نامه ۷۰ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۷۰ و من کتاب له ع إلى سهل بن حنیف الأنصاری-  و هو عامله على المدینه-  فی معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاویه

أَمَّا بَعْدُ-  فَقَدْ بَلَغَنِی أَنَّ رِجَالًا مِمَّنْ قِبَلَکَ یَتَسَلَّلُونَ إِلَى مُعَاوِیَهَ-  فَلَا تَأْسَفْ عَلَى مَا یَفُوتُکَ مِنْ عَدَدِهِمْ-  وَ یَذْهَبُ عَنْکَ مِنْ مَدَدِهِمْ-  فَکَفَى لَهُمْ غَیّاً-  وَ لَکَ مِنْهُمْ شَافِیاً فِرَارُهُمْ مِنَ الْهُدَى وَ الْحَقِّ-  وَ إِیضَاعُهُمْ إِلَى الْعَمَى وَ الْجَهْلِ-  فَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ دُنْیَا مُقْبِلُونَ عَلَیْهَا وَ مُهْطِعُونَ إِلَیْهَا-  قَدْ عَرَفُوا الْعَدْلَ وَ رَأَوْهُ وَ سَمِعُوهُ وَ وَعَوْهُ-  وَ عَلِمُوا أَنَّ النَّاسَ عِنْدَنَا فِی الْحَقِّ أُسْوَهٌ-  فَهَرَبُوا إِلَى الْأَثَرَهِ-  فَبُعْداً لَهُمْ وَ سُحْقاً-  إِنَّهُمْ وَ اللَّهِ لَمْ یَفِرُّوا مِنْ جَوْرٍ-  وَ لَمْ یَلْحَقُوا بِعَدْلٍ-  وَ إِنَّا لَنَطْمَعُ فِی هَذَا الْأَمْرِ أَنْ یُذَلِّلَ اللَّهُ لَنَا صَعْبَهُ-  وَ یُسَهِّلَ لَنَا حَزْنَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ-  وَ السَّلَامُ عَلَیْکَ وَ رَحْمَهُ اللَّهِ وَ بَرَکَاتُهُ قد تقدم نسب سهل بن حنیف-  و أخیه عثمان فیما مضى- . و یتسللون یخرجون إلى معاویه هاربین فی خفیه و استتار- . قال فلا تأسف أی لا تحزن-  و الغی الضلال- . قال و لک منهم شافیا-  أی یکفیک فی الانتقام منهم و شفاء النفس من عقوبتهم-  أنهم یتسللون إلى معاویه- .

 قال ارض لمن غاب عنک غیبته-  فذاک ذنب عقابه فیه- . و الإیضاع الإسراع-  وضع البعیر أی أسرع و أوضعه صاحبه-  قال

  رأى برقا فأوضع فوق بکر
فلا یک ما أسال و لا أعاما

و مهطعون مسرعون أیضا-  و الأثره الاستئثار-  یقول قد عرفوا أنی لا أقسم إلا بالسویه-  و أنی لا أنفل قوما على قوم-  و لا أعطی على الأحساب و الأنساب کما فعل غیری-  فترکونی و هربوا إلى من یستأثر و یؤثر- . قال فبعدا لهم و سحقا-  دعاء علیهم بالبعد و الهلاک- . و روی أنهم لم ینفروا بالنون من نفر-  ثم ذکر أنه راج من الله-  أن یذلل له صعب هذا الأمر و یسهل له حزنه-  و الحزن ما غلظ من الأرض-  و ضده السهل

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

بازدیدها: ۱۸

نامه ۶۹ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)( کتبه إلى الحارث الهمدانی)

۶۹ و من کتاب له ع کتبه إلى الحارث الهمدانی

وَ تَمَسَّکْ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ وَ انْتَصِحْهُ-  وَ أَحِلَّ حَلَالَهُ وَ حَرِّمْ حَرَامَهُ-  وَ صَدِّقْ بِمَا سَلَفَ مِنَ الْحَقِّ-  وَ اعْتَبِرْ بِمَا مَضَى مِنَ الدُّنْیَا لِمَا بَقِیَ مِنْهَا-  فَإِنَّ بَعْضَهَا یُشْبِهُ بَعْضاً-  وَ آخِرَهَا لَاحِقٌ بِأَوَّلِهَا-  وَ کُلُّهَا حَائِلٌ مُفَارِقٌ-  وَ عَظِّمِ اسْمَ اللَّهِ أَنْ تَذْکُرَهُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ-  وَ أَکْثِرْ ذِکْرَ الْمَوْتِ وَ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ-  وَ لَا تَتَمَنَّ الْمَوْتَ إِلَّا بِشَرْطٍ وَثِیقٍ-  وَ احْذَرْ کُلَّ عَمَلٍ یَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ-  وَ یَکْرَهُهُ لِعَامَّهِ الْمُسْلِمِینَ-  وَ احْذَرْ کُلَّ عَمَلٍ یُعْمَلُ بِهِ فِی السِّرِّ-  وَ یُسْتَحَى مِنْهُ فِی الْعَلَانِیَهِ-  وَ احْذَرْ کُلَّ عَمَلٍ إِذَا سُئِلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَنْکَرَهُ وَ اعْتَذَرَ مِنْهُ-  وَ لَا تَجْعَلْ عِرْضَکَ غَرَضاً لِنِبَالِ الْقَوْمِ-  وَ لَا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِکُلِّ مَا سَمِعْتَ بِهِ-  فَکَفَى بِذَلِکَ کَذِباً-  وَ لَا تَرُدَّ عَلَى النَّاسِ کُلَّ مَا حَدَّثُوکَ بِهِ-  فَکَفَى بِذَلِکَ جَهْلًا-  وَ اکْظِمِ الْغَیْظَ وَ احْلُمْ عِنْدَ الْغَضَبِ-  وَ تَجَاوَزْ عِنْدَ الْمَقْدِرَهِ-  وَ اصْفَحْ مَعَ الدَّوْلَهِ تَکُنْ لَکَ الْعَاقِبَهُ-  وَ اسْتَصْلِحْ کُلَّ نِعْمَهٍ أَنْعَمَهَا اللَّهُ عَلَیْکَ-  وَ لَا تُضَیِّعَنَّ نِعْمَهً مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَکَ-  وَ لْیُرَ عَلَیْکَ أَثَرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَیْکَ-  وَ اعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الْمُؤْمِنِینَ-  أَفْضَلُهُمْ تَقْدِمَهً مِنْ نَفْسِهِ وَ أَهْلِهِ وَ مَالِهِ-  وَ إِنَّکَ مَا تُقَدِّمْ مِنْ خَیْرٍ یَبْقَ لَکَ ذُخْرُهُ-  وَ مَا تُؤَخِّرْهُ یَکُنْ لِغَیْرِکَ خَیْرُهُ-وَ احْذَرْ صَحَابَهَ مَنْ یَفِیلُ رَأْیُهُ-  وَ یُنْکَرُ عَمَلُهُ فَإِنَّ الصَّاحِبَ مُعْتَبَرٌ بِصَاحِبِهِ-  وَ اسْکُنِ الْأَمْصَارَ الْعِظَامَ فَإِنَّهَا جِمَاعُ الْمُسْلِمِینَ-  وَ احْذَرْ مَنَازِلَ الْغَفْلَهِ وَ الْجَفَاءِ-  وَ قِلَّهَ الْأَعْوَانِ عَلَى طَاعَهِ اللَّهِ-  وَ اقْصُرْ رَأْیَکَ عَلَى مَا یَعْنِیکَ-  وَ إِیَّاکَ وَ مَقَاعِدَ الْأَسْوَاقِ-  فَإِنَّهَا مَحَاضِرُ الشَّیْطَانِ وَ مَعَارِیضُ الْفِتَنِ-  وَ أَکْثِرْ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَنْ فُضِّلْتَ عَلَیْهِ-  فَإِنَّ ذَلِکَ مِنْ أَبْوَابِ الشُّکْرِ-  وَ لَا تُسَافِرْ فِی یَوْمِ جُمُعَهٍ حَتَّى تَشْهَدَ الصَّلَاهَ-  إِلَّا فَاصِلًا فِی سَبِیلِ اللَّهِ أَوْ فِی أَمْرٍ تُعْذَرُ بِهِ-  وَ أَطِعِ اللَّهَ فِی جُمَلِ أُمُورِکَ-  فَإِنَّ طَاعَهَ اللَّهِ فَاضِلَهٌ عَلَى مَا سِوَاهَا-  وَ خَادِعْ نَفْسَکَ فِی الْعِبَادَهِ وَ ارْفُقْ بِهَا وَ لَا تَقْهَرْهَا-  وَ خُذْ عَفْوَهَا وَ نَشَاطَهَا-  إِلَّا مَا کَانَ مَکْتُوباً عَلَیْکَ مِنَ الْفَرِیضَهِ-  فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا وَ تَعَاهُدِهَا عِنْدَ مَحَلِّهَا-  وَ إِیَّاکَ أَنْ یَنْزِلَ بِکَ الْمَوْتُ-  وَ أَنْتَ آبِقٌ مِنْ رَبِّکَ فِی طَلَبِ الدُّنْیَا-  وَ إِیَّاکَ وَ مُصَاحَبَهَ الْفُسَّاقِ-  فَإِنَّ الشَّرَّ بِالشَّرِّ مُلْحَقٌ-  وَ وَقِّرِ اللَّهَ وَ أَحْبِبْ أَحِبَّاءَهُ-  وَ احْذَرِ الْغَضَبَ فَإِنَّهُ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِیسَ-  وَ السَّلَامُ

الحارث الأعور و نسبه

هو الحارث الأعور صاحب أمیر المؤمنین ع-  و هو الحارث بن عبد الله بن کعب بن أسد بن نخله بن حرث-  بن سبع بن صعب بن معاویه الهمدانی-  کان أحدالفقهاء له قول فی الفتیا-  و کان صاحب علی ع-  و إلیه تنسب الشیعه الخطاب الذی خاطبه به فی قوله ع‏

  یا حار همدان من یمت یرنی
من مؤمن أو منافق قبلا

 و هی أبیات مشهوره قد ذکرناها فیما تقدم

نبذ من الأقوال الحکیمه

و قد اشتمل هذا الفصل على وصایا جلیله الموقع-  منها قوله و تمسک بحبل القرآن-  جاء فی الخبر المرفوع لما ذکر الثقلین-  فقال أحدهما کتاب الله-  حبل ممدود من السماء إلى الأرض-  طرف بید الله و طرف بأیدیکم- . و منها قوله انتصحه-  أی عده ناصحا لک فیما أمرک به و نهاک عنه- . و منها قوله و أحل حلاله و حرم حرامه-  أی احکم بین الناس فی الحلال و الحرام بما نص علیه القرآن- . و منها قوله و صدق بما سلف من الحق-  أی صدق بما تضمنه القرآن من أیام الله-  و مثلاته فی الأمم السالفه لما عصوا و کذبوا- . و منها قوله و اعتبر بما مضى من الدنیا لما بقی منها-  و فی المثل إذا شئت أن تنظر الدنیا بعدک فانظرها بعد غیرک-  و قال الشاعر- 

و ما نحن إلا مثلهم غیر أننا
أقمنا قلیلا بعدهم ثم نرحل‏

 و یناسب قوله و آخرها لاحق بأولها-  و کلها حائل مفارق-  قوله أیضا ع‏فی غیر هذا الفصل الماضی- للمقیم عبره و المیت للحی عظه-  و لیس لأمس عوده و لا المرء من غد على ثقه-  الأول للأوسط رائد و الأوسط للأخیر قائد-  و کل بکل لاحق و الکل للکل مفارق- . و منها قوله و عظم اسم الله أن تذکره إلا على حق-  قال الله سبحانه وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَهً لِأَیْمانِکُمْ-  و قد نهى عن الحلف بالله فی الکذب و الصدق-  أما فی أحدهما فمحرم و أما فی الآخر فمکروه-  و لذلک لا یجوز ذکر اسمه تعالى-  فی لغو القول و الهزء و العبث- .

و منها قوله و أکثر ذکر الموت و ما بعد الموت-  جاء فی الخبر المرفوع أکثروا ذکر هاذم اللذات-  و ما بعد الموت العقاب و الثواب فی القبر و فی الآخره- . و منها قوله و لا تتمن الموت إلا بشرط وثیق-  هذه کلمه شریفه عظیمه القدر-  أی لا تتمن الموت إلا و أنت واثق من أعمالک الصالحه-  أنها تؤدیک إلى الجنه و تنقذک من النار-  و هذا هو معنى قوله تعالى للیهود-  إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّکُمْ أَوْلِیاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ-  فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ کُنْتُمْ صادِقِینَ-  وَ لا یَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَیْدِیهِمْ-  وَ اللَّهُ عَلِیمٌ بِالظَّالِمِینَ- . و منها قوله و احذر کل عمل یرضاه صاحبه لنفسه-  و یکرهه لعامه المسلمین-  و احذر کل عمل یعمل فی السر-  و یستحیا منه فی العلانیه-  و احذر کل عمل إذا سئل عنه صاحبه أنکره و اعتذر منه-  و هذه الوصایا الثلاث متقاربه فی المعنى-  و یشملها معنى قول الشاعر- 

  لا تنه عن خلق و تأتی مثله
عار علیک إذا فعلت عظیم‏

 و قال الله تعالى حاکیا عن نبی من أنبیائه-  وَ ما أُرِیدُ أَنْ أُخالِفَکُمْ إِلى‏ ما أَنْهاکُمْ عَنْهُ- . و من کلام الجنید الصوفی-  لیکن عملک من وراء سترک-  کعملک من وراء الزجاج الصافی-  و فی المثل و هو منسوب إلى علی ع-  إیاک و ما یعتذر منه- . و منها قوله و لا تجعل عرضک غرضا لنبال القوم-  قال الشاعر

  لا تستتر أبدا ما لا تقوم له
و لا تهیجن من عریسه الأسدا

إن الزنابیر إن حرکتها سفها
من کورها أوجعت من لسعها الجسدا

و قال

مقاله السوء إلى أهلها
أسرع من منحدر سائل‏

و من دعا الناس إلى ذمه‏
ذموه بالحق و بالباطل‏

 و منها قوله و لا تحدث الناس بکل ما سمعت-  فکفى بذلک کذبا-  قد نهى أن یحدث الإنسان بکل ما رأى من العجائب-  فضلا عما سمع-  لأن الحدیث الغریب المعجب تسارع النفس إلى تکذیبه-  و إلى أن تقوم الدلاله على صدقه-  قد فرط من سوء الظن فیه ما فرط- . و یقال إن بعض العلویه- 

قال فی حضره عضد الدوله ببغداد-  عندنا فی الکوفه نبق وزن کل نبقه مثقالان-  فاستطرف الملک ذلک و کاد یکذبه الحاضرون-  فلما قام ذکر ذلک لأبیه-  فأرسل حماما کان عنده فی الحال إلى الکوفه-  یأمر وکلاءه بإرسال مائه حمامه-  فی رجلی کل واحده نبقتان من ذلک النبق-  فجاء النبق فی بکره الغد و حمل إلى عضد الدوله-  فاستحسنه و صدقه حینئذ-  ثم قال له لعمری لقد صدقت-و لکن لا تحدث فیما بعد بکل ما رأیت من الغرائب-  فلیس کل وقت یتهیأ لک إرسال الحمام- . و کان یقال الناس یکتبون أحسن ما یسمعون-  و یحفظون أحسن ما یکتبون-  و یتحدثون بأحسن ما یحفظون-  و الأصدق نوع تحت جنس الأحسن و منها قوله و لا ترد على الناس کل ما حدثوک-  فکفى بذلک جهلا-  من الجهل المبادره بإنکار ما یسمعه- 

و قال ابن سینا فی آخر الإشارات-  إیاک أن یکون تکیسک و تبرؤک من العامه-  هو أن تنبری منکرا لکل شی‏ء-  فلذلک عجز و طیش-  و لیس الخرق فی تکذیبک ما لم یستبن لک بعد جلیته-  دون الخرق فی تصدیقک بما لم تقم بین یدیک بینه-  بل علیک الاعتصام بحبل التوقف-  و إن أزعجک استنکار ما یوعیه سمعک-  مما لم یبرهن على استحالته لک-  فالصواب أن تسرح أمثال ذلک إلى بقعه الإمکان-  ما لم یذدک عنها قائم البرهان- . و منها قوله و اکظم الغیظ-  قد مدح الله تعالى ذلک فقال-  وَ الْکاظِمِینَ الْغَیْظَ- 

و روی أن عبدا لموسى بن جعفر ع قدم إلیه صحفه-  فیها طعام حار-  فعجل فصبها على رأسه و وجهه فغضب-  فقال له وَ الْکاظِمِینَ الْغَیْظَ قال قد کظمت-  قال وَ الْعافِینَ عَنِ النَّاسِ قال قد عفوت-  قال وَ اللَّهُ یُحِبُّ الْمُحْسِنِینَ-  قال أنت حر لوجه الله-  و قد نحلتک ضیعتی الفلانیه- . و منها قوله و احلم عند الغضب-  هذه مناسبه الأولى-  و قد تقدم منا قول کثیر فی الحلم و فضله-  و کذلک القول فی قوله ع-  و تجاوز عند القدره-  و کان یقال القدره تذهب الحفیظه- .

 

و منها قوله و اصفح مع الدوله تکن لک العاقبه-  هذه کانت شیمه رسول الله ص-  و شیمه علی ع-  أما شیمه رسول الله ص فظفر بمشرکی مکه و عفا عنهم-  کما سبق القول فیه فی عام الفتح-  و أما علی ع فظفر بأصحاب الجمل-  و قد شقوا عصا الإسلام علیه-  و طعنوا فیه و فی خلافته فعفا عنهم-  مع علمه بأنهم یفسدون علیه أمره فیما بعد-  و یصیرون إلى معاویه-  إما بأنفسهم أو بآرائهم و مکتوباتهم-  و هذا أعظم من الصفح عن أهل مکه-  لأن أهل مکه لم یبق لهم لما فتحت فئه یتحیزون إلیها-  و یفسدون الدین عندها- . و منها قوله و استصلح کل نعمه أنعمها الله علیک-  معنى استصلحها استدمها-  لأنه إذا استدامها فقد أصلحها-  فإن بقاءها صلاح لها و استدامتها بالشکر- . و منها قوله و لا تضیعن نعمه من نعم الله عندک-  أی واس الناس منها و أحسن إلیهم-  و اجعل بعضها لنفسک و بعضها للصدقه و الإیثار-  فإنک إن لم تفعل ذلک تکن قد أضعتها- .

و منها قوله و لیر علیک أثر النعمه-  قد أمر بأن یظهر الإنسان على نفسه-  آثار نعمه الله علیه-  و قال سبحانه وَ أَمَّا بِنِعْمَهِ رَبِّکَ فَحَدِّثْ-  و قال الرشید لجعفر قم بنا لنمضی إلى منزل الأصمعی-  فمضیا إلیه خفیه-  و معهما خادم معه ألف دینار لیدفع ذلک إلیه-  فدخلا داره فوجدا کساء جرداء و باریه سملاء-  و حصیرا مقطوعا و خباء قدیمه-  و أباریق من خزف و دواه من زجاج-  و دفاتر علیها التراب و حیطانا مملوءه من نسج العناکب-  فوجم الرشید-  و سأله مسائل غشه لم تکن من غرضه-  و إنما قطع بها خجله-  و قال الرشید لجعفر أ لا ترى إلى نفس هذا المهین-  قد بررناه بأکثر  من خمسین ألف دینار و هذه حاله-  لم تظهر علیه آثار نعمتنا-  و الله لا دفعت إلیه شیئا-  و خرج و لم یعطه- .

و منها قوله و اعلم أن أفضل المؤمنین-  أفضلهم تقدمه من نفسه و أهله و ماله-  أی أفضلهم إنفاقا فی البر و الخیر من ماله-  و هی التقدمه-  قال الله تعالى وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِکُمْ مِنْ خَیْرٍ تَجِدُوهُ-  فأما النفس و الأهل فإن تقدمتهما فی الجهاد-  و قد تکون التقدمه فی النفس بأن یشفع شفاعه حسنه-  أو یحضر عند السلطان بکلام طیب و ثناء حسن-  و أن یصلح بین المتخاصمین و نحو ذلک-  و التقدمه فی الأهل أن یحج بولده و زوجته-  و یکلفهما المشاق فی طاعه الله-  و أن یؤدب ولده إن أذنب-  و أن یقیم علیه الحد و نحو ذلک- . و منها قوله و ما تقدم من خیر یبق لک زخره-  و ما تؤخره یکن لغیرک خیره-  و قد سبق مثل هذا-  و أن ما یترکه الإنسان بعده فقد حرم نفعه-  و کأنما کان یکدح لغیره-  و ذلک من الشقاوه و قله التوفیق- .

و منها قوله و احذر صحابه من یفیل رأیه-  الصحابه بفتح الصاد مصدر صحبت-  و الصحابه بالفتح أیضا جمع صاحب-  و المراد هاهنا الأول-  و فال رأیه فسد و هذا المعنى قد تکرر-  و قال طرفه

عن المرء لا تسأل و سل عن قرینه
فإن القرین بالمقارن یقتدی‏

 و منها قوله و اسکن الأمصار العظام-  قد قیل لا تسکن إلا فی مصر فیه سوق قائمه-  و نهر جار و طبیب حاذق و سلطان عادل-  فأما منازل الغفله و الجفاء-  فمثل قرى السواد الصغار-  فإن أهلها لا نور فیهم و لا ضوء علیهم-  و إنما هم کالدواب‏ و الأنعام-  همهم الحرث و الفلاحه-  و لا یفقهون شیئا أصلا-  فمجاورتهم تعمی القلب و تظلم الحس-  و إذا لم یجد الإنسان من یعینه على طاعه الله-  و على تعلم العلم قصر فیهما- . و منها قوله و اقصر رأیک على ما یعنیک-  کان یقال من دخل فیما لا یعنیه فاته ما یعنیه- . و منها نهیه إیاه عن القعود فی الأسواق-  قد جاء فی المثل السوق محل الفسوق- .

و جاء فی الخبر المرفوع الأسواق مواطن إبلیس و جنده-  و ذلک لأنها قلما تخلو عن الأیمان الکاذبه-  و البیوع الفاسده-  و هی أیضا مجمع النساء المومسات و فجار الرجال-  و فیها اجتماع أرباب الأهواء و البدع-  فلا یخلو أن یتجادل اثنان منهم-  فی المذاهب و النحل فیفضی إلى الفتن- .

و منها قوله و انظر إلى من فضلت علیه-  کان یقال انظر إلى من دونک-  و لا تنظر إلى من فوقک-  و قد بین ع السر فیه فقال-  إن ذلک من أبواب الشکر-  و صدق ع لأنک إذا رأیت جاهلا و أنت عالم-  أو عالما و أنت أعلم منه-  أو فقیرا و أنت أغنى منه-  أو مبتلى بسقم و أنت معافى عنه-  کان ذلک باعثا و داعیا لک إلى الشکر- . و منها نهیه عن السفر یوم الجمعه-  ینبغی أن یکون هذا النهی-  عن السفر یوم الجمعه قبل الصلاه-  و أما بعد الصلاه فلا بأس به-  و استثنى فقال إلا فاصلا فی سبیل الله-  أی شاخصا إلى الجهاد- . قال أو فی أمر تعذر به-  أی لضروره دعتک إلى ذلک- .

 

و قد ورد نهی کثیر عن السفر یوم الجمعه-  قبل أداء الفرض-  على أن من الناس من کره ذلک بعد الصلاه أیضا-  و هو قول شاذ- . و منها قوله و أطع الله فی جمل أمورک-  أی فی جملتها و فیها کلها-  و لیس یعنی فی جملتها دون تفاصیلها-  قال فإن طاعه الله فاضله على غیرها-  و صدق ع لأنها توجب السعاده الدائمه-  و الخلاص من الشقاء الدائم-  و لا أفضل مما یؤدی إلى ذلک- . و منها قوله و خادع نفسک فی العباده-  أمره أن یتلطف بنفسه فی النوافل-  و أن یخادعها و لا یقهرها فتمل و تضجر و تترک-  بل یأخذ عفوها و یتوخى أوقات النشاط-  و انشراح الصدر للعباده- .

قال فأما الفرائض فحکمها غیر هذا الحکم-  علیک أن تقوم بها کرهتها النفس أو لم تکرهها-  ثم أمره أن یقوم بالفریضه فی وقتها-  و لا یؤخرها عنه فتصیر قضاء- . و منها قوله و إیاک أن ینزل بک المنون-  و أنت آبق من ربک فی طلب الدنیا-  هذه وصیه شریفه جدا-  جعل طالب الدنیا المعرض عن الله عند موته-  کالعبد الآبق یقدم به على مولاه أسیرا مکتوفا ناکس الرأس-  فما ظنک به حینئذ- . و منها قوله و إیاک و مصاحبه الفساق-  فإن الشر بالشر ملحق-  یقول إن الطباع ینزع بعضها إلى بعض-  فلا تصحبن الفساق-  فإنه ینزع بک ما فیک من طبع الشر-  إلى مساعدتهم على الفسوق و المعصیه-  و ما هو إلا کالنار تقوى بالنار-  فإذا لم تجاورها و تمازجها نار-  کانت إلى الانطفاء و الخمود أقرب- .

 

و روی ملحق بکسر الحاء-  و قد جاء ذلک فی الخبر النبوی فإن عذابک بالکفار ملحقبالکسر- . و منها قوله و أحب أحباءه-  قد جاء فی الخبر لا یکمل إیمان امرئ حتى یحب من أحب الله-  و یبغض من أبغض الله-  و منها قوله و احذر الغضب-  قد تقدم لنا کلام طویل فی الغضب-  وقال إنسان للنبی ص أوصنی-  قال لا تغضب-  فقال زدنی فقال لا تغضب-  قال زدنی قال لا أجد لک مزیدا-  و إنما جعله ع جندا عظیما من جنود إبلیس-  لأنه أصل الظلم و القتل و إفساد کل أمر صالح-  و هو إحدى القوتین المشئومتین-  اللتین لم یخلق أضر منهما على الإنسان-  و هما منبع الشر الغضب و الشهوه

 شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

بازدیدها: ۳۹

نامه ۶۸ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)(کتبه إلى سلمان الفارسی رحمه الله)

۶۸ و من کتاب له ع کتبه إلى سلمان الفارسی رحمه الله-  قبل أیام خلافته

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا مَثَلُ الدُّنْیَا مَثَلُ الْحَیَّهِ-  لَیِّنٌ مَسُّهَا قَاتِلٌ سَمُّهَا-  فَأَعْرِضْ عَمَّا یُعْجِبُکَ فِیهَا-  لِقِلَّهِ مَا یَصْحَبُکَ مِنْهَا-  وَ ضَعْ عَنْکَ هُمُومَهَا-  لِمَا أَیْقَنْتَ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا-  وَ تَصَرُّفِ حَالَاتِهَا-  وَ کُنْ آنَسَ مَا تَکُونُ بِهَا أَحْذَرَ مَا تَکُونُ مِنْهَا-  فَإِنَّ صَاحِبَهَا کُلَّمَا اطْمَأَنَّ فِیهَا إِلَى سُرُورٍ-  أَشْخَصَتْهُ إِلَى مَحْذُورٍ-  أَوْ إِلَى إِینَاسٍ أَزَالَتْهُ عَنْهُ إِلَى إِیحَاشٍ وَ السَّلَامُ

سلمان الفارسی و خبر إسلامه

سلمان رجل من فارس من رامهرمز-  و قیل بل من أصبهان-  من قریه یقال لها جی-  و هو معدود من موالی رسول الله ص-  و کنیته أبو عبد الله-  و کان إذا قیل ابن من أنت-  یقول أنا سلمان ابن الإسلام أنا من بنی آدم- . و قد روی أنه قد تداوله أرباب کثیره-  بضعه عشر ربا-  من واحد إلى آخر حتى أفضى إلى رسول الله ص- .

و روى أبو عمر بن عبد البر فی کتاب الإستیعاب-  أن سلمان أتى رسول الله‏ ص بصدقه-  فقال هذه صدقه علیک و على أصحابک-  فلم یقبلها و قال إنه لا تحل لنا الصدقه-  فرفعها ثم جاء من الغد بمثلها-  و قال هدیه هذه فقال لأصحابه کلوا- . و اشتراه من أربابه و هم قوم یهود بدراهم-  و على أن یغرس لهم من النخیل کذا و کذا-  و یعمل فیها حتى تدرک-  فغرس رسول الله ص ذلک النخل کله بیده-  إلا نخله واحده غرسها عمر بن الخطاب-  فأطعم النخل کله إلا تلک النخله-  فقال رسول الله ص من غرسها قیل عمر-  فقلعها و غرسها رسول الله ص بیده فأطعمت- .

قال أبو عمر و کان سلمان یسف الخوص-  و هو أمیر على المدائن و یبیعه و یأکل منه-  و یقول لا أحب أن آکل إلا من عمل یدی-  و کان قد تعلم سف الخوص من المدینه- . و أول مشاهده الخندق و هو الذی أشار بحفره-  فقال أبو سفیان و أصحابه لما رأوه-  هذه مکیده ما کانت العرب تکیدها- . قال أبو عمر و قد روی أن سلمان شهد بدرا و أحدا-  و هو عبد یومئذ و الأکثر أن أول مشاهده الخندق-  و لم یفته بعد ذلک مشهد- . قال و کان سلمان خیرا فاضلا حبرا-  عالما زاهدا متقشفا- .

قال و ذکر هشام بن حسان عن الحسن البصری-  قال کان عطاء سلمان خمسه آلاف-  و کان إذا خرج عطاؤه تصدق به-  و یأکل من عمل یده-  و کانت له عباءه یفرش بعضها و یلبس بعضها- .قال و قد ذکر ابن وهب و ابن نافع-  أن سلمان لم یکن له بیت-  إنما کان یستظل بالجدر و الشجر-  و أن رجلا قال له أ لا أبنی لک بیتا تسکن فیه-  قال لا حاجه لی فی ذلک-  فما زال به الرجل حتى قال له-  أنا أعرف البیت الذی یوافقک قال فصفه لی-  قال أبنی لک بیتا إذا أنت قمت فیه-  أصاب رأسک سقفه-  و إن أنت مددت فیه رجلیک أصابهما الجدار-  قال نعم فبنى له- .

 قال أبو عمر و قد روی عن رسول الله ص من وجوه أنه قال لو کان الدین فی الثریا لناله سلمانو فی روایه أخرى لناله رجل من فارسقال و قد روینا عن عائشه قالت کان لسلمان مجلس من رسول الله ص-  ینفرد به باللیل حتى کاد یغلبنا على رسول الله ص قال و قد روی من حدیث ابن بریده عن أبیه أن رسول الله ص قال أمرنی ربی بحب أربعه و أخبرنی أنه یحبهم-  علی و أبو ذر و المقداد و سلمان قال و روى قتاده عن أبی هریره قال سلمان صاحب الکتابین-  یعنی الإنجیل و القرآن- .

و قد روى الأعمش عن عمرو بن مره عن أبی البختری عن علی ع أنه سئل عن سلمان فقال-  علم العلم الأول و العلم الآخر-  ذاک بحر لا ینزف و هو منا أهل البیت قال و فی روایه زاذان عن علی ع سلمان الفارسی کلقمان الحکیم قال و قال فیه کعب الأحبار سلمان حشی علما و حکمه- .

 

قال و فی الحدیث المروی-  أن أبا سفیان مر على سلمان و صهیب و بلال-  فی نفر من المسلمین-  فقالوا ما أخذت السیوف من عنق عدو الله مأخذها-  و أبو سفیان یسمع قولهم-  فقال لهم أبو بکر أ تقولون هذا لشیخ قریش و سیدها-  و أتى النبی ص و أخبره فقال-  یا أبا بکر لعلک أغضبتهم-  لئن کنت أغضبتهم لقد أغضبت الله فأتاهم أبو بکر-  فقال أبو بکر یا إخوتاه لعلی أغضبتکم-  قالوا لا یا أبا بکر یغفر الله لک- . قال و آخى رسول الله ص بینه و بین أبی الدرداء-  لما آخى بین المسلمین- .

قال و لسلمان فضائل جمه و أخبار حسان-  و توفی فی آخر خلافه عثمان سنه خمس و ثلاثین-  و قیل توفی فی أول سنه ست و ثلاثین-  و قال قوم توفی فی خلافه عمر و الأول أکثر- . و أما حدیث إسلام سلمان-  فقد ذکره کثیر من المحدثین و رووه عنه-  قال کنت ابن دهقان قریه جی من أصبهان-  و بلغ من حب أبی لی أن حبسنی فی البیت-  کما تحبس الجاریه-  فاجتهدت فی المجوسیه حتى صرت قطن بیت النار-  فأرسلنی أبی یوما إلى ضیعه له-  فمررت بکنیسه النصارى فدخلت علیهم-  فأعجبتنی صلاتهم-  فقلت دین هؤلاء خیر من دینی-  فسألتهم أین أصل هذا الدین-  قالوا بالشام فهربت من والدی حتى قدمت الشام-  فدخلت على الأسقف فجعلت أخدمه و أتعلم منه-  حتى حضرته الوفاه-  فقلت إلى من توصی بی فقال-  قد هلک الناس و ترکوا دینهم إلا رجلا بالموصل فالحق به-  فلما قضى نحبه لحقت بذلک الرجل-فلم یلبث إلا قلیلا حتى حضرته الوفاه-  فقلت إلى من توصی بی فقال-  ما أعلم رجلا بقی على الطریقه المستقیمه إلا رجلا بنصیبین-  فلحقت بصاحب نصیبین-  قالوا و تلک الصومعه الیوم باقیه-  و هی التی تعبد فیها سلمان قبل الإسلام- 

قال ثم احتضر صاحب نصیبین-  فبعثنی إلى رجل بعموریه من أرض الروم-  فأتیته و أقمت عنده و اکتسبت بقیرات و غنیمات-  فلما نزل به الموت قلت له بمن توصی بی-  فقال قد ترک الناس دینهم و ما بقی أحد منهم على الحق-  و قد أظل زمان نبی مبعوث بدین إبراهیم-  یخرج بأرض العرب مهاجرا إلى أرض بین حرتین-  لها نخل قلت فما علامته-  قال یأکل الهدیه-  و لا یأکل الصدقه-  بین کتفیه خاتم النبوه قال و مر بی رکب من کلب فخرجت معهم-  فلما بلغوا بی وادی القرى ظلمونی و باعونی من یهودی-  فکنت أعمل له فی زرعه و نخله-  فبینا أنا عنده إذ قدم ابن عم له-  فابتاعنی منه و حملنی إلى المدینه-  فو الله ما هو إلا أن رأیتها فعرفتها-  و بعث الله محمدا بمکه-  و لا أعلم بشی‏ء من أمره-  فبینا أنا فی رأس نخله إذ أقبل ابن عم لسیدی- 

فقال قاتل الله بنی قیله-  قد اجتمعوا على رجل بقباء قدم علیهم من مکه-  یزعمون أنه نبی قال فأخذنی القر و الانتفاض-  و نزلت عن النخله و جعلت أستقصی فی السؤال-  فما کلمنی سیدی بکلمه-  بل قال أقبل على شأنک و دع ما لا یعنیک-  فلما أمسیت أخذت شیئا کان عندی من التمر-  و أتیت به النبی ص فقلت له بلغنی أنک رجل صالح-  و أن لک أصحابا غرباء ذوی حاجه-  و هذا شی‏ء عندی للصدقه-  فرأیتکم أحق به من غیرکم-  فقال ع لأصحابه کلوا و أمسک فلم یأکل-  فقلت فی نفسی هذه واحده و انصرفت-  فلما کان من الغد أخذت ما کان بقی عندی و أتیته به-  فقلت له إنی رأیتک لا تأکل الصدقه-  و هذه هدیه فقال کلوا و أکل معهم-  فقلت إنه لهو فأکببت علیه أقبله و أبکی-  فقال ما لک فقصصت علیه القصه فأعجبه-  ثم قال یا سلمان کاتب صاحبک-  فکاتبته على ثلاثمائه نخله و أربعین أوقیه-  فقال رسول الله ص للأنصار أعینوا أخاکم-  فأعانونی بالنخل حتى جمعت ثلاثمائه ودیه-  فوضعها رسول الله ص بیده فصحت کلها-  و أتاه مال من بعض المغازی فأعطانی منه-  و قال أد کتابتک فأدیت و عتقت- .

و کان سلمان من شیعه علی ع و خاصته-  و تزعم الإمامیه أنه أحد الأربعه الذین حلقوا رءوسهم-  و أتوه متقلدی سیوفهم فی خبر یطول-  و لیس هذا موضع ذکره-  و أصحابنا لا یخالفونهم فی أن سلمان کان من الشیعه-  و إنما یخالفونهم فی أمر أزید من ذلک-  و ما یذکره المحدثون من قوله للمسلمین یوم السقیفه-  کردید و نکردید-  محمول عند أصحابنا على أن المراد صنعتم شیئا و ما صنعتم-  أی استخلفتم خلیفه و نعم ما فعلتم-  إلا أنکم عدلتم عن أهل البیت-  فلو کان الخلیفه منهم کان أولى-  و الإمامیه تقول معناه أسلمتم و ما أسلمتم-  و اللفظه المذکوره فی الفارسیه لا تعطی هذا المعنى-  و إنما تدل على الفعل و العمل لا غیر-  و یدل على صحه قول أصحابنا أن سلمان عمل لعمر على المدائن-  فلو کان ما تنسبه الإمامیه إلیه حقا لم یعمل له.

فأما ألفاظ الفصل و معانیه فظاهره-  و مما یناسب مضمونه قول بعض الحکماء-  تعز عن الشی‏ء إذا منعته بقله صحبته لک إذا أعطیته- . و کان یقال الهالک على الدنیا رجلان-  رجل نافس فی عزها و رجل أنف من ذلها- .

 

و مر بعض الزهاد بباب دار و أهلها یبکون میتا لهم-  فقال وا عجبا لقوم مسافرین-  یبکون مسافرا قد بلغ منزله- . و کان یقال یا ابن آدم-  لا تأسف على مفقود لا یرده علیک الفوت-  و لا تفرح بموجود لا یترکه علیک الموت- . لقی عالم من العلماء راهبا فقال أیها الراهب-  کیف ترى الدنیا قال تخلق الأبدان-  و تجدد الآمال و تباعد الأمنیه و تقرب المنیه-  قال فما حال أهلها-  قال من ظفر بها نصب و من فاتته أسف-  قال فکیف الغنى عنها-  قال بقطع الرجاء منها-  قال فأی الأصحاب أبر و أوفى-  قال العمل الصالح-  قال فأیهم أضر و أنکى-  قال النفس و الهوى-  قال فکیف المخرج قال فی سلوک المنهج-  قال و بما ذا أسلکه-  قال بأن تخلع لباس الشهوات الفانیه-  و تعمل للدار الباقیه

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

بازدیدها: ۱۵

نامه ۶۷ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۶۷ و من کتاب له ع کتبه إلى قثم بن العباس-  و هو عامله على مکه

أَمَّا بَعْدُ فَأَقِمْ لِلنَّاسِ الْحَجَّ-  وَ ذَکِّرْهُمْ بِأَیَّامِ اللَّهِ-  وَ اجْلِسْ لَهُمُ الْعَصْرَیْنِ-  فَأَفْتِ الْمُسْتَفْتِیَ-  وَ عَلِّمِ الْجَاهِلَ وَ ذَاکِرِ الْعَالِمَ-  وَ لَا یَکُنْ لَکَ إِلَى النَّاسِ سَفِیرٌ إِلَّا لِسَانُکَ-  وَ لَا حَاجِبٌ إِلَّا وَجْهُکَ-  وَ لَا تَحْجُبَنَّ ذَا حَاجَهٍ عَنْ لِقَائِکَ بِهَا-  فَإِنَّهَا إِنْ ذِیدَتْ عَنْ أَبْوَابِکَ فِی أَوَّلِ وِرْدِهَا-  لَمْ تُحْمَدْ فِیمَا بَعْدُ عَلَى قَضَائِهَا-  وَ انْظُرْ إِلَى مَا اجْتَمَعَ عِنْدَکَ مِنْ مَالِ اللَّهِ-  فَاصْرِفْهُ إِلَى مَنْ قِبَلَکَ مِنْ ذَوِی الْعِیَالِ وَ الْمَجَاعَهِ-  مُصِیباً بِهِ مَوَاضِعَ الْمَفَاقِرِ وَ الْخَلَّاتِ-  وَ مَا فَضَلَ عَنْ ذَلِکَ فَاحْمِلْهُ إِلَیْنَا لِنَقْسِمَهُ فِیمَنْ قِبَلَنَا-  وَ مُرْ أَهْلَ مَکَّهَ أَلَّا یَأْخُذُوا مِنْ سَاکِنٍ أَجْراً-  فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ یَقُولُ-  سَواءً الْعاکِفُ فِیهِ وَ الْبادِ-  فَالْعَاکِفُ الْمُقِیمُ بِهِ-  وَ الْبَادِی الَّذِی یَحُجُّ إِلَیْهِ مِنْ غَیْرِ أَهْلِهِ-  وَفَّقَنَا اللَّهُ وَ إِیَّاکُمْ لِمَحَابِّهِ وَ السَّلَامُ‏

 

قد تقدم ذکر قثم و نسبه-  أمره أن یقیم للناس حجهم-  و أن یذکرهم بأیام الله و هی أیام الإنعام-  و أیام الانتقام لتحصل الرغبه و الرهبه- . و اجلس لهم العصرین الغداه و العشی- . ثم قسم له ثمره جلوسه لهم ثلاثه أقسام-  إما أن یفتی مستفتیا من العامه فی بعض الأحکام-  و إما أن یعلم متعلما یطلب الفقه-  و إما أن یذاکر عالما و یباحثه و یفاوضه-  و لم یذکر السیاسه و الأمور السلطانیه-  لأن غرضه متعلق بالحجیج و هم أضیافه-  یقیمون لیالی یسیره و یقفلون- 

و إنما یذکر السیاسه و ما یتعلق بها فیما یرجع إلى أهل مکه-  و من یدخل تحت ولایته دائما-  ثم نهاه عن توسط السفراء و الحجاب بینه و بینهم-  بل ینبغی أن یکون سفیره لسانه و حاجبه وجهه-  و روی و لا یکن إلا لسانک سفیرا لک إلى الناس-  بجعل لسانک اسم کان مثل قوله-  فَما کانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا-  و الروایه الأولى هی المشهوره-  و هو أن یکون سفیرا اسم کان-  و لک خبرها-  و لا یصح ما قاله الراوندی إن خبرها إلى الناس-  لأن إلى هاهنا متعلقه بنفس سفیر-  فلا یجوز أن تکون-  الخبر عن سفیر تقول سفرت إلى بنی فلان فی الصلح-  و إذا تعلق حرف الجر بالکلمه صار کالشی‏ء الواحد- . ثم قال فإنها إن ذیدت أی طردت و دفعت- . کان أبو عباد ثابت بن یحیى کاتب المأمون إذا سئل الحاجه-  یشتم السائل و یسطو علیه و یخجله و یبکته ساعه-  ثم یأمر له بها فیقوم و قد صارت إلیه-  و هو یذمه و یلعنه قال علی بن جبله العکوک-

 

  لعن الله أبا عباد
لعنا یتوالى‏

یوسع السائل شتما
ثم یعطیه السؤالا

و کان الناس یقفون لأبی عباد وقت رکوبه-  فیتقدم الواحد منهم إلیه بقصته لیناوله إیاها-  فیرکله برجله بالرکاب و یضربه بسوطه-  و یطیر غضبا ثم لا ینزل عن فرسه حتى یقضی حاجته-  و یأمر له بطلبته فینصرف الرجل بها-  و هو ذام له ساخط علیه فقال فیه دعبل- 

أولى الأمور بضیعه و فساد
ملک یدبره أبو عباد

متعمد بدواته جلساءه‏
فمضرج و مخضب بمداد

و کأنه من دیر هزقل مفلت
حرب یجر سلاسل الأقیاد

فاشدد أمیر المؤمنین صفاده‏
بأشد منه فی ید الحداد

و قال فیه بعض الشعراء-

قل للخلیفه یا ابن عم محمد
قید وزیرک إنه رکال‏

فلسوطه بین الرءوس مسالک‏
و لرجله بین الصدور مجال‏

و المفاقر الحاجات یقال سد الله مفاقره-  أی أغنى الله فقره-  ثم أمره أن یأمر أهل مکه-  ألا یأخذوا من أحد من الحجیج أجره مسکن-  و احتج على ذلک بالآیه-  و أصحاب أبی حنیفه یتمسکون بها-  فی امتناع بیع دور مکه و إجارتها-  و هذا بناء على أن‏المسجد الحرام هو مکه کلها-  و الشافعی یرى خلاف ذلک و یقول إنه الکعبه-  و لا یمنع من بیع دور مکه و لا إجارتها-  و یحتج بقوله تعالى الَّذِینَ أُخْرِجُوا مِنْ دِیارِهِمْ-  و أصحاب أبی حنیفه یقولون-  إنها إضافه اختصاص لا إضافه تملیک-  کما تقول جل الدابه-  و قرأ سواء بالنصب على أن یکون أحد مفعولی جعلنا-  أی جعلناه مستویا فیه العاکف و الباد-  و من قرأ بالرفع جعل الجمله هی المفعول الثانی

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

 

بازدیدها: ۳۴

نامه ۶۶ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۶۶ و من کتاب له ع کتبه إلى عبد الله بن العباس

و قد تقدم ذکره بخلاف هذه الروایه: أَمَّا بَعْدُ-  فَإِنَّ الْعَبْدَ لَیَفْرَحُ بِالشَّیْ‏ءِ الَّذِی لَمْ یَکُنْ لِیَفُوتَهُ-  وَ یَحْزَنُ عَلَى الشَّیْ‏ءِ الَّذِی لَمْ یَکُنْ لِیُصِیبَهُ-  فَلَا یَکُنْ أَفْضَلَ مَا نِلْتَ فِی نَفْسِکَ-  مِنْ دُنْیَاکَ بُلُوغُ لَذَّهٍ-  أَوْ شِفَاءُ غَیْظٍ-  وَ لَکِنْ إِطْفَاءُ بَاطِلٍ وَ إِحْیَاءُ حَقٍّ-  وَ لْیَکُنْ سُرُورُکَ بِمَا قَدَّمْتَ-  وَ أَسَفُکَ عَلَى مَا خَلَّفْتَ-  وَ هَمُّکَ فِیمَا بَعْدَ الْمَوْتِ هذا الفصل قد تقدم شرح نظیره-  و لیس فی ألفاظه و لا معانیه ما یفتقر إلى تفسیر-  و لکنا سنذکر من کلام الحکماء و الصالحین-  کلمات تناسبه

نبذ من کلام الحکماء

فمن کلام بعضهم ما قدر لک أتاک-  و ما لم یقدر لک تعداک-  فعلام تفرح بما لم یکن بد من وصوله إلیک-  و علام تحزن بما لم یکن لیقدم علیک- . و من کلامهم الدنیا تقبل إقبال الطالب-  و تدبر إدبار الهارب-  و تصل وصال المتهالک-  و تفارق فراق المبغض الفارک-  فخیرها یسیر و عیشها قصیر-  و إقبالها خدعه و إدبارهافجعه-  و لذاتها فانیه و تبعاتها باقیه-  فاغتنم غفله الزمان و انتهز فرصه الإمکان-  و خذ من نفسک لنفسک-  و تزود من یومک لغدک قبل نفاذ المده-  و زوال القدره-  فلکل امرئ من دنیاه ما ینفعه على عماره أخراه- .

و من کلامهم من نکد الدنیا أنها لا تبقى على حاله-  و لا تخلو من استحاله-  تصلح جانبا بإفساد جانب و تسر صاحبا بمساءه صاحب-  فالسکون فیها خطر و الثقه إلیها غرر-  و الالتجاء إلیها محال و الاعتماد علیها ضلال- . و من کلامهم-  لا تبتهجن لنفسک بما أدرکت من لذاتها الجسمانیه-  و ابتهج لها بما تناله من لذاتها العقلیه-  و من القول بالحق و العمل بالحق-  فإن اللذات الحسیه خیال ینفد-  و المعارف العقلیه باقیه بقاء الأبد

 شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

بازدیدها: ۶

نامه ۶۵ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۶۵ و من کتاب له ع إلیه أیضا

أَمَّا بَعْدُ-  فَقَدْ آنَ لَکَ أَنْ تَنْتَفِعَ بِاللَّمْحِ الْبَاصِرِ مِنْ عِیَانِ الْأُمُورِ-  فَلَقَدْ سَلَکْتَ مَدَارِجَ أَسْلَافِکَ بِادِّعَائِکَ الْأَبَاطِیلَ-  وَ اقْتِحَامِکَ غُرُورَ الْمَیْنِ وَ الْأَکَاذِیبِ مِنِ انْتِحَالِکَ مَا قَدْ عَلَا عَنْکَ-  وَ ابْتِزَازِکَ لِمَا قَدِ اخْتُزِنَ دُونَکَ-  فِرَاراً مِنَ الْحَقِّ-  وَ جُحُوداً لِمَا هُوَ أَلْزَمُ لَکَ مِنْ لَحْمِکَ وَ دَمِکَ-  مِمَّا قَدْ وَعَاهُ سَمْعُکَ-  وَ مُلِئَ بِهِ صَدْرُکَ-  فَمَا ذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ-  وَ بَعْدَ الْبَیَانِ إِلَّا اللَّبْسُ-  فَاحْذَرِ الشُّبْهَهَ وَ اشْتِمَالَهَا عَلَى لُبْسَتِهَا-  فَإِنَّ الْفِتْنَهَ طَالَمَا أَغْدَفَتْ جَلَابِیبَهَا-  وَ أَعْشَتِ الْأَبْصَارَ ظُلْمَتُهَا-  وَ قَدْ أَتَانِی کِتَابٌ مِنْکَ ذُو أَفَانِینَ مِنَ الْقَوْلِ-  ضَعُفَتْ قُوَاهَا عَنِ السِّلْمِ-  وَ أَسَاطِیرَ لَمْ یَحُکْهَا عَنْکَ عِلْمٌ وَ لَا حِلْمٌ-  أَصْبَحْتَ مِنْهَا کَالْخَائِضِ فِی الدَّهَاسِ-  وَ الْخَابِطِ فِی الدِّیمَاسِ-  وَ تَرَقَّیْتَ إِلَى مَرْقَبَهٍ بَعِیدَهِ الْمَرَامِ-  نَازِحَهِ الْأَعْلَامِ-  تَقْصُرُ دُونَهَا الْأَنُوقُ-  وَ یُحَاذَى بِهَا الْعَیُّوقُ-  وَ حَاشَ لِلَّهِ أَنْ تَلِیَ لِلْمُسْلِمِینَ مِنْ بَعْدِی صَدْراً أَوْ وِرْداً-  أَوْ أُجْرِیَ لَکَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ عَقْداً أَوْ عَهْداً-  فَمِنَ الآْنَ فَتَدَارَکْ نَفْسَکَ وَ انْظُرْ لَهَا-  فَإِنَّکَ إِنْ فَرَّطْتَ حَتَّى یَنْهَدَ إِلَیْکَ عِبَادُ اللَّهِ-  أُرْتِجَتْ عَلَیْکَ الْأُمُورُ-  وَ مُنِعْتَ أَمْراً هُوَ مِنْکَ الْیَوْمَ مَقْبُولٌ وَ السَّلَامُ‏

 

آن لک و أنى لک بمعنى أی قرب و حان-  تقول آن لک أن تفعل کذا یئین أینا و قال- 

  أ لم یأن أن لی تجل عنی عمایتی
و أقصر عن لیلى بلى قد أنى لیا

فجمع بین اللغتین-  و أنى مقلوبه عن آن-  و مما یجری مجرى المثل قولهم لمن یرونه شیئا-  شدیدا یبصره و لا یشک فیه-  قد رأیته لمحا باصرا-  قالوا أی نظرا بتحدیق شدید-  و مخرجه مخرج رجل لابن و تامر-  أی ذو لبن و تمر-  فمعنى باصر ذو بصر-  یقول ع لمعاویه-  قد حان لک أن تنتفع بما تعلمه من معاینه الأمور و الأحوال-  و تتحققه یقینا بقلبک-  کما یتحقق ذو اللمح الباصر ما یبصره بحاسه بصره-  و أراد ببیان الأمور هاهنا معاینتها-  و هو ما یعرفه ضروره من استحقاق علی ع للخلافه دونه-  و براءته من کل شبهه ینسبها إلیه- . ثم قال له فقد سلکت-  أی اتبعت طرائق أبی سفیان أبیک-  و عتبه جدک و أمثالهما من أهلک-  ذوی الکفر و الشقاق- . و الأباطیل جمع باطل على غیر قیاس-  کأنهم جمعوا إبطیلا- . و الاقتحام إلقاء النفس فی الأمر من غیر رویه- . و المین الکذب-  و الغرور بالضم المصدر و بالفتح الاسم- . و انتحلت القصیده أی ادعیتها کذبا- . قال ما قد علا عنک أی أنت دون الخلافه-  و لست من أهلها-  و الابتزاز الاستلاب- .

 

قال لما قد اختزن دونک-  یعنی التسمی بإمره المؤمنین- . ثم قال فرارا من الحق-  أی فعلت ذلک کله هربا من التمسک بالحق و الدین-  و حبا للکفر و الشقاق و التغلب- . قال و جحودا لما هو ألزم-  یعنی فرض طاعه علی ع لأنه قد وعاها سمعه-  لا ریب فی ذلک إما بالنص فی أیام رسول الله ص-  کما تذکره الشیعه فقد کان معاویه حاضرا یوم الغدیر-  لأنه حج معهم حجه الوداع-  و قد کان أیضا حاضرا یوم تبوک-  حین قال له بمحضر من الناس کافه-  أنت منی بمنزله هارون من موسى-  و قد سمع غیر ذلک-  و أما بالبیعه کما نذکره نحن فإنه قد اتصل به خبرها-  و تواتر عنده وقوعها-  فصار وقوعها عنده معلوما بالضروره-  کعلمه بأن فی الدنیا بلدا اسمها مصر-  و إن کان ما رآها- .

و الظاهر من کلام أمیر المؤمنین ع-  أنه یرید المعنى الأول-  و نحن نخرجه على وجه لا یلزم منه ما تقوله الشیعه-  فنقول لنفرض أن النبی ص ما نص علیه بالخلافه بعده-  أ لیس یعلم معاویه و غیره من الصحابه-  أنه لو قال له فی ألف مقام-  أنا حرب لمن حاربت و سلم لمن سالمت-  و نحو ذلک من قوله اللهم عاد من عاداه-  و وال من والاه-  و قوله حربک حربی و سلمک سلمی-  و قوله أنت مع الحق و الحق معک-  و قوله هذا منی و أنا منه-  و قوله هذا أخی-  و قوله یحب الله و رسوله-  و یحبه الله و رسوله-  و قوله اللهم ائتنی بأحب خلقک إلیک-  و قوله إنه ولی کل مؤمن و مؤمنه بعدی-  و قوله فی کلام قاله خاصف النعل-  و قوله لا یحبه إلا مؤمن و لا یبغضه إلا منافق-  و قوله إن الجنه لتشتاق إلى أربعه-  و جعله أولهم-  و قوله لعمار تقتلک الفئه الباغیه-  و قوله ستقاتل الناکثین و القاسطین-و المارقین بعدی-  إلى غیر ذلک مما یطول تعداده جدا-  و یحتاج إلى کتاب مفرد یوضع له-  أ فما کان ینبغی لمعاویه أن یفکر فی هذا و یتأمله-  و یخشى الله و یتقیه-  فلعله ع إلى هذا أشار بقوله-  و جحودا لما هو ألزم لک من لحمک و دمک-  مما قد وعاه سمعک و ملئ به صدرک- . قوله فما ذا بعد الحق إلا الضلال-  کلمه من الکلام الإلهی المقدس- .

قال و بعد البیان إلا اللبس-  یقال لبست علیه الأمر لبسا-  أی خلطته و المضارع یلبس بالکسر- . قال فاحذر الشبهه و اشتمالها على اللبسه بالضم-  یقال فی الأمر لبسه أی اشتباه و لیس بواضح-  و یجوز أن یکون اشتمال مصدرا مضافا إلى معاویه-  أی احذر الشبهه و احذر اشتمالک إیاها على اللبسه-  أی ادراعک بها و تقمصک بها على ما فیها-  من الإبهام و الاشتباه-  و یجوز أن یکون مصدرا مضافا إلى ضمیر الشبهه فقط-  أی احذر الشبهه و احتواءها على اللبسه التی فیها- .

و تقول أغدفت المرأه قناعها-  أی أرسلته على وجهها-  و أغدف اللیل-  أی أرخى سدوله-  و أصل الکلمه التغطیه- . و الجلابیب جمع جلباب و هو الثوب- . قال و أعشت الأبصار ظلمتها-  أی أکسبتها العشی و هو ظلمه العین-  و روی و أغشت بالغین المعجمه ظلمتها بالنصب-  أی جعلت الفتنه ظلمتها غشاء للأبصار- . و الأفانین الأسالیب المختلفه- . قوله ضعفت قواها عن السلم أی عن الإسلام-  أی لا تصدر تلک الأفانین‏المختلطه عن مسلم-  و کان کتب إلیه یطلب منه أن یفرده بالشام-  و أن یولیه العهد من بعده-  و ألا یکلفه الحضور عنده-  و قرأ أبو عمرو ادْخُلُوا فِی السِّلْمِ کَافَّهً-  و قال لیس المعنی بهذا الصلح-  بل الإسلام و الإیمان لا غیر-  و معنى ضعفت قواها أی لیس لتلک الطلبات و الدعاوی-  و الشبهات التی تضمنها کتابک من القوه-  ما یقتضی أن یکون المتمسک به مسلما-  لأنه کلام لا یقوله إلا من هو-  إما کافر منافق أو فاسق-  و الکافر لیس بمسلم-  و الفاسق أیضا لیس بمسلم على قول أصحابنا و لا کافر- . ثم قال و أساطیر لم یحکها منک علم و لا حلم-  الأساطیر الأباطیل واحدها أسطوره بالضم-  و إسطاره بالکسر و الألف-  و حوک الکلام صنعته و نظمه-  و الحلم العقل یقول له-  ما صدر هذا الکلام و الهجر الفاسد عن عالم و لا عاقل- .

و من رواها الدهاس بالکسر فهو جمع دهس-  و من قرأها بالفتح فهو مفرد-  یقول هذا دهس و دهاس بالفتح مثل لبث و لباث-  للمکان السهل الذی لا یبلغ أن یکون رملا-  و لیس هو بتراب و لا طین- . و الدیماس بالکسر السرب المظلم تحت الأرض-  و فی حدیث المسیح أنه سبط الشعر-  کثیر خیلان الوجه کأنه خرج من دیماس-  یعنی فی نضرته و کثره ماء وجهه-  کأنه خرج من کن-  لأنه قال فی وصفه کان رأسه یقطر ماء-  و کان للحجاج سجن اسمه الدیماس لظلمته-  و أصله من دمس الظلام یدمس أی اشتد-  و لیل دامس و داموس أی مظلم-  و جاءنا فلان بأمور دمس أی مظلمه عظیمه-  یقول له أنت فی کتابک هذا کالخائض فی تلک الأرض الرخوه-  و تقوم و تقع و لا تتخلص-  و کالخابط فی اللیل المظلم یعثر و ینهض-  و لا یهتدى الطریق- .

 

و المرقبه الموضع العالی و الأعلام جمع علم-  و هو ما یهتدى به فی الطرقات من المنار-  یقول له سمت همتک إلى دعوى الخلافه-  و هی منک کالمرقبه التی لا ترام بتعد على من یطلبها-  و لیس فیها أعلام تهدى إلى سلوک طریقها-  أی الطرق إلیها غامضه-  کالجبل الأملس الذی لیس فیه درج و مراق-  یسلک منها إلى ذروته- . و الأنوق على فعول بالفتح کأکول و شروب طائر-  و هو الرخمه و فی المثل أعز من بیض الأنوق-  لأنها تحرزه و لا یکاد أحد یظفر به-  و ذلک لأن أوکارها فی رءوس الجبال-  و الأماکن الصعبه البعیده- . و العیوق کوکب معروف فوق زحل فی العلو-  و هذه أمثال ضربها فی بعد معاویه عن الخلافه- .

ثم قال حاش لله-  إن أولیک شیئا من أمور المسلمین بعدی-  أی معاذ الله و الأصل إثبات الألف فی حاشا-  و إنما اتبع فیها المصحف- . و الورد و الصدر الدخول و الخروج-  و أصله فی الإبل و الماء-  و ینهد إلیک عباد الله أی ینهض-  و أرتجت علیک الأمور أغلقت- . و هذا الکتاب هو جواب کتاب وصل من معاویه إلیه ع-  بعد قتل علی ع الخوارج-  و فیه تلویح بما کان یقوله من قبل-  إن رسول الله وعدنی بقتال طائفه أخرى-  غیر أصحاب الجمل و صفین و إنه سماهم المارقین-  فلما واقعهم ع بالنهروان و قتلهم کلهم بیوم واحد-  و هم عشره آلاف فارس-  أحب أن یذکر معاویه بما کان یقول من قبل-  و یعد به أصحابه و خواصه-  فقال له قد آن لک أن تنتفع بما عاینت-  و شاهدت معاینه و مشاهده-  من صدق القول الذی کنت أقوله للناس-  و یبلغک فتستهزئ به

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۸

بازدیدها: ۲۱

نامه ۶۴ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

 ۶۴ و من کتاب له ع إلى معاویه جوابا عن کتابه

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّا کُنَّا نَحْنُ وَ أَنْتُمْ عَلَى مَا ذَکَرْتَ-  مِنَ الْأُلْفَهِ وَ الْجَمَاعَهِ-  فَفَرَّقَ بَیْنَنَا وَ بَیْنَکُمْ أَمْسِ أَنَّا آمَنَّا وَ کَفَرْتُمْ-  وَ الْیَوْمَ أَنَّا اسْتَقَمْنَا وَ فُتِنْتُمْ-  وَ مَا أَسْلَمَ مُسْلِمُکُمْ إِلَّا کَرْهاً-  وَ بَعْدَ أَنْ کَانَ أَنْفُ الْإِسْلَامِ کُلُّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ص حَرْباً-  وَ ذَکَرْتَ أَنِّی قَتَلْتُ طَلْحَهَ وَ الزُّبَیْرَ-  وَ شَرَّدْتُ بِعَائِشَهَ وَ نَزَلْتُ بَیْنَ الْمِصْرَیْنِ-  وَ ذَلِکَ أَمْرٌ غِبْتَ عَنْهُ فَلَا عَلَیْکَ وَ لَا الْعُذْرُ فِیهِ إِلَیْکَ-  وَ ذَکَرْتَ أَنَّکَ زَائِرِی فِی جَمْعِ الْمُهَاجِرِینَ وَ الْأَنْصَارِ-  وَ قَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَهُ یَوْمَ أُسِرَ أَخُوکَ-  فَإِنْ کَانَ فِیکَ عَجَلٌ فَاسْتَرْفِهْ-  فَإِنِّی إِنْ أَزُرْکَ فَذَلِکَ جَدِیرٌ-  أَنْ یَکُونَ اللَّهُ إِنَّمَا بَعَثَنِی إِلَیْکَ لِلنِّقْمَهِ مِنْکَ-  وَ إِنْ تَزُرْنِی فَکَمَا قَالَ أَخُو بَنِی أَسَدٍ- 

  مُسْتَقْبِلِینَ رِیَاحَ الصَّیْفِ تَضْرِبُهُمْ
بِحَاصِبٍ بَیْنَ أَغْوَارٍ وَ جُلْمُودِ

 وَ عِنْدِی السَّیْفُ الَّذِی أَعْضَضْتُهُ بِجَدِّکَ-  وَ خَالِکَ وَ أَخِیکَ فِی مَقَامٍ وَاحِدٍ-  فَإِنَّکَ وَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ الْأَغْلَفُ الْقَلْبِ الْمُقَارِبُ الْعَقْلِ-  وَ الْأَوْلَى أَنْ یُقَالَ لَکَ-  إِنَّکَ رَقِیتَ سُلَّماً أَطْلَعَکَ مَطْلَعَ سُوءٍ عَلَیْکَ لَا لَکَ-  لِأَنَّکَ نَشَدْتَ غَیْرَ ضَالَّتِکَ وَ رَعَیْتَ غَیْرَ سَائِمَتِکَ-  وَ طَلَبْتَ أَمْراً لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ وَ لَا فِی مَعْدِنِهِ-  فَمَا أَبْعَدَ قَوْلَکَ مِنْ فِعْلِکَ-وَ قَرِیبٌ مَا أَشْبَهْتَ مِنْ أَعْمَامٍ وَ أَخْوَالٍ-  حَمَلَتْهُمُ الشَّقَاوَهُ وَ تَمَنِّی الْبَاطِلِ عَلَى الْجُحُودِ بِمُحَمَّدٍ ص-  فَصُرِعُوا مَصَارِعَهُمْ حَیْثُ عَلِمْتَ-  لَمْ یَدْفَعُوا عَظِیماً وَ لَمْ یَمْنَعُوا حَرِیماً-  بِوَقْعِ سُیُوفٍ مَا خَلَا مِنْهَا الْوَغَى-  وَ لَمْ تُمَاشِهَا الْهُوَیْنَى-  وَ قَدْ أَکْثَرْتَ فِی قَتَلَهِ عُثْمَانَ-  فَادْخُلْ فِیمَا دَخَلَ فِیهِ النَّاسُ ثُمَّ حَاکِمِ الْقَوْمَ إِلَیَّ-  أَحْمِلْکَ وَ إِیَّاهُمْ عَلَى کِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى-  وَ أَمَّا تِلْکَ الَّتِی تُرِیدُ-  فَإِنَّهَا خُدْعَهُ الصَّبِیِّ عَنِ اللَّبَنِ فِی أَوَّلِ الْفِصَالِ-  وَ السَّلَامُ لِأَهْلِهِ

کتاب معاویه إلى علی

أما الکتاب الذی کتبه إلیه معاویه-  و هذا الکتاب جوابه فهو-  من معاویه بن أبی سفیان إلى علی بن أبی طالب-  أما بعد فإنا بنی عبد مناف-  لم نزل ننزع من قلیب واحد و نجری فی حلبه واحده-  لیس لبعضنا على بعض فضل-  و لا لقائمنا على قاعدنا فخر-  کلمتنا مؤتلفه و ألفتنا جامعه و دارنا واحده-  یجمعنا کرم العرق و یحوینا شرف النجار-  و یحنو قوینا على ضعیفنا و یواسی غنینا فقیرنا-  قد خلصت قلوبنا من وغل الحسد-  و طهرت أنفسنا من خبث النیه-  فلم نزل کذلک حتى کان منک ما کان من الإدهان-  فی أمر ابن عمک و الحسد له-  و نصره الناس علیه حتى قتل بمشهد منک-  لا تدفع عنه بلسان و لا ید-  فلیتک‏ أظهرت نصره حیث أسررت خبره-  فکنت کالمتعلق بین الناس بعذر و إن ضعف-  و المتبرئ من دمه بدفع و إن وهن-  و لکنک جلست فی دارک تدس إلیه الدواهی-  و ترسل إلیه الأفاعی-  حتى إذا قضیت وطرک منه-  أظهرت شماته و أبدیت طلاقه-  و حسرت للأمر عن ساعدک و شمرت عن ساقک-  و دعوت الناس إلى نفسک-  و أکرهت أعیان المسلمین على بیعتک-  ثم کان منک بعد ما کان-  من قتلک شیخی المسلمین-  أبی محمد طلحه و أبی عبد الله الزبیر-  و هما من الموعودین بالجنه-  و المبشر قاتل أحدهما بالنار فی الآخره-  هذا إلى تشریدک بأم المؤمنین عائشه-  و إحلالها محل الهون-  متبذله بین أیدی الأعراب و فسقه أهل الکوفه-  فمن بین مشهر لها و بین شامت بها و بین ساخر منها-  ترى ابن عمک کان بهذه لو رآه راضیا-  أم کان یکون علیک ساخطا و لک عنه زاجرا-  أن تؤذی أهله و تشرد بحلیلته و تسفک دماء أهل ملته-  ثم ترکک دار الهجره التی قال رسول الله ص عنها إن المدینه لتنفی خبثها کما ینفی الکیر خبث الحدید-  فلعمری لقد صح وعده و صدق قوله-  و لقد نفت خبثها-  و طردت عنها من لیس بأهل أن یستوطنها-  فأقمت بین المصرین و بعدت عن برکه الحرمین-  و رضیت بالکوفه بدلا من المدینه-  و بمجاوره الخورنق و الحیره عوضا من مجاوره خاتم النبوه-  و من قبل ذلک ما عبت خلیفتی رسول الله ص أیام حیاتهما-  فقعدت عنهما و ألبت علیهما و امتنعت من بیعتهما-  و رمت أمرا لم یرک الله تعالى له أهلا-  و رقیت سلما وعرا و حاولت مقاما دحضا-  و ادعیت ما لم تجد علیه ناصرا-  و لعمری لو ولیتها حینئذ لما ازدادت-  إلا فسادا و اضطرابا-  و لا أعقبت ولایتکها إلا انتشارا و ارتدادا-  لأنک الشامخ بأنفه الذاهب بنفسه-  المستطیل على الناس بلسانه و یده-  و ها أنا سائر إلیک فی جمع‏من المهاجرین و الأنصار-  تحفهم سیوف شامیه و رماح قحطانیه-  حتى یحاکموک إلى الله-  فانظر لنفسک و للمسلمین و ادفع إلی قتله عثمان-  فإنهم خاصتک و خلصاؤک و المحدقون بک-  فإن أبیت إلا سلوک سبیل اللجاج-  و الإصرار على الغی و الضلال-  فاعلم أن هذه الآیه إنما نزلت فیک-  و فی أهل العراق معک وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْیَهً کانَتْ آمِنَهً مُطْمَئِنَّهً-  یَأْتِیها رِزْقُها رَغَداً مِنْ کُلِّ مَکانٍ فَکَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ-  فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِما کانُوا یَصْنَعُونَ.

ثم نعود إلى تفسیر ألفاظ الفصل و معانیه-  قال ع لعمری إنا کنا بیتا واحدا فی الجاهلیه-  لأنا بنو عبد مناف إلا أن الفرقه بیننا و بینکم-  حصلت منذ بعث الله محمدا ص فإنا آمنا و کفرتم-  ثم تأکدت الفرقه الیوم-  بأنا استقمنا على منهاج الحق و فتنتم- . ثم قال و ما أسلم من أسلم منکم إلا کرها-  کأبی سفیان و أولاده یزید و معاویه-  و غیرهم من بنی عبد شمس- . قال و بعد أن کان أنف الإسلام محاربا لرسول الله ص-  أی فی أول الإسلام-  یقال کان ذلک فی أنف دوله بنی فلان أی فی أولها-  و أنف کل شی‏ء أوله و طرفه-  و کان أبو سفیان و أهله من بنی عبد شمس-  أشد الناس على رسول الله ص فی أول الهجره-  إلى أن فتح مکه-  ثم أجابه عن قوله قتلت طلحه و الزبیر و شردت بعائشه-  و نزلت بین المصرین-  بکلام مختصر أعرض فیه عنه‏هوانا به-  فقال هذا أمر غبت عنه-  فلیس علیک کان العدوان الذی تزعم-  و لا العذر إلیک لو وجب على العذر عنه- .

فأما الجواب المفصل فأن یقال-  إن طلحه و الزبیر قتلا أنفسهما ببغیهما و نکثهما-  و لو استقاما على الطریقه لسلما-  و من قتله الحق فدمه هدر-  و أما کونهما شیخین من شیوخ الإسلام فغیر مدفوع-  و لکن العیب یحدث-  و أصحابنا یذهبون إلى أنهما تابا و فارقا الدنیا-  نادمین على ما صنعا-  و کذلک نقول نحن فإن الأخبار کثرت بذلک-  فهما من أهل الجنه لتوبتهما-  و لو لا توبتهما لکانا هالکین کما هلک غیرهما-  فإن الله تعالى لا یحابی أحدا فی الطاعه و التقوى-  لِیَهْلِکَ مَنْ هَلَکَ عَنْ بَیِّنَهٍ وَ یَحْیى‏ مَنْ حَیَّ عَنْ بَیِّنَهٍ- . و أما الوعد لهما بالجنه فمشروط بسلامه العاقبه-  و الکلام فی سلامتهما-  و إذا ثبتت توبتهما فقد صح الوعد لهما و تحقق- 

وقوله بشر قاتل ابن صفیه بالنار-  فقد اختلف فیه-  فقال قوم من أرباب السیر و علماء الحدیث-  هو کلام أمیر المؤمنین ع غیر مرفوع-  و قوم منهم جعلوه مرفوعا-  و على کل حال فهو حق-  لأن ابن جرموز قلته مولیا خارجا من الصف-  مفارقا للحرب-  فقد قتله على توبه و إنابه و رجوع من الباطل-  و قاتل من هذه حاله فاسق مستحق للنار-  و أما أم المؤمنین عائشه فقد صحت توبتها-  و الأخبار الوارده فی توبتها-  أکثر من الأخبار الوارده فی توبه طلحه و الزبیر-  لأنها عاشت زمانا طویلا و هما لم یبقیا-  و الذی جرى لها کان خطأ منها-  فأی ذنب لأمیر المؤمنین ع فی ذلک-  و لو أقامت فی منزلها-  لم تبتذل بین الأعراب و أهل الکوفه-  على أن أمیر المؤمنین ع أکرمها و صانها و عظم من شأنها-  و من أحب أن یقف على ما فعله معها-  فلیطالع کتب السیره-  و لو کانت فعلت بعمر ما فعلت به-  و شقت عصا الأمه علیه ثم ظفر بها-  لقتلها و مزقها إربا إربا-  و لکن علیا کان حلیما کریما- .

 

و أما قوله لو عاش رسول الله ص-  فبربک هل کان یرضى لک أن تؤذی حلیلته-  فلعلی ع أن یقلب الکلام علیه فیقول-  أ فتراه لو عاش أ کان یرضى لحلیلته أن تؤذی أخاه و وصیه-  و أیضا أ تراه لو عاش أ کان یرضى لک یا ابن أبی سفیان-  أن تنازع علیا الخلافه و تفرق جماعه هذه الأمه-  و أیضا أ تراه لو عاش-  أ کان یرضى لطلحه و الزبیر أن یبایعا-  ثم ینکثا لا لسبب بل قالا جئنا نطلب الدراهم-  فقد قیل لنا إن بالبصره أموالا کثیره-  هذا کلام یقوله مثلهما- .

فأما قوله ترکت دار الهجره فلا عیب علیه-  إذا انقضت علیه أطراف الإسلام بالبغی و الفساد-  أن یخرج من المدینه إلیها و یهذب أهلها-  و لیس کل من خرج من المدینه کان خبثا-  فقد خرج عنها عمر مرارا إلى الشام-  ثم لعلی ع أن یقلب علیه الکلام فیقول له-  و أنت یا معاویه فقد نفتک المدینه أیضا عنها-  فأنت إذا خبث و کذلک طلحه و الزبیر و عائشه-  الذین تتعصب لهم و تحتج على الناس بهم-  و قد خرج عن المدینه الصالحون-  کابن مسعود و أبی ذر و غیرهما-  و ماتوا فی بلاد نائیه عنها و أما قوله بعدت عن حرمه الحرمین-  و مجاوره قبر رسول الله ص-  فکلام إقناعی ضعیف-  و الواجب على الإمام أن یقدم الأهم فالأهم-  من مصالح الإسلام-  و تقدیم قتال أهل البغی على المقام بین الحرمین أولى-  فأما ما ذکره من خذلانه عثمان و شماتته به-  و دعائه الناس بعد قتله إلى نفسه-  و إکراهه طلحه و الزبیر و غیرهما على بیعته-  فکله دعوى و الأمر بخلافها-  و من نظر کتب السیر عرف أنه قد بهته-  و ادعى علیه ما لم یقع منه- .

و أما قوله التویت على أبی بکر و عمر و قعدت عنهما-  و حاولت الخلافه بعد رسول الله ص-  فإن علیا ع لم یکن یجحد ذلک و لا ینکره-  و لا ریب‏أنه کان یدعى الأمر بعد وفاه رسول الله ص لنفسه-  على الجمله-  أما لنص کما تقوله الشیعه-  أو لأمر آخر کما یقوله أصحابنا-  فأما قوله لو ولیتها حینئذ لفسد الأمر و اضطرب الإسلام-  فهذا علم غیب لا یعلمه إلا الله-  و لعله لو ولیها حینئذ لاستقام الأمر-  و صلح الإسلام و تمهد-  فإنه ما وقع الاضطراب عند ولایته بعد عثمان-  إلا لأن أمره هان عندهم بتأخره عن الخلافه-  و تقدم غیره علیه-  فصغر شأنه فی النفوس-  و قرر من تقدمه فی قلوب الناس-  أنه لا یصلح لها کل الصلاحیه-  و الناس على ما یحصل فی نفوسهم-  و لو کان ولیها ابتداء و هو على تلک الحاله-  التی کان علیها أیام حیاه رسول الله ص-  و تلک المنزله الرفیعه و الاختصاص الذی کان له-  لکان الأمر غیر الذی رأیناه عند ولایته بعد عثمان-  و أما قوله لأنک الشامخ بأنفه الذاهب بنفسه-  فقد أسرف فی وصفه بما وصفه به-  و لا شک أن علیا ع کان عنده زهو لکن لا هکذا-  و کان ع مع زهوه ألطف الناس خلقا- .

ثم نرجع إلى تفسیر ألفاظه ع-  قوله و ذکرت أنک زائری فی جمع من المهاجرین و الأنصار-  و قد انقطعت الهجره یوم أسر أخوک-  هذا الکلام تکذیب له فی قوله-  فی جمع من المهاجرین و الأنصار أی لیس معک مهاجر-  لأن أکثر من معک ممن رأى رسول الله ص هم أبناء الطلقاء-  و من أسلم بعد الفتح و قد قال النبی ص لا هجره بعد الفتح- . و عبر عن یوم الفتح بعباره حسنه-  فیها تقریع لمعاویه و أهله بالکفر-  و أنهم لیسوا من ذوی السوابق-  فقال قد انقطعت الهجره یوم أسر أخوک-  یعنی یزید بن أبی سفیان أسر یوم الفتح فی باب الخندمه-  و کان خرج فی نفر من قریش-  یحاربون و یمنعون‏من دخول مکه-  فقتل منهم قوم و أسر یزید بن أبی سفیان-  أسره خالد بن الولید-  فخلصه أبو سفیان منه و أدخله داره-  فأمن لأن رسول الله ص قال یومئذ من دخل دار أبی سفیان فهو آمن

ذکر الخبر عن فتح مکه

و یجب أن نذکر فی هذا الموضع-  ملخص ما ذکره الواقدی فی کتاب المغازی-  فی فتح مکه فإن الموضع یقتضیه-  لقوله ع ما أسلم مسلمکم إلا کرها-  و قوله یوم أسر أخوک- . قال محمد بن عمر الواقدی فی کتاب المغازی-  کان رسول الله ص-  قد هادن قریشا فی عام الحدیبیه عشر سنین-  و جعل خزاعه داخله معه-  و جعلت قریش بنی بکر بن عبد مناه من کنانه داخله معهم-  و کان بین بنی بکر و بین خزاعه-  تراث فی الجاهلیه و دماء-  و قد کانت خزاعه من قبل حالفت عبد المطلب بن هاشم-  و کان معها کتاب منه و کان رسول الله ص یعرف ذلک-  فلما تم صلح الحدیبیه و أمن الناس-  سمع غلام من خزاعه إنسانا من بنی کنانه-  یقال له أنس بن زنیم الدؤلی-  ینشد هجاء له فی رسول الله ص-  فضربه فشجه-  فخرج أنس إلى قومه فأراهم شجته فثار بینهم الشر-  و تذاکروا أحقادهم القدیمه-  و القوم مجاورون بمکه-  فاستنجدت بکر بن عبد مناه قریشا على خزاعه-  فمن قریش من کره ذلک و قال لا انقض عهد محمد-  و منهم من خف إلیه و کان أبو سفیان أحد من کره ذلک-  و کان صفوان بن أمیه و حویطب بن عبد العزى-  و مکرز بن حفص‏ممن أعان بنی بکر-  و دسوا إلیهم الرجال بالسلاح سرا-  و بیتوا خزاعه لیلا فأوقعوا بهم-  فقتلوا منهم عشرین رجلا-  فلما أصبحوا عاتبوا قریشا-  فجحدت قریش أنها أعانت بکرا و کذبت فی ذلک-  و تبرأ أبو سفیان و قوم من قریش مما جرى-  و شخص قوم من خزاعه إلى المدینه مستصرخین برسول الله ص-  فدخلوا علیه و هو فی المسجد-  فقام عمرو بن سالم الخزاعی فأنشده- 

  لا هم إنی ناشد محمدا
حلف أبینا و أبیه الأتلدا

لکنت والدا و کنا ولدا
ثمت أسلمنا و لم ننزع یدا

إن قریشا أخلفوک الموعدا
و نقضوا میثاقک المؤکدا

هم بیتونا بالوتیر هجدا
نتلو القران رکعا و سجدا

و زعموا أن لست تدعو أحدا
و هم أذل و أقل عددا

فانصر هداک الله نصرا أیدا
و ادع عباد الله یأتوا مددا

فی فیلق کالبحر یجری مزبدا
فیهم رسول الله قد تجردا
قرم لقوم من قروم أصیدا

ثم ذکروا له ما أثار الشر-  و قالوا له إن أنس بن زنیم هجاک-  و إن صفوان بن أمیه-  و فلانا و فلانا-  دسوا إلینا رجال قریش مستنصرین-  فبیتونا بمنزلنا بالوتیر فقتلونا-  و جئناک مستصرخین بک-  فزعموا أن رسول الله ص قام مغضبا یجر رداءه و یقول-  لا نصرت إن لم أنصر خزاعه فیما أنصر منه نفسی- .

قلت-  فصادف ذلک من رسول الله ص إیثارا و حبا لنقض العهد-  لأنه کان یرید أن یفتح مکه و هم بها فی عام الحدیبیه فصد-  ثم هم بها فی عمره القضیه-  ثم وقف لأجل العهد و المیثاق الذی کان عقده معهم-  فلما جرى ما جرى على خزاعه اغتنمها- . قال الواقدی-  فکتب إلى جمیع الناس فی أقطار الحجاز و غیرها-  یأمرهم أن یکونوا بالمدینه فی رمضان من سنه ثمان للهجره-  فوافته الوفود و القبائل من کل جهه-  فخرج من المدینه بالناس-  یوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان فی عشره آلاف-  فکان المهاجرون سبعمائه و معهم من الخیل ثلاثمائه فرس-  و کانت الأنصار أربعه آلاف معهم من الخیل خمسمائه-  و کانت مزینه ألفا فیها من الخیل مائه فرس-  و کانت أسلم أربعمائه فیها من الخیل ثلاثون فرسا-  و کانت جهینه ثمانمائه معها خمسون فرسا-  و من سائر الناس تمام عشره آلاف-  و هم بنو ضمره و بنو غفار و أشجع-  و بنو سلیم و بنو کعب بن عمرو و غیرهم-  و عقد للمهاجرین ثلاثه ألویه-  لواء مع علی و لواء مع الزبیر-  و لواء مع سعد بن أبی وقاص-  و کانت الرایات فی الأنصار و غیرهم-  و کتم عن الناس الخبر فلم یعلم به إلا خواصه-  و أما قریش بمکه فندمت على ما صنعت بخزاعه-  و عرفت أن ذلک انقضاء ما بینهم و بین النبی ص من العهد-  و مشى الحارث بن هشام و عبد الله بن أبی ربیعه-  إلى أبی سفیان فقالا له-  إن هذا أمر لا بد له أن یصلح-  و الله إن لم یصلح لا یروعکم إلا محمد فی أصحابه-  و قال أبو سفیان قد رأت هند بنت عتبه رؤیا-  کرهتها و أفظعتها و خفت من شرها-  قالوا ما رأت قال رأت کان دما أقبل من الحجون یسیل-  حتى وقف بالخندمه ملیا-  ثم کان ذلک الدم لم یکن-  فکره القوم ذلک و قالوا هذا شر- .

قال الواقدی-  فلما رأى أبو سفیان ما رأى من الشر قال-  هذا و الله أمر لم أشهده‏و لم أغب عنه-  لا یحمل هذا إلا علی-  و لا و الله ما شوورت و لا هونت حیث بلغنی-  و الله لیغزونا محمد إن صدق ظنی و هو صادق-  و ما لی بد أن آتی محمدا فأکلمه أن یزید فی الهدنه-  و یجدد العهد قبل أن یبلغه هذا الأمر-  قالت قریش قد و الله أصبت-  و ندمت قریش على ما صنعت بخزاعه-  و عرفت أن رسول الله ص لا بد أن یغزوها-  فخرج أبو سفیان و خرج معه مولى له على راحلتین-  و أسرع السیر-  و هو یرى أنه أول من خرج من مکه إلى رسول الله ص قال الواقدی و قد روى الخبر على وجه آخر-  و هو أنه لما قدم رکب خزاعه على رسول الله ص-  فأخبروه بمن قتل منهم- 

قال لهم بمن تهمتکم و طلبتکم-  قالوا بنو بکر بن عبد مناه-  قال کلها قالوا لا و لکن تهمتنا بنو نفاثه قصره-  و رأسهم نوفل بن معاویه النفاثی-  فقال هذا بطن من بکر-  فأنا باعث إلى أهل مکه فسائلهم عن هذا الأمر-  و مخیرهم فی خصال-  فبعث إلیهم ضمره یخیرهم بین إحدى خلال ثلاث-  بین أن یدوا خزاعه أو یبرءوا من حلف نفاثه-  أو ینبذ إلیهم على سواء-  فأتاهم ضمره فخیرهم بین الخلال الثلاث-  فقال قریظه بن عبد عمرو الأعمى-  أما أن ندی قتلى خزاعه-  فإنا إن ودیناهم لم یبق لنا سبد و لا لبد-  و أما أن نبرأ من حلف نفاثه-  فإنه لیس قبیله تحج هذا البیت أشد تعظیما له من نفاثه-  و هم حلفاؤنا فلا نبرأ من حلفهم-  و لکنا ننبذ إلیه على سواء-  فعاد ضمره إلى رسول الله ص بذلک-  و ندمت قریش أن ردت ضمره بما ردته به- . قال الواقدی و قد روی غیر ذلک-  روی أن قریشا لما ندمت على قتل خزاعه-  و قالت محمد غازینا- 

قال لهم عبد الله بن سعد بن أبی سرح-  و هو یومئذ کافر مرتد عندهم-  أن عندی رأیا أن محمدا لیس یغزوکم-  حتى یعذر إلیکم و یخیرکم فی خصال-  کلها أهون علیکم من غزوه-  قالوا ما هی قال یرسل إلیکم أن تدوا قتلى خزاعه-  أو تبرءوا من حلف من نقض العهد و هم بنو نفاثه-  أو ینبذ إلیکم العهد-  فقال القوم أحر بما قال ابن أبی سرح أن یکون-  فقال سهیل بن عمرو-  ما خصله أیسر علینا من أن نبرأ من حلف نفاثه-  فقال شیبه بن عثمان العبدری-  حطت أخوالک خزاعه و غضبت لهم-  قال سهیل و أی قریش لم تلد خزاعه-  قال شیبه لا و لکن ندی قتلى خزاعه فهو أهون علینا-  فقال قریظه بن عبد عمرو-  لا و الله لا ندیهم و لا نبرأ عن نفاثه أبر العرب بنا-  و أعمرهم لبیت ربنا-  و لکن ننبذ إلیهم على سواء-  فقال أبو سفیان ما هذا بشی‏ء و ما الرأی إلا جحد هذا الأمر-  أن تکون قریش دخلت فی نقض العهد أو قطع مده-  فإن قطعه قوم بغیر هوى منا و لا مشوره فما علینا- 

قالوا هذا هو الرأی لا رأی إلا الجحد لکل ما کان من ذلک-  فقال أنا أقسم أنی لم أشهد و لم أوامر و أنا صادق-  لقد کرهت ما صنعتم و عرفت أن سیکون له یوم غماس-  قالت قریش لأبی سفیان فاخرج أنت بذلک فخرج- . قال الواقدی و حدثنی عبد الله بن عامر الأسلمی-  عن عطاء بن أبی مروان قال-  قال رسول الله ص لعائشه صبیحه اللیله-  التی أوقعت فیها نفاثه و قریش بخزاعه بالوتیر-  یا عائشه لقد حدث اللیله فی خزاعه أمر-  فقالت عائشه یا رسول الله-  أ ترى قریشا تجترئ على نقض العهد بینک و بینهم-  أ ینقضون و قد أفناهم السیف-  فقال العهد لأمر یریده الله بهم-  فقالت خیر أم شر یا رسول الله فقال خیر- .

 قال الواقدی و حدثنی عبد الحمید بن جعفر قال حدثنی عمران بن أبی أنس عن ابن عباس قال قام رسول الله ص و هو یجر طرف ردائه و یقول-لا نصرت إن لم أنصر بنی کعب یعنی خزاعه-  فیما أنصر منه نفسی- .

قال الواقدی و حدثنی حرام بن هشام عن أبیه قال-  قال رسول الله ص لکأنکم بأبی سفیان قد جاءکم یقول-  جدد العهد و زد فی الهدنه و هو راجع بسخطه-  و قال لبنی خزاعه عمرو بن سالم و أصحابه-  ارجعوا و تفرقوا فی الأودیه-  و قام فدخل على عائشه و هو مغضب فدعا بماء فدخل یغتسل  قالت عائشه فأسمعه یقول و هو یصب الماء على رجلیه-  لا نصرت أن لم أنصر بنی کعب- .

قال الواقدی فأما أبو سفیان فخرج من مکه و هو متخوف-  أن یکون عمرو بن سالم-  و رهطه من خزاعه سبقوه إلى المدینه-  و کان القوم لما رجعوا من المدینه و أتوا الأبواء-  تفرقوا کما أوصاهم رسول الله ص-  فذهبت طائفه إلى الساحل تعارض الطریق-  و لزم بدیل بن أم أصرم الطریق فی نفر معه-  فلقیهم أبو سفیان فلما رآهم أشفق أن یکونوا-  لقوا محمدا ص بل کان الیقین عنده-  فقام للقوم منذ کم عهدکم بیثرب قالوا لا عهد لنا بها-  فعرف أنهم کتموه فقال-  أ ما معکم من تمر یثرب شی‏ء تطعموناه-  فإن لتمر یثرب فضلا على تمر تهامه-  قالوا لا-  ثم أبت نفسه أن تقر فقال یا بدیل هل جئت محمدا-  قال لا و لکنی سرت فی بلاد خزاعه من هذا الساحل-  فی قتیل کان بینهم حتى أصلحت بینهم-  قال یقول أبو سفیان إنک و الله ما علمت بر واصل-  فلما راح بدیل و أصحابه جاء أبو سفیان إلى أبعار إبلهم-  ففتها فإذا فیها النوى-  و وجد فی منزلهم نوى من تمر عجوه کأنه ألسنه العصافیر-  فقال أحلف بالله لقد جاء القوم محمدا-  و أقبل حتى قدم المدینه فدخل على النبی ص-  فقال یا محمد إنی کنت غائبا فی صلح الحدیبیه-  فاشدد العهد و زدنا فی المده-  فقال رسول الله ص و لذلک قدمت یا أبا سفیان-  قال نعم قال فهل کان قبلکم حدث-

 فقال معاذ الله-  فقال رسول الله-  فنحن على موثقنا و صلحنا یوم الحدیبیه لا نغیر و لا نبدل-  فقام من عنده فدخل على ابنته أم حبیبه-  فلما ذهب لیجلس على فراش رسول الله ص طوته دونه-  فقال أ رغبت بهذا الفراش عنی أم رغبت بی عنه-  فقالت بل هو فراش رسول الله ص-  و أنت امرؤ نجس مشرک-  قال یا بنیه لقد أصابک بعدی شر-  فقالت إن الله هدانی للإسلام-  و أنت یا أبت سید قریش و کبیرها-  کیف یخفى عنک فضل الإسلام-  و تعبد حجرا لا یسمع و لا یبصر-  فقال یا عجبا و هذا منک أیضا-  أ أترک ما کان یعبد آبائی و أتبع دین محمد-  ثم قام من عندها فلقی أبا بکر فکلمه-  و قال تکلم أنت محمدا و تجیر أنت بین الناس-  فقال أبو بکر جواری جوار رسول الله ص-  ثم لقی عمر فکلمه بمثل ما کلم به أبا بکر فقال عمر-  و الله لو وجدت السنور تقاتلکم لأعنتها علیکم- 

قال أبو سفیان جزیت من ذی رحم شرا-  ثم دخل على عثمان بن عفان فقال له-  إنه لیس فی القوم أحد أمس بی رحما منک-  فزدنی الهدنه و جدد العهد-  فإن صاحبک لا یرد علیک أبدا-  و الله ما رأیت رجلا قط أشد إکراما لصاحب من محمد لأصحابه-  فقال عثمان جواری جوار رسول الله ص-  فجاء أبو سفیان حتى دخل على فاطمه بنت رسول الله ص-  فکلمها و قال أجیری بین الناس-  فقالت إنما أنا امرأه-  قال إن جوارک جائز-  و قد أجارت أختک أبا العاص بن الربیع-  فأجاز محمد ذلک-  فقالت فاطمه ذلک إلى رسول الله ص و أبت علیه-  فقال مری أحد هذین ابنیک یجیر بین الناس-  قالت إنهما صبیان و لیس یجیر الصبی-  فلما أبت علیه أتى علیا ع فقال یا أبا حسن-  أجر بین الناس و کلم محمدا لیزید فی المده-  فقال علی ع ویحک یا أبا سفیان-  إن رسول الله ص قد عزمألا یفعل-  و لیس أحد یستطیع أن یکلمه فی شی‏ء یکرهه-  قال أبو سفیان فما الرأی عندک فتشیر لأمری-  فإنه قد ضاق علی فمرنی بأمر ترى أنه نافعی- 

قال علی ع و الله ما أجد لک شیئا-  مثل أن تقوم فتجیر بین الناس-  فإنک سید کنانه-  قال أ ترى ذلک مغنیا عنی شیئا-  قال علی إنی لا أظن ذلک و الله و لکنی لا أجد لک غیره-  فقام أبو سفیان بین ظهری الناس فصاح-  ألا إنی قد أجرت بین الناس و لا أظن محمدا یحقرنی-  ثم دخل على رسول الله ص فقال-  یا محمد ما أظن أن ترد جواری-  فقال ع أنت تقول ذلک یا أبا سفیان-  و یقال إنه لما صاح لم یأت النبی ص-  و رکب راحلته و انطلق إلى مکه-  و یروى أنه أیضا أتى سعد بن عباده فکلمه فی ذلک-  و قال یا أبا ثابت قد عرفت الذی کان بینی و بینک-  و إنی کنت لک فی حرمنا جارا و کنت لی بیثرب مثل ذلک-  و أنت سید هذه المدره فأجر بین الناس و زدنی فی المده-  فقال سعد جواری جوار رسول الله ص-  ما یجیر أحد على رسول الله ص-  فلما انطلق أبو سفیان إلى مکه-  و قد کان طالت غیبته عن قریش و أبطأ فاتهموه و قالوا-  نراه قد صبا و اتبع محمدا سرا و کتم إسلامه-  فلما دخل على هند لیلا قالت-  قد احتبست حتى اتهمک قومک-  فإن کنت جئتهم بنجح فأنت الرجل-  و قد کان دنا منها لیغشاها-  فأخبرها الخبر و قال لم أجد إلا ما قال لی علی-  فضربت برجلها فی صدوره و قالت-  قبحت من رسول قوم- .

قال الواقدی فحدثنی عبد الله بن عثمان-  عن أبی سلیمان عن أبیه قال-  لما أصبح أبو سفیان حلق رأسه عند الصنمین-  أساف و نائله و ذبح لهما-  و جعل یمسح بالدم رءوسهما و یقول-  لا أفارق عبادتکما حتى أموت على ما مات علیه أبی-  قال فعل ذلک لیبرئ نفسه مما اتهمته قریش به‏

قال الواقدی و قالت قریش لأبی سفیان-  ما صنعت و ما وراءک-  و هل جئتنا بکتاب من محمد و زیاده فی المده-  فإنا لا نأمن من أن یغزونا-  فقال و الله لقد أبى علی-  و لقد کلمت علیه أصحابه فما قدرت على شی‏ء منهم-  و رمونی بکلمه منهم واحده-  إلا أن علیا قال لما ضاقت بی الأمور-  أنت سید کنانه فأجر بین الناس فنادیت بالجوار-  ثم دخلت على محمد فقلت إنی قد أجرت بین الناس-  و ما أظن محمدا یرد جواری-  فقال محمد أنت تقول ذاک یا أبا سفیان-  لم یزد على ذلک-  قالوا ما زاد علی على أن یلعب بک تلعبا-  قال فو الله ما وجدت غیر ذلک- .

 قال الواقدی فحدثنی محمد بن عبد الله عن الزهری عن محمد بن جبیر بن مطعم قال لما خرج أبو سفیان عن المدینه-  قال رسول الله ص لعائشه-  جهزینا و أخفی أمرکو قال رسول الله ص اللهم خذ عن قریش الأخبار و العیون حتى نأتیهم بغتهو روی أنه قال اللهم خذ على أبصارهم فلا یرونی إلا بغته-  و لا یسمعون بی إلا فجأه-  قال و أخذ رسول الله ص الأنقاب و جعل علیها الرجال-  و منع من یخرج من المدینه-  فدخل أبو بکر على عائشه و هی تجهز رسول الله ص-  تعمل له قمحا سویقا و دقیقا و تمرا-  فقال لها أ هم رسول الله ص بغزو قالت لا أدری-  قال إن کان هم بسفر فآذنینا نتهیأ له-  قالت لا أدری لعله أراد بنی سلیم-  لعله أراد ثقیفا أو هوازن فاستعجمت علیه-  فدخل على رسول الله ص فقال-  یا رسول الله أردت سفرا قال نعم قال أ فأتجهز قال نعم-  قال و أین ترید قال قریشا و أخف ذلک یا أبا بکر-  و أمر رسول الله ص الناس فتجهزوا-  و طوى عنهم الوجه الذی یرید- 

و قال له أبو بکر یا رسول الله أ و لیس بیننا و بینهم مده-  فقال إنهم غدروا و نقضوا العهدفأنا غازیهم-  فاطو ما ذکرت لک-  فکان الناس بین ظان یظن أنه یرید سلیما-  و ظان یظن أنه یرید هوازن و ظان یظن أنه یرید ثقیفا-  و ظان یظن أنه یرید الشام-  و بعث رسول الله ص أبا قتاده بن ربعی فی نفر إلى بطن-  لیظن الناس أن رسول الله ص قدم أمامه أولئک الرجال-  لتوجهه إلى تلک الجهه و لتذهب بذلک الأخبار- .

قال الواقدی حدثنی المنذر بن سعد-  عن یزید بن رومان قال-  لما أجمع رسول الله ص المسیر إلى قریش-  و علم بذلک من علم من الناس-  کتب حاطب بن أبی بلتعه إلى قریش-  یخبرهم بالذی أجمع علیه رسول الله ص فی أمرهم-  و أعطى الکتاب امرأه من مزینه-  و جعل لها على ذلک جعلا على أن تبلغه قریشا-  فجعلت الکتاب فی رأسها-  ثم فتلت علیه قرونها و خرجت به-  و أتى الخبر إلى النبی ص من السماء بما صنع حاطب-  فبعث علیا ع و الزبیر فقال-  أدرکا امرأه من مزینه-  قد کتب معها حاطب کتابا یحذر قریشا-  فخرجا و أدرکاها بذی الحلیفه-  فاستنزلاها و التمسا الکتاب فی رحلها فلم یجدا شیئا-  فقالا لها نحلف بالله ما کذب رسول الله ص-  و لا کذبنا-  و لتخرجن الکتاب أو لنکشفنک-  فلما رأت منهما الجد حلت قرونها-  و استخرجت الکتاب فدفعته إلیهما-  فأقبلا به إلى رسول الله ص-  فدعا حاطبا و قال له ما حملک على هذا-  فقال یا رسول الله و الله إنی لمسلم مؤمن بالله و رسوله-  ما غیرت و لا بدلت-  و لکنی کنت امرأ لیس لی فی القوم أصل و لا عشیره-  و کان لی بین أظهرهم أهل و ولد فصانعتهم-  فقال عمر قاتلک الله ترى رسول الله ص یأخذ بالأنقاب-  و تکتب إلى قریش تحذرهم-  دعنی یا رسول الله أضرب عنقه فإنه قد نافق-  فقال رسول الله ص‏و ما یدریک یا عمر-  لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال- 

اعملوا ما شئتم فقد غفرت لکم-  قال الواقدی فلما خرج رسول الله ص من المدینه-  بالألویه المعقوده و الرایات-  بعد العصر من یوم الأربعاء لعشر خلون من شهر رمضان-  لم یحل عقده حتى انتهى إلى الصلصل-  و المسلمون یقودون الخیل و قد امتطوا الإبل-  و قدم أمامه الزبیر بن العوام فی مائتین-  قال فلما کان بالبیداء نظر إلى عنان السماء-  فقال إنی لأرى السحاب تستهل بنصر بنی کعب یعنی خزاعه- . قال الواقدی-  و جاء کعب بن مالک لیعلم أی جهه یقصد-  فبرک بین یدیه على رکبتیه ثم أنشده- 

قضینا من تهامه کل نحب
و خیبر ثم أحمینا السیوفا

فسائلها و لو نطقت لقالت‏
قواضبهن دوسا أو ثقیفا

فلست بحاضر إن لم تروها
بساحه دارکم منها ألوفا

فننتزع الخیام ببطن وج‏
و نترک دورکم منها خلوفا

قال فتبسم رسول الله ص و لم یزد على ذلک-  فجعل الناس یقولون و الله ما بین لک رسول الله ص شیئا-  فلم تزل الناس کذلک حتى نزلوا بمر الظهران- . قال الواقدی و خرج العباس بن عبد المطلب-  و مخرمه بن نوفل-  من مکه یطلبان رسول الله ص-  ظنا منهما أنه بالمدینه یریدان الإسلام-  فلقیاه بالسقیا- .

قال الواقدی فلما کانت اللیله التی أصبح فیها بالجحفه-  رأى فیها أبو بکر فی منامه أن النبی ص و أصحابه-  قد دنوا من مکه فخرجت علیهم کلبه تهر-  فلما دنوا منها استلقت على قفاها-  و إذا أطباؤها تشخب لبنا-  فقصها على رسول الله ص-  فقال ذهب کلبهم و أقبل درهم-  و هم سائلونا بأرحامهم و أنتم لاقون بعضهم-  فإن لقیتم أبا سفیان فلا تقتلوه قال الواقدی و إلى أن وصل مر الظهران-  لم یبلغ قریشا حرف واحد من حاله-  فلما نزل بمر الظهران أمر أصحابه أن یوقدوا النار-  فأوقدوا عشره آلاف نار-  و أجمعت قریش أن یبعثوا أبا سفیان یتجسس لهم الأخبار-  فخرج هو و حکیم بن حزام و بدیل بن ورقاء-  قال و قد کان العباس بن عبد المطلب قال-  وا سوء صباح قریش-  و الله إن دخلها رسول الله ص عنوه-  إنه لهلاک قریش آخر الدهر-  قال العباس فأخذت بغله رسول الله ص الشهباء فرکبتها-  و قلت ألتمس حطابا أو إنسانا أبعثه إلى قریش-  فیلقوا رسول الله ص قبل أن یدخلها علیهم عنوه-  فو الله إنی لفی الأراک لیلا أبتغی ذلک إذ سمعت کلاما یقول-  و الله إن رأیت کاللیله نارا- 

قال یقول بدیل بن ورقاء-  إنها نیران خزاعه جاشها الحرب-  قال یقول أبو سفیان خزاعه أذل-  من أن تکون هذه نیرانها و عسکرها-  فعرفت صوته فقلت أبا حنظله-  فعرف صوتی فقال لبیک أبا الفضل-  فقلت ویحک هذا رسول الله ص فی عشره آلاف و هو مصبحکم-  فقال بأبی و أمی فهل من حیله فقلت نعم-  ترکب عجز هذه البغله فأذهب بک إلى رسول الله ص-  فإنه إن ظفر بک دون ذلک لیقتلنک-  قال و الله أنا أرى ذلک فرکب خلفی-  و رحل‏بدیل و حکیم فتوجهت به-  فلما مررت به على نار من نیران المسلمین قالوا من هذا-  فإذا رأونی قالوا عم رسول الله ص على بغله رسول الله-  حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فلما رآنی قال من هذا- 

قلت العباس فذهب ینظر فرأى أبا سفیان خلفی-  فقال أبو سفیان عدو الله-  الحمد لله الذی أمکن منک بغیر عهد و لا عقد-  ثم خرج یشتد نحو رسول الله ص-  و رکضت البغله-  حتى اجتمعنا جمیعا على باب قبه رسول الله ص-  فدخلت و دخل عمر بن الخطاب على أثری-  فقال عمر یا رسول الله هذا أبو سفیان عدو الله-  قد أمکن الله منه بغیر عقد و لا عهد فدعنی أضرب عنقه-  فقلت یا رسول الله إنی قد أجرته-  ثم لزمت رسول الله ص فقلت-  و الله لا یناجیه اللیله أحد دونی-  فلما أکثر عمر فیه قلت مهلا یا عمر-  فإنه لو کان رجلا من عدی بن کعب ما قلت هذا-  و لکنه أحد بنی عبد مناف-  فقال عمر مهلا یا أبا الفضل-  فو الله لإسلامک کان أحب إلی من إسلام الخطاب-  أو قال من إسلام رجل من ولد الخطاب لو أسلم-  فقال رسول الله ص اذهب به فقد أجرناه-  فلیبت عندک حتى تغدو به علینا إذا أصبحت-  فلما أصبحت غدوت به-  فلما رآه رسول الله ص قال ویحک یا أبا سفیان-  أ لم یأن لک أن تعلم لا إله إلا الله-  قال بأبی أنت ما أحلمک و أکرمک و أعظم عفوک-  قد کان یقع فی نفسی أن لو کان مع الله إله آخر لأغنى- 

قال یا أبا سفیان أ لم یأن لک أن تعلم أنی رسول الله-  قال بأبی أنت ما أحلمک و أکرمک و أعظم عفوک-  أما هذه فو الله إن فی النفس منها لشیئا بعد-  قال العباس فقلت ویحک-  تشهد و قل لا إله الله محمد رسول الله قبل أن تقتل-  فتشهد-  و قال العباس یا رسول الله-  إنک قد عرفت أبا سفیان و فیه الشرف و الفخر فاجعل له شیئا- 

 فقال من دخل دار أبی سفیان فهو آمن-  و من أغلق داره فهو آمن-  ثم قال خذه فاحبسه بمضیق الوادی إلى خطم الجبل-حتى تمر علیه جنود الله فیراها-  قال العباس فعدلت به فی مضیق الوادی إلى خطم الجبل-  فحبسته هناک فقال أ غدرا یا بنی هاشم-  فقلت له إن أهل النبوه لا یغدرون-  و إنما حبستک لحاجه-  قال فهلا بدأت بها أولا فأعلمتنیها فکان أفرخ لروعی-  ثم مرت به القبائل على قادتها و الکتائب على رایاتها-  فکان أول من مر به خالد بن الولید فی بنی سلیم و هم ألف-  و لهم لواءان یحمل أحدهما العباس بن مرداس-  و الآخر خفاف بن ندبه و رایه یحملها المقداد-  فقال أبو سفیان یا أبا الفضل من هؤلاء-  قال هؤلاء بنو سلیم و علیهم خالد بن الولید-  قال الغلام قال نعم-  فلما حاذى خالد العباس و أبا سفیان کبر ثلاثا-  و کبروا معه ثم مضوا-  و مر على أثره الزبیر بن العوام فی خمسمائه-  فیهم جماعه من المهاجرین و قوم من أفناء الناس-  و معه رایه سوداء فلما حاذاهما کبر ثلاثا و کبر أصحابه-  فقال من هذا-  قال هذا الزبیر قال ابن أختک قال نعم-  قال ثم مرت به بنو غفار فی ثلاثمائه یحمل رایتهم أبو ذر-  و یقال إیماء بن رحضه-  فلما حاذوهما کبروا ثلاثا- 

قال یا أبا الفضل من هؤلاء قال بنو غفار-  قال ما لی و لبنی غفار-  ثم مرت به أسلم فی أربعمائه-  یحمل لواءها یزید بن الخصیب-  و لواء آخر مع ناجیه بن الأعجم فلما حاذوه کبروا ثلاثا-  فسأل عنهم فقال هؤلاء أسلم فقال ما لی و لأسلم-  ما کان بیننا و بینهم تره قط-  ثم مرت بنو کعب بن عمرو بن خزاعه فی خمسمائه-  یحمل رایتهم بشر بن سفیان-  فقال من هؤلاء قال کعب بن عمرو قال نعم حلفاء محمد-  فلما حاذوه کبروا ثلاثا-  ثم مرت مزینه فی ألف فیها ثلاثه ألویه-  مع النعمان بن مقرن و بلال بن الحارث و عبد الله بن عمرو-  فلما حاذوهما کبروا-  قال من هؤلاء قال مزینه قال یا أبا الفضل ما لی و لمزینه-  قد جاءتنی تقعقع من شواهقها-ثم مرت جهینه فی ثمانمائه فیها أربعه ألویه-  مع معبد بن خالد و سوید بن صخر و رافع بن مکیث-  و عبد الله بن بدر-  فلما حاذوه کبروا ثلاثا فسأل عنهم فقیل جهینه-  ثم مرت بنو کنانه و بنو لیث و ضمره و سعد بن أبی بکر-  فی مائتین یحمل لواءهم أبو واقد اللیثی-  فلما حاذوه کبروا ثلاثا- 

قال من هؤلاء قال بنو بکر قال نعم أهل شؤم هؤلاء-  الذین غزانا محمد لأجلهم-  أما و الله ما شوورت فیهم و لا علمته-  و لقد کنت له کارها حیث بلغنی و لکنه أمر حم-  قال العباس لقد خار الله لک فی غزو محمد إیاکم-  و دخلتم فی الإسلام کافه-  ثم مرت أشجع-  و هم آخر من مر به قبل أن تأتی کتیبه رسول الله ص-  و هم ثلاثه یحمل لواءهم معقل بن سنان-  و لواء آخر مع نعیم بن مسعود فکبروا-  قال من هؤلاء قال أشجع-  فقال هؤلاء کانوا أشد العرب على محمد-  قال العباس نعم و لکن الله أدخل الإسلام قلوبهم-  و ذلک من فضل الله-  فسکت و قال أ ما مر محمد بعد قال لا-  و لو رأیت الکتیبه التی هو فیها-  لرأیت الحدید و الخیل و الرجال و ما لیس لأحد به طاقه-  فلما طلعت کتیبه رسول الله ص الخضراء-  طلع سواد شدید و غبره من سنابک الخیل-  و جعل الناس یمرون کل ذلک یقول أ ما مر محمد بعد-  فیقول العباس لا حتى مر رسول الله ص-  یسیر على ناقته القصوى بین أبی بکر و أسید بن حضیر-  و هو یحدثهما- 

و قال له العباس هذا رسول الله ص فی کتیبته الخضراء-  فانظر-  قال و کان فی تلک الکتیبه وجوه المهاجرین و الأنصار-  و فیها الألویه و الرایات-  و کلهم منغمسون فی الحدید لا یرى منهم إلا الحدق-  و لعمر بن الخطاب فیها زجل و علیه الحدید و صوته عال و هو یزعها-  فقال یا أبا الفضل من هذا المتکلم-  قال هذاعمر بن الخطاب-  قال لقد أمر أمر بنی عدی بعد قله و ذله-  فقال إن الله یرفع من یشاء بما یشاء-  و إن عمر ممن رفعه الإسلام-  و کان فی الکتیبه ألفا دارع-  و رایه رسول الله ص مع سعد بن عباده و هو أمام الکتیبه-  فلما حاذاهما سعد نادى یا أبا سفیان- 

   الیوم یوم الملحمه
الیوم تسبى الحرمه

الیوم أذل الله قریشا- فلما حاذاهما رسول الله ص ناداه أبو سفیان- یا رسول الله أمرت بقتل قومک أن سعدا قال-

الیوم یوم الملحمه
الیوم تسبى الحرمه

 الیوم أذل الله قریشا-  و إنی أنشدک الله فی قومک فأنت أبر الناس-  و أرحم الناس و أوصل الناس-  فقال عثمان بن عفان و عبد الرحمن بن عوف-  یا رسول الله إنا لا نأمن سعدا أن یکون له فی قریش صوله- فوقف رسول الله ص و ناداه-  یا أبا سفیان بل الیوم یوم المرحمه-  الیوم أعز الله قریشا-  و أرسل إلى سعد فعزله عن اللواء-  و اختلف فیمن دفع إلیه اللواء-  فقیل دفعه إلى علی بن أبی طالب ع-  فذهب به حتى دخل مکه فغرزه عند الرکن-  و هو قول ضرار بن الخطاب الفهری-  و قیل دفعه إلى قیس بن سعد بن عباده-  و رأى رسول الله ص أنه لم یخرجه عن سعد حیث دفعه إلى ولده-  فذهب به حتى غرزه بالحجون-  قال و قال أبو سفیان للعباس-  ما رأیت مثل هذه الکتیبه قط و لا أخبرنیه مخبر-  سبحان الله ما لأحد بهؤلاء طاقه و لا یدان-  لقد أصبح ملک ابن أخیک یا عباس عظیما-  قال فقلت ویحک إنه لیس بملک و إنها النبوه قال نعم- .

قال الواقدی قال العباس فقلت له-  انج ویحک فأدرک قومک قبل أن یدخل‏ علیهم-  فخرج أبو سفیان حتى دخل من کداء و هو ینادی-  من دخل دار أبی سفیان فهو آمن-  و من أغلق علیه بابه فهو آمن-  حتى انتهى إلى هند بنت عتبه فقالت ما وراءک-  قال هذا محمد فی عشره آلاف علیهم الحدید-  و قد جعل لی أنه من دخل داری فهو آمن-  و من أغلق علیه بابه فهو آمن و من ألقى سلاحه فهو آمن-  فقالت قبحک الله من رسول قوم و جعلت تقول ویحکم-  اقتلوا وافدکم قبحه الله من وافد قوم-  فیقول أبو سفیان ویحکم-  لا تغرنکم هذه من أنفسکم فإنی رأیت ما لم تروا-  الرجال و الکراع و السلاح لیس لأحد بهذا طاقه-  محمد فی عشره آلاف فأسلموا تسلموا-  و قال المبرد فی الکامل-  أمسکت هند برأس أبی سفیان و قالت بئس طلیعه القوم-  و الله ما خدشت خدشا یا أهل مکه-  علیکم الحمیت الدسم فاقتلوه-  قال الحمیت الزق المزفت- .

قال الواقدی و خرج أهل مکه إلى ذی طوى-  ینظرون إلى رسول الله ص-  و انضوى إلى صفوان بن أمیه و عکرمه بن أبی جهل-  و سهیل بن عمرو ناس من أهل مکه و من بنی بکر و هذیل-  فلبسوا السلاح و أقسموا لا یدخل محمد مکه عنوه أبدا-  و کان رجل من بنی الدؤل یقال له-  حماس بن قیس بن خالد الدؤلی-  لما سمع برسول الله ص جلس یصلح سلاحه-  فقالت له امرأته لم تعد السلاح قال لمحمد و أصحابه-  و إنی لأرجو أن أخدمک منهم خادما فإنک إلیه محتاجه-  قالت ویحک لا تفعل لا تقاتل محمدا-  و الله لیضلن هذا عنک لو رأیت محمدا و أصحابه-  قال سترین و أقبل رسول الله ص-  و هو على ناقته القصواء معتجرا ببرد حبره-  و علیه عمامه سوداء و رایته سوداء و لواؤه أسود-  حتى وقف بذی طوى و توسط الناس-  و إن عثنونه لیمس واسطه الرحل أو یقرب منه تواضعا لله-  حیث رأى ما رأى من الفتح و کثره المسلمین-  و قال لا عیش إلا عیش الآخره- .

   و جعلت الخیل تعج بذی طوى فی کل وجه-  ثم ثابت و سکنت و التفت رسول الله ص إلى أسید بن حضیر-  فقال کیف قال حسان بن ثابت قال فأنشده- 

   عدمنا خیلنا إن لم تروها
تثیر النقع موعدها کداء

تظل جیادنا متمطرات‏
تلطمهن بالخمر النساء

 فتبسم رسول الله ص و حمد الله-  و أمر الزبیر بن العوام أن یدخل من کداء-  و أمر خالد بن الولید أن یدخل من اللیط-  و أمر قیس بن سعد أن یدخل من کدى-  و دخل هو ص من أذاخر- . قال الواقدی-  و حدثنی مروان بن محمد عن عیسى بن عمیله الفزاری-  قال دخل رسول الله ص مکه بین الأقرع بن حابس و عیینه بن حصن- . قال الواقدی و روى عیسى بن معمر-  عن عباد بن عبد الله عن أسماء بنت أبی بکر قالت-  صعد أبو قحافه بصغرى بناته و اسمها قریبه-  و هو یومئذ أعمى و هی تقوده حتى ظهرت به إلى أبی قبیس-  فلما أشرفت به قال یا بنیه ما ذا ترین- 

قالت أرى سوادا مجتمعا مقبلا کثیرا-  قال یا بنیه تلک الخیل فانظری ما ذا ترین-  قالت أرى رجلا یسعى بین ذلک السواد مقبلا و مدبرا-  قال ذاک الوازع فانظری ما ذا ترین-  قالت قد تفرق السواد قال قد تفرق الجیش البیت البیت-  قالت فنزلت الجاریه به و هی ترعب لما ترى-  فقال یا بنیه لا تخافی-  فو الله إن أخاک عتیقا لآثر أصحاب محمد عند محمد-  قالت و علیها طوق من فضه-  فاختلسه بعض من دخل- فلما دخل رسول الله ص مکه-  جعل أبو بکر ینادی أنشدکم الله أیها الناس طوق أختی-  فلم یرد أحد علیه-  فقال یا أخیه احتسبی طوقک-  فإن الأمانه فی الناس قلیل- . قال الواقدی و نهى رسول الله ص عن الحرب-  و أمر بقتل سته رجال و أربع نسوه-  عکرمه بن أبی جهل و هبار بن الأسود-  و عبد الله بن سعد بن أبی سرح-  و مقیس بن صبابه اللیثی و الحویرث بن نفیل-  و عبد الله بن هلال بن خطل الأدرمی-  و هند بنت عتبه و ساره مولاه لبنی هاشم-  و قینتین لابن خطل قریبا و قریبه-  و یقال قرینا و أرنب- .

قال الواقدی و دخلت الجنود کلها-  فلم تلق حربا إلا خالد بن الولید-  فإنه وجد جمعا من قریش و أحابیشها قد جمعوا له-  فیهم صفوان بن أمیه و عکرمه بن أبی جهل-  و سهیل بن عمرو-  فمنعوه الدخول و شهروا السلاح و رموه بالنبل-  و قالوا لا تدخلها عنوه أبدا-  فصاح خالد فی أصحابه و قاتلهم-  فقتل من قریش أربعه و عشرون و من هذیل أربعه-  و انهزموا أقبح انهزام حتى قتلوا بالحزوره-  و هم مولون من کل وجه-  و انطلقت طائفه منهم فوق رءوس الجبال-  و اتبعهم المسلمون-  و جعل أبو سفیان بن حرب و حکیم بن حزام ینادیان-  یا معشر قریش علام تقتلون أنفسکم-  من دخل داره فهو آمن و من أغلق علیه بابه فهو آمن-  و من وضع السلاح فهو آمن-  فجعل الناس یقتحمون الدور و یغلقون علیهم الأبواب-  و یطرحون السلاح فی الطرق حتى یأخذه المسلمون- . قال الواقدی و أشرف رسول الله ص من على ثنیه أذاخر-  فنظر إلى البارقه فقال ما هذه البارقه-  أ لم أنه عن القتال-  قیل یا رسول الله خالد بن الولیدقوتل-  و لو لم یقاتل ما قاتل-  فقال قضاء الله خیر-  و أقبل ابن خطل مدججا فی الحدید-  على فرس ذنوب بیده قناه یقول-  لا و الله لا یدخلها عنوه حتى یرى ضربا کأفواه المزاد-  فلما انتهى إلى الخندمه و رأى القتال-  دخله رعب حتى ما یستمسک من الرعده-  و مر هاربا حتى انتهى إلى الکعبه-  فدخل بین أستارها بعد أن طرح سلاحه و ترک فرسه-  و أقبل حماس بن خالد الدؤلی منهزما حتى أتى بیته فدقه-  ففتحت له امرأته فدخل و قد ذهبت روحه-  فقالت أین الخادم التی وعدتنی-  ما زلت منتظرتک منذ الیوم تسخر به-  فقال دعی هذا و أغلقی الباب-  فإنه من أغلق بابه فهو آمن-  قالت ویحک أ لم أنهک عن قتال محمد-  و قلت لک إنی ما رأیته یقاتلکم مره-  إلا و ظهر علیکم و ما بابنا-  قال إنه لا یفتح على أحد بابه-  ثم أنشدها- 

   إنک لو شهدتنا بالخندمه
إذ فر صفوان و فر عکرمه‏

و بو یزید کالعجوز المؤتمه‏
و ضربناهم بالسیوف المسلمه‏

لهم زئیر خلفنا و غمغمه
لم تنطقی فی اللوم أدنى کلمه‏

 قال الواقدی و حدثنی قدامه بن موسى-  عن بشیر مولى المازنیین عن جابر بن عبد الله قال-  کنت ممن لزم رسول الله ص یومئذ-  فدخلت معه یوم الفتح من أذاخر-  فلما أشرف نظر إلى بیوت مکه فحمد الله و أثنى علیه-  و نظر إلى موضع قبه بالأبطح تجاه شعب بنی هاشم-  حیث حصر رسول الله ص و أهله ثلاث‏سنین-  و قال یا جابر-  إن منزلنا الیوم حیث تقاسمت علینا قریش فی کفرها-  قال جابر فذکرت کلاما کنت أسمعه فی المدینه قبل ذلک-  کان یقول منزلنا غدا إن شاء الله إذا فتح علینا مکه-  فی الخیف حیث تقاسموا على الکفر- . قال الواقدی-  و کانت قبته یومئذ بالأدم ضربت له بالحجون-  فأقبل حتى انتهى إلیها و معه أم سلمه و میمونه قال الواقدی و حدثنی معاویه بن عبد الله بن عبید الله-  عن أبیه عن أبی رافع قال-  قیل للنبی ص أ لا تنزل منزلک من الشعب-  قال و هل ترک لنا عقیل من منزل-  و کان عقیل قد باع منزل رسول الله ص-  و منازل إخوته من الرجال و النساء بمکه-  فقیل لرسول الله ص فانزل فی بعض بیوت مکه من غیر منازلک-  فأبى و قال لا أدخل البیوت-  فلم یزل مضطربا بالحجون لم یدخل بیتا-  و کان یأتی إلى المسجد من الحجون-  قال و کذلک فعل فی عمره القضیه و فی حجته- .

قال الواقدی و کانت أم هانئ بنت أبی طالب-  تحت هبیره بن أبی وهب المخزومی-  فلما کان یوم الفتح دخل علیها حموان لها-  عبد الله بن أبی ربیعه و الحارث بن هشام المخزومیان-  فاستجارا بها و قالا نحن فی جوارک-  فقالت نعم أنتما فی جواری-  قالت أم هانئ-  فهما عندی إذ دخل علی فارس مدجج فی الحدید و لا أعرفه-  فقلت له أنا بنت عم رسول الله فأسفر عن وجهه-  فإذا علی أخی فاعتنقته-  و نظر إلیهما فشهر السیف علیهما-  فقلت أخی من بین الناس تصنع بی هذا-  فألقیت علیهما ثوبا فقال أ تجیرین المشرکین-  فحلت دونهما و قلت لا و الله و ابتدئ بی قبلهما-  قالت فخرج و لم یکد فأغلقت علیهما بیتا و قلت لا تخافا-  و ذهبت إلى خباء رسول الله ص‏بالبطحاء فلم أجده-  و وجدت فیه فاطمه فقلت لها ما لقیت من ابن أمی علی-  أجرت حموین لی من المشرکین فتفلت علیهما لیقتلهما-  قالت و کانت أشد علی من زوجها-  و قالت لم تجیرین المشرکین-  و طلع رسول الله ص و علیه الغبار-  فقال مرحبا بفاخته و هو اسم أم هانئ-  فقلت ما ذا لقیت من ابن أمی علی ما کدت أفلت منه-  أجرت حموین لی من المشرکین فتفلت علیهما لیقتلهما-  فقال ما کان ذلک له قد أجرنا من أجرت و أمنا من أمنت-  ثم أمر فاطمه فسکبت له غسلا فاغتسل-  ثم صلى ثمانی رکعات-  فی ثوب واحد ملتحفا به وقت الضحى-  قالت فرجعت إلیهما و أخبرتهما و قلت إن شئتما فأقیما-  و إن شئتما فارجعا إلى منازلکما-  فأقاما عندی فی منزلی یومین ثم انصرفا إلى منازلهما- .

و أتى آت إلى النبی ص فقال-  إن الحارث بن هشام و عبد الله بن أبی ربیعه-  جالسان فی نادیهما متفضلان فی الملإ المزعفر-  فقال لا سبیل إلیهما قد أجرناهما- . قال الواقدی-  و مکث رسول الله ص فی قبه ساعه من النهار-  ثم دعا براحلته بعد أن اغتسل و صلى-  فأدنیت إلى باب القبه-  و خرج و علیه السلاح و المغفر على رأسه و قد صف له الناس-  فرکبها و الخیل تمعج ما بین الخندمه إلى الحجون-  ثم مر و أبو بکر إلى جانبه على راحله أخرى یسیر و یحادثه-  و إذا بنات أبی أحیحه سعید بن العاص بالبطحاء-  حذاء منزل أبی أحیحه و قد نشرن شعورهن-  فلطمن وجوه الخیل بالخمر-  فنظر رسول الله ص إلى أبی بکر فتبسم و أنشده قول حسان-

تظل جیادنا متمطرات
تلطمهن بالخمر النساء

فلما انتهى إلى الکعبه تقدم على راحلته-  فاستلم الرکن بمحجنه و کبر فکبر المسلمون لتکبیره-  و عجوا بالتکبیر حتى ارتجت مکه-  و جعل رسول الله ص یشیر إلیهم أن اسکتوا-  و المشرکون فوق الجبال ینظرون-  ثم طاف بالبیت على راحلته-  و محمد بن مسلمه آخذ بزمامها-  و حول الکعبه ثلاثمائه و ستون صنما مرصوصه بالرصاص-  و کان هبل أعظمها و هو تجاه الکعبه على بابها-  و إساف و نائله حیث ینحرون و یذبحون الذبائح-  فجعل کلما یمر بصنم منها یشیر بقضیب فی یده-  و یقول جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل کان زهوقا-  فیقع الصنم لوجهه ثم أمر بهبل فکسر و هو واقف علیه-  فقال الزبیر لأبی سفیان یا أبا سفیان قد کسر هبل-  أ ما إنک قد کنت منه یوم أحد فی غرور-  حین تزعم أنه قد أنعم-  فقال دع هذا عنک یا ابن العوام-  فقد أرى أن لو کان مع إله محمد غیره لکان غیر ما کان- .

قال الواقدی ثم انصرف رسول الله ص-  فجلس ناحیه من المسجد-  و أرسل بلالا إلى عثمان بن طلحه یأتیه بالمفتاح-  مفتاح الکعبه-  فقال عثمان نعم فخرج إلى أمه و هی بنت شیبه-  فقال لها و المفتاح عندها یومئذ-  إن رسول الله ص قد طلب المفتاح-  فقالت أعیذک بالله-  أن یکون الذی یذهب مأثره قومه على یده-  فقال فو الله لتأتینی به أو لیأتینک غیری فیأخذه منک-  فأدخلته فی حجرتها و قالت-  أی رجل یدخل یده هاهنا-  فبینما هما على ذلک و هو یکلمها-  إذ سمعت صوت أبی بکر و عمر فی الدار-  و عمر رافع صوته حین رأى عثمان أبطأ-  یا عثمان اخرج فقالت أمه خذ المفتاح-  فلأن تأخذه أنت أحب إلی من أن یأخذه تیم و عدی-  فأخذه فأتى به رسول الله ص-  فلما تناوله بسط العباس بن عبد المطلب یده و قال-  یا رسول الله بأبی أنت اجمع لنا بین السقایه و الحجابه-  فقال إنما أعطیکم ما ترضون فیه-  و لا أعطیکم ما ترزءون منه-قالوا و کان عثمان بن طلحه قد قدم على رسول الله ص-  مع خالد بن الولید و عمرو بن العاص مسلما قبل الفتح- .

قال الواقدی-  و بعث رسول الله ص عمر بن الخطاب-  و معه عثمان بن طلحه-  و أمره أن یفتح البیت فلا یدع فیه صوره و لا تمثالا-  إلا صوره إبراهیم الخلیل ع-  فلما دخل الکعبه-  رأى صوره إبراهیم شیخا کبیرا یستقسم بالأزلام- .

قال الواقدی-  و قد روی أنه أمره بمحو الصور کلها لم یستثن-  فترک عمر صوره إبراهیم-  فقال لعمر أ لم آمرک ألا تدع فیها صوره-  فقال عمر کانت صوره إبراهیم قال فامحها-  و قال قاتلهم الله جعلوه شیخا یستقسم بالأزلام- . قال و محا صوره مریم-  قال و قد روی أن رسول الله ص محا الصور بیده-  روى ذلک ابن أبی ذئب عن عبد الرحمن بن مهران عن عمیر مولى ابن عباس عن أسامه بن زید قال دخلت مع رسول الله ص الکعبه-  فرأى فیها صورا فأمرنی أن آتیه فی الدلو بماء-  فجعل یبل به الثوب و یضرب به الصور و یقول-  قاتل الله قوما یصورون ما لا یخلقون

 قال الواقدی و أمر رسول الله ص بالکعبه فأغلقت علیه-  و معه فیها أسامه بن زید و بلال بن رباح و عثمان بن طلحه-  فمکث فیها ما شاء الله-  و خالد بن الولید واقف على الباب یذب الناس عنه-  حتى خرج رسول الله ص-  فوقف و أخذ بعضادتی الباب-  و أشرف على الناس و فی یده المفتاح-  ثم جعله فی کمه و أهل مکه قیام تحته-  و بعضهم جلوس قد لیط بهم-  فقال الحمد لله الذی‏ صدق وعده و نصر عبده-  و هزم الأحزاب وحده ما ذا تقولون-  و ما ذا تظنون قالوا نقول خیرا و نظن شرا-  أخ کریم و ابن أخ کریم و قد قدرت-  فقال إنی أقول کما قال أخی یوسف-  لا تَثْرِیبَ عَلَیْکُمُ الْیَوْمَ-  یَغْفِرُ اللَّهُ لَکُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِینَ-  ألا إن کل ربا فی الجاهلیه أو دم أو مأثره-  فهو تحت قدمی هاتین إلا سدانه الکعبه و سقایه الحاج-  ألا و فی قتیل شبه العمد-  قتیل العصا و السوط الدیه مغلظه مائه ناقه-  منها أربعون فی بطونها أولادها-  إن الله قد أذهب نخوه الجاهلیه و تکبرها بآبائها-  کلکم لآدم و آدم من تراب-  و أکرمکم عند الله أتقاکم-  ألا إن الله حرم مکه یوم خلق السماوات و الأرض-  فهی حرام بحرم الله لم تحل لأحد کان قبل-  و لا تحل لأحد یأتی بعدی-  و ما أحلت لی إلا ساعه من النهار- 

قال یقصدها رسول الله ص بیده هکذا-  لا ینفر صیدها و لا یعضد عضاهها-  و لا تحل لقطتها إلا لمنشد و لا یختلى خلاها-  فقال العباس إلا الإذخر یا رسول الله-  فإنه لا بد منه للقبور و البیوت-  فسکت رسول الله ص ساعه-  ثم قال إلا الإذخر فإنه حلال-  و لا وصیه لوارث و الولد للفراش و للعاهر الحجر-  و لا یحل لامرأه أن تعطی من مالها إلا بإذن زوجها-  و المسلم أخو المسلم و المسلمون إخوه-  ید واحده على من سواهم تتکافأ دماؤهم-  یسعى بذمتهم أدناهم و یرد علیهم أقصاهم-  و لا یقتل مسلم بکافر و لا ذو عهد فی عهده-  و لا یتوارث أهل ملتین مختلفتین-  و لا تنکح المرأه على عمتها و لا على خالتها-  و البینه على من ادعى و الیمین على من أنکر-  و لا تسافر امرأه مسیره ثلاث إلا مع ذی محرم-  و لا صلاه بعد العصر و لا بعد الصبح-  و أنهاکم عن صیام یومین یوم الأضحى و یوم الفطرثم قال ادعوا لی عثمان بن طلحه فجاء-  و قد کان رسول الله ص قال له یوما بمکه قبل الهجره-  و مع عثمان المفتاح-  لعلک سترى هذا المفتاح بیدی یوما أضعه حیث شئت-  فقال عثمان لقد هلکت قریش إذا و ذلت-  فقال ع بل عمرت و عزت- 

قال عثمان فلما دعانی یومئذ و المفتاح بیده-  ذکرت قوله حین قال-  فاستقبلته‏ببشر فاستقبلنی بمثله-  ثم قال خذوها یا بنی أبی طلحه خالده تالده-  لا ینزعها منکم إلا ظالم-  یا عثمان إن الله استأمنکم على بیته-  فکلوا بالمعروف-  قال عثمان فلما ولیت نادانی فرجعت-  فقال أ لم یکن الذی قلت لک-  یعنی ما کان قاله بمکه من قبل-  فقلت بلى أشهد أنک رسول الله ص قال الواقدی و أمر رسول الله ص یومئذ برفع السلاح-  و قال إلا خزاعه عن بنی بکر إلى صلاه العصر-  فخبطوهم بالسیف ساعه و هی الساعه التی أحلت لرسول الله ص- .

قال الواقدی و قد کان نوفل بن معاویه الدؤلی من بنی بکر-  استأمن رسول الله ص على نفسه فأمنه-  و کانت خزاعه-  تطلبه بدماء من قتلت بکر و قریش منها بالوتیر-  و قد کانت خزاعه قالت أیضا لرسول الله ص-  إن أنس بن زنیم هجاک فهدر رسول الله ص-  دمه-  فلما فتح مکه هرب و التحق بالجبال-  و قد کان قبل أن یفتح رسول الله ص مکه-  قال شعرا یعتذر فیه إلى رسول الله ص من جملته- 

 أنت الذی تهدى معد بأمره
بک الله یهدیها و قال لها ارشدی‏

فما حملت من ناقه فوق کورها
أبر و أوفى ذمه من محمد

أحث على خیر و أوسع نائلا
إذا راح یهتز اهتزاز المهند

و أکسى لبرد الخال قبل ارتدائه‏
و أعطى لرأس السابق المتجرد

تعلم رسول الله أنک مدرکی
و إن وعیدا منک کالأخذ بالید

تعلم رسول الله أنک قادر
على کل حی من تهام و منجد

و نبی رسول الله أنی هجوته
فلا رفعت سوطی إلی إذن یدی‏

سوى أننی قد قلت یا ویح فتیه
أصیبوا بنحس یوم طلق و أسعد

أصابهم من لم یکن لدمائهم
کفاء فعزت عبرتی و تلددی‏

ذؤیبا و کلثوما و سلمى تتابعوا
جمیعا فإلا تدمع العین أکمد

على أن سلمى لیس منهم کمثله
و إخوته و هل ملوک کأعبد

فإنی لا عرضا خرقت و لا دما
هرقت ففکر عالم الحق و اقصد

قال الواقدی و کانت کلمته هذه-  قد بلغت رسول الله ص قبل أن یفتح مکه-  فنهنهت عنه و کلمه یوم الفتح نوفل بن معاویه الدؤلی-  فقال یا رسول الله أنت أولى الناس بالعفو-  و من منا لم یعادک و لم یؤذک-  و نحن فی جاهلیه لا ندری ما نأخذ و ما ندع-  حتى هدانا الله بک و أنقذنا بیمنک من الهلکه-  و قد کذب علیه الرکب و کثروا فی أمره عندک-  فقال رسول الله ص دع الرکب عنک أنا لم نجد بتهامه أحدا-  من ذوی رحم و لا بعید الرحم کان أبر بنا من خزاعه-  فاسکت یا نوفل-  فلما سکت قال رسول الله ص-  قد عفوت عنه فقال نوفل فداک أبی و أمی- .

قال الواقدی و جاءت الظهر-  فأمر رسول الله ص بلالا أن یؤذن فوق ظهر الکعبه-  و قریش فی رءوس الجبال-  و منهم من قد تغیب و ستر وجهه خوفا من أن یقتلوا-  و منهم من یطلب الأمان و منهم من قد أمن-  فلما أذن بلال و بلغ إلى قوله-  أشهد أن محمدا رسول الله ص-  رفع صوته کأشد ما یکون قال-  تقول جویریه بنت أبی جهل قد لعمری رفع لک ذکرک-  فأما الصلاه فسنصلی-  و لکن و الله لا نحب من قتل الأحبه أبدا-  و لقد کان جاء أبی الذی جاء محمدا من النبوه-  فردها و لم یرد خلاف قومه- .

و قال خالد بن سعید بن العاص-  الحمد لله الذی أکرم أبی فلم یدرک هذا الیوم-و قال الحارث بن هشام وا ثکلاه-  لیتنی مت قبل هذا الیوم-  قبل أن أسمع بلالا ینهق فوق الکعبه-  و قال الحکم بن أبی العاص هذا و الله الحدث العظیم-  أن یصیح عبد بنی جمح-  یصیح بما یصیح به على بیت أبی طلحه-  و قال سهیل بن عمرو-  إن کان هذا سخطا من الله تعالى فسیغیره-  و إن کان لله رضا فسیقره-  و قال أبو سفیان أما أنا فلا أقول شیئا-  لو قلت شیئا لأخبرته هذه الحصباء-  قال فأتى جبرئیل ع رسول الله ص فأخبره مقاله القوم- .

قال الواقدی فکان سهیل بن عمرو یحدث فیقول-  لما دخل محمد مکه انقمعت فدخلت بیتی و أغلقته علی-  و قلت لابنی عبد الله بن سهیل-  اذهب فاطلب لی جوارا من محمد فإنی لا آمن أن أقتل-  و جعلت أتذکر أثری عنده و عند أصحابه-  فلا أرى أسوأ أثرا منی-  فإنی لقیته یوم الحدیبیه بما لم یلقه أحد به-  و کنت الذی کاتبه مع حضوری بدرا و أحدا-  و کلما تحرکت قریش کنت فیها-  فذهب عبد الله بن سهیل إلى رسول الله ص فقال-  یا رسول الله أبی تؤمنه قال نعم هو آمن بأمان الله-  فلیظهر-  ثم التفت إلى من حوله فقال-  من لقی سهیل بن عمرو فلا یشدن النظر إلیه-  ثم قال قل له فلیخرج فلعمری إن سهیلا له عقل و شرف-  و ما مثل سهیل جهل الإسلام-  و لقد رأى ما کان یوضع فیه إن لم یکن له تتابع-  فخرج عبد الله إلى أبیه فأخبره بمقاله رسول الله ص-  فقال سهیل کان و الله برا صغیرا و کبیرا-  و کان سهیل یقبل و یدبر غیر خائف-  و خرج إلى خیبر مع النبی ص و هو على شرکه حتى أسلم بالجعرانه

الجزء الثامن عشر

تتمه أبواب الکتب و الرسائل

تتمه ۶۴ کتاب له ع إلى معاویه

ذکر بقیه الخبر عن فتح مکه

بسم الله الرحمن الرحیم-  الحمد لله الواحد العدل قال الواقدی و هرب هبیره بن أبی وهب-  و عبد الله بن الزبعری جمیعا حتى انتهیا إلى نجران-  فلم یأمنا الخوف حتى دخلا حصن نجران-  فقیل ما شأنکما قالا-  أما قریش فقد قتلت و دخل محمد مکه-  و نحن و الله نرى أن محمدا سائر إلى حصنکم هذا-  فجعلت بلحارث بن کعب یصلحون ما رث من حصنهم-  و جمعوا ماشیتهم فأرسل حسان بن ثابت إلى ابن الزبعرى- 

لا تعدمن رجلا أحلک بغضه
نجران فی عیش أجد ذمیم‏

بلیت قناتک فی الحروب فألفیت‏
جوفاء ذات معایب و وصوم‏

غضب الإله على الزبعرى و ابنه
بعذاب سوء فی الحیاه مقیم‏

 فلما جاء ابن الزبعرى شعر حسان تهیأ للخروج-  فقال هبیره بن وهب أین ترید یا ابن عم-  قال له أرید و الله محمدا-  قال أ ترید أن تتبعه قال إی و الله-  قال هبیره یا لیت أنی کنت رافقت غیرک-  و الله ما ظننت أنک تتبع محمدا أبدا-  قال ابن الزبعرى هو ذاک-  فعلى أی شی‏ء أقیم مع بنی الحارث بن کعب-  و أترک ابن عمى و خیر الناس و أبرهم-  و بین قومی و داری-  فانحدر ابن الزبعرى-  حتى جاء رسول الله ص-و هو جالس فی أصحابه فلما نظر إلیه قال-  هذا ابن الزبعرى و معه وجه فیه نور الإسلام-  فلما وقف على رسول الله ص قال-  السلام علیک یا رسول الله-  شهدت أن لا إله إلا الله-  و أنک عبده و رسوله-  و الحمد لله الذی هدانی للإسلام-  لقد عادیتک و أجلبت علیک-  و رکبت الفرس و البعیر-  و مشیت على قدمی فی عداوتک-  ثم هربت منک إلى نجران-  و أنا أرید ألا أقرب الإسلام أبدا-  ثم أرادنی الله منه بخیر-  فألقاه فی قلبی و حببه إلی-  و ذکرت ما کنت فیه من الضلال-  و اتباع ما لا ینفع ذا عقل من حجر یعبد-  و یذبح له لا یدرى من عبده و من لا یعبده-  فقال رسول الله ص الحمد لله الذی هداک للإسلام-  احمد الله إن الإسلام یجب ما کان قبله-  و أقام هبیره بنجران-  و أسلمت أم هانئ-  فقال هبیره حین بلغه إسلامها یوم الفتح-  یؤنبها شعرا من جملته- 

    و إن کنت قد تابعت دین محمد
و قطعت الأرحام منک حبالها

فکونی على أعلى سحوق بهضبه
ململمه غبراء یبس بلالها

 فأقام بنجران حتى مات مشرکا- . قال الواقدی و هرب حویطب بن عبد العزى-  فدخل حائطا بمکه-  و جاء أبو ذر لحاجته-  فدخل الحائط فرآه-  فهرب حویطب فقال أبو ذر-  تعال فأنت آمن فرجع إلیه فقال-  أنت آمن فاذهب حیث شئت-  و إن شئت أدخلتک على رسول الله ص-  و إن شئت فإلى منزلک-  قال و هل من سبیل إلى منزلی ألفى-  فأقتل قبل أن أصل إلى منزلی-أو یدخل علی منزلی فأقتل-  قال فأنا أبلغ معک منزلک-  فبلغ معه منزله ثم جعل ینادی على بابه-  أن حویطبا آمن فلا یهیج-  ثم انصرف إلى رسول الله ص فأخبره-  فقال أ و لیس قد أمنا الناس کلهم-  إلا من أمرت بقتله- .

قال الواقدی و هرب عکرمه بن أبی جهل إلى الیمن-  حتى رکب البحر-  قال و جاءت زوجته أم حکیم بنت الحارث بن هشام-  إلى رسول الله ص فی نسوه منهن هند بنت عتبه-  و قد کان رسول الله ص أمر بقتلها-  و البغوم بنت المعدل الکنانیه امرأه صفوان بن أمیه-  و فاطمه بنت الولید بن المغیره امرأه الحارث بن هشام-  و هند بنت عتبه بن الحجاج-  أم عبد الله بن عمرو بن العاص-  و رسول الله ص بالأبطح فأسلمن-  و لما دخلن علیه دخلن و عنده زوجتاه-  و ابنته فاطمه و نساء من نساء بنی عبد المطلب-  و سألن أن یبایعهن فقال إنی لا أصافح النساء- 

و یقال إنه وضع على یده ثوبا فمسحن علیه-  و یقال کان یؤتى بقدح من ماء فیدخل یده فیه-  ثم یرفعه إلیهن فیدخلن أیدیهن فیه-  فقالت أم حکیم امرأه عکرمه یا رسول الله-  إن عکرمه هرب منک إلى الیمن-  خاف أن تقتله فأمنه-  فقال هو آمن فخرجت أم حکیم فی طلبه-  و معها غلام لها رومی فراودها عن نفسها-  فجعلت تمنیه حتى قدمت به على حی-  فاستغاثت بهم علیه فأوثقوه رباطا-  و أدرکت عکرمه و قد انتهى إلى ساحل من سواحل تهامه-  فرکب البحر فهاج بهم-  فجعل نوتی السفینه یقول له-  أن أخلص قال أی شی‏ء أقول-  قال قل لا إله إلا الله- 

قال عکرمه ما هربت إلا من هذا-  فجاءت أم حکیم على هذا من الأمر-  فجعلت تلح علیه و تقول یا ابن عم-  جئتک من عند خیر الناس و أوصل الناس و أبر الناس-  لا تهلک نفسک فوقف لها حتى أدرکته-  فقالت إنی قد استأمنت لک رسول الله ص فأمنک-  قال‏أنت فعلت قالت نعم أنا کلمته فأمنک-  فرجع معها فقالت ما لقیت من غلامک الرومی-  و أخبرته خبره فقتله عکرمه-  فلما دنا من مکه قال رسول الله ص لأصحابه یأتیکم عکرمه بن أبی جهل مؤمنا-  فلا تسبوا أباه فإن سب المیت یؤذی الحی-  و لا یبلغ المیت-  فلما وصل عکرمه و دخل على رسول الله ص-  وثب إلیه ص و لیس علیه رداء فرحا به-  ثم جلس فوق عکرمه بین یدیه-  و معه زوجته منقبه فقال یا محمد-  إن هذه أخبرتنی أنک أمنتنی-  فقال صدقت أنت آمن-  فقال عکرمه فإلام تدعو-  فقال إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله-  و أنی رسول الله و أن تقیم الصلاه و تؤتی الزکاه-  و عد خصال الإسلام فقال عکرمه-  ما دعوت إلا إلى حق و إلى حسن جمیل-  و لقد کنت فینا من قبل أن تدعو إلى ما دعوت إلیه-  و أنت أصدقنا حدیثا و أعظمنا برا-  ثم قال فإنی أشهد أن لا إله إلا الله و أنک رسول الله-  فقال رسول الله ص-  لا تسألنی الیوم شیئا أعطیه أحدا إلا أعطیتکه- 

قال فإنی أسألک أن تغفر لی کل عداوه عادیتکها-  أو مسیر أوضعت فیه أو مقام لقیتک فیه-  أو کلام قلته فی وجهک أو أنت غائب عنه-  فقال اللهم اغفر له کل عداوه عادانیها-  و کل مسیر سار فیه إلی یرید بذلک إطفاء نورک-  و اغفر له ما نال منی و من عرضی-  فی وجهی أو أنا غائب عنه-  فقال عکرمه رضیت بذلک یا رسول الله-  ثم قال أما و الله لا أدع نفقه کنت أنفقها-  فی صد عن سبیل الله إلا أنفقت ضعفها-  فی سبیل الإسلام و فی سبیل الله-  و لأجتهدن فی القتال بین یدیک حتى أقتل شهیدا-  قال فرد علیه رسول الله ص امرأته بذلک النکاح الأول- . قال الواقدی و أما صفوان بن أمیه-  فهرب حتى أتى الشعبه و جعل یقول لغلامه‏ یسار-  و لیس معه غیره ویحک انظر من ترى-  فقال هذا عمیر بن وهب- 

قال صفوان ما أصنع بعمیر-  و الله ما جاء إلا یرید قتلی قد ظاهر محمدا علی-  فلحقه فقال صفوان یا عمیر ما لک-  ما کفاک ما صنعت حملتنی دینک و عیالک-  ثم جئت ترید قتلی فقال یا أبا وهب-  جعلت فداک جئتک من عند خیر الناس-  و أبر الناس و أوصل الناس-  و قد کان عمیر قال لرسول الله ص یا رسول الله-  سید قومی صفوان بن أمیه خرج هاربا لیقذف نفسه فی البحر-  خاف ألا تؤمنه فأمنه فداک أبی و أمی-  فقال قد أمنته فخرج فی أثره فقال-  إن رسول الله ص قد أمنک صفوان-  لا و الله حتى تأتینی بعلامه أعرفها-  فرجع إلى رسول الله ص فأخبره و قال-  یا رسول الله جئته و هو یرید أن یقتل نفسه-  فقال لا أرجع إلا بعلامه أعرفها-  فقال خذ عمامتی-  فرجع عمیر إلیه بعمامه رسول الله ص-  و هی البرد الذی دخل فیه رسول الله ص مکه-  معتجرا به برد حبره أحمر-  فخرج عمیر فی طلبه الثانیه حتى جاءه بالبرد فقال-  یا أبا وهب جئتک من عند خیر الناس-  و أوصل الناس و أبر الناس و أحلم الناس-  مجده مجدک و عزه عزک-  و ملکه ملکک ابن أبیک و أمک-  أذکرک الله فی نفسک-  فقال أخاف أن أقتل-  قال فإنه دعاک إلى الإسلام فإن رضیت-  و إلا سیرک شهرین فهو أوفى الناس و أبرهم-  و قد بعث إلیک ببرده الذی دخل به معتجرا-  أ تعرفه قال نعم-  فأخرجه-  فقال نعم هو هو-  فرجع صفوان حتى انتهى إلى رسول الله ص-  فوجده یصلی العصر بالناس فقال-  کم یصلون قالوا خمس صلوات فی الیوم و اللیله-  قال أ محمد یصلی بهم قالوا نعم-  فلما سلم من صلاته صاح صفوان یا محمد-  إن عمیر بن وهب جاءنی ببردک-  و زعم أنک دعوتنی إلى القدوم إلیک-  فإن رضیت أمرا و إلا سیرتنی شهرین-  فقال رسول الله ص انزل أبا وهب-  فقال لا و الله أو تبین لی- 

قال بل سر أربعه أشهر-  فنزل صفوان و خرج معه إلى حنین و هو کافر-  و أرسل إلیه یستعیر أدراعه و کانت مائه درع-  فقال أ طوعا أم کرها فقال ع-  بل طوعا عاریه مؤداه فأعاره إیاها-  ثم أعادها إلیه بعد انقضاء حنین و الطائف-  فلما کان رسول الله ص بالجعرانه-  یسیر فی غنائم هوازن ینظر إلیها-  فنظر صفوان إلى شعب هناک مملوء نعما وشاء ورعاء-  فأدام النظر إلیه و رسول الله ص یرمقه فقال-  أبا وهب یعجبک هذا الشعب-  قال نعم قال هو لک و ما فیه-  فقال صفوان ما طابت نفس أحد بمثل هذا-  إلا نفس نبی أشهد أن لا إله إلا الله-  و أنک رسول الله ص- .

قال الواقدی فأما عبد الله بن سعد بن أبی سرح-  فکان قد أسلم و کان یکتب لرسول الله ص الوحی-  فربما أملى علیه رسول الله ص سمیع علیم-  فیکتب عزیز حکیم و نحو ذلک-  و یقرأ على رسول الله ص فیقول کذلک الله-  و یقرأ فافتتن-  و قال و الله ما یدری ما یقول-  إنی لأکتب له ما شئت فلا ینکر-  و إنه لیوحى إلی کما یوحى إلى محمد-  و خرج هاربا من المدینه إلى مکه مرتدا-  فأهدر رسول الله دمه-  و أمر بقتله یوم الفتح-  فلما کان یومئذ جاء إلى عثمان و کان أخاه من الرضاعه-  فقال یا أخی إنی قد أجرتک فاحتبسنی هاهنا-  و اذهب إلى محمد فکلمه فی-  فإن محمدا إن رآنی ضرب عنقی-  أن جرمی أعظم الجرم و قد جئت تائبا-  فقال عثمان قم فاذهب معی إلیه-  قال کلا و الله إنه إن رآنی ضرب عنقی و لم یناظرنی-  قد أهدر دمی و أصحابه یطلبوننی فی کل موضع-  فقال عثمان انطلق معی فإنه لا یقتلک إن شاء الله-  فلم یرع رسول الله ص إلا بعثمان-آخذا بید عبد الله بن سعد واقفین بین یدیه-  فقال عثمان یا رسول الله هذا أخی من الرضاعه-  إن أمه کانت تحملنی و تمشیه و ترضعنی و تفطمه-  و تلطفنی و تترکه فهبه لی-  فأعرض رسول الله ص عنه-  و جعل عثمان کلما أعرض رسول الله عنه استقبله بوجهه-  و أعاد علیه هذا الکلام-  و إنما أعرض ع عنه إراده لأن یقوم رجل فیضرب عنقه-  فلما رأى ألا یقوم أحد و عثمان قد انکب علیه-  یقبل رأسه و یقول یا رسول الله-  بایعه فداک أبی و أمی على الإسلام-  فقال رسول الله ص نعم فبایعه- .

قال الواقدی قال رسول الله ص بعد ذلک للمسلمین-  ما منعکم أن یقوم منکم واحد إلى هذا الکلب فیقتله-  أو قال الفاسق-  فقال عباد بن بشر و الذی بعثک بالحق-  إنی لأتبع طرفک من کل ناحیه-  رجاء أن تشیر إلی فأضرب عنقه-  و یقال إن أبا البشیر هو الذی قال هذا-  و یقال بل قاله عمر بن الخطاب-  فقال ع إنی لا أقتل بالإشاره-  و قیل إنه قال إن النبی لا یکون له خائنه الأعین- . قال الواقدی فجعل عبد الله بن سعد-  یفر من رسول الله ص کلما رآه-  فقال له عثمان بأبی أنت و أمی-  لو ترى ابن أم عبد یفر منک کلما رآک-  فتبسم رسول الله ص فقال-  أ و لم أبایعه و أؤمنه-  قال بلى و لکنه یتذکر عظم جرمه فی الإسلام-  فقال إن الإسلام یجب ما قبله

قال الواقدی و أما الحویرث بن معبد-  و هو من ولد قصی بن کلاب-  فإنه کان یؤذی رسول الله ص بمکه فأهدر دمه-  فبینما هو فی منزله یوم الفتح و قد أغلق علیه بابه-  جاء علی ع یسأل عنه-  فقیل له هو فی البادیه-  و أخبر الحویرث أنه جاء یطلبه و تنحى علی ع عن بابه-  فخرج الحویرث یرید أن‏ یهرب من بیت إلى بیت آخر-  فتلقاه علی ع فضرب عنقه- .

قال الواقدی و أما هبار بن الأسود-  فقد کان رسول الله ص أمر أن یحرقه بالنار-  ثم قال إنما یعذب بالنار رب النار-  اقطعوا یدیه و رجلیه إن قدرتم علیه ثم اقتلوه-  و کان جرمه أن نخس زینب بنت رسول الله ص لما هاجرت-  و ضرب ظهرها بالرمح و هی حبلى فأسقطت-  فلم یقدر المسلمون علیه یوم الفتح-  فلما رجع رسول الله ص إلى المدینه-  طلع هبار بن الأسود قائلا-  أشهد أن لا إله إلا الله-  و أشهد أن محمدا رسول الله-  فقبل النبی ص إسلامه-  فخرجت سلمى مولاه النبی ص فقالت-  لا أنعم الله بک عینا-  أنت الذی فعلت و فعلت-  فقال رسول الله ص و هبار یعتذر إلیه-  أن الإسلام محا ذلک و نهى عن التعرض له- .

قال الواقدی قال ابن عباس رضی الله عنه-  رأیت رسول الله ص و هبار یعتذر إلیه-  و هو یطأطئ رأسه استحیاء مما یعتذر هبار-  و یقول له قد عفوت عنک- . قال الواقدی و أما ابن خطل-  فإنه خرج حتى دخل بین أستار الکعبه-  فأخرجه أبو برزه الأسلمی منها-  فضرب عنقه بین الرکن و المقام-  و یقال بل قتله عمار بن یاسر-  و قیل سعد بن حریث المخزومی-  و قیل شریک بن عبده العجلانی-  و الأثبت أنه أبو برزه-  قال و کان جرمه أنه أسلم و هاجر إلى المدینه-  و بعثه رسول الله ص ساعیا-  و بعث معه رجلا من خزاعه فقتله-  و ساق ما أخذ من مال الصدقه و رجع إلى مکه-  فقالت له قریش ما جاء بک-  قال لم أجد دینا خیرا من دینکم-  و کانت له قینتان إحداهما قرینى-  و الأخرى قرینه أو أرنب-  و کان ابن خطل یقول‏ الشعر-  یهجو به رسول الله ص و یغنیان به-  و یدخل علیه المشرکون بیته فیشربون عنده الخمر-  و یسمعون الغناء بهجاء رسول الله ص- .

قال الواقدی و أما مقیس بن صبابه فإن أمه سهمیه-  و کان یوم الفتح عند أخواله بنی سهم-  فاصطبح الخمر ذلک الیوم فی ندامى له-  و خرج ثملا یتغنى و یتمثل بأبیات منها- 

دعینی أصطبح یا بکر إنی
رأیت الموت نقب عن هشام‏

و نقب عن أبیک أبی یزید
أخی القینات و الشرب الکرام‏

یخبرنا ابن کبشه أن سنحیا
و کیف حیاه أصداء و هام‏

إذا ما الرأس زال بمنکبیه‏
فقد شبع الأنیس من الطعام‏

أ تقتلنی إذا ما کنت حیا
و تحیینی إذا رمت عظامی‏

 فلقیه نمیله بن عبد الله اللیثی و هو من رهطه- فضربه بالسیف حتى قتله- فقالت أخته ترثیه-

لعمری لقد أخزى نمیله رهطه
و فجع أصناف النساء بمقیس‏

فلله عینا من رأى مثل مقیس‏
إذا النفساء أصبحت لم تخرس‏

 و کان جرم مقیس من قبل أن أخاه-  هاشم بن صبابه أسلم و شهد المریسیع-  مع رسول الله ص-  فقتله رجل من رهط عباده بن الصامت-  و قیل من بنی عمرو بن عوف و هو لا یعرفه-  فظنه من المشرکین-  فقضى له رسول الله ص بالدیه على العاقله-  فقدم مقیس أخوه المدینه فأخذ دیته و أسلم-  ثم عدا على قاتل أخیه فقتله-  و هرب مرتدا کافرا یهجو رسول الله ص بالشعر-  فأهدر دمه- .

 

قال الواقدی فأما ساره مولاه بنی هاشم-  و کانت مغنیه نواحه بمکه-  و کانت قد قدمت على رسول الله ص المدینه-  تطلب أن یصلها و شکت إلیه الحاجه-  و ذلک بعد بدر و أحد فقال لها-  أ ما کان لک فی غنائک و نیاحک ما یغنیک-  قالت یا محمد إن قریشا منذ قتل من قتل منهم ببدر-  ترکوا استماع الغناء-  فوصلها رسول الله ص و أوقر لها بعیرا طعاما-  فرجعت إلى قریش و هی على دینها-  و کانت یلقى علیها هجاء رسول الله ص فتغنى به-  فأمر بها رسول الله ص یوم الفتح أن تقتل فقتلت-  و أما قینتا ابن خطل فقتل یوم الفتح إحداهما-  و هی أرنب أو قرینه-  و أما قرینی فاستؤمن لها رسول الله ص فأمنها-  و عاشت حتى ماتت فی أیام عثمان- . قال الواقدی و قد روی أن رسول الله ص-  أمر بقتل وحشی یوم الفتح-  فهرب إلى الطائف-  فلم یزل بها مقیما حتى قدم مع وفد الطائف-  على رسول الله ص فدخل علیه فقال-  أشهد أن لا إله إلا الله و أنک رسول الله-  فقال أ وحشی قال نعم-  قال اجلس و حدثنی کیف قتلت حمزه-  فلما أخبره قال قم و غیب عنی وجهک-  فکان إذا رآه توارى عنه- .

 قال الواقدی و حدثنی ابن أبی ذئب و معمر عن الزهری عن أبی سلمه بن عبد الرحمن بن عوف عن أبی عمرو بن عدی بن أبی الحمراء قال سمعت رسول الله ص یقول بعد فراغه من أمر الفتح-  و هو یرید الخروج من مکه أما و الله إنک لخیر أرض الله-  و أحب بلاد الله إلی-  و لو لا أن أهلک أخرجونی ما خرجت- . و زاد محمد بن إسحاق فی کتاب المغازی-  أن هند بنت عتبه جاءت إلى رسول الله‏ص-  مع نساء قریش متنکره متنقبه-  لحدثها الذی کان فی الإسلام-  و ما صنعت بحمزه حین جدعته و بقرت بطنه عن کبده-  فهی تخاف أن یأخذها رسول الله ص بحدثها ذلک-  فلما دنت منه و قال حین بایعنه-  على ألا یشرکن بالله شیئا قلن نعم-  قال و لا یسرقن فقالت هند-  و الله أنا کنت لأصیب من مال أبی سفیان-  الهنه و الهنیهه فما أعلم أ حلال ذلک أم لا-  فقال رسول الله ص و إنک لهند-  قالت نعم أنا هند-  و أنا أشهد أن لا إله إلا الله و أنک رسول الله-  فاعف عما سلف عفا الله عنک-  فقال رسول الله ص و لا یزنین-  فقالت هند و هل تزنی الحره-  فقال لا و لا یقتلن أولادهن-  فقالت هند قد لعمری ربیناهم صغارا و قتلتهم کبارا ببدر-  فأنت و هم أعرف-  فضحک عمر بن الخطاب من قولها حتى أسفرت نواجذه-  قال و لا یأتین ببهتان یفترینه-  فقالت هند إن إتیان البهتان لقبیح-  فقال و لا یعصینک فی معروف-  فقالت ما جلسنا هذه الجلسه و نحن نرید أن نعصیک- . قال محمد بن إسحاق-  و من جید شعر عبد الله بن الزبعرى-  الذی اعتذر به إلى رسول الله ص حین قدم علیه- 

منع الرقاد بلابل و هموم
فاللیل ممتد الرواق بهیم‏

مما أتانی أن أحمد لامنی‏
فیه فبت کأننی محموم‏

یا خیر من حملت على أوصالها
عیرانه سرح الیدین سعوم‏

إنی لمعتذر إلیک من الذی
أسدیت إذ أنا فی الضلال أهیم‏

أیان تأمرنی بأغوى خطه
سهم و تأمرنی به مخزوم‏

و أمد أسباب الردى و یقودنی
أمر الغواه و أمرهم مشئوم‏

فالیوم آمن بالنبی محمد
قلبی و مخطئ هذه محروم‏

مضت العداوه و انقضت أسبابها
و دعت أواصر بیننا و حلوم‏

فاغفر فدى لک والدی کلاهما
زللی فإنک راحم مرحوم‏

و علیک من علم الملیک علامه
نور أغر و خاتم مختوم‏

أعطاک بعد محبه برهانه‏
شرفا و برهان الإله عظیم‏

و لقد شهدت بأن دینک صادق
بر و شأنک فی العباد جسیم‏

و الله یشهد أن أحمد مصطفى‏
متقبل فی الصالحین کریم‏

فرع علا بنیانه من هاشم
دوح تمکن فی العلا و أروم‏

قال الواقدی و فی یوم الفتح-  سمى رسول الله ص أهل مکه الذین دخلها علیهم الطلقاء-  لمنه علیهم بعد أن أظفره الله بهم-  فصاروا أرقاء له-  و قد قیل له یوم الفتح قد أمکنک الله تعالى-  فخذ ما شئت من أقمار على غصون یعنون النساء-  فقال ع یأبى ذلک إطعامهم الضیف-  و إکرامهم البیت و وجؤهم مناحر الهدی.

ثم نعود إلى تفسیر ما بقی من ألفاظ الفصل-  قوله فإن کان فیک عجل فاسترفه-أی کن ذا رفاهیه-  و لا ترهقن نفسک بالعجل-  فلا بد من لقاء بعضنا بعضا-  فأی حاجه بک إلى أن تعجل-  ثم فسر ذلک فقال إن أزرک فی بلادک-  أی إن غزوتک فی بلادک-  فخلیق أن یکون الله بعثنی للانتقام منک-  و إن زرتنی أی إن غزوتنی فی بلادی-  و أقبلت بجموعک إلی- . کنتم کما قال أخو بنی أسد کنت أسمع قدیما-  أن هذا البیت من شعر بشر بن أبی خازم الأسدی-  و الآن فقد تصفحت شعره فلم أجده-  و لا وقفت بعد على قائله-  و إن وقفت فیما یستقبل من الزمان علیه ألحقته- . و ریح حاصب تحمل الحصباء-  و هی صغار الحصى-  و إذا کانت بین أغوار و هی ما سفل من الأرض-  و کانت مع ذلک ریح صیف-  کانت أعظم مشقه-  و أشد ضررا على من تلاقیه-  و جلمود یمکن أن یکون عطفا على حاصب-  و یمکن أن یکون عطفا على أغوار-  أی بین غور من الأرض و حره-  و ذلک أشد لأذاها لما تکسبه الحره-  من لفح السموم و وهجها و الوجه الأول ألیق- .

و أعضضته أی جعلته معضوضا برءوس أهلک-  و أکثر ما یأتی أفعلته أن تجعله فاعلا-  و هی هاهنا من المقلوب-  أی أعضضت رءوس أهلک به-  کقوله قد قطع الحبل بالمرود- . و جده عتبه بن ربیعه و خاله الولید بن عتبه-  و أخوه حنظله بن أبی سفیان-  قتلهم علی ع یوم بدر- . و الأغلف القلب الذی لا بصیره له-  کأن قلبه فی غلاف قال تعالى-  وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ- .

 

و المقارب العقل بالکسر-  الذی لیس عقله بجید-  و العامه تقول فیما هذا شأنه-  مقارب بفتح الراء- . ثم قال الأولى أن یقال هذه الکلمه لک- . و نشدت الضاله طلبتها-  و أنشدتها عرفتها أی طلبت ما لیس لک- . و السائمه المال الراعی-  و الکلام خارج مخرج الاستعاره- . فإن قلت کل هذا الکلام یطابق بعضه بعضا-  إلا قوله فما أبعد قولک من فعلک-  و کیف استبعد ع ذلک و لا بعد بینهما-  لأنه یطلب الخلافه قولا و فعلا-  فأی بعد بین قوله و فعله- . قلت لأن فعله البغی-  و الخروج على الإمام الذی ثبتت إمامته و صحت-  و تفریق جماعه المسلمین و شق العصا-  هذا مع الأمور التی کانت تظهر علیه و تقتضی الفسق-  من لبس الحریر و المنسوج بالذهب-  و ما کان یتعاطاه فی حیاه عثمان من المنکرات-  التی لم تثبت توبته منها فهذا فعله- .

و أما قوله فزعمه أنه أمیر المؤمنین-  و خلیفه المسلمین-  و هذا القول بعید من ذلک الفعل جدا- . و ما فی قوله و قریب ما أشبهت مصدریه-  أی و قریب شبهک بأعمام و أخوال-  و قد ذکرنا من قتل من بنی أمیه-  فی حروب رسول الله ص فیما تقدم-  و إلیهم الإشاره بالأعمام و الأخوال-  لأن أخوال معاویه من بنی عبد شمس-  کما أن أعمامه من بنی عبد شمس- . قوله و لم تماشها الهوینى أی لم تصحبها-  یصفها بالسرعه و المضی فی الرءوس الأعناق-

 

و أما قوله ادخل فیما دخل فیه الناس و حاکم القوم-  فهی الحجه التی یحتج بها أصحابنا له-  فی أنه لم یسلم قتله عثمان إلى معاویه-  و هی حجه صحیحه-  لأن الإمام یجب أن یطاع-  ثم یتحاکم إلیه أولیاء الدم و المتهمون-  فإن حکم بالحق استدیمت حکومته-  و إلا فسق و بطلت إمامته- .

قوله فأما تلک التی تریدها-  قیل إنه یرید التعلق بهذه الشبهه-  و هی قتله عثمان-  و قیل أراد به ما کان معاویه یکرر طلبه-  من أمیر المؤمنین ع و هو أن یقره على الشام وحده-  و لا یکلفه البیعه-  قال إن ذلک کمخادعه الصبی فی أول فطامه عن اللبن-  بما تصنعه النساء له مما یکره إلیه الثدی و یسلیه عنه-  و یرغبه فی التعوض بغیره-  و کتاب معاویه الذی ذکرناه لم یتضمن حدیث الشام

 

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۷-۱۸

 

بازدیدها: ۱۳۹

نامه ۶۳ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۶۳ و من کتاب له ع إلى أبی موسى الأشعری

و هو عامله على الکوفه-  و قد بلغه عنه تثبیطه الناس عن الخروج إلیه-  لما ندبهم لحرب أصحاب الجمل-  مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِیٍّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَیْسٍ-  أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِی عَنْکَ قَوْلٌ هُوَ لَکَ وَ عَلَیْکَ-  فَإِذَا قَدِمَ عَلَیْکَ رَسُولِی فَارْفَعْ ذَیْلَکَ-  وَ اشْدُدْ مِئْزَرَکَ وَ اخْرُجْ مِنْ جُحْرِکَ وَ انْدُبْ مَنْ مَعَکَ-  فَإِنْ حَقَّقْتَ فَانْفُذْ وَ إِنْ تَفَشَّلْتَ فَابْعُدْ-  وَ ایْمُ اللَّهِ لَتُؤْتَیَنَّ مِنْ حَیْثُ أَنْتَ-  وَ لَا تُتْرَکُ حَتَّى یُخْلَطَ زُبْدُکَ بِخَاثِرِکَ-  وَ ذَائِبُکَ بِجَامِدِکَ-  وَ حَتَّى تُعْجَلُ عَنْ قِعْدَتِکَ-  وَ تَحْذَرَ مِنْ أَمَامِکَ کَحَذَرِکَ مِنْ خَلْفِکَ-  وَ مَا هِیَ بِالْهُوَیْنَى الَّتِی تَرْجُو-  وَ لَکِنَّهَا الدَّاهِیَهُ الْکُبْرَى-  یُرْکَبُ جَمَلُهَا وَ یُذَلُّ صَعْبُهَا وَ یُسَهَّلُ جَبَلُهَا-  فَاعْقِلْ عَقْلَکَ وَ امْلِکْ أَمْرَکَ وَ خُذْ نَصِیبَکَ وَ حَظَّکَ-  فَإِنْ کَرِهْتَ فَتَنَحَّ إِلَى غَیْرِ رَحْبٍ وَ لَا فِی نَجَاهٍ-  فَبِالْحَرِیِّ لَتُکْفَیَنَّ وَ أَنْتَ نَائِمٌ حَتَّى لَا یُقَالَ أَیْنَ فُلَانٌ-  وَ اللَّهِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مَعَ مُحِقٍّ وَ مَا یُبَالِی مَا صَنَعَ الْمُلْحِدُونَ-  وَ السَّلَامُ المراد بقوله قول هو لک و علیک-  أن أبا موسى کان یقول لأهل الکوفه-  إن علیا إمام هدى و بیعته صحیحه-  ألا إنه لا یجوز القتال معه لأهل القبله-  و هذا القول بعضه حق و بعضه باطل- .

و قوله فارفع ذیلک-  أی شمر للنهوض معی و اللحاق بی-  لنشهد حرب أهل البصره-  و کذلک قوله و اشدد مئزرک-  و کلتاهما کنایتان عن الجد و التشمیر فی الأمر- . قال و اخرج من جحرک-  أمر له بالخروج من منزله للحاق به-  و هی کنایه فیها غض من أبی موسى و استهانه به-  لأنه لو أراد إعظامه لقال و اخرج من خیسک-  أو من غیلک کما یقال للأسد-  و لکنه جعله ثعلبا أو ضبا- .

قال و اندب من معک-  أی و اندب رعیتک من أهل الکوفه-  إلى الخروج معی و اللحاق بی- . ثم قال و إن تحققت فانفذ-  أی أمرک مبنی على الشک-  و کلامک فی طاعتی کالمتناقض-  فإن حققت لزوم طاعتی لک فانفذ-  أی سر حتى تقدم علی-  و إن أقمت على الشک فاعتزل العمل فقد عزلتک- . قوله و ایم الله لتؤتین-  معناه إن أقمت على الشک و الاسترابه-  و تثبیط أهل الکوفه عن الخروج إلی و قولک لهم-  لا یحل لکم سل السیف لا مع علی و لا مع طلحه-  و الزموا بیوتکم و اکسروا سیوفکم لیأتینکم-  و أنتم فی منازلکم بالکوفه أهل البصره مع طلحه-  و نأتینکم نحن بأهل المدینه و الحجاز-  فیجتمع علیکم سیفان من أمامکم و من خلفکم-  فتکون ذلک الداهیه الکبرى التی لا شواه لها- .

قوله و لا تترک حتى یخلط زبدک بخاثرک-  تقول للرجل إذا ضربته حتى أثخنته-  لقد ضربته حتى خلطت زبده بخاثره-  و کذلک حتى خلطت ذائبه بجامده-  و الخاثر اللبن الغیظ و الزبد خلاصه اللبن و صفوته-  فإذا أثخنت الإنسان ضربا کنت کأنک‏ خلطت ما رق-  و لطف من أخلاطه بما کثف و غلظ منها-  و هذا مثل و معناه لتفسدن حالک و لتخلطن-  و لیضربن ما هو الآن منتظم من أمرک- . قوله و حتى تعجل عن قعدتک-  القعده بالکسر هیئه القعود کالجلسه و الرکبه-  أی و لیعجلنک الأمر عن هیئه قعودک-  یصف شده الأمر و صعوبته- .

قوله و تحذر من أمامک کحذرک من خلفک-  یعنی یأتیک من خلفک-  إن أقمت على منع الناس عن الحرب معنا-  و معهم أهل البصره و أهل المدینه-  فتکون کما قال الله تعالى-  إِذْ جاؤُکُمْ مِنْ فَوْقِکُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْکُمْ- . قوله و ما هی بالهوینى التی ترجو-  الهوینى تصغیر الهونى التی هی أنثى أهون-  أی لیست هذه الداهیه و الجائحه-  التی أذکرها لک بالشی‏ء الهین-  الذی ترجو اندفاعه و سهولته- . ثم قال بل هی الداهیه الکبرى ستفعل لا محاله-  إن استمررت على ما أنت علیه-  و کنى عن قوله ستفعل لا محاله-  بقوله یرکب جملها و ما بعده-  و ذلک لأنها إذا رکب جملها-  و ذلل صعبها و سهل وعرها فقد فعلت-  أی لا تقل هذا أمر عظیم صعب المرام-  أی قصد الجیوش من کلا الجانبین الکوفه-  فإنه إن دام الأمر على ما أشرت إلى أهل الکوفه-  من التخاذل و الجلوس فی البیوت-  و قولک لهم کن عبد الله المقتول-  لنقعن بموجب ما ذکرته لک-  و لیرتکبن أهل الحجاز و أهل البصره-  هذا الأمر المستصعب-  لأنا نحن نطلب أن نملک الکوفه-  و أهل البصره کذلک-  فیجتمع علیها الفریقان- .

ثم عاد إلى أمره بالخروج إلیه فقال له-  فاعقل عقلک و املک أمرک و خذ نصیبک‏ و حظک-  أی من الطاعه و اتباع الإمام الذی لزمتک بیعته-  فإن کرهت ذلک فتنح عن العمل فقد عزلتک-  و ابعد عنا لا فی رحب أی لا فی سعه-  و هذا ضد قولهم مرحبا- . ثم قال فجدیر أن تکفى ما کلفته-  من حضور الحرب و أنت نائم-  أی لست معدودا عندنا و لا عند الناس من الرجال-  الذین تفتقر الحروب و التدبیرات إلیهم-  فسیغنی الله عنک و لا یقال أین فلان- . ثم أقسم إنه لحق أی إنی فی حرب هؤلاء لعلى حق-  و إن من أطاعنی مع إمام محق لیس یبالی ما صنع الملحدون-  و هذا إشاره إلى  قول النبی ص اللهم أدر الحق معه حیثما دار

 شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۷  

بازدیدها: ۱۳

نامه ۶۲ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۶۲ و من کتاب له ع إلى أهل مصر مع مالک الأشتر رحمه الله-  لما ولاه إمارتها

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً ص-  نَذِیراً لِلْعَالَمِینَ وَ مُهَیْمِناً عَلَى الْمُرْسَلِینَ-  فَلَمَّا مَضَى ص تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ-  فَوَاللَّهِ مَا کَانَ یُلْقَى فِی رُوعِی-  وَ لَا یَخْطُرُ بِبَالِی أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هَذَا الْأَمْرَ-  مِنْ بَعْدِهِ ص عَنْ أَهْلِ بَیْتِهِ-  وَ لَا أَنَّهُمْ مُنَحُّوهُ عَنِّی مِنْ بَعْدِهِ-  فَمَا رَاعَنِی إِلَّا انْثِیَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ یُبَایِعُونَهُ-  فَأَمْسَکْتُ بِیَدِی حَتَّى رَأَیْتُ رَاجِعَهَ النَّاسِ-  قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ-  یَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَیْنِ مُحَمَّدٍ ص-  فَخَشِیتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَ أَهْلَهُ-  أَنْ أَرَى فِیهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً-  تَکُونُ الْمُصِیبَهُ بِهِ عَلَیَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَایَتِکُمُ-  الَّتِی إِنَّمَا هِیَ مَتَاعُ أَیَّامٍ قَلَائِلَ-  یَزُولُ مِنْهَا مَا کَانَ کَمَا یَزُولُ السَّرَابُ-  وَ کَمَا یَتَقَشَّعُ السَّحَابُ-  فَنَهَضْتُ فِی تِلْکَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَ زَهَقَ-  وَ اطْمَأَنَّ الدِّینُ وَ تَنَهْنَهَ المهیمن الشاهد-  قال الله تعالى-  إِنَّا أَرْسَلْناکَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً-  أی تشهد بإیمان من آمن و کفر من کفر-  و قیل تشهد بصحه نبوه الأنبیاء قبلک-و قوله على المرسلین یؤکد صحه هذا التفسیر الثانی-  و أصل اللفظه من آمن غیره من الخوف-  لأن الشاهد یؤمن غیره من الخوف بشهادته-  ثم تصرفوا فیها فابدلوا إحدى همزتی مؤامن یاء-  فصار مؤیمن-  ثم قلبوا الهمزه هاء کأرقت و هرقت فصار مهیمن- . و الروع الخلد-  و فی الحدیث أن روح القدس نفث فی روعی-  قال ما یخطر لی ببال أن العرب تعدل بالأمر-  بعد وفاه محمد ص عن بنی هاشم ثم من بنی هاشم عنی-  لأنه کان المتیقن بحکم الحال الحاضره-  و هذا الکلام یدل على بطلان دعوى الإمامیه-  النص و خصوصا الجلی- .

قال فما راعنی إلا انثیال الناس-  تقول للشی‏ء یفجؤک بغته ما راعنی إلا کذا-  و الروع بالفتح الفزع-  کأنه یقول ما أفزعنی شی‏ء بعد ذلک السکون-  الذی کان عندی-  و تلک الثقه التی اطمأننت إلیها-  إلا وقوع ما وقع من انثیال الناس-  أی انصبابهم من کل وجه کما ینثاب التراب-  على أبی بکر-  و هکذا لفظ الکتاب الذی کتبه للأشتر-  و إنما الناس یکتبونه الآن إلى فلان-  تذمما من ذکر الاسم کما یکتبون فی أول الشقشقیه-  أما و الله لقد تقمصها فلان-  و اللفظ أما و الله لقد تقمصها ابن أبی قحافه- . قوله فأمسکت یدی أی امتنعت عن بیعته-  حتى رأیت راجعه الناس یعنی أهل الرده کمسیلمه-  و سجاح و طلیحه بن خویلد و مانعی الزکاه-  و إن کان مانعو الزکاه قد اختلف فی أنهم أهل رده أم لا- . و محق الدین إبطاله- . و زهق خرج و زال-  تنهنه سکن و أصله الکف-  تقول نهنهت السبع فتنهنه- أی کف عن حرکته و إقدامه-  فکان الدین کان متحرکا مضطربا فسکن-  و کف عن ذلک الاضطراب- .

روى أبو جعفر محمد بن جریر الطبری فی التاریخ الکبیر-  أن رسول الله ص لما مات-  اجتمعت أسد و غطفان و طی‏ء-  على طلیحه بن خویلد-  إلا ما کان من خواص أقوام فی الطوائف الثلاث-  فاجتمعت أسد بسمیراء و غطفان بجنوب طیبه-  و طی‏ء فی حدود أرضهم-  و اجتمعت ثعلبه بن أسد و من یلیهم من قیس-  بالأبرق من الربذه-  و تأشب إلیهم ناس من بنی کنانه-  و لم تحملهم البلاد فافترقوا فرقتین-  أقامت إحداهما بالأبرق و سارت الأخرى إلى ذی القصه-  و بعثوا وفودا إلى أبی بکر-  یسألونه أن یقارهم على إقامه الصلاه و منع الزکاه-  فعزم الله لأبی بکر على الحق-  فقال لو منعونی عقالا لجاهدتهم علیه-  و رجع الوفود إلى قومهم-  فأخبروهم بقله من أهل المدینه-  فأطمعوهم فیها و علم أبو بکر و المسلمون بذلک-  و قال لهم أبو بکر أیها المسلمون إن الأرض کافره-  و قد رأى وفدهم منکم قله-  و إنکم لا تدرون أ لیلا تؤتون أم نهارا-  و أدناهم منکم على برید-  و قد کان القوم یأملون أن نقبل منهم و نوادعهم-  و قد أبینا علیهم و نبذنا إلیهم فأعدوا و استعدوا-  فخرج علی ع بنفسه-  و کان على نقب من أنقاب المدینه-  و خرج الزبیر و طلحه و عبد الله بن مسعود و غیرهم-  فکانوا على الأنقاب الثلاثه-  فلم یلبثوا إلا قلیلا-  حتى طرق القوم المدینه غاره مع اللیل-  و خلفوا بعضهم بذی حسى لیکونوا ردءا لهم-  فوافوا الأنقاب و علیها المسلمون-  فأرسلوا إلى أبی بکر بالخبر-  فأرسل إلیهم أن الزموا مکانکم ففعلوا- 

و خرج أبو بکر فی جمع من أهل المدینه على النواضح فانتشر العدو بین أیدیهم-  و اتبعهم المسلمون على النواضح حتى بلغوا ذا حسى-  فخرج علیهم الکمین بأنحاء قد نفخوها-  و جعلوا فیها الحبال-  ثم دهدهوها بأرجلهم فی وجوه الإبل-  فتدهده کل نحی منها فی طوله فنفرت إبل المسلمین-  و هم علیها و لا تنفر الإبل من شی‏ء نفارها من الأنحاء-  فعاجت بهم لا یملکونها حتى دخلت بهم المدینه-  و لم یصرع منهم أحد و لم یصب-  فبات المسلمون تلک اللیله یتهیئون-  ثم خرجوا على تعبئه-  فما طلع الفجر إلا و هم و القوم على صعید واحد-  فلم یسمعوا للمسلمین حسا و لا همسا-  حتى وضعوا فیهم السیف فاقتتلوا أعجاز لیلتهم-  فما ذر قرن الشمس إلا و قد ولوا الأدبار-  و غلبوهم على عامه ظهرهم-  و رجعوا إلى المدینه ظافرین- . قلت هذا هو الحدیث الذی أشار ع-  إلى أنه نهض فیه أیام أبی بکر-  و کأنه جواب عن قول قائل إنه عمل لأبی بکر-  و جاهد بین یدی أبی بکر فبین ع عذره فی ذلک-  و قال إنه لم یکن کما ظنه القائل-  و لکنه من باب دفع الضرر عن النفس و الدین-  فإنه واجب سواء کان للناس إمام أو لم یکن

ذکر ما طعن به الشیعه فی إمامه أبی بکر و الجواب عنها

و ینبغی حیث جرى ذکر أبی بکر فی کلام أمیر المؤمنین ع-  أن نذکر ما أورده قاضی القضاه فی المغنی-  من المطاعن التی طعن بها فیه-  و جواب قاضی القضاه عنها-  و اعتراض المرتضى فی الشافی على قاضی القضاه-  و نذکر ما عندنا فی ذلک-  ثم نذکر مطاعن أخرى لم یذکرها قاضی القضاه- .

الطعن الأول

 قال قاضی القضاه-  بعد أن ذکر ما طعن به فیه فی أمر فدک-  و قد سبق القول فیه-  و مما طعن به علیه قولهم-  کیف یصلح للإمامه-  من یخبر عن نفسه أن له شیطانا یعتریه-  و من یحذر الناس نفسه-  و من یقول أقیلونی بعد دخوله فی الإمامه-  مع أنه لا یحل للإمام أن یقول أقیلونی البیعه- . أجاب قاضی القضاه فقال إن شیخنا أبا علی قال-  لو کان ذلک نقصا فیه لکان قول الله فی آدم و حواء-  فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّیْطانُ-  و قوله فَأَزَلَّهُمَا الشَّیْطانُ-  و قوله وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِکَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِیٍّ-  إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّیْطانُ فِی أُمْنِیَّتِهِ-  یوجب النقص فی الأنبیاء-  و إذا لم یجب ذلک فکذلک ما وصف به أبو بکر نفسه-  و إنما أراد أنه عند الغضب یشفق من المعصیه و یحذر منها-  و یخاف أن یکون الشیطان یعتریه فی تلک الحال-  فیوسوس إلیه-  و ذلک منه على طریقه الزجر لنفسه عن المعاصی-  و قد روی عن أمیر المؤمنین ع-  أنه ترک مخاصمه الناس فی حقوقه-  إشفاقا من المعصیه-  و کان یولی ذلک عقیلا-  فلما أسن عقیل کان یولیها عبد الله بن جعفر-  فأما ما روی فی إقاله البیعه فهو خبر ضعیف-  و إن صح فالمراد به التنبیه على أنه لا یبالی لأمر-  یرجع إلیه أن یقیله الناس البیعه-  و إنما یضرون بذلک أنفسهم-  و کأنه نبه بذلک‏على أنه غیر مکره لهم-  و أنه قد خلاهم و ما یریدون إلا أن یعرض ما یوجب خلافه-  و قد روی أن أمیر المؤمنین ع-  أقال عبد الله بن عمر البیعه حین استقاله-  و المراد بذلک أنه ترکه و ما یختار- .

اعترض المرتضى رضی الله عنه فقال-  أما قول أبی بکر ولیتکم و لست بخیرکم-  فإن استقمت فاتبعونی و إن اعوججت فقومونی-  فإن لی شیطانا یعترینی عند غضبی-  فإذا رأیتمونی مغضبا فاجتنبونی-  لا أؤثر فی أشعارکم و أبشارکم-  فإنه یدل على أنه لا یصلح للإمامه من وجهین-  أحدهما أن هذا صفه من لیس بمعصوم-  و لا یأمن الغلط على نفسه-  من یحتاج إلى تقویم رعیته له إذا وقع فی المعصیه-  و قد بینا أن الإمام لا بد أن یکون معصوما موفقا مسددا-  و الوجه الآخر أن هذه صفه من لا یملک نفسه-  و لا یضبط غضبه-  و من هو فی نهایه الطیش و الحده و الخرق و العجله-  و لا خلاف أن الإمام-  یجب أن یکون منزها عن هذه الأوصاف-  غیر حاصل علیها و لیس یشبه قول أبی بکر-  ما تلاه من الآیات کلها-  لأن أبا بکر خبر عن نفسه بطاعه الشیطان عند الغضب-  و أن عادته بذلک جاریه-  و لیس هذا بمنزله من یوسوس إلیه الشیطان و لا یطیعه-  و یزین له القبیح فلا یأتیه-  و لیس وسوسه الشیطان بعیب على الموسوس له-  إذا لم یستزله ذلک عن الصواب-  بل هو زیاده فی التکلیف-  و وجه یتضاعف معه الثواب-  و قوله تعالى أَلْقَى الشَّیْطانُ فِی أُمْنِیَّتِهِ-  قیل معناه فی تلاوته-  و قیل فی فکرته على سبیل الخاطر-  و أی الأمرین کان-  فلا عار فی ذلک على النبی ص و لا نقص- 

و إنما العار و النقص على من یطیع الشیطان-  و یتبع ما یدعو إلیه-  و لیس لأحد أن یقول-  هذا إن سلم لکم فی جمیع الآیات لم یسلم فی قوله تعالى-  فَأَزَلَّهُمَا الشَّیْطانُ-  لأنه قد خبر عن تأثیر غوایته و وسوسته-  بما کان منهما من الفعل-  و ذلک أن المعنى الصحیح فی هذه الآیه أن آدم و حواء-  کانا مندوبین إلى اجتناب الشجره و ترک التناول منها-  و لم یکن ذلک علیهما واجبا لازما- لأن الأنبیاء لا یخلون بالواجب-  فوسوس لهما الشیطان حتى تناولا من الشجره-  فترکا مندوبا إلیه و حرما بذلک أنفسهما الثواب-  و سماه إزلالا-  لأنه حط لهما عن درجه الثواب و فعل الأفضل-  و قوله تعالى فی موضع آخر-  وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏-  لا ینافی هذا المعنى-  لأن المعصیه قد یسمى بها من أخل بالواجب و الندب معا-  قوله فغوى-  أی خاب من حیث لم یستحق الثواب على ما ندب إلیه على أن صاحب الکتاب یقول- 

إن هذه المعصیه من آدم کانت صغیره-  لا یستحق بها عقابا و لا ذما-  فعلى مذهبه أیضا-  تکون المفارقه بینه و بین أبی بکر ظاهره-  لأن أبا بکر خبر عن نفسه أن الشیطان یعتریه-  حتى یؤثر فی الأشعار و الأبشار-  و یأتی ما یستحق به التقویم-  فأین هذا من ذنب صغیر لا ذم و لا عقاب علیه-  و هو یجری من وجه من الوجوه مجرى المباح-  لأنه لا یؤثر فی أحوال فاعله و حط رتبته-  و لیس یجوز أن یکون ذلک منه-  على سبیل الخشیه و الإشفاق على ما ظن-  لأن مفهوم خطابه یقتضی خلاف ذلک-  أ لا ترى أنه قال إن لی شیطانا یعترینی-  و هذا قول من قد عرف عادته-  و لو کان على سبیل الإشفاق و الخوف لخرج عن هذا المخرج-  و لکان یقول-  فإنی آمن من کذا و إنی لمشفق منه-  فأما ترک أمیر المؤمنین ع مخاصمه الناس فی حقوقه-  فکأنه إنما کان تنزها و تکرما-  و أی نسبه بین ذلک و بین من صرح و شهد على نفسه-  بما لا یلیق بالأئمه-  و أما خبر استقاله البیعه و تضعیف صاحب الکتاب له-  فهو أبدا یضعف ما لا یوافقه-  من غیر حجه یعتمدها فی تضعیفه-  و قوله إنه ما استقال على التحقیق- 

و إنما نبه على أنه لا یبالی بخروج الأمر عنه-  و أنه غیر مکره لهم علیه-  فبعید من الصواب-  لأن ظاهر قوله أقیلونی أمر بالإقاله-  و أقل أحواله أن یکون عرضا لها و بذلا-  و کلا الأمرین قبیح-  و لو أراد ما ظنه لکان له  فی غیر هذا القول مندوحه-  و لکان یقول إنی ما أکرهتکم و لا حملتکم على مبایعتی-  و ما کنت أبالی ألا یکون هذا الأمر فی و لا إلی-  و إن مفارقته لتسرنی-  لو لا ما ألزمنیه الدخول فیه من التمسک به-  و متى عدلنا عن ظواهر الکلام بلا دلیل-  جر ذلک علینا ما لا قبل لنا به-  و أما أمیر المؤمنین ع-  فإنه لم یقل ابن عمر البیعه بعد دخولها فیها-  و إنما استعفاه من أن یلزمه البیعه ابتداء-  فأعفاه قله فکر فیه-  و علما بأن إمامته لا تثبت بمبایعه من یبایعه علیها-  فأین هذا من استقاله بیعه قد تقدمت و استقرت- .

قلت أما قول أبی بکر ولیتکم و لست بخیرکم-  فقد صدق عند کثیر من أصحابنا-  لأن خیرهم علی بن أبی طالب ع-  و من لا یقول بذلک یقول بما قاله الحسن البصری-  و الله إنه لیعلم أنه خیرهم و لکن المؤمن یهضم نفسه-  و لم یطعن المرتضى فیه بهذه اللفظه لنطیل القول فیها-  و أما قول المرتضى عنه أنه قال-  فإن لی شیطانا یعترینی عند غضبى-  فالمشهور فی الروایه فإن لی شیطانا یعترینی-  قال المفسرون أراد بالشیطان الغضب-  و سماه شیطانا على طریق الاستعاره-  و کذا ذکره شیخنا أبو الحسین فی الغرر-  قال معاویه لإنسان غضب فی حضرته-  فتکلم بما لا یتکلم بمثله فی حضره الخلفاء-  اربع على ظلعک أیها الإنسان- 

فإنما الغضب شیطان و أنا لم نقل إلا خیرا- . و قد ذکر أبو جعفر محمد بن جریر الطبری-  فی کتاب التاریخ الکبیر-  خطبتی أبی بکر عقیب بیعته بالسقیفه-  و نحن نذکرهما نقلا من کتابه-  أما الخطبه الأولى فهی-  أما بعد أیها الناس فإنی ولیتکم و لست بخیرکم-  فإن أحسنت فأعینونی و إن أسأت فقومونی-  لأن الصدق أمانه و الکذب خیانه-  الضعیف منکم قوی عندی حتى أریح علیه حقه-  و القوی منکم ضعیف عندی حتى آخذ الحق منه-  لا یدع قوم الجهاد فی سبیل الله إلا ضربهم الله بالذل-  و لا تشیع الفاحشه فی قوم إلا عمهم الله بالبلاء-  أطیعونی ما أطعت الله و رسوله-  فإذا عصیت الله و رسوله فلا طاعه لی علیکم-  قوموا إلى صلاتکم رحمکم الله و أما الخطبه الثانیه فهی أیها الناس إنما أنا مثلکم-  و إنی لا أدری لعلکم ستکلفوننی-  ما کان رسول الله ص یطیقه- 

إن الله اصطفى محمدا ص على العالمین-  و عصمه من الآفات-  و إنما أنا متبع و لست بمتبوع-  فإن استقمت فاتبعونی و إن زغت فقومونی-  و إن رسول الله ص-  قبض و لیس أحد من هذه الأمه-  یطلبه بمظلمه ضربه سوط فما دونها-  ألا و إن لی شیطانا یعترینی-  فإذا غضبت فاجتنبونی لا أؤثر فی أشعارکم و أبشارکم-  ألا و إنکم تغدون و تروحون فی أجل قد غیب عنکم علمه-  فإن استطعتم ألا یمضی هذا الأجل-  إلا و أنتم فی عمل صالح فافعلوا-  و لن تستطیعوا ذلک إلا بالله-  فسابقوا فی مهل آجالکم-  من قبل أن تسلمکم آجالکم إلى انقطاع الأعمال-  فإن قوما نسوا آجالهم و جعلوا أعمالهم لغیرهم-  فأنهاکم أن تکونوا أمثالهم-  الجد الجد الوحا الوحا-  فإن وراءکم طالبا حثیثا-  أجل مره سریع احذروا الموت-  و اعتبروا بالآباء و الأبناء و الإخوان-  و لا تغبطوا الأحیاء إلا بما یغبط به الأموات- . إن الله لا یقبل من الأعمال إلا ما یراد به وجهه-  فأریدوا وجه الله بأعمالکم- 

و اعلمواأن ما أخلصتم لله من أعمالکم-  فلطاعه أتیتموها-  و حظ ظفرتم به و ضرائب أدیتموها-  و سلف قدمتموه من أیام فانیه لأخرى باقیه-  لحین فقرکم و حاجتکم-  فاعتبروا عباد الله بمن مات منکم-  و تفکروا فیمن کان قبلکم-  أین کانوا أمس و أین هم الیوم أین الجبارون-  أین الذین کان لهم ذکر القتال و الغلبه-  فی مواطن الحرب-  قد تضعضع بهم الدهر و صاروا رمیما-  قد ترکت علیهم القالات الخبیثات-  و إنما الخبیثات للخبیثین و الخبیثون للخبیثات-  و أین الملوک الذین أثاروا الأرض و عمروها-  قد بعدوا بسیئ ذکرهم-  و بقی ذکرهم و صاروا کلا شی‏ء-  ألا إن الله قد أبقى علیهم التبعات-  و قطع عنهم الشهوات و مضوا-  و الأعمال أعمالهم و الدنیا دنیا غیرهم-  و بقینا خلفا من بعدهم-  فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا-  و إن اغتررنا کنا مثلهم-  أین الوضاء الحسنه وجوههم المعجبون بشبابهم-  صاروا ترابا و صار ما فرطوا فیه حسره علیهم-  أین الذین بنوا المدائن و حصنوها بالحوائط-  و جعلوا فیها العجائب و ترکوها لمن خلفهم-  فتلک مساکنهم خاویه و هم فی ظلم القبور-  هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم رکزا-  أین من تعرفون من آبائکم و إخوانکم-  قد انتهت بهم آجالهم فوردوا على ما قدموا علیه-  و أقاموا للشقوه و للسعاده-  إلا إن الله لا شریک له-  لیس بینه و بین أحد من خلقه سبب-  یعطیه به خیرا و لا یصرف عنه به شرا-  إلا بطاعته و اتباع أمره- 

و اعلموا أنکم عباد مدینون-  و أن ما عنده لا یدرک إلا بتقواه و عبادته-  ألا و إنه لا خیر بخیر بعده النار-  و لا شر بشر بعد الجنه- .فهذه خطبتا أبی بکر یوم السقیفه و الیوم الذی یلیه-  إنما قال إن لی شیطانا یعترینی-  و أراد بالشیطان الغضب-  و لم یرد أن له شیطانا من مرده الجن-  یعتریه إذا غضب-  فالزیاده فیما ذکره المرتضى فی قوله-  إن لی شیطانا یعترینی عند غضبی-  تحریف لا محاله-  و لو کان له شیطان من الجن یعتاده و ینوبه-  لکان فی عداد المصروعین من المجانین-  و ما ادعى أحد على أبی بکر هذا-  لا من أولیائه و لا من أعدائه-  و إنما ذکرنا خطبته على طولها-  و المراد منها کلمه واحده-  لما فیها من الفصاحه و الموعظه-  على عادتنا فی الاعتناء بإیداع هذا الکتاب-  ما کان ذاهبا هذا المذهب و سالکا هذا السبیل- . فأما قول المرتضى فهذه صفه من لیس بمعصوم-  فالأمر کذلک و العصمه عندنا لیست شرطا فی الإمامه-  و لو لم یدل على عدم اشتراطها-  إلا أنه قال على المنبر بحضور الصحابه هذا القول-  و أقروه على الإمامه-  لکفى فی عدم کون العصمه شرطا-  لأنه قد حصل الإجماع على عدم اشتراط ذلک-  إذ لو کان شرطا لأنکر منکر إمامته کما لو قال- 

إنی لا أصبر عن شرب الخمر و عن الزنا- . فأما قوله هذه صفه طائش لا یملک نفسه-  فلعمری إن أبا بکر کان حدیدا و قد ذکره عمر بذلک-  و ذکره غیره من الصحابه بالحده و السرعه-  و لکن لا بحیث أن تبطل به أهلیته للإمامه-  لأن الذی یبطل الإمامه من ذلک-  و ما یخرج الإنسان عن العقل-  و أما ما هو دون ذلک فلا-  و لیس قوله فاجتنبونی لا أؤثر فی أشعارکم و أبشارکم-  محمول على ظاهره-  و إنما أراد به المبالغه فی وصف القوه الغضبیه عنده-  و إلا فما سمعنا و لا نقل ناقل-  من الشیعه و لا من غیر الشیعه-  أن أبا بکر فی أیام رسول الله ص-  و لا فی الجاهلیه و لا فی أیام خلافته-  احتد على إنسان-  فقام إلیه فضربه بیده و مزق شعره- .

فأما ما حکاه قاضی القضاه عن الشیخ أبی علی-  من تشبیه هذه اللفظه بما ورد فی القرآن-  فهو على تقدیر أن یکون أبو بکر عنى الشیطان حقیقه-  و ما اعترض به المرتضى ثانیه علیه غیر لازم-  لأن الله تعالى قال فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّیْطانُ-  و تعقب ذلک قبولهما وسوسته و أکلهما من الشجره-  فکیف یقول المرتضى-  لیس قول أبی بکر بمنزله من وسوس له الشیطان فلم یطعه-  و کذلک قوله تعالى فی قصه موسى لما قتل القبطی-  هذا مِنْ عَمَلِ الشَّیْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِینٌ-  و کذلک قوله فَأَزَلَّهُمَا الشَّیْطانُ عَنْها-  و قوله أَلْقَى الشَّیْطانُ فِی أُمْنِیَّتِهِ-  و ما ذهب إلیه المرتضى من التأویلات-  مبنی على مذهبه فی العصمه الکلیه-  و هو مذهب یحتاج فی نصرته إلى تکلف شدید-  و تعسف عظیم فی تأویل الآیات-  على أنه إذا سلم أن الشیطان-  ألقى فی تلاوه الرسول ص ما لیس من القرآن-  حتى ظنه السامعون کلاما من کلام الرسول-  فقد نقض دلاله التنفیر المقتضیه عنده فی العصمه-  لأنه لا تنفیر عنده أبلغ من تمکین الله الشیطان-  أن یخلط کلامه بکلامه و رسوله یؤدیه إلى المکلفین-  حتى یعتقد السامعون کلهم أن الکلامین کلام واحد- .

و أما قوله إن آدم کان مندوبا-  إلى ألا یأکل من الشجره لا محرم علیه أکلها-  و لفظه عصى إنما المراد بها خالف المندوب-  و لفظه غوى إنما المراد خاب-  من حیث لم یستحق الثواب على اعتماد ما ندب إلیه-  فقول یدفعه ظاهر الآیه لأن الصیغه صیغه النهی-  و هی قوله وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَهَ-  و النهی عند المرتضى یقتضی التحریم لا محاله-  و لیس الأمر الذی قد یراد به الندب-  و قد یراد به الوجوب- . و أما قول شیخنا أبی علی-  إن کلام أبی بکر خرج مخرج الإشفاق و الحذر-  من المعصیه عند الغضب فجید- . و اعتراض المرتضى علیه-  بأنه لیس ظاهر اللفظ ذاک غیر لازم-  لأن هذه عاده العرب-  یعبرون عن الأمر بما هو منه بسبب و سبیل-  کقولهم لا تدن من الأسد فیأکلک-  فلیس أنهم قطعوا على الأکل عند الدنو-  و إنما المراد الحذر و الخوف-  و التوقع للأکل عند الدنو- .

 

و أما الکلام فی قوله أقیلونی-  فلو صح الخبر لم یکن فیه مطعن علیه-  لأنه إنما أراد فی الیوم الثانی اختبار حالهم فی البیعه-  التی وقعت فی الیوم الأول لیعلم ولیه من عدوه منهم-  و قد روى جمیع أصحاب السیر أن أمیر المؤمنین خطب فی الیوم الثانی من بیعته-  فقال أیها الناس إنکم بایعتمونی على السمع و الطاعه-  و أنا أعرض الیوم علیکم ما دعوتمونی إلیه أمس-  فإن أجبتم قعدت لکم و إلا فلا أجد على أحد-  و لیس بجید قول المرتضى-  إنه لو کان یرید العرض و البذل-  لکان قد قال کذا و کذا-  فإن هذه مضایقه منه شدیده للألفاظ-  و لو شرعنا فی مثل هذا لفسد أکثر ما یتکلم به الناس-  على أنا لو سلمنا أنه استقالهم البیعه حقیقه-  فلم قال المرتضى إن ذلک لا یجوز-  أ لیس یجوز للقاضی أن یستقیل من القضاء-  بعد تولیته إیاه و دخوله فیه-  فکذلک یجوز للإمام أن یستقیل من الإمامه-  إذا أنس من نفسه ضعفا عنها-  أو أنس من رعیته نبوه عنه-  أو أحس بفساد ینشأ فی الأرض-  من جهه ولایته على الناس-  و من یذهب إلى أن الإمامه تکون بالاختیار-  کیف یمنع من جواز استقاله الإمام-  و طلبه إلى الأمه أن یختاروا غیره-  لعذر یعلمه من حال نفسه-  و إنما یمنع من ذلک المرتضى و أصحابه-  القائلون بأن الإمامه بالنص-  و إن الإمام محرم علیه ألا یقوم بالإمامه-  لأنه مأمور بالقیام بها لتعینه خاصه-  دون کل أحد من المکلفین-  و أصحاب الاختیار یقولون-  إذا لم یکن زید إماما کان عمرو إماما عوضه-  لأنهم لا یعتبرون الشروط-  التی یعتبرها الإمامیه من العصمه-  و أنه أفضل أهل عصره و أکثرهم ثوابا-  و أعلمهم و أشجعهم و غیر ذلک من الشروط-  التی تقتضی تفرده و توحده بالأمر-  على أنه إذا جاز عندهم-  أن یترک الإمام الإمامه فی الظاهر کما فعله الحسن-  و کما فعله غیره من الأئمه بعد الحسین ع للتقیه-  جاز للإمام‏ على مذهب أصحاب الاختیار-  أن یترک الإمامه ظاهرا و باطنا-  لعذر یعلمه من حال نفسه أو حال رعیته

الطعن الثانی

قال قاضی القضاه بعد أن ذکر قول عمر کانت بیعه أبی بکر فلته-  و قد تقدم منا القول فی ذلک فی أول هذا الکتاب-  و مما طعنوا به على أبی بکر أنه قال عند موته-  لیتنی کنت سألت رسول الله ص عن ثلاثه-  فذکر فی أحدها لیتنی کنت سألته-  هل للأنصار فی هذا الأمر حق-  قالوا و ذلک یدل على شکه فی صحه بیعته-  و ربما قالوا قد روی أنه قال فی مرضه-  لیتنی کنت ترکت بیت فاطمه لم أکشفه-  و لیتنی فی ظله بنی ساعده کنت-  ضربت على ید أحد الرجلین-  فکان هو الأمیر و کنت الوزیر-  قالوا و ذلک یدل-  على ما روی من إقدامه على بیت فاطمه ع-  عند اجتماع علی ع و الزبیر و غیرهما فیه-  و یدل على أنه کان یرى الفضل لغیره لا لنفسه- .

قال قاضی القضاه و الجواب أن قوله-  لیتنی لا یدل على الشک فیما تمناه-  و قول إبراهیم ع-  رَبِّ أَرِنِی کَیْفَ تُحْیِ الْمَوْتى‏-  قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لکِنْ لِیَطْمَئِنَّ قَلْبِی-  أقوى من ذلک فی الشبهه-  ثم حمل تمنیه على أنه أراد سماع شی‏ء مفصل-  أو أراد لیتنی سألته عند الموت-  لقرب العهد لأن ما قرب عهده لا ینسى-  و یکون أردع للأنصار على ما حاولوه-  ثم قال على أنه لیس فی ظاهره أنه تمنى أن‏ یسأل-  هل لهم حق فی الإمامه أم لا-  لأن الإمامه قد یتعلق بها حقوق سواها-  ثم دفع الروایه المتعلقه ببیت فاطمه ع-  و قال فأما تمنیه أن یبایع غیره فلو ثبت لم یکن ذما-  لأن من اشتد التکلیف علیه فهو یتمنى خلافه- .

اعترض المرتضى رحمه الله هذا الکلام فقال-  لیس یجوز أن یقول أبو بکر-  لیتنی کنت سألت عن کذا-  إلا مع الشک و الشبهه-  لأن مع العلم و الیقین لا یجوز مثل هذا القول-  هکذا یقتضی الظاهر-  فأما قول إبراهیم ع-  فإنما ساغ أن یعدل عن ظاهره-  لأن الشک لا یجوز على الأنبیاء و یجوز على غیرهم-  على أنه ع قد نفى عن نفسه الشک بقوله-  بَلى‏ وَ لکِنْ لِیَطْمَئِنَّ قَلْبِی-  و قد قیل إن نمرود قال له-  إذا کنت تزعم أن لک ربا یحیی الموتى-  فاسأله أن یحیی لنا میتا إن کان على ذلک قادرا-  فإن لم تفعل ذلک قتلتک-  فأراد بقوله وَ لکِنْ لِیَطْمَئِنَّ قَلْبِی-  أی لآمن توعد عدوک لی بالقتل-  و قد یجوز أن یکون طلب ذلک لقومه-  و قد سألوه أن یرغب إلى الله تعالى فیه فقال-  لیطمئن قلبی إلى إجابتک لی-  و إلى إزاحه عله قومی-  و لم یرد لیطمئن قلبی إلى أنک تقدر على أن تحیی الموتى-  لأن قلبه قد کان بذلک مطمئنا-  و أی شی‏ء یرید أبو بکر من التفضیل أکثر من قوله-  إن هذا الأمر لا یصلح إلا لهذا الحی من قریش-  و أی فرق بین ما یقال عند الموت و بین ما یقال قبله-  إذا کان محفوظا معلوما-  لم ترفع کلمه و لم تنسخ- . و بعد فظاهر الکلام لا یقتضی هذا التخصیص-  و نحن مع الإطلاق و الظاهر-  و أی حق یجوز أن یکون للأنصار فی الإمامه-  غیر أن یتولاها رجل منهم حتى یجوز أن یکون الحق-  الذی تمنى أن یسأل عنه غیر الإمامه-  و هل هذا إلا تعسف و تکلف-و أی شبهه تبقى بعد قول أبی بکر-  لیتنی کنت سألته هل للأنصار فی هذا الأمر حق-  فکنا لا ننازعه أهله-  و معلوم أن التنازع لم یقع بینهم-  إلا فی الإمامه نفسها لا فی حق آخر من حقوقها- .

فأما قوله إنا قد بینا أنه لم یکن منه فی بیت فاطمه-  ما یوجب أن یتمنى أنه لم یفعله-  فقد بینا فساد ما ظنه فیما تقدم- . فأما قوله-  إن من اشتد التکلیف علیه قد یتمنى خلافه-  فلیس بصحیح-  لأن ولایه أبی بکر إذا کانت هی التی اقتضاها الدین-  و النظر للمسلمین فی تلک الحال و ما عداها کان مفسده-  و مؤدیا إلى الفتنه-  فالتمنی لخلافها لا یکون إلا قبیحا- . قلت أما قول قاضی القضاه-  إن هذا التمنی لا یقتضی الشک-  فی أن الإمامه لا تکون إلا فی قریش-  کما أن قول إبراهیم وَ لکِنْ لِیَطْمَئِنَّ قَلْبِی-  لا یقتضی الشک فی أنه تعالى قادر على ذلک فجید- .

فأما قول المرتضى-  إنما ساغ أن یعدل عن الظاهر فی حق إبراهیم-  لأنه نبی معصوم لا یجوز علیه الشک-  فیقال له و کذلک ینبغی أن یعدل عن ظاهر کلام أبی بکر-  لأنه رجل مسلم عاقل-  فحسن الظن به-  یقتضی صیانه أفعاله و أقواله عن التناقض-  قوله إن إبراهیم قد نفى عن نفسه الشک بقوله-  بَلى‏ وَ لکِنْ لِیَطْمَئِنَّ قَلْبِی-  قلنا إن أبا بکر قد نفى عن نفسه الشک-  بدفع الأنصار عن الإمامه و إثباتها فی قریش خاصه-  فإن کانت لفظه بلى دافعه لشک إبراهیم-  الذی یقتضیه قوله وَ لکِنْ لِیَطْمَئِنَّ قَلْبِی-  ففعل أبی بکر و قوله یوم السقیفه- یدفع الشک الذی یقتضیه قوله لیتنی سألته-  و لا فرق فی دفع الشک-  بین أن یتقدم الدافع أو یتأخر أو یقارن- . ثم یقال للمرتضى أ لست فی هذا الکتاب-  و هو الشافی بینت أن قصه السقیفه لم یجر فیها ذکر نص-  عن رسول الله ص بأن الأئمه من قریش-  و أنه لم یکن هناک إلا احتجاج أبی بکر و عمر-  بأن قریشا أهل النبی ص و عشیرته-  و أن العرب لا تطیع غیر قریش-  و ذکرت عن الزهری و غیره أن القول الصادر عن أبی بکر-  إن هذا الأمر لا یصلح إلا لهذا الحی من قریش-  لیس نصا مرویا عن رسول الله ص-  و إنما هو قول قاله أبو بکر من تلقاء نفسه-  و رویت فی ذلک الروایات-  و نقلت من الکتب من تاریخ الطبری و غیره-  صوره الکلام و الجدال الدائر بینه و بین الأنصار-  فإذا کان هذا قولک فلم تنکر على أبی بکر قوله-  لیتنی کنت سألت رسول الله ص-  هل للأنصار فی هذا الأمر حق-  لأنه لم یسمع النص و لا رواه و لا روی له-  و إنما دفع الأنصار بنوع من الجدل-  فلا جرم بقی فی نفسه شی‏ء من ذلک- 

و قال عند موته لیتنی کنت سألت رسول الله ص-  و لیس ذلک مما یقتضی شکه فی بیعته کما زعم الطاعن-  لأنه إنما یشک فی بیعته-  لو کان قال قائل أو ذهب ذاهب-  إلى أن الإمامه لیست إلا فی الأنصار-  و لم یقل أحد ذلک-  بل النزاع کان فی هل الإمامه مقصوره على قریش خاصه-  أم هی فوضى بین الناس کلهم-  و إذا کانت الحال هذه-  لم یکن شاکا فی إمامته و بیعته بقوله-  لیتنی سألت رسول الله ص-  هل للأنصار فی هذا حق-  لأن بیعته على کلا التقدیرین تکون صحیحه- .

 

فأما قول قاضی القضاه-  لعله أراد حقا للأنصار غیر الإمامه نفسها-  فلیس بجید و الذی اعترضه به المرتضى جید-  فإن الکلام لا یدل إلا على الإمامه نفسها-  و لفظه المنازعه تؤکد ذلک- . و أما حدیث الهجوم على بیت فاطمه ع-  فقد تقدم الکلام فیه-  و الظاهر عندی صحه ما یرویه المرتضى و الشیعه-  و لکن لا کل ما یزعمونه بل کان بعض ذلک-  و حق لأبی بکر أن یندم و یتأسف على ذلک-  و هذا یدل على قوه دینه و خوفه من الله تعالى-  فهو بأن یکون منقبه له أولى من کونه طعنا علیه- .

فأما قول قاضی القضاه-  إن من اشتد التکلیف علیه فقد یتمنى خلافه-  و اعتراض المرتضى علیه-  فکلام قاضی القضاه أصح و أصوب-  لأن أبا بکر و إن کانت ولایته مصلحه-  و ولایه غیر مفسده-  فإنه ما یتمنى أن یکون الإمام غیره-  مع استلزام ذلک للمفسده-  بل تمنى أن یلی الأمر غیره و تکون المصلحه بحالها-  أ لا ترى أن خصال الکفاره فی الیمین-  کل واحده منها مصلحه-  و ما عداها لا یقوم مقامها فی المصلحه-  و أحدها یقوم مقام الأخرى فی المصلحه-  فأبو بکر تمنى أن یلی الأمر عمر أو أبو عبیده-  بشرط أن تکون المصلحه الدینیه-  التی تحصل من بیعته-  حاصله من بیعه کل واحد من الآخرین

الطعن الثالث

قالوا إنه ولی عمر الخلافه-  و لم یوله رسول الله ص شیئامن أعماله البته-  إلا ما ولاه یوم خیبر فرجع منهزما-  و ولاه الصدقه فلما شکاه العباس عزله- . أجاب قاضی القضاه بأن ترکه ع أن یولیه-  لا یدل على أنه لا یصلح لذلک-  و تولیته إیاه لا یدل على صلاحیته للإمامه-  فإنه ص قد ولى خالد بن الولید و عمرو بن العاص-  و لم یدل ذلک على صلاحیتهما للإمامه-  و کذلک ترکه أن یولی لا یدل على أنه غیر صالح-  بل المعتبر بالصفات التی تصلح للإمامه-  فإذا کملت صلح لذلک ولی من قبل أو لم یول-  و قد ثبت أن النبی ص-  ترک أن یولی أمیر المؤمنین ع أمورا کثیره-  و لم یجب إلا من یصلح لها-  و ثبت أن أمیر المؤمنین ع لم یول الحسین ع ابنه-  و لم یمنع ذلک من أن یصلح للإمامه-  و حکی عن أبی علی-  أن ذلک إنما کان یصح أن یتعلق به-  لو ظفروا بتقصیر من عمر فیما تولاه-  فأما و أحواله معروفه فی قیامه بالأمر-  حین یعجز غیره فکیف یصح ما قالوه-  و بعد فهلا دل ما روی من قوله-  و إن تولوا عمر تجدوه قویا فی أمر الله-  قویا فی بدنه على جواز ذلک-  و إن ترک النبی ص تولیته-  لأن هذا القول أقوى من الفعل- .

اعترض المرتضى رحمه الله فقال-  قد علمنا بالعاده أن من ترشح لکبار الأمور-  لا بد من أن یدرج إلیها بصغارها-  لأن من یرید بعض الملوک تأهیله للأمر من بعده-  لا بد من أن ینبه علیه بکل قول و فعل-  یدل على ترشیحه لهذه المنزله-  و یستکفیه من أمور ولایاته ما یعلم عنده-  أو یغلب على ظنه صلاحه لما یریده له-  و إن من یرى الملک مع حضوره و امتداد الزمان و تطاوله-  لا یستکفیه شیئا من الولایات-  و متى ولاه عزله-  و إنما یولی غیره و یستکفی سواه-  لا بد أن یغلب فی الظن أنه لیس بأهل للولایه-  و إن جوزنا أنه لم یوله لأسباب کثیره-  سوى أنه لا یصلح للولایه-  إلا أن مع هذا التجویز-  لا بد أن یغلب على الظن بما ذکرناه-  فأما خالد و عمرو فإنما لم یصلحا للإمامه-  لفقد شروط الإمامه فیهما-  و إن کانا یصلحان لما ولیاه من الإماره-  فترک الولایه مع امتداد الزمان و تطاول الأیام-  و جمیع الشروط التی ذکرناها-  تقتضی غلبه الظن لفقد الصلاح-  و الولایه لشی‏ء لا تدل على الصلاح لغیره-  إذا کانت الشرائط فی القیام بذلک الغیر معلوما فقدها-  و قد نجد الملک یولی بعض أموره-  من لا یصلح للملک بعده لظهور فقد الشرائط فیه-  و لا یجوز أن یکون بحضرته من یرشحه للملک بعده-  ثم لا یولیه على تطاول الزمان شیئا من الولایات-  فبان الفرق بین الولایه و ترکها فیما ذکرناه- . فأما أمیر المؤمنین ع-  و إن یتول جمیع أمور النبی ص فی حیاته-  فقد تولى أکثرها و أعظمها و خلفه فی المدینه-  و کان الأمیر على الجیش المبعوث إلى خیبر-  و جرى الفتح على یدیه بعد انهزام من انهزم منها-  و کان المؤدی عنه سوره براءه-  بعد عزل من عزل عنها و ارتجاعها منه-  إلى غیر ذلک من عظیم الولایات و المقامات-  بما یطول شرحه-  و لو لم یکن إلا أنه لم یول علیه والیا قط لکفى- .

فأما اعتراضه بأن أمیر المؤمنین ع-  لم یول الحسین فبعید عن الصواب-  لأن أیام أمیر المؤمنین ع لم تطل-  فیتمکن فیها من مراداته-  و کانت على قصرها منقسمه بین قتال الأعداء-  لأنه ع لما بویع لم یلبث أن خرج علیه أهل البصره-  فاحتاج إلى قتالهم-  ثم انکفأ من قتالهم إلى قتال أهل الشام-  و تعقب ذلک قتال أهل النهروان-  و لم تستقر به الدار و لا امتد به الزمان-  و هذا بخلاف أیام النبی ص-  التی تطاولت و امتدت-  على أنه قد نص علیه بالإمامه بعد أخیه الحسن-  و إنما تطلب الولایات لغلبه الظن بالصلاح للإمامه- . فإن کان هناک وجه یقتضی العلم بالصلاح لها-  کان أولى من طریق الظن-  على أنه‏ لا خلاف بین المسلمین-  أن الحسین ع کان یصلح للإمامه-  و إن لم یوله أبوه الولایات-  و فی مثل ذلک خلاف من حال عمر فافترق الأمران-  فأما قوله إنه لم یعثر على عمر بتقصیر فی الولایه-  فمن سلم بذلک-  أ و لیس یعلم أن مخالفته تعد تقصیرا کثیرا-  و لو لم یکن إلا ما اتفق علیه من خطئه فی الأحکام-  و رجوعه من قول إلى غیره-  و استفتائه الناس فی الصغیر و الکبیر-  و قوله کل الناس أفقه من عمر لکان فیه کفایه-  و لیس کل النهوض بالإمامه-  یرجع إلى حسن التدبیر و السیاسه الدنیاویه-  و رم الأعمال و الاستظهار فی جبایه الأموال-  و تمصیر الأمصار و وضع الأعشار-  بل حظ الإمامه من العلم بالأحکام-  و الفتیا بالحلال و الحرام-  و الناسخ و المنسوخ و المحکم و المتشابه أقوى-  فمن قصر فی هذا لم ینفعه أن یکون کاملا فی ذلک- .

فأما قوله فهلا دل ما روی من  قوله ع فإن ولیتم عمر-  وجدتموه قویا فی أمر الله قویا فی بدنه-  فهذا لو ثبت لدل و قد تقدم القول علیه-  و أقوى ما یبطله عدول أبی بکر عن ذکره-  و الاحتجاج به لما أراد النص على عمر-  فعوتب على ذلک و قیل له-  ما تقول لربک إذ ولیت علینا فظا غلیظا-  فلو کان صحیحا لکان یحتج به و یقول-  ولیت علیکم من شهد النبی ص-  بأنه قوی فی أمر الله قوی فی بدنه-  و قد قیل فی الطعن على صحه هذا الخبر-  إن ظاهره یقتضی تفضیل عمر على أبی بکر-  و الإجماع بخلاف ذلک لأن القوه فی الجسم فضل-  قال الله تعالى إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَیْکُمْ-  وَ زادَهُ بَسْطَهً فِی الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ-  و بعد فکیف یعارض ما اعتمدناه-  من عدوله ع عن ولایته-  و هو أمر معلوم-  بهذا الخبر المردود المدفوع- . قلت أما ما ادعاه من عاده الملوک فالأمر بخلافه-  فإنا قد وقفنا على سیر الأکاسره و ملوک الروم و غیرهم-  فما سمعنا أن أحدا منهم رشح ولده‏ للملک بعده-  باستعماله على طرف من الأطراف و لا جیش من الجیوش-  و إنما کانوا یثقفونهم بالآداب و الفروسیه-  فی مقار ملکهم لا غیر-  و الحال فی ملوک الإسلام کذلک-  فقد سمعنا بالدوله الأمویه-  و رأینا الدوله العباسیه-  فلم نعرف الدوله التی ادعاها المرتضى- 

و إنما قد یقع فی الأقل النادر شی‏ء مما أشار إلیه-  و الأغلب الأکثر خلاف ذلک-  على أن أصحابنا لا یقولون إن عمر کان مرشحا للخلافه-  بعد رسول الله ص لیقال لهم-  فلو کان قد رشحه للخلافه بعده-  لاستکفاه کثیرا من أموره-  و إنما عمر مرشح عندهم-  فی أیام أبی بکر للخلافه بعد أبی بکر-  و قد کان أبو بکر استعمله على القضاء مده خلافته-  بل کان هو الخلیفه فی المعنى-  لأنه فوض إلیه أکثر التدبیر-  فعلى هذا یکون قد سلمنا-  أن ترک استعمال النبی ص لعمر-  یدل على أنه غیر مرشح فی نظره للخلافه بعده-  و کذلک نقول و لا یلزم من ذلک-  ألا یکون خلیفه بعد أبی بکر على أنا لا نسلم أنه ما استعمله-  فقد ذکر الواقدی و ابن إسحاق-  أنه بعثه فی سریه فی سنه سبع من الهجره-  إلى الوادی المعروف ببرمه بضم الباء و فتح الراء-  و بها جمع من هوازن-  فخرج و معه دلیل من بنی هلال-  و کانوا یسیرون اللیل و یکمنون النهار-  و أتى الخبر هوازن فهربوا-  و جاء عمر محالهم فلم یلق منهم أحدا-  فانصرف إلى المدینه- .

ثم یعارض المرتضى بما ذکره قاضی القضاه-  من ترک تولیه علی ابنه الحسین ع-  و قوله فی العذر عن ذلک-  إن علیا ع کان ممنوا-  بحرب البغاه و الخوارج لا یدفع المعارضه-  لأن تلک الأیام التی هی أیام حروبه مع هؤلاء-  هی الأیام التی کان ینبغی أن یولی الحسین ع-  بعض الأمور فیها-  کاستعماله على جیش ینفذه سریه إلى بعض الجهات-  و استعماله على الکوفه بعد خروجه منها إلى حرب صفین-  أو استعماله على القضاء-و لیس اشتغاله بالحرب بمانع له عن ولایه ولده-  و قد کان مشتغلا بالحرب-  و هو یولی بنی عمه العباس الولایات و البلاد الجلیله فأما قوله-  على أنه قد نص علیه بالإمامه بعد أخیه الحسن-  فهذا یغنی عن تولیته شیئا من الأعمال-  فلقائل أن یمنع ما ذکره من حدیث النص-  فإنه أمر تنفرد به الشیعه-  و أکثر أرباب السیر و التواریخ لا یذکرون-  أن أمیر المؤمنین ع نص على أحد-  ثم إن ساغ له ذلک ساغ لقاضی القضاه أن یقول-  إن  قول النبی ص اقتدوا باللذین من بعدی أبی بکر و عمر-  یغنی عن تولیه عمر شیئا من الولایات-  لأن هذا القول آکد من الولایه فی ترشحه للخلافه- .

فأما قوله على أنه لا خلاف بین المسلمین-  فی صلاحیه الحسین للخلافه-  و إن لم یوله أبوه الولایات-  و فی عمر خلاف ظاهر بین المسلمین-  فلقائل أن یقول له-  إجماع المسلمین على صلاحیه الحسین للخلافه-  لا یدفع المعارضه بل یؤکدها-  لأنه إذا کان المسلمون-  قد أجمعوا على صلاحیته للخلافه-  و لم یکن ترک تولیه أبیه إیاه الولایات-  قادحا فی صلاحیته لها بعده-  جاز أیضا أن یکون ترک تولیه رسول الله ص-  عمر الولایات فی حیاته-  غیر قادح فی صلاحیته للخلافه بعده- . ثم ما ذکره من تقصیر عمر فی الخلافه-  بطریق اختلاف أحکامه و رجوعه إلى فتاوى العلماء-  فقد ذکرنا ذلک فیما تقدم-  لما تکلمنا فی مطاعن الشیعه على عمر و أجبنا عنه- .

و أما قوله لا یغنی حسن التدبیر و السیاسه و رم الأمور-  مر القصور فی الفقه-  فأصحابنا یذهبون-  إلى أنه إذا تساوى اثنان فی خصال الإمامه-  إلا أنه کان أحدهما أعلم و الآخرأسوس-  فإن الأسوس أولى بالإمامه-  لأن حاجه الإمامه إلى السیاسه و حسن التدبیر-  آکد من حاجتها إلى العلم و الفقه- . و أما الخبر المروی فی عمر-  و هو قوله و إن تولوها عمر-  فیجوز ألا یکون أبو بکر سمعه من رسول الله ص-  و یکون الراوی له غیره-  و یجوز أن یکون سمعه و شذ عنه-  أن یحتج به على طلحه لما أنکر استخلاف عمر-  و یجوز ألا یکون شذ عنه و ترک الاحتجاج به-  استغناء عنه لعلمه أن طلحه لا یعتد بقوله-  عند الناس إذا عارض قوله-  و لعله کنى عن هذا النص بقوله-  إذا سألنی ربی قلت له-  استخلفت علیهم خیر أهلک-  على أنا متى فتحنا باب هلا احتج فلان بکذا-  جر علینا ما لا قبل لنا به-  و قیل هلا احتج علی ع على-  طلحه و عائشه و الزبیر-  بقول رسول الله ص من کنت مولاه فهذا علی مولاه-  و هلا احتج علیهم بقوله أنت منی بمنزله هارون من موسى-  و لا یمکن الشیعه أن یعتذروا هاهنا بالتقیه-  لأن السیوف کانت قد سلت من الفریقین-  و لم یکن مقام تقیه- .

و أما قوله هذا الخبر لو صح-  لاقتضى أن یکون عمر أفضل من أبی بکر-  و هو خلاف إجماع المسلمین-  فلقائل أن یقول لم قلت إن المسلمین أجمعوا-  على أن أبا بکر أفضل من عمر-  مع أن کتب الکلام و التصانیف المصنفه فی المقالات-  مشحونه بذکر الفرقه العمریه-  و هم القائلون إن عمر أفضل من أبی بکر-  و هی طائفه عظیمه من المسلمین-  یقال إن عبد الله بن مسعود منهم-  و قد رأیت أن جماعه من الفقهاء یذهبون إلى هذا-  و یناظرون علیه-  على أنه لا یدل الخبر على ما ذکره المرتضى-  لأنه و إن کان عمر أفضل منه باعتبار قوه البدن-  فلا یدل على أنه أفضل منه مطلقا-  فمن الجائز أن یکون بإزاء هذه الخصله-  خصال کثیره فی أبی بکر من خصال الخیر-  یفضل بها على عمر-أ لا ترى أنا نقول أبو دجانه أفضل من أبی بکر-  بجهاده بالسیف فی مقام الحرب-  و لا یلزم من ذلک أن یکون أفضل منه مطلقا-  لأن فی أبی بکر من خصال الفضل-  ما إذا قیس بهذه الخصله-  أربى علیها أضعافا مضاعفه

الطعن الرابع

قالوا إن أبا بکر کان فی جیش أسامه-  و إن رسول الله ص-  کرر حین موته الأمر بتنفیذ جیش أسامه-  فتأخره یقتضی مخالفه الرسول ص-  فإن قلتم إنه لم یکن فی الجیش-  قیل لکم لا شک أن عمر بن الخطاب کان فی الجیش-  و أنه حبسه و منعه من النفوذ مع القوم-  و هذا کالأول فی أنه معصیه-  و ربما قالوا إنه ص-  جعل هؤلاء القوم فی جیش أسامه-  لیبعدوا بعد وفاته عن المدینه-  فلا یقع منهم توثب على الإمامه-  و لذلک لم یجعل أمیر المؤمنین ع فی ذلک الجیش-  و جعل فیه أبا بکر و عمر و عثمان و غیرهم-  و ذلک من أوکد الدلاله-  على أنه لم یرد أن یختاروا للإمامه- .

أجاب قاضی القضاه-  بأن أنکر أولا أن یکون أبو بکر فی جیش أسامه-  و أحال على کتب المغازی-  ثم سلم ذلک و قال إن الأمر لا یقتضی الفور-  فلا یلزم من تأخر أبی بکر عن النفوذ أن یکون عاصیا-  ثم قال إن خطابه ص بتنفیذ الجیش-  یجب أن یکون متوجها إلى القائم بعده-  لأنه من خطاب الأئمه-  و هذا یقتضی ألا یدخل المخاطب بالتنفیذ فی الجمله-  ثم قال-  و هذا یدل على أنه لم یکن هناک إمام منصوص علیه-  لأنه لو کان لأقبل بالخطاب علیه-  و خصه بالأمر بالتنفیذ دون الجمیع-ثم ذکر أن أمر رسول الله ص-  لا بد أن یکون مشروطا بالمصلحه-  و بأن لا یعرض ما هو أهم منه-  لأنه لا یجوز أن یأمرهم بالنفوذ-  و إن أعقب ضررا فی الدین-  ثم قوى ذلک بأنه لم ینکر على أسامه تأخره- 

و قوله لم أکن لأسأل عنک الرکب-  ثم قال لو کان الإمام منصوصا علیه-  لجاز أن یسترد جیش أسامه أو بعضه لنصرته-  و کذلک إذا کان بالاختیار-  ثم حکى عن الشیخ أبی علی استدلاله-  على أن أبا بکر لم یکن فی جیش أسامه-  بأنه ولاه الصلاه فی مرضه-  مع تکریره أمر الجیش بالنفوذ و الخروج- . ثم ذکر أن الرسول ص-  إنما یأمر بما یتعلق بمصالح الدنیا-  من الحروب و نحوها عن اجتهاده-  و لیس بواجب أن یکون ذلک عن وحی-  کما یجب فی الأحکام الشرعیه-  و أن اجتهاده یجوز أن یخالف بعد وفاته-  و إن لم یجز فی حیاته-  لأن اجتهاده فی الحیاه أولى من اجتهاد غیره-  ثم ذکر أن العله فی احتباس عمر عن الجیش-  حاجه أبی بکر إلیه و قیامه بما لا یقوم به غیره-  و أن ذلک أحوط للدین من نفوذه- . ثم ذکر أن أمیر المؤمنین ع حارب معاویه-  بأمر الله تعالى و أمر رسوله-  و مع هذا فقد ترک محاربته فی بعض الأوقات-  و لم یجب بذلک ألا یکون متمثلا للأمر-  و ذکر تولیته ع أبا موسى-  و تولیه الرسول ص خالد بن الولید-  مع ما جرى منهما و أن ذلک یقتضی الشرط- .

ثم ذکر أن من یصلح للإمامه ممن ضمه جیش أسامه-  یجب تأخیره لیختار للإمامه أحدهم-  فإن ذلک أهم من نفوذهم-  فإذا جاز لهذه العله التأخیر قبل العقد-  جاز التأخیر بعده للمعاضده و غیرها-  و طعن فی قول من جعل أن إخراجهم فی الجیش-  على جهه الإبعاد لهم عن المدینه بأن قال-  إن بعدهم عن المدینه-  لا یمنع من أن یختاروا للإمامه-و لأنه ع لم یکن قاطعا على موته لا محاله-  لأنه لم یردنفذوا جیش أسامه فی حیاتی-  ثم ذکر أن ولایه أسامه علیهما-  لا تقتضی فضله و أنهما دونه-  و ذکر ولایه عمرو بن العاص علیهما-  و إن لم یکونا دونه فی الفضل-  و أن أحدا لم یفضل أسامه علیهما ثم ذکر أن السبب فی کون عمر من جمله جیش أسامه-  أن عبد الله بن أبی ربیعه المخزومی-  قال عند ولایه أسامه-  تولى علینا شاب حدث و نحن مشیخه قریش-  فقال عمر یا رسول الله مرنی حتى أضرب عنقه-  فقد طعن فی تأمیرک إیاه-  ثم قال أنا أخرج فی جیش أسامه-  تواضعا و تعظیما لأمره ع- .

اعترض المرتضى هذه الأجوبه فقال-  أما کون أبی بکر فی جمله جیش أسامه فظاهر-  قد ذکره أصحاب السیر و التواریخ-  و قد روى البلاذری فی تاریخه-  و هو معروف بالثقه و الضبط-  و بری‏ء من ممالاه الشیعه و مقاربتها-  أن أبا بکر و عمر معا کانا فی جیش أسامه-  و الإنکار لما یجری هذا المجرى لا یغنی شیئا-  و قد کان یجب على من أحال بذلک-  على کتب المغازی فی الجمله-  أن یومئ إلى الکتاب المتضمن لذلک بعینه لیرجع إلیه-  فأما خطابه ع بالتنفیذ للجیش-  فالمقصود به الفور دون التراخی-  إما من حیث مقتضى الأمر على مذهب من یرى ذلک لغه-  و إما شرعا من حیث وجدنا جمیع الأمه-  من لدن الصحابه إلى هذا الوقت-  یحملون أوامره على الفور-  و یطلبون فی تراخیها الأدله-  ثم لو لم یثبت کل ذلک لکان قول أسامه-  لم أکن لأسأل عنک الرکب-  أوضح دلیل على أنه عقل من الأمر الفور-  لأن سؤال الرکب عنه ع بعد وفاته لا معنى له- .

 و أما قول صاحب الکتاب-  إنه لم ینکر على أسامه تأخره فلیس بشی‏ء-  و أی إنکار أبلغ من تکراره الأمر-  و ترداده القول فی حال یشغل عن المهم-  و یقطع الفکر إلا فیها-  و قد کرر الأمر على المأمور تاره بتکرار الأمر-  و أخرى بغیره-  و إذا سلمنا أن أمره ع-  کان متوجها إلى القائم بعده بالأمر لتنفیذ الجیش بعد الوفاه-  لم یلزم ما ذکره من خروج المخاطب بالتنفیذ عن الجمله-  و کیف یصح ذلک و هو من جمله الجیش-  و الأمر متضمن تنفیذ الجیش-  فلا بد من نفوذ کل من کان فی جملته-  لأن تأخر بعضهم-  یسلب النافذین اسم الجیش على الإطلاق-  أ و لیس من مذهب صاحب الکتاب-  أن الأمر بالشی‏ء أمر بما لا یتم إلا معه-  و قد اعتمد على هذا فی مواضع کثیره-  فإن کان خروج الجیش و نفوذه لا یتم إلا بخروج أبی بکر-  فالأمر بخروج الجیش أمر لأبی بکر بالنفوذ و الخروج-  و کذلک لو أقبل علیه على سبیل التخصیص-  و قال نفذوا جیش أسامه-  و کان هو من جمله الجیش-  فلا بد أن یکون ذلک أمرا له بالخروج-  و استدلاله على أنه لم یکن هناک إمام منصوص علیه-  بعموم الأمر بالتنفیذ لیس بصحیح-  لأنا قد بینا أن الخطاب إنما توجه إلى الحاضرین-  و لم یتوجه إلى الإمام بعده-  على أن هذا لازم له-  لأن الإمام بعده لا یکون إلا واحدا-  فلم عمم الخطاب و لم یفرد به الواحد فیقول-  لینفذ القائم من بعدی بالأمر جیش أسامه-  فإن الحال لا یختلف فی کون الإمام بعده واحدا-  بین أن یکون منصوصا علیه أو مختارا- .

و أما ما ادعاه أن الشرط فی أمره ع لهم بالنفوذ-  فباطل لأن إطلاق الأمر یمنع من إثبات الشرط-  و إنما یثبت من الشروط ما یقتضی الدلیل إثباته-  من التمکن و القدره-  لأن ذلک شرط ثابت فی کل أمر ورد من حکیم-  و المصلحه بخلاف ذلک لأن الحکیم لا یأمر بشرط المصلحه-  بل إطلاق الأمر منه یقتضی ثبوت المصلحه-  و انتفاء المفسده-  و لیس کذلک التمکن و ما یجری مجراه-  و لهذا لا یشترط أحد فی أوامر الله تعالى و رسوله ص-  بالشرائع المصلحه و انتفاء المفسده-  و شرطوا فی ذلک التمکن و رفع التعذر-  و لو کان الإمام منصوصا علیه بعینه و اسمه-  لما جاز أن یسترد جیش أسامه بخلاف ما ظنه-  و لا یعزل من ولاه ع و لا یولی من عزله للعله التی ذکرناها- . فأما استدلال أبی علی على أن أبا بکر-  لم یکن فی الجیش بحدیث الصلاه-  فأول ما فیه أنه اعتراف بأن الأمر بتنفیذ الجیش-  کان فی الحیاه دون بعد الوفاه-  و هذا ناقض لما بنى صاحب الکتاب علیه أمره ع- .

ثم إنا قد بینا أنه ع لم یوله الصلاه-  و ذکرنا ما فی ذلک-  ثم ما المانع من أن یولیه تلک الصلاه إن کان ولاه إیاها-  ثم یأمره بالنفوذ من بعد مع الجیش-  فإن الأمر بالصلاه فی تلک الحال-  لا یقتضی أمره بها على التأبید- . و أما ادعاؤه أن النبی ص یأمر بالحروب-  و ما یتصل بها عن اجتهاد دون الوحی-  فمعاذ الله أن یکون صحیحا-  لأن حروبه ع لم تکن مما یختص بمصالح أمور الدنیا-  بل للدین فیها أقوى تعلق لما یعود على الإسلام و أهله-  بفتوحه من العز و القوه و علو الکلمه-  و لیس یجری ذلک مجرى أکله و شربه و نومه-  لأن ذلک لا تعلق له بالدین-  فیجوز أن یکون عن رأیه-  و لو جاز أن تکون مغازیه و بعوثه-  مع التعلق القوی لها بالدین عن اجتهاد-  لجاز ذلک فی الأحکام- .

ثم لو کان ذلک عن اجتهاد-  لما ساغت مخالفته فیه بعد وفاته-  کما لا تسوغ فی حیاته-  فکل عله تمنع من أحد الأمرین هی مانعه من الآخر-  فأما الاعتذار له عن حبس عمر عن الجیش-  بما ذکره فباطل لأنا قد قلنا-  إن ما یأمر به ع لا یسوغ مخالفته مع الإمکان-  و لا مراعاه لما عساه یعرض فیه من رأی غیره-  و أی حاجه إلى عمر بعد تمام العقد-  و استقراره و رضا الأمه به-  على طریق المخالف و إجماعها علیه-  و لم یکن‏ هناک فتنه و لا تنازع-  و لا اختلاف یحتاج فیه إلى مشاورته و تدبیره-  و کل هذا تعلل باطل- . فأما محاربه أمیر المؤمنین ع معاویه-  فإنما کان مأمورا بها مع التمکن و وجود الأنصار-  و قد فعل ع من ذلک ما وجب علیه لما تمکن منه-  فأما مع التعذر و فقد الأنصار فما کان مأمورا بها-  و لیس کذلک القول فی جیش أسامه-  لأن تأخر من تأخر عنه کان مع القدره و التمکن-  فأما تولیه أبی موسى فلا ندری کیف یشبه ما نحن فیه-  لأنه إنما ولاه بأن یرجع إلى کتاب الله تعالى-  فیحکم فیه و فی خصمه بما یقتضیه-  و أبو موسى فعل خلاف ما جعل إلیه-  فلم یکن ممتثلا لأمر من ولاه-  و کذلک خالد بن الولید-  إنما خالف ما أمره به الرسول ص فتبرأ من فعله-  و کل هذا لا یشبه أمره ع-  بتنفیذ جیش أسامه أمرا مطلقا-  و تأکیده ذلک و تکراره له-  فأما جیش أسامه فإنه لم یضم من یصلح للإمامه-  فیجوز تأخرهم لیختار أحدهم على ما ظنه صاحب الکتاب-  على أن ذلک لو صح أیضا لم یکن عذرا فی التأخر-  لأن من خرج فی الجیش-  یمکن أن یختار و إن کان بعیدا-  و لا یمنع بعده من صحه الاختیار-  و قد صرح صاحب الکتاب بذلک-  ثم لو صح هذا العذر لکان عذرا فی التأخر قبل العقد-  فأما بعد إبرامه فلا عذر فیه-  و المعاضده التی ادعاها قد بینا ما فیها- .

فأما ادعاء صاحب الکتاب-  رادا على من جعل إخراج القوم فی الجیش لیتم أمر النص-  أن من أبعدهم لا یمنع أن یختاروا للإمامه-  فیدل على أنه لم یتبین معنى هذا الطعن على حقیقته-  لأن الطاعن به لا یقول إنه أبعدهم-  لئلا یختاروا للإمامه-  و إنما یقول-  إنه أبعدهم حتى ینتصب بعده فی الأرض من نص علیه-  و لا یکون هناک من ینازعه و یخالفه‏

 و أما قوله لم یکن قاطعا علی موته فلا یضر تسلیمه-  أ لیس کان مشفقا و خائفا-  و على الخائف أن یتحرز ممن یخاف منه-  فأما قوله فإنه لم یرد-  نفذوا الجیش فی حیاتی فقد بینا ما فیه-  فأما ولایه أسامه على من ولی علیه-  فلا بد من اقتضائها لفضله على الجماعه-  فیما کان والیا فیه-  و قد دللنا فیما تقدم من الکتاب-  على أن ولایه المفضول على الفاضل-  فیما کان أفضل منه فیه قبیحه-  فکذلک القول فی ولایه عمرو بن العاص علیها فیما تقدم-  و القول فی الأمرین واحد- .

و قوله إن أحدا لم یدع فضل أسامه على أبی بکر و عمر-  فلیس الأمر علی ما ظنه-  لأن من ذهب إلى فساد إمامه المفضول-  لا بد من أن یفضل أسامه علیهما فیما کان والیا فیه-  فأما ادعاؤه ما ذکره من السبب-  فی دخول عمر فی الجیش فما نعرفه-  و لا وقفنا علیه إلا من کتابه ثم لو صح لم یغن شیئا-  لأن عمر لو کان أفضل من أسامه-  لمنعه الرسول ص من الدخول فی إمارته-  و المسیر تحت لوائه-  و التواضع لا یقتضی فعل القبیح- . قلت إن الکلام فی هذا الفصل قد تشعب شعبا کثیره-  و المرتضى رحمه الله لا یورد کلام قاضی القضاه بنصه-  و إنما یختصره و یورده مبتورا-  و یومئ إلى المعانی إیماء لطیفا و غرضه الإیجاز-  و لو أورد کلام قاضی القضاه بنصه لکان ألیق-  و کان أبعد عن الظنه و أدفع لقول قائل من خصومه-  إنه یحرف کلام قاضی القضاه و یذکر على غیر وجه-  أ لا ترى أن من نصب نفسه لاختصار کلام-  فقد ضمن على نفسه أنه قد فهم معانی ذلک الکلام-  حتى یصح منه اختصاره-  و من الجائز أن یظن أنه قد فهم بعض المواضع-  و لم یکن قد فهمه على الحقیقه-  فیختصر ما فی نفسه لا ما فی تصنیف ذلک الشخص-  و أما من یورد کلام الناس بنصه-  فقد استراح من هذه التبعه-  و عرض عقل غیره و عقل نفسه على الناظرین و السامعین- . ثم نقول إن هذا الفصل ینقسم أقساما-  منها قول قاضی القضاه-  لا نسلم أن أبا بکر کان فی جیش أسامه- .

و أما قول المرتضى-  إنه قد ذکره أرباب السیر و التواریخ-  و قوله إن البلاذری ذکره فی تاریخه-  و قوله هلا عین قاضی القضاه الکتاب-  الذی ذکر أنه یتضمن عدم کون أبی بکر فی ذلک الجیش-  فإن الأمر عندی فی هذا الموضع مشتبه-  و التواریخ مختلفه فی هذه القضیه-  فمنهم من یقول إن أبا بکر کان فی جمله الجیش-  و منهم من یقول إنه لم یکن-  و ما أشار إلیه قاضی القضاه بقوله فی کتب المغازی-  لا ینتهی إلى أمر صحیح-  و لم یکن ممن یستحل القول بالباطل فی دینه و لا فی رئاسته-  ذکر الواقدی فی کتاب المغازی-  أن أبا بکر لم یکن فی جیش أسامه-  و إنما کان عمر و أبو عبیده و سعد بن أبی وقاص-  و سعید بن زید بن عمرو بن نفیل-  و قتاده بن النعمان و سلمه بن أسلم-  و رجال کثیر من المهاجرین و الأنصار-  قال و کان المنکر لإماره أسامه عیاش بن أبی ربیعه-  و غیر الواقدی یقول عبد الله بن عیاش-  و قد قیل عبد الله بن أبی ربیعه أخو عیاش- .

و قال الواقدی-  و جاء عمر بن الخطاب فودع رسول الله ص لیسیر مع أسامه-  و قال و جاء أبو بکر فقال یا رسول الله-  أصبحت مفیقا بحمد الله-  و الیوم یوم ابنه خارجه-  فأذن لی فأذن له-  فذهب إلى منزله بالسنح و سار أسامه فی العسکر-  و هذا تصریح بأن أبا بکر لم یکن فی جیش أسامه- .

 

و ذکر موسى بن عقبه فی کتاب المغازی-  أن أبا بکر لم یکن فی جیش أسامه-  و کثیر من المحدثین یقولون بل کان فی جیشه- . فأما أبو جعفر محمد بن جریر الطبری-  فلم یذکر أنه کان فی جیش أسامه إلا عمر-  و قال أبو جعفر-  حدثنی السدی بإسناد ذکره أن رسول الله ص-  ضرب قبل وفاته بعثا على أهل المدینه و من حولهم-  و فیهم عمر بن الخطاب-  و أمر علیهم أسامه بن زید-  فلم یجاوز آخرهم الخندق حتى قبض رسول الله ص-  فوقف أسامه بالناس ثم قال لعمر-  ارجع إلى خلیفه رسول الله ص-  فاستأذنه یأذن لی أرجع بالناس-  فإن معی وجوه الصحابه-  و لا آمن على خلیفه رسول الله ص-  و ثقل رسول الله ص و أثقال المسلمین-  أن یتخطفهم المشرکون حول المدینه-  و قالت الأنصار لعمر سرا-  فإن أبى إلا أن یمضی فأبلغه عنا-  و اطلب إلیه أن یولی أمرنا رجلا أقدم سنا من أسامه-  فخرج عمر بأمر أسامه-  فأتى أبا بکر فأخبره بما قال أسامه-  فقال أبو بکر لو تخطفتنی الکلاب و الذئاب-  لم أرد قضاء قضى به رسول الله ص- 

قال فإن الأنصار أمرونی أن أبلغک أنهم یطلبون إلیک-  أن تولی أمرهم رجلا أقدم سنا من أسامه-  فوثب أبو بکر و کان جالسا فأخذ بلحیه عمر-  و قال ثکلتک أمک یا ابن الخطاب-  أ یستعمله رسول الله ص و تأمرنی أن أنزعه-  فخرج عمر إلى الناس فقالوا له ما صنعت-  فقال امضوا ثکلتکم أمهاتکم-  ما لقیت فی سبیلکم الیوم من خلیفه رسول الله ص-  ثم خرج أبو بکر حتى أتاهم فأشخصهم و شیعهم-  و هو ماش و أسامه راکب-  و عبد الرحمن بن عوف یقود دابه أبی بکر-  فقال له أسامه بن زید یا خلیفه رسول الله-  لترکبن أو لأنزلن-  فقال و الله لا تنزل و لا أرکب-  و ما علی أن أغبر قدمی فی سبیل الله ساعه-فإن للغازی بکل خطوه یخطوها-  سبعمائه حسنه تکتب له-  و سبعمائه درجه ترفع له-  و سبعمائه خطیئه تمحى عنه-  حتى إذا انتهى قال لأسامه-  إن رأیت أن تعیننی بعمر فافعل فأذن له-  ثم قال أیها الناس قفوا حتى أوصیکم بعشر فاحفظوها عنی-  لا تخونوا و لا تغدروا و لا تغلوا و لا تمثلوا-  و لا تقتلوا طفلا صغیرا و لا شیخا کبیرا و لا امرأه-  و لا تعقروا نخلا و لا تحرقوه و لا تقطعوا شجره مثمره-  و لا تذبحوا شاه و لا بعیرا و لا بقره إلا لمأکله-  و سوف تمرون بأقوام-  قد فرغوا أنفسهم للعباده فی الصوامع-  فدعوهم فیما فرغوا أنفسهم له-  و سوف تقدمون على أقوام-  یأتونکم بصحاف فیها ألوان الطعام-  فلا تأکلوا من شی‏ء حتى تذکروا اسم الله علیه-  و سوف تلقون أقواما قد حصوا أوساط رءوسهم-  و ترکوا حولها مثل العصائب-  فاخفقوهم بالسیوف خفقا-  أفناهم الله بالطعن و الطاعون-  سیروا على اسم الله- .

و أما قول الشیخ أبی علی-  فإنه یدل على أنه لم یکن فی جیش أسامه-  أمره إیاه بالصلاه-  و قول المرتضى هذا اعتراف بأن الأمر بتنفیذ الجیش-  کان فی الحال دون ما بعد الوفاه-  و هذا ینقض ما بنى علیه قاضی القضاه أمره-  فلقائل أن یقول إنه لا ینقض ما بناه-  لأن قاضی القضاه ما قال-  إن الأمر بتنفیذ الجیش ما کان إلا بعد الوفاه-  بل قال إنه أمر و الأمر على التراخی-  فلو نفذ الجیش فی الحال لجاز-  و لو تأخر إلى بعد الوفاه لجاز- .

فأما إنکار المرتضى-  أن تکون صلاه أبی بکر بالناس کانت عن أمر رسول الله ص-  فقد ذکرنا ما عندنا فی هذا فیما تقدم- . و أما قوله-  یجوز أن یکون أمر بصلاه واحده أو صلاتین-  ثم أمره بالنفوذ بعدذلک فهذا لعمری جائز-  و قد یمکن أن یقال-  إنه لما خرج متحاملا من شده المرض-  فتأخر أبو بکر عن مقامه-  و صلى رسول الله ص بالناس-  أمره بالنفوذ مع الجیش-  و أسکت رسول الله ص فی أثناء ذلک الیوم-  و استمر أبو بکر على الصلاه بالناس إلى أن توفی ع-  فقد جاء فی الحدیث أنه أسکت-  و أن أسامه دخل علیه فلم یستطع کلامه-  لکنه کان یرفع یدیه و یضعهما علیه کالداعی له-  و یمکن أن یکون زمان هذه السکته-  قد امتد یوما أو یومین-  و هذا الموضع من المواضع المشتبهه عندی و منها قول قاضی القضاه إن الأمر على التراخی-  فلا یلزم من تأخر أبی بکر عن النفوذ أن یکون عاصیا- . فأما قول المرتضى-  الأمر على الفور إما لغه عند من قال به-  أو شرعا لإجماع الکل-  على أن الأوامر الشرعیه على الفور-  إلا ما خرج بالدلیل-  فالظاهر فی هذا الموضع صحه ما قاله المرتضى-  لأن قرائن الأحوال-  عند من یقرأ السیر و یعرف التواریخ-  تدل على أن الرسول ص-  کان یحثهم على الخروج و المسیر و هذا هو الفور- .

و أما قول المرتضى و قول أسامه-  لم أکن لأسأل عنک الرکب-  فهو أوضح دلیل على أنه عقل من الأمر الفور-  لأن سؤال الرکب عنه بعد الوفاه لا معنى له-  فلقائل أن یقول إن ذلک لا یدل على الفور-  بل یدل على أنه مأمور فی الجمله بالنفوذ و المسیر-  فإن التعجیل و التأخیر مفوضان إلى رأیه-  فلما قال له النبی ص لم تأخرت عن المسیر-  قال لم أکن لأسیر و أسأل عنک الرکب-  إنی انتظرت عافیتک فإنی إذا سرت و أنت على هذه الحال-  لم یکن لی قلب للجهاد بل أکون قلقا شدید الجزع-  أسأل‏ عنک الرکبان-  و هذا الکلام لا یدل-  على أنه عقل من الأمر الفور لا محاله-  بل هو على أن یدل على التراخی أظهر-  و قول النبی ص لم تأخرت عن المسیر-  لا یدل على الفور-  لأنه قد یقال مثل ذلک-  لمن یؤمر بالشی‏ء على جهه التراخی-  إذا لم یکن سؤال إنکار- .

و قول المرتضى-  لأن سؤال الرکب عنه بعد الوفاه لا معنى له-  قول من قد توهم على قاضی القضاه أنه یقول-  إن النبی ص ما أمرهم بالنفوذ-  إلا بعد وفاته-  و لم یقل قاضی القضاه ذلک-  و إنما ادعى أن الأمر على التراخی لا غیر-  و کیف یظن بقاضی القضاه-  أنه حمل کلام أسامه على سؤال الرکب بعد الموت-  و هل کان أسامه یعلم الغیب فیقول ذاک-  و هل سأل أحد عن حال أحد من المرضى بعد موته- . فأما قول المرتضى عقیب هذا الکلام-  لا معنى لقول قاضی القضاه-  إنه لم ینکر على أسامه تأخره-  فإن الإنکار قد وقع بتکرار الأمر حالا بعد حال-  فلقائل أن یقول-  إن قاضی القضاه لم یجعل عدم الإنکار على أسامه-  حجه على کون الأمر على التراخی-  و إنما جعل ذلک دلیلا-  على أن الأمر کان مشروطا بالمصلحه-  و من تأمل کلام قاضی القضاه-  الذی حکاه عنه المرتضى تحقق ذلک-  فلا یجوز للمرتضى أن ینتزعه-  من الوضع الذی أورده فیه-  فیجعله فی موضع آخر- .

و منها قول قاضی القضاه-  الأمر بتنفیذ الجیش-  یجب أن یکون متوجها إلى الخلیفه بعده-  و المخاطب لا یدخل تحت الخطاب-  و اعتراض المرتضى علیه-  بأن لفظه الجیش یدخل تحتها أبو بکر-  فلا بد من وجوب النفوذ علیه-  لأن عدم نفوذه یسلب الجماعه اسم الجیش-  فلیس بجید-  لأن لفظه الجیش لفظه موضوعه لجماعه من الناس-  قد أعدت للحرب-  فإذا خرج منها واحد أو اثنان-  لم یزل مسمى الجیش عن الباقین-  و المرتضى‏ اعتقد أن ذلک مثل الماهیات المرکبه-  نحو العشره إذا عدم منها واحد زال مسمى العشره-  و لیس الأمر کذلک-  یبین ذلک أنه لو قال بعض الملوک لمائه إنسان-  أنتم جیشی-  ثم قال لواحد منهم-  إذا مت فأعط کل واحد من جیشی درهما من خزانتی-  فقد جعلتک أمیرا علیهم-  لم یکن له أن یأخذ لنفسه درهما-  و یقول أنا من جمله الجماعه-  الذین أطلق علیهم لفظه الجیش- .

و منها قول قاضی القضاه-  هذه القضیه تدل على أنه لم یکن هناک-  إمام منصوص علیه-  و أما قول المرتضى-  فقد بینا أن الخطاب إنما توجه إلى الحاضرین-  لا إلى القائم بالأمر بعده-  فلم نجد فی کلامه فی هذا الفصل بطوله ما بین فیه ذلک-  و لا أعلم على ما ذا أحال-  و لو کان قد بین على ما زعم-  أن الخطاب متوجه إلى الحاضرین-  لکان الإشکال قائما-  لأنه یقال له-  إذا کان الإمام المنصوص علیه حاضرا عنده-  فلم وجه الخطاب إلى الحاضرین-  أ لا ترى أنه لا یجوز أن یقول الملک للرعیه-  اقضوا بین هذین الشخصین و القاضی حاضر عنده-  إلا إذا کان قد عزله عن القضاء-  فی تلک الواقعه عن الرعیه- .

فأما قول المرتضى هذا ینقلب علیکم فلیس ینقلب-  و إنما ینقلب لو کان یرید تنفیذ الجیش بعد موته فقط-  و لا یریده و هو حی-  فکان یجی‏ء ما قاله المرتضى-  لینفذ القائم بالأمر بعدی جیش أسامه-  فأما إذا کان یرید نفوذ الجیش-  من حین ما أمر بنفوذه فقد سقط القلب-  لأن الخلیفه حینئذ لم یکن قد تعین-  لأن الاختیار ما وقع بعد-  و على مذهب المرتضى-  الإمام متعین حاضر عنده نصب عینه-  فافترق الوصفان- . و منها قول قاضی القضاه-  إن مخالفه أمره ص فی النفوذ مع الجیش-  أو فی إنفاذ الجیش لا یکون معصیه-  و بین ذلک من وجوه-أحدها أن أمره ع بذلک-  لا بد أن یکون مشروطا بالمصلحه-  و ألا یعرض ما هو أهم من نفوذ الجیش-  لأنه لا یجوز أن یأمرهم بالنفوذ-  و إن أعقب ضررا فی الدین- 

فأما قول المرتضى-  الأمر المطلق یدل على ثبوت المصلحه-  و لا یجوز أن یجعل الأمر المطلق-  فقول جید إذا اعترض به-  على الوجه الذی أورده قاضی القضاه-  فأما إذا أورده أصحابنا على وجه آخر-  فإنه یندفع کلام المرتضى-  و ذلک أنه یجوز تخصیص عمومات النصوص-  بالقیاس الجلی عند کثیر من أصحابنا-  على ما هو مذکور فی أصول الفقه-  فلم لا یجوز لأبی بکر أن یخص عموم قوله-  انفذوا بعث أسامه-  لمصلحه غلبت على ظنه فی عدم نفوذه نفسه-  و لمفسده غلبت على نفسه فی نفوذه نفسه مع البعث- . و ثانیها أنه ع کان یبعث السرایا-  عن اجتهاد لا عن وحی یحرم مخالفته-  فأما قول المرتضى إن للدین تعلقا قویا بأمثال ذلک-  و إنها لیست من الأمور الدنیاویه المحضه-  نحو أکله و شربه و نومه-  فإنه یعود على الإسلام بفتوحه عز و قوه و علو کلمه-  فیقال له و إذا أکل اللحم و قوی مزاجه بذلک-  و نام نوما طبیعیا یزول عنه به المرض و الإعیاء-  اقتضى ذلک أیضا عز الإسلام و قوته-  فقل إن ذلک أیضا عن وحی- .

ثم إن الذی یقتضیه فتوحه و غزواته و حروبه-  من العز و علو الکلمه-  لا ینافی کون تلک الغزوات و الحروب باجتهاده-  لأنه لا منافاه بین اجتهاده و بین عز الدین-  و علو کلمته بحروبه-  و إن الذی ینافی اجتهاده بالرأی-  هو مثل فرائض الصلوات و مقادیر الزکوات-  و مناسک الحج و نحو ذلک من الأحکام-  التی تشعر بأنها متلقاه من محض الوحی-  و لیس للرأی و الاجتهاد فیها مدخل-  و قد خرج بهذا الکلام الجواب عن قوله-لو جاز أن تکون السرایا و الحروب عن اجتهاده-  لجاز أن تکون الأحکام کلها عن اجتهاده-  و أیضا فإن الصحابه کانوا یراجعونه فی الحروب و آراءه-  التی یدبرها بها و یرجع ع إلیهم-  فی کثیر منها بعد أن قد رأى غیره-  و أما الأحکام فلم یکن یراجع فیها أصلا-  فکیف یحمل أحد البابین على الآخر- .

فأما قوله لو کانت عن اجتهاد-  لوجب أن یحرم مخالفته فیها و هو حی-  لا فرق بین الحالین-  فلقائل أن یقول القیاس یقتضی ما ذکرت-  إلا أنه وقع الإجماع-  على أنه لو کان فی الأحکام أو فی الحروب و الجهاد-  ما هو باجتهاده لما جازت مخالفته-  و العدول عن مذهبه و هو حی-  لم یختلف أحد من المسلمین فی ذلک-  و أجازوا مخالفته بعد وفاته-  بتقدیر أن یکون ما صار إلیه عن اجتهاد-  و الإجماع حجه- . فأما قول قاضی القضاه-  لأن اجتهاده و هو حی أولى من اجتهاد غیره-  فلیس یکاد یظهر-  لأن اجتهاده و هو میت أولى أیضا من اجتهاد غیره-  و یغلب على ظنی-  أنهم فرقوا بین حالتی الحیاه و الموت-  فإن فی مخالفته و هو حی نوعا من أذى له-  و أذاه محرم لقوله تعالى وَ ما کانَ لَکُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ-  و الأذى بعد الموت لا یکون-  فافترق الحالان- .

و ثالثها أنه لو کان الإمام منصوصا علیه-  لجاز أن یسترد جیش أسامه أو بعضه لنصرته-  فکذلک إذا کان بالاختیار-  و هذا قد منع منه المرتضى-  و قال إنه لا یجوز للمنصوص علیه ذلک-  و لا أن یولی من عزله رسول الله ص-  و لا أن یعزل من ولاه رسول الله ص‏ و رابعها-  أنه ع ترک حرب معاویه فی بعض الحالات-  و لم یوجب ذلک أن یکون عاصیا-  فکذلک أبو بکر فی ترک النفوذ فی جیش أسامه- . فأما قول المرتضى-  إن علیا ع کان مأمورا بحرب معاویه-  مع التمکن و وجود الأنصار-  فإذا عدما لم یکن مأمورا بحربه-  فلقائل أن یقول و أبو بکر کان مأمورا-  بالنفوذ فی جیش أسامه مع التمکن و وجود الأنصار-  و قد عدم التمکن لما استخلف-  فإنه قد تحمل أعباء الإمامه-  و تعذر علیه الخروج عن المدینه التی هی دار الإمامه-  فلم یکن مأمورا و الحال هذه بالنفوذ فی جیش أسامه- .

فإن قلت-  الإشکال علیکم إنما هو من قبل الاستخلاف-  کیف جاز لأبی بکر أن یتأخر عن المسیر-  و کیف جاز له أن یرجع إلى المدینه و هو مأمور بالمسیر-  و هلا نفذ لوجهه و لم یرجع-  و إن بلغه موت رسول الله ص- . قلت لعل أسامه أذن له فهو مأمور بطاعته-  و لأنه رأى أسامه و قد عاد باللواء فعاد هو-  لأنه لم یکن یمکنه أن یسیر إلى الروم وحده-  و أیضا فإن أصحابنا قالوا-  إن ولایه أسامه بطلت بموت النبی ص-  و عاد الأمر إلى رأی من ینصب للأمر-  قالوا لأن تصرف أسامه إنما کان من جهه النبی ص-  ثم زال تصرف النبی ص بموته-  فوجب أن یزول تصرف أسامه-  لأن تصرفه تبع لتصرف الرسول ص-  قالوا و ذلک کالوکیل تبطل وکالته بموت الموکل- 

قالوا و یفارق الوصی-  لأن ولایته لا تثبت إلا بعد موت الموصی-  فهو کعهد الإمام إلى غیره-  لا یثبت إلا بعد موت الإمام-  ثم فرع أصحابنا على هذا الأصل مسأله-  و هی الحاکم هل ینعزل بموت الإمام أم لا-  قال قوم من أصحابنا لا ینعزل-  و بنوه على أن التولی من غیر جهه الإمام یجوز-  فجعلوا الحاکم نائبا عن المسلمین أجمعین-  لا عن الإمام- و إن وقف تصرفه على اختیاره-  و صار ذلک عندهم بمنزله أن یختار المسلمون واحدا-  یحکم بینهم ثم یموت من رضی بذلک-  فإن تصرفه یبقى على ما کان علیه-  و قال قوم من أصحابنا ینعزل-  و إن هذا النوع من التصرف لا یستفاد إلا من جهه الإمام-  و لا یقوم به غیره-  و إذا ثبت أن أسامه قد بطلت ولایته-  لم تبق تبعه على أبی بکر-  فی الرجوع من بعض الطریق إلى المدینه- .

و خامسها-  أن أمیر المؤمنین ولى أبا موسى الحکم-  و ولى رسول الله ص-  خالد بن الولید السریه إلى الغمیصاء-  و هذا الکلام إنما ذکره قاضی القضاه تتمه لقوله-  إن أمره ع بنفوذ بعث أسامه کان مشروطا بالمصلحه-  قال کما أن تولیته ع أبا موسى-  کانت مشروطه باتباع القرآن-  و کما أن تولیه رسول الله ص خالد بن الولید-  کانت مشروطه بأن یعمل بما أوصاه به-  فخالفا و لم یعملا الحق-  فإذا کانت هذه الأوامر مشروطه-  فکذلک أمره جیش أسامه بالنفوذ-  کان مشروطا بالمصلحه-  و ألا یعرض ما یقتضی رجوع الجیش أو بعضه إلى المدینه-  و قد سبق القول فی کون الأمر مشروطا- . و سادسها-  أن أبا بکر کان محتاجا إلى مقام عمر عنده-  لیعاضده و یقوم فی تمهید أمر الإمامه ما لا یقوم به غیره-  فکان ذلک أصلح فی باب الدین من مسیره مع الجیش-  فجاز أن یحبسه عنده لذلک-  و هذا الوجه مختص بمن قال إن أبا بکر لم یکن فی الجیش-  و إیضاح عذره فی حبس عمر عن النفوذ مع الجیش- .

 

فأما قول المرتضى فإن ذلک غیر جائز-  لأن مخالفه النص حرام-  فقد قلنا إن هذا مبنی على مسأله تخصیص العمومات-  الوارده فی القرآن بالقیاس- .و أما قوله-  أی حاجه کانت لأبی بکر إلى عمر بعد وقوع البیعه-  و لم یکن هناک تنازع و لا اختلاف فعجیب-  و هل کان لو لا مقام عمر و حضوره فی تلک المقامات-  یتم لأبی بکر أمر أو ینتظم له حال-  و لو لا عمر-  لما بایع علی و لا الزبیر و لا أکثر الأنصار-  و الأمر فی هذا أظهر من کل ظاهر- . و سابعها أن من یصلح للإمامه ممن ضمه جیش أسامه-  یجب تأخرهم لیختار للإمامه أحدهم-  فإن ذلک أهم من نفوذهم-  فإذا جاز لهذه العله التأخر قبل العقد-  جاز التأخر بعده للمعاضده و غیرها- .

فأما قول المرتضى-  إن ذلک الجیش لم یضم من یصلح للإمامه-  فبناء على مذهبه-  فی أن کل من لیس بمعصوم لا یصلح للإمامه-  فأما قوله و لو صح ذلک لم یکن عذرا فی التأخر-  لأن من خرج فی الجیش یمکن أن یختار و لو کان بعیدا-  و لا یمکن بعده من صحه الاختیار-  فلقائل أن یقول-  دار الهجره هی التی فیها أهل الحل و العقد-  و أقارب رسول الله ص و القراء و أصحاب السقیفه-  فلا یجوز العدول عن الاجتماع و المشاوره فیها-  إلى الاختیار على البعد-  و على جناح السفر-  من غیر مشارکه من ذکرنا من أعیان المسلمین- . فأما قوله و لو صح هذا العقد-  لکان عذرا فی التأخر قبل العقد-  فأما بعد إبرامه فلا عذر فیه-  فلقائل أن یقول-  إذا أجزت التأخر قبل العقد لنوع من المصلحه-  فأجز التأخر بعد العقد لنوع آخر من المصلحه-  و هو المعاضده و المساعده- .

 

هذه الوجوه السبعه کلها لبیان قوله-  تأخر أبی بکر أو عمر عن النفوذ فی جیش أسامه-  و إن کان مأمورا بالنفوذ- .ثم نعود إلى تمام أقسام الفصل-  و منها قول قاضی القضاه لا معنى لقول من قال-  إن رسول الله ص قصد إبعادهم عن المدینه-  لأن بعدهم عنها-  لا یمنعهم من أن یختاروا واحدا منهم للإمامه-  و لأنه ع لم یکن قاطعا على موته لا محاله-  لأنه لم یرد نفذوا جیش أسامه فی حیاته- . و قد اعترض المرتضى هذا فقال-  إنه لم یتبین معنى الطعن-  لأن الطاعن لا یقول-  إنهم أبعدوا عن المدینه کی لا یختاروا واحدا للإمامه-  بل یقول إنما أبعدوا لینتصب بعد موته ص فی المدینه-  الشخص الذی نص علیه-  و لا یکون حاضرا بالمدینه من یخالفه و ینازعه-  و لیس یضرنا ألا یکون ص قاطعا على موته-  لأنه و إن لم یکن قاطعا-  فهو لا محاله یشفق و یخاف من الموت-  و على الخائف أن یتحرز مما یخاف منه-  و کلام المرتضى فی هذا الموضع-  أظهر من کلام قاضی القضاه- . و منها قول قاضی القضاه-  إن ولایه أسامه علیهما لا تقتضی کونهما دونه فی الفضل-  کما أن عمرو بن العاص لما ولی علیهما-  لم یقتض کونه أفضل منهما-  و قد اعترض المرتضى-  هذا بأنه یقبح تقدیم المفضول على الفاضل-  فیما هو أفضل منه-  و إن تقدیم عمرو بن العاص علیهما فی الإمره-  یقتضی أن یکون أفضل منهما-  فیما یرجع إلى الإمره و السیاسه-  و لا یقتضی أفضلیته علیهما فی غیر ذلک-  و کذلک القول فی أسامه- .

و لقائل أن یقول-  إن الملوک قد یؤمرون الأمراء على الجیوش لوجهین-  أحدهما أن یقصد الملک بتأمیر ذلک الشخص-  أن یسوس الجیش و یدبره بفضل رأیه و شیخوخته-  و قدیم تجربته-  و ما عرف من یمن نقیبته فی الحرب و قود العساکر-  و الثانی أن یؤمر على الجیش-  غلاما حدثا من غلمانه أو من ولده أو من أهله-  و یأمر الأکابر من الجیش أن یثقفوه و یعلموه-  و یأمره أن یتدبر بتدبیرهم و یرجع إلى رأیهم-  و یکون قصد الملک من ذلک-  تخریج ذلک الغلام و تمرینه على الإماره-  و أن یثبت له فی نفوس الناس منزله-  و أن یرشحه لجلائل الأمور و معاظم الشئون-  ففی الوجه الأول یقبح تقدیم المفضول على الفاضل-  و فی الوجه الثانی لا یقبح-  فلم لا یجوز أن یکون تأمیر أسامه علیهما-  من قبیل الوجه الثانی و الحال یشهد لذلک-  لأن أسامه کان غلاما لم یبلغ ثمانی عشره سنه-  حین قبض النبی ص-  فمن أین حصل له من تجربه الحرب و ممارسه الوقائع-  و قود الجیش ما یکون به أعرف بالإمره من أبی بکر-  و عمر و أبی عبیده و سعد بن أبی وقاص و غیرهم- .

و منها قول قاضی القضاه-  إن السبب فی کون عمر فی الجیش-  أنه أنکر على عبد الله بن عیاش بن أبی ربیعه-  تسخطه إمره أسامه-  و قال أنا أخرج فی جیش أسامه-  فخرج من تلقاء نفسه تعظیما لأمر رسول الله ص-  و قد اعترضه المرتضى فقال-  هذا شی‏ء لم نسمعه من راو و لا قرأناه فی کتاب-  و صدق المرتضى فیما قال-  فإن هذا حدیث غریب لا یعرف- . و أما قول عمر دعنی أضرب عنقه فقد نافق-  فمنقول مشهور لا محاله-  و إنما الغریب الذی لم یعرف-  کون عمر خرج من تلقاء نفسه فی الجیش-  مراغمه لعبد الله بن عیاش بن أبی ربیعه-  حیث أنکر ما أنکر-  و لعل قاضی القضاه سمعه من راو أو نقله من کتاب-  إلا أنا نحن ما وقفنا على ذلک

 

الطعن الخامس

قالوا-  إنه ص لم یول أبا بکر الأعمال و ولى غیره-  و لما ولاه الحج بالناس و قراءه سوره براءه على الناس-  عزله عن ذلک کله-  و جعل الأمر إلى أمیر المؤمنین ع-  و قال لا یؤدی عنی إلا أنا أو رجل منی-  حتى یرجع أبو بکر إلى النبی ص- . أجاب قاضی القضاه فقال-  لو سلمنا أنه لم یوله لما دل ذلک على نقص-  و لا على أنه لم یصلح للإماره و الإمامه-  بل لو قیل إنه لم یوله لحاجته إلیه بحضرته-  و إن ذلک رفعه له لکان أقرب-  لا سیما و قد روی عنه ما یدل على أنهما وزیراه-  و أنه کان ص محتاجا إلیهما و إلى رأیهما-  فلذلک لم یولهما-  و لو کان للعمل على ترکه فضل-  لکان عمرو بن العاص و خالد بن الولید و غیرهما-  أفضل من أکابر الصحابه-  لأنه ع ولاهما و قدمهما-  و قد قدمنا أن تولیته هی بحسب الصلاح-  و قد یولى المفضول على الفاضل تاره و الفاضل أخرى-  و ربما ولى الواحد لاستغنائه عنه بحضرته-  و ربما ولاه لاتصال بینه و بین من یولى علیه إلى غیر ذلک-  ثم ادعى أنه ولى أبا بکر على الموسم و الحج-  قد ثبتت بلا خلاف بین أهل الأخبار و لم یصح أنه عزله-  و لا یدل رجوع أبی بکر إلى النبی ص-  مستفهما عن القصه على العزل-  ثم جعل إنکار من أنکر حج أبی بکر فی تلک السنه بالناس-  کإنکار عباد و طبقته-  أخذ أمیر المؤمنین ع سوره براءه من أبی بکر-  و حکی عن أبی علی أن المعنى کان فی أخذ السوره من أبی بکر-  أن من عاده العرب أن سیدا من سادات قبائلهم-  إذا عقد عقد القوم فإن ذلک العقد لا ینحل-  إلا أن یحله هو أو بعض سادات قومه-  فلما کان هذا عادتهم-  و أراد النبی ص أن ینبذ إلیهم عقدهم-  و ینقض ما کان بینه و بینهم-  علم أنه لا ینحل ذلک إلا به-  أو بسید من سادات رهطه-  فعدل عن أبی بکر إلى أمیر المؤمنین المقرب فی النسب-  ثم ادعى أنه ص ولى أبا بکر فی مرضه الصلاه-  و ذلک أشرف الولایات و قال فی ذلک-  یأبى الله و رسوله و المسلمون إلا أبا بکر- . ثم اعترض نفسه بصلاته ع خلف عبد الرحمن بن عوف-  و أجاب بأنه ص إنما صلى خلفه-  لا أنه ولاه الصلاه و قدمه فیها-  قال و إنما قدم عبد الرحمن عند غیبه النبی ص-  فصلى بغیر أمره-  و قد ضاق الوقت فجاء النبی ص فصلى خلفه- .

اعترض المرتضى فقال-  قد بینا أن ترکه ص الولایه لبعض أصحابه-  مع حضوره و إمکان ولایته و العدول عنه إلى غیره-  مع تطاول الزمان و امتداده-  لا بد من أن تقتضی غلبه الظن بأنه لا یصلح للولایه-  فأما ادعاؤه أنه لم یوله لافتقاره إلیه بحضرته-  و حاجته إلى تدبیره و رأیه-  فقد بینا أنه ع ما کان یفتقر إلى رأی أحد-  لکماله و رجحانه على کل أحد-  و إنما کان یشاور أصحابه على سبیل التعلیم لهم و التأدیب-  أو لغیر ذلک مما قد ذکر-  و بعد فکیف استمرت هذه الحاجه و اتصلت منه إلیهما-  حتى لم یستغن فی زمان من الأزمان عن حضورهما فیولیهما-  و هل هذا إلا قدح فی رأی رسول الله ص-  و نسبته إلى أنه کان ممن یحتاج-  إلى أن یلقن و یوقف على کل شی‏ء-  و قد نزهه الله تعالى عن ذلک-  فأما ادعاؤه أن الروایه قد وردت بأنهما وزیراه-  فقد کان یجب أن یصحح ذلک قبل أن یعتمده و یحتج به-  فإنا ندفعه عنه أشد دفع-  فأما ولایه عمرو بن العاص و خالد بن الولید-  فقد تکلمنا علیها من قبل-  و بینا أن ولایتهما تدل على صلاحهما لما ولیاه-  و لا تدل على صلاحهما للإمامه-  لأن شرائط الإمامه لم تتکامل فیهما-  و بینا أیضا لأن ولایه المفضول على الفاضل لا تجوز-  فأما تعظیمه‏ و إکباره قول من یذهب إلى أن أبا بکر-  عزل عن أداء السوره و الموسم جمیعا-  و جمعه بین ذلک فی البعد و بین إنکار عباد-  أن یکون أمیر المؤمنین ع ارتجع سوره براءه من أبی بکر-  فأول ما فیه أنا لا ننکر أن یکون أکثر الأخبار وارده-  بأن أبا بکر حج بالناس فی تلک السنه-  إلا أنه قد روى قوم من أصحابنا خلاف ذلک-  و أن أمیر المؤمنین ع کان أمیر الموسم فی تلک السنه-  و أن عزل الرجل کان عن الأمرین معا-  و استکبار ذلک-  و فیه خلاف لا معنى له-  فأما ما حکاه عن عباد فإنا لا نعرفه-  و ما نظن أحدا یذهب إلى مثله-  و لیس یمکنه بإزاء ذلک جحد مذهب أصحابنا-  الذی حکیناه-  و لیس عباد لو صحت الروایه عنه بإزاء من ذکرناه-  فهو ملی‏ء بالجهالات و دفع الضرورات-  و بعد فلو سلمنا أن ولایه الموسم لم تفسخ-  لکان الکلام باقیا-  لأنه إذا کان ما ولی مع تطاول الزمان إلا هذه الولایه-  ثم سلب شطرها و الأفخم الأعظم منها-  فلیس ذلک إلا تنبیها على ما ذکرناه- .

فأما ما حکاه عن أبی علی-  من أن عاده العرب ألا یحل ما عقده الرئیس منهم-  إلا هو أو المتقدم من رهطه-  فمعاذ الله أن یجری النبی ص-  سنته و أحکامه على عادات الجاهلیه-  و قد بین ع لما رجع إلیه أبو بکر-  یسأله عن أخذ السوره منه الحال-  فقال إنه أوحی إلی ألا یؤدی عنی-  إلا أنا أو رجل منی-  و لم یذکر ما ادعاه أبو علی-  على أن هذه العاده قد کان یعرفها النبی ص-  قبل بعثه أبا بکر بسوره براءه-  فما باله لم یعتمدها فی الابتداء-  و یبعث من یجوز أن یحل عقده من قومه- . فأما ادعاؤه ولایه أبی بکر الصلاه-  فقد ذکرنا فیما تقدم أنه لم یوله إیاها-  فأما فصله بین صلاته خلف عبد الرحمن-  و بین صلاه أبی بکر بالناس فلیس بشی‏ء-  لأنا إذا کنا قد دللنا على أن الرسول ص-  ما قدم أبا بکر إلى الصلاه-  فقداستوى الأمران-  و بعد فأی فرق بین أن یصلی خلفه و بین أن یولیه و یقدمه-  و نحن نعلم أن صلاته خلفه إقرار لولایته و رضا بها-  فقد عاد الأمر إلى أن عبد الرحمن-  کأنه قد صلى بأمره و إذنه-  على أن قصه عبد الرحمن أوکد-  لأنه قد اعترف بأن الرسول صلى خلفه-  و لم یصل خلف أبی بکر-  و إن ذهب کثیر من الناس إلى أنه قدمه و أمر بالصلاه-  قبل خروجه إلى المسجد و تحامله- . ثم سأل المرتضى رحمه الله نفسه فقال-  إن قیل لیس یخلو النبی ص-  من أن یکون سلم فی الابتداء سوره براءه إلى أبی بکر-  بأمر الله أو باجتهاده و رأیه-  فإن کان بأمر الله تعالى-  فکیف یجوز أن یرتجع منه السوره قبل وقت الأداء-  و عندکم أنه لا یجوز نسخ الشی‏ء قبل تقضی وقت فعله-  و إن کان باجتهاده ص-  فعندکم أنه لا یجوز أن یجتهد فیما یجری هذا المجرى- . و أجاب فقال-  إنه ما سلم السوره إلى أبی بکر إلا بإذنه تعالى-  إلا أنه لم یأمره بأدائها-  و لا کلفه قراءتها على أهل الموسم-  لأن أحدا لم یمکنه أن ینقل ع فی ذلک-  لفظ الأمر و التکلیف-  فکأنه سلم سوره براءه إلیه لتقرأ على أهل الموسم-  و لم یصرح بذکر القارئ المبلغ لها فی الحال-  و لو نقل عنه تصریح لجاز أن یکون مشروطا بشرط لم یظهر- .

فإن قیل فأی فائده فی دفع السوره إلى أبی بکر-  و هو لا یرید أن یؤدیها ثم ارتجاعها منه-  و هلا دفعت فی الابتداء إلى أمیر المؤمنین ع- . قیل الفائده فی ذلک-  ظهور فضل أمیر المؤمنین ع و مرتبته-  و أن الرجل الذی نزعت السوره عنه لا یصلح لما یصلح له-  و هذا غرض قوی فی وقوع الأمر على ما وقع علیه‏ قلت قد ذکرنا فیما تقدم-  القول فی تولیه الملک بعض أصحابه-  و ترک تولیه بعضهم-  و کیفیه الحال فی ذلک-  على أنه قد روى أصحاب المغازی-  أنه أمر أبا بکر فی شعبان من سنه سبع على سریه-  بعثها إلى نجد فلقوا جمعا من هوازن فبیتوهم-  فروى إیاس بن سلمه عن أبیه قال-  کنت فی ذلک البعث فقتلت بیدی سبعه منهم-  و کان شعارنا أمت أمت-  و قتل من أصحاب النبی ص قوم-  و جرح أبو بکر و ارتث و عاد إلى المدینه-  على أن أمراء السرایا الذین کان یبعثهم ص-  کانوا قوما مشهورین بالشجاعه و لقاء الحروب-  کمحمد بن مسلمه و أبی دجانه و زید بن حارثه و نحوهم-  و لم یکن أبو بکر مشهورا بالشجاعه و لقاء الحروب-  و لم یکن جبانا و لا خوارا-  و إنما کان رجلا مجتمع القلب عاقلا ذا رأی و حسن تدبیر-  و کان رسول الله ص یترک بعثه فی السرایا-  لأن غیره أنفع منه فیها-  و لا یدل ذلک على أنه لا یصلح للإمامه-  و أن الإمامه-  لا تحتاج أن یکون صاحبها من المشهورین بالشجاعه-  و إنما یحتاج إلى ثبات القلب-  و إلا یکون هلعا طائر الجنان-  و کیف یقول المرتضى إنه ص لم یکن محتاجا إلى رأی أحد-  و قد نقل الناس کلهم رجوعه من رأی إلى رأی عند المشوره-  نحو ما جرى یوم بدر-  من تغیر المنزل لما أشار علیه الحباب بن المنذر-  و نحو ما جرى یوم الخندق-  من فسخ رأیه فی دفع ثلث تمر المدینه-  إلى عیینه بن حصن لیرجع بالأحزاب عنهم-  لأجل ما رآه سعد بن معاذ و سعد بن عباده من الحرب-  و العدول عن الصلح-  و نحو ما جرى فی تلقیح النخل بالمدینه و غیر ذلک-  فأما ولایه أبی بکر الموسم فأکثر الأخبار على ذلک-  و لم یرو عزله عن الموسم إلا قوم من الشیعه- .

 

و أما ما أنکره المرتضى من حال عباد بن سلیمان-  و دفعه أن یکون علی أخذ براءه من أبی بکر-  و استغرابه ذلک عجب-  فإن قول عباد قد ذهب إلیه کثیر من الناس-  و رووا أن رسول الله ص-  لم یدفع براءه إلى أبی بکر-  و أنه بعد أن نفذ أبو بکر بالحجیج-  أتبعه علیا و معه تسع آیات من براءه-  و قد أمره أن یقرأها على الناس-  و یؤذنهم بنقض العهد و قطع الدنیه-  فانصرف أبو بکر إلى رسول الله ص-  فأعاده على الحجیج-  و قال له أنت الأمیر و علی المبلغ-  فإنه لا یبلغ عنی إلا أنا أو رجل منی-  و لم ینکر عباد أمر براءه بالکلیه- 

و إنما أنکر أن یکون النبی ص دفعها إلى أبی بکر-  ثم انتزعها منه-  و طائفه عظیمه من المحدثین یروون ما ذکرناه-  و إن کان الأکثر الأظهر أنه دفعها إلیه-  ثم أتبعه بعلی ع فانتزعها منه-  و المقصود أن المرتضى قد تعجب مما لا یتعجب من مثله-  فظن أن عبادا أنکر حدیث براءه بالکلیه-  و قد وقفت أنا على ما ذکره عباد فی هذه القضیه-  فی کتابه المعروف بکتاب الأبواب-  و هو الکتاب الذی نقضه شیخنا أبو هاشم-  فأما عذر شیخنا أبی علی-  و قوله إن عاده العرب ذلک و اعتراض المرتضى علیه-  فالذی قاله المرتضى أصح و أظهر-  و ما نسب إلى عاده العرب غیر معروف- 

و إنما هو تأویل تأول به متعصبو أبی بکر-  لانتزاع براءه منه-  و لیس بشی‏ء-  و لست أقول ما قاله المرتضى-  من أن غرض رسول الله ص-  إظهار أن أبا بکر لا یصلح للأداء عنه-  بل أقول فعل ذلک لمصلحه رآها-  و لعل السبب فی ذلک أن علیا ع من بنی عبد مناف-  و هم جمره قریش بمکه-  و علی أیضا شجاع لا یقام له-  و قد حصل فی صدور قریش منه-  الهیبه الشدیده و المخافه العظیمه-  فإذا حصل مثل هذا الشجاع البطل و حوله من بنی عمه-  و هم أهل العزه و القوه و الحمیه-کان أدعى إلى نجاته من قریش-  و سلامه نفسه و بلوغ الغرض من نبذ العهد على یده-  أ لا ترى أن رسول الله ص فی عمره الحدیبیه-  بعث عثمان بن عفان إلى مکه-  یطلب منهم الإذن له فی الدخول-  و إنما بعثه لأنه من بنی عبد مناف-  و لم یکن بنو عبد مناف و خصوصا بنی عبد شمس-  لیمکنوا من قتله-  و لذلک حمله بنو سعید بن العاص على بعیر یوم دخل مکه-  و أحدقوا به مستلئمین بالسلاح-  و قالوا له أقبل و أدبر و لا تخف أحدا-  بنو سعید أعزه الحرم-  و أما القول فی تولیه رسول الله ص أبا بکر الصلاه-  فقد تقدم-  و ما رامه قاضی القضاه-  من الفرق بین صلاه أبی بکر بالناس-  و صلاه عبد الرحمن بهم-  مع کون رسول الله ص صلى خلفه ضعیف-  و کلام المرتضى أقوى منه-  فأما السؤال الذی سأله المرتضى من نفسه فقوی-  و الجواب الصحیح أن بعث براءه مع أبی بکر-  کان باجتهاد من الرسول ص-  و لم یکن عن وحی و لا من جمله الشرائع-  التی تتلقى عن جبرائیل ع-  فلم یقبح نسخ ذلک قبل تقضی وقت فعله-  و جواب المرتضى لیس بقوی-  لأنه من البعید أن یسلم سوره براءه إلى أبی بکر-  و لا یقال له ما ذا تصنع بها-  بل یقال خذ هذه معک لا غیر-  و القول بأن الکلام مشروط بشرط لم یظهر خلاف الظاهر-  و فتح هذا الباب یفسد کثیرا من القواعد.

الطعن السادس

أن أبا بکر لم یکن یعرف الفقه و أحکام الشریعه-  فقد قال فی الکلاله أقول‏ فیها برأیی-  فإن یکن صوابا فمن الله و إن یکن خطأ فمنی-  و لم یعرف میراث الجد-  و من حاله هذه لا یصلح للإمامه- . أجاب قاضی القضاه-  بأن الإمام لا یجب أن یعلم جمیع الأحکام-  و أن القدر الذی یحتاج إلیه-  هو القدر الذی یحتاج إلیه الحاکم-  و أن القول بالرأی هو الواجب فیما لا نص فیه-  و قد قال أمیر المؤمنین ع بالرأی فی مسائل کثیره- .

اعترض المرتضى فقال-  قد دللنا على أن الإمام-  لا بد أن یکون عالما بجمیع الشرعیات-  و فرقنا بینه و بین الحاکم-  و دللنا على فساد الرأی و الاجتهاد-  و أما أمیر المؤمنین ع فلم یقل قط بالرأی-  و ما یروى من خبر بیع أمهات الأولاد غیر صحیح-  و لو صح لجاز أن یکون أراد بالرأی-  الرجوع إلى النصوص و الأدله-  و لا شبهه عندنا أن قوله کان واحدا فی الحالین-  و إن ظهر فی أحدهما خلاف مذهبه للتقیه- . قلت هذا الطعن مبنی على أمرین-  أحدهما هل من شرط الإمامه-  أن یعلم الإمام کل الأحکام الشرعیه أم لا-  و هذا مذکور فی کتبنا الکلامیه-  و الثانی هو القول فی الاجتهاد و الرأی حق أم لا-  و هذا مذکور فی کتبنا الأصولیه.

الطعن السابع

قصه خالد بن الولید و قتله مالک بن نویره-  و مضاجعته امرأته من لیلته-  و أن أبا بکرترک إقامه الحد علیه-  و زعم أنه سیف من سیوف الله سله الله على أعدائه-  مع أن الله تعالى قد أوجب القود و حد الزناء عموما-  و أن عمر نبهه و قال له-  اقتله فإنه قتل مسلما- . أجاب قاضی القضاه فقال إن شیخنا أبا علی قال-  إن الرده ظهرت من مالک بن نویره-  لأنه جاء فی الأخبار أنه رد صدقات قومه علیهم-  لما بلغه موت رسول الله ص-  کما فعله سائر أهل الرده فاستحق القتل-  فإن قال قائل فقد کان یصلی-  قیل له و کذلک سائر أهل الرده- 

و إنما کفروا بالامتناع من الزکاه-  و اعتقادهم إسقاط وجوبها دون غیره-  فإن قیل فلم أنکر عمر-  قیل کان الأمر إلى أبی بکر فلا وجه لإنکار عمر-  و قد یجوز أن یعلم أبو بکر من الحال ما یخفى على عمر-  فإن قیل فما معنى ما روی عن أبی بکر-  من أن خالدا تأول فأخطأ-  قیل أراد عجلته علیه بالقتل-  و قد کان الواجب عنده على خالد أن یتوقف للشبهه-  و استدل أبو علی على ردته-  بأن أخاه متمم بن نویره لما أنشد عمر مرثیته أخاه-  قال له وددت أنی أقول الشعر-  فأرثی أخی زیدا بمثل ما رثیت به أخاک-  فقال متمم-  لو قتل أخی على مثل ما قتل علیه أخوک ما رثیته-  فقال عمر ما عزانی أحد بمثل تعزیتک-  فدل هذا على أن مالکا لم یقتل على الإسلام-  کما قتل زید- . و أجاب عن تزویج خالد بامرأته-  بأنه إذا قتل على الرده فی دار الکفر-  جاز تزویج امرأته عند کثیر من أهل العلم-  و إن کان لا یجوز أن یطأها إلا بعد الاستبراء- .

و حکی عن أبی علی-  أنه إنما قتله لأنه ذکر رسول الله ص فقال-  صاحبک و أوهم بذلک أنه لیس بصاحب له-  و کان عنده أن ذلک رده و علم عند المشاهدهالمقصد-  و هو أمیر القوم-  فجاز أن یقتله و إن کان الأولى ألا یستعجل-  و أن یکشف الأمر فی ردته حتى یتضح-  فلهذا لم یقتله أبو بکر به-  فأما وطؤه لامرأته فلم یثبت فلا یصح أن یجعل طعنا فیه اعترض المرتضى فقال-  أما منع خالد فی قتل مالک بن نویره-  و استباحه امرأته و أمواله لنسبته إیاه إلى رده-  لم تظهر منه-  بل کان الظاهر خلافها من الإسلام فعظیم-  و یجری مجراه فی العظم تغافل من تغافل عن أمره-  و لم یقم فیه حکم الله تعالى-  و أقره على الخطإ الذی شهد هو به على نفسه-  و یجری مجراهما من أمکنه أن یعلم الحال فأهملها-  و لم یتصفح ما روی من الأخبار فی هذا الباب-  و تعصب لأسلافه و مذهبه-  و کیف یجوز عند خصومنا على مالک و أصحابه جحد الزکاه-  مع المقام على الصلاه-  و هما جمیعا فی قرن-  لأن العلم الضروری-  بأنهما من دینه ع و شریعته على حد واحد-  و هل نسبه مالک إلى الرده مع ما ذکرناه-  إلا قدح فی الأصول و نقض لما تضمنته-  من أن الزکاه معلومه ضروره من دینه ع-  و أعجب من کل عجیب قوله-  و کذلک سائر أهل الرده-  یعنی أنهم کانوا یصلون و یجحدون الزکاه-  لأنا قد بینا أن ذلک مستحیل غیر ممکن-  و کیف یصح ذلک- 

و قد روى جمیع أهل النقل-  أن أبا بکر لما وصى الجیش-  الذین أنفذهم بأن یؤذنوا و یقیموا-  فإن أذن القوم کأذانهم و إقامتهم کفوا عنهم-  و إن لم یفعلوا أغاروا علیهم-  فجعل أماره الإسلام و البراءه من الرده-  الأذان و الإقامه-  و کیف یطلق فی سائر أهل الرده-  ما أطلقه من أنهم کانوا یصلون-  و قد علمنا أن أصحاب مسیلمه و طلیحه و غیرهما-  ممن کان ادعى النبوه و خلع الشریعه-  ما کانوا یرون الصلاه و لا شیئا مما جاءت به شریعتنا-  و قصه مالک معروفه عند من تأمل کتب السیر و النقل-  لأنه کان على صدقات قومه بنی‏یربوع والیا-  من قبل رسول الله ص-  و لما بلغته وفاه رسول الله ص أمسک عن أخذ الصدقه من قومه-  و قال لهم تربصوا بها حتى یقوم قائم بعد النبی ص-  و ننظر ما یکون من أمره-  و قد صرح بذلک فی شعره حیث یقول- 

  و قال رجال سدد الیوم مالک
و قال رجال مالک لم یسدد

فقلت دعونی لا أبا لأبیکم‏
فلم أخط رأیا فی المقام و لا الندی‏

و قلت خذوا أموالکم غیر خائف
و لا ناظر فیما یجی‏ء به غدی‏

فدونکموها إنما هی مالکم‏
مصوره أخلاقها لم تجدد

سأجعل نفسی دون ما تحذرونه
و أرهنکم یوما بما قلته یدی‏

فإن قام بالأمر المجدد قائم‏
أطعنا و قلنا الدین دین محمد

 فصرح کما ترى أنه استبقى الصدقه فی أیدی قومه-  رفقا بهم و تقربا إلیهم-  إلى أن یقوم بالأمر من یدفع ذلک إلیه-  و قد روى جماعه من أهل السیر-  و ذکره الطبری فی تاریخه-  أن مالکا نهى قومه-  عن الاجتماع على منع الصدقات و فرقهم-  و قال یا بنی یربوع-  إنا کنا قد عصینا أمراءنا إذ دعونا إلى هذا الدین-  و بطأنا الناس عنه فلم نفلح و لم ننجح-  و أنی قد نظرت فی هذا الأمر-  فوجدت الأمر یتأتى لهؤلاء القوم بغیر سیاسه-  و إذا أمر لا یسوسه الناس-  فإیاکم و معاداه قوم یصنع لهم-  فتفرقوا على ذلک إلى أموالهم-  و رجع مالک إلى منزله-  فلما قدم خالد البطاح بث السرایا و أمرهم بداعیه الإسلام-  و أن یأتوه بکل من لم یجب-  و أمرهم إن امتنع أن یقاتلوه-  فجاءته الخیل بمالک بن نویره فی نفر من بنی یربوع-  و اختلف السریه فی أمرهم-  و فی السریه أبو قتاده الحارث بن ربعی-  فکان ممن شهد أنهم أذنوا و أقاموا و صلوا-  فلما اختلفوا فیهم‏أمر بهم خالد فحبسوا-  و کانت لیله بارده لا یقوم لها شی‏ء-  فأمر خالد منادیا ینادی-  أدفئوا أسراءکم-  فظنوا أنهم أمروا بقتلهم-  لأن هذه اللفظه تستعمل فی لغه کنانه للقتل-  فقتل ضرار بن الأزور مالکا-  و تزوج خالد زوجته أم تمیم بنت المنهال- .

و فی خبر آخر أن السریه التی بعث بها خالد-  لما غشیت القوم تحت اللیل راعوهم-  فأخذ القوم السلاح-  قال فقلنا إنا المسلمون فقالوا و نحن المسلمون-  قلنا فما بال السلاح معکم قلنا فضعوا السلاح-  فلما وضعوا السلاح ربطوا أسارى-  فأتوا بهم خالدا-  فحدث أبو قتاده خالد بن الولید-  أن القوم نادوا بالإسلام و أن لهم أمانا-  فلم یلتفت خالد إلى قولهم و أمر بقتلهم و قسم سبیهم-  و حلف أبو قتاده ألا یسیر تحت لواء خالد فی جیش أبدا-  و رکب فرسه شاذا إلى أبی بکر فأخبره الخبر-  و قال له إنی نهیت خالدا عن قتله فلم یقبل قولی-  و أخذ بشهاده الأعراب الذین غرضهم الغنائم-  و أن عمر لما سمع ذلک تکلم فیه عند أبی بکر فأکثر-  و قال إن القصاص قد وجب علیه-  و لما أقبل خالد بن الولید قافلا دخل المسجد-  و علیه قباء له علیه صدأ الحدید-  معتجرا بعمامه له قد غرز فی عمامته أسهما-  فلما دخل المسجد قام إلیه عمر-  فنزع الأسهم عن رأسه فحطمها-  ثم قال له یا عدو نفسه أ عدوت على امرئ مسلم فقتلته-  ثم نزوت على امرأته-  و الله لنرجمنک بأحجارک-  و خالد لا یکلمه-  و لا یظن إلا أن رأی أبی بکر مثل رأیه-  حتى دخل إلى أبی بکر و اعتذر إلیه بعذره و تجاوز عنه-  فخرج خالد و عمر جالس فی المسجد-  فقال هلم إلى یا ابن أم شمله-  فعرف عمر أن أبا بکر قد رضی عنه فلم یکلمه-  و دخل بیته- .

و قد روی أیضا أن عمر لما ولی-  جمع من عشیره مالک بن نویره من وجد منهم-و استرجع ما وجد عند المسلمین من أموالهم-  و أولادهم و نسائهم-  فرد ذلک علیهم جمیعا مع نصیبه کان منهم-  و قیل إنه ارتجع بعض نسائهم من نواحی دمشق-  و بعضهن حوامل فردهن على أزواجهن-  فالأمر ظاهر فی خطإ خالد و خطإ من تجاوز عنه-  و قول صاحب الکتاب-  إنه یجوز أن یخفى عن عمر ما یظهر لأبی بکر لیس بشی‏ء-  لأن الأمر فی قصه خالد لم یکن مشتبها-  بل کان مشاهدا معلوما لکل من حضره-  و ما تأول به فی القتل لا یعذر لأجله-  و ما رأینا أبا بکر حکم فیه بحکم المتأول و لا غیره-  و لا تلافى خطأه و زلله-  و کونه سیفا من سیوف الله-  على ما ادعاه لا یسقط عنه الأحکام-  و یبرئه من الآثام-  و أما قول متمم-  لو قتل أخی على ما قتل علیه أخوک لما رثیته-  لا یدل على أنه کان مرتدا-  فکیف یظن عاقل أن متمما یعترف برده أخیه-  و هو یطالب أبا بکر بدمه و الاقتصاص من قاتلیه و رد سبیه-  و أنه أراد فی الجمله التقرب إلى عمر بتقریظ أخیه-  ثم لو کان ظاهر هذا القول کباطنه-  لکان إنما یقصد تفضیل قتله زید على قتله مالک-  و الحال فی ذلک أظهر-  لأن زیدا قتل فی بعث المسلمین ذابا عن وجوههم-  و مالک قتل على شبهه و بین الأمرین فرق- .

و أما قوله فی النبی ص صاحبک-  فقد قال أهل العلم إنه أراد القرشیه-  لأن خالدا قرشی-  و بعد فلیس فی ظاهر إضافته إلیه-  دلاله على نفیه له عن نفسه-  و لو کان علم من مقصده-  الاستخفاف و الإهانه على ما ادعاه صاحب الکتاب-  لوجب أن یعتذر خالد بذلک-  عند أبی بکر و عمر-  و یعتذر به أبو بکر لما طالبه عمر بقتله-  فإن عمر-  ما کان یمنع من قتل قادح فی نبوه النبی ص-  و إن کان الأمر على ذلک فأی معنى لقول أبی بکر-  تأول فأخطأ-  و إنما تأول فأصاب إن کان الأمر على ما ذکرقلت أما تعجب المرتضى-  من کون قوم منعوا الزکاه و أقاموا على الصلاه-  و دعواه أن هذا غیر ممکن و لا صحیح-  فالعجب منه کیف ینکر وقوع ذلک-  و کیف ینکر إمکانه-  أما الإمکان فلأنه لا ملازمه بین العبادتین-  إلا من کونهما مقترنتین فی بعض المواضع فی القرآن-  و ذلک لا یوجب تلازمهما فی الوجود-  أو من قوله إن الناس یعلمون-  کون الزکاه واجبه فی دین الإسلام ضروره-  کما تعلمون کون الصلاه فی دین الإسلام ضروره-  و هذا لا یمنع اعتقادهم سقوط وجوب الزکاه-  لشبهه دخلت علیهم-  فإنهم قالوا إن الله تعالى قال لرسوله-  خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَهً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَکِّیهِمْ بِها-  وَ صَلِّ عَلَیْهِمْ إِنَّ صَلاتَکَ سَکَنٌ لَهُمْ-  قالوا فوصف الصدقه المفروضه-  بأنها صدقه من شأنها أن یطهر رسول الله ص الناس-  و یزکیهم بأخذها منهم-  ثم عقب ذلک بأن فرض علیه مع أخذ الزکاه منهم-  أن یصلی علیهم صلاه تکون سکنا لهم-  قالوا و هذه الصفات لا تتحقق فی غیره-  لأن غیره لا یطهر الناس و یزکیهم بأخذ الصدقه-  و لا إذا صلى على الناس کانت صلاته سکنا لهم-  فلم یجب علینا دفع الزکاه إلى غیره-  و هذه الشبهه لا تنافی کون الزکاه-  معلوما وجوبها ضروره من دین محمد ص-  لأنهم ما جحدوا وجوبها-  و لکنهم قالوا إنه وجوب مشروط-  و لیس یعلم بالضروره انتفاء کونها مشروطه-  و إنما یعلم ذلک بنظر و تأویل-  فقد بان أن ما ادعاه من الضروره-  لیس بدال على أنه لا یمکن أحد-  اعتقاد نفی وجوب الزکاه بعد موت الرسول-  و لو عرضت مثل هذه الشبهه فی صلاه-  لصح لذاهب أن یذهب إلى أنها قد سقطت عن الناس-  فأما الوقوع فهو المعلوم ضروره بالتواتر-  کالعلم بأن أبا بکر ولی الخلافه بعد الرسول ص-  ضروره بطریق التواتر-  و من أراد الوقوف على ذلک فلینظر فی کتب التواریخ- فإنها تشتمل من ذلک على ما یشفی و یکفی-  و قال أبو جعفر محمد بن جریر الطبری-  فی التاریخ الکبیر بإسناد ذکره-  أن أبا بکر أقام بالمدینه بعد وفاه رسول الله ص-  و توجیهه أسامه فی جیشه-  إلى حیث قتل أبوه زید بن حارثه لم یحدث شیئا-  و جاءته وفود العرب مرتدین-  یقرون بالصلاه و یمنعون الصدقه-  فلم یقیل منهم و ردهم-  و أقام حتى قدم أسامه بعد أربعین یوما من شخوصه-  و یقال بعد سبعین یوما- . و روى أبو جعفر قال امتنعت العرب قاطبه-  من أداء الزکاه بعد رسول الله ص إلا قریشا و ثقیفا- . و روى أبو جعفر عن السری عن شعیب عن سیف-  عن هشام بن عروه عن أبیه قال-  ارتدت العرب و منعت الزکاه إلا قریشا و ثقیفا-  فأما هوازن فقدمت رجلا و أخرت أخرى-  أمسکوا الصدقه- .

و روى أبو جعفر قال-  لما منعت العرب الزکاه-  کان أبو بکر ینتظر قدوم أسامه بالجیش-  فلم یحارب أحدا قبل قدومه إلا عبسا و ذبیان-  فإنه قاتلهم قبل رجوع أسامه- . و روى أبو جعفر قال-  قدمت وفود من قبائل العرب المدینه-  فنزلوا على وجوه الناس بها-  و یحملونهم إلى أبی بکر أن یقیموا الصلاه-  و ألا یؤتوا الزکاه فعزم الله لأبی بکر على الحق-  و قال لو منعونی عقال بعیر لجاهدتهم علیه- . و روى أبو جعفر شعرا للخطیل بن أوس-  أخی الحطیئه فی معنى منع الزکاه-  و أن‏أبا بکر رد سؤال العرب و لم یجبهم من جملته- 

  أطعنا رسول الله إذا کان بیننا
فیا لعباد الله ما لأبی بکر

أ یورثها بکر إذا مات بعده‏
و تلک لعمر الله قاصمه الظهر

فهلا رددتم وفدنا بإجابه
و هلا حسبتم منه راعیه البکر

فإن الذی سألوکم فمنعتم‏
لکالتمر أو أحلى لحلف بنی فهر

و روى أبو جعفر قال-  لما قدمت العرب المدینه على أبی بکر-  فکلموه فی إسقاط الزکاه-  نزلوا على وجوه الناس بالمدینه-  فلم یبق أحد إلا و أنزل علیه ناسا منهم-  إلا العباس بن عبد المطلب-  ثم اجتمع إلى أبی بکر المسلمون-  فخوفوه بأس العرب و اجتماعها-  قال ضرار بن الأزور-  فما رأیت أحدا لیس رسول الله أملأ بحرب شعواء-  من أبی بکر فجعلنا نخوفه و نروعه-  و کأنما إنما نخبره بما له لا ما علیه-  و اجتمعت کلمه المسلمین على إجابه العرب إلى ما طلبت-  و أبى أبو بکر أن یفعل إلا ما کان یفعله رسول الله ص-  و أن یأخذ إلا ما کان یأخذ-  ثم أجلهم یوما و لیله ثم أمرهم بالانصراف-  و طاروا إلى عشائرهم- .

و روى أبو جعفر قال-  کان رسول الله ص-  بعث عمرو بن العاص إلى عمان قبل موته-  فمات و هو بعمان فأقبل قافلا إلى المدینه-  فوجد العرب قد منعت الزکاه-  فنزل فی بنی عامر على قره بن هبیره-  و قره یقدم رجلا و یؤخر أخرى-  و على ذلک بنو عامر کلهم إلا الخواص-  ثم قدم المدینه فأطافت به قریش-  فأخبرهم أن العساکر معسکره حولهم-  فتفرق المسلمون و تحلقوا حلقا-  و أقبل عمر بن الخطاب-  فمر بحلقهو هم یتحدثون فیما سمعوا من عمرو-  و فی تلک الحلقه علی و عثمان و طلحه و الزبیر-  و عبد الرحمن بن عوف و سعد-  فلما دنا عمر منهم سکتوا-  فقال فی أی شی‏ء أنتم فلم یخبروه-  فقال ما أعلمنی بالذی خلوتم علیه-  فغضب طلحه و قال الله یا ابن الخطاب إنک لتعلم الغیب-  فقال لا یعلم الغیب إلا الله و لکن أظن قلتم-  ما أخوفنا على قریش من العرب و أخلقهم-  ألا یقروا بهذا الأمر-  قالوا صدقت-  فقال فلا تخافوا هذه المنزله-  أنا و الله منکم على العرب أخوف منی علیکم من العرب- .

قال أبو جعفر و حدثنی السری قال-  حدثنا شعیب عن سیف عن هشام بن عروه عن أبیه قال-  نزل عمرو بن العاص بمنصرفه من عمان-  بعد وفاه رسول الله ص-  بقره بن هبیره بن سلمه بن یسیر-  و حوله عساکر من أفنائهم فذبح له-  و أکرم منزلته فلما أراد الرحله خلا به و قال-  یا هذا إن العرب لا تطیب لکم أنفسا بالإتاوه-  فإن أنتم أعفیتموها من أخذ أموالها فستسمع و تطیع-  و إن أبیتم فإنها تجتمع علیکم-  فقال عمرو أ توعدنا بالعرب و تخوفنا بها-  موعدنا حفش أمک أما و الله لأوطئنه علیک الخیل-  و قدم على أبی بکر و المسلمین فأخبرهم- .

و روى أبو جعفر قال-  کان رسول الله ص-  قد فرق عماله فی بنی تمیم على قبض الصدقات-  فجعل الزبرقان بن بدر على عوف و الرباب-  و قیس بن عاصم على مقاعس و البطون-  و صفوان بن صفوان و سبره بن عمرو على بنی عمرو-  و مالک بن نویره على بنی حنظله-  فلما توفی رسول الله ص ضرب صفوان إلى أبی بکر-  حین وقع إلیه الخبر بموت النبی ص بصدقات بنی عمرو-  و بما ولی منها و ما ولی سبره-  و أقام سبره فی قومه لحدث إن ناب-  و أطرق قیس بن عاصم ینظر ما الزبرقان صانع-  فکان له عدوا و قال و هو ینتظره و ینتظر ما یصنع-  و یلی علیه ما أدری ما أصنع-  إن أنابایعت أبا بکر و أتیته بصدقات قومی-  خلفنی فیهم فساءنی عندهم-  و إن رددتها علیهم فلیأتین أبا بکر فیسوءنی عنده-  ثم عزم قیس على قسمتها فی مقاعس و البطون-  ففعل و عزم الزبرقان على الوفاء-  فاتبع صفوان بصدقات عوف و الرباب-  حتى قدم بها المدینه و قال شعرا یعرض فیه بقیس بن عاصم-  و من جملته- 

وفیت بأذواد الرسول و قد أبت
سعاه فلم یردد بعیرا أمیرها

فلما أرسل أبو بکر إلى قیس العلاء بن الحضرمی-  أخرج الصدقه فأتاه بها و قدم معه إلى المدینه- . و فی تاریخ أبی جعفر الطبری من هذا الکثیر الواسع-  و کذلک فی تاریخ غیره من التواریخ-  و هذا أمر معلوم باضطرار لا یجوز لأحد أن یخالف فیه فأما قوله کیف یصح ذلک و قد قال لهم أبو بکر-  إذا أذنوا و أقاموا کإقامتکم فکفوا عنهم-  فجعل أماره الإسلام و البراءه من الرده-  الأذان و الإقامه-  فإنه قد أسقط بعض الخبر-  قال أبو جعفر الطبری فی کتابه-  کانت وصیته لهم إذا نزلتم فأذنوا و أقیموا-  فإن أذن القوم و أقاموا فکفوا عنهم-  فإن لم یفعلوا فلا شی‏ء إلا الغاره-  ثم اقتلوهم کل قتله-  الحرق فما سواه-  و إن أجابوا داعیه الإسلام فاسألوهم-  فإن أقروا بالزکاه فاقبلوا منهم-  و إن أبوا فلا شی‏ء إلا الغاره و لا کلمه- .

فأما قوله-  و کیف یطلق قاضی القضاه فی سائر أهل الرده-  ما أطلقه من أنهم کانوا یصلون-  و من جملتهم أصحاب مسیلمه و طلحه-  فإنما أراد قاضی القضاه بأهل الرده هاهنا-  مانعی الزکاه لا غیر-  و لم یرد من جحد الإسلام بالکلیه- . فأما قصه مالک بن نویره و خالد بن الولید-  فإنها مشتبهه عندی و لا غرو فقد اشتهت على الصحابه-  و ذلک أن من حضرها من العرب اختلفوا فی حال القوم-  هل کان‏ علیهم شعار الإسلام أو لا-  و اختلف أبو بکر و عمر فی خالد مع شده اتفاقهما-  فأما الشعر الذی رواه المرتضى لمالک بن نویره-  فهو معروف إلا البیت الأخیر فإنه غیر معروف-  و علیه عمده المرتضى فی هذا المقام-  و ما ذکره بعد من قصه القوم صحیح کله-  مطابق لما فی التواریخ إلا مویضعات یسیره- .

منها قوله-  إن مالکا نهى قومه عن الاجتماع على منع الصدقات-  فإن ذلک غیر منقول-  و إنما المنقول أنه نهى قومه عن الاجتماع فی موضع واحد-  و أمرهم أن یتفرقوا فی میاههم-  ذکر ذلک الطبری و لم یذکر نهیه إیاهم-  عن الاجتماع على منع الصدقه-  و قال الطبری إن مالکا تردد فی أمره-  هل یحمل الصدقات أم لا-  فجاءه خالد و هو متحیر سبح- . و منها أن الطبری ذکر أن ضرار بن الأزور-  قتل مالکا عن غیر أمر خالد-  و أن خالدا لما سمع الواعیه خرج و قد فرغوا منهم-  فقال إذا أراد الله أمرا أصابه-  قال الطبری و غضب أبو قتاده لذلک-  و قال لخالد هذا عملک-  و فارقه و أتى أبا بکر فأخبره فغضب علیه أبو بکر-  حتى کلمه فیه عمر فلم یرض إلا أن یرجع إلى خالد-  فرجع إلیه حتى قدم معه المدینه- .

و منها أن الطبری روى أن خالدا-  لما تزوج أم تمیم بنت المنهال امرأه مالک-  لم یدخل بها و ترکها حتى تقضی طهرها-  و لم یذکر المرتضى ذلک- . و منها أن الطبری روى-  أن متمما لما قدم المدینه طلب إلى أبی بکر فی سبیهم-  فکتب له برد السبی-  و المرتضى ذکر أنه لم یرد إلا فی خلافه عمر- . فأما قول المرتضى إن قول متمم-  لو قتل أخی على مثل ما قتل علیه أخوک لما رثیته-لا یدل على ردته فصحیح-  و لا ریب أنه قصد تقریظ زید بن الخطاب-  و أن یرضی عمر أخاه بذلک-  و نعما قال المرتضى إن بین القتلتین فرقا ظاهرا-  و إلیه أشار متمم لا محاله- . فأما قول مالک صاحبک یعنی النبی ص-  فقد روى هذه اللفظه الطبری فی التاریخ قال-  کان خالد یعتذر عن قتله فیقول-  إنه قال له و هو یراجعه-  ما إخال صاحبکم إلا قال کذا و کذا-  فقال له خالد أ و ما تعده لک صاحبا-  و هذه لعمری کلمه جافیه و إن کان لها مخرج فی التأویل-  إلا أنه مستکره-  و قرائن الأحوال یعرفها من شاهدها و سمعها-  فإذا کان خالد قد کان یعتذر بذلک-  فقد اندفع قول المرتضى هلا اعتذر بذلک-  و لست أنزه خالدا عن الخطإ-  و أعلم أنه کان جبارا فاتکا-  لا یراقب الدین فیما یحمله علیه الغضب و هوى نفسه-  و لقد وقع منه فی حیاه رسول الله ص-  مع بنی خذیمه بالغمیصاء-  أعظم مما وقع منه فی حق مالک بن نویره-  و عفا عنه رسول الله ص-  بعد أن غضب علیه مده و أعرض عنه-  و ذلک العفو هو الذی أطمعه-  حتى فعل ببنی یربوع ما فعل بالبطاح.

الطعن الثامن

قولهم إن مما یؤثر فی حاله و حال عمر-  دفنهما مع رسول الله ص فی بیته-  و قد منع الله تعالى الکل من ذلک-  فی حال حیاته فکیف بعد الممات-  بقوله تعالى-  لا تَدْخُلُوا بُیُوتَ النَّبِیِّ إِلَّا أَنْ یُؤْذَنَ لَکُمْ- . أجاب قاضی القضاه بأن الموضع کان ملکا لعائشه-  و هی حجرتها التی کانت‏معروفه بها-  و الحجر کلها کانت أملاکا لأزواج النبی ص-  و قد نطق القرآن بذلک فی قوله-  وَ قَرْنَ فِی بُیُوتِکُنَّ-  و ذکر أن عمر استأذن عائشه-  فی أن یدفن فی ذلک الموضع-  و حتى قال إن لم تأذن لی فادفنونی فی البقیع-  و على هذا الوجه یحمل-  ما روی عن الحسن ع أنه لما مات-  أوصى أن یدفن إلى جنب رسول الله ص-  و إن لم یترک ففی البقیع-  فلما کان من مروان و سعید بن العاص ما کان دفن بالبقیع-  و إنما أوصى بذلک بإذن عائشه-  و یجوز أن یکون علم من عائشه-  أنها جعلت الموضع فی حکم الوقف-  فاستباحوا ذلک لهذا الوجه-  قال و فی دفنه ع فی ذلک الموضع ما یدل على فضل أبی بکر-  لأنه ع لما مات اختلفوا فی موضع دفنه-  و کثر القول حتى روى أبو بکر عنه ص أنه قال-  ما یدل على أن الأنبیاء إذا ماتوا دفنوا حیث ماتوا-  فزال الخلاف فی ذلک- .

اعترض المرتضى فقال-  لا یخلو موضع قبر النبی ص من أن یکون باقیا على ملکه ع-  أو یکون انتقل فی حیاته إلى عائشه على ما ادعاه-  فإن کان الأول لم یخل أن یکون میراثا بعده أو صدقه-  فإن کان میراثا فما کان یحل لأبی بکر و لا لعمر من بعده-  أن یأمرا بدفنهما فیه إلا بعد إرضاء الورثه-  الذین هم على مذهبنا فاطمه و جماعه الأزواج-  و على مذهبهم هؤلاء و العباس-  و لم نجد واحدا منهما خاطب أحدا من هؤلاء الورثه-  على ابتیاع هذا المکان و لا استنزله عنه بثمن و لا غیره-  و إن کان صدقه-  فقد کان یجب أن یرضى عنه جماعه المسلمین و یبتاعه منهم-  هذا إن جاز الابتیاع لما یجری هذا المجرى-  و إن کان انتقل فی حیاته-  فقد کان یجب أن یظهر سبب انتقاله و الحجه فیه-  فإن فاطمه ع-  لم یقنع منها فی انتقال فدک إلى ملکها بقولها-  و لا بشهاده من‏شهد لها-  فأما تعلقه بإضافه البیوت إلیهن فی قوله-  وَ قَرْنَ فِی بُیُوتِکُنَّ فمن ضعیف الشبهه-  لأنا قد بینا فیما مضى من هذا الکتاب-  أن هذه الإضافه لا تقتضی الملک و إنما تقتضی السکنى-  و العاده فی استعمال هذه اللفظه فیما ذکرناه ظاهره-  قال تعالى لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُیُوتِهِنَّ-  و لم یرد الله تعالى إلا حیث یسکن و ینزلن-  دون حیث یملکن و ما أشبهه-  و أظرف من کل شی‏ء تقدم قوله-  إن الحسن ع استأذن عائشه فی أن یدفن فی البیت-  حتى منعه مروان و سعید بن العاص-  لأن هذه مکابره منه ظاهره-  فإن المانع للحسن ع من ذلک لم یکن إلا عائشه-  و لعل من ذکره من مروان و سعید و غیرهما-  أعانها و اتبع فی ذلک أمرهما- 

و روی أنها خرجت فی ذلک الیوم على بغل-  حتى قال ابن عباس یوما على بغل و یوما على جمل-  فکیف تأذن عائشه فی ذلک و هی مالکه الموضع على قولهم-  و یمنع منه مروان و غیره-  ممن لا ملک له فی الموضع و لا شرکه و لا ید-  و هذا من قبیح ما یرتکب-  و أی فضل لأبی بکر فی روایته عن النبی ص حدیث الدفن-  و عملهم بقوله إن صح فمن مذهب صاحب الکتاب و أصحابه-  العمل بخبر الواحد العدل فی أحکام الدین العظیمه-  فکیف لا یعمل بقول أبی بکر فی الدفن-  و هم یعملون بقول من هو دونه فیما هو أعظم من ذلک قلت أما أبو بکر فإنه لا یلحقه بدفنه مع الرسول ص ذم-  لأنه ما دفن نفسه و إنما دفنه الناس و هو میت-  فإن کان ذلک خطأ فالإثم و الذم لاحقان بمن فعل به ذلک-  و لم یثبت عنه بأنه أوصى أن یدفن مع رسول الله ص- 

و إنما قد یمکن أن یتوجه هذا الطعن إلى عمر-  لأنه سأل عائشه أن یدفن فی الحجره-  مع رسول الله ص و أبی بکر-  و القول عندی مشتبه فی أمر حجر الأزواج- هل کانت على ملک رسول الله ص إلى أن توفی-  أم ملکها نساؤه-  و الذی تنطق به التواریخ أنه لما خرج من قباء-  و دخل المدینه و سکن منزل أبی أیوب-  اختط المسجد و اختط حجر نسائه و بناته-  و هذا یدل على أنه کان المالک للمواضع-  و أما خروجها عن ملکه إلى الأزواج و البنات-  فمما لم أقف علیه-  و یجوز أن تکون الصحابه قد فهمت-  من قرائن الأحوال و مما شاهدوه منه ع-  أنه قد أقر کل بیت منها فی ید زوجه من الزوجات-  على سبیل الهبه و العطیه-  و إن لم ینقل عنه فی ذلک صیغه لفظ معین-  و القول فی بیت فاطمه ع کذلک-  لأن فاطمه ع لم تکن تملک مالا-  و علی ع بعلها کان فقیرا فی حیاه رسول الله ص-  حتى أنه کان یستقی الماء لیهود بیده-  یسقی بساتینهم لقوت یدفعونه إلیه-  فمن أین کان له ما یبتاع به حجره یسکن فیها هو و زوجته-  و القول فی کثیر من الزوجات کذلک-  أنهن کن فقیرات مدقعات-  نحو صفیه بنت حیی بن أخطب و جویریه بنت الحارث-  و میمونه و غیرهن-  فلا وجه یمکن أن یتملک منه هؤلاء النسوه و البنت الحجر-  إلا أن یکون رسول الله ص وهبها لهن-  هذا إن ثبت أنها خرجت عن ملکیته ع-  و إلا فهی باقیه على ملکیته باستصحاب الحال-  و القول فی حجره زینب بنت رسول الله ص کذلک-  لأنه أقدمها من مکه-  مفارقه لبعلها أبی العاص بن الربیع-  فأسکنها بالمدینه فی حجره منفرده خالیه عن بعل-  فلا بد أن تکون تلک الحجره بمقتضى ما یتغلب على الظن-  ملکا له ع-  فیستدام الحکم بملکه لها-  إلى أن نجد دلیلا ینقلنا عن ذلک-  و أما رقیه و أم کلثوم زوجتا عثمان-  فإن کان مثریا ذا مال-  فیجوز أن یکون ابتاع حجره-  سکنت فیها الأولى منهما ثم الثانیه بعدها- .

 

فأما احتجاج قاضی القضاه بقوله-  وَ قَرْنَ فِی بُیُوتِکُنَّ-  فاعتراض المرتضى علیه قوی-  لأن هذه الإضافه إنما تقتضی التخصیص فقط لا التملیک-  کما قال-  لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُیُوتِهِنَّ-  و یجوز أن یکون أبو بکر لما روى قوله-  نحن لا نورث-  ترک الحجر فی أیدی الزوجات و البنت-  على سبیل الإقطاع لهن لا التملیک أی أباحهن السکنى-  لا التصرف فی رقاب الأرض و الأبنیه و الآلات-  لما رأى فی ذلک من المصلحه-  و لأنه کان من المتهجن القبیح إخراجهن من البیوت-  و لیس کذلک فدک-  فإنها قریه کبیره ذات نخل کثیر خارجه عن المدینه-  و لم تکن فاطمه متصرفه فیها من قبل نفسها و لا بوکیلها-  و لا رأتها قط فلا تشبه حالها حال الحجر-  و أیضا لإباحه هذه الحجر و نزاره أثمانهن-  فإنها کانت مبنیه من طین قصیره الجدران-  فلعل أبا بکر و الصحابه استحقروها-  فأقروا النساء فیها-  و عوضوا المسلمین عنها بالشی‏ء الیسیر-  مما یقتضی الحساب أن یکون من سهم الأزواج و البنت-  عند قسمه الفی‏ء- .

و أما القول فی الحسن و ما جرى من عائشه و بنی أمیه-  فقد تقدم-  و کذلک القول فی الخبر المروی فی دفن الرسول ع-  فکان أبو المظفر هبه الله بن الموسوی صدر المخزن المعمور-  کان فی أیام الناصر لدین الله-  إذا حادثته حدیث وفاه رسول الله ص و روایه أبی بکر-  ما رواه من قوله ع الأنبیاء یدفنون حیث یموتون-  یحلف أن أبا بکر افتعل هذا الحدیث فی الحال و الوقت-  لیدفن النبی ص فی حجره ابنته-  ثم یدفن هو معه عند موته-  علما منه أنه لم یبق من عمره إلا مثل ظم‏ء الحمار-  و أنه إذا دفن النبی ص فی حجره ابنته-  فإن ابنته تدفنه لا محاله فی حجرتها عند بعلها-  و إن دفن النبی ص فی موضع‏آخر-  فربما لا یتهیأ له أن یدفن عنده-  فرأى أن هذا الفوز بهذا الشرف العظیم-  و هذا المکان الجلیل-  مما لا یقتضی حسن التدبیر فوته-  و إن انتهاز الفرصه فیه واجب-  فروى لهم الخبر فلا یمکنهم بعد روایته ألا یعملوا به-  لا سیما و قد صار هو الخلیفه-  و إلیه السلطان و النفع و الضرر-  و أدرک ما کان فی نفسه-  ثم نسج عمر على منواله-  فرغب إلى عائشه فی مثل ذلک-  و قد کان یکرمها-  و یقدمها على سائر الزوجات فی العطاء و غیره-  فأجابته إلى ذلک-  و کان مطاعا فی حیاته و بعد مماته-  و کان یقول وا عجبا للحسن-  و طمعه فی أن یدفن فی حجره عائشه-  و الله لو کان أبوه الخلیفه یومئذ لما تهیأ له ذلک-  و لا تم لبغض عائشه لهم و حسد الناس إیاهم-  و تمالؤ بنی أمیه و غیرهم من قریش علیهم-  و لهذا قالوا یدفن عثمان فی حش کوکب-  و یدفن الحسن فی حجره رسول الله ص-  فکیف و الخلیفه معاویه و الأمراء بالمدینه بنو أمیه-  و عائشه صاحبه الموضع-  و الناصر لبنی هاشم قلیل و الشانئ کثیر- . و أنا أستغفر الله مما کان أبو المظفر یحلف علیه-  و أعلم و أظن ظنا شبیها بالعلم-  أن أبا بکر ما روى إلا ما سمع-  و أنه کان أتقى لله من ذلک.

الطعن التاسع

قولهم إنه نص على عمر بالخلافه-  فخالف رسول الله ص على زعمه-  لأنه کان یزعم هو و من قال بقوله-  أن رسول الله ص لم یستخلف- .و الجواب أن کونه لم یستخلف-  لا یدل على تحریم الاستخلاف-  کما أنه من لم یرکب الفیل لا یدل على تحریم رکوب الفیل-  فإن قالوا رکوب الفیل فیه منفعه و لا مضره فیه-  و لم یرد نص بتحریمه فوجب أن یحسن-  قیل لهم و الاستخلاف مصلحه و لا مضره فیه-  و قد أجمع المسلمون أنه طریق إلى الإمامه-  فوجب کونه طریقا إلیها-  و قد روی عن عمر أنه قال إن أستخلف فقد استخلف من هو خیر منی یعنی أبا بکر-  و إن أترک فقد ترک من هو خیر منی یعنی رسول الله ص-  فأما الاجتماع المشار إلیه-  فهو أن الصحابه أجمعوا-  على أن عمر إمام بنص أبی بکر علیه-  و أنفذوا أحکامه و انقادوا إلیه-  لأجل نص أبی بکر لا لشی‏ء سواه-  فلو لم یکن ذلک طریقا إلى الإمامه لما أطبقوا علیه-  و قد اختلف الشیخان أبو علی و أبو هاشم-  فی أن نص الإمام على إمام بعده-  هل یکفی فی انعقاد إمامته-  فقال أبو علی لا یکفی-  بل لا بد من أن یرضى به أربعه-  حتى یجری عهده إلیه مجرى عقد الواحد برضا أربعه-  فإذا قارنه رضا أربعه صار بذلک إماما-  و یقول فی بیعه عمر-  أن أبا بکر أحضر جماعه من الصحابه لما نص علیه-  و رجع إلى رضاهم بذلک-  و قال أبو هاشم بل یکفی نصه ع-  و لا یراعى فی ذلک رضا غیره به-  و لو ثبت أن أبا بکر فعله-  لکان على طریق التبع للنص-  لا أنه یؤثر فی إمامته مع العهد-  و لعل أبا بکر إن کان فعل ذلک فقد استطاب به نفوسهم-  و لهذا لم یؤثر فیه کراهیه طلحه حین قال-  ولیت علینا فظا غلیظا-  و یبین ذلک أنه لم ینقل استئناف العقد من الصحابه-  لعمر بعد موت أبی بکر-  و لا اجتماع جماعه لعقد البیعه له و الرضا به-  فدل على أنهم اکتفوا بعهد أبی بکر إلیه

 

الطعن العاشر

–  قولهم إنه سمى نفسه بخلیفه رسول الله ص-  لاستخلافه إیاه بعد موته-  مع اعترافه أنه لم یستخلفه- . و الجواب أن الصحابه سمته خلیفه رسول الله ص-  لاستخلافه إیاه على الصلاه عند موته-  و الاستخلاف على الصلاه عند الموت له مزیه-  على الاستخلاف على الصلاه حال الحیاه-  لأن حال الموت هی الحال التی تکون فیها العهود-  و الوصایا و ما یهتم به الإنسان من أمور الدنیا و الدین-  لأنها حال المفارقه-  و أیضا فإن رسول الله ص-  ما استخلف أحدا على الصلاه بالمدینه و هو حاضر-  و إنما کان یستخلف على الصلاه قوما-  أیام غیبته عن المدینه-  فلم یحصل الاستخلاف المطلق على الصلاه بالناس کلهم-  و هو ص حاضر بین الناس حی إلا لأبی بکر-  و هذه مزیه ظاهره على سائر الاستخلافات فی أمر الصلاه-  فلذلک سموه خلیفه رسول الله ص-  و بعد فإذا ثبت أن الإجماع على کون الاختیار-  طریقا إلى الإمامه و حجه-  و ثبت أن قوما من أفاضل الصحابه اختاروه للخلافه-  فقد ثبت أنه خلیفه رسول الله ص-  لأنه لا فرق بین أن ینص الرسول ص-  على شخص معین-  و بین أن یشیر إلى قوم فیقول-  من اختار هؤلاء القوم فهو الإمام-  فی أن کل واحد منهما یصح أن یطلق علیه خلیفه رسول الله ص.

 

الطعن الحادی عشر

قولهم إنه حرق الفجاءه السلمی بالنار-  و قد نهى النبی ص أن یحرق أحد بالنار- . و الجواب أن الفجاءه جاء إلى أبی بکر-  کما ذکر أصحاب التواریخ-  فطلب منه سلاحا یتقوى به على الجهاد فی أهل الرده-  فأعطاه فلما خرج قطع الطریق-  و نهب أموال المسلمین و أهل الرده جمیعا-  و قتل کل من وجد-  کما فعلت الخوارج حیث خرجت-  فلما ظفر به أبو بکر رأى حرقه بالنار-  إرهابا لأمثاله من أهل الفساد-  و یجوز للإمام أن یخص النص العام بالقیاس الجلی عندنا.

الطعن الثانی عشر

قولهم إنه تکلم فی الصلاه قبل التسلیم-  فقال لا یفعلن خالد ما أمرته-  قالوا و لذلک جاز عند أبی حنیفه-  أن یخرج الإنسان من الصلاه بالکلام و غیره-  من مفسدات الصلاه من دون تسلیم-  و بهذا احتج أبو حنیفه- . و الجواب أن هذا من الأخبار التی تتفرد بها الإمامیه-  و لم تثبت-  و أما أبو حنیفه فلم یذهب إلى ما ذهب إلیه-  لأجل هذا الحدیث-  و إنما احتج بأن التسلیم خطاب آدمی-  و لیس هو من الصلاه و أذکارها-  و لا من أرکانها بل هو ضدها-  و لذلک یبطلها قبل التمام-  و لذلک لا یسلم المسبوق تبعا لسلام الإمام-  بل یقوم من غیر تسلیم-  فدل على أنه ضد للصلاه-  و جمیع الأضداد بالنسبه إلى رفع الضد-  على وتیره واحده-  و لذلک استوى الکل فی‏ الإبطال قبل التمام-  فیستوی الکل فی الانتهاء بعد التمام-  و ما یذکره القوم من سبب کلام أبی بکر فی الصلاه أمر بعید-  و لو کان أبو بکر یرید ذلک-  لأمر خالد أن یفعل ذلک الفعل بالشخص المعروف-  و هو نائم لیلا فی بیته-  و لا یعلم أحد من الفاعل.

الطعن الثالث عشر

قولهم إنه کتب إلى خالد بن الولید و هو على الشام-  یأمره أن یقتل سعد بن عباده-  فکمن له هو و آخر معه لیلا-  فلما مر بهما رمیاه فقتلاه-  و هتف صاحب خالد فی ظلام اللیل-  بعد أن ألقیا سعدا فی بئر هناک فیها ماء ببیتین- 

نحن قتلنا سید الخزرج
سعد بن عباده‏

و رمیناه بسهمین‏
فلم تخط فؤاده‏

 یوهم أن ذلک شعر الجن و أن الجن قتلت سعدا-  فلما أصبح الناس فقدوا سعدا-  و قد سمع قوم منهم ذلک الهاتف فطلبوه-  فوجدوه بعد ثلاثه أیام فی تلک البئر و قد اخضر-  فقالوا هذا مسیس الجن-  و قال شیطان الطاق لسائل سأله-  ما منع علیا أن یخاصم أبا بکر فی الخلافه-  فقال یا ابن أخی خاف أن تقتله الجن- . و الجواب-  أما أنا فلا أعتقد أن الجن قتلت سعدا-  و لا أن هذا شعر الجن و لا أرتاب أن البشر قتلوه-  و أن هذا الشعر شعر البشر-  و لکن لم یثبت عندی أن أبا بکر أمر خالدا-  و لا أستبعد أن یکون فعله من تلقاء نفسه-  لیرضى بذلک أبا بکر و حاشاه-  فیکون الإثم على‏خالد و أبو بکر بری‏ء من إثمه-  و ما ذلک من أفعال خالد ببعید.

الطعن الرابع عشر

قولهم إنه لما استخلف قطع لنفسه على بیت المال أجره-  کل یوم ثلاثه دراهم-  قالوا و ذلک لا یجوز-  لأن مصارف أموال بیت المسلمین-  لم یذکر فیها أجره للإمام- . و الجواب أنه تعالى جعل فی جمله مصرف أموال الصدقات-  العاملین علیها و أبو بکر من العاملین-  و اعلم أن الإمامیه لو أنصفت لرأت أن هذا الطعن-  بأن یکون من مناقب أبی بکر-  أولى من أن یکون من مساویه و مثالبه-  و لکن العصبیه لا حیله فیها.

الطعن الخامس عشر

قولهم إنه لما استخلف صرخ منادیه فی المدینه-  من کان عنده شی‏ء من کلام الله فلیأتنا به-  فإنا عازمون على جمع القرآن-  و لا یأتنا بشی‏ء منه إلا و معه شاهدا عدل-  قالوا و هذا خطأ-  لأن القرآن قد بان بفصاحته عن فصاحه البشر-  فأی حاجه إلى شاهدی عدل- . و الجواب أن المرتضى و من تابعه من الشیعه-  لا یصح لهم هذا الطعن-  لأن القرآن عندهم لیس معجزا بفصاحته-  على أن من جعل معجزته للفصاحه لم یقل-  إن کل آیه من القرآن هی معجزه فی الفصاحه-  و أبو بکر إنما طلب کل آیه من القرآن-  لا السوره بتمامها و کمالها-  التی یتحقق الإعجاز من طریق الفصاحه فیها-  و أیضا فإنه لو أحضر إنسان آیه أو آیتین-  و لم یکن معه شاهد فربما تختلف العرب-  هل هذه فی الفصاحه بالغهمبلغ الإعجاز الکلی-  أم هی ثابته من کلام العرب بثبوته-  غیر بالغه إلى حد الإعجاز-  فکان یلتبس الأمر و یقع النزاع-  فاستظهر أبو بکر بطلب الشهود تأکیدا-  لأنه إذا انضمت الشهاده إلى الفصاحه الظاهره-  ثبت أن ذلک الکلام من القرآن

وَ مِنْ هَذَا الْکِتَابِ-  إِنِّی وَ اللَّهِ لَوْ لَقِیتُهُمْ وَاحِداً وَ هُمْ طِلَاعُ الْأَرْضِ کُلِّهَا-  مَا بَالَیْتُ وَ لَا اسْتَوْحَشْتُ-  وَ إِنِّی مِنْ ضَلَالِهِمُ الَّذِی هُمْ فِیهِ-  وَ الْهُدَى الَّذِی أَنَا عَلَیْهِ-  لَعَلَى بَصِیرَهٍ مِنْ نَفْسِی وَ یَقِینٍ مِنْ رَبِّی-  وَ إِنِّی إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ لَمُشْتَاقٌ-  وَ لِحُسْنِ ثَوَابِهِ لَمُنْتَظِرٌ رَاجٍ-  وَ لَکِنَّنِی آسَى أَنْ یَلِیَ هَذِهِ الْأُمَّهَ سُفَهَاؤُهَا وَ فُجَّارُهَا-  فَیَتَّخِذُوا مَالَ اللَّهِ دُوَلًا وَ عِبَادَهُ خَوَلًا-  وَ الصَّالِحِینَ حَرْباً وَ الْفَاسِقِینَ حِزْباً-  فَإِنَّ مِنْهُمُ الَّذِی شَرِبَ فِیکُمُ الْحَرَامَ-  وَ جُلِدَ حَدّاً فِی الْإِسْلَامِ-  وَ إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ یُسْلِمْ حَتَّى رُضِخَتْ لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ الرَّضَائِخُ-  فَلَوْ لَا ذَلِکَ مَا أَکْثَرْتُ تَأْلِیبَکُمْ وَ تَأْنِیبَکُمْ-  وَ جَمْعَکُمْ وَ تَحْرِیضَکُمْ-  وَ لَتَرَکْتُکُمْ إِذْ أَبَیْتُمْ وَ وَنَیْتُمْ-  أَ لَا تَرَوْنَ إِلَى أَطْرَافِکُمْ قَدِ انْتَقَصَتْ-  وَ إِلَى أَمْصَارِکُمْ قَدِ افْتُتِحَتْ-  وَ إِلَى مَمَالِکِکُمْ تُزْوَى وَ إِلَى بِلَادِکُمْ تُغْزَى-  انْفِرُوا رَحِمَکُمُ اللَّهُ إِلَى قِتَالِ عَدُوِّکُمْ-  وَ لَا تَثَّاقَلُوا إِلَى الْأَرْضِ فَتُقِرُّوا بِالْخَسْفِ-  وَ تَبَوَّءُوا بِالذُّلِّ وَ یَکُونَ نَصِیبُکُمُ الْأَخَسَّ-  وَ إِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الْأَرِقُ وَ مَنْ نَامَ لَمْ یُنَمْ عَنْهُ وَ السَّلَامُ‏ طلاع الأرض ملؤها-  و منه قول عمر لو أن لی طلاع الأرض ذهبا-  لافتدیت به من هول المطلع- . و آسى أحزن- . و أکثرت تألیبکم تحریضکم و إغراءکم به-  و التأنیب أشد اللوم- . و ونیتم ضعفتم و فترتم-  و ممالککم تزوى أی تقبض- . و لا تثاقلوا بالتشدید أصله تتثاقلوا-  و تقروا بالخسف تعترفوا بالضیم و تصبروا له-  و تبوءوا بالذل ترجعوا به و الأرق الذی لا ینام-  و مثل قوله ع-  من نام لم ینم عنه قول الشاعر- 

   لله درک ما أردت بثائر
حران لیس عن الترات براقد

أسهرته ثم اضطجعت و لم ینم‏
حنقا علیک و کیف نوم الحاقد

فأما الذی رضخت له على الإسلام الرضائخ فمعاویه-  و الرضیخه شی‏ء قلیل یعطاه الإنسان-  یصانع به عن شی‏ء یطلب منه کالأجر-  و ذلک لأنه من المؤلفه قلوبهم الذین رغبوا فی الإسلام-  و الطاعه بجمال وشاء دفعت إلیهم-  و هم قوم معروفون کمعاویه و أخیه یزید-  و أبیهما أبی سفیان و حکیم بن حزام و سهیل بن عمرو-  و الحارث بن هشام بن المغیره و حویطب بن عبد العزى-  و الأخنس بن شریق و صفوان بن أمیه-  و عمیر بن وهب الجمحی و عیینه بن حصن-  و الأقرع بن حابس و عباس بن مرداس و غیرهم-  و کان إسلام هؤلاء للطمع و الأغراض الدنیاویه-  و لم یکن عن أصل و لا عن یقین و علم- .

 

و قال الراوندی-  عنى بقوله رضخت لهم الرضائخ-  عمرو بن العاص-  و لیس بصحیح لأن عمرا لم یسلم بعد الفتح-  و أصحاب الرضائخ کلهم أسلموا بعد الفتح-  صونعوا على الإسلام بغنائم حنین-  و لعمری إن إسلام عمرو کان مدخولا أیضا-  إلا أنه لم یکن عن رضیخه و إنما کان لمعنى آخر-  فأما الذی شرب الحرام و جلد فی حد الإسلام-  فقد قال الراوندی هو المغیره بن شعبه-  و أخطأ فیما قال-  لأن المغیره إنما اتهم بالزنى و لم یحد-  و لم یجر للمغیره ذکر فی شرب الخمر-  و قد تقدم خبر المغیره مستوفى-  و أیضا فإن المغیره لم یشهد صفین مع معاویه و لا مع علی ع-  و ما للراوندی و لهذا-  إنما یعرف هذا الفن أربابه-  و الذی عناه علی ع الولید بن عقبه بن أبی معیط-  و کان أشد الناس علیه-  و أبلغهم تحریضا لمعاویه و أهل الشام على حربه

أخبار الولید بن عقبه

و نحن نذکر خبر الولید و شربه الخمر-  منقولا من کتاب الأغانی-  لأبی الفرج علی بن الحسین الأصفهانی-  قال أبو الفرج-  کان سبب إماره الولید بن عقبه الکوفه لعثمان-  ما حدثنی به أحمد بن عبد العزیز الجوهری قال-  حدثنا عمر بن شبه قال-  حدثنی عبد العزیز بن محمد بن حکیم-  عن خالد بن سعید بن عمرو بن سعید عن أبیه قال-  لم یکن یجلس مع عثمان على سریره-  إلا العباس بن عبد المطلب و أبو سفیان بن حرب-  و الحکم بن أبی العاص و الولید بن عقبه-  و لم یکن سریره یسع إلا عثمان و واحدا منهم-  فأقبل الولید یوما فجلس-  فجاء الحکم بن أبی العاص فأومأ عثمان إلى الولید-  فرحل له عن مجلسه-  فلما قام الحکم قال الولید-  و الله یا أمیر المؤمنین لقد تلجلج فی صدری بیتان-  قلتهما حین رأیتک آثرت ابن عمک على ابن أمک-  و کان الحکم عم عثمان و الولید أخاه‏ لأمه-  فقال عثمان إن الحکم شیخ قریش فما البیتان-  فقال

   رأیت لعم المرء زلفى قرابه
دوین أخیه حادثا لم یکن قدما

فأملت عمرا أن یشب و خالدا
لکی یدعوانی یوم نائبه عما

یعنی عمرا و خالدا ابنی عثمان-  قال فرق له عثمان و قال-  قد ولیتک الکوفه فأخرجه إلیها- . قال أبو الفرج و أخبرنی أحمد بن عبد العزیز قال-  حدثنی عمر بن شبه قال-  حدثنی بعض أصحابنا عن ابن دأب قال-  لما ولى عثمان الولید بن عقبه الکوفه-  قدمها و علیها سعد بن أبی وقاص-  فأخبر بقدومه و لم یعلم أنه قد أمر فقال و ما صنع-  قالوا وقف فی السوق فهو یحدث الناس هناک-  و لسنا ننکر شیئا من أمره-  فلم یلبث أن جاءه نصف النهار-  فاستأذن على سعد فأذن له-  فسلم علیه بالإمره و جلس معه-  فقال له سعد-  ما أقدمک یا أبا وهب قال أحببت زیارتک-  قال و على ذاک أ جئت بریدا-  قال أنا أرزن من ذلک-  و لکن القوم احتاجوا إلى عملهم فسرحونی إلیه-  و قد استعملنی أمیر المؤمنین على الکوفه-  فسکت سعد طویلا ثم قال-  لا و الله ما أدری أصلحت بعدنا أم فسدنا بعدک-  ثم قال- 

کلینی و جرینی ضباع و أبشری
بلحم امرئ لم یشهد الیوم ناصره‏

فقال الولید أما و الله لأنا أقول للشعر منک-  و أروى له و لو شئت لأجبتک و لکنی أدع ذاک لما تعلم-  نعم و الله لقد أمرت بمحاسبتک و النظر فی أمر عمالک-  ثم بعث إلى عمال سعد فحبسهم و ضیق علیهم-  فکتبوا إلى سعد یستغیثون به-  فکلمه فیهم فقال له أ و للمعروف عندک موضع-  قال نعم فخلى سبیلهم- .

 

قال أحمد و حدثنی عمر عن أبی بکر الباهلی-  عن هشیم عن العوام بن حوشب قال-  لما قدم الولید على سعد قال له سعد-  و الله ما أدری کست بعدنا أم حمقنا بعدک-  فقال لا تجزعن یا أبا إسحاق-  فإنه الملک یتغداه قوم و یتعشاه آخرون-  فقال سعد أراکم و الله ستجعلونه ملکا- . قال أبو الفرج و حدثنا أحمد قال حدثنی عمر قال-  حدثنی هارون بن معروف عن ضمره بن ربیعه-  عن ابن شوذب قال-  صلى الولید بأهل الکوفه الغداه أربع رکعات-  ثم التفت إلیهم فقال أزیدکم-  فقال عبد الله بن مسعود ما زلنا معک فی زیاده منذ الیوم- . قال أبو الفرج-  و حدثنی أحمد قال حدثنا عمر قال-  حدثنا محمد بن حمید قال-  حدثنا جریر عن الأجلح عن الشعبی قال-  قال الحطیئه یذکر الولید- 

 شهد الحطیئه یوم یلقى ربه
إن الولید أحق بالغدر

نادى و قد تمت صلاتهم‏
أ أزیدکم سکرا و لم یدر

فأبوا أبا وهب و لو أذنوا
لقرنت بین الشفع و الوتر

کفوا عنانک إذ جریت و لو
ترکوا عنانک لم تزل تجری‏

و قال الحطیئه أیضا-

تکلم فی الصلاه و زاد فیها
علانیه و أعلن بالنفاق‏

و مج الخمر فی سنن المصلی‏
و نادى و الجمیع إلى افتراق‏

أزیدکم على أن تحمدونی
فما لکم و ما لی من خلاق‏

قال أبو الفرج و أخبرنا محمد بن خلف وکیع قال-  حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثنی أبی قال-  قال أبو عبیده و هشام بن الکلبی و الأصمعی-  کان الولید زانیا یشرب الخمر-  فشرب بالکوفه و قام لیصلی بهم الصبح فی المسجد الجامع-  فصلى بهم أربع رکعات ثم التفت إلیهم فقال أزیدکم-  و تقیأ فی المحراب بعد أن قرأ بهم رافعا صوته فی الصلاه- 

        علق القلب الربابا
بعد ما شابت و شابا

فشخص أهل الکوفه إلى عثمان فأخبروه بخبره-  و شهدوا علیه بشرب الخمر-  فأتی به فأمر رجلا من المسلمین أن یضربه الحد-  فلما دنا منه قال نشدتک الله و قرابتی من أمیر المؤمنین فترکه-  فخاف علی بن أبی طالب ع أن یعطل الحد-  فقام إلیه فحده بیده-  فقال الولید نشدتک الله و القرابه-  فقال أمیر المؤمنین ع اسکت أبا وهب-  فإنما هلک بنو إسرائیل لتعطیلهم الحدود-  فلما ضربه و فرغ منه قال-  لتدعونی قریش بعدها جلادا-  قال إسحاق و حدثنی مصعب بن الزبیر قال-  قال الولید بعد ما شهدوا علیه فجلد-  اللهم إنهم قد شهدوا علی بزور فلا ترضهم عن أمیر-  و لا ترض عنهم أمیرا-  قال و قد عکس الحطیئه أبیاته فجعلها مدحا للولید- 

شهد الحطیئه حین یلقى ربه
أن الولید أحق بالعذر

کفوا عنانک إذ جریت و لو
ترکوا عنانک لم تزل تجری‏

و رأوا شمائل ماجد أنف‏
یعطى على المیسور و العسر

فنزعت مکذوبا علیک و لم
تنزع على طمع و لا ذعر

 قال أبو الفرج و نسخت من کتاب هارون بن الرباب بخطه-  عن عمر بن شبه قال-  شهد رجل عند أبی العجاج و کان على قضاء البصره-  على رجل من المعیطیین بشهاده-  و کان الشاهد سکران فقال المشهود علیه-  و هو المعیطی أعزک الله أیها القاضی-  إنه لا یحسن من السکر أن یقرأ شیئا من القرآن-  فقال الشاهد بلى أحسن قال فاقرأ فقال- 

علق القلب الربابا
بعد ما شابت و شابا

 یمجن بذلک-  و یحکی ما قاله الولید فی الصلاه-  و کان أبو العجاج أحمق فظن أن هذا الکلام من القرآن-  فجعل یقول صدق الله و رسوله-  ویلکم کم تعلمون و لا تعملون- . قال أبو الفرج و أخبرنی أحمد بن عبد العزیز قال-  حدثنا عمر بن شبه عن المدائنی عن مبارک بن سلام-  عن فطر بن خلیفه عن أبی الضحى قال-  کان ناس من أهل الکوفه یتطلبون عثره الولید بن عقبه-  منهم أبو زینب الأزدی و أبو مورع-  فجاءا یوما و لم یحضر الولید الصلاه-  فسألا عنه فتلطفا حتى علما أنه یشرب-  فاقتحما الدار فوجداه یقی‏ء-  فاحتملاه و هو سکران حتى وضعاه على سریره-  و أخذا خاتمه من یده فأفاق فافتقد خاتمه-  فسأل عنه أهله فقالوا لا ندری-  و قد رأینا رجلین دخلا علیک-فاحتملاک فوضعاک على سریرک-  فقال صفوهما لی-  فقالوا أحدهما آدم طوال حسن الوجه-  و الآخر عریض مربوع علیه خمیصه-  فقال هذا أبو زینب و هذا أبو مورع- .

قال و لقی أبو زینب و صاحبه عبد الله بن حبیش الأسدی-  و علقمه بن یزید البکری و غیرهما-  فأخبروهم فقالوا أشخصوا إلى أمیر المؤمنین فأعلموه-  و قال بعضهم إنه لا یقبل قولکم فی أخیه-  فشخصوا إلیه فقالوا إنا جئناک فی أمر-  و نحن مخرجوه إلیک من أعناقنا-  و قد قیل إنک لا تقبله-  قال و ما هو قالوا رأینا الولید-  و هو سکران من خمر شربها-  و هذا خاتمه أخذناه من یده و هو لا یعقل- فأرسل عثمان إلى علی ع فأخبره-  فقال أرى أن تشخصه-  فإذا شهدوا علیه بمحضر منه حددته-  فکتب عثمان إلى الولید فقدم علیه-  فشهد علیه أبو زینب و أبو مورع-  و جندب الأزدی و سعد بن مالک الأشعری-  فقال عثمان لعلی ع-  قم یا أبا الحسن فاجلده-  فقال علی ع للحسن ابنه قم فاضربه-  فقال الحسن ما لک و لهذا یکفیک غیرک-  فقال علی لعبد الله بن جعفر قم فاضربه-  فضربه بمخصره فیها سیر له رأسان-  فلما بلغ أربعین قال حسبک- .

قال أبو الفرج و حدثنی أحمد قال حدثنا عمر قال-  حدثنی المدائنی عن الوقاصی عن الزهری قال-  خرج رهط من أهل الکوفه إلى عثمان فی أمر الولید-  فقال أ کلما غضب رجل على أمیره رماه بالباطل-  لئن أصبحت لکم لأنکلن بکم-  فاستجاروا بعائشه-  و أصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتا و کلاما-  فیه بعض الغلظه-  فقال أ ما یجد فساق العراق و مراقها ملجأ-  إلا بیت عائشه-  فسمعت فرفعت نعل رسول الله ص و قالت-  ترکت سنه صاحب هذا النعل-  و تسامع الناس فجاءوا حتى ملئوا المسجد-  فمن قائل قد أحسنت و من قائل ما للنساء و لهذا-  حتى تخاصمواو تضاربوا بالنعال-  و دخل رهط من أصحاب رسول الله ص على عثمان-  فقالوا له اتق الله و لا تعطل الحدود-  و اعزل أخاک عنهم ففعل قال أبو الفرج حدثنا أحمد قال حدثنی عمر-  عن المدائنی عن أبی محمد الناجی-  عن مطر الوراق قال-  قدم رجل من أهل الکوفه إلى المدینه-  فقال لعثمان إنی صلیت صلاه الغداه خلف الولید-  فالتفت فی الصلاه إلى الناس فقال أ أزیدکم-  فإنی أجد الیوم نشاطا-  و شممنا منه رائحه الخمر-  فضرب عثمان الرجل-  فقال الناس عطلت الحدود و ضربت الشهود- . قال أبو الفرج و حدثنا أحمد قال حدثنا عمر قال-  حدثنا أبو بکر الباهلی عن بعض من حدثه قال-  لما شهد على الولید عند عثمان بشرب الخمر-  کتب إلیه یأمره بالشخوص-  فخرج و خرج معه قوم یعذرونه-  منهم عدی بن حاتم الطائی-  فنزل الولید یوما یسوق بهم فارتجز و قال- 

لا تحسبنا قد نسینا الأحقاف
و النشوات من معتق صاف‏
و عزف قینات علینا عزاف‏

فقال عدی فأین تذهب بنا إذن فأقم- . قال أبو الفرج و قد روى أحمد عن عمر عن رجاله-  عن الشعبی عن جندب الأزدی قال-  کنت فیمن شهد على الولید عند عثمان-  فلما استتممنا علیه الشهاده حبسه عثمان-  ثم ذکر باقی الخبر و ضرب علی ع إیاه-  و قول الحسن ابنه ما لک و لهذا-  و زاد فیه و قال علی ع لست إذن مسلما-  أو قال من المسلمین- .

 

 قال أبو الفرج و أخبرنی أحمد عن عمر عن رجاله أن الشهاده لما تمت قال عثمان لعلی ع-  دونک ابن عمک فأقم علیه الحد-  فأمر علی ع ابنه الحسن ع فلم یفعل فقال یکفیک غیرک-  فقال علی ع بل ضعفت و وهنت و عجزت-  قم یا عبد الله بن جعفر فاجلده فقام فجلده-  و علی ع یعد حتى بلغ أربعین-  فقال له علی ع أمسک حسبک-  جلد رسول الله ص أربعین-  و جلد أبو بکر أربعین و کملها عمر ثمانین-  و کل سنه- .

قال أبو الفرج و حدثنی أحمد عن عمر-  عن عبد الله بن محمد بن حکیم عن خالد بن سعید قال-  و أخبرنی بذلک أیضا إبراهیم بن محمد بن أیوب-  عن عبد الله بن مسلم قالوا جمیعا-  لما ضرب عثمان الولید الحد قال-  إنک لتضربنی الیوم بشهاده قوم لیقتلنک عاما قابلا- . قال أبو الفرج-  و حدثنی أحمد بن عبد العزیز الجوهری-  عن عمر بن شبه عن عبد الله بن محمد بن حکیم-  عن خالد بن سعید-  و أخبرنی أیضا إبراهیم عن عبد الله قالوا جمیعا-  کان أبو زبید الطائی ندیما للولید بن عقبه-  أیام ولایته الکوفه-  فلما شهدوا علیه بالسکر من الخمر خرج عن الکوفه معزولا-  فقال أبو زبید یتذکر أیامه و ندامته- 

 من یرى العیر أن تمشی على ظهر
المرورى حداتهن عجال‏

ناعجات و البیت بیت أبی وهب‏
خلاء تحن فیه الشمال‏

یعرف الجاهل المضلل أن الدهر
فیه النکراء و الزلزال‏

لیت شعری کذا کم العهد أم کانوا
أناسا کمن یزول فزالوا

بعد ما تعلمین یا أم عمرو
کان فیهم عز لنا و جمال‏

و وجوه تودنا مشرقات‏
و نوال إذا أرید النوال‏

أصبح البیت قد تبدل بالحی
وجوها کأنها الأقیال‏

کل شی‏ء یحتال فیه الرجال‏
غیر أن لیس للمنایا احتیال‏

و لعمر الإله لو کان للسیف
مضاء و للسان مقال‏

ما تناسیتک الصفاء و لا
الود و لا حال دونک الإشغال‏

و لحرمت لحمک المتعضی
ضله ضل حلمهم ما اغتالوا

قولهم شربک الحرام و قد کان‏
شراب سوى الحرام حلال‏

و أبی ظاهر العداوه و الشنآن
إلا مقال ما لا یقال‏

من رجال تقارضوا منکرات‏
لینالوا الذی أرادوا فنالوا

غیر ما طالبین ذحلا و لکن
مال دهر على أناس فمالوا

من یخنک الصفاء أو یتبدل‏
أو یزل مثل ما یزول الظلال‏

فاعلمن أننی أخوک أخو
الود حیاتی حتى تزول الجبال‏

لیس بخلی علیک یوما بمال‏
أبدا ما أقل نعلا قبال‏

و لک النصر باللسان و بالکف
إذا کان للیدین مصال‏

قال أبو الفرج و حدثنی أحمد قال حدثنی عمر قال-  لما قدم الولید بن عقبه الکوفه قدم علیه أبو زبید-  فأنزله دار عقیل بن أبی طالب على باب المسجد-  و هی التی‏ تعرف بدار القبطی-  فکان مما احتج به علیه أهل الکوفه-  أن أبا زبید کان یخرج إلیه من داره-  و هو نصرانی یخترق المسجد فیجعله طریقا- . قال أبو الفرج-  و أخبرنی محمد بن العباس الیزیدی قال-  حدثنی عمی عبید الله عن ابن حبیب عن ابن الأعرابی-  أن أبا زبید وفد على الولید-  حین استعمله عثمان على الکوفه-  فأنزله الولید دار عقیل بن أبی طالب عند باب المسجد-  و استوهبها منه فوهبها له-  فکان ذلک أول الطعن علیه من أهل الکوفه-  لأن أبا زبید کان یخرج من داره حتى یشق المسجد إلى الولید-  فیسمر عنده و یشرب معه-  و یخرج فیشق المسجد و هو سکران-  فذاک نبههم علیه-  قال و قد کان عثمان ولى الولید صدقات بنی تغلب-  فبلغه عنه شعر فیه خلاعه فعزله-  قال فلما ولاه الکوفه اختص أبا زبید الطائی و قربه-  و مدحه أبو زبید بشعر کثیر-  و قد کان الولید استعمل-  الربیع بن مری بن أوس بن حارثه بن لام الطائی-  على الحمى فیما بین الجزیره و ظهر الحیره-  فأجدبت الجزیره-  و کان أبو زبید فی بنی تغلب نازلا-  فخرج بإبلهم لیرعیهم-  فأبى علیهم الربیع بن مری و منعهم-  و قال لأبی زبید إن شئت أرعیک وحدک فعلت-  فأتى أبو زبید إلى الولید فشکاه-  فأعطاه ما بین القصور الحمر من الشام-  إلى القصور الحمر من الحیره و جعلها له حمى-  و أخذها من الربیع بن مری فقال أبو زبید یمدح الولید-  و الشعر یدل على أن الحمى کان بید مری بن أوس-  لا بید الربیع ابنه-  و هکذا هو فی روایه عمر بن شبه- 

لعمر أبیک یا ابن أبی مری
لغیرک من أباح لنا الدیارا

أباح لنا أبارق ذات قور
و نرعى القف منها و القفارا

بحمد الله ثم فتى قریش
أبی وهب غدت بدنا غزارا

أباح لنا و لا نحمی علیکم‏
إذا ما کنتم سنه جزارا

قال یقول إذا أجدبتم فإنا لا نحمیها علیکم- و إذا کنتم أسأتم و حمیتموها علینا- .

فتى طالت یداه إلى المعالی
و طحطحت المجذمه القصارا

قال و من شعر أبی زبید- فیه یذکر نصره له على مری بن أوس بن حارثه-

یا لیت شعری بأنباء أنبؤها
قد کان یعنى بها صدری و تقدیری‏

عن امرئ ما یزده الله من شرف‏
أفرح به و مری غیر مسرور

إن الولید له عندی و حق له
ود الخلیل و نصح غیر مذخور

لقد دعانی و أدنانی أظهرنی‏
على الأعادی بنصر غیر تغریر

و شذب القوم عنی غیر مکترث
حتى تناهوا على رغم و تصغیر

نفسی فداء أبی وهب و قل له‏
یا أم عمرو فحلی الیوم أو سیری‏

و قال أبو زبید یمدح الولید و یتألم لفراقه- حین عزل عن الکوفه-

لعمری لئن أمسى الولید ببلده
سوای لقد أمسیت للدهر معورا

خلا أن رزق الله غاد و رائح‏
و إنی له راج و إن سار أشهرا

و کان هو الحصن الذی لیس مسلمی
إذا أنا بالنکراء هیجت معشرا

إذا صادفوا دونی الولید فإنما
یرون بوادی ذی حماس مزعفرا

و هی طویله یصف فیها الأسد قال أبو الفرج و حدثنا أحمد بن عبد العزیز-  قال حدثنا عمر عن رجاله عن الولید قال-  لما فتح رسول الله ص مکه-  جعل أهل مکه یأتونه بصبیانهم-  فیدعو لهم بالبرکه و یمسح یده على رءوسهم-  فجی‏ء بی إلیه و أنا مخلق فلم یمسنی-  و ما منعه إلا أن أمی خلقتنی بخلوق-  فلم یمسنی من أجل الخلوق- .

 قال أبو الفرج و حدثنی إسحاق بن بنان الأنماطی عن حنیش بن میسر عن عبد الله بن موسى عن أبی لیلى عن الحکم عن سعید بن جبیر عن ابن عباس قال قال الولید بن عقبه لعلی بن أبی طالب ع-  أنا أحد منک سنانا و أبسط منک لسانا و أملأ للکتیبه-  فقال علی ع اسکت یا فاسق فنزل القرآن فیهما-  أَ فَمَنْ کانَ مُؤْمِناً کَمَنْ کانَ فاسِقاً لا یَسْتَوُونَ‏- .

قال أبو الفرج و حدثنی أحمد بن عبد العزیز-  عن عمر بن شبه عن محمد بن حاتم عن یونس بن عمر-  عن شیبان عن یونس عن قتاده فی قوله تعالى-  یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِنْ جاءَکُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَیَّنُوا-  قال هو الولید بن عقبه بعثه النبی ص مصدقا إلى بنی المصطلق-  فلما رأوه أقبلوا نحوه فهابهم-  فرجع إلى النبی ص فقال له-  إنهم ارتدوا عن الإسلام-  فبعث النبی ص خالد بن الولید فعلم عملهم-  و أمره أن یتثبت و قال له انطلق و لا تعجل-  فانطلق حتى أتاهم لیلا و أنفذ عیونه نحوهم-  فلما جاءوه أخبروه أنهم متمسکون بالإسلام-  و سمع أذانهم و صلاتهم-  فلما أصبح أتاهم فرأى ما یعجبه-  فرجع إلى الرسول ص فأخبره فنزلت هذه الآیه- .

 

قلت-  قد لمح ابن عبد البر صاحب کتاب الإستیعاب-  فی هذا الموضع نکته حسنه-  فقال فی حدیث الخلوق-  هذا حدیث مضطرب منکر لا یصح-  و لیس یمکن أن یکون من بعثه النبی ص مصدقا-  صبیا یوم الفتح-  قال و یدل أیضا على فساده-  أن الزبیر بن بکار و غیره من أهل العلم بالسیر و الأخبار-  ذکروا أن الولید و أخاه عماره ابنی عقبه بن أبی معیط-  خرجا من مکه لیردا أختهما أم کلثوم عن الهجره-  و کانت هجرتها فی الهدنه-  التی بین النبی ص و بین أهل مکه-  و من کان غلاما مخلقا بالخلوق یوم الفتح-  لیس یجی‏ء منه مثل هذا-  قال و لا خلاف بین أهل العلم بتأویل القرآن-  أن قوله عز و جل إِنْ جاءَکُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَیَّنُوا-  أنزلت فی الولید لما بعثه رسول الله ص مصدقا-  فکذب على بنی المصطلق و قال-  إنهم ارتدوا و امتنعوا من أداء الصدقه-  قال أبو عمر و فیه و فی علی ع نزل-  أَ فَمَنْ کانَ مُؤْمِناً کَمَنْ کانَ فاسِقاً لا یَسْتَوُونَ-  فی قصتهما المشهوره-  قال و من کان صبیا یوم الفتح لا یجی‏ء منه مثل هذا-  فوجب أن ینظر فی حدیث الخلوق-  فإنه روایه جعفر بن برقان عن ثابت-  عن الحجاج عن أبی موسى الهمدانی-  و أبو موسى مجهول لا یصح حدیثه- .

ثم نعود إلى کتاب أبی الفرج الأصبهانی-  قال أبو الفرج و أخبرنی أحمد بن عبد العزیز عن عمر بن شبه عن عبد الله بن موسى عن نعیم بن حکیم عن أبی مریم عن علی ع أن امرأه الولید بن عقبه جاءت إلى النبی ص-  تشتکی إلیه الولید و قالت إنه یضربها-  فقال لها ارجعی إلیه و قولی له-  إن رسول الله قد أجارنی فانطلقت-  فمکثت ساعه ثم رجعت فقالت-  إنه‏ ما أقلع عنی-  فقطع رسول الله ص هدبه من ثوبه-  و قال اذهبی بها إلیه و قولی له إن رسول الله قد أجارنی-  فانطلقت فمکثت ساعه ثم رجعت فقالت-  ما زادنی إلا ضربا-  فرفع رسول الله ص یده ثم قال-  اللهم علیک بالولید مرتین أو ثلاثا- .

قال أبو الفرج-  و اختص الولید لما کان والیا بالکوفه ساحرا-  کاد یفتن الناس-  کان یریه کتیبتین تقتتلان-  فتحمل إحداهما على الأخرى فتهزمها-  ثم یقول له أ یسرک-  أن أریک المنهزمه تغلب الغالبه فتهزمها-  فیقول نعم-  فجاء جندب الأزدی مشتملا على سیفه-  فقال أفرجوا لی فأفرجوا فضربه حتى قتله-  فحبسه الولید قلیلا ثم ترکه- . قال أبو الفرج و روى أحمد عن عمر عن رجاله-  أن جندبا لما قتل الساحر حبسه الولید-  فقال له دینار بن دینار فیم حبست هذا-  و قد قتل من أعلن بالسحر فی دین محمد ص-  ثم مضى إلیه فأخرجه من الحبس-  فأرسل الولید إلى دینار بن دینار فقتله- . قال أبو الفرج حدثنی عمی الحسن بن محمد قال-  حدثنی الخراز عن المدائنی عن علی بن مجاهد-  عن محمد بن إسحاق عن یزید بن رومان-  عن الزهری و غیره-  أن رسول الله ص-  لما انصرف عن غزاه بنی المصطلق-  نزل رجل من المسلمین فساق بالقوم و رجز-  ثم آخر فساق بهم و رجز-  ثم بدا لرسول الله ص أن یواسی أصحابه-  فنزل فساق بهم و رجز و جعل یقول فیما یقول- 

جندب و ما جندب
و الأقطع زید الخیر

فدنا منه أصحابه فقالوا یا رسول الله- ما ینفعنا سیرنا مخافه أن تنهشک دابه- أو تصیبک نکبه- فرکب و دنوا منه و قالوا- قلت قولا لا ندری ما هو قال و ما ذاک- قالوا کنت تقول-

جندب و ما جندب
و الأقطع زید الخیر

 فقال رجلان یکونان فی هذه الأمه- یضرب أحدهما ضربه یفرق بین الحق و الباطل- و تقطع ید الآخر فی سبیل الله- ثم یتبع الله آخر جسده بأوله- و کان زید هو زید بن صوحان- و قطعت یده فی سبیل الله یوم جلولاء- و قتل یوم الجمل مع علی بن أبی طالب ع- و أما جندب هذا فدخل على الولید بن عقبه- و عنده ساحر یقال له أبو شیبان- یأخذ أعین الناس فیخرج مصارین بطنهم ثم یردها- فجاء من خلفه فضربه فقتله و قال-

العن ولیدا و أبا شیبان
و ابن حبیش راکب الشیطان‏
رسول فرعون إلى هامان‏

 قال أبو الفرج و قد روی أن هذا الساحر-  کان یدخل عند الولید فی جوف بقره حیه-  ثم یخرج منها-  فرآه جندب فذهب إلى بیته فاشتمل على سیف-  فلما دخل الساحر فی البقره قال جندب-  أ فتأتون السحر و أنتم تبصرون-  ثم ضرب وسط البقره فقطعها و قطع الساحر معها-  فذعر الناس فسجنه الولید و کتب بأمره إلى عثمان- . قال أبو الفرج فروى أحمد بن عبد العزیز-  عن حجاج بن نصیر عن قره عن‏محمد بن سیرین قال-  انطلق بجندب بن کعب الأزدی-  قاتل الساحر بالکوفه إلى السجن-  و على السجن رجل نصرانی من قبل الولید-  و کان یرى جندب بن کعب یقوم باللیل و یصبح صائما-  فوکل بالسجن رجلا-  ثم خرج فسأل الناس عن أفضل أهل الکوفه-  فقالوا الأشعث بن قیس فاستضافه-  فجعل یراه ینام اللیل ثم یصبح فیدعو بغدائه-  فخرج من عنده و سأل أی أهل الکوفه أفضل-  قالوا جریر بن عبد الله فذهب إلیه-  فوجده ینام اللیل ثم یصبح فیدعو بغدائه-  فاستقبل القبله و قال ربی رب جندب و دینی دین جندب-  ثم أسلم- . قال أبو الفرج-  فلما نزع عثمان الولید عن الکوفه-  أمر علیها سعید بن العاص-  فلما قدمها قال اغسلوا هذا المنبر-  فإن الولید کان رجلا نجسا فلم یصعده حتى غسل-  قال أبو الفرج و کان الولید أسن من سعید بن العاص-  و أسخى نفسا و ألین جانبا و أرضى عندهم-  فقال بعض شعرائهم- 

   و جاءنا من بعده سعید
ینقص فی الصاع و لا یزید

و قال آخر منهم-

فررت من الولید إلى سعید
کأهل الحجر إذ فزعوا فباروا

یلینا من قریش کل عام‏
أمیر محدث أو مستشار

لنا نار تحرقنا فنخشى
و لیس لهم و لا یخشون نار

قال أبو الفرج و حدثنا أحمد قال-  حدثنا عمر عن المدائنی قال-  قدم الولید بن‏ عقبه الکوفه فی أیام معاویه-  زائرا للمغیره بن شعبه-  فأتاه أشراف الکوفه فسلموا علیه-  و قالوا و الله ما رأینا بعدک مثلک-  فقال أ خیرا أم شرا قالوا بل خیرا-  قال و لکنی ما رأیت بعدکم شرا منکم-  فأعادوا الثناء علیه-  فقال بعض ما تأتون به-  فو الله إن بغضکم لتلف و إن حبکم لصلف قال أبو الفرج و روى عمر بن شبه-  أن قبیصه بن جابر کان ممن کثر على الولید-  فقال معاویه یوما و الولید و قبیصه عنده-  یا قبیصه ما کان شأنک و شأن الولید-  قال خیر یا أمیر المؤمنین-  إنه فی أول الأمر وصل الرحم و أحسن الکلام-  فلا تسأل عن شکر و حسن ثناء-  ثم غضب على الناس و غضبوا علیه و کنا معهم-  فإما ظالمون فنستغفر الله و إما مظلومون فیغفر الله له-  فخذ فی غیر هذا یا أمیر المؤمنین-  فإن الحدیث ینسی القدیم-  قال معاویه ما أعلمه إلا قد أحسن السیره-  و بسط الخیر و قبض الشر-  قال فأنت یا أمیر المؤمنین الیوم أقدر على ذلک فافعله-  فقال اسکت لا سکت فسکت و سکت القوم-  فقال معاویه بعد یسیر ما لک لا تتکلم یا قبیصه-  قال نهیتنی عما کنت أحب فسکت عما لا أحب- . قال أبو الفرج-  و مات الولید بن عقبه فویق الرقه-  و مات أبو زبید هناک-  فدفنا جمیعا فی موضع واحد-  فقال فی ذلک أشجع السلمی و قد مر بقبریهما- 

 مررت على عظام أبی زبید
و قد لاحت ببلقعه صلود

فکان له الولید ندیم صدق‏
فنادم قبره قبر الولید

و ما أدری بمن تبدو المنایا
بحمزه أم بأشجع أم یزید

قیل هم إخوته و قیل ندماؤه- . قال أبو الفرج و حدثنی أحمد بن عبد العزیز-  عن محمد بن زکریا الغلابی‏ عن عبد الله بن الضحاک-  عن هشام بن محمد عن أبیه قال-  وفد الولید بن عقبه و کان جوادا إلى معاویه-  فقیل له هذا الولید بن عقبه بالباب-  فقال و الله لیرجعن مغیظا غیر معطى-  فإنه الآن قد أتانا یقول-  علی دین و علی کذا-  ائذن له فأذن له فسأله و تحدث معه-  ثم قال له معاویه-  أما و الله إن کنا لنحب إتیان مالک بالوادی-  و لقد کان یعجب أمیر المؤمنین-  فإن رأیت أن تهبه لیزید فافعل-  قال هو لیزید-  ثم خرج و جعل یختلف إلى معاویه-  فقال له یوما انظر یا أمیر المؤمنین فی شأنی-  فإن علی مئونه و قد أرهقنی دین-  فقال له أ لا تستحیی لنفسک و حسبک-  تأخذ ما تأخذه فتبذره-  ثم لا تنفک تشکو دینا-  فقال الولید أفعل ثم انطلق من مکانه-  فسار إلى الجزیره و قال یخاطب معاویه- 

  فإذا سئلت تقول لا
و إذا سألت تقول هات‏

تأبى فعال الخیر لا
تروی و أنت على الفرات‏

أ فلا تمیل إلى نعم
أو ترک لا حتى الممات‏

و بلغ معاویه شخوصه إلى الجزیره فخافه- و کتب إلیه أقبل فکتب-

أعف و أستعفی کما قد أمرتنی
فأعط سوای ما بدا لک و ابخل‏

سأحدو رکابی عنک إن عزیمتی‏
إذا نابنی أمر کسله منصل‏

و إنی امرؤ للنأی منی تطرب
و لیس شبا قفل علی بمقفل‏

ثم رحل إلى الحجاز فبعث إلیه معاویه بجائزه- . و أما أبو عمر بن عبد البر-  فإنه ذکر فی الإستیعاب فی باب الولید قال-  إن له أخبارا فیها شناعه تقطع على سوء حاله-  و قبح أفعاله غفر الله لنا و له-  فلقد کان من رجال قریش‏ظرفا و حلما-  و شجاعه و جودا و أدبا-  و کان من الشعراء المطبوعین-  قال و کان الأصمعی و أبو عبیده و ابن الکلبی و غیرهم-  یقولون إنه کان فاسقا شریب خمر و کان شاعرا کریما-  قال و أخباره فی شربه الخمر-  و منادمته أبا زبید الطائی کثیره مشهوره-  و یسمج بنا ذکرها و لکنا نذکر منها طرفا-  ثم ذکر ما ذکره أبو الفرج فی الأغانی-  و قال إن خبر الصلاه و هو سکران-  و قوله أ أزیدکم-  خبر مشهور روته الثقات من نقله الحدیث- . قال أبو عمر بن عبد البر-  و قد ذکر الطبری فی روایه-  أنه تغضب علیه قوم من أهل الکوفه حسدا و بغیا-  و شهدوا علیه بشرب الخمر-  و قال إن عثمان قال له یا أخی اصبر-  فإن الله یأجرک و یبوء القوم بإثمک- . قال أبو عمر-  هذا الحدیث لا یصح عند أهل الأخبار و نقله الحدیث-  و لا له عند أهل العلم أصل-  و الصحیح ثبوت الشهاده علیه عند عثمان-  و جلده الحد و أن علیا هو الذی جلده-  قال و لم یجلده بیده-  و إنما أمر بجلده فنسب الجلد إلیه- . قال أبو عمر-  و لم یرو الولید من السنه ما یحتاج فیها إلیه-  و لکن حارثه بن مضرب روى عنه أنه قال-  ما کانت نبوه إلا کان بعدها ملک

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۷

بازدیدها: ۱۴۶

نامه ۶۱ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۶۱ و من کتاب له ع إلى کمیل بن زیاد النخعی

و هو عامله على هیت ینکر علیه ترکه دفع من یجتاز به-  من جیش العدو طالبا للغاره- : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ تَضْیِیعَ الْمَرْءِ مَا وُلِّیَ وَ تَکَلُّفَهُ مَا کُفِیَ-  لَعَجْزٌ حَاضِرٌ وَ رَأْیٌ مُتَبَّرٌ-  وَ إِنَّ تَعَاطِیَکَ الْغَارَهَ عَلَى أَهْلِ قِرْقِیسِیَا-  وَ تَعْطِیلَکَ مَسَالِحَکَ الَّتِی وَلَّیْنَاکَ-  لَیْسَ لَهَا مَنْ یَمْنَعُهَا وَ لَا یَرُدُّ الْجَیْشَ عَنْهَا-  لَرَأْیٌ شَعَاعٌ-  فَقَدْ صِرْتَ جِسْراً لِمَنْ أَرَادَ الْغَارَهَ-  مِنْ أَعْدَائِکَ عَلَى أَوْلِیَائِکَ-  غَیْرَ شَدِیدِ الْمَنْکِبِ وَ لَا مَهِیبِ الْجَانِبِ-  وَ لَا سَادٍّ ثُغْرَهً وَ لَا کَاسِرٍ لِعَدُوٍّ شَوْکَهً-  وَ لَا مُغْنٍ عَنْ أَهْلِ مِصْرِهِ وَ لَا مُجْزٍ عَنْ أَمِیرِهِ

کمیل بن زیاد و نسبه

هو کمیل بن زیاد بن سهیل بن هیثم بن سعد بن مالک-  بن الحارث بن صهبان بن سعد بن مالک بن النخع بن عمرو-  بن وعله بن خالد بن مالک بن أدد-  کان من أصحاب علی ع و شیعته و خاصته-  و قتله الحجاج على المذهب فیمن قتل من الشیعه-  و کان کمیل بن زیاد عامل علی ع على هیت-  و کان ضعیفا یمر علیه سرایا معاویه-  تنهب أطراف العراق و لا یردها-  و یحاول أن یجبر ما عنده من الضعف-  بأن یغیرعلى أطراف أعمال معاویه مثل قرقیسیا-  و ما یجری مجراها من القرى التی على الفرات-  فأنکر ع ذلک من فعله و قال-  إن من العجز الحاضر أن یهمل الوالی ما ولیه-  و یتکلف ما لیس من تکلیفهو المتبر الهالک قال تعالى-  إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِیهِ- . و المسالح جمع مسلحه-  و هی المواضع التی یقام فیها طائفه من الجند لحمایتها- . و رأی شعاع بالفتح أی متفرق- .

ثم قال له قد صرت جسرا-  أی یعبر علیک العدو کما یعبر الناس على الجسور-  و کما أن الجسر لا یمنع من یعبر به و یمر علیه فکذاک أنت- . و الثغره الثلمه-  و مجز کاف و مغن-  و الأصل مجزئ بالهمز فخفف

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۷

بازدیدها: ۱۷

نامه ۶۰ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۶۰ و من کتاب له ع إلى العمال-  الذین یطأ عملهم الجیوش

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِیٍّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ إِلَى مَنْ مَرَّ بِهِ الْجَیْشُ-  مِنْ جُبَاهِ الْخَرَاجِ وَ عُمَّالِ الْبِلَادِ-  أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّی قَدْ سَیَّرْتُ جُنُوداً-  هِیَ مَارَّهٌ بِکُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ-  وَ قَدْ أَوْصَیْتُهُمْ بِمَا یَجِبُ لِلَّهِ عَلَیْهِمْ-  مِنْ کَفِّ الْأَذَى وَ صَرْفِ الشَّذَا-  وَ أَنَا أَبْرَأُ إِلَیْکُمْ وَ إِلَى ذِمَّتِکُمْ مِنْ مَعَرَّهِ الْجَیْشِ-  إِلَّا مِنْ جَوْعَهِ الْمُضْطَرِّ لَا یَجِدُ عَنْهَا مَذْهَباً إِلَى شِبَعِهِ-  فَنَکِّلُوا مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُمْ ظُلْماً عَنْ ظُلْمِهِمْ-  وَ کُفُّوا أَیْدِیَ سُفَهَائِکُمْ عَنْ مُضَادَّتِهِمْ-  وَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِیمَا اسْتَثْنَیْنَاهُ مِنْهُمْ-  وَ أَنَا بَیْنَ أَظْهُرِ الْجَیْشِ-  فَارْفَعُوا إِلَیَّ مَظَالِمَکُمْ-  وَ مَا عَرَاکُمْ مِمَّا یَغْلِبُکُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ-  وَ لَا تُطِیقُونَ دَفَعَهُ إِلَّا بِاللَّهِ وَ بِی-  أُغَیِّرُهُ بِمَعُونَهِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ روی عن مضارتهم بالراء المشدده-  و جباه الخراج الذین یجمعونه-  جبیت الماء فی الحوض أی جمعته-  و الشذا و الضر الشر تقول لقد أشذیت و آذیت-  و إلى ذمتکم أی إلى الیهود و النصارى الذین بینکم-  قال ع من آذى ذمیا فکأنما آذانی-

و قال إنما بذلوا الجزیه لتکون دماؤهم کدمائنا-  و أموالهم کأموالنا-  و یسمى هؤلاء ذمه أی أهل ذمه بحذف المضاف-  و المعره المضره-  قال الجیش ممنوع من أذى من یمر به من المسلمین و أهل الذمه-  إلا من سد جوعه المضطر منهم خاصه-  لأن المضطر تباح له المیته فضلا عن غیرها- . ثم قال فنکلوا من تناول-  و روی بمن تناول بالباء أی عاقبوه-  و عن فی قوله عن ظلمهم یتعلق بنکلوا-  لأنها فی معنى اردعوا لأن النکال یوجب الردع- . ثم أمرهم أن یکفوا أیدی أحداثهم و سفهائهم-  عن منازعه الجیش و مصادمته-  و التعرض لمنعه عما استثناه-  و هو سد الجوعه عند الاضطرار-  فإن ذلک لا یجوز فی الشرع-  و أیضا فإنه یفضی إلى فتنه و هرج- . ثم قال و أنا بین أظهر الجیش أی أنا قریب منکم-  و سائر على أثر الجیش-  فارفعوا إلی مظالمکم و ما عراکم منهم-  على وجه الغلبه و القهر-  فإنی مغیر ذلک و منتصف لکم منهم

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۷

بازدیدها: ۸