خطبه ۷۹ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(بعد فراغه من حرب الجمل فی ذم النساء)

۷۹ و من کلام له ع بعد فراغه من حرب الجمل فی ذم النساء

مَعَاشِرَ النَّاسِ إِنَّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ الْإِیمَانِ- نَوَاقِصُ الْحُظُوظِ نَوَاقِصُ الْعُقُولِ- فَأَمَّا نُقْصَانُ إِیمَانِهِنَّ- فَقُعُودُهُنَّ عَنِ الصَّلَاهِ وَ الصِّیَامِ فِی أَیَّامِ حَیْضِهِنَّ- وَ أَمَّا نُقْصَانُ عُقُولِهِنَّ- فَشَهَادَهُ امْرَأَتَیْنِ مِنْهُنَّ کَشَهَادَهِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ- وَ أَمَّا نُقْصَانُ حُظُوظِهِنَّ- فَمَوَارِیثُهُنَّ عَلَى الْأَنْصَافِ مِنْ مَوَارِیثِ الرِّجَالِ- فَاتَّقُوا شِرَارَ النِّسَاءِ وَ کُونُوا مِنْ خِیَارِهِنَّ عَلَى حَذَرٍ- وَ لَا تُطِیعُوهُنَّ فِی الْمَعْرُوفِ حَتَّى لَا یَطْمَعْنَ فِی الْمُنْکَرِ جعل ع نقصان الصلاه نقصانا فی الإیمان- و هذا هو قول أصحابنا إن الأعمال من الإیمان- و إن المقر بالتوحید و النبوه- و هو تارک للعمل لیس بمؤمن- .

و قوله ع و لا تطیعوهن فی المعروف- لیس بنهی عن فعل المعروف و إنما هو نهی عن طاعتهن- أی لا تفعلوه لأجل أمرهن لکم به بل افعلوه لأنه معروف- و الکلام ینحو نحو المثل المشهور- لا تعط العبد کراعا فیأخذ ذراعا- . و هذا الفصل کله رمز إلى عائشه- و لا یختلف أصحابنا فی أنها أخطأت فیما فعلت- ثم تابت و ماتت تائبه و إنها من أهل الجنه- .

قال کل من صنف فی السیر و الأخبار- أن عائشه کانت من أشد الناس على عثمان- حتى إنها أخرجت ثوبا من ثیاب رسول الله ص- فنصبته فی منزلها و کانت تقول للداخلین إلیها- هذا ثوب رسول الله ص لم یبل و عثمان قد أبلى سنته- . قالوا أول من سمى عثمان نعثلا عائشه- و النعثل الکثیر شعر اللحیه و الجسد- و کانت تقول اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا- .

و روى المدائنی فی کتاب الجمل قال- لما قتل عثمان کانت عائشه بمکه- و بلغ قتله إلیها و هی بشراف- فلم تشک فی أن طلحه هو صاحب الأمر- و قالت بعدا لنعثل و سحقا إیه ذا الإصبع- إیه أبا شبل إیه یا ابن عم- لکأنی أنظر إلى إصبعه و هو یبایع له- حثوا الإبل و دعدعوها- . قال و قد کان طلحه حین قتل عثمان- أخذ مفاتیح بیت المال- و أخذ نجائب کانت لعثمان فی داره ثم فسد أمره- فدفعها إلى علی بن أبی طالب ع

أخبار عائشه فی خروجها من مکه إلى البصره بعد مقتل عثمان

و قال أبو مخنف لوط بن یحیى الأزدی فی کتابه- أن عائشه لما بلغها قتل عثمان و هی بمکه أقبلت مسرعه- و هی تقول إیه ذا الإصبع لله أبوک- أما إنهم وجدوا طلحه لها کفوا- فلما انتهت إلى شراف- استقبلها عبید بن أبی سلمه اللیثی فقالت له ما عندک- قال قتل عثمان قالت ثم ما ذا- قال ثم حارت بهم الأمور إلى خیر محار بایعوا علیا- فقالت لوددت أن السماء انطبقت على الأرض إن تم هذا- ویحک انظر ما تقول قال- هو ما قلت لک یا أم المؤمنین فولولت- فقال لها ما شأنک یا أم المؤمنین-و الله ما أعرف بین لابتیها أحدا أولى بها منه و لا أحق- و لا أرى له نظیرا فی جمیع حالاته- فلما ذا تکرهین ولایته قال فما ردت علیه جوابا- .

قال و قد روی من طرق مختلفه- أن عائشه لما بلغها قتل عثمان و هی بمکه- قالت أبعده الله ذلک بما قدمت یداه- و ما الله بظلام للعبید- . قال و قد روى قیس بن أبی حازم- أنه حج فی العام الذی قتل فیه عثمان- و کان مع عائشه لما بلغها قتله فتحمل إلى المدینه قال- فسمعها تقول فی بعض الطریق إیه ذا الإصبع- و إذا ذکرت عثمان قالت أبعده الله- حتى أتاها خبر بیعه علی فقالت- لوددت أن هذه وقعت على هذه- ثم أمرت برد رکائبها إلى مکه فردت معها- و رأیتها فی سیرها إلى مکه تخاطب نفسها- کأنها تخاطب أحدا قتلوا ابن عفان مظلوما- فقلت لها یا أم المؤمنین أ لم أسمعک آنفا تقولین- أبعده الله و قد رأیتک قبل أشد الناس علیه- و أقبحهم فیه قولا فقالت لقد کان ذلک- و لکنی نظرت فی أمره فرأیتهم استتابوه- حتى إذا ترکوه کالفضه البیضاء- أتوه صائما محرما فی شهر حرام فقتلوه- .

قال و روی من طرق أخرى- أنها قالت لما بلغها قتله أبعده الله- قتله ذنبه و أقاده الله بعمله- یا معشر قریش لا یسومنکم قتل عثمان کما سام أحمر ثمود قومه- أن أحق الناس بهذا الأمر ذو الإصبع- فلما جاءت الأخبار ببیعه علی ع قالت- تعسوا تعسوا لا یردون الأمر فی تیم أبدا- . کتب طلحه و الزبیر إلى عائشه و هی بمکه کتابا- أن خذلی الناس عن بیعه علی- و أظهری الطلب بدم عثمان- و حملا الکتاب مع ابن أختها عبد الله بن الزبیر- فلما قرأت الکتاب کاشفت و أظهرت الطلب بدم عثمان- و کانت أم سلمه رضی الله عنها بمکه فی ذلک العام- فلما رأت صنع عائشه قابلتها بنقیض ذلک- و أظهرت موالاه علی ع- و نصرته على مقتضی العداوه المرکوزه فی طباع الصرتین- .

قال أبو مخنف جاءت عائشه إلى أم سلمه- تخادعها على الخروج للطلب بدم عثمان- فقالت لها یا بنت أبی أمیه- أنت أول مهاجره من أزواج رسول الله ص- و أنت کبیره أمهات المؤمنین- و کان رسول الله ص یقسم لنا من بیتک- و کان جبریل أکثر ما یکون فی منزلک- فقالت أم سلمه لأمر ما قلت هذه المقاله-

فقالت عائشه إن عبد الله أخبرنی- أن القوم استتابوا عثمان- فلما تاب قتلوه صائما فی شهر حرام- و قد عزمت على الخروج إلى البصره- و معی الزبیر و طلحه فاخرجی معنا- لعل الله أن یصلح هذا الأمر على أیدینا بنا- فقالت أم سلمه إنک کنت بالأمس تحرضین على عثمان- و تقولین فیه أخبث القول- و ما کان اسمه عندک إلا نعثلا- و إنک لتعرفین منزله علی بن أبی طالب عند رسول الله ص- أ فأذکرک قالت نعم قالت أ تذکرین یوم أقبل ع و نحن معه- حتى إذا هبط من قدید ذات الشمال- خلا بعلی یناجیه فأطال- فأردت أن تهجمی علیهما فنهیتک فعصیتنی- فهجمت علیهما فما لبثت أن رجعت باکیه- فقلت ما شأنک-

فقلت إنی هجمت علیهما و هما یتناجیان- فقلت لعلی لیس لی من رسول الله إلا یوم من تسعه أیام- أ فما تدعنی یا ابن أبی طالب و یومی- فأقبل رسول الله ص علی و هو غضبان محمر الوجه- فقال ارجعی وراءک- و الله لا یبغضه أحد من أهل بیتی- و لا من غیرهم من الناس إلا و هو خارج من الإیمان- فرجعت نادمه ساقطه قالت عائشه نعم أذکر ذلک- قالت و أذکرک أیضا- کنت أنا و أنت مع رسول الله ص- و أنت تغسلین رأسه و أنا أحیس له حیسا- و کان الحیس یعجبه- فرفع رأسه و قال یا لیت شعری- أیتکن صاحبه الجمل الأذنب- تنبحها کلاب الحوأب فتکون ناکبه عن الصراط- فرفعت یدی من الحیس-

فقلت أعوذ بالله و برسوله من ذلک- ثم ضرب على ظهرک- و قال إیاک أن تکونیها- ثم قال یا بنت أبی أمیه إیاک أن تکونیها یا حمیراء- أما أنا فقد أنذرتک- قالت عائشه نعم أذکر هذا- قالت و أذکرک أیضا- کنت أنا و أنت مع رسول الله ص فی سفر له- و کان علی یتعاهد نعلی رسول الله ص فیخصفها- و یتعاهد أثوابه فیغسلها فنقبت له نعل- فأخذها یومئذ یخصفها و قعد فی ظل سمره- و جاء أبوک و معه عمر فاستأذنا علیه- فقمنا إلى الحجاب و دخلا یحادثانه فیما أراد- ثم قالا یا رسول الله إنا لا ندری قدر ما تصحبنا- فلو أعلمتنا من یستخلف علینا- لیکون لنا بعدک مفزعا-

فقال لهما أما إنی قد أرى مکانه- و لو فعلت لتفرقتم عنه- کما تفرقت بنو إسرائیل عن هارون بن عمران- فسکتا ثم خرجا- فلما خرجنا إلى رسول الله ص قلت له- و کنت أجرأ علیه منا- من کنت یا رسول الله مستخلفا علیهم فقال خاصف النعل- فنظرنا فلم نر أحدا إلا علیا- فقلت یا رسول الله ما أرى إلا علیا فقال هو ذاک- فقالت عائشه نعم أذکر ذلک- فقالت فأی خروج تخرجین بعد هذا فقالت- إنما أخرج للإصلاح بین الناس- و أرجو فیه الأجر إن شاء الله فقالت أنت و رأیک- فانصرفت عائشه عنها- و کتبت أم سلمه بما قالت و قیل لها إلى علی ع- .

فإن قلت فهذا نص صریح فی إمامه علی ع- فما تصنع أنت و أصحابک المعتزله به- قلت کلا إنه لیس بنص کما ظننت- لأنه ص لم یقل قد استخلفته- و إنما قال لو قد استخلفت أحدا لاستخلفته- و ذلک لا یقتضی حصول الاستخلاف-و یجوز أن تکون مصلحه المکلفین متعلقه بالنص علیه- لو کان النبی ص مأمورا بأن ینص على إمام بعینه من بعده- و أن یکون من مصلحتهم أن یختاروا لأنفسهم من شاءوا- إذا ترکهم النبی ص و آراءهم و لم یعین أحدا- .

و روى هشام بن محمد الکلبی فی کتاب الجمل- أن أم سلمه کتبت إلى علی ع من مکه أما بعد- فإن طلحه و الزبیر و أشیاعهم أشیاع الضلاله- یریدون أن یخرجوا بعائشه إلى البصره- و معهم عبد الله بن عامر بن کریز- و یذکرون أن عثمان قتل مظلوما و أنهم یطلبون بدمه- و الله کافیهم بحوله و قوته- و لو لا ما نهانا الله عنه من الخروج- و أمرنا به من لزوم البیت- لم أدع الخروج إلیک و النصره لک- و لکنی باعثه نحوک ابنی عدل نفسی عمر بن أبی سلمه- فاستوص به یا أمیر المؤمنین خیرا- . قال فلما قدم عمر على علی ع أکرمه- و لم یزل مقیما معه حتى شهد مشاهده کلها- و وجهه أمیرا على البحرین و قال لابن عم له- بلغنی أن عمر یقول الشعر فابعث إلی من شعره- فبعث إلیه بأبیات له أولها-

جزتک أمیر المؤمنین قرابه
رفعت بها ذکری جزاء موفرا

 فعجب علی ع من شعره و استحسنه- . و من الکلام المشهور الذی قیل- إن أم سلمه رحمها الله کتبت به إلى عائشه- إنک جنه بین رسول الله ص و بین أمته- و إن الحجاب دونک لمضروب على حرمته- و قد جمع القرآن ذیلک فلا تندحیه- و سکن عقیراک فلا تصحریها- لو أذکرتک قوله من رسول الله ص تعرفینها- لنهشت بها نهش الرقشاء المطرقه- ما کنت‏ قائله لرسول الله ص- لو لقیک ناصه قلوص قعودک من منهل إلى منهل- قد ترکت عهیداه و هتکت ستره- إن عمود الدین لا یقوم بالنساء و صدعه لا یرأب بهن- حمادیات النساء خفض الأصوات و خفر الأعراض- اجعلی قاعده البیت قبرک حتى تلقینه- و أنت على ذلک- . فقالت عائشه ما أعرفنی بنصحک و أقبلنی لوعظک- و لیس الأمر حیث تذهبین ما أنا بعمیه عن رأیک- فإن أقم ففی غیر حرج- و إن أخرج ففی إصلاح بین فئتین من المسلمین- .

و قد ذکر هذا الحدیث أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتیبه- فی کتابه المصنف فی غریب الحدیث فی باب أم سلمه- على ما أورده علیک قال- لما أرادت عائشه الخروج إلى البصره- أتتها أم سلمه فقالت لها- إنک سده بین محمد رسول الله ص و بین أمته- و حجابک مضروب على حرمته- قد جمع القرآن ذیلک فلا تندحیه- و سکن عقیراک فلا تصحریها الله من وراء هذه الأمه- لو أراد رسول الله ص أن یعهد إلیک عهدا علت علت- بل قد نهاک عن الفرطه فی البلاد- إن عمود الإسلام لا یثأب بالنساء إن مال- و لا یرأب بهن إن صدع- حمادیات النساء غض الأطراف- و خفر الأعراض و قصر الوهازه- ما کنت قائله لو أن رسول الله ص عارضک بعد الفلوات- ناصه قلوصا من منهل إلى آخر- إن بعین الله مهواک و على رسوله تردین- و قد وجهت سدافته و یروى سجافته و ترکت عهیداه- لو سرت مسیرک هذا ثم قیل لی ادخلی الفردوس- لاستحییت أن ألقى محمدا ص هاتکه حجابا و قد ضربه علی- اجعلی حصنک بیتک و وقاعه الستر قبرک حتى تلقینه- و أنت على تلک أطوع ما تکونین لله بالرقبه- و أنصر ما تکون للدین ما حلت عنه- لو ذکرتک قولا تعرفینه- لنهشت به نهش الرقشاء المطرقه- . فقالت عائشه ما أقبلنی لوعظک و لیس الأمر کما تظنین- و لنعم المسیر مسیر فزعت فیه إلى فئتان متناجزتان- أو قالت متناحرتان إن أقعد ففی غیر حرج- و إن أخرج فإلى ما لا بد لی من الازدیاد منه- .

تفسیر غریب هذا الخبر- السده الباب-و منه حدیث رسول الله ص أنه ذکر أول من یرد علیه الحوض- فقال الشعث رءوسا الدنس ثیابا- الذین لا تفتح لهم السدد- و لا ینکحون المتنعمات- و أرادت أم سلمه أنک باب بین النبی ص و بین الناس- فمتى أصیب ذلک الباب بشی‏ء- فقد دخل على رسول الله ص فی حرمه و حوزته- و استبیح ما حماه تقول- فلا تکونی أنت سبب ذلک بالخروج الذی لا یجب علیک- فتحوجی الناس إلى أن یفعلوا ذلک- و هذا مثل قول نعمان بن مقرن للمسلمین فی غزاه نهاوند- ألا و إنکم باب بین المسلمین و المشرکین- إن کسر ذلک الباب دخل علیهم منه- .

و قولها قد جمع القرآن ذیلک فلا تندحیه- أی لا تفتحیه و لا توسعیه بالحرکه و الخروج- یقال ندحت الشی‏ء إذا وسعته- و منه یقال فلان فی مندوحه عن کذا أی فی سعه- ترید قول الله تعالى وَ قَرْنَ فِی بُیُوتِکُنَّ- و من روى تبدحیه بالباء- فإنه من البداح و هو المتسع من الأرض و هو معنى الأول- . و سکن عقیراک من عقر الدار و هو أصلها- أهل الحجاز یضمون العین و أهل نجد یفتحونها- و عقیر اسم مبنی من ذلک على صیغه التصغیر- و مثله مما جاء مصغرا الثریا- و الحمیا و هو سوره الشراب- قال ابن قتیبه و لم أسمع بعقیرا إلا فی هذا الحدیث- .

قولها فلا تصحریها أی لا تبرزیها و تجعلیها بالصحراء- یقال أصحر کما یقال أنجد و أسهل و أحزن- . و قولها الله من وراء هذه الأمه- أی محیط بهم و حافظ لهم و عالم بأحوالهم- کقوله تعالى وَ اللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِیطٌ- قولها لو أراد رسول الله ص الجواب محذوف- أی لفعل و لعهد و هذا کقوله تعالى- وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُیِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ- أی لکان هذا القرآن- . قولها علت علت أی جرت فی هذا الخروج- و عدلت عن الجواب و العول المیل و الجور- قال تعالى ذلِکَ أَدْنى‏ أَلَّا تَعُولُوا- و من الناس من یرویه علت علت بکسر العین- أی ذهبت فی البلاد و أبعدت السیر- یقال عال فلان فی البلاد أی ذهب و أبعد- و منه قیل للذئب عیال- .

قولها عن الفرطه فی البلاد أی عن السفر و الشخوص- من الفرط و هو السبق و التقدم- و رجل فارط أتى الماء أی سابق- . قولها لا یثأب بالنساء- أی لا یرد بهن إن مال إلى استوائه- من قولک ثأب فلان إلى کذا أی عاد إلیه- . قولها و لا یرأب بهن إن صدع أی لا یسد بهن و لا یجمع- و الصدع الشق- و یروى إن صدع بفتح الصاد و الدال- أجروه مجرى قولهم جبرت العظم فجبر- . قولها حمادیات النساء یقال حماداک أن تفعل کذا- مثل قصاراک أن تفعل کذا أی جهدک و غایتک- .

و غض الأطراف جمعها و خفر الأعراض- الخفر الحیاء و الأعراض جمع عرض و هو الجسد- یقال فلان طیب العرض أی طیب ریح البدن- و من رواه الأعراض بکسر الهمزه جعله مصدرا- من أعرض عن کذا- . قولها و قصر الوهازه- قال ابن قتیبه سألت عن هذا فقال لی من سألته- سألت عنه أعرابیا فصیحا- فقال الوهازه الخطوه- یقال للرجل إنه لمتوهز و متوهر إذا وطئ وطئا ثقیلا- . قولها ناصه قلوصا أی رافعه لها فی السیر- و النص الرفع و منه یقال حدیث منصوص أی مرفوع- و القلوص من النوق الشابه- و هی بمنزله الفتاه من النساء- . و المنهل الماء ترده الإبل- .

قولها إن بعین الله مهواک- أی إن الله یرى سیرک و حرکتک- و الهوى الانحدار فی السیر من النجد إلى الغور- . قولها و على رسوله تردین أی تقدمین فی القیامه- . قولها و قد وجهت سدافته- السدافه الحجاب و الستر- هی من أسدف اللیل إذا ستر بظلمته- کأنه أرخى ستورا من الظلام و یروى بفتح السین- و کذلک القول فی سجافته- إنه یروى بکسر السین و فتحها- و السدافه و السجافه بمعنى- . و وجهت أی نظمتها بالخرز- و الوجیهه خرزه معروفه و عاده العرب- أن تنظم على المحمل خرزات إذا کان للنساء- . قولها و ترکت عهیداه لفظه مصغره مأخوذه من العهد- مشابهه لما سلف من قولها- عقیراک و حمادیات النساء- . قولها و وقاعه الستر- أی موقعه على الأرض إذا أرسلته- و هی الموقعه أیضا و موقعه الطائر- .

قولها حتى تلقینه و أنت على تلک- أی على تلک الحال فحذف- . قولها أطوع ما تکونین لله إذا لزمته- أطوع مبتدأ و إذا لزمته خبر المبتدأ- و الضمیر فی لزمته راجع إلى العهد و الأمر الذی أمرت به- . قولها لنهشت به نهش الرقشاء المطرقه- أی لعضک و نهشک ما أذکره لک- و أذکرک به کما تنهشک أفعى رقشاء- و الرقش فی ظهرها هو النقط و الجراده أیضا رقشاء- قال النابغه

فبت کأنی ساورتنی ضئیله
من الرقش فی أنیابها السم ناقع‏

و الأفعى یوصف بالإطراق- و کذلک الأسد و النمر و الرجل الشجاع- و کان معاویه یقول فی علی ع- الشجاع المطرق و قال الشاعر و ذکر أفعى-

أصم أعمى ما یجیب الرقى
من طول إطراق و إسبات‏

قولها فئتان متناجزتان- أی تسرع کل واحده منهما إلى نفوس الأخرى- و من رواه متناحرتان أراد الحرب و طعن النحور بالأسنه- و رشقها بالسهام- . و فزعت إلى فلان فی کذا أی لذت به و التجأت إلیه- . و قولها إن أقعد ففی غیر حرج أی فی غیر إثم- و قولها فإن أخرج فإلى ما لا بد لی من الازدیاد منه- کلام من یعتقد الفضیله فی الخروج- أو یعرف موقع الخطإ و یصر علیه- . لما عزمت عائشه على الخروج إلى البصره- طلبوا لها بعیرا أیدا یحمل هودجها- فجاءهم یعلى بن أمیه ببعیره المسمى عسکرا- و کان عظیم الخلق شدیدا فلما رأته أعجبها- و أنشأ الجمال یحدثها بقوته و شدته- و یقول فی أثناء کلامه عسکر- فلما سمعت هذه اللفظه استرجعت- و قالت ردوه لا حاجه لی فیه- و ذکرت حیث سئلت أن رسول الله‏ ص ذکر لها هذا الاسم- و نهاها عن رکوبه- و أمرت أن یطلب لها غیره فلم یوجد لها ما یشبهه- فغیر لها بجلال غیر جلاله- و قیل لها قد أصبنا لک أعظم منه خلقا و أشد قوه- و أتیت به فرضیت- .

قال أبو مخنف و أرسلت إلى حفصه- تسألها الخروج و المسیر معها- فبلغ ذلک عبد الله بن عمر فأتى أخته فعزم علیها- فأقامت و حطت الرحال بعد ما همت- . کتب الأشتر من المدینه إلى عائشه و هی بمکه- أما بعد فإنک ظعینه رسول الله ص- و قد أمرک أن تقری فی بیتک- فإن فعلت فهو خیر لک- فإن أبیت إلا أن تأخذی منسأتک و تلقی جلبابک- و تبدی للناس شعیراتک- قاتلتک حتى أردک إلى بیتک- و الموضع الذی یرضاه لک ربک- .

فکتبت إلیه فی الجواب أما بعد- فإنک أول العرب شب الفتنه- و دعا إلى الفرقه و خالف الأئمه و سعى فی قتل الخلیفه- و قد علمت أنک لن تعجز الله حتى یصیبک منه بنقمه- ینتصر بها منک للخلیفه المظلوم- و قد جاءنی کتابک و فهمت ما فیه- و سیکفینیک الله- و کل من أصبح مماثلا لک فی ضلالک و غیک إن شاء الله- . و قال أبو مخنف لما انتهت عائشه فی مسیرها إلى الحوأب- و هو ماء لبنی عامر بن صعصعه نبحتها الکلاب- حتى نفرت صعاب إبلها- فقال قائل من أصحابها أ لا ترون- ما أکثر کلاب الحوأب و ما أشد نباحها- فأمسکت زمام بعیرها- و قالت و إنها لکلاب الحوأب ردونی ردونی- فإنی سمعت رسول الله ص یقول و ذکرت الخبر- فقال لها قائل مهلا یرحمک الله فقد جزنا ماء الحوأب- فقالت فهل من شاهد- فلفقوا لها خمسین أعرابیا جعلوا لهم جعلا فحلفوا لها- أن هذا لیس بماء الحوأب فسارت لوجهها- . لما انتهت عائشه و طلحه و الزبیر- إلى حفر أبی موسى قریبا من البصره- أرسل‏ عثمان بن حنیف- و هو یومئذ عامل علی ع على البصره- إلى القوم أبا الأسود الدؤلی یعلم له علمهم- فجاء حتى دخل على عائشه فسألها عن مسیرها- فقالت أطلب بدم عثمان- قال إنه لیس بالبصره من قتله عثمان أحد- قالت صدقت و لکنهم مع علی بن أبی طالب بالمدینه- و جئت أستنهض أهل البصره لقتاله- أ نغضب لکم من سوط عثمان- و لا نغضب لعثمان من سیوفکم- فقال لها ما أنت من السوط و السیف- إنما أنت حبیس رسول الله ص أمرک أن تقری فی بیتک- و تتلی کتاب ربک و لیس على النساء قتال- و لا لهن الطلب بالدماء- و إن علیا لأولى بعثمان منک و أمس رحما- فإنهما ابنا عبد مناف- فقالت لست بمنصرفه حتى أمضی لما قدمت له- أ فتظن یا أبا الأسود أن أحدا یقدم على قتالی- قال أما و الله لتقاتلن قتالا أهونه الشدید- .

ثم قام فأتى الزبیر- فقال یا أبا عبد الله عهد الناس بک- و أنت یوم بویع أبو بکر آخذ بقائم سیفک- تقول لا أحد أولى بهذا الأمر من ابن أبی طالب- و أین هذا المقام من ذاک فذکر له دم عثمان- قال أنت و صاحبک ولیتماه فیما بلغنا- قال فانطلق إلى طلحه فاسمع ما یقول فذهب إلى طلحه- فوجده سادرا فی غیه مصرا على الحرب و الفتنه- فرجع إلى عثمان بن حنیف- فقال إنها الحرب فتأهب لها- . لما نزل علی ع بالبصره- کتبت عائشه إلى زید بن صوحان العبدی- من عائشه بنت أبی بکر الصدیق زوج النبی ص- إلى ابنها الخالص زید بن صوحان- أما بعد فأقم فی بیتک و خذل الناس عن علی- و لیبلغنی عنک ما أحب- فإنک أوثق أهلی عندی و السلام- .

فکتب إلیها من زید بن صوحان إلى عائشه بنت أبی بکر- أما بعد فإن الله أمرک بأمر و أمرنا بأمر- أمرک أن تقری فی بیتک- و أمرنا أن نجاهد و قد أتانی کتابک-فأمرتنی أن أصنع خلاف ما أمرنی الله- فأکون قد صنعت ما أمرک الله به- و صنعت ما أمرنی الله به- فأمرک عندی غیر مطاع و کتابک غیر مجاب و السلام- .

روى هذین الکتابین شیخنا أبو عثمان عمرو بن بحر- عن شیخنا أبی سعید الحسن البصری- . و رکبت عائشه یوم الحرب الجمل المسمى عسکرا فی هودج- قد ألبس الرفرف ثم ألبس جلود النمر- ثم ألبس فوق ذلک دروع الحدید- . الشعبی عن مسلم بن أبی بکره عن أبیه أبی بکره- قال لما قدم طلحه و الزبیر البصره تقلدت سیفی- و أنا أرید نصرهما فدخلت على عائشه- و إذا هی تأمر و تنهى و إذا الأمر أمرها- فذکرت حدیثا کنت سمعتهعن رسول الله ص لن یفلح قوم تدبر أمرهم امرأه- فانصرفت و اعتزلتهم- .

و قد روی هذا الخبر على صوره أخرى أن قوما یخرجون بعدی فی فئه رأسها امرأه- لا یفلحون أبدا- . کان الجمل لواء عسکر البصره لم یکن لواء غیره- . خطبت عائشه و الناس قد أخذوا مصافهم للحرب- فقالت أما بعد فإنا کنا نقمنا على عثمان ضرب السوط- و إمره الفتیان و مرتع السحابه المحمیه- ألا و إنکم استعتبتموه فأعتبکم- فلما مصتموه کما یماص الثوب الرحیض- عدوتم علیه فارتکبتم منه دما حراما- و ایم الله إن کان لأحصنکم فرجا و أتقاکم لله- .

خطب علی ع لما تواقف الجمعان- فقال لا تقاتلوا القوم حتى یبدءوکم- فإنکم بحمد الله على حجه- و کفکم عنهم حتى یبدءوکم حجه أخرى- و إذا قاتلتموهم فلا تجهزوا على جریح- و إذا هزمتموهم فلا تتبعوا مدبرا- و لا تکشفوا عوره و لا تمثلوا بقتیل- و إذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتکوا سترا- و لا تدخلوا دارا و لا تأخذوا من أموالهم شیئا- و لا تهیجوا امرأه بأذى- و إن شتمن أعراضکم و سببن أمراءکم و صلحاءکم- فإنهن ضعاف القوى و الأنفس و العقول- لقد کنا نؤمر بالکف عنهن و إنهن لمشرکات- و إن کان الرجل لیتناول المرأه بالهراوه و الجریده- فیعیر بها و عقبه من بعده- .

قتل بنو ضبه حول الجمل فلم یبق فیهم إلا من لا نفع عنده- و أخذت الأزد بخطامه- فقالت عائشه من أنتم قالوا الأزد- قالت صبرا فإنما یصبر الأحرار- ما زلت أرى النصر مع بنی ضبه فلما فقدتهم أنکرته- فحرضت الأزد بذلک فقاتلوا قتالا شدیدا- و رمی الجمل بالنبل- حتى صارت القبه علیه کهیئه القنفذ- .

قال علی ع لما فنی الناس على خطام الجمل- و قطعت الأیدی و سالت النفوس- ادعوا لی الأشتر و عمارا فجاءا- فقال اذهبا فاعقرا هذا الجمل- فإن الحرب لا یبوخ ضرامها ما دام حیا- إنهم قد اتخذوه قبله فذهبا و معهما فتیان من مراد- یعرف أحدهما بعمر بن عبد الله- فما زالا یضربان الناس حتى خلصا إلیه- فضربه المرادی على عرقوبیه- فأقعى و له رغاء ثم وقع لجنبه و فر الناس من حوله- فنادى علی ع اقطعوا أنساع الهودج- ثم قال لمحمد بن أبی بکر اکفنی أختک- فحملها محمد حتى أنزلها دار عبد الله بن خلف الخزاعی- .

بعث علی عبد الله بن عباس إلى عائشه- یأمرها بالرحیل إلى المدینه- قال فأتیتها فدخلت علیها- فلم یوضع لی شی‏ء أجلس علیه- فتناولت وساده کانت فی رحلها فقعدت علیها- فقالت یا ابن عباس أخطأت السنه- قعدت على وسادتنا فی بیتنا بغیر إذننا- فقلت لیس هذا بیتک الذی أمرک الله أن تقری فیه- و لو کان بیتک ما قعدت على وسادتک إلا بإذنک- ثم قلت إن أمیر المؤمنین أرسلنی إلیک- یأمرک بالرحیل إلى المدینه- فقالت و أین أمیر المؤمنین ذاک عمر- فقلت عمر و علی قالت أبیت- قلت أما و الله ما کان أبوک إلا قصیر المده- عظیم المشقه قلیل المنفعه ظاهر الشؤم بین النکد- و ما عسى أن یکون أبوک- و الله ما کان أمرک إلا کحلب شاه حتى صرت- لا تأمرین و لا تنهین و لا تأخذین و لا تعطین- و ما کنت إلا کما قال أخو بنی أسد-

ما زال إهداء الصغائر بیننا
نث الحدیث و کثره الألقاب‏

حتى نزلت کأن صوتک بینهم‏
فی کل نائبه طنین ذباب‏

قال فبکت حتى سمع نحیبها من وراء الحجاب- ثم قالت إنی معجله الرحیل إلى بلادی إن شاء الله تعالى- و الله ما من بلد أبغض إلی من بلد أنتم فیه- قلت و لم ذاک فو الله لقد جعلناک للمؤمنین أما- و جعلنا أباک صدیقا- قالت یا ابن عباس أ تمن علی برسول الله- قلت ما لی لا أمن علیک بمن لو کان منک لمننت به علی- . ثم أتیت علیا ع فأخبرته بقولها و قولی فسر بذلک- و قال لی ذریه بعضها من بعض و الله سمیع علیم- و فی روایه أنا کنت أعلم بک حیث بعثتک

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۶

بازدیدها: ۴۲

خطبه ۷۸ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(علم النجوم )

۷۸ و من کلام له ع قاله لبعض أصحابه- لما عزم على المسیر إلى الخوارج

و قد قال له إن سرت یا أمیر المؤمنین فی هذا الوقت- خشیت ألا تظفر بمرادک من طریق علم النجوم فَقَالَ ع: أَ تَزْعُمُ أَنَّکَ تَهْدِی إِلَى السَّاعَهِ- الَّتِی مَنْ سَارَ فِیهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ- وَ تُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَهِ الَّتِی مَنْ سَارَ فِیهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُّ- فَمَنْ صَدَّقَکَ بِهَذَا فَقَدْ کَذَّبَ الْقُرْآنَ- وَ اسْتَغْنَى عَنِ الِاسْتِعَانَهِ بِاللَّهِ- فِی نَیْلِ الْمَحْبُوبِ وَ دَفْعِ الْمَکْرُوهِ- وَ تَبْتَغِی فِی قَوْلِکَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِکَ- أَنْ یُولِیَکَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ- لِأَنَّکَ بِزَعْمِکَ أَنْتَ هَدَیْتَهُ إِلَى السَّاعَهِ- الَّتِی نَالَ فِیهَا النَّفْعَ وَ أَمِنَ الضُّرَّ- ثُمَّ أَقْبَلَ ع عَلَى النَّاسِ فَقَالَ أَیُّهَا النَّاسُ- إِیَّاکُمْ وَ تَعَلُّمَ النُّجُومِ إِلَّا مَا یُهْتَدَى بِهِ فِی بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ- فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْکَهَانَهِ- الْمُنَجِّمُ کَالْکَاهِنِ وَ الْکَاهِنُ کَالسَّاحِرِ وَ السَّاحِرُ کَالْکَافِرِ- وَ الْکَافِرُ فِی النَّارِ سِیرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ حاق به الضر أی أحاط به قال تعالى- وَ لا یَحِیقُ الْمَکْرُ السَّیِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ- . و یولیک الحمد مضارع أولاک- و أولاک معدى بالهمزه من ولی- یقال ولی‏ الشی‏ء ولایه و أولیته ذلک- أی جعلته والیا له و متسلطا علیه- و الکاهن واحد الکهان- و هم الذین کانوا یخبرون عن الشیاطین- بکثیر من الغائبات
القول فی أحکام النجوم 

و اعلم أن الناس قد اختلفوا فی أحکام النجوم- فأنکرها جمهور المسلمین و المحققون من الحکماء- و نحن نتکلم هاهنا فی ذلک و نبحث فیه بحثین- بحثا کلامیا و بحثا حکمیا- . أما البحث الکلامی هو أن یقال- أما أن یذهب المنجمون إلى أن النجوم مؤثره أو أمارات- . و الوجه الأول ینقسم قسمین-أحدهما أن یقال إنها تفعل بالاختیار-

و الثانی أن تفعل بالإیجاب- .و القول بأنها تفعل بالاختیار باطل- لأن المختار لا بد أن یکون قادرا حیا- و الإجماع من المسلمین حاصل- على أن الکواکب لیست حیه و لا قادره- و الإجماع حجه- و قد بین المتکلمون أیضا أن من شرط الحیاه الرطوبه- و أن تکون الحراره على قدر مخصوص- متى أفرط امتنع حلول الحیاه فی ذلک الجسم- فإن النار على صرافتها یستحیل أن تکون حیه- و أن تحلها الحیاه لعدم الرطوبه- و إفراط الحراره فیها و الیبس- و الشمس أشد حراره من النار- لأنها على بعدها تؤثره النار على قربها- و ذلک دلیل على أن حرارتها أضعاف حراره النار- و بینوا أیضا أنها لو کانت حیه قادره- لم یجز أن تفعل فی غیرها ابتداء- لأن القادر بقدره لا یصح منه الاختراع- و إنما یفعل فی غیره على سبیل التولید- و لا بد من وصله بین الفاعل و المفعول فیه- و الکواکب غیر مماسه لنا فلا وصله بینها و بیننا- فیستحیل أن تکون فاعله فینا- .

 

فإن ادعى مدع أن الوصله هی الهواء فعن ذلک أجوبه- أحدها أن الهواء لا یجوز أن یکون وصله و آله- فی الحرکات الشدیده و حمل الأثقال- لا سیما إذا لم یتموج- . و الثانی أنه کان یجب أن نحس بذلک- و نعلم أن الهواء یحرکنا و یصرفنا کما نعلم فی الجسم- إذا حرکنا و صرفنا بآله موضع تحریکه لنا بتلک الآله- .

و الثالث- أن فی الأفعال الحادثه فینا ما لا یجوز أن یفعل بآله- و لا یتولد عن سبب کالإرادات و الاعتقادات و نحوها- . و قد دلل أصحابنا أیضا- على إبطال کون الکواکب فاعله للأفعال فینا- بأن ذلک یقتضی سقوط الأمر و النهی و المدح و الذم- و یلزمهم ما یلزم المجبره- و هذا الوجه یبطل کون الکواکب فاعله فینا بالإیجاب- کما یبطل کونها فاعله بالاختیار- . و أما القول بأنها أمارات على ما یحدث و یتجدد- فیمکن أن ینصر بأن یقال- لم لا یجوز أن یکون الله تعالى أجرى العاده- بأن یفعل أفعالا مخصوصه عند طلوع کوکب- أو غروبه أو اتصاله بکوکب آخر- .

و الکلام على ذلک بأن یقال- هذا غیر ممتنع لو ثبت سمع مقطوع به یقتضی ذلک- فإن هذا مما لا یعلم بالعقل- . فإن قالوا نعلم بالتجربه- . قیل لهم التجربه إنما تکون حجه إذا استمرت و اطردت- و أنتم خطؤکم فیما تحکمون به أکثر من صوابکم- فهلا نسبتم الصواب الذی- یقع منکم إلى الاتفاق و التخمین- فقد رأینا من أصحاب الزرق و التخمین- من یصیب أکثر مما یصیب المنجم- و هو من غیر أصل صحیح و لا قاعده معتمده- و متى قلتم إنما أخطأ المنجم لغلطه فی تسییر الکواکب-قیل لکم و لم لا یکون سبب الإصابه اتفاقا- و إنما یصح لکم هذا التأویل و التخریج- لو کان على صحه أحکام النجوم دلیل قاطع- هو غیر إصابه المنجم- .

فأما إذا کان دلیل صحه الأحکام الإصابه- فهلا کان دلیل فسادها الخطاء- فما أحدهما إلا فی مقابله صاحبه- . و مما قیل على أصحاب الأحکام إن قیل لهم فی شی‏ء بعینه- خذوا الطالع و احکموا أ یؤخذ أم یترک- فإن حکموا بأحدهما خولفوا و فعل خلاف ما أخبروا به- و هذه المسأله قد أعضل علیهم جوابها- .

و قال بعض المتکلمین لبعض المنجمین أخبرنی- لو فرضنا جاده مسلوکه- و طریقا یمشی فیها الناس نهارا و لیلا- و فی تلک المحجه آبار متقاربه- و بین بعضها و بعض طریق یحتاج سالکه إلى تأمل و توقف- حتى یتخلص من السقوط فی بعض تلک الآبار- هل یجوز أن تکون سلامه من یمشی بهذا الطریق من العمیان- کسلامه من یمشی فیه من البصراء- و المفروض أن الطریق لا یخلو طرفه عین من مشاه- فیها عمیان و مبصرون- و هل یجوز أن یکون عطب البصراء مقاربا لعطب العمیان- .

فقال المنجم هذا مما لا یجوز- بل الواجب أن تکون سلامه البصراء أکثر- من سلامه العمیان- . فقال المتکلم فقد بطل قولکم- لأن مسألتنا نظیر هذه الصوره- فإن مثال البصراء هم الذین یعرفون أحکام النجوم- و یمیزون مساعدها من مناحسها- و یتوقون بهذه المعرفه مضار الوقت و الحرکات- و یتخطونها و یعتمدون منافعها و یقصدونها- و مثال العمیان کل من لا یحسن علم النجوم- و لا یقولون به من أهل العلم و العامه- و هم أضعاف أضعاف عدد المنجمین- .و مثال الطریق الذی فیه الآبار- الزمان الذی مضى و مر على الخلق أجمعین- و مثال آباره مصائبه و محنه- . و قد کان یجب لو صح علم أحکام النجوم- أن سلامه المنجمین أکثر و مصائبهم أقل- لأنهم یتوقون المحن و یتخطونها لعلمهم بها قبل کونها- و أن تکون محن المعرضین عن علم أحکام النجوم- على کثرتهم أوفر و أظهر- حتى تکون سلامه کل واحد منهم هی الطریقه الغریبه- و المعلوم خلاف ذلک- فإن السلامه و المحن فی الجمیع- متقاربه متناسبه غیر متفاوته- .

و أما البحث الحکمی فی هذا الموضع- فهو أن الحادث فی عالم العناصر- عند حلول الکوکب المخصوص فی البرج المخصوص- إما أن یکون المقتضی له مجرد ذلک الکوکب- أو مجرد ذلک البرج- أو حلول ذلک الکوکب فی ذلک البرج فالأولان باطلان- و إلا لوجب أن یحدث ذلک الأمر قبل أن یحدث- و الثالث باطل أیضا- لأنه إما أن یکون ذلک البرج مساویا لغیره- من البروج فی الماهیه أو مخالفا- و الأول یقتضی حدوث ذلک الحادث- حال ما کان ذلک الکوکب حالا فی غیره من البروج- لأن حکم الشی‏ء حکم مثله- و الثانی یقتضی کون کره البروج- متخالفه الأجزاء فی أنفسها- و یلزم فی ذلک کونها مرکبه- و قد قامت الدلاله على أنه لا شی‏ء من الأفلاک بمرکب- .

و قد اعترض على هذا الدلیل بوجهین أحدهما- أنه لم لا یجوز أن تختلف أفعال الکواکب المتحیره- عند حلولها فی البروج- لا لاختلاف البروج فی نفسها- بل لاختلاف ما فی تلک البروج من الکواکب- الثابته المختلفه الطبائع- . الوجه الثانی لم لا یجوز أن یقال- الفلک التاسع مکوکب بکواکب صغار- لا نراها لغایه بعدها عنا- فإذا تحرکت فی کرات تداویرها سامتت مواضع مخصوصه- من کره الکواکب الثابته و هی فلک البروج- فاختلفت آثار الکواکب المتحیره- عند حلولها فی البروج- باعتبار اختلاف تلک الکواکب الصغیره- و لم لا یجوز إثبات کره بین الکره الثامنه- و بین الفلک الأطلس المدبر لجمیع الأفلاک- من المشرق إلى المغرب- و تکون تلک الکره المتوسطه بینهما بطیئه الحرکه- بحیث لا تفی أعمارنا بالوقوف على حرکتها- و هی مکوکبه بتلک الکواکب الصغار المختلفه الطبائع- .

و أجیب عن الأول بأنه لو کان الأمر کما ذکر- لوجب أن تختلف بیوت الکواکب و أشرافها- و حدودها عند حرکه الثوابت بحرکه فلکها- حتى أنها تتقدم على مواضعها- فی کل مائه سنه على رأی المتقدمین- أو فی کل ست و ستین سنه على رأی المتأخرین درجه واحده- لکن لیس الأمر کذلک فإن شرف القمر- کما أنه فی زماننا فی درجه الثالثه من الثور- فکذلک کان عند الذین- کانوا قبلنا بألف سنه و بألفی سنه- . و أما الوجه الثانی فلا جواب عنه- . و اعلم أن الفلاسفه قد عولت- فی إبطال القول بأحکام النجوم على وجه واحد- و هو أن مبنى هذا العلم على التجربه- و لم توجد التجربه فیما یدعیه أرباب علم النجوم- فإن هاهنا أمورا لا تتکرر إلا فی الأعمار المتطاوله- مثل الأدوار و الألوف التی زعم أبو معشر- أنها هی الأصل فی هذا العلم- و مثل مماسه جرم زحل للکره المکوکبه- و مثل انطباق معدل النهار على دائره فلک البروج- فإنهم یزعمون أن ذلک یقتضی حدوث طوفان الماء- و إحاطته بالأرض من جمیع الجوانب- مع أن هذه الأمور لا توجد إلا فی ألوف الألوف من السنین- فکیف تصح أمثال هذه الأمور بالتجربه- .

و أیضا فإنا إذا رأینا حادثا- حدث عند حلول کوکب مخصوص فی برج مخصوص-فکیف نعلم استناد حدوثه إلى ذلک الحلول- فإن فی الفلک کواکب لا تحصى- فما الذی خصص حدوث ذلک الحدوث- بحلول ذلک الکوکب فی ذلک البرج لا غیره- و بتقدیر أن یکون لحلوله تأثیر فی ذلک- فلا یمکن الجزم قبل حلوله بأنه إذا حل فی البرج المذکور- لا بد أن یحدث ذلک الحادث- لجواز أن یوجد ما یبطل تأثیره- نحو أن یحل کوکب آخر فی برج آخر- فیدفع تأثیره و یبطل عمله- أو لعل الماده الأرضیه لا تکون- مستعده لقبول تلک الصوره و حدوث الحادث- کما یتوقف على حصول الفاعل یتوقف على حصول القابل- و إذا وقع الشک فی هذه الأمور- بطل القول بالجزم بعلم أحکام النجوم- و هذه الحجه جیده- إن کان المنجمون یطلبون القطع فی علمهم- .

فإما أن کانوا یطلبون الظن فإن هذه الحجه لا تفسد قولهم- . فأما أبو البرکات بن ملکا البغدادی- صاحب کتاب المعتبر- فإنه أبطل أحکام النجوم من وجه و أثبته من وجه- . قال أما من یرید تطبیق علم أحکام النجوم- على قاعده العلم الطبیعی فإنه لا سبیل له إلى ذلک- فإنا لا نتعلق من أقوالهم- إلا بأحکام یحکمون بها من غیر دلیل- نحو القول بحر الکواکب و بردها أو رطوبتها- و یبوستها و اعتدالها کقولهم إن زحل بارد یابس- و المشتری معتدل- و الاعتدال خیر و الإفراط شر- و ینتجون من ذلک أن الخیر یوجب سعاده- و الشر یوجب منحسه- و ما جانس ذلک مما لم یقل به علماء الطبیعیین- و لم تنتجه مقدماتهم فی أنظارهم- و إنما الذی أنتجته هو- أن الأجرام السماویه فعاله فیما تحویه و تشتمل علیه- و تتحرک حوله فعلا على الإطلاق- غیر محدود بوقت و لا مقدر بتقدیر- و القائلون بالأحکام ادعوا حصول علمهم بذلک- من توقیف و تجربه لا یطابق نظر الطبیعی- .

و إذا قلت بقول الطبیعی بحسب أنظاره- أن المشتری سعد و المریخ نحس- أو أن زحل‏ بارد یابس و المریخ حار یابس- و الحار و البارد من الملموسات و ما دل على هذا المس- و ما استدل علیه بلمس کتأثیره فیما یلمسه- فإن ذلک لم یظهر للحس فی غیر الشمس- حیث تسخن الأرض بشعاعها- و لو کان فی السمائیات شی‏ء من طبائع الأضداد- لکان الأولى أن تکون کلها حاره- لأن کواکبها کلها منیره- .

و متى یقول الطبیعی بتقطیع الفلک و تقسیمه إلى أجزاء- کما قسمه المنجمون قسمه وهمیه إلى بروج و درج و دقائق- و ذلک جائز للمتوهم کجواز غیره- و لیس بواجب فی الوجود و لا حاصل- فنقلوا ذلک التوهم الجائز- إلى الوجود الواجب فی أحکامهم- و کان الأصل فیه على زعمهم حرکه الشمس و الأیام و الشهور- فحصلوا منها قسمه وهمیه- و جعلوها کالحاصله الوجودیه المثمره بحدود و خطوط- کان الشمس بحرکتها من وقت إلى مثله- خطت فی السماء خطوطا و أقامت فیها جدرا أو حدودا- أو غیرت فی أجزائها طباعا تغییرا یبقى- فیتقى به القسمه إلى تلک الدرج و الدقائق- مع جواز الشمس عنها و لیس فی جوهر الفلک اختلاف- یتمیز به موضع عن موضع سوى الکواکب- و الکواکب تتحرک عن أمکنتها- فبقیت الأمکنه على التشابه- فبما ذا تتمیز بروجه و درجه- و یبقى اختلافها بعد حرکه المتحرک فی سمتها- و کیف یقیس الطبیعی على هذه الأصول- و ینتج منها نتائج و یحکم بحسبها أحکاما- و کیف له أن یقول بالحدود- و یجعل خمس درجات من برج الکوکب- و ستا لآخر و أربعا لآخر- و یختلف فیها البابلیون و المصریون- و جعلوا أرباب البیوت کأنها ملاک- و البیوت کأنها أملاک تثبت لأربابها بصکوک- و أحکام الأسد للشمس و السرطان للقمر- و إذا نظر الناظر وجد الأسد أسدا- من جهه کواکب شکلوها بشکل الأسد- ثم انقلبت عن مواضعها- و بقی الموضع أسدا و جعلوا الأسد للشمس- و قد ذهبت منه الکواکب التی کان بها أسدا- کان ذلک الملک بیت للشمس- مع انتقال الساکن و کذلک السرطان للقمر- .

و من الدقائق فی العلم النجومی الدرجات المداره- و الغربیه و المظلمه و النیره- و الزائده فی السعاده و درجات الآثار- من جهه أنها أجزاء الفلک إن قطعوها و ما انقطعت- و مع انتقال ما ینتقل من الکواکب إلیها و عنها- ثم أنتجوا من ذلک نتائج أنظارهم- من أعداد الدرج و أقسام الفلک فقالوا- إن الکوکب ینظر إلى الکواکب من ستین درجه نظر تسدیس- لأنه سدس من الفلک- و لا ینظر إلیه من خمسین و لا من سبعین- و قد کان قبل الستین بعشر درج- و هو أقرب من ستین و بعدها بعشر درج- و هو أبعد من ستین لا ینظر- . فلیت شعری ما هذا النظر- أ ترى الکواکب تظهر للکوکب ثم تحتجب عنه- ثم شعاعه یختلط بشعاعه- عند حد لا یختلط به قبله و لا بعده- .

و کذلک التربیع من الربع الذی هو تسعون درجه- و التثلیث من الثلث الذی هو مائه و عشرون درجه- فلم لا یکون التخمیس و التسبیع- و التعشیر على هذا القیاس- ثم یقولون الحمل حار یابس ناری- و الثور بارد یابس أرضی- و الجوزاء حار رطب هوائی- و السرطان بارد رطب مائی- ما قال الطبیعی هذا قط و لا یقول به- . و إذا احتجوا و قاسوا- کانت مبادئ قیاساتهم الحمل برج ینقلب- لأن الشمس إذا نزلت فیه- ینقلب الزمان من الشتاء إلى الربیع- و الثور برج ثابت- لأن الشمس إذا نزلت فیه ثبت الربیع على ربیعیته- .

و الحق أنه لا ینقلب الحمل و لا یثبت الثور- بل هما على حالهما فی کل وقت- ثم کیف یبقى دهره منقلبا- مع خروج الشمس منه و حلولها فیه- أ تراها تخلف فیه أثرا أو تحیل منه طباعا- و تبقى تلک الاستحاله إلى أن تعود فتجددها- و لم لا یقول قائل إن السرطان حار یابس- لأن الشمس إذا نزلت فیه یشتد حر الزمان- و ما یجانس هذا مما لا یلزم لا هو و لا ضده- فلیس فی الفلک اختلاف یعرفه الطبیعی- إلا بما فیه من الکواکب- و هو فی نفسه واحد متشابه الجوهر و الطبع- و لکنها أقوال قال بها قائل فقبلها قائل و نقلها ناقل- فحسن فیها ظن السامع- و اغتر بها من لا خبره له و لا قدره له على النظر- . ثم حکم بها الحاکمون بجید و ردی‏ء- و سلب و إیجاب و بت و تجوز- فصادف بعضه موافقه الوجود فصدق- فیعتبر به المعتبرون- و لم یلتفتوا إلى ما کذب منه فیکذبوه- بل عذروا و قالوا إنما هو منجم- و لیس بنبی حتى یصدق فی کل ما یقول- و اعتذروا له بأن العلم أوسع من أن یحیط به أحد- و لو أحاط به أحد لصدق فی کل شی‏ء- و لعمر الله إنه لو أحاط به علما صادقا لصدق- و الشأن فی أن یحیط به على الحقیقه- لا أن یفرض فرضا و یتوهم وهما- فینقله إلى الوجود و ینسب إلیه و یقیس علیه- . قال و الذی یصح من هذا العلم و یلتفت إلیه العقلاء- هی أشیاء غیر هذه الخرافات التی لا أصل لها- فما حصل توقیف- أو تجربه حقیقه کالقرانات و المقابله- فإنها أیضا من جمله الاتصالات- کالمقارنه من جهه أن تلک غایه القرب و هذه غایه البعد- و نحو ممر کوکب من المتحیره تحت کوکب من الثابته- و نحوه ما یعرض للمتحیره- من رجوع و استقامه و ارتفاع فی شمال- و انخفاض فی جنوب و أمثال ذلک- .

فهذا کلام ابن ملکا کما تراه یبطل هذا الفن من وجه- و یقول به من وجه- . و قد وقفت لأبی جعفر محمد بن الحسین الصنعانی- المعروف بالخازن صاحب کتاب زیج الصفائح- على کلام فی هذا الباب مختصر له سماه کتاب العالمین- أنا ذاکره فی هذا الموضع على وجهه لأنه کلام لا بأس به- قال إن بعض المصدقین بأحکام النجوم و کل المکذبین بها- قد زاغوا عن طریق الحق و الصواب فیها- فإن الکثیر من المصدقین بها قد أدخلوا فیها ما لیس منها- و ادعوا ما لم یمکن إدراکه بها- حتى کثر فیها خطؤهم و ظهر کذبهم- و صار ذلک سببا لتکذیب أکثر الناس بهذا العلم- .

فأما المکذبون به فقد بلغوا من إنکار صحیحه- و رد ظاهره إلى أن قالوا إنه لا یصح منه شی‏ء أصلا- و نسبوا أهله إلى الرزق و الاحتیال و الخداع و التمویه- فلذلک رأینا أن نبتدئ بتبیین صحه هذه الصناعه- لیظهر فساد قول المکذبین لها بأسرها- ثم نبین ما یمکن إدراکه بها- لیبطل دعوى المدعین فیها ما یمتنع وجوده بها- . أما الوجوه التی بها تصح صناعه الأحکام فهی کثیره- منها ما یظهر لجمیع الناس من قبل الشمس- فإن حدوث الصیف و الشتاء- و ما یعرض فیهما من الحر و البرد و الأمطار و الریاح و نبات الأرض- و خروج وقت الأشجار و حملها الثمار- و حرکه الحیوان إلى النسل و التوالد و غیر ذلک- مما یشاکله من الأحوال- إنما یکون أکثر ذلک بحسب دنو الشمس- من سمت الرءوس فی ناحیه الشمال- و تباعدها منه إلى ناحیه الجنوب- و بفضل قوه الشمس على قوه القمر- و قوى سائر الکواکب ظهر ما قلنا لجمیع الناس- .

و قد ظهر لهم أیضا من قبل الشمس فی تغییر الهواء کل یوم- عند طلوعها و عند توسطها السماء- و عند غروبها ما لا خفاء به من الآثار- . و من هذه الوجوه ما یظهر للفلاحین و الملاحین- بأدنى تفقد للأشیاء التی تحدث- فإنهم یعلمون أشیاء کثیره من الآثار التی- یؤثرها القمر و أنوار الکواکب الثابته- کالمد و الجزر و حرکات الریاح و الأمطار- و أوقاتها عند الحدوث- و ما یوافق من أوقات الزراعات و ما لا یوافق- و أوقات اللقاح و النتاج- . و قد یظهر من آثار القمر فی الحیوان الذی- یتوالد فی الماء و الرطوبات ما هو مشهور لا ینکر- .

و منها جهات أخرى یعرفها المنجمون فقط- على حسب فضل علمهم و دقه نظرهم فی هذاالعلم- و إذ قد وصفنا على سبیل الإجمال- ما یوجب حقیقه هذا العلم- فإنا نصف ما یمکن إدراکه به أو لا یمکن- فنقول لما کانت تغیرات الهواء- إنما تحدث بحسب أحوال الشمس و القمر- و الکواکب المتحیره و الثابته- صارت معرفه هذه التغیرات قد تدرک من النجوم- مع سائر ما یتبعها من الریاح و السحاب- و الأمطار و الثلج و البرد و الرعد و البرق- لأن الأشیاء التی تلی الأرض- و تصل إلیها هذه الآثار من الهواء المحیط بها- کانت الأعراض العامیه التی- تعرض فی هذه الأشیاء تابعه لتلک الآثار- مثل کثره میاه الأنهار و قلتها و کثره الثمار و قلتها- و کثره خصب الحیوان و قلته و الجدوبه و القحط- و الوباء و الأمراض التی تحدث فی الأجناس و الأنواع- أو فی جنس دون جنس أو فی نوع دون نوع- و سائر ما یشاکل ذلک من الأحداث- .

و لما کانت أخلاق النفس تابعه لمزاج البدن- و کانت الأحداث التی ذکرناها مغیره لمزاج البدن- صارت أیضا مغیره للأخلاق- و لأن المزاج الأول الأصلی هو الغالب- على الإنسان فی الأمر الأکثر- و کان المزاج الأصلی هو الذی- طبع علیه الإنسان فی وقت کونه فی الرحم- و فی وقت مولده و خروجه إلى جو العالم- صار وقت الکون و وقت المولد- أدل الأشیاء على مزاج الإنسان- و على أحواله التابعه للمزاج مثل خلقه البدن- و خلق النفس و المرض و الصحه و سائر ما یتبع ذلک- فهذه الأشیاء و ما یشبهها من الأمور- التی لا تشارک شیئا من الأفعال الإرادیه فیه- مما یمکن معرفته بالنجوم و أما الأشیاء التی- تشارک الأمور الإرادیه بعض المشارکه- فقد یمکن أن یصدق فیها هذا العلم على الأمر الأکثر- و إذا لم یستعمل فیه الإراده- جرى على ما تقود إلیه الطبیعه- .على أنه قد یعرض الخطاء و الغلط لأصحاب هذه الصناعه- من أسباب کثیره- بعضها یختص بهذه الصناعه دون غیرها- و بعضها یعمها و غیرها من الصنائع- .

فأما ما یعم فهو- من قصور طبیعه الناس فی معرفه الصنائع- أیا کانت عن بلوغ الغایه فیها- حتى لا یبقى وراءها غایه أخرى فکثره الخطإ و قلته- على حسب تقصیر واحد واحد من الناس- . و أما ما یخص هذه الصناعه- فهو کثیر ما یحتاج صاحبها إلى معرفته- مما لا یمکنه أن یعلم کثیرا منه إلا بالحدس و التخمین- فضلا عن لطف الاستنباط و حسن القیاس- و مما یحتاج إلى معرفه علم أحوال الفلک- و مما یحدث فی کل واحد من تلک الأحوال- فإن کل واحد منها له فعل خاص- ثم یؤلف تلک الأحوال بعضها مع بعض- على کثره فنونها و اختلافاتها- لیحصل من جمیع ذلک قوه واحده و فعل واحد- یکون عنه الحادث فی هذا العالم و ذلک أمر عسیر- فمتى أغفل من ذلک شی‏ء کان الخطأ الواقع- بحسب الشی‏ء الذی سها عنه و ترک استعماله- .

ثم من بعد تحصیل ما وصفناه- ینبغی أن یعلم الحال التی علیها یوافی- فی تلک القوه الواحده الأشیاء- التی تعرض فیها تلک الأحداث- کأنه مثلا إذا دل ما فی الفلک على حدوث حر- و کانت الأشیاء التی یعرض فیها ما یعرض- قد مر بها قبل ذلک حر فحمیت و سخنت- أثر ذلک فیها أثرا قویا فإن کان قد مر بها برد قبل ذلک- أثر ذلک فیها أثرا ضعیفا- و هذا شی‏ء یحتاج إلیه فی جمیع الأحداث- التی تعمل فی غیرها مما یناسب هذه المعرفه- .

و أما الأحداث التی تخص ناحیه ناحیه أو قوما قوما- أو جنسا جنسا أو مولودا واحدا من الناس- فیحتاج مع معرفتها إلى أن یعلم أیضا- أحوال البلاد و العادات و الأغذیه و الأوباء- و سائر ما یشبه ذلک مما له فیه أثر و شرکه- مثل ما یفعل الطبیب فی المعالجه و فی تقدمه المعرفه- ثم من بعد تحصیل هذه الأشیاء کلها ینبغی- أن ینظر فی الأمر الذی قد استدل على حدوثه- هل هو مما یمکن أن یرد أو یتلافى بما یبطله- أو بغیره من جههالطب و الحیل أم لا- کأنه مثلا استدل على أنه- یصیب هذا الإنسان حراره یحم منها- فینبغی أن یحکم بأنه یحم- أن لم یتلاف تلک الحراره بالتبرید- فإنه إذا فعل ذلک أنزل الأمور منازلها- و أجراها مجاریها- . ثم إن کان الحادث قویا لا یمکن دفعه ببعض ما ذکرنا- فلیس یلزم الحاجه إلى ما قلنا فإن الأمر یحدث لا محاله- و ما قوی و شمل الناس فإنه لا یمکن دفعه و لا فسخه- و إن أمکن فإنما یمکن فی بعض الناس دون بعض- .

و أما أکثرهم فإنه یجری أمره على ما قد شمل و عم- فقد یعم الناس حر الصیف- و إن کان بعضهم یحتال فی صرفه- بالأشیاء التی تبرد و تنفى الحر- . فهذه جمله ما ینبغی أن یعلم و یعمل علیه- أمور هذه الصناعه- . قلت هذا اعتراف بأن جمیع الأحداث المتعلقه- باختیار الإنسان و غیره من الحیوان- لا مدخل لعلم أحکام النجوم فیه- فعلى هذا لا یصح قول من یقول منهم لزید مثلا- إنک تتزوج أو تشتری فرسا- أو تقتل عدوا أو تسافر إلى بلد و نحو ذلک- و هو أکثر ما یقولونه و یحکمون به- .

و أما الأمور الکلیه الحادثه- لا بإراده الحیوان و اختیاره- فقد یکون لکلامهم فیه وجه من الطریق التی ذکرها- و هی تعلق کثیر من الأحداث بحرکه الشمس و القمر- إلا أن المعلوم ضروره من دین رسول الله ص- إبطال حکم النجوم و تحریم الاعتقاد بها- و النهی و الزجر عن تصدیق المنجمین- و هذا معنى قول أمیر المؤمنین فی هذا الفصل- فمن صدقک بهذا فقد کذب القرآن- و استغنى عن الاستعانه بالله- ثم أردف‏ ذلک و أکده بقوله- کان یجب أن یحمد المنجم دون الباری تعالى- لأن المنجم هو الذی- هدى الإنسان إلى الساعه التی ینجح فیها- و صده عن الساعه إلى یخفق و یکدی فیها- فهو المحسن إلیه إذا- و المحسن یستحق الحمد و الشکر- و لیس للبارئ سبحانه- إلى الإنسان فی هذا الإحسان المخصوص- فوجب ألا یستحق الحمد على ظفر الإنسان بطلبه- لکن القول بذلک و التزامه کفر محض

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی ‏الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۵۵

خطبه ۷۷ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(الدعاء)

۷۷ و من کلمات کان ع یدعو بها

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِی مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّی- فَإِنْ عُدْتُ فَعُدْ عَلَیَّ بِالْمَغْفِرَهِ- اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِی مَا وَأَیْتُ مِنْ نَفْسِی وَ لَمْ تَجِدْ لَهُ وَفَاءً عِنْدِی- اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِی مَا تَقَرَّبْتُ بِهِ إِلَیْکَ بِلِسَانِی- ثُمَّ خَالَفَهُ قَلْبِی اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِی رَمَزَاتِ الْأَلْحَاظِ- وَ سَقَطَاتِ الْأَلْفَاظِ وَ سَهَوَاتِ الْجَنَانِ وَ هَفَوَاتِ اللِّسَانِ وأیت أی وعدت و الوأی الوعد- و رمزات الألحاظ الإشاره بها- و الألحاظ جمع لحظ بفتح اللام و هو مؤخر العین- و سقطات الألفاظ لغوها و سهوات الجنان غفلاته- و الجنان القلب و هفوات اللسان زلاته- . و فی هذا الموضع یقال ما فائده الدعاء عندکم- و القدیم تعالى إنما یغفر الصغائر- لأنها تقع مکفره فلا حاجه إلى الدعاء بغفرانها- و لا یؤثر الدعاء أیضا فی أفعال الباری سبحانه- لأنه إنما یفعل بحسب المصالح- و یرزق المال و الولد و غیر ذلک- و یصرف المرض و الجدب- و غیرهما بحسب ما یعلمه من المصلحه- فلا تأثیر للدعاء فی شی‏ء من ذلک- . و الجواب أنه لا یمتنع أن یحسن الدعاء بما یعلم- أن القدیم یفعله لا محاله و یکون وجه حسنه- صدوره عن المکلف على سبیل الانقطاع إلى الخالق سبحانه- .

و یجوز أیضا أن یکون فی الدعاء نفسه- مصلحه و لطف للمکلف- لقد حسن منا الاستغفار للمؤمنین- و الصلاه على الأنبیاء و الملائکه- . و أیضا فلیس کل أفعال البارئ سبحانه واجبه علیه- بل معظمها ما یصدر على وجه الإحسان و التفضل- فیجوز أن یفعله و یجوز ألا یفعله- . فإن قلت فهل یسمى فعل الواجب الذی لا بد للقدیم تعالى- من فعله إجابه لدعاء المکلف- . قلت لا- و إنما یسمى إجابه إذا فعل سبحانه ما یجوز أن یفعله- و یجوز ألا یفعله کالتفضل- و أیضا فإن اللطف و المصلحه- قد یکون لطفا و مصلحه فی کل حال- و قد یکون لطفا عند الدعاء- و لو لا الدعاء لم یکن لطفا- و لیس بممتنع فی القسم الثانی أن یسمى إجابه للدعاء- لأن للدعاء على کل حال تأثیرا فی فعله- . فإن قیل أ یجوز أن یدعو النبی ص بدعاء فلا یستجاب له- .

قیل إن من شرط حسن الدعاء- أن یعلم الداعی حسن ما طلبه بالدعاء- و إنما یعلم حسنه بألا یکون فیه وجه قبح ظاهر- و ما غاب عنه من وجوه القبح- نحو کونه مفسده یجب أن یشترطه فی دعائه- و یطلب ما یطلبه بشرط ألا یکون مفسده- و إن لم یظهر هذا الشرط فی دعائه وجب أن یضمره فی نفسه- فمتى سأل النبی ربه تعالى أمرا فلم یفعله لم یجز أن یقال- إنه ما أجیبت دعوته- لأنه یکون قد سأل بشرط ألا یکون مفسده- فإذا لم یقع ما یطلبه- فلأن المطلوب قد علم الله فیه- من المفسده ما لم یعلمه النبی ص- فلا یقال إنه ما أجیب دعاؤه لأن دعاءه کان مشروطا- و إنما یصدق قولنا ما أجیب دعاؤه- على من طلب أمرا طلبا مطلقا غیر مشروط فلم یقع- و النبی ص لا یتحقق ذلک فی حقه‏

من أدعیه رسول الله المأثوره

و نحن نذکر فی هذا الموضع جمله- من الأدعیه المأثوره طلبا لبرکتها- و لینتفع قارئ الکتاب بهاکان من دعاء رسول الله ص إذا أصبح أن یقول أصبحنا و أصبح الملک و الکبریاء- و العظمه و الجلال و الخلق و الأمر و اللیل و النهار- و ما یسکن فیهما لله عز و جل وحده لا شریک له- اللهم اجعل أول یومی هذا صلاحا- و أوسطه فلاحا و آخره نجاحا- اللهم إنی أسألک خیر الدنیا و الآخره- یا أرحم الراحمین- اللهم اقسم لنا من خشیتک ما یحول بیننا و بین معاصیک- و من طاعتنا ما تبلغنا به رحمتک- و من الیقین ما تهون به علینا مصیبات الدنیا- اللهم متعنا بأسماعنا و أبصارنا- و اجعلهما الوارث منا و انصرنا على من ظلمنا- و لا تجعل مصیبتنا فی دیننا- و لا تجعل الدنیا أکبر همنا و لا مبلغ علمنا- و لا تسلط علینا من لا یرحمنا

من أدعیه الصحیفه

و من دعاء أمیر المؤمنین ع- و کان یدعو به زین العابدین علی بن الحسین ع- و هو من أدعیه الصحیفه یا من یرحم من لا یرحمه العباد- و یا من یقبل من لا تقبله البلاد- و یا من لا یحتقر أهل الحاجه إلیه- یا من لا یجبه بالرد أهل الإلحاح إلیه- یا من لا یخفى علیه صغیر ما یتحف به- و لا یضیع یسیر ما یعمل له- یا من یشکر على القلیل و یجازی بالجلیل- یا من یدنو إلى من دنا منه- یا من یدعو إلى نفسه من أدبر عنه- یا من لا یغیر النعمه و لا یبادر بالنقمه- یا من یثمر الحسنه حتى ینمیها- و یتجاوز عن السیئه حتى یعفیها- انصرفت‏ دون مدى کرمک الحاجات- و امتلأت ببعض جودک أوعیه الطلبات- و تفسخت دون بلوغ نعتک الصفات- فلک العلو الأعلى فوق کل عال- و الجلال الأمجد فوق کل جلال- کل جلیل عندک حقیر و کل شریف فی جنب شرفک صغیر- خاب الوافدون على غیرک- و خسر المتعرضون إلا لک و ضاع الملمون إلا بک- و أجدب المنتجعون إلا من انتجع فضلک- لأنک ذو غایه قریبه من الراغبین- و ذو مجد مباح للسائلین لا یخیب لدیک الآملون- و لا یخفق من عطائک المتعرضون- و لا یشقى بنقمتک المستغفرون- رزقک مبسوط لمن عصاک و حلمک معرض لمن ناواک- و عادتک الإحسان إلى المسیئین- و سنتک الإبقاء على المعتدین- حتى لقد غرتهم أناتک عن النزوع- و صدهم إمهالک عن الرجوع- و إنما تأنیت بهم لیفیئوا إلى أمرک- و أمهلتهم ثقه بدوام ملکک- فمن کان من أهل السعاده ختمت له بها- و من کان من أهل الشقاوه خذلته لها- .

کلهم صائر إلى رحمتک و أمورهم آئله إلى أمرک- لم یهن على طول مدتهم سلطانک- و لم تدحض لترک معاجلتهم حججک- حجتک قائمه و سلطانک ثابت- فالویل الدائم لمن جنح عنک- و الخیبه الخاذله لمن خاب أمله منک- و الشقاء الأشقى لمن اغتر بک- ما أکثر تقلبه فی عذابک و ما أعظم تردده فی عقابک- و ما أبعد غایته من الفرج- و ما أثبطه من سهوله المخرج- عدلا من قضائک لا تجور فیه- و إنصافا من حکمک لا تحیف علیه- قد ظاهرت الحجج و أزلت الأعذار- و تقدمت بالوعید و تلطفت فی الترغیب- و ضربت الأمثال و أطلت الإمهال- و أخرت و أنت تستطیع المعاجله- و تأنیت و أنت ملی‏ء بالمبادره- لم تک أناتک عجزا و لا حلمک وهنا- و لا إمساکک لعله و لا انتظارک لمداراه- بل لتکون حجتک الأبلغ و کرمک الأکمل- و إحسانک الأوفى و نعمتک الأتم-کل ذلک کان و لم یزل و هو کائن لا یزول- نعمتک أجل من أن توصف بکلها- و مجدک أرفع من أن یحد بکنهه- و إحسانک أکبر من أن یشکر على أقله- فقد أقصرت ساکتا عن تحمیدک- و تهیبت ممسکا عن تمجیدک- لا رغبه یا إلهی عنک بل عجزا- و لا زهدا فیما عندک بل تقصیرا- و ها أنا ذا یا إلهی أؤمل بالوفاده- و أسألک حسن الرفاده فاسمع ندائی و استجب دعائی- و لا تختم عملی بخیبتی و لا تجبهنی بالرد فی مسألتی- و أکرم من عندک منصرفی إنک غیر ضائق عما ترید- و لا عاجز عما تشاء و أنت على کل شی‏ء قدیر

و من أدعیته ع

و هو من أدعیه الصحیفه أیضا اللهم یا من برحمته یستغیث المذنبون- و یا من إلى إحسانه یفزع المضطرون- و یا من لخیفته ینتحب الخاطئون- یا أنس کل مستوحش غریب- یا فرج کل مکروب حریب- یا عون کل مخذول فرید- یا عائذ کل محتاج طرید- أنت الذی وسعت کل شی‏ء رحمه و علما- و أنت الذی جعلت لکل مخلوق فی نعمتک سهما- و أنت الذی عفوه أعلى من عقابه- و أنت الذی رحمته أمام غضبه- و أنت الذی إعطاؤه أکبر من منعه- و أنت الذی وسع الخلائق کلهم بعفوه- و أنت الذی لا یرغب فی غنى من أعطاه- و أنت الذی لا یفرط فی عقاب من عصاه- . و أنا یا سیدی عبدک الذی أمرته بالدعاء- فقال لبیک و سعدیک- و أنا یا سیدی عبدک الذی أوقرت الخطایا ظهره- و أنا الذی أفنت الذنوب عمره و أنا الذی بجهله عصاک- و لم یکن أهلا منه لذلک- فهل أنت یا مولای راحم من دعاک فاجتهد فی الدعاء- أم أنت غافر لمن بکى لک فأسرع فی البکاء- أم أنت متجاوز عمن عفر لک وجهه متذللا- أم أنت مغن من شکا إلیک فقره متوکلا-

اللهم فلا تخیب من لا یجد معطیا غیرک- و لا تخذل من لا یستغنی عنک بأحد دونک- اللهم لا تعرض عنی و قد أقبلت علیک- و لا تحرمنی و قد رغبت إلیک- و لا تجبهنی بالرد و قد انتصبت بین یدیک- أنت الذی وصفت نفسک بالرحمه- و أنت الذی سمیت نفسک بالعفو فارحمنی و اعف عنی- فقد ترى یا سیدی فیض دموعی من خیفتک- و وجیب قلبی من خشیتک و انتفاض جوارحی من هیبتک- کل ذلک حیاء منک بسوء عملی- و خجلا منک لکثره ذنوبی- قد کل لسانی عن مناجاتک- و خمد صوتی عن الدعاء إلیک- یا إلهی فکم من عیب سترته علی فلم تفضحنی- و کم من ذنب غطیت علیه فلم تشهر بی- و کم من عائبه ألممت بها فلم تهتک عنی سترها- و لم تقلدنی مکروها شنارها- و لم تبد علی محرمات سوآتها- فمن یلتمس معایبی من جیرتی و حسده نعمتک عندی- ثم لم ینهنی ذلک حتى صرت إلى أسوإ ما عهدت منی- فمن أجهل منی یا سیدی برشدک- و من أغفل منی عن حظه منک- و من أبعد منی من استصلاح نفسه- حین أنفقت ما أجریت علی من رزقک- فیما نهیتنی عنه من معصیتک- و من أبعد غورا فی الباطل- و أشد إقداما على السوء منی- حین أقف بین دعوتک و دعوه الشیطان- فأتبع دعوته على غیر عمى عن المعرفه به- و لا نسیان من حفظی له- و أنا حینئذ موقن أن منتهى دعوتک الجنه- و منتهى دعوته النار- سبحانک فما أعجب ما أشهد به على نفسی- و أعدده من مکنون أمری- و أعجب من ذلک أناتک عنی و إبطاؤک عن معاجلتی- و لیس ذلک من کرمی علیک- بل تأتیا منک بی و تفضلا منک علی- لأن أرتدع عن خطئی- و لأن عفوک أحب إلیک من عقوبتی- بل أنا یا إلهی أکثر ذنوبا و أقبح آثارا و أشنع أفعالا- و أشد فی الباطل تهورا- و أضعف عند طاعتک تیقظا- و أغفل لوعیدک انتباها- من أن أحصی لک عیوبی و أقدر على تعدید ذنوبی- و إنما أوبخ بهذا نفسی طمعا فی رأفتک التی- بها إصلاح أمر المذنبین- و رجاء لعصمتک التی بها فکاک رقاب الخاطئین- اللهم و هذه رقبتی قد أرقتها الذنوب فأعتقها بعفوک- و قد أثقلتها الخطایا فخفف عنها بمنک-

اللهم إنی لو بکیت حتى تسقط أشفار عینی- و انتحبت حتى ینقطع صوتی- و قمت لک حتى تنتشر قدمای- و رکعت لک حتى ینجذع صلبی- و سجدت لک حتى تتفقأ حدقتای- و أکلت التراب طول عمری- و شربت ماء الرماد آخر دهری- و ذکرتک فی خلال ذلک حتى یکل لسانی- ثم لم أرفع طرفی إلى آفاق السماء استحیاء منک- لما استوجبت بذلک محو سیئه واحده من سیئاتی- فإن کنت تغفر لی حین أستوجب مغفرتک- و تعفو عنی حین أستحق عفوک- فإن ذلک غیر واجب لی بالاستحقاق- و لا أنا أهل له على الاستیجاب- إذ کان جزائی منک من أول ما عصیتک النار- فإن تعذبنی فإنک غیر ظالم-

إلهی فإن تغمدتنی بسترک فلم تفضحنی- و أمهلتنی بکرمک فلم تعاجلنی- و حلمت عنی بتفضلک فلم تغیر نعمک علی- و لم تکدر معروفک عندی- فارحم طول تضرعی و شده مسکنتی و سوء موقفی- اللهم صل على محمد و آل محمد- و أنقذنی من المعاصی و استعملنی بالطاعه- و ارزقنی حسن الإنابه و طهرنی بالتوبه- و أیدنی بالعصمه و استصلحنی بالعافیه- و ارزقنی حلاوه المغفره و اجعلنی طلیق عفوک- و اکتب لی أمانا من سخطک- و بشرنی بذلک فی العاجل دون الآجل بشرى أعرفها- و عرفنی له علامه أتبینها- أن ذلک لا یضیق علیک فی وجدک- و لا یتکاءدک فی قدرتک- و أنت على کل شی‏ء قدیر

و من أدعیته ع و هو من أدعیه الصحیفه

اللهم یا ذا الملک المتأبد بالخلود و السلطان- الممتنع بغیر جنود و المعز الباقی على مر الدهور- عز سلطانک عزا لا حد له و لا منتهى لآخره- و استعلى ملکک علوا سقطت الأشیاء دون بلوغ أمده- و لا یبلغ أدنى ما استأثرت به من ذلک- نعوت أقصى نعت الناعتین ضلت فیک الصفات- و تفسخت دونک النعوت- و حارت فی کبریائک لطائف الأوهام- کذلک أنت الله فی أولیتک- و على ذلک أنت دائم لا تزول- و کذلک أنت الله فی آخریتک- و کذلک أنت ثابت لا تحول- و أنا العبد الضعیف عملا الجسیم أملا- خرجت من یدی أسباب الوصلات إلى رحمتک- و تقطعت عنی عصم الآمال إلا ما أنا معتصم به من عفوک- قل عندی ما أعتد به من طاعتک- و کثر عندی ما أبوء به من معصیتک- و لن یفوتک عفو عن عبدک و إن أساء فاعف عنی-

اللهم قد أشرف على کل خطایا الأعمال علمک- و انکشف کل مستور عند خبرک- فلا ینطوی عنک دقائق الأمور- و لا یعزب عنک خفایا السرائر- و قد هربت إلیک من صغائر ذنوب موبقه- و کبائر أعمال مردیه- فلا شفیع یشفع لی إلیک و لا خفیر یؤمننی منک- و لا حصن یحجبنی عنک و لا ملاذ ألجأ إلیه غیرک- هذا مقام العائذ بک و محل المعترف لک- فلا یضیقن عنی فضلک و لا یقصرن دونی عفوک- و لا أکون أخیب عبادک التائبین- و لا أقنط وفودک الآملین- و اغفر لی إنک خیر الغافرین-

اللهم إنک أمرتنی فغفلت و نهیتنی فرکبت- و هذا مقام من استحیا لنفسه منک- و سخط علیها و رضی عنک- و تلقاک بنفس خاشعه- و عین خاضعه و ظهر مثقل من الخطایا- واقفا بین الرغبه إلیک و الرهبه منک- و أنت أولى من رجاه و أحق من خشیه و اتقاه-فأعطنی یا رب ما رجوت و أمنی ما حذرت- و عد علی بفضلک و رحمتک إنک أکرم المسئولین-

اللهم و إذ سترتنی بعفوک- و تغمدتنی بفضلک فی دار الفناء- فأجرنی من فضیحات دار البقاء عند مواقف الأشهاد- من الملائکه المقربین- و الرسل المکرمین و الشهداء الصالحین- من جار کنت أکاتمه سیئاتی- و من ذی رحم کنت أحتشم منه لسریراتی- لم أثق بهم فی الستر علی و وثقت بک فی المغفره لی- و أنت أولى من وثق به و أعطى من رغب إلیه- و أرأف من استرحم فارحمنی-

اللهم إنی أعوذ بک من نار تغلظت بها على من عصاک- و أوعدت بها من ضارک و ناواک و صدف عن رضاک- و من نار نورها ظلمه و هینها صعب و قریبها بعید- و من نار یأکل بعضها بعضا و یصول بعضها على بعض- و من نار تذر العظام رمیما و تسقی أهلها حمیما- و من نار لا تبقى على من تضرع و لا ترحم من استعطفها- و لا تقدر على التخفیف عمن خشع لها و استبتل إلیها- تلقى سکانها بأحر ما لدیها- من ألیم النکال و شدید الوبال-

اللهم بک أعوذ من عقاربها الفاغره أفواهها- و حیاتها الناهشه بأنیابها- و شرابها الذی یقطع الأمعاء و یذیب الأحشاء- و أستهدیک لما باعد عنها و أنقذ منها- فأجرنی بفضل رحمتک و أقلنی عثرتی بحسن إقالتک- و لا تخذلنی یا خیر المجیرین- اللهم صل على محمد و آل محمد إذا ذکر الأبرار- و صل على محمد و آل محمد ما اختلف اللیل و النهار- صلاه لا ینقطع مددها و لا یحصى عددها- صلاه تشحن الهواء و تملأ الأرض و السماء- صل اللهم علیه و علیهم حتى ترضى- و صل علیه و علیهم بعد الرضا صلاه لا حد لها و لا منتهى- یا أرحم الراحمین

و من دعائه ع و هو من أدعیه الصحیفه

اللهم إنی أعوذ بک من هیجان الحرص و سوره الغضب- و غلبه الحسد و ضعف الصبر- و قله القناعه و شکاسه الخلق- و إلحاح الشهوه و ملکه الحمیه و متابعه الهوى- و مخالفه الهدى و سنه الغفله و تعاطی الکلفه- و إیثار الباطل على الحق و الإصرار على المآثم- و الاستکثار من المعصیه و الإقلال من الطاعه- و مباهات المکثرین و الإزراء على المقلین- و سوء الولایه على من تحت أیدینا- و ترک الشکر لمن اصطنع العارفه عندنا و أن نعضد ظالما- أو نخذل ملهوفا أو نروم ما لیس لنا بحق- أو نقول بغیر علم و نعوذ بک أن ننطوی على غش لأحد- و أن نعجب بأموالنا و أعمالنا و أن نمد فی آمالنا- و نعوذ بک من سوء السریره و احتقار الصغیره- و أن یستحوذ علینا الشیطان أو یشتد لنا الزمان- أو یتهضمنا السلطان و نعوذ بک من حب الإسراف- و فقدان الکفاف و من شماته الأعداء- و الفقر إلى الأصدقاء و من عیشه فی شده- أو موت على غیر عده- و نعوذ اللهم بک من الحسره العظمى و المصیبه الکبرى- و من سوء المآب و حرمان الثواب و حلول العقاب- اللهم أعذنا من کل ذلک برحمتک و منک و جودک- إنک على کل شی‏ء قدیرو من دعائه ع و تحمیده-

و ذکره النبی ص- و هو من أدعیه الصحیفه أیضا الحمد لله بکل ما حمده أدنى ملائکته إلیه- و أکرم خلقه علیه و أرضى حامدیه لدیه- حمدا یفضل سائر الحمد کفضل ربنا جل جلاله على جمیع خلقه- ثم له الحمد مکان کل نعمه له علینا- و على جمیع عباده الماضین و الباقین- عدد ما أحاط به علمه و من جمیع الأشیاء أضعافا مضاعفه- أبدا سرمدا إلى یوم القیامه- و إلى ما لا نهایه له‏ من بعد القیامه- حمدا لا غایه لحده و لا حساب لعده- و لا مبلغ لأعداده و لا انقطاع لآماده- حمدا یکون وصله إلى طاعته- و سببا إلى رضوانه و ذریعه إلى مغفرته- و طریقا إلى جنته و خفیرا من نقمته و أمنا من غضبه- و ظهیرا على طاعته و حاجزا عن معصیته- و عونا على تأدیه حقه و وظائفه- حمدا نسعد به فی السعداء من أولیائه- و ننتظم به فی نظام الشهداء بسیوف أعدائه- و الحمد لله الذی من علینا بنبیه محمد ص- دون الأمم الماضیه و القرون السالفه- لقدرته التی لا تعجز عن شی‏ء و إن عظم- و لا یفوتها شی‏ء و إن لطف-

اللهم فصل على محمد أمینک على وحیک- و نجیک من خلقک و صفیک من عبادک- إمام الرحمه و قائد الخیر و مفتاح البرکه- کما نصب لأمرک نفسه و عرض فیک للمکروه بدنه- و کاشف فی الدعاء إلیک حاسته و حارب فی رضاک أسرته- و قطع فی نصره دینک رحمه- و أقصى الأدنین على عنودهم عنک- و قرب الأقصین على استجابتهم لک- و والى فیک الأبعدین و عاند فیک الأقربین- و أدأب نفسه فی تبلیغ رسالتک- و أتعبها فی الدعاء إلى ملتک- و شغلها بالنصح لأهل دعوتک- و هاجر إلى بلاد الغربه و محل النأی عن موطن رحله- و موضع رجله و مسقط رأسه و مأنس نفسه- إراده منه لإعزاز دینک و استنصارا على أهل الکفر بک- حتى استتب له ما حاول فی أعدائک- و استتم له ما دبر فی أولیائک- فنهد إلى المشرکین بک مستفتحا بعونک- و متقویا على ضعفه بنصرک فغزاهم فی عقر دیارهم- و هجم علیهم فی بحبوحه قرارهم حتى ظهر أمرک- و علت کلمتک و قد کره المشرکون- اللهم فارفعه بما کدح فیک- إلى الدرجه العلیا من جنتک حتى لا یساوى فی منزله- و لا یکافأ فی مرتبه- و لا یوازیه لدیک ملک مقرب و لا نبی مرسل- و عرفه فی أمته من‏حسن الشفاعه أجل ما وعدته- یا نافذ العده یا وافی القول- یا مبدل السیئات بأضعافها من الحسنات- إنک ذو الفضل العظیم

من الأدعیه المأثوره عن عیسى ع

و من الأدعیه المرویه عن عیسى ابن مریم ع اللهم أنت إله من فی السماء و إله من فی الأرض- لا إله فیهما غیرک- و أنت حکیم من فی السماء و حکیم من فی الأرض- لا حکیم فیهما غیرک- و أنت ملک من فی السماء و ملک من فی الأرض- لا ملک فیهما غیرک- قدرتک فی السماء کقدرتک فی الأرض- و سلطانک فی السماء کسلطانک فی الأرض- أسألک باسمک الکریم و وجهک المنیر- و ملکک القدیم أن تفعل بی کذا و کذا

من الأدعیه المأثوره عن بعض الصالحین

و کان بعض الصالحین یدعو فیقول- اللهم لا تدخلنا النار بعد أن أسکنت قلوبنا توحیدک- و إنی لأرجو ألا تفعل- و إن فعلت لتجمعن بیننا و بین قوم عادیناهم فیک- و من دعاء بعضهم- اللهم إنک لم تشرک فی خلقنا غیرک- فلا تشرک فی الإحسان إلینا غیرک- اللهم لا رب لنا غیرک فلا تجعل حاجتنا عند غیرک- اللهم إنا لا نعبد غیرک فلا تسلط علینا غیرک- قام أعرابی على قبر رسول الله ص فقال-بأبی أنت و أمی یا رسول الله- قلت فقبلنا و تلوت فوعینا ثم ظلمنا أنفسنا- و قرأنا فیما أتیتنا به عن ربنا- وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُکَ- فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ- لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِیماً-

اللهم إنا قد جئنا رسولک و نحن نستغفرک- و نسأل رسولک أن یستغفر لنا خطایانا- فاغفر لنا و تب علینا- . فیقال إن إنسانا حضر ذلک الدعاء- فرأى تلک اللیله رسول الله ص فی منامه یقول له- أبلغ الأعرابی أن الله قد غفر له- . و من أدعیه بعض الصالحین- اللهم إنی لم آتک بعمل صالح قدمته- و لا شفاعه مخلوق رجوته- أتیتک مقرا بالظلم و الإساءه على نفسی أتیتک بلا حجه- أتیتک أرجو عظیم عفوک الذی عدت به على الخاطئین- ثم لم یمنعک عکوفهم على عظیم الجرم- أن جدت لهم بالمغفره- فیا صاحب العفو العظیم اغفر الذنب العظیم- برحمتک یا أرحم الراحمین-

و روی أن علیا ع اعتمر- فرأى رجلا متعلقا بأستار الکعبه- و هو یقول یا من لا یشغله سمع عن سمع- یا من لا تقلقه المسائل و لا یبرمه إلحاح الملحین- أذقنی برد عفوک و حلاوه مغفرتک- و عذوبه عافیتک و الفوز بالجنه و النجاه من النار- فقال علی ع و الذی نفسی بیده- إن قالها و علیه مثل السموات و الأرض- من الذنوب قولا مخلصا لیغفرن له- .

و دعا أعرابی عند الملتزم فقال- اللهم إن لک علی حقوقا فتصدق بها علی- و إن للناس قبلی تبعات فتحملها عنی- و قد أوجبت لکل ضیف قرى و أنا ضیفک اللیله- فاجعل قرای الجنه- .

و دعا بعض الأعراب أیضا و قد خرج حاجا فقال-

اللهم إلیک خرجت و ما عندک طلبت- فلا تحرمنی خیر ما عندک لشر ما عندی- اللهم إن کنت لم ترحم تعبی و نصبی- فإنها لمصیبه أصبت بها- فلا تحرمنی أجر المصاب على المصیبه- . و دعا بعضهم فقال- اللهم إنک سترت علینا فی الدنیا ذنوبا کثیره- و نحن إلى سترها فی الآخره أحوج فاغفر لنا- . و من دعاء بعضهم اللهم اجعل الموت خیر غائب ننتظره- و اجعل القبر خیر بیت نعمره- و اجعل ما بعده خیرا لنا منه- اللهم إلیک عجت الأصوات بصنوف اللغات- تسألک الحاجات- و حاجتی إلیک أن تذکرنی عند طول البلى- إذا نسینی أهل الدنیا- .

و قال بعضهم کنت أدعو الله بعد وفاه مالک بن دینار- أن أراه فی منامی فرأیته بعد سنه- فقلت یا أبا یحیى علمنی کیف أدعو- فقال قل اللهم یسر الجواز و سهل المجاز- . و قال الشعبی حسدت عبد الملک بن مروان- على دعاء کان یدعو به على المنبر- یقول اللهم إن ذنوبی کثیره جلت أن توصف- و هی صغیره فی جنب عفوک فاعف عنی- . و من دعاء بعض الزهاد- اللهم إنی أعوذ بک من أهل یلهینی و من هوى یردینی- و من عمل یخزینی و من صاحب یغوینی و من جار یؤذینی- و من غنى یطغینی و من فقر ینسینی- اللهم اجعلنا نستحییک و نتقیک و نخافک و نخشاک- و نرجوک و نطیعک فی السر و العلانیه- اللهم استرنا بالمعافاه و الغنى- أستعین الله على أموری و أستغفر الله لذنوبی- و أعوذ بک من شر نفسی- .

و یروى أن رجلا أعمى جاء إلى رسول الله ص فشکا إلیه ذهاب بصره- فقال ص له قل یا سبوح یا قدوس- یا نور الأنوار یا نور السموات و الأرض- یا أول الأولین و یا آخر الآخرین و یا أرحم الراحمین- أسألک‏ أن تغفر لی الذنوب التی تغیر النعم- و الذنوب التی تنزل النقم- و الذنوب التی تهتک العصم- و الذنوب التی توجب البلاء- و الذنوب التی تقطع الرجاء- و الذنوب التی تحبس الدعاء- و الذنوب التی تکشف الغطاء- و الذنوب التی تعجل الفناء- و الذنوب التی تظلم الهواء- و أسألک باسمک العظیم- و وجهک الکریم أن ترد علی بصری- فدعا بذلک فرد علیه بصره

و من الآثار المنقوله-

أن الله تعالى غضب على أمه فأنزل علیهم العذاب- و کان فیهم ثلاثه صالحون- فخرجوا و ابتهلوا إلى الله سبحانه- فقام أحدهم فقال- اللهم إنک أمرتنا أن نعتق أرقاءنا و نحن أرقاؤک- فاعتقنا ثم جلس و قام الثانی فقال- اللهم إنک أمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا- و قد ظلمنا أنفسنا فاعف عنا ثم جلس- و قام الثالث فقال- اللهم أنا على ثقه أنک لم تخلق خلقا أوسع من مغفرتک- فاجعل لنا فی سعتها نصیبا فرفع عنهم العذاب- .

قیل لسفیان بن عیینه ما حدیث رویته عن رسول الله ص أفضل دعاء أعطیته أنا و النبیون قبلی- أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شریک له- له الملک و له الحمد یحیی و یمیت و هو حی لا یموت- بیده الخیر و هو على کل شی‏ء قدیر- کأنهم لم یروه دعاء فقال ما تنکرون من هذا-
ثم روی لهم قول رسول الله ص من تشاغل بالثناء على الله- أعطاه الله فوق رغبه السائلین- ثم قال هذا أمیه بن أبی الصلت یقول لابن جدعان-

أ أذکر حاجتی أم قد کفانی
حیاؤک إن شیمتک الحیاء

إذا أثنى علیک المرء یوما
کفاه من تعرضه الثناء

و قال هذا مخلوق یقول لمخلوق فما ظنکم برب العالمین- .و من دعائه ص اللهم إنی أعوذ بک من الفقر إلا إلیک- و من الذل إلا لکو من دعائه ع اللهم ارزقنی عینین هطالتین- تسقیان القلوب مذروف الدموع- قبل أن یکون الدمع دما و قرع الضرس ندماو من دعائه ع اللهم طهر لسانی من الکذب و قلبی من النفاق- و عملی من الریاء و بصری من الخیانه- فإنک تعلم خائنه الأعین و ما تخفی الصدورو مما رواه أنس بن مالک لا تعجزوا عن الدعاء فإنه لن یهلک مع الدعاء أحدو من روایه جابر بن عبد الله لقد بارک الله للرجل فی الحاجه بکثره الدعاء فیها- أعطیها أو منعهاأبو هریره یرفعه اللهم أصلح لی فی دینی الذی هو عصمه أمری- و أصلح لی دنیای التی فیها معاشی- و أصلح لی آخرتی التی إلیها معادی- و اجعل الحیاه زیاده لی فی کل خیر- و الموت راحه لی من کل شر- .

قیل لأعرابی أ تحسن أن تدعو ربک فقال نعم- ثم دعا فقال اللهم إنک مننت علینا بالإسلام- من غیر أن نسألک- فلا تحرمنا الجنه و نحن نسألک سمعت أعرابیه تقول فی دعائها- یا عریض الجفنه یا أبا المکارم یا أبیض الوجه- فزجرها رجل فقالت دعونی أصف ربی بما یستحقه- .و کان موسى بن جعفر ع یقول فی سجوده آخر اللیل إلهی عظم الذنب من عبدک- فلیحسن العفو من عندک- . ذکر عند بعض الصالحین رجل قد أصابه بلاء عظیم- و هو یدعو فتبطئ عنه الإجابه- فقال بلغنی أن الله تعالى یقول- کیف أرحم المبتلى من شی‏ء أرحمه به-قال طاوس إنی لفی الحجر لیله إذ دخل علی بن الحسین ع- فقلت رجل صالح من أهل بیت صالح لأسمعن دعاءه- فسمعته یقول فی أثناء دعائه عبدک بفنائک- سائلک بفنائک مسکینک بفنائک- فما دعوت بهن فی کرب إلا و فرج عنی عمر بن ذر اللهم إن کنا عصیناک- فقد ترکنا من معاصیک أبغضها إلیک و هو الإشراک- و إن کنا قصرنا عن بعض طاعتک- فقد تمسکنا منها بأحبها إلیک- و هو شهاده أن لا إله إلا أنت- و أن رسلک جاءت بالحق من عندک- .

أعرابی اللهم إنا نبات نعمتک- فلا تجعلنا حصائد نقمتک- . بعضهم اللهم إن کنت قد بلغت أحدا- من عبادک الصالحین درجه ببلاء فبلغنیها بالعافیه- . حج أعرابی فکان لا یستغفر إذا صلى کما یستغفر الناس- فقیل له فقال کما أن ترکی الاستغفار مع ما أعلم- من عفو الله و رحمته ضعف- فکذلک استغفاری مع ما أعلم من إصراری لؤم- . لما صاف قتیبه بن مسلم الترک و هاله أمرهم- سأل عن محمد بن واسع- فقیل هو فی أقصى المیمنه جانحا على سیه قوسه- مبصبصا بإصبعه نحو السماء- فقال قتیبه لتلک الإصبع القاروره- أحب إلی من مائه ألف سیف شهیر و رمح طریر- . سمع مطرف بن الشخیر صیحه الناس بالدعاء- فقال لقد هممت أن أحلف أن الله غفر لهم- ثم ذکرت أنی فیهم فکففت- . کان المأمون إذا رفعت المائده من بین یدیه یقول- الحمد لله الذی جعل أرزاقنا أکثر من أقواتنا- . الحسن البصری من دخل المقبره- فقال اللهم رب الأرواح العالیه و الأجساد البالیه-و العظام النخره التی خرجت من الدنیا و هی مؤمنه بک- أدخل علیهم روحا منک و سلاما منی- کتب الله له بعدد من ولد- منذ زمن آدم إلى أن تقوم الساعه حسنات- .

علی ع الدعاء سلاح المؤمن و عماد الدین- و نور السموات و الأرض- . قیل إن فیما أنزله الله تعالى من الکتب القدیمه- أن الله یبتلی العبد و هو یحبه- لیسمع دعاءه و تضرعه- . أبو هریره اطلبوا الخیر دهرکم کله- و تعرضوا لنفحات من رحمه الله تعالى- فإن لله تعالى نفحات من رحمته- یصیب بها من یشاء من عباده- و اسألوا الله أن یستر عوراتکم و یؤمن روعاتکم- . صلى رجل إلى جنب عبد الله بن المبارک- فلما سلم الإمام سلم و قام عجلا- فجذب عبد الله بثوبه و قال أ ما لک إلى ربک حاجه- . قیل لعمر بن عبد العزیز جزاک الله عن الإسلام خیرا- فقال لا بل جزى الله الإسلام عنی خیرا- .

علی ع الداعی بغیر عمل کالرامی بغیر وتر- . کان الزهری إذا فرغ من الحدیث تلاه- فدعا اللهم إنی أسألک خیر ما أحاط به علمک- فی الدنیا و الآخره- و أعوذ بک من شر ما أحاط به علمک فی الدنیا و الآخره- . کان زبید النامی یستتبع الصبیان إلى المسجد- و فی کمه الجوز و یقول- من یتبعنی منکم فأعطیه خمس جوزات- فإذا دخلوا المسجد قال ارفعوا أیدیکم و قولوا- اللهم اغفر لزبید فإذا دعوا- قال اللهم استجب لهم فإنهم لم یذنبوا- .

علی ع جعل فی یدیک مفاتیح خزائنه بما أذن لک فیه من مسألته- فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب نعمته- و استمطرت شآبیب رحمته- فلا یقنطنک إبطاء إجابته- فإن العطیه على قدر النیه و ربما أخرت عنک الإجابه- لیکون ذلک أعظم لأجر السائل و أجزل لعطاء الآمل- و ربما سألت الشی‏ء فلا تؤتاه و أوتیت خیرا منه- أو صرف عنک بما هو لک خیر-

و اعلم أنه رب أمر قد طلبت فیه هلاک دینک لو أوتیته و من الدعاء المرفوع اللهم من أراد بنا سوءا- فأحط به ذلک السوء کإحاطه القلائد بترائب الولائد- و أرسخه على هامته کرسوخ السجیل على قمم أصحاب الفیلسمع عمر رجلا یقول فی دعائه اللهم اجعلنی من الأقلین فقال ما أردت بهذا- قال قول الله عز و جل وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِیلٌ- و قوله تعالى وَ قَلِیلٌ مِنْ عِبادِیَ الشَّکُورُ- فقال علیکم من الدعاء بما عرف- .

قال سعید بن المسیب مر بی صله بن أشیم فقلت له ادع لی- فقال رغبک الله فیما یبقى و زهدک فیما یفنى- و وهب لک الیقین الذی لا تسکن النفوس إلا إلیه- و لا تعول إلا علیه- . کان علی بن عیسى بن ماهان صاحب خراسان- و فی أیامه عصام بن یوسف الزاهد فلقیه فی الطریق- و سلم علیه علی فأعرض عنه و لم یرد علیه- فوقف علی و رفع یدیه و أسبل عینیه- و قال اللهم إن هذا الرجل یتقرب إلیک ببغضی- و أنا أتقرب إلیک بحبه فإن کنت غفرت له ببغضی- فاغفر لی بحبه یا کریم ثم سار- .

قال الأصمعی سمعت أعرابیا یدعو و یقول- اللهم إن کان رزقی فی السماء فأنزله- و إن کان فی الأرض فأخرجه و إن کان بعیدا فقربه- و إن کان قریبا فیسره و إن کان قلیلا فکثره- و إن کان کثیرا فبارک لی فیه- .

من دعاء عمرو بن عبید اللهم أغننی بالافتقار إلیک- و لا تفقرنی بالاستغناء عنک- اللهم أعنی على الدنیا بالقناعه و على الدین بالعصمه- .
شکا رجل إلى الحسن رحمه الله تعالى رجلا یظلمه- فقال له إذا صلیت الرکعتین بعد المغرب- فاسجد و قل یا شدید القوى- یا شدید المحال یا عزیز- أذللت لعزک جمیع من خلقت- فصل على محمد و آل محمد- و اکفنی مئونه فلان بما شئت- فدعا بها فلم یرعه إلا الواعیه باللیل- فسأل فقیل مات فلان فجأهقال موسى ع یا رب إنک لتعطینی أکثر من أملی قال- لأنک تکثر من قول ما شاء الله لا قوه إلا بالله
– . کان بعض الصالحین یقول قبل الصلاه- یا محسن قد جاءک المسی‏ء- و قد أمرت المحسن أن یتجاوز عن المسی‏ء- فتجاوز عن قبیح ما عندی بجمیل ما عندک- اللهم ارزقنی عمل الخائفین و خوف العاملین- حتى أنعم بترک التنعم طمعا فیما وعدت- و خوفا مما أوعدت- .
و من الأدعیه الجامعه اللهم أغننی بالعلم- و زینی بالحلم و جملنی بالعافیه و کرمنی بالتقوى- . أحمد بن یوسف کاتب المأمون- إذا دخل علیه حیاه بتحیه أبرویز الملک- عشت الدهر و نلت المنى و جنبت طاعه النساء- .

و من الدعاء المروی عن رسول الله ص

اللهم اغفر لی ذنوبی و خطایای کلها- اللهم أنعشنی و أجزنی و انصرنی- و اهدنی لصالح الأعمال و الأخلاق‏ إنه لا یهدی لصالحها- و لا یصرف عن سیئها إلا أنت- اللهم إنی أسألک الثبات فی الأمر- و العزیمه على الرشد- و أسألک شکر نعمتک و حسن عبادتک- و أسألک قلبا سلیما و لسانا صادقا- و أسألک من خیر ما تعلم و أعوذ بک من شر ما تعلم- و أستغفرک لما تعلم إنک أنت علام الغیوب

آداب الدعاء

قالوا و من آداب الدعاء أن ترصد له الأوقات الشریفه- کما بین الأذان و الإقامه- و کوقت السجود و وقت السحر- و یستحب أن یدعو مستقبل القبله رافعا یدیه-لما روى سلمان عن النبی ص أن ربکم کریم- یستحی من عبده إذا رفع إلیه یدیه أن یردهما صفرا- و یستحب أن یمسح بهما وجهه بعد الدعاء- فإن ذلک قد روی عن رسول الله ص- . و یکره أن یرفع بصره إلى السماء-لقوله ع لینتهین أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء- أو لتخطفن أبصارهم- و قد رخص فی ذلک للصدیقین و الأئمه العادلین- و یستحب أن یخفض صوته لقوله تعالى- ادْعُوا رَبَّکُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْیَهًو قد روی أن عمر سمع رجلا یجهر بالدعاء فقال- لکن زکریا نادى ربه نداء خفیا- . و یکره أن یتکلف الکلام المسجوع- و یستحب الإتیان بالمطبوع منه-لقوله ص إیاکم و السجع فی الدعاء- بحسب أحدکم أن یقول اللهم إنی أسألک الجنه- و ما قرب إلیها من قول أو عمل- و أعوذ بک من النار و ما قرب إلیها من قول أو عمل .

و قیل فی الوصیه الصالحه- ادع ربک بلسان الذله و الاحتقار- لا بلسان الفصاحه و التشدق- . و قال سفیان بن عیینه- لا یمنعن أحدکم من الدعاء ما یعلمه من نفسه- فإن الله تعالى أجاب دعاء شر خلقه إبلیس- حیث قال أَنْظِرْنِی- .النبی ص إذا سأل أحدکم ربه مسأله فتعرف الإجابه- فلیقل الحمد لله الذی بنعمته تتم الصالحات- و من أبطأ عنه شی‏ء من ذاک- فلیقل الحمد لله على کل حال- . و من الآداب أن یفتتح بالذکر و إلا یبتدئ بالمسأله-کان رسول الله ص قبل أن یدعو یقول- سبحان ربی العلی الوهابأبو سلیمان الدارانی من أراد أن یسأل الله تعالى حاجته- فلیبدأ بالصلاه على رسول الله ص ثم یسأل حاجته- ثم یختم بالصلاه على رسول الله ص- فإن الله تعالى یقبل الصلاتین- و هو أکرم من أن یدع ما بینهماو من دعاء علی ع اللهم صن وجهی بالیسار و لا تبذل جاهی بالإقتار- فأسترزق طالبی رزقک و أستعطف شرار خلقک- و أبتلی بحمد من أعطانی و أفتتن بذم من منعنی- و أنت من وراء ذلک کله ولی الإعطاء و المنع- إنک على کل شی‏ء قدیر
و من دعاء الحسن رحمه الله تعالى اللهم إنی أعوذ بک من قلب یعرف- و لسان یصف و أعمال تخالف و من دعاء أهل البیت ع-

و فیه رائحه من کلام أمیر المؤمنین ع الذی نحن فی شرحه اللهم إنی أستغفرک لما تبت منه إلیک ثم عدت فیه- و أستغفرک‏ لما وعدتک من نفسی ثم أخلفتک- و أستغفرک للنعم التی أنعمت بها علی- فتقویت على معصیتک- و أستغفرک من کل ذنب تمکنت منه بعافیتک- و نالته یدی بفضل نعمتک و انبسطت إلیه بسعه رزقک- و احتجبت فیه عن الناس بسترک- و اتکلت فیه على أکرم عفوک- اللهم إنی أعوذ بک أن أقول حقا لیس فیه رضاک- ألتمس به أحدا سواک- و أعوذ بک أن أتزین للناس بشی‏ء یشیننی عندک- و أعوذ بک أن أکون عبره لأحد من خلقک- و أن یکون أحد من خلقک أسعد بما علمتنی منی- و أعوذ بک أن أستعین بمعصیه لک على ضر یصیبنی – . کان أبو مسلم الخولانی إذا أهمه أمر- قال یا مالک یوم الدین إیاک نعبد و إیاک نستعین- .

و من دعاء علی ع

اللهم إن تهت عن مسألتی و أعمیت عن طلبتی- فدلنی على مصالحی و خذ بقلبی إلى مراشدی- اللهم احملنی على عفوک و لا تحملنی على عدلک

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی‏ الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۱۴۷

خطبه ۷۶ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۷۶ و من کلام له ع

إِنَّ بَنِی أُمَیَّهَ لَیُفَوِّقُونَنِی تُرَاثَ مُحَمَّدِ ص تَفْوِیقاً- وَ اللَّهِ لَئِنْ بَقِیتُ لَهُمْ- لَأَنْفُضَنَّهُمْ نَفْضَ اللَّحَّامِ الْوِذَامَ التَّرِبَهَ قال الرضی رحمه الله- و یروى التراب الوذمه و هو على القلب- . و قوله ع لیفوقوننی- أی یعطوننی من المال قلیلا کفواق الناقه- و هو الحلبه الواحده من لبنها- . و الوذام التربه جمع وذمه- و هی الحزه من الکرش أو الکبد تقع فی التراب فتنفض اعلم أن أصل هذا الخبر قد رواه- أبو الفرج علی بن الحسین الأصفهانی فی کتاب الأغانی- بإسناد رفعه إلى الحارث بن حبیش قال- بعثنی سعید بن العاص و هو یومئذ أمیر الکوفه- من قبل عثمان بهدایا إلى المدینه- و بعث معی هدیه إلى علی ع و کتب إلیه- أنی لم أبعث إلى أحد أکثر مما بعثت به إلیک- إلا إلى أمیر المؤمنین فلما أتیت علیا ع و قرأ کتابه-قال لشد ما یحظر علی بنو أمیه تراث محمد ص أما و الله- لئن ولیتها لأنفضنها نفض القصاب التراب الوذمه- .

قال أبو الفرج و هذا خطأ إنما هو الوذام التربه- . قال و قد حدثنی بذلک أحمد بن عبد العزیز الجوهری- عن أبی زید عمر بن شبه بإسناد ذکره فی الکتاب- أن سعید بن العاص حیث کان أمیر الکوفه- بعث مع ابن أبی عائشه مولاه إلى علی بن أبی طالب ع بصله-فقال علی ع و الله لا یزال غلام من غلمان بنی أمیه یبعث إلینا- مما أفاء الله على رسوله بمثل قوت الأرمله- و الله لئن بقیت لأنفضنها نفض القصاب الوذام التربه

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی‏ الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۳۸

خطبه ۷۵ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۷۵ و من خطبه له ع

رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ حُکْماً فَوَعَى- وَ دُعِیَ إِلَى رَشَادٍ فَدَنَا وَ أَخَذَ بِحُجْزَهِ هَادٍ فَنَجَا- رَاقَبَ رَبَّهُ وَ خَافَ ذَنْبَهُ قَدَّمَ خَالِصاً وَ عَمِلَ صَالِحاً- اکْتَسَبَ مَذْخُوراً وَ اجْتَنَبَ مَحْذُوراً- رَمَى غَرَضاً وَ أَحْرَزَ عِوَضاً کَابَرَ هَوَاهُ وَ کَذَّبَ مُنَاهُ- جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِیَّهَ نَجَاتِهِ وَ التَّقْوَى عُدَّهَ وَفَاتِهِ- رَکِبَ الطَّرِیقَهَ الْغَرَّاءَ لَزِمَ الْمَحَجَّهَ الْبَیْضَاءَ- اغْتَنَمَ الْمَهَلَ وَ بَادَرَ الْأَجَلَ وَ تَزَوَّدَ مِنَ الْعَمَلِ الحکم هاهنا الحکمه- قال سبحانه وَ آتَیْناهُ الْحُکْمَ صَبِیًّا- و وعى حفظ وعیت الحدیث أعیه وعیا- و أذن واعیه أی حافظه و دنا قرب و الحجزه معقد الإزار- و أخذ فلان بحجزه فلان إذا اعتصم به و لجأ إلیه- . ثم حذف ع الواو فی اللفظات الأخر فلم یقل و راقب ربه- و لا و قدم خالصا و کذلک إلى آخر اللفظات- و هذا نوع من الفصاحه کثیر فی استعمالهم- . و اکتسب بمعنى کسب- یقال کسبت الشی‏ء و اکتسبته بمعنى- .

و الغرض ما یرمى بالسهام- یقول رحم الله امرأ رمى غرضا- أی قصد الحق کمن یرمی غرضا یقصده- لا من یرمی فی عمیاء لا یقصد شیئا بعینه- .و العوض المحرز هاهنا هو الثواب- . و قوله کابر هواه أی غالبه- و روی کاثر بالثاء المنقوطه بالثلاث- أی غالب هواه بکثره عقله- یقال کاثرناهم فکثرناهم أی غلبناهم بالکثره- . و قوله و کذب مناه أی أمنیته- و الطریقه الغراء البیضاء و المهل النظر و التؤده

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۲۹

خطبه ۷۴ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)( اتهام بنی أمیه له بالمشارکه فی دم عثمان)

۷۴ و من کلام له ع لما بلغه اتهام بنی أمیه له- بالمشارکه فی دم عثمان

أَ وَ لَمْ یَنْهَ بَنِی أُمَیَّهَ عِلْمُهَا بِی عَنْ قَرْفِی- أَ وَ مَا وَزَعَ الْجُهَّالَ سَابِقَتِی عَنْ تُهَمَتِی- وَ لَمَا وَعَظَهُمُ اللَّهُ بِهِ أَبْلَغُ مِنْ لِسَانِی- أَنَا حَجِیجُ الْمَارِقِینَ وَ خَصِیمُ النَّاکِثِینَ الْمُرْتَابِینَ- وَ عَلَى کِتَابِ اللَّه تُعْرَضُ الْأَمْثَالُ- وَ بمَا فی الصُّدُورِ تُجَازَى الْعِبَادُ القرف العیب قرفته بکذا أی عبته- و وزع کف و ردع و منه قوله لا بد للناس من وزعه جمع وازع- أی من رؤساء و أمراء- و التهمه بفتح الهاء هی اللغه الفصیحه- و أصل التاء فیه واو- . و الحجیج کالخصیم ذو الحجاج و الخصومه- یقول ع أ ما کان فی علم بنی أمیه بحالی- ما ینهاها عن قرفی بدم عثمان و حاله التی أشار إلیها- و ذکر أن علمهم بها یقتضی ألا یقرفوه بذلک- هی منزلته فی الدین التی لا منزله أعلى منها- و ما نطق به الکتاب الصادق من طهارته- و طهاره بنیه و زوجته فی قوله- إِنَّما یُرِیدُ اللَّهُ لِیُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ- وَ یُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیراًو قول النبی ص أنت منی بمنزله هارون من موسى- و ذلک یقتضی عصمته عن الدم الحرام-کما أن هارون معصوم عن مثل ذلک- و ترادف الأقوال و الأفعال من رسول الله ص فی أمره- التی یضطر معها الحاضرون لها و المشاهدون إیاها- إلى أن مثله لا یجوز أن یسعى فی إراقه دم أمیر مسلم- لم یحدث حدثا یستوجب به إحلال دمه- .

و هذا الکلام صحیح معقول- و ذاک أنا نرى من یظهر ناموس الدین- و یواظب على نوافل العبادات- و نشاهد من ورعه و تقواه ما یتقرر- معه فی نفوسنا استشعاره الدین و اعتقاده إیاه- فیصرفنا ذلک عن قرفه بالعیوب الفاحشه- و نستبعد مع ذلک طعن من یطعن فیه- و ننکره و ناباه و نکذبه- فکیف ساغ لأعداء أمیر المؤمنین ع- مع علمهم بمنزلته العالیه فی الدین- التی لم یصل إلیها أحد من المسلمین- أن یطلقوا ألسنتهم فیه- و ینسبوه إلى قتل عثمان أو الممالاه علیه- لا سیما و قد اتصل بهم و ثبت عندهم- أنه کان من أنصاره لا من المجلبین علیه- و أنه کان أحسن الجماعه فیه قولا و فعلا- . ثم قال أ لم تزع الجهال و تردعهم سابقتی عن تهمتی- و هذا الکلام تأکید للقول الأول- .

ثم قال إن الذی وعظهم الله تعالى به فی القرآن- من تحریم الغیبه و القذف و تشبیه ذلک- بأکل لحم المیت أبلغ من وعظی لهم- لأنه لا عظه أبلغ من عظه القرآن- . ثم قال أنا حجیج المارقین و خصیم المرتابین- یعنی یوم القیامه-روی عنه ع أنه قال أنا أول من یجثو للحکومه بین یدی الله تعالىو قد روی عن النبی ص مثل ذلک مرفوعا فی قوله تعالى- هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِی رَبِّهِمْ- و أنه ص سئل عنها- فقال علی و حمزه و عبیده و عتبه و شیبه و الولید- و کانت حادثتهم أول حادثه وقعت فیها- مبارزه أهل الإیمان لأهل الشرک- و کان المقتول الأول بالمبارزه الولید بن عتبه- قتله علی ع ضربه على رأسه فبدرت عیناه على وجنته-فقال النبی ص فیه و فی أصحابه ما قال- و کان علی ع یکثر من قوله أنا حجیج المارقین- و یشیر إلى هذا المعنى- . ثم أشار إلى ذلک بقوله على کتاب الله تعرض الأمثال- یرید قوله تعالى هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِی رَبِّهِمْ- .

ثم قال و بما فی الصدور تجازى العباد- إن کنت قتلت عثمان أو مالأت علیه- فإن الله تعالى سیجازینی بذلک- و إلا فسوف یجازی بالعقوبه و العذاب من اتهمنی به- و نسبه إلی- . و هذا الکلام یدل على ما یقوله أصحابنا- من تبرؤ أمیر المؤمنین ع من دم عثمان- و فیه رد و إبطال لما یزعمه الإمامیه- من کونه رضی به و أباحه- و لیس یقول أصحابنا أنه ع لم یکن ساخطا أفعال عثمان- و لکنهم یقولون إنه و إن سخطها و کرهها- و أنکرها لم یکن مبیحا لدمه و لا ممالئا على قتله- و لا یلزم من إنکار أفعال الإنسان إحلال دمه- فقد لا یبلغ الفعل فی القبح إلى أن یستحل به الدم- کما فی کثیر من المناهی

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی ‏الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۱۳

خطبه ۷۳ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۷۳ و من کلام له ع لما عزموا على بیعه عثمان

لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّی أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَیْرِی- وَ وَ اللَّهِ لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِینَ- وَ لَمْ یَکُنْ فِیهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَیَّ خَاصَّهً- الْتِمَاساً لِأَجْرِ ذَلِکَ وَ فَضْلِهِ- وَ زُهْداً فِیمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَ زِبْرِجِهِ نافست فی الشی‏ء منافسه و نفاسا- إذا رغبت فیه على وجه المباراه فی الکرم- و تنافسوا فیه أی رغبوا- . و الزخرف الذهب ثم شبه به کل مموه مزور- قال تعالى حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها- و المزخرف المزین- . و الزبرج الزینه من وشی أو جوهر و نحو ذلک- و یقال الزبرج الذهب أیضا- .

یقول لأهل الشورى- إنکم تعلمون أنی أحق بالخلافه من غیری و تعدلون عنی- ثم أقسم لیسلمن و لیترکن المخالفه لهم- إذا کان فی تسلیمه و نزوله عن حقه سلامه أمور المسلمین- و لم یکن الجور و الحیف إلا علیه خاصه و هذا کلام مثله ع- لأنه إذا علم أو غلب على ظنه- أنه أن نازع و حارب دخل على الإسلام وهن و ثلم- لم یختر له المنازعه و إن کان‏ یطلب بالمنازعه ما هو حق- و إن علم أو غلب على ظنه بالإمساک عن طلب حقه- إنما یدخل الثلم و الوهن علیه خاصه- و یسلم الإسلام من الفتنه- وجب علیه أن یغضی و یصبر على ما أتوا إلیه من أخذ حقه- و کف یده حراسه للإسلام من الفتنه- .

فإن قلت فهلا سلم إلى معاویه و إلى أصحاب الجمل- و أغضى على اغتصاب حقه حفظا للإسلام من الفتنه- . قلت إن الجور الداخل علیه من أصحاب الجمل- و من معاویه و أهل الشام لم یکن مقصورا علیه خاصه- بل کان یعم الإسلام و المسلمین جمیعا- لأنهم لم یکونوا عنده ممن یصلح لرئاسه الأمه- و تحمل أعباء الخلافه- فلم یکن الشرط الذی اشترطه متحققا- و هو قوله و لم یکن فیه جور إلا علی خاصه- . و هذا الکلام یدل على أنه ع لم یکن- یذهب إلى أن خلافه عثمان کانت- تتضمن جورا على المسلمین و الإسلام- و إنما کانت تتضمن جورا علیه خاصه- و أنها وقعت على جهه مخالفه الأولى- لا على جهه الفساد الکلی و البطلان الأصلی- و هذا محض مذهب أصحابنا

کلام لعلی قبل المبایعه لعثمان

و نحن نذکر فی هذا الموضع ما استفاض فی الروایات- من مناشدته أصحاب الشورى- و تعدیده فضائله و خصائصه التی بان بها منهم و من غیرهم- قد روى الناس ذلک فأکثروا- و الذی صح عندنا أنه لم یکن الأمر کما روی- من تلک التعدیدات الطویله-و لکنه قال لهم بعد أن بایع عبد الرحمن و الحاضرون عثمان- و تلکا هو ع عن البیعه- إن لنا حقا إن نعطه نأخذه- و إن نمنعه نرکب أعجاز الإبل و إن طال السرى
– فی کلام قد ذکره أهل السیره- و قد أوردنا بعضه فیما تقدم-ثم قال لهم أنشدکم الله- أ فیکم أحد آخى رسول الله ص بینه و بین نفسه- حیث آخى بین بعض المسلمین و بعض غیری‏

فقالوا لا- فقال أ فیکم أحد قال له رسول الله ص- من کنت مولاه فهذا مولاه غیری فقالوا لا- فقال أ فیکم أحد قال له رسول الله ص- أنت منی بمنزله هارون من موسى إلا أنه لا نبی بعدی غیری- قالوا لا قال أ فیکم من اؤتمن على سوره براءه- و قال له رسول الله ص إنه لا یؤدی عنی إلا أنا- أو رجل منی غیری قالوا لا قال- أ لا تعلمون أن أصحاب رسول الله ص فروا عنه- فی ماقط الحرب فی غیر موطن و ما فررت قط قالوا بلى-

قال أ لا تعلمون أنی أول الناس إسلاما قالوا بلى قال- فأینا أقرب إلى رسول الله ص نسبا قالوا أنت- فقطع علیه عبد الرحمن بن عوف کلامه و قال یا علی- قد أبى الناس إلا على عثمان فلا تجعلن على نفسک سبیلا- ثم قال یا أبا طلحه ما الذی أمرک به عمر- قال أن أقتل من شق عصا الجماعه- فقال عبد الرحمن لعلی بایع اذن- و إلا کنت متبعا غیر سبیل المؤمنین- و أنفذنا فیک ما أمرنا به فقال- لقد علمتم أنی أحق بها من غیری و الله لأسلمن- الفصل إلى آخره ثم مد یده فبایع

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی ‏الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۲۴

خطبه ۷۲ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۷۲ و من کلام له ع قاله لمروان بن الحکم بالبصره

قَالُوا: أُخِذَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَکَمِ أَسِیراً یَوْمَ الْجَمَلِ- فَاسْتَشْفَعَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَیْنَ ع إِلَى أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ ع- فَکَلَّمَاهُ فِیهِ فَخَلَّى سَبِیلَهُ فَقَالَا لَهُ- یُبَایِعُکَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ قَالَ ع- أَ وَ لَمْ یُبَایِعْنِی بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ- لَا حَاجَهَ لِی فِی بَیْعَتِهِ إِنَّهَا کَفٌ یَهُودِیَّهٌ- لَوْ بَایَعَنِی بِیَدِهِ لَغَدَرَ بِسَبَّتِهِ- أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَهً کَلَعْقَهِ الْکَلْبِ أَنْفَهُ- وَ هُوَ أَبُو الْأَکْبَشِ الْأَرْبَعَهِ- وَ سَتَلْقَى الْأُمَّهُ مِنْهُ وَ مِنْ وُلْدِهِ یَوْماً أَحْمَرَ قد روی هذا الخبر من طرق کثیره- و رویت فیه زیاده لم یذکرها صاحب نهج البلاغه-و هی قوله ع فی مروان یحمل رایه ضلاله بعد ما یشیب صدغاه- و إن له إمره- إلى آخر الکلام- . و قوله فاستشفع الحسن و الحسین إلى أمیر المؤمنین ع- هو الوجه یقال استشفعت فلانا إلى فلان- أی سألته أن یشفع لی إلیه- و تشفعت إلى فلان فی فلان- فشفعنی فیه تشفیعا- و قول الناس استشفعت بفلان إلى فلان بالباء- لیس بذلک الجید- . و قول أمیر المؤمنین ع أ و لم یبایعنی بعد قتل عثمان- أی و قد غدر و هکذا لو بایعنی الآن- .

و معنى قوله إنها کف یهودیه أی غادره- و الیهود تنسب إلى الغدر و الخبث- و قال تعالى- لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَهً لِلَّذِینَ آمَنُوا الْیَهُودَ- . و السبه الاست بفتح السین- سبه یسبه أی طعنه فی الموضع- و معنى الکلام محمول على وجهین- .

أحدهما أن یکون ذکر السبه إهانه له و غلظه علیه- و العرب تسلک مثل ذلک فی خطبها و کلامها- قال المتوکل لأبی العیناء إلى متى تمدح الناس و تذمهم- فقال ما أحسنوا و أساءوا- ثم قال یا أمیر المؤمنین- إن الله تعالى رضی عن واحد فمدحه- و سخط على آخر فهجاه و هجا أمه- قال نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ- و قال عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِکَ زَنِیمٍ- و الزنیم ولد الزنا- .

الوجه الثانی أن یرید بالکلام حقیقه لا مجازا- و ذلک لأن الغادر من العرب کان- إذا عزم على الغدر بعد عهد قد عاهده أو عقد قد عقده- حبق استهزاء بما کان- قد أظهره من الیمین و العهد و سخریه و تهکما- . و الإمره الولایه بکسر الهمزه و قوله کلعقه الکلب أنفه یرید قصر المده- و کذلک کانت مده خلافه مروان فإنه ولی تسعه أشهر- . و الأکبش الأربعه بنو عبد الملک- الولید و سلیمان و یزید و هشام- و لم یل الخلافه من بنی أمیه- و لا من غیرهم أربعه إخوه إلا هؤلاء- . و کل الناس فسروا الأکبش الأربعه بمن ذکرناه- و عندی أنه یجوز أن یعنی به‏بنی مروان لصلبه- و هم عبد الملک و عبد العزیز و بشر و محمد- و کانوا کباشا أبطالا أنجادا- أما عبد الملک فولی الخلافه- و أما بشر فولی العراق- و أما محمد فولی الجزیره- و أما عبد العزیز فولی مصر- و لکل منهم آثار مشهوره- و هذا التفسیر أولى- لأن الولید و إخوته أبناء ابنه و هؤلاء بنوه لصلبه- .

و یقال للیوم الشدید یوم أحمر- و للسنه ذات الجدب سنه حمراء- . و کل ما أخبر به أمیر المؤمنین ع فی هذا الکلام وقع- کما أخبر به- و کذلک قوله- یحمل رایه ضلاله بعد ما یشیب صدغاه- فإنه ولی الخلافه- و هو ابن خمسه و ستین فی أعدل الروایات

مروان بن الحکم و نسبه و أخباره

و نحن ذاکرون فی هذا الموضع نسبه- و جملا من أمره و ولایته للخلافه و وفاته على سبیل الاختصار- . هو مروان بن الحکم بن أبی العاص- بن أمیه بن عبد شمس بن عبد مناف- و أمه آمنه بنت علقمه بن صفوان بن أمیه الکنانی- یکنى أبا عبد الملک ولد على عهد رسول الله ص- منذ سنه اثنتین من الهجره و قیل عام الخندق- و قیل یوم أحد و قیل غیر ذلک- و قال قوم بل ولد بمکه و قیل ولد بالطائف- ذکر ذلک کله أبو عمر بن عبد البر فی کتاب الإستیعاب- . قال أبو عمر و ممن قال بولادته یوم أحد مالک بن أنس- و على قوله یکون‏ رسول الله ص قد توفی- و عمره ثمان سنین أو نحوها- .

و قیل إنه لما نفی مع أبیه إلى الطائف کان طفلا لا یعقل- و إنه لم یر رسول الله ص و کان الحکم أبوه قد طرده رسول الله عن المدینه- و سیره إلى الطائف فلم یزل بها حتى ولی عثمان- فرده إلى المدینه فقدمها هو و ولده فی خلافه عثمان- و توفی فاستکتبه عثمان و ضمه إلیه- فاستولى علیه إلى أن قتل- . و الحکم بن أبی العاص هو عم عثمان بن عفان- کان من مسلمه الفتح و من المؤلفه قلوبهم- و توفی الحکم فی خلافه عثمان قبل قتله بشهور- .

و اختلف فی السبب الموجب لنفی رسول الله ص- فقیل إنه کان یتحیل و یستخفی- و یتسمع ما یسره رسول الله ص إلى أکابر الصحابه- فی مشرکی قریش و سائر الکفار و المنافقین- و یفشی ذلک عنه حتى ظهر ذلک عنه- . و قیل کان یتجسس على رسول الله ص و هو عند نسائه- و یسترق السمع- و یصغی إلى ما یجری هناک- مما لا یجوز الاطلاع علیه- ثم یحدث به المنافقین على طریق الاستهزاء- .
و قیل کان یحکیه فی بعض مشیته و بعض حرکاته- فقد قیل إن النبی ص کان إذا مشى یتکفأ- و کان الحکم بن أبی العاص یحکیه- و کان شانئا له مبغضا حاسدا- فالتفت رسول الله ص یوما- فرآه یمشی خلفه یحکیه فی مشیته-فقال له کذلک فلتکن یا حکم- فکان الحکم مختلجا یرتعش من یومئذ- فذکر ذلک عبد الرحمن بن حسان بن ثابت- فقال لعبد الرحمن بن الحکم یهجوه-

إن اللعین أبوک فارم عظامه
إن ترم ترم مخلجا مجنونا

یمشی خمیص البطن من عمل التقى‏
و یظل من عمل الخبیث بطینا

قال صاحب الإستیعاب- أما قول عبد الرحمن بن حسان إن اللعین أبوک- فإنه روی عن عائشه من طرق ذکرها ابن أبی خیثمه و غیره- أنها قالت لمروان إذ قال فی أخیها عبد الرحمن- إنه أنزل فیه وَ الَّذِی قالَ لِوالِدَیْهِ أُفٍّ لَکُما- أَ تَعِدانِنِی أَنْ أُخْرَجَ وَ قَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِی- وَ هُما یَسْتَغِیثانِ اللَّهَ وَیْلَکَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ- فَیَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِیرُ الْأَوَّلِینَ- أما أنت یا مروان- فأشهد أن رسول الله ص لعن أباک و أنت فی صلبه- .

و روى صاحب کتاب الإستیعاب بإسناد ذکره عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ص قال یدخل علیکم رجل لعین- قال عبد الله و کنت قد رأیت أبی یلبس ثیابه- لیقبل إلى رسول الله ص- فلم أزل مشفقا أن یکون أول من یدخل- فدخل الحکم بن أبی العاصقال صاحب الإستیعاب و نظر علی ع یوما إلى مروان- فقال له ویل لک و ویل لأمه محمد منک- و من بنیک إذا شاب صدغاک- و کان مروان یدعى‏خیط باطل- قیل لأنه کان طویلا مضطربا- . و ضرب یوم الدار على قفاه فخر لفیه- فلما بویع له بالخلافه- قال فیه أخوه عبد الرحمن بن الحکم و کان ماجنا شاعرا محسنا و کان لا یرى رأی مروان-

فو الله ما أدری و إنی لسائل
حلیله مضرب القفا کیف تصنع‏

لحا الله قوما أمروا خیط باطل‏
على الناس یعطی ما یشاء و یمنع‏

و قیل إنما قال له أخوه عبد الرحمن ذلک- حین ولاه معاویه إمره المدینه- و کان کثیرا ما یهجوه و من شعره فیه-

وهبت نصیبی منک یا مرو کله
لعمرو و مروان الطویل و خالد

و رب ابن أم زائد غیر ناقص‏
و أنت ابن أم ناقص غیر زائد

و قال مالک بن الریب یهجو مروان بن الحکم-

لعمرک ما مروان یقضی أمورنا
و لکن ما یقضی لنا بنت جعفر

فیا لیتها کانت علینا أمیره‏
و لیتک یا مروان أمسیت ذاحر

و من شعر أخیه عبد الرحمن فیه-

ألا من یبلغن مروان عنی
رسولا و الرسول من البیان‏

بأنک لن ترى طردا لحر
کإلصاق به بعض الهوان‏

و هل حدثت قبلی عن کریم
معین فی الحوادث أو معان‏

یقیم بدار مضیعه إذا لم‏
یکن حیران أو خفق الجنان‏

فلا تقذف بی الرجوین إنی
أقل القوم من یغنی مکانی‏

سأکفیک الذی استکفیت منی‏
بأمر لا تخالجه الیدان‏

فلو أنا بمنزله جرینا
جریت و أنت مضطرب العنان‏

و لو لا أن أم أبیک أمی‏
و أن من قد هجاک فقد هجانی‏

لقد جاهرت بالبغضاء إنی
إلى أمر الجهاره و العلان‏

و لما صار أمر الخلافه إلى معاویه ولى مروان المدینه- ثم جمع له إلى المدینه مکه و الطائف- ثم عزله و ولى سعید بن العاص- فلما مات یزید بن معاویه- و ولی ابنه أبو لیلى معاویه بن یزید فی سنه أربع و ستین- عاش فی الخلافه أربعین یوما و مات- فقالت له أمه أم خالد بنت أبی هاشم- بن عتبه بن ربیعه بن عبد شمس- اجعل الخلافه من بعدک لأخیک فأبى و قال- لا یکون لی مرها و لکم حلوها- فوثب مروان علیها و أنشد-

إنی أرى فتنه تغلی مراجلها
و الملک بعد أبی لیلى لمن غلبا

و ذکر أبو الفرج علی بن الحسین الأصفهانی- فی کتاب الأغانی- أن معاویه لما عزل مروان بن الحکم- عن إمره المدینه و الحجاز و ولى مکانه سعید بن العاص- وجه مروان أخاه عبد الرحمن بن الحکم أمامه إلى معاویه- و قال له ألقه قبلی فعاتبه لی و استصلحه- . قال أبو الفرج و قد روی أن عبد الرحمن کان بدمشق یومئذ- فلما بلغه خبر عزل مروان- و قدومه إلى الشام خرج و تلقاه- و قال له أقم حتى أدخل إلى أخیک- فإن کان عزلک عن موجده دخلت إلیه منفردا- و إن کان عن غیر موجده دخلت إلیه مع الناس-فأقام مروان و مضى عبد الرحمن- فلما قدم على معاویه دخل إلیه و هو یعشی الناس فأنشده-

أتتک العیس تنفخ فی براها
تکشف عن مناکبها القطوع‏

بأبیض من أمیه مضرحی‏
کأن جبینه سیف صنیع‏

فقال له معاویه أ زائرا جئت أم مفاخرا مکابرا- فقال أی ذلک شئت- فقال ما أشاء من ذلک شیئا- و أراد معاویه أن یقطعه عن کلامه الذی عن له- فقال له على أی ظهر جئتنا- فقال على فرس قال ما صفته قال أجش هزیم- یعرض بقول النجاشی فی معاویه یوم صفین-

و نجا ابن حرب سابح ذو علاله
أجش هزیم و الرماح دوان‏

إذا قلت أطراف الرماح تناله‏
مرته له الساقان و القدمان‏

فغضب معاویه و قال- إلا أنه لا یرکبه صاحبه فی الظلم إلى الریب- و لا هو ممن یتسور على جاراته- و لا یتوثب بعد هجعه الناس على کنائنه- و کان عبد الرحمن یتهم بذلک فی امرأه أخیه- فخجل عبد الرحمن و قال یا أمیر المؤمنین- ما حملک على عزل ابن عمک الخیانه أوجبت ذلک- أم لرأی رأیته و تدبیر استصلحته- قال بل لتدبیر استصلحته قال فلا بأس بذلک- فخرج من عنده فلقی أخاه مروان- فأخبره بما دار بینه و بین معاویه- فاستشاط غیظا و قال لعبد الرحمن- قبحک الله ما أضعفک- عرضت للرجل بما أغضبه حتى إذا انتصر منک أحجمت عنه- ثم لبس حلته و رکب فرسه و تقلد سیفه و دخل على معاویه-

فقال له حین رآه و تبین الغضب فی وجهه- مرحبا بأبی عبد الملک لقد زرتنا عند اشتیاق منا إلیک- فقال لا ها الله ما زرتک لذلک- و لا قدمت علیک فألفیتک إلا عاقا قاطعا- و الله ما أنصفتنا و لا جزیتنا جزاءنا- لقد کانت السابقه من بنی عبد شمس لآل أبی العاص- و الصهر عن رسول الله ص لهم و الخلافه منهم- فوصلوکم یا بنی حرب و شرفوکم و ولوکم- فما عزلوکم و لا آثروا علیکم- حتى إذا ولیتم و أفضى الأمر إلیکم أبیتم- إلا أثره و سوء صنیعه و قبح قطیعه فرویدا رویدا- فقد بلغ بنو الحکم و بنو بنیه نیفا و عشرین- و إنما هی أیام قلائل حتى یکملوا أربعین- ثم یعلم امرؤ ما یکون منهم حینئذ- ثم هم للجزاء بالحسنى و السوء بالمرصاد- . قال أبو الفرج هذا رمز إلىقول رسول الله ص إذا بلغ بنو أبی العاص أربعین رجلا- اتخذوا مال الله دولا و عباد الله خولا- فکان بنو أبی العاص یذکرون- أنهم سیلون أمر الأمه إذا بلغوا هذه العده- .

قال أبو الفرج فقال له معاویه مهلا أبا عبد الملک- إنی لم أعزلک عن خیانه و إنما عزلتک لثلاثه- لو لم یکن منهن إلا واحده لأوجبت عزلک- إحداهن أنی أمرتک على عبد الله بن عامر- و بینکما ما بینکما فلن تستطیع أن تشتفی منه- و الثانیه کراهیتک لإمره زیاد- و الثالثه أن ابنتی رمله- استعدتک على زوجها عمرو بن عثمان فلم تعدها- فقال مروان أما ابن عامر فإنی لا أنتصر منه فی سلطانی- و لکن إذا تساوت الأقدام علم أین موقعه- و أما کراهتی لإمره زیاد فإن سائر بنی أمیه کرهوه- و جعل الله لنا فی ذلک الکره خیرا کثیرا- و أما استعداء رمله على عمرو- فو الله إنه لیأتی علی سنه أو أکثر و عندی بنت عثمان- فما أکشف لها ثوبا یعرض- بأن رمله إنما تستعدی على عمرو بن عثمان طلب النکاح- فغضب معاویه فقال یا ابن الوزغ لست هناک- فقال مروان هو ما قلت لک و إنی الآن لأبو عشره- و أخو عشره و عم عشره- و قد کاد ولد أبی أن یکملوا العده یعنی أربعین- و لو قد بلغوها لعلمت أین تقع منی فانخزل معاویه و قال-

فإن أک فی شرارکم قلیلا
فإنی فی خیارکم کثیر

بغاث الطیر أکثرها فراخا
و أم الصقر مقلات نزور

ثم استخذى معاویه فی ید مروان و خضع- و قال لک العتبى و أنا رادک إلى عملک- فوثب مروان و قال کلا و عیشک لا رأیتنی عائدا و خرج- . فقال الأحنف لمعاویه ما رأیت قط لک سقطه مثلها- ما هذا الخضوع لمروان- و أی شی‏ء یکون منه و من بنی أبیه إذا بلغوا أربعین- و ما الذی تخشاه منهم فقال- ادن منی أخبرک ذلک فدنا الأحنف منه فقال له- إن الحکم بن أبی العاص کان أحد من قدم مع أختی أم حبیبه- لما زفت إلى رسول الله ص و هو یتولى نقلها إلیه- فجعل رسول الله ص یحد النظر إلیه- فلما خرج من عنده- قیل یا رسول الله لقد أحددت النظر إلى الحکم- فقال ابن المخزومیه- ذاک رجل إذا بلغ بنو أبیه ثلاثین أو أربعین- ملکوا الأمر من بعدی- فو الله لقد تلقاها مروان من عین صافیه- فقال الأحنف رویدا یا أمیر المؤمنین- لا یسمع هذا منک أحد- فإنک تضع من قدرک و قدر ولدک بعدک- و إن یقض الله أمرا یکن- فقال‏معاویه اکتمها یا أبا بحر علی إذا- فقد لعمرک صدقت و نصحت- . و ذکر شیخنا أبو عثمان الجاحظ فی کتاب- مفاخره هاشم و عبد شمس- أن مروان کان یضعف- و أنه کان ینشد یوم مرج راهط و الرءوس تندر عن کواهلها-

و ما ضرهم غیر حین النفوس
أی غلامی قریش غلب‏

قال و هذا حمق شدید و ضعف عظیم- قال و إنما ساد مروان و ذکر بابنه عبد الملک- کما ساد بنوه و لم یکن فی نفسه هناک- . فأما خلافه مروان- فذکر أبو جعفر محمد بن جریر الطبری فی التاریخ- أن عبد الله بن الزبیر لما أخرج بنی أمیه- عن الحجاز إلى الشام فی خلافه یزید بن معاویه- خرجوا و فیهم مروان و ابنه عبد الملک- و لم تطل مده یزید فتوفی- و مات ابنه بعده بأیام یسیره- و کان من رأی مروان أن یدخل إلى ابن الزبیر بمکه- فیبایعه بالخلافه فقدم عبید الله بن زیاد- و قد أخرجه أهل البصره عنها بعد وفاه یزید- فاجتمع هو و بنو أمیه و أخبروه بما قد أجمع علیه مروان- فجاء إلیه و قال- استجبت لک یا أبا عبد الملک فما یرید- أنت کبیر قریش و سیدها تصنع ما تصنع- و تشخص إلى أبی خبیب فتبایعه بالخلافه- فقال مروان ما فات شی‏ء بعد فقام مروان- و اجتمع إلیه بنو أمیه و موالیهم- و عبید الله بن زیاد و کثیر من أهل الیمن و کثیر من کلب- فقدم دمشق و علیها الضحاک بن قیس الفهری- قد بایعه الناس على أن یصلی بهم و یقیم لهم أمرهم- حتى یجتمع‏ الناس على إمام- و کان هوى الضحاک مع ابن الزبیر إلا أنه لم یبایع له بعد- و کان زفر بن الحارث الکلابی بقنسرین- یخطب لابن الزبیر- و النعمان بن بشیر الأنصاری بحمص یخطب لابن الزبیر- و کان حسان بن مالک بن بحدل الکلبی بفلسطین- یهوى هوى بنی أمیه- ثم من بینهم بنی حرب لأنه کان عاملا لمعاویه- ثم لیزید بن معاویه من بعده- و کان حسان بن مالک مطاعا فی قومه عظیما عندهم- فخرج عن فلسطین یرید الأردن- و استخلف على فلسطین روح بن زنباع الجذامی- فوثب علیه بعد شخوص حسان بن مالک- و ناتل بن قیس الجذامی أیضا- فأخرجه عن فلسطین و خطب لابن الزبیر و کان له فیه هوى- فاستوثقت الشام کلها لابن الزبیر ما عدا الأردن- فإن حسان بن مالک الکلبی کان یهوى هوى بنی أمیه- و یدعو إلیهم فقام فی أهل الأردن فخطبهم و قال لهم- ما شهادتکم على ابن الزبیر و قتلى المدینه بالحره- قالوا نشهد أن ابن الزبیر کان منافقا- و أن قتلى أهل المدینه بالحره فی النار- قال فما شهادتکم على یزید بن معاویه و قتلاکم بالحره- قالوا نشهد أن یزید بن معاویه کان مؤمنا- و کان قتلانا بالحره فی الجنه- قال و أنا أشهد أنه إن کان دین یزید بن معاویه و هو حی حقا- إنه الیوم لعلى حق هو و شیعته- و إن کان ابن الزبیر یومئذ هو و شیعته على باطل- إنه الیوم و شیعته على باطل قالوا صدقت- نحن نبایعک على أن نقاتل معک من خالفک من الناس- و أطاع ابن الزبیر على أن تجنبنا ولایه هذین الغلامین- ابنی یزید بن معاویه و هما خالد و عبد الله- فإنهما حدیثه أسنانهما- و نحن نکره أن یأتینا الناس بشیخ و نأتیهم بصبی- .

قال و قد کان الضحاک بن قیس یوالی ابن الزبیر باطنا- و یهوى هواه و یمنعه إظهار ذلک بدمشق و البیعه له- أن بنی أمیه و کلبا کانوا بحضرته- و کلب أخوال یزید بن معاویه و بنیه و یطلبون الإمره لهم- فکان الضحاک یعمل فی ذلک سرا- و بلغ حسان بن مالک بن بحدل ما أجمع علیه الضحاک- فکتب إلیه کتابا یعظم فیه حق بنی أمیه- و یذکر الطاعه و الجماعه- و حسن بلاء بنی أمیه عنده و صنیعهم إلیه- و یدعوه إلى بیعتهم و طاعتهم- و یذکر ابن الزبیر و یقع فیه و یشتمه- و یذکر أن منافق قد خلع خلیفتین- و أمره أن یقرأ کتابه على الناس- ثم دعا رجلا من کلب یقال له ناغضه- فسرح بالکتاب معه إلى الضحاک بن قیس- و کتب حسان نسخه ذلک الکتاب و دفعه إلى ناغضه- و قال له إن قرأ الضحاک کتابی على الناس- و إلا فقم أنت و اقرأ هذا الکتاب علیهم- و کتب حسان إلى بنی أمیه یأمرهم أن یحضروا ذلک- فقدم ناغضه بالکتاب على الضحاک فدفعه إلیه- و دفع کتاب بنی أمیه إلیهم سرا- .

فلما کان یوم الجمعه و صعد الضحاک على المنبر- و قدم إلیه ناغضه فقال أصلح الله الأمیر- ادع بکتاب حسان فاقرأه على الناس- فقال له الضحاک اجلس فجلس- ثم قام ثانیه فتکلم مثل ذلک فقال له اجلس فجلس- ثم قام ثالثه و کان کالثانیه و الأولى- فلما رآه ناغضه لا یقرأ الکتاب أخرج الکتاب الذی معه- فقرأه على الناس فقام الولید بن عتبه بن أبی سفیان- فصدق حسان و کذب ابن الزبیر و شتمه- و قام یزید بن أبی النمس الغسانی- فصدق مقاله حسان و کتابه و شتم ابن الزبیر- و قام سفیان بن أبرد الکلبی- فصدق مقاله حسان و شتم ابن الزبیر- و قام عمر بن یزید الحکمی فشتم حسان- و أثنى على ابن الزبیر- فاضطرب الناس و نزل الضحاک بن قیس- فأمر بالولید بن عتبه و سفیان بن الأبرد- و یزید بن أبی النمس الذین کانوا صدقوا حسان- و شتموا ابن الزبیر فحبسوا- و جال الناس بعضهم فی بعض- و وثبت کلب على عمر بن یزید الحکمی- فضربوه و خرقوا ثیابه- و قد کان قام خالد بن یزید بن معاویه- فصعد مرقاتین من المنبر و هو یومئذ غلام- .و الضحاک بن قیس فوق المنبر- فتکلم بکلام أوجز فیه لم یسمع بمثله ثم نزل- .

فلما دخل الضحاک بن قیس داره- جاءت کلب إلى السجن فأخرجوا سفیان بن أبرد الکلبی- و جاءت غسان فأخرجوا یزید بن أبی النمس- و قال الولید بن عتبه لو کنت من کلب أو غسان لأخرجت- فجاء ابنا یزید بن معاویه خالد و عبد الله- و معهما أخوالهما من کلب فأخرجوه من السجن- . ثم إن الضحاک بن قیس خرج إلى مسجد دمشق فجلس فیه- و ذکر یزید بن معاویه فوقع فیه- فقام إلیه سنان من کلب و معه عصا فضربه بها- و الناس جلوس حلقا متقلدی السیوف- فقام بعضهم إلى بعض فی المسجد فاقتتلوا- فکانت قیس عیلان قاطبه تدعو- إلى ابن الزبیر و معهما الضحاک- و کلب تدعو إلى بنی أمیه- ثم إلى خالد بن یزید فیتعصبون له- فدخل الضحاک دار الإماره و أصبح الناس- فلم یخرج الضحاک إلى صلاه الفجر- .

فلما ارتفع النهار بعث إلى بنی أمیه فدخلوا علیه- فاعتذر إلیهم و ذکر حسن بلائهم عنده- و أنه لیس یهوى شیئا یکرهونه- ثم قال تکتبون إلى حسان و نکتب- و یسیر حسان من الأردن حتى ینزل الجابیه- و نسیر نحن و أنتم حتى نوافیه بها- فیجتمع رأی الناس على رجل منکم- فرضیت بذلک بنو أمیه- و کتبوا إلى حسان و هو بالأردن- و کتب إلیه الضحاک یأمره بالموافاه فی الجابیه- و أخذ الناس فی الجهاز للرحیل- . و خرج الضحاک بن قیس من دمشق- و خرج الناس و خرجت بنو أمیه- و توجهت الرایات یریدون الجابیه- فجاء ثور بن معن یزید بن الأخنس السلمی إلى الضحاک- فقال دعوتنا إلى طاعه ابن الزبیر فبایعناک على ذلک- ثم أنت الآن تسیر إلى هذا الأعرابی من کلب- لتستخلف ابن أخته خالد بن یزید بن معاویه- فقال الضحاک فما الرأی قال- الرأی أن نظهر ما کنا نسر- و ندعو إلى طاعه ابن الزبیر و نقاتل علیها- فمال الضحاک بمن معه من الناس- و انخزل من بنی أمیه و من معهم من قبائل الیمن- فنزل مرج راهط- .

قال أبو جعفر- و اختلف فی أی وقت کانت الوقعه بمرج راهط- فقال الواقدی کانت فی سنه خمس و ستین- و قال غیره فی سنه أربع و ستین- . قال أبو جعفر- و سارت بنو أمیه و لفیفها حتى وافوا حسان بالجابیه- فصلى بهم أربعین یوما و الناس یتشاورن- و کتب الضحاک بن قیس من مرج راهط- إلى النعمان بن بشیر الأنصاری و هو على حمص یستنجده- و إلى زفر بن الحارث و هو فی قنسرین- و إلى ناتل بن قیس و هو على فلسطین لیستمدهم- و کلهم على طاعه ابن الزبیر فأمدوه- فاجتمعت الأجناد إلیه بمرج راهط- و أما الذین بالجابیه فکانت أهواؤهم مختلفه- فأما مالک بن هبیره السکونی- فکان یهوى هوى یزید بن معاویه- و یحب أن تکون الخلافه فی ولده- و أما حصین بن نمیر السکونی فکان یهوى هوى بنی أمیه- و یحب أن تکون الخلافه لمروان بن الحکم- فقال مالک بن هبیره للحصین بن نمیر- هلم فلنبایع لهذا الغلام الذی نحن ولدنا أباه- و هو ابن أختنا فقد عرفت منزلتنا التی کانت من أبیه- إنک إن تبایعه یحملک غدا على رقاب العرب- یعنی خالد بن یزید فقال الحصین لا لعمر الله- لا یأتینا العرب بشیخ و نأتیها بصبی- فقال مالک أظن هواک فی مروان- و الله إن استخلفت مروان- لیحسدنک على سوطک و شراک نعلک- و ظل شجره تستظل بها- إن مروان أبو عشره و أخو عشره و عم عشره- فإن بایعتموه کنتم عبیدا لهم- و لکن علیکم بابن أختکم خالد بن یزید فقال الحصین- إنی رأیت فی المنام قندیلا معلقا من السماء- و إنه جاء کل من یمد عنقه إلى الخلافه لیتناوله- فلم یصل إلیه و جاء مروان فتناوله و الله لنستخلفنه- .

فلما اجتمع رأیهم على بیعته- و استمالوا حسان بن بحدل إلیها- قام روح بن زنباع الجذامی فحمد الله و أثنى علیه فقال- أیها الناس- إنکم تذکرون لهذا الأمر عبد الله بن عمر بن الخطاب- و تذکرون صحبته لرسول الله ص و قدمه فی الإسلام- و هو کما تذکرون لکنه رجل ضعیف- و لیس صاحب أمه محمد بالضعیف- و أما عبد الله بن الزبیر و ما یذکر الناس من أمره- و أن أباه حواری رسول الله ص- و أمه أسماء بنت أبی بکر ذات النطاقین- فهو لعمری کما تذکرون- و لکنه منافق قد خلع خلیفتین یزید و أباه معاویه- و سفک الدماء و شق عصا المسلمین- و لیس صاحب أمه محمد ص بالمنافق- و أما مروان بن الحکم فو الله ما کان فی الإسلام صدع قط- إلا کان مروان ممن یشعب ذلک الصدع- و هو الذی قاتل عن عثمان بن عفان یوم الدار- و الذی قاتل علی بن أبی طالب یوم الجمل- و إنا نرى للناس أن یبایعوا الکبیر و یستشبوا الصغیر- یعنی بالکبیر مروان و بالصغیر خالد بن یزید- .

فاجتمع رأی الناس على البیعه لمروان- ثم لخالد بن یزید من بعده- ثم لعمرو بن سعید بن العاص بعدهما- على أن تکون فی أیام خلافه مروان- إمره دمشق لعمرو بن سعید- و إمره حمص لخالد بن یزید- فلما استقر الأمر على ذلک- دعا حسان بن بحدل خالد بن یزید فقال یا ابن أختی إن الناس قد أبوک لحداثه سنک- و إنی و الله ما أرید هذا الأمر إلا لک و لأهل بیتک- و ما أبایع مروان إلا نظرا لکم- فقال خالد بل عجزت عنا- فقال لا و الله لم أعجز عنک- و لکن الرأی لک ما رأیت- . ثم إن حسان دعا مروان بن الحکم فقال له یا مروان إن الناس کلهم لا یرضون‏ بک فما ترى فقال مروان- إن یرد الله أن یعطینیها لم یمنعنها أحد من خلقه- و إن یرد أن یمنعنیها لا یعطینیها أحد من خلقه- فقال حسان صدقت- .

ثم صعد حسان المنبر فقال أیها الناس- إنی مستخلف فی غد أحدکم إن شاء الله- فاجتمع الناس بکره الغد ینتظرون- فصعد حسان المنبر و بایع لمروان و بایع الناس- و سار من الجابیه حتى نزل بمرج راهط- حیث الضحاک بن قیس نازل- فجعل مروان على میمنته عمرو بن سعید بن العاص- و على میسرته عبید الله بن زیاد- و جعل الضحاک على میمنته- زیاد بن عمرو بن معاویه العتکی- و على میسرته ثور بن معن السلمی- و کان یزید بن أبی النمس الغسانی بدمشق- لم یشهد الجابیه و کان مریضا- فلما حصل الضحاک بمرج راهط- ثار بأهل دمشق فی عبیده و أهله فغلب علیها- و أخرج عامل الضحاک منها- و غلب على الخزائن و بیت المال و بایع لمروان- و أمده من دمشق بالرجال و المال و السلاح- فکان ذلک أول فتح فتح لمروان- .

ثم وقعت الحرب بین مروان و الضحاک- فاقتتلوا بمرج راهط عشرین لیله- فهزم أصحاب الضحاک و قتلوا- و قتل أشراف الناس من أهل الشام- و قتلت قیس مقتله لم تقتل مثلها فی موطن قط- و قتل ثور بن معن السلمی الذی رد الضحاک عن رأیه- . قال أبو جعفر- و روی أن بشیر بن مروان کان صاحب الرایه ذلک الیوم- و أنه کان ینشد

إن على الرئیس حقا حقا
أن یخضب الصعده أو یندقا

و صرع ذلک الیوم عبد العزیز بن مروان ثم استنقذ- . قال و مر مروان برجل من محارب- و هو فی نفر یسیر من أصحاب مروان فقال له-لو انضممت إلى أصحابک رحمک الله فإنی أراک فی قله- فقال إن معنا یا أمیر المؤمنین من الملائکه مددا- أضعاف من تأمرنا بالانضمام إلیهم قال- فضحک مروان و سر بذلک- و قال للناس ممن کان حوله أ لا تستمعون- قال أبو جعفر و کان قاتل الضحاک رجلا من کلب- یقال له زحنه بن عبد الله- فلما قتله و أحضر الرأس إلى مروان ظهرت علیه کآبه- و قال الآن حین کبرت سنی و دق عظمی- و صرت فی مثل ظم‏ء الحمار- أقبلت أضرب الکتائب بعضها ببعض- . قال أبو جعفر- و روی أن مروان أنشد لما بویع و دعا إلى نفسه-

لما رأیت الأمر أمرا نهبا
سیرت غسان لهم و کلبا

و السکسکیین رجالا غلبا
و طیئا تأباه إلا ضربا

و القین تمشی فی الحدید نکبا
و من تنوخ مشمخرا صعبا

لا یملکون الملک إلا غصبا
و إن دنت قیس فقل لا قربا

قال أبو جعفر و خرج الناس منهزمین بعد قتل الضحاک- فانتهى أهل حمص إلى حمص و علیها النعمان بن بشیر- فلما عرف الخبر خرج هاربا و معه ثقله و ولده- و تحیر لیلته کلها- و أصبح و هو بباب مدینه حمص فرآه أهل حمص فقتلوه- و خرج زفر بن الحارث الکلابی من قنسرین هاربا- فلحق بقرقیسیاء و علیها عیاض بن أسلم الجرشی- فلم یمکنه من دخولها- فحلف له زفر بالطلاق و العتاق- أنه إذا دخل حمامها خرج منها- و قال له إن لی حاجه إلى دخول الحمام- فلما دخلها لم یدخل حمامها و أقام بها- و أخرج عیاضامنها و تحصن فیها و ثابت إلیه قیس عیلان- و خرج ناتل بن قیس الجذامی من فلسطین هاربا- فالتحق بابن الزبیر بمکه- و أطبق أهل الشام على مروان و استوثقوا له- و استعمل علیهم عماله ففی ذلک یقول زفر بن الحارث-

أرینی سلاحی لا أبا لک إننی
أرى الحرب لا تزداد إلا تمادیا

أتانی عن مروان بالغیب أنه‏
مریق دمی أو قاطع من لسانیا

و فی العیس منجاه و فی الأرض مهرب
إذا نحن رفعنا لهن المبانیا

فقد ینبت المرعى على دمن الثرى‏
و تبقى حزازات النفوس کما هیا

أ تذهب کلب لم تنلها رماحنا
و تترک قتلى راهط هی ما هیا

لعمری لقد أبقت وقیعه راهط
لحسان صدعا بینا متنائیا

أ بعد ابن عمرو و ابن معن تتایعا
و مقتل همام أمنى الأمانیا

و لم تر منی نبوه قبل هذه‏
فراری و ترکی صاحبی ورائیا

أ یذهب یوم واحد إن أسأته
بصالح أیامی و حسن بلائیا

فلا صلح حتى تنحط الخیل بالقنا
و تثأر من نسوان کلب نسائیا

و قال زفر بن الحارث أیضا و هو من شعر الحماسه-

أ فی الله أما بحدل و ابن بحدل
فیحیا و أما ابن الزبیر فیقتل‏

کذبتم و بیت الله لا تقتلونه‏
و لما یکن یوم أغر محجل‏

و لما یکن للمشرفیه فوقکم
شعاع کقرن الشمس حین ترجل‏

 و أما وفاه مروان و السبب فیها أنه کان- قد استقر الأمر بعده لخالد بن یزید بن معاویه- على ما قدمنا ذکره فلما استوثق له الأمر- أحب أن یبایع لعبد الملک و عبد العزیز ابنیه- فاستشار فی ذلک- فأشیر علیه أن یتزوج أم خالد بن یزید- و هی ابنه أبی هاشم بن عتبه بن ربیعه لیصغر شأنه- فلا یرشح للخلافه فتزوجها- ثم قال لخالد یوما فی کلام- دار بینهما و المجلس غاص بأهله- اسکت یا ابن الرطبه فقال خالد أنت لعمری مؤتمن و خبیر- .

ثم قام باکیا من مجلسه و کان غلاما حینئذ- فدخل على أمه فأخبرها فقالت له لا یعرفن ذلک فیک- و اسکت فأنا أکفیک أمره- فلما دخل علیها مروان قال لها ما قال لک خالد- قالت و ما عساه یقول قال أ لم یشکنی إلیک- قالت إن خالدا أشد إعظاما لک من أن یشتکیک- فصدقها ثم مکثت أیاما- فنام عندها و قد واعدت جواریها- و قمن إلیه فجعلن الوسائد و البراذع علیه- و جلسن علیه حتى خنقه و ذلک بدمشق فی شهر رمضان- . و هو ابن ثلاث و ستین سنه فی قول الواقدی- .

و أما هشام بن محمد الکلبی فقال ابن إحدى و ثمانین سنه- و قال کان ابن إحدى و ثمانین- عاش فی الخلافه تسعه أشهر و قیل عشره أشهر- و کان فی أیام کتابته لعثمان بن عفان أکثر حکما- و أشد تلطفا و تسلطا منه فی أیام خلافته- و کان ذلک من أعظم الأسباب- الداعیه إلى خلع عثمان و قتله- . و قد قال قوم إن الضحاک بن قیس لما نزل مرج راهط- لم یدع إلى ابن الزبیر و إنما دعا إلى نفسه- و بویع بالخلافه و کان قرشیا- و الأکثر الأشهر أنه کان یدعو إلى ابن الزبیر

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی‏ الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۳۴

خطبه ۷۱ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)( الناس الصلاه على النبی ص)

۷۱ و من خطبه له ع علم فیها الناس الصلاه على النبی ص

اللَّهُمَّ دَاحِیَ الْمَدْحُوَّاتِ وَ دَاعِمَ الْمَسْمُوکَاتِ- وَ جَابِلَ الْقُلُوبِ عَلَى فِطَرَاتِهَا شَقِیِّهَا وَ سَعِیدِهَا- اجْعَلْ شَرَائِفَ صَلَوَاتِکَ- وَ نَوَامِیَ بَرَکَاتِکَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِکَ وَ رَسُولِکَ- الْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ وَ الْفَاتِحِ لِمَا انْغَلَقَ- وَ الْمُعْلِنِ الْحَقَّ بِالْحَقِّ وَ الدَّافِعِ جَیْشَاتِ الْأَبَاطِیلِ- وَ الدَّامِغِ صَوْلَاتِ الْأَضَالِیلِ- کَمَا حُمِّلَ فَاضْطَلَعَ قَائِماً بِأَمْرِکَ مُسْتَوْفِزاً فِی مَرْضَاتِکَ- غَیْرَ نَاکِلٍ عَنْ قُدُمٍ وَ لَا وَاهٍ فِی عَزْمٍ- وَاعِیاً لِوَحْیِکَ حَافِظاً لِعَهْدِکَ- مَاضِیاً عَلَى نَفَاذِ أَمْرِکَ حَتَّى أَوْرَى قَبَسَ الْقَابِسِ- وَ أَضَاءَ الطَّرِیقَ لِلْخَابِطِ- وَ هُدِیَتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضَاتِ الْفِتَنِ وَ الآْثَامِ- وَ أَقَامَ بِمُوضِحَاتِ الْأَعْلَامِ وَ نَیِّرَاتِ الْأَحْکَامِ- فَهُوَ أَمِینُکَ الْمَأْمُونُ وَ خَازِنُ عِلْمِکَ الْمَخْزُونِ- وَ شَهِیدُکَ یَوْمَ الدِّینِ وَ بَعِیثُکَ بِالْحَقِّ- وَ رَسُولُکَ إِلَى الْخَلْقِ- اللَّهُمَّ افْسَحْ لَهُ مَفْسَحاً فِی ظِلِّکَ- وَ اجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الْخَیْرِ مِنْ فَضْلِکَ- اللَّهُمَّ وَ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِینَ بِنَاءَهُ- وَ أَکْرِمْ لَدَیْکَ مَنْزِلَتَهُ وَ أَتْمِمْ لَهُ نُورَهُ- وَ اجْزِهِ مِنِ ابْتِعَاثِکَ لَهُ مَقْبُولَ الشَّهَادَهِ- مَرْضِیَّ الْمَقَالَهِ ذَا مَنْطِقٍ عَدْلٍ وَ خُطْبَهٍ فَصْلٍ- اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَیْنَنَا وَ بَیْنَهُ فِی بَرْدِ الْعَیْشِ وَ قَرَارِ النِّعْمَهِ- وَ مُنَى الشَّهَوَاتِ وَ أَهْوَاءِ اللَّذَّاتِ وَ رَخَاءِ الدَّعَهِ- وَ مُنْتَهَى الطُّمَأْنِینَهِ وَ تُحَفِ الْکَرَامَهِ

دحوت الرغیف دحوا بسطته- و المدحوات هنا الأرضون- . فإن قلت قد ثبت أن الأرض کریه- فکیف تکون بسیطه و البسیط هو المسطح- و الکری لا یکون مسطحا- . قلت الأرض بجملتها شکل کره- و ذلک لا یمنع أن تکون کل قطعه منها مبسوطه- تصلح لأن تکون مستقرا و مجالا للبشر و غیرهم من الحیوان- فإن المراد بانبساطها هاهنا- لیس هو السطح الحقیقی الذی لا یوجد فی الکره- بل کون کل قطعه منها صالحه- لأن یتصرف علیها الحیوان لا یعنی به غیر ذلک- . و داحی المدحوات- ینتصب لأنه منادى مضاف- تقدیره یا باسط الأرضین المبسوطات- قوله و داعم المسموکات- أی حافظ السموات المرفوعات- دعمت الشی‏ء إذا حفظته من الهوى بدعامه- و المسموک المرفوع قال-

إن الذی سمک السماء بنى لنا
بیتا دعائمه أعز و أطول‏

 و یجوز أن یکون عنى بکونها مسموکه کونها ثخینه- و سمک الجسم هو البعد- الذی یعبر عنه المتکلمون بالعمق- و هو قسیم الطول و العرض- و لا شی‏ء أعظم ثخنا من الأفلاک- . فإن قلت کیف قال- إنه تعالى دعم السموات و هی بغیر عمد- . قلت إذا کان حافظا لها من الهوى بقدرته و قوته- فقد صدق علیه کونه داعما لها- لأن قوته الحافظه تجری مجرى الدعامه- . قوله و جابل القلوب أی خالقها- و الجبل الخلق و جبله الإنسان خلقته- و فطراتها بکسر الفاء و فتح الطاء جمع فطره و یجوز کسر الطاء- کما قالوا فی سدره سدرات و سدرات- و الفطره الحاله التی یفطر الله علیها الإنسان- أی یخلقه علیها خالیا من الآراء-و الدیانات و العقائد و الأهویه- و هی ما یقتضیه محض العقل- و إنما یختار الإنسان بسوء نظره ما یفضی به إلى الشقوه- و هذا معنىقول النبی ص کل مولود یولد على الفطره- فإنما أبواه یهودانه أو ینصرانه

– قوله شقیها و سعیدها بدل من القلوب و تقدیر الکلام- و جابل الشقی من القلوب و السعید على ما فطرت علیه- . و النوامی الزوائد- و الخاتم لما سبق أی لما سبق من الملل- و الفاتح لما انغلق من أمر الجاهلیه- و المعلن الحق بالحق- أی المظهر للحق الذی هو خلاف الباطل بالحق- أی بالحرب و الخصومه- یقال حاق فلان فلانا فحقه أی خاصمه فخصمه- و یقال ما فیه حق أی خصومه- . قوله و الدافع جیشات الأباطیل جمع جیشه- من جاشت القدر إذا ارتفع غلیانها- . و الأباطیل جمع باطل على غیر قیاس- و المراد أنه قامع ما نجم من الباطل- . و الدامغ المهلک من دمغه أی شجه حتى بلغ الدماغ- و مع ذلک یکون الهلاک- . و الصولات جمع صوله و هی السطوه- و الأضالیل جمع ضلال على غیر قیاس- . قوله کما حمل أی لأجل أنه یحمل- و العرب تستعمل هذه الکاف بمعنى التعلیل- قال الشاعر

فقلت له أبا الملحاء خذها
کما أوسعتنا بغیا و عدوا

أی هذه الضربه لبغیک علینا و تعدیک- . و قوله کما حمل یعنی حمل أعباء الرساله- فاضطلع أی نهض بها قویا فرس ضلیع أی قوی- و هی الضلاعه أی القوه- . مستوفزا أی غبر بطی‏ء- بل یحث نفسه و یجهدها فی رضا الله سبحانه- و الوفز العجله و المستوفز المستعجل- .غیر ناکل عن قدم أی غیر جبان و لا متأخر عن إقدام- و المقدام المتقدم- یقال مضى قدما أی تقدم و سار و لم یعرج- . قوله و لا واه فی عزم- وهى أی ضعف و الواهی الضعیف- . واعیا لوحیک أی فاهما- وعیت الحدیث أی فهمته و عقلته- . ماضیا على نفاذ أمرک فی الکلام حذف تقدیره- ماضیا مصرا على نفاذ أمرک- کقوله تعالى فِی تِسْعِ آیاتٍ إِلى‏ فِرْعَوْنَ- و لم یقل مرسلا لأن الکلام یدل بعضه على بعض- . و قوله حتى أورى قبس القابس- یقال ورى الزند یری أی خرج ناره و أوریته أنا- و القبس شعله من النار- و المراد بالقبس هاهنا نور الحق- و القابس الذی یطلب النار- یقال قبست منه نارا- و أقبسنی نارا أی أعطانیها- . و قال الراوندی أقبست الرجل علما- و قبسته نارا أعطیته- فإن کنت طلبتها له قلت أقبسته نارا- .

و قال الکسائی أقبسته نارا و علما سواء- قال و یجوز قبسته بغیر همزه فیهما- . قوله و أضاء الطریق للخابط- أی جعل الطریق للخابط مضیئه- و الخابط الذی یسیر لیلا على غیر جاده واضحه- . و هذه الألفاظ کلها استعارات و مجازات- . و خوضات الفتن جمع خوضه- و هی المره الواحده من خضت الماء و الوحل أخوضهما- و تقدیر الکلام و هدیت به القلوب إلى الأعلام الموضحه- بعد أن خاضت فی الفتن أطوارا- و الأعلام جمع علم- و هو ما یستدل به على الطریق کالمناره و نحوها- . و الموضحه التی توضح للناس الأمور و تکشفها- و النیرات ذوات النور- . قوله فهو أمینک المأمون- أی أمینک على وحیک- و المأمون من ألقاب رسول الله ص قال کعب بن زهیر-

سقاک أبو بکر بکأس رویه
و انهلک المأمون منها و علکا

و خازن علمک المخزون بالجر صفه علمک- و العلم الإلهی المخزون- هو ما اطلع الله تعالى علیه و رسوله من الأمور الخفیه- التی لا تتعلق بالأحکام الشرعیه کالملاحم- و أحکام الآخره و غیر ذلک- لأن الأمور الشرعیه لا یجوز أن تکون مخزونه عن المکلفین- . و قوله و شهیدک یوم الدین أی شاهدک- قال سبحانه فَکَیْفَ إِذا جِئْنا مِنْ کُلِّ أُمَّهٍ بِشَهِیدٍ- وَ جِئْنا بِکَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِیداً- . و البعیث المبعوث فعیل بمعنى مفعول- کقتیل و جریح و صریع و مفسحا مصدر أی وسع له مفسحا- . و قوله فی ظلک یمکن أن یکون مجازا- کقولهم فلان یشملنی بظله أی بإحسانه و بره- و یمکن أن یکون حقیقه- و یعنی به الظل الممدود الذی ذکره الله تعالى- فقال وَ ظِلٍّ مَمْدُودٍ وَ ماءٍ مَسْکُوبٍ- .

و قوله و أعل على بناء البانین بناءه- أی اجعل منزلته فی دار الثواب أعلى المنازل- . و أتمم له نوره- من قوله تعالى رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا- و قد روی أنه تطفأ سائر الأنوار إلا نور محمد ص- ثم یعطى المخلصون من أصحابه أنوارا یسیره- یبصرون بها مواطئ الأقدام- فیدعون إلى الله تعالى بزیاده تلک الأنوار و إتمامها- ثم إن الله تعالى یتم نور محمد ص- فیستطیل حتى یملأ الآفاق فذلک هو إتمام نوره ص- . قوله من ابتعاثک له أی فی الآخره- . مقبول الشهاده- أی مصدقا فیما یشهد به على أمته و على غیرها من الأمم- .

و قوله ذا منطق عدل أی عادل- و هو مصدر أقیم مقام اسم الفاعل- کقولک رجل فطر و صوم أی مفطر و صائم- . و قوله و خطبه فصل أی یخطب خطبه فاصله یوم القیامه- کقوله تعالى إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَ ما هُوَ بِالْهَزْلِ- أی فاصل یفصل بین الحق و الباطل- و هذا هو المقام المحمود الذی- ذکره الله تعالى فی الکتاب- فقال عَسى‏ أَنْ یَبْعَثَکَ رَبُّکَ مَقاماً مَحْمُوداً- و هو الذی یشار إلیه فی الدعوات فی قولهم- اللهم آت محمدا الوسیله و الفضیله و الدرجه الرفیعه- و ابعثه المقام المحمود- .

قوله فی برد العیش- تقول العرب عیش بارد و معیشه بارده- أی لا حرب فیها و لا نزاع- لأن البرد و السکون متلازمان کتلازم الحر و الحرکه- . و قرار النعمه أی مستقرها- یقال هذا قرار السیل أی مستقره- و من أمثالهم لکل سائله قرار- . و منى الشهوات ما تتعلق به الشهوات من الأمانی- و أهواء اللذات ما تهواه النفوس و تستلذه- و الرخاء المصدر من قولک- رجل رخى البال فهو بین الرخاء أی واسع الحال- . و الدعه السکون و الطمأنینه و أصلها الواو- .

و منتهى الطمأنینه غایتها التی لیس بعدها غایه- . و التحف جمع تحفه- و هی ما یکرم به الإنسان من البر و اللطف- و یجوز فتح الحاء معنى الصلاه على النبی و الخلاف فی جواز الصلاه على غیره فإن قلت ما معنى الصلاه على الرسول ص- التی قال الله تعالى فیها-إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِکَتَهُ یُصَلُّونَ عَلَى النَّبِیِّ- یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَیْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِیماً- . قلت الصلاه من الله تعالى هی- الإکرام و التبجیل و رفع المنزله- و الصلاه منا على النبی ص هی الدعاء له بذلک- فقوله سبحانه هُوَ الَّذِی یُصَلِّی عَلَیْکُمْ- أی هو الذی یرفع منازلکم فی الآخره- و قوله وَ مَلائِکَتِهِ أی یدعون لکم بذلک- . و قیل جعلوا لکونهم مستجابی الدعوه- کأنهم فاعلون التعظیم للمؤمن و رفع المنزله- و نظیره قوله حیاک الله أی أحیاک الله و أبقاک- و حییتک أی دعوت لک بأن یحییک- لأنک لاعتمادک على إجابه دعوتک و وثوقک بذلک- کأنک تحییه و تبقیه على الحقیقه- و هکذا القول فی قوله سبحانه- إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِکَتَهُ یُصَلُّونَ عَلَى النَّبِیِّ- .

و قد اختلف فی الصلاه على النبی ص هل هی واجبه أم لا- . فمن الناس من لم یقل بوجوبها- و جعل الأمر فی هذه الآیه للندب و منهم من قال إنها واجبه- . و اختلفوا فی حال وجوبها- فمنهم من أوجبها کلما جرى ذکره-و فی الحدیث من ذکرت عنده فلم یصل علی دخل النار و أبعده الله- و منهم من قال تجب فی کل مجلس مره واحده و إن تکرر ذکره- و منهم من أوجبها فی العمر مره واحده- و کذلک قال فی إظهار الشهادتین- . و اختلف أیضا فی وجوبها فی الصلاه المفروضه- فأبو حنیفه و أصحابه لا یوجبونها فیها- و روی عن إبراهیم النخعی أنهم کانوا یکتفون- یعنی الصحابه عنها بالتشهد- و هو السلام علیک أیها النبی و رحمه الله و برکاته- و أوجبها الشافعی و أصحابه- و اختلف أصحابه فی وجوب الصلاه على آل محمد ص- فالأکثرون على أنها واجبه- و أنها شرط فی صحه الصلاه- .

فإن قلت- فما تقول فی الصلاه على الصحابه و الصالحین من المسلمین- . قلت القیاس جواز الصلاه على کل مؤمن- لقوله تعالى هُوَ الَّذِی یُصَلِّی عَلَیْکُمْ وَ مَلائِکَتُهُ- و قوله وَ صَلِّ عَلَیْهِمْ إِنَّ صَلاتَکَ سَکَنٌ لَهُمْ- و قوله أُولئِکَ عَلَیْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَهٌ- و لکن العلماء قالوا- إذا ذکر أحد من المسلمین تبعا للنبی ع- فلا کلام فی جواز ذلک- و أما إذا أفردوا أو ذکر أحد منهم- فأکثر الناس کرهوا الصلاه علیه- لأن ذلک شعار رسول الله فلا یشرکه فیه غیره- . و أما أصحابنا من البغدادیین فلهم اصطلاح آخر- و هو أنهم یکرهون إذا ذکروا علیا ع أن یقولوا- صلى الله علیه و لا یکرهون أن یقولوا صلوات الله علیه- و جعلوا اللفظه الأولى مختصه بالرسول ص- و جعلوا اللفظه الثانیه مشترکه فیها بینهما ع- و لم یطلقوا لفظ الصلاه على أحد من المسلمین- إلا على علی وحده.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۴۳

خطبه ۷۰ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(ذم أهل العراق)

۷۰ و من کلام له ع فی ذم أهل العراق

أَمَّا بَعْدُ یَا أَهْلَ الْعِرَاقِ فَإِنَّمَا أَنْتُمْ کَالْمَرْأَهِ الْحَامِلِ- حَمَلَتْ فَلَمَّا أَتَمَّتْ أَمْلَصَتْ وَ مَاتَ قَیِّمُهَا- وَ طَالَ تَأَیُّمُهَا وَ وَرِثَهَا أَبْعَدُهَا- . أَمَا وَ اللَّهِ مَا أَتَیْتُکُمُ اخْتِیَاراً- وَ لَکِنْ جِئْتُ إِلَیْکُمْ سَوْقاً- وَ لَقَدْ بَلَغَنِی أَنَّکُمْ تَقُولُونَ عَلِیٌّ یَکْذِبُ قَاتَلَکُمُ اللَّهُ تَعَالَى- فَعَلَى مَنْ أَکْذِبُ أَ عَلَى اللَّهِ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ- أَمْ عَلَى نَبِیِّهِ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَ بِهِ- کَلَّا وَ اللَّهِ لَکِنَّهَا لَهْجَهٌ غِبْتُمْ عَنْهَا- وَ لَمْ تَکُونُوا مِنْ أَهْلِهَا- وَیْلُمِّهِ کَیْلًا بِغَیْرِ ثَمَنٍ لَوْ کَانَ لَهُ وِعَاءٌ- وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِینٍ أملصت الحامل ألقت ولدها سقاطا و قیمها بعلها- و تأیمها خلوها عن الأزواج- یقول لما شارفتم استئصال أهل الشام- و ظهرت أمارات الظفر لکم و دلائل الفتح- نکصتم و جنحتم إلى السلم- و الإجابه إلى التحکیم عند رفع المصاحف- فکنتم کالمرأه الحامل لما أتمت أشهر حملها- ألقت ولدها إلقاء غیر طبیعی- نحو أن تلقیه لسقطه أو ضربه أو عارض- یقتضی أن تلقیه هالکا- . ثم لم یکتف لهم بذلک حتى قال- و مات بعلها و طال تأیمها و ورثها أبعدها- أی لم یکن لها ولد و هو أقرب المخلفین إلى المیت- و لم یکن لها بعل فورثها الأباعد عنها-کالسافلین من بنی عم- و کالمولاه تموت من غیر ولد و لا من یجری مجراه- فیرثها مولاها و لا نسب بینها و بینه- . ثم أقسم أنه لم یأتهم اختیارا- و لکن المقادیر ساقته إلیهم سوقا یعنی اضطرارا- . و صدق ع- لأنه لو لا یوم الجمل لم یحتج- إلى الخروج من المدینه إلى العراق- و إنما استنجد بأهل الکوفه على أهل البصره- اضطرارا إلیهم لأنه لم یکن جیشه الحجازی وافیا- بأهل البصره الذین أصفقوا على حربه و نکث بیعته- و لم یکن خروجه عن المدینه و هی دار الهجره- و مفارقته لقبر رسول الله ص- و قبر فاطمه عن إیثار و محبه- و لکن الأحوال تحکم- و تسوق الناس إلى ما لا یختارونه ابتداء- .

و قد روی هذا الکلام على وجه آخر- ما أتیتکم اختیارا و لا جئت إلیکم شوقا- بالشین المعجمه- . ثم قال بلغنی أنکم تقولون یکذب- و کان کثیرا ما یخبر عن الملاحم و الکائنات- و یومئ إلى أمور أخبره بها رسول الله ص- فیقول المنافقون من أصحابه یکذب- کما کان المنافقون الأولون- فی حیاه رسول الله ص یقولون عنه یکذب- .

و روى صاحب کتاب الغارات عن الأعمش عن رجاله قال خطب علی ع فقال و الله لو أمرتکم فجمعتم من خیارکم مائه- ثم لو شئت لحدثتکم من غدوه إلى أن تغیب الشمس- لا أخبرتکم إلا حقا- ثم لتخرجن فلتزعمن أنی أکذب الناس و أفجرهمو قد روى صاحب هذا الکتاب و غیره من الرواه أنه قال إن أمرنا صعب مستصعب- لا یحمله إلا ملک مقرب أو نبی مرسل- أو عبد امتحن الله قبله للإیمان- .

و هذا الکلام منه کلام عارف عالم- بأن فی الناس من لا یصدقه فیما یقول- و هذا أمر مرکوز فی الجبله البشریه- و هو استبعاد الأمور الغریبه و تکذیب الأخبار بها- و إذا تأملت أحواله فی خلافته کلها- وجدتها هی مختصره من أحوال رسول الله ص فی حیاته- کأنها نسخه منتسخه منها فی حربه و سلمه و سیرته و أخلاقه- و کثره شکایته من المنافقین- من أصحابه و المخالفین لأمره- و إذا أردت أن تعلم ذلک علما واضحا فاقرأ سوره براءه- ففیها الجم الغفیر من المعنى الذی أشرنا إلیه

ذکر مطاعن النظام على الإمام علی و الرد علیه

و اعلم أن النظام لما تکلم فی کتاب النکت- و انتصر لکون الإجماع لیس بحجه- اضطر إلى ذکر عیوب الصحابه- فذکر لکل منهم عیبا و وجه إلى کل واحد منهم طعنا- و قال فی علی إنه لما حارب الخوارج یوم النهروان- کان یرفع رأسه إلى السماء تاره ینظر إلیها- ثم یطرق إلى الأرض فینظر إلیها تاره أخرى- یوهم أصحابه أنه یوحى إلیه ثم یقول ما کذبت و لا کذبت- فلما فرغ من قتالهم و أدیل علیهم- و وضعت الحرب أوزارها

قال الحسن ابنه یا أمیر المؤمنین- أ کان رسول الله ص تقدم إلیک فی أمر هؤلاء بشی‏ء- فقال لا و لکن رسول الله ص أمرنی بکل حق- و من الحق أن أقاتل الناکثین و القاسطین و المارقین- . قال النظام و قوله ما کذبت و لا کذبت- و رفعه رأسه أحیانا إلى السماء- و أطراقه إلى الأرض إیهام- أما لنزول الوحی علیه- أو لأنه قد أوصى من قبل فی شأن الخوارج بأمر ثم هو یقول- ما أوصى فیهم على خصوصیتهم بأمر- و إنما أوصى بکل الحق و قتالهم من الحق- .

و هذا عجیب طریف- . فنقول إن النظام أخطأ عندنا- فی تعریضه بهذا الرجل خطأ قبیحا- و قال قولا منکرا- نستغفر الله له من عقابه و نسأله عفوه عنه- و لیست الروایه التی رواها عن الحسن- و سؤاله لأبیه و جوابه له بصحیحه و لا معروفه- و المشهور المعروف المنقول نقلا- یکاد یبلغ درجه المتواتر من الأخبار- ما روی عن رسول الله ص فی معنى الخوارج بأعیانهم- و ذکرهم بصفاتهمو قوله ص لعلی ع إنک مقاتلهم و قاتلهم- و إن المخدج ذا الثدیه منهم- و إنک ستقاتل بعدی الناکثین و القاسطین و المارقین- فجعلهم أصنافا ثلاثه حسب ما وقعت الحال علیه- و هذا من معجزات الرسول ص- و إخباره عن الغیوب المفصله- فما أعلم من أی کتاب نقل النظام هذه الروایه- و لا عن أی محدث رواها- و لقد کان رحمه الله تعالى بعیدا عن معرفه الأخبار و السیر- منصبا فکره- مجهدا نفسه فی الأمور النظریه الدقیقه- کمسأله الجزء و مداخله الأجسام و غیرهما- و لم یکن الحدیث و السیر من فنونه و لا من علومه- و لا ریب أنه سمعها ممن لا یوثق بقوله فنقلها کما سمعها- .

فأما کونه ع کان ینظر تاره إلى السماء و تاره إلى الأرض- و قوله ما کذبت و لا کذبت فصحیح و موثوق بنقله- لاستقامته و شهرته و کثره رواته- و الوجه فی ذلک- أنه استبطأ وجود المخدج حیث طلبه فی جمله القتلى- فلما طال الزمان و أشفق من دخول شبهه على أصحابه- لما کان قدمه إلیهم من الأخبار قلق و اهتم- و جعل یکرر قوله ما کذبت و لا کذبت- أی ما کذبت على رسول الله ص- و لا کذبنی رسول الله ص فیما أخبرنی به- .

فأما رفعه رأسه إلى السماء تاره- و أطراقه إلى الأرض أخرى- فإنه حیث کان یرفع‏ رأسه- کان یدعو و یتضرع إلى الله فی تعجیل الظفر بالمخدج- و حیث یطرق کان یغلبه الهم و الفکر فیطرق- . ثم حین یقول ما کذبت و لا کذبت- کیف ینتظر نزول الوحی- فإن من نزل علیه الوحی لا یحتاج أن یسند الخبر إلى غیره- و یقول ما کذبت فیما أخبرتکم به عن رسول الله ص- . و مما طعن به النظام علیه-أنه ع قال إذا حدثتکم عن رسول الله ص فهو کما حدثتکم- فو الله لأن أخر من السماء أحب إلی- من أن أکذب على رسول الله ص- و إذا سمعتمونی أحدثکم فیما بینی و بینکم- فإنما الحرب خدعه- .

قال النظام هذا یجری مجرى التدلیس فی الحدیث- و لو لم یحدثهم عن رسول الله ص بالمعاریض- و على طریق الإیهام لما اعتذر من ذلک- . فنقول فی الجواب- إن النظام قد وهم و انعکس علیه مقصد أمیر المؤمنین- و ذلک أنه ع لشده ورعه- أراد أن یفصل للسامعین بین ما یخبر به عن نفسه- و بین ما یرویه عن رسول الله ص- و ذلک لأن الضروره ربما تدعوه إلى استعماله المعاریض- لا سیما فی الحرب المبنیه على الخدیعه و الرأی- فقال لهم کلما أقول لکم قال لی رسول الله ص- فاعلموا أنه سلیم من المعاریض- خال من الرمز و الکنایه- لأنی لا أستجیز و لا أستحل أن أعمی- أو ألغز فی حدیث رسول الله ص- . و ما حدثتکم به عن نفسی فربما أستعمل فیه المعاریض- لأن الحرب خدعه- .

و هذا کلام رجل قد استعمل التقوى و الورع فی جمیع أموره- و بلغ من تعظیم أمر الرسول علیه أفضل الصلاه و السلام- و إجلال قدره و احترام حدیثه- ألا یرویه إلا بألفاظه لا بمعانیه- و لا بأمر یقتضی فیه إلباسا و تعمیه- و لو کان مضطرا إلى ذلک- ترجیحا للجانب الذی على جانب مصلحته فی خاص نفسه- فأما إذا هو قال کلاما یبتدئ به من نفسه- فإنه قد یستعمل فیه المعاریض- إذا اقتضت الحکمه و التدبیر ذلک- فقد کان رسول الله ص باتفاق الرواه کافه- إذا أراد أن یغزو وجها ورى عنه بغیره- و لما خرج ع من المدینه لفتح مکه قال لأصحابه کلاما یقتضی- أنه یقصد بنی بکر بن عبد مناه من کنانه- فلم یعلموا حقیقه حاله حتى شارف مکه- و قال حین هاجر و صحبه أبو بکر الصدیق لأعرابی لقیهما- من أین أنت و ممن أنت- فلما انتسب لهما قال له الأعرابی- أما أنا فقد اطلعتکما طلع أمری- فممن أنت فقال من ماء لم یزده على ذلک- فجعل الأعرابی یفکر و یقول من أی ماء- من ماء بنی فلان من ماء بنی فلان فترکه و لم یفسر له- و إنما أراد ع أنه مخلوق من نطفه- .

فأما قول النظام- لو لم یحدث عن رسول الله ص بالمعاریض- لما اعتذر من ذلک فلیس فی کلامه اعتذار- و لکنه نفی أن یدخل المعاریض فی روایته- و أجازها فیما یبتدئ به عن نفسه- و لیس یتضمن هذا اعتذارا- و قوله لأن أخر من السماء یدل- على أنه ما فعل ذلک و لا یفعله
– .

ثم قال على من أکذب- یقول کیف أکذب على الله و أنا أول المؤمنین به- و کیف أکذب على رسول الله و أنا أول المصدقین به- أخرجه مخرج الاستبعاد لدعواهم و زعمهم- . فإن قلت کیف یمکن أن یکون المکلف الذی- هو من أتباع الرسول کاذبا على الله- إلا بواسطه إخباره عن الرسول- لأنه لا وصله و لا واسطه بینه و بین الله تعالى إلا الرسول- .و إذا لم یمکن کذبه على الله إلا بکذبه على الرسول- لم یبق لتقسیم الکذب- و قوله أ فأنا أکذب على الله أو على رسوله معنى- .

قلت یمکن أن یکذب الکاذب على الله- دون أن یکون کاذبا على الرسول و إن کان من أتباع الرسول- نحو أن یقول کنت مع الرسول ص لیله فی مقبره- فأحیا الله تعالى فلانا المیت فقام و قال کذا أو یقول- کنت معه یوم کذا- فسمعت منادیا ینادیه من السماء افعل کذا- أو نحو ذلک من الأخبار بأمور لا تستند إلى حدیث الرسول- . ثم قال ع کلا و الله أی لا و الله- و قیل إن کلا بمعنى حقا و إنه إثبات- .

قال و لکنها لهجه غبتم عنها- اللهجه بفتح الجیم و هی آله النطق- یقال له هو فصیح اللهجه و صادق اللهجه- و یمکن أن یعنى بها لهجه رسول الله ص- فیقول شهدت و غبتم- و یمکن أن یعنى بها لهجته هو- فیقول إنها لهجه غبتم عن منافعها- و أعدمتم أنفسکم ثمن مناصحتها- .

ثم قال ویلمه- الضمیر راجع إلى ما دل علیه معنى الکلام من العلم- لأنه لما ذکر اللهجه و شهوده إیاها- و غیبوبتهم عنها دل ذلک على علم له خصه به الرسول ع- فقال ویلمه و هذه کلمه تقال للتعجب و الاستعظام- یقال ویلمه فارسا- و تکتب موصوله کما هی بهذه الصوره- و أصله ویل أمه مرادهم التعظیم و المدح- و إن کان اللفظ موضوعا لضد ذلک کقوله ع فاظفر بذات الدین تربت یداک
– و کقولهم للرجل یصفونه و یقرظونه لا أبا له- .

و قال الحسن البصری و هو یذکر علیا ع- و یصف کونه على الحق‏ فی جمیع أموره- حتى قال فلما شارف الظفر وافق على التحکیم- و ما لک فی التحکیم و الحق فی یدیک لا أبا لک- . قال أبو العباس المبرد هی کلمه فیها جفاء و خشونه- کانت الأعراب تستعملها فیمن یستعظمون أمره- قال و لما أنشد سلیمان بن عبد الملک قول بعض الأعراب-

رب العباد ما لنا و ما لکا
قد کنت تسقینا فما بدا لکا
أنزل علینا الغیث لا أبا لکا

قال أشهد أنه لا أب له و لا صاحبه و لا ولد- فأخرجها أحسن مخرج- . ثم قال ع کیلا بغیر ثمن لو کان له وعاء- انتصب کیلا لأنه مصدر فی موضع الحال- و یمکن أن ینتصب على التمییز- کقولهم لله دره فارسا- یقول أنا أکیل لکم العلم و الحکمه کیلا- و لا أطلب لذلک ثمنا لو وجدت وعاء أی حاملا للعلم-و هذا مثل قوله ع ها إن بین جنبی علما جما لو أجد له حمله- . ثم ختم الفصل بقوله تعالى وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِینٍ- و هو أحسن ما ختم هذا الکلام به

خطبه الإمام علی بعد یوم النهروان

و روى المدائنی فی کتاب صفین قال خطب علی ع بعد انقضاء أمر النهروان- فذکر طرفا من الملاحم قال إذا کثرت فیکم الأخلاط و استولت الأنباط- دنا خراب العراق- ذاک إذا بنیت مدینه ذات أثل و أنهار- فإذا غلت فیها الأسعار و شید فیها البنیان- و حکم فیها الفساق- و اشتد البلاء و تفاخر الغوغاء- دنا خسوف البیداء و طاب الهرب و الجلاء- و ستکون قبل الجلاء أمور- یشیب منها الصغیر و یعطب الکبیر- و یخرس الفصیح‏ و یبهت اللبیب- یعاجلون بالسیف صلتا- و قد کانوا قبل ذلک فی غضاره من عیشهم یمرحون- فیا لها مصیبه حینئذ- من البلاء العقیم و البکاء الطویل- و الویل و العویل و شده الصریخ- فی ذلک أمر الله و هو کائن وقتا یریج- فیا بن حره الإماء متى تنتظر- أبشر بنصر قریب من رب رحیم- ألا فویل للمتکبرین عند حصاد الحاصدین و قتل الفاسقین- عصاه ذی العرش العظیم فبأبی و أمی من عده قلیله- أسماؤهم فی الأرض مجهوله قد دنا حینئذ ظهورهم- و لو شئت لأخبرتکم بما یأتی- و یکون من حوادث دهرکم و نوائب زمانکم- و بلایا أیامکم و غمرات ساعاتکم- و لکنه أفضیه إلى من أفضیه إلیه- مخافه علیکم و نظرا لکم- علما منی بما هو کائن و ما یکون من البلاء الشامل- ذلک عند تمرد الأشرار و طاعه أولی الخسار- ذاک أوان الحتف و الدمار ذاک أدبار أمرکم- و انقطاع أصلکم و تشتت ألفتکم- و إنما یکون ذلک عند ظهور العصیان و انتشار الفسوق- حیث یکون الضرب بالسیف أهون- على المؤمنین من اکتساب درهم حلال- حین لا تنال المعیشه إلا بمعصیه الله فی سمائه- حین تسکرون من غیر شراب و تحلفون من غیر اضطرار- و تظلمون من غیر منفعه و تکذبون من غیر إحراج- تتفکهون بالفسوق و تبادرون بالمعصیه- قولکم البهتان و حدیثکم الزور و أعمالکم الغرور- فعند ذلک لا تأمنون البیات- فیا له من بیات ما أشد ظلمته و من صائح ما أفظع صوته- ذلک بیات لا ینمی صاحبه- فعند ذلک تقتلون و بأنواع البلاء تضربون- و بالسیف تحصدون و إلى النار تصیرون- و یعضکم البلاء کما یعض الغارب القتب- یا عجبا کل العجب بین جمادى و رجب- من جمع أشتات و حصد نبات و من أصوات بعدها أصوات- ثم قال سبق القضاء سبق القضاء-

قال رجل من أهل البصره لرجل من أهل الکوفه إلى جانبه- أشهد أنه کاذب على الله و رسوله- قال الکوفی و ما یدریک- قال فو الله ما نزل علی من المنبر حتى فلج الرجل- فحمل إلى منزله فی شق محمل فمات من لیلته

من خطب الإمام علی أیضا

و روى المدائنی أیضا قال خطب علی ع- فقال لو کسرت لی الوساده- لحکمت بین أهل التوراه بتوراتهم- و بین أهل الإنجیل بإنجیلهم- و بین أهل الفرقان بفرقانهم- و ما من آیه فی کتاب الله أنزلت فی سهل أو جبل- إلا و أنا عالم متى أنزلت و فیمن أنزلت- فقال رجل من القعود تحت منبره- یا لله و للدعوى الکاذبه و قال آخر إلى جانبه- أشهد أنک أنت الله رب العالمین

قال المدائنی فانظر إلى هذا التناقض و التباین فیهو روى المدائنی أیضا قال خطب علی ع فذکر الملاحم- فقال سلونی قبل أن تفقدونی- أما و الله لتشغرن الفتنه الصماء برجلها- و تطأ فی خطامها- یا لها من فتنه شبت نارها بالحطب الجزل- مقبله من شرق الأرض رافعه ذیلها- داعیه ویلها بدجله أو حولها- ذاک إذا استدار الفلک و قلتم مات أو هلک- بأی واد سلک- فقال قوم تحت منبره لله أبوه ما أفصحه کاذبا

و روى صاحب کتاب الغارات عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث‏قال سمعت علیا یقول على المنبر ما أحد جرت علیه المواسی إلا و قد أنزل الله فیه قرآنا- فقام إلیه رجل فقال یا أمیر المؤمنین- فما أنزل الله تعالى فیک قال یرید تکذیبه- فقام الناس إلیه یلکزونه فی صدره و جنبه- فقال دعوه أقرأت سوره هود قال نعم- قال أ قرأت قوله سبحانه- أَ فَمَنْ کانَ عَلى‏ بَیِّنَهٍ مِنْ رَبِّهِ وَ یَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ- قال نعم قال صاحب البینه محمد و التالی الشاهد أنا

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی ‏الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۷۱

خطبه ۶۹ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۶۹ و قال ع فی سحره الیوم الذی ضرب فیه

مَلَکَتْنِی عَیْنِی وَ أَنَا جَالِسٌ- فَسَنَحَ لِی رَسُولُ اللَّهِ ص فَقُلْتُ یَا رَسُولَ اللَّهِ- مَا ذَا لَقِیتُ مِنْ أُمَّتِکَ مِنَ الْأَوَدِ وَ اللَّدَدِ فَقَالَ ادْعُ عَلَیْهِمْ- فَقُلْتُ أَبْدَلَنِیَ اللَّهُ بِهِمْ خَیْراً مِنْهُمْ- وَ أَبْدَلَهُمْ بِی شَرّاً لَهُمْ مِنِّی قال الرضی رحمه الله- یعنی بالأود الاعوجاج و باللدد الخصام- و هذا من أفصح الکلام قوله ملکتنی عینی من فصیح الکلام- یرید غلبنی النوم- قوله فسنح لی رسول الله ص یرید مر بی کما تسنح الظباء- و الطیر یمر بک و یعترض لک- . و ذا هاهنا بمعنى الذی کقوله تعالى ما ذا تَرى‏- أی ما الذی ترى یقول- قلت له ما الذی لقیت من أمتک- و ما هاهنا استفهامیه کأی- و یقال ذلک فیما یستعظم أمره- کقوله سبحانه الْقارِعَهُ مَا الْقارِعَهُ- و شرا هاهنا لا یدل على أن فیه شرا- کقوله قُلْ أَ ذلِکَ خَیْرٌ أَمْ جَنَّهُ الْخُلْدِ- لا یدل على أن فی النار خیرا

خبر مقتل الإمام علی کرم الله وجهه

و یجب أن نذکر فی هذا الموضع مقتله ع- و أصح ما ورد فی ذلک- ما ذکره أبو الفرج علی بن الحسین الأصفهانی- فی کتاب مقاتل الطالبیین- . قال أبو الفرج علی بن الحسین- بعد أسانید ذکرها مختلفه متفرقه- تجتمع على معنى واحد نحن ذاکروه- إن نفرا من الخوارج اجتمعوا بمکه- فتذاکروا أمر المسلمین- فعابوهم و عابوا أعمالهم علیهم- و ذکروا أهل النهروان فترحموا علیهم- و قال بعضهم لبعض لو أنا شرینا أنفسنا لله عز و جل- فأتینا أئمه الضلال و طلبنا غرتهم- و أرحنا منهم العباد و البلاد- و ثأرنا بإخواننا الشهداء بالنهروان- . فتعاقدوا عند انقضاء الحج- فقال عبد الرحمن بن ملجم أنا أکفیکم علیا- و قال واحد أنا أکفیکم معاویه- و قال الثالث أنا أکفیکم عمرو بن العاص- فتعاقدوا و تواثقوا على الوفاء- و ألا ینکل أحد منهم- عن صاحبه الذی یتوجه إلیه و لا عن قتله- و اتعدوا لشهر رمضان- فی اللیله التی قتل فیها ابن ملجم علیا- . قال أبو الفرج قال أبو مخنف قال أبو زهیر العبسی- الرجلان الآخران البرک بن عبد الله التمیمی- و هو صاحب معاویه- و عمرو بن بکر التمیمی و هو صاحب عمرو بن العاص- . قال فأما صاحب معاویه فإنه قصده- فلما وقعت عینه علیه ضربه- فوقعت ضربته على ألیته- و أخذ فجاء الطبیب إلیه فنظر إلى الضربه- فقال إن السیف مسموم- فاختر إما أن أحمی لک حدیده- فأجعلها فی الضربه فتبرأ- و إما أن أسقیک دواء فتبرأ و ینقطع نسلک- فقال أما النار فلا أطیقها- و أما النسل ففی یزید و عبد الله ما تقر عینی و حسبی بهما- . فسقاه الدواء فعوفی و عالج جرحه حتى التأم- و لم یولد له بعد ذلک- .

و قال له البرک بن عبد الله إن لک عندی بشاره- قال و ما هی فأخبره خبر صاحبه- و قال له إن علیا قتل فی هذه اللیله فاحتبسنی عندک- فإن قتل فأنت ولی ما تراه فی أمری- و إن لم یقتل أعطیتک العهود و المواثیق- أن أمضی إلیه فأقتله ثم أعود إلیک فأضع یدی فی یدک- حتى تحکم فی بما ترى فحبسه عنده- فلما أتی الخبر أن علیا قتل فی تلک اللیله خلى سبیله- . هذه روایه إسماعیل بن راشد- و قال غیره من الرواه بل قتله من وقته- . و أما صاحب عمرو بن العاص- فإنه وافاه فی تلک اللیله و قد وجد عله فأخذ دواء- و استخلف رجلا یصلی بالناس- یقال له خارجه بن أبی حبیبه أحد بنی عامر بن لؤی- فخرج للصلاه- فشد عمرو بن بکر فضربه بالسیف فأثبته- و أخذ الرجل فأتی به عمرو بن العاص فقتله- و دخل من غد إلى خارجه و هو یجود بنفسه- فقال أما و الله یا أبا عبد الله ما أراد غیرک- قال عمرو و لکن الله أراد خارجه- . و أما ابن ملجم فإنه قتل علیا تلک اللیله- .

قال أبو الفرج و حدثنی محمد بن الحسن الأشناندانی و غیره قال أخبرنی علی بن المنذر الطریقی قال حدثنا ابن فضیل قال حدثنا فطر عن أبی الطفیل قال جمع علی ع الناس للبیعه- فجاء عبد الرحمن بن ملجم فرده علی مرتین أو ثلاثا- ثم مد یده فبایعه- فقال له علی ما یحبس أشقاها- فو الذی نفسی بیده لتخضبن هذه من هذه- ثم أنشد

اشدد حیازیمک للموت
فإن الموت لاقیکا

و لا تجزع من الموت‏
إذا حل بوادیکا

قال أبو الفرج‏و قد روی لنا من طرق غیر هذه أن علیا أعطى الناس فلما بلغ ابن ملجم أعطاه- و قال له

أرید حیاته و یرید قتلی
عذیرک من خلیلک من مراد

قال أبو الفرج و حدثنی أحمد بن عیسى العجلی بإسناد- ذکره فی الکتاب إلى أبی زهیر العبسی قال- کان ابن ملجم من مراد و عداده فی کنده- فأقبل حتى قدم الکوفه فلقی بها أصحابه و کتمهم أمره- و طوى عنهم ما تعاقد هو و أصحابه علیه بمکه- من قتل أمراء المسلمین مخافه أن ینتشر- و زار رجلا من أصحابه ذات یوم من بنی تیم الرباب- فصادف عنده قطام بنت الأخضر من بنی تیم الرباب- و کان علی قتل أخاها و أباها بالنهروان- و کانت من أجمل نساء أهل زمانها- فلما رآها شغف بها و اشتد إعجابه فخطبها- فقالت له ما الذی تسمی لی من الصداق- فقال احتکمی ما بدا لک- فقالت أحتکم علیک ثلاثه آلاف درهم و وصیفا و خادما- و أن تقتل علی بن أبی طالب- . فقال لها لک جمیع ما سألت- و أما قتل علی فأنى لی بذلک- قالت تلتمس غرته- فإن أنت قتلته شفیت نفسی و هنأک العیش معی- و إن قتلت فما عند الله خیر لک من الدنیا- فقال لها أما و الله ما أقدمنی هذا المصر- و قد کنت هاربا منه لآمن أهله- إلا ما سألتنی من قتل علی- .

قالت له- فأنا طالبه لک بعض من یساعدک على هذا و یقویک- ثم بعثت إلى وردان بن مجالد أحد بنی تیم الرباب- فخبرته الخبر و سألته معاونه ابن ملجم- فتحمل لها ذلک و خرج ابن ملجم- فأتى رجلا من أشجع یقال له شبیب بن بجره- و قال له یا شبیب- هل لک فی شرف الدنیا و الآخره قال و ما ذاک- قال تساعدنی على قتل علی- و کان شبیب على رأی الخوارج- فقال له هبلتک الهبول- لقد جئت شیئا إدا- و کیف تقدر ویحک على ذلک- قال ابن ملجم نکمن له فی المسجد الأعظم-فإذا خرج لصلاه الفجر فتکنا به- و شفینا أنفسنا منه و أدرکنا ثأرنا- فلم یزل به حتى أجابه- . فأقبل به حتى دخلا على قطام- و هی معتکفه فی المسجد الأعظم- قد ضربت لها قبه- فقالا لها قد أجمع رأینا على قتل هذا الرجل- قالت لهما فإذا أردتما ذلک- فالقیانی فی هذا الموضع فانصرفا من عندها- فلبثا أیاما ثم أتیاها و معهما وردان بن مجالد- الذی کلفته مساعده ابن ملجم- و ذلک فی لیله الجمعه لتسع عشره لیله- خلت من رمضان سنه أربعین- .

قال أبو الفرج هکذا فی روایه أبی مخنف- و فی روایه أبی عبد الرحمن السلمی- أنها کانت لیله سبع عشره من شهر رمضان- فقال لها ابن ملجم هذه اللیله هی التی وعدت فیها صاحبی- و وعدانی أن یقتل کل واحد منا صاحبه الذی یتوجه إلیه- . قلت إنما تواعدوا بمکه- عبد الرحمن و البرک و عمرو على هذه اللیله- لأنهم یعتقدون أن قتل ولاه الجور قربه إلى الله- و أحرى القربات ما تقرب به- فی الأوقات الشریفه المبارکه- . و لما کانت لیله الجمعه التاسعه عشره- من شهر رمضان لیله شریفه- یرجى أن تکون لیله القدر- عینوها لفعل ما یعتقدونه قربه إلى الله- فلیعجب المتعجب من العقائد- کیف تسری فی القلوب و تغلب على العقول- حتى یرتکب الناس عظائم الأمور- و أهوال الخطوب لأجلها- قال أبو الفرج فدعت لهم بحریر فعصبت به صدورهم- و تقلدوا سیوفهم و مضوا- فجلسوا مقابل السده التی کان- یخرج منها علی ع إلى الصلاه- .

قال أبو الفرج- و قد کان ابن ملجم أتى الأشعث بن قیس فی هذه اللیله- فخلا به فی بعض نواحی المسجد و مر بهما حجر بن عدی- فسمع الأشعث و هو یقول لابن ملجم- النجاء النجاء بحاجتک فقد فضحک الصبح- قال له حجر قتلته یا أعور و خرج مبادرا إلى علی- و قد سبقه ابن ملجم فضربه- فأقبل حجر و الناس یقولون قتل أمیر المؤمنین- .

قال أبو الفرج و للأشعث بن قیس- فی انحرافه عن أمیر المؤمنین أخبار یطول شرحها-منها حدیث حدثنیه محمد بن الحسین الأشناندانی قال حدثنی إسماعیل بن موسى قال حدثنا علی بن مسهر عن الأجلح عن موسى بن أبی النعمان قال جاء الأشعث إلى علی یستأذن علیه فرده قنبر- فأدمى الأشعث أنفه- فخرج علی و هو یقول ما لی و لک یا أشعث- أما و الله لو بعبد ثقیف تمرست لاقشعرت شعیراتک- قیل یا أمیر المؤمنین و من عبد ثقیف- قال غلام لهم لا یبقی أهل بیت من العرب- إلا أدخلهم ذلا- قیل یا أمیر المؤمنین کم یلی أو کم یمکث- قال عشرین إن بلغهاقال أبو الفرج و حدثنی محمد بن الحسین أیضا بإسناد ذکره أن الأشعث دخل على علی فکلمه فأغلظ علی له- فعرض له الأشعث أنه سیفتک به- فقال له علی أ بالموت تخوفنی أو تهددنی- فو الله ما أبالی وقعت على الموت أو وقع الموت علی- .

قال أبو الفرج قال أبو مخنف فحدثنی أبی- عن عبد الله بن محمد الأزدی قال- إنی لأصلی تلک اللیله فی المسجد الأعظم- مع رجال من أهل المصر- کانوا یصلون فی ذلک الشهر من أول اللیل إلى آخره- إذ نظرت إلى رجال یصلون قریبا من السده قیاما و قعودا- و رکوعا و سجودا ما یسأمون- إذ خرج علیهم علی بن أبی طالب الفجر- فأقبل ینادی الصلاه الصلاه فرأیت بریق السیف- و سمعت قائلا یقول الحکم لله یا علی لا لک-ثم رأیت بریق سیف آخر- و سمعت صوت علی ع یقول لا یفوتنکم الرجل- .

قال أبو الفرج فأما بریق السیف الأول- فإنه کان شبیب بن بجره ضربه فأخطأه- و وقعت ضربته فی الطاق و أما بریق السیف الثانی- فإنه ابن ملجم ضربه فأثبت الضربه فی وسط رأسه- و شد الناس علیهما من کل ناحیه حتى أخذوهما- . قال أبو مخنف فهمدان تذکر أن رجلا منهم- یکنى أبا أدماء أخذ ابن ملجم- . و قال غیرهم بل أخذه المغیره بن الحارث بن عبد المطلب- طرح علیه قطیفه ثم صرعه- و أخذ السیف من یده و جاء به- .

قال و أما شبیب بن بجره فإنه خرج هاربا- فأخذه رجل فصرعه و جلس على صدره- و أخذ السیف من یده لیقتله فرأى الناس یقصدون نحوه- فخشی أن یعجلوا علیه فوثب عن صدره- و خلاه و طرح السیف عن یده- و أما شبیب بن بجره ففاته- فخرج هاربا حتى دخل منزله- فدخل علیه ابن عم له فرآه یحل الحریر عن صدره- فقال له ما هذا لعلک قتلت أمیر المؤمنین- فأراد أن یقول لا فقال نعم- فمضى ابن عمه فاشتمل على سیفه- ثم دخل علیه فضربه حتى قتله- .

قال أبو مخنف فحدثنی أبی عن عبد الله بن محمد الأزدی قال أدخل ابن ملجم على علی ع- و دخلت علیه فیمن دخل فسمعت علیا یقول- النفس بالنفس إن أنا مت فاقتلوه کما قتلنی- و إن سلمت رأیت فیه رأیی- فقال ابن ملجم و لقد اشتریته بألف یعنی السیف- و سممته بألف فإن خاننی فأبعده الله- قال فنادته أم کلثوم یا عدو الله قتلت أمیر المؤمنین- قال إنما قتلت أباک قالت یا عدو الله- إنی لأرجوألا یکون علیه بأس- قال فأراک إنما تبکین علیا إذا و الله لقد ضربته ضربه- لو قسمت بین أهل الأرض لأهلکتهم- . قال أبو الفرج و أخرج ابن ملجم من بین یدیه و هو یقول-

نحن ضربنا یا بنه الخیر إذ طغى
أبا حسن مأمومه فتفطرا

و نحن حللنا ملکه من نظامه‏
بضربه سیف إذ علا و تجبرا

و نحن کرام فی الصباح أعزه
إذا المرء بالموت ارتدى و تأزرا

قال و انصرف الناس من صلاه الصبح فأحدقوا بابن ملجم- ینهشون لحمه بأسنانهم کأنهم السباع- و یقولون یا عدو الله ما ذا صنعت أهلکت أمه محمد- و قتلت خیر الناس و إنه لصامت ما ینطق- .

قال أبو الفرج و روى أبو مخنف عن أبی الطفیل أن صعصعه بن صوحان استأذن على علی ع- و قد أتاه عائدا لما ضربه ابن ملجم فلم یکن علیه إذن- فقال صعصعه للآذن قل له- یرحمک الله یا أمیر المؤمنین حیا و میتا- فلقد کان الله فی صدرک عظما- و لقد کنت بذات الله علیما- فأبلغه الآذن مقالته- فقال قل له و أنت یرحمک الله- فلقد کنت خفیف المئونه کثیر المعونه- .

قال أبو الفرج ثم جمع له أطباء الکوفه- فلم یکن منهم أحد- أعلم بجرحه من أثیر بن عمرو بن هانئ السکونی- و کان متطببا صاحب کرسی یعالج الجراحات- و کان من الأربعین غلاما- الذین کان خالد بن الولید أصابهم فی عین التمر فسباهم- فلما نظر أثیر إلى جرح أمیر المؤمنین- دعا برئه شاه حاره فاستخرج منها عرقا- و أدخله فی الجرح ثم نفخه ثم‏ استخرجه- و إذا علیه بیاض الدماغ- فقال یا أمیر المؤمنین اعهد عهدک- فإن عدو الله قد وصلت ضربته إلى أم رأسک- فدعا علی ع عند ذلک بدواه و صحیفه و کتب وصیته-هذا ما أوصى به أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب- أوصى بأنه یشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا عبده و رسوله- أرسله بالهدى و دین الحق- لیظهره على الدین کله و لو کره المشرکون- صلوات الله و برکاته علیه- إن صلاتی و نسکی و محیای و مماتی لله رب العالمین- لا شریک له و بذلک أمرت و أنا أول المسلمین- أوصیک یا حسن و جمیع ولدی و أهل بیتی- و من بلغه کتابی هذا بتقوى الله ربنا و ربکم- و لا تموتن إلا و أنتم مسلمون- و اعتصموا بحبل الله جمیعا و لا تفرقوا- فإنی سمعت رسول الله یقول- صلاح ذات البین أفضل من عامه الصلاه و الصیام- و إن المبیره حالقه الدین إفساد ذات البین- و لا قوه إلا بالله العلی العظیم- انظروا إلى ذوی أرحامکم فصلوها- یهون الله علیکم الحساب- و الله الله فی الأیتام فلا تغیرن أفواههم بجفوتکم- و الله الله فی جیرانکم فإنها وصیه رسول الله ص- فما زال یوصینا بهم حتى ظننا أنه سیورثهم الله- و الله الله فی القرآن فلا یسبقنکم بالعمل به غیرکم- و الله الله فی الصلاه فإنها عماد دینکم- و الله الله فی صیام شهر رمضان فإنه جنه من النار- و الله الله فی الجهاد بأموالکم و أنفسکم- و الله الله فی زکاه أموالکم- فإنها تطفئ غضب ربکم- و الله الله فی أهل بیت نبیکم فلا یظلمن بین أظهرکم- و الله الله فی أصحاب نبیکم فإن رسول الله ص أوصى بهم- و الله الله فی الفقراء و المساکین- فأشرکوهم فی معایشکم- و الله الله فیما ملکت أیمانکم- فإنه کانت آخر وصیه رسول الله ص إذ قال- أوصیکم بالضعیفین فیما ملکت أیمانکم- ثم الصلاه الصلاه- لا تخافوا فی الله لومه لائم- یکفکم من بغى علیکم و من أرادکم بسوء- قولوا للناس حسنا کما أمرکم الله به- و لا تترکوا الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر- فیتولى ذلک غیرکم و تدعون فلا یستجاب لکم- علیکم بالتواضع و التباذل و التبار- و إیاکم و التقاطع و التفرق‏و التدابر- تعاونوا على البر و التقوى- و لا تعاونوا على الإثم و العدوان- و اتقوا الله إن الله شدید العقاب- حفظکم الله من أهل بیت و حفظ فیکم نبیه- أستودعکم الله خیر مستودع- و علیکم سلام الله و رحمته- .

قلت قوله و الله الله فی الأیتام- فلا تغیرن أفواههم بجفوتکم- یحتمل تفسیرین أحدهما لا تجیعوهم- فإن الجائع یخلف فمه و تتغیر نکهته- و الثانی لا تحوجوهم إلى تکرار الطلب و السؤال- فإن السائل ینضب ریقه و تنشف لهواته و یتغیر ریح فمه- . و قوله حکایه عن رسول الله ص- أوصیکم بالضعیفین فیما ملکت أیمانکم- یعنی به الحیوان الناطق و الحیوان الأعجم- .

قال أبو الفرج و حدثنی أبو جعفر محمد بن جریر الطبری بإسناد ذکره فی الکتاب عن أبی عبد الرحمن السلمی قال قال لی الحسن بن علی ع خرجت و أبی یصلی فی المسجد فقال لی یا بنی إنی بت اللیله أوقظ أهلی- لأنها لیله الجمعه صبیحه یوم بدر- لتسع عشره لیله خلت من شهر رمضان- فملکتنی عینای فسنح لی رسول الله ص فقلت- یا رسول الله ما ذا لقیت من أمتک من الأود و اللدد- فقال لی ادع علیهم- فقلت اللهم أبدلنی بهم خیرا منهم- و أبدلهم بی من هو شر منی- قال الحسن ع و جاء ابن أبی الساج فأذنه بالصلاه- فخرج فخرجت خلفه فاعتوره الرجلان- فأما أحدهما فوقعت ضربته فی الطاق- و أما الآخر فأثبتها فی رأسه- .

قال أبو الفرج قال حدثنی أحمد بن عیسى قال- حدثنا الحسین بن نصر قال‏حدثنا زید بن المعدل عن یحیى بن شعیب عن أبی مخنف عن فضیل بن خدیج- عن الأسود الکندی و الأجلح قالا- توفی علی ع و هو ابن أربع و ستین سنه- فی عام أربعین من الهجره- لیله لإحدى و عشرین لیله الأحد مضت من شهر رمضان- و ولی غسله ابنه الحسن و عبد الله بن العباس- و کفن فی ثلاثه أثواب لیس فیها قمیص- و صلى علیه ابنه الحسن فکبر علیه خمس تکبیرات- و دفن بالرحبه مما یلی أبواب کنده عند صلاه الصبح- . هذه روایه أبی مخنف- .

قال أبو الفرج و حدثنی أحمد بن سعید قال حدثنا یحیى بن الحسن العلوی قال حدثنا یعقوب بن زید عن ابن أبی عمیر عن الحسن بن علی الخلال عن جده قال قلت للحسین بن علی ع أین دفنتم أمیر المؤمنین ع- قال خرجنا به لیلا من منزله- حتى مررنا به على منزل الأشعث بن قیس- ثم خرجنا به إلى الظهر بجنب الغری- .

قلت و هذه الروایه هی الحق و علیها العمل- و قد قلنا فیما تقدم- إن أبناء الناس أعرف بقبور آبائهم- من غیرهم من الأجانب- و هذا القبر الذی بالغری- هو الذی کان بنو علی یزورونه قدیما و حدیثا- و یقولون هذا قبر أبینا- لا یشک أحد فی ذلک من الشیعه و لا من غیرهم- أعنی بنی علی من ظهر الحسن و الحسین و غیرهما من سلالته- المتقدمین منهم و المتأخرین- ما زاروا و لا وقفوا إلا على هذا القبر بعینه- .

و قد روى أبو الفرج عبد الرحمن بن علی بن الجوزی- فی تاریخه المعروف بالمنتظم- وفاه أبی الغنائم محمد بن علی بن میمون النرسی- المعروف بأبی لجوده قراءته قال- توفی أبو الغنائم هذا فی سنه عشر و خمسمائه- و کان محدثا من أهل الکوفه ثقه حافظا- و کان من قوام اللیل و من أهل السنه- و کان یقول ما بالکوفه من هو على مذهب أهل السنه- و أصحاب الحدیث غیری- و کان یقول مات بالکوفه ثلاثمائه صحابی- لیس قبر أحد منهم معروفا إلا قبر أمیر المؤمنین- و هو هذا القبر الذی یزوره الناس الآن- جاء جعفر بن محمد ع و أبوه محمد بن علی بن الحسین ع إلیه- فزاراه و لم یکن إذ ذاک قبرا معروفا ظاهرا- و إنما کان به سرح عضاه- حتى جاء محمد بن زید الداعی صاحب الدیلم فأظهر القبر- . و سألت بعض من أثق به من عقلاء شیوخ أهل الکوفه- عما ذکره الخطیب أبو بکر فی تاریخه أن قوما یقولون- إن هذا القبر الذی تزوره الشیعه إلى جانب الغری- هو قبر المغیره بن شعبه- فقال غلطوا فی ذلک- قبر المغیره و قبر زیاد بالثویه من أرض الکوفه- و نحن نعرفهما و ننقل ذلک عن آبائنا و أجدادنا- و أنشدنی قول الشاعر یرثی زیادا- و قد ذکره أبو تمام فی الحماسه-

صلى الإله على قبر و طهره
عند الثویه یسفی فوقه المور

زفت إلیه قریش نعش سیدها
فالحلم و الجود فیه الیوم مقبور

أبا المغیره و الدنیا مفجعه
و إن من غرت الدنیا لمغرور

قد کان عندک للمعروف معرفه
و کان عندک للمنکور تنکیر

و کنت تغشى و تعطى المال من سعه
فالیوم قبرک أضحى و هو مهجور

و الناس بعدک قد خفت حلومهم
کأنما نفخت فیه الأعاصیر

 و سألت قطب الدین نقیب الطالبیین- أبا عبد الله الحسین بن الأقساسی- رحمه الله تعالى عن ذلک فقال- صدق من أخبرک نحن و أهلها کافه- نعرف مقابر ثقیف إلى الثویه- و هی إلى الیوم معروفه و قبر المغیره فیها- إلا أنها لا تعرف و قد ابتلعها السبخ- و زبد الأرض و فورانها فطمست و اختلط بعضها ببعض- . ثم قال إن شئت أن تتحقق أن قبر المغیره فی مقابر ثقیف- فانظر إلى کتاب الأغانی لأبی الفرج علی بن الحسین- و المح ما قاله فی ترجمه المغیره- و أنه مدفون فی مقابر ثقیف و یکفیک قول أبی الفرج- فإنه الناقد البصیر و الطبیب الخبیر- فتصفحت ترجمه المغیره فی الکتاب المذکور- فوجدت الأمر کما قاله النقیب- .

قال أبو الفرج کان مصقله بن هبیره الشیبانی- قد لاحى المغیره فی شی‏ء کان بینهما منازعه- فضرع له المغیره و تواضع فی کلامه- حتى طمع فیه مصقله فاستعلى علیه و شتمه- و قال إنی لأعرف شبهی فی عروه ابنک- فأشهد المغیره على قوله هذا شهودا- ثم قدمه إلى شریح القاضی فأقام علیه البینه- فضربه شریح الحد- و آلى مصقله ألا یقیم ببلده فیها المغیره- فلم یدخل الکوفه حتى مات المغیره فدخلها- فتلقاه قومه فسلموا علیه- فما فرغ من السلام حتى سألهم عن مقابر ثقیف- فأرشدوه إلیها فجعل قوم من موالیه‏ یلتقطون الحجاره- فقال لهم ما هذا- فقالوا نظن أنک ترید أن ترجم قبر المغیره- فقال ألقوا ما فی أیدیکم- فانطلق حتى وقف على قبره- ثم قال و الله لقد کنت ما علمت نافعا لصدیقک- ضارا لعدوک و ما مثلک إلا کما قال مهلهل فی کلیب أخیه-

إن تحت الأحجار حزما و عزما
و خصیما ألد ذا معلاق‏

حیه فی الوجار أربد لا ینفع‏
منه السلیم نفثه راق‏

 قال أبو الفرج فأما ابن ملجم- فإن الحسن بن علی بعد دفنه أمیر المؤمنین دعا به- و أمر بضرب عنقه- فقال له إن رأیت أن تأخذ علی العهود- أن أرجع إلیک حتى أضع یدی فی یدک- بعد أن أمضی إلى الشام- فأنظر ما صنع صاحبی بمعاویه- فإن کان قتله و إلا قتلته- ثم عدت إلیک حتى تحکم فی حکمک فقال هیهات- و الله لا تشرب الماء البارد حتى تلحق روحک بالنار- ثم ضرب عنقه- و استوهبت أم الهیثم بنت الأسود النخعیه جثته منه- فوهبها لها فأحرقتها بالنار- . و قال ابن أبی میاس الفزاری و هو من الخوارج-

فلم أر مهرا ساقه ذو سماحه
کمهر قطام من غنی و معدم‏

ثلاثه آلاف و عبد و قینه
و ضرب علی بالحسام المصمم‏

فلا مهر أغلى من علی و إن غلا
و لا فتک إلا دون فتک ابن ملجم‏

و قال عبد الله بن العباس بن عبد المطلب-

و هز علی بالعراقین لحیه
مصیبتها جلت على کل مسلم‏

و قال سیأتیها من الله نازل‏
و یخضبها أشقى البریه بالدم‏

فعاجله بالسیف شلت یمینه
لشؤم قطام عند ذاک ابن ملجم‏

فیا ضربه من خاسر ضل سعیه
تبوأ منها مقعدا فی جهنم‏

ففاز أمیر المؤمنین بحظه‏
و إن طرقت إحدى اللیالی بمعظم‏

ألا إنما الدنیا بلاء و فتنه
حلاوتها شیبت بصاب و علقم‏

 قال أبو الفرج و أنشدنی عمی الحسن بن محمد قال- أنشدنی محمد بن سعد لبعض بنی عبد المطلب- یرثی علیا و لم یذکر اسمه-

یا قبر سیدنا المجن سماحه
صلى الإله علیک یا قبر

ما ضر قبرا أنت ساکنه‏
ألا یحل بأرضه القطر

فلیندین سماح کفک بالثرى
و لیورقن بجنبک الصخر

و الله لو بک لم أجد أحدا
إلا قتلت لفاتنی الوتر

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۶

بازدیدها: ۵۱

خطبه ۶۸ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(ذم أصحابه)

۶۸ و من کلام له ع فی ذم أصحابه

کَمْ أُدَارِیکُمْ کَمَا تُدَارَى الْبِکَارُ الْعَمِدَهُ- وَ الثِّیَابُ الْمُتَدَاعِیَهُ- کُلَّمَا حِیصَتْ مِنْ جَانِبٍ تَهَتَّکَتْ مِنْ آخَرَ- کُلَّمَا أَطَلَّ عَلَیْکُمْ مِنْسَرٌ مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ الشَّامِ- أَغْلَقَ کُلُّ رَجُلٍ مِنْکُمْ بَابَهُ- وَ انْجَحَرَ انْجِحَارَ الضَّبَّهِ فِی جُحْرِهَا وَ الضَّبُعِ فِی وِجَارِهَا- الذَّلِیلُ وَ اللَّهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ- وَ مَنْ رُمِیَ بِکُمْ فَقَدْ رُمِیَ بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ- إِنَّکُمْ وَ اللَّهِ لَکَثِیرٌ فِی الْبَاحَاتِ قَلِیلٌ تَحْتَ الرَّایَاتِ- وَ إِنِّی لَعَالِمٌ بِمَا یُصْلِحُکُمْ وَ یُقِیمُ أَوَدَکُمْ- وَ لَکِنِّی وَ اللَّهِ لَا أَرَى إِصْلَاحَکُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسِی- أَضْرَعَ اللَّهُ خُدُودَکُمْ وَ أَتْعَسَ جُدُودَکُمْ- لَا تَعْرِفُونَ الْحَقَّ کَمَعْرِفَتِکُمُ الْبَاطِلَ- وَ لَا تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ کَإِبْطَالِکُمُ الْحَقَّ البکار جمع بکر و هو الفتى من الإبل- و العمده التی قد انشدخت أسنمتها من داخل- و ظاهرها صحیح و ذلک لکثره رکوبها- . و الثیاب المتداعیه الأسمال التی قد أخلقت- و إنما سمیت متداعیه لأن بعضها یتخرق- فیدعو بعضها إلى مثل حاله- . و حیصت خیطت و الحوص الخیاطه و تهتکت تخرقت-و أطل علیکم أی أشرف- و روی أظل بالظاء المعجمه و المعنى واحد- . و منسر قطعه من الجیش تمر قدام الجیش الکثیر- و الأفصح منسر بکسر المیم و فتح السین- و یجوز منسر بفتح المیم و کسر السین- .

و انجحر استتر فی بیته- أجحرت الضب إذا ألجأته إلى جحره فانجحر- . و الضبه أنثى الضباب- و إنما أوقع التشبیه على الضبه- مبالغه فی وصفهم بالجبن و الفرار- لأن الأنثى أجبن و أذل من الذکر و الوجار بیت الضبع- . و السهم الأفوق الناصل المکسور الفوق المنزوع النصل- و الفوق موضع الوتر من السهم- یقال نصل السهم إذا خرج منه النصل فهو ناصل- و هذا مثل یضرب لمن استنجد بمن لا ینجده- .

و الباحات جمع باحه و هی ساحه الدار- و الأود العوج أود الشی‏ء بکسر الواو یأود أودا أی أعوج- و تأود أی تعوج- و أضرع الله خدودکم أذل وجوهکم- . ضرع الرجل ذل و أضرعه غیره- و منه المثل الحمى أضرعته لک- . و أتعس جدودکم- أی أحال حظوظکم و سعودکم و أهلکها فجعلها إدبارا و نحسا- . و التعس الهلاک و أصله الکب و هو ضد الانتعاش- تعس الرجل بفتح العین یتعس تعسا- یقول کم أداریکم کما یداری راکب البعیر- بعیره المنفضخ السنام- و کما یداری لابس الثوب السمل ثوبه المتداعی- الذی کلما خیط منه جانب تمزق جانب- . ثم ذکر خبئهم و ذلهم- و قله انتصار من ینتصر بهم- و أنهم کثیر فی الصوره قلیل فی المعنى-

ثم قال إنی عالم بما یصلحکم- یقول إنما یصلحکم فی السیاسه السیف و صدق- فإن کثیرا لا یصلح إلا علیه- کما فعل الحجاج بالجیش الذی تقاعد بالمهلب-فإنه نادى منادیه- من وجدناه بعد ثالثه لم یلتحق بالمهلب فقد حل لنا دمه- ثم قتل عمیر بن ضابئ و غیره- فخرج الناس یهرعون إلى المهلب- . و أمیر المؤمنین لم یکن لیستحل من دماء أصحابه- ما یستحله من یرید الدنیا- و سیاسه الملک و انتظام الدوله-قال ع لکنی لا أرى إصلاحکم بإفساد نفسی- أی بإفساد دینی عند الله تعالى- .

فإن قلت أ لیست نصره الإمام واجبه علیهم- فلم لا یقتلهم إذ أخلوا بهذا الواجب- قلت لیس کل إخلال بواجب یکون عقوبته القتل- کمن أخل بالحج- و أیضا فإنه کان یعلم أن عاقبه القتل فسادهم علیه و اضطرابهم- فلو أسرع فی قتلهم لشغبوا علیه شغبا- یفضی إلى أن یقتلوه و یقتلوا أولاده- أو یسلموه و یسلموهم إلى معاویه- و متى علم هذا أو غلب على ظنه لم یجز له- أن یسوسهم بالقتل الذی یفضی إلى هذه المفسده- فلو ساسهم بالقتل و الحال هذه- لکان آثما عند الله تعالى و مواقعا للقبیح- و فی ذلک إفساد دینه- کما قال لا تعرفون الحق کمعرفتکم الباطل- إلى آخر الفصل- فکأنه قال لا تعتقدون الصواب و الحق- کما تعتقدون الخطأ و الباطل- أی اعتقادکم الحق قلیل و اعتقادکم الباطل کثیر- فعبر عن الاعتقاد العام بالمعرفه الخاصه- و هی نوع تحت جنسه مجازا- . ثم قال و لا تسرعون فی نقض الباطل سرعتکم- فی نقض الحق و هدمه

طائفه من الأشعار الوارده فی ذم الجبن

و اعلم أن الهجاء بالجبن و الذل الفرق کثیر جدا- و نظیر قوله إنکم لکثیر فی الباحات- قلیل تحت الرایات قول معدان الطائی-

فأما الذی یحصیهم فمکثر
و أما الذی یطریهم فمقلل‏

و نحو قول قراد بن حنش و هو من شعر الحماسه-

و أنتم سماء یعجب الناس رزها
بآبده تنحی شدید وئیدها

تقطع أطناب البیوت بحاصب‏
و أکذب شی‏ء برقها و رعودها

فویلمها خیلا بهاء و شاره
إذا لاقت الأعداء لو لا صدودها

– . و من شعر الحماسه فی هذا المعنى-
لقد کان فیکم لو وفیتم بجارکم
لحى و رقاب عرده و مناخر

من الصهب أثناء و جذعا کأنها
عذارى علیها شاره و معاجر

و من الهجاء بالجبن و الفرار قول بعض بنی طیئ- یهجو حاتما و هو من شعر الحماسه أیضا-

لعمری و ما عمری على بهین
لبئس الفتى المدعو باللیل حاتم‏

غداه أتى کالثور أحرج فاتقى‏
بجبهته أقتاله و هو قائم‏

کأن بصحراء المریط نعامه
تبادرها جنح الظلام نعائم‏

أعارتک رجلیها و هافی لبها
و قد جردت بیض المتون صوارم‏

و نظیر المعنى الأول أیضا قول بعضهم من شعر الحماسه-

کاثر بسعد إن سعدا کثیره
و لا ترج من سعد وفاء و لا نصرا

یروعک من سعد بن عمرو جسومها
و تزهد فیها حین تقتلها خبرا

 و منه قول عویف القوافی-

و ما أمکم تحت الخوافق و القنا
بثکلى و لا زهراء من نسوه زهر

أ لستم أقل الناس عند لوائهم‏
و أکثرهم عند الذبیحه و القدر

و ممن حسن الجبن و الفرار بعض الشعراء فی قوله-

أضحت تشجعنی هند و قد علمت
أن الشجاعه مقرون بها العطب‏

لا و الذی حجت الأنصار کعبته‏
ما یشتهی الموت عندی من له أرب‏

للحرب قوم أضل الله سعیهم
إذا دعتهم إلى حوماتها وثبوا

و لست منهم و لا أهوى فعالهم‏
لا القتل یعجبنی منها و لا السلب‏

و من هذا قول أیمن بن خریم الأسدی-

إن للفتنه میطا بینا
و ورید المیط منها یعتدل‏

فإذا کان عطاء فابتدر
و إذا کان قتال فاعتزل‏

إنما یسعرها جهالها
حطب النار فدعها تشتعل‏

و ممن عرف بالجبن أمیه بن عبد الله بن خالد بن أسید- عیره عبد الملک بن مروان فقال-

إذا صوت العصفور طار فؤاده
و لیث حدید الناب عند الثرائد

 و قال آخر-

یطیر فؤاده من نبح کلب
و یکفیه من الزجر الصفیر

 و قال آخر-

و لو أنها عصفوره لحسبتها
مسومه تدعو عبیدا و أزنما

أخبار الجبناء و ذکر نوادرهم

و من أخبار الجبناء ما رواه ابن قتیبه- فی کتاب عیون الأخبار- قال رأى عمرو بن العاص معاویه یوما فضحک- و قال مم تضحک یا أمیر المؤمنین أضحک الله سنک- قال أضحک من حضور ذهنک- عند إبدائک سوءتک یوم ابن أبی طالب- و الله لقد وجدته منانا کریما- و لو شاء أن یقتلک لقتلک- فقال عمرو یا أمیر المؤمنین- أما و الله إنی لعن یمینک حین دعاک إلى البراز- فأحولت عیناک و انفتح سحرک- و بدا منک ما أکره ذکره لک- فمن نفسک فاضحک أو فدع- قال ابن قتیبه و قدم الحجاج على الولید بن عبد الملک- و علیه درع و عمامه سوداء و قوس عربیه و کنانه- فبعثت أم البنین بنت عبد العزیز- بن مروان إلى الولید و هی تحته یومئذ- من هذا الأعرابی المستلئم فی الصلاح عندک على خلوه- و أنت فی غلاله-فأرسل إلیها الولید أنه الحجاج- فأعادت علیه الرسول- و الله لأن یخلو بک ملک الموت أحب إلی- من أن یخلو بک الحجاج- فضحک و أخبر الحجاج بقولها و هو یمازحه- فقال الحجاج یا أمیر المؤمنین- دع عنک مفاکهه النساء بزخرف القول- فإنما المرأه ریحانه و لیست بقهرمانه- فلا تطلعها على سرک و مکایده عدوک- .

فلما انصرف الحجاج و دخل الولید على امرأته- أخبرها بمقاله الحجاج فقالت یا أمیر المؤمنین- حاجتی إلیک الیوم أن تأمره غدا أن یأتینی مستلئما- ففعل ذلک و أتاها الحجاج فحجبته ثم أدخلته- و لم تأذن له فی القعود فلم یزل قائما- ثم قالت إیه یا حجاج- أنت الممتن على أمیر المؤمنین- بقتلک ابن الزبیر و ابن الأشعث- أما و الله لو لا أن الله علم أنک شر خلقه- ما ابتلاک برمی الکعبه الحرام- و لا بقتل ابن ذات النطاقین أول مولود فی الإسلام- و أما نهیک أمیر المؤمنین عن مفاکهه النساء- و بلوغ لذاته و أوطاره- فإن کن ینفرجن عن مثلک فما أحقه بالقبول منک- و إن کن ینفرجن عن مثله فهو غیر قابل لقولک- أما و الله لو نفض نساء أمیر المؤمنین الطیب- من غدائرهن فبعنه فی أعطیه أهل الشام- حین کنت فی أضیق من القرن- قد أظلتک الرماح و أثخنک الکفاح- و حین کان أمیر المؤمنین أحب إلیهم- من آبائهم و أبنائهم- فأنجاک الله من عدو أمیر المؤمنین بحبهم إیاه- قاتل الله القائل حین ینظر إلیک- و سنان غزاله بین کتفیک-

أسد علی و فی الحروب نعامه
ربداء تنفر من صفیر الصافر

هلا برزت إلى غزاله فی الوغى‏
أم کان قلبک فی جناحی طائر

ثم قالت لجواریها أخرجنه فاخرج- .و من طریف حکایات الجبناء- ما ذکره ابن قتیبه أیضا فی الکتاب المذکور- قال کان بالبصره شیخ من بنی نهشل بن دارم- یقال له عروه بن مرثد و یکنى أبا الأعز- ینزل فی بنی أخت له من الأزد فی سکه بنی مازن- فخرج رجالهم إلى ضیاعهم فی شهر رمضان- و خرج النساء یصلین فی مسجدهم- و لم یبق فی الدار إلا إماء فدخل کلب یتعسس- فرأى بیتا مفتوحا فدخله و انصفق الباب علیه- فسمع بعض الإماء الحرکه- فظنوا أنه لص دخل الدار- فذهبت إحداهن إلى أبی الأعز فأخبرته- فقال أبو الأعز إلام یبتغی اللص عندنا و أخذ عصاه- و جاء حتى وقف بباب البیت و قال إیه یا فلان-

أما و الله إنی بک لعارف فهل أنت من لصوص بنی مازن- شربت حامضا خبیثا- حتى إذا دارت فی رأسک منتک نفسک الأمانی- و قلت أطرق دور بنی عمرو و الرجال خلوف- و النساء یصلین فی مسجدهن فأسرقهم سوءه لک- و الله ما یفعل هذا ولد الأحرار- و ایم الله لتخرجن أو لأهتفن هتفه مشئومه- یلتقی فیها الحیان عمرو و حنظله- و تجی‏ء سعد عدد الحصى- و تسیل علیک الرجال من هنا و هنا- و لئن فعلت لتکونن أشأم مولود- . فلما رأى أنه لا یجیبه أخذه باللین- فقال اخرج بأبی أنت مستورا- و الله ما أراک تعرفنی و لو عرفتنی لقنعت بقولی- و اطمأننت إلى ابن أختی البار الوصول- أنا فدیتک أبو الأعز النهشلی- و أنا خال القوم و جلده بین أعینهم لا یعصوننی- و لا تضار اللیله و أنت فی ذمتی و عندی قوصرتان- أهداهما إلى ابن أختی البار الوصول- فخذ إحداهما فانبذها حلالا من الله و رسوله- . و کان الکلب إذا سمع الکلام أطرق- و إذا سکت أبو الأعز وثب یرید المخرج- فتهانف أبو الأعز ثم تضاحک- و قال یا ألأم الناس و أوضعهم- أ لا أرانی لک منذ اللیله فی واد و أنت لی فی واد آخر- أقبلت السوداء و البیضاء فتصیح و تطرق- فإذا سکت عنک وثبت ترید الخروج- و الله لتخرجن أو لألجن علیک البیت- .

فلما طال وقوفه جاءت إحدى الإماء- فقالت أعرابی مجنون و الله ما أرى فی البیت شیئا- فدفعت الباب فخرج الکلب شاردا- و حاد عنه أبو الأعز ساقطا على قفاه شائله رجلاه- و قال تالله ما رأیت کاللیله هذه- ما أراه إلا کلبا و لو علمت بحاله لولجت علیه- . و نظیر هذه الحکایه حکایه أبی حیه النمیری و کان جبانا- قیل کان لأبی حیه سیف لیس بینه و بین الخشب فرق- کان یسمیه لعاب المنیه- فحکى عنه بعض جیرانه- أنه قال أشرفت علیه لیله- و قد انتضاه و هو واقف بباب بیت فی داره- و قد سمع فیه حسا- و هو یقول أیها المغتر بنا المجترئ علینا- بئس و الله ما اخترت لنفسک- خیر قلیل و سیف صقیل- لعاب المنیه الذی سمعت به مشهوره صولته- و لا تخاف نبوته اخرج بالعفو عنک- لا أدخل بالعقوبه علیک-

إنی و الله إن أدع قیسا تملأ الفضاء علیک خیلا و رجلا- سبحان الله ما أکثرها و أطیبها- و الله ما أنت ببعید من تابعها- و الرسوب فی تیار لجتها- . و قال وهبت ریح ففتحت الباب- فخرج کلب یشتد فلبط بأبی حیه و أربد و شغر برجلیه- و تبادرت إلیه نساء الحی- فقلن یا أبا حیه لتفرخ روعتک- إنما هو کلب فجلس و هو- یقول الحمد لله الذی مسخک کلبا و کفانی حربا- . و خرج مغیره بن سعید العجلی فی ثلاثین رجلا ظهر الکوفه- فعطعطوا و خالد بن عبد الله القسری أمیر العراق- یخطب على المنبر فعرق و اضطرب و تحیر و جعل یقول- أطعمونی ماء فهجاه ابن نوفل فقال-

أ خالد لا جزاک الله خیرا
و أیری فی حرامک من أمیر

تروم الفخر فی أعراب قسر
کأنک من سراه بنی جریر

جریر من ذوی یمن أصیل
کریم الأصل ذو خطر کبیر

و أمک علجه و أبوک وغد
و ما الأذناب عدل للصدور

و کنت لدى المغیره عبد سوء
تبول من المخافه للزئیر

لأعلاج ثمانیه و شیخ‏
کبیر السن لیس بذی ضریر

صرخت من المخافه أطعمونی
شرابا ثم بلت على السریر

 و قال آخر یعیره بذلک-

بل المنابر من خوف و من دهش
و استطعم الماء لما جد فی الهرب‏

و من کلام ابن المقفع فی ذم الجبن- الجبن مقتله و الحرص محرمه- فانظر فیما رأیت و سمعت- من قتل فی الحرب مقبلا أکثر أم من قتل مدبرا- و انظر من یطلب إلیک بالإجمال و التکرم- أحق أن تسخو نفسک له بالعطیه- أم من یطلب ذلک بالشره و الحرص

شرح ‏نهج‏ البلاغه(ابن‏ أبی ‏الحدید) ج ۶

بازدیدها: ۵۹

خطبه ۶۷ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(ذکر محمد بن أبی بکر )

۶۷ و من کلام له ع لما قلد محمد بن أبی بکر مصر- فملکت علیه و قتل

وَ قَدْ أَرَدْتُ تَوْلِیَهَ مِصْرَ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَهَ- وَ لَوْ وَلَّیْتُهُ إِیَّاهَا لَمَا خَلَّى لَهُمُ الْعَرْصَهَ- وَ لَا أَنْهَزَهُمُ الْفُرْصَهَ- بِلَا ذَمٍّ لِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِی بَکْرٍ- فَلَقَدْ کَانَ إِلَیَّ حَبِیباً وَ کَانَ لِی رَبِیباً

ذکر محمد بن أبی بکر و ذکر ولده

أم محمد بن أبی بکر أسماء بنت عمیس بن النعمان- بن کعب بن مالک بن قحافه بن خثعم- کانت تحت جعفر بن أبی طالب- و هاجرت معه إلى الحبشه- فولدت له هناک عبد الله بن جعفر الجواد- ثم قتل عنها یوم مؤته فخلف علیها أبو بکر الصدیق- فأولدها محمدا ثم مات عنها- فخلف علیها علی بن أبی طالب- و کان محمد ربیبه و خریجه- و جاریا عنده مجرى أولاده- رضع الولاء و التشیع مذ زمن الصبا فنشأ علیه- فلم یکن یعرف له أبا غیر علی- و لا یعتقد لأحد فضیله غیره حتى-قال علی ع محمد ابنی من صلب أبی بکر- و کان یکنى أبا القاسم فی قول ابن قتیبه- و قال غیره بل کان یکنى أبا عبد الرحمن- .

و کان محمد من نساک قریش- و کان ممن أعان على عثمان فی یوم الدار- و اختلف هل باشر قتل عثمان أم لا- و من ولد محمد القاسم بن محمد بن أبی بکر- فقیه الحجاز و فاضلها- و من ولد القاسم عبد الرحمن بن القاسم بن محمد- کان من فضلاء قریش و یکنى أبا محمد- و من ولد القاسم أیضا أم فروه- تزوجها الباقر أبو جعفر محمد بن علی- فأولدها الصادق أبا عبد الله جعفر بن محمد ع- و إلى أم فروه أشار الرضی أبو الحسن بقوله-

یفاخرنا قوم بمن لم نلدهم
بتیم إذا عد السوابق أو عدی‏

و ینسون من لو قدموه لقدموا
عذار جواد فی الجیاد مقلد

فتى هاشم بعد النبی و باعها
لمرمی علا أو نیل مجد و سؤدد

و لو لا علی ما علوا سرواتها
و لا جعجعوا فیها بمرعى و مورد

أخذنا علیکم بالنبی و فاطم
طلاع المساعی من مقام و مقعد

و طلنا بسبطی أحمد و وصیه‏
رقاب الورى من متهمین و منجد

و حزنا عتیقا و هو غایه فخرکم
بمولد بنت القاسم بن محمد

فجد نبی ثم جد خلیفه
فأکرم بجدینا عتیق و أحمد

و ما افتخرت بعد النبی بغیره
ید صفقت یوم البیاع على ید

قوله-
و لو لا علی ما علوا سرواتها

البیت- ینظر فیه إلى قول المأمون فی أبیات یمدح فیها علیا- أولها

الأم على حبی الوصی أبا الحسن
و ذلک عندی من أعاجیب ذا الزمن‏

و البیت المنظور إلیه منها قوله-

و لولاه ما عدت لهاشم إمره
و کان مدى الأیام یعصى و یمتهن‏

هاشم بن عتبه بن أبی وقاص و نسبه

و أما هاشم بن عتبه بن أبی وقاص- مالک بن أهیب بن عبد مناف بن زهره- بن کلاب بن مره بن کعب بن لؤی بن غالب- فعمه سعد بن أبی وقاص أحد العشره- و أبوه عتبه بن أبی وقاص- الذی کسر رباعیه رسول الله ص یوم أحد- و کلم شفتیه و شج وجهه- فجعل یمسح الدم عن وجهه-و یقول کیف یفلح قوم خضبوا وجه نبیهم بالدم- و هو یدعوهم إلى ربهم- فأنزل الله عز و جل- لَیْسَ لَکَ مِنَ الْأَمْرِ شَیْ‏ءٌ أَوْ یَتُوبَ عَلَیْهِمْ أَوْ یُعَذِّبَهُمْ- فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ- . و قال حسان بن ثابت فی ذلک الیوم-

إذا الله حیا معشرا بفعالهم
و نصرهم الرحمن رب المشارق‏

فهدک ربی یا عتیب بن مالک‏
و لقاک قبل الموت إحدى الصواعق‏

بسطت یمینا للنبی محمد
فدمیت فاه قطعت بالبوارق‏

فهلا ذکرت الله و المنزل الذی‏
تصیر إلیه عند إحدى الصعائق‏

فمن عاذری من عبد عذره بعد ما
هوى فی دجوجی شدید المضایق‏

و أورث عارا فی الحیاه لأهله
و فی النار یوم البعث أم البوائق‏

و إنما قال عبد عذره- لأن عتبه بن أبی وقاص و إخوته و أقاربه فی نسبهم کلام- ذکر قوم من أهل النسب أنهم من عذره- و أنهم أدعیاء فی قریش- و لهم خبر معروف و قصه مذکوره فی کتب النسب- . و تنازع عبد الله بن مسعود و سعد بن أبی وقاص- فی أیام عثمان فی أمر فاختصما- فقال سعد لعبد الله اسکت یا عبد هذیل فقال له عبد الله اسکت یا عبد عذره- . و هاشم بن عتبه هو المرقال- سمی المرقال لأنه کان یرقل فی الحرب إرقالا- و هو من شیعه علی و سنفصل مقتله- إذا انتهینا إلى فصل من کلامه یتضمن ذکر صفین- .

فأما قوله لما خلى لهم العرصه فیعنی عرصه مصر- و قد کان محمد رحمه الله تعالى لما ضاق علیه الأمر- ترک لهم مصر و ظن أنه بالفرار ینجو بنفسه- فلم ینج و أخذ و قتل- . و قوله و لا أنهزهم الفرصه- أی و لا جعلهم للفرصه منتهزین و الهمزه للتعدیه- یقال أنهزت الفرصه إذا أنهزتها غیری- . و نحن نذکر فی هذا الموضع ابتداء أمر الذین- ولاهم علی ع مصر- إلى أن ننتهی إلى کیفیه ملک معاویه لها- و قتل محمد بن أبی بکر- و ننقل ذلک من کتاب إبراهیم بن سعد بن هلال الثقفی- و هو کتاب الغارات‏ولایه قیس بن سعد على مصر ثم عزله
قال إبراهیم حدثنا محمد بن عبد الله بن عثمان الثقفی- قال حدثنی علی بن محمد بن أبی سیف عن الکلبی- أن محمد بن أبی حذیفه بن عتبه بن ربیعه بن عبد شمس- هو الذی حرض المصریین- على قتل عثمان و ندبهم إلیه- و کان حینئذ بمصر فلما ساروا إلى عثمان و حصروه- وثب هو بمصر على عامل عثمان علیها- و هو عبد الله بن سعد بن أبی سرح أحد بنی عامر بن لؤی- فطرده عنها و صلى بالناس- فخرج ابن أبی سرح من مصر- و نزل على تخوم أرضها مما یلی فلسطین- و انتظر ما یکون من أمر عثمان- فطلع علیه راکب فقال له یا عبد الله ما وراءک- ما خبر الناس بالمدینه قال قتل المسلمون عثمان- فقال ابن أبی سرح إنا لله و إنا إلیه راجعون- ثم صنعوا ما ذا یا عبد الله- قال بایعوا ابن عم رسول الله علی بن أبی طالب- فقال ثانیه إنا لله و إنا إلیه راجعون- فقال الرجل أرى أن ولایه علی عدلت عندک قتل عثمان- قال أجل فنظر إلیه متأملا له فعرفه- فقال أظنک عبد الله بن سعد بن أبی سرح أمیر مصر قال أجل- قال إن کانت لک فی الحیاه حاجه فالنجاء النجاء- فإن رأی علی فیک و فی أصحابک إن ظفر بکم قتلکم- أو نفاکم عن بلاد المسلمین و هذا أمیر تقدم بعدی علیکم- قال و من الأمیر قال قیس بن سعد بن عباده- فقال ابن أبی سرح أبعد الله ابن أبی حذیفه- فإنه بغى على ابن عمه و سعى علیه- و قد کان کفله و رباه و أحسن إلیه و أمن جواره- فجهز الرجال إلیه حتى قتل و وثب على عامله- . و خرج ابن أبی سرح حتى قدم على معاویه بدمشق- .

قال إبراهیم و کان قیس بن سعد بن عباده من شیعه علی و مناصحیه- فلما ولى الخلافه قال له سر إلى مصر فقد ولیتکها- و اخرج إلى ظاهر المدینه- و اجمع ثقاتک و من‏أحببت أن یصحبک- حتى تأتی مصر و معک جند- فإن ذلک أرعب لعدوک و أعز لولیک- فإذا أنت قدمتها إن شاء الله فأحسن إلى المحسن- و اشتد على المریب- و ارفق بالعامه و الخاصه فالرفق یمن- .

فقال قیس رحمک الله یا أمیر المؤمنین- قد فهمت ما ذکرت فأما الجند فإنی أدعه لک- فإذا احتجت إلیهم کانوا قریبا منک- و إن أردت بعثهم إلى وجه من وجوهک کان لک عده- و لکنی أسیر إلى مصر بنفسی و أهل بیتی- و أما ما أوصیتنی به من الرفق و الإحسان- فالله تعالى هو المستعان على ذلک- قال فخرج قیس فی سبعه نفر من أهله حتى دخل مصر- فصعد المنبر و أمر بکتاب معه یقرأ على الناس- فیه من عبد الله علی أمیر المؤمنین- إلى من بلغه کتابی هذا من المسلمین سلام علیکم- فإنی أحمد الله إلیکم الذی لا إله إلا هو- أما بعد فإن الله بحسن صنعه و قدره و تدبیره- اختار الإسلام دینا لنفسه و ملائکته و رسله- و بعث به أنبیاءه إلى عباده- فکان مما أکرم الله عز و جل به هذه الأمه- و خصهم به من الفضل أن بعث محمدا ص إلیهم- فعلمهم الکتاب و الحکمه و السنه و الفرائض- و أدبهم لکیما یهتدوا و جمعهم لکیلا یتفرقوا- و زکاهم لکیما یتطهروا- فلما قضى من ذلک ما علیه قبضه الله إلیه- فعلیه صلوات الله و سلامه و رحمته و رضوانه- ثم إن المسلمین من بعده استخلفوا أمیرین منهم صالحین- فعملا بالکتاب و السنه و أحییا السیره- و لم یعدوا السنه ثم توفیا رحمهما الله- فولی بعدهما وال أحدث أحداثا- فوجدت الأمه علیه مقالا فقالوا- ثم نقموا فغیروا ثم جاءونی فبایعونی- و أنا أستهدی الله الهدى و أستعینه على التقوى- ألا و إن لکم علینا العمل بکتاب الله و سنه رسوله- و القیام بحقه و النصح لکم بالغیب- و الله المستعان على ما تصفون- و حسبنا الله و نعم الوکیل-و قد بعثت لکم قیس بن سعد الأنصاری أمیرا- فوازروه و أعینوه على الحق- و قد أمرته بالإحسان إلى محسنکم و الشده على مریبکم- و الرفق بعوامکم و خواصکم- و هو ممن أرضى هدیه و أرجو صلاحه و نصحه- نسأل الله لنا و لکم عملا زاکیا- و ثوابا جزیلا و رحمه واسعه- و السلام علیکم و رحمه الله و برکاته- .

و کتبه عبد الله بن أبی رافع فی صفر سنه ست و ثلاثین- . قال إبراهیم فلما فرغ من قراءه الکتاب- قام قیس خطیبا فحمد الله و أثنى علیه- و قال الحمد لله الذی جاء بالحق- و أمات الباطل و کبت الظالمین- أیها الناس- إنا بایعنا خیر من نعلم من بعد نبینا محمد ص- فقوموا فبایعوا على کتاب الله و سنه رسوله- فإن نحن لم نعمل بکتاب الله و سنه رسوله- فلا بیعه لنا علیکم- . فقام الناس فبایعوا- و استقامت مصر و أعمالها لقیس و بعث علیها عماله- إلا أن قریه منها قد أعظم أهلها قتل عثمان- و بها رجل من بنی کنانه یقال له یزید بن الحارث- فبعث إلى قیس- إنا لا نأتیک فابعث عمالک فالأرض أرضک- و لکن أقرنا على حالنا حتى ننظر إلى ما یصیر أمر الناس- . و وثب محمد بن مسلمه بن مخلد بن صامت الأنصاری- فنعى عثمان و دعا إلى الطلب بدمه- فأرسل إلیه قیس ویحک أ علی تثب- و الله ما أحب أن لی ملک الشام و مصر و أنی قتلتک- فاحقن دمک فأرسل إلیه مسلمه- إنی کاف عنک ما دمت أنت والی مصر- . و کان قیس بن سعد ذا رأی و حزم- فبعث إلى الذین اعتزلوا أنی لا أکرهکم على البیعه- و لکنی أدعکم و أکف عنکم- فهادنهم و هادن مسلمه بن مخلد و جبى الخراج- و لیس أحد ینازعه- .

قال إبراهیم- و خرج علی ع إلى الجمل و قیس على مصر- و رجع من البصره إلى الکوفه و هو بمکانه- فکان أثقل خلق الله على معاویه- لقرب مصر و أعمالها من الشام- و مخافه أن یقبل علی بأهل العراق- و یقبل إلیه قیس بأهل مصر فیقع بینهما- .

فکتب معاویه إلى قیس- و علی یومئذ بالکوفه قبل أن یسیر إلى صفین- من معاویه بن أبی سفیان إلى قیس بن سعد سلام علیک- فإنی أحمد إلیک الله الذی لا إله إلا هو- . أما بعد- فإنکم إن کنتم نقمتم على عثمان فی أثره رأیتموها- أو ضربه سوط ضربها أو فی شتمه رجلا أو تعییره واحدا- أو فی استعماله الفتیان من أهله- فإنکم قد علمتم إن کنتم تعلمون- أن دمه لم یحل لکم بذلک- فقد رکبتم عظیما من الأمر و جئتم شیئا إدا- فتب یا قیس إلى ربک إن کنت من المجلبین على عثمان- إن کانت التوبه قبل الموت تغنی شیئا- و أما صاحبک فقد استیقنا أنه أغرى الناس بقتله- و حملهم على قتله حتى قتلوه- و أنه لم یسلم من دمه عظم قومک- فإن استطعت یا قیس أن تکون ممن یطلب بدم عثمان- فافعل و تابعنا على علی فی أمرنا- هذا و لک سلطان العراقین إن أنا ظفرت ما بقیت- و لمن أحببت من أهل بیتک سلطان الحجاز ما دام لی سلطان- و سلنی عن غیر هذا مما تحب- فإنک لا تسألنی شیئا إلا أتیته- و اکتب إلى رأیک فیما کتبت إلیک- .

فلما جاء إلیه کتاب معاویه أحب أن یدافعه- و لا یبدی له أمره و لا یعجل له حربه- فکتب إلیه أما بعد فقد وصل إلی کتابک- و فهمت الذی ذکرت من أمر عثمان- و ذلک أمر لم أقاربه- و ذکرت أن صاحبی هو الذی أغرى الناس بعثمان- و دسهم إلیه حتى قتلوه و هذا أمر لم أطلع علیه- و ذکرت لی أن عظم عشیرتی لم تسلم من دم عثمان- فلعمری إن أولىالناس کان فی أمره عشیرتی- و أما ما سألتنی من مبایعتک على الطلب بدمه- و ما عرضته علی فقد فهمته- و هذا أمر لی نظر فیه و فکر- و لیس هذا مما یعجل إلى مثله و أنا کاف عنک- و لیس یأتیک من قبلی شی‏ء تکرهه- حتى ترى و نرى إن شاء الله تعالى- و السلام علیک و رحمه الله و برکاته- . قال إبراهیم- فلما قرأ معاویه کتابه لم یره إلا مقاربا مباعدا- و لم یأمن أن یکون له فی ذلک مخادعا مکایدا- فکتب إلیه أما بعد فقد قرأت کتابک- فلم أرک تدنو فأعدک سلما- و لم أرک تتباعد فأعدک حربا أراک کحبل الجرور- و لیس مثلی یصانع بالخداع و لا یخدع بالمکاید- و معه عدد الرجال و أعنه الخیل- فإن قبلت الذی عرضت علیک فلک ما أعطیتک- و إن أنت لم تفعل ملأت مصر علیک خیلا و رجلا و السلام- .

فلما قرأ قیس کتابه- و علم أنه لا یقبل منه المدافعه و المطاوله- أظهر له ما فی نفسه فکتب إلیه- من قیس بن سعد إلى معاویه بن أبی سفیان- أما بعد فالعجب من استسقاطک رأیی- و الطمع فی أن تسومنی لا أبا لغیرک- الخروج من طاعه أولى الناس بالأمر- و أقولهم بالحق و أهداهم سبیلا- و أقربهم من رسول الله وسیله- و تأمرنی بالدخول فی طاعتک- و طاعه أبعد الناس من هذا الأمر- و أقولهم بالزور و أضلهم سبیلا- و أدناهم من رسول الله وسیله- و لدیک قوم ضالون مضلون طواغیت من طواغیت إبلیس- و أما قولک إنک تملأ علی مصر خیلا و رجلا- فلئن لم أشغلک عن ذلک حتى یکون منک- إنک لذو جد و السلام- . فلما أتى معاویه کتاب قیس أیس و ثقل مکانه علیه- و کان أن یکون مکانه غیره أحب إلیه- لما یعلم من قوته و تأبیه و نجدته- و اشتداد أمره على معاویه- فأظهر للناس أن‏قیسا قد بایعکم فادعوا الله له- و قرأ علیهم کتابه الذی لان فیه و قاربه- و اختلق کتابا نسبه إلى قیس فقرأه على أهل الشام- . للأمیر معاویه بن أبی سفیان من قیس بن سعد- .

أما بعد إن قتل عثمان کان حدثا فی الإسلام عظیما- و قد نظرت لنفسی و دینی- فلم أر یسعنی مظاهره قوم قتلوا إمامهم- مسلما محرما برا تقیا فنستغفر الله سبحانه لذنوبنا- و نسأله العصمه لدیننا- ألا و إنی قد ألقیت إلیکم بالسلام- و أجبتک إلى قتال قتله إمام الهدى المظلوم- فاطلب منی ما أحببت من الأموال و الرجال- أعجله إلیک إن شاء الله- و السلام على الأمیر و رحمه الله و برکاته- . قال فشاع فی الشام کلها أن قیسا صالح معاویه- و أتت عیون علی بن أبی طالب إلیه بذلک- فأعظمه و أکبره و تعجب له- و دعا ابنیه حسنا و حسینا- و ابنه محمدا و عبد الله بن جعفر فأعلمهم بذلک- و قال ما رأیکم فقال عبد الله بن جعفر یا أمیر المؤمنین- دع ما یریبک إلى ما لا یریبک اعزل قیسا عن مصر- قال علی و الله إنی غیر مصدق بهذا على قیس- فقال عبد الله اعزله یا أمیر المؤمنین- فإن کان ما قد قیل حقا فلا یعتزل لک أن عزلته- قال و إنهم لکذلک إذ جاءهم کتاب من قیس بن سعد فیه- أما بعد فإنی أخبر یا أمیر المؤمنین- أکرمک الله و أعزک- إن قبلی رجالا معتزلین سألونی أن أکف عنهم- و أدعهم على حالهم حتى یستقیم أمر الناس فنرى و یرون- و قد رأیت أن أکف عنهم و لا أعجل بحربهم- و أن أتألفهم فیما بین ذلک- لعل الله أن یقبل بقلوبهم- و یفرقهم عن ضلالتهم إن شاء الله و السلام- . فقال عبد الله بن جعفر یا أمیر المؤمنین- إنک إن أطعته فی ترکهم و اعتزالهم- استشرى الأمر و تفاقمت الفتنه- و قعد عن بیعتک کثیر ممن تریده على الدخول فیها- و لکن مره بقتالهمفکتب إلیه‏أما بعد فسر إلى القوم الذین ذکرت- فإن دخلوا فیما دخل فیه المسلمون و إلا فناجزهم و السلام قال فلما أتى هذا الکتاب قیسا فقرأه- لم یتمالک أن کتب إلى علی- أما بعد یا أمیر المؤمنین- تأمرنی بقتال قوم کافین عنک- و لم یمدوا یدا للفتنه و لا أرصدوا لها- فأطعنی یا أمیر المؤمنین و کف عنهم- فإن الرأی ترکهم و السلام- . فلما أتاه هذا الکتاب قال عبد الله بن جعفر- یا أمیر المؤمنین ابعث محمد بن أبی بکر إلى مصر- یکفک أمرها و اعزل قیسا- فو الله لبلغنی أن قیسا یقول- إن سلطانا لا یتم إلا بقتل مسلمه بن مخلد لسلطان سوء- و الله ما أحب أن لی سلطان الشام مع سلطان مصر و أننی قتلت ابن مخلد- و کان عبد الله بن جعفر أخا محمد بن أبی بکر لأمه- و کان یحب أن یکون له إمره و سلطان- فاستعمل علی ع محمد بن أبی بکر على مصر لمحبه له و لهوى عبد الله بن جعفر أخیه فیه- و کتب معه کتابا إلى أهل مصر فسار حتى قدمها- فقال له قیس ما بال أمیر المؤمنین ما غیره- أ دخل أحد بینی و بینه- قال لا و هذا السلطان سلطانک- و کان بینهما نسب- کان تحت قیس قریبه بنت أبی قحافه- أخت أبی بکر الصدیق- فکان قیس زوج عمته- فقال قیس لا و الله لا أقیم معک ساعه واحده- و غضب حین عزله علی عنها- و خرج منها مقبلا إلى المدینه و لم یمض إلى علی بالکوفه- .

قال إبراهیم- و کان قیس مع شجاعته و نجدته جوادا مفضالا- فحدثنی علی بن محمد بن أبی سیف عن هاشم- عن عروه عن أبیه قال- لما خرج قیس بن سعد من مصر- فمر بأهل بیت من بلقین فنزل بمائهم- فنحر له صاحب المنزل جزورا و أتاه بها- فلما کان الغد نحر له أخرى- ثم حبستهم السماء الیوم الثالث فنحر لهم ثالثه- ثم إن السماء أقلعت-فلما أراد قیس أن یرتحل- وضع عشرین ثوبا من ثیاب مصر- و أربعه آلاف درهم عند امرأه الرجل- و قال لها إذا جاء صاحبک فادفعی هذه إلیه ثم رحل- فما أتت علیه إلا ساعه- حتى لحقه الرجل صاحب المنزل على فرس و معه رمح- و الثیاب و الدراهم بین یدیه- فقال یا هؤلاء خذوا ثیابکم و دراهمکم- فقال قیس انصرف أیها الرجل فإنا لم نکن لنأخذها- قال و الله لتأخذنها- فقال قیس لله أبوک- أ لم تکرمنا و تحسن ضیافتنا فکافأناک- فلیس بهذا بأس- فقال الرجل إنا لا نأخذ لقرى الأضیاف ثمنا- و الله لا آخذها أبدا- فقال قیس أما إذ أبى ألا یأخذها فخذوها- فو الله ما فضلنی رجل من العرب غیره- .

قال إبراهیم و قال أبو المنذر- مر قیس فی طریقه برجل من بلی- یقال له الأسود بن فلان فأکرمه فلما أراد قیس أن یرتحل وضع عند امرأته ثیابا و دراهم- فلما جاء الرجل دفعته إلیه- فلحقه فقال ما أنا بائع ضیافتی- و الله لتأخذن هذا أو لأنفذن الرمح بین جنبیک- فقال قیس ویحکم خذوه- . قال إبراهیم ثم أقبل قیس حتى قدم المدینه- فجاءه حسان بن ثابت شامتا به و کان عثمانیا- فقال له نزعک علی بن أبی طالب و قد قتلت عثمان- فبقی علیک الإثم و لم یحسن لک الشکر- فزجره قیس و قال یا أعمى القلب یا أعمى البصر- و الله لو لا ألقی بین رهطی و رهطک حربا لضربت عنقک- ثم أخرجه من عنده- . قال إبراهیم- ثم إن قیسا و سهل بن حنیف خرجا حتى قدما على علی الکوفه- فخبره قیس الخبر و ما کان بمصر فصدقه- و شهد مع علی صفین هو و سهل بن حنیف- قال إبراهیم و کان قیس طوالا أطول الناس و أمدهم قامه- و کان سناطا أصلع شیخا شجاعا- مجربا مناصحا لعلی و لولده- و لم یزل على ذلک إلى أن مات- .

قال إبراهیم حدثنی أبو غسان- قال أخبرنی علی بن أبی سیف قال- کان قیس بن سعد مع أبی بکر و عمر فی سفر- فی حیاه رسول الله ص- فکان ینفق علیهما و على غیرهما و یفضل- فقال له أبو بکر إن هذا لا یقوم به مال أبیک فأمسک یدک- فلما قدموا من سفرهم قال سعد بن عباده لأبی بکر- أردت أن تبخل ابنی إنا لقوم لا نستطیع البخل- . قال و کان قیس بن سعد یقول فی دعائه- اللهم ارزقنی حمدا و مجدا و شکرا- فإنه لا حمد إلا بفعال و لا مجد إلا بمال- اللهم وسع علی فإن القلیل لا یسعنی و لا أسعه

ولایه محمد بن أبی بکر على مصر و أخبار مقتله

قال إبراهیم و کان عهد علی إلى محمد بن أبی بکر الذی قرئ بمصر- هذا ما عهد عبد الله علی أمیر المؤمنین- إلى محمد بن أبی بکر حین ولاه مصر- أمره بتقوى الله فی السر و العلانیه- و خوف الله تعالى فی المغیب و المشهد- و أمره باللین على المسلم و الغلظ على الفاجر- و بالعدل على أهل الذمه و بالإنصاف للمظلوم- و بالشده على الظالم- و بالعفو عن الناس و بالإحسان ما استطاع- و الله یجزی المحسنین- و أمره أن یدعو من قبله إلى الطاعه و الجماعه- فإن لهم فی ذلک من العاقبه و عظم المثوبه- ما لا یقدر قدره و لا یعرف کنهه- و أمره أن یجبی خراج الأرض على ما کانت تجبى علیه من قبل- و لا ینتقص و لا یبتدع- ثم یقسمه بین أهله کما کانوا یقسمونه علیه من قبل- و إن تکن لهم حاجه یواس بینهم فی مجلسه و وجهه- لیکون القریب و البعید عنده على سواء- و أمره أن یحکم بین الناس بالحق و أن یقوم بالقسط- و لا یتبع الهوى و لا یخاف فی الله لومه لائم- فإن الله مع من اتقاه و آثر طاعته على من سواه و کتبه عبد الله بن أبی رافع مولى رسول الله- لغره شهر رمضان سنه ست و ثلاثین- . قال إبراهیم ثم قام محمد بن أبی بکر خطیبا- فحمد الله و أثنى علیه و قال أما بعد- فالحمد لله الذی هدانا و إیاکم لما اختلف فیه من الحق- و بصرنا و إیاکم کثیرا مما عمی عند الجاهلون- ألا و إن أمیر المؤمنین ولانی أمورکم- و عهد إلی بما سمعتم و أوصانی بکثیر منه مشافهه- و لن آلوکم خیرا ما استطعت- و ما توفیقی إلا بالله علیه توکلت و إلیه أنیب- فإن یکن ما ترون آثاری و أعمالی طاعه لله و تقوى- فاحمدوا الله على ما کان من ذلک- فإنه هو الهادی إلیه- فإن رأیتم من ذلک عملا بغیر الحق- فارفعوه إلی و عاتبونی علیه- فإنی بذلک أسعد و أنتم بذلک جدیرون- وفقنا الله و إیاکم لصالح العمل- .

قال إبراهیم و حدثنی یحیى بن صالح عن مالک بن خالد الأسدی عن الحسن بن إبراهیم عن عبد الله بن الحسن بن الحسن قال کتب علی ع إلى أهل مصر- لما بعث محمد بن أبی بکر إلیهم کتابا یخاطبهم به- و یخاطب محمدا أیضا فیه أما بعد فإنی أوصیکم بتقوى الله فی سر أمرکم و علانیته- و على أی حال کنتم علیها- و لیعلم المرء منکم أن الدنیا دار بلاء و فناء- و الآخره دار جزاء و بقاء- فمن استطاع أن یؤثر ما یبقى على ما یفنى فلیفعل- فإن الآخره تبقى و الدنیا تفنى- رزقنا الله و إیاکم بصرا لما بصرنا و فهما لما فهمنا- حتى لا نقصر عما أمرنا و لا نتعدى إلى ما نهانا- و اعلم یا محمد- إنک و إن کنت محتاجا إلى نصیبک من الدنیا- إلا أنک إلى نصیبک من الآخره أحوج- فإن عرض لک أمران- أحدهما للآخره و الآخر للدنیا فابدأ بأمر الآخره- و لتعظم رغبتک فی الخیر و لتحسن فیه نیتک- فإن الله عز و جل یعطی العبد على قدر نیته- و إذا أحب الخیر و أهله و لم یعمله- کان إن شاء الله کمن عمله- فإن رسول الله ص قال حین رجع من تبوک- إن بالمدینه لأقواما ما سرتم من مسیر- و لا هبطتم من واد إلاکانوا معکم ما حبسهم إلا المرض- یقول کانت لهم نیه- ثم اعلم یا محمد إنی قد ولیتک أعظم أجنادی أهل مصر- و ولیتک ما ولیتک من أمر الناس- فأنت محقوق أن تخاف فیه على نفسک- و تحذر فیه على دینک و لو کان ساعه من نهار- فإن استطعت ألا تسخط ربک لرضا أحد من خلقه فافعل- فإن فی الله خلفا من غیره و لیس فی شی‏ء خلف منه- فاشتد على الظالم و لن لأهل الخیر و قربهم إلیک- و اجعلهم بطانتک و إخوانک و السلام

قال إبراهیم حدثنی یحیى بن صالح عن مالک بن خالد عن الحسن بن إبراهیم عن عبد الله بن الحسن بن الحسن قال کتب علی إلى محمد بن أبی بکر و أهل مصر أما بعد- فإنی أوصیکم بتقوى الله و العمل بما أنتم عنه مسئولون- فأنتم به رهن و إلیه صائرون- فإن الله عز و جل یقول کُلُّ نَفْسٍ بِما کَسَبَتْ رَهِینَهٌ- و قال وَ یُحَذِّرُکُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِیرُ- و قال فَوَ رَبِّکَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِینَ عَمَّا کانُوا یَعْمَلُونَ- فاعلموا عباد الله- أن الله سائلکم عن الصغیر من أعمالکم و الکبیر- فإن یعذب فنحن الظالمون- و إن یغفر و یرحم فهو أرحم الراحمین- و اعلموا أن أقرب ما یکون العبد إلى الرحمه و المغفره- حینما یعمل بطاعه الله و مناصحته فی التوبه- فعلیکم بتقوى الله عز و جل- فإنها تجمع من الخیر ما لا یجمع غیرها- و یدرک بها من الخیر ما لا یدرک بغیرها- خیر الدنیا و خیر الآخره- یقول الله سبحانه وَ قِیلَ لِلَّذِینَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّکُمْ- قالُوا خَیْراً لِلَّذِینَ أَحْسَنُوا فِی هذِهِ الدُّنْیا حَسَنَهٌ- وَ لَدارُ الْآخِرَهِ خَیْرٌ وَ لَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِینَ- و اعلموا عباد الله- أن المؤمنین المتقین قد ذهبوا بعاجل الخیر و آجله- شرکوا أهل الدنیا فی دنیاهم-و لم یشارکهم أهل الدنیا فی آخرتهم- یقول الله عز و جل- قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِینَهَ اللَّهِ الَّتِی أَخْرَجَ لِعِبادِهِ- وَ الطَّیِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ- قُلْ هِیَ لِلَّذِینَ آمَنُوا فِی الْحَیاهِ الدُّنْیا- خالِصَهً یَوْمَ الْقِیامَهِ- سکنوا الدنیا بأفضل ما سکنت- و أکلوها بأفضل ما أکلت- شارکوا أهل الدنیا فی دنیاهم- فأکلوا من أفضل ما یأکلون- و شربوا من أفضل ما یشربون- و یلبسون من أفضل ما یلبسون- و یسکنون من أفضل ما یسکنون- أصابوا لذه أهل الدنیا مع أهل الدنیا- مع أنهم غدا من جیران الله عز و جل یتمنون علیه- لا یرد لهم دعوه و لا ینقص لهم لذه- أما فی هذا ما یشتاق إلیه من کان له عقل-

و اعلموا عباد الله أنکم إذا اتقیتم ربکم- و حفظتم نبیکم فی أهل بیته فقد عبدتموه بأفضل ما عبد- و ذکرتموه بأفضل ما ذکر و شکرتموه بأفضل ما شکر- و أخذتم بأفضل الصبر و جاهدتم بأفضل الجهاد- و إن کان غیرکم أطول صلاه منکم و أکثر صیاما- إذا کنتم أتقى لله- و أنصح لأولیاء الله من آل محمد ص و أخشع- و احذروا عباد الله الموت و نزوله و خذوله- فإنه یدخل بأمر عظیم خیر لا یکون معه شر أبدا- أو شر لا یکون معه خیر أبدا- و لیس أحد من الناس یفارق روحه جسده- حتى یعلم إلى أی المنزلتین یصیر- إلى الجنه أم إلى النار أ عدو هو لله أم ولی له- فإن کان ولیا فتحت له أبواب الجنه و شرع له طریقها- و نظر إلى ما أعد الله عز و جل لأولیائه فیها- فرغ من کل شغل و وضع عنه کل ثقل- و إن کان عدوا فتحت له أبواب النار و سهل له طریقها- و نظر إلى ما أعد الله فیها لأهلها- و استقبل کل مکروه و فارق کل سرور- قال الله تعالى الَّذِینَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِکَهُ ظالِمِی أَنْفُسِهِمْ- فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما کُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ- بَلى‏ إِنَّ اللَّهَ عَلِیمٌ بِما کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِینَ فِیها- فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَکَبِّرِینَ-

و اعلموا عباد الله أن الموت لیس منه فوت- فاحذروه و أعدوا له عدته فإنکمطرداء للموت- إن قمتم أخذکم و إن هربتم أدرککم- و هو ألزم لکم من ظلکم معقود بنواصیکم- و الدنیا تطوى من خلفکم- فأکثروا ذکر الموت عند ما- تنازعکم إلیه أنفسکم من الشهوات- فإنه کفى بالموت واعظا- قال رسول الله ص- أکثروا ذکر الموت فإنه هادم اللذات- و اعلموا عباد الله أن ما بعد الموت أشد من الموت- لمن لم یغفر الله له و یرحمه- و احذروا القبر و ضمته و ضیقه و ظلمته- فإنه الذی یتکلم کل یوم أنا بیت التراب- و أنا بیت الغربه و أنا بیت الدود- و القبر روضه من ریاض الجنه أو حفره من حفر النار- إن المسلم إذا مات قالت له الأرض مرحبا و أهلا- قد کنت ممن أحب أن تمشی على ظهری- فإذ ولیتک فستعلم کیف صنعی بک فیتسع له مد بصره- و إذا دفن الکافر قالت له الأرض لا مرحبا و لا أهلا- قد کنت ممن أبغض أن تمشی على ظهری- فإذ ولیتک فستعلم کیف صنعی بک- فتنضم علیه حتى تلتقی أضلاعه-

و اعلموا أن المعیشه الضنک التی- قال سبحانه فَإِنَّ لَهُ مَعِیشَهً ضَنْکاً هی عذاب القبر- فإنه یسلط على الکافر فی قبره حیات عظام- تنهش لحمه حتى یبعث- لو أن تنینا منها نفخ الأرض ما أنبت الزرع أبدا- اعلموا عباد الله- أن أنفسکم و أجسادکم الرقیقه الناعمه- التی یکفیها الیسیر من العقاب ضعیفه عن هذا- فإن استطعتم أن ترحموا أنفسکم و أجسادکم- مما لا طاقه لکم به و لا صبر لکم علیه- فتعملوا بما أحب الله سبحانه- و تترکوا ما کره فافعلوا- و لا حول و لا قوه إلا بالله-

و اعلموا عباد الله أن ما بعد القبر أشد من القبر- یوم یشیب فیه الصغیر و یسکر فیه الکبیر- و تذهل کل مرضعه عما أرضعت- و احذروا یوما عبوسا قمطریرا کان شره مستطیرا- أما إن شر ذلک الیوم و فزعه استطار- حتى فزعت منه الملائکه الذین لیست لهم ذنوب- و السبع الشداد و الجبال الأوتاد و الأرضون المهاد- و انشقت السماء فهی یومئذ واهیه- و تغیرت فکانت ورده کالدهان- و کانت الجبال سرابا بعد ما کانت صما صلابا- یقول الله سبحانه وَ نُفِخَ فِی الصُّورِ- فَصَعِقَ مَنْ فِی السَّماواتِ وَ مَنْ فِی الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ- فکیف بمن یعصیه بالسمع و البصر و اللسان و الید- و الفرج و البطن إن لم یغفر الله و یرحم- و اعلموا عباد الله أن ما بعد ذلک الیوم أشد و أدهى- نار قعرها بعید و حرها شدید و عذابها جدید- و مقامعها حدید و شرابها صدید- لا یفتر عذابها و لا یموت ساکنها- دار لیست لله سبحانه فیها رحمه- و لا یسمع فیها دعوه- و مع هذا رحمه الله التی وسعت کل شی‏ء- لا تعجز عن العباد- و جنه عرضها کعرض السماء و الأرض- خیر لا یکون بعده شر أبدا- و شهوه لا تنفد أبدا و لذه لا تفنى أبدا- و مجمع لا یتفرق أبدا قوم قد جاوروا الرحمن- و قام بین أیدیهم الغلمان- بصحاف من ذهب فیها الفاکهه و الریحان- و إن أهل الجنه یزورون الجبار سبحانه فی کل جمعه- فیکون أقربهم منه على منابر من نور- و الذین یلونهم على منابر من یاقوت- و الذین یلونهم على منابر من مسک- فبینا هم کذلک ینظرون الله جل جلاله- و ینظر الله فی وجوههم إذ أقبلت سحابه تغشاهم- فتمطر علیهم من النعمه و اللذه و السرور و البهجه- ما لا یعلمه إلا الله سبحانه- و مع هذا ما هو أفضل منه رضوان الله الأکبر- أما إنا لو لم نخوف إلا ببعض ما خوفنا به- لکنا محقوقین أن یشتد خوفنا مما لا طاقهلنا به- و لا صبر لقوتنا علیه- و أن یشتد شوقنا إلى ما لا غنى لنا عنه و لا بد لنا منه- فإن استطعتم عباد الله أن یشتد خوفکم من ربکم فافعلوا-

فإن العبد إنما تکون طاعته على قدر خوفه- و إن أحسن الناس لله طاعه أشدهم له خوفا- و انظر یا محمد صلاتک کیف تصلیها- فإنما أنت إمام ینبغی لک أن تتمها و أن تخففها- و أن تصلیها لوقتها- فإنه لیس من إمام یصلى بقوم- فیکون فی صلاته و صلاتهم نقص إلا کان إثم ذلک علیه- و لا ینقص من صلاتهم شیئا- و اعلم أن کل شی‏ء من عملک یتبع صلاتک- فمن ضیع الصلاه فهو لغیرها أشد تضییعا- و وضوءک من تمام الصلاه فأت به على وجهه- فالوضوء نصف الإیمان- أسأل الله الذی یرى و لا یرى و هو بالمنظر الأعلى- أن یجعلنا و إیاک من المتقین الذین- لا خوف علیهم و لا هم یحزنون- فإن استطعتم یا أهل مصر أن تصدق أقوالکم أفعالکم- و أن یتوافق سرکم و علانیتکم- و لا تخالف ألسنتکم قلوبکم فافعلوا- عصمنا الله و إیاکم بالهدى- و سلک بنا و بکم المحجه الوسطى- و إیاکم و دعوه الکذاب ابن هند- و تأملوا و اعلموا أنه لا سوى إمام الهدى و إمام الردى- و وصی النبی و عدو النبی- جعلنا الله و إیاکم ممن یحب و یرضى- و لقد سمعت رسول الله ص یقول- إنی لا أخاف على أمتی مؤمنا و لا مشرکا- أما المؤمن فیمنعه الله بإیمانه- و أما المشرک فیخزیه الله بشرکه- و لکنی- أخاف علیهم کل منافق اللسان- یقول ما تعرفون و یفعل ما تنکرون-

و اعلم یا محمد- أن أفضل الفقه الورع فی دین الله و العمل بطاعته- فعلیک بالتقوى فی سر أمرک و علانیته- أوصیک بسبع هن جوامع الإسلام- اخش الله و لا تخش الناس فی الله- و خیر القول ما صدقه العمل- و لا تقض فی أمر واحد بقضاءین مختلفین- فیتناقض‏ أمرک و تزیغ عن الحق- و أحب لعامه رعیتک ما تحبه لنفسک- و اکره لهم ما تکره لنفسک و أصلح أحوال رعیتک- و خض الغمرات إلى الحق و لا تخف لومه لائم- و انصح لمن استشارک- و اجعل نفسک أسوه لقریب المسلمین و بعیدهم- جعل الله خلتنا و ودنا خله المتقین و ود المخلصین- و جمع بیننا و بینکم فی دار الرضوان إخوانا- على سرر متقابلین إن شاء الله- .

قال إبراهیم بن سعد الثقفی- فحدثنی عبد الله بن محمد بن عثمان- عن علی بن محمد بن أبی سیف عن أصحابه- أن علیا لما کتب إلى محمد بن أبی بکر هذا الکتاب- کان ینظر فیه و یتأدب بأدبه- فلما ظهر علیه عمرو بن العاص و قتله- أخذ کتبه أجمع فبعث بها إلى معاویه- فکان معاویه ینظر فی هذا الکتاب و یتعجب منه- فقال الولید بن عقبه و هو عند معاویه و قد رأى إعجابه به- مر بهذه الأحادیث أن تحرق- فقال معاویه مه لا رأی لک- فقال الولید أ فمن الرأی أن یعلم الناس- أن أحادیث أبی تراب عندک تتعلم منها- قال معاویه ویحک- أ تأمرنی أن أحرق علما مثل هذا- و الله ما سمعت بعلم هو أجمع منه و لا أحکم فقال الولید- إن کنت تعجب من علمه و قضائه فعلام تقاتله- فقال لو لا أن أبا تراب قتل عثمان ثم أفتانا لأخذنا عنه- ثم سکت هنیهه ثم نظر إلى جلسائه- فقال إنا لا نقول إن هذه من کتب علی بن أبی طالب- و لکن نقول هذه من کتب أبی بکر الصدیق- کانت عند ابنه محمد فنحن ننظر فیها و نأخذ منها- . قال فلم تزل تلک الکتب فی خزائن بنی أمیه- حتى ولی عمر بن عبد العزیز- فهو الذی أظهر أنها من أحادیث علی بن أبی طالب ع- . قلت الألیق أن یکون الکتاب الذی کان معاویه- ینظر فیه و یعجب منه-و یفتی به و یقضی بقضایاه و أحکامه- هو عهد علی ع إلى الأشتر فإنه نسیج وحده- و منه تعلم الناس الآداب- و القضایا و الأحکام و السیاسه- و هذا العهد صار إلى معاویه لما سم الأشتر- و مات قبل وصوله إلى مصر- فکان ینظر فیه و یعجب منه- و حقیق من مثله أن یقتنى فی خزائن الملوک- .

قال إبراهیم فلما بلغ علیا ع- أن ذلک الکتاب صار إلى معاویه- اشتد علیه حزنا- .و حدثنی بکر بن بکار عن قیس بن الربیع عن میسره بن حبیب عن عمرو بن مره عن عبد الله بن سلمه قال صلى بنا علی ع- فلما انصرف قال

لقد عثرت عثره لا أعتذر
سوف أکیس بعدها و أستمر
و أجمع الأمر الشتیت المنتشر

فقلنا ما بالک یا أمیر المؤمنین- فقال إنی استعملت محمد بن أبی بکر على مصر- فکتب إلى أنه لا علم لی بالسنه- فکتبت إلیه کتابا فیه أدب و سنه فقتل و أخذ الکتاب قال إبراهیم فحدثنی عبد الله محمد- عن ابن أبی سیف المدائنی قال- فلم یلبث محمد بن أبی بکر شهرا کاملا- حتى بعث إلى أولئک المعتزلین- الذین کان قیس بن سعد موادعا لهم- فقال یا هؤلاء- أما أن تدخلوا فی طاعتنا و أما أن تخرجوا من بلادنا- فبعثوا إلیه أنا لا نفعل- فدعنا حتى ننظر إلى ما یصیر إلیه أمر الناس- فلا تعجل علینا فأبى علیهم- فامتنعوا منه و أخذوا حذرهم- ثم کانت وقعه صفین و هم لمحمد هائبون- فلما أتاهم خبر معاویه و أهل الشام- ثم صار الأمر إلى الحکومه- و أن علیا و أهل العراق قد قفلوا- عن معاویه و الشام إلى عراقهم- اجترءوا على محمد بن أبی بکر و أظهروا المنابذه له- فلما رأى محمد ذلک بعث إلیهم ابن جمهان البلوی- و معه یزید بن الحارث الکنانی فقاتلاهم‏ فقتلوهما- ثم بعث إلیهم رجلا من کلب فقتلوه أیضا- و خرج معاویه بن حدیج من السکاسک- یدعو إلى الطلب بدم عثمان- فأجابه القوم و ناس کثیر آخرون- و فسدت مصر على محمد بن أبی بکر- فبلغ علیا توثبهم علیه- فقال ما أرى لمصر إلا أحد الرجلین- صاحبنا الذی عزلنا بالأمس- یعنی قیس بن سعد بن عباده- أو مالک بن الحارث الأشتر- و کان علی حین رجع عن صفین رد الأشتر إلى عمله بالجزیره- و قال لقیس بن سعد- أقم أنت معی على شرطتی حتى نفرغ من أمر هذه الحکومه- ثم اخرج إلى آذربیجان فکان قیس مقیما على شرطته- فلما أن انقضى أمر الحکومه کتب علی إلى الأشتر- و هو یومئذ بنصیبین أما بعد فإنک ممن أستظهر به على إقامه الدین- و أقمع به نخوه الأثیم و أسد به الثغر المخوف- و قد کنت ولیت محمد بن أبی بکر مصر- فخرجت علیه خوارج و هو غلام حدث السن- لیس بذی تجربه للحروب- فاقدم علی لننظر فیما ینبغی- و استخلف على عملک أهل الثقه و النصیحه من أصحابک- و السلام- .

فأقبل الأشتر إلى علی- و استخلف على عمله شبیب بن عامر الأزدی- و هو جد الکرمانی الذی کان بخراسان صاحب نصر بن سیار- فلما دخل الأشتر على علی حدثه حدیث مصر- و خبره خبر أهلها- و قال له لیس لها غیرک- فاخرج إلیها رحمک الله- فإنی لا أوصیک اکتفاء برأیک- و استعن بالله على ما أهمک و اخلط الشده باللین- و ارفق ما کان الرفق أبلغ- و اعتزم على الشده حین لا یغنی عنک إلا الشده- . فخرج الأشتر من عنده فأتی برحله- و أتت معاویه عیونه فأخبروه بولایه الأشتر مصر- فعظم ذلک علیه و قد کان طمع فی مصر- فعلم أن الأشتر إن قدم علیها- کان أشد علیه من محمد بن أبی بکر- فبعث إلى رجل من أهل الخراج یثق به- و قال له إن الأشتر قد ولی مصر- فإن کفیتنیه لم آخذ منک خراجا ما بقیت و بقیت- فاحتل فی هلاکه ما قدرت علیه- .

فخرج الأشتر حتى انتهى إلى القلزم- حیث ترکب السفن من مصر إلى الحجاز فأقام به- فقال له ذلک الرجل و کان ذلک المکان مکانه- أیها الأمیر هذا منزل فیه طعام و علف- و أنا رجل من أهل الخراج فأقم و استرح- و أتاه بالطعام حتى إذ طعم سقاه شربه عسل- قد جعل فیها سما فلما شربها مات- .

قال إبراهیم و قد کان أمیر المؤمنین کتب على ید الأشتر- کتابا إلى أهل مصر- روى ذلک الشعبی عن صعصعه بن صوحان- من عبد الله علی أمیر المؤمنین- إلى من بمصر من المسلمین سلام الله علیکم- فإنی أحمد الله إلیکم الذی لا إله إلا هو- أما بعد فإنی قد بعثت إلیکم عبدا من عباد الله- لا ینام أیام الخوف- و لا ینکل عن الأعداء حذار الدوائر- لا نأکل من قدم و لا واه فی عزم- من أشد عباد الله بأسا و أکرمهم حسبا- أضر على الفجار من حریق النار- و أبعد الناس من دنس أو عار- و هو مالک بن الحارث الأشتر- حسام صارم لا نابی الضریبه- و لا کلیل الحد حلیم فی السلم رزین فی الحرب- ذو رأی أصیل و صبر جمیل- فاسمعوا له و أطیعوا أمره- فإن أمرکم بالنفر فانفروا- و إن أمرکم أن تقیموا فأقیموا- فإنه لا یقدم و لا یحجم إلا بأمری- و قد آثرتکم به على نفسی نصیحه لکم- و شده شکیمه على عدوکم- عصمکم الله بالهدى و ثبتکم بالتقوى- و وفقنا و إیاکم لما یحب و یرضى- و السلام علیکم و رحمه الله- .

قال إبراهیم و روى جابر عن الشعبی قال- هلک الأشتر حین أتى عقبه أفیق- . قال إبراهیم و حدثنا وطبه بن العلاء بن المنهال الغنوی- عن أبیه عن عاصم‏ بن کلیب عن أبیه- أن علیا لما بعث الأشتر إلى مصر والیا علیها- و بلغ معاویه خبره- بعث رسولا یتبع الأشتر إلى مصر و أمره باغتیاله- فحمل معه مزودین فیهما شراب و صحب الأشتر- فاستسقى الأشتر یوما فسقاه من أحدهما- ثم استسقى یوما آخر منه- فسقاه من الآخر و فیه سم فشربه- فمالت عنقه و طلب الرجل ففاتهم- . قال إبراهیم و حدثنا محرز بن هشام- عن جریر بن عبد الحمید عن مغیره الضبی- أن معاویه دس للأشتر مولى لآل عمر- فلم یزل المولى یذکر للأشتر فضل علی و بنی هاشم- حتى اطمأن إلیه و استأنس به- فقدم الأشتر یوما ثقله أو تقدم ثقله فاستسقى ماء- فقال له مولى آل عمر و هل لک فی شربه سویق- فسقاه شربه سویق فیها سم فمات- . و قد کان معاویه قال لأهل الشام لما دس إلیه مولى آل عمر- ادعوا على الأشتر فدعوا علیه- فلما بلغه موته قال أ لا ترون کیف استجیب لکم- .

قال إبراهیم قد روی من بعض الوجوه- أن الأشتر قتل بمصر بعد قتال شدید- . و الصحیح أنه سقى سما فمات قبل أن یبلغ مصر- . قال إبراهیم و حدثنا محمد بن عبد الله بن عثمان- عن علی بن محمد بن أبی سیف المدائنی- أن معاویه أقبل یقول لأهل الشام أیها الناس- إن علیا قد وجه الأشتر إلى مصر- فادعوا الله أن یکفیکموه- فکانوا یدعون علیه فی دبر کل صلاه- و أقبل الذی سقاه السم إلى معاویه فأخبره بهلاک الأشتر- فقام معاویه فی الناس خطیبا فقال- أما بعد فإنه کان لعلی بن أبی طالب یدان یمینان- فقطعت إحداهما یوم صفین و هو عمار بن یاسر- و قد قطعت الأخرى الیوم و هو مالک الأشتر- .

قال إبراهیم فلما بلغ علیا موت الأشتر- قال إنا لله و إنا إلیه راجعون- و الحمد لله رب العالمین- اللهم إنی أحتسبه عندک فإن موته من مصائب الدهر- ثم قال رحم الله مالکا فلقد وفى بعهده- و قضى نحبه و لقی ربه- مع أنا قد وطنا أنفسنا أن نصبر على کل مصیبه- بعد مصابنا برسول الله ص فإنها من أعظم المصیبات- . قال إبراهیم و حدثنا محمد بن هشام المرادی- عن جریر بن عبد الحمید عن مغیره الضبی قال- لم یزل أمر علی شدیدا حتى مات الأشتر- و کان الأشتر بالکوفه أسود من الأحنف بالبصره- .

قال إبراهیم و حدثنا محمد بن عبد الله عن ابن أبی سیف المدائنی عن جماعه من أشیاخ النخع قالوا دخلنا على أمیر المؤمنین حین بلغه موت الأشتر- فوجدناه یتلهف و یتأسف علیه ثم قال- لله در مالک و ما مالک- لو کان من جبل لکان فندا- و لو کان من حجر لکان صلدا- أما و الله لیهدن موتک عالما و لیفرحن عالما- على مثل مالک فلتبک البواکی- و هل مرجو کمالک و هل موجود کمالک- .

قال علقمه بن قیس النخعی فما زال علی یتلهف و یتأسف- حتى ظننا أنه المصاب به دوننا- و عرف ذلک فی وجهه أیاما- .قال إبراهیم و حدثنا محمد بن عبد الله عن المدائنی قال حدثنا مولى للأشتر قال لما هلک الأشتر أصیب فی ثقله رساله علی إلى أهل مصر- من عبد الله أمیر المؤمنین إلى النفر من المسلمین- الذین غضبوا لله إذ عصی فی الأرض- و ضرب الجور برواقه على البر و الفاجر- فلا حق یستراح إلیه و لا منکر یتناهى عنه- سلام علیکم فإنی أحمد إلیکم الله الذی لا إله إلا هو-

أما بعد- فقد وجهت إلیکم عبدا من عباد الله لا ینام فی الخوف- و لا ینکل من الأعداء حذار الدوائر- أشد على الکافرین من حریق النار- و هو مالک بن الحارث الأشتر أخو مذحج- فاسمعوا له و أطیعوا فإنه سیف من سیوف الله- لا نابی الضریبه و لا کلیل الحد- فإن أمرکم أن تقیموا فأقیموا- و إن أمرکم أن تنفروا فانفروا- و إن أمرکم أن تحجموا فأحجموا- فإنه لا یقدم و لا یحجم إلا بأمری و قد آثرتکم به على نفسی- لنصیحته و شده شکیمته على عدوه- عصمکم الله بالحق و ثبتکم بالتقوى- و السلام علیکم و رحمه الله و برکاتهقال إبراهیم و حدثنا محمد بن عبد الله عن المدائنی عن رجاله أن محمد بن أبی بکر لما بلغه- أن علیا قد وجه الأشتر إلى مصر شق علیه- فکتب ع إلیه عند مهلک الأشتر- أما بعد فقد بلغنی موجدتک من تسریح الأشتر إلى عملک- و لم أفعل ذلک استبطاء لک عن الجهاد- و لا استزاده لک منی فی الجد- و لو نزعت ما حوت یداک من سلطانک- لولیتک ما هو أیسر مئونه علیک و أعجب ولایه إلیک- ألا إن الرجل الذی ولیته مصر کان رجلا لنا مناصحا- و هو على عدونا شدید فرحمه الله علیه- فقد استکمل أیامه و لاقى حمامه و نحن عنه راضون- فرضی الله عنه و ضاعف له الثواب و أحسن له المآب- فاصحر لعدوک و شمر للحرب- و ادع إلى سبیل ربک بالحکمه و الموعظه الحسنه- و أکثر ذکر الله و الاستعانه به و الخوف منه- یکفک ما همک و یعنک على ما ولاک- أعاننا الله و إیاک على ما لا ینال إلا برحمته و السلام- .

قال فکتب محمد بن أبی بکر إلیه جوابه-إلى عبد الله أمیر المؤمنین من محمد بن أبی بکر- . سلام علیک فإنی أحمد إلیک الله الذی لا إله إلا هو- أما بعد فقد انتهى إلی کتاب أمیر المؤمنین- و فهمته و عرفت ما فیه- و لیس أحد من الناس أشد على عدو أمیر المؤمنین- و لا أرأف و أرق لولیه منی- و قد خرجت فعسکرت و أمنت الناس- إلا من نصب لنا حربا و أظهر لنا خلافا- و أنا أتبع أمر أمیر المؤمنین- و حافظ و لاجئ إلیه و قائم به- و الله المستعان على کل حال- و السلام على أمیر المؤمنین و رحمه الله و برکاته- .

قال إبراهیم فحدث محمد بن عبد الله بن عثمان- عن ابن سیف المدائنی عن أبی جهضم الأزدی- أن أهل الشام لما انصرفوا عن صفین- کانوا ینتظرون ما یأتی به الحکمان- فلما انصرفا و تفرقا و بایع أهل الشام معاویه بالخلافه- لم یزدد معاویه إلا قوه- و اختلف أهل العراق على علی بن أبی طالب- فلم یکن هم معاویه إلا مصر- و قد کان لأهلها هائبا لقربهم منه- و شدتهم على من کان على رأی عثمان- و قد کان علم أن بها قوما قد ساءهم قتل عثمان- و خالفوا علیا- مع أنه کان یرجو أن یکون له فیها معاونه- إذا ظهر علیها على حرب علی لوفور خراجها- فدعا معاویه من کان معه من قریش- و هم عمرو بن العاص السهمی- و حبیب بن مسلمه الفهری- و بسر بن أبی أرطاه العامری و الضحاک بن قیس الفهری- و عبد الرحمن بن خالد بن الولید المخزومی- و دعا من غیر قریش نحو شرحبیل بن السمط الحمیری- و أبی الأعور السلمی و حمزه بن مالک الهمدانی فقال- أ تدرون لما ذا دعوتکم قالوا لا-

قال فإنی دعوتکم لأمر هو لی مهم- و أرجو أن یکون الله عز و جل قد أعان علیه- فقال له القوم أو من قال له منهم- إن الله لم یطلع على غیبه أحدا و لسنا ندری ما ترید- فقال عمرو بن العاص- أرى و الله أن أمر هذه البلاد المصریه- لکثره خراجها و عدد أهلها قد أهمک-فدعوتنا تسألنا عن رأینا فی ذلک- فإن کنت لذلک دعوتنا و له جمعتنا فاعزم و اصرم- و نعم الرأی ما رأیت- إن فی افتتاحها عزک و عز أصحابک- و ذل عدوک و کبت أهل الخلاف علیک- . قال معاویه أهمک ما أهمک یا ابن العاص- و ذلک أن عمرا کان بایع معاویه على قتال علی- و أن مصر له طعمه ما بقی- فأقبل معاویه على أصحابه و قال- إن هذا یعنی ابن العاص قد ظن و حقق ظنه- قالوا و لکنا لا ندری و لعل أبا عبد الله قد أصاب- فقال عمرو و أنا أبو عبد الله- إن أفضل الظنون ما شابه الیقین- .

ثم إن معاویه حمد الله و أثنى علیه ثم قال أما بعد- فقد رأیتم کیف صنع الله لکم فی حربکم هذه على عدوکم- و لقد جاءوکم و هم لا یشکون- أنهم یستأصلون بیضتکم و یجوزون بلادکم- ما کانوا یرون إلا أنکم فی أیدیهم- فردهم الله بغیظهم لم ینالوا خیرا- و کفى الله المؤمنین القتال و کفاکم مئونتهم- . و حاکمتموهم إلى الله فحکم لکم علیهم- ثم جمع کلمتنا و أصلح ذات بیننا- و جعلهم أعداء متفرقین- یشهد بعضهم على بعض بالکفر- و یسفک بعضهم دم بعض- و الله إنی لأرجو أن یتم الله لنا هذا الأمر- و قد رأیت أن أحاول حرب مصر فما ذا ترون- . فقال عمرو بن العاص قد أخبرتک عما سألت- و أشرت علیک بما سمعت- . فقال معاویه ما ترون فقالوا نرى ما رأى عمرو بن العاص- فقال معاویه إن عمرا قد عزم و صرم بما قال- و لم یفسر کیف ینبغی أن نصنع- .

قال عمرو فإنی مشیر علیک بما تصنع- أرى أن تبعث جیشا کثیفا- علیهم رجل صارم تأمنه و تثق به فیأتی مصر فیدخلها- فإنه سیأتینا من کان على مثل رأینا من أهلها- فنظاهره على من کان من عدونا- فإن اجتمع بها جندک و من کان بها من شیعتک- على من بها من أهل حربک- رجوت الله أن یعز نصرک و یظهر فلجک- .

فقال معاویه هل عندک شی‏ء غیر هذا- نعمله فیما بیننا و بینهم قبل هذا قال ما أعلمه- . قال معاویه فإن رأیی غیر هذا- أرى أن نکاتب من کان بها من شیعتنا- و من کان بها من عدونا- فأما شیعتنا فنأمرهم بالثبات على أمرهم- و نمنیهم قدومنا علیهم- و أما من کان بها من عدونا فندعوهم إلى صلحنا- و نمنیهم شکرنا و نخوفهم حربنا- فإن صلح لنا ما قبلهم من غیر حرب و لا قتال- فذلک ما أحببنا و إلا فحربهم من وراء ذلک- . إنک یا ابن العاص لامرؤ بورک لک فی العجله- و بورک لی فی التؤده- .

قال عمرو فاعمل بما أراک الله- فو الله ما أرى أمرک و أمرهم یصیر إلا إلى الحرب- . قال فکتب معاویه عند ذلک إلى مسلمه بن مخلد الأنصاری- و إلى معاویه بن حدیج الکندی و کانا قد خالفا علیا- أما بعد فإن الله عز و جل قد ابتعثکما لأمر عظیم- أعظم به أجرکما و رفع درجتکما و مرتبتکما فی المسلمین- طلبتما بدم الخلیفه المظلوم و غضبتما لله- إذ ترک حکم الکتاب و جاهدتما أهل الظلم و العدوان- فأبشرا برضوان الله و عاجلا نصره أولیاء الله- و المواساه لکما فی دار الدنیا و سلطاننا- حتى ینتهی ذلک إلى ما یرضیکما و یؤدى به حقکما- فالزما أمرکما و جاهدا عدوکما- و ادعوا المدبرین منکما إلى هداکما- فکان الجیش قد أظل علیکما- فاندفع کل ما تکرهان و دام کل ما تهویان- و السلام علیکما و رحمه الله- .

و بعث بالکتاب مع مولى له یقال له سبیع- فخرج بکتابه حتى قدم به علیهما بمصر-و محمد بن أبی بکر یومئذ أمیرها- قد ناصبه هؤلاء النفر الحرب و هم هائبون الإقدام علیه- فدفع الکتاب إلى مسلمه بن مخلد- فقرأه فقال الق به معاویه بن حدیج- ثم القنی به حتى أجیب عنی و عنه- فانطلق الرسول بکتاب معاویه فأقرأه إیاه- ثم قال له إن مسلمه قد أمرنی أن أرد الکتاب إلیه- لکی یجیب عنک و عنه قال قل له فلیفعل- فأتى مسلمه بالکتاب- فکتب الجواب عنه و عن معاویه بن حدیج أما بعد- فإن هذا الأمر الذی قد ندبنا له أنفسنا- و ابتغیا الله به على عدونا- أمر نرجو به ثواب ربنا و النصر على من خالفنا- و تعجیل النقمه على من سعى على إمامنا- و طأطأ الرکض فی مهادنا- و نحن بهذه الأرض قد نفینا من کان بها من أهل البغی- و أنهضنا من کان بها من أهل القسط و العدل- و قد ذکرت موازرتک فی سلطانک و ذات یدک- و بالله إنه لا من أجل مال نهضنا و لا إیاه أردنا- فإن یجمع الله لنا ما نرید و نطلب أو یرینا ما تمنینا- فإن الدنیا و الآخره لله رب العالمین- و قد یثوبهما الله جمیعا عالما من خلقه- کما قال فی کتابه- فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْیا وَ حُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَهِ- وَ اللَّهُ یُحِبُّ الْمُحْسِنِینَ- عجل لنا بخیلک و رجلک- فإن عدونا قد کان علینا جریئا و کنا فیهم قلیلا- و قد أصبحوا لنا هائبین و أصبحنا لهم منابذین- فإن یأتنا مدد من قبلک یفتح الله علیک- و لا قوه إلا بالله و هو حسبنا و نعم الوکیل- .

قال فجاء هذا الکتاب معاویه و هو یومئذ بفلسطین- فدعا النفر الذین سمیناهم من قریش و غیرهم- و أقرأهم الکتاب و قال لهم ما ذا ترون- قالوا نرى أن تبعث إلیهم جیشا من قبلک- فأنت مفتتحها إن شاء الله بإذن الله- . قال معاویه- فتجهز إلیها یا أبا عبد الله یعنی عمرو بن العاص- فبعثه فی سته آلاف‏ فخرج یسیر و خرج معه معاویه یودعه- فقال له معاویه عند وداعه إیاه- أوصیک بتقوى الله یا عمرو و بالرفق فإنه یمن- و بالتؤده فإن العجله من الشیطان و بأن تقبل من أقبل- و تعفو عمن أدبر أنظره فإن تاب و أناب قبلت منه- و إن أبى فإن السطوه بعد المعرفه أبلغ فی الحجه- و أحسن فی العاقبه و ادع الناس إلى الصلح و الجماعه- فإن أنت ظفرت فلیکن أنصارک أبر الناس عندک- و کل الناس فأول حسنا- .

قال فسار عمرو فی الجیش حتى دنا من مصر- فاجتمعت إلیه العثمانیه- فأقام و کتب إلى محمد بن أبی بکر- أما بعد فتنح عنی بدمک یا ابن أبی بکر- فإنی لا أحب أن یصیبک منی ظفر- و إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافک- و رفض أمرک و ندموا على اتباعک- و هم مسلموک لو قد التقت حلقتا البطان- فاخرج منها فإنی لک من الناصحین و السلام- . قال و بعث عمرو إلى محمد مع هذا الکتاب- کتاب معاویه إلیه و هو- أما بعد فإن غب الظلم و البغی عظیم الوبال- و إن سفک الدم الحرام لا یسلم صاحبه- من النقمه فی الدنیا و التبعه الموبقه فی الآخره- و ما نعلم أحدا کان أعظم على عثمان بغیا- و لا أسوأ له عیبا- و لا أشد علیه خلافا منک- سعیت علیه فی الساعین و ساعدت علیه مع المساعدین- و سفکت دمه مع السافکین ثم تظن أنی نائم عنک- فتأتی بلده فتأمن فیها و جل أهلها أنصاری- یرون رأیی و یرفضون قولک و یستصرخوننی علیک-

و قد بعثت إلیک قوما حناقا علیک یسفکون دمک- و یتقربون إلى الله عز و جل بجهادک- و قد أعطوا الله عهدا لیقتلنک- و لو لم یکن منهم إلیک ما قالوا- لقتلک الله بأیدیهم أو بأیدی غیرهم من أولیائه- و أنا أحذرک و أنذرک فإن الله مقید منک- و مقتص لولیه و خلیفته بظلمک له- و بغیک علیه‏ و وقیعتک فیه- و عداوتک یوم الدار علیه- تطعن بمشاقصک فیما بین أحشائه و أوداجه- و مع هذا فإنی أکره قتلک و لا أحب أن أتولى ذلک منک- و لن یسلمک الله من النقمه أین کنت أبدا- فتنح و انج بنفسک و السلام- . قال فطوى محمد بن أبی بکر کتابیهما- و بعث بهما إلى علی ع و کتب إلیه- أما بعد یا أمیر المؤمنین- فإن العاصی ابن العاص قد نزل أدانی مصر- و اجتمع إلیه من أهل البلد من کان یرى رأیهم- و هو فی جیش جرار- و قد رأیت ممن قبلی بعض الفشل- فإن کان لک فی أرض مصر حاجه- فامددنی بالأموال و الرجال- و السلام علیک و رحمه الله و برکاته- .

قال فکتب إلیه علی أما بعد فقد أتانی رسولک بکتابک- تذکر أن ابن العاص قد نزل فی جیش جرار- و أن من کان على مثل رأیه قد خرج إلیه- و خروج من کان یرى رأیه خیر لک من إقامته عندک- و ذکرت أنک قد رأیت ممن قبلک فشلا- فلا تفشل و إن فشلوا- حصن قریتک و اضمم إلیک شیعتک- و أذک الحرس فی عسکرک- و اندب إلى القوم کنانه بن بشر- المعروف بالنصیحه و التجربه و البأس- و أنا نادب إلیک الناس على الصعب و الذلول- فاصبر لعدوک و امض على بصیرتک- و قاتلهم على نیتک و جاهدهم محتسبا لله سبحانه- و إن کانت فئتک أقل الفئتین- فإن الله تعالى یعین القلیل و یخذل الکثیر- و قد قرأت کتابی الفاجرین المتحابین على المعصیه- و المتلائمین على الضلاله و المرتشیین على الحکومه- و المتکبرین على أهل الدین- الذین استمتعوا بخلاقهم- کما استمتع الذین من‏قبلهم بخلاقهم- فلا یضرنک إرعادهما و إبراقهما- و أجبهما إن کنت لم تجبهما بما هما أهله- فإنک تجد مقالا ما شئت و السلام-

قال فکتب محمد بن أبی بکر إلى معاویه جواب کتابه- أما بعد فقد أتانی کتابک- تذکر من أمر عثمان أمرا لا أعتذر إلیک منه- و تأمرنی بالتنحی عنک کأنک لی ناصح- و تخوفنی بالحرب کأنک علی شفیق- و أنا أرجو أن تکون الدائره علیکم- و أن یهلککم الله فی الوقعه- و أن ینزل بکم الذل و أن تولوا الدبر- فإن یکن لکم الأمر فی الدنیا فکم- و کم لعمری من ظالم قد نصرتم- و کم من مؤمن قد قتلتم و مثلتم به- و إلى الله المصیر و إلیه ترد الأمور- و هو أرحم الراحمین و الله المستعان على ما تصفون- .

قال و کتب محمد بن أبی بکر- إلى عمرو بن العاص جواب کتابه- أما بعد فهمت کتابک و علمت ما ذکرت- زعمت أنک تکره أن یصیبنی منک ظفر- فأشهد بالله إنک لمن المبطلین- و زعمت أنک ناصح لی و أقسم أنک عندی ظنین- و قد زعمت أن أهل البلد قد رفضونی و ندموا على اتباعی- فأولئک حزبک و حزب الشیطان الرجیم- و حسبنا الله رب العالمین و نعم الوکیل- و توکلت على الله العزیز الرحیم رب العرش العظیم- . قال إبراهیم فحدثنا محمد بن عبد الله عن المدائنی قال- فأقبل عمرو بن العاص یقصد قصد مصر- فقام محمد بن أبی بکر فی الناس- فحمد الله و أثنى علیه ثم قال- أما بعد یا معشر المؤمنین- فإن القوم الذین کانوا ینتهکون الحرمه- و یغشون الضلاله و یستطیلون بالجبریه- قد نصبوا لکم العداوه- و ساروا إلیکم بالجنود- فمن أراد الجنه و المغفره فلیخرج إلى هؤلاء القوم- فلیجاهدهم فی الله- انتدبوا رحمکم الله مع کنانه بن بشر- ثم ندب معه نحو ألفی رجل و تخلف محمد فی ألفین- و استقبل عمرو بن العاص کنانه و هو على مقدمه محمد- فلما دنا عمرو من کنانه سرح إلیه الکتائب- کتیبه بعد کتیبه فلم تأته من کتائب الشام کتیبه- إلا شد علیها بمن معه فیضربها حتى یلحقها بعمرو- ففعل ذلک مرارا- فلما رأى عمرو ذلک بعث إلى معاویه بن حدیج الکندی- فأتاه فی مثل الدهم- فلما رأى کنانه ذلک الجیش نزل عن فرسه- و نزل معه أصحابه فضاربهم بسیفه- و هو یقول- وَ ما کانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ کِتاباً مُؤَجَّلًا- . فلم یزل یضاربهم بالسیف حتى استشهد رحمه الله- .

قال إبراهیم حدثنا محمد بن عبد الله عن المدائنی- عن محمد بن یوسف أن عمرو بن العاص لما قتل کنانه- أقبل نحو محمد بن أبی بکر- و قد تفرق عنه أصحابه فخرج محمد متمهلا- فمضى فی طریقه حتى انتهى إلى خربه فآوى إلیها- و جاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط- و خرج معاویه بن حدیج فی طلب محمد- حتى انتهى إلى علوج على قارعه الطریق فسألهم- هل مر بهم أحد ینکرونه قالوا لا- قال أحدهم إنی دخلت تلک الخربه فإذا أنا برجل جالس- قال ابن حدیج هو هو و رب الکعبه فانطلقوا یرکضون- حتى دخلوا على محمد فاستخرجوه و قد کاد یموت عطشا- فأقبلوا به نحو الفسطاط- . قال و وثب أخوه- عبد الرحمن بن أبی بکر إلى عمرو بن العاص و کان فی جنده- فقال لا و الله لا یقتل أخی صبرا- ابعث إلى معاویه بن حدیج فانهه- فأرسل عمرو بن العاص أن ائتنی بمحمد فقال معاویه- أ قتلتم کنانه بن بشر ابن عمی و أخلی عن محمد- .

هیهات أَ کُفَّارُکُمْ خَیْرٌ مِنْ أُولئِکُمْ أَمْ لَکُمْ بَراءَهٌ فِی الزُّبُرِ- فقال محمد اسقونی قطره من الماء- فقال له معاویه بن حدیج- لا سقانی الله إن سقیتک قطره أبدا- إنکم منعتم عثمان أن یشرب الماء- حتى قتلتموه صائما محرما- فسقاه الله من الرحیق المختوم- و الله لأقتلنک یا ابن أبی بکر و أنت ظمآن- و یسقیک الله من الحمیم و الغسلین- فقال له محمد یا ابن الیهودیه النساجه- لیس ذلک الیوم إلیک و لا إلى عثمان- إنما ذلک إلى الله یسقی أولیاءه و یظمئ أعداءه- و هم أنت و قرناؤک و من تولاک و تولیته- و الله لو کان سیفی فی یدی ما بلغتم منی ما بلغتم- فقال له معاویه بن حدیج أ تدری ما أصنع بک- أدخلک جوف هذا الحمار المیت- ثم أحرقه علیک بالنار قال- إن فعلتم ذاک بی فطالما فعلتم ذاک بأولیاء الله- و ایم الله إنی لأرجو أن یجعل الله هذه النار التی- تخوفنی بها بردا و سلاما- کما جعلها الله على إبراهیم خلیله- و أن یجعلها علیک و على أولیائک- کما جعلها على نمرود و أولیائه- و إنی لأرجو أن یحرقک الله و إمامک معاویه و هذا- و أشار إلى عمرو بن العاص بنار تلظى- کلما خبت زادها الله علیکم سعیرا-

فقال له معاویه بن حدیج إنی لا أقتلک ظلما- إنما أقتلک بعثمان بن عفان- قال محمد و ما أنت و عثمان- رجل عمل بالجور و بدل حکم الله و القرآن- و قد قال الله عز و جل وَ مَنْ لَمْ یَحْکُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ- فَأُولئِکَ هُمُ الْکافِرُونَ فَأُولئِکَ هُمُ الظَّالِمُونَ فَأُولئِکَ هُمُ الْفاسِقُونَ- فنقمنا علیه أشیاء عملها- فأردنا أن یخلع من الخلافه علنا فلم یفعل- فقتله من قتله من الناس- .فغضب معاویه بن حدیج فقدمه فضرب عنقه- ثم ألقاه فی جوف حمار و أحرقه بالنار- . فلما بلغ ذلک عائشه جزعت علیه جزعا شدیدا- و قنتت فی دبر کل صلاه تدعو على معاویه بن أبی سفیان- و عمرو بن العاص و معاویه بن حدیج- و قبضت عیال محمد أخیها و ولده إلیها- فکان القاسم بن محمد من عیالها- . قال و کان ابن حدیج ملعونا خبیثا یسب علی بن أبی طالب ع- .

قال إبراهیم و حدثنی عمرو بن حماد بن طلحه القناد عن علی بن هاشم عن أبیه عن داود بن أبی عوف قال دخل معاویه بن حدیج على الحسن بن علی فی مسجد المدینه- فقال له الحسن ویلک یا معاویه- أنت الذی تسب أمیر المؤمنین علیا ع- أما و الله لئن رأیته یوم القیامه و ما أظنک تراه- لترینه کاشفا عن ساق- یضرب وجوه أمثالک عن الحوض ضرب غرائب الإبل قال إبراهیم و حدثنی محمد بن عبد الله بن عثمان- عن المدائنی عن عبد الملک بن عمیر- عن عبد الله بن شداد قال- حلفت عائشه لا تأکل شواء أبدا بعد قتل محمد- فلم تأکل شواء حتى لحقت بالله- و ما عثرت قط إلا قالت تعس معاویه بن أبی سفیان- و عمرو بن العاص و معاویه بن حدیج- .

قال إبراهیم و قد روى هاشم أن أسماء بنت عمیس- لما جاءها نعی محمد ابنها و ما صنع به- قامت إلى مسجدها و کظمت غیظها حتى تشخبت دما- . قال إبراهیم و روى ابن عائشه التیمی- عن رجاله عن کثیر النواء- أن أبا بکر خرج‏ فی حیاه رسول الله ص فی غزاه- فرأت أسماء بنت عمیس و هی تحته- کأن أبا بکر مخضب بالحناء رأسه و لحیته- و علیه ثیاب بیض فجاءت إلى عائشه فأخبرتها- فقالت إن صدقت رؤیاک فقد قتل أبو بکر- إن خضابه الدم و إن ثیابه أکفانه ثم بکت- فدخل النبی ص و هی کذلک- فقال ما أبکاها فقالوا یا رسول الله ما أبکاها أحد- و لکن أسماء ذکرت رؤیا رأتها لأبی بکر فأخبر النبی صفقال لیس کما عبرت عائشه و لکن یرجع أبو بکر صالحا- فیلقى أسماء فتحمل منه بغلام فتسمیه محمدا- یجعله الله غیظا على الکافرین و المنافقین- .

قال فکان کما أخبر ص- . قال إبراهیم حدثنا محمد بن عبد الله عن المدائنی قال- فکتب عمرو بن العاص إلى معاویه بن أبی سفیان- عند قتل محمد بن أبی بکر و کنانه بن بشر أما بعد- فإنا لقینا محمد بن أبی بکر- و کنانه بن بشر فی جموع من أهل مصر- فدعوناهم إلى الکتاب و السنه فعصوا الحق- فتهولوا فی الضلال فجاهدناهم- و استنصرنا الله جل و عز علیهم- فضرب الله وجوههم و أدبارهم و منحنا أکتافهم- فقتل محمد بن أبی بکر و کنانه بن بشر- و الحمد لله رب العالمین- .

قال إبراهیم و حدثنی محمد بن عبد الله عن المدائنی عن الحارث بن کعب بن عبد الله بن قعین عن حبیب بن عبد الله قال و الله إنی لعند علی جالس- إذ جاءه عبد الله بن معین و کعب بن عبد الله- من قبل محمد بن أبی بکر یستصرخانه قبل الوقعه- فقام علی فنادى فی الناس الصلاه جامعه- فاجتمع الناس فصعد المنبر- فحمد الله و أثنى‏ علیه- و ذکر رسول الله ص فصلى علیه- ثم قال أما بعد- فهذا صریخ محمد بن أبی بکر و إخوانکم من أهل مصر- قد سار إلیهم ابن النابغه عدو الله و عدو من والاه- و ولی من عادى الله- فلا یکونن أهل الضلال إلى باطلهم- و الرکون إلى سبیل الطاغوت أشد اجتماعا- على باطلهم و ضلالتهم منکم على حقکم- فکأنکم بهم و قد بدءوکم و إخوانکم بالغزو- فاعجلوا إلیهم بالمواساه و النصر عباد الله- إن مصر أعظم من الشام و خیر أهلا فلا تغلبوا على مصر- فإن بقاء مصر فی أیدیکم عز لکم و کبت لعدوکم- اخرجوا إلى الجرعه- قال و الجرعه بین الحیره و الکوفه- لنتوافى هناک کلنا غدا إن شاء الله- .

قال فلما کان الغد خرج یمشى فنزلها بکره- فأقام بها حتى انتصف النهار- فلم یوافه مائه رجل فرجع- فلما کان العشی بعث إلى الأشراف فجمعهم- فدخلوا علیه القصر و هو کئیب حزین-فقال الحمد لله على ما قضى من أمر و قدر من فعل- و ابتلانی بکم أیها الفرقه التی لا تطیع إذا أمرتها- و لا تجیب إذا دعوتها لا أبا لغیرکم- ما ذا تنتظرون بنصرکم و الجهاد على حقکم- الموت خیر من الذل فی هذه الدنیا لغیر الحق- و الله إن جاءنی الموت و لیأتینی- لتجدننی لصحبتکم جدا قال- أ لا دین یجمعکم أ لا حمیه تغضبکم- أ لا تسمعون بعدوکم ینتقص بلادکم و یشن الغاره علیکم- أ و لیس عجبا أن معاویه یدعو الجفاه الطغام الظلمه- فیتبعونه على غیر عطاء و لا معونه- و یجیبونه فی السنه المره و المرتین و الثلاث- إلى أی وجه شاء ثم أنا أدعوکم- و أنتم أولو النهى و بقیه الناس- تختلفون و تفترقون عنی و تعصوننی و تخالفون علی-فقام إلیه مالک بن کعب الأرحبی فقال- یا أمیر المؤمنین اندب الناس معی- فإنه لا عطر بعد عروس- و إن الأجر لا یأتی إلا بالکره- ثم التفت إلى الناس- و قال اتقوا الله و أجیبوا دعوه إمامکم و انصروا دعوته- و قاتلوا عدوکم إنا نسیر إلیهم یا أمیر المؤمنین- فأمر علی سعدا مولاه أن ینادی- ألا سیروا مع مالک بن کعب إلى مصر- و کان وجها مکروها فلم یجتمعوا إلیه شهرا- فلما اجتمع له منهم ما اجتمع خرج بهم مالک بن کعب فعسکر بظاهر الکوفه و خرج معه علی- فنظر فإذا جمیع من خرج نحو من ألفین- فقال علی سیروا و الله ما أنتم- ما إخالکم تدرکون القوم حتى ینقضی أمرهم- .

فخرج مالک بهم و سار خمس لیال- و قدم الحجاج بن غزیه الأنصاری على علی و قدم علیه عبد الرحمن بن المسیب الفزاری من الشام- فأما الفزاری فکان عینا لعلی ع لا ینام- و أما الأنصاری فکان مع محمد بن أبی بکر- فحدثه الأنصاری بما عاین و شاهد و أخبره بهلاک محمد- و أخبره الفزاری أنه لم یخرج من الشام- حتى قدمت البشرى من قبل عمرو بن العاص- یتبع بعضها بعضا بفتح مصر و قتل محمد بن أبی بکر- و حتى أذن معاویه بقتله على المنبرو قال یا أمیر المؤمنین- ما رأیت یوما قط سرورا- مثل سرور رأیته بالشام- حین أتاهم قتل محمد بن أبی بکر- فقال علی أما إن حزننا على قتله على قدر سرورهم به- لا بل یزید أضعافا- .

قال فسرح علی عبد الرحمن بن شریح إلى مالک بن کعب- فرده من الطریققال و حزن علی على محمد بن أبی بکر حتى رئی ذلک فیه- و تبین فی وجهه و قام فی الناس خطیبا- فحمد الله و أثنى علیه- ثم قال ألا و إن مصر قد افتتحها الفجرهأولیاء الجور و الظلم- الذین صدوا عن سبیل الله و بغوا الإسلام عوجا- ألا و إن محمد بن أبی بکر قد استشهد رحمه الله علیه- و عند الله نحتسبه- أما و الله لقد کان ما علمت- ینتظر القضاء و یعمل للجزاء- و یبغض شکل الفاجر و یحب سمت المؤمن- إنی و الله لا ألوم نفسی على تقصیر و لا عجز- و إنی بمقاساه الحرب لجد بصیر- إنی لأقدم على الحرب و أعرف وجه الحزم- و أقوم بالرأی المصیب- فأستصرخکم معلنا و أنادیکم مستغیثا- فلا تسمعون لی قولا و لا تطیعون إلى أمرا- حتى تصیر الأمور إلى عواقب المساءه- و أنتم القوم لا یدرک بکم الثأر- و لا تنقض بکم الأوتار- دعوتکم إلى غیاث إخوانکم منذ بضع و خمسین لیله- فجرجرتم علی جرجره الجمل الأسر- و تثاقلتم إلى الأرض تثاقل من لا نیه له فی الجهاد- و لا رأی له فی الاکتساب للأجر- ثم خرج إلی منکم جنید متذائب ضعیف- کأنما یساقون إلى الموت و هم ینظرون فأف لکم- ثم نزل فدخل رحله  قال إبراهیم فحدثنا محمد بن عبد الله عن المدائنی قال کتب علی إلى عبد الله بن عباس و هو على البصره- من عبد الله علی أمیر المؤمنین ع- إلى عبد الله بن عباس سلام علیک و رحمه الله و برکاته- أما بعد فإن مصر قد افتتحت- و قد استشهد محمد بن أبی بکر فعند الله عز و جل تحتسبه- و قد کنت کتبت إلى الناس- و تقدمت إلیهم فی بدء الأمر- و أمرتهم بإغاثته‏قبل الوقعه- و دعوتهم سرا و جهرا و عودا و بدءا- فمنهم الآتی کارها و منهم المتعلل کاذبا- و منهم القاعد خاذلا- أسأل الله أن یجعل لی منهم فرجا- و أن یریحنی منهم عاجلا- فو الله لو لا طمعی عند لقاء عدوی فی الشهاده- و توطینی نفسی عند ذلک- لأحببت ألا أبقى مع هؤلاء یوما واحدا- عزم الله لنا و لک على تقواه و هداه إنه على کل شی‏ء قدیر- و السلام علیک و رحمه الله و برکاته- .

قال فکتب إلیه عبد الله بن عباس- لعبد الله علی أمیر المؤمنین من عبد الله بن عباس- سلام على أمیر المؤمنین و رحمه الله و برکاته- . أما بعد فقد بلغنی کتابک- تذکر فیه افتتاح مصر و هلاک محمد بن أبی بکر- و إنک سألت الله ربک أن یجعل لک من رعیتک- التی ابتلیت بها فرجا و مخرجا- و أنا أسأل الله أن یعلى کلمتک- و أن یغشیک بالملائکه عاجلا- و اعلم أن الله صانع لک و معز دعوتک و کابت عدوک- و أخبرک یا أمیر المؤمنین- أن الناس ربما تباطئوا ثم نشطوا- فارفق بهم یا أمیر المؤمنین و دارهم و منهم- و استعن بالله علیهم کفاک الله الهم- و السلام علیک و رحمه الله و برکاته- . قال إبراهیم و روی عن المدائنی- أن عبد الله بن عباس قدم من البصره على علی- فعزاه عن محمد بن أبی بکر- .

و روى المدائنی أن علیا قال رحم الله محمدا کان غلاما حدثا- لقد کنت أردت أن أولی المرقال هاشم بن عتبه مصر- فإنه و الله لو ولیها- لما خلى لابن العاص و أعوانه العرصه- و لا قتل إلا و سیفه فی یده بلا ذم لمحمد- فلقد أجهد نفسه فقضى ما علیه قال المدائنی و قیل لعلی ع- لقد جزعت على محمد بن أبی بکر یا أمیر المؤمنین- فقال و ما یمنعنی أنه کان لی ربیبا- و کان لبنی أخا و کنت له والدا أعده ولدا
خطبه للإمام علی بعد مقتل محمد بن أبی بکر

و روى إبراهیم عن رجاله عن عبد الرحمن بن جندب عن أبیه قال خطب علی ع بعد فتح مصر- و قتل محمد بن أبی بکر فقال أما بعد فإن الله بعث محمدا نذیرا للعالمین- و أمینا على التنزیل و شهیدا على هذه الأمه- و أنتم معاشر العرب یومئذ على شر دین و فی شر دار- منیخون على حجاره خشن و حیات صم- و شوک مبثوث فی البلاد- تشربون الماء الخبیث و تأکلون الطعام الخبیث- تسفکون دماءکم و تقتلون أولادکم و تقطعون أرحامکم- و تأکلون أموالکم بینکم بالباطل- سبلکم خائفه و الأصنام فیکم منصوبه- و لا یؤمن أکثرهم بالله إلا و هم مشرکون- .

فمن الله عز و جل علیکم بمحمد- فبعثه إلیکم رسولا من أنفسکم- فعلمکم الکتاب و الحکمه و الفرائض و السنن- و أمرکم بصله أرحامکم و حقن دمائکم و صلاح ذات البین- و أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و أن توفوا بالعهد- و لا تنقضوا الأیمان بعد توکیدها- و أن تعاطفوا و تباروا و تراحموا- و نهاکم عن التناهب و التظالم- و التحاسد و التباغی و التقاذف- و عن شرب الخمر و بخس المکیال و نقص المیزان- و تقدم إلیکم فیما یتلى علیکم- ألا تزنوا و لا تربوا و لا تأکلوا أموال‏ الیتامى ظلما- و أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها- و لا تعثوا فی الأرض مفسدین- و لا تعتدوا إن الله لا یحب المعتدین- و کل خیر یدنی إلى الجنه- و یباعد عن النار أمرکم به- و کل شر یدنی إلى النار و یباعد عن الجنه نهاکم عنه- فلما استکمل مدته توفاه الله إلیه سعیدا حمیدا- فیا لها مصیبه خصت الأقربین و عمت المسلمین- ما أصیبوا قبلها بمثلها- و لن یعاینوا بعدها أختها- فلما مضى لسبیله ص تنازع المسلمون الأمر بعده- فو الله ما کان یلقى فی روعی و لا یخطر على بالی- أن العرب تعدل هذا الأمر بعد محمد عن أهل بیته- و لا أنهم منحوه عنی من بعده- فما راعنی إلا انثیال الناس على أبی بکر- و إجفالهم إلیه لیبایعوه فأمسکت یدی- و رأیت أنی أحق بمقام محمد ص فی الناس- ممن تولى الأمر من بعده- فلبثت بذاک ما شاء الله- حتى رأیت راجعه من الناس رجعت عن الإسلام- یدعون إلى محق دین الله و مله محمد ص- فخشیت إن لم أنصر الإسلام و أهله أن أرى فیه ثلما و هدما- یکون المصاب بهما علی أعظم من فوات ولایه أمورکم- التی إنما هی متاع أیام قلائل- ثم یزول ما کان منها کما یزول السراب- و کما یتقشع السحاب- فمشیت عند ذلک إلى أبی بکر فبایعته- و نهضت فی تلک الأحداث حتى زاغ الباطل و زهق- و کانت کلمه الله هی العلیا و لو کره الکافرون- فتولى أبو بکر تلک الأمور فیسر و سدد- و قارب و اقتصد و صحبته مناصحا- و أطعته فیما أطاع الله فیه جاهدا- و ما طمعت أن لو حدث به حادث و أنا حی- أن یرد إلی الأمر الذی نازعته فیه طمع مستیقن- و لا یئست منه یأس من لا یرجوه- و لو لا خاصه ما کان بینه و بین عمر- لظننت أنه لا یدفعها عنی- فلما احتضر بعث إلى عمر فولاه- فسمعنا و أطعنا و ناصحنا-و تولى عمر الأمر فکان مرضی السیره میمون النقیبه- حتى إذا احتضر فقلت فی نفسی- لن یعدلها عنی لیس یدافعها عنی- فجعلنی سادس سته- فما کانوا لولایه أحد منهم أشد کراهه لولایتی علیهم- کانوا یسمعون عند وفاه رسول الله ص لجاج أبی بکر- و أقول یا معشر قریش إنا أهل البیت أحق بهذا الأمر منکم- ما کان فینا من یقرأ القرآن- و یعرف السنه و یدین بدین الحق- فخشی القوم إن أنا ولیت علیهم- ألا یکون لهم من الأمر نصیب ما بقوا- فأجمعوا إجماعا واحدا- فصرفوا الولایه إلى عثمان- و أخرجونی منها رجاء أن ینالوها- و یتداولوها إذ یئسوا أن ینالوا بها من قبلی- ثم قالوا هلم فبایع و إلا جاهدناک- فبایعت مستکرها و صبرت محتسبا-

فقال قائلهم یا ابن أبی طالب إنک على هذا الأمر لحریص- فقلت أنتم أحرص منی و أبعد أینا أحرص- أنا الذی طلبت میراثی- و حقی الذی جعلنی الله و رسوله أولى به- أم أنتم إذ تضربون وجهی دونه- و تحولون بینی و بینه فبهتوا- و الله لا یهدی القوم الظالمین- اللهم إنی أستعدیک على قریش- فإنهم قطعوا رحمی- و أضاعوا إیای و صغروا عظیم منزلتی- و أجمعوا على منازعتی حقا کنت أولى به منهم فسلبونیه- ثم قالوا ألا إن فی الحق أن تأخذه و فی الحق أن تمنعه- فاصبر کمدا أو مت أسفا حنقا- فنظرت فإذا لیس معی رافد و لا ذاب- و لا ناصر و لا ساعد إلا أهل بیتی- فضننت بهم عن المنیه و أغضیت على القذى- و تجرعت ریقی على الشجا- و صبرت من کظم الغیظ علی أمر من العلقم- و آلم للقلب من حز الشفار- حتى إذا نقمتم على عثمان أتیتموه فقتلتموه- ثم جئتمونی لتبایعونی فأبیت علیکم- و أمسکت یدی فنازعتمونی و دافعتمونی- و بسطتم یدی فکففتها و مددتموها فقبضتها- و ازدحمتم علی حتى ظننت- أن بعضکم قاتل بعضکم أو أنکم قاتلی-

فقلتم بایعنا لا نجد غیرک و لا نرضى إلا بک- بایعنالا نفترق و لا تختلف کلمتنا- فبایعتکم و دعوت الناس إلى بیعتی- فمن بایع طوعا قبلته- و من أبى لم أکرهه و ترکته- فبایعنی فیمن بایعنی طلحه و الزبیر- و لو أبیا ما أکرهتهما کما لم أکره غیرهما- فما لبثا إلا یسیرا حتى بلغنی أنهما- خرجا من مکه متوجهین إلى البصره- فی جیش ما منهم رجل إلا قد أعطانی الطاعه- و سمح لی بالبیعه فقدما على عاملی و خزان بیت مالی- و على أهل مصری الذین کلهم على بیعتی و فی طاعتی- فشتتوا کلمتهم و أفسدوا جماعتهم- ثم وثبوا على شیعتی من المسلمین- فقتلوا طائفه منهم غدرا و طائفه صبرا- و منهم طائفه غضبوا لله و لی- فشهروا سیوفهم و ضربوا بها- حتى لقوا الله عز و جل صادقین-

فو الله لو لم یصیبوا منهم إلا رجلا واحدا متعمدین لقتله- لحل لی به قتل ذلک الجیش بأسره- فدع ما أنهم قد قتلوا من المسلمین أکثر- من العده التی دخلوا بها علیهم و قد أدال الله منهم- فبعدا للقوم الظالمین- ثم إنی نظرت فی أمر أهل الشام- فإذا أعراب أحزاب و أهل طمع جفاه طغاه- یجتمعون من کل أوب- من کان ینبغی أن یؤدب و أن یولى علیه و یؤخذ على یده- لیسوا من الأنصار و لا المهاجرین و لا التابعین بإحسان- فسرت إلیهم فدعوتهم إلى الطاعه و الجماعه- فأبوا إلا شقاقا و فراقا- و نهضوا فی وجوه المسلمین ینضحونهم بالنبل- و یشجرونهم بالرماح- فهناک نهدت إلیهم بالمسلمین فقاتلتهم- فلما عضهم السلاح و وجدوا ألم الجراح- رفعوا المصاحف یدعونکم إلى ما فیها- فأنبأتکم أنهم لیسوا بأهل دین و لا قرآن- و أنهم رفعوها مکیده و خدیعه و وهنا و ضعفا- فامضوا على حقکم و قتالکم- فأبیتم علی و قلتم اقبل منهم- فإن أجابوا إلى ما فی الکتاب جامعونا- على ما نحن علیه منالحق- و إن أبوا کان أعظم لحجتنا علیهم- فقبلت منهم و کففت عنهم إذ ونیتم و أبیتم- فکان الصلح بینکم و بینهم على رجلین- یحییان ما أحیا القرآن و یمیتان ما أمات القرآن- فاختلف رأیهما و تفرق حکمهما- و نبذا ما فی القرآن و خالفا ما فی الکتاب- فجنبهما الله السداد و دلاهما فی الضلاله- فانحرفت فرقه منا فترکناهم ما ترکونا- حتى إذا عثوا فی الأرض یقتلون و یفسدون- أتیناهم فقلنا ادفعوا إلینا قتله إخواننا- ثم کتاب الله بیننا و بینکم قالوا- کلنا قتلهم و کلنا استحل دماءهم- و شدت علینا خیلهم و رجالهم- فصرعهم الله مصارع الظالمین-

فلما کان ذلک من شأنهم- أمرتکم أن تمضوا من فورکم ذلک إلى عدوکم- فقلتم کلت سیوفنا و نفدت نبالنا- و نصلت أسنه رماحنا و عاد أکثرها قصدا- فارجع بنا إلى مصرنا لنستعد بأحسن عدتنا- فإذا رجعت زدت فی مقاتلتنا عده من هلک منا و فارقنا- فإن ذلک أقوى لنا على عدونا فأقبلت بکم- حتى إذا أطللتم على الکوفه أمرتکم- أن تنزلوا بالنخیله و أن تلزموا معسکرکم- و أن تضموا قواصیکم و أن توطنوا على الجهاد أنفسکم- و لا تکثروا زیاره أبنائکم و نسائکم- فإن أهل الحرب المصابروها- و أهل التشمیر فیها الذین لا ینقادون من سهر لیلهم- و لا ظمإ نهارهم و لا خمص بطونهم و لا نصب أبدانهم- فنزلت طائفه منکم معی معذره- و دخلت طائفه منکم المصر عاصیه- فلا من بقی منکم صبر و ثبت- و لا من دخل المصر عاد و رجع-

فنظرت إلى معسکری و لیس فیه خمسون رجلا- فلما رأیت ما أتیتم دخلت إلیکم- فلم أقدر على أن تخرجوا معی إلى یومنا هذا فما تنتظرون- أ ما ترون أطرافکم قد انتقصت و إلى مصر قد فتحت- و إلى شیعتی بها قد قتلت- و إلى مسالحکم تعرى و إلى بلادکم تغزى- و أنتم ذوو عدد کثیرو شوکه و بأس شدید فما بالکم- لله أنتم من أین تؤتون و ما لکم تؤفکون و أنى تسحرون- و لو أنکم عزمتم و أجمعتم لم تراموا- إلا أن القوم تراجعوا و تناشبوا و تناصحوا- و أنتم قد ونیتم و تغاششتم و افترقتم- ما إن أنتم إن ألممتم عندی على هذا بسعداء- فانتهوا بأجمعکم و أجمعوا على حقکم- و تجردوا لحرب عدوکم و قد أبدت الرغوه عن الصریح- و بین الصبح لذی عینین إنما تقاتلون الطلقاء- و أبناء الطلقاء و أولی الجفاء و من أسلم کرها- و کان لرسول الله ص أنف الإسلام کله حربا- أعداء الله و السنه و القرآن و أهل البدع و الأحداث- و من کان بوائقه تتقى و کان عن الإسلام منحرفا- أکله الرشا و عبده الدنیا- لقد أنهی إلی أن ابن النابغه لم یبایع معاویه حتى أعطاه- و شرط له أن یؤتیه ما هی أعظم مما فی یده من سلطانه- ألا صفرت ید هذا البائع دینه بالدنیا- و خزیت أمانه هذا المشتری نصره فاسق- غادر بأموال المسلمین- و إن فیهم من قد شرب فیکم الخمر و جلد الحد- یعرف بالفساد فی الدین و الفعل السیئ- و إن فیهم من لم یسلم حتى رضخ له رضیخه- فهؤلاء قاده القوم- و من ترکت ذکر مساوئه من قادتهم مثل من ذکرت منهم- بل هو شر- و یود هؤلاء الذین ذکرت لو ولوا علیکم- فأظهروا فیکم الکفر و الفساد و الفجور و التسلط بجبریه- و اتبعوا الهوى و حکموا بغیر الحق- و لأنتم على ما کان فیکم من تواکل و تخاذل- خیر منهم و أهدى سبیلا- فیکم العلماء و الفقهاء و النجباء و الحکماء- و حمله الکتاب و المتهجدون بالأسحار- و عمار المساجد بتلاوه القرآن- أ فلا تسخطون و تهتمون أن ینازعکم الولایه علیکم سفهاؤکم- و الأشرار الأراذل منکم-

فاسمعوا قولی و أطیعوا أمری- فو الله لئن أطعتمونی لا تغوون- و إن عصیتمونی لا ترشدون- خذوا للحرب أهبتها و أعدوا لها عدتها- فقد شبت نارها و علا سنانها- و تجرد لکم فیها الفاسقون- کی یعذبوا عباد الله و یطفئوا نور الله- ألا إنه لیس أولیاء الشیطان- من أهل الطمع و المکر و الجفاء بأولى فی الجد- فی غیهم و ضلالتهم من أهل البر- و الزهاده و الإخبات فی حقهم و طاعه ربهم- إنی و الله لو لقیتهم فردا و هم ملأ الأرض- ما بالیت و لا استوحشت- و إنی من ضلالتهم التی هم فیها و الهدى الذی نحن علیه- لعلى ثقه و بینه و یقین و بصیره- و إنی إلى لقاء ربی لمشتاق و لحسن ثوابه لمنتظر- و لکن أسفا یعترینی و حزنا یخامرنی- أن یلی أمر هذه الأمه سفهاؤها و فجارها- فیتخذوا مال الله دولا و عباده خولا و الفاسقین حزبا- و ایم الله لو لا ذلک لما أکثرت تأنیبکم و تحریضکم- و لترکتکم إذ ونیتم و أبیتم حتى ألقاهم بنفسی- متى حم لی لقاؤهم- فو الله إنی لعلى الحق و إنی للشهاده لمحب- فانفروا خفافا و ثقالا- و جاهدوا بأموالکم و أنفسکم فی سبیل الله- ذلکم خیر لکم إن کنتم تعلمون- و لا تثاقلوا إلى الأرض فتقروا بالخسف- و تبوءوا بالذل و یکن نصیبکم الخسران- إن أخا الحرب الیقظان و من ضعف أودى- و من ترک الجهاد کان کالمغبون المهین- اللهم اجمعنا و إیاهم على الهدى- و زهدنا و إیاهم فی الدنیا- و اجعل الآخره خیرا لنا و لهم من الأولى

خبر مقتل محمد بن أبی حذیفه

قال إبراهیم- و حدثنی محمد بن عبد الله بن عثمان عن المدائنی- أن محمد بن أبی حذیفه بن عتبه بن ربیعه بن عبد شمس- أصیب لما فتح عمرو بن العاص مصر- فبعث به‏ إلى معاویه بن أبی سفیان و هو یومئذ بفلسطین- فحبسه معاویه فی سجن له- فمکث فیه غیر کثیر ثم هرب و کان ابن خال معاویه- فأرى معاویه الناس أنه کره انفلاته من السجن- و کان یحب أن ینجو- فقال لأهل الشام من یطلبه- فقال رجل من خثعم یقال له عبید الله بن عمرو بن ظلام- و کان شجاعا و کان عثمانیا أنا أطلبه- فخرج فی خیل فلحقه بحوارین- . و قد دخل بغار هناک فجاءت حمر فدخلته- فلما رأت الرجل فی الغار فزعت و نفرت- فقال حمارون کانوا قریبا من الغار- إن لهذه الحمر لشأنا- ما نفرها من هذا الغار إلا أمر فذهبوا ینظرون- فإذا هم به فخرجوا به- فوافاهم عبد الله بن عمرو بن ظلام- فسألهم و وصفه لهم فقالوا ها هو هذا فجاء حتى استخرجه- و کره أن یصیر به إلى معاویه فیخلی سبیله- فضرب عنقه رحمه الله تعالى

 

شرح‏ نهج‏ البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۱۴۵

خطبه ۶۶ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(یوم السقیفه)

الجزء السادس

تتمه الخطب و الأوامر

بسم الله الرحمن الرحیم- الحمد لله رب العالمین- و الصلاه و السلام على خیر خلقه محمد و آله الطاهرین

۶۶ و من کلام له ع فی معنى الأنصار

 قَالُوا: لَمَّا انْتَهَتْ إِلَى أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ ع أَنْبَاءُ السَّقِیفَهِ- بَعْدَ وَفَاهِ رَسُولِ اللَّهِ ص- قَالَ ع مَا قَالَتِ الْأَنْصَارُ- قَالُوا قَالَتْ مِنَّا أَمِیرٌ وَ مِنْکُمْ أَمِیرٌ- قَالَ ع فَهَلَّا احْتَجَجْتُمْ عَلَیْهِمْ- بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص وَصَّى بِأَنْ یُحْسَنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ- وَ یُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِیئِهِمْ- قَالُوا وَ مَا فِی هَذَا مِنَ الْحُجَّهِ عَلَیْهِمْ- فَقَالَ ع لَوْ کَانَ الْإِمَامَهُ فِیهِمْ لَمْ تَکُنِ الْوَصِیَّهُ بِهِمْ- ثُمَّ قَالَ ع فَمَا ذَا قَالَتْ قُرَیْشٌ- قَالُوا احْتَجَّتْ بِأَنَّهَا شَجَرَهُ الرَّسُولِ ص- فَقَالَ ع‏احْتَجُّوا بِالشَّجَرَهِ وَ أَضَاعُوا الثَّمَرَهَ قد ذکرنا فیما تقدم طرفا من أخبار السقیفه- فأما هذا الخبر الوارد فی الوصیه بالأنصار فهو خبر صحیح- أخرجه الشیخان محمد بن إسماعیل البخاری- و مسلم بن الحجاج القشیری فی مسندیهما- عن أنس بن مالک قال- مر أبو بکر و العباس رضی الله تعالى عنهما- بمجلس من الأنصار- فی مرض رسول الله ص و هم یبکون- فقالا ما یبکیکم قالوا ذکرنا محاسن رسول الله ص- فدخلا على النبی ص و أخبراه بذلک- فخرج ص و قد عصب على رأسه حاشیه برده فصعد المنبر- و لم یصعده بعد ذلک الیوم فحمد الله و أثنى علیه-ثم قال أوصیکم بالأنصار فإنهم کرشی و عیبتی- و قد قضوا الذی علیهم و بقی الذی لهم- فاقبلوا من محسنهم و تجاوزوا عن مسیئهم- .

فأما کیفیه الاحتجاج على الأنصار فقد ذکرها علی ع- و هی أنه لو کان ص ممن یجعل الإمامه فیهم- لأوصى إلیهم و لم یوص بهم- . و إلى هذا نظر عمرو بن سعید بن العاص- و هو المسمى بالأشدق- فإن أباه لما مات خلفه غلاما- فدخل إلى معاویه فقال إلى من أوصى بک أبوک- فقال إن أبی أوصى إلی و لم یوص بی- فاستحسن معاویه منه ذلک- فقال إن هذا الغلام لأشدق فسمی الأشدق- . فأما قول أمیر المؤمنین- احتجوا بالشجره و أضاعوا الثمره- فکلام قد تکرر منه‏ع أمثاله-نحو قوله إذا احتج علیهم المهاجرون بالقرب من رسول الله ص- کانت الحجه لنا على المهاجرین بذلک قائمه- فإن فلجت حجتهم کانت لنا دونهم- و إلا فالأنصار على دعوتهم- . و نحو هذا المعنى قول العباس لأبی بکر- و أما قولک نحن شجره رسول الله ص- فإنکم جیرانها و نحن أغصانها

یوم السقیفه

و نحن نذکر خبر السقیفه- روى أبو بکر أحمد بن عبد العزیز الجوهری- فی کتاب السقیفه- قال أخبرنی أحمد بن إسحاق قال حدثنا أحمد بن سیار- قال حدثنا سعید بن کثیر بن عفیر الأنصاری- أن النبی ص لما قبض- اجتمعت الأنصار فی سقیفه بنی ساعده- فقالوا إن رسول الله ص قد قبض- فقال سعد بن عباده لابنه قیس أو لبعض بنیه- إنی لا أستطیع أن أسمع الناس کلامی لمرضی- و لکن تلق منی قولی فأسمعهم- فکان سعد یتکلم- و یستمع ابنه و یرفع به صوته لیسمع قومه- فکان من قوله بعد حمد الله و الثناء علیه أن قال- إن لکم سابقه إلى الدین- و فضیله فی الإسلام لیست لقبیله من العرب- أن رسول الله ص لبث فی قومه بضع عشره سنه- یدعوهم إلى عباده الرحمن و خلع الأوثان- فما آمن به من قومه إلا قلیل- و الله ما کانوا یقدرون أن یمنعوا رسول الله-و لا یعزوا دینه و لا یدفعوا عنه عداه- حتى أراد الله بکم خیر الفضیله- و ساق إلیکم الکرامه و خصکم بدینه- و رزقکم الإیمان به و برسوله- و الإعزاز لدینه و الجهاد لأعدائه- فکنتم أشد الناس على من تخلف عنه منکم- و أثقله على عدوه من غیرکم- حتى استقاموا لأمر الله طوعا و کرها- و أعطى البعید المقاده صاغرا داخرا- حتى أنجز الله لنبیکم الوعد و دانت لأسیافکم العرب- ثم توفاه الله تعالى و هو عنکم راض و بکم قریر عین- فشدوا یدیکم بهذا الأمر- فإنکم أحق الناس و أولاهم به- . فأجابوا جمیعا أن وفقت فی الرأی و أصبت فی القول- و لن نعدو ما أمرت نولیک هذا الأمر- فأنت لنا مقنع و لصالح المؤمنین رضا- .

ثم إنهم ترادوا الکلام بینهم- فقالوا إن أبت مهاجره قریش- فقالوا نحن المهاجرون- و أصحاب رسول الله ص الأولون- و نحن عشیرته و أولیاؤه- فعلام تنازعوننا هذا الأمر من بعده- فقالت طائفه منهم إذا نقول منا أمیر و منکم أمیر- لن نرضى بدون هذا منهم أبدا- لنا فی الإیواء و النصره ما لهم فی الهجره- و لنا فی کتاب الله ما لهم- فلیسوا یعدون شیئا إلا و نعد مثله- و لیس من رأینا الاستئثار علیهم- فمنا أمیر و منهم أمیر- . فقال سعد بن عباده هذا أول الوهن- . و أتى الخبر عمر فأتى منزل رسول الله ص- فوجد أبا بکر فی الدار و علیا فی جهاز رسول الله ص- و کان الذی أتاه بالخبر معن بن عدی فأخذ بید عمر و قال قم- فقال عمر إنی عنک مشغول- فقال إنه لا بد من قیام فقام معه- فقال له إن هذا الحی من الأنصار- قد اجتمعوا فی سقیفه بنی ساعده- معهم سعد بن عباده یدورون حوله- و یقولون أنت المرجى و نجلک المرجى- و ثم أناس من‏أشرافهم و قد خشیت الفتنه- فانظر یا عمر ما ذا ترى- و اذکر لإخوتک من المهاجرین و اختاروا لأنفسکم- فإنی انظر إلى باب فتنه- قد فتح الساعه إلا أن یغلقه الله- ففزع عمر أشد الفزع- حتى أتى أبا بکر فأخذ بیده فقال قم- فقال أبو بکر إنی عنک مشغول- فقال عمر لا بد من قیام و سنرجع إن شاء الله- . فقام أبو بکر مع عمر فحدثه الحدیث- ففزع أبو بکر أشد الفزع- و خرجا مسرعین إلى سقیفه بنی ساعده- و فیها رجال من أشراف الأنصار- و معهم سعد بن عباده و هو مریض بین أظهرهم- فأراد عمر أن یتکلم و یمهد لأبی بکر- و قال خشیت أن یقصر أبو بکر عن بعض الکلام- فلما نبس عمر کفه أبو بکر و قال على رسلک- فتلق الکلام ثم تکلم بعد کلامی بما بدا لک- فتشهد أبو بکر ثم قال- .

إن الله جل ثناؤه بعث محمدا بالهدى و دین الحق- فدعا إلى الإسلام- فأخذ الله بقلوبنا و نواصینا إلى ما دعانا إلیه- و کنا معاشر المسلمین المهاجرین أول الناس إسلاما- و الناس لنا فی ذلک تبع- و نحن عشیره رسول الله ص و أوسط العرب أنسابا- لیس من قبائل العرب إلا و لقریش فیها ولاده- و أنتم أنصار الله و أنتم نصرتم رسول الله ص- ثم أنتم وزراء رسول الله ص- و إخواننا فی کتاب الله و شرکاؤنا فی الدین- و فیما کنا فیه من خیر- فأنتم أحب الناس إلینا و أکرمهم علینا- و أحق الناس بالرضا بقضاء الله- و التسلیم لما ساق الله إلى إخوانکم من المهاجرین- و أحق الناس ألا تحسدوهم- فأنتم المؤثرون على أنفسهم حین الخصاصه و أحق الناس- ألا یکون انتفاض هذا الدین و اختلاطه على أیدیکم- و أنا أدعوکم إلى أبی عبیده و عمر- فکلاهما قد رضیت لهذا الأمر و کلاهما أراه له أهلا- .

فقال عمر و أبو عبیده- ما ینبغی لأحد من الناس أن یکون فوقک- أنت صاحب الغار ثانی اثنین- و أمرک رسول الله بالصلاه- فأنت أحق الناس بهذا الأمر- . فقال الأنصار و الله ما نحسدکم على خیر ساقه الله إلیکم- و لا أحد أحب إلینا و لا أرضى عندنا منکم- و لکنا نشفق فیما بعد هذا الیوم- و نحذر أن یغلب على هذا الأمر من لیس منا و لا منکم- فلو جعلتم الیوم رجلا منکم بایعنا و رضینا- على أنه إذا هلک اخترنا واحدا من الأنصار- فإذا هلک کان آخر من المهاجرین أبدا ما بقیت هذه الأمه- کان ذلک أجدر أن نعدل فی أمه محمد ص- فیشفق الأنصاری أن یزیغ فیقبض علیه القرشی- و یشفق القرشی أن یزیغ فیقبض علیه الأنصاری- .

فقام أبو بکر فقال إن رسول الله ص لما بعث- عظم على العرب أن یترکوا دین آبائهم فخالفوه و شاقوه- و خص الله المهاجرین الأولین من قومه بتصدیقه- و الإیمان به و المواساه له و الصبر معه على شده أذى قومه- و لم یستوحشوا لکثره عدوهم- فهم أول من عبد الله فی الأرض- و هم أول من آمن برسول الله و هم أولیاؤه و عترته- و أحق الناس بالأمر بعده لا ینازعهم فیه إلا ظالم- و لیس أحد بعد المهاجرین فضلا و قدما فی الإسلام مثلکم- فنحن الأمراء و أنتم الوزراء- لا نمتاز دونکم بمشوره و لا نقضی دونکم الأمور- . فقام الحباب بن المنذر بن الجموح- فقال یا معشر الأنصار املکوا علیکم أیدیکم- إنما الناس فی فیئکم و ظلکم- و لن یجترئ مجترئ على خلافکم- و لا یصدر الناس إلا عن أمرکم- أنتم أهل الإیواء و النصره و إلیکم کانت الهجره- و أنتم أصحاب الدار و الإیمان- و الله ما عبد الله علانیه إلا عندکم و فی بلادکم-و لا جمعت الصلاه إلا فی مساجدکم- و لا عرف الإیمان إلا من أسیافکم- فاملکوا علیکم أمرکم- فإن أبى هؤلاء فمنا أمیر و منهم أمیر- . فقال عمر هیهات لا یجتمع سیفان فی غمد- إن العرب لا ترضى أن تؤمرکم و نبیها من غیرکم- و لیس تمتنع العرب- أن تولى أمرها من کانت النبوه فیهم- و أولو الأمر منهم- لنا بذلک الحجه الظاهره على من خالفنا- و السلطان المبین على من نازعنا- من ذا یخاصمنا فی سلطان محمد و میراثه- و نحن أولیاؤه و عشیرته- إلا مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط فی هلکه- .

فقام الحباب و قال یا معشر الأنصار- لا تسمعوا مقاله هذا و أصحابه- فیذهبوا بنصیبکم من الأمر- فإن أبوا علیکم ما أعطیتموهم فاجلوهم عن بلادکم- و تولوا هذا الأمر علیهم- فأنتم أولى الناس بهذا الأمر- إنه دان لهذا الأمر بأسیافکم من لم یکن یدین له- أنا جذیلها المحکک و عذیقها المرجب- إن شئتم لنعیدنها جذعه- و الله لا یرد أحد علی ما أقول إلا حطمت أنفه بالسیف- .

قال فلما رأى بشیر بن سعد الخزرجی- ما اجتمعت علیه الأنصار من تأمیر سعد بن عباده- و کان حاسدا له و کان من ساده الخزرج قام فقال- أیها الأنصار إنا و إن کنا ذوی سابقه- فإنا لم نرد بجهادنا و إسلامنا إلا رضا ربنا و طاعه نبینا- و لا ینبغی لنا أن نستطیل بذلک على الناس- و لا نبتغی به عوضامن الدنیا- إن محمدا ص رجل من قریش- و قومه أحق بمیراث أمره- و ایم الله لا یرانی الله أنازعهم هذا الأمر- فاتقوا الله و لا تنازعوهم و لا تخالفوهم- . فقام أبو بکر و قال هذا عمر و أبو عبیده- بایعوا أیهما شئتم فقالا و الله لا نتولى هذا الأمر علیک- و أنت أفضل المهاجرین و ثانی اثنین- و خلیفه رسول الله ص على الصلاه و الصلاه أفضل الدین- ابسط یدک نبایعک- . فلما بسط یده و ذهبا یبایعانه- سبقهما بشیر بن سعد فبایعه- فناداه الحباب بن المنذر یا بشیر عقک عقاق- و الله ما اضطرک إلى هذا الأمر إلا الحسد لابن عمک- . و لما رأت الأوس أن رئیسا من رؤساء الخزرج قد بایع- قام أسید بن حضیر و هو رئیس الأوس- فبایع حسدا لسعد أیضا و منافسه له أن یلی الأمر- فبایعت الأوس کلها لما بایع أسید- و حمل سعد بن عباده و هو مریض فأدخل إلى منزله- فامتنع من البیعه فی ذلک الیوم و فیما بعده- و أراد عمر أن یکرهه علیها فأشیر علیه ألا یفعل- و أنه لا یبایع حتى یقتل و أنه لا یقتل حتى یقتل أهله- و لا یقتل أهله حتى یقتل الخزرج- و إن حوربت الخزرج کانت الأوس معها- .

و فسد الأمر فترکوه فکان لا یصلی بصلاتهم- و لا یجمع بجماعتهم و لا یقضی بقضائهم- و لو وجد أعوانا لضاربهم- فلم یزل کذلک حتى مات أبو بکر- ثم لقی عمر فی خلافته و هو على فرس و عمر على بعیر- فقال له عمر هیهات یا سعد- فقال سعد هیهات یا عمر- فقال أنت صاحب من أنت صاحبه قال نعم أنا ذاک- ثم قال لعمر- و الله ما جاورنی أحد هو أبغض إلی جوارا منک- قال عمر فإنه من کره جوار رجل انتقل عنه- فقال سعد إنی لأرجو أن أخلیها لک عاجلا- إلى جوار من هو أحب إلی‏ جوارا منک و من أصحابک- فلم یلبث سعد بعد ذلک إلا قلیلا حتى خرج إلى الشام- فمات بحوران و لم یبایع لأحد- لا لأبی بکر و لا لعمر و لا لغیرهما- . قال و کثر الناس على أبی بکر- فبایعه معظم المسلمین فی ذلک الیوم- و اجتمعت بنو هاشم إلى بیت علی بن أبی طالب- و معهم الزبیر و کان یعد نفسه رجلا من بنی هاشم- کان علی یقول ما زال الزبیر منا أهل البیت- حتى نشأ بنوه فصرفوه عنا- .

و اجتمعت بنو أمیه إلى عثمان بن عفان- و اجتمعت بنو زهره إلى سعد و عبد الرحمن- فأقبل عمر إلیهم و أبو عبیده- فقال ما لی أراکم ملتاثین- قوموا فبایعوا أبا بکر- فقد بایع له الناس و بایعه الأنصار- فقام عثمان و من معه و قام سعد و عبد الرحمن و من معهما- فبایعوا أبا بکر- . و ذهب عمر و معه عصابه إلى بیت فاطمه- منهم أسید بن حضیر و سلمه بن أسلم- فقال لهم انطلقوا فبایعوا فأبوا علیه- و خرج إلیهم الزبیر بسیفه- فقال عمر علیکم الکلب فوثب علیه سلمه بن أسلم- فأخذ السیف من یده فضرب به الجدار- ثم انطلقوا به و بعلی و معها بنو هاشم-و علی یقول أنا عبد الله و أخو رسول الله ص- حتى انتهوا به إلى أبی بکر- فقیل له بایع- فقال أنا أحق بهذا الأمر منکم- لا أبایعکم و أنتم أولى بالبیعه لی- أخذتم هذا الأمر من الأنصار- و احتججتم علیهم بالقرابه من رسول الله- فأعطوکم المقاده و سلموا إلیکم الإماره- و أنا أحتج علیکم بمثل ما احتججتم به على الأنصار- فأنصفونا إن کنتم تخافون الله من أنفسکم- و اعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفت الأنصار لکم- و إلا فبوءوا بالظلم و أنتم تعلمون- .

فقال عمر إنک لست متروکا حتى تبایع- فقال له علی احلب یا عمر حلبا لک شطره- اشدد له الیوم أمره لیرد علیک غدا- ألا و الله لا أقبل قولک و لا أبایعه- فقال له أبو بکرفإن لم تبایعنی لم أکرهک- فقال له أبو عبیده یا أبا الحسن إنک حدیث السن- و هؤلاء مشیخه قریش قومک- لیس لک مثل تجربتهم و معرفتهم بالأمور- و لا أرى أبا بکر إلا أقوى على هذا الأمر منک- و أشد احتمالا له و اضطلاعا به- فسلم له هذا الأمر و ارض به- فإنک إن تعش و یطل عمرک- فأنت لهذا الأمر خلیق و به حقیق- فی فضلک و قرابتک و سابقتک و جهادک- .

فقال علی یا معشر المهاجرین الله الله- لا تخرجوا سلطان محمد عن داره- و بیته إلى بیوتکم و دورکم- و لا تدفعوا أهله عن مقامه فی الناس و حقه- فو الله یا معشر المهاجرین- لنحن أهل البیت أحق بهذا الأمر منکم- أ ما کان منا القارئ لکتاب الله- الفقیه فی دین الله العالم بالسنه- المضطلع بأمر الرعیه- و الله إنه لفینا فلا تتبعوا الهوى- فتزدادوا من الحق بعدا- .

فقال بشیر بن سعد- لو کان هذا الکلام سمعته منک الأنصار یا علی- قبل بیعتهم لأبی بکر ما اختلف علیک اثنان- و لکنهم قد بایعوا- و انصرف علی إلى منزله و لم یبایع- و لزم بیته حتى ماتت فاطمه فبایع- . قلت هذا الحدیث یدل- على بطلان ما یدعى من النص على أمیر المؤمنین و غیره- لأنه لو کان هناک نص صریح لاحتج به و لم یجر للنص ذکر- و إنما کان الاحتجاج منه و من أبی بکر- و من الأنصار بالسوابق و الفضائل و القرب- فلو کان هناک نص على أمیر المؤمنین أو على أبی بکر- لاحتج به أبو بکر أیضا على الأنصار- و لاحتج به أمیر المؤمنین على أبی بکر- فإن هذا الخبر و غیره من الأخبار المستفیضه- یدل على أنه قد کان کاشفهم- و هتک القناع بینه و بینهم- أ لا تراه کیف نسبهم إلى التعدی علیه و ظلمه- و تمنع من طاعتهم-و أسمعهم من الکلام أشده و أغلظه- فلو کان هناک نص لذکره- أو ذکره بعض من کان من شیعته و حزبه لأنه لا عطر بعد عروس- .

و هذا أیضا یدل على أن الخبر المروی فی أبی بکر- فی صحیحی البخاری و مسلم غیر صحیح-و هو ما روی من قوله ع لعائشه فی مرضه ادعی لی أباک حتى أکتب لأبی بکر کتابا- فإنی أخاف أن یقول قائل أو یتمنى متمن- و یأبى الله و المؤمنون إلا أبا بکر- و هذا هو نص مذهب المعتزله- .

و قال أحمد بن عبد العزیز الجوهری أیضا حدثنا أحمد و قال حدثنا ابن عفیر قال حدثنا أبو عوف عبد الله بن عبد الرحمن عن أبی جعفر محمد بن علی رضی الله عنهما أن علیا حمل فاطمه على حمار- و سار بها لیلا إلى بیوت الأنصار یسألهم النصره- و تسألهم فاطمه الانتصار له- فکانوا یقولون یا بنت رسول الله- قد مضت بیعتنا لهذا الرجل- لو کان ابن عمک سبق إلینا أبا بکر ما عدلنا به- فقال علی أ کنت أترک رسول الله میتا فی بیته لا أجهزه- و أخرج إلى الناس أنازعهم فی سلطانه- و قالت فاطمه ما صنع أبو حسن إلا ما کان ینبغی له- و صنعوا هم ما الله حسبهم علیه و قال أبو بکر أحمد بن عبد العزیز و حدثنا أحمد قال حدثنی سعید بن کثیر قال حدثنی ابن لهیعه أن رسول الله ص لما مات و أبو ذر غائب- و قدم و قد ولی أبو بکر- فقال أصبتم قناعه و ترکتم قرابه- لو جعلتم هذا الأمر فی أهل بیت نبیکم- لما اختلف علیکم اثنانقال أبو بکر و أخبرنا أبو زید عمر بن شبه قال حدثنا أبو قبیصه محمد بن حرب قال لما توفی النبی ص- و جرى فی السقیفه ما جرى تمثل علی

و أصبح أقوام یقولون ما اشتهوا
و یطغون لما غال زیدا غوائله‏

قصیده أبی القاسم المغربی و تعصبه للأنصار على قریشو حدثنی أبو جعفر یحیى بن محمد- بن زید العلوی نقیب البصره قال- لما قدم أبو القاسم علی بن الحسین المغربی- من مصر إلى بغداد- استکتبه شرف الدوله أبو علی بن بویه- و هو یومئذ سلطان الحضره- و أمیر الأمراء بها و القادر خلیفه- ففسدت الحال بینه و بین القادر- و اتفق لأبی القاسم المغربی أعداء سوء- أوحشوا القادر منه- و أوهموه أنه مع شرف الدوله فی القبض علیه- و خلعه من الخلافه- فأطلق لسانه فی ذکره بالقبیح- و أوصل القول فیه و الشکوى منه- و نسبه إلى الرفض و سب السلف و إلى کفران النعمه- و أنه هرب من ید الحاکم صاحب مصر بعد إحسانه إلیه- . قال النقیب أبو جعفر رحمه الله تعالى فأما الرفض فنعم- و أما إحسان الحاکم إلیه فلا کان الحاکم- قتل أباه و عمه و أخا من إخوته- و أفلت منه أبو القاسم بخدیعه الدین- و لو ظفر به لألحقه بهم- .

قال أبو جعفر و کان أبو القاسم المغربی ینسب فی الأزد- و یتعصب لقحطان على عدنان و للأنصار على قریش- و کان غالیا فی ذلک مع تشیعه- و کان أدیبا فاضلا شاعرا مترسلا و کثیر الفنون عالما- و انحدر مع شرف الدوله إلى واسط- فاتفق أن حصل بید القادر کتاب بخطه شبه مجموع- قد جمعه من خطه و شعره و کلامه مسود- أتحفه به بعض من کان یشنأ أبا القاسم و یرید کیده- فوجد القادر فی ذلک المجموع قصیده من شعره- فیها تعصب شدید للأنصار على المهاجرین- حتى خرج إلى نوع من الإلحاد و الزندقه لإفراط غلوه-و فیها تصریح بالرفض مع ذلک- فوجدها القادر تمره الغراب- و أبرزها إلى دیوان الخلافه- فقرئ المجموع و القصیده بمحضر من أعیان الناس- من الأشراف و القضاه و المعدلین و الفقهاء- و یشهد أکثرهم أنه خطه- و أنهم یعرفونه کما یعرفون وجهه- و أمر بمکاتبه شرف الدوله بذلک- فإلى أن وصل الکتاب إلى شرف الدوله بما جرى- اتصل الخبر بأبی القاسم- قبل وصول الکتاب إلى شرف الدوله- فهرب لیلا و معه بعض غلمانه- و جاریه کان یهواها و یتحظاها- و مضى إلى البطیحه ثم منها إلى الموصل- ثم إلى الشام و مات فی طریقه- فأوصى أن تحمل جثته إلى مشهد علی فحملت فی تابوت- و معها خفراء العرب حتى دفن بالمشهد بالقرب منه ع- . و کنت برهه أسأل النقیب أبا جعفر عن القصیده- و هو یدافعنی بها حتى أملأها علی بعد حین- و قد أوردت هاهنا بعضها- لأنی لم أستجز و لم أستحل إیرادها على وجهها- فمن جملتها و هو یذکر فی أولها رسول الله ص- و یقول إنه لو لا الأنصار لم تستقم لدعوته دعامه- و لا أرست له قاعده فی أبیات فاحشه کرهنا ذکرها-

نحن الذین بنا استجار فلم یضع
فینا و أصبح فی أعز جوار

بسیوفنا أمست سخینه برکا
فی بدرها کنحائر الجزار

و لنحن فی أحد سمحنا دونه
بنفوسنا للموت خوف العار

فنجا بمهجته فلو لا ذبنا
عنه تنشب فی مخالب ضار

و حمیه السعدین بل بحمایه السدین
یوم الجحفل الجرار

فی الخندق المشهور إذ ألقى بها
بید و رام دفاعها بثمار

قالا معاذ الله إن هضیمه
لم نعطها فی سالف الأعصار

ما عندنا إلا السیوف و أقبلا
نحو الحتوف بها بدار بدار

و لنا بیوم حنین آثار متى‏
تذکر فهن کرائم الآثار

لما تصدع جمعه فغدا بنا
مستصرخا بعقیره و جؤار

عطفت علیه کماتنا فتحصنت‏
منا جموع هوازن بفرار

و فدته من أبناء قیله عصبه
شروى النقیر و جنه البقار

أ فنحن أولى بالخلافه بعده‏
أم عبد تیم حاملو الأوزار

ما الأمر إلا أمرنا و بسعدنا
زفت عروس الملک غیر نوار

لکنما حسد النفوس و شحها
و تذکر الأذحال و الأوتار

أفضى إلى هرج و مرج فانبرت
عشواء خابطه بغیر نهار

و تداولتها أربع لو لا أبو
حسن لقلت لؤمت من إستار

من عاجز ضرع و من ذی غلظه
جاف و من ذی لوثه خوار

ثم ارتدى المحروم فضل ردائها
فغلت مراجل إحنه و نفار

فتأکلت تلک الجذى و تلمظت
تلک الظبا و رقا أجیج النار

تالله لو ألقوا إلیه زمامها
لمشى بهم سجحا بغیر عثار

و لو أنها حلت بساحه مجده
بادی بدا سکنت بدار قرار

هو کالنبی فضیله لکن ذا
من حظه کاس و هذا عار

و الفضل لیس بنافع أربابه
إلا بمسعده من الأقدار

ثم امتطاها عبد شمس فاغتدت‏
هزؤا و بدل ربحها بخسار

و تنقلت فی عصبه أمویه
لیسوا بأطهار و لا أبرار

ما بین مأفون إلى متزندق
و مداهن و مضاعف و حمار

فهذه الأبیات هی نظیف القصیده- التقطناها و حذفنا الفاحش- و فی الملتقط المذکور أیضا ما لا یجوز- و هو قوله نحن الذین بنا استجار- و قوله ألقى بها بید- و قوله فنجا بمهجته البیت- و قوله عن أبی بکر عبد تیم- و قوله لو لا علی لقلت فی الأربعه أنهم إستار لؤم- و ذکره الثلاثه رضی الله عنهم بما ذکرهم و نسبهم إلیه- و قوله إن علیا کالنبی فی الفضیله- و قوله إن النبوه حظ أعطیه و حرمه علی ع- . فأما قوله فی بنی أمیه ما بین مأفون البیت- فمأخوذ من قول عبد الملک بن مروان- و قد خطب فذکر الخلفاء من بنی أمیه قبله- فقال إنی و الله لست بالخلیفه المستضعف- و لا بالخلیفه المداهن و لا بالخلیفه المأفون- عنى بالمستضعف عثمان و بالمداهن معاویه- و بالمأفون یزید بن معاویه- فزاد هذا الشاعر فیهم اثنین و هما المتزندق- و هو الولید بن یزید بن عبد الملک- و الحمار و هو مروان بن محمد بن مروان
أمر المهاجرین و الأنصار بعد بیعه أبی بکرو روى الزبیر بن بکار فی الموفقیات- قال لما بایع بشیر بن سعد أبا بکر- و ازدحم الناس على أبی بکر فبایعوه- مر أبو سفیان بن حرب بالبیت- الذی فیه علی بن أبی طالب ع- فوقف و أنشد

بنی هاشم لا تطمعوا الناس فیکم
و لا سیما تیم بن مره أو عدی‏

فما الأمر إلا فیکم و إلیکم‏
و لیس لها إلا أبو حسن علی‏

أبا حسن فاشدد بها کف حازم
فإنک بالأمر الذی یرتجى ملی‏

و أی امرئ یرمی قصیا و رأیها
منبع الحمى و الناس من غالب قصی‏

فقال علی لأبی سفیان إنک ترید أمرا لسنا من أصحابه- و قد عهد إلی رسول الله ص عهدا فأنا علیه- فترکه أبو سفیان- و عدل إلى العباس بن عبد المطلب فی منزله- فقال یا أبا الفضل أنت أحق بمیراث ابن أخیک- امدد یدک لأبایعک- فلا یختلف علیک الناس بعد بیعتی إیاک- فضحک العباس و قال- یا أبا سفیان یدفعها علی و یطلبها العباس- فرجع أبو سفیان خائبا- . قال الزبیر و ذکر محمد بن إسحاق- أن الأوس تزعم أن أول من بایع أبا بکر بشیر بن سعد- و تزعم الخزرج أن أول من بایع أسید بن حضیر- . قلت بشیر بن سعد خزرجی و أسید بن حضیر أوسی- و إنما تدافع الفریقان الروایتین- تفادیا عن سعد بن عباده و کراهیه کل حی منهما- أن یکون نقض أمره جاء من جهه صاحبه- فالخزرج هم أهله و قرابته- لا یقرون أن بشیر بن سعد هو أول من بایع أبا بکر- و أبطل أمر سعد بن عباده- و یحیلون بذلک على أسید بن حضیر- لأنه من الأوس أعداء الخزرج- و أما الأوس فتکره أیضا أن ینسب أسید- إلى أنه أول من نقض أمر سعد بن عباده- کی لا یرموه بالحسد للخزرج- لأن سعد بن عباده خزرجی- فیحیلون بانتقاض أمره على قبیلته و هم الخزرج- و یقولون إن أول من بایع أبا بکر- و نقض دعوه سعد بن عباده بشیر بن سعد و کان بشیر أعور- . و الذی ثبت عندی أن أول من بایعه عمر- ثم بشیر بن سعد ثم أسید بن حضیر- ثم أبو عبیده بن الجراح ثم سالم مولى أبی حذیفه- .

قال الزبیر و قد کان مالأ أبا بکر و عمر على نقض أمر سعد- و إفساد حاله رجلان من الأنصار ممن شهد بدرا- و هما عویم بن ساعده و معن بن عدی- . قلت- کان هذان الرجلان ذوی حب لأبی بکر فی حیاه رسول الله ص- و اتفق مع ذلک بغض و شحناء- کانت بینهما و بین سعد بن عباده و لها سبب مذکور فی کتاب القبائل لأبی عبیده معمر بن المثنى- فلیطلب من هناک- . و عویم بن ساعده هو القائل لما نصب الأنصار سعدا- یا معشر الخزرج إن کان هذا الأمر فیکم دون قریش- فعرفونا ذلک و برهنوا حتى نبایعکم علیه- و إن کان لهم دونکم فسلموا إلیهم- فو الله ما هلک رسول الله ص- حتى عرفنا أن أبا بکر خلیفه حین أمره أن یصلی بالناس- فشتمه الأنصار و أخرجوه- فانطلق مسرعا حتى التحق بأبی بکر- فشحذ عزمه على طلب الخلافه- .

ذکر هذا بعینه الزبیر بن بکار فی الموفقیات- . و ذکر المدائنی و الواقدی أن معن بن عدی اتفق هو و عویم بن ساعده- على تحریض أبی بکر و عمر على طلب الأمر و صرفه عن الأنصار- قالا و کان معن بن عدی یشخصهما إشخاصا- و یسوقهما سوقا عنیفا إلى السقیفه- مبادره إلى الأمر قبل فواته- . قال الزبیر بن بکار فلما بویع أبو بکر- أقبلت الجماعه التی بایعته- تزفه زفا إلى مسجد رسول الله ص- فلما کان آخر النهار افترقوا إلى منازلهم- فاجتمع قوم من الأنصار و قوم من المهاجرین- فتعاتبوا فیما بینهم-

فقال عبد الرحمن بن عوف یا معشر الأنصار- إنکم و إن کنتم أولی فضل و نصر و سابقه- و لکن لیس فیکم مثل أبی بکر- و لا عمر و لا علی و لا أبی عبیده- فقال زید بن أرقم إنا لا ننکر فضل من ذکرت‏یا عبد الرحمن- و إن منا لسید الأنصار سعد بن عباده- و من أمر الله رسوله أن یقرئه السلام- و أن یأخذ عنه القرآن أبی بن کعب- و من یجی‏ء یوم القیامه أمام العلماء معاذ بن جبل- و من أمضى رسول الله ص شهادته بشهاده رجلین- خزیمه بن ثابت- و إنا لنعلم أن ممن سمیت من قریش- من لو طلب هذا الأمر لم ینازعه فیه أحد علی بن أبی طالب- . قال الزبیر فلما کان من الغد قام أبو بکر فخطب الناس- و قال أیها الناس إنی ولیت أمرکم و لست بخیرکم- فإذا أحسنت فأعینونی و إن أسأت فقومونی- إن لی شیطانا یعترینی- فإیاکم و إیای إذا غضبت- لا أوثر فی أشعارکم و أبشارکم- الصدق أمانه و الکذب خیانه- و الضعیف منکم قوی حتى أرد إلیه حقه- و القوی ضعیف حتى آخذ الحق منه- إنه لا یدع قوم الجهاد إلا ضربهم الله بالذل- و لا تشیع فی قوم الفاحشه إلا عمهم البلاء- أطیعونی ما أطعت الله- فإذا عصیت فلا طاعه لی علیکم- قوموا إلى صلاتکم یرحمکم الله- . قال ابن أبی عبره القرشی-

شکرا لمن هو بالثناء حقیق
ذهب اللجاج و بویع الصدیق‏

من بعد ما زلت بسعد نعله‏
و رجا رجاء دونه العیوق‏

حفت به الأنصار عاصب رأسه
فأتاهم الصدیق و الفاروق‏

و أبو عبیده و الذین إلیهم‏
نفس المؤمل للقاء تتوق‏

کنا نقول لها علی و الرضا
عمر و أولاهم بذاک عتیق‏

فدعت قریش باسمه فأجابها
إن المنوه باسمه الموثوق‏

قل للألى طلبوا الخلافه زله
لم یخط مثل خطاهم مخلوق‏

إن الخلافه فی قریش ما لکم‏
فیها و رب محمد معروق‏

و روى الزبیر بن بکار قال- روى محمد بن إسحاق- أن أبا بکر لما بویع افتخرت تیم بن مره- قال و کان عامه المهاجرین و جل الأنصار لا یشکون- أن علیا هو صاحب الأمر بعد رسول الله ص- فقال الفضل بن العباس یا معشر قریش- و خصوصا یا بنی تیم- إنکم إنما أخذتم الخلافه بالنبوه و نحن أهلها دونکم- و لو طلبنا هذا الأمر الذی نحن أهله- لکانت کراهه الناس لنا أعظم من کراهتهم لغیرنا- حسدا منهم لنا و حقدا علینا- و إنا لنعلم أن عند صاحبنا عهدا هو ینتهی إلیه- . و قال بعض ولد أبی لهب بن عبد المطلب بن هاشم شعرا-

ما کنت أحسب أن الأمر منصرف
عن هاشم ثم منها عن أبی حسن‏

أ لیس أول من صلى لقبلتکم‏
و أعلم الناس بالقرآن و السنن‏

و أقرب الناس عهدا بالنبی و من
جبریل عون له فی الغسل و الکفن‏

ما فیه ما فیهم لا یمترون به‏
و لیس فی القوم ما فیه من الحسن‏

ما ذا الذی ردهم عنه فنعلمه
ها إن ذا غبننا من أعظم الغبن‏

قال الزبیر فبعث إلیه علی فنهاه و أمره ألا یعود-و قال سلامه الدین أحب إلینا من غیرهقال الزبیر و کان خالد بن الولید شیعه لأبی بکر- و من المنحرفین عن علی فقام خطیبا فقال أیها الناس- إنا رمینا فی بدء هذا الدین بأمر ثقل علینا و الله محمله- و صعب علینا مرتقاه- و کنا کأنا فیه على أوتار- ثم و الله ما لبثنا أن خف علینا ثقله و ذل لنا صعبه- و عجبنا ممن شک فیه بعد عجبنا ممن آمن به- حتى أمرنا بما کنا ننهى عنه- و نهینا عما کنا نأمر به- و لا و الله ما سبقنا إلیه بالعقول و لکنه التوفیق- ألا و إن الوحی لم ینقطع حتى أحکم- و لم یذهب النبی ص فنستبدل بعده نبیا- و لا بعد الوحی وحیا- و نحن الیوم أکثر منا أمس- و نحن أمس خیر منا الیوم- من دخل فی هذا الدین کان ثوابه على حسب عمله- و من ترکه رددناه إلیه- و إنه و الله ما صاحب الأمر یعنی أبا بکر بالمسئول عنه- و لا المختلف فیه و لا الخفی الشخص و لا المغموز القناه- . فعجب الناس من کلامه- و مدحه حزن بن أبی وهب المخزومی- و هو الذی سماه رسول الله ص سهلا- و هو جد سعید بن المسیب الفقیه و قال-

و قامت رجال من قریش کثیره
فلم یک منهم فی الرجال کخالد

ترقی فلم یزاق به صدر نعله‏
و کف فلم یعرض لتلک الأوابد

فجاء بها غراء کالبدر ضوءها
فسمیتها فی الحسن أم القلائد

أ خالد لا تعدم لؤی بن غالب‏
قیامک فیها عند قذف الجلامد

کساک الولید بن المغیره مجده
و علمک الأشیاخ ضرب القماحد

تقارع فی الإسلام عن صلب دینه‏
و فی الشرک عن أحساب جد و والد

و کنت لمخزوم بن یقظه جنه
یعدک فیها ماجدا و ابن ماجد

إذا ما سما فی حربها ألف فارس‏
عدلت بألف عند تلک الشدائد

و من یک فی الحرب المثیره واحدا
فما أنت فی الحرب العوان بواحد

إذا ناب أمر فی قریش مخلج‏
تشیب له رءوس العذارى النواهد

تولیت منه ما یخاف و إن تغب
یقولوا جمیعا حظنا غیر شاهد

قال الزبیر- و حدثنا محمد بن موسى الأنصاری المعروف بابن مخرمه- قال حدثنی إبراهیم بن سعد بن إبراهیم- بن عبد الرحمن بن عوف الزهری قال- لما بویع أبو بکر و استقر أمره- ندم قوم کثیر من الأنصار على بیعته و لام بعضهم بعضا- و ذکروا علی بن أبی طالب و هتفوا باسمه- و إنه فی داره لم یخرج إلیهم- و جزع لذلک المهاجرون و کثر فی ذلک الکلام- . و کان أشد قریش على الأنصار نفر فیهم- و هم سهیل بن عمرو- أحد بنی عامر بن لؤی و الحارث بن هشام- و عکرمه بن أبی جهل المخزومیان- و هؤلاء أشراف قریش الذین حاربوا النبی ص- ثم دخلوا فی الإسلام و کلهم موتور قد وتره الأنصار- أما سهیل بن عمرو فأسره مالک بن الدخشم یوم بدر- و أما الحارث بن هشام فضربه عروه بن عمرو- فجرحه یوم بدر و هو فار عن أخیه- و أما عکرمه بن أبی جهل فقتل أباه ابنا عفراء- و سلبه درعه یوم بدر زیاد بن لبید و فی أنفسهم ذلک- .

فلما اعتزلت الأنصار تجمع هؤلاء- فقام سهیل بن عمرو فقال یا معشر قریش- إن هؤلاء القوم قد سماهم الله الأنصار- و أثنى علیهم فی القرآن فلهم بذلک حظ عظیم و شأن غالب- و قد دعوا إلى أنفسهم و إلى علی بن أبی طالب- و علی‏ فی بیته لو شاء لردهم- فادعوهم إلى صاحبکم و إلى تجدید بیعته- فإن أجابوکم و إلا قاتلوهم- فو الله إنی لأرجو الله أن ینصرکم علیهم کما نصرتم بهم- . ثم قام الحارث بن هشام- فقال إن تکن الأنصار تبوأت الدار و الإیمان من قبل- و نقلوا رسول الله ص إلى دورهم من دورنا فآووا و نصروا- ثم ما رضوا حتى قاسمونا الأموال و کفونا العمل- فإنهم قد لهجوا بأمر إن ثبتوا علیه- فإنهم قد خرجوا مما وسموا به- و لیس بیننا و بینهم معاتبه إلا السیف- و إن نزعوا عنه فقد فعلوا الأولى بهم و المظنون معهم- .

ثم قام عکرمه بن أبی جهل فقال و الله لو لا قول رسول الله ص الأئمه من قریش- ما أنکرنا أمره الأنصار و لکانوا لها أهلا- و لکنه قول لا شک فیه و لا خیار- و قد عجلت الأنصار علینا- و الله ما قبضنا علیهم الأمر و لا أخرجناهم من الشورى- و إن الذی هم فیه من فلتات الأمور و نزغات الشیطان- و ما لا یبلغه المنى و لا یحمله الأمل- أعذروا إلى القوم فإن أبوا فقاتلوهم- فو الله لو لم یبق من قریش کلها إلا رجل واحد- لصیر الله هذا الأمر فیه- .

قال و حضر أبو سفیان بن حرب فقال یا معشر قریش- إنه لیس للأنصار أن یتفضلوا على الناس- حتى یقروا بفضلنا علیهم- فإن تفضلوا فحسبنا حیث انتهى بها- و إلا فحسبهم حیث انتهى بهم- و ایم الله لئن بطروا المعیشه و کفروا النعمه- لنضربنهم على الإسلام کما ضربوا علیه- فأما علی بن أبی طالب فأهل- و الله أن یسود على قریش و تطیعه الأنصار- . فلما بلغ الأنصار قول هؤلاء الرهط- قام خطیبهم ثابت بن قیس بن شماس فقال یا معشر الأنصار- إنما یکبر علیکم هذا القول لو قاله أهل الدین من قریش- فأما إذا کان من أهل الدنیا- لا سیما من أقوام کلهم موتور فلا یکبرن علیکم- إنما الرأی‏و القول مع الأخیار المهاجرین- فإن تکلمت رجال قریش- و الذین هم أهل الآخره مثل کلام هؤلاء- فعند ذلک قولوا ما أحببتم و إلا فأمسکوا- . و قال حسان بن ثابت یذکر ذلک-

تنادی سهیل و ابن حرب و حارث
و عکرمه الشانی لنا ابن أبی جهل‏

قتلنا أباه و انتزعنا سلاحه‏
فأصبح بالبطحا أذل من النعل‏

فأما سهیل فاحتواه ابن دخشم
أسیرا ذلیلا لا یمر و لا یحلی‏

و صخر بن حرب قد قتلنا رجاله‏
غداه لوا بدر فمرجله یغلی‏

و راکضنا تحت العجاجه حارث
على ظهر جرداء کباسقه النخل‏

یقبلها طورا و طورا یحثها
و یعدلها بالنفس و المال و الأهل‏

أولئک رهط من قریش تبایعوا
على خطه لیست من الخطط الفضل‏

و أعجب منهم قابلو ذاک منهم‏
کانا اشتملنا من قریش على ذحل‏

و کلهم ثان عن الحق عطفه
یقول اقتلوا الأنصار یا بئس من فعل‏

نصرنا و آوینا النبی و لم نخف‏
صروف اللیالی و البلاء على رجل‏

بذلنا لهم أنصاف مال أکفنا
کقسمه أیسار الجزور من الفضل‏

و من بعد ذاک المال أنصاف دورنا
و کنا أناسا لا نعیر بالبخل‏

و نحمی ذمار الحی فهر بن مالک
و نوقد نار الحرب بالحطب الجزل‏

فکان جزاء الفضل منا علیهم‏
جهالتهم حمقا و ما ذاک بالعدل‏

فبلغ شعر حسان قریشا- فغضبوا و أمروا ابن أبی عزه شاعرهم أن یجیبه- فقال

معشر الأنصار خافوا ربکم
و استجیروا الله من شر الفتن‏

إننی أرهب حربا لاقحا
یشرق المرضع فیها باللبن‏

جرها سعد و سعد فتنه
لیت سعد بن عباد لم یکن‏

خلف برهوت خفیا شخصه‏
بین بصرى ذی رعین و جدن‏

لیس ما قدر سعد کائنا
ما جرى البحر و ما دام حضن‏

لیس بالقاطع منا شعره
کیف یرجى خیر أمر لم یحن‏

لیس بالمدرک منها أبدا
غیر أضغاث أمانی الوسن‏

 قال الزبیر لما اجتمع جمهور الناس لأبی بکر- أکرمت قریش معن بن عدی و عویم بن ساعده- و کان لهما فضل قدیم فی الإسلام- فاجتمعت الأنصار لهما فی مجلس و دعوهما- فلما أحضرا أقبلت الأنصار علیهما- فعیروهما بانطلاقهما إلى المهاجرین- و أکبروا فعلهما فی ذلک فتکلم معن- فقال یا معشر الأنصار- إن الذی أراد الله بکم خیر مما أردتم بأنفسکم- و قد کان منکم أمر عظیم البلاء و صغرته العاقبه- فلو کان لکم على قریش ما لقریش علیکم- ثم أردتموهم لما أرادوکم به- لم آمن علیهم منکم مثل من آمن علیکم منهم- فإن تعرفوا الخطأ فقد خرجتم منه و إلا فأنتم فیه- . قلت قوله و قد کان منکم أمر عظیم البلاء و صغرته العاقبه- یعنی عاقبه الکف و الإمساک- یقول قد کان منکم أمر عظیم و هو دعوى الخلافه لأنفسکم- و إنما جعل البلاء معظما له- لأنه لو لم یتعقبه الإمساک لأحدث فتنه عظیمه- و إنما صغره سکونهم و رجوعهم إلى بیعه المهاجرین- .

و قوله و کان لکم على قریش إلى آخر الکلام- معناه لو کان لکم الفضل على قریش کفضل قریش علیکم- و ادعت قریش الخلافه لها- ثم أردتم منهم الرجوع عن دعواهم- و جرت بینکم و بینهم من المنازعه مثل هذه المنازعه- التی جرت الآن بینکم لم آمن علیهم منکم أن تقتلوهم- و تقدموا على سفک دمائهم- و لم یحصل لی من سکون النفس إلى‏حلمکم عنهم- و صبرکم علیهم مثل ما أنا آمن علیکم منهم- فإنهم صبروا و حلموا- و لم یقدموا على استباحه حربکم و الدخول فی دمائکم- .

قال الزبیر ثم تکلم عویم بن ساعده فقال یا معشر الأنصار- إن من نعم الله علیکم- أنه تعالى لم یرد بکم ما أردتم بأنفسکم- فاحمدوا الله على حسن البلاء و طول العافیه- و صرف هذه البلیه عنکم- و قد نظرت فی أول فتنتکم و آخرها- فوجدتها جاءت من الأمانی و الحسد و احذروا النقم- فوددت أن الله صیر إلیکم هذا الأمر بحقه فکنا نعیش فیه- . فوثبت علیهما الأنصار فاغلظوا لهما و فحشوا علیهما- و انبرى لهما فروه بن عمرو فقال أ نسیتما قولکما لقریش- إنا قد خلفنا وراءنا قوما قد حلت دماؤهم بفتنتهم- هذا و الله ما لا یغفر و لا ینسى- قد تصرف الحیه عن وجهها و سمها فی نابها- فقال معن فی ذلک-

و قالت لی الأنصار إنک لم تصب
فقلت أ ما لی فی الکلام نصیب‏

فقالوا بلى قل ما بدا لک راشدا
فقلت و مثلی بالجواب طبیب‏

ترکتکم و الله لما رأیتکم
تیوسا لها بالحرتین نبیب‏

تنادون بالأمر الذی النجم دونه‏
ألا کل شی‏ء ما سواه قریب‏

فقلت لکم قول الشفیق علیکم
و للقلب من خوف البلاء وجیب‏

دعوا الرکض و اثنوا من أعنه بغیکم‏
و دبوا فسیر القاصدین دبیب‏

و خلوا قریشا و الأمور و بایعوا
لمن بایعوه ترشدوا و تصیبوا

أراکم أخذتم حقکم بأکفکم
و ما الناس إلا مخطئ و مصیب‏

فلما أبیتم زلت عنکم إلیهم‏
و کنت کأنی یوم ذاک غریب‏

فإن کان هذا الأمر ذنبی إلیکم
فلی فیکم بعد الذنوب ذنوب‏

فلا تبعثوا منی الکلام فإننی‏
إذا شئت یوما شاعر و خطیب‏

و إنی لحلو تعترینی مراره
و ملح أجاج تاره و شروب‏

لکل امرئ عندی الذی هو أهله‏
أفانین شتى و الرجال ضروب‏

و قال عویم بن ساعده فی ذلک-

و قالت لی الأنصار أضعاف قولهم
لمعن و ذاک القول جهل من الجهل‏

فقلت دعونی لا أبا لأبیکم‏
فإنی أخوکم صاحب الخطر الفصل‏

أنا صاحب القول الذی تعرفونه
أقطع أنفاس الرجال على مهل‏

فإن تسکتوا أسکت و فی الصمت راحه
و إن تنطقوا أصمت مقالتکم تبلی‏

و ما لمت نفسی فی الخلاف علیکم
و إن کنتم مستجمعین على عذلی‏

أرید بذاک الله لا شی‏ء غیره‏
و ما عند رب الناس من درج الفضل‏

و ما لی رحم فی قریش قریبه
و لا دارها داری و لا أصلها أصلی‏

و لکنهم قوم علینا أئمه
أدین لهم ما أنفذت قدمی نعلی‏

و کان أحق الناس أن تقنعوا به
و یحتملوا من جاء فی قوله مثلی‏

لأنی أخف الناس فیما یسرکم‏
و فیما یسوء لا أمر و لا أحلی‏

قال فروه بن عمر و کان ممن تخلف عن بیعه أبی بکر- و کان ممن جاهد مع‏ رسول الله و قاد فرسین فی سبیل الله- و کان یتصدق من نخله بألف وسق فی کل عام- و کان سیدا و هو من أصحاب علی و ممن شهد معه یوم الجمل- قال فذکر معنا و عویما و عاتبهما على قولهما- خلفنا وراءنا قوما قد حلت دماؤهم بفتنتهم-

ألا قل لمعن إذا جئته
و ذاک الذی شیخه ساعده‏

بأن المقال الذی قلتما
خفیف علینا سوى واحده‏

مقالکم إن من خلفنا
مراض قلوبهم فاسده‏

حلال الدماء على فتنه
فیا بئسما ربت الوالده‏

فلم تأخذا قدر أثمانها
و لم تستفیدا بها فائده‏

لقد کذب الله ما قلتما
و قد یکذب الرائد الواعده‏

قال الزبیر- ثم إن الأنصار أصلحوا بین هذین الرجلین و بین أصحابهما- ثم اجتمعت جماعه من قریش یوما- و فیهم ناس من الأنصار و أخلاط من المهاجرین- و ذلک بعد انصراف الأنصار عن رأیها و سکون الفتنه- فاتفق ذلک عند قدوم عمرو بن العاص من سفر کان فیه- فجاء إلیهم- فأفاضوا فی ذکر یوم السقیفه و سعد و دعواه الأمر- فقال عمرو بن العاص- و الله لقد دفع الله عنا من الأنصار عظیمه- و لما دفع الله عنهم أعظم- کادوا و الله أن یحلوا حبل الإسلام کما قاتلوا علیه- و یخرجوا منه من أدخلوا فیه- و الله لئن کانوا سمعواقول رسول الله ص الأئمه من قریش- ثم ادعوها لقد هلکوا و أهلکوا- و إن کانوا لم یسمعوها فما هم کالمهاجرین و لا کأبی بکر- و لا المدینه کمکه- و لقد قاتلونا أمس فغلبونا على البدء- و لو قاتلناهم الیوم لغلبناهم على العاقبه- فلم یجبه أحد و انصرف إلى منزله و قد ظفر فقال-

ألا قل لأوس إذا جئتها
و قل کلما جئت للخزرج‏

تمنیتم الملک فی یثرب‏
فأنزلت القدر لم تنضج‏

و أخدجتم الأمر قبل التمام
و أعجب بذا المعجل المخدج‏

تریدون نتج الحیال العشار
و لم تلقحوه فلم ینتج‏

عجبت لسعد و أصحابه
و لو لم یهیجوه لم یهتج‏

رجا الخزرجی رجاء السراب‏
و قد یخلف المرء ما یرتجی‏

فکان کمنح على کفه
بکف یقطعها أهوج‏

فلما بلغ الأنصار مقالته و شعره- بعثوا إلیه لسانهم و شاعرهم النعمان بن العجلان- و کان رجلا أحمر قصیرا تزدریه العیون- و کان سیدا فخما- فأتى عمرا و هو فی جماعه من قریش- فقال و الله یا عمرو ما کرهتم من حربنا- إلا ما کرهنا من حربکم- و ما کان الله لیخرجکم من الإسلام بمن أدخلکم فیهإن کان النبی ص قال الأئمه من قریش- فقد قال لو سلک الناس شعبا- و سلک الأنصار شعبا- لسلکت شعب الأنصار– و الله ما أخرجناکم من الأمر إذ قلنا- منا أمیر و منکم أمیر- و أما من ذکرت فأبو بکر لعمری خیر من سعد- لکن سعدا فی الأنصار أطوع من أبی بکر فی قریش- فأما المهاجرون و الأنصار فلا فرق بینهم أبدا- و لکنک یا ابن العاص- وترت بنی عبد مناف بمسیرک إلى الحبشه- لقتل جعفر و أصحابه- و وترت بنی مخزوم بإهلاک عماره بن الولید- ثم انصرف فقال-

فقل لقریش نحن أصحاب مکه
و یوم حنین و الفوارس فی بدر

و أصحاب أحد و النضیر و خیبر
و نحن رجعنا من قریظه بالذکر

و یوم بأرض الشام أدخل جعفر
و زید و عبد الله فی علق یجری‏

و فی کل یوم ینکر الکلب أهله‏
نطاعن فیه بالمثقفه السمر

و نضرب فی نقع العجاجه أرؤسا
ببیض کأمثال البروق إذا تسری‏

نصرنا و آوینا النبی و لم نخف‏
صروف اللیالی و العظیم من الأمر

و قلنا لقوم هاجروا قبل مرحبا
و أهلا و سهلا قد أمنتم من الفقر

نقاسمکم أموالنا و بیوتنا
کقسمه أیسار الجزور على الشطر

و نکفیکم الأمر الذی تکرهونه
و کنا أناسا نذهب العسر بالیسر

و قلتم حرام نصب سعد و نصبکم‏
عتیق بن عثمان حلال أبا بکر

و أهل أبو بکر لها خیر قائم
و إن علیا کان أخلق بالأمر

و کان هوانا فی علی و إنه‏
لأهل لها یا عمرو من حیث لا تدری‏

فذاک بعون الله یدعو إلى الهدى
و ینهى عن الفحشاء و البغی و النکر

وصی النبی المصطفى و ابن عمه‏
و قاتل فرسان الضلاله و الکفر

و هذا بحمد الله یهدی من العمى
و یفتح آذانا ثقلن من الوقر

نجی رسول الله فی الغار وحده‏
و صاحبه الصدیق فی سالف الدهر

فلو لا اتقاء الله لم تذهبوا بها
و لکن هذا الخیر أجمع للصبر

و لم نرض إلا بالرضا و لربما
ضربنا بأیدینا إلى أسفل القدر

فلما انتهى شعر النعمان و کلامه إلى قریش- غضب کثیر منها- و ألفى ذلک قدوم خالد بن سعید بن العاص من الیمن- و کان رسول الله استعمله علیها- و کان له و لأخیه أثر قدیم‏ عظیم فی الإسلام- و هما من أول من أسلم من قریش و لهما عباده و فضل- فغضب للأنصار- و شتم عمرو بن العاص و قال یا معشر قریش- إن عمرا دخل فی الإسلام حین لم یجد بدا من الدخول فیه- فلما لم یستطع أن یکیده بیده کاده بلسانه- و إن من کیده الإسلام تفریقه- و قطعه بین المهاجرین و الأنصار- و الله ما حاربناهم للدین و لا للدنیا- لقد بذلوا دماءهم لله تعالى فینا- و ما بذلنا دماءنا لله فیهم- و قاسمونا دیارهم و أموالهم و ما فعلنا مثل ذلک بهم- و آثرونا على الفقر و حرمناهم على الغنى- و لقد وصى رسول الله بهم و عزاهم عن جفوه السلطان- فأعوذ بالله أن أکون و إیاکم الخلف المضیع- و السلطان الجانی- .

قلت هذا خالد بن سعید بن العاص- هو الذی امتنع من بیعه أبی بکر- و قال لا أبایع إلا علیا- و قد ذکرنا خبره فیما تقدم- . و أما قوله فی الأنصار و عزاهم عن جفوه السلطان- فإشاره إلى قول النبی ص ستلقون بعدی أثره- فاصبروا حتى تقدموا علی الحوضو هذا الخبر- هو الذی یکفر کثیر من أصحابنا معاویه بالاستهزاء به- و ذلک أن النعمان بن بشیر الأنصاری- جاء فی جماعه من الأنصار إلى معاویه فشکوا إلیه فقرهم- وقالوا لقد صدق رسول الله ص فی قوله لنا ستلقون بعدی أثره فقد لقیناها- قال معاویه فما ذا قال لکم- قالوا قال لنا فاصبروا حتى تردوا علی الحوض- قال فافعلوا ما أمرکم به- عساکم تلاقونه غدا عند الحوض کما أخبرکم- و حرمهم و لم یعطهم شیئا- . قال الزبیر و قال خالد بن سعید بن العاص فی ذلک-

تفوه عمرو بالذی لا نریده
و صرح للأنصار عن شنأه البغض‏

فإن تکن الأنصار زلت فإننا
نقیل و لا نجزیهم بالقرض‏

فلا تقطعن یا عمرو ما کان بیننا
و لا تحملن یا عمرو بعضا على بعض‏

أ تنسى لهم یا عمرو ما کان منهم‏
لیالی جئناهم من النفل و الفرض‏

و قسمتنا الأموال کاللحم بالمدى
و قسمتنا الأوطان کل به یقضی‏

لیالی کل الناس بالکفر جهره
ثقال علینا مجمعون على البغض‏

فساووا و آووا و انتهینا إلى المنى
و قر قرارانا من الأمن و الخفض‏

قال الزبیر- ثم إن رجالا من سفهاء قریش و مثیری الفتن منهم- اجتمعوا إلى عمرو بن العاص- فقالوا له إنک لسان قریش- و رجلها فی الجاهلیه و الإسلام- فلا تدع الأنصار و ما قالت- و أکثروا علیه من ذلک فراح إلى المسجد- و فیه ناس من قریش و غیرهم- فتکلم و قال إن الأنصار ترى لنفسها ما لیس لها- و ایم الله لوددت أن الله خلى عنا و عنهم- و قضى فیهم و فینا بما أحب- و لنحن الذین أفسدنا على أنفسنا أحرزناهم عن کل مکروه- و قدمناهم إلى کل محبوب حتى أمنوا المخوف- فلما جاز لهم ذلک صغروا حقنا- و لم یراعوا ما أعظمنا من حقوقهم- . ثم التفت فرأى الفضل بن العباس بن عبد المطلب- و ندم على قوله- للخئوله التی بین ولد عبد المطلب و بین الأنصار- و لأن الأنصار کانت تعظم علیا- و تهتف باسمه حینئذ- فقال الفضل یا عمرو- إنه لیس لنا أن نکتم ما سمعنا منک- و لیس لنا أن نجیبک و أبو الحسن شاهد بالمدینه- إلا أن یأمرنا فنفعل- .

ثم رجع الفضل إلى علی فحدثه فغضب و شتم عمرا- و قال آذى الله و رسوله ثم قام فأتى المسجد- فاجتمع إلیه کثیر من قریش و تکلم مغضبا-فقال یا معشر قریش إن حب الأنصار إیمان و بغضهم نفاق- و قد قضوا ما علیهم‏و بقی ما علیکم- و اذکروا أن الله رغب لنبیکم عن مکه- فنقله إلى المدینه و کره له قریشا- فنقله إلى الأنصار ثم قدمنا علیهم دارهم- فقاسمونا الأموال و کفونا العمل- فصرنا منهم بین بذل الغنی و إیثار الفقیر- ثم حاربنا الناس فوقونا بأنفسهم- و قد أنزل الله تعالى فیهم آیه من القرآن- جمع لهم فیها بین خمس نعم- فقال وَ الَّذِینَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِیمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ- یُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَیْهِمْ- وَ لا یَجِدُونَ فِی صُدُورِهِمْ حاجَهً مِمَّا أُوتُوا- وَ یُؤْثِرُونَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ کانَ بِهِمْ خَصاصَهٌ- وَ مَنْ یُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- . ألا و إن عمرو بن العاص قد قام مقاما- آذى فیه المیت و الحی- ساء به الواتر و سر به الموتور- فاستحق من المستمع الجواب و من الغائب المقت- و إنه من أحب الله و رسوله أحب الأنصار- فلیکفف عمرو عنا نفسه- .

قال الزبیر فمشت قریش عند ذلک إلى عمرو بن العاص- فقالوا أیها الرجل أما إذا غضب علی فاکفف- . و قال خزیمه بن ثابت الأنصاری یخاطب قریشا-

أیا ل قریش أصلحوا ذات بیننا
و بینکم قد طال حبل التماحک‏

فلا خیر فیکم بعدنا فارفقوا بنا
و لا خیر فینا بعد فهر بن مالک‏

کلانا على الأعداء کف طویله
إذا کان یوم فیه جب الحوارک‏

فلا تذکروا ما کان منا و منکم‏
ففی ذکر ما قد کان مشی التساوک‏

قال الزبیر و قال علی للفضل- یا فضل انصر الأنصار بلسانک و یدک- فإنهم منک و إنک منهم
– فقال الفضل-

قلت یا عمرو مقالا فاحشا
إن تعد یا عمرو و الله فلک‏

إنما الأنصار سیف قاطع
من تصبه ظبه السیف هلک‏

و سیوف قاطع مضربها
و سهام الله فی یوم الحلک‏

نصروا الدین و آووا أهله
منزل رحب و رزق مشترک‏

و إذا الحرب تلظت نارها
برکوا فیها إذا الموت برک‏

و دخل الفضل على علی فأسمعه شعره ففرح به- و قال وریت بک زنادی یا فضل أنت شاعر قریش و فتاها- فأظهر شعرک و ابعث به إلى الأنصار- فلما بلغ ذلک الأنصار- قالت لا أحد یجیب إلا حسان الحسام- فبعثوا إلى حسان بن ثابت فعرضوا علیه شعر الفضل- فقال کیف أصنع بجوابه إن لم أتحر قوافیه فضحنی- فرویدا حتى أقفو أثره فی القوافی- فقال له خزیمه بن ثابت اذکر علیا و آله یکفک عن کل شی‏ء- فقال

جزى الله عنا و الجزاء بکفه
أبا حسن عنا و من کأبی حسن‏

سبقت قریشا بالذی أنت أهله‏
فصدرک مشروح و قلبک ممتحن‏

تمنت رجال من قریش أعزه
مکانک هیهات الهزال من السمن‏

و أنت من الإسلام فی کل موطن‏
بمنزله الدلو البطین من الرسن‏

غضبت لنا إذ قام عمرو بخطبه
أمات بها التقوى و أحیا بها الإحن‏

فکنت المرجى من لؤی بن غالب‏
لما کان منهم و الذی کان لم یکن‏

حفظت رسول الله فینا و عهده
إلیک و من أولى به منک من و من‏

أ لست أخاه فی الهدى و وصیه‏
و أعلم منهم بالکتاب و بالسنن‏

فحقک ما دامت بنجد وشیجه
عظیم علینا ثم بعد على الیمن‏

قال الزبیر و بعثت الأنصار بهذا الشعر إلى علی بن أبی طالب- فخرج إلى المسجدو قال لمن به من قریش و غیرهم- یا معشر قریش إن الله جعل الأنصار أنصارا- فأثنى علیهم فی الکتاب فلا خیر فیکم بعدهم- إنه لا یزال سفیه من سفهاء قریش وتره الإسلام- و دفعه عن الحق و أطفأ شرفه و فضل غیره علیه- یقوم مقاما فاحشا فیذکر الأنصار- فاتقوا الله و ارعوا حقهم- فو الله لو زالوا لزلت معهم- لأن رسول الله قال لهم أزول معکم حیثما زلتم- فقال المسلمون جمیعا رحمک الله یا أبا الحسن- قلت قولا صادقا- . قال الزبیر و ترک عمرو بن العاص المدینه- و خرج عنها حتى رضی عنه علی و المهاجرون- قال الزبیر ثم إن الولید بن عقبه بن أبی معیط- و کان یبغض الأنصار لأنهم أسروا أباه یوم بدر- و ضربوا عنقه بین یدی رسول الله- قام یشتم الأنصار و ذکرهم بالهجر- فقال إن الأنصار لترى لها من الحق علینا ما لا نراه- و الله لئن کانوا آووا لقد عزوا بنا- و لئن کانوا آسوا لقد منوا علینا- و الله ما نستطیع مودتهم- لأنه لا یزال قائل منهم یذکر ذلنا بمکه و عزنا بالمدینه- و لا ینفکون یعیرون موتانا و یغیظون أحیاءنا- فإن أجبناهم قالوا غضبت قریش على غاربها- و لکن قد هون علی ذلک منهم حرصهم على الدین أمس- و اعتذارهم من الذنب الیوم- ثم قال

تباذخت الأنصار فی الناس باسمها
و نسبتها فی الأزد عمرو بن عامر

و قالوا لنا حق عظیم و منه
على کل باد من معد و حاضر

فإن یک للأنصار فضل فلم تنل
بحرمته الأنصار فضل المهاجر

و إن تکن الأنصار آوت و قاسمت‏
معایشها من جاء قسمه جازر

فقد أفسدت ما کان منها بمنها
و ما ذاک فعل الأکرمین الأکابر

إذا قال حسان و کعب قصیده
بشتم قریش غنیت فی المعاشر

و سار بها الرکبان فی کل وجهه
و أعمل فیها کل خف و حافر

فهذا لنا من کل صاحب خطبه
یقوم بها منکم و من کل شاعر

و أهل بأن یهجو بکل قصیده
و أهل بأن یرموا بنبل فواقر

 قال ففشا شعره فی الناس فغضبت الأنصار- و غضب لها من قریش قوم- منهم ضرار بن الخطاب الفهری و زید بن الخطاب- و یزید بن أبی سفیان فبعثوا إلى الولید فجاء- . فتکلم زید بن الخطاب فقال یا ابن عقبه بن أبی معیط- أما و الله لو کنت من الفقراء المهاجرین الذین- أخرجوا من دیارهم و أموالهم- یبتغون فضلا من الله و رضوانا لأحببت الأنصار- و لکنک من الجفاه فی الإسلام البطاء عنه- الذین دخلوا فیه بعد أن ظهر أمر الله و هم کارهون- إنا نعلم أنا أتیناهم و نحن فقراء فأغنونا- ثم أصبنا الغنى فکفوا عنا و لم یرزءونا شیئا- فأما ذکرهم ذله قریش بمکه و عزها بالمدینه- فکذلک کنا و کذلک قال الله تعالى- وَ اذْکُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِیلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِی الْأَرْضِ- تَخافُونَ أَنْ یَتَخَطَّفَکُمُ النَّاسُ- فنصرنا الله تعالى بهم و آوانا إلى مدینتهم- . و أما غضبک لقریش فإنا لا ننصر کافرا- و لا نواد ملحدا و لا فاسقا و لقد قلت- و قالوا فقطعک الخطیب و ألجمک الشاعر- .

و أما ذکرک الذی کان بالأمس فدع المهاجرین و الأنصار- فإنک لست من ألسنتهم فی الرضا- و لا نحن من أیدیهم فی الغضب- . و تکلم یزید بن أبی سفیان- فقال یا ابن عقبه الأنصار أحق بالغضب لقتلى أحد- فاکفف لسانک فإن من قتله الحق لا یغضب له- . و تکلم ضرار بن الخطاب- فقال أما و الله لو لاأن رسول الله ص قال‏الأئمه من قریش- لقلنا الأئمه من الأنصار و لکن جاء أمر غلب الرأی- فاقمع شرتک أیها الرجل و لا تکن امرأ سوء- فإن الله لم یفرق بین الأنصار و المهاجرین فی الدنیا- و کذلک الله لا یفرق بینهم فی الآخره- . و أقبل حسان بن ثابت مغضبا- من کلام الولید بن عقبه و شعره- فدخل المسجد و فیه قوم من قریش- فقال یا معشر قریش- إن أعظم ذنبنا إلیکم قتلنا کفارکم- و حمایتنا رسول الله ص- و إن کنتم تنقمون منا منه کانت بالأمس- فقد کفى الله شرها فما لنا و ما لکم- و الله ما یمنعنا من قتالکم الجبن و لا من جوابکم العی- إنا لحی فعال و مقال و لکنا قلنا إنها حرب- أولها عار و آخرها ذل- فأغضینا علیها عیوننا و سحبنا ذیولنا حتى نرى و تروا- فإن قلتم قلنا و إن سکتم سکتنا- . فلم یجبه أحد من قریش- ثم سکت کل من الفریقین عن صاحبه- و رضی القوم أجمعون و قطعوا الخلاف و العصبیه- .

انتهى ما ذکره الزبیر بن بکار فی الموفقیات- و نعود الآن إلى ذکر ما أورده أبو بکر- أحمد بن عبد العزیز الجوهری فی کتاب السقیفه- . قال أبو بکر حدثنی أبو یوسف یعقوب بن شیبه- عن بحر بن آدم عن رجاله عن سالم بن عبید قال- لما توفی رسول الله و قالت الأنصار منا أمیر و منکم أمیر- أخذ عمر بید أبی بکر- و قال سیفان فی غمد واحد إذا لا یصلحان- ثم قال من له هذه الثلاث- ثانِیَ اثْنَیْنِ إِذْ هُما فِی الْغارِ من هما- إِذْ یَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ من صاحبه- إِنَّ اللَّهَ مَعَنا مع من- ثم بسط یده إلى أبی بکر فبایعه- فبایعه الناس أحسن بیعه و أجملها- .

قال أبو بکر حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردی- عن أبی بکر بن عیاش عن زید بن عبد الله قال- إن الله تعالى نظر فی قلوب العباد- فوجد قلب محمد ع خیر قلوب العباد- فاصطفاه لنفسه و ابتعثه برسالته- ثم نظر فی قلوب الأمم بعد قلبه- فوجد قلوب أصحابه خیر قلوب العباد- فجعلهم وزراء نبیه یقاتلون عن دینه- فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن- و ما رأى المسلمون سیئا فهو عند الله سیئ- . قال أبو بکر بن عیاش- و قد رأى المسلمون أن یولوا أبا بکر بعد النبی ص- فکانت ولایته حسنه- .

قال أبو بکر و حدثنا یعقوب بن شیبه قال- لما قبض رسول الله ص- و قال الأنصار منا أمیر و منکم أمیر- قال عمر أیها الناس- أیکم یطیب نفسا أن یتقدم قدمین- قدمهما رسول الله ص فی الصلاه- رضیک الله لدیننا أ فلا نرضاک لدنیانا- قال أبو بکر و أخبرنا أبو زید عمر بن شبه قال- حدثنی زید بن یحیى الأنماطی قال- حدثنا صخر بن جویریه عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبیه- قال أخذ أبو بکر بید عمر و ید رجل من المهاجرین- یرونه أبا عبیده حتى انطلقوا إلى الأنصار- و قد اجتمعوا عند سعد فی سقیفه بنی ساعده- فقال عمر قلت لأبی بکر دعنی أتکلم- و خشیت جد أبی بکر و کان ذا جد-

فقال أبو بکر لا بل أنا أتکلم- فما هو و الله إلا أن انتهینا إلیهم- فما کان فی نفسی شی‏ء أرید أن أقوله إلا أتى أبو بکر علیه- فقال لهم یا معشر الأنصار ما ینکر حقکم مسلم- إنا و الله ما أصبنا خیرا قط إلا شرکتمونافیه- لقد آویتم و نصرتم و آزرتم و واسیتم- و لکن قد علمتم أن العرب لا تقر- و لا تطیع إلا لامرئ من قریش- هم رهط النبی ص أوسط العرب وشیجه رحم- و أوسط الناس دارا- و أعرب الناس ألسنا و أصبح الناس أوجها- و قد عرفتم بلاء ابن الخطاب فی الإسلام و قدمه- هلم فلنبایعه- . قال عمر بل إیاک نبایع- قال عمر فکنت أول الناس مد یده إلى أبی بکر فبایعه إلا رجلا من الأنصار- أدخل یده بین یدی و ید أبی بکر فبایعه قبلی- و وطئ الناس فراش سعد فقیل قتلتم سعدا- فقال عمر قتل الله سعدا فوثب رجل من الأنصار- فقال أنا جذیلها المحکک و عذیقها المرجب- فأخذ و وطئ فی بطنه و دسوا فی فیه التراب- .

قال أبو بکر و حدثنی یعقوب عن محمد بن جعفر- عن محمد بن إسماعیل عن مختار الیمان عن عیسى بن زید قال- لما بویع أبو بکر جاء أبو سفیان إلى علی- فقال أ غلبکم على هذا الأمر أذل بیت من قریش و أقلها- أما و الله لئن شئت لأملأنها على أبی فصیل خیلا و رجلا- و لأسدنها علیه من أقطارها- فقال علی یا أبا سفیان طالما کدت الإسلام و أهله- فما ضرهم شیئا أمسک علیک- فإنا رأینا أبا بکر لها أهلا- . قال أبو بکر و حدثنا یعقوب عن رجاله قال- لما بویع أبو بکر تخلف علی فلم یبایع- فقیل لأبی بکر إنه کره إمارتک- فبعث إلیه أ کرهت إمارتی قال لا- و لکن القرآن خشیت أن یزاد فیه- فحلفت ألا أرتدی رداء حتى أجمعه- اللهم إلا إلى صلاه الجمعه- .

فقال أبو بکر لقد أحسنت- قال فکتبه ع کما أنزل بناسخه و منسوخه- . قال أبو بکر حدثنا یعقوب عن أبی النضر- عن محمد بن راشد عن مکحول- أن رسول الله ص استعمل خالد بن سعید بن العاص على عمل- فقدم بعد ما قبض رسول الله ص- و قد بایع الناس أبا بکر فدعاه إلى البیعه فأبى- فقال عمر دعنی و إیاه- فمنعه أبو بکر حتى مضت علیه سنه- ثم مر به أبو بکر و هو جالس على بابه- فناداه خالد یا أبا بکر هل لک فی البیعه قال نعم- قال فادن فدنا منه- فبایعه خالد و هو قاعد على بابه- .

قال أبو بکر و حدثنا أبو یوسف یعقوب بن شیبه عن خالد بن مخلد عن یحیى بن عمر قال حدثنی أبو جعفر الباقر قال جاء أعرابی إلى أبی بکر على عهد رسول الله ص- و قال له أوصنی فقال لا تأمر على اثنین- ثم إن الأعرابی شخص إلى الربذه- فبلغه بعد ذلک وفاه رسول الله ص- فسأل عن أمر الناس من ولیه فقیل أبو بکر- فقدم الأعرابی إلى المدینه- فقال لأبی بکر- أ لست أمرتنی ألا أتأمر على اثنین- قال بلى قال فما بالک- فقال أبو بکر لم أجد لها أحدا غیری أحق منی- قال ثم رفع أبو جعفر الباقر یدیه و خفضهما فقال صدق صدق- .

قال أبو بکر- و قد روی هذا الخبر بروایه أتم من هذه الروایه- حدثنا یعقوب بن شیبه قال حدثنا یحیى بن حماد قال- حدثنا أبو عوانه عن سلیمان الأعمش عن سلیمان بن میسره- عن طارق بن شهاب عن رافع بن أبی رافع الطائی قال- بعث رسول الله ص جیشا- فأمر علیهم عمرو بن العاص و فیهم أبو بکر و عمر- و أمرهم‏ أن یستنفروا من مروا به- فمروا علینا فاستنفرونا- فنفرنا معهم فی غزاه ذات السلاسل- و هی التی تفخر بها أهل الشام- فیقولون استعمل رسول الله ص عمرو بن العاص- على جیش فیه أبو بکر و عمر قال فقلت- و الله لأختارن فی هذه الغزاه لنفسی رجلا- من أصحاب رسول الله ص أستهدیه- فإنی لست أستطیع إتیان المدینه- فاخترت أبا بکر و لم آل- و کان له کساء فدکی یخله علیه إذا رکب- و یلبسه إذا نزل- و هو الذی عیرته به هوازن بعد النبی ص- و قالوا لا نبایع ذا الخلال- قال فلما قضینا غزاتنا قلت له یا أبا بکر- إنی قد صحبتک و إن لی علیک حقا- فعلمنی شیئا أنتفع به فقال- قد کنت أرید ذلک لو لم تقل لی- تعبد الله لا تشرک به شیئا- و تقیم الصلاه المکتوبه- و تؤدی الزکاه المفروضه و تحج البیت- و تصوم شهر رمضان و لا تتأمر على رجلین-

فقلت أما العبادات فقد عرفتها- أ رأیت نهیک لی عن الإماره- و هل یصیب الناس الخیر و الشر إلا بالإماره- فقال إنک استجهدتنی فجهدت لک- إن الناس دخلوا فی الإسلام طوعا و کرها- فأجارهم الله من الظلم- فهم جیران الله و عواد الله و فی ذمه الله- فمن یظلم منکم إنما یحقر ربه- و الله إن أحدکم لیأخذ شویهه جاره أو بعیره- فیظل عمله بأسا بجاره و الله من وراء جاره- قال فلم یلبث إلا قلیلا حتى أتتنا وفاه رسول الله ص- فسألت من استخلف بعده قیل أبو بکر- قلت أ صاحبی الذی کان ینهانی عن الإماره- فشددت على راحلتی فأتیت المدینه- فجعلت أطلب خلوته حتى قدرت علیها- فقلت أ تعرفنی أنا فلان بن فلان- أ تعرف وصیه أوصیتنی بها- قال نعم إن رسول الله قبض- و الناس حدیثو عهد بالجاهلیه- فخشیت أن یفتتنوا و أن أصحابی حملونیها- فما زال یعتذر إلی حتى عذرته- و صار من أمری بعد أن صرت عریفا- قال أبو بکر و أخبرنا أبو زید عمر بن شبه عن رجاله عن الشعبی قال قام الحسن بن علی ع إلى أبی بکر و هو یخطب على المنبر- فقال له انزل عن منبر أبی فقال‏ أبو بکر صدقت- و الله إنه لمنبر أبیک لا منبر أبی- فبعث علی إلى أبی بکر إنه غلام حدث و إنا لم نأمره- فقال أبو بکر صدقت إنا لم نتهمک- .

قال أبو بکر و روى أبو زید- عن حباب بن یزید عن جریر عن المغیره- أن سلمان و الزبیر و بعض الأنصار- کان هواهم أن یبایعوا علیا بعد النبی ص- فلما بویع أبو بکر قال سلمان للصحابه أصبتم الخیر- و لکن أخطأتم المعدن- قال و فی روایه أخرى أصبتم ذا السن منکم- و لکنکم أخطأتم أهل بیت نبیکم- أما لو جعلتموها فیهم ما اختلف منکم اثنان- و لأکلتموها رغدا- . قلت هذا الخبر هو الذی- رواه المتکلمون فی باب الإمامه عن سلمان أنه قال- کردید و نکردید تفسره الشیعه- فتقول أراد أسلمتم و ما أسلمتم و یفسره أصحابنا- فیقولون معناه أخطأتم و أصبتم- . قال أبو بکر و أخبرنا أبو زید قال- حدثنا محمد بن یحیى قال حدثنا غسان بن عبد الحمید قال- لما أکثر فی تخلف علی عن البیعه- و اشتد أبو بکر و عمر فی ذلک خرجت أم مسطح بن أثاثه- فوقفت عند قبر النبی ص و نادته یا رسول الله-

قد کان بعدک أنباء و هینمه
لو کنت شاهدها لم تکثر الخطب‏

إنا فقدناک فقد الأرض وابلها
فاختل قومک فاشهدهم و لا تغب‏

قال أبو بکر أحمد بن عبد العزیز- و سمعت أبا زید عمر بن شبه- یحدث رجلا بحدیث لم أحفظ إسناده قال- مر المغیره بن شعبه بأبی بکر و عمر- و هما جالسان على باب النبی حین قبض فقال- ما یقعدکما قالا ننتظر هذا الرجل یخرج فنبایعه- یعنیان علیا- فقال أ تریدون أن تنظروا حبل الحبله من أهل هذا البیت- وسعوها فی قریش تتسع- .قال فقاما إلى سقیفه بنی ساعده أو کلاما هذا معناه- .

قال أبو بکر و أخبرنا أبو جعفر محمد بن عبد الملک الواسطی عن یزید بن هارون عن سفیان بن حسین عن الزهری عن أنس بن مالک قال لما مرض رسول الله مرضه الذی مات فیه- أتاه بلال یؤذنه بالصلاه فقال بعد مرتین- یا بلال قد أبلغت فمن شاء فلیصل بالناس و من شاء فلیدع- .

قال و رفعت الستور عن رسول الله- فنظرنا إلیه کأنه ورقه بیضاء و علیه خمیصه له- فرجع إلیه بلال فقال مروا أبا بکر فلیصل بالناس- قال فما رأیناه بعد ذلک ع- . و قال أبو بکر- و حدثنی أبو الحسن علی بن سلیمان النوفلی قال- سمعت أبیا یقول- ذکر سعد بن عباده یوما علیا بعد یوم السقیفه- فذکر أمرا من أمره نسیه أبو الحسن یوجب ولایته- فقال له ابنه قیس بن سعد- أنت سمعت رسول الله ص- یقول هذا الکلام فی علی بن أبی طالب ثم تطلب الخلافه- و یقول أصحابک منا أمیر و منکم أمیر- لا کلمتک و الله من رأسی بعد هذا کلمه أبدا- .

قال أبو بکر و حدثنی أبو الحسن علی بن سلیمان النوفلی قال حدثنی أبی قال حدثنی شریک بن عبد الله عن إسماعیل بن خالد عن زید بن علی بن الحسین عن أبیه عن جده قال قال علی کنت مع الأنصار لرسول الله ص على السمع و الطاعه- له فی المحبوب و المکروه- فلما عز الإسلام و کثر أهله قال یا علی زد فیها- على أن تمنعوا رسول الله و أهل بیته- مما تمنعون منه أنفسکم و ذراریکم- قال فحملها على ظهور القوم- فوفى بها من وفى و هلک من هلک- .

قلت هذا یطابق ما رواه أبو الفرج الأصفهانی فی کتاب مقاتل الطالبیین أن‏جعفر بن محمد ع وقف مستترا فی خفیه- یشاهد المحامل التی حمل علیها عبد الله بن الحسن- و أهله فی القیود و الحدید من المدینه إلى العراق- فلما مروا به بکى- و قال ما وفت الأنصار و لا أبناء الأنصار لرسول الله ص- بایعهم على أن یمعنوا محمدا و أبناءه و أهله و ذریته- مما یمنعون منه أنفسهم و أبناءهم و أهلهم و ذراریهم- فلم یفوا اللهم اشدد وطأتک على الأنصارقال أبو بکر و حدثنا أبو سعید عبد الرحمن بن محمد قال حدثنا أحمد بن الحکم قال حدثنا عبد الله بن وهب عن لیث بن سعد قال تخلف علی عن بیعه أبی بکر- فأخرج ملببا یمضى به رکضا- و هو یقول معاشر المسلمین- علام تضرب عنق رجل من المسلمین- لم یتخلف لخلاف و إنما تخلف لحاجه- فما مر بمجلس من المجالس إلا یقال له انطلق فبایعقال أبو بکر و حدثنا علی بن جریر الطائی قال حدثنا ابن فضل عن الأجلح عن حبیب بن ثعلبه بن یزید قال سمعت علیا یقول أما و رب السماء و الأرض ثلاثا- إنه لعهد النبی الأمی إلی- لتغدرن بک الأمه من بعدی- .

قال أبو بکر- و حدثنا أبو زید عمر بن شبه بإسناد رفعه إلى ابن عباس- قال إنی لأماشی عمر فی سکه من سکک المدینه یده فی یدی- فقال یا ابن عباس ما أظن صاحبک إلا مظلوما- فقلت فی نفسی و الله لا یسبقنی بها- فقلت یا أمیر المؤمنین فاردد إلیه ظلامته- فانتزع یده من یدی- ثم مر یهمهم ساعه ثم وقف فلحقته- فقال لی یا ابن عباس- ما أظن القوم منعهم من صاحبک إلا أنهم استصغروه- فقلت فی نفسی هذه شر من الأولى- فقلت و الله ما استصغره الله- حین أمره أن یأخذ سوره براءه من أبی بکر

ذکر أمر فاطمه مع أبی بکر

فأما ما رواه البخاری و مسلم فی الصحیحین- من کیفیه المبایعه لأبی بکر بهذا اللفظ- الذی أورده علیک-و لإسناد إلى عائشه أن فاطمه و العباس أتیا أبا بکر- یلتمسان میراثهما من النبی ص- و هما حینئذ یطلبان أرضه من فدک و سهمه من خیبر- فقال لهما أبو بکر إنی سمعت رسول الله ص یقول- إنا معشر الأنبیاء لا نورث- ما ترکناه صدقه إنما یأکل آل محمد من هذا المال- و إنی و الله لا أدع أمرا- رأیت رسول الله ص یصنعه إلا صنعته- فهجرته فاطمه و لم تکلمه فی ذلک حتى ماتت- فدفنها علی لیلا و لم یؤذن بها أبا بکر- و کان لعلی وجه من الناس فی حیاه فاطمه- فلما توفیت فاطمه انصرفت وجوه الناس عن علی- فمکثت فاطمه سته أشهر ثم توفیت- فقال رجل للزهری و هو الراوی لهذا الخبر عن عائشه- فلم یبایعه على سته أشهر- قال و لا أحد من بنی هاشم حتى بایعه علی فلما رأى ذلک ضرع إلى مبایعه أبی بکر- فأرسل إلى أبی بکر أن ائتنا و لا یأت معک أحد- و کره أن یأتیه عمر لما عرف من شدته- فقال عمر لا تأتهم وحدک- فقال أبو بکر و الله لآتینهم وحدی و ما عسى أن یصنعوا بی- فانطلق أبو بکر حتى دخل على علی و قد جمع بنی هاشم عنده-فقام علی فحمد الله و أثنى علیه بما هو أهله- ثم قال أما بعد- فإنه لم یمنعنا أن نبایعک یا أبا بکر إنکار لفضلک- و لا منافسه لخیر ساقه الله إلیک- و لکنا کنا نرى أن لنا فی هذا الأمر حقا- فاستبددتم به علینا- و ذکر قرابته من رسول الله ص و حقه- فلم یزل علی یذکر ذلک حتى بکى أبو بکر- فلما صمت علی تشهد أبو بکر- فحمد الله و أثنى علیه بما هو أهله- ثم قال أما بعدفو الله لقرابه رسول الله ص أحب إلی- أن أصلها من قرابتی- و إنی و الله ما آلوکم من هذه الأموال- التی کانت بینی و بینکم إلا الخیر-و لکنی سمعت رسول الله ص یقول لا نورث ما ترکناه صدقه- و إنما یأکل آل محمد فی هذا المال- و إنی و الله لا أترک أمرا- صنعه رسول الله ص إلا صنعته إن شاء الله- قال علی موعدک العشیه للبیعه- فلما صلى أبو بکر الظهر- أقبل على الناس ثم عذر علیا ببعض ما اعتذر به- ثم قام علی فعظم من حق أبی بکر و ذکر فضله و سابقته- ثم مضى إلى أبی بکر فبایعه فأقبل الناس إلى علی- فقالوا أصبت و أحسنت- و کان علی قریبا إلى الناس حین قارب الأمر بالمعروف- . و روى أبو بکر أحمد بن عبد العزیز قال- حدثنی أبو زید عمر بن شبه قال- حدثنی إبراهیم بن المنذر قال حدثنا ابن وهب- عن ابن لهیعه عن أبی الأسود قال- غضب رجال من المهاجرین فی بیعه أبی بکر بغیر مشوره- و غضب علی و الزبیر فدخلا بیت فاطمه معهما السلاح- فجاء عمر فی عصابه فیهم أسید بن حضیر- و سلمه بن سلامه بن قریش و هما من بنی عبد الأشهل- فاقتحما الدار فصاحت فاطمه و ناشدتهما الله- فأخذوا سیفیهما فضربوا بهما الحجر حتى کسروهما- فأخرجهما عمر یسوقهما حتى بایعا- . ثم قام أبو بکر فخطب الناس فاعتذر إلیهم- و قال إن بیعتی کانت فلته وقى الله شرها و خشیت الفتنه- و ایم الله ما حرصت علیها یوما قط- و لا سألتها الله فی سر و لا علانیه قط- و لقد قلدت أمرا عظیما ما لی به طاقه و لا یدان- و لقد وددت أن أقوى الناس علیه مکانی- .

فقبل المهاجرون- و قال علی و الزبیر ما غضبنا إلا فی المشوره- و إنا لنرى أبا بکر أحق الناس بها- إنه لصاحب الغار و ثانی اثنین و إنا لنعرف له سنه- و لقد أمره رسول الله ص بالصلاه و هو حی- . قال أبو بکر و ذکر ابن شهاب بن ثابت- أن قیس بن شماس أخا بنی الحارث من الخزرج- کان مع الجماعه الذین دخلوا بیت فاطمه- . قال و روى سعد بن إبراهیم- أن عبد الرحمن بن عوف کان مع عمر ذلک الیوم- و أن محمد بن مسلمه کان معهم- و أنه هو الذی کسر سیف الزبیر- . قال أبو بکر و حدثنی أبو زید عمر بن شبه عن رجاله قال- جاء عمر إلى بیت فاطمه فی رجال من الأنصار- و نفر قلیل من المهاجرین فقال- و الذی نفسی بیده لتخرجن إلى البیعه- أو لأحرقن البیت علیکم- فخرج إلیه الزبیر مصلتا بالسیف- فاعتنقه زیاد بن لبید الأنصاری و رجل آخر- فندر السیف من یده فضرب به عمر الحجر فکسره- ثم أخرجهم بتلابیبهم یساقون سوقا عنیفا- حتى بایعوا أبا بکر- .

قال أبو زید و روى النضر بن شمیل قال- حمل سیف الزبیر لما ندر من یده إلى أبی بکر- و هو على المنبر یخطب فقال اضربوا به الحجر- قال أبو عمرو بن حماس- و لقد رأیت الحجر و فیه تلک الضربه- و الناس یقولون هذا أثر ضربه سیف الزبیر- . قال أبو بکر و أخبرنی أبو بکر الباهلی- عن إسماعیل بن مجالد عن الشعبی- قال- قال أبو بکر یا عمر أین خالد بن الولید- قال هو هذا- فقال انطلقا إلیهما یعنی علیا و الزبیر فأتیانی بهما- فانطلقا فدخل عمر و وقف خالد على الباب من خارج- فقال عمر للزبیر ما هذا السیف- قال أعددته لأبایع علیا- قال و کان فی البیت ناس کثیر- منهم المقداد بن الأسود و جمهور الهاشمیین- فاخترط عمر السیف فضرب به صخره فی البیت‏ فکسره- ثم أخذ بید الزبیر فأقامه ثم دفعه فأخرجه- و قال یا خالد دونک هذا فأمسکه خالد- و کان خارج البیت مع خالد جمع کثیر من الناس- أرسلهم أبو بکر ردءا لهما- ثم دخل عمر فقال لعلی قم فبایع- فتلکأ و احتبس فأخذ بیده- و قال قم فأبى أن یقوم- فحمله و دفعه کما دفع الزبیر- ثم أمسکهما خالد و ساقهما عمر و من معه سوقا عنیفا- و اجتمع الناس ینظرون- و امتلأت شوارع المدینه بالرجال-و رأت فاطمه ما صنع عمر فصرخت و ولولت- و اجتمع معها نساء کثیر من الهاشمیات و غیرهن- فخرجت إلى باب حجرتها- و نادت یا أبا بکر- ما أسرع ما أغرتم على أهل بیت رسول الله- و الله لا أکلم عمر حتى ألقى الله- .

قال فلما بایع علی و الزبیر و هدأت تلک الفوره- مشى إلیها أبو بکر بعد ذلک فشفع لعمر- و طلب إلیها فرضیت عنه- . قال أبو بکر و حدثنی المؤمل بن جعفر قال- حدثنی محمد بن میمون قال حدثنی داود بن المبارک قال- أتینا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن- بن حسن بن علی بن أبی طالب ع- و نحن راجعون من الحج فی جماعه فسألناه عن مسائل- و کنت أحد من سأله فسألته عن أبی بکر و عمر- فقال أجیبک بما أجاب به جدی عبد الله بن الحسن- فإنه سئل عنهما فقال کانت أمنا صدیقه ابنه نبی مرسل- و ماتت و هی غضبى على قوم فنحن غضاب لغضبها- . قلت قد أخذ هذا المعنى بعض شعراء الطالبیین من أهل الحجاز- أنشدنیه النقیب جلال الدین عبد الحمید- بن محمد بن عبد الحمید العلوی قال- أنشدنی هذا الشاعر لنفسه- و ذهب عنی اسمه- قال

یا أبا حفص الهوینى و ما کنت
ملیا بذاک لو لا الحمام‏

أ تموت البتول غضبى و نرضى
ما کذا یصنع البنون الکرام‏

یخاطب عمر و یقول له مهلا و رویدا یا عمر- أی ارفق و اتئد و لا تعنف بنا و ما کنت ملیا- أی و ما کنت أهلا لأن تخاطب بهذا و تستعطف- و لا کنت قادرا على ولوج دار فاطمه- على ذلک الوجه الذی ولجتها علیه- لو لا أن أباها الذی کان بیتها یحترم و یصان لأجله مات- فطمع فیها من لم یکن یطمع- ثم قال أ تموت أمنا و هی غضبى و نرضى نحن إذا لسنا بکرام- فإن الولد الکریم یرضى لرضا أبیه و أمه و یغضب لغضبهما- . و الصحیح عندی أنها ماتت و هی واجده على أبی بکر و عمر- و أنها أوصت ألا یصلیا علیها- و ذلک عند أصحابنا من الأمور المغفوره لهما- و کان الأولى بهما إکرامها و احترام منزلها- لکنهما خافا الفرقه و أشفقا من الفتنه- ففعلا ما هو الأصلح بحسب ظنهما- و کانا من الدین و قوه الیقین بمکان مکین لا شک فی ذلک- و الأمور الماضیه یتعذر الوقوف على عللها و أسبابها- و لا یعلم حقائقها إلا من قد شاهدها و لابسها- بل لعل الحاضرین المشاهدین لها یعلمون باطن الأمر- فلا یجوز العدول عن حسن الاعتقاد فیهما بما جرى- و الله ولی المغفره و العفو- فإن هذا لو ثبت أنه خطأ لم یکن کبیره- بل کان من باب الصغائر التی لا تقتضی التبرؤ- و لا توجب زوال التولی- . قال أبو بکر و أخبرنا أبو زید عمر بن شبه قال- حدثنا محمد بن حاتم عن رجاله عن ابن عباس قال- مر عمر بعلی و أنا معه بفناء داره فسلم علیه- فقال له علی أین ترید قال البقیع- قال أ فلا تصل صاحبک و یقوم معک قال بلى- فقال لی علی قم معه فقمت فمشیت إلى جانبه- فشبک أصابعه فی أصابعی و مشینا قلیلا- حتى إذا خلفنا البقیع قال لی یا ابن عباس أما و الله- إن صاحبک هذا لأولى الناس بالأمر بعد رسول الله ص- إلا أنا خفناه على اثنین- قال ابن عباس فجاء بکلام لم أجد بدا من‏ مسألته عنه- فقلت ما هما یا أمیر المؤمنین- قال خفناه على حداثه سنه و حبه بنی عبد المطلب- . قال أبو بکر و حدثنی أبو زید قال حدثنی محمد بن عباد قال- حدثنی أخی سعید بن عباد عن اللیث بن سعد عن رجاله- عن أبی بکر الصدیق أنه قال- لیتنی لم أکشف بیت فاطمه و لو أعلن علی الحرب- .

قال أبو بکر و حدثنا الحسن بن الربیع عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهری عن علی بن عبد الله بن العباس عن أبیه قال لما حضرت رسول الله ص الوفاه- و فی البیت رجال فیهم عمر بن الخطاب- قال رسول الله ص ائتونی بدواه و صحیفه- أکتب لکم کتابا لا تضلون بعدی– فقال عمر کلمه- معناها أن الوجع قد غلب على رسول الله ص- ثم قال عندنا القرآن حسبنا کتاب الله- فاختلف من فی البیت و اختصموا- فمن قائل یقول القول ما قال رسول الله ص- و من قائل یقول القول ما قال عمر- فلما أکثروا اللغط و اللغو و الاختلاف غضب رسول الله-فقال قوموا إنه لا ینبغی لنبی أن یختلف عنده هکذا- فقاموا فمات رسول الله ص فی ذلک الیوم-فکان ابن عباس یقول إن الرزیه کل الرزیه- ما حال بیننا و بین کتاب رسول الله ص- یعنی الاختلاف و اللغط- . قلت هذا الحدیث قد خرجه الشیخان- محمد بن إسماعیل البخاری- و مسلم بن الحجاج القشیری فی صحیحیهما- و اتفق المحدثون کافه على روایته- .

قال أبو بکر و حدثنا أبو زید عن رجاله عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله‏ ص إن تولوها أبا بکر تجدوه ضعیفا فی بدنه قویا فی أمر الله- و إن تولوها عمر تجدوه قویا فی بدنه قویا فی أمر الله- و إن تولوها علیا و ما أراکم فاعلین تجدوه هادیا مهدیا- یحملکم على المحجه البیضاء و الصراط المستقیمقال أبو بکر و حدثنا أحمد بن إسحاق بن صالح عن أحمد بن سیار عن سعید بن کثیر الأنصاری عن رجاله عن عبد الله بن عبد الرحمن أن رسول الله ص فی مرض موته- أمر أسامه بن زید بن حارثه على جیش- فیه جله المهاجرین و الأنصار- منهم أبو بکر و عمر و أبو عبیده بن الجراح- و عبد الرحمن بن عوف و طلحه و الزبیر- و أمره أن یغیر على مؤته حیث قتل أبوه زید- و أن یغزو وادی فلسطین- فتثاقل أسامه و تثاقل الجیش بتثاقله- و جعل رسول الله ص فی مرضه یثقل و یخف- و یؤکد القول فی تنفیذ ذلک البعث- حتى قال له أسامه بأبی أنت و أمی- أ تأذن لی أن أمکث أیاما حتى یشفیک الله تعالى-

فقال اخرج و سر على برکه الله- فقال یا رسول الله إن أنا خرجت و أنت على هذه الحال- خرجت و فی قلبی قرحه منک- فقال سر على النصر و العافیه- فقال یا رسول الله إنی أکره أن أسأل عنک الرکبان- فقال انفذ لما أمرتک به- ثم أغمی على رسول الله ص- و قام أسامه فتجهز للخروج- فلما أفاق رسول الله ص سأل عن أسامه و البعث- فأخبر أنهم یتجهزون- فجعل یقول انفذوا بعث أسامه لعن الله من تخلف عنه و کرر ذلک- فخرج أسامه و اللواء على رأسه و الصحابه بین یدیه- حتى إذا کان بالجرف نزل و معه أبو بکر و عمر و أکثر المهاجرین و من الأنصار أسید بن حضیر- و بشیر بن سعد و غیرهم من الوجوه- فجاءه رسول أم أیمن یقول له- ادخل فإن رسول الله یموت فقام من فوره- فدخل المدینه و اللواء معه- فجاء به حتى رکزه بباب رسول الله- و رسول الله قد مات فی تلک الساعه- . قال فما کان أبو بکر و عمر یخاطبان أسامه- إلى أن ماتا إلا بالأمیر

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی‏ الحدید) ج ۶ 

بازدیدها: ۲۴۸

خطبه ۶۵ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(من أخبار یوم صفین)

۶۵ و من کلام له ع کان یقوله لأصحابه فی بعض أیام صفین

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِینَ اسْتَشْعِرُوا الْخَشْیَهَ- وَ تَجَلْبَبُوا السَّکِینَهَ وَ عَضُّوا عَلَى النَّوَاجِذِ- فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّیُوفِ عَنِ الْهَامِ وَ أَکْمِلُوا اللَّامَهَ- وَ قَلْقِلُوا السُّیُوفَ فِی أَغْمَادِهَا قَبْلَ سَلِّهَا- وَ الْحَظُوا الْخَزْرَ وَ اطْعُنُوا الشَّزْرَ- وَ نَافِحُوا بِالظُّبَى وَ صِلُوا السُّیُوفَ بِالْخُطَا- وَ اعْلَمُوا أَنَّکُمْ بِعَیْنِ اللَّهِ وَ مَعَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ- فَعَاوِدُوا الْکَرَّ وَ اسْتَحْیُوا مِنَ الْفَرِّ- فَإِنَّهُ عَارٌ فِی الْأَعْقَابِ وَ نَارٌ یَوْمَ الْحِسَابِ- وَ طِیبُوا عَنْ أَنْفُسِکُمْ نَفْساً- وَ امْشُوا إِلَى الْمَوْتِ مَشْیاً سُجُحاً- وَ عَلَیْکُمْ بِهَذَا السَّوَادِ الْأَعْظَمِ وَ الرِّوَاقِ الْمُطَنَّبِ- فَاضْرِبُوا ثَبَجَهُ فَإِنَّ الشَّیْطَانَ کَامِنٌ فِی کِسْرِهِ- وَ قَدْ قَدَّمَ لِلْوَثْبَهِ یَداً وَ أَخَّرَ لِلنُّکُوصِ رَجُلًا- فَصَمْداً صَمْداً حَتَّى یَنْجَلِیَ لَکُمْ عَمُودُ الْحَقِّ- وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللَّهُ مَعَکُمْ وَ لَنْ یَتِرَکُمْ أَعْمَالَکُمْ قوله استشعروا الخشیه- أی اجعلوا الخوف من الله تعالى من شعارکم- و الشعار من الثیاب ما یکون دون الدثار- و هو یلی الجلد و هو ألصق ثیاب الجسد- و هذه استعاره حسنه- و المراد بذلک أمرهم بملازمه الخشیه و التقوى- کما أن الجلد یلازم الشعار- .

قوله و تجلببوا السکینه- أی اجعلوا السکینه و الحلم و الوقار جلبابا لکم- و الجلباب الثوب المشتمل على البدن- . قوله و عضوا على النواجذ جمع ناجذ- و هو أقصى الأضراس- و للإنسان أربعه نواجذ فی کل شق- و النواجذ بعد الأرحاء- و یسمى الناجذ ضرس الحلم- لأنه ینبت بعد البلوغ و کمال العقل- و یقال إن العاض على نواجذه- ینبو السیف عن هامته نبوا ما- و هذا مما یساعد التعلیل الطبیعی علیه- و ذلک أنه إذا عض على نواجذه- تصلبت الأعصاب و العضلات المتصله بدماغه- و زال عنها الاسترخاء- فکانت على مقاومه السیف أقدر- و کان تأثیر السیف فیها أقل- . و قوله فإنه أنبى- الضمیر راجع إلى المصدر الذی دل الفعل علیه- تقدیره فإن العض أنبى- کقولهم من فعل خیرا کان له خیرا أی کان فعله خیرا- و أنبى أفعل من نبا السیف إذا لم یقطع- . قال الراوندی هذا کلام لیس على حقیقته- بل هو کنایه عن الأمر بتسکین القلب- و ترک اضطرابه و استیلاء الرعده علیه- إلى أن قال ذلک أشد إبعادا لسیف العدو عن هامتکم- . قوله و أکملوا اللأمه- اللأمه بالهمزه الدرع- و الهمزه ساکنه على فعله- مثل النأمه للصوت- و إکمالها أن یزاد علیها البیضه و السواعد و نحوها- و یجوز أن یعبر باللأمه عن جمیع أداه الحرب- کالدرع و الرمح و السیف- یرید أکملوا السلاح الذی تحاربون العدو به- . قوله و قلقلوا السیوف فی أغمادها قبل سلها- یوم الحرب- لئلا یدوم مکثها فی الأجفان- فتلحج فیها فیستصعب سلها وقت الحاجه إلیها- . و قوله و الحظوا الخزر- الخزر أن ینظر الإنسان بعینه- و کأنه ینظر بمؤخرها و هی أماره الغضب- و الذی أعرفه الخزر بالتحریک- قال الشاعر

إذا تخازرت و ما بی من خزر
ثم کسرت العین و ما بی من عور

ألفیتنی ألوى بعید المستمر
أحمل ما حملت من خیر و شر

فإن کان قد جاء مسکنا- فتسکینه جائز للسجعه الثانیه- و هی قوله و اطعنوا الشزر- و الطعن شزرا هو الطعن عن الیمین و الشمال- و لا یسمى الطعن تجاه الإنسان شزرا- و أکثر ما تستعمل لفظه الشزر فی الطعن- لما کان عن الیمین خاصه- و کذلک إداره الرحى- و خزرا و شزرا صفتان لمصدرین محذوفین- تقدیره الحظوا لحظا خزرا- و اطعنوا طعنا شزرا- و عین اطعنوا مضمومه- یقال طعنت بالرمح اطعن بالضم- و طعنت فی نسبه أطعن بالفتح أی قدحت- قال

یطوف بی عکب فی معد
و یطعن بالصمله فی قفیا

قوله نافحوا بالظبى- أی ضاربوا نفحه بالسیف أی ضربه- و نفحت الناقه برجلها أی ضربت- و الظبى جمع ظبه و هی طرف السیف- . قوله و صلوا السیوف بالخطا مثل قول الشاعر-

إذا قصرت أسیافنا کان وصلها
خطانا إلى أعدائنا فنضارب‏

قالوا بکسر نضارب- لأنه معطوف على موضع جزاء الشرط الذی هو إذا- . و قال آخر

نصل السیوف إذا قصرن بخطونا
یوما و نلحقها إذا لم تلحق‏

و أنشدنی شیخنا أبو القاسم الحسین بن عبد الله العکبری- و لم یسم قائله- و وجدته بعد لنابغه بنی الحارث بن کعب-

إن تسألی عنا سمی فإنه
یسمو إلى قحم العلا أدنانا

و تبیت جارتنا حصانا عفه
ترضى و یأخذ حقه مولانا

و نقوم إن رق المنون بسحره
لوصاه والدنا الذی أوصانا

ألا نفر إذا الکتیبه أقبلت
حتى تدور رحاهم و رحانا

و تعیش فی أحلامنا أشیاخنا
مردا و ما وصل الوجوه لحانا

و إذا السیوف قصرن طولها لنا
حتى تناول ما نرید خطانا

و قال حمید بن ثور الهلالی-

إلى أن نزلنا بالفضاء و ما لنا
به معقل إلا الرماح الشواجر

و وصل الخطا بالسیف و السیف بالخطا
إذا ظن أن المرء ذا السیف قاصر

و هذه الأبیات من قطعه لحمید جیده- و من جملتها

قضى الله فی بعض المکاره للفتى
برشد و فی بعض الهوى ما یحاذر

أ لم تعلمی أنی إذا الإلف قادنی‏
إلى الجور لا انقاد و الإلف جائر

و قد کنت فی بعض الصباوه أتقی
أمورا و أخشى أن تدور الدوائر

و أعلم أنی أن تغطیت مره
من الدهر مکشوف غطائی فناظر

و من المعنى الذی نحن فی ذکره- ما روی أن رجلا من الأزد رفع إلى المهلب سیفا له- فقال یا عم کیف ترى سیفی هذا- فقال إنه لجید لو لا أنه قصیر- قال أطوله یا عم بخطوتی- فقال و الله یا ابن أخی- أن المشی إلى الصین أو إلى آذربیجان- على أنیاب الأفاعی أسهل من تلک الخطوه- و لم یقل المهلب ذلک جبنا- بل قال ما توجبه الصوره- إذ کانت‏ تلک الخطوه قریبه للموت- قال أبو سعد المخزومی فی هذا المعنى-

رب نار رفعتها و دجى اللیل
على الأرض مسبل الطیلسان‏

و أمون نحرتها لضیوف‏
و ألوف نقدتهن لجانی‏

و حروب شهدتها جامع القلب
فلم تنکر الکمأه مکانی‏

و إذا ما الحسام کان قصیرا
طولته إلى العدو بنانی‏

من الناس من یرویها فی دیوانه لجانی بالجیم- أی حملت الحماله عنه- و منهم من یرویها بالحاء یعنی الخمار- . و من المعنى المذکور أولا قول بعض الشعراء- یمدح صخر بن عمرو بن الشرید الأسلمی-

إن ابن عمرو بن الشرید
له فخار لا یرام‏

و حجا إذا عدم الحجا
و ندى إذا بخل الغمام‏

یصل الحسام بخطوه
فی الروع إن قصر الحسام‏

و مثله قول الراجز

یخطو إذا ما قصر العضب الذکر
خطوا ترى منه المنایا تبتدر

و مثله

و إنا لقوم ما نرى القتل سبه
إذا ما رأته عامر و سلول‏

یقصر ذکر الموت آجالنا لنا
و تکرهه آجالهم فتطول‏

و منها

و إن قصرت أسیافنا کان وصلها
خطانا إلى أعدائنا فتطول‏

و مثله قول وداک بن ثمیل المازنی-

مقادیم وصالون فی الروع خطوهم
بکل رقیق الشفرتین یمانی‏

إذا استنجدوا لم یسألوا من دعاهم‏
لأیه حرب أم بأی مکان‏

و قال آخر

إذا الکمأه تنحوا أن یصیبهم
حد السیوف وصلناها بأیدینا

و قال آخر

وصلنا الرقاق المرهفات بخطونا
على الهول حتى أمکنتنا المضارب‏

و قال بعض الرجاز

الطاعنون فی النحور و الکلى
و الواصلون للسیوف بالخطا

قوله ع و اعلموا أنکم بعین الله- أی یراکم و یعلم أعمالکم- و الباء هاهنا کالباء فی قوله- أنت بمرأى منی و مسمع- . قوله فعاودوا الکر- أی إذا کررتم على العدو کره فلا تقتصروا علیها- بل کروا کره أخرى بعدها- ثم قال لهم- و استحیوا من الفرار فإنه عار فی الأعقاب- أی فی الأولاد- فإن الأبناء یعیرون بفرار الآباء- و یجوز أن یرید بالأعقاب جمع عقب- و هو العاقبه و ما یئول إلیه الأمر- قال سبحانه خَیْرٌ ثَواباً وَ خَیْرٌ عُقْباً- أی خیر عاقبه- فیعنى على هذا الوجه أن الفرار عار فی عاقبه أمرکم- و ما یتحدث به الناس فی مستقبل الزمان عنکم- .

ثم قال و نار یوم الحساب- لأن الفرار من الزحف ذنب عظیم- و هو عندأصحابنا المعتزله من الکبائر- قال الله تعالى وَ مَنْ یُوَلِّهِمْ یَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ- إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَیِّزاً إِلى‏ فِئَهٍ- فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ- و الجهاد بین یدی الإمام کالجهاد بین یدی الرسول ع- . قوله ع و طیبوا عن أنفسکم نفسا- لما نصب نفسا على التمییز وحده- لأن التمییز لا یکون إلا واحدا- و إن کان فی معنى الجمع- تقول انعموا بالا- و لا تضیقوا ذرعا- و أبقى الأنفس على جمعها- لما لم یکن به حاجه إلى توحیدها- یقول وطنوا أنفسکم على الموت و لا تکرهوه- و هونوه علیکم- تقول طبت عن مالی نفسا إذا هونت ذهابه- . و قوله و امشوا إلى الموت مشیا سجحا أی سهلا- و السجاحه السهوله- یقال فی أخلاق فلان سجاحه- و من رواه سمحا أراد سهلا أیضا- . و السواد الأعظم یعنی به جمهور أهل الشام- .

قوله و الرواق المطنب- یرید به مضرب معاویه ذا الأطناب- و کان معاویه فی مضرب علیه قبه عالیه- و حوله صنادید أهل الشام- و ثبجه وسطه- و ثبج الإنسان ما بین کاهله إلى ظهره- . و الکسر جانب الخباء- و قوله فإن الشیطان کامن فی کسره- یحتمل وجهین- أحدهما أن یعنى به الشیطان الحقیقی- و هو إبلیس- و الثانی أن یعنى به معاویه- و الثانی هو الأظهر للقرینه التی تؤیده- و هی قوله قد قدم للوثبه یدا- و أخر للنکوص رجلا- أی إن جبنتم وثب- و إن شجعتم نکص أی تأخر و فر- و من حمله على الوجه الأول جعله من باب المجاز- أی إن إبلیس کالإنسان- الذی یعتوره دواع مختلفه بحسب المتجددات- فإن أنتم صدقتم عدوکم القتال فر عنکم بفرار عدوکم- و إن تخاذلتم و تواکلتم طمع فیکم بطمعه- و أقدم علیکم بإقدامه- .

و قوله ع فصمدا صمدا- أی اصمدوا صمدا صمدا- صمدت لفلان أی قصدت له- . و قوله حتى ینجلی لکم عمود الحق- أی یسطع نوره و ضوءه- و هذا من باب الاستعاره- و الواو فی قوله و أنتم الأعلون واو الحال- . و لن یترکم أعمالکم أی لن ینقصکم- و هاهنا مضاف محذوف تقدیره جزاء أعمالکم- و هو من کلام الله تعالى رصع به خطبته ع- . و هذا الکلام خطب به أمیر المؤمنین ع- فی الیوم الذی کانت عشیته لیله الهریر- فی کثیر من الروایات- . و فی روایه نصر بن مزاحم- أنه خطب به فی أول أیام اللقاء و الحرب بصفین- و ذلک فی صفر من سنه سبع و ثلاثین.

من أخبار یوم صفین

قال نصر کان علی ع یرکب بغله له یستلذها- قبل أن یلتقی الفئتان بصفین- فلما حضرت الحرب و بات تلک اللیله- یعبئ الکتائب حتى أصبح- قال ائتونی بفرس- فأتی بفرس له ذنوب أدهم- یقاد بشطنین یبحث الأرض بیدیه جمیعا- له حمحمهو صهیل- فرکبه و قال- سبحان الذی سخر لنا هذا و ما کنا له مقرنین- لا حول و لا قوه إلا بالله العلی العظیمقال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر الجعفی قال کان علی ع إذا سار إلى قتال- ذکر اسم الله قبل أن یرکب- کان یقول الحمد لله على نعمه علینا و فضله- سبحان الذی سخر لنا هذا و ما کنا له مقرنین- و إنا إلى ربنا لمنقلبون- ثم یستقبل القبله- و یرفع یدیه إلى السماء و یقول- اللهم إلیک نقلت الأقدام- و أتعبت الأبدان و أفضت القلوب- و رفعت الأیدی و شخصت الأبصار- رَبَّنَا افْتَحْ بَیْنَنا وَ بَیْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ- وَ أَنْتَ خَیْرُ الْفاتِحِینَ- ثم یقول سیروا على برکه الله- ثم یقول الله أکبر الله أکبر- لا إله إلا الله الله أکبر- یا الله یا أحد یا صمد- یا رب محمد اکفف عنا بأس الظالمین- الحمد لله رب العالمین- الرحمن الرحیم مالک یوم الدین- إیاک نعبد و إیاک نستعین- بسم الله الرحمن الرحیم- و لا حول و لا قوه إلا بالله العلی العظیم- قال و کانت هذه الکلمات شعاره بصفین

قال و روى سعد بن طریف عن الأصبغ بن نباته قال ما کان علی ع فی قتال إلا نادى یا کهیعصقال نصر و حدثنا قیس بن الربیع عن عبد الواحد بن حسان العجلی عمن حدثه أنه سمع علیا ع یقول- یوم لقائه أهل الشام بصفین- اللهم إلیک رفعت الأبصار- و بسطت الأیدی و نقلت الأقدام- و دعت الألسن و أفضت القلوب- و تحوکم إلیک فی الأعمال- فاحکم بیننا و بینهم بالحق و أنت خیر الفاتحین- اللهم إنا نشکو إلیک غیبه نبینا- و قله عددنا و کثره عدونا- و تشتت أهوائنا و شده الزمان و ظهور الفتن- فأعنا على ذلک بفتح منک تعجله- و نصر تعز به سلطان الحق و تظهره

قال نصر و حدثنا عمر بن سعد عن سلام بن سوید عن علی ع فی قوله وَ أَلْزَمَهُمْ کَلِمَهَ التَّقْوى‏- قال هی لا إله إلا الله- و فی قوله الله أکبر قال هی آیه النصرقال سلام- کانت شعاره ع یقولها فی الحرب- ثم یحمل فیورد و الله من اتبعه- و من حاده حیاض الموت- . قال نصر و حدثنا عمر بن سعد- عن عبد الرحمن بن جندب عن أبیه- قال لما کان غداه الخمیس لسبع خلون من صفر- من سنه سبع و ثلاثین- صلى علی ع الغداه فغلس- ما رأیت علیا غلس بالغداه أشد من تغلیسه یومئذ- و خرج بالناس إلى أهل الشام فزحف نحوهم- و کان هو یبدؤهم فیسیر إلیهم- فإذا رأوه قد زحف استقبلوه بزحوفهم- .

قال نصر فحدثنی عمر بن سعد عن مالک بن أعین عن زید بن وهب قال لما خرج علی ع إلیهم غداه ذلک الیوم فاستقبلوه- رفع یدیه إلى السماء و قال- اللهم رب هذا السقف المحفوظ المکفوف- الذی جعلته محیطا باللیل و النهار- و جعلت فیه مجرى الشمس و القمر- و منازل الکواکب و النجوم- و جعلت سکانه سبطا من الملائکه لا یسأمون العباده- و رب هذه الأرض- التی جعلتها قرارا للأنام و الهوام و الأنعام- و ما لا یحصى مما یرى و مما لا یرى من خلقک العظیم- و رب الفلک التی تجری فی البحر المحیط- بما ینفع الناس- و رب السحاب المسخر بین السماء و الأرض- و رب البحرالمسجور المحیط بالعالمین- و رب الجبال الرواسی التی جعلتها للأرض أوتادا- و للخلق متاعا إن أظهرتنا على عدونا- فجنبنا البغی و سددنا للحق- و إن أظهرتهم علینا فارزقنا الشهاده- و اعصم بقیه أصحابی من الفتنه- .

قال فلما رأوه قد أقبل تقدموا إلیه بزحوفهم- و کان على میمنته یومئذ عبد الله بن بدیل- بن ورقاء الخزاعی- و على میسرته عبد الله بن العباس بن عبد المطلب- و قراء العراق مع ثلاثه نفر- عمار بن یاسر و قیس بن سعد بن عباده و عبد الله بن بدیل- و الناس على رایاتهم و مراکزهم- و علی ع فی القلب فی أهل المدینه جمهورهم الأنصار- و معه من خزاعه و من کنانه عدد حسن- .

قال نصر و کان علی ع رجلا ربعه أدعج العینین- کان وجهه القمر لیله البدر حسنا- ضخم البطن عریض المسربه- شثن الکفین ضخم الکسور- کأن عنقه إبریق فضه أصلع من خلفه شعر خفیف- لمنکبه مشاش کمشاش الأسد الضاری- إذا مشى تکفأ و مار به جسده- و لظهره سنام کسنام الثور لا یبین عضده من ساعده- قد أدمجت إدماجا- لم یمسک بذراع رجل قط إلا أمسک بنفسه- فلم یستطع أن یتنفس- و لونه إلى سمره ما و هو أذلف الأنف- إذا مشى إلى الحرب هرول- قد أیده الله تعالى فی حروبه بالنصر و الظفر- .

قال نصر و رفع معاویه قبه عظیمه- و ألقى علیها الکرابیس و جلس تحتها- . قال نصر و قد کان لهم قبل هذا الیوم أیام ثلاثه- و هی الرابع من صفر هذا- و الیوم الخامس و الیوم السادس- کانت فیها مناوشات و قتال لیس بذلک الکثیر- فأما الیوم الرابع- فأن محمد بن الحنفیه ع- خرج فی جمع من أهل العراق- فأخرج إلیه معاویه عبید الله بن عمر بن الخطاب- فی جمع من أهل الشام- فاقتتلوا- ثم إن عبید الله بن عمر أرسل إلى محمد بن الحنفیه- أن اخرج إلی أبارزک فقال نعم- ثم خرج إلیه فبصر بهما علی ع- فقال من هذان المتبارزان- قیل محمد بن الحنفیه و عبید الله بن عمر- فحرک دابته ثم دعا محمدا إلیه- فجاءه فقال أمسک دابتی فأمسکها- فمشى راجلا بیده سیفه نحو عبید الله- و قال له أنا أبارزک فهلم إلی- فقال عبید الله لا حاجه بی إلى مبارزتک- قال بلى فهلم إلی قال لا أبارزک- ثم رجع إلى صفه فرجع علی ع- فقال ابن الحنفیه یا أبت لم منعتنی من مبارزته- فو الله لو ترکتنی لرجوت أن أقتله- قال یا بنی لو بارزته أنا لقتلته- و لو بارزته أنت لرجوت لک أن تقتله- و ما کنت آمن أن یقتلک- فقال یا أبت أ تبرز بنفسک- إلى هذا الفاسق اللئیم عدو الله- و الله لو أبوه یسألک المبارزه لرغبت بک عنه- فقال یا بنی لا تذکر أباه- و لا تقل فیه إلا خیرا رحم الله أباه- .

قال نصر و أما الیوم الخامس- فإنه خرج فیه عبد الله بن العباس- فخرج إلیه الولید بن عقبه- فأکثر من سب بنی عبد المطلب- و قال یا ابن عباس قطعتم‏ أرحامکم و قتلتم إمامکم- فکیف رأیتم صنع الله بکم- لم تعطوا ما طلبتم و لم تدرکوا ما أملتم- و الله إن شاء مهلککم و ناصرنا علیکم- فأرسل إلیه عبد الله بن العباس- أن ابرز إلی فأبى أن یفعل- و قاتل ابن عباس ذلک الیوم قتالا شدیدا- ثم انصرفوا و کل غیر غالب- .

قال نصر و خرج فی ذلک الیوم- شمر بن أبرهه بن الصباح الحمیری- فلحق بعلی ع فی ناس من قراء أهل الشام- ففت ذلک فی عضد معاویه و عمرو بن العاص- و قال عمرو یا معاویه- إنک ترید أن تقاتل بأهل الشام رجلا- له من محمد ص قرابه قریبه- و رحم ماسه و قدم فی الإسلام لا یعتد أحد بمثله- و حده فی الحرب لم تکن لأحد من أصحاب محمد ص- و إنه قد سار إلیک بأصحاب محمد المعدودین- و فرسانهم و قرائهم و أشرافهم- و قدمائهم فی الإسلام- و لهم فی النفوس مهابه- فبادر بأهل الشام مخاشن الأوعار و مضایق العیاض- و احملهم على الجهد- و ائتهم من باب الطمع قبل أن ترفههم- فیحدث عندهم طول المقام مللا- فتظهر فیهم کآبه الخذلان- و مهما نسیت فلا تنس أنک على باطل- و أن علیا على حق- فبادر الأمر قبل اضطرابه علیک- فقام معاویه فی أهل الشام خطیبا- فقال أیها الناس أعیرونا جماجمکم و أنفسکم- لا تقتتلوا و لا تتجادلوا- فإن الیوم یوم خطار و یوم حقیقه و حفاظ- إنکم لعلى حق و بأیدیکم حجه- إنما تقاتلون من نکث البیعه و سفک الدم الحرام- فلیس له فی السماء عاذر- . قدموا أصحاب السلاح المستلئمه- و أخروا الحاسر و احملوا بأجمعکم- فقد بلغ الحق مقطعه و إنما هو ظالم و مظلوم- .

قال نصر و خطب علی ع أصحابه فیما حدثنا به عمر بن سعد عن أبی یحیى عن محمد بن طلحه عن أبی سنان عن أبیه قال کأنی أنظر إلیه متوکئا على قوسه- و قد جمع أصحاب رسول الله ص عنده- فهم یلونه کأنه أحب أن یعلم الناس- أن الصحابه متوافرون معه- فحمد الله و أثنى علیه و قال- أما بعد فإن الخیلاء من التجبر- و إن النخوه من التکبر- و إن الشیطان عدو حاضر یعدکم الباطل- ألا إن المسلم أخو المسلم فلا تنابذوا و لا تخاذلوا- ألا إن شرائع الدین واحده و سبله قاصده- من أخذ بها لحق و من فارقها محق و من ترکها مرق- لیس المسلم بالخائن إذا اؤتمن- و لا بالمخلف إذا وعد و لا بالکذاب إذا نطق- نحن أهل بیت الرحمه و قولنا الصدق- و فعلنا القصد و منا خاتم النبیین- و فینا قاده الإسلام و فینا حمله الکتاب- ألا إنا ندعوکم إلى الله و إلى رسوله- و إلى جهاد عدوه و الشده فی أمره- و ابتغاء مرضاته و إقام الصلاه و إیتاء الزکاه- و حج البیت و صیام شهر رمضان- و توفیر الفی‏ء على أهله- ألا و إن من أعجب العجائب- أن معاویه بن أبی سفیان الأموی- و عمرو بن العاص السهمی- أصبحا یحرضان الناس على طلب الدین بزعمهما- و لقد علمتم أنی لم أخالف رسول الله ص قط- و لم أعصه فی أمر- أقیه بنفسی فی المواطن التی ینکص فیها الأبطال- و ترعد فیها الفرائص- بنجده أکرمنی الله سبحانه بها و له الحمد- و لقد قبض رسول الله ص و إن رأسه لفی حجری- و لقد ولیت غسله بیدی وحدی- تقلبه الملائکه المقربون معی- و ایم الله ما اختلفت أمه قط بعد نبیها- إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها إلا ما شاء الله قال أبو سنان الأسلمی فأشهد لقد سمعت عمار بن یاسر یقول للناس أما أمیر المؤمنین فقد أعلمکم- أن الأمه لم تستقم علیه أولا- و أنها لن تستقیم علیه آخرا- .

قال ثم تفرق الناس- و قد نفذت أبصارهم فی قتال عدوهم- فتأهبوا و استعدوا-قال نصر و حدثنا عمر بن سعد عن مالک بن أعین عن زید بن وهب أن علیا ع قال فی هذه اللیله- حتى متى لا نناهض القوم بأجمعنا- ثم قام فی الناس فقال- الحمد لله الذی لا یبرم ما نقض و لا ینقض ما أبرم- و لو شاء ما اختلف اثنان من هذه الأمه و لا من خلقه- و لا تنازع البشر فی شی‏ء من أمره- و لا جحد المفضول ذا الفضل فضله- و قد ساقتنا و هؤلاء القوم الأقدار- حتى لفت بیننا فی هذا الموضع- و نحن من ربنا بمرأى و مسمع- و لو شاء لعجل النقمه و لکان منه النصر- حتى یکذب الله الظالم و یعلم الحق أین مصیره- و لکنه جعل الدنیا دار الأعمال- و الآخره دار الجزاء و القرار- لِیَجْزِیَ الَّذِینَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا- وَ یَجْزِیَ الَّذِینَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى- ألا إنکم لاقوا العدو غدا إن شاء الله- فأطیلوا اللیله القیام و أکثروا تلاوه القرآن- و اسألوا الله الصبر و النصر- و ألقوهم بالجد و الحزم و کونوا صادقین- .

قال فوثب الناس- إلى رماحهم و سیوفهم و نبالهم یصلحونها- و خرج ع فعبى الناس لیلته تلک کلها حتى أصبح- و عقد الألویه و أمر الأمراء و کتب الکتائب- و بعث إلى أهل الشام منادیا نادى فیهم- اغدوا على مصافکم- فضج أهل الشام فی معسکرهم- و اجتمعوا إلى معاویه فعبى خیله- و عقد ألویته و أمر أمراءه و کتب کتائبه- و أحاط به أهل حمص فی رایاتهم- و علیهم أبو الأعور السلمی- و أهل الأردن فی رایاتهم علیهم عمرو بن العاص- و أهل قنسرین و علیهم زفر بن الحارث الکلابی- و أهل دمشق و هم القلب-و علیهم الضحاک بن قیس الفهری- فأطافوا کلهم بمعاویه- و کان أهل الشام أکثر من أهل العراق بالضعف- و سار أبو الأعور و عمرو بن العاص و من معهما- حتى وقفا بحیال أهل العراق فنظرا إلیهم- و استقلا جمعهم و طمعا فیهم- و نصب لمعاویه منبر فقعد علیه فی قبه ضربها- ألقی علیها الثیاب و الأرائک- و أحاط به أهل یمن- و قال لا یقربن هذا المنبر أحد لا تعرفونه- إلا قتلتموه کائنا من کان- .

قال نصر و أرسل عمرو إلى معاویه- قد عرفت ما بیننا من العهد و العقد- فاعصب برأسی هذا الأمر- و أرسل إلى أبی الأعور فنحه عنی و دعنی و القوم- فأرسل معاویه إلى أبی الأعور- أن لأبی عبد الله رأیا و تجربه لیست لی و لا لک- و قد ولیته أعنه الخیل- فسر أنت حتى تقف بخیلک على تل کذا و دعه و القوم- . فسار أبو الأعور- و بقی عمرو بن العاص فیمن معه- واقفا بإزاء عسکر العراق- فنادى عمرو ابنیه عبد الله و محمدا- فقال لهما قدما هؤلاء الدرع و أخرا هؤلاء الحسر- و أقیما الصف قص الشارب- فإن هؤلاء قد جاءوا بخطه قد بلغت السماء- . فمشیا برایتهما فعدلا الصفوف- و سار بینهما عمرو فأحسن الصف ثانیه- ثم حمل قیسا و کلیبا و کنانه على الخیول- و رجل سائر الناس- . قال نصر و بات کعب بن جعیل التغلبی- شاعر أهل الشام تلک اللیله یرتجز و ینشد-

أصبحت الأمه فی أمر عجب
و الملک مجموع غدا لمن غلب‏

أقول قولا صادقا غیر کذب‏
إن غدا یهلک أعلام العرب‏

غدا نلاقی ربنا فنحتسب
غدا یصیرون رمادا قد ذهب‏

بعد الجمال و الحیاء و الحسب
یا رب لا تشمت بنا و لا تصب‏

من خلع الأنداد طرا و الصلب‏

قال نصر و قال معاویه- من فی میسره أهل العراق فقیل ربیعه- فلم یجد فی الشام ربیعه فجاء بحمیر- فجعلها بإزاء ربیعه على قرعه- أقرعها بین حمیر و عک- فقال ذو الکلاع الحمیری- باستک من سهم لم تبغ الضراب- کأنه أنف عن أن تکون حمیر بإزاء ربیعه- فبلغ ذلک حجدرا الحنفی- فحلف بالله إن عاینه لیقتلنه أو لیموتن دونه- فجاءت حمیر حتى وقفت بإزاء ربیعه- و جعل السکاسک و السکون بإزاء کنده- و علیهما الأشعث بن قیس- و جعل بإزاء همدان العراق الأزد- و بإزاء مذحج العراق عکا- . و قال راجز من أهل الشام-

ویل لأم مذحج من عک
و أمهم قائمه تبکی‏

نصکهم بالسیف أی صک‏
فلا رجال کرجال عک‏

قال و طرحت عک حجرا بین أیدیهم و قالوا لا نفر حتى یفر هذا الحکر بالکاف- و عک تقلب الجیم کافا- و صف القلب خمسه صفوف- و فعل أهل العراق أیضا مثل ذلک- و نادى عمرو بن العاص بأعلى صوته-

یا أیها الجند الصلیب الإیمان
قوموا قیاما و استعینوا الرحمن‏

إنی أتانی خبر ذو ألوان‏
إن علیا قتل ابن عفان‏

ردوا علینا شیخنا کما کان‏

فرد علیه أهل العراق و قالوا-

أبت سیوف مذحج و همدان
بأن ترد نعثلا کما کان‏

خلقا جدیدا مثل خلق الرحمن‏
ذلک شأن قد مضى و ذا شان‏

ثم نادى عمرو بن العاص ثانیه برفع صوته-

ردوا علینا شیخنا ثم بجل
أو لا تکونوا جزرا من الأسل‏

فرد علیه أهل العراق

کیف نرد نعثلا و قد قحل
نحن ضربنا رأسه حتى انجفل‏

و أبدل الله به خیر بدل‏
أعلم بالدین و أزکى بالعمل‏

و قال إبراهیم بن أوس بن عبیده من أهل الشام-

لله در کتائب جاءتکم
تبکی فوارسها على عثمان‏

تسعون ألفا لیس فیهم قاسط
یتلون کل مفصل و مثان‏

یسلون حق الله لا یعدونه
و مجیبکم للملک و السلطان‏

فأتوا ببینه على ما جئتم‏
أو لا فحسبکم من العدوان‏

و أتوا بما یمحو قصاص خلیفه
لله لیس بکاذب خوان‏

قال نصر و بات علی ع لیلته یعبئ الناس- حتى إذا أصبح زحف بهم- و خرج إلیه معاویه فی أهل الشام فجعل یقول- من هذه القبیله و من هذه القبیله- یعنی قبائل أهل الشام- فیسمون له حتى إذا عرفهم و عرف مراکزهم- قال للأزد اکفونی الأزد- و قال لخثعم اکفونی خثعما- و أمر کل قبیله من العراق- أن تکفیه أختها من أهل الشام- إلا قبیله لیس منهم بالعراق إلا القلیل مثل بجیله- فإن لخما کانت بإزائها- ثم تناهض القوم یوم الأربعاء سادس صفر- و اقتتلوا إلى آخر نهارهم و انصرفوا عند المساء- و کل غیر غالب- .

قال نصر فأما الیوم السابع- فکان القتال فیه شدیدا و الخطب عظیما- و کان عبد الله بن بدیل الخزاعی على میمنه العراق- فزحف نحو حبیب بن مسلمه و هو على میسره أهل الشام- فلم یزل یحوزه و یکشف خیله- حتى اضطر بهم إلى قبه معاویه وقت الظهر- . قال نصر فحدثنا عمر بن سعد قال- حدثنا مالک بن أعین عن زید بن وهب- أن عبد الله بن بدیل قام فی أصحابه فخطبهم- فقال ألا إن معاویه ادعى ما لیس له- و نازع الأمر أهله و من لیس مثله- و جادل بالباطل لیدحض به الحق- و صال علیکم بالأعراب و الأحزاب- و زین لهم الضلاله و زرع فی قلوبهم حب الفتنه- و لبس علیهم الأمور و زادهم رجسا إلى رجسهم- و أنتم و الله على نور و برهان مبین- قاتلوا الطغاه الجفاه قاتلوهم و لا تخشوهم- و کیف تخشونهم- و فی أیدیکم کتاب من ربکم ظاهر مبین- أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ کُنْتُمْ مُؤْمِنِینَ- قاتِلُوهُمْ یُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَیْدِیکُمْ-وَ یُخْزِهِمْ وَ یَنْصُرْکُمْ عَلَیْهِمْ- وَ یَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِینَ- و لقد قاتلتهم مع النبی ص- و الله ما هم فی هذه بأزکى و لا أتقى و لا أبر- انهضوا إلى عدو الله و عدوکم- .

قال نصر و حدثنا عمر بن سعد- قال حدثنی عبد الرحمن عن أبی عمرو عن أبیه- أن علیا ع خطب فی لیله هذا الیوم- فقال معاشر المسلمین استشعروا الخشیه- و تجلببوا السکینه و عضوا على النواجذ- فإنه أنبى للسیوف عن الهام…- الفصل بطوله إلى آخره- و هو المذکور فی الکتاب- .

و روى نصر أیضا بالإسناد المذکور أن علیا ع خطب ذلک الیوم و قال- أیها الناس إن الله تعالى ذکره- قد دلکم على تجاره تنجیکم من العذاب- و تشفی بکم على الخیر- إیمان بالله و رسوله و جهاد فی سبیله- و جعل ثوابه مغفره الذنوب- و مساکن طیبه فی جنات عدن- و رضوان من الله أکبر- و أخبرکم بالذی یحب فقال- إِنَّ اللَّهَ یُحِبُّ الَّذِینَ یُقاتِلُونَ فِی سَبِیلِهِ صَفًّا- کَأَنَّهُمْ بُنْیانٌ مَرْصُوصٌ- فسووا صفوفکم کالبنیان المرصوص- و قدموا الدارع و أخروا الحاسر- و عضوا على الأضراس- فإنه أنبى للسیوف عن الهام- و أربط للجأش و أسکن للقلوب- و أمیتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل و أولى بالوقار- و التووا فی أطراف الرماح فإنه أمور للأسنه- و رایتکم فلا تمیلوها و لا تزیلوها- و لا تجعلوها إلا بأیدی شجعانکم المانعی الذمار- و الصبر عند نزول الحقائق- أهل الحفاظ الذین یحفون برایتکم و یکتنفونها- یضربون خلفها و أمامها و لا تضیعوها- أجزاء کل امرئ وقذ قرنه- و واسى أخاه بنفسه و لم یکل قرنه إلى أخیه- فیجمع علیه قرنه و قرن أخیه- فیکسب بذلک من الإثم و یأتی به دناءه- أنى هذا و کیف یکون هکذا- هذا یقاتل اثنین و هذا ممسک یده- قد خلى قرنه إلى أخیه هاربا منه أو قائما ینظر إلیه- من یفعل هذا یمقته الله فلا تعرضوا لمقت الله- فإنما مردکم إلى الله- قال الله تعالى لقوم عابهم- لَنْ یَنْفَعَکُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ- وَ إِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِیلًا- و ایم الله لئن فررتم من سیف العاجله- لا تسلمون من سیف الآخره- استعینوا بالصدق و الصبر- فإنه بعد الصبر ینزل النصر- .

قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر- عن جابر عن الشعبی- عن مالک بن قدامه الأرحبی- قال قام سعید بن قیس یخطب أصحابه بقناصرین- فقال الحمد لله الذی هدانا لدینه و أورثنا کتابه- و امتن علینا بنبیه فجعله رحمه للعالمین- و سیدا للمرسلین و قائدا للمؤمنین و خاتما للنبیین- و حجه الله العظیم على الماضین و الغابرین- ثم کان فیما قضى الله و قدره- و له الحمد على ما أحببنا و کرهنا- أن ضمنا و عدونا بقناصرین- فلا یجمل بنا الیوم الحیاص- و لیس هذا بأوان انصراف- و لات حین مناص- و قد خصنا الله منه برحمه لا نستطیع أداء شکرها- و لا نقدر قدرها- إن أصحاب محمد المصطفین الأخیار معناو فی حیز- فو الله الذی هو بالعباد بصیر- أن لو کان قائدنا رجلا مجدعا- إلا أن معنا من البدریین سبعین رجلا- لکان ینبغی لنا أن تحسن بصائرنا و تطیب أنفسنا- فکیف و إنما رئیسنا ابن عم نبینا بدری صدق- صلى صغیرا و جاهد مع نبیکم کثیرا- و معاویه طلیق من وثاق الإسار و ابن طلیق- ألا إنه أغوى جفاه فأوردهم النار و أوردهم العار- و الله محل بهم الذل و الصغار- ألا إنکم ستلقون عدوکم غدا- فعلیکم بتقوى الله- من الجد و الحزم و الصدق و الصبر- فإن الله مع الصابرین- ألا إنکم تفوزون بقتلهم و یشقون بقتلکم- و الله لا یقتل رجل منکم رجلا منهم- إلا أدخل الله القاتل جنات عدن- و أدخل المقتول نارا تلظى- لا یُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِیهِ مُبْلِسُونَ- عصمنا الله و إیاکم بما عصم به أولیاءه- و جعلنا و إیاکم ممن أطاعه و اتقاه- و أستغفر الله العظیم لی و لکم و للمؤمنین- . ثم قال الشعبی و لقد صدق فعله ما قال فی خطبته- .

قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر- عن جابر عن أبی جعفر و زید بن الحسن قالا- طلب معاویه إلى عمرو بن العاص- أن یسوی صفوف أهل الشام- فقال له عمرو على أن لی حکمی- أن قتل الله ابن أبی طالب- و استوثقت لک البلاد- فقال أ لیس حکمک فی مصر- قال و هل مصر تکون عوضا عن الجنه- و قتل ابن أبی طالب ثمنا لعذاب النار- الذی لا یُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِیهِ مُبْلِسُونَ- فقال معاویه إن لک حکمک أبا عبد الله- إن قتل ابن أبی طالب- رویدا لا یسمع أهل الشام کلامک- فقام عمرو فقال معاشر أهل الشام- سووا صفوفکم قص الشارب- و أعیرونا جماجمکم ساعه- فقد بلغ الحق مقطعه فلم یبق إلا ظالم أو مظلوم- . قال نصر و أقبل أبو الهیثم بن التیهان- و کان من أصحاب رسول الله ص- بدریا نقیبا عقبیا- یسوی صفوف أهل العراق و یقول- یا معشر أهل العراق- إنه لیس بینکم و بین الفتح فی العاجل- و الجنه فی الآجل- إلا ساعه من النهار- فأرسوا أقدامکم و سووا صفوفکم- و أعیروا ربکم جماجمکم- استعینوا بالله إلهکم- و جاهدوا عدو الله و عدوکم- و اقتلوهم قتلهم الله و أبادهم- و اصبروا فإن الأرض لله- یورثها من یشاء من عباده و العاقبه للمتقین- .

قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن الفضل بن أدهم عن أبیه أن الأشتر قام یخطب الناس بقناصرین- و هو یومئذ على فرس أدهم- مثل حلک الغراب فقال- الحمد لله الذی خلق السموات العلى- الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏- لَهُ ما فِی السَّماواتِ وَ ما فِی الْأَرْضِ- وَ ما بَیْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى‏- أحمده على حسن البلاء و تظاهر النعماء- حمدا کثیرا بکره و أصیلا- من هداه الله فقد اهتدى و من یضلل فقد غوى- أرسل محمدا بالصواب و الهدى- فأظهره على الدین کله و لو کره المشرکون صلى الله علیه و سلم- ثم قد کان مما قضى الله سبحانه- و قدر أن ساقتنا المقادیر إلى أهل هذه البلده من الأرض- فلفت بیننا و بین عدو الله و عدونا- فنحن بحمد الله و نعمه و منه و فضله- قریره أعیننا طیبه أنفسنا- نرجو بقتالهم حسن الثواب و الأمن من العقاب- معنا ابن عم نبینا- و سیف من سیوف الله علی بن أبی طالب- صلى مع رسول الله- لم یسبقه إلى الصلاهذکر حتى کان شیخا- لم تکن له صبوه و لا نبوه و لا هفوه و لا سقطه- فقیه فی دین الله تعالى عالم بحدود الله- ذو رأی أصیل و صبر جمیل و عفاف قدیم- فاتقوا الله و علیکم بالحزم و الجد- و اعلموا أنکم على الحق و أن القوم على الباطل- إنما تقاتلون معاویه- و أنتم مع البدریین قریب من مائه بدری- سوى من حولکم من أصحاب محمد- أکثر ما معکم رایات قد کانت مع رسول الله- و مع معاویه رایات- قد کانت مع المشرکین على رسول الله- فما یشک فی قتال هؤلاء إلا میت القلب- أنتم على إحدى الحسنیین إما الفتح و إما الشهاده- عصمنا الله و إیاکم بما عصم به من أطاعه و اتقاه- و ألهمنا و إیاکم طاعته و تقواه- و أستغفر الله لی و لکم- .

قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر- عن جابر عن الشعبی عن صعصعه بن صوحان- عن زامل بن عمرو الجذامی- قال طلب معاویه إلى ذی الکلاع- أن یخطب الناس و یحرضهم على قتال علی ع- و من معه من أهل العراق- فعقد فرسه و کان من أعظم أصحاب معاویه خطرا- و خطب الناس فقال- الحمد لله حمدا کثیرا نامیا واضحا منیرا- بکره و أصیلا- أحمده و أستعینه و أومن به- و أتوکل علیه و کفى بالله وکیلا- و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شریک له- و أشهد أن محمدا عبده و رسوله- أرسله بالفرقان إماما و بالهدى و دین الحق- حین ظهرت المعاصی و درست الطاعه- و امتلأت الأرض جورا و ضلاله- و اضطرمت الدنیا نیرانا و فتنه- و ورک عدو الله إبلیس- على أن یکون قد عبد فی أکنافها- و استولى على جمیع أهلها- فکان محمد ص هو الذی أطفأ الله به نیرانها- و نزع به أوتادها و أوهن به‏قوى إبلیس- و آیسه مما کان قد طمع فیه من ظفره بهم- و أظهره على الدین کله و لو کره المشرکون- ثم کان من قضاء الله- أن ضم بیننا و بین أهل دیننا بصفین- و إنا لنعلم أن فیهم قوما- قد کانت لهم مع رسول الله ص سابقه- ذات شأن و خطر عظیم- و لکنی ضربت الأمر ظهرا و بطنا- فلم أر یسعنی أن یهدر دم عثمان صهر نبینا ص- الذی جهز جیش العسره- و ألحق فی مصلى رسول الله ص بیتا- و بنى سقایه بایع له نبی الله بیده الیمنى على الیسرى- و اختصه بکریمتیه أم کلثوم و رقیه- فإن کان قد أذنب ذنبا فقد أذنب من هو خیر منه- قال الله سبحانه لنبیه- لِیَغْفِرَ لَکَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِکَ وَ ما تَأَخَّرَ- و قتل موسى نفسا ثم استغفر الله فغفر له- و قد أذنب نوح ثم استغفر الله فغفر له- و قد أذنب أبوکم آدم ثم استغفر الله فغفر له- و لم یعر أحدکم من الذنوب- و إنا لنعلم أنه قد کانت لابن أبی طالب سابقه حسنه- مع رسول الله ص- فإن لم یکن مالأ على قتل عثمان فلقد خذله- و إنه لأخوه فی دینه و ابن عمه و سلفه و ابن عمته- ثم قد أقبلوا من عراقهم حتى نزلوا شامکم- و بلادکم و بیضتکم- و إنما عامتهم بین قاتل و خاذل- فاستعینوا بالله و اصبروا- فلقد ابتلیتم أیتها الأمه- و لقد رأیت فی منامی فی لیلتی هذه- لکانا و أهل العراق اعتورنا مصحفا نضربه بسیوفنا- و نحن فی ذلک جمیعا ننادی- ویحکم الله و مع أنا و الله لا نفارق العرصه حتى نموت- فعلیکم بتقوى الله و لتکن النیات لله- فإنی سمعت عمر بن الخطاب یقول سمعت رسول الله ص یقول إنما یبعث المقتتلون على النیات – أفرغ الله علینا و علیکم الصبر و أعز لنا و لکم النصر- و کان لنا و لکم فی کل أمر- و أستغفر الله لی و لکم- .

قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر- عن ابن عامر عن صعصعه العبدی- عن أبرهه بن الصباح قال- قام یزید بن أسد البجلی فی أهل الشام- یخطب الناس بصفین- و علیه قباء من خز و عمامه سوداء- آخذا بقائم سیفه- واضعا نصل السیف فی الأرض متوکئا علیه- قال صعصعه فذکر لی أبرهه- أنه کان یومئذ من أجمل العرب و أکرمها و أبلغها- فقال الحمد لله الواحد الفرد- ذی الطول و الجلال العزیز الجبار- الحکیم الغفار الکبیر المتعال- ذی العطاء و الفعال و السخاء و النوال- و البهاء و الجمال و المن و الإفضال- مالک الیوم الذی لا بیع فیه و لا خلال- أحمده على حسن البلاء و تظاهر النعماء- و فی کل حال من شده أو رخاء- أحمده على نعمه التؤام و آلائه العظام- حمدا یستنیر باللیل و النهار- و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شریک له- کلمه النجاه فی الحیاه و عند الوفاه- و فیها الخلاص یوم القصاص- و أشهد أن محمدا عبده و رسوله- النبی المصطفى و إمام الهدى ص- ثم کان من قضاء الله أن جمعنا و أهل دیننا- فی هذه الرقعه من الأرض- و الله یعلم أنی کنت کارها لذلک- و لکنهم لم یبلعونا ریقنا- و لم یترکونا نرتاد لأنفسنا- و ننظر لمعادنا حتى نزلوا بین أظهرنا- و فی حریمنا و بیضتنا- و قد علمنا أن فی القوم أحلاما و طغاما- و لسنا نأمن من طغامهم على ذرارینا و نسائنا- و لقد کنا نحب ألا نقاتل أهل دیننا- فأخرجونا حتى صارت الأمور- إلى أن قاتلناهم غدا حمیه- فإنا لله و إنا إلیه راجعون و الحمد لله رب العالمین- .

أما و الذی بعث محمدا بالرساله- لوددت أنی مت منذ سنه- و لکن الله إذا أراد أمرا لم یستطع العباد رده- فنستعین بالله العظیم و أستغفر الله لی و لکم- . قال نصر و حدثنا عمرو عن أبی روق الهمدانی- أن یزید بن قیس الأرحبی- حرض أهل العراق بصفین یومئذ- فقال إن المسلم السلیم من سلم دینه و رأیه- و إن هؤلاء القوم- و الله ما أن یقاتلوننا على إقامه دین رأونا ضیعناه- و لا على إحیاء حق رأونا أمتناه- و لا یقاتلوننا إلا على هذه الدنیا- لیکونوا فیها جبابره و ملوکا- و لو ظهروا علیکم- لا أراهم الله ظهورا و لا سرورا- إذا لولیکم مثل سعید- و الولید و عبد الله بن عامر السفیه- یحدث أحدهم فی مجلسه بذیت و ذیت- و یأخذ مال الله و یقول لا إثم علی فیه- کأنما أعطی تراثه من أبیه- کیف إنما هو مال الله- أفاءه علینا بأسیافنا و رماحنا- قاتلوا عباد الله القوم الظالمین- الحاکمین بغیر ما أنزل الله- و لا تأخذکم فیهم لومه لائم- إنهم أن یظهروا علیکم- یفسدوا علیکم دینکم و دنیاکم- و هم من قد عرفتم و جربتم- و الله ما أرادوا باجتماعهم علیکم إلا شرا- و أستغفر الله العظیم لی و لکم- . قال نصر و ارتجز عمرو بن العاص و أرسل بها إلى علی-

لا تأمننا بعدها أبا حسن
إنا نمر الأمر إمرار الرسن‏

و یروى
خذها إلیک و اعلمن أبا حسن‏

لتصبحن مثلها أم لبن
طاحنه تدقکم دق الحفن‏

قال فأجابه شاعر من شعراء أهل العراق-

ألا احذروا فی حربکم أبا حسن
لیثا أبا شبلین محذور فطن‏

یدقکم دق المهاریس الطحن‏
لتغبنن یا جاهلا أی غبن‏

حتى تغض الکف أو تقرع سن‏

قال نصر فحدثنا عمرو بن شمر عن جابر- عن الشعبی أن أول فارسین التقیا فی هذا الیوم- و هو الیوم السابع من صفر- و کان من الأیام العظیمه فی صفین- ذا أهوال شدیده حجر الخیر و حجر الشر- أما حجر الخیر فهو حجر بن عدی- صاحب أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب ع- و أما حجر الشر فابن عمه کلاهما من کنده- و کان من أصحاب معاویه- فأطعنا برمحیهما و خرج رجل من بنی أسد یقال له خزیمه- من عسکر معاویه- فضرب حجر بن عدی ضربه برمحه- فحمل أصحاب علی ع فقتلوا خزیمه الأسدی- و نجا حجر الشر هاربا فالتحق بصف معاویه- ثم برز حجر الشرثانیه- فبرز إلیه الحکم بن أزهر من أهل العراق- فقتله حجر الشر- فخرج إلیه رفاعه بن ظالم الحمیری من صف العراق- فقتله و عاد إلى أصحابه یقول- الحمد لله الذی قتل حجر الشر بالحکم بن أزهر- .

ثم إن علیا ع دعا أصحابه- إلى أن یذهب واحد منهم بمصحف کان فی یده- إلى أهل الشام- فقال من یذهب إلیهم- فیدعوهم إلى ما فی هذا المصحف- فسکت الناس و أقبل فتى اسمه سعید- فقال أنا صاحبه فأعاد القول ثانیه- فسکت الناس و تقدم الفتى فقال أنا صاحبه- فسلمه إلیه فقبضه بیده- ثم أتاهم فأنشدهم الله- و دعاهم إلى ما فیه فقتلوه- فقال علی ع لعبد الله بن بدیل بن ورقاء الخزاعی- احمل علیهم الآن- فحمل علیهم بمن معه من أهل المیمنه- و علیه یومئذ سیفان و درعان- فجعل یضرب بسیفه قدما و یقول-

لم یبق غیر الصبر و التوکل
و الترس و الرمح و سیف مقصل‏

ثم التمشی فی الرعیل الأول‏
مشى الجمال فی حیاض المنهل‏

 فلم یزل یحمل حتى انتهى إلى معاویه- و الذین بایعوه إلى الموت- فأمرهم أن یصمدوا لعبد الله بن بدیل- و بعث إلى حبیب بن مسلمه الفهری و هو فی المیسره- أن یحمل علیه بجمیع من معه- و اختلط الناس و اضطرم الفیلقان- میمنه أهل العراق و میسره أهل الشام- و أقبل عبد الله بن بدیل یضرب الناس بسیفه قدما- حتى أزال معاویه عن موقفه و جعل ینادی- یا ثارات عثمان و إنما یعنی أخا له قد قتل- و ظن معاویه و أصحابه أنه یعنی عثمان بن عفان- و تراجع معاویه عن مکانه القهقرى کثیرا- و أشفق على نفسه- و أرسل إلى حبیب بن مسلمه مره ثانیه و ثالثه- یستنجده و یستصرخه- و یحمل حبیب حمله شدیده- بمیسره معاویه على میمنه العراق- فکشفها حتى لم یبق مع ابن بدیل- إلا نحو مائه إنسان من القراء- فاستند بعضهم إلى بعض یحمون أنفسهم- و لجج ابن بدیل فی الناس و صمم على قتل معاویه- و جعل یطلب موقفه و یصمد نحوه حتى انتهى إلیه- و مع معاویه عبد الله بن عامر واقفا- فنادى معاویه فی الناس- ویلکم الصخر و الحجاره إذا عجزتم عن السلاح- فرضخه الناس بالصخر و الحجاره حتى أثخنوه فسقط- فأقبلوا علیه بسیوفهم فقتلوه- . و جاء معاویه و عبد الله بن عامر حتى وقفا علیه- فأما عبد الله بن عامر فألقى عمامته على وجهه- و ترحم علیه و کان له أخا صدیقا من قبل- فقال معاویه اکشف عن وجهه- فقال لا و الله لا یمثل به و فی روح- فقال معاویه اکشف عن وجهه- فإنا لا نمثل به قد وهبناه لک- فکشف ابن عامر عن وجهه- فقال معاویه هذا کبش القوم و رب الکعبه- اللهم أظفرنی بالأشتر النخعی و الأشعث الکندی- و الله ما مثل هذا إلا کما قال الشاعر-

أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها
و إن شمرت عن ساقها الحرب شمرا

و یحمی إذا ما الموت کان لقاؤه‏
قدى الشبر یحمی الأنف أن یتأخرا

کلیث هزبر کان یحمی ذماره
رمته المنایا قصدها فتقطرا

ثم قال إن نساء خزاعه- لو قدرت على أن تقاتلنی فضلا عن رجالها لفعلت- . قال نصر فحدثنا عمرو عن أبی روق- قال استعلى أهل الشام عند قتل ابن بدیل- على أهل العراق یومئذ- و انکشف أهل العراق من قبل المیمنه- و أجفلوا إجفالا شدیدا- فأمر علی ع سهل بن حنیف- فاستقدم من کان معه لیرفد المیمنه و یعضدها- فاستقبلهم جموع أهل الشام فی خیل عظیمه- فحملت علیهم فألحقتهم بالمیمنه- و کانت میمنه أهل العراق متصله بموقف علی ع- فی القلب فی أهل الیمن- فلما انکشفوا انتهت الهزیمه إلى علی ع- فانصرف یمشی نحو المیسره- فانکشف مضر عن المیسره أیضا- فلم یبق مع علی ع من أهل العراق- إلا ربیعه وحدها فی المیسره- . قال نصر فحدثنا عمرو قال- حدثنا مالک بن أعین عن زید بن وهب قال- لقد مر علی ع یومئذ و معه بنوه نحو المیسره- و معه ربیعه وحدها- و إنی لأرى النبل یمر بین عاتقه و منکبیه- و ما من بنیه إلا من یقیه بنفسه- فیکره علی ع ذلک- فیتقدم علیه و یحول بینه و بین أهل الشام- و یأخذه بیده إذا فعل ذلک فیلقیه من ورائه- و یبصر به أحمر مولى بنی أمیه و کان شجاعا- و قال علی ع و رب الکعبه- قتلنی الله إن لم أقتلک فأقبل نحوه- فخرج إلیه کیسان مولى علی ع- فاختلفا ضربتین فقتله أحمر- و خالط علیا لیضربه بالسیف و ینتهزه علی- فتقع یده فی جیب درعه فجذبه عن فرسه- فحمله على عاتقه- فو الله لکأنی أنظر إلى رجلی أحمر- تختلفان على عنق علی- ثم ضرب به الأرض فکسر منکبه و عضدیه- و شد ابنا علی حسین و محمد- فضرباه بأسیافهما حتى برد- فکأنی أنظر إلى علی قائما- و شبلاه یضربان الرجل حتى إذا أتیا علیه- أقبلا على أبیهما- و الحسن قائم معه فقال له علی یا بنی- ما منعک أن تفعل کما فعل أخواک- فقال کفیانی یا أمیر المؤمنین- .

قال ثم إن أهل الشام دنوا منه یریدونه- و الله ما یزیده قربهم منه- و دنوهم إلیه سرعه فی مشیته- فقال له الحسن ما ضرک لو أسرعت- حتى تنتهی إلى الذین صبروا لعدوک من أصحابک- قال یعنی ربیعه المیسره- فقال علی یا بنی إن لأبیک یوما- لن یعدوه و لا یبطئ به عند السعی- و لا یقربه إلیه الوقوف- إن أباک لا یبالی- أن وقع على الموت أو وقع الموت علیه- .

قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبی إسحاق قال خرج علی ع یوما من أیام صفین و فی یده عنزه- فمر على سعید بن قیس الهمدانی- فقال له سعد أ ما تخشى یا أمیر المؤمنین- أن یغتالک أحد و أنت قرب عدوک- فقال علی ع إنه لیس من أحد إلا و علیه من الله حفظه- یحفظونه من أن یتردى فی قلیب- أو یخر علیه حائط أو تصیبه آفه- فإذا جاء القدر خلوا بینه و بینه- .

قال نصر و حدثنا عمرو عن فضیل بن خدیج قال- لما انهزمت میمنه العراق یومئذ- أقبل علی ع نحو المیسره یرکض- یستثیب الناس و یستوقفهم- و یأمرهم بالرجوع نحو الفزع-فمر بالأشتر فقال یا مالک- قال لبیک یا أمیر المؤمنین- قال ائت هؤلاء القوم فقل لهم- أین فرارکم من الموت الذی لن تعجزوه- إلى الحیاه التی لا تبقى لکم- فمضى الأشتر فاستقبل الناس منهزمین- فقال لهم الکلمات و ناداهم- إلى أیها الناس أنا مالک بن الحارث یکررها- فلم یلو أحد منهم علیه- و ظن أن‏الأشتر أعرف فی الناس- من مالک بن الحارث- فجعل ینادی ألا أیها الناس- فأنا الأشتر- فانقلب نحوه طائفه و ذهبت عنه طائفه- فقال عضضتم بهن أباکم- ما أقبح و الله ما فعلتم الیوم- أیها الناس غضوا الأبصار و عضوا على النواجذ- و استقبلوا القوم بهامکم- و شدوا علیهم شده قوم موتورین- بآبائهم و أبنائهم و إخوانهم- حنقا على عدوهم- قد وطنوا على الموت أنفسهم کی لا یسبقوا بثأر- إن هؤلاء القوم و الله لن یقاتلوکم إلا عن دینکم- لیطفئوا السنه و یحیوا البدعه- و یدخلوکم فی أمر قد أخرجکم الله منه بحسن البصیره- فطیبوا عباد الله نفسا بدمائکم دون دینکم- فإن الفرار فیه سلب العز و الغلبه على الفی‏ء- و ذل المحیا و الممات و عار الدنیا و الآخره- و سخط الله و ألیم عقابه- .

ثم قال أیها الناس أخلصوا إلى مذحجا- فاجتمعت إلیه مذحج- فقال لهم عضضتم بصم الجندل- و لله ما أرضیتم الیوم ربکم و لا نصحتم له فی عدوه- و کیف ذلک و أنتم أبناء الحرب و أصحاب الغارات- و فتیان الصباح و فرسان الطراد- و حتوف الأقران و مذحج الطعان- الذین لم یکونوا سبقوا بثأرهم و لم تطل دماؤهم- و لم یعرفوا فی موطن من المواطن بخسف- و أنتم ساده مصرکم و أعز حی فی قومکم- و ما تفعلوا فی هذا الیوم فهو مأثور بعد الیوم- فاتقوا مأثور الحدیث فی غد- و اصدقوا عدوکم اللقاء- فإن الله مع الصابرین- و الذی نفس مالک بیده ما من هؤلاء- و أشار بیده إلى أهل الشام- رجل على مثل جناح البعوضه من دین الله- لله أنتم ما أحسنتم الیوم القراع- احبسوا سواد وجهی یرجع فیه دمی- علیکم هذا السواد الأعظم- فإن الله لو قد فضه تبعه من بجانبیه- کما یتبع السیل مقدمه- .

فقالوا خذ بنا حیث أحببت- فصمد بهم نحو عظمهم- و استقبله أشباههم من همدان- و هم نحو ثمانمائه مقاتل قد انهزموا آخر الناس- و کانوا قد صبروا فی میمنه علی ع- حتى قتل منهم مائه و ثمانون رجلا- و أصیب منهم أحد عشر رئیسا- کلما قتل منهم رئیس أخذ الرایه آخر- و هم بنو شریح الهمدانیون- و غیرهم من رؤساء العشیره- فأول من أصیب منهم کریب بن شریح- و شرحبیل بن شریح و مرثد بن شریح- و هبیره بن شریح و هریم بن شریح- و شهر بن شریح و شمر بن شریح- قتل هؤلاء الإخوه السته فی وقت واحد- . ثم أخذ الرایه سفیان بن زید ثم کرب بن زید- ثم عبد بن زید- فقتل هؤلاء الإخوه الثلاثه أیضا- ثم أخذ الرایه عمیر بن بشر ثم أخوه الحارث بن بشر- فقتلا جمیعا- ثم أخذ الرایه أبو القلوص وهب بن کریب- فقال له رجل من قومه- انصرف یرحمک الله بهذه الرایه- ترحها الله فقد قتل الناس حولها- فلا تقتل نفسک و لا من بقی معک- فانصرفوا و هم یقولون- لیت لنا عدیدا من العرب یحالفوننا على الموت- ثم نستقدم نحن و هم فلا ننصرف حتى نظفر أو نقتل- فمروا بالأشتر و هم یقولون هذا القول- فقال لهم الأشتر- أنا أحالفکم و أعاقدکم على ألا نرجع أبدا- حتى نظفر أو نهلک- فوقفوا معه على هذه النیه و العزیمه- فهذا معنى قول کعب بن جعیل-
و همدان زرق تبتغی من تحالف- .

قال و زحف الأشتر نحو المیمنه- و ثاب إلیه أناس تراجعوا- من أهل الصبر و الوفاءو الحیاء- فأخذ لا یصمد لکتیبه إلا کشفها- و لا لجمع إلا حازه و رده- فإنه لکذلک إذا مر بزیاد بن النضر مستلحما- فقال الأشتر هذا و الله الصبر الجمیل- هذا و الله الفعل الکریم إلی- و قد کان هو و أصحابه فی میمنه العراق- فتقدم فرفع رایته لهم فصبروا و قاتل حتى صرع- ثم لم یلبث الأشتر إلا یسیرا کلا شی‏ء- حتى مر بهم یزید بن قیس الأرحبی- مستلحما أیضا محمولا- فقال الأشتر من هذا قالوا یزید بن قیس- لما صرع زیاد بن النضر دفع رایته لأهل المیمنه- فقاتل تحتها حتى صرع- فقال الأشتر هذا و الله الصبر الجمیل- هذا و الله الفعل الکریم- أ لا یستحیی الرجل أن ینصرف أ یقتل- و لم یقتل و لم یشف به على القتل- . قال نصر و حدثنا عمرو عن الحارث بن الصباح- قال کان بید الأشتر یومئذ صفیحه له یمانیه- إذا طأطأها خلت فیها ماء ینصب- و إذا رفعها یکاد یعشی البصر شعاعها- و مر یضرب الناس بها قدما و یقول-الغمرات ثم ینجلینا- .

قال فبصر به الحارث بن جمهان الجعفی- و الأشتر مقنع فی الحدید فلم یعرفه- فدنا منه و قال له جزاک الله منذ الیوم- عن أمیر المؤمنین و عن جماعه المسلمین خیرا- فعرفه الأشتر فقال یا ابن جمهان- أ مثلک یتخلف الیوم عن مثل موطنی هذا- فتأمله ابن جمهان فعرفه- و کان الأشتر من أعظم الرجال و أطولهم- إلا أن فی لحمه خفه قلیله- فقال له جعلت فداک لا و الله- ما علمت مکانک حتى الساعه- و لا و الله لا أفارقک حتى أموت- . قال نصر و حدثنا عمرو عن الحارث بن الصباح- قال رأى الأشتر یومئذ منقذا و حمیرا ابنی قیس الیقظیان- فقال منقذ لحمیر ما فی العرب رجل مثل هذا- إن کان ما أرى من قتاله على نیه- فقال له حمیر و هل النیه إلا ما ترى- قال إنی أخاف أن یکون یحاول ملکا- . قال نصر و حدثنا عمرو- عن فضیل بن خدیج عن مولى الأشتر قال- لما اجتمع مع الأشتر عظم من کان انهزم من المیمنه- حرضهم فقال لهم- عضوا على النواجذ من الأضراس- و استقبلوا القوم بهامکم- فإن الفرار من الزحف فیه ذهاب العز- و الغلبه على الفی‏ء و ذل المحیا و الممات- و عار الدنیا و الآخره- .ثم حمل على صفوف أهل الشام حتى کشفهم- فألحقهم بمضارب معاویه و ذلک بین العصر و المغرب- .

قال نصر و حدثنا عمرو عن مالک بن أعین عن زید بن وهب أن علیا ع لما رأى میمنته- قد عادت إلى موقفها و مصافها- و کشفت من بإزائها- حتى ضاربوهم فی مواقفهم و مراکزهم- أقبل حتى انتهى إلیهم فقال- إنی قد رأیت جولتکم و انحیازکم من صفوفکم- یحوزکم الجفاه الطغاه و أعراب أهل الشام- و أنتم لهامیم العرب و السنام الأعظم- و عمار اللیل بتلاوه القرآن- و أهل دعوه الحق إذ ضل الخاطئون- فلو لا إقبالکم بعد إدبارکم و کرکم بعد انحیازکم- وجب علیکم ما وجب على المولی یوم الزحف دبره- و کنتم فیما أرى من الهالکین- و لقد هون علی بعض وجدی- و شفى بعض لاعج نفسی- إنی رأیتکم بأخره حزتموهم کما حازوکم- و أزلتموهم عن مصافهم کما أزالوکم- تحشونهم بالسیوف- یرکب أولهم آخرهم کالإبل المطروده الهیم- فالآن فاصبروا نزلت علیکم السکینه- و ثبتکم الله بالیقین- و لیعلم المنهزم أنه یسخط ربه و یوبق نفسه- و فی الفرار موجده الله علیه- و الذل اللازم له و فساد العیش- و أن الفار لا یزید الفرار فی عمره و لا یرضی ربه- فموت الرجل محقا قبل إتیان هذه الخصال- خیر من الرضا بالتلبس بها و الإصرار علیها- .

قال نصر و حدثنا عمرو- قال حدثنا أبو علقمه الخثعمی- أن عبد الله بن حنش الخثعمی رأس خثعم الشام- أرسل إلى أبی کعب الخثعمی رأس خثعم العراق- إن شئت تواقفنا فلم نقتتل- فإن ظهر صاحبکم کنا معکم- و إن ظهر صاحبنا کنتم معنا- و لا یقتل‏بعضنا بعضا- فأبى أبو کعب ذلک- فلما التقت خثعم و خثعم- و زحف الناس بعضهم إلى بعض- قال عبد الله بن حنش لقومه یا معشر خثعم- إنا قد عرضنا على قومنا من أهل العراق الموادعه- صله لأرحامها و حفظا لحقها فأبوا إلا قتالنا- و قد بدءونا بالقطیعه- فکفوا أیدیکم عنهم حفظا لحقهم أبدا ما کفوا عنکم- فإن قاتلوکم فقاتلوهم- فخرج رجل من أصحابه فقال- إنهم قد ردوا علیک رأیک- و أقبلوا إلیک یقاتلونک- ثم برز فنادى رجل یا أهل العراق- فغضب عبد الله بن حنش- قال اللهم قیض له وهب بن مسعود- یعنی رجلا من خثعم الکوفه- کان شجاعا یعرفونه فی الجاهلیه- لم یبارزه رجل قط إلا قتله- فخرج إلیه وهب بن مسعود فقتله- ثم اضطربوا ساعه و اقتتلوا أشد قتال- فجعل أبو کعب یقول لأصحابه- یا معشر خثعم خدموا- أی اضربوا موضع الخدمه و هی الخلخال- یعنی اضربوهم فی سوقهم- فناداه عبد الله بن حنش- یا أبا کعب الکل قومک فأنصف-.

قال إی و الله و أعظم و اشتد قتالهم- فحمل شمر بن عبد الله الخثعمی- من خثعم الشام على أبی کعب فطعنه فقتله- ثم انصرف یبکی- و یقول یرحمک الله أبا کعب- لقد قتلتک فی طاعه قوم أنت أمس بی رحما منهم- و أحب إلی منهم نفسا- و لکنی و الله لا أدری ما أقول- و لا أرى الشیطان إلا قد فتننا- و لا أرى قریشا إلا و قد لعبت بنا- قال و وثب کعب بن أبی کعب إلى رایه أبیه- فأخذها ففقئت عینه و صرع- ثم أخذها شریح بن مالک الخثعمی- فقاتل القوم تحتها- حتى صرع منهم حول رایتهم نحو ثمانین رجلا- و أصیب من خثعم الشام مثلهم- ثم ردها شریح بن مالک بعد ذلک إلى کعب بن أبی کعب- . قال نصر و حدثنا عمرو- قال حدثنا عبد السلام بن عبد الله بن جابر- أن رایه بجیله فی صفین مع أهل العراق- کانت فی أحمس مع أبی شداد- قیس بن المکشوح بن‏هلال بن الحارث بن عمرو بن عوف- بن عامر بن علی بن أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار- قالت له بجیله خذ رایتنا- فقال غیری خیر لکم منی- قالوا لا نرید غیرک- قال فو الله لئن أعطیتمونیها- لا أنتهی بکم دون صاحب الترس المذهب- قالوا و کان على رأس معاویه رجل قائم معه ترس مذهب- یستره من الشمس- فقالوا اصنع ما شئت- فأخذها ثم زحف بها و هم حوله یضربون الناس- حتى انتهى إلى صاحب الترس المذهب- و هو فی خیل عظیمه من أصحاب معاویه- و کان عبد الرحمن بن خالد بن الولید- فاقتتل الناس هناک قتالا شدیدا- و شد أبو شداد بسیفه نحو صاحب الترس- فتعرض له رومی من دونه لمعاویه- فضرب قدم أبی شداد فقطعها- و ضرب أبو شداد ذلک الرومی فقتله- و أسرعت إلیه الأسنه- فقتل فأخذ الرایه بعده عبد الله بن قلع الأحمسی- و ارتجز و قال-

لا یبعد الله أبا شداد
حیث أجاب دعوه المنادی‏

و شد بالسیف على الأعادی‏
نعم الفتى کان لدى الطراد
و فی طعان الخیل و الجلاد

ثم قاتل حتى قتل- فأخذها بعده أخوه عبد الرحمن بن قلع فقاتل حتى قتل- ثم أخذها عفیف بن إیاس الأحمسی- فلم تزل بیده حتى تحاجز الناس- .

قال نصر و حدثنا عمرو قال حدثنا عبد السلام- قال قتل یومئذ من بنی أحمس حازم بن أبی حازم- أخو قیس بن أبی حازم- و نعیم بن شهید بن التغلبیه- فأتى سمیه- ابن عمه نعیم بن الحارث بن التغلبیه معاویه- و کان من أصحابه- فقال إن هذا القتیل ابن عمی فهبه لی أدفنه- فقال لا تدفنوهم فلیسوا لذلک بأهل- و الله ما قدرنا على دفن عثمان بینهم إلا سرا- قال و الله لتأذنن لی فی دفنه- أو لألحقن بهم و لأدعنک- قال ویحک ترى أشیاخ العرب لا نواریهم- و أنت تسألنی فی دفن ابن عمک- ادفنه إن شئت- أو دعه فأتاه فدفنه- .

قال نصر و حدثنا عمرو- قال حدثنا أبو زهیر العبسی- عن النضر بن صالح- أن رایه غطفان العراق کانت مع عیاش بن شریک- بن حارثه بن جندب بن زید بن خلف بن رواحه- فخرج رجل من آل ذی الکلاع فسأل المبارزه- فبرز إلیه قائد بن بکیر العبسی- فبارزه فشد علیه الکلاعی فأوهطه- فقال أبو سلیم عیاش بن شریک لقومه- إنی مبارز هذا الرجل- فإن أصبت فرأسکم الأسود بن حبیب بن جمانه- بن قیس بن زهیر- فإن أصیب فرأسکم هرم بن شتیر بن عمرو بن جندب- فإن أصیب فرأسکم عبد الله بن ضرار- من بنی حنظله بن رواحه- ثم مشى نحو الکلاعی فلحقه هرم بن شتیر فأخذ بظهره- و قال لیمسک رحم لا تبرز إلى هذا الطوال- فقال هبلتک الهبول و هل هو إلا الموت- قال و هل الفرار إلا منه- قال و هل منه بد و الله لأقتلنه- أو لیلحقنیبقائد بن بکیر- فبرز له و معه حجفه من جلود الإبل فدنا منه- فإذا الحدید مفرغ على الکلاعی- لا یبین من نحره- إلا مثل شراک النعل من عنقه بین بیضته و درعه- فضربه الکلاعی فقطع جحفته إلا نحوا من شبر- فضربه عیاش على ذلک الموضع- فقطع نخاعه فقتله- و خرج ابن الکلاعی ثائرا بأبیه- فقتله بکیر بن وائل- .

قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر- عن الصلت بن زهیر النهدی أن رایه بنی نهد بالعراق- أخذها مسروق بن الهیثم بن سلمه فقتل- ثم أخذها صخر بن سمی فارتث- ثم أخذها علی بن عمیر- فقاتل حتى ارتث- ثم أخذها عبد الله بن کعب فقتل- ثم أخذها سلمه بن خذیم بن جرثومه- فارتث و صرع- ثم أخذها عبد الله بن عمرو بن کبشه فارتث- ثم أخذها أبو مسبح بن عمرو فقتل- ثم أخذها عبد الله بن النزال فقتل- ثم أخذها ابن أخیه عبد الرحمن بن زهیر فقتل- ثم أخذها مولاه مخارق فقتل- حتى صارت إلى عبد الرحمن بن مخنف الأزدی- . قال نصر فحدثنا عمرو- قال حدثنا الصلت بن زهیر- قال حدثنی عبد الرحمن بن مخنف- قال صرع یزید بن المغفل إلى جنبی- فقتلت قاتله و قمت على رأسه- ثم صرع أبو زینب بن عروه فقتلت قاتله- و قمت على رأسه و جاءنی سفیان بن عوف- فقال أ قتلتم یزید بن المغفل- فقلت إی و الله‏إنه لهذا الذی ترانی قائما على رأسه- قال و من أنت حیاک الله- قلت أنا عبد الرحمن بن مخنف- فقال الشریف الکریم- حیاک الله و مرحبا بک یا ابن عم- أ فلا تدفعه إلی فأنا عمه سفیان بن عوف بن المغفل- فقلت مرحبا بک- أما الآن فنحن أحق به منک- و لسنا بدافعیه إلیک- و أما ما عدا ذلک فلعمری أنت عمه و وارثه- .

قال نصر حدثنا عمرو- قال حدثنا الحارث بن حصین عن أشیاخ الأزد- أن مخنف بن سلیم خطب- لما ندبت أزد العراق إلى قتال أزد الشام- فقال الحمد لله و الصلاه على محمد رسوله- ثم قال إن من الخطب الجلیل و البلاء العظیم- إنا صرفنا إلى قومنا و صرفوا إلینا- و الله ما هی إلا أیدینا نقطعها بأیدینا- و ما هی إلا أجنحتنا نحذفها بأسیافنا- فإن نحن لم نفعل لم نناصح صاحبنا- و لم نواس جماعتنا و إن نحن فعلنا- فعزنا آلمنا و نارنا أخمدنا- . و قال جندب بن زهیر الأزدی- و الله لو کنا آباؤهم ولدناهم- أو کانوا آباؤنا ولدونا- ثم خرجوا عن جماعتنا و طعنوا على إمامنا- و وازروا الظالمین الحاکمین بغیر الحق- على أهل ملتنا و دیننا- ما افترقنا بعد إن اجتمعنا- حتى یرجعوا عما هم علیه- و یدخلوا فیما ندعوهم إلیه- أو تکثر القتلى بیننا و بینهم- .

فقال مخنف أعزبک الله فی التیه- و الله ما علمتک صغیرا و لا إلا کبیرا مشئوما- و الله ما میلنا فی الرأی بین أمرین قط- أیهما نأتی و أیهما ندع فی جاهلیه و لا إسلام-إلا اخترت أعسرهما و أنکدهما- اللهم أن تعافینا أحب إلی من أن تبتلینا- اللهم أعط کل رجل منا ما سألک- . فتقدم جندب بن زهیر- فبارز أزدیا من أزد الشام فقتله الشامی- . قال نصر و حدثنا عمرو عن الحارث بن حصین عن أشیاخ الحی- أن عتبه بن جویره قال یوم صفین لأهله و أصحابه- ألا إن مرعى الدنیا قد أصبح هشیما- و أصبح شجرها حصیدا و جدیدها سملا و حلوها مرا- ألا و إنی أنبئکم نبأ امرئ صادق- أنی قد سئمت الدنیا و عزفت نفسی عنها- و لقد کنت أتمنى الشهاده و أتعرض لها فی کل حین- فأبى الله إلا أن یبلغنی هذا الیوم- إلا و إنی متعرض ساعتی هذه لها- و قد طمعت ألا أحرمها- فما تنظرون عباد الله من جهاد أعداء الله- أخوف الموت القادم علیکم الذاهب بنفوسکم- أو من ضربه کف أو جبین بالسیف- أ تستبدلون الدنیا بالنظر إلى وجه الله- و مرافقه النبیین و الصدیقین و الشهداء- و الصالحین فی دار القرار- ما هذا بالرأی السدید- .

ثم قال یا إخوتاه- إنی قد بعت هذه الدار بالدار التی أمامها- و هذا وجهی إلیها لا یبرح الله وجوهکم- و لا یقطع أرحامکم- . فتبعه أخواه عبد الله و عوف- فقالا لا نطلب ورق العیش دونک قبح الله الدنیا بعدک- اللهم إنا نحتسب أنفسنا عندک- . فاستقدموا جمیعا و قاتلوا حتى قتلوا- .

قال نصر و حدثنا عمرو قال- حدثنی رجل من آل الصلت بن خارجه- أن تمیما لما ذهبت لتهزم ذلک الیوم- ناداهم مالک بن حری النهشلی- ضاع الضراب الیوم و الذی إنا له عبد یا بنی تمیم- فقالوا أ لا ترى الناس قد انهزموا- فقال ویحکم أ فرارا و اعتذارا- ثم نادى بالأحساب فجعل یکررها- فقال له قوم منهم أ تنادی بنداء الجاهلیه- إن هذا لا یحل فقال الفرار ویلکم أقبح- إن لم تقاتلوا على الدین و الیقین فقاتلوا على الأحساب- ثم جعل یقاتل و یرتجز فیقول-

إن تمیما أخلفت عنک ابن مر
و قد أراهم و هم الحی الصبر
فإن یفروا أو یخیموا لا أفر

فقتل مالک ذلک الیوم- أخوه نهشل بن حری التمیمی یرثیه-

تطاول هذا اللیل ما کاد ینجلی
کلیل التمام ما یرید انصراما

و بت بذکرى مالک بکآبه
أؤرق من بعد العشاء نیاما

أبى جزعی فی مالک غیر ذکره
فلا تعذلینی إن جزعت أماما

فأبکی أخی ما دام صوت حمامه
یؤرق من وادی البطاح حماما

و أبعث أنواحا علیه بسحره
و تذرف عینای الدموع سجاما

و أدعو سراه الحی تبکی لمالک‏
و أبعث نوحا یلتدمن قیاما

یقلن ثوى رب السماحه و الحجا
و ذو عزه یأبى بها أن یضاما

و فارس خیل لا تنازل خیله‏
إذا اضطرمت نار العدو ضراما

و أحیا عن الفحشاء من ذات کله
یرى ما یهاب الصالحون حراما

و أجرأ من لیث بخفان مخدر
و أمضی إذا رام الرجال صداما

و قال أیضا یرثیه-
بکى الفتى الأبیض البهلول سنته
عند النداء فلا نکسا و لا ورعا

بکى على مالک الأضیاف إذ نزلوا
حین الشتاء و عز الرسل فانقطعا

و لم یجد لقراهم غیر مربعه
من العشار تزجی تحتها ربعا

أهوى لها السیف صلتا و هی راتعه
فأوهن السیف عظم الساق فانجذعا

فجاءهم بعد رفد الناس أطیبها
و أشبعت منهم من نام و اضطجعا

یا فارس الروع یوم الروع قد علموا
و صاحب العزم لا نکسا و لا طبعا

و مدرک التبل فی الأعداء یطلبه
و إن طلبت بتبل عنده منعا

قالوا أخوک أتى الناعی بمصرعه‏
فانشق قلبی غده القول فانصدعا

ثم ارعوى القلب شیئا بعد طربته
و النفس تعلم أن قد أثبتت وجعا

قال نصر و حدثنا عمرو قال- حدثنی یونس بن أبی إسحاق قال- قال لنا أدهم‏بن محرز الباهلی و نحن معه بأذرح- هل رأى أحد منکم شمر بن ذی الجوشن- فقال عبد الله بن کبار النهدی- و سعید بن حازم البلوی نحن رأیناه- قال فهل رأیتما ضربه بوجهه قالا نعم- قال أنا و الله ضربته تلک الضربه بصفین- .

قال نصر و حدثنا عمرو قال- قد کان خرج أدهم بن محرز من أصحاب معاویه- إلى شمر بن ذی الجوشن فی هذا الیوم- فاختلفا ضربتین فضربه أدهم على جبینه- فأسرع فیه السیف حتى خالط العظم- و ضربه شمر فلم یصنع شیئا فرجع إلى عسکره- فشرب ماء و أخذ رمحا ثم أقبل و هو یقول-

إنی زعیم لأخی باهله
بطعنه إن لم أمت عاجله‏

و ضربه تحت الوغى فاصله‏
شبیهه بالقتل أو قاتله‏

ثم حمل على أدهم و هو یعرف وجهه- و أدهم ثابت له لم ینصرف فطعنه- فوقع عن فرسه و حال أصحابه دونه- فانصرف شمر و قال هذه بتلک- . قال نصر و خرج سوید بن قیس بن یزید الأرحبی- من عسکر معاویه یسأل المبارزه- فخرج إلیه من عسکر العراق- أبو العمرطه قیس بن عمرو بن عمیر بن یزید- و هو ابن عم سوید- و کان کل منهما لا یعرف صاحبه- فلما تقاربا تعارفا و تواقفا و تساءلا- و دعا کل واحد منهما صاحبه إلى دینه- فقال أبو العمرطه أما أنا فو الله الذی لا إله إلا هو- لئن استطعت لأضربن بسیفی هذه القبه البیضاء- یعنی القبه التی کان فیها معاویه- ثم انصرف کل واحد منهما إلى أصحابه- .

قال نصر ثم خرج رجل من عسکر الشام- من أزد شنوءه یسأل المبارزه- فخرج إلیه رجل من أهل العراق فقتله الأزدی- فخرج إلیه الأشتر فما ألبثه أن قتله- فقال قائل کان هذا ریحا فصارت إعصارا- . قال نصر و قال رجل من أصحاب علی ع- أما و الله لأحملن على معاویه حتى أقتله- فرکب فرسا ثم ضربه حتى قام على سنابکه- ثم دفعه فلم ینهنهه شی‏ء عن الوقوف على رأس معاویه- فهرب معاویه و دخل خباء- فنزل الرجل عن فرسه و دخل علیه- فخرج معاویه من جانب الخباء الآخر- فخرج الرجل فی أثره- فاستصرخ معاویه بالناس فأحاطوا به و حالوا بینهما- فقال معاویه ویحکم- إن السیوف لم یؤذن لها فی هذا- و لو لا ذلک لم یصل إلیکم فعلیکم بالحجاره- فرضخوه بالحجاره حتى همد فعاد معاویه إلى مجلسه- قال نصر و حمل رجل من أصحاب علی ع یدعى أبا أیوب- و لیس بأبی أیوب الأنصاری على صف أهل الشام- ثم رجع فوافق رجلا من أهل الشام صادرا- قد حمل على صف أهل العراق ثم رجع فاختلفا ضربتین- فنفحه أبو أیوب بالسیف- فأبان عنقه فثبت رأسه على جسده کما هو- و کذب الناس أن یکون هو ضربه فأرابهم ذلک- حتى إذا أدخلته فرسه فی صف أهل الشام ندر رأسه- و وقع میتا- فقال علی ع- و الله لأنا من ثبات رأس الرجل أشد تعجبا من الضربه- و إن کان إلیها ینتهی وصف الواصفین- . و جاء أبو أیوب فوقف بین یدی علی ع- فقال له أنت و الله کما قال الشاعر-

و علمنا الضرب آباؤنا
و نحن نعلم أیضا بنینا

قال نصر فلما انقضى هذا الیوم بما فیه- أصبحوا فی الیوم الثامن من صفین و الفیلقان متقابلان- فخرج رجل من أهل الشام فسأل المبارزه- فخرج إلیه رجل من أهل العراق-فاقتتلا بین الصفین قتالا شدیدا- ثم إن العراقی اعتنقه فوقعا جمیعا و غار الفرسان- ثم إن العراقی قهره فجلس على صدره- و کشف المغفر عنه یرید ذبحه- فإذا هو أخوه لأبیه و أمه- فصاح به أصحاب علی ع ویحک أجهز علیه- قال إنه أخی قالوا فاترکه- قال لا و الله حتى یأذن أمیر المؤمنین- فأخبر علی ع بذلک فأرسل إلیه أن دعه فترکه- فقام فعاد إلى صف معاویه- . قال نصر و حدثنا محمد بن عبید الله عن الجرجانی قال- کان فارس معاویه- الذی یعده لکل مبارز و لکل عظیم حریث مولاه- و کان یلبس سلاح معاویه متشبها به- فإذا قاتل قال الناس ذاک معاویه- و إن معاویه دعاه فقال له یا حریث اتق علیا- و ضع رمحک حیث شئت- فأتاه عمرو بن العاص فقال یا حریث- إنک و الله لو کنت قرشیا لأحب لک معاویه أن تقتل علیا- و لکن کره أن یکون لک حظها- فإن رأیت فرصه فاقتحم- قال و خرج علی ع فی هذا الیوم أمام الخیل- فحمل علیه حریث- .

قال نصر فحدثنی عمرو بن شمر عن جابر قال برز حریث مولى معاویه هذا الیوم- و کان شدیدا أیدا ذا بأس لا یرام- فصاح یا علی هل لک فی المبارزه- فأقدم أبا حسن إن شئت- فأقبل علی ع و هو یقول-

أنا علی و ابن عبد المطلب
نحن لعمر الله أولى بالکتب‏

 

منا النبی المصطفى غیر کذب
أهل اللواء و المقام و الحجب‏
نحن نصرناه على کل العرب‏

ثم خالطه فما أمهله أن ضربه ضربه واحده فقطعه نصفین- . قال نصر فحدثنا محمد بن عبید الله قال- حدثنی الجرجانی قال- جزع معاویه على حریث جزعا شدیدا- و عاتب عمرا فی إغرائه إیاه بعلی ع- و قال فی ذلک شعرا-

حریث أ لم تعلم و جهلک ضائر
بأن علیا للفوارس قاهر

و أن علیا لم یبارزه فارس‏
من الناس إلا أقصدته الأظافر

أمرتک أمرا حازما فعصیتنی
فجدک إذ لم تقبل النصح عاثر

و دلاک عمرو و الحوادث جمه
غرورا و ما جرت علیک المقادر

و ظن حریث أن عمرا نصیحه
و قد یهلک الإنسان من لا یحاذر

قال نصر فلما قتل حریث برز عمرو بن الحصین السکسکی- فنادى یا أبا حسن هلم إلى المبارزه- فأومأ ع إلى سعید بن قیس الهمدانی- فبارزه فضربه بالسیف فقتله- .و قال نصر و کان لهمدان بلاء عظیم فی نصره علی ع فی صفین- و من الشعر الذی لا یشک أن قائله علی ع لکثره الرواه له-

دعوت فلبانی من القوم عصبه
فوارس من همدان غیر لئام‏

فوارس من همدان لیسوا بعزل‏
غداه الوغى من شاکر و شبام‏

بکل ردینی و عضب تخاله
إذا اختلف الأقوام شعل ضرام‏

لهمدان أخلاق کرام تزینهم‏
و بأس إذا لاقوا و حد خصام‏

و جد و صدق فی الحروب و نجده
و قول إذا قالوا بغیر أثام‏

متى تأتهم فی دارهم تستضیفهم‏
تبت ناعما فی خدمه و طعام‏

جزى الله همدان الجنان فإنها
سمام العدا فی کل یوم زحام‏

فلو کنت بوابا على باب جنه
لقلت لهمدان ادخلوا بسلام‏

قال نصر فحدثنی عمرو بن شمر قال- ثم قام علی ع بین الصفین و نادى یا معاویه یکررها- فقال معاویه سلوه ما شأنه- قال أحب أن یظهر لی فأکلمه کلمه واحده- فبرز معاویه و معه عمرو بن العاص- فلما قارباه لم یلتفت إلى عمرو- و قال لمعاویه ویحک علام یقتل الناس بینی و بینک- و یضرب بعضهم بعضا- ابرز إلی فأینا قتل صاحبه فالأمر له- فالتفت معاویه إلى عمرو فقال ما ترى یا أبا عبد الله- قال قد أنصفک الرجل- و اعلم أنک إن نکلت عنه لم یزل سبه علیک و على عقبک- ما بقی على ظهر الأرض عربی- فقال معاویه یا ابن العاص لیس مثلی یخدع عن نفسه- و الله ما بارز ابن أبی طالب شجاع قط إلا و سقی الأرض من دمه- ثم انصرف معاویه راجعا- حتى انتهى إلى‏ آخر الصفوف و عمرو معه- فلما رأى علی ع ذلک ضحک و عاد إلى موقفه- . قال نصر و فی حدیث الجرجانی أن معاویه قال لعمرو- ویحک ما أحمقک تدعونی إلى مبارزته- و دونی عک و جذام و الأشعرون- . قال نصر قال و حقدها معاویه على عمرو باطنا- و قال له ظاهرا- ما أظنک قلت ما قلته یا أبا عبد الله إلا مازحا- فلما جلس معاویه مجلسه- أقبل عمرو یمشی حتى جلس إلى جانبه فقال معاویه-

یا عمرو إنک قد قشرت لی العصا
برضاک لی وسط العجاج برازی‏

یا عمرو إنک قد أشرت بظنه
حسب المبارز خطفه من بازی‏

و لقد ظننتک قلت مزحه مازح
و الهزل یحمله مقال الهازی‏

فإذا الذی منتک نفسک حاکیا
قتلی جزاک بما نویت الجازی‏

و لقد کشفت قناعها مذمومه
و لقد لبست بها ثیاب الخازی‏

فقال عمرو أیها الرجل أ تجبن عن خصمک و تتهم نصیحک- و قال مجیبا له

معاوی إن نکلت عن البراز
و خفت فإنها أم المخازی‏

معاوی ما اجترمت إلیک ذنبا
و لا أنا فی الذی حدثت خازی‏

و ما ذنبی بأن نادى علی
و کبش القوم یدعى للبراز

و لو بارزته بارزت لیثا
حدید الناب یخطف کل بازی‏

و تزعم أننی أضمرت غشا
جزانی بالذی أضمرت جازی‏

 و روى ابن قتیبه فی کتابه المسمى عیون الأخبار قال- قال أبو الأغر التمیمی- بینا أنا واقف بصفین مر بی العباس- بن ربیعه بن الحارث بن عبد المطلب- مکفرا بالسلاح و عیناه تبصان من تحت المغفر- کأنهما عینا أرقم و بیده صفیحه یمانیه یقلبها- و هو على فرس له صعب- فبینا هو یمغثه و یلین من عریکته- هتف به هاتف من أهل الشام یعرف بعرار بن أدهم- یا عباس هلم إلى البراز- قال العباس فالنزول إذا فإنه إیاس من القفول- فنزل الشامی و هو یقول-

إن ترکبوا فرکوب الخیل عادتنا
أو تنزلون فإنا معشر نزل‏

 و ثنى العباس رجله و هو یقول-

و یصد عنک مخیله الرجل العریض
موضحه عن العظم‏

بحسام سیفک أو لسانک و الکلم‏
الأصیل کأرغب الکلم‏

ثم عصب فضلات درعه فی حجزته- و دفع فرسه إلى غلام له أسود یقال له أسلم-کأنی و الله أنظر إلى فلافل شعره- ثم دلف کل واحد منهما إلى صاحبه- فذکرت قول أبی ذؤیب-

فتنازلا و تواقفت خیلاهما
و کلاهما بطل اللقاء مخدع‏

 و کفت الناس أعنه خیولهم ینظرون ما یکون من الرجلین- فتکافحا بسیفیهما ملیا من نهارهما- لا یصل واحد منهما إلى صاحبه لکمال لأمته- إلى أن لحظ العباس وهنا فی درع الشامی- فأهوى إلیه بیده فهتکه إلى ثندوته- ثم عاد لمجاولته و قد أصحر له مفتق الدرع- فضربه العباس ضربه انتظم بها جوانح صدره- فخر الشامی لوجهه- و کبر الناس تکبیره ارتجت لها الأرض من تحتهم- و سما العباس فی الناس فإذا قائل یقول من ورائی- قاتِلُوهُمْ یُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَیْدِیکُمْ- وَ یُخْزِهِمْ وَ یَنْصُرْکُمْ عَلَیْهِمْ- وَ یَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِینَ- وَ یُذْهِبْ غَیْظَ قُلُوبِهِمْ وَ یَتُوبُ اللَّهُ عَلى‏ مَنْ یَشاءُ- فالتفت فإذا أمیر المؤمنین-

فقال لی یا أبا الأغر من المنازل لعدونا- قلت هذا ابن أخیکم هذا العباس بن ربیعه- فقال و إنه لهو یا عباس أ لم أنهک و ابن عباس- أن تخلا بمراکزکما و أن تباشرا حربا- قال إن ذلک کان قال فما عدا مما بدا- قال یا أمیر المؤمنین أ فأدعى إلى البراز فلا أجیب- قال نعم طاعه إمامک أولى من إجابه عدوک- ثم تغیظ و استطار حتى قلت الساعه الساعه- ثم سکن و تطامن و رفع یدیه مبتهلا فقال- اللهم اشکر للعباس مقامه و اغفر ذنبه- إنی قد غفرت له فاغفر له- قال و لهف معاویه على عرار و قال- متى ینتطح فحل لمثله أ یطل دمه لاها الله إذا- ألا رجل یشری نفسه لله یطلب بدم عرار- فانتدب له رجلان من لخم‏

فقال لهما اذهبا فأیکما قتل العباس برازا فله کذا- فأتیاه فدعواه للبراز- فقال إن لی سیدا أرید أن أؤامره- فأتى علیا ع فأخبره الخبر-
فقال ع و الله لود معاویه أنه ما بقی من بنی هاشم نافخ ضرمه- إلا طعن فی بطنه- إطفاء لنور الله و یأبى الله إلا أن یتم نوره- و لو کره المشرکون- أما و الله لیملکنهم منا رجال و رجال یسومونهم الخسف- حتى یحتفروا الآبار و یتکففوا الناس- و یتوکلوا على المساحی- ثم قال یا عباس ناقلنی سلاحک بسلاحی فناقله و وثب على فرس العباس و قصد اللخمیین- فما شکا أنه هو فقالا إذن لک صاحبک- فحرج أن یقول نعم فقال- إذن للذین یقاتلون بأنهم ظلموا- و إن الله على نصرهم لقدیر- فبرز إلیه أحدهما فکأنما اختطفه- ثم برز له الآخر فألحقه بالأول ثم أقبل و هو یقول- الشهر الحرام بالشهر الحرام و الحرمات قصاص- فمن اعتدى علیکم فاعتدوا علیه بمثل ما اعتدى علیکم- ثم قال یا عباس خذ سلاحک و هات سلاحی- فإن عاد لک أحد فعد إلی- . قال فنمی الخبر إلى معاویه فقال قبح الله اللجاج- إنه لقعود ما رکبته قط إلا خذلت- .

فقال عمرو بن العاص- المخذول و الله اللخمیان لا أنت- فقال اسکت أیها الرجل و لیست هذه من ساعاتک- قال و إن لم یکن فرحم الله اللخمیین و ما أراه یفعل- قال فإن ذاک و الله أخسر لصفقتک و أضیق لحجزتک- . قال قد علمت ذاک و لو لا مصر لرکبت المنجاه منها- قال هی أعمتک و لولاها ألقیت بصیرا- .

قال نصر بن مزاحم و حدثنا عمرو قال- حدثنی فضیل بن خدیج قال- خرج رجل من أهل الشام یدعو إلى المبارزه- فخرج إلیه عبد الرحمن بن محرز الکندی ثم الطمحی- فتجاولا ساعه- ثم إن عبد الرحمن حمل على الشامی- فطعنه فی نقره نحره فصرعه- ثم نزل إلیه فسلبه درعه و سلاحه- فإذا هو عبد أسود- فقال إنا لله أخطرت نفسی بعبد أسود- قال و خرج رجل من عک فسأل البراز- فخرج إلیه قیس بن فهران الکندی- فما ألبثه أن طعنه فقتله و قال-

لقد علمت عک بصفین أننا
إذا ما تلاقى الخیل نطعنها شزرا

و نحمل رایات القتال بحقها
فنوردها بیضا و نصدرها حمرا

قال و حمل عبد الله بن الطفیل البکائی على صفوف أهل الشام- فلما انصرف حمل علیه رجل من بنی تمیم- یقال له قیس بن فهد الحنظلی الیربوعی- فوضع الرمح بین کتفی عبد الله- فاعترضه یزید بن معاویه البکائی- ابن عم عبد الله بن الطفیل فوضع الرمح بین کتفی التمیمی- و قال و الله لئن طعنته لأطعننک- فقال علیک عهد الله- لئن رفعت السنان عن ظهر صاحبک لترفعنه عن ظهری- قال نعم لک العهد و المیثاق بذلک- فرفع السنان عن ظهر عبد الله- فرفع یزید السنان عن التمیمی- فوقف التمیمی و قال لیزید ممن أنت قال من بنی عامر- قال جعلنی الله فداکم أینما لقیناکم کراما- أما و الله إنی لآخر أحد عشر رجلا من بنی تمیم- قتلتموهم الیوم- . قال نصر- فبعد ذلک بدهر عتب یزید على عبد الله بن الطفیل- فأذکره ما صنع معه یوم صفین فقال-

أ لم ترنی حامیت عنک مناصحا
بصفین إذ خلاک کل حمیم‏

و نهنهت عنک الحنظلی و قد أتى‏
على سابح ذی میعه و هزیم‏

 قال نصر و خرج ابن مقیده الحمار الأسدی- و کان ذا بأس و شجاعه و هو من فرسان الشام- فطلب البراز فقام المقطع العامری و کان شیخا کبیرا- فقال علی ع له اقعد- فقال یا أمیر المؤمنین لا تردنی- إما أن یقتلنی فأتعجل الجنه- و أستریح من الحیاه الدنیا فی الکبر و الهرم- أو أقتله فأریحک منه- . و قال له ع ما اسمک فقال المقطع- قال ما معنى ذلک- قال کنت أدعى هشیما فأصابتنی جراحه منکره- فدعیت المقطع منها- فقال له ع اخرج إلیه و أقدم علیه- اللهم انصر المقطع على ابن مقیده الحمار- فحمل على ابن مقیده الحمار فأدهشه لشده الحمله- فهرب و هو یتبعه حتى مر بمضرب معاویه حیث یراه- و المقطع على أثره فجاوزا معاویه بکثیر- فلما رجع المقطع و رجع ابن مقیده الحمار- ناداه معاویه لقد شمص بک العراقی- قال أما إنه قد فعل أیها الأمیر- ثم عاد المقطع فوقف فی موقفه- .

قال نصر فلما کان عام الجماعه و بایع الناس معاویه- سأل عن المقطع العامری حتى أدخل علیه و هو شیخ کبیر- فلما رآه قال آه لو لا أنک على مثل هذه الحال لما أفلت منی- قال نشدتک الله إلا قتلتنی و أرحتنی من بؤس الحیاه- و أدنیتنی إلى لقاء الله- قال إنی لا أقتلک و إن بی إلیک لحاجه- قال ما هی قال أحب أن تؤاخینی- قال أنا و إیاکم افترقنا فی الله- فلا نجتمع حتى یحکم الله بیننا فی الآخره- .

قال فزوجنی ابنتک- قال قد منعتک ما هو أهون علی من ذلک- قال فاقبل منی صله قال لا حاجه لی فیما قبلک- . قال فخرج من عنده و لم یقبل منه شیئا- . قال نصر ثم التقى الناس فاقتتلوا قتالا شدیدا- و حاربت طیئ مع أمیر المؤمنین ع حربا عظیما- و تداعت و ارتجزت فقتل منها أبطال کثیرون- و فقئت عین بشر بن العوس الطائی- و کان من رجال طیئ و فرسانها- فکان یذکر بعد ذلک أیام صفین فیقول- وددت أنی کنت قتلت یومئذ- و وددت أن عینی هذه الصحیحه فقئت أیضا- و قال

ألا لیت عینی هذه مثل هذه
و لم امش بین الناس إلا بقائد

و یا لیت رجلی ثم طنت بنصفها
و یا لیت کفی ثم طاحت بساعدی‏

و یا لیتنی لم أبق بعد مطرف
و سعد و بعد المستنیر بن خالد

فوارس لم تغد الحواضن مثلهم‏
إذا هی أبدت عن خدام الخرائد

 قال نصر- و أبلت محارب یومئذ مع أمیر المؤمنین ع بلاء حسنا- و کان عنتر بن عبید بن خالد بن المحاربی- أشجع الناس یومئذ- فلما رأى أصحابه متفرقین ناداهم- یا معشر قیس أ طاعه الشیطان أبر عندکم من طاعه الرحمن- ألا إن الفرار فیه معصیه الله و سخطه- و إن الصبر فیه طاعه و رضوانه- أ فتختارون سخط الله على رضوانه و معصیته على طاعته- ألا إنما الراحه بعد الموت لمن مات محتسبا لنفسه- ثم یرتجز فیقول-

لا وألت نفس امرئ ولى الدبر
أنا الذی لا أنثنی و لا أفر
و لا یرى مع المعازیل الغدر

 و قاتل حتى ارتث- . قال نصر- و قاتلت النخع مع علی ع ذلک الیوم قتالا شدیدا- و قطعت رجل علقمه بن قیس النخعی و قتل أخوه أبی بن قیس- فکان علقمه یقول بعد- ما أحب أن رجلی أصح ما کانت لما أرجو بها من حسن الثواب- و کان یقول لقد کنت أحب أن أبصر أخی فی نومی- فرأیته فقلت له یا أخی ما الذی قدمتم علیه- فقال لی التقینا نحن و أهل الشام بین یدی الله سبحانه- فاحتججنا عنده فحججناهم- فما سررت بشی‏ء منذ عقلت سروری بتلک الرؤیا- .

قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن سوید بن حبه البصری- عن الحضین بن المنذر الرقاشی قال إن ناسا أتوا علیا ع قبل الوقعه فی هذا الیوم- فقالوا له إنا لا نرى خالد بن المعمر السدوسی- إلا قد کاتب معاویه و قد خشینا أن یلتحق به و یبایعه- فبعث إلیه علی ع و إلى رجال من أشراف ربیعه- فجمعهم فحمد الله و أثنى علیه- و قال یا معشر ربیعه أنتم أنصاری و مجیبو دعوتی- و من أوثق أحیاء العرب فی نفسی- و قد بلغنی أن معاویه قد کاتب صاحبکم هذا- و هو خالد بن المعمر و قد أتیت به- و جمعتکم لأشهدکم علیه و تسمعوا منی و منه- ثم أقبل علیه فقال یا خالد بن المعمر- إن کان ما بلغنی عنک حقا- فإنی أشهد من حضرنی من المسلمین أنک آمن- حتى تلحق بالعراق أو بالحجاز- أو بأرض لا سلطان لمعاویه فیها- و إن کنت مکذوبا علیک- فأبر صدورنا بإیمان نطمئن إلیها- فحلف له‏ خالد بالله ما فعل- و قال رجال منا کثیر- و الله یا أمیر المؤمنین لو نعلم أنه فعل لقتلناه- .

و قال شقیق بن ثور السدوسی- ما وفق الله خالد بن المعمر- حین ینصر معاویه و أهل الشام- على علی و أهل العراق و ربیعه- فقال له زیاد بن خصفه- یا أمیر المؤمنین استوثق من ابن المعمر بالأیمان- لا یغدر بک- فاستوثق منه ثم انصرفوا- . فلما تصاف الناس فی هذا الیوم و حمل بعضهم على بعض- تضعضعت میمنه أهل العراق- فجاءنا علی ع و معه بنوه حتى انتهى إلینا- فنادى بصوت عال جهیر لمن هذه الرایات- فقلنا رایات ربیعه- فقال بل هی رایات الله عصم الله أهلها- و صبرهم و ثبت أقدامهم- ثم قال لی و أنا حامل رایه ربیعه یومئذ یا فتى- أ لا تدنی رایتک هذه ذراعا- فقلت بلى و الله و عشره أذرع ثم ملت بها هکذا فأدنیتها- فقال لی حسبک مکانک- . قال نصر و حدثنا عمرو قال- حدثنی یزید بن أبی الصلت التیمی قال- سمعت أشیاخ الحی من بنی تیم بن ثعلبه یقولون- کانت رایه ربیعه کلها کوفیتها و بصریتها- مع خالد بن المعمر السدوسی من ربیعه البصره- ثم نافسه فی الرایه شقیق بن ثور- من بکر بن وائل من أهل الکوفه- فاصطلحا على أن یولیا الرایه- لحضین بن المنذر الرقاشی و هو من أهل البصره أیضا- و قالوا هذا فتى له حسب- تعطیه الرایه إلى أن نرى رأینا- و کان الحضین یومئذ شابا حدث السن- .

قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر قال أقبل الحضین بن المنذر یومئذ- و هو غلام یزحف برایه ربیعه و کانت حمراء- فأعجب علیا ع زحفه و ثباته- فقال‏

لمن رایه حمراء یخفق ظلها
إذا قیل قدمها حضین تقدما

و یدنو بها فی الصف حتى یزیرها
حمام المنایا تقطر الموت و الدما

تراه إذا ما کان یوم عظیمه
أبى فیه إلا عزه و تکرما

جزى الله قوما صابروا فی لقائهم‏
لدى الناس حرا ما أعف و أکرما

و أحزم صبرا یوم یدعى إلى الوغى
إذا کان أصوات الکمأه تغمغما

ربیعه أعنی إنهم أهل نجده
و بأس إذا لاقوا خمیسا عرمرما

و قد صبرت عک و لحم و حمیر
لمذحج حتى لم یفارق دم دما

و نادت جذام یا ل مذحج ویحکم‏
جزى الله شرا أینا کان أظلما

أ ما تتقون الله فی حرماتکم
و ما قرب الرحمن منها و عظما

أذقنا ابن حرب طعننا و ضرابنا
بأسیافنا حتى تولى و أحجما

و فر ینادى الزبرقان و ظالما
و نادى کلاعا و الکریب و أنعما

و عمرا و سفیانا و جهما و مالکا
و حوشب و الغاوی شریحا و أظلما

و کرز بن تیهان و عمرو بن جحدر
و صباحا القینی یدعو و أسلما

قلت هکذا روى نصر بن مزاحم- و سائر الرواه رووا له ع الأبیات السته الأولى- و رووا باقی الأبیات من قوله و قد صبرت عک- للحضین بن المنذر صاحب الرایه- . قال نصر و أقبل ذو الکلاع فی حمیر و من لف لفها- و معهم عبید الله بن عمربن الخطاب فی أربعه آلاف- من قراء أهل الشام- و ذو الکلاع فی حمیر فی المیمنه- و عبید الله فی القراء فی المیسره- فحملوا على ربیعه و هم فی میسره أهل العراق- و فیهم عبید الله بن العباس حمله شدیده- فتضعضعت رایات ربیعه- . ثم إن أهل الشام انصرفوا فلم یمکثوا إلا قلیلا- حتى کروا ثانیه و عبید الله بن عمر فی أوائلهم- یقول یا أهل الشام هذا الحی من العراق- قتله عثمان بن عفان و أنصار علی بن أبی طالب- و لئن هزمتم هذه القبیله أدرکتم ثأرکم من عثمان- و هلک علی و أهل العراق- فشدوا على الناس شده عظیمه فثبتت لهم ربیعه- و صبرت صبرا حسنا إلا قلیلا من الضعفاء- .

فأما أهل الرایات و ذوو البصائر منهم و الحفاظ- فثبتوا و قاتلوا قتالا شدیدا- و أما خالد بن المعمر فإنه لما رأى بعض أصحابه قد انصرفوا انصرف معهم- فلما رأى أهل الرایات ثابتین صابرین رجع إلیهم- و صاح بمن انهزم و أمرهم بالرجوع- فکان من یتهمه من قومه یقول إنه فر- فلما رآنا قد ثبتنا رجع إلینا- و قال هو لما رأیت رجالا منا قد انهزموا- رأیت أن أستقبلهم ثم أردهم إلى الحرب فجاء بأمر مشتبه- .

قال نصر- و کان فی جمله ربیعه من عنزه وحدها أربعه آلاف مجفف- . قلت لا ریب عند علماء السیره- أن خالد بن المعمر کان له باطن سوء مع معاویه- و أنه انهزم هذا الیوم لیکسر المیسره على علی ع- ذکر ذلک الکلبی و الواقدی و غیرهما- و یدل على باطنه هذا- أنه لما استظهرت ربیعه على معاویه- و على صفوف أهل الشام فی الیوم الثانی من هذا- أرسل معاویه إلى خالد بن المعمر- أن کف عنی و لک إماره خراسان ما بقیت- فکف عنه فرجع بربیعه و قد شارفوا أخذه من مضربه- و سیأتی ذکر ذلک- .

قال نصر- فلما رجع خالد بن المعمر و استوت صفوف ربیعه کما کانت- خطبهم فقال یا معشر ربیعه- إن الله تعالى قد أتى بکل رجل منکم من منبته و مسقط رأسه- فجمعکم فی هذا المکان جمعا لم تجتمعوا مثله قط- منذ أفرشکم الله الأرض- و إنکم إن تمسکوا أیدیکم- و تنکلوا عن عدوکم و تحولوا عن مصافکم- لا یرضى الرب فعلکم- و لا تعدموا معیرا یقول فضحت ربیعه الذمار- و خاموا عن القتال و أتیت من قبلهم العرب- فإیاکم أن یتشاءم بکم الیوم المسلمون- و إنکم إن تمضوا مقدمین و تصبروا محتسبین- فإن الإقدام منکم عاده و الصبر منکم سجیه- فاصبروا و نیتکم صادقه تؤجروا- فإن ثواب من نوى ما عند الله- شرف الدنیا و کرامه الآخره- و الله لا یضیع أجر من أحسن عملا- . فقام إلیه رجل من ربیعه و قال- قد ضاع و الله أمر ربیعه حین جعلت أمرها إلیک- تأمرنا ألا نحول و لا نزول- حتى نقتل أنفسنا و نسفک دماءنا- .

فقام إلیه رجال من قومه فتناولوه بقسیهم- و لکزوه بأیدیهم- و قالوا لخالد بن المعمر أخرجوا هذا من بینکم- فإن هذا أن بقی فیکم ضرکم- و إن خرج منکم لم ینقصکم عددا- هذا الذی لا ینقص العدد و لا یملأ البلد- ترحک الله من خطیب قوم- لقد جنبک الخیر قبح الله ما جئت به- .

قال نصر و اشتد القتال بین ربیعه و حمیر- و عبید الله بن عمر حتى کثرت القتلى- و جعل عبید الله یحمل و یقول أنا الطیب ابن الطیب- فتقول له ربیعه بل أنت الخبیث ابن الطیب- . ثم خرج نحو خمسمائه فارس أو أکثر من أصحاب علی ع- على رءوسهم البیض و هم غائصون فی الحدید- لا یرى منهم إلا الحدق- و خرج إلیهم من أهل الشام نحوهم فی العده- فاقتتلوا بین الصفین و الناس وقوف تحت رایاتهم- فلم یرجع من هؤلاء و لا من هؤلاء مخبر- لا عراقی و لا شامی قتلوا جمیعا بین الصفین- . قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن تمیم قال- نادى منادی أهل الشام- ألا إن معنا الطیب ابن الطیب عبید الله بن عمر- فنادى منادی أهل العراق بل هو الخبیث ابن الطیب- و نادى منادی أهل العراق- ألا إن معنا الطیب ابن الطیب محمد بن أبی بکر- فنادى منادی أهل الشام بل الخبیث ابن الطیب- . قال نصر و کان بصفین تل تلقى علیه جماجم الرجال- فکان یدعى تل الجماجم- فقال عقبه بن مسلم الرقاشی من أهل الشام-

و لم أر فرسانا أشد حفیظه
و امنع منا یوم تل الجماجم‏

غداه غدا أهل العراق کأنهم‏
نعام تلافى فی فجاج المخارم‏

إذا قلت قد ولوا تثوب کتیبه
ململمه فی البیض شمط المقادم‏

و قالوا لنا هذا علی فبایعوا
فقلنا صه بل بالسیوف الصوارم‏

و قال شبث بن ربعی التمیمی-

وقفنا لدیهم یوم صفین بالقنا
لدن غدوه حتى هوت لغروب‏

و ولى ابن حرب و الرماح تنوشه‏
و قد أرضت الأسیاف کل غضوب‏

نجالدهم طورا و طورا نشلهم
على کل محبوک السراه شبوب‏

فلم أر فرسانا أشد حفیظه
إذا غشی الآفاق رهج جنوب‏

أکر و أحمى بالغطاریف و القنا
و کل حدید الشفرتین قضوب‏

 قال نصر ثم ذهب هذا الیوم بما فیه- فأصبحوا فی الیوم التاسع من صفر- و قد خطب معاویه أهل الشام و حرضهم فقال- إنه قد نزل بکم من الأمر ما ترون و حضرکم ما حضرکم- فإذا نهدتم إلیهم إن شاء الله فقدموا الدارع- و أخروا الحاسر و صفوا الخیل و أجنبوها- و کونوا کقص الشارب و أعیرونا جماجمکم ساعه- فإنما هو ظالم أو مظلوم و قد بلغ الحق مقطعه- . قال نصر و روى الشعبی- قال قام معاویه فخطب الناس بصفین فی هذا الیوم- فقال الحمد لله الذی دنا فی علوه و علا فی دنوه- و ظهر و بطن و ارتفع فوق کل ذی‏ منظر- هو الأول و الآخر و الظاهر و الباطن- یقضی فیفصل و یقدر فیغفر و یفعل ما یشاء- إذا أراد أمرا أمضاه و إذا عزم على شی‏ء قضاه- لا یؤامر أحدا فیما یملک- و لا یسأل عما یفعل و هم یسألون- و الحمد لله رب العالمین على ما أحببنا و کرهنا- و قد کان فیما قضاه الله إن ساقتنا المقادیر- إلى هذه البقعه من الأرض- و لف بیننا و بین أهل العراق- فنحن من الله بمنظر- و قد قال الله سبحانه وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا- وَ لکِنَّ اللَّهَ یَفْعَلُ ما یُرِیدُ- . انظروا یا أهل الشام- إنکم غدا تلقون أهل العراق- فکونوا على إحدى ثلاث خصال- إما أن تکونوا قوما- طلبتم ما عند الله فی قتال قوم بغوا علیکم- فأقبلوا من بلادهم حتى نزلوا فی بیضتکم- و إما أن تکونوا قوما تطلبون بدم خلیفتکم و صهر نبیکم- و إما أن تکونوا قوما تذبون عن نسائکم و أبنائکم- فعلیکم بتقوى الله و الصبر الجمیل- أسأل الله لنا و لکم النصر- و أن یفتح بیننا و بین قومنا بالحق و هو خیر الفاتحین- . فقام ذو الکلاع فقال- یا معاویه إنا نحن الصبر الکرام لا ننثنی عند الخصام- بنو الملوک العظام ذوی النهى و الأحلام- لا یقربون الآثام- . فقال معاویه صدقت- .

قال نصر- و کانت التعبیه فی هذا الیوم کالتعبیه فی الذی قبله- و حمل عبید الله بن عمر فی قراء أهل الشام- و معه ذو الکلاع فی حمیر على ربیعه- و هی فی میسره علی ع فقاتلوا قتالا شدیدا- فأتى زیاد بن خصفه إلى عبد القیس- فقال لهم لا بکر بن وائل بعد الیوم- إن ذا الکلاع و عبید الله أبادا ربیعه- فانهضوا لهم و إلا هلکوا- فرکبت عبد القیس و جاءت کأنها غمامه سوداء- فشدت أزر المیسره فعظم القتال- فقتل ذو الکلاع الحمیری- قتله رجل من بکر بن وائل اسمه خندف- و تضعضعت أرکان حمیر- و ثبتت بعد قتل ذی الکلاع تحارب مع عبید الله بن عمر- و أرسل عبید الله إلى الحسن بن علی ع- أن لی إلیک حاجه فالقنی فلقیه الحسن ع- فقال له عبید الله إن أباک قد وتر قریشا أولا و آخرا- و قد شنئه الناس- فهل لک فی خلعه و أن تتولى أنت هذا الأمر- فقال کلا و الله لا یکون ذلک ثم قال یا ابن الخطاب- و الله لکأنی أنظر إلیک مقتولا فی یومک أو غدک- أما إن الشیطان قد زین لک و خدعک- حتى أخرجک مخلقا بالخلوق ترى نساء أهل الشام موقفک- و سیصرعک الله و یبطحک لوجهک قتیلا- .

قال نصر فو الله ما کان إلا بیاض ذلک الیوم- حتى قتل عبید الله- و هو فی کتیبه رقطاء و کانت تدعى الخضریه- کانوا أربعه آلاف علیهم ثیاب خضر- فمر الحسن ع فإذا رجل متوسد برجل قتیل- قد رکز رمحه فی عینه و ربط فرسه برجله- فقال الحسن ع لمن معه انظروا من هذا- فإذا رجل من همدان- و إذا القتیل عبید الله بن عمر بن الخطاب- قد قتله الهمدانی فی أول اللیل- و بات علیه حتى أصبح- . قال نصر و قد اختلف الرواه فی قاتل عبید الله- فقالت همدان نحن قتلناه- قتله هانئ بن الخطاب الهمدانی و رکز رمحه فی عینه- و ذکر الحدیث- و قالت حضرموت نحن قتلناه قتله مالک بن عمرو الحضرمی- و قالت بکر بن وائل نحن قتلناه- قتله محرزبن الصحصح من بنی تیم اللات بن ثعلبه- و أخذ سیفه الوشاح- . فلما کان عام الجماعه- طلب معاویه السیف من ربیعه الکوفه فقالوا- إنما قتله رجل من ربیعه البصره- یقال له محرز بن الصحصح- فبعث إلیه معاویه فأخذ السیف منه- . قال نصر و قد روی أن قاتله حریث بن جابر الحنفی- و کان رئیس بنی حنیفه یوم صفین مع علی ع- حمل عبید الله بن عمر على صف بنی حنیفه و هو یقول-

أنا عبید الله ینمینی عمر
خیر قریش من مضى و من غبر

إلا رسول الله و الشیخ الأغر
قد أبطأت عن نصر عثمان مضر

و الربعیون فلا أسقوا المطر
و سارع الحی الیمانون الغرر
و الخیر فی الناس قدیما یبتدر

فحمل علیه حریث بن جابر الحنفی و قال-

قد سارعت فی نصرها ربیعه
فی الحق و الحق لها شریعه

فاکفف فلست تارک الوقیعه
فی العصبه السامعه المطیعه
حتى تذوق کأسها الفظیعه

و طعنه فصرعه- . قال نصر فقال کعب بن جعیل التغلبی یرثی عبید الله- و کان کعب شاعر أهل الشام-

ألا إنما تبکی العیون لفارس
بصفین أجلت خیله و هو واقف‏

تبدل من أسماء أسیاف وائل‏
و أی فتى لو أخطأته المتالف‏

ترکتم عبید الله فی القاع مسلما
یمج دماء و العروق نوازف‏

ینوء و تغشاه شآبیب من دم‏
کما لاح فی جیب القمیص الکفائف‏

دعاهن فاستسمعن من أین صوته
فأقبلن شتى و العیون ذوارف‏

تحللن عنه زر درع حصینه
و ینکر منه بعد ذاک معارف‏

و قرت تمیم سعدها و ربابها
و خالفت الخضراء فیمن یخالف‏

و قد صبرت حول ابن عم محمد
لدى الموت شهباء المناکب شارف‏

بمرج ترى الرایات فیه کأنها
إذا جنحت للطعن طیر عواکف‏

فما برحوا حتى رأى الله صبرهم‏
و حتى أسرت بالأکف المصاحف‏

جزى الله قتلانا بصفین خیر ما
أثیب عباد غادرتها المواقف‏

 قلت هذا الشعر نظمه کعب بن جعیل- بعد رفع المصاحف و تحکیم الحکمین- یذکر فیه ما مضى لهم من الحرب على عاده شعراء العرب- و الضمیر فی قوله دعاهن فاستسمعن من أین صوته- یرجع إلى نساء عبید الله- و کانت تحته أسماء بنت عطارد بن حاجب بن زراره التمیمی و بحریه بنت هانئ بن قبیصه الشیبانی- و کان عبید الله قد أخرجهما معه إلى الحرب ذلک الیوم- لینظرا إلى قتاله فوقفتا راجلتین- و إلى أسماء بنت عطارد أشار کعب بن جعیل بقوله- تبدل من أسماء أسیاف وائل- . و الشعر یدل على أن ربیعه قتلته لا همدان و لا حضرموت- . و یدل أیضا على ذلک ما رواه إبراهیم بن دیزیل الهمدانی- فی کتاب صفین قال شدت‏ ربیعه الکوفه و علیها زیاد بن خصفه- على عبید الله بن عمر ذلک الیوم- و کان معاویه قد أقرع بین الناس- فخرج سهم عبید الله بن عمر على ربیعه فقتلته- فلما ضرب فسطاط زیاد بن خصفه- بقی طنب من الأطناب لم یجدوا له وتدا- فشدوه برجل عبید الله بن عمر- و کان ناحیه فجروه حتى ربطوا الطنب برجله- و أقبلت امرأتاه حتى وقفتا علیه فبکتا علیه و صاحتا- فخرج زیاد بن خصفه فقیل له- هذه بحریه ابنه هانئ بن قبیصه الشیبانی ابنه عمک- فقال لها ما حاجتک یا ابنه أخی قالت تدفع زوجی إلی- فقال نعم خذیه فجی‏ء ببغل فحملته علیه- فذکروا أن یدیه و رجلیه خطتا بالأرض عن ظهر البغل- . قال نصر و مما رثى به کعب بن جعیل عبید الله بن عمر قوله-

یقول عبید الله لما بدت له
سحابه موت تقطر الحتف و الدما

ألا یا لقومی فاصبروا إن صبرکم‏
أعف و أحجى عفه و تکرما

فلما تدانى القوم خر مجدلا
صریعا تلاقى الترب کفیه و الفما

و خلف أطفالا یتامى أذله
و عرسا علیه تسکب الدمع أیما

حلالا لها الخطاب لا یمنعنهم
و قد کان یحمی غیره أن تکلما

و قال الصلتان العبدی یذکر مقتل عبید الله- و أن حریث بن جابر الحنفی قتله-
ألا یا عبید الله ما زلت مولعا
ببکر لها تهدی القرى و التهددا

و کنت سفیها قد تعودت عاده
و کل امرئ جار على ما تعودا

فأصبحت مسلوبا على شر آله
صریع القنا تحت العجاجه مفردا

تشق علیک جیبها ابنه هانئ
مسلبه تبدی الشجا و التلددا

و کانت ترى ذا الأمر قبل عیانه‏
و لکن حکم الله أهدى لک الردى‏

و قالت عبید الله لا تأت وائلا
فقلت لها لا تعجلی و انظری غدا

فقد جاء ما قد مسها فتسلبت‏
علیک و أمسى الجیب منها مقددا

حباک أخو الهیجا حریث بن جابر
بجیاشه تحکی بها النهر مزبدا

کان حماه الحی بکر بن وائل‏
بذی الرمث أسد قد تبوأن غرقدا

 قال نصر فأما ذو الکلاع فقد ذکرنا مقتله- و أن قاتله خندف البکری- . و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر قال- لما حمل ذو الکلاع ذلک الیوم بالفیلق العظیم من حمیر- على صفوف أهل العراق- ناداهم أبو شجاع الحمیری و کان من ذوی البصائر مع علی ع- فقال یا معشر حمیر تبت أیدیکم- أ ترون معاویه خیرا من علی ع أضل الله سعیکم- ثم أنت یا ذا الکلاع قد کنا نرى أن لک نیه فی الدین- فقال ذو الکلاع إیها یا أبا شجاع- و الله إنی لأعلم ما معاویه بأفضل من علی ع- و لکنی أقاتل على دم عثمان- قال فأصیب ذو الکلاع حینئذ- قتله خندف بن بکر البکری فی المعرکه- . قال نصر فحدثنا عمرو قال- حدثنا الحارث بن حصیره أن ابن ذی الکلاع-أرسل إلى الأشعث بن قیس رسولا- یسأله أن یسلم إلیه جثه أبیه- فقال الأشعث إنی أخاف أن یتهمنی أمیر المؤمنین فی أمره- فأطلبه من سعید بن قیس فهو فی المیمنه- فذهب إلى معاویه فاستأذنه أن یدخل إلى عسکر علی ع- یطلب أباه بین القتلى- فقال له إن علیا قد منع أن یدخل أحد منا إلى معسکره- یخاف أن یفسد علیه جنده- فخرج ابن ذی الکلاع- فأرسل إلى سعید بن قیس الهمدانی یستأذنه فی ذلک- فقال سعید إنا لا نمنعک من دخول العسکر- إن أمیر المؤمنین لا یبالی من دخل منکم إلى معسکره- فأدخل فدخل من قبل المیمنه فطاف فلم یجده- ثم أتى المیسره فطاف فلم یجده- ثم وجده و قد ربطت رجله بطنب- من أطناب بعض فساطیط العسکر- فجاء فوقف على باب الفسطاط- فقال السلام علیکم یا أهل البیت- فقیل له و علیک السلام- فقال أ تأذنون لنا فی طنب من أطناب فسطاطکم و معه عبد أسود لم یکن معه غیره- فقالوا قد أذنا لکم- و قالوا له معذره إلى الله و إلیکم- أما إنه لو لا بغیه علینا ما صنعنا به ما ترون- فنزل ابنه إلیه فوجده قد انتفخ- و کان من أعظم الناس خلقا فلم یطق احتماله- فقال هل من فتى معوان فخرج إلیه خندف البکری- فقال تنحوا عنه- فقال ابنه و من الذی یحمله إذا تنحینا عنه- قال یحمله قاتله- فاحتمله خندف حتى رمى به على ظهر بغل- ثم شده بالحبال فانطلقا به- . قال نصر و قال معاویه لما قتل ذو الکلاع- لأنا أشد فرحا بقتل ذی الکلاع منی بفتح مصر لو فتحتها- قال لأن ذا الکلاع- کان یحجر على معاویه فی أشیاء کان یأمر بها- . قال نصر فلما قتل ذو الکلاع اشتدت الحرب- و شدت عک و لخم و جذام و الأشعریون من أهل الشام على مذحج من أهل العراق- جعلهم معاویه بإزائهم و نادى منادی عک-

ویل لأم مذحج من عک
لنترکن أمهم تبکی‏

نقتلهم بالطعن ثم الصک‏
بکل قرن باسل مصک‏
فلا رجال کرجال عک‏

فنادى منادی مذحج یا لمذحج خدموا- أی اضربوا السوق مواضع الخدمه و هی الخلاخیل- فاعترضت مذحج سوق القوم فکان فیه بوار عامتهم- و نادى منادی جذام حین طحنت رحى القوم- و خاضت الخیل و الرجال فی الدماء- . الله الله فی جذام أ لا تذکرون الأرحام- أفنیتم لخما الکرام و الأشعرین و آل ذی حمام- أین النهى و الأحلام هذی النساء تبکی الأعلام- . و نادى منادی عک- یا عک أین المفر الیوم تعلم ما الخبر- لأنکم قوم صبر کونوا کمجتمع المدر- لا تشمتن بکم مضر حتى یحول ذا الخبر- . و نادى منادی الأشعریین- یا مذحج من للنساء غدا إذا أفناکم الردى- الله الله فی الحرمات أ ما تذکرون نساءکم و البنات- أ ما تذکرون فارس و الروم و الأتراک- لقد أذن الله فیکم بالهلاک- .

قال و القوم ینحر بعضهم بعضا و یتکادمون بالأفواه- . قال نصر و حدثنی عمرو بن الزبیر- لقد سمعت الحضین بن المنذر یقول- أعطانی‏ علی ع ذلک الیوم رایه ربیعه- و قال باسم الله سر یا حضین- و اعلم أنه لا تخفق على رأسک رایه مثلها أبدا- هذه رایه رسول الله ص- قال فجاء أبو عرفاء جبله بن عطیه الذهلی إلى الحضین- و قال هل لک أن تعطینی الرایه أحملها لک- فیکون لک ذکرها و یکون لی أجرها- فقال الحضین و ما غنای یا عم عن أجرها مع ذکرها- قال إنه لا غنى بک عن ذلک- و لکن أعرها عمک ساعه فما أسرع ما ترجع إلیک- قال الحضین فقلت إنه قد استقتل- و إنه یرید أن یموت مجاهدا- فقلت له خذها فأخذها- ثم قال لأصحابه إن عمل الجنه کره کله و ثقیل- و إن عمل النار خف کله و خبیث- إن الجنه لا یدخلها إلا الصابرون- الذین صبروا أنفسهم على فرائض الله و أمره- و لیس شی‏ء مما افترض الله على العباد أشد من الجهاد- هو أفضل الأعمال ثوابا عند الله- فإذا رأیتمونی قد شددت فشدوا- ویحکم أ ما تشتاقون إلى الجنه- أ ما تحبون أن یغفر الله لکم- فشد و شدوا معه فقاتلوا قتالا شدیدا- فقتل أبو عرفاء رحمه الله تعالى- و شدت ربیعه بعده شده عظیمه- على صفوف أهل الشام فنقضتها- و قال مجزاه بن ثور-

أضربهم و لا أرى معاویه
الأبرج العین العظیم الحاویه‏

هوت به فی النار أم هاویه‏
جاوره فیها کلاب عاویه‏
أغوى طغاما لا هدته هادیه‏

قال نصر و کان حریث بن جابر- یومئذ نازلا بین الصفین فی قبه له حمراء- یسقی أهل العراق اللبن و الماء و السویق- و یطعمهم اللحم و الثرید- فمن شاء أکل و من شاء شرب- ففی ذلک یقول شاعرهم-

فلو کان بالدهنا حریث بن جابر
لأصبح بحرا بالمفازه جاریا

قلت هذا حریث بن جابر- هو الذی کتب معاویه إلى زیاد فی أمره بعد عام الجماعه- و حریث عامل لزیاد على همدان- أما بعد فاعزل حریث بن جابر عن عمله- فما ذکرت مواقفه بصفین إلا کانت حزازه فی صدری فکتب إلیه زیاد خفض علیک یا أمیر المؤمنین- فإن حریثا قد بلغ من الشرف مبلغا لا تزیده الولایه- و لا ینقصه العزل- . قال نصر فاضطرب الناس یومئذ بالسیوف- حتى تقطعت و تکسرت و صارت کالمناجل- و تطاعنوا بالرماح حتى تقصفت و تناثرت أسنتها- ثم جثوا على الرکب فتحاثوا بالتراب- یحثو بعضهم التراب فی وجه بعض- ثم تعانقوا و تکادموا بالأفواه- ثم تراموا بالصخر و الحجاره ثم تحاجزوا- فکان الرجل من أهل العراق یمر على أهل الشام- فیقول کیف آخذ إلى رایات بنی فلان- فیقولون هاهنا لا هداک الله- و یمر الرجل من أهل الشام على أهل العراق- فیقول کیف آخذ إلى رایه بنی فلان- فیقولون هاهنا لا حفظک الله و لا عافاک- .

قال نصر و قال معاویه لعمرو بن العاص- أ ما ترى یا أبا عبد الله إلى ما قد دفعنا- کیف ترى أهل العراق غدا صانعین- إنا لبمعرض خطر عظیم- فقال له إن أصبحت غدا ربیعه و هم متعطفون حول علی ع- تعطف الإبل حول فحلها- لقیت منهم جلادا صادقا و بأسا شدیدا- و کانت التی لا یتعزى لها- فقال معاویه أ یجوز أنک تخوفنا یا أبا عبد الله- قال إنک سألتنی فأجبتک- فلما أصبحوا فی الیوم العاشر أصبحوا- و ربیعه محدقه بعلی ع إحداق بیاض العین بسوادها- .

قال نصر فحدثنی عمرو قال- لما أصبح علی ع هذا الیوم- جاء فوقف بین رایات ربیعه فقال عتاب بن لقیط البکری- من بنی قیس بن ثعلبه یا معشر ربیعه- حاموا عن علی منذ الیوم فإن أصیب فیکم افتضحتم- أ لا ترونه قائما تحت رایاتکم- و قال لهم شقیق بن ثور یا معشر ربیعه- لیس لکم عذر عند العرب إن وصل إلى علی و فیکم رجل حی- فامنعوه الیوم و اصدقوا عدوکم اللقاء- فإنه حمد الحیاه تکسبونه- فتعاهدت ربیعه و تحالفت بالأیمان العظیمه منها- تبایع سبعه آلاف على ألا ینظر رجل منهم خلفه- حتى یردوا سرادق معاویه- فقاتلوا ذلک الیوم قتالا شدیدا لم یکن قبله مثله- و أقبلوا نحو سرادق معاویه- فلما نظر إلیهم قد أقبلوا قال-

إذا قلت قد ولت ربیعه أقبلت
کتائب منها کالجبال تجالد

ثم قال لعمرو یا عمرو ما ترى- قال أرى ألا تحنث أخوالی الیوم- فقام معاویه و خلى لهم سرادقه و رحله و خرج فارا عنه- لائذا ببعض مضارب العسکر فی أخریات الناس فدخله- و انتهبت ربیعه سرادقه و رحله- و بعث إلى خالد بن المعمر إنک قد ظفرت- و لک إمره خراسان أن لم تتم فقطع خالد القتال و لم یتمه- و قال لربیعه قد برت أیمانکم فحسبکم- فلما کان عام الجماعه و بایع الناس معاویه- أمره معاویه على خراسان و بعثه إلیها- فمات قبل أن یبلغها- . قال نصر فی حدیث عمرو بن سعد- أن علیا ع صلى بهم هذا الیوم صلاه الغداه- ثم زحف بهم- فلما أبصروه قد خرج استقبلوه بزحوفهم- فاقتتلوا قتالا شدیدا- ثم إن خیل أهل الشام حملت على خیل أهل العراق- فاقتطعوا من أصحاب علی ع ألف رجل أو أکثر- فأحاطوا بهم و حالوا بینهم و بین أصحابهم فلم یروهم- فنادى‏ علی ع یومئذ- أ لا رجل یشری نفسه لله و یبیع دنیاه بآخرته- فأتاه رجل من جعف یقال له عبد العزیز بن الحارث- على فرس أدهم کأنه غراب مقنع فی الحدید- لا یرى منه إلا عیناه- فقال یا أمیر المؤمنین مرنی بأمرک- فو الله لا تأمرنی بشی‏ء إلا صنعته- فقال علی ع

سمحت بأمر لا یطاق حفیظه
و صدقا و إخوان الوفاء قلیل‏

جزاک إله الناس خیرا فإنه‏
لعمرک فضل ما هناک جزیل‏

 یا أبا الحارث شد الله رکنک احمل على أهل الشام- حتى تأتی أصحابک فتقول لهم- إن أمیر المؤمنین یقرأ علیکم السلام- و یقول لکم هللوا و کبروا من ناحیتکم- و نهلل نحن و نکبر من هاهنا- و احملوا من جانبکم و نحمل نحن من جانبنا على أهل الشام- فضرب الجعفی فرسه حتى إذا أقامه على أطراف سنابکه- حمل على أهل الشام المحیطین بأصحاب علی ع- فطاعنهم ساعه و قاتلهم- فأفرجوا له حتى خلص إلى أصحابه- فلما رأوه استبشروا به و فرحوا- و قالوا ما فعل أمیر المؤمنین- قال صالح یقرئکم السلام و یقول لکم- هللوا و کبروا و احملوا حمله شدیده من جانبکم- و نهلل نحن و نکبر و نحمل من جانبنا- ففعلوا ما أمرهم به و هللوا و کبروا- و هلل علی ع و کبر هو و أصحابه- و حمل على أهل الشام و حملوا هم من وسط أهل الشام- فانفرج القوم عنهم و خرجوا- و ما أصیب منهم رجل واحد- و لقد قتل من فرسان الشام یومئذ زهاء سبعمائه إنسان- قال علی ع من أعظم الناس الیوم غناء- فقالوا أنت یا أمیر المؤمنین- فقال کلا و لکنه الجعفی- .

قال نصر- و کان علی ع لا یعدل بربیعه أحدا من الناس- فشق ذلک على مضر و أظهروا لهم القبیح و أبدوا ذات أنفسهم- فقال الحضین بن المنذر الرقاشی شعرا أغضبهم به- من جملته

أرى مضرا صارت ربیعه دونها
شعار أمیر المؤمنین و ذا الفضل‏

فأبدوا لنا مما تجن صدورهم‏
هو السوء و البغضاء و الحقد و الغل‏

فأبلوا بلانا أو أقروا بفضلنا
و لن تلحقونا الدهر ما حنت الإبل‏

فقام أبو الطفیل عامر بن واثله الکنانی- و عمیر بن عطارد بن حاجب بن زراره التمیمی- و قبیصه بن جابر الأسدی و عبد الله بن الطفیل العامری- فی وجوه قبائلهم فأتوا علیا ع- فتکلم أبو الطفیل فقال أنا و الله یا أمیر المؤمنین- ما نحسد قوما خصهم الله منک بخیر- و إن هذا الحی من ربیعه قد ظنوا أنهم أولى بک منا- فاعفهم عن القتال أیاما- و اجعل لکل امرئ منا یوما یقاتل فیه- فإنا إذا اجتمعنا اشتبه علیک بلاؤنا- فقال علی ع نعم أعطیکم ما طلبتم- و أمر ربیعه أن تکف عن القتال- و کانت بإزاء الیمن من صفوف أهل الشام- فغدا أبو الطفیل عامر بن واثله فی قومه من کنانه- و هم جماعه عظیمه فتقدم أمام الخیل- و یقول طاعنوا و ضاربوا ثم حمل و ارتجز فقال-

قد ضاربت فی حربها کنانه
و الله یجزیها به جنانه‏

من أفرغ الصبر علیه زانه‏
أو غلب الجبن علیه شانه‏

أو کفر الله فقد أهانه
غدا یعض من عصى بنانه‏

 

فاقتتلوا قتالا شدیدا- ثم انصرف أبو الطفیل إلى علی ع- فقال یا أمیر المؤمنین إنک أنبأتنا أن أشرف القتل الشهاده- و أحظى الأمر الصبر و قد و الله صبرنا حتى أصبنا- فقتیلنا شهید و حینا سعید- فلیطلب من بقی ثأر من مضى- فإنا و إن کنا قد ذهب صفونا و بقی کدرنا- فإن لنا دینا لا یمیل به الهوى و یقینا لا تزحمه الشبهه- فأثنى علی ع علیه خیرا- . ثم غدا فی الیوم الثانی عمیر بن عطارد بجماعه من بنی تمیم- و هو یومئذ سید مضر الکوفه- فقال یا قوم إنی أتبع آثار أبی الطفیل- فاتبعوا آثار کنانه- ثم قدم رایته و ارتجز فقال-

قد ضاربت فی حربها تمیم
إن تمیما خطبها عظیم‏

لها حدیث و لها قدیم‏
إن الکریم نسله کریم‏

دین قویم و هوى سلیم
إن لم تردهم رایتی فلوموا

ثم طعن برایته حتى خضبها- و قاتل أصحابه قتالا شدیدا حتى أمسوا- و انصرف عمیر إلى علی ع و علیه سلاحه- فقال یا أمیر المؤمنین قد کان ظنی بالناس حسنا- و قد رأیت منهم فوق ظنی بهم قاتلوا من کل جهه- و بلغوا من عفوهم جهد عدوهم و هم لهم إن شاء الله- . ثم غدا فی الیوم الثالث- قبیصه بن جابر الأسدی فی بنی أسد- و قال لأصحابه یا بنی أسد أما أنا فلا أقصر دون صاحبی- و أما أنتم فذاک إلیکم- ثم تقدم برایته و قال-

قد حافظت فی حربها بنو أسد
ما مثلها تحت العجاج من أحد

أقرب من یمن و أنأى من نکد
کأننا رکنا ثبیر أو أحد

لسنا بأوباش و لا بیض البلد
لکننا المحه من ولد معد

فقاتل القوم إلى أن دخل اللیل ثم انصرفوا- . ثم غدا فی الیوم الرابع- عبد الله بن الطفیل العامری فی جماعه هوازن- فحارب بهم حتى اللیل ثم انصرفوا- . قال نصر فانتصفوا المضریه من الربعیه- و ظهر أثرها و عرف بلاؤها- و قال أبو الطفیل

و حامت کنانه فی حربها
و حامت تمیم و حامت أسد

و حامت هوازن یوم اللقا
فما خام منا و منهم أحد

لقینا الفوارس یوم الخمیس
و العید و السبت ثم الأحد

لقینا قبائل أنسابهم‏
إلى حضرموت و أهل الجند

فأمدادهم خلف آذانهم
و لیس لنا من سوانا مدد

فلما تنادوا بآبائهم‏
دعونا معدا و نعم المعد

فظلنا نفلق هاماتهم
و لم نک فیها ببیض البلد

و نعم الفوارس یوم اللقا
فقل فی عدید و قل فی عدد

و قل فی طعان کفرغ الدلاء
و ضرب عظیم کنار الوفد

و لکن عصفنا بهم عصفه
و فی الحرب یمن و فیها نکد

طحنا الفوارس وسط العجاج
و سقنا الزعانف سوق النقد

و قلنا علی لنا والد
و نحن له طاعه کالولد

 قال نصر و حدثنا عمرو- عن الأشعث بن سوید عن کردوس قال- کتب عقبه بن مسعود عامل علی على الکوفه- إلى سلیمان بن صرد الخزاعی- و هو مع علی بصفین- أما بعد فإنهم إن یظهروا علیکم یرجموکم- أو یعیدوکم فی ملتهم و لن تفلحوا إذا أبدا- فعلیک بالجهاد و الصبر مع أمیر المؤمنین و السلام- .

قال نصر و حدثنا عمرو بن سعد و عمرو بن شمر عن جابر عن أبی جعفر قال قام علی ع فخطب الناس بصفین فقال- الحمد لله على نعمه الفاضله على جمیع من خلق- من البر و الفاجر- و على حججه البالغه على خلقه من أطاعه فیهم و من عصاه- أن یرحم فبفضله و منه و إن عذب فبما کسبت أیدیهم- و إن الله لیس بظلام للعبید- أحمده على حسن البلاء و تظاهر النعماء- و أستعینه على ما نابنا من أمر الدنیا و الآخره- و أتوکل علیه و کفى بالله وکیلا- ثم إنی أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شریک له- و أشهد أن محمدا عبده و رسوله- أرسله بالهدى و دین الحق- ارتضاه لذلک و کان أهله- و اصطفاه لتبلیغ رسالته و جعله رحمه منه على خلقه- فکان علمه فیه رءوفارحیما- أکرم خلق الله حسبا و أجملهم منظرا و أسخاهم نفسا- و أبرهم لوالد و أوصلهم لرحم- و أفضلهم علما و أثقلهم حلما- و أوفاهم لعهد و آمنهم على عقد- لم یتعلق علیه مسلم و لا کافر بمظلمه قط- بل کان یظلم فیغفر و یقدر فیصفح- حتى مضى ص مطیعا لله صابرا على ما أصابه- مجاهدا فی الله حق جهاده حتى أتاه الیقین ص- فکان ذهابه أعظم المصیبه على أهل الأرض البر و الفاجر- ثم ترک فیکم کتاب الله یأمرکم بطاعه الله- و ینهاکم عن معصیته- و قد عهد إلى رسول الله عهدا فلست أحید عنه- و قد حضرتم عدوکم و علمتم أن رئیسهم منافق- یدعوهم إلى النار- و ابن عم نبیکم معکم و بین أظهرکم- یدعوکم إلى الجنه و إلى طاعه ربکم- و العمل بسنه نبیکم- و لا سواء من صلى قبل کل ذکر- لم یسبقنی بصلاه مع رسول الله أحد- و أنا من أهل بدر و معاویه طلیق و ابن طلیق- و الله أنا على الحق و إنهم على الباطل- فلا یجتمعن على باطلهم و تتفرقوا عن حقکم- حتى یغلب باطلهم حقکم- قاتلوهم یعذبهم الله بأیدیکم- فإن لم تفعلوا یعذبهم بأیدی غیرکم- فقام أصحابه فقالوا یا أمیر المؤمنین- انهض بنا إلى عدونا و عدوک إذا شئت- فو الله ما نرید بک بدلا- بل نموت معک و نحیا معک- فقال لهم و الذی نفسی بیده- لنظر إلى النبی ص أضرب بین یدیه بسیفی هذا- فقال لا سیف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علی- و قال لی یا علی أنت منی بمنزله هارون من موسى إلا أنه لا نبی بعدی‏و موتک و حیاتک یا علی معی- و الله ما کذب و لا کذبت و لا ضل و لا ضللت- و لا ضل بی و لا نسیت ما عهد إلى- و إنی على بینه من ربی و على الطریق الواضح- ألقطه لقطا- .

ثم نهض إلى القوم- فاقتتلوا من حین طلعت الشمس حتى غاب الشفق الأحمر- و ما کانت صلاه القوم فی ذلک الیوم إلا تکبیرا- . قال و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر- عن الشعبی عن صعصعه بن صوحان قال- برز فی بعض أیام صفین رجل من حمیر- من آل ذی یزن اسمه کریب بن الصباح- لیس فی الشام یومئذ رجل أشهر بالبأس و النجده منه- فنادى من یبارز- فخرج إلیه المرتفع بن الوضاح الزبیدی فقتله- ثم نادى من یبارز فخرج إلیه الحارث بن الجلاح فقتله- ثم نادى من یبارز- فخرج إلیه عابد بن مسروق الهمدانی فقتله- ثم رمى بأجسادهم بعضها فوق بعض- و قام علیها بغیا و اعتداء و نادى من یبارز- فخرج إلیه علی و ناداه ویحک یا کریب- إنی أحذرک الله و بأسه و نقمته- و أدعوک إلى سنه الله و سنه رسوله- ویحک لا یدخلنک معاویه النار- فکان جوابه له أن قال- ما أکثر ما قد سمعت منک هذه المقاله- و لا حاجه لنا فیها أقدم إذا شئت- من یشتری سیفی و هذا أثره- فقال علی لا حول و لا قوه إلا بالله- ثم مشى إلیه فلم یمهله أن ضربه ضربه- خر منها قتیلا یشحط فی دمه- ثم نادى من یبرز- فبرز إلیه الحارث بن وداعه الحمیری فقتله- ثم نادى من یبرز- فبرز إلیه المطاع بن مطلب العنسی‏ فقتله- ثم نادى من یبرز فلم یبرز إلیه أحد- فنادى یا معشر المسلمین- الشهر الحرام بالشهر الحرام و الحرمات قصاص- فمن اعتدى علیکم فاعتدوا علیه بمثل ما اعتدى علیکم- و اتقوا الله و اعلموا أن الله مع المتقین- ویحک یا معاویه هلم إلی فبارزنی- و لا یقتلن الناس فیما بیننا- فقال عمرو بن العاص اغتنمه منتهزا- قد قتل ثلاثه من أبطال العرب- و إنی أطمع أن یظفرک الله به- فقال معاویه و الله لن ترید إلا أن أقتل فتصیب الخلافه بعدی- اذهب إلیک عنی فلیس مثلی یخدع- .

قال نصر و حدثنا عمرو قال- حدثنا خالد بن عبد الواحد الجریری قال- حدثنی من سمع عمرو بن العاص قبل الوقعه العظمى بصفین- و هو یحرض أهل الشام- و قد کان منحنیا على قوس فقال- الحمد لله العظیم فی شأنه القوی فی سلطانه- العلی فی مکانه الواضح فی برهانه- أحمده على حسن البلاء و تظاهر النعماء- فی کل رزیه من بلاء أو شده أو رخاء- و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شریک له- و أن محمدا عبده و رسوله- ثم إنا نحتسب عند الله رب العالمین- ما أصبح فی أمه محمد ص من اشتعال نیرانها- و اضطراب حبلها و وقوع بأسها بینها- فإنا لله و إنا إلیه راجعون و الحمد لله رب العالمین- أ و لا تعلمون أن صلاتنا و صلاتهم- و صیامنا و صیامهم و حجنا و حجهم- و قتلنا و قتلهم‏ و دیننا و دینهم واحد- و لکن الأهواء مختلفه- اللهم أصلح هذه الأمه بما أصلحت به أولها- و احفظ فی ما بینها- مع أن القوم قد وطئوا بلادکم و نعوا علیکم- فجدوا فی قتال عدوکم- و استعینوا بالله ربکم و حافظوا على حرماتکم- ثم جلس-

قال نصر و خطب عبد الله بن العباس- أهل العراق یومئذ فقال- الحمد لله رب العالمین- الذی دحا تحتنا سبعا و سمک فوقنا سبعا- و خلق فیما بینهن خلقا و أنزل لنا منهن رزقا- ثم جعل کل شی‏ء قدرا یبلى و یفنى غیر وجهه الحی القیوم- الذی یحیا و یبقى- إن الله تعالى بعث أنبیاء و رسلا- فجعلهم حججا على عباده عذرا أو نذرا- لا یطاع إلا بعلمه و إذنه- یمن بالطاعه على من یشاء من عباده ثم یثیب علیها- و یعصى بعلم منه فیعفو و یغفر بحلمه- لا یقدر قدره و لا یبلغ شی‏ء مکانه- أحصى کل شی‏ء عددا و أحاط بکل شی‏ء علما- و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شریک له- و أشهد أن محمدا عبده و رسوله- إمام الهدى و النبی المصطفى- و قد ساقنا قدر الله إلى ما ترون- حتى کان مما اضطرب من حبل هذه الأمه و انتشر من أمرها- أن معاویه بن أبی سفیان وجد من طغام الناس أعوانا- على علی ابن عم رسول الله و صهره و أول ذکر صلى معه- بدری قد شهد مع رسول الله ص کل مشاهده- التی فیها الفضل- و معاویه مشرک کان یعبد الأصنام- و الذی ملک الملک وحده و بان به و کان أهله- لقد قاتل علی بن أبی طالب مع رسول الله- و هو یقول صدق الله و رسوله- و معاویه یقول کذب الله و رسوله- فعلیکم بتقوى الله و الجد و الحزم و الصبر- و الله إنا لنعلم‏إنکم لعلى حق و إن القوم لعلى باطل- فلا یکونن أولى بالجد على باطلهم منکم فی حقکم- و إنا لنعلم أن الله سیعذبهم بأیدیکم أو بأیدی غیرکم- اللهم أعنا و لا تخذلنا- و انصرنا على عدونا و لا تحل عنا- و افتح بیننا و بین قومنا بالحق و أنت خیر الفاتحین

قال نصر و حدثنا عمرو قال حدثنا عبد الرحمن بن جندب عن جندب بن عبد الله قال قام عمار یوم صفین فقال انهضوا معی عباد الله- إلى قوم یزعمون أنهم یطلبون بدم ظالم- إنما قتله الصالحون المنکرون للعدوان- الآمرون بالإحسان- فقال هؤلاء الذین لا یبالون- إذا سلمت لهم دنیاهم و لو درس هذا الدین- لم قتلتموه فقلنا لإحداثه- فقالوا إنه لم یحدث شیئا- و ذلک لأنه مکنهم من الدنیا فهم یأکلونها و یرعونها- و لا یبالون لو انهدمت الجبال- و الله ما أظنهم یطلبون بدم- و لکن القوم ذاقوا الدنیا فاستحلوها و استمرءوها- و علموا أن صاحب الحق- لو ولیهم لحال بینهم و بین ما یأکلون و یرعون منها- إن القوم لم یکن لهم سابقه فی الإسلام- یستحقون بها الطاعه و الولایه- فخدعوا أتباعهم بأن قالوا قتل إمامنا مظلوما- لیکونوا بذلک جبابره و ملوکا- تلک مکیده قد بلغوا بها ما ترون- و لولاها ما بایعهم من الناس رجل- اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت- و إن تجعل‏لهم الأمر- فادخر لهم بما أحدثوا لعبادک العذاب الألیم- ثم مضى و مضى معه أصحابه فدنا من عمرو بن العاص- فقال یا عمرو بعت دینک بمصر فتبا لک- و طالما بغیت للإسلام عوجا- ثم قال اللهم إنک تعلم- أنی لو أعلم أن رضاک فی أن أقذف بنفسی فی هذا البحر لفعلت- اللهم إنک تعلم- أنی لو أعلم أن رضاک أن أضع ظبه سیفی فی بطنی- ثم انحنى علیه حتى یخرج من ظهری لفعلت- اللهم إنی أعلم مما علمتنی- أنی لا أعمل عملا صالحا هذا الیوم- هو أرضى من جهاد هؤلاء الفاسقین- و لو أعلم الیوم عملا هو أرضى لک منه لفعلته- .

قال نصر و حدثنی عمرو بن سعید عن الشعبی قال- نادى عمار عبد الله بن عمرو بن العاص فقال له- بعت دینک بالدنیا من عدو الله و عدو الإسلام معاویه- و طلبت هوى أبیک الفاسق- فقال لا و لکنی أطلب بدم عثمان الشهید المظلوم- قال کلا أشهد على علمی فیک- أنک أصبحت لا تطلب بشی‏ء من فعلک وجه الله- و أنک إن لم تقتل‏الیوم فستموت غدا- فانظر إذا أعطى الله العباد على نیاتهم ما نیتک- . و روى ابن دیزیل فی کتاب صفین عن صیف الضبی قال- سمعت الصعب بن حکیم بن شریک بن نمله المحاربی- یروی عن أبیه عن جده شریک قال- کان الناس من أهل العراق و أهل الشام- یقتتلون أیام صفین و یتزایلون- فلا یستطیع الرجل أن یرجع إلى مکانه- حتى یسفر الغبار عنه- فاقتتلوا یوما و تزایلوا و أسفر الغبار- فإذا علی تحت رایتنا یعنی بنی محارب-فقال هل من ماء فأتیته بإداوه فخنثتها له لیشرب- فقال لا إنا نهینا أن نشرب من أفواه الأسقیه- ثم علق سیفه و إنه لمخضب بالدم من ظبته إلى قائمه- فصببت له على یدیه فغسلهما حتى أنقاهما- ثم شرب بیدیه حتى إذا روى رفع رأسه- ثم قال أین مضر- فقلت أنت فیهم یا أمیر المؤمنین- فقال من أنتم بارک الله فیکم- فقلنا نحن بنو محارب- فعرف موقفه ثم رجع إلى موضعه- . قلت خنثت الإداوه إذا ثنیت فاها إلى خارج- و إنما نهى رسول الله ص عن اختناث الأسقیه- لأن رجلا اختنث سقاء فشرب- فدخل إلى جوفه حیه کانت فی السقاء- .

قال ابن دیزیل و روى إسماعیل بن أبی أویس قال حدثنی عبد الملک بن قدامه بن إبراهیم بن حاطب الجمحی عن عمرو بن شعیب عن أبیه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال لی رسول الله ص- کیف بک یا عبد الله إذا بقیت فی حثاله من الناس- قد مرجت عهودهم و مواثیقهم و کانوا هکذا- و خالف بین أصابعه- فقلت تأمرنی بأمرک یا رسول الله- قال تأخذ مما تعرف و تدع ما تنکر- و تعمل بخاصه نفسک و تدع الناس و هوام أمرهم- .

قال فلما کان یوم صفین قال له أبوه عمرو بن العاص- یا عبد الله اخرج فقاتل- فقال‏یا أبتاه أ تأمرنی أن أخرج فأقاتل- و قد سمعت ما سمعت یوم عهد إلى رسول الله ص ما عهد- فقال أنشدک الله یا عبد الله- أ لم یکن آخر ما عهد إلیک رسول الله ص- أن أخذ بیدک فوضعها فی یدی فقال أطع أباک- فقال اللهم بلى- قال فإنی أعزم علیک أن تخرج فتقاتل- فخرج عبد الله بن عمرو فقاتل یومئذ متقلدا سیفین- قال و إن من شعر عبد الله بن عمرو بعد ذلک یذکر علیا بصفین-

فلو شهدت جمل مقامی و مشهدی
بصفین یوما شاب منها الذوائب‏

عشیه جا أهل العراق کأنهم‏
سحاب ربیع رفعته الجنائب‏

إذا قلت قد ولت سراعا بدت لنا
کتائب منهم و ارجحنت کتائب‏

و جئناهم فرادى کأن صفوفنا
من البحر مد موجه متراکب‏

فدارت رحانا و استدارت رحاهم
سراه النهار ما تولى المناکب‏

فقالوا لنا إنا نرى أن تبایعوا
فقلنا بلى إنا نرى أن تضاربوا

 و روى ابن دیزیل عن یحیى بن سلیمان الجعفی قال- حدثنا مسهر بن عبد الملک بن سلع الهمدانی قال- حدثنی أبی عن عبد خیر الهمدانی قال- کنت أنا و عبد خیر فی سفر قلت یا أبا عماره- حدثنی عن بعض ما کنتم فیه بصفین- فقال لی یا ابن أخی و ما سؤالک- فقلت أحببت أن أسمع منک شیئا- فقال یا ابن أخی إنا کنا لنصلی الفجر- فنصف و یصف أهل الشام- و نشرع الرماح إلیهم و یشرعون بها نحونا- أما لو دخلت تحتها لأظلتک- و الله یا ابن أخی- إنا کنا لنقف و یقفون فی الحرب لا نفتر و لا یفترون- حتى نصلی‏العشاء الآخره- ما یعرف الرجل منا طول ذلک الیوم- من عن یمینه و لا من عن یساره- من شده الظلمه و النقع إلا بقرع الحدید بعضه على بعض- فیبرز منه شعاع کشعاع الشمس- فیعرف الرجل من عن یمینه و من عن یساره- حتى إذا صلینا العشاء الآخره- جررنا قتلانا إلینا فتوسدناهم حتى نصبح- و جروا قتلاهم فتوسدوهم حتى یصبحوا- قال قلت له یا أبا عماره هذا و الله الصبر- .

و روى ابن دیزیل قال- کان عمرو بن العاص إذا مر علیه رجل من أصحاب علی- فسأل عنه فأخبر به فقال- یرى علی و معاویه أنهما بریئان من دم هذا- . قال ابن دیزیل و روى ابن وهب عن مالک بن أنس قال- جلس عمرو بن العاص بصفین فی رواق- و کان أهل العراق یدفنون قتلاهم- و أهل الشام یجعلون قتلاهم فی العباء و الأکسیه- یحملونهم فیها إلى مدافنهم- فکلما مر علیه برجل قال من هذا- فیقال فلان فقال عمرو کم من رجل أحسن فی الله- عظیم الحال لم ینج من قتله فلان و فلان- قال یعنی علیا و معاویه- .

قلت لیت شعری لم برأ نفسه و کان رأسا فی الفتنه- بل لولاه لم تکن- و لکن الله تعالى أنطقه بهذا الکلام و أشباهه- لیظهر بذلک شکه و أنه لم یکن على بصیره من أمره- . و روى نصر بن مزاحم قال حدثنی یحیى بن یعلى قال- حدثنی صباح المزنی عن الحارث بن حصن- عن زید بن أبی رجاء عن أسماء بن حکیم الفزاری قال- کنا بصفین مع علی تحت رایه عمار بن یاسر- ارتفاع الضحى و قد استظللنا برداء أحمر- إذ أقبل رجل یستقری الصف حتى انتهى إلینا- فقال أیکم عمار بن یاسر فقال عمار أنا عمار- قال أبو الیقظان قال نعم- قال إن لی إلیک حاجه أ فأنطق بهاسرا أو علانیه- قال اختر لنفسک أیهما شئت- قال لا بل علانیه قال فانطق- قال إنی خرجت من أهلی مستبصرا فی الحق- الذی نحن علیه- لا أشک فی ضلاله هؤلاء القوم و أنهم على الباطل- فلم أزل على ذلک مستبصرا حتى لیلتی هذه- فإنی رأیت فی منامی منادیا تقدم- فأذن و شهد أن لا إله إلا الله- و أن محمدا رسول الله ص- و نادى بالصلاه و نادى منادیهم مثل ذلک- ثم أقیمت الصلاه فصلینا صلاه واحده- و تلونا کتابا واحدا و دعونا دعوه واحده- فأدرکنی الشک فی لیلتی هذه- فبت بلیله لا یعلمها إلا الله تعالى حتى أصبحت- فأتیت أمیر المؤمنین فذکرت ذلک له- فقال هل لقیت عمار بن یاسر قلت لا- قال فالقه فانظر ما ذا یقول لک عمار فاتبعه- فجئتک لذلک فقال عمار- تعرف صاحب الرایه السوداء المقابله لی- فإنها رایه عمرو بن العاص- قاتلتها مع رسول الله ص ثلاث مرات- و هذه الرابعه فما هی بخیرهن و لا أبرهن- بل هی شرهن و أفجرهن- أ شهدت بدرا و أحدا و یوم حنین- أو شهدها أب لک فیخبرک عنها قال لا- قال فإن مراکزنا الیوم على مراکز رایات رسول الله ص- یوم بدر و یوم أحد و یوم حنین- و إن مراکز رایات هؤلاء- على مراکز رایات المشرکین من الأحزاب- فهل ترى هذا العسکر و من فیه- و الله لوددت أن جمیع من فیه- ممن أقبل مع معاویه یرید قتالنا- مفارقا للذی نحن علیه کانوا خلقا واحدا- فقطعته و ذبحته- و الله لدماؤهم جمیعا أحل من دم عصفور- أ فترى دم عصفور حراما قال لا بل حلال- قال فإنهم حلال کذلک- أ ترانی بینت لک قال قد بینت لی- قال فاختر أی ذلک أحببت- .

فانصرف الرجل فدعاه عمار ثم قال- أما إنهم سیضربونکم بأسیافهم- حتى یرتاب المبطلون منکم- فیقولوا لو لم یکونوا على حق ما أظهروا علینا- و الله ما هم من الحق على ما یقذى عین ذباب- و الله لو ضربونا بأسیافهم حتى یبلغونا سعفات هجر- لعلمنا أنا على حق و أنهم على باطل- .

قال نصر و حدثنا یحیى بن یعلى عن الأصبغ بن نباته قال جاء رجل إلى علی فقال- یا أمیر المؤمنین هؤلاء القوم الذین نقاتلهم- الدعوه واحده و الرسول واحد- و الصلاه واحده و الحج واحد فما ذا نسمیهم- قال سمهم بما سماهم الله فی کتابه- قال ما کل ما فی الکتاب أعلمه- قال أ ما سمعت الله تعالى یقول- تِلْکَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ- إلى قوله وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِینَ مِنْ بَعْدِهِمْ- مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَیِّناتُ- وَ لکِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ کَفَرَ- فلما وقع الاختلاف- کنا نحن أولى بالله و بالکتاب و بالنبی و بالحق- فنحن الذین آمنوا و هم الذین کفروا- و شاء الله قتالهم فقاتلهم بمشیئته و إرادته

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی‏ الحدید) ج ۵

بازدیدها: ۲۷۵

خطبه ۶۴ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۶۴ و من خطبه له ع

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی لَمْ یَسْبِقْ لَهُ حَالٌ حَالًا- فَیَکُونَ أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ یَکُونَ آخِراً- وَ یَکُونَ ظَاهِراً قَبْلَ أَنْ یَکُونَ بَاطِناً- کُلُّ مُسَمًّى بِالْوَحْدَهِ غَیْرَهُ قَلِیلٌ- وَ کُلُّ عَزِیزٍ غَیْرَهُ ذَلِیلٌ وَ کُلُّ قَوِیٍّ غَیْرَهُ ضَعِیفٌ- وَ کُلُّ مَالِکٍ غَیْرَهُ مَمْلُوکٌ وَ کُلُّ عَالِمٍ غَیْرَهُ مُتَعَلِّمٌ- وَ کُلُّ قَادِرٍ غَیْرَهُ یَقْدِرُ وَ یَعْجِزُ- وَ کُلُّ سَمِیعٍ غَیْرَهُ یَصَمُّ عَنْ لَطِیفِ الْأَصْوَاتِ- وَ یُصِمُّهُ کَبِیرُهَا وَ یَذْهَبُ عَنْهُ مَا بَعُدَ مِنْهَا- وَ کُلُّ بَصِیرٍ غَیْرَهُ یَعْمَى عَنْ خَفِیِّ الْأَلْوَانِ وَ لَطِیفِ الْأَجْسَامِ- وَ کُلُّ ظَاهِرٍ غَیْرَهُ غَیْرُ بَاطِنٍ وَ کُلُّ بَاطِنٍ غَیْرَهُ غَیْرُ ظَاهِرٍ- لَمْ یَخْلُقْ مَا خَلَقَهُ لِتَشْدِیدِ سُلْطَانٍ- وَ لَا تَخَوُّفٍ مِنْ عَوَاقِبِ زَمَانٍ- وَ لَا اسْتِعَانَهٍ عَلَى نِدٍّ مُثَاوِرٍ وَ لَا شَرِیکٍ مُکَاثِرٍ وَ لَا ضِدٍّ مُنَافِرٍ- وَ لَکِنْ خَلَائِقُ مَرْبُوبُونَ وَ عِبَادٌ دَاخِرُونَ- لَمْ یَحْلُلْ فِی الْأَشْیَاءِ فَیُقَالَ هُوَ فِیهَا کَائِنٌ- وَ لَمْ یَنْأَ عَنْهَا فَیُقَالَ هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ- لَمْ یَؤُدْهُ خَلْقُ مَا ابْتَدَأَ- وَ لَا تَدْبِیرُ مَا ذَرَأَ وَ لَا وَقَفَ بِهِ عَجْزٌ عَمَّا خَلَقَ- وَ لَا وَلَجَتْ عَلَیْهِ شُبْهَهٌ فِیمَا قَضَى وَ قَدَّرَ- بَلْ قَضَاءٌ مُتْقَنٌ وَ عِلْمٌ مُحْکَمٌ- وَ أَمْرٌ مُبْرَمٌ الْمَأْمُولُ مَعَ النِّقَمِ- الْمَرْهُوبُ مَعَ النِّعَمِ یصم بفتح الصاد لأن الماضی صممت یا زید- و الصمم فساد حاسه السمع و یصمه بکسرها- یحدث الصمم عنده و أصممت زیدا- .

و الند المثل و النظیر و المثاور المواثب- و الشریک المکاثر المفتخر بالکثره- و الضد المنافر المحاکم فی الحسب- نافرت زیدا فنفرته أی غلبته- و مربوبون مملوکون- و داخرون ذلیلون خاضعون- . و لم ینأ لم یبعد و لم یؤده لم یتعبه- و ذرأ خلق و ولجت علیه الشبهه بفتح اللام أی دخلت- و المرهوب المخوف- .

فأما قوله الذی لم یسبق له حال حالا- فیکون أولا قبل أن یکون آخرا- فیمکن تفسیره على وجهین- أحدهما أن معنى کونه أولا أنه لم یزل موجودا- و لا شی‏ء من الأشیاء بموجود أصلا- و معنى کونه آخرا أنه باق لا یزال- و کل شی‏ء من الأشیاء یعدم عدما محضا- حسب عدمه فیما مضى- و ذاته سبحانه ذات- یجب لها اجتماع استحقاق هذین الاعتبارین- معا فی کل حال- فلا حال قط إلا و یصدق على ذاته- أنه یجب کونها مستحقه للأولیه و الآخریه- بالاعتبار المذکور استحقاقا ذاتیا ضروریا- و ذلک الاستحقاق لیس على وجه وصف الترتیب- بل مع خلاف غیره من الموجودات الجسمانیه- فإن غیره مما یبقى زمانین فصاعدا- إذا نسبناه إلى ما یبقى دون زمان بقائه- لم یکن استحقاقه الأولیه و الآخریه- بالنسبه إلیه على هذا الوصف- بل إما یکون استحقاقا بالکلیه- بأن یکون استحقاقا قریبا- فیکون إنما یصدق علیه أحدهما- لأن الآخر لم یصدق علیه- أو یکونا معا یصدقان علیه مجتمعین غیر مرتبین- لکن لیس ذلک لذات الموصوف بالأولیه و الآخریه- بل إنما ذلک الاستحقاق لأمر خارج عن ذاته- .

الوجه الثانی أن یرید بهذا الکلام- أنه تعالى لا یجوز أن یکون موردا للصفات المتعاقبه- على ما یذهب إلیه قوم من أهل التوحید- قالوا لأنه واجب لذاته- و الواجب لذاته‏ واجب من جمیع جهاته- إذ لو فرضنا جواز اتصافه بأمر جدید ثبوتی أو سلبی- لقلنا إن ذاته لا تکفی فی تحققه- و لو قلنا ذلک لقلنا إن حصول ذلک الأمر أو سلبه عنه- یتوقف على حصول أمر خارج عن ذاته- أو على عدم أمر خارج عن ذاته- فتکون ذاته لا محاله متوقفه على حضور ذلک الحصول أو السلب- و المتوقف على المتوقف على الغیر متوقف على الغیر- و کل متوقف على الغیر ممکن- و الواجب لا یکون ممکنا- فیکون معنى الکلام على هذا التفسیر- نفی کونه تعالى ذا صفه بکونه أولا و آخرا- بل إنما المرجع بذلک إلى إضافات- لا وجود لها فی الأعیان- و لا یکون ذلک من أحوال ذاته- الراجعه إلیها کالعالمیه و نحوها- لأن تلک أحوال ثابته- و نحن إنما ننفی عنه بهذه الحجه الأحوال المتعاقبه- .

و أما قوله أو یکون ظاهرا قبل أن یکون باطنا- فإن للباطل و الظاهر تفسیرا على وجهین- أحدهما أنه ظاهر بمعنى أن أدله وجوده- و أعلام ثبوته و إلهیته جلیه واضحه- و معنى کونه باطنا أنه غیر مدرک بالحواس الظاهره- بل بقوه أخرى باطنه و هی القوه العقلیه- . و ثانیهما أنا نعنی بالظاهر الغالب- یقال ظهر فلان على بنی فلان أی غلبهم- و معنى الباطن العالم یقال بطنت سر فلان أی علمته- و القول فی نفیه عنه سبحانه أن یکون ظاهرا قبل کونه باطنا- کالقول فیما تقدم من نفیه عنه سبحانه- کونه أولا قبل کونه آخرا- .

و أما قوله کل مسمى بالوحده غیره قلیل- فلأن الواحد أقل العدد- و معنى کونه واحدا یباین ذلک- لأن معنى کونه واحدا إما نفی الثانی فی الإلهیه- أو کونه یستحیل علیها الانقسام- و على کلا التفسیرین یسلب عنها مفهوم القله- . هذا إذا فسرنا کلامه على التفسیر الحقیقی- و إن فسرناه على قاعده البلاغه و صناعه الخطابه- کان ظاهرا لأن الناس یستحقرون القلیل لقلته- و یستعظمون الکثیر لکثرته- قال الشاعر

تجمعتم من کل أوب و وجهه
على واحد لا زلتم قرن واحد

و أما قوله و کل عزیز غیره ذلیل فهو حق- لأن غیره من الملوک و إن کان عزیزا- فهو ذلیل فی قبضه القضاء و القدر- و هذا هو تفسیر قوله و کل قوى غیره ضعیف- و کل مالک غیره مملوک- . و أما قوله و کل عالم غیره متعلم فهو حق- لأنه سبحانه مفیض العلوم على النفوس- فهو المعلم الأول جلت قدرته- . و أما قوله و کل قادر غیره یقدر و یعجز فهو حق- لأنه تعالى قادر لذاته و یستحیل علیه العجز- و غیره قادر لأمر خارج عن ذاته- أما لقدره کما قاله قوم- أو لبنیه و ترکیب کما قاله قوم آخرون- و العجز على من عداه غیر ممتنع و علیه مستحیل- .

و أما قوله ع- و کل سمیع غیره یصم عن لطیف الأصوات- و یصمه کبیرها و یذهب عنه ما بعد منها- فحق لأن کل ذی سمع من الأجسام- یضعف سمعه عن إدراک خفی الأصوات- و یتأثر من شدیدها و قویها- لأنه یسمع بآله جسمانیه- و الآله الجسمانیه ذات قوه متناهیه- واقفه عند حد محدود- و الباری تعالى بخلاف ذلک- . و اعلم أن أصحابنا اختلفوا- فی کونه تعالى مدرکا للمسموعات و المبصرات- فقال شیخنا أبو علی و أبو هاشم و أصحابهما- إن کونه مدرکا صفه زائده على کونه عالما- و قالا إنا نصف الباری تعالى- فیما لم یزل بأنه سمیع بصیر- و لا نصفه بأنه سامع مبصر- و معنى کونه سامعا مبصرا- أنه مدرک للمسموعات و المبصرات- .

و قال شیخنا أبو القاسم و أبو الحسین و أصحابهما- أن معنى کونه تعالى مدرکا هو أنه عالم بالمدرکات- و لا صفه له زائده على صفته بکونه عالما- و هذا البحث مشروح- فی کتبی الکلامیه لتقریر الطریقین- و فی شرح الغرر و غیرهما- .

و القول فی شرح قوله- و کل بصیر غیره یعمى عن خفی الألوان- و لطیف الأجسام- کالقول فیما تقدم فی إدراک السمع- . و أما قوله و کل ظاهر غیره غیر باطن- و کل باطن غیره غیر ظاهر فحق- لأن کل ظاهر غیره على التفسیر الأول- فلیس بباطن کالشمس و القمر و غیرهما- من الألوان الظاهره- فإنها لیست إنما تدرک بالقوه العقلیه- بل بالحواس الظاهره- و أما هو سبحانه فإنه أظهر وجودا من الشمس- لکن ذلک الظهور لم یمکن إدراکه- بالقوى الحاسه الظاهره- بل بأمر آخر- إما خفی فی باطن هذا الجسد- أو مفارق لیس فی الجسد- و لا فی جهه أخرى غیر جهه الجسد- .

و أما على التفسیر الثانی- فلأن کل ملک ظاهر على رعیته- أو على خصومه و قاهر لهم- لیس بعالم ببواطنهم و لیس مطلعا على سرائرهم- و البارئ تعالى بخلاف ذلک- و إذا فهمت شرح القضیه الأولى- فهمت شرح الثانیه- و هی قوله و کل باطن غیره غیر ظاهر

اختلاف الأقوال فی خلق العالم

فأما قوله لم یخلق ما خلقه لتشدید سلطانه- إلى قوله عباد داخرون- فاعلم أن‏ الناس- اختلفوا فی کمیه خلقه تعالى للعالم ما هی على أقوال-

القول الأول قول الفلاسفه- قال محمد بن زکریا الرازی عن أرسطاطالیس- إنه زعم أن العالم کان عن البارئ تعالى- لأن جوهره و ذاته جوهر- و ذات مسخره للمعدوم أن یکون مسخرا موجودا- . قال و زعم ابن قیس أن عله وجود العالم وجود البارئ- . قال و على کلا القولین یکون العالم قدیما- أما على قول أرسطو- فلأن جوهر ذات البارئ لما کان قدیما لم یزل- وجب أن یکون أثرها و معلولها قدیما- و أما على قول ابن قیس فلأن البارئ موجود لم یزل- لأن وجوده من لوازم ذاته- فوجب أن یکون فیضه و أثره أیضا لم یزل هکذا- .

قال ابن زکریا- فأما الذی یقول أصحاب أرسطاطالیس الآن فی زماننا- فهو أن العالم لم یجب عن الله سبحانه عن قصد و لا غرض- لأن کل من فعل فعلا- لغرض کان حصول ذلک الغرض له- أولى من لا حصوله- فیکون کاملا لحصول ذلک الغرض- و واجب الوجود لا یجوز أن یکون کاملا- بأمر خارج عن ذاته- لأن الکامل لا من ذاته ناقص من ذاته- . قالوا لکن تمثل نظام العالم فی علم واجب الوجود- یقتضی فیض ذلک النظام منه- قالوا و هذا معنى قول الحکماء الأوائل- إن علمه تعالى فعلی لا انفعالی- و إن العلم على قسمین- أحدهما ما یکون المعلوم سببا له- و الثانی ما یکون هو سبب المعلوم- مثال الأول أن نشاهد صوره فنعلمها- و مثال الثانی- أن یتصور الصائغ أو النجار أو البناء کیفیه العمل- فیوقعه فی الخارج على حسب ما تصوره- .

قالوا و علمه تعالى من القسم الثانی- و هذا هو المعنى المعبر عنه بالعنایه- و هو إحاطه علم الأول الحق سبحانه بالکل- و بالواجب أن یکون علیه الکل- حتى یکون على أحسن النظام- و بأن ذلک واجب عن إحاطته- فیکون الموجود وفق المعلوم- من غیر انبعاث قصد و طلب عن الأول الحق سبحانه- فعلمه تعالى بکیفیه الصواب فی ترتیب الکل- هو المنبع لفیضان الوجود فی الکل- .

القول الثانی- قول حکاه أبو القاسم البلخی عن قدماء الفلاسفه- و إلیه کان یذهب محمد بن زکریا الرازی من المتأخرین- . و هو أن عله خلق البارئ للعالم- تنبیه النفس على أن ما تراه من الهیولى- و تریده غیر ممکن لترفض محبتها إیاها و عشقها لها- و تعود إلى عالمها الأول غیر مشتاقه إلى هذا العالم- .

و اعلم أن هذا القول هو القول المحکی عن الحرنانیه- أصحاب القدماء الخمسه- و حقیقه مذهبهم إثبات قدماء خمسه- اثنان منهم حیان فاعلان و هما البارئ تعالى و النفس- و مرادهم بالنفس ذات هی مبدأ لسائر النفوس- التی فی العالم کالأرواح البشریه- و القوى النباتیه و النفوس الفلکیه- و یسمون هذه الذات النفس الکلیه- و واحد من الخمسه منفعل غیر حی و هو الهیولى- و اثنان لا حیان و لا فاعلان و لا منفعلان- و هما الدهر و القضاء- قالوا و البارئ تعالى هو مبدأ العلوم و المنفعلات- و هو قائم العلم و الحکمه- کما أن النفس مبدأ الأرواح و النفوس- فالعلوم و المنفعلات تفیض من البارئ سبحانه- فیض النور عن قرص الشمس- و النفوس و الأرواح تفیض عن النفس الکلیه- فیض النور عن القرص- إلا أن النفوس جاهله- لا تعرف الأشیاء إلا على أحد وجهین- إما أن یفیض فیض البارئ تعالى علیها تعقلا و إدراکا- و إما أن تمارس غیرها و تمازجه- فتعرف ما تعرف باعتبار الممارسه و المخالطه- معرفه ناقصه- و کان البارئ تعالى فی الأزل عالما- بأن النفس تمیل إلى التعلق بالهیولى و تعشقها- و تطلب اللذه الجسمانیه- و تکره مفارقه الأجسام و تنسى نفسها- و لما کان البارئ سبحانه قائم العلم و الحکمه- اقتضت حکمته ترکب الهیولى- لما تعلقت النفس بها ضروبا مختلفه من التراکیب- فجعل منها أفلاکا و عناصر و حیوانات و نباتات- فأفاض على النفوس تعقلا و شعورا- جعله سببا لتذکرها عالمها الأول- و معرفتها أنها ما دامت فی هذا العالم- مخالطه للهیولى- لم تنفک عن الآلام- فیصیر ذلک مقتضیا شوقها إلى عالمها الأول- الذی لها فیه اللذات الخالیه عن الآلام- و رفضها هذا العالم الذی هو سبب أذاها و مضرتها- .

القول الثالث قول المجوس– إن الغرض من خلق العالم- أن یتحصن الخالق جل اسمه من العدو- و أن یجعل العالم شبکه له لیوقع العدو فیه- و یجعله فی ربط و وثاق- و العدو عندهم هو الشیطان- و بعضهم یعتقد قدمه و بعضهم حدوثه- . قال قوم منهم إن البارئ تعالى استوحش- ففکر فکره ردیئه فتولد منها الشیطان- . و قال آخرون بل شک شکا ردیئا- فتولد الشیطان من شکه- . و قال آخرون بل تولد من عفونه ردیئه قدیمه- و زعموا أن الشیطان حارب البارئ سبحانه- و کان فی الظلم لم یزل بمعزل عن سلطان البارئ سبحانه- فلم یزل یزحف حتى رأى النور فوثب وثبه عظیمه- فصار فی سلطان الله تعالى فی النور- و أدخل معه الآفات و البلایا و السرور- فبنى الله سبحانه هذه الأفلاک- و الأرض و العناصر شبکه له- و هو فیها محبوس- لا یمکنه الرجوع إلى سلطانه الأول- و صار فی الظلمه- فهو أبدا یضطرب و یرمی الآفات على خلق الله سبحانه- فمن أحیاه الله رماه الشیطان بالموت- و من أصحه رماه الشیطان بالسقم- و من سره رماه بالحزن و الکآبه- فلا یزال کذلک و کل یوم ینتقص سلطانه و قوته- لأن الله تعالى یحتال له کل یوم- و یضعفه إلى أن تذهب قوته کلها-و تجمد و تصیر جمادا لا حراک به- فیضعه الله تعالى حینئذ فی الجو- و الجو عندهم هو الظلمه و لا منتهى له- فیصیر فی الجو جمادا جامدا هوائیا- و یجمع الله تعالى أهل الأدیان- فیعذبهم بقدر ما یطهرهم- و یصفیهم من طاعه الشیطان و یغسلهم من الأدناس- ثم یدخلهم الجنه- و هی جنه لا أکل فیها و لا شرب و لا تمتع- و لکنها موضع لذه و سرور- .

القول الرابع قول المانویه- و هو أن النور لا نهایه له من جهه فوق- و أما من جهه تحت فله نهایه- و الظلمه لا نهایه لها من جهه أسفل- و أما من جهه فوق فلها نهایه- و کان النور و الظلمه هکذا قبل خلق العالم- و بینهما فرجه- و أن بعض أجزاء النور اقتحم تلک الفرجه- لینظر إلى الظلمه فأسرته الظلمه- فأقبل عالم کثیر من النور- فحارب الظلمه لیستخلص المأسورین من تلک الأجزاء- و طالت الحرب- و اختلط کثیر من أجزاء النور بکثیر من أجزاء الظلمه- فاقتضت حکمه نور الأنوار- و هو البارئ سبحانه عندهم- أن عمل الأرض من لحوم القتلى و الجبال من عظامهم- و البحار من صدیدهم و دمائهم و السماء من جلودهم- و خلق الشمس و القمر و سیرهما- لاستقصاء ما فی هذا العالم من أجزاء النور- المختلطه بأجزاء الظلمه- و جعل حول هذا العالم خندقا خارج الفلک الأعلى- یطرح فیه الظلام المستقصى- فهو لا یزال یزید و یتضاعف و یکثر فی هذا الخندق- و هو ظلام صرف قد استقصى نوره- و أما النور المستخلص- فیلحق بعد الاستقصاء بعالم الأنوار من فوق- فلا تزال الأفلاک متحرکه- و العالم مستمرا إلى أن یتم استقصاء النور الممتزج- و حینئذ یبقى من النور الممتزج شی‏ء یسیر- فینعقد بالظلمه لا تقدر النیران على استقصائه- فعند ذلک تسقط الأجسام العالیه و هی الأفلاک- على الأجسام السافله و هی الأرضون- و تثور نار و تضطرم فی تلک الأسافل-و هی المسماه بجهنم- و یکون الاضطرام مقدار ألف و أربعمائه سنه- فتحلل بتلک النار تلک الأجزاء المنعقده من النور- الممتزجه بأجزاء الظلمه- التی عجز الشمس و القمر عن استقصائها- فیرتفع إلى عالم الأنوار و یبطل العالم حینئذ- و یعود النور کله إلى حاله الأولى قبل الامتزاج- فکذلک الظلمه- .

القول الخامس قول متکلمی الإسلام- و هو على وجوه- أولها قول جمهور أصحابنا- إن الله تعالى إنما خلق العالم- للإحسان إلیهم و الإنعام على الحیوان- لأن خلقه حیا نعمه علیه- لأن حقیقه النعمه موجوده فیه- و ذلک أن النعمه هی المنفعه المفعوله للإحسان- و وجود الجسم حیا منفعه مفعوله للإحسان- أما بیان کون ذلک منفعه- فلأن المنفعه هی اللذه و السرور و دفع المضار المخوفه- و ما أدى إلى ذلک و صححه- أ لا ترى أن من أشرف على أن یهوى من جبل- فمنعه بعض الناس من ذلک- فإنه یکون منعما علیه- و من سر غیره بأمر و أوصل إلیه لذه- یکون قد أنعم علیه- و من دفع إلى غیره مالا یکون قد أنعم علیه- لأنه قد مکنه بدفعه إلیه من الانتفاع و صححه له- و لا ریب أن وجودنا أحیاء یصحح لنا اللذات- و یمکننا منها- لأنا لو لم نکن أحیاء لم یصح ذلک فینا- قالوا و إنما قلنا إن هذه المنفعه مفعوله للإحسان- لأنها إما أن تکون مفعوله لا لغرض أو لغرض- و الأول باطل لأن ما یفعل لا لغرض عبث- و البارئ سبحانه لا یصح أن تکون أفعاله عبثا- لأنه حکیم- .

و أما الثانی فإما أن یکون ذلک الغرض- عائدا علیه سبحانه بنفع أو دفع ضرر- أو یعود على غیره- و الأول باطل لأنه غنی لذاته- یستحیل علیه المنافع و المضار- و لا یجوز أن یفعله لمضره یوصلها إلى غیره- لأن القصد إلى الإضرار بالحیوان- من غیر استحقاق و لا منفعه- یوصل إلیها بالمضره قبیح تعالى الله عنه- فثبت أنه سبحانه إنما خلق الحیوان‏ لنفعه- و أما غیر الحیوان فلو لم یفعله لینفع به الحیوان- لکان خلقه عبثا و البارئ تعالى لا یجوز علیه العبث- فإذا جمیع ما فی العالم إنما خلقه لینفع به الحیوان- .

فهذا هو الکلام فی عله خلق العالم عندهم- و أما الکلام فی وجه حسن تکلیف الإنسان- فذاک مقام آخر لسنا الآن فی بیانه- و لا الحاجه داعیه إلیه- . و ثانیها قول قوم من أصحابنا البغدادیین- إنه خلق الخلق لیظهر به لأرباب العقول صفاته الحمیده- و قدرته على کل ممکن و علمه بکل معلوم- و ما یستحقه من الثناء و الحمد- قالوا و قد ورد الخبر أنه تعالى قال: کنت کنزا لا أعرف فأحببت أن أعرف – و هذا القول لیس بعیدا- . و ثالثها للمجبره إنه خلق الخلق لا لغرض أصلا- و لا یقال لم کان کل شی‏ء لعله و لا عله لفعله- و مذهب الأشعری و أصحابه أن إرادته القدیمه- تعلقت بإیجاد العالم- فی الحال التی وجد فیها لذاتها- و لا لغرض و لا لداع- و ما کان یجوز ألا یوجد العالم حیث وجد- لأن الإراده القدیمه- لا یجوز أن تتقلب و تتغیر حقیقتها- و کذلک القول عندهم فی أجزاء العالم- المجدده من الحرکات و السکنات- و الأجسام و سائر الأعراض- . و رابعها قول بعض المتکلمین- إن البارئ تعالى إنما فعل العالم- لأنه ملتذ بأن یفعل- و أجاز أرباب هذا القول علیه اللذه و السرور و الابتهاج- قالوا و البارئ سبحانه- و إن کان قبل أن یخلق العالم ملتذا- بکونه قادرا على خلق العالم- إلا أن لذه الفعل أقوى من لذه القدره على الفعل- کان یلتذ بأنه قادر على أن یکتب خطا مستحسنا- أو یبنى بیتا محکما- فإنه إذا أخرج تلک الصناعه من القوه إلى الفعل- کانت لذته أتم و أعظم- قالوا و لم یثبت بالدلیل العقلی- استحاله اللذه علیه- و قد ورد فی الآثار النبویه أن الله تعالى یسر- و اتفقت الفلاسفه على أنه ملتذ بذاته و کماله- .

و عندی فی هذا القول نظر- و لی فی اللذه و الألم رساله مفرده- و أما قوله لم یحلل فی الأشیاء- فیقال لا هو فیها کائن و لا منها مباین- فینبغی أن یحمل على أنه أراد أنه لم ینأ عن الأشیاء- نأیا مکانیا- فیقال هو بائن بالمکان- هکذا ینبغی أن یکون مراده- لأنه لا یجوز إطلاق القول بأنه لیس ببائن عن الأشیاء- و کیف و المجرد بالضروره بائن عن ذی الوضع- و لکنها بینونه بالذات لا بالجهه- و المسلمون کلهم متفقون- على أنه تعالى یستحیل أن یحل فی شی‏ء- إلا من اعتزى إلى الإسلام من الحلولیه- کالذین قالوا بحلوله فی علی و ولده- و کالذین قالوا بحلوله فی أشخاص- یعتقدون فیها إظهاره کالحلاجیه و غیرهم- و الدلیل على استحاله حلوله سبحانه فی الأجسام- أنه لو صح أن یحل فیها لم یعقل منفردا بنفسه أبدا- کما أن السواد لا یعقل کونه غیر حال فی الجسم- لأنه لو یعقل غیر حال فی الجسم لم یکن سوادا- و لا یجوز أن یکون الله تعالى حالا أبدا- و لا أن یلاقی الجسم- إذ ذلک یستلزم قدم الأجسام- و قد ثبت أنها حادثه- . فأما قوله لم یؤده خلق ما ابتدأ- إلى قوله عما خلق فهو حق- لأنه تعالى قادر لذاته- و القادر لذاته لا یتعب و لا یعجز- لأنه لیس بجسم- و لا قادر بقدره یقف مقدورها عند حد و غایه- بل إنما یقدر على شی‏ء لأنه تعالى ذات مخصوصه- یجب لها أن تقدر على الممکنات- فیکون کل ممکن- داخلا تحت هذه القضیه الکلیه- و الذات التی تکون هکذا لا تعجز- و لا تقف مقدوراتها عند حد و غایه أصلا- و یستحیل علیها التعب- لأنها لیست ذات أعضاء و أجزاء- . و أما قوله و لا ولجت علیه شبهه- إلى قوله و أمر مبرم فحق- لأنه تعالى عالم لذاته- أی إنما علم ما علمه- لا بمعنى أن یتعلق بمعلوم دون معلوم- بل إنما علم أی شی‏ء أشرت إلیه- لأنه ذات مخصوصه- و نسبه تلک الذات إلى غیر ذلک الشی‏ء المشار إلیه-کنسبتها إلى المشار إلیه- فکانت عالمه بکل معلوم- و استحال دخول الشبهه علیها فیما یقضیه و یقدره- . و أما قوله المأمول مع النقم المرهوب مع النعم- فمعنى لطیف و إلیه وقعت الإشاره بقوله تعالى- أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى‏ أَنْ یَأْتِیَهُمْ بَأْسُنا بَیاتاً- وَ هُمْ نائِمُونَ- أَ وَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرى‏ أَنْ یَأْتِیَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى- وَ هُمْ یَلْعَبُونَ- و قوله سبحانه سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَیْثُ لا یَعْلَمُونَ- و قوله تعالى فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ یُسْراً- إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ یُسْراً- و قوله سبحانه فَعَسى‏ أَنْ تَکْرَهُوا شَیْئاً- وَ یَجْعَلَ اللَّهُ فِیهِ خَیْراً کَثِیراً- و إلیه نظر الشاعر فی قوله-

من عاش لاقى ما یسوء
من الأمور و ما یسر

و لرب حتف فوقه‏
ذهب و یاقوت و در

و قال البحتری

یسرک الشی‏ء قد یسوء و کم
نوه یوما بخامل لقبه‏

لا ییئس المرء أن ینجیه‏
ما یحسب الناس أنه عطبه‏

و قال آخر

رب غم یدب تحت سرور
و سرور یأتی من المحذور

 و قال سعید بن حمید-

کم نعمه مطویه
لک بین أثناء النوائب‏

و مسره قد أقبلت
من حیث تنتظر المصائب‏

 و قال آخر

أنتظر الروح و أسبابه
أیأس ما کنت من الروح‏

و قال آخر

ربما تجزع النفوس من الأمر
له فرجه کحل العقال‏

و قال آخر

العسر أکرمه لیسر بعده
و لأجل عین ألف عین تکرم‏

و المرء یکره یومه و لعله‏
یأتیه فیه سعاده لا تعلم‏

و قال الحلاج

و لربما هاج الکبیر
من الأمور لک الصغیر

و لرب أمر قد تضیق‏
به الصدور و لا یصیر

 و قال آخر

یا راقد اللیل مسرورا بأوله
إن الحوادث قد یطرقن أسحارا

 و قال آخر

کم مره حفت بک المکاره
خار لک الله و أنت کاره‏

و من شعری الذی أناجی به البارئ سبحانه فی خلواتی- و هو فن أطویه و أکتمه عن الناس- و إنما ذکرت بعضه فی هذا الموضع- لأن المعنى ساق إلیه- و الحدیث ذو شجون-

یا من جفانی فوجدی بعده عدم
هبنی أسأت فأین العفو و الکرم‏

أنا المرابط دون الناس فاجف و صل
و اقبل و عاقب و حاسب لست انهزم‏

إن المحب إذا صحت محبته‏
فما لوقع المواضی عنده ألم‏

و حق فضلک ما استیأست من نعم
تسری إلی و إن حلت بی النقم‏

و لا أمنت نکالا منک أرهبه‏
و إن ترادفت الآلاء و النعم‏

حاشاک تعرض عمن فی حشاشته
نار لحبک طول الدهر تضطرم‏

أ لم تقل إن من یدنو إلی قدر الذراع‏
أدنو له باعا و أبتسم‏

و الله و الله لو عاقبتنی حقبا
بالنار تأکلنی حطما و تلتهم‏

ما حلت عن حبک الباقی فلیس على‏
حال بمنصرم و الدهر ینصرم‏

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۵ 

بازدیدها: ۵۷

خطبه ۶۳ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۶۳ و من خطبه له ع

فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَ بَادِرُوا آجَالَکُمْ بِأَعْمَالِکُمْ- وَ ابْتَاعُوا مَا یَبْقَى لَکُمْ بِمَا یَزُولُ عَنْکُمْ- وَ تَرَحَّلُوا فَقَدْ جُدَّ بِکُمْ- وَ اسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّکُمْ- وَ کُونُوا قَوْماً صِیحَ بِهِمْ فَانْتَبَهُوا- وَ عَلِمُوا أَنَّ الدُّنْیَا لَیْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ یَخْلُقْکُمْ عَبَثاً وَ لَمْ یَتْرُکْکُمْ سُدًى- وَ مَا بَیْنَ أَحَدِکُمْ وَ بَیْنَ الْجَنَّهِ أَوِ النَّارِ- إِلَّا الْمَوْتُ أَنْ یَنْزِلَ بِهِ- وَ إِنَّ غَایَهً تَنْقُصُهَا اللَّحْظَهُ وَ تَهْدِمُهَا السَّاعَهُ- لَجَدِیرَهٌ بِقِصَرِ الْمُدَّهِ- وَ إِنَّ غَائِباً یَحْدُوهُ الْجَدِیدَانِ- اللَّیْلُ وَ النَّهَارُ لَحَرِیٌّ بِسُرْعَهِ الْأَوْبَهِ- وَ إِنَّ قَادِماً یَقْدَمُ بِالْفَوْزِ أَوِ الشِّقْوَهِ- لَمُسْتَحِقٌّ لِأَفْضَلِ الْعُدَّهِ- فَتَزَوَّدُوا فِی الدُّنْیَا مِنَ الدُّنْیَا- مَا تُحْرِزُونَ بِهِ أَنْفُسَکُمْ غَداً- فَاتَّقَى عَبْدٌ رَبَّهُ نَصَحَ نَفْسَهُ وَ قَدَّمَ تَوْبَتَهُ وَ غَلَبَ شَهْوَتَهُ- فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ وَ أَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ- وَ الشَّیْطَانُ مُوَکَّلٌ بِهِ یُزَیِّنُ لَهُ الْمَعْصِیَهَ لِیَرْکَبَهَا- وَ یُمَنِّیهِ التَّوْبَهَ لِیُسَوِّفَهَا- إِذَا هَجَمَتْ مَنِیَّتُهُ عَلَیْهِ أَغْفَلَ مَا یَکُونُ عَنْهَا- فَیَا لَهَا حَسْرَهً عَلَى ذِی غَفْلَهٍ أَنْ یَکُونَ عُمُرُهُ عَلَیْهِ حُجَّهً- وَ أَنْ تُؤَدِّیَهُ أَیَّامُهُ إِلَى الشِّقْوَهِ- نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ- أَنْ یَجْعَلَنَا وَ إِیَّاکُمْ مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ نِعْمَهٌ- وَ لَا تُقَصِّرُ بِهِ عَنْ طَاعَهِ رَبِّهِ غَایَهٌ- وَ لَا تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ نَدَامَهٌ وَ لَا کَآبَهٌ

بادروا آجالکم بأعمالکم أی سابقوها و عاجلوها- البدار العجله- و ابتاعوا الآخره الباقیه بالدنیا الفانیه الزائله- . و قوله فقد جد بکم أی حثثتم على الرحیل- یقال جد الرحیل و قد جد بفلان- إذا أزعج و حث على الرحیل- . و استعدوا للموت یمکن أن یکون بمعنى أعدوا- فقد جاء استفعل بمعنى أفعل- کقولهم استجاب له أی أجابه- . و یمکن أن یکون بمعنى الطلب- کما تقول استطعم أی طلب الطعام- فیکون بالاعتبار الأول کأنه قال أعدوا للموت عده- و بمعنى الاعتبار الثانی کأنه قال اطلبوا للموت عده- . و أظلکم قرب منکم کأنه ألقى علیهم ظله- و هذا من باب الاستعاره- . و العبث اللعب أو ما لا غرض فیه- أو ما لا غرض صحیح فیه- .

و قوله و لم یترککم سدى أی مهملین- . و قوله أن ینزل به موضعه رفع لأنه بدل من الموت- و الغائب المشار إلیه هو الموت- . و یحدوه الجدیدان یسوقه اللیل و النهار- و قیل الغائب هنا هو الإنسان یسوقه الجدیدان- إلى الدار التی هی داره الحقیقیه و هی الآخره- و هو فی الدنیا غائب على الحقیقه عن داره التی خلق لها- و الأول أظهر- . و قوله فتزودوا فی الدنیا من الدنیا کلام فصیح- لأن الأمر الذی به یتمکن المکلف- من إحراز نفسه فی الآخره- إنما هو یکتسبه فی الدنیا منها- و هو التقوى و الإخلاص و الإیمان- . و الفاء فی قوله فاتقى عبد ربه- لبیان ماهیه الأمر الذی یحرز الإنسان به نفسه-و لتفصیل أقسامه و أنواعه- کما تقول فعل الیوم فلان أفعالا جمیله- فأعطى فلانا و صفح عن فلان و فعل کذا- و قد روی اتقى عبد ربه بلا فاء- بتقدیر هلا و معناه التحضیض- .

و قد روی لیسوفها بکسر الواو و فتحها- و الضمیر فی الروایه الأولى یرجع إلى نفسه- و قد تقدم ذکرها قبل بکلمات یسیره- و یجوز أن یعنى به لیسوف التوبه- کأنه جعلها مخاطبه یقول لها سوف أوقعک- و التسویف أن یقول فی نفسه سوف أفعل- و أکثر ما یستعمل للوعد الذی لا نجاز له- و من روى بفتح الواو جعله فعل ما لم یسم فاعله- و تقدیره و یمنیه الشیطان التوبه- أی یجعلها فی أمنیته لیکون مسوفا إیاها- أی یعد من المسوفین المخدوعین- . و قوله فیا لها حسره یجوز أن یکون نادى الحسره- و فتحه اللام على أصل نداء المدعو کقولک یا للرجال- و یکون المعنى هذا وقتک أیتها الحسره فاحضری- و یجوز أن یکون المدعو غیر الحسره- کأنه قال یا للرجال للحسره- فتکون لامها مکسوره نحو الأصل لأنها المدعو إلیه- إلا أنها لما کانت للضمیر فتحت- أی أدعوکم أیها الرجال لتقضوا العجب من هذه الحسره

عظه للحسن البصری

و هذا الکلام من مواعظ أمیر المؤمنین البالغه- و نحوه من کلام الحسن البصری- ذکره شیخنا أبو عثمان فی البیان و التبیین-ابن آدم بع دنیاک بآخرتک تربحهما جمیعا- و لا تبع آخرتک بدنیاک فتخسره