فکأنّها غافله عنهم لا ترمیهم بشی‏ء من المصائب فلمّا وجدوا ذلک منها أخذوا ما أخذوا و حصّلوا على ما حصّلوا. و إفناؤهم لما تعدّد فیها من مأکول و ملبوس و غیرهما ممّا یستمتع به فیغنى، و کذلک إخلاقهم لجدّتها کنایه عن استمتاعهم بما أخذوا منها من صحّه و مال و غیرهما إلى انقضائه و انتهاء مدّته حتّى کأنّهم لم یبقوا من محاسنها شیئا إلّا أخلقوه. و لمّا وصف حالهم فیها بما وصف أردف ذلک بذکر غایتهم منها و هى الأحوال المذکوره بقوله: أصبحت مساکنهم أجداثا. إلى قوله: دعاهم. و خلاصه الکلام أنّکم لا تغترّوا بالدنیا کما اغترّ بها من کان قبلکم فإنّ اولئک مع أنّهم کانوا قد صادفوا غرّتها و حصّلوا منها على ما حصّلوا من خیراتها کانت غایتهم منها أن و صلوا إلى ما وصلوا من العدم فکذلک أنتم بطریق أولى. ثمّ أکّد التحذیر منها بذکر أوصافها المنفّره عنها فاستعار لها لفظ الغراره باعتبار کونها سببا مادیّا للاغترار کما سبق، و لمّا کان الخداع هو المشوره بأمر ظاهره مصلحه و باطنه مفسده و کان‏ ظهور زینه الحیاه الدنیا للناس یشبه الرأی المحمود فی الظاهر اتّباعها، و کانت تلک الزینه و اتّباعها لما فیها من الفتنه بها عن سبیل اللّه الّذی هو عین المفسده تشبه المفسده فی باطن الرأى لا جرم أشبه ظهور زینتها الخداع فاستعار لها لفظ الخدوع بذلک الاعتبار، و کذلک استعار لفظ المعطیه، و لفظ المنوع باعتبار کونها سببا مادیّا للانتفاع بما فیها من خیراتها و سببا مادیّا لمنعه، و کذلک لفظ الملبسه النزوع، و راعى فی هاتین القرینتین المقابله، و فایدتها ههنا التنفیر عمّا یتوهّم فیها خیرا ممّا تعطیه و تلبسه بذکر استعقابها لمقابلتهما من منعها لما تعطیه و نزعها ممّا تلبسه، و لذلک أکّده بقوله: لا یدوم رخاؤها. إلى آخره، و لمّا کان رخاؤها من صحّه و شباب و مال و جاه و نحوها من سائر الملذّات البدنیّه حوادث مشروطه باستعدادات سابقه علیها و معدّات غیر مضبوطه کثیره حادثه و غیر حادثه سریعه التغیّر أو بطیئه لا جرم کان من شأن ذلک الرخاء التغیّر و الانقطاع، و ظاهر أنّ انقطاع رخائها حالا فحالا مستلزم لعدم انقضاء عنائها و متاعبها، و تواتر بلائها. و استعار لبلاء الدنیا وصف عدم الرکود ملاحظه لشبهه بالریح دائمه الحرکه لکونه دایما.

القسم الثانی منها فى صفه الزهاد.
کَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدُّنْیَا وَ لَیْسُوا مِنْ أَهْلِهَا- فَکَانُوا فِیهَا کَمَنْ لَیْسَ مِنْهَا عَمِلُوا فِیهَا بِمَا یُبْصِرُونَ- وَ بَادَرُوا فِیهَا مَا یَحْذَرُونَ- تَقَلَّبُ أَبْدَانِهِمْ بَیْنَ ظَهْرَانَیْ أَهْلِ الْآخِرَهِ- وَ یَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْیَا یُعَظِّمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ- وَ هُمْ أَشَدُّ إِعْظَاماً لِمَوْتِ قُلُوبِ أَحْیَائِهِمْ

اللغه
أقول:

ظهرانی: بفتح النون.

و الإشاره إلى بعض أصحابه الّذین درجوا قبله.

المعنى
و قوله: کانوا قوما. إلى قوله: أهلها.

قضیّتان ظاهرهما التناقض لکن قد علمت أنّ المطلقتین لا یتناقضان، و اختلافهما یحتمل أن یکونا بالموضوع أو بالإضافه فإنّهم من أهل الدنیا بأبدانهم و مشارکاتهم الضروریّه لأهلها فی الحاجه إلیها و لیسوا من أهلها بقلوبهم. إذ خرجوا عن ملاذّها و نعیمها و استغرقوا فی محبّه اللّه و ما أعدّ لأولیائه الأبرار فی دار القرار فهم أبدا متطلّعون إلیه و شاهدون لأحوال الآخره بعیون بصائرهم کما قال علیه السّلام فیما قبل فی صفتهم: فهم و الجنّه کمن قد رآها فهم فیها متنعّمون، و هم و النار کمن قد رآها فهم فیها معذّبون. و من کان کذلک فحضوره القلبىّ إنّما هو فی تلک الدار فکان بالحقیقه من أهلها. و قوله: عملوا فیها بما یبصرون. أى کان سعیهم و حرکاتهم البدنیّه و النفسانیّه فی سبیل اللّه ببصیره و مشاهده لأحوال تلک الطریق و ما تفضى إلیه من السعاده الباقیه، و علم بما یستلزمه الانحراف عنها من الشقاوه اللازمه الدائمه، و الباء للتسبّب. و ما مصدریّه، و یحتمل أن تکون بمعنى الّذی: أى بالّذی یبصرونه و یشاهدونه من تلک الأحوال فإنّ علمهم الیقین بها هو السبب القائد و الحامل لهم فی تلک الطریق و على سلوکها. و قوله: و بادروا فیها ما یحذرون. و المبادره المسابقه و المعاجله و هى مفاعله من الطرفین، و المراد أنّهم سابقوا ما یحذرون من عذاب اللّه المتوعّد فی الآخره کأنّه سابق لهم إلى أنفسهم و هم مسابقوه إلى خلاصها فسبقوه إلى النجاه. إذ کانوا راکبین لمطایاها، و متمسّکین بعصمها و هى أوامر اللّه و حدوده. و قوله: تقلّب. إلى قوله: الآخره. أى تتقلّب. فحذف إحدى التائین تخفیفا. فالمعنى أنّ دأبهم معاشره أهل الآخره و العاملین لها دون أهل الدنیا، و قیل: یحتمل أن یرید بأهل الآخره سائر الناس لأنّ مستقرّهم الأصلى و دار قرارهم هى الآخره کما قال تعالى وَ إِنْ‏ یا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ«» و المعنى على هذا الوجه أنّهم مع الناس بأبدانهم فقط تتقلّب بینهم و أرواحهم فی مقام آخر. و قوله: یرون. إلى آخره. الغرض الفرق بینهم و بین أهل الدنیا. إذ کان أهل الدنیا لا یرون أنّ وراء أبدانهم کمالا آخر فکانوا غافلین عن أحوال الآخره من سعاده أو شقاوه فکان أعظم محبوباتهم بقاء أجسادهم و تکمیلها، و أعظم منفور عنه لهم نقصانها و موتها: أمّا المتّقون فهم و إن کانوا یرونهم بتلک الحال إلّا أنّهم یرون أفضل ممّا یرون، و هو أنّ موت قلوبهم و فقدانها للحیاه بالعلم و الحکمه أعظم من موت أجسادهم، و ذلک لعلمهم بفساد الحیاه البدنیّه و انقطاعها و کدرها بعوارض الأمراض و سایر المغضبات الدنیویّه، و بقاء الحیاه النفسانیّه و شرف کمالها و صفاء لذّاتها عن الأقدار و الأکدار. و إنّما قال: قلوب أحیائهم، و لم یقل: قلوبهم لأنّ موت القلوب قد یکون حقیقه بموت الأجساد، و قد یکون مجازا و هو موتها بفقدان العلم و نور الحکمه مع حیاه أجسادها فکان ذکر الأحیاء کالقرینه المعیّنه لمراده بذلک الموت مجازا، و الضمیر فی قوله: أحیائهم یعود إلى أهل الدنیا لأنّ موت القلوب هو الواقع بهم حال حیاه أبدانهم، و یحتمل عوده إلى قوله: و هم. الّذی هو ضمیر المتّقین. و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۰۰

 

بازدیدها: ۱

خطبه ۲۱۵ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام
وَ اللَّهِ لَأَنْ أَبِیتَ عَلَى حَسَکِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً- أَوْ أُجَرَّ فِی الْأَغْلَالِ مُصَفَّداً- أَحَبُّ إِلَیَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَ رَسُولَهُ یَوْمَ الْقِیَامَهِ ظَالِماً- لِبَعْضِ الْعِبَادِ- وَ غَاصِباً لِشَیْ‏ءٍ مِنَ الْحُطَامِ- وَ کَیْفَ أَظْلِمُ أَحَداً لِنَفْسٍ یُسْرِعُ إِلَى الْبِلَى قُفُولُهَا- وَ یَطُولُ فِی الثَّرَى حُلُولُهَا- وَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَیْتُ عَقِیلًا وَ قَدْ أَمْلَقَ- حَتَّى اسْتَمَاحَنِی مِنْ بُرِّکُمْ صَاعاً- وَ رَأَیْتُ صِبْیَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ غُبْرَ الْأَلْوَانِ مِنْ فَقْرِهِمْ- کَأَنَّمَا سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ- وَ عَاوَدَنِی مُؤَکِّداً وَ کَرَّرَ عَلَیَّ الْقَوْلَ مُرَدِّداً- فَأَصْغَیْتُ إِلَیْهِ سَمْعِی فَظَنَّ أَنِّی أَبِیعُهُ دِینِی- وَ أَتَّبِعُ قِیَادَهُ مُفَارِقاً طَرِیقَتِی- فَأَحْمَیْتُ لَهُ حَدِیدَهً ثُمَّ أَدْنَیْتُهَا مِنْ جِسْمِهِ لِیَعْتَبِرَ بِهَا- فَضَجَّ ضَجِیجَ ذِی دَنَفٍ مِنْ أَلَمِهَا- وَ کَادَ أَنْ یَحْتَرِقَ مِنْ مِیسَمِهَا- فَقُلْتُ لَهُ ثَکِلَتْکَ الثَّوَاکِلُ یَا عَقِیلُ- أَ تَئِنُّ مِنْ حَدِیدَهٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ- وَ تَجُرُّنِی إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ- أَ تَئِنُّ مِنَ الْأَذَى وَ لَا أَئِنُّ مِنْ لَظَى- وَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِکَ طَارِقٌ طَرَقَنَا بِمَلْفُوفَهٍ فِی وِعَائِهَا- وَ مَعْجُونَهٍ شَنِئْتُهَا- کَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِرِیقِ حَیَّهٍ أَوْ قَیْئِهَا- فَقُلْتُ أَ صِلَهٌ أَمْ زَکَاهٌ أَمْ صَدَقَهٌ- فَذَلِکَ مُحَرَّمٌ عَلَیْنَا أَهْلَ الْبَیْتِ- فَقَالَ لَا ذَا وَ لَا ذَاکَ وَ لَکِنَّهَا هَدِیَّهٌ- فَقُلْتُ هَبِلَتْکَ الْهَبُولُ أَ عَنْ دِینِ اللَّهِ أَتَیْتَنِی لِتَخْدَعَنِی- أَ مُخْتَبِطٌ أَمْ ذُو جِنَّهٍ أَمْ تَهْجُرُ- وَ اللَّهِ لَوْ أُعْطِیتُ الْأَقَالِیمَ السَّبْعَهَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاکِهَا- عَلَى أَنْ أَعْصِیَ اللَّهَ فِی نَمْلَهٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِیرَهٍ مَا فَعَلْتُهُ- وَ إِنَّ دُنْیَاکُمْ عِنْدِی لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَهٍ فِی فَمِ جَرَادَهٍ تَقْضَمُهَا- مَا لِعَلِیٍّ وَ لِنَعِیمٍ یَفْنَى وَ لَذَّهٍ لَا تَبْقَى- نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُبَاتِ الْعَقْلِ وَ قُبْحِ الزَّلَلِ وَ بِهِ نَسْتَعِینُ

اللغه
أقول:

السعدان: نبت شوکىّ ذو حسک لها ثلاث أرؤس محدّده على أىّ وجه وقعت من الأرض کان لها رأسان قائمان.

و المصفّد: الموثوق شدّا بغلّ أو قید و نحوهما.

و القفول: الرجوع من السفر.

و الإملاق: الافتقار.

و الاستماحه: طلب المنح و هو العطاء.

و العظلم: نبت و هو بالعربیّه النیل، و قیل: نبت آخر یصبغ به.

و الدنف: شدّه المرض.

و المیسم: المکواه.

و سجّرها: و قدها و أحماها.

و شنئتها: أبغضتها.

و هبلته الهبول: ثکلته الثواکل.

و الخباط: مرض کالجنون و لیس به، و المختبط: الّذی یطلب معروفک من غیر سبب سابق بینکما من رحم أو معروفه سابقه أو سابقه معروف لک عنده.

و الجنّه: الجنون.

و الهجر: الهذیان.

و جلب الشعیره: قشرها.

و غرض الفصل التبرّى من الظلم
و ذلک أنّ أحدهم کان یأتیه فیسأله العطاء و هو علیه السّلام لم یکن لیستبقى لنفسه شیئا و لا یرى أن یعطى من بیت المال أحدا دون غیره. فیحرمه، و ربّما کان فی غایه الحاجه فینسبه إلى الظلم و التخصیص بالمال دونه. فتبرّأ بهذا الکلام ممّا نسب إلیه من ذلک.

فقوله: و اللّه. إلى قوله: الحطام.

بیان لمقدار نفرته عن الظلم و غایتها. و علّه ترجیحه أو اختیاره لأحد الأمرین المذکورین على الظلم مع ما یستلزمانه من التألّم و العذاب أنّ ما یستلزمه الظلم من عذاب اللّه أشدّ خصوصا فی حقّ من نظر بعین بصیرته تفاوت العذابین، مؤکّدا لذلک البیان بالقسم البارّ. و لفظ الحطام مستعار لمتاع الدنیا باعتبار حقارته، و أصله ما تکسر من نبت الأرض. و ظالما و غاصبا حالان. و قوله: و کیف. إلى قوله: حلولها. استفهام عن وجه ظلمه لأحد استفهام إنکار على من نسب إلیه ذلک مع ذکر سببین یمنعان العاقل من الظلم، و هما الرجوع إلى البلى من السفر فی الدنیا، و طول الحلول فی الثرى. و قوله: و اللّه لقد رأیت. إلى قوله: لظى. تنبیه لنفى الظلم عنه ببلوغه فی المحافظه على بیت المال و مراعاه العدل إلى الحدّ الّذی فعله مع أخیه عقیل على شدّه فاقته و فاقه عیاله و کونه ذا حقّ فی بیت المال، و معلوم أنّ من لم تدعه هذه الأسباب الثلاثه، و هى الاخوّه و الفاقه و الحقّ الموجود لذى الفاقه. إلى أن یدفعه إلیه أو بعضه خوفا من شبهه الظلم فهو أنزه الناس أن یظلم أو یحوم حول الظلم بوجه، و استعار لفظ السمع لما یوهم من استعاضه لذّه العطاء للأخ الفقیر بما یفوت من الدین لسبب الظلم فی عطیّته على غیر الوجه الشرعىّ، و قیاده ما یقوده به من الاستعطاف و الرحم عن طریقه العدل، و إنّما أحمى له الحدیده لینبّهه بها على النار الاخرویّه، و لذلک احتجّ عند أنینه من حرّها بقوله: أتئنّ من حدیده.
إلى قوله: لغضبه، و وجه الاحتجاج أنّک إذا کنت تئنّ من هذه فبالأولى أن تئنّ من تلک النار، و غایه ذلک أن تترک الظلم بطلب ما لا تستحقّه لاستلزام الأنین من نار اللّه ترک الظلم، و لمّا أثبت علیه وجوب ترک الظلم بذلک الطلب أعقبه بالاحتجاج لنفسه على وجوب ترکها للظلم بإعطائه بقوله: أتئنّ من الأذى و لا أئنّ من لظى: أى إذا کنت تئنّ من الأذى فبالأولى أن أئنّ من لظى. و إنّما قال: و لا أئنّ من لظى مع أنّ لظى غیر حاصله الآن تنزیلا للمتوقّع الّذى لا بدّ منه‏ بسبب الظلم منزله الواقع لیکون أبلغ فی الموعظه، و إنّما أضاف الإنسان إلى الحدیده لأنّه أراد إنسانا خاصّا هو المتولّى لأمر تلک الحدیده فعرّفه بإضافته إلیها، و کذلک الإضافه فی جبّارها، و إنّما قال: للعبه. استسهالا و تحقیرا لما فعل لغرض أن یکبّر فعل الحارّ من سجر النار، و کذلک جعل العلّه الحامله على سجر النار هو غضب الجبّار تعظیما لشأنه. و قوله: و أعجب من ذلک. إلى قوله: أم تهجر. أى و أعجب من عقیل و حاله طارق طرقنا. و الطارق: الآتى لیلا، و کنّى بالملفوفه فی وعائها عن الهدیّه. و قیل: کان شیئا من الحلواء کالفالوذج أو الحنبص و نحوه، و نبّه بقوله: شنئتها. على بعضه للامور اللذیذه الدنیویّه و نفرته عنها زهدا فیها، و وجه تشبیهها بما عجن بریق الحیّه أوقیئها هو ما فی تصوّره فی قبولها من الفساد و ما قصد بها مهدیها فی طلب المیل إلیه المستلزم للظلم و الجور عن سبیل اللّه فإنّ القصد الّذی اشتمل علیه کالسمّ المهلک، و أمّا کون وجه کون المهدى أعجب من عقیل فلأنّ عقیلا جاء بثلاث وسایل کلّ منها یستلزم العاطفه علیه: و هى الأخوّه و الفاقه و کونه ذا حقّ فی بیت المال، و هذا المهدى إنّما أدلى بهدیّته.

فأمّا قوله فی جوابه: فقلت له. إلى قوله: أهل البیت. فإنّه أراد به حصر وجوب البرّ فی العرف لأنّ التقرّب إلى اللّه ببذل المال لعباده إمّا صله رحم أولا، و الثانی فإمّا على وجه الصدقه أو الزکاه الواجبه و لم یذکر الهدیّه لأنّه لم یکن فی وهم عاقل قبول علىّ علیه السّلام لها خصوصا زمان خلافته، و ذلک أنّ مطلوب العاقل منه بالهدیّه إمّا حقّ أو باطل، و الحقّ لا یحتاج فیه إلى الهدیّه و الباطل لا یفعله بوجه، و لذلک لمّا قال له الطارق: إنّها هدیّه. دعا علیه و نسبه إلى الجنون و الهذیان، و لمّا قسّم علیه وجوب البرّ أبطل قسمین منها بقوله: فذلک محرّم علینا أهل البیت. و أراد الصدقه و الزکاه.
و أمّا صله الرحم فلم یحتجّ إلى إبطالها لأنّ الطارق لم یکن ذا رحم له، و قول الطارق: لا هذا و لا ذاک. یجرى فی مجرى إبطال الحصر بإبراز قسم رابع‏ هو الهدیّه. و قوله: هبلتک الهبول. إلى قوله: تهجر. جواب لقوله: و لکنّها هدیّه. قرّر علیه فیه ما فهمه من غرضه بالهدیّه، و هو خداعه عن دینه. إذا الهدیّه لغرض حرام صوره استغرار و خداع، و ذکر الخداع عن الدین تنفیرا لصاحب الهدیه عن فعله ذلک، و لمّا کان ذلک الأمر لو تمّ الغرض به استلزم نقصان الدین کالخداع عن الدین فأطلق علیه لفظه الخداع استعاره. و قوله: أ مختبط أم ذو جنّه أم تهجر. استفهام على سبیل الإنکار و التوبیخ على ذلک الخداع بعد تقریره علیه.
إذ کان المخادع لمثله علیه السّلام عن دینه لا یکون إلّا على أحد الوجوه المذکوره غالبا و لا یتصوّر أن یصدر منه ذلک الخداع عن رویّه صحیحه، و قد ذکر وجوه الخروج عن الصواب ممّا یتعلّق بالعقل. و قوله: و اللّه. إلى قوله: ما فعلت. یحتمل أن یکون ردّا لوهم الطارق فیه أنّه یفعل مطلوبه الحرام بتلک الهدیّه، و إبطال لذلک الوهم عنه. و الأقالیم السبعه: أقسام الأرض، و هو دلیل منه على غایه العدل. و قوله: و إنّ دنیاکم. إلى قوله: تقضمها. دلیل على غایه الزهد منه فی الدنیا کقوله فی الشقشقیّه: و لألفیتم دنیاکم هذه أهون عندى من عفطه عنز. و قوله: ما لعلىّ و لنعیم یفنى و لذّه لا تبقى. استفهام إنکار لملامته نعیم الدنیا و لذّاتها الفانیه، و المعنى أنّ حال علىّ ینافی ذلک النعیم، و اختیاره یضادّ تلک اللذّه. ثمّ تعوّذ باللّه من سبات العقل و هى اختیاراته لتلک اللذّات و لذلک النعیم و میله فی مطاوعه النفس الأمّاره بالسوء، و من قبح الزلل و هو الانحراف عن سبیل اللّه الموقع فی مهاوى الهلاک، و استعان به على دفع ما تعوّذ به منه. و باللّه التوفیق و العصمه.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۸۳

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۲۱۴ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام قاله عند تلاوته یا أیها الانسان ما غرک بربک الکریم

أَدْحَضُ مَسْئُولٍ حُجَّهً وَ أَقْطَعُ مُغْتَرٍّ مَعْذِرَهً- لَقَدْ أَبْرَحَ جَهَالَهً بِنَفْسِهِ- یَا أَیُّهَا الْإِنْسَانُ مَا جَرَّأَکَ عَلَى ذَنْبِکَ- وَ مَا غَرَّکَ بِرَبِّکَ وَ مَا أَنَّسَکَ بِهَلَکَهِ نَفْسِکَ- أَ مَا مِنْ دَائِکَ بُلُولٌ أَمْ لَیْسَ مِنْ نَوْمِکَ یَقَظَهٌ- أَ مَا تَرْحَمُ مِنْ نَفْسِکَ‏ مَا تَرْحَمُ مِنْ غَیْرِکَ- فَلَرُبَّمَا تَرَى الضَّاحِیَ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ فَتُظِلُّهُ- أَوْ تَرَى الْمُبْتَلَى بِأَلَمٍ یُمِضُّ جَسَدَهُ فَتَبْکِی رَحْمَهً لَهُ- فَمَا صَبَّرَکَ عَلَى دَائِکَ وَ جَلَّدَکَ عَلَى بِمُصَابِکَ وَ عَزَّاکَ عَنِ الْبُکَاءِ عَلَى نَفْسِکَ- وَ هِیَ أَعَزُّ الْأَنْفُسِ عَلَیْکَ- وَ کَیْفَ لَا یُوقِظُکَ خَوْفُ بَیَاتِ نِقْمَهٍ- وَ قَدْ تَوَرَّطْتَ بِمَعَاصِیهِ مَدَارِجَ سَطَوَاتِهِ- فَتَدَاوَ مِنْ دَاءِ الْفَتْرَهِ فِی قَلْبِکَ بِعَزِیمَهٍ- وَ مِنْ کَرَى الْغَفْلَهِ فِی نَاظِرِکَ بِیَقَظَهٍ- وَ کُنْ لِلَّهِ مُطِیعاً وَ بِذِکْرِهِ آنِساً- وَ تَمَثَّلْ فِی حَالِ تَوَلِّیکَ عَنْهُ- إِقْبَالَهُ عَلَیْکَ یَدْعُوکَ إِلَى عَفْوِهِ- وَ یَتَغَمَّدُکَ بِفَضْلِهِ وَ أَنْتَ مُتَوَلٍّ عَنْهُ إِلَى غَیْرِهِ- فَتَعَالَى مِنْ قَوِیٍّ مَا أَکْرَمَهُ- وَ تَوَاضَعْتَ مِنْ ضَعِیفٍ مَا أَجْرَأَکَ عَلَى مَعْصِیَتِهِ- وَ أَنْتَ فِی کَنَفِ سِتْرِهِ مُقِیمٌ- وَ فِی سَعَهِ فَضْلِهِ مُتَقَلِّبٌ- فَلَمْ یَمْنَعْکَ فَضْلَهُ وَ لَمْ یَهْتِکْ عَنْکَ سِتْرَهُ- بَلْ لَمْ تَخْلُ مِنْ لُطْفِهِ مَطْرَفَ عَیْنٍ- فِی نِعْمَهٍ یُحْدِثُهَا لَکَ أَوْ سَیِّئَهٍ یَسْتُرُهَا عَلَیْکَ- أَوْ بَلِیَّهٍ یَصْرِفُهَا عَنْکَ فَمَا ظَنُّکَ بِهِ لَوْ أَطَعْتَهُ- وَ ایْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَهَ کَانَتْ فِی مُتَّفِقَیْنِ فِی الْقُوَّهِ- مُتَوَازِیَیْنِ فِی الْقُدْرَهِ- لَکُنْتَ أَوَّلَ حَاکِمٍ عَلَى نَفْسِکَ بِذَمِیمِ الْأَخْلَاقِ- وَ مَسَاوِئِ الْأَعْمَالِ- وَ حَقّاً أَقُولُ مَا الدُّنْیَا غَرَّتْکَ وَ لَکِنْ بِهَا اغْتَرَرْتَ- وَ لَقَدْ کَاشَفَتْکَ الْعِظَاتِ وَ آذَنَتْکَ عَلَى سَوَاءٍ- وَ لَهِیَ بِمَا تَعِدُکَ مِنْ نُزُولِ الْبَلَاءِ بِجِسْمِکَ- وَ النَّقْصِ فِی قُوَّتِکَ أَصْدَقُ وَ أَوْفَى مِنْ أَنْ‏ تَکْذِبَکَ أَوْ تَغُرَّکَ- وَ لَرُبَّ نَاصِحٍ لَهَا عِنْدَکَ مُتَّهَمٌ- وَ صَادِقٍ مِنْ خَبَرِهَا مُکَذَّبٌ- وَ لَئِنْ تَعَرَّفْتَهَا فِی الدِّیَارِ الْخَاوِیَهِ وَ الرُّبُوعِ الْخَالِیَهِ- لَتَجِدَنَّهَا مِنْ حُسْنِ تَذْکِیرِکَ- وَ بَلَاغِ مَوْعِظَتِکَ- بِمَحَلَّهِ الشَّفِیقِ عَلَیْکَ وَ الشَّحِیحِ بِکَ- وَ لَنِعْمَ دَارُ مَنْ لَمْ یَرْضَ بِهَا دَاراً- وَ مَحَلُّ مَنْ لَمْ یُوَطِّنْهَا مَحَلًّا- وَ إِنَّ السُّعَدَاءَ بِالدُّنْیَا غَداً هُمُ الْهَارِبُونَ مِنْهَا الْیَوْمَ- إِذَا رَجَفَتِ الرَّاجِفَهُ وَ حَقَّتْ بِجَلَائِلِهَا الْقِیَامَهُ- وَ لَحِقَ بِکُلِّ مَنْسَکٍ أَهْلُهُ وَ بِکُلِّ مَعْبُودٍ عَبَدَتُهُ- وَ بِکُلِّ مُطَاعٍ أَهْلُ طَاعَتِهِ- فَلَمْ یُجْزَ فِی عَدْلِهِ وَ قِسْطِهِ یَوْمَئِذٍ خَرْقُ بَصَرٍ فِی الْهَوَاءِ- وَ لَا هَمْسُ قَدَمٍ فِی الْأَرْضِ إِلَّا بِحَقِّهِ- فَکَمْ حُجَّهٍ یَوْمَ ذَاکَ دَاحِضَهٌ- وَ عَلَائِقِ عُذْرٍ مُنْقَطِعَهٌ- فَتَحَرَّ مِنْ أَمْرِکَ مَا یَقُومُ بِهِ عُذْرُکَ وَ تَثْبُتُ بِهِ حُجَّتُکَ- وَ خُذْ مَا یَبْقَى لَکَ مِمَّا لَا تَبْقَى لَهُ- وَ تَیَسَّرْ لِسَفَرِکَ وَ شِمْ بَرْقَ النَّجَاهِ وَ ارْحَلْ مَطَایَا التَّشْمِیرِ

اللغه
أقول: حجّه داحضه: باطله.

و أبرح جهاله بنفسه: أى بالغ فی تحصیل جهالتها و أعجبه ذلک.

و البلول: الصحّه.

و الضاحى: البارز للشمس.

و الممضّ: المؤلم.

و السطوه: البطش و القهر، و السطوه المرّه منه و الجمع سطوات.

و التجلّد: التقوّى و التصبّر.

و الورطه: الهلاک. و تعمّدک: قصدک.

و الکنف: الحیاطه.

و الکنف: الجانب.

و آذنک: أعلمک.

و المنسک: موضع العباده، و أصله کلّ موضع یتردّد إلیه و یقصد.

و التحرّى: طلب الأحرى و الأولى.

و شم‏ برق النجاه: أى أنظر إلیه.

المعنى

فقوله: أدحض. خبر مبتداء محذوف و التقدیر الإنسان عند سؤال ربّه له ما غرّک بربّک الکریم أدحض مسئول حجّه، و أشدّه انقطاعا فی عذره. و مبالغته فی تجهیل نفسه: کثره إمهالها فی متابعه هواها و ترکها عن الإصلاح، و المنصوبات الثلاثه ممیّزات. و قوله: یا أیّها الإنسان. إلى قوله: بهلکه نفسک. استفهامات عن أسباب جرأته على الذنوب و أسباب غرّته بربّه و غفلته عن شدّه بأسه و عن أسباب انسه بهلکه نفسه بتوریطها فی المعاصى معها استفهاما على سبیل التقریع و التوبیخ، و یحتمل أن یکون قوله: ما آنسک. تعجّبا، و کذلک الاستفهام عن بلوله من داء الجهل و یقظته من نوم الغفله و رحمته لنفسه کما یرحم غیرها إلّا أنّ الاستفهامات الثلاثه الأولى یطلب فیها تصوّر تلک الأسباب و فهم حقیقتها على سبیل تجاهل العارف، و فی هذه الثلاثه الأخیره یطلب فیها التصدیق. ثمّ نبّه على وجوب رحمته لنفسه کما یرحم غیرها بقوله: فلربّما ترى الضاحى.
إلى قوله: رحمه له، و هى فی قوّه صغرى قیاس احتجّ به، و وجه ذلک أنّک قد ترحم من تراه فی حرّ الشمس فتظلّه أو مبتلى بألم فتبکى رحمه له، و کلّ من کان کذلک فأولى أن یرحم لنفسه بانقاذها من بلاء تقع فیه. ینتج إنّک أولى أن ترحم نفسک من دائها. و قوله: فما صبّرک. إلى قوله: الأنفس علیک. استفهام عن أسباب صبره على دائه و تجلّده على مصائبه الّتی تلحقه بسبب ذلک الداء و تعزیّه عن البکاء على نفسه و على أعزّ الأنفس علیه استفهام توبیخ و لائمه حسنها بعد ذلک الاحتجاج ظاهر، و نبّه بقوله: و کیف لا یوقظک. إلى قوله: سطواته. على بعض أسباب الیقظه لعظمه اللّه عن الغفله عنها و هى خوف بیات نقمه أن یوقعها به لیلا کقوله تعالى أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى‏ أَنْ یَأْتِیَهُمْ بَأْسُنا بَیاتاً وَ هُمْ‏
نائِمُونَ«» و مدارج سطواته مجارى بطشه و قهره و هى محالّ المعاصى و أسبابها.
و التورّط فیها: الحصول فیها المستلزم للهلاک الاخروىّ. و قوله: فتداو. إلى قوله: بیقظه. تنبیه على الدواء من الفتره فی القلب عن ذکر اللّه و هو العزیمه على طاعته و الإجماع على ملازمه ذکره، و من نوم الغفله فی ناظر القلب عن ذلک بالیقظه له. ثمّ أمر بما ینبغی أن یکون تلک العزیمه علیه و تلک الیقظه له و هما طاعه اللّه و تحصیل الانس بدوام ذکره. و قوله: و تمثّل. إلى قوله: یصرفها عنک. تنبیه له على ضروب نعم اللّه علیه و مقابلته لها بالکفران و المعصیه لعلّه یتذکّر أو یخشى فأمره أن یتمثّل فی ذهنه فی حال إعراضه عن ربّه و انهما که فی معصیته إقباله علیه بضروب نعمه من دعوته له بکلامه على ألسنه خواصّ رسله إلى عفوه و تعمّده إیّاه بفضله و إقامته فی کنف ستره و تقلّبه فی سعه فضله لم یمنعه فضله و لاهتک عنه ستره لمقابلته تلک النعم بالکفران و المعصیه بل لم یخل من لطفه مقدار طرفه عین، و ذلک الطف فی نعمه یحدثها له أو سیّئه یسترها علیه أو بلیّه یصرفها عنه. فأحسن بهذا التنبیه فإنّ استحضار ذهن العاقل بضروب هذه النعم فی حال الإقبال على المعصیه من أقوى الجواذب إلى اللّه عنها، و إنّما قال: و تمثّل. لأنّ الحاضر فی الذهن لیس هو نفس إقبال اللّه على العبد بل معناه و مثاله. و یدعوه: فی موضع الحال، و کذلک الواو فی قوله: و أنت. و الملازمه أنّ فضله کان علیک حال معصیتک له کثیرا کما تقدّم بیانه فبالطریق الأولى أن یتمّ فضله علیک حال طاعتک إیّاه و حسن ظنّک به.
و قوله: و أیم اللّه. إلى قوله: الأعمال. أى لو کان هذا الوصف الّذی ذکرناه من إقبال اللّه علیک بضروب نعمه و مقابلتک له بالإعراض عنه و الإقبال على معاصیه وصف مثلین من الناس فی القوّه و القدره و المنزله و کنت أنت المسی‏ء منهما لکان فیما ینبغی لک من الحیاء و الأنفه أن تکون أوّل حاکم على نفسک بتقصیرها و ذمیم أخلاقها و مقابح أعمالها. وهو صوره احتجاج یقرّر علیه مساوى أعماله و یجذبه بذلک إلى تبدیلها بمحاسنها فی قیاس ضمیر من الشکل الأوّل ذکر فی الکلام صغراه. تلخیصها: أنّک أوّل حاکم على نفسک بتقصیرها على تقدیر أن یکون مولیک هذه النعم مثلا لک، و تقدیر الکبرى و کلّ من کان کذلک فأولى به أن یکون أوّل حاکم علیها بتقصیرها على تقدیر أن یکون مولیه تلک النعم خالقه و مالک رقّه، و ینتج أنّ الأولى بک أن یکون أوّل حاکم على نفسک بتقصیرها على تقدیر أن یکون مولى تلک النعم خالقک و مالک رقّک. و قوله: و حقّا أقول: ما الدنیا غرّتک و لکن بها اغتررت. تقدیر منع لما عساه أن یجیب به الناس سؤاله تعالى إیّاهم بقوله: ما غرّک بربّک، و هو کثیر فی کلامهم: إنّ الدنیا هى الغارّه، و کما نسب القرآن الکریم إلیها ذلک بقوله وَ غَرَّتْهُمُ الْحَیاهُ الدُّنْیا و کلامه علیه السّلام حقّ من وجهین: أحدهما: أنّ الاستغرار من لواحق العقل و لیست الدنیا لها العقل، و الثانی: أنّها لم تخلق لأنّ یستغرّ بها. إذ کان مقصد العنایه الإلهیّه بوجود الإنسان فیها فلا یجوز أن ینسب إلیها الاستغرار حقیقه لکن لمّا کانت سببا مادیّا للاغترار بها جاز أن ینسب إلیها الاستغرار مجازا، و صدق قوله أیضا: و لکن بها اغتررت. و قوله: و لقد کاشفتک العظات. تقریر لمنع نسبه الاستغرار إلیها بنسبه ضدّه إلیها و هو النصیحه له بما کاشفته بالمواعظ و هى محالّ الاتّعاظ من تصاریفها و عبرها، و بمجاهرتها و إعلامها على عدل منها. إذ خلقت لذلک التغییر و الإعلام و على ذلک التصریف و لم یمکن أن یکون إلّا کذلک فلم یکن تصاریفها بک جورا علیک. و قوله: و لهى بما تعدک. إلى قوله: تغرّک.

زیاده تأکید لنصیحتها و تخویف منها، و استعار لفظ الوعد لإشعارها فی تغییراتها بما یتوقّع من مصائبها کما أنّ الوعد إشعار بإعطاء مطلوب، و استعمل الوعد فی مکان الوعید مجازا إطلاقا لاسم أحد الضدّین على الآخر کتسمیه السیّئه جزاء، و کذلک استعار لها لفظ الصدق و الوفاء ملاحظه لشبهها بالصادق الوفّى فی أنّه لا بدّ من إیقاع ما وعد به.
و قوله: أصدق و أوفى. مع قوله: من أن تکذبک أو تغرّک. من باب اللفّ و النشر و فیه المقابله. و قوله: و لربّ. إلى قوله: مکذّب. تقریر لبعض لوازم الغفله علیه و هى تهمته للمناصح منها و تکذیبه لصادق خبرها، و أطلق لفظ التهمه و التکذیب مجازا فی عدم الالتفات إلى نصیحتها بتصاریفها و ما یعلم من صادق تغیّراتها و عدم اعتبار ذلک منها إطلاقا لاسم ذى الغایه على غایته، و کانت غایه التهمه و التکذیب عدم الالتفات إلى المتّهم و المکذّب و الإعراض عنها. و قوله: و لئن تعرّفتها. إلى قوله. الشحیح بک، صوره احتجاج نبّه فیه على صدقها فی نصیحتها کى تستنصح و لا تتّهم، و هو بقیاس شرطیّ متّصل، و تقریره و لئن تعرّفتها: أى طلبت معرفه حالها فی نصیحتها و غشّها من الدیار الخاویه و الربوع الخالیه للامم السالفه و القرون الماضیه لتعرّفتها بمنزله الشفیق علیک و الشحیح بک، و وجه شبهها بذلک حسن تذکّرها لک و بلاغ موعظتک و عبرتک منها کما أنّ الناصح الشفیق علیک، و بیان الملازمه بحال الوجدان بعد تعرّفها. و الاستثناء فی هذه المتّصله لعین المقدّم لینتج عین التالى. و قوله: و لنعم. إلى قوله: محلّا. مدح للدنیا باعتبار استعمالها على الوجه المقصود بالعنایه الإلهیّه و هو الاعتبار بها دون الرضا بها لذاتها و اتّخاذها وطنا و دار إقامه، و اسم نعم هو دارمن لم یرض، و المخصوص بالمدح هو الدنیا، و دارا و محلا منصوبان على التمیز یقومان مقام اسم الجنس الّذی هو اسم نعم إذا حذف، و هاهنا مسئلتان: إحداهما: أنّ اسم الجنس الّذی هو اسم نعم و بئس تضاف فی العاده إلى ما فیه الألف و اللام کقولک: نعم صاحب القوم، و قد أضافه هاهنا إلى ما لیس فیه الألف و اللام، و قد جاء مثله فی الشعر کقوله: فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم.

الثانیه: أنّه جمع بین اسم الجنس و النکره الّتی تبدل منه، و قد جاء مثله فی قوله: فنعم الزاد زاد أبیک زادا، و إنّما أضاف دارا إلى من لم یرض بها، و محلّا إلى من لم یوطّنها لأنّ الدنیا إنّما یکون دارا ممدوحه باعتبار کونها دار من لم یرض بها و لم یوطنّها لاستلزام عدم رضاهم بها الانتفاع بالعبر بها و اتّخاذ زاد التقوى، و اولئک هم المتّقون السعداء بها. و یحتمل أن یکون دارا و محلّا منصوبین على التمیز عن قوله: لم یرض بها و لم یوطّنها. و قوله: و إنّ السعداء بالدنیا غدا هم الهاربون منها الیوم. فوجه سعادتهم بها استثمارهم للکمالات المسعده فی الآخره منها، و لن یحصل ذلک إلّا بالهرب منها الیوم، و کنّى بالهرب منها عن الإعراض الحقیقى عن لذّاتها، و التباعد من اقتنائها و لذّاتها لاستلزام الهرب عن الشی‏ء التباعد عنه و الزهد فیه، و ظاهر أنّ التباعد منها بالقلوب إلّا ما دعت الضروره إلیه و اتّخاذها مع ذلک سببا إلى الآخره من أسباب السعاده و مستلزماتها کما أشار إلیه سیّد المرسلین صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من حاله فیها بقوله: ما أنا و الدنیا إنّما مثلى فیها کمثل راکب سار فی یوم صایف فرفعت له شجره فنزل فقعد فی ظلّها ساعه ثمّ راح و ترکها. و دلّ بقوله: إذا رجفت. على الوقت المذکور المدلول علیه بقوله: غدا. و هو یوم القیامه لقوله تعالى یَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَهُ«» قال المفسّرون: الراجفه: هى النفخه الاولى فی الصور و هى صیحه عظیمه فیها تردّد و اضطراب کالرعد یصعق فیها الخلایق و تَتْبَعُهَا الرَّادِفَهُ و هى النفخه الثانیه تردف الأوّل. و جلائل القیامه: محنها الجلیله العظیمه. و قوله: و لحق بکلّ منسک أهله. إشاره إلى لحقوق کلّ نفس یوم القیامه لعبودها و مطاعها و ما ألفته و أحبّته من أمر دنیوىّ أو اخروىّ فأقبلت علیه و عملت له، و نحوه أشار الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: یحشر المرء مع من أحبّ، و لو أحبّ أحدکم حجرا لحشر معه. و قوله: فلم یجز. إلى قوله: بحقّه. تقریر لعدله تعالى فی ذلک الیوم. و المعنى أنّ کلّ حرکه و لو طرفه عین فی الهواء أو همس قدم فی الأرض فإنّها لا تجرى فی عدله إلّا بحقّها لا یزاد علیه و لا ینقص عنه. ثمّ أشار إلى کثره الحجج الباطله یومئذ و الأعذار المنقطعه ترغیبا فی تحصیل الکمالات البرهانیّه و لزوم آثار المرسلین و الأولیاء الأبرار فی سلوک سبیل اللّه، و إنّما ذکر مخاوف ذلک الیوم و أهواله بعد ذکر السعداء فیه و تعیین أنّهم هم الهاربون من الدنیا الیوم لیرغّب إلى الاقتداء بهم فی ذلک الهرب لغایه تلک السعاده. ثمّ أمر أن یطلب الإنسان من اموره و أحواله أحراها و أولاها ممّا یقوم به عذره فی ذلک الیوم و تثبت به حجّته فی محفل القیامه، و ذلک الأمر هو ما أشرنا إلیه من البرهان و اقتفاء أثر المرسلین، و کذلک أمره أن یأخذ ما یبقى له من الکمالات المسعده فی الآخره ممّا لا یبقى له و هو الدنیا و متاعها، و قد بیّنا کیفیّه ذلک الأخذ غیر مرّه، و أن تیسّر لسفره: أى یستعدّ لسفره إلى اللّه بالریاضه بالزهد و العباده، و أن یشیم برق النجاه: أى یوجّه سرّه إلى اللّه تعالى بعد الزهد الحقیقى و العباده الکاسره للنفس الأمّاره بالسوء لتشرق لوامع الأنوار الإلهیّه و بروقها الّتى هى بروق النجاه و أبواب السلامه کما أشار إلیه فیما قبل هذا الفصل بفصلین بقوله: و تدافعته الأبواب إلى باب السلامه، و أن یرحل مطایا التشمیر و هو إشاره إلى الجدّ فی سلوک سبیل اللّه و الاجتهاد فی العمل لما بعد الموت، و استعار لفط المطایا لآلات العمل، و لفظ الإرحال لإعمالها، و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی) ، ج ۴ ، صفحه‏ ى ۷۵

 

بازدیدها: ۹

خطبه ۲۱۳ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام قاله عند تلاوته: رِجَالٌ لَا تُلْهِیهِمْ تِجَارَهٌ وَ لَا بَیْعٌ عَنْ ذِکْرِ اللّهِ
إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى جَعَلَ الذِّکْرَ جِلاءً لِلْقُلُوبِ- تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَهِ وَ تُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ الْعَشْوَهِ- وَ تَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ الْمُعَانَدَهِ- وَ مَا بَرِحَ لِلَّهِ عَزَّتْ آلَاؤُهُ فِی الْبُرْهَهِ بَعْدَ الْبُرْهَهِ- وَ فِی أَزْمَانِ الْفَتَرَاتِ عِبَادٌ نَاجَاهُمْ فِی فِکْرِهِمْ- وَ کَلَّمَهُمْ فِی ذَاتِ عُقُولِهِمْ- فَاسْتَصْبَحُوا بِنُورِ یَقَظَهٍ فِی الْأَبْصَارِ وَ الْأَسْمَاعِ وَ الْأَفْئِدَهِ- یُذَکِّرُونَ بِأَیَّامِ اللَّهِ وَ یُخَوِّفُونَ مَقَامَهُ- بِمَنْزِلَهِ الْأَدِلَّهِ فِی الْفَلَوَاتِ- مَنْ أَخَذَ الْقَصْدَ حَمِدُوا إِلَیْهِ طَرِیقَهُ وَ بَشَّرُوهُ بِالنَّجَاهِ- وَ مَنْ أَخَذَ یَمِیناً وَ شِمَالًا ذَمُّوا إِلَیْهِ الطَّرِیقَ- وَ حَذَّرُوهُ مِنَ الْهَلَکَهِ- وَ کَانُوا کَذَلِکَ مَصَابِیحَ تِلْکَ الظُّلُمَاتِ- وَ أَدِلَّهَ تِلْکَ الشُّبُهَاتِ- وَ إِنَّ لِلذِّکْرِ لَأَهْلًا أَخَذُوهُ مِنَ الدُّنْیَا بَدَلًا- فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ تِجَارَهٌ وَ لَا بَیْعٌ عَنْهُ- یَقْطَعُونَ بِهِ أَیَّامَ الْحَیَاهِ- وَ یَهْتِفُونَ بِالزَّوَاجِرِ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فِی أَسْمَاعِ الْغَافِلِینَ- وَ یَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ وَ یَأْتَمِرُونَ بِهِ- وَ یَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْکَرِ وَ یَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ- فَکَأَنَّمَا قَطَعُوا الدُّنْیَا إِلَى الْآخِرَهِ وَ هُمْ فِیهَا- فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذَلِکَ- فَکَأَنَّمَا اطَّلَعُوا غُیُوبَ أَهْلِ الْبَرْزَخِ فِی طُولِ الْإِقَامَهِ فِیهِ- وَ حَقَّقَتِ الْقِیَامَهُ عَلَیْهِمْ عِدَاتِهَا- فَکَشَفُوا غِطَاءَ ذَلِکَ لِأَهْلِ الدُّنْیَا- حَتَّى کَأَنَّهُمْ یَرَوْنَ مَا لَا یَرَى النَّاسُ وَ یَسْمَعُونَ مَا لَا یَسْمَعُونَ- فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ لِعَقْلِکَ فِی مَقَاوِمِهِمُ الْمَحْمُودَهِ- وَ مَجَالِسِهِمُ الْمَشْهُودَهِ- وَ قَدْ نَشَرُوا دَوَاوِینَ أَعْمَالِهِمْ- وَ فَرَغُوا لِمُحَاسَبَهِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى کُلِّ صَغِیرَهٍ وَ کَبِیرَهٍ- أُمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا عَنْهَا أَوْ نُهُوا عَنْهَا فَفَرَّطُوا فیهَا وَ حَمَّلُوا ثِقَلَ أَوْزَاِرِهمْ ظُهُورَهُمْ- فَضَعُفُوا عَنِ الِاسْتِقْلَالِ بِهَا- فَنَشَجُوا نَشِیجاً وَ تَجَاوَبُوا نَحِیباً- یَعِجُّونَ إِلَى رَبِّهِمْ مِنْ مَقَامِ نَدَمٍ وَ اعْتِرَافٍ- لَرَأَیْتَ أَعْلَامَ هُدًى وَ مَصَابِیحَ دُجًى- قَدْ حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِکَهُ- وَ تَنَزَّلَتْ عَلَیْهِمُ السَّکِینَهُ- وَ فُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَ أُعِدَّتْ لَهُمْ مَقَاعِدُ الْکَرَامَاتِ- فِی مَقْعَدٍ اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَیْهِمْ فِیهِ- فَرَضِیَ سَعْیَهُمْ وَ حَمِدَ مَقَامَهُمْ- یَتَنَسَّمُونَ بِدُعَائِهِ رَوْحَ التَّجَاوُزِ- رَهَائِنُ فَاقَهٍ إِلَى فَضْلِهِ وَ أُسَارَى ذِلَّهٍ لِعَظَمَتِهِ- جَرَحَ طُولُ الْأَسَى قُلُوبَهُمْ وَ طُولُ الْبُکَاءِ عُیُونَهُمْ- لِکُلِّ بَابِ رَغْبَهٍ إِلَى اللَّهِ مِنْهُمْ یَدٌ قَارِعَهٌ- یَسْأَلُونَ مَنْ لَا تَضِیقُ لَدَیْهِ الْمَنَادِحُ- وَ لَا یَخِیبُ عَلَیْهِ الرَّاغِبُونَ- فَحَاسِبْ نَفْسَکَ لِنَفْسِکَ فَإِنَّ غَیْرَهَا مِنَ الْأَنْفُسِ لَهَا حَسِیبٌ غَیْرُکَ

اللغه

أقول: الوقره: الغفله من الوقر و هو الصمم.

و العشوه: الغفله من العشاء و هو ظلمه العین باللیل دون النهار.

و البرهه: المدّه الطویله من الزمان.

و یهتفون: یصیحون.

و البرزخ: ما بعد الموت من مکان و زمان.

و النشج: الصوت فی تردید النفس عند البکاء.

و المنادح: جمع مندح و هو المتّسع.

المعنى
فقوله: إنّ اللّه سبحانه. إلى قوله: بعد المعانده.

إنّما یتّضح بالإشاره إلى الذکر و فضیلته و فائدته: الذکر هو القرآن الکریم لقوله تعالى وَ هذا ذِکْرٌ مُبارَکٌ أَنْزَلْناهُ«» و نحوه، و قیل: هو إشاره إلى تحمیده تعالى و تسبیحه و تکبیره و تهلیله و الثناء علیه و نحو ذلک، و أمّا فضیلته فمن القرآن قوله تعالى فَاذْکُرُونِی أَذْکُرْکُمْ«» و قوله اذْکُرُوا اللَّهَ ذِکْراً کَثِیراً«» و قوله فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْکُرُوا اللَّهَ«» الآیه، و قوله فَإِذا قَضَیْتُمْ مَناسِکَکُمْ فَاذْکُرُوا اللَّهَ«» الآیه. و أمّا من الأخبار فقوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: ذاکر اللّه فی الغافلین کالمقاتل فی الفارّین، و قوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: یقول اللّه: أنا مع عبدى ما ذکرنى و تحرّکت بى شفتاه، و قوله: ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب اللّه من ذکر اللّه. قالوا: یا رسول اللّه و لا الجهاد فی سبیل اللّه. قال: و لا الجهاد فی سبیل اللّه إلّا أن تضرب بسیفک إلى أن ینقطع ثمّ تضرب به حتّى ینقطع- ثلاثا- و قوله: من أحبّ أن یرتع فی ریاض الجنّه فلیکثر منه ذکر اللّه. و نحو ذلک. فأمّا فائدته: فاعلم أنّ المؤثّر من الذکر و النافع منه ما کان على الدوام أو فی أکثر الأوقات مع حضور القلب، و بدونهما فهو قلیل الجدوى. و بذینک الاعتبارین هو المقدّم على سایر العبادات بل هو روح العبادات العملیّه و غایه ثمرتها، و له أوّل یوجب الانس باللّه و آخر یوجبه الانس باللّه، و ذلک أنّ المرید فی مبدء أمره قد یکون متکلّفا لذکر أمر لیصرف إلیه قلبه و لسانه عن الوسواس فإن وفّق للمداومه أنس به و انغرس فی قلبه حبّ المذکور، و ممّا ینبّه على ذلک أنّ أحدنا یمدح بین یدیه شخص و یذکر بحمید الخصال فیحبّه و یعشقه بالوصف و کثره الذکر ثمّ إذا عشق بکثره الذکر اضطرّ إلى کثره الذکر آخرا بحیث لا یصبر عنه فإنّ من أحبّ شیئا أکثر ذکره و من أکثر من ذکر شی‏ء و إن کان متکلّفا أحبّه، و قد شاهدنا ذلک کثیرا.
کذلک أوّل ذکر اللّه متکلّف إلى أن یثمر الانس به و الحبّ له. ثمّ یمتنع الصبر عنه آخرا فیثمر الثمره، و لذلک قال بعضهم: کابدت القرآن عشرین سنه. ثمّ تنعّمت به عشرین سنه. و لا یصدر التنعّم إلّا عن الانس و الحبّ و لا یصدر الانس إلّا من المداومه على المکابده حتّى یصیر التکلّف طبعا. ثمّ إذا حصل الانس باللّه انقطع عن غیر اللّه، و ما سوى اللّه یفارقه عند الموت فلا تبقى معه فی القبر أهل و لا مال و لا ولد و لا ولایه و لا تبقى إلّا المحبوب المذکور فیتمتّع به و یتلذّذ بانقطاع العوائق الصارفه عنه من أسباب الدنیا و محبوباتها. إذا عرفت ذلک فقوله: جعله جلاء. إشاره إلى فائدته و هى استعداد النفوس بمداومته على الوجه الّذی ذکرناه لمحبّه المذکور و الإعراض عمّا سواه، و استعار لفظ الجلاء لإزاله کلّ ما سوا المذکور عن لوح القلب بالذکر کما یزال خبث المرآه بالصقال، و تجوّز بلفظ السمع فی إقبالها على ما ینبغی أن یسمع من أوامر اللّه و نواهیه و سایر کلامه، و الوقره لإعراضها عنها، و کذلک بلفظ البصر فی إدراکها للحقایق و ما ینبغی لها، و لفظ العشوه لعدم ذلک الإدراک إطلاقا فی المجازات الأربعه لاسم السبب على المسبّب. و انقیاد هاله: أی للحقّ، و سلوک طریقه بعد المعانده فیه و الانحراف عنه. و قوله: و ما برح. إلى قوله: عقولهم. إشاره إلى أنّه لم یخلو المدد و أزمان الفترات قطّ من عباد اللّه و أولیاء له و ألهمهم معرفته و أفاض على أفکارهم و عقولهم صور الحقّ و کیفیّه الهدایه إلیه مکاشفه، و تلک الإفاضه و الإلهام هو المراد بالمناجات و التکلّم منه. و قوله: فاستصبحوا.
إلى قوله: و الأفئده. أى استضاءوا بمصباح نور الیقظه، و الیقظه فی الافئده فطانتها و استعدادها الکامل لما ینبغی لها من الکمالات العقلیّه، و نور تلک الیقظه هو ما یفاض علیها بسبب استعدادها بتلک الفطانه و یقظه الأبصار و الأسماع بتتّبعها لإبصار الامور النافعه المحصّله منها عبره و کمالا نفسانیّا و سماع النافع من الکلام، و أنوار الیقظه فیهما ما یحصل بسبب ذلک الإبصار و السماع من أنوار الکمالات النفسانیّه.

ثمّ شرع فی وصف حالهم فی هدیهم لسبیل اللّه بأیّامه، و هى کنایه عن شدایده النازله بالماضین من الامم، و أصله أنّها یقع فی الأیّام، و یحتمل أن یکون مجازا إطلاقا لاسم المحلّ على الحالّ، و مقام اللّه کنایه عن عظمته و جلالته المستلزمه للهیبه و الخوف. و شبّههم بالأدلّه فی الفلوات، و وجه الشبه کونهم هادین لسبیل اللّه کما تهدى الأدلّه، و کما أنّ الأدلّه تحمد من أخذ القصد فی الطریق طریقه و تبشّره بالنجاه و من انحرف عنها یمینا و شمالا ذمّوا إلیه طریقه و حذّروه من الهلکه کذلک الهداه إلى اللّه من سلک سبیل اللّه العدل إلیه و قصد فیها حمدوا إلیه طریقه و بشّروه بالنجاه من المهالک، و من انحرف عنها یمینا و شمالا: أى سلک أحد طرفی الإفراط و التفریط ذمّوا إلیه مسلکه و حذّروه من الهلاک الأبدیّ. و قوله: و کانوا کذلک. أى کما و صفناهم، و استعار لفظ المصابیح باعتبار إضاءتهم بکمالاتهم بطریق اللّه، و لفظ الأدلّه باعتبار هداهم إلى الحقّ و تمییزه عن شبهاب الباطل. و قوله: و إن للذکر لأهلا. إلى قوله: أیّام الحیاه. فأهله هو من ذکرنا أنّهم اشتغلوا به حتّى أحبّوا المذکور و نسوا ما عداه من المحبوبات الدنیویّه، و إنّ من حبّ محبّه المذکور محبّه ذکره و ملازمته حتّى اتّخذوه بدلا من متاع الدنیا و طیّباتها و لم یشغلهم عنه تجاره و لا بیع و قطعوا به أیّام حیاتهم الدنیا.
و قوله: و یهتفون. إلى قوله: و یتناهون عنه. إشاره إلى وجوه طاعتهم للّه و عبادتهم له و هى من ثمرات الذکر و محبّه المذکور لأنّ من أحبّ محبوبا سلک مسلکه و لم یخالف رسمه و کان له فی ذلک الابتهاج و اللذّه. و قوله: فکأنّما قطعوا. إلى قوله: عداتها. تشبیه لهم فی ثقتهم باللّه و بما جاءت به کتبه و رسله، و تحقّقهم لأحوال القیامه و وعدها و وعیدها بعین الیقین عن قطع الدنیا من أحوال أهل البرزخ وطول إقامتهم فیه فکشفوا غطاء تلک الأحوال لأهل الدنیا بالعبادات الواضحه و البیانات اللایحه حتّى کأنّهم فی وصفهم لها عن صفاء سرائرهم و صقال جواهر نفوسهم بالریاضه التامّه یرون بأبصارهم ما لا یرى الناس، و یسمعون بآذانهم ما لا یسمعون الناس. إذ یخبرون عن مشاهدات و مسموعات لا یدرکها الناس، و لمّا کان السبب فی قصور النفوس عن إدراک أحوال الآخره هو تعلّقها بهذه الأبدان و اشتغالها بتدبیرها و الانغماس فی الهیئات الدنیویّه المکتسبه عنها، و کان هؤلاء الموصوفون قد غسلوا درن تلک الهیئات عن ألواح نفوسهم بمداومه ذکر اللّه و ملازمه الریاضه التامّه حتّى صارت نفوسهم کمرأى مجلوّه حوذى بها شطر الحقائق الإلهیّه فتجلّت و انتقشت بها لا جرم شاهدوا بعین الیقین سبیل النجاه و سبیل الهلاک و ما بینهما فسلکوا على بصیره و هدوا الناس على یقین و أخبروا عن امور شاهدوها بأعین بصائرهم و سمعوا بآذان عقولهم فکأنّهم فی وضوح ذلک لهم و ظهوره و إخبارهم عنه قد شاهدوا ما شاهده الناس بحواسّهم فشاهدوا ما لم یشاهده الناس و سمعوا ما لم یسمعوه. و قوله: فلو مثّلتهم بعقلک.
أى استحضرت صورهم و أعمالهم فی مقاومهم المحموده و مجالسهم المشهوده و هى مقامات العباده و مجالسها. و دواوین أعمالهم: أذهانهم و ما ثبت فیها من أفعالهم. و نشرها: تتّبع نفوسهم بأفکارها و تخیّلاتها لصور تلک الأعمال و تصفّحها لها المشبّهه لتصفّح الأوراق. و الواو فی قوله: و فرغوا لمحاسبه أنفسهم على کلّ صغیره و کبیره للبیان. لیستدعى بیان معنى المحاسبه، و لمّا کان معناها لیستدعى محاسبا حتّى یکون النظر معه فی رأس المال فی الربح و الخسران لیبیّن له الزیاده و النقصان، و إن کان من فضل حاصل استوفاه و إن کان من خسران طالبه بضمانه و کلّفه تدارکه فی المستقبل فکذلک العبد معامله نفسه الأمّاره بالسوء، و رأس ماله الفرائض و ربحه النوافل و الفضائل، و الخسران المعاصى، و موسم هذه التجاره جمله النهار فینبغى أن یکون للعبد فی آخره ساعه یطالب بها نفسه و یحاسبها على جمیع حرکاتها و سکاناتها فإن کان قد أدّى الفرائض على وجهها شکر اللّه تعالى علیه و رغبّها فی مثلها، و إن فوّتها من أصلها کلّفها بالقضاء، و إن أدّتها ناقصه کلّفها بالجبران بالنوافل، و إن ارتکب معصیه اشتغل بعقابها و تعذیبها و معاتبتها و استوفى منها ما یتدارک به تفریطها کما یصنع التاجر بشریکه. و کما أنّه ینقش فی حساب الدنیا عن الحبّه و القیراط فیحفظ مداخل الزیاده و النقصان کذلک ینبغی أن تتّقى خدعه النفس و مکرها فإنّها مخادعه مکّاره فلیطالبها أوّلا بتصحیح الجواب عمّا تکلّم به طول نهاره و لیتولّى من حسابها بنفسه ما سیتولّاه غیره فی محفل القیامه، و کذلک عن نظره و خواطره و أفکاره و قیامه و قعوده و أکله و شربه، و حتّى عن سکونه و سکوته. فإذا عرف أنّها أدّت الحقّ فی الجمیع کان ذلک القدر محسوبا له فیظهر بها الباقى و یقرّره علیها و یکتبه على صحیفه قلبه. ثمّ إنّ النفس غریم یمکن أن یستوفى منه الدیون أمّا بعضها فبالغرامه و الضمان و بعضها بردّ عینها بالعقوبه لها على ذلک و لا یمکن شی‏ء من ذلک إلّا بعد تحقّق الحساب و تمیّز باقى الحقّ الواجب علیه.
ثمّ یشتغل بعده بالمطالبه. و ینبغی أن یحاسب الإنسان النفس على جمیع العمر یوما یوما و ساعه فی جمیع الأعضاء الظاهره و الباطنه کما نقل عن توبه بن الصمه و کان بالرقّه و کان محاسبا لنفسه فحسب یوما فإذا هو ستّین سنه فحسب أیّامها فإذا أحد و عشرون ألف یوم و خمس مائه یوم فصرخ فقال: یا ویلتى ألقى الملک بأحد و عشرین ألف ذنب. ثمّ خرّ مغشیّا علیه فإذا هو میّت فسمعوا قائلا یقول: یا لک رکضه إلى الفردوس الأعلى. فهکذا ینبغی أن تکون المحاسبه، و لو رمى العبد بکلّ معصیه حصاه فی داره لامتلأت داره فی مده یسیره من عمره و لکنّه یتساهل فی حفظها و الملکان یحفظان علیه کما قال تعالى أَحْصاهُ اللَّهُ وَ نَسُوهُ«».
إذا عرفت ذلک فقوله: و فرغوا لمحاسبه أنفسهم. إلى قوله: ندم و اعتراف. إشاره إلى حال وجدانهم عند محاسبه أنفسهم لتقصیرها و الخسران فی رءوس‏ أموالهم الّتی هى الطاعات و نشیجهم و نحیبهم و عجّهم فی الندم و الاعتراف بالذنب إشاره إلى حالهم فی تدارک ذلک الخسران بالشروع فی الجبران. فأوّل مقاماته التوبه و لوازمها المذکوره، ثمّ العمل. و قوله: لرأیت. إلى قوله: الراغبون. صفات أحوالهم المحموده، و اللام فی قوله: لرأیت. جواب لو فی قوله: فلو مثّلهم، و استعار لهم لفظه الأعلام و المصابیح‏ باعتبار کونهم أدلّه إلى طریق اللّه و ذوى أنوار یستضاء بها فیها، و حفوف الملائکه بهم کنایه عن إحاطه عنایتهم به، و ذلک لکمال استعدادهم لقبول الأنوار عن اللّه بواسطه الملائکه الکروبیّه و وجوب فیضها علیهم عنهم، و فی ذلک الإشاره إلى إکرامهم بذلک. و قوله: و تنزّلت علیهم السکینه. إشاره إلى بلوغ استعداد نفوسهم لإفاضه السکینه علیها و هى المرتبه الثالثه من أحوال السالک بعد الطمأنینه، و ذلک أن تکثّر تلک البروق و اللوامع الّتی کانت تغشیه حتّى یصیر ما کان مخوفا منها مألوفا، و کانت تحصل لا لمشیئه السالک فیصیر حصولها بمشیئته و إرادته. و فتح أبواب السماء لهم إشاره إلى فتح أبواب سماء الجود الإلهىّ بإفاضه الکمالات علیهم کما قال تعالى فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ«» و مقاعد الکرامات مراتب الوصول إلیه. و تلک المقاعد الّتی اطّلع اللّه تعالى علیهم فیها فرضى سعیهم بالأعمال الصالحه المبلّغه إلیها، و حمد مقامهم فیها.

و قوله: یتنسّمون بدعائه روح التجاوز. أى یدعونه و یتوقّعون بدعائه تجاوزه عن ذنوبهم، و أن لا یجعل تقصیرهم فیما عساهم قصّروا فیه سببا لانقطاع فیضه، و قد علمت أنّ سیّئات هؤلاء یعود إلى ترک الأولى بهم. ثمّ استعار لهم لفظ الرهائن لکونهم فی محلّ الحاجه إلى فضله لا معدول و لا ملجأ لهم عنه کالرهائن فی ید المسترهن، و کذلک لفظ الاسارى،و وجه المشابهه کونهم فی مقام الذلّه بحسب عظمته کالأسیر بالنظر إلى عظمه من أسرّه. و قوله: جرح. إلى قوله: عیونهم. فذلک الجرح من لوازم اطّلاعهم على خیانه أنفسهم و خسرانهم فی معاملتهم لها بعد محاسبتها. و قوله: لکلّ باب. إلى قوله: ید قارعه. أشار بقرعهم لکلّ باب من أبواب الرغبه إلى اللّه إلى توجیه أسرارهم و عقولهم إلى القبله الحقیقیّه استشراقا لأنوار اللّه و استسماحا لجوده. و قوله: یسألون. إلى قوله: المنادح. إشاره إلى سعه جوده و فضله و أنّه أکرم الأکرمین لیتبیّن أنّه أحقّ مسئول بإعطاء سؤل و أولى مرغوب إلیه بإسداء مرغوب. و قوله: فحاسب نفسک. إلى آخره. أى فتولّ أنت حساب نفسک. فإنّ حساب غیرها من النفوس و هى الّتی لم یحاسبها صاحبها یتولّاه غیرک و هو أسرع الحاسبین، و ذلک فی معنى تهدید الإنسان على ترک محاسبه نفسه. و باللّه التوفیق.

شرح نهج ‏البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۶۶

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۲۱۲ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام قاله بعد تلاوته: (ألهاکم التکاثر حتى زرتم المقابر)
یَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ وَ زَوْراً مَا أَغْفَلَهُ- وَ خَطَراً مَا أَفْظَعَهُ- لَقَدِ اسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ أَیَّ مُدَّکِرٍ وَ تَنَاوَشُوهُمْ مِنْ مَکَانٍ بَعِیدٍ- أَ فَبِمَصَارِعِ آبَائِهِمْ یَفْخَرُونَ- أَمْ بِعَدِیدِ الْهَلْکَى یَتَکَاثَرُونَ یَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَاداً خَوَتْ وَ حَرَکَاتٍ سَکَنَتْ- وَ لَأَنْ یَکُونُوا عِبَراً أَحَقُّ مِنْ أَنْ یَکُونُوا مُفْتَخَراً- وَ لَأَنْ یَهْبِطُوا بِهِمْ جَنَابَ ذِلَّهٍ- أَحْجَى مِنْ أَنْ یَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّهٍ- لَقَدْ نَظَرُوا إِلَیْهِمْ بِأَبْصَارِ الْعَشْوَهِ- وَ ضَرَبُوا مِنْهُمْ فِی غَمْرَهِ جَهَالَهٍ- وَ لَوِ اسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصَاتِ تِلْکَ الدِّیَارِ الْخَاوِیَهِ- وَ الرُّبُوعِ الْخَالِیَهِ لَقَالَتْ- ذَهَبُوا فِی الْأَرْضِ ضُلَّالًا وَ ذَهَبْتُمْ فِی أَعْقَابِهِمْ جُهَّالًا- تَطَئُونَ فِی هَامِهِمْ وَ تَسْتَنْبِتُونَ فِی أَجْسَادِهِمْ- وَ تَرْتَعُونَ فِیمَا لَفَظُوا وَ تَسْکُنُونَ فِیمَا خَرَّبُوا- وَ إِنَّمَا الْأَیَّامُ بَیْنَکُمْ وَ بَیْنَهُمْ بَوَاکٍ وَ نَوَائِحُ عَلَیْکُمْ- أُولَئِکُمْ سَلَفُ غَایَتِکُمْ وَ فُرَّاطُ مَنَاهِلِکُمْ- الَّذِینَ کَانَتْ لَهُمْ مَقَاوِمُ الْعِزِّ-وَ حَلَبَاتُ الْفَخْرِ مُلُوکاً وَ سُوَقاً سَلَکُوا فِی بُطُونِ الْبَرْزَخِ سَبِیلًا سُلِّطَتِ الْأَرْضُ عَلَیْهِمْ فِیهِ- فَأَکَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ وَ شَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ- فَأَصْبَحُوا فِی فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً لَا یَنْمُونَ- وَ ضِمَاراً لَا یُوجَدُونَ- لَا یُفْزِعُهُمْ وُرُودُ الْأَهْوَالِ- وَ لَا یَحْزُنُهُمْ تَنَکُّرُ الْأَحْوَالِ- وَ لَا یَحْفِلُونَ بِالرَّوَاجِفِ وَ لَا یَأْذَنُونَ لِلْقَوَاصِفِ- غُیَّباً لَا یُنْتَظَرُونَ وَ شُهُوداً لَا یَحْضُرُونَ- وَ إِنَّمَا کَانُوا جَمِیعاً فَتَشَتَّتُوا وَ أُلَّافاً فَافْتَرَقُوا- وَ مَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ وَ لَا بُعْدِ مَحَلِّهِمْ- عَمِیَتْ أَخْبَارُهُمْ وَ صَمَّتْ دِیَارُهُمْ- وَ لَکِنَّهُمْ سُقُوا کَأْساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً- وَ بِالسَّمْعِ صَمَماً وَ بِالْحَرَکَاتِ سُکُوناً- فَکَأَنَّهُمْ فِی ارْتِجَالِ الصِّفَهِ صَرْعَى سُبَاتٍ- جِیرَانٌ لَا یَتَأَنَّسُونَ وَ أَحِبَّاءُ لَا یَتَزَاوَرُونَ- بَلِیَتْ بَیْنَهُمْ عُرَا التَّعَارُفِ- وَ انْقَطَعَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ الْإِخَاءِ- فَکُلُّهُمْ وَحِیدٌ وَ هُمْ جَمِیعٌ- وَ بِجَانِبِ الْهَجْرِ وَ هُمْ أَخِلَّاءُ- لَا یَتَعَارَفُونَ لِلَیْلٍ صَبَاحاً وَ لَا لِنَهَارٍ مَسَاءً- أَیُّ الْجَدِیدَیْنِ ظَعَنُوا فِیهِ کَانَ عَلَیْهِمْ سَرْمَداً- شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارِ دَارِهِمْ أَفْظَعَ مِمَّا خَافُوا- وَ رَأَوْا مِنْ آیَاتِهَا أَعْظَمَ مِمَّا قَدَّرُوا- فَکِلْتَا الْغَایَتَیْنِ مُدَّتْ لَهُمْ- إِلَى مَبَاءَهٍ فَاتَتْ مَبَالِغَ الْخَوْفِ وَ الرَّجَاءِ- فَلَوْ کَانُوا یَنْطِقُونَ بِهَا- لَعَیُّوا بِصِفَهِ مَا شَاهَدُوا وَ مَا عَایَنُوا- وَ لَئِنْ عَمِیَتْ آثَارُهُمْ وَ انْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ- لَقَدْ رَجَعَتْ فِیهِمْ أَبْصَارُ الْعِبَرِ- وَ سَمِعَتْ عَنْهُمْ آذَانُ الْعُقُولِ- وَ تَکَلَّمُوا مِنْ غَیْرِ جِهَاتِ النُّطْقِ- فَقَالُوا کَلَحَتِ الْوُجُوهُ النَّوَاضِرُ وَ خَوَتِ الْأَجْسَامُ النَّوَاعِمُ- وَ لَبِسْنَا أَهْدَامَ الْبِلَى وَ تَکَاءَدَنَا ضِیقُ الْمَضْجَعِ- وَ تَوَارَثْنَا الْوَحْشَهَ وَ تَهَکَّمَتْ عَلَیْنَا الرُّبُوعُ الصُّمُوتُ- فَانْمَحَتْ مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا وَ تَنَکَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا- وَ طَالَتْ فِی مَسَاکِنِ الْوَحْشَهِ إِقَامَتُنَا- وَ لَمْ نَجِدْ مِنْ کَرْبٍ فَرَجاً وَ لَا مِنْ ضِیقٍ مُتَّسَعاً- فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ بِعَقْلِکَ- أَوْ کُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوبُ الْغِطَاءِ لَکَ- وَ قَدِ ارْتَسَخَتْ أَسْمَاعُهُمْ بِالْهَوَامِّ فَاسْتَکَّتْ- وَ اکْتَحَلَتْ أَبْصَارُهُمْ بِالتُّرَاب فَخَسَفَتْ- وَ تَقَطَّعَتِ الْأَلْسِنَهُ فِی أَفْوَاهِهِمْ بَعْدَ ذَلَاقَتِهَا- وَ هَمَدَتِ الْقُلُوبُ فِی صُدُورِهِمْ بَعْدَ یَقَظَتِهَا- وَ عَاثَ فِی کُلِّ جَارِحَهٍ مِنْهُمْ جَدِیدُ بِلًى سَمَّجَهَا- وَ سَهَّلَ طُرُقَ الْآفَهِ إِلَیْهَا- مُسْتَسْلِمَاتٍ فَلَا أَیْدٍ تَدْفَعُ وَ لَا قُلُوبٌ تَجْزَعُ- لَرَأَیْتَ أَشْجَانَ قُلُوبٍ وَ أَقْذَاءَ عُیُونٍ- لَهُمْ فِی کُلِّ فَظَاعَهٍ صِفَهُ حَالٍ لَا تَنْتَقِلُ- وَ غَمْرَهٌ لَا تَنْجَلِی- فَکَمْ أَکَلَتِ الْأَرْضُ مِنْ عَزِیزِ جَسَدٍ وَ أَنِیقِ لَوْنٍ- کَانَ فِی الدُّنْیَا غَذِیَّ تَرَفٍ وَ رَبِیبَ شَرَفٍ- یَتَعَلَّلُ بِالسُّرُورِ فِی سَاعَهِ حُزْنِهِ- وَ یَفْزَعُ إِلَى السَّلْوَهِ إِنْ مُصِیبَهٌ نَزَلَتْ بِهِ- ضَنّاً بِغَضَارَهِ عَیْشِهِ وَ شَحَاحَهً بِلَهْوِهِ وَ لَعِبِهِ فَبَیْنَا هُوَ یَضْحَکُ إِلَى الدُّنْیَا وَ تَضْحَکُ إِلَیْهِ- فِی ظِلِّ عَیْشٍ غَفُولٍ إِذْ وَطِئَ الدَّهْرُ بِهِ حَسَکَهُ- وَ نَقَضَتِ الْأَیَّامُ قُوَاهُ- وَ نَظَرَتْ إِلَیْهِ الْحُتُوفُ مِنْ کَثَبٍ- فَخَالَطَهُ بَثٌّ لَا یَعْرِفُهُ وَ نَجِیُّ هَمٍّ مَا کَانَ یَجِدُهُ- وَ تَوَلَّدَتْ فِیهِ فَتَرَاتُ عِلَلٍ آنَسَ مَا کَانَ بِصِحَّتِهِ- فَفَزِعَ إِلَى مَا کَانَ عَوَّدَهُ الْأَطِبَّاءُ- مِنْ تَسْکِینِ الْحَارِّ بِالْقَارِّ وَ تَحْرِیکِ الْبَارِدِ بِالْحَارِّ- فَلَمْ یُطْفِئْ بِبَارِدٍ إِلَّا ثَوَّرَ حَرَارَهً- وَ لَا حَرَّکَ بِحَارٍّ إِلَّا هَیَّجَ بُرُودَهً- وَ لَا اعْتَدَلَ بِمُمَازِجٍ لِتِلْکَ الطَّبَائِعِ- إِلَّا أَمَدَّ مِنْهَا کُلَّ ذَاتِ دَاءٍ- حَتَّى فَتَرَ مُعَلِّلُهُ وَ ذَهَلَ مُمَرِّضُهُ- وَ تَعَایَا أَهْلُهُ بِصِفَهِ دَائِهِ- وَ خَرِسُوا عَنْ جَوَابِ السَّاِئِلینَ عَنْهُ- وَ تَنَازَعُوا دُونَهُ شَجِیَّ خَبَرٍ یَکْتُمُونَهُ- فَقَائِلٌ هُوَ لِمَا بِهِ وَ مُمَنٍّ لَهُمْ إِیَابَ عَافِیَتِهِ- وَ مُصَبِّرٌ لَهُمْ عَلَى فَقْدِهِ- یُذَکِّرُهُمْ أُسَى الْمَاضِینَ مِنْ قَبْلِهِ- فَبَیْنَا هُوَ کَذَلِکَ عَلَى جَنَاحٍ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْیَا- وَ تَرْکِ الْأَحِبَّهِ- إِذْ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنْ غُصَصِهِ- فَتَحَیَّرَتْ نَوَافِذُ فِطْنَتِهِ وَ یَبِسَتْ رُطُوبَهُ لِسَانِهِ- فَکَمْ مِنْ مُهِمٍّ مِنْ جَوَابِهِ عَرَفَهُ فَعَیَّ عَنْ رَدِّهِ- وَ دُعَاءٍ مُؤْلِمٍ بِقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصَامَّ عَنْهُ- مِنْ کَبِیرٍ کَانَ یُعَظِّمُهُ أَوْ صَغِیرٍ کَانَ یَرْحَمُهُ- وَ إِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِیَ أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَهٍ- أَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ الدُّنْیَا

اللغه

أقول: المرام: المطلوب.

و الزور: الزائرون.

و الخطر: الإشراف على الهلاک.

و الفظیع: الشدید الّذی جاوز الحدّ فی شدّته.

و استحلوا: أى اتّخذوا تحلیه الذکر و أبهم و شأنهم، و قیل: استخلوا: أى وجدوه خالیا.

و التناوش:التنازل.

و أحجى: أولى بالحجى و هو العقل.

و العشوه: رکوب الأمر على جهل به.

و ترتعون: یتنعمون.

و لفظوا: أرموا و ترکوا.

و الفارط: السابق إلى الماء و المورد.

و حلبات الفخر: جماعاته.

و السوق: جمع سوقه و هى الرعیّه.

و البرزخ: ما بین الدنیا و الآخره من وقت الموت إلى البعث.

و الفجوات: جمع فجوه و هى المتّسع من الأرض.

و الضمار: الغایب الّذی لا یرجى إیابه.

و یحفلون: یبالون.

و الرواجف: الزلازل.

و یأذنون: یسمعون.

و ارتجال الصفه: انتشاؤها.

و السبات: النوم، و أصله الراحه.

و أفظع: أشدّ.

و المباءه: الموضع یبوء الإنسان إلیه: أى یرجع: و عىّ عن الکلام: أى عجز عنه.

و الکلوح: تکشّر فی عبوس.

و الأهدام: جمع هدم، و هو الثوب البالى.

و تکاءدنا: شقّ علینا و صعب.

و تهکّعت: تهدّمت.

و ارتسخت: ثبتت فی قرارها الهوام.

و استکّت: انسدّت.

و ذلاقه اللسان: حدّته و سهوله الکلام به.

و همدت: سکنت و بلیت.

و عاث: انسدّ.

و سمّجها: قبّحها.

و الأشجان: الأحزان.

و الأنیق: العجب للناظر.

و غضاره العیش: طیّبه.

و الکثب: القرب.

و البثّ: الحال من همّ و حزن.

و القارّ و القرور: الماء البارد.

المعنى

و فی الفصل فوائد:

فالاولى: اللام فی قوله: یا له. لام الجرّ للتعجّب کقولهم: یا للدواهى، و الجارّ و المجرور فی محلّ النصب لأنّه المنادى و یروى: یا مراما. و مراما و زورا و خطرا منصوبات على التمیز لمعنى التعجّب من بعد ذلک المرام و هو التکاثر فإنّ الغایه المطلوبه منه لا یدرکها الإنسان لأنّ کلّ غایه بلغها ففوقها غایه اخرى قد أدرکها غیره فنفسه تطمح إلیها، و ذلک التعجّب من شدّه غفله الزور: أى الزائرین للمقابر لأنّ الکلام خرج بسبب الآیه، و ظاهر أنّ غفله الإنسان عمّا یزور و یقدم بعد تلک الزیاره علیه غفله عظیمه و هى محلّ التعجّب، و کذلک التعجّب من فظاعه الخطر و الإشراف على شدائد الآخره فإنّ کلّ خطر دنیائى یستحقر فی جنبه، و الضمیر فی قوله: استحلوا للأحیاء، و فی منهم‏ للأموات، و عنّى بالذکر عمّا خلّفوه من الآثار الّتی هى محلّ العبره. و قوله: أىّ مدّکر. استفهام على سبیل التعجّب من ذلک المدّکر فی أحسن إفادته للعبر لاولى الأبصار، و تناوشوهم من مکان بعید: أى ترکهم ما ینتفعون به و هو المدّکر من جهه الاعتبار به و تناولوهم من جهه بعیده، و الّذی تناولوه هو افتخار کلّ منهم بأبه و قبیلته، و مکاثرته بالماضین من قومه الّذینهم بعد الموت أبعد الناس عنه أو الّذین کمالاتهم أبعد الکمالات عنه، و کنّى بالمکان البعید عن ذلک الاعتبار فإنّ الأموات و کمالاتهم فی أبعد الاعتبارات عن الأحیاء و الأبناء، و لذلک استفهم عن ذلک استفهام إنکار و توبیخ فقال: أ فبمصارع آبائهم یفخرون. إلى قوله: سکنت، و ذلک الارتجاع بالمفاخره بهم فکأنّهم بذکرهم لهم فی الفخر قد ارتجعوهم بعد موتهم، و یحتمل أن یکون ذلک مستفهما عنه أیضا على سبیل الإنکار و إن لم یکن حرف الاستفهام، و التقدیر أ یرتجعون منهم بفخرهم لهم أجسادا خوت.
و قوله: و لأن یکونوا عبرا أحقّ من أن یکونوا مفتخرا. مؤکّد لتوبیخه لهم ترک العبره بالمدّکر الّذی هو وجه النفع و أخذهم بالوجه البعید و هو الافتخار، و کشف لمعناه. و کذلک قوله: لأن یهبطوا بهم جناب ذلّه: أى بالاعتبار بمصارعهم فإنّه یستلزم الخشوع لعزّه اللّه و الخشیه منه. و ذلک أولى بالعقل و التدبیر من أن یقوموا بهم مقام عزّه بالمفاخره و المکاثره، و أضاف الأبصار إلى العشوه لنسبتها إلیها: أى نظروا إلیها بأبصار قلوب غطّى علیها الجهل بأحوالهم فساروا فی تلک الأحوال بجهاله غامره لهم. و قوله: و لو استنطقوا. إلى قوله: لقالت. أى لو طلبت منها النطق لقالت بلسان حالها کذا و کذا. إلى قوله: و تسکنون فیما خرّبوا، و یحتمل أن یکون باقى الفصل کلّه مقولا بلسان حال تلک الدیار، و النصب فی قوله: ضلّالا و جهّالا على الحال: أى ذهبوا فی الأرض هالکین و ذهبتم بعدهم جاهلین بأحوالهم تطئون رؤسهم و تستنبتون الأشجار فی‏ أجسادهم و ذلک فی المواضع الّتی بلیت فیها الأجساد، و استعار لفظ البواکى و النوائح لأیّام الحیاه ملاحظه لشبهها فی مفارقتهم لها بالامّهات الّتی فارقها أولادها بالموت. و قوله: اولئک سلف غایتکم و فرّاط مناهلکم. السابقون لکم إلى غایتکم و هى الموت و ما بعده، و إلى مناهلکم و هى تلک الموارد أیضا، و مقاوم: جمع مقام لأنّ ألفه عن واو، و ملوکا و سوقا نصب على الحال، و بطون البرزخ ما غاب و بطن منه عن علومنا و مشاهداتنا، و السبیل فیه هى مسلک القدر بهم إلى غایاتهم الاخرویّه من سعاده أو شقاوه، و نسبه الأکل و الشرب إلى الأرض مجاز یقارب الحقیقه فی کثره الاستعمال، و إنّما سلب عنهم النموّ و الفزع من ورود أهوال الأرض علیهم، و الحزن من تغیّر الأحوال بهم، و الحفله بزلازل الأرض و سماع الریاح القاصفه، لکون انتظار ذلک من توابع الحیاه و صفاتها.
فإن قلت: فهذا ینافی ما نقل من عذاب القبر فإنّه یستلزم الفزع و الحزن.
قلت: إنّما سلب عنهم الفزع و الحزن من أحوال الدنیا المشاهده لنا، و کذلک الحفله بأهوالها و سماعها. و عذاب القبر لیس من ذلک القبیل بل من أحوال الآخره و أهوالها، و لا یلزم من سلب الفزع الخاصّ سلب العامّ، و نبّه على أنّ غیبتهم و شهودهم لیس کغیبه أهل الدنیا و شهودهم. إذ کان الغائب فی الدنیا من شأنه أن ینتظر و الشاهد فیها حاضر و هم شاهدون بأبدانهم مع صدق الغیبه علیهم عنّا: أى بأنفسهم، و لمّا امتنع ذلک العود لا جرم صدق أنّهم غیّب لا ینتظرون و شهود لا یحضرون. و قوله: و ما عن طول عهدهم. إلى قوله: سکونا. أى عدم علمنا بأخبارهم و صمم دیارهم عند ندائنا لیس لأجل طول عهد بیننا و بینهم و لا بعد محلّتهم و مستقرّهم فإنّ المیّت حال موته و هو بعد مطروح الجسد مشاهد لنا تعمى علینا أخباره و لا یسمع نداءنا دیاره، و لکن ذلک لأجل أنّهم سقوا کأس المنیّه فبدّلتهم بالنطق خرسا و بالسمع صمما و بالحرکات سکونا و إسناد العمى إلى الأخبار و الصمم إلى الدیار مجاز کقولهم: نهاره صائم و لیله قایم. و قوله: فکأنّهم. إلى قوله: سبات. أى إذا أراد أحد ینشى‏ء صفه حالهم، شبّههم بالصرعى عن النوم، و وجه الشبه عدم الحرکات و السماع و النطق مع الهیئه المشاهده من المستغرق فی نومه. ثمّ نبّه على أنّهم فی أحوالهم الاخرویّه من تجاورهم مع وحدتهم و تهاجرهم لیس کتلک الأحوال فی الدنیا. إذ من شأن الجیران فیها أن یأنس بعضهم ببعض، و الأحیاء أن تزاوروا، و الواحد أن لا یکون فی جماعه. و أشار بالجوار إلى تقارب أبدانهم فی القبور، و بالمحابّه إلى ما کانوا علیه من التحابّ فی الدنیا، و بهجرهم إلى عدم تزاورهم، و کذلک خلالهم إلى ما کانوا علیه من المودّه فی الدنیا، و کونهم لا یتعارفون للیل صباحا و لا لنهار مساء لکون اللیل و النهار من لواحق الحرکات الدنیویّه الفانیه عنهم فتساوى اللیل و النهار بالنسبه إلیهم،

و کذلک قوله: أىّ الجدیدین.إلى قوله: سرمدا، و الجدیدان اللیل و النهار لتجدّد کلّ منهما أبدا. و استعار وصف الظعن لانتقالهم إلى الدار الآخره، و کون ذلک الجدید الّذی ظعنوا فیه سرمدا علیهم لیس حقیقه لعدم عوده بعینه بل إسناد السرمدیّه إلیه لکونه جزء من الزمان الّذی یلزمه السرمدیّه لذاته حقیقه.

و قوله: شاهدوا. إلى قوله: عاینوا. إشاره إلى صعوبه أهوال الآخره و عظمه أحوالها بالنسبه إلى ما یخاف منها فی الدنیا، و ذلک أمر عرف بأخبار الشریعه الحقّه و تأکّد باستقراء اللذّات و الآلام العقلیّه و نسبتها إلى الحسیّه. ثمّ إنّ الخوف و الرجاء لامور الآخره إنّما یبعثان منّا بسبب وصف تلک الامور، و إنّما یفعل من تلک الأوصاف ما کان فیه مناسبه و تشبّه بالامور المخوفه و المرجّوه فی الدنیا فنحن نتصوّر تلک على قیاس هذه فذلک سبب سهولتها علینا و ضعف خوفنا منها و رجائنا لها حتّى لو شاهدنا أخطار تلک الدار لشاهدنا أشدّ ممّا نخافه الآن و نتصوّره و نقدّره بأوهامنا. فلا جرم لمّا وصل السابقون شاهدوا أفظع ممّا خافوا، و لو أمکنهم النطق لعیّوا بصفه ما شاهدوا منها و عجزوا عن شرحها.

و قوله: فکلتا الغایتین. أى غایه المؤمنین و الکافرین من سعاده و شقاوه مدّت: أى مدّ لهم أجل ینتهون فیه إلى غایه و مرجع و هو الجنّه أو النار، و ذلک المرجع یفوت مبالغ خوفنا و رجاءنا: أى هو أعظم ممّا نخافه و نرجوه، و أسند المدّ إلى الغایه مجازا. و قوله: لقد رجعت. إلى قوله. النطق. من أفصح الکلام و أبلغه، و أبصار العبر أبصار البصائر الّتی یعتبر بها، و آذان العقول مجاز فی علمها بأحوالهم الّتی من شأنها أن تسمع إطلاقا لاسم السبب على المسبّب.
و قوله: و تکلّموا من غیر جهات النطق. أى من غیر أفواه و ألسنه لحمانیّه و لکن بألسنه أحوالیّه. و قوله: فقالوا. إلى قوله: متّسعا. إشاره إلى ما تنطق به ألسنه أحوالهم و تحکیه منها فی القبور، و روى عوض خلت خوت، و استعار لفظ الأهدام للتغیّر و التقشّف و التمزیق العارض لجسم المیّت لمشابهتها العظم البالى، و یحتمل أن یرید بها الأکفان، و المضجع: القبر. و توارث الوحشه: أى وحشه القبر، و استعار لفظ التوارث لکون تلک الوحشه کانت لآبائهم قبلهم فحصلت لهم بعدهم، و الربوع الصموت: أیضا القبور.
و کذلک مساکن الوحشه. و معارف صورهم: ما کان معروفا منها فی الدنیا. و قوله: فلو مثّلتهم بعقلک. أى تخیّلت صورهم و استحضرتها فی خیالک و کشف عنهم محجوب الغطاء لک: أى ما حجب بأغطیه التراب و السواتر لأجسادهم عن بصرک. و الواو فی قوله: و قد ارتسخت. للحال، و یقظه قلوبهم استعاره لحیاتهم و حرکاتها، و إسناد العبث إلى جدید البلى مجاز، و مستسلمات حال للجوارح و العامل عاث و سهل، واللام فی قوله: لرأیت. جواب لو، و أحسن بقوله: لهم فی کلّ فظاعه صفه حال لا تنتقل و غمره لا تنجلى. وصفا إجمالیّا. فإنّه لا مزید علیه فی البلاغه اللذیذه، و أراد بالغمره من الفظاعه ما یغمرهم من الشدائد، و الغذىّ فعیل بمعنى مفعول: أى مغذى بالترف. و قوله: و یفزع إلى السلوه. أى عن المصیبه النازله له إلى المسرّات و المتنزّهات، و ضحکه إلى الدنیا کنایه عن ابتهاجه بها و ما فیها من القینات و غایه إقباله علیه لأنّ غایه المبتهج بالشی‏ء أن یضحک له، و کذلک ضحک الدنیا مجاز فی إقبالها علیه إطلاقا لاسم السبب الغائى على مسبّبه، و أصل بینا بین و الألف عن إشباع الفتحه، و العیش الغفول الّذی یکثر الغفله فیه لطیبه. و استعار لفظ الحسک للآلام و الأمراض و مصائب الدهر، و وجه المشابهه استلزامها للأذى کاستلزام الحسک له، و رشّح بذکر الوطى، و کذلک استعار وصف النظر لإقبال الحتوف إلیه لاستعداد لها فشابهت فی ذلک الراصد للشی‏ء المصوب إلیه نظره لیقتنصه، و البثّ و النجىّ من الهمّ الحال الّتی یجدها الإنسان عند و هم الموت من الوسواس و التخیّلات و الغموم و الأحزان الّتی عند و هم الموت من الوسواس و التخیّلات و الغموم و الأحزان الّتی لم تکن تعرض له. و قوله: فتولّدت فیه فترات علل آنس ما کان بصحّته. و انتصاب آنس على الحال، و ما بمعنى الزمان، و کان تامّه، و بصحّته متعلّق بآنس: أى حال ما هو آنس زمان مدّه صحّته، و قیل: ما مصدریّه، و التقدیر آنس کونه على أحواله لصحّته. و قوله، فلم یطفى‏ء ببارد إلّا ثوّر حراره. إلى قوله: ذات داء. إشاره إلى لوازم العلاج عند سقوطه العلّه من المرض الحارّه و البارد المقاوم لها، و لیس العلاج بالبارد هو المثوّر للحراره و لا بالعکس لأنّ الدواء معین للطبیعه على مقاومه المرض فلا یکون مثوّرا له، و لکن ما کان مع ذلک العلاج و تلک الإعانه لغلب الحراره و البروده و یظهر بسبب ذلک: أى الدواء، و کذلک‏ قوله: و لا اعتدل بممازج لتلک الطبایع إلّا أمدّ منها کلّ ذات داء: أى و لا اعتدل المریض فی علاجه نفسه بما یمازج تلک الطبایع من الحراره و البروده و الرطوبه و الیبوسه إلّا کان مادّه لداء، و لیس مادّه على الحقیقه و لکن لمّا کان یغلب معه المرض على القوّه فکأنّه مادّه له فنسب إلیه و هى امور عرفیّه یقال کثیرا، و الکلام فیها على المتعارف. و قوله: حتّى فتر معلّله. غایه تلک اللوازم. و معلّله: طبیبه و ممرّضه. و خرس أهله عن جواب السائل: إشاره إلى سکوتهم عند السؤال من حاله، و ذلک أنّهم لا یخبرون عن عافیه لعدمها، و تکره نفوسهم الإخبار عنه بما هو علیه من الحال لشدّتها علیهم، فیکون شأنهم فی ذلک السکوت عن حاله المشبه للخرس فی جوابه. فذلک استعاره له. و قوله: و تنازعوا. إلى قوله: من قبله. إشاره إلى ما یتحاوره أهل المریض المشرف على الموت من أحواله و صوره بما العاده جاریه أن یقولوه. و قوله: فبینا هو کذلک. صفه حال الأخذ فی الموت المعتاد للناس. و قوله: إنّ للموت. إلى آخره. تلک الغمرات و کونها، أفظع من أن یحیط بها وصف الإنسان أو یستقیم شرحها على الإنسان کما یخبر علیه السّلام. و یعلم ذلک على سبیل الجمله و بالحدس و القیاس إلى الأمراض الصعبه الّتی یمارسها الناس و یشتدّ علیهم فیعرف عند مقاساتها و معاناه شدایدها. و کان صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول فی سکرات موته: الّلهمّ أعنّى على سکرات الموت. و ما یستعین علیه الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم مع کمال اتّصاله بالعالم الأعلى فلا شکّ فی شدّته. و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۵۶

بازدیدها: ۴

خطبه ۲۰۷ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام خطبها بصفین
أَمَّا بَعْدُ- فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِی عَلَیْکُمْ حَقّاً بِوِلَایَهِ أَمْرِکُمْ- وَ لَکُمْ عَلَیَّ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِی لِی عَلَیْکُمْ- فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الْأَشْیَاءِ فِی التَّوَاصُفِ- وَ أَضْیَقُهَا فِی التَّنَاصُفِ- لَا یَجْرِی لِأَحَدٍ إِلَّا جَرَى عَلَیْهِ- وَ لَا یَجْرِی عَلَیْهِ إِلَّا جَرَى لَهُ- وَ لَوْ کَانَ لِأَحَدٍ أَنْ یَجْرِیَ لَهُ وَ لَا یَجْرِیَ عَلَیْهِ- لَکَانَ ذَلِکَ خَالِصاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ- لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ- وَ لِعَدْلِهِ فِی کُلِّ مَا جَرَتْ عَلَیْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ- وَ لَکِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ یُطِیعُوهُ- وَ جَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَیْهِ مُضَاعَفَهَ الثَّوَابِ- تَفَضُّلًا مِنْهُ وَ تَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِیدِ أَهْلُهُ ثُمَّ جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً- افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ- فَجَعَلَهَا تَتَکَافَأُ فِی وُجُوهِهَا- وَ یُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً- وَ لَا یُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ- . وَ أَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْکَ الْحُقُوقِ- حَقُّ الْوَالِی عَلَى الرَّعِیَّهِ وَ حَقُّ الرَّعِیَّهِ عَلَى الْوَالِی- فَرِیضَهٌ فَرَضَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِکُلٍّ عَلَى کُلٍّ- فَجَعَلَهَا نِظَاماً لِأُلْفَتِهِمْ وَ عِزّاً لِدِینِهِمْ- فَلَیْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِیَّهُ إِلَّا بِصَلَاحِ الْوُلَاهِ- وَ لَا تَصْلُحُ الْوُلَاهُ إِلَّا بِاسْتِقَامَهِ الرَّعِیَّهِ- فَإِذَا أَدَّتْ الرَّعِیَّهُ إِلَى الْوَالِی‏ حَقَّهُ- وَ أَدَّى الْوَالِی إِلَیْهَا حَقَّهَا- عَزَّ الْحَقُّ بَیْنَهُمْ وَ قَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّینِ- وَ اعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ وَ جَرَتْ عَلَى أَذْلَالِهَا السُّنَنُ- فَصَلَحَ بِذَلِکَ الزَّمَانُ- وَ طُمِعَ فِی بَقَاءِ الدَّوْلَهِ وَ یَئِسَتْ مَطَامِعُ الْأَعْدَاءِ- . وَ إِذَا غَلَبَتِ الرَّعِیَّهُ وَالِیَهَا- أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِی بِرَعِیَّتِهِ- اخْتَلَفَتْ هُنَالِکَ الْکَلِمَهُ- وَ ظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ وَ کَثُرَ الْإِدْغَالُ فِی الدِّینِ- وَ تُرِکَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ فَعُمِلَ بِالْهَوَى- وَ عُطِّلَتِ الْأَحْکَامُ وَ کَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ- فَلَا یُسْتَوْحَشُ لِعَظِیمِ حَقٍّ عُطِّلَ- وَ لَا لِعَظِیمِ بَاطِلٍ فُعِلَ- فَهُنَالِکَ تَذِلُّ الْأَبْرَارُ وَ تَعِزُّ الْأَشْرَارُ- وَ تَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللَّهِ عِنْدَ الْعِبَادِ- . فَعَلَیْکُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِی ذَلِکَ وَ حُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَیْهِ- فَلَیْسَ أَحَدٌ وَ إِنِ اشْتَدَّ عَلَى رِضَا اللَّهِ حِرْصُهُ- وَ طَالَ فِی الْعَمَلِ اجْتِهَادُهُ- بِبَالِغٍ حَقِیقَهَ مَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَهِ لَهُ- وَ لَکِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ- النَّصِیحَهُ بِمَبْلَغِ جُهْدِهِمْ- وَ التَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَهِ الْحَقِّ بَیْنَهُمْ- وَ لَیْسَ امْرُؤٌ وَ إِنْ عَظُمَتْ فِی الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ- وَ تَقَدَّمَتْ فِی الدِّینِ فَضِیلَتُهُ- بِفَوْقِ أَنْ یُعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ اللَّهُ مِنْ حَقِّهِ- وَ لَا امْرُؤٌ وَ إِنْ صَغَّرَتْهُ النُّفُوسُ- وَ اقْتَحَمَتْهُ الْعُیُونُ- بِدُونِ أَنْ یُعِینَ عَلَى ذَلِکَ أَوْ یُعَانَ عَلَیْهِ فَأَجَابَهُ ع رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ- بِکَلَامٍ طَوِیلٍ یُکْثِرُ فِیهِ الثَّنَاءَ عَلَیْهِ-

وَ یَذْکُرُ سَمْعَهُ وَ طَاعَتَهُ لَهُ فَقَالَ ع إِنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ عَظُمَ جَلَالُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِی نَفْسِهِ- وَ جَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ- أَنْ یَصْغُرَ عِنْدَهُ لِعِظَمِ ذَلِکَ کُلُّ مَا سِوَاهُ- وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ کَانَ کَذَلِکَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعْمَهُ اللَّهِ عَلَیْهِ- وَ لَطُفَ إِحْسَانُهُ إِلَیْهِ فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَهُ اللَّهِ عَلَى أَحَدٍ- إِلَّا ازْدَادَ حَقُّ اللَّهِ عَلَیْهِ عِظَماً- وَ إِنَّ مِنْ أَسْخَفِ حَالَاتِ الْوُلَاهِ عِنْدَ صَالِحِ النَّاسِ- أَنْ یُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ- وَ یُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْکِبْرِ- وَ قَدْ کَرِهْتُ أَنْ یَکُونَ جَالَ فِی ظَنِّکُمْ أَنِّی أُحِبُّ الْإِطْرَاءَ- وَ اسْتِمَاعَ الثَّنَاءِ وَ لَسْتُ بِحَمْدِ اللَّهِ کَذَلِکَ- وَ لَوْ کُنْتُ أُحِبُّ أَنْ یُقَالَ ذَلِکَ- لَتَرَکْتُهُ انْحِطَاطاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ- عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْعَظَمَهِ وَ الْکِبْرِیَاءِ- وَ رُبَّمَا اسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّنَاءَ بَعْدَ الْبَلَاءِ- فَلَا تُثْنُوا عَلَیَّ بِجَمِیلِ ثَنَاءٍ- لِإِخْرَاجِی نَفْسِی إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ إِلَیْکُمْ مِنَ التَّقِیَّهِ- فِی حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا وَ فَرَائِضَ لَا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا- فَلَا تُکَلِّمُونِی بِمَا تُکَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَهُ- وَ لَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّی بِمَا یُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَهِ- وَ لَا تُخَالِطُونِی بِالْمُصَانَعَهِ وَ لَا تَظُنُّوا بِی اسْتِثْقَالًا فِی حَقٍّ قِیلَ لِی- وَ لَا الْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِی- فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ یُقَالَ لَهُ- أَوِ الْعَدْلَ أَنْ یُعْرَضَ عَلَیْهِ کَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَیْهِ- فَلَا تَکُفُّوا عَنْ مَقَالَهٍ بِحَقٍّ أَوْ مَشُورَهٍ بِعَدْلٍ- فَإِنِّی لَسْتُ فِی نَفْسِی بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ- وَ لَا آمَنُ ذَلِکَ مِنْ فِعْلِی- إِلَّا أَنْ یَکْفِیَ اللَّهُ مِنْ نَفْسِی مَا هُوَ أَمْلَکُ بِهِ مِنِّی- فَإِنَّمَا أَنَا وَ أَنْتُمْ عَبِیدٌ مَمْلُوکُونَ لِرَبٍّ لَا رَبَّ غَیْرُهُ- یَمْلِکُ مِنَّا مَا لَا نَمْلِکُ مِنْ أَنْفُسِنَا- وَ أَخْرَجَنَا مِمَّا کُنَّا فِیهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَیْهِ- فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلَالَهِ بِالْهُدَى وَ أَعْطَانَا الْبَصِیرَهَ بَعْدَ الْعَمَى

اللغه
أقول: أذلالها: وجوهها و طرقها.

و أجحف بهم: ذهب بأصلهم.

و الإدغال: الإفساد.

و اقتحمته: دخلت فیه بالاحتقاد و الازدراد.

و أسخف: أضعف و أصغر.

و البادره: الحدّه.

و غرض الفصل جمع کلمتهم و اتّفاقهم على أوامره
فأشار أوّلا إلى أنّ لکلّ منه و منهم على الآخر حقّ یجب أن یخرج إلیه منه
فحقّه علیهم هو حقّ ولایته لأمرهم، و حقّهم علیه حقّ الرعیّه على الوالى، و هو مثله فی وجوب مراعاته و فی استلزامه اللوازم الّتی سیذکرها. و قوله: فالحقّ أوسع. إلى قوله: قضائه. تقریر لوجوب حقّه علیهم، و کالتوبیخ لهم على قلّه الإنصاف فیه. و معناه أنّه إذا أخذ الناس فی وصف الحقّ و بیانه کان له فی ذلک مجال واسع لسهولته على ألسنتهم، و إذا حضر الناصف بینهم و طلب منهم ضاق علیهم المجال لشدّه العمل بالحقّ و صعوبه الانصاف لاستلزامه ترک بعض المطالب المحبوبه لهم، و إطلاق السعه و الضیق على الحقّ استعاره ملاحظه لتشبیه ما یتوهّم فیه من اتّساعه للقول و ضیقه عن العمل بالمکان الّذی یتّسع لشی‏ء أو یضیق عمّا هو أعظم منه. و قوله: لا یجرى لأحد إلّا جرى علیه. تقریر للحقّ علیهم و توطین لنفوسهم علیه، و لا یجرى علیه إلّا جرى له تسکین لنفوسهم بذکر الحقّ لهم. ثمّ أعاد تقریر الحقّ علیهم بحجّه فی صوره متّصله، و هى لو کان لأحد أن یجرى له الحقّ و لا یجرى علیه لکان اللّه تعالى هو الأولى بخلوص ذلک له دون خلقه. ثمّ بیّن الملازمه بقوله: لقدرته. إلى قوله: صروف قضائه: أى لکونه قادرا على عباده و على الانتصاف منهم مع کونه لا یستحقّ علیه شی‏ء لهم لعدله فیهم فی کلّ ما جرت به مقادیره الّتی هى صروف قضائه فکان أولى بخلوص ذلک دونهم، و بیّن استثناء نقیض التالى باستثناء ملزومه و هو قوله: و لکنّه تعالى جعل. إلى قوله: أهله، و معناه لکنّه تعالى جعل لنفسه على عباده حقّا هو طاعتهم له لیثبت لهم بذلک حقّا یکون جزاء طاعتهم له فقد ثبت أنّه لم یخلص ذلک للّه تعالى بل کما أوجب على عباده حقّا له أوجب لهم على نفسه بذلک حقّا. فإذن لا یجرى لأحد حقّ إلّا جرى علیه و هو نقیض المقدّم، و فی قوله: مضاعفه الثواب. إلى قوله: أهله تنبیه لهم على أنّ الحقّ الّذی أوجبه على نفسه أعظم ممّا أوجب لها مع أنّه لیس بحقّ وجب علیه بل بفضل منه علیهم ممّا هو أهله من مزید النعمه لیتخلّقوا بأخلاق اللّه فی أداء ما وجب علیهم من الحقّ بأفضل وجوهه و یقابلوا ذلک التفضّل بمزید الشکر، و تلک المضاعفه کما فی قوله تعالى مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَهِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها«» و نحوه. و قوله: ثمّ جعل سبحانه. إلى قوله: ببعض. کالمقدّمه لما یرید أن ینبّه من کون حقّه علیهم واجبا من قبل اللّه تعالى و هو حقّ من حقوقه لیکون أدعى لهم إلى أدائه. و بیّن فیها أنّ حقوق الخلق بعضهم على بعض من حقّ اللّه تعالى من حیث إنّ حقّه على عباده هو الطاعه، و أداء تلک الحقوق طاعات للّه کحقّ الوالد على ولده و بالعکس، و حقّ الزوج على الزوجه، و حقّ الوالى على الرعیّه و بالعکس. و قوله: فجعلها تتکافأ فی وجوهها. أى جعل کلّ وجه من تلک الحقوق مقابلا لمثله فحقّ الوالى و هو الطاعه من الرعیّه مقابل لمثله منه و هو العدل فیهم و حسن السیره، و لا یستوجب کلّ من‏ الحقّین إلّا بالآخر. ثمّ قال: و أعظم ما افترض اللّه من تلک الحقوق حقّ الوالى على الرعیّه و حقّ الرعیّه على الوالى لأنّ هذین الحقّین أمرین کلّیّین تدور علیها أکثر المصالح فی المعاش و المعاد، و أکّد ذلک بقوله: فریضه فرضها اللّه سبحانه لکلّ على کلّ: أى ذلک فریضه.

و قوله: فجعلها نظاما. إلى قوله: عند العباد.
إشاره إلى لوازم حقّ الوالى على الرعیّه و حقّ الرعیّه على الوالى:
(ا) إنّ اللّه تعالى جعل تلک الحقوق سببا لالفتهم إن أدّى کلّ إلى کلّ حقّه، و قد بیّنا فیما سلف غیر مرّه أنّ الفتهم من أعزّ مطالب الشارع، و أنّها مطلوبه من اجتماع الخلق على الصلاه فی المساجد: فی کلّ یوم خمس مرّات، و فی کلّ اسبوع مرّه فی الجمعه، و فی کلّ سنه مرّتین فی الأعیاد. و التناصف و الاجتماع فی طاعه الإمام العادل من موجبات الانس و الالفه و المحبّه فی اللّه حتّى یکون الناس کلّهم کرجل واحد عالم بما یصلحه و متّبع له و بما یفسده و مجتنب عنه. (ب) أنّه جعل تلک الحقوق عزّا لدینهم، و ظاهر أنّ الاجتماع إذا کان سببا للالفه و المحبّه کان سببا عظیما للقوّه و لقهر الأعداء و إعزاز الدین. ثمّ أکّد القول فی أنّ صلاح الرعیّه منوط بصلاح الولاه، و هو أمر قد شهدت به العقول و توافقت علیه الآراء الحقّه، و إلیه أشار القائل: تهدى الرعیّه ما استقام الرئیس.

و قول الآخر:
تهدى الامور بأهل الرأی ما صلحت فإن تولّت فبا لأشرار تنقاد

و کذلک صلاح حال الولاه منوط بصلاح الرعیّه و استقامتهم فی طاعتهم، و فساد أحوالهم بعصیانهم و مخالفتهم. فإذا أدّى کلّ من الوالى و الرعیّه الحقّ إلى صاحبه عزّ الحقّ بینهم و لم یکن له مخالف. (ج) من لوازم ذلک قیام مناهج الدین و طرقه بالاستقامه على قوانینه و العمل بها.

(د) و اعتدال معالم العدل و مظانّه بحیث لاجور فیها.

(ه) و جریان السنن على وجوهها و مسالکها بحیث لا تحریف فیها.

(و) صلاح الزمان بذلک. و نسبه الصلاح إلیه مجاز. إذ الصلاح فی الحقیقه یعود إلى حال أهل الزمان و انتظام امورهم فی معاشهم و معادهم، و إنّما یوصف بالصلاح و الفساد باعتبار وقوعهما فیه و کونه من الأسباب المعدّه لهما.

(ز) من لوازم ذلک الطمع فی بقاء الدوله و یأس مطامع الأعداء فی فسادها و هدمها. و قوله: فإذا غلبت. إلى قوله: عند العباد. إشاره إلى ما یلزم عصیان الرعیّه للإمام أو حیفه هو علیهم و إجحافه بهم فی الفساد: (ا) اختلاف الکلمه، و کنّى به عن اختلاف الآراء و التفرّق بسببه. (ب) ظهور معالم الجور و علاماته، و هو ظاهر لعدم العدل بعدم أسبابه. (ج) کثره الفساد فی الدین، و ذلک لتبدّد الأهواء و تفّرقها عن رأى الإمام العادل الجامع لها، و أخذ کلّ فیما یشتهیه ممّا هو مفسد للدین و مخالف له. (د) ترک محاجّ السنن و طرقها. فمن الإمام لجوره، و من الرعیّه لتبدّد نظام آرائها. (ه) العمل بالهوى. و علّته ما مرّ. (و) تعطیل الأحکام الشرعیّه، و هو لازم للعمل بالهوى. (ز) و کثره علل النفوس، و عللها أمراضها بملکات السوء کالغلّ و الحسد و العداوات و العجب و الکبر و نحوها، و قیل: عللها وجوه ارتکابها للمنکرات فیأتى فی کلّ منکر بوجه و علّه و رأى فاسد. (ح) فلا یستوحش بعظیم حقّ عطّل، و ذلک للانس بتعطیله، و لا بعظیم باطل فعل، و ذلک لاعتیاده و الاتّفاق علیه و کونه مقتضى الأهویه. (ط) فهنالک تذلّ الأبرار لذلّه الحقّ المعطّل الّذی هم أهله و کان غیرهم بغیره.(ى) و تعزّ الأشرار لعزّه الباطل الّذی هم علیه بعد ذلّهم بعزّه الحقّ. (یا) و تعظم تبعات اللّه على العباد: أى عقوباته بسبب خروجهم عن طاعته. و لمّا بیّن لوازم طاعته و عصیانه قال: فعلیکم بالتناصح فی ذلک: أى فی ذلک الحقّ، و حسن التعاون علیه.

و قوله: فلیس أحد. إلى قوله: من الطاعه له. تأکید لأمره بالمبالغه فی طاعه اللّه: أى قلیل من الناس یبلغ بطاعته للّه تعالى ما هو أهله منها و إن اشتدّ حرصه على إرضائها بالعمل و طال فیه اجتهاده، و لکن على العباد من ذلک مبلغ جهدهم فی النصیحه و التعاون على إقامه حقّ اللّه بینهم بقدر الإمکان لا بقدر ما یستحقّه هو تعالى فإنّ ذلک غیر ممکن. و قوله: و لیس امرؤ و إن عظمت. إلى قوله: حمّله اللّه تعالى من حقّه. أى أنّه و إن بلغ المرء أىّ درجه کانت من طاعه اللّه فهو محتاج إلى أن یعان علیها، و لیس هو بأرفع من أن یعان على ما حمّله اللّه منها، و ذلک أنّ تکلیف اللّه تعالى بطاعته بحسب وسع المکلّف، و الوسع فی بعض العبادات قد یکون مشروطا بمعونه الغیر فیها فلا یستغنى أحد منها. و قوله: و لا امرء و إن صغّرته النفوس. إلى قوله: أو یعان علیه.
إشاره إلى أنّه لا ینبغی أن یزدرى أحد عن الاستعانه فی طاعه اللّه أو أن یعان علیها
فإنّه و إن احتقرته النفوس فلیس بدون أن یعین على طاعه اللّه و أداء حقّه و لو بقبول الصدقات و نحوها أو تعاونوا علیها بإعطاء ما یسدّ خلّتهم أو یدفع عنهم ضررا کالجاه، و لفظ الاقتحام استعاره، و وجهها أنّ الّذی تحتقره النفوس تجبّرا علیه و تعبره العیون عبور الاحتقار فکأنّها قد اقتحمته. و غرض هذا الکلام الحثّ على استعانه بعض ببعض و على الالفه و الاتّحاد فی‏ الدین، و أن لا یزدرى فقیر لفقره و لا ضعیف لضعفه، و أن لا یستغنى غنىّ عن فقیر فلا یلتفت إلیه و لا قوىّ عن ضعیف فیحتقره بل أن یکون الکلّ کنفس واحده. و أمّا قوله لمن أکثر علیه الثناء فحاصله التأدیب على الإطراء أو النهى عن الغلوّ فی الثناء على الإنسان فی وجهه‏ بالفضائل و إن کانت حقّه، و سرّه أنّ ذلک یستلزم فی کثیر من الناس الکبر و العجب بالنفس و العمل.

فقوله: إنّ من حقّ من عظم. إلى قوله: إحسانه إلیه. مقدّمه فی الجواب بیّن فیها أنّ من عظمت نعمه اللّه علیه و لطف إحسانه إلیه فحقّه أن یصغر عنده کلّ ما سواه بقیاس من الشکل الأوّل، و تقدیر صغراه أنّ من عظمت نعم اللّه علیه و لطف إحسانه إلیه فهو أحقّ الناس بتعظیم جلال اللّه فی نفسه و إجلال موضعه من قلبه، و تقدیر کبراه و کلّ من کان أحقّ بذلک فمن حقّه أن یصغر کلّ ما سواه عنده، و دلّ على الکبرى بقوله: لعظم ذلک: أى لعظم جلال اللّه فی قلبه یجب أن یصغر عنده کلّ شی‏ء سواه، و هذه المقدّمه و إن کانت عامّه إلّا أنّ الإشاره الحاضره بها إلى نفسه، و ذلک أنّ أعظم نعمه اللّه فی الدنیا خلافه المسلمین، و فی الآخره ما هو علیه من الکمالات النفسانیّه فکان أحقّ الناس بتعظیم جلال اللّه فی نفسه، و کان بذلک من حقّه أن یصغر کلّ ما سوى اللّه فی قلبه. ثمّ قال: و من أسخف حالات الولات. إلى قوله: و الکبریاء. فکأنّه قال: و من کان من حقّه أن یصغر کلّ ما سوى اللّه فی قلبه فکیف یلیق به أن یحبّ الفخر أو یصنع أمره على الکبر الذین لا یلیقان إلّا بعظمه اللّه، أو یظنّ به ذلک و یعامل بما یعامل به الجبابره من الخطاب به، و صرّح بأنّ المراد نفسه فی قوله: و قد کرهت، إلى آخره. و قوله: و لو کنت احبّ أن یقال فیّ ذلک. یجرى مجرى تسلیم الجدل: أى وهب إنّى احبّ أن یقال ذلک فیّ باعتبار ما فیه اللذّه لکنّى لو کنت کذلک لترکته باعتبار آخر، و هو الانحطاط و التصاغر عن تناول ما هو اللّه أحقّ به من العظمه و الکبریاء، و نبّه فی ذلک على أنّ الإطراء یستلزم التکبّر و التعظیم فکان ترکه له و کراهته لکونه مستلزما لهما. و قوله: و ربّما استحلى الناس الثناء بعد البلاء. یجرى مجرى تمهید العذر لمن أثنى علیه فکأنّه یقول: و أنت معذور فی‏ ذلک حیث رأیتنى اجاهد فی اللّه و أحثّ الناس على ذلک، و من عاده الناس أن یستحلوا الثناء عند أن یبلوا بلاء حسنا فی جهاد أو غیره من سایر الطاعات. ثمّ أجاب عن هذا العذر فی نفسه بقوله: فلا تثنوا علىّ بجمیل ثناء، إلى قوله: من إمضائها، و أراد فلا تثنوا علىّ لأجل ما ترونه منّى من طاعه اللّه فإنّ ذلک إنّما هو إخراج لنفسى إلى اللّه من الحقوق الباقیه علىّ لم أفرغ بعد من أدائها و هى حقوق نعمه، و من فرائضه الّتی لا بدّ من المضى فیها، و کذلک إلیکم من الحقوق الّتی أوجبها اللّه علىّ لکم من النصیحه فی الدین و الارشاد إلى الطریق الأقصد و التعلیم لکیفیّه سلوکه، و فی خطّ الرضى- رحمه اللّه- من التقیّه بالتاء، و المعنى فإنّ الّذی أفعله من طاعه اللّه إنّما هو إخراج لنفسى إلى اللّه و إلیکم من تقیّه الحقّ فیما یجب علىّ من الحقوق إذ کان علیه السّلام إنّما یعبد اللّه للّه غیر ملتفت فی شی‏ء من عبادته و أداء واجب حقّه إلى أحد سواء خوفا منه أو رغبه إلیه، و کأنّه قال: لم أفعل شیئا إلّا و هو ذا حقّ وجب علىّ و إذا کان کذلک فکیف أستحقّ أن یثنى علىّ لأجله بثناء جمیل و اقابل بهذا التعظیم، و هو من باب التواضع للّه و تعلیم کیفیّته و کسر النفس عن محبّه الباطل و المیل إلیه.

و قوله: فلا تکلّمونى. إلى قوله: بعدل.
إرشاد لهم إلى ما ینبغی أن یکونوا علیه من السیره عنده و نهاهم من امور:
(ا) أن لا یکلّموه بکلام الجبابره لما فیه من إغراء النفس، و لأنّه علیه السّلام لیس بجبّار فیکون ذلک منهم وصفا للشی‏ء فی غیر موضعه. (ب) أن لا یتحفّظوا منه بما یتحفّظ به عند أهل البادره و سرعه الغضب من الملوک و غیرهم، و ذلک التحفّظ کتکلّف ترک المساوره و الحدیث إجلالا و خوفا منه أو کترک مشاورته أو إعلامه ببعض الامور أو کالقیام بین یدیه فإنّ ذلک التحفّظ قد یفوت به مصالح کثیره، و لأنّه ممّا یغرى النفس بحبّ الفخر و العجب، و لأنّه وضع للشی‏ء فی غیر موضعه. (ج) أن لا تخالطوه بالمصانعه و النفاق لما فیه من فساد الدین و الدنیا.(د) أن لا یظنّوا به استثقالا لحقّ یقال له و إن کان فیه مراره، و استعار لفظ المرار لشدّه الحقّ و صعوبته فإنّ عدله علیه السّلام و ما یستلزمه من قبول الحقّ کیف کان یرشد إلى أن لا یظنّوا به أنّه یلتمس الإعظام لنفسه، و ذلک لمعرفته بمن هو أهله دونه و هو اللّه تعالى. و قوله: فإنّه من استثقل. إلى قوله: أثقل. قیاس ضمیر من الشکل الثانی بیّن فیه أنّه لا یستثقل قول الحقّ له و عرض العدل علیه لیزول ظنّ من ظنّ ذلک به، و المذکور هو صغرى القیاس و تلخیصها أنّ من استثقل قول الحقّ له و عرض العدل علیه کان العمل الحقّ و العدل علیه ثقیلا بطریق أولى، و تقدیر الکبرى و لا شی‏ء من العمل بهما بثقیل علىّ أمّا الصغرى فظاهره لأنّ تکلّف فعل الحقّ أصعب على النفس من سماع وصفه، و أمّا الکبرى فلأنّه علیه السّلام یعمل بهما من غیر تکلّف و استثقال کما هو المعلوم من حاله فینتج أنّه لا شی‏ء من قول الحقّ له و عرض العدل علیه بثقیل. (ه) أن لا یکفّوا عن قول حقّ و مشوره بعدل لما فی الکفّ عن ذلک من المفسده.
و قوله: فإنّى لست. إلى قوله: منّى. من قبیل التواضع الباعث لهم على الانبساط معه بقول الحقّ، و فی قوله: إلّا أن یکفى اللّه من نفسى: أى من نفسى الأمّاره بالسوء ما هو أقوى منّى على دفعه و کفایته من شرورها، و هو إسناد العصمه إلى اللّه تعالى. و قوله: فإنّما أنا و أنتم. إلى آخر. تأدیب فی الانقیاد للّه و تذلیل لعظمته، و ظاهر کونه تعالى یملک من أنفسنا و میولها و خواطرها. إذ الکلّ منه و هو مبدء فیضه و الاستعداد له. و قوله: و أخرجنا ممّا کنّا فیه.
أى من الضلاله فی الجاهلیّه و عمى الجهل فیها عن إدراک الحقّ و سلوک‏ سبیل اللّه إلى ما صلحنا علیه: أى من الهدى بسبیل اللّه و البصیره لما ینبغی من مصالح الدارین، و ذلک ببعثه الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و ظهور نور النبوّه عنه.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۳۸

بازدیدها: ۳

خطبه ۲۰۶ شرح ابن میثم بحرانی

و من دعائه له علیه السّلام
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی لَمْ یُصْبِحْ بِی مَیِّتاً وَ لَا سَقِیماً- وَ لَا مَضْرُوباً عَلَى عُرُوقِی بِسُوءٍ- وَ لَا مَأْخُوذاً بِأَسْوَإِ عَمَلِی وَ لَا مَقْطُوعاً دَابِرِی- وَ لَا مُرْتَدّاً عَنْ دِینِی وَ لَا مُنْکِراً لِرَبِّی- وَ لَا مُسْتَوْحِشاً مِنْ إِیمَانِی وَ لَا مُلْتَبِساً عَقْلِی- وَ لَا مُعَذَّباً بِعَذَابِ الْأُمَمِ مِنْ قَبْلِی- أَصْبَحْتُ عَبْداً مَمْلُوکاً ظَالِماً لِنَفْسِی- لَکَ الْحُجَّهُ عَلَیَّ وَ لَا حُجَّهَ لِی- وَ لَا أَسْتَطِیعُ أَنْ آخُذَ إِلَّا مَا أَعْطَیْتَنِی- وَ لَا أَتَّقِیَ إِلَّا مَا وَقَیْتَنِی- اللَّهُمَّ إِنِّی أَعُوذُ بِکَ أَنْ أَفْتَقِرَ فِی غِنَاکَ- أَوْ أَضِلَّ فِی هُدَاکَ أَوْ أُضَامَ فِی سُلْطَانِکَ- أَوْ أُضْطَهَدَ وَ الْأَمْرُ لَکَ- اللَّهُمَّ اجْعَلْ نَفْسِی أَوَّلَ کَرِیمَهٍ تَنْتَزِعُهَا مِنْ کَرَائِمِی- وَ أَوَّلَ وَدِیعَهٍ تَرْتَجِعُهَا مِنْ وَدَائِعِ نِعَمِکَ عِنْدِی- اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِکَ أَنْ نَذْهَبَ عَنْ قَوْلِکَ- أَوْ أَنْ نُفْتَتَنَ عَنْ دِینِکَ- أَوْ تَتَابَعَ بِنَا أَهْوَاؤُنَا دُونَ الْهُدَى الَّذِی جَاءَ مِنْ عِنْدِکَ

اللغه
أقول: الدابر: بقیّه الرجل و ولده و نسله.

و الدابر: الظهر.

و الالتباس: الاختلاط.

و اضطهد: أظلم.

و التتابع: التهافت فی الشرّ و إلقاء النفس فیه.

المعنى
و قد حمد اللّه تعالى باعتبار ضروب من النعم اعترف بها و عدّ منها عشره: و هى الحیاه، و الصحّه، و السلامه من آفات العروق و أمراضها. و من الأخذ بالجریمه.

و قطع النسل، و یحتمل أن یرید بالدابر الظهر، و کنّى بالقطع عن الرمى بالدواهى العظیمه الّتی من شأنها قصم الظهر و قطع القوّ. ثمّ عن الارتداد. ثمّ عن جحود ربوبیّه اللّه. ثمّ عن الاستیحاش من الإیمان استثقاله و النفره عنه. ثمّ من اختلاط العقل.
ثمّ من التعذیب بعذاب الامم السالفه بالصواعق و الخسف و نحوها. و عقّب ذلک الحمد بالإقرار على نفسه و صفات الخضوع و الذلّه المستلزمه لاستنزال الرحمه و عدّ منها خمسه: و هى کونه عبدا مملوکا للّه تعالى. ثمّ کونه ظالما لنفسه. ثمّ کونه معترفا بحجّه اللّه علیه مقطوع الحجّه فی نفسه. ثمّ کونه معترفا بعدم استطاعه أن یأخذ إلّا ما قسّم اللّه له و سبّب له الوصول إلیه، و أنّه لا یقدر أن یتّقى من المضارّ إلّا ما وقاه اللّه إیّاه. ثمّ لمّا أعدّ نفسه بهذه الإقرارات بقبول الرحمه من اللّه استعاذ به من اموره: و هى أن یفتقر فی غناه تعالى: أى أن یفتقر مع أنّه الغنىّ المطلق، و أن یضلّ فی هداه: أى مع أنّ له الهدى الّذی لا اختلال معه، و أن یظلم فی سلطانه: أى مع أنّ له السلطان الظاهر، و أن یضطهد و له الأمر القاهر. ثمّ سأله أن یجعل نفسه أوّل کریمه ینتزعها من کرائمه. و أراد بکرائمه قواه النفسانیّه و البدنیّه و أعضاه، و غرض السؤال تمتّعه بجمیعها سلیمه من الآفات إلى حین الممات فتکون نفسه أوّل منتزع من کرائمه قبل أن یفقد شی‏ء منها. و نحوه قول الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: الّلهمّ متّعنى بسمعى و بصرى و اجعلهما الوارث منى: أى اجعلهما باقیین صحیحین إلى حین وفاتى. و استعار لفظ الودیعه للنفس باعتبار أنّها فی معرض الاسترجاع کالودیعه. ثمّ استعاذ به من الذهاب عن قوله تعالى: و الافتنان عن دینه. و قد روى الرضى- رضوان اللّه علیه- یفتتن بالبناء للفاعل على أن یکون الفتنه من النفس الأمّاره. و روى و یفتتن بالبناء للمفعول فیکون المستعار منه الفتنه بالغیر. ثمّ من الانخراط فی سلک الأهواء و تتابعها به فی مرامى الشقاوه دون الهدى الّذی جاءت به الکتب الإلهیّه من عند اللّه. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم‏بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۳۷

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۲۰۵ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام
وَ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ عَدَلَ وَ حَکَمٌ فَصَلَ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ سَیِّدُ عِبَادِهِ- کُلَّمَا نَسَخَ اللَّهُ الْخَلْقَ فِرْقَتَیْنِ جَعَلَهُ فِی خَیْرِهِمَا- لَمْ یُسْهِمْ فِیهِ عَاهِرٌ وَ لَا ضَرَبَ فِیهِ فَاجِرٌ- أَلَا وَ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ لِلْخَیْرِ أَهْلًا- وَ لِلْحَقِّ دَعَائِمَ وَ لِلطَّاعَهِ- عِصَماً- وَ إِنَ‏ لَکُمْ عِنْدَ کُلِّ طَاعَهٍ عَوْناً مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ- یَقُولُ عَلَى الْأَلْسِنَهِ وَ یُثَبِّتُ الْأَفْئِدَهَ- فِیهِ کِفَاءٌ لِمُکْتَفٍ وَ شِفَاءٌ لِمُشْتَفٍ وَ اعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُسْتَحْفَظِینَ عِلْمَهُ- یَصُونُونَ مَصُونَهُ وَ یُفَجِّرُونَ عُیُونَهُ- یَتَوَاصَلُونَ بِالْوِلَایَهِ- وَ یَتَلَاقَوْنَ بِالْمَحَبَّهِ وَ یَتَسَاقَوْنَ بِکَأْسٍ رَوِیَّهٍ- وَ یَصْدُرُونَ بِرِیَّهٍ لَا تَشُوبُهُمُ الرِّیبَهُ- وَ لَا تُسْرِعُ فِیهِمُ الْغِیبَهُ- عَلَى ذَلِکَ عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَ أَخْلَاقَهُمْ- فَعَلَیْهِ یَتَحَابُّونَ وَ بِهِ یَتَوَاصَلُونَ- فَکَانُوا کَتَفَاضُلِ الْبَذْرِ یُنْتَقَى فَیُؤْخَذُ مِنْهُ وَ یُلْقَى- قَدْ مَیَّزَهُ التَّخْلِیصُ وَ هَذَّبَهُ التَّمْحِیصُ فَلْیَقْبَلِ امْرُؤٌ کَرَامَهً بِقَبُولِهَا- وَ لْیَحْذَرْ قَارِعَهً قَبْلَ حُلُولِهَا- وَ لْیَنْظُرِ امْرُؤٌ فِی قَصِیرِ أَیَّامِهِ وَ قَلِیلِ مُقَامِهِ فِی مَنْزِلٍ- حَتَّى یَسْتَبْدِلَ بِهِ مَنْزِلًا- فَلْیَصْنَعْ لِمُتَحَوَّلِهِ وَ مَعَارِفِ مُنْتَقَلِهِ- فَطُوبَى لِذِی قَلْبٍ سَلِیمٍ- أَطَاعَ مَنْ یَهْدِیهِ وَ تَجَنَّبَ مَنْ یُرْدِیهِ- وَ أَصَابَ سَبِیلَ السَّلَامَهِ بِبَصَرِ مَنْ بَصَّرَهُ- وَ طَاعَهِ هَادٍ أَمَرَهُ وَ بَادَرَ الْهُدَى قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ أَبْوَابُهُ- وَ تُقْطَعَ أَسْبَابُهُ وَ اسْتَفْتَحَ التَّوْبَهَ وَ أَمَاطَ الْحَوْبَهَ- فَقَدْ أُقِیمَ عَلَى الطَّرِیقِ وَ هُدِیَ نَهْجَ السَّبِیلِ

اللغه

أقول: نسخ: أزال و غیّر.

و العاهر: الزانى و یصدق على الذکر و الانثى، و کذلک الفاجر.

و الکفاء: الکفایه و المکافاه.

و الریّه بالکسر: الفعله منه الری و هى الهیئه الّتی علیها المرتوى.

و الریبه الدغل و الغلّ.

و التمحیص: الابتلاء و الاختبار.

و القارعه: الشدیده من شدائد الدهر.

و یردیه: یوقعه فی الردى. 

وأماط: أزال.

و الحوبه: الإثم.

المعنى
و أطلق لفظ العدل على العادل مجازا إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه، و البارى تعالى عادل بالنظر إلى علمه و قضائه: أى لا یقضى فی ملکه بأمر إلّا و هو على وفق النظام الکلّىّ و الحکمه البالغه، و یدخل فی ذلک جمیع أقواله و أفعاله فإنّه لا یصدر منها شی‏ء إلّا و هو کذلک، و أمّا الجزئیّات المعدوده شرورا و صوره جور فی هذا العالم فإنّها إذا اعتبرت کانت شرورا بالنسبه و مع ذلک فهى من لوازم الخیر و العدل لا بدّ منها و لا یمکن أن یکون العدل و الخیر من دونها کما لا یمکن أن یکون الإنسان إنسانا إلّا و هو ذو شهوه و غضب تلزمها الفساد و الشرّ الجزئیّ، و لمّا کان الخیر أکثر و کان ترک الخیر الکثیر لأجل الشرّ القلیل شرّا کثیرا فی الجود و الحکمه وجب وجود تلک الشرور الجزئیّه لوجود ملزوماتها، و أشار بقوله: عدل إلى إیجاد العدل بالفعل، و بقوله فی وصف الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: سیّد عباده إلى قوله: أنا سیّد ولد آدم و لا فخر. و قوله: کلّما نسخ اللّه الخلق فرقتین. فنسخ الخلق قسمه کلّ قرن و فرقه إلى خیار و أشرار، و القسمه یغیّر للمقسوم و إزاله عن حال إتحاده. و قوله: جعله فی خیرهما. إشاره إلى ما روى عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال المطّلب بن أبى وداعه: قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: أنا محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب إنّ اللّه خلق الخلق فجعلنى فی خیرهم. ثمّ جعلهم فرقتین فجعلنى فی خیرهم. ثمّ جعلهم قبایل فجعلنى فی خیرهم.
ثمّ جعلهم بیوتا فجعلنى فی خیرهم فأنا خیرکم بیتا و خیرکم نفسا. و قوله: لم یسهم فیه عاهر، و لا ضرب فیه فاجر. أى لم یضرب فیه العاهر بسهم و لم یکن للفجور فی أصله شرکه یقال: ضرب فی کذا بنصیب إذا کان له فیه شرک، و هو إشاره إلى طهارته من قبل أصله عن الزنا کما روى عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لم یزل ینقلنی اللّه تعالى من أصلاب الطاهرین إلى أرحام‏ الطاهرات، و قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: لمّا خلق اللّه آدم أودع نورى فی جبینه فما زال ینقله من الآباء الأخایر إلى الامّهات الطواهر حتّى انتهى إلى عبد المطّلب، و قال صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: ولدت من نکاح لا من سفاح. و قوله: ألا و إنّ اللّه. إلى قوله: عصما. ترغیب للسامعین أن یکونوا أهل الجنّه و دعائم الحقّ و عصم الطاعه، و کذلک قوله: و إنّ لکم. إلى قوله: من اللّه. جذب لهم إلى طاعته بذکر العون منه و کأنّه عنّى بالعون القرآن الکریم. و قوله: یقول على الألسنه، و یثبّت الأفئده. تفصیل لوجوه العون منه تعالى، و عونه من جهه القول على الألسنه وعده المطیعین بالثواب العظیم على الطاعه، و مدحه لهم، و تبشیرهم بالجنّه و الرضوان منه على ألسنه الرسل فإنّ کلّ ذلک مقوّ على الطاعه و معین علیها، و أمّا تثبیت الأفئده فمن جهه الاستعداد لطاعه اللّه و استلاحه أنواره من کتابه العزیز و استکشاف أسراره کما قال تعالى أَلا بِذِکْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ«» و قوله کَذلِکَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَکَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِیلًا«» و إنّ فی القرآن الکریم من المواعظ و الزواجر المخوّفه ما یوجب الفزع إلى اللّه و تثبّت القلوب على طاعته للخلاص منها.
و قوله: فیه کفاء لمکتف. أى فی ذلک القول کفایه لطالبى الاکتفاء: أى من الکمالات النفسانیّه، و شفاء لمن طلب الشفاء من أمراض الرذائل الموبقه. ثمّ نبّه على عباد اللّه الصالحین و صفاتهم لیقتفوا آثارهم و یکونوا منهم فأعلمهم أنّهم هم الّذین استحفظهم علمه و أسرار خلقه.
فمن صفاتهم امور:

أحدها: أنّهم یصرفون ما وجب صرفه من غیر أهله، و لا یضعون أسراره إلّا فی أهله.

الثانی: یفجّرون عیونه، و لفظ العیون مستعار إمّا لمعادنه و هى أذهان‏ الأنبیاء و الأولیاء و أئمّه العلماء، و إمّا لاصوله الطیّبه و حملته الّتى علموها، و یکون لفظ التفجیر مستعار لإفادتها و تفریقها و تفصیلها.

الثالث: و یتواصلون بالولایه الّتی نصره بعضهم لبعض فی دین اللّه و إقامه ناموس شریعته.

الرابع: و یتلاقون بالمحبّه فیه الّتی هى مطلوب الشارع من شریعته حتّى یصیروا کنفس واحده. الخامس: و یتساقون بکأس رویّه. و استعار لفظ الکأس للعلم: أى تستفید بعضهم من بعض. و رشّح بذکر الرویّه، و أراد بها تمام الإفاده.

السادس: و یصدرون بریّه: أى یصدر کلّ منهم عن الآخر بفایده قد ملأت نفسه کمالا. و لفظ الریّه مستعار.
السابع: کونهم لا تشوبهم الریبه: أى لا یتداخل بعضهم شکّ فی بعض، و لا یهمّه بنفاق أو بسوء باطن له من غلّ أو حسد.

الثامن: و لا تسرع فیهم الغیبه. و إنّما نفى عنهم سرعه الغیبه لأنّ فیهم من لیس بمعصوم فلم یکن نفیها عنهم بالکلّیّه بل استبعد وقوعها منهم، و یحتمل أن یرید أنّهم لقلّه عیوبهم لا یکاد أحد یتسرّع فیهم بغیبه.

التاسع: کونهم على ذلک عقد اللّه خلقهم: أى على ذلک الوصف و الکمال قد خلقهم على وفق قضائه لهم بذلک و أوجدهم. فعلیه: أى فعلى ما عقد خلقهم علیه من الکمال یتحابّون، و به یتواصلون.

العاشر: کونهم فی ذلک کتفاضل البذر. أى فکانوا فی فضلهم بالقیاس إلى الناس کتفاضل البذر، و أشار إلى وجه الشبه بقوله: ینتقى. إلى قوله: التمحیص، و تقریره أنّهم خلاصه الناس و نقاوتهم الّذین صفاهم منهم و میّزهم عنهم تخلیص عنایه اللّه لهم بإفاضه رحمته و هدایته إلى طریقه، و خلّصهم ابتلاؤه و اختباره بأوامره.

و قوله: فلیقبل امرء کرامه بقبولها. إلى آخره. عود إلى النصیحه و الموعظه، و أراد کرامه اللّه بطاعته و ما استلزمه من‏ المواهب الجلیله، و أراد بقبولها قبولها الحقّ التامّ على الوجه الّذی ینبغی من مراعاه مصلحتها و مراقبتها عن آثار النفاق کما قال تعالى فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ«» و بالقارعه الّتی حذّر منها قبل حلولها قارعه الموت. ثمّ أمر أن یعتبر المرء قصر أیّام حیاته و قلّه مقامه فی منزل یستلزم الإقامه القلیله فیه هذه العنایه و هى أن یستبدل به منزلا آخر: أى یحلّ محلّ عبرته إقامته القصیره فی الدنیا المستلزمه لانتقاله منها إلى الآخره فإنّ فی تصوّره قلّه المقام فی هذا المنزل للعبور إلى منزل آخر عبره تامّه، و یحتمل أن تکون حتّى غایه من أمره بالنظر فی الاعتبار: أى فلینظر فی ذلک المنزل یستبدل به غیره، و إذا کان کذلک فینبغى أن یعمل لذلک المنزل المتحوّل إلیه، و لمعارف منتقله: أى لمواضع الّتی یعرف انتقاله إلیها. و طوبى فعلى من الطیب قلّبوا یاءها واو للضمّه قبلها، و قیل: هى اسم شجره فی الجنّه، و قلب سلیم: أى لم یتدنّس برذیله الجهل المرکّب و لا بنجاسات الأخلاق الردیئه، و من یهدیه إشاره إلى نفسه علیه السّلام و أئمّه الدین، و من یردیه فی مهاوى الهلاک المنافقون و أئمّه الضلاله، و إصابته لسبیل السلامه وقوفه على سبیل اللّه عند حدوده بهدایه من هداه و طاعته لها و أمره بسلوکها، و مبادرته للهدى مسارعته إلیه قبل غلق أبوابه، و استعار لفظ الأبواب له و لأئمّه الدین من قبله، و رشّح بذکر الغلق و أراد به عدمهم أو موت الطالب، و کذلک استعار لفظ الأسباب لهم، و وجه الاستعاره کونهم وصلا إلى المراد کالجبال، و رشّح بذکر القطع و أراد به أیضا موتهم، و استفتاح التوبه استقبالها و الشروع فیها، و إماطه الحوبه إزاله الإثم عن لوح نفسه بتوبته.

و قوله: فقد اقیم. إلى آخره. إشعار منه بإقامه أعلام اللّه و هم العلماء و الکتاب المنزل و السنّه النبویّه و الهدایه بها إلى واضح سبیله لیقتدى الناس بها و یسلکوا على بصیره. و باللّه التوفیق و العصمه.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۳۶

 

بازدیدها: ۲

خطبه ۲۰۴ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام
القسم الأول
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِیِّ عَنْ شَبَهِ الْمَخْلُوقِینَ- الْغَالِبِ لِمَقَالِ الْوَاصِفِینَ- الظَّاهِرِ بِعَجَائِبِ تَدْبِیرِهِ لِلنَّاظِرِینَ- وَ الْبَاطِنِ بِجَلَالِ عِزَّتِهِ عَنْ فِکْرِ الْمُتَوَهِّمِینَ- الْعَالِمِ بِلَا اکْتِسَابٍ وَ لَا ازْدِیَادٍ- وَ لَا عِلْمٍ مُسْتَفَادٍ- الْمُقَدِّرِ لِجَمِیعِ الْأُمُورِ بِلَا رَوِیَّهٍ وَ لَا ضَمِیرٍ- الَّذِی لَا تَغْشَاهُ الظُّلَمُ وَ لَا یَسْتَضِی‏ءُ بِالْأَنْوَارِ- وَ لَا یَرْهَقُهُ لَیْلٌ وَ لَا یَجْرِی عَلَیْهِ نَهَارٌ- لَیْسَ إِدْرَاکُهُ بِالْإِبْصَارِ وَ لَا عِلْمُهُ بِالْإِخْبَارِ
أقول: حمد اللّه تعالى باعتبارات إضافیّه و سلبیّه:
أولها: العلىّ عن شبه المخلوقین
أی فی ذاته و صفاته و أفعاله و أقواله، و قد علمت کیفیّه ذلک من غیر مرّه.
الثانی: الغالب لمقال الواصفین
و ذلک الغلب إشاره إلى تعالیه عن إحاطه الأوصاف به و فوته لها و عدم القدره على ذلک منه، و قد أشرنا إلى ذلک مرارا.
الثالث: الظاهر بعجائب تدبیره للناظرین
بأعین بصایرهم و أبصارهم.

الرابع: الباطن بجلال عزّته عن فکر المتوهّمین.
و قد مرّ بیان هذین الوصفین و فایده قوله: بجلال عزّته تنزیه بطونه عن الفکر باعتبار جلالته و عزّته عن أن تناله لا باعتبار حقاره و صغر، و إنّما قال: فکر المتوهّمین لأنّ النفس الإنسانیّه حال التفاتها إلى استلاحه الامور العلویّه المجردّه لا بدّ أنّ یستعین بالقوّه المتخیّله یباعث الوهم فی أن تصوّر تلک الامور بصور خیالیّه مناسبه لتشبیهها بها و تحطّها إلى الخیال، و قد علمت أنّ الوهم إنّما یدرک ما کان متعلّقا بمحسوس أو متخیّل من المحسوسات فکلّ أمر یتصوّره الإنسان و هو فی هذا العالم سواء کان ذات اللّه سبحانه أو صفاته أو غیر ذلک فلا بدّ أن یکون مشوبا بصوره خیالیّه أو معلّقا بها و هو تعالى منزّه بجلال عزّته عن تکیّف تلک الفکر له و باطن عنها.
الخامس: العالم المنزّه فی کیفیّه علمه عن اکتساب له بعد جهل أو ازدیاد
منه بعد نقصان أو استفاده له عن غیر کما علیه علم المخلوقین.
السادس: المقدّر لجمیع الامور
أى الموجد لجمیع الامور على وفق قضائه کلّا بمقدار معلوم تنزّه فیه عن التفکّر و الضمیر، و أراد بالضمیر ما اضمر من الرویّه.
السابع: الّذی لا تغشاه الظلم، و لا یستضی‏ء بالأنوار
لتنزّهه عن الجسمیّه و لواحقها.
الثامن: و لا یرهقه
أى لا یدرکه لیل. و لا یجرى علیه نهار، و ذلک لتنزّهه عن إحاطه الزمان.
التاسع: لیس إدراکه بالأبصار
لتقدّس ذاته عن الحاجه إلى الآله فی الإدراک و غیره.
العاشر: و لا علمه بالأخبار
أى کما علیه کثیر من علومنا لتقدّسه عن حاسّه السمع. و باللّه التوفیق.

القسم الثانی و منها فى ذکر النبی صلّى اللّه علیه و آله و سلّم:

أَرْسَلَهُ بِالضِّیَاءِ وَ قَدَّمَهُ فِی الِاصْطِفَاءِ- فَرَتَقَ بِهِ الْمَفَاتِقَ وَ سَاوَرَ بِهِ الْمُغَالِبَ- وَ ذَلَّلَ بِهِ الصُّعُوبَهَ وَ سَهَّلَ بِهِ الْحُزُونَهَ- حَتَّى سَرَّحَ الضَّلَالَ عَنْ یَمِینٍ وَ شِمَالٍ
اللغه
أقول: المساوره: المواثبه.

و سرّح: فرّق.
و قد أشار إلى بعض فضائل النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و بعض فوایده
فمن فضائله إرساله بالضیاء، و لفظ الضیاء مستعار لأنوار الإسلام الهادیه فی سبیل اللّه إلیه، و منها تقدیمه على سائر الأنبیاء ء فی الفضیله و إن کان الکلّ منهم مصطفى، و ذکر من فوایده کونه رتق به المفاتق، و کنّى بها عن امور العالم المتفرّقه و تشتّت مصالحه زمان الفتره، و رتقها به کنایه عن نظمها به بعد تفرّقها کنایه بالمستعار، و منها کونه ساور به المغالب، و أسند المساوره إلى اللّه مجازا باعتبار بعثه للنبىّ بالدین عن أمره لمواثبه مغالبه من المشرکین و غیرهم، و منها کونه ذلّل به الصعوبه: أى صعوبه أهل الجاهلیّه و أعداء دین اللّه، و منها کونه سهّل به الحزونه: أى حزونه طریق اللّه بهدایته فیها إلى غایه أن سرّح الضلال و الجهل عن یمین النفوس و شمالها، و هو إشاره إلى إلقائه رذیلتی التفریط و الإفراط عن ظهور النفوس کسریح جنبتى الحمل عن ظهر الدابه، و هو من ألطف الاستعارات و أبلغها، و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۲۹

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۲۰۳ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام
اللَّهُمَّ أَیُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِکَ- سَمِعَ مَقَالَتَنَا الْعَادِلَهَ غَیْرَ الْجَائِرَهِ- وَ الْمُصْلِحَهَ غَیْرَ الْمُفْسِدَهِ فِی الدِّینِ وَ الدُّنْیَا- فَأَبَى بَعْدَ سَمْعِهِ لَهَا إِلَّا النُّکُوصَ عَنْ نُصْرَتِکَ- وَ الْإِبْطَاءَ عَنْ إِعْزَازِ دِینِکَ- فَإِنَّا نَسْتَشْهِدُکَ عَلَیْهِ یَا أَکْبَرَ الشَّاهِدِینَ شَهَادَهً- وَ نَسْتَشْهِدُ عَلَیْهِ جَمِیعَ مَا أَسْکَنْتَهُ أَرْضَکَ وَ سمَاوَاتِکَ- ثُمَّ أَنْتَ بَعْدَهُ الْمُغْنِی عَنْ نَصْرِهِ- وَ الْآخِذُ لَهُ بِذَنْبِهِ

اللغه
أقول: النکوص: الرجوع على الأعقاب.

و هذا الفصل من خطبه کان یستنهض بها أصحابه إلى جهاد أهل الشام
قال بعد تقاعد أکثرهم عن نصرته. استشهد فیه اللّه تعالى و ملائکته و عباده على من سمع مقالته العادله المستقیمه الّتی هى طریق اللّه القایده للناس إلى الرشاد فی دینهم ودنیاهم المصلحه غیر المفسده لهم و هى دعوته إیّاهم إلى جهاد أعداء الدین و البغاه علیه. ثمّ أعرض عنها و قعد عن نصرته و تباطى‏ء عن إعزاز دینه و أبى إلّا التأخّر عن طاعته، و فی ذلک الاستشهاد ترغیب إلى الجهاد و تنفیر عن التأخّر عنه. إذ کان کأنّه إعلام للّه بحال المتخاذلین عن نصره دینه و قعودهم عمّا أمرهم به من الذبّ عنه فتتحرّک أوهامهم لذلک بالفزع إلى طاعته، و کذلک فی وصفه لمقالته بالعدل و الإصلاح ترغیب فی سماعها و جذب إلیها. و فی قوله: ثمّ أنت بعد: أى بعد تلک الشهاده علیه المغنى لنا عن نصرته تنبیه على عظمه ملک اللّه، و تحقیر للنفوس المتخاذله عن نصره الدین، و فی ذلک الأخذ بالذنب تذکیر بوعید اللّه و أنّ فی ذلک التخاذل ذنب عظیم یؤخذ به العبد. و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۲۸

بازدیدها: ۰

خطبه ۲۰۲شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام
وَ کَانَ مِنِ اقْتِدَارِ جَبَرُوتِهِ- وَ بَدِیعِ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ- أَنْ جَعَلَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ الزَّاخِرِ- الْمُتَرَاکِمِ الْمُتَقَاصِفِ یَبَساً جَامِداً- ثُمَّ فَطَرَ مِنْهُ أَطْبَاقاً- فَفَتَقَهَا سَبْعَ سَمَاوَاتٍ بَعْدَ ارْتِتَاقِهَا فَاسْتَمْسَکَتْ بِأَمْرِهِ- وَ قَامَتْ عَلَى حَدِّهِ وَ أَرْسَى‏ أَرْضاً یَحْمِلُهَا الْأَخْضَرُ الْمُثْعَنْجِرُ- وَ الْقَمْقَامُ الْمُسَخَّرُ- قَدْ ذَلَّ لِأَمْرِهِ وَ أَذْعَنَ لِهَیْبَتِهِ- وَ وَقَفَ الْجَارِی مِنْهُ لِخَشْیَتِهِ- وَ جَبَلَ جَلَامِیدَهَا وَ نُشُوزَ مُتُونِهَا وَ أَطْوَادِهَا- فَأَرْسَاهَا فِی مَرَاسِیهَا- وَ أَلْزَمَهَا قَرَارَتَهَا- فَمَضَتْ رُءُوسُهَا فِی الْهَوَاءِ- وَ رَسَتْ أُصُولُهَا فِی الْمَاءِ- فَأَنْهَدَ جِبَالَهَا عَنْ سُهُولِهَا- وَ أَسَاخَ قَوَاعِدَهَا فِی مُتُونِ أَقْطَارِهَا وَ مَوَاضِعِ أَنْصَابِهَا- فَأَشْهَقَ قِلَالَهَا وَ أَطَالَ أَنْشَازَهَا- وَ جَعَلَهَا لِلْأَرْضِ عِمَاداً وَ أَرَّزَهَا فِیهَا أَوْتَاداً- فَسَکَنَتْ عَلَى حَرَکَتِهَا مِنْ أَنْ تَمِیدَ بِأَهْلِهَا أَوْ تَسِیخَ بِحِمْلِهَا أَوْ تَزُولَ عَنْ مَوَاضِعِهَا- فَسُبْحَانَ مَنْ أَمْسَکَهَا بَعْدَ مَوَجَانِ مِیَاهِهَا- وَ أَجْمَدَهَا بَعْدَ رُطُوبَهِ أَکْنَافِهَا- فَجَعَلَهَا لِخَلْقِهِ مِهَاداً- وَ بَسَطَهَا لَهُمْ فِرَاشاً- فَوْقَ بَحْرٍ لُجِّیٍّ رَاکِدٍ لَا یَجْرِی وَ قَائِمٍ لَا یَسْرِی- تُکَرْکِرُهُ الرِّیَاحُ الْعَوَاصِفُ- وَ تَمْخُضُهُ الْغَمَامُ الذَّوَارِفُ- إِنَّ فِی ذلِکَ لَعِبْرَهً لِمَنْ یَخْشى‏

اللغه

أقول: تعاصفه: تراد أمواجه و تلاطمها و کسر بعضها بعضا.

و المثعنجر: السیال الکثیر الماء.

و القمقام: البحر. قیل: سمّى بذلک لاجتماعه.

و جبل: خلق. و جلامیدها: صخورها. و أنهد: رفع.

و أساخ: أدخل.

و أنصابها: جمع نصب و هو ما انتصب فیها.

و الأنشاز: جمع نشز و هو العوالى منها.

و أرّزها فیها: أى وکّرها و غرزها، و روى أرزها مخفّفه: أى أثبتها، و علیه نسخه الرضىّ و الاولى أصحّ و أظهر.

و أکنافها: أقطارها.

و تکر کره: تردّده و تصرّفه.

المعنى

و قد أشار فی هذا الفصل إلى أنّ أصل الأجرام الأرضیّه و السماویّه و مادّتها هو الماء، و وصف کیفیّه خلقتها عنه و کیفیّه خلقه الأرض و السماوات و الجبال، و قد مرّ بیان کلّ ذلک مستقصى فی الخطبه الأولى،
و فی هذا الفصل فواید:
الأولى
أنّه لمّا کانت هذه الأجرام فی غایه القوّه و العظمه و مع ذلک ففیها من عجائب الصنع و بدایعه ما یبهر العقول و یعجزها عن کیفیّه شرحه لا جرم نسبها إلى اقتدار جبروته و عظمته و بدیع لطائف صنعته تنبیها بالاعتبار الاولى على أنّه الأعظم المطلق، و بالثانى على لطفه و حکمته التامّه، و کنّى بالیبس الجامد عن الأرض.
الثانیه
الضمیر فی منه للبحر و فی حدّه إمّا للّه أو لأمره و قیامها على حدّه کنایه عن وقوفها على ما حدّه من المقدار و الشکل و الهیئه و النهایات و نحوها و عدم خروجها عن ذلک و تجاوزها له، و الضمیر المنصوب فی یحملها لمعنى الیبس الجامد و هو الأرض، و کذلک فی جلامیدها و ما بعده فی أرساها و ما بعده للجبال، و فی جبالها و سهو لها و أقطارها للأرض، و فی قواعدها و قلالها و أنشازها للجبال، و قد عرفت کیفیّه ذلک الخلق فیما حکاه علیه السّلام فی الخطبه الاولى من ثوران الزبد بالریح و ارتفاعه إلى الجوّ الواسع و تکوین السماوات عنه.
الثالثه
ذلّه البحر لأمره و إذعانه لهیبته دخوله تحت الإمکان و الحاجه إلى قدرته و تصریفها له، و هو من باب الاستعاره.
الرابعه
قوله: على حرکتها: أى حال حرکتها لأنّ على تفید الحال، و قوله: تسیخ بحملها یفهم منه أنّه لو لا الجبال کونها أوتادا للأرض لمادّت و ساخت بأهلها. فأمّا کونها مانعه لها من المیدان فقد عرفت وجهه فی الخطبه الاولى، و أمّا کونها تسیخ لولاها فلأنّها إذا مادّت انقلبت بأهلها فغاص الوجه الّذی هم علیه و ذلک مراده بسیخها فالمانع بها من المیدان هو المانع بها أن تسیخ أو تزول عن موضعها.
الخامسه
أشار بإجمادها بعد رطوبه أکنافها إلى أنّ أصلها من زبد الماء کما اشیر إلیه من قبل، و یحتمل أن یشیر بذلک إلى ما کان مغمورا بالماء منها.
ثمّ سال الماء عنه إلى مواضع أسفل منه فخلا و جفّ و هى مواضع کثیره مسکونه و غیر مسکونه.
السادسه
قوله: تمخضه الغمام الذوارف إشاره إلى أنّ البحر إذا وقع فیه المطر یریح و یتمخض و یضطرب کثیرا و ذلک لتحریک أوقع المطر له بکثرته و قوّته أو لکثره اقتران المطر بالریاح فتموّجه، و أغلبها تحریکا له الریاح الجنوبیّه لانکشافه لها، و قد شاهدنا ذلک کثیرا.
السابعه
لمّا عدّد المخلوقات المذکوره و تصریف القدره الربّانیّه لها قال: إنّ فی ذلک لعبره لمن یخشى تنبیها على وجوه الاعتبار بها لمن یخشى اللّه، و أراد العلماء لانحصار الخشیه فیهم بقوله تعالى إِنَّما یَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ«» و باللّه التوفیق.

 

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۲۵

 

بازدیدها: ۲

خطبه ۲۰۱ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

و قد سأله سائل عن أحادیث البدع، و عما فى أیدى الناس من اختلاف الخبر فقال علیه السّلام: إِنَّ فِی أَیْدِی النَّاسِ حَقّاً وَ بَاطِلًا- وَ صِدْقاً وَ کَذِباً وَ نَاسِخاً وَ مَنْسُوخاً- وَ عَامّاً وَ خَاصّاً- وَ مُحْکَماً وَ مُتَشَابِهاً وَ حِفْظاً وَ وَهْماً- وَ لَقَدْ کُذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص عَلَى عَهْدِهِ- حَتَّى قَامَ خَطِیباً فَقَالَ- مَنْ کَذَبَ عَلَیَّ مُتَعَمِّداً فَلْیَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ- وَ إِنَّمَا أَتَاکَ بِالْحَدِیثِ أَرْبَعَهُ رِجَالٍ لَیْسَ لَهُمْ خَامِسٌ رَجُلٌ مُنَافِقٌ مُظْهِرٌ لِلْإِیمَانِ مُتَصَنِّعٌ بِالْإِسْلَامِ- لَا یَتَأَثَّمُ وَ لَا یَتَحَرَّجُ- یَکْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص مُتَعَمِّداً- فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ کَاذِبٌ لَمْ یَقْبَلُوا مِنْهُ- وَ لَمْ یُصَدِّقُوا قَوْلَهُ- وَ لَکِنَّهُمْ قَالُوا صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ص- رَآهُ وَ سَمِعَ مِنْهُ وَ لَقِفَ عَنْهُ فَیَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ- وَ قَدْ أَخْبَرَکَ اللَّهُ عَنِ الْمُنَافِقِینَ بِمَا أَخْبَرَکَ- وَ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَکَ ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ- فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَئِمَّهِ الضَّلَالَهِ- وَ الدُّعَاهِ إِلَى النَّارِ بِالزُّورِ وَ الْبُهْتَانِ- فَوَلَّوْهُمُ الْأَعْمَالَ وَ جَعَلُوهُمْ‏ حُکَّاماً عَلَى رِقَابِ النَّاسِ- فَأَکَلُوا بِهِمُ الدُّنْیَا وَ إِنَّمَا النَّاسُ مَعَ الْمُلُوکِ وَ الدُّنْیَا- إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ فَهَذَا أَحَدُ الْأَرْبَعَهِ وَ رَجُلٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ شَیْئاً لَمْ یَحْفَظْهُ عَلَى وَجْهِهِ- فَوَهِمَ فِیهِ وَ لَمْ یَتَعَمَّدْ کَذِباً فَهُوَ فِی یَدَیْهِ- وَ یَرْوِیهِ وَ یَعْمَلُ بِهِ- وَ یَقُولُ أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص- فَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ وَهِمَ فِیهِ لَمْ یَقْبَلُوهُ مِنْهُ- وَ لَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ کَذَلِکَ لَرَفَضَهُ وَ رَجُلٌ ثَالِثٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص شَیْئاً- یَأْمُرُ بِهِ ثُمَّ إِنَّهُ نَهَى عَنْهُ وَ هُوَ لَا یَعْلَمُ- أَوْ سَمِعَهُ یَنْهَى عَنْ شَیْ‏ءٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَ هُوَ لَا یَعْلَمُ- فَحَفِظَ الْمَنْسُوخَ وَ لَمْ یَحْفَظِ النَّاسِخَ- فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ- وَ لَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ إِذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ وَ آخَرُ رَابِعٌ- لَمْ یَکْذِبْ عَلَى اللَّهِ وَ لَا عَلَى رَسُولِهِ- مُبْغِضٌ لِلْکَذِبِ خَوْفاً مِنَ اللَّهِ وَ تَعْظِیماً لِرَسُولِ اللَّهِ ص- وَ لَمْ یَهِمْ بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ- فَجَاءَ بِهِ عَلَى سَمْعِهِ- لَمْ یَزِدْ فِیهِ وَ لَمْ یَنْقُصْ مِنْهُ- فَهُوَ حَفِظَ النَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ- وَ حَفِظَ الْمَنْسُوخَ فَجَنَّبَ عَنْهُ- وَ عَرَفَ الْخَاصَّ وَ الْعَامَّ فَوَضَعَ کُلَّ شَیْ‏ءٍ مَوْضِعَهُ- وَ عَرَفَ الْمُتَشَابِهَ- وَ مُحْکَمَهُ‏ وَ قَدْ کَانَ یَکُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص الْکَلَامُ- لَهُ وَجْهَانِ فَکَلَامٌ خَاصٌّ وَ کَلَامٌ عَامٌّ- فَیَسْمَعُهُ مَنْ لَا یَعْرِفُ مَا عَنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ- وَ لَا مَا عَنَى رَسُولُ اللَّهِ ص- فَیَحْمِلُهُ السَّامِعُ وَ یُوَجِّهُهُ عَلَى غَیْرِ مَعْرِفَهٍ بِمَعْنَاهُ- وَ مَا قُصِدَ بِهِ وَ مَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ- وَ لَیْسَ کُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ص مَنْ کَانَ یَسْأَلُهُ وَ یَسْتَفْهِمُهُ- حَتَّى إِنْ کَانُوا لَیُحِبُّونَ أَنْ یَجِی‏ءَ الْأَعْرَابِیُّ وَ الطَّارِئُ- فَیَسْأَلَهُ ع حَتَّى یَسْمَعُوا- وَ کَانَ لَا یَمُرُّ بِی مِنْ ذَلِکَ شَیْ‏ءٌ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ وَ حَفِظْتُهُ- فَهَذِهِ وُجُوهُ مَا عَلَیْهِ النَّاسُ فِی اخْتِلَافِهِمْ وَ عِلَلِهِمْ فِی رِوَایَاتِهِمْ

اللغه

أقول: أحادیث البدع: أى الأحادیث المبتدعه بعد الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم المنقوله عنه، و ما یبتنى علیها من الأفعال المبتدعه فی الدین بدعه أیضا.

و تبوّء مقعده: نزله و استقرّ فیه.

و لقف عنه: تناول بسرعه.

و وهم بالکسر: غلط، و بالفتح ذهب و همه إلى شی‏ء و هو یرید غیره.

و جنّب عنه: أخذ عنه جانبا.

المعنى

و قوله: إنّ فی أیدى الناس. إلى قوله: و حفظا و وهما. تعدید لأنواع الکلام الواقع إلى الناس نقلا عن الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الصدق و الکذب من خواصّ الخبر، و الحقّ و الباطل أعمّ منهما لصدقهما على الأفعال و على الناسخ و المنسوخ و العامّ و الخاصّ و المتشابه، و قد مضى تفسیر هذه المفهومات، و أمّا الحفظ فهو ما حفظ عن رسول اللّه کما هو، و الوهم ما غلط فیه و وهم مثلا أنّه عامّ و هو خاصّ أو أنّه ثابت و هو منسوخ إلى غیر ذلک. و قوله: قد کذب على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم على عهده. إلى قوله: النار.

فذلک الکذب نحو ما روى أنّ رجلا سرق رداء الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و خرج إلى قوم و قال هذا رداء محمّد أعطانیه لتمکّنونى من تلک المرأه و استنکروا ذلک فبعثوا من سأل الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عن ذلک فقام الرجل الکاذب فشرب ماء فلدغته حیّه فمات، و کان النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم حین سمع بتلک الحال قال لعلىّ: خذ السیف و انطلق فإن وجدته و قد کفیت فاحرقه بالنار فجائه و أمر بإحراقه فکان ذلک سبب الخبر المذکور، و اعلم أنّ العلماء ذکروا فی بیان أنّه لا بدّ أن یکذّب علیه دلیلا فقالوا: قد نقل عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أنّه قال: سیکذّب علىّ فإن کان الخبر صدقا فلا بد أن یکذّب علیه، و إن کان کذبا فقد کذّب علیه. ثمّ شرع فی قسمه رجال الحدیث و قسّمهم إلى أربعه أقسام، و دلّ الحصر بقوله: لیس لهم خامس، و وجه الحصر فی الأقسام الأربعه أنّ الناقل للحدیث عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم المتسمّین بالإسلام إمّا منافق أولا، و الثانی إمّا أن یکون قد وهم فیه أولا، و الثانی إمّا أن لا یکون قد عرف ما یتعلّق به من شرائط الروایه أو یکون. فالأوّل و هو المنافق ینقل کما أراد سواء کان أصل الحدیث کذبا أو أنّ له أصلا حرّفه و زاد فیه و نقص بحسب هواه فهو ضالّ مضّل تعمّدا و قصدا، و الثانی یرویه کما فهم و وهم فهو ضالّ مضلّ سهوا، و الثالث یروى ما سمع فضلا له و إضلاله عرضىّ، و الرابع یؤدّیه کما سمعه و کما هو فهو هادّ مهدیّ فأشار علیه السّلام إلى القسم الأوّل بقوله: رجل منافق. إلى قوله: فهذا أحد الأربعه. فقوله: متصنّع بالإسلام.
أی یظهره شعارا له. و قوله: لا یتأثّم. أى: لا یعرف بالإثم و لزوم العقاب علیه فی الآخره فلا یحذر منه، و وجه دخول الشبهه فی قبول قوله: کونه ظاهر الإسلام و الصحبه للرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و سماع قوله مع کون الناس لا یعلمون باطنه و نفاقه و ما أخبر به اللّه تعالى عن المنافقین‏ کقوله إِنَّ الْمُنافِقِینَ فِی الدَّرْکِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ«» و ما وصفهم به کقوله تعالى إِذا جاءَکَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّکَ لَرَسُولُ اللَّهِ«» الآیه دلّت على وصفهم بالکذب فی مطابقه عقایدهم لألسنتهم فی الشهاده بأنّه رسول حقّ و من کان یعتقد أنّه غیر رسول فإنّه مظنّه الکذب علیه، و أئمّه الضلاله بنو امیّه، و دعاتهم إلى النار دعاتهم إلى اتّباعهم فیما یخالف الدین، و ذلک الاتّباع مستلزم لدخول النار، و الزور و البهتان إشاره إلى ما کانوا یتقرّبون به إلى بنى امیّه من وضع الأخبار عن الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فی فضلهم و أخذهم على ذلک الأجر من اولئک الأئمّه و تولیتهم الأعمال و الإمره على الناس. و قوله: و إنّما الناس. إلى قوله: إلّا من عصم. إشاره إلى علّه فعل المنافق لما یفعل فظاهر أنّ حبّ الدنیا هو الغالب على الناس من المنافقین و غیرهم لقربهم من المحسوس و جهلهم بأحوال الآخره و ما یراد بهم من هذه الحیاه إلّا من هدى اللّه فعصمه بالجذب فی طریق هدایته إلیه عن محبّه الامور الباطله، و فیه إیماء إلى قلّه الصالحین کما قال تعالى إِلَّا الَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ قَلِیلٌ ما هُمْ و قوله یَعْمَلُونَ لَهُ ما یَشاءُ مِنْ و إنّما قال: ثمّ بقوا بعده علیه السّلام. ثمّ حکى حالهم مع أئمّه الضلال و إن کانت الأئمّه المشار إلیهم لم یوجدوا بعد إمّا تنزیلا لما لا بدّ منه من ذلک المعلوم له منزله الواقع أو إشاره إلى من بقى منهم بعد الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و تقرّب إلى معاویه لأنّه إذن ذاک إمام ضلاله، و أشار إلى القسم الثانی بقوله: و رجل سمع من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم شیئا لم یحفظه. إلى قوله: لرفضه، و ذلک أن یسمع من الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم کلاما فیتصوّر منه معنى غیر ما یریده الرسول.

ثمّ لا یحفظ اللفظ بعینه فیورده بعبارته الدالّه على ما تصوّره من المعنى فلا یکون قد حفظه و تصوّره على وجهه المقصود للرسول فوهم فیه و لم یتعمّد کذبا لوهمه فهو فی یدیه یرویه و یعمل به على وفق ما تصوّر منه و یسنده إلى الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، و علّه دخول الشبهه على المسلمین فیه هى عدم علمهم بوهمه، و علّه دخولها علیه فی الروایه و العمل هو وهمه حین السماع حتّى لو علم ذلک لترک روایته و العمل به، و أشار إلى القسم الثالث بقوله: و رجل سمع. إلى قوله: لرفضه، و علّه دخول الشبهه على الراوى و على المسلمین واحده و هو عدم علمهم بأنّه منسوخ، و أشار إلى القسم الرابع بقوله: و آخر رابع. إلى قوله: و محکمه. فقوله: و عرف الخاصّ و العامّ فوضع کلّ شی‏ء موضعه. أى عمل بالعامّ فیما عدا صوره التخصیص. و قوله: و قد کان یکون من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم. إلى آخره. تنبیه على صحه القسم الثالث و داخل فیه فإنّ منهم من کان یسمع الکلام ذى الوجهین منه خاصّ و منه عامّ فلا یعرف أنّ أحدهما مخصّص الآخر أو یسمع العامّ دون الخاصّ فینقل العامّ بوجهه على غیر معرفه معناه أو أنّه خرج على سبب خاصّ فهو مقصور علیه و انتقل سببه فیعتقده عامّا أو أنّه عامّ فیعتقده مقصورا على السبب و لا یعمل به فیما عدا صوره السبب فیتّبعه الناس فی ذلک. و کان قوله: و لیس کلّ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم. إلى آخره جواب سؤال مقدّر کأن یقال: فکیف یقع الاشتباه علیهم فی قوله مع کثرتهم و تواضعه لهم فلا یسألونه فأجاب أنّهم لیسوا بأسرهم کانوا یسألونه لاحترامهم له و تعظیمه فی قلوبهم، و إنّما کان یسأله آحاده حتّى کانوا یحبّون أن یجی‏ء الأعرابى أو الطارى‏ء فیسأله حتّى یسمعوا و یفتح لهم باب السؤال، و نبّه على أنّه علیه السّلام کان یستقصى فی سؤاله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم عن کلّ ما یشتبه و یحفظ جوابه لیرجع الناس إلى فضیلته و الاقتباس من أنواره.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۹

 

بازدیدها: ۳

خطبه ۲۰۰ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام بالبصره،
و قد دخل على العلاء بن زیاد الحارثى- و هو من أصحابه- یعوده، فلما رأى سعه داره قال: مَا کُنْتَ تَصْنَعُ بِسَعَهِ هَذِهِ الدَّارِ فِی الدُّنْیَا- أَمَا أَنْتَ إِلَیْهَا فِی الْآخِرَهِ کُنْتَ أَحْوَجَ- وَ بَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَهَ- تَقْرِی فِیهَا الضَّیْفَ وَ تَصِلُ فِیهَا الرَّحِمَ- وَ تُطْلِعُ مِنْهَا الْحُقُوقَ مَطَالِعَهَا- فَإِذاً أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَهَ- فَقَالَ لَهُ الْعَلَاءُ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ أَشْکُو إِلَیْکَ أَخِی عَاصِمَ بْنَ زِیَادٍ- قَالَ وَ مَا لَهُ- قَالَ لَبِسَ الْعَبَاءَهَ وَ تَخَلَّى عَنِ الدُّنْیَا- قَالَ عَلَیَّ بِهِ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ- یَا عُدَیَّ نَفْسِهِ لَقَدِ اسْتَهَامَ بِکَ الْخَبِیثُ- أَ مَا رَحِمْتَ أَهْلَکَ وَ وَلَدَکَ- أَ تَرَى اللَّهَ أَحَلَّ لَکَ الطَّیِّبَاتِ وَ هُوَ یَکْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا- أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِکَ- قَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ- هَذَا أَنْتَ فِی خُشُونَهِ مَلْبَسِکَ وَ جُشُوبَهِ مَأْکَلِکَ- قَالَ وَیْحَکَ إِنِّی لَسْتُ کَأَنْتَ- إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّهِ الْعَدْلِ أَنْ یُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَهِ النَّاسِ- کَیْلَا یَتَبَیَّغَ بِالْفَقِیرِ فَقْرُهُ‏

اللغه

أقول: استهام بک: أى أذهبک لوجهک، و زیّن لک الهیام، و هو الذهاب فی التیه.

و جشوبه المأکل: غلظته و خشونته، و قیل: الطعام الجشب: الّذی لا إدام معه.

و تبیّغ: تهیّج.

المعنى
و قد استفهمه عن غرضه فی توسعه داره استفهام توبیخ و إنکار لما أنّ ذلک ینافی الزهد فی الدنیا و الحرص فی الآخره. ثمّ عن کونه أحوج إلیها فی الآخره استفهام تثبیت و تقریر، و أراد أنّک لو کنت أنفقت ما أخرجته على بنائها من المال فی سبیل اللّه لکان أولى و لکنت إلیه أحوج منها، و فی روایه بإثبات الهمزه مع ما فی قوله: ما أنت. و قوله: و بلى. إلى آخره.
هدایه له إلى وجوه استعمالها فی مرضات اللّه و التقرّب بها إلیه بعد التفریط فی بنائها، و عدّ وجوه المبارّ المتعلّقه بها. و مطالع الحقوق وجوهها الشرعیّه المتعلّقه به کالزکاه و الصدقه و غیرهما، و ظاهر کونها مبلّغه إلى الآخره عند إخراج تلک الحقوق منها و فیها، و مقرّ به إلى اللّه. و قوله: علىّ به. ینوب مناب فعل الأمر: أى جیئوا به، و عدىّ تصغیر عدوّ، و أصله عدیو و فحذفوا إحدى الواوین و قلّبوا الثانیه یاء تخفیفا و ادغموا فیها یاء التصغیر، و إنّما صغّره استصغارا له باعتبار أنّ شیطانه لم یعدّه إلى کبیره بل قاده إلى أمرو إن کان خارجا به عن الشریعه إلّا أنّه قریب من السلامه، و دخل علیه بالخدعه فی رأى الصالحین، و کان شیطانه بذلک الاعتبار صغیرا بالنسبه إلى شیطان آخر و هو باعتبار القیاده لذلک الوسواس عدّى نفسه، و قیل: بل صغّره من جهه حقاره فعله ذلک لکونه عن جهل منه و إنّما منعه من هذه الطریقه لکونه لم یترک الدنیا على وجه الترک بل کان لمشارکه هواه لعقله، و کان ترکه ذلک مستلزما لإهمال حقوق تجب علیه فی الشریعه و تلزمه فنبّه بقوله: لقد استهام بک الخبیث على أنّ فعله ذلک عن مشارکه الشیطان و لم یکن عن عقلیّه خالصه، و بقوله: أما رحمت أهلک و ولدک على الحقوق اللازمه له من قبلهم، و قد أهملها بفعله ذلک.

فقوله: أ ترى اللّه. إلى قوله: ذلک. فی مقام التوبیخ له على ذلک الترک و هو کقوله تعالى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِینَهَ اللَّهِ الَّتِی أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّیِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ«» الآیه، و الحاصل أنّ ترک الدنیا بالکلّیّه لیس هو مطلوب الشارع من الزهد فیها و التخلّى عنها لأنّ الشارع یراعى نظام العالم باشتراک الخلق فی عماره الدنیا و تعاونهم على المصالح بقاء النوع الإنسانىّ و ترک الدنیا و إهمالها بالکلّیّه یعدم ذلک النظام و ینافیه بل الّذی یأمر به الشارع القصد فی الدنیا و استعمال متاعها على القوانین الّتی وردت بها الرسل و الوقوف فیها عند الحدود المضروبه فی شرایعهم دون تعدّیها کما أشار إلیه علیه السّلام من منع هذا الرجل، و أمّا السالکون من الصوفیّه بعد عصر الصحابه فهم على الطریقین: فمنهم من یختار القشف و ترک الطیّبات و هجر اللذّات رأسا، و منهم من یؤثر الترف، و الّذی یفعله المحقّقون من السالکین من التقشّف فلا ینافی الشریعه لعلمهم بأسرارها و طریقتهم تلک أقرب إلى السلامه من طریق المترفین لکون الترف مجال الشیطان، و قد کان سلوک الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و علىّ علیه السّلام و جماعه من أکابر الصحابه أمیل إلى طریق التقشّف لکن مع مشارکتهم لأهل الدنیا فی تدبیر أحوال المدن و صلاح العالم غیر منقطعین عن أهلها و لا منعزلین فأمّا اعتراض عاصم على علىّ علیه السّلام فی نهیه له فحاصله أنّه قاس نفسه فی ترک الدنیا علیه، و تقدیره إنّک إذا نهیتنى عن ذلک فکیف بک: أى فکیف بما أرى من هذه الحال و أنت المقتدى به، أو فکیف أصنع بک مع الحال الّتی أنت علیها، و إنّما ینبغی لى أن أقتدى بک فأجابه علیه السّلام بجواب إقناعىّ بیّن فیه الفرق بینه و بینه، و هو إنّى إنّما فعلت ذلک لکونى إماما و کلّ إمام فرض اللّه علیه أن یقدّر نفسه بضعفه الناس: أى لیسویّها بهم فی حالهم کیلا یهیّج بالفقیر فقره فیضعف عن حلمه فیکفر أو یفسق و قد کان علیه السّلام قبل الخلافه کذلک، و الجواب المحقّق هو ما قلناه من کون هذه الطریق أسلم، و أمّا الفرق بینهما فیرجع إلى أنّ عاصما سلک على غیر علم بکیفیّه السلوک مع ترک الحقوق الّتی تلزمه لأهله و ولده فکانت حاله الّتی فارقها أولى به. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۷

 

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۹۹ شرح ابن میثم بحرانی

و قال علیه السّلام لما اضطرب علیه أصحابه فى أمر الحکومه

أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ یَزَلْ أَمْرِی مَعَکُمْ عَلَى مَا أُحِبُّ- حَتَّى نَهِکَتْکُمُ الْحَرْبُ- وَ قَدْ وَ اللَّهِ أَخَذَتْ مِنْکُمْ وَ تَرَکَتْ- وَ هِیَ لِعَدُوِّکُمْ أَنْهَکُ- . لَقَدْ کُنْتُ أَمْسِ أَمِیراً فَأَصْبَحْتُ الْیَوْمَ مَأْمُوراً- وَ کُنْتُ أَمْسِ نَاهِیاً فَأَصْبَحْتُ الْیَوْمَ مَنْهِیّاً- وَ قَدْ أَحْبَبْتُمُ الْبَقَاءَ وَ لَیْسَ لِی أَنْ أَحْمِلَکُمْ عَلَى مَا تَکْرَهُونَ

اللغه

أقول: نهکتکم: خلقتکم.

المعنى

فقوله: على ما أحبّ.
أى من الطاعه لى، و لفظ النهک و استناده إلى الحرب استعاره لاضعافها لهم ملاحظه لشبههم بالثوب الّذی أخلقه اللبس، و تشبّهها بمستعمله فی کونها سببا لذلک الإضعاف: أى لم أزل کذلک إلى تلک الغایه.

و قوله: و اللّه أخذت منکم و ترکت.
کنایه عن تصرّفها فیهم بوجوه التصرّف و هو کالعذر لهم، و إرادته بقوله: و هى لعدوّکم أنهک لکى لا یتعاجزوا بعذر إنها کهالهم. ثمّ أخذ فی التشکّى منهم إلیهم‏ و عتابهم على عصیانهم له و حکمهم علیه بالرجوع إلى التحکیم حتّى صار مأمورا لهم و منهیّا بعد کونه آمرا فیهم و ناهیا، و ذلک من معکوس الحکم و مضادّ لما ینبغی لهم. و قوله: و قد أحببتم البقاء. أى بترک القتال و هو کالتوبیخ لهم على ذلک. و قوله: و لیس. إلى آخره. أی لیس لى قدره على ذلک و إن کان له ذلک بحسب المصلحه و الشرع.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۶

 

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۹۸ شرح ابن میثم بحرانی

و قال علیه السّلام فى بعض أیام صفین و قد رأى الحسن علیه السلام یتسرع إلى الحرب

امْلِکُوا عَنِّی هَذَا الْغُلَامَ لَا یَهُدَّنِی- فَإِنَّنِی أَنْفَسُ بِهَذَیْنِ یَعْنِی الْحَسَنَ وَ الْحُسَیْنَ ع- عَلَى الْمَوْتِ لِئَلَّا یَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُولِ اللَّهِ ص قال الرضى أبو الحسن: قوله علیه السلام «املکوا عنى هذا الغلام» من أعلى الکلام و أفصحه.

 

اللغه

أقول: املکوه: شدّوه و اضبطوه.

و یهدّنى: یکسرنی.

و نفست بالکسر أنفس بالفتح: أى أضنّ و أبخل.

المعنى

و لمّا کان وجود الولد المنتفع ممّا یشدّ القوّه و تقوى به النفس خصوصا مثل الحسن علیه السّلام کنّى بقوله: لا یهدّنى على تقدیر هلاکه عن إضعافه لرکنه و انکسار نفسه بذلک. ثمّ على علّه اخرى لوجوب المحافظه علیه مع أخیه علیهما السّلام و هى المحافظه على نسل الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۵

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۹۷ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام و قد سمع قوما من أصحابه یسبون أهل الشام أیام حربهم بصفین

إِنِّی أَکْرَهُ لَکُمْ أَنْ تَکُونُوا سَبَّابِینَ- وَ لَکِنَّکُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ وَ ذَکَرْتُمْ حَالَهُمْ- کَانَ أَصْوَبَ فِی الْقَوْلِ وَ أَبْلَغَ فِی الْعُذْرِ- وَ قُلْتُمْ مَکَانَ سَبِّکُمْ إِیَّاهُمْ- اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَنَا وَ دِمَاءَهُمْ- وَ أَصْلِحْ ذَاتَ بَیْنِنَا وَ بَیْنِهِمْ وَ اهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ- حَتَّى یَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ- وَ یَرْعَوِیَ عَنِ الْغَیِّ وَ الْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ

اللغه

أقول: لهج به: أولع و حرص علیه.

و حاصل الفصل تأدیب قومه و إرشادهم إلى السیره الحسنه و جذب لهم عن تعویدها و تمرینها بکلام الصالحین

و نبّه بکراهته للسبّ و النهى عنه على تحریمه، و نحوه إشاره الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم بقوله: ما بعثت لعّانا و لا سبّابا. و قوله: اللهم إنّى بشر فإذا دعوت على إنسان فاجعل دعائى له لا علیه و اهده إلى الصراط المستقیم.

و قوله: لو وصفتم. إلى قوله: فی العذر.
أى لو عدلتم عن السباب إلى وصف أعمالهم و تذکیرهم بکونهم ظالمین لکم و ضالّین عن السبیل ذکرا على وجه النصیحه و الهدایه لهم. ثمّ قلتم مکان سبّکم إیّاهم هذا الدعاء لکان أصوب فی القول ممّا ذکرتموه من رذیله السباب و لأنّ فی تذکیرهم بأحوالهم و نصیحتهم إیّاهم فائده و هى رجاء أن یعودوا إلى الحقّ و لأنّ ذلک أبلغ فی العذر إلیهم من غیره. إذ لکم أن تقولوا بعد ذلک إنّکم نصحتموهم و طلبتم منهم العتبى فلم یستعینوا.

و قوله: و قلتم.
عطف على قوله: وصفتم و لو مقدّره علیه و جوابها مقدّر بعد تمام الدعاء و حذفا لدلاله لو الاولى علیهما، و التقدیر لو قلتم هذا الدعاء لکان أصوب و أبلغ فی العذر، و الدعاء الّذی علّمهم علیه السّلام إیّاه مطابق لصوره حال الحرب، و اشتمل على طلب حقن الدماء أوّلا لأنّ سفک الدماء هو الخوف الحاضر، و على طلب علّته و هى إصلاح ذات البین: أى ما بیننا و بینهم من الأحوال الموجبه للافتراق حتّى یکون أحوال الفه و اتّفاق، و لمّا کانت الأحوال ملابسه للبین قیل لها: ذات البین کقولک: اسقنى ذا إنائک: أى ما فی إنائک من الشراب، و قیل: ذات البین حقیقه الفرقه: أى صلح حقیقه الفرقه بیننا و بینهم و بدّلها بالالفه. ثمّ على طلب العلّه الحاسمه للفرقه الموجبه لاصلاحها و هى هداهم من ضلالتهم بمعرفه من جهل الحقّ له و ارعوا به من غباوته، و هى طرف التفریط من فضیله الحکمه، و عداوته و هو طرف الإفراط من فضیله العدل، و قد کانت الرذیلتان فی أصحاب معاویه فإنّه لمّا قصرت وطئتهم عن وجه الحقّ و غلبت علیهم الشبهه بغوا و تعدّوا و لهجوا بعدوانهم، و روى عوض الغىّ العمى و هو عمى البصیره و غباوتها.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۱۳

 

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۹۶ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

کلم به طلحه و الزبیر بعد بیعته بالخلافه و قد عتبا [علیه‏] من ترک مشورتهما، و الاستعانه فى الأمور بهما لَقَدْ نَقَمْتُمَا یَسِیراً وَ أَرْجَأْتُمَا کَثِیراً- أَ لَا تُخْبِرَانِی أَیُّ شَیْ‏ءٍ کَانَ لَکُمَا فِیهِ حَقٌّ دَفَعْتُکُمَا عَنْهُ- أَمْ أَیُّ قَسْمٍ اسْتَأْثَرْتُ عَلَیْکُمَا بِهِ- أَمْ أَیُّ حَقٍّ رَفَعَهُ إِلَیَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِینَ- ضَعُفْتُ عَنْهُ أَمْ جَهِلْتُهُ أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ- . وَ اللَّهِ مَا کَانَتْ لِی فِی الْخِلَافَهِ رَغْبَهٌ- وَ لَا فِی الْوِلَایَهِ إِرْبَهٌ- وَ لَکِنَّکُمْ دَعَوْتُمُونِی إِلَیْهَا وَ حَمَلْتُمُونِی عَلَیْهَا- فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَیَّ نَظَرْتُ إِلَى کِتَابِ اللَّهِ وَ مَا وَضَعَ لَنَا- وَ أَمَرَنَا بِالْحُکْمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ- وَ مَا اسْتَنَّ النَّبِیُّ ص فَاقْتَدَیْتُهُ- فَلَمْ أَحْتَجْ فِی ذَلِکَ إِلَى رَأْیِکُمَا وَ لَا رَأْیِ غَیْرِکُمَا- وَ لَا وَقَعَ حُکْمٌ جَهِلْتُهُ فَأَسْتَشِیرَکُمَا وَ إِخْوَانِی مِنَ الْمُسْلِمِینَ- وَ لَوْ کَانَ ذَلِکَ لَمْ أَرْغَبْ عَنْکُمَا وَ لَا عَنْ‏ غَیْرِکُمَا- . وَ أَمَّا مَا ذَکَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ الْأُسْوَهِ- فَإِنَّ ذَلِکَ أَمْرٌ لَمْ أَحْکُمْ أَنَا فِیهِ بِرَأْیِی- وَ لَا وَلِیتُهُ هَوًى مِنِّی- بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَ أَنْتُمَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ص قَدْ فُرِغَ مِنْهُ- فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَیْکُمَا فِیمَا قَدْ فَرَغَ اللَّهُ مِنْ قَسْمِهِ- وَ أَمْضَى فِیهِ حُکْمَهُ- فَلَیْسَ لَکُمَا وَ اللَّهِ عِنْدِی وَ لَا لِغَیْرِکُمَا فِی هَذَا عُتْبَى- . أَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَ قُلُوبِکُمْ إِلَى الْحَقِّ- وَ أَلْهَمَنَا وَ إِیَّاکُمُ الصَّبْرَ.

اللغه

أقول: أرجأتما: أخّرتما.

و استأثر: استبدّ. و الإربه: الحاجه.

و أفضت: وصلت.

و العتبى: الرجوع عن الإساءه

المعنى

و اعلم أنّ الرجلین کانا یؤمّلان الأمر لأنفسهما فلمّا صار إلیه علیه السّلام عاد إلى رجاء أن یداخلهما فی أمره و أن یزد لهما فی العطاء على غیرهما کما فضّل بعض الأئمّه من قبله و أن یشارکهما فی أکثر الآراء المصلحیّه محبّه منهما للجاه و نظرا إلى محلّهما و شرفهما لکنّ الرجل لمّا جعل دلیله الکتاب العزیز و السنّه النبویّه و کان هو القویّ على تفریع الأحکام منهما دون غیره و صاحب أسرارهما کما علمت رجوع أکابر الصحابه و الخلفاء السابقین إلیه فی کثیر الأحکام لا جرم لم یکن به حاجه إلى الاستشاره فیما یقع إلیه من الوقایع، و أشار بالیسیر الّذی نقماه إلى ترک مشورتهما و تسویتهما بغیرهما فی العطاء و إن کان عندهما صعبا فهو لکونه عنده غیر حقّ فی غایه من السهوله، و الکسیر الّذی أرجاه ما أخّراه من حقّه و لم یوفیاه إیّاه، و روى کثیرا بالثاء بثلاث نقط، و أشار به إلى ما یعود إلى صلاح المسلمین من الآراء الّتی ینبغی أن‏ یتحدّث فیها، و یحتمل أن یرید أنّ الّذی أبدیاه و نقماه بعض ممّا فی أنفسهما، و قد دلّ ذلک على أنّ فی أنفسهما أشیاء کثیره وراء ما ذکراه لم یقولاه.

و قوله: ألا تخبرانى. إلى قوله: بابه.
استفسار عن الحقّ الّذی نقما ترکه، و أشار إلى وجوه الحقّ و جهاته المتعارفه المعتاده، و تلخیصه أنّ الحقّ الّذی تنقمان على ترکه إمّا أن یکون متعلّقا بکما أو بغیر کما من المسلمین، و الأوّل إمّا أن یکون قسما استأثرت به أو غیره من الحقوق دفعتکما عنه ظلما، و الثانی إمّا أن یکون ترکه منّى ضعفا أو جهلا به أو خطأ لدلیل الحکم فیه، و الاستفهام فی الأقسام کلّها استفهام إنکار لها و مستند منعه و إنکاره لها ظاهر فإنّ التسویه فی العطاء سنّه الرسول فیجب اتّباعها، و الاستشاره فی الحوادث و نحوها إنّما یجب مع عدم الحکم فی الواقعه أو مع جهله و لم یکن عادما لأحکام الوقایع الوارده علیه و لا جاهلا بها، و کذلک لم یترک حقّا لأحد من المسلمین عن ضعف منه لأنّه کان خلیفه الوقت و لا عن جهل بحکم و لا بدلیله لأنّه کان أعلم الامّه بأحکام اللّه، و لمّا کان الّذی نقماه علیه فی تلک الحال من الأقسام المذکوره إنّما هو ترک مشورتهما و السویه فی العطاء بینهما و بین غیرهما أشار إلى الجواب عن الأوّل بقوله: و اللّه ما کانت.
إلى قوله: و لا عن غیرکما.
فقوله: و اللّه. إلى قوله: حملتمونى علیها.

کالمقدّمه فی الجواب المکاسره من توهّمهما رغبته فی الخلافه و محبّته للملک و السلطان لاستیثار علیهما و نحو ذلک فإنّه إذا انکسر ذلک الوهم لم یبق علّه طلبه للولایه إلّا نصره الحقّ و إقامته کما صرّح هو به فی غیر موضع و حینئذ تندفع شبهتها عنه.

و قوله: فلمّا أفضت. إلى قوله: فاقتدیته.
وجه الجواب دلّ به على صغرى القیاس فیه، و خلاصته: أى إنّما أحکم بالکتاب فأتّبعته و أقتدى بالسنّه، و تقدیر الکبرى و کلّ من فعل ذلک فلا حاجه به فی الحکم إلى الرأی.
و قوله، فلم أحتج. إلى قوله، غیرکما.
کالنتیجه.

و قوله: و لا وقع حکم جهلته.
أحد الأقسام الّتی استفهم عنها على سبیل الإنکار أوّلا قد صرّح بإنکاره هاهنا و منعه على تقدیر دعواهم له. ثمّ بتسلیمه تسلیم جدل أنّه لو وقع لم یکن یرغب عنهما و لا عن غیرهما من المسلمین و الاستشاره فیه. ثمّ ذکر الأمر الثانی ممّا نقماه علیه فقال: و أمّا ما ذکرتما من الأمر الأسوه: أى اسوتکما بغیر کما فی العطاء، و أجاب عنه بقوله: فإنّ ذلک أمر. إلى قوله: حکمه. فقوله: و لاولّیته هوى منّى.
أى لم أجعل الحاکم فی ذلک هواى، و روى و لا ولّیته هوى منّى على أن یکون هوى مفعولا له: و خلاصته أنّ حکمى بالتسویه فی القسمه لم یکن عن رأى منّى و لا هوى أتّبعته و لکن وجدته أنا و أنتم قد فرغ اللّه منه: أى من القضاء به فی اللوح المحفوظ و إنزاله، و یقال للأمر الثابت الّذی لا یحتاج إلى إیجاد أو تکمیل مفروغ منه، و نسبه الفراغ إلى اللّه مجاز لمناسبته ما قضاه بفعل العبد الّذی فرغ من عمله.

و قوله: فلم أحتج إلیکما. إلى قوله: حکمه.
أى لمّا وجدته کذلک لم أمل إلیکما بما یرضیکما مع مخالفته لما جاء به الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، و روى فلم أحتجّ إلیکما: أى فی الإرشاد إلى أحکام اللّه بعد فراغه منها.

و قوله: فلیس لکما. إلى قوله. عتبى.
لازم بنتیجتى قیاسیّه فی الجوابین فإنّه لمّا ثبت أنّه لا حقّ لهما فیما نقماه علیه لم یکن علیه أن یعتب. ثمّ أخذ فی الدعاء لهما و لنفسه بأخذ اللّه قلوبهم إلى الحقّ و إلهامهم الصبر عن المیول الباطله و على الحقّ. ثمّ دعا برحمه اللّه لرجل‏ رأى حقّا و عدلا و أعان على العمل به، أو رأى جورا و ظلما فردّه و أعان على صاحبه جذ بالهما إلى ذلک. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۹

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۹۵ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام کان کثیرا ما ینادى به أصحابه

تَجَهَّزُوا رَحِمَکُمُ اللَّهُ فَقَدْ نُودِیَ فِیکُمْ بِالرَّحِیلِ- وَ أَقِلُّوا الْعُرْجَهَ عَلَى الدُّنْیَا- وَ انْقَلِبُوا بِصَالِحِ مَا بِحَضْرَتِکُمْ مِنَ الزَّادِ- فَإِنَّ أَمَامَکُمْ عَقَبَهً کَئُوداً وَ مَنَازِلَ مَخُوفَهً مَهُولَهً- لَا بُدَّ مِنَ الْوُرُودِ عَلَیْهَا وَ الْوُقُوفِ عِنْدَهَا- . وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَلَاحِظَ الْمَنِیَّهِ نَحْوَکُمْ دَانِیَهٌ- وَ کَأَنَّکُمْ بِمَخَالِبِهَا وَ قَدْ نَشِبَتْ فِیکُمْ- وَ قَدْ دَهَمَتْکُمْ فِیهَا مُفْظِعَاتُ الْأُمُورِ وَ مُعْضِلَاتُ الْمَحْذُورِ- . فَقَطِّعُوا عَلَائِقَ الدُّنْیَا وَ اسْتَظْهِرُوا بِزَادِ التَّقْوَى و قد مضى شی‏ء من هذا الکلام فیما تقدم، بخلاف هذه الروایه.

اللغه

أقول: العرجه و التعریج: الإقامه على المکان و الاحتباس به.

و عقبه کؤود: شاقه المصاعد.

و الملاحظ: جمع ملحظ و هو مصدر أو محلّ اللحظ و هو النظر بموخّر العین.

و دانیه: مجدّده.

و مفظعات الامور: عظائمها و شدائدها المجاوزه حدّ المقدار المعتاد.

و معضلات المحذور: ما ثقل منها و أمال.

و مدار الفصل على الأمر بالتجهیز من الدنیا

و هو الاستعداد للسفر إلى اللّه بما یحتاج إلیه المسافرون إلى حضرته من الزاد المبلغ و هو التقوى، و الرحیل یحتمل أن یرید به السفر بالموت فیکون المنادى هو حوادث الأیّام الداعیه بضرورتها للأمزجه إلى الانهدام، و یحتمل أن یرید به السفر إلى اللّه بالریاضه الکامله، و المنادى بذلک هو الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الکتاب العزیز و أولیاء اللّه. ثمّ على الأمر بإقلال التعریج على الدنیا: أی بقلّه الالتفات إلیها إلّا على القدر الضرورىّ منها و هو الزهد. ثمّ بالانقلاب عنها بصالح ما یحضرهم فی الدنیا و یمکنهم إعداده و الاستعداد به و هو الأعمال الصالحه و التقوى و قوله: فإنّ أمامکم عقبه کؤودا.

استعار لفظ العقبه بوصف الکؤود، و وجه المشابهه شدّه الملاقات و قطع منازله فی حال تألم النفوس إلى آخر الموت، و أراد بالمنازل المحوفه المهوله منازل الآخره بعد من القبر و سایر درجات النفوس فی الشقاوه و الأهوال الاخرویّه و ظاهر أنّه لا بدّ من ورود تلک المنازل و الوقوف عندها إلى حین عبورها خصوصا أصحاب الملکات الردیئه و العلایق الدنیّه البدنیّه فإنّ وقوفهم بتلک المنازل أطول و شدائدهم فیها أهول.

و قوله: و اعلموا. إلى قوله: فیکم.
أخذ بعض لوازم المستعار و هو الملاحظه و ذویها، و کنّى بذلک عن کونها هم بالرصد لا تنقطع عنهم، و روى دائنه: أى قریبه منهم، و کذلک المخالب و نشبتها کنایه عن لحوق الآفات و الأمراض المهلکه لهم، و معنى التشبیه هاهنا تشبیه المقدّر القریب وقوعه و هو لحوق الموت لهم، و نسبه مخالب المنیه فیهم بوقوع ذلک فی السرعه، و الباء فی بمخالبها للالصاق، و الواوان فی قوله: و قد للحال.

و قوله: و قد دهمتکم. إلى قوله: المحذور.
کنایه عن لحوق شدائد الموت و مثقلات الظهور المحذوره و هى الذنوب.

و قوله: فقطّعوا علایق الدنیا.
أمر بالزهد الحقیقىّ فیها و التخفیف منها بترک الفضول و الاستکثار من متاعها، و استظهروا بزاد التقوى: أى اتّخذوه ظهیرا لکم على مشاقّ السفر إلى الآخره، و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۸

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۹۴ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الدُّنْیَا دَارُ مَجَازٍ وَ الْآخِرَهُ دَارُ قَرَارٍ- فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّکُمْ لِمَقَرِّکُمْ- وَ لَا تَهْتِکُوا أَسْتَارَکُمْ عِنْدَ مَنْ یَعْلَمُ أَسْرَارَکُمْ- وَ أَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْیَا قُلُوبَکُمْ- مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُکُمْ- فَفِیهَا اخْتُبِرْتُمْ وَ لِغَیْرِهَا خُلِقْتُمْ- إِنَّ الْمَرْءَ إِذَا هَلَکَ قَالَ النَّاسُ مَا تَرَکَ- وَ قَالَتِ الْمَلَائِکَهُ مَا قَدَّمَ- لِلَّهِ آبَاؤُکُمْ فَقَدِّمُوا بَعْضاً یَکُنْ لَکُمْ- وَ لَا تُخْلِفُوا کُلًّا فَیَکُونَ فَرْضاً عَلَیْکُمْ

أقول: حاصل الفصل التنفیر عن الدنیا و الترغیب فی الآخره بذکر الغایه من وجودهما
فتکون الدنیا مجازا: أى یسلک بها إلى الآخره سلوکا اختیاریّا کسلوک عباد اللّه الصالحین إلیه، و اضطراریّا کعبور الکلّ إلى الآخره بالموت، و أراد هنا الاضطرارىّ، و هاتان القرینتان کالمقدّمه لقوله: فخذوا من ممرّکم لمقرّکم.

و قوله: و لا تهتکوا. إلى قوله: أسرارکم.أى لمجاهرته بالمعصیه فإنّه إذا کان یعلم أسرارکم فهو یعلم ظواهر کم أولى.

و قوله: و أخرجوا. إلى قوله: أبدانکم.
أمر لهم بالزهد فی الدنیا قبل الموت، و کنّى عنه بإخراج القلوب منها. یقال: خرج فلان عن کذا، و أخرج نفسه من کذا إذا أعرض عنه و تبرّء منه.

و قوله: ففیها اختبرتم.
إشاره إلى قصد العنایه الإلهیّه منها، و قد عرفت معنى الاختبار، و لغیرها خلقتم: أى لنیل السعاده فی الآخره بالذات، أو الشقاوه لمن حرّمها بالعرض.

و قوله: إنّ المرء. إلى قوله: قدّم.
أى ما ترک من متاع الدنیا أو ما قدّم من الأعمال الصالحه، و إنّما قرن ذکر الناس و ما یسئلون عنه بذکر الملائکه و ما یسئلون عنه لینبّه على شرف الأعمال المسعده فی الآخره على متاع الدنیا لکون الأوّل مطلوب الملائکه و ما تعتنون بالفحص عنه، و کون الثانی معتنى الناس الغافلین، و فی لفظ ما ترک و ما قدّم لطف شبیه [تنبیه خ‏] على أنّ متاع الدنیا مفارق متروک و الأعمال الصالحه مقدّمه باقیه نافعه للمرء فی معاده فینبغى أن تکون العنایه بها دون المفارق المتروک.

و قوله: للّه آباؤکم.
کلمه تقولها العرب لتعظیم المخاطب بنسبته أو بنسبه أبیه إلى اللّه یقال: للّه أنت و للّه أبوک، و قیل: اللام للعاقبه: أى إلى اللّه تصیر آبائکم لکن بذلک یخرج الکلام عن معنى التعجّب و الاستعظام.

و قوله: فقدّموا بعضا. إلى آخره.
أى فقدّموا بعضا من متاع الدنیا کالصدقات و نحوها یکن لکم ثوابها فی الآخره کقوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: یا بن آدم لیس لک من دنیاک إلّا ثلاث: ما أکلت فأفنیت أو لبست فأبلیت أو تصدّقت فأبقیت، و لا تخلّفوها بأسرها لغیرکم فیکون علیکم وزرها، و قد علمت کیفیّه استلزام الصدقه و الزکاه و نحوها للملکات الفاضله و الثواب الاخروى، و استلزام البخل و ادخار المال للشقاوه الاخرویّه، و إنّما خصّص‏ البعض بالتقدیم لأنّ حرمان الورثه لا یجوز، و نهى عن تخلیف الکلّ لأنّ ترک الزکاه و الصدقه لا یجوز، و روى یکن لکم قرضا و یکن علیکم کلّا و هو کقوله تعالى مَنْ ذَا الَّذِی یُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً«» و لفظ القرض مستعار، و وجه الاستعاره أنّ القرض یستلزم فی العاده الطلب من المقترض و شکره لمقرضه و أداه إلیه فأشبه ذلک تکرر أوامر اللّه الطالبه للزکاه و الصدقه و شکر اللّه للمنفقین فی سبیله و جزاؤه للمتصدّقین فی الآخره بأضعاف ما بذلوه و أنفس کمیّه و کیفیّه من الکلّ الّذی لا منفعه فیه مع وجود مضرّته، و لمّا کان حفظ المال و تخلیفه بعد الموت کذلک لا جرم کان کلّا. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى ۶

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۹۳ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

روى عنه أنه قاله عند دفن سیده النساء فاطمه علیها السلام کالمناجى به رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلم عند قبره

السَّلَامُ عَلَیْکَ یَا رَسُولَ اللَّهِ عَنِّی- وَ عَنِ ابْنَتِکَ النَّازِلَهِ فِی جِوَارِکَ- وَ السَّرِیعَهِ اللَّحَاقِ بِکَ- قَلَّ یَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ صَفِیَّتِکَ صَبْرِی وَ رَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِی- إِلَّا أَنَّ فِی التَّأَسِّی لِی بِعَظِیمِ فُرْقَتِکَ- وَ فَادِحِ مُصِیبَتِکَ مَوْضِعَ تَعَزٍّ- فَلَقَدْ وَسَّدْتُکَ فِی مَلْحُودَهِ قَبْرِکَ- وَ فَاضَتْ بَیْنَ نَحْرِی وَ صَدْرِی نَفْسُکَ- فَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَیْهِ راجِعُونَ- فَلَقَدِ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِیعَهُ وَ أُخِذَتِ الرَّهِینَهُ- أَمَّا حُزْنِی فَسَرْمَدٌ وَ أَمَّا لَیْلِی فَمُسَهَّدٌ- إِلَى أَنْ یَخْتَارَ اللَّهُ لِی دَارَکَ الَّتِی أَنْتَ بِهَا مُقِیمٌ- وَ سَتُنَبِّئُکَ ابْنَتُکَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِکَ عَلَى هَضْمِهَا- فَأَحْفِهَا السُّؤَالَ وَ اسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ- هَذَا وَ لَمْ یَطُلِ الْعَهْدُ وَ لَمْ یَخْلُ مِنْکَ الذِّکْرُ- وَ السَّلَامُ عَلَیْکُمَا سَلَامَ مُوَدِّعٍ لَا قَالٍ‏ وَ لَا سَئِمٍ- فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلَا عَنْ مَلَالَهٍ- وَ إِنْ أُقِمْ فَلَا عَنْ سُوءِ ظَنٍّ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ الصَّابِرِینَ

اللغه

أقول: مسهّد: مورق.

و أحفها السؤال: استقص علیها فیه.

المعنى

فأمّا قول السیّد- رضى اللّه تعالى عنه- سیّده النساء، فقد جاء فی الخبر أنّه رآها تبکى عند موته فقال لها: أ ما ترضین أن تکون سیّده نساء هذه الامّه، و روى أنّه قال: سادات نساء العالمین أربع: خدیجه بنت خویلد، و فاطمه بنت محمّد، و آسیه بنت مزاحم، و مریم بنت عمران. و السلام منه علیه السّلام على الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم کعاده الزائرین لکن الزیاره هنا قلبیّه، و عنها کالمستأذن لها فی الدخول علیه، و جوارها له: أى فی منازل الجنّه و أمّا سرعه لحاقها به ففائده ذکرها التشکّى إلیه من سرعه تواتر المصائب علیه بموته و لحوقها عقیبه، و المنقول أنّ مدّه حیاتها بعده صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أربعه أشهر، و قیل: ستّه أشهر. ثمّ أخذ فی التشکّى إلیه کالمخاطب له من قلّه صبره و رقّه تجلّده و تحمّله للمصیبه بها.

و فی قوله: صفیّتک.
إشاره إلى ما کان لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من التبجیل و المحبّه و الإکرام.

و قوله: إلّا أنّ لى. إلى قوله: موضع تعزّ.
کالعذر و التسلیه و إن کانت هذه المصیبه عظیمه یقلّ لها الصبر و یرقّ لها التجلّد فإنّ المصیبه بفراقک أعظم، و کما صبرت فی تلک على کونها أشدّ فلإن أصبر على هذه أولى. و التأسی الاقتداء بالصبر فی هذه المصیبه کالصبر فی تلک.

و قوله: فلقد وسّدتک. إلى قوله: نفسک.
کالشرح للمصیبه به صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و مقاساتها عند تلحیده و عند فیضان نفسه و هى دمه بین صدره و نحره، و کالتذکیر لنفسه بها.

و قوله: فإنّا للّه و إنّا إلیه راجعون.
امتثال لقوله تعالى وَ بَشِّرِ الصَّابِرِینَ الَّذِینَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِیبَهٌ قالُوا إِنَّا
لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَیْهِ راجِعُونَ«».

و قوله: فلقد استرجعت الودیعه. إلى قوله: الرهینه.
استعار لفظ الودیعه و الرهینه لتلک النفس، و وجه الاستعاره الاولى أنّ النفوس فی هذه الأبدان یشبه الودایع و الأمانات فی کونها تسترجع إلى عاملها فی وجوب المحافظه علیها من المهلکات، و یحتمل أن یرید ما هو المتعارف بین الناس من کون المرأه ودیعه الرجل کما یقال: النساء ودایع الکرام، و وجه الثانیه أنّ کلّ نفس رهینه على الوفاء بالمیثاق الّذی واثقها اللّه تعالى به، و العهد الّذی أخذ علیها حین الإهباط إلى عالم الحسّ و الخیال أن ترجع إلیه سالمه من سخطه، عامله بأوامره غیر منحرفه من صراطه الوضوح على لسان رسوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فإن وفیت بعهدها خرجت من وثاق الرهن و ضوعف لها الأجر کما قال تعالى إِنَّ الَّذِینَ یُبایِعُونَکَ إِنَّما یُبایِعُونَ اللَّهَ یَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَیْدِیهِمْ«» و إن نکثت و ارتکبت بما نهیت عنه بقیت رهینه بعملها کما قال تعالى کُلُّ نَفْسٍ بِما کَسَبَتْ رَهِینَهٌ«» و الرهینه تصدق على الذکر و الأنثى. و قد سبقت الإشاره إلى ذلک.

و قوله: أمّا حزنى. إلى قوله: مقیم.
صوره حاله بعدهما على سبیل الشکایه، و کنّى بالدار عن الجنّه لأنّه ممّن بشّر بها.

و قوله: و ستنبّئک ابنتک. إلى قوله: الذکر.
رمز للتشکّى إلى الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من امّته بعده فیما کان یعتقده حقّا له من الخلافه و نحله فدک لفاطمه علیها السّلام فزحزحا عنهما مع نوع من الاهتضام له، و الغلظه علیه فی القول على قرب عهدهم بالرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و طراوه الذکر الّذی هو القرآن الآمر بمودّه القربى.

و قوله: و السلام علیکما. إلى آخره.صوره وداع المحبّین الناصحین بجارى العاده.

و قوله: و إن اقم. إلى قوله: الصابرین.
تنزیه لنفسه عمّا عساه یعرض لبعض من یلازم القبور لشدّه الجزع و الأسف عن و هم أنّه لا عوض عن ذلک الفائت و الأجر على التعزّى و الصبر عنه، و ما وعد اللّه به الصابرین على نزول المصائب هو صلاته و رحمته فی قوله تعالى الَّذِینَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِیبَهٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَیْهِ راجِعُونَ أُولئِکَ عَلَیْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَهٌ«» و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(اب ‏میثم بحرانی)، ج ۴ ، صفحه‏ى‏۳

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۹۲ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

أَیُّهَا النَّاسُ- لَا تَسْتَوْحِشُوا فِی طَرِیقِ الْهُدَى لِقِلَّهِ أَهْلِهِ- فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَهٍ شِبَعُهَا قَصِیرٌ- وَ جُوعُهَا طَوِیلٌ- أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا یَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا وَ السُّخْطُ- وَ إِنَّمَا عَقَرَ نَاقَهَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ- فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا- فَقَالَ سُبْحَانَهُ فَعَقَرُوها
فَأَصْبَحُوا نادِمِینَ- فَمَا کَانَ إِلَّا أَنْ خَارَتْ أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَهِ- خُوَارَ السِّکَّهِ الْمُحْمَاهِ فِی الْأَرْضِ الْخَوَّارَهِ- أَیُّهَا النَّاسُ مَنْ سَلَکَ الطَّرِیقَ الْوَاضِحَ وَرَدَ الْمَاءَ- وَ مَنْ خَالَفَ وَقَعَ فِی التِّیهِ

اللغه

أقول: السکّه: الحدیده تکون فی رأس خشبه الفدّان تثار بها الأرض.

و خوارها: صوتها فی الأرض.

و الأرض الخوّاره: الضعیفه.

و حاصل الفصل ترغیب أصحابه السالکین لطریق الهدى فی البقاء على ما هم علیه

بذکر کونه طریق الهدى، و من العاده أن یستوحش الناس من الوحده و قلّه الرفیق فی الطریق الطویل الصعب فنهى عن الاستیحاش فی تلک الطریق، و کنّى به عمّا عساه یعرض لبعضهم من الوسوسه بأنّهم لیسوا على حقّ لقلّتهم و کثره مخالفیهم لأنّ قلّه العدد فی الطریق مظنّه الهلاک و السلامه مع الکثره و نحو ذلک فنبّههم على أنّهم فی طریق الهدى و إن کانوا قلیلین. و قوله: فإنّ الناس اجتمعوا. إلى قوله: طویل. تنبیه على علّه قلّه أهل الهدى و هو اجتماع الناس على الدنیا، و استعار لها لفظ المائده ملاحظه لشبهها بها فی کونها مجتمع اللذّات، و کنّى عن قصر مدّتها بقصر شبعها، و عن استعقاب الانهماک فیها للعذاب الطویل فی الآخره بطول جوعها، و لفظ الجوع مستعار للحاجه الطویله بعد الموت إلى المطاعم الحقیقیّه الباقیه من الکمالات النفسانیّه الفانیه بسبب الغفله فی الدنیا فلذلک نسب الجوع إلیها، و یحتمل أن یکون مستعارا لما تتلهّف علیه النفس و تتأسّف بعد المفارقه من اللذّات الدنیویّه الّتی لا تحصل علیها بعد الموت أبدا فیطول جوعها منها، و راعى المقابله فالجوع بإزاء الشبع و الطول بإزاء القصر.

و قوله: أیّها الناس. إلى قوله: السخط. أى إنّما یجمع الناس فی عذاب اللّه رضاهم بالمنکرات و معاصى اللّه و إن‏ لم یباشرها أکثرهم و سخطهم لمحابّه من الأعمال، و مصداق ذلک قصّه ثمود فی عموم العذاب لهم بفعل عاقر الناقه فإنّهم بأسرهم ما فعلوا ذلک مع نسبه الفعل إلى جمیعهم کما قال تعالى «فَعَقَرُوها» الآیه و عمّتهم العقوبه لمّا عمّوه بالرضى، و الضمیر فی عمّوه یعود إلى الرجل أو إلى العقر الّذی دلّ علیه قوله: عقر: أى لمّا عمّوا فعله برضاهم به، و إلیه الإشاره بقوله تعالى «وَ اتَّقُوا فِتْنَهً لا تُصِیبَنَّ الَّذِینَ ظَلَمُوا مِنْکُمْ خَاصَّهً»«» و ظاهر أنّ الراضى بفعل شریک فاعله و فی قوّته، و کذلک إنّما یجمع اللّه الناس فی رحمته باجتماعهم على الرضا بمحابّه و السخط لمکارهه.

فقوله: فما کان إلّا أن خارت أرضهم. إلى قوله: الخوّاره. تفسیر للعذاب اللاحق لهم المشار إلیه بقوله: فأصبحوا نادمین فأخذهم العذاب، و قد فسّره القرآن الکریم أیضا فی قوله «فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَهُ»«» فبیّن علیه السّلام کیفیّه ذلک و شبّه صوت أرضهم فی خسوفها و ذهابها فی الأرض بصوت السکّه المحماه فی الأرض عند الحرث بها، و إنّما زادها صفه المحماه تنبیها على قوّه تصویتها و سرعه غوصها لأنّ المحماه یکون لها فی الأرض نشیش زائد على ما یقتضیه حرکتها و یعینها الحمى على النفوذ. فأمّا قصّه ثمود فالمنقول أنّهم خلف عاد فی الأرض بعد هلاکهم عنها فکثروا و عمّروا أعمارا طویله حتّى کان الرجل یبنى المسکن المحکم فینهدم فی حیاته فنحتّوا البیوت فی الجبال و کانوا فی سعه و رخاء من العیش فعتوا عن أمر اللّه و أفسدوا فی الأرض و عبدوا الأوثان. فبعث اللّه إلیهم صالحا و کانوا قوما عربا و صالح من أوسطهم نسبا فدعاهم إلى اللّه فلم یتّبعه إلّا قلیل منهم مستضعفون فحذّرهم و أنذرهم فسألوه آیه فقال: أیّه آیه تریدون. فقالوا: تخرج معنا إلى عیدنا فی یوم معلوم من السنه تدعو إلهک و ندعو آلهتنا فإن استجیب لک اتّبعناک و إن استجیب لنا اتّبعتنا. فقال: نعم. فخرج معهم و دعوا أربابهم و سألوها فلم تجب.

فقال کبیرهم و أشار إلى صخره مفرده فی ناحیه الجبل یسمّونها الکاثبه: أخرج لنا من هذه الصخره ناقه جوفاء و براء فإن فعلت صدّقناک و أجبناک. فأخذ علیهم‏ المواثیق بذلک. ثمّ صلّى و دعا ربّه فتمخّضت الصخره کما تمخّض النتوج بولدها فانصدعت عن ناقه عشراء جوفاء و براء کما یطلبون، و عظماؤهم ینظرون. ثمّ نتجت ولدا مثلها فی العظم. فآمن به رئیسهم و نفر من قومه و منع أعقابهم ناس من رؤسائهم أن یؤمنوا. فمکثت الناقه مع ولدها ترعى الشجر و تشرب الماء و کانت ترد غبّا فإذا کان یوم شربها وضعت رأسها فی البئر فما ترفعه حتّى تشرب کلّ ماء فیها. ثمّ تفجّج فیحلبون ما شاءوا حتّى تمتلى أوانیهم فیشربون و یدّخرون. فإذا وقع الحرّ تصیّفت بظهر الوادی فتهرب منها أنعامهم فتهبط إلى بطنه، و إذا وقع البرد تشتّت ببطن الوادی فتهرب مواشیهم إلى ظهره فشقّ ذلک علیهم، و زیّنت لهم عقرها امرأتان: عنیزه امّ غنم و صدقه بنت المختار کانتا کثیرتى المواشى لمّا أضرّت بمواشیهما.

فعقرها قدار الأحمر و اقتسموا لحمها و طبخوه فانطلق سقبها حتّى رقى جبلا یقال له غاره فرغا ثلاثا و کان صالح قال لهم: أدرکوا الفصیل عسى أن یرفع عنکم العذاب فلم یقدروا علیه و انفجّت الصخره بعد رغائه فدخلها فقال لهم صالح: تصبحون غدا و وجوهکم مصفرّه و بعد غد و هی محمّره و الیوم الثالث و هی مسوّده.

ثمّ یغشاکم العذاب. فلمّا رأوا العلامات همّوا بقتله فأنجاه اللّه إلى أرض فلسطین. فلمّا کان الیوم الرابع و ارتفع الضحى تحنّطوا بالصبر و تکفّنوا بالأنطاع فأتتهم الصیحه و خسف شدید و زلزال فتقطّعت قلوبهم فهلکوا. و باللّه العصمه و التوفیق هذا آخر المجلّد الثالث من هذا الکتاب تمّ ثالث أجزاء الکتاب من الأجزاء الخمسه على ما جزئه الشارح المحقّق- قدّس سرّه- فی أحسن وضع و على أنقى ورق و بأجود طباعه و یلیه الجزءان الآخران- إنشاء اللّه تعالى- و لو تدرى نفس ما یتحمّله المقدم من الصعوبه فی تهذیب طباعه کتاب لعبت به ید الأیّام و حرّفته أقلام الجهله لقبل ذلک عذرا فیما یؤخذ على الناشر، أو لیحثّه أن یغفر ما له من الذنب.
و علیه سبحانه التوکّل و به العصمه.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۴۷۳

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۹۱ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

وَ اللَّهِ مَا مُعَاوِیَهُ بِأَدْهَى مِنِّی وَ لَکِنَّهُ یَغْدِرُ وَ یَفْجُرُ- وَ لَوْ لَا کَرَاهِیَهُ الْغَدْرِ لَکُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ- وَ لَکِنْ کُلُّ غُدَرَهٍ فُجَرَهٌ وَ کُلُّ فُجَرَهٍ کُفَرَهٌ- وَ لِکُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ یُعْرَفُ بِهِ یَوْمَ الْقِیَامَهِ- وَ اللَّهِ مَا أُسْتَغْفَلُ بِالْمَکِیدَهِ وَ لَا أُسْتَغْمَزُ بِالشَّدِیدَهِ

اللغه

أقول: الدهاء: استعمال العقل و الرأى الجیّد فیما یراد فعله ممّا لا ینبغی مع إظهار إراده غیره. و یسمّى صاحبه داهیا، و داهیه للمبالغه، و خبیثا و مکّارا و حیّالا.
و هو داخل تحت رذیله الجربزه و هی طرف الإفراط من فضیله الحکمه العملیّه و یستلزم رذائل کثیره کالکذب.

و الغدر: هو الرذیله المقابله لفضیله الوفاء بالعهود الّتی هی ملکه تحت العفّه.

و الفجور: المقابل لفضیله العفّه.

المعنى

فقوله علیه السّلام: ما معاویه بأدهى منّى. أى لیس بأقدر منّی على فعل الدهاء، و أکّد ذلک بالقسم البارّ. و قوله: و لکنّه یغدر و یفجر. إشاره إلى لوازم الدهاء الّتی لأجلها ترکه و هو الغدر، و بواسطته الفجور فإنّ الوفاء لمّا کان نوعا تحت العفّه کان الغدر الّذى هو رذیلته نوعا تحت ما یقابل العفّه و هو الفجور و لذلک نفى الدهاء عن نفسه لکراهیّته للغدر، و نفیه له عن نفسه‏

لأنّ نفى اللازم مستلزم لنفى الملزوم. ثمّ جعل الغدر أوسط فی إثبات الفجور لمعاویه بقیاس ضمیر من الشکل الأوّل فقوله: و لکنّه یغدر. فی قوّه صغرى القیاس، و قوله: و یفجر. فی قوّه النتیجه فکأنّه قال: و لکنّه یغدر فهو یفجر، و نبّه على الکبرى بقوله: و کلّ غدره فجره. فصار الترتیب هکذا: و لکنّه یغدر و کلّ من یغدر یفجر و النتیجه فهو إذن یفجر. ثمّ نبّه على لزوم الکفر له بقیاس آخر من الشکل الأوّل نبّه على صغراه بقوله: و کلّ غدره فجره، و على کبراه بقوله: و کلّ فجره کفره، و إذ ثبت فی القیاس الأوّل أنّه فاجر و استلزم قوله: و کلّ فجره کفره أن کلّ فاجر کافر ثبت بهاتین المقدّمتین أنّه کافر. و روى: غدره، و فجره، و کفره.

و هو کثیر الغدر و الفجور و الکفر و ذلک أصرح فی إثبات المطلوب، قال بعض الشارحین: و وجه لزوم الکفر أنّ هنا الغادر على وجه استباحه ذلک و استحلاله، کما کان هو المشهور من حال عمرو بن العاص و معاویه فی استباحه ما علم تحریمه بالضروره من دین محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلم و جحده و هو معنى الکفر، و یحتمل أنّه یرید کفر نعم اللّه و سترها بإظهار معصیته کما هو المفهوم اللغویّ من لفظ الکفر. و إنّما وحّد الکفر لیتعدّد الکفر بحسب تعدّد الغدر فیکون أدعى إلى النفار عن الغدر. إذ هو فی معرض التنفیر عنه. و قوله: و لکلّ غادر لواء یعرف به یوم القیامه. لفظ الخبر النبوىّ، و فیه تنفیر عن رذیله الغدر. و قوله: و اللّه ما استغفل بالمکیده. تقریر و تأکید لما ذکره من معرفته بوجوه الآراء و کیفیّه الدهاء للداهى فإنّ من یکون کذلک لا یلحقه غفله عمّا یعمل علیه من الحیله و المکیده. و قوله: و لا استغمز. بالزاء المعجمه. أى لا یطلب غمزى و إضعافی فإنّى لا أضعف عمّا ارمى به من الشدائد، و روى بالراء أى لا استجهل بشدائد المکائد. و هذا القول صدر منه علیه السّلام کالجواب لما کان یسمعه من أقوال الجاهلین بحاله و نسبتهم له إلى قلّه التدبیر و سوء الرأى‏ و نسبه معاویه إلى استخراج وجوه المصالح و الآراء الصحیحه فی الحرب و غیرها. و اعلم أنّ الجواب عن هذا الخیال یستدعى فهم حاله علیه السّلام و حال معاویه و غیره ممّن ینسب إلى جوده الرأى، و بیان التفاوت بینهم و بینه و ذلک راجع إلى حرف واحد و هو أنّه علیه السّلام کان ملازما فی جمیع حرکاته قوانین الشریعه مدفوعا إلى اتّباعها و رفض ما العاده أن یستعمل فی الحروب.

فالتدابیر من الدهاء و الخبث و المکر و الحیله و الاجتهادات فی النصوص و تخصیص عموماتها بالآراء و غیر ذلک ممّا لم ترخص فیه الشریعه، و کان غیره یعتمد جمیع ذلک سواء وافق الشریعه أو لم یوافق فکانت وجوه الحیل و التدبیر علیهم أوسع، و کان مجالها علیه أضیق. و نقل عن أبى عثمان عمرو بن بحر الجاحظ فی هذا المعنى کلام طویل خلاصته أن قال: إنّى ربّما رأیت بعض من یظنّ بنفسه العقل و العلم و أنّه من الخاصّه و هو من العامّه، و یزعم أنّ معاویه کان أبعد غورا و أصحّ فکرا و أجود مسلکا من علىّ و لیس الأمر کذلک و ساؤمى إلى موضع غلطه، و ذلک أنّ علیّا علیه السّلام کان لا یستعمل فی حروبه إلّا ما یوافق الکتاب و السنّه، و کان معاویه یستعمل ما یخالفهما کاستعماله ما یوافقهما و یسیر فی الحرب بسیره ملک الهند إذا لا فى کسرى، و کان علىّ یقول لأصحابه: لا تبدءوهم بالقتال حتّى یبدؤکم و لا تتّبعوا مدبرا و لا تجهزوا على جریح و لا تفتحوا بابا مغلقا. هذه سیرته فی ذى الکلاع و فی أبى الأعور السلمى و فی عمرو بن العاص و فی حبیب بن مسلمه و فی جمیع الرؤساء کسیرته فی الحاشیه و الأتباع، و أصحاب الحروب إنّما یقصدون الوجه الّذى به هلاک الخصم و ینتظرون وجه الفرصه سواء کان مخالفا للشریعه کالحریق و الغریق و دفق السموم و التضریب بین الناس بالکذب و إلقاء الکتب فی العسکر أو موافقا لها فمن اقتصر فی التدبیر على الکتاب و السنّه فقد منع نفسه الطویل العریض من التدبیر و ما لا یتناهى من المکائد، و الصدق و الکذب أکثر من الصدق وحده و الحلال و الحرام أکثر من الحلال وحده فعلىّ کان ملجما بلجام الورع عن جمیع القول إلّا ما فیه للّه رضى، و ممنوع الیدین من کلّ بطش إلّا بما دلّ علیه الکتاب و السنّه دون أصحاب‏ الدهاء و المکر و المکائد فلمّا رأت العوامّ نوادر معاویه فی المکائد و کثره معایبه فی الخدیعه و ما تهیّأ له و لم یروا مثل ذلک من علىّ ظنّوا القصور فظنّهم أنّ ذلک من رجحان عند معاویه و نقصان فی علىّ. ثمّ انظر بعد ذلک کلّه هل یعدّ لمعاویه من الخداع أکبر من رفع المصاحف، ثمّ انظر هل خدع بها إلّا من عصى رأى علىّ و خالف أمره من أصحابه فإن زعمت أنّه قد نال ما أراد بخداعه من الاختلاف على علىّ فقد صدقت و لکن لیس ذلک محل النزاع و لم یختلف فی غراره أصحاب علىّ و عجلتهم و تسرّعهم و تنازعهم، و إنّما کانت البحث فی التمییز بینه و بین معاویه فی الدهاء و المکر و صحّه العقل و الرأى.

فهذه خلاصه کلامه، و من تأمّله بعین الانصاف علم صحّته و صدقه، و من هذا یتبیّن لک الجواب عن کلّ ما نسب إلیه من التقصیر فی خلافته کعدم إقراره لمعاویه على الولایه فی أوّل خلافته ثمّ یعزله بعد ذلک لما یستلزم تقریره من الظلم، و کشبهه التحکیم، و کنسبتهم له إلى التوحّش لبعض أصحابه حتّى فارقوه إلى معاویه کأخیه عقیل و شاعره النجاشی و مصقله بن هبیره، و کترکه لطلحه و الزبیر حتّى فارقاه و خرجا إلى مکّه و أذن لهما فی العمره و ذهب عنه الرأى فی ارتباطهما عنده و منعه لهما من البعد عنه، و أمثال ذلک فإنّ الانصاف عند اعتبار حاله فی جمیع ما نسب إلیه یقتضى موافقته للشریعه و عدم خروجه عنها. و تفصیل الأجوبه عن ذلک ممّا یخرج عن الغرض، و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج‏ البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۲۶۹

 

بازدیدها: ۲

خطبه ۱۹۰ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام کان یوصى به أصحابه

تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلَاهِ وَ حَافِظُوا عَلَیْهَا- وَ اسْتَکْثِرُوا مِنْهَا وَ تَقَرَّبُوا بِهَا- فَإِنَّهَا کانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ کِتاباً مَوْقُوتاً- أَ لَا تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ النَّارِ حِینَ سُئِلُوا- ما سَلَکَکُمْ فِی سَقَرَ- قالُوا لَمْ نَکُ مِنَ الْمُصَلِّینَ- وَ إِنَّهَا لَتَحُتُّ الذُّنُوبَ حَتَّ الْوَرَقِ- وَ تُطْلِقُهَا إِطْلَاقَ الرِّبَقِ- وَ شَبَّهَهَا رَسُولُ اللَّهِ ص بِالْحَمَّهِ تَکُونُ عَلَى بَابِ الرَّجُلِ- فَهُوَ یَغْتَسِلُ مِنْهَا فِی الْیَوْمِ وَ اللَّیْلَهِ خَمْسَ مَرَّاتٍ- فَمَا عَسَى أَنْ یَبْقَى عَلَیْهِ مِنَ الدَّرَنِ- وَ قَدْ عَرَفَ حَقَّهَا رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ- الَّذِینَ لَا تَشْغَلُهُمْ عَنْهَا زِینَهُ مَتَاعٍ وَ لَا قُرَّهُ عَیْنٍ- مِنْ وَلَدٍ وَ لَا مَالٍ- یَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ- رِجالٌ لا تُلْهِیهِمْ تِجارَهٌ وَ لا بَیْعٌ عَنْ ذِکْرِ اللَّهِ- وَ إِقامِ الصَّلاهِ وَ إِیتاءِ الزَّکاهِ- وَ کَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص نَصِباً بِالصَّلَاهِ- بَعْدَ التَّبْشِیرِ لَهُ بِالْجَنَّهِ- لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ أْمُرْ أَهْلَکَ‏ بِالصَّلاهِ وَ اصْطَبِرْ عَلَیْها- فَکَانَ یَأْمُرُ أَهْلَهُ وَ یُصْبِرُ نَفْسَهُ ثُمَّ إِنَّ الزَّکَاهَ جُعِلَتْ مَعَ الصَّلَاهِ قُرْبَاناً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ- فَمَنْ أَعْطَاهَا طَیِّبَ النَّفْسِ بِهَا- فَإِنَّهَا تُجْعَلُ لَهُ کَفَّارَهً وَ مِنَ النَّارِ حِجَازاً وَ وِقَایَهً- فَلَا یُتْبِعَنَّهَا أَحَدٌ نَفْسَهُ وَ لَا یُکْثِرَنَّ عَلَیْهَا لَهَفَهُ- فَإِنَّ مَنْ أَعْطَاهَا غَیْرَ طَیِّبِ النَّفْسِ بِهَا- یَرْجُو بِهَا مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا فَهُوَ جَاهِلٌ بِالسُّنَّهِ- مَغْبُونُ الْأَجْرِ ضَالُّ الْعَمَلِ- طَوِیلُ النَّدَمِ ثُمَّ أَدَاءَ الْأَمَانَهِ- فَقَدْ خَابَ مَنْ لَیْسَ مِنْ أَهْلِهَا- إِنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى السَّمَاوَاتِ الْمَبْنِیَّهِ- وَ الْأَرَضِینَ الْمَدْحُوَّهِ وَ الْجِبَالِ ذَاتِ الطُّولِ الْمَنْصُوبَهِ- فَلَا أَطْوَلَ وَ لَا أَعْرَضَ وَ لَا أَعْلَى وَ لَا أَعْظَمَ مِنْهَا- وَ لَوِ امْتَنَعَ شَیْ‏ءٌ بِطُولٍ أَوْ عَرْضٍ- أَوْ قُوَّهٍ أَوْ عِزٍّ لَامْتَنَعْنَ- وَ لَکِنْ أَشْفَقْنَ مِنَ الْعُقُوبَهِ- وَ عَقَلْنَ مَا جَهِلَ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُنَّ وَ هُوَ الْإِنْسَانُ- إِنَّهُ کانَ ظَلُوماً جَهُولًا إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لَا یَخْفَى عَلَیْهِ- مَا الْعِبَادُ مُقْتَرِفُونَ فِی لَیْلِهِمْ وَ نَهَارِهِمْ- لَطُفَ بِهِ خُبْراً وَ أَحَاطَ بِهِ عِلْماً أَعْضَاؤُکُمْ شُهُودُهُ- وَ جَوَارِحُکُمْ جُنُودُهُ وَ ضَمَائِرُکُمْ عُیُونُهُ وَ خَلَوَاتُکُمْ عِیَانُهُ

اللغه

أقول: الربق: جمع الربقه و هی الحلقه فی الحبل.

و الجمّه بالجیم: الحفیره یجمع فیها الماء، و روى بالحاء و المعنى واحد.

و الدرن: الوسخ.

و النصب: التاعب.

و الاقتراف: الاکتساب.

المعنى

و حاصل الفصل الوصیّه بالمحافظه على امور ثلاثه و الحثّ علیها:

أوّلها: الصلاه فأمر بتعاهد أمرها و المحافظه علیها
و ذلک بافتقار الإنسان لأحوال نفسه حال الصلاه و مراقبتها حذرا أن تشوبها نزغات الشیطان بریاء فیها أو التفاوت عنها. ثمّ بالمحافظه على أوقاتها و أداء أرکانها کما هى. ثمّ بالاستکثار منها و التقرّب بها إلى اللّه لکونها أفضل العبادات و القرب إلیه. ثمّ أشار إلى فضیلتها و وجه وجوبها: أحدها: قوله: فإنّها کانت على المؤمنین کتابا موقوتا و هو لفظ القرآن الکریم. و موقوتا: مفروضاً، و قیل منجّما فی کلّ وقت صلاه معیّنه. الثانی: التحذیر لتارکها بالتنبیه على استلزام ترکها لدخول النار بقوله: لا تسمعون. إلى قوله: من المصلّین. الثالث: أنّها تحتّ الذنوب حتّ الورق، و هو تشبیه للمعقول بالمحسوس و وجه الشبه ظاهر، و کذلک و تطلقها إطلاق الربق: أى و تطلق أعناق النفوس من أغلالها کما تطلق الربقه من عنق الشاه. الرابع: تشبیه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم لها بالجمّه تکون على باب الرجل. و صوره الخبر عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلم: أیسّر أحدکم أن یکون على بابه جمّه یغتسل منها کلّ یوم خمس مرّات فلا یبقى علیه من درنه شی‏ء فقالوا: نعم. قال: فإنّها الصلوات الخمس. الخامس: تنبیهه بذکر عرفان رجال من المؤمنین و هم الموصوفون فی الآیه بقدرها. السادس: نصب الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم فیها و أمر اللّه تعالى بالمواظبه علیها بعد تبشّره له بالجنّه و ذلک فی قوله «وَ أْمُرْ أَهْلَکَ بِالصَّلاهِ وَ اصْطَبِرْ عَلَیْها» و امتثاله لذلک الأمر فی نفسه و أمره أهله، و روى أنّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم قام فی الصلاه حتّى تورمت قدماه.

فقیل له فی ذلک. فقال: أفلا أکون عبدا شکورا، و ذلک من أوضح الدلائل على کثره فوائدها و قوّه فضیلتها، و اعلم أنّه قد ورد فی فضلها أخبار کثیره بعد تأکید القرآن للأمر بها، و قد بیّنّا ذلک و أشرنا إلى فضیلتها إشاره مستوفاه فی الفصل‏

الّذى أوّله: إنّ أفضل ما یتوسّل به المتوسّلون إلى اللّه سبحانه الإیمان به و برسوله.
الثانیه ممّا أمر بالمحافظه علیه: الزکاه
و هى قرینه الصلاه فی الذکر فی الکتاب العزیز و فی الفضیله فلذلک قال: جعلت مع الصلاه. ثمّ أشار إلى سرّها و هو کونها قربانا لأهل الإسلام، و سنبیّن ذلک، و أشار بقوله: فمن أعطاها إلى قوله: طویل الندم إلى شرط کونها مقرّبه إلى اللّه تعالى و بیان کون قبولها مشروطا بطیب النفس ببیان سرّها، و قد عرفته أیضا فی ذلک الفصل و علمت أنّ من أقسام المستنزلین عن المال من اقتصر منه على أداء الواجب من الزکاه من غیر زیاده و لا نقصان و هم العوامّ لجهلهم بسرّ البذل و بخلهم بالمال و میلهم إلیه من ضعف حبّهم للآخره قال تعالى «إِنْ یَسْئَلْکُمُوها فَیُحْفِکُمْ تَبْخَلُوا» و طهاره الفرق الّذین ذکرناهم ممّن استنزل عن المال و محابّهم و قربهم من اللّه و بعدهم بقدر طیب أنفسهم عن بذل المال و الإعراض عنه و محبّته، و هذه الفرقه أعنى من اقتصر منهم على أداء الواجب فقط تنقسم إلى مؤدّ لذلک الحقّ بطیب نفس و مسامحه، و إلى مؤدّ له مع بقاء محبّته و تکدیر النفس ببذله و تلهّف علیه أو انتظار جزاء له، و باعتبار القسمین الأوّلین مع القسم الأوّل من هذه الفرقه یکون بذل المال و الزکاه قربه إلى اللّه تعالى و هو الّذی أشار إلیه أمیر المؤمنین بقوله: إنّ الزکاه. إلى قوله: و وقایه.

و إن کان قد خصّص الزکاه هنا، و إنّما یکون قربه لاستلزامه رفض هذا المحبوب الّذی یتصوّر باذنه أنّ جمیع الکمالات الدنیویّه یستفاد منه رغبه عنه و محبّه للّه و رغبه فیما عنده، و تکون کفّاره ماحیه لرذیله البخل و ما یستلزمه من الذنوب، و یکون حجابا بین العبد و بین عذاب اللّه. إذ قد علمت أنّ مبدء العذاب فی الآخره حبّ الدنیا و أعظمه حبّ المال فإذا کان بذل المال مستلزما لزوال حبّه کان بذلک الاعتبار حجابا من العذاب و وقایه منه، و أمّا إیتاء الزکاه على الوجه الثانی فهو المذموم و المنهىّ عنه بقوله: و لا یکثرنّ علیها لهفه.

بعد أمره بها فی قوله: فلا یتبعنّها أحد نفسه و یلزم باذلها على ذلک الوجه النقائص المذکوره: و هی الجهل بالسنّه فإنّ السنّه فی أدائها أن یؤدّى بطیب نفسه و مسامحه، و أن یکون مغبونا فی الأجر فإنّ إیتانها على وجه توقّع جزاء لها لا على وجه القربه إلى اللّه غیر مستلزمه لرضوانه و ذلک هو الغبن و إن حصل له جزاء غیر رضوان اللّه فإنّ الحصول على کلّ جزاء غیر رضوانه جزاء ناقص و غبن فاحش بالنسبه إلیه، و أن یکون ضالّ العمل و هو إعطاؤه ذلک المال و بذله على غیر وجهه و قصده به غیر سبیل الهدى إلى رضوان اللّه، و أن یکون طویل الندم: أی فی محبّه المال و فیما یرجوه به من الجزاء.

الثالثه ممّا أوصى به: أداء الأمانه
و هی الّتی أشار القرآن الکریم إلیها بقوله «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَهَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ»«» الآیه، و قد بیّنّا فیما سلف أنّها تعود إلى العباده و الطاعه المطلوبه من الإنسان بما هو إنسان، و ظاهر أنّ تلک العباده لا یمکن من غیره فإنّه إنّما حملها من حیث خلق مستصلحا للدارین، و بیان ذلک أنّ مخلوقات اللّه تعالى إمّا جمادات أو ذات حیاه، و ذوات الحیات إمّا الملائکه و الحیوان الأرضى، و الحیوان الأرضى إمّا أعجم أو ناطق.
فالحیوان منها و هو الإنسان هو المتأهّل لعماره الدارین و الکون فیها، و هو الواسطه بین خلقین وضیع و هو الحیوان الأعجم و شریف و هو الملک، و قد استجمع قوّتى العاملین فهو کالحیوان فی الشهوه و الغضب و قوّه التناسل و سایر القوى البدنیّه المختصّه بالحیوان، و کالملک فی القوّه المجرّده و العقل و العلم و العباده و سائر الکمالات النفسانیّه، و وجه الحکمه فی ذلک أنّه تعالى لمّا اقتضت عنایته إیجاده لهذه العباده المخصوصه أن یجعل فی الأرض خلیفه لعمارتها جمع له بین القوّتین فإنّه لو کان کالبهیمه خالیا عن العقل لم یتأهّل لمعرفته و عبادته الخاصّه، و لو خلق کالملک معرّى عن الشهوه و الغضب و سائر القوى البدنیّه لم یصلح لعماره أرضه و خلافته فیها و لذلک قال للملائکه «إِنِّی أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ» فإذن هذه العباده الخاصّه و هی الأمانه المشار إلیها لا یصلح لها إلّا الإنسان و لا یمکن من غیره، و قد علمت أیضا فیما سلف أنّ إباء السماوات و الأرض و الجبال عن حملها یعود إلى امتناع‏ قبولها بلسان حال قصورها و عدم صلاحیّتها لها، و إشفاقها من عقوبه اللّه على التقصیر عن أداء حقوقها کما أشار إلیه أمیر المؤمنین علیه السّلام بقوله: أشفقن من العقوبه. و لم یکن ذلک إباء استکبار لخضوعها تحت ذلّ الحاجه إلیه، و لفظ الإشفاق مجاز فی ثمرته و لازمه و ذلک أنّ السلطان مثلا إذا کلّف بعض رعیّته حمل أمانه تکلیف تخییر فخاف ذلک المکلّف العقوبه على تقصیره فی أداء تلک الأمانه فإنّ خوفه یستلزم ترکه و امتناعه من حمله فکان الامتناع من الأمانه مسبّبا عن الإشفاق فأطلق الإشفاق هنا على إباء السماوات و الأرض بلسان حالها مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب و قیل: إنّ ذلک الإباء و الإشفاق على وجه التقدیر و إنّما جی‏ء بلفظ الواقع لأنّ الواقع أبلغ من المقدّر: أى لو کانت هذه الأجرام عاقله ثمّ عرضت علیها وظائف الدین عرض تخییر لاستثقلت ذلک مع کبر أجسامها و شدّتها و لامتنعت من حملها إشفاقا من القصور عن أداء حقّها. ثمّ إنّ مخاطبه الجماد و الإخبار عنها نظرا إلى قرینه الحال طریقه مشهوره للعرب و مستحسنهم فی تعارفهم کقولهم: یا دار ما صنعت بک الأیّام، و نحوه. بل مخاطبه بعض الجمادات لبعض بلسان أحوالها کقولهم: قال الحائط للوتد: لم تشقّنى قال: سل من یدقّنى، و نحو ذلک کثیر. فأمّا قوله علیه السّلام: و قد خاب من لیس من أهلها. فتلک الخیبه تعود إلى حرمان ثمره هذه العباده و ما یستلزمه من الحصول على الکمالات. إذ لیست من أهلها، و ذکر کون السماوات مبنیّه و الأرض مدحوّه و الجبال بأطوالها و عروضها و علوّها و عظمتها تنبیه للإنسان على جرأته على المعاصى و تضییع هذه الأمانه إذ اهلّ لها و حملها، و تعجّب منه فی ذلک. فکأنّه یقول: إذا کانت هذه الأجرام العلویّه الّتی لا أعظم منها قد امتنعت من حمل هذه الأمانه حین عرضت علیها فکیف حملها من هو أضعف منها.

و قوله: و لو امتنع شی‏ء. إلى قوله: لامتنعن. إشاره إلى أنّ امتناعهنّ لم یکن لعزّه و عظمه أجساد و لا استکبار عن الطاعه له، و أنّه لو کان کذلک لکانت أولى بالمخالفه عن کلّ شی‏ء لأعظمیّه أجرامها عن کلّ المخلوقات بل إنّما ذلک عن ضعف و إشفاق من خشیه اللّه، و عقلن ما جهل الإنسان. قیل: إنّ اللّه تعالى عند خطابها خلق فیها فهما و عقلا، و قیل: إنّ إطلاق العقل مجاز فی مسبّبه و هو الامتناع عن قبول هذه الأمانه کلفظ الإشفاق فإنّ عقلیّه المکلّف العقوبه على التقصیر فی تکلیف یخیّر فیه و یخاف التقصیر یستلزم ترکه لذلک التکلیف و استقالته منه، و إذ لم یکن لها عقل من جهه ما هی أجرام اطلق لفظ العقل على لازمه و ثمرته و هو الامتناع و الإباء مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب کإطلاق لفظ الإراده على میل الحائط فی قوله تعالى «جِداراً یُرِیدُ أَنْ یَنْقَضَّ»«» و أقول: یحتمل أن یعود الضمیر فی أشفقن و عقلن إلى من یعقل من الملائکه السماویّه. إذ لکلّ جرم سماویّ ملک یدبّره هو کالبدن له لإمکان ذلک فیها دون سائر الأجرام الأرضیّه، و ما جهله الإنسان هو عظمه اللّه و غایه هذه الأمانه، و تقصیره فی أداء واجباتها المستلزم لعقوبته و استحقاق سخط اللّه، و کونه ظلوما: أی کثیر الظلم لنفسه لعدم محافظته على هذه الأمانه، و کونه جهولا: أی کثیر الجهل بأسرار هذه الأمانه و الغفله عمّا یستلزمه فعلها و ترکها و عن الوعیدات الوارده على التقصیر فیها. و قوله: إنّ اللّه لا یخفى علیه. إلى آخره. تنبیه لهذا الظلوم الجهول على إحاطه علم اللّه تعالى بجمیع أحواله و اکتساباته فی لیله و نهاره و أنّه لطیف الخبر و المعرفه بها ینفذ علمه فی البواطن کما یقع على الظواهر. و قوله: أعضاؤکم شهوده. أى شهود له علیکم من قوله تعالى «یَوْمَ تَشْهَدُ عَلَیْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَیْدِیهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما کانُوا یَعْمَلُونَ»«»، و جوارحکم جنوده و ذلک باعتبار کونها معینه علیهم، و ضمائرکم عیونه: أى طلائعه و جواسیسه کقوله تعالى «وَ شَهِدُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ کانُوا کافِرِینَ»«» و تلک الشهاده و الإعانه بلسان الحال و قد عرفت کیفیّه إنطاق الجوارح و شهاده النفوس على أنفسها، و کنّى بالخلوات عمّا یفعل فیها من معاصى اللّه مجازا، و إنّما خصّصها لأنّها مظنّه المعصیه، و یحتمل أن یرید بالخلوه مصدر قولک: خلوت خلوا. لا المکان. فیکون حقیقه و ظاهرا کونها عیانا للّه: أى معاینه له، و کلّ ذلک تحذیر و تنفیر عن تحریک الجوارح و الخلوه بها فیما لا ینبغی من المعاصی. و باللّه التوفیق و العصمه.

 

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۴۶۳

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۸۹ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

یَعْلَمُ عَجِیجَ الْوُحُوشِ فِی الْفَلَوَاتِ- وَ مَعَاصِیَ الْعِبَادِ فِی الْخَلَوَاتِ- وَ اخْتِلَافَ النِّینَانِ فِی الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ- وَ تَلَاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّیَاحِ الْعَاصِفَاتِ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً نَجِیبُ اللَّهِ- وَ سَفِیرُ وَحْیِهِ وَ رَسُولُ رَحْمَتِهِ‏ أَمَّا بَعْدُ- فَإِنِّی أُوصِیکُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِی ابْتَدَأَ خَلْقَکُمْ- وَ إِلَیْهِ یَکُونُ مَعَادُکُمْ وَ بِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِکُمْ- وَ إِلَیْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِکُمْ وَ نَحْوَهُ قَصْدُ سَبِیلِکُمْ- وَ إِلَیْهِ مَرَامِی مَفْزَعِکُمْ- فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِکُمْ- وَ بَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِکُمْ وَ شِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِکُمْ- وَ صَلَاحُ فَسَادِ صُدُورِکُمْ- وَ طُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِکُمْ وَ جِلَاءُ غِشَاءِ أَبْصَارِکُمْ- وَ أَمْنُ فَزَعِ جَأْشِکُمْ وَ ضِیَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِکُمْ فَاجْعَلُوا طَاعَهَ اللَّهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِکُمْ- وَ دَخِیلًا دُونَ شِعَارِکُمْ وَ لَطِیفاً بَیْنَ أَضْلَاعِکُمْ- وَ أَمِیراً فَوْقَ أُمُورِکُمْ وَ مَنْهَلًا لِحِینِ وُرُودِکُمْ- وَ شَفِیعاً لِدَرَکِ طَلِبَتِکُمْ وَ جُنَّهً لِیَوْمِ فَزَعِکُمْ- وَ مَصَابِیحَ لِبُطُونِ قُبُورِکُمْ- وَ سَکَناً لِطُولِ وَحْشَتِکُمْ وَ نَفَساً لِکَرْبِ مَوَاطِنِکُمْ- فَإِنَّ طَاعَهَ اللَّهِ حِرْزٌ مِنْ مَتَالِفَ مُکْتَنِفَهٍ- وَ مَخَاوِفَ مُتَوَقَّعَهٍ وَ أُوَارِ نِیرَانٍ مُوقَدَهٍ- فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوِّهَا- وَ احْلَوْلَتْ لَهُ الْأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا- وَ انْفَرَجَتْ عَنْهُ الْأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاکُمِهَا- وَ أَسْهَلَتْ لَهُ الصِّعَابُ بَعْدَ إِنْصَابِهَا- وَ هَطَلَتْ عَلَیْهِ الْکَرَامَهُ بَعْدَ قُحُوطِهَا- . وَ تَحَدَّبَتْ عَلَیْهِ الرَّحْمَهُ بَعْدَ نُفُورِهَا- وَ تَفَجَّرَتْ عَلَیْهِ النِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا- وَ وَبَلَتْ عَلَیْهِ الْبَرَکَهُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا- فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِی نَفَعَکُمْ بِمَوْعِظَتِهِ- وَ وَعَظَکُمْ بِرِسَالَتِهِ وَ امْتَنَّ عَلَیْکُمْ بِنِعْمَتِهِ-

فَعَبِّدُوا أَنْفُسَکُمْ لِعِبَادَتِهِ- وَ اخْرُجُوا إِلَیْهِ مِنْ حَقِّ طَاعَتِهِ ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْإِسْلَامَ دِینُ اللَّهِ الَّذِی اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ- وَ اصْطَنَعَهُ عَلَى عَیْنِهِ وَ أَصْفَاهُ خِیَرَهَ خَلْقِهِ- وَ أَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ- أَذَلَّ الْأَدْیَانَ بِعِزَّتِهِ وَ وَضَعَ الْمِلَلَ بِرَفْعِهِ- وَ أَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِکَرَامَتِهِ وَ خَذَلَ مُحَادِّیهِ بِنَصْرِهِ- وَ هَدَمَ أَرْکَانَ الضَّلَالَهِ بِرُکْنِهِ- وَ سَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِیَاضِهِ- وَ أَتْأَقَ الْحِیَاضَ لِمَوَاتِحِهِ- ثُمَّ جَعَلَهُ لَا انْفِصَامَ لِعُرْوَتِهِ وَ لَا فَکَّ لِحَلْقَتِهِ- وَ لَا انْهِدَامَ لِأَسَاسِهِ وَ لَا زَوَالَ لِدَعَائِمِهِ- وَ لَا انْقِلَاعَ لِشَجَرَتِهِ وَ لَا انْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ- وَ لَا عَفَاءَ لِشَرَائِعِهِ وَ لَا جَذَّ لِفُرُوعِهِ وَ لَا ضَنْکَ لِطُرُقِهِ- وَ لَا وُعُوثَهَ لِسُهُولَتِهِ وَ لَا سَوَادَ لِوَضَحِهِ- وَ لَا عِوَجَ لِانْتِصَابِهِ وَ لَا عَصَلَ فِی عُودِهِ- وَ لَا وَعَثَ لِفَجِّهِ وَ لَا انْطِفَاءَ لِمَصَابِیحِهِ- وَ لَا مَرَارَهَ لِحَلَاوَتِهِ- فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاخَ فِی الْحَقِّ أَسْنَاخَهَا- وَ ثَبَّتَ لَهَا آسَاسَهَا وَ یَنَابِیعُ غَزُرَتْ عُیُونُهَا- وَ مَصَابِیحُ شَبَّتْ نِیرَانُهَا- وَ مَنَارٌ اقْتَدَى بِهَا سُفَّارُهَا وَ أَعْلَامٌ قُصِدَ بِهَا فِجَاجُهَا- وَ مَنَاهِلُ رَوِیَ بِهَا وُرَّادُهَا- .

جَعَلَ اللَّهُ فِیهِ مُنْتَهَى رِضْوَانِهِ- وَ ذِرْوَهَ دَعَائِمِهِ وَ سَنَامَ طَاعَتِهِ- فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ وَثِیقُ الْأَرْکَانِ رَفِیعُ الْبُنْیَانِ- مُنِیرُ الْبُرْهَانِ مُضِی‏ءُ النِّیرَانِ- عَزِیزُ السُّلْطَانِ مُشْرِفُ الْمَنَارِ مُعْوِذُ الْمَثَارِ- فَشَرِّفُوهُ وَ اتَّبِعُوهُ وَ أَدُّوا إِلَیْهِ حَقَّهُ وَ ضَعُوهُ مَوَاضِیعَهُ‏ ثُمِّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً ص بِالْحَقِّ- حِینَ دَنَا مِنَ الدُّنْیَا الِانْقِطَاعُ وَ أَقْبَلَ مِنَ الْآخِرَهِ الِاطِّلَاعُ- وَ أَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقٍ وَ قَامَتْ بِأَهْلِهَا عَلَى سَاقٍ- وَ خَشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ وَ أَزِفَ مِنْهَا قِیَادٌ- فِی انْقِطَاعٍ مِنْ مُدَّتِهَا وَ اقْتِرَابٍ مِنْ أَشْرَاطِهَا- وَ تَصَرُّمٍ مِنْ أَهْلِهَا وَ انْفِصَامٍ مِنْ حَلْقَتِهَا- وَ انْتِشَارٍ مِنْ سَبَبِهَا وَ عَفَاءٍ مِنْ أَعْلَامِهَا- وَ تَکَشُّفٍ مِنْ عَوْرَاتِهَا وَ قِصَرٍ مِنْ طُولِهَا- جَعَلَهُ اللَّهُ بَلَاغاً لِرِسَالَتِهِ وَ کَرَامَهً لِأُمَّتِهِ- وَ رَبِیعاً لِأَهْلِ زَمَانِهِ وَ رِفْعَهً لِأَعْوَانِهِ وَ شَرَفاً لِأَنْصَارِهِ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَیْهِ الْکِتَابَ نُوراً لَا تُطْفَأُ مَصَابِیحُهُ- وَ سِرَاجاً لَا یَخْبُو تَوَقُّدُهُ وَ بَحْراً لَا یُدْرَکُ قَعْرُهُ- وَ مِنْهَاجاً لَا یُضِلُّ نَهْجُهُ وَ شُعَاعاً لَا یُظْلِمُ ضَوْءُهُ- وَ فُرْقَاناً لَا یُخْمَدُ بُرْهَانُهُ وَ تِبْیَاناً لَا تُهْدَمُ أَرْکَانُهُ- وَ شِفَاءً لَا تُخْشَى أَسْقَامُهُ وَ عِزّاً لَا تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ وَ حَقّاً لَا تُخْذَلُ أَعْوَانُهُ- فَهُوَ مَعْدِنُ الْإِیمَانِ وَ بُحْبُوحَتُهُ وَ یَنَابِیعُ الْعِلْمِ وَ بُحُورُهُ- وَ رِیَاضُ الْعَدْلِ وَ غُدْرَانُهُ وَ أَثَافِیُّ الْإِسْلَامِ وَ بُنْیَانُهُ- وَ أَوْدِیَهُ الْحَقِّ وَ غِیطَانُهُ وَ بَحْرٌ لَا یَنْزِفُهُ الْمُسْتَنْزِفُونَ- وَ عُیُونٌ لَا یُنْضِبُهَا الْمَاتِحُونَ- وَ مَنَاهِلُ لَا یَغِیضُهَا الْوَارِدُونَ- وَ مَنَازِلُ لَا یَضِلُّ نَهْجَهَا الْمُسَافِرُونَ- وَ أَعْلَامٌ لَا یَعْمَى عَنْهَا السَّائِرُونَ- وَ آکَامٌ لَا یَجُوزُ عَنْهَا الْقَاصِدُونَ جَعَلَهُ‏

اللَّهُ رِیّاً لِعَطَشِ الْعُلَمَاءِ وَ رَبِیعاً لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ- وَ مَحَاجَّ لِطُرُقِ الصُّلَحَاءِ وَ دَوَاءً لَیْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ- وَ نُوراً لَیْسَ مَعَهُ ظُلْمَهٌ وَ حَبْلًا وَثِیقاً عُرْوَتُهُ- وَ مَعْقِلًا مَنِیعاً ذِرْوَتُهُ وَ عِزّاً لِمَنْ تَوَلَّاهُ- وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَ هُدًى لِمَنِ ائْتَمَّ بِهِ- وَ عُذْراً لِمَنِ انْتَحَلَهُ وَ بُرْهَاناً لِمَنْ تَکَلَّمَ بِهِ- وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ وَ فَلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ- وَ حَامِلًا لِمَنْ حَمَلَهُ وَ مَطِیَّهً لِمَنْ أَعْمَلَهُ- وَ آیَهً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَ جُنَّهً لِمَنِ اسْتَلْأَمَ- وَ عِلْماً لِمَنْ وَعَى وَ حَدِیثاً لِمَنْ رَوَى وَ حُکْماً لِمَنْ قَضَى

اللغه

أقول: العجیج: رفع الصوت،

و النینان: جمع نون و هو الحوت.

و الجأش: القلب.

و الاوار: حرّ النار.

و الشمس عزبت: غابت.

و إنصابها: إتعابها.

و تحدّبت: عطفت و حنّت.

و الرذاذ: ضعیف المطر.

و عبّدوا: ذلّلوا.

و المحادّ: المشاقّ.

و أثاق الحیاض: ملأها.

و المواتح: المستقون.

و الوعوثه: کثره فی سهوله توجب صعوبه المشى کما فی الرمل.

و الوضح: البیاض.

و العوج: بالفتح فیما له ساق ینتصب کالنخله، و بالکسر فیما لیس کذلک کالطریق.

و العصل. الاعوجاج.

و ساخ: غاص. و السنخ: الأصل.

و أزف: دنا و بحبوحه الدار: وسطها.

و الغیطان: المواضع المطمئنّه من الأرض.

و المحاجّ: جمع محجّه و هى جادّه الطریق.

و المعقل: الملجأ.

و الفلج: الفوز.

و المتوسّم: المتفرّس.

و استلأم: لبس لامه الحرب و هی الدرع.

المعنى

و صدر الفصل تنبیه على إحاطه علمه بجزئیّات الموجودات على اختلافها و کثرتها
و نبّه بعجیج الوحوش على أنّه تعالى یعلمها حین یجأر إلیه من جدب الأرض و قلّه العشب فکأنّها تضرّع إلیه بالعجیج لیکون الإنسان أولى بذلک النزع [الفزع- خ- ] إلیه، و بعلمه بمعاصى العباد فی الخلوات تنفیرا عنها فی الخلوه الّتی‏ هی مظنّتها، و اختلاف النینان بالمجى‏ء و الذهاب و قطع البحار طولا و عرضا. ثمّ عقّب بشهاده الرساله. ثم بالوصیّه بتقوى اللّه، و قرنها باعتبارات من صفاته تعالى توجب الفزع إلیه و هى کونه سبحانه مبدءا لخلقهم و منتهى لمعادهم الحسّى و العقلىّ کقوله تعالى «وَ هُوَ خَلَقَکُمْ أَوَّلَ مَرَّهٍ وَ إِلَیْهِ تُرْجَعُونَ» و قد نبّهنا علیه مرارا، و أنّ به نجاح طلباتهم، و إلیه منتهى رغباتهم، و نحوه قصدهم و سلوکهم فإنّه تعالى غایه الکلّ، و إلیه مرامى مفزعهم یقال: فلان مرمى قصدى: أى إلیه مفزعى فی المهمّات، و نحوه قوله تعالى «إِذا مَسَّکُمُ الضُّرُّ فَإِلَیْهِ تَجْئَرُونَ».
ثمّ باعتبارات من صفه التقوى توجب الفزع إلیها.
(ا) و هى کونها دواء داء قلوبکم، و قد عرفت کونها دواء لأدواء الرذائل النفسانیّه الموبقه. (ب) و بصر عمى أفئدتکم: أى أبصار أفئدتکم من عمى الجهل. (ج) و شفاء مرض أجسادکم، و ذلک أنّ التقوى تستلزم قلّه الأکل و الشرب و استعمالهما بقدر الحاجه کما قال فی صفات المتّقین: منزورا أکله. و قد علمت ما تحدث البطنه من الأمراض البدنیّه، و لذلک قال علیه السّلام: المعده بیت الأدواء. (د) و صلاح فساد صدورکم: أى من الغلّ و الحسد و الخبث و النیّات المخالفه لأوامر اللّه. فإنّ التقوى تستلزم نفى ذلک کلّه. و صلاح الصدور منه لأنّ مبادى تلک الشرور کلّها محبّه الدنیا و باطلها، و المتّقون بمعزل عن ذلک. (ه) و کذلک طهور دنس أنفسکم: أى من نجاسات الرذائل المهلکه و هو کقوله: دواء قلوبکم. لکن اعتبار کونها دواء یخالف اعتبار کونها طهورا إذ فی الأوّل ملاحظه کون الرذائل أمراضا ضارّا تؤدّى إلى الهلاک السرمدى، و فی الثانی اعتبار کونها نجاسات تمنع من دخول حظیره القدس و مقعد الصدق. (و) و جلاء عشا أبصارکم، و فیه استعاره لفظ العشا لما یعرض عن ظلمه الجهل، و سائر الرذائل من عدم إدراک الحقائق، و یروى غشاء بالغین المعجمه و هو الظلمه المتوهّمه من الجهل الّتى هى حجاب الغفله، و بهذا الاعتبار ففى التقوى جلاء لتلک الظلمه لما تستلزمه من إعداد النفس للکمال، و کونها نفسها هى الجلاء مجاز إطلاقا لاسم المسبّب على السبب. (ز) و أمن فزع جأشکم. إذ قد علمت أنّ بها الأمان من عذاب الآخره، و قد یکون بها الأمان من فزع الدنیا. لأنّ أکبر مخاوف الدنیا الموت و ما یؤدّى إلیه، و المتّقون العارفون بمعزل عن تقیّه الموت بل عسى یکون محبوبا لهم لکونه وسیله لهم إلى اللقاء الخالص لمحبوبهم الأقصى، و إلیه الإشاره بقوله تعالى «یا أَیُّهَا الَّذِینَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّکُمْ أَوْلِیاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ کُنْتُمْ صادِقِینَ»«» دلّت الآیه على أنّ الصادق فی دعوى الولایه یتمنّى الموت، و کذلک قوله تعالى «قُلْ إِنْ کانَتْ لَکُمُ الدَّارُ الْآخِرَهُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَهً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ کُنْتُمْ صادِقِینَ»«». (ح) ضیاء سواد ظلمکم، و استعار لفظ الظلمه للجهل و تغطیه القلب، و رشّح بذکر السواد لاستلزام الظلمه السواد، و هو کقوله: و جلاء عشا أبصارکم، و راعى فی هذه القرائن کلّها المضادّه.

ثمّ أکّد الوصیّه بطاعه اللّه تعالى بآداب:
أحدها: أن یجعلوها شعارهم
و کنّى بذلک عن ملازمتهم لها کما یلزم الشعار الجسد. ثمّ عن کونها فی الباطن دون الظاهر لقلّه فایدته و هو المشار إلیه بقوله.
دون دثارکم.

الثانی: أکّد أمرهم بإبطانهم
بأمرهم باتّخاذها دخیلا تحت الشعار لإمکان ذلک فیها دون الشعار المحسوس. ثمّ فسّر ذلک فقال: و لطیفا بین أضلاعکم. و کنّى بلطفها عن اعتقادها و عقلیتها و یکون بین أضلاعهم عن إیداعها القلوب.

الثالث: أن یجعلوها أمیرا
و استعار لها لفظ الأمیر باعتبار إکرامهم لها و تقدیمها على سائر مهمّاتهم.

الرابع: أن یجعلوها منهلا لحین ورودهم
أی یوم القیامه، و استعار لفظ المنهل لها، و وجه المشابهه أنّ التقوى و الطاعه للّه مظنّه التروّى من شراب الأبرار یوم القیامه کما أنّ موارد الإبل مظنّه ریّها.

الخامس: أن یجعلوها شفیعا إلى اللّه و وسیله إلى مطالبهم منه
و ظاهر کون المطیع یستعدّ بطاعته لدرک بغیته من اللّه تعالى، و لفظ الشفیع مستعار للوسیله و القربه.

السادس: و جنّه لیوم فزعهم
و ظاهر کون الطاعه ساترا یوم القیامه من الفزع الأکبر من عذاب اللّه.

السابع: و مصابیح لبطون قبورهم
و قد عرفت کیفیّه إعداد الطاعه لقبول الأنفس الأنوار العلویّه و الأسرار الإلهیّه المخلّصه من ظلمه القبور و العذاب الاخروىّ. و فی الخبر: أنّ العمل الصالح یضی‏ء قبر صاحبه کما یضی‏ء المصباح الظلمه.
و استعار لها لفظ المصابیح لاستلزامها الإناره.

الثامن: و کذلک سکنا لطول الوحشه فی القبور تستأنس به النفوس
کما روى: أنّ العمل الصالح و الخلق الفاضل یراه صاحبه بعد الموت فی صوره شابّ حسن الصوره و الثیاب طیّب الریح فیسلّم علیه فیقول له: من أنت فیقول: أنا خلقک الحسن أو عملک الحسن. و حاصله یعود إلى کون الطاعه سببا للاستیناس من وحشه الآخره، و ذلک أنّ الوحشه إنّما تعرض فی المکان لمن کان غافلا عنه و غیر متوقّع له و لا متهیّى‏ء للانتقال إلیه و مطمئنّا بوطنه الأوّل و بأهله و جاعلهم کلّ الانس.

فأمّا أهل الطاعه فإنّهم أبدا متفکّرون فیما ینتقلون إلیه و متذکّرون له واثقون بانس ربّهم و ملتفتون إلیه. فانسهم أبدا به و فرحهم دائما بلقائه، و اعتقادهم فی الدنیا: أنّهم لأهلها بأبدانهم مجاورون. فمنهم یهربون و إلى العزله ینقطعون. فبالحرىّ أن لا تعرض لهم وحشه و أن تکون أعمالهم سببا لعدم الوحشه الّتی عساها تعرض لهم، و لمّا کان الإنسان فی الدنیا لا یتصوّر ما بعد الموت بالحقیقه لا جرم لا بدّ له من وحشه ما إلّا أنّ الأنوار الإلهیّه و الانس بالرفیق الأعلى مزیل لها.

التاسع: و کذلک و نفسا لکرب مواطنکم
أى سعه و روحا لما یعرض من‏ کرب منازل الآخره و أهوالها.

العاشر: کونها حرزا من متالف مکتنفه
و تلک المتالف هى الرذائل الموبقه الّتی هی محالّ الهلاک و التلف. و اکتنافها إحاطتها بالنفس بحیث لا یکفّها إلّا طاعه اللّه و سلوک سبیله، و المخاوف المتوقّعه مخاوف الآخره و حرّ نیرانها.

الحادى عشر: کون التقوى مستلزمه لبعد الشدائد عن المتّقى بعد دنوّها منه
و کثیرا ما یعبّر بالتقوى عن الطاعه و إن کانت أخصّ فی بعض المواضع. أمّا فی بعد شدائد الآخره فظاهر، و أمّا فی الدنیا فلأنّ المتّقین هم أسلم الناس من شرور الناس لبعدهم عن مخالطاتهم و مجاذباتهم لمتاع الدنیا، و بغضهم لها. إذ کانت محبّتها و الحرص علیها منبعا لجمیع الشرور و الشدائد.

الثانی عشر: کونها مستلزمه لحلاوه الامور بعد مرارتها
أمّا امور الآخره فکالتکلیف الوارد علیهم لها بالعبادات، و ظاهر أنّها عند المتّقین أحلى و ألذّ من کلّ شی‏ء بعد مرارتها فی ذوقهم فی مبدء سلوکهم و ثقلها علیهم و على غیرهم من الجاهلین، و أمّا المرّ من امور الدنیا فکالفقر و العرى و الجوع، و کلّ ذلک شعار المتّقین، و هو أحلى فی نفوسهم و آثر من کلّ شعار و إن کان مرّا فی ذوقهم فی مبدء السلوک و قبل وصولهم إلى ثمرات التقوى.

الثالث عشر: و انفراج الأمواج عنه بعد تراکمها
و استعار لفظ الأمواج للهیئات البدنیّه الردیئه و ملکات السوء الّتى إذا تکاثفت و توالت على النفس أغرقتها فی بحار عذاب اللّه. و ظاهر کون لزوم التقوى سببا ینفرج باستعداد النفوس به عنها تلک الهیئات و ینمحی من لوحها و إن کثرت.

الرابع عشر: کون لزومها سببا لتسهیل صعاب الأمور على النفس بعد إتعابها لها و ذلک أنّ المتّقین عند ملاحظه غایتهم من نفوسهم یسهل علیهم کلّ صعب من أمور الدنیا ممّا یشتدّ على غیرهم کالفقر و المرض و کلّ شدید، و کذلک یسهل علیهم کلّ صعب من مطالب الآخره بعد إتعاب تلک المطالب لهم قبل تصوّرها التامّ فی أوّل التکلیف.

الخامس عشر: کونه سببا لهطل الکرامه علیهم
و الکرامه تعود إلى الکمالات النفسانیّه الباقیه و الالتذاذ بها. و لاحظ فی إفاضتها علیهم مشابهتها بالغیث فاستعار لها لفظ الهطل و أسنده إلیها، و کذلک لفظ القحوط، و کنّى به عن منعهم إیّاها قبل استعدادهم بالتقوى لها.

السادس عشر: کونه سببا لتعطف الرحمه الإلهیّه بإفاضه الکمالات علیهم بعد نفورها عنهم لعدم الاستعداد أیضا، و لفظ التحدّب مستعار للإراده أو لأثر الرحمه، و کذلک لفظ النفور لعدم أثرها فی حقّهم قبل ذلک.

السابع عشر: کونه سببا لتفجّر النعم بعد نضوبها
و لفظ التفجّر مستعار لانتشار وجوه إفاضات النعم الدنیویّه و الاخرویّه کما قال تعالى «وَ مَنْ یَتَّقِ اللَّهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ یَرْزُقْهُ مِنْ حَیْثُ لا یَحْتَسِبُ»«» و کذلک لفظ النضوب لعدمها قبل الاستعداد لها ملاحظه لشبه النعم بالماء فی الاستعارتین.

الثامن عشر: کونه سببا لوبل البرکه بعد رذاذها
و لفظ الوبل مستعار للفیض الکثیر من البرکه بعد الاستعداد بالتقوى، و لفظ الرذاذ للقلیل قبل ذلک الاستعداد ملاحظه لشبهها بالغیث أیضا، و ظاهر کون التقوى سببا لمزید الفیض على کلّ من کان له بعض الکمالات کمن یستعدّ بالعلوم دون الزهد و العباده ثمّ یسلک بهما.
ثمّ بعد الفراغ من فضائلها و الترغیب فیها من تلک الجهه أعاد الأمر بها و رغّت فیها باعتبارات اخر من إنعام المنعم، و هی کونه تعالى نافعا لهم بموعظته: أى جاذبا لهم إلى جنّته، مرغّبا لهم فی کرامته، و واعظا لهم برسالته إلیهم، و ممتّنا علیهم بنعمته کقوله تعالى «وَ اذْکُرُوا نِعْمَهَ اللَّهِ عَلَیْکُمْ» فی غیر موضع من کتابه. ثمّ أمرهم بتعبید أنفسهم و تذلیلها لعبادته و الخروج إلیه من حقّه الّذی یطلبه منهم و هو طاعته.

ثمّ ذکر الإسلام و فضائله مرغّبا فیه
و هو کالتفسیر لطاعته و عبادته فکأنّه قال: و اخرجوا إلیه من حقّ طاعته الّذی هو الإسلام فإنّه ذکر له فضائل:

(ا) کونه اصطفاه لنفسه: أى طریقا إلى معرفته و نیل ثوابه.

(ب) کونه اصطنعه على عینه و هی کلمه یقال لما یهتمّ به و کأنّه للصنعه الّتی یختارها من عملت له و یشاهدها بعینه. و لفظ العین مجاز فی العلم. و على تفید الحال: أى على علم منه بشرفه و فضیلته و وجه الحکمه فیه، و نحو قوله تعالى «وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ عَیْنِی».

(ج) و اصطفاه خیر خلقه: أى اصطفى للبعثه به و إلیه خیر خلقه محمّد و آله.

(د) و أقام دعائمه على محبّته. و لفظ الدعائم مستعار إمّا لأهل الإسلام أو لأرکانه. و وجه المشابهه قیامه بها فی الوجود کقیام الشی‏ء المدعوم بدعائمه، و کلمه على للحال، و الضمیر فی محبّته للإسلام: أى أقام دعائمه حال المحبّه له، و قیل بل اللّه کما تقول طبع اللّه قلبی على محبّته.

(ه) أذلّ الأدیان بعزّه. و ذلّه الأدیان تعود إلى عدم الالتفات إلیها فیکون مجازا من باب إطلاق اسم السبب على المسبّب، أو ذلّه أهلها. فیکون من باب حذف المضاف. و ظاهر أنّ عزّ الإسلام سبب للأمرین.

(و) و کذلک إطلاق وضع الملل برفعه.

(ز) و کذلک إهانه أعدائه و هم المشرکون و المکذّبون له من الملل السابقه إهانتهم بالقتل و أخذ الجزیه و الصغار لهم، و کرامته إجلاله و أجلال أهله و تعظیمهم فی النفوس.

(ح) و خذل محادّیه بنصره: أى بنصر أهله و فی القرائن الأربع التضادّ: فالعزّ للذلّ، و الرفع للوضع، و الکرامه للإهانه، و النصر للخذلان.

(ط) و هدم أرکان الضلاله برکنه و قوّته، و أرکان الضلاله تعود إلى العقائد المضلّه فی الجاهلیّه و إلى أهل الضلاله و هو مستعار. و وجه الاستعاره قیام الضلاله بتلک العقائد أو بأهلها کقیام ذى الأرکان بها و کذلک لفظ الهدم لزوال الضلاله بقوّه الإسلام و أهله.

(ى) و سقى من عطش من حیاضه. فاستعار السقى لإفاضه علوم الدین على‏ على نفوسهم و کمالها بها، و لفظ العطش لما کانوا علیه من الجهل البسیط و عدم العلم و کذلک استعار لفظ الحیاض لعلماء الإسلام الّذین هم أوعیته و حیاضه الّتی ترده العطاش من العلوم و الحکمه الدینیّه.

(یا) و أثاق الحیاض لمواتحه، و استعار لفظ المواتح إمّا للأئمّه من القرن الأوّل الاخذین للإسلام من الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم الّذی هو الینبوع، أو لأفکار العلماء و سؤالاتهم و بحثهم عن الدین و أحکامه و استفادتهم بها، و وجه الاستعارتین کونهم مستخرجین للعلم و الدین عن مظانّه کما یستخرج الماتح الماء من البئر. و لفظ الحیاض للمستفیدین.

(یب) جعله له بحیث لا ینفصم عروته، و لفظ العروه مستعار لما یتمسّک الإنسان به منه، و رشّح بذکر الانفصام. و لمّا کان المتمسّک به ناجیا من الهلاک الأخروىّ و الشرور اللاحقه للملل السابقه و کان عدم الانفصام مظنّه سلامه المتمسّک عن الهلاک کنّى به عن دوام السلامه.

(یج) و لا فکّ لحلقته، کنایه عن عدم انقهار أهله و جماعته.

(ید) و لا انهدام لأساسه، استعار لفظ الأساس للکتاب و السنّه الّذین هما أساس الإسلام، و لفظ الانهدام لاضمحلالهما.

(یه) و لا زوال لدعائمه، استعار لفظ الدعائم لعلمائه أو للکتاب و السنّه و قوانینهما و أراد بعدم زوالهما عدم انقراض العلماء أو عدم القوانین الشرعیّه.

(یو) و لا انقلاع لشجرته، استعار لفظ الشجره لأصله و أرکانه، و هو کقوله: و لا انهدام لأساسه.

(یز) و لا انقطاع لمدّته، إشاره إلى بقائه إلى یوم الدین.

(یح) و لا عفاء لشرایعه، و شرایعه قوانینه و اصوله و هو کقوله: لا انقلاع لشجرته.

(یط) و لا جذّ لفروعه: أى لا ینقطع التفریع علیه بل کلّ ذهن سلیم فکّر فی اصوله و هی الکتاب و السنّه استخرج منها ما لم یستخرجه غیره.

(ک) و لا ضنک لطرقه، و کنّى بعدم الضیق عن عدم صعوبه قوانینه على أهل التکلیف، أو لازم الضیق و هو مشقّه السالکین به إلى اللّه کما قال صلّى اللّه علیه و آله و سلم: بعثت بالحنیفیّه السهله السمحه.

(کا) و لا وعوثه لسهولته، کنایه عن کونه فی غایه العدل بین الصعوبه و بین السهوله المفرطه کما علیه أکثر الأدیان السابقه من التشبیه و التجسیم فإنّ سلوکها مع ذلک و تصوّرها فی غایه السهوله لکنّها طرق یبعد حصول المطالب الحقیقیّه و الوصول إلى التوحید الخالص منها فکانت فی سهولها هذه الوعوثه.

(کب) و لا سواد لوضحه، استعار لفظ الوضح لصفائه عن کدر الباطل الّذى هو سواد ألواح نفوس الکافرین و المنافقین.

(کج) و لا عوج لانتصابه، و استعار لفظ الانتصاب لاستقامته فی إدّائه إلى اللّه تعالى. إذ هو الصراط المستقیم فی الدنیا.

(کد) و کذلک و لا عصل فی عوده.

(که) و لا وعث لفجّه.

(کو) و لا انطفاء لمصابیحه، عبّر بالمصابیح عن العلماء استعاره، و بعدم انطفائها عن عدم خلوّ الأرض منهم.

(کز) و لا مراره لحلاوته، و ذلک أنّ حلاوه الإسلام الحقیقیّ فی قلوب المتّقین لا یشوبها مراره من مشقّه تکلیف و نحوها لما یتصوّرونه من شرف غایتهم.

(کح) فهو دعائم: أى فالإسلام دعائم، و ذلک إشاره إلى تعریفه بأجزائه و هی کالشهادتین و العبادات الخمس کما ورد فی الخبر: بنى الإسلام على خمس. و قوله: أساخ فی الحقّ اسناخها إشاره إلى کونه تعالى بناها على أسرار من الحقّ عمیقه لا یهتدى إلیها إلّا آحاد الخلق و هو أسرار العبادات. (کط) قوله: و ینابیع غزرت عیونها، إشاره إلى تعریفه من قبل مادّته و هی الکتاب و السنّه، و استعار لهما لفظ الینابیع نظرا إلى فیضان العلوم الإسلامیّه النقلیّه و العقلیّه عنهما کفیضان الماء عن الینابیع، و لفظ العیون لما صدرا عنه، و هو علم اللّه تعالى و نفوس ملائکته و نبیّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم، و ظاهر غزاره تلک العلوم و کثرتها.

(ل) و مصابیح شبّت نیرانها إشاره إلى مادّته أیضا باعتبار أنّ فی الکتاب و السنّه أدلّه أحکامها و براهینها، و استعار لها لفظ المصابیح باعتبار کونها تضی‏ء الطریق لخابطها إلى اللّه. و رشّح بذکر إضرام نیرانها، و عبّر به عن غایه إضاءتها.

(لا) و منار اقتدى بها سفّارها و أعلام قصد بها فجاجها. إشاره إلى تلک المادّه باعتبار أنّ فیها أمارات على أحکام اللّه الظنیّه یقتدى بها المسافرون السالکون إلى قصدها و القاصدون لطرقها الّتی هی منصوبه علیها.

(لب) و مناهل روى بها ورّادها، استعار لفظ المناهل لتلک الموادّ أیضا باعتبار کونها من العلم لواردیها و مقتبسیه منها کما تروى ورّاد الحیاض بمائها.

لج) جعل اللّه فیه منتهى رضوانه، و ذلک فی نحو قوله تعالى «حُرِّمَتْ عَلَیْکُمُ الْمَیْتَهُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِیرِ وَ» و قوله «إِنَّ الدِّینَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ» و لأنّ فیه أتمّ وسیله إلى غایه الکمالات الإنسانیّه الّتی هی منتهى ما یرضاه اللّه و یحبّه من عباده.

(لد) و ذروه دعائمه، و الضمیر فی دعائمه للّه: أى لدعائم الّتی جعلها اللّه عمده له فی إصلاح خلقه و هى الشرائع و قوانینها، و ظاهر أنّ الأنوار الّتی جاء بها الإسلام و الهدایه الّتی به أشرف و أعلى منها فی سائر الشرائع فهو کالذروه لها.

(له) و سنام طاعته، و لفظ السنام مستعار لمجموع ما اشتمل علیه من البیانات و الهدایات. و وجه المشابهه شرفها أیضا و علوّها بالنسبه إلى الطاعات السابقه علیه کشرف السنام بالنسبه إلى باقى الأعضاء.

(لو) فهو عند اللّه وثیق الأرکان، و أرکانه أجزائه، و وثاقتها تعود إلى بنائها على الأسرار الحقیقیّه و العلم التامّ لواضعها بکیفیّه وضعها و کمال فایدتها بحیث لا یمکن انتقاضها و لا زوالها.

(لز) رفیع البیّنات: أى ما ارتقى إلیه أهله من المجد و الفضیله، و ظاهر علوّ قدره و قدر أهله و تعظیمهم فی النفوس على سائر الأدیان و أهلها.

(لج) منیر البرهان، و أراد برهانه الّذى دعى الخلق إلیه و هو القرآن و سائر المعجزات، و لا شکّ فی إنارتها و إضاءتها فی أقطار العالم و اهتداء أکثر الخلق بها.

(لط) مضی‏ء النیران، و استعار لفظ النیران لأنواره من العلوم و الأخلاق المضیئه على علمائه و أئمّته.

(م) عزیز السلطان، و أراد قوّته و عزّه أهله و دولته و منعه من التجأ إلیه به.

(ما) مشرف المنار، و کنّى به عن علوّ قدر علمائه و أئمّته و انتشار فضلهم و الهدایه بهم.

(مب) معوز المثار: أى یعجز الخلق إثاره دفائنه و ما فیه من کنوز الحکمه و لا یمکنهم استقصاء ذلک منه، و روى المنال: أى یعجز الناس إمّا بالإتیان بمثله أو باستقصاء حکمه و ثمراته، و روى المثال و هو ظاهر. ثمّ لمّا بیّن فضیلته أمر بتعظیمه و اتّباعه و أداء حقّه و هو العمل به مع اعتقاد شرفه و کونه مؤدّیا إلى الجنّه.

ثمّ بوضعه مواضعه و هى القلوب لا الألسن و الشعار الظاهر فقطّ. ثمّ لمّا فرغ من ذلک شرع فی فضائل من بعث به لیذکّرهم نعمه من اللّه بعد نعمه، و قرن ذکره بذکر أحوال الدنیا حین البعثه لیظهر شرفها: ف (ا) کونها قد دنا انقطاعها و إقبال الآخره و اطّلاعها، و قد بیّنّا ذلک فی قوله: ألا و إنّ الدنیا قد أدبرت و آذنت بوداع، و على الجمله فیحتمل أن یرید قرب انقطاع الدنیا و زوالها بالکلّیّه و حضور الآخره و القیامه الکبرى کما علیه ظاهر الشریعه و یحتمل أن یرید قرب انقطاع دنیا کلّ امّه منهم و حضور آخرتهم بموتهم و انقراضهم و لفظ الاطّلاع استعاره کما سبق. (ب) کونها قد أظلمت بهجتها بعد إشراق، و أراد إشراق بهجتها بأنوار الأنبیاء السابقین و ضیاء الشرائع، و إظلامها حین بعثه الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم باندراس تلک الآثار و فسادها.

(ج) قیامها بأهلها على ساق، کنایه عن ظهوره شدائدها و إثاره الفتن بین أهلها و ما کانت العرب علیه من الخبط و الاختلاف فی الحروب و الغارات المؤدّیه إلى الفناء. (د) خشونه المهاد منها، و کنّى به عن عدم الاستقرار بها و طیب العیش فإنّ ذلک إنّما یتمّ و یعتدل بنظام الشرائع و النوامیس الإلهیّه. (ه) و أزف منها قیاد: أى قرب منها انقیاد للانقطاع و الزوال و الانخراط فی سلک التقضّى و اقتراب علامات ذلک منها، و علامات زوالها هى علامات الساعه و و أشراطها، و کذلک تصرّم أهلها و انفصام حلقتها، و کنّى بالحلقه عن نظامها و اجتماع أهلها بالنوامیس و الشرائع و بانفصامها عن فساد ذلک النظام بانتشار سببها عن فساد أسباب ذلک النظام فإنّ أسباب التصرّف النافع فیها إنّما یتمّ بالنوامیس الشرعیّه و قوانینها، و استعار لفظ أعلامها للعلماء و الصلحاء بها و کان علیهم العفاء حینئذ، و کذلک بعوراتها عن وجوه الفساد فیها، و بتکشّفها عن ظهورها بعد اختفاء، و کذلک القصر من طولها فإنّ الدنیا إنّما یکون طولها و دوامها عند صلاحها بالشرائع فإذن قصرها یکون عند فسادها و عدم النظام الشرعىّ.

ثمّ رجع إلى تعدید فوائد بعثه الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم: ف (ا) إنّ اللّه تعالى جعله بلاغا لرسالته و هو کقوله تعالى «یا أَیُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَیْکَ»«» الآیه. (ب) و کرامه لامّته لکونه داعیا لهم إلى الکرامه الباقیه التامّه و سبب للکرامه. (ج) و ربیعا لأهل زمانه، و استعار لفظ الربیع له، و وجه المشابهه کونه بهجه للمسلمین و علمائهم و سببا لبطنتهم من العلم و الحکمه کما أنّ الربیع سبب لبهجه الحیوان بمراعیها و بطنتهم و سمنهم. (د) و رفعه لأعوانه: أى لأعوان اللّه و أنصاره و هم المسلمون و ظاهر کونه صلّى اللّه علیه و آله و سلم سبب رفعتهم و شرفهم.

ثمّ عقّب بذکر بعض الأنوار الّتی بعث بها صلّى اللّه علیه و آله و سلم و هو الکتاب العزیز و عدّ فضائل: ف (ا) کونه نورا لا تطفى مصابیحه، و أراد نور العلم و الأخلاق المشتمل علیها، و استعار لفظ المصابیح إمّا لما انتشر من علومه و حکمه فاقتدى بها الناس، و إمّا لعلمائه و حاملى فوایده. (ب) کونه سراجا لا یخبو توقّده، و أراد أنّه لا تنقطع هدایه الناس بنوره فهو کالأوّل. (ج) و بحر لا یدرک قعره، لفظ البحر مستعار له باعتبارین: أحدهما عمق أسراره بحیث لا یحیط بها الأفهام و لا تصل إلى أغوارها العقول کما لا یدرک الغائض قعر البحر العمیق. و الثانی: کونه معدنا لجواهر العلوم النفیسه و الفضائل کما أنّ البحر معدن للجواهر. (د) و منهاجا لا یضلّ نهجه، و ظاهر کونه طریقا واضحا لمن سلک به إلى اللّه.
و من تفهم مقاصده لا یضلّ قصده. (ه) و شعاعا لا یظلم ضوءه: أى لا یغطّى الحقّ الوارد به ظلام شبهه و لا تلبیس باطل، و لفظ الشعاع و الضوء و الظلمه مستعار. (و) و فرقانا لا یخمد برهانه: أى فیه براهین یفرق بین الحقّ و الباطل لا یخمد، و لفظ الخمود مستعار ملاحظه لشبه البرهان بالنار فی الإضاءه فنسب إلیه وصفها. (ز) و بنیانا لا تهدم أرکانه، و استعار لفظ البنیان لما انتظم من الکتاب و رسخ فی القلوب، و رشّح بذکر الأرکان لاستلزام البنیان لها. (ح) و شفاء لا یخشى سقامه کما قال تعالى «وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَهٌ لِلْمُؤْمِنِینَ»، و ظاهر کون تدبّره و أسراره شفاء للنفوس من أعراض الجهل و رذائل الأخلاق، و ذلک شفاء لا یخاف استعقابه بمرض و ذلک أنّ الفضائل النفسانیّه

إذا صارت ملکات لم تزل و لم یتبدّل بأضدادها و إن کان أیضا شفاء للأبدان کما سبق. (ط) و عزّاً لا تهزم أنصاره. (ى) و حقّا لا تخذل أعوانه و أنصاره، و أعوانه هم المسلمون المعتزّون به [المعترفون به خ‏] و الملتجئون إلیه العاملون على وفقه السالکون به إلى اللّه، و ظاهر أنّ اولئک الأنصار و الأعوان لا یهزمهم أحد و لا یخذلهم اللّه أبدا. (یا) فهو معدن الإیمان الّذی یستنار منه الإیمان الکامل باللّه و رسوله و بما جاء به و بحبوحته، و ظاهر کون اعتقاد حقّیته و تفهّم مقاصده و العمل بها واسطه عقد الإیمان. (یب) و ینابع العلم و بحوره، و اللفظان استعاره له باعتبار کونه محلّ فیض العلوم النفیسه و استف استفادتها. (یج) و ریاض العدل و غدرانه، و اللفظان مستعاران أیضا باعتبار کونه موردا یؤخذ عنه العدل بکلّیّته فهو مورده الّذى لا یجور عن سنن الحقّ إلى أن یبلغ به صاحبه السالک به إلى اللّه.
(ید) و أثافىّ الإسلام و بنیانه، و اللفظان مستعاران له باعتبار کونه أصلا للإسلام یبتنى علیه، و به یقوم کما أنّ الأثافىّ للقدر و البنیان لما یحمل علیه کذلک. (ید) و أودیه الحقّ و غیطانه، و اللفظان مستعاران له باعتبار کونه معدنا للحقّ و مظنّه له کما أنّ الأودیه و الغیطان مظانّ الکلاء و الماء. (یو) و بحر لا یستنزفه المستنزفون. (یز) و عیون لا ینضبها الماتحون، إنّما کرّر استعاره البحر و العیون له باعتبار آخر و هو کونه لا ینتهى فوایده و المقاصد المستنبطه منه. (یح) و کذلک و مناهل لا یغیضها الواردون و خصّص النضوب بالعیون لإمکان ذلک فیها دون البحر و الورد بالمناهل لکون النهل و هوى الرىّ لغایه وارد الماء. (یط) منازل لا یضلّ نهجها المسافرون: أى مقامات من العلوم إذا نزلتها العقول المسافره إلى اللّه لا تضلّ لاستنارتها و شدّه إضاءتها.

(ک) و کذلک و أعلام لا تعمى عنها السائرون. (کا) و کذلک و آکام لا یجوز عنها القاصدون، استعار لفظ الأعلام و الآکام للأدلّه و الأمارات فیه على طریق إلى معرفته و أحکامه باعتبار کونها هادیه إلیها کما تهدى الأعلام و الجبال على الطرق. (کب) جعله اللّه ریّا لعطش العلماء، استعار لفظ الرىّ له باعتبار کونه دافعا لألم الجهل عن النفوس کما یدفع الماء ألم العطش، و لفظ العطش للجهل البسیط أو لاستعداد الطالبین للعلوم و اشتیاقهم إلى الاستفاده، و أطلق لفظ الرىّ على المروى مجازا إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه. (کج) و ربیعا لقلوب الفقهاء، و لفظ الربیع مستعار له باعتبار کونه مرعى لقلوب الفقهاء یستثمرون منه الأحکام، و بهجه لها کالربیع للحیوان.
(کد) و محاجّ لطرق الصلحاء، و ظاهر کونه طریقا واضحا للصالحین إلى اللّه. (که) و دواء لیس بعده داء کقوله: شفاء لا یخشى سقامه. (کو) و نورا لیس معه ظلمه: أى لا تبقى مع هدایته إلى الأحکام ظلمه على البصیره، و هو کقوله: و شعاعا لا یظلم نوره. (کز) و حبلا وثیقا عروته، استعار لفظ الحبل له و العروه لما یتمسّک به منه، و کنّى بوثاقه عروته عن کونه منجیا لمن تمسّک به. (کح) و معقلا منیعا ذروته، استعار لفظ المعقل باعتبار کونه ملجأ من الجهل و لوازمه و هو العذاب، و رشّح بذکر الذروه و کنّى بمنعتها عن کونه عزیزا یمنع من لجأ إلیه. (کط) و عزّا لمن تولّاه: أى اتّخذه ولیّا یلقى إلیه مقالید اموره و لا یخالفه، و ظاهر کونه سبب عزّه فی الدارین. (ل) و سلماً لمن دخله: أى أمنا. و دخوله: الخوض فی تدبّر مقاصده و اقتباسها، و بذلک الاعتبار یکون مأمنا من عذاب اللّه و من الوقوع فی الشبهات الّتی هی مهاوى الهلاک.

(لا) و هدى لمن ائتمّ و هو ظاهر. (لب) و عذرا لمن انتحله: أى من نسبه إلى نفسه بدعوى حفظه أو تفسیره و نحو ذلک معتذرا بذلک من تکلیف لا یلیق به أو یشقّ علیه کان ذلک عذرا منجیا له. و هذا کمال تقول لمن یقصد إنسانا بأذى: لا ینبغی لک أن تؤذیه فإنّه من حمله القرآن الکریم أو ممّن یعلم علومه فیکون ذلک سببا لترک أذاه. (لج) و برهانا لمن تکلّم به. (لد) و شاهدا لمن خاصم به (له) و فلجا لمن حاجّ به. الثلاثه متقاربه، و أطلق لفظ الفلج علیه من جهه ما یحتجّ به إطلاقا لاسم الغایه على ذى الغایه إذ غایه الاحتجاج به الفوز. و الشاهد و الحجّه أعمّ من البرهان. (لو) و حاملا لمن حمله: أى یحمل یوم القیامه حملته و حفظته الآن، و عبّر بحمله لهم عن إنجائه لهم من العذاب اطلاقا لاسم السبب على المسبّب. (لز) و مطیّه لمن أعمله، استعار له لفظ المطیّه باعتبار کونه منجیاً لهم کقوله: حاملا و لفظ الأعمال لاتّباع قوانینه و المواظبه علیها المنجیه من العذاب کما ینجى إعمال المطیّه فی الطریق البعید. (لح) و آیه لمن توسّم، و ذلک باعتبار تدبّر أمثاله و قصصه فإنّ فیها آیاتا و عبرا کما قال تعالى «إِنَّ فِی ذلِکَ لَآیاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِینَ»«». (لط) و جنّه لمن استلأم: أى لمن استلأمه و لبسه کالدرع، و استعار له لفظ الجنّه لوقایته من استعدّ بعلمه من عذاب اللّه، و کنّى باستلئامه عن ذلک الاستعداد به. (م) و علما لمن وعى: أى لمن حفظه و فهم مقاصده. (ما) و حدیثا لمن روى، و ذلک باعتبار ما فیه من القصص و أخبار القرون الماضیه فإنّ أصدق حدیث یروى منها ما اشتمل علیه القرآن، و یحتمل أن یرید بکونه حدیثا کونه قولا و کلاما لیس لمن نقله کما قال تعالى «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ‏ الْحَدِیثِ کِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِیَ» إلخ«» و تکون فایده هذا الوصف أنّ فیه غنیه لمن أراد أن یتحدّث بحدیث غیره ممّا لا یفید فایدته فینبغى أن یعدل إلیه و یشتغل بتلاوته و التحدّث به. (مب) و حکما لمن قضى: أى فیه الأحکام الّتى یحتاج إلیها القضاه، و روى حکما: أى حاکما ترجع إلیه القضاه و لا یخرجون عن حکمه. و باللّه التوفیق

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۴۶۳

بازدیدها: ۴

خطبه ۱۸۸ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

وَ لَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ص- أَنِّی لَمْ أَرُدَّ عَلَى اللَّهِ وَ لَا عَلَى رَسُولِهِ سَاعَهً قَطُّ- وَ لَقَدْ وَاسَیْتُهُ بِنَفْسِی فِی الْمَوَاطِنِ- الَّتِی تَنْکُصُ فِیهَا الْأَبْطَالُ- وَ تَتَأَخَّرُ فِیهَا الْأَقْدَامُ نَجْدَهً أَکْرَمَنِی اللَّهُ بِهَا- وَ لَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ إِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِی- وَ لَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِی کَفِّی فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِی- وَ لَقَدْ وُلِّیتُ غُسْلَهُ ص وَ الْمَلَائِکَهُ أَعْوَانِی- فَضَجَّتِ الدَّارُ وَ الْأَفْنِیَهُ- مَلَأٌ یَهْبِطُ وَ مَلَأٌ یَعْرُجُ- وَ مَا فَارَقَتْ سَمْعِی هَیْنَمَهٌ مِنْهُمْ- یُصَلُّونَ عَلَیْهِ حَتَّى وَارَیْنَاهُ فِی ضَرِیحِهِ- فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّی حَیّاً وَ مَیِّتاً- فَانْفُذُوا عَلَى بَصَائِرِکُمْ- وَ لْتَصْدُقْ نِیَّاتُکُمْ فِی جِهَادِ عَدُوِّکُمْ- فَوَالَّذِی لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّی لَعَلَى جَادَّهِ الْحَقِّ- وَ إِنَّهُمْ لَعَلَى مَزَلَّهِ الْبَاطِلِ- أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِی وَ لَکُمْ‏

 

اللغه

أقول: الهیمنه: صوت خفىّ یسمع و لا یفهم.

و حاصل الفصل: التنبیه على فضیلته لغایه قبول قوله فیما یأمرهم به.
فذکر منها: أنّه لم یردّ على اللّه و على رسوله فی وقت قطّ
فیما صدر من الأمر عنهما، و استشهد على ذلک بما علمه منه المستحفظون من الصحابه و هم العلماء و أهل الدین الّذین استحفظوا کتاب اللّه و دینه: أى جعلوا حفظه له و اودعوا إیّاه، و قال بعض الشارحین: و فیه ایماء إلى ما کان یفعله بعض الصحابه من التسرّع بالقول و الاعتراض على الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم فی مواضع کما نقل عن عمر یوم الحدیبیّه عند سطر کتاب الصلح أنّه أنکر ذلک و قال لرسول اللّه: ألسنا على الحقّ قال: بلى. قال: أو لیسوا الکاذبین. قال: بلى. قال: فکیف تعطى الریبه فی دیننا. فقال صلّى اللّه علیه و آله و سلم: أنا أعمل بما اومر به. فقام عمر فقال لقوم من الصحابه: ألم یکن قد وعدنا اللّه بدخول مکّه و ها نحن قد صددنا عنها ثمّ ننصرف بعد أن اعطینا الریبه فی دیننا و اللّه لو وجدت أعوانا لم اعط الریبه أبدا. فقال له ابو بکر: ویحک الزم غزوه فو اللّه إنّه لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم و أنّ اللّه لا یضیّعه. ثمّ قال له: أقال لک: إنّه سیدخل مکّه هذا العام. فقال: لا. قال: فسیدخلها. فلمّا فتح النبىّ صلّى اللّه علیه و آله و سلم مکّه و أخذ مفاتیح الکعبه دعاه. فقال: هذا الّذی وعدتم به.

و منها: مواساته لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم بنفسه و هو ممّا اختصّ به علیه السّلام،
و ذلک فی مواطن: فثبت معه یوم احد و فرّ الناس. روى المحدّثون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم لمّا ارتثّ یوم احد، و نادى الناس قتل محمّد رأته کتیبه من المشرکین و هو صریع بین القتلى إلّا أنّه حیّ فصمدت له. فقال لعلىّ: اکفنى هذه. فحمل علیها فهزمها و قتل رئیسها: ثمّ صمدت له اخرى. فقال یا على: اکفنى هذه فحمل علیها و قتل رئیسها.
ثمّ صمدت له ثالثه فکذلک. فکان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول: قال لى جبرئیل حینئذ: یا محمّد هذه المواساه. فقلت: و ما یمنعه و هو منّى و أنا منه. فقال جبرئیل: و أنا منکما، و روى المحدّثون أیضا أنّ المسلمین سمعوا ذلک الیوم هاتفا من قبل السماء ینادى: لا سیف إلّا ذو الفقار و لا فتى إلّا علىّ. فقال الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم: ألا تسمعون هذا صوت جبرئیل. و کذلک ثبت معه یوم حنین فی نفر یسیر من بنى هاشم بعد أنّ ولّى المسلمون الأدبار، و حامى عنه، و قتل قوما من هو اذن بین یدیه حتّى ثابت إلیه الأنصار و انهزمت هو اذن و غنمت أموالها، و أمّا یوم خبیر فقصّته مشهوره، و ذلک قوله: و لقد واسیته. إلى قوله: الأقدام. و قوله: نجده أکرمنى اللّه بها. فالنجده فضیله تحت الشجاعه، و قد یعبّر بها عن الشجاعه.

و منها حاله عند ما قبض رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم
من تولّى أمره و مباشره ما یختصّ به من الأحوال حاله وفاته من وضع رأسه على صدره، و قیل: أراد بذلک أنّ رأسه حینئذ کان على رکبتیه، و على ذلک یکون فی صدره عند إکبابه علیه. و الأشبه أنّه أراد تسنیده حین اشتداد علّه موته. ثمّ سیلان نفسه فی کفه و إمرارها على وجهه، و أراد بنفسه دمه یقال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم قاء وقت موته دما یسیرا، و أنّ علیّا علیه السّلام مسح بذلک الدم وجهه، و لا ینافی ذلک نجاسه الدم لجواز أن یخصّص دم الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم کما روى أنّ أبا طیبه الحجّام شرب دمه صلّى اللّه علیه و آله و سلم حین حجمه. فقال: إذن لا یتّجع بطنک، و کذلک تولّیه لغسله بإعانه الملائکه، و کان هو الّذى یغسّله و الفضل بن عباس یصّب الماء علیه، روى أنّه عصب عینى الفضل حین صبّه الماء، و نقل عنه صلّى اللّه علیه و آله و سلم أنّه قال: لا یبصر عورتى غیرک أحد إلّا عمى، و روى أنّه علیه السّلام قال: ما قلّبت عضوا إلّا و انقلب لا أجد له ثقلا کأنّ معى من یساعدنی علیه، و ما ذلک إلّا الملائکه. و حیّا و میّتا منصوبان على الحال من الضمیر المجرور فی به، و أمّا دفنه فتنازع الصحابه فی أنّه یلحد أو یضرح فأرسل العبّاس إلى عبیده بن الجرّاح و کان یحفر لأهل مکّه و یضرح لهم على عادتهم، و أرسل إلى أبى طلحه الأنصارى و کان یلحد لأهل المدینه على عادتهم فقال: اللهم اختر لنبیّک فجاء أبو طلحه فلحد له، و تنازعوا فیمن یدخل القبر معه فقال على علیه السّلام: لا ینزل معه أحد غیرى و غیر العبّاس. ثمّ أذن فی نزول الفضل و اسامه بن زید. ثمّ ضجّت الأنصار و سألوا أن ینزل منهم رجل فأنزلوا أوس بن خولىّ و کان بدریّا، و قد یعبّر بالضریح عن القبر فیکون أعمّ من الشقّ و اللحد.

فأمّا ضجیج الدار و الأفنیه بأصوات الملائکه ملأ یهبط منهم و ملأ یصعد بحیث لا یفارق هینمتهم سمعه فی حال صلاتهم علیه إلى أن واراه فی ضریحه. فقد عرفت کیفیّه سماع البشر لأصوات الملائکه فی مقدّمات الکتاب، و کذلک صلاتهم تعود إلى وساطتهم فی إفاضه الرحمه من اللّه تعالى على العباد، و کذلک علمت معنى الصعود و الهبوط منهم فیما سبق.

 

و اعلم أنّ حمل الکلام على ظاهره عند الإمکان أولى من التعسّف فی التأویل، و ذکر هذه الفضیله بهذه المقامات تجرى مجرى صغرى قیاس ضمیر من الشکل الأوّل استدلّ به على أنّه لا أحقّ منه به. و تقدیر کبراه: و کلّ من کان ذلک معه صلّى اللّه علیه و آله و سلم. فهو أحقّ به. و حینئذ یتبیّن أنّه لا أحقّ به منه، و أراد أنّه لا أحقّ بالمنزله و القرب منه. ففى حیاته بالاخوّه و الوزاره، و بعد موته بالوصیّه و الخلافه إذ لا یرید أنّه أحقّ بذاته فبقى أن یرید کونه أحقّ به فی المنزله و ولایه أمره بعده. ثمّ عقّب ذکر فضیلته بأمرهم أن یمضوا فی جهاد عدوّهم على بصائرهم: أى عقایدهم أنّهم على الحقّ و أنّ عدوّهم على الباطل، و أکّد تلک العقائد بالقسم البارّ أنّه فیما یأمرهم به على طریق الحقّ، و أنّ خصومه على مزلّه الباطل، و ذکر الجادّه للحقّ جذبا إلیه، و المزلّه للباطل تنفیرا عنه، و لأنّ الباطل لا طریق واضحه له بعلم حقّ أو برهان صدق کما علیه الطریق الحقّ، و باقى الکلام خاتمه الخطبه.
و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۴۴۰

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۸۷ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

بَعَثَهُ حِینَ لَا عَلَمٌ قَائِمٌ- وَ لَا مَنَارٌ سَاطِعٌ وَ لَا مَنْهَجٌ وَاضِحٌ أُوصِیکُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- وَ أُحَذِّرُکُمُ الدُّنْیَا فَإِنَّهَا دَارُ شُخُوصٍ- وَ مَحَلَّهُ تَنْغِیصٍ سَاکِنُهَا ظَاعِنٌ وَ قَاطِنُهَا بَائِنٌ- تَمِیدُ بِأَهْلِهَا مَیَدَانَ السَّفِینَهِ- تَقْصِفُهَا الْعَوَاصِفُ فِی لُجَجِ الْبِحَارِ- فَمِنْهُمُ الْغَرِقُ الْوَبِقُ وَ مِنْهُمُ النَّاجِی عَلَى بُطُونِ الْأَمْوَاجِ- تَحْفِزُهُ الرِّیَاحُ بِأَذْیَالِهَا وَ تَحْمِلُهُ عَلَى أَهْوَالِهَا- فَمَا غَرِقَ مِنْهَا فَلَیْسَ بِمُسْتَدْرَکٍ وَ مَا نَجَا مِنْهَا فَإِلَى مَهْلَکٍ- عِبَادَ اللَّهِ الْآنَ فَاعْلَمُوا وَ الْأَلْسُنُ مُطْلَقَهٌ- وَ الْأَبْدَانُ صَحِیحَهٌ وَ الْأَعْضَاءُ لَدْنَهٌ- وَ الْمُنْقَلَبُ فَسِیحٌ وَ الْمَجَالُ عَرِیضٌ- قَبْلَ إِرْهَاقِ الْفَوْتِ وَ حُلُولِ الْمَوْتِ- فَحَقِّقُوا عَلَیْکُمْ نُزُولَهُ وَ لَا تَنْتَظِرُوا قُدُومَهُ

اللغه

أقول: الساطع: المرتفع.

و الوبق: الهالک.

و اللدن: الناعم: و الإرهاق: الإلحاق.

 

المعنى

و قد ذکر البعثه حین ظهور الأحوال الّتی کان العالم علیها تنبیها على فضلها و فضیله الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم.
فقوله: حیث لا علم قائم. استعار لفظ العلم و المنار للهداه إلى اللّه الداعین إلیه، و عدم قیامه و سطوعه لعدمهم زمان الفتره. و قوله: و لا منهج واضح. أى لا طریق إلى اللَّه خالص عن شوب الأباطیل یتّبع. ثمّ عقّب بالوصیّه بتقوى اللّه. ثمّ بالتحذیر من الدنیا، و قرنها بذکر عیوبها للتنفیر عنها. و کونها دار شخوص إشاره إلى ضروره الارتحال عنها بالموت، و محلّه تنغیص: أى تنغیص لذّاتها بالآلام و الأمراض حتّى قیل: إنّ اللذّه فیها إنّما هی الخلاص عن الألم. و قوله: ساکنها ظاعن و قاطنها بائن. کالتفسیر لقوله: دار شخوص. و قوله: تمید بأهلها إلى قوله: إلى مهلک. ضربه لها و لأحوال أهلها فیها. فمثّلها بالسفینه عند عصف الریح، و مثّل تصرّفاتها و تغیّراتها بمیدان السفینه، و رمیهم فیها بالأمراض و الحوادث الّتی هى مظنّه الهلاک بالأحوال الّتى یلحق أهل السفینه عند هبوب الریح العاصف حال کونها فی لجج البحار، و مثّل انقسامهم عند بعض تلک الحوادث و نزولها بهم إلى میّت لا یرجى له عوده و إلى مستدرک متفارط بانقسام رکّاب السفینه عند عصف الریح علیها إلى غریق هالک و إلى ناج، و مثّل الناجى من بعض الأمراض الّذی تأخّر موته إلى مرض آخر فلاقى من أهوال الدنیا فی تلک المدّه ما لاقى ثمّ لحقه الموت بالأخره بالناجى من الغرق الّذى تحمله الأمواج و تدفعه الریاح و یقاسى أهوال البحر و شدائده ثمّ بعد خلاصه منه لا بدّ له من وقت هو أجله و مرض هو المهلک: أى محلّ هلاکه. ثمّ أمر بالعمل و ذکر الأحوال الّتى یمکن فیها و معها العمل تنبیها على انتهاز الفرصه، و تلک الأحوال صحّه الألسن و إمکان ذکر اللّه و الأمر بالمعروف و النهى عن المنکر و سائر التکالیف المتعلّقه بها، و کذلک صحّه الأبدان‏ و لدنه الأعضاء و مطاوعتها للعمل قبل یبسها بالسقم و الأمراض، و فسح المنقلب و هو محلّ التصرّف و التقلّب، و کنّى به عن وقت الصحّه و الشبیبه، و یقرب منه عرض المجال، و ذکر إرهاق الأجل و حلول الموت تحذیرا منه و جذبا إلى العمل لما بعده. ثمّ أمرهم أن یتحقّقوا نزوله قبل نزوله: أى یتذکّروه و یخطر ببالهم أنّه حقّ و یقدّروا أنّه واقع لیکون آکد فی العمل. و لذلک قال صلّى اللّه علیه و آله و سلم: أکثروا من ذکر هادم اللذّات. و نهاهم عن انتظار قدومه لاستلزام انتظارهم له توهّمهم لبعده عنهم، و ذلک یوقعهم فی التکاسل عن العمل. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۴۳۷

 

 

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۸۶ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی أَظْهَرَ مِنْ آثَارِ سُلْطَانِهِ وَ جَلَالِ کِبْرِیَائِهِ- مَا حَیَّرَ مُقَلَ الْعُیُونِ مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَتِهِ- وَ رَدَعَ خَطَرَاتِ هَمَاهِمِ النُّفُوسِ عَنْ عِرْفَانِ کُنْهِ صِفَتِهِ وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- شَهَادَهَ إِیمَانٍ وَ إِیقَانٍ وَ إِخْلَاصٍ وَ إِذْعَانٍ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ وَ أَعْلَامُ الْهُدَى دَارِسَهٌ- وَ مَنَاهِجُ الدِّینِ طَامِسَهٌ فَصَدَعَ بِالْحَقِّ- وَ نَصَحَ لِلْخَلْقِ وَ هَدَى إِلَى الرُّشْدِ وَ أَمَرَ بِالْقَصْدِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ‏

وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ- أَنَّه