نامه ۵۹ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى العمال الذین یطأ الجیش عملهم

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِیٍّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ إِلَى مَنْ مَرَّ بِهِ الْجَیْشُ- مِنْ جُبَاهِ الْخَرَاجِ وَ عُمَّالِ الْبِلَادِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّی قَدْ سَیَّرْتُ جُنُوداً- هِیَ مَارَّهٌ بِکُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- وَ قَدْ أَوْصَیْتُهُمْ بِمَا یَجِبُ لِلَّهِ عَلَیْهِمْ- مِنْ کَفِّ الْأَذَى وَ صَرْفِ الشَّذَا- وَ أَنَا أَبْرَأُ إِلَیْکُمْ وَ إِلَى ذِمَّتِکُمْ مِنْ مَعَرَّهِ الْجَیْشِ- إِلَّا مِنْ جَوْعَهِ الْمُضْطَرِّ لَا یَجِدُ عَنْهَا مَذْهَباً إِلَى شِبَعِهِ- فَنَکِّلُوا مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُمْ شَیْئاً ظُلْماً عَنْ ظُلْمِهِمْ- وَ کُفُّوا أَیْدِیَ سُفَهَائِکُمْ عَنْ مُضَارَّتِهِمْ- وَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِیمَا اسْتَثْنَیْنَاهُ مِنْهُمْ- وَ أَنَا بَیْنَ أَظْهُرِ الْجَیْشِ- فَارْفَعُوا إِلَیَّ مَظَالِمَکُمْ- وَ مَا عَرَاکُمْ مِمَّا یَغْلِبُکُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ- وَ لَا تُطِیقُونَ دَفْعَهُ إِلَّا بِاللَّهِ وَ بِی فَأَنَا أُغَیِّرُهُ بِمَعُونَهِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ

اللغه

أقول: الشذى: الأذى. و معرّه الجیش: المضرّه الواصله منه، و عرّه معرّه: أى سائه. و نکل ینکل بالضمّ: جبن. و نکّلوا: خوّفوا، و جبّنوا. و عراه الأمر: غشیه.

و حاصل الکتاب إعلام من على طریق الجیش من الجباه و عمّال البلاد بمسیره علیهم
لیتنبّهوا و یحترزوا منه، ثمّ وصیّه الجیش بما ینبغی لهم و یجب للّه علیهم من کفّ الأذى عمّن یمرّون به لیعرفوا عموم عدله و یتأدّبوا بآدابه، ثمّ إعلامهم أنّه برى‏ء إلیهم و إلى ذمّتهم الّتی أخذها منهم من إساءه الجیش فإنّه لیس بأمره من ذلک إلّا معرّه جوعه المضطرّ الّتی لا یجد عنها إلى شبعه مذهبا. و تقدیر الکلام: فإنّی أبرء إلیکم من معرّه الجیش إلّا من معرّه جوعه المضطرّ منهم فأقام المضاف إلیه مقام المضاف أو أطلقه مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب. ثمّ أمرهم أن یخوّفوا و یجبّنوا من تناول من الجیش شیئا عن ظلمه و یدفعوه الدفع الممکن لهم لئلّا یکون بسطوتهم خراب الأعمال، ثمّ أن یکفّوا أیدی سفهائهم عن مضارّتهم و التعرّض لهم فیما استثناه من المعرّه الضروریّه لئلّا یثور بذلک الفتنه بینهم و بین الجیش. ثمّ أعلمهم أنّه بین أظهر الجیش کنایه عن کونه مرجع أمرهم لیدفعوا إلیه مظالمهم و ما غشیهم من أمر یغلب علیهم من الجیش لا یطیقون دفعه إلّا باللّه و به فیغیّره بمعونه اللّه و خشیته.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۹۹

 

بازدیدها: ۲

نامه ۵۸ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى الأسود بن قطیبه صاحب جند حلوان

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْوَالِیَ إِذَا اخْتَلَفَ هَوَاهُ- مَنَعَهُ ذَلِکَ کَثِیراً مِنَ الْعَدْلِ- فَلْیَکُنْ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَکَ فِی الْحَقِّ سَوَاءً- فَإِنَّهُ لَیْسَ فِی الْجَوْرِ عِوَضٌ مِنَ الْعَدْلِ- فَاجْتَنِبْ مَا تُنْکِرُ أَمْثَالَهُ- وَ ابْتَذِلْ نَفْسَکَ فِیمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَیْکَ- رَاجِیاً ثَوَابَهُ وَ مُتَخَوِّفاً عِقَابَهُ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الدُّنْیَا دَارُ بَلِیَّهٍ- لَمْ یَفْرُغْ صَاحِبُهَا فِیهَا قَطُّ سَاعَهً- إِلَّا کَانَتْ فَرْغَتُهُ عَلَیْهِ حَسْرَهً یَوْمَ الْقِیَامَهِ- وَ أَنَّهُ لَنْ یُغْنِیَکَ عَنِ الْحَقِّ شَیْ‏ءٌ أَبَداً- وَ مِنَ الْحَقِّ عَلَیْکَ حِفْظُ نَفْسِکَ- وَ الِاحْتِسَابُ عَلَى الرَّعِیَّهِ بِجُهْدِکَ- فَإِنَّ الَّذِی یَصِلُ إِلَیْکَ مِنْ ذَلِکَ- أَفْضَلُ مِنَ الَّذِی یَصِلُ بِکَ وَ السَّلَامُ‏

أقول: فی الفصل لطائف:
أحدها: أنّه نبّهه على وجوب ترک تنویع الأهویه و الإعراض عن اتّباع مختلفاتها
بما یستلزمه من المفسده و هى الامتناع عن کثیر من العدل، و وجه الاستلزام ظاهر لأنّ اتّباع الأهویه المختلفه یوجب الانحراف عن حاقّ الوسط فی المطالب، و لمّا نبّهه على مفسده الجور أمره ببسط العدل و التسویه بین الخلق فی الحقّ. ثمّ نبّه على فضیلته بضمیر صغراه قوله: فإنّه إلى قوله: العدل. و تقدیرها: فإنّ العدل لیس فی الجور عوض عنه، و تقدیر الکبرى: و کلّ ما لم یکن فی الجور عوض عنه فیجب لزومه و اتّباعه.

الثانیه: لمّا کان اتّباع مختلف الأهویه ممّا ینکر مثله عند وقوعه فی حقّه أو حقّ من یلزمه أمره
کالأذى اللاحق له مثلا أمره باجتنابه و أن لا یقع منه فی غیره ما یکره وقوع مثله فی حقّه. و العباره وافیه بهذا المعنى، و الغرض التنفیر عنه.

الثالثه: أمره بعد ذلک أن یبذل نفسه فیما افترض اللّه علیه حالتی رجائه لثوابه و خوفه من عقابه
لکونهما داعى العمل.

الرابعه: نبّهه على أنّ الدنیا دار ابتلاء بالعمل
کما قال تعالى الَّذِی خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَیاهَ لِیَبْلُوَکُمْ أَیُّکُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا«» و لمّا کان العمل الصالح فیها هو سبب الاستعداد للسعاده الباقیه لا جرم کان الفراغ من العمل فیها ترکا لسبب سعاده لا یحصل یوم القیامه إلّا به فکان من لوازم فرغته منه فی الدنیا الحسره على ثمرته یوم القیامه.

الخامسه: نبّهه على ضرورته إلى عمل الحقّ بأنّه لا یغنیه عنه شی‏ء غیره
لأنّ کلّ ما عدا الحقّ باطل و الباطل سبب للفقر فی الآخره فلا یفید غنى.

السادسه: نبّهه على أنّ من الحقوق الواجبه علیه حفظ نفسه:
أى من زلّه القدم عن الصراط المستقیم و الوقوع فی سواء الجحیم، ثمّ الاحتساب على رعیّته بجهده و طاقته، و الأخذ على أیدیهم فی الأمر بالمعروف و النهى عن المنکر. و قدّم حفظ النفس لأنّه الأهمّ، و نبّه على وجوب الأمرین بقوله: فإنّ الّذی إلى آخره و أراد أنّ الّذی یصل إلى نفسک من الکمالات و الثواب اللازم عنها فی الآخره بسبب لزومک للأمرین المذکورین أفضل ممّا یصل بعد لک و إحسانک إلى الخلق من النفع و دفع الضرر، و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۹۷

 

بازدیدها: ۰

نامه ۵۷ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام کتبه إلى أهل الأمصار، یقص فیه ما جرى بینه و بین أهل صفین

وَ کَانَ بَدْءُ أَمْرِنَا أَنَّا الْتَقَیْنَا وَ الْقَوْمُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ- وَ الظَّاهِرُ أَنَّ رَبَّنَا وَاحِدٌ وَ نَبِیَّنَا وَاحِدٌ- وَ دَعْوَتَنَا فِی الْإِسْلَامِ وَاحِدَهٌ- وَ لَا نَسْتَزِیدُهُمْ فِی الْإِیمَانِ بِاللَّهِ وَ التَّصْدِیقِ بِرَسُولِهِ- وَ لَا یَسْتَزِیدُونَنَا- الْأَمْرُ وَاحِدٌ إِلَّا مَا اخْتَلَفْنَا فِیهِ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ- وَ نَحْنُ مِنْهُ بَرَاءٌ- فَقُلْنَا تَعَالَوْا نُدَاوِ مَا لَا یُدْرَکُ الْیَوْمَ- بِإِطْفَاءِ النَّائِرَهِ وَ تَسْکِینِ الْعَامَّهِ- حَتَّى یَشْتَدَّ الْأَمْرُ وَ یَسْتَجْمِعَ- فَنَقْوَى عَلَى وَضْعِ الْحَقِّ مَوَاضِعَهُ فَقَالُوا بَلْ نُدَاوِیهِ بِالْمُکَابَرَهِ- فَأَبَوْا حَتَّى جَنَحَتِ الْحَرْبُ وَ رَکَدَتْ- وَ وَقَدَتْ نِیرَانُهَا وَ حَمِشَتْ- فَلَمَّا ضَرَّسَتْنَا وَ إِیَّاهُمْ- وَ وَضَعَتْ مَخَالِبَهَا فِینَا وَ فِیهِمْ- أَجَابُوا عِنْدَ ذَلِکَ إِلَى الَّذِی دَعَوْنَاهُمْ إِلَیْهِ- فَأَجَبْنَاهُمْ إِلَى مَا دَعَوْا وَ سَارَعْنَاهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا- حَتَّى اسْتَبَانَتْ عَلَیْهِمُ الْحُجَّهُ- وَ انْقَطَعَتْ مِنْهُمُ الْمَعْذِرَهُ- فَمَنْ تَمَّ عَلَى ذَلِکَ مِنْهُمْ- فَهُوَ الَّذِی أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنَ الْهَلَکَهِ- وَ مَنْ لَجَّ وَ تَمَادَى فَهُوَ الرَّاکِسُ- الَّذِی رَانَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ- وَ صَارَتْ دَائِرَهُ السَّوْءِ عَلَى رَأْسِهِ

اللغه

أقول: و بدء الأمر: أوّله. و یروى: بدى‏ء فعیل بمعنى مبتدأ. و النائره: العداوه. و جنحت: مالت. و رکدت: ثبتت. و حمست: اشتدّت. و روى بالشین المعجمه: أى التهبت غضبا. و أنقذه خلّصه. و التمادى فی الشی‏ء: الإقامه علیه و طلب الغایه فیه. و الرکس: ردّ الشی‏ء مقلوبا. و اللّه أرکسهم: أى ردّهم إلى عقوبه کفرهم و الرین: التغطیه. و الدایره: الهزیمه، یقال: علیهم الدائره، و یؤکّد شنعتها بالإضافه إلى السوء.

المعنى

و الفصل من حکایه حاله مع أهل الشام و حالهم. و القوم عطف على الضمیر فی التقینا و فی قوله: و الظاهر. إیماء إلى تهمته لهم بضدّ ذلک کما صرّح به هو و عمّار فی صفّین فإنّه کان یقول: و اللّه ما أسلموا و لکن استسلموا و أسرّوا الکفر فلمّا وجدوا علیه أعوانا أظهروه. و الواو للحال. و قوله: لا نستزیدهم. أى لا نطلب منهم زیاده فی الإیمان لتمامه منهم فی الظاهر. و قد بیّن فی حکایه الحال الاتّحاد الّذی بینهم فی الامور المذکوره الّتی لا یجوز الاختلاف معها لیظهر الحجّه و استثنى من ذلک ما وقع الاختلاف فیه و هى الشبهه بدم عثمان و الجواب عنها إجمالا. ثمّ حکى وجه الرأى الأصلح فی نظام أمر الإسلام و سلامه أهله و شوره علیهم و إبائهم عن قبوله إلى الغایه المذکوره. و الباء فی قوله: بإطفاء النائره متعلّق بقوله: نداوى ما لا یدرک: أى ما لا یمکن تلافیه بعد وقوع الحرب و لا یستدرک من القتل و هلاک المسلمین.

و قوله: فقالوا: بل نداویه بالمکابره. حکایه قولهم بلسان حالهم حین دعاهم إلى نظام أمر الدین بالرجوع عمّاهم علیه فکابروه و أصرّوا على الحرب، و تجوّز باسم الجنوح إطلاقا لاسم المضاف على المضاف إلیه، و استعار لفظ النیران للحرکات فی الحرب لمشابهتهما فی استلزام الأذى و الهلاک، و رشّح بذکر الوقد، و کذلک لفظ الحمس و التضریس و وضع المخالب. ثمّ حکى إجابتهم و رجوعهم إلى رأیه الّذى رآه لهم، و ذلک أنّهم صبیحه لیله الهریر حین حملوا المصاحف على الأرماح کانوا یقولون لأصحابه علیه السّلام: معاشر المسلمین نحن إخوانکم فی الدین اللّه اللّه فی البنات و النساء. کما حکیناه أوّلا. و ذلک عین ما کان یذکّرهم به علیه السّلام من حفظ دماء المسلمین و ذرّیّتهم، و أمّا إجابته إلى ما دعوا فإجابته إلى تحکیم کتاب اللّه حین دعوا إلیه و ظهور الحجّه علیهم‏ برجوعهم إلى عین ما کان یدعوهم إلیه من حقن الدماء، و فی ذلک انقطاع عذرهم فی المطالبه بدم عثمان إذ کان سکوتهم عن دم صحابىّ لا حقّ لهم فیه أسهل من سفک دماء سبعین ألفا من المهاجرین و الأنصار و التابعین بإحسان. و قوله: فمن تمّ على ذلک. أى على الرضاء بالصلح و تحکیم کتاب اللّه و هم أکثر أهل الشام و أکثر أصحابه علیه السّلام. و الّذین لجّوا فی التمادی فهم الخوارج الّذین لجّوا فی الحرب و اعتزلوه علیه السّلام بسبب التحکیم و کانت قلوبهم فی أغشیه من الشبهات الباطله حتّى صارت دائره السوء على رؤوسهم فقتلوا إلّا أقلّهم.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۹۴

 

بازدیدها: ۱

نامه ۵۶ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى أهل الکوفه، عند مسیره من المدینه إلى البصره

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّی خَرَجْتُ مِنْ حَیِّی هَذَا- إِمَّا ظَالِماً وَ إِمَّا مَظْلُوماً وَ إِمَّا بَاغِیاً وَ إِمَّا مَبْغِیّاً عَلَیْهِ- وَ إِنِّی أُذَکِّرُ اللَّهَ مَنْ بَلَغَهُ کِتَابِی هَذَا لَمَّا نَفَرَ إِلَیَّ- فَإِنْ کُنْتُ مُحْسِناً أَعَانَنِی- وَ إِنْ کُنْتُ مُسِیئاً اسْتَعْتَبَنِی

أقول: غرض الکتاب إعلام أهل الکوفه بخروجه من المدینه القتال أهل البصره و استنفارهم إلیه، و قد مرّ مثل ذلک

اللغه

و حیّه: قبیلته.

المعنى

و قوله: إما ظالما. إلى قوله: علیه. من باب تجاهل العارف، و لأنّ القضیّه لم تکن بعد ظهرت لأهل الکوفه و غیرهم لیعرفوا هل هو مظلوم أو غیره و لذلک ذکّرهم لینفروا إلیه فیحکموا بینه و بین خصومه فیعینوه أو یطلبوا منه العتبى و هى الرجوع إلى الحقّ. و- اذکّر- یتعدّى إلى مفعول أوّل هو المذکّر، و ثان هو المذکّر به و هو اللّه تعالى. و قد قدّمه لکونه هو المقصود من التذکیر. و- لمّا- مشدّده بمعنى إلّا، و مخفّفه هى ما زائده دخل علیها لام التأکید: أى لینفرنّ إلىّ. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى‏۱۹۳

 

بازدیدها: ۱

نامه ۵۵ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام وصى بها شریح بن هانئ، لما جعله على مقدمته إلى الشام

اتَّقِ اللَّهَ فِی کُلِّ صَبَاحٍ وَ مَسَاءٍ- وَ خَفْ عَلَى نَفْسِکَ الدُّنْیَا الْغَرُورَ- وَ لَا تَأْمَنْهَا عَلَى حَالٍ- وَ اعْلَمْ أَنَّکَ إِنْ لَمْ تَرْدَعْ نَفْسَکَ عَنْ کَثِیرٍ مِمَّا تُحِبُّ- مَخَافَهَ مَکْرُوهٍ- سَمَتْ بِکَ الْأَهْوَاءُ إِلَى کَثِیرٍ مِنَ الضَّرَرِ- فَکُنْ لِنَفْسِکَ مَانِعاً رَادِعاً- وَ لِنَزْوَتِکَ عِنْدَ الْحَفِیظَهِ وَاقِماً قَامِعاً

أقول: قد ذکرنا طرفا من حال إنفاذه لشریح بن هانی مع زیاد بن النضیر على مقدّمته بالشام فی إثنى عشر ألفا.

اللغه

و النزوه: الوثبه. و الحفیظه: الغضب. و الواقم: الذى یردّ الشی‏ء أقبح الردّ، یقال: و قمه: أى ردّه بعنف و بقهر، و الوقم: القهر و الإذلال، و کذلک القمع.

المعنى

و قد أمره بتقوى اللّه دائما، و لمّا کانت یستلزم الأعمال الجمیله أردف ذلک بتفصیلها و هى أن یحذّر على نفسه الدنیا. و نسب الغرور إلیها لأنّها سبب مادّى له،و أن لا یأمنها على حال لما تستلزم ذلک من الغفله عن الآخره. ثمّ أعلمه أنّه إن لم یردع نفسه الأمّاره بالسوء عن الانهماک فی کثیر من مشتهیاتها الّتی یخاف مکروها فی العاقبه و یقف بها عند حدود اللّه و یسلک بها صراطه المستقیم لم یزل یسمو به هواها و میولها حتّى تورده موارد الهلکه. ثمّ أکّد وصیّته بمنعها و قهرها عند نزواتها و توثّبها فی الغضب. و قد عرفت أنّ إهمالها مبدء کلّ شرّ یلحق فی الدنیا و الآخره.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۹۲

بازدیدها: ۱

نامه ۵۴ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى معاویه

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الدُّنْیَا لِمَا بَعْدَهَا- وَ ابْتَلَى فِیهَا أَهْلَهَا لِیَعْلَمَ أَیُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا- وَ لَسْنَا لِلدُّنْیَا خُلِقْنَا وَ لَا بِالسَّعْیِ فِیهَا أُمِرْنَا- وَ إِنَّمَا وُضِعْنَا فِیهَا لِنُبْتَلَی بِهَا- وَ قَدِ ابْتَلَانِی اللَّهُ بِکَ وَ ابْتَلَاکَ بِی- فَجَعَلَ أَحَدَنَا حُجَّهً عَلَى الْآخَرِ- فَعَدَوْتَ عَلَى الدُّنْیَا بِتَأْوِیلِ الْقُرْآنِ- فَطَلَبْتَنِی بِمَا لَمْ تَجْنِ یَدِی وَ لَا لِسَانِی- وَ عَصَبْتَهُ أَنْتَ وَ أَهْلُ الشَّامِ بِی- وَ أَلَّبَ عَالِمُکُمْ جَاهِلَکُمْ وَ قَائِمُکُمْ قَاعِدَکُمْ- فَاتَّقِ اللَّهَ فِی نَفْسِکَ وَ نَازِعِ الشَّیْطَانَ قِیَادَکَ- وَ اصْرِفْ إِلَى الْآخِرَهِ وَجْهَکَ- فَهِیَ طَرِیقُنَا وَ طَرِیقُکَ- وَ احْذَرْ أَنْ یُصِیبَکَ اللَّهُ مِنْهُ بِعَاجِلِ قَارِعَهٍ- تَمَسُّ الْأَصْلَ وَ تَقْطَعُ الدَّابِرَ- فَإِنِّی أُولِی لَکَ بِاللَّهِ أَلِیَّهً غَیْرَ فَاجِرَهٍ- لَئِنْ جَمَعَتْنِی وَ إِیَّاکَ جَوَامِعُ الْأَقْدَارِ لَا أَزَالُ بِبَاحَتِکَ- حَتَّى یَحْکُمَ اللَّهُ بَیْنَنا وَ هُوَ خَیْرُ الْحاکِمِینَ

اللغه

أقول: عصبه به: علّقه به. و التألیب: التحریص. و القارعه: الداهیه. و الدابر المتأخّر من النسل. و الألیّه: الیمین.

المعنى

فقوله: أمّا بعد. إلى قوله: لنبتلى بها. إشاره إلى غرض الدنیا و غایتها لیتنبّه لذلک و یعمل له، و أراد بالسعى فیها الّذى لم یؤمر به اکتسابها لها، دون غیره ممّا یکون للضروره فإنّ ذلک مأمور به فی‏ قوله تعالى فَامْشُوا فِی مَناکِبِها وَ کُلُوا مِنْ رِزْقِهِ«». و قوله: و قد ابتلانی: إلى قوله: الآخر. تعیین لبعض أغراضها، و قد علمت کیفیّه ابتلائه بخلقه فیما قبل. و وجه ابتلائه علیه السّلام بمعاویه عصیانه و محاربته إیّاه حتّى لو قصّر فی مقاومته و لم یقم فی وجهه کان ملوما و کان معاویه حجّه اللّه علیه، و وجه ابتلاء معاویه به علیه السّلام دعوته له إلى الحقّ و تحذیره إیّاه من عواقب المعصیه حتّى إذا لم یجب داعى اللّه لحقه الذمّ و العقاب و کان علیه السّلام هو حجّه اللّه علیه. و ذلک معنى قوله: فجعل أحدنا حجّه على الآخر. و قوله: فعدوت. إلى قوله: قاعدکم. إشاره إلى بعض وجوه ابتلائه علیه السّلام به، و معنى ذلک أنّه إنّما طلب بخروجه علیه الدنیا و جعل السبب إلى ذلک تأویل القرآن کقوله تعالى یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا کُتِبَ عَلَیْکُمُ الْقِصاصُ فِی الْقَتْلى‏«» و غیره من الآیات الدالّه على وجوب القصاص فتأوّلها بإدخال نفسه فیها و طلب القصاص لعثمان، و إنّما کان دخوله فی ذلک بالتأویل لأنّ الخطاب خاصّ بمن قتل و قتل منه. و معاویه بمعزل عن ذلک إذ لم یکن من أولیاء دم عثمان ففسّر الآیه بالعموم لیدخل فیها. و الّذى لم تجنه یده و لسانه علیه السّلام هو ما نسبوه إلیه علیه السّلام و ألّب بعضهم بعضا علیه فیه و هو قتل عثمان. و أراد ألّب علیکم عالمکم بحالى جاهلکم به و قائمکم فی حربی قاعدکم عنه. ثمّ لمّا نبّه على غایه الدنیا و جعل اللّه سبحانه کلّا منهما حجّه على الآخر لیعلم أیّهم أحسن عملا رجع إلى موعظته و تحذیره فأمره بتقوى اللّه فی نفسه أن یهلکها بعصیانه و مخالفه أمره. و أن ینازع الشیطان قیاده. و استعار لفظ القیاد للمیول الطبیعیّه و وجه الاستعاره کونها زمام الإنسان إلى المعصیه إذا سلّمها بید الشیطان و انهمک بها فی اللذّات الموبقه. و منازعته للشیطان مقاومته لنفسه الأمّاره عن طرف الإفراط إلى حاقّ الوسط فی الشهوه و الغضب، و أن یصرف إلى الآخره وجهه: أى یولّى وجهه شطر الآخره مطالعا ما اعدّ فیها من خیر و شرّ و سعاده و شقاوه بعین بصیرته لیعمل بها.

و قوله: فهى طریقنا و طریقک. صغرى ضمیر نبّه به على وجوب صرف وجهه إلى الآخره. و تقدیر کبراه: و کلّما کان طریق الإنسان فواجب أن یصرف إلیها وجهه. و جعلها طریقا مجازا عن غایه الطریق إطلاقا لاسم ذى الغایه علیها. ثمّ حذّره من اللّه أن یصیبه بداهیه یصیب أصله و یقطع نسله، و أراد بها ما نهاه من نهوضه إلیه و حربه إیّاه و لذلک أقسم على تقدیر أن یجمعهما جوامع الأقدار أن لا یزال بباحته مقیما حتّى یحکم اللّه بینهما. و فی ذلک غلیظ الوعد بعذاب شدید.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۹۰

 

بازدیدها: ۷

نامه ۵۳ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى طلحه و الزبیر، مع عمران بن الحصین الخزاعى ذکره أبو جعفر الاسکافى فى کتاب المقامات فى مناقب أمیر المؤمنین علیه السلام

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ عَلِمْتُمَا وَ إِنْ کَتَمْتُمَا- أَنِّی لَمْ أُرِدِ النَّاسَ حَتَّى أَرَادُونِی- وَ لَمْ أُبَایِعْهُمْ حَتَّى بَایَعُونِی- وَ إِنَّکُمَا مِمَّنْ أَرَادَنِی وَ بَایَعَنِی- وَ إِنَّ الْعَامَّهَ لَمْ تُبَایِعْنِی لِسُلْطَانٍ‏ غَالِبٍ وَ لَا لِعَرَضٍ حَاضِرٍ- فَإِنْ کُنْتُمَا بَایَعْتُمَانِی طَائِعَیْنِ- فَارْجِعَا وَ تُوبَا إِلَى اللَّهِ مِنْ قَرِیبٍ- وَ إِنْ کُنْتُمَا بَایَعْتُمَانِی کَارِهَیْنِ- فَقَدْ جَعَلْتُمَا لِی عَلَیْکُمَا السَّبِیلَ بِإِظْهَارِکُمَا الطَّاعَهَ- وَ إِسْرَارِکُمَا الْمَعْصِیَهَ- وَ لَعَمْرِی مَا کُنْتُمَا بِأَحَقِّ الْمُهَاجِرِینَ- بِالتَّقِیَّهِ وَ الْکِتْمَانِ- وَ إِنَّ دَفْعَکُمَا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْخُلَا فِیهِ- کَانَ أَوْسَعَ عَلَیْکُمَا مِنْ خُرُوجِکُمَا مِنْهُ- بَعْدَ إِقْرَارِکُمَا بِهِ- وَ قَدْ زَعَمْتُمَا أَنِّی قَتَلْتُ عُثْمَانَ- فَبَیْنِی وَ بَیْنَکُمَا مَنْ تَخَلَّفَ عَنِّی وَ عَنْکُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِینَهِ- ثُمَّ یُلْزَمُ کُلُّ امْرِئٍ بِقَدْرِ مَا احْتَمَلَ- فَارْجِعَا أَیُّهَا الشَّیْخَانِ عَنْ رَأْیِکُمَا- فَإِنَّ الْآنَ أَعْظَمَ أَمْرِکُمَا الْعَارُ- مِنْ قَبْلِ أَنْ یَجْتَمِعَ الْعَارُ وَ النَّارُ-

اللغه

أقول: خزاعه قبیله من الأزد. و قیل: الإسکافیّ منسوب إلى إسکاف رستاق کبیر کان بین النهروان و البصره. و کتاب المقامات: الّذى صنّفه الشیخ المذکور فی مناقب أمیر المؤمنین علیه السّلام

المعنى

و قد احتجّ علیه السّلام علیهما فی نکث بیعته بحجّتین: إحداهما: قوله: أمّا بعد. إلى قوله: حاضر. و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من علمتما من حاله ذلک فلیس لکما أن تنکثا بیعته و تخرجا علیه.
و قوله: و إن کتمتما. إشاره إلى أنّهما بعد نکث بیعته کتما إرادتهما لبیعته و إراده کثیر من الناس و زعما أنّه إنّما حمّلهما علیها کرها. الحجّه الثانیه قوله: فإن کنتما. إلى قوله: إقرار کما به. و هی شرطیّ منفصل تقدیرها: أنّه لا یخلو إمّا أن تکونوا بایعتمانی طائعین أو کارهین. و الأوّل هو المطلوب.

و یلزمکما ارتکاب المعصیه و الرجوع إلى اللّه بالتوبه إلى اللّه من قریب قبل استحکام‏ المعصیه فی نفسیکما. و الثانی: باطل من ثلاثه أوجه: أحدها: أنّه یلزمکما النفاق حیث أظهرتما لى الطاعه و أضمرتما المعصیه فجعلتما بذلک السبیل علیکما فی القول و الفعل. الثانی: أنّکما ما کنتما بالتقیّه منّی و الکتمان لعصیانکما أحقّ من المهاجرین و ذلک لأنّهما کانا أقوى الجماعه و أعظمهم شأنا فکان غیرهما من المهاجرین أولى منهما بالتقیّه عند البیعه و نکثهما بعد ذلک. الثالث: إنّ دفعهما لبیعته قبل الدخول فیها أوسع لعذرهما من خروجهما منها بعد إقرارهما. و هذه الأقوال الثلاثه صغریات ضمیر تقدیر الکبرى فی الأوّل: و کلّ ما جعلتهما لی علیکما به السبیل فیحرم علیکما فعله و لیس لکما أن تدّعیاه، و فی الثانی: و کلّ من لا یکون أحقّ من المهاجرین بدعواه فلیس له أن یدّعیه إذا لم یدّعوه، و فی الثالث: و کلّما کان أوسع لعذرهما فلیس لهما العدول عنه إلى ما هو أضیق. و قوله: و قد زعمتما إنّی قتلت عثمان. إشاره: إلى شبهتهما المشهوره فی خروجهما علیه.

و قوله: فبینى: إلى قوله: احتمل. جوابها: أى الحکم إلى من تخلّف عن نصرتی و نصرتکما من أهل المدینه ثمّ یلزم کلّ منّا من اللائمه و العقوبه بقدر ما احتمل من الإثم و البغى. و ثمّ بعد أن أقام الحجّه علیهما أمرهما بالرجوع عن رأیهما الفاسد فی اختیارهما لبیعته و رغّب فی الرجوع عن ذلک. بقوله: فإنّ الآن. إلى آخره، و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و العار أسهل من اجتماع العار و النار فی الاخره. و أراد بالعار العار بالعذر. و الآن ظرف انتصب بأعظم الّذى هو اسم إنّ، و یجوز أن یکون هو اسمها و أعظم مبتدأ خبره العار- و الجمله خبر إنّ و العائد إلى اسمها محذوف تقدیره: فإنّ الآن أعظم أمر کما فیه العار.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۸۸

 

بازدیدها: ۶

نامه ۵۲ شرح ابن میثم بحرانی

و من عهد له علیه السّلام کتبه للأشتر النخعی رحمه اللّه، لما ولاه على مصر و اعمالها حین اضطراب أمر محمد بن أبى بکر،

و هو أطول عهد و أجمع کتبه للمحاسن أقول: هو مالک بن الحرث الأشتر النخعیّ من الیمن، و کان من أکابر أصحابه علیه السّلام ذوى النجده، و الشجاعه الّذین علیهم عمدته فی الحروب، و روى أنّ الطرمّاح لمّا دخل على معاویه قال له: قل لابن أبی طالب: إنّى جمعت من العساکر بعدد حبّ جاورس الکوفه و ها أنا قاصده. فقال له الطرمّاح: إنّ لعلیّ علیه السّلام دیکا أشتر یلتقط جمیع ذلک. فأنکسر معاویه من قوله. و فی العهد فصول:

الفصل الأوّل

قوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیمِ- هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِیٌّ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ- مَالِکَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِی عَهْدِهِ إِلَیْهِ- حِینَ وَلَّاهُ مِصْرَ جِبَایَهَ خَرَاجِهَا وَ جِهَادَ عَدُوِّهَا- وَ اسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا وَ عِمَارَهَ بِلَادِهَا- أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ إِیْثَارِ طَاعَتِهِ- وَ اتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِی کِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ‏ وَ سُنَنِهِ- الَّتِی لَا یَسْعَدُ أَحَدٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهَا- وَ لَا یَشْقَى إِلَّا مَعَ جُحُودِهَا وَ إِضَاعَتِهَا- وَ أَنْ یَنْصُرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ وَ یَدِهِ وَ لِسَانِهِ- فَإِنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ قَدْ تَکَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ وَ إِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ- وَ أَمَرَهُ أَنْ یَکْسِرَ نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ- وَ یَزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ- فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَهٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ اللَّهُ

اللغه
أقول: یزعها: یکفّها.

المعنى
و صدّر علیه السّلام هذا العهد بذکر امور هی غرض الولایه
و بها یکون نظام الأمر فمنها ما یعود إلى منفعه الوالى و هو جبوه الخراج، و منها ما یعود إلى الرعیّه و هی جهاد عدوّهم و استصلاحهم بالسیاسه و حسن الرعى، و منها ما یعود إلیهما و هو عماره البلاد و لو احقها.
ثمّ أمره بأوامر خمسه یعود إلى إصلاح نفسه أوّلا:

أحدها: تقوى اللّه
و خشیته، و قد سبق بیان کونها أصلا لکلّ فضیله.

الثانی: اتّباع أوامره فی کتابه من فرائضه و سننه.
و رغّب فی ذلک بقوله: لا یسعد. إلى قوله: إضاعتها. و تکرّر بیان ذلک.

الثالث: أن ینصر اللّه سبحانه بیده و قلبه و لسانه
فی جهاد العدوّ. و إنکار المنکرات. و رغّب فی ذلک بقوله: قد تکفّل. إلى قوله: أعزّه. کقوله تعالى إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ یَنْصُرْکُمْ وَ یُثَبِّتْ أَقْدامَکُمْ«».

الرابع، أن یکسر من نفسه عند الشهوات.
و هو أمر بفضیله العفّه.

الخامس: أن یکفّها و یقاومها عند الجمحات.
و هو أمر بفضیله الصبر عن اتّباع الهوى و هو فضیله تحت العفّه، و حذّر من النفس بقوله: فإنّ النفس. إلى‏ آخره، و هو من قوله تعالى إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَهٌ بِالسُّوءِ«» الآیه. و- ما- بمعنى- من- و هى نصب على الاستثناء: أی إلّا نفسا رحمها اللّه.

الفصل الثانی: فی أوامره و وصایاه بالأعمال الصالحه المتعلّقه بأحوال الولایه و تدبیر الملک و المدینه

و ذلک قوله: ثُمَّ اعْلَمْ یَا مَالِکُ- أَنِّی قَدْ وَجَّهْتُکَ إِلَى بِلَادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَیْهَا دُوَلٌ قَبْلَکَ- مِنْ عَدْلٍ وَ جَوْرٍ- وَ أَنَّ النَّاسَ یَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِکَ- فِی مِثْلِ مَا کُنْتَ تَنْظُرُ فِیهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلَاهِ قَبْلَکَ- وَ یَقُولُونَ فِیکَ مَا کُنْتَ تَقُولُ فِیهِمْ- وَ إِنَّمَا یُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِینَ- بِمَا یُجْرِی اللَّهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ- فَلْیَکُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَیْکَ ذَخِیرَهُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ- فَامْلِکْ هَوَاکَ وَ شُحَّ بِنَفْسِکَ عَمَّا لَا یَحِلُّ لَکَ- فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ الْإِنْصَافُ مِنْهَا فِیمَا أَحَبَّتْ أَوْ کَرِهَتْ وَ أَشْعِرْ قَلْبَکَ الرَّحْمَهَ لِلرَّعِیَّهِ- وَ الْمَحَبَّهَ لَهُمْ وَ اللُّطْفَ بِهِمْ- وَ لَا تَکُونَنَّ عَلَیْهِمْ سَبُعاً ضَارِیاً تَغْتَنِمُ أَکْلَهُمْ- فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَکَ فِی الدِّینِ- وَ إِمَّا نَظِیرٌ لَکَ فِی الْخَلْقِ- یَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وَ تَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ- وَ یُؤْتَى عَلَى أَیْدِیهِمْ فِی الْعَمْدِ وَ الْخَطَإِ- فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِکَ وَ صَفْحِکَ- مِثْلِ الَّذِی تُحِبُّ وَ تَرْضَى أَنْ یُعْطِیَکَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَ صَفْحِهِ- فَإِنَّکَ فَوْقَهُمْ وَ وَالِی الْأَمْرِ عَلَیْکَ فَوْقَکَ- وَ اللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاکَ- وَ قَدِ اسْتَکْفَاکَ أَمْرَهُمْ وَ ابْتَلَاکَ بِهِمْ- وَ لَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَکَ لِحَرْبِ اللَّهِ- فَإِنَّهُ لَا یَدَیْ لَکَ بِنِقْمَتِهِ- وَ لَا غِنَى بِکَ عَنْ عَفْوِهِ وَ رَحْمَتِهِ- وَ لَا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوٍ وَ لَا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَهٍ- وَ لَا تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَهٍ وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَهً- وَ لَا تَقُولَنَّ إِنِّی مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ- فَإِنَّ ذَلِکَ إِدْغَالٌ فِی الْقَلْبِ- وَ مَنْهَکَهٌ لِلدِّینِ وَ تَقَرُّبٌ مِنَ الْغِیَرِ- وَ إِذَا أَحْدَثَ لَکَ مَا أَنْتَ فِیهِ مِنْ سُلْطَانِکَ أُبَّهَهً أَوْ مَخِیلَهً- فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْکِ اللَّهِ فَوْقَکَ- وَ قُدْرَتِهِ مِنْکَ عَلَى مَا لَا تَقْدِرُ عَلَیْهِ مِنْ نَفْسِکَ- فَإِنَّ ذَلِکَ یُطَامِنُ إِلَیْکَ مِنْ طِمَاحِکَ- وَ یَکُفُّ عَنْکَ مِنْ غَرْبِکَ- وَ یَفِی‏ءُ إِلَیْکَ بِمَا عَزَبَ عَنْکَ مِنْ عَقْلِکَ- إِیَّاکَ وَ مُسَامَاهَ اللَّهِ فِی عَظَمَتِهِ وَ التَّشَبُّهَ بِهِ فِی جَبَرُوتِهِ- فَإِنَّ اللَّهَ یُذِلُّ کُلَّ جَبَّارٍ وَ یُهِینُ کُلَّ مُخْتَالٍ أَنْصِفِ اللَّهَ وَ أَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِکَ- وَ مِنْ خَاصَّهِ أَهْلِکَ- وَ مَنْ لَکَ فِیهِ هَوًى مِنْ رَعِیَّتِکَ- فَإِنَّکَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ- وَ مَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ کَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ- وَ مَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ- وَ کَانَ لِلَّهِ حَرْباً حَتَّى یَنْزِعَ أَوْ یَتُوبَ- وَ لَیْسَ شَیْ‏ءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْیِیرِ نِعْمَهِ اللَّهِ وَ تَعْجِیلِ نِقْمَتِهِ- مِنْ إِقَامَهٍ عَلَى ظُلْمٍ- فَإِنَّ اللَّهَ سَمِیعٌ دَعْوَهَ الْمُضْطَهَدِینَ- وَ هُوَ لِلظَّالِمِینَ بِالْمِرْصَادِ- وَ لْیَکُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَیْکَ أَوْسَطُهَا فِی الْحَقِّ- وَ أَعَمُّهَا فِی الْعَدْلِ وَ أَجْمَعُهَا لِرِضَا الرَّعِیَّهِ- فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّهِ یُجْحِفُ بِرِضَا الْخَاصَّهِ- وَ إِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّهِ یُغْتَفَرُ مَعَ رِضَا الْعَامَّهِ- وَ لَیْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِیَّهِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِی مَئُونَهً فِی الرَّخَاءِ- وَ أَقَلَّ مَعُونَهً لَهُ فِی الْبَلَاءِ- وَ أَکْرَهَ لِلْإِنْصَافِ وَ أَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ- وَ أَقَلَّ شُکْراً عِنْدَ الْإِعْطَاءِ وَ أَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ- وَ أَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ- مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّهِ- وَ إِنَّمَا عِمَادُ الدِّینِ وَ جِمَاعُ الْمُسْلِمِینَ- وَ الْعُدَّهُ لِلْأَعْدَاءِ الْعَامَّهُ مِنَ الْأُمَّهِ- فَلْیَکُنْ صِغْوُکَ لَهُمْ وَ مَیْلُکَ مَعَهُمْ وَ لْیَکُنْ أَبْعَدَ رَعِیَّتِکَ مِنْکَ وَ أَشْنَأَهُمْ عِنْدَکَ- أَطْلَبُهُمْ لِمَعَایِبِ النَّاسِ- فَإِنَّ فِی النَّاسِ عُیُوباً الْوَالِی أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا- فَلَا تَکْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْکَ مِنْهَا- فَإِنَّمَا عَلَیْکَ تَطْهِیرُ مَا ظَهَرَ لَکَ- وَ اللَّهُ یَحْکُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْکَ- فَاسْتُرِ الْعَوْرَهَ مَا اسْتَطَعْتَ- یَسْتُرِ اللَّهُ مِنْکَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِیَّتِکَ- أَطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عُقْدَهَ کُلِّ حِقْدٍ- وَ اقْطَعْ عَنْکَ سَبَبَ کُلِّ وِتْرٍ- وَ تَغَابَ عَنْ کُلِّ مَا لَا یَضِحُ لَکَ- وَ لَا تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِیقِ سَاعٍ- فَإِنَّ السَّاعِیَ غَاشٌّ وَ إِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِینَ- وَ لَا تُدْخِلَنَّ فِی مَشُورَتِکَ بَخِیلًا یَعْدِلُ بِکَ عَنِ الْفَضْلِ- وَ یَعِدُکَ الْفَقْرَ- وَ لَا جَبَاناً یُضْعِفُکَ عَنِ الْأُمُورِ- وَ لَا حَرِیصاً یُزَیِّنُ لَکَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ- فَإِنَّ الْبُخْلَ وَ الْجُبْنَ وَ الْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى- یَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ‏ إِنَّ شَرَّ وُزَرَائِکَ مَنْ کَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَکَ وَزِیراً- وَ مَنْ شَرِکَهُمْ فِی الْآثَامِ فَلَا یَکُونَنَّ لَکَ بِطَانَهً- فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَهِ وَ إِخْوَانُ الظَّلَمَهِ- وَ أَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَیْرَ الْخَلَفِ- مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَ نَفَاذِهِمْ- وَ لَیْسَ عَلَیْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَ أَوْزَارِهِمْ وَ آثَامِهِمْ- مِمَّنْ لَمْ یُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ وَ لَا آثِماً عَلَى إِثْمِهِ- أُولَئِکَ أَخَفُّ عَلَیْکَ مَئُونَهً وَ أَحْسَنُ لَکَ مَعُونَهً- وَ أَحْنَى عَلَیْکَ عَطْفاً وَ أَقَلُّ لِغَیْرِکَ إِلْفاً- فَاتَّخِذْ أُولَئِکَ خَاصَّهً لِخَلَوَاتِکَ وَ حَفَلَاتِکَ- ثُمَّ لْیَکُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَکَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَکَ- وَ أَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَهً فِیمَا یَکُونُ مِنْکَ مِمَّا کَرِهَ اللَّهُ لِأَوْلِیَائِهِ- وَاقِعاً ذَلِکَ مِنْ هَوَاکَ حَیْثُ وَقَعَ وَ الْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَ الصِّدْقِ- ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَلَّا یُطْرُوکَ- وَ لَا یَبْجَحُوکَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ- فَإِنَّ کَثْرَهَ الْإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ وَ تُدْنِی مِنَ الْعِزَّهِ- وَ لَا یَکُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَ الْمُسِی‏ءُ عِنْدَکَ بِمَنْزِلَهٍ سَوَاءٍ- فَإِنَّ فِی ذَلِکَ تَزْهِیداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِی الْإِحْسَانِ- وَ تَدْرِیباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَهِ عَلَى الْإِسَاءَهِ- وَ أَلْزِمْ کُلًّا مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَیْسَ شَیْ‏ءٌ بِأَدْعَى- إِلَى حُسْنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِیَّتِهِ- مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَیْهِمْ وَ تَخْفِیفِهِ الْمَئُونَاتِ عَلَیْهِمْ- وَ تَرْکِ اسْتِکْرَاهِهِ إِیَّاهُمْ عَلَى مَا لَیْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ- فَلْیَکُنْ مِنْکَ فِی ذَلِکَ أَمْرٌ- یَجْتَمِعُ لَکَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِیَّتِکَ- فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ یَقْطَعُ عَنْکَ نَصَباً طَوِیلًا- وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّکَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلَاؤُکَ عِنْدَهُ- وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّکَ بِهِ لَمَنْ سَاءَ بَلَاؤُکَ عِنْدَهُ- وَ لَا تَنْقُضْ سُنَّهً صَالِحَهً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّهِ- وَ اجْتَمَعَتْ بِهَا الْأُلْفَهُ وَ صَلَحَتْ عَلَیْهَا الرَّعِیَّهُ- وَ لَا تُحْدِثَنَّ سُنَّهً تَضُرُّ بِشَیْ‏ءٍ مِنْ مَاضِی تِلْکَ السُّنَنِ- فَیَکُونَ الْأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا- وَ الْوِزْرُ عَلَیْکَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا- وَ أَکْثِرْ مُدَارَسَهَ الْعُلَمَاءِ وَ مُنَاقَشَهَ الْحُکَمَاءِ- فِی تَثْبِیتِ مَا صَلَحَ عَلَیْهِ أَمْرُ بِلَادِکَ- وَ إِقَامَهِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَکَ

اللغه

أقول: الضاری: المعتاد للصید، الجرى‏ء علیه. و الصفح: الإعراض عن الذنب. و البجح- بسکون الجیم- : الفرح و السرور. و البادره: الحدّه. و المندوحه: السعه. و الإدغال: إدخال الفساد فی الأمر. و النهک: الضعف. و الأبّهه، و المخیله: الکبر و یطا من. یسکن: و طماح النفس: جماحها. و طمح البصر: ارتفع. و غرب الفرس: حدّته، و أوّل جریه، و المساماه: مفاعله من السموّ. و الجبروت: الکبر العظیم. و أدحض حجّته: أبطلها. و ینزع: یرجع. و أجحف به: ذهب به. و الإلحاف: شدّه السؤال. و ملمّات الدهر: ما یلمّ من خطوبه. و جماع المسلمین: جمعهم. و الصغوه: المیل. و أشنأهم: أبغضهم و الوتر: الحقد. و التغابی: التجاهل و التغافل و بطانه الرجل: خاصّته و الآصار: الآثام. و حفلاتک: أى جلساتک فی المحافل و المجامع. و الإطراء: المدح البالغ. و الزهو: الکبر. و التدریب: التعوید. و المنافثه: المحادثه.

المعنى

و اعلم أنّ مدار هذا الفصل لمّا کان على أمره بالعمل الصالح فی البلاد و العباد نبّهه أوّلا على بعض العلل الغائیّه من ذلک، و هو الذکر الجمیل فی العقبى و الکون من الصالحین لیعمل له، و ذلک بقوله: إنّی قد وجهّتک. إلى قوله: تقول فیهم. و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیرها: إنّک موجّه إلى بلده حالها کذا و کذا و حال الناس فی فعلک بها کذا، و تقدیر الکبرى: و کلّ من کان وجّه إلى بلده کذلک و کان الناس ینظرون من أمره مثل ما کان ینظر قبله من أمر الولاه و یقولون فیه مثل ما کان یقول فیهم فیجب علیه أن یکون أحبّ الامور إلیه العمل الصالح لیحصل منه الذکر الجمیل بین الناس الدالّ على کون المذکور عند اللّه من الصالحین، و نبّه على تلک الدلاله بقوله: و إنّما یستدلّ على الصالحین بما یجرى اللّه لهم على ألسن عباده. و فی نسبه إجراء القول إلى اللّه ترغیب عظیم فی تحصیل الذکر الجمیل.

ثمّ أعقب ذلک بأمره أن یجعل العمل الصالح أحبّ الذخائر إلیه، و استعار له لفظ الذخیره باعتبار أن یحصله فی الدنیا لغایه الانتفاع به فی العقبى کالذخیره.
و لمّا أمره بالعمل الصالح إجمالا شرع فی تفصیله و ذکر أنواعا:

أحدها: أن یملک هواه فی شهوته و غضبه فلا یتّبعهما
و یشحّ بنفسه عمّا لا یحلّ لها من المحرّمات.
و قوله: فإنّ الشحّ. إلى قوله: کرهت. تفسیر لذلک الشحّ بما یلازمه و هو الانصاف و الوقوف على حدّ العدل فی المحبوب فلا یقوده شهوته إلى حدّ الإفراط فیقع فی رذیله الفجور، و فی دفع المکروه فلا یقوده غضبه إلى طرف الإفراط من فضیله العدل فیقع فی رذیله الظلم و التهوّر.
و ظاهر أنّ ذلک شحّ بالنفس و بخل بها عن إلقائها فی مهاوى الهلاک.

الثانی: أن یشعر قلبه الرحمه للرعیّه و المحبّه و اللطف بهم.
و هی فضائل تحت ملکه العفّه: أى اجعل هذه الفضائل شعارا لقلبک. و لفظا الشعار و السبع مستعاران. و أشار إلى وجه استعاره السبع بقوله: تغتنم أکلهم.

الثالث: أن یعفو و یصفح عنهم،
و هو فضیله تحت الشجاعه. و قوله: فإنّهم. إلى قوله: فی الخلق.

بیان لسببین من أسباب الرحمه لهم و اللطف بهم. و قوله: یفرط منهم الزلل. إلى قوله: و الخطاء. تفسیر للمثلیّه و هی السبب الثانی، و الکلام فی قوّه صغرى ضمیر فی حسن العفو و الصفح، و أراد بالعلل الّتی تعرض لهم الامور المشغله الصارفه لهم عمّا ینبغی من إجراء أوامر الوالی على وجوهها. و قوله: و یؤتى على أیدیهم. کنایه عن کونهم غیر معصومین بل هم ممّن یؤتون من قبل العمد و الخطاء، و تأتی على أیدیهم أوامر الولاه و المؤاخذات فیما یقع منهم من عمد أو خطاء، و تقدیر الکبرى: و کلّ من کان کذلک فینبغی أن یرحم و یشمل بالمحبّه ذو اللطف به و یقابل خطأه بالعفو و الصفح. و فی أمره بإعطاء العفو مثل الّذی یجب أن یعطیه اللّه من عفوه أتمّ ترغیب فی العفو و أقوى جاذب إلیه، و کذلک قوله: فإنّک فوقهم.
إلى قوله: و ابتلاک بهم. تخویف من اللّه فی معرض الأمر بالعفو و اللطف، و هو صغرى ضمیر آخر فی ذلک.

الرابع: نهاه أن ینصب نفسه لحرب اللّه.
و کنّى بحربه عن الغلظه على عباده و ظلمهم و مبارزته تعالى فیهم بالمعصیه. و قوله: فإنّه لا یدی لک. إلى قوله: و رحمته. صغرى ضمیر نبّه به على أنّه لا یجوز ظلم عباد اللّه و محاربته، و کنّى بعدم الیدین عن عدم القدره. یقال: مالى بهذا الأمر ید. إذا کان ممّا لا یطاق. و حذف النون من یدین لمضارعه المضاف، و قیل: لکثره الاستعمال، و تقدیر الکبرى: و کلّ من کان کذلک فلا یجوز أن ینصب لحرب اللّه بظلم عباده.

الخامس: نهاه عن الندم على العفو. و عن التبجّح بعقوبه الغیر و التسرّع إلى الغضب الّذی یجد منه مندوحه
فإنّ ذلک کلّه من لوازم إعطاء القوّه الغضبیّه قیادها. و قد علمت أنّها شیطان تقود إلى النار.

السادس: نهاه أن یأمر بما لا ینبغی الأمر به و یخالف الدین
و نهى عن ما عساه‏ یعرض فی النفس من وجوب طاعه الخلق لامرته فإنّ علیهم أن یسمعوا و علیه أن یأمر فإنّ ذلک فساد فی القلب و الدین، و أشار إلى ذلک الفساد بقوله: فإنّه إدغال إلى قوله: الغیر. و هو من وجوه ثلاثه: أحدها: أنّه إدغال فی القلب و صرف له عن دین اللّه، و هو معنى إفساده. الثانی: أنّ ذلک منهکه للدین و إضعاف له. الثالث: أنّه مقرّب من الغیر لکون الظلم من أقوى الأسباب المعدّه باجتماع همم الخلق على زواله، و إلیه الإشاره بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا یُغَیِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى یُغَیِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ«» و الکلام فی قوّه ثلاث صغریات لثلاثه ضمایر، و تقدیر الکبریات فیها: و کلّ ما کان کذلک فلا یجوز ارتکابه.

السابع: أرشده إلى دواء داء الابّهه و الکبر
الّذی عساه یعرض له فی سلطانه و ولایته، و ذلک. أن ینظر إلى عظمه اللّه تعالى فوقه و قدرته على ما لا یملکه من نفسه و لا یستطیعه جلبا لها أو دفعا عنها فإنّ ذلک یسکّن داء الکبر الّذی یحدث له فیطفیه و یکسر حدّه غضبه و یردّه إلیه ما قهرته قوّته الغضبیّه من عقله فغرب عند جماحها، و هذه أیضا صغریات ثلاث لثلاثه ضمائر نبّه فیها على وجوب فعل ما أرشده إلیه من الدواء، و تقدیر الکبریات فیه: و کلّما کان کذلک فیجب علیک فعله.

الثامن: حذّره عن التعظیم و التجبّر
و نفّر عن ذلک بکونهما مساماه و تشبّها به، و بأنّ التکبّر یستلزم أن یذلّ اللّه صاحبه و یهینه. و تقدیر الاحتجاج: فإنّک إن تجبّرت و اختلت یذلّک اللّه و یهینک و هو فی قوّه صغرى ضمیر أیضا، و تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فیجب أن یحذر من اللّه بترک التجبّر.

التاسع: أمره بإنصاف اللّه و إنصاف الناس من نفسه و أهل هواه من رعیّته.
فإنصاف اللّه العمل بأوامره و الانتهاء عن زواجره مقابلا بذلک نعمه، و إنصاف الناس العدل فیهم و الخروج إلیهم من حقوقهم اللازمه لنفسه و لأهل خاصّته. و احتجّ على.

وجوب ذلک الإنصاف بقیاس مفصول صغرى الأوّل قوله: فإنّک إن لا تفعل تظلم: أى تظلم عباد اللّه. و کبراه و من ظلم عباد اللّه کان اللّه خصمه دون عباده. و تقدیر نتیجته: فإنّک إن لا تفعل کان اللّه خصمک دون عباده و هی صغرى لقیاس آخر کبراه قوله: و من خاصمه اللّه. إلى قوله: و یتوب. و تقدیر نتیجته: فإنّک إن لا تفعل أدحض اللّه حجّتک عند مخاصمته و کنت له حربا إلى أن تنزع و تتوب من ظلمک. و قوله: و لیس شی‏ء. إلى قوله: على ظلم. تنبیه على لازم آخر لعدم الإنصاف أو الإقامه على الظلم، و هی کونه أدعى إلى تغییر نعم اللّه و تعجیل نقمته من کلّ شی‏ء.
و قوله: فإنّ اللّه. إلى قوله: بالمرصاد. بیان للزوم اللازم المذکور، و ذلک أنّ اللّه سبحانه إذا کان یسمع دعوه المظلوم و یطّلع على فعل الظالم فإنّه یسرع إلى تغییر نعمته إذ استعدّ لذلک.

العاشره: أمره أن یکون أحبّ الأمور إلیه أقربها إلى حاقّ الوسط
من طرفى الإفراط و التفریط و هو الحقّ، و أعمّها للعدل، و أجمعها لرضاء الرعیّه فإنّ العدل قد یوقع على وجه لا یعمّ العامّه بل یتّبع فیه رضاء الخاصّه. و نبّه على لزوم العدل العامّ للرعیّه و حفظ قلوب العامّه و طلب رضاهم بوجهین: أحدهما: أنّ سخط العامّه لکثرتهم لا یقاومه رضاء الخاصّه لقلّتهم، بل یجحف به و لا ینتفع برضاهم عند سخط العامّه، و ذلک یؤدّی إلى وهن الدین و ضعفه أمّا سخط الخاصّه فإنّه مغتفر و مستور عند رضاء العامّه فکان رضاهم أولى. الثانی: أنّه وصف الخاصّه بصفات مذمومه تستلزم قلّه الاهتمام بهم بالنسبه إلى العامّه، و وصف العامّه بصفات محموده توجب العنایه بهم. أمّا صفات الخاصّه: فأحدها: کونهم أثقل مئونه على الوالی فی الرخاء لتکلّفه لهم ما لا یتکلّفه لغیرهم. الثانی: کونهم أقلّ معونه له فی البلاء لمحبّتهم الدنیا و عزّه جانبهم. الثالث: کونهم أکره للانصاف لزیاده أطماعهم فی الدنیا على العامّه. الرابع: و کونهم أسأل بالإحاف لأنّهم عند الحاجه إلى السؤال أشدّ جرأه على الوالی و أطمع فی إلانه جانبه. الخامس: کونهم أقلّ شکرا عند الإعطاء لاعتقادهم زیاده فضلهم على العامّه و أنّهم أحقّ بما یعطونه، و اعتقادهم حاجه الوالی إلیهم و تخوّفه منهم. السادس: کونهم أبطأ عذرا للوالی إن منعهم: أی أنّهم أقلّ مسامحه له إن اعتذر إلیهم فی أمر لاعتقادهم فضیله أنفسهم و کونهم واجبی قضاء الحقوق. السابع: کونهم أضعف صبرا عند ملمّات الدهر لتعوّدهم الترفّه، و جزعهم على ما فی أیدیهم من الدنیا. و أمّا صفات العامّه: فأحدها: کونهم عمود الدین، و استعار لهم لفظ العمود باعتبار قیام الدین بهم کقیام البیت بعموده. الثانی: کونهم جماع المسلمین لکونهم الأغلب و الأکثر و السواد الأعظم. الثالث: کونهم العدّه للأعداء لکثرتهم أیضا و لأنّهم کانوا أهل الحرب فی ذلک الزمان. و هذه الصفات للفریقین یستلزم وجوب حفظ قلوب العامّه، و تقدیمه على حفظ قلوب الخاصّه. و لذلک أمره أن یکون صغوه و میله إلى العامّه.

الحادی عشر: أمر بأن یکون أبعد رعیّته منه و أبغضهم إلیه أطلبهم لمعایب الناس،
و نبّهه على وجوب ذلک بقوله: فإنّ فى الناس إلى قوله: سترها. و إذا کان الوالی أحقّ من سترها لزمه أن لا یکشف عمّا غاب عنه منها، و ذلک بقمع أهل النمیمه و إبعادهم، و أن یلزم ما یجب علیه و هو تطهیر الخلق ممّا ظهر له من ذنوبهم دون ما غاب عنه، و أکّد ذلک بالأمر بستر العوره من الغیر بقدر الاستطاعه فإنّ کلّ عیب عوره، و نبّه على الرغبه فی ذلک بما یستلزمه من إعداده لستر اللّه منه ما یحبّ أن یستره هو بستره على رعیّته من الذنوب و العیوب.

الثانی عشر: أمره بنزع الحقد و عقد ما عقده فی قلبه منه لکونه من الرذائل الموبقه
و أن یقطع أسبابه من قبول السعایه و أهل النمیمه،

الثالث عشر، أن یتغافل عن کلّ أمر لا یتّضح له
و لا یقوم به برهان، و نهاه أن‏ یعجل إلى تصدیق من سعى به، و نبّه على ذلک بضمیر صغراه: قوله: فإنّ الساعی: إلى قوله: الناصحین. و وجه غشّه کونه مثیر الأحقاد و الضغائن بین الناس و یذیع الفاحشه و الفساد فی الأرض، و تقدیر کبراه: و کلّ من کان غاشّا وجب أن لا یلتفت إلیه.

الرابع عشر: نهاه أن یدخل فی مشورته ثلاثه البخیل و الجبان و الحریص،
و نبّه على وجه المفسده فی استشاره کلّ أحد من الثلاثه بضمیر صغرى الأوّل: قوله: یعدل بک. إلى قوله: الفقر. و ذلک أنّ البخیل لا یشیر إلّا بما یراه مصلحه عنده و هو البخل و ما یستلزمه من التخویف بالفقر، و هو یعدل بالمستشیر عن الفضل.
و صغرى الثانی قوله: لیضّعفک عن الأمور. لأنّ الجبان لا یشیر إلّا بوجوب حفظ النفس و التخویف من العدوّ و هو المصلحه الّتی یراها، و کلّ ذلک مضعّف عن الحرب و مقاومه العدوّ. و صغرى الثالث: قوله: یزیّن لک الشره بالجور. و ذلک أنّ المصلحه عنده جمع المال و حفظه و هو مستلزم للجور عن فضیله العدل و القصد. و تقدیر الکبرى فی الثلاثه: و کلّ من کان کذلک فلا یجوز استشارته. ثمّ نفّر عن الثلاثه بضمیر آخر نبّه بصغراه على مبدء رذائلهم الثلاث و هی البخل و الجبن و الحرص لتعرف فتجتنب و تنفر عن عن أهلها فذکر أنّها غرائز: أی أخلاق متفرّقه یحصل للنفس عن أصل واحد ینتهى إلیه و هو سوء الظنّ باللّه، و بیان ذلک أنّ مبدء سوء الظنّ باللّه عدم معرفته تعالى فالجاهل به لا یعرفه من جهه ما هو جواد فیّاض بالخیرات لمن استعدّ بطاعته لها فیسوء ظنّه به، و بأنّه لا یخلف علیه عوض ما یبذله فیمنعه ذلک مع ملاحظه الفقر من [عند] البذل و تلزمه رذیله البخل، و کذا الجبان جاهل به تعالى من جهه لطفه بعباده و عنایته بوجودهم و غیر عالم بسرّ قدره فیسوء ظنّه بأنّه لا یحفظه من التلف و یتصوّر الهلاک فیمنعه ذلک عن الإقدام فی الحرب و نحوها فیلزمه رذیله الجبن، و کذلک الحریص یجهله تعالى من الوجهین المذکورین فیسوء ظنّه به و یعتقد أنّه إذا لم یحرص الحرص المذموم لم یوصل إلیه تعالى ما یصلح حاله ممّا یسعى فیه و یحرص علیه فیبعثه ذلک على الحرص. و کذلک النفس. فکانت هذه الأخلاق الثلاثه المذمومه راجعه إلى ما ذکره علیه السّلام.

الخامس عشر: لمّا کان من الأعمال الصالحه اختیار الوزراء و الأعوان
نبّهه على من لا ینبغی استصلاحه لذلک لیجتنبه و من ینبغی لیرغب فیه. فمن لا ینبغی هو من کان للأشرار من الولاه قبله وزیرا و مشارکا لهم فی الآثام، و نهاه عن اتّخاذه بطانه و خاصّه له، و نفّر عنهم بضمیر صغراه قوله: فإنّهم: إلى قوله: الخلف. و تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فلا تتّخذه بطانه. و قوله: ممّن له مثل آرائهم. تمیز لمن هو خیر الخلف من الأشرار و هم الّذین ینبغی أن یستعان بهم، و بیان لوجه خیریّتهم بالنسبه إلى الأشرار، و هو أن یکون لهم مثل آرائهم و نفاذهم فی الأمور و لیس علیهم مثل آصارهم و لم یعاون ظالما على ظلمه. ثمّ رغّب فی اتّخاذ هؤلاء أعوانا بضمیر صغراه قوله: اولئک أخفّ. إلى قوله: إلفا. أمّا أنّهم أخفّ مئونه فلأنّ لهم رادعا من أنفسهم عمّا لا ینبغی لهم من مال أو حال فلا یحتاج فی إرضائهم أو ردعهم ممّا لا ینبغی إلى مزید کلفه بخلاف الأشرار و الطامعین فیما لا ینبغی. و بحسب قربهم إلى الحقّ و مجانبتهم للأشرار کانوا أحسن معونه و أثبت عنده قلوبا و أشدّ حنوّا علیه و عطفا و أقلّ لغیره إلفا، و تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فینبغی أن یتّخذ عونا و وزیرا و لذلک قال: فاتّخذ اولئک خاصّه لخلوتک و حفلاتک. ثمّ میّز من ینبغی أن یکون أقرب هؤلاء إلیه و أقواهم فی الاعتماد علیه بأوصاف أخصّ: أحدها: أن یکون أقولهم بمرّ الحقّ له. الثانی: أن یکون أقلّهم مساعده له فیما یکون منه و یقع من الامور الّتی یکرهها اللّه لأولیائه. و انتصب قوله: واقعا على الحال: أی فی حال وقوع ذلک القول منه و النصیحه و قلّه المساعده حیث وقع من هواک سواء کان فی هوى عظیم أو یسیر، أو حیث وقع هواک: أى سواء کان ما تهواه عظیما أو لیس، و یحتمل أن یرید واقعا عظیما أو لیس، و یحتمل أن یرید واقعا ذلک الناصح من هواک و محبّتک حیث وقع:

أى یجب أن یکون له من هواک موقعا. ثمّ أمره فی اعتبارهم و اختیارهم بأوامر: أحدها: أن یلازم أهل الورع منهم و الأعمال الجمیله و أهل الصدق. و هما فضیلتان تحت العفّه. الثانی: أن یروضهم و یؤدّبهم بالنهی عن الإطراء له، أو یوجبوا له سرورا بقول ینسبونه فیه إلى فعل ما لم یفعله فیدخلونه فی ذمّ قوله تعالى وَ یُحِبُّونَ أَنْ یُحْمَدُوا بِما لَمْ یَفْعَلُوا«» و نفّره عن کثره الإطراء بضمیر صغراه قوله: فإن کثره الإطراء إلى قوله: الغرّه. و استلزام الإطراء للرذیلتین المذکورتین ظاهر، و تقدیر الکبرى: و کلّما کان کذلک فیجب اجتنابه. الثانی: نهاه أن یکون المحسن و المسی‏ء عنده بمنزله سواء، و نفّر عن ذلک ببیان وجه المفسده فی ضمیر صغراه قوله: فإنّ ذلک. إلى قوله: الإساءه. و سرّه أنّ أکثر فعل الإحسان إنّما یکون طلبا للمجازاه بمثله خصوصا من الولاه و طلبا لزیاده الرتبه على الغیر و زیاده الذکر الجمیل مع أنواع من الکلفه فی ذلک. فإذا رأى المحسن مساواه منزلته لمنزلته المسى‏ء کان ذلک صارفا عن الإحسان و داعیا إلى الراحه من تکلّفه، و کذلک أکثر التارکین للإساءه إنّما یترکون خوفا من الولاه و إشفاقا من نقصان الرتبه عن النظر. فإذا رأى المسى‏ء مساواه مرتبته مع مرتبه المحسنین کان التقصیر به أولى: و تقدیر الکبرى: و کلّ ما کان فیه تزهید للإحسان و تدریب على الإساءه فینبغی أن یجتنب. ثمّ أکّد ذلک بأمره أن یلزم کلّا من أهل الإحسان و الإساءه بما ألزم به نفسه من الاستعداد بالإحسان و الإساءه لهما فیلزم المحسن منزله الإحسان و یلزم المسى‏ء منزله الإساءه.

السادس عشر: نبّهه على الإحسان إلى رعیّته
و تخفیف المئونات عنهم و ترک استکراههم على ما لیس له قبلهم بما یستلزمه ذلک من حسن ظنّه بهم المستلزم لقطع النصب عنه من قبلهم و الاستراحه إلیهم، و ذلک أنّ الوالی إذا أحسن إلى رعیّته قویت رغبتهم فیه و أقبلوا بطباعهم على محبّته و طاعته، و ذلک یستلزم حسن ظنّه بهم‏ فلا یحتاج معهم إلى کلفه فی جمع أهوائهم و الاحتراس من شرورهم، و أکّد ذلک بقوله: و إنّ أحقّ من یحسن ظنّک به. إلى قوله: عنده.

السابع عشر: نهاه أن ینقض سنّه صالحه عمل بها السلف الصالح
من صدور هذه الامّه و اجتمعت بها الالفه و صلاح الرعیّه، و ذلک مفسده ظاهره فی الدین.

الثامن عشر: نهاه أن یحدث سنّه تضرّ بشی‏ء من ماضی السنن.
و أشار إلى وجه الفساد فیها بضمیر صغراه قوله: فیکون. إلى قوله: سنّها. و الضمیر فی منها یعود إلى السنن الّتی دخل علیها الضرر فیکون الأجر لمن سنّ السنّه الماضیه الّتی أضرّت بها سنّتک الحادثه و الوزر علیک بما نقضت منها، و تقدیر کبراه: فکلّ ما کان کذلک فینبغی أن یجتنب و ینفر عنه.

التاسع عشر: أمره أن یکثر مدارسه العلماء.
أی بأحکام الشریعه و قوانین الدین، و منافثه الحکماء: أی العارفین باللّه و بأسراره فی عباده و بلاده العاملین بالقوانین الحکمیه العملیّه التجربیّه و الاعتباریّه، و یتصفّح أنواع الأخبار فی تثبّت القواعد و القوانین الّتی یصلح علیها أمر بلاده، و إقامه ما استقام به الناس قبله منها. و باللّه التوفیق.

الفصل الثالث: فی التنبیه على طبقات الناس الّذین ینتظم بهم أمر المدینه

و وضع کلّ على حدّه و طبقته الّتی یقتضی الحکمه النبویّه وضعه فیها، و الإشاره إلى تعلّق کلّ طبقه بالأخرى حیث لا صلاح لبعضهم إلّا بالبعض و بذلک یکون قوام المدینه، ثمّ بالإشاره إلى من یستصلح من کلّ صنف و طبقه یکون أهلا لتلک المرتبه، و الوصیّه فی کلّ ما یلیق به. و ذلک قوله: وَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّعِیَّهَ طَبَقَاتٌ- لَا یَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ- وَ لَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ- فَمِنْهَا جُنُودُ اللَّهِ وَ مِنْهَا کُتَّابُ الْعَامَّهِ وَ الْخَاصَّهِ- وَ مِنْهَا قُضَاهُ الْعَدْلِ وَ مِنْهَا عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَ الرِّفْقِ- وَ مِنْهَا أَهْلُ الْجِزْیَهِ وَ الْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّهِ وَ مُسْلِمَهِ النَّاسِ- وَ مِنْهَا التُّجَّارُ وَ أَهْلُ الصِّنَاعَاتِ- وَ مِنْهَا الطَّبَقَهُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِی الْحَاجَهِ وَ الْمَسْکَنَهِ- وَ کُلٌّ قَدْ سَمَّى اللَّهُ لَهُ سَهْمَهُ- وَ وَضَعَ عَلَى حَدِّهِ فَرِیضَهً فِی کِتَابِهِ أَوْ سُنَّهِ نَبِیِّهِ ص عَهْداً- مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً- فَالْجُنُودُ بِإِذْنِ اللَّهِ حُصُونُ الرَّعِیَّهِ وَ زَیْنُ الْوُلَاهِ- وَ عِزُّ الدِّینِ وَ سُبُلُ الْأَمْنِ- وَ لَیْسَ تَقُومُ الرَّعِیَّهُ إِلَّا بِهِمْ- ثُمَّ لَا قِوَامَ لِلْجُنُودِ- إِلَّا بِمَا یُخْرِجُ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ- الَّذِی یَقْوَوْنَ بِهِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ- وَ یَعْتَمِدُونَ عَلَیْهِ فِیمَا یُصْلِحُهُمْ- وَ یَکُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ- ثُمَّ لَا قِوَامَ لِهَذَیْنِ الصِّنْفَیْنِ إِلَّا بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ- مِنَ الْقُضَاهِ وَ الْعُمَّالِ وَ الْکُتَّابِ- لِمَا یُحْکِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ وَ یَجْمَعُونَ مِنَ الْمَنَافِعِ- وَ یُؤْتَمَنُونَ عَلَیْهِ مِنْ خَوَاصِّ الْأُمُورِ وَ عَوَامِّهَا- وَ لَا قِوَامَ لَهُمْ جَمِیعاً إِلَّا بِالتُّجَّارِ وَ ذَوِی الصِّنَاعَاتِ- فِیمَا یَجْتَمِعُونَ عَلَیْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ- وَ یُقِیمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ- وَ یَکْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُّقِ بِأَیْدِیهِمْ- مَا لَا یَبْلُغُهُ رِفْقُ غَیْرِهِمْ- ثُمَّ الطَّبَقَهُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَهِ وَ الْمَسْکَنَهِ- الَّذِینَ یَحِقُّ رِفْدُهُمْ وَ مَعُونَتُهُمْ- وَ فِی اللَّهِ لِکُلٍّ سَعَهٌ- وَ لِکُلٍّ عَلَى الْوَالِی حَقٌّ بِقَدْرِ مَا یُصْلِحُهُ- فَوَلِّ مِنْ جُنُودِکَ- أَنْصَحَهُمْ فِی نَفْسِکَ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِإِمَامِکَ- وَ أَنْقَاهُمْ جَیْباً وَ أَفْضَلَهُمْ حِلْماً- مِمَّنْ یُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ وَ یَسْتَرِیحُ إِلَى الْعُذْرِ- وَ یَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ وَ یَنْبُو عَلَى الْأَقْوِیَاءِ- وَ مِمَّنْ لَا یُثِیرُهُ الْعُنْفُ وَ لَا یَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ- ثُمَّ الْصَقْ بِذَوِی الْمُرُوءَاتِ وَ الْأَحْسَابِ- وَ أَهْلِ الْبُیُوتَاتِ الصَّالِحَهِ وَ السَّوَابِقِ الْحَسَنَهِ- ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَهِ وَ الشَّجَاعَهِ وَ السَّخَاءِ وَ السَّمَاحَهِ- فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْکَرَمِ وَ شُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ- ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا یَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا- وَ لَا یَتَفَاقَمَنَّ فِی نَفْسِکَ شَیْ‏ءٌ قَوَّیْتَهُمْ بِهِ- وَ لَا تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَ إِنْ قَلَّ- فَإِنَّهُ دَاعِیَهٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِیحَهِ لَکَ وَ حُسْنِ الظَّنِّ بِکَ- وَ لَا تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطِیفِ أُمُورِهِمُ اتِّکَالًا عَلَى جَسِیمِهَا- فَإِنَّ لِلْیَسِیرِ مِنْ لُطْفِکَ مَوْضِعاً یَنْتَفِعُونَ بِهِ- وَ لِلْجَسِیمِ مَوْقِعاً لَا یَسْتَغْنُونَ عَنْهُ- وَ لْیَکُنْ آثَرُ رُءُوسِ جُنْدِکَ عِنْدَکَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِی مَعُونَتِهِ- وَ أَفْضَلَ عَلَیْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ- بِمَا یَسَعُهُمْ وَ یَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِیهِمْ- حَتَّى یَکُونَ هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِی جِهَادِ الْعَدُوِّ- فَإِنَّ عَطْفَکَ عَلَیْهِمْ یَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَیْکَ- وَ إِنَّ أَفْضَلَ قُرَّهِ عَیْنِ الْوُلَاهِ اسْتِقَامَهُ الْعَدْلِ فِی الْبِلَادِ وَ ظُهُورُ مَوَدَّهِ الرَّعِیَّهِ و إِنَّهُ لَا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلَّا بِسَلَامَهِ صُدُورِهِمْ وَ لَا تَصِحُّ نَصِیحَتُهُمْ إِلَّا بِحِیطَتِهِمْ عَلَى وُلَاهِ الْأُمُورِ- وَ قِلَّهِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ- وَ تَرْکِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ- فَافْسَحْ فِی آمَالِهِمْ وَ وَاصِلْ فِی حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَیْهِمْ- وَ تَعْدِیدِ مَا أَبْلَى ذَوُو الْبَلَاءِ مِنْهُمْ- فَإِنَّ کَثْرَهَ الذِّکْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ- وَ تُحَرِّضُ النَّاکِلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- ثُمَّ اعْرِفْ لِکُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَى- وَ لَا تَضُمَّنَّ بَلَاءَ امْرِئٍ إِلَى غَیْرِهِ- وَ لَا تُقَصِّرَنَّ بِهِ دُونَ غَایَهِ بَلَائِهِ- وَ لَا یَدْعُوَنَّکَ شَرَفُ امْرِئٍ- إِلَى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا کَانَ صَغِیراً- وَ لَا ضَعَهُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلَائِهِ مَا کَانَ عَظِیماً- وَ ارْدُدْ إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ مَا یُضْلِعُکَ مِنَ الْخُطُوبِ- وَ یَشْتَبِهُ عَلَیْکَ مِنَ الْأُمُورِ- فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ- یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا أَطِیعُوا اللَّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ- وَ أُولِی الْأَمْرِ مِنْکُمْ- فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِی شَیْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ- فَالرَّدُّ إِلَى اللَّهِ الْأَخْذُ بِمُحْکَمِ کِتَابِهِ- وَ الرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ الْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَهِ غَیْرِ الْمُفَرِّقَهِ: ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُکْمِ بَیْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِیَّتِکَ فِی نَفْسِکَ- مِمَّنْ لَا تَضِیقُ بِهِ الْأُمُورُ وَ لَا تُمَحِّکُهُ الْخُصُومُ- وَ لَا یَتَمَادَى فِی الزَّلَّهِ- وَ لَا یَحْصَرُ مِنَ الْفَیْ‏ءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ- وَ لَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ- وَ لَا یَکْتَفِی بِأَدْنَى فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ- وَ أَوْقَفَهُمْ فِی الشُّبُهَاتِ وَ آخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ- وَ أَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَهِ الْخَصْمِ- وَ أَصْبَرَهُمْ عَلَى تَکَشُّفِ الْأُمُورِ- وَ أَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُکْمِ- مِمَّنْ لَا یَزْدَهِیهِ إِطْرَاءٌ وَ لَا یَسْتَمِیلُهُ إِغْرَاءٌ- وَ أُولَئِکَ قَلِیلٌ- ثُمَّ أَکْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ- وَ افْسَحْ لَهُ فِی الْبَذْلِ مَا یُزِیلُ عِلَّتَهُ- وَ تَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ- وَ أَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَهِ لَدَیْکَ مَا لَا یَطْمَعُ فِیهِ غَیْرُهُ مِنْ خَاصَّتِکَ- لِیَأْمَنَ بِذَلِکَ اغْتِیَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَکَ- فَانْظُرْ فِی ذَلِکَ نَظَراً بَلِیغاً- فَإِنَّ هَذَا الدِّینَ قَدْ کَانَ أَسِیراً فِی أَیْدِی الْأَشْرَارِ- یُعْمَلُ فِیهِ بِالْهَوَى وَ تُطْلَبُ بِهِ الدُّنْیَا: ثُمَّ انْظُرْ فِی أُمُورِ عُمَّالِکَ فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَاراً- وَ لَا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاهً وَ أَثَرَهً- فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَ الْخِیَانَهِ- وَ تَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَهِ وَ الْحَیَاءِ- مِنْ أَهْلِ الْبُیُوتَاتِ الصَّالِحَهِ وَ الْقَدَمِ فِی الْإِسْلَامِ الْمُتَقَدِّمَهِ- فَإِنَّهُمْ أَکْرَمُ أَخْلَاقاً وَ أَصَحُّ أَعْرَاضاً- وَ أَقَلُّ فِی الْمَطَامِعِ إِشْرَافاً وَ أَبْلَغُ فِی عَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَراً- ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَیْهِمُ الْأَرْزَاقَ- فَإِنَّ ذَلِکَ قُوَّهٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلَاحِ أَنْفُسِهِمْ- وَ غِنًى لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَیْدِیهِمْ- وَ حُجَّهٌ عَلَیْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَکَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَکَ- ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ- وَ ابْعَثِ الْعُیُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَ الْوَفَاءِ عَلَیْهِمْ- فَإِنَّ تَعَاهُدَکَ فِی السِّرِّ لِأُمُورِهِمْ- حَدْوَهٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْأَمَانَهِ وَ الرِّفْقِ بِالرَّعِیَّهِ- وَ تَحَفَّظْ مِنَ الْأَعْوَانِ- فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ یَدَهُ إِلَى خِیَانَهٍ- اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَیْهِ عِنْدَکَ أَخْبَارُ عُیُونِکَ- اکْتَفَیْتَ بِذَلِکَ شَاهِداً- فَبَسَطْتَ عَلَیْهِ الْعُقُوبَهَ فِی بَدَنِهِ- وَ أَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ- ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّهِ وَ وَسَمْتَهُ بِالْخِیَانَهِ- وَ قَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَهِ: وَ تَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا یُصْلِحُ أَهْلَهُ- فَإِنَّ فِی صَلَاحِهِ وَ صَلَاحِهِمْ صَلَاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ- وَ لَا صَلَاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلَّا بِهِمْ- لِأَنَّ النَّاسَ کُلَّهُمْ عِیَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَ أَهْلِهِ- وَ لْیَکُنْ نَظَرُکَ فِی عِمَارَهِ الْأَرْضِ- أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِکَ فِی اسْتِجْلَابِ الْخَرَاجِ- لِأَنَّ ذَلِکَ لَا یُدْرَکُ إِلَّا بِالْعِمَارَهِ- وَ مَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَیْرِ عِمَارَهٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ- وَ أَهْلَکَ الْعِبَادَ وَ لَمْ یَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلَّا قَلِیلًا- فَإِنْ شَکَوْا ثِقَلًا أَوْ عِلَّهً أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ أَوْ بَالَّهٍ- أَوْ إِحَالَهَ أَرْضٍ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ- أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ- خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ یَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ- وَ لَا یَثْقُلَنَّ عَلَیْکَ شَیْ‏ءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمَئُونَهَ عَنْهُمْ- فَإِنَّهُ ذُخْرٌ یَعُودُونَ بِهِ عَلَیْکَ فِی عِمَارَهِ بِلَادِکَ- وَ تَزْیِینِ وِلَایَتِکَ مَعَ اسْتِجْلَابِکَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ- وَ تَبَجُّحِکَ بِاسْتِفَاضَهِ الْعَدْلِ فِیهِمْ- مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ- بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِکَ لَهُمْ- وَ الثِّقَهَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِکَ عَلَیْهِمْ وَ رِفْقِکَ بِهِمْ- فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الْأُمُورِ- مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِیهِ عَلَیْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ- طَیِّبَهً أَنْفُسُهُمْ بِهِ- فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا حَمَّلْتَهُ- وَ إِنَّمَا یُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا- وَ إِنَّمَا یُعْوِزُ أَهْلُهَا لِإِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلَاهِ عَلَى الْجَمْعِ- وَ سُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ وَ قِلَّهِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ: ثُمَّ انْظُرْ فِی حَالِ کُتَّابِکَ- فَوَلِّ عَلَى أُمُورِکَ خَیْرَهُمْ- وَ اخْصُصْ رَسَائِلَکَ الَّتِی تُدْخِلُ فِیهَا مَکَایِدَکَ وَ أَسْرَارَکَ- بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُوهِ صَالِحِ الْأَخْلَاقِ مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ الْکَرَامَهُ- فَیَجْتَرِئَ بِهَا عَلَیْکَ فِی خِلَافٍ لَکَ بِحَضْرَهِ مَلَإٍ- وَ لَا تَقْصُرُ بِهِ الْغَفْلَهُ عَنْ إِیرَادِ مُکَاتَبَاتِ عُمِّالِکَ عَلَیْکَ- وَ إِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْکَ- فِیمَا یَأْخُذُ لَکَ وَ یُعْطِی مِنْکَ- وَ لَا یُضْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَکَ- وَ لَا یَعْجِزُ عَنْ إِطْلَاقِ مَا عُقِدَ عَلَیْکَ- وَ لَا یَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِی الْأُمُورِ- فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ یَکُونُ بِقَدْرِ غَیْرِهِ أَجْهَلَ- ثُمَّ لَا یَکُنِ اخْتِیَارُکَ إِیَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِکَ- وَ اسْتِنَامَتِکَ وَ حُسْنِ الظَّنِّ مِنْکَ- فَإِنَّ الرِّجَالَ یَتَعَرَّفُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلَاهِ- بِتَصَنُّعِهِمْ وَ حُسْنِ خِدْمَتِهِمْ- وَ لَیْسَ وَرَاءَ ذَلِکَ مِنَ النَّصِیحَهِ وَ الْأَمَانَهِ شَیْ‏ءٌ- وَ لَکِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِینَ قَبْلَکَ- فَاعْمِدْ لِأَحْسَنِهِمْ کَانَ فِی الْعَامَّهِ أَثَراً- وَ أَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَهِ وَجْهاً- فَإِنَّ ذَلِکَ دَلِیلٌ عَلَى نَصِیحَتِکَ لِلَّهِ وَ لِمَنْ وُلِّیتَ أَمْرَهُ- وَ اجْعَلْ لِرَأْسِ کُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِکَ رَأْساً مِنْهُمْ- لَا یَقْهَرُهُ کَبِیرُهَا وَ لَا یَتَشَتَّتُ عَلَیْهِ کَثِیرُهَا- وَ مَهْمَا کَانَ فِی کُتَّابِکَ مِنْ عَیْبٍ فَتَغَابَیْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ: ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ وَ ذَوِی الصِّنَاعَاتِ وَ أَوْصِ بِهِمْ خَیْراً- الْمُقِیمِ مِنْهُمْ‏

وَ الْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ وَ الْمُتَرَفِّقِ بِبَدَنِهِ- فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ وَ أَسْبَابُ الْمَرَافِقِ- وَ جُلَّابُهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ وَ الْمَطَارِحِ- فِی بَرِّکَ وَ بَحْرِکَ وَ سَهْلِکَ وَ جَبَلِکَ- وَ حَیْثُ لَا یَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا- وَ لَا یَجْتَرِءُونَ عَلَیْهَا- فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لَا تُخَافُ بَائِقَتُهُ- وَ صُلْحٌ لَا تُخْشَى غَائِلَتُهُ- وَ تَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِکَ وَ فِی حَوَاشِی بِلَادِکَ- وَ اعْلَمْ مَعَ ذَلِکَ أَنَّ فِی کَثِیرٍ مِنْهُمْ ضِیقاً فَاحِشاً- وَ شُحّاً قَبِیحاً- وَ احْتِکَاراً لِلْمَنَافِعِ وَ تَحَکُّماً فِی الْبِیَاعَاتِ- وَ ذَلِکَ بَابُ مَضَرَّهٍ لِلْعَامَّهِ- وَ عَیْبٌ عَلَى الْوُلَاهِ فَامْنَعْ مِنَ الِاحْتِکَارِ- فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص مَنَعَ مِنْهُ- وَ لْیَکُنِ الْبَیْعُ بَیْعاً سَمْحاً بِمَوَازِینِ عَدْلٍ- وَ أَسْعَارٍ لَا تُجْحِفُ بِالْفَرِیقَیْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَ الْمُبْتَاعِ- فَمَنْ قَارَفَ حُکْرَهً بَعْدَ نَهْیِکَ إِیَّاهُ فَنَکِّلْ بِهِ- وَ عَاقِبْهُ فِی غَیْرِ إِسْرَافٍ: ثُمَّ اللَّهَ اللَّهَ فِی الطَّبَقَهِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِینَ لَا حِیلَهَ لَهُمْ- مِنَ الْمَسَاکِینِ وَ الْمُحْتَاجِینَ وَ أَهْلِ الْبُؤْسَى وَ الزَّمْنَى- فَإِنَّ فِی هَذِهِ الطَّبَقَهِ قَانِعاً وَ مُعْتَرّاً- وَ احْفَظِ لِلَّهِ مَا اسْتَحْفَظَکَ مِنْ حَقِّهِ فِیهِمْ- وَ اجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَیْتِ مَالِکِ- وَ قِسْماً مِنْ غَلَّاتِ صَوَافِی الْإِسْلَامِ فِی کُلِّ بَلَدٍ- فَإِنَّ لِلْأَقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِی لِلْأَدْنَى- وَ کُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِیتَ حَقَّهُ- وَ لَا یَشْغَلَنَّکَ عَنْهُمْ بَطَرٌ- فَإِنَّکَ لَا تُعْذَرُ بِتَضْیِیعِکَ‏ التَّافِهَ لِإِحْکَامِکَ الْکَثِیرَ الْمُهِمَّ- فَلَا تُشْخِصْ هَمَّکَ عَنْهُمْ وَ لَا تُصَعِّرْ خَدَّکَ لَهُمْ- وَ تَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لَا یَصِلُ إِلَیْکَ مِنْهُمْ- مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُیُونُ وَ تَحْقِرُهُ الرِّجَالُ- فَفَرِّغْ لِأُولَئِکَ ثِقَتَکَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْیَهِ وَ التَّوَاضُعِ- فَلْیَرْفَعْ إِلَیْکَ أُمُورَهُمْ- ثُمَّ اعْمَلْ فِیهِمْ بِالْإِعْذَارِ إِلَى اللَّهِ یَوْمَ تَلْقَاهُ- فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ بَیْنِ الرَّعِیَّهِ أَحْوَجُ إِلَى الْإِنْصَافِ مِنْ غَیْرِهِمْ- وَ کُلٌّ فَأَعْذِرْ إِلَى اللَّهِ فِی تَأْدِیَهِ حَقِّهِ إِلَیْهِ- وَ تَعَهَّدْ أَهْلَ الْیُتْمِ وَ ذَوِی الرِّقَّهِ فِی السِّنِّ- مِمَّنْ لَا حِیلَهَ لَهُ وَ لَا یَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَهِ نَفْسَهُ- وَ ذَلِکَ عَلَى الْوُلَاهِ ثَقِیلٌ- وَ الْحَقُّ کُلُّهُ ثَقِیلٌ وَ قَدْ یُخَفِّفُهُ اللَّهُ عَلَى أَقْوَامٍ- طَلَبُوا الْعَاقِبَهَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ- وَ وَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللَّهِ لَهُمْ

اللغه

أقول: المعاقد: جمع مقعد مصدرا. و المرافق: المنافع. و تفاقم الأمر: عظمه. و الخلوف: المتخلّفون جمع- خلف بالفتح- . و الحیطه: الشفقّه. و یضلعک: یثقلک. و المحک: اللجاج. و الحصر: العىّ و العجز. و التبرّم: التضجّر. و الازدهاء: افتعال من الزهو و هو الکبر. و الإطراء: کثره المدح. و الاغتیال: الأخذ على غرّه. و المحاباه: المعاطاه و المقاربه فیها. و الأثره: الاستبداد. و الجماع: الجمع. و التوخّى: التقصّد. و الحدوه: الحثّ. و الشرب: النصیب من الماء. و البالّه: القلیل من الماء یبلّ به الأرض. و أحالت الأرض: تغیّرت عمّا کانت علیه من الاستواء فلم ینحبّ زرعها و لا أثمر نخلها. و الإجمام: الإراحه. و معتمد: قاصد. و الإعواز: الفقر. و استنام إلى کذا: سکن إلیه. و المترفّق: طالب الرفق من التجاره. و المطارح: جمع مطرح و هى الأرض البعیده. و البائقه الداهیه. و الغائله: الشرّ. و الاحتکار: حبس المنافع عن الناس عند الحاجه إلیها. و البؤسى: الشدّه. و القانع: السائل. و المعترّ: الّذی یتعرّض للعطاء من غیر سؤال. و الصوافی:- جمع صافیه- و هی أرض الغنیمه. و التافه: الحقیر. و أشخص همّه: رفعه. و تصعیر الحذّ: إمالته کبرا. و تقتحمه: تزد ریه. و أعذر فی الأمر: صار ذا عذر فیه.

و اعلم أنّ فی الفصل أبحاثا:

الأوّل: أنّه قسّم أهل المدینه إلى سبع طبقات
و حکم بأنّه لا یصلح بعضها إلّا بالبعض على ما بیّنه. و قوله: من أهل الذمّه و مسلمه الناس. تفصیل للأهل الأوّل. فأهل الذمّه تفسیر لأهل الجزیه، و مسلمه الناس تفسیر لأهل الخراج، و یجوز أن یکون تفسیرا لأهل الجزیه و الخراج لأنّ للإمام أن یقبل أرض الخراج من سائر المسلمین و أهل الذمّه، و أراد بالسهم الّذی سمّاه اللّه لکلّ منهم الاستحقاق لکلّ من ذوى الاستحقاق فی کتابه إجمالا من الصدقات کالفقراء و المساکین و عمّال الخراج و الصدقه و فصله فی سنّه نبیّه صلّى اللّه علیه و آله. و حدّه الّذی وضع اللّه علیه عهدا منه عند أهل بیت نبیّه هو مرتبته و منزلته من أهل المدینه الّذین لا یقوم إلّا بهم فإنّ للجندىّ منزله و حدّا محدودا لا یجوز له تعدّیه، و فریضته وقوفه عنده و العمل بما یلزم تلک المرتبه، و کذلک الکتّاب و العمّال و القضاه و غیرهم فإنّ لکلّ منهم حدّا یقف عنده، و فریضه یلزمها علیها عهد من اللّه محفوظ عند نبیّه و أهل بیته علیهم السّلام اشتملت علیها الشریعه.

البحث الثانی: أنّه نبّه بقوله: فالجنود بإذن اللّه. إلى قوله: معونتهم.
على أنّ لکلّ من الأصناف المذکوره تعلّق بالآخر بحیث لا یقوم إلّا به، و الحاجه إلیه ضروریّه. و بمجموعهم یقوم صوره المدینه. فبدء بالجنود لأنّهم الأصل و ذکر وجه الحاجه إلیهم فی أربعه أوصاف:

أحدها: کونهم حصون الرعیّه، و استعار لهم لفظ الحصون باعتبار حفظهم للرعیّه و حیاطتهم لهم کالحصن. الثانی: أنّهم زین الولاه فإنّ الوالی بلا جند کأحد الرعیّه لا یبالی به و لا یطاع له أمر. و المفسده فیه ظاهره.

الثالث: کونهم عزّ الدین، و أطلق لفظ العزّ علیهم إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه إذ کان العزّ للدین لازما لوجودهم. الرابع: استعار لفظ الأمن لهم باعتبار لزوم الأمن لوجود الجند فی الطرق و نحوها. و الکلام فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فلیس یقوم الرعیّه إلّا به.
و قوله: و لیس یقوم الرعیّه إلّا بهم. نتیجه القیاس المذکور. و قال: بإذن اللّه. لینبّه على أنّه أراد جنود الحقّ الّذین هم مقتضى الحکمه لا مطلق الجنود. الثانی: أهل الخراج و من یؤخذ منهم، و أشار إلى وجه استلزام الحاجه إلى الجند للحاجه إلیهم بقوله: ثمّ لا قوام للجنود. إلى قوله: حاجتهم. فقوله: لا قوام. إلى قوله: الخراج. دعوى.

و قوله: الذین یقوون. إلى قوله: حاجتهم. فی قوّه صغرى ضمیر نبّه به علیها، و تقدیر کبراه: و کلّ ما کان کذلک فلا قوام للجند إلّا به. فینتج لا قوام للجند إلّا بما یخرج اللّه لهم من الخراج، و لما کان الخراج إنّما یحصل من جماعه من الرعیّه و لا یقوم الجند إلّا بهم. الثالث: القضاه و العمّال و الکتّاب. و جمعهم. لأنّ وجه الحاجه إلیهم واحدا، و أشار إلیه بقوله: لما یحکمون به. إلى قوله: و عوامّها. فإنّهم امناء الوالی و الرعیّه على ما یعمّهم من الامور أو یخصّ کلّا منهم، و على أیدیهم تکون أحکام العقود و جمع المنافع و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فحاجه الجند و الرعیّه إلیه ضروریّه. الرابع: التجّار و ذوى الصناعات و ادّعى أنّه لا قوام للأصناف السابقه إلّا بهم و نبّه على ذلک بقوله: فیما یجتمعون علیه من مرافقهم فإنّ کلّ ما یفعله التجّار من جلب الأمتعه و بیعها و شرائها و یقیمونه من الأسواق بذلک و ما یفعله الصنّاع من المنفعه بأیدیهم ممّا لا یحصل من غیرهم الانتفاع به فهی مرافق و منافع للرعیّه فی مقام‏ حاجتهم و ضرورتهم و هو فی قوّه صغرى ضمیر کبراه ما سبق. الخامس: الطبقه السفلى من أهل الحاجه و المسکنه، و نبّه على وجه الحاجه إلیهم بقوله: الّذین یحقّ رفدهم و معونتهم. و بیان ذلک أنّ رفد هؤلاء و معونتهم یستلزم اجتماع هممهم و توافر دواعیهم لرافدهم و معینهم و بهم تستنزل الرحمه و تستدرّ البرکه من اللّه تعالى لأهل المدینه و یدرک الثواب الاخرویّ. فکانت الحاجه إلیهم داعیه لذلک. و لمّا أشار إلى وجه الحاجه إلى جمیعهم قال: و فی اللّه لکلّ سعه: أی فی وجود اللّه و عنایته. لیعتمد على اللّه فی تدبیر أمورهم. إذ هو تعالى ربّ العنایه الأولى و قال: و لکلّ على الوالی حقّ بقدر ما یصلحه. لیعلم أنّ مراعاه کلّ منهم واجبه علیه فیشتمل علیها. و باللّه. التوفیق.

البحث الثالث: فی أمره باستصلاح کلّ صنف بأوصاف یجب أن یکون علیها، و نصبه فی مقامه:

فالصنف الأوّل: الجند
و أشار إلى تعیین من یصلح لهذه المرتبه بأوصاف، و أمره و نهاه فیهم بأوامر و نواهی أمّا الأوصاف: فأحدها: من کان أنصح فی نفسه للّه و لرسوله و لإمامه جیبا أی أکثرهم أمانه فی العمل بأوامر اللّه و رسوله و إمامه. و ناصح الجیب کنایه عن الأمین. الثانی: أفضلهم حلما. ثمّ وصف ذلک الأفضل فقال: ممّن یبطى‏ء عن الغضب و یستریح إلى العذر فیقبله إذا وجده، و یرأف بالضعفاء فلا یغلظ علیهم، و ینبو على الأقویاء: أی یعلو علیهم و یتجنّب امیل إلیهم على من دونهم، ممّن لا یثیره العنف: أی لا یکون له عنف فیثیره کقوله: و لا أری الضبّ بها فینحجر. و قیل: لا یهیّجه العنف و لا یزعجه إذا فعل، و لا یقعد به الضعف عن إقامه حدود اللّه و أخذ الحقوق من الظالمین أی لا یکون له ضعف فیقعده عن ذلک. الثالث: من کان من أهل الأحساب و البیوتات الصالحه و السوابق الحسنه من الأحوال و الأفعال و الأقوال الخیریّه. الرابع: من یکون من أهل النجده و الشجاعه.

الخامس: من یکون من أهل السخاء و السماحه. و أمّا الأوامر: فأحدها: أن یولّى من الجند من کان بهذه الصفات. الثانی: أن یلصق بمن ذکر منهم: أی یلزمهم فی هذه المرتبه. و رغّب فیهم بقوله: فإنّهم. إلى قوله: من العرف و وصفهم بکونهم جماع من الکرم و شعب من العرف إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه. إذ کان الجماع من الکرم و هو الفضائل المذکوره لازمه لهم. و الأمانه و السخاء و السماحه فضائل تحت العفّه. و الحلم و النجده فضیلتان تحت الشجاعه. و یحتمل أن یکون الضمیر فی قوله: فإنّهم.
عائدا إلى الفضائل المذکوره کقوله تعالى فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِی یشیر إلى الأصنام. الثالث: أن یتفقّد من أمورهم و مصالحهم ما یتفقّده الولدان، و هو کنایه عن نهایه الشفقّه علیهم. الرابع: نهاه أن یعظم فی نفسه شی‏ء یقوّیهم به من مال أو نفع فیدعوه إلى التقاصر فی حقّهم. الخامس: و أن لا یحتقر لطفا یتعاهدهم به فیحمله احتقاره على ترکه. و احتجّ لأولویّه فعله و إن قلّ بقوله: فإنّه داعیه. إلى قوله: الظنّ بک. و تقدیر کبرى هذا الضمیر: و کلّما کان کذلک فالأولى بک فعله. السادس: نهاه أن یدع تفقّد الصغیر من امورهم اعتمادا على تفقّد عظیمها و احتجّ لأولویّه فعله بقوله: فإنّ الیسیر. إلى قوله: موقعا لا یستغنون عنه. و المعنى ظاهر. فإنّ موضع الیسیر المنتفع به لا یستغنى فیه عن الجسیم. و تقدیر کبرى هذا الضمیر: و کلّما کان له موضعا ینتفع به فالأولى فعله فی موضعه لینتفع به. السابع: أمره أن یکون آثر رءوس جنده عنده من کان بالصفات المذکوره و هو الّذی یواسی من تحت یده من الجند فیما یحصل له من المعونه، و یفضل علیهم ممّا فی یده بما یسعهم و یسع من ورائهم من ضعفاء أهلیهم و خلوفهم حتّى یکون بذلک همّهم واحدا فیکونوا بمنزله رجل واحد فی جهاد العدوّ. ثمّ رغّب فی العطف علیهم‏

بما یستلزمه من عطف قلوبهم علیه و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّما کان مستلزما لعطف قلوبهم ففعله واجب و مصلحه. و أیضا لمّا کانت صحّه محبّتهم من أهمّ المطالب بیّن أنّها لا یتمّ إلّا بأمور ثلاثه: أحدها: حیطهم و محافظتهم ولاه أمورهم. الثانی: قلّه استثقال دولهم. الثالث: أن یترکوا استبطاء انقطاع مدّه دولهم، و ذلک فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و ما لا یتمّ أهمّ المطالب إلّا به کان من أهمّ المطالب. الثامن: أمره أن یفسح لهم: أى یجعل لهم من نفسه طمعا یفتسح به آمالهم فیه لأنّ ذلک ممّا لا یتمّ الأمور الثلاثه المذکوره إلّا به ولد لک رتّب هذا الأمر علیها بالفاء. التاسع: أمره أن یواصل من حسن الثناء علیهم و تعدید ما أبلى ذوو البلاء منهم و احتجّ لوجوب ذلک بقوله: فإنّ کثره الذکر. إلى قوله: إنشاء اللّه. و هو ظاهر و القضیّه فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّما کان کذلک کان واجبا. العاشر: أمره أن یعرف لکلّ امرء ما أبلى و ینسبه إلیه لأنّه یهزّ الشجاع و یشجّع الجبان. الحادی عشر: نهاه أن یضمّ بلاء امرء إلى غیره. الثانی عشر: و أن یقصر به دون غایه بلائه فیذکر بعضه أو یحقّره. الثالث عشر: و أن یدعوه شرف امرء إلى أن یعظم صغیر بلائه، أو ضعه امرء أن یستصغر کثیر بلائه فإنّ کلّ ذلک داعیه الکسل و الفتور عن الجهاد. الرابع عشر: أمره أن یردّ إلى اللّه و رسوله ما یضلعه من الخطوب و یشتبه علیه من الامور محتجّا بالآیه. ثمّ فسّر الردّ إلى اللّه بالأخذ بمحکم کتابه، و الردّ إلى الرسول بالأخذ بسنّته. و وصف السنه بکونها جامعه لأنّ مدارها على وجوب الألفه و اجتماع الخلق على طاعه اللّه و سلوک سلوکه.

الصنف الثانی: قضاه العدل
و عیّنهم له بأوصاف و أمره فیهم بأوامر:

أمّا التعین فأوجب أن یکون أفضل رعیّته فی نفسه، و میّز ذلک الأفضل بصفات: أحدها: أن یکون ممّن لا یضیق به الامور فیحار فیها حین تورد علیه. الثانی: و ممّن لا یمحکه الخصوم: أی یغلبه على الحقّ باللجاج. و قیل: ذلک کنایه عن کونه ممّن یرتضیه الخصوم فلا تلاجّه و یقبل بأوّل قوله. الثالث: أن لا یتمادى فی زلّته إذا زلّ فإنّ الرجوع إلى الحقّ خیر من التمادی فی الضلال. الرابع: أن لا یحصر من الرجوع إلى الحقّ إذا عرفه کما یفعله قضاه السوء حفظا للجاه و خوفا من شناعه الغلط. الخامس: أن لا یشرف نفسه على طمع فإنّ الطمع فی الناس داعیه الحاجه إلیهم و المیل عن الحقّ. السادس: أن لا یکتفى بأدنى فهم دون أقصاه لأنّ ذلک مظنّه الغلط. السابع: أن یکون أوقف الناس عند الشبهات لأنّها مظنّه الوقوع فی المئاثم. الثامن: و آخذهم بالحجج. التاسع: و أقلّهم تبرّما بمراجعه الخصم لما یستلزمه التبرّم من تضییع الحقوق. العاشر: و کذلک و أصبرهم على تکشّف الأمور. الحادی عشر: و أصرمهم عند اتّضاح الحقّ فإنّ فی التأخیر آفات. الثانی عشر: و ممّن لا یحدث له کثره المدح کبرا. الثالث عشر: و ممّن لا یستمیله إلى غیر الحقّ إغراء به ثمّ حکم بقلّه من یجتمع فیه هذه الصفات تنبیها على أنّ فیها ما هو أولى دون أن یکون شرطا فی القضاء. و أمّا الأوامر: فأحدها: أن یختار من کان بالصفات المذکوره. الثانی: أن یکثر تعاهد قضائه لیقطع طمعه فی الانحراف عن الحقّ لو خطر بباله. الثالث: أن یفسح له فی البذل ما یزیل علّته، و هو کنایه عمّا یکفیه و یقلّ معه‏ حاجته إلى الناس فلا یمیل إلیهم، و- ما- یحتمل أن یکون بدلا من البذل، و أن یکون مفعولا لفعل محذوف دلّ علیه البذل کأنّه قال: فیبذل له ما یزیل علّته، و أن یکون مفعولا لیفسح: أی یوسّع له ما یکفیه من المال، و یحتمل أن یکون فی معنى مصدر یفسح: أی یفسح له فسحا یزیل علّته. الرابع: أن یعطیه من المنزله عنده ما لا یطمع فیه معها غیره من خاصّته لیأمن بذلک اغتیال الأعداء. و تقدیر کبرى هذا الضمیر: و کلّ ما کان کذلک فواجب بذله للقاضی. الخامس: أن ینظر فی اختیار من کان بهذه الصفات و فیما أمره به نظرا بالغا لیعمل بأقصاه. و علّل ذلک بقوله: فإنّ هذا الدین. إلى قوله: الدنیا. و استعار لفظ الأسیر باعتبار تصریفهم له کالأسیر. و الکلام صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّما کان کذلک فیجب النظر فی اختیار من یعمل بالحقّ و یخرجه من اسر الأشرار. و باللّه التوفیق.

الصنف الثالث: العمّال
و میّزهم أیضا بأوصاف و أمره فیهم بأوامره مصلحیّه.
أمّا الأوصاف: فأحدها: أن یکون العامل من أهل التجربه للأعمال و الولایات على علم بقواعدها. و بدء بذلک لأنّه الأصل الأکبر للعمل. الثانی: أن یکون من أهل الحیاء فلا ینتهی فی الانفعال إلى حدّ الاستخدام و هو طرف التفریط فیضیّع به الحقوق و المصالح و لا یتجاوزه إلى حدّ القحه فیقع فی طرف الإفراط و ما یلزمه من الجفاوه و نفره القلوب عنه. الثالث: أن یکون من أهل البیوتات الصالحه و القدم السابقه فی الإسلام، و هی کنایه عن البیوت المتقدّمه فی الدین و الخیر، و لهم فی ذلک أصل معرق. و أشار إلى وجه الحکمه فی تولیه من کان بهذه الصفات الثلاث بقوله: فإنّهم. إلى قوله: نظرا. و ذلک أنّ الحیاء و صلاح البیوت و التقدّم فی الإسلام یفیدهم کرم الأخلاق و محافظه على الأعراض من المطاعن و قلّه الإشراف و التطّلع إلى المطامع الدنیّه، و التجربه یفیدهم بلاغه النظر فی عواقب الأمور. و الکلام فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فهو أولى أن یقصد بالتولیه و العمل. و أمّا الأوامر: فأوّلها: أن ینظر فی امورهم فیستعملهم بعد التجربه و الاختبار و لا یولّیهم محاباه و أثره کأن یعطونه شیئا على الولایه فیولّیهم و یستأثر بذلک دون مشاوره فیه فإنّهما: أى المحاباه و الأثره- کما هو مصرّح به فی بعض النسخ عوض الضمیر- جماع من شعب الجور و الخیانه أمّا الجور فللخروج بهما عن واجب العدل المأمور به شرعا و أمّا الخیانه فلأنّ التحرّى فی اختیارهم من الدین و هو أمانه فی ید الناصب لهم فکان نصبهم من دون ذلک بمجرّد المحاباه و الأثره خروجا عن الأمانه و نوعا من الخیابه. و ثانیها: أن یقصد بالعمل من کان بالصفات المذکوره للعلل المذکوره. الثالث: أن یسبغ علیهم الأرزاق. و بیّن المصلحه فی ذلک من ثلاثه أوجه: أحدها: أنّ عمومهم بالأرزاق یکون قوّه لهم على استصلاح أنفسهم الّذی لا بدّ منه. الثانی: أنّه غنى لهم عن تناول ما تحت أیدیهم من مال المسلمین. الثالث: أنّه یکون حجّه له علیهم إن خالفوا أمره أو ثلموا أمانته. و استعار لفظ الثلم للخیانه. و الوجوه الثلاثه صغریات ضمایر تقدیر کبریاتها: و کلّما کان کذلک کان فعله مصلحه واجبه. الرابع: أن یتفقّد أعمالهم و یبعث العیون و الجواسیس من أهل الصدق و الوفاء علیهم، و أشار إلى وجه المصلحه فی ذلک بقوله: فإنّ تعاهدک. إلى قوله: بالرعیّه. فإنّ تعهّده لامورهم مع علمهم بذلک منه یبعثهم على أداء الأمانه فیما ولّوا من الأعمال، و على الرفق بالرعیّه. و المذکور صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّما کان کذلک فیجب فعله. الخامس: أن یتحفّظ من خیانه الأعوان من العمّال. و أرشده بقوله: فإن أحد منهم بسط. إلى قوله: التهمه. إلى ما ینبغی من تأدیبهم و إقامه سنّه اللّه فیهم. و استعار لفظ التقلید لتعلیق نسبه التهمه إلیه ملاحظه لشبهها بما یقلّد به من الشعار المحسوس‏ و اللفظ فی غایه الفصاحه، و هذه العقوبه مقدّره بحسب العرف و رأى الإمام أو من ارتضاه.

الصنف الرابع: أهل الخراج
و أمره فیهم بأوامر: أحدها: أن یتفقّد أمر خراجهم و یفعل فیه ما یصلح أهله مما سیشرحه. ثمّ أشار إلى وجه المصلحه فیه بضمیر صغراه: قوله: فإنّ صلاحه. إلى قوله: إلّا بهم. و نبّه بقوله: لا صلاح لمن سواهم إلّا بهم على حصر صلاح الغیر فیهم تأکیدا، و تقدیر الکبرى: و کلّ من کان لاصلاح للناس إلّا به فیجب مراعاه اموره و تفقّد أحواله.
ثمّ بیّن الصغرى بقوله: لأنّ الناس کلّهم عیال على الخراج و أهله. و هو ظاهر فی ذلک الوقت. الثانی: أن یکون نظره فی عماره الأرض أبلغ من نظره فی طلب الخراج و استجلابه، و نبّه على وجه الحکمه فیه بقوله: لأنّ ذلک: أی الخراج لا یدرک إلّا بالعماره. و هو فی قوّه صغرى ضمیر. ثمّ بیّنها بقوله: و من طلب إلى قوله: قلیلا. و هو إشاره إلى ما یلزم نقیض المدّعى و هی مفاسد ثلاث أحدها: إخراب البلاد لعدم العماره، و الثانی: إهلاک العباد لتکلیفهم ما لیس فی وسعهم، و الثالث: عدم استقامه أمر الطالب للخراج و الوالی على أهله. و هو لازم عن الأوّلین. و تقدیر الکبرى: و کلّ ما لا یدرک إلّا بالعماره وجب أن یکون النظر فیها أبلغ من النظر فیه فینتج أنّ النظر فی العماره یجب أن یکون أبلغ من النظر فی الخراج. الثالث: أمره أن یخفّف عنهم من خراجهم ما یرجو أن یصلح به أمرهم على تقدیر أن یشکوا من حالهم ما عساه یلحقهم من قبل أرضهم من ثقل خراج أو علّه سماویّه أو انقطاع نصیب کان لهم من الماء أو تغیّر أرض و فسادها بسبب غرق أو عطش، ثمّ نهاه یستثقل بما یخفّف عنهم به المئونه. و أشار إلى وجه الحکمه فیه بقوله: فإنّه ذخر.
إلى قوله: العدل فیهم. و معناه ظاهر.- و معتمدا- نصب على الحال و العامل خفّفت، و- فضل- نصب بالمفعول عن معتمدا، و قوله: و الثقه. عطف على المفعول المذکور، و نبّه على وجه المصلحه فی اعتماد فضل قوّتهم بإراحتهم و الثقه بینهم بما عوّدهم من عدله‏ بقوله: فربّما حدث. إلى قوله: أنفسهم به. و تقدیر الکلام خفّف عنهم معتمدا فضل قوّتهم فإنّ ذلک یستلزم احتمالهم لما عساه یحدث من الأمور فیحتملونه إذا عوّلت علیهم فیه بطیب نفس، و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فواجب أن یخفّف عنهم و یعتمد فضل قوّتهم، و فی قوله: فإنّ العمران محتمل ما حمّلته. بیان الصغرى لأنّ التخفیف عنهم یستلزم عمران أرضهم و هو یستلزم احتمالهم لما یرد علیهم من حوادث الامور. ثم نبّه بقوله: و إنّما یؤتى خراب الأرض. إلى قوله: أهلها. على سبب الخراب. و بقوله: و إنّما یعوز. إلى قوله: العبر. على ذلک السبب و هو مرکّب من ثلاثه أجراء: أحدها: إشراف نفوس الولاه على الجمع، و الثانی: سوء ظنّ أحدهم أنّه لا یبقى فی العمل، و الثالث: عدم انتفاعهم بالعبر لقلّه التفاتهم إلیها. و ظاهر أنّ هذه الأمور إذا اجتمعت فی الوالی استلزمت جمعه للمال و استقصائه على الرعیّه و استلزم ذلک إعوازهم و فقرهم فاستلزم ذلک خراب أرضهم و تعطیل عمارتها.

الصنف الخامس: الکتّاب
و أمره فیهم بأوامر: أحدها: أن یولّى أموره خیرهم، و تفسیر الخیر هنا هو من کان تقیّا قیّما بما یراد منه من مصالح العمل. الثانی: أن یخصّ رسائله و أسراره و مکائده بأجمعهم لصالح الأخلاق، و قد علمت أصولها غیر مرّه و هی العلم بوجوه الآراء المصلحیّه و التهدّی إلى وضع کلّ شی‏ء موضعه ثمّ العفّه و الشجاعه و العداله مع ما تحت الأربعه من الفضائل الخلقیّه ثمّ فسّر بعض الفضائل الّتی عساها أن یخفى، و ذکر منها خمسا: إحداها: عدم البطر، و هی فضیله تلزم الشکر و هو فضیله تحت العفّه. و نفّر عن صاحب البطر بقوله: فیجتزئ. إلى قوله: ملأ. و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من یجترء علیک کذلک فغیر صالح لولایه أمرک. الثانیه: الفطنه و الذکاء فیما هو بصدده من الأمور المذکوره، و کنّى عن ذلک بقوله: ممّن لا تقصر به الغفله. إلى قوله: منک. و الذکاء: فضیله تحت الحکمه. ۱۶۸ الثالثه: أن لا یکون ممّن یضعّف عقدا یعتقده لک من الامور بل یجعله محکما. الرابعه: أن لا یعجز عن إطلاق ما اعتقده علیک خصومک من الامور بالحیله و الخدیعه، و هذان لازمان لأصاله الرأی و هو فضیله تحت الحکمه. الخامسه: أن لا یجهل مبلغ قدر نفسه فی الامور فیرفعها إلى فوق محلّها و مرتبتها و هی فضیله تحت الحکمه الخلقیّه أیضا، و نبّه على اجتناب الجاهل بذلک بقوله: فإنّ الجاهل. إلى قوله: أجهل، و هی صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فیجب اجتنابه. الثالث: نهاه أن یکون اختیاره للعمّال تفرّسا منه و سکونا و حسن ظنّ بأحدهم، و أشار إلى وجه المفسده فی ذلک بقوله: فإنّ الرجال. إلى قوله: شی‏ء. و المعنى أنّ الرجال قد یتصنّعون بحسن الخدمه و یتعرّضون لأنّ یتفرّس فیهم الولاه فیعرفونهم بذلک مع أنّه لیس وراء ذلک التصنّع من النصیحه و الأمانه شی‏ء و هو صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فینبغی أن لا یعتمد على اختیاره بحسب الفراسه. الرابع: لمّا نهى أن یوقع اختیارهم کذلک أمره أن یختبرهم بولایتهم لمن کان قبله من الصالحین إرشادا إلى وجه الاختیار و یعضد إلى من کان بالصفات المذکوره و هو أن یکون أحسن أثرا فی العامّه و أعرفهم بوجه الأمانه فی الدین. و رغّبه فی ذلک بضمیر صغراه قوله: فإنّ ذلک. إلى قوله: أمره. و تقدیر کبراه: و کلّما کان کذلک وجب فعله. الخامس: أمره أن یجعل لرأس کلّ أمر من اموره رأسا من الکتّاب الموصوفین بکونهم مناسبا له بحیث لا یکبر علیه کبیره فیقهره و لا یکثر علیه کثیره فیتشتّت عن ضبطه و یقصر دونه. السادس: نهاه أن یتغافل عمّا یکون فی کتابه من عیب و نبّهه على ذلک بقوله: و مهما. إلى قوله: ألزمته. و هو صغرى ضمیر تقدیره: فإنّ کلّ ما یتغافل عنه من‏ ذلک تلزم به، و تقدیر کبراه: و کلّ ما تلزم به فلا یجوز أن یتغافل عنه.

الصنف السادس: التجّار و ذوو الصناعات
و أمره فیهم بأوامر: أوّلها: أن یستوصى بهم خیرا. الثانی: أن یوصى بهم کذلک بأصنافهم المقیم منهم و المضطرب فی تجارته بماله و المترفّق ببدنه و هم أهل الصنائع، و أشار إلى وجه الحکمه فی الوصیّه بهم و العنایه بحالهم من وجهین: أحدهما: منفعتهم، و ذلک قوله: فإنّهم. إلى قوله: علیها. و الضمیر فی قوله: مواضعها و علیها. یعود إلى المنافع و حیث: أی و من حیث کان لا یجتمع الناس لمواضع تلک المنافع منه و لا یجترءون علیها فیه و ذلک الحیث کالبحار و الجبال و نحوها. الثانی: أنّه لا مضرّه فیهم و ذلک قوله: فإنّهم. إلى قوله: غائلته. و تقدیر کبرى الضمیرین: و کلّ من کان کذلک فیجب الاستیصاء به و الوصیّه بالخیر فی حقّه. الثالث: أن یتفقّد امورهم بحضرته و فی حواشی بلاده ما عساه یعرض لهم من المظالم و الموانع لیزیلها عنهم. الرابع: أن یعلم ما فیهم من المعائب المعدوده و هی الضیق الفاحش، و الشحّ. و الضیق هنا البخل، ثمّ الاحتکار للمنافع الّتی یعمّ نفعها و هى الحنطه و الشعیر و التمر و الزبیب و السمن و الملح، ثمّ التحکّم فی البیاعات و هو عباره عن البیع على حکمه بالهوى المطلق من غیر تقیّد بشریعه أو عرف فإنّ ذلک عدول عن العدل إلى رذیله الجور. ثمّ نبّه على وجه المفسده اللازمه لتلک المعایب بقوله: و ذلک. إلى قوله: الولاه: أمّا أنّه مضرّه فظاهر، و أمّا أنّه عیب على الولاه فلأنّ قانون العدل بأیدیهم فإذا أهملوا بترک ردّ هؤلاء عن طرق الجور توجّهت اللائمه نحوهم و العیب علیهم و هو صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّما کان کذلک فیجب إنکاره و دفعه. الخامس: لمّا بین له وجه المفسده فی تلک المعایب أمره بمنع الاحتکار و احتجّ بمنع الرسول صلّى اللّه علیه و آله. السادس: أمره بکون البیع سهلا سمحا و أن یکون بموازین عدل و أسعار لا تجحف بالبایع فیذهب أصل مبیعه، و لا بالمشترى فیذهب رأس ماله. السابع: أمره بایقاع النکال على من احتکر بعد نهیه عن ذلک، و أن یعاقبه من غیر إسراف.

الصنف السابع: الطبقه السفلى
و میّزهم بأوصاف و أمر فیهم بأوامر و نواهی: أمّا تمیّزهم فالعاجزون عن الحیله و الاکتساب و المساکین و المحتاجون و أهل البؤسى و الزمنى، و هؤلاء کلّهم و إن دخل بعضهم فی بعض إلّا أنّه عدّدهم بحسب تعدّد صفاتهم لمزید العنایه بهم کیلا یتغافل عن أحدهم و تثاقل فیه. و أمّا الأوامر: فأحدها: أنّه حذّر من اللّه فیهم، و أشار إلى وجه الحکمه فی ذلک التحذیر بقوله: فإنّ فیهم قانعا و معترّا، و هو صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فیجب أن یحذّر اللّه فیه و یحفظ له ما استحفظ من حقّه فیه. الثانی: أن یجعل لهم قسما من بیت ماله و من صوافی الإسلام فی کلّ بلد. و أضاف بیت المال إلیه و أراد الّذی یلیه. و نبّهه على ذلک بقوله: فإنّ للأقصى.

إلى قوله: حقّه. و تقدیر کبرى هذا الضمیر: و کلّ من کان کذلک وجب أن یحسن الرعایه فی حقّه بأدائه إلیه. الثالث: نهاه أن یشغله عنهم بطر. و نفّر عن الاشتغال عنهم بقوله: فإنّک لا تعذر. إلى قوله: المهمّ. و أراد بالتافه القلیل من امورهم و أحوالهم و هو صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من لا یعذر بذلک فلا یجوز له الشغل عنه. الرابع: نهاه أن یشخص همّه عنهم: أی یرفعه حتّى لا یتناولهم. الخامس: نهاه أن یصعّر خدّه لهم، و هو کنایه عن التکبّر علیهم. السادس: أمره أن یتفقّد امور من لا یمکنه الوصول إلیه منهم لعجزه و حقارته فی عیون الأعوان و الجند، و أن یفرّغ لهؤلاء ثقه له من أهل الخشیه و التواضع و ینصبه لهم لیرفع إلیه أمورهم. السابع أن یعمل فیهم بالأعذار إلى اللّه سبحانه یوم یلقاه: أی یعمل فی حقّهم ما أمره اللّه به بحیث یعذر إلیه: أی یکون ذا عذر عنده إذا سأله عن فعله بهم، و

نبّه على وجه الحکمه فی مزید العنایه بهم بقوله: فإنّ هؤلاء. إلى قوله: غیرهم. الثامن: أکّد الأمر بالإعذار إلى اللّه فی تأدیه حقّ کلّ واحد من المذکوین إلیه. التاسع: أمره أن یتعهّد الأیتام و ذوى الرقّه فی السنّ: أی الّذین بلغوا فی الشیخوخه إلى أن رقّ جلدهم و ضعف حالهم عن النهوض فلا حیله لهم، و ممّن لا ینصب نفسه للمسأله حیاء مع حاجته و فقره. ثمّ أشار إلى ثقل التکلیف بمجموع الأوامر السابقه بقوله: و ذلک على الولاه ثقیل، و بقوله: و الحقّ کلّه ثقیل توطینا لنفسه على ذلک. ثمّ رغّب فیه بقوله: و قد یخفّف اللّه. إلى قوله: لهم. فنسب تخفیفه إلى اللّه لیرغب إلیه، فیه و شجّعه على فعله و استسهاله بذکر صفات الصالحین و هم الّذین طلبوا العافیه من بلاء اللّه فی الآخره فاستسهلوا ما صعب من التکالیف الدنیویّه بالقیاس إلیه و وثقوا بصدق موعود اللّه لهم فی دار القرار. و باللّه التوفیق.

الفصل الرابع: فی أوامر و نواهی مصلحیّه و آداب خلقیّه و سیاسیّه بعضها عامّه و بعضها خاصّه

یتعلّق بعمّاله و بخاصّته و ببطانته و بنفسه و أحوال عبادته إلى غیر ذلک، و هو قوله: وَ اجْعَلْ لِذَوِی الْحَاجَاتِ مِنْکَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِیهِ شَخْصَکَ- وَ تَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً- فَتَتَوَاضَعُ فِیهِ لِلَّهِ الَّذِی خَلَقَکَ- وَ تُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَکَ وَ أَعْوَانَکَ مِنْ أَحْرَاسِکَ وَ شُرَطِکَ- حَتَّى یُکَلِّمَکَ مُتَکَلِّمُهُمْ غَیْرَ مُتَتَعْتِعٍ- فَإِنِّی سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص یَقُولُ فِی غَیْرِ مَوْطِنٍ- لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّهٌ لَا یُؤْخَذُ لِلضَّعِیفِ فِیهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِیِّ- غَیْرَ مُتَتَعْتِعٍ- ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ وَ الْعِیَّ- وَ نَحِّ عَنْهُمُ الضِّیقَ وَ الْأَنَفَ- یَبْسُطِ اللَّهُ عَلَیْکَ بِذَلِکَ أَکْنَافَ‏ رَحْمَتِهِ- وَ یُوجِبْ لَکَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ- وَ أَعْطِ مَا أَعْطَیْتَ هَنِیئاً وَ امْنَعْ فِی إِجْمَالٍ وَ إِعْذَارٍ- ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِکَ لَا بُدَّ لَکَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا- مِنْهَا إِجَابَهُ عُمَّالِکَ بِمَا یَعْیَا عَنْهُ کُتَّابُکَ- وَ مِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ یَوْمَ وُرُودِهَا عَلَیْکَ- بِمَا تَحْرَجُ بِهِ صُدُورُ أَعْوَانِکَ- وَ أَمْضِ لِکُلِّ یَوْمٍ عَمَلَهُ فَإِنَّ لِکُلِّ یَوْمٍ مَا فِیهِ: وَ اجْعَلْ لِنَفْسِکَ فِیمَا بَیْنَکَ وَ بَیْنَ اللَّهِ- أَفْضَلَ تِلْکَ الْمَوَاقِیتِ وَ أَجْزَلَ تِلْکَ الْأَقْسَامِ- وَ إِنْ کَانَتْ کُلُّهَا لِلَّهِ إِذَا صَلَحَتْ فِیهَا النِّیَّهُ- وَ سَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِیَّهُ- وَ لْیَکُنْ فِی خَاصَّهِ مَا تُخْلِصُ بِهِ لِلَّهِ دِینَکَ إِقَامَهُ فَرَائِضِهِ- الَّتِی هِیَ لَهُ خَاصَّهً- فَأَعْطِ اللَّهَ مِنْ بَدَنِکَ فِی لَیْلِکَ وَ نَهَارِکَ- وَ وَفِّ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إِلَى اللَّهِ- مِنْ ذَلِکَ کَامِلًا غَیْرَ مَثْلُومٍ وَ لَا مَنْقُوصٍ- بَالِغاً مِنْ بَدَنِکَ مَا بَلَغَ- وَ إِذَا قُمْتَ فِی صَلَاتِکَ لِلنَّاسِ- فَلَا تَکُونَنَّ مُنَفِّراً وَ لَا مُضَیِّعاً- فَإِنَّ فِی النَّاسِ مَنْ بِهِ الْعِلَّهُ وَ لَهُ الْحَاجَهُ- وَ قَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص حِینَ وَجَّهَنِی إِلَى الْیَمَنِ- کَیْفَ أُصَلِّی بِهِمْ- فَقَالَ صَلِّ بِهِمْ کَصَلَاهِ أَضْعَفِهِمْ- وَ کُنْ بِالْمُؤْمِنِینَ رَحِیماً وَ أَمَّا بَعْدَ فَلَا تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَکَ عَنْ رَعِیَّتِکَ- فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلَاهِ عَنِ الرَّعِیَّهِ شُعْبَهٌ مِنَ الضِّیقِ- وَ قِلَّهُ عِلْمٍ بِالْأُمُورِ- وَ الِاحْتِجَابُ مِنْهُمْ یَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دُونَهُ- فَیَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْکَبِیرُ وَ یَعْظُمُ الصَّغِیرُ- وَ یَقْبُحُ الْحَسَنُ وَ یَحْسُنُ الْقَبِیحُ- وَ یُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ- وَ إِنَّمَا الْوَالِی بَشَرٌ- لَا یَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ- وَ لَیْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سِمَاتٌ- تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْکَذِبِ- وَ إِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَیْنِ- إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُکَ بِالْبَذْلِ فِی الْحَقِّ- فَفِیمَ احْتِجَابُکَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِیهِ- أَوْ فِعْلٍ کَرِیمٍ تُسْدِیهِ أَوْ مُبْتَلًى بِالْمَنْعِ- فَمَا أَسْرَعَ کَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِکَ- إِذَا أَیِسُوا مِنْ بَذْلِکَ- مَعَ أَنَّ أَکْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَیْکَ- مِمَّا لَا مَئُونَهَ فِیهِ عَلَیْکَ- مِنْ شَکَاهِ مَظْلِمَهٍ أَوْ طَلَبِ إِنْصَافٍ فِی مُعَامَلَهٍ ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِی خَاصَّهً وَ بِطَانَهً- فِیهِمُ اسْتِئْثَارٌ وَ تَطَاوُلٌ وَ قِلَّهُ إِنْصَافٍ فِی مُعَامَلَهٍ- فَاحْسِمْ مَادَّهَ أُولَئِکَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ تِلْکَ الْأَحْوَالِ- وَ لَا تُقْطِعَنَّ لِأَحَدٍ مِنْ حَاشِیَتِکَ وَ حَامَّتِکَ قَطِیعَهً- وَ لَا یَطْمَعَنَّ مِنْکَ فِی اعْتِقَادِ عُقْدَهٍ- تَضُرُّ بِمَنْ یَلِیهَا مِنَ النَّاسِ- فِی شِرْبٍ أَوْ عَمَلٍ مُشْتَرَکٍ- یَحْمِلُونَ مَئُونَتَهُ عَلَى غَیْرِهِمْ- فَیَکُونَ مَهْنَأُ ذَلِکَ لَهُمْ دُونَکَ- وَ عَیْبُهُ عَلَیْکَ فِی الدُّنْیَا وَ الْآخِرَهِ- وَ أَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِیبِ وَ الْبَعِیدِ- وَ کُنْ فِی ذَلِکَ صَابِراً مُحْتَسِباً- وَاقِعاً ذَلِکَ مِنْ قَرَابَتِکَ وَ خَاصَّتِکَ حَیْثُ وَقَعَ- وَ ابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا یَثْقُلُ عَلَیْکَ‏ مِنْهُ- فَإِنَّ مَغَبَّهَ ذَلِکَ مَحْمُودَهٌ- وَ إِنْ ظَنَّتِ الرَّعِیَّهُ بِکَ حَیْفاً فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِکَ- وَ اعْدِلْ عَنْکَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِکَ- فَإِنَّ فِی ذَلِکَ رِیَاضَهً مِنْکَ لِنَفْسِکَ وَ رِفْقاً بِرَعِیَّتِکَ وَ إِعْذَاراً- تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَکَ مِنْ تَقْوِیمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ: وَ لَا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاکَ إِلَیْهِ عَدُوُّکَ و لِلَّهِ فِیهِ رِضًا- فَإِنَّ فِی الصُّلْحِ دَعَهً لِجُنُودِکَ- وَ رَاحَهً مِنْ هُمُومِکَ وَ أَمْناً لِبِلَادِکَ- وَ لَکِنِ الْحَذَرَ کُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّکَ بَعْدَ صُلْحِهِ- فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِیَتَغَفَّلَ- فَخُذْ بِالْحَزْمِ وَ اتَّهِمْ فِی ذَلِکَ حُسْنَ الظَّنِّ- وَ إِنْ عَقَدْتَ بَیْنَکَ وَ بَیْنَ عَدُوِّکَ عُقْدَهً- أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْکَ ذِمَّهً- فَحُطْ عَهْدَکَ بِالْوَفَاءِ وَ ارْعَ ذِمَّتَکَ بِالْأَمَانَهِ- وَ اجْعَلْ نَفْسَکَ جُنَّهً دُونَ مَا أَعْطَیْتَ- فَإِنَّهُ لَیْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ شَیْ‏ءٌ- النَّاسُ أَشَدُّ عَلَیْهِ اجْتِمَاعاً مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ- وَ تَشَتُّتِ آرَائِهِمْ- مِنْ تَعْظِیمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ- وَ قَدْ لَزِمَ ذَلِکَ الْمُشْرِکُونَ فِیمَا بَیْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِینَ- لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ- فَلَا تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِکَ وَ لَا تَخِیسَنَّ بِعَهْدِکَ- وَ لَا تَخْتِلَنَّ عَدُوَّکَ- فَإِنَّهُ لَا یَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا جَاهِلٌ شَقِیٌّ- وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهُ وَ ذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَیْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ وَ حَرِیماً یَسْکُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ وَ یَسْتَفِیضُونَ إِلَى جِوَارِهِ- فَلَا إِدْغَالَ

وَ لَا مُدَالَسَهَ وَ لَا خِدَاعَ فِیهِ- وَ لَا تَعْقِدْ عَقْداً تُجَوِّزُ فِیهِ الْعِلَلَ- وَ لَا تُعَوِّلَنَّ عَلَى لَحْنِ قَوْلٍ بَعْدَ التَّأْکِیدِ وَ التَّوْثِقَهِ- وَ لَا یَدْعُوَنَّکَ ضِیقُ أَمْرٍ- لَزِمَکَ فِیهِ عَهْدُ اللَّهِ إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَیْرِ الْحَقِّ- فَإِنَّ صَبْرَکَ عَلَى ضِیقِ أَمْرٍ تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَ فَضْلَ عَاقِبَتِهِ- خَیْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ- وَ أَنْ تُحِیطَ بِکَ مِنَ اللَّهِ فِیهِ طِلْبَهٌ- لَا تَسْتَقِیلُ فِیهَا دُنْیَاکَ وَ لَا آخِرَتَکَ: إِیَّاکَ وَ الدِّمَاءَ وَ سَفْکَهَا بِغَیْرِ حِلِّهَا- فَإِنَّهُ لَیْسَ شَیْ‏ءٌ أَدْعَى لِنِقْمَهٍ وَ لَا أَعْظَمَ لِتَبِعَهٍ- وَ لَا أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَهٍ وَ انْقِطَاعِ مُدَّهٍ- مِنْ سَفْکِ الدِّمَاءِ بِغَیْرِ حَقِّهَا- وَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِئٌ بِالْحُکْمِ بَیْنَ الْعِبَادِ- فِیمَا تَسَافَکُوا مِنَ الدِّمَاءِ یَوْمَ الْقِیَامَهِ- فَلَا تُقَوِّیَنَّ سُلْطَانَکَ بِسَفْکِ دَمٍ حَرَامٍ- فَإِنَّ ذَلِکَ مِمَّا یُضْعِفُهُ وَ یُوهِنُهُ بَلْ یُزِیلُهُ وَ یَنْقُلُهُ- وَ لَا عُذْرَ لَکَ عِنْدَ اللَّهِ وَ لَا عِنْدِی فِی قَتْلِ الْعَمْدِ- لِأَنَّ فِیهِ قَوَدَ الْبَدَنِ- وَ إِنِ ابْتُلِیتَ بِخَطَإٍ- وَ أَفْرَطَ عَلَیْکَ سَوْطُکَ أَوْ سَیْفُکَ أَوْ یَدُکَ بِالْعُقُوبَهِ- فَإِنَّ فِی الْوَکْزَهِ فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَهً- فَلَا تَطْمَحَنَّ بِکَ نَخْوَهُ سُلْطَانِکَ- عَنْ أَنْ تُؤَدِّیَ إِلَى أَوْلِیَاءِ الْمَقْتُولِ حَقَّهُمْ: وَ إِیَّاکَ وَ الْإِعْجَابَ بِنَفْسِکَ- وَ الثِّقَهَ بِمَا یُعْجِبُکَ مِنْهَا وَ حُبَّ الْإِطْرَاءِ- فَإِنَّ ذَلِکَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّیْطَانِ فِی نَفْسِهِ- لِیَمْحَقَ مَا یَکُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِینَ- وَ إِیَّاکَ وَ الْمَنَّ عَلَى رَعِیَّتِکَ بِإِحْسَانِکَ- أَوِ التَّزَیُّدَ فِیمَا کَانَ مِنْ فِعْلِکَ- أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَکَ بِخُلْفِکَ- فَإِنَّ الْمَنَّ یُبْطِلُ الْإِحْسَانَ وَ التَّزَیُّدَ یَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ- وَ الْخُلْفَ یُوجِبُ الْمَقْتَ عِنْدَ اللَّهِ وَ النَّاسِ- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى- کَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ وَ إِیَّاکَ وَ الْعَجَلَهَ بِالْأُمُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا- أَوِ التَّسَقُّطَ فِیهَا عِنْدَ إِمْکَانِهَا- أَوِ اللَّجَاجَهَ فِیهَا إِذَا تَنَکَّرَتْ- أَوِ الْوَهْنَ عَنْهَا إِذَا اسْتَوْضَحَتْ- فَضَعْ کُلَّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُ وَ أَوْقِعْ کُلَّ أَمْرٍ مَوْقِعَهُ- وَ إِیَّاکَ وَ الِاسْتِئْثَارَ بِمَا النَّاسُ فِیهِ أُسْوَهٌ- وَ التَّغَابِیَ عَمَّا تُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُیُونِ- فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْکَ لِغَیْرِکَ- وَ عَمَّا قَلِیلٍ تَنْکَشِفُ عَنْکَ أَغْطِیَهُ الْأُمُورِ- وَ یُنْتَصَفُ مِنْکَ لِلْمَظْلُومِ- امْلِکْ حَمِیَّهَ أَنْفِکَ وَ سَوْرَهَ حَدِّکَ- وَ سَطْوَهَ یَدِکَ وَ غَرْبَ لِسَانِکَ- وَ احْتَرِسْ مِنْ کُلِّ ذَلِکَ بِکَفِّ الْبَادِرَهِ وَ تَأْخِیرِ السَّطْوَهِ- حَتَّى یَسْکُنَ غَضَبُکَ فَتَمْلِکَ الِاخْتِیَارَ- وَ لَنْ تَحْکُمَ ذَلِکَ مِنْ نَفْسِکَ- حَتَّى تُکْثِرَ هُمُومَکَ بِذِکْرِ الْمَعَادِ إِلَى رَبِّکَ- وَ الْوَاجِبُ عَلَیْکَ أَنْ تَتَذَکَّرَ مَا مَضَى لِمَنْ تَقَدَّمَکَ- مِنْ حُکُومَهٍ عَادِلَهٍ أَوْ سُنَّهٍ فَاضِلَهٍ- أَوْ أَثَرٍ عَنْ نَبِیِّنَا ص أَوْ فَرِیضَهٍ فِی کِتَابِ اللَّهِ‏ فَتَقْتَدِیَ بِمَا شَاهَدْتَ مِمَّا عَمِلْنَا بِهِ فِیهَا- وَ تَجْتَهِدَ لِنَفْسِکَ فِی اتِّبَاعِ مَا عَهِدْتُ إِلَیْکَ فِی عَهْدِی هَذَا- وَ اسْتَوْثَقْتُ بِهِ مِنَ الْحُجَّهِ لِنَفْسِی عَلَیْکَ- لِکَیْلَا تَکُونَ لَکَ عِلَّهٌ عِنْدَ تَسَرُّعِ نَفْسِکَ إِلَى هَوَاهَا

اللغه

أقول: الشرط: قوم یعلمون أنفسهم بعلامات الخدمه یعرفون بها. و الخرق: ضدّ الرفق و الأنف: الأنفه و هى خصله تلازم الکبر. و الأکناف: الجوانب. و الإسداء: الإعطاء. و الحامّه: القرابه. و العقده: الضیعه، و العقده أیضا: المکان کثیر الشجر و النخل، و اعتقد الضیعه: اقتناها. و المغبّه: العاقبه. و أصحر: أى أظهر. و الدعه: الراحه. و استوبلوا الأمر: استثقلوه، و الوبال: الوخم، یقال: استوبلت البلد: استوخمت فلم یوافق ساکنها و خاس بالعهد: نقضه. و الختل: الخداع. و أفضاه: بسطه. و استفاض الماء: سال. و الإدغال: الإفساد. و الدغل: الفساد. و المدالسه: مفاعله من التدلیس فی البیع و غیره کالمخادعه. و لحن القول: کالتوریه و التعریض من الأمر. و الوکزه: الضربه و الدفعه، و قیل: هى بجمع الید على الذقن و الفرصه: النوبه، و الممکن من الأمر. و سوره الرجل: سطوته و حدّه بأسه. و غرب اللسان: حدّته. و البادره: سرعه السطوه و العقوبه.

المعنى أمّا الأمور الّتى تعمّ مصلحتها.
فأحدها: أن یجعل لذوى الحاجات نصیبا من نفسه
یفرّغ لهم فیه بدنه عن کلّ شاغل و یجلس لهم مجلسا عامّا فی الأسبوع أو دونه أو فوقه حسب ما یمکن.

الثانی: أن یتواضع فیه للّه.
و رغّبه فی التواضع بنسبته إلى اللّه باعتبار أنّه خالقه الّذی من شأنه أن یکون له التواضع.

الثالث: أن یعقد عنهم جنده و أعوانه.

و أبان وجه المصلحه فی ذلک بقوله: حتّى یکلّمک متکلّمهم غیر متتعتع، و أشار إلى علّه وجوبه بقوله: فإنّی سمعت. إلى قوله: القوىّ. و وجه الدلیل من هذا الخبر أنّه لمّا دلّ بالمطابقه على و عید الامّه الّتی‏ لا ینتصف فیها من قوىّ بعدم طهارتها المستلزم لعذابها الاخروى دلّ بالالتزام على وجوب أن یکون فیها ذلک. ثمّ لمّا کانت الامور المأمور بها ممّا لا یتمّ ذلک الواجب إلّا بها کانت بأسرها واجبه.

الرابع: أمور تلزمه مباشرتها
و إن عمّت مصلحتها. و أمور مبتدأ حذف خبره: أى و هناک امور. و نحوه. منها إجابه عمّاله بما یرى المصلحه فی الجواب به فقد یعجز الکتّاب عن کثیر من ذلک. و منها إصدار حوائج الناس الّتی یضیق منها صدور أعوانه عند ورورها علیه، و لا ینبغی له أن یکلها إلیهم فإنّ غایه قضائهم لها إذا قضیت أن یکون على غیر الوجه المرضىّ.
الخامس: أن یمضى لکلّ یوم عمله.
و نبّه على ذلک بقوله: فإنّ لکلّ یوم ما فیه. و هو صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و إذا کان لکلّ یوم ما فیه وجب أن یقضى فیه ماله.

السادس: أن یجعل لنفسه فی معاملته للّه أفضل تلک المواقیت
أى الأوقات المفروضه للأفعال، و أجزل أقسام الأفعال الموقّته. فأفضلها أبعدها عن الشواغل الدنیویّه و أقربها إلى الخلوه باللّه سبحانه، و نبّه بقوله: و إن کانت. إلى قوله: الرعیّه على أن أصلح الأعمال أخلصها للّه.

السابع: أن یکون فی خاصّه ما یخلصه للّه فی دینه إقامه فرائضه فیخصّها
بمزید عنایه منه و رعایه.

الثامن: أن یعطی اللّه من بدنه فی لیله و نهاره:
أی طاعه و عباده فحذف المفعول الثانی للعلم به. و القرینه کون اللیل و النهار محلّین للأفعال و القرینه ذکر البدن.

التاسع: أن یوفّى ما تقرّب به إلى اللّه من ذلک
و کاملا، و غیر مثلوم، و بالغا أحوال. و ما نصب على المصدریّه بقوله: بالغا من بدنک ما بلغ من القوّه على الطاعه.

العاشر: من الآداب الراجعه إلى حال الإمامه بالناس فی الصلاه أن یکون متوسّطا فی صلاته
بین المطوّل المنفّر للناس بتطویله و بین المقصّر المضیّع لأرکان الصلاه و فضیلتها، و احتجّ لنفى التثقیل و التطویل بالمعقول و المنقول: أمّا المعقول‏ فضمیر صغراه: قوله: فإنّ فی الناس. إلى قوله: الحاجه. و تقدیر کبراه: و کلّ من کان فیه من ذکر فیجب أن یرفق به و یخفّف عنه، و أمّا المنقول فما رواه عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من الخبر، و وجه التشبیه بصلاه الأضعف تخفیف الصلاه بعد حفظ أرکانها و واجباتها.

الحادی عشر: من الآداب المصلحیّه لتدبیر المدینه
النهی عن طول الاحتجاب عن الرعیّه. و رغّب فی الانتهاء عنه من وجوه: أحدها: أنّه نوع من أنواع الضیق على الرعیّه. إذ کانت مشاهدتهم للوالی تفرّج عنهم ما یکرثهم من الأمور المهمّه لهم. الثانی: أنّه قلّه علم بالأمور: أی یلزمه ذلک فأطلق اسم اللازم على ملزومه و أکّد ذلک بقوله: و الاحتجاب عنهم یقطع منهم: أی من الولاه علم ما احتجبوا دونه من امور الرعیّه. ثمّ أشار إلى ما یلزم عدم علمهم من المفاسد و هو أن یصغر کبیر الامور عندهم کأن یظلم بعض حاشیه الأمیر فتصغّر الأعوان جریمته عنده فیصغر و کذلک یعظم صغیرها لو وقع من ضعیف صغیر ذنب فی حقّ کبیره. و کذلک یقبح عندهم الحسن و یحسن القبیح، و یشاب الحقّ بالباطل و یلبس به، و ذلک قوله: فیصغر. إلى قوله: بالباطل. ثمّ نبّه على وجه لزوم قطع العلم بالأمور لطول الاحتجاب بقوله: و إنّما الوالى بشر. إلى قوله: الصدق و الکذب. و التقدیر أنّه بشر و البشر من خاصّته أنّه لا یعرف ذلک إلّا بعلامه و لیس على الحقّ علامات یعرف بها ضروب صدق القول من کذبه. الثالث: أنّه رغّب فی الانتهاء عنه بضمیر صغراه شرطیّه منفصله و هی قوله: و إنّما أنت. إلى قوله: بذلک. و تلخیصه أنّک إمّا أن تکون مطبوعا على السخاء بالبذل فی الحقّ أو مبتلى بالمنع منه. و تقدیر الکبرى. و کلّ من کان کذلک فلا یجوز له الاحتجاب. بیان الکبرى: أمّا إن کان سخیّا ببذل الحقّ فإنّه عند الطلب منه إمّا أن یعطی حقّا یجب علیه، أو یفعل فعل الکرماء و ذلک لا یجوز الاحتجاب منه، و أمّا إن کان مبتلى بالمنع فإذن یسرعون الکفّ عن مسئلته إذا أیسوا من بذله و حینئذ لا معنى‏ للاحتجاب عنهم. الرابع: قوله: مع أن أکثر. إلى قوله: معامله. و هو صغری ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان أکثر حاجات الناس إلیه ما لا مئونه علیه فیه من الامور المذکوره فلا معنى لاحتجابه عنهم.

الثانی عشر: من الامور المصلحیّه المتعلّقه بخاصّته أن یحسم مئونتهم عن الرعیّه
فقوله: بقطع أسباب إلى قوله: مئونته. إرشاد إلى سبب قطعها، و أشار إلى وجه ذلک بذکر ما فیهم من الاستئثار على الرعیّه بالمنافع و التطاول علیهم بالأذى و قلّه الإنصاف و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فیجب قطع مئونته عنهم.
و الأحوال الّتی أمر بقطع أسبابها هی وجوه المئونه المذکوره من الاستئثار و التطاول و قلّه الإنصاف. و قوله: و لا تقطعنّ. إلى قوله: مشترک. تفصیل لوجوه قطع الأسباب المذکوره فإنّ إقطاع أحدهم قطیعه و طمعه فی اقتناء ضیعه تضرّ بمن یلیها من الناس فی ماء أو عمل مشترک یحمل مئونته على الناس کعماره و نحوها هی أسباب الأحوال المذکوره من وجوه المئونه و قطع تلک الأحوال بقطع أسبابها. ثمّ نفّره عن أسباب المئونه على الناس بما یلزم تلک الأسباب من المفسده فی حقّه و هی کون مهنأ ذلک لهم دونه و عیبه علیه فی الدنیا و الآخره، و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ ما کان مهنأه للغیر و عیبه علیک فلا یجوز فعله.

الثالث عشر: أن یلزم الحقّ من یلزمه الحقّ من القریب و البعید
و یکون فی ذلک الإلزام صابرا لما عساه یلحق أقاربه من مرّ الحقّ، محتسبا له: أى مدخله فی حساب ما یتقرّب به إلى اللّه تعالى و یعدّه خالصا لوجهه، واقعا ذلک الإلزام من قرابته و خواصّه حیث اتّفق وقوعه بمقتضى الشریعه، و الواو فی قوله: و لکنّ. للحال، و واقعا أیضا حال و العامل قوله: و ألزم.
الرابع عشر: أن یبتغی عاقبه ذلک الإلزام بما یثقل علیه من فعله بخاصّته.

کأنّه یستفیض بفعله ما یلزمه فی العاقبه من العافیه من عیب الدنیا و عذاب الآخره، و رغّب فی ذلک بقوله: فإنّ مغبّه ذلک محموده و هی تلک العافیه و ما یلزمها من السعاده الباقیه، و هو صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ ما کانت مغبّته محموده وجبت الرغبه فی فعله.
الخامس عشر: أمره على تقدیر أن تظنّ الرعیّه فیه حیفا أن یصحر لهم عذره فیما ظنّوا فیه الحیف
و یعدل عنه ظنونهم بإظهاره، و رغّب فی ذلک بضمیر صغراه قوله: فإنّ. إلى قوله: الحقّ: أی فإنّ فی إظهار عذرک لهم أن تصیر ذا عذر تبلغ به حاجتک من تقویمهم على الحقّ من معرفتهم أنّ فعلک حقّ لا حیف فیه، و تقدیر کبراه: و کلّ ما کان کذلک فینبغی فعله.

السادس عشر: نهاه أن یدفع صلحا دعاه إلیه عدوّه إذا کان صلحا یرضى اللّه
و نبّه على وجوه المصلحه فیه بضمیر صغراه. قوله: فإنّ فی الصلح. إلى قوله: لبلادک. و هی ثلاث مصالح ظاهره اللزوم لصلح العدوّ، و تقدیر کبراه: و کلّما کان فیه هذه المصالح فواجب قبوله.

السابع عشر: بالغ فی تحذیره من العدوّ بعد صلحه
و أمره أن یأخذ بالحزم و یتّهم فی الصلح حسن ظنّه الّذی عساه ینشأ عن صلحه. و نبّه على وجوب ذلک الحذر بضمیر صغراه: قوله: فإنّ العدوّ ربّما قارب لیتغفّل: أی قارب عدوّه بصلحه لیطلب غفلته فیظفر به، و له علیه السّلام فی ذلک شواهد التجربه. و حذف المفعولین للعلم بهما. و تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فواجب أن یحذر منه.

الثامن عشر: أمره على تقدیر أن یعقد بینه و بین عدوّه عهدا أن یحوطه بالوفاء
و یرعى ذمّته بالأمانه و یجعل نفسه جنّه دون ما أعطى: أی یحفظ ذلک بنفسه و لو أدّى إلى ضررها، و استعار لفظ اللبس لإدخاله فی أمان الذمّه ملاحظه لشبهها بالقمیص و نحوه. و کذلک لفظا الجنّه لنفسه ملاحظه لشبهها فی الحفظ بالترس و نحوه.

و رغّب فی ذلک بوجهین اشتمل علیهما قوله: فإنّه. إلى قوله: العذر: أحدهما: أنّ الناس أشدّ اجتماعا على ذلک من غیره من فرائض اللّه الواجبه علیهم مع تفرّق‏ أهوائهم و تشتّت آرائهم. الثانی: أنّ المشرکین لزموا ذلک فیما بینهم و استثقلوا الغدر لما فیه من سوء العاقبه. و المذکوران صغریا ضمیر تقدیر الکبرى فیهما: و کلّما کان کذلک فیجب لزومه و المحافظه علیه. ثمّ أکّد ذلک بالنهى عن الغدر فی العهد و نقض الذمّه و خداع العدوّ بمعاهدته ثمّ الغدر به، و نفّر عن ذلک بوجهین: أحدهما: قوله: فإنّه. إلى قوله: الأشقى. و هو صغرى ضمیر تلخیصها: فإنّ المجترى على اللّه شقىّ، و تقدیر کبراه: و ناقض العهد و المدغل فیه مجتر على اللّه، ینتج من الرابع فالشقىّ هو ناقض العهد و المدغل فیه. و یجوز أن یکون تقدیر الصغرى: فإنّ ذلک جرأه على اللّه یستلزم الشقاوه، و تقدیر الکبرى: و کلّما کان کذلک وجب اجتنابه لینتج من الأوّل المطلوب. الثانی: قوله: و قد جعل. إلى قوله: جواره. و أمنا: أی مأمنا و استعار لفظ الحریم للعهد، و رشّح بذکر السکون إلى منعته و الاستفاضه إلى جواره، و نبّه بذلک على وجه الاستعاره و هو الاطمینان إلیه و الأمن من الفتنه بسببه فأشبه الحریم المانع، و الکلام صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّما کان کذلک فلا یجوز نقضه و الإدغال فیه.
التاسع عشر: نهاه أن یعقد عقدا یجوّز فیه العلل
أی الأحداث المفسده له و هو کنایه عن أمره بإحکام ما یعقد من الامور.

العشرون: نهاه أن یعتمد على لحن القول فی الأیمان و العهود
بعد أن یؤکّدها و یتوثّق من غیره فیها أو یتوثّق غیره منه فیها و مثال لحن القول ما ادّعاه طلحه و الزبیر من الولیجه و التوریه فی بیعتهما له علیه السّلام: أى لا تعتمد على ذلک من نفسک و لا تلتفت إلیه من غیر لو ادّعاه.

الحادی و العشرون: نهاه أن یدعوه ضیق أمر لزمه فیه عهد اللّه إلى أن یطلب إبطاله بغیر حقّ،
و رغّب فی الصبر علیه بقوله: فإنّ صبرک. إلى قوله: آخرتک. و هو صغرى ضمیر، و أراد بتبعته ما یتبعه من العقوبه، و بالطلبه ما یطالب به یوم القیامه من لزوم العهد، و إحاطتها به کنایه عن لزومها له، و بوصف الطلبه بقوله: لا تستقبل فیها دنیاک و لا آخرتک. أراد أنّه لا یکون لک معها دنیا تستقبلها و تنتظر خیرها لعدم الدنیا هناک و لا آخره تستقبلها إذ لا یستقبل فی الآخره إلّا الأمور الخیریّه. و من أحاطت به طلبته من اللّه فلا خیر له فی الآخره یستقبله. و روى تستقبل بالیاى: أی لا یکون لک من تلک الطلبه و التبعه إقاله فی الدنیا و لا فی الآخره.

الثانی و العشرون: حذّره من الدخول فی الدماء و سفکها بغیر حقّ
و هو کنایه عن القتل، و نفّر عنه بوجهین: أحدهما: قوله: فإنّه. إلى قوله: حقّها، و هو صغرى ضمیر تقدیرها: فإنّ سفک الدماء بغیر حقّ أدنى الأشیاء لحلول نقمه اللّه، و أعظمها فی لحوق التبعه منه، و أولاها بزوال النعمه و انقطاع مدّه الدوله و العمر. و ظاهر أنّها أقوى المعدّات للأمور الثلاثه لما یستلزمه من تطابق همم الخلق و دواعیهم على زوال القاتل و استنزال غضب اللّه علیه لکون القتل أعظم المصائب المنفور عنها و تقدیر الکبرى: و کلّما کان کذلک فیجب أن یحذر فعله. الثانی: قوله: و اللّه سبحانه: إلى قوله: القیامه. و نبّه بابتدائه تعالى بالحکم بین العباد فی القتل على أنّه أعظم عنده تعالى من سائر الکبائر، و هی صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ ما ابتدء اللّه بالحکم فیه فیجب التحرّی فیه و اجتناب ما یکره منه.

الثالث و العشرون: نهاه أن یقوّى سلطانه و دولته بسفک الدم الحرام،
و نفّر عنه بقوله: فإنّ ذلک. إلى قوله: و ینقله. و هی صغرى ضمیر بیانها ما سبق فإنّ سفک الدم الحرام لمّا استلزم الأمور الثلاثه المذکوره کان ذلک مضعفا للسلطان و مزیلا له، و تقدیر الکبرى: و کلّما کان کذلک وجب اجتنابه.
الرابع و العشرون: نهاه عن قتل العمد حراما
و نفّر عنه بأمرین: أحدهما: أنّه لا عذر فیه عند اللّه و لا عنده. الثانی: أنّ فیه قود البدن. و هما صغریا ضمیر تقدیر الکبرى فیهما: و کلّ ما کان کذلک وجب اجتنابه.

الخامس و العشرون: نهاه أن یرتکب رذیله الکبر عند أن یبتلى بقتل خطاء أو إفراط سوطه أو یده علیه فی عقوبه
فیأخذه عزّه الملک و الکبر على أولیاء المقتول فلا یؤدّى إلیهم حقّهم، و نبّه بقوله: فإنّ. إلى قوله: مقتله. على أنّ الضرب‏ بالید المسمّى وکزا قد یکون فیه القتل و هو مظنّه له.

السادس و العشرون: حذّره الإعجاب بنفسه، و الثقه بما یعجبه منها، و حبّ الإطراء.
و الأخیران سببان لدوام الإعجاب و مادّه له، و نفّر عن الثلاثه بقوله: فإنّ ذلک. إلى قوله: المحسنین. و فی نفسه متعلّق بأوثق. و قوله: لیمحق ما یکون من إحسان المحسنین. یحتمل وجهین: أحدهما: أنّه لمّا کان الإعجاب من الهلکات لم ینفع معه إحسان المحسن فإذا تمکّن الشیطان من الفرصه و زیّن الإعجاب للإنسان و ارتکبه محقّ لذلک ما یکون له من الإحسان. و الثانی: إنّ المعجب بنفسه لا یرى لأحد عنده إحسانا فیکون إعجابه ماحقا لإحسان من أحسن إلیه. و لمّا کان مبدء الإعجاب هو الشیطان کان الماحق لإحسان المحسن أیضا هو الشیطان فلذلک نسبه إلیه، و الکلام فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّما کان أوثق فرص الشیطان فی نفسه وجب الاحتراز عنه.

السابع و العشرون: حذّره رذائل ثلاثه.
أحدها: المنّ على الرعیّه بإحسانه إلیهم. الثانیه: التزیّد فیما فعله فی حقّهم و هو أن ینسب إلى نفسه من الإحسان إلیهم أزید ممّا فعل. الثالثه: أن یخلف موعوده لهم. ثمّ نفّر عن المنّ بقوله: فإنّ المنّ یبطل الإحسان، و ذلک إشاره إلى قوله تعالى یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِکُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى‏«» و عن التزیّد بقوله: فإنّ التزیّد یذهب بنور الحقّ. و أراد بالحقّ هنا الإحسان إلیهم، أو الصدق فی ذکره فی موضع یحتاج إلیه فإنّ على ذلک نورا عقلیّا ترتاح له النفوس و تلتذّ به. و لمّا کان التزیّد نوعا من الکذب و هو رذیله عظیمه لا جرم کان ممّا یذهب نور ذلک الحقّ و یطفیه فلا یکون له وقع فی نفوس الخلق. و نفّر عن الخلف بقوله یوجب: المقت عند اللّه و الناس: أمّا عند الناس فظاهر و أمّا عند اللّه فلقوله تعالى کَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ«» الآیه. و الثلاثه صغریّات ضمایر تقدیر کبریاتها: و کلّما کان کذلک وجب اجتنابه.

الثامن و العشرون: حذّره من إیقاع الامور
على أحد طرفی التفریط و الإفراط فطرف الإفراط فی الطلب العجله بها قبل أوانها أو اللجاجه فیها عند تنکّرها و تغیّر وجوه مأخذها و عدم اتّضاحها و تسهّلها، و طرف التفریط التساقط فیها و القعود عنها إذا أمکنت و هو یقابل العجله فیها أو الضعف عنها إذا استوضحت و هو یقابل اللجاجه فیها عند تنکّرها. و استلزم النهى عن هذین الطرفین الأمر بإیقاعها على نقطه العدل و هی الحدّ الأوسط من الطرفین و موضعها الحقّ فلذلک قال: فیضع کلّ أمر موضعه و أوقع کلّ عمل موقعه.

التاسع و العشرون: حذّره من الاستئثار بما یجب تساوى الناس فیه
کالّذی یستحسن من مال المسلمین و نحوه.

الثلاثون. و عن التغافل عمّا یجب العلم و العنایه به
من حقوق الناس المأخوذه ظلما ممّا قد وضح للعیون إهمالک له. و نفّر عن ذلک بقوله: التغابی. إلى قوله: للمظلوم، و أراد ما یستأثر به من حقوق الناس و یتغافل عنها، و ما فی قوله: عمّا. زائده، و أراد بالقلیل مدّه الحیاه الدنیا، و أشار بأغطیه الامور إلى الهیئات البدنیّه الحاجبه لحقایق الامور من أن یدرکها بصر بصیرته. و قد علمت أنّ انکشاف تلک الأغطیه عنه بطرح بدنه و حینئذ یشاهد ما أعدّ له من خیر أو شرّ کما قال تعالى یَوْمَ تَجِدُ کُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَیْرٍ مُحْضَراً«» الآیه.

الحادی و الثلاثون: أمره أن یملک حمیّه أنفه:
أى أنفته ممّا یقع من الامور المکروهه، و سوره حدّه، و حدّه لسانه و ملکه لهذه الامور إنّما یکون بالاحتراس عن تعدّى قوّته الغضبیّه و وقوفه فی فعلها على حاقّ الوسط بحیث لا یعبر فیها إلى حدّ الإفراط فیقع فی رذیله التهوّر و یلزمه فی تلک الرذیله الظلم.

الثانی و الثلاثون: أمره بالاحتراس من تلک الامور
و أرشده إلى أسبابه و هو کفّ البادره و تأخیر السطوه إلى حین سکون الغضب لیحصل له بذلک الاختیار فی الفعل و الترک الّذی عساه مصلحه، و أشار إلى وجه إحکام تلک الأسباب بقوله: و لن تحکم ذلک. إلى قوله: علیک. و ذلک أنّ کثره الهمّ عن ذکر المعاد و الفکر فی أمور الآخره ماح للرغبه فی الامور الدنیویّه الّتی هى المشاجرات و ثوران الغضب.

الثالث و الثلاثون
أوجب علیه أمرین فیهما جماع ما أوصاه به فی هذا العهد إجمالا: أحدهما: أن یتذّکر ما مضى لمن تقدّمه من الحکومات العادله للولاه قبله، أو من الآثار المنقوله عن نبیّنا صلّى اللّه علیه و آله، أو من فرائض اللّه لیقتدى بما شاهد من عمله علیه السّلام فیها. الثانی: أن یجتهد لنفسه فی اتّباع ما عهد إلیه فی عهده هذا و استوثق به من الحجّه لنفسه علیه و هی الموعظه و التذکیر بأوامر اللّه لکیلا یکون له علیه حجّه یحتجّ بها عند تسرّع نفسه إلى هواها کما قال تعالى لِئَلَّا یَکُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّهٌ بَعْدَ الرُّسُلِ«».

و من هذا العهد ایضا

وَ أَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ بِسَعَهِ رَحْمَتِهِ- وَ عَظِیمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ کُلِّ رَغْبَهٍ- أَنْ یُوَفِّقَنِی وَ إِیَّاکَ لِمَا فِیهِ رِضَاهُ- مِنَ الْإِقَامَهِ عَلَى الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَیْهِ وَ إِلَى خَلْقِهِ- مَعَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِی الْعِبَادِ وَ جَمِیلِ الْأَثَرِ فِی الْبِلَادِ- وَ تَمَامِ النِّعْمَهِ وَ تَضْعِیفِ الْکَرَامَهِ- وَ أَنْ یَخْتِمَ لِی وَ لَکَ بِالسَّعَادَهِ وَ الشَّهَادَهِ- إِنَّا إِلَیْهِ راجِعُونَ وَ السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهِ عَلَیْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَ سَلَّمَ تَسْلِیماً کَثِیراً

 

المعنى

أقول: ختم هذا العهد بسؤال اللّه عن یوفّقهما لما فیه رضاه، و أقسم علیه فی إجابه سؤاله برحمته الّتی وسعت کلّ شی‏ء و بقدرته العظیمه على إعطاء کلّ رغبه. و ظاهر کونهما مبدءین لإجابه السائلین ثمّ فصّل ما سأله ممّا فیه رضا اللّه و هی امور: أحدها: الإقامه على العذر الواضح إلى اللّه و إلى خلقه. فإن قلت: العذر إنّما یکون عن ذنب فمن أقام على طاعه اللّه کیف یکون فعله عذرا قلت: یحتمل أن یکون العذر اسما من الإعذار إلى اللّه و هو المبالغه فی الإتیان بأوامره فکأنّه قال: من الإقامه على المبالغه إلیه فی أداء أوامره. الثانی: حسن الثناء فی العباد و جمیل الأثر و هو ما یؤثر من الأفعال الحمیده فی البلاد، و ذلک ممّا سأله الأنبیاء کإبراهیم علیه السّلام وَ اجْعَلْ لِی لِسانَ صِدْقٍ فِی الْآخِرِینَ«» قیل هو الذکر الجمیل فی الناس. الثالث: أن یتمّ نعمته علیهما. الرابع: تضعیف کرامته لهما. الخامس: الخاتمه الحسنه بالسعاده و ما یوصل إلیها من الشهاده، و نبّه بقوله: إنّا إلیه راغبون. على صدق نیّته فی سؤاله، ثمّ ختم بالسلام على رسول اللّه و الصلاه علیه و آله.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۳۵

بازدیدها: ۱۳

نامه ۵۱ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى أمراء البلاد فى معنى الصلاه

أَمَّا بَعْدُ فَصَلُّوا بِالنَّاسِ الظُّهْرَ- حَتَّى تَفِی‏ءَ الشَّمْسُ مِثْلَ مَرْبِضِ الْعَنْزِ- وَ صَلُّوا بِهِمُ الْعَصْرَ وَ الشَّمْسُ بَیْضَاءُ حَیَّهٌ فِی عُضْوٍ مِنَ النَّهَارِ- حِینَ یُسَارُ فِیهَا فَرْسَخَانِ- وَ صَلُّوا بِهِمُ الْمَغْرِبَ حِینَ یُفْطِرُ الصَّائِمُ- وَ یَدْفَعُ الْحَاجُّ إِلَى مِنًى- وَ صَلُّوا بِهِمُ الْعِشَاءَ حِینَ یَتَوَارَى الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّیْلِ- وَ صَلُّوا بِهِمُ الْغَدَاهَ وَ الرَّجُلُ یَعْرِفُ وَجْهَ صَاحِبِهِ- وَ صَلُّوا بِهِمْ صَلَاهَ أَضْعَفِهِمْ وَ لَا تَکُونُوا فَتَّانِینَ‏

أقول: بیّن فی هذا الکتاب أوقات الصلاه المفروضه:

فالأول: وقت الظهر و حدّه بوقت فی‏ء الشمس
أى رجوعها و میلها إلى المغرب ثمّ نبّه بتقدیره بمربض العنز و هو أوّل وقت الظهر و ذلک ممّا یختلف باختلاف البلاد.

الثانی: وقت العصر و قدّره ببقاء الشمس بیضاء لم تصفر للمغیب، و حیّه.
و استعار لفظ الحیاه لظهورها على الأرض لمکان المشابهه، و فی عضو من النهار، و أراد القسم و القطعه منه. ثمّ قدّر ذلک العضو بمقدار أن یسافر فیه فرسخان السیر المعتاد.

الثالث: وقت المغرب
و عرّفه بأمرین: أحدهما: حین یفطر الصائم، و ذلک عند سقوط القرص. و الثانی: حین یدفع الحجّاج و یفیض من عرفات. و لشهره هاتین العلامتین و تعارفهما مع المخاطبین عرّفه بهما.

الرابع: وقت العشاء الآخره
عرّفه بتوارى الشفق و ذلک من ناحیه المغرب، و حدّ آخره بثلث اللیل، و إنّما حدّ آخر هذا الوقت دون أوقات سائر الفرائض لأنّ الفرائض یتبیّن آخر کلّ وقت منها ببیان أوّل وقت الاخرى. و لا کذلک آخر وقت العشاء الآخره لاتّصاله باللیل الخالى عن الفرائض، و أمّا آخر وقت الصبح فحدّه بطلوع الشمس أیضا ظاهر.

الخامس: وقت صلاه الغداه،
و حدّه بحین یعرف الرجل وجه صاحبه، و ذلک حین طلوع الفجر الثانی و هو الحمره المعترضه من ناحیه المشرق، و العلامه التی ذکرها أوضح لسائر الناس. ثمّ أوصاهم بفعل و ترک: أمّا الفعل فأن یصلّوا بالناس صلاه أضعفهم، و هو أن لا یطیلوا فی القراءه و فی الفرائض کقراءه البقره و السور الطوال فإنّ ذلک لا یستطیع القیام به کلّ الناس فیؤدّی ذلک إلى المشقّه و عجز بعضهم عن أداء الفریضه فی الجماعه و هو ضرر منفىّ فی الدین، و أمّا الترک‏ فأن لا یکونوا فتّانین بإطاله الصلاه، و وجه الفتنه هنا أنّهم یکونون صارفین للناس عن الاتّفاق و التساعد على الجماعه بإطالتها المستلزمه لتخلّف العاجزین و الضعفاء.
و اللّه أعلم.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۳۳

 

بازدیدها: ۰

نامه ۵۰ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى عماله على الخراج

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِیٍّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ إِلَى أَصْحَابِ الْخَرَاجِ- أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَنْ لَمْ یَحْذَرْ مَا هُوَ صَائِرٌ إِلَیْهِ- لَمْ یُقَدِّمْ لِنَفْسِهِ مَا یُحْرِزُهَا- وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَا کُلِّفْتُمْ یَسِیرٌ وَ أَنَّ ثَوَابَهُ کَثِیرٌ- وَ لَوْ لَمْ یَکُنْ فِیمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ- مِنَ الْبَغْیِ وَ الْعُدْوَانِ عِقَابٌ یُخَافُ- لَکَانَ فِی ثَوَابِ اجْتِنَابِهِ مَا لَا عُذْرَ فِی تَرْکِ طَلَبِهِ- فَأَنْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِکُمْ وَ اصْبِرُوا لِحَوَائِجِهِمْ- فَإِنَّکُمْ خُزَّانُ الرَّعِیَّهِ- وَ وُکَلَاءُ الْأُمَّهِ وَ سُفَرَاءُ الْأَئِمَّهِ- وَ لَا تُحْشِمُوا أَحَداً عَنْ حَاجَتِهِ وَ لَا تَحْبِسُوهُ عَنْ طَلِبَتِهِ- وَ لَا تَبِیعُنَّ لِلنَّاسِ فِی الْخَرَاجِ کِسْوَهَ شِتَاءٍ وَ لَا صَیْفٍ- وَ لَا دَابَّهً یَعْتَمِلُونَ عَلَیْهَا وَ لَا عَبْداً- وَ لَا تَضْرِبُنَّ أَحَداً سَوْطاً لِمَکَانِ دِرْهَمٍ- وَ لَا تَمَسُّنَّ مَالَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مُصَلٍّ وَ لَا مُعَاهَدٍ- إِلَّا أَنْ تَجِدُوا فَرَساً أَوْ سِلَاحاً- یُعْدَى بِهِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ- فَإِنَّهُ لَا یَنْبَغِی لِلْمُسْلِمِ أَنْ یَدَعَ ذَلِکَ فِی أَیْدِی أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ- فَیَکُونَ شَوْکَهً عَلَیْهِ- وَ لَا تَدَّخِرُوا أَنْفُسَکُمْ نَصِیحَهً وَ لَا الْجُنْدَ حُسْنَ سِیرَهٍ- وَ لَا الرَّعِیَّهَ مَعُونَهً وَ لَا دِینَ اللَّهِ قُوَّهً- وَ أَبْلُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ مَا اسْتَوْجَبَ عَلَیْکُمْ- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ اصْطَنَعَ عِنْدَنَا وَ عِنْدَکُمْ- أَنْ نَشْکُرَهُ بِجُهْدِنَا- وَ أَنْ نَنْصُرَهُ بِمَا بَلَغَتْ قُوَّتُنَا- وَ لَا قُوَّهَ إِلَّا بِاللَّهِ

اللغه

أقول: السفیر. الرسول. و حشمته و احتشمته: بمعنى: أى أعضبته و أخجلته. و الشوکه: القوّه. و أبلیته معروفا: أى أعطیته.

المعنى
و صدّر الکتاب بمقدّمه کلّیّه، و هو أنّ من لم یحذر ما یصیر إلیه من العواقب المخوفه لم یقدّم لنفسه استعدادا یحرزها منها فإنّ الإنسان إنّما یستعدّ للأمر المرغوب أو المرهوب إذا رغب فیه أو خافه، و هى فی معرض التوبیخ على ترک الحذر لغرض تقدیم طاعه و ما یستعدّ به الإنسان ممّا یحرز نفسه من عذاب اللّه. ثمّ أعلمهم بکون التکلیف لهم یسیرا تسهیلا له، و کون ثوابه کثیرا ترغیبا فیه. و هو فی قوّه صغرى ضمیر رغبّهم به فی القیام بالامور المکلّف بها، و تقدیر کبراه: و کلّ ما کان کذلک وجب القیام به و الاجتهاد فیه. ثم أردفه بالتنبیه على وجوب ترک البغى و الظلم بما یلزمه فعله من العقاب الألیم و ترکه من الثواب العظیم الّذى لا عذر فی ترک طلبه لو لم یکن فی فعله عقاب. و المعنى أنّه لو لم یکن فیه عقاب یخاف فیترک لأجله لکان فی ترکه ثواب یجب لأجله فکیف و فی فعله العقاب الألیم. فبالأولى أن یجب ترکه. و هو من أفصح الکلام، و الغرض التحذیر من الوقوع فی رذیله الظلم ثمّ أردف ذلک بأوامر و نواهی فمن الأوامر أمران: أحدهما: إنصاف الرعیّه من أنفسهم و میولها. الثانی: أن یصبروا لحوائجهم لینتظم أمر مصلحتهم، و علّل ذلک بکونهم خزّان الرعیّه و وکلائهم على بیت مالهم و سفراء أئمّتهم إلیهم، و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فعلیه النصفه و الصبر على حوائجهم. و من النواهی ستّه:

أحدها: أن لا یغضبوا أحدا و لا یجبهوه فیستحیى عن حاجته. الثانی: لا یمنعوا أحدا عن حاجته و یحتجبوا دونه. الثالث: أن لا یحوجوا أحدا فی طلب الخراج إلى بیع ما یضطرّ إلیه من کسوه أو دابّه ینتفع بها فی عمل، و لا عبد. الخامس: أن لا یأخذوا من مال أحد من أهل القبله أو لمعاهدین من أهل الکتاب شیئا إلّا أن یکون فرسا أو سلاحا یعدى به على المسلمین و الإسلام فإنّه یجب أخذه من أیدی أعدائهم لئلّا یکون شوکه علیهم و عونا. السادس: أن لا یدّخروا أنفسهم عن أنفسهم نصیحه بل ینصح بعضهم لبعض، و لا عن الجند حسن سیره، و لا عن الرعیّه معونه، و لا عن دین اللّه قوّه. ثمّ أمرهم أن یبلوا فی سبیله و یعطوا ما استوجب علیهم من شکر نعمه و طاعته. ثمّ علّل وجوب ذلک بقوله: فإنّ اللّه. إلى آخره. و هو فی قوّه صغرى ضمیر. و المعنى أنّه تعالى جعل شکره بجهدنا و نصرته بما بلغت قوّتنا صنیعه عندنا. إذ کان شکره و نصرته من أعظم نعمه علینا کما سبق. و قیل: أراد لأن نشکره. و تقدیر الکبری: و کلّ من اصطنع عندنا وجب علینا شکره. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۳۳

 

بازدیدها: ۱