خطبه ۱۹۹ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۹۹ و من کلام له ع- و قد سمع قوما من أصحابه یسبون أهل الشام أیام حربهم بصفین

إِنِّی أَکْرَهُ لَکُمْ أَنْ تَکُونُوا سَبَّابِینَ- وَ لَکِنَّکُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ وَ ذَکَرْتُمْ حَالَهُمْ- کَانَ أَصْوَبَ فِی الْقَوْلِ وَ أَبْلَغَ فِی الْعُذْرِ- وَ قُلْتُمْ مَکَانَ سَبِّکُمْ إِیَّاهُمْ- اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَنَا وَ دِمَاءَهُمْ- وَ أَصْلِحْ ذَاتَ بَیْنِنَا وَ بَیْنِهِمْ وَ اهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ- حَتَّى یَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ- وَ یَرْعَوِیَ عَنِ الْغَیِّ وَ الْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ السب الشتم سبه یسبه بالضم و التساب التشاتم- و رجل مسب بکسر المیم کثیر السباب- و رجل سبه أی یسبه الناس- و رجل سببه أی یسب الناس- و رجل سب کثیر السباب و سبک الذی یسابک قال-لا تسبننی فلست بسبی إن سبی من الرجال الکریم‏و الذی کرهه ع منهم أنهم کانوا یشتمون أهل الشام- و لم یکن یکره منهم لعنهم إیاهم و البذاءه منهم- لا کما یتوهمه قوم من الحشویه- فیقولون لا یجوزلعن أحد ممن علیه اسم الإسلام- و ینکرون على من یلعن و منهم من یغالی فی ذلک- فیقول لا ألعن الکافر و ألعن إبلیس- و إن الله تعالى لا یقول لأحد یوم القیامه- لم لم تلعن و إنما یقول لم لعنت- .

و اعلم أن هذا خلاف نص الکتاب- لأنه تعالى قال- إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْکافِرِینَ وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِیراً- . و قال أُولئِکَ یَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ یَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ- . و قال فی إبلیس وَ إِنَّ عَلَیْکَ لَعْنَتِی إِلى‏ یَوْمِ الدِّینِ- . و قال مَلْعُونِینَ أَیْنَما ثُقِفُوا- . و فی الکتاب العزیز من ذلک الکثیر الواسع- . و کیف یجوز للمسلم أن ینکر التبرؤ- ممن یجب التبرؤ منه- أ لم یسمع هؤلاء قول الله تعالى- قَدْ کانَتْ لَکُمْ أُسْوَهٌ حَسَنَهٌ فِی إِبْراهِیمَ وَ الَّذِینَ مَعَهُ- إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْکُمْ- وَ مِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ- کَفَرْنا بِکُمْ وَ بَدا بَیْنَنا وَ بَیْنَکُمُ الْعَداوَهُ وَ الْبَغْضاءُ أَبَداً- و إنما یجب النظر فیمن قد اشتبهت حاله- فإن کان قد قارف کبیره من الذنوب- یستحق بها اللعن و البراءه- فلا ضیر على من یلعنه و یبرأ منه- و إن لم یکن قد قارف کبیره لم یجز لعنه و لا البراءه منه- . و مما یدل على أن من علیه اسم الإسلام- إذا ارتکب الکبیره یجوز لعنه- بل یجب فی وقت قول الله تعالى فی قصه اللعان- فَشَهادَهُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ‏لَمِنَ الصَّادِقِینَ- وَ الْخامِسَهُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَیْهِ إِنْ کانَ مِنَ الْکاذِبِینَ- .

و قال تعالى فی القاذف- إِنَّ الَّذِینَ یَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ- لُعِنُوا فِی الدُّنْیا وَ الْآخِرَهِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِیمٌ- . فهاتان الآیتان فی المکلفین من أهل القبله- و الآیات قبلهما فی الکافرین و المنافقین- و لهذا قنت أمیر المؤمنین ع- على معاویه و جماعه من أصحابه- و لعنهم فی أدبار الصلوات- .

فإن قلت- فما صوره السب الذی نهى أمیر المؤمنین ع عنه- . قلت کانوا یشتمونهم بالآباء و الأمهات- و منهم من یطعن فی نسب قوم منهم- و منهم من یذکرهم باللؤم- و منهم من یعیرهم بالجبن و البخل- و بأنواع الأهاجی التی یتهاجى بها الشعراء- و أسالیبها معلومه- فنهاهم ع عن ذلک- و قال إنی أکره لکن أن تکونوا سبابین- و لکن الأصوب أن تصفوا لهم أعمالهم و تذکروا حالهم- أی أن تقولوا إنهم فساق و إنهم أهل ضلال و باطل- .

ثم قال اجعلوا عوض سبهم أن تقولوا- اللهم احقن دماءنا و دماءهم- . حقنت الدم أحقنه بالضم منعت أن یسفک- أی ألهمهم الإنابه إلى الحق و العدول عن الباطل- فإن ذلک إذا تم حقنت دماء الفریقین- . فإن قلت کیف یجوز أن یدعو الله تعالى بما لا یفعله- أ لیس من أصولکم- أن الله تعالى لا یضطر المکلف إلى اعتقاد الحق- و إنما یکله إلى نظره- .

قلت الأمر و إن کان کذلک- إلا أن المکلفین قد تعبدوا بأن یدعوا الله تعالى‏بذلک- لأن فی دعائهم إیاه بذلک لطفا لهم و مصالح فی أدیانهم- کالدعاء بزیاده الرزق و تأخیر الأجل- . قوله و أصلح ذات بیننا و بینهم- یعنی أحوالنا و أحوالهم- و لما کانت الأحوال ملابسه للبین قیل لها ذات البین- کما أنه لما کانت الضمائر ملابسه للصدور- قیل ذات الصدور- و کذلک قولهم اسقنی ذا إنائک- لما کان ما فیه من الشراب ملابسا له- و یقولون للمتبرز قد وضع ذا بطنه- و للحبلى تضع ألقت ذا بطنها- . و ارعوى عن الغی رجع و کف- . لهج به بالکسر یلهج أغرى به و ثابر علیه

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۱

بازدیدها: ۲۸

خطبه ۱۹۸ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(طلحه و الزبیر)

۱۹۸ و من کلام له ع کلم به طلحه و الزبیر- بعد بیعته بالخلافه

و قد عتبا علیه- من ترک مشورتهما و الاستعانه فی الأمور بهما: لَقَدْ نَقَمْتُمَا یَسِیراً وَ أَرْجَأْتُمَا کَثِیراً- أَ لَا تُخْبِرَانِی أَیُّ شَیْ‏ءٍ کَانَ لَکُمَا فِیهِ حَقٌّ دَفَعْتُکُمَا عَنْهُ- أَمْ أَیُّ قَسْمٍ اسْتَأْثَرْتُ عَلَیْکُمَا بِهِ- أَوْ أَیُّ حَقٍّ رَفَعَهُ إِلَیَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِینَ- ضَعُفْتُ عَنْهُ أَمْ جَهِلْتُهُ أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ- . وَ اللَّهِ مَا کَانَتْ لِی فِی الْخِلَافَهِ رَغْبَهٌ- وَ لَا فِی الْوَلَایَهِ إِرْبَهٌ- وَ لَکِنَّکُمْ دَعَوْتُمُونِی إِلَیْهَا وَ حَمَلْتُمُونِی عَلَیْهَا- فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَیَّ نَظَرْتُ إِلَى کِتَابِ اللَّهِ وَ مَا وَضَعَ لَنَا- وَ أَمَرَنَا بِالْحُکْمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ- وَ مَا اسْتَنَّ النَّبِیُّ ص فَاقْتَدَیْتُهُ- فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَى رَأْیِکُمَا وَ لَا رَأْیِ غَیْرِکُمَا- وَ لَا وَقَعَ حُکْمٌ جَهِلْتُهُ فَأَسْتَشِیرَکُمَا وَ إِخْوَانِی مِنَ الْمُسْلِمِینَ- وَ لَوْ کَانَ ذَلِکَ لَمْ أَرْغَبْ عَنْکُمَا وَ لَا عَنْ غَیْرِکُمَا- . وَ أَمَّا مَا ذَکَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ الْأُسْوَهِ- فَإِنَّ ذَلِکَ أَمْرٌ لَمْ أَحْکُمْ أَنَا فِیهِ بِرَأْیِی- وَ لَا وَلِیتُهُ هَوًى مِنِّی- بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَ أَنْتُمَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ص قَدْ فُرِغَ مِنْهُ- فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَیْکُمَا فِیمَا قَدْ فَرَغَ اللَّهُ مِنْ قَسْمِهِ- وَ أَمْضَى فِیهِ حُکْمَهُ- فَلَیْسَ لَکُمَا وَ اللَّهِ عِنْدِی وَ لَا لِغَیْرِکُمَا فِی هَذَا عُتْبَى- . أَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَ قُلُوبِکُمْ إِلَى الْحَقِّ- وَ أَلْهَمَنَا وَ إِیَّاکُمُ الصَّبْرَ- .

ثُمَّ قَالَ ع- رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا رَأَى حَقّاً فَأَعَانَ عَلَیْهِ- أَوْ رَأَى جَوْراً فَرَدَّهُ- وَ کَانَ عَوْناً بِالْحَقِّ عَلَى صَاحِبِهِ نقمت علیه بالفتح أنقم هذه اللغه الفصیحه- و جاء نقمت بالکسر أنقم- . و أرجأتما أخرتما أی نقمتما من أحوالی الیسیر- و ترکتما الکثیر الذی لیس لکما- و لا لغیرکما فیه مطعن فلم تذکراه- فهلا اغتفرتما الیسیر للکثیر- . و لیس هذا اعترافا بأن ما نقماه موضع الطعن و العیب- و لکنه على جهه الجدل و الاحتجاج- کما تقول لمن یطعن فی بیت من شعر شاعر مشهور- لقد ظلمته إذ تتعلق علیه بهذا البیت- و تنسى ما له من المحاسن الکثیره فی غیره- . ثم ذکر وجوه العتاب و الاستراده و هی أقسام- إما أن یکون لهما حق یدفعهما عنه- أو استأثر علیهما فی قسم أو ضعف عن السیاسه- أو جهل حکما من أحکام الشریعه أو أخطأ بابه- . فإن قلت أی فرق بین الأول و الثانی- قلت أما دفعهما عن حقهما فمنعهما عنه- سواء صار إلیه ع أو إلى غیره- أو لم یصر إلى أحد بل بقی بحاله فی بیت المال- .

و أما القسم الثانی فهو أن یأخذ حقهما لنفسه- و بین القسمین فرق ظاهر و الثانی أفحش من الأول- . فإن قلت فأی فرق بین قوله أم جهلته- أو أخطأت بابه- . قلت جهل الحکم أن یکون الله تعالى قد حکم بحرمه شی‏ء- فأحله الإمام أو المفتی- و کونه یخطئ بابه هو أن یصیب فی الحکم- و یخطئ فی الاستدلال علیه- .

ثم أقسم أنه لم یکن له فی الخلافه رغبه و لا إربه- بکسر الهمزه و هی الحاجه- و صدق ع فهکذا نقل أصحاب التواریخ- و أرباب علم السیر کلهم- وروى الطبری فی التاریخ و رواه غیره أیضا إن الناس غشوه و تکاثروا علیه یطلبون مبایعته- و هو یأبى ذلک و یقول دعونی و التمسوا غیری- فإنا مستقبلون أمرا له وجوه و ألوان- لا تثبت علیه العقول و لا تقوم له القلوب- قالوا ننشدک الله أ لا ترى الفتنه- أ لا ترى إلى ما حدث فی الإسلام أ لا تخاف الله- فقال قد أجبتکم لما أرى منکم- و اعلموا أنی إن أجبتکم رکبت بکم ما أعلم- و إن ترکتمونی فإنما أنا کأحدکم- بل أنا أسمعکم و أطوعکم لمن ولیتموه أمرکم إلیه- فقالوا ما نحن بمفارقیک حتى نبایعک- قال إن کان لا بد من ذلک ففی المسجد- فإن بیعتی لا تکون خفیا و لا تکون إلا عن رضا المسلمین- و فی ملإ و جماعه- فقام و الناس حوله فدخل المسجد- و انثال علیه المسلمون فبایعوه و فیهم طلحه و الزبیر- . قلت قوله إن بیعتی لا تکون خفیا- و لا تکون إلا فی المسجد بمحضر من جمهور الناس- یشابه قوله بعد وفاه رسول الله ص- للعباس لما سامه مد یده للبیعه- إنی أحب أن أصحر بها- و أکره أن أبایع من وراء رتاج- .

ثم ذکر ع أنه لما بویع عمل بکتاب الله و سنه رسوله- و لم یحتج إلى رأیهما و لا رأی غیرهما- و لم یقع حکم یجهله فیستشیرهما- و لو وقع ذلک لاستشارهما و غیرهما و لم یأنف من ذلک- . ثم تکلم فی معنى التنفیل فی العطاء- فقال إنی عملت بسنه رسول الله ص فی ذلک- و صدق ع فإن رسول الله ص سوى فی العطاء بین الناس- و هو مذهب أبی بکر- . و العتبى الرضا- أی لست أرضیکما- بارتکاب ما لا یحل لی فی الشرع ارتکابه- و الضمیر فی صاحبه و هو الهاء المجروره یرجع إلى الجور- أی و کان عونا بالعمل على صاحب الجور

من أخبار طلحه و الزبیر

قد تقدم منا ذکر ما عتب به طلحه و الزبیر- على أمیر المؤمنین ع- و أنهما قالا ما نراه یستشیرنا فی أمر- و لا یفاوضنا فی رأی و یقطع الأمر دوننا- و یستبد بالحکم عنا و کانا یرجوان غیر ذلک- و أراد طلحه أن یولیه البصره- و أراد الزبیر أن یولیه الکوفه- فلما شاهدا صلابته فی الدین و قوته فی العزم- و هجره الادهان و المراقبه و رفضه المدالسه و المواربه- و سلوکه فی جمیع مسالکه منهج الکتاب و السنه- و قد کانا یعلمان ذلک قدیما من طبعه و سجیته- و کان عمر قال لهما و لغیرهما- إن الأجلح إن ولیها- لیحملنکم على المحجه البیضاء و الصراط المستقیم- وکان رسول الله ص‏من قبل- قال و إن تولوها علیا تجدوه هادیا مهدیا- إلا أنه لیس الخبر کالعیان- و لا القول کالفعل و لا الوعد کالإنجاز- و حالا عنه و تنکرا له و وقعا فیه و عاباه و غمصاه- و تطلبا له العلل و التأویلات- و تنقما علیه الاستبداد و ترک المشاوره- و انتقلا من ذلک إلى الوقیعه فیه- بمساواه الناس فی قسمه المال- و أثنیا على عمر و حمدا سیرته و صوبا رأیه- و قالا إنه کان یفضل أهل السوابق- و ضللا علیا ع فیما رآه- و قالا إنه أخطأ و إنه خالف سیره عمر- و هی السیره المحموده التی لم تفضحها النبوه- مع قرب عهدنا منها و اتصالها بها- و استنجدا علیه بالرؤساء من المسلمین- کان عمر یفضلهم و ینفلهم فی القسم على غیرهم- و الناس أبناء الدنیا و یحبون المال حبا جما- فتنکرت على أمیر المؤمنین ع بتنکرهما قلوب کثیره- و نغلت علیه نیات کانت من قبل سلیمه- و لقد کان عمر موفقا حیث منع قریشا و المهاجرین- و ذوی السوابق من الخروج من المدینه- و نهاهم عن مخالطه الناس و نهى الناس عن مخالطتهم- و رأى أن ذلک أس الفساد فی الأرض- و أن الفتوح و الغنائم قد أبطرت المسلمین- و متى بعد الرءوس و الکبراء منهم عن دار الهجره- و انفردوا بأنفسهم و خالطهم الناس فی البلاد البعیده- لم یأمن أن یحسنوا لهم الوثوب- و طلب الإمره و مفارقه الجماعه و حل نظام الألفه- و لکنه رضی الله عنه نقض هذا الرأی السدید- بما فعله بعد طعن أبی لؤلؤه له من أمر الشورى- فإن ذلک کان سبب کل فتنه وقعت- و تقع إلى أن تنقضی الدنیا- و قد قدمنا ذکر ذلک- و شرحنا ما أدى إلیه أمر الشورى من الفساد- بما حصل فی نفس کل من السته من ترشیحه للخلافه- .

و روى أبو جعفر الطبری فی تاریخه- قال کان عمر قد حجر على أعلام قریش من المهاجرین- الخروج فی البلدان إلا بإذن و أجل فشکوه فبلغه- فقام فخطب فقال ألا إنی قد سننت الإسلام سن البعیر- یبدأ فیکون جذعا ثم ثنیا- ثم یکون رباعیا ثم سدیسا ثم بازلا- ألا فهل ینتظر بالبازل إلا النقصان- ألا و إن الإسلام قد صار بازلا- و إن قریشا یریدون أن یتخذوا مال الله معونات- على ما فی أنفسهم- ألا إن فی قریش من یضمر الفرقه و یروم خلع الربقه- أما و ابن الخطاب حی فلا إنی قائم دون شعب الحره- آخذ بحلاقیم قریش و حجزها أن یتهافتوا فی النار- . و قال أبو جعفر الطبری فی التاریخ أیضا- فلما ولی عثمان لم یأخذهم بالذی کان عمر یأخذهم به- فخرجوا إلى البلاد فلما نزلوها و رأوا الدنیا- و رآهم الناس خمل من لم یکن له طول و لا قدم فی الإسلام- و نبه أصحاب السوابق و الفضل فانقطع إلیهم الناس- و صاروا أوزاعا معهم- و أملوهم و تقربوا إلیهم- و قالوا یملکون فیکون لنا فی ملکهم حظوه- فکان ذلک أول وهن على الإسلام- و أول فتنه کانت فی العامه- .

و روى أبو جعفر الطبری عن الشعبی قال- لم یمت عمر حتى ملته قریش و قد کان حصرهم بالمدینه- و سألوه أن یأذن لهم فی الخروج إلى البلاد- فامتنع علیهم و قال- إن أخوف ما أخاف على هذه الأمه انتشارکم فی البلاد- حتى أن الرجل کان یستأذنه فی غزو الروم أو الفرس- و هو ممن حبسه بالمدینه من قریش- و لا سیما من المهاجرین فیقول له- إن لک فی غزوک مع رسول الله ص ما یکفیک و یبلغک و یحسبک- و هو خیر لک من الغزو الیوم- و إن خیرا لک ألا ترى الدنیا و لا تراک- .

فلما مات عمر و ولی عثمان خلى عنهم- فانتشروا فی البلاد و اضطربوا- و انقطع إلیهم الناس و خالطوهم- فلذلک کان عثمان أحب إلى قریش من عمر- . فقد بان لک حسن رأی عمر فی منع المهاجرین- و أهل السابقه من قریش من مخالطه الناس- و الخروج من المدینه- و بان لک أن عثمان أرخى لهم فی الطول فخالطهم الناس- و أفسدوهم و حببوا إلیهم الملک و الإمره و الرئاسه- لا سیما مع الثروه العظیمه التی حصلت لهم- و الثراء مفسده و أی مفسده- و حصل لطلحه و الزبیر من ذلک ما لم یحصل لغیرهما- ثروه و یسارا و قدما فی الإسلام- و صار لهما لفیف عظیم من المسلمین یمنونهما الخلافه- و یحسنون لهما طلب الإمره- لا سیما و قد رشحهما عمر لها- و أقامهما مقام نفسه فی تحملها- و أی امرئ منى بها قط نفسه ففارقها حتى یغیب فی اللحد- و لا سیما طلحه قد کان یحدث بها نفسه و أبو بکر حی- و یروم أن یجعلها فیه بشبهه أنه ابن عمه- و سخط خلافه عمر و قال لأبی بکر- ما تقول لربک و قد ولیت علینا فظا غلیظا- و کان له فی أیام عمر قوم یجلسون إلیه- و یحادثونه سرا فی معنى الخلافه و یقولون له- لو مات عمر لبایعناک بغته جلب الدهر علینا ما جلب- و بلغ ذلک عمر فخطب الناس بالکلام المشهور- أن قوما یقولون إن بیعه أبی بکر کانت فلته- و إنه لو مات عمر لفعلنا و فعلنا- أما إن بیعه أبی بکر کانت فلته إلا أن الله وقى شرها- و لیس فیکم من تقطع إلیه الرقاب کأبی بکر- فأی امرئ بایع امرأ من غیر مشوره من المسلمین- فإنهما بغره أن یقتلا- فلما صارت إلى عثمان سخطها طلحه- بعد أن کان رضیها و أظهر ما فی نفسه- و ألب علیه حتى قتل و لم یشک أن الأمر له- فلما صارت إلى علی ع حدث منه ما حدث- و آخر الدواء الکی- .و أما الزبیر فلم یکن إلا علوی الرأی- شدید الولاء جاریا من الرجل مجرى نفسه- .

و یقال إنه ع لما استنجد بالمسلمین- عقیب یوم السقیفه و ما جرى فیه- و کان یحمل فاطمه ع لیلا على حمار- و ابناها بین یدی الحمار و هو ع یسوقه- فیطرق بیوت الأنصار و غیرهم- و یسألهم النصره و المعونه أجابه أربعون رجلا- فبایعهم على الموت- و أمرهم أن یصبحوا بکره محلقی رءوسهم و معهم سلاحهم- فأصبح لم یوافه منهم إلا أربعه- الزبیر و المقداد و أبو ذر و سلمان- ثم أتاهم من اللیل فناشدهم فقالوا نصبحک غدوه- فما جاءه منهم إلا أربعه و کذلک فی اللیله الثالثه- و کان الزبیر أشدهم له نصره و أنفذهم فی طاعته بصیره- حلق رأسه و جاء مرارا و فی عنقه سیفه و کذلک الثلاثه الباقون- إلا أن الزبیر هو کان الرأس فیهم- و قد نقل الناس خبر الزبیر لما هجم علیه ببیت فاطمه ع- و کسر سیفه فی صخره ضربت به- و نقلوا اختصاصه بعلی ع و خلواته به- و لم یزل موالیا له متمسکا بحبه و مودته- حتى نشأ ابنه عبد الله و شب- فنزع به عرق من الأم- و مال إلى تلک الجهه و انحرف عن هذه- و محبه الوالد للولد معروفه فانحرف الزبیر لانحرافه- على أنه قد کانت جرت بین علی ع و الزبیر هنات- فی أیام عمر کدرت القلوب بعض التکدیر- و کان سببها قصه موالی صفیه- و منازعه علی للزبیر فی المیراث- فقضى عمر للزبیر- فأذعن علی ع لقضائه بحکم سلطانه- لا رجوعا عما کان یذهب إلیه- من حکم الشرع فی هذه المسأله- و بقیت فی نفس الزبیر- على أن شیخنا أبا جعفر الإسکافی رحمه الله- ذکر فی کتاب نقض العثمانیه عن الزبیر کلاما- إن صح فإنه یدل على انحراف شدید- و رجوع عن موالاه أمیر المؤمنین ع- . قال تفاخر علی ع و الزبیر- فقال الزبیر أسلمت بالغا و أسلمت طفلا- و کنت أول من سل سیفا فی سبیل الله بمکه- و أنت مستخف فی الشعب یکفلک الرجال-و یمونک الأقارب من بنی هاشم- و کنت فارسا و کنت راجلا- و فی هیأتی نزلت الملائکه و أنا حواری رسول الله ص- .

قال شیخنا أبو جعفر و هذا الخبر مفتعل مکذوب- و لم یجر بین علی و الزبیر شی‏ء من هذا الکلام- و لکنه من وضع العثمانیه- و لم یسمع به فی أحادیث الحشویه و لا فی کتب أصحاب السیره- . و لعلی ع أن یقول طفل مسلم خیر من بالغ کافر- و أما سل السیف بمکه فلم یکن فی موضعه- و فی ذلک قال الله تعالى- أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِینَ قِیلَ لَهُمْ کُفُّوا أَیْدِیَکُمْ الآیه- و أنا على منهاج الرسول فی الکف و الإقدام- و لیس کفاله الرجال و الأقارب بالشعب عارا علی- فقد کان رسول الله ص فی الشعب یکفله الرجال و الأقارب- و أما حربک فارسا و حربی راجلا- فهلا أغنت فروسیتک یوم عمرو بن عبد ود فی الخندق- و هلا أغنت فروسیتک یوم طلحه بن أبی طلحه فی أحد- و هلا أغنت فروسیتک یوم مرحب بخیبر- ما کانت فرسک التی تحارب علیها فی هذه الأیام- إلا أذل من العنز الجرباء- و من سلمت علیه الملائکه أفضل ممن نزلت فی هیأته- و قد نزلت الملائکه فی صوره دحیه الکلبی- أ فیجب من ذلک أن یکون دحیه أفضل منی- و أما کونک حواری رسول الله ص- فلو عددت خصائصی فی مقابله هذه اللفظه الواحده لک- لاستغرقت الوقت و أفنیت الزمان- و رب صمت أبلغ من نطق- .

ثم نرجع إلى الحدیث الأول- فتقول إن طلحه و الزبیر لما أیسا من جهه علی ع-و من حصول الدنیا من قبله قلبا له ظهر المجن- فکاشفاه و عاتباه قبل المفارقه عتابا لاذعا- روى شیخنا أبو عثمان قال- أرسل طلحه و الزبیر إلى علی ع- قبل خروجهما إلى مکه مع محمد بن طلحه- و قالا لا تقل له یا أمیر المؤمنین- و لکن قل له یا أبا الحسن- لقد فال فیک رأینا و خاب ظننا- أصلحنا لک الأمر و وطدنا لک الإمره- و أجلبنا على عثمان حتى قتل- فلما طلبک الناس لأمرهم- أسرعنا إلیک و بایعناک- و قدنا إلیک أعناق العرب- و وطئ المهاجرون و الأنصار أعقابنا فی بیعتک- حتى إذا ملکت عنانک استبددت برأیک عنا- و رفضتنا رفض التریکه و أذلتنا إذاله الإماء- و ملکت أمرک الأشتر و حکیم بن جبله و غیرهما- من الأعراب و نزاع الأمصار- فکنا فیما رجوناه منک- و أملناه من ناحیتک کما قال الأول-

فکنت کمهریق الذی فی سقائه
لرقراق آل فوق رابیه صلد

فلما جاء محمد بن طلحه أبلغه ذاک- فقال اذهب إلیهما فقل لهما فما الذی یرضیکما- فذهب و جاءه فقال- إنهما یقولان ول أحدنا البصره و الآخر الکوفه- فقال لاها الله إذن یحلم الأدیم و یستشرى الفساد- و تنتقض على البلاد من أقطارها- و الله إنی لا آمنهما و هما عندی بالمدینه- فکیف آمنهما و قد ولیتهما العراقین- اذهب إلیهما فقل أیها الشیخان- احذرا من سطوه الله و نقمته- و لا تبغیا للمسلمین غائله و کیدا- و قد سمعتما قول الله تعالى- تِلْکَ الدَّارُ الْآخِرَهُ نَجْعَلُها- لِلَّذِینَ لا یُرِیدُونَ عُلُوًّا فِی الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَهُ لِلْمُتَّقِینَ- فقام محمد بن طلحه فأتاهما و لم یعد إلیه و تأخرا عنه أیاما- ثم جاءاه فاستأذناه فی الخروج إلى مکه للعمره- فأذن لهما بعد أن أحلفهماألا ینقضا بیعته- و لا یغدرا به و لا یشقا عصا المسلمین- و لا یوقعا الفرقه بینهم- و أن یعودا بعد العمره إلى بیوتهما بالمدینه- فحلفا على ذلک کله ثم خرجا ففعلا ما فعلا- . و روى شیخنا أبو عثمان قال- لما خرج طلحه و الزبیر إلى مکه- و أوهما الناس أنهما خرجا للعمره- قال علی ع لأصحابه- و الله ما یریدان العمره و إنما یریدان الغدره- فَمَنْ نَکَثَ فَإِنَّما یَنْکُثُ عَلى‏ نَفْسِهِ- وَ مَنْ أَوْفى‏ بِما عاهَدَ عَلَیْهُ اللَّهَ فَسَیُؤْتِیهِ أَجْراً عَظِیماً- . و روى الطبری فی التاریخ قال- لما بایع طلحه و الزبیر علیا ع- سألاه أن یؤمرهما على الکوفه و البصره- فقال بل تکونان عندی أتجمل بکما- فإننی أستوحش لفراقکما- . قال الطبری و قد کان قال لهما قبل بیعتهما له- إن أحببتما أن تبایعانی و إن أحببتما بایعتکما- فقالا لا بل نبایعک ثم قالا بعد ذلک- إنما بایعناه خشیه على أنفسنا- و قد عرفنا أنه لم یکن لیبایعنا- ثم ظهرا إلى مکه و ذلک بعد قتل عثمان بأربعه أشهر- .

و روى الطبری أیضا فی التاریخ قال- لما بایع الناس علیا و تم له الأمر- قال طلحه للزبیر- ما أرى أن لنا من هذا الأمر إلا کحسه أنف الکلب- . و روى الطبری أیضا فی التاریخ قال- لما بایع الناس علیا ع بعد قتل عثمان- جاء علی إلى الزبیر فاستأذن علیه- قال أبو حبیبه مولى الزبیر- فأعلمته به فسل السیف و وضعه تحت فراشه- و قال ائذن له فأذنت له- فدخل فسلم على الزبیر و هو واقف ثم خرج- فقال الزبیر لقد دخل لأمر ما قضاه- قم مقامه و انظر هل ترى من‏السیف شیئا- فقمت فی مقامه فرأیت ذباب السیف فأخبرته و قلت- إن ذباب السیف لیظهر لمن قام فی هذا الموضع- فقال ذاک أعجل الرجل و روى شیخنا أبو عثمان قال- کتب مصعب بن الزبیر إلى عبد الملک- من مصعب بن الزبیر إلى عبد الملک بن مروان- سلام علیک- فإنی أحمد إلیک الله الذی لا إله إلا هو أما بعد-

ستعلم یا فتى الزرقاء أنی
سأهتک عن حلائلک الحجابا

و أترک بلده أصبحت فیها
تهور من جوانبها خرابا

أما إن لله على الوفاء بذلک إلا أن تتراجع أو تتوب- و لعمری ما أنت کعبد الله بن الزبیر و لا مروان کالزبیر بن العوام- حواری رسول الله ص و ابن عمته- فسلم الأمر إلى أهله- فإن نجاتک بنفسک أعظم الغنیمتین و السلام- . فکتب إلیه عبد الملک- من عبد الله عبد الملک أمیر المؤمنین- إلى الذلول الذی أخطأ من سماه المصعب- سلام علیک فإنی أحمد إلیک الله الذی لا إله إلا هو- أما بعد-

أ توعدنی و لم أر مثل یومی
خشاش الطیر یوعدن العقابا

متى تلق العقاب خشاش طیر
یهتک عن مقاتلها الحجابا

أ توعد بالذئاب أسود غاب
و أسد الغاب تلتهم الذئابا

أما ما ذکرت من وفائک- فلعمری لقد وفى أبوک لتیم و عدی بعداء قریش و زعانفها- حتى إذا صارت الأمور إلى صاحبها عثمان- الشریف النسب الکریم الحسب بغاه الغوائل- و أعد له المخاتل حتى نال منه حاجته- ثم دعا الناس إلى علی و بایعه- فلمادانت له أمور الأمه و أجمعت له الکلمه- و أدرکه الحسد القدیم لبنی عبد مناف- فنقض عهده و نکث بیعته بعد توکیدها- ف فَکَّرَ وَ قَدَّرَ فَقُتِلَ کَیْفَ قَدَّرَ- و تمزقت لحمه الضباع بوادی السباع- و لعمری إنک تعلم یا أخا بنی عبد العزى بن قصی- أنا بنو عبد مناف لم نزل سادتکم- و قادتکم فی الجاهلیه و الإسلام- و لکن الحسد دعاک إلى ما ذکرت- و لم ترث ذلک عن کلاله بل عن أبیک- و لا أظن حسدک و حسد أخیک یئول بکما- إلا إلى ما آل إلیه حسد أبیکما من قبل- وَ لا یَحِیقُ الْمَکْرُ السَّیِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ وَ سَیَعْلَمُ الَّذِینَ ظَلَمُوا أَیَّ مُنْقَلَبٍ یَنْقَلِبُونَ- .

و روى أبو عثمان أیضا قال- دخل الحسن بن علی ع على معاویه- و عنده عبد الله بن الزبیر- و کان معاویه یحب أن یغری بین قریش- فقال یا أبا محمد أیهما کان أکبر سنا علی أم الزبیر- فقال الحسن ما أقرب ما بینهما- و علی أسن من الزبیر رحم الله علیا- فقال ابن الزبیر رحم الله الزبیر- و هناک أبو سعید بن عقیل بن أبی طالب فقال- یا عبد الله و ما یهیجک من أن یترحم الرجل على أبیه- قال و أنا أیضا ترحمت على أبی- قال أ تظنه ندا له و کفؤا- قال و ما یعدل به عن ذلک کلاهما من قریش- و کلاهما دعا إلى نفسه و لم یتم له- قال دع ذاک عنک یا عبد الله- إن علیا من قریش و من الرسول ص حیث تعلم- و لما دعا إلى نفسه أتبع فیه و کان رأسا- و دعا الزبیر إلى أمر و کان الرأس فیه امرأه- و لما تراءت الفئتان نکص على عقبیه- و ولى مدبرا قبل أن یظهر الحق فیأخذه- أو یدحض الباطل فیترکه- فأدرکه رجل لو قیس ببعض أعضائه لکان أصغر- فضرب عنقه و أخذ سلبه و جاء برأسه- و مضى علی قدما کعادته مع ابن عمه رحم الله علیافقال ابن الزبیر- أما لو أن غیرک تکلم بهذا یا أبا سعید لعلم- فقال إن الذی تعرض به یرغب عنک- و کفه معاویه فسکتوا- . و أخبرت عائشه بمقالتهم و مر أبو سعید بفنائها- فنادته یا أبا سعید أنت القائل لابن أختی کذا- فالتفت أبو سعید فلم یر شیئا- فقال إن الشیطان یرانا و لا نراه- فضحکت عائشه و قالت لله أبوک ما أذلق لسانک

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۱

بازدیدها: ۵۳

خطبه ۱۹۷ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۹۷ و من کلام له ع کان کثیرا ما ینادی به أصحابه

تَجَهَّزُوا رَحِمَکُمُ اللَّهُ فَقَدْ نُودِیَ فِیکُمْ بِالرَّحِیلِ- وَ أَقِلُّوا الْعَرْجَهَ عَلَى الدُّنْیَا- وَ انْقَلِبُوا بِصَالِحِ مَا بِحَضْرَتِکُمْ مِنَ الزَّادِ- فَإِنَّ أَمَامَکُمْ عَقَبَهً کَئُوداً وَ مَنَازِلَ مَخُوفَهً مَهُولَهً- لَا بُدَّ مِنَ الْوُرُودِ عَلَیْهَا وَ الْوُقُوفِ عِنْدَهَا- . وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَلَاحِظَ الْمَنِیَّهِ نَحْوَکُمْ دَائِبَهٌ- وَ کَأَنَّکُمْ بِمَخَالِبِهَا وَ قَدْ نَشِبَتْ فِیکُمْ- وَ قَدْ دَهَمَتْکُمْ مِنْهَا مُفْظِعَاتُ الْأُمُورِ وَ مُضْلِعَاتُ الْمَحْذُورِ- . فَقَطِّعُوا عَلَائِقَ الدُّنْیَا وَ اسْتَظْهِرُوا بِزَادِ التَّقْوَى- و قد مضى شی‏ء من هذا الکلام فیما تقدم- یخالف هذه الروایه تجهزوا لکذا أی تهیئوا له- . و العرجه التعریج و هو الإقامه- تقول ما لی على ربعک عرجه أی إقامه- و عرج فلان على المنزل إذا حبس علیه مطیته- .

و العقبه الکئود الشاقه المصعد و دائبه جاده- و المخلب للسبع بمنزله الظفر للإنسان- . و أفظع الأمر فهو مفظع إذا جاوز المقدار شده- . و مضلعات المحذور الخطوب التی تضلع- أی تجعل الإنسان ضلیعا أی معوجا- و الماضی ضلع بالکسر یضلع ضلعا- . و من رواها بالظاء- أراد الخطوب التی تجعل الإنسان ظالعا- أی یغمز فی مشیه لثقلها علیه- و الماضی ظلع بالفتح یظلع ظلعها فهو ظالع

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۱

بازدیدها: ۳۵

خطبه ۱۹۶ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

الجزء الحادی عشر

تتمه باب الخطب و الأوامر

بسم الله الرحمن الرحیم الحمد لله الواحد العدل

۱۹۶ و من کلام له ع

أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الدُّنْیَا دَارُ مَجَازٍ وَ الآْخِرَهُ دَارُ قَرَارٍ- فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّکُمْ لِمَقَرِّکُمْ- وَ لَا تَهْتِکُوا أَسْتَارَکُمْ عِنْدَ مَنْ یَعْلَمُ أَسْرَارَکُمْ- وَ أَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْیَا قُلُوبَکُمْ- مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُکُمْ- فَفِیهَا اخْتُبِرْتُمْ وَ لِغَیْرِهَا خُلِقْتُمْ- إِنَّ الْمَرْءَ إِذَا هَلَکَ قَالَ النَّاسُ مَا تَرَکَ- وَ قَالَتِ الْمَلَائِکَهُ مَا قَدَّمَ- لِلَّهِ آبَاؤُکُمْ فَقَدِّمُوا بَعْضاً یَکُنْ لَکُمْ- وَ لَا تُخْلِفُوا کُلًّا فَیَکُونَ فَرْضاً عَلَیْکُمْ ذکر أبو العباس محمد بن یزید المبرد فی الکامل- عن الأصمعی قال- خطبنا أعرابی بالبادیه فحمد الله و استغفره- و وحده و صلى على نبیه ص فأبلغ فی إیجاز- ثم قال أیها الناس إن الدنیا دار بلاغ- و الآخره دار قرار فخذوا لمقرکم من ممرکم- و لا تهتکوا أستارکم عند من لا تخفى علیه أسرارکم- فی الدنیا أنتم‏و لغیرها خلقتم- أقول قولی هذا و أستغفر الله لی و لکم- و المصلى علیه رسول الله و المدعو له الخلیفه و الأمیر جعفر بن سلیمان- .

و ذکر غیره الزیاده التی فی کلام أمیر المؤمنین ع- و هی أن المرء إذا هلک إلى آخر الکلام- . و أکثر الناس على أن هذا الکلام لأمیر المؤمنین ع- . و یجوز أن یکون الأعرابی حفظه- فأورده کما یورد الناس کلام غیرهم- . قوله ع دار مجاز- أی یجاز فیها إلى الآخره- و منه سمی المجاز فی الکلام مجازا- لأن المتکلم قد عبر الحقیقه إلى غیرها- کما یعبر الإنسان من موضع إلى موضع- . و دار القرار دار الاستقرار الذی لا آخر له- .

فخذوا من ممرکم أی من الدنیا لمقرکم و هو الآخره- . قوله ع قال الناس ما ترک- یرید أن بنی آدم مشغولون بالعاجله- لا یفکرون فی غیرها و لا یتساءلون إلا عنها- فإذا هلک أحدکم فإنما قولهم بعضهم لبعض- ما الذی ترک فلان من المال ما الذی خلف من الولد- و أما الملائکه فإنهم یعرفون الآخره- و لا تستهویهم شهوات الدنیا- و إنما هم مشغولون بالذکر و التسبیح- فإذا هلک الإنسان قالوا ما قدم- أی أی شی‏ء قدم من الأعمال- . ثم أمرهم ع- بأن یقدموا من أموالهم بعضها صدقه فإنها تبقى لهم- و نهاهم أن یخلفوا أموالهم کلها بعد موتهم- فتکون وبالا علیهم فی الآخره

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۱

بازدیدها: ۵۵

خطبه ۱۹۵ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۹۵ و من کلام له ع

روی عنه: أَنَّهُ قَالَهُ عِنْدَ دَفْنِ سَیِّدَهِ النِّسَاءِ فَاطِمَهَ ع- کَالْمُنَاجِی بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ص عِنْدَ قَبْرِهِ- السَّلَامُ عَلَیْکَ یَا رَسُولَ اللَّهِ عَنِّی- وَ عَنِ ابْنَتِکَ النَّازِلَهِ فِی جِوَارِکَ- وَ السَّرِیعَهِ اللَّحَاقِ بِکَ- قَلَّ یَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ صَفِیَّتِکَ صَبْرِی وَ رَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِی- إِلَّا أَنَّ فِی التَّأَسِّی لِی بِعَظِیمِ فُرْقَتِکَ- وَ فَادِحِ مُصِیبَتِکَ مَوْضِعَ تَعَزٍّ- فَلَقَدْ وَسَّدْتُکَ فِی مَلْحُودَهِ قَبْرِکَ- وَ فَاضَتْ بَیْنَ نَحْرِی وَ صَدْرِی نَفْسُکَ- فَإِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَیْهِ رَاجِعُونَ- فَلَقَدِ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِیعَهُ وَ أُخِذَتِ الرَّهِینَهُ- أَمَّا حُزْنِی فَسَرْمَدٌ وَ أَمَّا لَیْلِی فَمُسَهَّدٌ- إِلَى أَنْ یَخْتَارَ اللَّهُ لِی دَارَکَ الَّتِی أَنْتَ بِهَا مُقِیمٌ- وَ سَتُنَبِّئُکَ ابْنَتُکَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِکَ عَلَى هَضْمِهَا- فَأَحْفِهَا السُّؤَالَ وَ اسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ- هَذَا وَ لَمْ یَطُلِ الْعَهْدُ وَ لَمْ یَخْلُ مِنْکَ الذِّکْرُ- وَ السَّلَامُ عَلَیْکُمَا سَلَامَ مُوَدِّعٍ لَا قَالٍ وَ لَا سَئِمٍ- فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلَا عَنْ مَلَالَهٍ- وَ إِنْ أُقِمْ فَلَا عَنْ سُوءِ ظَنٍّ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ الصَّابِرِینَ أما قول الرضی رحمه الله عند دفن سیده النساء- فلأنه قد تواتر الخبر عنه ص أنه قال فاطمه سیده نساء العالمینإما هذا اللفظ بعینه أو لفظ یؤدی هذاالمعنى-روی أنه قال و قد رآها تبکی عند موته- أ لا ترضین أن تکونی سیده نساء هذه الأمهوروی أنه قال سادات نساء العالمین أربع- خدیجه بنت خویلد و فاطمه بنت محمد- و آسیه بنت مزاحم و مریم بنت عمران- .

قوله ع و سریعه اللحاق بک-جاء فی الحدیث أنه رآها تبکی عند موته فأسر إلیها- أنت أسرع أهلی لحوقا بی فضحکت- . قوله عن صفیتک أجله ص عن أن یقول عن ابنتک- فقال صفیتک و هذا من لطیف عبارته و محاسن کنایته- یقول ع ضعف جلدی و صبری عن فراقها- لکنی أتأسى بفراقی لک فأقول- کل عظیم بعد فراقک جلل- و کل خطب بعد موتک یسیر- . ثم ذکر حاله معه وقت انتقاله ص إلى جوار ربه- فقال لقد وسدتک فی ملحوده قبرک- أی فی الجهه المشقوقه من قبرک- و اللحد الشق فی جانب القبر- و جاء بضم اللام فی لغه غیر مشهوره- .

قال و فاضت بین نحری و صدری نفسک- یروى أنه ص قذف دما یسیرا وقت موته- و من قال بهذا القول زعم أن مرضه کان ذات الجنب- و أن القرحه التی کانت فی الغشاء المستبطن للأضلاع- انفجرت فی تلک الحال- و کانت فیها نفسه ص- و ذهب قوم إلى أن مرضه إنما کان الحمى و السرسام الحار- و أن أهل داره ظنوا أن به ذات الجنب- فلدوه و هو مغمى علیه- و کانت العرب تداوی باللدود من به ذات الجنب- فلما أفاق علم أنهم قد لدوه فقال- لم یکن الله لیسلطها علی لدوا کل من فی الدار- فجعل بعضهم یلد بعضا- .

و احتج الذاهبون إلى أن مرضه کان ذات الجنب- بما روی من انتصابه و تعذر الاضطجاع و النوم علیه-قال سلمان الفارسی دخلت علیه صبیحه یوم قبل الیوم الذی مات فیه- فقال لی یا سلمان- أ لا تسأل عما کابدته اللیله من الألم و السهر أنا و علی- فقلت یا رسول الله أ لا أسهر اللیله معک بدله- فقال لا هو أحق بذلک منک- . و زعم آخرون- أن مرضه کان أثرا لأکله السم التی أکلها ع- و احتجوابقوله ص ما زالت أکله خیبر تعاودنی- فهذا أوان قطعت أبهری- . و من لم یذهب إلى ذات الجنب فأولوا قول علی ع- فاضت بین نحری و صدری نفسک- فقالوا أراد بذلک آخر الأنفاس التی یخرجها المیت- و لا یستطیع إدخال الهواء إلى الرئه عوضا عنها- و لا بد لکل میت من نفخه تکون آخر حرکاته- . و یقول قوم إنها الروح و عبر علی ع عنها بالنفس- لما کانت العرب لا ترى بین الروح و النفس فرقا- . و اعلم أن الأخبار مختلفه فی هذا المعنى- فقدروى کثیر من المحدثین عن عائشه أنها قالت توفی رسول الله ص بین سحری و نحری- .

و روى کثیر منهم هذا اللفظ عن علی ع أنه قال عن نفسه- وقال فی روایه أخرى ففاضت نفسه فی یدی فأمررتها على وجهی- .و الله أعلم بحقیقه هذه الحال- و لا یبعد عندی أن یصدق الخبران معا- بأن یکون رسول الله ص وقت الوفاه- مستندا إلى علی و عائشه جمیعا- فقد وقع الاتفاق على أنه مات و هو حاضر لموته- و هو الذی کان یقلبه بعد موته- و هو الذی کان یعلله لیالی مرضه- فیجوز أن یکون مستندا إلى زوجته و ابن عمه- و مثل هذا لا یبعد وقوعه فی زماننا هذا- فکیف فی ذلک الزمان- الذی کان النساء فیه و الرجال مختلطین- لا یستتر البعض عن البعض- . فإن قلت فکیف تعمل بآیه الحجاب- و ما صح من استتار أزواج رسول الله ص عن الناس بعد نزولها- .

قلت قد وقع اتفاق المحدثین کلهم- على أن العباس کان ملازما للرسول ص- أیام مرضه فی بیت عائشه و هذا لا ینکره أحد- فعلى القاعده التی کان العباس ملازمه ص- کان علی ع ملازمه- و ذلک یکون بأحد الأمرین- إما بأن نساءه لا یستترن من العباس و علی- لکونهما أهل الرجل و جزءا منه- أو لعل النساء کن یختمرن بأخمرتهن- و یخالطن الرجال فلا یرون وجوههن- و ما کانت عائشه وحدها فی البیت عند موته- بل کان نساؤه کلهن فی البیت- و کانت ابنته فاطمه عند رأسه ص- .

فأما حدیث مرضه ص و وفاته فقد ذکرناه فیما تقدم- . قوله إنا لله إلى آخره أی عبیده- کما تقول هذا الشی‏ء لزید أی یملکه- . ثم عقب الاعتراف بالملکیه بالإقرار بالرجعه و البعث- و هذه الکلمه تقال عند المصیبه- کما أدب الله تعالى خلقه و عباده- . و الودیعه و الرهینه عباره عن فاطمه- و من هذا الموضع أخذ ابن ثوابه الکاتب قوله- عن قطر الندى بنت خمارویه بن أحمد بن طولون- لما حملت من مصر إلى المعتضد أحمد بن‏طلحه بن المتوکل- و قد وصلت الودیعه سالمه و الله المحمود- و کیف یوصی الناظر بنوره- أم کیف یحض القلب على حفظ سروره- . و أخذ الصابی هذه اللفظه أیضا- فکتب عن عز الدوله بختیار بن بویه- إلى عده الدوله أبی تغلب بن حمدان- و قد نقل إلیه ابنته قد وجهت الودیعه یا سیدی- و إنما تقلب من وطن إلى سکن و من مغرس إلى مغرس- و من مأوى بر و انعطاف إلى مثوى کرامه و ألطاف- .

فأما الرهینه فهی المرتهنه- یقال للمذکر هذا رهین عندی على کذا- و للأنثى هذه رهینه عندی على کذا- کأنها ع کانت عنده عوضا من رؤیه رسول الله ص- کما تکون الرهینه عوضا عن الأمر الذی أخذت رهینه علیه- . ثم ذکر ع أن حزنه دائم- و أنه یسهر لیله و لا ینام إلى أن یلتحق برسول الله ص- و یجاوره فی الدار الآخره- و هذا من باب المبالغه- کما یبالغ الخطباء و الکتاب و الشعراء فی المعانی- لأنه ع ما سهر منذ ماتت فاطمه- و دام سهره إلى أن قتل ع- و إنما سهر لیله أو شهرا أو سنه- ثم استمر مریره و ارعوى رسنه- فأما الحزن فإنه لم یزل حزینا إذا ذکرت فاطمه- هکذا وردت الروایه عنه- . قوله ع و ستنبئک ابنتک أی ستعلمک- . فأحفها السؤال أی استقص فی مسألتها- و استخبرها الحال أحفیت إحفاء فی السؤال استقصیت- و کذلک فی الحجاج و المنازعه قال الحارث بن حلزه-

إن إخواننا الأراقم یغلون
علینا فی قیلهم إحفاء

و رجل حفی أی مستقص فی السؤال- .و استخبرها الحال أی عن الحال فحذف الجار- کقولک اخترت الرجال زیدا أی من الرجال- أی سلها عما جرى بعدک من الاستبداد- بعقد الأمر دون مشاورتنا- و لا یدل هذا على وجود النص- لأنه یجوز أن تکون الشکوى و التألم من إطراح هم- و ترک إدخالهم فی المشاوره- فإن ذلک مما تکرهه النفوس و تتألم منه- و هجا الشاعر قوما فقال-

و یقضى الأمر حین تغیب تیم
و لا یستأذنون و هم شهود

قوله هذا و لم یطل العهد و لم یخلق الذکر- أی لم ینس- . فإن قلت فما هذا الأمر الذی لم ینس و لم یخلق- إن لم یکن هناک نص- . قلت
قوله ص إنی مخلف فیکم الثقلینوقوله اللهم أدر الحق معه حیث دار- و أمثال ذلک من النصوص الداله- على تعظیمه و تبجیله و منزلته فی الإسلام- فهو ع کان یرید أن یؤخر عقد البیعه- إلى أن یحضر و یستشار- و یقع الوفاق بینه و بینهم- على أن یکون العقد لواحد من المسلمین بموجبه- إما له أو لأبی بکر أو لغیرهما- و لم یکن لیلیق أن یبرم الأمر و هو غیر حاضر له- مع جلالته فی الإسلام و عظیم أثره- و ما ورد فی حقه من وجوب موالاته- و الرجوع إلى قوله و فعله- فهذا هو الذی کان ینقم ع- و منه کان یتألم و یطیل الشکوى و کان ذلک فی موضعه- و ما أنکر إلا منکرا- فأما النص فإنه لم یذکره ع و لا احتج به- و لما طال الزمان صفح عن ذلک الاستبداد الذی وقع منهم- و حضر عندهم فبایعهم و زال ما کان فی نفسه- .

فإن قلت فهل کان یسوغ لأبی بکر- و قد رأى وثوب الأنصار على الأمر- أن یؤخره إلى أن یخرج ع و یحضر المشوره- . قلت إنه لم یلم أبا بکر بعینه- و إنما تألم من استبداد الصحابه بالأمر- دون حضوره و مشاورته- و یجوز أن یکون أکثر تألمه و عتابه- مصروفا إلى الأنصار الذین فتحوا باب الاستبداد و التغلب

ما رواه أبو حیان فی حدیث السقیفه

و روى القاضی أبو حامد أحمد- بن بشیر المروروذی العامری- فیما حکاه عنه أبو حیان التوحیدی- قال أبو حیان سمرنا عند القاضی أبی حامد لیله ببغداد- بدار ابن جیشان فی شارع الماذیان- فتصرف الحدیث بنا کل متصرف- و کان و الله معنا مزیلا مخلطا عزیز الروایه- لطیف الدرایه له فی کل جو متنفس- و فی کل نار مقتبس فجرى حدیث السقیفه- و تنازع القوم الخلافه فرکب کل منا فنا- و قال قولا و عرض بشی‏ء و نزع إلى مذهب- فقال أبو حامد هل فیکم من یحفظ رساله أبی بکر إلى علی- و جواب علی له و مبایعته إیاه عقیب تلک الرساله- فقالت الجماعه لا و الله- فقال هی و الله من درر الحقاق المصونه- و مخبئات الصنادیق فی الخزائن المحوطه- و منذ حفظتها ما رویتها إلا للمهلبی فی وزارته- فکتبها عنی فی خلوه بیده- و قال لا أعرف فی الأرض رسالهأعقل منها و لا أبین- و إنها لتدل على علم و حکم و فصاحه و فقاهه- فی دین و دهاء و بعد غور و شده غوص- .

فقال له واحد من القوم أیها القاضی- فلو أتممت المنه علینا بروایتها سمعناها و رویناه عنک- فنحن أوعى لها من المهلبی و أوجب ذماما علیک- . فقال هذه الرساله رواها عیسى بن دأب- عن صالح بن کیسان عن هشام بن عروه- عن أبیه عروه بن الزبیر عن أبی عبیده بن الجراح- . قال أبو عبیده- لما استقامت الخلافه لأبی بکر بین المهاجرین و الأنصار- و لحظ بعین الوقار و الهیبه بعد هنه- کاد الشیطان بها یسر فدفع الله شرها و أدحض عسرها- فرکد کیدها و تیسر خیرها- و قصم ظهر النفاق و الفسق بین أهلها- بلغ أبا بکر عن علی ع تلکؤ و شماس و تهمهم و نفاس- فکره أن یتمادى الحال و تبدو له العوره- و تنفرج ذات البین- و یصیر ذلک دریئه لجاهل مغرور أو عاقل ذی دهاء- أو صاحب سلامه ضعیف القلب خوار العنان- دعانی فی خلوه فحضرته و عنده عمر وحده- و کان عمر قبسا له و ظهیرا معه- یستضی‏ء بناره و یستملی من لسانه- فقال لی یا أبا عبیده ما أیمن ناصیتک- و أبین الخیر بین عارضیک- لقد کنت مع رسول الله ص بالمکان المحوط و المحل المغبوط- ولقد قال فیک فی یوم مشهود أبو عبیده أمین هذه الأمه- و طالما أعز الله الإسلام بک- و أصلح ثلمه على یدیک- و لم تزل للدین ناصرا و للمؤمنین روحا و لأهلک رکنا- و لإخوانک مردا قد أردتک‏لأمر له ما بعده- خطره مخوف و صلاحه معروف- و لئن لم یندمل جرحه بمسبارک و رفقک- و لم تجب حیته برقیتک- لقد وقع الیأس و أعضل البأس- و احتیج بعدک إلى ما هو أمر من ذلک و أعلق- و أعسر منه و أغلق و الله أسأل تمامه بک- و نظامه على یدک فتأت له یا أبا عبیده- و تلطف فیه و انصح لله و لرسوله- و لهذه العصابه غیر آل جهدا و لا قال حمدا- و الله کالئک و ناصرک و هادیک و مبصرک- .

امض إلى علی و اخفض جناحک له- و اغضض من صوتک عنده- و اعلم أنه سلاله أبی طالب- و مکانه ممن فقدناه بالأمس مکانه- و قل له البحر مغرقه و البر مفرقه- و الجو أکلف و اللیل أغلف و السماء جلواء- و الأرض صلعاء و الصعود متعذر و الهبوط متعسر- و الحق عطوف رءوف و الباطل نسوف عصوف- و العجب مقدحه الشر و الضغن رائد البوار- و التعریض شجار الفتنه و القحه مفتاح العداوه- و الشیطان متکئ على شماله باسط لیمینه- نافج حضنیه لأهله ینتظر الشتات و الفرقه- و یدب بین الأمه بالشحناء و العداوه- عنادا لله و لرسوله و لدینه- یوسوس بالفجور و یدلی بالغرور- و یمنی أهل الشرور و یوحی إلى أولیائه بالباطل- دأبا له منذ کان على عهد أبیناآدم- و عاده منه منذ أهانه الله فی سالف الدهر- لا ینجى منه إلا بعض الناجذ على الحق- و غض الطرف عن الباطل- و وطء هامه عدو الله و الدین- بالأشد فالأشد و الأجد فالأجد- و إسلام النفس لله فیما حاز رضاه و جنب سخطه- .

و لا بد من قول ینفع- إذ قد أضر السکوت و خیف غبه- و لقد أرشدک من أفاء ضالتک- و صافاک من أحیا مودته لک بعتابک- و أراد الخیر بک من آثر البقیا معک- . ما هذا الذی تسول لک نفسک و یدوى به قلبک- و یلتوی علیه رأیک و یتخاوص دونه طرفک- و یستشری به ضغنک و یتراد معه نفسک- و تکثر لأجله صعداؤک- و لا یفیض به لسانک أ عجمه بعد إفصاح- أ لبسا بعد إیضاح أ دینا غیر دین الله- أ خلقا غیر خلق القرآن أ هدیا غیر هدی محمد- أ مثلی یمشى له الضراء و یدب له الخمر- أم مثلک یغص علیه الفضاء و یکسف فی عینه القمر-

ما هذه القعقعه بالشنان و الوعوعه باللسان- إنک لجد عارف باستجابتنا لله و لرسوله- و خروجنا من أوطاننا و أولادنا و أحبتنا- هجره إلى الله و نصره لدینه- فی زمان أنت منه فی کن الصبا و خدر الغراره غافل- تشبب و تربب لا تعی ما یشاد و یراد- و لا تحصل ما یساق و یقاد- سوى ما أنت جار علیه من أخلاق الصبیان أمثالک- و سجایا الفتیان أشکالک- حتى بلغت إلى غایتک هذه التی إلیها أجریت- و عندها حط رحلک غیر مجهول القدرو لا مجحود الفضل-

و نحن فی أثناء ذلک نعانی أحوالا تزیل الرواسی- و نقاسی أهوالا تشیب النواصی خائضین غمارها- راکبین تیارها نتجرع صلبها- و نشرج عیابها و نحکم آساسها و نبرم أمراسها- و العیون تحدج بالحسد و الأنوف تعطس بالکبر- و الصدور تستعر بالغیظ- و الأعناق تتطاول بالفخر و الأسنه تشحذ بالمکر- و الأرض تمید بالخوف- لا ننتظر عند المساء صباحا و لا عند الصباح مساء- و لا ندفع فی نحر أمر إلا بعد أن نحسو الموت دونه- و لا نبلغ إلى شی‏ء إلا بعد تجرع العذاب قبله- و لا نقوم منآدا إلا بعد الیأس من الحیاه عنده- فأدین فی کل ذلک رسول الله ص بالأب و الأم- و الخال و العم و المال و النشب و السبد و اللبد- و الهله و البله بطیب أنفس و قره أعین- و رحب أعطان و ثبات عزائم و صحه عقول- و طلاقه أوجه و ذلاقه ألسن-

هذا إلى خبیئات أسرار و مکنونات أخبار- کنت عنها غافلا- و لو لا سنک لم تک عن شی‏ء منها ناکلا- کیف و فؤادک مشهوم- و عودک معجوم و غیبک مخبور- و الخیر منک کثیر فالآن قد بلغ الله بک- و أرهص الخیر لک و جعل مرادک بین یدیک- فاسمع ما أقول لک و اقبل ما یعود قبوله علیک- و دع التحبس و التعبسلمن لا یضلع لک إذا خطا- و لا یتزحزح عنک إذا عطا فالأمر غض و فی النفوس مض- و أنت أدیم هذه الأمه فلا تحلم لجاجا- و سیفها العضب فلا تنب اعوجاجا- و ماؤها العذب فلا تحل أجاجا- و الله لقد سألت رسول الله ص عن هذا لمن هو- فقال هو لمن یرغب عنه لا لمن یجاحش علیه- و لمن یتضاءل له لا لمن یشمخ إلیه- و هو لمن یقال له هو لک لا لمن یقول هو لی- .

و لقد شاورنی رسول الله ص فی الصهر- فذکر فتیانا من قریش- فقلت له أین أنت من علی فقال إنی لأکره لفاطمه میعه شبابه و حده سنه- فقلت متى کنفته یدک و رعته عینک- حفت بهما البرکه و أسبغت علیهما النعمه- مع کلام کثیر خطبت به رغبته فیک- و ما کنت عرفت منک فی ذلک حوجاء و لا لوجاء- و لکنی قلت ما قلت و أنا أرى مکان غیرک- و أجد رائحه سواک و کنت لک إذ ذاک خیرا منک الآن لی- و لئن کان عرض بک رسول الله ص فی هذا الأمر- فقد کنى عن غیرک و إن قال فیک- فما سکت عن سواک و إن اختلج فی نفسک شی‏ء- فهلم فالحکم مرضی و الصواب مسموع و الحق مطاع- .

و لقد نقل رسول الله ص إلى ما عند الله- و هو عن هذه العصابه راض و علیها حدب یسره ما سرها- و یکیده ما کادها و یرضیه ما أرضاها- و یسخطه‏ما أسخطها- أ لم تعلم أنه لم یدع أحدا من أصحابه و خلطائه- و أقاربه و سجرائه- إلا أبانه بفضیله و خصه بمزیه و أفرده بحاله- لو أصفقت الأمه علیه لأجلها- لکان عنده إیالتها و کفالتها- .

أ تظن أنه ع ترک الأمه سدى- بددا عدا مباهل عباهل طلاحى مفتونه بالباطل- ملویه عن الحق لا ذائد و لا رائد- و لا ضابط و لا خابط و لا رابط- و لا سافی و لا واقی و لا حادی و لا هادی- کلا و الله ما اشتاق إلى ربه- و لا سأله المصیر إلى رضوانه إلا بعد أن أقام الصوى- و أوضح الهدى و أمن المهالک- و حمى المطارح و المبارک- و إلا بعد أن شدخ یافوخ الشرک بإذن الله- و شرم وجه النفاق لوجه الله- و جدع أنف الفتنه فی دین الله- و تفل فی عین الشیطان بعون الله- و صدع بمل‏ء فیه و یده بأمر الله- .

و بعد فهؤلاء المهاجرون و الأنصار عندک- و معک فی بقعه جامعه و دار واحده- إن استقادوا لک و أشاروا بک- فأنا واضع یدی فی یدک و صائر إلى رأیهم فیک- و إن تکن الأخرى فادخل فی صالح ما دخل فیه المسلمون- و کن العون على مصالحهم و الفاتح لمغالقهم- و المرشد لضالهم و الرادع لغاویهم- فقد أمر الله بالتعاون على البر- و أهاب إلى التناصر على الحق- و دعنا نقض هذه الحیاه الدنیا بصدور بریئه من الغل- و نلقى الله بقلوب سلیمه من الضغن- .

و إنما الناس ثمامه فارفق بهم- و احن علیهم و لن لهم- و لا تسول لک نفسک فرقتهم و اختلاف کلمتهم- و اترک ناجم الشر حصیدا و طائر الحقد واقعا- و باب الفتنه مغلقا لا قال و لا قیل- و لا لوم و لا تعنیف و لا عتاب و لا تثریب- و الله على ما أقول وکیل و بما نحن علیه بصیر- . قال أبو عبیده فلما تهیأت للنهوض- قال لی عمر کن على الباب هنیهه فلی معک ذرو من الکلام- فوقفت و ما أدری ما کان بعدی- إلا أنه لحقنی بوجه یندى تهللا- و قال لی قل لعلی الرقاد محلمه- و اللجاج ملحمه و الهوى مقحمه- و ما منا أحد إلا له مقام معلوم- و حق مشاع أو مقسوم و بناء ظاهر أو مکتوم- و إن أکیس الکیسى من منح الشارد تألفا- و قارب البعید تلطفا و وزن کل أمر بمیزانه- و لم یجعل خبره کعیانه و لا قاس فتره بشبره- دینا کان أو دنیا و ضلالا کان أو هدى- و لا خیر فی علم معتمل فی جهل- و لا فی معرفه مشوبه بنکر-

و لسنا کجلده رفغ البعیر
بین العجان و بین الذنب‏

 و کل صال فبناره یصلى و کل سیل فإلى قراره یجرى- و ما کان سکوت هذه العصابه إلى هذه الغایه لعی و حصر- و لا کلامها الیوم لفرق أو حذر- فقد جدع الله بمحمد ع أنف کل متکبر- و قصم به ظهر کل جبار و سل لسان کل کذوب- فما ذا بعد الحق إلا الضلال- . ما هذه الخنزوانه التی فی فراش رأسک- و ما هذا الشجا المعترض فی مدارج أنفاسک- و ما هذه الوحره التی أکلت شراسیفک- و القذاه التی أعشت ناظرک- و ما هذا الدحس‏و الدس- اللذان یدلان على ضیق الباع و خور الطباع- و ما هذا الذی لبست بسببه جلد النمر- و اشتملت علیه بالشحناء و النکر- لشد ما استسعیت لها و سریت سرى ابن أنقد إلیها- إن العوان لا تعلم الخمره- ما أحوج الفرعاء إلى فالیه- و ما أفقر الصلعاء إلى حالیه- و لقد قبض رسول الله ص و الأمر معبد مخیس- لیس لأحد فیه ملمس لم یسیر فیک قولا- و لم یستنزل لک قرآنا و لم یجزم فی شأنک حکما- لسنا فی کسرویه کسرى و لا قیصریه قیصر- تأمل إخوان فارس و أبناء الأصفر- قد جعلهم الله جزرا لسیوفنا و دریئه لرماحنا- و مرمى لطعاننا بل نحن فی نور نبوه- و ضیاء رساله و ثمره حکمه و أثر رحمه- و عنوان نعمه و ظل عصمه- بین أمه مهدیه بالحق و الصدق- مأمونه على الرتق و الفتق- لها من الله تعالى قلب أبی و ساعد قوی- و ید ناصره و عین ناظره- .

أ تظن ظنا أن أبا بکر وثب على هذا الأمر- مفتاتا على الأمه خادعا لها و متسلطا علیها- أ تراه امتلخ أحلامها و أزاغ أبصارها- و حل عقودها و أحال عقولها- و استل من صدورها حمیتها و انتکث رشاءها- و انتضب ماءها و أضلها عن هداها و ساقها إلى رداها- و جعل نهارها لیلا و وزنها کیلا- و یقظتها رقادا و صلاحها فسادا- إن کان هکذا إن سحره لمبین و إن کیده لمتین- کلا و الله بأی خیل و رجل و بأی سنان و نصل- و بأی منه و قوه و بأی مال و عده- و بأی أید و شده و بأی عشیره و أسره- و بأی قدره و مکنه و بأی تدرع و بسطه- لقد أصبح بما وسمته منیع الرقبه رفیع العتبه- لا و الله لکن سلا عنها فولهت نحوه- و تطامن لها فالتفت به و مال عنها فمالت إلیه- و اشمأز دونها فاشتملت علیه- حبوه حباه الله بها و غایه بلغه الله إلیها- و نعمه سربله جمالها و ید لله أوجب علیه شکرها- و أمه نظر الله بهلها- و طالما حلقت فوقه فی أیام النبی ص- و هو لا یلتفت لفتها و لا یرتصد وقتها-

و الله أعلم بخلقه و أرأف بعباده- یختار ما کان لهم الخیره- و إنک بحیث لا یجهل موضعک من بیت النبوه- و معدن الرساله و کهف الحکمه- و لا یجحد حقک فیما آتاک ربک من العلم- و منحک من الفقه فی الدین هذا إلى مزایا خصصت بها- و فضائل اشتملت علیها- و لکن لک من یزاحمک بمنکب أضخم من منکبک- و قربى أمس من قرباک و سن أعلى من سنک- و شیبه أروع من شیبتک- و سیاده معروفه فی الإسلام و الجاهلیه- و مواقف لیس لک فیها جمل و لا ناقه- و لا تذکر فیها فی مقدمه و لا ساقه- و لا تضرب فیها بذراع و لا إصبع- و لا تعد منها ببازل و لا هبع- .

إن أبا بکر کان حبه قلب رسول الله ص و علاقه همه- و عیبه سره و مثوى حزنه و راحه باله و مرمق طرفه- شهرته مغنیه عن الدلاله علیه- . و لعمری إنک لأقرب منه إلى رسول الله ص قرابه- و لکنه أقرب منک قربه و القرابه لحم و دم- و القربه روح و نفس و هذا فرق یعرفه المؤمنون- و لذلک صاروا إلیه أجمعون- . و مهما شککت فلا تشک فی أن ید الله مع الجماعه- و رضوانه لأهل الطاعه- فادخل فیما هو خیر لک الیوم و أنفع غدا- و الفظ من فیک ما هو متعلق بلهاتک- و انفث‏سخیمه صدرک- فإن یکن فی الأمد طول و فی الأجل فسحه- فستأکله مریئا أو غیر مری‏ء- و ستشربه هنیئا أو غیر هنی‏ء- حین لا راد لقولک إلا من کان آیسا منک- و لا تابع لک إلا من کان طامعا فیک- حین یمض إهابک و یفری أدیمک و یزری على هدیک- هناک تقرع السن من ندم- و تشرب الماء ممزوجا بدم- حین تأسى على ما مضى من عمرک- و انقضى و انقرض من دارج قومک- و تود أن لو سقیت بالکأس التی سقیتها غیرک- و رددت إلى الحال التی کنت تکرهها فی أمسک- و لله فینا و فیک أمر هو بالغه- و عاقبه هو المرجو لسرائها و ضرائها- و هو الولی الحمید الغفور الودود- .

قال أبو عبیده فمشیت إلى علی مثبطا متباطئا- کأنما أخطو على أم رأسی فرقا من الفتنه- و إشفاقا على الأمه و حذرا من الفرقه- حتى وصلت إلیه فی خلاء فأبثثته بثی کله- و برئت إلیه منه و دفعته له فلما سمعها و وعاها- و سرت فی أوصاله حمیاها- قال حلت معلوطه و ولت مخروطه ثم قال- .

إحدى لیالیک فهیسی هیسی
لا تنعمی اللیله بالتعریس‏

یا أبا عبیده أ هذا کله فی أنفس القوم یستنبطونه- و یضطغنون علیه- فقلت لا جواب عندی إنما جئتک قاضیا حق الدین- و راتقا فتق الإسلام و سادا ثلمه الأمه- یعلم الله ذلک من جلجلان قلبی و قراره نفسی- .

فقال ما کان قعودی فی کسر هذا البیت قصدا لخلاف- و لا إنکارا لمعروف و لا زرایه على مسلم- بل لما وقذنی به رسول الله ص من فراقه- و أودعنی من الحزن لفقده- فإنی لم أشهد بعده مشهدا إلا جدد علی حزنا- و ذکرنی شجنا- و إن الشوق إلى اللحاق به کاف عن الطمع فی غیره- و قد عکفت على عهد الله أنظر فیه- و أجمع ما تفرق منه- رجاء ثواب معد لمن أخلص لله عمله- و سلم لعلمه و مشیئته أمره- على أنی أعلم أن التظاهر علی واقع- و لی عن الحق الذی سیق إلی دافع- و إذ قد أفعم الوادی لی و حشد النادی علی- فلا مرحبا بما ساء أحدا من المسلمین- و فی النفس کلام لو لا سابق قول و سالف عهد- لشفیت غیظی بخنصری و بنصری- و خضت لجته بأخمصی و مفرقی- و لکنی ملجم إلى أن ألقى الله تعالى- عنده أحتسب ما نزل بی و أنا غاد إن شاء الله إلى جماعتکم- و مبایع لصاحبکم و صابر على ما ساءنی و سرکم- لیقضی الله أمرا کان مفعولا- و کان الله على کل شی‏ء شهیدا- .

قال أبو عبیده فعدت إلى أبی بکر و عمر- فقصصت القول على غره- و لم أترک شیئا من حلوه و مره- ذکرت غدوه إلى المسجد- فلما کان صباح یومئذ وافى علی- فخرق الجماعه إلى أبی بکر و بایعه- و قال خیرا و وصف جمیلا و جلس زمینا- و استأذن للقیام و نهض فتبعه عمر إکراما له- و إجلالا لموضعه و استنباطا لما فی نفسه- و قام أبو بکر إلیه فأخذ بیده- و قال إن عصابه أنت منها یا أبا الحسن لمعصومه- و إن أمه أنت فیها لمرحومه- و لقد أصبحت عزیزا علینا کریما لدینا- نخاف الله إن سخطت و نرجوه إذا رضیت- و لو لا أنی شدهت لما أجبت إلى ما دعیت إلیه- و لکنی خفت‏الفرقه و استئثار الأنصار بالأمر على قریش- و أعجلت عن حضورک و مشاورتک- و لو کنت حاضرا لبایعتک و لم أعدل بک- و لقد حط الله عن ظهرک ما أثقل کاهلی به- و ما أسعد من ینظر الله إلیه بالکفایه- و إنا إلیک لمحتاجون و بفضلک عالمون- و إلى رأیک و هدیک فی جمیع الأحوال راغبون- و على حمایتک و حفیظتک معولون- ثم انصرف و ترکه مع عمر- .

فالتفت علی إلى عمر فقال یا أبا حفص- و الله ما قعدت عن صاحبک جزعا على ما صار إلیه- و لا أتیته خائفا منه و لا أقول ما أقول بعله- و إنی لأعرف مسمى طرفی و مخطی قدمی- و منزع قوسی و موقع سهمی- و لکنی تخلفت إعذارا إلى الله- و إلى من یعلم الأمر الذی جعله لی رسول الله- و أتیت فبایعت حفظا للدین- و خوفا من انتشار أمر الله- .

فقال له عمر یا أبا الحسن کفکف من غربک- و نهنه من شرتک و دع العصا بلحائها و الدلو برشائها- فإنا من خلفها و ورائها إن قدحنا أورینا- و إن متحنا أروینا و إن قرحنا أدمینا- و قد سمعت أمثالک التی ألغزت بها صادره عن صدر دو- و قلب جو- زعمت أنک قعدت فی کسر بیتک- لما وقذک به فراق رسول الله- أ فراق رسول الله ص وقذک وحدک و لم یقذ سواک- إن مصابه لأعز و أعظم من ذاک- و إن من حق مصابه ألا تصدع شمل الجماعه- بکلمه لا عصام لها- فإنک لترى الأعراب حول المدینه- لو تداعت علینا فی صبح یوم لم نلتق فی ممساه- و زعمت أن الشوق إلى اللحاق به کاف عن الطمع فی غیره- فمن الشوق إلیه نصره دینه- و موازره المسلمین علیه و معاونتهم فیه- .

و زعمت أنک مکب على عهد الله تجمع ما تفرق منه- فمن العکوف على عهده النصیحه لعباده- و الرأفه على خلقه- و أن تبذل من نفسک ما یصلحون به و یجتمعون علیه- و زعمت أن التظاهر علیک واقع- أی تظاهر وقع علیک- و أی حق استؤثر به دونک- لقد علمت ما قالت الأنصار أمس سرا و جهرا- و ما تقلبت علیه ظهرا و بطنا فهل ذکرتک أو أشارت بک- أو طلبت رضاها من عندک و هؤلاء المهاجرون- من الذی قال منهم إنک صاحب هذا الأمر- أو أومأ إلیک أو همهم بک فی نفسه- أ تظن أن الناس ضنوا من أجلک- أو عادوا کفارا زهدا فیک- أو باعوا الله تعالى بهواهم بغضا لک- و لقد جاءنی قوم من الأنصار- فقالوا إن علیا ینتظر الإمامه- و یزعم أنه أولى بها من أبی بکر- فأنکرت علیهم و رددت القول فی نحورهم- حتى قالوا إنه ینتظر الوحی و یتوکف مناجاه الملک- فقلت ذاک أمر طواه الله بعد محمد ع- . و من أعجب شأنک قولک- لو لا سابق قول لشفیت غیظی بخنصری و بنصری- و هل ترک الدین لأحد أن یشفی غیظه بیده أو لسانه- تلک جاهلیه استأصل الله شأفتها- و اقتلع جرثومتها و نور لیلها و غور سیلها- و أبدل منها الروح و الریحان و الهدى و البرهان- .

و زعمت أنک ملجم- فلعمری إن من اتقى الله و آثر رضاه و طلب ما عنده- أمسک لسانه و أطبق فاه و غلب عقله و دینه على هواه- . و أما قولک إنی لأعرف منزع قوسی- فإذا عرفت منزع قوسک عرفک غیرک مضرب سیفه و مطعن رمحه- و أما ما تزعمه من الأمر الذی جعله رسول الله ص لک- فتخلفت إعذارا إلى الله و إلى العارفه به من المسلمین- فلو عرفه المسلمون‏لجنحوا إلیه و أصفقوا علیه- و ما کان الله لیجمعهم على العمى- و لا لیضربهم بالصبا بعد الهدى- و لو کان لرسول الله ص فیک رأی و علیک عزم- ثم بعثه الله- فرأى اجتماع أمته على أبی بکر لما سفه آراءهم- و لا ضلل أحلامهم و لا آثرک علیهم- و لا أرضاک بسخطهم و لأمرک باتباعهم- و الدخول معهم فیما ارتضوه لدینهم- .

فقال علی مهلا أبا حفص أرشدک الله خفض علیک- ما بذلت ما بذلت و أنا أرید عنه حولا- و إن أخسر الناس صفقه عند الله من استبطن النفاق- و احتضن الشقاق و فی الله خلف عن کل فائت- و عوض من کل ذاهب و سلوه عن کل حادث- و علیه التوکل فی جمیع الحوادث- ارجع أبا حفص إلى مجلسک ناقع القلب مبرود الغلیل- فصیح اللسان رحب الصدر متهلل الوجه- فلیس وراء ما سمعته منی إلا ما یشد الأزر- و یحبط الوزر و یضع الإصر و یجمع الألفه- و یرفع الکلفه إن شاء الله- فانصرف عمر إلى مجلسه- .

قال أبو عبیده فلم أسمع و لم أر کلاما- و لا مجلسا کان أصعب من ذلک الکلام و المجلس- . قلت الذی یغلب على ظنی- أن هذه المراسلات و المحاورات- و الکلام کله مصنوع موضوع- و أنه من کلام أبی حیان التوحیدی- لأنه بکلامه و مذهبه فی الخطابه و البلاغه أشبه- و قد حفظنا کلام عمر و رسائله- و کلام أبی بکر و خطبه- فلم نجدهما یذهبان هذا المذهب- و لا یسلکان هذا السبیل فی کلامهما- و هذا کلام علیه أثر التولید لیس یخفى- و أین أبو بکر و عمر من البدیع و صناعه المحدثین- و من تأمل کلام أبی حیان- عرف أن‏هذا الکلام من ذلک المعدن خرج- و یدل علیه أنه أسنده إلى القاضی أبی حامد المروروذی- و هذه عادته فی کتاب البصائر یسند إلى القاضی أبی حامد- کل ما یرید أن یقوله هو من تلقاء نفسه- إذا کان کارها لأن ینسب إلیه- و إنما ذکرناه نحن فی هذا الکتاب- لأنه و إن کان عندنا موضوعا منحولا- فإنه صوره ما جرت علیه حال القوم- فهم و إن لم ینطقوا به بلسان المقال- فقد نطقوا به بلسان الحال- .

و مما یوضح لک أنه مصنوع- أن المتکلمین على اختلاف مقالاتهم- من المعتزله و الشیعه و الأشعریه و أصحاب الحدیث- و کل من صنف فی علم الکلام و الإمامه- لم یذکر أحد منهم کلمه واحده من هذه الحکایه- و لقد کان المرتضى رحمه الله- یلتقط من کلام أمیر المؤمنین ع اللفظه الشاذه- و الکلمه المفرده الصادره عنه ع- فی معرض التألم و التظلم- فیحتج بها و یعتمد علیها- نحوقوله ما زلت مظلوما مذ قبض رسول الله حتى یوم الناس هذا

وقوله لقد ظلمت عدد الحجر و المدر
وقوله إن لنا حقا إن نعطه نأخذه- و إن نمنعه نرکب أعجاز الإبل و إن طال السرى
وقوله فصبرت و فی الحلق شجا و فی العین قذى
وقوله اللهم إنی أستعدیک على قریش- فإنهم ظلمونی حقی و غصبونی إرثی- .

و کان المرتضى إذا ظفر بکلمه من هذه- فکأنما ظفر بملک الدنیا و یودعها کتبه و تصانیفه- فأین کان المرتضى عن هذا الحدیث- و هلا ذکر فی کتاب الشافی فی الإمامه-کلام أمیر المؤمنین ع هذا- و کذلک من قبله من الإمامیه کابن النعمان- و بنی نوبخت و بنی بابویه و غیرهم- و کذلک من جاء بعده من متأخری متکلمی الشیعه- و أصحاب الأخبار و الحدیث منهم إلى وقتنا هذا- و أین کان أصحابنا عن کلام أبی بکر و عمر له ع- و هلا ذکره قاضی القضاه فی المغنی- مع احتوائه على کل ما جرى بینهم- حتى أنه یمکن أن یجمع منه تاریخ کبیر مفرد- فی أخبار السقیفه- و هلا ذکره من کان قبل قاضی القضاه من مشایخنا و أصحابنا- و من جاء بعده من متکلمینا و رجالنا- و کذلک القول فی متکلمی الأشعریه و أصحاب الحدیث کابن الباقلانی و غیره- و کان ابن الباقلانی شدیدا على الشیعه- عظیم العصبیه على أمیر المؤمنین ع- فلو ظفر بکلمه من کلام أبی بکر و عمر فی هذا الحدیث- لملأ الکتب و التصانیف بها و جعلها هجیراه و دأبه- . و الأمر فیما ذکرناه من وضع هذه القصه- ظاهر لمن عنده أدنى ذوق من علم البیان- و معرفه کلام الرجال- و لمن عنده أدنى معرفه بعلم السیر و أقل أنس بالتواریخ- .

قوله ع مودع لا قال و لا مبغض و لا سئم- أی لا ملول سئمت من الشی‏ء أسأم سأما و سآما و سآمه- سئمته إذا مللته و رجل سئوم- . ثم أکد ع هذا المعنى فقال إن انصرفت فلا عن ملاله- و إن أقمت فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرین- أی لیست إقامتی على قبرک و جزعی علیک- إنکارا منی لفضیله الصبر- و التجلد و التعزی و التأسی- و ما وعد الله به الصابرین من الثواب- بل أنا عالم بذلک و لکن یغلبنی بالطبع البشری- . و روی أن فاطمه بنت الحسین ع- ضربت فسطاطا على قبر بعلها الحسن‏ بن الحسن ع سنه- فلما انقضت السنه قوضت الفسطاط راجعه إلى بیتها- فسمعت هاتفا یقول هل بلغوا ما طلبوا- فأجابه هاتف آخر بل یئسوا فانصرفوا- . وذکر أبو العباس محمد بن یزید المبرد فی کتابه الکامل أنه ع تمثل عند قبر فاطمه-

ذکرت أبا أروى فبت کأننی
برد الهموم الماضیات وکیل‏

لکل اجتماع من خلیلین فرقه
و کل الذی دون الفراق قلیل‏

و إن افتقادی واحدا بعد واحد
دلیل على ألا یدوم خلیل‏

 و الناس یرونه-

و إن افتقادی فاطما بعد أحمد

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۰

بازدیدها: ۹۷

خطبه ۱۹۴ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۹۴ و من کلام له ع

أَیُّهَا النَّاسُ- لَا تَسْتَوْحِشُوا فِی طَرِیقِ الْهُدَى لِقِلَّهِ أَهْلِهِ- فَإِنَّ النَّاسَ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَهٍ شِبَعُهَا قَصِیرٌ- وَ جُوعُهَا طَوِیلٌ- أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا یَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا وَ السُّخْطُ- وَ إِنَّمَا عَقَرَ نَاقَهَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ- فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا- فَقَالَ سُبْحَانَهُ فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِینَ- فَمَا کَانَ إِلَّا أَنْ خَارَتْ أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَهِ- خُوَارَ السِّکَّهِ الْمُحْمَاهِ فِی الْأَرْضِ الْخَوَّارَهِ- أَیُّهَا النَّاسُ مَنْ سَلَکَ الطَّرِیقَ الْوَاضِحَ وَرَدَ الْمَاءَ- وَ مَنْ خَالَفَ وَقَعَ فِی التِّیهِ الاستیحاش ضد الاستئناس- و کثیرا ما یحدثه التوحد و عدم الرفیق- فنهى ع عن الاستیحاش فی طریق الهدى- لأجل قله أهله- فإن المهتدی ینبغی أن یأنس بالهدایه- فلا وحشه مع الحق- . و عنى بالمائده الدنیا لذتها قلیله و نغصتها کثیره- و الوجود فیها زمان قصیر جدا- و العدم عنها زمان طویل جدا- .

ثم قال لیست العقوبه لمن اجترم ذلک الجرم بعینه- بل لمن اجترمه و من رضی به و إن لم یباشره بنفسه- فإن عاقر ناقه صالح إنما کان إنسانا واحدا- فعم الله ثمود بالسخط-لما کانوا راضین بذلک الفعل کلهم- و اسم کان مضمر فیها- أی ما کان الانتقام منهم إلا کذا- . و خارت أرضهم بالخسفه صوتت کما یخور الثور- و شبه ع ذلک بصوت السکه المحماه فی الأرض الخواره- و هی اللینه- و إنما جعلها محماه لتکون أبلغ فی ذهابها فی الأرض- و من کلامه ع یوم خیبر یقوله لرسول الله ص- و قد بعثه بالرایه أکون فی أمرک کالسکه المحماه فی الأرض- أم الشاهد یرى ما لا یرى الغائب- فقال له بل یرى الشاهد ما لا یرى الغائب – .

و قال له أیضا هذه اللفظه لما بعثه فی شأن ماریه القبطیه- و ما کانت اتهمت به من أمر الأسود القبطی- و لهذا عله فی العلم الطبیعی- و ذلک أن السکه المحماه تخرق الأرض بشیئین- أحدهما تحدد رأسها و الثانی حرارته- فإن الجسم المحدد الحار إذا اعتمد علیه فی الأرض- اقتضت الحراره- إعانه ذلک الطرف المحدد على النفوذ بتحلیلها- ما تلاقی من صلابه الأرض- لأن شأن الحراره التحلیل- فیکون غوص ذلک الجسم المحدد فی الأرض أوحى و أسهل- . و التیه المفازه یتحیر سالکها

قصه صالح و ثمود

قال المفسرون- إن عادا لما أهلکت عمرت ثمود بلادها- و خلفوهم فی الأرض- و کثروا و عمروا أعمارا طوالا- حتى إن الرجل کان یبنی المسکن المحکم فینهدم فی حیاته- فنحتوا البیوت فی الجبال- و کانوا فی سعه و رخاء من العیش فعتوا على الله- و أفسدوا فی الأرض و عبدوا الأوثان- فبعث الله إلیهم صالحا و کانوا قوما عربا- و صالح من أوسطهم‏نسبا- فما آمن به إلا قلیل منهم مستضعفون فحذرهم و أنذرهم- فسألوه آیه فقال أیه آیه تریدون- قالوا تخرج معنا إلى عیدنا فی یوم معلوم لهم من السنه- فتدعو إلهک و ندعو إلهنا- فإن استجیب لک اتبعناک- و إن استجیب لنا اتبعتنا- . قال نعم فخرج معهم و دعوا أوثانهم- و سألوها الاستجابه فلم تجب- فقال سیدهم جندع بن عمرو- و أشار إلى صخره منفرده فی ناحیه الجبل یسمونها الکاثبه- أخرج لنا فی هذه الصخره ناقه مخترجه جوفاء وبراء- و المخترجه التی شاکلت البخت- فإن فعلت صدقناک و أجبناک- .

فأخذ علیهم المواثیق- لئن فعلت ذلک لتؤمنن و لتصدقن قالوا نعم- فصلى و دعا ربه- فتمخضت الصخره تمخض النتوج بولدها- فانصدعت عن ناقه عشراء جوفاء وبراء کما وصفوا- لا یعلم ما بین جنبیها إلا الله و عظماؤهم ینظرون- ثم نتجت ولدا مثلها فی العظم- فآمن به جندع و رهط من قومه- و منع أعقابهم ناس من رءوسهم أن یؤمنوا- فمکثت الناقه مع ولدها ترعى الشجر و تشرب الماء- و کانت ترد غبا- فإذا کان یومها وضعت رأسها فی البئر- فما ترفعه حتى تشرب کل ماء فیها ثم تتفجح- فیحتلبون ما شاءوا حتى تمتلئ أوانیهم- فیشربون و یدخرون- فإذا وقع الحر تصیفت بظهر الوادی- فتهرب منها أنعامهم فتهبط إلى بطنه- و إذا وقع البرد تشتت ببطن الوادی- فتهرب مواشیهم إلى ظهره فشق ذلک علیهم- و زینت عقرها لهم امرأتان- عنیزه أم غنم و صدفه بنت المختار- لما أضرت به من مواشیهما- و کانتا کثیرتی المواشی فعقروها- عقرها قدار الأحمر و اقتسموا لحمها و طبخوه- .

فانطلق سقبها حتى رقی جبلا اسمه قاره فرغا ثلاثا- و کان صالح قال لهم- أدرکوا الفصیل عسى أن یرفع عنکم العذاب- فلم یقدروا علیه و انفجت الصخره بعد رغائه فدخلها- فقال لهم صالح تصبحون غدا و وجوهکم مصفره- و بعد غد وجوهکم محمره- و الیوم الثالث وجوهکم مسوده ثم یغشاکم العذاب- . فلما رأوا العلامات طلبوا أن یقتلوه- فأنجاه الله سبحانه إلى أرض فلسطین- فلما کان الیوم الرابع و ارتفعت الضحوه- تحنطوا بالصبر و تکفنوا بالأنطاع- فأتتهم صیحه من السماء و خسف شدید و زلزال- فتقطعت قلوبهم فهلکوا- .

و قد جاء فی الحدیث أن رسول الله ص مر بالحجر فی غزوه تبوک- فقال لأصحابه لا یدخلن أحد منکم القریه- و لا تشربوا من مائها و لا تدخلوا على هؤلاء المعذبین- إلا أن تمروا باکین أن یصیبکم مثل ما أصابهم و روى المحدثون أن النبی ص قال لعلی ع- أ تدری من أشقى الأولین قال نعم عاقر ناقه صالح- قال أ فتدری من أشقى الآخرین قال الله و رسوله أعلم- قال من یضربک على هذه حتى تخضب هذه

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۰

بازدیدها: ۳۹

خطبه ۱۹۳ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۹۳ و من کلام له ع

وَ اللَّهِ مَا مُعَاوِیَهُ بِأَدْهَى مِنِّی وَ لَکِنَّهُ یَغْدِرُ وَ یَفْجُرُ- وَ لَوْ لَا کَرَاهِیَهُ الْغَدْرِ لَکُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ- وَ لَکِنْ کُلُّ غُدَرَهٍ فُجَرَهٌ وَ کُلُّ فُجَرَهٍ کُفَرَهٌ- وَ لِکُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ یُعْرَفُ بِهِ یَوْمَ الْقِیَامَهِ- وَ اللَّهِ مَا أُسْتَغْفَلُ بِالْمَکِیدَهِ وَ لَا أُسْتَغْمَزُ بِالشَّدِیدَهِ الغدره على فعله الکثیر الغدر- و الفجره و الکفره الکثیر الفجور و الکفر- و کل ما کان على هذا البناء فهو للفاعل- فإن سکنت العین فهو للمفعول- تقول رجل ضحکه أی یضحک و ضحکه یضحک منه- و سخره یسخر و سخره یسخر به- یقول ع کل غادر فاجر و کل فاجر کافر- و یروى و لکن کل غدره فجره و کل فجره کفره- على فعله للمره الواحده- . وقوله لکل غادر لواء یعرف به یوم القیامهحدیث صحیح مروی عن النبی ص- . ثم أقسم ع أنه لا یستغفل بالمکیده- أی لا تجوز المکیده علی- کما تجوز على ذوی الغفله- و أنه لا یستغمز بالشدیده- أی لا أهین و ألین للخطب الشدید

سیاسه علی و جریها على سیاسه الرسول ع

و اعلم أن قوما ممن لم یعرف حقیقه فضل أمیر المؤمنین ع- زعموا أن عمر کان أسوس منه- و إن کان هو أعلم من عمر- و صرح الرئیس أبو علی بن سینا بذلک- فی الشفاء فی الحکمه- و کان شیخنا أبو الحسین یمیل إلى هذا- و قد عرض به فی کتاب الغرر- ثم زعم أعداؤه و مباغضوه- أن معاویه کان أسوس منه و أصح تدبیرا- و قد سبق لنا بحث قدیم فی هذا الکتاب- فی بیان حسن سیاسه أمیر المؤمنین ع و صحه تدبیره- و نحن نذکر هاهنا ما لم نذکره هناک- مما یلیق بهذا الفصل الذی نحن فی شرحه- .

اعلم أن السائس لا یتمکن من السیاسه البالغه- إلا إذا کان یعمل برأیه- و بما یرى فیه صلاح ملکه و تمهید أمره و توطید قاعدته- سواء وافق الشریعه أو لم یوافقها- و متى لم یعمل فی السیاسه و التدبیر بموجب ما قلناه- فبعید أن ینتظم أمره أو یستوثق حاله- و أمیر المؤمنین کان مقیدا بقیود الشریعه- مدفوعا إلى اتباعها و رفض ما یصلح اعتماده- من آراء الحرب و الکید و التدبیر- إذا لم یکن للشرع موافقا- فلم تکن قاعدته فی خلافته قاعده غیره- ممن لم یلتزم بذلک- و لسنا بهذا القول زارین على عمر بن الخطاب- و لا ناسبین إلیه ما هو منزه عنه- و لکنه کان مجتهدا- یعمل بالقیاس و الاستحسان و المصالح المرسله- و یرى تخصیص عمومات النص بالآراء- و بالاستنباط من أصول- تقتضی خلاف ما یقتضیه عموم النصوص- و یکید خصمه و یأمر أمراءه بالکید و الحیله- و یؤدب بالدره و السوط- من‏یتغلب على ظنه أنه یستوجب ذلک- و یصفح عن آخرین قد اجترموا ما یستحقون به التأدیب- کل ذلک بقوه اجتهاده و ما یؤدیه إلیه نظره- و لم یکن أمیر المؤمنین ع یرى ذلک- و کان یقف مع النصوص و الظواهر- و لا یتعداها إلى الاجتهاد و الأقیسه- و یطبق أمور الدنیا على أمور الدین- و یسوق الکل مساقا واحدا- و لا یضیع و لا یرفع إلا بالکتاب و النص- فاختلفت طریقتاهما فی الخلافه و السیاسه- و کان عمر مع ذلک شدید الغلظه و السیاسه- و کان علی ع کثیر الحلم و الصفح و التجاوز- فازدادت خلافه ذاک قوه و خلافه هذا لینا- و لم یمن عمر بما منی به علی ع من فتنه عثمان- التی أحوجته إلى مداراه أصحابه و جنده و مقاربتهم- للاضطراب الواقع بطریق تلک الفتنه- ثم تلا ذلک فتنه الجمل و فتنه صفین ثم فتنه النهروان- و کل هذه الأمور مؤثره فی اضطراب أمر الوالی- و انحلال معاقد ملکه- و لم یتفق لعمر شی‏ء من ذلک- فشتان بین الخلافتین فیما یعود إلى انتظام المملکه- و صحه تدبیر الخلافه- .

فإن قلت فما قولک فی سیاسه رسول الله ص و تدبیره- أ لیس کان منتظما سدیدا مع أنه کان لا یعمل إلا بالنصوص- و التوقیف من الوحی- فهلا کان تدبیر علی ع و سیاسته کذلک- إذا قلتم إنه کان لا یعمل إلا بالنص- قلت أما سیاسه رسول الله ص و تدبیره فخارج عما نحن فیه- لأنه معصوم لا تتطرق الغفله إلى أفعاله- و لا واحد من هذین الرجلین بواجب العصمه عندنا- و أیضا فإن کثیرا من الناس- ذهبوا إلى أن الله تعالى أذن لرسول الله ص- أن یحکم فی الشرعیات و غیرها برأیه- و قال له احکم بما تراه فإنک لا تحکم إلا بالحق- و هذا مذهب یونس بن عمران- و على هذا فقد سقط السؤال- لأنه ص یعمل بما یراه من المصلحه و لا ینتظر الوحی- .

و أیضا فبتقدیر فساد هذا المذهب- أ لیس قد ذهب خلق کثیر من علماء أصول الفقه- إلى أن رسول الله ص کان یجوز له- أن یجتهد فی الأحکام و التدبیر- کما یجتهدالواحد من العلماء- و إلیه ذهب القاضی أبو یوسف رحمه الله- و احتج بقوله تعالى لِتَحْکُمَ بَیْنَ النَّاسِ بِما أَراکَ اللَّهُ- . و السؤال أیضا ساقط على هذا المذهب- لأن اجتهاد علی ع لا یساوی اجتهاد النبی ص- و بین الاجتهادین کما بین المنزلتین- . و کان أبو جعفر بن أبی زید الحسنی نقیب البصره رحمه الله- إذا حدثناه فی هذا یقول- إنه لا فرق عند من قرأ السیرتین- سیره النبی ص و سیاسه أصحابه أیام حیاته- و بین سیره أمیر المؤمنین ع و سیاسه أصحابه أیام حیاته- فکما أن علیا ع لم یزل أمره مضطربا معهم- بالمخالفه و العصیان و الهرب إلى أعدائه- و کثره الفتن و الحروب- فکذلک کان النبی ص- لم یزل ممنوا بنفاق المنافقین و أذاهم- و خلاف أصحابه علیه و هرب بعضهم إلى أعدائه- و کثره الحروب و الفتن- .

و کان یقول أ لست ترى القرآن العزیز- مملوءا بذکر المنافقین و الشکوى منهم- و التألم من أذاهم له- کما أن کلام علی ع مملوء بالشکوى من منافقی أصحابه- و التألم من أذاهم له و التوائهم علیه- و ذلک نحو قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِینَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى‏- ثُمَّ یَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ- وَ یَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ مَعْصِیَهِ الرَّسُولِ- وَ إِذا جاؤُکَ حَیَّوْکَ بِما لَمْ یُحَیِّکَ بِهِ اللَّهُ- وَ یَقُولُونَ فِی أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا یُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ- حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ یَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِیرُ- . و قوله إِنَّمَا النَّجْوى‏ مِنَ الشَّیْطانِ- لِیَحْزُنَ الَّذِینَ آمَنُوا الآیه- . و قوله تعالى إِذا جاءَکَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّکَ لَرَسُولُ اللَّهِ- وَ اللَّهُ یَعْلَمُ إِنَّکَ‏ لَرَسُولُهُ وَ اللَّهُ یَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِینَ لَکاذِبُونَ- اتَّخَذُوا أَیْمانَهُمْ جُنَّهً فَصَدُّوا عَنْ سَبِیلِ اللَّهِ- إِنَّهُمْ ساءَ ما کانُوا یَعْمَلُونَ السوره بأجمعها- .

و قوله تعالى وَ مِنْهُمْ مَنْ یَسْتَمِعُ إِلَیْکَ- حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِکَ- قالُوا لِلَّذِینَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً- أُولئِکَ الَّذِینَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ- . و قوله تعالى رَأَیْتَ الَّذِینَ فِی قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ- یَنْظُرُونَ إِلَیْکَ نَظَرَ الْمَغْشِیِّ عَلَیْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى‏ لَهُمْ- طاعَهٌ وَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ- فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَکانَ خَیْراً لَهُمْ- . و قوله تعالى أَمْ حَسِبَ الَّذِینَ فِی قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ- أَنْ لَنْ یُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ- وَ لَوْ نَشاءُ لَأَرَیْناکَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِیماهُمْ- وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِی لَحْنِ الْقَوْلِ وَ اللَّهُ یَعْلَمُ أَعْمالَکُمْ- . و قوله تعالى سَیَقُولُ لَکَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ- شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَ أَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا- یَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَیْسَ فِی قُلُوبِهِمْ- قُلْ فَمَنْ یَمْلِکُ لَکُمْ مِنَ اللَّهِ شَیْئاً- إِنْ أَرادَ بِکُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِکُمْ نَفْعاً- بَلْ کانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِیراً- بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ یَنْقَلِبَ الرَّسُولُ- وَ الْمُؤْمِنُونَ إِلى‏ أَهْلِیهِمْ أَبَداً وَ زُیِّنَ ذلِکَ فِی قُلُوبِکُمْ- وَ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَ کُنْتُمْ قَوْماً بُوراً- .

و قوله تعالى سَیَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى‏ مَغانِمَ- لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْکُمْ یُرِیدُونَ أَنْ یُبَدِّلُوا کَلامَ اللَّهِ- قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا کَذلِکُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ-فَسَیَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا- بَلْ کانُوا لا یَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِیلًا- . و قوله إِنَّ الَّذِینَ یُنادُونَکَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ- أَکْثَرُهُمْ لا یَعْقِلُونَ- وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَیْهِمْ لَکانَ خَیْراً لَهُمْ- وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِیمٌ- . قال و أصحابه هم الذین نازعوا فی الأنفال و طلبوها لأنفسهم- حتى أنزل الله تعالى قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَیْنِکُمْ- وَ أَطِیعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ کُنْتُمْ مُؤْمِنِینَ- . و هم الذین التووا علیه فی الحرب یوم بدر- و کرهوا لقاء العدو حتى خیف خذلانهم- و ذلک قبل أن تتراءى الفئتان- و أنزل فیهم یُجادِلُونَکَ فِی الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَیَّنَ- کَأَنَّما یُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ یَنْظُرُونَ- .

و هم الذین کانوا یتمنون لقاء العیر دون لقاء العدو- حتى إنهم ظفروا برجلین فی الطریق- فسألوهما عن العیر فقالا لا علم لنا بها- و إنما رأینا جیش قریش من وراء ذلک الکثیب- فضربوهما و رسول الله ص قائم یصلی- فلما ذاقا مس الضرب قالا بل العیر أمامکم فاطلبوها- فلما رفعوا الضرب عنهما- قالا و الله ما رأینا العیر- و لا رأینا إلا الخیل و السلاح و الجیش- فأعادوا الضرب علیهما مره ثانیه- فقالا و هما یضربان العیر أمامکم- فخلوا عنا فانصرف رسول الله ص من الصلاه- و قال إذا صدقاکم ضربتموهما- و إذا کذباکم خلیتم عنهما دعوهما- فما رأیا إلا جیش أهل مکه و أنزل قوله تعالى- وَ إِذْ یَعِدُکُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَیْنِ أَنَّها لَکُمْ- وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَیْرَ ذاتِ الشَّوْکَهِ تَکُونُ لَکُمْ- وَ یُرِیدُ اللَّهُ أَنْ یُحِقَّ الْحَقَّ بِکَلِماتِهِ وَ یَقْطَعَ‏دابِرَ الْکافِرِینَ- قال المفسرون- الطائفتان العیر ذات اللطیمه- الواصله إلى مکه من الشام- صحبه أبی سفیان بن حرب- و إلیها کان خروج المسلمین- و الأخرى الجیش ذو الشوکه- و کان ع قد وعدهم بإحدى الطائفتین- فکرهوا الحرب و أحبوا الغنیمه- .

قال و هم الذین فروا عنه ص یوم أحد- و أسلموه و أصعدوا فی الجبل- و ترکوه حتى شج الأعداء وجهه و کسروا ثنیته- و ضربوه على بیضته حتى دخل جماجمه- و وقع من فرسه إلى الأرض بین القتلى- و هو یستصرخ بهم و یدعوهم- فلا یجیبه أحد منهم إلا من کان جاریا مجرى نفسه- و شدید الاختصاص به و ذلک قوله تعالى- إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى‏ أَحَدٍ- وَ الرَّسُولُ یَدْعُوکُمْ فِی أُخْراکُمْ- أی ینادی فیسمع نداءه آخر الهاربین لا أولهم- لأن أولهم أوغلوا فی الفرار- و بعدوا عن أن یسمعوا صوته- و کان قصارى الأمر أن یبلغ صوته و استصراخه- من کان على ساقه الهاربین منهم- . قال و منهم الذین عصوا أمره فی ذلک الیوم- حیث أقامهم على الشعب فی الجبل- و هو الموضع الذی خاف أن تکر علیه منه- خیل العدو من ورائه- و هم أصحاب عبد الله بن جبیر- فإنهم خالفوا أمره و عصوه فیما تقدم به إلیهم- و رغبوا فی الغنیمه ففارقوا مرکزهم- حتى دخل الوهن على الإسلام بطریقهم- لأن خالد بن الولید کر فی عصابه من الخیل- فدخل من الشعب الذی کانوا یحرسونه- فما أحس المسلمون بهم إلا و قد غشوهم بالسیوف من خلفهم- فکانت الهزیمه و ذلک قوله تعالى- حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ‏وَ تَنازَعْتُمْ فِی الْأَمْرِ- وَ عَصَیْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراکُمْ ما تُحِبُّونَ- مِنْکُمْ مَنْ یُرِیدُ الدُّنْیا وَ مِنْکُمْ مَنْ یُرِیدُ الْآخِرَهَ- .

قال و هم الذین عصوا أمره فی غزاه تبوک- بعد أن أکد علیهم الأوامر- و خذلوه و ترکوه و لم یشخصوا معه- فأنزل فیهم یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا- ما لَکُمْ إِذا قِیلَ لَکُمُ انْفِرُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ- أَ رَضِیتُمْ بِالْحَیاهِ الدُّنْیا مِنَ الْآخِرَهِ- فَما مَتاعُ الْحَیاهِ الدُّنْیا فِی الْآخِرَهِ إِلَّا قَلِیلٌ- إِلَّا تَنْفِرُوا یُعَذِّبْکُمْ عَذاباً أَلِیماً- وَ یَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَیْرَکُمْ وَ لا تَضُرُّوهُ شَیْئاً- وَ اللَّهُ عَلى‏ کُلِّ شَیْ‏ءٍ قَدِیرٌ- و هذه الآیه خطاب مع المؤمنین لا مع المنافقین- و فیها أوضح دلیل على أن أصحابه و أولیاءه- المصدقین لدعوته کانوا یعصونه و یخالفون أمره- و أکد عتابهم و تقریعهم و توبیخهم بقوله تعالى- لَوْ کانَ عَرَضاً قَرِیباً وَ سَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوکَ- وَ لکِنْ بَعُدَتْ عَلَیْهِمُ الشُّقَّهُ- وَ سَیَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَکُمْ- یُهْلِکُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اللَّهُ یَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَکاذِبُونَ- .

ثم عاتب رسول الله ص على کونه أذن لهم فی التخلف- و إنما أذن لهم لعلمه أنهم لا یجیبونه فی الخروج- فرأى أن یجعل المنه له علیهم فی الإذن لهم- و إلا قعدوا عنه و لم تصل له المنه- فقال له عَفَا اللَّهُ عَنْکَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ- حَتَّى یَتَبَیَّنَ لَکَ الَّذِینَ صَدَقُوا وَ تَعْلَمَ الْکاذِبِینَ- أی هلا أمسکت عن الإذن لهم حتى یتبین لک قعود من یقعد- و خروج من یخرج صادقهم من کاذبهم- لأنهم کانوا قد وعدوه بالخروج معه کلهم- و کان بعضهم ینوی الغدر- و بعضهم یعزم على أن یخیس بذلک الوعد- فلو لم یأذن لهم لعلم من یتخلف و من لا یتخلف- فعرف الصادق منهم و الکاذب- .

ثم بین سبحانه و تعالى- أن الذین یستأذنونه فی التخلف خارجون من الإیمان- فقال له لا یَسْتَأْذِنُکَ الَّذِینَ یُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْیَوْمِ الْآخِرِ- أَنْ یُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ وَ اللَّهُ عَلِیمٌ بِالْمُتَّقِینَ- إِنَّما یَسْتَأْذِنُکَ الَّذِینَ لا یُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْیَوْمِ الْآخِرِ- وَ ارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِی رَیْبِهِمْ یَتَرَدَّدُونَ- . و لا حاجه إلى التطویل بذکر الآیات المفصله- فیما یناسب هذا المعنى- فمن تأمل الکتاب العزیز- علم حاله ص مع أصحابه کیف کانت- و لم ینقله الله تعالى إلى جواره- إلا و هو مع المنافقین له- و المظهرین خلاف ما یضمرون من تصدیقه فی جهاد شدید- حتى لقد کاشفوه مرارا- فقال لهم یوم الحدیبیه احلقوا و انحروا مرارا- فلم یحلقوا و لم ینحروا- و لم یتحرک أحد منهم عند قوله- و قال له بعضهم و هو یقسم الغنائم- اعدل یا محمد فإنک لم تعدل- .

و قالت الأنصار له مواجهه یوم حنین- أ تأخذ ما أفاء الله علینا بسیوفنا- فتدفعه إلى أقاربک من أهل مکه- حتى أفضى الأمر إلى أنقال لهم فی مرض موته- ائتونی بدواه و کتف أکتب لکم ما لا تضلون بعده- فعصوه و لم یأتوه بذلک- و لیتهم اقتصروا على عصیانه- و لم یقولوا له ما قالوا و هو یسمع- . و کان أبو جعفر رحمه الله یقول من هذا ما یطول شرحه- و القلیل منه ینبئ عن الکثیر- و کان یقول إن الإسلام ما حلا عندهم- و لا ثبت فی قلوبهم إلا بعد موته- حین فتحت علیهم الفتوح و جاءتهم الغنائم و الأموال- و کثرت علیهم المکاسب و ذاقوا طعم الحیاه- و عرفوا لذه الدنیا و لبسوا الناعم- و أکلوا الطیب و تمتعوا بنساء الروم- و ملکوا خزائن کسرى- و تبدلوا بذلک القشف و الشظف و العیش الخشن- و أکل‏الضباب و القنافذ و الیرابیع- و لبس الصوف و الکرابیس و أکل اللوزینجات و الفالوذجات- و لبس الحریر و الدیباج- فاستدلوا بما فتحه الله علیهم- و أتاحه لهم على صحه الدعوه و صدق الرساله- و قد کان ص وعدهم بأنه سیفتح علیهم کنوز کسرى و قیصر- فلما وجدوا الأمر قد وقع بموجب ما قاله- عظموه و بجلوه و انقلبت تلک الشکوک و ذاک النفاق- و ذلک الاستهزاء إیمانا و یقینا و إخلاصا- و طاب لهم العیش و تمسکوا بالدین- لأنه زادهم طریقا إلى نیل الدنیا- فعظموا ناموسه و بالغوا فی إجلاله- و إجلال الرسول الذی جاء به- ثم انقرض الأسلاف و جاء الأخلاف على عقیده ممهده- و أمر أخذوه تقلیدا من أسلافهم الذین ربوا فی حجورهم- ثم انقرض ذلک القرن و جاء من بعدهم کذلک و هلم جرا- .

قال و لو لا الفتوح و النصر و الظفر- الذی منحهم الله تعالى إیاه- و الدوله التی ساقها إلیهم- لانقرض دین الإسلام بعد وفاه رسول الله ص- و کان یذکر فی التواریخ کما تذکر الآن نبوه خالد بن سنان العبسی- حیث ظهر و دعا إلى الدین- و کان الناس یعجبون من ذلک- و یتذاکرونه کما یعجبون- و یتذاکرون أخبار من نبغ من الرؤساء و الملوک- و الدعاه الذین انقرض أمرهم و بقیت أخبارهم- .

و کان یقول من تأمل حال الرجلین- وجدهما متشابهتین فی جمیع أمورهما أو فی أکثرها- و ذلک لأن حرب رسول الله ص مع المشرکین کانت سجالا- انتصر یوم بدر و انتصر المشرکون علیه یوم أحد- و کان یوم الخندق کفافا خرج هو و هم سواء لا علیه و لا له- لأنهم قتلوا رئیس الأوس و هو سعد بن معاذ- و قتل منهم فارس قریش و هو عمرو بن عبد ود- و انصرفوا عنه بغیر حرب بعد تلک الساعه التی کانت- ثم حارب بعدها قریشا یوم الفتح فکان الظفر له- . و هکذا کانت حروب علی ع انتصر یوم الجمل- و خرج الأمر بینه و بین‏ معاویه على سواء- قتل من أصحابه رؤساء و من أصحاب معاویه رؤساء- و انصرف کل واحد من الفریقین عن صاحبه بعد الحرب على مکانه- ثم حارب بعد صفین أهل النهروان فکان الظفر له- .

قال و من العجب أن أول حروب رسول الله ص کانت بدرا- و کان هو المنصور فیها- و أول حروب علی ع الجمل- و کان هو المنصور فیها- ثم کان من صحیفه الصلح و الحکومه یوم صفین- نظیر ما کان من صحیفه الصلح و الهدنه یوم الحدیبیه- ثم دعا معاویه فی آخر أیام علی ع إلى نفسه و تسمى بالخلافه- کما أن مسیلمه و الأسود العنسی دعوا إلى أنفسهما- فی آخر أیام رسول الله ص و تسمیا بالنبوه- و اشتد على علی ع ذلک- کما اشتد على رسول الله ص أمر الأسود و مسیلمه- و أبطل الله أمرهما بعد وفاه النبی ص- و کذلک أبطل أمر معاویه و بنی أمیه بعد وفاه علی ع- و لم یحارب رسول الله ص أحد من العرب إلا قریش- ما عدا یوم حنین- و لم یحارب علیا ع من العرب أحد- إلا قریش ما عدا یوم النهروان- و مات علی ع شهیدا بالسیف- و مات رسول الله ص شهیدا بالسم- و هذا لم یتزوج على خدیجه أم أولاده حتى ماتت- و هذا لم یتزوج على فاطمه أم أشرف أولاده حتى ماتت- و مات رسول الله ص عن ثلاث و ستین سنه- و مات علی ع عن مثلها- .

و کان یقول انظروا إلى أخلاقهما و خصائصهما- هذا شجاع و هذا شجاع و هذا فصیح و هذا فصیح- و هذا سخی جواد و هذا سخی جواد- و هذا عالم بالشرائع و الأمور الإلهیه- و هذا عالم بالفقه و الشریعه- و الأمور الإلهیه الدقیقه الغامضه- و هذا زاهد فی الدنیا غیر نهم و لا مستکثر منها- و هذا زاهد فی الدنیا تارک لها غیر متمتع بلذاتها- و هذا مذیب نفسه فی الصلاه و العباده و هذا مثله- و هذا غیر محبب إلیه شی‏ء من الأمور العاجله إلا النساء- و هذا مثله- و هذا ابن عبد المطلب بن هاشم و هذا فی قعدده- و أبواهما أخوان لأب و أم دون غیرهما من بنی عبد المطلب- و ربی محمد ص فی حجر والد هذا و هذا أبو طالب- فکان جاریا عنده مجرى أحد أولاده- ثم لما شب ص و کبر استخلصه من بنی أبی طالب و هو غلام- فرباه فی حجره مکافأه لصنیع أبی طالب به- فامتزج الخلقان و تماثلت السجیتان- و إذا کان القرین مقتدیا بالقرین- فما ظنک بالتربیه و التثقیف الدهر الطویل- فواجب أن تکون أخلاق محمد ص کأخلاق أبی طالب- و تکون أخلاق علی ع کأخلاق أبی طالب أبیه- و محمد ع مربیه- و أن یکون الکل شیمه واحده و سوسا واحدا- و طینه مشترکه و نفسا غیر منقسمه و لا متجزئه- و ألا یکون بین بعض هؤلاء و بعض فرق و لا فضل- لو لا أن الله تعالى اختص محمدا ص برسالته و اصطفاه لوحیه- لما یعلمه من مصالح البریه فی ذلک- و من أن اللطف به أکمل و النفع بمکانه أتم و أعم- فامتاز رسول الله ص بذلک عمن سواه- و بقی ما عدا الرساله على أمر الاتحاد- و إلى هذا المعنىأشار ص بقوله أخصمک بالنبوه فلا نبوه بعدی- و تخصم الناس بسبعوقال له أیضا أنت منی بمنزله هارون من موسى- إلا أنه لا نبی بعدیفأبان نفسه منه بالنبوه- و أثبت له ما عداها من جمیع الفضائل- و الخصائص مشترکا بینهما- .

و کان النقیب أبو جعفر رحمه الله غزیر العلم- صحیح العقل منصفا فی الجدال- غیر متعصب للمذهب و إن کان علویا- و کان یعترف بفضائل الصحابه و یثنی على الشیخین- . و یقول إنهما مهدا دین الإسلام و أرسیا قواعده- و لقد کان شدید الاضطراب فی حیاه رسول الله ص- و إنما مهداه بما تیسر للعرب من الفتوح- و الغنائم فی دولتهما- . و کان یقول فی عثمان- إن الدوله فی أیامه کانت على إقبالها و علو جدها- بل کانت الفتوح فی أیامه أکثر و الغنائم أعظم- لو لا أنه لم یراع ناموس الشیخین- و لم یستطع أن یسلک‏ مسلکهما- و کان مضعفا فی أصل القاعده مغلوبا علیه- و کثیر الحب لأهله- و أتیح له من مروان وزیر سوء أفسد القلوب علیه- و حمل الناس على خلعه و قتلهکلام أبی جعفر الحسنی فی الأسباب التی أوجبت محبه الناس لعلیو کان أبو جعفر رحمه الله لا یجحد الفاضل فضله- و الحدیث شجون- .

قلت له مره ما سبب حب الناس لعلی بن أبی طالب ع- و عشقهم له و تهالکهم فی هواه- و دعنی فی الجواب من حدیث الشجاعه و العلم و الفصاحه- و غیر ذلک من الخصائص التی رزقه الله سبحانه- الکثیر الطیب منها- . فضحک و قال لی کم تجمع جرامیزک علی- . ثم قال هاهنا مقدمه ینبغی أن تعلم- و هی أن أکثر الناس موتورون من الدنیا- أما المستحقون فلا ریب فی أن أکثرهم محرومون- نحو عالم یرى أنه لا حظ له فی الدنیا- و یرى جاهلا غیره مرزوقا و موسعا علیه- و شجاع قد أبلى فی الحرب و انتفع بموضعه- لیس له عطاء یکفیه و یقوم بضروراته- و یرى غیره و هو جبان فشل یفرق من ظله- مالکا لقطر عظیم من الدنیا- و قطعه وافره من المال و الرزق- و عاقل سدید التدبیر صحیح العقل قد قدر علیه رزقه- و هو یرى غیره أحمق مائقا تدر علیه الخیرات- و تتحلب علیه أخلاف الرزق- و ذی دین قویم و عباده حسنه و إخلاص و توحید- و هو محروم ضیق الرزق- و یرى غیره یهودیا أو نصرانیا أو زندیقا- کثیر المال حسن الحال- حتى إن هذه الطبقات المستحقه- یحتاجون فی أکثر الوقت- إلى الطبقات التی لا استحقاق‏لها- و تدعوهم الضروره إلى الذل لهم و الخضوع بین أیدیهم- إما لدفع ضرر أو لاستجلاب نفع- و دون هذه الطبقات من ذوی الاستحقاق أیضا- ما نشاهده عیانا من نجار حاذق أو بناء عالم- أو نقاش بارع أو مصور لطیف- على غایه ما یکون من ضیق رزقهم- و قعود الوقت بهم و قله الحیله لهم- و یرى غیرهم ممن لیس یجری مجراهم و لا یلحق طبقتهم- مرزوقا مرغوبا فیه- کثیر المکسب طیب العیش واسع الرزق- فهذا حال ذوی الاستحقاق و الاستعداد- و أما الذین لیسوا من أهل الفضائل کحشو العامه- فإنهم أیضا لا یخلون من الحقد على الدنیا و الذم لها- و الحنق و الغیظ منها- لما یلحقهم من حسد أمثالهم و جیرانهم- و لا یرى أحد منهم قانعا بعیشه و لا راضیا بحاله- بل یستزید و یطلب حالا فوق حاله- .

قال فإذا عرفت هذه المقدمه- فمعلوم أن علیا ع کان مستحقا محروما- بل هو أمیر المستحقین المحرومین و سیدهم و کبیرهم- و معلوم أن الذین ینالهم الضیم- و تلحقهم المذله و الهضیمه- یتعصب بعضهم لبعض و یکونون إلبا و یدا واحده- على المرزوقین الذین ظفروا بالدنیا- و نالوا مآربهم منها- لاشتراکهم فی الأمر الذی آلمهم و ساءهم- و عضهم و مضهم- و اشتراکهم فی الأنفه و الحمیه و الغضب- و المنافسه لمن علا علیهم و قهرهم- و بلغ من الدنیا ما لم یبلغوه- فإذا کان هؤلاء أعنی المحرومین- متساوین فی المنزله و المرتبه- و تعصب بعضهم لبعض- فما ظنک بما إذا کان منهم رجل عظیم القدر- جلیل الخطر کامل الشرف- جامع للفضائل محتو على الخصائص و المناقب- و هو مع ذلک محروم محدود و قد جرعته الدنیا علاقمها- و علته عللا بعد نهل من صابها و صبرها- و لقی منها برحا بارحا و جهدا جهیدا- و علا علیه من هو دونه- و حکم فیه و فی بنیه و أهله و رهطه- من لم یکن ما ناله من الإمره و السلطان فی حسابه- و لا دائرا فی خلده و لا خاطرا بباله- و لا کان أحد من الناس یرتقب ذلک له و لا یراه له- ثم کان فی آخر الأمر أن قتل هذا الرجل الجلیل فی‏ محرابه- و قتل بنوه بعده و سبی حریمه و نساؤه- و تتبع أهله و بنو عمه بالقتل- و الطرد و التشرید و السجون- مع فضلهم و زهدهم و عبادتهم و سخائهم- و انتفاع الخلق بهم- فهل یمکن ألا یتعصب البشر کلهم مع هذا الشخص- و هل تستطیع القلوب ألا تحبه و تهواه- و تذوب فیه و تفنى فی عشقه انتصارا له- و حمیه من أجله و أنفه مما ناله- و امتعاضا مما جرى علیه- و هذا أمر مرکوز فی الطبائع و مخلوق فی الغرائز- کما یشاهد الناس على الجرف إنسانا قد وقع فی الماء العمیق- و هو لا یحسن السباحه- فإنهم بالطبع البشری یرقون علیه رقه شدیده- و قد یلقی قوم منهم أنفسهم فی الماء نحوه- یطلبون تخلیصه- لا یتوقعون على ذلک مجازاه منه بمال أو شکر- و لا ثوابا فی الآخره- فقد یکون منهم من لا یعتقد أمر الآخره- و لکنها رقه بشریه- و کان الواحد منهم یتخیل فی نفسه أنه ذلک الغریق- فکما یطلب خلاص نفسه لو کان هذا الغریق- کذلک یطلب تخلیص من هو فی تلک الحال الصعبه- للمشارکه الجنسیه- و کذلک لو أن ملکا ظلم أهل بلد من بلاده ظلما عنیفا- لکان أهل ذلک البلد یتعصب بعضهم لبعض- فی الانتصار من ذلک الملک و الاستعداء علیه- فلو کان من جملتهم رجل عظیم القدر جلیل الشأن- قد ظلمه الملک أکثر من ظلمه إیاهم- و أخذ أمواله و ضیاعه و قتل أولاده و أهله- کان لیاذهم به و انضواؤهم إلیه- و اجتماعهم و التفافهم به أعظم و أعظم- لأن الطبیعه البشریه تدعو إلى ذلک- على سبیل الإیجاب الاضطراری- و لا یستطیع الإنسان منه امتناعا- .
و هذا محصول قول النقیب أبی جعفر رحمه الله- قد حکیته و الألفاظ لی و المعنى له- لأنی لا أحفظ الآن ألفاظه بعینها- إلا أن هذا هو کان معنى قوله و فحواه رحمه الله- و کان لا یعتقد فی الصحابه- ما یعتقده أکثر الإمامیه فیهم- و یسفه رأی من یذهب فیهم إلى النفاق و التکفیر- و کان یقول حکمهم حکم مسلم مؤمن- عصى فی بعض الأفعال و خالف الأمر- فحکمه إلى الله إن شاء آخذه و إن شاء غفر له- .

قلت له مره أ فتقول أنهما من أهل الجنه- فقال إی و الله أعتقد ذلک- لأنهما إما أن یعفو الله تعالى عنهما ابتداء- أو بشفاعه الرسول ص أو بشفاعه علی ع- أو یؤاخذهما بعقاب أو عتاب ثم ینقلهما إلى الجنه- لا أستریب فی ذلک أصلا- و لا أشک فی إیمانهما برسول الله ص و صحه عقیدتهما- . فقلت له فعثمان قال و کذلک عثمان- ثم قال رحم الله عثمان- و هل کان إلا واحدا منا و غصنا من شجره عبد مناف- و لکن أهله کدروه علینا- و أوقعوا العداوه و البغضاء بینه و بیننا- . قلت له فیلزمک على ما تراه فی أمر هؤلاء- أن تجوز دخول معاویه الجنه- لأنه لم تکن منه إلا المخالفه- و ترک امتثال أمر النبوی- .

فقال کلا إن معاویه من أهل النار- لا لمخالفته علیا و لا بمحاربته إیاه- و لکن عقیدته لم تکن صحیحه و لا إیمانه حقا- و کان من رءوس المنافقین هو و أبوه- و لم یسلم قلبه قط و إنما أسلم لسانه- و کان یذکر من حدیث معاویه و من فلتات قوله- و ما حفظ عنه من کلام یقتضی فساد العقیده شیئا کثیرا- لیس هذا موضعه فأذکره- .

و قال لی مره- حاش لله أن یثبت معاویه فی جریده الشیخین الفاضلین- أبی بکر و عمر و الله ما هما إلا کالذهب الإبریز- و لا معاویه إلا کالدرهم الزائف أو قال کالدرهم القسی- ثم قال لی فما یقول أصحابکم فیهما- قلت أما الذی استقر علیه رأی المعتزله- بعد اختلاف کثیر بین قدمائهم فی التفضیل و غیره- أن علیا ع أفضل الجماعه- و أنهم ترکوا الأفضل لمصلحه رأوها- و أنه لم یکن هناک نص یقطع العذر- و إنما کانت إشاره و إیماء لا یتضمن شی‏ء منها صریح النص- و إن علیا ع نازع ثم بایع-و جمح ثم استجاب- و لو أقام على الامتناع لم نقل بصحه البیعه و لا بلزومها- و لو جرد السیف کما جرده فی آخر الأمر- لقلنا بفسق کل من خالفه على الإطلاق کائنا من کان- و لکنه رضی بالبیعه أخیرا و دخل فی الطاعه- .

و بالجمله أصحابنا یقولون- إن الأمر کان له و کان هو المستحق و المتعین- فإن شاء أخذه لنفسه و إن شاء ولاه غیره- فلما رأیناه قد وافق على ولایه غیره- اتبعناه و رضینا بما رضی- فقال قد بقی بینی و بینکم قلیل- أنا أذهب إلى النص و أنتم لا تذهبون إلیه- . فقلت له إنه لم یثبت النص عندنا بطریق یوجب العلم- و ما تذکرونه أنتم صریحا فأنتم تنفردون بنقله- و ما عدا ذلک من الأخبار التی نشارککم فیها- فلها تأویلات معلومه- . فقال لی و هو ضجر یا فلان- لو فتحنا باب التأویلات لجاز أن یتناول قولنا- لا إله إلا الله محمد رسول الله- دعنی من التأویلات البارده- التی تعلم القلوب و النفوس أنها غیر مراده- و أن المتکلمین تکلفوها و تعسفوها- فإنما أنا و أنت فی الدار و لا ثالث لنا- فیستحیی أحدنا من صاحبه أو یخافه- .

فلما بلغنا إلى هذا الموضع- دخل قوم ممن کان یخشاه- فترکنا ذلک الأسلوب من الحدیث و خضنا فی غیره سیاسه علی و معاویه و إیراد کلام للجاحظ فی ذلک فأما القول فی سیاسه معاویه- و أن شنأه علی ع و مبغضیه- زعموا أنها خیر من سیاسه أمیر المؤمنین- فیکفینا فی الکلام على ذلک ما قاله شیخنا أبو عثمان- و نحن نحکیه بألفاظه- .

قال أبو عثمان- و ربما رأیت بعض من یظن بنفسه العقل- و التحصیل و الفهم و التمییز و هو من العامه- و یظن أنه من الخاصه- یزعم أن معاویه کان أبعد غورا و أصح فکرا- و أجود رویه و أبعد غایه و أدق مسلکا- و لیس الأمر کذلک- و سأرمی إلیک بجمله تعرف بها موضع غلطه- و المکان الذی دخل علیه الخطأ من قبله- . کان علی ع لا یستعمل فی حربه- إلا ما وافق الکتاب و السنه- و کان معاویه یستعمل خلاف الکتاب و السنه- کما یستعمل الکتاب و السنه- و یستعمل جمیع المکاید حلالها و حرامها- و یسیر فی الحرب بسیره ملک الهند إذا لاقى کسرى- و خاقان إذا لاقى رتبیل- و علی ع یقول لا تبدءوهم بالقتال حتى یبدءوکم- و لا تتبعوا مدبرا و لا تجهزوا على جریح- و لا تفتحوا بابا مغلقا- هذه سیرته فی ذی الکلاع و فی أبی الأعور السلمی- و فی عمرو بن العاص و حبیب بن مسلمه- و فی جمیع الرؤساء- کسیرته فی الحاشیه و الحشو و الأتباع و السفله- و أصحاب الحروب- إن قدروا على البیات بیتوا- و إن قدروا على رضخ الجمیع بالجندل و هم نیام فعلوا- و إن أمکن ذلک فی طرفه عین لم یؤخروه إلى ساعه- و إن کان الحرق أعجل من الغرق لم یقتصروا على الغرق- و لم یؤخروا الحرق إلى وقت الغرق- و إن أمکن الهدم لم یتکلفوا الحصار- و لم یدعوا أن ینصبوا المجانیق و العرادات- و النقب و التسریب و الدبابات و الکمین- و لم یدعوا دس السموم- و لا التضریب بین الناس بالکذب- و طرح الکتب فی عساکرهم بالسعایات- و توهیم الأمور و إیحاش بعض من بعض- و قتلهم بکل آله و حیله- کیف وقع القتل و کیف دارت بهم الحال- فمن اقتصر حفظک الله- من التدبیر على ما فی الکتاب و السنه- کان قد منع نفسه الطویل العریض من التدبیر- و ما لا یتناهى من المکاید- و الکذب حفظک الله أکثر من الصدق- و الحرام أکثر عددا من الحلال- و لو سمى إنسان إنسانا باسمه لکان قد صدق- و لیس له اسم غیره- و لو قال هو شیطان أو کلب أو حمار أو شاه أو بعیر- أو کل ما خطر على البال لکان کاذبا فی ذلک- و کذلک الإیمان و الکفر- و کذلک الطاعه و المعصیه و کذلک الحق و الباطل- و کذلک السقم و الصحه و کذلک الخطأ و الصواب- فعلی ع کان ملجما بالورع عن جمیع القول- إلا ما هو لله عز و جل رضا- و ممنوع الیدین من کل بطش إلا ما هو لله رضا- و لا یرى الرضا إلا فیما یرضاه الله و یحبه- و لا یرى الرضا إلا فیما دل علیه الکتاب و السنه- دون ما یعول علیه أصحاب الدهاء و النکراء- و المکاید و الآراء- فلما أبصرت العوام کثره نوادر معاویه فی المکاید- و کثره غرائبه فی الخداع و ما اتفق له و تهیأ على یده- و لم یرو ذلک من علی ع- ظنوا بقصر عقولهم و قله علومهم- أن ذاک من رجحان عند معاویه و نقصان عند علی ع- فانظر بعد هذا کله هل یعد له من الخدع إلا رفع المصاحف- ثم انظر هل خدع بها إلا من عصى رأی علی ع و خالف أمره- .

فإن زعمت أنه قال ما أراد من الاختلاف فقد صدقت- و لیس فی هذا اختلفنا- و لا عن غراره أصحاب علی ع- و عجلتهم و تسرعهم و تنازعهم دفعنا- و إنما کان قولنا فی التمیز بینهما فی الدهاء و النکراء- و صحه العقل و الرأی و البزلاء- على أنا لا نصف الصالحین‏ بالدهاء و النکراء- لا نقول ما کان أنکر أبا بکر بن أبی قحافه- و ما کان أنکر عمر بن الخطاب- و لا یقول أحد عنده شی‏ء من الخیر- کان رسول الله ص أدهى العرب و العجم- و أنکر قریش و أمکر کنانه- لأن هذه الکلمه إنما وضعت فی مدیح أصحاب الأرب- و من یتعمق فی الرأی فی توکید الدنیا- و زبرجها و تشدید أرکانها- فأما أصحاب الآخره الذین یرون الناس- لا یصلحون على تدبیر البشر- و إنما یصلحون على تدبیر خالق البشر- فإن هؤلاء لا یمدحون بالدهاء و النکراء- و لم یمنعوا هذا إلا لیعطوا أفضل منه- أ لا ترى أن المغیره بن شعبه- و کان أحد الدهاه- حین رد على عمرو بن العاص قوله فی عمر بن الخطاب- و عمرو بن العاص أحد الدهاه أیضا- أ أنت کنت تفعل أو توهم عمر شیئا فیلقنه عنک- ما رأیت عمر مستخلیا بأحد- إلا رحمته کائنا من کان ذلک الرجل- کان عمر و الله أعقل من أن یخدع- و أفضل من أن یخدع- و لم یذکره بالدهاء و النکراء- هذا مع عجبه بإضافه الناس ذلک إلیه- و لکنه قد علم أنه إذا أطلق على الأئمه الألفاظ- التی لا تصلح فی أهل الطهاره- کان ذلک غیر مقبول منه فهذا هذا- .

و کذلک کان حکم قول معاویه للجمیع- أخرجوا إلینا قتله عثمان و نحن لکم سلم- فاجهد کل جهدک- و استعن بمن شایعک إلى أن تتخلص- إلى صواب رأی فی ذلک الوقت أضله علی- حتى تعلم أن معاویه خادع- و أن علیا ع کان المخدوع- . فإن قلت فقد بلغ ما أراد و نال ما أحب- فهل رأیت کتابنا وضع- إلا على أن علیا کان قد امتحن فی أصحابه و فی دهره- بما لم یمتحن إمام قبله من الاختلاف و المنازعه- و التشاح من الرئاسه و التسرع و العجله- و هل أتی ع إلا من هذا المکان- أ و لسنا قد فرغنا من هذا الأمر- و قد علمنا أن ثلاثه نفر تواطئوا على قتل ثلاثه نفر- فانفرد ابن ملجم‏ بالتماس ذلک من علی ع- و انفرد البرک الصریمی- بالتماس ذلک من عمرو بن العاص- و انفرد الآخر و هو عمرو بن بکر التمیمی- بالتماس ذلک من معاویه فکان من الاتفاق أو من الامتحان- أن کان علی من بینهم هو المقتول- . و فی قیاس مذهبکم- أن تزعموا أن سلامه عمرو و معاویه- إنما کانت بحزم منهما- و أن قتل علی ع إنما هو من تضییع منه- فإذ قد تبین لکم أنه من الابتلاء و الامتحان فی نفسه- بخلاف الذی قد شاهدتموه فی عدوه- فکل شی‏ء سوى ذلک فإنما هو تبع للنفس- .

هذا آخر کلام أبی عثمان فی هذا الموضع- و من تأمله بعین الإنصاف- و لم یتبع الهوى علم صحه جمیع ما ذکره- و أن أمیر المؤمنین دفع من اختلاف أصحابه- و سوء طاعتهم له- و لزومه سنن الشریعه و منهج العدل- و خروج معاویه و عمرو بن العاص عن قاعده الشرع- فی استماله الناس إلیهم بالرغبه و الرهبه- إلى ما لم یدفع إلیه غیره- فلو لا أنه ع کان عارفا بوجوه السیاسه- و تدبیر أمر السلطان و الخلافه حاذقا فی ذلک- لم یجتمع علیه إلا القلیل من الناس- و هم أهل الآخره خاصه- الذین لا میل لهم إلى الدنیا- فلما وجدناه دبر الأمر حین ولیه- و اجتمع علیه من العساکر و الأتباع ما یتجاوز العد و الحصر- و قاتل بهم أعداءه الذین حالهم حالهم- فظفر فی أکثر حروبه- و وقف الأمر بینه و بین معاویه على سواء- و کان هو الأظهر و الأقرب إلى الانتصار علمنا أنه من معرفه تدبیر الدول و السلطان بمکان مکین

ذکر أقوال من طعن فی سیاسه علی و الرد علیها

و قد تعلق من طعن فی سیاسته بأمور- منها قولهم لو کان حین بویع له بالخلافه فی المدینه- أقر معاویه على الشام إلى أن یستقر الأمر له و یتوطد- و یبایعه معاویه و أهل الشام ثم یعزله بعد ذلک- لکان قد کفی ما جرى بینهما من الحرب- . و الجواب- أن قرائن الأحوال حینئذ قد کان علم أمیر المؤمنین ع- منها أن معاویه لا یبایع له و إن أقره على ولایه الشام- بل کان إقراره له على إمره الشام أقوى لحال معاویه- و آکد فی الامتناع من البیعه- لأنه لا یخلو صاحب السؤال إما أن یقول- کان ینبغی أن یطالبه بالبیعه- و یقرن إلى ذلک تقلیده بالشام- فیکون الأمران معا- أو یتقدم منه ع المطالبه بالبیعه- أو یتقدم منه إقراره على الشام- و تتأخر المطالبه بالبیعه إلى وقت ثان- فإن کان الأول- فمن الممکن أن یقرأ معاویه على أهل الشام تقلیده بالإمره- فیؤکد حاله عندهم و یقرر فی أنفسهم- لو لا أنه أهل لذلک لما اعتمده علی ع معه- ثم یماطله بالبیعه و یحاجزه عنها- و إن کان الثانی فهو الذی فعله أمیر المؤمنین ع- و إن کان الثالث فهو کالقسم الأول- بل هو آکد فیما یریده معاویه من الخلاف و العصیان- و کیف یتوهم من یعرف السیر أن معاویه کان یبایع له- لو أقره على الشام و بینه و بینه ما لا تبرک الإبل علیه- من الترات القدیمه- و الأحقاد و هو الذی قتل حنظله أخاه و الولید خاله- و عتبه جده فی مقام واحد- ثم ما جرى بینهما فی أیام عثمان- حتى أغلظ کل واحد منهما لصاحبه و حتى تهدده معاویه- و قال له إنی شاخص إلى الشام- و تارک عندک هذا الشیخ یعنی عثمان- و الله لئن‏انحصت منه شعره واحده لأضربنک بمائه ألف سیف- و قد ذکرنا شیئا مما جرى بینهما فیما تقدم- .

و أما قول ابن عباس له ع وله شهرا و اعزله دهرا- و ما أشار به المغیره بن شعبه فإنهما ما توهماه- و ما غلب على ظنونهما و خطر بقلوب هما- و علی ع کان أعلم بحاله مع معاویه- و أنها لا تقبل العلاج و التدبیر- و کیف یخطر ببال عارف بحال معاویه و نکره و دهائه- و ما کان فی نفسه من علی ع من قتل عثمان- و من قبل قتل عثمان- أنه یقبل إقرار علی ع له على الشام- و ینخدع بذلک و یبایع و یعطی صفقه یمینه- إن معاویه لأدهى من أن یکاد بذلک- و إن علیا ع لأعرف بمعاویه- ممن ظن أنه لو استماله بإقراره لبایع له- و لم یکن عند علی ع دواء لهذا المرض إلا السیف- لأن الحال إلیه کانت تئول لا محاله فجعل الآخر أولا- .

و أنا أذکر فی هذا الموضع خبرا- رواه الزبیر بن بکار فی الموفقیات لیعلم من یقف علیه- أن معاویه لم یکن لینجذب إلى طاعه علی ع أبدا- و لا یعطیه البیعه- و أن مضادته له و مباینته إیاه کمضاده السواد للبیاض- لا یجتمعان أبدا و کمباینه السلب للإیجاب- فإنها مباینه لا یمکن زوالها أصلا- قال الزبیر- حدثنی محمد بن زکریا بن بسطام- قال حدثنی محمد بن یعقوب بن أبی اللیث- قال حدثنی أحمد بن محمد بن الفضل بن یحیى المکی- عن أبیه عن جده الفضل بن یحیى- عن الحسن بن عبد الصمد- عن قیس بن عرفجه- قال لما حصر عثمان أبرد مروان بن الحکم بخبره بریدین- أحدهما إلى الشام و الآخر إلى الیمن- و بها یومئذ یعلى بن منیه و مع کل واحد منهما کتاب- فیه أن بنی أمیه فی الناس کالشامه الحمراء- و أن الناس قد قعدوا لهم برأس کل محجه- و على کل طریق فجعلوهم مرمى العر و العضیهه- و مقذف القشب و الأفیکه- و قد علمتم أنها لم تأت عثمان إلا کرها- تجبذ من ورائها- و إنی خائف إن قتل أن تکون من بنی أمیه بمناط الثریا- إن لم نصر کرصیف الأساس المحکم- و لئن وهى عمود البیت لتتداعین جدرانه- و الذی عیب علیه إطعامکما الشام و الیمن- و لا شک أنکما تابعاه إن لم تحذرا- و أما أنا فمساعف کل مستشیر- و معین کل مستصرخ و مجیب کل داع- أتوقع الفرصه فأثب وثبه الفهد أبصر غفله مقتنصه- و لو لا مخافه عطب البرید و ضیاع الکتب- لشرحت لکما من الأمر ما لا تفزعان معه إلى أن یحدث الأمر- فجدا فی طلب ما أنتما ولیاه- و على ذلک فلیکن العمل إن شاء الله- و کتب فی آخره-

و ما بلغت عثمان حتى تخطمت
رجال و دانت للصغار رجال‏

لقد رجعت عودا على بدء کونها
و إن لم تجدا فالمصیر زوال‏

سیبدی مکنون الضمائر قولهم
و یظهر منهم بعد ذاک فعال‏

فإن تقعدا لا تطلبا ما ورثتما
فلیس لنا طول الحیاه مقال‏

نعیش بدار الذل فی کل بلده
و تظهر منا کأبه و هزال‏

فلما ورد الکتاب على معاویه- أذن فی الناس الصلاه جامعه- ثم خطبهم خطبه المستنصر المستصرخ- . و فی أثناء ذلک ورد علیه قبل أن یکتب الجواب- کتاب مروان بقتل عثمان- و کانت نسخته وهب الله لک أبا عبد الرحمن قوه العزم- و صلاح النیه و من علیک بمعرفه الحق و اتباعه- فإنی کتبت إلیک هذا الکتاب- بعد قتل عثمان أمیر المؤمنین‏و أی قتله قتل- نحر کما ینحر البعیر الکبیر عند الیأس- من أن ینوء بالحمل- بعد أن نقبت صفحته بطی المراحل و سیر الهجیر- و إنی معلمک من خبره غیر مقصر و لا مطیل- إن القوم استطالوا مدته و استقلوا ناصره- و استضعفوه فی بدنه- و أملوا بقتله بسط أیدیهم فیما کان قبضه عنهم- و اعصوصبوا علیه فظل محاصرا- قد منع من صلاه الجماعه و رد المظالم- و النظر فی أمور الرعیه حتى کأنه هو فاعل لما فعلوه- فلما دام ذلک أشرف علیهم فخوفهم الله و ناشدهم- و ذکرهم مواعید رسول الله ص له و قوله فیه- فلم یجحدوا فضله و لم ینکروه- ثم رموه بأباطیل اختلقوها لیجعلوا ذلک ذریعه إلى قتله- فوعدهم التوبه مما کرهوا- و وعدهم الرجعه إلى ما أحبوا فلم یقبلوا ذلک- و نهبوا داره و انتهکوا حرمته- و وثبوا علیه فسفکوا دمه- و انقشعوا عنه انقشاع سحابه قد أفرغت ماءها- منکفئین قبل ابن أبی طالب- انکفاء الجراد إذا أبصر المرعى- فأخلق ببنی أمیه أن یکونوا من هذا الأمر- بمجرى العیوق إن لم یثأره ثائر- فإن شئت أبا عبد الرحمن أن تکونه فکنه و السلام- . فلما ورد الکتاب على معاویه أمر بجمع الناس- ثم خطبهم خطبه أبکى منها العیون- و قلقل القلوب حتى علت الرنه و ارتفع الضجیج- و هم النساء أن یتسلحن- ثم کتب إلى طلحه بن عبید الله و الزبیر بن العوام- و سعید بن العاص و عبد الله بن عامر بن کریز- و الولید بن عقبه و یعلى بن منیه و هو اسم أمه- و إنما اسم أبیه أمیه- .

فکان کتاب طلحه- أما بعد فإنک أقل قریش فی قریش وترا- مع صباحه وجهک و سماحه کفک و فصاحه لسانک- فأنت بإزاء من تقدمک فی السابقه- و خامس المبشرین بالجنه و لک یوم أحد و شرفه و فضله- فسارع رحمک الله إلى ما تقلدک الرعیه من أمرها- مما لا یسعک التخلف عنه- و لا یرضى الله منک إلا بالقیام به- فقد أحکمت لک الأمرقبلی- و الزبیر فغیر متقدم علیک بفضل- و أیکما قدم صاحبه فالمقدم الإمام- و الأمر من بعده للمقدم له- سلک الله بک قصد المهتدین- و وهب لک رشد الموفقین و السلام- . و کتب إلى الزبیر أما بعد- فإنک الزبیر بن العوام بن أبی خدیجه- و ابن عمه رسول الله ص و حواریه و سلفه- و صهر أبی بکر و فارس المسلمین- و أنت الباذل فی الله مهجته بمکه عند صیحه الشیطان- بعثک المنبعث فخرجت کالثعبان المنسلخ- بالسیف المنصلت تخبط خبط الجمل الردیع- کل ذلک قوه إیمان و صدق یقین- و سبقت لک من رسول الله ص البشاره بالجنه- و جعلک عمر أحد المستخلفین على الأمه- و اعلم یا أبا عبد الله- أن الرعیه أصبحت کالغنم المتفرقه لغیبه الراعی- فسارع رحمک الله إلى حقن الدماء و لم الشعث- و جمع الکلمه و صلاح ذات البین قبل تفاقم الأمر و انتشار الأمه- فقد أصبح الناس على شفا جرف هار عما قلیل ینهار- إن لم یرأب- فشمر لتألیف الأمه و ابتغ إلى ربک سبیلا- فقد أحکمت الأمر على من قبلی لک و لصاحبک- على أن الأمر للمقدم ثم لصاحبه من بعده- و جعلک الله من أئمه الهدى و بغاه الخیر و التقوى و السلام- .

و کتب إلى مروان بن الحکم- أما بعد فقد وصل إلی کتابک بشرح خبر أمیر المؤمنین- و ما رکبوه به و نالوه منه جهلا بالله و جراءه علیه- و استخفافا بحقه- و لأمانی لوح الشیطان بها فی شرک الباطل- لیدهدههم فی أهویات الفتن و وهدات الضلال- و لعمری لقد صدق علیهم ظنه و لقد اقتنصهم بأنشوطه فخه- فعلى رسلک أبا عبد الله یمشى الهوینى و یکون أولا- فإذا قرأت کتابی هذا فکن کالفهد لا یصطاد إلا غیله- و لا یتشازر إلا عن حیله-و کالثعلب لا یفلت إلا روغانا- و أخف نفسک منهم إخفاء القنفذ رأسه عند لمس الأکف- و امتهن نفسک امتهان من ییأس القوم- من نصره و انتصاره- و ابحث عن أمورهم بحث الدجاجه عن حب الدخن عند فقاسها- و أنغل الحجاز فإنی منغل الشام و السلام- .

و کتب إلى سعید بن العاص- أما بعد فإن کتاب مروان ورد علی من ساعه وقعت النازله- تقبل به البرد بسیر المطی الوجیف- تتوجس توجس الحیه الذکر خوف ضربه الفأس- و قبضه الحاوی- و مروان الرائد لا یکذب أهله- فعلام الإفکاک یا ابن العاص و لات حین مناص- ذلک أنکم یا بنی أمیه- عما قلیل تسألون أدنى العیش من أبعد المسافه- فینکرکم من کان منکم عارفا- و یصد عنکم من کان لکم واصلا- متفرقین فی الشعاب تتمنون لمظه المعاش- إن أمیر المؤمنین عتب علیه فیکم و قتل فی سبیلکم- ففیم القعود عن نصرته و الطلب بدمه و أنتم بنو أبیه- ذوو رحمه و أقربوه و طلاب ثأره- أصبحتم متمسکین بشظف معاش زهید- عما قلیل ینزع منکم عند التخاذل و ضعف القوى- فإذا قرأت کتابی هذا فدب دبیب البرء فی الجسد النحیف- و سر سیر النجوم تحت الغمام- و احشد حشد الذره فی الصیف لانجحارها فی الصرد- فقد أیدتکم بأسد و تیم و کتب فی الکتاب-

تالله لا یذهب شیخی باطلا
حتى أبیر مالکا و کاهلا

القاتلین الملک الحلاحلا
خیر معد حسبا و نائلا

و کتب إلى عبد الله بن عامر أما بعد فإن المنبر مرکب ذلول سهل الریاضه- لا ینازعک اللجام- و هیهات ذلک إلا بعد رکوب أثباج المهالک- و اقتحام أمواج المعاطب- و کأنی بکم یا بنی أمیه شعاریر کالأوارک تقودها الحداه- أو کرخم الخندمه تذرق خوف العقاب- فثب الآن رحمک الله قبل أن یستشری الفساد- و ندب السوط جدید و الجرح لما یندمل- و من قبل استضراء الأسد و التقاء لحییه على فریسته- و ساور الأمر مساوره الذئب الأطلس کسیره القطیع- و نازل الرأی و انصب الشرک و ارم عن تمکن- و ضع الهناء مواضع النقب- و اجعل أکبر عدتک الحذر و أحد سلاحک التحریض- و اغض عن العوراء و سامح اللجوج- و استعطف الشارد و لاین الأشوس- و قو عزم المرید و بادر العقبه و ازحف زحف الحیه- و اسبق قبل أن تسبق و قم قبل أن یقام لک- و اعلم أنک غیر متروک و لا مهمل- فإنی لکم ناصح أمین و السلام- . و کتب فی أسفل الکتاب-

علیک سلام الله قیس بن عاصم
و رحمته ما شاء أن یترحما

تحیه من أهدى السلام لأهله‏
إذا شط دارا عن مزارک سلما

فما کان قیس هلکه هلک واحد
و لکنه بنیان قوم تهدما

و کتب إلى الولید بن عقبه- یا ابن عقبه کن الجیش- و طیب العیش أطیب من سفع سموم الجوزاء- عند اعتدال الشمس فی أفقها- إن عثمان أخاک أصبح بعیدا منک- فاطلب لنفسک ظلا تستکن به- إنی أراک على التراب رقودا- و کیف بالرقاد بک لا رقاد لک- فلو قد استتب هذا الأمر لمریده ألفیت کشرید النعام- یفزع من ظل الطائر- و عن قلیل تشرب الرنق و تستشعر الخوف- أراک فسیح الصدر مسترخی اللبب- رخو الحزام قلیل الاکتراث- و عن قلیل یجتث أصلک و السلام- . و کتب فی آخر الکتاب-

اخترت نومک أن هبت شآمیه
عند الهجیر و شربا بالعشیات‏

على طلابک ثأرا من بنی حکم‏
هیهات من راقد طلاب ثارات‏

و کتب إلى یعلى بن أمیه- حاطک الله بکلاءته و أیدک بتوفیقه- کتبت إلیک صبیحه ورد علی کتاب مروان- بخبر قتل أمیر المؤمنین و شرح الحال فیه- و إن أمیر المؤمنین طال به العمر حتى نقصت قواه- و ثقلت نهضته و ظهرت الرعشه فی أعضائه- فلما رأى ذلک أقوام- لم یکونوا عنده موضعا للإمامه و الأمانه و تقلید الولایه- وثبوا به و ألبوا علیه- فکان أعظم ما نقموا علیه و عابوه به- ولایتک الیمن و طول مدتک علیها- ثم ترامى بهم الأمر حالا بعد حال-حتى ذبحوه ذبح النطیحه مبادرا بها الفوت- و هو مع ذلک صائم معانق المصحف یتلو کتاب الله- فیه عظمت مصیبه الإسلام بصهر الرسول و الإمام المقتول- على غیر جرم سفکوا دمه و انتهکوا حرمته- و أنت تعلم أن بیعته فی أعناقنا و طلب ثأره لازم لنا- فلا خیر فی دنیا تعدل بنا عن الحق- و لا فی إمره توردنا النار- و إن الله جل ثناؤه لا یرضى بالتعذیر فی دینه- فشمر لدخول العراق- .

فأما الشام فقد کفیتک أهلها و أحکمت أمرها- و قد کتبت إلى طلحه بن عبید الله أن یلقاک بمکه- حتى یجتمع رأیکما على إظهار الدعوه- و الطلب بدم عثمان أمیر المؤمنین المظلوم- و کتبت إلى عبد الله بن عامر یمهد لکم العراق- و یسهل لکم حزونه عقابها- . و اعلم یا ابن أمیه أن القوم قاصدوک بادئ بدء- لاستنطاف ما حوته یداک من المال- فاعلم ذلک و اعمل على حسبه إن شاء الله- . و کتب فی أسفل الکتاب-

ظل الخلیفه محصورا یناشدهم
بالله طورا و بالقرآن أحیانا

و قد تألف أقوام على حنق‏
عن غیر جرم و قالوا فیه بهتانا

فقام یذکرهم وعد الرسول له
و قوله فیه إسرارا و إعلانا

فقال کفوا فإنی معتب لکم‏
و صارف عنکم یعلى و مروانا

فکذبوا ذاک منه ثم ساوره
من حاض لبته ظلما و عدوانا

قال فکتب إلیه مروان جوابا عن کتابه- أما بعد فقد وصل کتابک- فنعم کتاب زعیم العشیره و حامی الذمار- و أخبرک‏أن القوم على سنن استقامه إلا شظایا شعب- شتت بینهم مقولی على غیر مجابهه- حسب ما تقدم من أمرک- و إنما کان ذلک رسیس العصاه- و رمی أخدر من أغصان الدوحه- و لقد طویت أدیمهم على نغل یحلم منه الجلد- کذبت نفس الظان بنا ترک المظلمه و حب الهجوع- إلا تهویمه الراکب العجل حتى تجذ جماجم و جماجم- جذ العراجین المهدله حین إیناعها و أنا على صحه نیتی- و قوه عزیمتی و تحریک الرحم لی و غلیان الدم منی- غیر سابقک بقول و لا متقدمک بفعل- و أنت ابن حرب طلاب الترات و آبی الضیم- . و کتابی إلیک و أنا کحرباء السبسب فی الهجیر- ترقب عین الغزاله- و کالسبع المفلت من الشرک یفرق من صوت نفسه- منتظرا لما تصح به عزیمتک و یرد به أمرک- فیکون العمل به و المحتذى علیه- . و کتب فی أسفل الکتاب-

أ یقتل عثمان و ترقا دموعنا
و نرقد هذا اللیل لا نتفزع‏

و نشرب برد الماء ریا و قد مضى‏
على ظمأ یتلو القرآن و یرکع‏

فإنی و من حج الملبون بیته
و طافوا به سعیا و ذو العرش یسمع‏

سأمنع نفسی کل ما فیه لذه
من العیش حتى لا یرى فیه مطمع‏

و أقتل بالمظلوم من کان ظالما
و ذلک حکم الله ما عنه مدفع‏

و کتب إلیه عبد الله بن عامر-أما بعد فإن أمیر المؤمنین کان لنا الجناح الحاضنه- تأوی إلیها فراخها تحتها- فلما أقصده السهم صرنا کالنعام الشارد- و لقد کنت مشترک الفکر ضال الفهم- ألتمس دریئه أستجن بها من خطأ الحوادث- حتى وقع إلی کتابک- فانتبهت من غفله طال فیها رقادی- فأنا کواجد المحجه کان إلى جانبها حائرا- و کأنی أعاین ما وصفت من تصرف الأحوال- . و الذی أخبرک به أن الناس فی هذا الأمر- تسعه لک و واحد علیک- و و الله للموت فی طلب العز أحسن من الحیاه فی الذله- و أنت ابن حرب فتى الحروب- و نضار بنی عبد شمس- و الهمم بک منوطه و أنت منهضها- فإذا نهضت فلیس حین قعود- و أنا الیوم على خلاف ما کانت علیه عزیمتی من طلب العافیه و حب السلامه- قبل قرعک سویداء القلب بسوط الملام- و لنعم مؤدب العشیره أنت- و إنا لنرجوک بعد عثمان- و ها أنا متوقع ما یکون منک لأمتثله- و أعمل علیه إن شاء الله- . و کتب فی أسفل الکتاب-

لا خیر فی العیش فی ذل و منقصه
و الموت أحسن من ضیم و من عار

إنا بنو عبد شمس معشر أنف‏
غر جحاجحه طلاب أوتار

و الله لو کان ذمیا مجاورنا
لیطلب العز لم نقعد عن الجار

فکیف عثمان لم یدفن بمزبله
على القمامه مطروحا بها عار

فازحف إلی فإنی زاحف لهم
بکل أبیض ماضی الحد بتار

و کتب إلیه الولید بن عقبه- أما بعد فإنک أسد قریش عقلا- و أحسنهم فهما و أصوبهم رأیا- معک حسن‏السیاسه و أنت موضع الرئاسه- تورد بمعرفه و تصدر عن منهل روی- مناوئک کالمنقلب من العیوق- یهوی به عاصف الشمال إلى لجه البحر- . کتبت إلی تذکر طیب الخیش و لین العیش- فمل‏ء بطنی علی حرام إلا مسکه الرمق- حتى أفری أوداج قتله عثمان فری الأهب بشباه الشفار- و أما اللین فهیهات إلا خیفه المرتقب یرتقب غفله الطالب- إنا على مداجاه و لما تبد صفحاتنا بعد- و لیس دون الدم بالدم مزحل- إن العار منقصه و الضعف ذل- أ یخبط قتله عثمان زهره الحیاه الدنیا- و یسقون برد المعین- و لما یمتطوا الخوف و یستحلسوا الحذر- بعد مسافه الطرد و امتطاء العقبه الکئود فی الرحله- لا دعیت لعقبه إن کان ذلک حتى أنصب لهم حربا- تضع الحوامل لها أطفالها- قد ألوت بنا المسافه و وردنا حیاض المنایا- و قد عقلت نفسی على الموت عقل البعیر- و احتسبت أنی ثانی عثمان أو أقتل قاتله- فعجل علی ما یکون من رأیک- فإنا منوطون بک متبعون عقبک- و لم أحسب الحال تتراخى بک إلى هذه الغایه- لما أخافه من إحکام القوم أمرهم- و کتب فی أسفل الکتاب-

نومی علی محرم إن لم أقم
بدم ابن أمی من بنی العلات‏

قامت علی إذا قعدت و لم أقم‏
بطلاب ذاک مناحه الأموات‏

عذبت حیاض الموت عندی بعد ما
کانت کریهه مورد النهلات‏

و کتب إلیه یعلى بن أمیه-إنا و أنتم یا بنی أمیه کالحجر لا یبنى بغیر مدر- و کالسیف لا یقطع إلا بضاربه- . وصل کتابک بخبر القوم و حالهم- فلئن کانوا ذبحوه ذبح النطیحه بودر بها الموت- لینحرن ذابحه نحر البدنه وافى بها الهدی الأجل- ثکلتنی من أنا ابنها إن نمت عن طلب وتر عثمان- أو یقال لم یبق فیه رمق- إنی أرى العیش بعد قتل عثمان مرا- إن أدلج القوم فإنی مدلج- و أما قصدهم ما حوته یدی من المال- فالمال أیسر مفقود إن دفعوا إلینا قتله عثمان- و إن أبوا ذلک أنفقنا المال على قتالهم- و إن لنا و لهم لمعرکه نتناحر فیها نحر القدار النقائع- عن قلیل تصل لحومها- . و کتب فی أسفل الکتاب-

لمثل هذا الیوم أوصى الناس
لا تعط ضیما أو یخر الراس‏

قال فکل هؤلاء کتبوا إلى معاویه یحرضونه- و یغرونه و یحرکونه و یهیجونه- إلا سعید بن العاص- فإنه کتب بخلاف ما کتب به هؤلاء- کان کتابه أما بعد فإن الحزم فی التثبت- و الخطأ فی العجله و الشؤم فی البدار- و السهم سهمک ما لم ینبض به الوتر- و لن یرد الحالب فی الضرع اللبن- ذکرت حق أمیر المؤمنین علینا و قرابتنا منه- و أنه قتل فینا- فخصلتان ذکرهما نقص و الثالثه تکذب- و أمرتنا بطلب دم عثمان- فأی جهه تسلک فیها أبا عبد الرحمن- ردمت الفجاج و أحکم الأمر علیک و ولی زمامه غیرک- فدع مناوأه من لو کان افترش فراشه صدر الأمر- لم یعدل به غیره- و قلت کأنا عن قلیل لا نتعارف- فهل نحن إلا حی من قریش- إن لم تنلنا الولایه لم یضق عنا الحق- إنها خلافه منافیه و بالله أقسم قسما مبرورا- لئن صحت عزیمتک على‏ ما ورد به کتابک- لألفینک بین الحالین طلیحا- و هبنی إخالک بعد خوض الدماء تنال الظفر- هل فی ذلک عوض من رکوب المأثم و نقص الدین- .

أما أنا فلا على بنی أمیه و لا لهم- أجعل الحزم داری و البیت سجنی- و أتوسد الإسلام و أستشعر العافیه- فاعدل أبا عبد الرحمن زمام راحلتک إلى محجه الحق- و استوهب العافیه لأهلک- و استعطف الناس على قومک- و هیهات من قبولک ما أقول- حتى یفجر مروان ینابیع الفتن تأجج فی البلاد- و کأنی بکما عند ملاقاه الأبطال تعتذران بالقدر- و لبئس العاقبه الندامه- و عما قلیل یضح لک الأمر و السلام- . هذا آخر ما تکاتب القوم به- و من وقف علیه علم- أن الحال لم یکن حالا یقبل العلاج و التدبیر- و أنه لم یکن بد من السیف- و أن علیا ع کان أعرف بما عمل- .

و قد أجاب ابن سنان- فی کتابه الذی سماه العادل عن هذا السؤال- فقال قد علم الناس کافه أنه ع فی قصه الشورى- عرض علیه عبد الرحمن بن عوف- أن یعقد له الخلافه على أن یعمل بکتاب الله و سنه رسوله- و سیره أبی بکر و عمر- فلم یستجب إلى ذلک- و قال بل على أن أعمل بکتاب الله و سنه رسوله- و أجتهد رأیی- . و قد اختلف الناس فی ذلک- فقالت الشیعه إنما لم یدخل تحت الشرط- لأنه لم یستصوب سیرتهما- و قال غیرهم إنما امتنع لأنه مجتهد- و المجتهد لا یقلد المجتهد- فأیهما أقرب على القولین جمیعا إثما و أیسر وزرا- أن یقر معاویه على ولایه الشام مده- إلى أن تتوطد خلافته- مع ما ظهر من جور معاویه و عداوته- و مد یده إلى الأموال و الدماء أیام سلطانه- أو أن یعاهد عبد الرحمن على العمل بسیره أبی بکر و عمر- ثم یخالف بعض أحکامها إذا استقر الأمر له و وقع العقد- و لا ریب أن أحدا لا یخفى علیه فضل ما بین‏الموضعین- و فضل ما بین الإثمین- فمن لا یجیب إلى الخلافه- و الاستیلاء على جمیع بلاد الإسلام- إذا تسمح بلفظه یتلفظ بها- یجوز أن یتأولها أو یوری فیها- کیف یستجیب إلى إقرار الجائر- و تقویه یده مع تمکینه فی سلطانه- لتحصل له طاعه أهل الشام و استضافه طرف من الأطراف- و کأن معنى قول القائل هلا أقر معاویه على الشام- هو هلا کان ع متهاونا بأمر الدین- راغبا فی تشدید أمر الدنیا- .

و الجواب عن هذا ظاهر و جهل السائل عنه واضح- . و اعلم أن حقیقه الجواب هو أن علیا ع- کان لا یرى مخالفه الشرع لأجل السیاسه- سواء أ کانت تلک السیاسه دینیه أو دنیویه- أما الدنیویه فنحو أن یتوهم الإمام فی إنسان- أنه یروم فساد خلافته- من غیر أن یثبت ذلک علیه یقینا- فإن علیا ع لم یکن یستحل قتله و لا حبسه- و لا یعمل بالتوهم و بالقول غیر المحقق- و أما الدینیه فنحو ضرب المتهم بالسرقه- فإنه أیضا لم یکن یعمل به- بل یقول إن یثبت علیه بإقرار أو بینه أقمت علیه الحد و إلا لم أعترضه- و غیر علی ع قد کان منهم من یرى خلاف هذا الرأی- و مذهب مالک بن أنس العمل على المصالح المرسله- و أنه یجوز للإمام أن یقتل ثلث الأمه لإصلاح الثلثین- و مذهب أکثر الناس أنه یجوز العمل بالرأی و بغالب الظن- و إذا کان مذهبه ع ما قلناه و کان معاویه عنده فاسقا- و قد سبق عنده مقدمه أخرى یقینیه- هی أن استعمال الفاسق لا یجوز- و لم یکن ممن یرى تمهید قاعده الخلافه- بمخالفه الشریعه- فقد تعین مجاهرته بالعزل و إن أفضى ذلک إلى الحرب- .

فهذا هو الجواب الحقیقی- و لو لم یکن هذا هو الجواب الحقیقی- لکان لقائل أن‏یقول لابن سنان- القول فی عدوله عن الدخول تحت شرط عبد الرحمن- کالقول فی عدوله عن إقرار معاویه على الشام فإن من ذهب إلى تغلیطه فی أحد الموضعین- له أن یذهب إلى تغلیطه فی الموضع الآخر- . قال ابن سنان و جواب آخر- و هو أنا قد علمنا أن أحد الأحداث- التی نقمت على عثمان- و أفضت بالمسلمین إلى حصاره و قتله- تولیه معاویه الشام مع ما ظهر من جوره و عدوانه و مخالفه أحکام الدین فی سلطانه- و قد خوطب عثمان فی ذلک- فاعتذر بأن عمر ولاه قبله فلم یقبل المسلمون عذره- و لا قنعوا منه إلا بعزله حتى أفضى الأمر إلى ما أفضى- و کان علی ع من أکثر المسلمین لذلک کراهیه- و أعرفهم بما فیه من الفساد فی الدین- . فلو أنه ع افتتح عقد الخلافه له- بتولیته معاویه الشام و إقراره فیه- أ لیس کان یبتدئ فی أول أمره- بما انتهى إلیه عثمان فی آخره- فأفضى إلى خلعه و قتله- و لو کان ذلک فی حکم الشریعه سائغا و الوزر فیه مأمونا- لکان غلطا قبیحا فی السیاسه- و سببا قویا للعصیان و المخالفه- و لم یکن یمکنه ع أن یقول للمسلمین- إن حقیقه رأیی عزل معاویه عند استقرار الأمر- و طاعه الجمهور لی- و إن قصدی بإقراره على الولایه مخادعته و تعجیل طاعته- و مبایعه الأجناد الذین قبله- ثم أستأنف بعد ذلک فیه ما یستحقه من العزل- و أعمل فیه بموجب العدل- لأن إظهاره ع لهذا العزم کان یتصل خبره بمعاویه- فیفسد التدبیر الذی شرع فیه- و ینتقض الرأی الذی عول علیه- .

و منها قولهم- إنه ترک طلحه و الزبیر حتى خرجا إلى مکه- و أذن لهما فی العمره و ذهب عنه الرأی فی ارتباطهما قبله- و منعهما من البعد عنه- .

و الجواب عنه- أنه قد اختلف الرواه- فی خروج طلحه و الزبیر من المدینه- هل کان بإذن علی ع أم لا- فمن قال إنهما خرجا عن غیر إذنه و لا علمه فسؤاله ساقط- و من قال إنهما استأذناه فی العمره و أذن لهما- فقد روی أنه قال و الله ما تریدان العمره- و إنما تریدان الغدره- و خوفهما بالله من التسرع إلى الفتنه- و ما کان یجوز له فی الشرع أن یحبسهما و لا فی السیاسه- أما فی الشرع فلأنه محظور أن یعاقب الإنسان بما لم یفعل- و على ما یظن منه و یجوز ألا یقع- و أما فی السیاسه فلأنه لو أظهر التهمه لهما- و هما من أفاضل السابقین و جله المهاجرین- لکان فی ذلک من التنفیر عنه ما لا یخفى- و من الطعن علیه ما هو معلوم- بأن یقال إنه لیس من إمامته على ثقه- فلذلک یتهم الرؤساء و لا یأمن الفضلاء- لا سیما و طلحه کان أول من بایعه- و الزبیر لم یزل مشتهرا بنصرته- فلو حبسهما و أظهر الشک فیهما لم یسکن أحد إلى جهته- و لنفر الناس کلهم عن طاعته- .

فإن قالوا فهلا استصلحهما و ولاهما- و ارتبطهما بالإجابه إلى أغراضهما- . قیل لهم فحوى هذا أنکم تطلبون من أمیر المؤمنین ع- أن یکون فی الإمامه مغلوبا على رأیه- مفتاتا علیه فی تدبیره- فیقر معاویه على ولایه الشام غصبا- و یولی طلحه و الزبیر مصر و العراق کرها- و هذا شی‏ء ما دخل تحته أحد ممن قبله- و لا رضوا أن یکون لهم من الإمامه الاسم و من الخلافه اللفظ- و لقد حورب عثمان و حصر على أن یعزل بعض ولاته- فلم یجب إلى ذلک- فکیف تسومون علیا ع أن یفتتح أمره بهذه الدنیه- و یرضى بالدخول تحت هذه الخطه و هذا ظاهر- .

و منها تعلقهم بتولیه أمیر المؤمنین ع- محمد بن أبی بکر مصر- و عزله قیس بن سعد عنها- حتى قتل محمد بها و استولى معاویه علیها- .

و الجواب أنه لیس یمکن أن یقال- إن محمدا رحمه الله لم یکن بأهل لولایه مصر- لأنه کان شجاعا زاهدا فاضلا صحیح العقل و الرأی- و کان مع ذلک من المخلصین فی محبه أمیر المؤمنین ع- و المجتهدین فی طاعته- و ممن لا یتهم علیه و لا یرتاب بنصحه و هو ربیبه و خریجه- و یجری مجرى أحد أولاده ع لتربیته له و إشفاقه علیه- . ثم کان المصریون على غایه المحبه له و الإیثار لولایته- و لما حاصروا عثمان- و طالبوه بعزل عبد الله بن سعد بن أبی سرح عنهم- اقترحوا تأمیر محمد بن أبی بکر علیهم- فکتب له عثمان بالعهد على مصر و صار مع المصریین- حتى تعقبه کتاب عثمان إلى عبد الله بن سعد فی أمره- و أمر المصریین بما هو معروف فعادوا جمیعا- و کان من قتل عثمان ما کان- فلم یکن ظاهر الرأی و وجه التدبیر- إلا تولیه محمد بن أبی بکر على مصر- لما ظهر من میل المصریین إلیه و إیثارهم له- و استحقاقه لذلک بتکامل خصال الفضل فیه- فکان الظن قویا باتفاق الرعیه على طاعته- و انقیادهم إلى نصرته و اجتماعهم على محبته- فکان من فساد الأمر و اضطرابه علیه حتى کان ما کان- و لیس ذلک یعیب على أمیر المؤمنین ع- فإن الأمور إنما یعتمدها الإمام- على حسب ما یظن فیها من المصلحه- و لا یعلم الغیب إلا الله تعالى- . و قد ولى رسول الله ص فی مؤته جعفرا فقتل- و ولى زیدا فقتل و ولى عبد الله بن رواحه فقتل- و هزم الجیش و عاد من عاد منهم إلى المدینه بأسوإ حال- فهل لأحد أن یعیب رسول الله ص بهذا- و یطعن فی تدبیره- .

و منها قولهم- إن جماعه من أصحابه ع فارقوه و صاروا إلى معاویه- کعقیل بن أبی طالب أخیه و النجاشی شاعره- و رقبه بن مصقله أحد الوجوه من أصحابه- و لو لا أنه‏کان یوحشهم و لا یستمیلهم- لم یفارقوه و یصیروا إلى عدوه- و هذا یخالف حکم السیاسه- و ما یجب من تألف قلوب الأصحاب و الرعیه- . و الجواب أنا أولا لا ننکر- أن یکون کل من رغب فی حطام الدنیا و زخرفها- و أحب العاجل من ملاذها و زینتها- یمیل إلى معاویه الذی یبذل منها کل مطلوب- و یسمح بکل مأمول و یطعم خراج مصر عمرو بن العاص- و یضمن لذی الکلاع و حبیب بن مسلمه- ما یوفی على الرجاء و الاقتراح- و علی ع لا یعدل فیما هو أمین علیه من مال المسلمین- عن قضیه الشریعه و حکم المله- حتى یقول خالد بن معمر السدوسی لعلباء بن الهیثم- و هو یحمله على مفارقه علی ع و اللحاق بمعاویه- اتق الله یا علباء فی عشیرتک- و انظر لنفسک و لرحمک- ما ذا تؤمل عند رجل أردته- على أن یزید فی عطاء الحسن و الحسین- دریهمات یسیره ریثما یرأبان بها ظلف عیشهما- فأبى و غضب فلم یفعل- .

فأما عقیل فالصحیح الذی اجتمع ثقات الرواه علیه- أنه لم یجتمع مع معاویه إلا بعد وفاه أمیر المؤمنین ع- و لکنه لازم المدینه و لم یحضر حرب الجمل و صفین- و کان ذلک بإذن أمیر المؤمنین ع- و قد کتب عقیل إلیه بعد الحکمین- یستأذنه فی القدوم علیه الکوفه بولده و بقیه أهله- فأمره ع بالمقام- و قد روی فی خبر مشهور- أن معاویه وبخ سعید بن العاص على تأخیره عنه فی صفین- فقال سعید لو دعوتنی لوجدتنی قریبا- و لکنی جلست مجلس عقیل و غیره من بنی هاشم- و لو أوعبنا لأوعبوا- .

و أما النجاشی فإنه شرب الخمر فی شهر رمضان- فأقام علی ع الحد علیه‏و زاده عشرین جلده- فقال النجاشی ما هذه العلاوه- قال لجرأتک على الله فی شهر رمضان- فهرب النجاشی إلى معاویه- . و أما رقبه بن مصقله- فإنه ابتاع سبی بنی ناجیه و أعتقهم- و ألط بالمال و هرب إلى معاویه- فقال ع فعل فعل الساده و أبق إباق العبید- و لیس تعطیل الحدود و إباحه حکم الدین- و إضاعه مال المسلمین من التألف و السیاسه- لمن یرید وجه الله تعالى و التلزم بالدین- و لا یظن بعلی ع التساهل و التسامح فی صغیر من ذلک و لا کبیر- . و منها شبهه الخوارج و هی التحکیم- و قد یحتج به على أنه اعتمد ما لا یجوز فی الشرع- و قد یحتج به على أنه اعتمد ما لیس بصواب فی تدبیر الأمر- أما الأول فقولهم إنه حکم الرجال فی دین الله- و الله سبحانه یقول إِنِ الْحُکْمُ إِلَّا لِلَّهِ- و أما الثانی فقولهم إنه کان قد لاح له النصر- و ظهرت أمارات الظفر بمعاویه- و لم یبق إلا أن یأخذ برقبته فترک التصمیم على ذلک- و أخلد إلى التحکیم- و ربما قالوا إن تحکیمه یدل على شک منه فی أمره- و ربما قالوا کیف رضی بحکومه أبی موسى و هو فاسق عنده- بتثبیطه أهل الکوفه عنه فی حرب البصره- و کیف رضی بتحکیم عمرو بن العاص و هو أفسق الفاسقین- .

و الجواب أما تحکیم الرجال فی الدین فلیس بمحظور- فقد أمر الله تعالى بالتحکیم بین المرأه و زوجها- فقال وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَیْنِهِما- فَابْعَثُوا حَکَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَکَماًمِنْ أَهْلِها – و قال فی جزاء الصید یَحْکُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْکُمْ- . و أما قولهم کیف ترک التصمیم بعد ظهور أمارات النصر- فقد تواتر الخبر بأن أصحابه لما رفع أهل الشام المصاحف- عند ظهور أهل العراق علیهم و مشارفه هلاک معاویه و أصحابه- انخدعوا برفع المصاحف- و قالوا لا یحل لنا التصمیم على حربهم- و لا یجوز لنا إلا وضع السلاح و رفع الحرب- و الرجوع إلى المصاحف و حکمها- فقال لهم إنها خدیعه و إنها کلمه حق یراد بها باطل- و أمرهم بالصبر و لو ساعه واحده فأبوا ذلک- و قالوا أرسل إلى الأشتر فلیعد فأرسل إلیه- فقال کیف أعود و قد لاحت أمارات النصر و الظفر- فقالوا له ابعث إلیه مره أخرى فبعث إلیه- فأعاد الجواب بنحو قوله الأول- و سأل أن یمهل ساعه من النهار- فقالوا إن بینک و بینه وصیه ألا یقبل- فإن لم تبعث إلیه من یعیده- و إلا قتلناک بسیوفنا کما قتلنا عثمان- أو قبضنا علیک و أسلمناک إلى معاویه- فعاد الرسول إلى الأشتر- فقال أ تحب أن تظفر أنت هاهنا و تکسر جنود الشام- و یقتل أمیر المؤمنین ع فی مضربه- قال أ و قد فعلوها لا بارک الله فیهم- أ بعد أن أخذت بمخنق معاویه و رأى الموت عیانا أرجع- ثم عاد فشتم أهل العراق و سبهم و قال لهم و قالوا له- ما هو منقول مشهور و قد ذکرنا الکثیر منه فیما تقدم- . فإذا کانت الحال وقعت هکذا- فأی تقصیر وقع من أمیر المؤمنین ع- و هل ینسب المغلوب على أمره- المقهور على رأیه إلى تقصیر أو فساد تدبیر- .

و بهذا نجیب عن قولهم- إن التحکیم یدل على الشک فی أمره- لأنه إنما یدل على ذلک لو ابتدأ هو به- فأما إذا دعاه إلى ذلک غیره و استجاب إلیه أصحابه- فمنعهم و أمرهمأن یمروا على وتیرتهم و شأنهم فلم یفعلوا- و بین لهم أنها مکیده فلم یتبینوا- و خاف أن یقتل أو یسلم إلى عدوه- فإنه لا یدل تحکیمه على شکه- بل یدل على أنه قد دفع بذلک ضررا عظیما عن نفسه- و رجا أن یحکم الحکمان بالکتاب- فتزول الشبهه عمن طلب التحکیم من أصحابه- .

و أما تحکیمه عمرا مع ظهور فسقه فإنه لم یرض به- و إنما رضی به مخالفه و کرهه هو فلم یقبل منه- و قد قیل إنه أجاب ابن عباس رحمه الله عن هذا- فقال للخوارج أ لیس قد قال الله تعالى- فَابْعَثُوا حَکَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَکَماً مِنْ أَهْلِها- أ رأیتم لو کانت المرأه یهودیه فبعثت حکما من أهلها- أ کنا نسخط ذلک- . و أما أبو موسى فقد کرهه أمیر المؤمنین ع- و أراد أن یجعل بدله عبد الله بن عباس- فقال أصحابه لا یکون الحکمان من مضر- فقال فالأشتر فقالوا و هل أضرم النار إلا الأشتر- و هل جر ما ترى إلا حکومه الأشتر- و لکن أبا موسى فأباه فلم یقبلوا منه و أثنوا علیه- و قالوا لا نرضى إلا به فحکمه على مضض- .

و منها قولهم ترک الرأی لما دعاه العباس- وقت وفاه الرسول ص إلى البیعه- و قال له امدد یدک أبایعک- فیقول الناس عم رسول الله ص بایع ابن عمه- فلا یختلف علیک اثنان فلم یفعل- و قال و هل یطمع فیها طامع غیری- فما راعه إلا الضوضاء و اللغط فی باب الدار- یقولون قد بویع أبو بکر بن أبی قحافه- .

الجواب أن صواب الرأی و فساده- فیما یرجع إلى مثل هذه الواقعه- یستندان إلى ما قد کان غلب على الظن- و لا ریب أنه ع لم یغلب على ظنه- أن أحدا یستأثر علیه بالخلافه- لأحوال قد کان مهدها له رسول الله ص- و ما توهم إلا أنه ینتظر- و یرتقب خروجه من البیت و حضوره- و لعله قد کان یخطر له أنه إما أن یکون هو الخلیفه- أو یشاور فی الخلافه إلى من یفوض- و ما کان یتوهم أنه یجری الأمر على ما جرى من الفلته- عند ثوران تلک الفتنه- و لا یشاور هو و لا العباس و لا أحد من بنی هاشم- و إنما کان یکون تدبیره فاسدا- لو کان یحاذر خروج الأمر عنه و یتوهم ذلک و یغلب على ظنه- إن لم یبادر تحصیله بالبیعه المعجله- فی الدار من وراء الأبواب و الأغلاق و إلا فاته- ثم یهمل ذلک و لا یفعله و قد صرح هو بما عنده- فقال و هل یطمع فیها طامع غیری- ثم قال إنی أکره البیعه هاهنا و أحب أن أصحر بها- فبین أنه یستهجن أن یبایع سرا خلف الحجب و الجدران- و یحب أن یبایع جهره بمحضر من الناس کما قال- حیث طلبوا منه بعد قتل عثمان أن یبایعهم فی داره- فقال لا بل فی المسجد- و لا یعلم و لا خطر له ما فی ضمیر الأیام- و ما یحدث الوقت من وقوع ما لا یتوهم العقلاء- و أرباب الأفکار وقوعه- .

و منها قولهم- إنه قصر فی طلب الخلافه عند بیعه أبی بکر- و قد کان اجتمع له من بنی هاشم و بنی أمیه- و غیرهم من أفناء الناس- من یتمکن بهم من المنازعه و طلب الخلافه- فقصر عن ذلک لا جبنا لأنه کان أشجع البشر- و لکن قصور تدبیر و ضعف رأی- و لهذا أکفرته الکاملیه و أکفرت الصحابه- فقالوا کفرت الصحابه لترکهم بیعته- و کفر هو بترک المنازعه لهم- .

و الجواب أما على مذهبنا فإنه لم یکن ع منصوصا علیه- و إنما کان یدعیها بالأفضلیه و القرابه و السابقه- و الجهاد و نحو ذلک من الخصائص- فلما وقعت بیعه أبی بکر- رأى هو علی ع أن الأصلح للإسلام ترک النزاع- و أنه یخاف من النزاع حدوث فتنه تحل معاقد المله- و تزعزع أرکانها- فحضر و بایع طوعا و وجب علینا بعد مبایعته- و رضاه أن نرضى بمن رضی هو ع و نطیع من أطاعه- لأنه القدوه و أفضل من ترکه ص بعده- . و أما الإمامیه- فلهم عن ذلک جواب آخر معروف من قواعدهم- .

و منها قولهم- إنه قصر فی الرأی حیث دخل فی الشورى- لأنه جعل نفسه بدخوله فیها نظیرا لعثمان و غیره من الخمسه- و قد کان الله تعالى رفعه عنهم و على من کان قبلهم- فوهن بذلک قدره و طأطأ من جلالته- أ لا ترى أنه یستهجن و یقبح- من أبی حنیفه و الشافعی رحمهما الله- أن یجعلا أنفسهما نظراء لبعض من بدأ طرفا من الفقه- و یستهجن و یقبح من سیبویه و الأخفش- أن یوازیا أنفسهما بمن یعلم أبوابا یسیره من النحو- .

الجواب أنه ع و إن کان أفضل من أصحاب الشورى- فإنه کان یظن أن ولی الأمر أحدهم بعد عمر- لا یسیر سیره صالحه و أن تضطرب بعض أمور الإسلام- و قد کان یثنی على سیره عمر و یحمدها- فواجب علیه بمقتضى ظنه أن یدخل معهم فیما أدخله عمر فیه- توقعا لأن یفضی الأمر إلیه فیعمل بالکتاب و السنه- و یحیی معالم رسول الله ص- و لیس اعتماد ما یقتضیه الشرع مما یوجب نقصا فی الرأی- فلا تدبیر أصح و لا أسد من تدبیر الشرع- .

و منها قولهم- إنه ما أصاب حیث أقام بالمدینه و عثمان محصور- و قد کان یجب فی الرأی أن یخرج عنها- بحیث لا تنوط بنو أمیه به دم عثمان- فإنه لو کان بعیدا عن المدینه- لکان من قذفهم إیاه بذلک أبعد و عنه أنزه- . و الجواب أنه لم یکن یخطر له مع براءته من دم عثمان- أن أهل الفساد من بنی أمیه یرمونه بأمره- و الغیب لا یعلمه إلا الله- و کان یرى مقامه بالمدینه- أدعى إلى انتصار عثمان على المحاصرین له- فقد حضر هو بنفسه مرارا و طرد الناس عنه- و أنفذ إلیه ولدیه و ابن أخیه عبد الله- و لو لا حضور علی ع بالمدینه لقتل عثمان- قبل أن یقتل بمده- و ما تراخی أمره و تأخر قتله- إلا لمراقبه الناس له حیث شاهدوه ینتصر له و یحامی عنه- . و منها قولهم کان یجب فی مقتضى الرأی حیث قتل عثمان- أن یغلق بابه و یمنع الناس من الدخول إلیه- فإن العرب کانت تضطرب اضطرابه ثم تئول إلیه- لأنه تعین للأمر بحکم الحال الحاضره فلم یفعل- و فتح بابه و ترشح للأمر و بسط له یده- فلذلک انتقضت علیه العرب من أقطارها- .

و الجواب أنه ع کان یرى- أن القیام بالأمر یومئذ فرض علیه لا یجوز له الإخلال به- لعدم من یصلح فی ظنه للخلافه- فما کان یجوز له أن یغلق بابه و یمتنع- و ما الذی کان یومئذ أن یبایع الناس طلحه أو الزبیر- أو غیرهما ممن لا یراه أهلا للأمر- فقد کان عبد الله بن الزبیر- یومئذ یزعم أن عثمان عهد إلیه بالخلافه و هو محصور- و کان مروان یطمع أن ینحاز إلى طرف من الأطراف- فیخطب لنفسه بالخلافه- و له من بنی أمیه شیعه و أصحاب- بشبهه أنه ابن عم عثمان- و أنه کان یدبر أمر الخلافه على عهده- و کان معاویه یرجو أن ینال الخلافه- لأنه من بنی أمیه و ابن عم عثمان- و أمیر الشام عشرین سنه- و قد کان قوم من بنی أمیه یتعصبون لأولاد عثمان المقتول- و یرومون إعاده الخلافه فیهم-و ما کان یسوغ لعلی ع فی الدین- إذا طلبه المسلمون للخلافه أن یمتنع عنها- و یعلم أنها ستصیر إذا امتنع إلى هؤلاء فلذلک فتح بابه- و امتنع امتناع من یحاول أن یعلم ما فی قلوب الناس- هل لرغبتهم إلیه حقیقه أم لا- فلما رأى منهم التصمیم وافق لوجوب الموافقه علیه- وقد قال فی خطبته لو لا حضور الحاضر و وجوب الحجه بوجود الناصر- … لألقیت حبلها على غاربها و لسقیت آخرها بکأس أولها- و هذا تصریح بما قلناه- .

و منها قولهم هلا إذ ملک شریعه الفرات على معاویه- بعد أن کان معاویه ملکها علیه و منعه و أهل العراق منها- منع معاویه و أهل الشام منها فکان یأخذهم قبضا بالأیدی- فإنه لم یصبر على منعهم عن الماء بل فسح لهم فی الورود- و هذا یخالف ما یقتضیه تدبیر الحرب- . الجواب أنه ع لم یکن یستحل ما استحله معاویه- من تعذیب البشر بالعطش- فإن الله تعالى ما أمر فی أحد من العصاه- الذین أباح دماءهم بذلک- و لا فسح فیه فی نحو القصاص أو حد الزانی المحصن- أو قتل قاطع الطریق أو قتال البغاه و الخوارج- و ما کان أمیر المؤمنین ممن یترک حکم الله و شریعته- و یعتمد ما هو محرم فیها- لأجل الغلبه و القهر و الظفر بالعدو- و لذلک لم یکن یستحل البیات و لا الغدر و لا النکث- و أیضا فمن الجائز أن یکون ع غلب على ظنه- أن أهل الشام إن منعوا من الماء- کان ذلک أدعى لهم إلى الحملات الشدیده- المنکره على عسکره و أن یضعوا فیهم السیوف- فیأتوا علیهم و یکسروهم بشده حنقهم- و قوه داعیهم إلى ورود الماء- فإن ذلک من أشد الدواعی- إلى أن یستمیت القوم و یستقتلوا- و من الذی یقف بین یدی جیش عظیم- عرمرم قد اشتد بهم العطش- و هم یرون الماء کبطون الحیات- لا یحول بینهم و بینه‏ إلا قوم مثلهم- بل أقل منهم عده و أضعف عده- و لذلک لما حال معاویه بین أهل العراق و بین الماء- و قال لأمنعنهم وروده فأقتلهم بشفار الظمأ-

قال له عمرو بن العاص خل بین القوم و بین الماء- فلیسوا ممن یرى الماء و یصبر عنه- فقال لا و الله لا أخلی لهم عنه فسفه رأیه و قال- أ تظن أن ابن أبی طالب و أهل العراق- یموتون بإزائک عطشا- و الماء بمقعد الأزر و سیوفهم فی أیدیهم- فلج معاویه و قال لا أسقیهم قطره کما قتلوا عثمان عطشا- فلما مس أهل العراق العطش- أشار علی ع إلى الأشعث أن احمل- و إلى الأشتر أن احمل- فحملا بمن معهما فضربا أهل الشام ضربا أشاب الولید- و فر معاویه و من رأى رأیه و تابعه على قوله عن الماء- کما تفر الغنم خالطتها السباع- و کان قصارى أمره- و منتهى همته أن یحفظ رأسه و ینجو بنفسه- و ملک أهل العراق علیهم الماء و دفعوهم عنه- فصاروا فی البر القفر- و صار علی ع و أصحابه على شریعه الفرات مالکین لها- فما الذی کان یؤمن علیا ع لو أعطش القوم- أن یذوق هو و أصحابه منهم مثل ما أذاقهم- و هل بعد الموت بالعطش أمر یخافه الإنسان- و هل یبقى له ملجأ إلا السیف یحمل به- فیضرب خصمه إلى أن یقتل أحدهما- .

و منها قولهم- أخطأ حیث محا اسمه بالخلافه من صحیفه الحکومه- فإن ذلک مما وهنه عند أهل العراق- و قوى الشبهه فی نفوس أهل الشام- . و الجواب أنه ع احتذى فی ذلک لما دعی إلیه- و اقترحه الخصم علیه فعل رسول الله ص فی صحیفه الحدیبیه- حیث محا اسمه من النبوه لما قال له سهیل بن عمرو- لو علمنا أنک رسول الله لما حاربناک- و لا منعناک عن البیت- و قد قال له ص و هو یومئذ کاتب تلک الصحیفه- ستدعى إلى مثلها فتجیب- و هذا من أعلام نبوته ص و من دلائل صدقه- و مثله جرى له حذو القذه بالقذه- .

و منها قولهم- إنه کان غیر مصیب فی ترک الاحتراس- فقد کان یعلم کثره أعدائه و لم یکن یحترس منهم- و کان یخرج لیلا فی قمیص و رداء وحده- حتى کمن له ابن ملجم فی المسجد فقتله- و لو کان احترس و حفظ نفسه و لم یخرج إلا فی جماعه- و لو خرج لیلا کانت معه أضواء و شرطه لم یوصل إلیه- . و الجواب أن هذا إن کان قادحا فی السیاسه و التدبیر- فلیکن قادحا فی تدبیر عمر و سیاسته- و هو عند الناس فی الطبقه العلیا فی السیاسه- و صحه التدبیر- و لیکن قادحا فی تدبیر معاویه- فقد ضربه الخارجی بالسیف لیله ضرب أمیر المؤمنین ع- فجرحه و لم یأت على نفسه- و معاویه عند هؤلاء سدید التدبیر- و لیکن قادحا فی صحه تدبیر رسول الله ص- فقد کان یخرج وحده فی المدینه لیلا و نهارا- مع کثره أعدائه- و قد کان یأکل ما دعی إلیه و لا یحترس- حتى أکل من یهودیه شاه مشویه قد سمته فیها فمرض- و خیف علیه التلف- و لما برأ لم تزل تنتقض علیه حتى مات منها- وقال عند موته إنی میت من تلک الأکله
– و لم تکن العرب فی ذلک الزمان تحترس- و لا تعرف الغیله و الفتک-

و کان ذلک عندهم قبیحا یعیر به فاعله- لأن الشجاعه غیر ذلک و الغیله فعل العجزه من الرجال- و لأن علیا ع کانت هیبته قد تمکنت فی صدور الناس- فلم یکن یظن أن أحدا یقدم علیه غیله- أو مبارزه فی حرب- فقد کان بلغ من الذکر بالشجاعه مبلغا عظیما- لم یبلغه أحد من الناس- لا من تقدم و لا من تأخر- حتى کانت أبطال العرب تفزع باسمه- أ لا ترى إلى عمرو بن معدیکرب و هو شجاع العرب- الذی تضرب به الأمثال-

کتب إلیه عمر بن الخطاب فی أمر أنکره علیه- و غدر تخوفه منه- أما و الله لئن أقمت على ما أنت علیه- لأبعثن إلیک رجلا تستصغر معه نفسک یضع سیفه على هامتک فیخرجه من بین فخذیک- فقال عمرو لما وقف على الکتاب هددنی بعلی و الله- و لهذا قال شبیب بن بجره لابن ملجم- لما رآه یشد الحریر على بطنه و صدره- ویلک ما تریدأن تصنع قال أقتل علیا- قال هبلتک الهبول لقد جئت شیئا إدا- کیف تقدر على ذلک- فاستبعد أن یتم لابن ملجم ما عزم علیه- و رآه مراما وعرا- و الأمر فی هذا و أمثاله مسند إلى غلبات الظنون- فمن غلبت على ظنه السلامه مع الاسترسال- لم یجب علیه الاحتراس- و إنما یجب الاحتراس على من یغلب على ظنه العطب- إن لم یحترس- . فقد بان بما أوضحناه فساد قول من قال- إن تدبیره ع و سیاسته لم تکن صالحه- و بان أنه أصح الناس تدبیرا و أحسنهم سیاسه- و إنما الهوى و العصبیه لا حیله فیهما

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۰

بازدیدها: ۱۲۱

خطبه ۱۹۲ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۹۲ و من کلام له ع کان یوصی به أصحابه

تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلَاهِ وَ حَافِظُوا عَلَیْهَا- وَ اسْتَکْثِرُوا مِنْهَا وَ تَقَرَّبُوا بِهَا- فَإِنَّهَا کَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ کِتَاباً مَوْقُوتاً- أَ لَا تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ النَّارِ حِینَ سُئِلُوا- ما سَلَکَکُمْ فِی سَقَرَ- قالُوا لَمْ نَکُ مِنَ الْمُصَلِّینَ- وَ إِنَّهَا لَتَحُتُّ الذُّنُوبَ حَتَّ الْوَرَقِ- وَ تُطْلِقُهَا إِطْلَاقَ الرِّبَقِ- وَ شَبَّهَهَا رَسُولُ اللَّهِ ص بِالْحَمَّهِ تَکُونُ عَلَى بَابِ الرَّجُلِ- فَهُوَ یَغْتَسِلُ مِنْهَا فِی الْیَوْمِ وَ اللَّیْلَهِ خَمْسَ مَرَّاتٍ- فَمَا عَسَى أَنْ یَبْقَى عَلَیْهِ مِنَ الدَّرَنِ- وَ قَدْ عَرَفَ حَقَّهَا رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ- الَّذِینَ لَا تَشْغَلُهُمْ عَنْهَا زِینَهُ مَتَاعٍ وَ لَا قُرَّهُ عَیْنٍ- مِنْ وَلَدٍ وَ لَا مَالٍ- یَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ- رِجالٌ لا تُلْهِیهِمْ تِجارَهٌ وَ لا بَیْعٌ عَنْ ذِکْرِ اللَّهِ- وَ إِقامِ الصَّلاهِ وَ إِیتاءِ الزَّکاهِ- وَ کَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص نَصِباً بِالصَّلَاهِ- بَعْدَ التَّبْشِیرِ لَهُ بِالْجَنَّهِ- لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ أْمُرْ أَهْلَکَ بِالصَّلاهِ وَ اصْطَبِرْ عَلَیْها- فَکَانَ یَأْمُرُ أَهْلَهُ وَ یُصْبِرُ نَفْسَهُ-ثُمَّ إِنَّ الزَّکَاهَ جُعِلَتْ مَعَ الصَّلَاهِ قُرْبَاناً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ- فَمَنْ أَعْطَاهَا طَیِّبَ النَّفْسِ بِهَا- فَإِنَّهَا تُجْعَلُ لَهُ کَفَّارَهً وَ مِنَ النَّارِ حِجَازاً وَ وِقَایَهً- فَلَا یُتْبِعَنَّهَا أَحَدٌ نَفْسَهُ وَ لَا یُکْثِرَنَّ عَلَیْهَا لَهَفَهُ- فَإِنَّ مَنْ أَعْطَاهَا غَیْرَ طَیِّبِ النَّفْسِ بِهَا- یَرْجُو بِهَا مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا فَهُوَ جَاهِلٌ بِالسُّنَّهِ- مَغْبُونُ الْأَجْرِ ضَالُّ الْعَمَلِ- طَوِیلُ النَّدَمِ ثُمَّ أَدَاءَ الْأَمَانَهِ- فَقَدْ خَابَ مَنْ لَیْسَ مِنْ أَهْلِهَا- إِنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى السَّمَاوَاتِ الْمَبْنِیَّهِ- وَ الْأَرَضِینَ الْمَدْحُوَّهِ وَ الْجِبَالِ ذَاتِ الطُّولِ الْمَنْصُوبَهِ- فَلَا أَطْوَلَ وَ لَا أَعْرَضَ وَ لَا أَعْلَى وَ لَا أَعْظَمَ مِنْهَا- وَ لَوِ امْتَنَعَ شَیْ‏ءٌ بِطُولٍ أَوْ عَرْضٍ- أَوْ قُوَّهٍ أَوْ عِزٍّ لَامْتَنَعْنَ- وَ لَکِنْ أَشْفَقْنَ مِنَ الْعُقُوبَهِ- وَ عَقَلْنَ مَا جَهِلَ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُنَّ وَ هُوَ الْإِنْسَانُ- إِنَّهُ کانَ ظَلُوماً جَهُولًا- إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لَا یَخْفَى عَلَیْهِ- مَا الْعِبَادُ مُقْتَرِفُونَ فِی لَیْلِهِمْ وَ نَهَارِهِمْ- لَطُفَ بِهِ خُبْراً وَ أَحَاطَ بِهِ عِلْماً أَعْضَاؤُکُمْ شُهُودُهُ- وَ جَوَارِحُکُمْ جُنُودُهُ وَ ضَمَائِرُکُمْ عُیُونُهُ وَ خَلَوَاتُکُمْ عِیَانُهُ هذه الآیه یستدل بها الأصولیون من أصحابنا- على أن الکفار یعاقبون فی الآخره- على ترک الواجبات الشرعیه- و على فعل القبائح لأنها فی الکفار وردت- أ لا ترى إلى قوله- فِی جَنَّاتٍ یَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِینَ ما سَلَکَکُمْ فِی سَقَرَ- فلیس یجوز أن یعنی بالمجرمین- هاهنا الفاسقین من أهل القبله لأنه قال- قالُوا لَمْ نَکُ مِنَ الْمُصَلِّینَ-وَ لَمْ نَکُ نُطْعِمُ الْمِسْکِینَ- وَ کُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِینَ- وَ کُنَّا نُکَذِّبُ بِیَوْمِ الدِّینِ- .

قالوا و لیس لقائل أن یقول- معنى قوله لَمْ نَکُ مِنَ الْمُصَلِّینَ- لم نکن من القائلین بوجوب الصلاه- لأنه قد أغنى عن هذا التعلیل قوله- وَ کُنَّا نُکَذِّبُ بِیَوْمِ الدِّینِ- لأن أحد الأمرین هو الآخر- و حمل الکلام على ما یفید فائده جدیده- أولى من حمله على التکرار و الإعاده- فقد ثبت بهذا التقریر- صحه احتجاج أمیر المؤمنین ع على تأکید أمر الصلاه- و أنها من العبادات المهمه فی نظر الشارع- . قوله ع و إنها لتحت الذنوب- الحت نثر الورق من الغصن و انحات أی تناثر- و قد جاء هذا اللفظ فی الخبر النبوی بعینه- . و الربق جمع ربقه و هی الحبل- أی تطلق الصلاه الذنوب کما تطلق الحبال المعقده- أی تحل ما انعقد على المکلف من ذنوبه- و هذا من باب الاستعاره- . و یروى تعهدوا أمر الصلاه بالتضعیف و هو لغه- یقال تعاهدت ضیعتی و تعهدتها و هو القیام علیها- و أصله من تجدید العهد بالشی‏ء- و المراد المحافظه علیه- و قوله تعالى إِنَّ الصَّلاهَ کانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ کِتاباً مَوْقُوتاً- أی واجبا- و قیل موقوتا أی منجما کل وقت لصلاه معینه- و تؤدى هذه الصلاه فی نجومها- .

و قوله کتابا أی فرضا واجبا- کقوله تعالى کَتَبَ رَبُّکُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَهَ أی أوجب- . و الحمه الحفیره فیها الحمیم و هو الماء الحار- و هذا الخبر من الأحادیث الصحاح-قال ص أ یسر أحدکم أن تکون على بابه حمه- یغتسل منها کل یوم خمس‏مرات- فلا یبقى علیه من درنه شی‏ء قالوا نعم- قال فإنها الصلوات الخمس- و الدرن الوسخ- . و التجاره فی الآیه إما أن یراد بها- لا یشغلهم نوع من هذه الصناعه عن ذکر الله- ثم أفرد البیع بالذکر- و خصه و عطفه على التجاره العامه- لأنه أدخل فی الإلهاء- لأن الربح فی البیع بالکسب معلوم- و الربح فی الشراء مظنون- و إما أن یرید بالتجاره الشراء خاصه- إطلاقا لاسم الجنس الأعم على النوع الأخص- کما تقول رزق فلان تجاره رابحه- إذا اتجه له شراء صالح- فأما إقام الصلاه- فإن التاء فی إقامه عوض من العین الساقطه للإعلال- فإن أصله إقوام مصدر أقام کقولک أعرض إعراضا- فلما أضیفت أقیمت الإضافه مقام حرف التعویض- فأسقطت التاء- . قوله ع و کان رسول الله ص نصبا بالصلاه أی تعبا- قال تعالى ما أَنْزَلْنا عَلَیْکَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏- .

وروی أنه ع قام حتى تورمت قدماه- مع التبشیر له بالجنهوروی أنه قیل له فی ذلک فقال- أ فلا أکون عبدا شکورا- . و یصبر نفسه من الصبر- و یروى و یصبر علیها نفسه أی یحبس- قال سبحانه وَ اصْبِرْ نَفْسَکَ مَعَ الَّذِینَ یَدْعُونَ رَبَّهُمْ- و قال عنتره یذکر حربا کان فیها-

فصبرت عارفه لذلک حره
ترسو إذا نفس الجبان تطلع‏

فصل فی ذکر الآثار الوارده فی الصلاه و فضلها

و اعلم أن الصلاه قد جاء فی فضلها الکثیر- الذی یعجزنا حصره- و لو لم یکن‏إلا ما ورد فی الکتاب العزیز- من تکرار ذکرها و تأکید الوصاه بها و المحافظه علیها- لکان بعضه کافیا- .

وقال النبی ص الصلاه عمود الدین- فمن ترکها فقد هدم الدین
وقال أیضا ع علم الإیمان الصلاه- فمن فرغ لها قلبه و قام بحدودها فهو المؤمن
وقالت أم سلمه کان رسول الله ص یحدثنا و نحدثه- فإذا حضرت الصلاه فکأنه لم یعرفنا و لم نعرفه
وقیل للحسن رحمه الله- ما بال المتهجدین من أحسن الناس وجوها- قال لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره
وقال عمر إن الرجل لیشیب عارضاه فی الإسلام- ما أکمل الله له صلاه قیل له و کیف ذلک- قال لا یتم خشوعها و تواضعها و إقباله على ربه فیها- .

و قال بعض الصالحین- إن العبد لیسجد السجده عنده أنه متقرب بها إلى الله- و لو قسم ذنبه فی تلک السجده على أهل مدینه لهلکوا- قیل و کیف ذلک قال یکون ساجدا و قلبه عند غیر الله- إنما هو مصغ إلى هوى أو دنیا- . صلى أعرابی فی المسجد صلاه خفیفه- و عمر بن الخطاب یراه- فلما قضاها قال اللهم زوجنی الحور العین- فقال عمر یا هذا لقد أسأت النقد و أعظمت الخطبه- .

وقال علی ع لا یزال الشیطان ذعرا من المؤمن ما حافظ على الخمس- فإذا ضیعهن تجرأ علیه و أوقعه فی العظائموروی عن النبی ص أنه قال الصلاه إلى الصلاه کفاره لما بینهما- ما اجتنبت الکبائروجاء فی الخبر أن رسول الله ص کان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاه- . و قال هشام بن عروه- کان أبی یطیل المکتوبه و یقول هی رأس المال- .

قال یونس بن عبید- ما استخف أحد بالنوافل إلا استخف بالفرائض- . یقال إن محمد بن المنکدر جزأ اللیل علیه- و على أمه و أخته أثلاثا فماتت أخته- فجزأه علیه و على أمه نصفین- فماتت أمه فقام اللیل کله- . کان مسلم بن یسار لا یسمع الحدیث إذا قام یصلی و لا یفهمه- و کان إذا دخل بیته سکت أهله- فلا یسمع لهم کلام حتى یقوم إلى الصلاه- فیتحدثون و یلغطون فهو لا یشعر بهم- . و وقع حریق إلى جنبه و هو فی الصلاه- فلم یشعر به حتى حرق- . کان خلف بن أیوب لا یطرد الذباب- إذا وقع على وجهه و هو فی الصلاه فی بلاد کثیره الذبان- فقیل له کیف تصبر- فقال بلغنی أن الشطار یصبرون تحت السیاط- لیقال فلان صبور- أ فلا أصبر و أنا بین یدی ربی على أذى ذباب یقع علی- .

قال ابن مسعود الصلاه مکیال فمن وفى وفی له- و من طفف ف وَیْلٌ لِلْمُطَفِّفِینَ‏ قال رجل لرسول الله ص- یا رسول الله ادع لی أن یرزقنی الله مرافقتک فی الجنه- فقال أعنی على إجابه الدعوه بکثره السجود- . قوله ع قربانا لأهل الإسلام- القربان اسم لما یتقرب به من نسیکه أو صدقه- . و روی و من النار حجازا بالزای أی مانعا- و اللهف الحسره- ینهى ع‏عن إخراج الزکاه مع التسخط لإخراجها- و التلهف و التحسر على دفعها إلى أربابها و یقول- إن من یفعل ذلک یرجو بها نیل الثواب ضال مضیع لماله- غیر ظافر بما رجاه من المثوبه

ذکر الآثار الوارده فی فضل الزکاه و التصدق

و قد جاء فی فضل الزکاه الواجبه- و فضل صدقه التطوع الکثیر جدا- و لو لم یکن إلا أن الله تعالى قرنها بالصلاه- فی أکثر المواضع التی ذکر فیها الصلاه لکفى- . وروى بریده الأسلمی أن رسول الله ص قال ما حبس قوم الزکاه إلا حبس الله عنهم القطر- . و جاء فی الذین یکنزون الذهب و الفضه- و لا ینفقونهما فی سبیل الله ما جاء فی الذکر الحکیم- و هو قوله تعالى- یَوْمَ یُحْمى‏ عَلَیْها فِی نارِ جَهَنَّمَ فَتُکْوى‏ بِها جِباهُهُمْ الآیه- قال المفسرون إنفاقها فی سبیل الله إخراج الزکاه منها- .

و روى الأحنف قال قدمت المدینه- فبینا أنا فی حلقه فیها ملأ من قریش- إذ جاء رجل خشن الجسد خشن الثیاب- فقام علیهم فقال بشر الکانزین- برضف یحمى علیها فی نار جهنم- فتوضع على حلمه ثدی الرجل حتى تخرج من نغض کتفه- ثم توضع على نغض کتفه حتى تخرج من حلمه ثدیه- فسألت عنه فقیل هذا أبو ذر الغفاری و کان یذکره و یرفعه- .ابن عباس یرفعه من کان عنده ما یزکی فلم یزک- و کان عنده ما یحج فلم یحج سأل الرجعهیعنی قوله رَبِّ ارْجِعُونِ- .

أبو هریره سئل رسول الله ص أی الصدقه أفضل- فقال أن تعطی و أنت صحیح شحیح- تأمل البقاء و تخشى الفقر و لا تمهل- حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان کذا و لفلان کذا- . و قیل للشبلی ما یجب فی مائتی درهم- قال أما من جهه الشرع فخمسه- و أما من جهه الإخلاص فالکل- .أمر رسول الله ص بعض نسائه- أن تقسم شاه على الفقراء- فقالت یا رسول الله لم یبق منها غیر عنقها- فقال ع کلها بقی غیر عنقها- أخذ شاعر هذا المعنى فقال-

یبکی على الذاهب من ماله
و إنما یبقى الذی یذهب‏

السائب کان الرجل من السلف یضع الصدقه- و یمثل قائما بین یدی السائل الفقیر و یسأله قبولها- حتى یصیر هو فی صوره السائل- . و کان بعضهم یبسط کفه و یجعلها تحت ید الفقیر- لتکون ید الفقیر العلیا- .

وعن النبی ص ما أحسن عبد الصدقه- إلا أحسن الله إلیه فی مخلفیهوعنه ص الصدقه تسد سبعین بابا من الشروعنه ص أذهبوا مذمه السائل- و لو بمثل رأس الطائر من الطعام-.کان النبی ص لا یکل خصلتین إلى غیره- لا یوضئه أحد و لا یعطی السائل إلا بیده- . بعض الصالحین- الصلاه تبلغک نصف الطریق- و الصوم یبلغک باب الملک- و الصدقه تدخلک علیه بغیر إذن- . الشعبی- من لم یر نفسه أحوج إلى ثواب الصدقه- من الفقیر إلى صدقته- فقد أبطل صدقته و ضرب بها وجهه- .

کان الحسن بن صالح إذا جاءه سائل- فإن کان عنده ذهب أو فضه أو طعام أعطاه- فإن لم یکن أعطاه زیتا أو سمنا أو نحوهما مما ینتفع به- فإن لم یکن أعطاه کحلا- أو خرج بإبره و خاط بها ثوب السائل- أو بخرقه یرقع بها ما تخرق من ثوبه- . و وقف مره على بابه سائل لیلا- و لم یکن عنده ما یدفعه إلیه- فخرج إلیه بقصبه فی رأسها شعله و قال- خذ هذه و تبلغ بها إلى أبواب ناس لعلهم یعطونک- .

قوله ع ثم أداء الأمانه- هی العقد الذی یلزم الوفاء به- و أصح ما قیل فی تفسیر الآیه أن الأمانه ثقیله المحمل- لأن حاملها معرض لخطر عظیم- فهی بالغه من الثقل و صعوبه المحمل- ما لو أنها عرضت على السماوات و الأرض و الجبال- لامتنعت من حملها- . فأما الإنسان فإنه حملها و ألزم القیام بها- و لیس المراد بقولنا إنها عرضت على السماوات و الأرض- أی لو عرضت علیها و هی جمادات- بل المراد تعظیم شأن الأمانه- کما تقول هذا الکلام لا یحمله الجبال- و قولهامتلأ الحوض و قال قطنی‏- . و قوله تعالى قالَتا أَتَیْنا طائِعِینَ- و مذهب العرب فی هذا الباب- و توسعها و مجازاتها مشهور شائع

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۰

بازدیدها: ۳۲

خطبه ۱۹۱ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۹۱ و من خطبه له ع

یَعْلَمُ عَجِیجَ الْوُحُوشِ فِی الْفَلَوَاتِ- وَ مَعَاصِیَ الْعِبَادِ فِی الْخَلَوَاتِ- وَ اخْتِلَافِ النِّینَانِ فِی الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ- وَ تَلَاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّیَاحِ الْعَاصِفَاتِ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً نَجِیبُ اللَّهِ- وَ سَفِیرُ وَحْیِهِ وَ رَسُولُ رَحْمَتِهِ- أَمَّا بَعْدُ- فَإِنِّی أُوصِیکُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِی ابْتَدَأَ خَلْقَکُمْ- وَ إِلَیْهِ یَکُونُ مَعَادُکُمْ وَ بِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِکُمْ- وَ إِلَیْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِکُمْ وَ نَحْوَهُ قَصْدُ سَبِیلِکُمْ- وَ إِلَیْهِ مَرَامِی مَفْزَعِکُمْ- فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِکُمْ- وَ بَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِکُمْ وَ شِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِکُمْ- وَ صَلَاحُ فَسَادِ صُدُورِکُمْ- وَ طُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِکُمْ وَ جِلَاءُ غِشَاءِ أَبْصَارِکُمْ- وَ أَمْنُ فَزَعِ جَأْشِکُمْ وَ ضِیَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِکُمْ العجیج رفع الصوت و کذلک العج- وفی الحدیث أفضل الحج العج و الثج- أی التلبیه و إراقه الدم و عجیج أی صوت- و مضاعفه اللفظ دلیل على تکریر التصویت- . و النینان جمع نون و هو الحوت- و اختلافها هاهنا هو إصعادها و انحدارها- . و نجیب الله منتجبه و مختاره- . و سفیر وحیه رسول وحیه و الجمع سفراء مثل فقیه و فقهاء- .

و إلیه مرامی مفزعکم إلیه تفزعون و تلجئون- و یقال فلان مرمى قصدی أی هو الموضع الذی أنحوه و أقصده- . و یروى و جلاء عشى أبصارکم- بالعین المهمله و الألف المقصوره- و الجأش القلب- و تقدیر الکلام و ضیاء سواد ظلمه عقائدکم- و لکنه حذف المضاف للعلم به: فَاجْعَلُوا طَاعَهَ اللَّهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِکُمْ- وَ دَخِیلًا دُونَ شِعَارِکُمْ وَ لَطِیفاً بَیْنَ أَضْلَاعِکُمْ- وَ أَمِیراً فَوْقَ أُمُورِکُمْ وَ مَنْهَلًا لِحِینِ وُرُودِکُمْ- وَ شَفِیعاً لِدَرَکِ طَلِبَتِکُمْ وَ جُنَّهً لِیَوْمِ فَزَعِکُمْ- وَ مَصَابِیحَ لِبُطُونِ قُبُورِکُمْ- وَ سَکَناً لِطُولِ وَحْشَتِکُمْ وَ نَفَساً لِکَرْبِ مَوَاطِنِکُمْ- فَإِنَّ طَاعَهَ اللَّهِ حِرْزٌ مِنْ مَتَالِفَ مُکْتَنِفَهٍ- وَ مَخَاوِفَ مُتَوَقَّعَهٍ وَ أُوَارِ نِیرَانٍ مُوقَدَهٍ- فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوِّهَا- وَ احْلَوْلَتْ لَهُ الْأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا- وَ انْفَرَجَتْ عَنْهُ الْأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاکُمِهَا- وَ أَسْهَلَتْ لَهُ الصِّعَابُ بَعْدَ إِنْصَابِهَا- وَ هَطَلَتْ عَلَیْهِ الْکَرَامَهُ بَعْدَ قُحُوطِهَا- . وَ تَحَدَّبَتْ عَلَیْهِ الرَّحْمَهُ بَعْدَ نُفُورِهَا- وَ تَفَجَّرَتْ عَلَیْهِ النِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا- وَ وَبَلَتْ عَلَیْهِ الْبَرَکَهُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا- فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِی نَفَعَکُمْ بِمَوْعِظَتِهِ- وَ وَعَظَکُمْ بِرِسَالَتِهِ وَ امْتَنَّ عَلَیْکُمْ بِنِعْمَتِهِ- فَعَبِّدُوا أَنْفُسَکُمْ لِعِبَادَتِهِ- وَ اخْرُجُوا إِلَیْهِ مِنْ حَقِّ طَاعَتِهِ‏

الشعار أقرب إلى الجسد من الدثار- و الدخیل ما خالط باطن الجسد و هو أقرب من الشعار- . ثم لم یقتصر على ذلک- حتى أمر بأن یجعل التقوى لطیفا بین الأضلاع- أی فی القلب- و ذلک أمس بالإنسان من الدخیل- فقد یکون الدخیل فی الجسد و إن لم یخامر القلب- . ثم قال و أمیرا فوق أمورکم- أی یحکم على أمورکم کما یحکم الأمیر فی رعیته- . و المنهل الماء یرده الوارد من الناس و غیرهم- . و قوله لحین ورودکم أی لوقت ورودکم- . و الطلبه بکسر اللام ما طلبته من شی‏ء- . قوله و مصابیح لبطون قبورکم-جاء فی الخبر أن العمل الصالح یضی‏ء قبر صاحبه- کما یضی‏ء المصباح الظلمه- .

و السکن ما یسکن إلیه- . قوله و نفسا لکرب مواطنکم أی سعه و روحا- . و مکتنفه محیطه و الأوار حر النار و الشمس- . و عزبت بعدت و احلولت صارت حلوه- و تراکمها اجتماعها و تکاثفها- . و أسهلت صارت سهله بعد إنصابها أی بعد إتعابها لکم- أنصبته أتعبته- . و هطلت سالت و قحوطها قلتها و وتاحتها- . و تحدبت علیه عطفت و حنت- . نضوبها انقطاعها کنضوب الماء ذهابه- .

و وبل المطر صار وابلا و هو أشد المطر و أکثره- و إرذاذها إتیانها بالرذاذ و هو ضعیف المطر- . قوله فعبدوا أنفسکم أی ذللوها و منه طریق معبد- . و اخرجوا إلیه من حق طاعته- أی أدوا المفترض علیکم من العباده- یقال خرجت إلى فلان من دینه أی قضیته إیاه: ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْإِسْلَامَ دِینُ اللَّهِ الَّذِی اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ- وَ اصْطَنَعَهُ عَلَى عَیْنِهِ وَ أَصْفَاهُ خِیَرَهَ خَلْقِهِ- وَ أَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ- أَذَلَّ الْأَدْیَانَ بِعِزَّتِهِ وَ وَضَعَ الْمِلَلَ بِرَفْعِهِ- وَ أَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِکَرَامَتِهِ وَ خَذَلَ مُحَادِّیهِ بِنَصْرِهِ- وَ هَدَمَ أَرْکَانَ الضَّلَالَهِ بِرُکْنِهِ- وَ سَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِیَاضِهِ- وَ أَتْأَقَ الْحِیَاضَ بِمَوَاتِحِهِ- ثُمَّ جَعَلَهُ لَا انْفِصَامَ لِعُرْوَتِهِ وَ لَا فَکَّ لِحَلْقَتِهِ- وَ لَا انْهِدَامَ لِأَسَاسِهِ وَ لَا زَوَالَ لِدَعَائِمِهِ- وَ لَا انْقِلَاعَ لِشَجَرَتِهِ وَ لَا انْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ- وَ لَا عَفَاءَ لِشَرَائِعِهِ وَ لَا جَذَّ لِفُرُوعِهِ وَ لَا ضَنْکَ لِطُرُقِهِ- وَ لَا وُعُوثَهَ لِسُهُولَتِهِ وَ لَا سَوَادَ لِوَضَحِهِ- وَ لَا عِوَجَ لِانْتِصَابِهِ وَ لَا عَصَلَ فِی عُودِهِ- وَ لَا وَعَثَ لِفَجِّهِ وَ لَا انْطِفَاءَ لِمَصَابِیحِهِ- وَ لَا مَرَارَهَ لِحَلَاوَتِهِ- فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاخَ فِی الْحَقِّ أَسْنَاخَهَا- وَ ثَبَّتَ لَهَا آسَاسَهَا وَ یَنَابِیعُ غَزُرَتْ عُیُونُهَا- وَ مَصَابِیحُ شَبَّتْ نِیرَانُهَا- وَ مَنَارٌ اقْتَدَى بِهَا سُفَّارُهَا وَ أَعْلَامٌ قُصِدَ بِهَا فِجَاجُهَا- وَ مَنَاهِلُ رَوِیَ بِهَا وُرَّادُهَا- .

جَعَلَ اللَّهُ فِیهِ مُنْتَهَى رِضْوَانِهِ- وَ ذِرْوَهَ دَعَائِمِهِ وَ سَنَامَ طَاعَتِهِ- فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ وَثِیقُ الْأَرْکَانِ رَفِیعُ الْبُنْیَانِ- مُنِیرُ الْبُرْهَانِ مُضِی‏ءُ النِّیرَانِ- عَزِیزُ السُّلْطَانِ مُشْرِفُ الْمَنَارِ مُعْوِذُ الْمَثَارِ- فَشَرِّفُوهُ وَ اتَّبِعُوهُ وَ أَدُّوا إِلَیْهِ حَقَّهُ وَ ضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ اصطنعه على عینه کلمه تقال لما یشتد الاهتمام به- تقول للصانع اصنع لی کذا على عینی- أی اصنعه صنعه کامله کالصنعه التی تصنعها- و أنا حاضر أشاهدها بعینی- قال تعالى وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ عَیْنِی- . و أصفاه خیره خلقه أی آثر به خیره خلقه و هم المسلمون- و یاء خیره مفتوحه- . قال و أقام الله دعائم الإسلام على حب الله و طاعته- . و المحاد المخالف قال تعالى مَنْ یُحادِدِ اللَّهَ- أی من یعاد الله کأنه یکون فی حد و جهه- و ذلک الإنسان فی حد آخر و جهه أخرى- و کذلک المشاق یکون فی شق و الآخر فی شق آخر- . و أتأق الحیاض ملأها و تئق السقاء نفسه یتأق تأقا- و کذلک الرجل إذا امتلأ غضبا- . قوله بمواتحه و هی الدلاء یمتح بها أی یسقى بها- . و الانفصام الانکسار و العفاء الدروس- . و الجذ القطع و یروى بالدال المهمله و هو القطع أیضا- . و الضنک الضیق- .

و الوعوثه کثره فی السهوله توجب صعوبه المشی- لأن الأقدام تعیث فی الأرض- . و الوضح البیاض- . و العوج بفتح العین فیما ینتصب کالنخله و الرمح- و العوج بکسرها فیما لا ینتصب کالأرض و الرأی و الدین- . و العصل الالتواء و الاعوجاج- ناب أعصل و شجره عصله و سهام عصل- . و الفج الطریق الواسع بین الجبلین- یقول لا وعث فیه أی لیس طریق الإسلام بوعث- و قد ذکرنا أن الوعوثه ما هی- . قوله فهو دعائم أساخ فی الحق أسناخها- الأسناخ جمع سنخ و هو الأصل- و أساخها فی الأرض أدخلها فیها- و ساخت قوائم فرسه فی الأرض تسوخ و تسیخ دخلت و غابت- . و الآساس بالمد جمع أسس مثل سبب و أسباب- و الأسس و الأس و الأساس واحد و هو أصل البناء- . و غزرت عیونها بضم الزای کثرت- و شبت نیرانها بضم الشین أوقدت- و المنار الأعلام فی الفلاه- . قوله قصد بها فجاجها- أی قصد بنصب تلک الأعلام- اهتداء المسافرین فی تلک الفجاج- فأضاف القصد إلى الفجاج- . و روی روادها جمع رائد- و هو الذی یسبق القوم فیرتاد لهم الکلأ و الماء- . و الذروه أعلى السنام و الرأس و غیرهما- . قوله معوذ المثار- أی یعجز الناس إثارته و إزعاجه لقوته و متانته‏:

ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً ص بِالْحَقِّ- حِینَ دَنَا مِنَ الدُّنْیَا الِانْقِطَاعُ وَ أَقْبَلَ مِنَ الآْخِرَهِ الِاطِّلَاعُ- وَ أَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقٍ وَ قَامَتْ بِأَهْلِهَا عَلَى سَاقٍ- وَ خَشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ وَ أَزِفَ مِنْهَا قِیَادٌ- فِی انْقِطَاعٍ مِنْ مُدَّتِهَا وَ اقْتِرَابٍ مِنْ أَشْرَاطِهَا- وَ تَصَرُّمٍ مِنْ أَهْلِهَا وَ انْفِصَامٍ مِنْ حَلْقَتِهَا- وَ انْتِشَارٍ مِنْ سَبَبِهَا وَ عَفَاءٍ مِنْ أَعْلَامِهَا- وَ تَکَشُّفٍ مِنْ عَوْرَاتِهَا وَ قِصَرٍ مِنْ طُولِهَا- جَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَلَاغاً لِرِسَالَتِهِ وَ کَرَامَهً لِأُمَّتِهِ- وَ رَبِیعاً لِأَهْلِ زَمَانِهِ وَ رِفْعَهً لِأَعْوَانِهِ وَ شَرَفاً لِأَنْصَارِهِ- ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَیْهِ الْکِتَابَ نُوراً لَا تُطْفَأُ مَصَابِیحُهُ- وَ سِرَاجاً لَا یَخْبُو تَوَقُّدُهُ وَ بَحْراً لَا یُدْرَکُ قَعْرُهُ- وَ مِنْهَاجاً لَا یُضِلُّ نَهْجُهُ وَ شُعَاعاً لَا یُظْلِمُ ضَوْءُهُ- وَ فُرْقَاناً لَا یُخْمَدُ بُرْهَانُهُ وَ تِبْیَاناً لَا تُهْدَمُ أَرْکَانُهُ- وَ شِفَاءً لَا تُخْشَى أَسْقَامُهُ- وَ عِزّاً لَا تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ وَ حَقّاً لَا تُخْذَلُ أَعْوَانُهُ- فَهُوَ مَعْدِنُ الْإِیمَانِ وَ بُحْبُوحَتُهُ وَ یَنَابِیعُ الْعِلْمِ وَ بُحُورُهُ- وَ رِیَاضُ الْعَدْلِ وَ غُدْرَانُهُ وَ أَثَافِیُّ الْإِسْلَامِ وَ بُنْیَانُهُ- وَ أَوْدِیَهُ الْحَقِّ وَ غِیطَانُهُ وَ بَحْرٌ لَا یَنْزِفُهُ الْمُسْتَنْزِفُونَ- وَ عُیُونٌ لَا یُنْضِبُهَا الْمَاتِحُونَ- وَ مَنَاهِلُ لَا یَغِیضُهَا الْوَارِدُونَ- وَ مَنَازِلُ لَا یَضِلُّ نَهْجَهَا الْمُسَافِرُونَ- وَ أَعْلَامٌ لَا یَعْمَى عَنْهَا السَّائِرُونَ- وَ إِکَامٌ لَا یَجُوزُ عَنْهَا الْقَاصِدُونَ

اختلاف الأقوال فی عمر الدنیا

قوله ع حین دنا من الدنیا الانقطاع- أی أزفت الآخره و قرب وقتها- و قد اختلف الناس فی ذلک اختلافا شدیدا- فذهب قوم إلى أن عمر الدنیا خمسون ألف سنه- قد ذهب بعضها و بقی بعضها- . و اختلفوا فی مقدار الذاهب و الباقی- و احتجوا لقولهم بقوله تعالى- تَعْرُجُ الْمَلائِکَهُ وَ الرُّوحُ إِلَیْهِ- فِی یَوْمٍ کانَ مِقْدارُهُ خَمْسِینَ أَلْفَ سَنَهٍ- قالوا الیوم هو إشاره إلى الدنیا- و فیها یکون عروج الملائکه و الروح إلیه- و اختلافهم بالأمر من عنده إلى خلقه و إلى رسله- قالوا و لیس قول بعض المفسرین- أنه عنى یوم القیامه بمستحسن- لأن یوم القیامه لا یکون للملائکه و الروح عروج إلیه سبحانه- لانقطاع التکلیف- و لأن المؤمنین إما أن یطول علیهم ذلک الیوم- بمقدار خمسین ألف سنه- أو یکون هذا مختصا بالکافرین فقط- و یکون قصیرا على المؤمنین و الأول باطل- لأنه أشد من عذاب جهنم- و لا یجوز أن یلقى المؤمن هذه المشقه و الثانی باطل- لأنه لا یجوز أن یکون الزمان الواحد- طویلا قصیرا بالنسبه إلى شخصین-

اللهم إلا أن یکون أحدهما نائما- أو ممنوا بعله تجری مجرى النوم فلا یحس بالحرکه- و معلوم أن حال المؤمنین بعد بعثهم- لیست هذه الحال- . قالوا و لیست هذه الآیه مناقضه للآیه الأخرى- و هی قوله تعالى یُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ- ثُمَّ یَعْرُجُ إِلَیْهِ فِی یَوْمٍ- کانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَهٍ مِمَّا تَعُدُّونَ- و ذلک لأن سیاق الکلام- یدل على أنه أراد به الدنیا- و ذلک لأنه قد ورد فی الخبر- أن‏ بین الأرض و السماء مسیره خمسمائه عام- فإذا نزل الملک إلى الأرض ثم عاد إلى السماء- فقد قطع فی ذلک الیوم مسیره ألف عام- أ لا ترى إلى قوله- یُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ- أی ینزل الملک بالوحی و الأمر- و الحکم من السماء إلى الأرض- ثم یعود راجعا إلیه و عارجا صاعدا إلى السماء- فیجتمع من نزوله و صعوده مقدار مسیر ألف سنه- .

و ذکر حمزه بن الحسن الأصفهانی- فی کتابه المسمى تواریخ الأمم- أن الیهود تذهب إلى أن عدد السنین- من ابتداء التناسل إلى سنه الهجره لمحمد ص- أربعه آلاف و اثنتان و أربعون سنه و ثلاثه أشهر- . و النصارى تذهب إلى أن عدد ذلک خمسه آلاف- و تسعمائه و تسعون سنه و ثلاثه أشهر- . و أن الفرس تذهب إلى أن من عهد کیومرث- والد البشر عندهم إلى هلاک یزدجرد بن شهریار الملک- أربعه آلاف و مائه و اثنتین و ثمانین سنه- و عشره أشهر و تسعه عشر یوما- و یسندون ذلک إلى کتابهم الذی جاء به زردشت- و هو الکتاب المعروف بأبستا- . فأما الیهود و النصارى- فیسندون ذلک إلى التوراه- و یختلفون فی کیفیه استنباط المده- . و تزعم النصارى و الیهود- أن مده الدنیا کلها سبعه آلاف سنه- قد ذهب منها ما ذهب و بقی ما بقی- . و قیل إن الیهود إنما قصرت المده- لأنهم یزعمون أن شیخهم الذی هو منتظرهم- یخرج فی أول الألف السابع- فلو لا تنقیصهم المده- و تقصیرهم أیامها لتعجل افتضاحهم- و لکن سیفتضحون فیما بعد- عند من یأتی بعدنا من البشر- .

قال حمزه و أما المنجمون فقد أتوا بما یغمز هذا کله- فزعموا أنه قد مضى من الدنیا- منذ أول یوم سارت فیه الکواکب- من رأس الحمل إلى الیوم- الذی خرج فیه المتوکل بن معتصم بن الرشید- من سامراء إلى دمشق- لیجعلها دار الملک و هو أول یوم من المحرم- سنه أربع و أربعین و مائتین للهجره المحمدیه- أربعه آلاف ألف ألف ألف ثلاث لفظات- و ثلاثمائه ألف و عشرون ألف سنه بسنی الشمس- . قالوا و الذی مضى من الطوفان إلى صبیحه الیوم- الذی خرج فیه المتوکل إلى دمشق- ثلاث آلاف و سبعمائه و خمس و ثلاثون سنه- و عشره أشهر و اثنان و عشرون یوما- .

و ذکر أبو الریحان البیرونی- فی کتاب الآثار الباقیه عن القرون الخالیه- أن الفرس و المجوس یزعمون- أن عمر الدنیا اثنا عشر ألف سنه- على عدد البروج و عدد الشهور- و أن الماضی منها إلى وقت ظهور زردشت- صاحب شریعتهم ثلاثه آلاف سنه- و بین ابتداء ظهور زردشت- و بین أول تاریخ الإسکندر- مائتان و ثمان و خمسون سنه- و بین تاریخ الإسکندر و بین سنته- التی کتبنا فیها شرح هذا الفصل- و هی سنه سبع و أربعین و ستمائه للهجره النبویه- ألف و خمسمائه و سبعون سنه- فعلى هذا یکون الماضی إلى یومنا هذا- من أصل اثنی عشر ألف سنه أربعه آلاف- و ثمانمائه و ثمانی عشره سنه- فیکون الباقی من الدنیا على قولهم أکثر من الماضی- .

و حکى أبو الریحان عن الهند فی بعض کتبه- أن مده عمر الدنیا مقدار تضعیف الواحد- من أول بیت فی رقعه الشطرنج إلى آخر البیوت- . فأما الأخباریون من المسلمین فأکثرهم یقولون- إن عمر الدنیا سبعه آلاف سنه-و یقولون إننا فی السابع- و الحق أنه لا یعلم أحد هذا إلا الله تعالى وحده- کما قال سبحانه یَسْئَلُونَکَ عَنِ السَّاعَهِ أَیَّانَ مُرْساها- فِیمَ أَنْتَ مِنْ ذِکْراها إِلى‏ رَبِّکَ مُنْتَهاها- و قال لا یُجَلِّیها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِی السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ- لا تَأْتِیکُمْ إِلَّا بَغْتَهً یَسْئَلُونَکَ کَأَنَّکَ حَفِیٌّ عَنْها- قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ- . و نقول مع ذلک کما ورد به الکتاب العزیز- اقْتَرَبَتِ السَّاعَهُ- و اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ- و أَتى‏ أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ- . و لا نعلم کمیه الماضی و لا کمیه الباقی- و لکنا نقول کما أمرنا و نسمع و نطیع کما أدبنا- و من الممکن أن یکون ما بقی قریبا عند الله- و غیر قریب عندنا کما قال سبحانه- إِنَّهُمْ یَرَوْنَهُ بَعِیداً وَ نَراهُ قَرِیباً- . و بالجمله هذا موضع غامض یجب السکوت عنه- .

قوله ع و قامت بأهلها على ساق الضمیر للدنیا- و الساق الشده أی انکشفت عن شده عظیمه- . و قوله تعالى وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ- أی التفت آخر شده الدنیا بأول شده الآخره- . و المهاد الفراش و أزف منها قیاد- أی قرب انقیادها إلى التقضی و الزوال- . و أشراط الساعه علاماتها- و إضافتها إلى الدنیا لأنها فی الدنیا تحدث- و إن کانت علامات للأخرى و العفاء الدروس- .

و روی من طولها و الطول الحبل- . ثم عاد إلى ذکر النبی ص فقال- جعله الله سبحانه بلاغا لرسالته- أی ذا بلاغ و البلاغ التبلیغ فحذف المضاف- . و لا تخبو لا تنطفئ- و الفرقان ما یفرق به بین الحق و الباطل- . و أثافی الإسلام جمع أثفیه- و هی الأحجار توضع علیها القدر شکل مثلث- . و الغیطان جمع غائط و هو المطمئن من الأرض- . و لا یغیضها بفتح حرف المضارعه- غاض الماء و غضته أنا یتعدى و لا یتعدى- و روی لا یغیضها بالضم على قول من قال أغضت الماء- و هی لغه لیست بالمشهوره- . و الآکام جمع أکم مثل جبال جمع جبل- و الأکم جمع أکمه مثل عنب جمع عنبه- و الأکمه ما علا من الأرض و هی دون الکثیب:

جَعَلَهُ اللَّهُ رِیّاً لِعَطَشِ الْعُلَمَاءِ وَ رَبِیعاً لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ- وَ مَحَاجَّ لِطُرُقِ الصُّلَحَاءِ وَ دَوَاءً لَیْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ- وَ نُوراً لَیْسَ مَعَهُ ظُلْمَهٌ وَ حَبْلًا وَثِیقاً عُرْوَتُهُ- وَ مَعْقِلًا مَنِیعاً ذِرْوَتُهُ وَ عِزّاً لِمَنْ تَوَلَّاهُ- وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَ هُدًى لِمَنِ ائْتَمَّ بِهِ- وَ عُذْراً لِمَنِ انْتَحَلَهُ وَ بُرْهَاناً لِمَنْ تَکَلَّمَ بِهِ- وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ وَ فَلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ- وَ حَامِلًا لِمَنْ حَمَلَهُ وَ مَطِیَّهً لِمَنْ أَعْمَلَهُ- وَ آیَهً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَ جُنَّهً لِمَنِ اسْتَلْأَمَ- وَ عِلْماً لِمَنْ وَعَى وَ حَدِیثاً لِمَنْ رَوَى وَ حُکْماً لِمَنْ قَضَى‏الضمیر یرجع إلى القرآن جعله الله ریا لعطش العلماء- إذا ضل العلماء فی أمر و التبس علیهم رجعوا إلیه- فسقاهم کما یسقی الماء العطش- و کذا القول فی ربیعا لقلوب الفقهاء- و الربیع هاهنا الجدول- و یجوز أن یرید المطر فی الربیع- یقال ربعت الأرض فهی مربوعه- . و المحاج جمع محجه و هی جاده الطریق- و المعقل الملجأ- . و سلما لمن دخله أی مأمنا- و انتحله دان به و جعله نحلته- . و البرهان الحجه و الفلج الظفر و الفوز- و حاج به خاصم- .

قوله ع و حاملا لمن حمله- أی أن القرآن ینجی یوم القیامه- من کان حافظا له فی الدنیا بشرط أن یعمل به- . قوله ع و مطیه لمن أعمله استعاره- یقول کما أن المطیه تنجی صاحبها إذا أعملها و بعثها على النجاء- فکذلک القرآن إذا أعمله صاحبه أنجاه- و معنى إعماله اتباع قوانینه و الوقوف عند حدوده- . قوله و آیه لمن توسم أی لمن تفرس- قال تعالى إِنَّ فِی ذلِکَ لَآیاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِینَ- . و الجنه ما یستتر به و استلأم لبس لأمه الحرب و هی الدرع- . و وعى حفظ- . قوله و حدیثا لمن روى- قد سماه الله تعالى حدیثا فقال- اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ‏الْحَدِیثِ کِتاباً مُتَشابِهاً- و أصحابنا یحتجون بهذه اللفظه- على أن القرآن لیس بقدیم- لأن الحدیث ضد القدیم- .

و لیس للمخالف أن یقول- لیس المراد بقوله أَحْسَنَ الْحَدِیثِ ما ذکرتم- بل المراد أحسن القول و أحسن الکلام- لأن العرب تسمی الکلام و القول حدیثا- لأنا نقول لعمری إنه هکذا- و لکن العرب ما سمت القول و الکلام حدیثا- إلا أنه مستحدث متجدد حالا فحالا- أ لا ترى إلى قول عمرو لمعاویه- قد مللت کل شی‏ء إلا الحدیث- فقال إنما یمل العتیق- فدل ذلک على أنه فهم معنى تسمیتهم الکلام و القول حدیثا- و فطن لمغزاهم و مقصدهم فی هذه التسمیه- و إذا کنا قد کلفنا أن نجری على ذاته و صفاته- و أفعاله ما أجراه سبحانه فی کتابه- و نطلق ما أطلقه على سبیل الوضع و الکیفیه التی أطلقها- و کان قد وصف کلامه بأنه حدیث- و کان القرآن فی عرف اللغه- إنما سمی حدیثا لحدوثه و تجدده- فقد ساغ لنا أن نطلق على کلامه أنه محدث و متجدد- و هذا هو المقصود

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۰

بازدیدها: ۳۰

خطبه ۱۹۰ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۹۰ و من خطبه له ع

وَ لَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفِظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ص- أَنِّی لَمْ أَرُدَّ عَلَى اللَّهِ وَ لَا عَلَى رَسُولِهِ سَاعَهً قَطُّ- وَ لَقَدْ وَاسَیْتُهُ بِنَفْسِی فِی الْمَوَاطِنِ- الَّتِی تَنْکُصُ فِیهَا الْأَبْطَالُ- وَ تَتَأَخَّرُ الْأَقْدَامُ نَجْدَهً أَکْرَمَنِیَ اللَّهُ بِهَا- وَ لَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ إِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِی- وَ لَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِی کَفِّی فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِی- وَ لَقَدْ وُلِّیتُ غُسْلَهُ ص وَ الْمَلَائِکَهُ أَعْوَانِی- فَضَجَّتِ الدَّارُ وَ الْأَفْنِیَهُ- مَلٌا یَهْبِطُ وَ مَلٌا یَعْرُجُ- وَ مَا فَارَقَتْ سَمْعِی هَیْنَمَهٌ مِنْهُمْ- یُصَلُّونَ عَلَیْهِ حَتَّى وَارَیْنَاهُ فِی ضَرِیحِهِ- فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّی حَیّاً وَ مَیِّتاً- فَانْفُذُوا عَلَى بَصَائِرِکُمْ- وَ لْتَصْدُقْ نِیَّاتُکُمْ فِی جِهَادِ عَدُوِّکُمْ- فَوَالَّذِی لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّی لَعَلَى جَادَّهِ الْحَقِّ- وَ إِنَّهُمْ لَعَلَى مَزَلَّهِ الْبَاطِلِ- أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِی وَ لَکُمْ یمکن أن یعنی بالمستحفظین الخلفاء الذین تقدموا- لأنهم الذین استحفظوا الإسلام- أی جعلوا حافظین له و حارسین لشریعته و لحوزته- و یجوز أن یعنی به العلماء و الفضلاء من الصحابه- لأنهم استحفظوا الکتاب- أی کلفوا حفظه و حراسته- .

و الظاهر أنه یرمز فی قوله ع- لم أرد على الله و لا على رسوله ساعه قط- إلى أمور وقعت من غیره-کما جرى یوم الحدیبیه عند سطر کتاب الصلح- فإن بعض الصحابه أنکر ذلک- و قال یا رسول الله أ لسنا المسلمین قال بلى- قال أ و لیسوا الکافرین قال بلى- قال فکیف نعطی الدنیه فی دیننا- فقال ص إنما أعمل بما أومر به- فقال قوم من الصحابه أ لم یکن قد وعدنا بدخول مکه- و ها نحن قد صددنا عنها- ثم ننصرف بعد أن أعطینا الدنیه فی دیننا- و الله لو أجد أعوانا لم أعط الدنیه أبدا- فقال أبو بکر لهذا القائل ویحک الزم غرزه- فو الله إنه لرسول الله ص و إن الله لا یضیعه- . ثم قال له أ قال لک إنه سیدخلها هذا العام قال لا- قال فسیدخلها فلما فتح النبی ص مکه- و أخذ مفاتیح الکعبه دعاه فقال هذا الذی وعدتم به- .

و اعلم أن هذا الخبر صحیح لا ریب فیه- و الناس کلهم رووه و لیس عندی بقبیح- و لا مستهجن أن یکون سؤال هذا الشخص لرسول الله ص- عما سأله عنه على سبیل الاسترشاد- و التماسا لطمأنینه النفس- فقد قال الله تعالى لخلیله إبراهیم- أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لکِنْ لِیَطْمَئِنَّ قَلْبِی- و قد کانت الصحابه تراجع رسول الله ص فی الأمور- و تسأله عما یستبهم علیها و تقول له- أ هذا منک أم من الله- و قال له السعدان رحمهما الله یوم الخندق- و قد عزم على مصالحه الأحزاب ببعض تمر المدینه- أ هذا من الله أم رأی رأیته من نفسک قال بل من نفسی- قالا لا و الله لا نعطیهم منها تمره واحده- و أیدینا فی مقابض سیوفنا- .

و قالت الأنصار له یوم بدر- و قد نزل بمنزل لم یستصلحوه- أ نزلت هذا المنزل عن رأی رأیت أم بوحی أوحی إلیک- قال بل عن رأی رأیته قالوا إنه لیس لنا بمنزل- ارحل عنه فانزل بموضع کذا- . و أما قول أبی بکر له الزم غرزه- فو الله إنه لرسول الله ص- فإنما هو تأکید و تثبیت على عقیدته التی فی قلبه- و لا یدل ذلک على الشک- فقد قال الله تعالى لنبیه- وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناکَ لَقَدْ کِدْتَ تَرْکَنُ إِلَیْهِمْ شَیْئاً قَلِیلًا- و کل أحد لا یستغنی عن زیاده الیقین و الطمأنینه- و قد کانت وقعت من هذا القائل أمور دون هذه القصه- کقوله دعنی أضرب عنق أبی سفیان- و قوله دعنی أضرب عنق عبد الله بن أبی- و قوله دعنی أضرب عنق حاطب بن أبی بلتعه- و نهی النبی ص له عن التسرع إلى ذلک- و جذبه ثوب رسول الله ص- حین قام على جنازه ابن سلول یصلی- و قوله کیف تستغفر لرأس المنافقین- و لیس فی ذلک جمیعه ما یدل على وقوع القبیح منه- و إنما الرجل کان مطبوعا على الشده و الشراسه و الخشونه- و کان یقول ما یقول على مقتضى السجیه التی طبع علیها- و على أی حال کان- فلقد نال الإسلام بولایته و خلافته خیرا کثیرا- . قوله ع و لقد واسیته بنفسی- یقال واسیته و آسیته و بالهمزه أفصح- و هذا مما اختص ع بفضیلته غیر مدافع- ثبت معه یوم أحد و فر الناس- و ثبت معه یوم حنین و فر الناس- و ثبت تحت رایته یوم خیبر حتى فتحها- و فر من کان بعث بها من قبله- .

و روى المحدثون أن رسول الله ص لما ارتث یوم أحد- قال الناس قتل محمد- رأته کتیبه من المشرکین و هو صریع بین القتلى- إلا أنه حی فصمدت له- فقال لعلی ع اکفنی هذه- فحمل علیها ع و قتل رئیسها- ثم صمدت له کتیبه أخرى- فقال یا علی اکفنی هذه فحمل علیها فهزمها- و قتل رئیسها ثم صمدت له کتیبه ثالثه- فکذلک فکان رسول الله ص بعد ذلک یقول- قال لی جبریل یا محمد إن هذه للمواساه- فقلت و ما یمنعه و هو منی و أنا منه فقال جبریل و أنا منکماوروى المحدثون أیضا أن المسلمین سمعوا ذلک الیوم صائحا- من جهه السماء ینادی- لا سیف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علی- فقال رسول الله ص لمن حضره- أ لا تسمعون هذا صوت جبریل- . و أما یوم حنین فثبت معه فی نفر یسیر من بنی هاشم- بعد أن ولى المسلمون الأدبار و حامى عنه- و قتل قوما من هوازن بین یدیه- حتى ثابت إلیه الأنصار- و انهزمت هوازن و غنمت أموالها- . و أما یوم خیبر فقصته مشهوره- . قوله ع نجده أکرمنی الله سبحانه بها- النجده الشجاعه و انتصابها هاهنا على أنها مصدر- و العامل فیه محذوف- .

ثم ذکر ع وفاه رسول الله ص فقال- لقد قبض و إن رأسه لعلى صدری- و لقد سالت نفسه فی کفی فأمررتها على وجهی- یقال إن رسول الله‏ ص قاء دما یسیرا وقت موته- و إن علیا ع مسح بذلک الدم وجهه- . و قد روی أن أبا طیبه الحجام شرب دمه ع و هو حی- فقال له إذن لا یجع بطنک- . قوله ع فضجت الدار و الأفنیه- أی النازلون فی الدار من الملائکه- أی ارتفع ضجیجهم و لجبهم- یعنی أنی سمعت ذلک و لم یسمعه غیری من أهل الدار- .

و الملأ الجماعه یهبط قوم من الملائکه و یصعد قوم- و العروج الصعود و الهینمه- الصوت الخفی و الضریح الشق فی القبرذکر خبر موت الرسول عو قدروی من قصه وفاه رسول الله ص أنه عرضت له الشکاه التی عرضت- فی أواخر صفر من سنه إحدى عشره للهجره- فجهز جیش أسامه بن زید- فأمرهم بالمسیر إلى البلقاء- حیث أصیب زید و جعفر ع من الروم- و خرج فی تلک اللیله إلى البقیع- و قال إنی قد أمرت بالاستغفار علیهم- فقال ع السلام علیکم یا أهل القبور- لیهنکم ما أصبحتم فیه مما أصبح الناس فیه- أقبلت الفتن کقطع اللیل المظلم- یتبع أولها آخرها ثم استغفر لأهل البقیع طویلا- ثم قال لأصحابه إن جبریل کان یعارضنی القرآن فی کل عام مره- و قد عارضنی به العام مرتین- فلا أراه إلا لحضور أجلی- ثم انصرف إلى بیته فخطب الناس فی غده- فقال معاشر الناس قد حان منی خفوق من بین أظهرکم- فمن کان له عندی عده فلیأتنی أعطه إیاها- و من کان علی دین فلیأتنی أقضه- أیها الناس إنه لیس بین الله و بین أحد نسب- و لا أمر یؤتیه به خیرا-أو یصرف عنه شرا إلا العمل- ألا لا یدعین مدع و لا یتمنین متمن- و الذی بعثنی بالحق لا ینجی إلا عمل مع رحمه- و لو عصیت لهویت اللهم قد بلغت- .

ثم نزل فصلى بالناس صلاه خفیفه ثم دخل بیت أم سلمه- ثم انتقل إلى بیت عائشه یعلله النساء و الرجال- أما النساء فأزواجه و بنته ع- و أما الرجال فعلی ع و العباس و الحسن و الحسین ع- و کانا غلامین یومئذ- و کان الفضل بن العباس یدخل أحیانا إلیهم- ثم حدث الاختلاف بین المسلمین أیام مرضه- فأول ذلک التنازع الواقع یوم- قال ص ائتونی بدواه و قرطاس- و تلا ذلک حدیث التخلف عن جیش أسامه- و قول عیاش بن أبی ربیعه- أ یولى هذا الغلام على جله المهاجرین و الأنصار- .

ثم اشتد به المرض- و کان عند خفه مرضه یصلی بالناس بنفسه- فلما اشتد به المرض أمر أبا بکر أن یصلی بالناس- . و قد اختلف فی صلاته بهم- فالشیعه تزعم أنه لم یصل بهم إلا صلاه واحده- و هی الصلاه التی خرج رسول الله ص فیها- یتهادى بین علی ع و الفضل- فقام فی المحراب مقامه و تأخر أبو بکر- . و الصحیح عندی و هو الأکثر الأشهر- أنها لم تکن آخر صلاه فی حیاته ص بالناس جماعه- و أن أبا بکر صلى بالناس بعد ذلک یومین ثم مات ص- فمن قائل یقول إنه توفی للیلتین بقیتا من صفر- و هو القول الذی تقوله الشیعه- و الأکثرون أنه توفی فی شهر ربیع الأول- بعد مضی أیام منه- . و قد اختلفت الروایه فی موته- فأنکر عمر ذلک و قال إنه لم یمت- و إنه غاب و سیعود فثناه أبو بکر عن هذا القول- و تلا علیه الآیات المتضمنه أنه سیموت- فرجع إلى قوله- .

ثم اختلفوا فی موضع دفنه- فرأى قوم أن یدفنوه بمکه لأنها مسقط رأسه- و قال من قال بل بالمدینه ندفنه بالبقیع عند شهداء أحد- ثم اتفقوا على دفنه فی البیت الذی قبض فیه- و صلوا علیه إرسالا لا یؤمهم أحد- . و قیل إن علیا ع أشار بذلک فقبلوه- . و أنا أعجب من ذلک- لأن الصلاه علیه کانت بعد بیعه أبی بکر- فما الذی منع من أن یتقدم أبو بکر فیصلی علیه إماما- . و تنازعوا فی تلحیده و تضریحه- فأرسل العباس عمه إلى أبی عبیده بن الجراح- و کان یحفر لأهل مکه و یضرح على عادتهم رجلا- و أرسل علی رجلا إلى أبی طلحه الأنصاری- و کان یلحد لأهل المدینه على عادتهم و قال- اللهم اختر لنبیک- فجاء أبو طلحه فلحد له و أدخل فی اللحد- . و تنازعوا فیمن ینزل معه القبر- فمنع علی ع الناس أن ینزلوا معه- و قال لا ینزل قبره غیری و غیر العباس- ثم أذن فی نزول الفضل و أسامه بن زید مولاهم- ثم ضجت الأنصار- و سألت أن ینزل منها رجل فی قبره- فأنزلوا أوس بن خولی و کان بدریا- . فأما الغسل فإن علیا ع تولاه بیده- و کان الفضل بن العباس یصب علیه الماء- .

وروى المحدثون عن علی ع أنه قال ما قلبت منه عضوا إلا و انقلب لا أجد له ثقلا- کان معی من یساعدنی علیه و ما ذلک إلا الملائکه
– . و أما حدیث الهینمه و سماع الصوت- فقد رواه خلق کثیر من المحدثین عن علی‏ع- و تروی الشیعه أن علیا ع عصب عینی الفضل بن العباس- حین صب علیه الماء- و أن رسول الله ص أوصاه بذلک و قال- إنه لا یبصر عورتی أحد غیرک إلا عمی- .

قوله ع فمن ذا أحق به منی حیا و میتا- انتصابهما على الحال من الضمیر المجرور فی به- أی أی شخص أحق برسول الله ص حال حیاته و حال وفاته منی- و مراده من هذا الکلام- أنه أحق بالخلافه بعده و أحق الناس بالمنزله منه- حیث کان بتلک المنزله منه فی الدنیا- و لیس یجوز أن یکونا حالین من الضمیر المجرور فی منی- لأنه لا یحسن أن یقول- أنا أحق به إذا کنت حیا من کل أحد- و أحق به إذا کنت میتا من کل أحد- لأن المیت لا یوصف بمثل ذلک- و لأنه لا حال ثبتت له من الأحقیه إذا کان حیا- إلا و هی ثابته له إذا کان میتا- و إن کان المیت یوصف بالأحقیه- فلا فائده فی قوله و میتا على هذا الفرض- و لا یبقى فی تقسیم الکلام إلى قسمین فائده- و أما إذا کان حالا من الضمیر فی به- فإنه لا یلزم من کونه أحق بالمنزله الرفیعه من رسول الله ص- و هو حی أن یکون أحق بالخلافه بعد وفاته- أی لیس أحدهما یلزم الآخر- فاحتاج إلى أن یبین أنه أحق برسول الله ص- من کل أحد إن کان الرسول حیا و إن کان میتا- و لم یستهجن أن یقسم الکلام إلى القسمین المذکورین- .

قوله ع فانفذوا إلى بصائرکم- أی أسرعوا إلى الجهاد على عقائدکم التی أنتم علیها- و لا یدخلن الشک و الریب فی قلوبکم- . قوله ع إنی لعلى جاده الحق و إنهم لعلى مزله الباطل- کلام عجیب‏ على قاعده الصناعه المعنویه- لأنه لا یحسن أن یقول و إنهم لعلى جاده الباطل- لأن الباطل لا یوصف بالجاده- و لهذا یقال لمن ضل وقع فی بنیات الطریق- فتعوض عنها بلفظ المزله- و هی الموضع الذی یزل فیه الإنسان- کالمزلقه موضع الزلق- و المغرقه موضع الغرق و المهلکه موضع الهلاک

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۰

بازدیدها: ۲۵

خطبه ۱۸۹ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۸۹ و من خطبه له ع

بَعَثَهُ حِینَ لَا عَلَمٌ قَائِمٌ- وَ لَا مَنَارٌ سَاطِعٌ وَ لَا مَنْهَجٌ وَاضِحٌ- أُوصِیکُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- وَ أُحَذِّرُکُمُ الدُّنْیَا فَإِنَّهَا دَارُ شُخُوصٍ- وَ مَحَلَّهُ تَنْغِیصٍ سَاکِنُهَا ظَاعِنٌ وَ قَاطِنُهَا بَائِنٌ- تَمِیدُ بِأَهْلِهَا مَیَدَانَ السَّفِینَهِ- تَقْصِفُهَا الْعَوَاصِفُ فِی لُجَجِ الْبِحَارِ- فَمِنْهُمُ الْغَرِقُ الْوَبِقُ وَ مِنْهُمُ النَّاجِی عَلَى بُطُونِ الْأَمْوَاجِ- تَحْفِزُهُ الرِّیَاحُ بِأَذْیَالِهَا وَ تَحْمِلُهُ عَلَى أَهْوَالِهَا- فَمَا غَرِقَ مِنْهَا فَلَیْسَ بِمُسْتَدْرَکٍ وَ مَا نَجَا مِنْهَا فَإِلَى مَهْلَکٍ- عِبَادَ اللَّهِ الآْنَ فَاعْلَمُوا وَ الْأَلْسُنُ مُطْلَقَهٌ- وَ الْأَبْدَانُ صَحِیحَهٌ وَ الْأَعْضَاءُ لَدْنَهٌ- وَ الْمُنْقَلَبُ فَسِیحٌ وَ الْمَجَالُ عَرِیضٌ- قَبْلَ إِرْهَاقِ الْفَوْتِ وَ حُلُولِ الْمَوْتِ- فَحَقِّقُوا عَلَیْکُمْ نُزُولَهُ وَ لَا تَنْتَظِرُوا قُدُومَهُ یقول بعث الله سبحانه محمدا ص لما لم یبق علم- یهتدی به المکلفون- لأنه کان زمان الفتره و تبدل المصلحه- و اقتضاء وجوب اللطف علیه سبحانه تجدیدا لبعثته- لیعرف المبعوث المکلفین الأفعال- التی تقربهم من فعل الواجبات العقلیه- و تبعدهم عن المقبحات الفعلیه- .

و المنار الساطع المرتفع سطع الصبح سطوعا ارتفع- . و دار شخوص دار رحله شخص عن البلد رحل عنه- . و الظاعن المسافر و القاطن المقیم و البائن البعید- یقول ساکن الدنیا لیس بساکن على الحقیقه- بل هو ظاعن فی المعنى و إن کان فی الصوره ساکنا- و المقیم بها مفارق و إن ظن أنه مقیم- . و تمید بأهلها تتحرک و تمیل- و المیدان حرکه و اضطراب- . و تصفقها العواصف- تضربها بشده ضربا بعد ضرب- و العواصف الریاح القویه- اللجج جمع لجه و هی معظم البحر- . الوبق الهالک وبق الرجل بالفتح یبق وبوقا هلک- و الموبق منه کالموعد مفعل من وعد یعد- و منه قوله تعالى وَ جَعَلْنا بَیْنَهُمْ مَوْبِقاً- و فیه لغه أخرى وبق الرجل یوبق وبقا- و فیه لغه ثالثه وبق الرجل بالکسر یبق بالکسر أیضا- و أوبقه الله أی أهلکه- .

و تحفزه الریاح تدفعه- ضرب ع لأهل الدنیا مثلا براکبی السفینه فی البحر- و قد مادت بهم فمنهم الهالک على الفور- و منهم من لا یتعجل هلاکه- و تحمله الریاح ساعه أو ساعات- ثم مآله إلى الهلاک أیضا- . ثم أمر ع بالعمل وقت الإمکان قبل ألا یمکن العمل- فکنى عن ذلک بقوله و الألسن منطلقه- لأن المحتضر یعتقل لسانه و الأبدان صحیحه- لأن المحتضر سقیم البدن و الأعضاء لدنه أی لینه- أی قبل الشیخوخه و الهرم و یبس‏الأعضاء و الأعصاب- و المنقلب فسیح و المجال عریض أی أیام الشبیبه- و فی الوقت و الأجل مهله قبل أن یضیق الوقت علیکم- . قبل إرهاق الفوت- أی قبل أن یجعلکم الفوت- و هو فوات الأمر و تعذر استدراکه علیکم- مرهقین و المرهق الذی أدرک لیقتل- قال الکمیت-

تندى أکفهم و فی أبیاتهم
ثقه المجاور و المضاف المرهق‏

قوله فحققوا علیکم نزوله و لا تنتظروا قدومه- أی اعملوا عمل من یشاهد الموت حقیقه- لا عمل من ینتظره انتظارا و یطاول الأوقات مطاوله- فإن التسویف داعیه التقصیر

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۰ 

بازدیدها: ۱۶

خطبه ۱۸۸ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۸۸ و من خطبه له ع

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی أَظْهَرَ مِنْ آثَارِ سُلْطَانِهِ وَ جَلَالِ کِبْرِیَائِهِ- مَا حَیَّرَ مُقَلَ الْعُقُولِ مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَتِهِ- وَ رَدَعَ خَطَرَاتِ هَمَاهِمِ النُّفُوسِ عَنْ عِرْفَانَ کُنْهِ صِفَتِهِ- وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- شَهَادَهَ إِیمَانٍ وَ إِیقَانٍ وَ إِخْلَاصٍ وَ إِذْعَانٍ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ وَ أَعْلَامُ الْهُدَى دَارِسَهٌ- وَ مَنَاهِجُ الدِّینِ طَامِسَهٌ فَصَدَعَ بِالْحَقِّ- وَ نَصَحَ لِلْخَلْقِ وَ هَدَى إِلَى الرُّشْدِ وَ أَمَرَ بِالْقَصْدِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ- وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ- أَنَّهُ لَمْ یَخْلُقْکُمْ عَبَثاً وَ لَمْ یُرْسِلْکُمْ هَمَلًا- عَلِمَ مَبْلَغَ نِعَمِهِ عَلَیْکُمْ وَ أَحْصَى إِحْسَانَهُ إِلَیْکُمْ- فَاسْتَفْتِحُوهُ وَ اسْتَنْجِحُوهُ وَ اطْلُبُوا إِلَیْهِ وَ اسْتَمْنِحُوهُ- فَمَا قَطَعَکُمْ عَنْهُ حِجَابٌ وَ لَا أُغْلِقَ عَنْکُمْ دُونَهُ بَابٌ- وَ إِنَّهُ لَبِکُلِّ مَکَانٍ وَ فِی کُلِّ حِینٍ وَ أَوَانٍ- وَ مَعَ کُلِّ إِنْسٍ وَ جَانٍّ- لَا یَثْلِمُهُ الْعَطَاءُ وَ لَا یَنْقُصُهُ الْحِبَاءُ- وَ لَا یَسْتَنْفِدُهُ سَائِلٌ وَ لَا یَسْتَقْصِیهِ نَائِلٌ- وَ لَا یَلْوِیهِ شَخْصٌ عَنْ شَخْصٍ وَ لَا یُلْهِیهِ صَوْتٌ عَنْ صَوْتٍ- وَ لَا تَحْجُزُهُ هِبَهٌ عَنْ سَلْبٍ وَ لَا یَشْغَلُهُ غَضَبٌ عَنْ رَحْمَهٍ- وَ لَا تُولِهُهُ رَحْمَهٌ عَنْ عِقَابٍ وَ لَا یُجِنُّهُ الْبُطُونُ عَنِ الظُّهُورِ- وَ لَا یَقْطَعُهُ الظُّهُورُ عَنِ الْبُطُونِ- قَرُبَ فَنَأَى وَ عَلَا فَدَنَا وَ ظَهَرَ فَبَطَنَ- وَ بَطَنَ فَعَلَنَ وَ دَانَ وَ لَمْ یُدَنْ- لَمْ یَذْرَإِ الْخَلْقَ بِاحْتِیَالٍ وَ لَا اسْتَعَانَ بِهِمْ لِکَلَالٍ-أُوصِیکُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- فَإِنَّهَا الزِّمَامُ وَ الْقِوَامُ فَتَمَسَّکُوا بِوَثَائِقِهَا- وَ اعْتَصِمُوا بِحَقَائِقِهَا تَؤُلْ بِکُمْ إِلَى أَکْنَانِ الدَّعَهِ- وَ أَوْطَانِ السَّعَهِ وَ مَعَاقِلِ الْحِرْزِ وَ مَنَازِلِ الْعِزِّ- فِی یَوْمٍ تَشْخَصُ فِیهِ الْأَبْصَارُ وَ تُظْلِمُ لَهُ الْأَقْطَارُ- وَ تُعَطَّلُ فِیهِ صُرُومُ الْعِشَارِ وَ یُنْفَخُ فِی الصُّورِ- فَتَزْهَقُ کُلُّ مُهْجَهٍ وَ تَبْکُمُ کُلُّ لَهْجَهٍ- وَ تَذِلُّ الشُّمُّ الشَّوَامِخُ وَ الصُّمُّ الرَّوَاسِخُ- فَیَصِیرُ صَلْدُهَا سَرَاباً رَقْرَاقاً وَ مَعْهَدُهَا قَاعاً سَمْلَقاً- فَلَا شَفِیعٌ یَشْفَعُ وَ لَا حَمِیمٌ یَنْفَعُ وَ لَا مَعْذِرَهٌ تَدْفَعُ أظهر سبحانه من آثار سلطانه- نحو خلق الأفلاک و دخول بعضها فی بعض- کالممیل الذی یشتمل على المائل و فلک التدویر و غیرهما- و نحو خلق الإنسان- و ما تدل کتب التشریح من عجیب الحکمه فیه- و نحو خلق النبات و المعادن- و ترتیب العناصر و علاماتها و الآثار العلویه المتجدده- حسب تجدد أسبابها ما حیر عقول هؤلاء- و أشعر بأنها إذا لم یحط بتفاصیل تلک الحکم- مع أنها مصنوعه- فالأولى ألا تحیط بالصانع- الذی هو بری‏ء عن الماده و علائق الحس- .

و المقل جمع مقله- و هی شحمه العین التی تجمع السواد و البیاض- و مقلت الشی‏ء نظرت إلیه بمقلتی- و أضاف المقل إلى العقول مجازا و مراده البصائر- . و ردع زجر و دفع- و هماهم النفوس- أفکارها و ما یهمهم به عند التمثیل و الرویه فی الأمر- و أصل الهمهمه صویت یسمع لا یفهم محصوله- .

و العرفان المعرفه و کنه الشی‏ء نهایته و أقصاه- و الإیقان العلم القطعی- و الإذعان الانقیاد- و الأعلام المنار و الجبال یستدل بها فی الطرقات- . و المناهج السبل الواضحه و الطامسه کالدارسه- و صدع بالحق بین و أصله الشق یظهر ما تحته- و یقال نصحت لزید و هو أفصح من قولک نصحت زیدا- . و القصد العدل- . و العبث ما لا غرض فیه أو ما لیس فیه غرض مثله- و الهمل الإبل بلا راع- و قد أهملت الإبل أرسلتها سدى- . قوله علم مبلغ نعمه علیکم و أحصى إحسانه إلیکم- أی هو عالم بکمیه إنعامه علیکم علما مفصلا- و کل من علم قدر نعمته على غیره- کان أحرى أن تشتد نقمته علیه عند عصیانه له و جرأته علیه- بخلاف من یجهل قدر نعمته على الغیر- فإنه لا یشد غضبه لأنه لا یعلم قدر نعمته المکفوره- .

قوله فاستفتحوه- أی اطلبوا منه الفتح علیکم و النصر لکم- . و استنجحوه اطلبوا منه النجاح و الظفر- . و اطلبوا إلیه أی اسألوه- یقال طلبت إلى زید کذا و فی کذا- . و استمنحوه بکسر النون اطلبوا منه المنحه و هی العطیه- و یروى و استمیحوه بالیاء- استمحت الرجل طلبت عطاءه- و محت بالرجل أعطیته- . ثم ذکر ع أنه لا حجاب یمنع عنه و لا دونه باب یغلق- و أنه بکل مکان موجود و فی کل حین و أوان- و المراد بوجوده فی کل مکان إحاطه علمه- و هو معنى قوله تعالى- ما یَکُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَهٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ- و قوله سبحانه وَ هُوَ مَعَکُمْ أَیْنَ ما کُنْتُمْ- .

قوله لا یثلمه العطاء بالکسر لا ینقص قدرته- . و الحباء النوال و لا یستنفده أی لا یفنیه- . و لا یستقصیه- لا یبلغ الجود أقصى مقدوره و إن عظم الجود- لأنه قادر على ما لا نهایه له- . و لا یلویه شخص عن شخص- لا یوجب ما یفعله لشخص أو مع شخص إعراضا- و ذهولا عن شخص آخر بل هو عالم بالجمیع- لا یشغله شأن عن شأن لوى الرجل وجهه- أی أعرض و انحرف و مثل هذا أراد بقوله- و لا یلهیه صوت عن صوت ألهاه کذا أی شغله- . و لا تحجزه بالضم هبه عن سلب أی لا تمنعه- أی لیس کالقادرین بالقدره مثلنا- فإن الواحد منا یصرفه اهتمامه- بعطیه زید عن سلب مال عمرو- حالما یکون مهتما بتلک العطیه- لأن اشتغال القلب بأحد الأمرین یشغله عن الآخر- .

و مثل هذا قوله و لا یشغله غضب عن رحمه- و لا تولهه رحمه عن عقاب- أی لا تحدث الرحمه لمستحقها عنده ولها- و هو التحیر و التردد و تصرفه عن عقاب المستحق- و ذلک لأن الواحد منا إذا رحم إنسانا حدث عنده رقه- خصوصا إذا توالت منه الرحمه لقوم متعددین- فإنه تصیر الرحمه کالملکه عنده- فلا یطیق مع تلک الحال أن ینتقم- و البارئ تعالى بخلاف ذلک لأنه لیس بذی مزاج سبحانه- . و لا یجنه البطون عن الظهور- و لا یقطعه الظهور عن البطون هذه کلها مصادر- بطن‏ بطونا أی خفی و ظهر ظهورا أی تجلى- یقول لا یمنعه خفاؤه عن العقول أن تدرکه عند ظهوره بأفعاله- و إن لم یکن ظاهرا بذاته- و کذلک لا یقطعه ظهوره بأفعاله عن أن یخفى کنهه- عن إبصار العقول و إدراکها له- و یقال اجتننت کذا أی سترته و منه الجنین و الجنه للترس- و سمی الجن جنا لاستتارهم- . ثم زاد المعنى تأکیدا فقال قرب فنأى- أی قرب فعلا فنأى ذاتا أی أفعاله قد تعلم- و لکن ذاته لا تعلم- .

ثم قال و علا فدنا- أی لما علا عن أن تحیط به العقول عرفته العقول- لا أنها عرفت ذاته- لکن عرفت أنه شی‏ء لا یصح أن یعرف- و ذلک خاصته سبحانه- فإن ماهیته یستحیل أن تتصور للعقل- لا فی الدنیا و لا فی الآخره- بخلاف غیره من الممکنات- . ثم أکد المعنى بعباره أخرى قال- و ظهر فبطن و بطن فعلن و هذا مثل الأول- و دان غلب و قهر و لم یدن لم یقهر و لم یغلب- . ثم قال لم یذرأ الخلق باحتیال- أی لم یخلقهم بحیله توصل بها إلى إیجادهم- بل أوجدهم على حسب علمه بالمصلحه- خلقا مخترعا من غیر سبب و لا واسطه- . قال و لا استعان بهم لکلال أی لإعیاء- أی لم یأمر المکلفین بالجهاد لحاجته فی قهر أعدائه- و جاحدی نعمته إلیهم- و لیس بکال و لا عاجز عن إهلاکهم- و لکن الحکمه اقتضت ذلک- قال سبحانه- وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ- أی لبطل التکلیف- .

ثم ذکر أن التقوى قوام الطاعات التی تقوم بها- و زمام العبادات لأنها تمسک و تحصن- کزمام الناقه المانع لها من الخبط- .و الوثائق جمع وثیقه و هی ما یوثق به- و حقائقها جمع حقیقه و هی الرایه- یقال فلان حامی الحقیقه- . قوله تؤل بالجزم لأنه جواب الأمر أی ترجع- . و الأکنان جمع کن و هو الستر- و الدعه الراحه السعه الجده- و المعاقل جمع معقل و هو الملجأ- و الحرز الحفظ- و تشخص الأبصار تبقى مفتوحه لا تطرف- .

و الأقطار الجوانب- و الصروم جمع صرم و صرمه- و هی القطعه من الإبل نحو الثلاثین- . و العشار- النوق أتى علیها من یوم أرسل الفحل فیها عشره أشهر- فزال عنها اسم المخاض و لا یزال ذلک اسمها حتى تضع- و الواحده عشراء- و هذا من قوله تعالى وَ إِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ- أی ترکت مسیبه مهمله لا یلتفت إلیها أربابها- و لا یحلبونها لاشتغالهم بأنفسهم- . و تزهق کل مهجه تهلک- و تبکم کل لهجه أی تخرس رجل أبکم و بکیم- و الماضی بکم بالکسر- . و الشم الشوامخ الجبال العالیه- و ذلها تدکدکها و هی أیضا الصم الرواسخ- . فیصیر صلدها و هو الصلب الشدید انصلابه سرابا- و هو ما یتراءى فی النهار فیظن ماء- . و الرقراق الخفیف- و معهدها ما جعل منها منزلا للناس- قاعا أرضا خالیه- و السملق الصفصف المستوی- لیس بعضه أرفع و بعضه أخفض

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۰

بازدیدها: ۳۹

خطبه ۱۸۷ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)( یصف فیها المنافقین)

۱۸۷ و من خطبه له ع یصف فیها المنافقین

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا وَفَّقَ لَهُ مِنَ الطَّاعَهِ- وَ ذَادَ عَنْهُ مِنَ الْمَعْصِیَهِ وَ نَسْأَلُهُ لِمِنَّتِهِ تَمَاماً- وَ لِحَبْلِهِ اعْتِصَاماً- وَ نَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- خَاضَ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ کُلَّ غَمْرَهٍ وَ تَجَرَّعَ فِیهِ کُلَّ غُصَّهٍ- وَ قَدْ تَلَوَّنَ لَهُ الْأَدْنَوْنَ وَ تَأَلَّبَ عَلَیْهِ الْأَقْصَوْنَ- وَ خَلَعَتْ عَلَیْهِ الْعَرَبُ أَعِنَّتَهَا- وَ ضَرَبَتْ إِلَى مُحَارَبَتِهِ بُطُونَ رَوَاحِلِهَا- حَتَّى أَنْزَلَتْ بِسَاحَتِهِ عَدَاوَتَهَا مِنْ أَبْعَدِ الدَّارِ وَ أَسْحَقِ الْمَزَارِ- أُوصِیکُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ أُحَذِّرُکُمْ أَهْلَ النِّفَاقِ- فَإِنَّهُمُ الضَّالُّونَ الْمُضِلُّونَ وَ الزَّالُّونَ الْمُزِلُّونَ- یَتَلَوَّنُونَ أَلْوَاناً وَ یَفْتَنُّونَ افْتِنَاناً- وَ یَعْمِدُونَکُمْ بِکُلِّ عِمَادٍ وَ یَرْصُدُونَکُمْ بِکُلِّ مِرْصَادٍ- قُلُوبُهُمْ دَوِیَّهٌ وَ صِفَاحُهُمْ نَقِیَّهٌ- یَمْشُونَ الْخَفَاءَ وَ یَدِبُّونَ الضَّراءَ- وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ وَ قَوْلُهُمْ شِفَاءٌ وَ فِعْلُهُمُ الدَّاءُ الْعَیَاءُ- حَسَدَهُ الرَّخَاءِ وَ مُؤَکِّدُو الْبَلَاءِ وَ مُقْنِطُو الرَّجَاءِ- لَهُمْ بِکُلِّ طَرِیقٍ صَرِیعٌ- وَ إِلَى کُلِّ قَلْبٍ شَفِیعٌ وَ لِکُلِّ شَجْوٍ دُمُوعٌ- یَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءَ وَ یَتَرَاقَبُونَ الْجَزَاءَ- إِنْ سَأَلُوا أَلْحَفُوا وَ إِنْ عَذَلُوا کَشَفُوا وَ إِنْ حَکَمُوا أَسْرَفُوا-قَدْ أَعَدُّوا لِکُلِّ حَقٍّ بَاطِلًا وَ لِکُلِّ قَائِمٍ مَائِلًا- وَ لِکُلِّ حَیٍّ قَاتِلًا وَ لِکُلِّ بَابٍ مِفْتَاحاً- وَ لِکُلِّ لَیْلٍ مِصْبَاحاً- یَتَوَصَّلُونَ إِلَى الطَّمَعِ بِالْیَأْسِ لِیُقِیمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ- وَ یُنْفِقُوا بِهِ أَعْلَاقَهُمْ یَقُولُونَ فَیُشَبِّهُونَ- وَ یَصِفُونَ فَیُمَوِّهُونَ قَدْ هَوَّنُوا الطَّرِیقَ- وَ أَضْلَعُوا الْمَضِیقَ فَهُمْ لُمَهُ الشَّیْطَانِ وَ حُمَهُ النِّیرَانِ- أُولئِکَ حِزْبُ الشَّیْطانِ- أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّیْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ الضمیر فی له و هو الهاء راجع إلى ما التی بمعنى الذی- و قیل بل هو راجع إلى الله سبحانه- کأنه قال نحمده على ما وفق من طاعته- و الصحیح هو الأول- لأن له فی الفقره الأولى بإزاء عنه فی الفقره الثانیه- و الهاء فی عنه لیست عائده إلى الله- و ذاد طرد و المصدر الذیاد- .

و خاض کل غمره- مثل قولک ارتکب کل مهلکه و تقحم کل هول- و الغمره ما ازدحم و کثر من الماء- و کذلک من الناس و الجمع غمار- . و الغصه الشجا و الجمع غصص- . و تلون له الأدنون تغیر علیه أقاربه ألوانا- . و تألب علیه الأقصون- تجمع علیه الأبعدون عنه نسبا- . و خلعت إلیه العرب أعنتها مثل- معناه أوجفوا إلیه مسرعین لمحاربته- لأن الخیل إذا خلعت أعنتها کان أسرع لجریها- . و ضربت إلى محاربته بطون رواحلها- کنایه عن إسراع العرب نحوه للحرب-لأن الرواحل إذا ضربت بطونها لتساق کان أوحى لها- و مراده أنهم کانوا فرسانا و رکبانا- . قوله حتى أنزلت بساحته عداوتها أی حربها- فعبر عنها بالعداوه لأن العداوه سبب الحرب- فعبر بالسبب عن المسبب- ما زلنا نطأ السماء حتى أتیناک یعنون الماء- لما کان اعتقادهم أن السماء سبب الماء- .

و أسحق المزار أبعده مکان سحیق أی بعید- و السحق بضم السین البعد یقال سحقا له- و یجوز ضم الحاء کما قالوا عسر و عسر- و سحق الشی‏ء بالضم أی بعد و أسحقه الله أبعده- و المزار المکان الذی یزار منه- أو المکان الذی یزار فیه و المراد هاهنا هو الأول- و من قرأ کتب السیره- علم ما لاقى رسول الله ص فی ذات الله سبحانه من المشقه- و استهزاء قریش به فی أول الدعوه- و رمیهم إیاه بالحجاره حتى أدموا عقبیه- و صیاح الصبیان به و فرث الکرش على رأسه- و فتل الثوب فی عنقه و حصره- و حصر أهله فی شعب بنی هاشم سنین عده- محرمه معاملتهم و مبایعتهم و مناکحتهم و کلامهم- حتى کادوا یموتون جوعا- لو لا أن بعض من کان یحنو لرحم أو لسبب غیره- فهو یسرق الشی‏ء القلیل من الدقیق أو التمر- فیلقیه إلیهم لیلا- ثم ضربهم أصحابه و تعذیبهم بالجوع و الوثاق فی الشمس- و طردهم إیاهم عن شعاب مکه- حتى خرج من خرج منهم إلى الحبشه- و خرج ع مستجیرا منهم تاره بثقیف و تاره ببنی عامر- و تاره بربیعه الفرس و بغیرهم- ثم أجمعوا على قتله و الفتک به لیلا- حتى هرب منهم لائذا بالأوس و الخزرج- تارکا أهله و أولاده و ما حوته یده- ناجیا بحشاشه نفسه حتى وصل إلى المدینه- فناصبوه الحرب و رموه بالمناسر و الکتائب- و ضربوا إلیه آباط الإبل-و لم یزل منهم فی عناء شدید و حروب متصله- حتى أکرمه الله تعالى و نصره و أید دینه و أظهره- و من له أنس بالتواریخ- یعلم من تفاصیل هذه الأحوال ما یطول شرحه- .

سمی النفاق نفاقا من النافقاء- و هی بیت الیربوع له بابان یدخل من أحدهما- و یخرج من الآخر- و کذلک الذی یظهر دینا و یبطن غیره- . و الضالون المضلون- الذین یضلون أنفسهم و یضلون غیرهم- و کذلک الزالون المزلون- زل فلان عن الأمر أی أخطأ و أزله غیره- . قوله یفتنون یتشعبون فنونا أی ضروبا- . و یعمدونکم أی یهدونکم و یفدحونکم- یقال عمده المرض یعمده أی هده- و منه قولهم للعاشق عمید القلب- . قوله بعماد أی بأمر فادح و خطب مؤلم- و أصل العمد انشداخ سنام البعیر- و ماضیه عمد السنام بالکسر عمدا فهو عمد- . و یرصدونکم یعدون المکاید لکم أرصدت أعددت- و منهفی الحدیث إلا أن أرصده لدین علی- .

و قلب دو بالتخفیف أی فاسد من داء أصابه و امرأه دویه- فإذا قلت رجل دوی بالفتح- استوى فیه المذکر و المؤنث و الجماعه- لأنه مصدر فی الأصل- و من روى دویه بالتشدید على بعده- فإنما شدده لیقابل نقیه- . و الصفاح جمع صفحه الوجه و هی ظاهره- یقول باطنهم علیل و ظاهرهم صحیح- یمشون الخفاء أی فی الخفاء ثم حذف الجار فنصب- و کذلک یدبون الضراء-و الضراء شجر الوادی الملتف- و هذا مثل یضرب لمن یختل صاحبه- یقال هو یدب له الضراء و یمشی له الخمر- و هو جرف الوادی- ثم قال وصفهم داء و قولهم شفاء- و فعلهم الداء العیاء- أی أقوالهم أقوال الزاهدین العابدین- و أفعالهم أفعال الفاسقین الفاجرین- و الداء العیاء الذی یعیی الأساه- .

ثم قال حسده الرخاء یحسدون على النعم- و مؤکدو البلاء إذا وقع واحد من الناس فی بلاء- أکدوه علیه بالسعایات و النمائم- و إغراء السلطان به- و لقد أحسن أبو الطیب فی قوله یذم البشر-

و کأنا لم یرض فینا بریب الدهر
حتى أعانه من أعانا

کلما أنبت الزمان قناه
رکب المرء فی القناه سنانا

و مقنطو الرجاء أی أهل الرجاء- أی یبدلون بشرورهم و أذاهم رجاء الراجی قنوطا- . قوله و إلى کل قلب شفیع- یصف خلابه ألسنتهم و شده ملقهم- فقد استحوذوا على قلوب الناس بالریاء و التصنع- . قوله و لکل شجو دموع- الشجو الحزن أی یبکون تباکیا و تعملا لا حقا- عند أهل کل حزن و مصاب- . یتقارضون الثناء أی یثنی زید على عمرو- لیثنی عمرو علیه فی ذلک المجلس- أو یبلغه فیثنی علیه فی مجلس آخر مأخوذ من القرض- . و یتراقبون الجزاء- یرتقب کل واحد منهم على ثنائه و مدحه- لصاحبه جزاء منه‏إما بالمال أو بأمر آخر- نحو ثناء یثنی علیه أو شفاعه یشفع له أو نحو ذلک- . و الإلحاف فی السؤال الاستقصاء فیه و هو مذموم- قال الله تعالى لا یَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً- .

قوله و إن عذلوا کشفوا- أی إذا عذلک أحدهم- کشف عیوبک فی ذلک اللوم و العذل و جبهک بها- و ربما لا یستحی أن یذکرها لک- بمحضر ممن لا تحب ذکرها بحضرته- و لیسوا کالناصحین على الحقیقه- الذین یعرضون عند العتاب بالذنب تعریضا لطیفا- لیقلع الإنسان عنه- . و إن حکموا أسرفوا- إذا سألک أحدهم ففوضته فی مالک أسرف و لم یقنع بشی‏ء- و أحب الاستئصال- .

قد أعدوا لکل حق باطلا- یقیمون الباطل فی معارضه الحق- و الشبهه فی مصادمه الحجه- و لکل دلیل قائم و قول صحیح ثابت- احتجاجا مائلا مضادا لذلک الدلیل- و کلاما مضطربا لذلک القول- . و لکل باب مفتاحا- أی ألسنتهم ذلقه قادره على فتح المغلقات- للطف توصلهم و ظرف منطقهم- . و لکل لیل مصباحا- أی کل أمر مظلم فقد أعدوا له کلاما ینیره و یضیئه- و یجعله کالمصباح الطارد للیل- .و یتوصلون إلى مطامعهم- بإظهار الیأس عما فی أیدی الناس- و بالزهد فی الدنیا- و فی الأثر شرکم من أخذ الدنیا بالدین- . ثم قال إنما فعلوا ذلک لیقیموا به أسواقهم- أی لتنفق سلعتهم- .

و الأعلاق جمع علق و هو السلعه الثمینه- . یقولون فیشبهون یوقعون الشبه فی القلوب- . و یصفون فیموهون التمویه التزیین- و أصله أن تطلی الحدیده بذهب یحسنها- . قد هیئوا الطریق- أی الطریق الباطل قد هیئوها لتسلک بتمویهاتهم- . و أضلعوا المضیق أمالوه و جعلوه ضلعا أی معوجا- أی جعلوا المسلک الضیق معوجا بکلامهم و تلبیسهم- فإذا أسلکوه إنسانا اعوج لاعوجاجه- . و اللمه بالتخفیف الجماعه- و الحمه بالتخفیف أیضا السم- و کنى عن إحراق النار بالحمه للمشابهه فی المضره

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۰

بازدیدها: ۱۷

خطبه ۱۸۶ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)( هَمَّام)

۱۸۶ و من خطبه له ع

رُوِیَ أَنَّ صَاحِباً لِأَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ ع یُقَالُ لَهُ هَمَّامٌ- کَانَ رَجُلًا عَابِداً فَقَالَ لَهُ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ- صِفْ لِیَ الْمُتَّقِینَ حَتَّى کَأَنِّی أَنْظُرُ إِلَیْهِمْ- فَتَثَاقَلَ ع عَنْ جَوَابِهِ- ثُمَّ قَالَ یَا هَمَّامُ اتَّقِ اللَّهَ وَ أَحْسِنْ- فَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِینَ اتَّقَوْا وَ الَّذِینَ هُمْ مُحْسِنُونَ- فَلَمْ یَقْنَعْ هَمَّامٌ بِهَذَا الْقَوْلِ حَتَّى عَزَمَ عَلَیْهِ- فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَیْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِیِّ ص- ثُمَّ قَالَ ع- أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حَیْثُ خَلَقَهُمْ- غَنِیّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِیَتِهِمْ- لِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِیَهُ مَنْ عَصَاهُ- وَ لَا تَنْفَعُهُ طَاعَهُ مَنْ أَطَاعَهُ فَقَسَمَ بَیْنَهُمْ مَعَایِشَهُمْ- وَ وَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْیَا مَوَاضِعَهُمْ- فَالْمُتَّقُونَ فِیهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ- مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ وَ مَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ وَ مَشْیُهُمُ التَّوَاضُعُ- غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَیْهِمْ- وَ وَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ- نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِی الْبَلَاءِ- کَالَّذِی نُزِّلَتْ فِی الرَّخَاءِ- لَوْ لَا الْأَجَلُ الَّذِی کَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ- لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِی أَجْسَادِهِمْ طَرْفَهَ عَیْنٍ- شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ-عَظُمَ الْخَالِقُ فِی أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِی أَعْیُنِهِمْ- فَهُمْ وَ الْجَنَّهُ کَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِیهَا مُنَعَّمُونَ- وَ هُمْ وَ النَّارُ کَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِیهَا مُعَذَّبُونَ- قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَهٌ وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَهٌ- وَ أَجْسَادُهُمْ نَحِیفَهٌ وَ حَاجَاتُهُمْ خَفِیفَهٌ وَ أَنْفُسُهُمْ عَفِیفَهٌ- صَبَرُوا أَیَّاماً قَصِیرَهً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَهً طَوِیلَهً- تِجَارَهٌ مُرْبِحَهٌ یَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ- أَرَادَتْهُمُ الدُّنْیَا فَلَمْ یُرِیدُوهَا- وَ أَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا- أَمَّا اللَّیْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ- تَالِینَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ یُرَتِّلُونَهَا تَرْتِیلًا- یُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ یَسْتَثِیرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ- فَإِذَا مَرُّوا بِآیَهٍ فِیهَا تَشْوِیقٌ رَکَنُوا إِلَیْهَا طَمَعاً- وَ تَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَیْهَا شَوْقاً وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْیُنِهِمْ- وَ إِذَا مَرُّوا بِآیَهٍ فِیهَا تَخْوِیفٌ- أَصْغَوْا إِلَیْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ- وَ ظَنُّوا أَنَّ زَفِیرَ جَهَنَّمَ وَ شَهِیقَهَا فِی أُصُولِ آذَانِهِمْ- فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ- مُفْتَرِشُونَ لِجَبَاهِهِمْ وَ أَکُفِّهِمْ وَ رُکَبِهِمْ وَ أَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ- یَطْلُبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِی فَکَاکِ رِقَابِهِمْ- وَ أَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِیَاءُ- قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْیَ الْقِدَاحِ- یَنْظُرُ إِلَیْهِمُ النَّاظِرُ فَیَحْسَبُهُمْ مَرْضَى- وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ وَ یَقُولُ لَقَدْ خُولِطُوا- وَ لَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِیمٌ- لَا یَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِیلَ- وَ لَا یَسْتَکْثِرُونَ الْکَثِیرَ- فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ- إِذَا زُکِّیَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا یُقَالُ لَهُ فَیَقُولُ- أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِی مِنْ غَیْرِی وَ رَبِّی أَعْلَمُ بِی مِنِّی بِنَفْسِی- اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِی بِمَا یَقُولُونَ- وَ اجْعَلْنِی أَفْضَلَ مِمَّا یَظُنُّونَ وَ اغْفِرْ لِی مَا لَا یَعْلَمُونَ

همام المذکور فی هذه الخطبه- هو همام بن شریح بن یزید بن مره بن عمرو- بن جابر بن یحیى بن الأصهب بن کعب- بن الحارث بن سعد بن عمرو بن ذهل- بن مران بن صیفی بن سعد العشیره- . و کان همام هذا من شیعه أمیر المؤمنین ع و أولیائه- و کان ناسکا عابدا- قال له یا أمیر المؤمنین- صف لی المتقین حتى أصیر بوصفک إیاهم کالناظر إلیهم- . فتثاقل عن جوابه أی أبطأ- . فعزم علیه أی أقسم علیه- و تقول لمن یکرر علیک الطلب و السؤال- قد عزم علی أی أصر و قطع- و کذلک تقول فی الأمر ترید فعله و تقطع علیه- عزمت عزما و عزمانا و عزیمه و عزیما- . فإن قلت- کیف جاز له ع أن یتثاقل عن جواب المسترشد- .

قلت یجوز أن یکون تثاقل عن جوابه- لأنه علم أن المصلحه فی تأخیر الجواب- و لعله کان حضر المجلس من لا یحب أن یجیب و هو حاضر- فلما انصرف أجاب- و لعله رأى أن تثاقله عن الجواب- یشد تشوق همام إلى سماعه فیکون أنجع فی موعظته- و لعله کان من باب تأخیر البیان إلى وقت الحاجه- لا من باب تأخیر البیان عن وقت الحاجه- و لعله تثاقل عن الجواب- لیرتب المعانی التی خطرت له فی ألفاظ مناسبه لها- ثم ینطق بها کما یفعله المتروی فی الخطبه و القریض- . فإن قلت فما معنى إجابته له أولا بقوله- یا همام اتق الله و أحسن- ف إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِینَ اتَّقَوْا وَ الَّذِینَ هُمْ مُحْسِنُونَ- و أی جواب فی هذا عن سؤال همام- .

قلت کأنه لم یر فی بادئ الحال- شرح صفات المتقین على التفصیل- فقال لهمام ماهیه التقوى معلومه فی الجمله- فاتق الله و أحسن- فإن الله قد وعد فی کتابه أن یکون ولیا- و ناصرا لأهل التقوى و الإحسان- و هذا کما یقول لک قائل- ما صفات الله الذی أعبده أنا و الناس- فتقول له لا علیک ألا تعرف صفاته مفصله- بعد أن تعلم أنه خالق العالم- و أنه واحد لا شریک له- فلما أبى همام إلا الخوض فیما سأله على وجه التفصیل- قال له إن الله تعالى خلق الخلق حین خلقهم- و یروى حیث خلقهم و هو غنی عن طاعتهم- لأنه لیس بجسم فیستضر بأمر أو ینتفع به- .

و قسم بین الخلق معایشهم کما قال سبحانه- نَحْنُ قَسَمْنا بَیْنَهُمْ مَعِیشَتَهُمْ فِی الْحَیاهِ الدُّنْیا- . و فی قوله وضعهم مواضعهم- معنى قوله وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ- لِیَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِیًّا- فکأنه ع أخذ الألفاظ فألغاها و أتى بمعناها- . فلما فرغ من هذه المقدمه شرع فی ذکر صفات المتقین- فقال إنهم أهل الفضائل ثم بین ما هذه الفضائل- فقال منطقهم الصواب- . فإن قلت أی فائده فی تقدیم تلک المقدمه- و هی کون البارئ سبحانه غنیا لا تضره المعصیه- و لا تنفعه الطاعه- . قلت لأنه لما تضمنت الخطبه مدح الله تعالى للمتقین- و ما أعده لهم من الثواب- و ذمه للعاصین و ما أعده لهم من العقاب العظیم- فربما یتوهم متوهم- أن الله تعالى ما رغب فی الطاعههذا الترغیب البالغ- و خوف من المعصیه هذا التخویف البالغ- إلا و هو منتفع بالأولى مستضر بالثانیه- فقدم ع تلک المقدمه نفیا لهذا الوهم

فصل فی فضل الصمت و الاقتصاد فی المنطق

و اعلم أن القول فی خطر الکلام و فضل الصمت- و فضل الاقتصار فی المنطق وسیع جدا- و قد ذکرنا منه طرفا فیما تقدم- و نذکر الآن منه طرفا آخر- .
قال النبی ص من صمت نجا
وقال أیضا الصمت حکم و قلیل فاعله
وقال له ص بعض أصحابه- أخبرنی عن الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحدا بعدک- فقال قل آمنت بالله ثم استقم- قال فما أتقی فأومأ بیده إلى لسانه
وقال له ع عقبه بن عامر- یا رسول الله ما النجاه قال املک علیک لسانک- و ابک على خطیئتک و لیسعک بیتک
وروى سهل بن سعد الساعدی عنه ص من یتوکل لی بما بین لحییه و رجلیه أتوکل له بالجنه
وقال من وقی شر قبقبه و ذبذبه و لقلقه فقد وقی
وروى سعید بن جبیر مرفوعا إذا أصبح ابن آدم- أصبحت الأعضاء کلها تشکواللسان- تقول أی بنی آدم اتق الله فینا- فإنک إن استقمت استقمنا و إن اعوججت اعوججنا- .

و قد روی أن عمر رأى أبا بکر و هو یمد لسانه- فقال ما تصنع قال هذا الذی أوردنی الموارد-إن رسول الله ص قال لیس شی‏ء فی الجسد- إلا یشکو إلى الله تعالى اللسان على حدتهو سمع ابن مسعود یلبی على الصفا و یقول- یا لسان قل خیرا تغنم- أو اصمت تسلم من قبل أن تندم- فقیل له یا أبا عبد الرحمن أ هذا شی‏ء سمعته- أم تقوله من تلقاء نفسک- قال بلسمعت رسول الله ص یقول أکثر خطایا ابن آدم من لسانه
وروى الحسن مرفوعا رحم الله عبدا تکلم فغنم أو سکت فسلم
وقالت التلامذه لعیسى ع- دلنا على عمل ندخل به الجنه- قال لا تنطقوا أبدا قالوا لا نستطیع ذلک- قال فلا تنطقوا إلا بخیر
وقال النبی ص إن الله عند لسان کل قائل- فاتقى الله امرؤ علم ما یقول
وکان یقول لا شی‏ء أحق بطول سجن من لسان
وکان یقال لسانک سبع إن أطلقته أکلک- . فی حکمه آل داود- حقیق على العاقل أن یکون عارفا بزمانه- حافظا للسانه مقبلا على شانه- . و کان یقال- من علم أن کلامه من عمله أقل کلامه فیما لا ینفعه- . و قال محمد بن واسع حفظ اللسان أشد على الناس من حفظ الدینار و الدرهم- .

اجتمع أربعه حکماء من الروم و الفرس و الهند و الصین- فقال أحدهم أنا أندم على ما قلت و لا أندم على ما لم أقل- و قال الآخر إذا تکلمت بالکلمه ملکتنی و لم أملکها- و إذا لم أتکلم ملکتها و لم تملکنی- و قال الآخر عجبت للمتکلم- إن رجعت علیه کلمته ضرته و إن لم ترجع لم تنفعه- و قال الرابع أنا على رد ما لم أقل أقدر منی على رد ما قلت.

ذکر الآثار الوارده فی آفات اللسان

و اعلم أن آفات اللسان کثیره- فمنها الکلام فیما لا یعنیک- و هو أهون آفات اللسان و مع ذلک فهو عیب-قال النبی ص من حسن إسلام المرء ترکه ما لا یعنیهوروی أنه ع مر بشهید یوم أحد- فقال أصحابه هنیئا له الجنه- قال و ما یدریکم لعله کان یتکلم فیما لا یعنیه
وقال ابن عباس خمس هی أحسن و أنفع من حمر النعم- لا تتکلم فیما لا یعنیک فإنه فضل لا آمن علیه الوزر- و لا تتکلم فیما یعنیک حتى تجد له موضعا- فرب متکلم فی أمر یعنیه قد وضعه فی غیر موضعه فأساء- و لا تمار حلیما و لا سفیها- فإن الحلیم یقلیک و السفیه یؤذیک- و اذکر أخاک إذا تغیب عنک- بما تحب أن یذکرک به- و أعفه عما تحب أن یعفیک عنه- و اعمل عمل رجل یرى أنه مجازى بالإحسان- مأخوذ بالجرائم- . و منها فضول الکلام و کثرته و ترک الاقتصار- و کان یقال فضول المنطق و زیادته نقص فی العقل- و هما ضدان متنافیان کلما زاد أحدهما نقص الآخر- .

وقال عبد الله بن مسعود إیاکم و فضول الکلام حسب امرئ ما بلغ به حاجتهو کان یقال من کثر کلامه کثر سقطه- . و قال الحسن فضول الکلام کفضول المال کلاهما مهلک- . و منها الخوض فی الباطل و الحدیث فیما لا یحل- کحدیث النساء و مجالس الخمر و مقامات الفساق- و إلیه الإشاره بقوله تعالى- وَ کُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِینَ- . و منها المراء و الجدال-قال ع دع المراء و إن کنت محقاوقال مالک بن أنس المراء یقسی القلب و یورث الضغائن- .

و قال سفیان الثوری- لو خالفت أخی فی رمانه فقال حلوه و قلت حامضه- لسعی بی إلى السلطان- . و کان یقال صاف من شئت ثم أغضبه بالجدال و المراء- فلیرمینک بداهیه تمنعک العیش- . و قیل لمیمون بن مهران- ما لک لا تفارق أخا لک عن قلى- قال لأنی لا أشاریه و لا أماریه- . و منها التقعر فی الکلام بالتشدد و التکلف فی الألفاظ-قال النبی ص‏أبغضکم إلی و أبعدکم منی مجالس یوم القیامه- الثرثارون المتفیهقون المتشدقونوقال ع هلک المتنطعون… ثلاث مرات- و التنطع هو التعمق و الاستقصاء و قال عمر إن شقاشق الکلام من شقاشق الشیطان- .

و منها الفحش و السب و البذاء-قال النبی ص إیاکم و الفحش- فإن الله لا یحب الفحش و لا یرضى الفحشوقال ع لیس المؤمن بالطعان- و لا باللعان و لا بالسباب و لا البذی‏ءوقال ع لو کان الفحش رجلا لکان رجل سوءو منها المزاح الخارج عن قانون الشریعه- و کان یقال من مزح استخف به- و کان یقال المزاح فحل لا ینتج إلا الشر- . و منها الوعد الکاذب- وقد قال النبی ص العده دین و قد أثنى الله سبحانه على إسماعیل- فقال إِنَّهُ کانَ صادِقَ الْوَعْدِ- و قال سبحانه یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ- .
و منها الکذب فی القول و الیمین- و الأمر فیهما مشهور- . و منها الغیبه و قد تقدم القول فیها- .قوله ع و ملبسهم الاقتصاد- أی لیس بالثمین جدا و لا بالحقیر جدا- کالخرق التی تؤخذ من على المزابل- و لکنه أمر بین أمرین- و کان ع یلبس الکرابیس و هو الخام الغلیظ- و کذلک کان عمر رضی الله عنه- و کان رسول الله ص یلبس اللین تاره و الخشن أخرى- . قوله ع و مشیهم التواضع- تقدیره و صفه مشیهم التواضع فحذف المضاف- و هذا مأخوذ من قوله تعالى- وَ اقْصِدْ فِی مَشْیِکَ وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِکَ- .

رأى محمد بن واسع ابنا له یمشی- و هو یتبختر و یمیس فی مشیته فصاح به فأقبل- فقال له ویلک لو عرفت نفسک لقصدت فی مشیک- أما أمک فأمه ابتعتها بمائه درهم و أما أبوک فلا أکثر الله فی الناس من أمثاله- . و الأصل فی هذا الباب قوله تعالى- وَ لا تَمْشِ فِی الْأَرْضِ مَرَحاً- إِنَّکَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا- . و قوله غضوا أبصارهم- أی خفضوها و غمضوها- و غضضت طرفی عن کذا احتملت مکروهه- . و قوله وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم- أی لم یشغلوا سمعهم بشی‏ء غیر العلوم النافعه- أی لم یشتغلوا بسماع شعر و لا غناء- و لا أحادیث أهل الدنیا- .

قوله نزلت أنفسهم منهم فی البلاء- کالذی نزلت فی الرخاء- یعنی أنهم قد طابوا نفسا فی البلاء و الشده- کطیب أنفسهم بأحوالهم فی الرخاء و النعمه- و ذلک لقله مبالاتهم بشدائد الدنیا و مصائبها- و تقدیر الکلام من جهه الإعراب- نزلت أنفسهم منهم فی حال البلاء نزولا- کالنزول الذی نزلته منهم فی حال الرخاء- فموضع کالذی نصب لأنه صفه مصدر محذوف- و الموصول قد حذف العائد إلیه و هو الهاء فی نزلته- کقولک ضربت الذی ضربت أی ضربت الذی ضربته- .

ثم قال ع إنهم من شده شوقهم إلى الجنه- و من شده خوفهم من النار- تکاد أرواحهم أن تفارق أجسادهم- لو لا أن الله تعالى ضرب لهم آجالا ینتهون إلیها- . ثم ذکر أن الخالق لما عظم فی أعینهم- استصغروا کل شی‏ء دونه- و صاروا لشده یقینهم و مکاشفتهم- کمن رأى الجنه فهو یتنعم فیها- و کمن رأى النار و هو یعذب فیها- و لا ریب أن من یشاهد هاتین الحالتین- یکون على قدم عظیمه من العباده و الخوف و الرجاء- و هذا مقام جلیل- و مثلهقوله ع فی حق نفسه لو کشف الغطاء ما ازددت یقینا- و الواو فی و الجنه واو مع- و قد روی بالعطف بالرفع على أنه معطوف على هم- و الأول أحسن- .

ثم وصفهم بحزن القلوب و نحافه الأجسام- و عفه الأنفس و خفه الحوائج- و أن شرورهم مأمونه على الناس- و أنهم صبروا صبرا یسیرا أعقبهم نعیما طویلا- . ثم ابتدأهم فقال تجاره مربحه أی تجارتهم تجاره مربحه- فحذف المبتدأ- و روی تجاره مربحه بالنصب على أنه مصدر محذوف الفعل- . قوله أما اللیل بالنصب على الظرفیه- و روی أما اللیل على الابتداء- . قوله تالین منصوب على أنه حال- إما من الضمیر المرفوع بالفاعلیه فی صافون- أو من الضمیر المجرور بالإضافه فی أقدامهم- .

و الترتیل التبیین و الإیضاح- و هو ضد الإسراع و العجل- و یروى یرتلونه على أن الضمیر یعود إلى القرآن- و الروایه الأولى یعود الضمیر فیها إلى أجزاء القرآن- . قوله یحزنون به أنفسهم- أی یستجلبون لها الحزن به- و یستثیرون به دواء دائهم- إشاره إلى البکاء- فإنه دواء داء الحزین قال الشاعر-

فقلت لها إن البکاء لراحه
به یشتفی من ظن أن لا تلاقیا

 و قال آخر-

شجاک من لیلتک الطول
فالدمع من عینیک مسدول‏

و هو إذا أنت تأملته‏
حزن على الخدین محلول‏

 ثم ذکر أنهم إذا مروا بآیه فیها ذکر الثواب مالوا إلیها- و اطمأنوا بها طمعا فی نیله- و تطلعت أنفسهم إلیها شوقا أی اشرأبت- . و نصب أعینهم منصوب على الظرفیه- و روی بالرفع على أنه خبر أن- و الظن هاهنا یمکن أن یکون على حقیقته- و یمکن أن یکون بمعنى العلم- کقوله تعالى أَ لا یَظُنُّ أُولئِکَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ- و أصغى إلى الکلام مال إلیه بسمعه- و زفیر النار صوتها- . و قد جاء فی فضل قراءه القرآن شی‏ء کثیر-
روی عن النبی ص أنه قال من قرأ القرآن- ثم رأى أن أحدا أوتی أفضل مما أوتی- فقد استصغر ما عظمه الله
وقال ص لو کان القرآن فی إهاب ما مسته النار
وقال أفضل عباده أمتی قراءه القرآن

وقال أهل القرآن أهل الله و خاصته
وقال إن هذه القلوب تصدأ کما یصدأ الحدید- قیل فما جلاؤها قال تلاوه القرآن و ذکر الموت
وقال ع إن الله سبحانه لأشد أذنا- إلى قارئ القرآن من صاحب القینه إلى قینته
وقال الحسن رحمه الله ما دون القرآن من غنى و لا بعد القرآن من فاقه- .

ثم ذکر ع صوره صلاتهم و رکوعهم- فقال حانون على أوساطهم- حنیت العود عطفته- یصف هیئه رکوعهم و انحنائهم فی الصلاه- . مفترشون لجباههم باسطون لها على الأرض- . ثم ذکر الأعضاء السبعه- التی مباشرتها بالأرض فروض فی الصلاه- و هی الجبهه و الکفان و الرکبتان و القدمان- . قوله ع یطلبون إلى الله أی یسألونه- یقال طلبت إلیک فی کذا أی سألتک- و الکلام على الحقیقه- مقدر فیه حال محذوفه یتعلق بها حرف الجر- أی یطلبون سائلین إلى الله فی فکاک رقابهم- لأن طلب لا یتعدى بحرف الجر- .

ثم لما فرغ من ذکر اللیل قال- و أما النهار فحلماء علماء أبرار أتقیاء- هذه الصفات هی التی یطلع علیها الناظرون لهم نهارا- و تلک الصفات المتقدمه من وظائف اللیل- . ثم ذکر ما هم علیه من الخوف- فقال ع إن خوفهم قد براهم بری‏القداح و هی السهام- واحدها قدح- فینظر إلیهم الناظر فیحسبهم مرضى و ما بهم من مرض- نظیر هذا قول الشاعر-

و مخرق عنه القمیص تخاله
بین البیوت من الحیاء سقیما

حتى إذا رفع اللواء رأیته‏
تحت اللواء على الخمیس زعیما

و یقال للمتقین لشده خوفهم- کأنهم مرضى و لا مرض بهم- و تقول العرب للکرام من الناس القلیلی المأکل و المشرب- رافضی اللباس الرفیع ذوی الأجسام النحیفه- مراض من غیر مرض- و یقولون أیضا للمرأه ذات الطرف الغضیض الفاتر- ذات الکسل مریضه من غیر مرض قال الشاعر-

ضعیفه کر الطرف تحسب أنها
حدیثه عهد بالإفاقه من سقم‏

ذکر الخوف و ما ورد فیه من الآثار

و اعلم أن الخوف مقام جلیل من مقامات العارفین- و هو أحد الأرکان التی هی أصول هذا الفن- و هو التقوى التی حث الله تعالى علیها- و قال إن أکرم الناس عنده أشدهم خوفا له- و فی هذه الآیه وحدها کفایه- و إذا نظرت القرآن العزیز- وجدت أکثره ذکر المتقین و هم الخائفون-

وقال النبی ص من خاف الله خافه کل شی‏ء- و من خاف غیر الله خوفه الله من کل شی‏ء
وقال ع أتمکم عقلا أشدکم لله خوفا- و أحسنکم فیما أمر به و نهى عنه نظرا
و قال یحیى بن معاذ مسکین ابن آدم- لو خاف النار کما یخاف الفقر دخل الجنه- .

و قال ذو النون المصری- ینبغی أن یکون الخوف أغلب من الرجاء- فإن الرجاء إذا غلب تشوش القلب- . و قیل لبعض الصالحین- من آمن الخلق غدا قال أشدهم خوفا الیوم- . و قیل للحسن یا أبا سعید- کیف نصنع بمجالسه أقوام من أصحابک- یخوفوننا حتى تکاد قلوبنا تطیر- فقال إنک و الله لأن تصحب قوما یخوفونک- حتى تدرک الأمن- خیر لک من أن تصحب قوما یؤمنونک- حتى یدرکک الخوف- .

و قیل للنبی ص فی قوله تعالى- وَ الَّذِینَ یُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَهٌ- هم الذین یعصون و یخافون المعصیه- قال لا بل الرجل یصوم و یتصدق- و یخاف ألا یقبل منه-وقال ص ما من قطره أحب إلى الله تعالى- من قطره دمع من خشیه الله- أو قطره دم أریقت فی سبیل الله
وقال ع سبعه یظلهم الله بظله یوم لا ظل إلا ظله- و ذکر منهم رجلا ذکر الله فی خلوه ففاضت عیناه- .

قوله ع و یقول قد خولطوا أی أصابتهم جنه- . ثم قال و لقد خالطهم أمر عظیم- أی مازجهم خوف عظیم تولهوا لأجله فصاروا کالمجانین- . ثم ذکر أنهم لا یستکثرون فی کثیر من أعمالهم- و لا یرضیهم اجتهادهم و أنهم یتهمون أنفسهم- و ینسبونها إلى التقصیر فی العباده- و إلى هذا نظر المتنبی فقال-

یستصغر الخطر الکبیر لنفسه
و یظن دجله لیس تکفی شاربا

قال و من أعمالهم مشفقون- أی مشفقون من عباداتهم ألا تقبل- و إلى هذا نظر أبو تمام فقال-

یتجنب الآثام ثم یخافها
فکأنما حسناته آثام‏

و مثل قوله أنا أعلم بنفسی من غیری- قوله ع لمن زکاه نفاقا- أنا دون ما تقول و فوق ما فی نفسک- . و قوله اللهم لا تؤاخذنی بما یقولون- إلى آخر الکلام مفرد مستقل بنفسه منقول عنه ع- أنه قال لقوم مر علیهم و هم مختلفون فی أمره- فمنهم الحامد له و منهم الذام فقال اللهم لا تؤاخذنی- الکلمات إلى آخرها-

و معناه اللهم‏إن کان ما ینسبه الذامون إلی- من الأفعال الموجبه الذم حقا- فلا تؤاخذنی بذلک- و اغفر لی ما لا یعلمونه من أفعالی- و إن کان ما یقوله الحامدون حقا- فاجعلنی أفضل مما یظنونه فی: فَمِنْ عَلَامَهِ أَحَدِهِمْ أَنَّکَ تَرَى لَهُ قُوَّهً فِی دِینٍ- وَ حَزْماً فِی لِینٍ وَ إِیمَاناً فِی یَقِینٍ وَ حِرْصاً فِی عِلْمٍ- وَ عِلْماً فِی حِلْمٍ وَ قَصْداً فِی غِنًى وَ خُشُوعاً فِی عِبَادَهٍ- وَ تَجَمُّلًا فِی فَاقَهٍ وَ صَبْراً فِی شِدَّهٍ وَ طَلَباً فِی حَلَالٍ- وَ نَشَاطاً فِی هُدًى وَ تَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ- یَعْمَلُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَهَ وَ هُوَ عَلَى وَجَلٍ- یُمْسِی وَ هَمُّهُ الشُّکْرُ وَ یُصْبِحُ وَ هَمُّهُ الذِّکْرُ- یَبِیتُ حَذِراً وَ یُصْبِحُ فَرِحاً- حَذِراً لَمَّا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَهِ- وَ فَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَ الرَّحْمَهِ- إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَیْهِ نَفْسُهُ فِیمَا تَکْرَهُ- لَمْ یُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِیمَا تُحِبُّ- قُرَّهُ عَیْنِهِ فِیمَا لَا یَزُولُ وَ زَهَادَتُهُ فِیمَا لَا یَبْقَى- یَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَ الْقَوْلَ بِالْعَمَلِ- تَرَاهُ قَرِیباً أَمَلُهُ قَلِیلًا زَلَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ- قَانِعَهً نَفْسُهُ مَنْزُوراً أَکْلُهُ سَهْلًا أَمْرُهُ- حَرِیزاً دِینُهُ مَیِّتَهً شَهْوَتُهُ مَکْظُوماً غَیْظُهُ- الْخَیْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ- إِنْ کَانَ فِی الْغَافِلِینَ کُتِبَ فِی الذَّاکِرِینَ- وَ إِنْ کَانَ فِی الذَّاکِرِینَ لَمْ یُکْتَبْ مِنَ الْغَافِلِینَ-یَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَ یُعْطِی مَنْ حَرَمَهُ- وَ یَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ بَعِیداً فُحْشُهُ- لَیِّناً قَوْلُهُ غَائِباً مُنْکَرُهُ حَاضِراً مَعْرُوفُهُ- مُقْبِلًا خَیْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ- فِی الزَّلَازِلِ وَقُورٌ وَ فِی الْمَکَارِهِ صَبُورٌ- وَ فِی الرَّخَاءِ شَکُورٌ لَا یَحِیفُ عَلَى مَنْ یُبْغِضُ- وَ لَا یَأْثَمُ فِیمَنْ یُحِبُّ- یَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ یُشْهَدَ عَلَیْهِ- لَا یُضِیعُ مَا اسْتُحْفِظَ وَ لَا یَنْسَى مَا ذُکِّرَ- وَ لَا یُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ وَ لَا یُضَارُّ بِالْجَارِ- وَ لَا یَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ وَ لَا یَدْخُلُ فِی الْبَاطِلِ- وَ لَا یَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ- إِنْ صَمَتَ لَمْ یَغُمَّهُ صَمْتُهُ وَ إِنْ ضَحِکَ لَمْ یَعْلُ صَوْتُهُ- وَ إِنْ بُغِیَ عَلَیْهِ صَبَرَ حَتَّى یَکُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِی یَنْتَقِمُ لَهُ- نَفْسُهُ مِنْهُ فِی عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِی رَاحَهٍ- أَتْعَبَ نَفْسَهُ لآِخِرَتِهِ وَ أَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ- بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَ نَزَاهَهٌ- وَ دُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِینٌ وَ رَحْمَهٌ- لَیْسَ تَبَاعُدُهُ بِکِبْرٍ وَ عَظَمَهٍ وَ لَا دُنُوُّهُ بِمَکْرٍ وَ خَدِیعَهٍ- قَالَ فَصَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَهً کَانَتْ نَفْسُهُ فِیهَا- فَقَالَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ ع أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ کُنْتُ أَخَافُهَا عَلَیْهِ- ثُمَّ قَالَ هَکَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَهُ بِأَهْلِهَا- فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ فَمَا بَالُکَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ- فَقَالَ ع وَیْحَکَ إِنَّ لِکُلِّ أَجَلٍ وَقْتاً لَا یَعْدُوهُ- وَ سَبَباً لَا یَتَجَاوَزُهُ فَمَهْلًا لَا تَعُدْ لِمِثْلِهَا- فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّیْطَانُ عَلَى لِسَانِکَ

هذه الألفاظ التی أولها قوه فی دین- بعضها یتعلق حرف الجر فیه بالظاهر- فیکون موضعه نصبا بالمفعولیه و بعضها یتعلق بمحذوف- فیکون موضعه نصبا أیضا على الصفه و نحن نفصلها- . فقوله قوه فی دین حرف الجر هاهنا متعلق بالظاهر- و هو قوه تقول فلان قوی فی کذا و على کذا- کما تقول مررت بکذا و بلغت إلى کذا- . و و حزما فی لین هاهنا لا یتعلق حرف الجر بالظاهر- لأنه لا معنى له- أ لا ترى أنک لا تقول فلان حازم فی اللین- لأن اللین لیس أمرا یحزم الإنسان فیه- و لیس کما تقول فلان حازم فی رأیه أو فی تدبیره- فوجب أن یکون حرف الجر متعلقا بمحذوف- تقدیره و حزما کائنا فی لین- . و کذلک قوله و إیمانا فی یقین- حرف الجر متعلق بمحذوف أی کائنا فی یقین أی مع یقین- . فإن قلت الإیمان هو الیقین فکیف قال و إیمانا فی یقین- قلت الإیمان هو الاعتقاد مضافا إلى العمل- و الیقین هو سکون القلب فقط فأحدهما غیر الآخر- .

قوله و حرصا فی علم حرف الجر هاهنا یتعلق بالظاهر- و فی بمعنى على- کقوله تعالى لَأُصَلِّبَنَّکُمْ فِی جُذُوعِ النَّخْلِ- . قوله و قصدا فی غنى حرف الجر متعلق بمحذوف- أی هو مقتصد مع کونه غنیا- و لیس یجوز أن یکون متعلقا بالظاهر- لأنه لا معنى لقولک اقتصد فی الغنى- إنما یقال اقتصد فی النفقه- و ذلک الاقتصاد موصوف بأنه مقارن للغنى و مجامع له- .

قوله و خشوعا فی عباده- حرف الجر هاهنا یحتمل الأمرین معا- . قوله و تجملا فی فاقه- حرف الجر هاهنا متعلق بمحذوف- و لا یصح تعلقه بالظاهر- لأنه إنما یقال فلان یتجمل فی لباسه و مروءته- مع کونه ذا فاقه- و لا یقال یتجمل فی الفاقه- على أن یکون التجمل متعدیا إلى الفاقه- . قوله و صبرا فی شده حرف الجر هاهنا یحتمل الأمرین- . قوله و طلبا فی حلال حرف الجر هاهنا یتعلق بالظاهر- و فی بمعنى اللام- . قوله و نشاطا فی هدى حرف الجر هاهنا یحتمل الأمرین- .

قوله و تحرجا عن طمع- حرف الجر هاهنا یتعلق بالظاهر لا غیر- . قوله یعمل الأعمال الصالحه و هو على وجل- قد تقدم مثله- . قوله یمسی و همه الشکر- هذه درجه عظیمه من درجات العارفین- و قد أثنى الله تعالى على الشکر و الشاکرین- فی کتابه فی مواضع کثیره- نحو قوله فَاذْکُرُونِی أَذْکُرْکُمْ وَ اشْکُرُوا لِی وَ لا تَکْفُرُونِ- فقرن الشکر بالذکر- . و قال تعالى- ما یَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِکُمْ إِنْ شَکَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ- . و قال تعالى وَ سَیَجْزِی اللَّهُ الشَّاکِرِینَ- . و لعلو مرتبه الشکر طعن إبلیس فی بنی آدم- فقال وَ لا تَجِدُ أَکْثَرَهُمْ شاکِرِینَ- و قد صدقه الله تعالى فی هذا القول فقال- وَ قَلِیلٌ مِنْ عِبادِیَ الشَّکُورُ- .

و قال بعض أصحاب المعانی- قد قطع الله تعالى بالمزید مع الشکر و لم یستثن- فقال لَئِنْ شَکَرْتُمْ لَأَزِیدَنَّکُمْ- . و استثنى فی خمسه أمور- و هی الإغناء و الإجابه و الرزق و المغفره و التوبه- . فقال فَسَوْفَ یُغْنِیکُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ- . و قال بَلْ إِیَّاهُ تَدْعُونَ فَیَکْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَیْهِ إِنْ شاءَ- . و قال یَرْزُقُ مَنْ یَشاءُ- . و قال وَ یَغْفِرُ ما دُونَ ذلِکَ لِمَنْ یَشاءُ- .

و قال وَ یَتُوبُ اللَّهُ عَلى‏ مَنْ یَشاءُ- . و قال بعضهم کیف لا یکون الشکر مقاما جلیلا- و هو خلق من أخلاق الربوبیه- قال تعالى فی صفه نفسه وَ اللَّهُ شَکُورٌ حَلِیمٌ- . و قد جعل الله تعالى مفتاح کلام أهل الجنه- فقال وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی صَدَقَنا وَعْدَهُ- و جعله خاتمه کلامهم أیضا فقال- وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ- .و قیل للنبی ص- قد غفر الله لک ما تقدم من ذنبک و ما تأخر- فلم تقوم اللیل و تتعب نفسک قال أ فلا أکون عبدا شکورا- .

قوله ع و یصبح و همه الذکر- هذه أیضا درجه کبیره عظیمه من درجات العارفین- قال تعالى فَاذْکُرُونِی أَذْکُرْکُمْ- قال بعض العارفین لأصحابه- أنا أعلم متى یذکرنی ربی ففزعوا منه- فقال إذا ذکرته ذکرنی و تلا الآیه فسکتوا- . و قال یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اذْکُرُوا اللَّهَ ذِکْراً کَثِیراً- . و قال فَاذْکُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ- . و قال فَاذْکُرُوا اللَّهَ کَذِکْرِکُمْ آباءَکُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِکْراً- . و قال فَإِذا قَضَیْتُمُ الصَّلاهَ- فَاذْکُرُوا اللَّهَ قِیاماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِکُمْ- . و قال الَّذِینَ یَذْکُرُونَ اللَّهَ قِیاماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ- . و قال فی ذم المنافقین- وَ لا یَذْکُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِیلًا- . و قال وَ اذْکُرْ رَبَّکَ فِی نَفْسِکَ تَضَرُّعاً وَ خِیفَهً- . و قال وَ لَذِکْرُ اللَّهِ أَکْبَرُ- . 

وقال النبی ص ذاکر الله فی الغافلین- کالشجره الخضراء فی وسط الهشیم
وقال ص من أحب أن یرتع فی ریاض الجنه- فلیکثر من ذکر الله

وسئل ع أی الأعمال أفضل- قال أن تموت و لسانک رطب بذکر الله
وقال ص حکایه عن الله تعالى إذا ذکرنی عبدی فی نفسه ذکرته فی نفسی- و إذا ذکرنی فی ملأ ذکرته فی ملأ خیر من ملئه- و إذا تقرب منی شبرا تقربت منه ذراعا- و إذا تقرب منی ذراعا تقربت منه باعا- و إذا مشى إلی هرولت إلیه
وقال ص ما جلس قوم مجلسا یذکرون الله تعالى- إلا حفت بهم الملائکه و غشیتهم الرحمه- و ذکرهم الله فیمن عنده– .

قوله ع یبیت حذرا و یصبح فرحا- حذرا لما حذر من الغفله- و فرحا بما أصاب من الفضل و الرحمه- . و قد تقدم ذکر الخوف- . و قد عرض ع هاهنا بالرجاء المقابل للخوف- فإن فرح العارف بما أصاب من الفضل و الرحمه- یمکن أن یحمل على أنه فرح- بمجرد ما أصاب من فضل الله و رحمته- . و یمکن أن یحمل على أنه فرح- بما یرجوه من ثواب الله و نعیمه- لذا استدل على وصوله إلیه و قوی ظنه بظفره به- بما عجل الله تعالى له من الفضل و الرحمه فی الدنیا- و مقام الرجاء للعارفین مقام شریف- و هو فی مقابله مقام الخوف- و هو المقام الذی یوجد العارف فیه فرحا- قال الله تعالى إِنَّ الَّذِینَ یَتْلُونَ کِتابَ اللَّهِ وَ أَقامُوا الصَّلاهَ- وَ أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِیَهً- یَرْجُونَ تِجارَهً لَنْ تَبُورَ-.

 وقال النبی ص حکایه عن الله تعالى أنا عند ظن عبدی بی فلیظن بی ما شاءدخل ص على رجل من أصحابه و هو یجود بنفسه- فقال کیف تجدک- قال أجدنی أخاف ذنوبی و أرجو رحمه ربی- فقال ص ما اجتمعا فی قلب عبد فی هذا الموطن- إلا أعطاه الله ما رجاه و أمنه مما خافه- . قوله ع إن استصعبت علیه نفسه- أی صارت صعبه غیر منقاده- یقول إذا لم تطاوعه نفسه إلى ما هی کارهه له- لم یعطها مرادها فیما تحبه- .

قوله ع قره عینه فیما لا یزول و زهادته فیما لا یبقى- یقال للفرح المسرور إنه لقریر العین- و قرت عینه تقر و المراد بردها- لأن دمعه السرور بارده و دمعه الحزن حاره- . و هذا الکلام یحتمل أمرین- أحدهما أن یعنی بما لا یزول البارئ سبحانه- و هذا مقام شریف جدا أعظم من سائر المقامات- و هو حب العارف لله سبحانه و قد أنکره قوم- فقالوا لا معنى لمحبه البارئ إلا المواظبه على طاعته- و نحوه قول أصحابنا المتکلمین- إن محبه الله تعالى للعبد هی إرادته لثوابه- و محبه العبد للبارئ هی إرادته لطاعته- فلیست المحبه عندهم شیئا زائدا على الإراده- و لا یجوز أن تتعلق بذات الله سبحانه- لأن الإراده لا تتعلق إلا بالحدوث- و خالفهم شیخنا أبو الحسن- فقال إن الإراده یمکن أن تتعلق بالباقی- ذکر ذلک فی الکلام فی الأکوان فی أول التصفح- فأما إثبات الحب فی الجمله فقد نطق به القرآن-

قال سبحانه یُحِبُّهُمْ‏وَ یُحِبُّونَهُ- و قال أیضا وَ الَّذِینَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ- و قال إِنْ کُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِی یُحْبِبْکُمُ اللَّهُ وفی الحدیث أن النبی ص نظر إلى مصعب بن عمیر مقبلا- و علیه إهاب کبش قد تمنطق به- فقال انظروا إلى الرجل الذی قد نور الله قلبه- لقد رأیته بین أبوین یغذوانه بأطیب الطعام و الشراب- فدعاه حب الله و رسوله إلى ما ترونویقال إن عیسى ع مر بثلاثه نفر قد نحلت أبدانهم- و تغیرت ألوانهم- فقال ما الذی بلغ بکم ما أرى قالوا الخوف من النار- قال حق على الله أن یؤمن من یخافه- ثم جاوزهم إلى ثلاثه آخرین- فإذا هم أشد نحولا و تغیرا فقال ما الذی بلغ بکم ما أرى- قالوا الشوق إلى الجنه فقال حق على الله أن یعطی من رجاه- ثم مر إلى ثلاثه آخرین فإذا هم أشد نحولا- و على وجوههم مثل المرائی من النور- فقال ما الذی بلغ بکم ما أرى قالوا حب الله عز و جل- فقال أنتم المقربون ثلاثا- . و قال بعض العارفین-

أحبک حبین حب الهوى
و حبا لأنک أهل لذاکا

فأما الذی هو حب الهوى‏
فشغلی بذکرک عمن سواکا

و أما الذی أنت أهل له
فکشفک لی الحجب حتى أراکا

فلا الحمد من ذا و لا ذاک لی‏
و لکن لک الحمد فی ذا و ذاکا

لیس یرید بکشف الحجب و الرؤیه- ما یظنه الظاهریون من أنها الإبصار بالعین- بل المعرفه التامه- و ذلک لأن المعارف النظریه- یصح أن تصیر ضروریه عند جمهور أصحابنا- فهذا أحد محملی الکلام- . و ثانیهما أن یرید بما لا یزول نعیم الجنه- و هذا أدون المقامین- لأن الخلص من العارفین یحبونه و یعشقونه سبحانه لذاته- لا خوفا من النار و لا شوقا إلى الجنه- و قد قال بعضهم- لست أرضى لنفسی أن أکون کأجیر السوء- إن دفعت إلیه الأجره رضی و فرح- و إن منعها سخط و حزن إنما أحبه لذاته- . و قال بعض شعرائهم شعرا من جملته-

فهجره أعظم من ناره
و وصله أطیب من جنته‏

و قد جاء فی کلام أمیر المؤمنین ع من هذا الکثیر- نحوقوله لم أعبده خوفا و لا طمعا- لکنی وجدته أهلا للعباده فعبدته- . قوله ع یمزج الحلم بالعلم- أی لا یحلم إلا عن علم بفضل الحلم لیس کما یحلم الجاهلون- . قوله و القول بالعمل أی لا یقتصر على القول- و مثل هذا قول الأحوص-

و أراک تفعل ما تقول و بعضهم
مذق اللسان یقول ما لا یفعل‏

 قوله ع تراه قریبا أمله- أی لیست نفسه متعلقه بما عظم من آمال الدنیا- و إنما قصارى أمره أن یؤمل القوت و الملبس- قلیلا زلله أی خطؤه- . قوله منزورا أکله أی قلیلا- و یحمد من الإنسان الأکل النزر- قال أعشى باهله-

تکفیه حزه فلذ إن ألم بها
من الشواء و یکفی شربه الغمر

 و قال متمم بن نویره

لقد کفن المنهال تحت ردائه
فتى غیر مبطان العشیات أروعا

 قوله ع مکظوما غیظه- کظم الغیظ من الأخلاق الشریفه-قال زید بن علی ع ما سرنی بجرعه غیظ أتجرعها- و أصبر علیها حمر النعم
– . و جاء رجل إلى الربیع بن زیاد الحارثی- فقال یا أبا عبد الرحمن إن فلانا یغتابک و ینال منک- فقال و الله لأغیظن من أمره بذلک- قال الرجل و من أمره قال الشیطان عدو الله- استغواه لیؤثمه و أراد أن یغضبنی علیه فأکافئه- و الله لا أعطیه ما أحب من ذلک غفر الله لنا و له- . و جهل إنسان على عمر بن عبد العزیز- فقال أظنک أردت أن یستفزنی الشیطان بعز السلطان- فأنال منک الیوم ما تناله منی غدا- انصرف عافاک الله- . وقال النبی ص الغضب یفسد الإیمان کما یفسد الصبر العسلوقال إنسان لرسول الله ص أوصنی- فقال لا تغضب فأعاد علیه السؤال فقال لا تغضب- فقال زدنی فقال لا أجد مزیدا- .

و من کلام بعض الحکماء لا یفی عز الغضب بذله الاعتذار- .قوله إن کان فی الغافلین- معناه أنه لا یزال ذاکر الله تعالى- سواء کان جالسا مع الغافلین أو مع الذاکرین- أما إذا کان مع الغافلین فإنه یذکر الله بقلبه- و أما إذا کان مع الذاکرین فإنه یذکر بقلبه و لسانه- . قوله ع- یعفو عمن ظلمه و یعطی من حرمه و یصل من قطعه- منکلام المسیح ع فی الإنجیل أحبوا أعداءکم و صلوا قاطعیکم- و اعفوا عن ظالمیکم و بارکوا على لاعنیکم- لکی تکونوا أبناء أبیکم الذی فی السماء- الذی تشرق شمسه على الصالحین و الفجره- و ینزل مطره على المطیعین و الأثمه- .

قوله ع بعیدا فحشه- لیس یعنی به أنه قد یفحش تاره- و یترک الفحش تارات بل لا فحش له أصلا- فکنى عن العدم بالبعد لأنه قریب منه- . قوله لینا قوله العارف بسام طلق الوجه لین القول- و فی صفات النبی ص لیس بفظ و لا صخاب- . قوله فی الزلازل وقور- أی لا تحرکه الخطوب الطارقه- و یقال إن علی بن الحسین ع کان یصلی- فوقعت علیه حیه فلم یتحرک لها- ثم انسابت بین قدمیه فما حرک إحداهما عن مکانه- و لا تغیر لونه- .

قوله لا یحیف على من یبغض- هذا من الأخلاق الشریفه النبویه- و فی کلام أبی بکر فی صفات من یصلح للإمامه- إن رضی لم یدخله رضاه فی باطل- و إن غضب لم یخرجه غضبه عن الحق- . قوله یعترف بالحق قبل أن یشهد علیه- لأنه إن أنکر ثم شهد علیه فقد ثبت کذبه- و إن سکت ثم شهد علیه فقد أقام نفسه فی مقام الریبه- .

قوله و لا ینابز بالألقاب- هذا من قوله تعالى وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ- . قوله و لا یضار بالجار-فی الحدیث المرفوع أوصانی ربی بالجار حتى ظننت أن یورثهقوله و لا یشمت بالمصائب- نظیر قول الشاعر-

فلست تراه شامتا بمصیبه
و لا جزعا من طارق الحدثان‏

قوله إن صمت لم یغمه صمته- أی لا یحزن لفوات الکلام- لأنه یرى الصمت مغنما لا مغرما- . قوله و إن ضحک لم یعل صوته- هکذا کان ضحک رسول الله ص أکثره التبسم- و قد یفر أحیانا- و لم یکن من أهل القهقهه و الکرکره- . قوله و إن بغی علیه صبر- هذا من قول الله تعالى ثُمَّ بُغِیَ عَلَیْهِ لَیَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ- . قوله نفسه منه فی عناء لأنه یتعبها بالعباده- و الناس لا یلقون منه عنتا و لا أذى- فحالهم بالنسبه إلیه خلاف حال نفسه بالنسبه إلیه- . قوله فصعق همام أغمی علیه و مات- قال الله تعالى فَصَعِقَ مَنْ فِی السَّماواتِ وَ مَنْ فِی الْأَرْضِ‏

ذکر بعض أحوال العارفین

و اعلم أن الوجد أمر شریف- قد اختلف الناس فیه فقالت الحکماء فیه أقوالا- و قالت الصوفیه فیه أقوالا- أما الحکماء فقالوا الوجد هو حاله تحدث للنفس- عند انقطاع علائقها عن المحسوسات بغته- إذا کان قد ورد علیها وارد مشوق- و قال بعضهم الوجد هو اتصال النفس بمبادئها المجرده- عند سماع ما یقتضی ذلک الاتصال- . و أما الصوفیه فقد قال بعضهم- الوجد رفع الحجاب و مشاهده المحبوب- و حضور الفهم و ملاحظه الغیب و محادثه السر- و هو فناؤک من حیث أنت أنت- و قال بعضهم الوجد سر الله عند العارفین- و مکاشفه من الحق توجب الفناء عن الحق- . و الأقوال فیه متقاربه فی المعنى و إن اختلفت العباره- و قد مات کثیر من الناس بالوجد عند سماع وعظ- أو صفقه مطرب- و الأخبار فی هذا الباب کثیره جدا- و قد رأینا نحن فی زماننا من مات بذلک فجأه- .

قوله کانت نفسه فیها أی مات- و نفث الشیطان على لسانک أی تکلم بلسانک- و أصله النفخ بالفم و هو أقل من التفل- و إنما نهى أمیر المؤمنین القائل- فهلا أنت یا أمیر المؤمنین- لأنه اعترض فی غیر موضع الاعتراض- و ذلک أنه لا یلزم من موت العامی عند وعظ العارف- أن یموت العارف عند وعظ نفسه- لأن انفعال العامی ذی الاستعداد التام للموت- عند سماع المواعظ البالغه- أتم من استعداد العارف عند سماع کلام‏نفسه- أو الفکر فی کلام نفسه- لأن نفس العارف قویه جدا- و الآله التی یحفر بها الطین قد لا یحفر بها الحجر- .

فإن قلت فإن جواب أمیر المؤمنین ع للسائل غیر هذا الجواب- قلت صدقت إنما أجابه من حیث یعلم هو و السامعون- و تصل أفهامهم إلیه فخرج معه إلى حدیث الآجال- و أنها أوقات مقدره لا تتعداها- و ما کان یمکنه ع أن یذکر الفرق بین نفسه و نفوسهم- و لا کانت الحال تقتضیه فأجابه بجواب مسکت- و هو مع إسکاته الخصم حق- و عدل عن جواب یحصل منه اضطراب- و یقع فیه تشویش و هذا نهایه السداد و صحه القول

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۰

بازدیدها: ۶۲

خطبه ۱۸۵ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۸۵ و من کلام له ع قاله للبرج بن مسهر الطائی

و قد قال له بحیث یسمعه- لا حکم إلا الله و کان من الخوارج: اسْکُتْ قَبَحَکَ اللَّهُ یَا أَثْرَمُ- فَوَاللَّهِ لَقَدْ ظَهَرَ الْحَقُّ فَکُنْتَ فِیهِ ضَئِیلًا شَخْصُکَ- خَفِیّاً صَوْتُکَ حَتَّى إِذَا نَعَرَ الْبَاطِلُ نَجَمْتَ نُجُومَ قَرْنِ الْمَاعِزِ البرج بن مسهر بضم المیم و کسر الهاء- بن الجلاس بن وهب بن قیس بن عبید- بن طریف بن مالک بن جدعاء بن ذهل- بن رومان بن جندب بن خارجه بن سعد- بن قطره بن طی بن داود بن زید بن یشجب- بن عریب بن زید بن کهلان بن سبأ بن یشجب- بن یعرب بن قحطان- شاعر مشهور من شعراء الخوارج- نادى بشعارهم بحیث یسمعه أمیر المؤمنین ع فزجره- . و قبحک الله لفظه معناها کسرک- یقال قبحت الجوزه أی کسرتها و قیل قبحه نحاه عن الخیر- و کان البرج ساقط الثنیه فأهانه بأن دعاه به- کما یهان الأعور بأن یقال له یا أعور- . و الضئیل الدقیق الخفی ضؤل الرجل بالضم- ضآله نحف و ضؤل رأیه صغر- و رجل متضائل أی شخت و کذلک ضؤله- .

و نعر الباطل صاح و المراد أهل الباطل- و نعر فلان فی الفتنه نهض فیها- . و نجم طلع- أی طلع بلا شرف و لا شجاعه و لا قدم بل على غفله- کما ینبت قرن الماعز و هذا من باب البدیع- و هو أن یشبه الأمر یراد إهانته بالمهین- و یشبه الأمر یراد إعظامه بالعظیم- و لو کان قد تکلم فی شأن ناجم یرید تعظیمه- لقال نجم نجوم الکوکب من تحت الغمام- نجوم نور الربیع من الأکمام و نحو ذلک

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۰

 

بازدیدها: ۷

خطبه ۱۸۴ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۸۴ من خطبه له ع

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَیْرِ رُؤْیَهٍ- الْخَالِقِ مِنْ غَیْرِ مَنْصَبَهٍ خَلَقَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ- وَ اسْتَعْبَدَ الْأَرْبَابَ بِعِزَّتِهِ وَ سَادَ الْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ- وَ هُوَ الَّذِی أَسْکَنَ الدُّنْیَا خَلْقَهُ- وَ بَعَثَ إِلَى الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ رُسُلَهُ- لِیَکْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا وَ لِیُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا- وَ لْیَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا وَ لِیُبَصِّرُوهُمْ عُیُوبَهَا- وَ لِیَهْجُمُوا عَلَیْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وَ أَسْقَامِهَا- وَ حَلَالِهَا وَ حَرَامِهَا- وَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِلْمُطِیعِینَ مِنْهُمْ وَ الْعُصَاهِ- مِنْ جَنَّهٍ وَ نَارٍ وَ کَرَامَهٍ وَ هَوَانٍ- أَحْمَدُهُ إِلَى نَفْسِهِ کَمَا اسْتَحْمَدَ إِلَى خَلْقِهِ- جَعَلَ لِکُلِّ شَیْ‏ءٍ قَدْراً- وَ لِکُلِّ قَدْرٍ أَجَلًا وَ لِکُلِّ أَجَلٍ کِتَاباً المنصبه بالفتح و النصب التعب- و الماضی نصب بالکسره و هم ناصب فی قول النابغه-کلینی لهم یا أمیمه ناصب‏- . ذو نصب مثل رجل تامر و لابن- و یقال هو فاعل بمعنى مفعول فیه- لأنه ینصب‏ فیه و یتعب- کقولهم لیل نائم أی ینام فیه- و یوم عاصف أی تعصف فیه الریح- و استعبدت فلانا اتخذته عبدا و الضراء الشده- .

و معتبر مصدر بمعنى الاعتبار- و مصاحها جمع مصحه مفعله من الصحه- کمضار جمع مضره- وصفه سبحانه بأنه معروف بالأدله- لا من طریق الرؤیه کما تعرف المرئیات- و بأنه یخلق الأشیاء و لا یتعب کما یتعب الواحد منا- فیما یزاوله و یباشر من أفعاله- خلق الخلائق بقدرته على خلقهم لا بحرکه و اعتماد- و أسبغ النعمه علیهم أوسعها- و استعبد الذین یدعون فی الدنیا أربابا بعزه و قهره- . و ساد کل عظیم بسعه جوده و أسکن الدنیا خلقه- کما ورد فی الکتاب العزیز- إِنِّی جاعِلٌ فِی الْأَرْضِ خَلِیفَهً- .

و بعث رسله إلى الجن و الإنس- کما ورد فی الکتاب العزیز- یا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ- أَ لَمْ یَأْتِکُمْ رُسُلٌ مِنْکُمْ یَقُصُّونَ عَلَیْکُمْ آیاتِی- وَ یُنْذِرُونَکُمْ لِقاءَ یَوْمِکُمْ هذا- . قال لیکشفوا لهم عن غطاء الدنیا- أی عن عوراتها و عیوبها المستوره- و لیخوفوهم من مضرتها- و غرورها المفضی إلى عذاب الأبد- . و لیضربوا لهم أمثالها- کالأمثال الوارده فی الکتاب العزیز- نحو قوله تعالى إِنَّما مَثَلُ الْحَیاهِ الدُّنْیا کَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ- فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ… الآیه- . قوله و لیهجموا علیهم- هجمت على الرجل دخلت علیه بغته- یقول لیدخلوا علیهم بما فی تصاریف الدنیا- من الصحه و السقم- و ما أحل و ما حرم على طریق الابتلاء- .

ثم قال و ما أعد الله سبحانه للمطیعین منهم و العصاه- یجوز أن تکون ما معطوفه على عیوبها- فیکون موضعها نصبا و یجوز أن یکون موضعها جرا- و یکون من تتمه أقسام ما یعتبر به و الأول أحسن- . ثم قال ع إنی أحمد الله کما استحمد إلى خلقه- استحمد إلیهم فعل ما یوجب علیهم حمده- . ثم قال إنه سبحانه جعل لکل شی‏ء من أفعاله قدرا- أی فعله مقدرا محدود الغرض- اقتضى ذلک القدر و تلک الکیفیه- کما قال سبحانه وَ کُلُّ شَیْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ- .

و جعل لکل شی‏ء مقدر وقتا ینتهی إلیه و ینقطع عنده- و هو الأجل- . و لکل أجل کتابا أی رقوما تعرفها الملائکه- فتعلم انقضاء عمر من ینقضی عمره- و عدم ما ألطافهم فی معرفه عدمه: مِنْهَا فِی ذِکْرِ الْقُرْآنِ فَالْقُرْآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ- حُجَّهُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ أَخَذَ عَلَیْهِ مِیثَاقَهُمْ- وَ ارْتَهَنَ عَلَیْهِمْ أَنْفُسَهُمْ أَتَمَّ نُورَهُ- وَ أَکْرَمَ بِهِ دِینَهُ وَ قَبَضَ نَبِیَّهُ ص- وَ قَدْ فَرَغَ إِلَى الْخَلْقِ مِنْ أَحْکَامِ الْهُدَى بِهِ- فَعَظِّمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَظَّمَ مِنْ نَفْسِهِ- فَإِنَّهُ لَمْ یُخْفِ عَنْکُمْ شَیْئاً مِنْ دِینِهِ- وَ لَمْ یَتْرُکْ شَیْئاً رَضِیَهُ أَوْ کَرِهَهُ إِلَّا وَ جَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِیاً- وَ آیَهً مُحْکَمَهً تَزْجُرُ عَنْهُ أَوْ تَدْعُو إِلَیْهِ- فَرِضَاهُ فِیمَا بَقِیَ وَاحِدٌ وَ سَخَطُهُ فِیمَا بَقِیَ وَاحِدٌ-وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ یَرْضَى عَنْکُمْ بِشَیْ‏ءٍ سَخِطَهُ- عَلَى مَنْ کَانَ قَبْلَکُمْ- وَ لَنْ یَسْخَطَ عَلَیْکُمْ بِشَیْ‏ءٍ رَضِیَهُ مِمَّنْ کَانَ قَبْلَکُمْ- وَ إِنَّمَا تَسِیرُونَ فِی أَثَرٍ بَیِّنٍ- وَ تَتَکَلِّمُونَ بِرَجْعِ قَوْلٍ قَدْ قَالَهُ الرِّجَالُ مِنْ قَبْلِکُمْ- قَدْ کَفَاکُمْ مَئُونَهَ دُنْیَاکُمْ وَ حَثَّکُمْ عَلَى الشُّکْرِ- وَ افْتَرَضَ مِنْ أَلْسِنَتِکُمُ الذِّکْرَ وَ أَوْصَاکُمْ بِالتَّقْوَى- وَ جَعَلَهَا مُنْتَهَى رِضَاهُ وَ حَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِی أَنْتُمْ بِعَیْنِهِ وَ نَوَاصِیکُمْ بِیَدِهِ- وَ تَقَلُّبُکُمْ فِی قَبْضَتِهِ- إِنْ أَسْرَرْتُمْ عَلِمَهُ وَ إِنْ أَعْلَنْتُمْ کَتَبَهُ- قَدْ وَکَّلَ بِذَلِکَ حَفَظَهً کِرَاماً لَا یُسْقِطُونَ حَقّاً وَ لَا یُثْبِتُونَ بَاطِلًا- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ یَتَّقِ اللَّهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ الْفِتَنِ- وَ نُوراً مِنَ الظُّلَمِ وَ یُخَلِّدْهُ فِیمَا اشْتَهَتْ نَفْسُهُ- وَ یُنْزِلْهُ مَنْزِلَ الْکَرَامَهِ عِنْدَهُ فِی دَارٍ اصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ- ظِلُّهَا عَرْشُهُ وَ نُورُهَا بَهْجَتُهُ- وَ زُوَّارُهَا مَلَائِکَتُهُ وَ رُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ- فَبَادِرُوا الْمَعَادَ وَ سَابِقُوا الآْجَالَ- فَإِنَّ النَّاسَ یُوشِکُ أَنْ یَنْقَطِعَ بِهِمُ الْأَمَلُ وَ یَرْهَقَهُمُ الْأَجَلُ- وَ یُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ التَّوْبَهِ- فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِی مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَیْهِ الرَّجْعَهَ مَنْ کَانَ قَبْلَکُمْ- وَ أَنْتُمْ بَنُو سَبِیلٍ عَلَى سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَیْسَتْ بِدَارِکُمْ- وَ قَدْ أُوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالِارْتِحَالِ وَ أُمِرْتُمْ فِیهَا بِالزَّادِ جعل القرآن آمرا و زاجر- لما کان خالقه و هو الله سبحانه آمرا زاجرا به- فأسند الأمر و الزجر إلیه کما تقول سیف قاتل- و إنما القاتل الضارب به و جعله صامتا ناطقا- لأنه من حیث هو حروف و أصوات صامت- إذ کان العرض یستحیل أن یکون ناطقا-لأن النطق حرکه الأداه بالکلام- و الکلام یستحیل أن یکون ذا أداه ینطق بالکلام بها- و هو من حیث یتضمن الإخبار و الأمر و النهی و النداء- و غیر ذلک من أقسام الکلام کالناطق- لأن الفهم یقع عنده- و هذا من باب المجاز کما تقول هذه الربوع الناطقه- و أخبرتنی الدیار بعد رحیلهم بکذا- .

ثم وصفه بأنه حجه الله على خلقه- لأنه المعجزه الأصلیه- . أخذ سبحانه على الخلائق میثاقه- و ارتهن علیه أنفسهم- لما کان سبحانه قد قرر فی عقول المکلفین أدله التوحید و العدل- و من جمله مسائل العدل النبوه و یثبت نبوه محمد ص عقلا- کان سبحانه بذلک کالآخذ میثاق المکلفین بتصدیق دعوته- و قبول القرآن الذی جاء- و جعل به نفسهم رهنا على الوفاء بذلک- فمن خالف خسر نفسه و هلک هلاک الأبد- . هذا تفسیر المحققین و من الناس من یقول- المراد بذلک قصه الذریه قبل خلق آدم ع- کما ورد فی الأخبار و کما فسر قوم علیه الآیه- . ثم ذکر ع أن الله تعالى قبض رسوله ص- و قد فرغ إلى الخلق بالقرآن من الإکمال و الإتمام- کقوله تعالى- الْیَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینَکُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتِی- و إذا کان قد أکمله لم یبق فیه نقص ینتظر إتمامه- . قال فعظموا من الله ما عظم من نفسه- لأنه سبحانه وصف نفسه بالعظمه و الجلال فی أکثر القرآن- فالواجب علینا أن نعظمه على حسب ما عظم نفسه سبحانه- .

ثم علل وجوب تعظیمه- و حسن أمره لنا بتعظیمه سبحانه- بکونه لم یخف عنا شیئا من أمر دیننا- و ذلک لأن الشرعیات مصالح المکلفین- و إذا فعل الحکیم سبحانه بناما فیه صلاحنا- فقد أحسن إلینا- و من جمله صلاحنا تعریفنا من الشرعیات ما فعله لطف- و مفض بنا إلى الثواب- و هذا أبلغ ما یکون من الإحسان- و المحسن یجب تعظیمه و شکره- . قال لم یترک شیئا إلا و جعل له نصا ظاهرا یدل علیه- أو علما یستدل به علیه أی إما منصوص علیه صریحا- أو یمکن أن یستنبط حکمه من القرآن إما بذکره أو بترکه- فیبقى على البراءه الأصلیه و حکم العقل- .

قوله فرضاه فیما بقی واحد- معناه أن ما لم ینص علیه صریحا بل هو فی محل النظر- لیس یجوز للعلماء أن یجتهدوا فیه- فیحله بعضهم و یحرمه بعضهم- بل رضا الله سبحانه أمر واحد و کذلک سخطه- فلیس یجوز أن یکون شی‏ء من الأشیاء- یفتی فیه قوم بالحل و قوم بالحرمه- و هذا قول منه ع بتحریم الاجتهاد- و قد سبق منه ع مثل هذا الکلام مرارا- . قوله و اعلموا أنه لیس یرضى عنکم- الکلام إلى منتهاه- معناه أنه لیس یرضى عنکم بالاختلاف فی الفتاوی و الأحکام- کما اختلف الأمم من قبلکم فسخط اختلافهم- قال سبحانه- إِنَّ الَّذِینَ فَرَّقُوا دِینَهُمْ وَ کانُوا شِیَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِی شَیْ‏ءٍ- . و کذلک لیس یسخط علیکم بالاتفاق- و الاجتماع الذی رضیه ممن کان قبلکم من القرون- . و یجوز أن یفسر هذا الکلام- بأنه لا یرضى عنکم بما سخطه على الذین من قبلکم- من الاعتقادات الفاسده فی التوحید و العدل- و لا یسخط علیکم بما تعتقدونه من الاعتقادات الصحیحه- التی رضیها ممن کان قبلکم فی التوحید و العدل- فیکون الکلام مصروفا إلى الأصول لا إلى الفروع- .

قال و إنما تسیرون فی أثر بین- أی إن الأدله واضحه و لیس مراده الأمر بالتقلید- و کذلک قوله و تتکلمون برجع قول قد قاله الرجال من قبلکم- یعنی کلمه التوحید لا إله إلا الله- قد قالها الموحدون من قبل هذه المله لا تقلیدا- بل بالنظر و الدلیل فقولوها أنتم کذلک- .
ثم ذکر أنه سبحانه قد کفى الخلق مئونه دنیاهم- قال الحسن البصری إن الله تعالى کفانا مئونه دنیانا- و حثنا على القیام بوظائف دیننا- فلیته کفانا مئونه دیننا- و حثنا على القیام بوظائف دنیانا- .

قوله و افترض من ألسنتکم الذکر- افترض علیکم أن تذکروه و تشکروه بألسنتکم- و من متعلقه بمحذوف دل علیه المصدر المتأخر- تقدیره و افترض علیکم الذکر من ألسنتکم الذکر- . ثم ذکر أن التقوى المفترضه هی رضا الله و حاجته من خلقه- لفظه حاجته مجاز لأن الله تعالى غنی غیر محتاج- و لکنه لما بالغ فی الحث و الحض علیها- و توعد على ترکها جعله کالمحتاج إلى الشی‏ء- و وجه المشارکه أن المحتاج یحث و یحض على حاجته- و کذلک الآمر المکلف إذا أکد الأمر- .

قوله أنتم بعینه أی یعلم أحوالکم و نواصیکم بیده- الناصیه مقدم شعر الرأس أی هو قادر علیکم قاهر لکم- متمکن من التصرف فیکم- کالإنسان القابض على ناصیه غیره- . و تقلبکم فی قبضته أی تصرفکم تحت حکمه- لو شاء أن یمنعکم منعکم فهو کالشی‏ء فی قبضه الإنسان- إن شاء استدام القبض علیه و إن شاء ترکه- . ثم قال إن أسررتم أمرا علمه- و إن أظهرتموه کتبه- لیس على أن الکتابه غیر العلم بل هما شی‏ء واحد- و لکن اللفظ مختلف- .

ثم ذکر أن الملائکه موکله بالمکلف- و هذا هو نص الکتاب العزیز و قد تقدم القول فی ذلک- . ثم انتقل إلى ذکر الجنه- و الکلام یدل على أنها فی السماء و أن العرش فوقها- . و معنى قوله اصطنعها لنفسه إعظامها و إجلالها- کما قال لموسى وَ اصْطَنَعْتُکَ لِنَفْسِی- و لأنه لما تعارف الناس فی تعظیم ما یصنعونه- أن یقول الواحد منهم لصاحبه- قد وهبتک هذه الدار التی اصطنعتها لنفسی أی أحکمتها- و لم أکن فی بنائها متکلفا بأن أبنیها لغیری- صح و حسن من البلیغ الفصیح أن یستعیر مثل ذلک- فیما لم یصطنعه فی الحقیقه لنفسه- و إنما هو عظیم جلیل عنده- .

قوله و نورها بهجته هذا أیضا مستعار- کأنه لما کان إشراق نورها عظیما جدا نسبه إلى بهجه البارئ- و لیس هناک بهجه على الحقیقه لأن البهجه حسن الخلقه- قال تعالى وَ أَنْبَتْنا فِیها مِنْ کُلِّ زَوْجٍ بَهِیجٍ أی من کل صنف حسن- . قوله و زوارها ملائکته- قد ورد فی هذا من الأخبار کثیر جدا- و رفقاؤها رسله- من قوله تعالى وَ حَسُنَ أُولئِکَ رَفِیقاً- . و یوشک بکسر الشین فعل مستقبل ماضیه أوشک أی أسرع- . و رهقه الأمر بالکسر فاجأه- . و یسد عنهم باب التوبه- لأنه لا تقبل عند نزول الموت بالإنسان- من حیث کان یفعلها خوفا فقط- لا لقبح القبیح- قال تعالى وَ لَیْسَتِ التَّوْبَهُ لِلَّذِینَ یَعْمَلُونَ السَّیِّئاتِ- حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّی تُبْتُ الْآنَ- .

و إنما قال فی مثل ما سأل إلیه الرجعه من کان قبلکم- کقوله سبحانه حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ- لَعَلِّی أَعْمَلُ صالِحاً فِیما تَرَکْتُ- کَلَّا إِنَّها کَلِمَهٌ هُوَ قائِلُها- وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ یَوْمِ یُبْعَثُونَ- . و بنو سبیل أرباب طریق مسافرون- . و أوذن فلان بکذا أعلم و آذنته أعلمته- . و قد تقدم لنا کلام بالغ فی التقوى- و ماهیتها و تأکید وصاه الخالق سبحانه- و الرسول ع بهانبذ و أقاویل فی التقوىروى المبرد فی الکامل أن رجلا قال لعمر بن الخطاب- اتق الله یا أمیر المؤمنین- فقال له رجل أ تألت على أمیر المؤمنین أی أ تنتقصه- فقال عمر دعه فلا خیر فیهم إذا لم یقولوها- و لا خیر فینا إذا لم تقل لنا- .

و کتب أبو العتاهیه إلى سهل بن صالح و کان مقیما بمکه- أما بعد فأنا أوصیک بتقوى الله الذی لا غناء بک عن تقاته- و أتقدم إلیک عن الله- و نذکرک مکر الله فیما دبت به إلیک ساعات اللیل و النهار- فلا تخدعن عن دینک- فإن ساعاتک أوقاتک إن ظفرت بذلک منک- وجدت الله فیک أسرع مکرا و أنفذ فیک أمرا- و وجدت ما مکرت به فی غیر ذات الله- غیر راد عنک ید الله و لا مانع لک من أمر الله- و لعمری لقد ملأت عینک الفکر- و اضطربت فی سمعک أصوات العبر- و رأیت آثار نعم الله- نسختها آثار نقمه حین استهزئ بأمره و جوهر بمعاندته- ألا إن فی حکم الله‏ أنه من أکرمه الله- فاستهان بأمره أهانه الله- السعید من وعظ بغیره لا وعظک الله فی نفسک- و جعل عظتک فی غیرک- و لا جعل الدنیا علیک حسره و ندامه برحمته- .

ومن کلام رسول الله ص لا کرم کالتقوى- و لا مال أعود من العقل و لا وحده أوحش من العجب- و لا عقل کالتدبیر و لا قرین کحسن الخلق- و لا میراث کالأدب و لا فائده کالتوفیق- و لا تجاره کالعمل الصالح و لا ربح کثواب الله- و لا ورع کالوقوف عند الشبهه- و لا زهد کالزهد فی الحرام و لا علم کالتفکر- و لا عباده کأداء الفرائض و لا إیمان کالحیاء و الصبر- و لا حسب کالتواضع و لا شرف کالعلم- و لا مظاهره أوفق من المشوره- فاحفظ الرأس و ما حوى و البطن و ما وعى- و اذکر الموت و طول البلى

وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَیْسَ لِهَذَا الْجِلْدِ الرَّقِیقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ- فَارْحَمُوا نُفُوسَکُمْ- فَإِنَّکُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِی مَصَائِبِ الدُّنْیَا- فَرَأَیْتُمْ جَزَعَ أَحَدِکُمْ مِنَ الشَّوْکَهِ تُصِیبُهُ- وَ الْعَثْرَهِ تُدْمِیهِ وَ الرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ- فَکَیْفَ إِذَا کَانَ بَیْنَ طَابَقَیْنِ مِنْ نَارٍ- ضَجِیعَ حَجَرٍ وَ قَرِینَ شَیْطَانٍ- أَ عَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِکاً إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ- حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ- وَ إِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَیْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ- أَیُّهَا الْیَفَنُ الْکَبِیرُ الَّذِی قَدْ لَهَزَهُ الْقَتِیرُ- کَیْفَ أَنْتَ إِذَا الْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ النَّارِ بِعِظَامِ الْأَعْنَاقِ- وَ نَشِبَتِ الْجَوَامِعُ حَتَّى أَکَلَتْ لُحُومَ السَّوَاعِدِ- فَاللَّهَ اللَّهَ مَعْشَرَ الْعِبَادِ- وَ أَنْتُمْ سَالِمُونَ فِی الصِّحَّهِ قَبْلَ السُّقْمِ- وَ فِی الْفُسْحَهِ قَبْلَ الضِّیقِ- فَاسْعَوْا فِی فَکَاکِ رِقَابِکُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا-أَسْهِرُوا عُیُونَکُمْ وَ أَضْمِرُوا بُطُونَکُمْ- وَ اسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَکُمْ وَ أَنْفِقُوا أَمْوَالَکُمْ- وَ خُذُوا مِنْ أَجْسَادِکُمْ فَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِکُمْ- وَ لَا تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ- إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ یَنْصُرْکُمْ وَ یُثَبِّتْ أَقْدامَکُمْ- وَ قَالَ تَعَالَى مَنْ ذَا الَّذِی یُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً- فَیُضاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ کَرِیمٌ- فَلَمْ یَسْتَنْصِرْکُمْ مِنْ ذُلٍّ- وَ لَمْ یَسْتَقْرِضْکُمْ مِنْ قُلٍّ- اسْتَنْصَرَکُمْ وَ لَهُ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِیزُ الْحَکِیمُ- وَ اسْتَقْرَضَکُمْ وَ لَهُ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ- وَ هُوَ الْغَنِیُّ الْحَمِیدُ- وَ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ یَبْلُوَکُمْ أَیُّکُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا- فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِکُمْ تَکُونُوا مَعَ جِیرَانِ اللَّهِ فِی دَارِهِ- رَافَقَ بِهِمْ رُسُلَهُ وَ أَزَارَهُمْ مَلَائِکَتَهُ- وَ أَکْرَمَ أَسْمَاعَهُمْ أَنْ تَسْمَعَ حَسِیسَ نَارٍ أَبَداً- وَ صَانَ أَجْسَادَهُمْ أَنْ تَلْقَى لُغُوباً وَ نَصَباً- ذلِکَ فَضْلُ اللَّهِ یُؤْتِیهِ مَنْ یَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِیمِ- أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِی وَ أَنْفُسِکُمْ- وَ هُوَ سْبُنَا وَ نِعْمَ الْوَکِیلُ الرمضاء الأرض الشدیده الحراره- و الرمض بالتحریک شده وقع الشمس على الرمل و غیره- و قد رمض یومنا بالکسر یرمض رمضا- اشتد حره و أرض رمضه الحجاره- و رمضت قدمه من الرمضاء احترقت- .

و الطابق بالفتح الآجره الکبیره و هو فارسی معرب- . و ضجیع حجر یومئ فیه إلى قوله تعالى- وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَهُ قیل إنها حجاره الکبریت- . و قرین شیطان یومئ فیه إلى قوله تعالى- قالَ قَرِینُهُ رَبَّنا ما أَطْغَیْتُهُ- . و حطم بعضها بعضا کسره أو أکله- و الحطمه من أسماء النار لأنها تحطم ما تلقى- و منه سمی الرجل الکثیر الأکل حطمه- . و الیفن الشیخ الکبیر و لهزه خالطه- و یقال له حینئذ ملهوز ثم أشمط ثم أشیب- و لهزت القوم خالطتهم و دخلت بینهم- . و القتیر الشیب و أصله رءوس المسامیر فی الدروع تسمى قتیرا- . و التحمت أطواق النار بالعظام التفت علیها- و انضمت إلیها و التصقت بها- . و الجوامع جمع جامعه- و هی الغل لأنها تجمع الیدین إلى العنق- . و نشبت علقت و السواعد جمع ساعد و هو الذراع- . و فی من قوله فی الصحه قبل السقم- متعلقه بالمحذوف الناصب لله و هو اتقوا- أی اتقوه سبحانه فی زمان صحتکم- قبل أن ینزل بکم السقم- و فی فسحه أعمارکم قبل أن تبدل بالضیق- . و فکاک الرقاب بفتح الفاء عتقها قبل أن تغلق رهائنها- یقال غلق الرهن بالکسر- إذا استحقه المرتهن بألا یفکه الراهن فی الوقت المشروط- و کان ذلک من شرع الجاهلیه- فنهى عنه النبی ص و قال لا یغلق الرهن- .

و خذوا من أجسادکم أی أتعبوها بالعباده حتى تنحل- . و القل القله و الذل الذله- . و حسیس النار صوتها و اللغوب النصبطرف و أخبار
و نظیر قوله ع- استقرضکم و له خزائن السماوات و الأرض- ما رواه المبرد فی الکامل عن أبی عثمان المازنی- عن أبی زید الأنصاری- قال وقف علینا أعرابی فی حلقه یونس النحوی- فقال الحمد لله کما هو أهله- و أعوذ بالله أن أذکر به و أنساه- خرجنا من المدینه مدینه الرسول ص- ثلاثین رجلا ممن أخرجته الحاجه و حمل على المکروه- و لا یمرضون مرضاهم و لا یدفنون میتهم- و لا ینتقلون من منزل إلى منزل و إن کرهوه- و الله یا قوم لقد جعت حتى أکلت النوى المحرق- و لقد مشیت حتى انتعلت الدم- و حتى خرج من قدمی بخص و لحم کثیر- أ فلا رجل یرحم ابن سبیل و فل طریق و نضو سفر- فإنه لا قلیل من الأجر- و لا غنى عن ثواب الله و لا عمل بعد الموت- و هو سبحانه یقول مَنْ ذَا الَّذِی‏یُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً- ملی وفی ماجد واجد جواد لا یستقرض من عوز- و لکنه یبلو الأخیار- . قال المازنی- فبلغنی أنه لم یبرح حتى أخذ ستین دینارا- .

و من کلام علی بن عبیده الریحانی- الأیام مستودعات الأعمال- و نعم الأرضون هی لمن بذر فیها الخیر و العمل الصالح- . و خطب الحجاج فقال أیها الناس- إنکم أغراض حمام و فرص هلکه قد أنذرکم القرآن و نادى برحیلکم الجدیدان- ها إن لکم موعدا لا تؤخر ساعته و لا تدفع هجمته- و کان قد دلفت إلیکم نازلته- فتعلق بکم ریب المنون و علقت بکم أم اللهیم الحیزبون- فما ذا هیأتم للرحیل و ما ذا أعددتم للنزیل- من لم یأخذ أهبه الحذر نزل به مرهوب القدر

خطبه لأبی الشخباء العسقلانی

قلت و قد شغف الناس فی المواعظ بکلام کاتب محدث- یعرف بابن أبی الشخباءالعسقلانی و أنا أورد هاهنا خطبه من مواعظه- هی أحسن ما وجدته له لیعلم الفرق بین الکلام الأصیل و المولد- . أیها الناس- فکوا أنفسکم من حلقات الآمال المتعبه- و خففوا ظهورکم من الآصار المستحقبه- و لا تسیموا أطماعکم فی ریاض الأمانی المتشعبه- و لا تمیلوا صغواکم إلى زبارج الدنیا المحببه- فتظل أجسامکم فی هشائمها عامله نصبه- أ ما علمتم أن طباعها على الغدر مرکبه- و أنها لأعمار أهلها منتهبه- و لما ساءهم منتظره مرتقبه- فی هبتها راجعه متعقبه- فانضوا رحمکم الله رکائب الاعتبار مشرقه و مغربه- و أجروا خیول التفکر مصعده و مصوبه- هل تجدون إلا قصورا على عروشها خربه- و دیارا معطشه من أهلها مجدبه- أین الأمم السالفه المتشعبه- و الجبابره الماضیه المتغلبه- و الملوک المعظمه المرجبه- أولو الحفده و الحجبه و الزخارف المعجبه- و الجیوش الحراره اللجبه و الخیام الفضفاضه المطنبه- و الجیاد الأعوجیه المجنبه- و المصاعب الشدقمیه المصحبه- و اللدان المثقفه المدربه و الماذیه الحصینه المنتخبه- طرقت و الله خیامهم غیر منتهبه- و أزارتهم من الأسقام سیوفا معطبه- و سیرت إلیهم الأیام من نوبها کتائب مکتبه- فأصبحت أظفار المنیه من مهجهم قانیه مختضبه- و غدت أصوات النادبات علیهم مجلبه- و أکلت لحومهم هوام الأرض السغبه- ثم إنهم مجموعون لیوم لا یقبل فیه عذر و لا معتبه- و تجازى کل نفس بما کانت مکتسبه- فسعیده مقربه تجری من تحتها الأنهار مثوبه- و شقیه معذبه فی النار مکبکبه- . هذه أحسن خطبه خطبها هذا الکاتب- و هی کما تراها ظاهره التکلف- بینه التولید تخطب على نفسها- و إنما ذکرت هذا لأن کثیرا من أرباب الهوى یقولون- إن کثیرا من نهج البلاغه کلام محدث- صنعه قوم من فصحاء الشیعه- و ربما عزوا بعضه إلى الرضی أبی الحسن و غیره- و هؤلاء قوم أعمت العصبیه أعینهم- فضلوا عن النهج الواضح‏
و رکبوا بنیات الطریق- ضلالا و قله معرفه بأسالیب الکلام- و أنا أوضح لک بکلام مختصر ما فی هذا الخاطر من الغلط فأقول

رأی للمؤلف فی کتاب نهج البلاغه

لا یخلو إما أن یکون کل نهج البلاغه مصنوعا منحولا أو بعضه- و الأول باطل بالضروره- لأنا نعلم بالتواتر- صحه إسناد بعضه إلى أمیر المؤمنین ع- و قد نقل المحدثون کلهم أو جلهم- و المؤرخون کثیرا منه- و لیسوا من الشیعه لینسبوا إلى غرض فی ذلک- و الثانی یدل على ما قلناه- لأن من قد أنس بالکلام و الخطابه- و شدا طرفا من علم البیان- و صار له ذوق فی هذا الباب- لا بد أن یفرق بین الکلام الرکیک و الفصیح- و بین الفصیح و الأفصح و بین الأصیل و المولد- و إذا وقف على کراس واحد یتضمن کلاما لجماعه من الخطباء- أو لاثنین منهم فقط- فلا بد أن یفرق بین الکلامین و یمیز بین الطریقتین- أ لا ترى أنا مع معرفتنا بالشعر و نقده- لو تصفحنا دیوان أبی تمام- فوجدناه قد کتب فی أثنائه قصائد- أو قصیده واحده لغیره- لعرفنا بالذوق مباینتها لشعر أبی تمام و نفسه- و طریقته و مذهبه فی القریض- أ لا ترى أن العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره- قصائد کثیره منحوله إلیه- لمباینتها لمذهبه فی الشعر- و کذلک حذفوا من شعر أبی نواس شیئا کثیرا- لما ظهر لهم أنه لیس من ألفاظه- و لا من شعره و کذلک غیرهما من الشعراء- و لم یعتمدوا فی ذلک إلا على الذوق خاصه- .

و أنت إذا تأملت نهج البلاغه وجدته کله ماء واحدا- و نفسا واحدا و أسلوبا واحدا- کالجسم البسیط الذی لیس بعض من أبعاضه- مخالفا لباقی الأبعاض فی الماهیه- و کالقرآن العزیز أوله کأوسطه و أوسطه کآخره- و کل سوره منه- و کل آیه مماثله فی‏المأخذ و المذهب و الفن و الطریق- و النظم لباقی الآیات و السور- و لو کان بعض نهج البلاغه منحولا و بعضه صحیحا- لم یکن ذلک کذلک- فقد ظهر لک بهذا البرهان الواضح ضلال من زعم أن هذا الکتاب أو بعضه منحول إلى أمیر المؤمنین ع- .

و اعلم أن قائل هذا القول- یطرق على نفسه ما لا قبل له به- لأنا متى فتحنا هذا الباب- و سلطنا الشکوک على أنفسنا فی هذا النحو- لم نثق بصحه کلام منقول عن رسول الله ص أبدا- و ساغ لطاعن أن یطعن و یقول- هذا الخبر منحول و هذا الکلام مصنوع- و کذلک ما نقل عن أبی بکر و عمر- من الکلام و الخطب و المواعظ و الأدب و غیر ذلک- و کل أمر جعله هذا الطاعن مستندا له- فیما یرویه عن النبی ص و الأئمه الراشدین- و الصحابه و التابعین و الشعراء و المترسلین و الخطباء- فلناصری أمیر المؤمنین ع أن یستندوا إلى مثله- فیما یروونه عنه من نهج البلاغه و غیره- و هذا واضح

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۰

بازدیدها: ۵۳

خطبه ۱۸۳ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۸۳ و من خطبه له ع

رُوِیَ عَنْ نَوْفٍ الْبَکَالِیِّ- قَالَ خَطَبَنَا بِهَذِهِ الْخُطْبَهِ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ عَلِیٌّ ع بِالْکُوفَهِ- وَ هُوَ قَائِمٌ عَلَى حِجَارَهٍ- نَصَبَهَا لَهُ جَعْدَهُ بْنُ هُبَیْرَهَ الْمَخْزُومِیُّ- وَ عَلَیْهِ مِدْرَعَهٌ مِنْ صُوفٍ وَ حَمَائِلُ سَیْفِهِ لِیفٌ- وَ فِی رِجْلَیْهِ نَعْلَانِ مِنْ لِیفٍ- وَ کَأَنَّ جَبِینَهُ ثَفِنَهُ بَعِیرٍ فَقَالَ ع- الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی إِلَیْهِ مَصَائِرُ الْخَلْقِ- وَ عَوَاقِبُ الْأَمْرِ نَحْمَدُهُ عَلَى عَظِیمِ إِحْسَانِهِ- وَ نَیِّرِ بُرْهَانِهِ وَ نَوَامِی فَضْلِهِ وَ امْتِنَانِهِ- حَمْداً یَکُونُ لِحَقِّهِ قَضَاءً وَ لِشُکْرِهِ أَدَاءً- وَ إِلَى ثَوَابِهِ مُقَرِّباً وَ لِحُسْنِ مَزِیدِهِ مُوجِباً- وَ نَسْتَعِینُ بِهِ اسْتِعَانَهً رَاجٍ لِفَضْلِهِ مُؤَمِّلٍ لِنَفْعِهِ وَاثِقٍ بِدَفْعِهِ- مُعْتَرِفٍ لَهُ بِالطَّوْلِ مُذْعِنٍ لَهُ بِالْعَمَلِ وَ الْقَوْلِ- وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِیمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِناً- وَ أَنَابَ إِلَیْهِ مُؤْمِناً وَ خَنَعَ لَهُ مُذْعِناً- وَ أَخْلَصَ لَهُ مُوَحِّداً وَ عَظَّمَهُ مُمَجِّداً وَ لَاذَ بِهِ رَاغِباً مُجْتَهِداً
نوف البکالیقال الجوهری فی الصحاح- نوف البکالی بفتح الباء کان حاجب علی ع- ثم قال و قال ثعلب هو منسوب إلى بکاله قبیله- .

و قال القطب الراوندی فی شرح نهج البلاغه- بکال و بکیل شی‏ء واحد- و هو اسم حی من همدان و بکیل أکثر- قال الکمیت-فقد شرکت فیه بکیل و أرحب‏- . و الصواب غیر ما قالاه و إنما بنو بکال- بکسر الباء حی من حمیر منهم هذا الشخص- هو نوف بن فضاله صاحب علی ع- و الروایه الصحیحه الکسر- لأن نوف بن فضاله بکالی بالکسر من حمیر- و قد ذکر ابن الکلبی نسب بنی بکال الحمیریین- فقال هو بکال بن دعمی بن غوث بن سعد- بن عوف بن عدی بن مالک بن زید بن سهل بن عمرو- بن قیس بن معاویه بن جشم بن عبد شمس- بن وائل بن الغوث بن قطن بن عریب بن زهیر- بن أیمن بن الهمیسع بن حمیر

نسب جعده بن هبیره

و أما جعده بن هبیره فهو ابن أخت أمیر المؤمنین ع- أمه أم هانئ بنت أبی طالب بن عبد المطلب بن هاشم- و أبوه هبیره بن أبی وهب بن عمرو بن عائذ- بن عمران بن مخزوم بن یقظه بن مره- بن کعب بن لؤی بن غالب- و کان جعده فارسا شجاعا فقیها و ولی خراسان لأمیر المؤمنین ع- و هو من الصحابه الذین أدرکوا رسول الله ص یوم الفتح- مع أمه أم هانئ بنت أبی طالب- و هرب أبو هبیره بن أبی وهب ذلک الیوم- هو و عبد الله بن الزبعرى إلى نجران- .

و روى أهل الحدیث- أن أم هانئ کانت یوم الفتح فی بیتها- فدخل علیها هبیره بن أبی وهب بعلها- و رجل من بنی عمه هاربین من علی ع- و هو یتبعهما و بیده السیف- فقامت أم هانئ فی وجهه دونهما و قالت ما تریده منهما- و لم تکن رأته من ثمانی سنین فدفع فی صدرها- فلم تزل عن موضعها و قالت أ تدخل یا علی بیتی- و تهتک حرمتی و تقتل بعلی و لا تستحیی منی بعد ثمانی سنین- فقال إن رسول الله ص أهدر دمهما فلا بد أن أقتلهما- فقبضت على یده التی فیها السیف- فدخلا بیتا ثم خرجا منه إلى غیره ففاتاه-و جاءت أم هانئ إلى رسول الله ص- فوجدته یغتسل من جفنه فیها أثر العجین- و فاطمه ابنته تستره بثوبها- فوقفت حتى أخذ ثوبه فتوشح به- ثم صلى ثمانی رکعات من الضحى ثم انصرف- فقال مرحبا و أهلا بأم هانئ ما جاء- بک فأخبرته خبر بعلها و ابن عمه- و دخول علی ع بیتها بالسیف- فجاء علی ع و رسول الله ص یضحک- فقال له ما صنعت بأم هانئ فقال سلها یا رسول الله ما صنعت بی- و الذی بعثک بالحق لقد قبضت على یدی و فیها السیف- فما استطعت أن أخلصها إلا بعد لأی و فاتنی الرجلان- فقال ص لو ولد أبو طالب الناس کلهم لکانوا شجعانا- قد أجرنا من أجارت أم هانئ- و أمنا من أمنت فلا سبیل لک علیهما- . فأما هبیره فلم یرجع- و أما الرجل الآخر فرجع فلم یعرض له- . قالوا و أقام هبیره بن أبی وهب بنجران- حتى مات بها کافرا- و روى له محمد بن إسحاق فی کتاب المغازی شعرا أوله-

أ شاقتک هند أم أتاک سؤالها
کذاک النوى أسبابها و انفتالها

یذکر فیه أم هانئ و إسلامها- و أنه مهاجر لها إذ صبت إلى الإسلام و من جملته-

فإن کنت قد تابعت دین محمد
و قطعت الأرحام منک حبالها

فکونی على أعلى سحوق بهضبه
ململمه غبراء یبس قلالها

 و قال ابن عبد البر فی کتاب الاستیعاب- ولدت أم هانئ لهبیره بن أبی وهب بنین أربعه- جعده و عمرا و هانئا و یوسف- و قال و جعده الذی یقول-

أبی من بنی مخزوم إن کنت سائلا
و من هاشم أمی لخیر قبیل‏

فمن ذا الذی ینأى علی بخاله‏
کخالی علی ذی الندى و عقیل‏

المدرعه الجبه و تدرع لبسها و ربما قالوا تمدرع- . و ثفنه البعیر واحده ثفناته- و هو ما یقع على الأرض من أعضائه إذا استناخ فیغلظ و یکثف- کالرکبتین و غیرهما و یقال- ذو الثفنات الثلاثه لعلی بن الحسین- و علی بن عبد الله بن العباس ع و لعبد الله بن وهب الراسبی رئیس الخوارج- لأن طول السجود کان قد أثر فی ثفناتهم قال دعبل-

دیار علی و الحسین و جعفر
و حمزه و السجاد ذی الثفنات‏

 و مصائر الأمور جمع مصیر- و هو مصدر صار إلى کذا و معناه المرجع- قال تعالى وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِیرُ- فأما المصدر من صار الشی‏ء کذا فمصیر و صیروره- و القیاس فی مصدر صار إلیه أی رجع مصارا کمعاش- و إنما جمع المصدر هاهنا- لأن الخلائق یرجعون إلى الله تعالى- فی أحوال مختلفه فی الدنیا و فی الدار الآخره- فجمع المصدر- و إن کان یقع بلفظه على القلیل و الکثیر لاختلاف وجوهه- کقوله تعالى وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا- . و عواقب الأمر جمع عاقبه و هی آخر الشی‏ء- .

ثم قسم الحمد فجعله على ثلاثه أقسام- أحدها الحمد على عظیم إحسانه و هو أصول نعمه تعالى- کالحیاه و القدره و الشهوه- و غیرها مما لا یدخل جنسه تحت مقدور القادر- . و ثانیها الحمد على نیر برهانه- و هو ما نصبه فی العقول من العلوم البدیهیه المفضیه- إلى العلوم النظریه بتوحیده و عدله- . و ثالثها الحمد على أرزاقه النامیه- أی الزائده و ما یجری مجراها من إطاله الأعمار- و کثره الأرزاق- و سائر ضروب الإحسان الداخله فی هذا القسم- .

ثم بالغ فی الحمد حمدا یکون لحقه قضاء و لشکره أداء- و ذلک لأن الحمد و الشکر و لو بلغ‏ أقصى غایاته- لم یصل إلى أن یکون قاضیا لحق الله تعالى- و لا مؤدیا لشکره و لکنه قال ذلک على سبیل المبالغه- . ثم قال و إلى ثوابه مقربا و لحسن مزیده موجبا- و ذلک لأن الشکر یوجب الثواب و المزید- قال الله تعالى فَاذْکُرُونِی أَذْکُرْکُمْ أی أثبکم- و قال لَئِنْ شَکَرْتُمْ لَأَزِیدَنَّکُمْ- . ثم شرع فی الاستعانه بالله ففصلها أحسن تفصیل- فذکر أنه یستعین به استعانه راج لفضله فی الآخره- مؤمل لنفعه فی الدنیا واثق بدفعه المضار عنه- و ذلک لأنه أراد- أن یحتوی على وجوه ما یستعان به تعالى لأجله- فذکر الأمور الإیجابیه و أعقبها بالأمور السلبیه- فالأولى جلب المنافع و الثانیه دفع المضار- . و الطول الإفضال و الإذعان الانقیاد و الطاعه- .

و أناب إلیه أقبل و تاب- و خنع خضع و المصدر الخنوع و لاذ به لجأ إلیه: لَمْ یُولَدْ سُبْحَانَهُ فَیَکُونَ فِی الْعِزِّ مُشَارَکاً- وَ لَمْ یَلِدْ فَیَکُونَ مَوْرُوثاً هَالِکاً- وَ لَمْ یَتَقَدَّمْهُ وَقْتٌ وَ لَا زَمَانٌ- وَ لَمْ یَتَعَاوَرْهُ زِیَادَهٌ وَ لَا نُقْصَانٌ- بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلَامَاتِ التَّدْبِیرِ الْمُتْقَنِ- وَ الْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ- فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بِلَا عَمَدٍ- قَائِمَاتٍ بِلَا سَنَدٍ دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ- غَیْرَ مُتَلَکِّئَاتٍ وَ لَا مُبْطِئَاتٍ- وَ لَوْ لَا إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِیَّهِ- وَ إِذْعَانُهُنَّ لَهُ بِالطَّوَاعِیَهِ- لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ‏وَ لَا مَسْکَناً لِمَلَائِکَتِهِ- وَ لَا مَصْعَداً لِلْکَلِمِ الطَّیِّبِ وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ نفى ع أن یکون البارئ سبحانه مولودا- فیکون له شریک فی العز و الإلهیه- و هو أبوه الذی ولده- و إنما قال ذلک جریا على عاده ملوک البشر- فإن الأکثر أن الملک یکون ابن ملک قبله- و نفى أن یکون له ولد جریا أیضا على عاده البشر- فی أن کل والد فی الأکثر- فإنه یهلک قبل هلاک الولد و یرثه الولد- و هذا النمط من الاحتجاج یسمى خطابه- و هو نافع فی مواجهه العرب به- و أراد من الاحتجاج إثبات العقیده- فتاره تثبت فی نفوس العلماء بالبرهان- و تاره تثبت فی نفوس العوام بالخطابه و الجدل- .

ثم نفى أن یتقدمه وقت أو زمان و الوقت هو الزمان- و إنما خالف بین اللفظین و أتى بحرف العطف- کقوله تعالى لِکُلٍّ جَعَلْنا مِنْکُمْ شِرْعَهً وَ مِنْهاجاً- . و نفى أن یتعاوره أی تختلف علیه زیاده أو نقصان- یقال عاورت زیدا الضرب- أی فعلت به من الضرب مثل ما فعل بی- و اعتوروا الشی‏ء أی تداولوه فیما بینهم- و کذلک تعوروه و تعاوروه- و إنما ظهرت الواو فی اعتوروا- لأنه فی معنى تعاوروا- فبنی علیه و لو لم یکن فی معناه لاعتلت- کما قالوا اجتوروا لما کان فی معنى تجاوروا- التی لا بد من صحه الواو فیها لسکون الألف قبلها- و اعتورت الریاح رسم الدار اختلفت علیه- . فإن قلت هذا یقتضی أن یقول و لم یتعاوره زیاده و نقصان- لأن التعاور یستدعی الضدین معا- و لا ینبغی أن یقول و لا نقصان- کما لا یجوز أن تقول لم یختلف زید و لا عمرو-قلت لما کانت مراتب الزیاده مختلفه- جاز أن یقال لا یعتوره الزیاده- فکذلک القول فی جانب النقصان- و جرى کل واحد من النوعین مجرى أشیاء متنافیه- تختلف على الموضع الموصوف بها- . قوله ع موطدات أی ممهدات مثبتات- .

و العمد جمع عماد نحو إهاب و أهب و إدام و أدم- و هو على خلاف القیاس- و منه قوله تعالى فِی عَمَدٍ مُمَدَّدَهٍ- و قوله تعالى خَلَقَ السَّماواتِ بِغَیْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها- و السند ما یستند إلیه- . ثم قال دعاهن فأجبن طائعات- هذا من باب المجاز و التوسع لأن الجماد لا یدعى- و أما من قال إن السماوات أحیاء ناطقه- فإنه لم یجعلهن مکلفات لیقال- و لو لا إقرارهن له بالربوبیه لما فعل کذا- بل یقول ذلک على وجه آخر- و لکن لغه العرب تنطق بمثل هذا المجاز نحو قول الراجز-

امتلأ الحوض و قال قطنی
مهلا رویدا قد ملأت بطنی‏

و منه قوله تعالى ائْتِیا طَوْعاً أَوْ کَرْهاً قالَتا أَتَیْنا طائِعِینَ- . و منه قول مکاتب لبنی منقر التمیمیین- کان قد ظلع بمکاتبته- فأتى قبر غالب بن صعصعه فاستجار به- و أخذ منه حصیات فشدهن فی عمامته- ثم أتى الفرزدق فأخبره خبره و قال- إنی قد قلت شعرا قال هاته فأنشده-

بقبر ابن لیلى غالب عذت بعد ما
خشیت الردى أو أن أرد على قسر

بقبر امرئ یقری المئین عظامه‏
و لم یک إلا غالبا میت یقری‏

فقال لی استقدم أمامک إنما
فکاکک أن تلقى الفرزدق بالمصر

فقال ما اسمک فقال لهذم قال یا لهذم حکمک مسمطا- قال ناقه کوماء سوداء الحدقه قال یا جاریه اطرحی لنا حبلا- ثم قال یا لهذم اخرج بنا إلى المربد فألقه فی عنق ما شئت من إبل الناس- فتخیر لهذم على عینه ناقه- و رمى بالحبل فی عنقها و جاء صاحبها- فقال له الفرزدق اغد علی أوفک ثمنها فجعل لهذم یقودها- و الفرزدق یسوقها حتى أخرجها من البیوت إلى الصحراء- فصاح به الفرزدق یا لهذم قبح الله أخسرنا- فخبر الشاعر عن القبر بقوله فقال لی استقدم أمامک- و القبر و المیت الذی فیه لا یخبران- و لکن العرب و أهل الحکمه من العجم- یجعلون کل دلیل قولا و جوابا- أ لا ترى إلى قول زهیر-

أ من أم أوفى دمنه لم تکلم‏

و إنما کلامها عنده أن تبین ما یرى من الآثار فیها- عن قدم العهد بأهلها- . و من کلام بعض الحکماء- هلا وقفت على تلک الجنان و الحیطان- فقلت أیتها الجنان أین من شق أنهارک- و غرس أشجارک و جنى ثمارک- فإن لم تجبک حوارا أجابتک اعتبارا- . و قال النعمان بن المنذر و معه عدی بن زید- فی ظل شجرات مونقات یشرب-فقال عدی أبیت اللعن و أراد أن یعظه- أ تدری ما تقول هذه الشجرات قال ما تقول قال-

رب رکب قد أناخوا حولنا
یشربون الخمر بالماء الزلال‏

ثم أضحوا عصف الدهر بهم‏
و کذاک الدهر یودی بالرجال‏

 فتنغص النعمان یومه ذلک- . و المذعن المنقاد المطیع و المتلکئ المتوقف- و الکلم الطیب شهاده أن لا إله إلا الله- و أن محمدا ص رسوله- و العمل الصالح أداء الواجبات و النوافل- و اللفظات من القرآن العزیز- . و المصعد موضع الصعود- و لا شبهه أن السماء أشرف من الأرض- على رأی الملیین و على رأی الحکماء- أما أهل المله فلأن السماء مصعد الأعمال الصالحه- و محل الأنوار و مکان الملائکه و فیها العرش و الکرسی- و الکواکب المدبرات أمرا- و أما الحکماء فلأمور أخرى تقتضیها أصولهم: جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلَاماً یَسْتَدِلُّ بِهَا الْحَیْرَانُ- فِی مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الْأَقْطَارِ- لَمْ یَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا ادْلِهْمَامُ سُجُفِ اللَّیْلِ الْمُظْلِمِ- وَ لَا اسْتَطَاعَتْ جَلَابِیبُ سَوَادِ الْحَنَادِسِ- أَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِی السَّمَاوَاتِ مِنْ تَلَأْلُؤِ نُورِ الْقَمَرِ- فَسُبْحَانَ مَنْ لَا یَخْفَى عَلَیْهِ سَوَادُغَسَقٍ دَاجٍ- وَ لَا لَیْلٍ سَاجٍ فِی بِقَاعِ الْأَرَضِینَ الْمُتَطَأْطِئَاتِ- وَ لَا فِی یَفَاعِ السُّفْعِ الْمُتَجَاوِرَاتِ- وَ مَا یَتَجَلْجَلُ بِهِ الرَّعْدُ فِی أُفُقِ السَّمَاءِ- وَ مَا تَلَاشَتْ عَنْهُ بُرُوقُ الْغَمَامِ- وَ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَهٍ تُزِیلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ الْأَنْوَاءِ- وَ انْهِطَالُ السَّمَاءِ- وَ یَعْلَمُ مَسْقَطَ الْقَطْرَهِ وَ مَقَرَّهَا وَ مَسْحَبَ الذَّرَّهِ وَ مَجَرَّهَا- وَ مَا یَکْفِی الْبَعُوضَهَ مِنْ قُوتِهَا وَ مَا تَحْمِلُ مِنَ الْأُنْثَى فِی بَطْنِهَا أعلاما أی یستدل بها- و الفجاج جمع فج و هو الطریق فی الجبل- .

ثم قال إن ادلهمام سواد اللیل أی شده ظلمته- لم یمنع الکواکب من الإضاءه- و کذلک أیضا لم یمنع ظلام اللیل القمر من تلألؤ نوره- و إنما خص القمر بالذکر و إن کان من جمله الکواکب- لشرفه بما یظهر للأبصار من عظم حجمه و شده إضاءته- فصار کقوله تعالى فِیهِما فاکِهَهٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمَّانٌ- و قد روى بعض الرواه ادلهمام بالنصب- و جعله مفعولا و ضوء نورها بالرفع و جعله فاعلا- و هذه الروایه أحسن فی صناعه الکتابه لمکان الازدواج- أی لا القمر و لا الکواکب تمنع اللیل من الظلمه- و لا اللیل یمنع الکواکب و القمر من الإضاءه- . و السجف جمع سجف و هو الستر و یجوز فتح السین- . و شاع تفرق و التلألؤ اللمعان- و الجلابیب الثیاب و الغسق الظلمه- و الساجی الساکن و الداجی المظلم- و المتطأطئ المنخفض- و السفع المتجاورات هاهنا الجبال- و سماها سفعا لأن السفعه سواد مشرب بحمره- و کذلک لونها فی الأکثر- .

و الیفاع الأرض المرتفعه و التجلجل صوت الرعد- و ما تلاشت عنه بروق الغمام- هذه الکلمه أهمل بناءها کثیر من أئمه اللغه- و هی صحیحه و قد جاءت و وردت- قال ابن الأعرابی لشا الرجل- إذا اتضع و خس بعد رفعه- و إذا صح أصلها صح استعمال الناس- تلاشى الشی‏ء بمعنى اضمحل- .

و قال القطب الراوندی- تلاشى مرکب من لا شی‏ء و لم یقف على أصل الکلمه- و قد ظهر الآن أن معنى کلامه ع- أنه سبحانه یعلم ما یصوت به الرعد- و یعلم ما یضمحل عنه البرق- . فإن قلت و هل یقصد الرعد بجلجلته معنى معقولا لیقال- إن البارئ یعلمه ثم ما المراد بکونه عالما بما یضمحل البرق عنه- . قلت قد یکون تعالى یحدث فی الرعد جلجله- أی صوتا لیهلک به قوما أو لینفع به قوما- فعلمه بما تتضمنه تلک الجلجله هو معنى قولنا- یعلم ما یصوت به الرعد- و لا ریب أن البرق یلمع فیضی‏ء أقطارا مخصوصه- ثم یتلاشى عنها- فالبارئ سبحانه عالم بتلک الأقطار التی یتلاشى البرق عنها- . فإن قلت هو سبحانه عالم بما یضیئه البرق و بما لا یضیئه- فلما ذا خص بالعالمیه ما یتلاشى عنه البرق- .

قلت لأن علمه بما لیس بمضی‏ء بالبرق أعجب و أغرب- لأن ما یضیئه البرق یمکن أن یعلمه أولو الأبصار الصحیحه- فأراد ع أن یشرح من صفاته سبحانه- ما هو بخلاف المعتاد بین البشر- لیکون إعظام السامعین له سبحانه أتم و أکمل- . و العواصف الریاح الشدیده و أضافها إلى الأنواء- لأن أکثر ما یکون عصفانها فی الأنواء و هی جمع نوء- و هو سقوط النجم- من منازل القمر الثمانیه و العشرین فی المغرب‏ مع الفجر- و طلوع رقیبه من المشرق مقابلا له من ساعته- و مده النوء ثلاثه عشر یوما- إلا الجبهه فإن لها أربعه عشر یوما- .

قال أبو عبید- و لم یسمع فی النوء أنه المسقوط إلا فی هذا الموضع- و کانت العرب تضیف الریاح و الأمطار- و الحر و البرد إلى الساقط منها- . و قال الأصمعی بل إلى الطالع فی سلطانه- فتقول مطرنا بنوء کذا و کذا- و نهى النبی ص عن ذلک- و الجمع أنواء و نوءان أیضا- مثل بطن و بطنان و عبد و عبدان- قال حسان بن ثابت-

و یثرب تعلم أنا بها
إذا قحط القطر نوءانها

و الانهطال الانصباب- و مسقط القطره من المطر موضع سقوطها- و مقرها موضع قرارها- و مسحب الذره الصغیره من النمل و مجرها- موضع سحبها و جرها- . و هذا الفصل من فصیح الکلام و نادره- و یتضمن من توحید الله تعالى و تمجیده- و الثناء علیه ما یشهد لنفسه: وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْکَائِنِ قَبْلَ أَنْ یَکُونَ کُرْسِیٌّ أَوْ عَرْشٌ- أَوْ سَمَاءٌ أَوْ أَرْضٌ أَوْ جَانٌّ أَوْ إِنْسٌ- لَا یُدْرَکُ بِوَهْمٍ وَ لَا یُقَدَّرُ بِفَهْمٍ- وَ لَا یَشْغَلُهُ سَائِلٌ وَ لَا یَنْقُصُهُ نَائِلٌ- وَ لَا یَنْظُرُ بِعَیْنٍ وَ لَا یُحَدُّ بِأَیْنٍ وَ لَا یُوصَفُ بِالْأَزْوَاجِ- وَ لَا یُخْلَقُ بِعِلَاجٍ وَ لَا یُدْرَکُ بِالْحَوَاسِّ وَ لَا یُقَاسُ بِالنَّاسِ- الَّذِی کَلَّمَ مُوسَى تَکْلِیماً وَ أَرَاهُ مِنْ آیَاتِهِ عَظِیماً- بِلَا جَوَارِحَ وَ لَا أَدَوَاتٍ وَ لَا نُطْقٍ وَ لَا لَهَوَاتٍ- بَلْ إِنْ کُنْتَ صَادِقاً أَیُّهَا الْمُتَکَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّکَ- فَصِفْ‏جِبْرِیلَ وَ مِیکَائِیلَ وَ جُنُودَ الْمَلَائِکَهِ الْمُقَرَّبِینَ فِی حُجُرَاتِ الْقُدُسِ مُرْجَحِنِّینَ- مُتَوَلِّهَهً عُقُولُهُمْ أَنْ یَحُدُّوا أَحْسَنَ الْخَالِقِینَ- وَ إِنَّمَا یُدْرَکُ بِالصِّفَاتِ ذَوُو الْهَیْئَاتِ وَ الْأَدَوَاتِ- وَ مَنْ یَنْقَضِی إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ- فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَضَاءَ بِنُورِهِ کُلَّ ظَلَامٍ- وَ أَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ کُلَّ نُورٍ لیس یعنی بالکائن هاهنا ما یعنیه الحکماء و المتکلمون- بل مراده الموجود- أی هو الموجود قبل أن یکون الکرسی و العرش و غیرهما- و الأوائل یزعمون- أن فوق السماوات السبع سماء ثامنه و سماء تاسعه- و یقولون إن الثامنه هی الکرسی و إن التاسعه هی العرش- .

قوله ع لا یدرک بوهم- الوهم هاهنا الفکره و التوهم- . و لا یقدر بفهم أی لا تستطیع الأفهام أن تقدره و تحده- . و لا یشغله سائل کما یشغل السؤال منا من یسألونه- . و لا ینقصه العطاء کما ینقص العطاء خزائن الملوک- . و لا یبصر بجارحه و لا یحد بأین- و لفظه أین فی الأصل مبنیه على الفتح- فإذا نکرتها صارت اسما متمکنا کما قال الشاعر-

لیت شعری و أین منی لیت
إن لیتا و إن لوا عناء

و إن شئت قلت إنه تکلم بالاصطلاح الحکمی- و الأین عندهم حصول الجسم فی المکان- و هو أحد المقولات العشر- .قوله ع و لا یوصف بالأزواج- أی صفات الأزواج و هی الأصناف- قال سبحانه وَ أَنْبَتْنا فِیها مِنْ کُلِّ زَوْجٍ بَهِیجٍ- . قوله و لا یخلق بعلاج- أی لا یحتاج فی إیجاد المخلوقات إلى معالجه و مزاوله- . قوله و کلم موسى تکلیما من الألفاظ القرآنیه- و المراد هاهنا من ذکر المصدر تأکید الأمر- و إزاله لبس عساه یصلح للسامع- فیعتقد أنه أراد المجاز و أنه لم یکن کلام على الحقیقه- .

قوله و أراه من آیاته عظیما- لیس یرید به الآیات الخارجه عن التکلیم- کانشقاق البحر و قلب العصا- لأنه یکون بإدخال ذلک بین قوله تکلیما- و قوله بلا جوارح و لا أدوات- و لا نطق و لا لهوات مستهجنا- و إنما یرید أنه أراد بتکلیمه إیاه عظیما من آیاته- و ذلک أنه کان یسمع الصوت من جهاته الست- لیس على حد سماع کلام البشر من جهه مخصوصه- و له دوی و صلصله کوقع السلاسل العظیمه على الحصى الأصم- . فإن قلت- أ تقول إن الکلام حل أجساما مختلفه من الجهات الست- .

قلت لا و إنما حل الشجره فقط- و کان یسمع من کل جهه و الدلیل على حلوله فی الشجره قوله تعالى- فَلَمَّا أَتاها نُودِیَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَیْمَنِ- فِی الْبُقْعَهِ الْمُبارَکَهِ مِنَ الشَّجَرَهِ أَنْ یا مُوسى‏- فلا یخلو إما أن یکون النداء حل الشجره- أو المنادی حلها و الثانی باطل فثبت الأول- . ثم قال ع لمن یتکلف أن یصف ربه- إن کنت صادقا أنک قد وصلت إلى‏معرفه صفته- فصف لنا الملائکه- فإن معرفه ذات الملک أهون من معرفه ذات الأول سبحانه- . و حجرات القدس جمع حجره- و مرجحنین مائلین إلى جهه تحت- خضوعا لجلال البارئ سبحانه- ارجحن الحجر إذا مال هاویا- متولهه عقولهم أی حائره- ثم قال إنما یدرک بالصفات- و یعرف کنه ما کان ذا هیئه و أداه و جارحه- و ما ینقضی و یفنى و یتطرق إلیه العدم- و واجب الوجود سبحانه بخلاف ذلک- .

و تحت قوله أضاء بنوره کل ظلام إلى آخر الفصل- معنى دقیق و سر خفی- و هو أن کل رذیله فی الخلق البشری- مع معرفته بالأدله البرهانیه غیر مؤثره- و لا قادحه فی جلاله المقام الذی قد بلغ إلیه- و ذلک نحو أن یکون العارف بخیلا أو جبانا- أو حریصا أو نحو ذلک- و کل فضیله فی الخلق البشری مع الجهل به سبحانه- فلیست بفضیله فی الحقیقه و لا معتد بها- لأن نقیصه الجهل به تکسف تلک الأنوار و تمحق فضلها- و ذلک نحو أن یکون الجاهل به سبحانه جوادا- أو شجاعا أو عفیفا أو نحو ذلک- و هذا یطابق ما یقوله الأوائل- من أن العارف المذنب یشقى بعد الموت قلیلا- ثم یعود إلى النعیم السرمدی- و أن الجاهل ذا العباده و الإحسان- یشقى بعد الموت شقاء مؤبدا- و مذهب الخلص من مرجئه الإسلام یناقض هذه اللفظات- و یقال إنه مذهب أبی حنیفه رحمه الله- و یمکن تأویلها على مذهب أصحابنا بأن یقال- کل ظلام من المعاصی الصغائر- فإنه ینجلی بضیاء معرفته و طاعته- و کل طاعه یفعلها المکلف مع الکفر به سبحانه- فإنها غیر نافعه و لا موجبه ثوابا- و یکون هذا التأویل من باب صرف اللفظ- عن عمومه إلى خصوصه‏:

أُوصِیکُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- الَّذِی أَلْبَسَکُمُ الرِّیَاشَ وَ أَسْبَغَ عَلَیْکُمُ الْمَعَاشَ- فَلَوْ أَنَّ أَحَداً یَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سِلْماً أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِیلًا- لَکَانَ ذَلِکَ سُلَیْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ع الَّذِی سُخِّرَ لَهُ مُلْکُ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ- مَعَ النُّبُوَّهِ وَ عَظِیمِ الزُّلْفَهِ- فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ وَ اسْتَکْمَلَ مُدَّتَهُ- رَمَتْهُ قِسِیُّ الْفَنَاءِ بِنَبَالِ الْمَوْتِ- وَ أَصْبَحَتِ الدِّیَارُ مِنْهُ خَالِیَهً- وَ الْمَسَاکِنُ مُعَطَّلَهً وَ وَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ- وَ إِنَّ لَکُمْ فِی الْقُرُونِ السَّالِفَهِ لَعِبْرَهً- أَیْنَ الْعَمَالِقَهُ وَ أَبْنَاءُ الْعَمَالِقَهِ- أَیْنَ الْفَرَاعِنَهُ وَ أَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَهِ- أَیْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسِّ الَّذِینَ قَتَلُوا النَّبِیِّینَ- وَ أَطْفَئُوا سُنَنَ الْمُرْسَلِینَ وَ أَحْیَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِینَ- أَیْنَ الَّذِینَ سَارُوا بِالْجُیُوشِ وَ هَزَمُوا الْأُلُوفَ- وَ عَسْکَرُوا الْعَسَاکِرَ وَ مَدَّنُوا الْمَدَائِنَ الریاش اللباس و أسبغ أوسع- و إنما ضرب المثل بسلیمان ع لأنه کان ملک الإنس و الجن- و لم یحصل لغیره ذلک- و من الناس من أنکر هذا لأن الیهود و النصارى یقولون- إنه لم یتعد ملکه حدود الشام بل بعض الشام- و ینکرون حدیث الجن و الطیر و الریح- و یحملون ما ورد من ذلک على وجوه- و تأویلات عقلیه معنویه لیس هذا موضع ذکرها- .

و الزلفه القرب و الطعمه بضم الطاء المأکله- یقال قد جعلت هذه الضیعه طعمه لزید- . و القسی جمع قوس و أصلها قووس على فعول کضرب و ضروب- إلا أنهم قدموااللام- فقالوا قسو على فلوع ثم قلبت الواو یاء- و کسروا القاف کما کسروا عین عصی فصارت قسی

نسب العمالقه

و العمالقه أولاد لاوذ إرم بن سام بن نوح- کان الملک بالیمن و الحجاز و ما تاخم ذلک من الأقالیم- فمنهم عملاق بن لاوذ بن سام- و منهم طسم بن لاوذ أخوه- . و منهم جدیس بن لاوذ أخوهما- و کان العز و الملک بعد عملاق بن لاوذ فی طسم- فلما ملکهم عملاق بن طسم بغى و أکثر الفساد فی الأرض- حتى کان یطأ العروس لیله إهدائها إلى بعلها- و إن کانت بکرا افتضها قبل وصولها إلى البعل- ففعل ذلک بامرأه من جدیس- یقال لها غفیره بنت غفار- فخرجت إلى قومها و هی تقول-

لا أحد أذل من جدیس
أ هکذا یفعل بالعروس‏

 فغضب لها أخوها الأسود بن غفار- و تابعه قومه على الفتک بعملاق بن طسم و أهل بیته- فصنع الأسود طعاما و دعا عملاق الملک إلیه- ثم وثب به و بطسم- فأتى على رؤسائهم و نجا منهم ریاح بن مر- فصار إلى ذی جیشان بن تبع الحمیری ملک الیمن- فاستغاث به و استنجده على جدیس- فسار ذو جیشان فی حمیر فأتى بلاد جو- و هی قصبه الیمامه فاستأصل جدیسا کلها- و أخرب الیمامه فلم یبق لجدیس باقیه- و لا لطسم إلا الیسیر منهم- . ثم ملک بعد طسم و جدیس وبار بن أمیم بن لاوذ بن إرم- فسار بولده و أهله فنزل بأرض وبار- و هی المعروفه الآن برمل عالج- فبغوا فی الأرض حینا حتى أفناهم الله-ثم ملک الأرض بعد وبار عبد ضخم بن أثیف بن لاوذ- فنزلوا بالطائف حینا ثم بادوا

نسب عاد و ثمود

و ممن یعد مع العمالقه عاد و ثمود- فأما عاد فهو عاد بن عویص بن إرم بن سام بن نوح- کان یعبد القمر- و یقال إنه رأى من صلبه أولاد أولاد أولاده أربعه آلاف- و إنه نکح ألف جاریه- و کانت بلاده الأحقاف المذکوره فی القرآن و هی من شحر عمان إلى حضرموت و من أولاده شداد بن عاد صاحب المدینه المذکوره- . و أما ثمود فهو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح- و کانت دیاره بین الشام و الحجاز إلى ساحل نهر الحبشه

نسب الفراعنه

قوله ع أین الفراعنه و أبناء الفراعنه جمع فرعون- و هم ملوک مصر- فمنهم الولید بن الریان فرعون یوسف- و منهم الولید بن مصعب فرعون موسى- و منهم فرعون بن الأعرج الذی غزا بنی إسرائیل- و أخرب بیت المقدس

نسب أصحاب الرس

قوله ع أین أصحاب مدائن الرس- قیل إنهم أصحاب شعیب‏النبی ص و کانوا عبده أصنام- و لهم مواش و آبار یسقون منها- . و الرس بئر عظیمه جدا انخسفت بهم و هم حولها- فهلکوا و خسفت بأرضهم کلها و دیارهم- و قیل الرس قریه بفلج الیمامه- کان بها قوم من بقایا ثمود بغوا فأهلکوا- . و قیل قوم من العرب القدیمه بین الشام و الحجاز- و کانت العنقاء تختطف صبیانهم فتقتلهم- فدعوا الله أن ینقذهم منها- فبعث إلیهم حنظله بن صفوان- فدعاهم إلى الدین على أن یقتل العنقاء- فشارطوه على ذلک فدعا علیها- فأصابتها الصاعقه فلم یفوا له و قتلوه فأهلکوا- . و قیل هم أصحاب الأخدود و الرس هو الأخدود- و قیل الرس أرض بأنطاکیه قتل فیها حبیب النجار- . و قیل بل کذب أهلها نبیهم و رسوه فی بئر- أی رموه فیها- .

و قیل إن الرس نهر فی إقلیم الباب- و الأبواب مبدؤه من مدینه طراز و ینتهی إلى نهر الکر- فیختلط به حتى یصب فی بحر الخزر- کان هناک ملوک أولو بأس و قدره فأهلکهم الله ببغیهم مِنْهَا- قَدْ لَبِسَ لِلْحِکْمَهِ جُنَّتَهَا- وَ أَخَذَهَا بِجَمِیعِ أَدَبِهَا مِنَ الْإِقْبَالِ عَلَیْهَا- وَ الْمَعْرِفَهِ بِهَا وَ التَّفَرُّغِ لَهَا- فَهِیَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِی یَطْلُبُهَا- وَ حَاجَتُهُ الَّتِی یَسْأَلُ عَنْهَا- فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الْإِسْلَامُ- وَ ضَرَبَ بِعَسِیبِ ذَنَبِهِ- وَ أَلْصَقَ الْأَرْضَ بِجِرَانِهِ بَقِیَّهٌ مِنْ بَقَایَا حُجَّتِهِ- خَلِیفَهٌ نْ خَلَائِفِ أَنْبِیَائِهِ‏

هذا الکلام فسره کل طائفه على حسب اعتقادها- فالشیعه الإمامیه تزعم أن المراد به المهدی المنتظر عندهم- و الصوفیه یزعمون أنه یعنی به ولی الله فی الأرض- و عندهم أن الدنیا لا تخلو عن الأبدال و هم الأربعون- و عن الأوتاد و هم سبعه و عن القطب و هو واحد- فإذا مات القطب صار أحد السبعه قطبا عوضه- و صار أحد الأربعین وتدا عوض الوتد- و صار بعض الأولیاء الذین یصطفیهم الله تعالى- أبدالا عوض ذلک البدل- . و أصحابنا یزعمون أن الله تعالى لا یخلی الأمه- من جماعه من المؤمنین العلماء بالعدل و التوحید- و أن الإجماع إنما یکون حجه- باعتبار أقوال أولئک العلماء- لکنه لما تعذرت معرفتهم بأعیانهم- اعتبر إجماع سائر العلماء- و إنما الأصل قول أولئک- . قالوا و کلام أمیر المؤمنین ع- لیس یشیر فیه إلى جماعه أولئک العلماء من حیث هم جماعه- و لکنه یصف حال کل واحد منهم- فیقول من صفته کذا و من صفته کذا- . و الفلاسفه یزعمون أن مراده ع بهذا الکلام العارف- و لهم فی العرفان و صفات أربابه- کلام یعرفه من له أنس بأقوالهم- و لیس یبعد عندی أن یرید به القائم من آل محمد ص فی آخر الوقت- إذا خلقه الله تعالى- و إن لم یکن الآن موجودا- فلیس فی الکلام ما یدل على وجوده الآن- و قد وقع اتفاق الفرق من المسلمین أجمعین- على أن الدنیا و التکلیف لا ینقضی إلا علیه- . قوله ع قد لبس للحکمه جنتها- الجنه ما یستتر به من السلاح کالدرع و نحوها- و لبس جنه الحکمه قمع النفس عن المشتهیات- و قطع علائق النفس عن‏المحسوسات- فإن ذلک مانع للنفس عن أن یصیبها سهام الهوى- کما تمنع الدرع الدارع عن أن یصیبه سهام الرمایه- .

ثم عاد إلى صفه هذا الشخص فقال- و أخذ بجمیع أدبها من الإقبال علیها- أی شده الحرص و الهمه- . ثم قال و المعرفه بها أی و المعرفه بشرفها و نفاستها- . ثم قال و التفرغ لها- لأن الذهن متى وجهته نحو معلومین تخبط و فسد- و إنما یدرک الحکمه بتخلیه السر من کل ما مر سواها- . قال فهی عند نفسه ضالته التی یطلبها- هذا مثل قوله ع الحکمه ضاله المؤمن- و من کلام الحکماء- لا یمنعک من الانتفاع بالحکمه- حقاره من وجدتها عنده- کما لا یمنعک خبث تراب المعدن من التقاط الذهب- . و وجدت بخط أبی محمد عبد الله بن أحمد الخشاب رحمه الله- فی تعالیق مسوده أبیاتا للعطوی و هی-

قد رأینا الغزال و الغصن و النجمین
شمس الضحى و بدر التمام‏

فو حق البیان یعضده البرهان‏
فی مأقط شدید الخصام‏

ما رأینا سوى الملیحه شیئا
جمع الحسن کله فی نظام‏

هی تجری مجرى الأصاله فی الرأی‏
و مجرى الأرواح فی الأجسام‏

 و قد کتب ابن الخشاب بخطه تحت الملیحه- ما أصدقه إن أراد بالملیحه الحکمه- قوله ع و حاجته التی یسأل عنها- هو مثل قوله ضالته التی یطلبها- . ثم قال هو مغترب إذا اغترب الإسلام- یقول هذا الشخص یخفی نفسه و یحملهاإذا اغترب الإسلام- و اغتراب الإسلام- أن یظهر الفسق و الجور على الصلاح و العدل-قال ع بدأ الإسلام غریبا و سیعود کما بدأ- .

قال و ضرب بعسیب ذنبه و ألصق الأرض بجرانه- هذا من تمام قوله إذا اغترب الإسلام- أی إذا صار الإسلام غریبا مقهورا- و صار الإسلام کالبعیر البارک یضرب الأرض بعسیبه- و هو أصل الذنب و یلصق جرانه و هو صدره فی الأرض- فلا یکون له تصرف و لا نهوض- . ثم عاد إلى صفه الشخص المذکور- .

و قال بقیه من بقایا حججه خلیفه من خلائف أنبیائه- الضمیر هاهنا یرجع إلى الله سبحانه و إن لم یجر ذکره- للعلم به- کما قال حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ- و یمکن أن یقال- إن الضمیر راجع إلى مذکور و هو الإسلام- أی من بقایا حجج الإسلام- و خلیفه من خلائف أنبیاء الإسلام- . فإن قلت لیس للإسلام إلا نبی واحد- . قلت بل له أنبیاء کثیر- قال تعالى مِلَّهَ أَبِیکُمْ إِبْراهِیمَ هُوَ سَمَّاکُمُ الْمُسْلِمِینَ مِنْ قَبْلُ- و قال سبحانه ثُمَّ أَوْحَیْنا إِلَیْکَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّهَ إِبْراهِیمَ حَنِیفاً- و کل الأنبیاء دعوا إلى ما دعا إلیه محمد ص من التوحید و العدل- فکلهم أنبیاء للإسلام- . فإن قلت أ لیس لفظ الحجه- و لفظ الخلیفه مشعرا بما تقوله الإمامیه- . قلت لا فإن أهل التصوف یسمون صاحبهم حجه و خلیفه- و کذلک الفلاسفه-و أصحابنا لا یمتنعون من إطلاق هذه الألفاظ- على العلماء المؤمنین فی کل عصر- لأنهم حجج الله أی إجماعهم حجه- و قد استخلفهم الله فی أرضه لیحکموا بحکمه- .

و على ما اخترناه نحن فالجواب ظاهر: أَیُّهَا النَّاسُ إِنِّی قَدْ بَثَثْتُ لَکُمُ الْمَوَاعِظَ- الَّتِی وَعَظَ بِهَا الْأَنْبِیَاءُ أُمَمَهُمْ- وَ أَدَّیْتُ إِلَیْکُمْ مَا أَدَّتِ الْأَوْصِیَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ- وَ أَدَّبْتُکُمْ بِسَوْطِی فَلَمْ تَسْتَقِیمُوا- وَ حَدَوْتُکُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا- لِلَّهِ أَنْتُمْ- أَ تَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَیْرِی یَطَأُ بِکُمُ الطَّرِیقَ- وَ یُرْشِدُکُمُ السَّبِیلَ- أَلَا إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ الدُّنْیَا مَا کَانَ مُقْبِلًا- وَ أَقْبَلَ مِنْهَا مَا کَانَ مُدْبِراً- وَ أَزْمَعَ التَّرْحَالَ عِبَادُ اللَّهِ الْأَخْیَارُ- وَ بَاعُوا قَلِیلًا مِنَ الدُّنْیَا لَا یَبْقَى- بِکَثِیرٍ مِنَ الآْخِرَهِ لَا یَفْنَى- مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِینَ سُفِکَتْ دِمَاؤُهُمْ بِصِفِّینَ- أَلَّا یَکُونُوا الْیَوْمَ أَحْیَاءً یُسِیغُونَ الْغُصَصَ- وَ یَشْرَبُونَ الرَّنْقَ قَدْ وَ اللَّهِ لَقُوا اللَّهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ- وَ أَحَلَّهُمْ دَارَ الْأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ- أَیْنَ إِخْوَانِیَ الَّذِینَ رَکِبُوا الطَّرِیقَ- وَ مَضَوْا عَلَى الْحَقِّ أَیْنَ عَمَّارٌ وَ أَیْنَ ابْنُ التَّیِّهَانِ- وَ أَیْنَ ذُو الشَّهَادَتَیْنِ- وَ أَیْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِینَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِیَّهِ- وَ أُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَهِ- قَالَ ثُمَّ ضَرَبَ ع بِیَدِهِ إِلَى لِحْیَتِهِ الشَّرِیفَهِ الْکَرِیمَهِ- فَأَطَالَ الْبُکَاءَ ثُمَّ قَالَ ع- أَوْهِ عَلَى إِخْوَانِیَ الَّذِینَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ فَأَحْکَمُوهُ- وَ تَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ-أَحْیَوُا السُّنَّهَ وَ أَمَاتُوا الْبِدْعَهَ- دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا وَ وَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ- ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ- الْجِهَادَ الْجِهَادَ عِبَادَ اللَّهِ- أَلَا وَ إِنِّی مُعَسْکِرٌ فِی یَومِی هَذَا- فَمَنْ أَرَادَ الرَّوَاحَ إِلَى اللَّهِ فَلْیَخْرُجْ- قَالَ نَوْفٌ وَ عَقَدَ لِلْحُسَیْنِ ع فِی عَشَرَهِ آلَافٍ- وَ لِقَیْسِ بْنِ سَعْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِی عَشَرَهِ آلَافٍ- وَ لِأَبِی أَیُّوبَ الْأَنْصَارِیِّ فِی عَشَرَهِ آلَافٍ- وَ لِغَیْرِهِمْ عَلَى أَعْدَادٍ أُخْرَ- وَ هُوَ یُرِیدُ الرَّجْعَهَ إِلَى صِفِّینَ- فَمَا دَارَتِ الْجُمُعَهُ حَتَّى ضَرَبَهُ الْمَلْعُونُ ابْنُ الْمُلْجَمِ لَعَنَهُ اللَّهُ- فَتَرَاجَعَتِ الْعَسَاکِرُ فَکُنَّا کَأَغْنَامٍ فَقَدَتْ رَاعِیهَا- تَخْتَطِفُهَا الذِّئَابُ مِنْ کُلِّ مَکَانٍ بثثت لکم المواعظ فرقتها و نشرتها- و الأوصیاء الذین یأتمنهم الأنبیاء على الأسرار الإلهیه- و قد یمکن ألا یکونوا خلفاء بمعنى الإمره و الولایه- فإن مرتبتهم أعلى من مراتب الخلفاء- . و حدوتکم سقتکم کما تحدى الإبل- فلم تستوسقوا أی لم تجتمعوا- قال

مستوسقات لم یجدن سائقا

قوله یطأ بکم الطریق- أی یحملکم على المنهاج الشرعی- و یسلک بکم مسلک الحق- کأنه جعلهم ضالین عن الطریق التی یطلبونها- .و قال أ تریدون إماما غیری یوقفکم على الطریق- التی تطلبونها حتى تطئوها و تسلکوها- . ثم ذکر أنه قد أدبر من الدنیا ما کان مقبلا- و هو الهدى و الرشاد- فإنه کان فی أیام رسول الله ص و خلفائه مقبلا- ثم أدبر عند استیلاء معاویه و أتباعه- و أقبل منها ما کان مدبرا و هو الضلال و الفساد- و معاویه عند أصحابنا مطعون فی دینه- منسوب إلى الإلحاد قد طعن فیه ص- و روى فیه شیخنا أبو عبد الله البصری- فی کتاب نقض السفیانیه على الجاحظ- و روى عنه أخبارا کثیره تدل على ذلک- و قد ذکرناها فی کتابنا فی مناقضه السفیانیه- .

و روى أحمد بن أبی طاهر فی کتاب أخبار الملوک- أن معاویه سمع المؤذن یقول- أشهد أن لا إله إلا الله فقالها ثلاثا- فقال أشهد أن محمدا رسول الله- فقال لله أبوک یا ابن عبد الله لقد کنت عالی الهمه- ما رضیت لنفسک إلا أن یقرن اسمک باسم رب العالمین- . قوله ع و أزمع الترحال أی ثبت عزمهم علیه- یقال أزمعت الأمر و لا یقال أزمعت على الأمر- هکذا یقول الکسائی و أجازه الخلیل و الفراء- . ثم قال ع إنه لم یضر إخواننا القتلى بصفین- کونهم الیوم لیسوا بأحیاء حیاتنا المشوبه بالنغص و الغصص- . و یقال ماء رنق بالتسکین أی کدر- رنق الماء بالکسر یرنق رنقا فهو رنق- و أرنقته أی کدرته و عیش رنق بالکسر أی کدر- . ثم أقسم أنهم لقوا الله فوفاهم أجورهم- و هذا یدل على ما یذهب إلیه جمهور أصحابنا- من نعیم القبر و عذابه- .ثم قال ع أین إخوانی ثم عددهم فقال أین عمار

عمار بن یاسر و نسبه و نبذ من أخباره

و هو عمار بن یاسر بن عامر بن کنانه- بن قیس العنسی بالنون المذحجی- یکنى أبا الیقظان حلیف بنی مخزوم- . و نحن نذکر طرفا من أمره- من کتاب الإستیعاب لأبی عمر بن عبد البر المحدث- قال أبو عمر کان یاسر والد عمار عربیا قحطانیا- من عنس فی مذحج- إلا أن ابنه عمارا کان مولى لبنی مخزوم- لأن أباه یاسرا قدم مکه مع أخوین له- یقال لهما مالک و الحارث فی طلب أخ لهم رابع- فرجع الحارث و مالک إلى الیمن و أقام یاسر بمکه- فحالف أبا حذیفه بن المغیره بن عبد الله بن عمر بن مخزوم- فزوجه أبو حذیفه أمه یقال لها سمیه- فأولدها عمارا فأعتقه أبو حذیفه- فمن هاهنا کان عمار مولى بنی مخزوم و أبوه عربی- لا یختلفون فی ذلک- و للحلف و الولاء الذی بین بنی مخزوم و عمار- و أبیه یاسر کان احتمال بنی مخزوم على عثمان- حین نال من عمار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب- حتى انفتق له فتق فی بطنه زعموا- و کسروا ضلعا من أضلاعه- فاجتمعت بنو مخزوم- فقالوا و الله لئن مات لا قتلنا به أحدا غیر عثمان- . قال أبو عمر- کان عمار بن یاسر ممن عذب فی الله- ثم أعطاهم عمار ما أرادوا بلسانه- و اطمأن الإیمان بقلبه فنزل فیه- إِلَّا مَنْ أُکْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِیمانِ- و هذا مما أجمع علیه أهل التفسیر- .

و هاجر إلى أرض الحبشه و صلى إلى القبلتین- و هو من المهاجرین الأولین- ثم شهد بدرا و المشاهد کلها و أبلى بلاء حسنا- ثم شهد الیمامه فأبلى فیها أیضا یومئذ و قطعت أذنه- . قال أبو عمر و قد روى الواقدی عن عبد الله بن نافع عن أبیه عن عبد الله بن عمر قال رأیت عمارا یوم الیمامه على صخره- و قد أشرف علیها یصیح- یا معشر المسلمین أ من الجنه تفرون- أنا عمار بن یاسر هلموا إلی- و أنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهی تذبذب- و هو یقاتل أشد القتال- . قال أبو عمر- و کان عمار آدم طوالا مضطربا أشهل العینین- بعید ما بین المنکبین لا یغیر شیبه- . قال و بلغنا أن عمارا قال- کنت تربا لرسول الله ص فی سنه- لم یکن أحد أقرب إلیه منی سنا- . وقال ابن عباس فی قوله تعالى- أَ وَ مَنْ کانَ مَیْتاً فَأَحْیَیْناهُ- وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً یَمْشِی بِهِ فِی النَّاسِ- إنه عمار بن یاسر- کَمَنْ مَثَلُهُ فِی الظُّلُماتِ لَیْسَ بِخارِجٍ مِنْها- إنه أبو جهل بن هشامقال و قال رسول الله ص إن عمارا ملئ إیمانا إلى مشاشه- و یروى إلى أخمص قدمیهوروى أبو عمر عن عائشه أنها قالت ما من أحد من أصحاب رسول الله ص-أشاء أن أقول فیه إلا قلت إلا عمار بن یاسر- فإنی سمعت رسول الله ص یقول- إنه ملئ إیمانا إلى أخمص قدمیه- .

قال أبو عمر و قال عبد الرحمن بن أبزى- شهدنا مع علی ع صفین ثمانمائه ممن بایع بیعه الرضوان- قتل منا ثلاثه و ستون منهم عمار بن یاسر- .قال أبو عمر و من حدیث خالد بن الولید أن رسول الله ص قال من أبغض عمارا أبغضه اللهفما زلت أحبه من یومئذ- .قال أبو عمر و من حدیث علی بن أبی طالب ع أن عمارا جاء یستأذن على رسول الله ص یوما- فعرف صوته فقال مرحبا بالطیب المطیب- یعنی عمارا ائذنوا لهقال أبو عمر و من حدیث أنس عن النبی ص اشتاقت الجنه إلى أربعه علی و عمار و سلمان و بلال- .

قال أبو عمر و فضائل عمار کثیره جدا یطول ذکرها- . قال و روى الأعمش عن أبی عبد الرحمن السلمی- قال شهدنا مع علی ع صفین- فرأیت عمار بن یاسر لا یأخذ فی ناحیه- و لا واد من أودیه صفین- إلا رأیت أصحاب محمد ص یتبعونه کأنه علم لهم- و سمعته یقول یومئذ لهاشم بن عتبه- یا هاشم تقدم الجنه تحت البارقه-

الیوم ألقى الأحبه
محمدا و حزبه‏

و الله لو هزمونا حتى یبلغوا بنا سعفات هجر- لعلمنا أنا على الحق و أنهم على الباطل ثم قال-

نحن ضربناکم على تنزیله
فالیوم نضربکم على تأویله‏

ضربا یزیل الهام عن مقیله
و یذهل الخلیل عن خلیله‏
أو یرجع الحق على سبیله‏

فلم أر أصحاب محمد ص قتلوا فی موطن ما قتلوا یومئذ- . قال و قد قال أبو مسعود البدری و طائفه لحذیفه حین احتضر- و قد ذکر الفتنه إذا اختلف الناس فبمن تأمرنا- قال علیکم بابن سمیه- فإنه لن یفارق الحق حتى یموت- أو قال فإنه یزول مع الحق حیث زال- . قال أبو عمر- و بعضهم یجعل هذا الحدیث عن حذیفه مرفوعا- . قال أبو عمر و روى الشعبی عن الأحنف- أن عمارا حمل یوم صفین فحمل علیه ابن جزء السکسکی و أبو الغادیه الفزاری- فأما أبو الغادیه فطعنه و أما ابن جزء فاحتز رأسه- . قلت هذا الموضع مما اختلف فیه قول أبی عمر رحمه الله- فإنه ذکر فی کتاب الکنى من الإستیعاب- أبا الغادیه بالغین المعجمه- و قال إنه جهنی من جهینه و جهینه من قضاعه- و قد نسبه هاهنا فزاریا- .

و قال فی کتاب الکنى- إن اسم أبی الغادیه یسار و قیل مسلم- . و قد ذکر ابن قتیبه فی کتاب المعارف- عن أبی الغادیه أنه کان یحدث عن نفسه بقتل عمار- و یقول إن رجلا طعنه فانکشف المغفر عن رأسه- فضربت رأسه فإذا رأس عمار قد ندر- . و کیفیه هذا القتل تخالف الکیفیه- التی رواها ابن عبد البر- .

قال أبو عمر و قد روى وکیع عن شعبه- عن عبد بن مره عن عبد الله بن سلمه-قال لکأنی أنظر إلى عمار یوم صفین و هو صریع- فاستسقى فأتی بشربه من لبن فشرب فقال-الیوم ألقى الأحبه- . إن رسول الله ص عهد إلی- أن آخر شربه أشربها فی الدنیا شربه من لبن- ثم استسقى ثانیه فأتته امرأه طویله الیدین بإناء- فیه ضیاح من لبن فقال حین شربه الحمد لله- الجنه تحت الأسنه- و الله لو ضربونا حتى یبلغونا سعفات هجر- لعلمنا أنا على الحق- و أنهم على الباطل ثم قاتل حتى قتل- .

قال أبو عمر و قد روى حارثه بن المضراب قرأت کتاب عمر إلى أهل الکوفه- أما بعد فإنی بعثت إلیکم عمارا أمیرا- و عبد الله بن مسعود معلما و وزیرا- و هما من النجباء من أصحاب محمد- فاسمعوا لهما و اقتدوا بهما- فإنی قد آثرتکم بعبد الله على نفسی أثره- . قال أبو عمر و إنما قال عمر هما من النجباء-لقول رسول الله ص إنه لم یکن نبی- إلا أعطی سبعه من أصحابه نجباء وزراء فقهاء- و إنی قد أعطیت أربعه عشر- حمزه و جعفرا و علیا و حسنا و حسینا- و أبا بکر و عمر و عبد الله بن مسعود- و سلمان و عمارا و أبا ذر- و حذیفه و المقداد و بلالاقال أبو عمر و تواترت الأخبار عن رسول الله ص أنه قال تقتل عمارا الفئه الباغیه- و هذا من إخباره بالغیب و أعلام نبوته ص- و هو من أصح الأحادیث- . و کانت صفین فی ربیع الآخر سنه سبع و ثلاثین- و دفنه علی ع فی ثیابه و لم یغسله- .

و روى أهل الکوفه أنه صلى علیه- و هو مذهبهم فی الشهداء أنهم لا یغسلون و لکن یصلى علیهم- . قال أبو عمر- و کانت سن عمار یوم قتل نیفا و تسعین سنه- و قیل إحدى و تسعین- و قیل اثنتین و تسعین و قیل ثلاثا و تسعینذکر أبی الهیثم بن التیهان و طرف من أخباره
ثم قال ع و أین ابن التیهان- هو أبو الهیثم بن التیهان بالیاء المنقوطه- باثنتین تحتها المشدده المکسوره- و قبلها تاء منقوطه باثنتین فوقها- و اسمه مالک و اسم أبیه مالک أیضا- ابن عبید بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر الأنصاری- أحد النقباء لیله العقبه- و قیل إنه لم یکن من أنفسهم- و إنه من بلی بن أبی الحارث بن قضاعه- و إنه حلیف لبنی عبد الأشهل- کان أحد النقباء لیله العقبه و شهد بدرا- .

قال أبو عمر بن عبد البر فی کتاب الإستیعاب- اختلف فی وقت وفاته- فذکر خلیفه عن الأصمعی قال سألت قومه- فقالوا مات فی حیاه رسول الله ص- . قال أبو عمر و هذا لم یتابع علیه قائله- . و قیل إنه توفی سنه عشرین أو إحدى و عشرین- . و قیل إنه أدرک صفین- و شهدها مع علی ع و هو الأکثر- . و قیل إنه قتل بها- .

ثم قال أبو عمر حدثنا خلف بن قاسم- قال حدثنا الحسن بن رشیق قال‏ حدثنا الدولابی- قال حدثنا أبو بکر الوجیهی عن أبیه عن صالح بن الوجیه- قال و ممن قتل بصفین عمار- و أبو الهیثم بن التیهان- و عبد الله بن بدیل و جماعه من البدریین رحمهم الله- . ثم روى أبو عمر روایه أخرى- فقال حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن- قال حدثنا عثمان بن أحمد بن السماک- قال حدثنا حنبل بن إسحاق بن علی قال قال أبو نعیم أبو الهیثم بن التیهان- اسمه مالک و اسم التیهان عمرو بن الحارث- أصیب أبو الهیثم مع علی یوم صفین- . قال أبو عمر هذا قول أبی نعیم و غیره- .

قلت و هذه الروایه أصح من قول ابن قتیبه- فی کتاب المعارف- و ذکر قوم أن أبا الهیثم شهد صفین مع علی ع- و لا یعرف ذلک أهل العلم و لا یثبتونه- فإن تعصب ابن قتیبه معلوم- و کیف یقول لا یعرفه أهل العلم و قد قاله أبو نعیم- و قاله صالح بن الوجیه- و رواه ابن عبد البر و هؤلاء شیوخ المحدثین

ذکر ذی الشهادتین خزیمه بن ثابت و طرف من أخباره

ثم قال ع و أین ذو الشهادتین- هو خزیمه بن ثابت بن الفاکه- بن ثعلبه الخطمی الأنصاری من بنی خطمه- من الأوس جعل رسول الله ص‏ شهادته کشهاده رجلین- لقصه مشهوره یکنى أبا عماره شهد بدرا و ما بعدها من المشاهد- و کانت رایه بنی خطمه بیده یوم الفتح- . قال أبو عمر بن عبد البر فی کتاب الإستیعاب- و شهد صفین مع علی بن أبی طالب ع- فلما قتل عمار قاتل حتى قتل- . قال أبو عمر- و قد روی حدیث مقتله بصفین من وجوه کثیره- ذکرناها فی کتاب الإستیعاب عن ولد ولده- و هو محمد بن عماره بن خزیمه ذی الشهاده- و أنه کان یقول فی صفین-سمعت رسول الله ص یقول تقتل عمارا الفئه الباغیهثم قاتل حتى قتل- .

قلت و من غریب ما وقعت علیه من العصبیه القبیحه- أن أبا حیان التوحیدی قال فی کتاب البصائر- إن خزیمه بن ثابت المقتول مع علی ع بصفین- لیس هو خزیمه بن ثابت ذا الشهادتین- بل آخر من الأنصار صحابی اسمه خزیمه بن ثابت- و هذا خطأ- لأن کتب الحدیث و النسب- تنطق بأنه لم یکن فی الصحابه من الأنصار- و لا من غیر الأنصار خزیمه بن ثابت إلا ذو الشهادتین- و إنما الهوى لا دواء له- على أن الطبری صاحب التاریخ- قد سبق أبا حیان بهذا القول- و من کتابه نقل أبو حیان و الکتب الموضوعه لأسماء الصحابه- تشهد بخلاف ما ذکراه- ثم أی حاجه لناصری أمیر المؤمنین أن یتکثروا بخزیمه- و أبی الهیثم و عمار و غیرهم- لو أنصف‏الناس هذا الرجل و رأوه بالعین الصحیحه- لعلموا أنه لو کان وحده و حاربه الناس کلهم أجمعون- لکان على الحق و کانوا على الباطل- .

ثم قال ع و أین نظراؤهم من إخوانهم- یعنی الذین قتلوا بصفین معه من الصحابه- کابن بدیل و هاشم بن عتبه- و غیرهما ممن ذکرناه فی أخبار صفین- . و تعاقدوا على المنیه جعلوا بینهم عقدا- و روی تعاهدوا- . و أبرد برءوسهم إلى الفجره- حملت رءوسهم مع البرید إلى الفسقه للبشاره بها- و الفجره هاهنا أمراء عسکر الشام- تقول قد أبردت إلى الأمیر فأنا مبرد و الرسول برید- و یقال للفرانق البرید لأنه ینذر قدام الأسد- . قوله أوه على إخوانی ساکنه الواو مکسوره الهاء- کلمه شکوى و توجع و قال الشاعر-

فأوه لذکراها إذا ما ذکرتها
و من بعد أرض دونها و سماء

و ربما قلبوا الواو ألفا فقالوا آه من کذا آه على کذا- و ربما شددوا الواو و کسروها و سکنوا الهاء- فقالوا أوه من کذا و ربما حذفوا الهاء مع التشدید- و کسروا الواو فقالوا أو من کذا بلا مد- و قد یقولون آوه- بالمد و التشدید و فتح الألف و سکون الهاء- لتطویل الصوت بالشکایه- و ربما أدخلوا فیه الیاء تاره یمدونه و تاره لا یمدونه- فیقولون أویاه و آویاه- و قد أوه الرجل تأویها و تأوه تأوها- إذا قال أوه و الاسم منه الآهه بالمد- قال المثقب العبدی-

إذا ما قمت أرحلها بلیل
تأوه آهه الرجل الحزین‏

قوله ع و وثقوا بالقائد فاتبعوه- یعنی نفسه أی وثقوا بأنی على الحق و تیقنوا ذلک- فاتبعونی فی حرب من حاربت و سلم من سالمت- . قوله الجهاد الجهاد منصوب بفعل مقدر- . و إنی معسکر فی یومی- أی خارج بالعسکر إلى منزل یکون لهم معسکرا

ذکر سعد بن عباده و نسبه

و قیس بن سعد بن عباده بن دلیم الخزرجی صحابی- یکنى أبا عبد الملک- روى عن رسول الله ص أحادیث- و کان طوالا جدا سبطا شجاعا جوادا- و أبوه سعد رئیس الخزرج- و هو الذی حاولت الأنصار إقامته- فی الخلافه بعد رسول الله ص- و لم یبایع أبا بکر حین بویع- و خرج إلى حوران فمات بها- قیل قتلته الجن لأنه بال قائما فی الصحراء لیلا- و رووا بیتین من شعر- قیل إنهما سمعا لیله قتله و لم یر قائلهما-

نحن قتلنا سید الخزرج
سعد بن عباده

و رمیناه بسهمین‏
فلم نخطئ فؤاده‏

و یقول قوم- إن أمیر الشام یومئذ کمن له من رماه لیلا- و هو خارج إلى الصحراء بسهمین- فقتله لخروجه عن طاعه الإمام- و قد قال بعض المتأخرین فی ذلک-

یقولون سعد شکت الجن قلبه
ألا ربما صححت دینک بالغدر

و ما ذنب سعد أنه بال قائما
و لکن سعدا لم یبایع أبا بکر

و قد صبرت من لذه العیش أنفس
و ما صبرت عن لذه النهی و الأمر

و کان قیس بن سعد من کبار شیعه أمیر المؤمنین ع- و قائل بمحبته و ولائه و شهد معه حروبه کلها- و کان مع الحسن ع و نقم علیه صلحه معاویه- و کان طالبی الرأی مخلصا فی اعتقاده و وده- و أکد ذلک عنده فوات الأمر أباه و ما نیل یوم السقیفه و بعده منه- فوجد من ذلک فی نفسه و أضمره- حتى تمکن من إظهاره فی خلافه أمیر المؤمنین- و کما قیل عدو عدوک صدیق لک

ذکر أبی أیوب الأنصاری و نسبه

و أما أبو أیوب الأنصاری- فهو خالد بن یزید بن کعب بن ثعلبه الخزرجی- من بنی النجار- شهد العقبه و بدرا و سائر المشاهد- و علیه نزل رسول الله ص لما خرج عن بنی عمرو بن عوف- حین قدم المدینه مهاجرا من مکه- فلم یزل عنده حتى بنى مسجده و مساکنه- ثم انتقل إلیها- و یوم المؤاخاه آخى رسول الله ص بینه و بین مصعب بن عمیر- .

و قال أبو عمر فی کتاب الإستیعاب- إن أبا أیوب شهد مع علی ع مشاهده کلها- و روی ذلک عن الکلبی و ابن إسحاق- قالا شهد معه یوم الجمل و صفین- و کان مقدمته یوم النهروان- . قوله تختطفها الذئاب- الاختطاف أخذک الشی‏ء بسرعه و یروى تتخطفها- قال تعالى تَخافُونَ أَنْ یَتَخَطَّفَکُمُ النَّاسُ- . و یقال إن هذه الخطبه آخر خطبه أمیر المؤمنین ع قائما

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۰

بازدیدها: ۷۹

خطبه ۱۸۲ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۸۲ و من کلام له ع

وَ قَدْ أَرْسَلَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ- یَعْلَمُ لَهُ عِلْمَ أَحْوَالِ قَوْمٍ مِنْ جُنْدِ الْکُوفَهِ- قَدْ هَمُّوا بِاللِّحَاقِ بِالْخَوَارِجِ- وَ کَانُوا عَلَى خَوْفٍ مِنْهُ ع- فَلَمَّا عَادَ إِلَیْهِ الرَّجُلُ- قَالَ لَهُ أَ أَمِنُوا فَقَطَنُوا أَمْ جَبَنُوا فَظَعَنُوا- فَقَالَ الرَّجُلُ بَلْ ظَعَنُوا یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ- فَقَالَ ع بُعْداً لَهُمْ کَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ- أَمَا لَوْ أُشْرِعَتِ الْأَسِنَّهُ إِلَیْهِمْ- وَ صُبَّتِ السُّیُوفُ عَلَى هَامَاتِهِمْ- لَقَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا کَانَ مِنْهُمْ- إِنَّ الشَّیْطَانَ الْیَوْمَ قَدِ اسْتَفَلَّهُمْ- وَ هُوَ غَداً مُتَبَرِّئٌ مِنْهُمْ وَ مُتَخَلٍّ عَنْهُمْ- فَحَسْبُهُمْ مِنَ الْهُدَى وَ ارْتِکَاسِهِمْ فِی الضَّلَالِ وَ الْعَمَى- وَ صَدِّهِمْ عَنِ الْحَقِّ وَ جِمَاحِهِمْ فِی التِّیهِ قد ذکرنا قصه هؤلاء القوم فیما تقدم عند شرحنا- قصه مصقله بن هبیره الشیبانی- و قطن الرجل بالمکان- یقطن بالضم أقام به و توطنه فهو قاطن- و الجمع قطان و قاطنه و قطین أیضا مثل غاز و غزی- و عازب للکلأ البعید و عزیب- . و ظعن صار الرجل ظعنا و ظعنا و قرئ بهما یَوْمَ ظَعْنِکُمْ- و أظعنه سیره و انتصب بعدا على المصدر- .

و ثمود إذا أردت القبیله غیر مصروف- و إذا أردت الحی أو اسم الأب مصروف- و یقال إنه ثمود بن عابر بن آدم بن سام بن نوح- قیل سمیت ثمود لقله مائها من الثمد و هو الماء القلیل- و کانت مساکنهم الحجر- بین الحجاز و الشام إلى وادی القرى- . و أشرعت الرمح إلى زید أی سددته نحوه- و شرع الرمح نفسه و صبت السیوف على هاماتهم- استعاره من صببت الماء- شبه وقع السیوف و سرعه اعتوارها الرءوس بصب الماء- . و استفلهم الشیطان وجدهم مفلولین فاستزلهم- هکذا فسروه- . و یمکن عندی أن یرید أنه وجدهم فلا لا خیر فیهم- و الفل فی الأصل الأرض لا نبات بها لأنها لم تمطر- قال حسان یصف العزى-

و إن التی بالجذع من بطن نخله
و من دانها فل من الخیر معزل‏

 أی خال من الخیر- . و یروى استفزهم أی استخفهم- . و الارتکاس فی الضلال الرجوع- کأنه جعلهم فی ترددهم فی طبقات الضلال- کالمرتکس الراجع إلى أمر قد کان تخلص منه- . و الجماح فی التیه الغلو و الإفراط- مستعار من جماح الفرس و هو أن یعتز صاحبه و یغلبه جمح فهو جموح

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۰

بازدیدها: ۳۲

خطبه ۱۸۱ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)( ذم أصحابه)

۱۸۱ و من کلام له ع فی ذم أصحابه

أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى مَا قَضَى مِنْ أَمْرٍ وَ قَدَّرَ مِنْ فِعْلٍ- وَ عَلَى ابْتِلَائِی بِکُمْ أَیَّتُهَا الْفِرْقَهُ الَّتِی إِذَا أَمَرْتُ لَمْ تُطِعْ- وَ إِذَا دَعَوْتُ لَمْ تُجِبْ- إِنْ أُهْمِلْتُمْ خُضْتُمْ وَ إِنْ حُورِبْتُمْ خُرْتُمْ- وَ إِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ طَعَنْتُمْ- وَ إِنْ أُجِئْتُمْ إِلَى مُشَاقَّهٍ نَکَصْتُمْ- . لَا أَبَا لِغَیْرِکُمْ مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِکُمْ- وَ الْجِهَادِ عَلَى حَقِّکُمْ- الْمَوْتَ أَوِ الذُّلَّ لَکُمْ- فَوَاللَّهِ لَئِنْ جَاءَ یَومِی وَ لَیَأْتِیَنِّی لَیُفَرِّقَنَّ بَیْنِی وَ بَیْنِکُمْ- وَ أَنَا لِصُحْبَتِکُمْ قَالٍ وَ بِکُمْ غَیْرُ کَثِیرٍ- لِلَّهِ أَنْتُمْ أَ مَا دِینٌ یَجْمَعُکُمْ وَ لَا حَمِیَّهٌ تَشْحَذُکُمْ- أَ وَ لَیْسَ عَجَباً أَنَّ مُعَاوِیَهَ یَدْعُو الْجُفَاهَ الطَّغَامَ- فَیَتَّبِعُونَهُ عَلَى غَیْرِ مَعُونَهٍ وَ لَا عَطَاءٍ- وَ أَنَا أَدْعُوکُمْ وَ أَنْتُمْ تَرِیکَهُ الْإِسْلَامِ- وَ بَقِیَّهُ النَّاسِ إِلَى الْمَعُونَهِ أَوْ طَائِفَهٍ مِنَ الْعَطَاءِ- فَتَتَفَرَّقُونَ عَنِّی وَ تَخْتَلِفُونَ عَلَیَّ- إِنَّهُ لَا یَخْرُجُ إِلَیْکُمْ مِنْ أَمْرِی رِضًا فَتَرْضَوْنَهُ- وَ لَا سُخْطٌ فَتَجْتَمِعُونَ عَلَیْهِ- وَ إِنَّ أَحَبَّ مَا أَنَا لَاقٍ إِلَیَّ الْمَوْتُ- قَدْ دَارَسْتُکُمُ الْکِتَابَ وَ فَاتَحْتُکُمُ الْحِجَاجَ- وَ عَرَّفْتُکُمْ مَا أَنْکَرْتُمْ وَ سَوَّغْتُکُمْ مَا مَجَجْتُمْ- لَوْ کَانَ الْأَعْمَى یَلْحَظُ أَوِ النَّائِمُ یَسْتَیْقِظُ-وَ أَقْرِبْ بِقَوْمٍ مِنَ الْجَهْلِ بِاللَّهِ قَائِدُهُمْ مُعَاوِیَهُ- وَ مُؤَدِّبُهُمُ ابْنُ النَّابِغَهِ قضى و قدر فی هذا الموضع واحد- . و یروى على ما ابتلانی- .

و أهملتم خلیتم و ترکتم- و یروى أمهلتم أی أخرتم- . و خرتم ضعفتم و الخور الضعف- رجل خوار و رمح خوار و أرض خواره و الجمع خور- و یجوز أن یکون خرتم أی صحتم کما یخور الثور- و منه قوله تعالى عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ- و یروى جرتم أی عدلتم عن الحرب فرارا- . و أجئتم ألجئتم- قال تعالى فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى‏ جِذْعِ النَّخْلَهِ- . و المشاقه المقاطعه و المصارمه- . و نکصتم أحجمتم- قال تعالى فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَکَصَ عَلى‏ عَقِبَیْهِ أی رجع محجما- أی دعیتم إلى کشف القناع مع العدو و جبنتم و هبتموه- . قوله لا أبا لغیرکم- الأفصح لا أب بحذف الألف کما قال الشاعر-

أبی الإسلام لا أب لی سواه
إذا افتخروا بقیس أو تمیم‏

 و أما قولهم لا أبا لک بإثباته فدون الأول فی الفصاحه- کأنهم قصدوا الإضافه و أقحموا اللام مزیده مؤکده- کما قالوا یا تیم تیم عدی و هو غریب- لأن حکم‏ لا أن تعمل فی النکره فقط- و حکم الألف أن تثبت مع الإضافه و الإضافه تعرف- فاجتمع فیها حکمان متنافیان- فصار من الشواذ کالملامح و المذاکیر و لدن غدوه- . و قال الشیخ أبو البقاء رحمه الله- یجوز فیها وجهان آخران- . أحدهما أنه أشبع فتحه الباء- فنشأت الألف و الاسم باق على تنکیره- و الثانی أن یکون استعمل أبا- على لغه من قالها أبا فی جمیع أحوالها مثل عصا- و منهإن أباها و أبا أباها- .

قوله الموت أو الذل لکم- دعاء علیهم بأن یصیبهم أحد الأمرین- کأنه شرع داعیا علیهم بالفناء الکلی و هو الموت- ثم استدرک فقال أو الذل لأنه نظیر الموت فی المعنى- و لکنه فی الصوره دونه- و لقد أجیب دعاؤه ع بالدعوه الثانیه- فإن شیعته ذلوا بعد فی الأیام الأمویه- حتى کانوا کفقع قرقر- . ثم أقسم أنه إذا جاء یومه لتکونن مفارقته لهم عن قلى- و هو البغض- و أدخل حشوه بین أثناء الکلام- و هی لیأتینی و هی حشوه لطیفه- لأن لفظه إن أکثر ما تستعمل لما لا یعلم حصوله- و لفظه إذا لما یعلم أو یغلب على الظن حصوله- تقول إذا طلعت الشمس جئت إلیک- و لا تقول إن طلعت الشمس جئت إلیک- و تقول إذا احمر البسر جئتک- و لا تقول إن احمر البسر جئتک- فلما قال لئن جاء یومی- أتى بلفظه داله على أن الموضع موضع إذا لا موضع إن- فقال و لیأتینی- .و الواو فی قوله و أنا لصحبتکم واو الحال- و کذلک الواو فی قوله و بکم غیر کثیر- و قوله غیر کثیر لفظ فصیح و قال الشاعر-

لی خمسون صدیقا
بین قاض و أمیر

لبسوا الوفر فلم‏
أخلع بهم ثوب النفیر

لکثیر هم و لکنی
بهم غیر کثیر

قوله لله أنتم لله فی موضع رفع- لأنه خبر عن المبتدإ الذی هو أنتم- و مثله لله در فلان و لله بلاد فلان و لله أبوک- و اللام هاهنا فیها معنى التعجب- و المراد بقوله لله أنتم لله سعیکم أو لله عملکم- کما قالوا لله درک أی عملک- فحذف المضاف و أقیم الضمیر المنفصل المضاف إلیه مقامه- . فإن قلت- أ فجاءت هذه اللام بمعنى التعجب فی غیر لفظ لله- قلت لا کما أن تاء القسم لم تأت إلا فی اسم الله تعالى- . قوله ع أ ما دین یجمعکم- ارتفاع دین على أنه فاعل فعل مقدر له- أی أ ما یجمعکم دین یجمعکم- اللفظ الثانی مفسر للأول کما قدرناه بعد إذا- فی قوله سبحانه إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ- و یجوز أن یکون حمیه مبتدأ و الخبر محذوف- تقدیره أ ما لکم حمیه و الحمیه الأنفه- . و شحذت النصل أحددته- .

فإن قلت کیف قال- إن معاویه لم یکن یعطی جنده و إنه هو ع کان یعطیهم- و المشهور أن معاویه کان یمد أصحابه بالأموال و الرغائب- قلت إن معاویه لم یکن یعطی جنده على وجه المعونه و العطاء- و إنما کان یعطی رؤساء القبائل من الیمن- و ساکنی الشام الأموال الجلیله یستعبدهم بها- و یدعو أولئک‏ الرؤساء أتباعهم من العرب فیطیعونهم- فمنهم من یطیعهم حمیه- و منهم من یطیعهم لأیاد و عوارف من أولئک الرؤساء عندهم- و منهم من یطیعهم دینا زعموا للطلب بدم عثمان- و لم یکن یصل إلى هؤلاء الأتباع- من أموال معاویه قلیل و لا کثیر- .

و أما أمیر المؤمنین ع- فإنه کان یقسم بین الرؤساء و الأتباع على وجه العطاء و الرزق- و لا یرى لشریف على مشروف فضلا- فکان من یقعد عنه بهذا الطریق- أکثر ممن ینصره و یقوم بأمره- و ذلک لأن الرؤساء من أصحابه کانوا یجدون فی أنفسهم من ذلک- أعنی المساواه بینهم و بین الأتباع- فیخذلونه ع باطنا و إن أظهروا له النصر- و إذا أحس أتباعهم بتخاذلهم و تواکلهم- تخاذلوا أیضا و تواکلوا أیضا- و لم یجد علیه ص ما أعطى الأتباع من الرزق- لأن انتصار الأتباع له و قتالهم دونه لا یتصور وقوعه- و الرؤساء متخاذلون فکان یذهب ما یرزقهم ضیاعا- . فإن قلت فأی فرق بین المعونه و العطاء- .

قلت المعونه إلى الجند شی‏ء یسیر من المال- برسم ترمیم أسلحتهم و إصلاح دوابهم- و یکون ذلک خارجا عن العطاء المفروض شهرا فشهرا- و العطاء المفروض شهرا فشهرا- یکون شیئا له مقدار یصرف فی أثمان الأقوات- و مئونه العیال و قضاء الدیون- . و التریکه بیضه النعام تترکها فی مجثمها- یقول أنتم خلف الإسلام و بقیته کالبیضه التی تترکها النعامه- . فإن قلت ما معنى قوله- لا یخرج إلیکم من أمری رضا فترضونه- و لا سخط فتجتمعون علیه- قلت معناه أنکم لا تقبلون مما أقول لکم شیئا- سواء کان مما یرضیکم أو مما یسخطکم- بل لا بد لکم من المخالفه و الافتراق عنه-ثم ذکر أن أحب الأشیاء إلیه أن یلقى الموت- و هذه الحال التی ذکرها أبو الطیب فقال-

کفى بک داء أن ترى الموت شافیا
و حسب المنایا أن تکن أمانیا

تمنیتها لما تمنیت أن ترى‏
صدیقا فأعیا أو عدوا مداجیا

قوله قد دارستکم الکتاب أی درسته علیکم- دارست الکتب و تدارستها و أدرستها- و درستها بمعنى و هی من الألفاظ القرآنیه- . و فاتحتکم الحجاج- أی حاکمتکم بالمحاجه و المجادله- و قوله تعالى رَبَّنَا افْتَحْ بَیْنَنا أی احکم- و الفتاح الحاکم- . و عرفتکم ما أنکرتم بصرتکم ما عمی عنکم- . و سوغتکم ما مججتم- یقال مججت الشراب من فمی أی رمیت به- و شیخ ماج یمج ریقه و لا یستطیع حبسه من کبره- و أحمق ماج أی یسیل لعابه- یقول ما کانت عقولکم و أذهانکم- تنفر عنه من الأمور الدینیه أوضحته لکم- حتى عرفتموه و اعتقدتموه و انطوت قلوبکم علیه- و لم یجزم ع بحصول ذلک لهم- لأنه قال لو کان الأعمى یلحظ و النائم یستیقظ- أی إنی قد فعلت معکم- ما یقتضی حصول الاعتقادات الحقیقیه فی أذهانکم- لو أزلتم عن قلوبکم ما یمنع من حصولها لکم- و المانع المشار إلیه هو الهوى و العصبیه- و الإصرار على اللجاج- و محبه نصره عقیده قد سبقت إلى القلب و زرعها التعصب-و مشقه مفارقه الأسلاف- الذین قد انغرس فی النفس تعظیمهم- و مالت القلوب إلى تقلیدهم لحسن الظن بهم- .

ثم قال أقرب بقوم أی ما أقربهم من الجهل- کما قال تعالى أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ أی ما أسمعهم و أبصرهم- . فإن قلت قد کان یجب أن یقول- و أقرب بقوم قائدهم معاویه- و مؤدبهم ابن النابغه من الجهل- فلا یحول بین النکره الموصوفه- و صفتها بفاصل غریب و لم یقل ذلک- بل فصل بین الصفه و الموصوف بأجنبی منهما- . قلت قد جاء کثیر من ذلک نحو قوله تعالى وَ مِمَّنْ حَوْلَکُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ- وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِینَهِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ- فی قول من لم یجعل مردوا صفه أقیمت مقام الموصوف- لأنه یجعل مردوا صفه القوم- المحذوفین المقدرین بعد الأعراب- و قد حال بین ذلک و بین مردوا قوله وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِینَهِ- .

و نحوه قوله أَنْزَلَ عَلى‏ عَبْدِهِ الْکِتابَ وَ لَمْ یَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَیِّماً- . فإن قیما حال من الکتاب- و قد توسط بین الحال و ذی الحال وَ لَمْ یَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً و الحال کالصفه- و لأنهم قد أجازوا مررت برجل أیها الناس طویل- و النداء أجنبی على أنا لا نسلم أن قوله من الجهل أجنبی- لأنه متعلق بأقرب و الأجنبی ما لا تعلق له بالکلام

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۰

بازدیدها: ۱۰

خطبه ۱۸۰ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۸۰ و من کلام له ع

وَ قَدْ سَأَلَهُ ذِعْلِبُ الْیَمَانِیُّ فَقَالَ- هَلْ رَأَیْتَ رَبَّکَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ فَقَالَ ع- أَ فَأَعْبُدُ مَا لَا أَرَى فَقَالَ وَ کَیْفَ تَرَاهُ قَالَ- لَا تُدْرِکُهُ الْعُیُونُ بِمُشَاهَدَهِ الْعِیَانِ- وَ لَکِنْ تُدْرِکُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِیمَانِ- قَرِیبٌ مِنَ الْأَشْیَاءِ غَیْرَ مُلَامِسٍ بَعِیدٌ مِنْهَا غَیْرَ مُبَایِنٍ- مُتَکَلِّمٌ بِلَا رَوِیَّهٍ مَرِیدٌ لَا بِهِمَّهٍ صَانِعٌ لَا بِجَارِحَهٍ- لَطِیفٌ لَا یُوصَفُ بِالْخَفَاءِ کَبِیرٌ لَا یُوصَفُ بِالْجَفَاءِ- بَصِیرٌ لَا یُوصَفُ بِالْحَاسَّهِ رَحِیمٌ لَا یُوصَفُ بِالرِّقَّهِ- تَعْنُو الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ وَ تَجِبُ الْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِهِ الذعلب فی الأصل الناقه السریعه- و کذلک الذعلبه ثم نقل فسمی به إنسان و صار علما- کما نقلوا بکرا عن فتى الإبل إلى بکر بن وائل- . و الیمانی مخفف الیاء و لا یجوز تشدیدها- جعلوا الألف عوضا عن الیاء الثانیه- و کذلک فعلوا فی الشامی و الأصل یمنی و شامی- . و قوله ع أ فأعبد ما لا أرى- مقام رفیع جدا لا یصلح أن یقوله غیره ع- .

ثم ذکر ماهیه هذه الرؤیه- قال إنها رؤیه البصیره لا رؤیه البصر- . ثم شرح ذلک فقال إنه تعالى قریب من الأشیاء- غیر ملامس لها لأنه لیس بجسم- و إنما قربه منها علمه بها کما قال تعالى- ما یَکُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَهٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ- . قوله بعید منها غیر مباین- لأنه أیضا لیس بجسم فلا یطلق علیه البینونه- و بعده منها هو عباره عن انتفاء اجتماعه معها- و ذلک کما یصدق على البعید بالوضع- یصدق أفضل الصدق على البعید بالذات- الذی لا یصح الوضع و الأین أصلا علیه- .

قوله متکلم بلا رویه- الرویه الفکره یرتئی الإنسان بها- لیصدر عنه ألفاظ سدیده داله على مقصده- و البارئ تعالى متکلم لا بهذا الاعتبار- بل لأنه إذا أراد تعریف خلقه من جهه الحروف و الأصوات- و کان فی ذلک مصلحه و لطف لهم- خلق الأصوات و الحروف فی جسم جمادی- فیسمعها من یسمعها و یکون ذلک کلامه- لأن المتکلم فی اللغه العربیه فاعل الکلام- لا من حله الکلام- و قد شرحنا هذا فی کتبنا الکلامیه- .

قوله مرید بلا همه أی بلا عزم- فالعزم عباره عن إراده متقدمه للفعل- تفعل توطینا للنفس على الفعل- و تمهیدا للإراده المقارنه له- و إنما یصح ذلک على الجسم الذی یتردد فیها- تدعوه إلیه الدواعی- فأما العالم لذاته فلا یصح ذلک فیه- . قوله صانع لا بجارحه أی لا بعضو لأنه لیس بجسم- . قوله لطیف لا یوصف بالخفاء- لأن العرب إذا قالوا لشی‏ء إنه لطیف- أرادوا أنه صغیر الحجم- و البارئ تعالى لطیف لا بهذا الاعتبار- بل یطلق باعتبارین-أحدهما أنه لا یرى لعدم صحه رؤیه ذاته- فلما شابه اللطیف من الأجسام فی استحاله رؤیته- أطلق علیه لفظ اللطیف- إطلاقا للفظ السبب على المسبب- .

و ثانیهما أنه لطیف بعباده کما قال فی الکتاب العزیز- أی یفعل الألطاف المقربه لهم من الطاعه- المبعده لهم من القبیح- أو لطیف بهم بمعنى أنه یرحمهم و یرفق بهم- . قوله کبیر لا یوصف بالجفاء- لما کان لفظ کبیر إذا استعمل فی الجسم- أفاد تباعد أقطاره- ثم لما وصف البارئ بأنه کبیر- أراد أن ینزهه عما یدل لفظ کبیر علیه- إذا استعمل فی الأجسام- و المراد من وصفه تعالى بأنه کبیر- عظمه شأنه و جلاله سلطانه- . قوله بصیر لا یوصف بالحاسه- لأنه تعالى یدرک إما لأنه حی لذاته- أو أن یکون إدراکه هو علمه- و لا جارحه له و لا حاسه على کل واحد من القولین- . قوله رحیم لا یوصف بالرقه- لأن لفظه الرحمه فی صفاته تعالى- تطلق مجازا على إنعامه على عباده- لأن الملک إذا رق على رعیته و عطف- أصابهم بإنعامه و معروفه- .

قوله تعنو الوجوه أی تخضع- قال تعالى وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَیِّ الْقَیُّومِ- .قوله و تجب القلوب أی تخفق- و أصله من وجب الحائط سقط- و یروى توجل القلوب أی تخاف وجل خاف- . و روی صانع لا بحاسه- و روی لا تراه العیون بمشاهده العیان عوضا عن لا تدرکه

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۰

بازدیدها: ۴