خطبه ۱۱۹ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۱۹ و من کلام له ع

تَاللَّهِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِیغَ الرِّسَالَاتِ- وَ إِتْمَامَ الْعِدَاتِ وَ تَمَامَ الْکَلِمَاتِ- وَ عِنْدَنَا أَهْلَ الْبَیْتِ أَبْوَابُ الْحُکْمِ وَ ضِیَاءُ الْأَمْرِ- أَلَا وَ إِنَّ شَرَائِعَ الدِّینِ وَاحِدَهٌ وَ سُبُلَهُ قَاصِدَهٌ- مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَ غَنِمَ- وَ مَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ وَ نَدِمَ- اعْمَلُوا لِیَوْمٍ تُذْخَرُ لَهُ الذَّخَائِرُ- وَ تُبْلَى فِیهِ السَّرَائِرُ- وَ مَنْ لَا یَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُبِّهِ- فَعَازِبُهُ عَنْهُ أَعْجَزُ وَ غَائِبُهُ أَعْوَزُ- وَ اتَّقُوا نَاراً حَرُّهَا شَدِیدٌ- وَ قَعْرُهَا بَعِیدٌ وَ حِلْیَتُهَا حَدِیدٌ- وَ شَرَابُهَا صَدِیدٌ- . أَلَا وَ إِنَّ اللِّسَانَ الصَّالِحَ- یَجْعَلُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَرْءِ فِی النَّاسِ- خَیْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ یُورِثُهُ مَنْ لَا یَحْمَدُهُ رواها قوم لقد علمت بالتخفیف و فتح العین- و الروایه الأولى أحسن- فتبلیغ الرسالات تبلیغ الشرائع- بعد وفاه الرسول ص إلى المکلفین- و فیه إشاره إلى قوله تعالى- یُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَ یَخْشَوْنَهُ- وَ لا یَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ و إلى قول النبی ص فی قصه براءه لا یؤدی عنی إلا أنا و رجل منی- .
و إتمام العدات إنجازها- و فیه إشاره إلى قوله تعالى- مِنَ الْمُؤْمِنِینَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَیْهِ و إلى قول النبی ص فی حقه ع قاضی دینی و منجز موعدی- . و تمام الکلمات تأویل القرآن- و فیه إشاره إلى قوله تعالى- وَ تَمَّتْ کَلِمَهُ رَبِّکَ صِدْقاً وَ عَدْلًا و إلى قول النبی فی حقه ع اللهم اهد قلبه و ثبت لسانه- . و خلاصه هذا أنه أقسم بالله- أنه قد علم أو علم- على اختلاف الروایتین- أداء الشرائع إلى المکلفین- و الحکم بینهم بما أنزله الله- و علم مواعید رسول الله التی وعد بها- فمنها ما هو وعد لواحد من الناس بأمر- نحو أن یقول له سأعطیک کذا- و منها ما هو وعد بأمر یحدث- کأخبار الملاحم و الأمور المتجدده- و علم تمام کلمات الله تعالى- أی تأویلها و بیانها الذی یتم به- لأن فی کلامه تعالى المجمل- الذی لا یستغنی عن متمم و مبین یوضحه- .

ثم کشف الغطاء و أوضح المراد- فقال و عندنا أهل البیت أبواب الحکم- یعنی الشرعیات و الفتاوی- و ضیاء الأمر یعنی العقلیات و العقائد- و هذا مقام عظیم لا یجسر أحد من المخلوقین- أن یدعیه سواه ع- و لو أقدم أحد على ادعائه غیره لکذب و کذبه الناس- . و أهل البیت منصوب على الاختصاص- . و سبله قاصده أی قریبه سهله- و یقال بیننا و بین الماء لیله قاصده و رافهه- أی هینه المسیر لا تعب و لا بطء- . و تبلى فیه السرائر أی تختبر- .

ثم قال من لا ینفعه لبه الحاضر و عقله الموجود- فهو بعدم الانتفاع بما هو غیر حاضر-و لا موجود من العقل عنده أولى و أحرى- أی من لم یکن له من نفسه و من ذاته وازع و زاجر عن القبیح- فبعید أن ینزجر- و أن یرتدع بعقل غیره و موعظه غیره له- کما قیلو زاجر من النفس خیر من عتاب العواذل‏- . ثم ذکر النار فحذر منها- . و قوله حلیتها حدید یعنی القیود و الأغلال- . ثم ذکر أن الذکر الطیب- یخلفه الإنسان بین الناس- خیر له من مال یجمعه و یورثه من لا یحمده- وجاء فی الأثر أن أمیر المؤمنین جاءه مخبر فأخبره أن مالا له- قد انفجرت فیه عین خراره- یبشره بذلک- فقال بشر الوارث بشر الوارث یکررها- ثم وقف ذلک المال على الفقراء- و کتب به کتابا فی تلک الساعه

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن أبی ‏الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۵۹

خطبه ۱۱۸ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۱۸ و من کلام له ع و قد جمع الناس- و حضهم على الجهاد- فسکتوا ملیا

فقال ع- : مَا بَالُکُمْ أَ مُخْرَسُونَ أَنْتُمْ- فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ- إِنْ سِرْتَ سِرْنَا مَعَکَ- فَقَالَ ع- مَا بَالُکُمْ لَا سُدِّدْتُمْ لِرُشْدٍ وَ لَا هُدِیتُمْ لِقَصْدٍ- أَ فِی مِثْلِ هَذَا یَنْبَغِی لِی أَنْ أَخْرُجَ- وَ إِنَّمَا یَخْرُجُ فِی مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ- مِمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِکُمْ- وَ ذَوِی بَأْسِکُمْ- وَ لَا یَنْبَغِی لِی أَنْ أَدَعَ الْجُنْدَ وَ الْمِصْرَ- وَ بَیْتَ الْمَالِ وَ جِبَایَهَ الْأَرْضِ- وَ الْقَضَاءَ بَیْنَ الْمُسْلِمِینَ- وَ النَّظَرَ فِی حُقُوقِ الْمُطَالِبِینَ- ثُمَّ أَخْرُجَ فِی کَتِیبَهٍ أَتْبَعُ أُخْرَى- أَتَقَلْقَلُ تَقَلْقُلَ الْقِدْحِ فِی الْجَفِیرِ الْفَارِغِ- وَ إِنَّمَا أَنَا قُطْبُ الرَّحَى- تَدُورُ عَلَیَّ وَ أَنَا بِمَکَانِی- فَإِذَا فَارَقْتُهُ اسْتَحَارَ مَدَارُهَا- وَ اضْطَرَبَ ثِفَالُهَا- هَذَا لَعَمْرُ اللَّهِ الرَّأْیُ السُّوءُ- وَ اللَّهِ لَوْ لَا رَجَائِی الشَّهَادَهَ عِنْدَ لِقَائِی الْعَدُوَّ- وَ لَوْ قَدْ حُمَّ لِی لِقَاؤُهُ- لَقَرَّبْتُ رِکَابِی- ثُمَّ شَخَصْتُ عَنْکُمْ فَلَا أَطْلُبُکُمْ- مَا اخْتَلَفَ جَنُوبٌ وَ شَمَالٌ- طَعَّانِینَ عَیَّابِینَ حَیَّادِینَ رَوَّاغِینَ- إِنَّهُ لَا غَنَاءَ فِی کَثْرَهِ عَدَدِکُمْ- مَعَ قِلَّهِ اجْتِمَاعِ قُلُوبِکُمْ- لَقَدْ حَمَلْتُکُمْ عَلَى الطَّرِیقِ الْوَاضِحِ- الَّتِی لَا یَهْلِکُ عَلَیْهَا إِلَّا هَالِکٌ- مَنِ اسْتَقَامَ فَإِلَى الْجَنَّهِ وَ مَنْ زَلَّ فَإِلَى النَّارِ سکتوا ملیا أی ساعه طویله- و مضى ملی من النار کذلک-

قال الله تعالى وَ اهْجُرْنِی مَلِیًّا- و أقمت عند فلان ملاوه- و ملاوه و ملاوه من الدهر- بالحرکات الثلاث أی حینا و برهه- و کذلک أقمت ملوه و ملوه و ملوه بالحرکات الثلاث- . و قوله أ مخرسون أنتم- اسم المفعول من أخرسه الله- و خرس الرجل و الخرس المصدر- . و الکتیبه قطعه من الجیش- و التقلقل الحرکه فی اضطراب- و القدح السهم و الجفیر الکنانه- و قیل وعاء للسهام أوسع من الکنانه- .

و استحار مدارها اضطرب- و المدار هاهنا مصدر- و الثقال بکسر الثاء جلد یبسط و توضع الرحى فوقه- فتطحن بالید لیسقط علیه الدقیق- . و حم أی قدر و الرکاب الإبل- و شخصت عنکم خرجت- ثم وصفهم بعیب الناس و الطعن فیهم- و أنهم یحیدون عن الحق و عن الحرب- أی ینحرفون و یروغون کما یروغ الثعلب- . ثم قال إنه لا غناء عندکم- و إن اجتمعتم بالأبدان مع تفرقی القلوب- و الغناء بالفتح و المد النفع- . و انتصب طعانین على الحال- من الضمیر المنصوب فی أطلبکم- .

و هذا کلام قاله أمیر المؤمنین ع- فی بعض غارات أهل الشام على أطراف أعماله بالعراق- بعد انقضاء أمر صفین و النهروان- و قد ذکرنا سببه و وقعته فیما تقدم- . فإن قلت کیف قال الطریق الواضح- فذکره ثم قال لا یهلک فیها فأنثه- قلت لأن الطریق یذکر و یؤنث- تقول الطریق الأعظم و الطریق العظمى- فاستعمل اللغتین معا

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی ‏الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۱۲

خطبه ۱۱۷ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۱۷ و من کلام له ع

أَنْتُمُ الْأَنْصَارُ عَلَى الْحَقِّ- وَ الْإِخْوَانُ فِی الدِّینِ- وَ الْجُنَنُ یَوْمَ الْبَأْسِ- وَ الْبِطَانَهُ دُونَ النَّاسِ- بِکُمْ أَضْرِبُ الْمُدْبِرَ وَ أَرْجُو طَاعَهَ الْمُقْبِلِ- فَأَعِینُونِی بِمُنَاصَحَهٍ خَلِیَّهٍ مِنَ الْغِشِّ- سَلِیمَهٍ مِنَ الرَّیْبِ- فَوَاللَّهِ إِنِّی لَأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ الجنن جمع جنه و هی ما یستر به- و بطانه الرجل خواصه- و خالصته الذین لا یطوی عنهم سره- . فإن قلت أما ضربه بهم المدبر فمعلوم- یعنی الحرب فما معنى قوله ع- و أرجو طاعه المقبل- قلت لأن من ینضوی إلیه من المخالفین- إذا رأى ما علیه شیعته و بطانته- من الأخلاق الحمیده و السیره الحسنه- أطاعه بقلبه باطنا- بعد أن کان انضوى إلیه ظاهرا- . و اعلم أن هذا الکلام قاله أمیر المؤمنین ع للأنصار- بعد فراغه من حرب الجمل- و قد ذکره المدائنی و الواقدی فی کتابیهما

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی ‏الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۱۳

خطبه ۱۱۶ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۱۶ و من کلام له ع

فَلَا أَمْوَالَ بَذَلْتُمُوهَا لِلَّذِی رَزَقَهَا- وَ لَا أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِی خَلَقَهَا- تَکْرُمُونَ بِاللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ- وَ لَا تُکْرِمُونَ اللَّهَ فِی عِبَادِهِ- فَاعْتَبِرُوا بِنُزُولِکُمْ مَنَازِلَ مَنْ کَانَ قَبْلَکُمْ- وَ انْقِطَاعِکُمْ عَنْ أَوْصَلِ إِخْوَانِکُمْ انتصاب الأموال بفعل مقدر- دل علیه بذلتموها- و کذلک أنفس- یقول لم تبذلوا أموالکم فی رضا من رزقکم إیاها- و لم تخاطروا بأنفسکم فی رضا الخالق لها- و الأولى بکم أن تبذلوا المال فی رضا رازقه- و النفس فی رضا خالقها- لأنه لیس أحد أحق منه بالمال و النفس- و بذلهما فی رضاه- .

ثم قال من العجب- أنکم تطلبون من عباد الله- أن یکرموکم و یطیعوکم لأجل الله- و انتمائکم إلى طاعته- ثم إنکم لا تکرمون الله- و لا تطیعونه فی نفع عباده- و الإحسان إلیهم- . و محصول هذا القول- کیف تسیمون الناس أن یطیعوکم لأجل الله- ثم إنکم أنتم لا تطیعون الله- الذی تکلفون الناس أن یطیعوکم لأجله- ثم أمرهم باعتبارهم بنزولهم منازل من کان قبلهم- و هذا مأخوذ من قوله‏ تعالى- وَ سَکَنْتُمْ فِی مَساکِنِ الَّذِینَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ- وَ تَبَیَّنَ لَکُمْ کَیْفَ فَعَلْنا بِهِمْ- وَ ضَرَبْنا لَکُمُ الْأَمْثالَ- . و روی عن أصل إخوانکم- و ذلک بموت الأب- فإنه ینقطع أصل الأخ الواشج بینه و بین أخیه- و الروایه الأولى أظهر

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی‏ الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۱۴

خطبه ۱۱۵ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۱۵ و من خطبه له ع

أَرْسَلَهُ دَاعِیاً إِلَى الْحَقِّ- وَ شَاهِداً عَلَى الْخَلْقِ- فَبَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ- غَیْرَ وَانٍ وَ لَا مُقَصِّرٍ- وَ جَاهَدَ فِی اللَّهِ أَعْدَاءَهُ- غَیْرَ وَاهِنٍ وَ لَا مُعَذِّرٍ- إِمَامُ مَنِ اتَّقَى وَ بَصَرُ مَنِ اهْتَدَى قوله و شاهدا على الخلق- أی یشهد على القوم الذین بعث إلیهم- و شهد لهم فیشهد على العاصی بالعصیان و الخلاف- و یشهد للمطیع بالإطاعه و الإسلام- و هذا من قوله سبحانه و تعالى- فَکَیْفَ إِذا جِئْنا مِنْ کُلِّ أُمَّهٍ بِشَهِیدٍ- وَ جِئْنا بِکَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِیداً- و من قوله تعالى وَ کُنْتُ عَلَیْهِمْ شَهِیداً ما دُمْتُ فِیهِمْ- . فإن قلت إذا کان الله تعالى عالما بکل شی‏ء- و مالکا لکل أحد- فأی حاجه إلى الشهاده- قلت لیس بمنکر أن یکون فی ذلک- مصلحه للمکلفین فی أدیانهم- من حیث إنه قد تقرر فی عقول الناس- أن من یقوم علیه شاهد بأمر منکر قد فعله- فإنه یخزى‏و یخجل و تنقطع حجته- فإذا طرق أسماعهم أن الأنبیاء تشهد علیهم- و الملائکه الحافظین تکتب أعمالهم- کانوا عن مواقعه القبیح أبعد- .

و الوانی الفاتر الکال- و الواهن الضعیف- . و المعذر الذی یعتذر عن تقصیره بغیر عذر- قال تعالى وَ جاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ: مِنْهَا وَ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِیَ عَنْکُمْ غَیْبُهُ- إِذاً لَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ- تَبْکُونَ عَلَى أَعْمَالِکُمْ- وَ تَلْتَدِمُونَ عَلَى أَنْفُسِکُمْ- وَ لَتَرَکْتُمْ أَمْوَالَکُمْ لَا حَارِسَ لَهَا- وَ لَا خَالِفَ عَلَیْهَا- وَ لَهَمَّتْ کُلَّ امْرِئٍ مِنْکُمْ نَفْسُهُ- لَا یَلْتَفِتُ إِلَى غَیْرِهَا- وَ لَکِنَّکُمْ نَسِیتُمْ مَا ذُکِّرْتُمْ- وَ أَمِنْتُمْ مَا حُذِّرْتُمْ- فَتَاهَ عَنْکُمْ رَأْیُکُمْ- وَ تَشَتَّتَ عَلَیْکُمْ أَمْرُکُمْ- وَ لَوَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَیْنِی وَ بَیْنَکُمْ- وَ أَلْحَقَنِی بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِی مِنْکُمْ- قَوْمٌ وَ اللَّهِ مَیَامِینُ الرَّأْیِ- مَرَاجِیحُ الْحِلْمِ- مَقَاوِیلُ بِالْحَقِّ- مَتَارِیکُ لِلْبَغْیِ- مَضَوْا قُدُماً عَلَى الطَّرِیقَهِ- وَ أَوْجَفُوا عَلَى الْمَحَجَّهِ- فَظَفِرُوا بِالْعُقْبَى الدَّائِمَهِ- وَ الْکَرَامَهِ الْبَارِدَهِ- أَمَا وَ اللَّهِ لَیُسَلَّطَنَّ عَلَیْکُمْ- غُلَامُ ثَقِیفٍ الذَّیَّالُ الْمَیَّالُ- یَأْکُلُ خَضِرَتَکُمْ- وَ یُذِیبُ شَحْمَتَکُمْ- إِیهٍ أَبَا وَذَحَهَ

قال الرضی رحمه الله تعالى- الوذحه الخنفساء- و هذا القول یومئ به إلى الحجاج- و له مع الوذحه حدیث- لیس هذا موضع ذکره الصعید التراب و یقال وجه الأرض- و الجمع صعد و صعدات کطریق و طرق و طرقات- و الالتدام ضرب النساء صدورهن فی النیاحه- و لا خالف علیها لا مستخلف- .

قوله و لهمت کل امرئ منکم نفسه- أی أذابته و أنحلته هممت الشحم أی أذبته- و یروى و لأهمت کل امرئ- و هو أصح من الروایه الأولى- أهمنی الأمر أی أحزننی- . و تاه عن فلان رأیه أی عزب و ضل- . ثم ذکر أنه یود و یتمنى- أن یفرق الله بینه و بینهم- و یلحقه بالنبی ص- و بالصالحین من أصحابه- کحمزه و جعفر ع و أمثالهما- ممن کان أمیر المؤمنین یثنی علیه- و یحمد طریقته من الصحابه- فمضوا قدما- أی متقدمین غیر معرجین و لا معردین- . و أوجفوا أسرعوا- و یقال غنیمه بارده و کرامه بارده- أی لم تؤخذ بحرب و لا عسف- و ذلک لأن المکتسب بالحرب جار فی المعنى- لما یلاقی و یعانی فی حصوله من المشقه- . و غلام ثقیف المشار إلیه- هو الحجاج بن یوسف- و الذیال التائه- و أصله من ذال أی تبختر- و جر ذیله على الأرض و المیال الظالم- . و یأکل خضرتکم یستأصل أموالکم- و یذیب شحمتکم مثله- و کلتا اللفظتین استعاره- .

ثم قال له کالمخاطب لإنسان حاضر بین یدیه- إیه أبا وذحه- إیه کلمه یستزاد بها من الفعل تقدیره- زد و هات أیضا ما عندک- و ضدها إیها أی کف و أمسک- . قال الرضی رحمه الله- و الوذحه الخنفساء- و لم أسمع هذا من شیخ من أهل الأدب- و لا وجدته فی کتاب من کتب اللغه- و لا أدری من أین نقل الرضی رحمه الله ذلک- ثم إن المفسرین بعد الرضی رحمه الله- قالوا فی قصه هذه الخنفساء وجوها- منها أن الحجاج رأى خنفساء تدب إلى مصلاه- فطردها فعادت- ثم طردها فعادت- فأخذها بیده و حذف بها- فقرصته قرصا ورمت یده منها- ورما کان فیه حتفه- قالوا و ذلک لأن الله تعالى قتله بأهون مخلوقاته- کما قتل نمرود بن کنعان بالبقه التی دخلت فی أنفه- فکان فیها هلاکه- .

و منها أن الحجاج کان إذا رأى خنفساء- تدب قریبه منه- یأمر غلمانه بإبعادها- و یقول هذه وذحه من وذح الشیطان- تشبیها لها بالبعره- قالوا و کان مغرى بهذا القول- و الوذح ما یتعلق بأذناب الشاه من أبعارها فیجف- . و منها أن الحجاج قال و قد رأى خنفساوات مجتمعات- وا عجبا لمن یقول إن الله خلق هذه- قیل فمن خلقها أیها الأمیر- قال الشیطان إن ربکم لأعظم شأنا- أن یخلق هذه الوذح- قالوا فجمعها على فعل کبدنه و بدن- فنقل قوله هذا إلى الفقهاء فی عصره- فأکفروه- . و منها أن الحجاج کان مثفارا- و کان یمسک الخنفساء حیه- لیشفى بحرکتها فی الموضع حکاکه- قالوا و لا یکون صاحب هذا الداء- إلا شائنا مبغضا لأهل البیت- قالوا و لسنا نقول کل مبغض فیه هذا الداء- و إنما قلنا کل من فیه هذا الداء فهو مبغض- .

قالوا و قد روى أبو عمر الزاهد- و لم یکن من رجال الشیعه- فی أمالیه و أحادیثه عن السیاری‏ عن أبی خزیمه الکاتب- قال ما فتشنا أحدا فیه هذا الداء- إلا وجدناه ناصبیا- . قال أبو عمر و أخبرنی العطافی عن رجاله- قالوا سئل جعفر بن محمد ع عن هذا الصنف من الناس- فقال رحم منکوسه یؤتى و لا یأتی- و ما کانت هذه الخصله فی ولی لله تعالى قط- و لا تکون أبدا- و إنما تکون فی الکفار و الفساق و الناصب للطاهرین- . و کان أبو جهل عمرو بن هشام المخزومی من القوم- و کان أشد الناس عداوه لرسول الله ص- قالوا و لذلک قال له عتبه بن ربیعه یوم بدر- یا مصفر استه- .

فهذا مجموع ما ذکره المفسرون- و ما سمعته من أفواه الناس فی هذا الموضع- و یغلب على ظنی أنه أراد معنى آخر- و ذلک أن عاده العرب أن تکنی الإنسان- إذا أرادت تعظیمه بما هو مظنه التعظیم- کقولهم أبو الهول و أبو المقدام و أبو المغوار- فإذا أرادت تحقیره و الغض منه- کنته بما یستحقر و یستهان به- کقولهم فی کنیه یزید بن معاویه- أبو زنه یعنون القرد- و کقولهم فی کنیه سعید بن حفص البخاری المحدث أبو الفأر- و کقولهم للطفیلی أبو لقمه- و کقولهم لعبد الملک أبو الذبان لبخره- و کقول ابن بسام لبعض الرؤساء-

فأنت لعمری أبو جعفر
و لکننا نحذف الفاء منه‏

و قال أیضا

لئیم درن الثوب
نظیف القعب و القدر

أبو النتن أبو الدفر
أبو البعر أبو الجعر

 فلما کان أمیر المؤمنین ع یعلم- من حال الحجاج نجاسته بالمعاصی و الذنوب-التی لو شوهدت بالبصر- لکانت بمنزله البعر الملتصق بشعر الشاء- کناه أبو وذحه- و یمکن أیضا أن یکنیه بذلک لدمامته فی نفسه- و حقاره منظره و تشویه خلقته- فإنه کان قصیرا دمیما نحیفا- أخفش العینین معوج الساقین- قصیر الساعدین مجدور الوجه أصلع الرأس- فکناه بأحقر الأشیاء و هو البعره- . و قد روى قوم هذه اللفظه بصیغه أخرى- فقالوا إیه أبا ودجه- قالوا واحده الأوداج- کناه بذلک لأنه کان قتالا یقطع الأوداج بالسیف- و رواه قوم أبا وحره- و هی دویبه تشبه الحرباء قصیره الظهر شبهه بها- . و هذا و ما قبله ضعیف- و ما ذکرناه نحن أقرب الصواب

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی‏ الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۱۹

خطبه ۱۱۴ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)( الاستسقاء)

۱۱۴ و من خطبه له ع فی الاستسقاء

اللَّهُمَّ قَدِ انْصَاحَتْ جِبَالُنَا- وَ اغْبَرَّتْ أَرْضُنَا وَ هَامَتْ دَوَابُّنَا- وَ تَحَیَّرَتْ فِی مَرَابِضِهَا- وَ عَجَّتْ عَجِیجَ الثَّکَالَى عَلَى أَوْلَادِهَا- وَ مَلَّتِ التَّرَدُّدَ فِی مَرَاتِعِهَا- وَ الْحَنِینَ إِلَى مَوَارِدِهَا- اللَّهُمَّ فَارْحَمْ أَنِینَ الآْنَّهِ- وَ حَنِینَ الْحَانَّهِ- اللَّهُمَّ فَارْحَمْ حَیْرَتَهَا فِی مَذَاهِبِهَا- وَ أَنِینَهَا فِی مَوَالِجِهَا- اللَّهُمَّ خَرَجْنَا إِلَیْکَ- حِینَ اعْتَکَرَتْ عَلَیْنَا حَدَابِیرُ السِّنِینَ- وَ أَخْلَفَتْنَا مَخَایِلُ الْجُودِ- فَکُنْتَ الرَّجَاءَ لِلْمُبْتَئِسِ- وَ الْبَلَاغَ لِلْمُلْتَمِسِ نَدْعُوکَ حِینَ قَنَطَ الْأَنَامُ- وَ مُنِعَ الْغَمَامُ وَ هَلَکَ السَّوَامُ- أَلَّا تُؤَاخِذَنَا بِأَعْمَالِنَا- وَ لَا تَأْخُذَنَا بِذُنُوبِنَا- وَ انْشُرْ عَلَیْنَا رَحْمَتَکَ بِالسَّحَابِ الْمُنْبَعِقِ- وَ الرَّبِیعِ الْمُغْدِقِ- وَ النَّبَاتِ الْمُونِقِ سَحّاً وَابِلًا- تُحْیِی بِهِ مَا قَدْ مَاتَ- وَ تَرُدُّ بِهِ مَا قَدْ فَاتَ- اللَّهُمَّ سُقْیَا مِنْکَ مُحْیِیَهً مُرْوِیَهً- تَامَّهً عَامَّهً طَیِّبَهً مُبَارَکَهً- هَنِیئَهً مَریِئَهً مَرِیعَهً- زَاکِیاً نَبْتُهَا ثَامِراً فَرْعُهَا نَاضِراً وَرَقُهَا- تُنْعِشُ بِهَا الضَّعِیفَ مِنْ عِبَادِکَ- وَ تُحْیِی بِهَا الْمَیِّتَ مِنْ بِلَادِکَ- اللَّهُمَّ سُقْیَا مِنْکَ تُعْشِبُ بِهَا نِجَادُنَا- وَ تَجْرِی بِهَا وِهَادُنَا- وَ یُخْصِبُ بِهَا جَنَابُنَا- وَ تُقْبِلُ بِهَا ثِمَارُنَا- وَ تَعِیشُ بِهَا مَوَاشِینَا- وَ تَنْدَى بِهَا أَقَاصِینَا- وَ تَسْتَعِینُ بِهَا ضَوَاحِینَا- مِنْ بَرَکَاتِکَ الْوَاسِعَهِ- وَ عَطَایَاکَ الْجَزِیلَهِ- عَلَى بَرِیَّتِکَ الْمُرْمِلَهِ وَ وَحْشِکَ الْمُهْمَلَهِ- وَ أَنْزِلْ عَلَیْنَا سَمَاءً مُخْضِلَهً مِدْرَاراً هَاطِلَهً- یُدَافِعُ الْوَدْقُ مِنْهَا الْوَدْقَ- وَ یَحْفِزُ الْقَطْرُ مِنْهَاالْقَطْرَ- غَیْرَ خُلَّبٍ بَرْقُهَا- وَ لَا جَهَامٍ عَارِضُهَا- وَ لَا قَزَعٍ رَبَابُهَا- وَ لَا شَفَّانٍ ذِهَابُهَا- حَتَّى یُخْصِبَ لِإِمْرَاعِهَا الْمُجْدِبُونَ- وَ یَحْیَا بِبَرَکَتِهَا الْمُسْنِتُونَ- فَإِنَّکَ تُنْزِلُ الْغَیْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا- وَ تَنْشُرُ رَحْمَتَکَ وَ أَنْتَ الْوَلِیُّ الْحَمِیدُ قال الشریف الرضی رحمه الله تعالى- قوله ع- انصاحت جبالنا- أی تشققت من المحول- یقال انصاح الثوب إذا انشق- و یقال أیضا انصاح النبت- و صاح و صوح إذا جف و یبس کله بمعنى- .

و قوله و هامت دوابنا أی عطشت- و الهیام العطش- . و قوله حدابیر السنین جمع حدبار- و هی الناقه التی أنضاها السیر- فشبه بها السنه التی فشا فیها الجدب- قال ذو الرمه-

حدابیر ما تنفک إلا مناخه
على الخسف أو نرمی بها بلدا قفرا

و قوله و لا قزع ربابها- القزع القطع الصغار المتفرقه من السحاب- . و قوله و لا شفان ذهابها- فإن تقدیره و لا ذات شفان ذهابها- و الشفان الریح البارده- و الذهاب الأمطار اللینه- فحذف ذات لعلم السامع به‏ یجوز أن یرید بقوله- و هامت دوابنا- معنى غیر ما فسره الشریف الرضی رحمه الله به- و هو ندودها و ذهابها على وجوهها لشده المحل- یقول هام على وجهه یهیم هیما و هیمانا- . و المرابض مبارک الغنم و هی لها کالمواطن للإبل- واحدها مربض بکسر الباء مثل مجلس- و عجت صرخت- و یحتمل الضمیر فی أولادها- أن یرجع إلى الثکالى- أی کعجیج الثکالى على أولادهن- و یحتمل أن یرجع إلى الدواب- أی و عجت على أولادها کعجیج الثکالى- و إنما وصفها بالتحیر فی مرابضها- لأنها لشده المحل تتحیر فی مبارکها- و لا تدری ما ذا تصنع- إن نهضت لترعى لم تجد رعیا- و إن أقامت کانت إلى انقطاع الماده أقرب- قوله و ملت التردد فی مراتعها- و الحنین إلى مواردها- و ذلک لأنها أکثرت من التردد فی الأماکن- التی کانت تعهد مراتعها فیها فلم تجد مرتعا- فملت الترداد إلیها- و کذلک ملت الحنین إلى الغدران و الموارد- التی کانت تعتادها للشرب- فإنها حنت إلیها لما فقدتها- حتى ضجرت و یئست فملت مما لا فائده لها فیه- . و الآنه و الحانه الشاه و الناقه-

و یقال ما له حانه و لا آنه- و أصل الأنین صوت المریض- و شکواه من الوصب- یقال أن یئن أنینا و أنانا و تأنانا- . و الموالج المداخل- و إنما ابتدأ ع بذکر الأنعام- و ما أصابها من الجدب- اقتفاء بسنه رسول الله ص و لعاده العرب- أما سنه رسول الله ص فإنه قال لو لا البهائم الرتع- و الصبیان الرضع- و الشیوخ الرکع- لصب‏علیکم العذاب صبا- و قد ذهب کثیر من الفقهاء- إلى استحباب إخراج البهائم فی صلاه الاستسقاء- و تقدیر دعائه ع- اللهم إن کنت حرمتنا الغیث لسوء أعمالنا- فارحم هذه الحیوانات التی لا ذنب لها- و لا تؤاخذها بذنوبنا- و أما عاده العرب فإنهم کانوا إذا أصابهم المحل- استسقوا بالبهائم- و دعوا الله بها و استرحموه لها- و منهم من کان یجعل فی أذناب البقر السلع و العشر- و یصعد بها فی الجبال و التلاع العالیه- و کانوا یسقون بذلک و قال الشاعر-

أ جاعل أنت بیقورا مسلعه
ذریعه لک بین الله و المطر

– فاعتکرت ردف بعضها بعضا- و أصل عکر عطف و العکره الکره- وفی الحدیث قال له قوم یا رسول الله نحن الفرارون- فقال بل أنتم العکارون إن شاء الله- . و البیت الذی ذکره الرضی رحمه الله لذی الرمه- لا أعرفه إلا حراجیج- و هکذا رأیته بخط ابن الخشاب رحمه الله- و الحرجوج الناقه الضامره فی طول- . و فیه مسأله نحویه- و هی أنه کیف نقض النفی من ما تنفک- و هو غیر جائز- کما لا یجوز ما زال زید إلا قائما- و جوابها أن تنفک هاهنا تامه- أی ما تنفصل و مناخه منصوب على الحال- . قوله و أخلفتنا مخایل الجود- أی کلما شمنا برقا و اختلنا سحابا أخلفنا و لم یمطر- . و الجود المطر الغزیر- و یروى مخایل الجود بالضم- .و المبتئس ذو البؤس- و البلاغ للملتمس أی الکفایه للطالب- . و تقول قنط فلان بالفتح- یقنط و یقنط بالکسر و الضم فهو قانط- و فیه لغه أخرى قنط بالکسر یقنط قنطا- مثل تعب یتعب تعبا و قناطه أیضا- فهو قنط- و قرئ فَلا تَکُنْ مِنَ الْقانِطِینَ- .

و إنما قال و منع الغمام فبنى الفعل للمفعول به- لأنه کره أن یضیف المنع إلى الله تعالى و هو منبع النعم- فاقتضى حسن الأدب أنه لم یسم الفاعل- و روی منع الغمام أی و منع الغمام القطر- فحذف المفعول و السوام المال الراعی- . فإن قلت ما الفرق بین تؤاخذنا و بین تأخذنا- . قلت المؤاخذه دون الأخذ- لأن الأخذ الاستئصال- و المؤاخذه عقوبه و إن قلت- . و السحاب المنبعق المتبعج بالمطر- و مثله المتبعق و مثله البعاق- و الربیع المغدق الکثیر و النبات المونق المعجب- . و انتصب سحا على المصدر- و الوابل المطر الشدید- . ثم قال تحیی به ما قد مات- أی یکاد یتلف بها من الزرع- و ترد به ما قد فات- أی یستدرک به الناس ما فاتهم من الزرع و الحرث- . و السقیا مؤنثه و هی الاسم من سقى- و المریعه الخصیبه- . و ثامرا فرعها ذو ثمر- کما قالوا لابن و تامر ذو لبن و تمر- . و تنعش ترفع- و النجاد جمع نجد و هو ما ارتفع من الأرض- و الوهاد جمع وهد و هو المطمئن منها- و روی نجادنا بالنصب على أنه مفعول- .

قوله و تندى بها أقاصینا أی الأباعد منا- و یندى بها ینتفع ندیت بکذا أی انتفعت- . و الضواحی النواحی القریبه من المدینه العظمى- و المرمله الفقیره أرمل افتقر و نفد زاده- و وحشک المهمله التی لا راعی لها- و لا صاحب و لا مشفق- . و سماء مخضله تخضل النبت أی تبله- و روی مخضله أی ذات نبات و زروع مخضله- یقال اخضل النبت اخضلالا أی ابتل- و إنما أنث السماء و هو المطر و هو مذکر- لأنه أراد الأمطار و الودق المطر- و یحفز یدفع بشده- و إذا دفع القطر القطر- کان أعظم و أغزر له- . و برق خلب لا مطر معه- و سحاب جهام لا ماء فیه- و المجدبون أهل الجدب- و المسنتون الذین أصابتهم السنه- و هی المحل و القحط الشدید

صلاه الاستسقاء و آدابها

و اعلم أن صلاه الاستسقاء عند أکثر الفقهاء سنه- . و قال أبو حنیفه لا صلاه للاستسقاء- قال أصحابه یعنی لیست سنه فی جماعه- و إنما یجوز أن یصلی الناس وحدانا- قالوا و إنما الاستسقاء هو الدعاء و الاستغفار- . و قال باقی الفقهاء کالشافعی- و أبی یوسف و محمد و غیرهم بخلاف ذلک- قالوا وقد روی أن رسول الله ص- صلى بالناس جماعه فی الاستسقاء- فصلى رکعتین- جهر بالقراءه فیهما- و حول رداءه و رفع یدیه و استسقى- قالوا و السنه أن یکون فی المصلى- و إذا أراد الإمام الخروج لذلک وعظ الناس- و أمرهم بالخروج من المظالم و التوبه من المعاصی- لأن ذلک یمنع القطر- .

قالوا وقد روی عن عبد الله بن مسعود أنه قال إذا بخس المکیال حبس القطر- . و قال مجاهد فی قوله تعالى- وَ یَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ قال دواب الأرض تلعنهم- یقولون منعنا القطر بخطایاهم- . قالوا- و یأمر الإمام الناس بصوم ثلاثه أیام قبل الخروج- ثم یخرج فی الیوم الرابع- و هم صیام و یأمرهم بالصدقه- و یستسقی بالصالحین- من أهل بیت رسول الله ص کما فعل عمر- و یحضر معه أهل الصلاح و الخیر- و یستسقی بالشیوخ و الصبیان- . و اختلفوا فی إخراج البهائم- فمنهم من استحب ذلک و منهم من کرهه- و یکره إخراج أهل الذمه- فإن حضروا من عند أنفسهم لم یمنعوا- و الغسل و السواک فی صلاه الاستسقاء عندهم مسنونان- و لا یستحب فیهما التطیب- لأن الحال لا یقتضیه- . و ینبغی أن یکون الخروج بتواضع و خشوع و إخبات- کما خرج رسول الله ص للاستسقاء- . قالوا و لا یؤذن لهذه الصلاه و لا یقام- و إنما ینادی لها الصلاه جامعه- و هی رکعتان کصلاه العید- یکبر فی الأولى سبع تکبیرات- و فی الثانیه خمس تکبیرات- . قالوا و یخطب بعد الصلاه خطبتین- و یکون دعاء الاستسقاء فی الخطبه الأولى- .

قالوا فیقول اللهم اسقنا غیثا مغیثا- هنیئا مریئا مریعا- غدقا مجللا طبقا- سحا دائما اللهم اسقنا الغیث- و لا تجعلنا من القانطین- اللهم إن بالعباد و البلاد من اللأواء- و الضنک و الجهد ما لا نشکوه إلا إلیک- اللهم أنبت لنا الزرع- و أدر لنا الضرع- و اسقنا من برکات السماء- اللهم اکشف عنا الجهد و الجوع و العری- و اکشف عنا ما لا یکشفه غیرک- اللهم إنا نستغفرک إنک کنت غفارا- فأرسل السماء علینا مدرارا- .

قالوا و یستحب أن یستقبل القبله- فی أثناء الخطبه الثانیه- و یحول رداءه فیجعل ما على الأیمن على الأیسر- و ما على الأیسر على الأیمن تفاؤلا بتحول الحال- و کذا روی أن رسول الله ص فعل- و یستحب للناس أن یحولوا أردیتهم مثله- و یترکوها کما هی- و لا یعیدوها إلى حالها الأولى- إلا إذا رجعوا إلى منازلهم- . و یستحب أن یدعو فی الخطبه الثانیه سرا- فیجمع بین الجهر و السر- کما قال سبحانه و تعالى- إِنِّی أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَ أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً- و کقوله تعالى وَ اذْکُرْ رَبَّکَ فِی نَفْسِکَ- تَضَرُّعاً وَ خِیفَهً وَ دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ- قالوا و یستحب رفع الید فی هذا الدعاء- و أن یکثروا من الاستغفار لقوله تعالى- اسْتَغْفِرُوا رَبَّکُمْ إِنَّهُ کانَ غَفَّاراً- یُرْسِلِ السَّماءَ عَلَیْکُمْ مِدْراراً- فإن صلوا و استسقوا فلم یسقوا- عادوا من الغد و صلوا و استسقوا- و إن سقوا قبل الصلاه صلوا شکرا و طلبا للزیاده- .

قالوا و یستحب أن یقفوا- تحت المطر حتى یصیبهم- و أن یحسروا له عن رءوسهم- وقد روی أن رسول الله ص- حسر عن رأسه حتى أصابه مطر الاستسقاء- . و یستحب إذا سال الوادی أن یغتسلوا فیه- و یتوضئوا منه- . و قد استحب قوم من الفقهاء- أن یخرج الناس للاستسقاء حفاه حاسرین- و الأکثرون على خلاف ذلک- . فأما مذهب الشیعه فی هذه المسأله- فأن یستقبل الإمام القبله بعد صلاه الرکعتین- فیکبر الله مائه تکبیره- و یرفع بها صوته و یکبر من حضر معه- ثم یلتفت عن یمینه فیسبح الله مائه تسبیحه- یرفع بها صوته- و یسبح معه من حضر- ثم یلتفت عن یساره- فیهلل الله‏ مائه مره یرفع بها صوته- و یقول من حضر مثل ذلک- ثم یستقبل الناس بوجهه- فیحمد الله مائه مره یرفع بها صوته- و یقول معه من حضر مثل ذلک- ثم یخطب بهذه الخطبه المرویه عن أمیر المؤمنین ع فی الاستسقاء- فإن لم یتمکن منها اقتصر على الدعاء

أخبار و أحادیث فی الاستسقاء

و جاء فی الأخبار الصحیحه رؤیا رقیقه فی الجاهلیه- و هی رقیقه بنت أبی صیفی بن هاشم بن عبد مناف- قالت رقیقه- تتابعت على قریش سنون- أقحلت الضرع و أرقت العظم- فبینا أنا راقده اللهم- أو مهومه و معی صنوی- إذا أنا بهاتف صیت یصرخ بصوت صحل- یا معشر قریش- إن هذا النبی المبعوث فیکم قد أظلتکم أیامه- و هذا إبان نجومه- فحیهلا بالخصب و الحیا- ألا فانظروا رجلا منکم عظاما جساما أبیض بضا- أوطف الأهداب‏سهل الخدین أشم العرنین- له سنه تهدى إلیه- ألا فلیخلص هو و ولده- و لیدلف إلیه من کل بطن رجل- ألا فلیشنوا علیهم من الماء- و لیمسوا من الطیب- و لیطوفوا بالبیت سبعا- و لیکن فیهم الطیب الطاهر لداته- فلیستق الرجل و لیؤمن القوم- ألا فغثتم إذا ما شئتم- .

قالت فأصبحت علم الله مذعوره- قد قف جلدی و وله عقلی- فاقتصصت رؤیای على الناس- فذهبت فی شعاب مکه- فو الحرمه و الحرم إن بقی أبطحی إلا و قال هذا شیبه الحمد- . فتتامت رجال قریش- و انقض إلیه من کل بطن رجل- فشنوا علیهم ماء و مسوا طیبا- و استلموا و اطوفوا- ثم ارتقوا أبا قبیس- و طفق القوم یدفون حول عبد المطلب- ما إن یدرک سعیهم مهله- حتى استقروا بذروه الجبل- و استکفوا جانبیه- . فقام فاعتضد ابن ابنه محمدا ص- فرفعه على عاتقه- و هو یومئذ غلام‏ قد أیفع أو کرب- ثم قال اللهم ساد الخله- و کاشف الکربه- أنت عالم غیر معلم- و مسئول غیر مبخل- و هذه عبداؤک- و إماؤک بعذارات حرمک- یشکون إلیک سنتهم التی أذهبت الخف و الظلف- فاسمعن اللهم- و أمطرن علینا غیثا مغدقا مریعا سحا طبقا دراکا- . قالت فو رب الکعبه ما راموا- حتى انفجرت السماء بمائها- و اکتظ الوادی بثجیجه- و انصرف الناس یقولون لعبد المطلب- هنیئا لک سید البطحاء- و فی روایه أبی عبیده معمر بن المثنى- قال فسمعنا شیخان قریش- و جلتها عبد الله بن جدعان- و حرب بن أمیه و هشام بن المغیره- یقولون لعبد المطلب- هنیئا لک أبا البطحاء- و فی ذلک قال شاعر من قریش- و قد روی هذا الشعر لرقیقه-

بشیبه الحمد أسقى الله بلدتنا
و قد فقدنا الحیا و اجلوذ المطر

فجاد بالماء و سمی له سبل‏
سحا فعاشت به الأنعام و الشجر

وفی الحدیث من روایه أنس بن مالک أصاب أهل المدینه قحط- على عهد رسول الله ص- فقام إلیه رجل و هو یخطب یوم جمعه- فقال یا رسول الله هلک الشاء هلک الزرع- ادع الله لنا أن یسقینا- فمد ع یده و دعا و استسقى-و إن السماء کمثل الزجاجه- فهاجت ریح ثم أنشأت سحابا- ثم اجتمع ثم أرسلت عزالیها- فخرجنا نخوض الماء حتى أتینا منازلنا- و دام القطر فقام إلیه الرجل فی الیوم الثالث- فقال یا رسول الله- تهدمت البیوت ادع الله أن یحبسه عنا- فتبسم رسول الله ص ثم رفع یده- و قال اللهم حوالینا و لا علینا- قال أنس فو الذی بعث محمدا بالحق- لقد نظرت إلى السحاب- و إنه لقد انجاب حول المدینه کالإکلیلوفی حدیث عائشه أنه ع استسقى حین بدا قرن الشمس- فقعد على المنبر و حمد الله و کبره-

ثم قال إنکم شکوتم جدب دیارکم- و قد أمرکم الله أن تدعوه- و وعدکم أن یستجیب لکم فادعوه- ثم رفع صوته فقال- اللهم إنک أنت الغنی و نحن الفقراء- فأنزل علینا الغیث- و لا تجعلنا من القانطین- اللهم اجعل ما تنزله علینا قوه لنا- و بلاغا إلى حین برحمتک یا أرحم الراحمین- فأنشأ الله سحابا- فرعدت و برقت ثم أمطرت- فلم یأت ع منزله- حتى سالت السیول- فلما رأى سرعتهم إلى الکن- ضحک حتى بدت نواجذه- و قال أشهد أنی عبد الله و رسوله- و أن الله على کل شی‏ء قدیرومن دعائه ع فی الاستسقاء- و قد رواه الفقهاء و غیرهم اللهم اسقنا و أغثنا اللهم اسقنا غیثا مغیثا- وحیا ربیعا وجدا طبقا- غدقا مغدقا مونقا عاما-هنیئا مریئا مریعا مربعا- مرتعا وابلا سابلا مسیلا- مجللا درا نافعا غیر ضار- عاجلا غیر رائث غیثا- اللهم تحیی به العباد- و تغیث به البلاد- و تجعله بلاغا للحاضر منا و الباد- اللهم أنزل علینا فی أرضنا زینتها- و أنزل علینا فی أرضنا سکنها- اللهم أنزل علینا ماء طهورا- فأحی به بلده میتا- و اسقه مما خلقت لنا أنعاما و أناسی کثیرا- .

و روى عبد الله بن مسعود- أن عمر بن الخطاب خرج یستسقی بالعباس- فقال اللهم إنا نتقرب إلیک بعم نبیک- و قفیه آبائه و کبر رجاله- فإنک قلت و قولک الحق- وَ أَمَّا الْجِدارُ فَکانَ لِغُلامَیْنِ یَتِیمَیْنِ فِی الْمَدِینَهِ الآیه- فحفظتهما لصلاح أبیهما- فاحفظ اللهم نبیک فی عمه- فقد دلونا به إلیک مستشفعین و مستغفرین- ثم أقبل على الناس- فقال استغفروا ربکم إنه کان غفارا- . قال ابن مسعود- رأیت العباس یومئذ و قد طال عمر- و عیناه تنضحان و سبائبه تجول على صدره- و هو یقول اللهم أنت الراعی فلا تهمل الضاله- و لا تدع الکسیر بدار مضیعه- فقد ضرع الصغیر- و رق الکبیر و ارتفعت الشکوى- و أنت تعلم السر و أخفى- اللهم أغثهم بغیاثک- من قبل أن یقنطوا فیهلکوا- إنه لا ییأس من رحمه الله إلا القوم الکافرون- .

قال فنشأت طریره من سحاب- و قال الناس ترون ترون- ثم تلاءمت و استتمت و مشت فیها ریح- ثم هدت و درت- فو الله ما برحوا حتى اعتلقوا الأحذیه- و قلصوا المآزر- و طفق الناس یلوذون بالعباس- یمسحون أرکانه و یقولون- هنیئا لک ساقی الحرمین

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی‏ الحدید) ج ۷

بازدیدها: ۹۱

خطبه ۱۱۲ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۱۲ و من خطبه له ع

وَ أُحَذِّرُکُمُ الدُّنْیَا فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَهٍ- وَ لَیْسَتْ بِدَارِ نُجْعَهٍ- قَدْ تَزَیَّنَتْ بِغُرُورِهَا- وَ غَرَّتْ بِزِینَتِهَا- دَارٌ هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا فَخَلَطَ حَلَالَهَا بِحَرَامِهَا- وَ خَیْرَهَا بِشَرِّهَا وَ حَیَاتَهَا بِمَوْتِهَا وَ حُلْوَهَا بِمُرِّهَا- لَمْ یُصْفِهَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَوْلِیَائِهِ- وَ لَمْ یَضِنَّ بِهَا عَنْ أَعْدَائِهِ- خَیْرُهَا زَهِیدٌ وَ شَرُّهَا عَتِیدٌ- وَ جَمْعُهَا یَنْفَدُ وَ مُلْکُهَا یُسْلَبُ وَ عَامِرُهَا یَخْرَبُ- فَمَا خَیْرُ دَارٍ تُنْقَضُ نَقْضَ الْبِنَاءِ- وَ عُمُرٍ یَفْنَى فِیهَا فَنَاءَ الزَّادِ- وَ مُدَّهٍ تَنْقَطِعُ انْقِطَاعَ السَّیْرِ- اجْعَلُوا مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَیْکُمْ مِنْ طَلِبَتِکُمْ وَ اسْأَلُوهُ مِنْ أَدَاءِ حَقِّهِ کَمَا سَأَلَکُمْ- وَ أَسْمِعُوا دَعْوَهَ الْمَوْتِ- آذَانَکُمْ قَبْلَ أَنْ یُدْعَى بِکُمْ- إِنَّ الزَّاهِدِینَ فِی الدُّنْیَا تَبْکِی قُلُوبُهُمْ وَ إِنْ ضَحِکُوا- وَ یَشْتَدُّ حُزْنُهُمْ وَ إِنْ فَرِحُوا- وَ یَکْثُرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَ إِنِ اغْتَبَطُوا بِمَا رُزِقُوا- قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِکُمْ ذِکْرُ الآْجَالِ- وَ حَضَرَتْکُمْ کَوَاذِبُ الآْمَالِ- فَصَارَتِ الدُّنْیَا أَمْلَکَ بِکُمْ مِنَ الآْخِرَهِ- وَ الْعَاجِلَهُ أَذْهَبَ بِکُمْ مِنَ الآْجِلَهِ- وَ إِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانٌ عَلَى دِینِ اللَّهِ- مَا فَرَّقَ بَیْنَکُمْ إِلَّا خُبْثُ السَّرَائِرِ- وَ سُوءُ الضَّمَائِرِ- فَلَا تَوَازَرُونَ وَ لَا تَنَاصَحُونَ- وَ لَا تَبَاذَلُونَ وَ لَا تَوَادُّونَ- مَا بَالُکُمْ تَفْرَحُونَ بِالْیَسِیرِ مِنَ الدُّنْیَا تُدْرِکُونَهُ- وَ لَا یَحْزُنُکُمُ الْکَثِیرُ مِنَ الآْخِرَهِ تُحْرَمُونَهُ- وَ یُقْلِقُکُمُ الْیَسِیرُ مِنَ الدُّنْیَا یَفُوتُکُمْ- حَتَّى یَتَبَیَّنَ ذَلِکَ فِی‏ وُجُوهِکُمْ- وَ قِلَّهِ صَبْرِکُمْ عَمَّا زُوِیَ مِنْهَا عَنْکُمْ- کَأَنَّهَا دَارُ مُقَامِکُمْ وَ کَأَنَّ مَتَاعَهَا بَاقٍ عَلَیْکُمْ- وَ مَا یَمْنَعُ أَحَدَکُمْ أَنْ یَسْتَقْبِلَ أَخَاهُ بِمَا یَخَافُ مِنْ عَیْبِهِ- إِلَّا مَخَافَهُ أَنْ یَسْتَقْبِلَهُ بِمِثْلِهِ- قَدْ تَصَافَیْتُمْ عَلَى رَفْضِ الآْجِلِ وَ حُبِّ الْعَاجِلِ- وَ صَارَ دِینُ أَحَدِکُمْ لُعْقَهً عَلَى لِسَانِهِ- صَنِیعَ مَنْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ وَ أَحْرَزَ رِضَا سَیِّدِهِ قوله ع- فإنها منزل قلعه بضم القاف و سکون اللام- أی لیست بمستوطنه و یقال هذا مجلس قلعه- إذا کان صاحبه یحتاج إلى أن یقوم مره بعد مره- و یقال هم على قلعه أی على رحله- و من هذا الباب قولهم فلان قلعه- إذا کان ینقلع عن سرجه- و لا یثبت فی البطش و الصراع- و القلعه أیضا المال العاریه- وفی الحدیث بئس المال القلعه- .

و النجعه طلب الکلأ فی موضعه- و فلان ینتجع الکلأ- و منه انتجعت فلانا إذا أتیته تطلب معروفه- . ثم وصف هوان الدنیا على الله تعالى- فقال من هوانها أنه خلط حلالها بحرامها… الکلام- مراده تفضیل الدار الآتیه على هذه الحاضره- فإن تلک صفو کلها و خیر کلها- و هذه مشوبه- و الکدر و الشر فیها أغلب من الصفو و الخیر- و من کلام بعض الصالحین- من هوان الدنیا على الله أنه لا یعصى إلا فیها- و لا ینال ما عنده إلا بترکها- و یروى و لم یضن بها على أعدائه- و الروایه المشهوره عن أعدائه- و کلاهما مستعمل- .

و الزهید القلیل و العتید الحاضر- و السیر سیر المسافر- . ثم أمرهم- بأن یجعلوا الفرائض الواجبه علیهم من جمله مطلوباتهم- و أن یسألوا الله من الإعانه و التوفیق- على القیام بحقوقه الواجبه کما سألهم- أی کما ألزمهم و افترض علیهم- فسمى ذلک سؤالا لأجل المقابله بین اللفظین- کما قال سبحانه- وَ جَزاءُ سَیِّئَهٍ سَیِّئَهٌ مِثْلُها و کماقال النبی ص فإن الله لا یمل حتى تملوا- و کما قال الشاعر-

ألا لا یجهلن أحد علینا
فنجهل فوق جهل الجاهلینا

ثم أمرهم أن یسمعوا أنفسهم- دعوه الموت قبل أن یحضر الموت فیحل بهم- و مثل قوله تبکی قلوبهم و إن ضحکوا قول الشاعر- و إن لم یکن هذا المقصد بعینه قصد-

کم فاقه مستوره بمروءه
و ضروره قد غطیت بتجمل‏

و من ابتسام تحته قلب شج‏
قد خامرته لوعه ما تنجلی‏

و المقت البغض و اغتبطوا فرحوا- . و قوله أملک بکم مثل أولى بکم- و قوله و العاجله أذهب بکم من الآجله- أی ذهبت العاجله بکم- و استولت علیکم أکثر مما ذهبت بکم الآخره- و استولت علیکم- . ثم ذکر أن الناس کلهم مخلوقون على فطره واحده- و هی دین الله و توحیده- و إنما اختلفوا و تفرقوا باعتبار أمر خارجی عن ذلک- و هو خبث سرائرهم و سوء ضمائرهم- فصاروا إلى حال لا یتوازرون أی لا یتعاونون- و الأصل الهمز آزرته- ثم تقلب الهمزه واوا و أصل قوله فلا توازرون فلا تتوازرون- فحذفت إحدى التاءین- کقوله تعالى ما لَکُمْ لا تَناصَرُونَ- أی لا تتناصرون- و التبادل أن یجود بعضهم على بعض بماله و یبذله له- .و مثل قوله ع ما بالکم تفرحون بکذا- و لا تحزنون لکذا- و یقلقکم الیسیر من الدنیا یفوتکم- من هذا قول الرضی رحمه الله-

نقص الجدیدین من عمری یزید على
ما ینقصان على الأیام من مالی‏

دهر تؤثر فی جسمی نوائبه‏
فما اهتمامی أن أودی بسربالی‏

و الضمیر فی یخاف راجع إلى الأخ لا إلى المستقبل له- أی ما یخافه الأخ من مواجهته بعینه- . قوله و صار دین أحدکم لعقه على لسانه- أخذه الفرزدق فقال للحسین بن علی ع- و قد لقیه قادما إلى العراق- و سأله عن الناس- أما قلوبهم فمعک و أما سیوفهم فعلیک- و الدین لعقه على ألسنتهم- فإذا امتحصوا قل الدیانون- و اللفظه مجاز و أصل اللعقه شی‏ء قلیل- یؤخذ بالملعقه من الإناء- یصف دینهم بالنزاره و القله کتلک اللعقه- و لم یقنع بأن جعله لعقه- حتى جعله على ألسنتهم فقط- أی لیس فی قلوبهم

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی‏ الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۲۶

خطبه ۱۱۳ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۱۳ و من خطبه له ع

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَاصِلِ الْحَمْدَ بِالنِّعَمِ- وَ النِّعَمَ بِالشُّکْرِ نَحْمَدُهُ عَلَى آلَائِهِ- کَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلَائِهِ- وَ نَسْتَعِینُهُ عَلَى هَذِهِ النُّفُوسِ الْبِطَاءِ- عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ- السِّرَاعِ إِلَى مَا نُهِیَتْ عَنْهُ- وَ نَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ- وَ أَحْصَاهُ کِتَابُهُ عِلْمٌ غَیْرُ قَاصِرٍ- وَ کِتَابٌ غَیْرُ مُغَادِرٍ- وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِیمَانَ مَنْ عَایَنَ الْغُیُوبَ- وَ وَقَفَ عَلَى الْمَوْعُودِ- إِیمَاناً نَفَى إِخْلَاصُهُ الشِّرْکَ وَ یَقِینُهُ الشَّکَّ- وَ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِیکَ لَهُ- وَ أَنَّ مُحَمَّداً ص عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- شَهَادَتَیْنِ تُصْعِدَانِ الْقَوْلَ وَ تَرْفَعَانِ الْعَمَلَ- لَا یَخِفُّ مِیزَانٌ تُوضَعَانِ فِیهِ- وَ لَا یَثْقُلُ مِیزَانٌ تُرْفَعَانِ مِنْهُ أُوصِیکُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- الَّتِی هِیَ الزَّادُ وَ بِهَا الْمَعَاذُ- زَادٌ مُبْلِغٌ وَ مَعَاذٌ مُنْجِحٌ- دَعَا إِلَیْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ- وَ وَعَاهَا خَیْرُ وَاعٍ- فَأَسْمَعَ دَاعِیهَا وَ فَازَ وَاعِیهَا- عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ تَقْوَى اللَّهِ حَمَتْ أَوْلِیَاءَ اللَّهِ مَحَارِمَهُ- وَ أَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ- حَتَّى أَسْهَرَتْ لَیَالِیَهُمْ وَ أَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ- فَأَخَذُوا الرَّاحَهَ بِالنَّصَبِ وَ الرِّیَّ بِالظَّمَإِ- وَ اسْتَقْرَبُوا الْأَجَلَ فَبَادَرُوا الْعَمَلَ- وَ کَذَّبُوا الْأَمَلَ فَلَاحَظُوا الْأَجَلَ- ثُمَّ إِنَّ الدُّنْیَا دَارُ فَنَاءٍ وَ عَنَاءٍ وَ غِیَرٍ وَ عِبَرٍ- فَمِنَ الْفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ- لَا تُخْطِئُ سِهَامُهُ- وَ لَا تُؤْسَى جِرَاحُهُ یَرْمِی الْحَیَّ بِالْمَوْتِ- وَ الصَّحِیحَ بِالسَّقَمِ- وَ النَّاجِیَ بِالْعَطَبِ- آکِلٌ لَا یَشْبَعُ وَ شَارِبٌ لَا یَنْقَعُ- وَ مِنَ الْعَنَاءِ أَنَّ الْمَرْءَ یَجْمَعُ‏مَا لَا یَأْکُلُ- وَ یَبْنِی مَا لَا یَسْکُنُ- ثُمَّ یَخْرُجُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى- لَا مَالًا حَمَلَ وَ لَا بِنَاءً نَقَلَ- وَ مِنْ غِیَرِهَا أَنَّکَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً- وَ الْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً- لَیْسَ ذَلِکَ إِلَّا نَعِیماً زَلَّ وَ بُؤْساً نَزَلَ- وَ مِنْ عِبَرِهَا أَنَّ الْمَرْءَ یُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ- فَیَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ- فَلَا أَمَلٌ یُدْرَکُ- وَ لَا مُؤَمَّلٌ یُتْرَکُ- فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا- وَ أَظْمَأَ رِیَّهَا وَ أَضْحَى فَیْئَهَا- لَا جَاءٍ یُرَدُّ وَ لَا مَاضٍ یَرْتَدُّ- فَسُبْحَانَ اللَّهِ- مَا أَقْرَبَ الْحَیَّ مِنَ الْمَیِّتِ لِلَحَاقِهِ بِهِ- وَ أَبْعَدَ الْمَیِّتَ مِنَ الْحَیِّ لِانْقِطَاعِهِ عَنْهُ- إِنَّهُ لَیْسَ شَیْ‏ءٌ بِشَرٍّ مِنَ الشَّرِّ إِلَّا عِقَابُهُ- وَ لَیْسَ شَیْ‏ءٌ بِخَیْرٍ مِنَ الْخَیْرِ إِلَّا ثَوَابُهُ- وَ کُلُّ شَیْ‏ءٍ مِنَ الدُّنْیَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِیَانِهِ- وَ کُلُّ شَیْ‏ءٍ مِنَ الآْخِرَهِ عِیَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ- فَلْیَکْفِکُمْ مِنَ الْعِیَانِ السَّمَاعُ- وَ مِنَ الْغَیْبِ الْخَبَرُ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الدُّنْیَا- وَ زَادَ فِی الآْخِرَهِ- خَیْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الآْخِرَهِ- وَ زَادَ فِی الدُّنْیَا- فَکَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابِحٍ وَ مَزِیدٍ خَاسِرٍ- إِنَّ الَّذِی أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ الَّذِی نُهِیتُمْ عَنْهُ- وَ مَا أُحِلَّ لَکُمْ أَکْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَیْکُمْ- فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا کَثُرَ وَ مَا ضَاقَ لِمَا اتَّسَعَ- قَدْ تَکَفَّلَ لَکُمْ بِالرِّزْقِ- وَ أُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ- فَلَا یَکُونَنَّ الْمَضْمُونُ لَکُمْ طَلَبُهُ- أَوْلَى بِکُمْ مِنَ الْمَفْرُوضِ عَلَیْکُمْ عَمَلُهُ- مَعَ أَنَّهُ وَ اللَّهِ لَقَدِ اعْتَرَضَ الشَّکُّ- وَ دَخَلَ الْیَقِینُ- حَتَّى کَأَنَّ الَّذِی ضُمِنَ لَکُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَیْکُمْ- وَ کَأَنَّ الَّذِی فُرِضَ عَلَیْکُمْ قَدْ وَضِعَ عَنْکُمْ- فَبَادِرُوا الْعَمَلَ وَ خَافُوا بَغْتَهَ الْأَجَلِ- فَإِنَّهُ لَا یُرْجَى مِنْ رَجْعَهِ الْعُمُرِ- مَا یُرْجَى مِنْ رَجْعَهِ الرِّزْقِ- مَا فَاتَ الْیَوْمَ مِنَ الرِّزْقِ رُجِیَ غَداً زِیَادَتُهُ- وَ مَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ الْعُمُرِ- لَمْ یُرْجَ الْیَوْمَ‏ رَجْعَتُهُ- الرَّجَاءُ مَعَ الْجَائِی وَ الْیَأْسُ مَعَ الْمَاضِی- فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ- وَ لَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ لقائل أن یقول أما کونه واصل الحمد له- من عباده بالنعم منه علیهم فمعلوم- فکیف قال إنه یصل النعم المذکوره بالشکر- و الشکر من أفعال العباد- و لیس من أفعاله لیکون واصلا للنعم به- و جواب هذا القائل- هو أنه لما وفق العباد للشکر- بعد أن جعل وجوبه فی عقولهم مقررا و بعد أن أقدرهم علیه- صار کأنه الفاعل له- فأضافه إلى نفسه توسعا- کما یقال أقام الأمیر الحد و قتل الوالی اللص- فأما حمده سبحانه على البلاء کحمده على الآلاء- فقد تقدم القول فیه- و من الکلام المشهور سبحان من لا یحمد على المکروه سواه- و السر فیه أنه تعالى إنما یفعل المکروه بنا لمصالحنا- فإذا حمدناه علیه فإنما حمدناه على نعمه أنعم بها- و إن کانت فی الظاهر بلیه و ألما- .

فإن قلت فقد کان الأحسن فی البیان أن یقول- نحمده على بلائه کما نحمده على آلائه- قلت إنما عکس لأنه جاء باللفظین- فی معرض ذکر النعم و الشکر علیها- فاستهجن أن یلقبها بلفظه الحمد على البلاء للمنافره- التی تکون بینهما- فقال نحمده على هذه الآلاء التی أشرنا إلیها- التی هی آلاء فی الحقیقه- و هذا ترتیب صحیح منتظم- .

ثم سأل الله أن یعینه على النفس البطیئه عن المأمور به- السریعه إلى المنهی عنه- و من دعاء بعض الصالحین- اللهم إنی أشکو إلیک عدوا بین جنبی- قد غلب علی- . و فسر قوم من أهل الطریقه و الحقیقه قوله تعالى- یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا قاتِلُوا-الَّذِینَ یَلُونَکُمْ مِنَ الْکُفَّارِ- وَ لْیَجِدُوا فِیکُمْ غِلْظَهً- قالوا أراد مجاهده النفوس- ومن کلام رسول الله ص أبت الأنفس إلا حب المال و الشرف- و إن حبهما لأذهب بدین أحدکم- من ذئبین ضاریین باتا فی زریبه غنم إلى الصباح- فما ذا یبقیان منها- .

ثم شرع فی استغفار الله سبحانه من کل ذنب- و عبر عن ذلک بقوله مما أحاط به علمه- و أحصاه کتابه- لأنه تعالى عالم بکل شی‏ء- و محیط بکل شی‏ء- و قد أوضح ذلک بقوله- علم غیر قاصر- و کتاب غیر مغادر- أی غیر مبق شیئا لا یحصیه- قال تعالى ما لِهذَا الْکِتابِ لا یُغادِرُ- صَغِیرَهً وَ لا کَبِیرَهً إِلَّا أَحْصاها- .

ثم قال و نؤمن به إیمان من عاین و شاهد- لأن إیمان العیان أخلص- و أوثق من إیمان الخبر- فإنه لیس الخبر کالعیان- و هذا إشاره إلى إیمان العارفین- الذین هو ع سیدهم و رئیسهم- و لذلکقال لو کشف الغطاء ما ازددت یقینا- . و قوله تصعدان القول إشاره إلى قوله تعالى- إِلَیْهِ یَصْعَدُ الْکَلِمُ الطَّیِّبُ- وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ یَرْفَعُهُ- و روی تسعدان القول بالسین- أی هما شهادتان بالقلب یعاضدان الشهاده باللسان- و یسعدانها- .

ثم ذکر أنهما شهادتان لا یخف میزان هما فیه- و لا یثقل میزان رفعا عنه- . أما أنه لا یثقل میزان رفعا عنه فهذا لا کلام فیه- و إنما الشأن فی القضیه الأولى- لأن ظاهر هذا القول یشعر بمذهب المرجئه الخلص- و هم أصحاب مقاتل بن سلیمان- القائلون إنه لا یضر مع الشهادتین معصیه أصلا- و إنه لا یدخل النار- من فی قلبه ذره من الإیمان-و لهم على ذلک احتجاج- قد ذکرناه فی کتبنا الکلامیه- فنقول فی تأویل ذلک- إنه لم یحکم بهذا على مجرد الشهادتین- و إنما حکم بهذا على شهادتین مقیدتین- قد وصفهما بأنهما یصعدان القول- و یرفعان العمل- و تانک الشهادتان المقیدتان بذلک القید- إنما هو الشهادتان- اللتان یقارنهما فعل الواجب و تجنب القبیح- لأنه إن لم یقارنهما ذلک لم یرفعا العمل- و إذا کان حکمه ع بعد خفه میزان هما فیه- إنما هو على شهادتین مقیدتین لا مطلقتین- فقد بطل قول من یجعل هذا الکلام حجه للمرجئه- . ثم أخذ فی الوصاه بالتقوى- و قال إنما الزاد فی الدنیا الذی یزود منه- لسفر الآخره و بها المعاذ مصدر من عذت بکذا- أی لجأت إلیه و اعتصمت به- .

ثم وصفهما أعنی الزاد و المعاذ- فقال زاد مبلغ- أی یبلغک المقصد و الغایه التی تسافر إلیها- و معاذ منجح أی یصادف عنده النجاح- . دعا إلیها أسمع داع یعنی البارئ سبحانه- لأنه أشد الأحیاء أسماعا لما یدعوهم إلیه- و بناء أفعل هاهنا من الرباعی- کما جاء ما أعطاه للمال و ما أولاه للمعروف- و أنت أکرم لی من زید أی أشد إکراما- و هذا المکان أقفر من غیره أی أشد إقفارا- و فی المثل أفلس من ابن المذلق- و روی دعا إلیها أحسن داع أی أحسن داع دعا- و لا بد من تقریر هذا الممیز- لأنه تعالى لا توصف ذاته بالحسن- و إنما یوصف بالحسن أفعاله- . و وعاها خیر واع أی من وعاها عنه تعالى و عقلها- و أجاب تلک الدعوه فهو خیر واع- . و قیل عنى بقوله- أسمع داع رسول الله ص- و عنى بقوله خیر واع نفسه- لأنه أنزل فیه وَ تَعِیَها أُذُنٌ واعِیَهٌ- و الأول أظهر- .

ثم قال فأسمع داعیها- أی لم یبق أحدا من المکلفین- إلا و قد أسمعه تلک الدعوه و فازوا علیها- أفلح من فهمها و أجاب إلیها- لا بد من تقدیر هذا- و إلا فأی فوز یحصل لمن فهم و لم یجب- و التقوى خشیه الله سبحانه- و مراقبته فی السر و العلن- و الخشیه أصل الطاعات- و إلیها وقعت الإشاره بقوله تعالى- إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاکُمْ- و قوله سبحانه وَ مَنْ یَتَّقِ اللَّهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً- وَ یَرْزُقْهُ مِنْ حَیْثُ لا یَحْتَسِبُ- . قوله حتى أسهرت لیالیهم- و أظمأت هواجرهم- من قول العرب نهاره صائم و لیله قائم- نقلوا الفعل إلى الظرف- و هو من باب الاتساع الذی یجرون فیه الظروف مجرى المفعول به- فیقولون الذی سرته یوم الجمعه أی سرت فیه- و قالو یوم شهدناه سلیما و عامرا- أی شهدنا فیه سلیما- و قد اتسعوا فأضافوا إلى الظروف فقالوا-

یا سارق اللیله أهل الدار

و قال تعالى بَلْ مَکْرُ اللَّیْلِ وَ النَّهارِ- فأخرجوهما بالإضافه عن الظرفیه- . قوله ع فأخذوا الراحه النصب- یروى فاستبدلوا الراحه- و النصب التعب و استقربوا الأجل رأوه قریبا- . فإن قلت لما ذا کرر لفظه الأجل- و فی تکرارها مخالفه لفن البیان- قلت إنه استعملها فی الموضعین بمعنیین مختلفین- فقوله استقربوا الأجل یعنی المده- و قوله فلاحظوا الأجل یعنی الموت نفسه- .و یروى موتر و موتر بالتشدید- و لا تؤسى جراحه لا تطب و لا تصلح- أسوت الجرح أی أصلحته- و لا ینقع لا یروى- شرب حتى نقع أی شف علیله- و ماء ناقع و هو کالناجع- و ما رأیت شربه انقع منها- . و إلى قوله ع- یجمع ما لا یأکل- و یبنی ما لا یسکن- نظر الشاعر فقال-

أموالنا لذوی المیراث نجمعها
و دورنا لخراب الدهر نبنیها

و قال آخر

أ لم تر حوشبا أمسى یبنی
بناء نفعه لبنی بقیله

یؤمل أن یعمر عمر نوح‏
و أمر الله یطرق کل لیله

 قوله و من غیرها أنک ترى المرحوم مغبوطا- و المغبوط مرحوما- أی یصیر الفقیر غنیا و الغنی فقیرا- و قد فسره قوم فقالوا- أراد أنک ترى- من هو فی باطن الأمر مرحوم مغبوطا- و ترى من هو فی باطن الأمر مغبوط مرحوما- أی تحسب ذاک و تتخیله و هذا التأویل غیر صحیح- لأن قوله بعده لیس ذلک إلا نعیما زل و بؤسا نزل- و یکذبه و یصدق التفسیر الأول- . و أضحى فیئها من أضحى الرجل إذا برز للشمس- ثم قال لا جاء یرد و لا ماض یرتد- أی یسترد و یسترجع- أخذه أبو العتاهیه فقال-

فلا أنا راجع ما قد مضى لی
و لا أنا دافع ما سوف یأتی‏

 و إلى قوله ما أقرب الحی من المیت للحاقه به- و ما أبعد المیت من الحی لانقطاعه عنه- نظر الشاعر فقال-

یا بعیدا عنی و لیس بعیدا
من لحاقی به سمیع قریب‏

صرت بین الورى غریبا- کما أنک تحت الثرى وحید غریب- فإن قلت- ما وجه تقسیمه ع الأمور التی عددها- إلى الفناء و العناء و الغیر و العبر- قلت لقد أصاب الثغره و طبق المفصل- أ لا تراه ذکر فی الفناء رمی الدهر الإنسان- عن قوس الردى- و فی العناء جمع ما لا یأکل- و بناء ما لا یسکن- و فی الغیر الفقر بعد الغنى و الغنى بعد الفقر- و فی العبر اقتطاع الأجل الأمل- فقد ناط بکل لفظه ما یناسبها- . و قد نظر بعض الشعراء إلى قوله ع- لیس شی‏ء بشر من الشر إلا عقابه- و لیس شی‏ء بخیر من الخیر إلا ثوابه- فقال

خیر البضائع للإنسان مکرمه
تنمی و تزکو إذا بارت بضائعه‏

فالخیر خیر و خیر منه فاعله‏
و الشر شر و شر منه صانعه‏

إلا أن أمیر المؤمنین ع استثنى العقاب و الثواب- و الشاعر جعل مکانهما فاعل الخیر و الشر- . ثم ذکر أن کل شی‏ء من أمور الدنیا المرغبه و المرهبه- سماعه أعظم من عیانه- و الآخره بالعکس و هذا حق- أما القضیه الأولى فظاهره- و قد قال القائل-

اهتز عند تمنی وصلها طربا
و رب أمنیه أحلى من الظفر

 و لهذا یحرص الواحد منا على الأمر- فإذا بلغه برد و فتر- و لم یجده کما کان یظن فی اللذه- و یوصف لنا البلد البعید عنا- بالخصب و الأمن و العدل- و سماح أهله و حسن نسائه و ظرف رجاله- فإذا سافرنا إلیه لم نجده کما وصف- بل ربما وجدنا القلیل من ذلک- و یوصف لنا الإنسان الفاضل بالعلم- بفنون من الآداب و الحکم- و یبالغ الواصفون فی ذلک- فإذا اختبرناه وجدناه دون ما وصف- و کذلک قد یخاف الإنسان حبسا أو ضربا أو نحوهما- فإذا وقع فیهما هان ما کان یتخوفه- و وجد الأمر دون ذلک- و کذلک القتل و الموت- فإن ما یستعظمه الناس منهما- دون أمرهما فی الحقیقه- و قد قال أبو الطیب و هو حکیم الشعراء-

کل ما لم یکن من الصعب فی الأنفس
سهل فیها إذا هو کانا

 و یقال فی المثل لج الخوف تأمن- و أما أحوال الآخره فلا ریب أن الأمر فیها بالضد من ذلک- لأن الذی یتصوره الناس من الجنه- أنها أشجار و أنهار و مأکول و مشروب و جماع- و أمرها فی الحقیقه أعظم من هذا و أشرف- لأن ملاذها الروحانیه المقارنه لهذه الملاذ المضاده لها- أعظم من هذه الملاذ بطبقات عظیمه- و کذلک أکثر الناس یتوهمون- أن عذاب النار یکون أیاما و ینقضی- کما یذهب إلیه المرجئه- أو أنه لا عذاب بالنار لمسلم أصلا- کما هو قول الخلص من المرجئه- و أن أهل النار یألفون عذابها- فلا یستضرون به إذا تطاول الأمد علیهم- و أمر العذاب أصعب مما یظنون- خصوصا على مذهبنا فی الوعید- و لو لم یکن إلا آلام النفوس- باستشعارها سخط الله تعالى علیها- فإن ذلک أعظم من ملاقاه جرم النار لبدن الحی- .

و فی هذا الموضع أبحاث شریفه دقیقه- لیس هذا الکتاب موضوعا لها- . ثم أمرهم بأن یکتفوا- من عیان الآخره و غیبها بالسماع و الخبر لأنه لا سبیل- و نحن فی هذه الدار إلى أکثر من ذلک- . و إلى قوله ما نقص من الدنیا و زاد فی الآخره- خیر مما نقص من الآخره- و زاد فی الدنیا- نظر أبو الطیب فقال- إلا أنه أخرجه فی مخرج آخر-

بلاد ما اشتهیت رأیت فیها
فلیس یفوتها إلا کرام‏

فهلا کان نقص الأهل فیها
و کان لأهلها منها التمام‏

 ثم قال فکم من منقوص فی دنیاه و هو رابح فی آخرته- و کم من مزید فی دنیاه و هو خاسر فی آخرته ثم قال إن الذی أمرتم به أوسع من الذی نهیتم عنه- و ما أحل لکم أکثر مما حرم علیکم- الجمله الأولى هی الجمله الثانیه بعینها- و إنما أتى بالثانیه تأکیدا للأولى و إیضاحا لها- و لأن فن الخطابه و الکتابه هکذا هو- و ینتظم کلتا الجملتین معنى واحد- و هو أن فیما أحل الله غنى عما حرم- بل الحلال أوسع- أ لا ترى أن المباح من المآکل و المشارب- أکثر عددا و أجناسا من المحرمات- فإن المحرم لیس إلا الکلب و الخنزیر- و أشیاء قلیله غیرهما- و المحرم من المشروب الخمر و نحوها من المسکر- و ما عدا ذلک حلال أکله و شربه- و کذلک القول فی النکاح و التسری- فإنهما طریقان مهیعان إلى قضاء الوطر- و السفاح طریق واحد- و الطریقان أکثر من الطریق الواحد- .

فإن قلت فکیف قال إن الذی أمرتم به- فسمى المباح مأمورا به- قلت سمى کثیر من الأصولیین المباح مأمورا به- و ذلک لاشتراکه مع المأمور به- فی أنه لا حرج فی فعله فأطلق علیه اسمه- و أیضا فإنه لما کان کثیر من الأمور التی عددناها مندوبا- أطلق علیه لفظ الأمر- لأن المندوب مأمور به- و ذلک کالنکاح و التسری و أکل اللحوم- التی هی سبب قوه البدن- و شرب ما یصلح المزاج من الأشربه- التی لا حرج فی استعمالها- و قال بعض العقلاء لبنیه یا بنی- إنه لیس کل شی‏ء من اللذه ناله أهل الخساره بخسارتهم- إلا ناله أهل المروءه و الصیانه بمروءتهم و صیانتهم- فاستتروا بستر الله و دخل إنسان على علی بن موسى الرضا ع- و علیه ثیاب مرتفعه القیمه- فقال یا ابن رسول الله- أ تلبس مثل هذا- فقال له مَنْ حَرَّمَ زِینَهَ اللَّهِ- الَّتِی أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّیِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ‏

ثم أمر بالعمل و العباده- و نهى عن الحرص على طلب الرزق- فقال إنکم أمرتم بالأول و ضمن لکم الثانی- فلا تجعلوا المضمون حصوله لکم- هو المخصوص بالحرص و الاجتهاد- بل ینبغی أن یکون الحرص و الاجتهاد فیما أمرتم بعمله- و هو العباده- و قد یتوهم قوم أنه ارتفع طلبه بالمضنون- کقولک المضروب أخوه- و هذا غلط لأنه لم یضمن طلبه- و إنما ضمن حصوله و لکنه ارتفع- لأنه مبتدأ و خبره أولى- و هذا المبتدأ و الخبر فی موضع نصب- لأنه خبر یکونن- أو ارتفع لأنه بدل من المضنون- و هذا أحسن و أولى من الوجه الأول- و هو بدل الاشتمال- . ثم ذکر أن رجعه العمر غیر مرجوه- و رجعه الرزق مرجوه- أوضح ذلک بأن الإنسان قد یذهب منه الیوم درهم- فیستعیضه أی یکتسب عوضه فی الغد دینارا- و أما أمس نفسه- فمستحیل أن یعود و لا مثله- لأن الغد و بعد الغد محسوب من عمره- و لیس عوضا من الأمس الذاهب-

و هذا الکلام یقتضی أن العمر مقدور- و أن المکاسب و الأرزاق إنما هی بالاجتهاد- و لیست محصوره مقدره- و هذا یناقض فی الظاهر ما تقدم من قوله- إن الرزق مضمون فلا تحرصوا علیه- فاحتاج الکلام إلى تأویل- و هو أن العمر هو الظرف الذی یوقع المکلف فیه- الأعمال الموجبه له السعاده العظمى- المخلصه له من الشقاوه العظمى- و لیس له ظرف یوقعها فیه إلا هو خاصه- فکل جزء منه إذا فات- من غیر عمل لما بعد الموت- فقد فات على الإنسان بفواته- ما لا سبیل له إلى استدراکه بعینه و لا اغترام مثله- لأن المثل الذی له إنما هو زمان آخر- و لیس ذلک فی مقدور الإنسان- و الزمان المستقبل الذی یعیش فیه الإنسان- لم یکتسبه هو لینسب إلیه فیقال- إنه حصله عوضا مما انقضى و ذهب من عمره- و إنما هو فعل غیره- و مع ذلک فهو معد و مهیأ- لأفعال من العباده توقع فیه- کما کان الجزء الماضی معدا لأفعال‏ توقع فیه- فلیس أحدهما عوضا عن الآخر و لا قائما مقامه- و أما المنافع الدنیویه کالمآکل و المشارب و الأموال- فإن الإنسان إذا فاته شی‏ء منها- قدر على ارتجاعه بعینه- إن کانت عینه باقیه- و ما لا تبقى عینه یقدر على اکتساب مثله- و الرزق و إن کان مضمونا من الله- إلا أن للحرکه فیه نصیبا- إما أن یکون شرطا- أو أن یکون هو بذاته من أثر قدره الإنسان- کحرکته و اعتماده و سائر أفعاله- و یکون الأمر بالتوکل و النهی عن الاجتهاد- فی طلب الرزق على هذا القول- إنما هو نهی عن الحرص- و الجشع و التهالک فی الطلب- فإن ذلک قبیح یدل على دناءه الهمه و سقوطها- .

ثم هذه الأغراض الدنیویه- إذا حصلت أمثالها بعد ذهابها قامت مقام الذاهب- لأن الأمر الذی یراد الذاهب له- یمکن حصوله بهذا المکتسب- و لیس کذلک الزمان الذاهب من العمر- لأن العبادات و الأعمال التی کان أمس متعینا لها- لا یمکن حصولها الیوم على حد حصولها أمس- فافترق البابان- باب الأعمال و باب الأرزاق- . و قوله الرجاء مع الجائی- و الیأس مع الماضی- کلام یجری مجرى المثل- و هو تأکید للمعنى الأول- و جعل الجائی مرجوا- لأنه لا یعلم غیبه قال الشاعر-

ما مضى فات و المقدر غیب
و لک الساعه التی أنت فیها

– و قوله حق تقاته أی حق تقیته أی خوفه- اتقى یتقی تقیه و تقاه- و وزنها فعله و أصلها الیاء- و مثلها اتخم تخمه و اتهم تهمه

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی‏ الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۳۵

خطبه ۱۱۱ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(یذکر فیها ملک الموت و توفیه الأنفس)

۱۱۱ و من خطبه له ع- یذکر فیها ملک الموت و توفیه الأنفس

هَلْ یُحَسُّ بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلًا- أَمْ هَلْ تَرَاهُ إِذَا تَوَفَّى أَحَداً- بَلْ کَیْفَ یَتَوَفَّى الْجَنِینَ فِی بَطْنِ أُمِّهِ- أَ یَلِجُ عَلَیْهِ مِنْ بَعْضِ جَوَارِحِهَا- أَمْ الرُّوحُ أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا- أَمْ هُوَ سَاکِنٌ مَعَهُ فِی أَحْشَائِهَا- کَیْفَ یَصِفُ إِلَهَهُ- مَنْ یَعْجَزُ عَنْ صِفَهِ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ أما مذهب جمهور أصحابنا- و هم النافون للنفس الناطقه- فعندهم أن الروح جسم لطیف بخاری- یتکون من ألطف أجزاء الأغذیه- ینفذ فی العروق الضوارب- و الحیاه عرض قائم بالروح و حال فیها- فللدماغ روح دماغیه و حیاه حاله فیها- و کذلک للقلب و کذلک للکبد- و عندهم أن لملک الموت أعوانا- تقبض الأرواح بحکم النیابه عنه- لو لا ذلک لتعذر علیه- و هو جسم أن یقبض روحین- فی وقت واحد فی المشرق و المغرب- لأن الجسم الواحد لا یکون فی مکانین فی وقت واحد- قال أصحابنا و لا یبعد أن یکون الحفظه الکاتبون هم القابضین- للأرواح عند انقضاء الأجل- قالوا و کیفیه القبض ولوج الملک من الفم إلى القلب- لأنه جسم لطیف هوائی- لا یتعذر علیه النفوذ فی المخارق الضیقه- فیخالط الروح‏ التی هی کالشبیهه به- لأنها جسم لطیف بخاری-

ثم یخرج من حیث دخل و هی معه- و إنما یکون ذلک فی الوقت- الذی یأذن الله تعالى له فیه- و هو حضور الأجل- فألزموا على ذلک أن یغوص الملک فی الماء مع الغریق- لیقبض روحه تحت الماء- فالتزموا ذلک و قالوا لیس بمستحیل- أن یتخلل الملک الماء فی مسام الماء- فإن فیه مسام و منافذ- و فی کل جسم على قاعدتهم فی إثبات الماء فی الأجسام- . قالوا و لو فرضنا أنه لا مسام فیه- لم یبعد أن یلجه الملک فیوسع لنفسه مکانا- کما یلجه الحجر و السمک و غیرهما- و کالریح الشدیده التی تقرع ظاهر البحر- فتقعره و تحفره و قوه الملک أشد من قوه الریح- . ثم نعود إلى الشرح فنقول الملک أصله مألک بالهمز- و وزنه مفعل و المیم زائده- لأنه من الألوکه و الألوک و هی الرساله- ثم قلبت الکلمه و قدمت اللام- فقیل ملأک قال الشاعر-

فلست لإنسی و لکن لملأک
تنزل من جو السماء یصوب‏

ثم ترکت همزته لکثره الاستعمال- فقیل ملک فلما جمع ردت الهمزه إلیه- فقالوا ملائکه و ملائک- قال أمیه بن أبی الصلت-

و کأن برقع و الملائک حولها
سدر تواکله القوائم أجرد

 و التوفی الإماته و قبض الأرواح- قال الله تعالى- اللَّهُ یَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِینَ مَوْتِها- . و التقسیم الذی قسمه فی وفاه الجنین حاصر- لأنه مع فرضنا إیاه جسما- یقبض الأرواح التی فی الأجسام- إما أن یکون مع الجنین فی جوف أمه- فیقبض روحه عند حضور أجله‏أو خارجا عنها- و القسم الثانی ینقسم قسمین- أحدهما أن یلج جوف أمه لقبض روحه فیقبضها- و الثانی أن یقبضها من غیر حاجه إلى الولوج إلى جوفها- و ذلک بأن تطیعه الروح و تکون مسخره- إذا أراد قبضها امتدت إلیه فقبضها-

و هذه القسمه لا یمکن الزیاده علیها- و لو قسمها واضع المنطق لما زاد- . ثم خرج إلى أمر آخر- أعظم و أشرف مما ابتدأ به- فقال کیف یصف إلهه- من یعجز عن وصف مخلوق مثله- و إلى هذا الغرض کان یترامى- و إیاه کان یقصد- و إنما مهد حدیث الملک و الجنین- توطئه لهذا المعنى الشریف و السر الدقیق فصل فی التخلص و سیاق کلام للشعراء فی هو هذا الفن یسمیه أرباب علم البیان التخلص- و أکثر ما یقع فی الشعر- کقول أبی نواس-

تقول التی من بیتها خف مرکبی
عزیز علینا أن نراک تسیر

أ ما دون مصر للغنی متطلب‏
بلى إن أسباب الغنى لکثیر

فقلت لها و استعجلتها بوادر
جرت فجرى فی جریهن عبیر

ذرینی أکثر حاسدیک برحله
إلى بلد فیه الخصیب أمیر

و من ذلک قول أبی تمام-

یقول فی قومس صحبی و قد أخذت
منا السرى و خطا المهریه القود

أ مطلع الشمس تبغی أن تؤم بنا
فقلت کلا و لکن مطلع الجود

و منه قول البحتری-

هل الشباب ملم بی فراجعه
أیامه لی فی أعقاب أیامی‏

لو أنه نائل غمر یجاد به‏
إذن تطلبته عند ابن بسطام‏

 و منه قول المتنبی و هو یتغزل بأعرابیه- و یصف بخلها و جبنها و قله مطعمها- و هذه کلها من الصفات الممدوحه فی النساء خاصه-

فی مقلتی رشأ تدیرهما
بدویه فتنت بها الحلل‏

تشکو المطاعم طول هجرتها
و صدودها و من الذی تصل‏

ما أسأرت فی القعب من لبن
ترکته و هو المسک و العسل‏

قالت إلا تصحو فقلت لها
أعلمتنی أن الهوى ثمل‏

لو أن فناخسر صبحکم
و برزت وحدک عاقه الغزل‏

و تفرقت عنکم کتائبه‏
إن الملاح خوادع قتل‏

ما کنت فاعله و ضیفکم
ملک الملوک و شأنک البخل‏

أ تمنعین قرى فتفتضحی‏
أم تبذلین له الذی یسل‏

بل لا یحل بحیث حل به
بخل و لا جور و لا وجل‏

و هذا من لطیف التخلص و رشیقه- و التخلص مذهب الشعراء- و المتأخرون یستعملونه کثیرا- و یتفاخرون فیه و یتناضلون- فأما التخلص فی الکلام المنثور- فلا یکاد یظهر لمتصفح- الرساله أو الخطبه إلا بعد تأمل شدید- و قد وردت منه مواضع فی القرآن العزیز- فمن‏
أبینها و أظهرها- أنه تعالى ذکر فی سوره الأعراف الأمم الخالیه- و الأنبیاء الماضین من لدن آدم ع- إلى أن انتهى إلى قصه موسى- فقال فی آخرها بعد أن شرحها و أوضحها- وَ اخْتارَ مُوسى‏ قَوْمَهُ سَبْعِینَ رَجُلًا لِمِیقاتِنا- فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَهُ- قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَکْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ- وَ إِیَّایَ أَ تُهْلِکُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا- إِنْ هِیَ إِلَّا فِتْنَتُکَ- تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِی مَنْ تَشاءُ- أَنْتَ وَلِیُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا- وَ أَنْتَ خَیْرُ الْغافِرِینَ- وَ اکْتُبْ لَنا فِی هذِهِ الدُّنْیا حَسَنَهً وَ فِی الْآخِرَهِ- إِنَّا هُدْنا إِلَیْکَ- قالَ عَذابِی أُصِیبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ- وَ رَحْمَتِی وَسِعَتْ کُلَّ شَیْ‏ءٍ- فَسَأَکْتُبُها لِلَّذِینَ یَتَّقُونَ- وَ یُؤْتُونَ الزَّکاهَ- وَ الَّذِینَ هُمْ بِآیاتِنا یُؤْمِنُونَ- الَّذِینَ یَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِیَّ الْأُمِّیَّ- الَّذِی یَجِدُونَهُ مَکْتُوباً عِنْدَهُمْ فِی التَّوْراهِ وَ الْإِنْجِیلِ- یَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ یَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْکَرِ- وَ یُحِلُّ لَهُمُ الطَّیِّباتِ- وَ یُحَرِّمُ عَلَیْهِمُ الْخَبائِثَ- وَ یَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ- وَ الْأَغْلالَ الَّتِی کانَتْ عَلَیْهِمْ- فَالَّذِینَ آمَنُوا بِهِ- وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ- وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِی أُنْزِلَ مَعَهُ- أُولئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- . و هذا من التخلصات اللطیفه المستحسنه

فصل فی الاستطراد و إیراد شواهد للشعراء فیه

و اعلم أن من أنواع علم البیان نوعا یسمى الاستطراد- و قد یسمى الالتفات- و هو من جنس التخلص و شبیه به- إلا أن الاستطراد هو أن تخرج- بعد أن تمهد ما ترید أن تمهده- إلى الأمر الذی تروم ذکره فتذکره- و کأنک غیر قاصد لذکره بالذات- بل قد حصل و وقع ذکره بالعرض عن غیر قصد- ثم تدعه و تترکه- و تعود إلى الأمر الذی کنت فی تمهیده- کالمقبل علیه و کالملغى عما استطردت بذکره- فمن ذلک قول البحتری و هو یصف فرسا-

و أغر فی الزمن البهیم محجل
قد رحت منه على أغر محجل‏

کالهیکل المبنی إلا أنه‏
فی الحسن جاء کصوره فی هیکل‏

وافی الضلوع یشد عقد حزامه
یوم اللقاء على معم مخول‏

أخواله للرستمین بفارس‏
و جدوده للتبعین بموکل‏

یهوى کما هوت العقاب و قد رأت
صیدا و ینتصب انتصاب الأجدل‏

متوجس برقیقتین کأنما
تریان من ورق علیه مکلل‏

ما إن یعاف قذى و لو أوردته
یوما خلائق حمدویه الأحول‏

ذنب کما سحب الرشاء یذب عن‏
عرف و عرف کالقناع المسبل‏

جذلان ینفض عذره فی غره
یقق تسیل حجولها فی جندل‏

کالرائح النشوان أکثر مشیه‏
عرضا على السنن البعید الأطول‏

ذهب الأعالی حیث تذهب مقله
فیه بناظرها حدید الأسفل‏

هزج الصهیل کأن فی نغماته‏
نبرات معبد فی الثقیل الأول‏

ملک القلوب فإن بدا أعطینه
نظر المحب إلى الحبیب المقبل‏

– أ لا تراه کیف استطرد- بذکر حمدویه الأحول الکاتب- و کأنه لم یقصد ذلک- و لا أراده و إنما جرته القافیه- ثم ترک ذکره و عاد إلى وصف الفرس- و لو أقسم إنسان أنه ما بنى القصیده- منذ افتتحها إلا على ذکره- و لذلک أتى بها على روی اللام- لکان صادقا فهذا هو الاستطراد- . و من الفرق بینه و بین التخلص أنک فی التخلص- متى شرعت فی ذکر الممدوح‏أو المهجو- ترکت ما کنت فیه من قبل بالکلیه- و أقبلت على ما تخلصت إلیه- من المدیح و الهجاء بیتا بعد بیت- حتى تنقضی القصیده- و فی الاستطراد تمر على ذکر الأمر- الذی استطردت به مرورا کالبرق الخاطف- ثم تترکه و تنساه و تعود إلى ما کنت فیه- کأنک لم تقصد قصد ذاک و إنما عرض عروضا- و إذا فهمت الفرق فاعلم أن الآیات التی تلوناها- إذا حققت و أمعنت النظر من باب الاستطراد- لا من باب التخلص-

و ذلک لأنه تعالى قال بعد قوله- وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِی أُنْزِلَ مَعَهُ- أُولئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- قُلْ یا أَیُّهَا النَّاسُ إِنِّی رَسُولُ اللَّهِ إِلَیْکُمْ جَمِیعاً- الَّذِی لَهُ مُلْکُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ- لا إِلهَ إِلَّا هُوَ یُحیِی وَ یُمِیتُ- فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِیِّ الْأُمِّیِّ- الَّذِی یُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ کَلِماتِهِ وَ اتَّبِعُوهُ لَعَلَّکُمْ تَهْتَدُونَ- وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏ أُمَّهٌ- یَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ یَعْدِلُونَ- وَ قَطَّعْناهُمُ اثْنَتَیْ عَشْرَهَ أَسْباطاً أُمَماً- وَ أَوْحَیْنا إِلى‏ مُوسى‏- إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاکَ الْحَجَرَ- فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَهَ عَیْناً- قَدْ عَلِمَ کُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ- وَ ظَلَّلْنا عَلَیْهِمُ الْغَمامَ- وَ أَنْزَلْنا عَلَیْهِمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى‏- کُلُوا مِنْ طَیِّباتِ ما رَزَقْناکُمْ- وَ ما ظَلَمُونا وَ لکِنْ کانُوا أَنْفُسَهُمْ یَظْلِمُونَ- فعاد إلى ما کان فیه أولا- ثم مر فی هذه القصه- و فی أحوال موسى و بنی إسرائیل- حتى قارب الفراغ من السوره- . و من لطیف التخلص الذی یکاد یکون استطرادا- لو لا أنه أفسده بالخروج إلى المدح- قول أبی تمام فی قصیدته- التی یمدح بها محمد بن الهیثم التی أولها-

أسقى طلولهم أجش هزیم
و غدت علیهم نضره و نعیم‏

ظلمتک ظالمه البری‏ء ظلوم‏
و الظلم من ذی قدره مذموم‏

زعمت هواک عفا الغداه کما عفت
منها طلول باللوى و رسوم‏

لا و الذی هو عالم إن النوى
صبر و إن أبا الحسین کریم‏

ما حلت عما تعهدین و لا غدت‏
نفسی على إلف سواک تحوم‏

فلو أتم متغزلا لکان مستطردا لا محاله- و لکنه نقض الاستطراد- و غمس یده فی المدح فقال بعد هذا البیت-

لمحمد بن الهیثم بن شبانه
مجد إلى جنب السماک مقیم‏

ملک إذا نسب الندى من ملتقى‏
طرفیه فهو أخ له و حمیم‏

 و مضى على ذلک إلى آخرها- . و من الاستطراد أن یحتال الشاعر- لذکر ما یروم ذکره- بوصف أمر لیس من غرضه- و یدمج الغرض الأصلی فی ضمن ذلک و فی غضونه- و أحسن ما یکون ذلک إذا صرح- بأنه قد استطرد و نص فی شعره على ذلک- کما قال أبو إسحاق الصابی فی أبیات- کتبها إلى أبی القاسم عبد العزیز بن یوسف- کاتب عضد الدوله- کتبها إلیه إلى شیراز و أبو إسحاق فی بغداد- و کانت أخبار فتوح عضد الدوله بفارس و کرمان- و ما والاها متواصله مترادفه إلى العراق- و کتب عبد العزیز واصله بها- إلى عز الدوله بختیار و الصابی یجیب عنها-

یا راکب الجسره العیرانه الأجد
یطوی المهامه من سهل إلى جلد

أبلغ أبا القاسم نفسی الفداء له‏
مقاله من أخ للحق معتمد

فی کل یوم لکم فتح یشاد به
بین الأنام بذکر السید العضد

و ما لنا مثله لکننا أبدا
نجیبکم بجواب الحاسد الکمد

فأنت أکتب منی فی الفتوح و ما
تجری مجیبا إلى شاوی و لا أمدی‏

و ما ذممت ابتدائی فی مکاتبه
و لا جوابکم فی القرب و البعد

لکننی رمت أن أثنی على ملک‏
مستطرد بمدیح فیه مطرد

و لقد ظرف و ملح أبو إسحاق فی هذه الأبیات- و متى خلا أو عرى عن الظرف و الملاحه- و لقد کان ظرفا و لباقه کله- . و لیس من الاستطراد ما زعم ابن الأثیر الموصلی- فی کتابه المسمى بالمثل السائر أنه استطراد- و هو قول بعض شعراء الموصل- یمدح قرواش بن المقلد- و قد أمره أن یعبث بهجاء وزیره سلیمان بن فهد- و حاجبه أبی جابر و مغنیه المعروف بالبرقعیدی- فی لیله من لیالی الشتاء- و أراد بذلک الدعابه و الولع بهم- و هم فی مجلس فی شراب و أنس- فقال و أحسن فیما قال-

و لیل کوجه البرقعیدی ظلمه
و برد أغانیه و طول قرونه‏

سریت و نومی فیه نوم مشرد
کعقل سلیمان بن فهد و دینه‏

على أولق فیه التفات کأنه
أبو جابر فی خطبه و جنونه‏

إلى أن بدا ضوء الصباح کأنه‏
سنا وجه قرواش و ضوء جبینه‏

 و ذلک لأن الشاعر قصد إلى هجاء کل واحد منهم- و وضع الأبیات لذلک- و أمره قرواش رئیسهم و أمیرهم بذلک- فهجاهم و مدحه و لم یستطرد- و هذه الأبیات تشبیهات کلها مقصود بها الهجاء- لم یأت بالعرض فی الشعر کما یأتی الاستطراد- . و هذا غلط من مصنف الکتاب

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی‏ الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۴۳

خطبه ۱۱۰ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۱۰ و من خطبه له ع

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّی أُحَذِّرُکُمُ الدُّنْیَا- فَإِنَّهَا حُلْوَهٌ خَضِرَهٌ- حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ وَ تَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَهِ- وَ رَاقَتْ بِالْقَلِیلِ وَ تَحَلَّتْ بِالآْمَالِ- وَ تَزَیَّنَتْ بِالْغُرُورِ لَا تَدُومُ حَبْرَتُهَا- وَ لَا تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا- غَرَّارَهٌ ضَرَّارَهٌ حَائِلَهٌ زَائِلَهٌ- نَافِدَهٌ بَائِدَهٌ أَکَّالَهٌ غَوَّالَهٌ- لَا تَعْدُو- إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِیَّهِ أَهْلِ الرَّغْبَهِ فِیهَا وَ الرِّضَاءِ بِهَا- أَنْ تَکُونَ کَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى- کَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ- فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ- فَأَصْبَحَ هَشِیماً تَذْرُوهُ الرِّیاحُ- وَ کانَ اللَّهُ عَلى‏ کُلِّ شَیْ‏ءٍ مُقْتَدِراً- لَمْ یَکُنِ امْرُؤٌ مِنْهَا فِی حَبْرَهٍ- إِلَّا أَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَهً- وَ لَمْ یَلْقَ مِنْ سَرَّائِهَا بَطْناً- إِلَّا مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً- وَ لَمْ تَطُلَّهُ فِیهَا دِیمَهُ رَخَاءٍ- إِلَّا هَتَنَتْ عَلَیْهِ مُزْنَهُ بَلَاءٍ- وَ حَرِیٌّ إِذَا أَصْبَحَتْ لَهُ مُنْتَصِرَهً- أَنْ تُمْسِیَ لَهُ مُتَنَکِّرَهً- وَ إِنْ جَانِبٌ مِنْهَا اعْذَوْذَبَ وَ احْلَوْلَى- أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ فَأَوْبَى- لَا یَنَالُ امْرُؤٌ مِنْ غَضَارَتِهَا رَغَباً- إِلَّا أَرْهَقَتْهُ مِنْ نَوَائِبِهَا تَعَباً- وَ لَا یُمْسِی مِنْهَا فِی جَنَاحِ أَمْنٍ- إِلَّا أَصْبَحَ عَلَى قَوَادِمِ خَوْفٍ- غَرَّارَهٌ غُرُورٌ مَا فِیهَا فَانِیَهٌ- فَانٍ مَنْ عَلَیْهَا- لَا خَیْرَ فِی شَیْ‏ءٍ مِنْ أَزْوَادِهَا إِلَّا التَّقْوَى-مَنْ أَقَلَّ مِنْهَا اسْتَکْثَرَ مِمَّا یُؤْمِنُهُ- وَ مَنِ اسْتَکْثَرَ مِنْهَا اسْتَکْثَرَ مِمَّا یُوبِقُهُ- وَ زَالَ عَمَّا قَلِیلٍ عَنْهُ- کَمْ مِنْ وَاثِقٍ بِهَا قَدْ فَجَعَتْهُ- وَ ذِی طُمَأْنِینَهٍ قَدْ صَرَعَتْهُ- وَ ذِی أُبَّهَهٍ قَدْ جَعَلَتْهُ حَقِیراً- وَ ذِی نَخْوَهٍ قَدْ رَدَّتْهُ ذَلِیلًا- سُلْطَانُهَا دُوَلٌ وَ عَیْشُهَا رَنَقٌ- وَ عَذْبُهَا أُجَاجٌ وَ حُلْوُهَا صَبِرٌ- وَ غِذَاؤُهَا سِمَامٌ وَ أَسْبَابُهَا رِمَامٌ- حَیُّهَا بِعَرَضِ مَوْتٍ- وَ صَحِیحُهَا بِعَرَضِ سُقْمٍ- مُلْکُهَا مَسْلُوبٌ- وَ عَزِیزُهَا مَغْلُوبٌ- وَ مَوْفُورُهَا مَنْکُوبٌ- وَ جَارُهَا مَحْرُوبٌ- أَ لَسْتُمْ فِی مَسَاکِنِ- مَنْ کَانَ قَبْلَکُمْ أَطْوَلَ أَعْمَاراً- وَ أَبْقَى آثَاراً وَ أَبْعَدَ آمَالًا- وَ أَعَدَّ عَدِیداً وَ أَکْثَفَ جُنُوداً- تَعَبَّدُوا لِلدُّنْیَا أَیَّ تَعَبُّدٍ- وَ آثَرُوهَا أَیَّ إِیْثَارٍ- ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِغَیْرِ زَادٍ مُبَلِّغٍ- وَ لَا ظَهْرٍ قَاطِعٍ- فَهَلْ بَلَغَکُمْ أَنَّ الدُّنْیَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً بِفِدْیَهٍ- أَوْ أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَهٍ- أَوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحْبَهً- بَلْ أَرْهَقَتْهُمْ بِالْفَوَادِحِ- وَ أَوْهَقَتْهُمْ بِالْقَوَارِعِ- وَ ضَعْضَعَتْهُمْ بِالنَّوَائِبِ- وَ عَفَّرَتْهُمْ لِلْمَنَاخِرِ وَ وَطِئَتْهُمْ بِالْمَنَاسِمِ- وَ أَعَانَتْ عَلَیْهِمْ رَیْبَ الْمَنُونِ- فَقَدْ رَأَیْتُمْ تَنَکُّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا- وَ آثَرَهَا وَ أَخْلَدَ إِلَیْهَا- حِینَ ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ الْأَبَدِ- وَ هَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلَّا السَّغَبَ- أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إِلَّا الضَّنْکَ- أَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلَّا الظُّلْمَهَ- أَوْ أَعْقَبَتْهُمْ إِلَّا النَّدَامَهَ- أَ فَهَذِهِ تُؤْثِرُونَ أَمْ إِلَیْهَا تَطْمَئِنُّونَ- أَمْ عَلَیْهَا تَحْرِصُونَ- فَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَمْ یَتَّهِمْهَا- وَ لَمْ یَکُنْ فِیهَا عَلَى وَجَلٍ مِنْهَا- فَاعْلَمُوا وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ- بِأَنَّکُمْ تَارِکُوهَا وَ ظَاعِنُونَ عَنْهَا- وَ اتَّعِظُوا فِیهَا بِالَّذِینَ قَالُوا- مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّهً- حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ- فَلَا یُدْعَوْنَ رُکْبَاناً- وَ أُنْزِلُوا الْأَجْدَاثَ فَلَا یُدْعَوْنَ ضِیفَاناً- وَ جُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفِیحِ أَجْنَانٌ- وَ مِنَ التُّرَابِ أَکْفَانٌ وَ مِنَ الرُّفَاتِ جِیرَانٌ- فَهُمْ جِیرَهٌ لَا یُجِیبُونَ دَاعِیاً- وَ لَا یَمْنَعُونَ ضَیْماً وَ لَا یُبَالُونَ مَنْدَبَهً- إِنْ جِیدُوا لَمْ یَفْرَحُوا- وَ إِنْ قُحِطُوا لَمْ یَقْنَطُوا- جَمِیعٌ وَ هُمْ آحَادٌ وَ جِیرَهٌ وَ هُمْ أَبْعَادٌ- مُتَدَانُونَ لَا یَتَزَاوَرُونَ- وَ قَرِیبُونَ لَا یَتَقَارَبُونَ- حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَانُهُمْ- وَ جُهَلَاءُ قَدْ مَاتَتْ أَحْقَادُهُمْ- لَا یُخْشَى فَجْعُهُمْ- وَ لَا یُرْجَى دَفْعُهُمْ- اسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الْأَرْضِ بَطْناً- وَ بِالسَّعَهِ ضِیقاً وَ بِالْأَهْلِ غُرْبَهً- وَ بِالنُّورِ ظُلْمَهً فَجَاءُوهَا کَمَا فَارَقُوهَا- حُفَاهً عُرَاهً قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ- إِلَى الْحَیَاهِ الدَّائِمَهِ وَ الدَّارِ الْبَاقِیَهِ کَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى- کَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ- نُعِیدُهُ وَعْداً عَلَیْنا إِنَّا کُنَّا فاعِلِینَ خضره أی ناضره- و هذه اللفظه من الألفاظ النبویه-

قال النبی ص إن الدنیا حلوه خضره- و إن الله مستخلفکم فیها- فناظر کیف تعملون- . و حفت بالشهوات کان الشهوات- مستدیره حولها- کما یحف الهودج بالثیاب- و حفوا حوله یحفون حفا أطافوا به- قال الله تعالى وَ تَرَى الْمَلائِکَهَ حَافِّینَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ- . قوله و تحببت بالعاجله- أی تحببت إلى الناس بکونها لذه عاجله- و النفوس مغرمه مولعه بحب العاجل- فحذف الجار و المجرور القائم مقام المفعول- . قوله و راقت بالقلیل- أی أعجبت أهلها- و إنما أعجبتهم بأمر قلیل لیس بدائم- .

قوله و تحلت بالآمال من الحلیه- أی تزینت عند أهلها بما یؤملون منها- . قوله و تزینت بالغرور- أی تزینت عند الناس بغرور لا حقیقه له- . و الحبره السرور و حائله متغیره- و نافده فانیه و بائده منقضیه- و أکاله قتاله و غواله مهلکه- و الغول ما غال أی أهلک- و منه المثل الغضب غول الحلم- . ثم قال- إنها إذا تناهت إلى أمنیه ذوی الرغبات فیها- لا تتجاوز أن تکون کما وصفها الله تعالى به و هو قوله- وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَیاهِ الدُّنْیا- کَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ- فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ- فَأَصْبَحَ هَشِیماً تَذْرُوهُ الرِّیاحُ- وَ کانَ اللَّهُ عَلى‏ کُلِّ شَیْ‏ءٍ مُقْتَدِراً- . فاختلط أی فالتف بنبات الأرض- و تکاثف به أی بسبب ذلک الماء و بنزوله علیه- و یجوز أن یکون تقدیره فاختلط بنبات الأرض- لأنه لما غذاه و أنماه فقد صار مختلطا به- و لما کان کل واحد من المختلطین مشارکا- لصاحبه فی مسمى الاختلاط جاز- فاختلط به نبات الأرض- کما یجوز فاختلط هو بنبات الأرض- . و الهشیم ما تهشم و تحطم الواحده هشیمه- و تذروه الریاح تطیره- و کان الله على ما یشاء من الإنشاء و الإفناء مقتدرا- .

قوله من یلق من سرائها بطنا- إنما خص السراء بالبطن و الضراء بالظهر- لأن الملاقی لک بالبطن ملاق بالوجه- فهو مقبل علیک- و المعطیک ظهره مدبر عنک- . و قیل لأن الترس بطنه إلیک- و ظهره إلى عدوک و قیل لأن المشی فی بطون الأودیه- أسهل من السیر على الظراب و الآکام- . و طله السحاب یطله إذا أمطره مطرا قلیلا- یقول إذا أعطت قلیلا من الخیر- أعقبت ذلک بکثیر من الشر- لأن التهتان الکثیر المطر- هتن یهتن بالکسر هتنا و هتونا و تهتانا- .

قوله و حری أی جدیر و خلیق- یقال بالحری أن یکون هذا الأمر کذا- و هذا الأمر محراه لذلک أی مقمنه مثل محجاه- و ما أحراه مثل ما أحجاه و أحر به مثل أحج به- و تقول هو حری أن یفعل ذلک بالفتح- أی جدیر و قمین لا یثنى و لا یجمع قال الشاعر-

و هن حری ألا یثبنک نقره
و أنت حری بالنار حین تثیب‏

– فإذا قلت هو حر بکسر الراء- و حری بتشدیدها على فعیل ثنیت و جمعت- فقلت هما حریان و حریان- و حرون مثل عمون و أحراء أیضا- و فی المشدد حریون و أحریاء و هی حریه و حریه- و هن حریات و حریات و حرایا- . فإن قلت- فهلا قال و حریه إذا أصبحت- لأنه یخبر عن الدنیا- قلت أراد شأنها فذکر- أی و شأنها خلیق أن یفعل کذا- . و اعذوذب صار عذبا- و احلولى صار حلوا- و من هاهنا أخذ الشاعر قوله-

ألا إنما الدنیا غضاره أیکه
إذا اخضر منها جانب جف جانب‏

فلا تکتحل عیناک منها بعبره
على ذاهب منها فإنک ذاهب‏

و ارتفع جانب المذکور بعد إن- لأنه فاعل فعل مقدر یفسره الظاهر- أی و إن اعذوذب جانب منها- لأن إن تقتضی الفعل و تطلبه- فهی کإذا فی قوله تعالى- إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ- . و أمر الشی‏ء أی صار مرا- و أوبى صار وبیا- و لین الهمز لأجل السجع- . و الرغب- مصدر رغبت فی الأمر رغبه و رغبا أی أردته- . یقول لا ینال الإنسان منها إرادته- إلا أرهقته تعبا- یقال أرهقه إثما أی حمله و کلفه- .

فإن قلت- لم خص الأمن بالجناح و الخوف بالقودام- قلت لأن القوادم مقادیم الریش- و الراکب علیها بعرض خطر عظیم و سقوط قریب- و الجناح یستر و یقی البرد و الأذى- قال أبو نواس-

تغطیت من دهری بظل جناحه
فصرت أرى دهری و لیس یرانی‏

فلو تسأل الأیام ما اسمی لما درت‏
و أین مکانی ما عرفن مکانی‏

– و الهاء فی جناحه ترجع إلى الممدوح بهذا الشعر- . و توبقه تهلکه و الأبهه الکبر- و الرنق بفتح النون مصدر رنق الماء- أی تکدر و بالکسر الکدر- و قد روی هاهنا بالفتح و الکسر- فالکسر ظاهر- و الفتح على تقدیر حذف المضاف أی ذو رنق- . و ماء أجاج قد جمع المراره و الملوحه- أج الماء یؤج أجاجا- و الصبر بکسر الباء هذا النبات المر نفسه- ثم سمی کل مر صبرا- و السمام جمع سم لهذا القاتل- یقال سم و سم بالفتح و الضم و الجمع سمام و سموم- . و رمام بالیه و أسبابها حبالها- و موفورها و ذو الوفر و الثروه منها- و المحروب المسلوب أی لا تحمى جارا و لا تمنعه- .

ثم أخذ قوله تعالى- وَ سَکَنْتُمْ فِی مَساکِنِ الَّذِینَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ- وَ تَبَیَّنَ لَکُمْ کَیْفَ فَعَلْنا بِهِمْ- وَ ضَرَبْنا لَکُمُ الْأَمْثالَ- فقال أ لستم فی مساکن من کان قبلکم أطول أعمارا- نصب أطول بأنه خبر کان- و قد دلنا الکتاب الصادق- على أنهم کانوا أطول‏ أعمارا بقوله- فَلَبِثَ فِیهِمْ أَلْفَ سَنَهٍ إِلَّا خَمْسِینَ عاماً- و ثبت بالعیان أنهم أبقى آثارا- فإن من آثارهم الأهرام- و الإیوان و مناره الإسکندریه و غیر ذلک- و أما بعد الآمال فمرتب على طول الأعمار- فکلما کانت أطول کانت الآمال أبعد- و إن عنى به علو الهمم- فلا ریب أنهم کانوا- أعلى همما من أهل هذا الزمان- و قد کان فیهم من ملک معموره الأرض کلها- و کذلک القول فی أعد عدیدا- و أکثف جنودا- و العدید العدو الکثیر- و أعد منهم أی أکثر- .

قوله و لا ظهر قاطع- أی قاطع لمسافه الطریق- . و الفوادح المثقلات فدحه الدین أثقله- و یروى بالقوادح بالقاف- و هی آفه تظهر فی الشجر- و صدوع تظهر فی الأسنان- . و أوهقتهم جعلتهم فی الوهق- بفتح الهاء و هو حبل کالطول- و یجوز التسکین مثل نهر و نهر- . و القوارع المحن و الدواهی- و سمیت القیامه قارعه- فی الکتاب العزیز من هذا المعنى- و ضعضعتهم أذلتهم قال أبو ذؤیب-أنى لریب الدهر لا أتضعضع‏- و ضعضعت البناء أهدمته- . و عفرتهم للمناخر- ألصقت أنوفهم بالعفر و هو التراب- و المناسم جمع منسم بکسر السین و هو خف البعیر- .و دان لها أطاعها و دان لها أیضا ذل- و أخلد إلیها مال قال تعالى- وَ لکِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ- . و السغب الجوع- یقول إنما زودتهم الجوع- و هذا مثل کما قال-و مدحته فأجازنی الحرمانا- و معنى قوله أو نورت لهم إلا الظلمه أی بالظلمه- و هذا کقوله هل زودتهم إلا السغب- و هو من باب إقامه الضد مقام الضد- أی لم تسمح لهم بالنور بل بالظلمه- و الضنک الضیق- .

ثم قال فبئست الدار- و حذف الضمیر العائد إلیها و تقدیره هی- کما قال تعالى نِعْمَ الْعَبْدُ و تقدیره هو- . و من لم یتهمها من لم یسؤ ظنا بها و الصفیح الحجاره- و الأجنان القبور الواحد جنن و المجنون المقبور- و منه قول الأعرابیه لله درک من مجنون فی جنن- و الأکنان جمع کن و هو الستر- قال تعالى وَ جَعَلَ لَکُمْ مِنَ الْجِبالِ أَکْناناً- . و الرفات العظام البالیه- و المندبه الندب على المیت- لا یبالون بذلک لا یکترثون به- و جیدوا مطروا- و قحطوا انقطع المطر عنهم فأصابهم القحط- و هو الجدب و إلى معنى قوله ع- فهم جیره لا یجیبون داعیا- و لا یمنعون ضیما- جمیع و هم آحاد و جیره و هم أبعاد- متدانون لا یتزاورون- و قریبون لا یتقاربون- نظر البحتری فقال-

بنا أنت من مجفوه لم تؤنب
و مهجوره فی هجرها لم تعتب‏

و نازحه و الدار منها قریبه
و ما قرب ثاو فی التراب مغیب‏

و قد قال الشعراء و الخطباء فی هذا المعنى کثیرا- فمن ذلک قول الرضی أبی الحسن رحمه الله- فی مرثیه لأبی إسحاق الصابی-

أعزز علی بأن نزلت بمنزل
متشابه الأمجاد بالأوغاد

فی عصبه جنبوا إلى آجالهم‏
و الدهر یعجلهم عن الإرواد

ضربوا بمدرجه الفناء قبابهم
من غیر أطناب و لا أوتاد

رکب أناخوا لا یرجى منهم‏
قصد لإتهام و لا إنجاد
کرهوا النزول فأنزلتهم وقعه
للدهر نازله بکل مقاد

فتهافتوا عن رحل کل مذلل‏
و تطاوحوا عن سرج کل جواد

بادون فی صور الجمیع و إنهم
متفردون تفرد الآحاد

 فقوله بادون فی صور الجمع… البیت- هو قوله ع جمع و هم آحاد بعینه- و قال الرضی رحمه الله تعالى أیضا-

متوسدین على الخدود کأنما
کرعوا على ظمإ من الصهباء

صور ضننت على العیون بحسنها
أمسیت أوقرها من البوغاء

و نواظر کحل التراب جفونها
قد کنت أحرسها من الأقذاء

قربت ضرائحهم على زوارها
و نأوا عن الطلاب أی تناء

قوله قربت ضرائحهم… البیت- هو معنى قوله ع و جیره و هم أبعاد بعینه- . و من هذا المعنى قول بعض الأعراب-

لکل أناس مقبر فی دیارهم
فهم ینقصون و القبور تزید

فکائن ترى من دار حی قد أخرجت‏
و قبر بأکناف التراب جدید

هم جیره الأحیاء أما مزارهم
فدان و أما الملتقى فبعید

 و من کلام ابن نباته- وحیدا على کثره الجیران بعیدا على قرب المکان- . و منه قوله أسیر وحشه الانفراد- فقیر إلى الیسیر من الزاد- جار من لا یجیر و ضیف من لا یمیر- حملوا و لا یرون رکبانا- و انزلوا و لا یدعون ضیفانا- و اجتمعوا و لا یسمون جیرانا- و احتشدوا و لا یعدون أعوانا- و هذا کلام أمیر المؤمنین ع بعینه المذکور فی هذه الخطبه- و قد أخذه مصالته- . و منه قوله طحنتهم طحن الحصید- و غیبتهم تحت الصعید- فبطون الأرض لهم أوطان- و هم فی خرابها قطان عمروا فأخربوا- و اقتربوا فاغتربوا و اصطحبوا و ما اصطحبوا- . و منه قوله غیبا کأشهاد- عصبا کآحاد- همودا فی ظلم الإلحاد إلى یوم التناد- .

و اعلم أن هذه الخطبه ذکرها- شیخنا أبو عثمان الجاحظ فی کتاب البیان و التبیین- و رواها لقطری بن الفجاءه- و الناس یروونها لأمیر المؤمنین ع- و قد رأیتها فی کتاب المونق لأبی عبید الله المرزبانی- مرویه لأمیر المؤمنین ع- و هی بکلام أمیر المؤمنین أشبه- و لیس یبعد عندی- أن یکون قطری قد خطب بها- بعد أن أخذها عن بعض أصحاب أمیر المؤمنین ع- فإن الخوارج کانوا أصحابه و أنصاره- و قد لقی قطری أکثرهم

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۷۶

خطبه ۱۰۹ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۰۹ و من خطبه له ع

إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ- إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى- الْإِیمَانُ بِهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ الْجِهَادُ فِی سَبِیلِهِ- فَإِنَّهُ ذِرْوَهُ الْإِسْلَامِ- وَ کَلِمَهُ الْإِخْلَاصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَهُ- وَ إِقَامُ الصَّلَاهِ فَإِنَّهَا الْمِلَّهُ- وَ إِیتَاءُ الزَّکَاهِ فَإِنَّهَا فَرِیضَهٌ وَاجِبَهٌ- وَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّهٌ مِنَ الْعِقَابِ- وَ حَجُّ الْبَیْتِ وَ اعْتِمَارُهُ- فَإِنَّهُمَا یَنْفِیَانِ الْفَقْرَ وَ یَرْحَضَانِ الذَّنْبَ- وَ صِلَهُ الرَّحِمِ- فَإِنَّهَا مَثْرَاهٌ فِی الْمَالِ وَ مَنْسَأَهٌ فِی الْأَجَلِ- وَ صَدَقَهُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُکَفِّرُ الْخَطِیئَهَ- وَ صَدَقَهُ الْعَلَانِیَهِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِیتَهَ السُّوءِ- وَ صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِی مَصَارِعَ الْهَوَانِ- أَفِیضُوا فِی ذِکْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الذِّکْرِ- وَ ارْغَبُوا فِیمَا وَعَدَ الْمُتَّقِینَ فَإِنَّ وَعْدَهُ أَصْدَقُ الْوَعْدِ- وَ اقْتَدُوا بِهَدْیِ نَبِیِّکُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْهَدْیِ- وَ اسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَإِنَّهَا أَهْدَى السُّنَنِ- وَ تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِیثِ- وَ تَفَقَّهُوا فِیهِ فَإِنَّهُ رَبِیعُ الْقُلُوبِ- وَ اسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُورِ- وَ أَحْسِنُوا تِلَاوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْقَصَصِ- وَ إِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَیْرِ عِلْمِهِ- کَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِی لَا یَسْتَفِیقُ مِنْ جَهْلِهِ- بَلِ الْحُجَّهُ عَلَیْهِ أَعْظَمُ وَ الْحَسْرَهُ لَهُ أَلْزَمُ- وَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ أَلْوَمُ ذکر ع ثمانیه أشیاء کل منها واجب- .

أولها الإیمان بالله و برسوله- و یعنی بالإیمان هاهنا مجرد التصدیق بالقلب- مع قطع النظر عما عدا ذلک من التلفظ بالشهاده- و من الأعمال الواجبه و ترک القبائح- و قد ذهب إلى أن ماهیه الإیمان هو مجرد التصدیق القلبی- جماعه من المتکلمین- و هو و إن لم یکن مذهب أصحابنا- فإن لهم أن یقولوا- إن أمیر المؤمنین ع جاء بهذا اللفظ على أصل الوضع اللغوی- لأن الإیمان فی أصل اللغه هو التصدیق- قال سبحانه و تعالى- وَ ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا- وَ لَوْ کُنَّا صادِقِینَ- أی لست بمصدق لنا- لا إن کنا صادقین و لا إن کنا کاذبین- و مجیئه ع به على أصل الوضع اللغوی- لا یبطل مذهبنا فی مسمى الإیمان- لأنا نذهب إلى أن الشرع- استجد لهذه اللفظه مسمى ثانیا- کما نذهب إلیه فی الصلاه و الزکاه و غیرهما- فلا منافاه إذا بین مذهبنا- و بین ما أطلقه ع- .

و ثانیها الجهاد فی سبیل الله- و إنما قدمه على التلفظ بکلمتی الشهاده- لأنه من باب دفع الضرر عن النفس- و دفع الضرر عن النفس مقدم- على سائر الأعمال المتعلقه بالجوارح- و التلفظ بکلمتی الشهاده من أعمال الجوارح- و إنما أخره عن الإیمان- لأن الإیمان من أفعال القلوب- فهو خارج عما یتقدم علیه- و دفع الضرر من الأفعال المختصه بالجوارح- و أیضا فإن الإیمان أصل الجهاد- لأنه ما لم یعلم الإنسان- على ما ذا یجاهد لا یجاهد- و إنما جعله ذروه الإسلام أی أعلاه- لأنه ما لم تتحصن دار الإسلام بالجهاد- لا یتمکن المسلمون من القیام بوظائف الإسلام- فکان إذا من الإسلام بمنزله الرأس من البدن- .

و ثالثها کلمه الإخلاص- یعنی شهاده أن لا إله إلا الله- و شهاده أن محمدا رسول الله- قال فإنها الفطره- یعنی هی التی فطر الناس علیها- و الأصل الکلمه الأولى- لأنها التوحید و علیها فطر البشر کلهم- و الکلمه الثانیه تبع لها فأجریت مجراها- و إنما أخرت‏ هذه الخصله عن الجهاد- لأن الجهاد کان هو السبب- فی إظهار الناس لها و نطقهم بها- فصار کالأصل بالنسبه إلیها- .

و رابعها إقام الصلاه أی إدامتها- و الأصل أقام إقواما- فحذفوا عین الفعل- و تاره یعوضون عن العین المفتوحه هاء- فیقولون إقامه قال فإنها المله- و هذا مثل قول النبی ص الصلاه عماد الدین- فمن ترکها فقد هدم الدین- .

و خامسها إیتاء الزکاه- و إنما أخرها عن الصلاه- لأن الصلاه آکد افتراضا منها- و إنما قال فی الزکاه فإنها فریضه واجبه- لأن الفریضه لفظ یطلق على الجزء المعین المقدر فی السائمه- باعتبار غیر الاعتبار الذی یطلق به- على صلاه الظهر لفظ الفریضه- و الاعتبار الأول من القطع- و الثانی من الوجوب- و قال فإنها فریضه واجبه- مثل أن یقول- فإنها شی‏ء مقتطع من المال موصوف بالوجوب- .

و سادسها صوم شهر رمضان- و هو أضعف وجوبا من الزکاه- و جعله جنه من العقاب أی ستره- .

و سابعها الحج و العمره- و هما دون فریضه الصوم- و قال إنهما ینفیان الفقر- و یرحضان الذنب أی یغسلانه- رحضت الثوب و ثوب رحیض- و هذا الکلام یدل على وجوب العمره- و قد ذهب إلیه کثیر من الفقهاء العلماء- .

و ثامنها صله الرحم و هی واجبه- و قطیعه الرحم محرمه- قال فإنها مثراه فی المال أی تثریه و تکثره- . و منسأه فی الأجل أی تنسؤه و تؤخره- و یقال نسأ الله فی أجلک- و یجوز أنسأه بالهمزه- . فإن قلت فما الحجه على تقدیم وجوب الصلاه- ثم الزکاه ثم الصوم ثم الحج‏
قلت أما الصلاه فلأن تارکها یقتل- و إن لم یجحد وجوبها- و غیرها لیس کذلک- و إنما قدمت الزکاه على الصوم- لأن الله تعالى قرنها بالصلاه- فی کثیر من الکتاب العزیز- و لم یذکر صوم شهر رمضان إلا فی موضع واحد- و کثره تأکید الشی‏ء و ذکره دلیل على أنه أهم- و إنما قدم الصوم على الحج- لأنه یتکرر وجوبه- و الحج لا یجب فی العمر إلا مره واحده- فدل على أنه أهم عند الشارع من الحج- .

ثم قال ع و صدقه السر- فخرج من الواجبات إلى النوافل- قال فإنها تکفر الخطیئه- و التکفیر هو إسقاط عقاب مستحق- بثواب أزید منه أو توبه- و أصله فی اللغه الستر و التغطیه- و منه الکافر لأنه یغطی الحق- و سمی البحر کافرا لتغطیته ما تحته- و سمی الفلاح کافرا- لأنه یغطی الحب فی الأرض المحروثه- .

ثم قال و صدقه العلانیه- فإنها تدفع میته السوء- کالغرق و الهدم و غیرها- . قال و صنائع المعروف- فإنها تقی مصارع الهوان- کأسر الروم للمسلم- أو کأخذ الظلمه لغیر المستحق للأخذ- . ثم شرع فی وصایا أخر عددها- و الهدی السیره- وفی الحدیث و اهدوا هدی عمار- یقال هدى فلان هدی فلان أی سار سیرته- . و سمی القرآن حدیثا اتباعا لقول الله تعالى- نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِیثِ کِتاباً مُتَشابِهاً- و استدل أصحابنا بالآیه على أنه محدث- لأنه لا فرق بین حدیث و محدث فی اللغه- فإن قالوا إنما أراد أحسن الکلام- قلنا لعمری إنه کذلک- و لکنه لا یطلق على الکلام القدیم لفظه حدیث- لأنه إنما سمی الکلام و المحاوره و المخاطبه حدیثا- لأنه أمر یتجدد حالا فحالا- و القدیم لیس کذلک- .

ثم قال تفقهوا فیه فإنه ربیع القلوب- من هذا أخذ ابن عباس قوله- إذا قرأت ألم حم وقعت فی روضات دمثات- . ثم قال فإنه شفاء الصدور- و هذا من الألفاظ القرآنیه- . ثم سماه قصصا- اتباعا لما ورد فی القرآن من قوله- نَحْنُ نَقُصُّ عَلَیْکَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ- . ثم ذکر أن العالم الذی لا یعمل بعلمه- کالجاهل الحائر الذی لا یستفیق من جهله- .

ثم قال بل الحجه علیه أعظم- لأنه یعلم الحق و لا یعمل به- فالحجه علیه أعظم من الحجه على الجاهل- و إن کانا جمیعا محجوجین- أما أحدهما فبعلمه- و أما الآخر فبتمکنه من أن یعلم- . ثم قال و الحسره له ألزم- لأنه عند الموت یتأسف- ألا یکون عمل بما علم- و الجاهل لا یأسف ذلک الأسف- . ثم قال و هو عند الله ألوم- أی أحق أن یلام- لأن المتمکن عالم بالقوه- و هذا عالم بالفعل- فاستحقاقه اللوم و العقاب أشد

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی‏ الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۲۸

خطبه ۱۰۸ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۰۸ و من خطبه له ع

کُلُّ شَیْ‏ءٍ خَاشِعٌ لَهُ- وَ کُلُّ شَیْ‏ءٍ قَائِمٌ بِهِ- غِنَى کُلِّ فَقِیرٍ- وَ عِزُّ کُلِّ ذَلِیلٍ- وَ قُوَّهُ کُلِّ ضَعِیفٍ- وَ مَفْزَعُ کُلِّ مَلْهُوفٍ- مَنْ تَکَلَّمَ سَمِعَ نُطْقَهُ- وَ مَنْ سَکَتَ عَلِمَ سِرَّهُ- وَ مَنْ عَاشَ فَعَلَیْهِ رِزْقُهُ- وَ مَنْ مَاتَ فَإِلَیْهِ مُنْقَلَبُهُ- لَمْ تَرَکَ الْعُیُونُ فَتُخْبِرَ عَنْکَ- بَلْ کُنْتَ قَبْلَ الْوَاصِفِینَ مِنْ خَلْقِکَ- لَمْ تَخْلُقِ الْخَلْقَ لِوَحْشَهٍ- وَ لَا اسْتَعْمَلْتَهُمْ لِمَنْفَعَهٍ- وَ لَا یَسْبِقُکَ مَنْ طَلَبْتَ- وَ لَا یُفْلِتُکَ مَنْ أَخَذْتَ- وَ لَا یَنْقُصُ سُلْطَانَکَ مَنْ عَصَاکَ- وَ لَا یَزِیدُ فِی مُلْکِکَ مَنْ أَطَاعَکَ- وَ لَا یَرُدُّ أَمْرَکَ مَنْ سَخِطَ قَضَاءَکَ- وَ لَا یَسْتَغْنِی عَنْکَ مَنْ تَوَلَّى عَنْ أَمْرِکَ- کُلُّ سِرٍّ عِنْدَکَ عَلَانِیَهٌ- وَ کُلُّ غَیْبٍ عِنْدَکَ شَهَادَهٌ- أَنْتَ الْأَبَدُ فَلَا أَمَدَ لَکَ- وَ أَنْتَ الْمُنْتَهَى فَلَا مَحِیصَ عَنْکَ- وَ أَنْتَ الْمَوْعِدُ فَلَا مُنْجِیَ مِنْکَ إِلَّا إِلَیْکَ- بِیَدِکَ نَاصِیَهُ کُلِّ دَابَّهٍ- وَ إِلَیْکَ مَصِیرُ کُلِّ نَسَمَهٍ- سُبْحَانَکَ مَا أَعْظَمَ شَأْنَکَ- سُبْحَانَکَ مَا أَعْظَمَ مَا نَرَى مِنْ خَلْقِکَ- وَ مَا أَصْغَرَ عَظِیمَهٍ فِی جَنْبِ قُدْرَتِکَ- وَ مَا أَهْوَلَ مَا نَرَى مِنْ مَلَکُوتِکَ- وَ مَا أَحْقَرَ ذَلِکَ فِیمَا غَابَ عَنَّا مِنْ سُلْطَانِکَ- وَ مَا أَسْبَغَ نِعَمَکَ فِی الدُّنْیَا- وَ مَا أَصْغَرَهَا فِی نِعَمِ الآْخِرَهِ قال کل شی‏ء خاضع لعظمه الله سبحانه- و کل شی‏ء قائم به- و هذه هی صفته الخاصه- أعنی کونه غنیا عن کل شی‏ء- و لا شی‏ء من الأشیاء یغنی عنه أصلا- . ثم قال غنى کل فقیر- و عز کل ذلیل- و قوه کل ضعیف- و مفزع کل ملهوف- .

جاء فی الأثر من اعتز بغیر الله ذل- و من تکثر بغیر الله قل- و کان یقال لیس فقیرا من استغنى بالله- و قال الحسن وا عجبا للوط نبی الله- قال لَوْ أَنَّ لِی بِکُمْ قُوَّهً أَوْ آوِی إِلى‏ رُکْنٍ شَدِیدٍ- أ تراه أراد رکنا أشد و أقوى من الله- . و استدل العلماء على ثبوت الصانع سبحانه- بما دل علیه فحوى قوله ع- و مفزع کل ملهوف- و ذلک أن النفوس ببدائها تفزع- عند الشدائد و الخطوب الطارقه- إلى الالتجاء إلى خالقها و بارئها- أ لا ترى راکبی السفینه عند تلاطم الأمواج- کیف یجأرون إلیه سبحانه اضطرارا لا اختیارا- فدل ذلک على أن العلم به مرکوز فی النفس- قال سبحانه وَ إِذا مَسَّکُمُ الضُّرُّ فِی الْبَحْرِ- ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِیَّاهُ- . ثم قال ع من تکلم سمع نطقه- و من سکت علم سره- یعنی أنه یعلم ما ظهر و ما بطن- . ثم قال و من عاش فعلیه رزقه- و من مات فإلیه منقلبه- أی هو مدبر الدنیا و الآخره و الحاکم فیهما- . ثم انتقل عن الغیبه إلى الخطاب- فقال لم ترک العیون‏

فصل فی الکلام على الالتفات

و اعلم أن باب الانتقال من الغیبه إلى الخطاب- و من الخطاب إلى الغیبه باب کبیر من أبواب علم البیان- و أکثر ما یقع ذلک إذا اشتدت عنایه المتکلم- بذلک المعنى المنتقل إلیه کقوله سبحانه- الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ- الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ- مالِکِ یَوْمِ الدِّینِ- فأخبر عن غائب- ثم انتقل إلى خطاب الحاضر فقال- إِیَّاکَ نَعْبُدُ وَ إِیَّاکَ نَسْتَعِینُ- قالوا لأن منزله الحمد دون منزله العباده- فإنک تحمد نظیرک و لا تعبده- فجعل الحمد للغائب- و جعل العباده لحاضر یخاطب بالکاف- لأن کاف الخطاب أشد تصریحا به سبحانه- من الأخبار بلفظ الغیبه- قالوا و لما انتهى إلى آخر السوره- قال صِراطَ الَّذِینَ أَنْعَمْتَ عَلَیْهِمْ- فأسند النعمه إلى مخاطب حاضر- و قال فی الغضب غَیْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَیْهِمْ- فأسنده إلى فاعل غیر مسمى و لا معین- و هو أحسن من أن یکون قال- لم تغضب علیهم و فی النعمه الذین أنعم علیهم- . و من هذا الباب قوله تعالى- وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً- فأخبر بقالوا عن غائبین ثم قال- لَقَدْ جِئْتُمْ شَیْئاً إِدًّا- فأتى بلفظ الخطاب استعظاما للأمر- کالمنکر على قوم حاضرین عنده- . و من الانتقال عن الخطاب إلى الغیبه قوله تعالى- هُوَ الَّذِی یُسَیِّرُکُمْ فِی الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ- حَتَّى إِذا کُنْتُمْ فِی الْفُلْکِ- وَ جَرَیْنَ بِهِمْ بِرِیحٍ طَیِّبَهٍ- وَ فَرِحُوا بِها جاءَتْها رِیحٌ عاصِفٌ… الآیه- .

و فائده ذلک أنه صرف الکلام من خطاب الحاضرین- إلى أخبار قوم آخرین بحالهم- کأنه یعدد على أولئک ذنوبهم- و یشرح لهؤلاء بغیهم و عنادهم الحق- و یقبح عندهم ما فعلوه- و یقول أ لا تعجبون من حالهم کیف دعونا- فلما رحمناهم و استجبنا دعاءهم- عادوا إلى بغیهم- و هذه الفائده لو کانت الآیه کلها- على صیغه خطاب الحاضر مفقوده- .

قال ع ما رأتک العیون فتخبر عنک- کما یخبر الإنسان عما شاهده- بل أنت أزلی قدیم موجود قبل الواصفین لک- . فإن قلت فأی منافاه بین هذین الأمرین- أ لیس من الممکن أن یکون سبحانه قبل الواصفین له- و مع ذلک یدرک بالأبصار إذا خلق خلقه- ثم یصفونه رأی عین- قلت بل هاهنا منافاه ظاهره- و ذلک لأنه إذا کان قدیما- لم یکن جسما و لا عرضا- و ما لیس بجسم و لا عرض تستحیل رؤیته- فیستحیل أن یخبر عنه على سبیل المشاهده- . ثم ذکر ع- أنه لم یخلق الخلق لاستیحاشه و تفرده- و لا استعملهم بالعباده لنفعه- و قد تقدم شرح هذا- . ثم قال لا تطلب أحدا فیسبقک- أی یفوتک و لا یفلتک من أخذته- . فإن قلت أی فائده فی قوله و لا یفلتک من أخذته- لأن عدم الإفلات هو الأخذ- فکأنه قال لا یفلتک من لم یفلتک- قلت المراد أن من أخذت لا یستطیع أن یفلت- کما یستطیع المأخوذون مع ملوک الدنیا- أن یفلتوا بحیله من الحیل- . فإن قلت- أفلت فعل لازم فما باله عداه- . قلت تقدیر الکلام لا یفلت منک- فحذف حرف الجر- کما قالوا استجبتک أی استجبت لک قال-فلم یستجبه عند ذاک مجیب‏- . و قالوا استغفرت الله الذنوب- أی من الذنوب و قال الشاعر-

أستغفر الله ذنبا لست محصیه
رب العباد إلیه الوجه و العمل‏

قوله ع- و لا یرد أمرک من سخط قضاءک- و لا یستغنی عنک من تولى عن أمرک- تحته سر عظیم- و هو قول أصحابنا فی جواب قول المجبره- لو وقع منا ما لا یریده لاقتضى ذلک نقصه- إنه لا نقص فی ذلک- لأنه لا یرید الطاعات منا إراده قهر و إلجاء- و لو أرادها إراده قهر- لوقعت و غلبت إرادته إرادتنا- و لکنه تعالى أراد منا أن نفعل نحن الطاعه اختیارا- فلا یدل عدم وقوعها منا على نقصه و ضعفه- کما لا یدل بالاتفاق بیننا و بینکم عدم وقوع ما أمر به- على ضعفه و نقصه- .

ثم قال ع کل سر عندک علانیه- أی لا یختلف الحال علیه فی الإحاطه بالجهر و السر- لأنه عالم لذاته و نسبه ذاته إلى کل الأمور واحده- . ثم قال أنت الأبد فلا أمد لک- هذا کلام علوی شریف- لا یفهمه إلا الراسخون فی العلم و فیه سمه منقول النبی ص لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله- و فی مناجاه الحکماء لمحه منه أیضا- و هو قولهم أنت الأزل السرمد- و أنت الأبد الذی لا ینفد- بل قولهم أنت الأبد الذی لا ینفد هو قوله أنت الأبد فلا أمد لک بعینه- و نحن نشرحه هاهنا على موضوع هذا الکتاب- فإنه کتاب أدب لا کتاب نظر- فنقول إن له فی العربیه محملین- أحدهما أن المراد به أنت ذو الأبد- کما قالوا رجل خال أی ذو خال و الخال الخیلاء- و رجل داء أی به داء و رجل‏مال أی ذو مال- و المحمل الثانی- أنه لما کان الأزل و الأبد لا ینفکان- عن وجوده سبحانه جعله ع- کأنه أحدهما بعینه- کقولهم أنت الطلاق- لما أراد المبالغه فی البینونه- جعلها کأنها الطلاق نفسه- و مثله قول الشاعر-
فإن المندى رحله فرکوب‏

و قال أبو الفتح فی الدمشقیات- استدل أبو علی على صرف منى للموضع المخصوص- بأنه مصدر منى یمنی- قال فقلت له أ تستدل بهذا على أنه مذکر- لأن المصدر إلى التذکیر فقال نعم- فقلت فما تنکر ألا یکون فیه دلاله علیه- لأنه لا ینکر أن یکون مذکر سمی به البقعه المؤنثه- فلا ینصرف کامرأه سمیتها بحجر و جبل و شبع و معی- فقال إنما ذهبت إلى ذلک- لأنه جعل کأنه المصدر بعینه- لکثره ما یعانی فیه ذلک فقلت الآن نعم- . و من هذا الباب قوله-فإنما هی إقبال و إدبار- . و قولهو هن من الإخلاف قبلک و المطل‏- . و قوله فلا منجى منک إلا إلیک- قد أخذه الفرزدق فقال لمعاویه-

إلیک فررت منک و من زیاد
و لم أحسب دمی لکما حلالا

ثم استعظم و استهول خلقه الذی یراه- و ملکوته الذی یشاهده- و استصغر و استحقرذلک- بالإضافه إلى قدرته تعالى- و إلى ما غاب عنا من سلطانه- ثم تعجب من سبوغ نعمه تعالى فی الدنیا- و استصغر ذلک بالنسبه إلى نعم الآخره- و هذا حق لأنه لا نسبه للمتناهی إلى غیر المتناهی: مِنْهَا مِنْ مَلَائِکَهٍ أَسْکَنْتَهُمْ سَمَاوَاتِکَ- وَ رَفَعْتَهُمْ عَنْ أَرْضِکَ- هُمْ أَعْلَمُ خَلْقِکَ بِکَ- وَ أَخْوَفُهُمْ لَکَ وَ أَقْرَبُهُمْ مِنْکَ- لَمْ یَسْکُنُوا الْأَصْلَابَ- وَ لَمْ یُضَمَّنُوا الْأَرْحَامَ- وَ لَمْ یُخْلَقُوا مِنْ مَاءٍ مَهِینٍ- وَ لَمْ یَتَشَعَّبْهُمْ رَیْبُ الْمَنُونِ- وَ إِنَّهُمْ عَلَى مَکَانِهِمْ مِنْکَ- وَ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَکَ وَ اسْتِجْمَاعِ أَهْوَائِهِمْ فِیکَ- وَ کَثْرَهِ طَاعَتِهِمْ لَکَ وَ قِلَّهِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ أَمْرِکَ- لَوْ عَایَنُوا کُنْهَ مَا خَفِیَ عَلَیْهِمْ مِنْکَ- لَحَقَّرُوا أَعْمَالَهُمْ وَ لَزَرَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ- وَ لَعَرَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ یَعْبُدُوکَ حَقَّ عِبَادَتِکَ- وَ لَمْ یُطِیعُوکَ حَقَّ طَاعَتِکَ- سُبْحَانَکَ خَالِقاً وَ مَعْبُوداً- بِحُسْنِ بَلَائِکَ عِنْدَ خَلْقِکَ خَلَقْتَ دَاراً- وَ جَعَلْتَ فِیهَا مَأْدُبَهً- مَشْرَباً وَ مَطْعَماً وَ أَزْوَاجاً- وَ خَدَماً وَ قُصُوراً- وَ أَنْهَاراً وَ زُرُوعاً وَ ثِمَاراً- ثُمَّ أَرْسَلْتَ دَاعِیاً یَدْعُو إِلَیْهَا- فَلَا الدَّاعِیَ أَجَابُوا- وَ لَا فِیمَا رَغَّبْتَ رَغِبُوا- وَ لَا إِلَى مَا شَوَّقْتَ إِلَیْهِ اشْتَاقُوا- أَقْبَلُوا عَلَى جِیفَهٍ قَدِ افْتَضَحُوا بِأَکْلِهَا- وَ اصْطَلَحُوا عَلَى حُبِّهَا- وَ مَنْ عَشِقَ شَیْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ- وَ أَمْرَضَ قَلْبَهُ- فَهُوَ یَنْظُرُ بِعَیْنٍ غَیْرِ صَحِیحَهٍ- وَ یَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَیْرِ سَمِیعَهٍ- قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ- وَ أَمَاتَتِ الدُّنْیَا قَلْبَهُ- وَ وَلِهَتْ عَلَیْهَا نَفْسُهُ- فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا- وَ لِمَنْ فِی یَدَیْهِ شَیْ‏ءٌ مِنْهَا- حَیْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَیْهَا- وَ حَیْثُمَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ عَلَیْهَا- لَا یَنْزَجِرُ مِنَ اللَّهِ بِزَاجِرٍ- وَ لَا یَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظٍ- وَ هُوَ یَرَى الْمَأْخُوذِینَ‏ عَلَى الْغِرَّهِ- حَیْثُ لَا إِقَالَهَ لَهُمْ وَ لَا رَجْعَهَ- کَیْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا کَانُوا یَجْهَلُونَ- وَ جَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْیَا مَا کَانُوا یَأْمَنُونَ- وَ قَدِمُوا مِنَ الآْخِرَهِ عَلَى مَا کَانُوا یُوعَدُونَ- فَغَیْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهِمْ- اجْتَمَعَتْ عَلَیْهِمْ سَکْرَهُ الْمَوْتِ- وَ حَسْرَهُ الْفَوْتِ فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ- وَ تَغَیَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ- ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ فِیهِمْ وُلُوجاً- فَحِیلَ بَیْنَ أَحَدِهِمْ وَ بَیْنَ مَنْطِقِهِ- وَ إِنَّهُ لَبَیْنَ أَهْلِهِ یَنْظُرُ بِبَصَرِهِ- وَ یَسْمَعُ بِأُذُنِهِ عَلَى صِحَّهٍ مِنْ عَقْلِهِ- وَ بَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ- یُفَکِّرُ فِیمَ أَفْنَى عُمْرَهُ- وَ فِیمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ- وَ یَتَذَکَّرُ أَمْوَالًا جَمَعَهَا أَغْمَضَ فِی مَطَالِبِهَا- وَ أَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا وَ مُشْتَبِهَاتِهَا- قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا- وَ أَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا- تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ یُنَعَّمُونَ فِیهَا- وَ یَتَمَتَّعُونَ بِهَا- فَیَکُونُ الْمَهْنَأُ لِغَیْرِهِ وَ الْعِبْ‏ءُ عَلَى ظَهْرِهِ- وَ الْمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ رُهُونُهُ بِهَا- فَهُوَ یَعَضُّ یَدَهُ نَدَامَهً- عَلَى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ- وَ یَزْهَدُ فِیمَا کَانَ یَرْغَبُ فِیهِ أَیَّامَ عُمْرِهِ- وَ یَتَمَنَّى أَنَّ الَّذِی کَانَ یَغْبِطُهُ بِهَا- وَ یَحْسُدُهُ عَلَیْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ- فَلَمْ یَزَلِ الْمَوْتُ یُبَالِغُ فِی جَسَدِهِ- حَتَّى خَالَطَ سَمْعَهُ- فَصَارَ بَیْنَ أَهْلِهِ لَا یَنْطِقُ بِلِسَانِهِ- وَ لَا یَسْمَعُ بِسَمْعِهِ- یُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ فِی وُجُوهِهِمْ- یَرَى حَرَکَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ- وَ لَا یَسْمَعُ رَجْعَ کَلَامِهِمْ- ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ الْتِیَاطاً بِهِ- فَقَبَضَ بَصَرَهُ کَمَا قَبَضَ سَمْعَهُ- وَ خَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ- فَصَارَ جِیفَهً بَیْنَ أَهْلِهِ- قَدْ أُوحِشُوا مِنْ جَانِبِهِ- وَ تَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ- لَا یُسْعِدُ بَاکِیاً وَ لَا یُجِیبُ دَاعِیاً- ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى مَخَطٍّ فِی الْأَرْضِ- فَأَسْلَمُوهُ فِیهِ إِلَى عَمَلِهِ- وَ انْقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ- حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْکِتَابُ أَجَلَهُ- وَ الْأَمْرُ مَقَادِیرَهُ- وَ أُلْحِقَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَوَّلِهِ- وَ جَاءَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا یُرِیدُهُ- مِنْ تَجْدِیدِ خَلْقِهِ- أَمَادَ السَّمَاءَ وَ فَطَرَهَا- وَ أَرَجَّ الْأَرْضَ وَ أَرْجَفَهَا- وَ قَلَعَ جِبَالَهَا وَ نَسَفَهَا- وَ دَکَّ بَعْضُهَا بَعْضاً مِنْ هَیْبَهِ جَلَالَتِهِ- وَ مَخُوفِ سَطْوَتِهِ- وَ أَخْرَجَ مَنْ فِیهَا فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ إِخْلَاقِهِمْ- وَ جَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ- ثُمَّ مَیَّزَهُمْ لِمَا یُرِیدُهُ مِنْ‏مَسْأَلَتِهِمْ- عَنْ خَفَایَا الْأَعْمَالِ وَ خَبَایَا الْأَفْعَالِ- وَ جَعَلَهُمْ فَرِیقَیْنِ- أَنْعَمَ عَلَى هَؤُلَاءِ وَ انْتَقَمَ مِنْ هَؤُلَاءِ- فَأَمَّا أَهْلُ الطَّاعَهِ فَأَثَابَهُمْ بِجِوَارِهِ- وَ خَلَّدَهُمْ فِی دَارِهِ- حَیْثُ لَا یَظْعَنُ النُّزَّالُ- وَ لَا تَتَغَیَّرُ بِهِمُ الْحَالُ- وَ لَا تَنُوبُهُمُ الْأَفْزَاعُ- وَ لَا تَنَالُهُمُ الْأَسْقَامُ وَ لَا تَعْرِضُ لَهُمُ الْأَخْطَارُ- وَ لَا تُشْخِصُهُمُ الْأَسْفَارُ- وَ أَمَّا أَهْلُ الْمَعْصِیَهِ- فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ وَ غَلَّ الْأَیْدِیَ إِلَى الْأَعْنَاقِ- وَ قَرَنَ النَّوَاصِیَ بِالْأَقْدَامِ- وَ أَلْبَسَهُمْ سَرَابِیلَ الْقَطِرَانِ- وَ مُقَطَّعَاتِ النِّیرَانِ- فِی عَذَابٍ قَدِ اشْتَدَّ حَرُّهُ- وَ بَابٍ قَدْ أُطْبِقَ عَلَى أَهْلِهِ- فِی نَارٍ لَهَا کَلَبٌ وَ لَجَبٌ- وَ لَهَبٌ سَاطِعٌ وَ قَصِیفٌ هَائِلٌ- لَا یَظْعَنُ مُقِیمُهَا- وَ لَا یُفَادَى أَسِیرُهَا- وَ لَا تُفْصَمُ کُبُولُهَا- لَا مُدَّهَ لِلدَّارِ فَتَفْنَى- وَ لَا أَجَلَ لِلْقَوْمِ فَیُقْضَى هذا موضع المثل فی کل شجره نار- و استمجد المرخ و العفار- الخطب الوعظیه الحسان کثیره- و لکن هذا حدیثیأکل الأحادیث-

محاسن أصناف المغنین جمه
و ما قصبات السبق إلا لمعبد

 من أراد أن یتعلم الفصاحه و البلاغه- و یعرف فضل الکلام بعضه على بعض- فلیتأمل هذه الخطبه- فإن نسبتها إلى کل فصیح من الکلام- عدا کلام الله و رسوله- نسبه الکواکب المنیره الفلکیه- إلى الحجاره المظلمه الأرضیه- ثم لینظر الناظر إلى ما علیها من البهاء- و الجلاله و الرواء و الدیباجه- و ما تحدثه من الروعه و الرهبه و المخافه و الخشیه- حتى لو تلیت على زندیق ملحد مصمم- على اعتقاد نفی البعث و النشور- لهدت قواه و أرعبت قلبه- و أضعفت على نفسه و زلزلت اعتقاده- فجزى الله قائلها عن الإسلام- أفضل‏ ما جزى به ولیا من أولیائه- فما أبلغ نصرته له- تاره بیده و سیفه- و تاره بلسانه و نطقه- و تاره بقلبه و فکره- إن قیل جهاد و حرب فهو سید المجاهدین و المحاربین- و إن قیل وعظ و تذکیر فهو أبلغ الواعظین و المذکرین- و إن قیل فقه و تفسیر فهو رئیس الفقهاء و المفسرین- و إن قیل عدل و توحید فهو إمام أهل العدل و الموحدین-

لیس على الله بمستنکر
أن یجمع العالم فی واحد

 ثم نعود إلى الشرح- فنقول قوله ع أسکنتهم سماواتک- لا یقتضی أن جمیع الملائکه فی السماوات- فإنه قد ثبت أن الکرام الکاتبین فی الأرض- و إنما لم یقتض ذلک- لأن قوله من ملائکه لیس من صیغ العموم- فإنه نکره فی سیاق الإثبات- و قد قیل أیضا- إن ملائکه الأرض تعرج إلى السماء و مسکنها بها- و یتناوبون على أهل الأرض- . قوله هم أعلم خلقک بک- لیس یعنی به أنهم یعلمون- من ماهیته تعالى ما لا یعلمه البشر- أما على قول المتکلمین- فلأن ذاته تعالى معلومه للبشر- و العلم لا یقبل الأشد و الأضعف- و أما على قول الحکماء- فلأن ذاته تعالى غیر معلومه للبشر و لا للملائکه- و یستحیل أن تکون معلومه لأحد منهم- فلم یبق وجه یحمل علیه قوله ع- هم أعلم خلقک بک- إلا أنهم یعلمون- من تفاصیل مخلوقاته و تدبیراته ما لا یعلمه غیرهم- کما یقال وزیر الملک أعلم بالملک من الرعیه- لیس المراد أنه أعلم بذاته و ماهیته- بل بأفعاله و تدبیره و مراده و غرضه- .

قوله و أخوفهم لک- لأن قوتی الشهوه و الغضب مرفوعتان عنهم- و هما منبع‏ الشر- و بهما یقع الطمع و الإقدام على المعاصی- و أیضا فإن منهم من یشاهد الجنه و النار عیانا- فیکون أخوف لأنه لیس الخبر کالعیان- . قوله و أقربهم منک- لا یرید القرب المکانی- لأنه تعالى منزه عن المکان و الجهه- بل المراد کثره الثواب و زیاده التعظیم و التبجیل- و هذا یدل على صحه مذهب أصحابنا- فی أن الملائکه أفضل من الأنبیاء- . ثم نبه على مزیه لهم- تقتضی أفضلیه جنسهم على جنس البشر- بمعنى الأشرفیه لا بمعنى زیاده الثواب- و هو قوله لم یسکنوا الأصلاب- و لم یضمنوا الأرحام- و لم یخلقوا من ماء مهین- و لم یتشعبهم ریب المنون- و هذه خصائص أربع- فالأولى أنهم لم یسکنوا الأصلاب- و البشر سکنوا الأصلاب- و لا شبهه أن ما ارتفع- عن مخالطه الصوره اللحمیه و الدمویه- أشرف مما خالطها و مازجها- .

و الثانیه أنهم لم یضمنوا الأرحام- و لا شبهه أن من لم یخرج- من ذلک الموضع المستقذر أشرف ممن خرج منه- و کان أحمد بن سهل بن هاشم- بن الولید بن کامکاو بن یزدجرد بن شهریار- یفخر على أبناء الملوک- بأنه لم یخرج من بضع امرأه- لأن أمه ماتت و هی حامل به- فشق بطنها عنه و أخرج- قال أبو الریحان البیرونی- فی کتاب الآثار الباقیه عن القرون الخالیه عن هذا الرجل- أنه کان یتیه على الناس و إذا شتم أحدا قال ابن البضع- قال أبو الریحان و أول من اتفق له ذلک الملک المعروف بأغسطس ملک الروم و هو أول من سمی فیهم قیصر- لأن تفسیر قیصر بلغتهم شق عنه و أیامه تاریخ- کما أن أیام الإسکندر تاریخ لعظمه و جلالته عندهم- . و الثالثه أنهم لم یخلقوا من ماء مهین- و قد نص القرآن العزیز على أنه مهین- و کفى ذلک فی تحقیره و ضعته- فهم لا محاله أشرف ممن خلق منه- لا سیما و قد ذهب کثیر من العلماء إلى نجاسته- .

و الرابعه أنهم لا یتشعبهم المنیه- و لا ریب أن من لا تتطرق إلیه الأسقام و الأمراض- و لا یموت- أشرف ممن هو فی کل ساعه و لحظه بعرض سقام- و بصدد موت و حمام- . و اعلم أن مسأله تفضیل الملائکه على الأنبیاء- لها صورتان- إحداهما أن أفضل بمعنى کونهم أکثر ثوابا- و الأخرى کونهم أفضل بمعنى أشرف- کما تقول إن الفلک أفضل من الأرض- أی إن الجوهر الذی منه جسمیه الفلک- أشرف من الجوهر الذی منه جسمیه الأرض- . و هذه المزایا الأربع داله- على تفضیل الملائکه بهذا الاعتبار الثانی- . قوله ع یتشعبهم ریب المنون- أی یتقسمهم و الشعب التفریق- و منه قیل للمنیه شعوب- لأنها تفرق الجماعات- و ریب المنون حوادث الدهر- و أصل الریب ما راب الإنسان أی جاءه بما یکره- و المنون الدهر نفسه و المنون أیضا المنیه- لأنها تمن المده أی تقطعها و المن القطع- و منه قوله تعالى لَهُمْ أَجْرٌ غَیْرُ مَمْنُونٍ- . و قال لبیدغبس کواسب لا یمن طعامهاثم ذکر أنهم کثره عبادتهم و إخلاصهم- لو عاینوا کنه ما خفی علیهم من البارئ تعالى- لحقروا أعمالهم- و زروا على أنفسهم أی عابوها- تقول زریت على فلان أی عبته- و أزریت بفلان أی قصرت به- .

فإن قلت- ما هذا الکنه الذی خفی عن الملائکه- حتى قال لو عاینوه لحقروا عبادتهم- و لعلموا أنهم قد قصروا فیها- قلت إن علوم الملائکه بالبارئ تعالى- نظریه کعلوم البشر- و العلوم النظریه دون العلوم الضروریه فی الجلاء و الوضوح- فأمیر المؤمنین ع یقول- لو کانت علومهم بک و بصفاتک إثباتیه- و السلبیه و الإضافیه ضروریه- عوض علومهم هذه المتحققه الآن- التی هی نظریه- و لا نکشف لهم ما لیس الآن- على حد ذلک الکشف و الوضوح- و لا شبهه أن العباده و الخدمه على قدر المعرفه بالمعبود- فکلما کان العابد به أعرف- کانت عبادته له أعظم- و لا شبهه أن العظیم عند الأعظم حقیر- . فإن قلت فما معنى قوله- و استجماع أهوائهم فیک- و هل للملائکه هوى- و هل تستعمل الأهواء إلا فی الباطل- قلت الهوى الحب و میل النفس- و قد یکون فی باطل و حق- و إنما یحمل على أحدهما بالقرینه- و الأهواء تستعمل فیهما- و معنى استجماع أهوائهم فیه- أن دواعیهم إلى طاعته و خدمته لا تنازعها الصوارف- و کانت مجتمعه مائله إلى شق واحد- . فإن قلت الباء فی قوله- بحسن بلائک بما ذا تتعلق- قلت الباء هاهنا للتعلیل بمعنى اللام- کقوله تعالى ذلِکَ بِأَنَّهُمْ کانَتْ تَأْتِیهِمْ رُسُلُهُمْ- أی لأنهم- فتکون متعلقه بما فی سبحانک من معنى الفعل- أی أسبحک لحسن بلائک- و یجوز أن تتعلق بمعبود أی یعبد لذلک- . ثم قال خلقت دارا یعنی الجنه- و المأدبه و المأدبه بفتح الدال و ضمها- الطعام الذی یدعى الإنسان إلیه- أدب زید القوم یأدبهم بالکسر- أی دعاهم إلى طعامه- و الآدب الداعی إلى طعامه قال طرفه-

نحن فی المشتاه ندعو الجفلى
لا ترى الآدب فینا ینتقر

و فی هذا الکلام دلاله على أن الجنه الآن مخلوقه- و هو مذهب أکثر أصحابنا- . و معنى قوله و زروعا أی و غروسا من الشجر- یقال زرعت الشجر کما یقال زرعت البر و الشعیر- و یجوز أن یقال الزروع جمع زرع و هو الإنبات- یقال زرعه الله أی أنبته و منه قوله تعالى- أَ فَرَأَیْتُمْ ما تَحْرُثُونَ- أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ- و لو قال قائل- إن فی الجنه زروعا من البر و القطنیه لم یبعد- . قوله ثم أرسلت داعیا یعنی الأنبیاء- و أقبلوا على جیفه یعنی الدنیا- و من کلام الحسن رضی الله عنه- إنما یتهارشون على جیفه- . و إلى قوله و من عشق شیئا أعشى بصره- نظر الشاعر فقال-

و عین الرضا عن کل عیب کلیله
کما أن عین السخط تبدی المساویا

 و قیل لحکیم ما بال الناس لا یرون عیب أنفسهم- کما یرون عیب غیرهم- قال إن الإنسان عاشق لنفسه- و العاشق لا یرى عیوب المعشوق- . قد خرقت الشهوات عقله- أی أفسدته کما تخرق الثوب فیفسد- . و إلى قوله- فهو عبد لها و لمن فی یدیه شی‏ء منها- نظر ابن درید فقال-

عبید ذی المال و إن لم یطمعوا
من ماله فی نغبه تشفی الصدى‏

و هم لمن أملق أعداء و إن‏
شارکهم فیما أفاد و حوى‏

و إلى قوله حیثما زالت زال إلیها- و حیثما أقبلت أقبل علیها- نظر الشاعر فقال-

ما الناس إلا مع الدنیا و صاحبها
فکیفما انقلبت یوما به انقلبوا

یعظمون أخا الدنیا فإن وثبت‏
یوما علیه بما لا یشتهی وثبوا

و الغره الاغترار و الغفله و الغار الغافل- و قد اغتررت بالرجل و اغتره زید أی أتاه على غره منه- و یجوز أن یعنی بقوله- المأخوذین على الغره الحداثه و الشبیبه- یقول کان ذلک فی غرارتی و غرتی- أی فی حداثتی و صبای- . قوله سکره الموت و حسره الفوت- أی الحسره على ما فاتهم من الدنیا و لذتها- و الحسره على ما فاتهم- من التوبه و الندم و استدراک فارط المعاصی- . و الولوج الدخول ولج یلج- . قوله و بقاء من لبه- أی لبه باق لم یعدم- و یروى و نقاء بالنون و النقاء النظافه أی لبه غیر مغمور- . أغمض فی مطالبها- أی تساهل فی دینه فی اکتسابه إیاها- أی کان یفنى نفسه بتأویلات ضعیفه- فی استحلال تلک المطالب و المکاسب- فذاک هو الإغماض قال تعالى- وَ لَسْتُمْ بِآخِذِیهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِیهِ- و یمکن أن یحمل على وجه آخر- و هو أنه قد کان یحتال بحیل غامضه دقیقه- فی تلک المطالب حتى حصلها و اکتسبها- . قوله ع- و أخذها من مصرحاتها و مشتبهاتها- أی من وجوه مباحه و ذوات شبهه- و هذا یؤکد المحمل الأول فی أغمض- . و التبعات الآثام- الواحده تبعه و مثلها التباعه قال-

لم یحذروا من ربهم
سوء العواقب و التباعه

و المهنأ المصدر- من هنئ الطعام و هنؤ بالکسر و الضم- مثل فقه و فقه- فإن کسرت قلت یهنأ- و إن ضممت قلت یهنؤ- و المصدر هناءه و مهنأ أی صار هنیئا- و هنأنی الطعام یهنؤنی و یهنئنی- و لا نظیر له فی المهموز- هنأ و هناء و هنئت الطعام أی تهنأت به- و منه قوله تعالى فَکُلُوهُ هَنِیئاً مَرِیئاً- . و العب‏ء الحمل و الجمع أعباء- . و غلق الرهن أی استحقه المرتهن- و ذلک إذا لم یفتکک فی الوقت المشروط- قال زهیر

و فارقتک برهن لا فکاک له
یوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا

فإن قلت فما معنى قوله ع- قد غلقت رهونه بها فی هذا الموضع- قلت لما کان قد شارف الرحیل- و أشفى على الفراق- و صارت تلک الأموال التی جمعها مستحقه لغیره- و لم یبق له فیها تصرف- أشبهت الرهن الذی غلق على صاحبه- فخرج عن کونه مستحقا له- و صار مستحقا لغیره و هو المرتهن- . و أصحر انکشف- و أصله الخروج إلى الصحراء و البروز من المکمن- . رجع کلامهم ما یتراجعونه بینهم من الکلام- ازداد الموت التیاطا به أی التصاقا- قد أوحشوا أی جعلوا مستوحشین- و المستوحش المهموم الفزع- و یروى أوحشوا من جانبه- أی خلوا منه و أقفروا- تقول قد أوحش المنزل من أهله أی أقفر- . و خلا إلى مخط فی الأرض أی إلى خط- سماه مخطا أو خطا لدقته یعنی اللحد-و یروى إلى محط بالحاء المهمله و هو المنزل- و حط القوم أی نزلوا- .

و ألحق آخر الخلق بأوله- أی تساوى الکل فی شمول الموت و الفناء لهم- فالتحق الآخر بالأول- . أماد السماء حرکها- و یروى أمار و الموران الحرکه- و فطرها شقها و أرج الأرض زلزلها- تقول رجت الأرض و أرجها الله- و یجوز رجها و قد روی رج الأرض بغیر همزه و هو الأصح- و علیه ورد القرآن- إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا- . أرجفها جعلها راجفه أی مرتعده متزلزله- رجفت الأرض ترجف و الرجفان الاضطراب الشدید- و سمی البحر رجافا لاضطرابه قال الشاعر-

حتى تغیب الشمس فی الرجاف‏

و نسفها قلعها من أصولها- و دک بعضها بعضا صدمه و دقه- حتى یکسره و یسویه بالأرض و منه قوله سبحانه- وَ حُمِلَتِ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ- فَدُکَّتا دَکَّهً واحِدَهً- . میزهم أی فصل بینهم- فجعلهم فریقین سعداء و أشقیاء- و منه قوله تعالى وَ امْتازُوا الْیَوْمَ أَیُّهَا الْمُجْرِمُونَ- أی انفصلوا من أهل الطاعه- . یظعن یرحل تنوبهم الأفزاع تعاودهم- و تعرض لهم الأخطار جمع خطر- و هو ما یشرف به على الهلکه- .

و تشخصهم الأسفار تخرجهم من منزل إلى منزل- شخص الرجل و أشخصه غیره- و غل الأیدی جعلها فی الأغلال- جمع غل بالضم و هو القید- و القطران الهناء قطرت البعیر أی طلیته بالقطران قال-کما قطر المهنوءه الرجل الطالی‏- و بعیر مقطور و هذا من الألفاظ القرآنیه- قال تعالى سَرابِیلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ- وَ تَغْشى‏ وُجُوهَهُمُ النَّارُ- و المعنى أن النار إلى القطران سریعه جدا- . و مقطعات النیران أی ثیاب من النیران- قد قطعت و فصلت لهم- و قیل المقطعات قصار الثیاب- و الکلب الشده- و الجلب و اللجب الصوت- و القصیف الصوت الشدید- . لا یقصم کبولها لا یکسر قیودها الواحد کبل- .

ثم ذکر أن عذابهم سرمدی- و أنه لا نهایه له نعوذ بالله من عذاب ساعه واحده- فکیف من العذاب الأبدیموازنه بین کلام الإمام علی و خطب ابن نباتهو نحن نذکر فی هذا الموضع فصولا- من خطب الخطیب الفاضل عبد الرحیم بن نباته رحمه الله- و هو الفائز بقصبات السبق من الخطباء- و للناس غرام عظیم بخطبه و کلامه- لیتأمل الناظر کلام أمیر المؤمنین ع فی خطبه و مواعظه- و کلام هذا الخطیب المتأخر-الذی قد وقع الإجماع على خطابته و حسنها- و أن مواعظه هی الغایه التی لیس بعدها غایه- فمن ذلک قوله- أیها الناس تجهزوا- فقد ضرب فیکم بوق الرحیل- و ابرزوا فقد قربت لکم نوق التحویل- و دعوا التمسک بخدع الأباطیل- و الرکون إلى التسویف و التعلیل- فقد سمعتم ما کرر الله علیکم من قصص أبناء القرى- و ما وعظکم به من مصارع من سلف من الورى- مما لا یعترض لذوی البصائر فیه شک و لا مرا- و أنتم معرضون عنه إعراضکم عما یختلق و یفترى- حتى کان ما تعلمون منه أضغاث أحلام الکرى- و أیدی المنایا قد فصمت من أعمارکم أوثق العرى- و هجمت بکم على هول مطلع کریه القرى- فالقهقرى رحمکم الله عن حبائل العطب القهقرى- و اقطعوا مفاوز الهلکات بمواصله السرى- و قفوا على أحداث المنزلین من شناخیب الذرى- المنجلین بوازع أم حبوکرى- المشغولین بما علیهم من الموت جرى- و اکشفوا عن الوجوه المنعمه أطباق الثرى- تجدوا ما بقی منها عبره لمن یرى- فرحم الله امرأ رحم نفسه فبکاها- و جعل منها إلیها مشتکاها- قبل أن تعلق به خطاطیف المنون- و تصدق فیه أراجیف الظنون- و تشرق علیه بمائها مقل العیون- و یلحق بمن دثر من القرون- قبل أن یبدوا على المناکب محمولا- و یغدو إلى محل المصائب منقولا- و یکون عن الواجب مسئولا- و بالقدوم على الطالب الغالب مشغولا- هناک یرفع الحجاب و یوضع الکتاب- و تقطع الأسباب و تذهب الأحساب- و یمنع الإعتاب- و یجمع من حق علیه العقاب- و من وجب له الثواب- فیضرب بینهم بسور له باب- باطنه فیه الرحمه و ظاهره من قبله العذاب- . فلینظر المنصف هذا الکلام- و ما علیه من أثر التولید- أولا بالنسبه إلى ذلک الکلام العربی المحض- ثم لینظر فیما علیه من الکسل و الرخاوه- و الفتور و البلاده- حتى کأن ذلک‏ الکلام لعامر بن الطفیل- مستلئما شکته راکبا جواده- و هذا الکلام للدلال المدینی المخنث- آخذا زمارته متأبطا دفه- . و المح ما فی بوق الرحیل- من السفسفه و اللفظ العامی الغث- و اعلم أنهم کلهم عابوا على أبی الطیب قوله-

فإن کان بعض الناس سیفا لدوله
ففی الناس بوقات لها و طبول‏

 و قالوا لا تدخل لفظه بوق فی کلام یفلح أبدا- . و المح ما على قوله- القهقرى القهقرى متکرره من الهجنه- و أهجن منها أم حبوکرى- و أین هذا اللفظ الحوشی- الذی تفوح منه روائح الشیح و القیصوم- و کأنه من أعرابی قح قد قدم من نجد- لا یفهم محاوره أهل الحضر- و لا أهل الحضر یفهمون حواره- من هذه الخطبه اللینه الألفاظ التی تکاد- أن تتثنى من لینها و تتساقط من ضعفها- ثم المح هذه الفقر و السجعات- التی أولها القرى ثم المر- ثم یفترى ثم الکرى- إلى قوله عبره لمن یرى- هل ترى تحت هذا الکلام معنى لطیفا- أو مقصدا رشیقا- أو هل تجد اللفظ نفسه لفظا جزلا فصیحا- أو عذبا معسولا- و إنما هی ألفاظ قد ضم بعضها إلى بعض- و الطائل تحتها قلیل جدا- و تأمل لفظه مرا فإنها ممدوده فی اللغه- فإن کان قصرها فقد رکب ضروره مستهجنه- و إن أراد جمع مریه فقد خرج‏عن الصناعه- لأنه یکون قد عطف الجمع المفرد- فیصیر مثل قول القائل- ما أخذت منه دینارا و لا دراهم- فی أنه لیس بالمستحسن فی فن البیان- .

و من ذلک قوله- أیها الناس حصحص الحق- فما من الحق مناص و أشخص الخلق- فما لأحد من الخلق خلاص- و أنتم على ما یباعدکم من الله حراص- و لکم على موارد الهلکه اغتصاص- و فیکم عن مقاصد البرکه انتکاص- کأن لیس أمامکم جزاء و لا قصاص- و لجوارح الموت فی وحش نفوسکم اقتناص- لیس بها علیها تأب و لا اعتیاص- .

فلیتأمل أهل المعرفه بعلم الفصاحه و البیان- هذا الکلام بعین الإنصاف- یعلموا أن سطرا واحدا من کلام نهج البلاغه- یساوى ألف سطر منه- بل یزید و یربی على ذلک- فإن هذا الکلام ملزق علیه آثار کلفه و هجنه ظاهره- یعرفها العامی فضلا عن العالم- . و من هذه الخطبه- فاهجروا رحمکم الله وثیر المراقد- و ادخروا طیب المکتسب- تخلصوا من انتقاد الناقد- و اغتنموا فسحه المهل قبل انسداد المقاصد- و اقتحموا سبل الآخره- على قله المرافق و المساعد- . فهل یجد متصفح الکلام لهذا الفصل عذوبه- أو معنى یمدح الکلام لأجله- و هل هو إلا ألفاظ مضموم بعضها إلى بعض- لیس لها حاصل- کما قیل فی شعر ذی الرمه-بعر ظباء و نقط عروس‏- و من ذلک قوله- فیا له من واقع فی کرب الحشارج- مصارع لسکرات الموت معالج- حتى درج على تلک المدارج- و قدم بصحیفته على ذی المعارج- .و غیر خاف ما فی هذا الکلام من التکلف- .

و من ذلک قوله- فکأنکم بمنادی الرحیل قد نادى فی أهل الإقامه- فاقتحموا بالصغار محجه القیامه- یتلو الأوائل منهم الأواخر- و یتبع الأکابر منهم الأصاغر- و یلتحق الغوامر من دیارهم بالغوامر- حتى تبتلع جمیعهم الحفر و المقابر- . فإن هذا الکلام رکیک جدا- لو قاله خطیب من خطباء قرى السواد- لم یستحسن منه بل ترک و استرذل- . و لعل عائبا یعیب علینا- فیقول شرعتم فی المقایسه و الموازنه- بین کلام أمیر المؤمنین ع و بین کلام ابن نباته- و هل هذا إلا بمنزله قول من یقول- السیف أمضى من العصا- و فی هذه غضاضه على السیف- فنقول إنه قد اشتملت کتب المتکلمین- على المقایسه بین کلام الله تعالى و بین کلام البشر- لیبینوا فضل القرآن و زیاده فصاحته- على فصاحه کلام العرب- نحو مقایستهم بین قوله تعالى وَ لَکُمْ فِی الْقِصاصِ حَیاهٌ- و بین قول القائل القتل أنفى للقتل- و نحو مقایستهم بین قوله تعالى- خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ- وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِینَ- و بین قول الشاعر-

فإن عرضوا بالشر فاصفح تکرما
و إن کتموا عنک الحدیث فلا تسل‏

و نحو إیرادهم کلام مسیلمه- و أحمد بن سلیمان المعری- و عبد الله بن المقفع فصلا فصلا- و الموازنه و المقایسه بین ذلک و بین القرآن المجید- و إیضاح أنه لا یبلغ ذلک إلى درجه القرآن العزیز- و لا یقاربها- فلیس بمستنکر منا- أن نذکر کلام ابن نباته- فی معرض إیرادنا کلام أمیر المؤمنین ع- لتظهر فضیله کلامه ع- بالنسبه إلى هذا الخطیب الفاضل- الذی قد اتفق الناس على أنه أوحد عصره فی فنه- .

و اعلم أنا لا ننکر فضل ابن نباته و حسن أکثر خطبه- و لکن قوما من أهل العصبیه و العناد- یزعمون أن کلامه یساوى کلام أمیر المؤمنین ع- و یماثله و قد ناظر بعضهم فی ذلک- فأحببت أن أبین للناس فی هذا الکتاب- أنه لا نسبه لکلامه إلى کلام أمیر المؤمنین ع- و أنه بمنزله شعر الأبله و ابن المعلم- بالإضافه إلى زهیر و النابغه- .

و اعلم أن معرفه الفصیح و الأفصح- و الرشیق و الأرشق و الحلو و الأحلى- و العالی و الأعلى من الکلام أمر لا یدرک إلا بالذوق- و لا یمکن إقامه الدلاله المنطقیه علیه- و هو بمنزله جاریتین- إحداهما بیضاء مشربه حمره دقیقه الشفتین- نقیه الثغر کحلاء العینین- أسیله الخد دقیقه الأنف معتدله القامه- و الأخرى دونها فی هذه الصفات و المحاسن- لکنها أحلى فی العیون و القلوب منها- و ألیق و أصلح- و لا یدرى لأی سبب کان ذلک- و لکنه بالذوق و المشاهده یعرف- و لا یمکن تعلیله و هکذا الکلام- نعم یبقى الفرق بین الموضعین- أن حسن الوجوه و ملاحتها- و تفضیل بعضها على بعض یدرکه- کل من له عین صحیحه- و أما الکلام فلا یعرفه إلا أهل الذوق- و لیس کل من اشتغل بالنحو و اللغه أو بالفقه- کان من أهل الذوق- و ممن یصلح لانتقاد الکلام-

و إنما أهل الذوق هم الذین اشتغلوا بعلم البیان- و راضوا أنفسهم بالرسائل- و الخطب و الکتابه و الشعر- و صارت لهم‏ بذلک دربه و ملکه تامه- فإلى أولئک ینبغی أن ترجع فی معرفه الکلام- و فضل بعضه على بعض- إن کنت عادما لذلک من نفسکمِنْهَا فِی ذِکْرِ النَّبِیِّ ص- قَدْ حَقَّرَ الدُّنْیَا وَ صَغَّرَهَا- وَ أَهْوَنَ بِهَا وَ هَوَّنَهَا- وَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ زَوَاهَا عَنْهُ اخْتِیَاراً- وَ بَسَطَهَا لِغَیْرِهِ احْتِقَاراً- فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْیَا بِقَلْبِهِ- وَ أَمَاتَ ذِکْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ- وَ أَحَبَّ أَنْ تَغِیبَ زِینَتُهَا عَنْ عَیْنِهِ- لِکَیْلَا یَتَّخِذَ مِنْهَا رِیَاشاً- أَوْ یَرْجُوَ فِیهَا مَقَاماً- بَلَّغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً- وَ نَصَحَ لِأُمَّتِهِ مُنْذِراً- وَ دَعَا إِلَى الْجَنَّهِ مُبَشِّراً- وَ خَوَّفَ مِنَ النَّارِ مُحَذِّراً فعل مشدد للتکثیر- قتلت أکثر من قتلت- فیقتضی قوله ع- قد حقر الدنیا زیاده تحقیر النبی ص لها- و ذلک أبلغ فی الثناء علیه و تقریظه- . قوله و صغرها أی و صغرها عند غیره- لیکون قوله و أهون بها و هونها مطابقا له- أی أهون هو بها و هونها عند غیره- . و زواها قبضها-قال ع زویت لی الأرض- فرأیت مشارقها و مغاربها- . و قوله اختیارا- أی قبض الدنیا عنه باختیار و رضا من النبی ص بذلک- و علم بما فیه من رفعه قدره و منزلته فی الآخره- .

و الریاش و الریش بمعنى و هو اللباس الفاخر- کالحرم و الحرام و اللبس و اللباس- و قرئ و ریاشا و لباس التقوى ذلک خیر- و یقال الریش و الریاش المال و الخصب و المعاش- و ارتاش فلان حسنت حاله- و معذرا أی مبالغا أعذر فلان فی الأمر أی بالغ فیه: نَحْنُ شَجَرَهُ النُّبُوَّهِ- وَ مَحَطُّ الرِّسَالَهِ- وَ مُخْتَلَفُ الْمَلَائِکَهِ- وَ مَعَادِنُ الْعِلْمِ وَ یَنَابِیعُ الْحُکْمِ- نَاصِرُنَا وَ مُحِبُّنَا یَنْتَظِرُ الرَّحْمَهَ- وَ عَدُوُّنَا وَ مُبْغِضُنَا یَنْتَظِرُ السَّطْوَهَ هذا الکلام غیر ملتصق بالأول کل الالتصاق- و هو من النمط الذی ذکرناه مرارا- لأن الرضی رحمه الله یقتضب فصولا من خطبه طویله- فیوردها إیرادا واحدا- و بعضها منقطع عن البعض- . قوله ع نحن شجره النبوه- کأنه جعل النبوه کثمره أخرجتها شجره بنی هاشم- و محط الرساله منزلها- و مختلف الملائکه موضع اختلافها فی صعودها و نزولها- و إلى هذا المعنى نظر بعض الطالبیین- فقال یفتخر على بنی عم له لیسوا بفاطمیین-

هل کان یقتعد البراق أبوکم
أم کان جبریل علیه ینزل‏

أم هل یقول له الإله مشافها
بالوحی قم یا أیها المزمل‏

و قال آخر یمدح قوما فاطمیین-

و یطرقه الوحی وهنا و أنتم
ضجیعان بین یدی جبرئیلا

 یعنی حسنا ع و حسینا ع- . و اعلم أنه إن أراد بقوله نحن مختلف الملائکه- جماعه من جملتها رسول الله ص- فلا ریب فی صحه القضیه و صدقها- و إن أراد بها نفسه و ابنیه فهی أیضا صحیحه- و لکن مدلوله مستنبط-فقد جاء فی الأخبار الصحیحه أنه قال یا جبریل إنه منی و أنا منه- فقال جبریل و أنا منکما وروى أبو أیوب الأنصاری مرفوعا لقد صلت الملائکه علی و على علی سبع سنین- لم تصل على ثالث لنا
– و ذلک قبل أن یظهر أمر الإسلام- و یتسامع الناس به- .

وفی خطبه الحسن بن علی ع لما قبض أبوه لقد فارقکم فی هذه اللیله رجل- لم یسبقه الأولون و لا یدرکه الآخرون- کان یبعثه رسول الله ص للحرب- و جبریل عن یمینه و میکائیل عن یسارهوجاء فی الحدیث أنه سمع یوم أحد صوت من الهواء من جهه السماء- یقول لا سیف إلا ذو الفقار- و لا فتى إلا علی- و أن رسول الله ص قال هذا صوت جبریل- .

فأما قوله- و معادن العلم و ینابیع الحکم- یعنی الحکمه أو الحکم الشرعی- فإنه و إن عنى بها نفسه و ذریته- فإن الأمر فیها ظاهر جدا-قال رسول الله ص أنا مدینه العلم و علی بابها- فمن أراد المدینه فلیأت البابوقال أقضاکم علی- و القضاء أمر یستلزم علوما کثیره- . وجاء فی الخبر أنه بعثه إلى الیمن قاضیا- فقال یا رسول الله- إنهم کهول و ذوو أسنان‏و أنا فتى- و ربما لم أصب فیما أحکم به بینهم- فقال له اذهب فإن الله سیثبت قلبک و یهدی لسانک- .

و جاء فی تفسیر قوله تعالى- وَ تَعِیَها أُذُنٌ واعِیَهٌ- سألت الله أن یجعلها أذنک ففعل- و جاء فی تفسیر قوله تعالى- أَمْ یَحْسُدُونَ النَّاسَ- عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ- أنها أنزلت فی علی ع و ما خص به من العلم- و جاء فی تفسیر قوله تعالى- أَ فَمَنْ کانَ عَلى‏ بَیِّنَهٍ مِنْ رَبِّهِ- وَ یَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ- أن الشاهد علی ع- . وروى المحدثون أنه قال لفاطمه- زوجتک أقدمهم سلما- و أعظمهم حلما و أعلمهم علماوروى المحدثون أیضا عنه ع أنه قال من أراد أن ینظر إلى نوح فی عزمه- و موسى فی علمه- و عیسى فی ورعه- فلینظر إلى علی بن أبی طالب- . و بالجمله فحاله فی العلم حال رفیعه جدا- لم یلحقه أحد فیها و لا قاربه- و حق له أن یصف نفسه- بأنه معادن العلم و ینابیع الحکم- فلا أحد أحق بها منه بعد رسول الله ص- . فإن قلت کیف قال- عدونا و مبغضنا ینتظر السطوه- و نحن نشاهد أعداءه و مبغضیه لا ینتظرونها- قلت لما کانت منتظره لهم- و معلوما بیقین حلولها بهم- صاروا کالمنتظرین لها- و أیضا فإنهم ینتظرون الموت لا محاله- الذی کل إنسان ینتظره- و لما کان الموت مقدمه العقاب و طریقا إلیه- جعل انتظاره انتظار ما یکون بعده

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی‏ الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۱۰۳

خطبه ۱۰۷ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(هی من خطب الملاحم)

۱۰۷ و من خطبه له ع- و هی من خطب الملاحم

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَجَلِّی لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ- وَ الظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ- خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَیْرِ رَوِیَّهٍ- إِذْ کَانَتِ الرَّوِیَّاتُ لَا تَلِیقُ إِلَّا بِذَوِی الضَّمَائِرِ- وَ لَیْسَ بِذِی ضَمِیرٍ فِی نَفْسِهِ- خَرَقَ عِلْمُهُ بَاطِنَ غَیْبِ السُّتُرَاتِ- وَ أَحَاطَ بِغُمُوضِ عَقَائِدِ السَّرِیرَاتِ الملاحم جمع ملحمه- و هی الوقعه العظیمه فی الحرب- و لما کانت دلائل إثبات الصانع ظاهره ظهور الشمس- وصفه ع بکونه ظهر و تجلى لخلقه- و دلهم علیه بخلقه إیاهم و إیجاده لهم- . ثم أکد ذلک بقوله و الظاهر لقلوبهم بحجته- و لم یقل لعیونهم لأنه غیر مرئی- و لکنه ظاهر للقلوب- بما أودعها من الحجج الداله علیه- .

ثم نفى عنه الرویه و الفکر و التمثیل بین خاطرین- لیعمل على أحدهما- لأن ذلک إنما یکون لأرباب الضمائر و القلوب- أولی النوازع المختلفه و البواعث المتضاده- . ثم وصفه بأن علمه محیط بالظاهر- و الباطن و الماضی و المستقبل- فقال إن علمه خرق باطن الغیوب المستوره- و أحاط بالغامض من عقائد السرائر:

مِنْهَا فِی ذِکْرِ النَّبِیِّ ص- اخْتَارَهُ مِنْ شَجَرَهِ الْأَنْبِیَاءِ- وَ مِشْکَاهِ الضِّیَاءِ وَ ذُؤَابَهِ الْعَلْیَاءِ- وَ سُرَّهِ الْبَطْحَاءِ وَ مَصَابِیحِ الظُّلْمَهِ- وَ یَنَابِیعِ الْحِکْمَهِ شجره الأنبیاء أولاد إبراهیم ع- لأن أکثر الأنبیاء منهم- و المشکاه کوه غیر نافذه یجعل فیها المصباح- و الذؤابه طائفه من شعر الرأس- و سره البطحاء وسطها- و بنو کعب بن لؤی یفخرون على بنی عامر بن لؤی- بأنهم سکنوا البطاح- و سکنت عامر بالجبال المحیطه بمکه- و سکن معها بنو فهر بن مالک- رهط أبی عبیده بن الجراح و غیره قال الشاعر-

فحللت منها بالبطاح
و حل غیرک بالظواهر

و قال طریح بن إسماعیل-

أنت ابن مسلنطح البطاح و لم
تطرق علیک الحنی و الولج‏

و قال بعض الطالبیین-

و أنا ابن معتلج البطاح إذا غدا
غیری و راح على متون ظواهر

یفتر عنی رکنها و حطیمها
کالجفن یفتح عن سواد الناظر

کجبالها شرفی و مثل سهولها
خلقی و مثل ظبائهن مجاوری‏

وَ مِنْهَا طَبِیبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ قَدْ أَحْکَمَ مَرَاهِمَهُ- وَ أَحْمَى مَوَاسِمَهُ یَضَعُ ذَلِکَ حَیْثُ الْحَاجَهُ إِلَیْهِ- مِنْ قُلُوبٍ عُمْیٍ وَ آذَانٍ صُمٍّ- وَ أَلْسِنَهٍ بُکْمٍ- مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَهِ- وَ مَوَاطِنَ الْحَیْرَهِ إنما قال دوار بطبه- لأن الطبیب الدوار أکثر تجربه- أو یکون عنى به أنه یدور على من یعالجه- لأن الصالحین یدورون على مرضى القلوب فیعالجونهم- و یقال إن المسیح رئی خارجا من بیت مومسه- فقیل له یا سیدنا أ مثلک یکون هاهنا- فقال إنما یأتی الطبیب المرضی- . و المراهم الأدویه المرکبه للجراحات و القروح- و المواسم حدائد یوسم بها الخیل و غیرها- . ثم ذکر أنه إنما یعالج بذلک من یحتاج إلیه- و هم أولو القلوب العمی- و الآذان الصم- و الألسنه البکم أی الخرس- و هذا تقسیم صحیح حاصر- لأن الضلال و مخالفهالحق یکون بثلاثه أمور- إما بجهل القلب أو بعدم سماع المواعظ و الحجج- أو بالإمساک عن شهاده التوحید و تلاوه الذکر- فهذه أصول الضلال و أما أفعال المعاصی ففروع علیها

فصل فی التقسیم و ما ورد فیه من الکلام

و صحه التقسیم باب من أبواب علم البیان و منه قوله سبحانه ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْکِتابَ- الَّذِینَ اصْطَفَیْنا مِنْ عِبادِنا- فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ- وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَیْراتِ- . و هذه قسمه صحیحه- لأن المکلفین إما کافر أو مؤمن- أو ذو المنزله بین المنزلتین- هکذا قسم أصحابنا الآیه على مذهبهم فی الوعید- . و غیرهم یقول العباد إما عاص ظالم لنفسه- أو مطیع مبادر إلى الخیر- أو مقتصد بینهما- . و من التقسیم أیضا قوله- وَ کُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَهً- فَأَصْحابُ الْمَیْمَنَهِ ما أَصْحابُ الْمَیْمَنَهِ- وَ أَصْحابُ الْمَشْئَمَهِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَهِ- وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ و مثل ذلک- . و قوله تعالى هُوَ الَّذِی یُرِیکُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً- لأن الناس عند رؤیه البرق بین خائف و طامع- . و وقف سائل على مجلس الحسن البصری- فقال رحم الله عبدا أعطى من سعه- أو واسى من کفاف أو آثر من قله- فقال الحسن لم تترک لأحد عذرا- .و من التقسیمات الفاسده فی الشعر قول البحتری-

ذاک وادی الأراک فاحبس قلیلا
مقصرا فی ملامه أو مطیلا

قف مشوقا أو مسعدا أو حزینا
أو معینا أو عاذرا أو عذولا

فالتقسیم فی البیت الأول صحیح- و فی الثانی غیر صحیح- لأن المشوق یکون حزینا- و المسعد یکون معینا- فکذلک یکون عاذرا- و یکون مشوقا و یکون حزینا- . و قد وقع المتنبی فی مثل ذلک فقال-

فافخر فإن الناس فیک ثلاثه
مستعظم أو حاسد أو جاهل‏

فإن المستعظم یکون حاسدا- و الحاسد یکون مستعظما- . و من الأبیات التی لیس تقسیمها بصحیح- ما ورد فی شعر الحماسه

و أنت امرؤ إما ائتمنتک خالیا
فخنت و إما قلت قولا بلا علم‏

فأنت من الأمر الذی قد أتیته‏
بمنزله بین الخیانه و الإثم‏

و ذلک لأن الخیانه أخص من الإثم- و الإثم شامل لها لأنه أعم منها- فقد دخل أحد القسمین فی الآخر- و یمکن أن یعتذر له- فیقال عنى بالإثم الکذب نفسه- و کذلک هو المعنی أیضا بقوله قولا بلا علم- کأنه قال له إما أن أکون أفشیت سری إلیک فخنتنی- أو لم أفش فکذبت علی- فأنت فیما أتیت بین أن تکون خائنا أو کاذبا- . و مما جاء من ذلک فی النثر قول بعضهم- من جریح مضرج بدمائه- أو هارب لا یلتفت إلى ورائه- و ذلک أن الجریح قد یکون هاربا- و الهارب قد یکون جریحا- . و قد أجاد البحتری لما قسم هذا المعنى و قال-

غادرتهم أیدی المنیه صبحا
للقنا بین رکع و سجود

فهم فرقتان بین قتیل‏
قبضت نفسه بحد الحدید

أو أسیر غدا له السجن لحدا
فهو حی فی حاله الملحود

فرقه للسیوف ینفذ فیها الحکم‏
قسرا و فرقه للقیود

و من ذلک قول بعض الأعراب- النعم ثلاث نعمه فی حال کونها- و نعمه ترجى مستقبله- و نعمه تأتی غیر محتسبه- فأبقى الله علیک ما أنت فیه- و حقق ظنک فیما ترتجیه- و تفضل علیک بما لم تحتسبه- و ذلک أنه أغفل النعمه الماضیه- و أیضا فإن النعمه التی تأتی غیر محتسبه- داخله فی قسم النعمه المستقبله- . و قد صحح القسمه أبو تمام فقال-

جمعت لنا فرق الأمانی منکم
بأبر من روح الحیاه و أوصل‏

کالمزن من ماضی الرباب و مقبل‏
متنظر و مخیم متهلل‏

فصنیعه فی یومها و صنیعه
قد أحولت و صنیعه لم تحول‏

فإن قلت- فإن ما عنیت به فساد التقسیم على البحتری و المتنبی- یلزمک مثله فیما شرحته- لأن الأعمى القلب قد یکون أبکم اللسان أصم السمع- . قلت إن الشاعرین ذکرا التقسیم بأو- و أمیر المؤمنین ع قسم بالواو و الواو للجمع- فغیر منکر أن تجتمع الأقسام الوحد- أو أن تعطی معنى الانفراد فقط فافترق الموضعان:

لَمْ یَسْتَضِیئُوا بِأَضْوَاءِ الْحِکْمَهِ- وَ لَمْ یَقْدَحُوا بِزِنَادِ الْعُلُومِ الثَّاقِبَهِ- فَهُمْ فِی ذَلِکَ کَالْأَنْعَامِ السَّائِمَهِ- وَ الصُّخُورِ الْقَاسِیَهِ- قَدِ انْجَابَتِ السَّرَائِرُ لِأَهْلِ الْبَصَائِرِ- وَ وَضَحَتْ مَحَجَّهُ الْحَقِّ لِخَابِطِهَا- وَ أَسْفَرَتِ السَّاعَهُ عَنْ وَجْهِهَا- وَ ظَهَرَتِ الْعَلَامَهُ لِمُتَوَسِّمِهَا- مَا لِی أَرَاکُمْ أَشْبَاحاً بِلَا أَرْوَاحٍ- وَ أَرْوَاحاً بِلَا أَشْبَاحٍ- وَ نُسَّاکاً بِلَا صَلَاحٍ- وَ تُجَّاراً بِلَا أَرْبَاحٍ- وَ أَیْقَاظاً نُوَّماً- وَ شُهُوداً غُیَّباً- وَ نَاظِرَهً عَمْیَاءَ- وَ سَامِعَهً صَمَّاءَ- وَ نَاطِقَهً بَکْمَاءَ انجابت انکشفت و المحجه الطریق- و الخابط السائر على غیر سبیل واضحه- و أسفرت الساعه أضاءت و أشرقت- و عن متعلقه بمحذوف- و تقدیره کاشفه عن وجهها- .

و المتوسم المتفرس أشباها بلا أرواح- أی أشخاصا لا أرواح لها و لا عقول- و أرواحا بلا أشباح- یمکن أن یرید به الخفه و الطیش- تشبیها بروح بلا جسد- و یمکن أن یعنی به نقصهم- لأن الروح غیر ذات الجسد ناقصه- عن الاعتمال و التحریک اللذین کانا من فعلها- حیث کانت تدیر الجسد- . و نساکا بلا صلاح نسبهم إلى النفاق و تجارا بلا أرباح- نسبهم إلى الریاء و إیقاع الأعمال على غیر وجهها- . ثم وصفهم بالأمور المتضاده ظاهرا- و هی مجتمعه فی الحقیقه- فقال أیقاظا نوما لأنهم أولو یقظه- و هم غفول عن الحق کالنیام- و کذلک باقیها قال تعالى- فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ- وَ لکِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِی فِی الصُّدُورِ: رَایَهُ ضَلَالٍ قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا- وَ تَفَرَّقَتْ بِشُعَبِهَا- تَکِیلُکُمْ بِصَاعِهَا- وَ تَخْبِطُکُمْ بِبَاعِهَا- قَائِدُهَا خَارِجٌ مِنَ الْمِلَّهِ- قَائِمٌ عَلَى الضَّلَّهِ- فَلَا یَبْقَى یَوْمَئِذٍ مِنْکُمْ إِلَّا ثُفَالَهٌ کَثُفَالَهِ الْقِدْرِ- أَوْ نُفَاضَهٌ کَنُفَاضَهِ الْعِکْمِ- تَعْرُکُکُمْ عَرْکَ الْأَدِیمِ- وَ تَدُوسُکُمْ دَوْسَ الْحَصِیدِ- وَ تَسْتَخْلِصُ الْمُؤْمِنَ مِنْ بَیْنِکُمُ- اسْتِخْلَاصَ الطَّیْرِ الْحَبَّهَ الْبَطِینَهَ- مِنْ بَیْنِ هَزِیلِ الْحَبِّ هذا کلام منقطع عما قبله- لأن الشریف الرضی رحمه الله- کان یلتقط الفصول التی فی الطبقه العلیا- من الفصاحه من کلام أمیر المؤمنین ع فیذکرها- و یتخطى ما قبلها و ما بعدها-

و هو ع یذکر هاهنا- ما یحدث فی آخر الزمان من الفتن- کظهور السفیانی و غیره- . و القطب فی قوله ع قامت على قطبها- الرئیس الذی علیه یدور أمر الجیش- و الشعب القبیله العظیمه- و لیس التفرق للرایه نفسها- بل لنصارها و أصحابها فحذف المضاف- و معنى تفرقهم- أنهم یدعون إلى تلک الدعوه المخصوصه فی بلاد متفرقه- أی تفرق ذلک الجمع العظیم فی الأقطار- داعین إلى أمر واحد- و یروى بشعبها جمع شعبه-و تقدیر تکیلکم بصاعها تکیل لکم فحذف اللام- کما فی قوله تعالى وَ إِذا کالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ- أی کالوا لهم أو وزنوا لهم- و المعنى تحملکم على دینها و دعوتها- و تعاملکم بما یعامل به من استجاب لها- و یجوز أن یرید بقوله تکیلکم بصاعها- یقهرکم أربابها على الدخول فی أمرهم- و یتلاعبون بکم- و یرفعونکم و یضعونکم- کما یفعل کیال البر به إذا کاله بصاعه- .

و تخبطکم بباعها تظلمکم و تعسفکم- قائدها لیس على مله الإسلام- بل مقیم على الضلاله- یقال ضله لک- و إنه لیلومنی ضله- إذا لم یوفق للرشاد فی عذله- . و الثفاله ما ثفل فی القدر من الطبیخ- و النفاضه ما سقط من الشی‏ء المنفوض- . و العکم العدل- و العکم أیضا نمط تجعل فیه المرأه ذخیرتها- . و عرکت الشی‏ء دلکته بقوه- و الحصید الزرع المحصود- . و معنى استخلاص الفتنه المؤمن أنها تخصه بنکایتها و أذاها- کما قیل المؤمن ملقى و الکافر موقى و فی الخبر المرفوع آفات الدنیا أسرع إلى المؤمن- من النار فی یبیس العرفج
أَیْنَ تَذْهَبُ بِکُمُ الْمَذَاهِبُ- وَ تَتِیهُ بِکُمُ الْغَیَاهِبُ- وَ تَخْدَعُکُمُ الْکَوَاذِبُ- وَ مِنْ أَیْنَ تُؤْتَوْنَ- وَ أَنَّى تُؤْفَکُونَ- فَلِکُلِّ أَجَلٍ کِتَابٌ- وَ لِکُلِّ غَیْبَهٍ إِیَابٌ- فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِیِّکُمْ- وَ أَحْضِرُوهُ قُلُوبَکُمْ- وَ اسْتَیْقِظُوا إِنْ هَتَفَ بِکُمْ-وَ لْیَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ- وَ لْیَجْمَعْ شَمْلَهُ- وَ لْیُحْضِرْ ذِهْنَهُ- فَلَقَدْ فَلَقَ لَکُمُ الْأَمْرَ فَلْقَ الْخَرَزَهِ- وَ قَرَفَهُ قَرْفَ الصَّمْغَهِ الغیاهب الظلمات الواحد غیهب- و تتیه بکم تجعلکم تائهین- عدی الفعل اللازم بحرف الجر- کما تقول فی ذهب ذهبت به- و التائه المتحیر- . و الکواذب هاهنا الأمانی- فحذف الموصوف و أبقى الصفه- کقوله

إلا بکفی کان من أرمى البشر

أی بکفی غلام هذه صفته- . و قوله و لکل أجل کتاب- أظنه منقطعا أیضا عن الأول- مثل الفصل الذی تقدم- و قد کان قبله ما ینطبق علیه- و یلتئم معه لا محاله- و یمکن على بعد أن یکون متصلا بما هو مذکور هاهنا- . و قوله و لکل غیبه إیاب- قد قاله عبید بن الأبرص- و استثنى من العموم الموت فقال-

و کل ذی غیبه یئوب
و غائب الموت لا یئوب‏

و هو رأی زنادقه العرب- فأما أمیر المؤمنین- و هو ثانی صاحب الشریعه التی جاءت بعود الموتى- فإنه لا یستثنی و یحمق عبیدا فی استثنائه- . و الربانی الذی أمرهم بالاستماع منه- إنما یعنی به نفسه ع- و یقال رجل‏ ربانی أی متأله عارف بالرب سبحانه- و فی وصف الحسن لأمیر المؤمنین ع- کان و الله ربانی هذه الأمه و ذا فضلها- و ذا قرابتها و ذا سابقتها- . ثم قال و أحضروه قلوبکم- أی اجعلوا قلوبکم حاضره عنده- أی لا تقنعوا لأنفسکم- بحضور الأجساد و غیبه القلوب- فإنکم لا تنتفعون بذلک- و هتف بکم صاح- و الرائد الذی یتقدم المنتجعین- لینظر لهم الماء و الکلأ- و فی المثل الرائد لا یکذب أهله- .

و قوله و لیجمع شمله- أی و لیجمع عزائمه و أفکاره لینظر- فقد فلق هذا الربانی لکم الأمر- أی شق ما کان مبهما- و فتح ما کان مغلقا- کما تفلق الخرزه فیعرف باطنها- . و قرفه أی قشره- کما تقشر الصمغه عن عود الشجره و تقلع: فَعِنْدَ ذَلِکَ أَخَذَ الْبَاطِلُ مَآخِذَهُ- وَ رَکِبَ الْجَهْلُ مَرَاکِبَهُ- وَ عَظُمَتِ الطَّاغِیَهُ وَ قَلَّتِ الدَّاعِیَهُ- وَ صَالَ الدَّهْرُ صِیَالَ السَّبُعِ الْعَقُورِ- وَ هَدَرَ فَنِیقُ الْبَاطِلِ بَعْدَ کُظُومٍ- وَ تَوَاخَى النَّاسُ عَلَى الْفُجُورِ- وَ تَهَاجَرُوا عَلَى الدِّینِ- وَ تَحَابُّوا عَلَى الْکَذِبِ- وَ تَبَاغَضُوا عَلَى الصِّدْقِ- فَإِذَا کَانَ ذَلِکَ کَانَ الْوَلَدُ غَیْظاً- وَ الْمَطَرُ قَیْظاً وَ تَفِیضُ اللِّئَامُ فَیْضاً- وَ تَغِیضُ الْکِرَامُ غَیْضاً- وَ کَانَ أَهْلُ ذَلِکَ الزَّمَانِ ذِئَاباً- وَ سَلَاطِینُهُ سِبَاعاً وَ أَوْسَاطُهُ أَکَالًا- وَ فُقَرَاؤُهُ أَمْوَاتاً وَ غَارَ الصِّدْقُ- وَ فَاضَ الْکَذِبُ- وَ اسْتُعْمِلَتِ الْمَوَدَّهُ بِاللِّسَانِ- وَ تَشَاجَرَ النَّاسُ بِالْقُلُوبِ- وَ صَارَ الْفُسُوقُ نَسَباً- وَ الْعَفَافُ عَجَباً- وَ لُبِسَ الْإِسْلَامُ لُبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوباًتقول أخذ الباطل مأخذه- کما تقول عمل عمله أی قوی سلطانه و قهر- و مثله رکب الجهل مراکبه- .

و عظمت الطاغیه أی الطغیان- فاعله بمعنى المصدر کقوله تعالى- لَیْسَ لِوَقْعَتِها کاذِبَهٌ أی تکذیب- و یجوز أن تکون الطاغیه هاهنا صفه فاعل محذوف- أی عظمت الفئه الطاغیه- و قلت الداعیه مثله أی الفرقه الداعیه- . و صال حمل و وثب صولا و صوله- یقال رب قول أشد من صول و الصیال- و المصاوله هی المواثبه صایله صیالا و صیاله- و الفحلان یتصاولان أی یتواثبان- . و الفنیق فحل الإبل- و هدر ردد صوته فی حنجرته- و إبل هوادر- و کذلک هدر بالتشدید تهدیرا- و فی المثل هو کالمهدر فی العنه- یضرب للرجل یصیح و یجلب- و لیس وراء ذلک شی‏ء کالبعیر الذی یحبس فی العنه- و هی الحظیره و یمنع من الضراب و هو یهدر- و قال الولید بن عقبه لمعاویه-

قطعت الدهر کالسدم المعنى
تهدر فی دمشق و لا تریم‏

و الکظوم الإمساک و السکوت- کظم البعیر یکظم کظوما- إذا أمسک الجره و هو کاظم- و إبل کظوم لا تجتر و قوم کظم ساکتون- . و تواخى الناس صاروا إخوه و الأصل تآخى الناس- فأبدلت الهمزه واوا- کآزرته أی أعنته و وازرته- . یقول اصطلحوا على الفجور- و تهاجروا على الدین أی تعادوا و تقاطعوا- . فإن قلت فإن من شعار الصالحین- أن یهجروا فی الدین و یعادوا فیه-قلت لم یذهب أمیر المؤمنین حیث ظننت- و إنما أراد أن صاحب الدین مهجور عندهم- لأن صاحب الدین مهجور- و صاحب الفجور جار عندهم مجرى الأخ فی الحنو علیه- و الحب له لأنه صاحب فجور- .

ثم قال کان الولد غیظا- أی لکثره عقوق الأبناء للآباء- و صار المطر قیظا- یقال إنه من علامات الساعه و أشراطها- . و أوساطه أکالا أی طعاما- یقال ما ذقت أکالا- و فی هذا الموضع إشکال- لأنه لم ینقل هذا الحرف إلا فی الجحد خاصه- کقولهم ما بها صافر- فالأجود الروایه الأخرى- و هی آکالا بمد الهمزه على أفعال جمع أکل- و هو ما أکل کقفل و أقفال-

و قد روی أکالا بضم الهمزه على فعال- و قالوا إنه جمع أکل للمأکول- کعرق و عراق و ظئر و ظؤار إلا أنه شاذ عن القیاس- و وزن واحدهما مخالف لوزن واحد- أکال لو کان جمعا یقول- صار أوساط الناس طعمه للولاه و أصحاب السلاطین- و کالفریسه للأسد- . و غار الماء سفل لنقصه و فاض سال- . و تشاجر الناس تنازعوا و هی المشاجره- و شجر بین القوم إذا اختلف الأمر بینهم- و اشتجروا مثل تشاجروا- . و صار الفسوق نسبا یصیر الفاسق صدیق الفاسق- حتى یکون ذلک کالنسب بینهم- و حتى یعجب الناس من العفاف لقلته و عدمه- .و لبس الإسلام لبس الفرو- و للعرب عاده بذلک- و هی أن تجعل الخمل إلى الجسد و تظهر الجلد- و المراد انعکاس الأحکام الإسلامیه فی ذلک الزمان

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۶۱

خطبه ۱۰۶ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۰۶ و من کلام له ع فی بعض أیام صفین

وَ قَدْ رَأَیْتُ جَوْلَتَکُمْ- وَ انْحِیَازَکُمْ عَنْ صُفُوفِکُمْ- تَحُوزُکُمُ الْجُفَاهُ الطَّغَامُ- وَ أَعْرَابُ أَهْلِ الشَّامِ- وَ أَنْتُمْ لَهَامِیمُ الْعَرَبِ- وَ یَآفِیخُ الشَّرَفِ- وَ الْأَنْفُ الْمُقَدَّمُ- وَ السَّنَامُ الْأَعْظَمُ- وَ لَقَدْ شَفَى وَحَاوِحَ صَدْرِی- أَنْ رَأَیْتُکُمْ بِأَخَرَهٍ- تَحُوزُونَهُمْ کَمَا حَازُوکُمْ- وَ تُزِیلُونَهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ کَمَا أَزَالُوکُمْ- حَسّاً بِالنِّصَالِ وَ شَجْراً بِالرِّمَاحِ- تَرْکَبُ أُوْلَاهُمْ- أُخْرَاهُمْ کَالْإِبِلِ الْهِیمِ الْمَطْرُودَهِ- تُرْمَى عَنْ حِیَاضِهَا- وَ تُذَادُ عَنْ مَوَارِدِهَا جولتکم هزیمتکم فأجمل فی اللفظ- و کنى عن اللفظ المنفر عادلا عنه إلى لفظ لا تنفیر فیه- کما قال تعالى- کانا یَأْکُلانِ الطَّعامَ- قالوا هو کنایه عن إتیان الغائط و إجمال فی اللفظ- . و کذلک قوله و انحیازکم عن صفوفکم- کنایه عن الهرب أیضا- و هو من قوله تعالى إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَیِّزاً إِلى‏ فِئَهٍ- .

و هذا باب من أبواب البیان لطیف- و هو حسن التوصل بإیراد کلام غیر مزعج- عوضا عن لفظ یتضمن جبها و تقریعا- . و تحوزکم تعدل بکم عن مراکزکم- و الجفاه جمع جاف و هو الفدم الغلیظ- و الطغام الأوغاد و اللهامیم جمع لهموم- و هو الجواد من الناس و الخیل- قال الشاعر

لا تحسبن بیاضا فی منقصه
إن اللهامیم فی أقرابها بلق‏

و الیآفیخ جمع یافوخ و هو معظم الشی‏ء- تقول قد ذهب یافوخ اللیل أی أکثره- و یجوز أن یرید به الیافوخ- و هو أعلى الرأس و جمعه یآفیخ أیضا- و أفخت الرجل ضربت یافوخه- و هذا ألیق لأنه ذکر بعده الأنف و السنام- فحمل الیافوخ على العضو إذا أشبه- . و الوحاوح الحرق و الحزازات- و لقیته بأخره على فعله أی أخیرا- . و الحس القتل قال الله تعالى- إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ- . و شجرت زیدا بالرمح طعنته- و التأنیث فی أولاهم و أخراهم للکتائب- . و الهیم العطاش و تذاد تصد و تمنع- و قد روی الطغاه عوض الطغام- . و روی حشأ بالهمز- من حشأت الرجل أی أصبت حشاه- . و روی بالنضال بالضاد المعجمه- و هو المناضله و المراماه- . و قد ذکرنا نحن هذا الکلام فیما اقتصصناه- من أخبار صفین فیما تقدم من هذا الکتاب

شرح ‏نهج‏ البلاغه(ابن‏ أبی ‏الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۲۰

خطبه ۱۰۵ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۰۵ و من خطبه له ع

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی شَرَعَ الْإِسْلَامَ- فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ- وَ أَعَزَّ أَرْکَانَهُ عَلَى مَنْ غَالَبَهُ- فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ- وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ- وَ بُرْهَاناً لِمَنْ تَکَلَّمَ بِهِ- وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ عَنْهُ- وَ نُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ وَ فَهْماً لِمَنْ عَقَلَ- وَ لُبّاً لِمَنْ تَدَبَّرَ- وَ آیَهً لِمَنْ تَوَسَّمَ- وَ تَبْصِرَهً لِمَنْ عَزَمَ- وَ عِبْرَهً لِمَنِ اتَّعَظَ وَ نَجَاهً لِمَنْ صَدَّقَ وَ ثِقَهً لِمَنْ تَوَکَّلَ- وَ رَاحَهً لِمَنْ فَوَّضَ وَ جُنَّهً لِمَنْ صَبَرَ- فَهُوَ أَبْلَجُ الْمَنَاهِجِ وَ أَوْضَحُ الْوَلَائِجِ- مُشْرِفُ الْمَنَارِ مُشْرِقُ الْجَوَادِّ- مُضِی‏ءُ الْمَصَابِیحِ کَرِیمُ الْمِضْمَارِ- رَفِیعُ الْغَایَهِ جَامِعُ الْحَلْبَهِ- مُتَنَافِسُ السُّبْقَهِ شَرِیفُ الْفُرْسَانِ- التَّصْدِیقُ مِنْهَاجُهُ- وَ الصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ- وَ الْمَوْتُ غَایَتُهُ وَ الدُّنْیَا مِضْمَارُهُ- وَ الْقِیَامَهُ حَلْبَتُهُ وَ الْجَنَّهُ سُبْقَتُهُ هذا باب من الخطابه شریف- و ذلک لأنه ناط بکل واحده من اللفظات لفظه- تناسبها و تلائمها لو نیطت بغیرها لما انطبقت علیها- و لا استقرت فی قرارها- أ لا تراه قال أمنا لمن علقه- فالأمن مرتب على الاعتلاق- و کذلک فی سائر الفقر کالسلم المرتب على الدخول- و البرهان المرتب على الکلام- و الشاهد المرتب على الخصام- و النور المرتب‏ على الاستضاءه إلى آخرها- أ لا ترى أنه لو قال و برهانا لمن دخله- و نورا لمن خاصم عنه و شاهدا لمن استضاء به- لکان قد قرن باللفظه ما لا یناسبها- فکان قد خرج عن قانون الخطابه و دخل فی عیب ظاهر- و توسم تفرس و الولائج جمع ولیجه- و هو المدخل إلى الوادی و غیره- . و الجنه الترس و أبلج المناهج معروف الطریق- .

و الحلبه الخیل المجموعه للمسابقه- . و المضمار موضع تضمیر الخیل- و زمان تضمیرها و الغایه الرایه المنصوبه- و هو هاهنا خرقه تجعل على قصبه- و تنصب فی آخر المدى الذی تنتهی إلیه المسابقه- کأنه ع جعل الإسلام- کخیل السباق التی مضمارها کریم- و غایتها رفیعه عالیه و حلبتها جامعه حاویه- و سبقتها متنافس فیها و فرسانها أشراف- . ثم وصفه بصفات أخرى- فقال التصدیق طریقه و الصالحات أعلامه و الموت غایته- أی إن الدنیا سجن المؤمن- و بالموت یخلص من ذلک السجن- و یحظى بالسعاده الأبدیه- . قال و الدنیا مضماره- کأن الإنسان یجری إلى غایه هی الموت- و إنما جعلها مضمار الإسلام- لأن المسلم یقطع دنیاه لا لدنیاه بل لآخرته- فالدنیا له کالمضمار للفرس إلى الغایه المعینه- . قال و القیامه حلبته أی ذات حلبته فحذف المضاف- کقوله تعالى هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ أی ذوو درجات- . ثم قال و الجنه سبقته- أی جزاء سبقته فحذف أیضا

: مِنْهَا فِی ذِکْرِ النَّبِیِّ ص- حَتَّى أَوْرَى قَبَساً لقَابِسٍ- وَ أَنَارَ عَلَماً لِحَابِسٍ- فَهُوَ أَمِینُکَ الْمَأْمُونُ- وَ شَهِیدُکَ یَوْمَ الدِّینِ- وَ بَعِیثُکَ نِعْمَهً وَ رَسُولُکَ بِالْحَقِّ رَحْمَهً- اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَهُ مَقْسَماً مِنْ عَدْلِکَ- وَ اجْزِهِ مُضَعَّفَاتِ الْخَیْرِ مِنْ فَضْلِکَ- اللَّهُمَّ وَ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِینَ بِنَاءَهُ- وَ أَکْرِمْ لَدَیْکَ نُزُلَهُ- وَ شَرِّفْ عِنْدَکَ مَنْزِلَهُ- وَ آتِهِ الْوَسِیلَهَ وَ أَعْطِهِ السَّنَاءَ وَ الْفَضِیلَهَ- وَ احْشُرْنَا فِی زُمْرَتِهِ- غَیْرَ خَزَایَا وَ لَا نَادِمِینَ- وَ لَا نَاکِبِینَ وَ لَا نَاکِثینَ- وَ لَا ضَالِّینَ وَ لَا مُضِلِّینَ وَ لَا مَفْتُونِینَ قال الرضی رحمه الله تعالى- و قد مضى هذا الکلام فیما تقدم- إلا أننا کررناه هاهنا- لما فی الروایتین من الاختلاف قبسا منصوب بالمفعولیه- أی أورى رسول الله ص قبسا- و القبس شعله من النار- و القابس طالب الاستصباح منها- و الکلام مجاز و المراد الهدایه فی الدین- .و علما منصوب أیضا بالمفعولیه- أی و أنا رسول الله ص علما- . لحابس أی نصب لمن قد حبس ناقته- ضلالا فهو یخبط لا یدری کیف یهتدی إلى المنهج- علما یهتدی به- .

فإن قلت- فهل یجوز أن ینصب قبسا و علما- على أن یکون کل واحد منهما حالا- أی حتى أورى رسول الله فی حال کونه قبسا- و أنار فی حال کونه علما- قلت لم أسمع أورى الزند- و إنما المسموع ورى و ورى- و لم یجئ أورى إلا متعدیا أورى زید زنده- فإن حمل هاهنا على المتعدی- احتیج إلى حذف المفعول و یصیر تقدیره- حتى أورى رسول الله الزند حال کونه قبسا- فیکون فیه نوع تکلف و استهجان- . و البعیث المبعوث و مقسما نصیبا- و إن جعلته مصدرا جاز- . و النزول طعام الضیف- و الوسیله ما یتقرب به- و قد فسر قولهم فی دعاء الأذان- اللهم آته الوسیله- بأنها درجه رفیعه فی الجنه- و السناء بالمد الشرف و زمرته جماعته- . و خزایا جمع خزیان و هو الخجل المستحیی- مثل سکران و سکارى- و حیران و حیارى و غیران و غیارى- .

و ناکبین أی عادلین عن الطریق- و ناکثین أی ناقضین للعهد- . قلت سألت النقیب أبا جعفر رحمه الله- و کان منصفا بعیدا عن الهوى- و العصبیه عن هذا الموضع فقلت له- قد وقفت على کلام الصحابه و خطبهم- فلم أر فیها من یعظم رسول الله ص تعظیم هذا الرجل- و لا یدعو کدعائه- فإنا قد وقفنا من نهج البلاغه- و من غیره على فصول کثیره مناسبه لهذا الفصل- تدل على إجلال عظیم- و تبجیل شدید منه لرسول الله ص- فقال و من أین لغیره من الصحابه کلام مدون- یتعلم منه کیفیه ذکرهم للنبی ص- و هل وجد لهم إلا کلمات مبتدره- لا طائل تحتها- ثم قال إن علیا ع کان قوی الإیمان برسول الله ص- و التصدیق له ثابت الیقین- قاطعا بالأمر متحققا له- و کان‏ مع ذلک یحب رسول الله ص- لنسبته منه و تربیته له- و اختصاصه به من دون أصحابه- و بعد فشرفه له لأنهما نفس واحده فی جسمین- الأب واحد و الدار واحده و الأخلاق متناسبه- فإذا عظمه فقد عظم نفسه- و إذا دعا إلیه فقد دعا إلى نفسه- و لقد کان یود أن تطبق دعوه الإسلام مشارق الأرض و مغاربها- لأن جمال ذلک لاحق به و عائد علیه- فکیف لا یعظمه و یبجله و یجتهد فی إعلاء کلمته- .

فقلت له- قد کنت الیوم أنا و جعفر بن مکی الشاعر- نتجاذب هذا الحدیث- فقال جعفر- لم ینصر رسول الله ص أحد- نصره أبی طالب و بنیه له- أما أبو طالب فکفله و رباه- ثم حماه من قریش عند إظهار الدعوه- بعد إصفاقهم و إطباقهم على قتله- و أما ابنه جعفر- فهاجر بجماعه من المسلمین إلى أرض الحبشه- فنشر دعوته بها- و أما علی فإنه أقام عماد المله بالمدینه- ثم لم یمن أحد من القتل و الهوان- و التشرید بما منی به بنو أبی طالب- أما جعفر فقتل یوم مؤته- و أما علی فقتل بالکوفه- بعد أن شرب نقیع الحنظل و تمنى الموت- و لو تأخر قتل ابن ملجم- لمات أسفا و کمدا- ثم قتل ابناه بالسم و السیف و قتل بنوه الباقون مع أخیهم بالطف- و حملت نساؤهم على الأقتاب سبایا إلى الشام- و لقیت ذریتهم و أخلافهم بعد ذلک- من القتل و الصلب و التشرید فی البلاد- و الهوان و الحبس و الضرب ما لا یحیط الوصف بکنهه- فأی خیر أصاب هذا البیت من نصرته- و محبته و تعظیمه بالقول و الفعل- فقال رحمه الله و أصاب فیما قال- فهلا قلت یَمُنُّونَ عَلَیْکَ أَنْ أَسْلَمُوا- قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَیَّ إِسْلامَکُمْ- بَلِ اللَّهُ یَمُنُّ عَلَیْکُمْ أَنْ هَداکُمْ لِلْإِیمانِ- إِنْ کُنْتُمْ صادِقِینَ- .

ثم قال و هلا قلت له- فقد نصرته الأنصار و بذلت مهجها دونه- و قتلت بین یدیه فی‏ مواطن کثیره- و خصوصا یوم أحد ثم اهتضموا بعده- و استؤثر علیهم- و لقوا من المشاق و الشدائد ما یطول شرحه- و لو لم یکن إلا یوم الحره- فإنه الیوم الذی لم یکن فی العرب مثله- و لا أصیب قوم قط- بمثل ما أصیب به الأنصار ذلک الیوم- ثم قال إن الله تعالى زوى الدنیا- عن صالحی عباده و أهل الإخلاص له- لأنه لم یرها ثمنا لعبادتهم- و لا کفؤا لإخلاصهم- و أرجأ جزاءهم إلى دار أخرى غیر هذه الدار- فی مثلها یتنافس المتنافسون: مِنْهَا فِی خِطَابِ أَصْحَابِهِ- وَ قَدْ بَلَغْتُمْ مِنْ کَرَامَهِ اللَّهِ تَعَالَى لَکُمْ- مَنْزِلَهً تُکْرَمُ بِهَا إِمَاؤُکُمْ- وَ تُوصَلُ بِهَا جِیرَانُکُمْ- وَ یُعَظِّمُکُمْ مَنْ لَا فَضْلَ لَکُمْ عَلَیْهِ- وَ لَا یَدَ لَکُمْ عِنْدَهُ- وَ یَهَابُکُمْ مَنْ لَا یَخَافُ لَکُمْ سَطْوَهً- وَ لَا لَکُمْ عَلَیْهِ إِمْرَهٌ- وَ قَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اللَّهِ مَنْقُوضَهً فَلَا تَغْضَبُونَ- وَ أَنْتُمْ لِنَقْضِ ذِمَمِ آبَائِکُمْ تَأْنَفُونَ- وَ کَانَتْ أُمُورُ اللَّهِ عَلَیْکُمْ تَرِدُ- وَ عَنْکُمْ تَصْدُرُ وَ إِلَیْکُمْ تَرْجِعُ- فَمَکَّنْتُمُ الظَّلَمَهَ مِنْ مَنْزِلَتِکُمْ- وَ أَلْقَیْتُمْ إِلَیْهِمْ أَزِمَّتَکُمْ- وَ أَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللَّهِ فِی أَیْدِیهِمْ- یَعْمَلُونَ بِالشُّبُهَاتِ- وَ یَسِیرُونَ فِی الشَّهَوَاتِ- وَ ایْمُ اللَّهِ لَوْ فَرَّقُوکُمْ تَحْتَ کُلِّ کَوْکَبٍ- لَجَمَعَکُمُ اللَّهُ لِشَرِّ یَوْمٍ لَهُمْ هذاخطاب لأصحابه- الذین أسلموا مدنهم و نواحیهم إلى جیوش معاویه- التی کان‏ یغیر بها- على أطراف أعمال علی ع کالأنبار و غیرها- مما تقدم ذکرنا له- قال لهم إن الله أکرمکم بالإسلام- بعد أن کنتم مجوسا أو عباد أصنام- و بلغتم من کرامته إیاکم بالإسلام منزله عظیمه- أکرم بها إماؤکم و عبیدکم- و من کان مظنه المهنه و المذله- .

و وصل بها جیرانکم- أی من التجأ إلیکم من معاهد أو ذمی- فإن الله تعالى حفظ لهم ذمام المجاوره لکم- حتى عصم دماءهم و أموالهم- و صرتم إلى حال یعظمکم بها من لا فضل لکم علیه- و لا نعمه لکم عنده کالروم و الحبشه- فإنهم عظموا مسلمی العرب- لتقمصهم لباس الإسلام و الدین- و لزومهم ناموسه- و إظهارهم شعاره- . و یهابکم من لا یخاف لکم سطوه- و لا لکم علیه إمره- کالملوک الذین فی أقاصی البلاد- نحو الهند و الصین و أمثالها- و ذلک لأنهم هابوا دوله الإسلام- و إن لم یخافوا سطوه سیفها- لأنه شاع و ذاع أنهم قوم صالحون- إذا دعوا الله استجاب لهم- و أنهم یقهرون الأمم بالنصر السماوی و بالملائکه- لا بسیوفهم و لا بأیدیهم- قیل إن العرب لما عبرت دجله- إلى القصر الأبیض الشرقی بالمدائن- عبرتها فی أیام مدها- و هی کالبحر الزاخر على خیولها و بأیدیها رماحها- و لا دروع علیها و لا بیض- فهربت الفرس بعد رمی شدید منها للعرب بالسهام- و هم یقدمون و یحملون- و لا تهولهم السهام- فقال فلاح نبطی بیده مسحاته- و هو یفتح الماء إلى زرعه- لأسوار من الأساوره معروف بالبأس و جوده الرمایه- ویلکم أ مثلکم فی سلاحکم- یهرب من هؤلاء القوم الحاسرین- و لذعه باللوم و التعنیف- فقال له أقم مسحاتک فأقامها فرماها- فخرق الحدید حتى عبر النصل إلى جانبها الآخر- ثم قال انظر الآن- ثم رمى بعض العرب المارین علیه عشرین سهما- لم یصبه و لا فرسه منها بسهم واحد- و إنه لقریب منه غیر بعید- و لقد کان بعض السهام یسقط بین یدی الأسوار- فقال له بالفارسیه- أ علمت أن القوم مصنوع لهم قال نعم- .

ثم قال ع- ما لکم لا تغضبون- و أنتم ترون عهود الله منقوضه و إن من العجب أن یغضب الإنسان- و یأنف من نقض عهد أبیه- و لا یغضب و لا یأنف لنقض عهود إلهه و خالقه- . ثم قال لهم- کانت الأحکام الشرعیه إلیکم- ترد منی و من تعلیمی إیاکم و تثقیفی لکم- ثم تصدر عنکم إلى من تعلمونه إیاها- من أتباعکم و تلامذتکم- ثم یرجع إلیکم- بأن یتعلمها بنوکم و إخوتکم- من هؤلاء الأتباع و التلامذه- ففررتم من الزحف- لما أغارت جیوش الشام علیکم- و أسلمتم منازلکم و بیوتکم و بلادکم إلى أعدائکم- و مکنتم الظلمه من منزلتکم- حتى حکموا فی دین الله بأهوائهم- و عملوا بالشبهه لا بالحجه- و اتسعوا فی شهواتهم و مآرب أنفسهم- . ثم أقسم بالله- إن أهل الشام لو فرقوکم تحت کل کوکب- لیجمعنکم الله لیوم و هو شر یوم لهم- و کنى بذلک عن ظهور المسوده- و انتقامها من أهل الشام و بنی أمیه- و کانت المسوده المنتقمه منهم عراقیه و خراسانیه

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۲۸

خطبه ۱۰۴ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۰۴ و من خطبه له ع

حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً ص- شَهِیداً وَ بَشِیراً وَ نَذِیراً- خَیْرَ الْبَرِیَّهِ طِفْلًا- وَ أَنْجَبَهَا کَهْلًا- وَ أَطْهَرَ الْمُطَهَّرِینَ شِیمَهً- وَ أَجْوَدَ الْمُسْتَمْطَرِینَ دِیمَهً- فَمَا احْلَوْلَتْ لَکُمُ الدُّنْیَا فِی لَذَّتِهَا- وَ لَا تَمَکَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلَافِهَا- إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ صَادَفْتُمُوهَا جَائِلًا خِطَامُهَا- قَلِقاً وَضِینُهَا- قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ- بِمَنْزِلَهِ السِّدْرِ الْمَخْضُودِ- وَ حَلَالُهَا بَعِیداً غَیْرَ مَوْجُودٍ- وَ صَادَفْتُمُوهَا وَ اللَّهِ ظِلًّا مَمْدُوداً- إِلَى أَجْلٍ مَعْدُودٍ- فَالْأَرْضُ لَکُمْ شَاغِرَهٌ- وَ أَیْدِیکُمْ فِیهَا مَبْسُوطَهٌ- وَ أَیْدِی الْقَادَهِ عَنْکُمْ مَکْفُوفَهٌ- وَ سُیُوفُکُمْ عَلَیْهِمْ مُسَلَّطَهٌ- وَ سُیُوفُهُمْ عَنْکُمْ مَقْبُوضَهٌ- أَلَا وَ إِنَّ لِکُلِّ دَمٍ ثَائِراً- وَ لِکُلِّ حَقٍّ طَالِباً- وَ إِنَّ الثَّائِرَ فِی دِمَائِنَا کَالْحَاکِمِ فِی حَقِّ نَفْسِهِ- وَ هُوَ اللَّهُ الَّذِی لَا یُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ- وَ لَا یَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ- فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ یَا بَنِی أُمَیَّهَ عَمَّا قَلِیلٍ- لَتَعْرِفُنَّهَا فِی أَیْدِی غَیْرِکُمْ- وَ فِی دَارِ عَدُوِّکُمْ معنى کون النبی ص شهیدا- أنه یشهد على الأمه- بما فعلته من طاعه و عصیان- أنجبها أکرمها- و رجل نجیب أی کریم- بین النجابه و النجبه مثل الهمزه- .

و یقال هو نجبه القوم أی النجیب منهم- و أنجب الرجل أی ولد ولدا نجیبا- و امرأه منجبه و منجاب تلد النجباء- و نسوه مناجیب- . و الشیمه الخلق- و الدیمه مطر یدوم- و المستمطرون المستجدون و المستماحون- و احلولت حلت- و قد عداه حمید بن ثور فی قوله-

فلما أتى عامان بعد انفصاله
عن الضرع و احلولى دماثا یرودها

 و لم یجئ افعوعل متعدیا إلا هذا الحرف- و حرف آخر و هو اعروریت الفرس- و هو الرضاع بفتح الراء- رضع الصبی أمه بکسر الضاد یرضعها رضاعا- مثل سمع یسمع سماعا- و أهل نجد یقولون رضع بالفتح یرضع بالکسر- مثل ضرب یضرب ضربا- و قال الأصمعی أخبرنی عیسى بن عمر- أنه سمع العرب تنشد هذا البیت-

و ذموا لنا الدنیا و هم یرضعونها
أفاویق حتى ما یدر لها ثعل‏

 بکسر الضاد و الأخلاف للناقه بمنزله الأطباء للکلبه- واحدها خلف بالکسر و هو حلمه الضرع- و الخطام زمام الناقه- خطمت البعیر زممته- و ناقه مخطومه و نوق مخطمه- . و الوضین للهودج بمنزله البطان للقتب- و التصدیر للرحل و الحزام للسرج- و هو سیور تنسج مضاعفه بعضها على بعض- یشد بها الهودج منه إلى بطن البعیر- و الجمع وضن- . و المخضود الذی خضد شوکه أی قطع- . و شاغره خالیه شغر المکان أی خلا- و بلده شاغره إذا لم تمتنع من غاره أحد- و الثائر طالب الثأر- لا یبقى على شی‏ء حتى یدرک ثأره- .

یقول ع مخاطبا لمن فی عصره من بقایا الصحابه- و لغیرهم من التابعین- الذین لم یدرکوا عصر رسول الله ص- إن الله بعث محمدا- و هو أکرم الناس شیمه- و أنداهم یدا و خیرهم طفلا- و أنجبهم کهلا- فصانه الله تعالى فی أیام حیاته- عن أن یفتح علیه الدنیا- و أکرمه عن ذلک فلم تفتح علیکم البلاد- و لا درت علیکم الأموال- و لا أقبلت الدنیا نحوکم- و ما دالت الدوله لکم إلا بعده- فتمکنتم من أکلها و التمتع بها- کما یتمکن الحالب من احتلاب الناقه فیحلبها- و حلت لذاتها لکم- و استطبتم العیشه- و وجدتموها حلوه خضره- .

ثم ذکر أنهم صادفوها یعنی الدنیا- و قد صعبت على من یلیها ولایه حق- کما تستصعب الناقه على راکبها- إذا کانت جائله الخطام- لیس زمامها بممکن راکبها من نفسه- قلقه الوضین- لا یثبت هودجها تحت الراکب- حرامها سهل التناول على من یریده- کالسدر الذی خضد عنه شوکه- فصار ناعما أملس- و حلالها غیر موجود لغلبه الحرام علیه- و کونه صار مغمورا مستهلکا بالنسبه إلیه- و هذا إشاره إلى ما کان یقوله دائما- من استبداد الخلفاء قبله دونه بالأمر- و أنه کان الأولى و الأحق- .

فإن قلت إذا کانت الدنیا قلقه الوضین- جائله الخطام فهی صعبه الرکوب- و هذا ضد قوله حرامها بمنزله السدر المخضود- لأنه من الأمثال المضروبه للسهوله- قلت فحوى کلامه أن الدنیا جمحت به ع- فألقته عن ظهرها بعد أن کان راکبا لها- أو کالراکب لها لاستحقاقه رکوبها- و أنها صارت بعده کالناقه التی خلعت زمامها- أو أجالته فلا یتمکن راکبها من قبضه- و استرخى وضینها لشده ما کان صدر عنها- من النفار و التقحم- حتى أذرت راکبها- فصارت على حال لا یرکبها- إلا من هو موصوف برکوب غیر طبیعی- لأنه رکب ما لا ینبغی أن یرکب- فالذین ولوا أمرها ولوه‏ على غیر الوجه- کما أن راکب هذه الناقه- یرکبها على غیر الوجه- و لهذا لم یقل- فصار حرامها بمنزله السدر المخضود- بل قال عند أقوام فخصص- . و هذا الکلام کله محمول عند أصحابنا على التألم- من کون المتقدمین ترکوا الأفضل- کما قدمناه فی أول الکتاب- . ثم ذکر ع أن الدنیا فانیه- و أنها ظل ممدود إلى أجل معدود- ثم ذکر أن الأرض بهؤلاء السکان- فیها صوره خالیه من معنى- کما قال الشاعر

ما أکثر الناس لا بل ما أقلهم
الله یعلم أنی لم أقل فندا

إنی لأفتح عینی ثم أغمضها
على کثیر و لکن لا أرى أحدا

ثم أعاد الشکوى و التألم- فقال أیدیکم فی الدنیا مبسوطه- و أیدی مستحقی الرئاسه- و مستوجبی الأمر مکفوفه- و سیوفکم مسلطه علی أهل البیت- الذین هم القاده و الرؤساء- و سیوفهم مقبوضه عنکم- و کأنه کان یرمز إلى ما سیقع- من قتل الحسین ع و أهله- و کأنه یشاهد ذلک عیانا- و یخطب علیه- و یتکلم على الخاطر الذی سنح له- و الأمر الذی کان أخبر به- ثم قال إن لکل دم ثائرا یطلب القود- و الثائر بدمائنا لیس إلا الله وحده- الذی لا یعجزه مطلوب- و لا یفوته هارب- .

و معنى قوله ع کالحاکم فی حق نفسه- أنه تعالى لا یقصر فی طلب دمائنا- کالحاکم الذی یحکم لنفسه- فیکون هو القاضی و هو الخصم- فإنه إذا کان کذلک- یکون مبالغا جدا فی استیفاء حقوقه- . ثم أقسم و خاطب بنی أمیه- و صرح بذکرهم- أنهم لیعرفن الدنیا- عن قلیل فی أیدی غیرهم و فی دورهم- و أن الملک سینتزعه منهم أعداؤهم- و وقع الأمر بموجب إخباره ع‏ فإن الأمر بقی فی أیدی بنی أمیه- قریبا من تسعین سنه- ثم عاد إلى البیت الهاشمی- و انتقم الله تعالى منهم- على أیدی أشد الناس عداوه لهم 

هزیمه مروان بن محمد فی موقعه الزاب- ثم مقتله بعد ذلک

سار عبد الله بن علی بن عبد الله بن العباس- فی جمع عظیم للقاء مروان بن محمد بن مروان- و هو آخر خلفاء الأمویین- فالتقیا بالزاب من أرض الموصل- و مروان فی جموع عظیمه و أعداد کثیره- فهزم مروان- و استولى عبد الله بن علی على عسکره- و قتل من أصحابه خلقا عظیما- و فر مروان هاربا- حتى أتى الشام و عبد الله یتبعه- فصار إلى مصر- فاتبعه عبد الله بجنوده- فقتله ببوصیر الأشمونین من صعید مصر- و قتل خواصه و بطانته کلها- و قد کان عبد الله قتل من بنی أمیه- على نهر أبی فطرس من بلاد فلسطین- قریبا من ثمانین رجلا- قتلهم مثله- و احتذى أخوه داود بن علی بالحجاز فعله- فقتل منهم قریبا من هذه العده بأنواع المثل- .

و کان مع مروان حین قتل ابناه عبد الله و عبید الله- و کانا ولیی عهده- فهربا فی خواصهما إلى أسوان من صعید مصر- ثم صارا إلى بلاد النوبه- و نالهم جهد شدید و ضر عظیم- فهلک عبد الله بن مروان فی جماعه- ممن کان معه قتلا و عطشا و ضرا- و شاهد من بقی منهم أنواع الشدائد و ضروب المکاره- و وقع عبید الله فی عده- ممن نجا معه فی أرض البجه- و قطعوا البحر إلى ساحل جده- و تنقل فیمن نجا معه- من أهله و موالیه فی البلاد مستترین راضین- أن یعیشوا سوقه بعد أن کانوا ملوکا- فظفر بعبد الله أیام السفاح- فحبس‏ فلم یزل فی السجن بقیه أیام السفاح- و أیام المنصور و أیام المهدی- و أیام الهادی و بعض أیام الرشید- و أخرجه الرشید و هو شیخ ضریر- فسأله عن خبره- فقال یا أمیر المؤمنین- حبست غلاما بصیرا- و أخرجت شیخا ضریرا- فقیل إنه هلک فی أیام الرشید- و قیل عاش إلى أن أدرک خلافه الأمین- .

شهد یوم الزاب مع مروان- فی إحدى الروایتین- إبراهیم بن الولید بن عبد الملک المخلوع- الذی خطب له بالخلافه بعد أخیه- یزید بن الولید بن عبد الملک- فقتل فیمن قتل- و فی الروایه الثانیه- أن إبراهیم قتله مروان الحمار قبل ذلک- . لما انهزم مروان یوم الزاب مضى نحو الموصل- فمنعه أهلها من الدخول- فأتى حران و کانت داره و مقامه- و کان أهل حران حین أزیل- لعن أمیر المؤمنین عن المنابر- فی أیام الجمع امتنعوا من إزالته- و قالوا لا صلاه إلا بلعن أبی تراب- فاتبعه عبد الله بن علی بجنوده- فلما شارفه خرج مروان- عن حران هاربا بین یدیه و عبر الفرات- و نزل عبد الله بن علی على حران- فهدم قصر مروان بها- و کان قد أنفق على بنائه عشره آلاف ألف درهم- و احتوى على خزائن مروان و أمواله- فسار مروان بأهله و عترته من بنی أمیه و خواصه- حتى نزل بنهر أبی فطرس- و سار عبد الله بن علی حتى نزل دمشق- فحاصرها و علیها من قبل مروان- الولید بن معاویه بن عبد الملک بن مروان- فی خمسین ألف مقاتل- فألقى الله تعالى بینهم العصبیه فی فضل نزار على الیمن- و فضل الیمن على نزار- فقتل الولید- و قیل بل قتل فی حرب عبد الله بن علی- و ملک عبد الله دمشق- فأتى یزید بن معاویه بن عبد الملک بن مروان- و عبد الجبار بن یزید بن عبد الملک بن مروان- فحملهما مأسورین إلى أبی العباس السفاح- فقتلهما و صلبهما بالحیره- و قتل عبد الله بن علی بدمشق خلقا کثیرا- من أصحاب مروان و موالی بنی أمیه و أتباعهم- و نزل عبد الله على نهر أبی فطرس- فقتل من بنی أمیه هناک بضعا و ثمانین رجلا- و ذلک فی ذی القعده من سنه ثنتین و ثلاثین و مائه شعر عبد الله بن عمرو العبلی فی رثاء قومهو فی قتلى نهر أبی فطرس و قتلى الزاب- یقول أبو عدی عبد الله بن عمرو العبلی- و کان أموی الرأی-

تقول أمامه لما رأت
نشوزی عن المضجع الأملس‏

و قله نومی على مضجعی‏
لدى هجعه الأعین النعس‏

أبی ما عراک فقلت الهموم
عرین أباک فلا تبلسی‏

عرین أباک فحبسنه‏
من الذل فی شر ما محبس‏

لفقد الأحبه إذ نالها
سهام من الحدث المبئس‏

رمتها المنون بلا نکل‏
و لا طائشات و لا نکس‏

بأسهمها المتلفات النفوس
متى ما تصب مهجه تخلس‏

فصر عنهم بنواحی البلاد
فملقى بأرض و لم یرمس‏

نقى أصیب و أثوابه
من العیب و العار لم تدنس‏

و آخر قد رس فی حفره
و آخر طار فلم یحسس‏

أفاض المدامع قتلى کدى
و قتلى بکثوه لم ترمس‏

و قتلى بوج و باللابتین‏
من یثرب خیر ما أنفس‏

و بالزابیین نفوس ثوت
و قتلى بنهر أبی فطرس‏

أولئک قومی أناخت بهم‏
نوائب من زمن متعس‏

إذا رکبوا زینوا الموکبین
و إن جلسوا زینه المجلس‏

و إن عن ذکرهم لم ینم‏
أبوک و أوحش فی المأنس‏

فذاک الذی غالنی فاعلمی
و لا تسألی بامرئ متعس‏

هم أضرعونی لریب الزمان‏
و هم ألصقوا الخد بالمعطس‏

أنفه بن مسلمه بن عبد الملک

و روى أبو الفرج الأصفهانی فی کتاب الأغانی- قال نظر عبد الله بن علی فی الحرب- إلى فتى علیه أبهه الشرف- و هو یحارب مستقتلا- فناداه یا فتى لک الأمان و لو کنت مروان بن محمد- قال إلا أکنه فلست بدونه- فقال و لک الأمان و لو کنت من کنت فأطرق- ثم أنشد

لذل الحیاه و کره الممات
و کلا أراه طعاما وبیلا

و إن لم یکن غیر إحداهما
فسیرا إلى الموت سیرا جمیلا

ثم قاتل حتى قتل- فإذا هو ابن مسلمه بن عبد الملکمما قیل من الشعر فی التحریض على قتل بنی أمیه و روى أبو الفرج أیضا- عن محمد بن خلف وکیع- قال دخل سدیف مولى آل أبی لهب- على أبی العباس بالحیره- و أبو العباس جالس على سریره- و بنو هاشم دونه على الکراسی- و بنو أمیه حوله على وسائد قد ثنیت لهم- و کانوا فی أیام دولتهم یجلسونهم- و الخلیفه منهم على الأسره- و یجلس بنو هاشم على الکراسی- فدخل الحاجب فقال یا أمیر المؤمنین- بالباب رجل حجازی أسود- راکب على نجیب متلثم- یستأذن و لا یخبر باسمه- و یحلف لا یحسر اللثام عن وجهه- حتى یرى أمیر المؤمنین- فقال هذا سدیف مولانا أدخله فدخل- فلما نظر إلى أبی العباس- و بنو أمیه حوله حسر اللثام عن وجهه- ثم أنشد

أصبح الملک ثابت الأساس
بالبهالیل من بنی العباس‏

بالصدور المقدمین قدیما
و البحور القماقم الرؤاس‏

یا إمام المطهرین من الذم
و یا رأس منتهى کل رأس‏

أنت مهدی هاشم و فتاها
کم أناس رجوک بعد أناس‏

لا تقیلن عبد شمس عثارا
و اقطعن کل رقله و غراس‏

أنزلوها بحیث أنزلها الله
بدار الهوان و الإنعاس‏

خوفها أظهر التودد منها
و بها منکم کحز المواسی‏

أقصهم أیها الخلیفه و احسم
عنک بالسیف شأفه الأرجاس‏

و اذکرن مصرع الحسین و زید
و قتیلا بجانب المهراس‏

و القتیل الذی بحران أمسى
ثاویا بین غربه و تناس‏
فلقد ساءنی و ساء سوائی‏
قربهم من نمارق و کراسی‏

نعم کلب الهراش مولاک شبل
لو نجا من حبائل الإفلاس‏

 قال فتغیر لون أبی العباس- و أخذه زمع و رعده- فالتفت بعض ولد سلیمان بن عبد الملک- إلى آخر فیهم کان إلى جانبه- فقال قتلنا و الله العبد- فأقبل أبو العباس علیهم- فقال یا بنی الزوانی- لا أرى قتلاکم من أهلی قد سلفوا- و أنتم أحیاء تتلذذون فی الدنیا- خذوهم فأخذتهم الخراسانیه بالکافر کوبات فأهمدوا- إلا ما کان من عبد العزیز بن عمر بن عبد العزیز- فإنه استجار بداود بن علی- و قال إن أبی لم یکن کآبائهم-

و قد علمت صنیعته إلیکم- فأجاره و استوهبه من السفاح- و قال له قد علمت صنیع أبیه إلینا- فوهبه له و قال لا یرینی وجهه- و لیکن بحیث نأمنه- و کتب إلى عماله فی الآفاق بقتل بنی أمیه- . فأما أبو العباس المبرد- فإنه روى فی الکامل هذا الشعر على غیر هذا الوجه- و لم ینسبه إلى سدیف- بل إلى شبل مولى بنی هاشم- . قال أبو العباس- دخل شبل بن عبد الله مولى بنی هاشم على عبد الله بن علی- و قد أجلس ثمانین من بنی أمیه على سمط الطعام- فأنشده

أصبح الملک ثابت الأساس
بالبهالیل من بنی العباس‏

طلبوا وتر هاشم و شفوها
بعد میل من الزمان و یأس‏

لا تقیلن عبد شمس عثارا
و اقطعن کل رقله و أواسی‏

ذلها أظهر التودد منها
و بها منکم کحز المواسی‏

و لقد غاظنی و غاظ سوائی
قربها من نمارق و کراسی‏

أنزلوها بحیث أنزلها الله‏
بدار الهوان و الإنعاس‏

و اذکرا مصرع الحسین و زید
و قتلا بجانب المهراس‏

و القتیل الذی بحران أضحى‏
ثاویا بین غربه و تناس‏

نعم شبل الهراش مولاک شبل
لو نجا من حبائل الإفلاس‏

فأمر بهم عبد الله فشدخوا بالعمد- و بسطت البسط علیهم- و جلس علیها و دعا بالطعام- و إنه لیسمع أنین بعضهم حتى ماتوا جمیعا- و قال لشبل- لو لا أنک خلطت شعرک بالمسأله لأغنمتک أموالهم- و لعقدت لک على جمیع موالی بنی هاشم- . قال أبو العباس الرقله النخله الطویله- و الأواسی جمع آسیه و هی أصل البناء کالأساس- و قتیل المهراس حمزه ع- و المهراس ماء بأحد- و قتیل حران إبراهیم الإمام- . قال أبو العباس- فأما سدیف فإنه لم یقم هذا المقام- و إنما قام مقاما آخر- دخل على أبی العباس السفاح- و عنده سلیمان بن هشام بن عبد الملک- و قد أعطاه یده فقبلها و أدناه- فأقبل على السفاح- و قال له

لا یغرنک ما ترى من رجال
إن تحت الضلوع داء دویا

فضع السیف و ارفع السوط حتى‏
لا ترى فوق ظهرها أمویا

فقال سلیمان ما لی و لک أیها الشیخ- قتلتنی قتلک الله- فقام أبو العباس- فدخل و إذا المندیل قد ألقی فی عنق سلیمان- ثم جر فقتل- . فأما سلیمان بن یزید بن عبد الملک بن مروان- فقتل بالبلقاء- و حمل رأسه إلى عبد الله بن علی

أخبار متفرقه فی انتقال الملک من بنی أمیه إلى بنی العباس

و ذکر صاحب مروج الذهب- أنه أرسل عبد الله أخاه صالح بن علی- و معه عامر بن إسماعیل- أحد الشیعه الخراسانیه إلى مصر- فلحقوا مروان ببوصیر- فقتلوه و قتلوا کل من کان معه من أهله و بطانته- و هجموا على الکنیسه التی فیها بناته و نساؤه- فوجدوا خادما- بیده سیف مشهور یسابقهم على الدخول- فأخذوه و سألوه عن أمره- فقال إن‏ أمیر المؤمنین أمرنی- إن هو قتل أن أقتل بناته و نساءه کلهن- قبل أن تصلوا إلیهن- فأرادوا قتله- فقال لا تقتلونی- فإنکم إن قتلتمونی- فقدتم میراث رسول الله ص فقالوا و ما هو- فأخرجهم من القریه إلى کثبان من الرمل- فقال اکشفوا هاهنا- فإذا البرده و القضیب و قعب مخضب- قد دفنها مروان ضنا بها- أن تصیر إلى بنی هاشم- فوجه به عامر بن إسماعیل إلى صالح بن علی- فوجه به صالح إلى أخیه عبد الله- فوجه به عبد الله إلى أبی العباس- و تداوله خلفاء بنی العباس من بعد- .

و أدخل بنات مروان و حرمه و نساؤه- على صالح بن علی- فتکلمت ابنه مروان الکبرى- فقالت یا عم أمیر المؤمنین- حفظ الله لک من أمرک ما تحب حفظه- و أسعدک فی أحوالک کلها- و عمک بخواص نعمه- و شملک بالعافیه فی الدنیا و الآخره- نحن بناتک و بنات أخیک و ابن عمک- فلیسعنا من عدلکم ما وسعنا من جورکم- قال إذا لا نستبقی منکم أحدا- لأنکم قد قتلتم إبراهیم الإمام- و زید بن علی و یحیى بن زید- و مسلم بن عقیل- و قتلتم خیر أهل الأرض- حسینا و إخوته و بنیه و أهل بیته- و سقتم نساءه سبایا- کما یساق ذراری الروم- على الأقتاب إلى الشام- فقال یا عم أمیر المؤمنین فلیسعنا عفوکم إذا- قال أما هذا فنعم- و إن أحببت زوجتک من ابنی الفضل بن صالح- قالت یا عم أمیر المؤمنین- و أی ساعه عرس ترى- بل تلحقنا بحران- فحملهن إلى حران- .

کان عبد الرحمن بن حبیب بن مسلمه الفهری- عامل إفریقیه لمروان- فلما حدثت الحادثه هرب عبد الله و العاص- ابنا الولید بن یزید بن عبد الملک إلیه- فاعتصما به فخاف‏ على نفسه منهما- و رأى میل الناس إلیهما فقتلهما- و کان عبد الرحمن بن معاویه بن هشام بن عبد الملک- یرید أن یقصده و یلتجئ إلیه- فلما علم ما جرى لابنی الولید بن یزید- خاف منه فقطع المجاز بین إفریقیه و الأندلس- و رکب البحر حتى حصل بالأندلس- فالأمراء الذین ولوها کانوا من ولده- .

ثم زال أمرهم و دولتهم على أیدی بنی هاشم أیضا- و هم بنو حمود الحسنیون- من ولد إدریس بن الحسن ع- . لما قتل عامر بن إسماعیل مروان ببوصیر- و احتوى على عسکره- دخل إلى الکنیسه التی کان فیها- فقعد على فراشه- و أکل من طعامه- فقالت له ابنه مروان الکبرى- و تعرف بأم مروان- یا عامر إن دهرا أنزل مروان عن فرشه- حتى أقعدک علیها- تأکل من طعامه لیله قتله- محتویا على أمره- حاکما فی ملکه و حرمه و أهله- لقادر أن یغیر ذلک- فأنهی هذا الکلام إلى أبی العباس السفاح- فاستهجن ما فعله عامر بن إسماعیل- و کتب إلیه- أ ما کان لک فی أدب الله ما یزجرک- أن تقعد فی مثل تلک الساعه على مهاد مروان- و تأکل من طعامه- أما و الله لو لا أن أمیر المؤمنین- أنزل ما فعلته على غیر اعتقاد منک- لذلک و لا نهم على طعام- لمسک من غضبه و ألیم أدبه- ما یکون لک زاجرا و لغیرک واعظا- فإذا أتاک کتاب أمیر المؤمنین- فتقرب إلى الله بصدقه تطفئ بها غضبه- و صلاه تظهر فیها الخشوع و الاستکانه له- و صم ثلاثه أیام- و تب إلى الله من جمیع ما یسخطه و یغضبه- و مر جمیع أصحابک أن یصوموا مثل صیامک- . و لما أتی أبو العباس برأس مروان- سجد فأطال- ثم رفع رأسه- و قال الحمد لله الذی‏ لم یبق ثأرنا قبلک و قبل رهطک- الحمد لله الذی أظفرنا بک- و أظهرنا علیک- ما أبالی متى طرقنی الموت- و قد قتلت بالحسین ع ألفا من بنی أمیه- و أحرقت شلو هشام بابن عمی زید بن علی- کما أحرقوا شلوه- و تمثل

لو یشربون دمی لم یرو شاربهم
و لا دماؤهم جمعا تروینی‏

 ثم حول وجهه إلى القبله- فسجد ثانیه ثم جلس فتمثل-

أبى قومنا أن ینصفونا فأنصفت
قواطع فی أیماننا تقطر الدما

إذا خالطت هام الرجال ترکتها
کبیض نعام فی الثرى قد تحطما

 ثم قال أما مروان فقتلناه بأخی إبراهیم- و قتلنا سائر بنی أمیه بحسین- و من قتل معه و بعده من بنی عمنا أبی طالب- . و روى المسعودی فی کتاب مروج الذهب- عن الهیثم بن عدی- قال حدثنی عمرو بن هانئ الطائی- قال خرجت مع عبد الله بن علی- لنبش قبور بنی أمیه فی أیام أبی العباس السفاح- فانتهینا إلى قبر هشام بن عبد الملک- فاستخرجناه صحیحا- ما فقدنا منه إلا عرنین أنفه- فضربه عبد الله بن علی ثمانین سوطا ثم أحرقه- و استخرجنا سلیمان بن عبد الملک من أرض دابق- فلم نجد منه شیئا إلا صلبه- و رأسه و أضلاعه فأحرقناه- و فعلنا مثل ذلک بغیرهما من بنی أمیه- و کانت قبورهم بقنسرین- ثم انتهینا إلى دمشق- فاستخرجنا الولید بن عبد الملک- فما وجدنا فی قبره قلیلا و لا کثیرا- و احتفرنا عن عبد الملک فما وجدنا إلا شئون رأسه- ثم احتفرنا عن یزید بن معاویه- فلم نجد منه إلا عظما واحدا- و وجدنا من موضع نحره إلى قدمه خطا واحدا أسود- کأنما خط بالرماد فی طول لحده- و تتبعنا قبورهم فی جمیع البلدان- أحرقنا ما وجدنا فیها منهم- .

قلت قرأت هذا الخبر- على النقیب أبی جعفر یحیى بن أبی زید العلوی بن عبد الله- فی سنه خمس و ستمائه- و قلت له أما إحراق هشام بإحراق زید فمفهوم- فما معنى جلده ثمانین سوطا- فقال رحمه الله تعالى- أظن عبد الله بن علی ذهب فی ذلک إلى حد القذف- لأنه یقال إنه قال لزید یا ابن الزانیه- لما سب أخاه محمدا الباقر ع- فسبه زید- و قال له سماه رسول الله ص الباقر- و تسمیه أنت البقره- لشد ما اختلفتما و لتخالفنه فی الآخره- کما خالفته فی الدنیا فیرد الجنه و ترد النار- .

و هذا استنباط لطیف- . قال مروان لکاتبه عبد الحمید بن یحیى- حین أیقن بزوال ملکه- قد احتجت إلى أن تصیر مع عدوی و تظهر الغدر بی- فإن إعجابهم ببلاغتک- و حاجتهم إلى کتابتک- تدعوهم إلى اصطناعک و تقریبک- فإن استطعت أن تسعى لتنفعنی فی حیاتی- و إلا فلن تعجز عن حفظ حرمی بعد وفاتی- فقال عبد الحمید- إن الذی أشرت به هو أنفع الأمرین لی- و أقبحهما بی- و ما عندی إلا الصبر معک- حتى یفتح الله لک أو أقتل بین یدیک- ثم أنشد

أسر وفاء ثم أظهر غدره
فمن لی بعذر یوسع الناس ظاهره‏

فثبت على حاله- و لم یصر إلى بنی هاشم حتى قتل مروان- ثم قتل هو بعده صبرا- .و قال إسماعیل بن عبد الله القسری- دعانی مروان- و قد انتهت به الهزیمه إلى حران- فقال یا أبا هاشم و ما کان یکنینی قبلها- قد ترى ما جاء من الأمر- و أنت الموثوق به و لا عطر بعد عروس ما الرأی عندک- فقلت یا أمیر المؤمنین علام أجمعت- قال ارتحل بموالی و من تبعنی حتى آتی الدرب- و أمیل إلى بعض مدن الروم- فأنزلها و أکاتب ملک الروم و أستوثق منه- فقد فعل ذلک جماعه من ملوک الأعاجم- و لیس هذا عارا على الملوک- فلا یزال یأتینی من الأصحاب الخائف- و الهارب و الطامع فیکثر من معی- و لا أزال على ذلک حتى یکشف الله أمری-

و ینصرنی على عدوی- فلما رأیت ما أجمع علیه من ذلک- و کان الرأی- و رأیت آثاره فی قومه من نزار و عصبیته- على قومی من قحطان غششته- فقلت أعیذک بالله یا أمیر المؤمنین من هذا الرأی- أن تحکم أهل الشرک فی بناتک و حرمک- و هم الروم لا وفاء لهم- و لا یدرى ما تأتی به الأیام- و إن حدث علیک حدث من أرض النصرانیه- و لا یحدثن الله علیک إلا خیرا ضاع من بعدک- و لکن اقطع الفرات- و استنفر الشام جندا جندا- فإنک فی کنف و عده- و لک فی کل جند صنائع و أصحاب- إلى أن تأتی مصر- فهی أکثر أرض الله مالا و خیلا و رجالا- و الشام أمامک و إفریقیه خلفک-

فإن رأیت ما تحب انصرفت إلى الشام- و إن کانت الأخرى مضیت إلى إفریقیه- فقال صدقت و أستخیر الله- فقطع الفرات و الله ما قطعه معه من قیس إلا رجلان- ابن حدید السلمی و کان أخاه من الرضاعه- و الکوثر بن الأسود الغنوی- و غدر به سائر النزاریه مع تعصبه لهم- فلما اجتاز ببلاد قنسرین و خناصره- أوقعوا بساقته و وثب به أهل حمص- و صار إلى دمشق- فوثب به الحارث بن عبد الرحمن الحرشی ثم العقیلی- ثم أتى الأردن- فوثب به هاشم بن عمرو التمیمی- ثم مر بفلسطین- فوثب به أهلها- و علم مروان أن إسماعیل بن عبد الله- قد غشه فی الرأی- و لم یمحضه النصیحه- و أنه فرط فی مشورته إیاه-إذ شاور رجلا من قحطان موتورا شانئا له- و إن الرأی کان أول الذی هم به- من قطع الدرب و النزول- ببعض مدن الروم و مکاتبته ملکها- و لله أمر هو بالغه- .

لما نزل مروان بالزاب- جرد من رجاله- ممن اختاره من أهل الشام و الجزیره و غیرها- مائه ألف فارس- على مائه ألف قارح- ثم نظر إلیهم- و قال إنها لعده و لا تنفع العده- إذا انقضت المده- . لما أشرف عبد الله بن علی یوم الزاب فی المسوده و فی أوائلهم البنود السود- تحملها الرجال على الجمال البخت- و قد جعل لها بدلا من القنا خشب الصفصاف و الغرب- قال مروان لمن قرب منه- أ ما ترون رماحهم کأنها النخل غلظا- أ ما ترون أعلامهم فوق هذه الإبل- کأنها قطع الغمام السود- فبینما هو ینظرها و یعجب- إذ طارت قطعه عظیمه من الغربان السود- فنزلت على أول عسکر عبد الله بن علی- و اتصل سوادها بسواد تلک الرایات و البنود- و مروان ینظر فازداد تعجبه- و قال أ ما ترون إلى السواد- قد اتصل بالسواد- حتى صار الکل کالسحب السود المتکاثفه- ثم أقبل على رجل إلى جنبه-

فقال أ لا تعرفنی من صاحب جیشهم- فقال عبد الله بن علی بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب- قال ویحک أ من ولد العباس هو قال نعم- قال و الله لوددت أن علی بن أبی طالب ع مکانه- فی هذا الصف- قال یا أمیر المؤمنین أ تقول هذا لعلی مع شجاعته التی ملأ الدنیا ذکرها- قال ویحک- إن علیا مع شجاعته صاحب دین- و إن الدین غیر الملک- و إنا نروی عن قدیمنا أنه لا شی‏ء لعلی- و لا لولده فی هذا- ثم قال من هو من ولد العباس-فإنی لا أثبت شخصه- قال هو الرجل الذی کان یخاصم بین یدیک- عبد الله بن معاویه بن عبد الله بن جعفر- فقال أذکرنی صورته و حلیته- قال هو الرجل الأقنى الحدید العضل- المعروق الوجه الخفیف اللحیه- الفصیح اللسان- الذی قلت لما سمعت کلامه یومئذ- یرزق الله البیان من یشاء- فقال و إنه لهو قال نعم- فقال إنا لله و إنا إلیه راجعون- أ تعلم لم صیرت الأمر بعدی لولدی عبد الله- و ابنی محمد أکبر سنا منه- قال لا قال إن آباءنا أخبرونا- أن الأمر صائر بعدی إلى رجل- اسمه عبد الله فولیته دونه- .

ثم بعث مروان- بعد أن حدث صاحبه بهذا الحدیث- إلى عبد الله بن علی سرا- فقال یا ابن عم إن هذا الأمر صائر إلیک- فاتق الله و احفظنی فی حرمی- فبعث إلیه عبد الله- أن الحق لنا فی دمک- و أن الحق علینا فی حرمک- . قلت إن مروان ظن- أن الخلافه تکون لعبد الله بن علی- لأن اسمه عبد الله- و لم یعلم أنها تکون لآخر اسمه عبد الله- و هو أبو العباس السفاح- . کان العلاء بن رافع سبط ذی الکلاع الحمیری- مؤنسا لسلیمان بن هشام بن عبد الملک- لا یکاد یفارقه- و کان أمر المسوده بخراسان- قد ظهر و دنوا من العراق- و اشتد إرجاف الناس- و نطق العدو بما أحب فی بنی أمیه و أولیائهم- . قال العلاء فإنی لمع سلیمان- و هو یشرب تجاه رصافه أبیه- و ذلک فی آخر أیام یزید الناقص- و عنده الحکم الوادی- و هو یغنیه بشعر العرجی-

إن الحبیب تروحت أجماله
أصلا فدمعک دائم إسباله‏

فاقن الحیاء فقد بکیت بعوله
لو کان ینفع باکیا إعواله‏

یا حبذا تلک الحمول و حبذا
شخص هناک و حبذا أمثاله‏

فأجاد ما شاء- و شرب سلیمان بن هشام بالرطل- و شربنا معه حتى توسدنا أیدینا- فلم أنتبه إلا بتحریک سلیمان إیای- فقمت مسرعا- و قلت ما شأن الأمیر- فقال على رسلک- رأیت کأنی فی مسجد دمشق- و کأن رجلا على یده حجر- و على رأسه تاج أرى بصیص ما فیه من الجوهر- و هو رافع صوته بهذا الشعر-

أ بنی أمیه قد دنا تشتیتکم
و ذهاب ملککم و لیس براجع‏

و ینال صفوته عدو ظالم‏
کأسا لکم بسمام موت ناقع‏

فقلت أعیذ الأمیر بالله وساوس الشیطان الرجیم- هذا من أضغاث الأحلام- و مما یقتضیه و یجلبه الفکر- و سماع الأراجیف- فقال الأمر کما قلت لک- ثم وجم ساعه- و قال یا حمیری- بعید ما یأتی به الزمان قریب- قال العلاء- فو الله ما اجتمعنا على شراب بعد ذلک الیوم- . سئل بعض شیوخ بنی أمیه عقیب زوال الملک عنهم- ما کان سبب زوال ملککم- فقال جار عمالنا على رعیتنا- فتمنوا الراحه منا- و تحومل على أهل خراجنا فجلوا عنا- و خربت ضیاعنا فخلت بیوت أموالنا- و وثقنا بوزرائنا- فآثروا مرافقهم على منافعنا- و أمضوا أمورا دوننا أخفوا علمها عنا- و تأخر عطاء جندنا- فزالت طاعتهم لنا و استدعاهم عدونا- فظافروه على حربنا- و طلبنا أعداءنا فعجزنا عنهم لقله أنصارنا- و کان استتار الأخبار عنا- من أوکد أسباب زوال ملکنا- .

کان سعید بن عمر بن جعده بن هبیره المخزومی- أحد وزراء مروان و سماره- فلما ظهرأمر أبی العباس السفاح- انحاز إلى بنی هاشم- و مت إلیهم بأم هانئ بنت أبی طالب- و کانت تحت هبیره بن أبی وهب- فأتت منه بجعده- فصار من خواص السفاح و بطانته- فجلس السفاح یوما- و أمر بإحضار رأس مروان و هو بالحیره یومئذ- ثم قال للحاضرین أیکم یعرف هذا- فقال سعید أنا أعرفه- هذا رأس أبی عبد الملک مروان بن محمد بن مروان- خلیفتنا بالأمس رحمه الله تعالى- قال سعید- فحدقت إلی الشیعه و رمتنی بأبصارها- فقال لی أبو العباس- فی أی سنه کان مولده- قلت سنه ست و سبعین- فقام و قد تغیر لونه غضبا علی- و تفرق الناس من المجلس و تحدثوا به- فقلت زله و الله لا تستقال و لا ینساها القوم أبدا- فأتیت منزلی- فلم أزل باقی یومی أعهد و أوصی- فلما کان اللیل اغتسلت و تهیأت للصلاه- و کان أبو العباس إذا هم بأمر بعث فیه لیلا- فلم أزل ساهرا حتى أصبحت و رکبت بغلتی- و أفکرت فیمن أقصد فی أمری- فلم أجد أحدا أولى من سلیمان بن مجالد مولى بنی زهره- و کانت له من أبی العباس منزله عظیمه- و کان من شیعه القوم فأتیته- فقلت له أ ذکرنی أمیر المؤمنین البارحه- قال نعم جرى ذکرک- فقال هو ابن أختنا وفی لصاحبه- و نحن لو أولیناه خیرا لکان لنا أشکر- فشکرت لسلیمان بن مجالد ما أخبرنی به- و جزیته خیرا و انصرفت- فلم أزل من أبی العباس على ما کنت علیه- لا أرى منه إلا خیرا- .

و إنما ذلک المجلس إلى عبد الله بن علی- و إلى أبی جعفر المنصور- فأما عبد الله بن علی فکتب إلى أبی العباس یغریه بی- و یعاتبه على الإمساک عنی- و یقول له إنه لیس مثل هذا مما یحتمل- و کتب إلیه أبو جعفر یعذر لی- و ضرب الدهر ضربه- فأتى ذات یوم عند أبی العباس فنهض و نهضت- فقال لی على رسلک یا ابن هبیره- فجلست فرفع الستر- و دخل و ثبت فی مجلسه قلیلا- ثم خرج فی ثوبی وشی و رداء و جبه- فما رأیت و الله أحسن منه و لا مما علیه قط- فقال لی یا ابن هبیره- إنی ذاکر لک أمرا- فلا یخرجن من رأسک إلى أحد من الناس- قلت نعم- قال قد علمت ما جعلنا من هذا الأمر- و ولایه العهد لمن قتل مروان- و إنما قتله عمی عبد الله- بجیشه و أصحابه و نفسه و تدبیره- و أنا شدید الفکر فی أمر أخی أبی جعفر- فی فضله و علمه و سنه و إیثاره لهذا الأمر- کیف أخرجه عنه- فقلت أصلح الله أمیر المؤمنین- إنی أحدثک حدیثا تعتبر به- و تستغنی بسماعه عن مشاورتی-

قال هاته- فقلت کنا مع مسلمه بن عبد الملک عام الخلیج بالقسطنطینیه- إذ ورد علینا کتاب عمر بن عبد العزیز- ینعى سلیمان و مصیر الأمر إلیه فدخلت إلیه- فرمى الکتاب إلی فقرأته و استرجعت- و اندفع یبکی و أطال- فقلت أصلح الله الأمیر و أطال بقاءه- إن البکاء على الأمر الفائت عجز- و الموت منهل لا بد من ورده- فقال ویحک إنی لست أبکی على أخی- لکنی أبکی لخروج الأمر- عن ولد أبی إلى ولد عمی- فقال أبو العباس حسبک فقد فهمت عنک- ثم قال إذا شئت فانهض- فلما نهضت لم أمض بعیدا- حتى قال لی یا ابن هبیره فالتفت إلیه- فقال أما إنک قد کافأت أحدهما- و أخذت بثأرک من الآخر- قال سعید فو الله ما أدری من أی الأمرین أعجب- من فطنته أم من ذکره- . لما سایر عبد الله بن علی- فی آخر أیام بنی أمیه- عبد الله بن حسن بن حسن- و معهما داود بن علی- فقال داود لعبد الله بن الحسن- لم لا تأمر ابنیک بالظهور- فقال عبد الله بن حسن- لم یأن لهما بعد- فالتفت إلیه عبد الله بن علی- فقال أظنک ترى أن ابنیک قاتلا مروان- فقال عبد الله بن حسن- إنه ذلک قال هیهات ثم تمثل-

سیکفیک الجعاله مستمیت
خفیف الحاذ من فتیان جرم‏

أنا و الله أقتل مروان- و أسلبه ملکه- لا أنت و لا ولداک- . و قد روى أبو الفرج الأصفهانی- فی کتاب الأغانی روایه أخرى- فی سبب قتل السفاح- لمن کان أمنه من بنی أمیه- قال حدث الزبیر بن بکار عن عمه- أن السفاح أنشد یوما قصیده مدح بها- و عنده قوم من بنی أمیه- کان آمنهم على أنفسهم- فأقبل على بعضهم- فقال أین هذا مما مدحتم به- فقال هیهات- لا یقول و الله أحد فیکم مثل قول ابن قیس الرقیات فینا-

ما نقموا من بنی أمیه إلا
أنهم یحلمون إن غضبوا

و أنهم معدن الملوک فما
تصلح إلا علیهم العرب‏

 فقال له یا ماص کذا من أمه- و إن الخلافه لفی نفسک بعد- خذوهم فأخذوا و قتلوا- . و روى أبو الفرج أیضا- أن أبا العباس دعا بالغداء حین قتلوا- و أمر ببساط فبسط علیهم- و جلس فوقه یأکل و هم یضطربون تحته- فلما فرغ قال- ما أعلم أنی أکلت أکله قط کانت أطیب- و لا أهنأ فی نفسی من هذه- فلما فرغ من الأکل- قال جروهم بأرجلهم- و ألقوهم فی الطریق- لیلعنهم الناس أمواتا- کما لعنوهم أحیاء- .

قال فلقد رأینا الکلاب تجرهم بأرجلهم- و علیهم سراویلات الوشی حتى أنتنوا- ثم حفرت لهم بئر فألقوا فیها- . قال أبو الفرج و روى عمر بن شبه- قال حدثنی محمد بن معن الغفاری- عن معبد الأنباری عن أبیه- قال لما أقبل داود بن علی من مکه- أقبل معه بنو حسن جمیعا- و فیهم عبد الله بن حسن بن حسن- و أخوه حسن بن الحسن- و معهم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان- و هو أخو عبد الله بن الحسن لأمه- فعمل داود مجلسا ببعض الطریق- جلس فیه هو و الهاشمیون کلهم- و جلس الأمویون تحتهم- فجاء ابن هرمه فأنشده قصیده یقول فیها-

فلا عفا الله عن مروان مظلمه
و لا أمیه بئس المجلس النادی‏

کانوا کعاد فأمسى الله أهلکهم‏
بمثل ما أهلک الغاوین من عاد

فلن یکذبنی من هاشم أحد
فیما أقول و لو أکثرت تعدادی‏

قال فنبذ داود نحو عبد الرحمن- بن عنبسه بن سعید بن العاص- ضحکه کالکشره- فلما قاموا قال عبد الله بن الحسن- لأخیه الحسن بن الحسن- أ ما رأیت ضحک داود إلى ابن عنبسه- الحمد لله الذی صرفها عن أخی- یعنی العثمانی- قال فما هو إلا أن قدم المدینه- حتى قتل ابن عنبسه- . قال أبو الفرج و حدثنی محمد بن معن- قال حدثنی محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان- قال استحلف أخی عبد الله بن الحسن داود بن علی- و قد حج معه سنه اثنتین و ثلاثین و مائه- بطلاق امرأته ملیکه بنت داود بن الحسن- ألا یقتل أخویه محمدا و القاسم- ابنی عبد الله بن عمرو بن عثمان- قال فکنت أختلف إلیه آمنا- و هو یقتل بنی أمیه- و کان یکره أن یرانی أهل خراسان- و لا یستطیع إلی سبیلا لیمینه- فاستدنانی یوما فدنوت منه- فقال ما أکثر الغفله- و أقل الحزمه- فأخبرت بها أخی عبد الله بن الحسن- فقال یا ابن أم- تغیب عن الرجل و أقل عنه- فتغیب حتى مات- . قلت إلا أن ذلک الدین الذی لم یقضه داود- قضاه أبو جعفر المنصور- . و روى أبو الفرج فی الکتاب المذکور- أن سدیفا أنشد أبا العباس- و عنده رجال من بنی أمیه فقال-

یا ابن عم النبی أنت ضیاء
استبنا بک الیقین الجلیا

 فلما بلغ قوله-

جرد السیف و ارفع العفو حتى
لا ترى فوق ظهرها أمویا

قطن البغض فی القدیم و أضحى‏
ثابتا فی قلوبهم مطویا

و هی طویله فقال أبو العباس- یا سدیف خلق الإنسان من عجل- ثم أنشد أبو العباس متمثلا-

أحیا الضغائن آباء لنا سلفوا
فلن تبید و للآباء أبناء

ثم أمر بمن عنده فقتلوا- . و روى أبو الفرج أیضا- عن علی بن محمد بن سلیمان النوفلی- عن أبیه عن عمومته- أنهم حضروا سلیمان بن علی بالبصره- و قد حضر جماعه من بنی أمیه عنده- علیهم الثیاب الموشاه المرتفعه- قال أحد الرواه المذکورین- فکأنی أنظر إلى أحدهم- و قد أسود شیب فی عارضیه من الغالیه- فأمر بهم فقتلوا و جروا بأرجلهم- فألقوا على الطریق- و إن علیهم لسراویلات الوشی- و الکلاب تجرهم بأرجلهم- . و روى أبو الفرج أیضا عن طارق بن المبارک- عن أبیه قال- جاءنی رسول عمرو بن معاویه- بن عمرو بن عتبه بن أبی سفیان- قال یقول لک عمرو- قد جاءت هذه الدوله- و أنا حدیث السن کثیر العیال منتشر الأموال- فما أکون فی قبیله إلا شهر أمری و عرفت- و قد عزمت على أن أخرج من الاستتار- و أفدی حرمی بنفسی- و أنا صائر إلى باب الأمیر سلیمان بن علی- فصر إلی- فوافیته فإذا علیه طیلسان أبیض مطبق- و سراویل وشی مسدول- فقلت یا سبحان الله ما تصنع الحداثه بأهلها- أ بهذا اللباس تلقى هؤلاء القوم-

لما ترید لقاءهم فیه- فقال لا و الله- و لکن لیس عندی ثوب إلا أشهر مما ترى- فأعطیته طیلسانی و أخذت طیلسانه- و لویت سراویله إلى رکبتیه- فدخل إلی سلیمان- ثم خرج مسرورا- فقلت له حدثنی ما جرى بینک و بین الأمیر- قال دخلت علیه و لم یرنی قط- فقلت أصلح الله الأمیر- لفظتنی البلاد إلیک و دلنی فضلک‏علیک- إما قتلتنی غانما- و إما أمنتنی سالما- فقال و من أنت حتى أعرفک فانتسبت له-

فقال مرحبا بک اقعد فتکلم سالما آمنا- ثم أقبل علی فقال حاجتک یا ابن أخی- فقلت إن الحرم اللواتی أنت أقرب الناس إلیهن معنا- و أولى الناس بهن بعدنا- قد خفن لخوفنا و من خاف خیف علیه- فو الله ما أجابنی إلا بدموعه على خدیه- ثم قال یا ابن أخی یحقن الله دمک- و یحفظک فی حرمک- و یوفر علیک مالک- فو الله لو أمکننی ذلک فی جمیع قومک لفعلت- فکن متواریا کظاهر و آمنا کخائف- و لتأتنی رقاعک- قال فو الله لقد کنت أکتب إلیه- کما یکتب الرجل إلى أبیه و عمه- قال فلما فرغ من الحدیث- رددت علیه طیلسانه- فقال مهلا فإن ثیابنا إذا فارقتنا لم ترجع إلینا- . و روى أبو الفرج الأصفهانی- قال أخبرنی أحمد بن عبد العزیز الجوهری- عن عمر بن شبه قال- قال سدیف لأبی العباس یحضه على بنی أمیه- و یذکر من قتل مروان و بنو أمیه من أهله-

کیف بالعفو عنهم و قدیما
قتلوکم و هتکوا الحرمات‏

أین زید و أین یحیى بن زید
یا لها من مصیبه وترات‏

و الإمام الذی أصیب بحران
إمام الهدى و رأس الثقات‏

قتلوا آل أحمد لا عفا الذنب‏
لمروان غافر السیئات‏

 قال أبو الفرج- و أخبرنی علی بن سلیمان الأخفش- قال أنشدنی محمد بن یزید المبرد- لرجل من شیعه بنی العباس یحضهم على بنی أمیه-

إیاکم أن تلینوا لاعتذارهم
فلیس ذلک إلا الخوف و الطمع‏

لو أنهم أمنوا أبدوا عداوتهم‏
لکنهم قمعوا بالذل فانقمعوا

أ لیس فی ألف شهر قد مضت لهم
سقیتم جرعا من بعدها جرع‏

حتى إذا ما انقضت أیام مدتهم‏
متوا إلیکم بالأرحام التی قطعوا

هیهات لا بد أن یسقوا بکأسهم
ریا و أن یحصدوا الزرع الذی زرعوا

إنا و إخواننا الأنصار شیعتکم‏
إذا تفرقت الأهواء و الشیع‏

 قال أبو الفرج- و روى ابن المعتز فی قصه سدیف مثل ما ذکرناه من قبل- إلا أنه قال فیها- فلما أنشده ذلک- التفت إلیه أبو الغمر سلیمان بن هشام- فقال یا ماص بظر أمه- أ تجبهنا بمثل هذا و نحن سروات الناس- فغضب أبو العباس- و کان سلیمان بن هشام صدیقه قدیما و حدیثا- یقضی حوائجه فی أیامهم و یبره- فلم یلتفت إلى ذلک و صاح بالخراسانیه- خذوهم فقتلوهم جمیعا إلا سلیمان بن هشام- فأقبل علیه أبو العباس- فقال یا أبا الغمر ما أرى لک فی الحیاه بعد هؤلاء خیرا- قال لا و الله قال فاقتلوه- و کان إلى جنبه فقتل و صلبوا فی بستانه- حتى تأذى جلساؤه بریحهم- فکلموه فی ذلک- فقال و الله إن ریحهم عندی لألذ و أطیب- من ریح المسک و العنبر- غیظا علیهم و حنقا- . قال أبو الفرج- و کان أبو سعید مولى فائد من موالیهم- یعد فی موالی عثمان بن عفان- و اسم أبی سعید إبراهیم- و هو من شعرائهم الذین رثوهم- و بکوا على دولتهم و أیامهم- فمن شعره بعد زوال أمرهم-

بکیت و ما ذا یرد البکاء
و قل البکاء لقتلى کداء

أصیبوا معا فتولوا معا
کذلک کانوا معا فی رخاء

بکت لهم الأرض من بعدهم
و ناحت علیهم نجوم السماء

و کانوا ضیاء فلما انقضى‏
الزمان بقومی تولى الضیاء

و من شعره فیهم-

أثر الدهر فی رجالی فقلوا
بعد جمع فراح عظمی مهیضا

ما تذکرتهم فتملک عینی‏
فیض دمع و حق لی أن تفیضا

و من شعره فیهم-

أولئک قومی بعد عز و ثروه-
تداعوا فإلا تذرف العین أکمد

کأنهم لأناس للموت غیرهم‏
و إن کان فیهم منصفا غیر معتد

و قال أبو الفرج رکب المأمون بدمشق یتصید- حتى بلغ جبل الثلج- فوقف فی بعض الطریق على برکه عظیمه- فی جوانبها أربع سروات- لم یر أحسن منها فنزل هناک- و جعل ینظر إلى آثار بنی أمیه- و یعجب منها و یذکرهم- ثم دعا بطبق علیه طعام فأکل- و أمر علویه فغنى-

أولئک قومی بعد عز و منعه
تفانوا فإلا تذرف العین أکمد

 و کان علویه من موالی بنی أمیه- فغضب المأمون- و قال یا ابن الفاعله- أ لم یکن لک وقت- تبکی فیه على قومک إلا هذا الوقت- قال کیف لا أبکی علیهم- و مولاکم زریاب- کان فی أیام دولتهم یرکب معهم فی مائه غلام- و أنا مولاهم معکم أموت جوعا- فقام المأمون‏ فرکب و انصرف الناس- و غضب على علویه عشرین یوما- و کلم فیه فرضی عنه- و وصله بعشرین ألف درهم- . لما ضرب عبد الله بن علی أعناق بنی أمیه- قال له قائل من أصحابه- هذا و الله جهد البلاء- فقال عبد الله کلا- ما هذا و شرطه حجام إلا سواء- إنما جهد البلاء فقر مدقع بعد غنى موسع- . خطب سلیمان بن علی لما قتل بنی أمیه بالبصره-

فقال وَ لَقَدْ کَتَبْنا فِی الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّکْرِ- أَنَّ الْأَرْضَ یَرِثُها عِبادِیَ الصَّالِحُونَ- قضاء فصل و قول مبرم- فالحمد لله الذی صدق عبده- و أنجز وعده و بعدا للقوم الظالمین- الذین اتخذوا الکعبه غرضا- و الدین هزوا و الفی‏ء إرثا و القرآن عضین- لقد حاق بهم ما کانوا به یستهزئون- و کأین ترى لهم من بئر معطله و قصر مشید- ذلک بما قدمت أیدیهم- و ما ربک بظلام للعبید- أمهلهم حتى اضطهدوا العتره- و نبذوا السنه- و استفتحوا و خاب کل جبار عنید- ثم أخذهم فهل تحس منهم من أحد- أو تسمع لهم رکزا- . ضرب الولید بن عبد الملک- علی بن عبد الله بن العباس بالسیاط- و شهره بین الناس یدار به على بعیر- و وجهه مما یلی ذنب البعیر- و صائح یصیح أمامه- هذا علی بن عبد الله الکذاب- فقال له قائل و هو على تلک الحال- ما الذی نسبوک إلیه من الکذب یا أبا محمد- قال بلغهم قولی إن هذا الأمر سیکون فی ولدی- و الله لیکونن فیهم-حتى یملکه عبیدهم الصغار العیون- العراض الوجوه- الذین کان وجوههم المجان المطرقه- . و روی أن علی بن عبد الله دخل على هشام- و معه ابنا ابنه الخلیفتان أبو العباس و أبو جعفر- فکلمه فیما أراد- ثم ولى فقال هشام- إن هذا الشیخ قد خرف و أهتر- یقول إن هذا الأمر سینتقل إلى ولده- فسمع علی بن عبد الله کلامه- فالتفت إلیه- و قال إی و الله لیکونن ذلک- و لیملکن هذان- .

و قد روى أبو العباس المبرد- فی کتاب الکامل هذا الحدیث- فقال دخل علی بن عبد الله بن العباس- على سلیمان بن عبد الملک- فیما رواه محمد بن شجاع البلخی- و معه ابنا ابنه الخلیفتان بعد- أبو العباس و أبو جعفر- فأوسع له على سریره و بره و سأله عن حاجته- فقال ثلاثون ألف درهم علی دین- فأمر بقضائها- قال و استوص بابنی هذین خیرا ففعل- فشکره علی بن عبد الله- و قال وصلتک رحم- فلما ولى قال سلیمان لأصحابه- إن هذا الشیخ قد اختل و أسن و خلط- و صار یقول إن هذا الأمر سینتقل إلى ولده- فسمع ذلک علی بن عبد الله- فالتفت إلیه- و قال إی و الله لیکونن ذلک و لیملکن هذان- .

قال أبو العباس المبرد- و فی هذه الروایه غلط- لأن الخلیفه فی ذلک الوقت لم یکن سلیمان- و إنما ینبغی أن یکون دخل على هشام- لأن محمد بن علی بن عبد الله بن العباس- کان یحاول التزویج فی بنی الحارث بن کعب- و لم یکن سلیمان بن عبد الملک یأذن له- فلما قام عمر بن عبد العزیز جاء- فقال إنی أردت أن أتزوج ابنه خالی- من بنی الحارث‏ بن کعب- فتأذن لی فقال عمر بن عبد العزیز- تزوج یرحمک الله من أحببت- فتزوجها فأولدها أبا العباس السفاح- و عمر بن عبد العزیز بعد سلیمان- و أبو العباس ینبغی ألا یکون تهیأ لمثله- أن یدخل على خلیفه حتى یترعرع- و لا یتم مثل هذا إلا فی أیام هشام بن عبد الملک- .

قال أبو العباس المبرد و قد جاءت الروایه- أن أمیر المؤمنین علیا ع لما ولد- لعبد الله بن العباس مولود- فقده وقت صلاه الظهر- فقال ما بال ابن العباس لم یحضر- قالوا ولد له ولد ذکر یا أمیر المؤمنین- قال فامضوا بنا إلیه فأتاه- فقال له شکرت الواهب- و بورک لک فی الموهوب- ما سمیته فقال یا أمیر المؤمنین- أ و یجوز لی أن أسمیه حتى تسمیه- فقال أخرجه إلی فأخرجه- فأخذه فحنکه و دعا له ثم رده إلیه- و قال خذ إلیک أبا الأملاک- قد سمیته علیا و کنیته أبا الحسن- قال فلما قدم معاویه خلیفه- قال لعبد الله بن العباس- لا أجمع لک بین الاسم و الکنیه- قد کنیته أبا محمد فجرت علیه- .

قلت- سألت النقیب أبا جعفر یحیى- بن محمد بن أبی زید رحمه الله تعالى- فقلت له من أی طریق عرف بنو أمیه- أن الأمر سینتقل عنهم- و أنه سیلیه بنو هاشم- و أول من یلی منهم یکون اسمه عبد الله- و لم منعوهم عن مناکحه بنی الحارث بن کعب- لعلمهم أن أول من یلی الأمر من بنی هاشم- تکون أمه حارثیه- و بأی طریق عرف بنو هاشم- أن الأمر سیصیر إلیهم- و یملکه عبید أولادهم- حتى عرفوا صاحب الأمر بعینه- کما قد جاء فی هذا الخبر-

فقال أصل هذا کله محمد بن الحنفیه- ثم ابنه عبد الله المکنى أبا هاشم- . قلت له- أ فکان محمد بن الحنفیه مخصوصا من أمیر المؤمنین ع- بعلم یستأثر به على أخویه حسن و حسین ع- قال لا و لکنهما کتما و أذاع- ثم قال قد صحت الروایه عندنا عن أسلافنا- و عن غیرهم من أرباب الحدیث- أن علیا ع لما قبض- أتى محمد ابنه أخویه حسنا و حسینا ع- فقال لهما أعطیانی میراثی من أبی- فقالا له قد علمت- أن أباک لم یترک صفراء و لا بیضاء- فقال قد علمت ذلک- و لیس میراث المال أطلب- إنما أطلب میراث العلم- .

قال أبو جعفر رحمه الله تعالى فروى أبان بن عثمان عمن یروی له ذلک عن جعفر بن محمد ع قال فدفعا إلیه صحیفه لو أطلعاه على أکثر منها لهلک- فیها ذکر دوله بنی العباس- . قال أبو جعفر- و قد روى أبو الحسن علی بن محمد النوفلی- قال حدثنی عیسى بن علی بن عبد الله بن العباس- قال لما أردنا الهرب من مروان بن محمد- لما قبض على إبراهیم الإمام- جعلنا نسخه الصحیفه- التی دفعها أبو هاشم بن محمد بن الحنفیه- إلى محمد بن علی بن عبد الله بن العباس- و هی التی کان آباؤنا یسمونها صحیفه الدوله- فی صندوق من نحاس صغیر- ثم دفناه تحت زیتونات بالشراه- لم یکن بالشراه من الزیتون غیرهن- فلما أفضى السلطان إلینا و ملکنا الأمر- أرسلنا إلى ذلک الموضع فبحث و حفر- فلم یوجد فیه شی‏ء- فأمرنا بحفر جریب من الأرض فی ذلک الموضع- حتى بلغ الحفر الماء و لم نجد شیئا- . قال أبو جعفر- و قد کان محمد بن الحنفیه صرح بالأمر- لعبد الله بن العباس و عرفه تفصیله- و لم یکن أمیر المؤمنین ع قد فصل- لعبد الله بن العباس الأمر- و إنما أخبره به‏ مجملا- کقوله فی هذا الخبر- خذ إلیک أبا الأملاک- و نحو ذلک مما کان یعرض له به- و لکن الذی کشف القناع- و أبرز المستور علیه هو محمد بن الحنفیه- .

و کذلک أیضا ما وصل إلى بنی أمیه من علم هذا الأمر- فإنه وصل من جهه محمد بن الحنفیه- و أطلعهم على السر الذی علمه- و لکن لم یکشف لهم کشفه لبنی العباس- فإن کشفه الأمر لبنی العباس کان أکمل- . قال أبو جعفر فأما أبو هاشم- فإنه قد کان أفضى بالأمر- إلى محمد بن علی بن عبد الله بن العباس- و أطلعه علیه و أوضحه له- فلما حضرته الوفاه عقیب انصرافه- من عند الولید بن عبد الملک مر بالشراه- و هو مریض و محمد بن علی بها- فدفع إلیه کتبه و جعله وصیه- و أمر الشیعه بالاختلاف إلیه- . قال أبو جعفر- و حضر وفاه أبی هاشم ثلاثه نفر من بنی هاشم- محمد بن علی هذا- و معاویه بن عبد الله بن جعفر بن أبی طالب- و عبد الله بن الحارث بن نوفل- بن الحارث بن عبد المطلب- فلما مات خرج محمد بن معاویه- بن عبد الله بن جعفر من عنده- و کل واحد منهما یدعی وصایته- فأما عبد الله بن الحارث فلم یقل شیئا- . قال أبو جعفر رحمه الله تعالى- و صدق محمد بن علی- أنه إلیه أوصى أبو هاشم- و إلیه دفع کتاب الدوله- و کذب معاویه بن عبد الله بن جعفر- لکنه قرأ الکتاب- فوجد لهم فیه ذکرا یسیرا- فادعى الوصیه بذلک- فمات و خرج ابنه عبد الله بن معاویه- یدعی وصایه أبیه- و یدعی لأبیه وصایه أبی هاشم- و یظهر الإنکار على بنی أمیه- و کان له فی ذلک شیعه یقولون بإمامته سرا حتى قتل- . دخلت إحدى نساء بنی أمیه على سلیمان بن علی- و هو یقتل بنی أمیه بالبصره-فقالت أیها الأمیر- إن العدل لیمل من الإکثار منه و الإسراف فیه- فکیف لا تمل أنت من الجور و قطیعه الرحم- فأطرق ثم قال لها-

سننتم علینا القتل لا تنکرونه
فذوقوا کما ذقنا على سالف الدهر

ثم قال یا أمه الله

و أول راض سنه من یسیرها

 أ لم تحاربوا علیا و تدفعوا حقه- أ لم تسموا حسنا و تنقضوا شرطه- أ لم تقتلوا حسینا و تسیروا رأسه- أ لم تقتلوا زیدا و تصلبوا جسده- أ لم تقتلوا یحیى و تمثلوا به- أ لم تلعنوا علیا على منابرکم- أ لم تضربوا أبانا علی بن عبد الله بسیاطکم- أ لم تخنقوا الإمام بجراب النوره فی حبسکم- ثم قال أ لک حاجه- قالت قبض عمالک أموالی- فأمر برد أموالها علیها- . لما سار مروان إلى الزاب- حفر خندقا- فسار إلیه أبو عون عبد الله بن یزید الأزدی- و کان قحطبه بن شبیب قد وجهه- و أمد أبو سلمه الخلال بأمداد کثیره- فکان بإزاء مروان- ثم إن أبا العباس السفاح قال لأهله- و هو بالکوفه حینئذ- من یسیر إلى مروان من أهل بیتی- و له ولایه العهد إن قتله- فقال عبد الله عمه أنا- قال سر على برکه الله- فسار فقدم على أبی عون- فتحول له أبو عون عن سرادقه- و خلاه له بما فیه- ثم سأل عبد الله عن مخاضه فی الزاب- فدل علیها- فأمر قائدا من قواده فعبرها فی خمسه آلاف- فانتهى إلى عسکر مروان فقاتلهم- حتى أمسوا و تحاجزوا- و رجع القائد بأصحابه- فعبر المخاضه إلى عسکر عبد الله بن علی- و أصبح مروان فعقد جسرا- و عبر بالجیش کله إلى‏ عبد الله بن علی- فکان ابنه عبد الله بن مروان فی مقدمته- و على المیمنه الولید بن معاویه بن عبد الملک بن مروان- و على المیسره عبد العزیز بن عمر- بن عبد العزیز بن مروان- و عبأ عبد الله بن علی جیشه- و تراءى الجمعان-

فقال مروان لعبد العزیز بن عمر- انظر فإن زالت الشمس الیوم و لم یقاتلونا- کنا نحن الذین ندفعها إلى عیسى ابن مریم- و إن قاتلونا قبل الزوال- فإنا لله و إنا إلیه راجعون- ثم أرسل إلى عبد الله بن علی- یسأله الکف عن القتال نهار ذلک الیوم- فقال عبد الله کذب ابن زربی- إنما یرید المدافعه إلى الزوال- لا و الله لا تزول الشمس- حتى أوطئه الخیل إن شاء الله- ثم حرک أصحابه للقتال- فنادى مروان فی أهل الشام- لا تبدءوهم بالحرب- فلم یسمع الولید بن معاویه منه- و حمل على میسره عبد الله بن علی- فغضب مروان و شتمه- فلم یسمع له و اضطرمت الحرب- فأمر عبد الله الرماه أن ینزلوا- و نادى الأرض الأرض- فنزل الناس و رمت الرماه- و أشرعت الرماح و جثوا على الرکب- فاشتد القتال فقال مروان لقضاعه انزلوا- قالوا حتى تنزل کنده-

فقال لکنده انزلوا- فقالوا حتى تنزل السکاسک- فقال لبنی سلیم انزلوا- فقالوا حتى تنزل عامر- فقال لتمیم احملوا- فقالوا حتى تحمل بنو أسد- فقال لهوازن احملوا- قالوا حتى تحمل غطفان- فقال لصاحب شرطته احمل ویلک- قال ما کنت لأجعل نفسی غرضا- قال أما و الله لأسوأنک- قال وددت أن أمیر المؤمنین یقدر على ذلک- فانهزم عسکر مروان- و انهزم مروان معهم و قطع الجسر- فکان من هلک غرقا- أکثر ممن هلک تحت السیف- و احتوى عبد الله بن علی على عسکر مروان بما فیه- و کتب إلى أبی العباس یخبره الواقعه- .

کان مروان سدید الرأی میمون النقیبه حازما- فلما ظهرت المسوده- و لقیهم کان‏ ما یدبر أمرا إلا کان فیه خلل- و لقد وقف یوم الزاب- و أمر بالأموال فأخرجت- و قال للناس اصبروا و قاتلوا- و هذه الأموال لکم- فجعل ناس یصیبون من ذلک المال- و یشتغلون به عن الحرب- فقال لابنه عبد الله- سر فی أصحابک- فامنع من یتعرض لأخذ المال- فمال عبد الله برایته و معه أصحابه- فتنادی الناس الهزیمه الهزیمه- فانهزموا و رکب أصحاب عبد الله بن علی أکتافهم- . لما قتل مروان ببوصیر- قال الحسن بن قحطبه- أخرجوا إلى إحدى بنات مروان- فأخرجوها إلیه و هی ترعد- قال لا بأس علیک- قالت و أی بأس أعظم من إخراجک إیای حاسره- و لم أر رجلا قبلک قط فأجلسها- و وضع رأس مروان فی حجرها- فصرخت و اضطربت فقیل له- ما أردت بهذا- قال فعلت بهم فعلهم بزید بن علی لما قتلوه- جعلوا رأسه فی حجر زینب بنت علی بن الحسین ع- .

دخلت زوجه مروان بن محمد- و هی عجوز کبیره- على الخیزران فی خلافه المهدی- و عندها زینب بنت سلیمان بن علی- فقالت لها زینب- الحمد لله الذی أزال نعمتک و صیرک عبره- أ تذکرین یا عدوه الله- حین أتاک نساؤنا یسألنک- أن تکلمی صاحبک فی أمر إبراهیم بن محمد- فلقیتهن ذلک اللقاء- و أخرجتهن ذلک الإخراج فضحکت- و قالت أی بنت عمی- و أی شی‏ء أعجبک من حسن صنیع الله بی عقیب ذلک- حتى أردت أن تتأسى بی فیه ثم ولت خارجه- . بویع أبو العباس السفاح بالخلافه یوم الجمعه- لثلاث عشره لیله خلون من شهر ربیع‏ الأول- سنه اثنتین و ثلاثین و مائه- فصعد المنبر بالکوفه فخطب- فقال الحمد لله الذی اصطفى الإسلام لنفسه- و کرمه و شرفه و عظمه- و اختاره لنا و أیده بنا- و جعلنا أهله و کهفه- و حصنه و القوام به- و الذابین عنه و الناصرین له- و خصنا برحم رسول الله ص- و أنبتنا من شجرته- و اشتقنا من نبعته- و أنزل بذلک کتابا یتلى-

فقال سبحانه- قُلْ لا أَسْئَلُکُمْ عَلَیْهِ أَجْراً- إِلَّا الْمَوَدَّهَ فِی الْقُرْبى‏- فلما قبض رسول الله ص- قام بالأمر أصحابه وَ أَمْرُهُمْ شُورى‏ بَیْنَهُمْ- فعدلوا و خرجوا خماصا- ثم وثب بنو حرب و بنو مروان فابتزوها و تداولوها- و استأثروا بها و ظلموا أهلها- فأملى الله لهم حینا- فلما آسفوه انتقم منهم بأیدینا- و رد علینا حقنا- فأنا السفاح المبیح و الثائر المبیر- .

و کان موعوکا فاشتدت علیه الوعکه- فجلس على المنبر و لم یستطع الکلام- فقام عمه داود بن علی و کان بین یدیه- فقال یا أهل العراق- إنا و الله ما خرجنا لنحفر نهرا- و لا لنکنز لجینا و لا عقیانا- و إنما أخرجتنا الأنفه من ابتزاز الظالمین حقنا- و لقد کانت أمورکم تتصل بنا- فترمضنا و نحن على فرشنا- لکم ذمه الله و ذمه رسوله و ذمه العباس- أن نحکم فیکم بما أنزل الله- و نعمل فیکم بکتاب الله- و نسیر فیکم بسنه رسول الله ص- و اعلموا أن هذا الأمر لیس بخارج عنا- حتى نسلمه إلى عیسى ابن مریم- .

یا أهل الکوفه- إنه لم یخطب على منبرکم- هذا خلیفه حق إلا علی بن أبی طالب- و أمیر المؤمنین هذا- فأحمد الله الذی رد إلیکم أمورکم- ثم نزل- . و قد روی حدیث خطبه داود بن علی بروایه أخرى- و هی الأشهر- قالوا لما صعد أبو العباس منبر الکوفه- حصر فلم یتکلم- فقام داود بن علی- و کان تحت منبره حتى قام بین یدیه تحته بمرقاه- فاستقبل الناس و قال- أیها الناس- إن أمیر المؤمنین یکره أن یتقدم قوله فعله- و لأثر الفعال أجدى علیکم من تشقیق المقال- و حسبکم کتاب الله تمثلا فیکم- و ابن عم رسول الله ص خلیفه علیکم- أقسم بالله قسما برا- ما قام هذا المقام أحد- بعد رسول الله ص أحق به- من علی بن أبی طالب و أمیر المؤمنین هذا- فلیهمس هامسکم و لینطق ناطقکم ثم نزل- . و من خطب داود التی خطب بها بعد قتل مروان- شکرا شکرا- أ ظن عدو الله أن لن یظفر به- أرخی له فی زمامه- حتى عثر فی فضل خطامه- فالآن عاد الحق إلى نصابه- و طلعت الشمس من مطلعها- و أخذ القوس باریها- و صار الأمر إلى النزعه- و رجع الحق إلى مستقره- أهل بیت نبیکم أهل الرأفه و الرحمه- .

و خطب عیسى بن علی بن عبد الله بن العباس- لما قتل مروان- فقال الحمد لله الذی لا یفوته من طلب- و لا یعجزه من هرب- خدعت و الله الأشقر نفسه- إذ ظن أن الله ممهله- و یأبى الله إلا أن یتم نوره- و لو کره الکافرون- فحتى متى و إلى متى-أما و الله لقد کرهتهم العیدان- التی افترعوها- و أمسکت السماء درها- و الأرض ریعها- و قحل الضرع و جفز الفنیق- و أسمل جلباب الدین- و أبطلت الحدود و أهدرت الدماء- و کان ربک بالمرصاد- فدمدم علیهم ربهم بذنبهم فسواها- و لا یخاف عقباها- و ملکنا الله أمرکم- عباد الله لینظر کیف تعملون- فالشکر الشکر- فإنه من دواعی المزید- أعاذنا الله و إیاکم من مضلات الأهواء- و بغتات الفتن فإنما نحن به و له- . لما أمعن داود بن علی- فی قتل بنی أمیه بالحجاز- قال له عبد الله بن الحسن ع یا ابن عمی- إذا أفرطت فی قتل أکفائک- فمن تباهی بسلطانک- و ما یکفیک منهم أن یروک غادیا و رائحا- فیما یسرک و یسوءهم- کان داود بن علی یمثل ببنی أمیه- یسمل العیون و یبقر البطون- و یجدع الأنوف و یصطلم الآذان- کان عبد الله بن علی بنهر أبی فطرس- یصلبهم منکسین- و یسقیهم النوره و الصبر- و الرماد و الخل- و یقطع الأیدی و الأرجل- و کان سلیمان بن علی بالبصره یضرب الأعناق- .

خطب السفاح فی الجمعه الثانیه بالکوفه فقال-یا أیها الذین آمنوا أوفوا بالعقود- و الله لا أعدکم شیئا و لا أتوعدکم- إلا وفیت بالوعد و الوعید- و لأعملن اللین حتى لا تنفع إلا الشده- و لأغمدن السیف إلا فی إقامه حد- أو بلوغ حق- و لأعطینکم حتى أرى العطیه ضیاعا- إن أهل بیت اللعنه و الشجره الملعونه فی القرآن- کانوا لکم أعداء لا یرجعون معکم- من حاله إلا إلى ما هو أشد منها- و لا یلی علیکم منهم وال- إلا تمنیتم من کان قبله- و إن کان لا خیر فی جمیعهم- منعوکم الصلاه فی أوقاتها- و طالبوکم بأدائها فی غیر وقتها- و أخذوا المدبر بالمقبل- و الجار بالجار- و سلطوا شرارکم على خیارکم- فقد محق الله جورهم- و أزهق باطلهم بأهل بیت نبیکم- فما نؤخر لکم عطاء- و لا نضیع لأحد منکم حقا- و لا نجهزکم فی بعث- و لا نخاطر بکم فی قتال- و لا نبذلکم دون أنفسنا- و الله على ما نقول وکیل بالوفاء و الاجتهاد- و علیکم بالسمع و الطاعه- .

ثم نزل- . کان یقال- لو ذهبت دوله بنی أمیه- على ید غیر مروان بن محمد- لقیل لو کان لها مروان لما ذهبت- . کان یقال- إن دوله بنی أمیه آخرها خلیفه أمه أمه- فلذلک کانوا لا یعهدون إلى بنی الإماء منهم- و لو عهدوا إلى ابن أمه- لکان مسلمه بن عبد الملک أولاهم بها- و کان انقراض أمرهم على ید مروان و أمه أمه- کانت لمصعب بن الزبیر- وهبها من إبراهیم بن الأشتر- فأصابها محمد بن مروان یوم قتل ابن الأشتر- فأخذها من ثقله- فقیل إنها کانت حاملا بمروان- فولدته على فراش محمد بن مروان- و لذلک کان أهل خراسان ینادونه فی الحرب یا ابن الأشتر- . قیل أیضا- إنها کانت حاملا به من مصعب بن الزبیر- و إنه لم تطل مدتها عند إبراهیم بن الأشتر- حتى قتل فوضعت حملها- على فراش محمد بن مروان- و لذلک کانت المسوده تصیح به فی الحرب- یا ابن مصعب- ثم یقولون یا ابن الأشتر- فیقول ما أبالی أی الفحلین غلب علی- لما بویع أبو العباس- جاءه ابن عیاش المنتوف- فقبل یده و بایعه- و قال الحمد لله الذی أبدلنا بحمار الجزیره- و ابن أمه النخع- ابن عم رسول الله ص- و ابن عبد المطلب- . لما صعد السفاح منبر الکوفه یوم بیعته- و خطب الناس- قام إلیه السید الحمیری فأنشده-

دونکموها یا بنی هاشم
فجددوا من آیها الطامسا

دونکموها لا علا کعب من‏
أمسى علیکم ملکها نافسا

دونکموها فالبسوا تاجها
لا تعدموا منکم له لابسا

خلافه الله و سلطانه‏
و عنصر کان لکم دارسا

قد ساسها من قبلکم ساسه
لم یترکوا رطبا و لا یابسا

لو خیر المنبر فرسانه‏
ما اختار إلا منکم فارسا

و الملک لو شوور فی سائس
لما ارتضى غیرکم سائسا

لم یبق عبد الله بالشام من‏
آل أبی العاص امرأ عاطسا

فلست من أن تملکوها إلى
هبوط عیسى منکم آیسا

قال داود بن علی- لإسماعیل بن عمرو بن سعید بن العاص- بعد قتله من قتل من بنی‏ أمیه- هل علمت ما فعلت بأصحابک- قال نعم کانوا یدا فقطعتها- و عضدا ففتت فیها- و مره فنقضتها و جناحا فحصصتها- قال إنی لخلیق أن ألحقک فیهم- قال إنی إذا لسعید- . لما استوثق الأمر لأبی العباس السفاح- وفد إلیه عشره من أمراء الشام- فحلفوا له بالله و بطلاق نسائهم- و بأیمان البیعه بأنهم لا یعلمون- إلى أن قتل مروان- أن لرسول الله ص أهلا و لا قرابه إلا بنی أمیه- . و روى أبو الحسن المدائنی- قال حدثنی رجل- قال کنت بالشام- فجعلت لا أسمع أحدا یسمی أحدا أو ینادیه- یا علی أو یا حسن أو یا حسین- و إنما أسمع معاویه و الولید و یزید- حتى مررت برجل فاستسقیته ماء- فجعل ینادی یا علی یا حسن یا حسین-

فقلت یا هذا- إن أهل الشام لا یسمون بهذه الأسماء- قال صدقت- إنهم یسمون أبناءهم بأسماء الخلفاء- فإذا لعن أحدهم ولده أو شتمه- فقد لعن اسم بعد الخلفاء- و أنا سمیت أولادی بأسماء أعداء الله- فإذا شتمت أحدهم أو لعنته- فإنما ألعن أعداء الله- . کانت أم إبراهیم بن موسى- بن عیسى بن موسى بن محمد- بن علی بن عبد الله بن العباس- أمویه من ولد عثمان بن عفان- .

قال إبراهیم- فدخلت على جدی عیسى بن موسى مع أبی موسى- فقال لی جدی أ تحب بنی أمیه- فقال له موسى أبی نعم إنهم أخواله- فقال و الله لو رأیت جدک-علی بن عبد الله بن العباس- یضرب بالسیاط ما أحببتهم- و لو رأیت إبراهیم بن محمد- یکره على إدخال رأسه فی جراب النوره- لما أحببتهم- و سأحدثک حدیثا إن شاء الله أن ینفعک به نفعک- لما وجه سلیمان بن عبد الملک- ابنه أیوب بن سلیمان إلى الطائف- وجه معه جماعه- فکنت أنا و محمد بن علی بن عبد الله جدی معهم- و أنا حینئذ حدیث السن- و کان مع أیوب مؤدب له یؤدبه- فدخلنا علیه یوما أنا و جدی- و ذلک المؤدب یضربه- فلما رآنا الغلام أقبل على مؤدبه- فضربه فنظر بعضنا إلى بعض- و قلنا ما له قاتله الله- حین رآنا کره أن نشمت به- ثم التفت أیوب إلینا- فقال أ لا أخبرکم یا بنی هاشم بأعقلکم و أعقلنا- أعقلنا من نشأ منا یبغضکم- و أعقلکم من نشأ منکم یبغضنا- و علامه ذلک أنکم لم تسموا بمروان- و لا الولید و لا عبد الملک- و لم نسم نحن بعلی و لا بحسن و لا بحسین- .

لما انتهى عامر بن إسماعیل- و کان صالح بن علی قد أنفذه لطلب مروان- إلى بوصیر مصر- هرب مروان بین یدیه- فی نفر یسیر من أهله و أصحابه- و لم یکن قد تخلف معه کثیر عدد- فانتهوا فی غبش الصبح- إلى قنطره هناک على نهر عمیق- لیس للخیل عبور إلا على تلک القنطره- و عامر بن إسماعیل من ورائهم- فصادف مروان على تلک القنطره بغالا- قد استقبلته تعبر القنطره- و علیها زقاق عسل- فحبسته عن العبور- حتى أدرکه عامر بن إسماعیل و رهقه- فلوى مروان دابته إلیهم- و حارب فقتل- فلما بلغ صالح بن علی ذلک- قال إن لله جنودا من عسل- . لما نقف رأس مروان و نفض مخه- قطع لسانه و ألقى مع لحم عنقه- فجاء کلب فأخذ اللسان فقال قائل-إن من عبر الدنیا- أن رأینا لسان مروان فی فم کلب- .

خطب أبو مسلم بالمدینه- فی السنه التی حج فیها فی خلافه السفاح- فقال الحمد لله الذی حمد نفسه- و اختار الإسلام دینا لعباده- ثم أوحى إلى محمد رسول الله ص من ذلک ما أوحى- و اختاره من خلقه نفسه من أنفسهم- و بیته من بیوتهم- ثم أنزل علیه فی کتابه الناطق الذی حفظه بعلمه- و أشهد ملائکته على حقه- قوله إِنَّما یُرِیدُ اللَّهُ لِیُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ- وَ یُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیراً- ثم جعل الحق بعد محمد ع فی أهل بیته فصبر من صبر منهم بعد وفاه رسول الله ص على اللأواء و الشده- و أغضى على الاستبداد و الأثره- ثم إن قوما من أهل بیت الرسول ص- جاهدوا على مله نبیه و سنته- بعد عصر من الزمان- من عمل بطاعه الشیطان و عداوه الرحمن- بین ظهرانی قوم آثروا العاجل على الآجل- و الفانی على الباقی- إن رتق جور فتقوه- أو فتق حق رتقوه- أهل خمور و ماخور و طنابیر و مزامیر- إن ذکروا لم یذکروا- أو قدموا إلى الحق أدبروا- و جعلوا الصدقات فی الشبهات- و المغانم فی المحارم- و الفی‏ء فی الغی- هکذا کان زمانهم- و به کان یعمل سلطانهم-

و زعموا أن غیر آل محمد أولى بالأمر منهم- فلم و بم أیها الناس- أ لکم الفضل بالصحابه دون ذوی القرابه- الشرکاء فی النسب- و الورثه فی السلب- مع ضربهم على الدین جاهلکم- و إطعامهم فی الجدب جائعکم- و الله ما اخترتم- من حیث اختار الله لنفسه ساعه قط و ما زلتم بعد نبیه تختارون تیمیا مره- و عدویا مره و أمویا مره- و أسدیا مره و سفیانیا مره و مروانیا مره-حتى جاءکم من لا تعرفون اسمه و لا بیته- یضربکم بسیفه- فأعطیتموها عنوه و أنتم صاغرون- ألا إن آل محمد أئمه الهدى- و منار سبیل التقى- القاده الذاده الساده- بنو عم رسول الله- و منزل جبریل بالتنزیل- کم قصم الله بهم من جبار طاغ- و فاسق باغ شید الله بهم الهدى- و جلا بهم العمى لم یسمع بمثل العباس- و کیف لا تخضع له الأمم لواجب حق الحرمه- أبو رسول الله بعد أبیه- و إحدى یدیه و جلده بین عینیه- أمینه یوم العقبه و ناصره بمکه- و رسوله إلى أهلها- و حامیه یوم حنین- عند ملتقى الفئتین- لا یخالف له رسما و لا یعصی له حکما- الشافع یوم نیق العقاب- إلى رسول الله فی الأحزاب- ها إن فی هذا أیها الناس لعبره لأولی الأبصار- .

قلت الأسدی عبد الله بن الزبیر- و من لا یعرفون اسمه و لا بیته- یعنی نفسه لأنه لم یکن معلوم النسب- و قد اختلف فیه هل هو مولى أم عربی- . و یوم العقبه یوم مبایعه الأنصار السبعین لرسول الله ص بمکه- و یوم نیق العقاب یوم فتح مکه- شفع العباس ذلک الیوم فی أبی سفیان- و فی أهل مکه فعفا النبی ص عنهم- . اجتمع عند المنصور أیام خلافته جماعه من ولد أبیه- منهم عیسى بن موسى و العباس بن محمد و غیرهما- فتذاکروا خلفاء بنی أمیه- و السبب الذی به سلبوا عزهم- فقال المنصور- کان عبد الملک جبارا لا یبالی ما صنع- و کان الولید لحانا مجنونا- و کان سلیمان همته بطنه و فرجه- و کان عمر أعور بین عمیان- و کان هشام رجل القوم- و لم یزل بنو أمیه ضابطین- لما مهد لهم من السلطان- یحوطونه و یصونونه و یحفظونه- و یحرسون ما وهب الله لهم منه- مع تسنمهم معالی الأمور و رفضهم أدانیها- حتى أفضى أمرهم إلى أحداث مترفین من أبنائهم- فغمطوا النعمه- و لم یشکروا العافیه و أساءوا الرعایه- فابتدأت النقمه منهم-باستدراج الله إیاهم آمنین مکره- مطرحین صیانه الخلافه- مستخفین بحق الرئاسه- ضعیفین عن رسوم السیاسه- فسلبهم الله العزه و ألبسهم الذله- و أزال عنهم النعمه- .

سأل المنصور لیله عن عبد الله بن مروان بن محمد- فقال له الربیع إنه فی سجن أمیر المؤمنین حیا- فقال المنصور- قد کان بلغنی کلام خاطبه به ملک النوبه- لما قدم دیاره- و أنا أحب أن أسمعه من فیه- فلیؤمر بإحضاره فأحضر- فلما دخل خاطب المنصور بالخلافه- فأمره المنصور بالجلوس- فجلس و للقید فی رجلیه خشخشه- قال أحب أن تسمعنی کلاما- قاله لک ملک النوبه- حیث غشیت بلاده- قال نعم قدمت إلى بلد النوبه- فأقمت أیاما فاتصل خبرنا بالملک- فأرسل إلینا فرشا و بسطا و طعاما کثیرا- و أفرد لنا منازل واسعه- ثم جاءنی و معه خمسون من أصحابه- بأیدیهم الحراب- فقمت إلیه فاستقبلته- و تنحیت له عن صدر المجلس- فلم یجلس فیه و قعد على الأرض- فقلت له ما منعک من القعود على الفرش-

قال إنی ملک- و حق الملک أن یتواضع لله و لعظمته- إذا رأى نعمه متجدده عنده- و لما رأیت تجدد نعمه الله عندی بقصدکم بلادی- و استجارتکم بی بعد عزکم و ملککم- قابلت هذه النعمه بما ترى من الخضوع و التواضع- ثم سکت و سکت- فلبثنا ما شاء الله لا یتکلم و لا أتکلم- و أصحابه قیام بالحراب على رأسه- ثم قال لی لما ذا شربتم الخمر- و هی محرمه علیکم فی کتابکم- فقلت اجترأ على ذلک عبیدنا بجهلهم- قال فلم وطئتم الزروع بدوابکم- و الفساد محرم علیکم فی کتابکم و دینکم- قلت فعل ذلک أتباعنا و عمالنا جهلا منهم- قال فلم لبستم الحریر و الدیباج و الذهب- و هو محرم علیکم فی کتابکم و دینکم- قلت استعنا فی أعمالنا بقوم- من‏أبناء العجم کتاب دخلوا فی دیننا- فلبسوا ذلک اتباعا لسنه سلفهم على کره منا- فأطرق ملیا إلى الأرض یقلب یده- و ینکت الأرض- ثم قال عبیدنا و أتباعنا و عمالنا و کتابنا- ما الأمر کما ذکرت- و لکنکم قوم استحللتم ما حرم الله علیکم- و رکبتم ما عنه نهیتم- و ظلمتم فیما ملکتم- فسلبکم الله العز و ألبسکم الذل- و إن له سبحانه فیکم لنقمه لم تبلغ غایتها بعد- و أنا خائف أن یحل بکم العذاب- و أنتم بأرضی فینالنی معکم- و الضیافه ثلاث فاطلبوا ما احتجتم إلیه- و ارتحلوا عن أرضی- .

فأخذنا منه ما تزودنا به و ارتحلنا عن بلده- فعجب المنصور لذلک و أمر بإعادته إلى الحبس- . و قد جاءنا فی بعض الروایات- أن السفاح لما أراد- أن یقتل القوم الذین انضموا إلیه- من بنی أمیه جلس یوما على سریر بهاشمیه الکوفه- و جاء بنو أمیه و غیرهم من بنی هاشم- و القواد و الکتاب- فأجلسهم فی دار تتصل بداره- و بینه و بینهم ستر مسدول- ثم أخرج إلیهم أبا الجهم بن عطیه- و بیده کتاب ملصق- فنادى بحیث یسمعون- أین رسول الحسین بن علی بن أبی طالب ع- فلم یتکلم أحد- فدخل ثم خرج ثانیه- فنادى أین رسول زید بن علی بن الحسین- فلم یجبه أحد- فدخل ثم خرج ثالثه- فنادى أین رسول یحیى بن زید بن علی- فلم یرد أحد علیه- فدخل ثم خرج رابعه- فنادى أین رسول إبراهیم بن محمد الإمام- و القوم ینظر بعضهم إلى بعض- و قد أیقنوا بالشر ثم دخل و خرج- فقال لهم إن أمیر المؤمنین یقول لکم- هؤلاء أهلی و لحمی- فما ذا صنعتم بهم- ردوهم إلی أو فأقیدونی من أنفسکم- فلم ینطقوا بحرف- و خرجت الخراسانیه بالأعمده فشدخوهم عن آخرهم- .

قلت و هذا المعنى مأخوذ من قول الفضل بن عبد الرحمن- بن العباس بن ربیعه بن الحارث بن عبد المطلب- لما قتل زید بن علی ع- فی سنه اثنتین و عشرین و مائه- فی خلافه هشام بن عبد الملک- و ذلک أن هشاما کتب إلى عامله بالبصره- و هو القاسم بن محمد الثقفی- أن یشخص کل من بالعراق من بنی هاشم- إلى المدینه خوفا من خروجهم- و کتب إلى عامل المدینه أن یحبس قوما منهم- و أن یعرضهم فی کل أسبوع مره- و یقیم لهم الکفلاء- على ألا یخرجوا منها- فقال الفضل بن عبد الرحمن من قصیده له طویله-

کلما حدثوا بأرض نقیقا
ضمنونا السجون أو سیرونا

أشخصونا إلى المدینه أسرى‏
لا کفاهم ربی الذی یحذرونا

خلفوا أحمد المطهر فینا
بالذی لا یحب و استضعفونا

قتلونا بغیر ذنب إلیهم‏
قاتل الله أمه قتلونا

ما رعوا حقنا و لا حفظوا فینا
وصاه الإله بالأقربینا

جعلونا أدنى عدو إلیهم‏
فهم فی دمائنا یسبحونا

أنکروا حقنا و جاروا علینا
و على غیر إحنه أبغضونا

غیر أن النبی منا و أنا
لم نزل فی صلاتهم راغبینا

إن دعونا إلى الهدى لم یجیبونا
و کانوا عن الهدى ناکبینا

أو أمرنا بالعرف لم یسمعوا منا
و ردوا نصیحه الناصحینا

و لقدما ما رد نصح ذوی الرأی
فلم یتبعهم الجاهلونا

فعسى الله أن یدیل أناسا
من أناس فیصبحوا ظاهرینا

فتقر العیون من قوم سوء
قد أخافوا و قتلوا المؤمنینا

لیت شعری هل توجفن بی الخیل
علیها الکمأه مستلئمینا

من بنی هاشم و من کل حی‏
ینصرون الإسلام مستنصرینا

فی أناس آباؤهم نصروا الدین
و کانوا لربهم ناصرینا

تحکم المرهفات فی الهام منهم‏
بأکف المعاشر الثائرینا

أین قتلى منا بغیتم علیهم
ثم قتلتموهم ظالمینا

ارجعوا هاشما و ردوا أبا الیقظان‏
و ابن البدیل فی آخرینا

و ارجعوا ذا الشهادتین و قتلى
أنتم فی قتالهم فاجرونا

ثم ردوا حجرا و أصحاب حجر
یوم أنتم فی قتلهم معتدونا

ثم ردوا أبا عمیر و ردوا
لی رشیدا و میثما و الذینا

قتلوا بالطفوف یوم حسین‏
من بنی هاشم و ردوا حسینا

أین عمرو و أین بشر و قتلى
معهم بالعراء ما یدفنونا

ارجعوا عامرا و ردوا زهیرا
ثم عثمان فارجعوا عازمینا

و ارجعوا الحر و ابن قین و قوما
قتلوا حین جاوزوا صفینا

و ارجعوا هانئا و ردوا إلینا
مسلما و الرواع فی آخرینا

ثم ردوا زیدا إلینا و ردوا
کل من قد قتلتم أجمعینا

لن تردوهم إلینا و لسنا
منکم غیر ذلکم قابلینا

أَلَا إِنَّ أَبْصَرَ الْأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِی الْخَیْرِ طَرْفُهُ- أَلَا إِنَّ أَسْمَعَ الْأَسْمَاعِ مَا وَعَى التَّذْکِیرَ وَ قَبِلَهُ- أَیُّهَا النَّاسُ- اسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَهِ مِصْبَاحٍ وَاعِظٍ مُتَّعِظٍ- وَ امْتَاحُوا مِنْ صَفِیِّ عَیْنٍ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الْکَدَرِ- عِبَادَ اللَّهِ لَا تَرْکَنُوا إِلَى جَهَالَتِکُمْ- وَ لَا تَنْقَادُوا إِلَى أَهْوَائِکُمْ فَإِنَّ النَّازِلَ بِهَذَا الْمَنْزِلِ نَازِلٌ بِشَفَا جُرُفٍ هَارٍ- یَنْقُلُ الرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ- لِرَأْیٍ یُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْیٍ- یُرِیدُ أَنْ یُلْصِقَ مَا لَا یَلْتَصِقُ- وَ یُقَرِّبَ مَا لَا یَتَقَارَبُ- فَاللَّهَ اللَّهَ أَنْ تَشْکُوا إِلَى مَنْ لَا یُشْکِی شَجْوَکُمْ- وَ لَا یَنْقُضُ بِرَأْیِهِ مَا قَدْ أَبْرَمَ لَکُمْ- إِنَّهُ لَیْسَ عَلَى الْإِمَامِ إِلَّا مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ- الْإِبْلَاغُ فِی الْمَوْعِظَهِ- وَ الِاجْتِهَادُ فِی النَّصِیحَهِ- وَ الْإِحْیَاءُ لِلسُّنَّهِ- وَ إِقَامَهُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقِّیهَا- وَ إِصْدَارُ السُّهْمَانِ عَلَى أَهْلِهَا- فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِیحِ نَبْتِهِ- وَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِکُمْ- عَنْ مُسْتَثَارِ الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ- وَ انْهَوْا عَنِ الْمُنْکَرِ وَ تَنَاهَوْا عَنْهُ- فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْیِ بَعْدَ التَّنَاهِی هار الجرف یهور هورا و هئورا فهو هائر- و قالوا هار خفضوه فی موضع الرفع کقاض- و أرادوا هائر و هو مقلوب من الثلاثی إلى الرباعی- کما قلبوا شائک السلاح إلى شاکی السلاح- و هورته فتهور و انهار أی انهدم- .و أشکیت زیدا أزلت شکایته- و الشجو الهم و الحزن- . و صوح النبت أی جف أعلاه- قال

و لکن البلاد إذا اقشعرت
و صوح نبتها رعی الهشیم‏

 یقول ع- أشد العیون إدراکا ما نفذ طرفها فی الخیر- و أشد الأسماع إدراکا ما حفظ الموعظه و قبلها- . ثم أمر الناس أن یستصبحوا- أی یسرجوا مصابیحهم من شعله سراج- متعظ فی نفسه واعظ لغیره- و روی بالإضافه من شعله مصباح واعظ- بإضافه مصباح إلى واعظ- و إنما جعله متعظا واعظا- لأن من لم یتعظ فی نفسه فبعید أن یتعظ به غیره- و ذلک لأن القبول لا یحصل منه- و الأنفس تکون نافره عنه- و یکون داخلا فی حیز قوله تعالى- أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ- وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَکُمْ- و فی قول الشاعر-

لا تنه عن خلق و تأتی مثله‏

و عنی بهذا المصباح نفسه ع- . ثم أمرهم أن یمتاحوا من عین صافیه- قد انتفى عنها الکدر- کما یروق الشراب بالراووق- فیزول عنه کدره- و الامتیاح نزول البئر و مل‏ء الدلاء منها- و یکنی بهذا أیضا عن نفسه ع- .ثم نهاهم عن الانقیاد لأهوائهم و المیل إلى جهالتهم- و قال إن من یکون کذلک- فإنه على جانب جرف متهدم- و لفظه هار من الألفاظ القرآنیه- . ثم قال و من یکون کذلک- فهو أیضا ینقل الهلاک على ظهره من موضع إلى موضع- لیحدث رأیا فاسدا بعد رأی فاسد- أی هو ساع فی ضلال- یروم أن یحتج لما لا سبیل إلى إثباته- و ینصر مذهبا لا انتصار له- .

ثم نهاهم و حذرهم أن یشکوا- إلى من لا یزیل شکایتهم- و من لا رأی له فی الدین و لا بصیره- لینقض ما قد أبرمه الشیطان- فی صدورهم لإغوائهم- و یروى إلى من لا یشکی شجوکم- و من ینقض برأیه ما قد أبرم لکم- و هذه الروایه ألیق- أی لا تشکوا إلى من لا یدفع عنکم ما تشکون منه- و إنما ینقض برأیه الفاسد- ما قد أبرمه الحق و الشرع لکم- . ثم ذکر أنه لیس على الإمام إلا ما قد أوضحه- من الأمور الخمسه- . ثم أمرهم بمبادره أخذ العلم من أهله- یعنی نفسه ع قبل أن یموت- فیذهب العلم- و تصویح النبت کنایه عن ذلک- . ثم قال- و قبل أن تشغلوا بالفتن و ما یحدث علیکم- من خطوب الدنیا عن استثاره العلم- من معدنه و استنباطه من قرارته- . ثم أمرهم بالنهی عن المنکر- و أن یتناهوا عنه قبل أن ینهوا عنه- و قال إنما النهی بعد التناهی- .

و فی هذا الموضع إشکال- و ذلک أن لقائل أن یقول- النهی عن المنکر واجب على العدل و الفاسق- فکیف قال إنما أمرتم بالنهی بعد التناهی- و قد روی أن الحسن البصری- قال للشعبی هلا نهیت عن کذا- فقال یا أبا سعید إنی أکره أن أقول ما لا أفعل- قال الحسن غفر الله لک و أینا یقول ما یفعل- ود الشیطان لو ظفر منکم بهذه- فلم یأمر أحد بمعروف و لم ینه عن منکر- . و الجواب أنه ع لم یرد- أن وجود النهی عن المنکر مشروط- بانتهاء ذلک الناهی عن المنکر- و إنما أراد أنی لم آمرکم بالنهی عن المنکر- إلا بعد أن أمرتکم بالانتهاء عن المنکر- فالترتیب إنما هو فی أمره ع لهم- بالحالتین المذکورتین لا فی نهیهم و تناهیهم- . فإن قلت- فلما ذا قدم أمرهم بالانتهاء على أمرهم بالنهی- قلت لأن إصلاح المرء نفسه أهم- من الاعتناء بإصلاحه لغیره

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی‏ الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۱۶۱

خطبه ۱۰۳ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۰۳ و من خطبه له ع- :

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً ص- وَ لَیْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ یَقْرَأُ کِتَاباً- وَ لَا یَدَّعِی نُبُوَّهً وَ لَا وَحْیاً- فَقَاتَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ- یَسُوقُهُمْ إِلَى مَنْجَاتِهِمْ- وَ یُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَهَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ- یَحْسِرُ الْحَسِیرُ وَ یَقِفُ الْکَسِیرُ- فَیُقِیمُ عَلَیْهِ حَتَّى یُلْحِقَهُ غَایَتَهُ- إِلَّا هَالِکاً لَا خَیْرَ فِیهِ- حَتَّى أَرَاهُمْ مَنْجَاتَهُمْ- وَ بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ- فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ- وَ اسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ- وَ ایْمُ اللَّهِ لَقَدْ کُنْتُ مِنْ سَاقَتِهَا- حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَا فِیرِهَا- وَ اسْتَوْسَقَتْ فِی قِیَادِهَا- مَا ضَعُفْتُ وَ لَا جَبُنْتُ- وَ لَا خُنْتُ وَ لَا وَهَنْتُ- وَ ایْمُ اللَّهِ لَأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ- حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ قال الرضی رحمه الله تعالى- و قد تقدم مختار هذه الخطبه- إلا أننی وجدتها فی هذه الروایه- على خلاف ما سبق من زیاده و نقصان- فأوجبت الحال إثباتها ثانیه لقائل أن یقول- أ لم یکن فی العرب نبی قبل محمد- و هو خالد بن سنان العبسی- و أیضا فقد کان فیها هود و صالح و شعیب- .

و نجیب هذا القائل- بأن مراده ع أنه لم یکن فی زمان محمد ص- و ما قاربه من ادعى النبوه- فأما هود و صالح و شعیب- فکانوا فی دهر قدیم جدا- و أما خالد بن سنان فلم یقرأ کتابا- و لا یدعی شریعه- و إنما کانت نبوه مشابهه لنبوه جماعه- من أنبیاء بنی إسرائیل- الذین لم یکن لهم کتب و لا شرائع- و إنما ینهون عن الشرک و یأمرون بالتوحید- . و منجاتهم نجاتهم- نجوت من کذا نجاء ممدود و نجا مقصور- و منجاه على مفعله و منه قولهم الصدق منجاه- . قوله ع و یبادر بهم الساعه- کأنه کان یخاف أن تسبقه القیامه- فهو یبادرها بهدایتهم و إرشادهم قبل أن تقوم- و هم على ضلالهم- .

و الحسیر المعیا حسر البعیر بالفتح- یحسر بالکسر حسورا- و استحسر مثله و حسرته أنا- یتعدى و لا یتعدى- حسرا فهو حسیر- و یجوز أحسرته بالهمزه- و الجمع حسرى مثل قتیل و قتلى- و منه حسر البصر أی کل یحسر- قال تعالى یَنْقَلِبْ إِلَیْکَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِیرٌ- و هذا الکلام من باب الاستعاره و المجاز- یقول ع کان النبی ص لحرصه على الإسلام- و إشفاقه على المسلمین و رأفته بهم- یلاحظ حال من تزلزل اعتقاده- أو عرضت له شبهه أو حدث عنده ریب- و لا یزال یوضح له و یرشده- حتى یزیل ما خامر سره من وساوس الشیطان- و یلحقه بالمخلصین من المؤمنین- و لم یکن لیقصر فی مراعاه أحد- من المکلفین فی هذا المعنى إلا من کان یعلم- أنه لا خیر فیه أصلا- لعناده و إصراره على الباطل- و مکابرته للحق- . و معنى قوله حتى یلحقه غایته- حتى یوصله إلى الغایه التی هی الغرض بالتکلیف- یعنی اعتقاد الحق و سکون النفس إلى الإسلام- و هو أیضا معنى قوله- و بوأهم محلتهم- .

و معنى قوله- فاستدارت رحاهم انتظم أمرهم- لأن الرحى إنما تدور- إذا تکاملت أدواتها و آلاتها کلها- و هو أیضا معنى قوله- و استقامت قناتهم- و کل هذا من باب الاستعاره- . ثم أقسم أنه ع کان من ساقتها- الساقه جمع سائق- کقاده جمع قائد و حاکه جمع حائک- و هذا الضمیر المؤنث یرجع إلى غیر مذکور لفظا- و المراد الجاهلیه- کأنه جعلها مثل کتیبه مصادمه لکتیبه الإسلام- و جعل نفسه من الحاملین علیها بسیفه- حتى فرت و أدبرت- و أتبعها یسوقها سوقا- و هی مولیه بین یدیه- .

حتى أدبرت بحذافیرها- أی کلها عن آخرها- . ثم أتى بضمیر آخر إلى غیر مذکور لفظا- و هو قوله و استوسقت فی قیادها- یعنی المله الإسلامیه أو الدعوه- أو ما یجری هذا المجرى- و استوسقت اجتمعت- یقول لما ولت تلک الدعوه الجاهلیه- استوسقت هذه فی قیادها- کما تستوسق الإبل المقوده إلى أعطانها- و یجوز أن یعود هذا الضمیر الثانی- إلى المذکور الأول و هو الجاهلیه- أی ولت بحذافیرها و اجتمعت کلها تحت ذل المقاده- . ثم أقسم أنه ما ضعف یومئذ- و لا وهن و لا جبن و لا خان- و لیبقرن الباطل الآن- حتى یخرج الحق من خاصرته- کأنه جعل الباطل کالشی‏ء المشتمل على الحق غالبا علیه- و محیطا به- فإذا بقر ظهر الحق الکامن فیه- و قد تقدم منا شرح ذلک

شرح ‏نهج‏ البلاغه(ابن‏ أبی ‏الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۱۵

خطبه ۱۰۲ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۰۲ و من خطبه له ع

انْظُرُوا إِلَى الدُّنْیَا نَظَرَ الزَّاهِدِینَ فِیهَا- الصَّادِفِینَ عَنْهَا- فَإِنَّهَا وَ اللَّهِ عَمَّا قَلِیلٍ تُزِیلُ الثَّاوِیَ السَّاکِنَ- وَ تَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الآْمِنَ- لَا یَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ- وَ لَا یُدْرَى مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا فَیُنْتَظَرُ- سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ- وَ جَلَدُ الرِّجَالِ فِیهَا إِلَى الضَّعْفِ وَ الْوَهْنِ- فَلَا یَغُرَّنَّکُمْ کَثْرَهُ مَا یُعْجِبُکُمْ فِیهَا- لِقِلَّهِ مَا یَصْحَبُکُمْ مِنْهَا- رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً تَفَکَّرَ فَاعْتَبَرَ- وَ اعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ- فَکَأَنَّ مَا هُوَ کَائِنٌ مِنَ الدُّنْیَا عَنْ قَلِیلٍ لَمْ یَکُنْ- وَ کَأَنَّ مَا هُوَ کَائِنٌ مِنَ الآْخِرَهِ- عَمَّا قَلِیلٍ لَمْ یَزَلْ- وَ کُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ- وَ کُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ- وَ کُلُّ آتٍ قَرِیبٌ دَانٍ الصادفین عنها أی المعرضین- و امرأه صدوف التی تعرض وجهها علیک- ثم تصدف عنک- . و عما قلیل عن قلیل و ما زائده- . و الثاوی المقیم ثوى یثوی ثواء و ثویا- مثل مضى یمضی مضاء و مضیا- و یجوز ثویت بالبصره و ثویت البصره- و جاء أثویت بالمکان- لغه فی ثویت قال الأعشى-

أثوى و قصر لیله لیزودا
فمضت و أخلف من قتیله موعدا

 و المترف الذی قد أترفته النعمه أی أطغته- یقول ع- لا یعود على الناس ما أدبر- و تولى عنهم من أحوالهم الماضیه- کالشباب و القوه- و لا یعلم حال المستقبل من صحه أو مرض- أو حیاه أو موت لینتظر- و ینظر إلى هذا المعنى قول الشاعر-

و أضیع العمر لا الماضی انتفعت به
و لا حصلت على علم من الباقی‏

 و مشوب مخلوط شبته أشوبه فهو مشوب- و جاء مشیب فی قول الشاعر-و ماء قدور فی القصاع مشیب‏ فبناه على شیب لم یسم فاعله- و فی المثل هو یشوب و یروب- یضرب لمن یخلط فی القول أو العمل- . و الجلد الصلابه و القوه- و الوهن الضعف نفسه و إنما عطف للتأکید- کقوله تعالى لِکُلٍّ جَعَلْنا مِنْکُمْ شِرْعَهً وَ مِنْهاجاً- و قوله لا یَمَسُّنا فِیها نَصَبٌ وَ لا یَمَسُّنا فِیها لُغُوبٌ- . ثم نهى عن الاغترار بکثره العجب من الدنیا- و علل حسن هذا النهی- و قبح الاغترار بما نشاهده عیانا- من قله ما یصحب مفارقیها منها- و قال الشاعر

فما تزود مما کان یجمعه
إلا حنوطا غداه البین فی خرق‏

و غیر نفحه أعواد شببن له‏
و قل ذلک من زاد لمنطلق‏

 ثم جعل التفکر عله الاعتبار- و جعل الاعتبار عله الأبصار- و هذا حق لأن الفکر یوجب الاتعاظ- و الاتعاظ یوجب الکشف- و المشاهده بالبصیره التی نورها الاتعاظ- .ثم ذکر أن ما هو کائن و موجود- من الدنیا سیصیر عن قلیل- أی بعد زمان قصیر معدوما- و الزمان القصیر هاهنا انقضاء الأجل و حضور الموت- .

ثم قال إن الذی هو کائن- و موجود من الآخره سیصیر عن قلیل- أی بعد زمان قصیر أیضا- کأنه لم یزل- و الزمان القصیر هاهنا هو حضور القیامه- و هی و إن کانت تأتی بعد زمان طویل- إلا أن المیت لا یحس بطوله- و لا فرق بین ألف ألف سنه عنده إذا عاد حیا- و بین یوم واحد- لأن الشعور بالبطء فی الزمان مشروط بالعلم بالحرکه- و یدل على ذلک حال النائم- ثم قال کل معدود منقض- و هذا تنبیه بطریق الاستدلال النظری- على أن الدنیا زائله و منصرفه- و قد استدل المتکلمون بهذا- على أن حرکات الفلک یستحیل ألا یکون لها أول- فقالوا لأنها داخله تحت العدد- و کل معدود یستحیل أن یکون غیر متناه- و الکلام فی هذا مذکور فی کتبنا العقلیه- .

ثم ذکر أن کل ما یتوقع لا بد أن یأتی
و کل ما سیأتی فهو قریب و کأنه قد أتى‏

– و هذا مثل قول قس بن ساعده الإیادی- ما لی أرى الناس یذهبون ثم لا یرجعون- أ رضوا بالمقام فأقاموا- أم ترکوا هناک فناموا أقسم قس قسما- إن فی السماء لخبرا و إن فی الأرض لعبرا- سقف مرفوع و مهاد موضوع- و نجوم تمور و بحار لا تغور- اسمعوا أیها الناس و عوا- من عاش مات و من مات فات- و کل ما هو آت آت: وَ مِنْهَا الْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ- وَ کَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَلَّا یَعْرِفَ قَدْرَهُ- وَ إِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَعَبْداً- وَکَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ- جَائِراً عَنْ قَصْدِ السَّبِیلِ- سَائِراً بِغَیْرِدَلِیلٍ- إِنْ دُعِیَ إِلَى حَرْثِ الدُّنْیَا عَمِلَ- وَ إِنْ دُعِیَ إِلَى حَرْثِ الآْخِرَهِ کَسِلَ- کَأَنَّ مَا عَمِلَ لَهُ وَاجِبٌ عَلَیْهِ- وَ کَأَنَّ مَا وَنَى فِیهِ سَاقِطٌ عَنْهُ قوله ع العالم من عرف قدره- من الأمثال المشهوره عنه ع- و قد قال الناس بعده فی ذلک فأکثروا- نحو قولهم إذا جهلت قدر نفسک- فأنت لقدر غیرک أجهل- و نحو قولهم من لم یعرف قدر نفسه- فالناس أعذر منه إذا لم یعرفوه- و نحو قول الشاعر أبی الطیب-

و من جهلت نفسه قدره
رأى غیره منه ما لا یرى‏

ثم عبر عن هذا المعنى بعباره أخرى- فصارت مثلا أیضا- و هی قوله کفى بالمرء جهلا ألا یعرف قدره- و من الکلامالمروی عن أبی عبد الله الصادق ع مرفوعا ما هلک امرؤ عرف قدرهرواه أبو العباس المبرد عنه فی الکاملقال ثم قال أبو عبد الله ع و ما إخال رجلا یرفع نفسه فوق قدرها- إلا من خلل فی عقله- .

وروى صاحب الکامل أیضا عن أبی جعفر الباقر ع قال لما حضرت الوفاه علی بن الحسین ع أبی ضمنی إلى صدره- ثم قال یا بنی أوصیک بما أوصانی به أبی یوم قتل- و بما ذکر لی أن أباه علیا ع أوصاه به- یا بنی علیک ببذل نفسک- فإنه لا یسر أباک بذل نفسه حمر النعم
و کان یقال من عرف قدره استراح- .وفی الحدیث المرفوع ما رفع امرؤ نفسه فی الدنیا درجه- إلا حطه الله تعالى فی الآخره درجات- . و کان یقال من رضی عن نفسه کثر الساخطون علیه- ثم ذکر ع- أن من أبغض البشر إلى الله عبدا- وکله الله إلى نفسه- أی لم یمده بمعونته و ألطافه- لعلمه أنه لا ینجع ذلک فیه- و أنه لا ینجذب إلى الخیر و الطاعه- و لا یؤثر شی‏ء ما فی تحریک دواعیه إلیها- فیکله الله حینئذ إلى نفسه- . و الجائر العادل عن السمت- و لما کان هذا الشقی خابطا- فیما یعتقده و یذهب إلیه مستندا إلى الجهل و فساد النظر- جعله کالسائر بغیر دلیل- .

و الحرث هاهنا کل ما یفعل لیثمر فائده- فحرث الدنیا کالتجاره و الزراعه- و حرث الآخره فعل الطاعات و اجتناب المقبحات و المعاصی- و سمی حرثا على جهه المجاز- تشبیها بحرث الأرض و هو من الألفاظ القرآنیه- . و کسل الرجل بکسر السین یکسل- أی یتثاقل عن الأمور فهو کسلان- و قوم کسالى و کسالى بالفتح و الضم- .

قال ع- حتى کان ما عمله من أمور الدنیا- هو الواجب علیه لحرصه و جده فیه- و کان ما ونى عنه- أی فتر فیه من أمور الآخره ساقط عنه- و غیر واجب علیه لإهماله و تقصیره فیه: وَ مِنْهَا وَ ذَلِکَ زَمَانٌ لَا یَنْجُو فِیهِ إِلَّا کُلُّ مُؤْمِنٍ نُوَمَهٍ- إِنْ شَهِدَ لَمْ یُعْرَفْ وَ إِنْ غَابَ‏لَمْ یُفْتَقَدْ- أُولَئِکَ مَصَابِیحُ الْهُدَى وَ أَعْلَامُ السُّرَى- لَیْسُوا بِالْمَسَایِیحِ وَ لَا الْمَذَایِیعِ الْبُذُرِ- أُولَئِکَ یَفْتَحُ اللَّهُ لَهُمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ- وَ یَکْشِفُ عَنْهُمْ ضَرَّاءَ نِقْمَتِهِ- أَیُّهَا النَّاسُ سَیَأْتِی عَلَیْکُمْ زَمَانٌ- یُکْفَأُ فِیهِ الْإِسْلَامُ کَمَا یُکْفَأُ الْإِنَاءُ بِمَا فِیهِ- أَیُّهَا النَّاسُ- إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَاذَکُمْ مِنْ أَنْ یَجُورَ عَلَیْکُمْ- وَ لَمْ یُعِذْکُمْ مِنْ أَنْ یَبْتَلِیَکُمْ- وَ قَدْ قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ- إِنَّ فِی ذلِکَ لَآیاتٍ وَ إِنْ کُنَّا لَمُبْتَلِینَ قال الرضی رحمه الله تعالى- أما قوله ع- کل مؤمن نومه- فإنما أراد به الخامل الذکر القلیل الشر- و المساییح جمع مسیاح- و هو الذی یسیح بین الناس بالفساد و النمائم- و المذاییع جمع مذیاع- و هو الذی إذا سمع لغیره بفاحشه أذاعها- و نوه بها- و البذر جمع بذور- و هو الذی یکثر سفهه و یلغو منطقه شهد حضر- و کفأت الإناء أی قلبته و کببته- و قال ابن الأعرابی یجوز أکفأته أیضا- و البذر جمع بذور مثل صبور و صبر- و هو الذی یذیع الأسرار- و لیس کما قال الرضی رحمه الله تعالى- فقد یکون الإنسان بذورا- و إن لم یکثر سفهه و لم یلغ منطقه- بأن یکون علنه مذیاعا من غیر سفه و لا لغو- و الضراء الشده و مثلها البأساء- و هما اسمان مؤنثان من غیر تذکیر- و أجاز الفراء أن یجمع على آضر و أبؤس- کما یجمع النعماء على أنعم- .
و اعلم أنه قد جاء فی التواضع و هضم النفس شی‏ء کثیر- و من ذلکالحدیث المرفوع من تواضع لله رفعه الله و من تکبر على الله وضعه
ویقال إن الله تعالى قال لموسى- إنما کلمتک- لأن فی أخلاقک خلقا- أحبه الله و هو التواضع- . و رأى محمد بن واسع ابنه یمشی الخیلاء- فناداه فقال ویلک أ تمشی هذه المشیه- و أبوک أبوک و أمک أمک- أما أمک فأمه ابتعتها بمائتی درهم- و أما أبوک فلا کثر الله فی الناس مثله- . و مثلقوله ع کل مؤمن نومه- إن شهد لم یعرف و إن غاب لم یفتقد- قول رسول الله ص رب أشعث أغبر ذی طمرین لا یؤبه له- لو أقسم على الله لأبر قسمه- .

و قال عمر لابنه عبد الله- التمس الرفعه بالتواضع و الشرف بالدین- و العفو من الله بالعفو عن الناس- و إیاک و الخیلاء فتضع من نفسک- و لا تحقرن أحدا فإنک لا تدری- لعل من تزدریه عیناک أقرب إلى الله وسیله منک- . و قال الأحنف- عجبت لمن جرى فی مجرى البول مرتین- من فرجین کیف یتکبر- و قد جاء فی کلام رسول الله ص- ما یناسب کلام أمیر المؤمنین ع هذا-إن الله یحب الأخفیاء الأتقیاء الأبریاء- الذین إذا غابوا لم یفتقدوا- و إذا حضروا لم یعرفوا- قلوبهم مصابیح الهدى- یخرجون من کل غبراء مظلمه- .

و أما إفشاء السر و أذاعته- فقد ورد فیه أیضا ما یکثر- و لو لم یرد فیه إلا قوله سبحانه- وَ لا تُطِعْ کُلَّ حَلَّافٍ مَهِینٍ- هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِیمٍ لکفى- .وفی الحدیث المرفوع من أکل بأخیه أکله- أطعمه الله مثلها من نار جهنم- قیل فی تفسیره- هو أن یسعى بأخیه و یجر نفعا بسعایته- . الجنید ستر ما عاینت أحسن من إشاعه ما ظننت- . عبد الرحمن بن عوف- من سمع بفاحشه فأفشاها فهو کالذی أتاها- . قال رجل لعمرو بن عبید- إن علیا الأسواری لم یزل- منذ الیوم یذکرک بسوء-

و یقول الضال فقال عمرو یا هذا- ما رعیت حق مجالسه الرجل- حین نقلت إلینا حدیثه- و لا وفیتنی حقی حین أبلغتنی عن أخی ما أکرهه- اعلم أن الموت یعمنا و البعث یحشرنا- و القیامه تجمعنا و الله یحکم بیننا- . و کان یقال من نم إلیک نم علیک- . و قالوا فی السعاه یکفیک أن الصدق محمود إلا منهم- و إن أصدقهم أخبثهم- . وشی واش برجل إلى الإسکندر- فقال له أ تحب أن أقبل منک ما قلت فیه- على أن أقبل منه ما قال فیک قال لا- قال فکف عن الشر یکف عنک- .

قال رجل لفیلسوف عابک فلان بکذا- قال لقیتنی لقحتک بما لم یلقنی به لحیائه- . عاب مصعب بن الزبیر الأحنف عن شی‏ء بلغه عنه- فأنکره فقال أخبرنی بذلک الثقه- فقال کلا أیها الأمیر إن الثقه لا ینم- . عرض بعض عمال الفضل بن سهل علیه رقعه- ساع فی طی کتاب کتبه إلیه- فوقع الفضل- قبول السعایه شر من السعایه- لأن السعایه دلاله و القبول إجازه- و لیس من دل على قبیح کمن أجازه و عمل به- فاطرد هذا الساعی عن عملک- و أقصه عن بابک- فإنه لو لم یکن فی سعایته کاذبا- لکان فی صدقه لئیما- إذ لم یرع الحرمه- و لم یستر العوره و السلام- .صالح بن عبد القدوس-

من یخبرک بشتم عن أخ
فهو الشاتم لا من شتمک‏

ذاک شی‏ء لم یواجهک به‏
إنما اللوم على من أعلمک

کیف لم ینصرک إن کان أخا
ذا حفاظ عند من قد ظلمک‏

طریح بن إسماعیل الثقفی-

إن یعلموا الخیر یخفوه و إن علموا
شرا أذاعوا و إن لم یعلموا کذبوا

و معنى قوله ع- و إن غاب لم یفتقد أی لا یقال ما صنع فلان و لا أین هو- أی هو خامل لا یعرف- . و قوله أولئک یفتح الله بهم أبواب الرحمه- و یکشف بهم ضراء النقمه- و روی أولئک یفتح الله بهم أبواب رحمته- و یکشف بهم ضراء نقمته- أی ببرکاتهم یکون الخیر و یندفع الشر- .

ثم ذکر ع أنه سیأتی على الناس زمان- تنقلب فیه الأمور الدینیه إلى أضدادها و نقائضها- و قد شهدنا ذلک عیانا- . ثم أخبر ع أن الله لا یجور على العباد- لأنه تعالى عادل و لا یظلم- و لکنه یبتلی عباده أی یختبرهم- ثم تلا قوله تعالى- إِنَّ فِی ذلِکَ لَآیاتٍ- وَ إِنْ کُنَّا لَمُبْتَلِینَ- و المراد أنه تعالى- إذا فسد الناس لا یلجئهم إلى الصلاح- لکن یترکهم و اختیارهم امتحانا لهم- فمن أحسن أثیب- و من أساء عوقب

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی ‏الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۴۲

خطبه ۱۰۱ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۰۱ و من خطبه له ع تجری هذا المجرى- :

وَ ذَلِکَ یَوْمٌ یَجْمَعُ اللَّهُ فِیهِ الْأَوَّلِینَ وَ الآْخِرِینَ- لِنِقَاشِ الْحِسَابِ وَ جَزَاءِ الْأَعْمَالِ- خُضُوعاً قِیَاماً قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ- وَ رَجَفَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ- فَأَحْسَنُهُمُ حَالًا مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَیْهِ مَوْضِعاً- وَ لِنَفْسِهِ مُتَّسَعاً هذا شرح حال یوم القیامه- و النقاش مصدر ناقش أی استقصى فی الحساب-
و فی الحدیث من نوقش الحساب عذب- . و ألجمهم العرق سال منهم- حتى بلغ إلى موضع اللجام من الدابه و هو الفم- . و رجفت بهم تحرکت و اضطربت- رجف یرجف بالضم و الرجفه الزلزله- و الرجاف من أسماء البحر- سمی بذلک لاضطرابه- .

ثم وصف الزحام الشدید الذی یکون هناک- فقال أحسن الناس حالا هناک- من وجد لقدمیه موضعا- و من وجد مکانا یسعه: وَ مِنْهَا فِتَنٌ کَقِطَعِ اللَّیْلِ الْمُظْلِمِ- لَا تَقُومُ لَهَا قَائِمَهٌ وَ لَا تُرَدُّ لَهَا رَایَهٌ- تَأْتِیکُمْ مَزْمُومَهً مَرْحُولَهً- یَحْفِزُهَا قَائِدُهَا وَ یَجْهَدُهَا رَاکِبُهَا- أَهْلُهَا قَوْمٌ شَدِیدٌ کَلَبُهُمْ- قَلِیلٌ‏ سَلَبُهُمْ- یُجَاهِدُهُمْ فِی اللَّهِ قَوْمٌ أَذِلَّهٌ عِنْدَ الْمُتَکَبِّرِینَ- فِی الْأَرْضِ مَجْهُولُونَ- وَ فِی السَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ- فَوَیْلٌ لَکِ یَا بَصْرَهُ عِنْدَ ذَلِکِ- مِنْ جَیْشٍ مِنْ نِقَمِ اللَّهِ- لَا رَهَجَ لَهُ وَ لَا حِسَّ- وَ سَیُبْتَلَى أَهْلُکِ بِالْمَوْتِ الْأَحْمَرِ- وَ الْجُوعِ الْأَغْبَرِ قطع اللیل جمع قطع و هو الظلمه- قال تعالى فَأَسْرِ بِأَهْلِکَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّیْلِ- .

قوله لا تقوم لها قائمه- أی لا تنهض بحربها فئه ناهضه- أو لا تقوم لتلک الفتن قائمه من قوائم الخیل- یعنی لا سبیل إلى قتال أهلها- و لا یقوم لها قلعه قائمه أو بنیه قائمه بل تنهدم- . قوله و لا یرد لها رایه أی لا تنهزم و لا تفر- لأنها إذا فرت فقد ردت على أعقابها- . قوله مزمومه مرحوله- أی تامه الأدوات کامله الآلات- کالناقه التی علیها رحلها و زمامها قد استعدت لأن ترکب- . یحفزها یدفعها- و یجهدها یحمل علیها فی السیر فوق طاقتها- جهدت دابتی بالفتح و یجوز أجهدت- و المراد أن أرباب تلک الفتن یجتهدون- و یجدون فی إضرام نارها رجلا و فرسانا- فالرجل کنى عنهم بالقائد- و الفرسان کنى عنهم بالراکب- . و الکلب الشده من البرد و غیره- و مثله الکلبه و قد کلب الشتاء- و کلب القحط و کلب العدو و الکلب أیضا الشر- دفعت عنک کلب فلان أی شره و أذاه- .و قوله قلیل سلبهم- أی همهم القتل لا السلب- کما قال أبو تمام-

إن الأسود أسود الغاب همتها
یوم الکریهه فی المسلوب لا السلب‏

 ثم ذکر ع- أن هؤلاء أرباب الفتن یجاهدهم قوم أذله- کما قال الله تعالى- أَذِلَّهٍ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ أَعِزَّهٍ عَلَى الْکافِرِینَ- و ذلک من صفات المؤمنین- . ثم قال هم مجهولون عند أهل الأرض- لخمولهم قبل هذا الجهاد- و لکنهم معروفون عند أهل السماء- و هذا إنذار بملحمه تجری فی آخر الزمان- و قد أخبر النبی ص بنحو ذلک- و قد فسر هذا الفصل قوم- و قالوا إنه أشار به إلى الملائکه- لأنهم مجهولون فی الأرض معروفون فی السماء- و اعتذروا عن لفظه قوم- فقالوا یجوز أن یقال فی الملائکه قوم- کما قیل فی الجن قوم- قال سبحانه- فَلَمَّا قُضِیَ وَلَّوْا إِلى‏ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِینَ- إلا أن لفظ أذله عند المتکبرین یبعد هذا التفسیر- .

ثم أخبر بهلاک البصره بجیش من نقم الله- لا رهج له و لا حس الرهج الغبار- و کنى بهذا الجیش عن جدب و طاعون- یصیب أهلها حتى یبیدهم- و الموت الأحمر کنایه عن الوباء و الجوع- . الأغبر کنایه عن المحل- و سمی الموت الأحمر لشدته- و منهالحدیث کنا إذا احمر البأس اتقینا برسول الله- و وصف الجوع بأنه أغبر- لأن الجائع یرى الآفاق کأن علیها غبره و ظلاما- و فسر قوم هذا الکلام بوقعه صاحب الزنج- و هو بعید لأن جیشه کان ذا حس و رهج- و لأنه أنذر البصره بهذا الجیش- عند حدوث تلک الفتن- أ لا تراه قال فویل لک یا بصره عند ذلک- و لم یکن قبل خروج صاحب الزنج فتن شدیده- على الصفات التی ذکرها أمیر المؤمنین ع

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی‏ الحدید) ج ۷

بازدیدها: ۱۷

خطبه ۱۰۰ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)( هی من الخطب التی تشتمل على ذکر الملاحم)

۱۰۰ و من خطبه له ع- و هی من الخطب التی تشتمل على ذکر الملاحم

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَوَّلِ قَبْلَ کُلِّ أَوَّلٍ وَ الآْخِرِ بَعْدَ کُلِّ آخِرٍ- وَ بِأَوَّلِیَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لَا أَوَّلَ لَهُ- وَ بِآخِرِیَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لَا آخِرَ لَهُ یقول البارئ تعالى موجود قبل کل شی‏ء- یشیر العقل إلیه و یفرضه أول الموجودات- و کذلک هو موجود بعد کل شی‏ء- یشیر العقل إلیه- و یفرضه آخر ما یبقى من جمیع الموجودات- فإن البارئ سبحانه بالاعتبار الأول- یکون أولا قبل کل ما یفرض أولا- و بالاعتبار الثانی یکون آخرا- بعد کل ما یفرض آخرا- .

فأما قوله بأولیته وجب أن لا أول له- إلى آخر الکلام فیمکن أن یفسر على وجهین- أحدهما أنه تعالى لما فرضناه أولا مطلقا- تبع هذا الفرض أن یکون قدیما أزلیا- و هو المعنی بقوله وجب أن لا أول- و إنما تبعه ذلک- لأنه لو لم یکن أزلیا لکان محدثا- فکان له محدث و المحدث متقدم على المحدث- لکنا فرضناه أولا مطلقا- أی لا یتقدم علیه شی‏ء فیلزم المحال و الخلف- و هکذا القول فی آخریته- لأنا إذا فرضناه آخرا مطلقا- تبع هذا الفرض أن یکون مستحیل العدم- و هو المعنی بقوله وجب أن لا آخر له-و إنما تبعه ذلک- لأنه لو لم یستحل عدمه لصح عدمه- لکن کل صحیح و ممکن فلیفرض وقوعه- لأنه لا یلزم من فرض وقوعه محال- مع فرضنا إیاه صحیحا و ممکنا- لکن فرض تحقق عدمه محال- لأنه لو عدم لما عدم بعد استمرار الوجودیه إلا بضد- لکن الضد المعدم یبقى- بعد تحقق عدم الضد المعدوم- لاستحاله أن یعدمه- و یعدم معه فی وقت واحد- لأنه لو کان وقت عدم الطارئ- هو وقت عدم الضد المطروء علیه- لامتنع عدم الضد المطروء علیه- لأن حال عدمه الذی هو الأثر المتجدد- تکون العله الموجبه للأثر معدومه- و المعدوم یستحیل أن یکون مؤثرا البته- فثبت أن الضد الطارئ- لا بد أن یبقى بعد عدم المطروء علیه و لو وقتا واحدا- لکن بقاءه بعده و لو وقتا واحدا- یناقض فرضنا کون المطروء علیه آخرا مطلقا- لأن الضد الطارئ قد بقی بعده- فیلزم من الخلف و المحال ما لزم فی المسأله الأولى- .

و التفسیر الثانی- ألا تکون الضمائر الأربعه راجعه- إلى البارئ سبحانه- بل یکون منها ضمیران راجعین إلى غیره- و یکون تقدیر الکلام بأولیه الأول- الذی فرضنا کون البارئ سابقا علیه- علمنا أن البارئ لا أول له- و بآخریه الآخر الذی فرضنا أن البارئ متأخر عنه- علمنا أن البارئ لا آخر له- و إنما علمنا ذلک- لأنه لو کان سبحانه أولا لأول الموجودات- و له مع ذلک أول لزم التسلسل- و إثبات محدثین و محدثین إلى غیر نهایه- و هذا محال- . و لو کان سبحانه آخرا لآخر الموجودات- و له مع ذلک آخر لزم التسلسل- و إثبات أضداد تعدم و یعدمها غیرها إلى غیر نهایه- و هذا أیضا محال: وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ شَهَادَهً- یُوَافِقُ فِیهَا السِّرُّ الْإِعْلَانَ- وَ الْقَلْبُ اللِّسَانَ-أَیُّهَا النَّاسُ لَا یَجْرِمَنَّکُمْ شِقَاقِی- وَ لَا یَسْتَهْوِیَنَّکُمْ عِصْیَانِی- وَ لَا تَتَرَامَوْا بِالْأَبْصَارِ عِنْدَ مَا تَسْمَعُونَهُ مِنِّی- فَوَالَّذِی فَلَقَ الْحَبَّهَ وَ بَرَأَ النَّسَمَهَ- إِنَّ الَّذِی أُنَبِّئُکُمْ بِهِ عَنِ النَّبِیِّ الْأُمِّیِّ ص- وَ اللَّهِ مَا کَذَبَ الْمُبَلِّغُ وَ لَا جَهِلَ السَّامِعُ- لَکَأَنِّی أَنْظُرُ إِلَى ضِلِّیلٍ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ- وَ فَحَصَ بِرَایَاتِهِ فِی ضَوَاحِی کُوفَانَ- فَإِذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ- وَ اشْتَدَّتْ شَکِیمَتُهُ- وَ ثَقُلَتْ فِی الْأَرْضِ وَطْأَتُهُ- عَضَّتِ الْفِتْنَهُ أَبْنَاءَهَا بِأَنْیَابِهَا- وَ مَاجَتِ الْحَرْبُ بِأَمْوَاجِهَا- وَ بَدَا مِنَ الْأَیَّامِ کُلُوحُهَا- وَ مِنَ اللَّیَالِی کُدُوحُهَا- فَإِذَا أَیْنَعَ زَرْعُهُ وَ قَامَ عَلَى یَنْعِهِ- وَ هَدَرَتْ شَقَاشِقُهُ وَ بَرَقَتْ بَوَارِقُهُ- عُقِدَتْ رَایَاتُ الْفِتَنِ الْمُعْضِلَهِ- وَ أَقْبَلْنَ کَاللَّیْلِ الْمُظْلِمِ وَ الْبَحْرِ الْمُلْتَطِمِ- هَذَا وَ کَمْ یَخْرِقُ الْکُوفَهَ مِنْ قَاصِفٍ- وَ یَمُرُّ عَلَیْهَا مِنْ عَاصِفٍ- وَ عَنْ قَلِیلٍ تَلْتَفُّ الْقُرُونُ بِالْقُرُونِ- وَ یُحْصَدُ الْقَائِمُ- وَ یُحْطَمُ الْمَحْصُودُ فی الکلام محذوف- و تقدیره لا یجرمنکم شقاقی على أن تکذبونی- و المفعول فضله و حذفه کثیر- نحو قوله تعالى- اللَّهُ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشاءُ وَ یَقْدِرُ- فحذف العائد إلى الموصول- و منها قوله سبحانه- لا عاصِمَ الْیَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ- أی من رحمه- و لا بد من تقدیر العائد إلى الموصول- و قد قرئ قوله وَ ما عَمِلَتْهُ أَیْدِیهِمْ و ما عملت أیدیهم بحذف المفعول- .

لا یجرمنکم لا یحملنکم- و قیل لا یکسبنکم- و هو من الألفاظ القرآنیه- .و لا یستهوینکم أی لا یستهیمنکم یجعلکم هائمین- . و لا تتراموا بالأبصار أی لا یلحظ بعضکم بعضا- فعل المنکر المکذب- . ثم أقسم بالذی فلق الحبه و برأ النسمه- فلق الحبه من البر- أی شقها و أخرج منها الورق الأخضر- قال تعالى إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوى‏- . و برأ النسمه أی خلق الإنسان- و هذا القسم لا یزال أمیر المؤمنین یقسم به- و هو من مبتکراته و مبتدعاته- . و المبلغ و السامع هو نفسه ع- یقولما کذبت على الرسول تعمدا- و لا جهلت ما قاله فأنقل عنه غلطا- . و الضلیل الکثیر الضلال- کالشریب و الفسیق و نحوهما- .

و هذا کنایه عن عبد الملک بن مروان- لأن هذه الصفات و الأمارات فیه أتم منها فی غیره- لأنه قام بالشام حین دعا إلى نفسه- و هو معنى نعیقه- و فحصت رایاته بالکوفه- تاره حین شخص بنفسه إلى العراق و قتل مصعبا- و تاره لما استخلف الأمراء على الکوفه- کبشر بن مروان أخیه و غیره- حتى انتهى الأمر إلى الحجاج- و هو زمان اشتداد شکیمه عبد الملک و ثقل وطأته- و حینئذ صعب الأمر جدا- و تفاقمت الفتن مع الخوارج و عبد الرحمن بن الأشعث- فلما کمل أمر عبد الملک- و هو معنى أینع زرعه هلک- و عقدت رایات الفتن المعضله من بعده- کحروب أولاده مع بنی المهلب- و کحروبهم مع زید بن علی ع- و کالفتن الکائنه بالکوفه أیام یوسف بن عمر- و خالد القسری و عمر بن هبیره و غیرهم- و ما جرى فیها من الظلم و استئصال الأموال- و ذهاب النفوس- .

و قد قیل إنه کنى عن معاویه- و ما حدث فی أیامه من الفتن- و ما حدث بعده من فتنه یزید و عبید الله بن زیاد- و واقعه الحسین ع- و الأول أرجح- لأن معاویه فی أیام أمیر المؤمنین ع- کان قد نعق بالشام و دعاهم إلى نفسه- و الکلام یدل على إنسان ینعق فیما بعد- أ لا تراه یقول لکأنی أنظر إلى ضلیل- قد نعق بالشام- ثم نعود إلى تفسیر الألفاظ و الغریب- . النعیق صوت الراعی بغنمه و فحص برایاته- من قولهم ما له مفحص قطاه أی مجثمها- کأنهم جعلوا ضواحی الکوفه مفحصا و مجثما لرایاتهم- .

و کوفان اسم الکوفه- و الکوفه فی الأصل اسم الرمله الحمراء- و بها سمیت الکوفه- و ضواحیها نواحیها القریبه منها البارزه عنها- یرید رستاقها- . و فغرت فاغرته فتح فاه- و هذا من باب الاستعاره أی إذا فتک فتح فاه و قتل- کما یفتح الأسد فاه عند الافتراس و التأنیف للفتنه- . و الشکیمه فی الأصل- حدیده معترضه فی اللجام فی فم الدابه- ثم قالوا فلان شدید الشکیمه- إذا کان شدید المراس شدید النفس عسر الانقیاد- .

و ثقلت وطأته عظم جوره و ظلمه- و کلوح الأیام عبوسها- و الکدوح الآثار من الجراحات- . و القروح الواحد الکدح أی الخدش- . و المراد من قوله من الأیام- ثم قال و من اللیالی- أن هذه الفتنه مستمره الزمان کله- لأن الزمان لیس إلا النهار و اللیل- . و أینع الزرع أدرک و نضج- و هو الینع و الینع بالفتح و الضم- مثل النضج و النضج-و یجوز ینع الزرع بغیر همز ینع ینوعا- و لم تسقط الیاء فی المضارع لأنها تقوت بأختها- و زرع ینیع و یانع مثل نضیج و ناضج- و قد روی أیضا هذا الموضع بحذف الهمز- .

و قوله ع و قام على ینعه- الأحسن أن یکون ینع هاهنا جمع یانع- کصاحب و صحب- ذکر ذلک ابن کیسان و یجوز أن یکون أراد المصدر- أی و قام على صفه و حاله هی نضجه و إدراکه- . و هدرت شقاشقه- قد مر تفسیره فی الشقشقیه- و برقت بوارقه سیوفه و رماحه- و المعضله العسره العلاج داء معضل- . و یخرق الکوفه یقطعها- و القاصف الریح القویه- تکسر کل ما تمر علیه و تقصفه- .

ثم وعد ع بظهور دوله أخرى- فقال و عن قلیل تلتف القرون بالقرون- و هذا کنایه عن الدوله العباسیه- التی ظهرت على دوله بنی أمیه- و القرون الأجیال من الناس واحدها قرن بالفتح- .و یحصد القائم و یحطم المحصود- کنایه عن قتل الأمراء من بنی أمیه فی الحرب- ثم قتل المأسورین منهم صبرا- فحصد القائم قتل المحاربه- و حطم الحصید القتل صبرا- و هکذا وقعت الحال مع عبد الله بن علی- و أبی العباس السفاح

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۷

بازدیدها: ۳۵