خطبه۵۹ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام لما خوف من الغیله

وَ إِنَّ عَلَیَّ مِنَ اللَّهِ جُنَّهً حَصِینَهً- فَإِذَا جَاءَ یَوْمِی انْفَرَجَتْ عَنِّی وَ أَسْلَمَتْنِی- فَحِینَئِذٍ لَا یَطِیشُ السَّهْمُ وَ لَا یَبْرَأُ الْکَلْمُ

أقول: قد کان علیه السّلام خوّف من غیله ابن ملجم- لعنه اللّه- مرارا. روى: أنّ الأشعث لقیه متقلّدا سیفه فقال له: ما یقلّدک السیف و لیس بأوان حرب فقال: أردت أنحربه جزور القریه. فأتى الأشعث علیّا علیه السّلام فأخبره و قال: قد عرفت ابن ملجم و فتکه فقال علیه السّلام: ما قتلنى بعد، و روى: أنّ علیّا علیه السّلام کان یخطب مرّه و یذکر أصحابه و ابن ملجم تلقاء المنبر فسمع و هو یقول: و اللّه لاریحنّهم منک. فلمّا انصرف علىّ أتوا به ملبّسا. فأشرف علیهم و قال: ما تریدون. فأخبروه بما سمعوا منه. فقال: فما قتلنى بعد، خلّوا عنه، و إنّ علىّ من اللّه جنّه. الفصل.

اللغه

و الغیله: القتل على غفله.

و الجنّه: ما تستر به من سلاح.

و طاش السهم: انحرف عن الغرض.

و الکلم: الجرح.

المعنى

و کنّى بالجنّه عن عنایه اللّه بحفظ أسباب حیاته فی المدّه الممکنه له فی القضاء الإلهیّ کنایه بالمستعار. و وجه الاستعاره أنّ مع بقاء أسباب الحیاه محفوظه لا یؤثّر فى الإنسان شی‏ء من سهام المنیّه أبدا کما أنّ لابس الجنّه محفوظ بها من آثار السهام و نحوها. و وصفها بالحصینه ترشیحا للاستعاره، و کنّى بها أیضا عن قوّه ذلک الحفظ.
و کنّى بیومه عن وقت ضروره موته، و بانفراج الجنّه عنه عن عدم بعض أسباب الحیاه المستلزم لعدم الحیاه و لحوق سهام الأمراض و هو ترشیح للاستعاره أیضا، و نسب إلیها إسلامها له ملاحظه لتشبیهها بمن یحفظه ثمّ یسلّمه للقتل. و قوله: و حینئذ لا یطیش السهم. استعار لفظ السهم للأمراض الّتی هى أسباب الموت، و کنّى بعدم طیشه عن إنکائه و حصول الموت عنه، و لفظ الکلم للأثر الحاصل عن تلک الأسباب، و وجه الشبه فی الاولى کونهما سببین للهلاک، و فی الثانیه ما یستلزمانه من التألّم، و رشّح الاولى بذکر الطیش و الثانیه بذکر البرء. و من الشعر المنسوب إلیه فی ذلک.

أیّ یومىّ من الموت أفرّ یوم لم یقدر أم یوم قدر
یوم لم یقدر فلا أرهبه‏
یوم قد قدّر لا یغنى الحذر

و هو فی ذلک ملاحظ لقوله تعالى وَ ما کانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ کِتاباً مُؤَجَّلًا«» وَ لِکُلِّ أُمَّهٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا یَسْتَأْخِرُونَ ساعَهً وَ لا یَسْتَقْدِمُونَ«» و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۵۷

بازدیدها: ۱۹۱

خطبه۵۸ شرح ابن میثم بحرانی

و قال علیه السّلام
لما عزم على حرب الخوارج و قیل له: إنهم قد عبروا جسر النهروان‏

القسم الأول
مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَهِ- وَ اللَّهِ لَا یُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَهٌ وَ لَا یَهْلِکُ مِنْکُمْ عَشَرَهٌ

قال الشریف: یعنى بالنطفه ماء النهر، و هو أفصح، کنایه و إن کان کثیرا جما.

المعنى

أقول: خلاصه هذا الخبر أنّه علیه السّلام لمّا خرج إلى أصحاب النهر جاءه رجل من أصحابه فقال: البشرى یا أمیر المؤمنین إنّ القوم عبروا النهر لمّا بلغهم و صولک فابشر فقد منحک اللّه اکتافهم. فقال: اللّه أنت رأیتهم قد عبروا. فقال: نعم. فقال علیه السّلام: و اللّه ما عبروه و لن یعبروه و إنّ مصارعهم دون النطفه و الّذی فلق الحبّه و برء النسمه لم یبلغوا إلّا ثلاث و لا قصر توران حتّى یقتلهم اللّه و قد خاب من افترى. قال: ثمّ جاءه جماعه من أصحابه واحدا بعد آخر کلّهم یخبره بما أخبره الأوّل فرک علیه السّلام و سار حتّى انتهى إلى النهر فوجد القوم بأسرهم قد کسر ون سیوفهم و عرقبوا خیولهم و جثوا على الرکب و حکموا تحکیمه واحده بصوت عظیم له زجل، و روى أنّ شابّا من أصحابه قال فی نفسه حین حکم علیه السّلام بما حکم من أمرهم و سار إلى النهر لبیان صدق حکمه: و اللّه لأکوننّ قریبا منه فإن کانوا عبروا النهر لأجعلنّ سنان رمحى فی عینه أیّدعى علم الغیب، فلمّا وجدهم لم یعبروا نزل عن فرسه و أخبره بما روّى فی نفسه، و طلب منه أن یغفر له. فقال علیه السّلام: إنّ اللّه هو الّذی یغفر الذنوب جمیعا فاستغفره. فأمّا حکمه بأنّه لا یفلت منهم عشره و لا یقتل من أصحابه عشره. فروى أنّه قال لأبی أیّوب الأنصارى و کان على میمنته: لما بدأت الخوارج بالقتال احملوا علیهم فو اللّه لا یفلت منهم عشره و لا یهلک منکم عشره فلمّا قتلهم وجد المفلت منهم تسعه و المقتول من أصحابه ثمانیه. و هذان الحکمان من کراماته علیه السّلام.

و قال علیه السّلام: القسم الثانی

لما قتل الخوارج قیل له: یا أمیر المؤمنین، هلک القوم بأجمعهم کَلَّا وَ اللَّهِ إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِی أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَ قَرَارَاتِ النِّسَاءِ-

کُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ- حَتَّى یَکُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلَّابِینَ‏

 

اللغه

أقول: نجم: طلع.

و السلّاب: المختلس.

و کلّا: ردّ لمقاله من حکم بهلاکهم جمیعا.

المعنى

و أشار بکونهم نطفا فی أصلاب الرجال و قرارات النساء إلى أنّه لا بدّ من وجود قوم منهم یقولون بمثل مقالتهم و أنّهم الآن موجودون فی الأصلاب و الأرحام بالقوّه. فمنهم نطف برزت إلى الأرحام، و کنّى بالقرارات عنها. و منهم نطف بعد فی الأصلاب، ثمّ ألحقهم أحکاما اخر تقریرا لبقائهم. منها: أنّه سیقوم منهم رؤساء ذوو أتباع، و عبّر عمّن یظهر منهم بالقرن استعاره مرشّحا لتلک الاستعاره بقوله: نجم و قطع. لکونهما حقیقتین فی النبات و جعل لتراذ لهم غایه هى کون أواخرهم لصوصا سلّابین: أى قطّاعا للطریق، و أمّا الّذین ظهروا بعده من رؤسائهم فجماعه کثیره و ذلک أنّ التسعه الّذین سلموا یوم النهر تفرّقوا فی البلاد فانهزم اثنان منهم إلى عمّان، و إثنان إلى کرمان، و إثنان إلى سجستان، و إثنان إلى الجزیره و واحد إلى تلّ مورون، و قد کان منهم جماعه لم یظفر علیه السّلام بهم فظهرت بدعتهم فی أطراف البلاد بعده فکانوا نحوا من عشرین فرقه و کبارها ستّ:

إحداها: الأزارقه أصحاب نافع بن الأزرق، و کان أکبر الفرق. خرجوا من البصره إلى الأهواز و غلبوا علیها و على کورها و ما رءاها من بلدان فارس و کرمان فی أیّام عبد اللّه بن الزبیر، و کان مع نافع من أمراء الخوارج عشره: عطیّه بن الأسود الحنفىّ، و عبد اللّه بن ما خول، و أخواه: عثمان بن الزبیر، و عمر بن عمیر العمیرى، و قطرى بن فجاه المازنىّ، و عبده بن الهلال الشیبانى، و صخر التمیمىّ، و صالح العبدىّ، و عبد ربّه الکبیر، و عبد ربّه الصغیر فی ثلاثین و نیّف ألف فارس منهم فانفذ إلیهم المهلّب بن أبی صفره، و لم یزل فی حربهم هو و أولاده تسع عشره سنه إلى أن فرغ من أمرهم فی أیّام الحجّاج، و مات نافع قبل وقایع المهلّب و بایعوا قطریّا و سمّوه أمیر المؤمنین.

الثانیه: النجدات رئیسهم نجده بن عامر الحنفىّ، و کان معه أمیران یقال لأحدهما عطیّه، و الآخر أبو فدیک. ففارقاه بشبهه ثمّ قتله أبو فدیک و صار لکلّ واحد منهما جمع عظیم و قتلا فی زمن عبد الملک بن مروان.

الثالثه: البیهسیّه أصحاب أبی بیهس الهیصم بن جابر، و کان بالحجاز و قتله عثمان بن حیّان المزنىّ بالمدینه بعد أن قطع یدیه و رجلیه. و ذلک فی زمن الولید بإشاره منه.

الرابعه: العجارده أصحاب عبد الکریم بن عجرد، و تحت هذه الفرقه فرق کثیره لکلّ منهم رئیس منهم مشهور.

الخامسه: الأباضیّه أصحاب عبد اللّه بن أباض فی أیّام مروان بن محمّد فوجّه إلیه عبد اللّه بن محمّد بن عطیّه فقاتله فقتله.

السادسه: الثعالبه أصحاب ثعلبه بن عامر، و تحت هذه الفرقه أیضا فرق کثیره، و لکلّ منها رئیس مشهور. و تفصیل رؤسائهم و فرقهم و أحوالهم و من قتلهم مذکور فی کتب التواریخ. و أمّا کون آخرهم لصوصا سلّابین فإشاره إلى ما کانوا یفعلونه فی أطرف البلاد بإصبهان و الأهواز و سواد العراق یعیشون فیها بنهب أموال الخراج و قتل من لم یدن بدینهم جهرا و غیله و ذلک بعد ضعفهم و تفرّقهم بوقایع المهلّب و غیرها کما هو مذکوره فی مظانّه.

و قال علیه السّلام: القسم الثالث

لَا تُقَاتِلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِی- فَلَیْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ- کَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَکَهُ (یعنی معاویه و أصحابه)

المعنى

أقول: نهى عن قتل الخوارج بعده، و أومى إلى علّه استحقاق القتل بأنّها طلب الباطل لأنّه باطل لیتبیّن أنّها منفیّه فی حقّهم فینتفى لازمها و هو استحقاق القتل، و أشار إلى أنّ الخوارج لم یطلبوا الباطل مع العلم بکونه باطلا بل طلبوا الحقّ بالذات فوقعوا بالباطل بالعرض. و من لم یکن غرضه إلّا الحقّ لم یجز قتله، و حسن الکلام یظهر فی تقدیر متّصله هکذا: لو استحقّوا: القتل بسبب طلبهم لاستحقّوه بسبب طلبهم للباطل من حیث هو باطل لکنّهم لا یستحقّونه من تلک الجهه لأنّهم لیسوا طالبین للباطل من حیث هو باطل فلا یستحقّون القتل، و فرق بین من یطلب الحقّ لذاته فیظهر عنه فی صوره باطل، و بین من یطلب الباطل لذاته فیظهره فی صوره الحقّ حتّى یدرکه، فإنّ الثانی هو المستحقّ للقتل دون الأوّل، و و أومى بمن طلب الباطل فأدرکه إلى معاویه.

ع و اعلم: أنّ هذا نصّ منه علیه السّلام بأنّهم کانوا طالبین للحقّ، و بیانه أنّ معظم رؤسائهم کانوا على غایه من المحافظه على العبادات کما نقل عن الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم حیث وصفهم فقال: حتّى أنّ صلاه أحدکم لتحتقر فی جنب صلاتهم. و کانوا مشهورین بالصلاح و المواظبه على حفظ القرآن و درسه إلّا أنّهم بالغوا فی التجرّى و شدّه الطلب للحقّ حتّى عبروا عن فضیله العدل فیه إلى رذیله الإفراط فوقعوا فی الفسق و مرقوا من الدین.

فإن قلت: کیف نهى عن قتلهم.
قلت: جوابه من وجهین: أحدهما: أنّه علیه السّلام إنّما نهى عن قتلهم بعده على تقدیر أن یلزم کلّ منهم نفسه و یشتغل بها و لا یعیث فی الأرض فسادا و هو إنّما قتلهم حیث أفسدوا فى زمانه و قتلوا جماعه من الصالحین کعبد اللّه بن خبّاب، و شقّوا بطن امرأته و کانت حاملا و دعوا الناس إلى بدعتهم و مع ذلک کان یقول لأصحابه حین سار إلیهم: لا تبدءوهم بالقتال حتّى یبدءوکم به و لم یشرع فی قتلهم حتّى بدءوه بقتل جماعه من أصحابه. الثانی: أنّه یحتمل أن یقال: إنّه إنّما قتلهم لأنّه إمام عادل رأى الحقّ فی ذلک، و إنّما نهى عن قتلهم بعده لأنّه علم أنّه لا یلی هذا الأمر بعده من له بحکم الشریعه أن یقتل و یتولّى أمر الحدود، و من لا یعرف مواضعها. و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۵۳

بازدیدها: ۱۰۱

خطبه۵۷ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام کلم به الخوارج

أَصَابَکُمْ حَاصِبٌ وَ لَا بَقِیَ مِنْکُمْ آبِرٌ- أَ بَعْدَ إِیمَانِی بِاللَّهِ وَ جِهَادِی مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص- أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِی بِالْکُفْرِ- لَ قَدْ

ضَلَلْتُ إِذاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِینَ- فَأُوبُوا شَرَّ مَآبٍ وَ ارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الْأَعْقَابِ- أَمَا إِنَّکُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِی ذُلًّا شَامِلًا وَ سَیْفاً

قَاطِعاً- وَ أَثَرَهً یَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِیکُمْ سُنَّهً

قال الشریف: قوله علیه السّلام «و لا بقى منکم آبر» یروى بالباء و الراء من قولهم للذى یأبر النخل- أى: یصلحه- و یروى «آثر» و هو الذى یأثر الحدیث، أى: یرویه و یحکیه، و هو أصح الوجوه عندى، کأنه علیه السّلام قال: لا بقى منکم مخبر. و یروى «آبز»- بالزاى المعجمه- و هو الواثب.
و الهالک أیضا یقال له آبز

أقول: المروىّ فی السبب أنّه لمّا کتب عهد التراضى بین الحکمین بین علىّ و معاویه اعتزلت الخوارج و تنادوا من کلّ ناحیه لا حکم إلّا للّه، الحکم للّه یا على لا لک، إنّ اللّه قد أمضى حکمه فی معاویه و أصحابه أن یدخلوا تحت حکمنا و قد کنّاز للنا و أخطأنا حین رضینا بالتحکیم و قد بان زللنا و خطأنا و رجعنا إلى اللّه و تبنا فارجع أنت کما رجعنا و تب إلیه کما تبنا. و قال بعضهم: إنّک أخطأت فاشهد على نفسک بالکفر ثمّ تب منه حتّى نطیعک. فأجابهم بهذا الکلام.

اللغه

و الحاصب: ریح شدیده ترمى بالحصباء و هى صغار الحصى.

و الأثره بالتحریک: الاستبداد.

المعنى

فدعا علیهم أوّلا بریح تحصبهم، ثمّ بالفناء غضبا من مقالتهم، ثمّ أخذ فی تقریعهم و إنکار مقالتهم و طلبهم شهادته على نفسه بالکفر فی صوره سؤال أعقبه تنبیههم على خطأهم فی حقّه ببیان غلطه على نفسه لو أجابهم إلى ما سئلوا فإنّ شهاده الإنسان على نفسه بالکفر ضلال عن الحقّ و عدم اهتداء فی سبیل اللّه. ثمّ أردف ذلک بأمرین:

أحدهما: جذبهم بالغضب و القهر و أمرهم بالرجوع إلى الحقّ على أعقابهم: أى من حیث خرجوا من الحقّ و فارقوه. الثانی: أخبارهم بما سیلقون بعده من الذلّ الشامل و السیف القاطع. و هو کنایه عمّن تقتلهم بعده کالمهلّبّ بن أبی صفره و غیره، و هذا الإخبار لغرض استفاءتهم إلیه و جذب لهم برذیله غیره. و الأثره الّتی تتّخذها الظالمون فیهم سنّه. إشاره إلى ما یستأثر به الملوک و العمّال علیهم من الفى‏ء و الغنایم و إهانتهم، و قد کانت دعوته علیه السّلام استجیبت فیهم فإنّهم لم یزالوا بعده فی ذلّ شامل و قتل ذریع حتّى أفناهم اللّه تعالى. و أحوالهم فی کیفیّه قتالهم و قتلهم من قتلهم مستوفى فی کتاب الخوارج. و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج‏ البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۵۳

 

بازدیدها: ۳۵

خطبه۵۶ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام لأصحابه

أَمَّا إِنَّهُ سَیَظْهَرُ عَلَیْکُمْ بَعْدِی رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ- مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ یَأْکُلُ مَا یَجِدُ وَ یَطْلُبُ مَا لَا یَجِدُ- فَاقْتُلُوهُ وَ لَنْ تَقْتُلُوهُ- أَلَا

وَ إِنَّهُ سَیَأْمُرُکُمْ بِسَبِّی‏ وَ الْبَرَاءَهِ مِنِّی- فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِی فَإِنَّهُ لِی زَکَاهٌ وَ لَکُمْ نَجَاهٌ- وَ أَمَّا الْبَرَاءَهُ فَلَا تَتَبَرَّءُوا مِنِّی-

فَإِنِّی وُلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَهِ وَ سَبَقْتُ إِلَى الْإِیمَانِ وَ الْهِجْرَهِ

اللغه

أقول: رحب البلعوم: واسع مجرى الحلق. و بطن مند حق ناتى‏ء بارز.

المعنى

و فی هذا الفصل إخبار بما سیکون لأصحابه من الابتلاء بسبّه. و الخطاب لأهل الکوفه.

فقوله: أمّا. یحتمل أن یکون المشدّده. و التقدیر أمّا بعد أنّه کذا، و یحتمل أن یکون مخفّفه و هى ما النافیه دخلت علیها همزه الاستفهام، و التقدیر أما أنّه سیظهر، و اختلف فی مراده بالرجل. فقال أکثر الشارحون: المراد معاویه لأنّه کان بطینا کثیر الأکل. روى أنّه کان یأکل فیمّل فیقول: ارفعوا فو اللّه ما شبعت و لکن مللت و تعبت، و کان ذلک داء أصابه بدعاء الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم. روى: أنّه بعث إلیه مرّه فوجده یأکل فبعث إلیه ثانیه فوجده کذلک. فقال: اللهم لا تشبع بطنه. و لبعضهم فی وصف آخر.

و صاحب لى بطنه کالهاویه کأنّ فی أمعائه معاویهو قیل: هو زیاد بن أبی سفیان، و هو زیاد بن أبیه، و قیل: هو الحجّاج، و قیل: المغیره بن شعبه. و و ظهوره علیهم بعده. استعلاؤه و تأمرّه علیهم. و أکله ما یجد مع طلبه لما لا یجد کنایه عن کثره أکله، و جعل ذلک علامه له.

و قوله: فاقتلوه. أى لما هو علیه من الفساد فی الأرض، و لن تقتلوه. حکم لدنىّ اطلّع علیه. و قوله: ألا و إنّه سیأمرکم بسبىّ. إلى آخره.
إشاره إلى ما سیأمرهم به فی حقّه من السبّ و البراءه، و وصیّه لهم بما هو المصلحه إذن. و فرّق علیه السّلام بین سبّه و البراء منه بأن رخصّ فی سبّه عند الإکراه علیه و لم یرخّص فی التبرّى منه، و فی الفرق بینهما لطف، و ذلک أنّ السبّ من صفات القول اللسانىّ و هو أمر یمکن إیقاعه من غیر اعتقاده مع احتماله التعریض و مع ما یشتمل علیه‏

من حقن دماء المأمورین و نجاتهم بامتثال الأمر به. و أمّا التبرّء فلیس بصفه قولیّه فقط بل یعود إلى المجانبه القلبیّه و المعاداه و البغض و هو المنهّى عنه هاهنا فإنّه أمر باطن یمکنهم الانتهاء عنه و لا یلحقهم بسبب ترکه و عدم امتثال الأمر به ضرر. و کأنّه لحظ فیها قوله تعالى مَنْ کَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِیمانِهِ إِلَّا مَنْ أُکْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِیمانِ وَ لکِنْ«» الآیه و قوله فی السبّ: فإنّه لى زکاه و لکم نجاه. إشاره إلى أسباب ترخیصه فی سبّه أمّا نجاتهم بسبّه فظاهره و أمّا کونه زکاه له فلوجهین: أحدهما: ما روى فی الحدیث أنّ ذکر المؤمن بسوء هو زکاه له، و ذمّه بما لیس فیه زیاده فی جاهه و شرفه. الثانی: أنّ الطباع تحرص على ما تمنع منه و تلحّ فیه. فالناس لمّا منعوا من ذکر فضائله و الموالاه له و الزموا سبّه و بغضه ازدادوا بذلک محبّه له و إظهارا لشرفه، و لذلک إنّه علیه السّلام سبّه بنو امیّه ألف شهر على المنابر فما زاد ذکره على ذلک إلّا علوّا و لا ازداد الناس فی محبّته إلّا غلوّا. و المنقول أنّ الّذی أمر بقطع سبّه عمر بن عبد العزیز، و وضع مکان سبّه من الخطبه إِنَّ اللَّهَ یَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ الآیه، و لذلک قال کثیر بن عبد الرحمن یمدحه:
و لیت فلم تشتم علیّا و لم تخف برّیا و لم تقبل إساءه مجرم‏

و فیه یقول الرضىّ الموسوى:
یا ابن عبد العزیز لو بکت العین فتى من امیّه لبکیتک‏
أنت نزّهتنا عن الشتم و السبّ‏
و لو کنت مجزیا لجزیتک‏
غیر أنّى أقول إنّک قد طبت و إن لم یطب و لم یزک بیتک‏

و قوله: فإنّى ولدت على الفطره. إلى آخره.
تعلیل لحسن الانتهاء عن البراءه منه و وجوبه. و أراد بالفطره فطره اللّه الّتی فطر الناس علیها و هى بعثهم إلى عالم الأجسام مأخوذا علیهم میثاق العبودیّه و الاستقامه على سنن العدل فی سلوک صراطه المستقیم، و أراد بسبقه إلى الإسلام و الهجره سبقه إلى طاعه رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلّم فیما جاء به من الدین و صحبته له و مهاجرته معه مستقیما فی کلّ ذلک‏ على فطره اللّه لم یدنّس نفسه بشی‏ء من الملکات الردیئه مدّه وقته. أمّا زمان صغره فللخبر المشهور: کلّ مولود یولد على الفطره، و أمّا بعده فلأنّ الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم کان هو المتولّى لتربیته و تزکیه نفسه بالعلوم و الإخلاص من أوّل وقته إلى أن توفّى صلى اللّه علیه و آله و سلّم کما أشرنا إلیه قبل، و کما سیذکر هو بعد کیفیّته، و کان قبوله و استعداده لأنوار اللّه أمرا فطرت علیه نفسه، و جبلّت علیه طبیعته حتّى لم یلحقه فی ذلک أحد من الصحابه، و ظاهر أنّ من کان بهذه الصفه من خلفاء اللّه و أولیاءه کان التبرّء منه تبرّء من اللّه و رسوله. فوجب الانتهاء عنه. و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۴۹

بازدیدها: ۱۸

خطبه۵۵ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

وَ لَقَدْ کُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص- نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَ أَبْنَاءَنَا وَ إِخْوَانَنَا وَ أَعْمَامَنَا- مَا یَزِیدُنَا ذَلِکَ إِلَّا إِیمَاناً وَ تَسْلِیماً- وَ مُضِیّاً عَلَى

اللَّقَمِ وَ صَبْراً عَلَى مَضَضِ الْأَلَمِ- وَ جِدّاً فِی جِهَادِ الْعَدُوِّ- وَ لَقَدْ کَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَ الْآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا- یَتَصَاوَلَانِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَیْنِ

یَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا- أَیُّهُمَا یَسْقِی صَاحِبَهُ کَأْسَ الْمَنُونِ- فَمَرَّهً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا وَ مَرَّهً لِعَدُوِّنَا مِنَّا- فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ

بِعَدُوِّنَا الْکَبْتَ- وَ أَنْزَلَ عَلَیْنَا النَّصْرَ- حَتَّى اسْتَقَرَّ الْإِسْلَامُ مُلْقِیاً جِرَانَهُ وَ مُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ- وَ لَعَمْرِی لَوْ کُنَّا نَأْتِی مَا أَتَیْتُمْ- مَا

قَامَ لِلدِّینِ عَمُودٌ وَ لَا اخْضَرَّ لِلْإِیمَانِ عُودٌ- وَ ایْمُ اللَّهِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً وَ لَتُتْبِعُنَّهَا نَدَماً

أقول: المنقول أنّ هذا الکلام صدر عنه یوم صفّین حین أقرّ الناس بالصلح. و أوّله: إنّ هؤلاء القوم لم یکونوا لیفیئوا إلى الحقّ، و لا لیجیبوا إلى کلمه سواء حتّى یرموا بالمناشر تتبعها العساکر، و حتّى یرجموا بالکتائب تقفوها الجلائب، و حتّى یجرّ ببلادهم الخمیس یتلوه الخمیس، و حتّى تدعق الخیول فی نواحى أراضیهم و بأعناء مشاربهم و مسارحهم، حتّى تشنّ علیهم الغارات من کلّ فجّ عمیق، و حتّى یلقاهم قوم صدق صبر لا یزیدهم هلاک من هلک من قتلاهم و موتاهم فی سبیل اللّه إلّا جدّا فی طاعه اللّه و حرصا على لقاء اللّه. و لقد کنّا مع رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلّم الفصل.

 

اللغه

کلمه سواء: أى عادله.

و المنشر: خیل من المأه إلى المأتین، و یقال بل الجیش ما یمرّ بشى‏ء إلّا اقتلعه، و الخمیس: الجیش.

و تدعق: تغار على أرضهم فتؤثّر فیها حوافرها.

و شنّ الغاره: آثارها.

و اللقم: منهج الطریق.

و المضض: حرقه الألم.

و یتصاولان: یتحاملان و یتطاولان.

و یتخالسان: ینتهز کلّ منهما فرصه صاحبه، و المنون: المنیّه.

و الکبت: الصرف و الإذلال.

و جر ان البعیر: مقدّم عنقه من مذبحه إلى منخره.

و تبوّء وطنه: سکن فیه.

المعنى

و مقصوده فی هذا الفصل توبیخ أصحابه على ترک الحرب و التقصیر فیه.

فقوله: و لقد کنّا. إلى قوله: أوطانه.

بیان لفظه و کیفیّه صنیعه هو و سایر الصحابه فی الجهاد بین یدی رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلّم لغرض قیام الإسلام و ظهور أمر اللّه لیتبیّن للسامعین تقصیرهم بالنسبه إلى ما کان اولئک علیه فی جهادهم یومئذ. فبدء بذکر ما کانوا یکافحونه من الشدائد، و أنّ أحدهم کان یقتل أباه و ولده طلبا لرضا اللّه و ذبّا عن دینه ثمّ لا یزیده ذلک إلّا إیمانا و تسلیما لقضائه، و مضیّا على واضح سبیله، و صبرا فی طاعته على مضض الآلام المتواتره، و أنّ أحدهم کان یصاول عدوّه لیختطف کلّ روح صاحبه. و تجوّز بلفظ الکأس فیما یتجرّعه الإنسان من مضض الألم حال القتل، و نبّه بقوله: مرّه لنا و مرّه لعدوّنا. على أنّ إقدامهم على القتال یومئذ لم یکن عن قوّه منهم على العدوّ و یقین بغلبه بل مع غلب العدوّ لهم و قهره. و مرّه منصوب على الظرف و تقدیره فمرّه الإداله تکون لنا من عدوّنا و مرّه تکون له منّا.

و قوله: فلمّا رأى اللّه صدقنا. إلى قوله: النصر.

 فیه تنبیه على أنّ الجود الإلهىّ لا بخل فیه و لا منع من جهته و إنّما هو عامّ الفیض على کلّ قابل استعدّ لرحمته، و أشار برؤیه اللّه صدقهم إلى علمه باستحقاقهم و استعدادهم بالصبر الّذی أعدّهم به، و بإنزال النصر علیهم و الکبت لعدوّهم إلى إفاضته على کلّ منهم ما استعدّ له.

و قوله: حتّى استقرّ الإسلام. إلى قوله: أوطانه.
إشاره إلى حصول غایتهم الّتی قصدوها بجهاد العدوّ (اللّه خ) و هى استقرار الإسلام فی قلوب عباد اللّه. و استعار لفظ الجران، و رشحّ تلک الاستعاره بالإلقاء ملاحظه لشبهه بالبعیر الّذی أخذ مکانه، و کذلک استعار لفظ التبوّء و نسبه إلى الأوطان تشبیها له بمن کان من الناس خائفا متزلزلا لا مستقر له ثمّ اطمأنّ و استقرّ فی وطنه. و استعار لفظ الأوطان لقلوب المؤمنین، و کنّى بتبوّء أوطانه عن استقراره فیها.

و قوله: و لعمرى لو کنّا نأتی. إلى قوله: عود.
 رجوع إلى مقصوده الأصلىّ و هو تنبیه أصحابه على تقصیرهم. و المعنى لو قصّرنا یومئذ کتقصیرکم الآن و تخاذلکم لما حصل ما حصل من استقامه الدین، و کنّى بالعمود للدین عن قوّته و معظمه کنایه بالمستعار، و کذلک باخضرار العود للایمان عن نضارته فی النفوس، و لاحظ فی الاولى تشبیه الإسلام بالبیت ذى العمود، و فی الثانیه تشبیهه الایمان بالشجره ذات الأغصان.

و قوله: و أیم اللّه لتحتلبنّها دما.
 استعار لفظ حلب الدم لثمره تقصیرهم و تخاذلهم عمّا یدعوهم إلیه من الجهاد، و لاحظ فی تلک الاستعاره تشبیههم لتقصیرهم فی أفعالهم بالناقه الّتی اصیب ضرعها بآفه من تفریط صاحبها فیها، و الضمیر المؤنّث مبهم یرجع فی المعنى إلى أفعالهم، و کذلک الضمیر فی قوله: و لتتبعنّها ندما فإنّ ثمره التفریط الندامه. و دما و ندما منصوبان على التمیز. و قد اتّفق فی هذا الفصل نوعان من السجع فاللقم و الألم سجع متوازى، و جرانه و أوطانه مطرّف، و کذلک عمود و عود و دما و ندما. و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۴۷

بازدیدها: ۱۷

خطبه۵۴ شرح ابن میثم بحرانی

 و من کلام له علیه السّلام و قد استبطأ أصحابه إذنه لهم فى القتال بصفین

أَمَّا قَوْلُکُمْ أَ کُلَّ ذَلِکَ کَرَاهِیَهَ الْمَوْتِ- فَوَاللَّهِ مَا أُبَالِی- دَخَلْتُ إِلَى الْمَوْتِ أَوْ خَرَجَ الْمَوْتُ إِلَیَّ- وَ أَمَّا قَوْلُکُمْ شَکّاً فِی أَهْلِ

الشَّامِ- فَوَاللَّهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ یَوْماً- إِلَّا وَ أَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِی طَائِفَهٌ فَتَهْتَدِیَ بِی- وَ تَعْشُوَ إِلَى ضَوْئِی- وَ ذَلِکَ أَحَبُّ

مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلَالِهَا- وَ إِنْ کَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا

اللغه

أقول: عشا إلى النار: استدلّ علیها ببصر ضعیف.

و باء بإثمه: أى رجع به.

المعنى

و هذا الفصل مناسب للّذی قبله.

و السبب فیه أنّ أصحابه لمّا طال منعه لهم عن قتال أهل الشام ألحّوا علیه فی طلبه حتّى نسبه بعضهم إلى العجز و کراهیّه الموت، و نسبه بعضهم إلى الشکّ فی وجوب قتال هؤلاء. فأورد علیه السّلام شبهه الأوّلین و هى قوله: أکلّ ذلک کراهیّه الموت، و روى کراهیّه بالنصب على المفعول و سدّ مسدّ الخبر.

و أجاب عنها بقوله: فو اللّه ما ابالى. إلى قوله: إلىّ، و صدق هذا الدعوى المؤکّده بالقسم البارّ ظاهر منه فإنّ العارف بمعزل عن تقیّه الموت خصوصا نفسه القدسیّه کما سبق، و نسبه الدخول على الموت و الخروج إلیه نسبه مجازیّه تستلزم ملاحظه تشبیهه بحیوان مخوف. ثمّ أورد الشبهه الثانیه

و هى قوله: و أمّا قولکم شکّا فی أهل الشام. و أجاب عنها بقوله: فو اللّه ما دفعت الحرب: إلی آخره، و تقریره أنّ المطلوب الأوّل من الأنبیاء و الأولیاء إنّما هو اهتداء الخلق بهم من ظلمه الجهل، و استقامه امورهم فی معاشهم و معادهم بوجودهم، و إذا کان هذا هو المطلوب الذّاتى له علیه السّلام من طلب هذا الأمر و القتال علیه و کان تحصیل المطالب کلّما کان ألطف و أسهل من القتل و القتال کان أولى لا جرم کان انتظاره بالحرب و مدافعتها یوما فیوما إنّما هو انتظار و طمع أن یلحق به منهم من تجذب العنایه الإلهیّه بذهنه إلى الحقّ فیهتدى به فی طریق اللّه و یعشو إلى ضوء عمله و کماله، و کان ذلک أحبّ إلیه من قتلهم على ضلالتهم و إن کان کلّ ضالّ إنّما یرجع بإثمه إلى ربّه و یکون رهین عمله کما قال تعالى کُلُّ نَفْسٍ بِما کَسَبَتْ رَهِینَهٌ. قُلْ أَ غَیْرَ اللَّهِ أَبْغِی رَبًّا وَ هُوَ رَبُّ کُلِّ شَیْ‏ءٍ وَ لا.

شرح‏ نهج‏ البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۴۵

بازدیدها: ۱۸

خطبه۵۳ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

فَتَدَاکُّوا عَلَیَّ تَدَاکَّ الْإِبِلِ الْهِیمِ یَوْمَ وِرْدِهَا- وَ قَدْ أَرْسَلَهَا رَاعِیهَا وَ خُلِعَتْ مَثَانِیهَا- حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَاتِلِیَّ أَوْ بَعْضُهُمْ قَاتِلُ

بَعْضٍ لَدَیَّ- وَ قَدْ قَلَّبْتُ هَذَا الْأَمْرَ بَطْنَهُ وَ ظَهْرَهُ حَتَّى مَنَعَنِی النَّوْمَ- فَمَا وَجَدْتُنِی یَسَعُنِی إِلَّا قِتَالُهُمْ- أَوِ الْجُحُودُ بِمَا

جَاءَنی‏ بِهِ مُحَمَّدٌ ص- فَکَانَتْ مُعَالَجَهُ الْقِتَالِ أَهْوَنَ عَلَیَّ مِنْ مُعَالَجَهِ الْعِقَابِ- وَ مَوْتَاتُ الدُّنْیَا أَهْوَنَ عَلَیَّ مِنْ مَوْتَاتِ الْآخِرَهِ

اللغه

أقول: تداکّوا: دکّ بعضهم بعضا: أى دقّه بالضرب و الدفع.

و الهیم: الإبل العطاش.

و المثانى: جمع مثناه و هى الحبل یثنّى و یعقل به البعیر.

المعنى

و اعلم أنّ قوله: فتداکّوا. إلى قوله: لدىّ.

إشاره إلى صفه أصحابه بصفّین لمّا طال منعه لهم من قتال أهل الشام، و کان علیه السّلام یمنعهم من قتالهم لأمرین: أحدهما أنّه کانت عادته فی الحرب ذلک لیکون خصمه البادى فترکبه الحجّه، و الثانی أنّه کان یستخلص وجه المصلحه فی کیفیّه قتالهم لا على سبیل شکّه فی وجوب قتال من خالفه فإنّه علیه السّلام کان مأمورا بذلک بل على وجه استخلاص الرأى الأصلح أو انتظارا لا نجذا بهم إلى الحقّ و رجوعهم إلى طاعته لحقن دماء المسلمین کما سیصرّح به فی الفصل الّذی یأتی، ثمّ أکدّ وصفهم بالزحام علیه بأمرین: أحدهما تشبیهه بزحام الإبل العطاش حین یطلقها رعاتها من مثانیها یوم توردها الماء. و وجه الشبه مالهما من شدّه الزحام، الثانی غایه ذلک الزحام و هو ظنّه علیه السّلام أن یقتلوه أو یقتل بعضهم بعضا. و قوله: و قد قلّبت هذا الأمر. إلى آخره.

إشاره إلى بعض علل منعه لهم من القتال، و هو تقلیبه لوجوه الآراء فی قتالهم حتّى تبیّن له ما یلزم فی ترک القتال من الخطر و هو الکفر. على أنّ فی الأمرین خطرا أمّا القتال ففیه بذل نفسه للقتل و هلاک جمله من المسلمین، و أمّا ترکه ففیه مخالفه أمر اللّه و رسوله المستلزمه للعقاب الألیم، لکن قد علمت أنّ الدنیا لا قیمه لسعادتها و لا نسبه لشقاوتها إلى سعاده الآخره و شقاوتها عند ذوى البصایر خصوصا مثله علیه السّلام فلذلک قال: فکانت معالجه القتال أهون علىّ من معالجه العقاب، و موتات الدنیا أهون علىّ من موتات الآخره. و استعار لفظ الموتات للأهوال و الشدائد فی الدنیا و الآخره لما بین الموت و بینها من المناسبه فی الشدّه.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۴۴

بازدیدها: ۱۶

خطبه۵۲ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام فى ذکر یوم النحر

وَ مِنْ تَمَامِ الْأُضْحِیَّهِ اسْتِشْرَافُ أُذُنِهَا وَ سَلَامَهُ عَیْنِهَا- فَإِذَا سَلِمَتِ الْأُذُنُ وَ الْعَیْنُ سَلِمَتِ الْأُضْحِیَّهُ وَ تَمَّتْ- وَ لَوْ کَانَتْ

عَضْبَاءَ الْقَرْنِ تَجُرُّ رِجْلَهَا إِلَى الْمَنْسَکِ

اللغه

أقول: الاضحیه: منصوبه إلى الأضحى إذ کان ذبجها فی ضحى ذلک الیوم، و قیل إنّه مشتقّ منها.

و استشراف اذنها: طولها، و کنّى بذلک عن سلامتها من القطع أو نقصان الخلقه.

و العضباء: مکسوره القرن، و قیل القرن الداخل.

و کنّى بجرّ رجلها إلى المنسک عن عرجها.

و المنسک: موضع النسک، و هو العباده و التقرّب بذبحها.

المعنى

و اعلم أنّ المعتبر فی الاضحیّه سلامتها عمّا ینقّص قیمتها، و ظاهر أنّ العمى و العور و الهزال و قطع الاذن تشویه فی خلقتها و نقصان فی قیمتها دون العرج و کسر القرن.

و فی فضل الاضحیّه أخبار کثیره روى عن رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلّم قال: ما من عمل یوم النحر أحبّ إلى اللّه عزّ وجلّ من إراقه دم، و إنّها لتأتى یوم القیامه بقرونها و أظلافها و أنّ الدم لیقع من اللّه بمکان قبل أن یقع الأرض فطیّبوا بها نفسا. و روى عنه أیضا أنّ لکم بکلّ صوفه من جلدها حسنه، و بکلّ قطره من دمها حسنه، و أنّها لتوضع فی المیزان فابشروا، و قد کانت الصحابه یبالغون فی أثمان الهدى و الأضاحى، و یکرهون المماکسه فیها فإنّ أفضل ذلک أغلاه ثمنا و أنفسه عند أهله.

روى أن عمر اهدى نجیبه فطلبت منه بثلاثمائه دینار فسأل رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلّم أن یبیعها و یشترى بثمنها بدنا فنهاه عن ذلک، و قال: بل اهدها. و سرّ ذلک أنّ الجیّد القلیل خیر من الکثیر الدون. فثلاث مائه دینار و إن کان قیمه ثلاثین بدنه و فیها تکثیر اللحم و لکن لیس المقصود اللحم. بل المقصود تزکیه النفس و تطهیرها عن صفه البخل و تزیینها بجمال التعظیم للّه ف لَنْ یَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لکِنْ یَنالُهُ التَّقْوى‏ مِنْکُمْ، و ذلک بمراعاه النفاسه فی القیمه کثر العدد أم قلّ.

و اعلم أنّه ربما لاح من أسرار وضع الاضحیّه سنّه باقیه هو أن یدوم بها التذکّر لقصّه إبراهیم علیه السّلام و ابتلائه بذبح ولده و قوّه صبره على تلک المحنه و البلاء المبین، ثمّ یلاحظ من ذلک حلاوه ثمره الصبر على المصائب و المکاره فیتأسّى الناس به فی ذلک مع ما فی نحر الاضحیّه من تطهیر النفس عن رذیله البخل و استعداد النفس بها للتقرّب إلى اللّه تعالى. و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج‏ البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی) ، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۴۳

بازدیدها: ۱۴

خطبه۵۱ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

أَلَا وَ إِنَّ الدُّنْیَا قَدْ تَصَرَّمَتْ وَ آذَنَتْ بِانْقِضَاءٍ- وَ تَنَکَّرَ مَعْرُوفُهَا وَ أَدْبَرَتْ حَذَّاءَ- فَهِیَ تَحْفِزُ بِالْفَنَاءِ سُکَّانَهَا- وَ تَحْدُو بِالْمَوْتِ

جِیرَانَهَا- وَ قَدْ أَمَرَّ فِیهَا مَا کَانَ حُلْواً- وَ کَدِرَ مِنْهَا مَا کَانَ صَفْواً- فَلَمْ یَبْقَ مِنْهَا إِلَّا سَمَلَهٌ کَسَمَلَهِ الْإِدَاوَهِ- أَوْ جُرْعَهٌ کَجُرْعَهِ

الْمَقْلَهِ- لَوْ تَمَزَّزَهَا الصَّدْیَانُ لَمْ یَنْقَعْ- فَأَزْمِعُوا عِبَادَ اللَّهِ- الرَّحِیلَ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ الْمَقْدُورِ عَلَى أَهْلِهَا الزَّوَالُ- وَ لَا یَغْلِبَنَّکُمْ

فِیهَا الْأَمَلُ- وَ لَا یَطُولَنَّ عَلَیْکُمْ فِیهَا الْأَمَدُ- فَوَاللَّهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِینَ الْوُلَّهِ الْعِجَالِ- وَ دَعَوْتُمْ بِهَدِیلِ الْحَمَامِ- وَ جَأَرْتُمْ جُؤَارَ

مُتَبَتِّلِی الرُّهْبَانِ- وَ خَرَجْتُمْ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَ الْأَوْلَادِ- الْتِمَاسَ الْقُرْبَهِ إِلَیْهِ فِی ارْتِفَاعِ دَرَجَهٍ عِنْدَهُ- أَوْ غُفْرَانِ سَیِّئَهٍ

أَحْصَتْهَا کُتُبُهُ- وَ حَفِظَتْهَا رُسُلُهُ لَکَانَ قَلِیلًا فِیمَا أَرْجُو لَکُمْ‏ مِنْ ثَوَابِهِ- وَ أَخَافُ عَلَیْکُمْ مِنْ عِقَابِهِ- وَ اللَّهِ لَوِ انْمَاثَتْ قُلُوبُکُمُ

انْمِیَاثاً- وَ سَالَتْ عُیُونُکُمْ مِنْ رَغْبَهٍ إِلَیْهِ أَوْ رَهْبَهٍ مِنْهُ دَماً- ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِی الدُّنْیَا- مَا الدُّنْیَا بَاقِیَهٌ مَا جَزَتْ أَعْمَالُکُمْ عَنْکُمْ- وَ

لَوْ لَمْ تُبْقُوا شَیْئاً مِنْ جُهْدِکُمْ- أَنْعُمَهُ عَلَیْکُمُ الْعِظَامَ- وَ هُدَاهُ إِیَّاکُمْ لِلْإِیمَانِ

اللغه

أقول: آذنت: أعلمت.

و تنکّر معروفها: جهل.

و حذّاء: سریعه خفیفه،

و یروى بالجیم: أى مقطوعه الخبر و العلاقه.

و الحفز: السوق الحثیث.

و الحفز أیضا الطعن، و السمله بفتح المیم: البقیّه من الماء فی الإناء.

و المقله بفتح المیم و سکون القاف: حصاه یقسم بها الماء عند قلّته یعرف بها بها مقدار ما یسقى کلّ شخص.

و التمزّز: تمصّص الشراب قلیلا قلیلا.

و الصدیان: العطشان.

و نقع ینقع: أى سکن عطشه.

و أزمعت الأمر و أزمعت علیه: أى ثبت عزمى على فعله.

و المقدور: المقدّر الّذی لا بدّ من کونه.

و الأمد: الغایه.

و الولّه العجال: جمع واله و عجول، و هما من الإبل النوق تفقد أولادها. و هدیل الحمامه: نوحها.

و الجوار: الصوت المرتفع.

و التبتّل: الانقطاع إلى اللّه بإخلاص النیّه.

و انماث الشی‏ء: تحلّل و ذاب.

 

و اعلم أنّ مدار هذا الفصل على امور ثلاثه:

أحدها: التنفیر عن الدنیا و التحذیر منها و النهى عن تأمیلها و الأمر بالرحیل عنها.

الثانی: التنبیه على عظیم ثواب اللّه و ما ینبغی أن یرجى منه و یلتفت إلیه و یقصد بالرحیل بالنسبه إلى ما الناس فیه ممّا یتوهّم خیرا فی الدنیا ثمّ على عظیم عقابه و ما ینبغی أن یخاف منه.

الثالث: التنبیه على عظمه نعمه اللّه على الخلق، و أنّه لا یمکن جزاءها بأبلغ المساعى و أکثر الاجتهاد.

أمّا الأوّل: التنفیر عن الدنیا و التحذیر منها

فأشار بقوله: الا و إنّ الدنیا قد تصرمّت. إلى قوله: فیها الأمد. و قد علمت أن تصرّمها هو تقضّى أحوالها الحاضره شیئا فشیئا بالنسبه إلى من‏ وجد فیها فی کلّ حین، و أنّ إذنها بالانقضاء هو إعلامها بلسان حالها لأذهان المعتبرین أنّها لا تبقى لأحد، فأمّا تنکّر معروفها: فمعناه تغیّره و تبدّله، و مثاله أنّ الإنسان إذا أصاب لذّه من لذّات الدنیا کصحّه أو أمن أو جاه و نحوه أنس إلیه و توهّم بقاءه له و کان ذلک معروفها الّذی أسدته إلیه و عرفه و ألفه منها، ثمّ إنّه عن قلیل یزول و یتبدّل بضدّه فیصیر بعد أن کان معروفا مجهولا. و تکون الدنیا کصدیق تنکّر فی صداقته و مزّجها بعداوته.

و قوله: و أدبرت حذّاء. أى ولّت حال ما لا تعلّق لأحد بشى‏ء منها مسرعه، و استعار لفظ الإدبار لانتقال خیراتها عمّن انتقلت عنه بموته أو غیر ذلک من وجوه زوالها ملاحظه لشبهها بملک أعرض عن بعض رعیّته برفده و ماله و برّه.

قوله: فهى تحفز بالفناء سکّانها و تحدو بالموت جیرانها. استعار لها وصفى السائق و الحادى استعاره بالکنایه. و وجه المشابهه کونهم قاطعین لمدّه العمر بالفناء و الموت فهى مصاحبته لهم بذلک کما یصحب السائق و الحادى للإبل بالسوق و الحداء، و إن ارید بالحفز الطعن فیکون قد تجوّز بنسبته إلى البلاء ملاحظه لشبه مصائب الدنیا بالرماح، و کذلک استعار لفظ الفناء و الموت لآله السوق و الحداء و نزّلهما منزله الحقیقه. و وجه المشابهه کون الموت هو السبب فی انتقال الإنسان إلى دار الآخره کما أنّ الصوت و السوط مثلا للذین هما آلتا الحداء و السوق هما اللذان بهما یحصل انتقال الإبل من موضع إلى موضع.

و قوله: و قد أمرّ منها ما کان حلوا، و کدر منها ما کان صفوا. کقوله: و تنکّر معروفها: أى إنّ الامور الّتی تقع لذیذه فیها و یجدها الإنسان فی بعض أوقاته صافیه حلوه خالیه عن کدورات الأمراض و مراره التنغیص بالعوارض الکریهه هى فی معرض التغیّر و التبدّل بالمراره و الکدر فما من شخص یخاطبه بما ذکر إلّا و یصدق علیه أنّه قد عرضت له من تلک اللذّات ما استعقب صفوها کدرا و حلاوتها مراره إمّا من شباب یتبدّل بکبر، أو غنى بفقر، أو عزّ بذلّ، أو صحّه بسقم.

و قوله: فلم یبق منها إلا سمله. إلى قوله: لم ینقع. تقلیل و تحقیر لما بقى منها لکلّ شخص شخص من الناس فإنّ بقائها له على حسب بقائه فیها، و بقاء کلّ شخص فیها یسیر و وقته قصیر. و استعار لفظ السمله لبقیّتها، و شبّها ببقیّه الماء فی الإداوه، و بجرعه المقله، و وجه الشبه ما أشار بقوله: لو تمزّزها الصدیان لم ینقع: أى کما أنّ العطشان الواجد لبقیّه الإداوه و الجرعه لو تمصّصها لم ینقع عطشه کذلک طالب الدنیا المتعطّش إلیها الواجد لبقیّه عمره و للیسیر من الاستمتاع فیه بلذّات الدنیا لا یشفى ذلک غلیله و لا یسکن عطشه منها، فالأولى إذن تعوید النفس بالفطام عن شهواتها.

و قوله: فأزمعوا عباد اللّه الرحیل عن هذه الدار. أمر لهم بعد تحقیرها و التنفیر عنها بالإزماع، و تصمیم العزم على الرحیل عنها بالالتفات إلى اللّه و الإقبال على قطع عقبات الطریق إلیه و هو الرحیل عن الدنیا.

و قوله: المقدور على أهلها الزوال. تذکیر بما لا بدّ من مفارقتها لتحّف الرغبه فیها ثمّ أعقب ذلک بالنهى عن متابعه الأمل فی لذّاتها فإنّه ینسى الآخره کما سبقت الإشاره إلیه، و ذکر لفظ المغالبه تذکیر بالأنفه و استثاره للحمیّه من نفوسهم ثمّ بالنهى عن توهّم طول مدّه الحیاه و استبعاد الغایه الّتی هى الموت فإنّ ذلک یقسى القلب فیورث الغفله عن ذکر اللّه کما قال تعالى فَطالَ عَلَیْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ کَثِیرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ«».

و أمّا الثانی: فهو التنبیه على عظیم ثواب اللّه و عقابه.
فاعلم أنّه لمّا حقّر الدنیا، و حذّر منها، و أمر بالارتحال عنها. أشار بعد ذلک إلى ما ینبغی أن یعظّم و یلتفت إلیه و یرجى و یخشى، و هو ثواب اللّه و عقابه، فأشار إلى تعظیمها بتحقیر الأسباب و الوسائل الّتی یعتمد علیها العباد و هى غایات جهدهم بالنسبه إلى ما ینبغی أن یرجى من ثوابه و یخشى من عقابه و تلک الأسباب من شدّه الحنین و الوله إلى اللّه و الدعاء المستمرّ و التضرّع المشبه بتبتّل الرهبان. هذا فی طرف العباده.

و إنّما خصّ التشبیه بمتبتّلى الرهبان لشهرتهم بشدّه التضرّع، و کذلک الخروج إلى اللّه من الأموال: و الأولاد و هو أشدّ الزهد، و رتّب ذلک فی صوره متصّله مقدّمها قوله: و لو حننتم إلى قوله: رسله، و تالیها قوله: لکان ذلک قلیلا. إلى قوله: من عقابه. و التماس: مفعول له. و خلاصه هذا المقصود بوجیز الکلام إنّکم لو أتیتم بجمیع أسباب التقرّب إلى اللّه الممکنه لکم من عباده و زهد ملتمسین بذلک التقرّب إلیه فی أن یرفع لکم عنده درجه أو یغفر لکم سیّئه أحصتها کتبه و ألواحه المحفوظه لکان الّذی أرجوه من ثوابه للمتقرّب إلیه فی أن یرفع منزلته من حضره قدسه أکثر ممّا یتصوّر المتقرّب أنّه یصل إلیه بتقرّبه، و لکان الّذی أخافه من عقابه على المتقرّب فی غفران سیّئه عنده أکثر من العقاب الّذی یتوهّم أنّه یدفعه عن نفسه بتقرّبه. فینبغى لطالب الزیاده فی المنزله عند اللّه أن یخلص بکلّیته فی التقرّب إلیه لیصل هو إلى ما هو أعظم ممّا یتوهّم أنّه یصل إلیه من المنزله عنده، و ینبغی للهارب من ذنبه إلى اللّه أن یخلص بکلّیّته فی الفرار إلیه لیخلص من هول ما هو أعظم ممّا یتوهّم أنّه یدفع عن نفسه بوسیلته إلیه فإنّ الأمر فی معرفه ما أعدّ اللّه لعباده الصالحین من الثواب العظیم، و ما أعدّه لأعدائه الظالمین من العقاب الألیم أجّل ممّا یتصوّره عقول البشر ما دامت فی عالم الغربه و إن کان عقولهم فی ذلک الإدراک متفاوته، و لمّا کانت نفسه القدسیّه أشرف نفوس الخلق فی ذلک الوقت لا جرم نسب الثواب المرجوّ لهم و العقاب المخوف علیهم إلى رجائه هو و خوفه. فقال: ما أرجو لکم من ثوابه و أخاف علیکم من عقابه. و ذلک لقوّه اطّلاعه من ذلک على ما لم یطّلعوا علیه.

و أمّا الثالث: و هو التنبیه على عظیم نعمه اللّه تعالى على العباد

فنبّه علیه أنّ کلّ ما أتوا به من الأعمال الّتی بذلوا جهدهم فیها فی طاعه اللّه و ما عساه یمکنهم أن یأتوا به منها فهو قاصر عن مجازاته نعمه العظام. و قد سبق بیان ذلک. و رتّب المطلوب فی صوره شرطیّه متّصله أیضا مقدّمها مرکّب من امور:

أحدها: قوله: لو انماثت قلوبکم. أى ذابت خوفا منه و وجدا منه، و کنّى بذلک عن أقصى حال الخائف الراجى لربّه فی عبادته.

الثانی قوله: و سالت عیونکم دما، و هو کالأوّل. الثالث قوله: ثمّ عمّرتم فی الدنیا ما الدنیا باقیه أى مدّه بقاء الدنیا. و تالیها قوله: و ما جزت أعمالکم. إلى آخره. و أنعمه منصوب مفعول جزت. و هداه فی محلّ النصب عطفا علیه، و إنّما أفرد الهدى بالذکر و إن کان من الأنعم لشرفه إذ هو الغایه المطلوبه من العبد بکلّ نعمه افیضت علیه فإنّه لم یخلق و لم یفض علیه أنواع النعم.
الإلهیّه إلّا لتأهّل [لیستأهل خ‏] قلبه، و یستعدّ نفسه لقبول صوره الهدى من واهبها فیمشى بها فی ظلمات الجهل إلى ربّه و یجوز بها عقبات صراطه المستقیم، و أکّد ملازمه هذه المتّصله بالقسم البازّ، و کذلک المتّصله السابقه، و فایده هذا التنبیه بعث الخلق على الشکر و توفیر الدواعی على الاجتهاد فی الإخلاص للّه حیاء من مقابله عظیم إنعامه بالتقصیر فی شکره و التشاغل بغیره. و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۳۸

بازدیدها: ۱۴

خطبه۵۰شرح ابن میثم بحرانی

ومن کلام له علیه السّلام

لما غلب أصحاب معاویه أصحابه علیه السّلام على شریعه الفرات بصفین و منعوهم الماء قَدِ اسْتَطْعَمُوکُمُ الْقِتَالَ-

فَأَقِرُّوا عَلَى مَذَلَّهٍ وَ تَأْخِیرِ مَحَلَّهٍ- أَوْ رَوُّوا السُّیُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ- فَالْمَوْتُ فِی حَیَاتِکُمْ مَقْهُورِینَ- وَ الْحَیَاهُ فِی

مَوْتِکُمْ قَاهِرِینَ- أَلَا وَ إِنَّ مُعَاوِیَهَ قَادَ لُمَهً مِنَ الْغُوَاهِ- وَ عَمَّسَ عَلَیْهِمُ الْخَبَرَ- حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ الْمَنِیَّهِ

اللغه

أقول: اللمه بالتخفیف: الجماعه القلیله.

و عمس بالتخفیف و التشدید: عمّى و ابهم، و منه عمس اللیل أظلم.

و المحلّه: المنزله.

و فی الفصل لطائف.

الاولى: قوله: قد استطعموکم القتال.
استعار لفظ الاستطعام لتحرّشهم بالقتال فی منعهم للماء. و وجه الاستعاره استسهالهم للقتال و طلبهم له بمنع الماء الّذی هو فی الحقیقه أقوى جذبا للقتال من طلب المأکول بالأقوال.
و لأنّهم لمّا حازوا الماء أشبهوا فی ذلک من طلب الطعام له، و لمّا استلزم ذلک المنع طلبهم للقتال تعیّن أن یشبه ما طلبوا إطعامه.

الثانیه: قوله: فأقرّوا على مذلّه، و تأخیر محلّه. إلى قوله: الماء.
أمر لهم بأحد لازمین عن منعهم الماء و استطعامهم القتال: إمّا ترک القتال، أو إیقاعه. و إنّما أورد الکلام بصوره التخییر بین هذین اللازمین و إن لم یکن مراده إلّا القتال لعلمه بأنّهم لا یختارون ترک القتال مع ما یلزم من الإقرار بالعجز و المذلّه‏ و الاستسلام للعدوّ و تأخیر المنزله عن رتبه أهل الشرف و الشجاعه، و إنّما أورد الوصفین اللازمین لترک القتال. و هما الإقرار على المذلّه و على تأخیر المحلّه لینفّر بهما عنه و یظهره لهم فی صوره کریهه، و إنّما جعل الریّ من الماء الّذی هو مشتهى أصحابه فی ذلک الوقت لازما لترویتهم السیوف من الدماء الّتی یلزمها القتال لیریهم القتال فی صوره محبوبه تمیل طباعهم إلیها. و نسبه التروىّ إلى السیوف نسبه مجازیّه.

الثالثه: قوله: فالموت فی حیاتکم مقهورین، و الحیاه فی موتکم قاهرین.
من لطائف الکلام و محاسنه و هو جذب إلى القتال بأبلغ ما یکن من البلاغه فجذبهم إلیه بتصویره لهم أنّ الغایه الّتی عساهم یفرّون من القتال خوفا منها و هى الموت موجوده فی الغایه الّتی عساهم یطلبونها من ترک القتال و هى الحیاه البدنیّه حال کونهم مقهورین. و تجوّز بلفظ الموت فی الشدائد و الأهواء الّتی تلحقهم من عدوّهم لو قهرهم و هى عند العاقل أشدّ بکثیر من موت البدن و أقوى مقاساه فإنّ المذلّه و سقوط المنزله و الهضم و الاستنقاص عند ذى اللبّ موتات متعاقبه، و یحتمل أن یکون مجازا فی ترک عباده اللّه بالجهاد فإنّه موت للنفس و عدم لحیاتها برضوان اللّه، و کذلک جذبه لهم أنّ الغایه الّتی تفرّون إلیها بترک القتال و هى الحیاه موجوده فی الغایه الّتی تفرّون منها و هى الموت البدنىّ حال کونهم قاهرین أمّا فی الدنیا فمن وجهین: أحدهما الذکر الباقى الجمیل الّذی لا یموت و لا یفنى. الثانی أنّ طیب حیاتهم الدنیا إنّما یکون بنظام أحوالهم بوجود الإمام العادل و بقاء الشریعه کما هى، و ذلک إنّما یکون بإلقاء أنفسهم فی غمرات الحرب محافظه على الدین و موت بعضهم فیها. و لفظ الموت مهمل تصدق نسبته إلى الکلّ و إن وجد فی البعض، و أمّا فی الآخره فالبقاء الأبدى بالمحافظه على وظائف اللّه و الحیاه التامّه فی جنّات عدن کما قال تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِینَ قُتِلُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْیاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ یُرْزَقُونَ«» و فی القرینتین الاولیین السجع المتوازى و فی اللتین بعدهما السجع المطرف، و فی اللتین بعدهما المقابله.

الرابعه: قوله: ألا و إنّ معاویه.

ذکر للعدوّ برذیلتین، و لأصحابه برذیلتین أمّا الأولیان فکونه قائد غواه، و کونه قد لبّس علیهم الحقّ بالباطل و أراهم الباطل فی صوره الحقّ، و أمّا الاخریان لکونهم غواتا عن الحقّ، و کونهم قد انقادوا للباطل عن شبهه حتّى صار جهلهم مرکّبه، و الغرض من ذلک التنفیر عنهم، و قوله: حتّى جعلوا نحورهم أغراض المنیّه غایه لأصحاب معاویه من تلبیسه الحقّ علیهم. و کنّى بذلک عن تصدیّهم للموت، و لفظ الغرض مستعار لنحورهم، و وجه المشابهه جعلهم لنحورهم بصدد أن تصیبها سهام المنیّه من الطعن و الضرب و الذبح و وجوه القتل فأشبهت ما ینصبه الرامى هدفا. و هى استعاره بالکنایه کأنّه حاول أن یستعیر للمنیّه لفظ الرامى. و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۳۶

 

بازدیدها: ۱۲

خطبه۴۹شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ وَ أَحْکَامٌ تُبْتَدَعُ- یُخَالَفُ فِیهَا کِتَابُ اللَّهِ- وَ یَتَوَلَّى عَلَیْهَا رِجَالٌ رِجَالًا عَلَى غَیْرِ دِینِ اللَّهِ- فَلَوْ

أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ- لَمْ یَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِینَ- وَ لَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ- انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ

الْمُعَانِدِینَ- وَ لَکِنْ یُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَیُخْرَجَانِ- فَهُنَالِکَ یَسْتَوْلِی الشَّیْطَانُ عَلَى أَوْلِیَائِهِ- وَ یَنْجُو الَّذِینَ

سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنى‏

 

اللغه

أقول: المرتاد: الطالب.

و الضغث: القبضه من الحشیش.

المعنى

و اعلم أنّ مبدء وقوع الفتن المؤدّیه إلى خراب العالم و فساده إنّما هو اتّباع الهوى و الآراء الباطله و الأحکام المبتدعه الخارجه عن أوامر اللّه، و ذلک أنّ المقصود من بعثه الرسل و وضع الشریعه إنّما هو نظام أحوال الخلق فی أمر معاشهم و معادهم فکان کلّ رأى ابتدع أو هوى اتّبع خارجا عن کتاب اللّه و سنّه رسوله سببا لوقوع الفتنه و تبدّد نظام الموجود فی هذا العالم. و ذلک کأهواء البغاه و آراء الخوارج و نحوها. و قوله: فلو أنّ الباطل خلّص من مزاج الحقّ. إلى آخره.
إشاره إلى أسباب تلک الآراء الفاسده. و مدار تلک الأسباب على امتزاج المقدّمات الحقّه بالباطله فی الحجج الّتى یستعملها المبطلون فی استعلام المجهولات فبیّن أنّ السبب هو ذلک الامتزاج بشرطیّتین متّصلتین.

إحداهما: قوله: فلو أنّ الباطل خلّص من مزاج الحقّ لم یخف على المرتادین. و وجه الملازمه فی هذه المتّصله ظاهر فإنّ مقدّمات الشبهه إذا کانت کلّها باطله أدرک طالب الحقّ وجه فسادها بأدنى سعى و لم یخف علیه بطلانها، و أمّا استثناء نقیض تالیها فلأنّه لمّا خفى وجه البطلان فیها على طالب الحقّ لم یکن الباطل فیها خالصا من مزاج الحقّ فکان ذلک هو سبب الغلط و اتّباع الباطل لأنّ النتیجه تتبع أخسّ المقدّمتین.

و الثانیه: قوله: و لو أنّ الحقّ خلّص من [لبس خ‏] الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندین، و وجه الملازمه أیضا کما مرّ: أى إنّ مقدّمات الحجّه الّتی استعملها المبطلون لو کانت کلّها حقّه مرتّبه ترتیبا حقّا لکانت النتیجه حقّا تنقطع ألسنتهم عن العناد فیه و المخالفه له. و قد حذف علیه السّلام کبرى هذین القیاسین لأنّهما قیاسا ضمیر کما سبق، ثمّ أتى بالنتیجه أو ما فی معناها و هو قوله: و لکن یؤخذ من هذا ضغث، و من هذا ضغث: أى من الحقّ و الباطل فیمزجان، و لفظ الضغث مستعار، و مقصوده بذلک التصریح بلزوم الآراء الباطله و الأهواء المبتدعه لمزج الحقّ بالباطل. و لذلک قال: و هنا لک یستولى الشیطان على أولیائه: أى إنّه یزیّن لهم اتّباع الأهواء و الأحکام الخارجه عن کتاب اللّه بسبب إغوائهم عن تمییز الحقّ من الباطل فیما سلکوه من الشبهه

و ینجو الّذین سبقت لهم منّا الحسنى: أى من أخذت عنایه اللّه بأیدیهم فی ظلمات الشبهات فقادتهم فیها بإضافه نور الهدایه علیهم إلى تمیّز الحقّ من الباطل و أولئک هم عن النار مبعدون

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۳۵

بازدیدها: ۴

خطبه۴۸شرح ابن میثم بحرانی

 و من خطبه له علیه السّلام

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی بَطَنَ خَفِیَّاتِ الْأَمُوُرِ- وَ دَلَّتْ عَلَیْهِ أَعْلَامُ الظُّهُورِ-وَ امْتَنَعَ عَلَى عَیْنِ الْبَصِیرِ- فَلَا عَیْنُ مَنْ لَمْ یَرَهُ تُنْکِرُهُ- وَ لَا

قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ یُبْصِرُهُ- سَبَقَ فِی الْعُلُوِّ فَلَا شَیْ‏ءَ أَعْلَى مِنْهُ- وَ قَرُبَ فِی الدُّنُوِّ فَلَا شَیْ‏ءَ أَقْرَبُ مِنْهُ- فَلَا اسْتِعْلَاؤُهُ بَاعَدَهُ

عَنْ شَیْ‏ءٍ مِنْ خَلْقِهِ- وَ لَا قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ فِی الْمَکَانِ بِهِ- لَمْ یُطْلِعِ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِیدِ صِفَتِهِ- وَ لَمْ یَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ

مَعْرِفَتِهِ- فَهُوَ الَّذِی تَشْهَدُ لَهُ أَعْلَامُ الْوُجُودِ- عَلَى إِقْرَارِ قَلْبِ ذِی الْجُحُودِ- تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا یَقُولُهُ الْمُشَبِّهُونَ بِهِ- وَ لْجَاحِدُونَ

لَهُ عُلُوّاً کَبِیراً

اللغه

أقول: یقال بطنت الوادى: دخلته.

و بطنت الأمر: علمت باطنه

. و فی هذا الفصل مباحث جلیله من العلم الإلهىّ و جمله من صفات الربوبیّه:

أوّلها: کونه تعالى بطن خفیّات الامورو یفهم منه معنیان:

أحدهما: کونه داخلا فی جمله الامور الخفیّه، و لمّا کان بواطن الامور الخفیّه أخفى من ظواهرها کان المفهوم من کونها بطنها أنّه أخفى منها عند العقول.

الثانی: أن یکون المعنى أنّه نفذ علمه فی بواطن خفیّات الامور أمّا المعنى الأوّل فبرهانه أنّک علمت أنّ الإدراک إمّا حسىّ أو عقلىّ، و لمّا کان البارى تعالى مقدّسا عن الجسمیّه منزّها عن الوضع و الجهه استحال أن یدرکه شی‏ء من الحواسّ الظاهره و الباطنه، و لمّا کانت ذاته بریئه عن أنحاء الترکیب استحال أن یکون للعقل اطّلاع علیها بالکنه فخفاؤه إذن على جمیع الإدراکات ظاهر، و کونه أخفى الامور الخفیّه واضح.

و أمّا الثانی: فقد سبق منّا بیان أنّه عالم الخفیّات و السرائر.

و ثانیها: کونه تعالى قد دلّت علیه أعلام الظهور

و کنّى بأعلام الظهور عن آیاته و آثاره فی العالم الدالّه على وجوده الظاهر فی کلّ صوره منها کما قال:
و فی کلّ شی‏ء له آیه تدلّ على أنّه واحد.

و هى کنایه بالمستعار، و وجه المشابهه ما بینهما من الاشتراک فی الهدایه. و إلى هذا الأعلام الإشاره بقوله تعالى سَنُرِیهِمْ آیاتِنا فِی الْآفاقِ وَ فِی أَنْفُسِهِمْ حَتَّى یَتَبَیَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ«». و أعلم أنّ هذا الطریق من الاستدلال هى طریق الملّیّین و سائر فرق المتکلّمین فإنّهم یستدلّون أوّلا على حدوث الأجسام و الأعراض، ثمّ یستدلّون بحدوثها و تغیّراتها على وجود الخالق، ثمّ بالنظر فی أحوال المخلوقات على صفاته واحده واحده. مثلا بإحکامها و إتقانها على کون فاعلها عالما حکیما. و بتخصیص بعضها بأمر لیس للآخر على کونه مریدا. و نحو ذلک، و کذلک الحکماء الطبیّعیّون یستدلّون أیضا بوجود الحرکه على محرّک، و بامتناع اتّصال المتحرّکات لا إلى أوّل على وجود محرّک أوّل غیر متحرّک، ثمّ یستدلّون من ذلک على وجود مبدء أوّل، و أمّا الإلهیّون فلهم فی الاستدلال طریق آخر و هو أنّهم ینظرون أوّلا فی مطلق الوجود أ هو واجب أو ممکن، و یستدلّون من ذلک على إثبات واجب، ثمّ بالنظر فی لوازم الوجوب من الوحده الحقیقیّه على نفى الکثره بوجه ما المستلزمه لعدم الجسمیّه و العرضیّه و الجهه و غیرها، ثمّ یستدلّون بصفاته على على کیفیّه صدور أفعاله عنه واحدا بعد آخر، و ظاهر أنّ هذا الطریق أجلّ و أشرف من الطریق الاولى، و ذلک لأنّ الاستدلال بالعلّه على المعلول أولى البراهین بإعطاء الیقین لکون العلم بالعلّه المعیّنه مستلزما للعلم بالمعلول المعیّن من غیر عکس.

و لمّا کان صدر الآیه المذکوره إشاره إلى الطریقه الاولى فتمامها إشاره إلى هذه الطریقه و هو قوله تعالى أَ وَ لَمْ یَکْفِ بِرَبِّکَ أَنَّهُ عَلى‏ کُلِّ شَیْ‏ءٍ شَهِیدٌ قال بعض العلماء: و إنّه طریق الصدّیقین الّذین یستشهدون به لا علیه: أى یستدلّون بوجوده على وجود کلّ شی‏ء إذ هو منه، و لا یستدلّون علیه بوجود شی‏ء، بل هو أظهر وجودا من کلّ شی‏ء فإن خفى مع ظهوره فلشدّه ظهوره، و ظهوره سبب بطونه، و نوره هو حجاب نوره إذ کلّ ذرّه من ذرّات مبدعاته و مکوّناته فلها عدّه ألسنه تشهد بوجوده و بالحاجه إلى تدبیره و قدرته.

لا یخالف شی‏ء من الموجودات شیئا فی تلک الشهادات و لا یتخصّص أحدها بعدم الحاجات، و قد ضرب العلماء الشمس مثلا لنوره فی شدّه ظهوره فقالوا: إنّ أظهر الإدراکات الّتی‏ یساعد علیها الوهم إدراکات الحواسّ، و أظهرها إدراک البصر و أظهر مدرک للبصر نور الشمس المشرق على الأجسام، و قد اشکل ذلک على جماعه حتّى قالوا: الأشیاء الملوّنه لیس فیها إلّا ألوانها فقط من سواد و نحوه فأمّا أنّ فیها مع ذلک ضوء یقارن اللون فلا.

فإذن ارید تنبیه هؤلاء على سهوهم. فطریقه التنبیه بالتفرقه الّتی یجدونها بین غیبه الشمس باللیل و احتجابها عن الملوّنات، و بین حضورها بالنهار و إشراقها علیها مع بقاء الألوان فی الحالین. فإنّ التفرقه بین المستضی‏ء بها و بین المظلم المحجوب عنها جلیّه ظاهره فیعرف وجود النور إذن بعدمه. و لو فرضت الشمس دائمه الإشراق على الجسم الملوّن لا تغیب عنه لتعذّر على هؤلاء معرفه کون النور شیئا موجودا زایدا على الألوان مع أنّه أظهر الأشیاء و به ظهورها، و لو تصوّر للّه تعالى و تقدّس عدم أو غیبه لانهدمت السماوات و الأرض، و کلّ ما انقطع نوره عنه لادرکت التفرقه بین الحالین و علم وجوده قطعا، و لکن لمّا کانت الأشیاء کلّها فی الشهاده به متّفقه، و الأحوال کلّها على نسق واحد مطّرده متّسقه کان ذلک سببا لخفائه. فسبحان من احتجب عن الخلق بنوره و خفى علیهم بشدّه ظهوره.

ثالثها: إشاره إلى سلوب توجب ملاحظه ترکیبها تعظیمه تعالى.

أحدها: کونه ممتنعا على عین البصیر: أى لا یصحّ أن یدرک بحاسّه البصر.
و صدق هذا السلب ظاهر بدلیل. هکذا الباری تعالى هو غیر جسم و غیر ذى وضع، و کلّ ما کان کذلک فیمتنع رؤیته بحاسّه البصر فینتج أنّه تعالى ممتنع الرؤیه بحاسّه البصر. و المقدّمه الاولى استدلالیّه، و الثانیه ضروریّه، و ربّما استدلّ علیها. و المسأله مستقصاه فی الکلام. و إلى ذلک أشار القرآن الکریم لا تُدْرِکُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ یُدْرِکُ الْأَبْصارَ«»

و ثانیها: قوله: فلا عین من لم یره تنکره: أى إنّه سبحانه مع کون البصر لا یدرکه بحاسّه بصره لا ینکره من جهه أنّه لا یبصره. إذ کانت فطرته شاهده بظهور وجوده فی جمیع آثاره و مع ذلک لیس له سبیل إلى إنکاره من جهه عدم إبصاره إذ کان حظّ العین‏ أن یدرک بها ما صحّ إدراکه. فأمّا أن ینفى بها ما لا یدرک من جهتها فلا.

و ثالثها: قوله: و لا قلب من أثبته یبصره: أى من أثبته مع کونه مثبتا له بقلب لا یبصره، و إنّما أکّد علیه السّلام بهذین السلبین الأخیرین لأنّهما یشتملان عند الوهم فی مبدء سماعها على منافات و کذب إلى أن یقهره العقل على التصدیق بهما فکأنّ الوهم یقول فی جواب قوله: فلا عین من لم یره تنکره: کیف لا تنکر العین شیئا لا تراه، و فی جواب السلب الثانی: کیف یثبت بالقلب ما لم یبصر. فلمّا کان فی صدق هذین السلبین إزعاج لأوهام السامعین مفرغ لهم إلى ملاحظه جلال اللّه و تنزیهه و عظمته عمّا لا یجوز علیه کان ذکرهما من أحسن الذکر، و یحتمل أن یرید بقوله: و لا قلب من أثبته یبصره: أى إنّه و إن أثبته من جهه وجوده فیستحیل أن یحیط به علما.

و رابعها: کونه تعالى قد سبق فی العلوّ فلا شی‏ء أعلى منه،
و تقریره أنّ العلوّ یقال بالاشتراک على معان ثلاثه: الأوّل: العلوّ الحسّى المکانىّ کارتفاع بعض الأجسام على بعض. الثانی: العلوّ التخیّلى کما یقال للملک الإنسانىّ: إنّه أعلى الناس: أى أعلاهم فی الرتبه المتخیّله کمالا. الثالث: العلوّ العقلىّ کما یقال فی بعض الکمالات العقلیّه الّتی بعضها أعلى من بعض، و کما یقال: السبب أعلى من المسبّب. إذا عرفت ذلک فنقول: یستحیل أن یکون علوّه تعالى بالمعنى الأوّل لاستحاله کونه فی المکان، و یستحیل أن یکون بالمعنى الثانی لتنزّهه سبحانه عن الکمالات الخیالیّه الّتی یصدق بها العلوّ الخیالىّ إذ هی کمالات إضافیّه تتغیّر و تتبدّل بحسب الأشخاص و الأوقات، و قد یکون کمالات عند بعض الناس و نقصانات عند آخرین کدول الدنیا بالنسبه إلى العالم الزاهد، و یتطرّق إلیه الزیاده و النقصان و لا شی‏ء من کمال الأوّل الواجب سبحانه کذلک لتنزّهه عن النقصان و التغیّر بوجه ما. فبقى أن یکون علوّه علوّا عقلیّا مطلقا بمعنى أنّه لا رتبه فوق رتبته بل جمیع المراتب العقلیّه منحطّه عنه. و بیان ذلک أنّ أعلى مراتب الکمال العقلىّ هو مرتبه العلّیّه، و لمّا کانت‏ ذاته المقدّسه هی مبدء کلّ موجود حسّى و عقلىّ و علّته التامّه المطلقه لا یتصوّر النقصان فیها بوجه ما لا جرم کانت مرتبته أعلى المراتب العقلیّه مطلقا، و له الفوق المطلق فی الوجود العارى عن الإضافه إلى شی‏ء و عن إمکان أن یکون فوقه ما هو أعلى منه. و ذلک معنى قوله: سبق فی العلوّ فلا شی‏ء أعلى منه، فسبقه فی علوّه تفرّده فی العلوّ المطلق و فواته لغیره أن یلحقه فیه.

و خامسها: قربه فی الدنوّ فلا شی‏ء أدنى منه
و قد أورد علیه السّلام القرب هاهنا مقابلا للبعد اللازم عن السبق فی العلوّ فإنّه مستلزم للبعد عن الغیر فیه، و أورد الدنوّ مقابلا للعلوّ، و کما علمت أنّ العلوّ یقال على المعانی الثلاثه المذکوره بحسب الاشتراک فکذلک الدنوّ یقال على معان ثلاثه مقابله لها. فیقال مکان فلان أدنى من مکان فلان إذا کان أسفل منه. و إن کان یقال بمعنى القرب أیضا، و یقال رتبه الملک الفلانىّ أدنى من رتبه السلطان الفلانىّ إذا کان فی مرتبته أقلّ منه، و یقال رتبه المعلول أدنى من رتبه علّته.
و یقال على معنى رابع فیقال فلان أدنى إلى فلان و أقرب إلیه إذا کان خصّیصا به مطّلعا على أحواله أکثر من غیره، و البارى تعالى منزّه عن أن یراد بدنوّه أحد المفهومات الثلاثه الاول بل المراد هو المفهوم الرابع فقربه فی دنوّه إذن بحسب علمه الّذی لا یعزب عنه مثقال ذرّه فی الأرض و لا فی السماء و لا أصغر من ذلک و لا أکبر، و بهذا الاعتبار هو أقرب کلّ قریب و أدنى کلّ دانى کما قال تعالى وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَیْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِیدِ و هو أدنى إلى العبد من نفسه إذ نفس کلّ إنسان لا تعرف نفسها، و هو سبحانه العالم بها الموجد لها فهو إذن القریب فی دنوّه الّذی لا شی‏ء أقرب منه، و إنّما أورده بلفظ الدنوّ لتحصل المقابله فتنزعج النفوس السلیمه عند إنکار الوهم لاجتماع القرب و البعد و العلوّ و الدنوّ فی شی‏ء واحد إلى توهّم [تفهّم خ‏]، المقاصد بها و تطّلع على عظمه الحقّ سبحانه منها. و قوله: فلا استعلاؤه باعده من شی‏ء من خلقه، و لا قربه ساواهم فی المکان به. تأکید لردّ الأحکام الوهمیّه بالأحکام العقلیّه فإنّ الوهم یحکم بأنّ ما استعلى على الأشیاء کان بعده عنها بقدر علوّه علیها. و ما قرب منها فقد ساواها فی أمکنتها،و ذلک لکونه مقصورا لحکم على المحسوسات، و نحن لمّا بیّنا أنّ علوّه على خلقه و قربه منهم لیس علوّا و قربا مکانیّین بل بمعان اخرى لا جرم لم یکن استعلاؤه بذلک المعنى على مخلوقاته مباعدا له عن شی‏ء منها و لم یکن منافیا لقربه بالمعنى الّذی ذکرناه بل کان الاستعلاء و القرب مجتمعین له، و لم یکن قربه منها أیضا موجبا لمساواته لها فی المکان عنادا للوهم و ردّا لأحکامه الفاسده فی صفات الجلال و نعوت الکمال.

و سادسها: کونه لم تطّلع العقول على تحدید صفته و لم یحجبها عن واجب معرفته.
و یفهم من صفته معنیان: أحدهما شرح حقیقه ذاته، و الثانی شرح ما لها من صفات الکمال المطلق. و ظاهر أنّ العقول لم تطّلع على حصر صفته و تحدیدها بالمعنى الأوّل إذ لا حدّ لحقیقته، و لا بالمعنى الثانی أیضا إذ لیس لما یعتبره العقول من کماله سبحانه نهایه یقف عندها فتکون حدّا له، و أمّا أنّه سبحانه مع ذلک لم یحجبها عن و أحب معرفته فلأنّه تعالى وهب لکلّ نفس قسطا من معرفته هو الواجب لها بحسب استعدادها لقبوله حتّى نفوس الجاحدین له فإنّها أیضا معترفه بوجوده لشهاده أعلام الوجود و آیات الصنع له على نفس کلّ جاحد بصدورها عنه بحیث یحکم صریح عقلها و بدیهتها بالحاجه لما یشاهده من تلک الآیات إلى صانع حکیم فهو الّذی تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب کلّ من جحده بأنّ جحده له إنّما هو رأى اتّبع فیه وهمه مع إقرار قلبه بالتصدیق به و شهاده آیات الصنع و شواهد الآثار على صحّه ذلک الإقرار.

و اعلم أنّ الجحود على نوعین: أحدهما جحود تشبیه إذا المشبّهون للّه بخلقه و إن اختلفوا فی کیفیّه التشبیه بأسرهم جاحدون له فی الحقیقه. و ذلک أنّ المعنى الّذی یتصوّرونه و یبتّتونه إلها لیس هو نفس الإله مع أنّهم ینفون ما سوى ذلک فکانوا نافین للإله الحقّ فی المعنى الّذی یتصوّرونه، و الثانی جحود من لم یثبت صانعا. و کلا الفریقین جاحد له من وجه، مثبت له من وجه. أمّا المشبّهون فمثبتون له صریحا جاحدون له لزوما، و أمّا الآخرون فبالعکس إذ کانوا جاحدین له صریحا من الجهه الّتی تثبته العقلاء بها و مقرّون به التزاما و اضطرارا، و لذلک نزّهه علیه السّلام على أحوال الفریقین

فقال علیه السّلام: تعالى اللّه عمّا یقول المشبّهون به و الجاحدون له علوّا کبیرا، و حکى أنّ زندیقا دخل على‏ الصادق جعفر بن محمّد علیهما السّلام فسأله عن دلیل إثبات الصانع فأعرض علیه السّلام عنه، ثمّ التفت إلیه، و سأله من أین أقبلت و ما قصّتک. فقال الزندیق: إنّی کنت مسافرا فی البحر فعصفت علینا الریح ذات یوم و تلعّبت بنا الأمواج من کلّ جانب فانکسرت سفینتنا فتعلّقت بخشبه منها و لم تزل الأمواج تقلّبها حتّى قذفت بها إلى الساحل و سلمت علیها. فقال له علیه السّلام: أرأیت الّذی کان قلبک إذا تکسّرت السفینه و تلاطمت علیکم أمواج البحر فزعا إلیه مخلصا فی التضرّع له طالبا للنجاه منه فهو إلهک، فاعترف الزندیق بذلک و حسن اعتقاده.

و بالجمله فاتّفاق العقول على الشهاده بوجود الصانع سبحانه أمر ظاهر و إن خالطها غواشى الأوهام و إلیه الإشاره بقوله وَ إِذا مَسَّکُمُ الضُّرُّ فِی الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِیَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاکُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَ کانَ الْإِنْسانُ کَفُوراً«» و قوله تعالى هُوَ الَّذِی یُسَیِّرُکُمْ فِی الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ حَتَّى إِذا کُنْتُمْ فِی الْفُلْکِ وَ جَرَیْنَ بِهِمْ بِرِیحٍ طَیِّبَهٍ وَ فَرِحُوا بِها جاءَتْها رِیحٌ عاصِفٌ وَ جاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ کُلِّ مَکانٍ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِیطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِینَ لَهُ الدِّینَ لَئِنْ أَنْجَیْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَکُونَنَّ مِنَ الشَّاکِرِینَ فَلَمَّا أَنْجاهُمْ«» و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۲۸

بازدیدها: ۳

خطبه۴۷شرح ابن میثم بحرانی

 و من خطبه له علیه السّلام عند المسیر إلى الشام

الْحَمْدُ لِلَّهِ کُلَّمَا وَقَبَ لَیْلٌ وَ غَسَقَ- وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ کُلَّمَا لَاحَ نَجْمٌ وَ خَفَقَ- وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ غَیْرَ مَفْقُودِ الْإِنْعَامِ وَ لَا مُکَافَإِ

الْإِفْضَالِ- أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَعَثْتُ مُقَدِّمَتِی- وَ أَمَرْتُهُمْ بِلُزُومِ هَذَا الْمِلْطَاطِ حَتَّى یَأْتِیَهُمْ أَمْرِی- وَ قَدْ رَأَیْتُ أَنْ أَقْطَعَ هَذِهِ النُّطْفَهَ

إِلَى شِرْذِمَهٍ مِنْکُمْ- مُوَطِّنِینَ أَکْنَافَ دِجْلَهَ- فَأُنْهِضَهُمْ مَعَکُمْ إِلَى عَدُوِّکُمْ- وَ أَجْعَلَهُمْ مِنْ أَمْدَادِ الْقُوَّهِ لَکُمْ قال الشریف:

أقول: یعنى علیه السّلام بالملطاط السمت الذى أمرهم بنزوله و هو شاطى الفرات، و یقال ذلک الشاطى‏ء البحر، و أصله ما استوى من الأرض. و یعنى بالنطفه ماء الفرات. و هو من غریب العبارات و أعجبها أقول: روى أنّ هذه الخطبه خطب بها علیه السّلام و هو بالنخیله خارجا من الکوفه متوجّها إلى صفّین لخمس بقین من شوال سنه سبع ثلاثین

اللغه

وقب اللیل: دخل.

و غسق: أظلم.

و خفق النجم: غاب.

و مقدّمه الجیش: أوّله.

و الشرذمه: النفر الیسیر.

و الأکناف: النواحى.

وطن البقعه و استوطنها: اتّخذها وطنا.

و الأمداد: جمع مدد، و هو ما یمدّ به الجیش من الجند.

المعنى

و اعلم أنّه قیّد حمد اللّه باعتبار تکرّر وقتین و دوام حالین. و المقصود و إن کان دوام الحمد للّه إلّا أنّ فی التقیید بالقیود المذکوره فواید:

الأوّل: قوله: کلّما وقب لیل و غسق. فیه تنبیه على کمال قدره اللّه تعالى فی تعاقب اللیل و النهار و استحقاقه دوام الحمد بما یلزم ذلک من ضروب الامتنان.

الثانی: قوله: کلّما لاح نجم و خفق. فیه تنبیه على ما یلزم طلوع الکواکب و غروبها من الحکمه و کمال النعمه کما سبقت الإشاره إلیه.

الثالث: الحمد لله حال کونه غیر مفقود الإنعام. و قد تکررّت الإشاره إلى فائده هذا القید.

الرابع: کونه غیر مکافى‏ء الإفضال. و فایدته التنبیه على أنّ إفضاله لا یمکن أن یقابل بجزاء. إذ کانت القدره على الحمد و الثناء نعمه ثانیه. و قد سبق بیان ذلک أیضا.

فأمّا قوله: أمّا بعد. إلى آخره.
فخلاصته أنّه علیه السّلام لمّا أراد التوجّه إلى صفّین بعث زیاد بن النصر و شریح بن هانى فی اثنى عشر ألف فارس مقدّمه له و أمرهم أن یلزموا شاطى‏ء الفرات فأخذوا شاطئها من قبل البرّ ممّا یلی الکوفه حتّى بلغوا عانات. فذلک معنى أمره لهم بلزوم الملطاط و هو سمت شاطى‏ء الفرات، و أمّا هو علیه السّلام فلمّا خرج من الکوفه انتهى إلى المدائن فحذّرهم و وعظهم ثمّ سار عنهم و خلّف علیهم عدىّ بن حاتم فاستخلص منهم ثمان مائه رجل فسار بهم و خلّف معهم ابنه زیدا فلحقه فی أربعمائه رجل منهم فذلک قوله: و قد رأیت [أردت خ‏] أن أقطع هذه النطفه:

أى الفرات إلى شرذمه منکم موطنین أکناف دجله و هم أهل المدائن. فأمّا المقدّمه فإنّه لمّا بلغهم أنّه علیه السّلام ساق على طریق الجزیره و أنّ معاویه خرج فی جموعه لاستقباله کرهوا أن یلقوهم و بینهم و بین علىّ علیه السّلام الفرات مع قلّه عددهم فرجعوا حتّى عبروا الفرات من هیت و لحقوا به فصوّب آرائهم فی الرجوع إلیه. و باقى الکلام ظاهر.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۲۶

بازدیدها: ۳

خطبه۴۶شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام فى ذکر الکوفه  

کَأَنِّی بِکِ یَا کُوفَهُ تُمَدِّینَ مَدَّ الْأَدِیمِ الْعُکَاظِیِّ- تُعْرَکِینَ بِالنَّوَازِلِ- وَ تُرْکَبِینَ بِالزَّلَازِلِ- وَ إِنِّی لَأَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِکِ جَبَّارٌ سُوءاً-

إِلَّا ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِشَاغِلٍ وَ رَمَاهُ بِقَاتِلٍ

اللغه

أقول: عکاظ بالضمّ: اسم موضع بناحیه مکّه کانت العرب تجتمع به فی کلّ‏ سنه و یقیمون به سوقا مدّه شهر، و یتبایعون و یتناشدون الأشعار، و یتفاخرون. و فی ذلک قول أبی ذویب: إذا بنى القباب على عکاظ و قام البیع و اجتمع الالوف.

فلمّا جاء الإسلام رفع ذلک، و أدیم عکاظىّ منسوب إلیها لکثره ما کان یباع منه بها.

و الأدیم: واحد و جمعه أدم، و ربّما جمع على آدمه کرغیف و أرغفه. و العرک.

الدلک. و النوازل: المصائب

المعنى

و الخطاب هنا لشاهد حال المدینه الّتی هى الکوفه. و بک هو خبر کأنّ، و تمدّین و تعرکین و ترکبین فی موضع النصب على الحال، و تقدیر الخطاب کأنّى حاضر بک و مشاهد لحالک المستقبله حال تجاذب أیدى الظالمین لأهلک بأنواع الظلم، و هو المکنّى عنه بمدّها. و شبّه ذلک بمدّ الأدیم، و وجه الشبه شدّه ما یقع بهم من الظلم و البلاء کما أنّ الأدیم مستحکم الدباغ یکون شدید المدّ. و استعار العرک ملاحظه لذلک الشبه، و لفظ الرکوب ملاحظه لشبهها بشقىّ المطایا و کذلک لفظ الزلازل ملاحظه لشبهها فیما یقع لهم من الظلم الموجب لاضطراب الحال بالأرض ذات الزلازل.

ثمّ أشار إلى مشاهده ثانیه لما یقع لمن أراد بهم سوء و أوقع بهم ما أوقع من البلاء فأشار إلى کونهم جبابره

ثمّ إلى ابتلاء اللّه بعضهم بشاغل فی نفسه عمّا یرید من سوء أو یهمّ به من حادث خراب و رمى بعضهم بقاتل. فأمّا المصائب الّتی ابتلى بها أهل الکوفه و النوازل الّتی عرکوا بها فکثیره مشهوره فی کتب التواریخ، و أمّا الجبابره الّتی أرادوا بها سوءا و طغوا فیها فَأَکْثَرُوا فِیهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَیْهِمْ رَبُّکَ سَوْطَ عَذابٍ و أخذهم بِذُنُوبِهِمْ وَ ما کانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ فجماعه فممّن ابتلى بشاغل فیها زیاد. روى أنّه کان قد جمع الناس فی المسجد لیأمرهم بسبّ علىّ علیه السّلام و البراءه منه و یبتلیهم بذلک فیقتل من یعصیه فیه فبیناهم مجتمعین إذ خرج حاجبه فأمرهم بالانصراف،

و قال: إنّ الأمیر مشغول عنکم و کان فی تلک الساعه قد رمى (أصاب خ) بالفالج، و منهم ابنه عبد اللّه و قد أصابه الجذام، و منهم الحجّاج. و قد تولّدت فی بطنه الحیّات و احترق دبره حتّى هلک، و منهم عمرو بن هبیره و ابنه یوسف و قد أصابهما البرص، و منهم خالد القسرىّ و قد ضرب و حبس حتّى مات جوعا، و أمّا الّذین رماهم اللّه بقاتل فعبید اللّه بن زیاد،و مصعب بن الزبیر، و المختار بن أبى عبیده الثقفىّ، و یزید بن المهلّب. و أحوالهم مشهوره من رامها طالع التاریخ.

شرح‏ نهج‏ البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۲۴

بازدیدها: ۵

خطبه۴۶شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام فى ذکر الکوفه

کَأَنِّی بِکِ یَا کُوفَهُ تُمَدِّینَ مَدَّ الْأَدِیمِ الْعُکَاظِیِّ- تُعْرَکِینَ بِالنَّوَازِلِ- وَ تُرْکَبِینَ بِالزَّلَازِلِ- وَ إِنِّی لَأَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِکِ جَبَّارٌ سُوءاً- إِلَّا ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِشَاغِلٍ وَ رَمَاهُ بِقَاتِلٍ

اللغه

أقول: عکاظ بالضمّ: اسم موضع بناحیه مکّه کانت العرب تجتمع به فی کلّ‏ سنه و یقیمون به سوقا مدّه شهر، و یتبایعون و یتناشدون الأشعار، و یتفاخرون. و فی ذلک قول أبی ذویب:
إذا بنى القباب على عکاظ و قام البیع و اجتمع الالوف.

فلمّا جاء الإسلام رفع ذلک، و أدیم عکاظىّ منسوب إلیها لکثره ما کان یباع منه بها. و الأدیم: واحد و جمعه أدم، و ربّما جمع على آدمه کرغیف و أرغفه. و العرک.
الدلک. و النوازل: المصائب

المعنى

و الخطاب هنا لشاهد حال المدینه الّتی هى الکوفه. و بک هو خبر کأنّ، و تمدّین و تعرکین و ترکبین فی موضع النصب على الحال، و تقدیر الخطاب کأنّى حاضر بک و مشاهد لحالک المستقبله حال تجاذب أیدى الظالمین لأهلک بأنواع الظلم، و هو المکنّى عنه بمدّها. و شبّه ذلک بمدّ الأدیم، و وجه الشبه شدّه ما یقع بهم من الظلم و البلاء کما أنّ الأدیم مستحکم الدباغ یکون شدید المدّ. و استعار العرک ملاحظه لذلک الشبه، و لفظ الرکوب ملاحظه لشبهها بشقىّ المطایا و کذلک لفظ الزلازل ملاحظه لشبهها فیما یقع لهم من الظلم الموجب لاضطراب الحال بالأرض ذات الزلازل. ثمّ أشار إلى مشاهده ثانیه لما یقع لمن أراد بهم سوء و أوقع بهم ما أوقع من البلاء فأشار إلى کونهم جبابره ثمّ إلى ابتلاء اللّه بعضهم بشاغل فی نفسه عمّا یرید من سوء أو یهمّ به من حادث خراب و رمى بعضهم بقاتل. فأمّا المصائب الّتی ابتلى بها أهل الکوفه و النوازل الّتی عرکوا بها فکثیره مشهوره فی کتب التواریخ، و أمّا الجبابره الّتی أرادوا بها سوءا و طغوا فیها فَأَکْثَرُوا فِیهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَیْهِمْ رَبُّکَ سَوْطَ عَذابٍ و أخذهم بِذُنُوبِهِمْ وَ ما کانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ فجماعه فممّن ابتلى بشاغل فیها زیاد. روى أنّه کان قد جمع الناس فی المسجد لیأمرهم بسبّ علىّ علیه السّلام و البراءه منه و یبتلیهم بذلک فیقتل من یعصیه فیه فبیناهم مجتمعین إذ خرج حاجبه فأمرهم بالانصراف، و قال: إنّ الأمیر مشغول عنکم و کان فی تلک الساعه قد رمى (أصاب خ) بالفالج، و منهم ابنه عبد اللّه و قد أصابه الجذام، و منهم الحجّاج. و قد تولّدت فی بطنه الحیّات و احترق دبره حتّى هلک، و منهم عمرو بن هبیره و ابنه یوسف و قد أصابهما البرص، و منهم خالد القسرىّ و قد ضرب و حبس حتّى مات جوعا، و أمّا الّذین رماهم اللّه بقاتل فعبید اللّه بن زیاد، و مصعب بن الزبیر، و المختار بن أبى عبیده الثقفىّ، و یزید بن المهلّب. و أحوالهم مشهوره من رامها طالع التاریخ.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۲۵

بازدیدها: ۹۵

خطبه۴۵شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام عند عزمه على المسیر إلى الشام

اللَّهُمَّ إِنِّی أَعُوذُ بِکَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ- وَ کَآبَهِ الْمُنْقَلَبِ وَ سُوءِ الْمَنْظَرِ- فِی الْأَهْلِ وَ الْمَالِ وَ الْوَلَدِ- اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِی السَّفَرِ- وَ أَنْتَ الْخَلِیفَهُ فِی الْأَهْلِ- وَ لَا یَجْمَعُهُمَا غَیْرُکَ- لِأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ لَا یَکُونُ مُسْتَصْحَباً- وَ الْمُسْتَصْحَبُ لَا یَکُونُ مُسْتَخْلَفاً أقول: روى: أنّه علیه السّلام دعا هذا الدعاء عند وضعه رجله فی الرکاب متوجّها إلى حرب معاویه.

اللغه

و وعثاء السفر مشقّته، و أصله المکان المتعب لکثره رمله، و غوص الأرجل فیه.
و الکابه: الحزن.

المعنى

یشتمل هذا الفصل على اللجأ إلى اللّه فی خلاص طریقه المتوجّه فیها بدءا و عودا من الموانع الصارفه عن تمام المقصود، و فی سلامه الأحوال المهمّه الّتی تتعلّق النفس بها عن المشتغلات البدنیّه المعوّقه عن عباده اللّه. و أعظمها أحوال النفس، ثمّ ما یصحبها من أهل و مال و ولد. ثمّ عقّب ذلک بالإقرار بشمول عنایته و جمیل رعایته و صحبته تقریرا لقوله تعالى وَ هُوَ مَعَکُمْ أَیْنَ ما کُنْتُمْ إذ شأن الصاحب العنایه بامور صاحبه، و شأن الخلیفه على الشی‏ء العنایه بذلک و حفظه ممّا یوجب له ضررا، و استلزم جمعه له بین هذین الحکمین و هما الخلافه و الاستصحاب بقوله: و لا یجمعهما غیرک. کونه تعالى بریئا عن الجهه و الجسمیّه إذ کان اجتماعهما ممتنعا للأجسام. إذ لا یکون جسم مستصحبا مستخلفا فی حال واحد، و أکّد ذلک و بیّنه بقوله: لأنّ المستخلف لا یکون مستصحبا، و المستصحب لا یکون مستخلفا فإن قلت: هذا الحصر إنّما یتمّ لو قلنا: إنّ کلّ ما لیس بذى جهه هو واجب الوجود. و هذا مذهب خاصّ. فما وجه صحّته مطلقا.

قلت: الحصر صادق على کلّ تقدیر فإنّه على تقدیر ثبوت امور مجرّده عن الجسمیّه و الجهه سوى الحقّ سبحانه فالمستحقّ للجمع بین هذین الأمرین بالذات و الأولى هو اللّه تعالى، و ما سواه فبالعرض. فیحمل الحصر على ذلک الاستحقاق. و لنبحث عن فایده الدعاء و سبب إجابته فإنّه ربما تعرض لبعض الأذهان شبهه فیقول: إمّا أن یکون المطلوب بالدعاء معاوم الوقوع للّه أو معلوم اللاوقوع. و على التقدیرین لا فایده فی الدعاء لأنّ ما علم اللّه وقوعه وجب و ما علم عدمه امتنع. فنقول فی الجواب عن هذا الوهم: إنّ کلّ کاین فاسد موقوف فی کونه و فساده على شرائط توجد و أسباب تعدّ لأحدهما لا یمکن بدونها کما علمت ذلک فی مظانّه. و إذا جاز ذلک فلعلّ الدعاء من شرائط ما یطلب به. و هما و إن کانا معلومى الوقوع للّه و هو سببهما و علّتهما الاولى إلّا أنّه هو الّذی ربط أحدهما بالآخر فجعل سبب وجود ذلک الشی‏ء الدعاء کما جعل سبب صحّه المریض شرب الدواء و ما لم یشرب الدواء لم یصحّ. و أمّا سبب إجابته فقال العلماء: هو توافی الأسباب. و هو أن یتوافى سبب دعاء رجل مثلا فیما یدعو فیه و سایر أسباب وجود ذلک الشی‏ء معا عن البارى تعالى، لحکمه إلهیّه على ما قدّر و قضى. ثمّ الدعاء واجب، و توقّع الإجابه واجب. فإنّ انبعاثنا للدعاء سببه من هناک و یصیر دعانا سببا للإجابه. و موافاه الدعاء لحدوث الأمر المدعوّ لأجله هما معلولا علّه واحده، و قد یکون أحدهما بواسطه الآخر، و قد یتوهّم أنّ السماویّات تنفعل عن الأرضیّه، و ذلک أنّا ندعو فیستجاب لنا. و ذلک باطل لأنّ المعلول لا یفعل فی علّته البتّه. و إذا لم یستجب الدعاء لداع و إن کان یرى أنّ العایه الّتی یدعو لأجابتها نافعه فالسبب فی عدم الإجابه أنّ الغایه النافعه ربّما لا تکون نافعه بحسب مراده بل بحسب نظام الکلّ فلذلک تتأخّر إجابه دعائه أو لا یستجاب له، و بالجمله یکون عدم الإجابه لفوات شرط من شروط ذلک المطلوب حال الدعاء.

و أعلم أنّ النفس الزکیّه عند الدعاء قد یفیض علیها من الأوّل قوّه تصیر بها مؤثّره فی العناصر فتطاوعها متصرّفه على إرادتها فیکون ذلک إجابه للدعاء فإنّ العناصر موضوعه لفعل. النفس فیها. و اعتبار ذلک فی أبداننا فإنّا ربّما تخیّلنا شیئا فتتغیّر أبداننا بحسب ما یقتضیه أحوال نفوسنا و تخیّلاتها، و قد یمکن أن تؤثّر النفس فی غیر بدنها کما تؤثّر فی بدنها، و قد تؤثّر فی نفس غیرها، و قد أشرنا إلى ذلک فی المقدّمات.
و قد یستجیب اللّه لتلک النفس إذا دعت فیما تدعو فیه إذا کانت الغایه الّتی تطلبها بالدعاء نافعه بحسب نظام الکلّ، و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۲۴

بازدیدها: ۷۹

خطبه۴۴شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

الْحَمْدُ لِلَّهِ غَیْرَ مَقْنُوطٍ مِنْ رَحْمَتِهِ- وَ لَا مَخْلُوٍّ مِنْ نِعْمَتِهِ- وَ لَا مَأْیُوسٍ مِنْ مَغْفِرَتِهِ- وَ لَا مُسْتَنْکَفٍ عَنْ عِبَادَتِهِ- الَّذِی لَا تَبْرَحُ مِنْهُ رَحْمَهٌ- وَ لَا تُفْقَدُ لَهُ نِعْمَهٌ- وَ الدُّنْیَا دَارٌ مُنِیَ لَهَا الْفَنَاءُ- وَ لِأَهْلِهَا مِنْهَا الْجَلَاءُ- وَ هِیَ حُلْوَهٌ خَضِرَهٌ- وَ قَدْ عَجِلَتْ لِلطَّالِبِ- وَ الْتَبَسَتْ بِقَلْبِ النَّاظِرِ- فَارْتَحِلُوا مِنْهَا بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِکُمْ مِنَ الزَّادِ- وَ لَا تَسْأَلُوا فِیهَا فَوْقَ الْکَفَافِ- وَ لَا تَطْلُبُوا مِنْهَا أَکْثَرَ مِنَ الْبَلَاغِ أقول: هذا الفصل ملتقط من خطبه طویله له علیه السّلام خطب بها یوم الفطر. و هو غیر متّسق بل بین قوله: نعمه، و قوله: و الدنیا. فصل طویل. و هذه الخطبه تنتظم الفصل المتقدّم، و هو قوله: أمّا بعد فإنّ الدنیا قد أدبرت و هو فیها بعد هذا الفصل و لم نذکرها کراهه التطویل، و لنعد إلى الشرح فنقول:

اللغه

القنوط. الیأس. و الاستنکاف: الاستکبار. و منى لها: أى قدر. و الجلاء بالفتح و المدّ: الخروج عن الوطن. و التبست: امتزجت. و الکفاف: ما کفّ عن الناس أى أغنى عنهم من المال. و البلاغ: ما بلغ مدّه الحیاه منه و کفى.

المعنى

و أعلم أنّه نبّه على استحقاق اللّه تعالى للحمد و دوامه باعتبار ملاحظه ستّه أحوال: فأشار إلى الحاله الاولى بقوله: غیر مقنوط من رحمته مقررّا لقوله تعالى وَ اکْتُبْ لَنا فِی هذِهِ«» و لقوله لا تَیْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا یَیْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْکافِرُونَ«» و هذه الحال ممّا یشهد بإثباتها العقل إذ کان العبد عند أخذ العنایه الإلهیّه بضبعیه یعلم استناد جمیع الموجودات کلّیّها و جزئیّها إلى مدبّر حکیم، و أنّه لیس شی‏ء منها خالیا عن حکمه فیستلیح من ذلک أنّ ایجاده له و أخذ العهد إلیه بالعباده لیس إلّا لینجذب إلى موطنه الأصلىّ و مبدئه الأوّلى بالتوحید المحقّق و الحمد المطلق عن نار اجّجت و جحیم سعّرت، و ما خلقت الجنّ و الإنس إلّا لیعبدون، فلا ییأس من روح اللّه عند نزول أمر واجب النزول به ممّا یعدّه شرّا بل یکون برجائه أوثق و قلبه بشموله العنایه له أعلق فإنّه لا ییأس من روح اللّه إلّا الّذین عمیت أبصار بصائرهم عن أسرار اللّه، فهم فی طغیانهم یعمهون و اولئک هم الخاسرون.

و أشار إلى الحاله الثانیه بقوله: و لا مخلوّ من نعمته. تقریرا لقوله تعالى وَ ما بِکُمْ مِنْ نِعْمَهٍ فسبوغ نعمته دائم لآثار قدرته الّتی استلزمت طبائعها الحاجه إلیه فوجب لها فیض جوده فاستلزم ذلک وجوب تصریحها بلسان حالها و مقالها بالثناء المطلق علیه و دوام الشکر له و إن من شی‏ء إلّا یسبّح بحمده و لکن لا تفقهون تسبیحهم.

و أشار إلى الحاله الثالثه بقوله: و لا مأیوس من مغفرته. تقریرا لقوله تعالى قُلْ یا عِبادِیَ الَّذِینَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَهِ«» الآیه و هى شهاده بشمول ستره و جمیل عفوه و غفره لمن جذبت بعقله أیدى شیاطینه لتحطّه إلى مهاوى الهلاک فعجز عن مقاومتها بعد أن کانت له مسکه بجناب اللّه فضعفت تلک المسکه عن أن تکون منجاه له حال مجاذبته لهواه و إن کان ذلک الغفران متفاوتا بحسب قوّه تلک المسکه و ضعفها، و العقل ممّا یؤیّد ذلک و یحکم بصحّه هذه الشهاده فإنّ کلّ ذى علاقه بجناب اللّه سیخلص من العقاب و إن بعد خلاصه على ما نطق به البرهان فی موضعه، و ذلک یستلزم الاعتراف بالإحسان و دوام الثناء و الحمد.

ثمّ أشار إلى الرابعه بقوله: و لا مستنکف عن عبادته تقریرا لقوله تعالى لا یستنکفون عن عبادته و لا یستکبرون و قوله لَنْ یَسْتَنْکِفَ الْمَسِیحُ أَنْ یَکُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَ لَا الْمَلائِکَهُ الْمُقَرَّبُونَ الآیه و کونه تعالى غیر مستنکف عن عبادته شاهد عظیم على کمال عظمته و أنّه المستحقّ للعباده دون ما عداه إذ هو المجتمع للکمال المطلق فلا جهه نقصان فیه إلیها یشار فیکون سببا للاستنکاف و الاستکبار. و غیر، مع محالّ السلوب الثلاثه بعدها منصوبات على الحال.

و قوله: الّذی لا تبرح فیه رحمه و لا تفقد له نعمه. اعتباران آخران یستلزمان فی ملاحظتهما وجوب شکره تعالى. و نبّه بقوله: لا تبرح على دوام رحمه اللّه لعباده، و قوله: لا تفقد له نعمه کقوله: و لا مخلوّ من نعمته، ثمّ أعقب ذلک بالتنبیه على معایب الدنیا للتنفیر عنها فذکر وجوب الفناء لها ثمّ حذّر بذکر العیب الأکبر لها الّذی ترغب مع ذکره و ملاحظته من له أدنى بصیره عن الرکون إلیها و محبّه قیناتها و هو مفارقتها الواجبه و الجلاء عنها، ثمّ أردف ذلک بذکر جهتین من جهات المیل إلیها:

إحداهما منسوبه إلى القوّه الذائقه و هی حلاوتها، و الاخرى إلى القوّه الباصره و هی خضرتها. و إطلاق لفظیهما مجاز کنّى به عن جهات المیل إلیها من باب إطلاق لفظ الجزء على الکلّ. و ایراده لهذین الوصفین اللذین هما و صفا مدح فی معرض ذمّها کتقدیر اعتراض على ذمّها لغرض أن یجیب عنه، و لهذا عقّب ذکرهما بما یصلح جوابا و بیّنه على ما یصرف عن المیل إلیها من هاتین الجهتین و هو کونها معجّله للطالب. إذ کان من شأن المعجّل أن ینتفع به فی حال تعجیله دون ما بعده خصوصا فی حقّ من أحبّ ذلک المعجّل و لم یلتفت إلى ما سواه. و الدنیا کذلک کما أشار إلیه بقوله: و التبست بقلب الناظر، و إنّما خصّ الناظر لتقدّم ذکر الخضره الّتی هی من حظّ النظر فمن عجّلت له منحه و التبست بقلبه و کان لا بدّ من مفارقتها لم ینتفع بما بعدها بل بقى فی عذاب الفراق منکوسا و فی ظلمه الوحشه محبوسا، و إلیه أشار التنزیل الإلهىّ مَنْ کانَ یُرِیدُ الْعاجِلَهَ عَجَّلْنا لَهُ فِیها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِیدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ یَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً«» ثمّ لمّا نبّه على معایبها أمر بالارتحال عنها و لم یأمر به مطلقا بل لا بدّ معه من استصحاب أحسن الأزواد إذ کانت الطریق المأمور بسلوکها فی غایه الوعاره مع طولها و قصر المدّه الّتی یتّخذ فیها الزاد فلا ینفع إذن إلّا التقوى الأبقى الّذی لا یتطرّق إلیه فناء. و لا تفهمّن- أعدّک اللّه لافاضه رحمته- من هذا الارتحال الحسّى الحاصل لک من بعضها إلى بعض، و لا من الزاد المأکول الحیوانىّ فإنّ أحسن ما یحضرنا منه ربّما کان منهیّا عنه، بل المأمور به ارتحال آخر یتبیّنه من تصوّر سلوک طریق الآخره. فإنّک لمّا علمت أنّ الغایه من التکالیف البشریّه هی الوصول إلى حضره اللّه و مشاهده جلال کبریائه علمت من ذلک أنّ الطریق إلى هذا المطلوب هى آثار جوده و شواهد آلائه و أنّ القاطع لمراحل تلک الطریق و منازلها هو قدم عقلک مقتدیا بأعلامها الواضحه کلّما نزل منها منزلا أعدّته المعرفه به لاستلاحه أعلام منزل آخر أعلى و أکرم منه کما قال تعالى لَتَرْکَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ إلى أن یستقرّ فی مقعد صدق عند ملیک مقتدر، و إذا تصوّرت معنى الارتحال و قد علمت أنّ لکلّ ارتحال و سفر زادا علمت أنّ أکرم الزاد و أحسنه فی هذا الطریق‏ لیس إلّا التقوى و الأعمال الصالحه الّتی هى غذاء للعقول و مادّه حیاتها، و إلیه الإشاره بقوله وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَیْرَ الزَّادِ التَّقْوى‏ و أشار بقوله: ما بحضرتکم. إلى ما یمکننا أن نأتی به من الأعمال الصالحه فی حیاتنا الدنیا، ثمّ عقّب الأمر باتّخاذ الزاد بالنهى عن طلب الزیاده على ما یقوّم به صوره البدن من متاع الدنیا إذ کان البدن بمنزله مرکوب تقطع به النفس مراحل طریقها فالزیاده على المحتاج إلیه ممّا یحوج الراکب إلى الاهتمام به و العنایه بحفظه المستلزم لمحبّته. و کلّ ذلک مثقل للظهر و مشغل عن الجهه المقصوده.

و ذلک معنى قوله: و لا تسألوا منها فوق الکفاف، و لا تطلبوا منها أکثر من البلاغ، و لا تمدّن أعینکم فیها إلى ما متّع المترفون فتقصروا فی الرحیل و تشغلوا بطلب مثل ما شاهدتم، و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۱۸

بازدیدها: ۶۸

خطبه۴۳شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام
لما هرب مصقله بن هبیره الشیبانى إلى معاویه، و کان قد ابتاع سبى بنى ناجیه من عامل أمیر المؤمنین علیه السّلام و أعتقه، فلما طالبه بالمال خاس به و هرب إلى الشام: قَبَّحَ اللَّهُ مَصْقَلَهَ- فَعَلَ فِعْلَ السَّادَهِ وَ فَرَّ فِرَارَ الْعَبِیدِ- فَمَا أَنْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّى أَسْکَتَهُ- وَ لَا صَدَّقَ وَاصِفَهُ حَتَّى بَکَّتَهُ- وَ لَوْ أَقَامَ لَأَخَذْنَا مَیْسُورَهُ- وَ انْتَظَرْنَا بِمَالِهِ وُفُورَهُ‏

أقول: مصقله هذا کان عاملا لعلىّ علیه السّلام على أردشیر خرّه. و بنو ناجیه: قبیله نسبوا أنفسهم إلى سامه بن لوىّ بن غالب فدفعتهم قریش عن هذا النسب و سمّتهم بنى ناجیه و هى امّهم امرأه سامه، و أمّا سبب هربه إلى الشام فهو أنّ الحریث أحد بنى ناجیه کان قد شهد مع علىّ علیه السّلام صفّین ثمّ استهواه الشیطان فصار من الخوارج بسبب التحکیم، و خرج هو و أصحابه إلى المداین مفارقا لعلىّ علیه السّلام فوجّه إلیهم معقل بن قیس فی ألفى فارس من أهل البصره و لم یزل یتبعهم بالعسکر بعد العسکر حتّى ألحقوهم بساحل فارس، و کان به جماعه کثیره من قوم الحریث و کان فیهم من أسلم عن النصرانیّه فلمّا رأوا ذلک الاختلاف ارتدّوا و اجتمعوا علیه فزحف إلیهم معقل بمن معه فقتل الحریث و جماعه منهم و سبا من کان أدرک فیهم من الرجال و النساء، و نظر فیهم فمن کان مسلما أخذ بیعته و خلّى سبیله و احتمل الباقین من النصارى و عیالهم معه و کانوا خمسمائه نفر حتّى مرّوا بمصقله فاستغاث إلیه الرجال و النساء و مجّدوه و طلبوا منه أن یعتقهم فأقسم لیتصدّقن علیهم بذلک ثمّ بعث إلى معقل بن قیس فابتاعهم منه بخمسمائه ألف درهم ثمّ وعده أن یحمل المال فی أوقات مخصوصه فلمّا قدم معقل على علىّ علیه السّلام و أخبره القصّه شکر سعیه و انتظر المال من ید مصقله فابطأ به فکتب إلیه باستعجاله أو بقدومه علیه فلمّا قرأ کتابه قدم علیه و هو بالکوفه فاقراه أیّاما ثمّ طالبه بالمال فأدّى منه مائتى ألف درهم و عجز عن الباقى و خاف فلحق بمعاویه فبلغ علیّا علیه السّلام فقال الفصل. و لنرجع إلى المتن.

اللغه

قبحّه اللّه: أى نحّاه عن الخیر. و التبکیت: کالتقریع و اللائمه. و الوفور: مصدر وفر المال أى نما و زاد، و یروى موفوره.

المعنى

و مقصوده علیه السّلام بعد أن قدّم الدعاء على مصقله بیان خطأه فإنّه أشار إلى جهه الخطأ و هى جمعه بین أمرین متنافیین فی العرف: و هما فعل الساده و ذى المروّه و الحمیّه حیث اشترى القوم و اعتقهم، مع الفرار الّذى هو شیمه العبید. ثمّ أکّد علیه السّلام ذلک بمثلین.
أحدهما: ما أنطق مادحه حتّى أسکته، و یفهم منه معنیان.
أحدهما: أن یکون حتّى بمعنى اللام: أى إنّه لم ینطق مادحه حتّى یقصد إسکاته بهربه فإنّ إسکات المادح لا یتصوّر قصده لو قصد إلّا بعد إنطاقه و هو لم یتمّم فعله‏ الّذی یطلب به إنطاق مادحه بمدحه من الکرم و الحمیّه و الرقّه و نحوها، فکأنّه قصد إسکات مادحه بهروبه فأزوى علیه ذلک، و قال: إنّه لم ینطقه بمدحه فکیف یقصد إسکاته بهروبه، و إن کان العاقل لا یتصوّر منه قصد إسکات مادحه عن مدحه إلّا أنّه لاختیاره الهروب المستلزم لإسکات المادح صار کالقاصد له فنسب إلیه. الثانی: أن یکون المراد أنّه قد جمع بین غایتین متنافیتین: إنطاقه لمادحه بفداء للأسرى، مع إسکاته بهربه قبل تمام إنطاقه. و هو وصف له بسرعه إلحاقه لفضیلته برذیلته حتّى کأنّه قصد الجمع بینهما، و هذا کما تقول فی وصف سرعه تفرّق الأحباب عن اجتماعهم: ما اجتمعوا حتّى افترقوا: أى لسرعه افتراقهم کأنّ الدهر قد جمع لهم بین الاجتماع و الافتراق. الثانی: قوله: و لا صدّق واصفه حتّى بکّته. و المفهوم منه کالمفهوم من الّذی قبله.

قوله: و لو أقام. إلى آخره.
لمّا أشار إلى خطأه أردفه بما یصلح جوابا لما عساه یکون عذرا له لو اعتذر و هو توهّمه التشدید علیه فی أمر الباقى من المال حتّى کان ذلک الوهم سبب هزیمته، و فی بعض الروایات: لو أقام لأخذنا منه ما قدر علیه فإن أعسر أنظرناه فإن عجز لم نأخذ بشی‏ء. و الأوّل هو المشهور. و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۱۷

بازدیدها: ۵۶

خطبه۴۲شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

و قد أشار علیه أصحابه بالاستعداد للحرب بعد إرساله جریر ابن عبد اللّه البجلى إلى معاویه إِنَّ اسْتِعْدَادِی لِحَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ وَ جَرِیرٌ عِنْدَهُمْ- إِغْلَاقٌ لِلشَّامِ وَ صَرْفٌ لِأَهْلِهِ عَنْ خَیْرٍ إِنْ أَرَادُوهُ- وَ لَکِنْ قَدْ وَقَّتُّ لِجَرِیرٍ وَقْتاً لَا یُقِیمُ بَعْدَهُ- إِلَّا مَخْدُوعاً أَوْ عَاصِیاً- وَ الرَّأْیُ عِنْدِی مَعَ الْأَنَاهِ فَأَرْوِدُوا- وَ لَا أَکْرَهُ لَکُمُ الْإِعْدَادَ- وَ لَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هَذَا الْأَمْرِ وَ عَیْنَهُ- وَ قَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وَ بَطْنَهُ- فَلَمْ أَرَ لِی إِلَّا الْقِتَالَ أَوِ الْکُفْرَ- إِنَّهُ قَدْ کَانَ عَلَى الْأُمَّهِ وَالٍ أَحْدَثَ أَحْدَاثاً- وَ أَوْجَدَ النَّاسَ مَقَالًا فَقَالُوا- ثُمَّ نَقَمُوا فَغَیَّرُوا

أقول: و قد کان فی ظنّ کثیر من الصحابه بعد ولایه علىّ علیه السّلام أنّ معاویه لا یطیع له بأمارات کثیره، و لذلک أشار علیه أصحابه و بعد إرسال جریر إلیه بالاستعداد لحربه، و روى أنّ جریرا لمّا أراد بعثه قال: و اللّه یا أمیر المؤمنین ما أدّخرک من نصرتى شیئا، و ما أطمع لک فی معاویه فقال علیه السّلام: قصدى حجّه أقمتها. ثمّ کتب معه: أمّا بعد فإنّ بیعتى بالمدینه لزمتک و أنت بالشام لأنّه بایعنى القوم الّذین بایعوا أبا بکر و عمر و عثمان على ما بایعوهم علیه فلم یکن للشاهد أن یختار و لا للغائب أن یردّ، و إنّما الشورى للمهاجرین و الأنصار إذا اجتمعوا على رجل فسمّوه إماما کان ذلک رضا فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبه ردّوه إلى ما خرج منه فإن أبى قاتلوه على اتّباع غیر سبیل المؤمنین و ولّاه اللّه ما تولّى و یصلیه جهنّم و ساءت مصیرا، و إنّ طلحه و الزبیر بایعانى ثمّ نقضا بیعتى فکان نقضهما کردّتهما فجاهدتهما على ذلک حتّى جاء الحقّ و ظهر أمر اللّه و هم کارهون. فادخل فیما دخل فیه المسلمون فإنّ أحبّ الامور إلىّ فیک العافیه إلّا أن تتعرّض للبلاء فإن تعرّضت له قاتلتک و استعنت باللّه علیک. و قد أکثرت فی قتله عثمان فادخل فیما دخل فیه الناس ثمّ حاکموا القوم إلىّ أحملک و إیّاهم على کتاب اللّه فأمّا تلک الّتی تریدها فخدعه الصبّى عن اللبن، و لعمرى و إن نظرت بعقلک دون هواک لتجدنى أبرء قریش من دم عثمان، و اعلم أنّک من الطلقاء الّذین لا یتحلّى لهم الخلافه و لا یتعرّض فیهم الشورى، و قد أرسلت إلیک جریر بن عبد- اللّه و هو من أهل الایمان و الهجره فبایع و لا قوّه إلّا باللّه. و ربّما جاء شی‏ء من هذا الکتاب فی کتبه علیه السّلام إلى معاویه. فأجابه معاویه أمّا بعد فلعمرى لو بایعک القوم‏ الّذین بایعوک و أنت برى‏ء من دم عثمان کنت کأبى بکر و عمر و عثمان و لکنّک أغریت بعثمان و خذلت عنه الأنصار فأطاعک الجاهل و قوى بک الضعیف، و قد أبى أهل الشام إلّا قتالک حتّى تدفع إلیهم قتله عثمان فإن فعلت کانت شورى بین المسلمین. و لعمرى ما حجّتک علىّ کحجّتک على طلحه و الزبیر لأنّهما بایعاک و لم ابایعک، و ما حجّتک على أهل الشام کحجّتک على أهل البصره لأنّهم أطاعوک و لم یطعک أهل الشام. فأمّا شرفک فی الإسلام و قرابتک من النبىّ صلى اللّه علیه و آله و سلّم و موضعک من قریش فلست أدفعه، و کتب فی آخر الکتاب قصیده کعب بن جمیل.

أرى الشام تکره أهل العراق و أهل العراق لها کارهونا و قد ذکرنا بعضها قبل، و یروى أنّ الکتاب الّذی کتبه علیه السّلام مع جریر کانت صورته: إنّى قد عزلتک ففوّض الأمر إلى جریر و السلام. و قال لجریر: صن نفسک عن خداعه فإن سلّم إلیک الأمر و توجّه إلىّ فاقم أنت بالشام، و إن تعلّل بشى‏ء فارجع.
فلمّا عرض جریر الکتاب على معاویه تعلّل بمشاوره أهل الشام و غیر ذلک فرجع جریر.
فکتب معاویه فی أثره على ظهر کتاب علىّ علیه السّلام: من ولّاک حتّى تعزلنى و السلام.

اللغه

و أقول: الاستعداد: التهیّؤ للأمر. و الخداع: الأخذ بالحیله. و الأناه. الاسم من التأنّى و الرفق. و أرودوا: أمهلوا. و نقمت الأمر بفتح القاف: أنکرته.

المعنى

فقوله: إنّ استعدادى. إلى قوله: إن أرادوه.
المراد أنّ أهل الشام فی زمان کون جریر عندهم هم فی مقام التروّى و التفکّر فی أىّ الأمرین یتّبعون. و إن لم یکن کلّهم فبعضهم کذلک فلو اعتدّ هو للحرب فی تلک الحال لبلغهم ذلک فاحتاجوا إلى الاستعداد أیضا و التأهّب للقائه فکان ذلک الاستعداد سببا لغلق الشام بالکلّیّه، و صرفا لمن یکون فی ذهنه تردّد فی هذا الأمر أوفى قلبه اللحقوق به عمّا یرید و ذلک مناف للحزم.

و قوله: قد وقّت. إلى قوله: عاصیا.
 أى قد وقّت له وقتا یصل إلینا فیه لا یتخلّف عنه إلّا لأحد مانعین إمّا خداع فیهم له و مواعید مخلّفه بالجواب لیهیّؤوا امورهم فی تلک المدّه، و إمّا عصیان منه و مخالفه.

فإن قلت: حصر تخلّف جریر فی هذین المانعین غیر صحیح لجواز أن یتخلّف لمرض أو موت أو غرض آخر.
قلت: إنّه علیه السّلام لم یقصد الحصر الیقینىّ و إنّما أراد الحصر بحسب غلبه الظنّ الناشى‏ء من الأمارات و القرائن الحالیّه ثمّ کلامه علیه السّلام لیس فی الأسباب الاضطراریّه الّتی من قبل اللّه تعالى فإنّ ذلک أمر مفروغ منه لا یحسن ذکره، و أمّا الموانع الاختیاریّه فأمّا منهم و غالب الظنّ هو الخداع، و أمّا منه و غالب الظنّ أنّه العصیان إذ لا یتصوّر من مثل جریر و قد أرسل فی مثل هذا الأمر المهمّ أن یعدل عنه إلى شغل اختیارىّ لنفسه أو لغیره إلّا أن یکون عاصیا.

و قوله: و الرأى مع الأناه.
 رأى حقّ أجمع الحکماء على صوابه فإنّ إصابه المطالب و الظفر بها فی الغالب إنّما هو مع التثبّت و التأنّى فی الطلب، و ذلک أنّ أناه الطالب هى مظنّه فکره فی الاهتداء إلى تلخیص الوجه الألیق و الأقیس و الأشمل للمصلحه فی تحصیل مطلوبه، و لذلک أکّد بعض الحکماء الأمر بالتأنّى بقوله: من لم یتثبّت فی الامور لم یعد مصیبا و إن أصاب. فالغرض و إن کان هو الإصابه إلّا أنّها و إن حصلت من غیر التأنّى کان مفرطا و ثمره التفریط غالبا الندامه و عدم الإصابه، و الإصابه منه نادره و النادر غیر منتفع به و لا ملتفت إلیه.

و قوله: فأرودوا و لا أکره لکم الإعداد.
 لمّا نبّههم على فضیله الأناه أمرهم بها و إن لم یأمرهم مطلقا بل نبّههم بقوله: و لا أکره لکم الإعداد على امور ثلاثه: أحدها: أنّه ینبغی لهم أن یکونوا على یقظه من هذا الأمر حتّى یکونوا حال إشارته إلیهم قریبین من الاستعداد. الثانی: أن لا یتوهّم أحد منهم فیه مداخله ضعف عن مفارقه أهل الشام فیداخلهم بسبب ذلک فشل و ضعف عزیمه. الثالث: ذکر شارح ابن أبى الحدید هو أنّه علیه السّلام و إن کان کره الاستعدادالظاهر إلّا أنّ قوله: و لا أکره لکم الإعداد. تنبیه لهم على الاستعداد الباطن و التهیّؤ فی السرّ و ربما کان فرار الشارح بهذا الوجه ممّا یتوهّم تناقضا و هو کونه قد أشار بترک الاستعداد، ثمّ قال لأصحابه: و لا أکره لکم الإعداد، و قد علمت أنّ ترکه للاستعداد فی ذلک الوقت و اختیاره ترکه لا ینافی تنبیههم على عدم کراهیّته له لیکونوا منه على یقظه کما أو مأنا إلیه.

و قوله: و لقد ضربت. إلى قوله: أو الکفر.
 أقول: استعار لفظ العین و الأنف و الظهر و البطن الّتی حقایق فی الحیوان لحاله مع معاویه فی أمر الخلافه و خلاف أهل الشام له استعاره على سبیل الکنایه.

فکنّى بالعین و الأنف عن المهمّ من هذا الأمر و خالصه فإنّ العین و الأنف أعزّ ما فی الوجه، و کنّى بالضرب بهما عن قصده للمهمّ منه على سبیل الاستعاره أیضا، و کنّى بلفظ الظهر و البطن لظاهر هذا الأمر و باطنه و وجوه الرأى فیه، و لفظ التقلیب لتصفّح تلک الوجوه و عرضها على العقل واحدا واحدا.

قوله: فلم أر لى إلّا القتال أو الکفر.
 تعیین لما اختاره بعد التقلیب و التصفّح لوجوه المصلحه فی أمر مخالفیه و هو قتالهم، و نبّه على وجه اختیاره له بقوله: أو الکفر: أى أنّ أحد الأمرین لازم إمّا القتال أو الکفر، و ذلک أنّه إن لم یختر القتال لزم ترکه و ترکه مستلزم للکفر لکن التزام الکفر منه محال فتعیّن اختیاره للقتال، و مراده بالکفر الکفر الحقیقىّ فإنّه صرّح بمثله فیما قبل حیث یقول: و قد قلّبت هذا الأمر بطنه و ظهره حتّى منعنى القوم فما وجدتنى یسعنی إلّا قتالهم أو الجحود بما جاء به محمّد صلى اللّه علیه و آله و سلّم. فإن قلت: ما وجه الحصر فی القتال و الجحود مع أنّ ترک القتال بدون الجحد ممکن.

قلت: بیانه من وجهین.
أحدهما: قال الشارحون: إنّ الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم کان قد أمره بقتال من خالفه، لقوله: امرت أن اقاتل الناکثین و القاسطین و المارقین. فلو ترک قتالهم مع ما علیه أمر الإسلام من الخطر لکان قد خالف أمر الرسول و ظاهر أنّ مخالفه مثله علیه السّلام لأوامر الرسول لا یتصوّر إلا عن عدم اعتقاد صحّتها و ذلک جحد به و کفر. الثانی: یحتمل أن یکون قد تجوّز بلفظ الجحود فی التهاون بهذا الأمر تعظیما له فی نفوس السامعین و هو من المجازات الشائعه.

و قوله: إنّه قد کان. إلى آخره.
تنبیه على وجه عذره عمّا نسبه إلیه معاویه و جعله سببا لعصیانه له و هو الطلب بدم عثمان و تهمته له بذلک، و أراد بالوالى عثمان. و الأحداث الّتی أحدثها هو ما نسب إلیه من الأمور الّتی أنکروها علیه کما سنذکرها. و أوجد الناس مقالا: أى جعل لهم بتلک الأحداث طریقا إلى القول علیه فقالوا، ثمّ أنکروا ما فعل فعیّروه و أزالوه. فأمّا الأحداث المنقوله عنه فالمشهور منها بین أهل السیر عشره: الاولى: تولیته امور المسلمین من لیس أهلا من الفسّاق مراعاه للقرابه دون حرمه الإسلام کالولید بن عقبه حتّى ظهر منه شرب الخمر، و سعید بن العاص حتّى ظهرت عنه الامور الّتی أخرجه أهل الکوفه منها بسببها، و عبد اللّه بن أبی سرح مع قوّه ظلمه و تظلّم المصریّین منه و هو الّذی اتّهمه المسلمون بمکاتبته بقتل محمّد بن أبی بکر، و نقل أنّهم ظفروا بالکتاب و لأجله عظم التظلّم و کثر الجمع و اشتدّ الحصار علیه. الثانیه: ردّه للحکم بن أبی العاص إلى المدینه بعد طرد رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلّم، و بعد امتناع أبی بکر و عمر من ردّه. فخالف فی ذلک سنّه الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم و سیره الشیخین، و عمل بدعواه مجرّده من البیّنه. الثالثه: أنّه کان یؤثر أهله بالأموال العظیمه من بیت المال من غیر استحقاق و ذلک فی صور: منها أنّه دفع إلى أربعه نفر من قریش زوّجهم ببناته أربع مائه ألف دینار، و منها أنّه أعطى مروان مائه ألف دینار، و روى خمس إفریقیّه و ذلک مخالف لسنّه الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم و من بعده من الخلفاء. الرابعه: أنّه حمى الحمى عن المسلمین بعد تسویه الرسول بینهم فی الماء و الکلاء. الخامسه: أنّه أعطى من بیت مال الصدقه المقاتله و غیرها و ذلک ممّا لا یجوز فی الدین. السادسه: أنّه ضرب عبد اللّه بن مسعود- رضی اللّه عنه- و هو من أکبر الصحابه، و علمائها حتّى کسر بعض أضلاعه و ذلک ظلم ظاهر. السابعه: أنّه جمع الناس على قراءه زید بن ثابت خاصّه و أحرق المصاحف و أبطل ما لا شکّ أنّه من القرآن المنزل و ذلک مخالفه للّه و للرسول و لمن بعده. الثامنه: أنّه أقدم على عمّار بن یاسر- رحمه اللّه- بالضرب مع أنّه من أشرف الصحابه، و مع علمه بما قال الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم: عمّار جلده ما بین عینىّ تقتله الفئه الباغیه لا أنالها اللّه شفاعتى. حتّى أصابه الفتق، و لذلک صار عمّار مظاهرا لبعض المتظلّمین منه على قتله، و روى أنّه کان یقول: قتلناه کافرا. التاسعه: إقدامه على أبی ذر مع ثناء الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم و صحبته له، و قوله فیه: ما أقلّت الغبراء و لا أظلّت الخضراء على ذى لهجه أصدق من أبی ذر. حتّى نفاه إلى الربذه العاشره: تعطیله الحدّ الواجب على عبید اللّه بن عمر بن الخطاب فإنّه قتل الهرمزان مسلما بمجرّد تهمته أنّه أمر أبا لؤلؤه بقتل أبیه ثمّ لم یقده به و قد کان علىّ علیه السّلام یطلبه بذلک. فهذه هى المطاعن المشهوره فیه. و قد أجاب الناصرون لعثمان عن هذه الأحداث بأجوبه مستحسنه و هى مذکوره فی المطوّلات من مظانّها و إنّما ذکرنا هذه الأحداث و أوردناها مختصره لتعلّق المتن بذکرها.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۱۰

بازدیدها: ۵۵

خطبه۴۱شرح ابن میثم بحرانی

 و من کلام له علیه السّلام

أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَیْکُمُ إثْنَانِ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَ طُولُ الْأَمَلِ- فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَیَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ- وَ أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَیُنْسِی الْآخِرَهَ- أَلَا وَ إِنَّ الدُّنْیَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ- فَلَمْ یَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَهٌ کَصُبَابَهِ الْإِنَاءِ- اصْطَبَّهَا صَابُّهَا- أَلَا وَ إِنَّ الْآخِرَهَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَ لِکُلٍّ مِنْهُمَا بَنُونَ- فَکُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَهِ وَ لَا تَکُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْیَا- فَإِنَّ کُلَّ وَلَدٍ سَیُلْحَقُ بِأُمِّهِ یَوْمَ الْقِیَامَهِ- وَ إِنَّ الْیَوْمَ عَمَلٌ وَ لَا حِسَابَ وَ غَداً حِسَابٌ وَ لَا عَمَلَ

اللغه

أقول: حذّاء: خفیفه مسرعه لا یتغلّق أحد منهما بشى‏ء. و الصبابه: بقیّه الماء فی الإناء.

المعنى

و المقصود بهذا الفصل النهى عن الهوى و طول الأمل فی الدنیا فإنّهما من أشدّ أسباب الهلاک فکان الجلاء عنهما من أشدّ أسباب النجاه کما قال تعالى فَأَمَّا مَنْ طَغى‏ وَ آثَرَ الْحَیاهَ الدُّنْیا فَإِنَّ الْجَحِیمَ هِیَ الْمَأْوى‏ وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏ فَإِنَّ الْجَنَّهَ هِیَ الْمَأْوى‏«» ثمّ التذکیر بامور الآخره.

فاعلم أنّ الهوى هو میل النفس الأمّاره بالسوء إلى مقتضى طباعها من اللذّات الدنیویّه إلى حدّ الخروج عن حدود الشریعه، و أمّا الأمل فقد سبق بیانه، و لمّا کانت السعاده التامّه إنّما هى فی مشاهده حضره الربوبیّه و مجاوره الملأ الأعلى فی مقعد صدق عند ملیک مقتدر، و کان اتّباع النفس الأمّاره بالسوء فی میولها الطبیعیّه و الانهماک فی ملذّاتها الفانیه أشدّ مهلک جاذب للإنسان عن قصد الحقّ، و صادّ له عن سلوک سبیله و عن الترقىّ فی ملکوت السماوات إلى حضیض جهنّم کما قال سیّد المرسلین صلى اللّه علیه و آله و سلّم: ثلاث مهلکات: شحّ مطاع، و هوى متّبع، و إعجاب المرء بنفسه، و کما قال: حبّ الدنیا رأس کلّ خطیئه، و قال: الدنیا و الآخره ضرّتان بقدر ما یقرب من إحداهما یبعد من الاخرى. لا جرم کان أخوف ما ینبغی أن یخاف من الامور المهلکه اتّباع الهوى، و أمّا الأمل فمراده به أیضا الأمل لما لا ینبغی أن یمدّ الأمل فیه من المقتنیات الفانیه و ظاهر أنّ طول الأمل فیها یکون مطابقا لاتّباع الهوى و به یکون نسیان الآخره لأنّ طول توقّع الامور المحبوبه الدنیویّه یوجب دوام ملاحظتها، و دوام ملاحظتها مستلزم لدوام إعراض النفس عن ملاحظه أحوال الآخره و هو مستعقب لا نمحاء ما تصوّر فی‏ الذهن منها و ذلک معنى النسیان لها و بذلک یکون الهلاک الأبدیّ و الشقاء الأشقى، و لمّا کان علیه السّلام هو المتولّى لإصلاح حال الخلق فی امور معاشهم و معادهم کان الاهتمام بصلاحهم منوطا بهمّته العلّیّه فلا جرم نسب الخوف علیهم إلى نفسه.

قوله: ألا و إنّ الدنیا قد ولّت. إلى قوله: صابّها.
أقول: الدنیا بالنسبه إلى کلّ شخص مفارقه له و خفیفه سریعه الأجفال لم یبق منها بالقیاس إلیه إلّا الیسیر، و إطلاق الصبابه هاهنا استعاره لبقیّتها القلیله، و القلّه هى وجه تشبیهها بصبابه الإناء أیضا.

و قوله: ألا و إنّ الآخره قد أقبلت.
 لمّا نبّه على أنّ الدنیا سریعه الأجفال أردف ذلک بالتنبیه على سرعه لحوق الآخره و إقبالها، و کلّ ذلک قطع للآمال الفانیه و ردع عن اتّباع الهوى. و من آثار الصالحین: إذا کان العمر فی إدبار و الموت فی إقبال فما أسرع الملتقى. و الموت هو دهلیز الآخره.

و قوله: و لکلّ منهما بنون. إلى قوله: یوم القیامه.
من لطائف کلامه. فاستعار لفظ الأبناء للخلق بالنسبه إلى الدنیا و الآخره، و لفظ الأب لهما، و وجه الاستعاره أنّ الابن لمّا کان من شأنه المیل إلى والده إمّا میلا طبیعیّا أو بحسب تصوّر المنفعه منه. و کان الخلق منهم من یرید الدنیا. و منهم من یرید الآخره، و یمیل کلّ منهما إلى مراده مع ما یحصل من طرف الدنیا للراغبین فیها ممّا یتوهّمونه لذّه و خیرا، و ما یحصل من طرف الآخره للراغبین فیها من اللذّه و السعاده أشبه کلّ بالنسبه إلى ما رغب فیه و استفاد منه الخیر الابن بالنسبه إلى الأب. فاستعیر لفظه لتلک المشابهه، و لمّا کان غرضه حثّ الخلق على السعى للآخره و المیل إلیها و الإعراض عن الدنیا، قال علیه السّلام: فکونوا من أبناء الآخره و لا تکونوا من أبناء الدنیا ثمّ ذکر فایده رأیه علیهم بأن یکونوا کذلک. و هى أنّ کلّ ولد سیلحق بامّه یوم القیامه، و أشار: إلى أنّ أبناء الآخره و الطالبین لها و العاملین لأجلها مقرّبون فی الآخره لا حقوق لمراداتهم فیها، و لهم فیها ما تشتهى أنفسهم و لهم ما یدّعون نزلا من غفور رحیم، و أمّا أبناء الدنیا فانّ نفوسهم لمّا کانت مستغرقه فی محبّتها و ناسیه لطرف الآخره و معرضه عنها لا جرم‏ کانت یوم القیامه مغموره فی محبّه الباطل مغلوله بسلاسل السیئات البدنیّه و الملکات الردیئه المتمکّنه من جواهرها فهى لتعلّقها بمحبّه الدنیا حیث لا یتمکّن من محبوبها بمنزله ولد لا تعلّق له و لا مسکه إلّا بوالده و لا إلف له إلّا هو و لا انس إلّا معه، ثمّ حیل بینه و بینه مع شدّه تعلّقه به و شوقه إلیه و اخذ إلى أضیق الأسجان، و بدّل بالعزّ الهوان فهو فی أشدّ و له و یتم و أعظم حسره و غمّ، و أمّا أبناء الآخره ففی حضانه أبیهم و نعیمه قد زال عنهم بؤس الغربه و شقاء الیتم و سوء الحضن. فمن الواجب إذن تعرّف أحوال الوالدین و اتّباع أبرّهما و أدومهما شفقه و أعظمهما برکه و ما هى إلّا الآخره فلیکن ذو العقل من أبناء الآخره و لیکن برّا بوالده متوصّلا إلیه بأقوى الأسباب و أمتنها.

و قوله: و إنّ الیوم عمل. إلى آخر.
کنّى بالیوم عن مدّه الحیاه و بعد عمّا بعد الموت، و راعى المقابله فقابل الیوم بالغد، و العمل بلا عمل، و لا حساب بالحساب. و الیوم: اسم إنّ، و عمل: قام مقام الخبر استعمالا للمضاف إلیه مقام المضاف: أى و الیوم یوم العمل، و یحتمل أن یکون اسم إنّ ضمیر الشأن، و الیوم عمل جمله من مبتدأ و خبر هى خبرها، و کذلک قوله: و غدا حساب و لا عمل، و صدق هذین الحکمین ظاهر و فایدتهما التنبیه على وقتى العمل و عدمه لیبادروا إلى العمل الّذی به یکونون من أبناء الآخره فی وقت إمکانه قبل مجی‏ء الغد الّذی هو وقت الحساب دون العمل، و باللّه التوفیق.

 

بازدیدها: ۶۴

خطبه۴۰شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ وَ لَا أَعْلَمُ جُنَّهً أَوْقَى مِنْهُ- وَ مَا یَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ کَیْفَ الْمَرْجِعُ- وَ لَقَدْ أَصْبَحْنَا فِی زَمَانٍ قَدِ

اتَّخَذَ أَکْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ کَیْساً- وَ نَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِیهِ إِلَى حُسْنِ الْحِیلَهِ- مَا لَهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ- قَدْ یَرَى

الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِیلَهِ وَ دُونَهَا مَانِعٌ- مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَ نَهْیِهِ- فَیَدَعُهَا رَأْیَ عَیْنٍ بَعْدَ الْقُدْرَهِ عَلَیْهَا- وَ یَنْتَهِزُ

فُرْصَتَهَا مَنْ لَا حَرِیجَهَ لَهُ فِی الدِّینِ

اللغه

أقول: الجنّه: ما استترت به من سلاح و نحوه. و القلّب الحوّل: الّذى یکثر تحوّله و تقلّبه فی اختیار الامور، و تعرّف وجوهها. و الانتهاز: المبادره إلى الأمر.
و الفرصه: وقت الإمکان. و الحریجه: التخرّج و هو التحرّز من الحرج و الإثم.

المعنى

و اعلم أنّ الوفاء ملکه نفسانیّه ینشأ من لزوم العهد کما ینبغی، و البقاء علیه، و الصدق ملکه تحصل من لزوم الأقوال المطابقه، و هما فضیلتان داخلتان تحت فضیله العفّه متلازمتان، و لمّا کان التوأم هو الولد المقارن لولد آخر فی بطن واحد اشبهه الوفاء لمقارنته الصدق تحت العفّه، فاستعار لفظه له. ثمّ لمّا کانت فضیله الوفاء مقابله برذیله الغدر و فضیله الصدق مقابله برذیله الکذب و رذیلتا الغدر و الکذب أیضا توأمین تحت رذیله الفجور المقابله لفضیله العفّه.

قوله: و لا أعلم جنّه أوقى منه.
 حکم ظاهر فإنّ الوفاء وقایه تامّه للمرء أمّا فی آخرته فللاستتاره به من عذاب اللّه الّذی هو أعظم محذور، و أمّا فی دنیاه فللاستتاره به من السبّ و العار و ما یلزمه عدم الوفاء من الغدر و الکذب الملطخین لوجه النفس. و إذا علمت أنّه لا نسبه لشی‏ء ممّا یجتنّ منه بالأسلحه و غیرها إلى ما یتوقّى بالوفاء علمت أنّه لا جنّه أوقى من الوفاء، و ممادح الوفاء و مذامّ الغدر کثیره قال اللّه تعالى الَّذِینَ یُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ لا یَنْقُضُونَ الْمِیثاقَ«» وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا الآیه و قال فی تمدّحه بالوفاء إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ أَنْفُسَهُمْ قال فَمَنْ نَکَثَ فَإِنَّما یَنْکُثُ عَلى‏ نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفى‏ بِما عاهَدَ عَلَیْهُ اللَّهَ فَسَیُؤْتِیهِ أَجْراً عَظِیماً«» و من الخبر فی ذمّ الغدر: لکلّ غادر لواء یعرف به یوم القیامه.

و قوله: و لا یغدر من علم کیف المرجع.
 أقول: العلم بکیفیّه المرجع إلى اللّه تعالى و الاطّلاع على منازل السفر إلیه و على أحوال الآخره الّتی هى المستقرّ صارف قوىّ عن ارتکاب الرذائل الّتی من جملتها الغدر و إنّما خصّ الغدر بنسبه أهله إلى الجهل بأمر المعاد لکونه فی معرض مدح الوفاء و الترغیب فیه.

قوله: و لقد أصبحنا فی زمان. إلى قوله: الحیله
 أقول: إنّما اتّخذ أهل الزمان الغدر کیسا و نسبهم کثیر إلى حسن الحیله لجهل الفریقین بثمره الغدر و لعدم تمییزهم بین الغدر و الکیس فإنّه لمّا کان الغدر کثیرا ما یستلزم الذکاء و الفطنه لوجه الحیله و ایقاعها بالمغدور به و کان الکیس أیضا عباره عن الفطانه و الذکاء وجوده الرأى فی استخراج وجوه المصالح الّتی تنبغى کانت بینهما مشارکه فی استلزام مفهومیها للتفطّن و الذکاء فی استخراج وجه الحیله و ایقاع الآراء إلّا أنّ تفطّن الغادر یستعمله فی استنباط الحیله و إن خالفت القوانین الشرعیّه و فاتت المصالح الکلیّه فی جنب مصلحه جزئیّه تخصّه، و تفطّن الکیّس إنّما یستعمله فی ایقاع رأى أو حیله تنتظم مصلحه العالم و توافق القوانین الشرعیّه، و لدقّه الفرق بینهما استعمل الغادرون غدرهم فی موضع الکیس، و نسبهم أیضا الجاهلون فی غدرهم إلى حسن حیلتهم کما نسب ذلک إلى عمرو بن العاص و المغیره بن شعبه و نحوهما، و لم یعلموا أنّ حیله الغادر تخرجه إلى رذیله الفجور، و أنّه لا حسن فی حیله جرّت إلى رذیله.

و قوله: ما لهم قاتلهم اللّه قد یرى. إلى آخره.
دعاء علیهم بقتال اللّه لهم بعد استفهامه عن خوضهم فی أمره استفهاما على سبیل الإنکار، و قد علمت أن قتال اللّه کنایه عن عداوته و البعد عن رحمته، و ظاهر أنّ أهل الغدر بعداء عن رحمه اللّه، ثمّ أردف ذلک الدعاء بالإشاره إلى أنّه لا فضیله لهم فیما یفتحزون به من الذکاء فی استنباط وجوه الحیله إذ کانت غایتهم الغدر و الخیانه فإنّ الحوّل القلّب فی الامور قد یرى وجه الحیله عیانا إلّا أنّه یلاحظ فی العمل بها مانع من اللّه و نهیه عن ارتکابها لما یؤدّى إلیه من ارتکاب الرذائل الموبقه فیترکها رأى عینه: أى حال ما هى مرئیّه له و بعد القدره علیها خوفا من اللّه تعالى. ثمّ یراها من لا یعتقد إثما فی حزم قواعد الدین فیبادر إلیها حال إمکانها و لیس ذلک لفضیله بل الفضل فی الحقیقه لتارکها عن وازع الدین، و الإشاره بالحوّل القلّب إلى نفسه فإنّ شیمه الکریمه کانت کذلک.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ى ۱۰۵

بازدیدها: ۴۷