خطبه ۱۷۹شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام فى ذم أصحابه

أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى مَا قَضَى مِنْ أَمْرٍ وَ قَدَّرَ مِنْ فِعْلٍ- وَ عَلَى ابْتِلَائِی بِکُمْ أَیَّتُهَا الْفِرْقَهُ الَّتِی إِذَا أَمَرْتُ لَمْ تُطِعْ- وَ إِذَا دَعَوْتُ لَمْ تُجِبْ- إِنْ أُمْهِلْتُمْ خُضْتُمْ وَ إِنْ حُورِبْتُمْ خُرْتُمْ- وَ إِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ طَعَنْتُمْ- وَ إِنْ أُجِئْتُمْ إِلَى مُشَاقَّهٍ نَکَصْتُمْ- . لَا أَبَا لِغَیْرِکُمْ مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِکُمْ- وَ الْجِهَادِ عَلَى حَقِّکُمْ- الْمَوْتَ أَوِ الذُّلَّ لَکُمْ- فَوَاللَّهِ لَئِنْ جَاءَ یَومِی وَ لَیَأْتِیَنِّی لَیُفَرِّقَنَّ بَیْنِی وَ بَیْنِکُمْ- وَ أَنَا لِصُحْبَتِکُمْ قَالٍ وَ بِکُمْ غَیْرُ کَثِیرٍ- لِلَّهِ أَنْتُمْ أَ مَا دِینٌ یَجْمَعُکُمْ وَ لَا حَمِیَّهٌ تَشْحَذُکُمْ- أَ وَ لَیْسَ عَجَباً أَنَّ مُعَاوِیَهَ یَدْعُو الْجُفَاهَ الطَّغَامَ- فَیَتَّبِعُونَهُ عَلَى غَیْرِ مَعُونَهٍ وَ لَا عَطَاءٍ- وَ أَنَا أَدْعُوکُمْ وَ أَنْتُمْ تَرِیکَهُ الْإِسْلَامِ- وَ بَقِیَّهُ النَّاسِ‏ إِلَى الْمَعُونَهِ أَوْ طَائِفَهٍ مِنَ الْعَطَاءِ- فَتَفَرَّقُونَ عَنِّی وَ تَخْتَلِفُونَ عَلَیَّ- إِنَّهُ لَا یَخْرُجُ إِلَیْکُمْ مِنْ أَمْرِی رِضًا فَتَرْضَوْنَهُ- وَ لَا سُخْطٌ فَتَجْتَمِعُونَ عَلَیْهِ- وَ إِنَّ أَحَبَّ مَا أَنَا لَاقٍ إِلَیَّ الْمَوْتُ- قَدْ دَارَسْتُکُمُ الْکِتَابَ وَ فَاتَحْتُکُمُ الْحِجَاجَ- وَ عَرَّفْتُکُمْ مَا أَنْکَرْتُمْ وَ سَوَّغْتُکُمْ مَا مَجَجْتُمْ- لَوْ کَانَ الْأَعْمَى یَلْحَظُ أَوِ النَّائِمُ یَسْتَیْقِظُ- وَ أَقْرِبْ بِقَوْمٍ مِنَ الْجَهْلِ بِاللَّهِ قَائِدُهُمْ مُعَاوِیَهُ- وَ مُؤَدِّبُهُمُ ابْنُ النَّابِغَهِ

اللغه

أقول: الخور: الضعف، و یحتمل أن یکون من الخوارج و هو الصیاح.

و اجئتم: جذبتم، و دعیتم.

و نکص: رجع على عقبه.

و القالى: المبغض.

و الطعام: أوغاد الناس.

و التریکه: بیضه النعام.

و مجّه: ألقاه من فیه.

 

المعنى

و قد حمد اللّه تعالى على ما قضى و قدّر، و لمّا کان القضاء هو الحکم الإلهى بما یکون قال: على ما قضى من الأمر. لأنّ الأمر أعمّ أن یکون فعلا، و لمّا کان القدر هو تفصیل القضاء و إیجاد الأشیاء على وفقه قال: و قدّر من فعل. و قوله: و على ابتلائى بکم. تخصیص لبعض ما قضى و قدّر. و قوله: إذا أمرت. إلى قوله: نکصتم. شرح لوجوه الابتلاء بهم، و حاصلها یعود إلى مخالفتهم له فی جمیع ما یریده منهم ممّا ینتظم به حالهم. و قوله: إلى مشاقّه. أى إلى مشاقّه عدوّ. و قوله: لا أبا لغیرکم. دعاء بالذلّ لغیرهم، و فیه نوع تلطّف لهم، و الأصل لا أب، و الألف مزیده إمّا لاستثقال توالى أربع حرکات فأشبعوا الفتحه فانقلبت ألفا أو لأنّهم قصدوا الإضافه و أتوا باللام للتأکید. ثمّ أقسم إن جاء یومه: أى وقت موته لیفرقنّ بینهم و بینه و هو تهدید لهم بفراقه و انشعاب امورهم بعده. و قوله: و لیأتینّى. حشوه لطیفه و أتى به مؤکّده لأنّ إتیان الموت أمر محقّق، و کأنّه ردّ بها ما یقتضیه إن من الشکّ فحسنت هذه الحشوه بعدها. ثمّ أخذ فی التضجّر منهم، و أخبرهم أنّه لصحبتهم مبغض، و أنّه غیر کثیر بهم لأنّ الکثره إنّما تراد للمنفعه فحیث لا منفعه فکأنّه لا کثره. و قوله: للّه أنتم. جمله اسمیّه فیها معنى التعجّب من حالهم، و مثله للّه أبوک و للّه درّک. ثمّ أخذ فی استفهامهم عمّا یدّعون أنّه موجود فیهم، و هو الدین و الحمیّه و الأنفه، و من شأن الدین أن یجمع على إنکار المنکر، و الحمیّه أن تشحذ و تثیر القوّه الغضبیّه لمقاومه العدوّ استفهاما على سبیل العیب و الإنکار علیهم. و قوله: أ و لیس عجبا. إلى قوله: و تختلفون علىّ. استفهام لتقریر التعجّب من حاله معهم فی تفرّقهم عنه حتّى عند الدعوه إلى العطاء، و من حال معاویه مع قومه فی اجتماعهم علیه من غیر معونه و لاعطاء.

فإن قلت: المشهور أنّ معاویه إنّما استجلب من استجلب من العرب بالأموال و الرغائب فلم قال: فیتّبعونه على غیر معونه و لا عطاء قلت: إنّ معاویه لم یکن یعطى جنده على وجه المعونه و العطاء المتعارف بین الجند، و إنّما کان یعطى رؤساء القبائل من الیمن و الشام الأموال الجلیله لیستعبدهم بها و اولئک الرؤساء یدعون أتّباعهم من العرب فیطیعونهم. فصادق إذن أنّهم یتّبعونه على غیر معونه و عطاء، و أمّا هو علیه السّلام فإنّه کان یقسّم بیوت الأموال بالسویّه بین الأتباع و الرؤساء على وجه الرزق و العطاء، لا یرى لشریف على مشروف فضلا، و کان أکثر من یقعد عن نصرته من الرؤساء لما یجدونه فی أنفسهم من أمر المساواه بینهم و بین الأتباع، و إذا أحسّ الأتباع بذلک تخاذلوا أیضا متابعه لرؤسائهم. و المعونه هى ما یعطى للجند فی وقت الحاجه لترمیم أسلحتهم و إصلاح دوابّهم و هو خارج عن العطاء المفروض شهراً فشهراً، و استعار لهم لفظ التریکه، و وجه المشابهه أنّهم خلف الإسلام و بقیّه أهله کالبیضه الّتی تترکها النعامه. و قوله: إنّه لا یخرج. إلى قوله: فترضونه. أى إنّه لا یخرج إلیکم من أمرى أمر من شأنه أن یرضى به أو یسخط منه فترضونه و تجتمعون علیه بل لا بدّ لکم من التفرّق و المخالفه على الحالین. ثمّ نبّههم على سوء صنیعهم معه بأنّ أحبّ الأشیاء إلیه الموت. و قد لاحظ هذه الحال أبو الطیّب فقال:
کفى بک داء أن ترى الموت شافیا و حسب المنایا أن تکون أمانیا
تمنّیتها لمّا تمنّیت أن أرى‏
صدیقا فأعیا أو عدوّا مداجیا

و قوله: قد دارستکم الکتاب. إلى قوله: مججتم. إشاره إلى وجوه الامتنان علیهم و هى مدارستهم الکتاب: أى تعلیمه، و مفاتحتهم الحجاج: أى مماراتهم و تعریفهم وجوه الاحتجاج، و تعریفهم ما أنکروه: أى الامور المجهوله لهم، و تسویغهم ما مجّوه. و استعار وصف التسویغ إمّا لإعطائه لهم العطیّات و الأرزاق الّتی کانوا یحرمونها من ید غیره لو کان کمعاویه، و إمّا لإدخاله العلوم فی أفواه أذهانهم، و کذلک لفظ المجّ إمّا لحرمانهم من ید غیره أو لعدم العلوم عن أذهانهم و نبوّ أفهامهم عنها فکأنّهم ألقوها لعدم صلوحها للإساغه، و وجه الاستعارتین ظاهر. و قوله: لو کان الأعمى. إلى قوله: یستیقظ. إشاره إلى أنّهم جهّال لا یلحظون بأعین بصائرهم ما أفادهم من العلوم، و غافلون لا یستیقظون من سنه غفلتهم بما أیقظهم به من المواعظ أو غیرها، و لفظ الأعمى و النائم مستعاران، و القوم فی قوله: و أقرب بقوم. هم أهل الشام. و هو تعجّب من شدّه قربهم من الجهل باللّه. إذ کان قائدهم فی الطریق معاویه و مؤدّبهم ابن النابغه: أى عمرو بن العاص و هو رئیسهم رئیس المنافقین و أهل الغدر و الخداع، و إذا کان‏ الرئیس القائد و المؤدّب فی تلک الطریق من الجهل و الفجور بحال الرجلین المشار إلیهما فما أقرب أتباعهما من البعد عن اللّه و الجهل به. و أقرب: صیغه التعجّب.

و قائدهم معاویه: جمله اسمیّه محلّها الجرّ صفه لقوم. و فصّل بین الموصوف و الصفه بالجار و المجرور کما فی قوله تعالى «وَ مِمَّنْ حَوْلَکُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِینَهِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ»«» فمحلّ مردوا الرفع صفه المنافقون، و فصّل بینهما بقوله: و من أهل المدینه، و الغرض من ذکرهم و وصفهم بما وصف التنفیر عنهم.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۳۷۵

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۷۸شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

و قد ساله ذعلب الیمانى فقال: هل رأیت ربک یا أمیر المؤمنین فقال علیه السلام: أ فأعبد ما لا أرى فقال: و کیف تراه فقال:

لَا تُدْرِکُهُ الْعُیُونُ بِمُشَاهَدَهِ الْعِیَانِ- وَ لَکِنْ تُدْرِکُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِیمَانِ- قَرِیبٌ مِنَ الْأَشْیَاءِ غَیْرَ مُلَامِسٍ بَعِیدٌ مِنْهَا غَیْرَ مُبَایِنٍ- مُتَکَلِّمٌ لَا بِرَوِیَّهٍ مُرِیدٌ لَا بِهِمَّهٍ صَانِعٌ لَا بِجَارِحَهٍ- لَطِیفٌ لَا یُوصَفُ بِالْخَفَاءِ کَبِیرٌ لَا یُوصَفُ بِالْجَفَاءِ- بَصِیرٌ لَا یُوصَفُ بِالْحَاسَّهِ رَحِیمٌ لَا یُوصَفُ بِالرِّقَّهِ- تَعْنُو الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ وَ تَجِبُ الْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِهِ

اللغه

أقول: تعنو: تخضع.

و تجب القلوب: تخفق.

و الفصل فصل شریف من التوحید و التنزیه.
فقوله: أ فأعبد ما لا أرى. استفهام على سبیل الإنکار لعباده ما لا یدرک، و فیه إزراء على السائل. و قوله: لا تدرکه العیون. إلى آخره. تنزیه له عن الرؤیه بحاسّه البصر و شرح لکیفیّه الرؤیه الممکنه، و لمّا کان تعالى منزّها عن الجسمیّه و لواحقها من الجهه و توجیه البصر إلیه و إدراکه به و إنّما یرى و یدرک بحسب ما یمکن لبصیره العقل لا جرم نزّهه عن تلک و أثبت له هذه. فقال: لا تدرکه العیون. إلى قوله: بحقائق الإیمان. و أراد بحقائق الإیمان أرکانه، و هى التصدیق بوجود اللّه و وحدانیّته و سائر صفاته و اعتبارات أسمائه الحسنى، و عدّ من جملتها اعتبارات یدرکه بها: أحدها: کونه قریبا من الأشیاء، و لمّا کان المفهوم من القرب المطلق الملامسه و الالتصاق و هما من عوارض الجسمیّه نزّه قربه تعالى عنها. فقال: غیر ملامس فأخرجت هذه القرینه ذلک اللفظ عن حقیقته إلى مجازه و هو اتّصاله بالأشیاء و قربه منها بعلمه المحیط و قدرته التامّه. الثانی: کونه بعیدا منها، و لمّا کان البعد یستلزم المباینه و هی أیضا من لواحق الجسمیّه نزّهه عنها بقوله: غیر مباین. و قد سبق بیان ذلک مرارا فکان بعده عنها إشاره إلى مباینته بذاته الکامله عن مشابهه شی‏ء منها. الثالث: و کذلک قوله: متکلّم بلا رویّه. و کلامه یعود إلى علمه بصور الأوامر و النواهى و سائر أنواع الکلام عند قوم، و إلى المعنى النفسانىّ عند الأشعرى، و إلى خلقه الکلام فی جسم النبىّ عند المعتزله.

و قوله: بلا رویّه [لا برویّه خ‏].
تنزیه له عن کلام الخلق لکونه تابعا للأفکار و التروّى. الرابع: و کذلک مرید بلا همّه تنزیه لإرادته عن مثلیّه إرادتنا فی سبق العزم و الهمّه لها. الخامس: صانع بلا جارحه. و هو تنزیه لصنعه عن صنع المخلوقین لکونه بالجارحه الّتی هی من لواحق الجسمیّه. السادس: و کذلک لطیف لا یوصف بالخفاء، و اللطیف یطلق و یراد به رقیق القوام، و یراد به صغیر الحجم المستلزمین للخفاء، و عدیم اللون من الأجسام، و المحکم من الصنعه. و هو تعالى منزّه عن إطلاقه بأحد هذه المعانی لاستلزام‏ الجسمیّه و الإمکان فبقى إطلاقها علیه باعتبارین: أحدهما: تصرّفه فی الذوات و الصفات تصرّفا خفیّا بفعل الأسباب المعدّه لها لإفاضه کمالاتها. و الثانی: جلاله ذاته و تنزیهها عن قبول الإدراک البصرى. السابع: رحیم لا یوصف بالرّقه. تنزیه لرحمته عن رحمه أحدنا لاستلزامها رقّه الطبع و الانفعال النفسانىّ، و قد سبق بیان کونه تعالى رحیما الثامن: کونه عظیما تخضع الوجوه لعظمته. إذ هو الإله المطلق لکلّ موجود و ممکن فهو العظیم المطلق الّذی تفرّد باستحقاق ذلّ الکلّ و خضوعه له، و وجیب القلوب و اضطرابها من هیبته عند ملاحظه کلّ منها ما یمکن له من تلک العظمه.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۳۷۴

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۷۷شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

لَا یَشْغَلُهُ شَأْنٌ وَ لَا یُغَیِّرُهُ زَمَانٌ- وَ لَا یَحْوِیهِ مَکَانٌ وَ لَا یَصِفُهُ لِسَانٌ لَا یَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ وَ لَا نُجُومِ السَّمَاءِ- وَ لَا سَوَافِی الرِّیحِ فِی الْهَوَاءِ- وَ لَا دَبِیبُ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا- وَ لَا مَقِیلُ الذَّرِّ فِی اللَّیْلَهِ الظَّلْمَاءِ- یَعْلَمُ مَسَاقِطَ الْأَوْرَاقِ وَ خَفِیَّ طَرْفِ الْأَحْدَاقِ- وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ غَیْرَ مَعْدُولٍ بِهِ- وَ لَا مَشْکُوکٍ فِیهِ وَ لَا مَکْفُورٍ دِینُهُ- وَ لَا مَجْحُودٍ تَکْوِینُهُ شَهَادَهَ مَنْ صَدَقَتْ نِیَّتُهُ- وَ صَفَتْ دِخْلَتُهُ وَ خَلَصَ یَقِینُهُ وَ ثَقُلَتْ مَوَازِینُهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ الَمْجُتْبَىَ مِنْ خَلَائِقِهِ- وَ الْمُعْتَامُ لِشَرْحِ حَقَائِقِهِ‏

وَ الْمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ کَرَامَاتِهِ- وَ الْمُصْطَفَى لِکَرَائِمِ رِسَالَاتِهِ- وَ الْمُوَضَّحَهُ بِهِ أَشْرَاطُ الْهُدَى وَ الْمَجْلُوُّ بِهِ غِرْبِیبُ الْعَمَى أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّ الدُّنْیَا تَغُرُّ الْمُؤَمِّلَ لَهَا وَ الْمُخْلِدَ إِلَیْهَا- وَ لَا تَنْفَسُ بِمَنْ نَافَسَ فِیهَا وَ تَغْلِبُ مَنْ غَلَبَ عَلَیْهَا- وَ ایْمُ اللَّهِ مَا کَانَ قَوْمٌ قَطُّ فِی غَضِّ نِعْمَهٍ مِنْ عَیْشٍ- فَزَالَ عَنْهُمْ إِلَّا بِذُنُوبٍ اجْتَرَحُوهَا- لِ أَنَّ اللَّهَ لَیْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِیدِ وَ لَوْ أَنَّ النَّاسَ حِینَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ وَ تَزُولُ عَنْهُمُ النِّعَمُ- فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْقٍ مِنْ نِیَّاتِهِمْ وَ وَلَهٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ- لَرَدَّ عَلَیْهِمْ کُلَّ شَارِدٍ وَ أَصْلَحَ لَهُمْ کُلَّ فَاسِدٍ- وَ إِنِّی لَأَخْشَى عَلَیْکُمْ أَنْ تَکُونُوا فِی فَتْرَهٍ- وَ قَدْ کَانَتْ أُمُورٌ مَضَتْ مِلْتُمْ فِیهَا مَیْلَهً- کُنْتُمْ فِیهَا عِنْدِی غَیْرَ مَحْمُودِینَ- وَ لَئِنْ رُدَّ عَلَیْکُمْ أَمْرُکُمْ إِنَّکُمْ لَسُعَدَاءُ وَ مَا عَلَیَّ إِلَّا الْجُهْدُ- وَ لَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ أقول: هذه الخطبه خطب بها بعد مقتل عثمان فی أوّل خلافته.

 

اللغه

و الدخله بالکسر و الضمّ: باطن الشی‏ء.

و المعتام: المختار.

و عقائل الشی‏ء: نفایسه.

و أشراط الهدى: علاماته.

و الغربیب: الأسود.

و المخلد إلیها: المسلّم إلیها اموره.

و لا تنفس: لا تضنّ و لا تبخل.

و غضّ النعمه: طریفها.

المعنى

و صدّر الخطبه بالإشاره إلى اعتبارات توحیدیّه: الأوّل: أنّه لا یشغله شأن عن شأن، و ذلک لأنّ الشغل عن الشی‏ء إمّا لقصور القدره أو العلم، و قدرته تعالى و علمه المحیطان بکلّ مقدور و معلوم فإذن لا یشغله مقدور عن مقدور و لا معلوم عن معلوم، و تقریر هاتین المسألتین فی الکتب‏ الکلامیّه و الحکمیّه. الثانی: لا یغیّره زمان، و إذ ثبت أنّه تعالى خالق الزمان، و لا زمان یلحقه.

فلا تغیّر یلحقه، و لأنّه واجب الوجود، و لا شی‏ء من المتغیّر فی ذاته أو صفاته بواجب الوجود. فلا شی‏ء منه یلحقه التغیّر. الثالث: و لا یحویه مکان لبراءته عن الجسمیّه و لواحقها، و کلّما کان کذلک فهو برى‏ء عن المکان و لواحقه فینتج أنّه برى‏ء من المکان و لواحقه. الرابع: و لا یصفه لسان: أى لا یعبر اللسان عن حقیقه وصفه، و بیان ما هو ذلک أنّه تعالى منزّه عن رکوب [وجوه خ‏] التراکیب فمحال أن یقع العقول على حقیقه وصفه فکیف باللسان الّذی هو المعبّر عنها. الخامس: و لا یعزب عنه عدد قطر الماء. إلى قوله: الأحداق، و هو إشاره إلى إحاطه علمه المقدّس بکلّیّات الأمور و جزئیّاتها، و هذه مسئله عظیمه حارت العقول، و قد أشرنا إلیها فی المختصر الموسوم بالقواعد الإلهیّه.

ثمّ عقّب هذا التنزیه بالشهاده بکلمه التوحید، و ذکر للّه تعالى أحوالا شهد بوحدانیّته علیها: الأوّل: کونه غیر معدول به: أى لا عدیل له و لا مثل.

الثانی: و لا مشکوک فیه: أى فی وجوده فإنّ ذلک ینافی الشهاده بوحدانیّته.

الثالث: و لا مکفور دینه لأنّ الجحود لدینه یستلزم النقصان فی معرفته فکان الاعتراف به کمالا لمعرفته و للشهاده بوحدانیّته.

الرابع: و لا مجحود تکوینه: أى إیجاده للموجودات و کونه ربّا لها. ثمّ عقّب وصف المشهود له حال تلک الشهاده بأوصاف الشاهد بها باعتبار شهادته: و هى کونه صادق النیّه فی تلک الشهاده: أى باعتقاد جازم، و صافی الدخله: أى نقىّ الباطن من الریاء و النفاق، و خالص الیقین بوجود المشهود أو کمال وحدانیّته من الشکوک و الشبهات فیه، و ثقیل الموازین بکمال تلک الشهاده و القیام بحقوقها من سائر الأعمال الصالحات، و أردفها باختها و ذکر للمشهود بحقّیه رسالته أوصافا:

أحدها: کونه مجتبى من الخلایق و مصطفى منهم، و ذلک یعود إلى إکرامه بإعداد نفسه لقبول أنوار النبوّه. الثانی: و المعتام لشرح حقایقه: أى لإیضاح ما خفى من الحقائق الإلهیّه و الشرعیّه الّتى بیّنها. الثالث: المختصّ بنفایس کرامته، و هى الکمالات النفسانیّه من العلوم و مکارم الأخلاق الّتی اقتدر معها على تکمیل الناقصین. الرابع: و المصطفى لکرائم رسالاته: أى لرسالاته الکریمه. و تعدیدها باعتبار تعداد نزول الأوامر علیه فإنّ کلّ أمر أمر بتبلیغه إلى الخلق رساله کریمه. الخامس: الموضّحه به أعلام الهدى، و هى قوانین الشریعه و دلالات الکتاب و السنّه. السادس: و المجلوّ به غربیب العمى، و استعار لفظ الغربیب لشدّه ظلمه الجهل، و لفظ الجلاء لزوال تلک الظلم بأنوار النبوّه. ثمّ أیّه بالناس منبّها لهم على مقابح الدنیا و مذامّها. منها: تغرّ المؤمّل لها و الراکن إلیها. و ذلک أنّ المؤمّل لبعض مطالبها لا یزال یتجدّد له أمارات خیالیّه على مطالب و همیّه و أنّها ممکنه التحصیل نافعه فتوجب له مدّ الأمل، و قد یخترم دون بلوغها، و قد ینکشف بطلان تلک الأمارات بعد العناء الطویل، و منها: أنّها لا تنفس على من نافس فیها و أحبّها بل تسمح به للمهالک و ترمیه بغرایب من النوایب، و منها: أنّها تغلب على من غلب علیها: أى من ملکها و أخذها بالغلبه فعن قریب تقهره و تهلکه، و الأوصاف المذکوره الّتى من شأنها أن تکون للعدوّ القوىّ الداهى و هى کونها تغرّ المؤمّل لها و تغلب مغالبها و لا تبقى على محبّها مستعاره، و وجه المشابهه استلزام الکون فیها و الاغترار بها و محبّتها و التملّک لها الهلاک فیها و فی الآخره کاستلزام الغرور بالعدوّ الداهى الّذی لا یحبّ أحدا و الرکون إلیه الهلاک.

ثمّ أخذ علیه السّلام فی التنبیه على وجوب شکر المنعم و استدراکها بالفزع إلى اللّه، و أقسم أنّ زوالها عنهم لیس إلّا بذنوب اجترحوها، و ذلک إشاره إلى أنّ الذنوب تعدّلزوال النعم و حلول النقم لأنّهم لو استحقّوا إفاضه النعم مع الذنوب لکان منعهم إیّاها منعا للمستحقّ المستعدّ، و ذلک عین الظلم و هو من الجود الإلهی محال کما قال تعالى «وَ ما رَبُّکَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِیدِ»«» و إلى هذا المعنى الإشاره بقوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ لا یُغَیِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى یُغَیِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ»«» أى یستعدّوا للتغیّر بالمعاصى.

و قوله: و لو أنّ الناس. إلى قوله: کلّ فاسد. إشاره إلى أنّ الفزع إلى اللّه بصدق النیّه و وله القلب و تحیّره و ذهوله عن کلّ شی‏ء سوى اللّه یعدّ الإعداد التامّ لإفاضه المطالب سواء کانت عود نعمه أو استحداثها أو زوال نقمه أو استنزالها على عدوّ. و ردّ الشارد: أى من النعم، و إصلاح الفاسد: أى من سائر الأحوال.

و قوله: و إنّى لأخشى علیکم أن تکونوا فی فتره. کنّى بالفتره عن أمر الجاهلیّه کنایه بالمجاز إطلاقا لاسم الظرف على المظروف: أى أخشى أن یکون أحوالهم [لکم خ‏] أحوال الجاهلیّه فی التعصّبات الباطله بحسب الأهواء المختلفه. و قوله: و قد کانت امور. إلى قوله: محمودین. قالت الإمامیّه: تلک الامور الّتی مالوا فیها هى تقدیمهم علیه من سبق من الأئمّه، و قال غیرهم: هى حرکاتهم و میلهم علیه فی تقدیم عثمان وقت الشورى، و اختیارهم له و ما جرى فیها من الأقوال و الأفعال. و قوله: و لئن ردّ علیکم أمرکم. أى صلاح أحوالکم و استقامه سیرتکم الّتی کنتم علیها فی زمن الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم إنّکم لسعداء عند اللّه و فی الدنیا. و ما علىّ إلّا الجهد: أى فی عود ذلک الأمر علیکم. و قوله: و لو أشاء أن أقول لقلت. یفهم منه أنّه لو قال لکان مقتضى قوله نسبه من تقدّم علیه إلى الظلم له و تخطئهم فی التقدّم علیه، و ذکر معایب یقتضى وجوب تأخّرهم فی نظره. و تقدیر الکلام: و لکنّى لا أقول فلم أکن مریدا للقول. و قوله: عفا اللّه عمّا سلف. إشاره إلى مسامحته لهم بما سبق منهم. إذ العاده جاریه بأن یقول الإنسان مثل ذلک فیما تسامح به غیره من الذنوب، و أحسن العبارات فی ذلک لفظ القرآن الکریم فیقتبس فی الکلام. و باللّه التوفیق.

 

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۳۶۹

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۷۶ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام فی معنى الحکمین

فَأَجْمَعَ رَأْیُ مَلَئِکُمْ عَلَى أَنِ اخْتَارُوا رَجُلَیْنِ- فَأَخَذْنَا عَلَیْهِمَا أَنْ یُجَعْجِعَا عِنْدَ الْقُرْآنِ وَ لَا یُجَاوِزَاهُ- وَ تَکُونُ أَلْسِنَتُهُمَا مَعَهُ وَ قُلُوبُهُمَا تَبَعَهُ فَتَاهَا عَنْهُ- وَ تَرَکَا الْحَقَّ وَ هُمَا یُبْصِرَانِهِ- وَ کَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا وَ الِاعْوِجَاجُ رَأْیَهُمَا- وَ قَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَیْهِمَا فِی الْحُکْمِ بِالْعَدْلِ- وَ الْعَمَلِ بِالْحَقِّ سُوءَ رَأْیِهِمَا وَ جَوْرَ حُکْمِهِمَا- وَ الثِّقَهُ فِی أَیْدِینَا لِأَنْفُسِنَا حِینَ خَالَفَا سَبِیلَ الْحَقِّ- وَ أَتَیَا بِمَا لَا یُعْرَفُ مِنْ مَعْکُوسِ الْحُکْمِ أقول: هذا الفصل من خطبه خطبها بعد ما بلغه أمر الحکمین.

اللغه

و الإجماع: تصمیم العزم.

و یجعجعا: یحبسا نفسهما على القرآن

المعنى
و الخطاب لمن أنکر علیه رضاه بالتحکیم بعد الرضا به، و قد حکى فیه إجماع رأى جماعتهم على اختیار الرجلین و هما أبو موسى الأشعرى و عمرو بن العاص و أخذه علیهما أن یحبسا نفسهما على العمل بالقرآن و لا یجاوزاه، و تکون ألسنتهما و قلوبهما معه، و اطلق لفظ القلوب على المیول الإرادیّه مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب کقوله تعالى «فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُکُما» و ذلک هو شرط رضاه علیه السّلام بالتحکیم. ثمّ حکى‏ خروجهما عمّا اشترط علیهما و تیهه ما عن الکتاب و ترکهما للحقّ مع إبصارهما له، و خروجه ما عن فضیله العدل بحسب الهوى إلى رذیله الجور و الاعوجاج عن طریقه الحقّ. و قوله: و قد سبق استثناؤنا. إعاده لذکر سبق الشرط فی الحکم بالعدل، و سوء رأیهما منصوب لأنّه مفعول سبق. و قوله: و الثقه فی أیدینا لأنفسنا. أى إنّا على برهان وثقه من أمرنا، و لیس بلازم لنا حکمهما لأنّهما خالفا الشرط و آتیا بما لا یعرف من الحکم المعکوس، و قد حکینا فیما سبق طرفا من حال التحکیم و خداع عمرو بن العاص لأبی موسى الأشعرى. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۳۶۷

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۷۵ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السلام

انْتَفِعُوا بِبَیَانِ اللَّهِ وَ اتَّعِظُوا بِمَوَاعِظِ اللَّهِ- وَ اقْبَلُوا نَصِیحَهَ اللَّهِ- فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْذَرَ إِلَیْکُمْ بِالْجَلِیَّهِ وَ أَخَذَ عَلَیْکُمُ الْحُجَّهَ- وَ بَیَّنَ لَکُمْ مَحَابَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَ مَکَارِهَهُ مِنْهَا- لِتَتَّبِعُوا هَذِهِ وَ تَجْتَنِبُوا هَذِهِ- فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص کَانَ یَقُولُ- إِنَّ الْجَنَّهَ حُفَّتْ بِالْمَکَارِهِ- وَ إِنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ طَاعَهِ اللَّهِ شَیْ‏ءٌ إِلَّا یَأْتِی فِی کُرْهٍ- وَ مَا مِنْ مَعْصِیَهِ اللَّهِ شَیْ‏ءٌ إِلَّا یَأْتِی فِی شَهْوَهٍ- فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً نَزَعَ عَنْ شَهْوَتِهِ وَ قَمَعَ هَوَى نَفْسِهِ- فَإِنَّ هَذِهِ النَّفْسَ أَبْعَدُ شَیْ‏ءٍ مَنْزِعاً- وَ إِنَّهَا لَا تَزَالُ تَنْزِعُ إِلَى مَعْصِیَهٍ فِی هَوًى- وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا یُمْسِی وَ لَا یُصْبِحُ-

إِلَّا وَ نَفْسُهُ ظَنُونٌ عِنْدَهُ- فَلَا یَزَالُ زَارِیاً عَلَیْهَا وَ مُسْتَزِیداً لَهَا- فَکُونُوا کَالسَّابِقِینَ قَبْلَکُمْ وَ الْمَاضِینَ‏ أَمَامَکُمْ- قَوَّضُوا مِنَ الدُّنْیَا تَقْوِیضَ الرَّاحِلِ وَ طَوَوْهَا طَیَّ الْمَنَازِلِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِی لَا یَغُشُّ- وَ الْهَادِی الَّذِی لَا یُضِلُّ وَ الْمُحَدِّثُ الَّذِی لَا یَکْذِبُ- وَ مَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ عَنْهُ بِزِیَادَهٍ أَوْ نُقْصَانٍ- زِیَادَهٍ فِی هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَیْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَهٍ- وَ لَا لِأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِن غِنًى- فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِکُمْ- وَ اسْتَعِینُوا بِهِ عَلَى لَأْوَائِکُمْ- فَإِنَّ فِیهِ شِفَاءً مِنْ أَکْبَرِ الدَّاءِ- وَ هُوَ الْکُفْرُ وَ النِّفَاقُ وَ الْغَیُّ وَ الضَّلَالُ- فَاسْأَلُوا اللَّهَ بِهِ وَ تَوَجَّهُوا إِلَیْهِ بِحُبِّهِ- وَ لَا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ- إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَ قَائِلٌ مُصَدَّقٌ- وَ أَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ یَوْمَ الْقِیَامَهِ شُفِّعَ فِیهِ- وَ مَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ یَوْمَ الْقِیَامَهِ صُدِّقَ عَلَیْهِ- فَإِنَّهُ یُنَادِی مُنَادٍ یَوْمَ الْقِیَامَهِ- أَلَا إِنَّ کُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِی حَرْثِهِ وَ عَاقِبَهِ عَمَلِهِ- غَیْرَ حَرَثَهِ الْقُرْآنِ- فَکُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَ أَتْبَاعِهِ- وَ اسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّکُمْ وَ اسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِکُمْ- وَ اتَّهِمُوا عَلَیْهِ آرَاءَکُمْ وَ اسْتَغِشُّوا فِیهِ أَهْوَاءَکُمْ الْعَمَلَ الْعَمَلَ ثُمَّ النِّهَایَهَ النِّهَایَهَ- وَ الِاسْتِقَامَهَ الِاسْتِقَامَهَ ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ وَ الْوَرَعَ الْوَرَعَ- إِنَّ لَکُمْ نِهَایَهً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَایَتِکُمْ- وَ إِنَّ لَکُمْ عَلَماً فَاهْتَدُوا بِعَلَمِکُمْ- وَ إِنَّ لِلْإِسْلَامِ غَایَهً فَانْتَهُوا إِلَى غَایَتِهِ- وَ اخْرُجُوا إِلَى اللَّهِ بِمَا افْتَرَضَ عَلَیْکُمْ مِنْ حَقِّهِ- وَ بَیَّنَ لَکُمْ مِنْ وَظَائِفِهِ- أَنَا شَاهِدٌ لَکُمْ وَ حَجِیجٌ یَوْمَ الْقِیَامَهِ عَنْکُمْ أَلَا وَ إِنَّ الْقَدَرَ السَّابِقَ قَدْ وَقَعَ- وَ الْقَضَاءَ الْمَاضِیَ قَدْ تَوَرَّدَ- وَ إِنِّی مُتَکَلِّمٌ بِعِدَهِ اللَّهِ وَ حُجَّتِهِ- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى- إِنَّ الَّذِینَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا- تَتَنَزَّلُ عَلَیْهِمُ الْمَلائِکَهُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا- وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّهِ الَّتِی کُنْتُمْ تُوعَدُونَ وَ قَدْ قُلْتُمْ رَبُّنَا اللَّهُ فَاسْتَقِیمُوا عَلَى کِتَابِهِ- وَ عَلَى مِنْهَاجِ أَمْرِهِ وَ عَلَى الطَّرِیقَهِ الصَّالِحَهِ مِنْ عِبَادَتِهِ-

ثُمَّ لَا تَمْرُقُوا مِنْهَا وَ لَا تَبْتَدِعُوا فِیهَا- وَ لَا تُخَالِفُوا عَنْهَا فَإِنَّ أَهْلَ الْمُرُوقِ مُنْقَطَعٌ بِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ یَوْمَ الْقِیَامَهِ ثُمَّ إِیَّاکُمْ وَ تَهْزِیعَ الْأَخْلَاقِ وَ تَصْرِیفَهَا- وَ اجْعَلُوا اللِّسَانَ وَاحِداً وَ لْیَخْزُنِ الرَّجُلُ لِسَانَهُ- فَإِنَّ هَذَا اللِّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ- وَ اللَّهِ مَا أَرَى عَبْداً یَتَّقِی تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى یَخْزُنَ لِسَانَهُ- وَ إِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ- وَ إِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ- لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ یَتَکَلَّمَ بِکَلَامٍ تَدَبَّرَهُ فِی نَفْسِهِ- فَإِنْ کَانَ خَیْراً أَبْدَاهُ وَ إِنْ کَانَ شَرّاً وَارَاهُ- وَ إِنَّ الْمُنَافِقَ یَتَکَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ- لَا یَدْرِی مَا ذَا لَهُ وَ مَا ذَا عَلَیْهِ- وَ لَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص- لَا یَسْتَقِیمُ إِیمَانُ عَبْدٍ

حَتَّى یَسْتَقِیمَ قَلْبُهُ- وَ لَا یَسْتَقِیمُ قَلْبُهُ حَتَّى یَسْتَقِیمَ لِسَانُهُ- فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْکُمْ أَنْ یَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى- وَ هُوَ نَقِیُّ الرَّاحَهِ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِینَ وَ أَمْوَالِهِمْ- سَلِیمُ اللِّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ فَلْیَفْعَلْ وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ یَسْتَحِلُّ الْعَامَ- مَا اسْتَحَلَّ عَاماً أَوَّلَ وَ یُحَرِّمُ الْعَامَ مَا حَرَّمَ عَاماً أَوَّلَ- وَ أَنَّ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ لَا یُحِلُّ لَکُمْ شَیْئاً- مِمَّا حُرِّمَ عَلَیْکُمْ- وَ لَکِنَّ الْحَلَالَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَ الْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ- فَقَدْ جَرَّبْتُمُ الْأُمُورَ وَ ضَرَّسْتُمُوهَا- وَ وُعِظْتُمْ بِمَنْ کَانَ قَبْلَکُمْ وَ ضُرِبَتِ لَکُمْ الْأَمْثَالُ وَ دُعِیتُمْ إِلَى الْأَمْرِ الْوَاضِحِ فَلَا یَصَمُّ عَنْ ذَلِکَ إِلَّا أَصَمُّ- وَ لَا یَعْمَى عَنْ ذَلِکَ إِلَّا أَعْمَى- وَ مَنْ لَمْ یَنْفَعْهُ اللَّهُ بِالْبَلَاءِ وَ التَّجَارِبِ- لَمْ یَنْتَفِعْ بِشَیْ‏ءٍ مِنَ الْعِظَهِ وَ أَتَاهُ التَّقْصِیرُ مِنْ أَمَامِهِ- حَتَّى یَعْرِفَ مَا أَنْکَرَ وَ یُنْکِرَ مَا عَرَفَ- فَإِنَّ النَّاسَ رَجُلَانِ مُتَّبِعٌ شِرْعَهً وَ مُبْتَدِعٌ بِدْعَهً- لَیْسَ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّهٍ وَ لَا ضِیَاءُ حُجَّهٍ وَ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ یَعِظْ أَحَداً بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ- فَإِنَّهُ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِینُ وَ سَبَبُهُ الْأَمِینُ- وَ فِیهِ رَبِیعُ الْقَلْبِ وَ یَنَابِیعُ الْعِلْمِ- وَ مَا لِلْقَلْبِ جِلَاءٌ غَیْرُهُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْمُتَذَکِّرُونَ- وَ بَقِیَ النَّاسُونَ أَوِ الْمُتَنَاسُونَ- فَإِذَا رَأَیْتُمْ خَیْراً فَأَعِینُوا عَلَیْهِ- وَ إِذَا رَأَیْتُمْ شَرّاً فَاذْهَبُوا عَنْهُ-

فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص‏ کَانَ یَقُولُ- یَا ابْنَ آدَمَ اعْمَلِ الْخَیْرَ وَ دَعِ الشَّرَّ- فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ قَاصِدٌ أَلَا وَ إِنَّ الظُّلْمَ ثَلَاثَهٌ- فَظُلْمٌ لَا یُغْفَرُ وَ ظُلْمٌ لَا یُتْرَکُ- وَ ظُلْمٌ مَغْفُورٌ لَا یُطْلَبُ- فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِی لَا یُغْفَرُ فَالشِّرْکُ بِاللَّهِ- قَالَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لا یَغْفِرُ أَنْ یُشْرَکَ بِهِ وَ أَمَّا الظُّلْمُ الَّذِی یُغْفَرُ- فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْهَنَاتِ- وَ أَمَّا الظُّلْمُ الَّذِی لَا یُتْرَکُ- فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً- الْقِصَاصُ هُنَاکَ شَدِیدٌ لَیْسَ هُوَ جَرْحاً بِاْلمُدَى- وَ لَا ضَرْباً بِالسِّیَاطِ وَ لَکِنَّهُ مَا یُسْتَصْغَرُ ذَلِکَ مَعَهُ- فَإِیَّاکُمْ وَ التَّلَوُّنَ فِی دِینِ اللَّهِ- فَإِنَّ جَمَاعَهً فِیمَا تَکْرَهُونَ مِنَ الْحَقِّ- خَیْرٌ مِنْ فُرْقَهٍ فِیمَا تُحِبُّونَ مِنَ الْبَاطِلِ- وَ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ یُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَهٍ خَیْراً مِمَّنْ مَضَى- وَ لَا مِمَّنْ بَقِیَ یَا أَیُّهَا النَّاسُ- طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَیْبُهُ عَنْ عُیُوبِ النَّاسِ- وَ طُوبَى لِمَنْ لَزِمَ بَیْتَهُ وَ أَکَلَ قُوتَهُ- وَ اشْتَغَلَ بِطَاعَهِ رَبِّهِ وَ بَکَى عَلَى خَطِیئَتِهِ- فَکَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِی شُغُلٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِی رَاحَهٍ

اللغه

أقول: الظنون: المتّهمه.

و الزارى: العایب.

و تقویض البناء: نقضه.

و اللأواء: الشدّه.

و محل به السلطان: کاده و قال فیه ما یضرّه.

و تورّدت الخیل البلده: دخلتها قطعه قطعه.

و تهزیع الأخلاق: تکسیرها و تفریقها.

و ضرست الأمر: أحکمته تجربه.

المعنى

و قد أمر السامعین أن ینتفعوا ببیان اللّه فی کتابه و على لسان رسوله، و یتّعظوا بمواعظه و یقبلوا نصیحته فیما لأجله خلقوا، و إنّما عدّد اسم اللّه صریحا دون‏ الضمیر للتعظیم. ثمّ أشار إلى وجه وجوب الامتثال علیهم و هو إعذاره إلیهم بالجلیّه: أى إظهار ما هو صوره العذر من الآیات و النذر الجلیّه الواضحه، و اتّخاذ الحجّه ببعث الرسل، و بیان محابّه من الأعمال الصالحات و مکارهه من المحرّمات فی کتابه العزیز لغایه اتّباع محابّه و اجتناب مکارهه. ثمّ نبّه على ما فی الطاعه و امتثال التکلیف من الشدّه و المکروه فذکر الخبر، و نعم ما تضمّنه الخبر و أنّه لم ینبّه على الشدّه مجرّده بل قرنها بذکر الجنّه و جعلها محجوبه بها لتحصل الرغبه فی الجنّه فیتمّ السعى فی قطع تلک الحجب المکروهه، و کذلک قرن ذکر الشهوات بذکر کونها محفوفه بها بالنار تنفیرا عنها. ثمّ بعد تسهیل المکاره الّتی یشتمل علیها الطاعات بذکر الجنّه و تحقیر الشهوات الّتی یرید الجذب عنها بذکر النار صرّح بأنّه لا تأتى طاعه إلّا فی کره و لا معصیه إلّا فی شهوه، و قد عرفت سرّ ذلک، و أنّ النفس للقوّه الشهویّه أطوع منها للعقل خصوصا فیما هو أقرب إلیها من اللذّات المحسوسه الّتی یلحقها العقاب علیها. ثمّ عقّب ذلک بدعاء اللّه أن یرحم امرأ نزع عن شهوته: أى امتنع من الانهماک فیها و قمع نفسه الأمّاره بالسوء فإنّها أبعد شی‏ء منزعا عن اللّه. ثمّ فسّر منزعها الّذی ینزع إلیه و هی المعصیه فی هواها، و ما تمیل إلیه. ثمّ نبّه على حال المؤمن الحقّ و تهمته نفسه فی جمیع أوقاته من صباح و مساء، و أنّه لا یزال عائبا علیها و مراقبا لأحوالها، و مؤاخذا لها بالزیاده فی الأعمال الصالحه، و قد سبقت الإشاره إلى ذلک. ثمّ أمرهم أن یکونوا کالسابقین من أکابر الصحابه و الماضین أمامهم إلى الجنّه فی الإعراض عن الدنیا، و استعار لفظ التقویض و الطىّ لقطعهم علائق الدنیا و رحیلهم إلى الآخره کما یقوّض الراحل متاعه للسفر، و یطوى خیامه للرحیل. ثمّ عقّب بذکر القرآن و ممادحه ترغیبا فی الاقتداء به، و استعار وصف الناصح له، و وجه الاستعاره أنّ القرآن یرشده إلى وجوه المصالح کما أنّ الناصح کذلک، و رشّح بکونه لا غشّ معه و کذلک کونه هادیا لا یضلّ: أى طریق اللّه، و روى لا یضلّ: أى لا یضلّ غیره، و کذلک استعار وصف المحدّث له، و رشّح بکونه لا یکذب، و وجه الاستعاره اشتماله على الأخبار و القصص الصحیح، و فهمه و استفادته عنه کالمحدّث الصادق، و کنّى بمجالسه القرآن عن مجالسه حملته و قرّائه لاستماعه منهم، و تدبّره عنهم فإنّ فیه من الآیات الباهره و النواهی الزاجره ما یزید بصیره المستبصر من الهدى، و ینقص من عمى الجهل. ثمّ نبّههم على أنّه لیس بعده على أحد فقر: أى لیس بعد نزوله للناس و بیانه الواضح حاجه بالناس إلى بیان حکم فی إصلاح معاشهم و معادهم، و لا لأحد قبله من غنى: أى قبل نزوله لا غنى عنه للنفوس الجاهله، و إذا کان بهذه الصفه أمرهم بأخذ الشفاء عنه لأدوائهم: أى أدواء الجهل، و أن یستعینوا به على شدّتهم و فقرهم إلى أن یستلیحوا منه وجوه المصالح الدنیویّه و الاخرویّه.

ثمّ عدّ أکبر أدواء الجهل و أعاد ذکر کونه شفاء منها: أوّلها: الکفر باللّه و هو عمى القوّه النظریّه من قوى النفس عن معرفه صانعها و مبدعها إلى غایه إنکاره أو اتّخاذ ثان له أو الحکم علیه بصفات المخلوقین المحدّثین، و الثانی: النفاق و هو مستلزم لرذیله الکذب المقابله لفضیله الصدق. ثمّ لرذیله الغدر المقابله لفضیله الوفاء، و قد سبق بیان حال النفس فی هاتین الرذیلتین. الثالث: الغىّ و هو رذیله التفریط من فضیله الحکمه. الرابع: الضلال و هو الانحراف عن فضیله العدل، و إلى کونه شفاء الإشاره بقوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: إنّ القلوب تصدء کما یصدء الحدید. قیل: یا رسول اللّه ما جلاؤها قال: قراءه القرآن و ذکر الموت، و قد علم اشتماله على ذکر الموت فی مواضع کثیره. ثمّ أمرهم أن یسألو اللّه به، و المراد أنّکم اعدّوا أنفسکم و کمّلوها لاستنزال المطالب من اللّه بما اشتمل علیه القرآن من الکمالات النفسانیّه، و توجّهوا إلیه بحبّه لأنّ من أحبّه استکمل بما فیه فحسن توجّهه إلى اللّه.

و قوله: و لا تسئلوا به خلقه.
و قوله: و لا تسئلوا به خلقه. أى لا تجعلوا تعلّمکم له لطلب الرزق به من خلق مثلکم فإنّه لم ینزل لذلک.

و قوله: إنّه [فإنّه خ‏] ما توجّه العباد إلى اللّه بمثله.
و قوله: إنّه [فإنّه خ‏] ما توجّه العباد إلى اللّه بمثله. و ذلک لاشتماله على جمیع الکمالات النفسانیّه من العلوم، و مکارم الأخلاق‏ و النهى عن جمیع الرذائل الموبقه. ثم استعار لفظى الشافع و المشفّع. و وجه الاستعاره کون تدبّره و العمل بما فیه ماحیا لما یعرض للنفس من الهیئات الردیئه من المعاصی، و ذلک مستلزم لمحو غضب اللّه کما یمحو الشفیع المشفّع أثر الذنب عن قلب المشفوع إلیه، و ذلک سرّ الخبر المرفوع ما من شفیع من ملک و لا نبىّ و لا غیرهما أفضل من القرآن، و کذلک لفظ القائل المصدّق، و وجه الاستعاره کونه ذا ألفاظ إذا نطق بها لا یمکن تکذیبها کالقائل الصادق. ثمّ أعاد معنى کونه شافعا مشفّعا یوم القیامه. ثمّ استعار لفظ المحل للقرآن، و وجه الاستعاره أنّ لسان حال القرآن شاهد فی علم اللّه و حضره ربوبیّته على من أعرض عنه بعدم اتّباعه و مخالفته لما اشتمل علیه، و تلک شهاده لا یجوز علیها الکذب فبالواجب أن یصدق فأشبه الساعى إلى السلطان فی حقّ غیره بما یضرّه.

و قوله: فإنّه لا ینادى مناد یوم القیامه. إلى آخره.
و قوله: فإنّه لا ینادى مناد یوم القیامه. إلى آخره. فالمنادى هو لسان حال الأعمال، و الحرث کلّ عمل تطلب به غایه و تستخرج منه ثمره، و الابتلاء هاهنا ما یلحق النفس على الأعمال و عواقبها من العذاب بقدر الخروج فیها عن طاعه اللّه، و ظاهر أنّ حرث القرآن و البحث عن مقاصده لغایه الاستکمال به برى‏ء من لواحق العقوبات. ثمّ حثّهم على أن یکونوا من حرثته و أتباعه، و أن یستدلّوه: أى یتّخذوه دلیلا قاعدا إلى ربّهم، و أن یستنصحوه على انفسهم: أى یتّخذوه ناصحا على نفوسهم الأمّاره بالسوء لکونها هی الغاشیه لهم یقودها إلى معصیه اللّه، و کون القرآن زاجرا لهم عمّا تأمرهم به تلک النفوس فیجب أن تقبل نصیحته علیها، و کذلک اتّهموا علیه آرائکم: أى إذا رأیتم رأیا یخالف القرآن فاتّهموا ذلک الرأى فإنّه صادر عن النفس الأمّاره بالسوء، و کذلک قوله: و استغشّوا فیه أهوائکم، و إنّما قال هنا: استغشّوا، و قال فی الآراء: اتّهموا لأنّ الهوى هو میل النفس الأمّاره من غیر مراجعه العقل فإذا حکمت النفس عن متابعتها بحکم فهو غشّ صراح، و أمّا الرأی فقد یکون‏ بمراجعه العقل و حکمه، و قد یکون بدونه فجاز أن یکون حقّا، و جاز أن یکون باطلا فکان بالتهمه أولى.

ثمّ أمر بلزوم العمل الصالح. ثمّ بحفظ النهایه المطلوبه منهم بالعمل و الوصول إلیها منه: أى راعوا عاقبتکم و نهایه أعمالکم و غایتها فإنّ الأمور بخواتیمها. ثمّ أمر بالاستقامه: أى على العمل. ثمّ بالصبر علیه، و حقیقته مقاومه الهوى لئلّا ینقاد إلى قبائح اللذّات فیخرج عن الصراط. ثمّ بالورع، و هو لزوم الأعمال الجمیله، و إنّما عطف النهایه و الصبر بثمّ لتأخّر نهایه العمل عنه، و کون الصبر أمرا عدمیّا فهو فی معنى المتراخی و المنفک عن العمل الّذی هو معنى وجودیّ بخلاف الاستقامه على العمل فإنّها کیفیّه له، و الورع فإنّه جزء منه، و کرّر تلک الألفاظ للتأکید، و النصب فی جمیعها على الإغراء. ثمّ أشار إلى أنّ تلک النهایه هی النهایه الّتی لهم و أمرهم بالانتهاء إلیها، و هی الأمر الّذی خلقوا لأجله أعنى الوصول إلى اللّه طاهرین عن رجس الشیطان، و هو لفظ الخبر النبویّ أیّها الناس إنّ لکم معالم فانتهوا إلى معالمکم، و إنّ لکم غایه فانتهوا إلى غایتکم فإنّ المراد بالغایه و النهایه واحد، و المراد بالمعالم حظائر القدس و منازل الملائکه، و کذلک إنّ لکم علما فاهتدوا بعلمکم: أى إلى تلک النهایه. و استعار لفظ العلم لنفسه. ثمّ أخبر أنّ للإسلام غایه و أمرهم بالانتهاء إلیها، و تلک الغایه هی النهایه المشار إلیها.

و قوله: و أخرجوا إلى اللّه. إلى قوله: وظائفه.
و قوله: و أخرجوا إلى اللّه. إلى قوله: وظائفه. فالتقدیر أخرجوا من حقّه فیما افترض علیکم، و حقّه فی فرائضه و وظائفه الإخلاص بها لوجهه. ثمّ رغّبهم فی طاعته و اتّباع أوامره بکونه شاهدا لهم یوم القیامه و محتجّا. قال بعض الشارحین: و إنّما ذکر الاحتجاج و إن کان ذلک الموقف لیس موقف محاجّه لأنّه إذا شهد لهم فکأنّه أثبت الحجّه لهم فأشبه المحاجّ، و أقول: لمّا کان إمام کلّ قوم هو المخاطب عنهم و الشهید لهم کما قال تعالى «یَوْمَ نَدْعُوا کُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ»«» و قوله «وَ نَزَعْنا مِنْ کُلِّ أُمَّهٍ شَهِیداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَکُمْ»«» و کان ذلک الموقف هو موقف السؤال و الجواب کان ذلک معنى المحاجّه و المجادله. فالخلوص من الأسئله بأجوبتها یشبه غلب المسئول بالحجّه و هو البرهان المطلوب، و جرت العاده بأنّ البرهان یکون عند المحاجّه، و کذلک الانقطاع عن الجواب یشبه کون المسئول محجوجا، و هذا الاحتجاج و الشهاده مقالیّه عند القائلین بحشر الأجساد، و حالیّه عند غیرهم. ثمّ أخبر أنّ القدر السابق فی علم اللّه قد وقع، و القضاء الماضى: أى النافذ قد تورّد: أى دخل فی الوجود شیئا فشیئا، و قد علمت فیما سلف أنّ القضاء هو العلم الإلهى بما یکون و ما هو کائن، و أنّ القدر تفصیله الواقع على وفقه لکنّه أشار بوقوع القدر هنا إلى وقع خاص و هو خلافته و ما یلزمها من الفتن و الوقایع، و روى أنّ هذه الخطبه من أوائل الخطب الّتی خطب بها أیّام بویع بعد قتل عثمان. قال بعض الشارحین: و فی هذا الکلام إشاره إلى أنّ الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أخبره أنّ الأمر سیصل إلیه فی آخر وقته، و أقول: لا شکّ أنّ وقوع هذا الأمر من القدر السابق على وفق القضاء، و لیس للّفظ إشعار بما قال هذا الفاضل. إذ کان علیه السّلام عالما بأنّ کلّ واقع فی الوجود فبقضاء من اللّه و قدر.

و قوله: و إنّى متکلّم بعده اللّه و حجّته.
و قوله: و إنّى متکلّم بعده اللّه و حجّته. أى لمّا وقع هذا الأمر إلىّ فإنّى أتکلّم بکذا، وعده اللّه ما وعد به عباده الّذین اعترفوا بربوبیّته و استقاموا على سلوک سبیله بطاعته من تنزّل الملائکه علیهم بذهاب الخوف و الحزن و البشاره بالجنّه، و أمّا حجّته الّتی تکلّم بها فقوله: و قد قلتم ربّنا اللّه: أى اعترفتم بالربوبیّته فاستقیموا على کتابه و على منهاج أمره و على الطریقه الصالحه من عبادته: أى الّتی هی عن علم و الخالصه من الریاء و النفاق من غیر أن یمرقوا منها: أى یخرجوا فیها بالتحذلق و التشدّد إلى طرف الإفراط الّذی هو ثمره الجهل، و لا تحدثوا فیها بدعه و لا تخالفوا عنها و تحیدوا یمینا و شمالا فتقعوا فی مهاوى الهلاک فإنّکم متى فعلتم ذلک فقد تمّ شرط استحقاقکم لإنجاز عدته المذکوره فإنّ ذلک الشرط مرکّب من الاعتراف بربوبیّته، و الاستقامه على الامور المذکوره فحینئذ یجب أن تفاض تلک العده، و مع فوات جزء من ذلک الشرط لا یقع المشروط فلم یتحقّق الموعود به، و ذلک معنى کون أهل المروق‏ منقطعا بهم: أى لا یجدون بلاغا یوصلهم إلى المقصد لأنّ الشرط هو البلاغ إلى المقصد الحقیقىّ. ثمّ شرع فی النهى عن النفاق لأنّ تهزیع الأخلاق تغییرها و نقلها من حال إلى حال و هو معنى تصریفها، و ذلک هو النفاق. إذ المنافق لا یلزم خلقا واحدا بل تاره یکون صادقا، و تاره کاذبا، و تاره وفیّا، و اخرى غادرا، و مع الظالمین ظالم، و مع أهل العدل عادل، و لذلک قال: و اجعلوا اللسان واحدا، و هو شروع فی الوصیّه بحال اللسان وعد له: أى لا یکوننّ أحدکم ذا لسانین و هو المنافق.. ثمّ أمر بخزنه و استلزم النهى عن امور، و هی الفضل من القول و وضعه فی غیر مواضعه و الغیبه و النمیمه و السعایه و المسابه و القذف و نحوه، و کلّها رذائل فی طرف الإفراط من فضیله العدل.

و قوله: فإنّ اللسان جموح بصاحبه.
و قوله: فإنّ اللسان جموح بصاحبه. تعلیل لذلک النهى، و إشاره إلى خروجه بصاحبه عن فضیله العدل إلى الرذائل الّتی هی موارد الهلکه فی الآخره و الدنیا کما أنّ الفرس الجموح مخرج بصاحبه إلى الهلاک، و لفظ الجموح مستعار له بهذا الاعتبار. ثمّ أقسم أنّه لا متّقى ینفعه تقواه إلّا بخزن لسانه، و هو حقّ لأنّ التقوى النافع هو تقوى التامّ، و خزن اللسان و کفّه عن الرذائل المذکوره جزء عظیم من التقوى لا یتمّ بدونه فهی إذن لا ینفع إلّا به. ثمّ نبّه على ما ینبغی عند إراده القول من التثبّت و التأمّل ما یراد النطق به و على ما لا ینبغی من القول بغیر مراجعه الفکر، و قرن الأوّل بالإیمان ترغیبا فیه، و الثانی بالنفاق تنفیرا عنه.

و قوله: لأنّ المؤمن. إلى قوله: و ما ذا علیه.
و قوله: لأنّ المؤمن. إلى قوله: و ما ذا علیه. بیان لمعنى کون اللسان وراء و أماما، و تلخیص هذا البیان أنّ الوراء فی الموضعین کنایه عن التبعیّه لأنّ لسان المؤمن تابع لقلبه فلا ینطق إلّا بعد تقدیم الفکر فیما ینبغی أن یقوله، و قلب المنافق و ذکره متأخّر عن نطقه فکان لفظ الوراء استعاره من المعنى المحسوس للمعقول فأمّا الخبر النبوىّ المذکور فهو استشهاد على أنّ الإیمان لا یتمّ إلّا باستقامه اللسان على الحقّ و خزنه عن الرذائل‏ الّتى عدّدناها و ذلک عین ما ادّعاه فی قوله: إنّ التقوى لا ینفع العبد حتّى یخزن لسانه. فأمّا برهان الخبر فهو أنّ استقامه القلب عباره عن التصدیق باللّه و رسوله و اعتقاد حقیّه ما وردت به الشریعه من المأمورات و المنهیّات، و ذلک عین الإیمان و حقیقته فإذن لا یستقیم الإیمان حتّى یستقیم القلب، و أمّا أنّه لا یستقیم القلب حتّى یستقیم اللسان فلأنّ استقامه اللسان على الإقرار بالشهادتین و لوازمها و على الإمساک عمّا لا ینبغی من الأمور المعدوده من لوازم استقامه القلب لحکمنا على غیر المقرّ بتلک الامور و القائل بها بعدم الإیمان الکامل، و لا یستقیم أمر من دون لازمه.

و قوله: فمن استطاع. إلى قوله: فلیفعل.
و قوله: فمن استطاع. إلى قوله: فلیفعل. أمر بالاجتهاد فی لقاء اللّه تعالى على أحوال، و هی نقاء الراحه من دماء المسلمین و أراد السلامه من قتل النفس، و أموالهم و أراد السلامه من الظلم، و أن یکون الإنسان سلیم اللسان من أعراضهم و أراد الکفّ عن الغیبه و السبّ، و شرط ذلک بالاستطاعه لعسره و شدّته و إن کان واجب الترک على کلّ حال، و أشدّها الکفّ عن الغیبه فإنّه یکاد أن لا یستطاع، و إلى نحو هذا إشاره الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم المسلّم من سلم المسلمون من یده و لسانه. فسلامتهم من یده سلامه دمائهم و أموالهم، و سلامتهم من لسانه سلامه أعراضهم، و أعمّ من ذلک قال بعض الحکماء: من علم أنّ لسانه جارحه من جوارحه أقلّ من إعمالها و استقبح إدامه تحریکها کما یستقبح أن یحرّک رأسه أو منکبه دائما.

و قوله: و اعلموا. إلى قوله: حرّم علیکم
و قوله: و اعلموا. إلى قوله: حرّم علیکم قال بعض الشارحین: هو إشاره إلى أنّ ما ثبت من طریق النصّ أو العاده الّتی شهد بها النصّ فی زمان الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم لا یجوز أن ینقض بالقیاس و الاجتهاد بل کلّ ما ورد به النصّ فیتبع فیه مورد النصّ فما کان حلالا بمقتضى النصّ و عمومه العام الماضى فهو فی هذا العام حلال، و کذا فی الحرام، و عموم هذا الکلام یقتضى عدم جواز نسخ النصّ و تخصیصه بالقیاس و هو مذهب الإمامیّه لاعتقادهم بطلان القول بالقیاس المتعارف، ومذهب جماعه من الاصولیّین مع اعترافهم بصحّه القیاس، و من یجوّز تخصیصه به یحمل هذا الکلام على عدم قبول القیاس فی نسخ النصّ من کتاب أو سنّه، و ما أحدثه الناس إشاره إلى القیاس.

و قوله: و لکنّ الحلال ما أحلّ اللّه و الحرام ما حرّم اللّه،
و قوله: و لکنّ الحلال ما أحلّ اللّه و الحرام ما حرّم اللّه، تأکید لاتّباع النصّ و ما کان علیه الصحابه من الدین ممّا هو معلوم بینهم دون ما أحدث من الآراء و المذاهب.

و قوله: و قد جرّبتم الامور و ضرّستموها. إلى قوله: الأمر الواضح.
و قوله: و قد جرّبتم الامور و ضرّستموها. إلى قوله: الأمر الواضح. إشاره إلى وجوه العلم و مأخذه، و وجه اتّصاله بما قبله أنّهم إذا کانوا قد أحکموا الامور تجربه، و وعّظوا بمن کان قبلهم، و ضربت لهم الأمثال، و دعوا إلى الأمر الواضح و هو الدین و طریقه فلا بدّ أن تکون نفوسهم قد استعدّت بذلک لعلم الأحکام الشرعیّه و مقاصدها من الکتاب و السنّه و عادات الرسول و الصحابه، و لا یخفى علیهم ما ابتدع بعدها، و أنّ کلّ بدعه حرام فضلا أن ترفع حکم نصّ أو سنّه سبق العلم بها، و لا یصمّ عن هذه المواعظ و الأمثال و الدعوه إلى الدین إلّا أصمّ. أى من هو شدید الصمم کما یقال: ما یجهل بهذا الأمر إلّا جاهل: أى أشدّ الناس جهلا، و کذلک لا یعمى عنه: أى لا یعمى عنه بصیره إلّا بصیره اشتدّ عماها.

و قوله: من لم ینفعه. إلى قوله: من أمامه.
و قوله: من لم ینفعه. إلى قوله: من أمامه. کلام حقّ، و ذلک أنّ الإنسان فی مبدء الفطره خال عن العلوم، و إنّما خلقت له هذه الآلات البدنیّه لیتصفّح بها صور المحسوسات و معانیها و یتنبّه لمشارکات بینها و مباینات فیحصل له التجربه و سائر العلوم الضروریّه و المکتسبه فمن لم ینتفع بالبلاء: أى بامتحان الأمور و تجاریبها، و هو إشاره إلى اعتبار الأمور و التفکّر فیها و الابتلاء بها کالوقوع فی المکاره و معاناه الأعمال و لم یستفد منها علما فظاهر أنّه لا ینفعه العظه لأنّ العظه فرع تصفّح الأمور و اعتبار آیات اللّه منها، و محال أن یحصل فرع من دون أصله و حینئذ یأتیه النقص فی کمال نفسه و وجوه مصالحه، و یحتمل أن لا یرید بالعظه الاتّعاظ بل الموعظه، و ظاهر أنّ الموعظه أیضا لا ینفعه لأنّ البلاء بالمکاره و الوقائع النازله أقوى فعلا فی النفس و أکثر تأثیراً فإذا لم ینتفع بها و لم یستفد منها علما فبالأولى أن لا ینتفع بالموعظه.

و قوله: من أمامه.
و قوله: من أمامه. لأنّ الکمالات الّتی یتوجّه إلیها بوجه عقله تفوته لنقصان تجربته و وقوف عقله عنها فأشبه فوتها له مع طلبه لها إتیان النقصان له من أمامه.

و قوله: حتّى یعرف ما أنکر و ینکر ما عرف.
و قوله: حتّى یعرف ما أنکر و ینکر ما عرف. إشاره إلى غایه نقصانه، و هی الاختلاط و الحکم على غیر بصیره فتاره یتخیّل فیما أنکره و جهله أنّه عارف بحقیقته، و تاره ینکر ما کان یعرفه و یحکم بصحّته لخیال یطرأ علیه. ثمّ قسّم لهم الناس إلى قسمین: فقسم متّبع شرعه: أى طریقه و منهاجا و هو منهاج الدین، و قسم مبتدع بدعه بغیر برهان سنّه من اللّه یعتمد علیه، و لا ضیاء حجّه یقوده فی ظلمات الجهل لیلحقوا بأفضل القسمین.

و قوله: إنّ اللّه سبحانه لم یعظ أحداً بمثل هذا القرآن.
و قوله: إنّ اللّه سبحانه لم یعظ أحداً بمثل هذا القرآن. رجوع إلى ممادح القرآن، و استعار له ألفاظا: الأوّل: لفظ الحبل، و رشّح بالمتین، و قد عرفت وجه هذا الاستعاره مراراً. الثانی: و کذلک سببه الأمین. الثالث: لفظ الربیع، و وجهها أنّ القلوب یحیى به کما یحیى الأنعام بالربیع. الرابع: لفظ الینابیع، و وجهها أنّ العلوم عند تدبّره و التفهم عنه تغیض عنه و ینتفع بها کما یغیض الماء عن الینابیع. الخامس: لفظ الجلاء، و وجهها أنّ الفهم عنه یکشف عن القلوب صداء الجهل کما یجلو الصیقل المرآه.
فإن قلت: فلم قال: و لیس للقلب جلاء غیره مع أنّ سائر العلوم جلاء له.
فالجواب من وجهین: أحدهما: أنّ العلوم الجالیه للقلب هی المعدّه لسلوک سبیل اللّه و الوصول إلى الغایه من الکمال النفسانىّ کالعلوم الإلهیّه، و علم الأخلاق و أحوال المعاد، و لا علم منها إلّا و فی القرآن أصله و مادّته و هو مقتبس من القرآن. الثانی: أنّ هذا الکلام صدر عنه علیه السّلام و لم یکن فی ذلک الزمان علم مدوّن و لا استفاده للمسلمین إلّا من

و قوله: مع أنّه قد ذهب المتذکّرون
و قوله: مع أنّه قد ذهب المتذکّرون: أى المتدبّرون لمقاصد القرآن، و بقى الناسون له و المتناسون المتعمّدون للتشاغل و النسیان للجواذب إلى اللّه، و هو فی معنى التوبیخ لهم. ثمّ أمرهم بإعانه من یعمل الخیر على فعله، و وجوه الإعانه کثیره. ثمّ بالإعراض عن الشرّ و إنکاره عند رؤیته و استشهد على وجوب امتثال أمره بالخبر النبوىّ، و قد نبّه الخبر على وجوب عمل الخیر و الانتهاء عن الشرّ باستلزام ذلک لکون فاعله جوادا قاصدا، و استعار وصفى الجواد القاصد، و وجه المشابهه أنّ العامل للخیر المنتهى عن الشرّ مستقیم على طریق اللّه فلا تعریج فی طریقه و لا اعوجاج فیکون سیره فی سلوک سبیل اللّه أسرع سیر کالجواد من الخیل المستقیم على الطریق. ثمّ قسّم علیه السّلام الظلم إلى ثلاثه أقسام: الأوّل: الظلم الّذی لا یغفر أصلا. و هو ظلم النفس بالشرک باللّه، و برهانه النصّ و المعقول: أمّا النصّ فقوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ لا یَغْفِرُ أَنْ یُشْرَکَ بِهِ» و أمّا المعقول فلأنّ المغفره عباره إمّا عن محو آثار الجرائم عن ألواح النفوس أو عمّا یلزم ذلک من ستر اللّه على النفوس أن تحترق بنار جهنّم، و الهیئات البدنیّه الّتی حجبت نفوس المشرکین عن معرفه اللّه هیئات متمکّنه من تلک النفوس قد صارت ملکات لا یمکن زوالها مع عدم مسکتهم بالمعارف الإلهیّه فهم فی العذاب ماکثون، و فی سلاسل تلک الهیئات و أغلالها مکبّلون فإذن لا یتحقّق المغفره فی حقّهم لعدم مخلصهم منها و جاذبهم عنها و هی عصمه المعرفه. الثانی: ظلم لا یترک: أى لا بدّ من أخذ فاعله بالعقوبه و القصاص به، و هو ظلم العباد بعضهم لبعض، و إلیه الإشاره بقوله: یوم یقتصّ للجماء من القرناء، و هذا الظالم إن کانت له مسکه ببعض عصم النجاه من المعارف الإلهیّه وجب خلاصه من العذاب بعد حین لکن یتفاوت مکثه بحسب تفاوت شدّه تمکّن تلک الهیئات الردیئه من نفسه و ضعفها، و إلیه أشار الخبر النبوىّ یخرجون من النار بعد ما یصیرون حمما و فحما.
و الثالث: الظلم الّذی یغفر و لا یطلب و هو ظلم العبد نفسه عند ارتکابه بعض‏ صغائر الزلّات، و هی الّتی لا تکسب النفس هیئه ردیئه باقیه بل حاله یسرع زوالها، و إلیه الإشاره بقوله تعالى «وَ یَسْتَعْجِلُونَکَ بِالسَّیِّئَهِ قَبْلَ الْحَسَنَهِ وَ قَدْ خَلَتْ»«» أى فی حال کونهم ظالمین: ثمّ أخذ فی التحذیر من الظلم بذکر شدّه القصاص فی الآخره، و صدق أنّه لیس جرحا بمدیه و لا ضربا بسوط کقصاص الدنیا، و لکنّه ما یستصغر ذلک معه من العقوبات بالنار المشهوره أوصافها، و روى عن الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم أنّه کان جالسا فی أصحابه فسمع هدّه. فقال: هذا حجر أرسله اللّه تعالى من شفیر جهنّم فهو یهوى فیها منذ سبعین خریفا حتّى بلغ الآن قعرها فهذا بعض أوصافها المحسوسه.
و اعلم أنّ لهذا الخبر تماما ما یکشف سرّه، و هو أنّ الراوى قال: فسمعنا بعد ذلک صیحه و صراخا فقلنا: ما هذا فقالوا: فلان المنافق مات و کان عمره یومئذ سبعین سنه. قال بعض من تلطّف: إنّ المراد بجهنّم المشار إلیها هی الدنیا و متاعها. و بالحجر هو ذلک المنافق استعاره، و وجه المشابهه أنّ ذلک المنافق لم ینتفع بوجوده مدّه حیاته و لم تکسب نفسه خیرا فأشبه الحجر فی ذلک، و إرسال اللّه تعالى له هو إفاضته علیه ما استعدّ له من اتّباع هواه فیها و الانهماک فی شهوتها و التیه عن سبیله المشار إلیه بقوله «یُضِلُّ مَنْ یَشاءُ» و شفیرها هو أوّلها بالنسبه إلیه و ذلک حین استعداده للانهماک فیها، و أوّل الامور القائده له فی طرق الضلال من متاعها و لذّاتها، و هویّه فیها سبعین خریفا هو انهماکه فیها مدّه عمره، و بلوغه قعرها هو وصوله بموته إلى غایه العذاب بسبب ما اکتسب منها من ملکات السوء کما أومأنا إلیه غیر مرّه. ثمّ نهى عن التلوّن فی دین اللّه، و کنّى به عن منافقه بعضهم لبعض فإنّ ذلک یستلزم الفرقه و لذلک. قال: فإنّ جماعه فیما تکرهون من الحقّ خیر من فرقه فیما تحبّون من الباطل: أى فإنّ الاجتماع على الحقّ المکروه إلیکم کالحرب مثلا خیر لکم من الافتراق فی الباطل المحبوب عندکم کمتاع الدنیا. ثمّ تمّم النهى عن الفرقه و قال: فإنّ اللّه لم یعط أحدا بفرقه خیراً لا من الماضین و لا من الباقین، و لمّا کان الخیر فی الاجتماع و الالفه و المحبّه حتّى یصیر الناس کرجل واحد و یتمّ نظام العالم بذلک کان فی الفرقه أضداد ذلک و کذلک ما روى عن الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم من فارق الجماعه قید شبر فقد خلع ربقه الإسلام من عنقه، و قد سبق بیان فضیله الاجتماع. ثمّ أعاد النهى عن الغیبه للناس بذکر معایبهم و نبّه من عساه أن یستحیى من نفسه بأنّ لکلّ عیبا ینبغی أن یشتغل به، و طوبى فعلى من الطیب، و الواو منقلبه عن الیاء، و قیل: هى اسم شجره فی الجنّه، و على التقدیرین مبتداء. ثمّ نبّه على فضل العزله و لزوم البیت للاشتغال بطاعه اللّه و البکاء على الخطیئه و الندم علیها.

و قوله: و کان من نفسه فی شغل. إلى آخر ما ذکره ثمره العزله.
و قوله: و کان من نفسه فی شغل. إلى آخر ما ذکره ثمره العزله. و اعلم أنّ الناس قد اختلفوا فی أنّ العزله أفضل أم المخالطه ففضّل جماعه من مشاهیر الصوفیّه و العارفین العزله منهم إبراهیم بن أدهم و سفیان الثورى، و داود الطائى و الفضیل بن عیاض و سلیمان الخواص و بشر الحافی، و فضّل الآخرین المخالطه و منهم الشعبى و ابن أبى لیلى و هشام بن عروه و ابن شبرمه و ابن عیینه و ابن المبارک، و احتجّ الأوّلون بالنقل و العقل: أمّا النقل فقوله صلّى اللّه علیه و آله و سلم لعبد اللّه بن عامر الجهنى لمّا سأله عن طریق النجاه. فقال: لیسعک بیتک و أمسک علیک لسانک و ابک على خطیئتک. و قیل له صلّى اللّه علیه و آله و سلم: أىّ الناس أفضل. فقال: رجل معتزل فی شعب من الشعاب یعبد ربّه و یدع الناس من شرّه، و قال صلّى اللّه علیه و آله و سلم: یحبّ التقى النقى الخفىّ، و أمّا العقل فهو أنّ فی العزله فوائد مطلوبه للّه لا توجد فی المخالطه فکانت أشرف منها الفراغ لعباده اللّه و الذکر له و الاستیناس بمناجاته و الاستکشاف لأسراره فی امور الدنیا و الآخره من ملکوت السماوات و الأرض، و لذلک کان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم یتعبّد بجبل حراء و یعتزل به حتّى آتته النبوّه، و احتجّ الآخرون بالقرآن و السنّه: أمّا القرآن فقوله تعالى «فَأَلَّفَ بَیْنَ قُلُوبِکُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً»«» و قوله «وَ لا تَکُونُوا کَالَّذِینَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا»«» و معلوم أنّ العزله تنفى تألّف القلوب و توجب تفرّقها، و أمّا السنّه فقوله صلّى اللّه علیه و آله و سلم: من فارق الجماعه قید شبر فقد خلع ربقه الإسلام عن عنقه. و ما روى أنّ رجلا أتى جبلا یعبد اللّه فیه فجاء به أهله إلى الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم فنهاه عن ذلک. و قال له: إنّ صبر المسلم فی بعض مواطن الجهاد یوما واحدا خیر له من عباده أربعین سنه، و أقول: إنّ کلا الاحتجاجین صحیح لکنّه لیس أفضلیّه العزله مطلقا و لا أفضلیّه المخالطه مطلقا بل کلّ فی حقّ بعض الناس بحسب مصلحته، و فی بعض الأوقات بحسب ما یشتمل علیه من المصلحه.

و اعلم أنّه من أراد أن یعرف مقاصد الأنبیاء علیهم السّلام فی أوامرهم و تدبیراتهم فینبغی أن یتعرّف طرفا من قوانین الأطبّاء، و مقاصدهم من العبارات المطلقه لهم فإنّه کما أنّ الأطبّاء هم المعالجون للأبدان بأنواع الأدویه و العلاجات لغایه بقائها على صلاحها أو رجوعها إلى العافیه من الأمراض البدنیّه کذلک الأنبیاء علیهم السّلام و من یقوم مقامهم فإنّهم أطبّاء النفوس و المبعوثون لعلاجها من الأمراض النفسانیّه کالجهل و سائر رذائل الأخلاق بأنواع الکلام من الآداب و المواعظ و النواهى و الضرب و القتل، و کما أنّ الطبیب قد یقول الدواء الفلانى نافع من المرض الفلانى، و لا یعنى به فی کلّ الأمزجه بل فی بعضها کذلک الأنبیاء و الأولیاء إذا أطلقوا القول فی شی‏ء أنّه نافع کالعزله مثلا فإنّهم لا یریدون أنّها نافعه لکلّ إنسان، و کما أنّ الطبیب قد یصف لبعض المرضى دواء و یرى شفائه فیه و یرى أنّ ذلک الدواء بعینه لمریض آخر کالسم‏ ّ القاتل و یعالجه بغیره کذلک الأنبیاء علیهم السّلام قد یرون أنّ بعض الامور دواء لبعض النفوس فیقتصرون علیه، و قد یرون أنّ بعض الأوامر علاج لبعض النفوس کالأمر بالعزله و الحثّ علیها لبعض الناس، و قد یرون أنّ ذلک العلاج بعینه مضرّ لغیر تلک النفس فیأمرونها بضدّ ذلک کالأمر بالمخالطه و المعاشره، و أکثر ما یختارون العزله لمن بلغ رتبه من الکمال فی قوّتیه النظریّه و العملیّه، و استغنى عن مخالطه کثیر من الناس لأنّ أکثر الکمالات الإنسانیّه من العلوم و الأخلاق إنّما تحصل بالمخالطه خصوصا إذا کان ذلک الإنسان أعنى المأمور بالعزله خالیا عن عائله یحتاج أن یتکسب لهم، و أکثر ما یختارون المخالطه و الاجتماع لتحصّل الألفه و الإتّحاد بالمحبّه، و للاتّحاد غایتان کلّیّتان: إحداهما: حفظ أصل الدین و تقویته بالجهاد، و الثانیه: تحصیل الکمالات الّتی بها نظام أمر الدارین لأنّ أکثر العلوم و الأخلاق یستفاد من العشره و المخالطه کما بیّنّاه. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۳۴۹

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۷۴ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السلام

أَیُّهَا النَّاسُ غَیْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ- وَ التَّارِکُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ- مَا لِی أَرَاکُمْ عَنِ اللَّهِ ذَاهِبِینَ وَ إِلَى غَیْرِهِ رَاغِبِینَ- کَأَنَّکُمْ نَعَمٌ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إِلَى مَرْعًى وَبِیٍّ وَ مَشْرَبٍ دَوِیٍّ- وَ إِنَّمَا هِیَ کَالْمَعْلُوفَهِ لِلْمُدَى لَا تَعْرِفُ مَا ذَا یُرَادُ بِهَا- إِذَا أُحْسِنَ إِلَیْهَا تَحْسَبُ یَوْمَهَا دَهْرَهَا وَ شِبَعَهَا أَمْرَهَا- وَ اللَّهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ کُلَّ رَجُلٍ مِنْکُمْ- بِمَخْرَجِهِ وَ مَوْلِجِهِ وَ جَمِیعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ- وَ لَکِنْ أَخَافُ أَنْ تَکْفُرُوا فِیَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ص- أَلَا وَ إِنِّی مُفْضِیهِ إِلَى الْخَاصَّهِ مِمَّنْ یُؤْمَنُ ذَلِکَ مِنْهُ- وَ الَّذِی بَعَثَهُ بِالْحَقِّ وَ اصْطَفَاهُ عَلَى الْخَلْقِ- مَا أَنْطِقُ إِلَّا صَادِقاً- وَ قَدْ عَهِدَ إِلَیَّ بِذَلِکَ کُلِّهِ وَ بِمَهْلِکِ مَنْ یَهْلِکُ- وَ مَنْجَى مَنْ یَنْجُو وَ مَآلِ هَذَا الْأَمْرِ- وَ مَا أَبْقَى شَیْئاً یَمُرُّ عَلَى رَأْسِی إِلَّا أَفْرَغَهُ فِی أُذُنَیَّ- وَ أَفْضَى بِهِ إِلَیَّ- أَیُّهَا النَّاسُ إِنِّی وَ اللَّهِ مَا أَحُثُّکُمْ عَلَى طَاعَهٍ- إِلَّا وَ أَسْبِقُکُمْ إِلَیْهَا- وَ لَا أَنْهَاکُمْ‏ عَنْ مَعْصِیَهٍ إِلَّا وَ أَتَنَاهَى قَبْلَکُمْ عَنْهَا

اللغه

أقول: السائم: الراعى.

و الوبىّ: محلّ الوباء.

و الدوىّ: محلّ الداء.

و المدى: جمع مدیه، و هی السکین.

المعنى

و الخطاب عامّ. و کونهم غافلین: أى عمّا یراد بهم من أمر الآخره، و غیر مغفول عنهم: أى أنّ أعمالهم محصّله فی اللوح المحفوظ. و تارکین: أى لما امروا به من الطاعه، المأخوذ منهم: أى منتقص من أعمارهم و قیناتهم الدنیویّه من مال و أهل. ثمّ نبّههم على ذهابهم عن اللّه و هو التفاتهم عن طاعته و رغبتهم فی غیره و هو الحیاه الدنیا و زینتها. ثمّ شبّههم فی ذلک بالنعم الّتی أراح بها راعیها إلى مرعى کثیر الوباء و الداء. و وجه الشبه أنّهم لغفلتهم کالنعم و نفوسهم الأمّاره بالسوء القائده لهم إلى المعاصى کالراعى القائد إلى المرعى الوبیّ و لذّات الدنیا و مشتهیاتها، و کون تلک اللذّات و المشتهیات محلّ الآثام الّتی هی مظنّه الهلاک الاخروىّ و الداء الدویّ تشبه المرعى الوبیّ و المشرب الدوىّ. و قوله: و إنّما هی کالمعلوفه. تشبیه آخر لهم بمعلوفه النعم، و وجه الشبه أنّهم لعنایتهم بلذّات الدنیا من المطاعم و المشارب کالنعم المعتنى بعلفها، و کون ذلک التلذّذ غایته الموت تشبه غایه المعلوفه و هی الذبح، و کونهم غافلین من غایه الموت و ما یراد بهم یشبه غفله النعم عن غایتها من الذبح، و کونهم یظنّون أنّ الإحسان إلیهم ببسط اللذّات الدنیویّه فی بعض الأوقات دائم فی جمیع أوقاتهم و، أنّ شبعهم فی هذه الحیاه و ریّهم هو غایتهم الّتی خلقوا لأجلها و تمام أمرهم یشبه غفله النعم فی حال حضور علفها فی بعض الأوقات عمّا بعده من الأوقات و توهّمها أنّ ذلک غایتها الّتی خلقت لأجلها، و وجه هذا الشبه مرکّب من هذه الوجوه. ثمّ أقسم أنّه لو شاء لأخبر کلّ رجل منهم بمواضع تصرّفاته و حرکاته و جمیع أحواله. و هو کقول المسیح علیه السّلام: و أنبّئکم بما تأکلون و ما تدّخرون فی بیوتکم.«» و قد علمت إمکان ذلک‏ العلم و سببه فی حقّ الأنبیاء و الأولیاء فی مقدّمه الکتاب. و قوله: و لکن أخاف أن تکفروا فیّ برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلم. أى أخاف أن تغلوا فی أمرى، و تفضّلونی على رسول اللّه. بل کان یخاف أن یکفروا فیه باللّه کما ادّعت النصارى فی المسیح حیث أخبرهم بالأمور الغایبه. ثمّ قال: ألا و إنّى مفضیه إلى الخاصّه: أى أهل العلم و الثبات من أصحابه ممّن یؤمن ذلک الکفر منه، و هکذا شأن العلماء و أساطین الحکمه رأیهم أن لا یضعو العلم إلّا فی أهله. هذا مع أنّ من الناس من یدّعى فیه النبوّه و أنّه شریک محمّد فی الرساله، و منهم من ادّعى أنّه إله، و هو الّذی أرسل محمّدا. إلى غیر ذلک من الضلال. و فیه یقول بعض شعرائهم:

        و من أهلک عادا و ثمود بدوا هیه         و من کلّم موسى فوق طور إذ ینادیه‏
        و من قال على المنبر یوما و هو راقیه   سلونى أیّها الناس. فحاروا فی معانیه‏

و قول الآخر:

           إنّما خالق الخلائق من               زعزع أرکان خیبر جذبا
           قد رضینا به إماما و مولى‏           و سجدنا له إلها و ربّا

ثمّ أقسم أنّه ما نطق إلّا صادقا فیما یخبر به من هذه الامور، و أخبر أنّ الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم عهد إلیه بذلک و بمهلک من یهلک. إلى قوله: و أفضى به إلىّ: أى ألقاه إلىّ و أعلمنى به. و ذلک التعلیم منه ما یکون على وجه جزئىّ أعنى أن یخبره بواقعه واقعه، و منه ما یکون على وجه کلّىّ: أى یلقى إلیه اصولا کلّیّه یعدّ ذهنه بها لاستفاضته الصور الجزئیّه من واهب الصور کما سبق تقریره. و ممّا نقل عنه من ذلک فی بعض خطبته الّتى یشیر فیها إلى الملاحم یؤمى به إلى القرامطه: ینتحلون لنا الحبّ و الهوى و یضمرون لنا البغض و القلى و آیه ذلک قتلهم ورّاثنا و هجرهم أحداثنا. و صحّ ما أخبر عنه لأنّ القرامطه قتلت من آل أبى طالب خلقا کثیرا. و أسماؤهم مذکوره فی کتاب مقاتل الطالبیّین لأبی الفرج الإصبهانىّ.
قال بعض الشارحین: و من هذه الخطبه- و هو یشیر إلى الساریه الّتی کانت‏

یستند إلیها فی مسجد الکوفه- : کأنّى بالحجر الأسود منصوبا هاهنا و یحهم إنّ فضیلته لیست فی نفسه بل فی موضعه و أنّه یمکث هاهنا مدّه ثمّ هاهنا مدّه- و أشار إلى مواضع- ثمّ یعود إلى ما وراءه و یأمّ مثواه. و وقع من القرامطه فی الحجر الأسود بموجب ما أخبر به علیه السّلام.
و أقول: فی هذا النقل نظر لأنّ المشهور أنّ القرامطه نقلوا الحجر الأسود إلى أرض البحرین، و بنوا له موضعا وضعوه فیه یسمّى إلى الآن بالکعبه، و بقى هناک مدّه ثمّ أعید إلى مکّه، و روی أنّه مات فی المجی‏ء به خمسه و عشرون بعیرا و عاد به إلى مکّه بعیر لیس بالقوىّ، و ذلک من أسرار دین اللّه تعالى، و لم ینقل أنّهم نقلوه مرّتین، و اللّه أعلم.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۳۴۶

 

بازدیدها: ۰

خطبه۱۷۳ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام فی طلحه بن عبید اللّه

قَدْ کُنْتُ وَ مَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ- وَ لَا أُرَهَّبُ بِالضَّرْبِ- وَ أَنَا عَلَى مَا قَدْ وَعَدَنِی رَبِّی مِنَ النَّصْرِ- وَ اللَّهِ مَا اسْتَعْجَلَ مُتَجَرِّداً لِلطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ- إِلَّا خَوْفاً مِنْ أَنْ یُطَالَبَ بِدَمِهِ لِأَنَّهُ مَظِنَّتُهُ- وَ لَمْ یَکُنْ فِی الْقَوْمِ أَحْرَصُ عَلَیْهِ مِنْهُ- فَأَرَادَ أَنْ یُغَالِطَ بِمَا أَجْلَبَ فِیهِ- لِیَلْتَبِسَ الْأَمْرُ وَ یَقَعَ الشَّکُّ- . وَ وَ اللَّهِ مَا صَنَعَ فِی أَمْرِ عُثْمَانَ وَاحِدَهً مِنْ ثَلَاثٍ- لَئِنْ کَانَ ابْنُ عَفَّانَ ظَالِماً کَمَا کَانَ یَزْعُمُ- لَقَدْ کَانَ یَنْبَغِی لَهُ أَنْ یُوَازِرَ قَاتِلِیهِ- وَ أَنْ یُنَابِذَ نَاصِرِیهِ- . وَ لَئِنْ کَانَ مَظْلُوماً- لَقَدْ کَانَ یَنْبَغِی لَهُ أَنْ یَکُونَ مِنَ الْمُنَهْنِهِینَ عَنْهُ- وَ الْمُعَذِّرِینَ فِیهِ- وَ لَئِنْ کَانَ فِی شَکٍّ مِنَ الْخَصْلَتَیْنِ- لَقَدْ کَانَ یَنْبَغِی لَهُ أَنْ یَعْتَزِلَهُ- وَ یَرْکُدَ جَانِباً وَ یَدَعَ النَّاسَ مَعَهُ- فَمَا فَعَلَ وَاحِدَهً مِنَ الثَّلَاثِ- وَ جَاءَ بِأَمْرٍ لَمْ یُعْرَفْ بَابُهُ وَ لَمْ تَسْلَمْ مَعَاذِیرُهُ أقول: هذا الفصل من کلام قاله حین بلغه خروج طلحه و الزبیر إلى البصره.و تهدیدهم بالحرب.

اللغه

و نهنه عنه: کفّ و زجر.

و المعذرین بالتخفیف: المتعذّرین عنه.

و بالتشدید المظهرین للعذر مع أنّه لا عذر.

و رکد: سکن.

المعنى

فقوله: و قد کنت. إلى قوله: النصر.

جواب لتهدیدهم. و قد مرّت هذه الألفاظ بعینها مشروحه إلّا أنّ هناک: و إنّى على یقین من ربّى. و هنا: و أنا على ما قد وعدنى ربّى من النصر. و ذلک الّذی هو علیه هو الیقین بالنصر على لسان الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم، و الواو فی قوله: و ما اهدّد للحال. و کان تامّه. و قوله: و اللّه ما استعجل. إلى قوله: و یقع الشکّ. إشاره إلى شبهتهم فی الخروج إلى البصره. و هی الطلب بدم عثمان، ثمّ إلى معارضه هذه الشبهه و هی أنّ خروجه لیس إلّا خوفا من أن یطلب بدمه لأنّه مظنّه ذلک. و قد سبقت منّا الإشاره إلى دخول طلحه فی تحریص الناس على قتل عثمان و جمعه لهم فی داره. و روى أنّه منع الناس من دفنه ثلاثه أیّام، و أنّ حکیم بن حزام و جبیر بن مطعم استنجدا بعلىّ فی دفنه فأقعد لهم طلحه فی الطریق اناسا یرمونهم بالحجاره فخرج به نفر من أهله یریدون به حائطا فی المدینه یعرف بحشّ کوکب کانت الیهود تدفن فیه موتاهم فلمّا صار هناک رجم سریره فهمّوا بطرحه فأرسل إلیهم علىّ علیه السّلام فکفّهم عنه حتّى دفن بحشّ کوکب. و روى أنّه جادل فی دفنه بمقابر المسلمین و قال: ینبغی أن یدفن بدیر سلع یعنی مقابر الیهود.
و بالجمله فهو کما قال علیه السّلام: لم یکن فی القوم أحرص منه على قتله لکنّه أراد أن یغالط بما أجلب فی الطلب بدمه لیلتبس الأمر و یقع الشکّ فی دخوله فی قتله. و قوله: و و اللّه ما صنع فی أمر عثمان. إلى آخره. صوره احتجاج علیه و قطع لعذره فی الخروج و الطلب بدمه بقیاس شرطىّ منفصل، و تقریره أنّ حاله فی أمر عثمان و خروجه فی طلب دمه لا تخلو من امور ثلاثه فإنّه إمّا أن یعلم أنّه کان ظالما أو یعلم أنّه کان مظلوما أو یشکّ فی الأمرین و یتوقّف فیهما فإن کان الأوّل فقد کان الواجب علیه أن یساعد قاتلیه و یوازرهم و ینابذ ناصریه لوجوب إنکار المنکر علیه. و هو قد عکس الحال لأنّه نابذ قاتلیه و ثار فی طلب دمه مع ناصریه ممّن توهّم فیه ذلک، و إن کان الثانی فقد کان یجب علیه أن یکون ممّن یکفّ الناس عنه و یعتذر عنه فیما فعل لوجوب إنکار المنکر أیضا مع أنّه ممّن وازر علیه الناس و أظهر أحداثه و عظّمها کما هو المنقول المشهور عنه، و إن کان الثالث فقد کان الواجب علیه أن یعتزله و یسکن عن الخوض فی أمره و لم یفعل ذلک بل ثار فی طلب دمه. فکان فی هذه الأحوال الثلاثه محجوجاً فی خروجه و نکثه للبیعه. فإذن ما جاء به من ذلک أمر لا یعرف بابه: أى وجه دخوله فیه، و لم یسلّم فیه عذر. و باللّه التوفیق.

 

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۳۴۴

بازدیدها: ۰

خطبه۱۷۲ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

أَمِینُ وَحْیِهِ وَ خَاتَمُ رُسُلِهِ- وَ بَشِیرُ رَحْمَتِهِ وَ نَذِیرُ نِقْمَتِهِ أَیُّهَا النَّاسُ- إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَیْهِ- وَ أَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ فِیهِ- فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبٌ اسْتُعْتِبَ فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ- وَ لَعَمْرِی لَئِنْ کَانَتِ الْإِمَامَهُ لَا تَنْعَقِدُ- حَتَّى یَحْضُرَهَا عَامَّهُ النَّاسِ فَمَا إِلَى ذَلِکَ سَبِیلٌ- وَ لَکِنْ أَهْلُهَا یَحْکُمُونَ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهَا- ثُمَّ لَیْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ یَرْجِعَ وَ لَا لِلْغَائِبِ أَنْ یَخْتَارَ- أَلَا وَ إِنِّی أُقَاتِلُ رَجُلَیْنِ- رَجُلًا ادَّعَى مَا لَیْسَ لَهُ وَ آخَرَ مَنَعَ الَّذِی عَلَیْهِ أُوصِیکُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- فَإِنَّهَا خَیْرُ مَا تَوَاصَى الْعِبَادُ بِهِ- وَ خَیْرُ عَوَاقِبِ الْأُمُورِ عِنْدَ اللَّهِ- وَ قَدْ فُتِحَ بَابُ الْحَرْبِ بَیْنَکُمْ وَ بَیْنَ أَهْلِ الْقِبْلَهِ- وَ لَا یَحْمِلُ هَذَا الْعَلَمَ إِلَّا أَهْلُ الْبَصَرِ وَ الصَّبْرِ- وَ الْعِلْمِ بِمَوَاقِعِ الْحَقِّ- فَامْضُوا لِمَا تُؤْمَرُونَ بِهِ وَ قِفُوا عِنْدَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ- وَ لَا تَعْجَلُوا فِی أَمْرٍ حَتَّى تَتَبَیَّنُوا- فَإِنَّ لَنَا مَعَ کُلِّ أَمْرٍ تُنْکِرُونَهُ غِیَراً

أَلَا وَ إِنَّ هَذِهِ الدُّنْیَا الَّتِی أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّوْنَهَا- وَ تَرْغَبُونَ فِیهَا وَ أَصْبَحَتْ تُغْضِبُکُمْ وَ تُرْضِیکُمْ- لَیْسَتْ بِدَارِکُمْ وَ لَا مَنْزِلِکُمُ الَّذِی خُلِقْتُمْ لَهُ- وَ لَا الَّذِی دُعِیتُمْ إِلَیْهِ- أَلَا وَ إِنَّهَا لَیْسَتْ بِبَاقِیَهٍ لَکُمْ وَ لَا تَبْقَوْنَ عَلَیْهَا- وَ هِیَ وَ إِنْ غَرَّتْکُمْ مِنْهَا فَقَدْ حَذَّرَتْکُمْ شَرَّهَا- فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِیرِهَا وَ أَطْمَاعَهَا لِتَخْوِیفِهَا- وَ سَابِقُوا فِیهَا إِلَى الدَّارِ الَّتِی دُعِیتُمْ إِلَیْهَا- وَ انْصَرِفُوا بِقُلُوبِکُمْ عَنْهَا- وَ لَا یَخِنَّنَّ أَحَدُکُمْ خَنِینَ الْأَمَهِ عَلَى مَا زُوِیَ عَنْهُ مِنْهَا- وَ اسْتَتِمُّوا نِعْمَهَ اللَّهِ عَلَیْکُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَهِ اللَّهِ- وَ الْمُحَافَظَهِ عَلَى مَا اسْتَحْفَظَکُمْ مِنْ کِتَابِهِ- أَلَا وَ إِنَّهُ لَا یَضُرُّکُمْ تَضْیِیعُ شَیْ‏ءٍ مِنْ دُنْیَاکُمْ- بَعْدَ حِفْظِکُمْ قَائِمَهَ دِینِکُمْ- أَلَا وَ إِنَّهُ لَا یَنْفَعُکُمْ بَعْدَ تَضْیِیعِ دِینِکُمْ شَیْ‏ءٌ- حَافَظْتُمْ عَلَیْهِ مِنْ أَمْرِ دُنْیَاکُمْ- أَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَ قُلُوبِکُمْ إِلَى الْحَقِّ- وَ أَلْهَمَنَا وَ إِیَّاکُمُ الصَّبْرَ

المعنى

أقول: صدر هذا الفصل من ممادح الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم
فشهاده کونه أمینا على التنزیل من التحریف و التبدیل العصمه، و شهاده ختامه للرسل قوله تعالى «وَ خاتَمَ النَّبِیِّینَ» و کونه بشیر رحمته بالثواب الجزیل و نذیر نقمته بالعذاب الوبیل قوله تعالى «إِنَّا أَرْسَلْناکَ بِالْحَقِّ بَشِیراً وَ نَذِیراً».

ثمّ أردفه ببیان أحکام:

الأوّل: بیان أحکام الّذی هو أحقّ الناس بأمر الخلافه
و حصر الأحقّ به فی أمرین: أحدهما أقوى الناس علیه و هو الأکمل قدره على السیاسه و الأکمل علما بمواقعها و کیفیّاتها و کیفیّه تدبیر المدن و الحروب و ذلک یستلزم کونه أشجع الناس. و الثانی أعملهم بأوامر اللّه فیه، و مفهوم الأعمل بأوامر اللّه یستلزم الأعلم باصول الدین و فروعه لیضع الأعمال مواضعها، و یستلزم أشدّ حفاظا على مراعاه حدود اللّه‏ و العمل بها، و ذلک یستلزم کونه أزهد الناس و أعفّهم و أعدلهم. و لمّا کانت هذه الفضائل مجتمعه له علیه السّلام کان إشاره إلى نفسه، و روى عوض أعملهم أعلمهم.

الثانی: فی بیان حکم المشاغب للإمام بعد انعقاد بیعته
و هو أنّه یستعتب: أى أنّه فی أوّل مشاغبته یطلب منه العتبى و الرجوع إلى الحقّ و الطاعه بلین القول فإن أبى قوتل و ذلک الحکم مقتضى قوله تعالى «وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَیْنَهُما»«» الآیه.

الثالث: بیان کیفیّه انعقاد الإمامه بالإجماع
فبیّن بقوله: و لعمرى. إلى قوله: ما إلى ذلک سبیل. أنّ الإجماع لا یعتبر فیه دخول جمیع الناس حتّى العوامّ.

إذ لو کان ذلک شرطا لأدّى إلى أن لا ینعقد إجماع قطّ فلم تصحّ إمامه أحد أبدا لتعذّر اجتماع المسلمین بأسرهم من أطراف الأرض بل المعتبر فی الإجماع اتّفاق أهل الحلّ و العقد من امّه محمّد صلّى اللّه علیه و آله و سلم على بعض الأمور، و هم العلماء، و قد کانوا بأسرهم مجتمعین حین بیعته علیه السّلام فلیس لأحد منهم بعد انعقادها أن یرجع، و لا لمن عداهم من العوامّ و من غاب عنهما أن یختاروا غیر من أجمع هؤلاء علیه. فإن قلت: إنّه علیه السّلام إنّما احتجّ على القوم بالإجماع على بیعته، و لو کان متمسّک آخر من نصّ أو غیره لکان احتجاجه بالنصّ أولى فلم یعدل إلى دعوى الإجماع.
قلت: احتجاجه بالإجماع لا یتعرّض لنفى النصّ و لا لإثباته بل یجوز أن یکون النصّ موجودا، و إنّما احتجّ علیهم بالإجماع لاتّفاقهم على العمل به فیمن سبق من الأئمّه، و لأنّه یحتمل أن یکون سکوته عنه لعلمه بأنّه لا یلتفت إلى ذکره على تقدیر وجوده لأنّه لمّا لم یلتفت إلیه فی مبدء الأمر حین موت الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلم فبالأولى أن لا یلتفت إلیه الآن و قد طالت المدّه و بعد العهد فلم تکن فی ذکره فایده.

الرابع: بیان من یجب قتاله
و هو أحد رجلین: الأوّل: رجل خرج على‏ الإمام العادل بعد تمام بیعته و ادّعى أنّ الإمامه حقّ له و قد ثبت بالإجماع على غیره أنّها لیست له، و الثانی: رجل خرج على الإمام و لم یمتثل له فی شی‏ء من الأحکام. و الأوّل إشاره إلى أصحاب الجمل، و الثانی إلى معاویه و أصحابه.
ثمّ عقّب بالوصیّه بتقوى اللّه فإنّها خیر زاد عند اللّه یستعقبه الإنسان من حرکاته و سکناته و لمّا کان کذلک کان خیر ما تواصى به عباد اللّه. و قوله: و قد فتح باب الحرب بینکم و بین أهل القبله. إلى قوله: غیرا. إعلام لأصحابه بحکم البغاه من أهل القبله على سبیل الإجمال، و أحال التفصیل على أوامره حال الحرب، و قد کان الناس قبل حرب الجمل لا یعرفون کیفیّه قتال أهل القبله و لا کیف السنّه فیهم إلى أن علموا ذلک منه علیه السّلام. و نقل عن الشافعی أنّه قال: لو لا علىّ ما عرفت شی‏ء من أحکام أهل البغى. و قوله: و لا یحمل هذا العلم إلّا أهل البصر. أى أهل البصائر، و العقول الراجحه، و الصبر: أى على المکاره و عن التسرّع إلى الوساوس، و العلم بمواضع الحقّ. و ذلک أنّ المسلمین عظم عندهم حرب أهل القبله و أکبروه، و المقدمون منهم على ذلک إنّما أقدموا على خوف و حذر. فقال علیه السّلام: إنّ هذا العلم لا یدرکه کلّ أحد بل من ذکره. و روى العلم بفتح اللام، و ذلک ظاهر فإنّ حامل العلم علیه مدار الحرب و قلوب العسکر منوطه به فیجب أن یکون بالشرائط المذکوره لیضع الأشیاء مواضعها. ثمّ أمرهم بقواعد کلّیّه عند عزمه على المسیر للحرب و هی أن یمضوا فیما یؤمرون به و یقفوا عند ما ینهون عنه و لا یعجلوا فی أمر إلى غایه أن یتبیّنوه: أى لا یتسرّعوا إلى إنکار أمر فعله أو یأمرهم به حتّى سألوه عن فایدته و بیانه. فإنّ له عند کلّ أمر ینکرونه تغییرا: أى قوّه على التغییر إن لم یکن فی ذلک الأمر مصلحه فی نفس الأمر و فایده أمرهم بالتبیّن عند استنکار أمر أنّه یحتمل أن لا یکون ما استنکروه منکرا فی نفس الأمر فیحکمون بکونه منکرا لعدم علمهم بوجهه، و یتسرّعون إلى إنکاره بلسان أو ید فیقعون فی الخطأ. قال بعض الشارحین: و فی قوله: فإنّ لنا عند کلّ أمر ینکرونه‏ تغییرا. إیماء إلى أنّه لیس کعثمان فی صبره على ارتکاب الناس لما کان ینهاهم عنه بل یغیّر کلّ ما ینکره المسلمون و یقتضى العرف و الشرع تغییره. ثمّ أخذ فی التنفیر عن الدنیا بامور: الأوّل: التنفیر عن تمنّیها و الرغبه فیها و عن الغضب لفوتها و الرضى بحصولها بکونها لیست الدار و المنزل الّذی خلقوا له و دعوا إلیه، و استلزم ذلک التنفیر التنبیه على ما ورائها و العمل له. الثانی نفر عنها بفنائها عنهم و فنائهم عنها. الثالث: بأنّه لا فائده فیها فإنّها و إن کانت تغرّ و تخدع بما فیها ممّا یعتقد خیرا و کمالا فإنّ فیها ما یقابل ذلک و هو التحذیر بما فیها من الآفات و التغیّرات المتعدّده شرّا فینبغی أن یترکوا خیرها القلیل لشرّها الکثیر، و إطماعها لتخویفها، و یسابقوا إلى الخیر الخالص و الدار الّتی دعوا إلیها و خلقوا لأجلها، و یتصرّفوا بقلوبهم عنها: أى یزهدوا الزهد الحقیقىّ فیها فإنّ الزهد الظاهرىّ مع الحنین إلى ما زوى منها عن أحدکم غیر منتفع و به خصّ حنین الأمه لأنّ الحنین أکثر ما یسمع من الأمه لأنّ العاده أن تضرب و تؤذى فیکثر حنینها. و روى حنین بالخاء المعجمه. و الخنین کالبکاء فی الأنف. و إذ أمر بالزهد الحقیقى أمر بالصبر على طاعه اللّه و عبادته و المحافظه على أوامر کتابه و نواهیه إذ بالزهد یکون حذف الموانع الداخله و الخارجه، و بالطاعه و العباده یکون تطویع النفس الأمّاره بالسوء للنفس المطمئنّه. و هما جزاء الریاضه و السلوک لسبیل اللّه. و رغّب فی الصبر على طاعه اللّه بأنّ فیه استتماما لنعمه اللّه. و ظاهر أنّ طاعه اللّه سبب عظیم لإفاضه نعمه الدنیویّه و الاخرویّه. ثمّ أکّد الأمر بالمحافظه على ما قام من الدین بأنّه لا مضرّه فی ترک شی‏ء من الدنیا و تضییعها مع المحافظه على الدین لما فی المحافظه على الدین من الخیر الدائم التامّ الاخروى الّذی لا نسبه لخیر الدنیا إلیه، و بأنّه لا منفعه فی المحافظه على ما فیها: أى فی الدنیا مع تضییع الدین و إهماله. و ذلک أمر مفروغ عنه و مستغنى عن بیانه. ثمّ ختم بالدعاء لهم و لنفسه بأخذ اللّه بقلوبهم إلى الحقّ:

أى إلهامهم لطلبه و هدایتهم إلیه و جذبهم إلى سلوک سبیله، ثمّ إلهامهم الصبر: أى على طاعته و عن معصیه. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۳۳۹

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۷۱شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

القسم الأول

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی لَا تُوَارِی عَنْهُ سَمَاءٌ سَمَاءً- وَ لَا أَرْضٌ أَرْضاً

المعنى

أقول: حمد اللّه تعالى باعتبار إحاطه علمه بالسماوات و الأرضین، و استلزم ذلک تنزیهه تعالى عن وصف المخلوقین. إذ کانوا فی إدراکهم لبعض الأجرام السماویّه و الأرضیّه محجوبین عمّا ورائها، و علمه تعالى هو المحیط بالکلّ الّذی لا یحجبه السواتر و لا تخفى علیه السرائر.

القسم الثانی منها

وَ قَدْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّکَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ یَا ابْنَ أَبِی طَالِبٍ لَحَرِیصٌ- فَقُلْتُ بَلْ أَنْتُمْ وَ اللَّهِ لَأَحْرَصُ وَ أَبْعَدُ وَ أَنَا أَخَصُّ وَ أَقْرَبُ- وَ إِنَّمَا طَلَبْتُ حَقّاً لِی وَ أَنْتُمْ تَحُولُونَ بَیْنِی وَ بَیْنَهُ- وَ تَضْرِبُونَ وَجْهِی دُونَهُ- فَلَمَّا قَرَّعْتُهُ بِالْحُجَّهِ فِی الْمَلَإِ الْحَاضِرِینَ- هَبَّ کَأَنَّهُ بُهِتَ لَا یَدْرِی مَا یُجِیبُنِی بِهِ‏ اللَّهُمَّ إِنِّی أَسْتَعْدِیکَ عَلَى قُرَیْشٍ وَ مَنْ أَعَانَهُمْ- فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِی وَ صَغَّرُوا عَظِیمَ مَنْزِلَتِیَ- وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِی أَمْراً هُوَ لِی- ثُمَّ قَالُوا أَلَا إِنَّ فِی الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ وَ فِی الْحَقِّ أَنْ تَتْرُکَهُ

المعنى

أقول: هذا الفصل من خطبه یذکر فیها علیه السّلام ما جرى له یوم الشورى بعد مقتل عمر، و الّذی قال له هذا القول هو سعد بن أبى وقّاص مع روایته فیه: أنت منّى بمنزله هرون من موسى. و هو محلّ التعجّب. فأجابه بقوله: بل أنتم و اللّه أحرص و أبعد: أى أحرص على هذا الأمر و أبعد من استحقاقه. و هو فی صوره احتجاج بقیاس ضمیر من الشکل الأوّل مسکت للقائل صغراه ما ذکر، و تقدیر کبراه: و کلّ من کان أحرص على هذا الأمر و أبعد منه فلیس له أن یعیّر الأقرب إلیه بالحرص علیه. و قوله: و أنا أخصّ و أقرب. صغرى قیاس ضمیر احتجّ به على أولویّته بطلب هذا الأمر، و تقدیر کبراه: و کلّ من کان أخصّ و أقرب إلى هذا الأمر فهو أولى بطلبه، و روى أنّ هذا الکلام قاله یوم السقیفه، و أنّ الّذی قال له: إنّک على هذا الأمر لحریص. هو أبى عبیده بن الجرّاح، و الروایه الاولى أظهر و أشهر. و روى عوض بهت هبّ: أى انبته کأنّه کان غافلا ذاهلا عن الحجّه فاستیقظ من غفلته. ثمّ أخذ فی استعانه اللّه تعالى على قریش و من أعانهم علیه، و شکا امورا: منها قطع رحمه فإنّهم لم یراعو قربه من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم، و منها تصغیر عظیم منزلته بعدم التفاتهم إلى ما ورد من النصوص النبویّه فی حقّه، و منها اتّفاقهم على منازعته أمر الخلافه الّذی یرى أنّه أحقّ به منهم. و قوله: ثمّ قالوا: إلى آخره. أى إنّهم لم یقتصروا على أخذ حقّى ساکتین عن دعوى کونه حقّا لهم و لکنّهم‏ أخذوه مع دعواهم أنّ الحقّ لهم، و أنّه یجب علیّ أن أترک المنازعه فیه. فلیتهم أخذوه معترفین أنّه حقّ لى فکانت المصیبه أهون، و روى نأخذه و نترکه بالنون فی الکلمتین، و علیه نسخه الرضى- رضوان اللّه علیه- و المراد إنّا نتصرّف فیه کما نشاء بالأخذ و الترک دونک، و هذه شکایه ظاهره لا تأویل فیها.

القسم الثالث منها فی ذکر أصحاب الجمل:

فَخَرَجُوا یَجُرُّونَ حُرْمَهَ رَسُولِ اللَّهِ ص- کَمَا تُجَرُّ الْأَمَهُ عِنْدَ شِرَائِهَا- مُتَوَجِّهِینَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَهِ- فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِی بُیُوتِهِمَا- وَ أَبْرَزَا حَبِیسَ رَسُولِ اللَّهِ ص لَهُمَا وَ لِغَیْرِهِمَا- فِی جَیْشٍ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَ قَدْ أَعْطَانِی الطَّاعَهَ- وَ سَمَحَ لِی بِالْبَیْعَهِ طَائِعاً غَیْرَ مُکْرَهٍ- فَقَدِمُوا عَلَى عَامِلِی بِهَا- وَ خُزَّانِ بَیْتِ مَالِ الْمُسْلِمِینَ وَ غَیْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا- فَقَتَلُوا طَائِفَهً صَبْراً وَ طَائِفَهً غَدْراً- فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ یُصِیبُوا مِنَ الْمُسْلِمِینَ- إِلَّا رَجُلًا وَاحِداً مُعْتَمِدِینَ لِقَتْلِهِ- بِلَا جُرْمٍ جَرَّهُ لَحَلَّ لِی قَتْلُ ذَلِکَ الْجَیْشِ کُلِّهِ- إِذْ حَضَرُوهُ فَلَمْ یُنْکِرُوا- وَ لَمْ یَدْفَعُوا عَنْهُ بِلِسَانٍ وَ لَا بِیَدٍ- دَعْ مَا إِنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِینَ- مِثْلَ الْعِدَّهِ الَّتِی دَخَلُوا بِهَا عَلَیْهِمْ

اللغه

أقول: جرّه: جناه.
و مقصود الفصل إظهار عذره فی قتال أصحاب الجمل.
و ذکر لهم ثلاث کبائر من الذنوب تستلزم إباحه قتالهم و قتلهم:

الاولى: خروجهم بحرمه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و حبیسه یجرّونها کما تجرّ الأمه عند شرائها مع حبسهما لنسائهما و محافظتهما علیهنّ، و ضمیر التثنیه فی حبسا لطلحه و الزبیر، و وجه الشبه انتهاک الحرمه و نقصانها فی إخراجها، و فی ذلک جرأه على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم. و روى عکرمه عن ابن عبّاس أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم قال یوما لنسائه و هنّ عنده جمیعا: لیت شعرى أیتکنّ صاحبه الجمل الأرب تنبحها کلاب الحوؤب یقتل عن یمینها و شمالها قتلى کثیر کلّهم فی النار و تنجو بعد ما کادت، و روى حبیب بن عمیر قال: لمّا خرجت عایشه و طلحه و الزبیر من مکّه إلى البصره طرقت ماء الحوؤب- و هو ماء لبنى عامر بن صعصعه- فنبحتهم الکلاب فنفرت صعاب إبلهم. فقال قائل منهم: لعن اللّه الحوؤب فما أکثر کلابها. فلمّا سمعت عایشه ذکر الحوؤب قالت: أ هذا ماء الحوؤب قال: نعم. قالت: ردّونى. فسئلوها ما شأنها و ما بدء لها. قالت: إنّى سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم یقول: کأنّى بکلاب الحوؤب قد نبحت بعض نسائى ثمّ قال لى: یا حمیراء إیّاک أن تکونیها. فقال الزبیر: مهلا یرحمک اللّه فإنّا قد جزنا ماء الحوؤب بفراسخ کثیره. فقالت: أ عندک من یشهد بأنّ هذه الکلاب النابحه لیست على ماء الحوؤب فلفّف لها الزبیر و طلحه و طلبا خمسین أعرابیّا جعلا لهم جعلا فحلفوا لها و شهدوا أنّ هذا الماء لیس بماء الحوؤب. فکانت هذه أوّل شهاده زور علمت فی الإسلام. فسارت عایشه لوجهها. فأمّا قوله فی الخبر: و تنجو بعد ما کادت. فقالت الإمامیّه: معناه تنجو من القتل بعد ما کادت أن تقتل، و قال المعتذرون لها معناه تنجو من النار بالتوبه بعد ما کادت أن تدخلها بما فعلت.

الثانیه: نکثهم لبیعته
و خروجهم علیه بعد الطاعه فی جماعه ما منهم إلّا من أخذ بیعته.

الثالثه: قتلهم لعامله بالبصره و خزّان بیت مال المسلمین بها بعض صبرا
أى بعد الأسر و بعض غدرا: أى بعد إعطائهم الأمان. و خلاصه القصّه ما روى أنّ طلحه و الزبیر و عایشه لمّا انتهوا فی مسیرهم إلى حفر أبى موسى قریب البصره کتبوا إلى عثمان بن حنیف الأنصارىّ، و هو یومئذ عامل علیّ على البصره: أنّ أخل لنا دار الأماره. فلمّا قرأ کتابهم بعث إلى الأحنف بن قیس و إلى حکیم بن جبلّه العبدىّ‏ فاقرء هما الکتاب. فقال الأحنف: إنّهم إن حاولوا بهذا الطلب بدم عثمان و هم الّذین أکّبوا على عثمان و سفکوا دمه فأراهم و اللّه لا یزایلونا حتّى یلقوا العداوه بیننا و یسفکوا دماءنا، و أظنّهم سیرکبون منک خاصّه ما لا قبل لک به، و الرأى إن تتأهّب لهم بالنهوض إلیهم فی من معک من أهل البصره فإنّک الیوم الوالى علیهم و أنت فیهم مطاع فسر إلیهم بالناس و بادرهم قبل أن یکونوا معک فی دار واحده فیکون الناس لهم أطوع منهم لک. و قال حکیم: مثل ذلک. فقال عثمان بن حنیف: الرأى ما رأیتما لکنّى اکره الشرّ و أن أبدأهم به و أرجو العافیه و السلامه إلى أن یأتینی کتاب أمیر المؤمنین و رأیه فأعمل به. فقال له حکیم: فاذن لى حتّى أسیر إلیهم بالناس فإن دخلوا فی طاعه أمیر المؤمنین و إلّا نابذتهم إلى سواء. فقال عثمان: و لو کان ذلک لى لسرت إلیهم بنفسى. فقال حکیم: أمّا و اللّه لئن دخلوا علیک هذا المصر لینتقلنّ قلوب کثیر من الناس إلیهم و لیزیلنّک عن مجلسک هذا، و أنت أعلم.
فأبى عثمان. ثمّ کتب علیّ علیه السّلام إلى عثمان بن حنیف لمّا بلغه مسیر القوم إلى البصره: من عبد اللّه علیّ أمیر المؤمنین إلى عثمان بن حنیف أمّا بعد فإنّ البغاه عاهدوا اللّه ثمّ نکثوا و توجّهوا إلى مصرک و ساقهم الشیطان لطلب ما لا یرضى اللّه به، و اللّه أشدّ بأسا و أشدّ تنکیلا فإذا قدموا علیک فادعهم إلى الطاعه و الرجوع إلى الوفاء بالعهد و المیثاق الّذی فارقونا علیه فإن أجابوا فأحسن جوارهم ما داموا عندک، و إن أبوا إلّا التمسّک بحبل النکث و الخلاف فناجزهم القتال حتّى یحکم اللّه بینک و بینهم و هو خیر الحاکمین، و کتبت کتابى هذا من الربذه و أنا معجّل السیر إلیک إنشاء اللّه، و کتب عبید اللّه بن أبى رافع فی صفر سنه ستّ و ثلاثین. فلمّا وصل الکتاب إلى عثمان بعث أبا الاسود الدؤلىّ و عمران بن الحصین إلیهم فدخلا على عایشه فسألاها عمّا جاء بهم. فقالت لهما: ألقیا طلحه و الزبیر. فقاما و ألقیا الزبیر فکلّماه فقال: جئنا لنطلب بدم عثمان و ندعو الناس أن یردّوا أمر الخلافه شورى لیختار الناس لأنفسهم. فقالا له: إنّ عثمان لم یقتل بالبصره لتطلبا دمه فیها، و أنت تعلم قتله عثمان و أین هم، و إنّک و صاحبک و عایشه کنتم أشدّ الناس علیه و أعظمهم إغراء بدمه فأقیدوا أنفسکم، و أمّا إعاده أمر الخلافه شورى فکیف و قد بایعتم علیّا طائعین غیر مکرهین، و أنت یا أبا عبد اللّه لم یبعد العهد بقیامک دون هذا الرجل یوم مات رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و أنت آخذ قائم سیفک تقول: ما أحد أحقّ بالخلافه منه.

و امتنعت من بیعه أبى بکر. فأین ذلک الفعل من هذا القول فقال لهما: اذهبا إلى طلحه. فقاما إلى طلحه فوجداه خشن الملمس شدید العریکه قوىّ العزم فی إثاره الفتنه. فانصرفا إلى عثمان بن حنیف فأخبراه بما جرى، و قال له أبو الأسود: یا ابن حنیف قد أتیت فانفر و طاعن القوم و جالد و اصبر و أبرز لهما مستلئما و شمّر. فقال ابن حنیف: أى و الحرمین لأفعلنّ، و أمر منادیه فنادى فی الناس: السلاح السلاح. فاجتمعوا إلیه و أقبلوا حتّى انتهوا إلى المربد. فملأ مشاه و رکبانا فقام طلحه فأشار إلى الناس بالسکوت لیخطب فسکتوا بعد جهد فقال: أمّا بعد فإنّ عثمان بن عفّان کان من أهل السابقه و الفضیله و من المهاجرین الأوّلین الّذین رضى اللّه عنهم و رضوا عنه، و نزل القرآن ناطقا بفضلهم و أحد الأئمّه الوالین علیکم بعد أبى بکر و عمر صاحبى رسول اللّه و قد کان أحدث أحداثا نقمناها علیه فأتیناه و استعتبناه فأعتبنا فعدا علیه امرؤ ابتزّ هذه الامّه أمرها غصبا بغیر رضى و لا مشوره فقتله و ساعده على ذلک قوم غیر أتقیاء و لا أبرار فقتل محرما بریئا تائبا، و قد جئتناکم أیّها النّاس نطلب بدمه و ندعوکم إلى الطلب بدمه فإن نحن أمکننا اللّه قتلهم قتلناهم به و جعلنا هذا الأمر شورى بین المسلمین و کانت خلافته رحمه للامّه جمیعا فإنّ کلّ من أخذ الأمر من غیر رضى العامّه و لا مشوره منها ابتزازا کان ملکه ملکا عضوضا و حدثا کبیرا. ثمّ قام الزبیر فتکلّم بمثل کلام طلحه. فقام إلیهما ناس من أهل البصره فقالوا لهما: ألم تبایعا علیّا فیمن بایعه ففیم بایعتما ثمّ نکثتما.

فقالا: ما بایعناه و ما لأحد فی أعناقنا بیعه و إنّما استکرهنا على بیعته. فقال ناس: قد صدقا و نطقا بالصواب، و قال آخرون: ما صدقا و لا أصابا. حتّى ارتفعت الأصوات فأقبلت عایشه على جملها فنادت بصوت مرتفع أیّها الناس أقلّوا الکلام و اسکتوا. فسکت الناس لها.
فقالت: إنّ أمیر المؤمنین عثمان قد کان غیّر و بدّل. ثمّ لم یزل یغسل ذلک بالتوبه حتّى قتل مظلوما تائبا و إنّما نقموا علیه ضربه بالسوط و تأمیره الشبّان و حمایته موضع الغمامه فقتلوه محرما فی حرمه الشهر، و حرمه البلد ذبحا کما یذبح الجمل، ألا و إنّ قریشا رمت غرضها بنبالها و أدمت أفواهها بأیدیها و ما نالت بقتلها إیّاه شیئا و لا سلکت به سبیلا قاصدا أما و اللّه لیرونها بلایا عقیمه تنبه النائم و تقیم الجالس، و لیسلطنّ علیهم قوم لا یرحمونهم، یسومونهم سوء العذاب. أیّها الناس إنّه ما بلغ من ذنب عثمان ما یستحلّ به دمه مصّتموه کما یماصّ الثوب الرحیض، ثمّ عدوتم علیه فقتلتموه بعد توبته و خروجه من ذنبه و بایعتم ابن أبى طالب بغیر مشوره من الجماعه ابتزازا و غصبا، أ ترانى أغضب لکم من سوط عثمان و لسانه و لا أغضب لعثمان من سیوفکم. ألا إنّ عثمان قتل مظلوما فاطلبوا قتلته فإذا ظفرتم بهم فاقتلوهم، ثمّ اجعلوا الأمر شورى بین الرهط الّذین اختارهم أمیر المؤمنین عمر بن الخطاب و لا یدخل فیهم من شرک فی دم عثمان. قال: فماج الناس و اختلطوا فمن قایل یقول: القول ما قالت، و من قائل یقول: و ما هی من هذا الأمر إنّما هی امرأه مأموره بلزوم بیتها.

و ارتفعت الأصوات و کثر اللغط حتّى تضاربوا بالنعال و ترامو بالحصا. ثمّ تمایزوا فرقتین فرقه مع عثمان بن حنیف و فرقه مع طلحه و الزبیر. ثمّ أقبلا من المربد یریدان عثمان بن حنیف فوجدوه و أصحابه قد أخذوا بأفواه السکک فمضوا حتّى انتهوا إلى مواضع الدبّاغین فاستقبلهم أصحاب ابن حنیف فشجرهم طلحه و الزبیر و أصحابهما بالرماح فحمل علیهم حکیم بن جبلّه فلم یزل هو و أصحابه یقاتلونهم حتّى أخرجوهم من جمیع السکک، و رماهم النساء من فوق البیوت بالأحجار فأخذوا إلى مقبره بنى مازن فوقفوا بها ملیّا حتّى ثابت إلیهم خیلهم، ثمّ أخذوا على مسنّاه البصره حتّى انتهوا إلى الرابوقه. ثمّ أتوا سبخه دار الرزق فنزلوها فأتاهما عبد اللّه بن حکیم التمیمىّ لمّا نزلا السبخه بکتب کتباها إلیه فقال لطلحه: یا أبا محمّد أما هذه کتبک إلینا. فقال: بلى. فقال: فکنت أمس تدعونا إلى خلع عثمان و قتله حتّى إذا قتلته أتیتنا ثائرا بدمه، فلعمرى ما هذا رأیک و لا ترید إلّا هذه الدنیا. مهلا إذا کان هذا رأیک قبلت من علىّ ما عرض علیک من البیعه فبایعته‏ طائعا راضیا ثمّ نکثت بیعتک و جئتنا لتدخلنا فی فتنتک. فقال: إنّ علیّا دعانى إلى بیعته بعد ما بایع الناس فعلمت أنّى لو لم أقبل ما عرضه علیّ لا یتمّ لى ثمّ یغرى بى من معه. ثمّ أصبحا من غد فصفّا للحرب و خرج إلیهما عثمان فی أصحابه فناشدهما اللّه و الإسلام و أذکرهما بیعتهما ثلاثا. فشتماه شتما قبیحا و ذکرا امّه.

فقال للزبیر: أما و اللّه لو لا صفیّه و مکانها من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم فإنّها أذرتک إلى الظلّ، و إنّ الأمر بینى و بینک یا ابن الصعبه یعنى طلحه أعظم من القول لأعلمتکما من أمرکما ما یسوئکما. اللّهمّ إنّى قد أعذرت إلى هذین الرجلین. ثمّ حمل علیهم فاقتتل الناس قتالا شدیدا. ثمّ تحاجزوا و اصطلحوا على أن یکتب بینهم کتاب صلح.
فکتب: هذا ما اصطلح علیه عثمان بن حنیف الأنصارىّ و من معه من المؤمنین من شیعه علیّ بن أبی طالب و طلحه و الزبیر و من معهما من المؤمنین و المسلمین من شیعتهما أنّ لعثمان بن حنیف الأنصارىّ دار الأماره و الرحبه و المسجد و بیت المال و المنبر، و أنّ لطلحه و الزبیر و من معهما أن ینزلوا حیث شاءوا من البصره و لا یضارّ بعضهم بعضا فی طریق و لا سوق و لا فرضه و لا مشرعه و لا مرفق حتّى یقدم أمیر المؤمنین علیّ بن أبی طالب فإن أحبّوا دخلوا فیما دخلت فیه الأمّه و إنّ أحبّوا ألحق کلّ قوم بهواهم و ما أحبّوا من قتال أو سلم أو خروج أو إقامه، و على الفریقین بما کتبوا عهد اللّه و میثاقه و أشدّ ما أخذه على نبىّ من أنبیائه من عهد و ذمّه. و ختم الکتاب، و رجع عثمان حتّى دخل دار الأماره و أمر أصحابه أن یلحقوا بأهلهم و یداووا جراحاتهم فمکثوا کذلک أیّاما. ثمّ خاف طلحه و الزبیر من مقدم علیّ علیه السّلام و هما على تلک القلّه و الضعف فراسلوا القبائل یدعونهم إلى الطلب بدم عثمان و خلع علىّ علیه السّلام فبایعهم على ذلک الأزد و ضبّه و قیس غیلان کلّها إلّا الرجل و الرجلین من القبیله کرهوا أمرهم فتواروا عنهم، و بایعهما هلال بن وکیع بمن معه من بنى عمرو ابن تمیم و أکثر بنى حنظله و بنى دارم. فلمّا استوسق لهما أمرهما خرجا فی لیله مظلمه ذات ریح و مطر فی أصحابهما، و قد ألبسوهم الدروع، و ظاهروا فوقها بالثیاب فانتهوا إلى المسجد وقت صلاه الفجر و قد سبقهم عثمان بن حنیف إلیه و اقیمت الصلاه فتقدّم عثمان لیصلّى بهم فأخّره أصحاب طلحه و الزبیر، و قدّموا الزبیر فجاءت الشرط- حرس بیت المال- و أخّروا الزبیر و قدّموا عثمان فغلبهم أصحاب الزبیر فقدّموه و أخّروا عثمان فلم یزالوا کذلک حتّى کادت الشمس أن تطلع فصاح بهم أهل المسجد ألا تتّقون اللّه أصحاب محمّد قد طلعت الشمس فغلب الزبیر فصلّى بالناس فلمّا انصرف من صلاته صاح بأصحابه المتسلّحین أن خذوا عثمان فأخذوه بعد أن تضارب هو و مروان بن الحکم بسیفهما فلمّا اسر ضرب ضرب الموت و نتفت حاجباه و أشفار عینیه و کلّ شعره فی رأسه و وجهه، و أخذوا السیالحه و هم سبعون رجلا فانطلقوا بهم و بعثمان بن حنیف إلى عایشه فأشارت إلى أحد أولاد عثمان أن اضرب عنقه فإنّ الأنصار قتلت أباک و أعانت على قتله. فنادى عثمان یا عایشه و یا طلحه و یا زبیر إنّ أخى سهل بن حنیف خلیفه علیّ بن أبى طالب على المدینه و أقسم باللّه إن قتلتمونى لیضعنّ السیف فی بنى أبیکم و أهلیکم و رهطکم فلا یبقى منکم أحدا.

فکفّوا عنه و خافوا من قوله فترکوه، و أرسلت عایشه إلى الزبیر أن اقتل السیالحه فإنّه قد بلغنى الّذی صنعوا بک قبل. فذبحهم و اللّه کما یذبح الغنم. ولى ذلک عبد اللّه ابنه و هم سبعون رجلا، و بقیت منهم بقیّه متمسّکون ببیت المال قالوا: لا نسلّمه حتّى یقدم أمیر المؤمنین. فسار إلیهم الزبیر فی جیش لیلا و أوقع بهم و أخذ منهم خمسین أسیرا فقتلهم صبرا. فحکى أنّ القتلى من السیالحه یومئذ أربع مأئه رجل، و کان غدر طلحه و الزبیر بعثمان بن حنیف بعد غدرهم فی بیعه علیّ غدرا فی غدر، و کانت السیالحه أوّل قوم ضربت أعناقهم من المسلمین صبرا، و خیّروا عثمان بن حنیف بین أن یقیم أو یلحق بعلیّ فاختار الرحیل فخلّوا سبیله فلحق بعلیّ علیه السّلام فلمّا رآه بکى و قال له شیخ و جئتک أمردا. فقال علیّ علیه السّلام: إنّا للّه و إنّا إلیه راجعون قالها ثلاثا. فذلک معنى قوله: فقدموا على عاملى بها و خزّان بیت مال المسلمین.
إلى آخره. ثمّ أقسم علیه السّلام إنّهم لو لم یصیبوا أى یقتلوا من المسلمین إلّا رجلا واحدا متعمّدین قتله بغیر ذنب جناه لحلّ له قتل ذلک الجیش کلّه، و- إن- زایده.

فإن قلت: المفهوم من هذا الکلام تعلیل جواز قتله لذلک الجیش کلّه بعدم‏ إنکارهم للمنکر فهل یجوز قتل من لم ینکر المنکر قلت: أجاب الشارح عبد الحمید بن أبى الحدید عنه. فقال: إنّه تجوّز قتلهم لأنّهم اعتقدوا ذلک القتل مباحا مع أنّه ممّا حرّمه اللّه فجرى ذلک مجرى اعتقادهم لإباحه الزنا و شرب الخمر.

و أجاب القطب الراوندىّ بأنّ جواز قتلهم لدخولهم فی عموم قوله تعالى «إِنَّما جَزاءُ الَّذِینَ یُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ یَسْعَوْنَ فِی الْأَرْضِ فَساداً أَنْ یُقَتَّلُوا»«» الآیه و إنّ هؤلاء القوم قد حاربوا رسول اللّه لقوله صلّى اللّه علیه و آله و سلّم: حربک یا علیّ حربى، و سعوا فی الأرض بالفساد، و اعترض المجیب الأوّل علیه. فقال: الإشکال إنّما هو فی تحلیله لقتل الجیش المذکور لکونه لم ینکر على من قتل رجلا واحدا من المسلمین فالتعلیل بعدم إنکار المنکر لا بعموم الآیه.
و أقول: الجواب الثانی أسدّ، و الأوّل ضعیف. لأنّ القتل و إن وجب على من اعتقد إباحه ما علم تحریمه من الدین ضروره کشرب الخمر و الزنا فلم قلت إنّه یجب على من اعتقد إباحه ما علم تحریمه من الدین بالتأویل کقتل هؤلاء القوم لمن قتلوا و خروجهم لما خرجوا له فإنّ جمیع ما فعلوه کان بتأویل لهم و إن کان معلوم الفساد.

فظهر الفرق بین اعتقاد حلّ الخمر و الزنا و بین اعتقاد هؤلاء لإباحه ما فعلوه، و أمّا الاعتراض على الجواب الثانی فضعیف أیضا. لأنّ له أن یقول: إنّ قتل المسلم الّذی لا ذنب له عمدا إذا صدر من بعض الجیش و لم ینکر الباقون مع تمکّنهم و حضورهم کان ذلک قرینه دالّه على الرضا من جمیعهم، و الراضى بالقتل شریک القاتل خصوصا إذا کان معروفا بصحبته و الاتّحاد به کاتّحاد بعض الجیش ببعض. فکان خروج ذلک الجیش على الإمام العادل محاربه للّه و رسوله، و قتلهم لعامله و خزّان بیت مال المسلمین و نهبهم له و تفریق کلمه أهل المصر و فساد نظامهم سعى فی الأرض بالفساد، و ذلک عین مقتضى الآیه. و قوله: دع. إلى آخره.

أى لو کان من قتلوه من المسلمین واحدا لحلّ لى قتلهم فکیف و قد قتلوا منهم عدّه مثل عدّتهم الّتی دخلوا بها البصره. و- ما- بعد- دع- زایده، و المماثله هنا فی الکثره. و صدق علیه السّلام فإنّهم قتلوا من أولیائه و خزّان بیت المال بالبصره خلقا کثیرا کما ذکرناه على الوجه الّذی ذکره بعض غدرا و بعض صبرا. و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۳۲۹

 

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۷۰شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام لما عزم على لقاء القوم بصفین

اللَّهُمَّ رَبَّ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَ الْجَوِّ الْمَکْفُوفِ- الَّذِی جَعَلْتَهُ مَغِیضاً لِلَّیْلِ وَ النَّهَارِ- وَ مَجْرًى لِلشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ مُخْتَلَفاً لِلنُّجُومِ السَّیَّارَهِ- وَ جَعَلْتَ سُکَّانَهُ سِبْطاً مِنْ مَلَائِکَتِکَ- لَا یَسْأَمُونَ مِنْ عِبَادَتِکَ- وَ رَبَّ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِی جَعَلْتَهَا قَرَاراً لِلْأَنَامِ- وَ مَدْرَجاً لِلْهَوَامِّ وَ الْأَنْعَامِ- وَ مَا لَا یُحْصَى مِمَّا یُرَى وَ مَا لَا یُرَى- وَ رَبَّ الْجِبَالِ الرَّوَاسِی الَّتِی جَعَلْتَهَا لِلْأَرْضِ أَوْتَاداً- وَ لِلْخَلْقِ اعْتِمَاداً إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا- فَجَنِّبْنَا الْبَغْیَ وَ سَدِّدْنَا لِلْحَقِّ- وَ إِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَیْنَا فَارْزُقْنَا الشَّهَادَهَ- وَ اعْصِمْنَا مِنَ الْفِتْنَهِ أَیْنَ الْمَانِعُ لِلذِّمَارِ- وَ الْغَائِرُ عِنْدَ نُزُولِ الْحَقَائِقِ مِنْ أَهْلِ الْحِفَاظِ- الْعَارُ وَرَاءَکُمْ وَ الْجَنَّهُ أَمَامَکُمْ

اللغه

أقول: مغیضا لهما: أى مغیبا.

و السبط: القبیله.

المعنى

و قد دعا اللّه سبحانه باعتبار کونه ربّا للسماء و الأرض و باعتبار ما فیهما من الآیات المنبّهه على کمال عظمته و لطفه بخلقه، و هذا الدعاء ممّا تستعدّ به القلوب و الأبدان لاستفاضه الغلبه و النصر على العدوّ. و السقف المرفوع: السماء. و کذلک الجوّ المکفوف، و قد مرّت الإشاره إلى ذلک فی الخطبه الاولى، و کونه مغیضا للّیل و النهار لأنّ الفلک بحرکته المستلزمه لحرکه الشمس إلى وجه الأرض یکون سببا لغیبوبه اللیل، و استلزام حرکته لحرکاتها عن وجه الأرض یکون سببا لغیبوبه النهار فکان کالمغیض لهما فاستعار له لفظ المغیض. و کونه محلّا لجرى الشمس و القمر و محلّ اختلاف النجوم السیّاره ظاهر. و لیس فیه دلاله على أنّ النجوم تتحرّک: بذاتها من دون حرکته. و الطائفه من الملائکه إشاره إلى الأرواح الفلکیّه لأجرامها، و قد سبقت الإشاره إلیهم و بیان أنّهم لا یسأمون من العباده فی الخطبه الاولى. ثمّ دعاه باعتبار کونه ربّا للأرض، و باعتبار ما بسطها لأجله من کونها قراراً للأنام و مدرجا للهوامّ و الأنعام و ما لا یحصى ممّا یرى و لا یرى من أنواع الحیوان. قال بعض العلماء: من أراد أن یعرف حقیقه قوله علیه السّلام: ما یرى و ما لا یرى فلیوقد نارا صغیره فی فلاه فی لیله صیفیّه و ینظر ما یجتمع علیها من غرائب أنواع الحیوان العجیبه الخلق لم یشاهدها هو و لا غیره. و أقول: یحتمل أن یرید بقوله: و ما لا یرى ما لیس من شأنه أن یرى إمّا لصغره أو لشفافیّته. ثمّ باعتبار کونه ربّا للجبال، و قد علمت معنى کونها أوتادا للأرض. فأمّا کونها اعتمادا للخلق فلأنّهم قد یبنون بها المساکن و یقوم فیها من المنافع ما لا یقوم فی الأودیه لکثیر من الأشجار و الثمار، و لأنّها معادن الینابیع و منابع المعادن، و ظاهر کونها إذن معتمدا للخلق فی مراتعهم و منافعهم. ثمّ سأل على تقدیر نصره أن یجنّبه‏ البغى و هو العبور إلى طرف الإفراط من فضیله العدل ثمّ التسدید و الاستقامه على فضیله العدل و هو الحقّ، و على تقدیر إظهار عدوّه علیه الشهاده و العصمه من فتنه الغبن و الانقهار فإنّ المغلوب إذا کان معتقدا أنّه على الحقّ قلّما یسلم من التسخّط على البخت و التعتّب على ربّه، و ربّما کفر کثیر من الناس عند نزول البلاء بهم. و ظاهر کونه فتنه: أى صارفا عن اللّه. و اعتصم علیه السّلام من تلک الفتنه و أمثالها استثباتا لنفسه على الحقّ و تأدیبا للسامعین. ثمّ أخذ فیما العاده أن یستحمى به الإنسان أصحابه فی الحرب، و یستثیر به طباعهم: من الاستفهام عن حامى الذمار، و الّذی تصیبه الغیره من أهل المحافظه عند نزول الحقائق: أى عظائم الامور و شدائدها. ثمّ قال: النار ورائکم: أى إنّ رجوعکم القهقرى هربا من العدوّ مستلزم لدخولکم النار و استحقاقکم لها، و الجنّه أمامکم: أى فی إقدامکم على العدوّ و التقدّم إلى مناجزته، و هو کلام فی غایه الوجازه و البلاغه.

شرح ‏نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۳۲۷

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۶۹شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام کلّم به بعض العرب

و قد أرسله قوم من أهل البصره لمّا قرب علیه السّلام منها لیعلم لهم منه حقیقه حاله مع أصحاب الجمل لتزول الشبهه من نفوسهم فبیّن له علیه السّلام من أمره معهم ما علم به أنّه على الحقّ. ثمّ قال له: بایع. فقال: إنّى رسول قوم و لا احدث حدثا دونهم حتّى أرجع إلیهم. کذا فی أکثر النسخ لکن فی آخر بعضها بعد قول الرجل «فبایعته علیه السّلام». و الرجل یعرف بکلیب الجرمىّ. أَ رَأَیْتَ لَوْ أَنَّ الَّذِینَ وَرَاءَکَ بَعَثُوکَ رَائِداً- تَبْتَغِی لَهُمْ مَسَاقِطَ الْغَیْثِ- فَرَجَعْتَ إِلَیْهِمْ وَ أَخْبَرْتَهُمْ عَنِ الْکَلَإِ وَ الْمَاءِ- فَخَالَفُوا إِلَى الْمَعَاطِشِ وَ الْمَجَادِبِ مَا کُنْتَ صَانِعاً- قَالَ کُنْتُ تَارِکَهُمْ وَ مُخَالِفَهُمْ إِلَى الْکَلَإِ وَ الْمَاءِ- فقال علیه السلام: فامدد إذا یدک فقال الرجل: فو اللّه ما استطعت أن أمتنع عند قیام الحجه على، فبایعته علیه السّلام

المعنى

أقول: الجرمىّ: منسوب إلى بنى جرم، و کان قوم من أهل البصره بعثوه إلیه علیه السّلام لیستعلم حاله أهو على حجّه أم على شبهه فلمّا رآه و سمع لفظه لم یتخالجه شکّ فی صدقه فبایعه، و کان بینهما الکلام المنقول. و لا ألطف من التمثیل الّذی جذبه به علیه السّلام فالأصل فی هذا التمثیل هو حاله هذا المخاطب فی وجدانه للماء و الکلاء على تقدیر کونه رائدا لهما، و الفرع هو حاله فی وجدانه للعلم و الفضائل و الهدایه عنده، و الحکم فی الأصل هو مخالفته لأصحابه إلى الماء و الکلاء على تقدیر وجدانه لهما و مخالفه أصحابه له، و علّه ذلک الحکم فی الأصل هو وجدانه للکلاء و الماء، و لمّا کان المشبّه لهذه العلّه و هو وجدانه للفضائل و العلوم الّتی هی غذاء النفوس و مادّه حیاتها کما أنّ الکلاء و الماء غذاء للأبدان و مادّه حیاتها موجود لهذا الرائد فی الفرع و هو حاله وجدانه للعلم و الفضل و الهدایه وجب عن تلک العلّه مثل الحکم فی الأصل و هو مخالفه أصحابه إلى الفضل و العلم و الهدایه عنده علیه السّلام و لزوم أن یبایع. و لذلک قال له: فامدد إذن یدک. و هو تمثیل لا تکاد النفس السلیمه عند سماعه أن تقف دون الانفعال عنه و الإذعان له، و لذلک أقسم الرجل أنّه لم یستطع الامتناع عند قیام هذه الحجّه فبایع. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۳۲۶

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۶۸شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام عند مسیر أصحاب الجمل إلى البصره

إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ رَسُولًا هَادِیاً بِکِتَابٍ نَاطِقٍ وَ أَمْرٍ قَائِمٍ- لَا یَهْلِکُ عَنْهُ إِلَّا هَالِکٌ- وَ إِنَّ الْمُبْتَدَعَاتِ الْمُشَبَّهَاتِ هُنَّ الْمُهْلِکَاتُ- إِلَّا مَا حَفِظَ اللَّهُ مِنْهَا- وَ إِنَّ فِی سُلْطَانِ اللَّهِ عِصْمَهً لِأَمْرِکُمْ- فَأَعْطُوهُ طَاعَتَکُمْ غَیْرَ مُلَوَّمَهٍ وَ لَا مُسْتَکْرَهٍ بِهَا- وَ اللَّهِ لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَیَنْقُلَنَّ اللَّهُ عَنْکُمْ سُلْطَانَ الْإِسْلَامِ- ثُمَّ لَا یَنْقُلُهُ إِلَیْکُمْ أَبَداً- حَتَّى یَأْرِزَ الْأَمْرُ إِلَى غَیْرِکُمْ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ تَمَالَئُوا عَلَى سَخْطَهِ إِمَارَتِی- وَ سَأَصْبِرُ مَا لَمْ أَخَفْ عَلَى جَمَاعَتِکُمْ- فَإِنَّهُمْ إِنْ تَمَّمُوا عَلَى فَیَالَهِ هَذَا الرَّأْیِ- انْقَطَعَ نِظَامُ الْمُسْلِمِینَ- وَ إِنَّمَا طَلَبُوا هَذِهِ الدُّنْیَا حَسَداً لِمَنْ أَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَیْهِ- فَأَرَادُوا رَدَّ الْأُمُورِ عَلَى أَدْبَارِهَا- وَ لَکُمْ عَلَیْنَا الْعَمَلُ بِکِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى- وَ سِیرَهِ رَسُولِ اللَّهِ ص- وَ الْقِیَامُ بِحَقِّهِ وَ النَّعْشُ لِسُنَّتِهِ

اللغه

أقول: یأرز: ینحاز و ینقبض.

و تمالئوا: اجتمعوا.

و الفیاله: الضعف.

و النعش: الرفع.

 

المعنى

و قوله: إنّ اللّه بعث. إلى قوله: هالک. تصدیر للفصل بالامور الجامعه للمسلمین الّتی هی اصول دولتهم و تذکیر لهم بها لیرجعوا إلیها. و أمر قائم: مستقیم. و قوله: لا یهلک عنه إلّا هالک. أى لا یهلک من مخالفته إلّا أعظم هالک کما تقول لا یعلم هذا الفنّ من العلم إلّا عالم: أى من بلغ الغایه من العلم. و قوله: و إنّ المبتدعات المشبهات هنّ المهلکات إلّا ما حفظ اللّه. لمخالفتها الکتاب و السنّه الجامعین لحدود اللّه و خروجها عنهما، و أراد الهلاک الاخروىّ. و قوله: إلّا من حفظ اللّه. استثناء من المهلکات: أى إلّا ما حفظ اللّه منها بالعصمه عن ارتکابها.

إذ لا تکون مهلکه إلّا لمن ارتکبها، و المشبهات ما أشبه السنن و لیس منها، و روى المشبّهات بتشدید الباء و فتحها، و هو ما شبّه على الناس و لیس. و روى المشتبهات: أى الملتبسات، و سلطان اللّه هو سلطان الإسلام، و أراد سلطان دین اللّه فحذف المضاف، و یحتمل أن یرید بسلطان اللّه نفسه لکونه خلیفه له فی أرضه، و إنّما أضافها إلیه اعتزارا به، و ظاهر أنّ فیه منعه و عصمه لهم فإنّ الّذی نصرهم و هم قلیلون حیّ قیّوم فبالأولى أن ینصرهم على کثرتهم بشرط طاعته الخالصه و الدخول فی أمر سلطانه. و لذلک قال: فأعطوه طاعتکم غیر ملوّمه: أى غیر ملوم صاحبها بالنسبه إلى النفاق و الریاء و لا مستکره بها: و یروى غیر ملویّه: أى معوجّه. ثمّ أخذ فی وعیدهم إن لم یطیعوا بنقل اللّه عنهم سلطان الإسلام من غیر أن یردّه إلیهم أبدا حتّى یصیر الأمر إلى غیرهم، و أراد أمر الخلافه. ثمّ إن جعلنا حتّى و ما بعدها غایه لنقل السلطان عنهم لم یفهم منها عوده إلیهم، و إن جعلناها غایه من عدم نقله إلیهم فهم منها ذلک.

فإن قلت: لم قال لا یرجع إلیهم أبدا و قد عاد بالدوله العباسیّه.
قلت: اجیب من وجوه: الأوّل: أنّ القوم الّذین خاطبهم من أصحابه بهذا الخطاب لم ترجع الدوله إلیهم أبدا فإنّ اولئک بعد انقضاء دوله بنی امیّه لم یبق منهم أحد. ثمّ لم یرجع إلى أحد من أولادهم أصلا. الثانی: أنّه قیّد بالغایه فقال: لا یصیر إلیکم حتّى یصیر فی قوم آخرین، و ظاهر أنّه کذلک بانتقاله إلى بنی امیّه. الثالث: قال بعض الشارحین: إنّما عاد لأنّ الشرط لم یقع و هو عدم الطاعه فإنّ أکثرهم أطاعه طاعه غیر ملوّمه و لا مستکره بها. الرابع: قال قوم: أراد بقوله: أبدا المبالغه کما تقول لغریمک: لا حبسنّک أبدا، و المراد بالقوم الّذین یأرز إلیهم هذا الأمر بنو امیّه کما هو الواقع. و قوله: إنّ هؤلاء قد تمالئوا. إشاره إلى طلحه و الزبیر و عایشه و أتباعهم، و أومى إلى أنّ مسیرهم لسخطهم من أمارته لا ما أظهروه من الطلب بدم عثمان. ثمّ وعد بالصبر علیهم ما دام لا یخاف على حوزه الجماعه، و أخبرهم أنّهم إن بقوا على ضعف رأیهم فی مسیرهم و مخالفتهم قطعوا نظام المسلمین و فرّقوا جماعتهم.

و قوله: إنّما طلبوا. إلى قوله: علیه. بیان لعلّه سخطهم لأمارته و هی الحسد على الدنیا لمن أفاء اللّه علیه، و الإشاره إلى بیت الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم. و قوله: فأرادوا ردّ الامور على أدبارها.

أى أرادوا إخراج هذا الأمر عن أهل بیت الرسول آخرا کما أخرجوه أوّلا، أو صرف هذا الأمر عنهم بعد إقباله إلى ما کان علیه من إدباره عنهم. ثمّ أخبر بما علیه من الحقّ إن أطاعوه الطاعه غیر المدخوله، و هی أن یعمل فیهم بکتاب اللّه و یسیر سیره رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و القیام بحقوقه الّتی أوجبها و إقامه سننه، و ذلک هو الواجب على الإمام. و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۳۲۴

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۶۷شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام بعد ما بویع بالخلافه،

و قد قال له قوم من الصحابه: لو عاقبت قوما ممن أجلب على عثمان فقال علیه السّلام: یَا إِخْوَتَاهْ إِنِّی لَسْتُ أَجْهَلُ مَا تَعْلَمُونَ- وَ لَکِنْ کَیْفَ لِی بِقُوَّهٍ وَ الْقَوْمُ الْمُجْلِبُونَ- عَلَى حَدِّ شَوْکَتِهِمْ یَمْلِکُونَنَا وَ لَا نَمْلِکُهُمْ- وَ هَا هُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ ثَارَتْ مَعَهُمْ عِبْدَانُکُمْ- وَ الْتَفَّتْ إِلَیْهِمْ أَعْرَابُکُمْ- وَ هُمْ خِلَالَکُمْ یَسُومُونَکُمْ مَا شَاءُوا- وَ هَلْ تَرَوْنَ مَوْضِعاً لِقُدْرَهٍ عَلَى شَیْ‏ءٍ تُرِیدُونَهُ- إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ أَمْرُ جَاهِلِیَّهٍ- وَ إِنَّ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مَادَّهً- إِنَّ النَّاسَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ إِذَا حُرِّکَ عَلَى أُمُورٍ- فِرْقَهٌ تَرَى مَا تَرَوْنَ وَ فِرْقَهٌ تَرَى مَا لَا تَرَوْنَ- وَ فِرْقَهٌ لَا تَرَى هَذَا وَ لَا ذَاکَ- فَاصْبِرُوا حَتَّى یَهْدَأَ النَّاسُ وَ تَقَعَ الْقُلُوبُ مَوَاقِعَهَا- وَ تُؤْخَذَ الْحُقُوقُ‏ مُسْمَحَهً- فَاهْدَءُوا عَنِّی وَ انْظُرُوا مَا ذَا یَأْتِیکُمْ بِهِ أَمْرِی- وَ لَا تَفْعَلُوا فَعْلَهً تُضَعْضِعُ قُوَّهً وَ تُسْقِطُ مُنَّهً- وَ تُورِثُ وَهْناً وَ ذِلَّهً وَ سَأُمْسِکُ الْأَمْرَ مَا اسْتَمْسَکَ- وَ إِذَا لَمْ أَجِدْ بُدّاً فَآخِرُ الدَّوَاءِ الْکَیُّ

اللغه

أقول: أجلب علیه: جمع.

و شوکتهم: قوّتهم.

و العبدان بتشدید الدال و تخفیفها و کسر العین و ضمّها: جمع عبد.

و التفّت: انضمّت.

و یسومونکم: یکلّفونکم.

و مسمحه: مسهله،

المعنى

و الألف فی إخوتاه هی المنقلبه عن یاء النفس المضاف إلیه، و الهاء للسکت.
و اعلم أنّ هذا الکلام اعتذار منه علیه السّلام فی تأخیر القصاص عن قتله عثمان. و قوله: إنّی لست أجهل ما تعملون. دلیل على أنّه کان ذلک فی نفسه، و حاصل هذا العذر عدم التمکّن کما ینبغی، و لذلک قال: و کیف لى بقوّه و القوم على حدّ شوکتهم. و صدقه علیه السّلام ظاهر فإنّ أکثر أهل المدینه کانوا من المجلبین علیه، و کان من أهل مصر و من الکوفه خلق عظیم حضروا من بلادهم و قطعوا المسافه البعیده لذلک و انضمّ إلیها أعراب أجلاف من البادیه و عبدان المدینه. فکانوا فی غایه من شدّه الشوکه حال اجتماعهم، و ثاروا ثوره واحده، و لذلک قال: و القوم مجلبون. إلى قوله: یسومونکم ما شاءوا. و روى أنّه علیه السّلام جمع الناس و وعظهم. ثمّ قال: لتقم قتله عثمان فقام الناس بأسرهم إلّا القلیل، و کان ذلک الفعل منه استشهادا على صدق قوله علیه السّلام: و القوم على حدّ شوکتهم. و مع تحقّق هذه الحال لا یبقى له موضع قدره على شی‏ء من أمرهم. ثمّ قال على سبیل قطع لجاج الطالبین مخاطبا لهم: إنّ هذا الأمر أمر الجاهلیّه. یرید أمر المجلبین علیه إذ لم یکن قتلهم إیّاه بمقتضى الشریعه. إذ الصادر عنه من الأحداث لا یجب فیها قتل. و إنّ لهؤلاء القوم مادّه: أى معینین و ناصرین. ثمّ‏ قسّم حال الناس على تقدیر الشروع فی أمر القصاص إلى ثلاثه أقسام، و هو احتجاج منه على الطالبین و تضعیف لرأیهم بقیاس ضمیر من الشکل الأوّل مرکّب من شرطیّتین متّصلتین صغراهما قوله: إنّ هذا الأمر إذا حرّک کان الناس فیه على امور، و تقدیر الکبرى و إذا کان الناس فیه على امور لم یتمکّن من إتمامه و فعله.

فینتج أنّ هذا الأمر إذا حرّک لا یتمّ فعله. ثمّ عدّ تلک الامور، و هى أنّ فرقه ترى کونه مصیبا کما رأى الطالبون، و فرقه ترى أنّه مخطئ و هم أنصار المقتصّ منهم، و فرقه لا ترى هذا و لا ذاک بل تتوقّف کما جرى ذلک فی أمر التحکیم. ثمّ أمرهم بالصبر إلى غایه هدوء الناس. إذ بیّن لهم أنّه لا مصلحه فی تحریک الأمر حینئذ فإنّ الحقوق عند هدوء الناس و استقرار القلوب أسهل مأخذا. و قوله: فاهدءوا عنّى و انظروا ما ذا یأتیکم به من أمرى. یدلّ على ترصّده و انتظاره للفرصه من هذا الأمر. ثمّ خوّفهم من الاستعجال بفعل یضعف شوکه الدین و یورث وهنه فإنّه لو شرع فی عقوبه الناس و القبض علیهم لم یؤمن من تجدّد فتنه اخرى أعظم من الأولى، و هو غالب الظنّ. فکان الأصوب فی التدبیر و الّذی یقتضیه العقل و الشرع الإمساک إلى حین سکون الفتنه و تعرّق اولئک الشعوب و رجوع کلّ قوم إلى بلادهم، و ربّما کان علیه السّلام ینتظر مع ذلک أن یحضر بنو عثمان للطلب بدمه، و یعیّنون قوما بأعیانهم بعضهم للقتل و بعضهم للحصار کما جرت عاده المتظلّمین إلى الإمام لیتمکّن من العمل بحکم اللّه. فلم یقع الأمر کذلک، و عصى معاویه و أهل الشام و التجأ إلیه ورثه عثمان، و فارقوا حوزه أمیر المؤمنین علیه السّلام و لم یطلبوا القصاص طلبا شرعیّا، و إنّما طالبوه مغالبه، و جعلها معاویه عصبیّه جاهلیّه، و لم یأت أحد منهم الأمر من بابه، و قیل: ذلک ما کان من أمر طلحه و الزبیر و نقضهما للبیعه و نهبهما أموال المسلمین بالبصره و قتلهما للصالحین من أهلها، و کلّ تلک الامور الّتی جرت مانعه للإمام عن التصدىّ للقصاص، و لذلک قال علیه السّلام لمعاویه فی بعض کلامه: فأمّا طلبک بدم عثمان فادخل فی الطاعه و حاکم القوم إلىّ أحملک و إیّاهم على کتاب اللّه و سنّه رسوله.

فأمّا قوله: و سأمسک الأمر ما استمسک. إلى آخره. فاعلم أنّ هذا الکلام إنّما صدر عنه علیه السّلام بعد إکثار القول علیه فی أمر عثمان و اضطراب الأمر من قبل طلحه و الزبیر و نکثهما للبیعه بسبب هذه الشبهه مع کونهما من أکابر الصحابه، و تشتّت قلوب کثیر من المسلمین عنه. فحینئذ أشار بعض الصحابه بأخذ القصاص من قتله عثمان تسکینا لفتنه طلحه و الزبیر و معاویه لغلبه الظنّ حینئذ بمخالفته و اضطراب أمر الشام فقال الکلام: أى قد أبدیت هذا العذر فإن لم یقبلوا منّى فسأمسک الأمر: أى أمر الخلافه بجهدى فإذا لم أجد بدّا: أى من قتال من یبغى و ینکث فآخر الدواء الکىّ: أى الحرب و القتال لأنّها الغایه الّتی ینتهى أمر العصاه إلیها و مداواه أمراض قلوبهم کما تنتهى مداواه المریض إلى أن یکوى. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۳۲۱

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۶۶شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام فی أول خلافته

إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ کِتَاباً هَادِیاً- بَیَّنَ فِیهِ الْخَیْرَ وَ الشَّرَّ- فَخُذُوا نَهْجَ الْخَیْرِ تَهْتَدُوا- وَ اصْدِفُوا عَنْ سَمْتِ الشَّرِّ تَقْصِدُوا- الْفَرَائِضَ الْفَرَائِضَ أَدُّوهَا إِلَى اللَّهِ تُؤَدِّکُمْ إِلَى الْجَنَّهِ- إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ حَرَاماً غَیْرَ مَجْهُولٍ- وَ أَحَلَّ حَلَالًا غَیْرَ مَدْخُولٍ- وَ فَضَّلَ حُرْمَهَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْحُرَمِ کُلِّهَا- وَ شَدَّ بِالْإِخْلَاصِ وَ التَّوْحِیدِ حُقُوقَ الْمُسْلِمِینَ فِی مَعَاقِدِهَا- فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَ یَدِهِ إِلَّا بِالْحَقِّ- وَ لَا یَحِلُّ أَذَى الْمُسْلِمِ إِلَّا بِمَا یَجِبُ- بَادِرُوا أَمْرَ الْعَامَّهِ وَ خَاصَّهَ أَحَدِکُمْ وَ هُوَ الْمَوْتُ- فَإِنَّ النَّاسَ أَمَامَکُمْ وَ إِنَّ السَّاعَهَ تَحْدُوکُمْ مِنْ خَلْفِکُمْ- تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا فَإِنَّمَا یُنْتَظَرُ بِأَوَّلِکُمْ آخِرُکُمْ- اتَّقُوا اللَّهَ فِی عِبَادِهِ وَ بِلَادِهِ- فَإِنَّکُمْ مَسْئُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ وَ الْبَهَائِمِ- وَ أَطِیعُوا اللَّهَ وَ لَا تَعْصُوهُ- وَ إِذَا رَأَیْتُمُ الْخَیْرَ فَخُذُوا بِهِ- وَ إِذَا رَأَیْتُمُ الشَّرَّ فَأَعْرِضُوا عَنْهُ

اللغه

أقول: اصدفوا: أعرضوا.

و تقصدوا: تعدلوا.

و معاقدها: مواضعها.

المعنى

و صدّر الفصل بالتنبیه على فضیله الکتاب، و هى کونه هادیا إلى طریق‏ الخیر و الشر. ثم أمر بأخذ طریق الخیر لکونه طریق الهدى الى المطالب الحقیقیّه الباقیه، و بالإعراض عن طریق الشرّ و سمته لاستلزام الإعراض عنه لزوم طریق الحقّ و الاستقامه فیه. ثمّ أمر بأداء الفرائض لأنّها أقوى طرق الخیر، و لذلک قال: تؤدّکم إلى الجنّه لأنّ الجنّه منتهى الخیر کلّه. ثمّ بیّن أنّ اللّه حرّم حراما غیر مجهول بل هو فی غایه الوضوح، و کذلک أحلّ حلالا غیر مدخول: أى لا عیب فیه و لا شبهه فلا عذر لمن ترکه، و فضّل حرمه المسلم على الحرم کلّها، و هذا لفظ الخبر النبوىّ: حرمه المسلم فوق کلّ حرمه دمه و عرضه و ماله. و شدّ بالإخلاص و التوحید حقوق المسلمین فی معاقدها: أى ربطها بهما و أوجب على المخلصین المعترفین بوحدانیّته المحافظه على حقوق المسلمین و مراعات مواضعها، و قرن توحیده بذلک حتّى صار فضله کفضل التوحید. ثمّ عرّف المسلم ببعض صفات المسلم الحقّ، و هو من سلم المسلمون من یده و لسانه إلّا أن تکون ید حقّ أو لسان حقّ. و هو لفظ الخبر النبوىّ أیضا. و قوله: لا یحلّ أذى المسلم إلّا بما یجب. کقوله: إلّا بالحقّ. أورده تأکیدا له ثمّ عقّب بتنبیههم على أمر العامّه و خاصّه أحدهم و هو الموت: أى ذلک الأمر هو الموت، و إنّما کان مع عمومه لکلّ الحیوان خاصّه أحدهم لأنّ له مع کلّ شخص خصوصیّه و کیفیّه مخالفه لحاله مع غیره، و أمر بمبادرته. أى بمبادره العمل له و لما بعده قبل سبقه إلیهم، و نبّههم على أنّ الناس أمامهم: أى قد سبقوهم إلى الآخره و الساعه تحدوهم من خلفهم، و أمر بالتخفیف للّحاق بهم، و حثّهم على ذلک بقوله: فإنّما ینتظر بأوّلکم آخرکم: أى السابقین إلى الآخره اللاحقین منکم لیبعث الکلّ جمیعا، و قد سبقت هذه الألفاظ بعینها و شرحها مستوفى. ثمّ أمر بتقوى اللّه فی عباده و ذلک بلزوم خوفه فی مراعاه ما ینبغی لکلّ أحد مع غیره، و فی بلاده بترک الفساد فی الأرض، و نبّه على وجوب ذلک باستعقاب کلّ عمل و إن قلّ للسؤال عنه، و مناقشه الحساب علیه حتّى عن البقاع. فیقال: لم استوطنتم هذا المکان و زهدتم فی ذلک و عن‏ البهایم. فیقال: لم ضربتم هذه و قتلتم هذه و لم أوجعتموها، و إلیه الإشاره بقوله تعالى «وَ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»«» و قوله «ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ یَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِیمِ»«» قیل: هو شبع البطن و بارد الشراب و لذّه النوم و ظلال المساکن و اعتدال الخلق، و قوله تعالى «وَ لا تَقْفُ ما لَیْسَ لَکَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ»«» فیقال: لم أشغلت قلبک و سمعک، و فی الخبر الصحیح النبوىّ إنّ اللّه عذّب إنسانا بهره حبسه فی بیت و أجاعه حتّى هلک. ثمّ أجمل القول بعد تفصیله و أمر بطاعه اللّه و نهى عن معصیته و أرشده إلى الأخذ بالخیر عند رؤیته و الإعراض عن الشرّ عن رؤیته.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۳۲۱

 

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۶۵شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

القسم الأول

لِیَتَأَسَّ صَغِیرُکُمْ بِکَبِیرِکُمْ- وَ لْیَرْأَفْ کَبِیرُکُمْ بِصَغِیرِکُمْ- وَ لَا تَکُونُوا کَجُفَاهِ الْجَاهِلِیَّهِ- لَا فِی الدِّینِ یَتَفَقَّهُونَ وَ لَا عَنِ اللَّهِ یَعْقِلُونَ- کَقَیْضِ بَیْضٍ فِی أَدَاحٍ- یَکُونُ کَسْرُهَا وِزْراً وَ یُخْرِجُ حِضَانُهَا شَرّاً

اللغه

أقول: قیض البیض: کسره. تقول: قضت البیضه: کسرتها،

و انقاضت: تصدّعت من غیر کسر، و تقّیضت: تکسّرت فلقا.

و الأداح: جمع ادحىّ افعول من الدحوو هو الموضع الّذی تفرخ فیه النعامه.

 

المعنى

و قد أمر علیه السّلام صغیرهم بالتأسّى بکبیرهم لأنّ الکبیر أکثر تجربه و علما و أکیس و أحزم فکان بالقدوه أولى، و أمر کبیرهم أن یرؤف بصغیرهم لأنّ الصغیر بمظنّه الضعف و أهل لأن یرحم و یعذر لقلّه عقلیّته للامور، و إنّما بدء بأمر الصغیر لأنّه أحوج إلى التأدیب. و الغایه من هذا الأمر انتظام امورهم و حصول الفتهم بما أمرهم به. ثمّ نهاهم أن یشبهوا جفاه الجاهلیّه فی عدم تفقّههم فی الدین و عدم عقلیّتهم لأوامر اللّه فیشبهون إذن ببیض الأفاعی فی أعشاشها، و وجه الشبه أنّها إن کسرها کاسر أثم لتأذّى الحیوان به، و قیل: لأنّه یظنّ القطا فیأثم کاسره و إن لم یکسر یخرج حضانها شرّا إذ تخرج أفعى قاتلا فکذلک هؤلاء إذا أشبهوا جفاه الجاهلیّه لا یحلّ لأحد أذاهم و إهانتهم لحرمه ظاهر الإسلام علیهم و إن أهملوا و ترکوا على ما هم علیه من الجهل و قلّه الأدب خرجوا شیاطین. و باللّه التوفیق.

القسم الثانی و منه

افْتَرَقُوا بَعْدَ أُلْفَتِهِمْ وَ تَشَتَّتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ- فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِغُصْنٍ أَیْنَمَا مَالَ مَالَ مَعَهُ- عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَیَجْمَعُهُمْ لِشَرِّ یَوْمٍ لِبَنِی أُمَیَّهَ- کَمَا تَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِیفِ- یُؤَلِّفُ اللَّهُ بَیْنَهُمْ ثُمَّ یَجْمَعُهُمْ رُکَاماً کَرُکَامِ السَّحَابِ- ثُمَّ یَفْتَحُ اللَّهُ لَهُمْ أَبْوَاباً- یَسِیلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ کَسَیْلِ الْجَنَّتَیْنِ- حَیْثُ لَمْ تَسْلَمْ عَلَیْهِ قَارَهٌ- وَ لَمْ تَثْبُتْ عَلَیْهِ أَکَمَهٌ- وَ لَمْ یَرُدَّ سَنَنَهُ رَصُّ طَوْدٍ وَ لَا حِدَابُ أَرْضٍ- یُذَعْذِعُهُمُ اللَّهُ فِی بُطُونِ أَوْدِیَتِهِ- ثُمَّ یَسْلُکُهُمْ یَنَابِیعَ فِی الْأَرْضِ- یَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ- وَ یُمَکِّنُ لِقَوْمٍ فِی دِیَارِ قَوْمٍ- وَ ایْمُ اللَّهِ لَیَذُوبَنَّ مَا فِی أَیْدِیهِمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ وَ التَّمْکِینِ- کَمَا تَذُوبُ الْأَلْیَهُ عَلَى النَّارِ أَیُّهَا النَّاسُ لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ نَصْرِ الْحَقِّ- وَ لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِینِ الْبَاطِلِ لَمْ یَطْمَعْ فِیکُمْ مَنْ لَیْسَ مِثْلَکُمْ- وَ لَمْ یَقْوَ مَنْ قَوِیَ عَلَیْکُمْ- لَکِنَّکُمْ تِهْتُمْ مَتَاهَ بَنِی إِسْرَائِیلَ- وَ لَعَمْرِی لَیُضَعَّفَنَّ لَکُمُ التِّیهُ مِنْ بَعْدِی أَضْعَافاً- بِمَا خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِکُمْ- وَ قَطَعْتُمُ الْأَدْنَى وَ وَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ- وَ اعْلَمُوا أَنَّکُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمُ الدَّاعِیَ لَکُمْ- سَلَکَ بِکُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِ وَ کُفِیتُمْ مَئُونَهَ الِاعْتِسَافِ- وَ نَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْفَادِحَ عَنِ الْأَعْنَاقِ

اللغه

أقول: القزع: قطع السحاب المتفرّقه.

و مستثارهم: موضع ثورانهم.

و القارّه: المستقرّ الثابت من الأرض.

و الأکمه: التلّ. و الحداب: جمع حدب و هو ما ارتفع من الأرض.

و الذعذعه بالذال المعجمه مرّتین: التفریق.

و تهنوا. تضعفوا.

و توهین الباطل: إضعافه.

و الفادح: المثقل.

المعنى

و الإشاره فی هذا الفصل إلى أصحابه، و أصلهم الّذی تشتّتوا عنه هو علیه السّلام، و افتراقهم بعد الفتهم هو افتراقهم إلى خوارج و غیرهم بعد اجتماعهم علیه. و قوله: فمنهم آخذ بغصن. أى یکون منهم من یتمسّک بمن أخلفه بعدى من ذریّه الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أینما سلک سلک معه کالشیعه، و تقدیر الکلام: و منهم من لیس کذلک. إلّا أنّه استغنى بالقسم الأوّل لدلالته على الثانی. و قوله: على أنّ اللّه تعالى سیجمعهم. أى من کان على عقیدته فینا و من لم یکن لشرّ یوم لبنی امیّه، و شبّه جمعه لهم و تألیفه بینهم بجمعه لقزع السحاب فی الخریف لتراکمهم بذلک الجمع کتراکم ذلک القزع، و وجه الشبه الاجتماع بعد التفرّق. و الأبواب الّتی یفتحها لهم إشاره إمّا إلى وجوه الآراء الّتی تکون أسباب الغلبه و الانبعاث على الاجتماع أو أعمّ منها کسایر الأسباب للغلبه من إعانه بعضهم لبعض بالأنفس و الأموال و غیر ذلک، و استعار لخروجهم لفظ السیل، و شبّهه بسیل جنّتى مأرب و هما جنّتا سبأ المحکىّ عنها فی القرآن الکریم «فَأَرْسَلْنا عَلَیْهِمْ سَیْلَ الْعَرِمِ وَ بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَیْهِمْ جَنَّتَیْنِ»«» الآیه، و وجه الشبه الشدّه فی الخروج و إفساد ما یأتون إلیه کقوّه ذلک السیل حیث لم یسلم علیه مرتفع من الأرض، و لم یردّ طریقه و جریه جبل مرصوص: أى شدید الالتصاق. ثمّ قال: یذعذعهم اللّه فی بطون أودیته ثمّ یسلکهم ینابیع فی الأرض، و هو من ألفاظ القرآن، و المراد کما أنّ اللّه ینزّل من السماء ماء فیکنّه فی أعماق الأرض ثمّ یظهر منها ینابیع إلى ظاهرها کذلک هؤلاء القوم یفرّقهم اللّه فی بطون الأودیه و غوامض الأرض ثمّ یظهرهم بعد الاختفاء فیأخذ بهم من قوم حقوق آخرین، و یمکّن قوما من ملک قوم و دیارهم. ثمّ أقسم لیذوبنّ ما فی أیدى بنی امیّه بعد علوّهم و تمکّنهم کما تذوب الألیه على النار، و وجه الشبه الفناء و الاضمحلال. و مصداق هذه الأخبار ما کان من أمر الشیعه الهاشمیّه و اجتماعها على إزاله ملک بنی امیّه من کان منهم ثابتا على ولاء علیّ و أهل بیته و من حاد منهم عن ذلک فی أواخر أیّام مروان الحمار عند ظهور الدعوه الهاشمیّه. ثمّ عاد إلى توبیخ السامعین بالإشاره إلى سبب الطمع فیهم ممّن دونهم فی القوّه و المنزله و قوّته علیهم، و الإشاره إلى معاویه و أصحابه، و ذلک السبب هو تخاذلهم عن نصره الحقّ و تضاعفهم عن إضعاف الباطل، و هو فی معرض التوبیخ و اللائمه لهم. ثمّ شبّه تیههم بمتاه بنی إسرائیل، و وجه الشبه لحوق الضعف و المذلّه و المسکنه لهم حیث لم یجتمعوا على العمل بأوامر اللّه فرماهم بالتیه و ضرب علیهم الذلّه و المسکنه. ثمّ أخبرهم بعاقبه أمرهم فی التخاذل، و هو إضعاف التیه و التفرّق بعده لالتفاتهم عن الحقّ و مقاطعه بعضهم له مع دنوّه و قربه من الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و وصلهم لمعاویه و غیره مع بعده عنه. ثمّ أخذ فی إرشادهم و جذبهم إلى اتّباعه. فقال: إنّ اتّبعتم الداعى- و عنى نفسه- سلک بکم منهاج الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و طریقه، و کفیتم مئونه الاعتساف فی طرق الضلال، و ألقیتم ثقل الأوزار فی الآخره عن أعناق نفوسکم. و ظاهر کونهم فادحه. و یحتمل أن یرید بالثقل الفادح الأیّام مع ما یلحقهم فی الدنیا من الخطوب الفادحه بسبب عصیان الأنام و الخروج عن أمره. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۳۱۵

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۶۴شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام یذکر فیها عجیب خلقه الطاوس

القسم الأول

ابْتَدَعَهُمْ خَلْقاً عَجِیباً مِنْ حَیَوَانٍ وَ مَوَاتٍ- وَ سَاکِنٍ وَ ذِی حَرَکَاتٍ- وَ أَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ الْبَیِّنَاتِ عَلَى لَطِیفِ صَنْعَتِهِ- وَ عَظِیمِ قُدْرَتِهِ- مَا انْقَادَتْ لَهُ الْعُقُولُ مُعْتَرِفَهً بِهِ وَ مَسَلِّمَهً لَهُ- وَ نَعَقَتْ فِی أَسْمَاعِنَا دَلَائِلُهُ عَلَى وَحْدَانِیَّتِهِ- وَ مَا ذَرَأَ مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ الْأَطْیَارِ- الَّتِی أَسْکَنَهَا أَخَادِیدَ الْأَرْضِ- وَ خُرُوقَ فِجَاجِهَا وَ رَوَاسِیَ أَعْلَامِهَا- مِنْ ذَاتِ أَجْنِحَهٍ مُخْتَلِفَهٍ وَ هَیْئَاتٍ مُتَبَایِنَهٍ- مُصَرَّفَهٍ فِی زِمَامِ التَّسْخِیرِ- وَ مُرَفْرِفَهٍ بِأَجْنِحَتِهَا فِی مَخَارِقِ الْجَوِّ الْمُنْفَسِحِ- وَ الْفَضَاءِ الْمُنْفَرِجِ- کَوَّنَهَا بَعْدَ إِذْ لَمْ تَکُنْ فِی عَجَائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَهٍ- وَ رَکَّبَهَا فِی حِقَاقِ مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَهٍ- وَ مَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَهِ خَلْقِهِ أَنْ یَسْمُوَ فِی الْهَوَاءِ خُفُوفاً- وَ جَعَلَهُ یَدِفُّ دَفِیفاً- وَ نَسَقَهَا عَلَى اخْتِلَافِهَا فِی الْأَصَابِیغِ بِلَطِیفِ قُدْرَتِهِ- وَ دَقِیقِ صَنْعَتِهِ- فَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِی قَالَبِ لَوْنٍ لَا یَشُوبُهُ غَیْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِیهِ- وَ مِنْهَا مَغْمُوسٌ فِی لَوْنِ صِبْغٍ قَدْ طُوِّقَ بِخِلَافِ مَا صُبِغَ بِهِ وَ مِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقاً الطَّاوُسُ- الَّذِی أَقَامَهُ فِی أَحْکَمِ تَعْدِیلٍ- وَ نَضَّدَ أَلْوَانَهُ فِی أَحْسَنِ تَنْضِیدٍ- بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ وَ ذَنَبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ- إِذَا دَرَجَ إِلَى الْأُنْثَى نَشَرَهُ مِنْ طَیِّهِ- وَ سَمَا بِهِ مُطِلًّا عَلَى رَأْسِهِ- کَأَنَّهُ قِلْعُ دَارِیٍّ عَنَجَهُ نُوتِیُّهُ- یَخْتَالُ بِأَلْوَانِهِ وَ یَمِیسُ بِزَیَفَانِهِ- یُفْضِی کَإِفْضَاءِ الدِّیَکَهِ- وَ یَؤُرُّ بِمَلَاقِحِهِ أَرَّ الْفُحُولِ الْمُغْتَلِمَهِ لِلضِّرَابِ- أُحِیلُکَ مِنْ ذَلِکَ عَلَى مُعَایَنَهٍ- لَا کَمَنْ یُحِیلُ عَلَى ضَعِیفٍ إِسْنَادُهُ- وَ لَوْ کَانَ کَزَعْمِ مَنْ یَزْعُمُ- أَنَّهُ یُلْقِحُ بِدَمْعَهٍ تَسْفَحُهَا مَدَامِعُهُ- فَتَقِفُ فِی ضَفَّتَیْ جُفُونِهِ- وَ أَنَّ أُنْثَاهُ تَطْعَمُ ذَلِکَ- ثُمَّ تَبِیضُ لَا مِنْ لِقَاحِ فَحْلٍ سِوَى الدَّمْعِ الْمُنْبَجِسِ- لَمَا کَانَ ذَلِکَ بِأَعْجَبَ مِنْ مُطَاعَمَهِ الْغُرَابِ تَخَالُ قَصَبَهُ مَدَارِیَ مِنْ فِضَّهٍ- وَ مَا أُنْبِتَ عَلَیْهَا مِنْ عَجِیبِ دَارَاتِهِ- وَ شُمُوسِهِ خَالِصَ الْعِقْیَانِ وَ فِلَذَ الزَّبَرْجَدِ- فَإِنْ شَبَّهْتَهُ بِمَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ- قُلْتَ جَنًى جُنِیَ مِنْ زَهْرَهِ کُلِّ رَبِیعٍ- وَ إِنْ ضَاهَیْتَهُ بِالْمَلَابِسِ فَهُوَ کَمَوْشِیِّ الْحُلَلِ- أَوْ کَمُونِقِ عَصْبِ الْیَمَنِ- وَ إِنْ شَاکَلْتَهُ بِالْحُلِیِّ فَهُوَ کَفُصُوصٍ ذَاتِ أَلْوَانٍ- قَدْ نُطِّقَتْ بِاللُّجَیْنِ الْمُکَلَّلِ- یَمْشِی مَشْیَ الْمَرِحِ الْمُخْتَالِ وَ یَتَصَفَّحُ ذَنَبَهُ وَ جَنَاحَیْهِ فَیُقَهْقِهُ ضَاحِکاً لِجَمَالِ سِرْبَالِهِ وَ أَصَابِیغِ وِشَاحِهِ- فَإِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى قَوَائِمِهِ- زَقَا مُعْوِلًا بِصَوْتٍ یَکَادُ یُبِینُ عَنِ اسْتِغَاثَتِهِ- وَ یَشْهَدُ بِصَادِقِ تَوَجُّعِهِ- لِأَنَّ قَوَائِمَهُ حُمْشٌ کَقَوَائِمِ الدِّیَکَهِ الْخِلَاسِیَّهِ وَ قَدْ نَجَمَتْ مِنْ ظُنْبُوبِ سَاقِهِ صِیصِیَهٌ خَفِیَّهٌ- وَ لَهُ فِی مَوْضِعِ الْعُرْفِ قُنْزُعَهٌ خَضْرَاءُ مُوَشَّاهٌ- وَ مَخْرَجُ عَنُقِهِ کَالْإِبْرِیقِ- وَ مَغْرِزُهَا إِلَى حَیْثُ بَطْنُهُ کَصِبْغِ الْوَسِمَهِ الْیَمَانِیَّهِ- أَوْ کَحَرِیرَهٍ مُلْبَسَهٍ مِرْآهً ذَاتَ صِقَالٍ- وَ کَأَنَّهُ مُتَلَفِّعٌ بِمِعْجَرٍ أَسْحَمَ- إِلَّا أَنَّهُ یُخَیَّلُ لِکَثْرَهِ مَائِهِ وَ شِدَّهِ بَرِیقِهِ- أَنَّ الْخُضْرَهَ النَّاضِرَهَ مُمْتَزِجَهٌ بِهِ- وَ مَعَ فَتْقِ سَمْعِهِ خَطٌّ کَمُسْتَدَقِّ الْقَلَمِ فِی لَوْنِ الْأُقْحُوَانِ- أَبْیَضُ یَقَقٌ فَهُوَ بِبَیَاضِهِ فِی سَوَادِ مَا هُنَالِکَ یَأْتَلِقُ- وَ قَلَّ صِبْغٌ إِلَّا وَ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ بِقِسْطٍ- وَ عَلَاهُ بِکَثْرَهِ صِقَالِهِ وَ بَرِیقِهِ- وَ بَصِیصِ دِیبَاجِهِ وَ رَوْنَقِهِ- فَهُوَ کَالْأَزَاهِیرِ الْمَبْثُوثَهِ لَمْ تُرَبِّهَا أَمْطَارُ رَبِیعٍ- وَ لَا شُمُوسُ قَیْظٍ وَ قَدْ یَنْحَسِرُ مِنْ رِیشِهِ وَ یَعْرَى مِنْ لِبَاسِهِ- فَیَسْقُطُ تَتْرَى وَ یَنْبُتُ تِبَاعاً- فَیَنْحَتُّ مِنْ قَصَبِهِ انْحِتَاتَ أَوْرَاقِ الْأَغْصَانِ- ثُمَّ یَتَلَاحَقُ نَامِیاً حَتَّى یَعُودَ کَهَیْئَتِهِ قَبْلَ سُقُوطِهِ- لَا یُخَالِفُ سَالِفَ أَلْوَانِهِ- وَ لَا یَقَعُ لَوْنٌ فِی غَیْرِ مَکَانِهِ- وَ إِذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرَهً مِنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهِ- أَرَتْکَ‏ حُمْرَهً وَرْدِیَّهً وَ تَارَهً خُضْرَهً زَبَرْجَدِیَّهً- وَ أَحْیَاناً صُفْرَهً عَسْجَدِیَّهً- فَکَیْفَ تَصِلُ إِلَى صِفَهِ هَذَا عَمَائِقُ الْفِطَنِ- أَوْ تَبْلُغُهُ قَرَائِحُ الْعُقُولِ- أَوْ تَسْتَنْظِمُ وَصْفَهُ أَقْوَالُ الْوَاصِفِینَ- وَ أَقَلُّ أَجْزَائِهِ قَدْ أَعْجَزَ الْأَوْهَامَ أَنْ تُدْرِکَهُ- وَ الْأَلْسِنَهَ أَنْ تَصِفَهُ- فَسُبْحَانَ الَّذِی بَهَرَ الْعُقُولَ عَنْ وَصْفِ خَلْقٍ جَلَّاهُ لِلْعُیُونِ- فَأَدْرَکَتْهُ مَحْدُوداً مُکَوَّناً وَ مُؤَلَّفاً مُلَوَّناً- وَ أَعْجَزَ الْأَلْسُنَ عَنْ تَلْخِیصِ صِفَتِهِ- وَ قَعَدَ بِهَا عَنْ تَأْدِیَهِ نَعْتِهِ وَ سُبْحَانَ مَنْ أَدْمَجَ قَوَائِمَ الذَّرَّهِ- وَ الْهَمَجَهِ إِلَى مَا فَوْقَهُا مِنْ خَلْقِ الْحِیتَانِ وَ الْفِیَلَهِ- وَ وَأَى عَلَى نَفْسِهِ أَلَّا یَضْطَرِبَ شَبَحٌ مِمَّا أَوْلَجَ فِیهِ الرُّوحَ- إِلَّا وَ جَعَلَ الْحِمَامَ مَوْعِدَهُ وَ الْفَنَاءَ غَایَتَهُ

اللغه

أقول: نعقت: صاحت.

و الأخادید: شقوق الأرض و شعابها.

و الفجاج: جمع فجّ.

و هی الطریق بین الجبلین: و العباله: امتلاء الجسد.

و نسقها: نظمها.

و یختال: یصیبه الخیلاء.

و زیفانه: تمایله و تبختره.

و الأرّ: النکاح و الحرکه فیه.

و ملافحه: آلات اللقاح و أعضاء التناسل.

و الاغتلام: شدّه الشبق.

و القلع الداریّ: الشراع المنسوب إلى دارین، و هی جزیره من سواحل القطیف من بلاد البحرین یقال: إنّ الطیب کان یجلب إلیها من الهند، و هی الآن خراب لا عماره بها و لا سکنى، و فیها آثار قدیمه.

و عنجه: عطفه.

و النوتىّ: ربّان السفینه.

و ضفّتى جفونه: جانباها.

و المنبجس: المنفجر.

و المدارى: جمع مدرى، و هی خشبه ذات أطراف کأصابع الکفّ محدّده الرءوس ینقى بها الطعام.

و داراته: الخطوط المستدیره بقصبه.

و العقیان: الذهب.

و فلذ: جمع فلذه، و هی القطعه.

و الزبرجد: قیل: هو الزمرّد،

و قیل: یطلق على البلخش.

و الجنىّ: فعیل بمعنى المجنّى،

و هو الملتقط. و العصب: برود تعمل بالیمن.

و المضاهاه: المشابهه.

و الحمش:الدقاق.

و نطّقت باللجین: أى شدّت فیه و رصّعت.

و الوشاح: سیر ینسج من أدیم و یرصّع بالجواهر فتجعله المرأه على عاتقها إلى کشحیها.

و زقا: صاح.

و المعول: الصارخ.

و الدیکه الخلاسیّه: هی المتولّده بین الدجاج الهندیّ و الفارسىّ.

و نجمت: ظهرت.

و الظنبوب: حرف الساق.

و الصیصیه: الهنه الّتی فی مؤخّر رجل الدیک.

و القنزعه: الشعر المجتمع فی موضع من الرأس.

و الوسمه بکسر السین و سکونها: شجر العظلم یخضب به.

و الأسحم: الأسود. التلفّع: التلحّف.

و الیقق: خالص البیاض.

و یأتلق: یلمع. و البصیص: البریق.

و تترى: تسقط منها شی‏ء عقیب شی‏ء.

و أدمجه: أحکمه. و الذرّه: النمله الصغیره.

و الهمجه: ذبابه صغیره کالبعوضه.

و مقصود الخطبه التنبیه على عجائب صنع اللّه لغایه الالتفات إلیه و التفکّر فی ملکوته و قد عرفت معنى الابتداع. و أراد بالموات ما لا حیاه له، و الساکن کالأرض، و ذو الحرکات کالأفلاک و شاهد [شواهد خ‏] البیّنات ما ظهر للعقول من لطائف المخلوقات فاستدّلت بها على لطف صنعته و کمال قدرته فانقادت لتلک الدلائل و الطرق الواضحه إلى معرفته و الإقرار به و التسلیم لأمره، و استعار لفظ نعیق فی الأسماع لظهور تلک الدلائل فی صماخ العقل، و ما الاولى مفعول لأقام، و الضمیر فی له یرجع إلى ما، و فی به و له الثانیه إلى اللّه، و فی دلائله یحتمل العود إلى کلّ واحد منهما، و ما الثانیه محلّها الجرّ بالعطف على الضمیر المضاف إلیه فی دلائله: أى نعقت فی أسماعنا دلائله على وحدانیّته و دلائل ما خلق، و قد عرفت فیما سبق کیفیه الاستدلال بکثره ما خلق و اختلافه فى وحدانیته و الأطیار التی أسکنها أخادید الأرض کالقطاه و الصدى، و الّتی أسکنها خروق فجاجها کالقبج، و الّتی أسکنها رءوس الجبال کالعقبان و الصقور. ثمّ أخذ یصف اختلافها بالأجنحه فی هیئاتها و کیفیّات خلقها تحت تصریف قدرته و حکمته. ثمّ أشار إلى اعتبار تکوینها و إحداثها فی عجائب صورها و ألوانها و ترکیب خلقها فی عبل الجثّه تمنع سمّوه فی الهواء کالنعام. ثمّ نبّه على لطیف حکمته فی تنسیقها مختلفه الألوان‏ و الأصباغ فمنها مغموس فی قالب لون واحد قد طوّق بخلاف ما صبغ به کالفواخت، و شرع فی التنبیه بحال الطاوس على لطف الصنع لاشتماله على جمیع الألوان، و کفى بوصفه علیه السّلام شارحا فإنّه لا أبلغ منه و لا أجمع لتفاصیل الحکمه الموجوده فی هذا الموصوف غیر أنّه قد یحتاج بعض ألفاظه علیه السّلام إلى بیان.

فأراد بقصبه قصب ریش ذنبه و جناحیه و إشراجها ضبط اصولها بالأعصاب و العظام و شرج بعضها لبعض، و وصفه علیه السّلام لهیئه درجه إلى الانثى حال إراده السفاد وصف من شاهد و استثبت الهیئه و أحسن بتشبیهه لذنبه عند إراده السفاد بالقلع الدارىّ فإنّه فی تلک الحاله یبسط ریشه و ینشره. ثمّ یرفعه و ینصبه فیصیر کهیئه الشراع المرفوع، و وجه التشبیه زیاده على ذلک أشار إلیها بقوله: عنجه نوتیّه، و ذلک أنّ الملّاحین یصرفون الشراع تاره بالجذب، و تاره بالإرخاء، و تاره بتحویله یمینا و شمالا و ذلک بحسب انصرافهم من بعض الجهات إلى بعض فأشبههم هذا الطائر عند حرکته لإراده السفاد و زیفانه فی تصریف ذنبه و تحویله، و له فی ذلک هیئه لا یستثبت وجه الشبه فیها کما هو إلّا من شاهدها مع مشاهده المشبّه به، و لذلک قال: احیلک من ذلک على معاینه لا کمن یحیلک على ضعیف إسناده. و إنّما خصّ دارین بالذکر لأنّها کانت المرسى القدیم فی زمانه علیه السّلام حیث کانت معموره. و قوله: و لو کان کزعم من یزعم. إلى قوله: المنبجس. أى لو کان حاله فی النکاح کزعم من یزعم، و هو إشاره إلى زعم قوم أنّ الذکر تدمع عینه فتقف الدمعه بین أجفانه فتأتى الانثى فتطعمها فتلقح من تلک الدمعه، و روی تنجشها مدامعه: أى تغصّ بها و تحار فیها، و هو علیه السّلام لم یحل ذلک، و إنّما قال: لیس ذلک بأعجب من مطاعمه الغراب، و العرب تزعم أنّ الغراب لا یسفد. و من أمثالهم أخفى من سفاد الغراب، و یزعمون أنّ اللقاح من مطاعمه الذکر و الانثى و إیصال جزء من الماء الّذی فیه فی قانصته إلیها و هی أن یضع کلّ منهما منقاره فی منقار صاحبه و یتزاقّا و ذلک مقدّمه للسفاد فی کثیر من الطیر کالحمام و غیره، و هذا و إن کان ممکنا فی بعض الطیر کالطاووس و الغراب ۳۱۰ غیر أنّ ذلک بعید.

على أنّه قد نقل الشیخ فی الشفاء أنّ القبجه تحبلها ریح تهبّ من ناحیه الحجل و من سماع صوته، قال: و النوع المسمّى مالاقیا یتلاصق بأفواهها ثمّ یتشابک فذلک سفادها، و نقل الجاحظ فی کتاب الحیوان أنّ الطاوسه قد تبیض من الریح بأن تکون فی سفاله الریح و فوقها الذکر فتحمل ریحه فتبیض منها.

قال: و بیض الریح قلّ أن یفرخ. و أقول: قد یوجد فی الدجاج ذلک إلّا أنّه قلّ ما یفرخ کما ذکره. ثمّ شبّه علیه السّلام قصب ذنبه بالمدارى من الفضّه، و من شاهد صوره قیام ذنبه مع بیاض اصول ریشه و تفرّقها عند نشره للسفاد عرف موضع التشبیه المذکور و وقوعه موقعه، و کذلک شبّه الخطوط الصفره المستدیره على رءوس ریش الذنب بخالص العقیان فی الصفره الفاقعه مع ما یعلوها من البریق، و ما فی وسط تلک الدارات من الدوائر الخضر بقطع الزبرجد فی الخضره، و استعار لها لفظ الشموس ملاحظه لمشابهتها لها فی الاستداره و الاستناره. ثمّ قال: و إن شبّهته بما أنبتت الأرض. إلى قوله: کلّ ربیع، و وجه الشبه اجتماع الألوان مع نضارتها و بهجتها. و کذلک وجه الشبه فی تشبیهه بموشىّ الحلل أو المعجب من برود الیمین، و کذلک إن شاکلته بالحلىّ، و وجه شبهه بالفصوص المختلفه الألوان المنطّقه فی الفضّه: أى المرصّعه فی صفائح الفضّه و المکلّل الّذی جعل کالإکلیل بذلک الترصیع. ثمّ حکى صوره مشیته و صوته کالقهقهه عند نظره إلى حسن سرباله و إعجابه بجمال کسوته، و لفظ الضحک و القهقهه و السربال مستعار و کذلک حاله فی نظره إلى قوائمه فإنّه یصیح کالمتوجّع من قبح ساقیه و دقّتها و یخضع و ینقمع بعد تعظّمه و نفخه لنفسه، و وجه تشبیه قوائمه بقوائم الدیکه الخلاسیّه الدقّه و الطول و التشظّى و نتوّ العرقوب. ثمّ أخذ فی وصف صیصیته و قنزعته و هی رویشات یسیره طوال فی مؤخّر رأسه نحو الثلث بارزه عن ریش رأسه خضر موشّاه. ثمّ أخذ فی وصف عنقه، و شبّه مخرجه بالإبریق و وجه الشبه الهیئه المعلومه بالمشابهه و کذلک مغرزه من رأسه إلى حیث بطنه یشبه فی لونه صبغ الوسمه فی السواد المشرق أو الحریره السوداء الملبسه مرآه ذات صقال فی سرابها و مخالطه بصیص المرآه لها أو المعجر الأسود إلّا أنّ ذلک السواد لکثره مائه و شدّه بریقه یخیّل للناظر أنّه ممتزج بخضره ناضره. ثمّ وصف الخلط الأبیض عند محلّ سمعه، و شبّهه فی دقّته و استوائه بخطّ القلم الدقیق، و فی بیاضه بلون الاقحوان. ثمّ أجمل فی تعدید الألوان فقال: و قلّ صبغ إلّا و قد أخذ منه بقسط و علاه: أى و زاد على الصبغ بکثره صقاله و بریقه و بصیص دیباجه، و لفظ الدیباج مستعار لریشه. ثمّ رجع إلى تشبیهه بالأزاهیر المبثوثه، و نبّه على کمال قدره صانعها بأنّها مع ذلک لم تربّها أمطار الربیع: أى لم تعدّها لتلک الألوان أمطار ربیع و لا شموس قیظ لأنّه لمّا خیّل أنّها أزاهیر و کان من شأن الأزاهیر المختلفه أنّها لا تتکوّن إلّا فی زمن الربیع بإمطاره و حراره الشمس المعدّه لتنویره أراد أن یبیّن عظمه صانعها بأنّها مع کونها أزاهیر خلقها بغیر مطر و لا شمس. ثمّ أخبر عن حاله له اخرى هی محلّ الاعتبار فی حکمه الصانع و قدرته، و هو أنّه یتحسّر و یعرى من ذلک الریش الحسن شیئا بعد شی‏ء، ثمّ ینبت جمیعا کلّ ریشه موضع ریشه بلونها الأوّل من غیر زیاده أو نقصان حتّى کأنّها هی، و شبّهه فی سقوطه و نباته بتحاتّ أوراق الشجر من الأغصان و نباتها. ثمّ نبّه على وجود حکمه الصانع فی الشعره الواحده من شعرات ریشه بأنّک إذا تأمّلتها أرتک من شفافیّتها و شدّه بصیصها تاره حمره کحمره الورد، و تاره خضره کخضره الزبرجد. و تاره صفره کصفره الذهب. ثمّ عقّب ذلک الوصف البلیغ باستبعاد وصول الفطن العمیقه إلى صفه هذا، و أراد العجز عن وصف علل هذه الألوان و اختلافها و اختصاص کلّ من مواضعها بلون غیر الآخر، و علل هیئاتها و سایر ما عدّده فإنّ أقلّ جزء منه ممّا یتحیّر الأوهام فی درک علّته و تقصر الألسن عن وصفه، و یحتمل أن یرید العجز عن استثبات جزئیّات أوصافه الظاهره و تشریحه فإنّ ما ذکره علیه السّلام و إن کان فی غایه البلاغه إلّا أنّ فیه وراء ذلک جزئیّات لم یستثبتها الوصف. و هو الأقرب، و یؤیّده تنزیهه للّه تعالى باعتبار قهره للعقول عن وصف هذا المخلوق الّذی جلّاه و أظهره للعیون فأدرکته محدودا ملوّنا و مؤلّفا مکوّنا و أعجز الألسن عن تلخیص وصفه و تأدیه نعته. ثم نزّهه باعتبار أمر آخر و هو إحکامه قوائم الذرّه و الهمجه و سائر ما فوقها کالحیتان و کبار حیوان البرّ کالفیله. ثمّ باعتبار حکمه و تقدیره على کلّ حیّ منها ضروره الموت، و فیه تنبیه على ذکر هادم اللذّات. و اعلم أنّه قد ذکرت للطاوس أحوال اخرى تخصّه أکثرها قالوا: إنّه غایه ما یعیش خمسا و عشرین سنه، و تبیض فی السنه الثالثه من عمره، و تبیض فی السنه مرّه واحده اثنتى عشره بیضه فی ثلاثه أیّام، و یحضنها ثلاثین یوما فتفرخ، و تحتّ ریشه عند سقوط ورق الشجر و ینبت مع ابتداء نبات ورقه

القسم الثانی منها فی صفه الجنه:

فَلَوْ رَمَیْتَ بِبَصَرِ قَلْبِکَ نَحْوَ مَا یُوصَفُ لَکَ مِنْهَا- لَعَزَفَتْ نَفْسُکَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْیَا- مِنْ شَهَوَاتِهَا وَ لَذَّاتِهَا وَ زَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا- وَ لَذَهِلَتْ بِالْفِکْرِ فِی اصْطِفَافِ أَشْجَارٍ- غُیِّبَتْ عُرُوقُهَا فِی کُثْبَانِ الْمِسْکِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا- وَ فِی تَعْلِیقِ کَبَائِسِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فِی عَسَالِیجِهَا وَ أَفْنَانِهَا- وَ طُلُوعِ تِلْکَ الثِّمَارِ مُخْتَلِفَهً فِی غُلُفِ أَکْمَامِهَا- تُجْنَى مِنْ غَیْرِ تَکَلُّفٍ فَتَأْتِی عَلَى مُنْیَهِ مُجْتَنِیهَا- وَ یُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِی أَفْنِیَهِ قُصُورِهَا- بِالْأَعْسَالِ الْمُصَفَّقَهِ وَ الْخُمُورِ الْمُرَوَّقَهِ- قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الْکَرَامَهُ تَتَمَادَى بِهِمْ- حَتَّى حَلُّوا دَارَ الْقَرَارِ وَ أَمِنُوا نُقْلَهَ الْأَسْفَارِ- فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَکَ أَیُّهَا الْمُسْتَمِعُ- بِالْوُصُولِ إِلَى مَا یَهْجُمُ عَلَیْکَ مِنْ تِلْکَ الْمَنَاظِرِ الْمُونِقَهِ- لَزَهِقَتْ نَفْسُکَ شَوْقاً إِلَیْهَا- وَ لَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِی هَذَا- إِلَى مُجَاوَرَهِ أَهْلِ الْقُبُورِ اسْتِعْجَالًا بِهَا- جَعَلَنَا اللَّهُ وَ إِیَّاکُمْ مِمَّنْ یَسْعَى‏ بِقَلْبِهِ- إِلَى مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ بِرَحْمَتِهِ

اللغه
أقول: عزفت: زهدت و انصرفت.

و الکبایس: جمع کباسه و هی العذق.

و العسالیج: الغصون واحدها عسلوج، و کذلک الأفنان جمع فنن.

و الأکمام جمع کمامه بکسر الکاف: و هی غلاف الطلع.

و العسل المصفّق: المصفىّ.

المعنى

و قوله: فلو رمیت ببصر قلبک. استعاره لطیفه: أى لو نظرت بعین بصیرتک و فکرت فی معنى ما وصف لک من متاع الجنّه لم تجد لشی‏ء من بدائع ما اخرج إلى الدنیا من متاعها إلى شی‏ء من متاع الجنّه إلّا نسبه و همیّه، إذا لا حظتها نفسک عزفت و أعرضت عن متاع الدنیا و ما یعدّ فیها لذّه، و غابت بفکرها فی اصطفاق الأشجار الموصوفه فیها و تمایل أغصانها. ثمّ وصف أشجارها و أنهارها و سایر ما عدّده من متاع الجنّه وصفا لا مزید علیه. فهذه هی الجنّه المحسوسه الموعوده، و أنت بعد معرفتک بقواعد التأویل و حقایق ألفاظ العرب و مجازاتها و استعاراتها و تشبیهاتها و تمثیلاتها و سایر ما عدّدناه لک فی صدر الکتاب من قواعد علم البیان، و کان لک مع ذلک ذوق طرف من العلم الإلهىّ أمکنک أن تجعل هذه الجنّه المحسوسه سلّما و مثالا لتعقّل الجنّه المعقوله و متاعها کتأویلک مثلا أشجار الجنّه استعاره للملائکه السماویّه و الاصطفاق ترشیح تلک الاستعاره، و کثبان المسک استعاره للمعارف و الکمالات الّتی لهم من واهب الجود و هم مغمورون فیها و قد وجدوا لها و منها کما تنبت الأشجار فی الکثبان، و لفظ الأنهار استعاره للملائکه المجرّدین عن التعلّق بالأجرام الفلکیّه باعتبار کون هذه الملائکه اصولا و مبادى للملائکه السماویّه کما أنّ الأنهار مبادى ممدّه لحیاه الأشجار و أسباب لوجودها، و اللؤلؤ الرطب و الثمار استعاره لما یفیض من تلک الأرواح من العلوم و الکمالات على النفوس القابله لها من غیر بخل و لا منع.

فهی ثمارها تأتى على منیه مجتنیها بحسب استعداده لکلّ منها. و القوّه المتخیّله تحکى تلک الإفاضات فی هذه العبارات و الظواهر المحسوسه المعدوده و تکسوها ۳۱۴ صوره ما هو مشتهى للمتخیّل کلّ بحسب شهوته. و لذلک کان فی الجنّه کلّ ما تشتهى الأنفس و تلذّ الأعین و یتأهّل لحضوره فیحضر لها عند إرادتها إیّاه، و کذلک لفظ العسل و الخمر استعاره لتلک الإفاضات المشتهات الملذّه للنفس بحسب محاکاه المتخیّله لها فی صوره هذا المشروب المحسوس المشتهى لبعض النفوس فتصوّره بصورته. و قوله: ثمّ قوم لم تزل الکرامه. إلى قوله: الأسفار. استعار لفظ التمادى الّذی هو من أفعال العقلاء لتأخّر الکرامه عنهم و انتظارهم لها فی الدنیا إلى غایه حلولهم دار القرار و حصول الکرامه لهم هناک و أمنهم من نقله الأسفار. ثمّ عقّب بتشویق المستمع إلى ما هناک.

و قوله: فلو شغلت قلبک. أى أخذت فی إعداد نفسک الوصول إلى ما یهجم علیک: أى یفاض علیک من تلک الصور البهیّه المعجبه لزهقت نفسک: أى متّ شوقا إلیها، و رحلت إلى مجاوره أهل القبور استعجالا لقربهم إلى ما یشتاق إلیه. ثمّ ختم الخطبه بالدعاء لنفسه و للسامعین أن یعدّهم اللّه تعالى لسلوک سبیله و قطع منازل طریقه الموصله إلى منازل الأبرار و هی درجات الجنّه و مقاماتها. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۳۰۵

بازدیدها: ۲

خطبه ۱۶۳شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

لما اجتمع الناس علیه و شکوا مما نقموه على عثمان، و سالوه مخاطبته عنهم و استعتابه لهم، فدخل علیه فقال:-

إِنَّ النَّاسَ وَرَائِی- وَ قَدِ اسْتَسْفَرُونِی بَیْنَکَ وَ بَیْنَهُمْ- وَ وَ اللَّهِ مَا أَدْرِی مَا أَقُولُ لَکَ- مَا أَعْرِفُ شَیْئاً تَجْهَلُهُ- وَ لَا أَدُلُّکَ عَلَى أَمْرٍ لَا تَعْرِفُهُ- إِنَّکَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ- مَا سَبَقْنَاکَ إِلَى شَیْ‏ءٍ فَنُخْبِرَکَ عَنْهُ- وَ لَا خَلَوْنَا بِشَیْ‏ءٍ فَنُبَلِّغَکَهُ- وَ قَدْ رَأَیْتَ کَمَا رَأَیْنَا وَ سَمِعْتَ کَمَا سَمِعْنَا- وَ صَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ ص کَمَا صَحِبْنَا- وَ مَا ابْنُ أَبِی قُحَافَهَ- وَ لَا ابْنُ الْخَطَّابِ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الْخَیْرِ مِنْکَ- وَ أَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى أَبِی رَسُولِ اللَّهِ ص وَشِیجَهَ رَحِمٍ مِنْهُمَا- وَ قَدْ نِلْتَ مِنْ صِهْرِهِ مَا لَمْ یَنَالَا فَاللَّهَ اللَّهَ فِی نَفْسِکَ- فَإِنَّکَ وَ اللَّهِ مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمًى- وَ لَا تُعَلَّمُ مِنْ جَهْلٍ- وَ إِنَّ الطُّرُقَ لَوَاضِحَهٌ وَ إِنَّ أَعْلَامَ الدِّینِ لَقَائِمَهٌ- فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ عَادِلٌ- هُدِیَ وَ هَدَى فَأَقَامَ سُنَّهً مَعْلُومَهً- وَ أَمَاتَ بِدْعَهً مَجْهُولَهً- وَ إِنَّ السُّنَنَ لَنَیِّرَهٌ لَهَا أَعْلَامٌ- وَ إِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَهٌ لَهَا أَعْلَامٌ- وَ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَ ضُلَّ بِهِ- فَأَمَاتَ سُنَّهً مَأْخُوذَهً وَ أَحْیَا بِدْعَهً مَتْرُوکَهً- وَ إِنِّی سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص یَقُولُ- یُؤْتَى یَوْمَ الْقِیَامَهِ بِالْإِمَامِ الْجَائِرِ- وَ لَیْسَ مَعَهُ نَصِیرٌ وَ لَا عَاذِرٌ- فَیُلْقَى فِی نَارِ جَهَنَّمَ فَیَدُورُ فِیهَا کَمَا تَدُورُ الرَّحَى- ثُمَّ یَرْتَبِطُ فِی قَعْرِهَا- وَ إِنِّی أَنْشُدُکَ اللَّهَ أَنْ تَکُونَ إِمَامَ هَذِهِ الْأُمَّهِ الْمَقْتُولَ- فَإِنَّهُ کَانَ یُقَالُ- یُقْتَلُ فِی هَذِهِ الْأُمَّهِ إِمَامٌ یَفْتَحُ عَلَیْهَا الْقَتْلَ- وَ الْقِتَالَ إِلَى یَوْمِ الْقِیَامَهِ- وَ یَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَیْهَا وَ یَبُثُّ الْفِتَنَ فِیهَا- فَلَا یُبْصِرُونَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ- یَمُوجُونَ فِیهَا مَوْجاً وَ یَمْرُجُونَ فِیهَا مَرْجاً- فَلَا تَکُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَیِّقَهً یَسُوقُکَ حَیْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلَالِ السِّنِّ- وَ تَقَضِّی الْعُمُرِ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ رَضِیَ اللَّهُ عَنْهُ- کَلِّمِ النَّاسَ فِی أَنْ یُؤَجِّلُونِی- حَتَّى أَخْرُجَ إِلَیْهِمْ مِنْ مَظَالِمِهِمْ- فَقَالَ ع مَا کَانَ بِالْمَدِینَهِ فَلَا أَجَلَ فِیهِ- وَ مَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِکَ إِلَیْهِ

اللغه

أقول: استسفرونی: اتّخذونی سفیرا: أى رسولا.

و الوشیجه: عروق الشجره.

و السیقه بتشدید الیاء: ما یسوقه العدوّ فی الغاره من الدوابّ. و جلال السنّ: علوّه.
و حاصل الکلام استعتابه باللیّن من القول.
فأثبت له منزلته من العلم: أى بأحکام الشریعه و السنن المتداوله بینهم فی زمان الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الظهور على کلّ ما ظهر علیه منها من مرئىّ و مسموع و الصحبه المماثله لصحبته، و ذکر أنّ الشیخین لیسا بأولى منه بعمل الحقّ. ثمّ فخّمه علیهما بقرب الوشیجه من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و الصهوره من دونهما، و لفظ الوشیجه مستعار لما بینه و بینهم من القرابه.
فأمّا کونه أقرب وشیجه منهما فلکونه من ولد عبد مناف دونهما. ثمّ حذّره اللّه و عقّب التحذیر بتنبیهه على أنّه غیر محتاج إلى تعلیم فیما یراد منه مع وضوح طریق الشریعه و قیام أعلام الدین. ثمّ تنبیهه على أفضلیّه الإمام العادل بالصفات المذکوره، و على قیام أعلام السنن، و على قیام أعلام البدع لیقتدى بتلک و ینکب عن هذه. ثمّ على حال الإمام الجایر یوم القیامه بما نقل من الخبر عن سیّد البشر صلّى اللّه علیه و آله و سلّم. ثمّ ناشده اللّه تعالى محذّرا له أن یکون الإمام المقتول فی هذه الامّه و قد کان الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم أخبر بذلک بهذه العباره الّتی نقلها بعد قوله: یقال. أو بما یناسبها. ثمّ نهاه أن یکون سیّقه لمروان بن الحکم: أى بصرفه حسب مقاصده بعد بلوغه معظم ۳۰۴ السنّ و تقضّى العمر. و قد کان مروان من أقوى الأسباب الباعثه على قتل عثمان، و کان یعکس الآراء الّتی یشار على عثمان بها من علیّ علیه السّلام و غیره [یشار بها بین علىّ و غیره خ‏] مع کونه بغیظا إلى المعتبرین من الصحابه و کونه طرید الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم. و قوله فی جوابه: ما کان بالمدینه فلا أجل فیه. إلى آخره. کلام جزل حاسم لما عساه یکون مماطله من طلب التأجیل لأنّ الحاضر لا معنى لتأجیله، و الغائب لا عذر فی تأخیره بعد بلوغ أمره إلیک کالّذی أعطاه أقربائه من أموال بیت المال على غیر وجهه. و قد سبق فی الفصول المتقدّمه من أمر عثمان مع الصحابه و ما نقموه علیه ما فیه کفایه. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۳۰۲

بازدیدها: ۰

خطبه ۱۶۲شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

القسم الأول

الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ الْعِبَادِ وَ سَاطِحِ الْمِهَادِ- وَ مُسِیلِ الْوِهَادِ وَ مُخْصِبِ النِّجَادِ- لَیْسَ لِأَوَّلِیَّتِهِ ابْتِدَاءٌ وَ لَا لِأَزَلِیَّتِهِ انْقِضَاءٌ- هُوَ الْأَوَّلُ وَ لَمْ یَزَلْ وَ الْبَاقِی بِلَا أَجَلٍ- خَرَّتْ لَهُ الْجِبَاهُ وَ وَحَّدَتْهُ الشِّفَاهُ- حَدَّ الْأَشْیَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إِبَانَهً لَهُ مِنْ شَبَهِهَا- لَا تُقَدِّرُهُ الْأَوْهَامُ بِالْحُدُودِ وَ الْحَرَکَاتِ- وَ لَا بِالْجَوَارِحِ وَ الْأَدَوَاتِ لَا یُقَالُ لَهُ مَتَى- وَ لَا یُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ بِحَتَّى- الظَّاهِرُ لَا یُقَالُ مِمَّ وَ الْبَاطِنُ لَا یُقَالُ فِیمَ- لَا شَبَحٌ فَیُتَقَصَّى وَ لَا مَحْجُوبٌ فَیُحْوَى- لَمْ یَقْرُبْ مِنَ الْأَشْیَاءِ بِالْتِصَاقٍ- وَ لَمْ یَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقٍ- وَ لَا یَخْفَى عَلَیْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَهٍ- وَ لَا کُرُورُ لَفْظَهٍ وَ لَا ازْدِلَافُ رَبْوَهٍ- وَ لَا انْبِسَاطُ خُطْوَهٍ فِی لَیْلٍ دَاجٍ- وَ لَا غَسَقٍ سَاجٍ یَتَفَیَّأُ عَلَیْهِ الْقَمَرُ الْمُنِیرُ- وَ تَعْقُبُهُ الشَّمْسُ‏ ذَاتُ النُّورِ فِی الْأُفُولِ وَ الْکُرُورِ- وَ تَقَلُّبِ الْأَزْمِنَهِ وَ الدُّهُورِ- مِنْ إِقْبَالِ لَیْلٍ مُقْبِلٍ وَ إِدْبَارِ نَهَارٍ مُدْبِرٍ- قَبْلَ کُلِّ غَایَهٍ وَ مُدَّهِ وَ کُلِّ إِحْصَاءٍ وَ عِدَّهٍ تَعَالَى عَمَّا یَنْحَلُهُ الْمُحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ الْأَقْدَارِ- وَ نِهَایَاتِ الْأَقْطَارِ وَ تَأَثُّلِ الْمَسَاکِنِ- وَ تَمَکُّنِ الْأَمَاکِنِ- فَالْحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْرُوبٌ وَ إِلَى غَیْرِهِ مَنْسُوبٌ لَمْ یَخْلُقِ الْأَشْیَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَزَلِیَّهٍ- وَ لَا مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِیَّهٍ- بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ حَدَّهُ- وَ صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ- لَیْسَ لِشَیْ‏ءٍ مِنْهُ امْتِنَاعٌ وَ لَا لَهُ بِطَاعَهِ شَیْ‏ءٍ انْتِفَاعٌ- عِلْمُهُ بِالْأَمْوَاتِ الْمَاضِینَ کَعِلْمِهِ بِالْأَحْیَاءِ الْبَاقِینَ- وَ عِلْمُهُ بِمَا فِی السَّمَاوَاتِ الْعُلَى- کَعِلْمِهِ بِمَا فِی الْأَرْضِ السُّفْلَى

اللغه

أقول: الساطح: الباسط.

و المهاد: الأرض،

و الوهاد: جمع و هده و هی المکان المطمئنّ.

و النجاد: جمع نجد، و هو المکان المرتفع.

و ازدلاف الربوه: تقدّمها.

و الساجى: الساکن.

و تفیّؤ القمر: ذهابه و مجیئه حالتی أخذه فی التبدّر و أخذه فی النقصان إلى المحاق.

و مجد مؤثّل و بیت مؤثّل: أصیل قدیم.

و قد اشتملت الخطبه من علم التوحید على مباحث قدّم الحمد للّه تعالى باعتباراتها:

الأوّل: قوله: خالق العباد. إلى قوله: النجاد.
إشاره إلى کونه مبدءا لجمیع الموجودات، و بیانه: أنّ لفظ العباد مشتمل على من فی السماوات و من فی الأرض لقوله تعالى «إِنْ کُلُّ مَنْ فِی السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا آتِی الرَّحْمنِ عَبْداً»«» و تدخل فی ذلک الأجسام الفلکیّه لکونها أجساما للملائکه، و سطح المهاد إشاره إلى خلق الأرض و جعلها مهادا لما خلق من الحیوان، و مسیل‏ الوهاد و مخصب النجاد إشاره إلى إیجاده لسائر ما ینتفع به الخلق فی الدنیا.
إذا عرفت ذلک فقد اشتملت هذه الألفاظ على إیجاده لجمیع الموجودات الممکنه.
و قد ثبت أنّ خالق جمیع الموجودات الممکنه لا یکون ممکنا فاستلزم ذلک کونه تعالى واجب الوجود.

الثانی من الاعتبارات السلبیّه: کونه تعالى لا ابتداء لأولیّته
أی لا حدّ لکونه أوّلا للأشیاء تقف عنده أوّلیّته و تنتهى به و إلّا لکان محدثا فکان ممکنا فلم یکن واجب الوجود. هذا خلف.

الثالث: و لا انقضاء لأزلیّته
أى لا غایه ینتهی عندها و ینقضی و إلّا لقابل العدم فلم یکن واجب الوجود. هذا خلف. و قوله: هو الأوّل لم یزل و الباقى بلا أجل. تأکید للاعتبارین الثانی و الثالث بعباره الاثبات.

الرابع: خرّت له الجباه و وحدّته الشفاه
و هو إشاره إلى کمال الوهیّته و استحقاقه للعباده.

الخامس: أنّه لا یشبهه شی‏ء
إذ کلّ شی‏ء ما عداه محدود یقدّره العقل و الوهم و یشار إلیه بحدود یحیطان به منها، و لا شی‏ء منه تعالى کذلک. إذ کلّ وهم قفره بحدّ أو بحرکه أو جارحه أو أداه کما هو مقتضى الوهم فی إدراکه لمدرکاته فقد ضلّ ضلالا بعیداً عن تصوّره. و قد سبقت الإشاره إلى ذلک.

السادس: أنّه منزّه عن لحوق الزمان
فلا یسأل عنه بمتى، و عن غایه الزمان فلا یضرب له أمد بحتّى.

السابع: کونه ظاهرا
و مع غایه ظهوره لا مادّه له و لا أصل یستفاد منه فلا یقال ممّا هو موجود.

الثامن: کونه باطنا
و مع غایه بطونه و خفائه لا حیّز له فیقال فیه بطن و خفى کسائر الخفیّات من الأجسام و الجسمانیّات. و قد سبق بیان کونه تعالى باطنا و ظاهرا غیر مرّه.

التاسع:
کونه و لیس بشخص فیلحقه التغیّر و الانقضاء.

العاشر: و لا محجوب فیحویه الحجاب.
إذ الشخص للناظر و الحجاب من لواحق الاجسام التی تنزه قدسه عنها.

الحادى عشر:
من الاعتبارات الإضافیّه کونه تعالى قریبا من الأشیاء لا بالالتصاق.

الثانی عشر: کونه بعیدا منها لا بالافتراق
و قد عرفت معنى قربه و بعده فی الخطبه الاولى، و لمّا کان الالتصاق و الافتراق من لواحق الأجسام لا جرم تنزّه قربه و بعده من الأشیاء عنها.

الثالث عشر: کونه لا یخفى علیه من عباده شخوص لحظه.
إلى قوله: و إدبار نهار مدبر. إشاره إلى إحاطه علمه بکلّ المعلومات، و شخوص اللحظه مدّ البصر بلا حرکه جفن، و کرور اللفظه رجوعها، و ازدلاف الربوه تقدّمها و أراد الربوه المتقدّمه: أى فی النظر و البادیه عند مدّ العین فإنّ الربى أوّل ما یقع فی العین من الأرض، و الضمیر فی علیه للغسق. و قوله: و تعقّبه الشمس: أى تتعقّبه فحذف إحدى التائین کقوله تعالى «تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِکَهُ» و روى تعقبه، و الضمیر المنصوب فیه للقمر. و قوله: من إقبال لیل. متعلّق بالتقلیب، و المعنى أنّ الشمس تعاقب القمر فتطلع عند افوله، و یطلع عند افولها.

الرابع عشر: کونه قبل کلّ غایه و مدّه و إحصاء و عدّه
لأنّه تعالى خالق الکلّ و مبدءه فوجب تقدّمه و قبلیّته.

الخامس عشر: تنزّهه و تعالیه عمّا تصفه به المشبّهه و المتّبعون لحکم أوهامهم فی جنابه المقدّس من صفات المقادیر کالأقطار و النهایات و الجوانب و إصاله البیوت و قدمها و الاستقرار فی المساکن و سائر ما هی حدود و لواحق یتقیّد بها ذوات الأعیان. فإنّ کلّ تلک الحدود مضروبه منه لخلقه و منسوبه إلیهم دونه.

السادس عشر: کون مخلوقاته صادره عنه من غیر اصول أزلیّه و لا أوائل أبدیّه
أی أوّلیّه سابقه و معنى هذا الکلام أنّه لم یخلق ما خلق على مثال سبق یکون أصلا لا أوّل له حذا حذوه، و قیل: معناه أنّه لیس لما خلق أصل أزلیّ أبدیّ خلق منه من مادّه و صوره کما زعمت الفلاسفه، و روى: و لا من أوائل أبدیّه. و قوله: بل خلق ما خلق فأقام حدّه. أى بل هو المخترع لإقامه حدوده، و هی من المقادیر و الأشکال و النهایات و الآجال و الغایات على وفق الحکمه الإلهیّه، و کذلک صوّر ما صوّر فأحسن صورته: أى أتى به على وجه الإحکام و الإتقان.

السابع عشر: کونه لیس لغیره منه امتناع
إشاره إلى کمال قدرته و و احاطه علمه.

الثامن عشر: کونه لا انتفاع له بطاعه شی‏ء
لأنّ الانتفاع من لوازم الحاجه الممتنعه علیه، و هو إشاره إلى وصف الغنى.

التاسع عشر: کون علمه تعالى بالأموات الماضین کعلمه بالأحیاء الباقین، و علمه بما فی السماوات العلى کعلمه بما فی الأرضین السفلى
و هو إشاره إلى أنّ علمه غیر مستفاد من غیره و لا یلحقه تغیّر و تجدّد فلا یتجدّد له علم لم یکن بل علمه تعالى أزلیّ أبدی‏ّ تامّ لا یلحقه نقصان، نسبه جمیع الممکنات إلیه على سواء. و قد علمت تحقیقه فی المباحث الإلهیّه فی مظانها. و باللّه التوفیق.

القسم الثانی منها:

أَیُّهَا الْمَخْلُوقُ السَّوِیُّ وَ الْمُنْشَأُ الْمَرْعِیُّ- فِی ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ وَ مُضَاعَفَاتِ الْأَسْتَارِ- . بُدِئْتَ مِنْ سُلالَهٍ مِنْ طِینٍ- وَ وُضِعْتَ فِی قَرارٍ مَکِینٍ إِلى‏ قَدَرٍ مَعْلُومٍ وَ أَجَلٍ مَقْسُومٍ- تَمُورُ فِی بَطْنِ أُمِّکَ جَنِیناً لَا تُحِیرُ دُعَاءً وَ لَا تَسْمَعُ نِدَاءً- ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّکَ إِلَى دَارٍ لَمْ تَشْهَدْهَا- وَ لَمْ تَعْرِفْ سُبُلَ‏ مَنَافِعِهَا- فَمَنْ هَدَاکَ لِاجْتِرَارِ الْغِذَاءِ مِنْ ثَدْیِ أُمِّکَ- وَ عَرَّفَکَ عِنْدَ الْحَاجَهِ مَوَاضِعَ طَلَبِکَ وَ إِرَادَتِکَ- هَیْهَاتَ إِنَّ مَنْ یَعْجِزُ عَنْ صِفَاتِ ذِی الْهَیْئَهِ وَ الْأَدَوَاتِ- فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ خَالِقِهِ أَعْجَزُ- وَ مِنْ تَنَاوُلِهِ بِحُدُودِ الْمَخْلُوقِینَ أَبْعَدُ

اللغه

أقول: السوىّ: المستوى.

و المرعىّ: المعتنى بأمره.

المعنى

و الخطاب للإنسان. و نبّهه بکونه سویّا مرعیّا على وجود خالقه الحکیم اللطیف. و قد عرفت کیفیّه تخلیق الإنسان و تصویره شیئا فشیا إلى حال کماله و وضعه، و کذلک نبّهه بتقلّبه فی حالاته و أطوار خلقته و باستفهامه عمّن هداه لاجترار غذائه من ثدى امّه و عمّن عرّفه عند الحاجه مواضع طلبه و هی الأثداء على وجود خالق هداه إلى جمیع حاجاته. فهذا القدر من العلم بالصانع أمر ضروریّ فی النفوس و إن احتاج إلى أدنى تنبیه. و ما وراء ذلک بمعنى صفات الکمال و نعوت الجلال امور لا تطّلع علیها العقول البشریّه بالکنه و إنّما تطّلع منها على اعتبارات و مقایسات له إلى خلقه، و یحتاج فیها إلى الدلیل و البرهان. و قد أشرنا إلى ذلک من قبل. و نبّه على بعد إدراکها و العجز عنها بقوله: هیهات. إلى قوله: و الأدوات: أى من یعجز من صفات نفسه فی حال تخلیقه و الاطّلاع على منافع جزئیّات أعضائه مع کونها محسوسه مشاهده له فهو عن صفات خالقه الّتی هی أبعد الأشیاء عنه مناسبه أعجز، و من إدراکه بالمقایسه و التشبیه بحدود المخلوقین و صفاتهم أبعد. و باللّه العصمه و التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۲۹۶
إ

بازدیدها: ۱

خطبه ۱۶۱شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام لبعض أصحابه

و قد سأله: کیف دفعکم قومکم عن هذا المقام و أنتم أحق به فقال: یَا أَخَا بَنِی أَسَدٍ إِنَّکَ لَقَلِقُ الْوَضِینِ- تُرْسِلُ فِی غَیْرِ سَدَدٍ- وَ لَکَ بَعْدُ ذِمَامَهُ الصِّهْرِ وَ حَقُّ الْمَسْأَلَهِ- وَ قَدِ اسْتَعْلَمْتَ فَاعْلَمْ- أَمَّا الِاسْتِبْدَادُ عَلَیْنَا بِهَذَا الْمَقَامِ- وَ نَحْنُ الْأَعْلَوْنَ نَسَباً وَ الْأَشَدُّونَ بِالرَّسُولِ ص نَوْطاً- فَإِنَّهَا کَانَتْ أَثَرَهً شَحَّتْ عَلَیْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ- وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِینَ- وَ الْحَکَمُ اللَّهُ وَ الْمَعْوَدُ إِلَیْهِ یَوْمَ الْقِیَامَهِ

           وَ دَعْ عَنْکَ نَهْباً صِیحَ فِی حَجَرَاتِهِ           وَ هَلُمَّ الْخَطْبَ فِی ابْنِ أَبِی سُفْیَانَ‏

فَلَقَدْ أَضْحَکَنِی الدَّهْرُ بَعْدَ إِبْکَائِهِ- وَ لَا غَرْوَ وَ اللَّهِ- فَیَا لَهُ خَطْباً یَسْتَفْرِغُ الْعَجَبَ وَ یُکْثِرُ الْأَوَدَ- حَاوَلَ الْقَوْمُ إِطْفَاءَ نُورِ اللَّهِ مِنْ مِصْبَاحِهِ- وَ سَدَّ فَوَّارِهِ مِنْ یَنْبُوعِهِ- وَ جَدَحُوا بَیْنِی وَ بَیْنَهُمْ شِرْباً وَبِیئاً- فَإِنْ تَرْتَفِعْ عَنَّا وَ عَنْهُمْ مِحَنُ الْبَلْوَى- أَحْمِلْهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ وَ إِنْ تَکُنِ الْأُخْرَى- فَلا تَذْهَبْ نَفْسُکَ عَلَیْهِمْ حَسَراتٍ- إِنَّ اللَّهَ عَلِیمٌ بِما یَصْنَعُونَ

اللغه
أقول: الوضین: بطان القتب و حزام السرج.

و الغلق: الاضطراب.

و الذمامه بالکسر: الحرمه،

و یروى ماتّه الصهر: أى وسیلته و هی المصاهره،

و النوط: التعلّق.

و الأثره بالتحریک: الاستبداد و الاستیثار.

و الحجره بفتح الحاء: الناحیه، و الجمع حجرات بفتح الجیم و سکونها.

و هلّم: یستعمل بمعنى تعالى کقوله تعالى «هَلُمَّ إِلَیْنا» و قد یستعمل بمعنى هات کما هی هنا فیتعدّى کما قال تعالى «هَلُمَّ شُهَداءَکُمُ».

و لا غرو: أى لا عجب.

و الأود: الاعوجاج.

و الجدح بالجیم بعدها الحاء: الخلط و التخویض و التکدیر.

و الشرب بالکسر: الحظّ من الماء.

و الوبیى‏ء: ذو الوباء الممرض.

المعنى

فأمّا جوابه للأسدیّ فإنّه یقال للرجل إذا لم یکن ذا ثبات فی عقله و اموره بحیث یسأل عمّا لا یعنیه أو یضع سؤاله فی غیر موضعه و یستعجل: إنّه قلق الوضین، و أصله أنّ الوضین إذا قلق اضطرب القتب فلم یثبت فطابق حال من لا یثبت فی مقاله و حرکاته فضرب مثلا له، و کذلک قوله: و ترسل فی غیر سدد: أى تتکلّم فی غیر موضع الکلام لا على استقامه. و هذا تأدیب له. و قوله: و لک بعد. إلى قوله: استعملت. إبداء للعذر فی حسن جوابه فإنّ للمصاهره حقّ و للسائل على المسئول حقّ الاسترشاد و السؤال. فأمّا کونه صهرا فلأنّ زینب بنت جحش زوجه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم‏ کانت أسدیّه. و هی زینب بنت جحش بن رئاب بن یعمر بن صبره بن مرّه بن کثیر بن غنم ابن دوذان بن أسد بن خزیمه و أمّها أمیمه بنت عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف فهى بنت عمّه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم. قالوا: و المصاهره المشار إلیها هى هذه، و نقل القطب الراوندیّ أنّ علیّا علیه السّلام کان متزوّجا فی بنى أسد. و أنکره الشارح ابن أبى الحدید معتمدا على أنّه لم یبلغنا ذلک، و الإنکار لا معنى له. إذ لیس کلّ ما لم یبلغنا من حالهم لا یکون حقّا و یلزم أن لا یصل إلى غیرنا. و قوله: أمّا الاستبداد. شروع فی الجواب و الضمیر فی إنّها یعود إلى معنى الأثره فی الاستبداد، و القوم الّذین شحّوا علیها فعند الإمامیّه من تقدّم علیه فی الإمامه، و عند غیرهم فربّما قالوا المراد بهم أهل الشورى بعد مقتل عمر. و قوله: و الحکم اللّه و المعود إلیه. أى المرجع فی یوم القیامه فی معنى التظلّم و التشکّى، و المعود مبتداء خبره القیامه. فأمّا البیت فهو لامرء القیس، و أصله أنّه تنقّل فی أحیاء العرب بعد قتل أبیه فنزل على رجل من خذیله طیّ یقال له طریف فأحسن جواره. فمدحه و أقام معه. ثمّ إنّه خاف أن لا یکون له منعه فتحوّل عنه و نزل على خالد بن سدوس بن اسمع النبهانی فأغارت بنو خذیله علیه و هو فی جوار خالد فذهبوا بإبله فلمّا أتاه الخبر ذکر ذلک لخالد فقال له: أعطنى رواحلک ألحق علیها فأردّ علیک إبلک ففعل فرکب خالد فی أثر القوم حتّى أدرکهم فقال: یا بنی خذیله أغرتم على إبل جارى. قالوا: ما هو لک بجار. قالوا: بلى و اللّه و هذه رواحله. فرجعوا إلیه فأنزلوه عنهنّ و ذهبوا بهنّ و بالإبل. فقال امرء القیس القصیده الّتی أوّلها البیت:
       فدع عنک نهبا صیح فی حجراته           و لکن حدیث ما حدیث الرواحل‏

و النهب هنا ما ینهب و حجراته جوانبه، و حدیث الثانی مبتداء و الأوّل خبره و ما للتنکیر و هی الّتی إذا دخلت على اسم زادته إبهاما کقوله: لأمر ما جدع قصیر أنفه. و المعنى دع ذکر الإبل فإنّه مفهوم، و لکن حدیث الرواحل حدیث ما:

أى حدیث مبهم لا یدرى کیف هو، و ذلک أنّه قیل: إنّ خالدا هو الّذی ذهب بالرواحل. فکان عنده لبس فی أمرها. فأمّا استشهاده علیه السّلام به فالمرویّ فی استشهاده النصف الأوّل من البیت، و وجه مطابقته لما هو فیه أنّ السابقین من الأئمّه و إن کانوا قد استبدّوا بهذا الأمر فحدیثهم مفهوم. إذ لهم الاحتجاج بالقدمه فی الإسلام و الهجره و قرب المنزله من الرسول و کونهم من قریش. فدع ذکرهم و ذکر نهبهم هذا المقام فیما سبق، و لکن هات ما نحن فیه الآن من خطب معاویه بن أبی سفیان، و الخطب هو الحادث الجلیل، و أراد هات ذکر خطبه فحذف المضاف للعلم به، و أشار به إلى الأحوال الّتی أدّت إلى أن کان معاویه منازعا له فی هذا الأمر مع بعده عنه حتّى صار قائما عند کثیر من الناس مقامه. و قوله: فلقد أضحکنى الدهر بعد إبکائه. إشاره إلى غبنه ممّن تقدّم علیه فی هذا الأمر، و ضحکه بعد ذلک تعجّب ممّا حکمت به الأوقات و اعتبار. ثمّ قال و لا عجب: أى ذلک أمر یجلّ عن التعجّب. ثمّ أخذ فی استعظامه فقال: یا له خطبا یستفرغ العجب: أى یفنیه حتّى صار کلا عجب و هو من باب الإغراق و المبالغه کقول ابن هانى:
         قد سرت فی المیدان یوم طرادهم             فعجبت حتّى کدت لا أتعجّب‏

و یحتمل أن یکون قوله: و لا غرو و اللّه: أى إذا نظر الإنسان إلى حقیقه الدنیا و تصرّف أحوالها. فیکون قوله بعد ذلک: فیا له. استیناف لاستعظام هذا الأمر.
و کونه یکثر الاعوجاج ظاهر فإنّ کلّ امرء بعد عن الشریعه ازداد الأمر به اعوجاجا. و قوله: حاول القوم. إلى قوله: ینبوعه. فالقوم قریش، و مصباح أنوار اللّه استعاره لخاصّه الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم من أهل بیته، و کذلک ینبوعه استعاره لهم باعتبار کونهم معدنا لهذا الأمر و لوازمه، و وجه الاستعارتین ظاهر. یرید أنّهم حاولوا إزاله هذا الأمر عن مستقرّه و معدنه الأحقّ به و هو بیت الرسول صلّى اللّه علیه و آله و سلّم. ثمّ استعار لفظ الشرب الوبیى‏ء لذلک الأمر، و لفظ الجدح للکدر الواقع بینهم و المجاذبه لهذا الأمر، و استعار لفظ الوبیى‏ء له باعتبار کونه سببا للهلاک و القتل بینهم. و قوله: فإن ترتفع. إلى آخره. أى فإن یجتمعوا علىّ و یرتفع بینی و بینهم ما ابتلینا به من هذه المحن و الإحن أسلک بهم محض الحقّ، و إن أبوا إلّا البقاء على ما هم علیه فلا أسف علیهم.

و اقتبس الآیه المشتمله على تأدیب نفسه و توطینها على ترک الأسف علیهم إن لم یؤمنوا و على تهدیدهم و وعیدهم باطّلاع اللّه على أعمالهم السیّئه.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۲۹۲

 

بازدیدها: ۲

خطبه ۱۶۰شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

بَعَثَهُ بِالنُّورِ الْمُضِی‏ءِ وَ الْبُرْهَانِ الْجَلِیِّ- وَ الْمِنْهَاجِ الْبَادِی وَ الْکِتَابِ الْهَادِی- أُسْرَتُهُ خَیْرُ أُسْرَهٍ وَ شَجَرَتُهُ خَیْرُ شَجَرَهٍ- أَغْصَانُهَا مُعْتَدِلَهٌ وَ ثِمَارُهَا مُتَهَدِّلَهٌ-مَوْلِدُهُ بِمَکَّهَ وَ هِجْرَتُهُ بِطَیْبَهَ عَلَا بِهَا ذِکْرُهُ وَ امْتَدَّ مِنْهَا صَوْتُهُ- أَرْسَلَهُ بِحُجَّهٍ کَافِیَهٍ وَ مَوْعِظَهٍ شَافِیَهٍ وَ دَعْوَهٍ مُتَلَافِیَهٍ- أَظْهَرَ بِهِ الشَّرَائِعَ الْمَجْهُولَهَ- وَ قَمَعَ بِهِ الْبِدَعَ الْمَدْخُولَهَ- وَ بَیَّنَ بِهِ الْأَحْکَامَ الْمَفْصُولَهَ- فَمَنْ یَبْتَغِ غَیْرَ الْإِسْلَامِ دَیْناً تَتَحَقَّقْ شِقْوَتُهُ- وَ تَنْفَصِمْ عُرْوَتُهُ وَ تَعْظُمْ کَبْوَتُهُ- وَ یَکُنْ مَآبُهُ إِلَى الْحُزْنِ الطَّوِیلِ وَ الْعَذَابِ الْوَبِیلِ- وَ أَتَوَکَّلُ عَلَى اللَّهِ تَوَکُّلَ الْإِنَابَهِ إِلَیْهِ- وَ أَسْتَرْشِدُهُ السَّبِیلَ الْمُؤَدِّیَهَ إِلَى جَنَّتِهِ- الْقَاصِدَهَ إِلَى مَحَلِّ رَغْبَتِهِ: أُوصِیکُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ- فَإِنَّهَا النَّجَاهُ غَداً وَ الْمَنْجَاهُ أَبَداً- رَهَّبَ فَأَبْلَغَ وَ رَغَّبَ فَأَسْبَغَ- وَ وَصَفَ لَکُمُ الدُّنْیَا وَ انْقِطَاعَهَا- وَ زَوَالَهَا وَ انْتِقَالَهَا- فَأَعْرِضُوا عَمَّا یُعْجِبُکُمْ فِیهَا لِقِلَّهِ مَا یَصْحَبُکُمْ مِنْهَا- أَقْرَبُ دَارٍ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَ أَبْعَدُهَا مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ- فَغُضُّوا عَنْکُمْ عِبَادَ اللَّهِ غُمُومَهَا وَ أَشْغَالَهَا- لِمَا قَدْ أَیْقَنْتُمْ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا وَ تَصَرُّفِ حَالَاتِهَا- فَاحْذَرُوهَا حَذَرَ الشَّفِیقِ النَّاصِحِ وَ الْمُجِدِّ الْکَادِحِ- وَ اعْتَبِرُوا بِمَا قَدْ رَأَیْتُمْ مِنْ مَصَارِعِ الْقُرُونِ قَبْلَکُمْ- قَدْ تَزَایَلَتْ أَوْصَالُهُمْ- وَ زَالَتْ أَبْصَارُهُمْ وَ أَسْمَاعُهُمْ- وَ ذَهَبَ شَرَفُهُمْ وَ عِزُّهُمْ- وَ انْقَطَعَ سُرُورُهُمْ وَ نَعِیمُهُمْ- فَبُدِّلُوا بِقُرْبِ الْأَوْلَادِ فَقْدَهَا- وَ بِصُحْبَهِ الْأَزْوَاجِ مُفَارَقَتَهَا- لَا یَتَفَاخَرُونَ وَ لَا یَتَنَاسَلُونَ- وَ لَا یَتَزَاوَرُونَ وَ لَا یَتَحَاوَرُونَ- فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللَّهِ حَذَرَ الْغَالِبِ لِنَفْسِهِ- الْمَانِعِ لِشَهْوَتِهِ النَّاظِرِ بِعَقْلِهِ- فَإِنَّ الْأَمْرَ وَاضِحٌ وَ الْعَلَمَ قَائِمٌ- وَ الطَّرِیقَ جَدَدٌ وَ السَّبِیلَ قَصْدٌ

اللغه

أقول: اسرته: أهله.

و المتهدّله: المتدلّیه.

و طیبه: اسم للمدینه سمّاها به رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و سلّم و قد کان اسمها یثرب، و روى أنّ یزید بن معاویه سمّاها خیبه.

و تلافیت الشی‏ء: استدرکته.

و الکبوه: العثره.

و الوبیل: المهلک.

و الکدح: السعى و العمل.

و خلاصه الفصل ذکر ممادح النبیّ صلّى اللّه علیه و آله و سلّم. ثمّ الموعظه الحسنه و التنفیر عن الدنیا.

و النور المضی‏ء نور النبوّه، و البرهان الجلىّ المعجزات و الآیات الموضحه لنبوّته، و المنهاج البادى هو شریعته و دینه الواضح، و الکتاب الهادى القرآن لهدیه إلى سبیل الجنّه، و ظاهر کون اسرته خیر الاسره. و لفظ الشجره مستعار لأصله، و ظاهر کون قریش أفضل العرب، و لفظ الأغصان مستعار لأشخاص بیته صلّى اللّه علیه و آله و سلّم کعلیّ و أولاده و زوجته و أعمامه و إخوانه، و اعتدال هذه الأغصان تقاربهم فی الفضل و الشرف، و ثمارها مستعار لفضائلهم العلمیّه و العملیّه، و تهدّلها کنایه عن ظهورها و کثرتها و سهوله الانتفاع بها، و ذکر مولده بمکّه و حجرته بالمدینه فی معرض مدحته لشرف مکّه بالبیت العتیق و شرف المدینه بأهلها حیث آووه و نصروه حین هاجر إلیها فعلا بها ذکره و انتشرت فیها صیته و امتدّت دعوته، و لأنّه هاجر إلیها و هی بلده مجدب قلیل الخصب ضعیف الأهل مع غلبه خصومه و قوّه المشرکین علیه فی ذلک الوقت. ثمّ إنّه مع ذلک علا بها ذکره و انتشرت فیها صیته فکان ذلک من آیات نبوّته أیضا، و الحجّه الکافیه ما جاء به من الآیات الّتی قهر بها أعداء اللّه، و الموعظه الشافیه ما اشتمل علیه القرآن العظیم و السنّه الکریمه من الوعد و الوعید و ضرب الأمثال و التذکیر بالقرون الماضیه و الآراء المحموده الجاذبه للناس فی أرشد الطرق إلى جناب ربّهم، و کفى بها شفاء للقلوب من أدواء الجهل، و الدعوه المتلافیه فإنّه استدرک بها ما فسد من نظام الخلق و تلافى بها ما هلک من قلوبهم و أسوّد من ألواح نفوسهم، و الشرائع المجهوله طرایق دینه و قوانین شریعته الّتی لم یکن لیهتدى إلیها إلّا بظهوره، و البدع ما کانت علیه أهل الجاهلیّه من الآثام و الفساد فی الأرض، و الأحکام المفصوله ما فصّله و بیّنه لنا من أحکام دین الإسلام الّذی من ابتغى غیره دینا ضلّ عن سواء طریق النجاه فتحقّقت شقوته فی الآخره و انفصمت عروته: أى انقطع متمسّک النجاه فی یده فعظمت عثرته فی سفره إلى الآخره و کان مرجعه إلى الحزن الطویل على ما فرّط فی جنب اللّه و مصیره إلى العذاب المهلک فی دار البوار.

ثمّ أنشأ یتوکّل على اللّه توکّل المنیب إلیه: أى الملتفت بقلبه عن غیره المسلّم بجمیع اموره إلیه، و یسأله الإرشاد إلى سبیله القاصده إلى جنّته الّتی هی محلّ الرغبه إلیه. ثمّ عقّب بالموعظه فبدء بالوصیّه بتقوى اللّه و طاعته و أطلق علیها لفظ النجاه مجازا إطلاقا لاسم المسبّب على السبب المادّى لکونها معدّه لإفاضه النجاه من عذاب یوم القیامه. و قیل: النجاه الناقه الّتی ینجى علیها فاستعار لفظها للطاعه لأنّها کالمطیّه ینجو بها المطیع من العطب، و لفظ المنجاه إذ هی محلّ النجاه دائما، و الضمیر فی رهّب و رغّب للّه: أى فأبلغ فی وعیده و أسبغ الترغیب فاتمه و وصف الدنیا بالاوصاف الموجبه للرغبه عنها. ثم امر علیه السلام بالإعراض عن زینتها، و علّل حسن ذلک الإعراض بقلّه ما یستصحب الإنسان منها إلى الآخره، و أراد الإعراض بالقلب الّذی هو الزهد الحقیقیّ، و إنّما قال: لقلّه ذلک و لم یقل لعدمه لأنّ السالکین لابدّ أن یستصحبوا منها شیئا و هو ما یکتسبه أحدهم من الکمالات إلى الآخره لکن القدر الّذی یکتسبه المترفون من الکمالات إذا قصدوا بأموالهم و سائر زینه الحیاه الدنیا الوصول إلى اللّه تعالى قلیل نور، و مع ذلک فهم فی غایه الخطر من مزلّه القدم فی کلّ حرکه و تصرّف بخلاف أمر القشف الّذین اقتصروا منها على مقدار الضروره البدنیّه، و یحتمل أن یرید بالقلیل الّذی یصحبهم منها کالکفن و نحوه، و إنّما کانت أقرب دار من سخط اللّه و أبعدها من إطاعه اللّه لأنّ المیل فیها إلى اللهو و اللعب و الاستمتاع بزینتها المستلزم لسخط اللّه أغلب‏ من الانتفاع بها فی سلوک سبیل اللّه. و قوله: فغضّوا. أى فکفّوا عن أنفسکم الغمّ لأجلها و الاشتغال بها لما تیقّنتم من فراقها لأنّ الغمّ إنّما ینبغی أن یوجّه نحو ما یبقى. ثمّ حذّر منها حذر الشفیق على نفسه الناصح المجدّ الکادح لها. ثمّ أخذ فی الأمر باعتبار ما هو مشاهد من مصارع القرون الماضیه و أحوالها الخالیه من تفرّق أوصالهم و زوال أسماعهم و أبصارهم إلى سائر ما عدّده من الأحوال الّتی نزلت بهم و استبدلوها من الأحوال الدنیویّه الّتی کانوا علیها. ثمّ حذّر منها حذر الغالب لنفسه الأمّاره بالسوء الناظر بعین عقله مقابح شهوته المانع لها عن العبور إلى حدّ الإفراط من فضیله العفّه فإنّ أمر الدنیا و الآخره واضح لمن اعتبر حالهما، و علم الشریعه الهادی إلى الحقّ قائم، و الطریق إلى اللّه سهل مستقیم قاصد: أى فلا یکن أمرکم علیکم غمّه.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۳ ، صفحه‏ى ۲۸۹

بازدیدها: ۱