نامه ۷۸ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام لما استخلف، إلى أمراء الأجناد

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا أَهْلَکَ مَنْ کَانَ قَبْلَکُمْ- أَنَّهُمْ مَنَعُوا النَّاسَ الْحَقَّ فَاشْتَرَوْهُ- وَ أَخَذُوهُمْ بِالْبَاطِلِ فَاقْتَدَوْهُ

المعنى

أقول: نفّرهم عن منع الحقّ أهله، و معاملتهم الناس بالباطل، یذکّر أنّ ذلک هو سبب هلاک من کان قبلهم من أمثالهم. و قوله: فاشتروه. أى فباعوه و تعوّضوا عنه بالباطل لمّا منعوا منه کقوله تعالى وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ«» و کذلک قوله: و أخذوهم بالباطل: أى جعلوا تصرّفاتهم معهم بالباطل فاقتدوه: أی اقتدوا الباطل و سلکوا فیه مسلک من أخذهم به کقوله تعالى فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ«» و باللّه التوفیق. تمّ باب الکتب و الوصایا و العهود و الحمد للّه حقّ حمده.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۲۳۷

بازدیدها: ۲

نامه ۷۷ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى أبى موسى الأشعرى جوابا فى أمر الحکمین
ذکره سعید بن یحیى الأموى فى کتاب المغازى

فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَغَیَّرَ کَثِیرٌ مِنْهُمْ عَنْ کَثِیرٍ مِنْ حَظِّهِمْ- فَمَالُوا مَعَ الدُّنْیَا وَ نَطَقُوا بِالْهَوَى- وَ إِنِّی نَزَلْتُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَنْزِلًا مُعْجِباً- اجْتَمَعَ بِهِ أَقْوَامٌ أَعْجَبَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ- وَ أَنَا أُدَاوِی مِنْهُمْ قَرْحاً أَخَافُ أَنْ یَکُونَ عَلَقاً- وَ لَیْسَ رَجُلٌ فَاعْلَمْ أَحْرَصَ عَلَى أُمَّهِ مُحَمَّدٍ ص- وَ أُلْفَتِهَا مِنِّی- أَبْتَغِی بِذَلِکَ حُسْنَ الثَّوَابِ وَ کَرَمَ الْمَآبِ- وَ سَأَفِی بِالَّذِی وَأَیْتُ عَلَى نَفْسِی- وَ إِنْ تَغَیَّرْتَ عَنْ صَالِحِ مَا فَارَقْتَنِی عَلَیْهِ- فَإِنَّ الشَّقِیَّ مَنْ حُرِمَ نَفْعَ مَا أُوتِیَ مِنَ الْعَقْلِ وَ التَّجْرِبَهِ- وَ إِنِّی لَأَعْبَدُ أَنْ یَقُولَ قَائِلٌ بِبَاطِلٍ- وَ أَنْ أُفْسِدَ أَمْراً قَدْ أَصْلَحَهُ اللَّهُ- فَدَعْ مَا لَا تَعْرِفُ- فَإِنَّ شِرَارَ النَّاسِ طَائِرُونَ إِلَیْکَ بِأَقَاوِیلِ السُّوءِ

اللغه
أقول: العلق: الدم الغلیظ. و أیت: وعدت. و أعبد: استنکف و أغضب.

المعنى
و قوله: فإنّ الناس. إلى قوله: حظّهم. أى الحظّ الّذی ینبغی لهم من الدین و الهدى. و قوله: فمالوا. إلى قوله: الهوى.

 

بیان لأنواع تغیّرهم. و قوله: و إنّی نزلت من هذا الأمر. أی أمر الخلافه منزلا معجبا و هو الحال الّتی انتهى إلیها مع الصحابه و صارت محل التعجّب منها و کیف صار محکوما لهم فی قبول الحکومه و الرضى بالصلح و غیره. و قوله: اجتمع به أقوام. صفه منزل: أی أنّ هذا المنزل الّذى أنا فیه من هذا الأمر قد اجتمع معى و شارکنی فی رأیی فیه أقوام أعجبتهم أنفسهم و آرائهم فأفسدوا علىّ الأمر فأنا اداوى منهم قرحا، و استعار لفظ القرح لما أفسد من حاله باجتماعهم على التحکیم. و لفظ المداواه لاجتهاده فی إصلاحهم، و روى: ادارى. و کذلک استعار لفظ العلق لما یخاف من تفاقم أمرهم من حاله. و قوله: و لیس رجل أحرص منه على الفه جماعه محمّد صلّى اللّه علیه و آله للغرض المذکور.

و قوله: فاعلم. اعتراض حسن بین لیس و خبرها و رجل یفید العموم و إن کان مفردا نکره لکونه فی سیاق النفى على ما بیّن فی اصول الفقه. ثمّ أخبر أنّه سیفی بما وعد على نفسه من شرط الصلح على ما وقع علیه، و توعّده بلزوم الشقاوه إن تغیّر عن صالح ما فارقه علیه من وجوب الحکم بکتاب اللّه و عدم اتّباع الهوى و الاغترار بمقارنه الأشرار. و فسّر الشقیّ بمن حرم نفع ما اوتى من العقل و التجربه مشیرا بذلک إلى أنّه إن خدع أو تغیّر بأمر آخر فقد حرم نفع عقله و سابقه تجربته فلزمته الشقاوه. ثمّ نبّهه على أنّه یأنف من قول الباطل، و أن یفسد أمرا أصلحه اللّه به و هو أمر الدین لیحترز من غضبه بلزوم الحقّ و الصدق و حفظ جانب اللّه فی حقّه، و أکّد ذلک بقوله: فدع ما لا تعرف: أى من الحکم فی هذه القضیّه بالشبهه. و قوله: فإنّ شرار الناس. إلى آخره.

أراد عمرو بن العاص و نحوه فیما کان یسرع بإلقائه إلیه من الوساوس و الشبه الکاذبه الّتی هی أقاویل السوء.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۲۳۶

بازدیدها: ۰

نامه ۷۶ شرح ابن میثم بحرانی

و من وصیّه له علیه السّلام لعبد اللّه بن العباس، لما بعثه للاحتجاج إلى الخوارج

لَا تُخَاصِمْهُمْ بِالْقُرْآنِ- فَإِنَّ الْقُرْآنَ حَمَّالٌ ذُو وُجُوهٍ- تَقُولُ وَ یَقُولُونَ… وَ لَکِنْ حَاجِجْهُمْ بِالسُّنَّهِ- فَإِنَّهُمْ لَنْ یَجِدُوا عَنْهَا مَحِیصاً

اللغه

أقول: المحیص: المعدل.

المعنى

و قد نهاه أن یحاجّهم بالقرآن. و نبّهه على ذلک بضمیر صغراه قوله: فإنّ القرآن. إلى قوله: و یقولون: أى إنّ الآیات الّتی یمکنه الاحتجاج بها غیر ناصّه فی المطلوب بل لها ظاهر و تأویلات محتمله یمکنهم أن یتعلّقوا بها عند المجادله.
و تقدیر الکبرى: و کلّ ما کان کذلک فلا یتمّ الغرض به فی مخاصمتهم. ثمّ أمره أن یحاجّهم بالسنّه. و نبّه على ذلک بضمیر صغراه قوله: فإنّهم لا یجدون عنها معدلا لکونها ناصّه فی المطلوب کقوله صلّى اللّه علیه و آله: حربک یا علىّ حربی. و نحوه. و تقدیر الکبرى:

و کلّ ما لم یجدوا عنه معدلا فالأولى محاجّتهم به. و قد أشرنا من قبل إلى مجادله ابن عبّاس.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۲۳۵

بازدیدها: ۱

نامه ۷۵ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام لعبد اللّه بن العباس، عند استخلافه إیاه على البصره

سَعِ النَّاسَ بِوَجْهِکَ وَ مَجْلِسِکَ وَ حُکْمِکَ- وَ إِیَّاکَ وَ الْغَضَبَ فَإِنَّهُ طَیْرَهٌ مِنَ الشَّیْطَانِ- وَ اعْلَمْ أَنَّ مَا قَرَّبَکَ مِنَ اللَّهِ یُبَاعِدُکَ مِنَ النَّارِ- وَ مَا بَاعَدَکَ مِنَ اللَّهِ یُقَرِّبُکَ مِنَ النَّارِ

اللغه

أقول: الطیره: فعله من الطیران، و یستعمل فی الخفّه و ما لاثبات له. و روی: طیره من التطیّر و هو التشأم.

و قد أمره بفضائل من الأخلاق:
أحدها: أن یسع الناس بوجهه.
و کنّى بذلک عن البشر و الطلاقه، و بمجلسه. و هو کنایه عن التواضع، و بحکمه. و کنّى به عن العدل لأنّ الحکم‏ العدل یسع کلّ أحد، و الجور ضیّق لا یحتمله الکلّ.

الثانیه: حذّره من الغضب
و هو أمر بفضیله الثبات و الحلم، و نفّره بقوله: فإنّه طیره من الشیطان: أى خفّه ینشأ من الشیطان، أو أنّه ممّا یتشأم الناس بصاحبه و یکرهه. و نسبه إلى الشیطان لینفر عنه، و أراد الغضب المذموم. و هو صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّما کان کذلک فواجب أن یحذر. ثمّ رغّبه فیما یقرّبه من اللّه بما یستلزمه من کونه مباعدا له من النار، و نفّره عمّا یبعّده من اللّه بما یستلزمه من کونه مقرّبا له إلى النار. و هما صغریا ضمیرین تقدیر کبرى الأوّل منهما: و کلّ ما باعدک من النار فواجب أخذه، و تقدیر کبرى الثانی: و کلّ ما یقرّبک من النار فواجب أن یحذره. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۲۳۴

بازدیدها: ۱

نامه ۷۴ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى معاویه فى أول ما بویع له ذکره الواقدى فى کتاب الجمل

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِیٍّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ- إِلَى مُعَاوِیَهَ بْنِ أَبِی سُفْیَانَ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ عَلِمْتَ إِعْذَارِی فِیکُمْ- وَ إِعْرَاضِی عَنْکُمْ- حَتَّى کَانَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَ لَا دَفْعَ لَهُ- وَ الْحَدِیثُ طَوِیلٌ وَ الْکَلَامُ کَثِیرٌ- وَ قَدْ أَدْبَرَ مَا أَدْبَرَ- وَ أَقْبَلَ مَا أَقْبَلَ- فَبَایِعْ مَنْ قِبَلَکَ- وَ أَقْبِلْ إِلَیَّ فِی وَفْدٍ مِنْ أَصْحَابِکَ

اللغه
أقول: الوفد: الواردون على الملک.

المعنى

و أعلمه أوّلا إعذاره فیهم إلى اللّه: أى إظهار عذره و ذلک باجتهاده فی نصیحه عثمان أوّلا، و نصره بنی امیّه بالذبّ عنه ثانیا، و إعراضه عنهم بعد إیاسه من قبول عثمان لنصیحته و عجزه عن نصرته و الدفع عنه حتّى کان ما لابدّ منه و لا دفع له من قبله. ثمّ قال: و الحدیث طویل و الکلام کثیر: أى فی أمره و من قبله.

و قوله: و قد أدبر. إلى قوله: أقبل. یحتمل أن یکون إخبارا له بأنّ بعض الناس أدبر عنه کطلحه و الزبیر و من تابعهما و بعضهم أقبل علیه، و یحتمل أن یکون إنشاء أى قد دخل فی الإدبار من أدبر عنّى و دخل فی الإقبال من أقبل علىّ. ثمّ أمره أن یبایع له من قبله من الجماعه و تقبل إلیه، و یحتمل أن یکون الضمیر فی قوله: فیکم و عنکم خطابا لمعاویه و سایر المسلمین على سبیل التعتّب و التشکّی: أى قد علمت أنّی أعذرت فیکم حیث لم اعاجل مسیئکم بالعقوبه و أعرضت عنکم حتّى کان ما کان من خروج طلحه و الزبیر و من تابعهم ممّا لابدّ من وقوعه منهم و لا دفع له. و الحدیث فی شأنهم طویل، و الکلام فی شبهتهم کثیر، و قد أدبر من أدبر: أى هؤلاء الخارجون، و أقبل من أقبل. و تمام الکلام بحاله. و اللّه أعلم.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۲۳۳

بازدیدها: ۳

نامه ۷۳ شرح ابن میثم بحرانی

و من حلف له علیه السّلام کتبه بین ربیعه و الیمن، و نقل من خط هشام ابن الکلبى

هَذَا مَا اجْتَمَعَ عَلَیْهِ أَهْلُ الْیَمَنِ- حَاضِرُهَا وَ بَادِیهَا- وَ رَبِیعَهُ حَاضِرُهَا وَ بَادِیهَا- أَنَّهُمْ عَلَى کِتَابِ اللَّهِ یَدْعُونَ إِلَیْهِ- وَ یَأْمُرُونَ بِهِ وَ یُجِیبُونَ مَنْ دَعَا إِلَیْهِ وَ أَمَرَ بِهِ- لَا یَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً- وَ لَا یَرْضَوْنَ بِهِ بَدَلًا- وَ أَنَّهُمْ یَدٌ وَاحِدَهٌ عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِکَ وَ تَرَکَهُ- أَنْصَارٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ- دَعْوَتُهُمْ وَاحِدَهٌ- لَا یَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ لِمَعْتَبَهِ عَاتِبٍ- وَ لَا لِغَضَبِ غَاضِبٍ- وَ لَا لِاسْتِذْلَالِ قَوْمٍ قَوْماً- وَ لَا لِمَسَبَّهِ قَوْمٍ قَوْماً- عَلَى ذَلِکَ شَاهِدُهُمْ وَ غَائِبُهُمْ- وَ سَفِیهُهُمْ وَ عَالِمُهُمْ وَ حَلِیمُهُمْ وَ جَاهِلُهُمْ- ثُمَّ إِنَّ عَلَیْهِمْ بِذَلِکَ عَهْدَ اللَّهِ وَ مِیثَاقَهُ- إِنَّ عَهْدَ اللَّهِ کَانَ مَسْئُولًا- وَ کَتَبَ عَلِیُّ بْنُ أَبِی طَالِبٍ

اللغه

أقول: الحلف: العهد.

و فیه نکت:
الأولى
قوله: هذا. مبتدأ و ما موصوله و هی صفه المبتدأ، و خبره أنّهم. و یجوز أن یکون هذا مبتدأ خبره ما اجتمع علیه، و یکون قوله: أنّهم. تفسیرا لهذا.
کأنّه قال: ما الّذی اجتمعوا علیه فقیل: على أنّهم على کتاب اللّه: أى اجتمعوا على ذلک، و خبر أنّهم على کتاب اللّه، و یدعون حال، و العامل متعلّق الجارّ. و حاضرها و بادیها من أهل الیمن، و کذلک من ربیعه.

الثانیه: کونهم لا یشترون به ثمنا
کنایه عن لزومهم له و للعمل به.
الثالثه: قوله: و أنّهم ید واحده
أى یتعاونون على من خالفه. فأطلق اسم الید على المتعاون مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب، و أنصار خبر ثان لأنّ و بعضهم فاعله. و یجوز أن یکون بعضهم مبتدأ خبره أنصار.
الرابعه: قوله: و لا لاستذلال قوم قوما
أى لا ینقضون عهدهم لکون القبیله الاخرى استذلّت قومهم أو سبّتهم. و روى لمشیئه قوم قوما: أى لإرادتهم. و فی روایه- کتب علیّ بن أبو طالب- و هى المشهوره عنه علیه السّلام و وجهها أنّه جعل هذه الکنیه علما بمنزله لفظ واحده لا یتغیّر إعرابها.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۲۳۱

 

بازدیدها: ۰

نامه ۷۲ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى معاویه

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّی عَلَى التَّرَدُّدِ فِی جَوَابِکَ- وَ الِاسْتِمَاعِ إِلَى کِتَابِکَ- لَمُوَهِّنٌ رَأْیِی وَ مُخَطِّئٌ فِرَاسَتِی- وَ إِنَّکَ إِذْ تُحَاوِلُنِی الْأُمُورَ- وَ تُرَاجِعُنِی السُّطُورَ- کَالْمُسْتَثْقِلِ النَّائِمِ تَکْذِبُهُ أَحْلَامُهُ- وَ الْمُتَحَیِّرِ الْقَائِمِ یَبْهَظُهُ مَقَامُهُ- لَا یَدْرِی أَ لَهُ مَا یَأْتِی أَمْ عَلَیْهِ- وَ لَسْتَ بِهِ غَیْرَ أَنَّهُ بِکَ شَبِیهٌ- وَ أُقْسِمُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَوْ لَا بَعْضُ‏ الِاسْتِبْقَاءِ- لَوَصَلَتْ إِلَیْکَ مِنِّی قَوَارِعُ تَقْرَعُ الْعَظْمَ- وَ تَهْلِسُ اللَّحْمَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الشَّیْطَانَ قَدْ ثَبَّطَکَ- عَنْ أَنْ تُرَاجِعَ أَحْسَنَ أُمُورِکَ- وَ تَأْذَنَ لِمَقَالِ نَصِیحَتِکَ

اللغه

أقول: موهّن: مضعّف. و بهظه: أثقله. و القوارع: الشدائد. و تهلس اللحم.

تذهب به، و تسحبه، و تقرب منه النهس. و ثبّطه عن کذا: شغله.

 

و مدار الفصل على منافرته و توبیخه.
فقوله: أمّا بعد. إلى قوله: فراستى: أى مضعّف رأیى و فراستی فیک لغلبه ظنّی أنّ مکاتبتک و جوابک لا فایده فیه. ثمّ شبّهه فی محاولته أمر الشام و ما یخدعه من جعل أمر الخلافه فیه بعده و مراجعته السطور أى الکتب فی ذلک بالمستثقل فی النوم، الغریق فیه، و انتصب السطور بحذف الجارّ إمّا فی أو الباء، و أشار إلى وجه الشبه بقوله: تکذبه أحلامه. و أراد أنّ تخیّلاته و أمانیه فی وصول هذا الأمر إلیه تخیّلات کاذبه صادره عن جهل غالب کالأحلام الکاذبه للمستغرق فی نومه إذا استیقظ لم یجدها شیئا، و کذلک شبّهه بالمتحیّر القائم، و أشار إلى وجهه بقوله: یبهظه.
إلى قوله: علیه. و بیانه أنّ معاویه مجدّ فی هذا الأمر متحیّر فی تحصیله متهوّر فی طلبه مع جهله بعاقبه سعیه هل هى خیر أو شرّ کالقائم المتحیّر فی الأمر یتعب بطول مقامه و لا یعرف غایته من قیامه. ثمّ لم یرض له بذلک التشبیه بل زاد مبالغه فی غفلته و نومه فی مرقد طبیعته و حیرته و قال: و لست به: أى و لست بهذا شبیها فیکون هو أصلا لک فی الشبه غیر أنّه بک شبیه: أى إنّک أصل له فی ذلک الشبه. ثمّ أقسم لولا بعض الاستبقاء: أى للامور المصلحیّه لوصلت إلیه منه قوارع. و أراد شدائد الحرب، و کنّى عن شدّتها بکونها تقرع العظم و تهلس اللحم. ثمّ أعلمه فی معرض توبیخه أنّ الشیطان قد ثبّطه عن مراجعه أحسن اموره و هو الدخول فی طاعته و ترک الفتنه و أن یأذن أى یصغى اذنه لمقال نصیحه. و هو جذب له إلیهما بنسبه ترکه لهما إلى تثبیط الشیطان. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۲۳۰

 

بازدیدها: ۳

نامه ۷۱ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى عبد اللّه بن العباس

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّکَ لَسْتَ بِسَابِقٍ أَجَلَکَ- وَ لَا مَرْزُوقٍ مَا لَیْسَ لَکَ- وَ اعْلَمْ بِأَنَّ الدَّهْرَ یَوْمَانِ- یَوْمٌ لَکَ وَ یَوْمٌ عَلَیْکَ- وَ أَنَّ الدُّنْیَا دَارُ دُوَلٍ- فَمَا کَانَ مِنْهَا لَکَ أَتَاکَ عَلَى ضَعْفِکَ- وَ مَا کَانَ مِنْهَا عَلَیْکَ لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِکَ

أقول: الفصل موعظه. و نبّهه فیها على دقایق:
أحدیها: أنّه لا یسبق أجله.
و لمّا کان الأجل هو الوقت الّذی علم اللّه أنّ‏ زیدا یموت فیه لم یمکن أن یموت زید دونه لأنّ ذلک یستلزم انقلاب علم اللّه جهلا و أنّه محال.
الثانیه: و لا مرزوق ما لیس له
أى ما علم اللّه أنّه لیس رزقا له فمحال أن یرزق إیّاه لما بیّناه.
الثالثه: أعلمه أنّ الدهر یومان:
یوم له و هو الیوم الّذى فیه المنافع کاللذّه و کمالاتها، و یوم علیه و هو ما یکون علیه فیه المضرّه کالألم و ما یستلزمه و ذلک معنى کون الدنیا دار دول کما قال تعالى وَ تِلْکَ الْأَیَّامُ نُداوِلُها بَیْنَ النَّاسِ«».
الرابعه: أعلمه بأنّ ما کان له من خیر الدنیا أتاه على ضعفه
و إن کان أمرا کبیرا لعلم اللّه سبحانه بأنّه یصل إلیه، و کذلک ما کان علیه من شرّها لم یتمکّن من دفعه و إن کان قویّا. و ذکر الضعف و القوّه لیعلم استناد الأمور و الأرزاق إلى مدبّر حکیم هو مفیضها و مبدء أسبابها و ناظم وجودها و مقسّم کمالاتها و معطى کلّ منها ما استعدّ له من خیر أو شرّ. فقد یحصل الضعف للحیوان و یرزق رزقا واسعا و یکون ضعفه من الأسباب المعدّه لسعه رزقه، و بالعکس قد تحصل له القوّه فتکون من أسباب الحرمان. و اللّه من ورائهم محیط و هو الرزاق ذو القوّه المتین.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۲۲۹

بازدیدها: ۲

نامه ۷۰ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى المنذر بن الجارود العبدى، و قد خان فی بعض ما ولاه من أعماله

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ صَلَاحَ أَبِیکَ غَرَّنِی مِنْکَ- وَ ظَنَنْتُ أَنَّکَ تَتَّبِعُ هَدْیَهُ- وَ تَسْلُکُ سَبِیلَهُ- فَإِذَا أَنْتَ فِیمَا رُقِّیَ إِلَیَّ عَنْکَ لَا تَدَعُ لِهَوَاکَ انْقِیَاداً- وَ لَا تُبْقِی لِآخِرَتِکَ عَتَاداً- تَعْمُرُ دُنْیَاکَ بِخَرَابِ آخِرَتِکَ- وَ تَصِلُ عَشِیرَتَکَ بِقَطِیعَهِ دِینِکَ- وَ لَئِنْ کَانَ مَا بَلَغَنِی عَنْکَ حَقّاً- لَجَمَلُ أَهْلِکَ وَ شِسْعُ نَعْلِکَ خَیْرٌ مِنْکَ- وَ مَنْ کَانَ بِصِفَتِکَ فَلَیْسَ بِأَهْلٍ أَنْ یُسَدَّ بِهِ ثَغْرٌ- أَوْ یُنْفَذَ بِهِ أَمْرٌ أَوْ یُعْلَى لَهُ قَدْرٌ- أَوْ یُشْرَکَ فِی أَمَانَهٍ أَوْ یُؤْمَنَ عَلَى جِبَایَهٍ- فَأَقْبِلْ إِلَیَّ حِینَ یَصِلُ إِلَیْکَ کِتَابِی هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ قال الرضى: و المنذر هذا هو الذى قال فیه أمیر المؤمنین علیه السّلام: إنه لنظار فى عطفیه، مختال فى بردیه، تفال فى شراکیه.

اللغه

أقول: العتاد: العدّه. و الشسع: سیر بین الإصبعین فی النعل العربی.

و مدار الفصل على توبیخه بسبب خیانته.
فذکر سبب غروره و هو قیاسه فی الصلاح على أبیه الجارود العبدی فی أنّه یتبع ما کان علیه من الهدى. ثمّ ذکر ما رقّى إلیه عنه من الفارق من أربعه أوجه:

أحدها: انقیاده لهواه فی کلّ ما یقوده إلیه.

الثانی: إعراضه عمّا یعتدّ به لآخرته من صالح الأعمال.

الثالث: کونه یعمر دنیاه بما یستلزم خراب آخرته من تناول الحرام.

الرابع: کونه یصل عشیرته بما یقطع دینه من ذلک. و راعى السجع فی القرینتین. ثمّ أخذ فی توبیخه و الحکم بنقصانه و حقارته إن حقّ ما نسب إلیه ذلک بتفضیل جمل أهله و شسع نعله علیه. و جمل الأهل ممّا یتمثّل به فی الهوان. و أصله فیما قیل: أنّ الجمل یکون لأب القبیله فیصیر میراثا لهم یسوقه کلّ منهم و یصرفه فی حاجته فهو ذلیل حقیر بینهم. ثمّ حکم فی معرض توبیخه على من کان بصفته أنّه لا یصلح لولایه عمل یراد له الوالی. و راعى فی القرائن الأربع السجع المتوازی. فالقدر بإزاء الأمر و الخیانه بإزاء الأمانه. و إنّما قال: أو یشرک فی أمانه. لأنّ الخلفاء امناء اللّه فی بلاده فمن ولّوه من قبلهم فقد أشرکوه فی أمانتهم. و قوله: أو یؤمن على خیانه. أی حال خیانتک. لأنّ کلمه على تفید الحال. ثمّ بعد توبیخه استقدمه علیه عزلا له. و الّذی حکاه السیّد- رحمه اللّه- من وصف أمیر المؤمنین علیه السّلام له فکنایه عن تکبّره. و التفل فی الشراک: نفخ الغبار عنه. و الحکایه مناسبه للکتاب لاشتمالها على الذمّ. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۲۲۸

 

بازدیدها: ۰

نامه ۶۹ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى سهل بن حنیف الأنصارى، و هو عامله على المدینه فى معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاویه

أَمَّا بَعْدُ- فَقَدْ بَلَغَنِی أَنَّ رِجَالًا مِمَّنْ قِبَلَکَ یَتَسَلَّلُونَ إِلَى مُعَاوِیَهَ- فَلَا تَأْسَفْ عَلَى مَا یَفُوتُکَ مِنْ عَدَدِهِمْ- وَ یَذْهَبُ عَنْکَ مِنْ مَدَدِهِمْ- فَکَفَى لَهُمْ غَیّاً- وَ لَکَ مِنْهُمْ شَافِیاً فِرَارُهُمْ مِنَ الْهُدَى وَ الْحَقِّ- وَ إِیضَاعُهُمْ إِلَى الْعَمَى وَ الْجَهْلِ- فَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ دُنْیَا مُقْبِلُونَ عَلَیْهَا وَ مُهْطِعُونَ إِلَیْهَا- وَ قَدْ عَرَفُوا الْعَدْلَ وَ رَأَوْهُ وَ سَمِعُوهُ وَ وَعَوْهُ- وَ عَلِمُوا أَنَّ النَّاسَ عِنْدَنَا فِی الْحَقِ‏ أُسْوَهٌ- فَهَرَبُوا إِلَى الْأَثَرَهِ- فَبُعْداً لَهُمْ وَ سُحْقاً- إِنَّهُمْ وَ اللَّهِ لَمْ یَنْفِرُوا مِنْ جَوْرٍ- وَ لَمْ یَلْحَقُوا بِعَدْلٍ- وَ إِنَّا لَنَطْمَعُ فِی هَذَا الْأَمْرِ أَنْ یُذَلِّلَ اللَّهُ لَنَا صَعْبَهُ- وَ یُسَهِّلَ لَنَا حَزْنَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- وَ السَّلَامُ

اللغه

أقول: التسلّل: الذهاب واحدا بعد واحد. و الایضاع: الإسراع. و کذلک الإهطاع. و الأثره: الاستبداد.

المعنى

فقوله: أمّا بعد إلى قوله: معاویه. إعلامه بعلمه بحالهم. و قوله: فلا تأسف. إلى قوله: مددهم. تسلیه له عمّا فاته من عددهم و مددهم. و قوله: فکفى. إلى قوله: العدل. استدراج له عن الأسف على فرارهم بذکر معایبهم فی ضمیرین صغرى الأوّل: منهما قوله: فکفى. إلى قوله: الجهل. و تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فلا یجوز الأسف علیه. و فرار فاعل کفى، و غیّا و شافیا تمیز. و صغرى الثانی: قوله: و إنّما هم أهل الدنیا: أى لمّا کان شأنهم ذلک و عرفوا العدل عندنا و علموا تساوى الناس عندنا فی الحقّ هربوا إلى الاستئثار و الاستبداد عند معاویه. و تقدیر کبراه: و کلّ من کان بهذه الحال فلا یجوز الأسف علیه، و لذلک دعا علیهم بالبعد و السحق و هما مصدران وضعا للدعاء. ثمّ أقسم أنّهم لم یفرّوا من جور منه و لم یلحقوا بعدل من معاویه لیتأکّد حصره لأحوالهم الّتی هربوا لأجلها. ثمّ وعده بما یطمع من اللّه تعالى من تذلیل ما صعب من أمر الخلافه لهم، و تسهیل حزنه بمشیئته سبحانه.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۲۲۶

 

بازدیدها: ۰

نامه ۶۸ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى الحارث الهمدانى

وَ تَمَسَّکْ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ وَ انْتَصِحْهُ وَ أَحِلَّ حَلَالَهُ وَ حَرِّمْ حَرَامَهُ- وَ صَدِّقْ بِمَا سَلَفَ مِنَ الْحَقِّ- وَ اعْتَبِرْ بِمَا مَضَى مِنَ الدُّنْیَا لِمَا بَقِیَ مِنْهَا- فَإِنَّ بَعْضَهَا یُشْبِهُ بَعْضاً- وَ آخِرَهَا لَاحِقٌ بِأَوَّلِهَا- وَ کُلُّهَا حَائِلٌ مُفَارِقٌ- وَ عَظِّمِ اسْمَ اللَّهِ أَنْ تَذْکُرَهُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ- وَ أَکْثِرْ ذِکْرَ الْمَوْتِ وَ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ- وَ لَا تَتَمَنَّ الْمَوْتَ إِلَّا بِشَرْطٍ وَثِیقٍ- وَ احْذَرْ کُلَّ عَمَلٍ یَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ- وَ یُکْرَهُ لِعَامَّهِ الْمُسْلِمِینَ- وَ احْذَرْ کُلَّ عَمَلٍ یُعْمَلُ بِهِ فِی السِّرِّ- وَ یُسْتَحَى مِنْهُ فِی الْعَلَانِیَهِ وَ احْذَرْ کُلَّ عَمَلٍ إِذَا سُئِلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَنْکَرَهُ أَوْ اعْتَذَرَ مِنْهُ- وَ لَا تَجْعَلْ عِرْضَکَ غَرَضاً لِنِبَالِ الْقَوْلِ- وَ لَا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِکُلِّ مَا سَمِعْتَ بِهِ- فَکَفَى بِذَلِکَ کَذِباً- وَ لَا تَرُدَّ عَلَى النَّاسِ کُلَّ مَا حَدَّثُوکَ بِهِ- فَکَفَى بِذَلِکَ جَهْلًا- وَ اکْظِمِ الْغَیْظَ وَ احْلُمْ عِنْدَ الْغَضَبِ- وَ تَجَاوَزْ عِنْدَ الْمَقْدِرَهِ- وَ اصْفَحْ مَعَ الدَّوْلَهِ تَکُنْ لَکَ الْعَاقِبَهُ- وَ اسْتَصْلِحْ کُلَّ نِعْمَهٍ أَنْعَمَهَا اللَّهُ عَلَیْکَ- وَ لَا تُضَیِّعَنَّ نِعْمَهً مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَکَ- وَ لْیُرَ عَلَیْکَ أَثَرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَیْکَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الْمُؤْمِنِینَ- أَفْضَلُهُمْ تَقْدِمَهً مِنْ نَفْسِهِ وَ أَهْلِهِ وَ مَالِهِ- فَإِنَّکَ مَا تُقَدِّمْ مِنْ خَیْرٍ یَبْقَ لَکَ ذُخْرُهُ- وَ مَا تُؤَخِّرْهُ یَکُنْ لِغَیْرِکَ خَیْرُهُ- وَ احْذَرْ صَحَابَهَ مَنْ یَفِیلُ رَأْیُهُ- وَ یُنْکَرُ عَمَلُهُ فَإِنَّ الصَّاحِبَ مُعْتَبَرٌ بِصَاحِبِهِ- وَ اسْکُنِ الْأَمْصَارَ الْعِظَامَ فَإِنَّهَا جِمَاعُ الْمُسْلِمِینَ- وَ احْذَرْ مَنَازِلَ الْغَفْلَهِ وَ الْجَفَاءِ- وَ قِلَّهَ الْأَعْوَانِ عَلَى طَاعَهِ اللَّهِ- وَ اقْصُرْ رَأْیَکَ عَلَى مَا یَعْنِیکَ- وَ إِیَّاکَ وَ مَقَاعِدَ الْأَسْوَاقِ- فَإِنَّهَا مَحَاضِرُ الشَّیْطَانِ وَ مَعَارِیضُ الْفِتَنِ- وَ أَکْثِرْ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَنْ فُضِّلْتَ عَلَیْهِ- فَإِنَّ ذَلِکَ مِنْ أَبْوَابِ الشُّکْرِ- وَ لَا تُسَافِرْ فِی یَوْمِ جُمُعَهٍ حَتَّى تَشْهَدَ الصَّلَاهَ- إِلَّا فَاصِلًا فِی سَبِیلِ اللَّهِ أَوْ فِی أَمْرٍ تُعْذَرُ بِهِ- وَ أَطِعِ اللَّهَ فِی جَمِیعِ أُمُورِکَ- فَإِنَّ طَاعَهَ اللَّهِ فَاضِلَهٌ عَلَى مَا سِوَاهَا- وَ خَادِعْ نَفْسَکَ فِی الْعِبَادَهِ وَ ارْفُقْ‏ بِهَا وَ لَا تَقْهَرْهَا- وَ خُذْ عَفْوَهَا وَ نَشَاطَهَا- إِلَّا مَا کَانَ مَکْتُوباً عَلَیْکَ مِنَ الْفَرِیضَهِ- فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا وَ تَعَاهُدِهَا عِنْدَ مَحَلِّهَا- وَ إِیَّاکَ أَنْ یَنْزِلَ بِکَ الْمَوْتُ- وَ أَنْتَ آبِقٌ مِنْ رَبِّکَ فِی طَلَبِ الدُّنْیَا- وَ إِیَّاکَ وَ مُصَاحَبَهَ الْفُسَّاقِ- فَإِنَّ الشَّرَّ بِالشَّرِّ مُلْحَقٌ- وَ وَقِّرِ اللَّهَ وَ أَحْبِبْ أَحِبَّاءَهُ- وَ احْذَرِ الْغَضَبَ فَإِنَّهُ جُنْدٌ عَظِیمٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِیسَ أقول: هذا الفصل من کتاب طویل إلیه.

و قد أمره فیه بأوامره و زجره بزواجره مدارها على تعلیم مکارم الأخلاق و محاسن الآداب.
أحدها: أن یتمسّک بحبل القرآن.
و لفظ الحبل مستعار کما سبق. و أراد لزوم العمل به.
الثانی: أن ینتصحه
أی یتّخذه ناصحا له بحیث یقبل أمره و شوره لأنّه یهدی إلى الحقّ و إلى صراط مستقیم.
الثالث: أن یحلّ حلاله و یحرّم حرامه.
و ذلک أن یعتقد ما فیه من الحلال و الحرام حلالا و حراما و یقف عند اعتقاده و یعمل بمقتضاه.
الرابع: أن یصدّق بما سلف من الحقّ
ممّا حکاه القرآن الکریم من أحوال القرون الماضیه و أحوال الأنبیاء مع أممهم لیصحّ منه الاعتبار.
الخامس: أن یعتبر ماضی الدنیا بباقیها
و یقیسه به فیجعل ما مضى أصلا و ما یبقى فرعا و یحذو القدر المشترک بینهما من العلّه و هو کونها مظنّه التغیّر و الزوال فیحکم فی الفرع بحکم الأصل من وجوب الزوال، و قد نبّه على المشترک بقوله: فإنّ بعضها یشبه بعضا. و على ما یلزم ذلک فی الفرع بقوله: و آخرها لاحق بأوّلها و کلّها حائل: أی زائل مفارق.
السادس: أن یعظّم اسم اللّه و یکبّره
أن یذکره حالفا إلّا على حقّ.

السابع: أن یکثر ذکر الموت و ما بعده
فإنّ فی ذکرهما أعظم واعظ و أشدّ زاجر عن الدنیا.
الثامن: نهاه أن یتمنّى الموت إلّا بشرط وثیق
من نفسه یطمئنّ إلیه فی طاعه اللّه و ولایته فإنّ تمنّیه بدون ذلک سفه و حمق.
التاسع: أمره أن یحذر کلّ عمل یرضاه لنفسه و یکره للمسلمین
و هو فی المعنى نهى عن الاستیثار علیهم بالمکاره و لنفسه بالخیرات و هو کقوله: ردّ للناس ما ترید لنفسک و اکره لهم ما تکرهه لها.
العاشر: أن یحذر ما یعمله فی السرّ و یستحیى منه فی العلانیه.
و الإشاره إلى معاصى اللّه و مفارقه الدنایا من المباحات، و کذلک کلّ عمل من شأنه أن ینکره إذا سئل عنه و یعتذر منه.
الحادی عشر: أن یحفظ عرضه و نهاه أن یجعله غرضا.
و استعار لفظ الغرض و النبال لما یرمی به من القول: و قد سبق وجه الاستعاره.
الثانی عشر: أن یحدّث الناس بکلّ ما سمع
على وجه أن یقول: کان کذا و کذا دون أن یقول: سمعت فلانا یقول: کذا. فإنّ بینهما فرقا. و لذلک قال: و کفى بذلک کذبا. لأنّه جاز أن یکون ما سمع فی نفس الأمر کذبا فیکون قد کذب فی قوله: کان کذا. و قوله: سمعت کذا. لا یکون کذبا إلّا على وجه آخر.
الثالث عشر: أن لا یردّ کلّ ما یحدّث به الناس
و یقابله بالتکذیب و الإنکار لأنّه جاز أن یکون حقّا فیحصل من إنکاره جهل بحقّ، و قوله: فکفى. فی الموضعین صغرى ضمیر تقدیر کبرى الأوّل: و کلّما کفى به کذبا فینبغی أن لا یتحدّث به.
و تقدیر کبرى الثانی: و کلّما کفى بردّه جهلا وجب أن لا یردّ.
الرابع عشر: أمره بکظم الغیظ. و الحلم و التجاوز و الصفح
هی فضائل تحت ملکه الشجاعه و شرطها بوجود الغضب و القدره و الدوله فیسمّى حلما و تجاوزا و صفحا و إلّا لم یصدق علیها الاسم.
و قوله: تکن لک العاقبه.

أى العاقبه الحسنه من ذلک، و هی صغرى ضمیر تقدیرها: فإنّ فاعل هذه الخصال یکون له العاقبه منها، و تقدیر الکبرى: و کلّما کانت له العاقبه الحسنه منها فیجب أن یفعلها.
الخامس عشر: أن یستصلح کلّ نعمه للّه تعالى
علیه بمداومه الشکر.
السادس عشر: أن لا یضیّع من نعمه اللّه تعالى نعمه:
أى بالقصور عن الشکر و الغفله عنه.
السابع عشر: أن یظهر أثر نعمه اللّه تعالى علیه بحیث یراها الناس
فظهور أثرها علیه بإظهارها على نفسه و ذویه و صرف فاضلها إلى أهل الاستحقاق. و أعلمه بدلیل وجوب ذلک من وجهین: أحدها: قوله: إنّ أفضل المؤمنین أفضلهم تقدمه: أى صدقه تقدّمها من نفسه بأقواله و أفعاله و أمواله، و من أهله کذلک. و هو جذب له أن یجعل نفسه من أفضل المؤمنین بالصدقه. الثانی: قوله: و إنّک. إلى قوله: خیره: أى ما تقدّمه و تؤخّره من المال و تخلّفه، و هو صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّما إذا قدّمته کان لک ذخرا و إذا أخّرته کان لغیرک خیره فواجب علیک تقدیمه.
الثامن عشر: أن یحذر صحابه من یفیل رأیه
أى یضعف، و ینکر عمله لسوئه.
و علّل ذلک الحذر بقوله: فإنّ. إلى قوله: بصاحبه: أى فإنّک تقاس به لتنسب فعلک إلى فعله، و لأنّ الطبع مع الصحبه أطوع للفعل منه للقول فلو صحبه لشابه فعله فعله.
التاسع عشر: أن یسکن الأمصار العظام.
و الغرض الجمعیّه على دین اللّه کقوله صلّى اللّه علیه و آله: علیکم بالسواد الأعظم و لذلک علّل بکونها جماع المسلمین: أى مجمعهم. و أطلق اسم المصدر على المکان مجازا، و هو صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّما کان کذلک فینبغی أن یخصّ بالسکنى.
العشرون 
أن یحذر منازل الغفله و الجفاء لأهل طاعه اللّه.

الحادى و العشرون: أن یقصر رأیه على ما یعنیه
فإنّ فیه شغلا عمّا لا یعنیه فتجاوزه إلیه سفه.
الثانی و العشرون: أن یحذر مقاعد الأسواق.
و أشار إلى وجه المفسده بقوله: فإنّها. إلى قوله: الفتن. و معنى کونه محاضر الشیطان کونها مجمع الشهوات و محلّ الخصومات الّتی مبدئها الشیطان. و معاریض: جمع معرض و هو محلّ عروض الفتن. و الکلام صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّما کان کذلک فلا یجوز القعود فیه.
الثالث و العشرون: أن یکثر نظره إلى من هو دونه ممّن فضّل علیه فی النعمه.
و علّل ذلک بقوله: فإنّ. إلى قوله: الشکر. و وجه کونه بابا للشکر أنّه یکون سببا للدخول إلیه منه. و هو صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّما کان من أبواب الشکر فواجب ملازمته.
الرابع و العشرون: أن لا یسافر فی یوم الجمعه إلّا أن یکون فی جهاد أو عذر واضح.
و سرّه أن صلاه الجمعه عظیمه فی الدین و هو محلّ التأهّب لها و العباده.
فوضعه للسفر وضع للشی‏ء فی غیر موضعه.
الخامس و العشرون: أن یطیع اللّه فی جمیع اموره.
و رغّب فیها بضمیر صغراه قوله: فإنّ. إلى قوله: سواها. و تقدیر کبراه: و کلّما فضّل ما سواه فالأولى لزومه و ایثاره على ما سواه.
السادس و العشرون: أن یخادع نفسه فی العباده.
فإنّه لمّا کان شأن النفس اتّباع الهوى و موافقه الطبیعه فبالحرىّ أن تخادع عن مألوفها إلى غیره تاره بأن یذکر الوعد، و تاره الوعید، و تاره بالاستشهاد بمن هو دونها ممّن شمّر فی عباده اللّه، و تاره باللوم لها على التفریط فی جنب اللّه. فإذا سلک بها فینبغی أن یکون بالرفق من غیر قهرها على العباده لکون ذلک داعیه الملال و الانقطاع کما أشار إلیه سیّد المرسلین صلّى اللّه علیه و آله: إنّ هذا الدین متین فأوغل فیه برفق و لا تبغّض فیه إلى نفسک عباده اللّه فإنّ المنبتّ لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى، بل تأخذ منها عفوها و نشاطها فی العباده إلّا الفریضه فإنّه لا یجوز المساهله فیها.

السابع و العشرون: حذّره أن ینزل به الموت حال ما هو آبق من ربّه.
و استعار له الآبق باعتبار خروجه عن أمره و نهیه فی طلب الدنیا.
الثامن و العشرون: أن یحذر صحبه الفسّاق
و نفّر عن ذلک بضمیر صغراه قوله: فإنّ الشرّ بالشرّ ملحق: أى فإنّه یصیر لک شرّا کشرّهم لأنّ القرین بالمقارن یقتدى. و تقدیر کبراه: و کلّ ما صیّر لک کذلک فلا یجوز فعله.
التاسع و العشرون: أن یجمع بین توقیر اللّه و تعظیمه و بین محبّه أحبّائه
و أولیائه، و هما أصلان متلازمان.
الثلاثون: أن یحذر الغضب.
و نفّر عنه بقوله: فإنّه. إلى آخره، و معنى کونه جندا له لأنّه من أعظم ما یدخل به على الإنسان فیملکه و یصیر فی تصریفه کالملک الداخل بالجند العظیم على المدینه، و هو صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّما کان کذلک فواجب أن یحذر منه. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۲۱۹

 

بازدیدها: ۴

نامه ۶۷ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى سلمان الفارسى رحمه اللّه قبل أیام خلافته

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا مَثَلُ الدُّنْیَا مَثَلُ الْحَیَّهِ- لَیِّنٌ مَسُّهَا قَاتِلٌ سَمُّهَا- فَأَعْرِضْ عَمَّا یُعْجِبُکَ فِیهَا- لِقِلَّهِ مَا یَصْحَبُکَ مِنْهَا- وَ ضَعْ عَنْکَ هُمُومَهَا- لِمَا أَیْقَنْتَ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا- وَ تَصَرُّفِ حَالَاتِهَا- وَ کُنْ آنَسَ مَا تَکُونُ بِهَا أَحْذَرَ مَا تَکُونُ مِنْهَا- فَإِنَّ صَاحِبَهَا کُلَّمَا اطْمَأَنَّ فِیهَا إِلَى سُرُورٍ- أَشْخَصَتْهُ عَنْهُ إِلَى مَحْذُورٍ

اللغه

أقول: أشخصته: أذهبته.

و مدار الفصل على الموعظه و ذمّ الدنیا، و ضرب لها مثلا، و ذکر من وجوه الشبه من جانب الممثّل به أمرین: أحدهما: لیّن المسّ و تماثله من جانب الدنیا رفاهیّه العیش و لذّاته. و الثانی: قتل سمّها و یماثله من الدنیا هلاک المنهمکین فی لذّاتها یوم القیامه ثمّ أمره فی مقامه بها بأوامر:

أحدها: أن یعرض عمّا یعجبه منها. و علّل وجوب إعراضه بقوله: لقلّه ما یصحبک منها، و هى صغرى ضمیر تقدیرها: ما یصحبک منها قلیل، و تقدیر کبراه: و کلّما کان کذلک فینبغى أن یعرض عنه.

الثانی: أن یضع عنه هموم طلبها، و علّل وجوب ذلک بضمیر صغراه قوله: لما أیقنت من فراقها: أى لأنک متیقّن لفراقها. و تقدیر کبراه: و کلّما تیقّنت فراقه فواجب أن تضع همّک عن طلبه.

الثالث: أن یکون آنس ما یکون بها أحذر ما یکون منها. و ما مصدریّه، و آنس ینصب على الحال، و أحذر خبر کان: أى فی حال کونک آنس بها کن أحذر ما تکون منها. و الغرض أن یحذر منها بقدر جهده و لا یأنس بها. و علّل وجوب الحذر منها بقوله: فإنّ صاحبها. إلى آخره. و هو صغرى ضمیر تقدیرها: فإنّها کلّما اطمأنّ صاحبها فیها. إلى آخره. و تقدیر کبراه: و کلّما کان کذلک فیجب أن یحذر صاحبه منه و لا یأنس إلیه ینتج فالدنیا یجب أن یحذر صاحبها منها.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۲۱۸

بازدیدها: ۰

نامه ۶۶ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى قثم بن العباس، و هو عامله على مکه

أَمَّا بَعْدُ فَأَقِمْ لِلنَّاسِ الْحَجَّ- وَ ذَکِّرْهُمْ بِأَیَّامِ اللَّهِ- وَ اجْلِسْ لَهُمُ الْعَصْرَیْنِ فَأَفْتِ الْمُسْتَفْتِیَ- وَ عَلِّمِ الْجَاهِلَ وَ ذَاکِرِ الْعَالِمَ- وَ لَا یَکُنْ لَکَ إِلَى النَّاسِ سَفِیرٌ إِلَّا لِسَانُکَ- وَ لَا حَاجِبٌ إِلَّا وَجْهُکَ- وَ لَا تَحْجُبَنَّ ذَا حَاجَهٍ عَنْ لِقَائِکَ بِهَا- فَإِنَّهَا إِنْ ذِیدَتْ عَنْ أَبْوَابِکَ فِی أَوَّلِ وِرْدِهَا- لَمْ تُحْمَدْ فِیمَا بَعْدُ عَلَى قَضَائِهَا- وَ انْظُرْ إِلَى مَا اجْتَمَعَ عِنْدَکَ مِنْ مَالِ اللَّهِ- فَاصْرِفْهُ إِلَى مَنْ قِبَلَکَ مِنْ ذَوِی الْعِیَالِ وَ الْمَجَاعَهِ- مُصِیباً بِهِ مَوَاضِعَ الْفَاقَهِ وَ الْخَلَّاتِ- وَ مَا فَضَلَ عَنْ ذَلِکَ فَاحْمِلْهُ إِلَیْنَا لِنَقْسِمَهُ فِیمَنْ قِبَلَنَا- وَ مُرْ أَهْلَ مَکَّهَ أَلَّا یَأْخُذُوا مِنْ سَاکِنٍ أَجْراً- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ یَقُولُ- سَواءً الْعاکِفُ فِیهِ وَ الْبادِ- فَالْعَاکِفُ الْمُقِیمُ بِهِ- وَ الْبَادِی الَّذِی یَحُجُّ إِلَیْهِ مِنْ غَیْرِ أَهْلِهِ- وَفَّقَنَا اللَّهُ وَ إِیَّاکُمْ لِمَحَابِّهِ وَ السَّلَامُ

 

اللغه

أقول: ذیدت: ردّت. و الخلّه: الحاجه.

و فیه مقاصد:
أحدها: أمره بإقامه الحجّ للناس.
و إقامته القیام بأعماله، و تعلیم الجاهلین کیفیّته، و جمعهم علیه.
الثانی: أن یذکّرهم بأیّام اللّه
أى عقوباته الّتی وقعت بمن سلف من المستحقّین لها کى یحترزوا بطاعته من أمثالها. و عبّر عنها بالأیّام مجازا إطلاقا لاسم المتعلّق على المتعلّق.
الثالث: أن یجلس لهم العصرین
أى الغداه و العشىّ لکونهما أطیب الأوقات بالحجاز، و أشار إلى أعظم فوائد جلوسه فی الوقتین و هى فایده العلم، و حصره وجوه حاجه أهلها إلیها و أمره بسدّ تلک الوجوه، و بیان الحصر أنّ الناس إمّا غیر عالم أو عالم، و غیر العالم إمّا مقلّد أو متعلّم طالب، و العالم إمّا هو أو غیره. فهذه أقسام أربعه. فوجه حاجه القسم الأوّل و هو الجاهل المقلّد أن یستفتی فأمره أن یفتیه، و وجه حاجه الثانی و هو المتعلّم الجاهل أن یتعلّم فأمره أن یعلّمه، و وجه حاجه الثالث هو مع الرابع و هو العالم أن یتذاکرا فأمره بالمذاکره له.
الرابع: نهاه أن یجعل له إلى الناس سفیرا یعبر عنه إلّا لسانه، و لا حاجبا إلّا وجهه لأنّ ذلک مظنّه الکبر و الجهل بأحوال الناس الّتی یجب على الوالی الإحاطه بها بقدر الإمکان. و إلّا للحصر و ما بعدها خبر کان.
الخامس: نهاه أن یحجب أحدا عن لقائه، بحاجته
مؤکّدا لما سبق، و رغبّه فی ملاقات ذى الحاجه بضمیر صغراه قوله: فإنّها. إلى قوله: قضائها: أى لم تحمدفیما بعد و إن قضیتها له، و تقدیر الکبرى: و کلّ أمر کان کذلک فلا ینبغی أن یحجب صاحبه عن لقائک به و یذاد عن أبوابک فی أوّل ورده.
السادس: أمره أن یعتبر مال بیت المسلمین و یصرفه فی مصارفه
متوخّیا بذلک الأحوج فالأحوج و یحمل الباقی إلیه. و مصیبا حال. و روى: مواضع المفاقر.
و الإضافه لتغایر اللفظین.
السابع: أمره بنهى أهل مکّه عن أخذ الاجره ممّن یسکن بیوتهم و احتجّ لذلک بالآیه
مفسّرا لها، و هى صغرى ضمیر. و تقدیر کبراه: و کلّما قال اللّه فیه ذلک لم یجز مخالفته. ثمّ ختم بالدعاء لنفسه و له أن یوفّقهما لمحابّه. و به التوفیق لذلک.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۲۱۶

 

بازدیدها: ۱

نامه ۶۵ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى عبد اللّه بن العباس

و قد تقدم ذکره بخلاف هذه الروایه أَمَّا بَعْدُ- فَإِنَّ الْمَرْءَ لَیَفْرَحُ بِالشَّیْ‏ءِ الَّذِی لَمْ یَکُنْ لِیَفُوتَهُ- وَ یَحْزَنُ عَلَى الشَّیْ‏ءِ الَّذِی لَمْ یَکُنْ لِیُصِیبَهُ- فَلَا یَکُنْ أَفْضَلَ مَا نِلْتَ فِی نَفْسِکَ- مِنْ دُنْیَاکَ بُلُوغُ لَذَّهٍ- أَوْ شِفَاءُ غَیْظٍ- وَ لَکِنْ إِطْفَاءُ بَاطِلٍ أَوْ إِحْیَاءُ حَقٍّ- وَ لْیَکُنْ سُرُورُکَ بِمَا قَدَّمْتَ- وَ أَسَفُکَ عَلَى مَا خَلَّفْتَ- وَ هَمُّکَ فِیمَا بَعْدَ الْمَوْتِ

المعنى

أقول: قد سبق شرحه إلّا کلمات یسیره فیه:

منها: أنّه نبّهه على لزوم فضیلتی العفّه و الحلم بالنهى عن أن یجعل بلوغ لذّته من دنیاه أو شفاء غیظه اللذین هما طرفا الإفراط و التفریط من الفضیلتین المذکورتین أفضل ما نال منها فی نفسه. ثمّ نبّهه على ما ینبغی أن یکون أفضل فی نفسه من دنیاه و هو إطفاء الباطل و إحیاء الحقّ. و إطفاء الباطل تنبیه على وجه استعمال قوّتی الشهوه و الغضب و هو أن یکون الغرض من فعلها دفع الضروره و بقدر الحاجه. و منها: أنّه أمره فی الروایه الاولى أن یکون فرحه بما نال من آخرته، و أمره هنا أن یکون سروره بما قدّم لنفسه من زاد التقوى و هو أمر بمقدّمه الآخره.

و أمره فی الروایه الأولى أن یکون أسفه على ما فات من آخرته، و أمره هنا أن یکون أسفه على ما خلّف: أى ترک من العمل. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۲۱۵

بازدیدها: ۱

نامه ۶۴ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلیه أیضا

أَمَّا بَعْدُ- فَقَدْ آنَ لَکَ أَنْ تَنْتَفِعَ بِاللَّمْحِ الْبَاصِرِ مِنْ عِیَانِ الْأُمُورِ- فَقَدْ سَلَکْتَ مَدَارِجَ أَسْلَافِکَ بِادِّعَائِکَ الْأَبَاطِیلَ- وَ اقْتِحَامِکَ غُرُورَ الْمَیْنِ وَ الْأَکَاذِیبِ وَ بِانْتِحَالِکَ مَا قَدْ عَلَا عَنْکَ- وَ ابْتِزَازِکَ لِمَا قَدِ اخْتُزِنَ دُونَکَ- فِرَاراً مِنَ الْحَقِّ- وَ جُحُوداً لِمَا هُوَ أَلْزَمُ لَکَ مِنْ لَحْمِکَ وَ دَمِکَ- مِمَّا قَدْ وَعَاهُ سَمْعُکَ- وَ مُلِئَ بِهِ صَدْرُکَ- فَمَا ذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ الْمُبِینُ- وَ بَعْدَ الْبَیَانِ إِلَّا اللَّبْسُ- فَاحْذَرِ الشُّبْهَهَ وَ اشْتِمَالَهَا عَلَى لُبْسَتِهَا- فَإِنَّ الْفِتْنَهَ طَالَمَا أَغْدَفَتْ جَلَابِیبَهَا- وَ أَعْشَتِ الْأَبْصَارَ ظُلْمَتُهَا- وَ قَدْ أَتَانِی کِتَابٌ مِنْکَ ذُو أَفَانِینَ مِنَ الْقَوْلِ- ضَعُفَتْ قُوَاهَا عَنِ السِّلْمِ- وَ أَسَاطِیرَ لَمْ یَحُکْهَا مِنْکَ عِلْمٌ وَ لَا حِلْمٌ- أَصْبَحْتَ مِنْهَا کَالْخَائِضِ فِی الدَّهَاسِ- وَ الْخَابِطِ فِی الدِّیمَاسِ- وَ تَرَقَّیْتَ إِلَى مَرْقَبَهٍ بَعِیدَهِ الْمَرَامِ- نَازِحَهِ الْأَعْلَامِ- تَقْصُرُ دُونَهَا الْأَنُوقُ- وَ یُحَاذَى بِهَا الْعَیُّوقُ- وَ حَاشَ لِلَّهِ أَنْ تَلِیَ لِلْمُسْلِمِینَ بَعْدِی صَدْراً أَوْ وِرْداً- أَوْ أُجْرِیَ لَکَ عَلَى‏ أَحَدٍ مِنْهُمْ عَقْداً أَوْ عَهْداً- فَمِنَ الْآنَ فَتَدَارَکْ نَفْسَکَ وَ انْظُرْ لَهَا- فَإِنَّکَ إِنْ فَرَّطْتَ حَتَّى یَنْهَدَ إِلَیْکَ عِبَادُ اللَّهِ- أُرْتِجَتْ عَلَیْکَ الْأُمُورُ- وَ مُنِعْتَ أَمْراً هُوَ مِنْکَ الْیَوْمَ مَقْبُولٌ وَ السَّلَامُ

اللغه

أقول: المدارج: المسالک و المذاهب جمع مدرجه. و الإقحام: الدخول فی الشی‏ء بسرعه من غیر رویّه. و انتحل الکلام: ادّعاه لنفسه و لیس له. و الابتزاز: الاستلاب. و اغدفت المرأه جلبابها: أرسلته على وجهها. و التفنّن: التخلیط و التنویع. و الأساطیر: الأباطیل جمع اسطوره بالضمّ و إسطاره بالکسر. و الدهاس: المکان السهل اللیّن دون الرمل. و الدیماس: المکان شدید الظلمه، و کالسراب و نحوه. و المرقبه: موضع مشرف یرتفع علیه الراصد و الأنوق: الرخمه. و العیّوق: نجم معروف. و تنهد: تنهض. و أرتجت: أغلقت.

المعنى

و الکتاب جواب أیضا. فقوله: أمّا بعد. إلى قوله: الأمور. تنبیه له على وجوب الاتّعاظ و الانزجار عن دعوى ما لیس له. و المراد أنّه قد حضر وقت انتفاعک من عیان الأمور و مشاهدتها بلمحک الباصر. و لفظ اللمح مستعار لدرک الأمور النافعه بخفّه و سرعه، و روى عیون الأمور: أی أنفسها و حقائقها الّتی هى موارد اللمح و الاعتبار، و وصفه بالباصر مبالغه فی الإبصار کقولهم: لیل ألیل. و قوله: فقد سلکت. إلى قوله: اللبس. إشاره إلى سبب حاجته إلى التنبیه المذکور و هو سلوکه طرایق أسلافه بالأمور الأربعه المذکوره فادّعاؤه الأباطیل ادّعاؤه ما لیس له بحقّ حقّا من دم عثمان و طلحه و الزبیر و غیر ذلک، و اقتحامه لغرور الأکاذیب دخوله فی الغفله عن سوء عاقبتها. و أکاذیبه فی دعاویه ظاهره. و ما قد علا عنه هو أمر الخلافه، و ما اختزن‏ دونه فابتزّه هو مال المسلمین و بلادهم الّتی یغلب علیها. و أراد أنّه اختزن بالاستحقاق من اللّه. و فرارا و جحودا مصدران سدّا مسدّ الحال، و ما هو ألزم له من لحمه و دمه ممّا قد وعاه سمعه عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و امتلأ به صدره علما فی مواطن کغدیر خمّ و غیره هو وجوب طاعته، و إنّما کان ألزم له من لحمه و دمه لأنّهما دائما فی التغیّر و التبدّل و وجوب طاعته أمر لازم لنفسه لا یجوز تغیّره و تبدّله، و تجوّز بلفظ الصدر فی القلب إطلاقا لاسم المتعلّق على المتعلّق، و أشار بالآیه إلى أنّ الحقّ الّذی علمته لی لیس وراءه لمن تعدّاه إلّا الضلال و الهلاک لأنّ الحقّ حدّ من تجاوزه وقع فی أحد طرفی الإفراط و التفریط، و کذلک لیس بعد البیان الّذی بیّن لک فی أمری إلّا اللبس. ثمّ حذّره الشبهه و اشتمالها على لبستها. و الشبهه دم عثمان. و لفظ اللبسه مستعار للداخلین فیها ملاحظه لشبهها بالقمیص و نحوه، و علّل تحذیره إیّاه و وجوب وقوفه دونها بقوله: فإنّ الفتنه. إلى قوله: ظلمتها. و هو صغرى ضمیر و استعار لفظ الجلابیب لأمورها المغطیه لبصائر أهلها عن الحقّ کما لا تبصر المرأه عند إرسال جلبابها على وجهها. و کذلک استعار لفظ الظلمه باعتبار التباس الأمور فیها و عدم التهدّى إلى الحقّ کالظلمه الّتی لا یهتدی فیها، و رشّح بذکر الإغداف و الإعشاء. ثمّ شرع فی أحوال کتابه فبدء بذمّه. و لمّا کان مداره على اللفظ و المعنى أشار إلى ذمّ اللفظ بأنّه ذو أفانین من القول: أى أنّه أقوال ملفّقه لا یناسب بعضها بعضا. و قوله: ضعفت قواها عن السلم. أى لیس لها قوّه أن یوجب صلحا. و أشار إلى ذمّ المعنى بأنّه أباطیل غیر محکمه النسج لا من جهه العلم إذ لا علم له و لا من جهه الحلم لأنّ الکتاب کان فیه خشونه و تهوّر و ذلک ینافی الحلم و ینافی غرضه من الصلح. و لفظ الحوک مستعار لسبک الکلام.

و قوله: أصبحت منها. صفه لأساطیر، و وجه شبهه بالخائض و الخابط ضلاله و عدم هدایته إلى وجه‏ الحقّ کما لا یهتدى حائض الدهاس و خابط الدیماس فیهما. ثمّ شرع فی جوابه و کان مقصوده فی کتابه أن ینصّ علیه بالخلافه بعده لیبایعه فوبّخه أوّلا على طلبه أمرا لیس من أهله بقوله: و ترقّیت. إلى قوله: العیّوق. و لفظ المرقبه مستعار لأمر الخلافه. و رشّح بلفظ الترقّى و الأوصاف الأربعه بعدها لأنّها من شأن المرقبه التامّه، و إنّما خصّ الأنوق لأنّها تقصد الأماکن العالیه الصعبه من رءوس الجبال فیبنى أو کارها هناک. ثمّ صرفه عن المطلوب بتنزیه اللّه سبحانه أن یلی من بعده للمسلمین خروجا أو دخولا فی أمر من أمورهم، أو أن یجرى على أحد منهم له عقدا أو عهدا. و العقد کالنکاح و البیوع و الإجاره، و العهد کالبیعه و الأمان و الیمین و الذمّه: أى لا یمکنه من ذلک، و لمّا آیسه من المطلوب أمره بتدارک نفسه بالنظر لها فیما هو مصلحتها من طاعته، و توعّده على تقصیره فی ذلک بما یلزم تقصیره من نهوض عباد اللّه إلیه و انغلاق الأمور حینئذ و منعه العذر الّذی هو منه الآن مقبول. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۲۱۲

بازدیدها: ۰

نامه ۶۳ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى معاویه، جوابا

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّا کُنَّا نَحْنُ وَ أَنْتُمْ عَلَى مَا ذَکَرْتَ- مِنَ الْأُلْفَهِ وَ الْجَمَاعَهِ- فَفَرَّقَ بَیْنَنَا وَ بَیْنَکُمْ أَمْسِ أَنَّا آمَنَّا وَ کَفَرْتُمْ- وَ الْیَوْمَ أَنَّا اسْتَقَمْنَا وَ فُتِنْتُمْ- وَ مَا أَسْلَمَ مُسْلِمُکُمْ إِلَّا کَرْهاً- وَ بَعْدَ أَنْ کَانَ أَنْفُ الْإِسْلَامِ کُلُّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ص حِزْباً وَ ذَکَرْتَ أَنِّی قَتَلْتُ طَلْحَهَ وَ الزُّبَیْرَ- وَ شَرَّدْتُ بِعَائِشَهَ وَ نَزَلْتُ بَیْنَ الْمِصْرَیْنِ- وَ ذَلِکَ أَمْرٌ غِبْتَ عَنْهُ فَلَا عَلَیْکَ وَ لَا الْعُذْرُ فِیهِ إِلَیْکَ- وَ ذَکَرْتَ أَنَّکَ زَائِرِی فِی الْمُهَاجِرِینَ وَ الْأَنْصَارِ- وَ قَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَهُ یَوْمَ أُسِرَ أَخُوکَ- فَإِنْ کَانَ فِیهِ عَجَلٌ فَاسْتَرْفِهْ- فَإِنِّی إِنْ أَزُرْکَ فَذَلِکَ جَدِیرٌ- أَنْ یَکُونَ اللَّهُ إِنَّمَا بَعَثَنِی إِلَیْکَ لِلنِّقْمَهِ مِنْکَ- وَ إِنْ تَزُرْنِی فَکَمَا قَالَ أَخُو بَنِی أَسَدٍ- مُسْتَقْبِلِینَ رِیَاحَ الصَّیْفِ تَضْرِبُهُمْ بِحَاصِبٍ بَیْنَ أَغْوَارٍ وَ جُلْمُودِ – وَ عِنْدِی السَّیْفُ الَّذِی أَعْضَضْتُهُ بِجَدِّکَ- وَ خَالِکَ وَ أَخِیکَ فِی مَقَامٍ وَاحِدٍ- وَ إِنَّکَ وَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ الْأَغْلَفُ الْقَلْبِ الْمُقَارِبُ الْعَقْلِ- وَ الْأَوْلَى أَنْ یُقَالَ لَکَ- إِنَّکَ رَقِیتَ سُلَّماً أَطْلَعَکَ مَطْلَعَ سُوءٍ عَلَیْکَ لَا لَکَ- لِأَنَّکَ‏ نَشَدْتَ غَیْرَ ضَالَّتِکَ وَ رَعَیْتَ غَیْرَ سَائِمَتِکَ- وَ طَلَبْتَ أَمْراً لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ وَ لَا فِی مَعْدِنِهِ- فَمَا أَبْعَدَ قَوْلَکَ مِنْ فِعْلِکَ- وَ قَرِیبٌ مَا أَشْبَهْتَ مِنْ أَعْمَامٍ وَ أَخْوَالٍ- حَمَلَتْهُمُ الشَّقَاوَهُ وَ تَمَنِّی الْبَاطِلِ عَلَى الْجُحُودِ بِمُحَمَّدٍ ص- فَصُرِعُوا مَصَارِعَهُمْ حَیْثُ عَلِمْتَ- لَمْ یَدْفَعُوا عَظِیماً وَ لَمْ یَمْنَعُوا حَرِیماً- بِوَقْعِ سُیُوفٍ مَا خَلَا مِنْهَا الْوَغَى- وَ لَمْ تُمَاشِهَا الْهُوَیْنَى- وَ قَدْ أَکْثَرْتَ فِی قَتَلَهِ عُثْمَانَ- فَادْخُلْ فِیمَا دَخَلَ فِیهِ النَّاسُ ثُمَّ حَاکِمِ الْقَوْمَ إِلَیَّ- أَحْمِلْکَ وَ إِیَّاهُمْ عَلَى کِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى- وَ أَمَّا تِلْکَ الَّتِی تُرِیدُ- فَإِنَّهَا خُدْعَهُ الصَّبِیِّ عَنِ اللَّبَنِ فِی أَوَّلِ الْفِصَالِ- وَ السَّلَامُ لِأَهْلِهِ

 

اللغه

أقول: أنف الإسلام: أوّله. و التشرید: الإبعاده. و استرفه: أى نفّس عنک من الرفاهیّه و هى السعه. و الأغوار: المنخفضه من الأرض. و أغصصت السیف بفلان: أى جعلته یغصّ به و هو من المغلوب لأنّ المضروب هو الّذی یغصّ بالسیف: أى لا یکاد یسیغه. و یروی بالضاد المعجمه: أى جعلته عاضّا لهم. و المقارب- بالکسر- : الّذی لیس بالتمام.

المعنى

و قد کان معاویه کتب إلیه علیه السّلام یذکّره ما کانوا علیه قدیما من الالفه و الجماعه، و ینسب إلیه بعد ذلک قتل طلحه و الزبیر و التشرید بعایشه و یتوعّده بالحرب و یطلب منه قتله عثمان. فأجابه علیه السّلام عن کلّ من ذلک بجواب: أمّا

الأوّل: فسلّم دعواه من القدر المشترک بینهم و هو الألفه و الجماعه قبل الإسلام و لکنّه ذکر الفارق و هو من وجوه: أحدها: أنّه علیه السّلام فی أوّل الإسلام آمن فی جمله من أهل بیته، و معاویه و أهل بیته حینئذ کانوا کفّارا.

الثانی: أنّه علیه السّلام و أهل بیته فی آخر الأمر لم یزالوا مستقیمین على الدین و معاویه و أهل بیته مفتونین جاهلین بفتنتهم. الثالث: أنّ من أسلم من أهل بیته علیه السّلام أسلم طوعا، و مسلم أهل معاویه لم یسلم إلّا کرها بعد أن اشتدّ الإسلام و صار للرسول صلّى اللّه علیه و آله حزب قوىّ من أشراف العرب، و استعار لفظ أنف الإسلام لهم باعتبار کونهم أعزّاء أهله. و ممّن أسلم کرها أبو سفیان، و ذلک أنّه لمّا انتهى [أتى خ‏] رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إلى مکّه فی غزوه الفتح أتى لیلا فنزل بالبطحاء و ما حولها فخرج العبّاس بن عبد المطّلب على بغله رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یدور حول مکّه فی طلب من یبعثه إلى قریش لیخرجوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و یعتذروا إلیه فلقى أبا سفیان فقال له: کن ردیفى لتمضى إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و نأخذ الأمان لک منه. فلمّا دخل على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله عرض علیه الإسلام فأبى.
فقال عمر: ائذن لی یا رسول اللّه لأضرب عنقه. و کان العبّاس یحامى عنه للقرابه فقال: یا رسول اللّه إنّه یسلم غدا. فلمّا جاء الغد دخل به على رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فعرض علیه الإسلام فأبى فقال له العبّاس فی السرّ: یا أبا سفیان اشهد أن لا إله إلّا اللّه و اشهد أنّ محمّدا رسول اللّه و إن لم یکن ذلک فی قلبک فإنّه یأمر الآن بقتلک إن لم تقل.
فشهد الشهادتین على کره لخوف القتل و قد رأى أکثر من عشره آلاف رجل حول رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قد تحزبّوا معه و اجتمعوا إلیه. فذلک معنى قوله: أمّا بعد. إلى قوله: حزبا. الثانی: ما ادّعاه علیه من قتل طلحه و الزبیر و تشرید عایشه و النزول بین المصرین البصره و الکوفه، فأجاب عنه بقوله: و ذلک. إلى قوله: إلیک و هو فی قوّه ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من غاب عن أمر و لم یکن فیه مدخل فلیس تکلیفه علیه و لا العذر من التقصیر و التفریط فیه إلیه. الثالث: ما توعّده به من زیارته فی المهاجرین و الأنصار، فأجابه بوجهین: أحدهما: أنّه أوهم فی کلامه أنّه من المهاجرین فأکذبه بقوله: و قد انقطعت الهجره یوم أسر أبوک: أى حین الفتح، و ذلک أنّ معاویه و أباه و جماعه من أهله‏ إنّما أظهروا الإسلام بعد الفتح و قد قال صلّى اللّه علیه و آله: لا هجره بعد الفتح فلا یصدق علیهم إذن اسم المهاجرین. و سمّى علیه السّلام أخذ العبّاس لأبی سفیان إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله غیر مختار و عرضه على القتل أسرا. و روى یوم اسر أخوک. و قد کان اسر أخوه عمرو بن أبی سفیان یوم بدر. فعلى هذه الروایه یکون الکلام فی معرض التذکره له بأنّ من شأنه و شأن أهله أن یؤسروا أوّلا فیسلموا فکیف یدّعون مع ذلک الهجره فإنّ الهجره بهذه الاعتبار منقطعه عنهم. و لا یکون- یوم اسر- ظرفا لانقطاع الهجره لأنّ الهجره انقطعت بعد الفتح. الثانی: مقابله وعیده بوعید مثله و هو فوله: فإن کان.
إلى قوله: مقام واحد. و أراد إن کنت مستعجلا فی مسیرک إلىّ فاطلب الرفاهیّه على نفسک فی ذلک فإنّک إنّما تستعجل إلى ما یضرّک، و نبّه على ذلک بقوله: فإنّی. إلى قوله: واحد، و هو فی قوّه صغرى ضمیر و وجه التمثیل بالبیت أنّه شبّه استقبال معاویه فی جمعه له باستقبالهم ریاح الصیف، و شبّه نفسه بریاح الصیف و جعل وجه المشابهه کونه علیه السّلام یضرب وجوههم فی الحرب بالسیوف و الرماح کما تضرب ریاح الصیف وجوه مستقبلیها بالحصباء، و قد بیّنا أنّه علیه السّلام قتل جدّ معاویه و هو عتبه، و خاله الولید بن عتبه، و أخاه حنظله بن أبی سفیان. و تقدیر الکبرى: و کلّ من کان کذلک فمن الواجب ان یحذر منه ولایتوعد بحرب و قتال. و قوله: و إنّک و اللّه. إلى قوله: الهوینا. توبیخ مشوب بتهدید، و ما فی قوله: و ما علمت. موصوله، و استعار لفظ الأغلف لقلبه، و وجه الاستعاره أنّه محجوب بالهیئات البدنیّه و أغشیه الباطل عن قبول الحقّ و فهمه فکأنّه فی غلاف منها، و وصف المقاربه فی عقله لاختیاره الباطل. ثمّ أعلمه على سبیل التوبیخ بما الأولى أن یقال فی حاله. و استعار لفظ السلّم للأحوال الّتی رکبها و المنزله الّتی طلبها، و رشّح بذکر الارتقاء و الإطلاع. المطلع مصدر، و یجوز أن یکون اسم الموضع و احتجّ لصحّه قوله بقوله: لأنّک: إلى قوله: معدنه، و استعار الضالّه و السائمه لمرتبته الّتی ینبغی له أن یطلبها و یقف عندها. و ما هو غیرها هو أمر الخلافه. إذ لیس من أهلها. و رشّح بذکر النشید و الرعى. ثمّ تعجّب من بعد ما بیّن قوله و فعله و ذلک أنّ مدار قوله فی الظاهر على طلب قتله عثمان و إنکار المنکر کما ادّعاه، و مدار فعله و حرکاته على التغلیب فی الملک و البغى على الإمام العادل و شتّان ما هما. ثمّ حکم بقرب شبهه بأعمامه و أخواله. و ما مصدریه و المصدر مبتدأ خبره قریب. فمن أهل الشقاوه من جهه عمومته حمّاله الحطب و من جهه خؤولته الولید بن عتبه. و إنّما أنکر الأعمام و الأخوال لأنّه لم یکن له أعمام و أخوال کثیرون و الجمع المنکر جاز أن یعبّر به عن الواحد و الاثنین للمبالغه مجازا فی معرض الشناعه، و لا کذلک الجمع المعرّف، و أشار إلى وجه الشبه بقوله: حملتهم. إلى قوله: الهوینا. و موضع قوله: حملتهم. الجرّ صفه لأخوال و أراد الشقّاوه المکتوبه علیهم فی الدنیا و الآخره الّتی استعدّوا لها بجحود محمّد صلّى اللّه علیه و آله و تمنّى الباطل هو ما کانوا یتمنّونه و یبذلون أنفسهم و أموالهم فیه من قهر الرسول صلّى اللّه علیه و آله و إطفاء نور النبوّه و إقامه أمر الشرک.

و قوله: بوقع. متعلّق بقوله: فصرعوا. و ما خلاصفه لسیوف. و لفظ المماشاه مستعار. و المراد أنّ تلک السیوف لم یلحق ضربها و وقعها هون و لا سهوله و لم یجر معها، و روى لم یماسّها بالسین المهمله من المماسّه: أى لم یخالطها شی‏ء من ذلک. الرابع: طلبه لقتله عثمان و أجابه بقوله: فادخل. إلى آخره، و أراد فیما دخل فیه الناس من الطاعه و البیعه. و صدق الجواب ظاهر لأنّه لا بدّ للمتحاکمین من حاکم و هو علیه السّلام یومئذ الحاکم الحقّ فلیس لمعاویه أن یطلب منه إذن قوما منهم المهاجرون و الأنصار لیسلّمهم إلیه حتّى یقتلهم من غیر محاکمه بل یجب أن یدخل فی طاعته و یجرى علیه أحکامه لیحاکم القوم إلیه فإمّا له و إمّا علیه.

و قوله: و أمّا تلک الّتی ترید. أى الخدعه عن الشام لغرض إقراره على إمارتها. و وجه مشابهتها بخدعه الصبیّ ضعفها و ظهور کونها خدعه لکلّ أحد. و إنّما قال: و السّلام لأهله. لأنّ‏معاویه لم یکن فی نظره من أهله. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۲۰۷

 

بازدیدها: ۲

نامه ۶۲ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى أبى موسى الأشعرى، و هو عامله على الکوفه

و قد بلغه عنه تثبیطه الناس على الخروج إلیه لما ندبهم لحرب أصحاب الجمل مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِیٍّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَیْسٍ- أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِی عَنْکَ قَوْلٌ هُوَ لَکَ وَ عَلَیْکَ- فَإِذَا قَدِمَ رَسُولِی عَلَیْکَ فَارْفَعْ ذَیْلَکَ- وَ اشْدُدْ مِئْزَرَکَ وَ اخْرُجْ مِنْ جُحْرِکَ وَ انْدُبْ مَنْ مَعَکَ- فَإِنْ حَقَّقْتَ فَانْفُذْ وَ إِنْ تَفَشَّلْتَ فَابْعُدْ- وَ ایْمُ اللَّهِ لَتُؤْتَیَنَّ مِنْ حَیْثُ أَنْتَ- وَ لَا تُتْرَکُ حَتَّى یُخْلَطَ زُبْدُکَ بِخَاثِرِکَ- وَ ذَائِبُکَ بِجَامِدِکَ- وَ حَتَّى تُعْجَلُ عَنْ قِعْدَتِکَ- وَ تَحْذَرَ مِنْ أَمَامِکَ کَحَذَرِکَ مِنْ خَلْفِکَ- وَ مَا هِیَ بِالْهُوَیْنَى الَّتِی تَرْجُو- وَ لَکِنَّهَا الدَّاهِیَهُ الْکُبْرَى- یُرْکَبُ جَمَلُهَا وَ یُذَلُّ صَعْبُهَا وَ یُسَهَّلُ جَبَلُهَا- فَاعْقِلْ عَقْلَکَ وَ امْلِکْ أَمْرَکَ وَ خُذْ نَصِیبَکَ وَ حَظَّکَ- فَإِنْ کَرِهْتَ فَتَنَحَّ إِلَى غَیْرِ رَحْبٍ وَ لَا فِی نَجَاهٍ- فَبِالْحَرِیِّ لَتُکْفَیَنَّ وَ أَنْتَ نَائِمٌ حَتَّى لَا یُقَالَ أَیْنَ فُلَانٌ- وَ اللَّهِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مَعَ مُحِقٍّ وَ مَا أُبَالِی مَا صَنَعَ الْمُلْحِدُونَ

المعنى

أقول: روى عن أبى موسى أنّه کان حین مسیر علیّ علیه السّلام إلى البصره واستنفاره لأهل الکوفه إلى نصرته یثبّط الناس عنه و یقول: إنّها فتنه فلا یجوز القیام فیها، و یروى عن النبیّ صلّى اللّه علیه و آله أخبارا یتضمّن وجوب القعود عن الفتنه و الاعتزال فیها. فکتب إلیه مع ابنه الحسن علیه السّلام هذا الکتاب. و القول الّذى بلغه عنه هو نهى الناس و تثبیطهم عن النهوض إلیه، و ذلک قول هو له باعتبار ظاهر الدین و نهیه عن الخوض فی الفتن، و هو علیه من وجوه: الأوّل: کان معلوما من همّه أنّه لم یقصد بذلک إلّا قعود الناس عنه، و فهم منه ذلک. و هو خذلان للدین فی الحقیقه و هو عائد علیه بمضرّه العقوبه منه علیه السّلام و من اللّه تعالى فی الآخره. الثانی: أنّه لمّا کان علیه السّلام على الحقّ فی حربه کان تثبیط أبی موسى عنه جهلا بحاله و ما یجب من نصرته و القول بالجهل عائد على القائل بالمضرّه. الثالث: أنّه فی ذلک القول مناقض لغرضه لأنّه نهى عن الدخول مع الناس و مشارکتهم فی زمن الفتنه و روى خبرا یقتضى أنّه یجب القعود عنهم حینئذ مع أنّه کان أمیرا یتهافت على الولایه و ذلک متناقض فکان علیه لاله. ثمّ أمره عند قدوم رسوله علیه بأوامر على سبیل الوعید و التهدید:

أحدها: أن یرفع ذیله و یشدّه مئزره. و هما کنایتان عن الاستعداد للقیام بواجب أمره و المسارعه إلى ذلک.

الثانی: أن یخرج من جحره. و أراد خروجه من الکوفه. و استعار له لفظ الجحر ملاحظه لشبهه بالثعلب و نحوه.

الثالث: أن یندب: أى یبعث من معه من العسکر و یدعوهم إلى الخروج. و قوله: فإن حقّقت. أى عرفت حقیقه أمرى و أنّی على الحقّ فانفذ. أى فامض فیما آمرک به، و إن تفشّلت: أى جبنت و ضعفت عن هذا الأمر و معرفته فاقعد عنه. ثمّ توعّده على تقدیر قعوده و أقسم لیأتینّه بالمکان الّذى هو به من لا یترکه حتّى یخلط زبده بخاثره و ذائبه بجامده، و هما مثلان کنّى بهما عن خلط أحواله الصافیه بالتکدیر کعزّته‏ بذلّته و سروره بغمّه و سهوله أمره بصعوبته، و حتّى بعجله عن قعدته و هی هیئه قعوده و أراد غایه الإعجال، و حتّى یکون حذره من أمامه کحذره من خلفه. و هو کنایه عن غایه الخوف. و إنّما جعل الحذر من الخلف أصلا فی التشبیه لکون الإنسان من ورائه أشدّ خوفا. و قیل: أراد حتّى یخاف من الدنیا کما یخاف من الآخره. و قوله: و ما هی بالهوینا. أى و ما القصّه المعهوده لک بالهیّنه السهله الّتی ترجو أن تکون فیها على اختیارک و لکنّها الداهیه الکبرى من دواهى الدهر و مصائبه.

و قوله: یرکب جملها. أى یرکب فیها، و یذلّ صعبها: أى یسهل الأمور الصعاب فیها. و هو کنایه عن شدّتها و صعوبتها. ثمّ أردف وعیده و تحذیره بنصیحته و أمره بأوامر: أحدها: أن یعقل عقله. و عقله یحتمل النصب على المصدر و هو أمر له أن یراجع عقله و یعتبر هذا الحال العظیمه دون هواه. و قیل: هو مفعول به: أى اضبط عقلک و احبسه على معرفه الحقّ من الباطل و لا تفرّقه فیما لا ینبغی. الثانی: أن یملک أمره: أى شأنه و طریقته، و یصرفها على قانون العدل و الحقّ دون الباطل. الثالث: أن یأخذ نصیبه و حظّه من طاعته و القیام بأمره فی نصرته و الذبّ عن دین اللّه. و قیل: أراد خذ ما قسّم لک من الحظّ و لا تتجاوز إلى ما لیس لک. ثمّ أردف ذلک بأمره بالتنحیّ عن الولایه على تقدیر کراهته لما ذکر و عدم امتثاله لما أمر. و قوله: فبالحرىّ لتکفینّ. أى فما أحذر أن یکفى هذه المئونه و أنت نائم عن طاعه اللّه حتّی لا یفتقد و لا یسأل عنک لعدم المبالاه بک. ثمّ أقسم أنّه لحقّ: أى الأمر المعهود الّذى فعله من حربه بالبصره، مع محقّ: أى صاحب محقّ لما یدّعیه، عالم به، لا یکترث بما صنع الملحدون فی دین اللّه من مخالفته لمعرفته أنّه على الحقّ دونهم.

شرح نهج البلاغه (ابن‏میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۲۰۴

 

بازدیدها: ۱

نامه ۶۱ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى أهل مصر، مع مالک الأشتر لما ولاه إمارتها

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً ص- نَذِیراً لِلْعَالَمِینَ وَ مُهَیْمِناً عَلَى الْمُرْسَلِینَ- فَلَمَّا مَضَى ع تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ‏ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ- فَوَاللَّهِ مَا کَانَ یُلْقَى فِی رُوعِی- وَ لَا یَخْطُرُ بِبَالِی أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هَذَا الْأَمْرَ- مِنْ بَعْدِهِ ص عَنْ أَهْلِ بَیْتِهِ- وَ لَا أَنَّهُمْ مُنَحُّوهُ عَنِّی مِنْ بَعْدِهِ- فَمَا رَاعَنِی إِلَّا انْثِیَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ یُبَایِعُونَهُ- فَأَمْسَکْتُ یَدِی حَتَّى رَأَیْتُ رَاجِعَهَ النَّاسِ- قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ- یَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَیْنِ مُحَمَّدٍ ص- فَخَشِیتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَ أَهْلَهُ- أَنْ أَرَى فِیهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً- تَکُونُ الْمُصِیبَهُ بِهِ عَلَیَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَایَتِکُمُ- الَّتِی إِنَّمَا هِیَ مَتَاعُ أَیَّامٍ قَلَائِلَ- یَزُولُ مِنْهَا مَا کَانَ کَمَا یَزُولُ السَّرَابُ- أَوْ کَمَا یَتَقَشَّعُ السَّحَابُ- فَنَهَضْتُ فِی تِلْکَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَ زَهَقَ- وَ اطْمَأَنَّ الدِّینُ وَ تَنَهْنَهَ وَ مِنْهُ إِنِّی وَ اللَّهِ لَوْ لَقِیتُهُمْ وَاحِداً وَ هُمْ طِلَاعُ الْأَرْضِ کُلِّهَا- مَا بَالَیْتُ وَ لَا اسْتَوْحَشْتُ- وَ إِنِّی مِنْ ضَلَالِهِمُ الَّذِی هُمْ فِیهِ- وَ الْهُدَى الَّذِی أَنَا عَلَیْهِ- لَعَلَى بَصِیرَهٍ مِنْ نَفْسِی وَ یَقِینٍ مِنْ رَبِّی- وَ إِنِّی إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ لَمُشْتَاقٌ- وَ حُسْنِ ثَوَابِهِ لَمُنْتَظِرٌ رَاجٍ- وَ لَکِنَّنِی آسَى أَنْ یَلِیَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّهِ سُفَهَاؤُهَا وَ فُجَّارُهَا- فَیَتَّخِذُوا مَالَ اللَّهِ دُوَلًا وَ عِبَادَهُ خَوَلًا- وَ الصَّالِحِینَ حَرْباً وَ الْفَاسِقِینَ حِزْباً- فَإِنَّ مِنْهُمُ الَّذِی قَدْ شَرِبَ فِیکُمُ الْحَرَامَ- وَ جُلِدَ حَدّاً فِی الْإِسْلَامِ- وَ إِنَّ مِنْهُمْ‏ مَنْ لَمْ یُسْلِمْ حَتَّى رُضِخَتْ لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ الرَّضَائِخُ- فَلَوْ لَا ذَلِکَ مَا أَکْثَرْتُ تَأْلِیبَکُمْ وَ تَأْنِیبَکُمْ- وَ جَمْعَکُمْ وَ تَحْرِیضَکُمْ- وَ لَتَرَکْتُکُمْ إِذْ أَبَیْتُمْ وَ وَنَیْتُمْ- أَ لَا تَرَوْنَ إِلَى أَطْرَافِکُمْ قَدِ انْتَقَصَتْ- وَ إِلَى أَمْصَارِکُمْ قَدِ افْتُتِحَتْ- وَ إِلَى مَمَالِکِکُمْ تُزْوَى وَ إِلَى بِلَادِکُمْ تُغْزَى- انْفِرُوا رَحِمَکُمُ اللَّهُ إِلَى قِتَالِ عَدُوِّکُمْ- وَ لَا تَثَّاقَلُوا إِلَى الْأَرْضِ فَتُقِرُّوا بِالْخَسْفِ- وَ تَبُوءُوا بِالذُّلِّ وَ یَکُونَ نَصِیبُکُمُ الْأَخَسَّ- وَ إِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الْأَرِقُ وَ مَنْ نَامَ لَمْ یُنَمْ عَنْهُ وَ السَّلَامُ

 

اللغه

أقول: المهیمن: الشاهد. و الروع: القلب. و الانثیال: الانصباب. و راح: ذهب. و زهق: زال و اضمحلّ. و تنهنه: اتّسع. و طلاع الأرض: ملاؤها. و آسى: أحزن. و الدوله فی المال- بالضمّ- : أن یکون مرّه لهذا مرّه لذلک. و الخول: العبید و الرضخ: الرشوه، و أصله الرمى. و التألیب: التحریص. و التأنیب: اللوم. و الونى: الضعف. و تزوى: تقبض. و تبوءوا: ترجعوا. و الخسف: النقیصه.

 

المعنى

و صدّره باقتصاص حال النبیّ صلّى اللّه علیه و آله باعتبار کونه نذیرا للعالمین بعقاب ألیم، و شاهدا على المرسلین بکونهم مبعوثین و مصدّقا لهم فی ذلک. ثمّ اقتصاص حال المسلمین بعده فی تنازع أمر الخلافه متدرّجا من ذلک إلى شرح حاله معهم فی معرض الشکایه من إزاحه أمر الخلافه عنه مع کونه أحقّ بها و انصبابهم على بیعه فلان- و هو کنایه عن أبی بکر- و إمساک یده عن القیام فی ذلک و الطلب للأمر إلى غایه ارتداد الناس فی زمن أبی بکر عن الإسلام و طمعهم فی محقّ الدین. ثمّ شرح حاله من الخوف على الإسلام و أهله أن ینثلم أو ینهدم فیکون المصیبه علیه فی هدم أصل الدین أعظم من فوت الولایه القصیره الأمد الّتی غایتها إصلاح فروع الدین و متمّماته. و شبّه زوالها بزوال السراب و تقشّع السحاب، و وجه الشبه سرعه الزوال و کونها لا أصل‏ لثباتها کما لا ثبات لحقیقه السراب و وجود السحاب، و قدّم ذکر الارتداد لغرض بیان فضیلته فی الإسلام، و لذلک عقّبه باقتصاص حال نهوضه فی تلک الأحداث الّتی وقعت من العرب إلى غایه زهوق الباطل و استقرار الدین و انتشاره. ثمّ أقسم أنّه لو لقیهم وحده و هم ملأ الأرض لم یکترث بهم و لم یستوحش منهم لأمرین: أحدهما: علمه الیقین بأنّهم على الضلال و أنّه على الهدى. الثانی: اشتیاقه إلى لقاء ربّه و انتظاره و رجاؤه لثوابه. و هما یجریان مجرى ضمیرین تقدیر کبراهما: و کلّ من کان کذلک فلا یبالیهم و لا یستوحش منهم.

و قوله: و لکنّنی آسى. یجرى مجرى جواب سؤال مقدر کأنّه قیل: فإذا کنت تعلم أنّک و إیّاهم على الحالین المذکورین فلم تحزن من فعلهم فکأنّه قال: إنّی لا أحزن من لقائهم و حربهم و لکن أحزن أن تلى أمّه محمّد سفهاؤها و فجّارها. إلى قوله: حربا، و عنّى بالسفهاء بنی أمیّه و أشیاعهم. ثمّ نبّه على أنّهم مظنّه أن یفعلوا ذلک لو ولّوا هذا الأمر بقوله: فإنّ منهم. إلى قوله: الرضائخ. و الّذی شرب منهم فی المسلمین الحرام إشاره إلى المغیره بن شعبه لمّا شرب الخمر فی عهد عمر حین کان والیا من قبله على الکوفه فصلّى بالناس سکران و زاد فی الرکعات و قاء الخمر فشهدوا علیه و جلد الحدّ، و کذلک عنبسه [عتبه] بن أبی سفیان جلده فی الخمر خالد بن عبید اللّه بالطائف، و الّذی لم یسلم حتّى رضخت له الرضایخ قیل: هو أبو سفیان و ابنه معاویه و ذلک أنّهما کانا من المؤلّفه قلوبهم الّذین یستمالون إلى الدین و جهاد عدوّه بالعطاء. و قیل: هو عمرو بن العاص و لم یشتهر عنه مثل ذلک إلّا ما حکاه علیه السّلام عنه من اشتراطه على معاویه طعمه مصر فی مساعدته بصفّین کما مرّ ذکره. ثمّ نبّههم على أنّ ما ذکره من الأسى هو السبب التامّ لتوبیخهم و تحریضهم على الجهاد، و لولا ذلک لترکهم إذ أبوا و ضعفوا. ثمّ نبّههم على فعل عدوّهم بهم و افتتاحه لأمصارهم و غرورهم لیستثیر بذلک حمیّه طباعهم. و لذلک أمرهم بعده بالنفور إلى قتال عدوّهم، و نهاهم عن التثاقل فی ذلک و نفّرهم عنه بما یلزمه من الإقرار بالخسف و الرجوع إلى‏ الذلّ و خسّه النصیب. ثمّ نبّههم على من یکون أهلا للحرب و هو الأرق، و کنّى به عن کبیر الهمّه. إذ کان من لوازمه قلّه النوم. و نفّرهم عن ضعف الهمّه و التوانی فی الجهاد بما یلزم ذلک من طمع العدوّ فیهم بسکوتهم عنه، و الرقده عن مقاومته‏

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۲۰۱

بازدیدها: ۰

نامه ۶۰ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى کمیل بن زیاد النخعی، و هو عامله على هیت، ینکر علیه ترکه دفع من یجتاز به من جیش العدو طالبا الغاره

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ تَضْیِیعَ الْمَرْءِ مَا وُلِّیَ وَ تَکَلُّفَهُ مَا کُفِیَ- لَعَجْزٌ حَاضِرٌ وَ رَأْیٌ مُتَبَّرٌ- وَ إِنَّ تَعَاطِیَکَ الْغَارَهَ عَلَى أَهْلِ قِرْقِیسِیَا- وَ تَعْطِیلَکَ مَسَالِحَکَ الَّتِی وَلَّیْنَاکَ- لَیْسَ بِهَا مَنْ یَمْنَعُهَا وَ لَا یَرُدُّ الْجَیْشَ عَنْهَا- لَرَأْیٌ شَعَاعٌ- فَقَدْ صِرْتَ جِسْراً لِمَنْ أَرَادَ الْغَارَهَ- مِنْ أَعْدَائِکَ عَلَى أَوْلِیَائِکَ- غَیْرَ شَدِیدِ الْمَنْکِبِ‏ وَ لَا مَهِیبِ الْجَانِبِ- وَ لَا سَادٍّ ثُغْرَهً وَ لَا کَاسِرٍ لِعَدُوٍّ شَوْکَهً- وَ لَا مُغْنٍ عَنْ أَهْلِ مِصْرِهِ وَ لَا مُجْزٍ عَنْ أَمِیرِهِ وَ السَّلامُ

اللغه

أقول: المتبّر: الهالک و الفاسد. و الشعاع: المتفرّق.

المعنى

و قوله: أمّا بعد. إلى قوله: متبّر. اعلم أنّ فی صدر الکتاب إجمالا کما جرت عاده الخطیب ما یرید أن یوبخه علیه من تعاطیه أمرا مع إهماله ما هو أهمّ منه. ثمّ ذکر غرضه من الکتاب مفصّلا بقوله: و إنّ تعاطیک. إلى قوله: شعاع. ثمّ نفّره عن ذلک الرأی بما فیه من المفاسد و الرذائل: أحدهما: کونه جسرا. و استعار لفظ الجسر له باعتبار عبور العدوّ علیه إلى غرضه، و روى: حسرا. و هو أیضا مجاز باعتبار خلوّ مسالحه عن العسکر الّذی یبغى به العدوّ فهو کالحاسر عدیم اللامه. الثانی: کونه غیر شدید المنکب، و کنّى بذلک عن ضعفه، و کذلک کونه غیر مهیب الجانب. الثالث: کونه غیر سادّ ثغره. الرابع: و لا کاسر شوکه عدوّه. و الخامس: و لا مغن عن أهل مصره فی دفع عدوّهم. السادس: و لا مجز عن أمیره فیما یریده منه.

شرح نهج البلاغه (ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۲۰۰

 

 

بازدیدها: ۰

نامه ۵۹ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى العمال الذین یطأ الجیش عملهم

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِیٍّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ إِلَى مَنْ مَرَّ بِهِ الْجَیْشُ- مِنْ جُبَاهِ الْخَرَاجِ وَ عُمَّالِ الْبِلَادِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّی قَدْ سَیَّرْتُ جُنُوداً- هِیَ مَارَّهٌ بِکُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- وَ قَدْ أَوْصَیْتُهُمْ بِمَا یَجِبُ لِلَّهِ عَلَیْهِمْ- مِنْ کَفِّ الْأَذَى وَ صَرْفِ الشَّذَا- وَ أَنَا أَبْرَأُ إِلَیْکُمْ وَ إِلَى ذِمَّتِکُمْ مِنْ مَعَرَّهِ الْجَیْشِ- إِلَّا مِنْ جَوْعَهِ الْمُضْطَرِّ لَا یَجِدُ عَنْهَا مَذْهَباً إِلَى شِبَعِهِ- فَنَکِّلُوا مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُمْ شَیْئاً ظُلْماً عَنْ ظُلْمِهِمْ- وَ کُفُّوا أَیْدِیَ سُفَهَائِکُمْ عَنْ مُضَارَّتِهِمْ- وَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِیمَا اسْتَثْنَیْنَاهُ مِنْهُمْ- وَ أَنَا بَیْنَ أَظْهُرِ الْجَیْشِ- فَارْفَعُوا إِلَیَّ مَظَالِمَکُمْ- وَ مَا عَرَاکُمْ مِمَّا یَغْلِبُکُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ- وَ لَا تُطِیقُونَ دَفْعَهُ إِلَّا بِاللَّهِ وَ بِی فَأَنَا أُغَیِّرُهُ بِمَعُونَهِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ

اللغه

أقول: الشذى: الأذى. و معرّه الجیش: المضرّه الواصله منه، و عرّه معرّه: أى سائه. و نکل ینکل بالضمّ: جبن. و نکّلوا: خوّفوا، و جبّنوا. و عراه الأمر: غشیه.

و حاصل الکتاب إعلام من على طریق الجیش من الجباه و عمّال البلاد بمسیره علیهم
لیتنبّهوا و یحترزوا منه، ثمّ وصیّه الجیش بما ینبغی لهم و یجب للّه علیهم من کفّ الأذى عمّن یمرّون به لیعرفوا عموم عدله و یتأدّبوا بآدابه، ثمّ إعلامهم أنّه برى‏ء إلیهم و إلى ذمّتهم الّتی أخذها منهم من إساءه الجیش فإنّه لیس بأمره من ذلک إلّا معرّه جوعه المضطرّ الّتی لا یجد عنها إلى شبعه مذهبا. و تقدیر الکلام: فإنّی أبرء إلیکم من معرّه الجیش إلّا من معرّه جوعه المضطرّ منهم فأقام المضاف إلیه مقام المضاف أو أطلقه مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب. ثمّ أمرهم أن یخوّفوا و یجبّنوا من تناول من الجیش شیئا عن ظلمه و یدفعوه الدفع الممکن لهم لئلّا یکون بسطوتهم خراب الأعمال، ثمّ أن یکفّوا أیدی سفهائهم عن مضارّتهم و التعرّض لهم فیما استثناه من المعرّه الضروریّه لئلّا یثور بذلک الفتنه بینهم و بین الجیش. ثمّ أعلمهم أنّه بین أظهر الجیش کنایه عن کونه مرجع أمرهم لیدفعوا إلیه مظالمهم و ما غشیهم من أمر یغلب علیهم من الجیش لا یطیقون دفعه إلّا باللّه و به فیغیّره بمعونه اللّه و خشیته.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۹۹

 

بازدیدها: ۲

نامه ۵۸ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى الأسود بن قطیبه صاحب جند حلوان

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْوَالِیَ إِذَا اخْتَلَفَ هَوَاهُ- مَنَعَهُ ذَلِکَ کَثِیراً مِنَ الْعَدْلِ- فَلْیَکُنْ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَکَ فِی الْحَقِّ سَوَاءً- فَإِنَّهُ لَیْسَ فِی الْجَوْرِ عِوَضٌ مِنَ الْعَدْلِ- فَاجْتَنِبْ مَا تُنْکِرُ أَمْثَالَهُ- وَ ابْتَذِلْ نَفْسَکَ فِیمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَیْکَ- رَاجِیاً ثَوَابَهُ وَ مُتَخَوِّفاً عِقَابَهُ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الدُّنْیَا دَارُ بَلِیَّهٍ- لَمْ یَفْرُغْ صَاحِبُهَا فِیهَا قَطُّ سَاعَهً- إِلَّا کَانَتْ فَرْغَتُهُ عَلَیْهِ حَسْرَهً یَوْمَ الْقِیَامَهِ- وَ أَنَّهُ لَنْ یُغْنِیَکَ عَنِ الْحَقِّ شَیْ‏ءٌ أَبَداً- وَ مِنَ الْحَقِّ عَلَیْکَ حِفْظُ نَفْسِکَ- وَ الِاحْتِسَابُ عَلَى الرَّعِیَّهِ بِجُهْدِکَ- فَإِنَّ الَّذِی یَصِلُ إِلَیْکَ مِنْ ذَلِکَ- أَفْضَلُ مِنَ الَّذِی یَصِلُ بِکَ وَ السَّلَامُ‏

أقول: فی الفصل لطائف:
أحدها: أنّه نبّهه على وجوب ترک تنویع الأهویه و الإعراض عن اتّباع مختلفاتها
بما یستلزمه من المفسده و هى الامتناع عن کثیر من العدل، و وجه الاستلزام ظاهر لأنّ اتّباع الأهویه المختلفه یوجب الانحراف عن حاقّ الوسط فی المطالب، و لمّا نبّهه على مفسده الجور أمره ببسط العدل و التسویه بین الخلق فی الحقّ. ثمّ نبّه على فضیلته بضمیر صغراه قوله: فإنّه إلى قوله: العدل. و تقدیرها: فإنّ العدل لیس فی الجور عوض عنه، و تقدیر الکبرى: و کلّ ما لم یکن فی الجور عوض عنه فیجب لزومه و اتّباعه.

الثانیه: لمّا کان اتّباع مختلف الأهویه ممّا ینکر مثله عند وقوعه فی حقّه أو حقّ من یلزمه أمره
کالأذى اللاحق له مثلا أمره باجتنابه و أن لا یقع منه فی غیره ما یکره وقوع مثله فی حقّه. و العباره وافیه بهذا المعنى، و الغرض التنفیر عنه.

الثالثه: أمره بعد ذلک أن یبذل نفسه فیما افترض اللّه علیه حالتی رجائه لثوابه و خوفه من عقابه
لکونهما داعى العمل.

الرابعه: نبّهه على أنّ الدنیا دار ابتلاء بالعمل
کما قال تعالى الَّذِی خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَیاهَ لِیَبْلُوَکُمْ أَیُّکُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا«» و لمّا کان العمل الصالح فیها هو سبب الاستعداد للسعاده الباقیه لا جرم کان الفراغ من العمل فیها ترکا لسبب سعاده لا یحصل یوم القیامه إلّا به فکان من لوازم فرغته منه فی الدنیا الحسره على ثمرته یوم القیامه.

الخامسه: نبّهه على ضرورته إلى عمل الحقّ بأنّه لا یغنیه عنه شی‏ء غیره
لأنّ کلّ ما عدا الحقّ باطل و الباطل سبب للفقر فی الآخره فلا یفید غنى.

السادسه: نبّهه على أنّ من الحقوق الواجبه علیه حفظ نفسه:
أى من زلّه القدم عن الصراط المستقیم و الوقوع فی سواء الجحیم، ثمّ الاحتساب على رعیّته بجهده و طاقته، و الأخذ على أیدیهم فی الأمر بالمعروف و النهى عن المنکر. و قدّم حفظ النفس لأنّه الأهمّ، و نبّه على وجوب الأمرین بقوله: فإنّ الّذی إلى آخره و أراد أنّ الّذی یصل إلى نفسک من الکمالات و الثواب اللازم عنها فی الآخره بسبب لزومک للأمرین المذکورین أفضل ممّا یصل بعد لک و إحسانک إلى الخلق من النفع و دفع الضرر، و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۹۷

 

بازدیدها: ۰

نامه ۵۷ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام کتبه إلى أهل الأمصار، یقص فیه ما جرى بینه و بین أهل صفین

وَ کَانَ بَدْءُ أَمْرِنَا أَنَّا الْتَقَیْنَا وَ الْقَوْمُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ- وَ الظَّاهِرُ أَنَّ رَبَّنَا وَاحِدٌ وَ نَبِیَّنَا وَاحِدٌ- وَ دَعْوَتَنَا فِی الْإِسْلَامِ وَاحِدَهٌ- وَ لَا نَسْتَزِیدُهُمْ فِی الْإِیمَانِ بِاللَّهِ وَ التَّصْدِیقِ بِرَسُولِهِ- وَ لَا یَسْتَزِیدُونَنَا- الْأَمْرُ وَاحِدٌ إِلَّا مَا اخْتَلَفْنَا فِیهِ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ- وَ نَحْنُ مِنْهُ بَرَاءٌ- فَقُلْنَا تَعَالَوْا نُدَاوِ مَا لَا یُدْرَکُ الْیَوْمَ- بِإِطْفَاءِ النَّائِرَهِ وَ تَسْکِینِ الْعَامَّهِ- حَتَّى یَشْتَدَّ الْأَمْرُ وَ یَسْتَجْمِعَ- فَنَقْوَى عَلَى وَضْعِ الْحَقِّ مَوَاضِعَهُ فَقَالُوا بَلْ نُدَاوِیهِ بِالْمُکَابَرَهِ- فَأَبَوْا حَتَّى جَنَحَتِ الْحَرْبُ وَ رَکَدَتْ- وَ وَقَدَتْ نِیرَانُهَا وَ حَمِشَتْ- فَلَمَّا ضَرَّسَتْنَا وَ إِیَّاهُمْ- وَ وَضَعَتْ مَخَالِبَهَا فِینَا وَ فِیهِمْ- أَجَابُوا عِنْدَ ذَلِکَ إِلَى الَّذِی دَعَوْنَاهُمْ إِلَیْهِ- فَأَجَبْنَاهُمْ إِلَى مَا دَعَوْا وَ سَارَعْنَاهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا- حَتَّى اسْتَبَانَتْ عَلَیْهِمُ الْحُجَّهُ- وَ انْقَطَعَتْ مِنْهُمُ الْمَعْذِرَهُ- فَمَنْ تَمَّ عَلَى ذَلِکَ مِنْهُمْ- فَهُوَ الَّذِی أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنَ الْهَلَکَهِ- وَ مَنْ لَجَّ وَ تَمَادَى فَهُوَ الرَّاکِسُ- الَّذِی رَانَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ- وَ صَارَتْ دَائِرَهُ السَّوْءِ عَلَى رَأْسِهِ

اللغه

أقول: و بدء الأمر: أوّله. و یروى: بدى‏ء فعیل بمعنى مبتدأ. و النائره: العداوه. و جنحت: مالت. و رکدت: ثبتت. و حمست: اشتدّت. و روى بالشین المعجمه: أى التهبت غضبا. و أنقذه خلّصه. و التمادى فی الشی‏ء: الإقامه علیه و طلب الغایه فیه. و الرکس: ردّ الشی‏ء مقلوبا. و اللّه أرکسهم: أى ردّهم إلى عقوبه کفرهم و الرین: التغطیه. و الدایره: الهزیمه، یقال: علیهم الدائره، و یؤکّد شنعتها بالإضافه إلى السوء.

المعنى

و الفصل من حکایه حاله مع أهل الشام و حالهم. و القوم عطف على الضمیر فی التقینا و فی قوله: و الظاهر. إیماء إلى تهمته لهم بضدّ ذلک کما صرّح به هو و عمّار فی صفّین فإنّه کان یقول: و اللّه ما أسلموا و لکن استسلموا و أسرّوا الکفر فلمّا وجدوا علیه أعوانا أظهروه. و الواو للحال. و قوله: لا نستزیدهم. أى لا نطلب منهم زیاده فی الإیمان لتمامه منهم فی الظاهر. و قد بیّن فی حکایه الحال الاتّحاد الّذی بینهم فی الامور المذکوره الّتی لا یجوز الاختلاف معها لیظهر الحجّه و استثنى من ذلک ما وقع الاختلاف فیه و هى الشبهه بدم عثمان و الجواب عنها إجمالا. ثمّ حکى وجه الرأى الأصلح فی نظام أمر الإسلام و سلامه أهله و شوره علیهم و إبائهم عن قبوله إلى الغایه المذکوره. و الباء فی قوله: بإطفاء النائره متعلّق بقوله: نداوى ما لا یدرک: أى ما لا یمکن تلافیه بعد وقوع الحرب و لا یستدرک من القتل و هلاک المسلمین.

و قوله: فقالوا: بل نداویه بالمکابره. حکایه قولهم بلسان حالهم حین دعاهم إلى نظام أمر الدین بالرجوع عمّاهم علیه فکابروه و أصرّوا على الحرب، و تجوّز باسم الجنوح إطلاقا لاسم المضاف على المضاف إلیه، و استعار لفظ النیران للحرکات فی الحرب لمشابهتهما فی استلزام الأذى و الهلاک، و رشّح بذکر الوقد، و کذلک لفظ الحمس و التضریس و وضع المخالب. ثمّ حکى إجابتهم و رجوعهم إلى رأیه الّذى رآه لهم، و ذلک أنّهم صبیحه لیله الهریر حین حملوا المصاحف على الأرماح کانوا یقولون لأصحابه علیه السّلام: معاشر المسلمین نحن إخوانکم فی الدین اللّه اللّه فی البنات و النساء. کما حکیناه أوّلا. و ذلک عین ما کان یذکّرهم به علیه السّلام من حفظ دماء المسلمین و ذرّیّتهم، و أمّا إجابته إلى ما دعوا فإجابته إلى تحکیم کتاب اللّه حین دعوا إلیه و ظهور الحجّه علیهم‏ برجوعهم إلى عین ما کان یدعوهم إلیه من حقن الدماء، و فی ذلک انقطاع عذرهم فی المطالبه بدم عثمان إذ کان سکوتهم عن دم صحابىّ لا حقّ لهم فیه أسهل من سفک دماء سبعین ألفا من المهاجرین و الأنصار و التابعین بإحسان. و قوله: فمن تمّ على ذلک. أى على الرضاء بالصلح و تحکیم کتاب اللّه و هم أکثر أهل الشام و أکثر أصحابه علیه السّلام. و الّذین لجّوا فی التمادی فهم الخوارج الّذین لجّوا فی الحرب و اعتزلوه علیه السّلام بسبب التحکیم و کانت قلوبهم فی أغشیه من الشبهات الباطله حتّى صارت دائره السوء على رؤوسهم فقتلوا إلّا أقلّهم.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۹۴

 

بازدیدها: ۱

نامه ۵۶ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى أهل الکوفه، عند مسیره من المدینه إلى البصره

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّی خَرَجْتُ مِنْ حَیِّی هَذَا- إِمَّا ظَالِماً وَ إِمَّا مَظْلُوماً وَ إِمَّا بَاغِیاً وَ إِمَّا مَبْغِیّاً عَلَیْهِ- وَ إِنِّی أُذَکِّرُ اللَّهَ مَنْ بَلَغَهُ کِتَابِی هَذَا لَمَّا نَفَرَ إِلَیَّ- فَإِنْ کُنْتُ مُحْسِناً أَعَانَنِی- وَ إِنْ کُنْتُ مُسِیئاً اسْتَعْتَبَنِی

أقول: غرض الکتاب إعلام أهل الکوفه بخروجه من المدینه القتال أهل البصره و استنفارهم إلیه، و قد مرّ مثل ذلک

اللغه

و حیّه: قبیلته.

المعنى

و قوله: إما ظالما. إلى قوله: علیه. من باب تجاهل العارف، و لأنّ القضیّه لم تکن بعد ظهرت لأهل الکوفه و غیرهم لیعرفوا هل هو مظلوم أو غیره و لذلک ذکّرهم لینفروا إلیه فیحکموا بینه و بین خصومه فیعینوه أو یطلبوا منه العتبى و هى الرجوع إلى الحقّ. و- اذکّر- یتعدّى إلى مفعول أوّل هو المذکّر، و ثان هو المذکّر به و هو اللّه تعالى. و قد قدّمه لکونه هو المقصود من التذکیر. و- لمّا- مشدّده بمعنى إلّا، و مخفّفه هى ما زائده دخل علیها لام التأکید: أى لینفرنّ إلىّ. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى‏۱۹۳

 

بازدیدها: ۱

نامه ۵۵ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام وصى بها شریح بن هانئ، لما جعله على مقدمته إلى الشام

اتَّقِ اللَّهَ فِی کُلِّ صَبَاحٍ وَ مَسَاءٍ- وَ خَفْ عَلَى نَفْسِکَ الدُّنْیَا الْغَرُورَ- وَ لَا تَأْمَنْهَا عَلَى حَالٍ- وَ اعْلَمْ أَنَّکَ إِنْ لَمْ تَرْدَعْ نَفْسَکَ عَنْ کَثِیرٍ مِمَّا تُحِبُّ- مَخَافَهَ مَکْرُوهٍ- سَمَتْ بِکَ الْأَهْوَاءُ إِلَى کَثِیرٍ مِنَ الضَّرَرِ- فَکُنْ لِنَفْسِکَ مَانِعاً رَادِعاً- وَ لِنَزْوَتِکَ عِنْدَ الْحَفِیظَهِ وَاقِماً قَامِعاً

أقول: قد ذکرنا طرفا من حال إنفاذه لشریح بن هانی مع زیاد بن النضیر على مقدّمته بالشام فی إثنى عشر ألفا.

اللغه

و النزوه: الوثبه. و الحفیظه: الغضب. و الواقم: الذى یردّ الشی‏ء أقبح الردّ، یقال: و قمه: أى ردّه بعنف و بقهر، و الوقم: القهر و الإذلال، و کذلک القمع.

المعنى

و قد أمره بتقوى اللّه دائما، و لمّا کانت یستلزم الأعمال الجمیله أردف ذلک بتفصیلها و هى أن یحذّر على نفسه الدنیا. و نسب الغرور إلیها لأنّها سبب مادّى له،و أن لا یأمنها على حال لما تستلزم ذلک من الغفله عن الآخره. ثمّ أعلمه أنّه إن لم یردع نفسه الأمّاره بالسوء عن الانهماک فی کثیر من مشتهیاتها الّتی یخاف مکروها فی العاقبه و یقف بها عند حدود اللّه و یسلک بها صراطه المستقیم لم یزل یسمو به هواها و میولها حتّى تورده موارد الهلکه. ثمّ أکّد وصیّته بمنعها و قهرها عند نزواتها و توثّبها فی الغضب. و قد عرفت أنّ إهمالها مبدء کلّ شرّ یلحق فی الدنیا و الآخره.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۹۲

بازدیدها: ۱

نامه ۵۴ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى معاویه

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الدُّنْیَا لِمَا بَعْدَهَا- وَ ابْتَلَى فِیهَا أَهْلَهَا لِیَعْلَمَ أَیُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا- وَ لَسْنَا لِلدُّنْیَا خُلِقْنَا وَ لَا بِالسَّعْیِ فِیهَا أُمِرْنَا- وَ إِنَّمَا وُضِعْنَا فِیهَا لِنُبْتَلَی بِهَا- وَ قَدِ ابْتَلَانِی اللَّهُ بِکَ وَ ابْتَلَاکَ بِی- فَجَعَلَ أَحَدَنَا حُجَّهً عَلَى الْآخَرِ- فَعَدَوْتَ عَلَى الدُّنْیَا بِتَأْوِیلِ الْقُرْآنِ- فَطَلَبْتَنِی بِمَا لَمْ تَجْنِ یَدِی وَ لَا لِسَانِی- وَ عَصَبْتَهُ أَنْتَ وَ أَهْلُ الشَّامِ بِی- وَ أَلَّبَ عَالِمُکُمْ جَاهِلَکُمْ وَ قَائِمُکُمْ قَاعِدَکُمْ- فَاتَّقِ اللَّهَ فِی نَفْسِکَ وَ نَازِعِ الشَّیْطَانَ قِیَادَکَ- وَ اصْرِفْ إِلَى الْآخِرَهِ وَجْهَکَ- فَهِیَ طَرِیقُنَا وَ طَرِیقُکَ- وَ احْذَرْ أَنْ یُصِیبَکَ اللَّهُ مِنْهُ بِعَاجِلِ قَارِعَهٍ- تَمَسُّ الْأَصْلَ وَ تَقْطَعُ الدَّابِرَ- فَإِنِّی أُولِی لَکَ بِاللَّهِ أَلِیَّهً غَیْرَ فَاجِرَهٍ- لَئِنْ جَمَعَتْنِی وَ إِیَّاکَ جَوَامِعُ الْأَقْدَارِ لَا أَزَالُ بِبَاحَتِکَ- حَتَّى یَحْکُمَ اللَّهُ بَیْنَنا وَ هُوَ خَیْرُ الْحاکِمِینَ

اللغه

أقول: عصبه به: علّقه به. و التألیب: التحریص. و القارعه: الداهیه. و الدابر المتأخّر من النسل. و الألیّه: الیمین.

المعنى

فقوله: أمّا بعد. إلى قوله: لنبتلى بها. إشاره إلى غرض الدنیا و غایتها لیتنبّه لذلک و یعمل له، و أراد بالسعى فیها الّذى لم یؤمر به اکتسابها لها، دون غیره ممّا یکون للضروره فإنّ ذلک مأمور به فی‏ قوله تعالى فَامْشُوا فِی مَناکِبِها وَ کُلُوا مِنْ رِزْقِهِ«». و قوله: و قد ابتلانی: إلى قوله: الآخر. تعیین لبعض أغراضها، و قد علمت کیفیّه ابتلائه بخلقه فیما قبل. و وجه ابتلائه علیه السّلام بمعاویه عصیانه و محاربته إیّاه حتّى لو قصّر فی مقاومته و لم یقم فی وجهه کان ملوما و کان معاویه حجّه اللّه علیه، و وجه ابتلاء معاویه به علیه السّلام دعوته له إلى الحقّ و تحذیره إیّاه من عواقب المعصیه حتّى إذا لم یجب داعى اللّه لحقه الذمّ و العقاب و کان علیه السّلام هو حجّه اللّه علیه. و ذلک معنى قوله: فجعل أحدنا حجّه على الآخر. و قوله: فعدوت. إلى قوله: قاعدکم. إشاره إلى بعض وجوه ابتلائه علیه السّلام به، و معنى ذلک أنّه إنّما طلب بخروجه علیه الدنیا و جعل السبب إلى ذلک تأویل القرآن کقوله تعالى یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا کُتِبَ عَلَیْکُمُ الْقِصاصُ فِی الْقَتْلى‏«» و غیره من الآیات الدالّه على وجوب القصاص فتأوّلها بإدخال نفسه فیها و طلب القصاص لعثمان، و إنّما کان دخوله فی ذلک بالتأویل لأنّ الخطاب خاصّ بمن قتل و قتل منه. و معاویه بمعزل عن ذلک إذ لم یکن من أولیاء دم عثمان ففسّر الآیه بالعموم لیدخل فیها. و الّذى لم تجنه یده و لسانه علیه السّلام هو ما نسبوه إلیه علیه السّلام و ألّب بعضهم بعضا علیه فیه و هو قتل عثمان. و أراد ألّب علیکم عالمکم بحالى جاهلکم به و قائمکم فی حربی قاعدکم عنه. ثمّ لمّا نبّه على غایه الدنیا و جعل اللّه سبحانه کلّا منهما حجّه على الآخر لیعلم أیّهم أحسن عملا رجع إلى موعظته و تحذیره فأمره بتقوى اللّه فی نفسه أن یهلکها بعصیانه و مخالفه أمره. و أن ینازع الشیطان قیاده. و استعار لفظ القیاد للمیول الطبیعیّه و وجه الاستعاره کونها زمام الإنسان إلى المعصیه إذا سلّمها بید الشیطان و انهمک بها فی اللذّات الموبقه. و منازعته للشیطان مقاومته لنفسه الأمّاره عن طرف الإفراط إلى حاقّ الوسط فی الشهوه و الغضب، و أن یصرف إلى الآخره وجهه: أى یولّى وجهه شطر الآخره مطالعا ما اعدّ فیها من خیر و شرّ و سعاده و شقاوه بعین بصیرته لیعمل بها.

و قوله: فهى طریقنا و طریقک. صغرى ضمیر نبّه به على وجوب صرف وجهه إلى الآخره. و تقدیر کبراه: و کلّما کان طریق الإنسان فواجب أن یصرف إلیها وجهه. و جعلها طریقا مجازا عن غایه الطریق إطلاقا لاسم ذى الغایه علیها. ثمّ حذّره من اللّه أن یصیبه بداهیه یصیب أصله و یقطع نسله، و أراد بها ما نهاه من نهوضه إلیه و حربه إیّاه و لذلک أقسم على تقدیر أن یجمعهما جوامع الأقدار أن لا یزال بباحته مقیما حتّى یحکم اللّه بینهما. و فی ذلک غلیظ الوعد بعذاب شدید.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۹۰

 

بازدیدها: ۷

نامه ۵۳ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى طلحه و الزبیر، مع عمران بن الحصین الخزاعى ذکره أبو جعفر الاسکافى فى کتاب المقامات فى مناقب أمیر المؤمنین علیه السلام

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ عَلِمْتُمَا وَ إِنْ کَتَمْتُمَا- أَنِّی لَمْ أُرِدِ النَّاسَ حَتَّى أَرَادُونِی- وَ لَمْ أُبَایِعْهُمْ حَتَّى بَایَعُونِی- وَ إِنَّکُمَا مِمَّنْ أَرَادَنِی وَ بَایَعَنِی- وَ إِنَّ الْعَامَّهَ لَمْ تُبَایِعْنِی لِسُلْطَانٍ‏ غَالِبٍ وَ لَا لِعَرَضٍ حَاضِرٍ- فَإِنْ کُنْتُمَا بَایَعْتُمَانِی طَائِعَیْنِ- فَارْجِعَا وَ تُوبَا إِلَى اللَّهِ مِنْ قَرِیبٍ- وَ إِنْ کُنْتُمَا بَایَعْتُمَانِی کَارِهَیْنِ- فَقَدْ جَعَلْتُمَا لِی عَلَیْکُمَا السَّبِیلَ بِإِظْهَارِکُمَا الطَّاعَهَ- وَ إِسْرَارِکُمَا الْمَعْصِیَهَ- وَ لَعَمْرِی مَا کُنْتُمَا بِأَحَقِّ الْمُهَاجِرِینَ- بِالتَّقِیَّهِ وَ الْکِتْمَانِ- وَ إِنَّ دَفْعَکُمَا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْخُلَا فِیهِ- کَانَ أَوْسَعَ عَلَیْکُمَا مِنْ خُرُوجِکُمَا مِنْهُ- بَعْدَ إِقْرَارِکُمَا بِهِ- وَ قَدْ زَعَمْتُمَا أَنِّی قَتَلْتُ عُثْمَانَ- فَبَیْنِی وَ بَیْنَکُمَا مَنْ تَخَلَّفَ عَنِّی وَ عَنْکُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِینَهِ- ثُمَّ یُلْزَمُ کُلُّ امْرِئٍ بِقَدْرِ مَا احْتَمَلَ- فَارْجِعَا أَیُّهَا الشَّیْخَانِ عَنْ رَأْیِکُمَا- فَإِنَّ الْآنَ أَعْظَمَ أَمْرِکُمَا الْعَارُ- مِنْ قَبْلِ أَنْ یَجْتَمِعَ الْعَارُ وَ النَّارُ-

اللغه

أقول: خزاعه قبیله من الأزد. و قیل: الإسکافیّ منسوب إلى إسکاف رستاق کبیر کان بین النهروان و البصره. و کتاب المقامات: الّذى صنّفه الشیخ المذکور فی مناقب أمیر المؤمنین علیه السّلام

المعنى

و قد احتجّ علیه السّلام علیهما فی نکث بیعته بحجّتین: إحداهما: قوله: أمّا بعد. إلى قوله: حاضر. و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من علمتما من حاله ذلک فلیس لکما أن تنکثا بیعته و تخرجا علیه.
و قوله: و إن کتمتما. إشاره إلى أنّهما بعد نکث بیعته کتما إرادتهما لبیعته و إراده کثیر من الناس و زعما أنّه إنّما حمّلهما علیها کرها. الحجّه الثانیه قوله: فإن کنتما. إلى قوله: إقرار کما به. و هی شرطیّ منفصل تقدیرها: أنّه لا یخلو إمّا أن تکونوا بایعتمانی طائعین أو کارهین. و الأوّل هو المطلوب.

و یلزمکما ارتکاب المعصیه و الرجوع إلى اللّه بالتوبه إلى اللّه من قریب قبل استحکام‏ المعصیه فی نفسیکما. و الثانی: باطل من ثلاثه أوجه: أحدها: أنّه یلزمکما النفاق حیث أظهرتما لى الطاعه و أضمرتما المعصیه فجعلتما بذلک السبیل علیکما فی القول و الفعل. الثانی: أنّکما ما کنتما بالتقیّه منّی و الکتمان لعصیانکما أحقّ من المهاجرین و ذلک لأنّهما کانا أقوى الجماعه و أعظمهم شأنا فکان غیرهما من المهاجرین أولى منهما بالتقیّه عند البیعه و نکثهما بعد ذلک. الثالث: إنّ دفعهما لبیعته قبل الدخول فیها أوسع لعذرهما من خروجهما منها بعد إقرارهما. و هذه الأقوال الثلاثه صغریات ضمیر تقدیر الکبرى فی الأوّل: و کلّ ما جعلتهما لی علیکما به السبیل فیحرم علیکما فعله و لیس لکما أن تدّعیاه، و فی الثانی: و کلّ من لا یکون أحقّ من المهاجرین بدعواه فلیس له أن یدّعیه إذا لم یدّعوه، و فی الثالث: و کلّما کان أوسع لعذرهما فلیس لهما العدول عنه إلى ما هو أضیق. و قوله: و قد زعمتما إنّی قتلت عثمان. إشاره: إلى شبهتهما المشهوره فی خروجهما علیه.

و قوله: فبینى: إلى قوله: احتمل. جوابها: أى الحکم إلى من تخلّف عن نصرتی و نصرتکما من أهل المدینه ثمّ یلزم کلّ منّا من اللائمه و العقوبه بقدر ما احتمل من الإثم و البغى. و ثمّ بعد أن أقام الحجّه علیهما أمرهما بالرجوع عن رأیهما الفاسد فی اختیارهما لبیعته و رغّب فی الرجوع عن ذلک. بقوله: فإنّ الآن. إلى آخره، و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و العار أسهل من اجتماع العار و النار فی الاخره. و أراد بالعار العار بالعذر. و الآن ظرف انتصب بأعظم الّذى هو اسم إنّ، و یجوز أن یکون هو اسمها و أعظم مبتدأ خبره العار- و الجمله خبر إنّ و العائد إلى اسمها محذوف تقدیره: فإنّ الآن أعظم أمر کما فیه العار.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۸۸

 

بازدیدها: ۶

نامه ۵۲ شرح ابن میثم بحرانی

و من عهد له علیه السّلام کتبه للأشتر النخعی رحمه اللّه، لما ولاه على مصر و اعمالها حین اضطراب أمر محمد بن أبى بکر،

و هو أطول عهد و أجمع کتبه للمحاسن أقول: هو مالک بن الحرث الأشتر النخعیّ من الیمن، و کان من أکابر أصحابه علیه السّلام ذوى النجده، و الشجاعه الّذین علیهم عمدته فی الحروب، و روى أنّ الطرمّاح لمّا دخل على معاویه قال له: قل لابن أبی طالب: إنّى جمعت من العساکر بعدد حبّ جاورس الکوفه و ها أنا قاصده. فقال له الطرمّاح: إنّ لعلیّ علیه السّلام دیکا أشتر یلتقط جمیع ذلک. فأنکسر معاویه من قوله. و فی العهد فصول:

الفصل الأوّل

قوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیمِ- هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِیٌّ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ- مَالِکَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِی عَهْدِهِ إِلَیْهِ- حِینَ وَلَّاهُ مِصْرَ جِبَایَهَ خَرَاجِهَا وَ جِهَادَ عَدُوِّهَا- وَ اسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا وَ عِمَارَهَ بِلَادِهَا- أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ إِیْثَارِ طَاعَتِهِ- وَ اتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِی کِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ‏ وَ سُنَنِهِ- الَّتِی لَا یَسْعَدُ أَحَدٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهَا- وَ لَا یَشْقَى إِلَّا مَعَ جُحُودِهَا وَ إِضَاعَتِهَا- وَ أَنْ یَنْصُرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ وَ یَدِهِ وَ لِسَانِهِ- فَإِنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ قَدْ تَکَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ وَ إِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ- وَ أَمَرَهُ أَنْ یَکْسِرَ نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ- وَ یَزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ- فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَهٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ اللَّهُ

اللغه
أقول: یزعها: یکفّها.

المعنى
و صدّر علیه السّلام هذا العهد بذکر امور هی غرض الولایه
و بها یکون نظام الأمر فمنها ما یعود إلى منفعه الوالى و هو جبوه الخراج، و منها ما یعود إلى الرعیّه و هی جهاد عدوّهم و استصلاحهم بالسیاسه و حسن الرعى، و منها ما یعود إلیهما و هو عماره البلاد و لو احقها.
ثمّ أمره بأوامر خمسه یعود إلى إصلاح نفسه أوّلا:

أحدها: تقوى اللّه
و خشیته، و قد سبق بیان کونها أصلا لکلّ فضیله.

الثانی: اتّباع أوامره فی کتابه من فرائضه و سننه.
و رغّب فی ذلک بقوله: لا یسعد. إلى قوله: إضاعتها. و تکرّر بیان ذلک.

الثالث: أن ینصر اللّه سبحانه بیده و قلبه و لسانه
فی جهاد العدوّ. و إنکار المنکرات. و رغّب فی ذلک بقوله: قد تکفّل. إلى قوله: أعزّه. کقوله تعالى إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ یَنْصُرْکُمْ وَ یُثَبِّتْ أَقْدامَکُمْ«».

الرابع، أن یکسر من نفسه عند الشهوات.
و هو أمر بفضیله العفّه.

الخامس: أن یکفّها و یقاومها عند الجمحات.
و هو أمر بفضیله الصبر عن اتّباع الهوى و هو فضیله تحت العفّه، و حذّر من النفس بقوله: فإنّ النفس. إلى‏ آخره، و هو من قوله تعالى إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَهٌ بِالسُّوءِ«» الآیه. و- ما- بمعنى- من- و هى نصب على الاستثناء: أی إلّا نفسا رحمها اللّه.

الفصل الثانی: فی أوامره و وصایاه بالأعمال الصالحه المتعلّقه بأحوال الولایه و تدبیر الملک و المدینه

و ذلک قوله: ثُمَّ اعْلَمْ یَا مَالِکُ- أَنِّی قَدْ وَجَّهْتُکَ إِلَى بِلَادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَیْهَا دُوَلٌ قَبْلَکَ- مِنْ عَدْلٍ وَ جَوْرٍ- وَ أَنَّ النَّاسَ یَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِکَ- فِی مِثْلِ مَا کُنْتَ تَنْظُرُ فِیهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلَاهِ قَبْلَکَ- وَ یَقُولُونَ فِیکَ مَا کُنْتَ تَقُولُ فِیهِمْ- وَ إِنَّمَا یُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِینَ- بِمَا یُجْرِی اللَّهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ- فَلْیَکُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَیْکَ ذَخِیرَهُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ- فَامْلِکْ هَوَاکَ وَ شُحَّ بِنَفْسِکَ عَمَّا لَا یَحِلُّ لَکَ- فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ الْإِنْصَافُ مِنْهَا فِیمَا أَحَبَّتْ أَوْ کَرِهَتْ وَ أَشْعِرْ قَلْبَکَ الرَّحْمَهَ لِلرَّعِیَّهِ- وَ الْمَحَبَّهَ لَهُمْ وَ اللُّطْفَ بِهِمْ- وَ لَا تَکُونَنَّ عَلَیْهِمْ سَبُعاً ضَارِیاً تَغْتَنِمُ أَکْلَهُمْ- فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَکَ فِی الدِّینِ- وَ إِمَّا نَظِیرٌ لَکَ فِی الْخَلْقِ- یَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وَ تَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ- وَ یُؤْتَى عَلَى أَیْدِیهِمْ فِی الْعَمْدِ وَ الْخَطَإِ- فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِکَ وَ صَفْحِکَ- مِثْلِ الَّذِی تُحِبُّ وَ تَرْضَى أَنْ یُعْطِیَکَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَ صَفْحِهِ- فَإِنَّکَ فَوْقَهُمْ وَ وَالِی الْأَمْرِ عَلَیْکَ فَوْقَکَ- وَ اللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاکَ- وَ قَدِ اسْتَکْفَاکَ أَمْرَهُمْ وَ ابْتَلَاکَ بِهِمْ- وَ لَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَکَ لِحَرْبِ اللَّهِ- فَإِنَّهُ لَا یَدَیْ لَکَ بِنِقْمَتِهِ- وَ لَا غِنَى بِکَ عَنْ عَفْوِهِ وَ رَحْمَتِهِ- وَ لَا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوٍ وَ لَا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَهٍ- وَ لَا تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَهٍ وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَهً- وَ لَا تَقُولَنَّ إِنِّی مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ- فَإِنَّ ذَلِکَ إِدْغَالٌ فِی الْقَلْبِ- وَ مَنْهَکَهٌ لِلدِّینِ وَ تَقَرُّبٌ مِنَ الْغِیَرِ- وَ إِذَا أَحْدَثَ لَکَ مَا أَنْتَ فِیهِ مِنْ سُلْطَانِکَ أُبَّهَهً أَوْ مَخِیلَهً- فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْکِ اللَّهِ فَوْقَکَ- وَ قُدْرَتِهِ مِنْکَ عَلَى مَا لَا تَقْدِرُ عَلَیْهِ مِنْ نَفْسِکَ- فَإِنَّ ذَلِکَ یُطَامِنُ إِلَیْکَ مِنْ طِمَاحِکَ- وَ یَکُفُّ عَنْکَ مِنْ غَرْبِکَ- وَ یَفِی‏ءُ إِلَیْکَ بِمَا عَزَبَ عَنْکَ مِنْ عَقْلِکَ- إِیَّاکَ وَ مُسَامَاهَ اللَّهِ فِی عَظَمَتِهِ وَ التَّشَبُّهَ بِهِ فِی جَبَرُوتِهِ- فَإِنَّ اللَّهَ یُذِلُّ کُلَّ جَبَّارٍ وَ یُهِینُ کُلَّ مُخْتَالٍ أَنْصِفِ اللَّهَ وَ أَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِکَ- وَ مِنْ خَاصَّهِ أَهْلِکَ- وَ مَنْ لَکَ فِیهِ هَوًى مِنْ رَعِیَّتِکَ- فَإِنَّکَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ- وَ مَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ کَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ- وَ مَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ- وَ کَانَ لِلَّهِ حَرْباً حَتَّى یَنْزِعَ أَوْ یَتُوبَ- وَ لَیْسَ شَیْ‏ءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْیِیرِ نِعْمَهِ اللَّهِ وَ تَعْجِیلِ نِقْمَتِهِ- مِنْ إِقَامَهٍ عَلَى ظُلْمٍ- فَإِنَّ اللَّهَ سَمِیعٌ دَعْوَهَ الْمُضْطَهَدِینَ- وَ هُوَ لِلظَّالِمِینَ بِالْمِرْصَادِ- وَ لْیَکُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَیْکَ أَوْسَطُهَا فِی الْحَقِّ- وَ أَعَمُّهَا فِی الْعَدْلِ وَ أَجْمَعُهَا لِرِضَا الرَّعِیَّهِ- فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّهِ یُجْحِفُ بِرِضَا الْخَاصَّهِ- وَ إِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّهِ یُغْتَفَرُ مَعَ رِضَا الْعَامَّهِ- وَ لَیْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِیَّهِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِی مَئُونَهً فِی الرَّخَاءِ- وَ أَقَلَّ مَعُونَهً لَهُ فِی الْبَلَاءِ- وَ أَکْرَهَ لِلْإِنْصَافِ وَ أَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ- وَ أَقَلَّ شُکْراً عِنْدَ الْإِعْطَاءِ وَ أَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ- وَ أَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ- مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّهِ- وَ إِنَّمَا عِمَادُ الدِّینِ وَ جِمَاعُ الْمُسْلِمِینَ- وَ الْعُدَّهُ لِلْأَعْدَاءِ الْعَامَّهُ مِنَ الْأُمَّهِ- فَلْیَکُنْ صِغْوُکَ لَهُمْ وَ مَیْلُکَ مَعَهُمْ وَ لْیَکُنْ أَبْعَدَ رَعِیَّتِکَ مِنْکَ وَ أَشْنَأَهُمْ عِنْدَکَ- أَطْلَبُهُمْ لِمَعَایِبِ النَّاسِ- فَإِنَّ فِی النَّاسِ عُیُوباً الْوَالِی أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا- فَلَا تَکْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْکَ مِنْهَا- فَإِنَّمَا عَلَیْکَ تَطْهِیرُ مَا ظَهَرَ لَکَ- وَ اللَّهُ یَحْکُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْکَ- فَاسْتُرِ الْعَوْرَهَ مَا اسْتَطَعْتَ- یَسْتُرِ اللَّهُ مِنْکَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِیَّتِکَ- أَطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عُقْدَهَ کُلِّ حِقْدٍ- وَ اقْطَعْ عَنْکَ سَبَبَ کُلِّ وِتْرٍ- وَ تَغَابَ عَنْ کُلِّ مَا لَا یَضِحُ لَکَ- وَ لَا تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِیقِ سَاعٍ- فَإِنَّ السَّاعِیَ غَاشٌّ وَ إِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِینَ- وَ لَا تُدْخِلَنَّ فِی مَشُورَتِکَ بَخِیلًا یَعْدِلُ بِکَ عَنِ الْفَضْلِ- وَ یَعِدُکَ الْفَقْرَ- وَ لَا جَبَاناً یُضْعِفُکَ عَنِ الْأُمُورِ- وَ لَا حَرِیصاً یُزَیِّنُ لَکَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ- فَإِنَّ الْبُخْلَ وَ الْجُبْنَ وَ الْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى- یَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ‏ إِنَّ شَرَّ وُزَرَائِکَ مَنْ کَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَکَ وَزِیراً- وَ مَنْ شَرِکَهُمْ فِی الْآثَامِ فَلَا یَکُونَنَّ لَکَ بِطَانَهً- فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَهِ وَ إِخْوَانُ الظَّلَمَهِ- وَ أَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَیْرَ الْخَلَفِ- مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَ نَفَاذِهِمْ- وَ لَیْسَ عَلَیْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَ أَوْزَارِهِمْ وَ آثَامِهِمْ- مِمَّنْ لَمْ یُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ وَ لَا آثِماً عَلَى إِثْمِهِ- أُولَئِکَ أَخَفُّ عَلَیْکَ مَئُونَهً وَ أَحْسَنُ لَکَ مَعُونَهً- وَ أَحْنَى عَلَیْکَ عَطْفاً وَ أَقَلُّ لِغَیْرِکَ إِلْفاً- فَاتَّخِذْ أُولَئِکَ خَاصَّهً لِخَلَوَاتِکَ وَ حَفَلَاتِکَ- ثُمَّ لْیَکُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَکَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَکَ- وَ أَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَهً فِیمَا یَکُونُ مِنْکَ مِمَّا کَرِهَ اللَّهُ لِأَوْلِیَائِهِ- وَاقِعاً ذَلِکَ مِنْ هَوَاکَ حَیْثُ وَقَعَ وَ الْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَ الصِّدْقِ- ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَلَّا یُطْرُوکَ- وَ لَا یَبْجَحُوکَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ- فَإِنَّ کَثْرَهَ الْإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ وَ تُدْنِی مِنَ الْعِزَّهِ- وَ لَا یَکُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَ الْمُسِی‏ءُ عِنْدَکَ بِمَنْزِلَهٍ سَوَاءٍ- فَإِنَّ فِی ذَلِکَ تَزْهِیداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِی الْإِحْسَانِ- وَ تَدْرِیباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَهِ عَلَى الْإِسَاءَهِ- وَ أَلْزِمْ کُلًّا مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَیْسَ شَیْ‏ءٌ بِأَدْعَى- إِلَى حُسْنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِیَّتِهِ- مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَیْهِمْ وَ تَخْفِیفِهِ الْمَئُونَاتِ عَلَیْهِمْ- وَ تَرْکِ اسْتِکْرَاهِهِ إِیَّاهُمْ عَلَى مَا لَیْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ- فَلْیَکُنْ مِنْکَ فِی ذَلِکَ أَمْرٌ- یَجْتَمِعُ لَکَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِیَّتِکَ- فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ یَقْطَعُ عَنْکَ نَصَباً طَوِیلًا- وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّکَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلَاؤُکَ عِنْدَهُ- وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّکَ بِهِ لَمَنْ سَاءَ بَلَاؤُکَ عِنْدَهُ- وَ لَا تَنْقُضْ سُنَّهً صَالِحَهً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّهِ- وَ اجْتَمَعَتْ بِهَا الْأُلْفَهُ وَ صَلَحَتْ عَلَیْهَا الرَّعِیَّهُ- وَ لَا تُحْدِثَنَّ سُنَّهً تَضُرُّ بِشَیْ‏ءٍ مِنْ مَاضِی تِلْکَ السُّنَنِ- فَیَکُونَ الْأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا- وَ الْوِزْرُ عَلَیْکَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا- وَ أَکْثِرْ مُدَارَسَهَ الْعُلَمَاءِ وَ مُنَاقَشَهَ الْحُکَمَاءِ- فِی تَثْبِیتِ مَا صَلَحَ عَلَیْهِ أَمْرُ بِلَادِکَ- وَ إِقَامَهِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَکَ

اللغه

أقول: الضاری: المعتاد للصید، الجرى‏ء علیه. و الصفح: الإعراض عن الذنب. و البجح- بسکون الجیم- : الفرح و السرور. و البادره: الحدّه. و المندوحه: السعه. و الإدغال: إدخال الفساد فی الأمر. و النهک: الضعف. و الأبّهه، و المخیله: الکبر و یطا من. یسکن: و طماح النفس: جماحها. و طمح البصر: ارتفع. و غرب الفرس: حدّته، و أوّل جریه، و المساماه: مفاعله من السموّ. و الجبروت: الکبر العظیم. و أدحض حجّته: أبطلها. و ینزع: یرجع. و أجحف به: ذهب به. و الإلحاف: شدّه السؤال. و ملمّات الدهر: ما یلمّ من خطوبه. و جماع المسلمین: جمعهم. و الصغوه: المیل. و أشنأهم: أبغضهم و الوتر: الحقد. و التغابی: التجاهل و التغافل و بطانه الرجل: خاصّته و الآصار: الآثام. و حفلاتک: أى جلساتک فی المحافل و المجامع. و الإطراء: المدح البالغ. و الزهو: الکبر. و التدریب: التعوید. و المنافثه: المحادثه.

المعنى

و اعلم أنّ مدار هذا الفصل لمّا کان على أمره بالعمل الصالح فی البلاد و العباد نبّهه أوّلا على بعض العلل الغائیّه من ذلک، و هو الذکر الجمیل فی العقبى و الکون من الصالحین لیعمل له، و ذلک بقوله: إنّی قد وجهّتک. إلى قوله: تقول فیهم. و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیرها: إنّک موجّه إلى بلده حالها کذا و کذا و حال الناس فی فعلک بها کذا، و تقدیر الکبرى: و کلّ من کان وجّه إلى بلده کذلک و کان الناس ینظرون من أمره مثل ما کان ینظر قبله من أمر الولاه و یقولون فیه مثل ما کان یقول فیهم فیجب علیه أن یکون أحبّ الامور إلیه العمل الصالح لیحصل منه الذکر الجمیل بین الناس الدالّ على کون المذکور عند اللّه من الصالحین، و نبّه على تلک الدلاله بقوله: و إنّما یستدلّ على الصالحین بما یجرى اللّه لهم على ألسن عباده. و فی نسبه إجراء القول إلى اللّه ترغیب عظیم فی تحصیل الذکر الجمیل.

ثمّ أعقب ذلک بأمره أن یجعل العمل الصالح أحبّ الذخائر إلیه، و استعار له لفظ الذخیره باعتبار أن یحصله فی الدنیا لغایه الانتفاع به فی العقبى کالذخیره.
و لمّا أمره بالعمل الصالح إجمالا شرع فی تفصیله و ذکر أنواعا:

أحدها: أن یملک هواه فی شهوته و غضبه فلا یتّبعهما
و یشحّ بنفسه عمّا لا یحلّ لها من المحرّمات.
و قوله: فإنّ الشحّ. إلى قوله: کرهت. تفسیر لذلک الشحّ بما یلازمه و هو الانصاف و الوقوف على حدّ العدل فی المحبوب فلا یقوده شهوته إلى حدّ الإفراط فیقع فی رذیله الفجور، و فی دفع المکروه فلا یقوده غضبه إلى طرف الإفراط من فضیله العدل فیقع فی رذیله الظلم و التهوّر.
و ظاهر أنّ ذلک شحّ بالنفس و بخل بها عن إلقائها فی مهاوى الهلاک.

الثانی: أن یشعر قلبه الرحمه للرعیّه و المحبّه و اللطف بهم.
و هی فضائل تحت ملکه العفّه: أى اجعل هذه الفضائل شعارا لقلبک. و لفظا الشعار و السبع مستعاران. و أشار إلى وجه استعاره السبع بقوله: تغتنم أکلهم.

الثالث: أن یعفو و یصفح عنهم،
و هو فضیله تحت الشجاعه. و قوله: فإنّهم. إلى قوله: فی الخلق.

بیان لسببین من أسباب الرحمه لهم و اللطف بهم. و قوله: یفرط منهم الزلل. إلى قوله: و الخطاء. تفسیر للمثلیّه و هی السبب الثانی، و الکلام فی قوّه صغرى ضمیر فی حسن العفو و الصفح، و أراد بالعلل الّتی تعرض لهم الامور المشغله الصارفه لهم عمّا ینبغی من إجراء أوامر الوالی على وجوهها. و قوله: و یؤتى على أیدیهم. کنایه عن کونهم غیر معصومین بل هم ممّن یؤتون من قبل العمد و الخطاء، و تأتی على أیدیهم أوامر الولاه و المؤاخذات فیما یقع منهم من عمد أو خطاء، و تقدیر الکبرى: و کلّ من کان کذلک فینبغی أن یرحم و یشمل بالمحبّه ذو اللطف به و یقابل خطأه بالعفو و الصفح. و فی أمره بإعطاء العفو مثل الّذی یجب أن یعطیه اللّه من عفوه أتمّ ترغیب فی العفو و أقوى جاذب إلیه، و کذلک قوله: فإنّک فوقهم.
إلى قوله: و ابتلاک بهم. تخویف من اللّه فی معرض الأمر بالعفو و اللطف، و هو صغرى ضمیر آخر فی ذلک.

الرابع: نهاه أن ینصب نفسه لحرب اللّه.
و کنّى بحربه عن الغلظه على عباده و ظلمهم و مبارزته تعالى فیهم بالمعصیه. و قوله: فإنّه لا یدی لک. إلى قوله: و رحمته. صغرى ضمیر نبّه به على أنّه لا یجوز ظلم عباد اللّه و محاربته، و کنّى بعدم الیدین عن عدم القدره. یقال: مالى بهذا الأمر ید. إذا کان ممّا لا یطاق. و حذف النون من یدین لمضارعه المضاف، و قیل: لکثره الاستعمال، و تقدیر الکبرى: و کلّ من کان کذلک فلا یجوز أن ینصب لحرب اللّه بظلم عباده.

الخامس: نهاه عن الندم على العفو. و عن التبجّح بعقوبه الغیر و التسرّع إلى الغضب الّذی یجد منه مندوحه
فإنّ ذلک کلّه من لوازم إعطاء القوّه الغضبیّه قیادها. و قد علمت أنّها شیطان تقود إلى النار.

السادس: نهاه أن یأمر بما لا ینبغی الأمر به و یخالف الدین
و نهى عن ما عساه‏ یعرض فی النفس من وجوب طاعه الخلق لامرته فإنّ علیهم أن یسمعوا و علیه أن یأمر فإنّ ذلک فساد فی القلب و الدین، و أشار إلى ذلک الفساد بقوله: فإنّه إدغال إلى قوله: الغیر. و هو من وجوه ثلاثه: أحدها: أنّه إدغال فی القلب و صرف له عن دین اللّه، و هو معنى إفساده. الثانی: أنّ ذلک منهکه للدین و إضعاف له. الثالث: أنّه مقرّب من الغیر لکون الظلم من أقوى الأسباب المعدّه باجتماع همم الخلق على زواله، و إلیه الإشاره بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا یُغَیِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى یُغَیِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ«» و الکلام فی قوّه ثلاث صغریات لثلاثه ضمایر، و تقدیر الکبریات فیها: و کلّ ما کان کذلک فلا یجوز ارتکابه.

السابع: أرشده إلى دواء داء الابّهه و الکبر
الّذی عساه یعرض له فی سلطانه و ولایته، و ذلک. أن ینظر إلى عظمه اللّه تعالى فوقه و قدرته على ما لا یملکه من نفسه و لا یستطیعه جلبا لها أو دفعا عنها فإنّ ذلک یسکّن داء الکبر الّذی یحدث له فیطفیه و یکسر حدّه غضبه و یردّه إلیه ما قهرته قوّته الغضبیّه من عقله فغرب عند جماحها، و هذه أیضا صغریات ثلاث لثلاثه ضمائر نبّه فیها على وجوب فعل ما أرشده إلیه من الدواء، و تقدیر الکبریات فیه: و کلّما کان کذلک فیجب علیک فعله.

الثامن: حذّره عن التعظیم و التجبّر
و نفّر عن ذلک بکونهما مساماه و تشبّها به، و بأنّ التکبّر یستلزم أن یذلّ اللّه صاحبه و یهینه. و تقدیر الاحتجاج: فإنّک إن تجبّرت و اختلت یذلّک اللّه و یهینک و هو فی قوّه صغرى ضمیر أیضا، و تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فیجب أن یحذر من اللّه بترک التجبّر.

التاسع: أمره بإنصاف اللّه و إنصاف الناس من نفسه و أهل هواه من رعیّته.
فإنصاف اللّه العمل بأوامره و الانتهاء عن زواجره مقابلا بذلک نعمه، و إنصاف الناس العدل فیهم و الخروج إلیهم من حقوقهم اللازمه لنفسه و لأهل خاصّته. و احتجّ على.

وجوب ذلک الإنصاف بقیاس مفصول صغرى الأوّل قوله: فإنّک إن لا تفعل تظلم: أى تظلم عباد اللّه. و کبراه و من ظلم عباد اللّه کان اللّه خصمه دون عباده. و تقدیر نتیجته: فإنّک إن لا تفعل کان اللّه خصمک دون عباده و هی صغرى لقیاس آخر کبراه قوله: و من خاصمه اللّه. إلى قوله: و یتوب. و تقدیر نتیجته: فإنّک إن لا تفعل أدحض اللّه حجّتک عند مخاصمته و کنت له حربا إلى أن تنزع و تتوب من ظلمک. و قوله: و لیس شی‏ء. إلى قوله: على ظلم. تنبیه على لازم آخر لعدم الإنصاف أو الإقامه على الظلم، و هی کونه أدعى إلى تغییر نعم اللّه و تعجیل نقمته من کلّ شی‏ء.
و قوله: فإنّ اللّه. إلى قوله: بالمرصاد. بیان للزوم اللازم المذکور، و ذلک أنّ اللّه سبحانه إذا کان یسمع دعوه المظلوم و یطّلع على فعل الظالم فإنّه یسرع إلى تغییر نعمته إذ استعدّ لذلک.

العاشره: أمره أن یکون أحبّ الأمور إلیه أقربها إلى حاقّ الوسط
من طرفى الإفراط و التفریط و هو الحقّ، و أعمّها للعدل، و أجمعها لرضاء الرعیّه فإنّ العدل قد یوقع على وجه لا یعمّ العامّه بل یتّبع فیه رضاء الخاصّه. و نبّه على لزوم العدل العامّ للرعیّه و حفظ قلوب العامّه و طلب رضاهم بوجهین: أحدهما: أنّ سخط العامّه لکثرتهم لا یقاومه رضاء الخاصّه لقلّتهم، بل یجحف به و لا ینتفع برضاهم عند سخط العامّه، و ذلک یؤدّی إلى وهن الدین و ضعفه أمّا سخط الخاصّه فإنّه مغتفر و مستور عند رضاء العامّه فکان رضاهم أولى. الثانی: أنّه وصف الخاصّه بصفات مذمومه تستلزم قلّه الاهتمام بهم بالنسبه إلى العامّه، و وصف العامّه بصفات محموده توجب العنایه بهم. أمّا صفات الخاصّه: فأحدها: کونهم أثقل مئونه على الوالی فی الرخاء لتکلّفه لهم ما لا یتکلّفه لغیرهم. الثانی: کونهم أقلّ معونه له فی البلاء لمحبّتهم الدنیا و عزّه جانبهم. الثالث: کونهم أکره للانصاف لزیاده أطماعهم فی الدنیا على العامّه. الرابع: و کونهم أسأل بالإحاف لأنّهم عند الحاجه إلى السؤال أشدّ جرأه على الوالی و أطمع فی إلانه جانبه. الخامس: کونهم أقلّ شکرا عند الإعطاء لاعتقادهم زیاده فضلهم على العامّه و أنّهم أحقّ بما یعطونه، و اعتقادهم حاجه الوالی إلیهم و تخوّفه منهم. السادس: کونهم أبطأ عذرا للوالی إن منعهم: أی أنّهم أقلّ مسامحه له إن اعتذر إلیهم فی أمر لاعتقادهم فضیله أنفسهم و کونهم واجبی قضاء الحقوق. السابع: کونهم أضعف صبرا عند ملمّات الدهر لتعوّدهم الترفّه، و جزعهم على ما فی أیدیهم من الدنیا. و أمّا صفات العامّه: فأحدها: کونهم عمود الدین، و استعار لهم لفظ العمود باعتبار قیام الدین بهم کقیام البیت بعموده. الثانی: کونهم جماع المسلمین لکونهم الأغلب و الأکثر و السواد الأعظم. الثالث: کونهم العدّه للأعداء لکثرتهم أیضا و لأنّهم کانوا أهل الحرب فی ذلک الزمان. و هذه الصفات للفریقین یستلزم وجوب حفظ قلوب العامّه، و تقدیمه على حفظ قلوب الخاصّه. و لذلک أمره أن یکون صغوه و میله إلى العامّه.

الحادی عشر: أمر بأن یکون أبعد رعیّته منه و أبغضهم إلیه أطلبهم لمعایب الناس،
و نبّهه على وجوب ذلک بقوله: فإنّ فى الناس إلى قوله: سترها. و إذا کان الوالی أحقّ من سترها لزمه أن لا یکشف عمّا غاب عنه منها، و ذلک بقمع أهل النمیمه و إبعادهم، و أن یلزم ما یجب علیه و هو تطهیر الخلق ممّا ظهر له من ذنوبهم دون ما غاب عنه، و أکّد ذلک بالأمر بستر العوره من الغیر بقدر الاستطاعه فإنّ کلّ عیب عوره، و نبّه على الرغبه فی ذلک بما یستلزمه من إعداده لستر اللّه منه ما یحبّ أن یستره هو بستره على رعیّته من الذنوب و العیوب.

الثانی عشر: أمره بنزع الحقد و عقد ما عقده فی قلبه منه لکونه من الرذائل الموبقه
و أن یقطع أسبابه من قبول السعایه و أهل النمیمه،

الثالث عشر، أن یتغافل عن کلّ أمر لا یتّضح له
و لا یقوم به برهان، و نهاه أن‏ یعجل إلى تصدیق من سعى به، و نبّه على ذلک بضمیر صغراه: قوله: فإنّ الساعی: إلى قوله: الناصحین. و وجه غشّه کونه مثیر الأحقاد و الضغائن بین الناس و یذیع الفاحشه و الفساد فی الأرض، و تقدیر کبراه: و کلّ من کان غاشّا وجب أن لا یلتفت إلیه.

الرابع عشر: نهاه أن یدخل فی مشورته ثلاثه البخیل و الجبان و الحریص،
و نبّه على وجه المفسده فی استشاره کلّ أحد من الثلاثه بضمیر صغرى الأوّل: قوله: یعدل بک. إلى قوله: الفقر. و ذلک أنّ البخیل لا یشیر إلّا بما یراه مصلحه عنده و هو البخل و ما یستلزمه من التخویف بالفقر، و هو یعدل بالمستشیر عن الفضل.
و صغرى الثانی قوله: لیضّعفک عن الأمور. لأنّ الجبان لا یشیر إلّا بوجوب حفظ النفس و التخویف من العدوّ و هو المصلحه الّتی یراها، و کلّ ذلک مضعّف عن الحرب و مقاومه العدوّ. و صغرى الثالث: قوله: یزیّن لک الشره بالجور. و ذلک أنّ المصلحه عنده جمع المال و حفظه و هو مستلزم للجور عن فضیله العدل و القصد. و تقدیر الکبرى فی الثلاثه: و کلّ من کان کذلک فلا یجوز استشارته. ثمّ نفّر عن الثلاثه بضمیر آخر نبّه بصغراه على مبدء رذائلهم الثلاث و هی البخل و الجبن و الحرص لتعرف فتجتنب و تنفر عن عن أهلها فذکر أنّها غرائز: أی أخلاق متفرّقه یحصل للنفس عن أصل واحد ینتهى إلیه و هو سوء الظنّ باللّه، و بیان ذلک أنّ مبدء سوء الظنّ باللّه عدم معرفته تعالى فالجاهل به لا یعرفه من جهه ما هو جواد فیّاض بالخیرات لمن استعدّ بطاعته لها فیسوء ظنّه به، و بأنّه لا یخلف علیه عوض ما یبذله فیمنعه ذلک مع ملاحظه الفقر من [عند] البذل و تلزمه رذیله البخل، و کذا الجبان جاهل به تعالى من جهه لطفه بعباده و عنایته بوجودهم و غیر عالم بسرّ قدره فیسوء ظنّه بأنّه لا یحفظه من التلف و یتصوّر الهلاک فیمنعه ذلک عن الإقدام فی الحرب و نحوها فیلزمه رذیله الجبن، و کذلک الحریص یجهله تعالى من الوجهین المذکورین فیسوء ظنّه به و یعتقد أنّه إذا لم یحرص الحرص المذموم لم یوصل إلیه تعالى ما یصلح حاله ممّا یسعى فیه و یحرص علیه فیبعثه ذلک على الحرص. و کذلک النفس. فکانت هذه الأخلاق الثلاثه المذمومه راجعه إلى ما ذکره علیه السّلام.

الخامس عشر: لمّا کان من الأعمال الصالحه اختیار الوزراء و الأعوان
نبّهه على من لا ینبغی استصلاحه لذلک لیجتنبه و من ینبغی لیرغب فیه. فمن لا ینبغی هو من کان للأشرار من الولاه قبله وزیرا و مشارکا لهم فی الآثام، و نهاه عن اتّخاذه بطانه و خاصّه له، و نفّر عنهم بضمیر صغراه قوله: فإنّهم: إلى قوله: الخلف. و تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فلا تتّخذه بطانه. و قوله: ممّن له مثل آرائهم. تمیز لمن هو خیر الخلف من الأشرار و هم الّذین ینبغی أن یستعان بهم، و بیان لوجه خیریّتهم بالنسبه إلى الأشرار، و هو أن یکون لهم مثل آرائهم و نفاذهم فی الأمور و لیس علیهم مثل آصارهم و لم یعاون ظالما على ظلمه. ثمّ رغّب فی اتّخاذ هؤلاء أعوانا بضمیر صغراه قوله: اولئک أخفّ. إلى قوله: إلفا. أمّا أنّهم أخفّ مئونه فلأنّ لهم رادعا من أنفسهم عمّا لا ینبغی لهم من مال أو حال فلا یحتاج فی إرضائهم أو ردعهم ممّا لا ینبغی إلى مزید کلفه بخلاف الأشرار و الطامعین فیما لا ینبغی. و بحسب قربهم إلى الحقّ و مجانبتهم للأشرار کانوا أحسن معونه و أثبت عنده قلوبا و أشدّ حنوّا علیه و عطفا و أقلّ لغیره إلفا، و تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فینبغی أن یتّخذ عونا و وزیرا و لذلک قال: فاتّخذ اولئک خاصّه لخلوتک و حفلاتک. ثمّ میّز من ینبغی أن یکون أقرب هؤلاء إلیه و أقواهم فی الاعتماد علیه بأوصاف أخصّ: أحدها: أن یکون أقولهم بمرّ الحقّ له. الثانی: أن یکون أقلّهم مساعده له فیما یکون منه و یقع من الامور الّتی یکرهها اللّه لأولیائه. و انتصب قوله: واقعا على الحال: أی فی حال وقوع ذلک القول منه و النصیحه و قلّه المساعده حیث وقع من هواک سواء کان فی هوى عظیم أو یسیر، أو حیث وقع هواک: أى سواء کان ما تهواه عظیما أو لیس، و یحتمل أن یرید واقعا عظیما أو لیس، و یحتمل أن یرید واقعا ذلک الناصح من هواک و محبّتک حیث وقع:

أى یجب أن یکون له من هواک موقعا. ثمّ أمره فی اعتبارهم و اختیارهم بأوامر: أحدها: أن یلازم أهل الورع منهم و الأعمال الجمیله و أهل الصدق. و هما فضیلتان تحت العفّه. الثانی: أن یروضهم و یؤدّبهم بالنهی عن الإطراء له، أو یوجبوا له سرورا بقول ینسبونه فیه إلى فعل ما لم یفعله فیدخلونه فی ذمّ قوله تعالى وَ یُحِبُّونَ أَنْ یُحْمَدُوا بِما لَمْ یَفْعَلُوا«» و نفّره عن کثره الإطراء بضمیر صغراه قوله: فإن کثره الإطراء إلى قوله: الغرّه. و استلزام الإطراء للرذیلتین المذکورتین ظاهر، و تقدیر الکبرى: و کلّما کان کذلک فیجب اجتنابه. الثانی: نهاه أن یکون المحسن و المسی‏ء عنده بمنزله سواء، و نفّر عن ذلک ببیان وجه المفسده فی ضمیر صغراه قوله: فإنّ ذلک. إلى قوله: الإساءه. و سرّه أنّ أکثر فعل الإحسان إنّما یکون طلبا للمجازاه بمثله خصوصا من الولاه و طلبا لزیاده الرتبه على الغیر و زیاده الذکر الجمیل مع أنواع من الکلفه فی ذلک. فإذا رأى المحسن مساواه منزلته لمنزلته المسى‏ء کان ذلک صارفا عن الإحسان و داعیا إلى الراحه من تکلّفه، و کذلک أکثر التارکین للإساءه إنّما یترکون خوفا من الولاه و إشفاقا من نقصان الرتبه عن النظر. فإذا رأى المسى‏ء مساواه مرتبته مع مرتبه المحسنین کان التقصیر به أولى: و تقدیر الکبرى: و کلّ ما کان فیه تزهید للإحسان و تدریب على الإساءه فینبغی أن یجتنب. ثمّ أکّد ذلک بأمره أن یلزم کلّا من أهل الإحسان و الإساءه بما ألزم به نفسه من الاستعداد بالإحسان و الإساءه لهما فیلزم المحسن منزله الإحسان و یلزم المسى‏ء منزله الإساءه.

السادس عشر: نبّهه على الإحسان إلى رعیّته
و تخفیف المئونات عنهم و ترک استکراههم على ما لیس له قبلهم بما یستلزمه ذلک من حسن ظنّه بهم المستلزم لقطع النصب عنه من قبلهم و الاستراحه إلیهم، و ذلک أنّ الوالی إذا أحسن إلى رعیّته قویت رغبتهم فیه و أقبلوا بطباعهم على محبّته و طاعته، و ذلک یستلزم حسن ظنّه بهم‏ فلا یحتاج معهم إلى کلفه فی جمع أهوائهم و الاحتراس من شرورهم، و أکّد ذلک بقوله: و إنّ أحقّ من یحسن ظنّک به. إلى قوله: عنده.

السابع عشر: نهاه أن ینقض سنّه صالحه عمل بها السلف الصالح
من صدور هذه الامّه و اجتمعت بها الالفه و صلاح الرعیّه، و ذلک مفسده ظاهره فی الدین.

الثامن عشر: نهاه أن یحدث سنّه تضرّ بشی‏ء من ماضی السنن.
و أشار إلى وجه الفساد فیها بضمیر صغراه قوله: فیکون. إلى قوله: سنّها. و الضمیر فی منها یعود إلى السنن الّتی دخل علیها الضرر فیکون الأجر لمن سنّ السنّه الماضیه الّتی أضرّت بها سنّتک الحادثه و الوزر علیک بما نقضت منها، و تقدیر کبراه: فکلّ ما کان کذلک فینبغی أن یجتنب و ینفر عنه.

التاسع عشر: أمره أن یکثر مدارسه العلماء.
أی بأحکام الشریعه و قوانین الدین، و منافثه الحکماء: أی العارفین باللّه و بأسراره فی عباده و بلاده العاملین بالقوانین الحکمیه العملیّه التجربیّه و الاعتباریّه، و یتصفّح أنواع الأخبار فی تثبّت القواعد و القوانین الّتی یصلح علیها أمر بلاده، و إقامه ما استقام به الناس قبله منها. و باللّه التوفیق.

الفصل الثالث: فی التنبیه على طبقات الناس الّذین ینتظم بهم أمر المدینه

و وضع کلّ على حدّه و طبقته الّتی یقتضی الحکمه النبویّه وضعه فیها، و الإشاره إلى تعلّق کلّ طبقه بالأخرى حیث لا صلاح لبعضهم إلّا بالبعض و بذلک یکون قوام المدینه، ثمّ بالإشاره إلى من یستصلح من کلّ صنف و طبقه یکون أهلا لتلک المرتبه، و الوصیّه فی کلّ ما یلیق به. و ذلک قوله: وَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّعِیَّهَ طَبَقَاتٌ- لَا یَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ- وَ لَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ- فَمِنْهَا جُنُودُ اللَّهِ وَ مِنْهَا کُتَّابُ الْعَامَّهِ وَ الْخَاصَّهِ- وَ مِنْهَا قُضَاهُ الْعَدْلِ وَ مِنْهَا عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَ الرِّفْقِ- وَ مِنْهَا أَهْلُ الْجِزْیَهِ وَ الْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّهِ وَ مُسْلِمَهِ النَّاسِ- وَ مِنْهَا التُّجَّارُ وَ أَهْلُ الصِّنَاعَاتِ- وَ مِنْهَا الطَّبَقَهُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِی الْحَاجَهِ وَ الْمَسْکَنَهِ- وَ کُلٌّ قَدْ سَمَّى اللَّهُ لَهُ سَهْمَهُ- وَ وَضَعَ عَلَى حَدِّهِ فَرِیضَهً فِی کِتَابِهِ أَوْ سُنَّهِ نَبِیِّهِ ص عَهْداً- مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً- فَالْجُنُودُ بِإِذْنِ اللَّهِ حُصُونُ الرَّعِیَّهِ وَ زَیْنُ الْوُلَاهِ- وَ عِزُّ الدِّینِ وَ سُبُلُ الْأَمْنِ- وَ لَیْسَ تَقُومُ الرَّعِیَّهُ إِلَّا بِهِمْ- ثُمَّ لَا قِوَامَ لِلْجُنُودِ- إِلَّا بِمَا یُخْرِجُ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ- الَّذِی یَقْوَوْنَ بِهِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ- وَ یَعْتَمِدُونَ عَلَیْهِ فِیمَا یُصْلِحُهُمْ- وَ یَکُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ- ثُمَّ لَا قِوَامَ لِهَذَیْنِ الصِّنْفَیْنِ إِلَّا بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ- مِنَ الْقُضَاهِ وَ الْعُمَّالِ وَ الْکُتَّابِ- لِمَا یُحْکِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ وَ یَجْمَعُونَ مِنَ الْمَنَافِعِ- وَ یُؤْتَمَنُونَ عَلَیْهِ مِنْ خَوَاصِّ الْأُمُورِ وَ عَوَامِّهَا- وَ لَا قِوَامَ لَهُمْ جَمِیعاً إِلَّا بِالتُّجَّارِ وَ ذَوِی الصِّنَاعَاتِ- فِیمَا یَجْتَمِعُونَ عَلَیْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ- وَ یُقِیمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ- وَ یَکْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُّقِ بِأَیْدِیهِمْ- مَا لَا یَبْلُغُهُ رِفْقُ غَیْرِهِمْ- ثُمَّ الطَّبَقَهُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَهِ وَ الْمَسْکَنَهِ- الَّذِینَ یَحِقُّ رِفْدُهُمْ وَ مَعُونَتُهُمْ- وَ فِی اللَّهِ لِکُلٍّ سَعَهٌ- وَ لِکُلٍّ عَلَى الْوَالِی حَقٌّ بِقَدْرِ مَا یُصْلِحُهُ- فَوَلِّ مِنْ جُنُودِکَ- أَنْصَحَهُمْ فِی نَفْسِکَ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِإِمَامِکَ- وَ أَنْقَاهُمْ جَیْباً وَ أَفْضَلَهُمْ حِلْماً- مِمَّنْ یُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ وَ یَسْتَرِیحُ إِلَى الْعُذْرِ- وَ یَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ وَ یَنْبُو عَلَى الْأَقْوِیَاءِ- وَ مِمَّنْ لَا یُثِیرُهُ الْعُنْفُ وَ لَا یَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ- ثُمَّ الْصَقْ بِذَوِی الْمُرُوءَاتِ وَ الْأَحْسَابِ- وَ أَهْلِ الْبُیُوتَاتِ الصَّالِحَهِ وَ السَّوَابِقِ الْحَسَنَهِ- ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَهِ وَ الشَّجَاعَهِ وَ السَّخَاءِ وَ السَّمَاحَهِ- فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْکَرَمِ وَ شُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ- ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا یَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا- وَ لَا یَتَفَاقَمَنَّ فِی نَفْسِکَ شَیْ‏ءٌ قَوَّیْتَهُمْ بِهِ- وَ لَا تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَ إِنْ قَلَّ- فَإِنَّهُ دَاعِیَهٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِیحَهِ لَکَ وَ حُسْنِ الظَّنِّ بِکَ- وَ لَا تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطِیفِ أُمُورِهِمُ اتِّکَالًا عَلَى جَسِیمِهَا- فَإِنَّ لِلْیَسِیرِ مِنْ لُطْفِکَ مَوْضِعاً یَنْتَفِعُونَ بِهِ- وَ لِلْجَسِیمِ مَوْقِعاً لَا یَسْتَغْنُونَ عَنْهُ- وَ لْیَکُنْ آثَرُ رُءُوسِ جُنْدِکَ عِنْدَکَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِی مَعُونَتِهِ- وَ أَفْضَلَ عَلَیْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ- بِمَا یَسَعُهُمْ وَ یَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِیهِمْ- حَتَّى یَکُونَ هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِی جِهَادِ الْعَدُوِّ- فَإِنَّ عَطْفَکَ عَلَیْهِمْ یَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَیْکَ- وَ إِنَّ أَفْضَلَ قُرَّهِ عَیْنِ الْوُلَاهِ اسْتِقَامَهُ الْعَدْلِ فِی الْبِلَادِ وَ ظُهُورُ مَوَدَّهِ الرَّعِیَّهِ و إِنَّهُ لَا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلَّا بِسَلَامَهِ صُدُورِهِمْ وَ لَا تَصِحُّ نَصِیحَتُهُمْ إِلَّا بِحِیطَتِهِمْ عَلَى وُلَاهِ الْأُمُورِ- وَ قِلَّهِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ- وَ تَرْکِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ- فَافْسَحْ فِی آمَالِهِمْ وَ وَاصِلْ فِی حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَیْهِمْ- وَ تَعْدِیدِ مَا أَبْلَى ذَوُو الْبَلَاءِ مِنْهُمْ- فَإِنَّ کَثْرَهَ الذِّکْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ- وَ تُحَرِّضُ النَّاکِلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- ثُمَّ اعْرِفْ لِکُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَى- وَ لَا تَضُمَّنَّ بَلَاءَ امْرِئٍ إِلَى غَیْرِهِ- وَ لَا تُقَصِّرَنَّ بِهِ دُونَ غَایَهِ بَلَائِهِ- وَ لَا یَدْعُوَنَّکَ شَرَفُ امْرِئٍ- إِلَى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا کَانَ صَغِیراً- وَ لَا ضَعَهُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلَائِهِ مَا کَانَ عَظِیماً- وَ ارْدُدْ إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ مَا یُضْلِعُکَ مِنَ الْخُطُوبِ- وَ یَشْتَبِهُ عَلَیْکَ مِنَ الْأُمُورِ- فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ- یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا أَطِیعُوا اللَّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ- وَ أُولِی الْأَمْرِ مِنْکُمْ- فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِی شَیْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ- فَالرَّدُّ إِلَى اللَّهِ الْأَخْذُ بِمُحْکَمِ کِتَابِهِ- وَ الرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ الْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَهِ غَیْرِ الْمُفَرِّقَهِ: ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُکْمِ بَیْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِیَّتِکَ فِی نَفْسِکَ- مِمَّنْ لَا تَضِیقُ بِهِ الْأُمُورُ وَ لَا تُمَحِّکُهُ الْخُصُومُ- وَ لَا یَتَمَادَى فِی الزَّلَّهِ- وَ لَا یَحْصَرُ مِنَ الْفَیْ‏ءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ- وَ لَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ- وَ لَا یَکْتَفِی بِأَدْنَى فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ- وَ أَوْقَفَهُمْ فِی الشُّبُهَاتِ وَ آخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ- وَ أَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَهِ الْخَصْمِ- وَ أَصْبَرَهُمْ عَلَى تَکَشُّفِ الْأُمُورِ- وَ أَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُکْمِ- مِمَّنْ لَا یَزْدَهِیهِ إِطْرَاءٌ وَ لَا یَسْتَمِیلُهُ إِغْرَاءٌ- وَ أُولَئِکَ قَلِیلٌ- ثُمَّ أَکْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ- وَ افْسَحْ لَهُ فِی الْبَذْلِ مَا یُزِیلُ عِلَّتَهُ- وَ تَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ- وَ أَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَهِ لَدَیْکَ مَا لَا یَطْمَعُ فِیهِ غَیْرُهُ مِنْ خَاصَّتِکَ- لِیَأْمَنَ بِذَلِکَ اغْتِیَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَکَ- فَانْظُرْ فِی ذَلِکَ نَظَراً بَلِیغاً- فَإِنَّ هَذَا الدِّینَ قَدْ کَانَ أَسِیراً فِی أَیْدِی الْأَشْرَارِ- یُعْمَلُ فِیهِ بِالْهَوَى وَ تُطْلَبُ بِهِ الدُّنْیَا: ثُمَّ انْظُرْ فِی أُمُورِ عُمَّالِکَ فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَاراً- وَ لَا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاهً وَ أَثَرَهً- فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَ الْخِیَانَهِ- وَ تَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَهِ وَ الْحَیَاءِ- مِنْ أَهْلِ الْبُیُوتَاتِ الصَّالِحَهِ وَ الْقَدَمِ فِی الْإِسْلَامِ الْمُتَقَدِّمَهِ- فَإِنَّهُمْ أَکْرَمُ أَخْلَاقاً وَ أَصَحُّ أَعْرَاضاً- وَ أَقَلُّ فِی الْمَطَامِعِ إِشْرَافاً وَ أَبْلَغُ فِی عَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَراً- ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَیْهِمُ الْأَرْزَاقَ- فَإِنَّ ذَلِکَ قُوَّهٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلَاحِ أَنْفُسِهِمْ- وَ غِنًى لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَیْدِیهِمْ- وَ حُجَّهٌ عَلَیْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَکَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَکَ- ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ- وَ ابْعَثِ الْعُیُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَ الْوَفَاءِ عَلَیْهِمْ- فَإِنَّ تَعَاهُدَکَ فِی السِّرِّ لِأُمُورِهِمْ- حَدْوَهٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْأَمَانَهِ وَ الرِّفْقِ بِالرَّعِیَّهِ- وَ تَحَفَّظْ مِنَ الْأَعْوَانِ- فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ یَدَهُ إِلَى خِیَانَهٍ- اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَیْهِ عِنْدَکَ أَخْبَارُ عُیُونِکَ- اکْتَفَیْتَ بِذَلِکَ شَاهِداً- فَبَسَطْتَ عَلَیْهِ الْعُقُوبَهَ فِی بَدَنِهِ- وَ أَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ- ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّهِ وَ وَسَمْتَهُ بِالْخِیَانَهِ- وَ قَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَهِ: وَ تَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا یُصْلِحُ أَهْلَهُ- فَإِنَّ فِی صَلَاحِهِ وَ صَلَاحِهِمْ صَلَاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ- وَ لَا صَلَاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلَّا بِهِمْ- لِأَنَّ النَّاسَ کُلَّهُمْ عِیَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَ أَهْلِهِ- وَ لْیَکُنْ نَظَرُکَ فِی عِمَارَهِ الْأَرْضِ- أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِکَ فِی اسْتِجْلَابِ الْخَرَاجِ- لِأَنَّ ذَلِکَ لَا یُدْرَکُ إِلَّا بِالْعِمَارَهِ- وَ مَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَیْرِ عِمَارَهٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ- وَ أَهْلَکَ الْعِبَادَ وَ لَمْ یَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلَّا قَلِیلًا- فَإِنْ شَکَوْا ثِقَلًا أَوْ عِلَّهً أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ أَوْ بَالَّهٍ- أَوْ إِحَالَهَ أَرْضٍ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ- أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ- خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ یَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ- وَ لَا یَثْقُلَنَّ عَلَیْکَ شَیْ‏ءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمَئُونَهَ عَنْهُمْ- فَإِنَّهُ ذُخْرٌ یَعُودُونَ بِهِ عَلَیْکَ فِی عِمَارَهِ بِلَادِکَ- وَ تَزْیِینِ وِلَایَتِکَ مَعَ اسْتِجْلَابِکَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ- وَ تَبَجُّحِکَ بِاسْتِفَاضَهِ الْعَدْلِ فِیهِمْ- مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ- بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِکَ لَهُمْ- وَ الثِّقَهَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِکَ عَلَیْهِمْ وَ رِفْقِکَ بِهِمْ- فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الْأُمُورِ- مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِیهِ عَلَیْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ- طَیِّبَهً أَنْفُسُهُمْ بِهِ- فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا حَمَّلْتَهُ- وَ إِنَّمَا یُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا- وَ إِنَّمَا یُعْوِزُ أَهْلُهَا لِإِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلَاهِ عَلَى الْجَمْعِ- وَ سُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ وَ قِلَّهِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ: ثُمَّ انْظُرْ فِی حَالِ کُتَّابِکَ- فَوَلِّ عَلَى أُمُورِکَ خَیْرَهُمْ- وَ اخْصُصْ رَسَائِلَکَ الَّتِی تُدْخِلُ فِیهَا مَکَایِدَکَ وَ أَسْرَارَکَ- بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُوهِ صَالِحِ الْأَخْلَاقِ مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ الْکَرَامَهُ- فَیَجْتَرِئَ بِهَا عَلَیْکَ فِی خِلَافٍ لَکَ بِحَضْرَهِ مَلَإٍ- وَ لَا تَقْصُرُ بِهِ الْغَفْلَهُ عَنْ إِیرَادِ مُکَاتَبَاتِ عُمِّالِکَ عَلَیْکَ- وَ إِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْکَ- فِیمَا یَأْخُذُ لَکَ وَ یُعْطِی مِنْکَ- وَ لَا یُضْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَکَ- وَ لَا یَعْجِزُ عَنْ إِطْلَاقِ مَا عُقِدَ عَلَیْکَ- وَ لَا یَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِی الْأُمُورِ- فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ یَکُونُ بِقَدْرِ غَیْرِهِ أَجْهَلَ- ثُمَّ لَا یَکُنِ اخْتِیَارُکَ إِیَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِکَ- وَ اسْتِنَامَتِکَ وَ حُسْنِ الظَّنِّ مِنْکَ- فَإِنَّ الرِّجَالَ یَتَعَرَّفُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلَاهِ- بِتَصَنُّعِهِمْ وَ حُسْنِ خِدْمَتِهِمْ- وَ لَیْسَ وَرَاءَ ذَلِکَ مِنَ النَّصِیحَهِ وَ الْأَمَانَهِ شَیْ‏ءٌ- وَ لَکِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِینَ قَبْلَکَ- فَاعْمِدْ لِأَحْسَنِهِمْ کَانَ فِی الْعَامَّهِ أَثَراً- وَ أَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَهِ وَجْهاً- فَإِنَّ ذَلِکَ دَلِیلٌ عَلَى نَصِیحَتِکَ لِلَّهِ وَ لِمَنْ وُلِّیتَ أَمْرَهُ- وَ اجْعَلْ لِرَأْسِ کُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِکَ رَأْساً مِنْهُمْ- لَا یَقْهَرُهُ کَبِیرُهَا وَ لَا یَتَشَتَّتُ عَلَیْهِ کَثِیرُهَا- وَ مَهْمَا کَانَ فِی کُتَّابِکَ مِنْ عَیْبٍ فَتَغَابَیْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ: ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ وَ ذَوِی الصِّنَاعَاتِ وَ أَوْصِ بِهِمْ خَیْراً- الْمُقِیمِ مِنْهُمْ‏

وَ الْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ وَ الْمُتَرَفِّقِ بِبَدَنِهِ- فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ وَ أَسْبَابُ الْمَرَافِقِ- وَ جُلَّابُهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ وَ الْمَطَارِحِ- فِی بَرِّکَ وَ بَحْرِکَ وَ سَهْلِکَ وَ جَبَلِکَ- وَ حَیْثُ لَا یَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا- وَ لَا یَجْتَرِءُونَ عَلَیْهَا- فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لَا تُخَافُ بَائِقَتُهُ- وَ صُلْحٌ لَا تُخْشَى غَائِلَتُهُ- وَ تَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِکَ وَ فِی حَوَاشِی بِلَادِکَ- وَ اعْلَمْ مَعَ ذَلِکَ أَنَّ فِی کَثِیرٍ مِنْهُمْ ضِیقاً فَاحِشاً- وَ شُحّاً قَبِیحاً- وَ احْتِکَاراً لِلْمَنَافِعِ وَ تَحَکُّماً فِی الْبِیَاعَاتِ- وَ ذَلِکَ بَابُ مَضَرَّهٍ لِلْعَامَّهِ- وَ عَیْبٌ عَلَى الْوُلَاهِ فَامْنَعْ مِنَ الِاحْتِکَارِ- فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص مَنَعَ مِنْهُ- وَ لْیَکُنِ الْبَیْعُ بَیْعاً سَمْحاً بِمَوَازِینِ عَدْلٍ- وَ أَسْعَارٍ لَا تُجْحِفُ بِالْفَرِیقَیْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَ الْمُبْتَاعِ- فَمَنْ قَارَفَ حُکْرَهً بَعْدَ نَهْیِکَ إِیَّاهُ فَنَکِّلْ بِهِ- وَ عَاقِبْهُ فِی غَیْرِ إِسْرَافٍ: ثُمَّ اللَّهَ اللَّهَ فِی الطَّبَقَهِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِینَ لَا حِیلَهَ لَهُمْ- مِنَ الْمَسَاکِینِ وَ الْمُحْتَاجِینَ وَ أَهْلِ الْبُؤْسَى وَ الزَّمْنَى- فَإِنَّ فِی هَذِهِ الطَّبَقَهِ قَانِعاً وَ مُعْتَرّاً- وَ احْفَظِ لِلَّهِ مَا اسْتَحْفَظَکَ مِنْ حَقِّهِ فِیهِمْ- وَ اجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَیْتِ مَالِکِ- وَ قِسْماً مِنْ غَلَّاتِ صَوَافِی الْإِسْلَامِ فِی کُلِّ بَلَدٍ- فَإِنَّ لِلْأَقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِی لِلْأَدْنَى- وَ کُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِیتَ حَقَّهُ- وَ لَا یَشْغَلَنَّکَ عَنْهُمْ بَطَرٌ- فَإِنَّکَ لَا تُعْذَرُ بِتَضْیِیعِکَ‏ التَّافِهَ لِإِحْکَامِکَ الْکَثِیرَ الْمُهِمَّ- فَلَا تُشْخِصْ هَمَّکَ عَنْهُمْ وَ لَا تُصَعِّرْ خَدَّکَ لَهُمْ- وَ تَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لَا یَصِلُ إِلَیْکَ مِنْهُمْ- مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُیُونُ وَ تَحْقِرُهُ الرِّجَالُ- فَفَرِّغْ لِأُولَئِکَ ثِقَتَکَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْیَهِ وَ التَّوَاضُعِ- فَلْیَرْفَعْ إِلَیْکَ أُمُورَهُمْ- ثُمَّ اعْمَلْ فِیهِمْ بِالْإِعْذَارِ إِلَى اللَّهِ یَوْمَ تَلْقَاهُ- فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ بَیْنِ الرَّعِیَّهِ أَحْوَجُ إِلَى الْإِنْصَافِ مِنْ غَیْرِهِمْ- وَ کُلٌّ فَأَعْذِرْ إِلَى اللَّهِ فِی تَأْدِیَهِ حَقِّهِ إِلَیْهِ- وَ تَعَهَّدْ أَهْلَ الْیُتْمِ وَ ذَوِی الرِّقَّهِ فِی السِّنِّ- مِمَّنْ لَا حِیلَهَ لَهُ وَ لَا یَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَهِ نَفْسَهُ- وَ ذَلِکَ عَلَى الْوُلَاهِ ثَقِیلٌ- وَ الْحَقُّ کُلُّهُ ثَقِیلٌ وَ قَدْ یُخَفِّفُهُ اللَّهُ عَلَى أَقْوَامٍ- طَلَبُوا الْعَاقِبَهَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ- وَ وَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللَّهِ لَهُمْ

اللغه

أقول: المعاقد: جمع مقعد مصدرا. و المرافق: المنافع. و تفاقم الأمر: عظمه. و الخلوف: المتخلّفون جمع- خلف بالفتح- . و الحیطه: الشفقّه. و یضلعک: یثقلک. و المحک: اللجاج. و الحصر: العىّ و العجز. و التبرّم: التضجّر. و الازدهاء: افتعال من الزهو و هو الکبر. و الإطراء: کثره المدح. و الاغتیال: الأخذ على غرّه. و المحاباه: المعاطاه و المقاربه فیها. و الأثره: الاستبداد. و الجماع: الجمع. و التوخّى: التقصّد. و الحدوه: الحثّ. و الشرب: النصیب من الماء. و البالّه: القلیل من الماء یبلّ به الأرض. و أحالت الأرض: تغیّرت عمّا کانت علیه من الاستواء فلم ینحبّ زرعها و لا أثمر نخلها. و الإجمام: الإراحه. و معتمد: قاصد. و الإعواز: الفقر. و استنام إلى کذا: سکن إلیه. و المترفّق: طالب الرفق من التجاره. و المطارح: جمع مطرح و هى الأرض البعیده. و البائقه الداهیه. و الغائله: الشرّ. و الاحتکار: حبس المنافع عن الناس عند الحاجه إلیها. و البؤسى: الشدّه. و القانع: السائل. و المعترّ: الّذی یتعرّض للعطاء من غیر سؤال. و الصوافی:- جمع صافیه- و هی أرض الغنیمه. و التافه: الحقیر. و أشخص همّه: رفعه. و تصعیر الحذّ: إمالته کبرا. و تقتحمه: تزد ریه. و أعذر فی الأمر: صار ذا عذر فیه.

و اعلم أنّ فی الفصل أبحاثا:

الأوّل: أنّه قسّم أهل المدینه إلى سبع طبقات
و حکم بأنّه لا یصلح بعضها إلّا بالبعض على ما بیّنه. و قوله: من أهل الذمّه و مسلمه الناس. تفصیل للأهل الأوّل. فأهل الذمّه تفسیر لأهل الجزیه، و مسلمه الناس تفسیر لأهل الخراج، و یجوز أن یکون تفسیرا لأهل الجزیه و الخراج لأنّ للإمام أن یقبل أرض الخراج من سائر المسلمین و أهل الذمّه، و أراد بالسهم الّذی سمّاه اللّه لکلّ منهم الاستحقاق لکلّ من ذوى الاستحقاق فی کتابه إجمالا من الصدقات کالفقراء و المساکین و عمّال الخراج و الصدقه و فصله فی سنّه نبیّه صلّى اللّه علیه و آله. و حدّه الّذی وضع اللّه علیه عهدا منه عند أهل بیت نبیّه هو مرتبته و منزلته من أهل المدینه الّذین لا یقوم إلّا بهم فإنّ للجندىّ منزله و حدّا محدودا لا یجوز له تعدّیه، و فریضته وقوفه عنده و العمل بما یلزم تلک المرتبه، و کذلک الکتّاب و العمّال و القضاه و غیرهم فإنّ لکلّ منهم حدّا یقف عنده، و فریضه یلزمها علیها عهد من اللّه محفوظ عند نبیّه و أهل بیته علیهم السّلام اشتملت علیها الشریعه.

البحث الثانی: أنّه نبّه بقوله: فالجنود بإذن اللّه. إلى قوله: معونتهم.
على أنّ لکلّ من الأصناف المذکوره تعلّق بالآخر بحیث لا یقوم إلّا به، و الحاجه إلیه ضروریّه. و بمجموعهم یقوم صوره المدینه. فبدء بالجنود لأنّهم الأصل و ذکر وجه الحاجه إلیهم فی أربعه أوصاف:

أحدها: کونهم حصون الرعیّه، و استعار لهم لفظ الحصون باعتبار حفظهم للرعیّه و حیاطتهم لهم کالحصن. الثانی: أنّهم زین الولاه فإنّ الوالی بلا جند کأحد الرعیّه لا یبالی به و لا یطاع له أمر. و المفسده فیه ظاهره.

الثالث: کونهم عزّ الدین، و أطلق لفظ العزّ علیهم إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه إذ کان العزّ للدین لازما لوجودهم. الرابع: استعار لفظ الأمن لهم باعتبار لزوم الأمن لوجود الجند فی الطرق و نحوها. و الکلام فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فلیس یقوم الرعیّه إلّا به.
و قوله: و لیس یقوم الرعیّه إلّا بهم. نتیجه القیاس المذکور. و قال: بإذن اللّه. لینبّه على أنّه أراد جنود الحقّ الّذین هم مقتضى الحکمه لا مطلق الجنود. الثانی: أهل الخراج و من یؤخذ منهم، و أشار إلى وجه استلزام الحاجه إلى الجند للحاجه إلیهم بقوله: ثمّ لا قوام للجنود. إلى قوله: حاجتهم. فقوله: لا قوام. إلى قوله: الخراج. دعوى.

و قوله: الذین یقوون. إلى قوله: حاجتهم. فی قوّه صغرى ضمیر نبّه به علیها، و تقدیر کبراه: و کلّ ما کان کذلک فلا قوام للجند إلّا به. فینتج لا قوام للجند إلّا بما یخرج اللّه لهم من الخراج، و لما کان الخراج إنّما یحصل من جماعه من الرعیّه و لا یقوم الجند إلّا بهم. الثالث: القضاه و العمّال و الکتّاب. و جمعهم. لأنّ وجه الحاجه إلیهم واحدا، و أشار إلیه بقوله: لما یحکمون به. إلى قوله: و عوامّها. فإنّهم امناء الوالی و الرعیّه على ما یعمّهم من الامور أو یخصّ کلّا منهم، و على أیدیهم تکون أحکام العقود و جمع المنافع و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فحاجه الجند و الرعیّه إلیه ضروریّه. الرابع: التجّار و ذوى الصناعات و ادّعى أنّه لا قوام للأصناف السابقه إلّا بهم و نبّه على ذلک بقوله: فیما یجتمعون علیه من مرافقهم فإنّ کلّ ما یفعله التجّار من جلب الأمتعه و بیعها و شرائها و یقیمونه من الأسواق بذلک و ما یفعله الصنّاع من المنفعه بأیدیهم ممّا لا یحصل من غیرهم الانتفاع به فهی مرافق و منافع للرعیّه فی مقام‏ حاجتهم و ضرورتهم و هو فی قوّه صغرى ضمیر کبراه ما سبق. الخامس: الطبقه السفلى من أهل الحاجه و المسکنه، و نبّه على وجه الحاجه إلیهم بقوله: الّذین یحقّ رفدهم و معونتهم. و بیان ذلک أنّ رفد هؤلاء و معونتهم یستلزم اجتماع هممهم و توافر دواعیهم لرافدهم و معینهم و بهم تستنزل الرحمه و تستدرّ البرکه من اللّه تعالى لأهل المدینه و یدرک الثواب الاخرویّ. فکانت الحاجه إلیهم داعیه لذلک. و لمّا أشار إلى وجه الحاجه إلى جمیعهم قال: و فی اللّه لکلّ سعه: أی فی وجود اللّه و عنایته. لیعتمد على اللّه فی تدبیر أمورهم. إذ هو تعالى ربّ العنایه الأولى و قال: و لکلّ على الوالی حقّ بقدر ما یصلحه. لیعلم أنّ مراعاه کلّ منهم واجبه علیه فیشتمل علیها. و باللّه. التوفیق.

البحث الثالث: فی أمره باستصلاح کلّ صنف بأوصاف یجب أن یکون علیها، و نصبه فی مقامه:

فالصنف الأوّل: الجند
و أشار إلى تعیین من یصلح لهذه المرتبه بأوصاف، و أمره و نهاه فیهم بأوامر و نواهی أمّا الأوصاف: فأحدها: من کان أنصح فی نفسه للّه و لرسوله و لإمامه جیبا أی أکثرهم أمانه فی العمل بأوامر اللّه و رسوله و إمامه. و ناصح الجیب کنایه عن الأمین. الثانی: أفضلهم حلما. ثمّ وصف ذلک الأفضل فقال: ممّن یبطى‏ء عن الغضب و یستریح إلى العذر فیقبله إذا وجده، و یرأف بالضعفاء فلا یغلظ علیهم، و ینبو على الأقویاء: أی یعلو علیهم و یتجنّب امیل إلیهم على من دونهم، ممّن لا یثیره العنف: أی لا یکون له عنف فیثیره کقوله: و لا أری الضبّ بها فینحجر. و قیل: لا یهیّجه العنف و لا یزعجه إذا فعل، و لا یقعد به الضعف عن إقامه حدود اللّه و أخذ الحقوق من الظالمین أی لا یکون له ضعف فیقعده عن ذلک. الثالث: من کان من أهل الأحساب و البیوتات الصالحه و السوابق الحسنه من الأحوال و الأفعال و الأقوال الخیریّه. الرابع: من یکون من أهل النجده و الشجاعه.

الخامس: من یکون من أهل السخاء و السماحه. و أمّا الأوامر: فأحدها: أن یولّى من الجند من کان بهذه الصفات. الثانی: أن یلصق بمن ذکر منهم: أی یلزمهم فی هذه المرتبه. و رغّب فیهم بقوله: فإنّهم. إلى قوله: من العرف و وصفهم بکونهم جماع من الکرم و شعب من العرف إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه. إذ کان الجماع من الکرم و هو الفضائل المذکوره لازمه لهم. و الأمانه و السخاء و السماحه فضائل تحت العفّه. و الحلم و النجده فضیلتان تحت الشجاعه. و یحتمل أن یکون الضمیر فی قوله: فإنّهم.
عائدا إلى الفضائل المذکوره کقوله تعالى فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِی یشیر إلى الأصنام. الثالث: أن یتفقّد من أمورهم و مصالحهم ما یتفقّده الولدان، و هو کنایه عن نهایه الشفقّه علیهم. الرابع: نهاه أن یعظم فی نفسه شی‏ء یقوّیهم به من مال أو نفع فیدعوه إلى التقاصر فی حقّهم. الخامس: و أن لا یحتقر لطفا یتعاهدهم به فیحمله احتقاره على ترکه. و احتجّ لأولویّه فعله و إن قلّ بقوله: فإنّه داعیه. إلى قوله: الظنّ بک. و تقدیر کبرى هذا الضمیر: و کلّما کان کذلک فالأولى بک فعله. السادس: نهاه أن یدع تفقّد الصغیر من امورهم اعتمادا على تفقّد عظیمها و احتجّ لأولویّه فعله بقوله: فإنّ الیسیر. إلى قوله: موقعا لا یستغنون عنه. و المعنى ظاهر. فإنّ موضع الیسیر المنتفع به لا یستغنى فیه عن الجسیم. و تقدیر کبرى هذا الضمیر: و کلّما کان له موضعا ینتفع به فالأولى فعله فی موضعه لینتفع به. السابع: أمره أن یکون آثر رءوس جنده عنده من کان بالصفات المذکوره و هو الّذی یواسی من تحت یده من الجند فیما یحصل له من المعونه، و یفضل علیهم ممّا فی یده بما یسعهم و یسع من ورائهم من ضعفاء أهلیهم و خلوفهم حتّى یکون بذلک همّهم واحدا فیکونوا بمنزله رجل واحد فی جهاد العدوّ. ثمّ رغّب فی العطف علیهم‏

بما یستلزمه من عطف قلوبهم علیه و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّما کان مستلزما لعطف قلوبهم ففعله واجب و مصلحه. و أیضا لمّا کانت صحّه محبّتهم من أهمّ المطالب بیّن أنّها لا یتمّ إلّا بأمور ثلاثه: أحدها: حیطهم و محافظتهم ولاه أمورهم. الثانی: قلّه استثقال دولهم. الثالث: أن یترکوا استبطاء انقطاع مدّه دولهم، و ذلک فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و ما لا یتمّ أهمّ المطالب إلّا به کان من أهمّ المطالب. الثامن: أمره أن یفسح لهم: أى یجعل لهم من نفسه طمعا یفتسح به آمالهم فیه لأنّ ذلک ممّا لا یتمّ الأمور الثلاثه المذکوره إلّا به ولد لک رتّب هذا الأمر علیها بالفاء. التاسع: أمره أن یواصل من حسن الثناء علیهم و تعدید ما أبلى ذوو البلاء منهم و احتجّ لوجوب ذلک بقوله: فإنّ کثره الذکر. إلى قوله: إنشاء اللّه. و هو ظاهر و القضیّه فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّما کان کذلک کان واجبا. العاشر: أمره أن یعرف لکلّ امرء ما أبلى و ینسبه إلیه لأنّه یهزّ الشجاع و یشجّع الجبان. الحادی عشر: نهاه أن یضمّ بلاء امرء إلى غیره. الثانی عشر: و أن یقصر به دون غایه بلائه فیذکر بعضه أو یحقّره. الثالث عشر: و أن یدعوه شرف امرء إلى أن یعظم صغیر بلائه، أو ضعه امرء أن یستصغر کثیر بلائه فإنّ کلّ ذلک داعیه الکسل و الفتور عن الجهاد. الرابع عشر: أمره أن یردّ إلى اللّه و رسوله ما یضلعه من الخطوب و یشتبه علیه من الامور محتجّا بالآیه. ثمّ فسّر الردّ إلى اللّه بالأخذ بمحکم کتابه، و الردّ إلى الرسول بالأخذ بسنّته. و وصف السنه بکونها جامعه لأنّ مدارها على وجوب الألفه و اجتماع الخلق على طاعه اللّه و سلوک سلوکه.

الصنف الثانی: قضاه العدل
و عیّنهم له بأوصاف و أمره فیهم بأوامر:

أمّا التعین فأوجب أن یکون أفضل رعیّته فی نفسه، و میّز ذلک الأفضل بصفات: أحدها: أن یکون ممّن لا یضیق به الامور فیحار فیها حین تورد علیه. الثانی: و ممّن لا یمحکه الخصوم: أی یغلبه على الحقّ باللجاج. و قیل: ذلک کنایه عن کونه ممّن یرتضیه الخصوم فلا تلاجّه و یقبل بأوّل قوله. الثالث: أن لا یتمادى فی زلّته إذا زلّ فإنّ الرجوع إلى الحقّ خیر من التمادی فی الضلال. الرابع: أن لا یحصر من الرجوع إلى الحقّ إذا عرفه کما یفعله قضاه السوء حفظا للجاه و خوفا من شناعه الغلط. الخامس: أن لا یشرف نفسه على طمع فإنّ الطمع فی الناس داعیه الحاجه إلیهم و المیل عن الحقّ. السادس: أن لا یکتفى بأدنى فهم دون أقصاه لأنّ ذلک مظنّه الغلط. السابع: أن یکون أوقف الناس عند الشبهات لأنّها مظنّه الوقوع فی المئاثم. الثامن: و آخذهم بالحجج. التاسع: و أقلّهم تبرّما بمراجعه الخصم لما یستلزمه التبرّم من تضییع الحقوق. العاشر: و کذلک و أصبرهم على تکشّف الأمور. الحادی عشر: و أصرمهم عند اتّضاح الحقّ فإنّ فی التأخیر آفات. الثانی عشر: و ممّن لا یحدث له کثره المدح کبرا. الثالث عشر: و ممّن لا یستمیله إلى غیر الحقّ إغراء به ثمّ حکم بقلّه من یجتمع فیه هذه الصفات تنبیها على أنّ فیها ما هو أولى دون أن یکون شرطا فی القضاء. و أمّا الأوامر: فأحدها: أن یختار من کان بالصفات المذکوره. الثانی: أن یکثر تعاهد قضائه لیقطع طمعه فی الانحراف عن الحقّ لو خطر بباله. الثالث: أن یفسح له فی البذل ما یزیل علّته، و هو کنایه عمّا یکفیه و یقلّ معه‏ حاجته إلى الناس فلا یمیل إلیهم، و- ما- یحتمل أن یکون بدلا من البذل، و أن یکون مفعولا لفعل محذوف دلّ علیه البذل کأنّه قال: فیبذل له ما یزیل علّته، و أن یکون مفعولا لیفسح: أی یوسّع له ما یکفیه من المال، و یحتمل أن یکون فی معنى مصدر یفسح: أی یفسح له فسحا یزیل علّته. الرابع: أن یعطیه من المنزله عنده ما لا یطمع فیه معها غیره من خاصّته لیأمن بذلک اغتیال الأعداء. و تقدیر کبرى هذا الضمیر: و کلّ ما کان کذلک فواجب بذله للقاضی. الخامس: أن ینظر فی اختیار من کان بهذه الصفات و فیما أمره به نظرا بالغا لیعمل بأقصاه. و علّل ذلک بقوله: فإنّ هذا الدین. إلى قوله: الدنیا. و استعار لفظ الأسیر باعتبار تصریفهم له کالأسیر. و الکلام صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّما کان کذلک فیجب النظر فی اختیار من یعمل بالحقّ و یخرجه من اسر الأشرار. و باللّه التوفیق.

الصنف الثالث: العمّال
و میّزهم أیضا بأوصاف و أمره فیهم بأوامره مصلحیّه.
أمّا الأوصاف: فأحدها: أن یکون العامل من أهل التجربه للأعمال و الولایات على علم بقواعدها. و بدء بذلک لأنّه الأصل الأکبر للعمل. الثانی: أن یکون من أهل الحیاء فلا ینتهی فی الانفعال إلى حدّ الاستخدام و هو طرف التفریط فیضیّع به الحقوق و المصالح و لا یتجاوزه إلى حدّ القحه فیقع فی طرف الإفراط و ما یلزمه من الجفاوه و نفره القلوب عنه. الثالث: أن یکون من أهل البیوتات الصالحه و القدم السابقه فی الإسلام، و هی کنایه عن البیوت المتقدّمه فی الدین و الخیر، و لهم فی ذلک أصل معرق. و أشار إلى وجه الحکمه فی تولیه من کان بهذه الصفات الثلاث بقوله: فإنّهم. إلى قوله: نظرا. و ذلک أنّ الحیاء و صلاح البیوت و التقدّم فی الإسلام یفیدهم کرم الأخلاق و محافظه على الأعراض من المطاعن و قلّه الإشراف و التطّلع إلى المطامع الدنیّه، و التجربه یفیدهم بلاغه النظر فی عواقب الأمور. و الکلام فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فهو أولى أن یقصد بالتولیه و العمل. و أمّا الأوامر: فأوّلها: أن ینظر فی امورهم فیستعملهم بعد التجربه و الاختبار و لا یولّیهم محاباه و أثره کأن یعطونه شیئا على الولایه فیولّیهم و یستأثر بذلک دون مشاوره فیه فإنّهما: أى المحاباه و الأثره- کما هو مصرّح به فی بعض النسخ عوض الضمیر- جماع من شعب الجور و الخیانه أمّا الجور فللخروج بهما عن واجب العدل المأمور به شرعا و أمّا الخیانه فلأنّ التحرّى فی اختیارهم من الدین و هو أمانه فی ید الناصب لهم فکان نصبهم من دون ذلک بمجرّد المحاباه و الأثره خروجا عن الأمانه و نوعا من الخیابه. و ثانیها: أن یقصد بالعمل من کان بالصفات المذکوره للعلل المذکوره. الثالث: أن یسبغ علیهم الأرزاق. و بیّن المصلحه فی ذلک من ثلاثه أوجه: أحدها: أنّ عمومهم بالأرزاق یکون قوّه لهم على استصلاح أنفسهم الّذی لا بدّ منه. الثانی: أنّه غنى لهم عن تناول ما تحت أیدیهم من مال المسلمین. الثالث: أنّه یکون حجّه له علیهم إن خالفوا أمره أو ثلموا أمانته. و استعار لفظ الثلم للخیانه. و الوجوه الثلاثه صغریات ضمایر تقدیر کبریاتها: و کلّما کان کذلک کان فعله مصلحه واجبه. الرابع: أن یتفقّد أعمالهم و یبعث العیون و الجواسیس من أهل الصدق و الوفاء علیهم، و أشار إلى وجه المصلحه فی ذلک بقوله: فإنّ تعاهدک. إلى قوله: بالرعیّه. فإنّ تعهّده لامورهم مع علمهم بذلک منه یبعثهم على أداء الأمانه فیما ولّوا من الأعمال، و على الرفق بالرعیّه. و المذکور صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّما کان کذلک فیجب فعله. الخامس: أن یتحفّظ من خیانه الأعوان من العمّال. و أرشده بقوله: فإن أحد منهم بسط. إلى قوله: التهمه. إلى ما ینبغی من تأدیبهم و إقامه سنّه اللّه فیهم. و استعار لفظ التقلید لتعلیق نسبه التهمه إلیه ملاحظه لشبهها بما یقلّد به من الشعار المحسوس‏ و اللفظ فی غایه الفصاحه، و هذه العقوبه مقدّره بحسب العرف و رأى الإمام أو من ارتضاه.

الصنف الرابع: أهل الخراج
و أمره فیهم بأوامر: أحدها: أن یتفقّد أمر خراجهم و یفعل فیه ما یصلح أهله مما سیشرحه. ثمّ أشار إلى وجه المصلحه فیه بضمیر صغراه: قوله: فإنّ صلاحه. إلى قوله: إلّا بهم. و نبّه بقوله: لا صلاح لمن سواهم إلّا بهم على حصر صلاح الغیر فیهم تأکیدا، و تقدیر الکبرى: و کلّ من کان لاصلاح للناس إلّا به فیجب مراعاه اموره و تفقّد أحواله.
ثمّ بیّن الصغرى بقوله: لأنّ الناس کلّهم عیال على الخراج و أهله. و هو ظاهر فی ذلک الوقت. الثانی: أن یکون نظره فی عماره الأرض أبلغ من نظره فی طلب الخراج و استجلابه، و نبّه على وجه الحکمه فیه بقوله: لأنّ ذلک: أی الخراج لا یدرک إلّا بالعماره. و هو فی قوّه صغرى ضمیر. ثمّ بیّنها بقوله: و من طلب إلى قوله: قلیلا. و هو إشاره إلى ما یلزم نقیض المدّعى و هی مفاسد ثلاث أحدها: إخراب البلاد لعدم العماره، و الثانی: إهلاک العباد لتکلیفهم ما لیس فی وسعهم، و الثالث: عدم استقامه أمر الطالب للخراج و الوالی على أهله. و هو لازم عن الأوّلین. و تقدیر الکبرى: و کلّ ما لا یدرک إلّا بالعماره وجب أن یکون النظر فیها أبلغ من النظر فیه فینتج أنّ النظر فی العماره یجب أن یکون أبلغ من النظر فی الخراج. الثالث: أمره أن یخفّف عنهم من خراجهم ما یرجو أن یصلح به أمرهم على تقدیر أن یشکوا من حالهم ما عساه یلحقهم من قبل أرضهم من ثقل خراج أو علّه سماویّه أو انقطاع نصیب کان لهم من الماء أو تغیّر أرض و فسادها بسبب غرق أو عطش، ثمّ نهاه یستثقل بما یخفّف عنهم به المئونه. و أشار إلى وجه الحکمه فیه بقوله: فإنّه ذخر.
إلى قوله: العدل فیهم. و معناه ظاهر.- و معتمدا- نصب على الحال و العامل خفّفت، و- فضل- نصب بالمفعول عن معتمدا، و قوله: و الثقه. عطف على المفعول المذکور، و نبّه على وجه المصلحه فی اعتماد فضل قوّتهم بإراحتهم و الثقه بینهم بما عوّدهم من عدله‏ بقوله: فربّما حدث. إلى قوله: أنفسهم به. و تقدیر الکلام خفّف عنهم معتمدا فضل قوّتهم فإنّ ذلک یستلزم احتمالهم لما عساه یحدث من الأمور فیحتملونه إذا عوّلت علیهم فیه بطیب نفس، و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فواجب أن یخفّف عنهم و یعتمد فضل قوّتهم، و فی قوله: فإنّ العمران محتمل ما حمّلته. بیان الصغرى لأنّ التخفیف عنهم یستلزم عمران أرضهم و هو یستلزم احتمالهم لما یرد علیهم من حوادث الامور. ثم نبّه بقوله: و إنّما یؤتى خراب الأرض. إلى قوله: أهلها. على سبب الخراب. و بقوله: و إنّما یعوز. إلى قوله: العبر. على ذلک السبب و هو مرکّب من ثلاثه أجراء: أحدها: إشراف نفوس الولاه على الجمع، و الثانی: سوء ظنّ أحدهم أنّه لا یبقى فی العمل، و الثالث: عدم انتفاعهم بالعبر لقلّه التفاتهم إلیها. و ظاهر أنّ هذه الأمور إذا اجتمعت فی الوالی استلزمت جمعه للمال و استقصائه على الرعیّه و استلزم ذلک إعوازهم و فقرهم فاستلزم ذلک خراب أرضهم و تعطیل عمارتها.

الصنف الخامس: الکتّاب
و أمره فیهم بأوامر: أحدها: أن یولّى أموره خیرهم، و تفسیر الخیر هنا هو من کان تقیّا قیّما بما یراد منه من مصالح العمل. الثانی: أن یخصّ رسائله و أسراره و مکائده بأجمعهم لصالح الأخلاق، و قد علمت أصولها غیر مرّه و هی العلم بوجوه الآراء المصلحیّه و التهدّی إلى وضع کلّ شی‏ء موضعه ثمّ العفّه و الشجاعه و العداله مع ما تحت الأربعه من الفضائل الخلقیّه ثمّ فسّر بعض الفضائل الّتی عساها أن یخفى، و ذکر منها خمسا: إحداها: عدم البطر، و هی فضیله تلزم الشکر و هو فضیله تحت العفّه. و نفّر عن صاحب البطر بقوله: فیجتزئ. إلى قوله: ملأ. و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من یجترء علیک کذلک فغیر صالح لولایه أمرک. الثانیه: الفطنه و الذکاء فیما هو بصدده من الأمور المذکوره، و کنّى عن ذلک بقوله: ممّن لا تقصر به الغفله. إلى قوله: منک. و الذکاء: فضیله تحت الحکمه. ۱۶۸ الثالثه: أن لا یکون ممّن یضعّف عقدا یعتقده لک من الامور بل یجعله محکما. الرابعه: أن لا یعجز عن إطلاق ما اعتقده علیک خصومک من الامور بالحیله و الخدیعه، و هذان لازمان لأصاله الرأی و هو فضیله تحت الحکمه. الخامسه: أن لا یجهل مبلغ قدر نفسه فی الامور فیرفعها إلى فوق محلّها و مرتبتها و هی فضیله تحت الحکمه الخلقیّه أیضا، و نبّه على اجتناب الجاهل بذلک بقوله: فإنّ الجاهل. إلى قوله: أجهل، و هی صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فیجب اجتنابه. الثالث: نهاه أن یکون اختیاره للعمّال تفرّسا منه و سکونا و حسن ظنّ بأحدهم، و أشار إلى وجه المفسده فی ذلک بقوله: فإنّ الرجال. إلى قوله: شی‏ء. و المعنى أنّ الرجال قد یتصنّعون بحسن الخدمه و یتعرّضون لأنّ یتفرّس فیهم الولاه فیعرفونهم بذلک مع أنّه لیس وراء ذلک التصنّع من النصیحه و الأمانه شی‏ء و هو صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فینبغی أن لا یعتمد على اختیاره بحسب الفراسه. الرابع: لمّا نهى أن یوقع اختیارهم کذلک أمره أن یختبرهم بولایتهم لمن کان قبله من الصالحین إرشادا إلى وجه الاختیار و یعضد إلى من کان بالصفات المذکوره و هو أن یکون أحسن أثرا فی العامّه و أعرفهم بوجه الأمانه فی الدین. و رغّبه فی ذلک بضمیر صغراه قوله: فإنّ ذلک. إلى قوله: أمره. و تقدیر کبراه: و کلّما کان کذلک وجب فعله. الخامس: أمره أن یجعل لرأس کلّ أمر من اموره رأسا من الکتّاب الموصوفین بکونهم مناسبا له بحیث لا یکبر علیه کبیره فیقهره و لا یکثر علیه کثیره فیتشتّت عن ضبطه و یقصر دونه. السادس: نهاه أن یتغافل عمّا یکون فی کتابه من عیب و نبّهه على ذلک بقوله: و مهما. إلى قوله: ألزمته. و هو صغرى ضمیر تقدیره: فإنّ کلّ ما یتغافل عنه من‏ ذلک تلزم به، و تقدیر کبراه: و کلّ ما تلزم به فلا یجوز أن یتغافل عنه.

الصنف السادس: التجّار و ذوو الصناعات
و أمره فیهم بأوامر: أوّلها: أن یستوصى بهم خیرا. الثانی: أن یوصى بهم کذلک بأصنافهم المقیم منهم و المضطرب فی تجارته بماله و المترفّق ببدنه و هم أهل الصنائع، و أشار إلى وجه الحکمه فی الوصیّه بهم و العنایه بحالهم من وجهین: أحدهما: منفعتهم، و ذلک قوله: فإنّهم. إلى قوله: علیها. و الضمیر فی قوله: مواضعها و علیها. یعود إلى المنافع و حیث: أی و من حیث کان لا یجتمع الناس لمواضع تلک المنافع منه و لا یجترءون علیها فیه و ذلک الحیث کالبحار و الجبال و نحوها. الثانی: أنّه لا مضرّه فیهم و ذلک قوله: فإنّهم. إلى قوله: غائلته. و تقدیر کبرى الضمیرین: و کلّ من کان کذلک فیجب الاستیصاء به و الوصیّه بالخیر فی حقّه. الثالث: أن یتفقّد امورهم بحضرته و فی حواشی بلاده ما عساه یعرض لهم من المظالم و الموانع لیزیلها عنهم. الرابع: أن یعلم ما فیهم من المعائب المعدوده و هی الضیق الفاحش، و الشحّ. و الضیق هنا البخل، ثمّ الاحتکار للمنافع الّتی یعمّ نفعها و هى الحنطه و الشعیر و التمر و الزبیب و السمن و الملح، ثمّ التحکّم فی البیاعات و هو عباره عن البیع على حکمه بالهوى المطلق من غیر تقیّد بشریعه أو عرف فإنّ ذلک عدول عن العدل إلى رذیله الجور. ثمّ نبّه على وجه المفسده اللازمه لتلک المعایب بقوله: و ذلک. إلى قوله: الولاه: أمّا أنّه مضرّه فظاهر، و أمّا أنّه عیب على الولاه فلأنّ قانون العدل بأیدیهم فإذا أهملوا بترک ردّ هؤلاء عن طرق الجور توجّهت اللائمه نحوهم و العیب علیهم و هو صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّما کان کذلک فیجب إنکاره و دفعه. الخامس: لمّا بین له وجه المفسده فی تلک المعایب أمره بمنع الاحتکار و احتجّ بمنع الرسول صلّى اللّه علیه و آله. السادس: أمره بکون البیع سهلا سمحا و أن یکون بموازین عدل و أسعار لا تجحف بالبایع فیذهب أصل مبیعه، و لا بالمشترى فیذهب رأس ماله. السابع: أمره بایقاع النکال على من احتکر بعد نهیه عن ذلک، و أن یعاقبه من غیر إسراف.

الصنف السابع: الطبقه السفلى
و میّزهم بأوصاف و أمر فیهم بأوامر و نواهی: أمّا تمیّزهم فالعاجزون عن الحیله و الاکتساب و المساکین و المحتاجون و أهل البؤسى و الزمنى، و هؤلاء کلّهم و إن دخل بعضهم فی بعض إلّا أنّه عدّدهم بحسب تعدّد صفاتهم لمزید العنایه بهم کیلا یتغافل عن أحدهم و تثاقل فیه. و أمّا الأوامر: فأحدها: أنّه حذّر من اللّه فیهم، و أشار إلى وجه الحکمه فی ذلک التحذیر بقوله: فإنّ فیهم قانعا و معترّا، و هو صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فیجب أن یحذّر اللّه فیه و یحفظ له ما استحفظ من حقّه فیه. الثانی: أن یجعل لهم قسما من بیت ماله و من صوافی الإسلام فی کلّ بلد. و أضاف بیت المال إلیه و أراد الّذی یلیه. و نبّهه على ذلک بقوله: فإنّ للأقصى.

إلى قوله: حقّه. و تقدیر کبرى هذا الضمیر: و کلّ من کان کذلک وجب أن یحسن الرعایه فی حقّه بأدائه إلیه. الثالث: نهاه أن یشغله عنهم بطر. و نفّر عن الاشتغال عنهم بقوله: فإنّک لا تعذر. إلى قوله: المهمّ. و أراد بالتافه القلیل من امورهم و أحوالهم و هو صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من لا یعذر بذلک فلا یجوز له الشغل عنه. الرابع: نهاه أن یشخص همّه عنهم: أی یرفعه حتّى لا یتناولهم. الخامس: نهاه أن یصعّر خدّه لهم، و هو کنایه عن التکبّر علیهم. السادس: أمره أن یتفقّد امور من لا یمکنه الوصول إلیه منهم لعجزه و حقارته فی عیون الأعوان و الجند، و أن یفرّغ لهؤلاء ثقه له من أهل الخشیه و التواضع و ینصبه لهم لیرفع إلیه أمورهم. السابع أن یعمل فیهم بالأعذار إلى اللّه سبحانه یوم یلقاه: أی یعمل فی حقّهم ما أمره اللّه به بحیث یعذر إلیه: أی یکون ذا عذر عنده إذا سأله عن فعله بهم، و

نبّه على وجه الحکمه فی مزید العنایه بهم بقوله: فإنّ هؤلاء. إلى قوله: غیرهم. الثامن: أکّد الأمر بالإعذار إلى اللّه فی تأدیه حقّ کلّ واحد من المذکوین إلیه. التاسع: أمره أن یتعهّد الأیتام و ذوى الرقّه فی السنّ: أی الّذین بلغوا فی الشیخوخه إلى أن رقّ جلدهم و ضعف حالهم عن النهوض فلا حیله لهم، و ممّن لا ینصب نفسه للمسأله حیاء مع حاجته و فقره. ثمّ أشار إلى ثقل التکلیف بمجموع الأوامر السابقه بقوله: و ذلک على الولاه ثقیل، و بقوله: و الحقّ کلّه ثقیل توطینا لنفسه على ذلک. ثمّ رغّب فیه بقوله: و قد یخفّف اللّه. إلى قوله: لهم. فنسب تخفیفه إلى اللّه لیرغب إلیه، فیه و شجّعه على فعله و استسهاله بذکر صفات الصالحین و هم الّذین طلبوا العافیه من بلاء اللّه فی الآخره فاستسهلوا ما صعب من التکالیف الدنیویّه بالقیاس إلیه و وثقوا بصدق موعود اللّه لهم فی دار القرار. و باللّه التوفیق.

الفصل الرابع: فی أوامر و نواهی مصلحیّه و آداب خلقیّه و سیاسیّه بعضها عامّه و بعضها خاصّه

یتعلّق بعمّاله و بخاصّته و ببطانته و بنفسه و أحوال عبادته إلى غیر ذلک، و هو قوله: وَ اجْعَلْ لِذَوِی الْحَاجَاتِ مِنْکَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِیهِ شَخْصَکَ- وَ تَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً- فَتَتَوَاضَعُ فِیهِ لِلَّهِ الَّذِی خَلَقَکَ- وَ تُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَکَ وَ أَعْوَانَکَ مِنْ أَحْرَاسِکَ وَ شُرَطِکَ- حَتَّى یُکَلِّمَکَ مُتَکَلِّمُهُمْ غَیْرَ مُتَتَعْتِعٍ- فَإِنِّی سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص یَقُولُ فِی غَیْرِ مَوْطِنٍ- لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّهٌ لَا یُؤْخَذُ لِلضَّعِیفِ فِیهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِیِّ- غَیْرَ مُتَتَعْتِعٍ- ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ وَ الْعِیَّ- وَ نَحِّ عَنْهُمُ الضِّیقَ وَ الْأَنَفَ- یَبْسُطِ اللَّهُ عَلَیْکَ بِذَلِکَ أَکْنَافَ‏ رَحْمَتِهِ- وَ یُوجِبْ لَکَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ- وَ أَعْطِ مَا أَعْطَیْتَ هَنِیئاً وَ امْنَعْ فِی إِجْمَالٍ وَ إِعْذَارٍ- ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِکَ لَا بُدَّ لَکَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا- مِنْهَا إِجَابَهُ عُمَّالِکَ بِمَا یَعْیَا عَنْهُ کُتَّابُکَ- وَ مِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ یَوْمَ وُرُودِهَا عَلَیْکَ- بِمَا تَحْرَجُ بِهِ صُدُورُ أَعْوَانِکَ- وَ أَمْضِ لِکُلِّ یَوْمٍ عَمَلَهُ فَإِنَّ لِکُلِّ یَوْمٍ مَا فِیهِ: وَ اجْعَلْ لِنَفْسِکَ فِیمَا بَیْنَکَ وَ بَیْنَ اللَّهِ- أَفْضَلَ تِلْکَ الْمَوَاقِیتِ وَ أَجْزَلَ تِلْکَ الْأَقْسَامِ- وَ إِنْ کَانَتْ کُلُّهَا لِلَّهِ إِذَا صَلَحَتْ فِیهَا النِّیَّهُ- وَ سَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِیَّهُ- وَ لْیَکُنْ فِی خَاصَّهِ مَا تُخْلِصُ بِهِ لِلَّهِ دِینَکَ إِقَامَهُ فَرَائِضِهِ- الَّتِی هِیَ لَهُ خَاصَّهً- فَأَعْطِ اللَّهَ مِنْ بَدَنِکَ فِی لَیْلِکَ وَ نَهَارِکَ- وَ وَفِّ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إِلَى اللَّهِ- مِنْ ذَلِکَ کَامِلًا غَیْرَ مَثْلُومٍ وَ لَا مَنْقُوصٍ- بَالِغاً مِنْ بَدَنِکَ مَا بَلَغَ- وَ إِذَا قُمْتَ فِی صَلَاتِکَ لِلنَّاسِ- فَلَا تَکُونَنَّ مُنَفِّراً وَ لَا مُضَیِّعاً- فَإِنَّ فِی النَّاسِ مَنْ بِهِ الْعِلَّهُ وَ لَهُ الْحَاجَهُ- وَ قَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص حِینَ وَجَّهَنِی إِلَى الْیَمَنِ- کَیْفَ أُصَلِّی بِهِمْ- فَقَالَ صَلِّ بِهِمْ کَصَلَاهِ أَضْعَفِهِمْ- وَ کُنْ بِالْمُؤْمِنِینَ رَحِیماً وَ أَمَّا بَعْدَ فَلَا تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَکَ عَنْ رَعِیَّتِکَ- فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلَاهِ عَنِ الرَّعِیَّهِ شُعْبَهٌ مِنَ الضِّیقِ- وَ قِلَّهُ عِلْمٍ بِالْأُمُورِ- وَ الِاحْتِجَابُ مِنْهُمْ یَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دُونَهُ- فَیَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْکَبِیرُ وَ یَعْظُمُ الصَّغِیرُ- وَ یَقْبُحُ الْحَسَنُ وَ یَحْسُنُ الْقَبِیحُ- وَ یُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ- وَ إِنَّمَا الْوَالِی بَشَرٌ- لَا یَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ- وَ لَیْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سِمَاتٌ- تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْکَذِبِ- وَ إِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَیْنِ- إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُکَ بِالْبَذْلِ فِی الْحَقِّ- فَفِیمَ احْتِجَابُکَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِیهِ- أَوْ فِعْلٍ کَرِیمٍ تُسْدِیهِ أَوْ مُبْتَلًى بِالْمَنْعِ- فَمَا أَسْرَعَ کَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِکَ- إِذَا أَیِسُوا مِنْ بَذْلِکَ- مَعَ أَنَّ أَکْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَیْکَ- مِمَّا لَا مَئُونَهَ فِیهِ عَلَیْکَ- مِنْ شَکَاهِ مَظْلِمَهٍ أَوْ طَلَبِ إِنْصَافٍ فِی مُعَامَلَهٍ ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِی خَاصَّهً وَ بِطَانَهً- فِیهِمُ اسْتِئْثَارٌ وَ تَطَاوُلٌ وَ قِلَّهُ إِنْصَافٍ فِی مُعَامَلَهٍ- فَاحْسِمْ مَادَّهَ أُولَئِکَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ تِلْکَ الْأَحْوَالِ- وَ لَا تُقْطِعَنَّ لِأَحَدٍ مِنْ حَاشِیَتِکَ وَ حَامَّتِکَ قَطِیعَهً- وَ لَا یَطْمَعَنَّ مِنْکَ فِی اعْتِقَادِ عُقْدَهٍ- تَضُرُّ بِمَنْ یَلِیهَا مِنَ النَّاسِ- فِی شِرْبٍ أَوْ عَمَلٍ مُشْتَرَکٍ- یَحْمِلُونَ مَئُونَتَهُ عَلَى غَیْرِهِمْ- فَیَکُونَ مَهْنَأُ ذَلِکَ لَهُمْ دُونَکَ- وَ عَیْبُهُ عَلَیْکَ فِی الدُّنْیَا وَ الْآخِرَهِ- وَ أَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِیبِ وَ الْبَعِیدِ- وَ کُنْ فِی ذَلِکَ صَابِراً مُحْتَسِباً- وَاقِعاً ذَلِکَ مِنْ قَرَابَتِکَ وَ خَاصَّتِکَ حَیْثُ وَقَعَ- وَ ابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا یَثْقُلُ عَلَیْکَ‏ مِنْهُ- فَإِنَّ مَغَبَّهَ ذَلِکَ مَحْمُودَهٌ- وَ إِنْ ظَنَّتِ الرَّعِیَّهُ بِکَ حَیْفاً فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِکَ- وَ اعْدِلْ عَنْکَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِکَ- فَإِنَّ فِی ذَلِکَ رِیَاضَهً مِنْکَ لِنَفْسِکَ وَ رِفْقاً بِرَعِیَّتِکَ وَ إِعْذَاراً- تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَکَ مِنْ تَقْوِیمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ: وَ لَا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاکَ إِلَیْهِ عَدُوُّکَ و لِلَّهِ فِیهِ رِضًا- فَإِنَّ فِی الصُّلْحِ دَعَهً لِجُنُودِکَ- وَ رَاحَهً مِنْ هُمُومِکَ وَ أَمْناً لِبِلَادِکَ- وَ لَکِنِ الْحَذَرَ کُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّکَ بَعْدَ صُلْحِهِ- فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِیَتَغَفَّلَ- فَخُذْ بِالْحَزْمِ وَ اتَّهِمْ فِی ذَلِکَ حُسْنَ الظَّنِّ- وَ إِنْ عَقَدْتَ بَیْنَکَ وَ بَیْنَ عَدُوِّکَ عُقْدَهً- أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْکَ ذِمَّهً- فَحُطْ عَهْدَکَ بِالْوَفَاءِ وَ ارْعَ ذِمَّتَکَ بِالْأَمَانَهِ- وَ اجْعَلْ نَفْسَکَ جُنَّهً دُونَ مَا أَعْطَیْتَ- فَإِنَّهُ لَیْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ شَیْ‏ءٌ- النَّاسُ أَشَدُّ عَلَیْهِ اجْتِمَاعاً مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ- وَ تَشَتُّتِ آرَائِهِمْ- مِنْ تَعْظِیمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ- وَ قَدْ لَزِمَ ذَلِکَ الْمُشْرِکُونَ فِیمَا بَیْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِینَ- لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ- فَلَا تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِکَ وَ لَا تَخِیسَنَّ بِعَهْدِکَ- وَ لَا تَخْتِلَنَّ عَدُوَّکَ- فَإِنَّهُ لَا یَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا جَاهِلٌ شَقِیٌّ- وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهُ وَ ذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَیْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ وَ حَرِیماً یَسْکُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ وَ یَسْتَفِیضُونَ إِلَى جِوَارِهِ- فَلَا إِدْغَالَ

وَ لَا مُدَالَسَهَ وَ لَا خِدَاعَ فِیهِ- وَ لَا تَعْقِدْ عَقْداً تُجَوِّزُ فِیهِ الْعِلَلَ- وَ لَا تُعَوِّلَنَّ عَلَى لَحْنِ قَوْلٍ بَعْدَ التَّأْکِیدِ وَ التَّوْثِقَهِ- وَ لَا یَدْعُوَنَّکَ ضِیقُ أَمْرٍ- لَزِمَکَ فِیهِ عَهْدُ اللَّهِ إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَیْرِ الْحَقِّ- فَإِنَّ صَبْرَکَ عَلَى ضِیقِ أَمْرٍ تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَ فَضْلَ عَاقِبَتِهِ- خَیْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ- وَ أَنْ تُحِیطَ بِکَ مِنَ اللَّهِ فِیهِ طِلْبَهٌ- لَا تَسْتَقِیلُ فِیهَا دُنْیَاکَ وَ لَا آخِرَتَکَ: إِیَّاکَ وَ الدِّمَاءَ وَ سَفْکَهَا بِغَیْرِ حِلِّهَا- فَإِنَّهُ لَیْسَ شَیْ‏ءٌ أَدْعَى لِنِقْمَهٍ وَ لَا أَعْظَمَ لِتَبِعَهٍ- وَ لَا أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَهٍ وَ انْقِطَاعِ مُدَّهٍ- مِنْ سَفْکِ الدِّمَاءِ بِغَیْرِ حَقِّهَا- وَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِئٌ بِالْحُکْمِ بَیْنَ الْعِبَادِ- فِیمَا تَسَافَکُوا مِنَ الدِّمَاءِ یَوْمَ الْقِیَامَهِ- فَلَا تُقَوِّیَنَّ سُلْطَانَکَ بِسَفْکِ دَمٍ حَرَامٍ- فَإِنَّ ذَلِکَ مِمَّا یُضْعِفُهُ وَ یُوهِنُهُ بَلْ یُزِیلُهُ وَ یَنْقُلُهُ- وَ لَا عُذْرَ لَکَ عِنْدَ اللَّهِ وَ لَا عِنْدِی فِی قَتْلِ الْعَمْدِ- لِأَنَّ فِیهِ قَوَدَ الْبَدَنِ- وَ إِنِ ابْتُلِیتَ بِخَطَإٍ- وَ أَفْرَطَ عَلَیْکَ سَوْطُکَ أَوْ سَیْفُکَ أَوْ یَدُکَ بِالْعُقُوبَهِ- فَإِنَّ فِی الْوَکْزَهِ فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَهً- فَلَا تَطْمَحَنَّ بِکَ نَخْوَهُ سُلْطَانِکَ- عَنْ أَنْ تُؤَدِّیَ إِلَى أَوْلِیَاءِ الْمَقْتُولِ حَقَّهُمْ: وَ إِیَّاکَ وَ الْإِعْجَابَ بِنَفْسِکَ- وَ الثِّقَهَ بِمَا یُعْجِبُکَ مِنْهَا وَ حُبَّ الْإِطْرَاءِ- فَإِنَّ ذَلِکَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّیْطَانِ فِی نَفْسِهِ- لِیَمْحَقَ مَا یَکُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِینَ- وَ إِیَّاکَ وَ الْمَنَّ عَلَى رَعِیَّتِکَ بِإِحْسَانِکَ- أَوِ التَّزَیُّدَ فِیمَا کَانَ مِنْ فِعْلِکَ- أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَکَ بِخُلْفِکَ- فَإِنَّ الْمَنَّ یُبْطِلُ الْإِحْسَانَ وَ التَّزَیُّدَ یَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ- وَ الْخُلْفَ یُوجِبُ الْمَقْتَ عِنْدَ اللَّهِ وَ النَّاسِ- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى- کَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ وَ إِیَّاکَ وَ الْعَجَلَهَ بِالْأُمُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا- أَوِ التَّسَقُّطَ فِیهَا عِنْدَ إِمْکَانِهَا- أَوِ اللَّجَاجَهَ فِیهَا إِذَا تَنَکَّرَتْ- أَوِ الْوَهْنَ عَنْهَا إِذَا اسْتَوْضَحَتْ- فَضَعْ کُلَّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُ وَ أَوْقِعْ کُلَّ أَمْرٍ مَوْقِعَهُ- وَ إِیَّاکَ وَ الِاسْتِئْثَارَ بِمَا النَّاسُ فِیهِ أُسْوَهٌ- وَ التَّغَابِیَ عَمَّا تُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُیُونِ- فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْکَ لِغَیْرِکَ- وَ عَمَّا قَلِیلٍ تَنْکَشِفُ عَنْکَ أَغْطِیَهُ الْأُمُورِ- وَ یُنْتَصَفُ مِنْکَ لِلْمَظْلُومِ- امْلِکْ حَمِیَّهَ أَنْفِکَ وَ سَوْرَهَ حَدِّکَ- وَ سَطْوَهَ یَدِکَ وَ غَرْبَ لِسَانِکَ- وَ احْتَرِسْ مِنْ کُلِّ ذَلِکَ بِکَفِّ الْبَادِرَهِ وَ تَأْخِیرِ السَّطْوَهِ- حَتَّى یَسْکُنَ غَضَبُکَ فَتَمْلِکَ الِاخْتِیَارَ- وَ لَنْ تَحْکُمَ ذَلِکَ مِنْ نَفْسِکَ- حَتَّى تُکْثِرَ هُمُومَکَ بِذِکْرِ الْمَعَادِ إِلَى رَبِّکَ- وَ الْوَاجِبُ عَلَیْکَ أَنْ تَتَذَکَّرَ مَا مَضَى لِمَنْ تَقَدَّمَکَ- مِنْ حُکُومَهٍ عَادِلَهٍ أَوْ سُنَّهٍ فَاضِلَهٍ- أَوْ أَثَرٍ عَنْ نَبِیِّنَا ص أَوْ فَرِیضَهٍ فِی کِتَابِ اللَّهِ‏ فَتَقْتَدِیَ بِمَا شَاهَدْتَ مِمَّا عَمِلْنَا بِهِ فِیهَا- وَ تَجْتَهِدَ لِنَفْسِکَ فِی اتِّبَاعِ مَا عَهِدْتُ إِلَیْکَ فِی عَهْدِی هَذَا- وَ اسْتَوْثَقْتُ بِهِ مِنَ الْحُجَّهِ لِنَفْسِی عَلَیْکَ- لِکَیْلَا تَکُونَ لَکَ عِلَّهٌ عِنْدَ تَسَرُّعِ نَفْسِکَ إِلَى هَوَاهَا

اللغه

أقول: الشرط: قوم یعلمون أنفسهم بعلامات الخدمه یعرفون بها. و الخرق: ضدّ الرفق و الأنف: الأنفه و هى خصله تلازم الکبر. و الأکناف: الجوانب. و الإسداء: الإعطاء. و الحامّه: القرابه. و العقده: الضیعه، و العقده أیضا: المکان کثیر الشجر و النخل، و اعتقد الضیعه: اقتناها. و المغبّه: العاقبه. و أصحر: أى أظهر. و الدعه: الراحه. و استوبلوا الأمر: استثقلوه، و الوبال: الوخم، یقال: استوبلت البلد: استوخمت فلم یوافق ساکنها و خاس بالعهد: نقضه. و الختل: الخداع. و أفضاه: بسطه. و استفاض الماء: سال. و الإدغال: الإفساد. و الدغل: الفساد. و المدالسه: مفاعله من التدلیس فی البیع و غیره کالمخادعه. و لحن القول: کالتوریه و التعریض من الأمر. و الوکزه: الضربه و الدفعه، و قیل: هى بجمع الید على الذقن و الفرصه: النوبه، و الممکن من الأمر. و سوره الرجل: سطوته و حدّه بأسه. و غرب اللسان: حدّته. و البادره: سرعه السطوه و العقوبه.

المعنى أمّا الأمور الّتى تعمّ مصلحتها.
فأحدها: أن یجعل لذوى الحاجات نصیبا من نفسه
یفرّغ لهم فیه بدنه عن کلّ شاغل و یجلس لهم مجلسا عامّا فی الأسبوع أو دونه أو فوقه حسب ما یمکن.

الثانی: أن یتواضع فیه للّه.
و رغّبه فی التواضع بنسبته إلى اللّه باعتبار أنّه خالقه الّذی من شأنه أن یکون له التواضع.

الثالث: أن یعقد عنهم جنده و أعوانه.

و أبان وجه المصلحه فی ذلک بقوله: حتّى یکلّمک متکلّمهم غیر متتعتع، و أشار إلى علّه وجوبه بقوله: فإنّی سمعت. إلى قوله: القوىّ. و وجه الدلیل من هذا الخبر أنّه لمّا دلّ بالمطابقه على و عید الامّه الّتی‏ لا ینتصف فیها من قوىّ بعدم طهارتها المستلزم لعذابها الاخروى دلّ بالالتزام على وجوب أن یکون فیها ذلک. ثمّ لمّا کانت الامور المأمور بها ممّا لا یتمّ ذلک الواجب إلّا بها کانت بأسرها واجبه.

الرابع: أمور تلزمه مباشرتها
و إن عمّت مصلحتها. و أمور مبتدأ حذف خبره: أى و هناک امور. و نحوه. منها إجابه عمّاله بما یرى المصلحه فی الجواب به فقد یعجز الکتّاب عن کثیر من ذلک. و منها إصدار حوائج الناس الّتی یضیق منها صدور أعوانه عند ورورها علیه، و لا ینبغی له أن یکلها إلیهم فإنّ غایه قضائهم لها إذا قضیت أن یکون على غیر الوجه المرضىّ.
الخامس: أن یمضى لکلّ یوم عمله.
و نبّه على ذلک بقوله: فإنّ لکلّ یوم ما فیه. و هو صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و إذا کان لکلّ یوم ما فیه وجب أن یقضى فیه ماله.

السادس: أن یجعل لنفسه فی معاملته للّه أفضل تلک المواقیت
أى الأوقات المفروضه للأفعال، و أجزل أقسام الأفعال الموقّته. فأفضلها أبعدها عن الشواغل الدنیویّه و أقربها إلى الخلوه باللّه سبحانه، و نبّه بقوله: و إن کانت. إلى قوله: الرعیّه على أن أصلح الأعمال أخلصها للّه.

السابع: أن یکون فی خاصّه ما یخلصه للّه فی دینه إقامه فرائضه فیخصّها
بمزید عنایه منه و رعایه.

الثامن: أن یعطی اللّه من بدنه فی لیله و نهاره:
أی طاعه و عباده فحذف المفعول الثانی للعلم به. و القرینه کون اللیل و النهار محلّین للأفعال و القرینه ذکر البدن.

التاسع: أن یوفّى ما تقرّب به إلى اللّه من ذلک
و کاملا، و غیر مثلوم، و بالغا أحوال. و ما نصب على المصدریّه بقوله: بالغا من بدنک ما بلغ من القوّه على الطاعه.

العاشر: من الآداب الراجعه إلى حال الإمامه بالناس فی الصلاه أن یکون متوسّطا فی صلاته
بین المطوّل المنفّر للناس بتطویله و بین المقصّر المضیّع لأرکان الصلاه و فضیلتها، و احتجّ لنفى التثقیل و التطویل بالمعقول و المنقول: أمّا المعقول‏ فضمیر صغراه: قوله: فإنّ فی الناس. إلى قوله: الحاجه. و تقدیر کبراه: و کلّ من کان فیه من ذکر فیجب أن یرفق به و یخفّف عنه، و أمّا المنقول فما رواه عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من الخبر، و وجه التشبیه بصلاه الأضعف تخفیف الصلاه بعد حفظ أرکانها و واجباتها.

الحادی عشر: من الآداب المصلحیّه لتدبیر المدینه
النهی عن طول الاحتجاب عن الرعیّه. و رغّب فی الانتهاء عنه من وجوه: أحدها: أنّه نوع من أنواع الضیق على الرعیّه. إذ کانت مشاهدتهم للوالی تفرّج عنهم ما یکرثهم من الأمور المهمّه لهم. الثانی: أنّه قلّه علم بالأمور: أی یلزمه ذلک فأطلق اسم اللازم على ملزومه و أکّد ذلک بقوله: و الاحتجاب عنهم یقطع منهم: أی من الولاه علم ما احتجبوا دونه من امور الرعیّه. ثمّ أشار إلى ما یلزم عدم علمهم من المفاسد و هو أن یصغر کبیر الامور عندهم کأن یظلم بعض حاشیه الأمیر فتصغّر الأعوان جریمته عنده فیصغر و کذلک یعظم صغیرها لو وقع من ضعیف صغیر ذنب فی حقّ کبیره. و کذلک یقبح عندهم الحسن و یحسن القبیح، و یشاب الحقّ بالباطل و یلبس به، و ذلک قوله: فیصغر. إلى قوله: بالباطل. ثمّ نبّه على وجه لزوم قطع العلم بالأمور لطول الاحتجاب بقوله: و إنّما الوالى بشر. إلى قوله: الصدق و الکذب. و التقدیر أنّه بشر و البشر من خاصّته أنّه لا یعرف ذلک إلّا بعلامه و لیس على الحقّ علامات یعرف بها ضروب صدق القول من کذبه. الثالث: أنّه رغّب فی الانتهاء عنه بضمیر صغراه شرطیّه منفصله و هی قوله: و إنّما أنت. إلى قوله: بذلک. و تلخیصه أنّک إمّا أن تکون مطبوعا على السخاء بالبذل فی الحقّ أو مبتلى بالمنع منه. و تقدیر الکبرى. و کلّ من کان کذلک فلا یجوز له الاحتجاب. بیان الکبرى: أمّا إن کان سخیّا ببذل الحقّ فإنّه عند الطلب منه إمّا أن یعطی حقّا یجب علیه، أو یفعل فعل الکرماء و ذلک لا یجوز الاحتجاب منه، و أمّا إن کان مبتلى بالمنع فإذن یسرعون الکفّ عن مسئلته إذا أیسوا من بذله و حینئذ لا معنى‏ للاحتجاب عنهم. الرابع: قوله: مع أن أکثر. إلى قوله: معامله. و هو صغری ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان أکثر حاجات الناس إلیه ما لا مئونه علیه فیه من الامور المذکوره فلا معنى لاحتجابه عنهم.

الثانی عشر: من الامور المصلحیّه المتعلّقه بخاصّته أن یحسم مئونتهم عن الرعیّه
فقوله: بقطع أسباب إلى قوله: مئونته. إرشاد إلى سبب قطعها، و أشار إلى وجه ذلک بذکر ما فیهم من الاستئثار على الرعیّه بالمنافع و التطاول علیهم بالأذى و قلّه الإنصاف و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فیجب قطع مئونته عنهم.
و الأحوال الّتی أمر بقطع أسبابها هی وجوه المئونه المذکوره من الاستئثار و التطاول و قلّه الإنصاف. و قوله: و لا تقطعنّ. إلى قوله: مشترک. تفصیل لوجوه قطع الأسباب المذکوره فإنّ إقطاع أحدهم قطیعه و طمعه فی اقتناء ضیعه تضرّ بمن یلیها من الناس فی ماء أو عمل مشترک یحمل مئونته على الناس کعماره و نحوها هی أسباب الأحوال المذکوره من وجوه المئونه و قطع تلک الأحوال بقطع أسبابها. ثمّ نفّره عن أسباب المئونه على الناس بما یلزم تلک الأسباب من المفسده فی حقّه و هی کون مهنأ ذلک لهم دونه و عیبه علیه فی الدنیا و الآخره، و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ ما کان مهنأه للغیر و عیبه علیک فلا یجوز فعله.

الثالث عشر: أن یلزم الحقّ من یلزمه الحقّ من القریب و البعید
و یکون فی ذلک الإلزام صابرا لما عساه یلحق أقاربه من مرّ الحقّ، محتسبا له: أى مدخله فی حساب ما یتقرّب به إلى اللّه تعالى و یعدّه خالصا لوجهه، واقعا ذلک الإلزام من قرابته و خواصّه حیث اتّفق وقوعه بمقتضى الشریعه، و الواو فی قوله: و لکنّ. للحال، و واقعا أیضا حال و العامل قوله: و ألزم.
الرابع عشر: أن یبتغی عاقبه ذلک الإلزام بما یثقل علیه من فعله بخاصّته.

کأنّه یستفیض بفعله ما یلزمه فی العاقبه من العافیه من عیب الدنیا و عذاب الآخره، و رغّب فی ذلک بقوله: فإنّ مغبّه ذلک محموده و هی تلک العافیه و ما یلزمها من السعاده الباقیه، و هو صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ ما کانت مغبّته محموده وجبت الرغبه فی فعله.
الخامس عشر: أمره على تقدیر أن تظنّ الرعیّه فیه حیفا أن یصحر لهم عذره فیما ظنّوا فیه الحیف
و یعدل عنه ظنونهم بإظهاره، و رغّب فی ذلک بضمیر صغراه قوله: فإنّ. إلى قوله: الحقّ: أی فإنّ فی إظهار عذرک لهم أن تصیر ذا عذر تبلغ به حاجتک من تقویمهم على الحقّ من معرفتهم أنّ فعلک حقّ لا حیف فیه، و تقدیر کبراه: و کلّ ما کان کذلک فینبغی فعله.

السادس عشر: نهاه أن یدفع صلحا دعاه إلیه عدوّه إذا کان صلحا یرضى اللّه
و نبّه على وجوه المصلحه فیه بضمیر صغراه. قوله: فإنّ فی الصلح. إلى قوله: لبلادک. و هی ثلاث مصالح ظاهره اللزوم لصلح العدوّ، و تقدیر کبراه: و کلّما کان فیه هذه المصالح فواجب قبوله.

السابع عشر: بالغ فی تحذیره من العدوّ بعد صلحه
و أمره أن یأخذ بالحزم و یتّهم فی الصلح حسن ظنّه الّذی عساه ینشأ عن صلحه. و نبّه على وجوب ذلک الحذر بضمیر صغراه: قوله: فإنّ العدوّ ربّما قارب لیتغفّل: أی قارب عدوّه بصلحه لیطلب غفلته فیظفر به، و له علیه السّلام فی ذلک شواهد التجربه. و حذف المفعولین للعلم بهما. و تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فواجب أن یحذر منه.

الثامن عشر: أمره على تقدیر أن یعقد بینه و بین عدوّه عهدا أن یحوطه بالوفاء
و یرعى ذمّته بالأمانه و یجعل نفسه جنّه دون ما أعطى: أی یحفظ ذلک بنفسه و لو أدّى إلى ضررها، و استعار لفظ اللبس لإدخاله فی أمان الذمّه ملاحظه لشبهها بالقمیص و نحوه. و کذلک لفظا الجنّه لنفسه ملاحظه لشبهها فی الحفظ بالترس و نحوه.

و رغّب فی ذلک بوجهین اشتمل علیهما قوله: فإنّه. إلى قوله: العذر: أحدهما: أنّ الناس أشدّ اجتماعا على ذلک من غیره من فرائض اللّه الواجبه علیهم مع تفرّق‏ أهوائهم و تشتّت آرائهم. الثانی: أنّ المشرکین لزموا ذلک فیما بینهم و استثقلوا الغدر لما فیه من سوء العاقبه. و المذکوران صغریا ضمیر تقدیر الکبرى فیهما: و کلّما کان کذلک فیجب لزومه و المحافظه علیه. ثمّ أکّد ذلک بالنهى عن الغدر فی العهد و نقض الذمّه و خداع العدوّ بمعاهدته ثمّ الغدر به، و نفّر عن ذلک بوجهین: أحدهما: قوله: فإنّه. إلى قوله: الأشقى. و هو صغرى ضمیر تلخیصها: فإنّ المجترى على اللّه شقىّ، و تقدیر کبراه: و ناقض العهد و المدغل فیه مجتر على اللّه، ینتج من الرابع فالشقىّ هو ناقض العهد و المدغل فیه. و یجوز أن یکون تقدیر الصغرى: فإنّ ذلک جرأه على اللّه یستلزم الشقاوه، و تقدیر الکبرى: و کلّما کان کذلک وجب اجتنابه لینتج من الأوّل المطلوب. الثانی: قوله: و قد جعل. إلى قوله: جواره. و أمنا: أی مأمنا و استعار لفظ الحریم للعهد، و رشّح بذکر السکون إلى منعته و الاستفاضه إلى جواره، و نبّه بذلک على وجه الاستعاره و هو الاطمینان إلیه و الأمن من الفتنه بسببه فأشبه الحریم المانع، و الکلام صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّما کان کذلک فلا یجوز نقضه و الإدغال فیه.
التاسع عشر: نهاه أن یعقد عقدا یجوّز فیه العلل
أی الأحداث المفسده له و هو کنایه عن أمره بإحکام ما یعقد من الامور.

العشرون: نهاه أن یعتمد على لحن القول فی الأیمان و العهود
بعد أن یؤکّدها و یتوثّق من غیره فیها أو یتوثّق غیره منه فیها و مثال لحن القول ما ادّعاه طلحه و الزبیر من الولیجه و التوریه فی بیعتهما له علیه السّلام: أى لا تعتمد على ذلک من نفسک و لا تلتفت إلیه من غیر لو ادّعاه.

الحادی و العشرون: نهاه أن یدعوه ضیق أمر لزمه فیه عهد اللّه إلى أن یطلب إبطاله بغیر حقّ،
و رغّب فی الصبر علیه بقوله: فإنّ صبرک. إلى قوله: آخرتک. و هو صغرى ضمیر، و أراد بتبعته ما یتبعه من العقوبه، و بالطلبه ما یطالب به یوم القیامه من لزوم العهد، و إحاطتها به کنایه عن لزومها له، و بوصف الطلبه بقوله: لا تستقبل فیها دنیاک و لا آخرتک. أراد أنّه لا یکون لک معها دنیا تستقبلها و تنتظر خیرها لعدم الدنیا هناک و لا آخره تستقبلها إذ لا یستقبل فی الآخره إلّا الأمور الخیریّه. و من أحاطت به طلبته من اللّه فلا خیر له فی الآخره یستقبله. و روى تستقبل بالیاى: أی لا یکون لک من تلک الطلبه و التبعه إقاله فی الدنیا و لا فی الآخره.

الثانی و العشرون: حذّره من الدخول فی الدماء و سفکها بغیر حقّ
و هو کنایه عن القتل، و نفّر عنه بوجهین: أحدهما: قوله: فإنّه. إلى قوله: حقّها، و هو صغرى ضمیر تقدیرها: فإنّ سفک الدماء بغیر حقّ أدنى الأشیاء لحلول نقمه اللّه، و أعظمها فی لحوق التبعه منه، و أولاها بزوال النعمه و انقطاع مدّه الدوله و العمر. و ظاهر أنّها أقوى المعدّات للأمور الثلاثه لما یستلزمه من تطابق همم الخلق و دواعیهم على زوال القاتل و استنزال غضب اللّه علیه لکون القتل أعظم المصائب المنفور عنها و تقدیر الکبرى: و کلّما کان کذلک فیجب أن یحذر فعله. الثانی: قوله: و اللّه سبحانه: إلى قوله: القیامه. و نبّه بابتدائه تعالى بالحکم بین العباد فی القتل على أنّه أعظم عنده تعالى من سائر الکبائر، و هی صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ ما ابتدء اللّه بالحکم فیه فیجب التحرّی فیه و اجتناب ما یکره منه.

الثالث و العشرون: نهاه أن یقوّى سلطانه و دولته بسفک الدم الحرام،
و نفّر عنه بقوله: فإنّ ذلک. إلى قوله: و ینقله. و هی صغرى ضمیر بیانها ما سبق فإنّ سفک الدم الحرام لمّا استلزم الأمور الثلاثه المذکوره کان ذلک مضعفا للسلطان و مزیلا له، و تقدیر الکبرى: و کلّما کان کذلک وجب اجتنابه.
الرابع و العشرون: نهاه عن قتل العمد حراما
و نفّر عنه بأمرین: أحدهما: أنّه لا عذر فیه عند اللّه و لا عنده. الثانی: أنّ فیه قود البدن. و هما صغریا ضمیر تقدیر الکبرى فیهما: و کلّ ما کان کذلک وجب اجتنابه.

الخامس و العشرون: نهاه أن یرتکب رذیله الکبر عند أن یبتلى بقتل خطاء أو إفراط سوطه أو یده علیه فی عقوبه
فیأخذه عزّه الملک و الکبر على أولیاء المقتول فلا یؤدّى إلیهم حقّهم، و نبّه بقوله: فإنّ. إلى قوله: مقتله. على أنّ الضرب‏ بالید المسمّى وکزا قد یکون فیه القتل و هو مظنّه له.

السادس و العشرون: حذّره الإعجاب بنفسه، و الثقه بما یعجبه منها، و حبّ الإطراء.
و الأخیران سببان لدوام الإعجاب و مادّه له، و نفّر عن الثلاثه بقوله: فإنّ ذلک. إلى قوله: المحسنین. و فی نفسه متعلّق بأوثق. و قوله: لیمحق ما یکون من إحسان المحسنین. یحتمل وجهین: أحدهما: أنّه لمّا کان الإعجاب من الهلکات لم ینفع معه إحسان المحسن فإذا تمکّن الشیطان من الفرصه و زیّن الإعجاب للإنسان و ارتکبه محقّ لذلک ما یکون له من الإحسان. و الثانی: إنّ المعجب بنفسه لا یرى لأحد عنده إحسانا فیکون إعجابه ماحقا لإحسان من أحسن إلیه. و لمّا کان مبدء الإعجاب هو الشیطان کان الماحق لإحسان المحسن أیضا هو الشیطان فلذلک نسبه إلیه، و الکلام فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّما کان أوثق فرص الشیطان فی نفسه وجب الاحتراز عنه.

السابع و العشرون: حذّره رذائل ثلاثه.
أحدها: المنّ على الرعیّه بإحسانه إلیهم. الثانیه: التزیّد فیما فعله فی حقّهم و هو أن ینسب إلى نفسه من الإحسان إلیهم أزید ممّا فعل. الثالثه: أن یخلف موعوده لهم. ثمّ نفّر عن المنّ بقوله: فإنّ المنّ یبطل الإحسان، و ذلک إشاره إلى قوله تعالى یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِکُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى‏«» و عن التزیّد بقوله: فإنّ التزیّد یذهب بنور الحقّ. و أراد بالحقّ هنا الإحسان إلیهم، أو الصدق فی ذکره فی موضع یحتاج إلیه فإنّ على ذلک نورا عقلیّا ترتاح له النفوس و تلتذّ به. و لمّا کان التزیّد نوعا من الکذب و هو رذیله عظیمه لا جرم کان ممّا یذهب نور ذلک الحقّ و یطفیه فلا یکون له وقع فی نفوس الخلق. و نفّر عن الخلف بقوله یوجب: المقت عند اللّه و الناس: أمّا عند الناس فظاهر و أمّا عند اللّه فلقوله تعالى کَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ«» الآیه. و الثلاثه صغریّات ضمایر تقدیر کبریاتها: و کلّما کان کذلک وجب اجتنابه.

الثامن و العشرون: حذّره من إیقاع الامور
على أحد طرفی التفریط و الإفراط فطرف الإفراط فی الطلب العجله بها قبل أوانها أو اللجاجه فیها عند تنکّرها و تغیّر وجوه مأخذها و عدم اتّضاحها و تسهّلها، و طرف التفریط التساقط فیها و القعود عنها إذا أمکنت و هو یقابل العجله فیها أو الضعف عنها إذا استوضحت و هو یقابل اللجاجه فیها عند تنکّرها. و استلزم النهى عن هذین الطرفین الأمر بإیقاعها على نقطه العدل و هی الحدّ الأوسط من الطرفین و موضعها الحقّ فلذلک قال: فیضع کلّ أمر موضعه و أوقع کلّ عمل موقعه.

التاسع و العشرون: حذّره من الاستئثار بما یجب تساوى الناس فیه
کالّذی یستحسن من مال المسلمین و نحوه.

الثلاثون. و عن التغافل عمّا یجب العلم و العنایه به
من حقوق الناس المأخوذه ظلما ممّا قد وضح للعیون إهمالک له. و نفّر عن ذلک بقوله: التغابی. إلى قوله: للمظلوم، و أراد ما یستأثر به من حقوق الناس و یتغافل عنها، و ما فی قوله: عمّا. زائده، و أراد بالقلیل مدّه الحیاه الدنیا، و أشار بأغطیه الامور إلى الهیئات البدنیّه الحاجبه لحقایق الامور من أن یدرکها بصر بصیرته. و قد علمت أنّ انکشاف تلک الأغطیه عنه بطرح بدنه و حینئذ یشاهد ما أعدّ له من خیر أو شرّ کما قال تعالى یَوْمَ تَجِدُ کُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَیْرٍ مُحْضَراً«» الآیه.

الحادی و الثلاثون: أمره أن یملک حمیّه أنفه:
أى أنفته ممّا یقع من الامور المکروهه، و سوره حدّه، و حدّه لسانه و ملکه لهذه الامور إنّما یکون بالاحتراس عن تعدّى قوّته الغضبیّه و وقوفه فی فعلها على حاقّ الوسط بحیث لا یعبر فیها إلى حدّ الإفراط فیقع فی رذیله التهوّر و یلزمه فی تلک الرذیله الظلم.

الثانی و الثلاثون: أمره بالاحتراس من تلک الامور
و أرشده إلى أسبابه و هو کفّ البادره و تأخیر السطوه إلى حین سکون الغضب لیحصل له بذلک الاختیار فی الفعل و الترک الّذی عساه مصلحه، و أشار إلى وجه إحکام تلک الأسباب بقوله: و لن تحکم ذلک. إلى قوله: علیک. و ذلک أنّ کثره الهمّ عن ذکر المعاد و الفکر فی أمور الآخره ماح للرغبه فی الامور الدنیویّه الّتی هى المشاجرات و ثوران الغضب.

الثالث و الثلاثون
أوجب علیه أمرین فیهما جماع ما أوصاه به فی هذا العهد إجمالا: أحدهما: أن یتذّکر ما مضى لمن تقدّمه من الحکومات العادله للولاه قبله، أو من الآثار المنقوله عن نبیّنا صلّى اللّه علیه و آله، أو من فرائض اللّه لیقتدى بما شاهد من عمله علیه السّلام فیها. الثانی: أن یجتهد لنفسه فی اتّباع ما عهد إلیه فی عهده هذا و استوثق به من الحجّه لنفسه علیه و هی الموعظه و التذکیر بأوامر اللّه لکیلا یکون له علیه حجّه یحتجّ بها عند تسرّع نفسه إلى هواها کما قال تعالى لِئَلَّا یَکُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّهٌ بَعْدَ الرُّسُلِ«».

و من هذا العهد ایضا

وَ أَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ بِسَعَهِ رَحْمَتِهِ- وَ عَظِیمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ کُلِّ رَغْبَهٍ- أَنْ یُوَفِّقَنِی وَ إِیَّاکَ لِمَا فِیهِ رِضَاهُ- مِنَ الْإِقَامَهِ عَلَى الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَیْهِ وَ إِلَى خَلْقِهِ- مَعَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِی الْعِبَادِ وَ جَمِیلِ الْأَثَرِ فِی الْبِلَادِ- وَ تَمَامِ النِّعْمَهِ وَ تَضْعِیفِ الْکَرَامَهِ- وَ أَنْ یَخْتِمَ لِی وَ لَکَ بِالسَّعَادَهِ وَ الشَّهَادَهِ- إِنَّا إِلَیْهِ راجِعُونَ وَ السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهِ عَلَیْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَ سَلَّمَ تَسْلِیماً کَثِیراً

 

المعنى

أقول: ختم هذا العهد بسؤال اللّه عن یوفّقهما لما فیه رضاه، و أقسم علیه فی إجابه سؤاله برحمته الّتی وسعت کلّ شی‏ء و بقدرته العظیمه على إعطاء کلّ رغبه. و ظاهر کونهما مبدءین لإجابه السائلین ثمّ فصّل ما سأله ممّا فیه رضا اللّه و هی امور: أحدها: الإقامه على العذر الواضح إلى اللّه و إلى خلقه. فإن قلت: العذر إنّما یکون عن ذنب فمن أقام على طاعه اللّه کیف یکون فعله عذرا قلت: یحتمل أن یکون العذر اسما من الإعذار إلى اللّه و هو المبالغه فی الإتیان بأوامره فکأنّه قال: من الإقامه على المبالغه إلیه فی أداء أوامره. الثانی: حسن الثناء فی العباد و جمیل الأثر و هو ما یؤثر من الأفعال الحمیده فی البلاد، و ذلک ممّا سأله الأنبیاء کإبراهیم علیه السّلام وَ اجْعَلْ لِی لِسانَ صِدْقٍ فِی الْآخِرِینَ«» قیل هو الذکر الجمیل فی الناس. الثالث: أن یتمّ نعمته علیهما. الرابع: تضعیف کرامته لهما. الخامس: الخاتمه الحسنه بالسعاده و ما یوصل إلیها من الشهاده، و نبّه بقوله: إنّا إلیه راغبون. على صدق نیّته فی سؤاله، ثمّ ختم بالسلام على رسول اللّه و الصلاه علیه و آله.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۳۵

بازدیدها: ۱۳

نامه ۵۱ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى أمراء البلاد فى معنى الصلاه

أَمَّا بَعْدُ فَصَلُّوا بِالنَّاسِ الظُّهْرَ- حَتَّى تَفِی‏ءَ الشَّمْسُ مِثْلَ مَرْبِضِ الْعَنْزِ- وَ صَلُّوا بِهِمُ الْعَصْرَ وَ الشَّمْسُ بَیْضَاءُ حَیَّهٌ فِی عُضْوٍ مِنَ النَّهَارِ- حِینَ یُسَارُ فِیهَا فَرْسَخَانِ- وَ صَلُّوا بِهِمُ الْمَغْرِبَ حِینَ یُفْطِرُ الصَّائِمُ- وَ یَدْفَعُ الْحَاجُّ إِلَى مِنًى- وَ صَلُّوا بِهِمُ الْعِشَاءَ حِینَ یَتَوَارَى الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّیْلِ- وَ صَلُّوا بِهِمُ الْغَدَاهَ وَ الرَّجُلُ یَعْرِفُ وَجْهَ صَاحِبِهِ- وَ صَلُّوا بِهِمْ صَلَاهَ أَضْعَفِهِمْ وَ لَا تَکُونُوا فَتَّانِینَ‏

أقول: بیّن فی هذا الکتاب أوقات الصلاه المفروضه:

فالأول: وقت الظهر و حدّه بوقت فی‏ء الشمس
أى رجوعها و میلها إلى المغرب ثمّ نبّه بتقدیره بمربض العنز و هو أوّل وقت الظهر و ذلک ممّا یختلف باختلاف البلاد.

الثانی: وقت العصر و قدّره ببقاء الشمس بیضاء لم تصفر للمغیب، و حیّه.
و استعار لفظ الحیاه لظهورها على الأرض لمکان المشابهه، و فی عضو من النهار، و أراد القسم و القطعه منه. ثمّ قدّر ذلک العضو بمقدار أن یسافر فیه فرسخان السیر المعتاد.

الثالث: وقت المغرب
و عرّفه بأمرین: أحدهما: حین یفطر الصائم، و ذلک عند سقوط القرص. و الثانی: حین یدفع الحجّاج و یفیض من عرفات. و لشهره هاتین العلامتین و تعارفهما مع المخاطبین عرّفه بهما.

الرابع: وقت العشاء الآخره
عرّفه بتوارى الشفق و ذلک من ناحیه المغرب، و حدّ آخره بثلث اللیل، و إنّما حدّ آخر هذا الوقت دون أوقات سائر الفرائض لأنّ الفرائض یتبیّن آخر کلّ وقت منها ببیان أوّل وقت الاخرى. و لا کذلک آخر وقت العشاء الآخره لاتّصاله باللیل الخالى عن الفرائض، و أمّا آخر وقت الصبح فحدّه بطلوع الشمس أیضا ظاهر.

الخامس: وقت صلاه الغداه،
و حدّه بحین یعرف الرجل وجه صاحبه، و ذلک حین طلوع الفجر الثانی و هو الحمره المعترضه من ناحیه المشرق، و العلامه التی ذکرها أوضح لسائر الناس. ثمّ أوصاهم بفعل و ترک: أمّا الفعل فأن یصلّوا بالناس صلاه أضعفهم، و هو أن لا یطیلوا فی القراءه و فی الفرائض کقراءه البقره و السور الطوال فإنّ ذلک لا یستطیع القیام به کلّ الناس فیؤدّی ذلک إلى المشقّه و عجز بعضهم عن أداء الفریضه فی الجماعه و هو ضرر منفىّ فی الدین، و أمّا الترک‏ فأن لا یکونوا فتّانین بإطاله الصلاه، و وجه الفتنه هنا أنّهم یکونون صارفین للناس عن الاتّفاق و التساعد على الجماعه بإطالتها المستلزمه لتخلّف العاجزین و الضعفاء.
و اللّه أعلم.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۳۳

 

بازدیدها: ۰

نامه ۵۰ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى عماله على الخراج

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِیٍّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ إِلَى أَصْحَابِ الْخَرَاجِ- أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَنْ لَمْ یَحْذَرْ مَا هُوَ صَائِرٌ إِلَیْهِ- لَمْ یُقَدِّمْ لِنَفْسِهِ مَا یُحْرِزُهَا- وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَا کُلِّفْتُمْ یَسِیرٌ وَ أَنَّ ثَوَابَهُ کَثِیرٌ- وَ لَوْ لَمْ یَکُنْ فِیمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ- مِنَ الْبَغْیِ وَ الْعُدْوَانِ عِقَابٌ یُخَافُ- لَکَانَ فِی ثَوَابِ اجْتِنَابِهِ مَا لَا عُذْرَ فِی تَرْکِ طَلَبِهِ- فَأَنْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِکُمْ وَ اصْبِرُوا لِحَوَائِجِهِمْ- فَإِنَّکُمْ خُزَّانُ الرَّعِیَّهِ- وَ وُکَلَاءُ الْأُمَّهِ وَ سُفَرَاءُ الْأَئِمَّهِ- وَ لَا تُحْشِمُوا أَحَداً عَنْ حَاجَتِهِ وَ لَا تَحْبِسُوهُ عَنْ طَلِبَتِهِ- وَ لَا تَبِیعُنَّ لِلنَّاسِ فِی الْخَرَاجِ کِسْوَهَ شِتَاءٍ وَ لَا صَیْفٍ- وَ لَا دَابَّهً یَعْتَمِلُونَ عَلَیْهَا وَ لَا عَبْداً- وَ لَا تَضْرِبُنَّ أَحَداً سَوْطاً لِمَکَانِ دِرْهَمٍ- وَ لَا تَمَسُّنَّ مَالَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مُصَلٍّ وَ لَا مُعَاهَدٍ- إِلَّا أَنْ تَجِدُوا فَرَساً أَوْ سِلَاحاً- یُعْدَى بِهِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ- فَإِنَّهُ لَا یَنْبَغِی لِلْمُسْلِمِ أَنْ یَدَعَ ذَلِکَ فِی أَیْدِی أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ- فَیَکُونَ شَوْکَهً عَلَیْهِ- وَ لَا تَدَّخِرُوا أَنْفُسَکُمْ نَصِیحَهً وَ لَا الْجُنْدَ حُسْنَ سِیرَهٍ- وَ لَا الرَّعِیَّهَ مَعُونَهً وَ لَا دِینَ اللَّهِ قُوَّهً- وَ أَبْلُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ مَا اسْتَوْجَبَ عَلَیْکُمْ- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ اصْطَنَعَ عِنْدَنَا وَ عِنْدَکُمْ- أَنْ نَشْکُرَهُ بِجُهْدِنَا- وَ أَنْ نَنْصُرَهُ بِمَا بَلَغَتْ قُوَّتُنَا- وَ لَا قُوَّهَ إِلَّا بِاللَّهِ

اللغه

أقول: السفیر. الرسول. و حشمته و احتشمته: بمعنى: أى أعضبته و أخجلته. و الشوکه: القوّه. و أبلیته معروفا: أى أعطیته.

المعنى
و صدّر الکتاب بمقدّمه کلّیّه، و هو أنّ من لم یحذر ما یصیر إلیه من العواقب المخوفه لم یقدّم لنفسه استعدادا یحرزها منها فإنّ الإنسان إنّما یستعدّ للأمر المرغوب أو المرهوب إذا رغب فیه أو خافه، و هى فی معرض التوبیخ على ترک الحذر لغرض تقدیم طاعه و ما یستعدّ به الإنسان ممّا یحرز نفسه من عذاب اللّه. ثمّ أعلمهم بکون التکلیف لهم یسیرا تسهیلا له، و کون ثوابه کثیرا ترغیبا فیه. و هو فی قوّه صغرى ضمیر رغبّهم به فی القیام بالامور المکلّف بها، و تقدیر کبراه: و کلّ ما کان کذلک وجب القیام به و الاجتهاد فیه. ثم أردفه بالتنبیه على وجوب ترک البغى و الظلم بما یلزمه فعله من العقاب الألیم و ترکه من الثواب العظیم الّذى لا عذر فی ترک طلبه لو لم یکن فی فعله عقاب. و المعنى أنّه لو لم یکن فیه عقاب یخاف فیترک لأجله لکان فی ترکه ثواب یجب لأجله فکیف و فی فعله العقاب الألیم. فبالأولى أن یجب ترکه. و هو من أفصح الکلام، و الغرض التحذیر من الوقوع فی رذیله الظلم ثمّ أردف ذلک بأوامر و نواهی فمن الأوامر أمران: أحدهما: إنصاف الرعیّه من أنفسهم و میولها. الثانی: أن یصبروا لحوائجهم لینتظم أمر مصلحتهم، و علّل ذلک بکونهم خزّان الرعیّه و وکلائهم على بیت مالهم و سفراء أئمّتهم إلیهم، و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فعلیه النصفه و الصبر على حوائجهم. و من النواهی ستّه:

أحدها: أن لا یغضبوا أحدا و لا یجبهوه فیستحیى عن حاجته. الثانی: لا یمنعوا أحدا عن حاجته و یحتجبوا دونه. الثالث: أن لا یحوجوا أحدا فی طلب الخراج إلى بیع ما یضطرّ إلیه من کسوه أو دابّه ینتفع بها فی عمل، و لا عبد. الخامس: أن لا یأخذوا من مال أحد من أهل القبله أو لمعاهدین من أهل الکتاب شیئا إلّا أن یکون فرسا أو سلاحا یعدى به على المسلمین و الإسلام فإنّه یجب أخذه من أیدی أعدائهم لئلّا یکون شوکه علیهم و عونا. السادس: أن لا یدّخروا أنفسهم عن أنفسهم نصیحه بل ینصح بعضهم لبعض، و لا عن الجند حسن سیره، و لا عن الرعیّه معونه، و لا عن دین اللّه قوّه. ثمّ أمرهم أن یبلوا فی سبیله و یعطوا ما استوجب علیهم من شکر نعمه و طاعته. ثمّ علّل وجوب ذلک بقوله: فإنّ اللّه. إلى آخره. و هو فی قوّه صغرى ضمیر. و المعنى أنّه تعالى جعل شکره بجهدنا و نصرته بما بلغت قوّتنا صنیعه عندنا. إذ کان شکره و نصرته من أعظم نعمه علینا کما سبق. و قیل: أراد لأن نشکره. و تقدیر الکبری: و کلّ من اصطنع عندنا وجب علینا شکره. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۳۳

 

بازدیدها: ۱

نامه ۴۹ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى أمرائه على الجیوش

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِیِّ بْنِ أَبِی طَالِبٍ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ إِلَى أَصْحَابِ الْمَسَالِحِ- أَمَّا بَعْدُ- فَإِنَّ حَقّاً عَلَى الْوَالِی أَلَّا یُغَیِّرَهُ عَلَى رَعِیَّتِهِ فَضْلٌ نَالَهُ- وَ لَا طَوْلٌ خُصَّ بِهِ- وَ أَنْ یَزِیدَهُ مَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْ نِعَمِهِ دُنُوّاً مِنْ عِبَادِهِ- وَ عَطْفاً عَلَى إِخْوَانِهِ- أَلَا وَ إِنَّ لَکُمْ عِنْدِی أَلَّا أَحْتَجِزَ دُونَکُمْ سِرّاً إِلَّا فِی حَرْبٍ- وَ لَا أَطْوِیَ دُونَکُمْ أَمْراً إِلَّا فِی حُکْمٍ- وَ لَا أُؤَخِّرَ لَکُمْ حَقّاً عَنْ مَحَلِّهِ- وَ لَا أَقِفَ بِهِ دُونَ‏ مَقْطَعِهِ- وَ أَنْ تَکُونُوا عِنْدِی فِی الْحَقِّ سَوَاءً- فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِکَ وَجَبَتْ لِلَّهِ عَلَیْکُمُ النِّعْمَهُ- وَ لِی عَلَیْکُمُ الطَّاعَهُ- وَ أَلَّا تَنْکُصُوا عَنْ دَعْوَهٍ وَ لَا تُفَرِّطُوا فِی صَلَاحٍ- وَ أَنْ تَخُوضُوا الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ- فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَسْتَقِیمُوا لِی عَلَى ذَلِکَ- لَمْ یَکُنْ أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَیَّ مِمَّنِ اعْوَجَّ مِنْکُمْ- ثُمَّ أُعْظِمُ لَهُ الْعُقُوبَهَ وَ لَا یَجِدُ عِنْدِی فِیهَا رُخْصَهً- فَخُذُوا هَذَا مِنْ أُمَرَائِکُمْ- وَ أَعْطُوهُمْ مِنْ أَنْفُسِکُمْ مَا یُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ أَمْرَکُمْ

اللغه

أقول: أحتجز: أمنع. و النکوص: الرجوع على الأعقاب. و الغمره: الشدّه.

المعنى

و اعلم أنّه قدّم هاهنا ما یجب على الوالى المطلق لرعیّته بوجه کلیّ کما هو عاده الخطیب. ثمّ ثنّى ببیان ما یجب علیه لهم تفصیلا لذلک الکلّیّ. ثمّ ما یجب علیهم. ثمّ أمرهم بلزوم ما أوجبه علیهم.

أمّا الأوّل: فقوله: أمّا بعد. إلى قوله: إخوانه. و أشار فیه إلى أمرین أحدهما. أن لا یغیّره عنهم ما اختصّ به من الفضل و الطول لأنّ تغیّره عنهم خروج عن شرائط الولایه. الثانی: أن یزیده تلک النعمه من اللّه دنّوا من عباده عطفا على إخوانه لأنّ ذلک من تمام شکر النعمه. و أمّا الثانی: فاشترط على نفسه لهم خمسه أمور: أحدها: أن لا یحتجز دونهم سرّا فی الامور المصلحیّه إلّا فی الحرب. و یحتمل ترک مشورتهم هناک أمرین: أحدهما: أنّ أکثرهم ربّما لا یختار الحرب فلو توقّف على المشوره فیه لما استقام أمره بها. و لذلک کان علیه السّلام کثیرا ما یحملهم على الجهاد و یتضجّر من تثاقلهم علیه، و هم له کارهون. کما سبق.

الثانی: أن یکتم ذلک خوف‏

انتشاره إلى العدوّ فیکون سبب استعداده و تأهّبه للحرب، و لذلک کان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله إذا أراد سفرا إلى الحرب ورّى بغیره کما روى أنّه لمّا نوى غزاه بدر کتب للسریّه کتابا و أمرهم أن یخرجوا من المدینه إلى صوب مکّه یومین أو ثلاثه. ثمّ ینظروا فی الکتاب و یعملوا بما فیه فلمّا سار و المدّه نظروا فیه فإذا هو یأمرهم فیه بالخروج إلى نخله محمود و أن یفعلوا کذا و کذا ففعلوا و خرج النبیّ صلّى اللّه علیه و آله خلفهم إلى بدر و کان الظفر لهم. و لو أعلمهم علیه السّلام حین أمرهم بالخروج أنّه یسیر إلى قریش لانتشر ذلک إلى قریش و کان استعدادهم لهم أقوى، و جاز أن یکون ذلک أیضا مانعا لبعض الصحابه عن النهوض خوفا من أهل مکّه و شوکتهم. الثانی: أنّه لا یطوی دونهم أمرا إلّا فی حکم. استعار لفظ الطىّ لکتمان الأمر: أى لا یخفى عنکم أمرا إلّا أن یکون حکما من أحکام اللّه فإنی أقضیه دونکم من غیر مراقبه و مشاوره فیه کالحدود و غیرها.

الثالث: أن لا یؤخّر لهم حقّا عن محلّه کالعطاء و سایر الحقوق اللازمه له و لا یقف به دون مقطعه کالأحکام المتعلّقه بالمتخاصمین المحتاجه إلى الفصل. الرابع: أن یسوى بینهم فی الحقّ. و الأوّلان مقتضى فضیله الحکمه، و الثالث و الرابع مقتضى فضیله العدل. و أمّا الأمر الثالث: ممّا تستحقّه علیهم فبدأ بوجوب حقّ اللّه تعالى أوّلا. إذ کان حکم قضائه بنصبه لهم إماما و فعله بهم ما ذکر من أتمّ نعمه تعالى علیهم. ثمّ ثنىّ بما یجب له و ذکر امورا: أحدها: بذل طاعته. إذ لا حجّه لهم علیه یکون سببا لعصیانهم. الثانیّ: أن لا ینکصوا عن دعوه له إذا دعاهم. و هو من تمام الطاعه. الثالث: أن لا یقفوا فی حیّز التفریط فی مصلحه یراها أو یبدو لهم. الرابع: أن یخوضوا الغمرات و یرکبوا الشدائد فی نصره الحقّ و طلبه. ثمّ أردف ذلک بالوعید لهم إن لم یستقیموا له على ما وجب له علیهم ممّا عدّده و توعّد بأمرین: أحدهما: هو ان المعوّج منهم عن طاعته علیه و سقوط منزلته. والثانی: إعظام العقوبه له و عدم الرخصه فیها عنده. و لمّا بیّن لهم ما وجب علیهم أمرهم أن یأخذوا ذلک البیان و النصح منه و من سایر أمراء العدل، و یعطوهم من أنفسهم ما یصلح اللّه به امورهم من الطاعه و فعل ما امروا به. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۲۸

 

بازدیدها: ۲

نامه ۴۸ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى غیره

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْیَا مَشْغَلَهٌ عَنْ غَیْرِهَا- وَ لَمْ یُصِبْ صَاحِبُهَا مِنْهَا شَیْئاً- إِلَّا فَتَحَتْ لَهُ حِرْصاً عَلَیْهَا وَ لَهَجاً بِهَا- وَ لَنْ یَسْتَغْنِیَ صَاحِبُهَا بِمَا نَالَ فِیهَا عَمَّا لَمْ یَبْلُغْهُ مِنْهَا- وَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِکَ فِرَاقُ مَا جَمَعَ وَ نَقْضُ مَا أَبْرَمَ- وَ لَوِ اعْتَبَرْتَ بِمَا مَضَى حَفِظْتَ مَا بَقِیَ وَ السَّلَامُ

اللغه

أقول: اللهج: الحرص الشدید.

و صدّر الکتاب بالتنبیه على معایب الدنیا لیقلّ الرغبه فیها و ذکر منها أمور:

الأوّل: کونها مشغله عن غیرها:
أی عن الآخره و هو ظاهر ممّا مرّ.

الثانی: کونها لم یصب صاحبها منها شیئا إلّا کان ذلک معدّا للحرص علیها و اللهج بها،
و إلیه الإشاره بقوله صلّى اللّه علیه و آله: لو کان لابن آدم و ادیین من ذهب لابتغى لهما ثالثا. و لا یملأ جوف ابن آدم إلّا التراب.

الثالث: کونها لا یستغنى صاحبها بما نال فیها عمّا لم یبلغه منها،
و ذلک من لوازم العیب. الثانی فإنّ حصول بعضها إذا کان معدّا للفقر إلیها لم یستغن طالبها أبدا منها.
ثمّ أردف ذلک بذکر امور للتنفیر عنها أیضا:
أحدها: استعقابها لفراق ما جمع منها. الثانی: نقض ما أحکم من امورها، ثم نبّه على وجوب الاعتبار بما مضى من العمر أو من أحوال الدنیا و القرون الماضیه لغایه حفظ ما بقى من العمر أن یضیّع فی الباطل أو حفظ ما یبقى من السعاده الاخرویّه بالسعى فی تحصیلها. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۲۷

 

بازدیدها: ۰

نامه ۴۷ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى معاویه

فَإِنَّ الْبَغْیَ وَ الزُّورَ یُوتِغَانِ الْمَرْءَ فِی دِینِهِ وَ دُنْیَاهُ- وَ یُبْدِیَانِ خَلَلَهُ عِنْدَ مَنْ یَعِیبُهُ- وَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّکَ غَیْرُ مُدْرِکٍ مَا قُضِیَ فَوَاتُهُ- وَ قَدْ رَامَ أَقْوَامٌ أَمْراً بِغَیْرِ الْحَقِّ- فَتَأَلَّوْا عَلَى اللَّهِ فَأَکْذَبَهُمْ- فَاحْذَرْ یَوْماً یَغْتَبِطُ فِیهِ مَنْ أَحْمَدَ عَاقِبَهَ عَمَلِهِ- وَ یَنْدَمُ مَنْ أَمْکَنَ الشَّیْطَانَ مِنْ قِیَادِهِ فَلَمْ یُجَاذِبْهُ- وَ قَدْ دَعَوْتَنَا إِلَى حُکْمِ الْقُرْآنِ وَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ- وَ لَسْنَا إِیَّاکَ أَجَبْنَا وَ لَکِنَّا أَجَبْنَا الْقُرْآنَ فِی حُکْمِهِ- وَ السَّلَامُ

أقول: هذا الفصل من کتاب له إلیه بعد التحکیم و تمسّک معاویه بما حکم به الحکمان، و یحتمل أن یکون عند إجابته إلى التحکیم.

اللغه

و الوتغ بالتحریک: الهلاک. و أوتغ فلان دینه بالإثم: أهلکه و أفسده، و فی نسخه الرضى- رحمه اللّه- یذیعان: أى یظهران. و الغبطه: السرور، و الغبطه: تمنّى مثل حال الغیر.

المعنى

و صدّر الفصل بذکر الظلم و الکذب و التنفیر عنهما بما یلزمهما من إهلاک‏ دین المرء و دنیاه، و یبدیان خلله و عیبه لمن یعیبه. أمّا فی دینه فلکونهما رذیلتین مضادّتین للعدل و العفّه و مجانبتین للإیمان و الدین، و أمّا فی دنیاه فلأنّ أعظم مطالب الدنیا للعقلاء الذکر الجمیل و إنّما یحصل بظهور مکارم الأخلاق دون رذائلها، و أراد بما قضى فواته ما جعله معاویه شبهه له فی محاربته و هو المطلب بدم عثمان و هو فی قوّه صغرى ضمیر احتجّ به على وجوب ترک المشاقّه، و تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک تعیّن علیه أن یترک ذلک الطلب. ثمّ أعلمه بحال من طلب أمرا باطلا و تأوّل على اللّه فی ذلک. و الإشاره إلى أصحاب الجمل حیت کانوا طالبین للأمر و الملک فتأوّلوا على اللّه: أى على سلطان اللّه و هى الخلافه الحقّه فجعلوا لخروجهم و بغیهم علیها تأویلا و هو الطلب بدم عثمان، و نحوه من الشبه الباطله. فأکذبهم اللّه بنصره علیهم و ردّ مقتضى شبههم. و الا کذاب کما یکون بالقول کذلک یکون بالفعل. و قال القطب الراوندىّ- رحمه اللّه- : معناه و قد طلب قوم أمر هذه الامّه فتأوّلو القرآن کقوله تعالى یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا أَطِیعُوا اللَّهَ وَ أَطِیعُوا الرَّسُولَ«» فسمّوا من نصبوه من الامراء أولى الأمر متحکّمین على اللّه فأکذبهم اللّه بکونهم ظالمین بغاه، و لا یکون الوالى من قبل اللّه کذلک. ثمّ حذّره یوم القیامه منبّها له على ما فیه من سرور الّذین حمدوا عاقبه أعمالهم بما حصلوا علیه من السعاده الباقیه و اغتباط غیرهم لهم و تمنّى مثل مراتبهم، و ندم من أمکن الشیطان من قیاده فصرفه کیف شاء و لم یجاذبه، و استعار لفظ التمکین من القیاد لمطاوعه النفس الأمّاره. و غرض التحذیر أن لا یکون کمن سبق من طالبى هذا الأمر بالتأویل على اللّه.

و قوله: و قد دعوتنا. إلى آخره. صوره سؤاله و الجواب عنه. و کونه لیس من أهله. إذ لم یکن صالحا للإمامه کما سبق بیانه مرارا، و حیث لم یکن أهلا لأن یجاب إلى الرضى بالتحکیم‏ أعلمه بذلک و أنّه إنّما أجاب القرآن إلى حکمه، و ذلک فی قوله تعالى فی حقّ الزوجین وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَیْنِهِما فَابْعَثُوا حَکَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَکَماً مِنْ أَهْلِها«» الآیه فجعل علیه السّلام هذا أصلا و قاس علیه بالطریق الأولى حال الامّه عند وقوع الشقاق بینهم. و بعین ذلک احتجّ ابن عباس- رضی اللّه عنه- على الخوارج حیث أنکروا التحکیم فقالوا: کیف یجوز لعلیّ أن یحکّم فی دین اللّه الرجال. فقال لهم: إنّ ذلک لیس بأمر علیّ علیه السّلام و إنّما هو بأمر من اللّه تعالى فی کتابه. إذ یقول فی حقّ الزوجین «و إن خفتم» الآیه أ فترون أنّه أمر تعالى بذلک فی حقّ الرجل و امراته مراعاه لمصلحتهما و لا یأمر بذلک فی حقّ الأمّه رعیا لمصلحتهم فرجع کثیر منهم إلى قوله. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۲۵

بازدیدها: ۴

نامه ۴۶ شرح ابن میثم بحرانی

و من وصیّه له علیه السّلام للحسن و الحسین علیهما السّلام لما ضربه ابن ملجم لعنه اللّه

أُوصِیکُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ وَ أَلَّا تَبْغِیَا الدُّنْیَا وَ إِنْ بَغَتْکُمَا- وَ لَا تَأْسَفَا عَلَى شَیْ‏ءٍ مِنْهَا زُوِیَ عَنْکُمَا- وَ قُولَا بِالْحَقِّ وَ اعْمَلَا لِلْأَجْرِ- وَ کُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً وَ لِلْمَظْلُومِ عَوْناً- أُوصِیکُمَا وَ جَمِیعَ وَلَدِی وَ أَهْلِی وَ مَنْ بَلَغَهُ کِتَابِی- بِتَقْوَى اللَّهِ وَ نَظْمِ أَمْرِکُمْ‏ وَ صَلَاحِ ذَاتِ بَیْنِکُمْ- فَإِنِّی سَمِعْتُ جَدَّکُمَا ص یَقُولُ- صَلَاحُ ذَاتِ الْبَیْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّهِ الصَّلَاهِ وَ الصِّیَامِ- اللَّهَ اللَّهَ فِی الْأَیْتَامِ فَلَا تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ- وَ لَا یَضِیعُوا بِحَضْرَتِکُمْ- وَ اللَّهَ اللَّهَ فِی جِیرَانِکُمْ فَإِنَّهُمْ وَصِیَّهُ نَبِیِّکُمْ- مَا زَالَ یُوصِی بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَیُوَرِّثُهُمْ- وَ اللَّهَ اللَّهَ فِی الْقُرْآنِ- لَا یَسْبِقُکُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَیْرُکُمْ- وَ اللَّهَ اللَّهَ فِی الصَّلَاهِ فَإِنَّهَا عَمُودُ دِینِکُمْ- وَ اللَّهَ اللَّهَ فِی بَیْتِ رَبِّکُمْ لَا تُخَلُّوهُ مَا بَقِیتُمْ- فَإِنَّهُ إِنْ تُرِکَ لَمْ تُنَاظَرُوا- وَ اللَّهَ اللَّهَ فِی الْجِهَادِ بِأَمْوَالِکُمْ وَ أَنْفُسِکُمْ- وَ أَلْسِنَتِکُمْ فِی سَبِیلِ اللَّهِ- وَ عَلَیْکُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَ التَّبَاذُلِ- وَ إِیَّاکُمْ وَ التَّدَابُرَ وَ التَّقَاطُعَ- لَا تَتْرُکُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْیَ عَنِ الْمُنْکَرِ- فَیُوَلَّى عَلَیْکُمْ شِرَارُکُمْ ثُمَّ تَدْعُونَ فَلَا یُسْتَجَابُ لَکُمْ- ثُمَّ قَالَ یَا بَنِی عَبْدِ الْمُطَّلِبِ- لَا أُلْفِیَنَّکُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِینَ خَوْضاً- تَقُولُونَ قُتِلَ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ- أَلَا لَا تَقْتُلُنَّ بِی إِلَّا قَاتِلِی- انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هَذِهِ- فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَهً بِضَرْبَهٍ- وَ لَا تُمَثِّلُوا بِالرَّجُلِ- فَإِنِّی سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص یَقُولُ- إِیَّاکُمْ وَ الْمُثْلَهَ وَ لَوْ بِالْکَلْبِ الْعَقُورِ

اللغه

أقول: بغیت کذا: أردته. و إغباب أفواههم: أن یطعموهم یوما و یترکوهم‏ یوما. و المناظره: المحافظه و المراقبه. و التدابر: التقاطع و التعادى. و المثله التنکیل.

و قد أوصاهما بأمور:

أولها: تقوى اللّه
الّتی هى رأس کلّ خیر.

الثانی: الزهد فی الدنیا، و أن لا یریداها و إن أرادتهما:
أى أقبلت علیهما بما یعدّ فیها [عنها خ‏] خیرا، و استعار لفظ البغیه لها باعتبار سهولتها علیهما عن توافق أسباب خیرها لهما فهى بذلک الاعتبار کالطالبه لها.

الثالث: أن لا یأسفا على ما قبض و غیّب عنهما
من خیراتها و هو من لوازم الزهد الحقیقىّ فیها.

الرابع: أن لا یقولا إلّا الحقّ
و هو ما ینبغی قوله من أوامر اللّه و نواهیه، و أن یعملا لأجر الآخره: أى یکون أقوالهما و أعمالهما مقصوره على هذین.

الخامس: أن یکونا للظالم خصیما و للمظلوم عونا،
و ذلک من لوازم قول الحقّ و العمل له. إذ من کان على حاقّ العدل لابدّ أن یجانب الظالم المنحرف إلى طرف الجور و یخاصمه لیردّه إلى فضیله العدل فیکون حینئذ عونا للمظلوم.
ثمّ عاد مؤکّدا لوصیّتهما مع جمیع ولده و أهله و من بلغه کتابه من عباد اللّه بتقوى اللّه مکرّرا لها و مردفا بأوامر اخرى:
أحدها: صلاح ذات البین
و ذات کنایه عن الحاله الموجبه للبین و الافتراق.
و قیل: هى الحاله بین الرجلین و القبیلتین أو الرجل و أهله. أمر بإصلاح ما بینهما من فساد. و قیل: یحتمل أن یرید بالبین هنا الوصل، و بالذات النفس: أى أصلحوا نفس وصلکم من فساد یقع فیه. و قیل: إنّ ذات هنا مقحمه زائده، و نحوه قوله تعالى فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَیْنِکُمْ«» و صلاح ذات البین من لوازم الالفه و المحبّه فی اللّه، و هى فضیله تحت العفّه. و رغّب فی ذلک بما رواه سماعا عن‏ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله من قوله: صلاح ذات البین أفضل من عامّه الصلاه و الصیام و وجه الأفضلیّه هنا أنّک علمت فیما سلف أنّ أهمّ المطالب للشارع صلّى اللّه علیه و آله جمع الخلق على سلوک سبیل اللّه و انتظامهم فی سلک دینه و لن یتمّ ذلک مع تنازعهم و تنافر طباعهم و ثوران الفتنه بینهم فکان صلاح ذات البین ممّا لا یتمّ أهمّ مطالب الشارع إلّا به، و هذا المعنى غیر موجود فی الصلاه و الصیام لإمکان المطلوب المذکور بدونهما فتحقّقت أفضلیّته من هذه الجهه. و الخبر فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: کلّما کان کذلک فواجب أن یفعل.

الثانی: حذّره من اللّه تعالى فی الأیتام و نهى عن إجاعتهم:
و کنى عنها باغباب افواههم اذ هو مظنّه جوعهم. ثمّ عن إضاعتهم و استلزم ذلک النهى أمرهما ببرّهم و الإحسان إلیهم و هو فضیله تحت العفّه.

الثالث: الوصیّه فی الجیران و التحذیر من اللّه فیهم
و نبّه على حفظ قلوبهم و إکرامهم بوصیّه الرسول صلّى اللّه علیه و آله فی حقّهم، و جعلهم نفس الوصیّه تأکیدا للمحافظه علیهم کالمحافظه على وصیّه رسول اللّه. و المجاز من باب إطلاق اسم المتعلّق. و قوله: ما زال. إلى قوله: سیورّثهم. تفسیر للوصیّه المذکوره، و هى أیضا فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من أوصى النبیّ فی حقّه کذلک فواجب أن یحفظ.

الرابع: الوصیّه بما اشتمل علیه القرآن الکریم
من القوانین و القواعد، و التحذیر من اللّه سبحانه فی ترکه، و النهى عن أن یسبقهم بذلک غیرهم المستلزم للأمر بالمسارعه و السبق إلیه.

الخامس: الوصیّه بأمر الصلاه و التحذیر من اللّه
فی أمرها، و نبّه على فضیلتها بضمیر صغراه قوله: فإنّها عمود الدین. و هو عین ما رویناه من الحدیث قبل، و تقدیر الکبرى: و کلّ ما کان کذلک فواجب أن یقام الدین بإقامته. ا

السادس: الوصیّه ببیت ربّهم و النهى عن ترک زیارته مدّه العمر
و قد سبق‏ سرّه، و نبّه على فضیله اخرى له توجب ملازمته و هو ما یستلزمه ترکه من عدم مناظره اللّه لتارکیه و ترک محافظته علیهم و مراقبته لأنّ من لا یحفظ اللّه فی بیته و لا یراقبه فی مراعاه جانبه لم یحفظه اللّه و لم یراقبه، و یحتمل أن یرید لن یناظرکم الأعداء و لم یراقبوکم. إذ فی الإجماع إلى بیت اللّه و المحافظه علیه عزّ باللّه و اعتصام به یوجب مراقبه الخلق المعتصمین به و انفعال القلوب عنهم و عن کثرتهم و مناظرتهم.

السابع: الوصیّه بالجهاد فی سبیل اللّه بالمال و النفس و اللسان و التحذیر من اللّه فی ترکه
و هو ممّا علمت فضیلته.

الثامن: الوصیّه بالتواصل و التباذل:
أى یبذل کلّ منهم النصره لصاحبه فی سبیل اللّه.

التاسع: التحذیر من التقاطع و التدابر.
و سرّه ظاهر.

العاشر: النهى عن ترک الأمر بالمعروف و النهى عن المنکر
المستلزم للأمر بهما. و نفّر عن ذلک الترک بما یستلزمه و یعدّ له من تولّى الأشرار علیهم و عدم استجابه دعاء الداعین منهم، و وجه إعداده لذلک أنّ ترک الاجتماع على الأمر بالمعروف و النهى عن المنکر یستلزم ثوران المنکر و قلّه المعروف من طباع الأشرار و یعدّ لاستیلائها و غلبتها و ولایه أهلها و ذلک یستلزم کثره الشرّ و الأشرار و قلّه الصالحین و ضعف هممهم عن استنزال رحمه اللّه تعالى بأدعیتهم فیدعون فلا یستجاب لهم.

ثمّ عقّب ذلک بوصیّه أهل بیته من بنى عبد المطّلب بما یخصّه من أمر دمه. و الوصیّه بأمور:
أحدها: نهاهم عن إثاره الفتنه بسبب قتله
فقال: لا أجدنّکم تخوضون دماء المسلمین خوضا، و کنّى عن کثره القتل.
و قوله: تقولون: قتل أمیر المؤمنین. حکایه ما جرت به العاده أن یقوله طالب الثارحین هیاجه إظهارا لعذره و السبب الحامل له على إثاره الفتنه.
الثانی: نهاهم أن یقتلوا إلّا قاتله.
إذ ذلک هو مقتضى العدل.
الثالث: نبّههم بقوله: انظروا. إلى قوله: هذه.
على أنّه لا یجوز قتله بمجرّدضربته إن لو حصل الموت بسبب غیرها إلّا أن یعلم أنّ موته کان بسبها.
الرابع: أمرهم أن یضربوه ضربه بضربه،
و ذلک مقتضى عدله علیه السّلام أیضا.
الخامس: نهى عن المثله به معلّلا بما رواه سماعا عن رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله
و ذلک لما فی المثله من تعدّی الواجب و قسوه القلب و شفاء الغیظ و کلّ ذلک رذائل یجب الانتهاء عنها، و هو فی قوّه صغرى‏ ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ ما نهى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله عنه فوجب أن لا یفعل. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم ، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۲۰

 

بازدیدها: ۰

نامه ۴۵ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى بعض عماله

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّکَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى إِقَامَهِ الدِّینِ- وَ أَقْمَعُ بِهِ نَخْوَهَ الْأَثِیمِ- وَ أَسُدُّ بِهِ لَهَاهَ الثَّغْرِ الْمَخُوفِ- فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَى مَا أَهَمَّکَ- وَ اخْلِطِ الشِّدَّهَ بِضِغْثٍ مِنَ اللِّینِ- وَ ارْفُقْ مَا کَانَ الرِّفْقُ أَرْفَقَ- وَ اعْتَزِمْ بِالشِّدَّهِ حِینَ لَا تُغْنِی عَنْکَ إِلَّا الشِّدَّهُ- وَ اخْفِضْ لِلرَّعِیَّهِ جَنَاحَکَ وَ ابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَکَ- وَ أَلِنْ لَهُمْ جَانِبَکَ- وَ آسِ بَیْنَهُمْ فِی اللَّحْظَهِ وَ النَّظْرَهِ وَ الْإِشَارَهِ وَ التَّحِیَّهِ- حَتَّى لَا یَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِی حَیْفِکَ- وَ لَا یَیْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِکَ

اللغه

أقول: النخوه: الکبر. و الأثیم: الآثم. و الضغث: النصیب من الشی‏ء یختلط بغیره. و أصله القبضه من الحشیش المختلط من رطبه و یابسه. و اعتزم بکذا: أى لزمه و أخذ به.

المعنى

و قد استماله أوّلا بأمور ثلاثه أعلمه بها من نفسه و أعدّه لقبول أوامره،
و هى کونه ممّن یستظهر به على إقامه الدین، و یقمع به نخوه الأثیم، و یسدّ به الثغر المخوف. و استعار لفظ اللهاه لما عساه ینفتح من مفاسد الثغر فیحتاج إلى سدّه‏ بالعسکر و السلاح ملاحظه الشبهه بالأسد الفاتح فاه للافتراس.
ثمّ أردف ذلک بما أمره به من مکارم الأخلاق.
أوّلها: أن یستعین باللّه على ما أهمّه
من اموره فإنّ الفزع إلیه و الاستعانه به أفضل ما أعان على حصول المهمّات.
الثانی: أن یمزج الشدّه بضرب من اللین
و یضع کلامه موضعه فیرفق و یلین ما کان الرفق أولى و أوفق له و یأخذ بالشدّه حین لا یغنى إلّا الشدّه.
الثالث: أن یخفض جناحه لرعیّته،
و هو کنایه عن التواضع.
الرابع: أن یبسط لهم وجهه،
و هو کنایه عن لقائهم بالبشاشه و البشر و ترک العبوس و التقطیب.
الخامس: أن یلین لهم جانبه،
و هو کنایه عن المساهله معهم و عدم التشدّد علیهم.
السادس: أن یواسى بینهم فی اللحظه و النظره و الإشاره و التحیّه،
و اللحظه أخصّ من النظره و هو أمر بفضیله العدل بین الرعیّه لئلّا یطمع عظیمهم فی حیفه على الضعیف فیتسلّط علیه، و لا ییأس الضعیف من عدله على القوىّ فیضعف نفسه و یکلّ عمّا هو بصدده من الأعمال المصلحیّه، و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۱۱۸

 

بازدیدها: ۸

نامه ۴۴ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى عثمان بن حنیف الأنصارى، و هو عامله على البصره

و قد بلغه أنه دعى إلى ولیمه قوم من أهلها فمضى إلیها أَمَّا بَعْدُ یَا ابْنَ حُنَیْفٍ- فَقَدْ بَلَغَنِی أَنَّ رَجُلًا مِنْ فِتْیَهِ أَهْلِ الْبَصْرَهِ- دَعَاکَ إِلَى‏ مَأْدُبَهٍ فَأَسْرَعْتَ إِلَیْهَا- تُسْتَطَابُ لَکَ الْأَلْوَانُ وَ تُنْقَلُ إِلَیْکَ الْجِفَانُ- وَ مَا ظَنَنْتُ أَنَّکَ تُجِیبُ إِلَى طَعَامِ قَوْمٍ- عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ وَ غَنِیُّهُمْ مَدْعُوٌّ- فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ مِنْ هَذَا الْمَقْضَمِ- فَمَا اشْتَبَهَ عَلَیْکَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ- وَ مَا أَیْقَنْتَ بِطِیبِ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ- أَلَا وَ إِنَّ لِکُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً یَقْتَدِی بِهِ- وَ یَسْتَضِی‏ءُ بِنُورِ عِلْمِهِ- أَلَا وَ إِنَّ إِمَامَکُمْ قَدِ اکْتَفَى مِنْ دُنْیَاهُ بِطِمْرَیْهِ- وَ مِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَیْهِ- أَلَا وَ إِنَّکُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِکَ- وَ لَکِنْ أَعِینُونِی بِوَرَعٍ وَ اجْتِهَادٍ وَ عِفَّهٍ وَ سَدَادٍ- فَوَاللَّهِ مَا کَنَزْتُ مِنْ دُنْیَاکُمْ تِبْراً- وَ لَا ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً- وَ لَا أَعْدَدْتُ لِبَالِی ثَوْبِی طِمْراً- بَلَى کَانَتْ فِی أَیْدِینَا فَدَکٌ مِنْ کُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ- فَشَحَّتْ عَلَیْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ- وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ آخَرِینَ- وَ نِعْمَ الْحَکَمُ اللَّهُ- وَ مَا أَصْنَعُ بِفَدَکٍ وَ غَیْرِ فَدَکٍ- وَ النَّفْسُ مَظَانُّهَا فِی غَدٍ جَدَثٌ تَنْقَطِعُ فِی ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا- وَ تَغِیبُ أَخْبَارُهَا- وَ حُفْرَهٌ لَوْ زِیدَ فِی فُسْحَتِهَا وَ أَوْسَعَتْ یَدَا حَافِرِهَا- لَأَضْغَطَهَا الْحَجَرُ وَ الْمَدَرُ- وَ سَدَّ فُرَجَهَا التُّرَابُ الْمُتَرَاکِمُ- وَ إِنَّمَا هِیَ نَفْسِی أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى- لِتَأْتِیَ آمِنَهً یَوْمَ الْخَوْفِ الْأَکْبَرِ- وَ تَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ وَ لَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَیْتُ الطَّرِیقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَا الْعَسَلِ- وَ لُبَابِ هَذَا الْقَمْحِ وَ نَسَائِجِ هَذَا الْقَزِّ- وَ لَکِنْ هَیْهَاتَ أَنْ یَغْلِبَنِی هَوَایَ- وَ یَقُودَنِی جَشَعِی إِلَى تَخَیُّرِ الْأَطْعِمَهِ- وَ لَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْیَمَامَهِ مَنْ لَا طَمَعَ لَهُ فِی الْقُرْصِ- وَ لَا عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ- أَوْ أَبِیتَ مِبْطَاناً وَ حَوْلِی بُطُونٌ غَرْثَى- وَ أَکْبَادٌ حَرَّى أَوْ أَکُونَ کَمَا قَالَ الْقَائِلُ-
وَ حَسْبُکَ دَاءً أَنْ تَبِیتَ بِبِطْنَهٍ وَ حَوْلَکَ أَکْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ

أَ أَقْنَعُ مِنْ نَفْسِی بِأَنْ یُقَالَ- هَذَا أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ- وَ لَا أُشَارِکُهُمْ فِی مَکَارِهِ الدَّهْرِ- أَوْ أَکُونَ أُسْوَهً لَهُمْ فِی جُشُوبَهِ الْعَیْشِ- فَمَا خُلِقْتُ لِیَشْغَلَنِی أَکْلُ الطَّیِّبَاتِ- کَالْبَهِیمَهِ الْمَرْبُوطَهِ هَمُّهَا عَلَفُهَا- أَوِ الْمُرْسَلَهِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا- تَکْتَرِشُ مِنْ أَعْلَافِهَا وَ تَلْهُو عَمَّا یُرَادُ بِهَا- أَوْ أُتْرَکَ سُدًى أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً- أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلَالَهِ أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِیقَ الْمَتَاهَهِ وَ کَأَنِّی بِقَائِلِکُمْ یَقُولُ- إِذَا کَانَ هَذَا قُوتُ ابْنِ أَبِی طَالِبٍ- فَقَدْ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ الْأَقْرَانِ- وَ مُنَازَلَهِ الشُّجْعَانِ- أَلَا وَ إِنَّ الشَّجَرَهَ الْبَرِّیَّهَ أَصْلَبُ عُوداً- وَ الرَّوَاتِعَ الْخَضِرَهَ أَرَقُّ جُلُوداً- وَ النَّابِتَاتِ الْعِذْیَهَ أَقْوَى وَقُوداً وَ أَبْطَأُ خُمُوداً- . وَ أَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ کَالضَّوْءِ مِنَ الضَّوْءِ- وَ الذِّرَاعِ مِنَ الْعَضُدِ- وَ اللَّهِ لَوْ تَظَاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلَى قِتَالِی لَمَا وَلَّیْتُ عَنْهَا- وَ لَوْ أَمْکَنَتِ الْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا لَسَارَعْتُ إِلَیْهَا- وَ سَأَجْهَدُ فِی أَنْ أُطَهِّرَ الْأَرْضَ مِنْ هَذَا الشَّخْصِ الْمَعْکُوسِ- وَ الْجِسْمِ الْمَرْکُوسِ-

حَتَّى تَخْرُجَ الْمَدَرَهُ مِنْ بَیْنِ حَبِّ الْحَصِیدِ إِلَیْکِ عَنِّی یَا دُنْیَا فَحَبْلُکِ عَلَى غَارِبِکِ- قَدِ انْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِکِ- وَ أَفْلَتُّ مِنْ حَبَائِلِکِ- وَ اجْتَنَبْتُ الذَّهَابَ فِی مَدَاحِضِکِ- أَیْنَ الْقُرُونُ الَّذِینَ غَرَرْتِهِمْ بِمَدَاعِبِکِ- أَیْنَ الْأُمَمُ الَّذِینَ فَتَنْتِهِمْ بِزَخَارِفِکِ- فَهَا هُمْ رَهَائِنُ الْقُبُورِ وَ مَضَامِینُ اللُّحُودِ- وَ اللَّهِ لَوْ کُنْتِ شَخْصاً مَرْئِیّاً وَ قَالَباً حِسِّیّاً- لَأَقَمْتُ عَلَیْکِ حُدُودَ اللَّهِ فِی عِبَادٍ غَرَرْتِهِمْ بِالْأَمَانِیِّ- وَ أُمَمٍ أَلْقَیْتِهِمْ فِی الْمَهَاوِی- وَ مُلُوکٍ أَسْلَمْتِهِمْ إِلَى التَّلَفِ- وَ أَوْرَدْتِهِمْ مَوَارِدَ الْبَلَاءِ إِذْ لَا وِرْدَ وَ لَا صَدَرَ- هَیْهَاتَ مَنْ وَطِئَ دَحْضَکِ زَلِقَ- وَ مَنْ رَکِبَ لُجَجَکِ غَرِقَ- وَ مَنِ ازْوَرَّ عَنْ حَبَائِلِکِ وُفِّقَ- وَ السَّالِمُ مِنْکِ لَا یُبَالِی إِنْ ضَاقَ بِهِ مُنَاخُهُ- وَ الدُّنْیَا عِنْدَهُ کَیَوْمٍ حَانَ انْسِلَاخُهُ اعْزُبِی عَنِّی فَوَاللَّهِ لَا أَذِلُّ لَکِ فَتَسْتَذِلِّینِی- وَ لَا أَسْلَسُ لَکِ فَتَقُودِینِی- وَ ایْمُ اللَّهِ یَمِیناً أَسْتَثْنِی فِیهَا بِمَشِیئَهِ اللَّهِ- لَأَرُوضَنَّ نَفْسِی رِیَاضَهً تَهِشُّ مَعَهَا إِلَى الْقُرْصِ- إِذَا قَدَرْتُ عَلَیْهِ مَطْعُوماً- وَ تَقْنَعُ بِالْمِلْحِ مَأْدُوماً- وَ لَأَدَعَنَّ مُقْلَتِی کَعَیْنِ مَاءٍ نَضَبَ مَعِینُهَا- مُسْتَفْرِغَهً دُمُوعَهَا- أَ تَمْتَلِئُ السَّائِمَهُ مِنْ رِعْیِهَا فَتَبْرُکَ- وَ تَشْبَعُ الرَّبِیضَهُ مِنْ عُشْبِهَا فَتَرْبِضَ- وَ یَأْکُلُ عَلِیٌّ مِنْ زَادِهِ فَیَهْجَعَ- قَرَّتْ إِذاً عَیْنُهُ إِذَا اقْتَدَى بَعْدَ السِّنِینَ الْمُتَطَاوِلَهِ- بِالْبَهِیمَهِ الْهَامِلَهِ وَ السَّائِمَهِ الْمَرْعِیَّهِ- طُوبَى لِنَفْسٍ أَدَّتْ إِلَى رَبِّهَا فَرْضَهَا- وَ عَرَکَتْ بِجَنْبِهَا بُؤْسَهَا وَ هَجَرَتْ فِی اللَّیْلِ غُمْضَهَا- حَتَّى إِذَا غَلَبَ الْکَرَى عَلَیْهَا افْتَرَشَتْ أَرْضَهَا- وَ تَوَسَّدَتْ کَفَّهَا- فِی مَعْشَرٍ أَسْهَرَ عُیُونَهُمْ خَوْفُ مَعَادِهِمْ- وَ تَجَافَتْ عَنْ مَضَاجِعِهِمْ جُنُوبُهُمْ- وَ هَمْهَمَتْ بِذِکْرِ رَبِّهِمْ شِفَاهُهُمْ- وَ تَقَشَّعَتْ بِطُولِ اسْتِغْفَارِهِمْ ذُنُوبُهُمْ- أُولئِکَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- فَاتَّقِ اللَّهَ یَا ابْنَ حُنَیْفٍ وَ لْتَکْفُفْ أَقْرَاصُکَ- لِیَکُونَ مِنَ النَّارِ خَلَاصُکَ«»

اللغه

أقول: المأدبه بالضمّ: الطعام یدعى إلیه. و العائل: الفقیر. و القضم: الأکل بأدنى الفم. و الطمر: الثوب الخلق. و الوفر: المال الکثیر. و فدک: اسم قریه کانت لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله. و الجدث: القبر. و أضغطها: ضیّقها. و القمح: الحنطه. و النسائج: جمع نسجه بمعنى منسوجه. و الجشع. أشدّ الحرص على الطعام. و المبطان: عظیم البطن لکثره الأکل. و غرثى: جایعه. و البطنه: الکظّه و هی الامتلاء من الطعام و التقمّم: تتبّع القمامه و هی الکناسه. و تکترش: تملأ کرشها. و اسدى: الملقى المهمل. و الروائع: الأشجار الّتی تروع بنضارتها. و البدویّه: النباتات الّتی لا یسقیها إلّا ماء المطر. و المرکوس: المردود مقلوبا کالمنکوس. و المداحض: المزالق، و ازورّ أخذ جانبا. و اعزبی. ابعدی. یقال: عزب الرجل- بالفتح- : إذا بعد. و سلس الرجل یسلس بکسر اللام فی المستقبل: سهل قیاده. و الریاضه: التأدیب و التعوید. و الربیضه: الجماعه الرابضه من الغنم. و تجافت: أی بانت و ارتفعت. و الهمهمه: الصوت الخفیّ.

و فی الکتاب مقاصد:

الأوّل: أشار إلى ما یرید عتابه علیه
و هو إجابته إلى المأدبه مسرعا یستطاب له الألوان و تنقل إلیه الجفان، و أعلمه أنّه بلغه ذلک مقرّرا له لیحسن توبیخه، و ذلک فی قوله: أمّا بعد. إلى قوله: الجفان.

الثانی: أشار على وجه المعاتبه إلى تخطئته فی ذلک
بقوله: و ما ظننت أنّک إلى کذا: أى کان ظنّی فیک من الورع أنّک تنزّه نفسک عن الإجابه إلى طعام قوم لا یلتفتون إلى فقرائهم، و یقصرون الدعوه و الکرامه على أغنیائهم و امرائهم، و وجه الخطاء فی إجابه داعی هؤلاء أنّ تخصیصهم الأغنیاء دون الفقراء بالکرامه و الدعوه دلیل واضح على أنّهم إنّما یریدون بذلک الدنیا و السمعه و الرئاء دون وجه اللّه تعالى، و من کان کذلک فإجابته موافقه له على ذلک و رضى بفعله، و ذلک خطاء کبیر خصوصا من أمراء الدین المتمکّنین من إنکار المنکرات.

الثالث: أمره أن یحترز فیما یتّفق له أن یقع فیه من ذلک
بالنظر إلى ما یحضر من الطعام فما وجد فیه شبهه حرام و لم یحقّق حاله فلیترکه، و ما تیقّن حلّه و طیب وجه اکتسابه ببراءه عن الشبهه فینال منه، و کنّى عنه بالمقضم تحقیرا له و تقلیلا، و یفهم منه بحسب التأدیب الأوّل أنّ التنزّه عن هذا المباح أفضل له من تناوله.

الرابع: نبّهه بعد ذلک بقوله: ألا و إنّ. إلى قوله: علمه. على أنّ له إماما یجب أن یقتدى به
و هو تمثیل فی قوّه قیاس کامل حذفت صغراه. فأصل التمثیل مطلق الإمام و المأموم، و علّته کونهما إماما و مأموما، و فرعه هو علیه السّلام و عامله، و حکمه وجوب الاقتداء. و تقدیر القیاس: أنّک مأموم لإمام، و کلّ مأموم لإمام فیجب علیه أن یقتدی بإمامه، ینتج أنّه یجب علیک أن تقتدی بإمامک و یستضی‏ء بنور علمه.

الخامس: أردف ذلک بالبیّنه على ما یجب أن یقتدی به فیه من حاله فی دنیاه

و هو اکتفاؤه من ملبوسها بما یستر بدنه من طمریه: و من مطعومها بما یسدّ به فوره جوعه من قرصیه غیر ملتفت فیما لبسه إلى زینته فإنّ طمریه کانا عمامه و مدرعه قد استحیا من راقعها، و لا مکترث فیما طعمه بلذّه و طیب فإنّ قرصیه کانا من شعیر غیر منخول واحد بالغداه واحد بالعشیّ.

السادس: نبّه أصحابه على أنّ ریاضته تلک لا یستطاع لهم
فإنّها قوّه مشروطه باستعداد لم یصلوا إلیه. ثمّ أمرهم إذ کانت الحال کذلک أن یقصروا فى معونته على أنفسهم و ریاضته بالورع، و أراد به هنا الکفّ عن المحارم ثمّ بالاجتهاد فی الطاعه، و یحتمل أن یرید بالورع لزوم الأعمال الجمیله. ثمّ الاجتهاد فیها.

السابع: نبّه بالقسم البارّ على ردّ ما عساه یعرض لبعض الأذهان الفاسده فی حقّه علیه السّلام أنّ زهده فی الدنیا مشوب بریاء و سمعه
و أنّ وراءه محبّتها و جمعها و ادّخارها خصوصا و هو إمام الوقت و خلیفه الأرض فعدّد أنواع ما أفاء اللّه على المسلمین منها ثمّ أقسم أنّه لم یأخذ منه إلّا قوته، و شبّهه فی القلّه و الحقاره بقوت الأتان الدبره، و خصّها لأنّ ضعفها بالدبر و شغلها بألمه یقلّل قوتها. ثمّ بالغ فى وصف حقاره دنیاهم عنده فأخبر أنّها فی نظره و اعتباره أهون من عفصه مقره، و ظاهر أنّ من کان کذلک کیف یتصوّر محبّته للدنیا و عمله لها.

الثامن: أنّه لمّا قال فیما أقسم علیه من الدنیا: و لا حزت من أرضها شبرا.
استثنى من ذلک فدک
بقوله: بلى قد کانت لنا فدک من کلّ ما أظلّته السماء. و ذکرها فی معرض حکایه حاله و حال القوم معه على سبیل التشکّی و التظلّم ممن أخذها منهم إلى اللّه سبحانه و تسلیم الأمر له و الرضا بکونه حکما. و اعلم أنّ فدک کانت خاصّه لرسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و ذلک أنّه لمّا فرغ من أمر خیبر قذف اللّه فی قلوب أهل فدک الرعب فبعثوا إلیه صلّى اللّه علیه و آله یصالحونه على النصف فقبل ذلک منهم فکانت له خاصّه إذ لم یوجف علیها بخیل و لا رکاب، و روى أنّه صالحهم على کلّها. ثمّ المشهور بین الشیعه و المتّفق علیه عندهم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أعطاها فاطمه علیها السّلام، و رووا ذلک من طرق مختلفه: منها عن أبی سعید الخدری قال:

لمّا أنزلت وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ أعطى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فاطمه علیها السّلام فدک فلمّا تولّى ابو بکر الخلافه عزم على أخذها منها. فأرسلت إلیه تطالبه بمیراثها من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و تقول: إنّه أعطانی فدکا فی حیاته و استشهدت على ذلک علیّا علیه السّلام و أمّ أیمن فشهدا لها بها. فأجابها عن المیراث بخبر رواه هو: نحن معاشر الأنبیاء لا نورّث فما ترکناه فهو صدقه، و عن دعوى فدک أنّها لم تکن للنبیّ صلّى اللّه علیه و آله و إنّما کانت مالا للمسلمین فی یده یحمل به الرجال و ینفقه فی سبیل اللّه و أنا ألیه کما کان یلیه.

فلمّا بلغها ذلک لاثت خمارها و أقبلت فی لمّه من حفدتها و نساء قومها تطأ فی ذیولها حتّى دخلت علیه و معه جلّ المهاجرین و الأنصار فضربت بینها و بینهم قطیفه. ثمّ أنّت أنّه أجهش لها القوم بالبکاء. ثمّ أمهلت طویلا حتّى سکتوا من فورتهم«» و قالت: أبتدء بحمد من هو أولى بالحمد و الطول و المجد الحمد للّه على ما أنعم و له الشکر بما ألهم. ثمّ خطبت خطبه طویله قالت فی آخرها: فاتّقوا اللّه حقّ تقاته و أطیعوه فیما أمرکم فإنّما یخشى اللّه من عباده العلماء، و احمدوا اللّه الّذی بعظمته و نوره یبتغى من فی السماوات و من فی الأرض إلیه الوسیله، و نحن وسیلته فی خلقه، و نحن خاصّته و محلّ قدسه، و نحن حجّته فی غیبه، و نحن ورثه أنبیائه.

ثمّ قالت أنا فاطمه بنت محمّد. أقول عودا على بدء ما أقول ذلک شرفا و لا شططا فاسمعوا بأسماع واعیه. ثمّ قالت: لَقَدْ جاءَکُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِکُمْ عَزِیزٌ عَلَیْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِیصٌ عَلَیْکُمْ بِالْمُؤْمِنِینَ رَؤُفٌ رَحِیمٌ. فإن تعزوه تجدوه أبى دون آبائکم و أخا ابن عمّى دون رجالکم. ثمّ قالت: ثمّ أنتم تزعمون أن لا إرث لأبى أ فحکم الجاهلیه تبغون و من أحسن من اللّه حکما لقوم یوقنون ایها معشر الملّه. أفى کتاب اللّه أن ترث یا ابن أبی قحافه أباک و لا أرث أبى لقد جئت شیئا فریّا فدونکها مخطومه مرحوله تلقاک یوم حشرک فنعم الحکم اللّه و الزعیم محمّد و الموعد القیامه، و عندالساعه یخسر المبطلون، و لکلّ نبأ مستقرّ و سوف تعلمون من یأتیه عذاب مقیم قال: ثمّ التفتت إلى قبر أبیها فتمثّلت بقول هند بنت أمامه:
قد کان بعدک أنباء و هنبثه لو کنت شاهدها لم تکثر الخطب‏
أبدت رجال لنا نجوى صدورهم‏
لمّا قضیت و حالت دونک الترب‏
تجهّمتنا رجال و استخفّ بنا إذ غبت عنّا فنحن الیوم مغتصب‏

قال فلم یر الناس أکثر باکیا و باکیه منهم یومئذ. ثمّ عدلت إلى مسجد الأنصار، و قالت: یا معشر الأنصار و أعضاد الملّه و حضنه الإسلام ما هذه الفتره عن نصرتى و الونیه عن معونتی و الغمیزه فی حقّى و السنه عن ظلامتی أمّا قال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله: المرء یحفظ فی ولده. سرعان ما أحدثتم، و عجلان ما آتیتم ألأن مات رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله أمتّم دینه. ها إنّ موته لعمرى خطب جلیل استوسع وهیه و استنهر فتقه، و فقد راتقه، و أظلمت الأرض له، و خشعت الجبال، و أکدت الآمال. اضیع بعده الحریم و هتکت الحرمه و أزیلت المصونه، و تلک نازله أعلن بها کتاب اللّه قبل موته و أنبأکم بها قبل وفاته فقال: و ما محمّد إلّا رسول قد خلت من قبله الرسل أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابکم و من ینقلب على عقبیه فلن یضرّ اللّه شیئا و سیجزی اللّه الشاکرین. ایها بنى قبیله أ اهضم تراث أبى و أنتم بمرأى و مسمع تبلغکم الدعوه و تشملکم الصوت، و فیکم العدّه و العدد، و لکم الدار و الجنن، و أنتم نجبه اللّه الّتى انتجت، و خیره اللّه الّتی اختار. فادیتم العرب، و ناطحتم الامم، و کافحتم البهم حتّى دارت بکم رحى الإسلام، و درّ حلبه و خبت نیران الحرب، و سکنت فوره الشرک، و هدأت دعوه الهرج، و استوثق نظام الدین. أفتأخّرتم بعد الإقدام، و جبنتم بعد الشجاعه عن قوم نکثوا أیمانهم من بعد إیمانهم و طعنوا فی دینکم. فقاتلوا أئمّه الکفر إنّهم لا أیمان لهم لعلّهم ینتهون.

ألا و قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض و رکنتم إلى الدعه و جحدتم الدین و وسّعتم الّذی سوّغتم. و إن تکفروا أنتم و من فی الأرض جمیعا فإنّ اللّه غنىّ حمید. ألا و قد قلت ما قلت على معرفه منّى بالخذله الّتی خامرتکم و خور القنا و ضعف الیقین فدونکموها فاحتبقوها مدبره الظهور ناقبه الخفّ‏ باقیه العار موسومه الشنار موصوله بنار اللّه الموقده الّتى تطّلع على الأفئده فبعین اللّه ما تعملون. و سیعلم الذین ظلموا أىّ منقلب ینقلبون. ثمّ رجعت إلى بیتها و أقسمت أن لا تکلّم أبا بکر و لتدعونّ اللّه علیه، و لم تزل کذلک حتّى حضرتها الوفاه فأوصت أن لا یصلّى علیها فصلّى علیها العبّاس و دفنت لیلا، و روی أنّه لمّا سمع کلامها أحمد اللّه و أثنى علیه و صلّى على رسوله، ثمّ قال: یا خیره النساء و ابنه خیر الآباء و اللّه ما عدوت رأى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و لا عملت إلّا بأمره، و إنّ الرائد لا یکذب أهله قد قلت فأبلغت و أغلظت فأهجرت فغفر اللّه لنا و لک أمّا بعد فقد دفعت ألّه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و دابّته و حذاه إلى علىّ علیه السّلام، و أمّا ما سوى ذلک فإنّی سمعت رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقول: إنّا معاشر الأنبیاء لا نورّث ذهبا و لا فضّه و لا أرضا و لا عقارا و لا دارا و لکنّا نورّث الإیمان و الحکمه و العلم و السنّه، و قد عملت بما أمرنى و سمعت. فقالت: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله قد وهبها لی. قال: فمن یشهد بذلک. فجاء علیّ بن أبی طالب و أمّ أیمن فشهدا لها بذلک فجاء عمر بن الخطاب و عبد الرحمن بن عوف فشهدا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یقسّمها. فقال: أبو بکر صدقت یا ابنه رسول اللّه و صدق علىّ و صدقت أمّ أیمن و صدق عمر و صدق عبد الرحمن، و ذلک أنّ لک ما لأبیک کان رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله یأخذ من فدک قوتکم و یقسّم الباقى و یحمل منه فی سبیل اللّه، و لک على اللّه أن أصنع بها کما کان یصنع. فرضیت بذلک و أخذت العهد علیه به. و کان یأخذ غلّتها فیدفع إلیهم منها ما یکفیهم. ثمّ فعلت الخلفاء بعده کذلک إلى أن ولّى معاویه فأقطع مروان ثلثها بعد الحسن علیه السّلام. ثمّ خلصت له فی خلافته و تداولها أولاده إلى أن انتهت إلى عمر بن عبد العزیز فردّها فی خلافته على أولاد فاطمه علیها السّلام قالت الشیعه: فکانت أوّل ظلامه ردّها. و قالت السنّه: بل استخلصها فی ملکه ثمّ وهبها لهم. ثمّ اخذت منهم بعده إلى أن انقضت دوله بنی أمیّه فردّها علیهم أبو العبّاس السفّاح. ثمّ قبضها المنصور. فردّها ابنه المهدى. ثمّ قبضها ولداه موسى و هرون. فلم یزل فی أیدى بنى العبّاس إلى زمن المأمون فردّها إلیهم و بقبت إلى عهد المتوکّل فأقطعها عبد اللّه بن عمر البازیار، و روى أنّه کان فیها إحدى عشره نخله غرسها رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بیده فکانت بنو فاطمه یهدون ثمرها إلى الحاجّ فیصلونهم عن ذلک بمال جلیل فبعث البازیار رجلا فصرمها و عاد إلى البصره ففلج، و فی هذه القصّه خبط کثیر بین الشیعه و مخالفیهم، و لکلّ من الفریقین کلام طویل. و لنرجع إلى المتن.

فنقول: أشار بالنفوس الّتی شحّت بها إلى أبی بکر و عمر و أتباعهما، و بالنفوس الّتی سمحت بها إلى وجوه بنى هاشم و من مال میلهم.

التاسع: استفهم عمّا یصنع بفدک و غیرها من القینات الدنیویّه
استفهام إنکار لوجه حاجته إلیها تسلیه لنفسه عنها و جذبا له عن الدنیا إلى الأعمال الصالحه بذکر غایه النفوس منها، و هی صیرورتها إلى الجدث، و لوازم تلک الغایه من انقطاع الآثار و غیبه الأخبار فیها و سایر ما عدّده من صفات الجدث، و إنّما عدّد هذه الأمور لأنّ الأوهام تنفر عنها و تخشع القلوب لذکرها. فتفزع إلى اللّه تعالى و یجذب إلى الأعمال الصالحه الّتی بها الخلاص من أهوال الموت و ما بعده.
و الواو فی قوله: و النفس. للحال.

العاشر: لمّا نبّه على أنّ فدک و غیرها من قینات الدنیا لا حاجه إلیها
أشار إلى حصر حاجته و غایته لنفسه و هى ریاضتها بالتقوى، و الضمیر کهو فی قوله فیما سبق: و إنّما هى الکوفه. و التقدیر: و إنّما همّتى و حاجتى ریاضه نفسى بالتقوى.
و اعلم أنّ ریاضه النفس تعود إلى نهیها عن هواها و أمرها بطاعه مولاها و هى مأخوذه من ریاضه البهیمه و هى منعها عن الإقدام على حرکات غیر صالحه لصاحبها و لا موافقه لمراده، و تمرینها على ما یوافق مراده من الحرکات، و القوّه الحیوانیّه الّتى هى مبدأ الإدراکات و الأفاعیل الحیوانیّه فی الإنسان إذا لم یکن لها طاعه القوّه العاقله ملکه کانت بمنزله بهیمه لم ترض فهى تتبع الشهوه تاره و الغضب اخرى، و غالب أحوالها أن تخرج فی حرکاتها عن العدل إلى أحد طرفى الإفراط و التفریط بحسب الدواعى المختلفه المتخیّله و المتوهّمه و یستخدم القوّه العاقله فی تحصیل مراداتها فتکون هى أمّاره و العاقله مؤتمره لها. أمّا إذا راضتها القوّه العاقله و منعتها عن‏ التخیّلات و التوهّمات و الإحساسات و الأفاعیل المثیره للشهوه و الغضب و مرّنتها على ما یقتضیه العقل العملیّ و أدّبتها على طاعته بحیث یأتمر بأمرها و ینتهى لها کانت العقلیّه مطمئنّه لا تفعل أفعالا مختلفه المبادی و کانت باقى القوى مؤتمره

مسالمه لها. إذا عرفت ذلک فنقول: لمّا کان الغرض الأقصى من الریاضه إنّما هو نیل الکمال الحقیقىّ، و کان ذلک موقوفا على الاستعداد له، و کان حصول ذلک الاستعداد موقوفا على زوال الموانع الخارجیّه و الداخلیّه کان للریاضه أغراض ثلاثه: أحدها: حذف کلّ محبوب و مرغوب عدا الحقّ الأوّل سبحانه عن درجه الاعتبار و مستنّ الایثار. و هى الموانع الخارجیّه. و الثانی: تطویع النفس الأمّاره للنفس المطمئنّه لیجذب التخیّل و التوهّم عن الجانب السفلى إلى العلوى و یتبعهما سایر القوى فیزول الدواعى الحیوانیّه المذکوره. و هى الموانع الداخلیّه. الثالث: بعث السرّ و توجیهه إلى الجنّه العالیه لتلقّى السوانح الإلهیّه و تهیّئه لقبولها. و یعین على الغرض الأوّل الزهد الحقیقى و هی الإعراض عن متاع الدنیا و طیّباتها بالقلب، و على الثانی العباده المشفوعه بالفکر فی ملکوت السماوات و الأرض و ما خلق اللّه من شی‏ء و عظمه الخالق سبحانه و الأعمال الصالحه المنویّه لوجهه خالصا. و عبّر علیه السّلام بالتقوى الّتی روّض بها نفسه عن هذه الامور المعیّنه و الأسباب المعدّه، و نبّه على غرضه الأقصى من الریاضه و هو الکمال الحقیقى و اللذّه به بذکر بعض لوازمه و هى أن یأتی نفسه آمنه من الفزع یوم الخوف الأکبر و هو یوم القیامه، و أن یثبت على جوانب المزلق و هو الصراط المستقیم فلا تمیل به الدواعی المختلفه عنه إلى أبواب جهنّم و مهاوى الهلاک. و استعار لفظ المزالق: لمظانّ زلل أقدام العقول فی الطریق إلى اللّه و جذب المیول الشهویّه و الغضبیّه عنها إلى الرذائل الموبقه.

الحادی عشر: نبّه على أنّ زهده فی الدنیا و اقتصاره منها
على الطمرین و القرصین‏ و ترک ما سوى ذلک لیس عن عجزه عن تحصیل طیّبات مطعوماتها و ملبوساتها، و أنّه لو شاء لاهتدى إلى تحصیل تلک الطیّبات و لباب القمح و مصفّى العسل لأنّ الهریسه و العسل من أشهر الطیّبات بمکّه و الحجاز، و إنّما ترکه مع القدره علیه ریاضه لنفسه و إعدادا لها لتحصیل الکمالات الباقیه. و استثنى هنا نقیض الملزوم و هو عدم غلبه هواه لعقله و عدم قود جشعه له إلى تخیّر الأطعمه، و نبّه عن ذلک العدم بقوله: هیهات. فإنّ ما استبعد وقوعه من نفسه و أنکره فقد نفاه عنها و حکم بعدمه.

و أمّا أنّ ذلک العدم هو نقیض الملزوم بعینه فلأنّ الملزوم هنا هو المشیئه لتخیّر الطیّبات و غلبه الهوى للعقل على مقتضى رأیه فی ترکها و التنزّه عنها وقود الشهوه له إلى الموافقه على استعمالها، و المستثنى هاهنا هو عدم ذلک بعینه، و أمّا جواز استثنائه لنقیض المقدّم فلأنّ مشیئه تلک شرط مسا و لتخیّر الطیّبات و الاهتداء إلیها، و کان عدمه مستلزما لعدم مشروطه و أکثر استعمال لو فی لغه العرب على وجه أنّ الملزوم علّه للازمه أو شرط مساو له، و یستثنى نقیض الملزوم. و الواو فی قوله: و لعلّ. للحال: أى هیهات أن یغلبنی هواى إلى تخیّر الأطعمه حال ما یحتمل أن یکون بالحجاز و الیمامه من هو بصفه کذا. و قوله: أو أبیت. عطف على یقودنی داخل فیما استبعده من نفسه. و الواو فی قوله: و حولی. للحال، و العامل أبیت، و کذلک قوله: أو أن أکون. عطف على أبیت، و هما لازمان من لوازم نتیجه القیاس الاستثنائى فإنّ عدم إرادته لتخیّر الطیّبات لمّا استلزمه هنا عدم تناولها و استمتاعه بها استلزم ذلک أن لا یبیت مبطانا و حوله أکباد جائعه و أن لا یلحقه عار بذلک. و البیت تمثیل. غرضه التنفیر عن العار اللازم عن الاستمتاع بالطیّبات مع وجود ذوى الحاجه إلى یسیر الطعام، و نبّه على حسن هذه اللوازم بما قارن نقایضها من الأحوال المذکوره. و البیت لحاتم بن عبد اللّه الطائی من قطعه أوّلها:
أیا ابنه عبد اللّه و ابنه مالک و یا ابنه ذى البردین و الفرس النهد

إذا ما صنعت الزاد فالتمسى له أکیلا فإنّى لست آکله و حدى‏
قصیّا بعیدا أو قریبا فإنّنی‏
أخاف إذا متّ الأحادیث من بعدى‏
کفى بک عارا أن تبیت ببطنه و حولک أکباد تحنّ إلى القدّ
و إنّی لعبد الضیف ما دام نازلا
و ما فیّ لولا هذه شیمه العبد

و یروى حسبک داء. و أطلق علیه اسم الداء باعتبار أنّه رذیله تنفیرا عنه، و روى قوله: أو أبیت و قوله: أو أکون. مرفوعین، و الوجه فیه أن لا یکون أو حرف عطف بل تکون الهمزه للاستفهام. و الواو بعدها متحرّکه کالفاء فی قوله «أ فأصفاکم ربّکم بالبین» و یکون استفهام إنکار لبیانه مبطانا و لکونه کما قال القائل، و کذلک الاستفهام فی قوله: و أقنع من نفسی. فی معرض الإنکار لرضاء نفسه بأن یدعى أمیر المؤمنین و لا یشارکهم فی مکاره الدهر و جشوبه المطعم. و الواو فی قوله: و لا. للحال. و أو أکون عطف على اشارکهم فی حکم النفى.

الثانی عشر: نبّه على بعض العلل الحامله له على ترک الطیّبات و الزهد فی الدنیا.
و هو کونه لم یخلق لیشغله أکل الطیّبات عمّا یراد منه، و ذلک فی قوله: فما خلقت. إلى قوله: المتاهه، و نفّر عن الاشتغال بأکل الطیّبات بذکر ما یلزم المشتغل بذلک من مشابهه البهیمه، و أشار إلى وجه الشبه بقوله: همّها علفها. إلى قوله: یراد بها. و ذلک أنّ المشتغل بها إن کان غنیّا أشبه البهیمه المعلوفه فی اهتمامه بما یعتلفه من طعامه الحاضر، و إن کان فقیرا کان اهتمامه بما یکسبه و یقمّمه من حطام الدنیا ثمّ تعلیفه، و یملأ کرشه مع غفلته عمّا یراد منه کالسائمه الّتی همّها الاکتراش لقممه من الکناسات مع غفلتها عمّا یؤول إلیه حالها و یراد بها من ذبح و استخدام، و استعار لفظ الحبل و جرّه، و کنّى بذلک عن الاهمال و الإرسال کما ترسل البهیمه.

الثالث عشر: أشار إلى بعض ما عساه یعرض للأذهان الضعیفه من الشبهه،
و هی اعتقاد ضعفه عن قتال الأقران بسبب ذلک القوت النزر، و ذلک بقوله: و کأنّی.
إلى قوله: الشجعان.
ثمّ نبّه على الجواب عن ذلک من خمسه أوجه:

الأوّل: التمثیل بالشجره البریّه
قیاس نفسه علیها فی القوّه. فالأصل هو الشجره البریّه، و الفرع هو علیه السّلام، و المشترک الجامع بینهما هو قلّه الغذاء و جشوبه المطعم کقلّه غذاء الشجره البریّه و سوء رعیها، و الحکم عن ذلک هو صلابه أعضائه و قوّته کصلابه عود الشجره البریّه و قوّتها. ذلک دافع للشبهه المذکوره.
الثانی: تمثیل خصومه و أقرانه کمعاویه بالروائع الخضره
و هی الأصل فی هذا التمثیل، و الفرع هو خصومه و أقرانه، و المشترک الجامع بینهما هو الخضره و النضاره الحاصله عن الترفّه و لین المطعم، و الحکم اللازم عن ذلک هو رقّه الجلود و لینها و الضعف عن المقاومه و قلّه الصبر على المنازله و المیل إلى الدعه و الرفاهیّه، و الغرض أن یعلم کون أقرانه أضعف منه. فیندفع الشبهه.
الثالث: تمثیله بالنباتات العذیه
و هو کتمثیله بالشجره البرّیّه و الحکم هنا هو کونه أقوى على سعیر نار الحرب و أصبر على وقدها و أبطأ فتورا فیها و خمودا کالنباتات العذیه فی النار.
الرابع: تمثیله نفسه من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله بالضوء من الضوء.
و أصل هذا التمثیل هو الضوء من الضوء و فرعه نسبه نفسه من رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و علّته الجامعه هی کون علومه و کمالاته النفسانیّه المشرقه مستفاده و مقتبسه من مصباح علم النبوّه و کمالاتها کالمعلول من العلّه و المصباح من الشعله.
الخامس: تمثیله منه صلّى اللّه علیه و آله بالذراع من العضد.
و الأصل فیه الذراع مع نسبته إلى العضد، و الفرع هو علیه السّلام منسوبا إلى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله، و العلّه الجامعه هی قربه منه و قوّته به و کونه ظهیرا له و وسیله إلى حصول مقصوده من تمام الدین و کماله، و کون الرسول صلّى اللّه علیه و آله أصلا فی ذلک کقرب الذراع من العضد، و کون العضد أصلا له، و کون الذراع وسیله إلى التصرّف و البطش بالعضد، و الحکم فی هذین التمثیلین واحد و هو کونه علیه السّلام لا یضعف عن قتال الأقران و منازله الشجعان، و وجه لزوم هذا الحکم عن المشترک الأوّل أنّه لمّا کانت علومه الیقینیّه و بصیرته فی الدین یناسب بصیره رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله ذلک أعظم أمر یشجّعه و یقوّیه على قتال الأقران حمیه للدین، و کذلک عن المشترک الثانی.
ثمّ لمّا أثبت ذلک الحکم و نفى عنه الضعف المتوهّم فیه أکدّ ذلک بالقسم البارّ أنّه لو تعاونت العرب على قتاله لما ولّى عنها، و لو أمکنت الفرصه من رقابها یسارع إلیها: أی حین القتال و استحقاقهم للقتل بعداوتهم للدین و قبح العفو عنهم ملاحظه تشبّهه برسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله فی ذلک فی مبدء الإسلام فإنّه لم یکن لیضع العفو إلّا فی موضعه، و روی أنّه قتل فی یوم واحد ألف إنسان صبرا فی مقام واحد لما رأى فی ذلک من مصلحه الدین.

الرابع عشر: تواعد أن یجتهد فی تطهیر الأرض من هذا الشخص المعکوس و الجسم المرکوس
و أراد معاویه، و إنّما قال: شخصا و جسما ترجیحا لجانب البدن على النفس باعتبار عنایته بکمال بدنه دون کمال نفسه فکأنّه جسم و شخص فقط، و أشار بکونه معکوسا و مرکوسا إلى التفاته عن الجنبه العالیه و انتکاسه عن تلقّى الکمالات الروحانیّه إلى الجنبه السافله و ارتکاسه فی الدنیا و انعکاس وجه عقله إلى تحصیلها لذاتها و الاعتناء بجمعها [بجمیعها خ‏] فإن غرض العنایه الإلهیّه من خلق الإنسان أن یترقّى فی مدارج الکمال بعد حفظ فطرته الأصلیّه عن الدنس برذائل الأخلاق فإذا جذبته دواعى الأمّاره إلى الدنیا و غرّته بحبّها حتّى التفت إلیها لم یزل ینحطّ فی درکات محبّتها و بحسب ذلک یکون انتکاسه عن مراتب الکمال و ارتکاسه فی الرذائل و مهاوى الضلال، و تقیّده فیها بالسلاسل و الأغلال. و قوله: حتّى تخرج المدره من بین حبّ الحصید. إشعار لفظ المدره لمعاویه و حبّ الحصید للمؤمنین، و وجه المشابهه أنّه مخلص المؤمنین من وجود معاویه بینهم لیزکوا إیمانهم و یستقیم دینهم. إذ کان وجوده فیهم سببا عظیما لفساد عقائدهم و هلاک دینهم کما یفعل أهل البیادر من تصفیه الغلال و إخراج ما یشوبها و یفسدها من المدر و غیره. و قال الشارح عبد الحمید بن أبی- الحدید کما أنّ الزرّاع یجتهدون فی إخراج المدر و الحجر و الشوک و نحوه من بین الزرع کیلا یفسد منابته فیفسد ثمرته. و فیه نظر لأنّه لا معنى لإخراج الطین من‏ الزرع، و لأنّ لفظ حبّ الحصید لا یفهم منه ذلک.

الخامس عشر: تمثّل الدنیا بصوره من یعقل
و خاطبها بخطاب العقلاء لیکون ذلک أوقع فی النفوس لغرابته. ثمّ أمرها بالتنحّى و البعد عنه کالمطلّق لها. و حبلک على غاربک کنایه عن الطلاق تمثیل. و أصله: أنّ الناقه إذا أرید إهمالها لترعى وضع حبلها على غاربها فضرب مثلا لکلّ من اهمل و اطلق عن الحکم. ثمّ جعلها ذات مخالب استعاره بالکنایه عن کونها کالأسد فی جذبها للإنسان بما فیها من الشهوات و القینات إلى الهلاک الأبد کما یجرّ الأسد فریسته، و کذلک جعلها ذات حبائل، و کنّى بهذا الوصف المستعار عن کونها تصید قلوب الرجال بشهواتها الوهمیّه فهی لها کحبائل الصاید، و استعار لفظ مداحضها لشهواتها و ملذّاتها أیضا باعتبار کونها مزالق أقدام العقول عن طریق اللّه و مصارع لها، و عبّر بجمیع ذلک عن زهده فیها و إبعادها فیها عن نفسه. ثمّ أخذ فی سؤالها عن القوم الّذین غرّتهم بمداعبها و الامم الّذین فتنتهم بزخارفها سؤالا على سبیل التوبیخ لها و الذمّ على فعلها ذلک بهم فی معرض التنفیر عنها، و هو من قبیل تجاهل العارف، و استعار لها لفظ المداعب جمع مدعبه بمعنى دعابه، و وجه المشابهه أنّها عند صفاء لذّاتها للخلق و اغترارهم بها ثمّ کرّها علیهم بعد ذلک بالأمر الجدّ یشبه من یمزح مع غیره و ینبسط معه بالأقوال و الأفعال اللیّنه لیغترّ به ثمّ یأتیه بعد ذلک بالأمر الجدّ فیؤذیه أو یهلکه، و إنّما نسب الغرور إلیها لکونها سببا مادّیا لذلک. و فی نسخه الرضی- رحمه اللّه- غرّرتیهم بإثبات الیاء، و وجهه أنّها حدثت من إشباع الکسره.

السادس عشر: أشار إلى غایتهم الّتى صاروا إلیها
و هی کونهم رهائن القبور و مضامین اللحود، و نبّه فی ذلک على أنّ غرورهم و فتنتهم بما لم یخلصهم من هذه الغایه کلّ ذلک الغرض التنفیر عنها. و ها للتنبیه، و استعار لفظ الرهائن لهم عتبار کونهم موثّقین فی القبور بأعمالهم کالرهن، و یحتمل أن‏ یکون حقیقه، و یکون رهینه بمعنى راهنه و هى الأشخاص المقیمه بقبورها.

السابع عشر: أقسم أنّها لو کانت شخصا مرئیّا و قالبا حسّیّا
لأقام علیها حدود اللّه فی عباد غرّتهم بالأمانیّ و أوردتهم موارد البلاء حیث لا ورد و لا صدر: أی أنّ تلک الموارد لیس من شأنها أن یکون إلیها ورود و عنها صدر. ثمّ لمّا کان فی هذا الخطاب کالمعلم لها أنّه قد اطّلع على خداعها و غرورها قال کالمؤیس لها من نفسه هیهات: أی بعد اغترارى بک و رکونی إلیک. ثمّ نبّه على بعض العلل الحامله على على البعد عنها و النفره عن قربها و هی ما یلزم وطى‏ء دحضها من الزلق، و رکوب لججها من الغرق، و الازورار عن حبائلها من التوفیق للسلامه، و ما یلزم السالم منها من عدم مبالاته بضیق مناخه، و کلّ مناخ أناخ به من فقر و سجن و مرض و بلاء بعد السلامه منها فهو فسیح رحب بالقیاس إلى ما یستلزم التفسّح فى سعتها و الجرى فى فی میادین شهواتها من العذاب الألیم فی الآخره، و هى عنده فی القصر و عدم الالتفات إلیها کیوم حان انسلاخه. و ألفاظ المداحض و اللجج و الحبال مستعار لشهواتها و لذّاتها.

فالأوّل: باعتبار کون شهواتها مظنّه أن تحبّ فینجرّ الإنسان عند استعمالها إلى الاستکثار منها أو تجاوز القدر المعتدل إلى المحرّم فتزّل قدم نفسه عن صراط اللّه فیقع فی مهاوى الهلاک و المئاثم. و الثانی: باعتبار أنّ مطالبها و الآمال فیها غیر متناهیه فمن لوازم المشتغل بها و المنهمک فى الدنیا أن یغرق نفسه فى بهر لا ساحل له منها فینقطع عن قبول رحمه الله الى الهلاک الابدى کالملقى نفسه فى بحر لجى. الثالث: باعتبار أن الانسان إذا اغترّ بها و حصل فی محبّه مشتهیاتها عاقته عن النهوض و التخلّص إلى جناب اللّه و منعته أن یطیر بجناحی قوّته العقلیّه فی حضره قدس اللّه و منازل أولیائه الأبرار کما تعوق حبائل الصائد جناح الطائر. و لفظ الوطى و الرکوب و الزلق و الغرق ترشیح. ثمّ کرّر الأمر لها بالبعد عنه و أقسم أنّه لا یذلّ لها فیستذلّه و لا یسلس لها قیاده فیقوده، و فیه تنبیه على أنّها لا یذلّ فیها إلّا من أذلّ نفسه و عبّدها لها و لا یملک إلّا قیاد من أسلس لها قیاده و هو ظاهر. إذ الإنسان ما دام قامعا لقوّته الحیوانیّه مصرفا لها بزمام عقله فإنّه من المحال أن‏ یذلّه الدنیا و یستعبده أهلها و مهما اتّبع شهوته فیما تمثّل إلیه فإنّها تذلّه أشدّ إذلال و تستعبده أقوى استعباد کما قال علیه السّلام: عبد الشهوه أذلّ من عبد الرق. و استعار وصف إسلاس القیاد للتسهیل فی متابعه النفس العاقله للنفس الأمّاره و عدم التشدّد فی ضبطها باستعمال العقل عن متابعتها.

الثامن عشر: أقسم لیوقّعن ما صمّم عزمه علیه
و هو بصدده من ریاضه نفسه. و وصف تلک الریاضه فی قوّتها باستلزام أمرین: أحدهما: کون نفسه یهشّ معها إلى القرص و ترضى به إذا قدرت علیه مطعوما و تقنع بالملح مأدوما. و تلک ریاضه القوّه الشهویّه، و لمّا کانت عدوّا للنفس و أکثر الفساد یلحق بسبها خصّها بالذکر و قوّه العزم، و یحتمل أن یرید ریاضه جمیع القوى و إنّما وصفها بکون النفس تهش معها إلى القرص لأنّ ضبط الشهوه أعظم من ضبط سائر القوى و أصعب و کانت الإشاره إلى ضبطها إلى الحدّ المذکور أبلغ فی وصف الریاضه بالشدّه، و استثنى فی یمینه بمشیئه اللّه أدبا لقوله تعالى وَ لا تَقُولَنَّ لِشَیْ‏ءٍ إِنِّی فاعِلٌ ذلِکَ غَداً إِلَّا أَنْ یَشاءَ«» و تنبیها على استناد جمیع الامور فی سلسله الحاجه إلى اللّه تعالى. الثانی: کونه یدع مقلته فی تلک الریاضه کعین ماء نضب ماؤها، و وجه الشبه أن یفنى دموعها و یستفرغها بالبکاء شوقا إلى الملأ الأعلى و ما اعدّ لأولیاء اللّه من السعاده الأبدیّه و خوفا من حرمانها. و من کان فی مقام الغربه و محلّ الوحشه کیف لا یشتاق إلى وطنه الأصلیّ و مقام انسه الأوّلىّ. و مطعوما و مأدوما و مستفرغه أحوال. ثمّ أخذ فی تمثیل نفسه بالسائمه و الربیضه على تقدیر أن یرضى بمثل حالهما و غایتهما من الدنیا فی معرض الإنکار لذلک الرضا من نفسه، و الأصل فی ذلک التمثیل البهیمه، و الفرع هو علیه السّلام، و المشترک الجامع هو الرعى و الشبع و البروک و النوم و الراحه. و لمّا کان الأصل المقیس علیه فی غایه من الخسّه بالقیاس إلى‏ الإنسان الکامل استلزم ذلک التشبیه به قوّه النفره عمّا یستلزم التشبیه من الصفات. و قوله: قرّت إذن عینه. إخبار فی معرض الإنکار و الاستهزاء باللذّه کقوله تعالى ذُقْ إِنَّکَ أَنْتَ الْعَزِیزُ الْکَرِیمُ«»،

التاسع عشر: نبّه على أنّ النفس إذا کانت بالصفات المذکوره فلها استحقاق طوبى.
و جمع فی تلک الصفات أکثر مکارم الأخلاق: فالاولى: القیام بواجب طاعه اللّه و ما افترضه علیها. الثانیه: قوله: و عرکت بجنبها بؤسها. کنایه عن الصبر على نزول المصائب.
یقال: عرک فلان بجنبه الأذى، إذا أغضى عمّن یؤذیه و صبر على فعله به. و یلازم ذلک عدّه فضائل کالحلم و الکرم و العفو و الصفح و التجاوز و کظم الغیظ و احتمال المکروه و العفّه و نحوها. الثالثه: أن تهجر باللیل غمضها، و هو کنایه عن إحیاء لیلها بعباده ربّها و اشتغالها بذکره حتّى إذا غلب النوم علیها افترشت أرضها و توسّدت کفّها: أى لم یکن لها کلفه فی تهیّه فراش و طیب و ساد بل کانت بریّه عن کلّ کلفه عریّه عن کلّ قینه منزّهه عن کلّ ترفه. و قوله: فی معشر. یصلح تعلّقه بکلّ من أفعال النفس المذکوره: أى فعلت هذه الأفعال فی جمله معشر من شأنهم کذا. و عرّفهم بصفات أربع: أحدها: کونهم أسهر عیونهم خوف معادهم. الثانی: و تجافت جنوبهم من مضاجعهم. و هو کنایه عن اشتغالهم لیلا بعباده ربّهم کقوله تعالى تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ«». الثالث: و همهمت بذکر ربّهم شفاهم کقوله تعالى یَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً«».الرابع: و تقشّعت بطول استغفارهم ذنوبهم، و هو لازم عن الثلاثه الاولى أو ثمره لها، و استعار لفظ التقشّع لانمحاء ذنوبهم، و وجه المشابهه أنّ الذنوب و الهیئات البدنیّه فی تسویدها لألواح النفوس و تغطیتها و حجبها لها عن قبول أنوار اللّه یشبه المتراکم الحاجب لوجه الأرض عن قبول نور الشمس و الاستعداد بها للنبات و غیره فاستعار لزوالها و انمحائها من ألواح النفوس لفظ التقشّع. کلّ ذلک للترغیب فی طاعه اللّه و الجذب إلى الدخول فی زمره أولیائه و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۹۹

بازدیدها: ۲۳

نامه ۴۳ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى زیاد بن أبیّه، و قد بلغه أن معاویه کتب إلیه یرید خدیعته باستلحاقه

وَ قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ مُعَاوِیَهَ کَتَبَ إِلَیْکَ- یَسْتَزِلُّ لُبَّکَ وَ یَسْتَفِلُّ غَرْبَکَ- فَاحْذَرْهُ فَإِنَّمَا هُوَ الشَّیْطَانُ- یَأْتِی الْمَرْءَ مِنْ بَیْنِ یَدَیْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ- وَ عَنْ‏ یَمِینِهِ وَ عَنْ شِمَالِهِ- لِیَقْتَحِمَ غَفْلَتَهُ وَ یَسْتَلِبَ غِرَّتَهُ- وَ قَدْ کَانَ مِنْ أَبِی سُفْیَانَ فِی زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَلْتَهٌ- مِنْ حَدِیثِ النَّفْسِ- وَ نَزْغَهٌ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّیْطَانِ- لَا یَثْبُتُ بِهَا نَسَبٌ وَ لَا یُسْتَحَقُّ بِهَا إِرْثٌ- وَ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا کَالْوَاغِلِ الْمُدَفَّعِ وَ النَّوْطِ الْمُذَبْذَبِ

فلما قرأ زیاد الکتاب قال: شهد بها و ربِّ الکعبه، و لم تزل فى نفسه حتى ادعاه معاویه. قال الرضى: قوله علیه السلام «الواغل»: هو الذى یهجم على الشَّرب لیشرب معهم، و لیس منهم، فلایزال مدفَّعا محاجزا. و «النوط المذبذب»: هو ما یناط برحل الراکب من قعب او قذح أو ما اشبه ذلک، فهو أبدا یتقلقل إذا حث ظهره و استعجل سیره. أقول: زیاد هذا هو دعىّ أبی سفیان، و یقال: زیاد بن عبید. فمن الناس من یقول عبید بن فلان الثقفى. و الأکثرون على أنّه کان عبدا و أنّه بقى إلى أیّام زیاد فابتاعه و أعتقه، و أمّا ادّعاء أبی سفیان له فروى أنّه تکلّم یوما بحضره عمر فأعجب الحاضرین کلامه فقال عمرو بن العاص: للّه أبوه لو کان قرشیّا لساق العرب بعصاه. فقال أبو سفیان: أمّا و اللّه أنّه لقرشىّ و لو عرفته لعرفت أنّه من خیر أهلک.
فقال: و من أبوه فقال: أنا و اللّه وضعته فی رحم امّه. قال: فهلّا تستلحقه. قال: اخاف هذا العمیر الجالس أن یخرق علىّ إهابی یعنى عمر، و لمّا ولّى علىّ علیه السّلام الخلافه ولّى زیادا فارس فضبطها ضبطا صالحا و حماها. فکتب إلیه معاویه یخدعه باستلحاقه أخا له: من أمیر المؤمنین معاویه بن أبی سفیان أمّا بعد فإنّ المرء ربّما طرحه الهوى فی مطارح العطب، و إنّک للمرء المضروب به المثل قاطع الرحم و واصل العدوّ، حملک‏ سوء ظنّک بی و بغضک لى على أن عققت قرابتى و قطعت رحمی، و ثبت نسبی و حرمتى کأنّک لست أخی و لیس صخر بن حرب أباک و أبی، و سیّان بینى و بینک أطلب بدم أبی العاص و أنت تقاتلنى، و لکن أدرکک عرق الرخاوه من قبل النساوه فکنت کتارکه بیضها بالعراء و ملحقه بیض اخرى جناحا، و قد رأیت أن أعطف علیک و لا أؤاخذ بسوء سعیک و أن أصل رحمک و أبتغى الثواب فی أمرک. و اعلم أبا المغیره أنّک لو خضت البحر فی طاعه القوم تضرب بالسیف حتّى ینقطع متنه لما ازددت منهم إلّا بعدا فإنّ بنی عبد شمس أبغض إلى بنی هاشم من الشفره إلى الثور الصریع و قد اوثق للذبح. فارجع رحمک اللّه إلى أصلک و اتّصل بقومک و لا تکن کالموصول یطیر بریش غیره فقد أصبحت ضالّ النسب. و لعمرى ما فعل ذلک بک إلّا اللجاج فدعه عنک فقد أصبحت على بیّنه من أمرک و وضوح من حجّتک فإن أحببت جانبی و وثقت بی فاتمر بأمرى و إن کرهت جانبی و لم تثق بقولی ففعل جمیل لا علىّ و لا لى. و السّلام. و حمل الکتاب مع المغیره بن شعبه إلیه، و کان ذلک سبب فساده على الحسن بعد علىّ علیهما السّلام و انضیافه إلى معاویه. و لمّا بلغ علیّا علیه السّلام ذلک کتب إلیه: أمّا بعد فإنّی ولّیتک ما ولّیتک و أنا أراک لذلک أهلا، و قد عرفت أنّ معاویه. إلى آخر الکتاب. و لنرجع إلى المتن فنقول:

اللغه

غرب السیف: حدّ. و الاستقلال: طلب الفلّ و هو ثلم الحدّ.

و مدار الکتاب على إعلامه بما علمه من کتاب معاویه إلیه. ثمّ تنبیهه على قصده من ذلک الکتاب و هو أن یستزلّ عقله و یستغفله عمّا هو علیه من الرأی الصحیح فی نصره الحقّ و ولائه له علیه السّلام و یکسر حدّته فی ذلک، و استعار لفظ الغرب لعقله و رأیه، و لفظ الاستفلال لطلب صرفه عن ذلک الرأی الصالح ملاحظه لشبهه بالسیف. ثمّ حذّره عنه بقوله: فإنّما هو الشیطان. باعتبار وسوسته و صدّه عن الحقّ على وجه الشبه بقوله: یأتی الإنسان. إلى قوله: شماله. و هو کقوله تعالى لَآتِیَنَّهُمْ مِنْ بَیْنِ أَیْدِیهِمْ. إلى قوله: شَمائِلِهِمْ«» أی أنّه یأتی الإنسان من کلّ جهه کما یأتی الشیطان، و خصّ الجهات الأربع لأنّها الجهات الّتی یعتاد الإتیان منها.

و قال بعض المفسّرین: من بین أیدیهم یطمعهم فی العفو و یغریهم بالعصیان، و من خلفهم یذکّرهم خلفهم و یحسّن لهم جمع المال و ترکه لهم، و عن أیمانهم یحسّن لهم الریاسه و الثناء، و عن شمائلهم یحبّب إلیهم اللهو و اللذّات. و عن شقیق قال: ما من صباح إلّا و یقعد إلىّ الشیطان على أربعه مراصد من بین یدی فیقول: لا تخف إنّ اللّه غفور رحیم. فأقرأ إنّی لغفّار لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثمّ اهتدى. و أمّا من خلفی فیخوّفنی الضیعه على من خلفی فأقرء و ما من دابّه فی الأرض إلّا على اللّه رزقها، و أمّا من قبل یمینی فیأتینی من جهه الثناء فأقرء: و العاقبه للمتّقین، و أمّا من قبل شمالی فیأتینی من قبل الشهوات. فأقرء: و حیل بینهم و بین ما یشتهون، ثمّ نبّهه على وجه فساد حیله معاویه، و ذلک أنّ معاویه إنّما أراد استغفاله باستلحاقه إیّاه أخا فنبّهه علیه السّلام على أنّ ذلک الاستلحاق إنّما یتمّ بصحّه استلحاق أبی سفیان له ابنا و لم یصحّ تلک الدعوى، و إنّما کان قوله: أنا کذا و کذا. فلته من حدیث النفس وقع منه من غیر ثبت و لا رویّه، و إقرار بالزنا فی قوله: أنا وضعته فی رحم امّه. و ذلک نزغه من نزغات الشیطان ألقاها على لسانه فلا یثبت بها نسب و لا یستحقّ بها إرث لقوله صلّى اللّه علیه و آله: الولد للفراش و للعاهر الحجر. ثمّ شبّه المتعلّق فی نسبه بهذه الفلته و النزغه بالواغل المدفّع، و وجه الشبه کونه لا یزال مدفّعا، و بالنوط المذبذب و وجه الشبه اضطراب أمره و عدم لحوقه بنسب معیّن و عدم استقراره کما یضطرب النوط و لا یستقرّ. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۹۶

بازدیدها: ۲

نامه ۴۲ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى مصقله بن هبیره الشیبانی، و هو عامله على أردشیر خره

بَلَغَنِی عَنْکَ أَمْرٌ إِنْ کُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ إِلَهَکَ- وَ عَصَیْتَ إِمَامَکَ- أَنَّکَ تَقْسِمُ فَیْ‏ءَ الْمُسْلِمِینَ- الَّذِی حَازَتْهُ رِمَاحُهُمْ وَ خُیُولُهُمْ وَ أُرِیقَتْ عَلَیْهِ دِمَاؤُهُمْ- فِیمَنِ اعْتَامَکَ مِنْ أَعْرَابِ قَوْمِکَ- فَوَالَّذِی فَلَقَ الْحَبَّهَ وَ بَرَأَ النَّسَمَهَ- لَئِنْ کَانَ ذَلِکَ حَقّاً- لَتَجِدَنَّ لَکَ عَلَیَّ هَوَاناً وَ لَتَخِفَّنَّ عِنْدِی مِیزَاناً- فَلَا تَسْتَهِنْ بِحَقِّ رَبِّکَ- وَ لَا تُصْلِحْ دُنْیَاکَ بِمَحْقِ دِینِکَ- فَتَکُونَ مِنَ الْأَخْسَرِینَ أَعْمَالًا- أَلَا وَ إِنَّ حَقَّ مَنْ قِبَلَکَ وَ قِبَلَنَا مِنَ الْمُسْلِمِینَ- فِی قِسْمَهِ هَذَا الْفَیْ‏ءِ سَوَاءٌ- یَرِدُونَ عِنْدِی عَلَیْهِ وَ یَصْدُرُونَ عَنْهُ وَ السَّلامُ

اللغه

أقول: اعتامک: اختارک من بین الناس،

المعنى

و قد أعلمه بما بلغه من الأمر الصادر عنه إجمالا لیتنبّه له، و أشعره أنّه أمر مکروه بما یلزمه و هو سخط إلهه و غضب إمامه، و نبّه بقوله: إن کنت فعلته. على عدم تحقّقه لذلک. ثمّ بیّن له ذلک و هو عطاؤه مال المسلمین لمن اختاره رئیسا من أعراب قومه. و وصف ذلک الفى‏ء بکونه حیازه رماحهم و خیولهم، و علیه اریقت دماؤهم لیتأکّد فی النفوس و یتبیّن وجه استحقاقهم له. و بقدر ذلک یتأکّد قبح قسمته فی غیرهم. ثمّ أقسم قسمه المعتاد فی معرض الوعید إن کان ذلک منه حقّا أن یلحقه به هو ان و حقاره عنده و یخفّ وزنه فی اعتباره، و کنّى به عن صغر منزلته. و میزانا نصب على التمییز. ثمّ نهاه عن استهانته بحقّ ربّه و عن إصلاح دنیاه بفساد دینه تنبیها على عظمه اللّه و وجوب المحافظه على طاعته، و نبّهه على ما یلزم من ذلک من دخوله فی زمره الأخسرین أعمالا الّذین ضلّ سعیهم فی الحیاه الدنیا و هم یحسبون أنّهم یحسنون صنعا. ثمّ نبّهه على قبح ما فعل من تخصیص قومه بذلک المال بقوله: ألا و إنّ. إلى قوله: سواء، و هو فی قوّه صغرى ضمیر، و قوله: یردون إلیه و یصدرون عنه تأکید لتساویهم فی الاستحقاق و أنّه لهم کالشریعه المشترکه، و تقدیر کبراه: و کلّ حقّ سواء بین المسلمین فلا یجوز تخصیص بعضهم به. و قد ذکرنا حال مصقله من قبل. و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۹۵

 

بازدیدها: ۵

نامه ۴۱ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى عمر بن أبى سلمه المخزومى، و کان عامله على البحرین فعزله، و استعمل نعمان بن عجلان الزرقى مکانه

أَمَّا بَعْدُ- فَإِنِّی قَدْ وَلَّیْتُ النُّعْمَانَ بْنِ عَجْلَانَ الزُّرَقِیَّ عَلَى الْبَحْرَیْنِ- وَ نَزَعْتُ یَدَکَ بِلَا ذَمٍّ لَکَ وَ لَا تَثْرِیبٍ عَلَیْکَ- فَلَقَدْ أَحْسَنْتَ الْوِلَایَهَ وَ أَدَّیْتَ الْأَمَانَهَ- فَأَقْبِلْ غَیْرَ ظَنِینٍ وَ لَا مَلُومٍ- وَ لَا مُتَّهَمٍ وَ لَا مَأْثُومٍ- فَلَقَدْ أَرَدْتُ الْمَسِیرَ إِلَى ظَلَمَهِ أَهْلِ الشَّامِ- وَ أَحْبَبْتُ أَنْ تَشْهَدَ مَعِی- فَإِنَّکَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ- وَ إِقَامَهِ عَمُودِ الدِّینِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ‏

أقول: عمر هذا هو ربیب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و امّه امّ سلمه و أبوه أبو سلمه ابن عبد الأسد بن هلال بن عمر بن مخزوم، و أمّا النعمان بن عجلان فمن سادات الأنصار من بنی زریق.

اللغه

و التثریب: التعنیف و استقصاء اللوم. و الظنین: المتهمّ. و استظهرت بفلان: اتّخذته ظهیرا.

و مدار الکتاب على إعلام عمر بن أبی سلمه بإنفاذ النعمان عوضا منه.
ثمّ إعلامه بأنّ ذلک لم یکن عن ذنب صدر منه یستحقّ به الذمّ و العزل، و أنّه شاکر له بکونه أحسن ولایته و أدّى أمانته. ثمّ إعلامه بغرضه من عزله و استدعائه و هو الاستعانه به على عدوّه کلّ ذلک لیطمئنّ قلبه و یفارق الولایه عن طیب نفس، و نبّهه على وجه رغبته فی حضوره معه بقوله: فإنّک. إلى آخره، و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من أستظهر به على العدوّ و إقامه عمود الدین فواجب أن أرغب فی حضوره و یشهد معى، و لفظ العمود مستعار للاصول الّتی بحفظها و قیامها یقوم کالعمود للبیت: و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۹۴

بازدیدها: ۰

نامه ۴۱ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى عمر بن أبى سلمه المخزومى، و کان عامله على البحرین فعزله، و استعمل نعمان بن عجلان الزرقى مکانه

أَمَّا بَعْدُ- فَإِنِّی قَدْ وَلَّیْتُ النُّعْمَانَ بْنِ عَجْلَانَ الزُّرَقِیَّ عَلَى الْبَحْرَیْنِ- وَ نَزَعْتُ یَدَکَ بِلَا ذَمٍّ لَکَ وَ لَا تَثْرِیبٍ عَلَیْکَ- فَلَقَدْ أَحْسَنْتَ الْوِلَایَهَ وَ أَدَّیْتَ الْأَمَانَهَ- فَأَقْبِلْ غَیْرَ ظَنِینٍ وَ لَا مَلُومٍ- وَ لَا مُتَّهَمٍ وَ لَا مَأْثُومٍ- فَلَقَدْ أَرَدْتُ الْمَسِیرَ إِلَى ظَلَمَهِ أَهْلِ الشَّامِ- وَ أَحْبَبْتُ أَنْ تَشْهَدَ مَعِی- فَإِنَّکَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ- وَ إِقَامَهِ عَمُودِ الدِّینِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ‏

أقول: عمر هذا هو ربیب رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و امّه امّ سلمه و أبوه أبو سلمه ابن عبد الأسد بن هلال بن عمر بن مخزوم، و أمّا النعمان بن عجلان فمن سادات الأنصار من بنی زریق.

اللغه

و التثریب: التعنیف و استقصاء اللوم. و الظنین: المتهمّ. و استظهرت بفلان: اتّخذته ظهیرا.

و مدار الکتاب على إعلام عمر بن أبی سلمه بإنفاذ النعمان عوضا منه.
ثمّ إعلامه بأنّ ذلک لم یکن عن ذنب صدر منه یستحقّ به الذمّ و العزل، و أنّه شاکر له بکونه أحسن ولایته و أدّى أمانته. ثمّ إعلامه بغرضه من عزله و استدعائه و هو الاستعانه به على عدوّه کلّ ذلک لیطمئنّ قلبه و یفارق الولایه عن طیب نفس، و نبّهه على وجه رغبته فی حضوره معه بقوله: فإنّک. إلى آخره، و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من أستظهر به على العدوّ و إقامه عمود الدین فواجب أن أرغب فی حضوره و یشهد معى، و لفظ العمود مستعار للاصول الّتی بحفظها و قیامها یقوم کالعمود للبیت: و باللّه التوفیق.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۹۴

 

بازدیدها: ۱۱

نامه ۴۰ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى بعض عماله

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّی کُنْتُ أَشْرَکْتُکَ فِی أَمَانَتِی- وَ جَعَلْتُکَ شِعَارِی وَ بِطَانَتِی- وَ لَمْ‏ یَکُنْ فِی أَهْلِی رَجُلٌ أَوْثَقَ مِنْکَ فِی نَفْسِی- لِمُوَاسَاتِی وَ مُوَازَرَتِی وَ أَدَاءِ الْأَمَانَهِ إِلَیَّ- فَلَمَّا رَأَیْتَ الزَّمَانَ عَلَى ابْنِ عَمِّکَ قَدْ کَلِبَ- وَ الْعَدُوَّ قَدْ حَرِبَ وَ أَمَانَهَ النَّاسِ قَدْ خَزِیَتْ- وَ هَذِهِ الْأُمَّهَ قَدْ فَنَکَتْ وَ شَغَرَتْ- قَلَبْتَ لِابْنِ عَمِّکَ ظَهْرَ الْمِجَنِّ- فَفَارَقْتَهُ مَعَ الْمُفَارِقِینَ وَ خَذَلْتَهُ مَعَ الْخَاذِلِینَ- وَ خُنْتَهُ مَعَ الْخَائِنِینَ- فَلَا ابْنَ عَمِّکَ آسَیْتَ وَ لَا الْأَمَانَهَ أَدَّیْتَ- وَ کَأَنَّکَ لَمْ تَکُنِ اللَّهَ تُرِیدُ بِجِهَادِکَ- وَ کَأَنَّکَ لَمْ تَکُنْ عَلَى بَیِّنَهٍ مِنْ رَبِّکَ- وَ کَأَنَّکَ إِنَّمَا کُنْتَ تَکِیدُ هَذِهِ الْأُمَّهَ عَنْ دُنْیَاهُمْ- وَ تَنْوِی غِرَّتَهُمْ عَنْ فَیْئِهِمْ- فَلَمَّا أَمْکَنَتْکَ الشِّدَّهُ فِی خِیَانَهِ الْأُمَّهِ أَسْرَعْتَ الْکَرَّهَ- وَ عَاجَلْتَ الْوَثْبَهَ وَ اخْتَطَفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَیْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمُ- الْمَصُونَهِ لِأَرَامِلِهِمْ وَ أَیْتَامِهِمُ- اخْتِطَافَ الذِّئْبِ الْأَزَلِّ دَامِیَهَ الْمِعْزَى الْکَسِیرَهَ- فَحَمَلْتَهُ إِلَى الْحِجَازِ رَحِیبَ الصَّدْرِ بِحَمْلِهِ- غَیْرَ مُتَأَثِّمٍ مِنْ أَخْذِهِ- کَأَنَّکَ لَا أَبَا لِغَیْرِکَ- حَدَرْتَ إِلَى أَهْلِکَ تُرَاثَکَ مِنْ أَبِیکَ وَ أُمِّکَ- فَسُبْحَانَ اللَّهِ أَ مَا تُؤْمِنُ بِالْمَعَادِ- أَ وَ مَا تَخَافُ نِقَاشَ الْحِسَابِ- أَیُّهَا الْمَعْدُودُ کَانَ عِنْدَنَا مِنْ أُولِی الْأَلْبَابِ- کَیْفَ تُسِیغُ شَرَاباً وَ طَعَاماً- وَ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّکَ تَأْکُلُ حَرَاماً وَ تَشْرَبُ حَرَاماً- وَ تَبْتَاعُ الْإِمَاءَ وَ تَنْکِحُ النِّسَاءَ- مِنْ أَمْوَالِ الْیَتَامَى وَ الْمَسَاکِینِ وَ الْمُؤْمِنِینَ وَ الْمُجَاهِدِینَ- الَّذِینَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَیْهِمْ هَذِهِ الْأَمْوَالَ- وَ أَحْرَزَ بِهِمْ هَذِهِ الْبِلَادَ- فَاتَّقِ اللَّهَ وَ ارْدُدْ إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَمْوَالَهُمْ- فَإِنَّکَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ثُمَّ أَمْکَنَنِی اللَّهُ مِنْکَ- لَأُعْذِرَنَّ إِلَى اللَّهِ فِیکَ- وَ لَأَضْرِبَنَّکَ بِسَیْفِی الَّذِی مَا ضَرَبْتُ بِهِ أَحَداً- إِلَّا دَخَلَ النَّارَ- وَ وَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ وَ الْحُسَیْنَ فَعَلَا مِثْلَ الَّذِی فَعَلْتَ- مَا کَانَتْ لَهُمَا عِنْدِی هَوَادَهٌ وَ لَا ظَفِرَا مِنِّی بِإِرَادَهٍ- حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُمَا وَ أُزِیحَ الْبَاطِلَ عَنْ مَظْلَمَتِهِمَا- وَ أُقْسِمُ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِینَ- مَا یَسُرُّنِی أَنَّ مَا أَخَذْتَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَلَالٌ لِی- أَتْرُکُهُ مِیرَاثاً لِمَنْ بَعْدِی فَضَحِّ رُوَیْداً- فَکَأَنَّکَ قَدْ بَلَغْتَ الْمَدَى وَ دُفِنْتَ تَحْتَ الثَّرَى- وَ عُرِضَتْ عَلَیْکَ أَعْمَالُکَ بِالْمَحَلِّ- الَّذِی یُنَادِی الظَّالِمُ فِیهِ بِالْحَسْرَهِ- وَ یَتَمَنَّى الْمُضَیِّعُ فِیهِ الرَّجْعَهَ وَ لاتَ حِینَ مَناصٍ

أقول: المشهور أنّ هذا الکتاب إلى عبد اللّه بن عبّاس حین کان والیا له على البصره، و ألفاظ الکتاب تنبّه على ذلک کقوله: قلبت لابن عمّک ظهر المجنّ و قوله: فلا ابن عمک آسیت، و کذلک ما روى أنّ ابن عبّاس کتب إلیه جوابا عن هذا الکتاب: أما بعد فقد أتانی کتابک تعظم فیه ما أصبت من بیت مال البصره و لعمرى إنّ حقّى فی بیت المال لأکثر ممّا أخذت و السّلام.
فکتب علیه السّلام جواب ذلک: أمّا بعد فإنّ من العجب أن تزیّن لک نفسک أنّ لک فی بیت المال من الحقّ أکثر ما لرجل من المسلمین فقد أفلحت إن کان تمنّیک الباطل و ادّعاک ما لا یکون تنجیک من المأثم و تحلّ لک المحارم. لأنت المهدىّ السعید إذن. و قد بلغنى أنّک اتّخذت مکّه وطنا. و ضربت بها عطنا تشترى بها مولّدات مکّه و المدینه و الطائف تختارهنّ على عینک و تعطی فیهن مال غیرک فارجع هداک اللّه إلى رشدک و تب إلى اللّه ربّک و اخرج إلى المسلمین من أموالهم فعمّا قلیل تفارق من ألفت، و تترک‏ ما جمعت و تغیب فی صدع من الأرض غیر موسّد و لا ممهّد قد فارقت الأحباب و سکنت التراب و واجهت غنیّا عمّا خلقت و فقیرا إلى ما قدّمت. و السّلام. و أنکر قوم ذلک و قالوا: إنّ عبد اللّه بن عبّاس لم یفارق علیّا علیه السّلام و لا یجوز أن یقول فی حقّه ما قال القطب الراوندى- رحمه اللّه- یکون المکتوب إلیه هو عبید اللّه.
و حمله على ذلک أشبه و هو به ألیق.
و اعلم أنّ هذین القولین لا مستند لهما: أمّا: الأوّل: فهو مجرّد استبعاد أن یفعل ابن عبّاس ما نسب إلیه، و معلوم أنّ ابن عبّاس لم یکن معصوما و علىّ علیه السّلام لم یکن لیراقب فی الحقّ أحدا و لو کان أعزّ أولاده کما تمثّل بالحسن و الحسین علیهما السّلام فی ذلک فکیف بابن عمّه بل یجب أن یکون الغلظه على الأقرباء فی هذا الأمر أشدّ ثمّ إنّ غلظته علیه و عتابه له لا یوجب مفارقته إیّاه لأنّه علیه السّلام کان إذا فعل أحد من أصحابه ما یستحقّ به المؤاخذه أخذه به سواء کان عزیزا أو ذلیلا قریبا منه أو بعیدا فإذا استوفى حقّ اللّه منه أو تاب إلیه ممّا فعل عاد فی حقّه إلى ما کان علیه کما قال: العزیز عندى ذلیل حتّى آخذ الحقّ منه، و الذلیل عندى عزیز حتّى آخذ الحقّ له. فلا یلزم إذن من غلظته على ابن عبّاس و مقابلته إیّاه بما یکره مفارقته له و شقاقه على ما بینهما من المحبّه الوکیده و القرابه، و أمّا القول الثانی: فإنّ عبد اللّه کان عاملا له علیه السّلام بالیمن و لم ینقل عنه مثل ذلک. و لنرجع إلى المتن فنقول:

اللغه
الشعار: ما یلی الجسد من الثیاب. و بطانه الرجل: خاصّته. و کلب الزمان: شدّته. و حرب العدوّ: اشتدّ غضبه. و الفتک: القتل على غرّه. و شغرت: تفرّقت. و المجنّ: الترس. و الأزلّ: خفیف الورکین. و الهواده: المصالحه و المصانعه. و ضحّ رویدا: کلمه یقال لمن یؤمر بالتؤوده، و أصله الرجل یطعم إبله ضحى و یسیرها مسرعا للسیر فلا یشبعها. فیقال له: ضحّ رویدا. و المناص: المهرب و المخلص. و النوص: الهرب و التخلّص.

و فی هذا الکتاب مقاصد:

الأوّل: أنّه ذکّر بإحسانه إلیه فی معرض الامتنان علیه من وجوه:
الأوّل: إشراکه إیّاه فی أمانته الّتی ائتمنه اللّه علیها، و هی ولایه أمر الرعیّه و القیام بإصلاح أمورهم فی معاشهم و معادهم.

الثانی: جعله من خاصّته و ملازمیه، و استعار له بذلک الاعتبار لفظ الشعار لمباشرته و ملازمته الجسد. الثالث: کونه أوثق أهله فی نفسه و أدناهم منه لمواساته و موازرته، و أداء الأمانه إلیه.
المقصود الثانی: أنّه بعد تذکیره بإحسانه إلیه ذکر مقابلته بذلک بالإساءه إلیه
فی مفارقته إیّاه و خذلانه و خیانته لما تحت یدیه من الأمانه عند رؤیته شدّه الزمان علیه و قیام العدوّ فی وجهه و تفرّق کلمه الإمامه عن الحقّ لتبیّن أنّه قابل إحسانه بالکفران لیحسن ذمّه على ذلک و توبیخه فیذمّه و یوبّخه، و أراد مفارقته له فی الطریقه و لزوم حدّ الأمانه. و قوله: قلبت لابن عمّک ظهر المجنّ. یضرب مثلا لمن یکون مع أخیه فیتغیّر علیه و یصیر خصما له، و أصله أنّ الرجل إذا کان سلما لأخیه یکون بطن ترسه إلیه فإذا فارقه و صار حربا له یقلب له ظهر ترسه لیدفع به عن نفسه ما یلقاه من شرّه. فجعل ذلک کنایه عن العداوه بعد الصداقه. و ضرب مثلا لمن فعل ذلک.

المقصود الثالث الأخذ فی تعنیفه و توبیخه. و حکایه حاله فی خیانته فی معرض التوبیخ.
و ذلک قوله: فلا ابن عمّک. إلى قوله: هذه البلاد. و شبّهه بمن لم یرد اللّه بجهاده بل الدنیا، و بمن لم یکن على بیّنه من ربّه بل هو جاهل به و بوعده و وعیده. و وجه الشبه مشارکته لطالبى غیر اللّه و الجاهلین به فی طلب غیره و الإعراض عنه، و کذلک شبّهه بمن لم یکن له غرض من عبادته إلّا خدعه المسلمین عن دنیاهم، و أشار إلى وجه الشبه بقوله: فلمّا أمکنتک الشدّه. إلى قوله: الکبیره، أى فکما أنّ عرض الّذی یکید غیره عن شی‏ء أن یترصّد الفرصه فی أخذه و ینتهزها إذا وجدها فکذلک أنت فی إسراعک بالوثوب على الخیانه و شبّه اختطافه لما أخذه من المال باختطاف الذئب الأزلّ دامیه المعزى الکسیره، و وجه الشبه سرعه أخذه له و خفّته له فی ذلک، و خصّ الذئب الأزل لأنّ خفّه الورکین یعینه على سرعه الوثبه و الاختطاف، و دامیه المعزى الکسیره لأنّها أمکن للاختطاف لعدم الممانعه. ثمّ أخبر فی معرض التوبیخ أنّه حمله إلى وطنه بمکّه، و کنّى بکونه رحیب الصدر به إمّا عن سروره و فرحه به أو عن کثره ما حمل منه لأنّ من العاده إذا أراد الإنسان حمل شی‏ء فی صدره و باعه حوى منه ما أمکنه حمله. و نصب رحیب و غیر على الحال، و إضافه رحیب فی تقدیر الانفصال. ثمّ شبّهه فی معرض التوبیخ و التقریع فی حمله بمن حمل تراثه إلى أهله من والدیه، و استفهم على سبیل التعجّب من حاله و الإنکار علیه على أمرین: أحدهما: عن إیمانه بالمعاد و خوفه من مناقشه اللّه فی الحساب تذکیرا له، و نبّهه على أنّه کان معدودا فی نظره من ذوى العقول. و أدخله فی حیّز کان تنبیها له على أنّه لم یبق عنده کذلک. الثانی: عن کیفیّه إساغته للشراب و الطعام مع علمه أنّ ما یأکله و یشربه و ینکح به من هذا المال حرام لکونه مال المسلمین الیتامى منهم و المساکین و المجاهدین أفاء اللّه علیهم لیحرز به عباده و بلاده استفهام إنکار و تقریع بذکر معصیه اللّه.

المقصود الرابع: أمره بعد التوبیخ الطویل بتقوى اللّه و ردّ أموال المسلمین علیهم، و توعّده إن لم یفعل
ثمّ أمکن اللّه منه أن یعذر إلى اللّه فیه: أى یبلغ إلیه بالعذر فیه و بقتله، و ذکر الضرب بالسیف الموصوف بالصفه المذکوره اغلظ فی الوعید و أبلغ فی الزجر.

المقصود الخامس: أقسم أنّ ولدیه على قربهما منه و کرامتهما علیه لو فعلا کفعله من الخیانه لم یراقبهما فی ذلک
حتّى یأخذ الحقّ منهما و یزیح الباطل عن مظلمتهما من مال أو غیره، و مراده أنّ غیرهم بطریق أولى فی عدم المراقبه له. ثمّ أقسم القسم البارّ أنّه ما یسرّه أن یکون ما أخذه ابن عبّاس من أموال المسلمین‏ حلالا له یخلفه میراثا لمن بعده لما علمت أنّ جمع المال و ادّخاره سبب العذاب فی الآخره کما قال تعالى وَ الَّذِینَ یَکْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّهَ«» الآیه، و قسمه الأوّل کالعذر له فی شدّه إنکاره علیه، و الثانی لتحقیر ما أخذه، و بیان أنّه لو کان أخذه على وجه حلال فلا یصلح للقنیه فکیف به و هو حرام، و ذلک لیترکه و یخرج عنه إلى أهله.

السادس: أمره بالإمهال على سبیل التهدید بقرب الوصول إلى الغایه الّتی هى الموت و الدفن و عرض أعماله علیه
بالمحلّ الّذی ینادی فیه الظالم بالحسره و یتمنّى فیه مضیّعوا أمر اللّه و العمل الصالح الرجعه إلى الدنیا حین لا مخلص لهم ممّا هم فیه. و ذلک المحلّ هو عرصه القیامه. و ذکر النداء بالحسره حین لا رجعه لیتأکّد التخویف و التهدید بتعداد الامور المنفّره، و أمّا قوله: و لات حین مناص شبّهوا لات بلیس و أضمروا فیها اسم الفاعل. و لا یستعمل لات إلّا مع حین، و قد جاءت حین مرفوعه بأنّها اسم لات، و قیل: إنّ التاء زائده کهى فی ثمّت و ربّت. و قد مرّ ذلک قبل.

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۸۸

 

بازدیدها: ۱۳

نامه ۳۹ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى عمرو بن العاص

فَإِنَّکَ قَدْ جَعَلْتَ دِینَکَ تَبَعاً لِدُنْیَا امْرِئٍ- ظَاهِرٍ غَیُّهُ مَهْتُوکٍ سِتْرُهُ- یَشِینُ الْکَرِیمَ بِمَجْلِسِهِ وَ یُسَفِّهُ الْحَلِیمَ بِخِلْطَتِهِ- فَاتَّبَعْتَ أَثَرَهُ وَ طَلَبْتَ فَضْلَهُ- اتِّبَاعَ الْکَلْبِ لِلضِّرْغَامِ یَلُوذُ بِمَخَالِبِهِ- وَ یَنْتَظِرُ مَا یُلْقَى إِلَیْهِ مِنْ فَضْلِ فَرِیسَتِهِ- فَأَذْهَبْتَ دُنْیَاکَ وَ آخِرَتَکَ- وَ لَوْ بِالْحَقِّ أَخَذْتَ أَدْرَکْتَ مَا طَلَبْتَ- فَإِنْ یُمَکِّنِّی اللَّهُ مِنْکَ وَ مِنِ ابْنِ أَبِی سُفْیَانَ- أَجْزِکُمَا بِمَا قَدَّمْتُمَا- وَ إِنْ تُعْجِزَا وَ تَبْقَیَا فَمَا أَمَامَکُمَا شَرٌّ لَکُمَا- وَ السَّلَامُ

 

المعنى

أقول: قد ذکر هذا الکتاب بروایه تزید على هذه، و أوّله: من عبد اللّه علىّ أمیر المؤمنین إلى الأبتر ابن الأبتر عمرو بن العاص شانئ محمّد و آل محمّد فی الجاهلیّه و الإسلام. سلام على من اتّبع الهدى. أمّا بعد فإنّک ترکت مروّتک لامرء فاسق مهتوک ستره یشین الکریم بمجلسه و یسفّه الحلیم بخلطته. فصار قلبک لقلبه تبعا کما وافق شنّ طبقه. فسلبک دینک و أمانتک و دنیاک و آخرتک و کان علم اللّه بالغا فیک.

فصرت کالذئب یتبع الضرغام إذا ما اللیل دجى یلتمس أن یداوسه. و کیف تنجو من‏ القدر و لو بالحقّ طلبت أدرکت ما رجوت، و قد یرشد من کان قائده. فإن یمکّنّى اللّه منک و من ابن آکله الأکباد ألحقکما بمن قتله اللّه من ظلمه قریش على عهد رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله و إن تعجزا أو تبقیا بعدى فاللّه حسبکما و کفى بانتقامه انتقاما و بعقابه عقابا. و مدار الکتاب على توبیخ عمرو بمتابعته لمعاویه فی باطله و تنفیره عمّا هو علیه و وعیده لهما على ذلک. و معنى جعله دینه تبعا لدنیا معاویه أنّه یصرفه فی مرضاته بحسب ما یتصوّر حصوله علیه من دنیاه کما أشرنا إلیه قبل من بیعه دینه فی المظاهره على حربه علیه السّلام بطعمه مصر. ثمّ ذمّ معاویه بأوصاف أربعه لغایه التنفیر عنه:

أحدها: کونه ظاهرا غیّه، و ضلال معاویه عن طریق اللّه أوضح أن یوضح.

الثانی: کونه مهتوکا ستره، و من المشهور عنه أنّه کان هاتکا لستر دین اللّه عنه فإنّه کان کثیر الخلاعه به و الهزل صاحب سمار و جلساء لهو و مناع و شرب و سماع، و قد کان یتستّر بذلک فی زمان عمر خوفا منه إلّا أنّه کان یلبس الحریر و الدیباج و یشرب فی آنیه الذهب و الفضّه و أمّا فی أیّام عثمان فکان شدید التهتّک، و إنّما قارب الوقار حیث خرج على علیّ علیه السّلام لحاجته إلى استغواء الناس بظاهر الدین.

الثالث: یشین الکریم بمجلسه، و ذاک أنّ الکریم هو الّذی یضبط نفسه و ینزّهها عمّا یشین العرض من الرذائل، و قد کان مجلس معاویه مشحونا ببنى أمیّه و رذائلهم، و مجالسه الکریم لهم یستلزم نسبته إلیهم و لحاقه بهم، و ذلک مشین لعرضه و مقبّح لذکره.

الرابع: کونه یسفّه الحلیم بخلطته، و ذلک أنّه کان دأبه هو و بنو امیّه شتم بنی هاشم و قذفهم و التعرّض بذکر الإسلام و الطعن علیه، و إن أظهروا الانتماء إلیه، و ذلک ممّا یستفزّ الحلیم و یسفّه رأیه فی الثبات عند مخالطتهم و سماعه منهم، و کنّى باتّباعه لأثره عن متابعته له فیما یفعله، و أشار بقوله: و طلبت فضله إلى غرض اتّباعه، و شبّه اتّباعه له باتّباع الکلب الأسد تحقیرا له و تنفیرا، و نبّهه‏ على وجه الشبه بقوله: یلوذ. إلى قوله: فریسته، و أراد أنّ اتّباعه له على وجه الذلّه و الحقاره و دناءه الهمّه للطمع فیما یعطیه من فضل ماله و انتظار ذلک منه کاتّباع الکلب للأسد، و فی مثل هذا التشبیه بلاغ لعمرو فی التنفیر لو کان له کرم. ثمّ نبّهه على لازم اتّباعه له بقوله: فأذهبت دنیاک و آخرتک، و أراد بدنیاه ما کان یعیش به من الرزق و العطاء الحلال على وجه یلتذّ به فی طیب نفس و أمن من الحروب الّتی لقیها بصفّین و الأهوال الّتی باشرها فی موافقته لمعاویه، و تلک هى الدنیا الحقّه. إذ الدنیا إنّما یراد للّذّه بها و الاستمتاع، و ذلک ممّا لم یحصل علیه عمرو. و أمّا ذهاب آخرته فظاهر. و قوله: و لو بالحقّ أخذت. إلى قوله: طلبت. جذب له إلى لزوم الحقّ و ترغیب فیه بذکر لازمه، و هو إدراک ما طلب من دنیا و آخره، و ظاهر أنّه لو لزم الحقّ لوصل إلى دنیا کامله و آخره بالمعالى کافله. و قوله: فإن یمکّنّى اللّه. إلى آخره. و عید بعذاب واقع على تقدیر کلّ واحد من النقیضین و ذلک العذاب إمّا بواسطته فی الدنیا بتقدیر تمکین اللّه منهما و هو جزائه لهما بما قدّما من معصیه اللّه، و إمّا من اللّه فى الآخره على تقدیر أن یعجزاه و تبقیا بعده و هو عذاب النار، و نبّه علیه بقوله: فما أمامکما شرّ لکما لقوله تعالى وَ لَعَذابُ الْآخِرَهِ أَشَدُّ وَ أَبْقى‏ و استعار لفظ الأمام للآخره باعتبار استقبال النفوس لها و توجّهها نحوها. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۸۶

 

بازدیدها: ۳

نامه ۳۸ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى أهل مصر، لما ولى علیهم الأشتر رحمه اللّه

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِیٍّ أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ- إِلَى الْقَوْمِ الَّذِینَ غَضِبُوا لِلَّهِ- حِینَ عُصِیَ فِی أَرْضِهِ وَ ذُهِبَ بِحَقِّهِ- فَضَرَبَ الْجَوْرُ سُرَادِقَهُ عَلَى الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ- وَ الْمُقِیمِ وَ الظَّاعِنِ- فَلَا مَعْرُوفٌ یُسْتَرَاحُ إِلَیْهِ- وَ لَا مُنْکَرٌ یُتَنَاهَى عَنْهُ- أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَعَثْتُ إِلَیْکُمْ عَبْداً مِنْ عِبَادِ اللَّهِ- لَا یَنَامُ أَیَّامَ الْخَوْفِ- وَ لَا یَنْکُلُ عَنِ الْأَعْدَاءِ سَاعَاتِ الرَّوْعِ- أَشَدَّ عَلَى الْفُجَّارِ مِنْ حَرِیقِ النَّارِ- وَ هُوَ مَالِکُ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو مَذْحِجٍ- فَاسْمَعُوا لَهُ وَ أَطِیعُوا أَمْرَهُ فِیمَا طَابَقَ الْحَقَّ- فَإِنَّهُ سَیْفٌ مِنْ سُیُوفِ اللَّهِ- لَا کَلِیلُ الظُّبَهِ وَ لَا نَابِی الضَّرِیبَهِ- فَإِنْ أَمَرَکُمْ أَنْ تَنْفِرُوا فَانْفِرُوا- وَ إِنْ أَمَرَکُمْ أَنْ تُقِیمُوا فَأَقِیمُوا- فَإِنَّهُ لَا یُقْدِمُ وَ لَا یُحْجِمُ- وَ لَا یُؤَخِّرُ وَ لَا یُقَدِّمُ إِلَّا عَنْ أَمْرِی- وَ قَدْ آثَرْتُکُمْ بِهِ عَلَى نَفْسِی لِنَصِیحَتِهِ لَکُمْ- وَ شِدَّهِ شَکِیمَتِهِ عَلَى عَدُوِّکُمْ

اللغه

أقول: السرادق: البیت من القطن. و النکول: الرجوع. و الظبه بالتخفیف: حدّ السیف، و نبا السیف: إذا لم یقطع لضریبه. و الإحجام: التأخّر. و فلان شدید الشکیمه. إذا کان أبیّا قوىّ النفس. و أصل الشکیمه: الحدیده المعترضه فی فم الفرس.

و فی الکتاب مقاصد:

الأوّل: قوله: من عبد اللّه. إلى قوله: یتناهى عنه.
صوره عنوانه، و وصف أهل مصر بالغضب للّه استجلابا لطباعهم، و إشاره إلى إنکارهم للأحداث الّتی نسبت إلى عثمان و مسیرهم لذلک إلى المدینه غضبا لحدود اللّه أن تعطّل.
فإن قلت: فیلزم أن یکون علیه السّلام راضیا بقتل عثمان. إذ مدح قاتله على المسیر بقتله.
قلت: لا یلزم ذلک لجواز أن یکون مسیرهم إنّما کان للنکیر علیه دون غرض قتله. فمدحهم على ذلک النکیر لأنّه جهه مدح، و أمّا قاتلوه و الّذین تسوّروا علیه الدار- و کانوا قوما قلیلین- لعلّه لم یک فیهم من أهل مصر إلّا النادر، و لیس فی کلامه علیه السّلام ما یقتضى مدح أولئک باعتبار کونهم قتلوه، و استعار لفظ السرادق لما عمّ من الجور البرّ و الفاجر و المقیم و المسافر کالسرادق الحاوى لأهله، و قابل بین المعروف و المنکر و لم یرد نفى المنکر بل نفى صفه التناهی عنه.

الثانی: قوله: أمّا بعد إلى قوله: أخو بنی مذحج.
صدر الکتاب: أعلمهم فیه ببعث الأشتر إجمالا، و وصفه بأوصاف یستلزم رغبتهم فیه، و کنّى بکونه لا ینام أیّام الخوف عن علوّ همّته و تعلّقها حین الخوف بتدبیر الحرب و الاستعداد للقاء العدوّ، و بکونه لا ینکل عن الأعداء عن شجاعته و شدّه بأسه. و أکّد ذلک بوصف کونه أشدّ على الفجّار من حریق النار، و هو وصف صادق مع المبالغه فیه. إذ کان لقاؤه للفجّار یستلزم غلبه ظنونهم بالهلاک معه و عدم السلامه، و لا کذلک وجود الحریق لطمعهم فی الفرار من النار و إطفائها. ثمّ ذکره بعد تعدید أوصافه الحمیده و هو أبلغ لأنّ الغرض الأهمّ وصفه لا ذکره فقط. و مذحج بفتح المیم کمسجد: أبو قبیله من الیمن، و هو مذحج بن جابر بن مالک بن نهلان بن سبا.
و النخع: قبیله من هذه القبیله، و الأشتر نخعیّ.

الثالث: أمرهم بالمقصود و هو السمع له و الطاعه لأمره لا مطلقا بل فیما یطابق الحقّ
و یوافقه من الأوامر، و أشار إلى حسن امتثال أمره بضمیر صغراه قوله: فإنّه سیف. إلى قوله: الضریبه، و استعار له لفظ السیف باعتبار کونه یصال به على العدوّ فیهلکه کالسیف، و رشّح بذکر الظبه، و کنّى بکونه غیر کلیلها و غیر نابى الضریبه عن کونه ماضیا فی الحوادث غیر واقف فیها و لا راجع عنها، و الإضافه إلى الضریبه إضافه اسم الفاعل إلى المفعول: أى و لا ناب عن الضریبه، و تقدیر الکبرى: و کلّ من کان کذلک فیجب أن یقدّم و یمتثل أمره فیما یشیر به من الحرب و غیرها.

الرابع: أمرهم أن یکون نفارهم إلى الحرب، و إجحامهم عنها على وفق أمره،
و نبّه على ذلک بضمیر صغراه قوله: فإنّه. إلى قوله: أمرى. و کنّى بذلک عن کونه لا یأمر فی الحرب و غیرها بأمر إلّا و هو فی موضعه لأنّ أوامره علیه السّلام کانت کذلک فمن کان على وفقها فأوامره أیضا کذلک، و لم یرد علیه السّلام أنّ کلّ ما یأمر به مالک فی الأمور الکلّیّه و الجزئیّه فإنّه من أمره علیه السّلام بالتعیین و التفصیل بل أراد أنّه قد علمه بقواعد کلّیّه للسیاسات و تدابیر المدن و الحروب و أعدّه لذلک بحیث یمکنه أن یجتهد فیها و یستخرج جزئیّاتها.

الخامس: أعلمهم أنّه قد آثرهم به على نفسه
مع حاجته إلیه فی الرأی و التدبیر فی معرض الامتنان علیهم بذلک لیشکروه، و أشار إلى علّه ایثاره لهم به و هى کونه ناصحا لهم قوىّ النفس شدید الوطأه على عدوّهم. و کنّى بشدّه الشکیمه عن ذلک فأمّا مصلحته علیه السّلام فی ذلک الایثار فهو استقامه الأمر له بصلاح حالهم. و باللّه التوفیق.

شرح نهج ‏البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۸۳

بازدیدها: ۴

نامه ۳۷ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى معاویه  

فَسُبْحَانَ اللَّهِ- مَا أَشَدَّ لُزُومَکَ لِلْأَهْوَاءَ الْمُبْتَدَعَهِ وَ الْحَیْرَهِ الْمُتَّبَعَهِ- مَعَ تَضْیِیعِ الْحَقَائِقِ وَ اطِّرَاحِ الْوَثَائِقِ- الَّتِی هِیَ لِلَّهِ طِلْبَهٌ وَ عَلَى عِبَادِهِ حُجَّهٌ- فَأَمَّا إِکْثَارُکَ الْحِجَاجَ عَلَى عُثْمَانَ وَ قَتَلَتِهِ- فَإِنَّکَ إِنَّمَا نَصَرْتَ عُثْمَانَ حَیْثُ کَانَ النَّصْرُ لَکَ- وَ خَذَلْتَهُ حَیْثُ کَانَ النَّصْرُ لَهُ

أقول: أوّل هذا الکتاب: أمّا بعد فإنّ الدنیا حلوه خضره ذات زینه و بهجه لم یصیب إلیها أحد إلّا شغلته بزینتها عمّا هو أنفع له منها، و بالآخره أمرنا و علیها حثثنا.
فدع یا معاویه ما یفنى، و اعمل لما یبقى، و احذر الموت الّذی إلیه مصیرک و الحساب الّذی إلیه عاقبتک. و أعلم أنّ اللّه إذا أراد بعبد خیرا حال بینه و بین ما یکره و وفّقه لطاعته، و إذا أراد بعبد شرّا أغراه بالدنیا و أنساه الآخره و بسط له أمله و عاقّه عمّا فیه صلاحه. و قد وصلنی کتابک فوجدتک ترمی غیر غرضک، و تنشد غیر ضالّتک، و تخبط فی عمایه و تیه فی ضلاله، و تعتصم بغیر حجّه، و تلوذ بأضعف شبهه. فأمّا سؤالک إلىّ المشارکه و الإقرار لک على الشام، فلو کنت فاعلا لذلک الیوم لفعلته أمس. و أمّا قولک: إنّ عمر ولّاکها. فقد عزل عمر من کان ولّا صاحبه، و عزل عثمان من کان عمر ولّاه، و لم ینصب للناس إمام إلّا لیرى من صلاح الأمّه ما قد کان ظهر لمن کان قبله أو خفى عنهم غیبته، و الأمر یحدث بعده الأمر، و لکلّ وال رأى و اجتهاد. ثمّ یتّصل بقوله: سبحان اللّه. الفصل إلى آخره.

و الفصل مشتمل على أمرین:

أحدهما: التعجّب من شدّه لزومه للأهواء الّتی مبتدعها، و التحیّر فیها عن قصد الحقّ. و ذلک أنّه فی کلّ وقت یوقع شبهه و یبتدع رأیا یغوى به أصحابه و یقرّر فی أذهانهم بذلک أنّ علیّا علیه السّلام لا یصلح للإمامه، فتاره یقول: إنّه قتل عثمان، و تاره یزعم أنّه خذله، و تاره یزعم أنّه قتل الصحابه و فرّق کلمه الجماعه، و تاره تصرف عنه بالعطاء و تفریق مال المسلمین على غیر الوجه الشرعیّ، و تاره یعترف بکونه صالحا للإمامه، و یطلب إلیه الإقرار بالشام. إلى غیر ذلک ممّا یبتدعه فی الدین من الأباطیل، و یتّبع الحیره فیها مع تضییعه لحقایق الامور الّتی ینبغی أن یعتقدها من کونه علیه السّلام الأحقّ بهذا الأمر، و إطراحه لوثایق اللّه و عهوده المطلوبه المرضیّه له‏ و هی على عباده حجّه یوم القیامه کما قال تعالى وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّکَ الآیه.

الثانی: جوابه عن خطابه فی أمر عثمان
و فخره بنصرته و تبکیته له علیه السّلام بخذلانه إیّاه. و قوله: فإنّک: إلى آخره. فی قوّه صغرى ضمیر بیانها أنّ معاویه لمّا استصرخه عثمان تثاقل عنه و هو فی ذلک یعده حتّى إذا اشتدّ به الحصار بعث إلیه یزید بن أسد القسربى، و قال له: إذا أتیت ذی خشب فاقم بها و لا تقل: الشاهد یرى ما لا یرى الغائب. فإنّی أنا الشاهد و أنت الغائب. قال: فأقام بذی خشب حتّى قتل عثمان. فاستقدمه حینئذ معاویه فعاد إلى الشام بالجیش الّذی کان معه، فکان نصره له حیث بعث لنصرته إنّما کان على سبیل التعذیر و التقاعد عنه لیقتل فیدعو إلى نفسه فکان ذلک النصر فی الحقیقه لمعاویه. إذ کان فعله ذلک سببا لقتله، و انتصاره هو على مطلوبه من هذا الأمر، و کان خذلانه له حیث کان محتاجا إلى النصر، و تقدیر الکبرى: و کلّ من کان کذلک فلیس له أن یفخر بنصرته و ینسب غیره إلى خذلانه. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۸۱

 

بازدیدها: ۲

نامه ۳۶ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى عقیل بن أبى طالب، فى ذکر جیش انفذه إلى بعض الأعداء و هو جواب کتاب کتبه إلیه

فَسَرَّحْتُ إِلَیْهِ جَیْشاً کَثِیفاً مِنَ الْمُسْلِمِینَ- فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِکَ شَمَّرَ هَارِباً وَ نَکَصَ نَادِماً- فَلَحِقُوهُ بِبَعْضِ الطَّرِیقِ- وَ قَدْ طَفَّلَتِ الشَّمْسُ لِلْإِیَابِ- فَاقْتَتَلُوا شَیْئاً کَلَا وَ لَا- فَمَا کَانَ إِلَّا کَمَوْقِفِ سَاعَهٍ حَتَّى نَجَا جَرِیضاً- بَعْدَ مَا أُخِذَ مِنْهُ بِالْمُخَنَّقِ- وَ لَمْ یَبْقَ عِنْدَهُ غَیْرُ الرَّمَقِ- فَلَأْیاً بِلَأْیٍ مَا نَجَا- فَدَعْ عَنْکَ قُرَیْشاً وَ تَرْکَاضَهُمْ فِی الضَّلَالِ- وَ تَجْوَالَهُمْ فِی الشِّقَاقِ وَ جِمَاحَهُمْ فِی التِّیهِ- فَإِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَرْبِی- کَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ص قَبْلِی- فَجَزَتْ قُرَیْشاً عَنِّی الْجَوَازِی- فَقَدْ قَطَعُوا رَحِمِی وَ سَلَبُونِی سُلْطَانَ ابْنِ أُمِّی- وَ أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ رَأْیِی فِی الْقِتَالِ- فَإِنَّ رَأْیِی قِتَالُ الْمُحِلِّینَ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ- لَا یَزِیدُنِی کَثْرَهُ النَّاسِ حَوْلِی عِزَّهً- وَ لَا تَفَرُّقُهُمْ عَنِّی وَحْشَهً- وَ لَا تَحْسَبَنَّ ابْنَ أَبِیکَ- وَ لَوْ أَسْلَمَهُ النَّاسُ مُتَضَرِّعاً مُتَخَشِّعاً- وَ لَا مُقِرّاً لِلضَّیْمِ وَاهِناً- وَ لَا سَلِسَ الزِّمَامِ لِلْقَائِدِ- وَ لَا وَطِی‏ءَ الظَّهْرِ لِلرَّاکِبِ الْمُقْتَعِدِ- وَ لَکِنَّهُ کَمَا قَالَ أَخُو بَنِی سَلِیمٍ-

          فَإِنْ تَسْأَلِینِی کَیْفَ أَنْتَ فَإِنَّنِی                صَبُورٌ عَلَى رَیْبِ الزَّمَانِ صَلِیبُ‏
           یَعِزُّ عَلَیَّ أَنْ تُرَى بِی کَآبَهٌ                    فَیَشْمَتَ عَادٍ أَوْ یُسَاءَ حَبِیبُ‏

اللغه

أقول: طفّلت الشمس بالتشدید: إذا مالت للغیب. و آبت: لغه فی غابت. و الجریض: المغموم الّذی یبتلع ریقه على همّ و حزن بالجهد و یکاد یموت لذلک. و المخنّق بالتشدید: هو من العنق موضع الخنق بکسر النون. و الرمق: بقیّه النفس و اللأى: الشدّه و العسر. و الاجماع: تصمیم العزم. و الجوازى: جمع جازیه و هی النفوس تجزى بالسیّئه. و المحلّین: من نقص البیعه، یقال لمن نقض عهده و بیعته: محلّ، و لمن حفظه. محرم. و المقتعد: الراکب لاقتعاده لأظهر البعیر.

و حاصل الفصل أمور:

أحدها: قوله: فسرّحت، إلى قوله: ما نجا.
حکایه حال عدوّ و قد أغار على بعض أعماله فنفد إلیه جیشا من المسلمین فهرب حین علم توجّههم نحوه ثمّ لحقوه‏ فقاتلوه قلیلا ثمّ أفلت منهم على شدّه و عسر من الخلاص، و ألفاظه علیه السّلام أفصح العبارات عمّا ذکره، و هاربا و نادما و جریضا أحوال. و قوله کلا و لا. تشبیه بالقلیل السریع الفناء، و ذلک لأنّ لا و لا لفظان قصیران سریعا الانقطاع قلیلان فی المسموع من المتخاطبین. فشبّه بهما ما کان من محاربه العدوّ للجیش الّذی نفذه. و نحوه قول ابن هانی المغربی:
                و أسرع فی العین من لحظه             و أقصر فی السمع من لا و لا

و موقف مصدر أى فما کان ذلک القتال إلّا کوقوف ساعه، و روى: لا و ذا.
و لأیا مصدر و العامل محذوف، و ما مصدریّه فی موضع الفاعل، و التقدیر: فلأیى لأیا نجاؤه أى عسرو إبطاء.
و قوله: بلأى. أى لأیا مقرونا بلأى.

الثانی: قوله: فدع عنک إلى قوله: ابن أمىّ.
کالجواب لکلام ذکر فیه قریشا و من انضمّ منهم إلى معاویه فأمره علیه السّلام بالإضراب عن ذکرهم على سبیل الغضب منهم، و الواو فی قوله: و ترکاضهم. یشبه أن یکون بمعنى مع، و یحتمل أن تکون عاطفه، و استعار لهم لفظ الترکاض باعتبار خبط أذهانهم فی الضلال عن سبیل اللّه و خوضهم فی الباطل یتسرّع فیه من غیر توقّف، و کذلک لفظ التجوال، و لفظ إجماح باعتبار کثره خلافهم للحقّ و حرکاتهم فی تیه الجهل و الخروج عن طریق العدل کالفرس یجمح و یجول. و قوله. فإنّهم. إلى قوله: رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله. فی قوه صغرى ضمیر نبّه به على أنّه لا خیر فیهم و أنّه یجب الإعراض عنهم، و تقدیر الکبرى، و کلّ من کان کذلک فینبغی ترکه و الإعراض عنه إذ لا خیر فیه.
و أمّا حقیقه الصغرى فظاهره لأنّ قریشا صمّم عزمهم على حربه منذ بویع بغضا له و حسدا و حقدا علیه و اتّفقوا على شقاقه کما کانت حالهم فی بدو الإسلام مع رسول اللّه‏ صلّى اللّه علیه و آله لم یفترق الحالان فی شی‏ء من ذلک. و قوله: فجزت قریشا عنّى الجوازى. دعاء علیهم بأن یجازوا بمثل فعلهم به من قطیعه الرحم و سلبه سلطان الإسلام و الخلافه الّتی هو أولى بها. و هى تجرى مجرى المثل. و قوله: فقد قطعوا رحمی. کالتعلیل لحسن الدعاء علیهم، و هو فی قوّه صغرى ضمیر أیضا، و تقدیر کبراه: و کلّ من فعل ذلک فهو حقیق بالدعاء علیه، و أراد بابن امّه رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله لأنّهما ابنا فاطمه بنت عمرو بن عمران بن عائذ بن مخزوم امّ عبد اللّه و أبی طالب، و لم یقل ابن أبی لأنّ غیر أبی طالب من الأعمام یشرکه فی النسب إلى عبد المطّلب. و قیل: إنّ امّه فاطمه بنت أسد کانت تربّى رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله حین کفّله أبو طالب یتیما فهی کالامّ له فأطلق علیه البنوّه لها مجازا.

الثالث: قوله: و أمّا ما سألت عنه. إلى آخره.
فهو تقریر بسؤاله و الجواب عنه، و فیه تنبیه على فضیلته من وجوه: الأوّل: قوّته فی الدین على من أحلّ ذمّه اللّه و نقض عهدا من عهوده. الثانی: شجاعته الّتی لا یزیده معها کثره الناس حوله عزّه و لا تفرّقهم عنه وحشه، و لا یوجد معها بالصفات المذکوره من الجبن و العجز و الانقیاد للعدوّ، و لکنّه معها کالقائل. و الشعر منسوب إلى العبّاس بن مرداس السلمى و هو فی قوّه تمثیل أصله القائل، و فرعه هو علیه السّلام، و علّته ما ذکر من الأوصاف، و حکمه کونه شجاعا یجب الحذر من صولته. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه (ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۷۹

 

بازدیدها: ۰

نامه ۳۵ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى عبد اللّه بن العباس، بعد مقتل محمد بن أبى بکر

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مِصْرَ قَدِ افْتُتِحَتْ- وَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِی بَکْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدِ اسْتُشْهِدَ- فَعِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُهُ وَلَداً نَاصِحاً وَ عَامِلًا کَادِحاً- وَ سَیْفاً قَاطِعاً وَ رُکْناً دَافِعاً- وَ قَدْ کُنْتُ حَثَثْتُ النَّاسَ عَلَى لَحَاقِهِ- وَ أَمَرْتُهُمْ بِغِیَاثِهِ قَبْلَ الْوَقْعَهِ- وَ دَعَوْتُهُمْ سِرّاً وَ جَهْراً وَ عَوْداً وَ بَدْءاً- فَمِنْهُمُ الْآتِی کَارِهاً وَ مِنْهُمُ الْمُعْتَلُّ کَاذِباً- وَ مِنْهُمُ الْقَاعِدُ خَاذِلًا- أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ یَجْعَلَ لِی مِنْهُمْ فَرَجاً عَاجِلًا- فَوَاللَّهِ لَوْ لَا طَمَعِی عِنْدَ لِقَائِی عَدُوِّی فِی الشَّهَادَهِ- وَ تَوْطِینِی نَفْسِی عَلَى الْمَنِیَّهِ- لَأَحْبَبْتُ أَلَّا أَبْقَى مَعَ هَؤُلَاءِ یَوْماً وَاحِداً- وَ لَا أَلْتَقِیَ بِهِمْ أَبَداً

اللغه

أقول: احتسبت کذا عند اللّه: أی طلبت به الحسبه بکسر الحاء و هی الأجر. و الشهاده: القتل فی سبیل اللّه. و استشهد: کانّه استحضر إلى اللّه.

و مدار الکتاب على امور:

أحدها
إعلامه بفتح مصر.

الثانی: إخباره عن قتل محمّد بن أبی بکر
لیساهمه فی الهمّ بهذه المصیبه، و مدحه فی معرض التفجّع علیه و التوجّع له، و ولدا و عاملا و سیفا و رکنا أحوال، و تسمیته ولدا مجاز باعتبار تربیته فی حجره کالولد، و ذلک أنّه کان ربیبا له، و أمّه أسماء بنت عمیس الخثعمیّه کانت تحت جعفر بن أبی طالب و هاجرت معه إلى الحبشه فولدت له محمّدا و عونا و عبد اللّه بالحبشه، و لمّا قتل جعفر تزوّجها ابو بکر فولدت له‏ محمّدا هذا. فلمّا توفّى عنها تزوّجها علی علیه السّلام فولدت له یحیى بن علیّ، و استعار له لفظ السیف باعتبار کونه یقمع به العدوّ و یصال به علیه، و رشّح بذکر القاطع، و کذلک لفظ الرکن باعتبار کونه یستند إلیه فی الحوادث فتدفع به و رشّح بقوله: دافعا.

الثالث: إعلامه بحاله مع الناس فی معرض التشکّى منهم
و أنّه قد حثّهم على لحاقه و إغاثته فلم یسمعوا، و أشار إلى وجه تقصیر کلّ منهم، و قد کان حاله علیه السّلام مع الناس کحال رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله مع قومه فالآتون کارهین کأنّما یساقون إلى الموت و هم ینظرون، و المعتلّون کذبا کالّذین قالوا لو استطعنا لخرجنا معکم یهلکون أنفسهم و اللّه یعلم أنّهم لکاذبون، و من تأمّل حالهما و سیرتهما إلى أن قبضا تحقّق وجه الشبه بینهما فی أکثر الأحوال. و هذه القسمه لهم بحسب ما وجدهم.

الرابع: سؤاله للّه تعالى أن یعجّل له منهم الفرج
و هو فی معرض التشکّی أیضا و الإشاره إلى وجه عذره فی المقام بینهم على هذه الحال و هو طلبه للشهاده و توطینه نفسه على الموت عند لقاء العدوّ، و لولا ذلک لفارقهم. و باللّه التوفیق.

شرح‏نهج‏البلاغه(ابن‏میثم)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۷۷

 

بازدیدها: ۰

نامه۳۴ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى محمد بن أبى بکر، لما بلغه توجده من عزله بالأشتر عن مصر

ثم توفى الأشتر فى توجهه إلى مصر قبل وصوله إلیها أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِی مَوْجِدَتُکَ مِنْ تَسْرِیحِ الْأَشْتَرِ إِلَى عَمَلِکَ- وَ إِنِّی لَمْ أَفْعَلْ ذَلِکَ اسْتِبْطَاءً لَکَ فِی الْجَهْدَ- وَ لَا ازْدِیَاداً لَکَ فِی الْجِدِّ- وَ لَوْ نَزَعْتُ مَا تَحْتَ یَدِکَ مِنْ سُلْطَانِکَ- لَوَلَّیْتُکَ مَا هُوَ أَیْسَرُ عَلَیْکَ مَئُونَهً- وَ أَعْجَبُ إِلَیْکَ وِلَایَهً- إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِی کُنْتُ وَلَّیْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ- کَانَ رَجُلًا لَنَا نَاصِحاً وَ عَلَى عَدُوِّنَا شَدِیداً نَاقِماً- فَرَحِمَهُ اللَّهُ فَلَقَدِ اسْتَکْمَلَ أَیَّامَهُ- وَ لَاقَى حِمَامَهُ وَ نَحْنُ عَنْهُ رَاضُونَ- أَوْلَاهُ اللَّهُ رِضْوَانَهُ وَ ضَاعَفَ الثَّوَابَ لَهُ- فَأَصْحِرْ لِعَدُوِّکَ وَ امْضِ عَلَى بَصِیرَتِکَ- وَ شَمِّرْ لِحَرْبِ مَنْ حَارَبَکَ وَ ادْعُ إِلى‏ سَبِیلِ رَبِّکَ- وَ أَکْثِرِ الِاسْتِعَانَهَ بِاللَّهِ یَکْفِکَ مَا أَهَمَّکَ- وَ یُعِنْکَ عَلَى مَا نَزَلَ بِکَ و السلام

أقول: السبب أنّ محمّد بن أبی بکر کان یضعف عن لقاء العدوّ، و لم یکن فی أصحاب علیّ علیه السّلام أقوى بأسا فی الحرب من الأشتر- رحمه اللّه- و کان معاویه بعد وقایع صفّین قد تجرّد للإغاره على أطراف بلاد المسلمین، و قد کانت مصر جعلت طعمه لعمرو بن العاص، و علم علیه السّلام أنّها لا تتحفّظ إلّا بالأشتر فکتب له العهد الّذی یأتی ذکره و وجّهه إلیها فبلغه أنّ محمّدا تألّم من ذلک. ثمّ إنّ الأشتر مات قبل وصوله إلیها فکتب علیه السّلام إلى محمّد هذا الکتاب، و هو یؤذن بإقراره على عمله و استرضائه، و تعریفه وجه عذره فی تولیه الأشتر لعمله، و أنّه لم یکن ذلک لموجده علیه و لا تقصیر منه.

اللغه

و الموجده ما یجده الإنسان من الغضب و التألّم عنه. و التسریح: الإرسال. و أصحر له: أى أخرج له إلى الصحراء. و البصیره هنا: الحجّه و الهدى فی الدین.

و حاصل الفصل امور:

الأوّل: فقد بلغنی. إلى قوله: عملک
کالاعتراف له بما یشبه الإساءه فی حقّه لیرتّب علیه ما یشبه الاعتذار إلیه.

الثانی: قوله: و إنّی لم أفعل ذلک. إلى قوله: ناقما.
أخذ فیما یشبه العذر فنفى عنه التقصیر و الاستبطاء فی الجهاد و نحوه ممّا عساه یتوهّمه سببا لعزله. ثمّ وعده على تقدیر تمام عزله بولایه أمر هو أسهل علیه کلفه و أحبّ إلیه ولایه تسکینا لقلبه عن مصر بالترغیب فیما هو خیر منها. ثمّ أشار إلى وجه بعثه الأشتر فی معرض ذلک الثناء علیه بما استجمعه من الخصال الحمیده المذکوره، و هى کونه لامامه ناصحا، و على عدوّه شدیدا ناقما: أی منکرا و مغیرا، و محمّد و إن کان له الأمر فی الأوّل إلّا أنّه فی الثانی ضعیف.

الثالث: قوله: فرحمه اللّه. إلى قوله: الثواب له.
إعلام بأنّه مات و هو عنه راض لأن لا یظهر به شماتته.

الرابع: قوله: فأصحر. إلى آخره
أمر له بالاستعداد للعدوّ، و أمره بالإصحار لإشعاره بالقوّه دون الاستتار فی المدینه المشعر بالضعف، و أن یمضى فی محاربته على حجّته فی الحقّ و استبصاره فیه، و کنّى وصف التشمیر عن الاستعداد للحرب، و أن یدعو إلى سبیل ربّه بالحکمه و الموعظه الحسنه و المجادله بالّتی هی أحسن، و أن یکثر الاستعانه باللّه فإنّ الرغبه إلیه، و الاستعانه به تعدّ لإفاضه النصر و کفایته ما أهمّ من أمر العدوّ و معونته على ما نزل من الشدائد. و باللّه التوفیق و العصمه.

شرح نهج البلاغه(ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۷۵

بازدیدها: ۰

نامه ۳۳ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى قثم بن العباس، و هو عامله على مکه

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ عَیْنِی بِالْمَغْرِبِ کَتَبَ إِلَیَّ یُعْلِمُنِی- أَنَّهُ وُجِّهَ إِلَى الْمَوْسِمِ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ- الْعُمْیِ الْقُلُوبِ الصُّمِّ الْأَسْمَاعِ الْکُمْهِ‏ الْأَبْصَارِ- الَّذِینَ یَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ- وَ یُطِیعُونَ الْمَخْلُوقَ فِی مَعْصِیَهِ الْخَالِقِ- وَ یَحْتَلِبُونَ الدُّنْیَا دَرَّهَا بِالدِّینِ- وَ یَشْتَرُونَ عَاجِلَهَا بِآجِلِ الْأَبْرَارِ الْمُتَّقِینَ- وَ لَنْ یَفُوزَ بِالْخَیْرِ إِلَّا عَامِلُهُ- وَ لَا یُجْزَى جَزَاءَ الشَّرِّ إِلَّا فَاعِلُهُ- فَأَقِمْ عَلَى مَا فِی یَدَیْکَ قِیَامَ الْحَازِمِ الصَّلِیبِ- وَ النَّاصِحِ اللَّبِیبِ- التَّابِعِ لِسُلْطَانِهِ الْمُطِیعِ لِإِمَامِهِ- وَ إِیَّاکَ وَ مَا یُعْتَذَرُ مِنْهُ- وَ لَا تَکُنْ عِنْدَ النَّعْمَاءِ بَطِراً- وَ لَا عِنْدَ الْبَأْسَاءِ فَشِلًا

أقول: هو قثم بن العبّاس بن عبد المطّلب، و لم یزل والیا لعلیّ علیه السّلام على مکّه حتّى قتل علیه السّلام و استشهد بسمرقند فی زمن معاویه، و سبب هذا الکتاب أنّ معاویه کان قد بعث إلى مکّه فی موسم الحجّ و اجتماع العرب بها دعاه یدعون إلى طاعته و یثبّطون العرب من نصره علیّ علیه السّلام، و یلقون فی أنفسهم أنّه إمّا قاتل عثمان أو خاذل له و على التقدیرین فلا یصلح للإمامه، و ینشرون محاسن معاویه- بزعمهم- و أخلاقه و سیرته فی العطاء. فکتب علیه السّلام هذا الکتاب إلى عامله بمکّه ینبّهه على ذلک لیعتمد علیه فیما یقتضیه السیاسه، و قیل: إنّ الذین بعثهم بعض السرایا الّتی کان یبعثها لیغیر على أعمال علیّ علیه السّلام.

اللغه

و العین: الجاسوس. و الموسم: مجمع الحاجّ. و الأکمه: الأعمى خلقه. و البطر: شدّه المرح و کثره النشاط. و البأساء: الشدّه بنى على فعلاء و لا أفعل له لأنّه اسم غیر صفه. و الفشل: الجبن و الضعف.

المعنى

و حاصل الکتاب إعلامه أوّلا بما کتب إلیه عینه بالمغرب، و أراد الشام لأنّها من البلاد المغربیّه، و قد کان له علیه السّلام فی البلاد جواسیس یخبره بما یتجدّد من الامور عند معاویه، و لمعاویه عنده کذلک کما جرت عاده الملوک بمثله. ثمّ وصف أهل الشام بأوصاف یستلزم البعد عن اللّه لغرض التنفیر عنهم:

أحدها: شمول الغفله بهم من کلّ وجه عمّا خلقوا لأجله، و أستعار لقلوبهم لفظ العمى باعتبار عدم عقلیّتهم للحقّ و إدراکهم لما ینبغی من طریق الآخره کما لا یدرک الأعمى قصده، و لفظ الصمّ لأسماعهم و الکمه لأبصارهم باعتبار عدم انتفاعهم من جهه الأسماع بالمواعظ و التذاکیر، و من جهه الأبصار بتحصیل العبره بها من آثار اللّه سبحانه کما لا ینتفع بذلک فاقد هاتین الآلتین.

الثانی: کونهم یلبسون الحقّ بالباطل: أى یخلّطونه و یعمّونه فیه. و المراد أنّهم یعلمون أنّه على الحقّ و أنّ معاویه على الباطل ثم یکتمون ذلک و یغطّونه بشبهه قتل عثمان و الطلب بدمه إلى غیر ذلک من أباطیلهم، و روى یلتمسون الحقّ بالباطل. إذ کانوا یطلبون حقّا بحرکاتهم الباطله.

الثالث: کونهم یطیعون المخلوق: أى معاویه فی معصیه خالقهم.

الرابع: کونهم یجتلبون الدنیا درّها بالدین، و استعار لفظ الدرّ لمتاع الدنیا و طیّباتها، و لفظ الاحتلاب لاستخراج متاعها بوجوه الطلب من مظانّه ملاحظا لشبهها بالناقه. و درّها منصوب بدلا من الدنیا. و إنّما کان ذلک بالدین لأنّ إظهارهم لشعاره و تمسّکهم بظواهره لعرض تحصیل الدنیا و أخذهم ما لا یستحقّونه منها فإنّ محاربتهم له علیه السّلام إنّما کانت کما زعموا للأخذ بثار الخلیفه عثمان و إنکار المنکر على قاتلیه و خاذلیه، و لذلک تمکّنوا من تألّف قلوب العرب و أکثر جهّال المسلمین على حربه علیه السّلام، و أخذ البلاد.

الخامس: شراؤهم عاجل الدنیا بآجل الأبرار، و هو ثواب الآخره، و لفظ الشراء مستعار لاستعاضتهم ذلک العاجل من ذلک الآجل، و لمّا کان ذلک فی شعار الإسلام هو الخسران المبین ذکره فی معرض ذمّهم، ثمّ ذکر فی مقام الوعد و الوعید لهم انحصار الفوز بالخیر ممّن عمل الخیر ترغیبا فیه و المجازاه بالشرّ فی فاعله تنفیرا عفه. ثمّ ختم بأمره و تحذیره أمّا أمره فبأن یقیم على ما فی یدیه من العمل مقام من هو أهل ذلک و هو الحازم المتثبّت فی إرائه، الصلیب فی طاعه اللّه، الناصح اللبیب له و لأولیائه، التابع لسلطانه، المطیع لإمامه و أمّا تحذیره فممّا یعتذر منه و هو کلّ‏ أمر عدّ فی الشرع معصیه و تقصیرا عن أداء حقّه، و یروى الکلمات مرفوعه. ثمّ من البطر فی النعمه و الفشل و الضعف عند البأساء و الشدّه لکون ذلک معدّ الزوال النعمه و حلول النقمه. و البطر رذیله تستلزم رذیلتی الکبر و العجب و تقابل فضیله التواضع، و الفشل رذیله التفریط من فضیله الشجاعه. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۷۲

 

بازدیدها: ۵

نامه ۳۲ شرح ابن میثم بحرانی

و من کتاب له علیه السّلام إلى معاویه  

وَ أَرْدَیْتَ جِیلًا مِنَ النَّاسِ کَثِیراً- خَدَعْتَهُمْ بِغَیِّکَ وَ أَلْقَیْتَهُمْ فِی مَوْجِ بَحْرِکَ- تَغْشَاهُمُ الظُّلُمَاتُ وَ تَتَلَاطَمُ بِهِمُ الشُّبُهَاتُ- فَجَازُوا عَنْ وِجْهَتِهِمْ وَ نَکَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ- وَ تَوَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ وَ عَوَّلُوا عَلَى أَحْسَابِهِمْ- إِلَّا مَنْ فَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ- فَإِنَّهُمْ فَارَقُوکَ بَعْدَ مَعْرِفَتِکَ- وَ هَرَبُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ مُوَازَرَتِکَ- إِذْ حَمَلْتَهُمْ عَلَى الصَّعْبِ وَ عَدَلْتَ بِهِمْ عَنِ الْقَصْدِ- فَاتَّقِ اللَّهَ یَا مُعَاوِیَهُ فِی نَفْسِکَ- وَ جَاذِبِ الشَّیْطَانَ قِیَادَکَ- فَإِنَّ الدُّنْیَا مُنْقَطِعَهٌ عَنْکَ وَ الْآخِرَهَ قَرِیبَهٌ مِنْکَ- وَ السَّلَامُ

أقول: أوّل هذا الکتاب: من عبد اللّه أمیر المؤمنین إلى معاویه بن أبی سفیان أمّا بعد فإنّ الدنیا دار تجاره و ربحها الآخره. فالسعید من کانت بضاعته فیها الأعمال الصالحه، و من رأى الدنیا بعینها و قدّرها بقدرها و إنّی لأعظک مع علمى بسابق العلم فیک ممّا لا مردّ له دون نفاذه، و لکنّ اللّه تعالى أخذ على العلماء أن یردّوا الأمانه، و أن ینصحوا الغوىّ و الرشید. فاتّق اللّه و لا تکن ممّن لا یرجو للّه‏ وقارا، و من حقّت علیهم کلمه العذاب فإنّ اللّه بالمرصاد، و أنّ دنیاک ستدبر عنک، و ستعود حسره علیک فانتبه من الغیّ و الضلال على کبر سنّک و فناء عمرک فإنّ حالک الیوم کحال الثواب المهیل الّذی لا یصلح من جانب إلّا فسد من آخر. ثمّ یتّصل به و قد أردیت. الفصل.   

اللغه

و المهیل: المتداعی فی التمزّق، و منه رمل مهیل: أی ینهال و یسیل. و أردیت أهلکت. و الجیل: الصنف، و روى جبلا: و هو الخلق. و جاروا: عدلوا. و الوجهه: القصد. و النکوص: الرجوع. و عوّل على کذا: اعتمد علیه. و فاء: رجع. و الموازره: المعاونه.

و فی الکتاب مقاصد:
الأوّل: موعظته و تذکیره بحال الدنیا و کونها دار تجاره
و الغایه من التجاره فیها إمّا ربح الآخره بصلاح البضاعه و هی الأعمال، و إمّا خسران الآخره بفسادها.

الثانی: تنبیهه على أن یرى الدنیا بعینها
أی یعرفها بحقیقتها، أو یراها بالعین الّتی بها تعرف و هی عین البصیره، و یعلم ما هی علیه من الغیر و الزوال و أنّها خلقت لغیرها لیقدّرها بمقدارها و یجعلها فی نظره لما خلقت له.

الثالث: نبّهه على أنّ للّه تعالى علما لا بدّ من نفاده فیه
فإنّ ما علم اللّه تعالى وقوعه لا بدّ من وقوعه، و إنّما وعظه امتثالا لأمر اللّه و وفاء بعهده على العلماء أن تؤدّوا أمانته، و تبلغوا أحکامه إلى خلقه و أن تنصحوا ضالّهم و رشیدهم.

الرابع: أمره بتقوى اللّه، و نهاه أن یکون ممّن لا یرجو للّه وقارا
أی لا یتوقّع للّه عظمه فیعبده و یطیعه. و الوقار: الاسم من التوقیر: و هو التعظیم. و قیل: الرجاء هنا بمعنى الخوف فیکون مجازا إطلاقا لاسم أحد الضدّین على الآخر، و أن یکون ممّن حقّت علیه کلمه العذاب.
و قوله: فإنّ اللّه بالمرصاد.
تنبیه له على اطّلاعه علیه و علمه بما یفعل لیرتدع عن معصیته.

الخامس: نبّهه على إدبار الدنیا
و عودها حسره علیه یوم القیامه فقدها مع عشقه لها، و عدم تمسّکه فی الآخره بعصم النجاه، و فناء زاده إلیها.
السادس: أمره بالانتباه من رقده الجهل و الضلال على حال کبر سنّه و فناء عمره
فإنّ تلک الحال أولى الأحوال بالانتباه منها، و نبّهه على أنّه غیر قابل للإصلاح فی ذلک السنّ بعد استحکام جهله و تمکّن الهیئات البدنیّه من جوهر نفسه و نهکها له فهو کالثوب الخلق لا یمکن إصلاحه بالخیاطه بل کلّما خیط من جانب تمزّق من آخر.

السابع: أخبره فی معرض التوبیخ على ما فعل بأهل الشام
من خدعته لهم و إلقائهم فی موج بحره، و لمّا کان ضلاله عن دین اللّه و جهله بما ینبغی هو سبب خدعته لهم نسبها إلیه، و استعار لفظ البحر لأحواله و آرائه فی طلب الدنیا و الانحراف عن طریق اللّه باعتبار کثرتها و بعد غایتها، و لفظ الموج للشبه الّتی ألقاها إلیهم و غرقهم بها فیما یرید من الأغراض الباطله، و مشابهتها للموج فی تلعّبها بأذهانهم و اضطراب أحوالهم بسببها ظاهره، و کذلک استعار لفظ الظلمات لما حجب أبصار بصائرهم عن إدراک الحقّ من تلک الشبهات، و لفظ الغشیان لطریانها على قلوبهم و حجبها لها. و محلّ تغشاهم نصب على الحال. و کذلک لفظ التلاطم لتلعّب تلک الشبهات بعقولهم.

و قوله: فجازوا. عطف على ألقیتهم، و أراد أنّهم عدلوا عن الحقّ بسبب ما ألقاه إلیهم من الشبه و اعتمدوا فی قتالهم على أحسابهم حمیّه الجاهلیّه فی الذبّ عن أصولهم و مفاخرهم دون مراعاه الدین و الذبّ عنه إلّا من رجع إلى الحقّ من أهل العقول فإنّهم عرفوک و ما أنت علیه من الضلال، فارقوک و هربوا إلى اللّه من مؤازرتک فیما تریده من هدم الدین حین حملتهم على الامور الصعبه الهادمه له و عدلت بهم عن قصد الحقّ. و قد کان استغوى العرب بشبهه قتل عثمان و الطلب بدمه. فلمّا عرف‏ عقلاؤهم و المتمسّکون بالدین منهم أنّ ذلک خدعه منه لإراده الملک فارقوه و اعتزلوه. و قوله: على أعقابهم، و على أدبارهم. ترشیح لاستعاره لفظى النکوص و التولّى من المحسوسین للمعقولین، و الاستثناء هنا من الجیل الذین خدعهم، و لفظ الصعب مستعار لما حملهم علیه من الأمور المستصعبه فی الدین باعتبار أنّ رکوبهم لها یستلزم عدولهم عن صراط اللّه و وقوعهم فی مهاوى الهلاک کما یستلزم رکوب الجمل الصعب النفور العدول براکبه عن الطریق و تقحّم المهالک، و کذلک لفظ القصد مستعار للطریق المعقول إلى الحقّ من الطریق المحسوس. ثمّ کرّر علیه الأمر بتقوى اللّه، و أن یجاذب الشیطان قیاده. و استعار لفظ المجاذبه للممانعه المعقوله، و لفظ القیاد لما یقوده به من الآراء الباطله و کواذب الآمال، و ممانعه الشیطان لذلک القیاد بتکذیب النفس الأمّاره فیما یوسوس به من تلک الآراء. و قوله: فإنّ الدنیا. إلى آخره. تنبیه له على وجوب قطع الآمال الدنیویّه لانقطاع الدنیا، و على العمل للآخره بقربها. و هو فی قوّه صغرى ضمیرین تقدیر کبرى الأوّل: و کلّ ما کان منقطعا زایلا وجب أن یقطع الأمل فیه لانقطاعه و تجاذب الشیطان فی دعوته إلیه، و تقدیر کبرى الثانی: و کلّ ما کان قریبا فینبعی أن یستعدّ لوصوله بالعمل. و باللّه التوفیق.

شرح نهج البلاغه (ابن میثم بحرانی)، ج ۵ ، صفحه‏ى ۶۹

 

بازدیدها: ۹

نامه ۳۱ شرح ابن میثم بحرانی

و من وصیّه له علیه السّلام للحسن بن على علیهما السّلام، کتبها إلیه بحاضرین منصرفا من صفین

أقول: روى جعفر بن بابویه القمیّ- رحمه اللّه- أنّ هذه الوصیّه کتبها علیه السّلام إلى ابنه محمّد بن الحنفیّه- رضى اللّه عنه- و هى من أفصح الکلام و أبلغه و أشمله [أجمعه خ‏] لدقایق الحکمه العملیّه و لطایفها، و أکمل عباره یجذب بها إلى سبیل اللّه. و حاضرین: اسم موضع بالشام. و فیها فصول:

الفصل الأوّل:

قوله: مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ الْمُدْبِرِ الْعُمُرِ- الْمُسْتَسْلِمِ لِلدَّهْرِ الذَّامِّ لِلدُّنْیَا- السَّاکِنِ مَسَاکِنَ الْمَوْتَى وَ الظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً- إِلَى الْمَوْلُودِ الْمُؤَمِّلِ مَا لَا یُدْرِکُ- السَّالِکِ سَبِیلَ مَنْ قَدْ هَلَکَ- غَرَضِ الْأَسْقَامِ وَ رَهِینَهِ الْأَیَّامِ- وَ رَمِیَّهِ الْمَصَائِبِ وَ عَبْدِ الدُّنْیَا وَ تَاجِرِ الْغُرُورِ- وَ غَرِیمِ الْمَنَایَا وَ أَسِیرِ الْمَوْتِ- وَ حَلِیفِ الْهُمُومِ وَ قَرِینِ الْأَحْزَانِ- وَ نُصُبِ الْآفَاتِ وَ صَرِیعِ الشَّهَوَاتِ وَ خَلِیفَهِ الْأَمْوَاتِ

اللغه

أقول: الرهینه: ما یرهن. و الرمّیه: الهدف، و التاء لنقل الاسم من الوصفیّه

إلى الاسمیّه الصرفه. و الحلیف: المحالف. و النصب: الشی‏ء المنصوب.

المعنى

و هذا الفصل کالعنوان للوصیّه، و قد ذکر لنفسه أوصافا سبعه، و لولده أربعه عشر فی معرض الوعظ و التنفیر عن الدنیا و الرکون إلیها، و ضاعف الأوصاف لولده لأنّه المقصود بالوصیّه و الموعظه:

فالأوّل: من الفان، و اللفظ هنا مجاز تسمیه له باسم غایته، و وقف على المنقوص بحذف الیاء لمراعاه القرینه الثانیه، و قد علمت جوازه.

الثانی: المقرّ للزمان: أى بالغلبه و القهر المعترف بالعجز فی ید تصریفاته کأنّه قدّره خصما ذا بأس یقرّ الأقران له.

الثالث: المدبر العمر، و ذاک أنّه کان علیه السّلام قد ذرّف على الستّین.

الرابع: المستسلم للدهر، و هو أبلغ من المقرّ للزمان.

الخامس: الذامّ للدنیا، و لم یزل علیه السّلام نافرا عنها و منفّرا بذکر معایبها.

السادس: الساکن مساکن الموتى، و هو تنفیر عن الرکون إلى الدنیا و المقام بها بذکر کونها مساکن الموتى. إذ من کان فی مساکنهم یوشک أن یلحقه ما نزل بهم، و تقرب فی التنفر من قوله تعالى «و سکنتم فی مساکن الّذین ظلموا أنفسهم»«» الآیه.

السابع: الظاعن عنها غدا، و هو تذکیر بالمفارقه، و غدا کنایه عن وقتها، و لفظ الظاعن مستعار له. و أمّا أوصاف المولود: فالأوّل: المؤمّل ما لا یدرک، و فیه تنفیر عن طول الأمل. إذ کان ینسى الآخره، و جعل وجه التنفیر تأمیله ما لا یدرک، و ظاهر أنّ الانسان ما دام فی هذه الدار موجّه أمله نحو مطالبها کما أشار إلیه سیّد المرسلین صلّى اللّه علیه و آله: یشیب بن آدم و یشبّ فیه خصلتان: الحرص و الأمل. و ذلک یستلزم انقضاء مدّته دون بلوغها. الثانی: السالک سبیل من قد هلک، و سبیلهم سفرهم فی الدنیا إلى الآخره و قطعهم لمنازل الأعمار، و أضافها إلى من هلک تذکیرا بالموت.الثالث: غرض الأسقام، و استعار لفظ الغرض له باعتبار کونه مرمیّا بسهام الأمراض کالغرض. الرابع: رهینه الأیّام، و استعار له لفظ الرهینه باعتبار أنّ وجوده مربوط بالأوقات، و داخل فی حکمها کما یرتبط الرهن بید مرتهنه. الخامس: و رمیّه المصائب، و هو کقوله: غرض الأسقام. السادس: و عبد الدنیا، و لفظ العبد مستعار لأنّ طالب الدنیا منقاد بطبعه إلیها، و عامل لها کما ینقاد العبد لسیّده و یعمل له. السابع: و تاجر الغرور: أى تجارته لها غرور و غفله عن المکاسب الحقیقیّه الباقیه، و لفظ التاجر مستعار له باعتبار بذله لما له و أعماله فی شرّ الدنیا على وهم أنّها هى المطالب الحقّه المربحه.

الثامن: و غریم المنایا، و لفظ الغریم مستعار له باعتبار طلب الموت له کالمتقاضى بالرحیل کما یتقاضى الغریم.

التاسع: استعار له لفظ الأسیر باعتبار انقیاده للموت و عدم تمکینه من الخلاص.

العاشر: و حلیف الهموم.

الحادی عشر: و قرین الأحزان، و استعار لفظى الحلیف و القرین له باعتبار عدم انفکاکه عن الهموم و الأحزان کما لا ینفکّ الحلیف و القرین عن حلیفه و قرینه.

الثانی عشر: و نصب الآفات، کقوله: و رمیّه المصائب.

الثالث عشر: و صریع الشهوات، و لفظ الصریع مستعار له باعتبار کونه مغلوبا لشهوته مقهورا لها کالقتیل.

الرابع عشر: و خلیفه الأموات، و فیه تنفیر عن الدنیا بتذکیر الموت لأنّ خلیفه الأموات فی معرض اللحوق بهم، و نحوه قول بعض الحکماء: إنّ امرء لیس بینه و بین آدم إلّا أب میّت لمعرق النسب فی الموت.

 

الفصل الثانی:

قوله: أَمَّا بَعْدُ- فَإِنَّ فِیمَا تَبَیَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْیَا عَنِّی- وَ جُمُوحِ الدَّهْرِ عَلَیَّ وَ إِقْبَالِ الْآخِرَهِ إِلَیَّ- مَا یَزَعُنِی عَنْ ذِکْرِ مَنْ سِوَایَ- وَ الِاهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِی- غَیْرَ أَنِّی حَیْثُ تَفَرَّدَ بِی دُونَ هُمُومِ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِی- فَصَدَقَنِی رَأْیِی وَ صَرَفَنِی عَنْ هَوَایَ- وَ صَرَّحَ لِی مَحْضُ أَمْرِی- فَأَفْضَى بِی إِلَى جِدٍّ لَا یَکُونُ فِیهِ لَعِبٌ- وَ صِدْقٍ لَا یَشُوبُهُ کَذِبٌ وَ وَجَدْتُکَ بَعْضِی- بَلْ وَجَدْتُکَ کُلِّی- حَتَّى کَأَنَّ شَیْئاً لَوْ أَصَابَکَ أَصَابَنِی- وَ کَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاکَ أَتَانِی- فَعَنَانِی مِنْ أَمْرِکَ مَا یَعْنِینِی مِنْ أَمْرِ نَفْسِی- فَکَتَبْتُ إِلَیْکَ کِتَابِی مُسْتَظْهِراً بِهِ إِنْ أَنَا بَقِیتُ لَکَ أَوْ فَنِیتُ

اللغه

أقول: جمح الفرس: إذا غلب صاحبه فلم یملکه. و یزعنی: یمنعنی. و المحض: الخالص. و أفضى: أى انتهى. و الشوب: المزج و الخلط.

المعنى

و قابل فی لفظه بین الإقبال و الادبار و الآخره و الدنیا. و قد أشرنا إلى معنى إدبار الدنیا و إقبال الآخره فی قوله: ألا و إنّ الدنیا قد أدبرت، و استعار لفظ الجموح للدهر باعتبار عدم تمکّنه من ضبطه فی تغیّراته و تصریفاته الخارجه عن اختیاره کالجموح من الخیل، و ما الاولى بمعنى الّذی، و یحتمل أن تکون مصدریّه، و على المعنى الأوّل یکون من للتبیین، و على الثانی لابتداء الغایه، و ما الثانیه بمعنى الّذی و محلّها الرفع بالابتداء، و فیما تبیّنت خبره، و مستظهرا حال، و مدار الفصل على إعلامه إیّاه أنّه فی معرض الزوال عنه و أنّ ذلک الوقت هو وقت الاهتمام بحال نفسه و بحاله لینزّله منزله نفسه و أنّه‏ شدید الاهتمام بحاله لیکون ذلک أدعى لقبول وصیّته و هو کالتوطئه و التمهید لها.

ثمّ أعلمه أنّ فیما تبیّن له علیه السّلام من الأمور المذکوره قرب رحیله إلى اللّه و ذلک هو الّذی وزعه و منعه عن ذکر ما سواه و الاهتمام بما وراءه من المصالح المتعلّقه بصلاح الخلق و نظام العالم. إذ کان ذلک هو وقت التضیّق على الإنسان فیما هو أهمّ علیه من الاستکمال بالفضایل و الاستعداد للقاء اللّه دون ما سبق من أوقات الشبیبه و استقبال العمر لاتّساعها لصلاح حال الغیر و الاشتغال بالامور المباحه، غیر أنّه حین تبیّن له ذلک و تفرّد به همّ نفسه دون غیرها، و من صدّقه رأیه بکشفه له عمّا ینبغی أن یکون اشتغاله به من أمر نفسه و وجوب العمل لها فیما یهمّها، و صرفه عن هواه فیما یخرج عنها. إذ کان أجود الآراء و أصدقها فی الأمر عنده شدّه، الاهتمام به، و صرّح له خالص أمره و ما ینبغی له، و انتهى به إلى جدّ و صدق خالصین من شائبه اللعب و الکذب. وجده علیه السّلام بعضا منه و هو کنایه عن شدّه اتّصاله به و قربه منه و محبّته له کما قال الشاعر:
              و إنّما أولادنا بیننا           أکبادنا یمشى على الأرض‏

بل وجده کلّه: أى عباره عن کلّه. إذ کان هو الخلیفه له و القائم مقامه و وارث علمه و فضائله، و دلّ على شدّه قربه منه و أنّه بمنزله نفسه بذکر الغایتین فی قوله: حتّى. إلى قوله: أتانى، و وجه التشبیه بین ما یصیب ولده و بین ذلک الشی‏ء و إن لم یصبه علیه السّلام شدّه تألّمه به.

و اعلم أنّ ذلک الوجدان و إن کان له طبعا کما یحصل للوالد فی أمر ولده لکنّه ممّا لزم التفطّن له فی آخر العمر عند تذکیر انقطاع الدنیا لما فی طبعه من محبّه بقاء الذکر الجمیل و الحرص على دوام الخیر و الآثار الصالحه فی العالم و لذلک جعله لازما لتفرّد همّ نفسه به و صدق رأیه فی النصیحه، و روى: محض. مرفوعا على الفاعلیّه و منصوبا بإسقاط حرف الجرّ، و التقدیر عن محض أمری، ثمّ نبّه على أنّ من لوازم وجدانه لما وجده من أمره أن عناه و أهمّه منه ما یهمّه من أمر نفسه فکتب إلیه هذه الوصیّه لیکون له ظهرا و مستندا یرجع إلى العمل بها فی‏ حالتی بقائه له و فنائه عنه. إذ کان ما اشتملت علیه هذه الوصیّه من الحکم و الآداب و مکارم الأخلاق، و تعریف سلوک سبیل اللّه مما راض به نفسه فی مدّه عمره اقتفاء لأثر الرسول صلّى اللّه علیه و آله و اقتداء به فاقتضت عنایته به أن یحثّه على العمل بها. و باللّه التوفیق.

الفصل الثالث:

قوله: فَإِنِّی أُوصِیکَ بِتَقْوَى اللَّهِ أَیْ بُنَیَّ وَ لُزُومِ أَمْرِهِ- وَ عِمَارَهِ قَلْبِکَ بِذِکْرِهِ وَ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ- وَ أَیُّ سَبَبٍ أَوْثَقُ مِنْ سَبَبٍ بَیْنَکَ وَ بَیْنَ اللَّهِ- إِنْ أَنْتَ أَخَذْتَ بِهِ- أَحْیِ قَلْبَکَ بِالْمَوْعِظَهِ وَ أَمِتْهُ بِالزَّهَادَهِ- وَ قَوِّهِ بِالْیَقِینِ وَ نَوِّرْهُ بِالْحِکْمَهِ- وَ ذَلِّلْهُ بِذِکْرالْمَوْتِ وَ قَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ- وَ بَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْیَا- وَ حَذِّرْهُ صَوْلَهَ الدَّهْرِ وَ فُحْشَ تَقَلُّبِ اللَّیَالِی وَ الْأَیَّامِ- وَ اعْرِضْ عَلَیْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِینَ- وَ ذَکِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ کَانَ قَبْلَکَ مِنَ الْأَوَّلِینَ- وَ سِرْ فِی دِیَارِهِمْ وَ آثَارِهِمْ- فَانْظُرْ فِیمَا فَعَلُوا وَ عَمَّا انْتَقَلُوا وَ أَیْنَ حَلُّوا وَ نَزَلُوا- فَإِنَّکَ تَجِدُهُمْ قَدِ انْتَقَلُوا عَنِ الْأَحِبَّهِ- وَ حَلُّوا دِیَارَ الْغُرْبَهِ- وَ کَأَنَّکَ عَنْ قَلِیلٍ قَدْ صِرْتَ کَأَحَدِهِمْ- فَأَصْلِحْ مَثْوَاکَ وَ لَا تَبِعْ آخِرَتَکَ بِدُنْیَاکَ- وَ دَعِ الْقَوْلَ فِیمَا لَا تَعْرِفُ وَ الْخِطَابَ فِیمَا لَمْ تُکَلَّفْ- وَ أَمْسِکْ عَنْ طَرِیقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلَالَتَهُ- فَإِنَّ الْکَفَّ عِنْدَ حَیْرَهِ الضَّلَالِ خَیْرٌ مِنْ رُکُوبِ الْأَهْوَالِ وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ تَکُنْ مِنْ أَهْلِهِ- وَ أَنْکِرِ الْمُنْکَرَ بِیَدِکَ وَ لِسَانِکَ- وَ بَایِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِکَ- وَ جَاهِدْ فِی اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ- وَ لَا تَأْخُذْکَ‏ فِی اللَّهِ لَوْمَهُ لَائِمٍ- وَ خُضِ الْغَمَرَاتِ لِلْحَقِّ حَیْثُ کَانَ وَ تَفَقَّهْ فِی الدِّینِ- وَ عَوِّدْ نَفْسَکَ التَّصَبُّرَ عَلَى الْمَکْرُوهِ- وَ نِعْمَ الْخُلُقُ التَّصَبُرُ فِی الْحَقِّ- وَ أَلْجِئْ نَفْسَکَ فِی أُمُورِکَ کُلِّهَا إِلَى إِلَهِکَ- فَإِنَّکَ تُلْجِئُهَا إِلَى کَهْفٍ حَرِیزٍ وَ مَانِعٍ عَزِیزٍ- وَ أَخْلِصْ فِی الْمَسْأَلَهِ لِرَبِّکَ- فَإِنَّ بِیَدِهِ الْعَطَاءَ وَ الْحِرْمَانَ- وَ أَکْثِرِ الِاسْتِخَارَهَ وَ تَفَهَّمْ وَصِیَّتِی- وَ لَا تَذْهَبَنَّ عَنْکَ صَفْحاً- فَإِنَّ خَیْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ- وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خَیْرَ فِی عِلْمٍ لَا یَنْفَعُ- وَ لَا یُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لَا یَحِقُّ تَعَلُّمُهُ

اللغه

أقول: الغمرات: الشدائد. و المثوى: محلّ الثواء و الإقامه.

و هذا حین افتتح ما یرید أن یوصى به. و اشتمل هذا الفصل من ذلک على أمور:
أحدها: تقوى اللّه
و قد علمت حقیقتها فیما سلف، و یشبه أن یکون المراد بها هنا الخوف منه تعالى.

الثانی: لزوم أمره
و هو من لوازم تقواه.

الثالث: عماره قلبه بذکره
و استعار لفظ العماره لتکمیل قلبه بذکر اللّه، و إکثاره منه لأنّه روح العبادات و کمال النفس کما أنّ العماره کمال للدار و هو داخل فی لزوم ذکره لقوله تعالى وَ اذْکُرُوا اللَّهَ کَثِیراً لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ«».

الرابع: الاعتصام بحبله
و استعار لفظ الحبل لما یوصل إلیه من دینه فیکون التمسّک به سببا للنجاه کالحبل، و أراد بالاعتصام الامتناع بالتمسّک به من عذاب اللّه. ثمّ استفهم عن سبب أوثق منه استفهام إنکار و تعجّب من وثاقته، و یدخل فی لزوم أمره لقوله تعالى وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِیعاً«».

الخامس: أمره أن یحیى قلبه بالموعظه،
و استعار وصف الإحیاء له باعتبارتکمیله لنفسه بالعلم و الاعتبار الحاصل عن الموعظه کما یکمل المرء بالحیاه.

السادس: قوله: أمته بالزهاده
و الّذی یمیته هى النفس الأمّاره بالسوء، و إماتتها کسرها عن میولها المخالفه لأداء العقل بترک الدنیا و الإعراض عنها و تطویعها بذلک، و یحتمل أن یرید به النفس العاقله أیضا، و إماتتها قطعها عن متابعه هواها.

السابع: أن یقویه بالیقین
أى من ضعف الجهل للصعود إلى أفق علیّین و النهوض إلى مقام الأبرار، و لمّا کان الیقین درجه اشتداد و قوّه فی العلم ناسب أن یجعله تقویه للقلب.

الثامن، و أن ینوّره بالحکمه،
و استعار لفظ التنویر بالحکمه لتحمّله لها باعتبار أنّ ذلک سبب هدایته لسبیل اللّه فی ظلمات الجهل کحامل النار. و قد عرفت الحکمه و أقسامها.

التاسع: أن یذلّله بذکر الموت،
و ذلک لأنّ کثره إخطاره بالبال یستلزم الخوف و یسکن القلب عن جماحه فی میدان الشهوات، و یذلّل من عزّه الکبر و هزّه العجب و حمیّه الغضب.

العاشر: أن یقرّره بالفناء
أى یحمله على الإقرار به و یدیم ذکره له لیتأکّد علمه به.

الحادی عشر: أن یبصّره فجایع الدنیا
أى یحمله على النظر بعین البصیره و الاعتبار برزایا الدنیا و آفاتها.

الثانی عشر: أن یحذّره صوله الدهر و فحش تقلّب اللیالی و الأیّام،
و لفظ الصوله مستعار له ملاحظه لشبهه بالسبع فی أخذه و ما یکون بسببه من الأذى.

الثالث عشر: أن یعرض علیه أخبار الماضین
و یذکّره ما أصابهم لینظر ما فعلوا و عمّا انتقلوا من الآثار العظیمه و الملک الجسیم، و یحصل من ذلک عبره و قیاسا لحاله بحالهم، و یستقرب لحاقه بهم و صیرورته کأحدهم فیما صاروا إلیه، و وجه التشبیه قرب حاله من حال أحدهم. و إلیه الإشاره بقوله تعالى أَ فَلَمْ یَسِیرُوا فِی الْأَرْضِ فَیَنْظُرُوا«» الآیه.

الرابع عشر: أن یصلح مثواه،
و هو الدار الآخره بلزوم الأعمال الصالحه و لا یبیع آخرته و ما وعد فیها من الخیرات الباقیه بما وجد فی دنیاه من اللذّات الوهمیّه الفانیه، و لفظ البیع مستعار.

الخامس عشر: أن یترک القول فیما لا یعرفه.
إذ القول بغیر علم یستلزم رذیلتی الکذب و الجهل، و یلحق به الذمّ. و نحوه قول الرسول صلّى اللّه علیه و آله لبعض أصحابه: کیف بک إذا بقیت فی حثاله من الناس خرجت عهودهم و أماناتهم و صاروا هکذا:- و شبّک بین أصابعه- قال: فقلت: مرنى یا رسول اللّه صلّى اللّه علیه و آله. فقال: خذ ما تعرف و دع ما لا تعرف، و علیک بحویضه نفسک. و کذلک قوله: و الخطاب فیما لا تکلّف کقوله صلّى اللّه علیه و آله: من حسن إسلام المرء ترکه ما لا یعنیه.

السادس عشر: أن یمسک عن طریق إذا خاف ضلالته،
و المراد التوقّف عند الشبهات و عدم التسرّع إلى سلوک طریق یشکّ فی تأدیته إلى الحقّ فإنّ توقّفه و تثبّته عند طلب الحق إلى أن یتّضح له طریقه خیر له من التعسّف و رکوب ما یخاف الضلال به من الطرق.

السابع عشر: أن یأمر بالمعروف و ینهى عن المنکر فعلا و قولا، و یباین من فعله بقدر إمکانه
و هو من فروض الکفایه، و علیهما مدار نظام العالم، و لذلک کان القرآن الکریم و السنّه النبویّه مشحونین بهما و استدرجه إلى ذلک بقوله: تکن من أهله. لأنّهم أولیاء اللّه الأبرار المرغوب فی الکون منهم.

الثامن عشر: أن یجاهد فی اللّه أعداء دینه الجهاد الحقّ،
و إضافه حقّ إلى جهاده إضافه الصفه إلى الموصوف لأنّ الصفه من باب الأهمّ.

التاسع عشر: أن لا یأخذه فی اللّه لومه لائم،
و هو کنایه عن نهیه عن التقصیر فی طاعه اللّه. إذ کان من لوازم المقصّر استحقاق لؤم اللائمین.

العشرون: أن یخوض الغمرات إلى الحقّ حیث کان
و لفظ الخوض مستعارلمعاناه الشدائد و الدخول فیها لطلبه الحقّ.

الحادى و العشرون: أن یتفقّه فى الدین،
و یتعلّم الأحکام الشرعیّه و مبادیها.

الثانی و العشرون: أن یعوّد نفسه الصبر على المکروه.
و قد علمت أنّ احتمال المکروه فضیله تحت الشجاعه و هو من مکارم الأخلاق.

الثالث و العشرون: أن یلجئ نفسه فی اموره کلّها إلى اللّه تعالى،و هو أمر بالتوکّل على اللّه و الإنابه إلیه فی کلّ مرغوب أو مرهوب، و قد علمت حقیقه التوکّل و ما یستلزمه، و استدرجه إلى ذلک بقوله: فإنّک تلجئها إلى کهف حریز و مانع عزیز، و استعار لفظ الکهف له تعالى باعتبار أنّ من توکّل علیه کفاه و منعه ممّا یخاف کما یمنع الکهف من یلتجئ إلیه.

الرابع و العشرون: أن یخلص فی دعائه و مسئلته لربّه.
إذ کان ذلک من شرائط الإجابه، و استدرجه إلى الاخلاص بقوله: فإنّ بیده العطاء و الحرمان لیشتدّ الانجذاب إلیه و الإعراض عن غیره. و الفئات الثلاث: فنعم، و قوله: فإنّک و قوله: فانّ بیده. جواب الأوامر الثالثه.

الخامس و العشرون: أن یکثر الاستخاره
أى الطلب إلى اللّه تعالى أن یخیّر له فیما یأتی و یذر.

السادس و العشرون: أن یتفهّم وصیّته و لا یعرض عنها،
و کنّى عن الإعراض و ترک العمل بها بالذهاب صفحا، و انتصب صفحا على الحال: أى و لا تذهبنّ معرضا، و استدرجه للإقناع بها بقوله: فإنّ خیر القول ما نفع، و التقدیر فإنّ وصیّتى نافعه، و ما نفع فهو خیر القول. فإذن وصیّتى خیر القول. ثمّ نبّهه بقوله: و اعلم.
إلى قوله: تعلّمه. على أنّ من العلوم ما لا خیر فیه لئلّا یتشوّق إلى معرفته فیصدّه ذلک عن سلوک سبیل اللّه و العلم المؤدّى إلیه، و تلک هى العلوم الّتی نهت الشریعه عن تعلّمها کالسحر و الکهانه و النجوم و النیرنجات و نحوها ممّا لا یکون سبیلا إلى المقاصد الحقیقیّه التامّه. و تقدیر الکلام: و اعلم أنّ کلّ علم لا یحق تعلّمه: أى لا یثبت فی الشریعه تعلّمه وجوبا و لا ندبا فهو علم لا ینتفع به فی طریق الآخره فلا خیر فیه لأنّ الخیر الحقیقىّ هو المنفعه الباقیه عند اللّه فما لا منفعه فیه لا خیر، و لذلک استعاذ الرسول صلّى اللّه علیه و آله منه فقال: و أعوذ بک من علم لا ینفع. فینتج أن کلّ علم لا یحقّ تعلّمه فلا خیر فیه. و باللّه التوفیق.

الفصل الرابع:

قوله: أَیْ بُنَیَّ إِنِّی لَمَّا رَأَیْتُنِی قَدْ بَلَغْتُ سِنّاً- وَ رَأَیْتُنِی أَزْدَادُ وَهْناً- بَادَرْتُ بِوَصِیَّتِی إِلَیْکَ- وَ أَوْرَدْتُ خِصَالًا مِنْهَا قَبْلَ أَنْ یَعْجَلَ بِی أَجَلِی- دُونَ أَنْ أُفْضِیَ إِلَیْکَ بِمَا فِی نَفْسِی- أَوْ أَنْ أُنْقَصَ فِی رَأْیِی کَمَا نُقِصْتُ فِی جِسْمِی- أَوْ یَسْبِقَنِی إِلَیْکَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَ فِتَنِ الدُّنْیَا- فَتَکُونَ کَالصَّعْبِ النَّفُورِ- وَ إِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ کَالْأَرْضِ الْخَالِیَهِ- مَا أُلْقِیَ فِیهَا مِنْ شَیْ‏ءٍ قَبِلَتْهُ- فَبَادَرْتُکَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ یَقْسُوَ قَلْبُکَ- وَ یَشْتَغِلَ لُبُّکَ لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْیِکَ مِنَ الْأَمْرِ- مَا قَدْ کَفَاکَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْیَتَهُ وَ تَجْرِبَتَهُ- فَتَکُونَ قَدْ کُفِیتَ مَئُونَهَ الطَّلَبِ- وَ عُوفِیتَ مِنْ عِلَاجِ التَّجْرِبَهِ- فَأَتَاکَ مِنْ ذَلِکَ مَا قَدْ کُنَّا نَأْتِیهِ- وَ اسْتَبَانَ لَکَ مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَیْنَا مِنْهُ أَیْ بُنَیَّ إِنِّی وَ إِنْ لَمْ أَکُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ کَانَ قَبْلِی- فَقَدْ نَظَرْتُ فِی أَعْمَالِهِمْ وَ فَکَّرْتُ فِی أَخْبَارِهِمْ- وَ سِرْتُ فِی آثَارِهِمْ حَتَّى عُدْتُ کَأَحَدِهِمْ- بَلْ کَأَنِّی بِمَا انْتَهَى إِلَیَّ مِنْ أُمُورِهِمْ- قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ- فَعَرَفْتُ‏ صَفْوَ ذَلِکَ مِنْ کَدَرِهِ وَ نَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ- فَاسْتَخْلَصْتُ لَکَ مِنْ کُلِّ أَمْرٍ نَخِیلَهُ وَ تَوَخَّیْتُ لَکَ جَمِیلَهُ وَ صَرَفْتُ عَنْکَ مَجْهُولَهُ- وَ رَأَیْتُ حَیْثُ عَنَانِی مِنْ أَمْرِکَ مَا یَعْنِی الْوَالِدَ الشَّفِیقَ- وَ أَجْمَعْتُ عَلَیْهِ مِنْ أَدَبِکَ أَنْ یَکُونَ ذَلِکَ- وَ أَنْتَ مُقْبِلُ الْعُمُرِ وَ مُقْتَبَلُ الدَّهْرِ- ذُو نِیَّهٍ سَلِیمَهٍ وَ نَفْسٍ صَافِیَهٍ- وَ أَنْ أَبْتَدِئَکَ بِتَعْلِیمِ کِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ تَأْوِیلِهِ وَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَ أَحْکَامِهِ وَ حَلَالِهِ وَ حَرَامِهِ- لَا أُجَاوِزُ ذَلِکَ بِکَ إِلَى غَیْرِهِ- ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَنْ یَلْتَبِسَ عَلَیْکَ- مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِیهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَ آرَائِهِمْ- مِثْلَ الَّذِی الْتَبَسَ عَلَیْهِمْ- فَکَانَ إِحْکَامُ ذَلِکَ عَلَى مَا کَرِهْتُ مِنْ تَنْبِیهِکَ لَهُ أَحَبَّ إِلَیَّ- مِنْ إِسْلَامِکَ إِلَى أَمْرٍ لَا آمَنُ عَلَیْکَ فِیهِ الْهَلَکَهَ- وَ رَجَوْتُ أَنْ یُوَفِّقَکَ اللَّهُ فِیهِ لِرُشْدِکَ- وَ أَنْ یَهْدِیَکَ لِقَصْدِکَ فَعَهِدْتُ إِلَیْکَ وَصِیَّتِی هَذِهِ وَ اعْلَمْ یَا بُنَیَّ- أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ إِلَیَّ مِنْ وَصِیَّتِی تَقْوَى اللَّهِ- وَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَیْکَ- وَ الْأَخْذُ بِمَا مَضَى عَلَیْهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِکَ- وَ الصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَیْتِکَ- فَإِنَّهُمْ لَمْ یَدَعُوا أَنْ نَظَرُوا لِأَنْفُسِهِمْ کَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ- وَ فَکَّرُوا کَمَا أَنْتَ مُفَکِّرٌ- ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذَلِکَ إِلَى الْأَخْذِ بِمَا عَرَفُوا- وَ الْإِمْسَاکِ عَمَّا لَمْ یُکَلَّفُوا- فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُکَ أَنْ تَقْبَلَ ذَلِکَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ کَمَا عَلِمُوا- فَلْیَکُنْ طَلَبُکَ ذَلِکَ بِتَفَهُّمٍ وَ تَعَلُّمٍ- لَا بِتَوَرُّطِ الشُّبُهَاتِ وَ عُلَوِّ الْخُصُوصِیِّاتِ- وَ ابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِکَ فِی ذَلِکَ بِالِاسْتِعَانَهِ بِإِلَهِکَ- وَ الرَّغْبَهِ إِلَیْهِ فِی تَوْفِیقِکَ- وَ تَرْکِ کُلِّ شَائِبَهٍ أَوْلَجَتْکَ فِی شُبْهَهٍ- أَوْ أَسْلَمَتْکَ إِلَى ضَلَالَهٍ- فَإِنْ أَیْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا قَلْبُکَ فَخَشَعَ- وَ تَمَّ رَأْیُکَ فَاجْتَمَعَ- وَ کَانَ هَمُّکَ فِی ذَلِکَ هَمّاً وَاحِداً- فَانْظُرْ فِیمَا فَسَّرْتُ لَکَ- وَ إِنْ أَنْتَ لَمْ یَجْتَمِعْ لَکَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِکَ- وَ فَرَاغِ نَظَرِکَ وَ فِکْرِکَ- فَاعْلَمْ أَنَّکَ إِنَّمَا تَخْبِطُ الْعَشْوَاءَ وَ تَتَوَرَّطُ الظَّلْمَاءَ- وَ لَیْسَ طَالِبُ الدِّینِ مَنْ خَبَطَ أَوْ خَلَطَ- وَ الْإِمْسَاکُ عَنْ ذَلِکَ أَمْثَلُ فَتَفَهَّمْ یَا بُنَیَّ وَصِیَّتِی- وَ اعْلَمْ أَنَّ مَالِکَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِکُ الْحَیَاهِ- وَ أَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِیتُ- وَ أَنَّ الْمُفْنِیَ هُوَ الْمُعِیدُ وَ أَنَّ الْمُبْتَلِیَ هُوَ الْمُعَافِی- وَ أَنَّ الدُّنْیَا لَمْ تَکُنْ لِتَسْتَقِرَّ- إِلَّا عَلَى مَا جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَیْهِ مِنَ النَّعْمَاءِ وَ الِابْتِلَاءِ- وَ الْجَزَاءِ فِی الْمَعَادِ- أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا لَا تَعْلَمُ- فَإِنْ أَشْکَلَ عَلَیْکَ شَیْ‏ءٌ مِنْ ذَلِکَ فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِکَ- فَإِنَّکَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ بِهِ جَاهِلًا ثُمَّ عُلِّمْتَ- وَ مَا أَکْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الْأَمْرِ وَ یَتَحَیَّرُ فِیهِ رَأْیُکَ- وَ یَضِلُّ فِیهِ بَصَرُکَ ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذَلِکَ فَاعْتَصِمْ بِالَّذِی خَلَقَکَ وَ رَزَقَکَ وَ سَوَّاکَ- وَ لْیَکُنْ لَهُ تَعَبُّدُکَ- وَ إِلَیْهِ رَغْبَتُکَ وَ مِنْهُ شَفَقَتُکَ- وَ اعْلَمْ یَا بُنَیَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ یُنْبِئْ عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ- کَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ الرَّسُولُ ص فَارْضَ بِهِ رَائِداً وَ إِلَى النَّجَاهِ قَائِداً- فَإِنِّی لَمْ آلُکَ نَصِیحَهً- وَ إِنَّکَ لَنْ تَبْلُغَ فِی النَّظَرِ لِنَفْسِکَ- وَ إِنِ اجْتَهَدْتَ مَبْلَغَ نَظَرِی لَکَ

اللغه

أقول: الوهن: الضعف. و المبادره: المسارعه و المسابقه. و أفضى: وصل. و البغیه: الطلبه. و التوخّى: القصد. و أجمعت: صمّمت العزم. و أسلمته إلى کذا: خلیت بینه و بینه. و أمثل: أقرب إلى الخیر.

و فی هذا الفصل مقاصد:

الأوّل: أنّه أشار إلى بعض العلل الحامله له على هذه الوصیّه
و هى کونه قد بلغ سنّا عالیا و أخذ ازدیادا فی الضعف، و ذلک أنّه کان قد جاوز السّتین فلزم من ذلک خوفه لأحد الخصال المذکوره فبادرها و سابقها إلیه. و خصالا مفعول به. و عدّ من تلک الخصال ثلاثا:

الأولى: أن یعجل به أجله إلى الآخره قبل أن یوصل إلیه ما فی نفسه من الحکمه. الثانیه: أن ینقص فی رأیه، و ذلک أنّ القوى النفسانیّه تضعف عند علوّ السنّ لضعف الأرواح الحامله لها فینقص بسبب ذلک تصرّف العقل و تحصیله للآراء الصالحه. الثالثه: أن یسبقه إلیه بعض غلبات الهوى فإنّ الصبیّ إذا لم یؤخذ بالآداب فی حداثته و لم ترض قواه لمطاوعه العقل و موافقته کان بصدد أن یمیل به القوى الحیوانیّه إلى مشتهیاتها و ینجذب فی قیاد هواه إلى الاستعمال بها فیفتنه و یصرفه عن الوجهه الحقیقیّه و ما ینبغی له فیکون حینئذ کالصعب النفور من الإبل، و وجه التشبیه أنّه یعسر حمله على الحقّ و جذبه إلیه کما یعسر قود الجمل الصعب النفور و تصریفه بحسب المنفعه. ثمّ نبّه على وجوب المبادره إلیه بالأدب، و زرعه فی قلبه‏ بضمیر صغراه قوله: و إنّما قلب الحدث. إلى قوله: قبلته. و أشار إلى وجه التشبیه بقوله: و ما ألقى فیها من شی‏ء قبلته. و ذلک أنّ قلب المحدث لمّا کان خالیا من الانتقاش بالعقاید و غیرها مع کونه قابلا لما یلقى إلیه من خیر أو شرّ فینتقش به أشبه الأرض الخالیه من النبات و الزرع القابله لما یلقى فیها من البذر، و تقدیر الکبرى: و کلّ قلب کان کذلک فیجب أن یسبق إلیه ببذر الآداب و غرس الحکمه. فلذلک بادره بالأدب قبل أن یقسو قلبه عن الانقیاد للحقّ و الاشتغال بالأمور الباطله. ثمّ أشار إلى العلّه الأخرى من العلل الغائیّه لمبادرته بالأدب و هى أن یستقبل بجدّ رأیه و قوّه فکره ما قد کفاه أهل التجارب بغیته من العلوم و عوفى فیه من علاج التجربه و معاناتها فأتاه من ذلک العلم التجربیّ ما کان أهل التجربه یأتونه و یطلبونه، و استبان له ما ربّما أظلم علیهم منه، و فرّق بین من یأتیه العلم صفوا و یلقى إلیه بینا واضحا، و قد کفى فیه مؤنه الاکتساب، و بین من سعى إلیه و شقى فی تحصیله و خاض إلیه غمرات الشکوک و ظلمات الشبهات. و کلّ ذلک من الامور المقنعه له فی قبول الوصیّه و العمل بما اشتملت علیه من الحکم و الآداب لأنّ أهل التجارب إذا کانوا قد جدّوا فی تحصیله مع ما وجدوا فیه من المشقّه فلان یجدّ هو و یقبله خالصا من الکلفه أولى.

المقصود الثانی: أشار إلى فضیله نفسه و استکمالها بالعلوم.
ثمّ إلى کونه فی غایه العنایه و الشفقّه علیه و إلى ما رآه أصلح فی تعلیمه إیّاه من العلوم غیر متجاوز إلى غیر ذلک، و غایته من الجمیع استدراجه لقبول قوله کما علمت من غرض الخطیب فی ذکر فضیلته، و ما یستدرج به للانفعال ممّا یرید أن یقنع به من الآراء و غیرها.
فنبّه على فضیلته بقوله: أى بنىّ. إلى قوله: مجهوله. و قوله: و إن لم أکن فی قوّه جواب اعتراض مقدّر کأنّ قائلا قال له: فکیف حصلت العلوم عن تجارب الامور مع حاجه التجربه إلى عمر طویل یشاهد فیه الإنسان تغیّرات‏ الأمور و تقلّبات الدهور فقال: إنّى و إن لم أکن عمّرت عمر من کان قبلى و شاهدت أحوالهم لکنّى نظرت فی أعمالهم و فکّرت فی أخبارهم المأثوره و سرت فی آثارهم سیرا محسوسا و معقولا حتّى صرت کأحدهم فی عیان امورهم.

و قوله: فعرفت عطف على قوله: و سرت. و قوله: ذلک. إشاره إلى ما انتهى إلیه من أمورهم. و کنّى بالصفو عن الخیر و بالکدر عن الشرّ: أى فعرفت خیر امورهم من شرّها و نفعها من ضرّها، و استخلصت لک من کلّ أمر جلیله و هو خیره و ما ینفع منه عند اللّه من العلوم و العبر النوافع، و روى: نخیلته أى خلاصته. و قصدت لک جمیله: أى الأمر الحسن منه دون قبیحه، و صرفت عنک مجهوله: أى ما اشتبه علیک أمره و ألتبس الحقّ فیه. و قوله: و رأیت حیث عنانى. إلى آخره. إشاره إلى کمال عنایته و شفّقته علیه و وجوه اختیاراته له ما هو أولى به من العلوم، و أجمعت عطف على یعنى، و أن یکون فی محلّ النصب على أنّه مفعول أوّل لرأیت، و تکون هنا تامّه، و الواو فی قوله: و أنت للحال، و أن أبتدئک عطف على أن یکون، و المفعول الثانی لرأیت محذوف تقدیره أنفع و أصلح، و تقدیر الکلام: و رأیت حیث عنانى من أمرک ما یعنى الوالد الشفیق من أمر ولده من النظر فی مصالحه و الاهتمام بأحواله و ما صمّمت عزمى علیه من تأدیبک أن یکون ذلک التأدیب حال إقبال عمرک حال کونک ذانیّه سلیمه من الأمراض النفسانیّه و الأخلاق الذمیمه، و کونک ذا نفس صافیه من کدر الباطل، و أن أبتدئک بتعلیم کتاب اللّه و تأویله و ما یشتمل علیه من شرایع الإسلام: أى قوانینه و أحکامه و حلاله و حرامه، و أقتصر بک على ذلک کما اقتصر علیه کثیر من السلف. و قوله: ثمّ أشفقت.

عطف على رأیت: أى کنت رأیت أن أقتصر بک على ذلک و لا اتجاوز بک إلى غیره مى العلوم العقلیّه. ثمّ خفت أن یلتبس علیک ما اختلف الناس فیه من أهوائهم و آرائهم مثل ما التبس علیهم: أى التباسا مثل الالتباس علیهم فکان إحکام ذلک: أى ما اختلف الناس فیه على ما کرهت من شبهک له أحبّ إلىّ من إسلامک إلى أمر لا آمن علیک فیه الهلکه فی الدین، و ذلک الأمر هو ما اختلف الناس فیه من المسائل العقلیّه الإلهیّه الّتی یکثر التباس الحقّ فیها بالباطل، و یکتنفها الشبهات المغلّطه الّتی هى مظنّه الخطر و الانحراف بها عن سبیل الحقّ إلى سبیل الهلاک، و إحکام ذلک الأمر ببیان وجه البرهان فیه و کیفیّه الخلاص من شبهه الباطل و مزاجه. و قوله: و رجوت أن یوفّقک. عطف على أشفقت، و الضمیر المجرور بفى یعود إلى ما اختلف الناس فیه.

المقصود الثالث: الإشاره إلى بیان ما هو الأحبّ إلیه أن یأخذ به من وصیّته،
و الإرشاد إلى کیفیّه أخذه و ما ینبغی أن یبدء قبل الشروع من الاستعانه باللّه و الرغبه إلیه فی التوفیق. إلى غیر ذلک من الآداب الّتى یتمّ بها الاستعداد للبحث و التعلّم. فمن الأحبّ إلیه تقوى اللّه الّذی هو الزاد المبلّغ إلیه. ثمّ الاقتصار على ما افترضه اللّه علیه من النظر فی ظواهر الأدلّه دون التوغّل فی الفکر و خوض الشبهات ممّا لم یکلّف به أخذا بما مضى علیه الصالحون من أهل بیته کحمزه و جعفر و العبّاس و عبیده بن الحرث و غیرهم من بنى هاشم. و قوله: فانّهم إلى قوله: لم یکلّفوا ترغیب له فی الأخذ بمأخذهم، و تنفیر له عن التوغّل و التعمّق بضمیر صغراه ما ذکر، و تقدیر الکبرى: و کلّ من کان کذلک فینبغى الاقتداء به فی الأخذ بما عرف و الإمساک عمّا لم یکلّف. و قوله: فإن أبت. إلى آخره. بیان للکیفیّه الّتی ینبغی أن یکون علیها طلبه العلوم العقلیّه، و التدقیق‏ فیها إن أبت نفسه الاقتصار على ما افترضه اللّه علیه: أى فلیکن طلبک لما أنت طالب له من ذلک على وجوه: أحدها: التفهّم للمقاصد، و التعلّم للحقّ، و الطلب له لا على وجه تعلّم الشبهات و التورّط فیها و المشاغبه بها فإنّ ذلک ممّا یصدّ عن تعلّم الحقّ و یمنع من قبوله. الثانی: أن یبدء قبل نظره فی ذلک الطلب بالاستعانه باللّه و الرغبه إلیه فی توفیقه لإصابه طریق الحقّ و الوصول إلیه. الثالث: أن یترک کلّ شائبه أو لجته فی شبهه کالعادات فی نصره المذاهب الباطله بحسب اتّباع الهوى و الآراء الّتی یطلب بها الرئاسات فإنّ النفس إذا کانت فیها شائبه محبّه لأمر جسمانىّ لم یتّضح لها طریق الحقّ بل کانت إلى الانحراف فی طرق الضلال و الشبه المناسبه للمطالب الباطله أقرب، و تلک الطرق أعرف عندها لمکان تلک الشائبه. فینبغى للسالک أن یحذف عن نفسه کلّ شبهه تقود إلى ضلاله، و لفظ الإسلام مستعار لإهماله و عدم جذبه عمّا یتورّط فیه من الامور المضلّه. ثمّ قال: فإذا أیقنت. إلى آخره: أى فإذا أعددت نفسک للطلب و النظر بما ذکرت لک، و تحقّقت أن قد صفا قلبک من کلّ شائبه تنافی النظر، فخشع من خشیه اللّه أن یؤاخذک بترکه، و تمّ رأیک و عزمک علیه فاجتمع متفرّقه حتّى لا یبقى لک إلى ترکه التفات، و کان همّک فیه همّا واحدا لا ینقسم إلى غیره. فانظر حینئذ فیما فسّرت لک و نبّهتک علیه من المسائل العقلیّه الإلهیّه کما سیأتی، و إن أنت لم یجتمع لک ما تحبّ من نفسک و فراغ نظرها و فکرها عن الشوائب المنافیه للعلم و طلبه و نظرت. فاعلم أنّک فی خوضک و طلبک له إنّما تخبط خبط عشواء و تتورّط الظلماء، و کلّ من کان کذلک فلیس أهلا لطلب الدین من أصوله. و حذف المضاف إلى العشواء و أقام المضاف إلیه مقامه، و استعار وصف الخبط له باعتبار أنّه طالب للعلم من غیر استکمال شرائط الطلب و على غیر وجهه فهو متعسّف سالک على غیر طریق المطلوب کالناقه العشواء، و کذلک لفظ الظلماء للشبه باعتبار أنّ الذهن لا یهتدى فیها لطلب الحقّ کالماشى فی الظلماء.

المقصود الرابع: أمره بتفهّم وصیّته.
و نبّهه على جمله من صفات اللّه و أفعاله الّتی قد یتوهّم التضادّ و التناهى فی إسنادها إلى مبدء واحد، و أشار إلى أنّها لیست بمتضادّه، و أنّ مبدئها واحد، فأمّا الصفات فهو أنّ القادر على الموت و من له أن یمیت فهو القادر على الحیاه و له أن یحیى باعتبار أنّ أسباب الموت و الحیاه ینتهى إلیه، و کذلک الخالق هو الممیت فإنّ فاعل الخلق هو مقدّر الموت الّذی ینتهى إلیه أسبابهما، و إلى هذین الاعتبارین الإشاره بقوله تعالى «یحیى و یمیت ربّکم و ربّ آبائکم الأوّلین» فیحیى و یمیت باعتبار انّه الفاعل الأوّل لهما و باعتبار أنّه الربّ المطلق هو المالک الأوّل لهما، و کذلک المفنى هو المعید و المبتلى هو المعافى باعتبار انتهاء أسباب الفناء و الإعاده و اللابتلاء و المعافاه إلیه.

و قد علمت أنّ کلّ هذه الأمور اعتبارات عقلیّه یلحقّ معقولیّه الواجب سبحانه بالقیاس إلى مخلوقاته و آثاره کما استقصیناه فی الخطبه الأولى، و أمّا الأفعال فهو أنّه تعالى لمّا خلق الدنیا لم یمکن خلقها و استقرار وجودها إلّا على ما خلقها اللّه علیه من إفاضه ما یعدّ نعمه فی حقّ بعض العبید من مال و صحّه و نحوهما، و الابتلاء بما یعدّ بلاء من الفقر و المرض و نحوهما، و إن کانت النعماء أیضا ابتلاء کما قال تعالى «و نبلوکم بالشرّ و الخیر فتنه و إلینا ترجعون»«». ثمّ لزوم الجزاء فی المعاد لنفوس المبتلین و المنعم علیهم بحسب طاعتهم و معصیتهم فی النعمه و الابتلاء، و کذلک خلقه لها على ما شاء ممّا لا یعلم وجه الحکمه فیه، و اعلم أنّه قد ثبت فی أصول الحکمه أنّ المقصود من العنایه الإلهیّه بالذات إنّما هو الخیر، و أمّا الشرور الواقعه فی الوجود فکاینه بالعرض من حیث إنّه لا یمکن نزع الخیر و تجریده عنها. و لمّا کان الخیر أغلب فی الوجود، و کانت الشرور امورا لازمه أقلیّه لم یمکن ترک الخیر الکثیر لأجلها لأنّ ترک الخیر الکثیر لأجل الشرّ القلیل شرّ کثیر فی الجود و الحکمه، و ذلک معنى قوله علیه السّلام: و إنّ‏ الدنیا لم تکن لتستقرّ إلّا على ما جعلها اللّه علیه ممّا عدّدناه ممّا یعلم کونه خیرا أو شرّا أولا یعلم حاله: أى لم یکن خلقها إلّا على ما فیها من خیر مراد بالذات و شرّ مراد بالعرض، و لزوم الجزاء على السیّئه و عقاب النفوس فی المعاد علیها من الشرور اللازمه لما حصلت علیه من الهیئات البدنیّه و الملکات الردیئه فی الدنیا کما یعلم ذلک من موضعه. و قوله: فإن أشکل. إلى آخره. أى فإن أشکل علیک شی‏ء من أسرار القدر، و خفى علیک وجه الحکمه فیه فلا تتوّهم خلوّه عن حکمه بل احمله على جهالتک به فانّک أوّل ما خلقت جاهلا ثمّ علمت کما قال تعالى وَ اللَّهُ أَخْرَجَکُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِکُمْ لا تَعْلَمُونَ شَیْئاً«» الآیه. و نصب أوّل على الظرف، و جاهلا على الحال، و روى أوّل مرفوعا بالابتداء و جاهل بالرفع خبرا له. ثمّ نبّهه على أکثریّه ما یسبق جهله به من الأمور ثمّ یدرکه فیما بعد لیجعل ما لا یدرک وجه الحکمه فیه من ذلک القبیل. ثمّ أمره بالاعتصام باللّه و اللجأ إلیه فی أموره، و أن یجعل له تعبّده و إلیه رغبته و منه شفقّته لأنّه تعالى أحقّ موجود بذلک و أولاه بالأمور المذکوره.

المقصود الخامس: الإشاره إلى فضیله الرسول صلّى اللّه علیه و آله على سائر الأنبیاء
لزیادته علیهم فی إیضاح الخبر عن اللّه تعالى، و بیان المطالب الحقیقیّه الّتى اشتمل علیها الکتاب العزیز من أسرار التوحید و القضاء و القدر و أمر المعاد فإنّ أحدا من الأنبیاء السابقین علیهم السّلام لم یفصح عن هذه الأمور کإفصاحه، و لذلک کانت هدایه هذه الأمّه بتمام ما جاء به صلّى اللّه علیه و آله أتمّ و أکمل من هدایه سایر الامم السابقه عمّا جاءت به أنبیاؤها و کانت عیون بصائرهم أبسط أنوارا و أکثر انتشارا. و غایه ذکر فضیلته صلّى اللّه علیه و آله هنا أن یرضى برأیه و دلالته على طریق النجاه فی الآخره، و استعار له لفظ الرائد باعتبار أنّه قد اختبر ما فی الآخره من الثواب المقیم و السعاده الباقیه، و بشّر به أمّته کما یبشّر الرائد أهله بوجود الکلاء و الماء بعد ارتیاده. ثمّ أردف ذلک ببیان أنّه لم یزل‏ ناصحا له وأنیه لم یبلغ نظره لنفسه و إن اجتهد فی ذلک مبلغ نظره له لیتأکّد الإقناع برأیه و شوره علیه فیما یراه له. و نصیحه نصب على التمیز.

الفصل الخامس:
قوله: وَ اعْلَمْ یَا بُنَیَّ- أَنَّهُ لَوْ کَانَ لِرَبِّکَ شَرِیکٌ لَأَتَتْکَ رُسُلُهُ- وَ لَرَأَیْتَ آثَارَ مُلْکِهِ وَ سُلْطَانِهِ- وَ لَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَ صِفَاتِهِ- وَ لَکِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ کَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ- لَا یُضَادُّهُ فِی مُلْکِهِ أَحَدٌ وَ لَا یَزُولُ أَبَداً وَ لَمْ یَزَلْ- أَوَّلٌ قَبْلَ الْأَشْیَاءِ بِلَا أَوَّلِیَّهٍ- وَ آخِرٌ بَعْدَ الْأَشْیَاءِ بِلَا نِهَایَهٍ- عَظُمَ عَنْ أَنْ تَثْبُتَ رُبُوبِیَّتُهُ بِإِحَاطَهِ قَلْبٍ أَوْ بَصَرٍ- فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِکَ فَافْعَلْ- کَمَا یَنْبَغِی لِمِثْلِکَ أَنْ یَفْعَلَهُ فِی صِغَرِ خَطَرِهِ- وَ قِلَّهِ مَقْدِرَتِهِ وَ کَثْرَهِ عَجْزِهِ- و عَظِیمِ حَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ فِی طَلَبِ طَاعَتِهِ- وَ الْخَشْیَهِ مِنْ عُقُوبَتِهِ- وَ الشَّفَقَهِ مِنْ سُخْطِهِ فَإِنَّهُ لَمْ یَأْمُرْکَ إِلَّا بِحَسَنٍ- وَ لَمْ یَنْهَکَ إِلَّا عَنْ قَبِیحٍ

أقول: أشار فی هذا الفصل إلى الحجّه على وحدانیّه الصانع سبحانه، و على جمله من صفاته.
ثمّ إلى ما ینبغی أن یفعله من ملاحظه عظمته تعالى من الصفات المذکوره فإذن هاهنا أبحاث:
البحث الأوّل: الحجّه على وحده الصانع
و هی شرطیّه متّصله مقدّمها قوله: لو کان لربّک شریک، و تالیها لأتنک رسله. إلى قوله: و لعرفت أفعاله و صفاته، و یستنتج منها استثناء نقیض أقسام التالی لینتج نقیض المقدّم. بیان الملازمه: أنّه لو کان له شریک لکان شریکه إلها مستجمعا لجمیع شرایط الإلهیّه و إلّا لم یصلح للشرکه لکن من لوازم الإلهیّه امور:

أحدها: الحکمه فی وجوب بعثه الرسل إلى الخلق و وصولهم إلیه لما علمت من برهان وجوب البعثه فی موضعه. الثانی: یلزم أن یکون آثار ملکه و سلطانه و صفات أفعاله ظاهره مشاهد. الثالث: أن یعرف أفعاله و صفات ذاته. لکن هذه اللوازم کلّها باطله: أمّا الأوّل فلأنّه لم یأتنا رسول ذو معجزه یدلّنا على الثانی و یخبرنا عنه، و أمّا الثانی: فهو أنّ آثار الملک و السلطان و عظمه الملک و إحکامه إنّما یدلّ على حکیم قادر فأمّا على التعدد فلا و اما الثالث: فالان مجرد الافعال التی نشاهدها انما یدل على فاعل فاما التعدد فلا و کذلک صفات الالهیه المکتسبه بواسطه الافعال من العلم و القدره و الإراده و غیرها إنّما یدلّ على صانع موصوف بها فأمّا على صانعین أو أکثر کذلک فلا. فإذن القول بأنّ لربّنا شریک قول باطل لا برهان علیه کما قال تعالى وَ مَنْ یَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ«» الآیه، و قوله: إله واحد کما وصف نفسه. من لوازم النتیجه لأنّه إذا بطل القول بثانی الإله ثبت أنّه إله واحد کما وصف هو نفسه بقوله «قل هو اللّه أحد. و هو اللّه الواحد القهّار» و أنّه لا یضادّه فی ملکه أحد: أی یعانده فی أفعاله و ینازعه فی ملکه کما هو عاده الملوک. و أعلم أنّ هذه الحجّه إقناعیّه کما هو غایه الخطیب من الخطابه و لیست برهانیّه لأنّه إن أرید فی الشرطیّه أنّ وجود الثانی یستلزم وجود آثار و أفعال و صفات تخصّه و یعلم اختصاصه به. فالملازمه ممنوعه لأنّ الإلهین سواء کانا متّفقی الحقیقه أو مختلفی الحقیقه لا یلزم أن یختلف أفعالهما و لوازمهما بالنوع و یتخصّص کلّ منهما بلازم خاصّ و فعل خاصّ لا یوجد للآخر بل جاز أن یتّفقا فی اللوازم و الآثار، و إنّ أرید أنّ وجوده یستلزم أن یعرف آثار و أفعال و لوازم لا یخصّه بل جاز أن یشارکه فیها الإله الآخر فهذا مسلّم لکن لا یمکن الاستدلال بطلان التالی هاهنا، و هو ظاهر لأنّا نرى آثار ملک و أفعال و لوازم و صفات لا تدلّ على أحدیّه فاعلها و الموصوف بها و لا على إثنینیّته‏ و إنّما یدلّ على مطلق فاعل و ملزوم ما. فلا یمکن بطلانها و رفعها لأنّ رفعها یستلزم رفع وجود الإله المطلق لاستلزام عدم اللازم عدم الملزوم لا رفع التالی خاصّه.

البحث الثانی: کونه تعالى لا یزال أبدا و أنّه لم یزل،
و هو إشاره إلى دوام وجوده و ثباته أزلا و أبدا، و برهانه أنّه تعالى واجب الوجود، و کلّ واجب الوجود لذاته فهو دائم الوجود و ثابته أزلا و أبدا: أمّا الصغرى فقد مرّ برهانها، و أمّا الکبرى فلأنّه لو جاز علیه الزوال و العدم لما کان واجب الوجود لذاته، و فساد التالی یستلزم فساد المقدّم. فإذن هو دایم الوجود أزلا و أبدا.

البحث الثالث: کونه أوّلا قبل الأشیاء بلا أوّلیّه لوجوده، و کونه آخرا بعد الأشیاء بلا نهایه لوجوده.
أمّا الأوّل: فلأنّه لو کان لوجوده أوّلیّه لکان مسبوقا بالعدم فکان محدثا فکان ممکنا. هذا خلف، و أمّا الثانی: فلأنّه لو کانت آخریّته منقطعه بنهایه لکان ملحوقا بالعدم فلم یکن واجب الوجود لذاته. هذا خلف.

البحث الرابع: کونه أعظم من أن یثبت ربوبیّته بإحاطه قلب أو بصر
أی هو أعظم أن یطّلع أحد بقلبه أو بصره على کمال صفات ربوبیّته و الاعتبارات المعتبره فیها، و وجه الشبه على ذلک أنّک علمت أنّ صفه الربوبیّه و سایر صفات الإلهیّه باعتبار الخارج نفس حقیقه تعالى، و باعتبار العقل امور یعتبرها لمعقولیّه ذاته بالقیاس إلى مخلوقاته و آثاره و على الوجهین فهو أعظم من أن یثبت ربوبیّته بإحاطه قلب أو بصر.
أمّا فی الخارج فلأنّ صفه ربوبیّته هی نفس ذاته فکانت إحاطه العلم بها موقوفه على إحاطته بکنه ذاته، و قد علمت أنّها بریئه عن وجوه الترکیب فیمتنع الإحاطه بها لغیرها، و أمّا فی العقل فلأنّ اعتبار صفه الربوبیّه و إحاطه العقول بها موقوفه على الإحاطه بجمیع اعتبارات صفات الکمال و نعوت الجلال. إذ اعتبار ربوبیّته المطلقه مستلزم لاعتبار الإلهیّه المطلقه المستلزم لاعتبار جمیع ماله من صفات الإلهیّه، و قد علمت أنّ تلک الاعتبارات غیر متناهیه فهی أعظم أن یحیط بها عقل بشرىّ فضلا أن یتعلّق بها إدراک بصرىّ.

البحث الخامس
اعلم أنّه لمّا نبّهه على عظمه اللّه سبحانه و کمال ذاته فی‏ الاعتبارات المذکوره أمره أن یفعل کما ینبغی أن یفعله من هو مثله فی النقصان بالنسبه إلى عظمه اللّه سبحانه فیطیعه حقّ طاعته و یعبده بکمال عبادته و کما ینبغی لکرم وجهه و عزّ جلاله، و عدّد له وجوه النقصان لیعتبر حاله فی کلّ منها بالقیاس إلى کمال ذاته تعالى لیعلم صغر منزلته بالنسبه إلى عظمته تعالى، و قلّه مقدرته و کثره عجزه بالنسبه إلى کمال قدرته. و کذلک عظم حاجته إلى ربّه فی کلّ حال من طلب توفیقه و إعداده لطاعته و الرهبه من عقوبته و الإشفاق من سخطه کلّ ذلک بالنسبه إلى غنائه المطلق فی کلّ شی‏ء عن کلّ شی‏ء. و قوله: فإنّه. إلى قوله: قبیح. تنبیه إجمالیّ على وجوب طاعته تعالى فی کلّ ما أمر به و نهى عنه. و جذبه إلى فعل کلّ مأمور به بکونه حسنا و إلى الانتهاء عن کلّ شی‏ء منهىّ عنه بکونه قبیحا.
و قد علمت أنّ الغایه من بعثه الرسل و وضع الشرائع و السنن هی نظام أحوال الخلق فی معاشهم و معادهم. فلا بدّ إذن فی کلّ أمر أو نهى من سرّ و حکمه یوجب حسن المأمور به و قبح المنهىّ عنه، و لهذا الکلام و نحوه تعلّقت المعتزله بمسأله الحسن و القبح العقلیّین، و باللّه التوفیق.

الفصل السادس:

قوله: یَا بُنَیَّ إِنِّی قَدْ أَنْبَأْتُکَ عَنِ الدُّنْیَا وَ حَالِهَا- وَ زَوَالِهَا وَ انْتِقَالِهَا- وَ أَنْبَأْتُکَ عَنِ الْآخِرَهِ وَ مَا أُعِدَّ لِأَهْلِهَا فِیهَا- وَ ضَرَبْتُ لَکَ فِیهِمَا الْأَمْثَالَ- لِتَعْتَبِرَ بِهَا وَ تَحْذُوَ عَلَیْهَا- إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْیَا کَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ- نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِیبٌ- فَأَمُّوا مَنْزِلًا خَصِیباً وَ جَنَاباً مَرِیعاً- فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِیقِ وَ فِرَاقَ الصَّدِیقِ- وَ خُشُونَهَ السَّفَرِ وَ جُشُوبَهَ المَطْعَمِ- لِیَأْتُوا سَعَهَ دَارِهِمْ وَ مَنْزِلَ قَرَارِهِمْ- فَلَیْسَ یَجِدُونَ لِشَیْ‏ءٍ مِنْ ذَلِکَ أَلَماً- وَ لَا یَرَوْنَ نَفَقَهً فِیهِ مَغْرَماً- وَ لَا شَیْ‏ءَ أَحَبُ‏ إِلَیْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ- وَ أَدْنَاهُمْ مِنْ مَحَلَّتِهِمْ- وَ مَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا کَمَثَلِ قَوْمٍ کَانُوا بِمَنْزِلٍ خَصِیبٍ- فَنَبَا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدِیبٍ- فَلَیْسَ شَیْ‏ءٌ أَکْرَهَ إِلَیْهِمْ وَ لَا أَفْظَعَ عِنْدَهُمْ- مِنْ مُفَارَقَهِ مَا کَانُوا فِیهِ- إِلَى مَا یَهْجُمُونَ عَلَیْهِ وَ یَصِیرُونَ إِلَیْهِ یَا بُنَیَّ اجْعَلْ نَفْسَکَ مِیزَاناً فِیمَا بَیْنَکَ وَ بَیْنَ غَیْرِکَ- فَأَحْبِبْ لِغَیْرِکَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِکَ- وَ اکْرَهْ لَهُ مَا تَکْرَهُ لَهَا- وَ لَا تَظْلِمْ کَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ- وَ أَحْسِنْ کَمَا تُحِبُّ أَنْ یُحْسَنَ إِلَیْکَ- وَ اسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِکَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَیْرِکَ- وَ ارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِکَ- وَ لَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ وَ إِنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ- وَ لَا تَقُلْ مَا لَا تُحِبُّ أَنْ یُقَالَ لَکَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ وَ آفَهُ الْأَلْبَابِ- فَاسْعَ فِی کَدْحِکَ وَ لَا تَکُنْ خَازِناً لِغَیْرِکَ- وَ إِذَا أَنْتَ هُدِیتَ لِقَصْدِکَ فَکُنْ أَخْشَعَ مَا تَکُونُ لِرَبِّکَ

اللغه

أقول: یحذو: یقتدی. و السفر: المسافرون: و أمّواخ: قصدوا. و الجناب: الفناء و المنزله. و المریع. ذو الکلاء و الخصب. و وعثاء السفر: مشقّته. و جشوبه المطعم: غلظته. و هجم: وقع بغته. و الکدح: الکسب.

المعنى

و فی الفصل مطلوبان.
أحدهما: أنّه نبّهه على حالتی الدنیا و الآخره،
و ذکّره بما أخبره به عنهما من ضروره زوال الدنیا و انتقالها و بقاء الآخره و ما أعدّ لأهلها فیها من السعاده الباقیه الّتی اشتمل على تعدید أنواعها الکتاب العزیز و السنّه الکریمه، و ضرب لطالبهما مثلین لیکون ممّن أعرض عن الدنیا و أقبل على الآخره. فالمثل الأوّل: مثل من خبر الدنیا و عرف زوالها و انتقالها، و خبر الآخره و عرف بقائها و ما اعدّ فیها لأهلها، و مثّلهم بقوم مسافرین فارقوا منزلا جدیبا إلى منزل خصیب، و وجه مطابقه هذا المثل أنّ النفوس البشریّه لمّا کانت فی عالم المجرّدات، و کانت الحکمه فی هبوطها إلى هذا العالم و مقارنتها لهذه الهیاکل الجسمانیّه الکثیفه فی دار الغربه و محلّ الوحشه من عالمها هو أن یحصل بواسطتها الکمالات العقلیّه الّتی إنّما تمکّن لها بواسطتها، ثمّ یرجع بعد الاستکمال عنها إلى عالمها الأعلى طاهره عن علایق هذه الهیاکل و هیئاتها الردیئه کما أخذ علیها فی العهد القدیم کانت کلّ نفس حفظت عهد ربّها و بقیت على صراطه المستقیم و هی المدّه المضروبه لها ناظره بعین الاعتبار إلى أنّ الدنیا کالمنزل الجدیب خال عن المطاعم الحقیقیّه و المشارب العذبه الهنیئه فهو لذلک غیر صالح للاستیطان و الإقامه، و أنّ عالم الآخره کالمنزل الخصیب و الجناب المریع من وصل إلیه مستقیما على أوامر اللّه و نواهیه فاز بالمقاصد السنیّه و اللذّات الباقیه فکانت أبدا فی طریق السفر فی منازل طریق اللّه و الاستعداد للوصول إلى بهجه حضرته الشریفه محتمله لمشقّه ذلک السفر من معاناه الجوع و الظماء و مقاساه السهر قصدا إلى سعه الدار و منزل القرار لا تجد من ذلک ألما و لا تعدّ ما تنفقه من المال و العمر فیه مغرما و لا شی‏ء أحبّ إلیها من وسیله تقرّبها إلى ذلک المنزل الّذی أمّته و الجناب الّذی قصدته فأشبهت فی ذلک من وصل إلى منزل جدیب. ثمّ علم أنّ أمامه منزلا خصیبا فاقتضى رأیه الحسن أن یحتمل و عثاء السفر و مشقّته إلیه لیحصل على الراحه الکبرى، و أمّا المثل الثانی: فهو مثل أهل الدنیا الّذین قادتهم نفوسهم الأمّاره بالسوء إلیها فغفلوا فیها عمّا ورائها و نسوا عهد ربّهم و أعرضوا عمّا ذکروا به من آیاته، و شبّههم بقوم کانوا فی منزل خصیب فنبأ بهم إلى منزل جدیب، فالمنزل الخصیب فی هذا المثل هو الدنیا لأنّها محلّ سعاده أهلها و نعیمهم، و المنزل‏ الجدیب هو الآخره. إذ لم یکونوا قد استعدّوا لدرک السعاده فیها. و وجه تشبیههم بالقوم هو ما ذکره من أنّه لیس شی‏ء أکره إلیهم. إلى آخره: أی لیس شی‏ء أکره إلیهم و لا أفظع عندهم من مفارقه ما هم فیه من الدنیا إلى ما یهجمون علیه بغته من الأهوال، و یصیرون إلیه من مقاساه السلاسل و الأغلال کما أنّه لیس شی‏ء أکره إلى القوم من مفارقه منزل خصیب کانوا فیه إلى منزل جدیب یهجمون علیه، و إلى هذین المثلین أشار الرسول صلّى اللّه علیه و آله: الدنیا سجن المؤمن و جنّه الکافر.

المطلوب الثانی: الوصیّه بإصلاح معاملته مع الخلق.
فأشار علیه أن یجعل نفسه میزانا بینه و بین غیره، و وجه استعاره لفظ المیزان له أنّه یکون ذا عدل بین نفسه و بین الناس کالمیزان.
ثمّ شرح وجوه العدل و التسویه الّتی أمره أن یکون میزانا باعتبارها
فمنها أمور ثبوتیّه، و منها أمور سلبیّه:

فالأوّل: أن یحبّ لغیره ما یحبّ لنفسه، و یکره له ما یکره لها،
و فی الحدیث المرفوع: لا یکمل إیمان عبد حتّى یحبّ لأخیه ما یحبّ لنفسه، و یکره له ما یکره لنفسه. و سرّ الحدیث أنّ ذلک من کمال فضیله العداله الّتی هی من کمال الإیمان.

الثانی: أن لا یظلم کما لا یحبّ أن یظلم
فیسلم من رذیلتی الظلم و الانظلام.

الثالث: أن یحسن إلى الغیر کما یحبّ أن یحسن إلیه،
و الإحسان فضیله تحت العفّه.

الرابع: أن یستقبح من نفسه ما یستقبح من غیره
فینزجر عن جمیع مناهی اللّه و هو من لوازم المروّه، و لذلک قال أحنف إذ سئل عن المروّه: هى أن تستقبح من نفسک ما تستقبح من غیرک.

الخامس: أن یرضى من الناس ما یرضاه لهم من نفسه
أی کلّ ما رضى أن یفعله بهم من خیر أو شرّ إن فعله فینبغی أن یرضى بمثله منهم، و فیه تنبیه على أنّه لا یجوز أن یفعل الشرّ لعدم لازمه و هو الرضا منهم به.

السادس: أن لا یقول ما لا یعلم و إن قلّ ما یعلم،
و إنّما قال: و إن قلّ ما یعلم لأنّ تصوّر قلّه العلم قد یکون داعیه لبعض الناس إلى أن یقول بغیر علم لئلّا ینسب‏ إلى الجهل فیضلّ و یضلّ کما قال تعالى وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ یُجادِلُ فِی اللَّهِ بِغَیْرِ عِلْمٍ وَ لا هُدىً وَ لا کِتابٍ مُنِیرٍ«».

السابع: أن لا یقول لأحد ما لا یحبّ أن یقال له
کالمواجهه بالعیوب و الألقاب المکروهه و کلّ کلام موذ.

الثامن: نبّهه على وجوب ترک الإعجاب
بأنّه ضدّ الصواب. و لمّا کان الصواب هو سلوک طریق اللّه باستجماع مکارم الأخلاق و کان الإعجاب من رذائل الأخلاق کان مضادّا للصواب مضادّه الرذیله للفضیله، و بأنّه آفه للعقول. إذ هو من أکبر أمراض العقل و آفاته المهلکه له کما أشار إلیه الرسول صلّى اللّه علیه و آله: ثلاث مهلکات: إلى أن قال: و إعجاب المرء بنفسه.

التاسع: أن یسعى فی کدحه:
أی فیما ینبغی له من کسب الطاعات، و قیل: أراد بالکدح ما اکتسبه من المال و ما ینبغی فیه إنفاقه فی سبیل اللّه.

العاشر: أن یکون عند هدایه اللّه إیّاه لرشده أخشع ما یکون لربّه،
و ذلک أنّ الهدایه للرشد هی العلم بالطریق إلى اللّه تعالى فی جمیع ما عدّد من مکارم الأخلاق.
و العلم بالطریق المؤدّیه إلیه حین سلوکها یستلزم ملاحظه جلاله و عظمته و هناک یکون الخشوع الحقّ و الخشیه التامّه لقوله تعالى إِنَّما یَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ«».

الفصل السابع:

قوله: وَ اعْلَمْ أَنَّ أَمَامَکَ طَرِیقاً ذَا مَسَافَهٍ بَعِیدَهٍ- وَ مَشَقَّهٍ شَدِیدَهٍ- وَ أَنَّهُ لَا غِنَى لَکَ فِیهِ عَنْ حُسْنِ الِارْتِیَادِ- وَ قَدْرِ بَلَاغِکَ مِنَ الزَّادِ مَعَ خِفَّهِ الظَّهْرِ- فَلَا تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِکَ فَوْقَ طَاقَتِکَ- فَیَکُونَ ثِقْلُ ذَلِکَ وَبَالًا عَلَیْکَ- وَ إِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْفَاقَهِ مَنْ یَحْمِلُ لَکَ زَادَکَ إِلَى یَوْمِ الْقِیَامَهِ- فَیُوَافِیکَ بِهِ غَداً حَیْثُ تَحْتَاجُ‏ إِلَیْهِ- فَاغْتَنِمْهُ وَ حَمِّلْهُ إِیَّاهُ- وَ أَکْثِرْ مِنْ تَزْوِیدِهِ وَ أَنْتَ قَادِرٌ عَلَیْهِ- فَلَعَلَّکَ تَطْلُبُهُ فَلَا تَجِدُهُ- وَ اغْتَنِمْ مَنِ اسْتَقْرَضَکَ فِی حَالِ غِنَاکَ- لِیَجْعَلَ قَضَاءَهُ لَکَ فِی یَوْمِ عُسْرَتِکَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ أَمَامَکَ عَقَبَهً کَئُوداً- الْمُخِفُّ فِیهَا أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمُثْقِلِ- وَ الْمُبْطِئُ عَلَیْهَا أَقْبَحُ حَالًا مِنَ الْمُسْرِعِ- وَ أَنَّ مَهْبِطَکَ بِهَا لَا مَحَالَهَ- عَلَى جَنَّهٍ أَوْ عَلَى نَارٍ- فَارْتَدْ لِنَفْسِکَ قَبْلَ نُزُولِکَ وَ وَطِّئِ الْمَنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِکَ- فَلَیْسَ بَعْدَ الْمَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ وَ لَا إِلَى الدُّنْیَا مُنْصَرَفٌ وَ اعْلَمْ أَنَّ الَّذِی بِیَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ- قَدْ أَذِنَ لَکَ فِی الدُّعَاءِ- وَ تَکَفَّلَ لَکَ بِالْإِجَابَهِ وَ أَمَرَکَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِیُعْطِیَکَ- وَ تَسْتَرْحِمَهُ لِیَرْحَمَکَ- وَ لَمْ یَجْعَلْ بَیْنَکَ وَ بَیْنَهُ مَنْ یَحْجُبُکَ عَنْهُ- وَ لَمْ یُلْجِئْکَ إِلَى مَنْ یَشْفَعُ لَکَ إِلَیْهِ وَ لَمْ یَمْنَعْکَ إِنْ أَسَأْتَ مِنَ التَّوْبَهِ- وَ لَمْ یُعَاجِلْکَ بِالنِّقْمَهِ- وَ لَمْ یَفْضَحْکَ حَیْثُ الْفَضِیحَهُ بِکَ أَوْلَى- وَ لَمْ یُشَدِّدْ عَلَیْکَ فِی قَبُولِ الْإِنَابَهِ- وَ لَمْ یُنَاقِشْکَ بِالْجَرِیمَهِ- وَ لَمْ یُؤْیِسْکَ مِنَ الرَّحْمَهِ- بَلْ جَعَلَ نُزُوعَکَ عَنِ الذَّنْبِ حَسَنَهً- وَ حَسَبَ سَیِّئَتَکَ وَاحِدَهً- وَ حَسَبَ حَسَنَتَکَ عَشْراً- وَ فَتَحَ لَکَ بَابَ الْمَتَابِ وَ بَابَ الِاسْتِعْتَابِ- فَإِذَا نَادَیْتَهُ سَمِعَ نِدَاکَ- وَ إِذَا نَاجَیْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاکَ- فَأَفْضَیْتَ إِلَیْهِ بِحَاجَتِکَ- وَ أَبْثَثْتَهُ ذَاتَ نَفْسِکَ وَ شَکَوْتَ‏ إِلَیْهِ هُمُومَکَ- وَ اسْتَکْشَفْتَهُ کُرُوبَکَ وَ اسْتَعَنْتَهُ عَلَى أُمُورِکَ- وَ سَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ مَا لَا یَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غَیْرُهُ- مِنْ زِیَادَهِ الْأَعْمَارِ وَ صِحَّهِ الْأَبْدَانِ- وَ سَعَهِ الْأَرْزَاقِ- ثُمَّ جَعَلَ فِی یَدَیْکَ مَفَاتِیحَ خَزَائِنِهِ- بِمَا أَذِنَ لَکَ فِیهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ- فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ- وَ اسْتَمْطَرْتَ شَآبِیبَ رَحْمَتِهِ- فَلَا یُقَنِّطَنَّکَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ- فَإِنَّ الْعَطِیَّهَ عَلَى قَدْرِ النِّیَّهِ- وَ رُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْکَ الْإِجَابَهُ لِیَکُونَ ذَلِکَ أَعْظَمَ لِأَجْرِ السَّائِلِ- وَ أَجْزَلَ لِعَطَاءِ الْآمِلِ- وَ رُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّیْ‏ءَ فَلَا تُؤْتَاهُ- وَ أُوتِیتَ خَیْراً مِنْهُ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا- أَوْ صُرِفَ عَنْکَ لِمَا هُوَ خَیْرٌ لَکَ- فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِیهِ هَلَاکُ دِینِکَ لَوْ أُوتِیتَهُ- فَلْتَکُنْ مَسْأَلَتُکَ فِیمَا یَبْقَى لَکَ جَمَالُهُ- وَ یُنْفَى عَنْکَ وَبَالُهُ- فَالْمَالُ لَا یَبْقَى لَکَ وَ لَا تَبْقَى لَهُ

اللغه

أقول: الارتیاد: الطلب. و الطوق و الطاقه: ما یتسع له قدرتک. و الوبال: الهلاک. و کؤد: شاقّه المصعد. و النزوع عن الذنب. الخروج منه. و الإفضاء: الوصول. و البثّ: النشر و الکشف. و الشآبیب: جمع شؤبوب و هو الدفعه من المطر. و القنوط: الیأس. و الاستعتاب: طلب العتبى و هی الرجوع إلى الرضا.

و فی الفصل مطالب:

الأول و الثانی
أحدها: الوصیّه بالسعى فی تحصیل الکمالات النفسانیّه الباقیه. و الثانی: طرح الرذائل المنقّصه فنبّهه على الأوّل بأن أمامه: أی فی سفره إلى اللّه طریقا طویلا شدیدا، و ظاهر أنّ الطریق الّتی یکون لذلک لابدّ لسالکه‏ من حسن طلب القصد فیه إلى مطلوبه، و من قدر مبلغ له من الزاد، و استعار له لفظ الطریق لما یسیر فیه الإنسان من أحوال الدنیا و یعبر منها إلى الآخره، و أشار بطولها و شدّتها إلى عسر النجاه فیها و السلامه من خطرها. إذ کان ذلک إنّما یکون بلزوم القصد و الثباث على سنن العدل و الاستقامه على حاقّ الوسط من مکارم الأخلاق. إذ علمت أنّ لکلّ من القوّه التمیزیّه و الشهویّه و الغصبیّه حدّ یجب وقوف الإنسان عنده و هو العدل، و علمت أنّه أدقّ الحدود و أصبعها. إذ هو محتوش بطرفی تفریط و إفراط قلّ ما یسلم الإنسان من الوقوع فی أحدهما، و هما طریقا جهنّم. فبالحرى أن یکون طریقا ذا مسافه لا یصل الإنسان منها إلى غایته إلّا على بعد بعید، و لا یحصل منها على خبیر إلّا بجهد جهید، و استعار لفظ الزاد للتقوى و الکمالات الّتی هی بلاغ الإنسان فی تلک الطریق إلى اللّه تعالى، و بهذا یکون النجاه فیها و الخلاص من مهالکها، و نبّهه على الثانی بقوله: مع خفّه الظهر. إلى قوله: وبالا علیک. و استعار لفظ الخفّه لتقلیل اکتساب الآثام و حملها على النفس، و لفظ الحمل لاکتسابها، و وجه الاستعاره الاولى: أنّ مقلّل الآثام سریع القطع لتلک الطریق قریب إلى النجاه فیها من مخاوفها کما قال علیه السّلام: تخفّفوا تلحقوا. و کما أشار إلیه الرسول صلّى اللّه علیه و آله: نجا المخفّون.

و وجه الثانیه: أنّ مکتسب الآثام یثقل بها و یبطئ عن لحوق المخفّین و یهلک بها فی طریقه، و کثره تخلّفه تابعه لکثره اکتسابه کما یکون حال المثقل فی الطریق البعیده، و لفظ الظهر ترشیح المطلوب.

الثالث: التنبیه على وجوب إنفاق المال فی وجوه الصدقه و البرّ
لمن یحتاج إلیه من أهل الفاقه، و ذلک قوله: و إذا وجدت. إلى قوله: عسرتک. و جذبه و أعدّه لذلک بأمرین: أحدهما: کون ذلک زادا یحمله ذو الفاقه إلى یوم القیامه، و یلقاه به هناک فی موضع الحاجه إلیه. و استعار لفظ الزاد هنا لما یحصل من فضیله السخا و الکرم بالإنفاق، و وجه الاستعاره کونه سببا لسلامه النفس من الهلاک فی طریق الآخره و وسیله إلى السعاده الباقیه کالزاد المخلص للمسافر فی طریقه و المبلّغ له إلى مطالبه، و استعار للمتصدّق علیه وصف الحامل لذلک الزاد باعتبار أنّه سبب لحصول الفضیله بتلک الصدقه و وصول ثوابها إلى المتصدّق یوم القیامه فوجدانه لتلک الفضیله و ظهورها فی صحیفه أعمال المتصدّق یوم القیامه هو المشار إلیه بالموافات بها غدا. ثمّ أمره أن یغتنم ذا الفاقه عند وجدانه، و أن یحمله ذلک الزاد و یکثر من تزویده و تحمیله للزاد حینما هو قادر على تحصیله، و جذب إلى اغتنامه و المسارعه إلى الصدقه بقوله: فلعلّک تطلبه فلا تجده. لأنّ الوسیله إلى أمر عظیم إذا کان فی معرض أن یطلب فلا توجد ثمّ وجدت فی وقت فمن الواجب أن یغتنم تحصیلها و لا تهمل. الثانی: کون الصدقه. على ذى الفاقه قرضا للمتصدّق فی حال غناه بالمال یقضى له یوم عسرته و فقره، و استعار وصف المستقرض هنا للّه باعتبار أنّه هو المجازی بالثواب من أنفق ماله فی طاعته، و إلیه الإشاره بقوله تعالى إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً یُضاعِفْهُ لَکُمْ«» و نبّه بکون القرض فی حال الغناء، و القضاء فی حال العسره لیکون القضاء أفضل فیرغب فی القرض لغایه الربح المطلوب.

الرابع: التنبیه على شدّه طریق الآخره و على وجوب الاستعداد لها
بالخفّه من حمل الآثام و السرعه فیها قبل انقضاء الأیّام، و استعار لفظ العقبه لما فیها من الصعود و الارتقاء فی درجات الکمال بالفضائل عن مهابط الرذائل، و وصفها بشدّه الصعود باعتبار ما فی ذلک الارتقاء من التعسّر و کثره الموانع. و جذب إلى الاستعداد بامور ثلاثه: أحدها: کون المخفّ فیها أحسن حالا من المثقل، و هو ظاهر کما قدّمناه. الثانی: کون المبطئ فیها أقبح حالا من المسرع و هو أیضا ظاهر. إذ کان المبطئ فیها واقفا فی أحد طرفی الإفراط و التفریط مشغولا بما یلهیه ملتفتا عمّا یعینه حتّى إذا تصرّم أجله بقى فی مهاوى الهلاک أسیرا و على ما فاته من سرعه السیر حسیرا. الثالث: ذکر الغایتین منها و هی الجنّه و النار. و أنّه لا بدّ من تأدیتها و هبوطها بسالکها على أحدهما، و هو ظاظر. أیضا فإنّ خوض الإنسان فی أحوال الدنیا و التصرّف فیها إلى غایه انقطاعها و وصول الآخره إمّا أن یکون على وجه القصد، و لزوم سمت القبله الحقیقیّه و تجنّب طریق طرفى الإفراط و التفریط و بذلک یکون هجوم تلک الطریق و هبوطها بسالکها على الجنّه، و إمّا أن یکون على وجه الانحراف عن ذلک القصد، و التعریج عنه إلى ما فی تلک الطریق من مناهی اللّه و أبواب محارمه، و بذلک یکون هبوطها بسالکها على النار، و نسبه الهبوط إلیها مجاز باعتبار تأدّیها إلى إحدى الغایبین کالهابط بالشی‏ء لیوصله إلى قراره. ثمّ أمره أن یرتاد لنفسه و یطلب ما یکون سببا لنجاته فیها و حسن حاله قبل نزول أحد المنزلین الّذین هما غایتاها لیکون هبوطها به على الجنّه، و أن یوطّئ المنزل الّذی یرید سکناه بالاستعداد له.

و روی: یوطّن- بالنون- أی یتّخذه وطنا.

المطلوب الخامس: التنبیه على الدعاء و الترغیب فیه
و سرّه دوام ملاحظه جلال اللّه و الانقطاع إلیه. إذ هو مبدء کلّ محبوب و معطى کلّ مطلوب.
و رغّب فی ذلک بامور:
أحدها: أنّ بیده تعالى خزائن السماوات و الأرض،

و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک کان أحقّ بالرغبه إلیه من کلّ أحد.
الثانی: أنّه تعالى أذن فی الدعاء و تکفّل بالإجابه
فقال ادْعُونِی أَسْتَجِبْ لَکُمْ«» و تقدیر الکبرى فکالأوّل.
الثالث: انّه أمر الخلق أن یسألوه لیعطیهم
فی قوله تعالى وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ«» و کذلک أن یطلبوا منه الرحمه لیرحمهم، و ذلک أنّ إفاضه الرزق و الرحمه و کلّ فضل منه إنّما یوجد بعد الاستعداد له بالاخلاص فی الطلب و الاسترحام و غیره کما علم فی مظانّه، و تقدیر الکبرى: و کلّ من کان کذلک فواجب أن یسأل و یسترحم.
الرابع: أنّه لم یجعل بینه و بین الراغب إلیه حاجبا و لا بوّابا لتقدّسه سبحانه‏

عن الجسمیّه و الجهه و صفات المحدثات بل تجلّى فی کلّ شی‏ء لکلّ من فتح عین بصیرته و وجّهها إلى مطالعه کبریائه و عظمته، و تقدیر الکبرى: و کلّ من کان کذلک فهو أولى من یسئل و یسترحم.
الخامس: أنّه لم یلجئه إلى من یشفع إلیه
لأنّ الشفیع إنّما یضطرّ إلیه عند تعذّر المطلوب من جهه المرغوب إلیه إمّا لبخله أو جهله باستحقاق الطالب. و الباری تعالى لا بخل فیه و لا منع من جهته، و إنّما یتوقّف فیضه على استعداد الطالب له و لم یجعل سبحانه للراغبین إلیه ضروره إلى الشفعاء. إذ مکّنهم من الاستعداد لنیل مطلوباتهم منه و هیّأ لهم أسبابها و فتح لهم أبواب رحمته فإن عرضت لهم حاجه إلى شفیع فلیس ذلک عن ضروره و إلجاء منه إلى ذلک.
السادس: أنّه لم یمنعه إن أساء من التوبه
بل أمره بها و وعده علیها فقال: یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَهً نَصُوحاً عَسى‏ رَبُّکُمْ أَنْ یُکَفِّرَ عَنْکُمْ سَیِّئاتِکُمْ وَ یُدْخِلَکُمْ جَنَّاتٍ، و قال بعد أن عدّد الکبائر و توعّد علیها: إِلَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِکَ یُبَدِّلُ اللَّهُ سَیِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ الآیه.
السابع: أنّه لم یعاجله بالنقمه
مع اطّلاعه علیه حین معصیته و لم یفضحه فی مقامه الّذی تعرّض فیه للفضیحه بل أمهله على ظلمه و أسبل علیه ستر کرمه و حلمه.
الثامن: أنّه یشدّد علیه فی قبول الإنابه
و الرجوع إلیه کما یفعله الملوک فی حقّ من أساء و طلب الإقاله، و لم یناقشه بجریمته و ذنبه فیستقصى فی حسابه بل سهل علیه فی ذلک و قبل توبته متى شاء لأنّه تعالى لا مضرّه علیه بإساءه مسى‏ء و لا نفع یصل إلیه من إنابه منیب. إذ هو الغنىّ المطلق.
التاسع: أنّه لم یؤیسه من الرحمه
حیث قال: قُلْ یا عِبادِیَ الَّذِینَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَهِ. الآیه.
العاشر: أنّه جعل نزوعه عن ذنبه
و توبته منه حسنه حیث قال بعد ذکر التوبه: فَأُوْلئِکَ یُبَدِّلُ اللَّهُ سَیِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ، و حسب سیّئته واحده و حسنته عشرا حیث قال: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَهِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّیِّئَهِ فَلا یُجْزى‏ إِلَّا مِثْلَها.

الحادی عشر: کونه فتح له باب المتاب
حیث قال: غافر الذنب و قابل التوب و هو الّذی یقبل التوبه عن عباده و یعفوا عن السیّئات، و باب الاستعتاب حیث أمره و أرشده إلى طلب الرضا عنه بعد توبته.
الثانی عشر: کونه إذا ناداه سمع ندائه
لقوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِی وَهَبَ«» و إذا ناجاه علم نجواه لقوله تعالى یَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى‏«» فأوصل إلیه حاجته إن شاء سرّا و إن شاء جهرا، و طلب منه إعانته على أموره، و نشر له ما کان فی نفسه من مهماته، و سأله کشف کروبه. فوهب له من خزائن رحمته ما لا یقدر على إعطائه غیره من زیاده الأعمار، و صحّه الأبدان، و سعه الأرزاق.
الثالث عشر: أنّه جعل فی یدیه مفاتیح خزائنه بما أدّت له من مسئلته،
و استعار لفظ المفاتیح للأدعیه باعتبار أنّها أسباب لتحصیل النعمه و کمال الرحمه متى شاء استفتح بها أبواب خزائنها، و کذلک استعار لفظ الأبواب لأسباب جزئیّات النعم الواصله إلى العبد. و خزائن نعمه هی خزائن السماوات و الأرض. إذ الکلّ منه و بیده، و یحتمل أن یشیر بها إلى المعقول من سماء جوده و ما یحویه قدرته من الخیرات الممکنه، و استعار وصف الاستمطار لطلب نعم اللّه تعالى ملاحظه لشبهها بالمطر فی کونهما سببین للحیاه و صلاح الحال فی الدنیا و یشبه طالبیهما بالمستمطر، و رشّح بذکر الشآبیب، و تقدیر الکبرى فی کلّ واحد من هذه الضمائر: و کلّ من کان کذلک فهو أحقّ بأن یرغب إلیه و یوجّه الطلب نحوه، و أعلم أنّه لمّا رغّبه فی الدعاء بهذه الجواذب نبّهه على أنّ الإجابه فی الدعاء قد تبطى‏ء و تتأخّر.
ثمّ عدّد ما یصلح أسبابا لتأخّرها لیلحظها عند تأخّرها فلا یقنط منها:
أحدها: أنّ العطیّه على قدر النیّه
أی أنّ الإجابه موقوفه على الاستعداد بإخلاص النیّه فإذا تأخّرت الإجابه فلعلّ تأخّرها لأنّ النیّه لم تکن خالصه.
الثانی: أنّها ربّما أخّرت لعلم اللّه تعالى أنّ تأخیرها من أسباب استعداد السائل و المؤمّل استعدادا أعلى لعطاء ما هو أعلى و أشرف ممّا سأل فیعطاه عند کمال استعداده لأنّه على قدر أهل العزم یأتی العزائم، و بقدر الکدّ یکتسب المعالى.
الثالث: أنّ المطلوب قد لا یکون فیه مصلحه للعبد
لاشتماله على مفسده فی دینه لو اعطى إیّاه کالغنى و الجاه مثلا و سایر المطالب الدنیویّه الخالصه فلا یجیب اللّه سؤاله فیه بل یعطیه خیرا منه إمّا فی عاجل دنیاه أو فی آجل آخرته و یصرف ذلک الأمر عنه لما هو مصلحه له أو خیر. ثمّ ختم ذلک بتعریفه مواقع مسألته للّه و ما ینبغی أن یسأله إیّاه و هو ما یبقى له جماله و یبقى عنه وباله من التوفیق لأسباب السعاده الباقیه و جمیل الاحدوثه فی الأعقاب دون المال.

الفصل الثامن:

قوله: وَ اعْلَمْ یَا بُنَیَّ أَنَّکَ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلْآخِرَهِ لَا لِلدُّنْیَا- وَ لِلْفَنَاءِ لَا لِلْبَقَاءِ وَ لِلْمَوْتِ لَا لِلْحَیَاهِ- وَ أَنَّکَ فِی مَنْزِلِ قُلْعَهٍ وَ دَارِ بُلْغَهٍ- وَ طَرِیقٍ إِلَى الْآخِرَهِ- وَ أَنَّکَ طَرِیدُ الْمَوْتِ الَّذِی لَا یَنْجُو مِنْهُ هَارِبُهُ- وَ لَا یَفُوتُهُ طَالِبُهُ وَ لَا بُدَّ أَنَّهُ مُدْرِکُهُ فَکُنْ مِنْهُ عَلَى‏

حَذَرِ أَنْ یُدْرِکَکَ وَ أَنْتَ عَلَى حَالٍ سَیِّئَهٍ- قَدْ کُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَکَ مِنْهَا بِالتَّوْبَهِ- فَیَحُولَ بَیْنَکَ وَ بَیْنَ ذَلِکَ- فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَکْتَ نَفْسَکَ یَا بُنَیَّ أَکْثِرْ مِنْ ذِکْرِ الْمَوْتِ وَ ذِکْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَیْهِ- وَ تُفْضِی بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَیْهِ- حَتَّى یَأْتِیَکَ وَ قَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَکَ- وَ شَدَدْتَ لَهُ أَزْرَکَ- وَ لَا یَأْتِیَکَ بَغْتَهً فَیَبْهَرَکَ- وَ إِیَّاکَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلَادِ أَهْلِ الدُّنْیَا إِلَیْهَا- وَ تَکَالُبِهِمْ عَلَیْهَا فَقَدْ نَبَّأَکَ اللَّهُ عَنْهَا- وَ نَعَتْ لَکَ نَفْسَهَا وَ تَکَشَّفَتْ‏ لَکَ عَنْ مَسَاوِیهَا- فَإِنَّمَا أَهْلُهَا کِلَابٌ عَاوِیَهٌ وَ سِبَاعٌ ضَارِیَهٌ- یَهِرُّ بَعْضُهَا بَعْضًا وَ یَأْکُلُ عَزِیزُهَا ذَلِیلَهَا- وَ یَقْهَرُ کَبِیرُهَا صَغِیرَهَا- نَعَمٌ مُعَقَّلَهٌ وَ أُخْرَى مُهْمَلَهٌ- قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا وَ رَکِبَتْ مَجْهُولَهَا- سُرُوحُ عَاهَهٍ بِوَادٍ وَعْثٍ- لَیْسَ لَهَا رَاعٍ یُقِیمُهَا وَ لَا مُسِیمٌ یُسِیمُهَا- سَلَکَتْ بِهِمُ الدُّنْیَا طَرِیقَ الْعَمَى- وَ أَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ الْهُدَى- فَتَاهُوا فِی حَیْرَتِهَا وَ غَرِقُوا فِی نِعْمَتِهَا- وَ اتَّخَذُوهَا رَبّاً فَلَعِبَتْ بِهِمْ وَ لَعِبُوا بِهَا- وَ نَسُوا مَا وَرَاءَهَا- رُوَیْداً یُسْفِرُ الظَّلَامُ- کَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الْأَظْعَانُ- یُوشِکُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ یَلْحَقَ

اللغه

أقول: منزل قلعه: لا یصلح للاستیطان. و البلغه: ما تبلغ به من العیش. الأزر: القوّه. و یبهّره: غلبه و أتعبه، و أصل البهر تتایع النفس عن التعب. و أخلد إلى کذا: استند إلیه. و التکالب: التواثب. و المساوی: المعایب. و الضراوه.
تعوّد الصید و الجرأه علیه. و المعقّله: المقیّده. و المجهول و المجهل: المفازه الّتی لا أعلام فیها. و واد وعث: لا یثبت به خفّ و لا حافر لکثره سهولته. و المسیم: الراعی.

و قد نبّهه فی هذه الفصل على امور:
أحدها: أنّ العلّه الغائیّه من خلقه و وجوده هی الآخره دون الدنیا و الموت و الفناء دون الحیاه و البقاء،
و هذه الامور علل عرضیّه من وجود الإنسان لکونها من ضرورات وجوده، و أمّا العلّه الحقیقیّه الاولى من وجوده فهى استکماله و وصوله إلى حضره ربّه طاهرا عن علایق الدنیا، و ذکره بهذه الغایات الّتی یجزم بالوصول إلیها لیعمل لها و لما بعد الموت، و یقلّ العرجه على الدنیا و عمارتها و لا یرکن إلى البقاء فیها لکونها امورا عرضیّه زایله.

الثانی: نبّهه بکون الدنیا منزل قلعه
على أنّها منزل عبور لم یخلق للاستیطان و الإقامه، و بکونها دار بلغه على أنّها إنّما خلقت لیتّخذ منها الإنسان بلاغا للوصول إلى الآخره و زادا لکونها طریقا إلیها.

الثالث: نبّهه على أنّه طرید الموت،
و استعار له لفظ الطرید ملاحظه لشبهه بالصید یطرده السبع و غیره. ثمّ وصف الموت بکونه لا ینجو منه هارب و لا بدّ أنّه مدرکه تحذیرا منه و جذبا إلى الاستعداد له بطاعته المقاومه لأهواله و شدایده، و لذلک قال: فکن منه على حذر. إلى قوله: نفسک: أی ببقائک على الحال السیّئه تحدّث نفسک فیها بالتوبه إلى أن یدرکک، و یحول عطف على یدرکک، و إذا للمفاجاه.

الرابع: أمره بالإکثار من ذکر الموت و ما یهجم علیه
فإنّ ذلک یستلزم العبره و الانزجار و الأخذ فی الاهبّه و الاستعداد له و لما بعده، و لذلک قال: حتّى یأتیک و قد أخذت منه حذرک و شددت له قوّتک: أی بالکمالات الّتى استعددت بها و لا یأتیک بغته فیتبعک، و قوله: و لا یأتیک عطف على قوله: حتّى یأتیک، و الواو فی قوله: و قد للحال، و کذلک بغته حال و یبهّرک منصوب بإضمار أن بعد الفاء فی جواب النفی.

الخامس: نهاه أن یغترّ باستناد أهل الدنیا إلیها و تواثبهم علیها،
و نبّهه على أنّه لا ینبغی له ذلک الاغترار بقیاسات ضمیر. فقوله: فقد نبّأک اللّه. إلى قوله: عنها. هو صغرى القیاس الأوّل کقوله تعالى وَ مَا الْحَیاهُ الدُّنْیا إِلَّا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ«» فی مواضع کثیره من کتابه العزیز و قوله إِنَّما مَثَلُ الْحَیاهِ الدُّنْیا کَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ«» الآیه و أمثاله. و قوله: و نعت لک نفسها.

صغرى القیاس الثانی، و روى: و نعت. بمعنى أنّ اللّه وصفها له، و معنى نعتها لنفسها وصفها بلسان حالها لنفسها، و بیان أنّها محلّ الهموم و الغموم و الأعراض و الأمراض و دار کلّ بلاء و منزل کلّ فتنه. و قوله: و إنّما أهلها. إلى آخره. صغرى القیاس الثالث، و تقدیر الکبرى فی القیاس الأوّل: و کلّ من أخبر اللّه تعالى عنه بذلک فلا ینبغی أن یغترّ به، و تقدیرها فی الثانی: و کلّ من وصف نفسه کذلک فلا ینبغی أن یغترّ به، و تقدیرها فی الثالث: و کلّ من کان کذلک فلا ینبغی أن یغترّ بفعله، و اعلم أنّه أشار فی هذین المثلین إلى قسمه أهل الدنیا أوّلا بقسمین بحسب اعتبار قواهم الغضبیّه و الشهویّه و اتّباعهم لها: أى فمنهم من اتّبع قوّته الغضبیّه و أعطاها مقتضاها، و منهم من اتّبع قوّته الشهویّه و استرسل فی قیادها و غفل عمّا خلق لأجله، و ضرب المثل للأوّلین بالکلاب العاویه و السباع الضاریه. و أشار إلى وجه مطابقه المثل بقوله: یهرّ. إلى قوله: صغیرها. و وصف الهریر مستعار لتنازعهم علیها، و کذلک لفظ الأکل لغلبه بعضهم على بعض. و ضرب للآخرین مثل النعم باعتبار غفلتهم عمّا یراد بهم کالبهائم، ثمّ قسّم هؤلاء إلى قسمین: معقّله و مهمله، و استعار لفظ المعقّله للذین تمسّکوا بظواهر الشریعه و الإمام العادل فقیّدهم بالدین عن الاسترسال فی اتّباع الشهوات و الانهماک فیها و إن لم یعقلوا أسرار الشریعه فهم کالنعم الّتی عقّلها راعیها، و أشار بالمهمله إلى الّذین استرسلوا فی اتّباع شهواتهم و خرجوا عن طاعه إمامهم و لم یتعبّدوا بأوامره فهم کالبهائم المرسله.
و أشار إلى وجه المشابهه بقوله: الّتی أضلّت عقولها. إلى آخره، و یحتمل أن یرید بعقولها عقلها جمع عقال فأشبع الضمّه و قلّبها واوا متابعه لقوله: مجهولها، و یحتمل أن یرید به جمع عقل و هو الملجأ: أی أنّها ضیّعت من یلجأ إلیه، و هو أمامها، و وجه مطابقه هذا المثل أنّ هؤلاء فی عدم انتفاعهم بعقولهم و رکوبهم لأهوائهم الفاسده و شروعهم فی مشتهیاتهم الدنیویّه مکتسبین للرذائل و العاهات النفسانیّه لیس لهم إمام یقیمهم على طاعه اللّه فی طرق الهدى إلى مکارم الأخلاق قد أشبهوا النعم المهمله الّتی أضلّت عقلها و رکبت‏ المفازه فهی سروح متردّده متحیّره بواد و عث لیس لها راع یرعاها و یقیمها إلى المرعى، و روى سروح آفه: أی فهی سارحه عن آفه قد خرجت بها عن الانتفاع.

و الروایه الثانیه أقرب إلى الصواب. و أراد بطرق العمى طرق الجهل و مسالک الباطل الّتی لا یهتدی فیها لشی‏ء کما لا یهتدى الأعمى للطریق، و نسب السلوک بهم إلیها باعتبار أنّها سبب لغرورهم و غفلتهم عمّا ورائهم، و کذلک أخذها بأبصارهم: أی بأبصار عقولهم عن منازل الهدى و هی آیات اللّه و منازل الطریق إلیه، و أشار بتیههم فی حیرتها إلى ضلالهم عن طرق الحقّ، و استعار لفظ الغرق باعتبار استیلاء نعیمها على عقولهم و تملّکه لها کما یستولى الماء على الغریق، و اتّخاذهم لها ربّا باعتبار خدمتهم لها. فلعبت بهم إذ کانوا عبیدا لها، و لعبوا بها إذ اشتغلوا بها غیر منتفعین، و ضیّعوا ما الأولى بهم فعله، و نسوا ما وراءها ممّا خلقوا لأجله.

الفصل التاسع:

قوله: وَ اعْلَمْ یَا بُنَیَّ- أَنَّ مَنْ کَانَتْ مَطِیَّتُهُ اللَّیْلَ وَ النَّهَارَ- فَإِنَّهُ یُسَارُ بِهِ وَ إِنْ کَانَ وَاقِفاً- وَ یَقْطَعُ الْمَسَافَهَ وَ إِنْ کَانَ مُقِیماً وَادِعاً- وَ اعْلَمْ یَقِیناً أَنَّکَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَکَ وَ لَنْ تَعْدُوَ أَجَلَکَ- وَ أَنَّکَ فِی سَبِیلِ مَنْ کَانَ قَبْلَکَ- فَخَفِّضْ فِی الطَّلَبِ وَ أَجْمِلْ فِی الْمُکْتَسَبِ- فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ- وَ لَیْسَ کُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ- وَ لَا کُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ- وَ أَکْرِمْ نَفْسَکَ عَنْ کُلِّ دَنِیَّهٍ- وَ إِنْ سَاقَتْکَ إِلَى الرَّغَائِبِ- فَإِنَّکَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِکَ عِوَضاً- وَ لَا تَکُنْ عَبْدَ غَیْرِکَ وَ قَدْ جَعَلَکَ اللَّهُ حُرّاً-

وَ مَا خَیْرُ خَیْرٍ لَا یُنَالُ إِلَّا بِشَرٍّ- وَ یُسْرٍ لَا یُنَالُ إِلَّا بِعُسْرٍ-وَ إِیَّاکَ أَنْ تُوجِفَ بِکَ مَطَایَا الطَّمَعِ- فَتُورِدَکَ مَنَاهِلَ الْهَلَکَهِ- وَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا یَکُونَ بَیْنَکَ وَ بَیْنَ اللَّهِ ذُو نِعْمَهٍ فَافْعَلْ- فَإِنَّکَ مُدْرِکٌ قَسْمَکَ وَ آخِذٌ سَهْمَکَ- وَ إِنَّ الْیَسِیرَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَعْظَمُ وَ أَکْرَمُ مِنَ الْکَثِیرِ مِنْ خَلْقِهِ- وَ إِنْ کَانَ کُلٌّ مِنْهُ وَ تَلَافِیکَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِکَ- أَیْسَرُ مِنْ إِدْرَاکِکَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِکَ- وَ حِفْظُ مَا فِی الْوِعَاءِ بِشَدِّ الْوِکَاءِ- وَ حِفْظُ مَا فِی یَدَیْکَ أَحَبُّ إِلَیَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِی یَدَیْ غَیْرِکَ- وَ مَرَارَهُ الْیَأْسِ خَیْرٌ مِنَ الطَّلَبِ إِلَى النَّاسِ- وَ الْحِرْفَهُ مَعَ الْعِفَّهِ خَیْرٌ مِنَ الْغِنَى مَعَ الْفُجُورِ- وَ الْمَرْءُ أَحْفَظُ لِسِرِّهِ وَ رُبَّ سَاعٍ فِیمَا یَضُرُّهُ- مَنْ أَکْثَرَ أَهْجَرَ وَ مَنْ تَفَکَّرَ أَبْصَرَ- قَارِنْ أَهْلَ الْخَیْرِ تَکُنْ مِنْهُمْ- وَ بَایِنْ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ- بِئْسَ الطَّعَامُ الْحَرَامُ- وَ ظُلْمُ الضَّعِیفِ أَفْحَشُ الظُّلْمِ- إِذَا کَانَ الرِّفْقُ خُرْقاً کَانَ الْخُرْقُ رِفْقاً- رُبَّمَا کَانَ الدَّوَاءُ دَاءً وَ الدَّاءُ دَوَاءً- وَ رُبَّمَا نَصَحَ غَیْرُ النَّاصِحِ وَ غَشَّ الْمُسْتَنْصَحُ- وَ إِیَّاکَ وَ الِاتِّکَالَ عَلَى الْمُنَى فَإِنَّهَا بَضَائِعُ النَّوْکَى- وَ الْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ- وَ خَیْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَکَ- بَادِرِ الْفُرْصَهَ قَبْلَ أَنْ تَکُونَ غُصَّهً- لَیْسَ کُلُّ طَالِبٍ یُصِیبُ وَ لَا کُلُّ غَائِبٍ یَئُوبُ- وَ مِنَ الْفَسَادِ إِضَاعَهُ الزَّادِ وَ مَفْسَدَهُ الْمَعَادِ- وَ لِکُلِّ أَمْرٍ عَاقِبَهٌ سَوْفَ یَأْتِیکَ مَا قُدِّرَ لَکَ- التَّاجِرُ مُخَاطِرٌ وَ رُبَّ یَسِیرٍ أَنْمَى مِنْ کَثِیرٍ لَا خَیْرَ فِی مُعِینٍ مَهِینٍ وَ لَا فِی صَدِیقٍ ظَنِینٍ- سَاهِلِ الدَّهْرَ مَا ذَلَّ لَکَ قَعُودُهُ- وَ لَا تُخَاطِرْ بِشَیْ‏ءٍ رَجَاءَ أَکْثَرَ مِنْهُ- وَ إِیَّاکَ أَنْ تَجْمَحَ بِکَ مَطِیَّهُ اللَّجَاجِ- احْمِلْ نَفْسَکَ مِنْ أَخِیکَ عِنْدَ صَرْمِهِ عَلَى الصِّلَهِ- وَ عِنْدَ صُدُودِهِ عَلَى اللَّطَفِ وَ الْمُقَارَبَهِ- وَ عِنْدَ جُمُودِهِ عَلَى الْبَذْلِ- وَ عِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنُوِّ- وَ عِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى اللِّینِ- وَ عِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْعُذْرِ- حَتَّى کَأَنَّکَ لَهُ عَبْدٌ وَ کَأَنَّهُ ذُو نِعْمَهٍ عَلَیْکَ- وَ إِیَّاکَ أَنْ تَضَعَ ذَلِکَ فِی غَیْرِ مَوْضِعِهِ- أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ بِغَیْرِ أَهْلِهِ- لَا تَتَّخِذَنَّ عَدُوَّ صَدِیقِکَ صَدِیقاً فَتُعَادِیَ صَدِیقَکَ- وَ امْحَضْ أَخَاکَ النَّصِیحَهَ- حَسَنَهً کَانَتْ أَوْ قَبِیحَهً- وَ تَجَرَّعِ الْغَیْظَ فَإِنِّی لَمْ أَرَ جُرْعَهً أَحْلَى مِنْهَا عَاقِبَهً- وَ لَا أَلَذَّ مَغَبَّهً- وَ لِنْ لِمَنْ غَالَظَکَ فَإِنَّهُ یُوشِکُ أَنْ یَلِینَ لَکَ- وَ خُذْ عَلَى عَدُوِّکَ بِالْفَضْلِ فَإِنَّهُ أَحْلَى الظَّفَرَیْنِ- وَ إِنْ أَرَدْتَ قَطِیعَهَ أَخِیکَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِکَ- بَقِیَّهً یَرْجِعُ إِلَیْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذَلِکَ یَوْماً مَا- وَ مَنْ ظَنَّ بِکَ خَیْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ- وَ لَا تُضِیعَنَّ حَقَّ أَخِیکَ اتِّکَالًا عَلَى مَا بَیْنَکَ وَ بَیْنَهُ- فَإِنَّهُ لَیْسَ لَکَ بِأَخٍ مَنْ أَضَعْتَ حَقَّهُ- وَ لَا یَکُنْ أَهْلُکَ أَشْقَى الْخَلْقِ بِکَ- وَ لَا تَرْغَبَنَّ فِیمَنْ زَهِدَ عَنْکَ- وَ لَا یَکُونَنَّ أَخُوکَ عَلَى مقَاطِعَتِکَ أَقْوَى مِنْکَ عَلَى صِلَتِهِ- وَ لَا تَکُونَنَّ عَلَى الْإِسَاءَهِ أَقْوَى مِنْکَ عَلَى‏ الْإِحْسَانِ- وَ لَا یَکْبُرَنَّ عَلَیْکَ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَکَ- فَإِنَّهُ یَسْعَى فِی مَضَرَّتِهِ وَ نَفْعِکَ- وَ لَیْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّکَ أَنْ تَسُوءَهُ

اللغه

أقول: تعدوه: تجاوزه. و التخفیض: التسهیل على النفس. و الحرب: سلب المال. و الإجمال فی الطلب: التسهیل فیه حتّى یکون جمیلا. و أوجفت: أسرعت. و المناهل: المعاطش. و الحرفه: الضیق فی الرزق و الحرمان. و أهجر الرجل: إذا أفحش فی منطقه. و الرفق: اللین. و ضدّه الخرق. و النوکى: الحمقى، جمع أنوک. و الفرصه: وقت الإمکان. و الظنین: المتّهم. و الصرم: القطع. و محضه النصیحه: أخلصها له. و المغبّه: العاقبه.

و قد اشتمل هذا الفصل على الوصیّه بلطائف من الحکمه العملیّه و مکارم الأخلاق الّتی بها ینتظم أمر المعاش و المعاد، و صدّره بالتنبیه على ضروره الموت
لیبنى علیه ما یرید أن یوصیه به من مفردات الحکم. و ذلک التنبیه بأمرین:

أحدهما: أنّ الإنسان فی مدّه عمره مسافر إلى الآخره
و أنّ ذلک السفر لیس على مطایا محسوسه و لا فی طرق محسوسه بل المطیّه فیه اللیل و النهار، و استعار لفظ المطیّه باعتبار أنّهما أجزاء اعتباریّه للزمان یعقّب بعضها بعضا و ینقضی بانقضائها الزمان فینتقل الشخص بحسبها فی منازل مدّته المضروبه المقدّره له منه إلى أن تفنى مدّته و یتمّ سفره إلى الآخره کما ینتقل فی منازل طریقه المحسوسه إلى أن یتمّ سفره فیها، و کذلک لفظ المسافه مستعار لمدّته المضروبه، و لذلک کان سیر الزمان به سیرا اعتباریّا و إن کان واقفا وقوفه المتعارف و یقطع مسافه أجله راکبا تلک المطایا و إن کان وادعا قارّا قراره الحسّى.

الثانی: أمره أن یعلم یقینا أنّه لن یبلغ أمله.
و ذلک أنّ الإنسان أبدا فی توجیه أمله فی المطالب کلّما حصل مطلوب منها أو أفسد وجه أمله فیه وجّهه إلى مطلوب آخر و إن اختلفت المطالب، فالأمل أبدا متوجّه إلى مطلوب ما لیس مدرکا فی الحال، و الإحاله فی ذلک على الوجدان. فإذن لیس کلّ بمدرک، و کذلک لا یمکن أن یتجاوز الإنسان أجله المضروب له و إلّا لما کان أجلا له. و هذان الأمران فی قوّه صغریین لقیاسى ضمیر من الشکل الأوّل، و تقدیر کبرى الأوّل: و کلّ من یسرى به کذلک فیوشک أن ینقطع مدّته و یصل إلى الآخره، و تقدیر کبرى الثانی: و کلّ من لا یبلغ أمله و لا یتجاوز أجله و هو سالک بطریق من کان قبله فیوشک أن یلحق بهم، و لمّا نبّه على ضروره مفارقه الدنیا و الوصول إلى الآخره رتّب على ذلک الوصیّه بالحکم المذکوره،
و ذکر منها جمله:

الاولى: أن یخفّض فی طلب الدنیا و لا یحرص علیها
بل یجعل طلبه لها بقدر حاجته إلیها.
الثانی: أن یفعل الجمیل فیما یکتسبه منها
و ذلک أن یضع کلّ شی‏ء منه موضعه فیمسک منه قدر ضرورته و ینفق فاضله فی وجوه البرّ و مصارف القربه، و یحتمل أن یرید بالمکتسب الاکتساب فأطلق اسم المفعول على المصدر مجازا، و نحوه قول الرسول صلّى اللّه علیه و آله: إنّ روح القدس نفث فی روعى أنّه لن یموت نفس حتّى یستکمل رزقها فأجملوا فی الطلب.
الثالث و قوله: فإنّه ربّ طلب. إلى قوله: محروم.
تنفیر عن الخوض فی الطلب بامور ثلاثه:
أحدها: أنّه قد تجرّ إلى الحرب،
و ذلک کما شوهد فی وقتنا أنّ تاجرا کان رأس ماله سبعه عشر دینارا فسافر بها إلى الهند مرارا حتّى بلغت سبعه عشر ألفا فعزم حینئذ على ترک السفر و الاکتفاء بما رزقه اللّه فسوّلت له نفسه الأمّاره بالسوء فی العود، و حبّبت إلیه الزیاده فعاود السفر فلم یلبث أن خرجت علیه السرّاق فی البحر فأخذوا جمیع ما کان معه فرجع و قد حرب ماله. و ذلک ثمره الحرص المذموم.
و هو فی تقدیر صغرى ضمیر، و تقدیر کبراه: و کلّ ما جرّ إلى الحرب فلا ینبغی أن یحرص علیه.

الثانی: قوله: و لیس کلّ طالب بمرزوق
و هو تمثیل نبّه فیه على أنّ الطلب على الحرمان فی بعض الطالبین حتّى یقیس نفسه علیه فلا یحرس فی الطلب.

الثالث: قوله: و لا کلّ مجمل بمحروم.
تنبیه على تمثیل آخر کذلک نبّه فیه على أنّ الإجمال علّه للرزق فی بعض الناس لیقیس نفسه علیه فیجمل فی الطلب.

الرابع: أن یکرم نفسه عن کلّ دنیّه و إن استلزمت وصوله إلى ما یرغب فیه
و یتنافس علیه، و ذلک کأن یکذب مثلا أو یغدر لیصل إلى الملک و نحوه، و الإکرام لها عن ذلک یستلزم فضائل کالسخاء و المروّه و کبر الهمّه. إذ کلّ واحد من رذیله البخل و النذاله و صغر الهمّه یستلزم مقارفه الدنیّه بقوله: فإنّک. إلى قوله: عوضا: أی أنّ ما تبذله من نفسک من الفضیله و تعدل عنه إلى الرذیله لا یقاومه عند اللّه و عند أهل الفضائل من خلقه شی‏ء و إن جلّ، و لا یکون لک عنه عوض. و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ ما لا یحصل له عوض یقابله و یساویه فلا ینبغی أن یبذل فی مقارفه الدنایا.

الخامس: أن لا یکون عبد غیره:
أی لا یجعل لغیره علیه فضل إحسان یسأله إیّاه فیسترقّه به، و یستوجب بذلک على نفسه خدمته و الاشتغال بشکره عن اللّه. و قوله: و قد جعله اللّه حرّا. فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ من جعله اللّه حرّا فیقبح أن یجعل نفسه عبدا لغیره، و کذلک قوله: و خیر خیره إلى قوله: إلّا بعسر استفهام فی معنى الاستنکار: أی لا خیر فی خیر لا یوجد إلا بشّر، و یسر لا ینال بعسر، و کنّى بذلک الخیر و الیسر عمّا یطلب فی مقارفه الدنایا و یصیر الإنسان بسببه عبدا لغیره کالمال و نحوه، و بالشرّ و العسر المقارن له کبذل ماء الوجه فی السؤال و الذلّه و غیرها من الدنایا، و هو أیضا فی قوّه صغرى ضمیر تقدیر کبراه: و کلّ ما لا خیر فیه فلا ینبغی أن یطلب و یتعبّد للغیر من أجله.

السادس: حذّره من الطمع
و استعار لفظ المطایا لقواه الأمّاره بالسوء کالوهمیّه و الخیالیّه و الشهویّه و الغضبیّه، و وجه المشابهه کونها حامله لنفسه العاقله و موصله لها إلى المشتهیات و ما یطمع فیه من متاع الدنیا کالمطایا الموصله لراکبها إلى أغراضه، و کذلک وصف الوجیف لسرعه انقیاده معها إلى المطامع الردیئه. و قوله: فتوردک مناهل الهلکه. فاستعار لفظ المناهل لموارد الهلاک فی الآخره کمنازل جهنّم و طبقاتها، و وجه المشابهه کونها موارد شراب أهل النار المهلک کما قال تعالى فَشارِبُونَ عَلَیْهِ مِنَ الْحَمِیمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِیمِ«» و الفاء فی جواب النهى اللازم للتحذیر المذکور، و هو فی قوّه متّصله هى صغرى ضمیر تقدیرها فإنّک إن أوجفت بک مطایا الطمع أوردتک مناهل الهلکه، و تقدیر الکبرى: و کلّ مطیّه کذلک فیحرم رکوبها.

السابع: نهاه أن یجعل بینه و بین اللّه واسطه فی وصول نعمته إلیه إن استطاع
ذلک و هو نهى عن مسئله الغیر و التعرّض لنواله بل ینتظر قسمه من رزق اللّه المفروض له من غیر سؤال ذی نعمه یکون فیه بذل ماء الوجه و الذلّه و المنّه إن أعطى و بذله، و الحرمان و الذلّ إن حرم. و رغّبه فی ذلک بضمیرین: أحدهما: قوله: فإنّک مدرک قسمک و آخذ سهمک: أی من رزق اللّه، و تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فلا ینبغی أن یجعل بینه و بین اللّه واسطه یطلب منه رزقه. الثانی: قوله: و إن الیسیر. إلى قوله: خلقه: أی ما حصل من جهه یحمد حصوله منها و هی الجهه الّتی أمر اللّه تعالى بطلب الرزق منها و إن کان یسیرا أکرم عنده و أشرف من الکثیر من غیر تلک الجهه کسؤال الغیر و التعرّض له، و تقدیر الکبرى و کلّ ما کان أعظم فینبغی أن یکون هو المطلوب. و قوله: و إن کان کلّ منه. أی و إن کان الرزق من الخلق أیضا من اللّه إلّا أنّه ینبغی أن یوجّه الرغبه إلیه ابتداء دون غیره. إذ هو مبدء الکلّ و عنایته بالجمیع واحده.

الثامن: قوله: و تلافیک. إلى قوله: منطقک.
تنبیه على وجوب ترجیح الصمت و تغلیبه على کثره الکلام بضمیر هذه صغراه، و تقریرها أنّ الفارط من الصمت و إن استلزم الخطاء کالسکوت عمّا ینبغی أن یقال من الحکمه أو ما یترتّب علیه بعض المصالح إلّا أنّه یمکن استدراکه غالبا بما ینبغی من القول، و أمّا فارط القول فإنّ الخطاء فیه قد لا یمکن استدراکه، و إن أمکن فعلى غایه من العسر. فلذلک کان تلافی فارط الصمت بالقول أسهل من تدارک فارط القول، و لقوّه الخطاء فی القول أکثر الناس فی ذمّ الاکثار و مدح الصمت، و المنطق هنا یحتمل أن یرید به المصدر فیکون من لبیان الجنس، أو محلّ النطق فیکون لابتداء الغایه. و تقدیر کبرى الضمیر: و کلّ ما کان أیسر فهو أولى بک. ینتج أن تلافی فارط الصمت أولى بک، و ذلک مستلزم لرجحان الصمت.

التاسع: نبّهه على حفظ ما فی یده من المال
الحفظ الّذی ینبغی و هو الواسطه بین التبذیر و البخل. و الکلام فی قوّه صغرى ضمیر أیضا و تقدیر کبراه: و کلّ ما کان أحبّ إلیّ من طلبک ما فی یدی غیرک فهو أولى بک.

العاشر: نبّهه على فضیله قطع الطمع
و الیأس عمّا فی أیدی الناس بضمیر أیضا صغراه قوله: و مراره الیأس. إلى قوله: الناس، و تقدیر کبراه: و کلّ ما کان خیرا فهو أولى أن یلزم و یکرم النفس به، و أطلق لفظ المراره على الألم الّذی تجده النفس بسبب الیأس من المطالب إطلاقا لاسم السبب على المسبّب، و کونه خیرا لما یستلزمه من إکرام النفس عن ذلّ السؤال و رذیله المهانه. و إلیه أشار الشاعر بقوله:
و إن کان طعم الیأس مرّا فإنّه ألذ و أحلى من سؤال الأراذل‏

الحادی عشر: نبّهه على وجوب الصبر فی ضیق الرزق
و الحرمان إذا کان مع فضیله العفّه، و أنّ لزومه أولى من طلب الغنى المستلزم للفجور بضمیر أیضا صغراه ما ذکر، و تقدیر کبراه: و کلّ ما کان خیرا من الغنى مع الفجور فلزومه أولى من طلب ذلک الغنى، و إنّما کان کذلک لاستلزام تلک الحرفه الفضیله و استلزام ذلک الغنى الرذیله. و قد علمت أنّ العفّه فضیله القوّه الشهویّه و أنّها بین رذیلتى تفریط یسمّى خمود الشهوه و إفراط یسمّى فجورا.

الثانی عشر: نبّهه على أنّه لا یجوز إفشاء سرّه بتمثیله أصله
المرء، و الفرع هو المخاطب، و الحکم کونه أحفظ لسرّه، و العلّه کونه أکثر عنایه بنفسه من غیره.
إذا ضاق صدر المرء من سرّ نفسه فصدر الّذی یستودع السرّ أضیق‏

الثالث عشر: نبّهه بطریق التمثیل أیضا على التحرّز فی السعى و التثبّت فی ارتیاد المصالح
بقوله: ربّ ساع فیما یضرّه. فالأصل هو الساعی، و الفرع هو المخاطب، و العلّه هى السعى، و الحکم هو التضرّر.

الرابع عشر: نبّه على وجوب ترک الإکثار فی القول
بتمثیل أیضا أصله المکثر، و فرعه المخاطب، و علّته الإکثار، و حکمه الهجر. و الغرض أن یعتبر نفسه فی لحوقها بالمکثرین فی لزوم الهجر لهم فیترک الإکثار لما یلزمه من الهجر و لحوق الذمّ به.

الخامس عشر: نبّه على فضیله التفکّر فی الأمور
بقوله: من تفکّر أبصر: أى أدرک بعین بصیرته حقائق الأمور و عواقبها.

السادس عشر: أمره بمقارنه أهل الخیر
بضمیر دلّ على صغراه بقوله: تکن منهم، و تقدیرها أنّ مقارنتهم یستلزم الکون منهم، و تقدیر الکبرى: و کلّ ما استلزم الکون منهم فواجب أن یفعل.

السابع عشر: و کذلک أمره بمباینه أهل الشرّ
و مفارقته لما یستلزمه المباینه لهم من عدم العداد فی جملتهم فی الدنیا و الآخره، و وجه الحجّه کالّذی قبله.

الثامن عشر: نبّهه على قبح أکل الحرام
لغایه اجتنابه بذمّه بضمیر صغراه ما ذکر، و إنّما کان أقبح الظلم لکون الضعیف فی محلّ الرحمه فظلمه لا یصدر إلّا عن‏ قلب قاس و نفس بعیده من الرقّه و الرحمه و العدل، و لأنّه غیر مقابل من الضعیف بمدافعه و ممانعه فکان أبعد عن العدل، و تقدیر کبراه: و کلّ ما کان أفحش الظلم کان أولى أصناف الظلم بالترک و الاجتناب.

العشرون: نبّهه على أنّ الرفق فی بعض المواضع کالخرق
فی کونه مخلّا بالمصلحه غالبا و مفوّتا للغرض فکان استعمال الخرق فی ذلک الموضع کاستعمال الرفق فی استلزامه للمصلحه و حصول الغرض غالبا فکان أولى من الرفق فی ذلک الموضع.
و لفظا الخرق الأوّل و الرفق الثانی مستعاران للرفق الأوّل و الخرق الثانی لما ذکرناه من المشابهه، و إلى هذا المعنى أشار أبو الطیّب: و وضع الندى فی موضوع السیف بالعلى مضرّ کوضع السیف فی موضع الندى

الحادی و العشرون: نبّهه على أنّ بعض ما فیه مصلحه ظاهره قد یشتمل على مفسده
بقوله: ربّما کان الدواء داء، و على أنّ بعض ما هو مفسده فی الظاهر قد یستلزم مصلحه بقوله: و الداء دواء. و لفظا الدواء مستعاران للمصلحه، و لفظا الداء للمفسده، و وجه الاستعارتین أنّ المصلحه من شأنها نظام حال الإنسان، و من شأن المفسده فساده کالدواء و الداء، و إلى هذا المعنى أشار المتنبّىّ: فربّما صحّت الأجساد بالعلل.

الثانی و العشرون: نبّه على أنّه لا ینبغی أن یعرض عن مشوره أحد علیه بأمر هو مظنّه مصلحه
و إن کان من شأنه أنّه غیر ناصح له بل ینظر فی رأیه و شوره فربّما کان نصیحه، و کذلک لا ینبغی أن یرکن إلى قول من یعتقده ناصحا. إذ من الجائز أن یغشّه.

الثالث و العشرون: نهاه عن الاتّکال على المنى
و نفّره عنها بضمیر صغراه قوله: إنّها بضائع النوکى [الموتى خ‏]، و استعار لفظ البضائع لها باعتبار أنّ الأحمق یحصل منها لذّه خیالیّه من الأمور المتمنّاه و هى فرعها کما یحصل عن البضاعه الربح. و أضافها إلى النوکى لعدم الفائده فی المنى کعدم الربح عن بضائع النوکى.

الرابع و العشرون: رسّم العقل بأنّه حفظ التجارب.
و الإشاره إلى العقل العملىّ و هو القوّه الّتی للنفس بحسب حاجتها إلى تدبیر بدنها الموضوع لتصرّفاتها و تکمیله، و هی الّتی بها تستنبط الآراء المصلحیّه ممّا یجب أن یفعل من الامور. إذ کان الشروع فی العمل الاختیارى المختصّ بالإنسان إنّما یتأتّى بإدراک ما ینبغی أن یعمل فی کلّ باب و هو إدراک رأى کلّىّ أو جزئىّ یستنبط من مقدّمات بعضها جزئیّه محسوسه و بعضها کلّیّه أوّلیّه أو تجربیّه أو ذایعه أو ظنّیه یحکم بها العقل النظریّ من غیر أن یختصّ بجزئىّ دون غیره، و العقل العملیّ یستعین بالنظریّ فى ذلک ثمّ ینتقل منه باستعمال مقدّمات جزئیّه إلى أن ینتقل إلى الرأى الجزئیّ الحاصل فیعمل بحسبه و یحصل بعمله مقاصده فی معاشه و معاده. و إرادته لهذا العقل أظهر لأنّه المتعارف و لأنّه فى معرض الأمر بتحصیل مکارم الأخلاق الّتی هى کمال هذه القوّه. و حفظ التجارب إشاره إلى ضبط هذه العلوم المنتزعه عن مشاهدات متکرّره منّا لأمور جزئیّه تتکرّر فیفید حکما کلّیّا ککون السقمونیا مثلا من شأنها الإسهال. و عرّف العقل بذلک لکونه من خواصّه و کمالاته.

الخامس و العشرون: نبّهه على أنّه ینبغی أن یقتصر من التجارب على ما وعظه
أى من شأنه أن یفید موعظه و اعتبارا کالنظر فی حال من تکرّر ظلمه فأسرعت عقوبه اللّه إلیه، أو تکرّر کذبه فأدرکه المقت بضمیر صغراه ما ذکر، و تقدیرها: ما وعظک فهو خیر التجارب، و تقدیر الکبرى: و خیر التجارب أولى بک. ینتج فما وعظک من التجارب أولى بک، و نحوه قول أفلاطون: إذا لم تعظک التجربه لم تجرّب بل أنت ساذج کما کنت.

السادس و العشرون: أمره بانتهاز الفرصه
فیما ینبغی أن یفعل، و نفّره عن ترکها بما یستلزمه من الأسف المغصّ، و أطلق اسم الغصّه على الفرصه مجازا تسمیه للشی‏ء باسم ما یؤول إلیه.

السابع و العشرون: نبّه على ما ینبغی من ترک الأسف على ما یفوت من المطالب
بضمیر صغراه ما فی قوّه هذا السلب من الایجاب، و تقدیره: بعض الطالبین‏ لا یصیب مطلوبه، و تقدیر الکبرى: و کلّ من لا یصیب مطلوبه فلا ینبغی أن یأسف على فواته. لیقدّر السامع نفسه أنّه من ذلک البعض فلا یأسف على فائت، و کذلک قوله: و لا کلّ غائب یئوب.

الثامن و العشرون: نبّه على لزوم التقوى
بضمیر تقدیر صغراه: إضاعه الزاد و مفسده المعاد من الفساد، و تقدیر الکبرى: و کلّ ما کان من الفساد وجب ترکه.
و لفظ الزاد مستعار للتقوى کما سبق.

التاسع و العشرون: نبّه على وجوب النظر فی عواقب الامور و اختیار أحسنها
بضمیر ذکر ما هو فی قوّه صغراه، و تقدیرها: کلّ أمر له عاقبه نافعه أو ضارّه، و تقدیر کبراه: و کلّ ما له عاقبه کذلک فینبغى أن یلمح لیفعل ما یوصل إلیها أو یجتنب.

الثلاثون: نبّه على وجوب ترک الحرص و کدّ النفس فی طلب المال و نحوه
بضمیر ذکر صغراه، و تقدیر کبراه: و کلّ ما سوف یأتیک فینبغی أن لا تحرص فی طلبه.

الحادی و الثلاثون: نبّه على وجوب الاحتراز فی المعاملات کالبیع و الشراء و نحوه
بضمیر صغراه ما ذکر، و وجه کون التاجر مخاطرا أنّه لمّا کان محبّا للمال و متوجّها إلى اکتسابه کان حال البیع فی مظنّه أن یحیف فیأخذ راجحا و یعطى ناقصا مع أنّ تکلیفه لزوم العدل و الاستقامه على سواء الصراط فلا جرم کان على خطر من وقوعه فی طرف التفریط و التقصیر من سواء السبیل، و تقدیر الکبرى: و المخاطر یجب أن یحترز فی فعله المخاطر فیه.

الثانی و الثلاثون
لمّا نبه على وجوب الاحتراز فی التجاره و التحفّظ من الظلم و کان ذلک الظلم إنّما هو لغرض کثره المال نبّه فی هذه الکلمه على أنّ من المال الیسیر ما هو أنمى من الکبیر لیقتصر علیه، و أراد بالیسیر الحلال فإنّه أغنى للعاقل من الکثیر الحرام فی الآخره لاستلزامه زیاده الثواب، و هی فی قوّه صغرى ضمیر تقدیره: الیسیر الحلال أغنى من الکثیر الحرام و تقدیر الکبرى: و کلّ ما کان أغنى من الکثیر الحرام فیجب أن یقتصر علیه.

الثالث و الثلاثون: نبّه على ترک الاستعانه فی المهمّات بالمهین
من الناس بضمیر تقدیر الکبرى: و کلّ من کان کذلک فالأولى اجتناب الاستعانه به، و الخیر المنفى عنه هو النافى فی الاستعانه به، و معلوم أنّه منتف عنه لما أنّ مهاتنه تضادّ النهوض فی مهمّات الامور و علیاتها، و لأنّ ذلّته یستلزم قهره و ضعفه عن المقاومه، و نحوه قولهم: إذا تکفّیت بغیر کاف وجدته للهمّ غیر شاف.

الرابع و الثلاثون: نبّه على مجانبه الصدیق المتّهم
بضمیر تقدیر صغراه کالّتی قبلها، و أراد أنّه لا خیر فیه لصدیقه. إذ کان من جهه الباطن مظنّه الشرّ له.

الخامس و الثلاثون: أمره أن یصبر على ما یقتضیه الدهر
و لا یتسخّط من ذلک و إن کان دون رضاه. إذ کان ذلک هو المتمکّن فی الطبیعه، و ما بمعنى المدّه، و استعار لفظ القعود للزمان الّذی تیسّر فیه رزقه و تسهل فیه بعض مهمّاته، و وجه المشابهه أنّ ذلک الزمان یمکّنه من بعض مهمّاته و حوائجه. و طلب ما لا یمکن فیه و ما لم یعدّ لحصوله من المطالب ربّما یستلزم تغیّره و امتناع ما کان ممکنا فیه کما أنّ القعود من شأنه أن یمکّن من ظهره و اقتعاده و هو بمعرض أن ینفرّ براکبه إذ استزاده و شدّ علیه، و لفظ الذلّه مستعار لسکون الزمان و إمکان المطلوب فیه، و أراد بمساهلته الجریان معه بقدر مقتضاه من دون تشدّد و تسخّط علیه فإنّ ذلک یستلزم تعب النفس‏ إذ الدهر أعطاک العنان فسر به رویدا و لا تعنف فیصبح شامسا

السادس و الثلاثون: نهاه أن یخاطر بما یملکه رجاء أکثر منه.
إذ کان فی مظنّه أن لا یعود فیوشک أن یضیع الأصل، و یحمل ذلک على کون الإنسان یلقى ما فی یده للغرض المذکور مع شکّه فی سلامته أمّا مع ظنّ السلامه فلا خطر. و نحوه قولهم: من طلب الفضل حرم الأصل.

السابع و الثلاثون: حذّره من اللجاج فی طلب الأمر عند تعسّره، و نفّره عنه
بأن استعار له لفظ المطیّه الجموح، و وجه المشابهه کونه یؤدّی بصاحبه إلى غایه لیست بمجهوده [بمحموده خ‏] کالجموح من المطایا.

الثامن و الثلاثون: أمره أن یلزم نفسه و یحملها فی حقّ صدیقه
الحقّ على أن یقابله و یجازیه برذائله فضائل کالقطیعه بالصله، و سایر ما ذکر لیعود إلى العتبى و تدوم المودّه، و حذّره أن یضع ذلک فی غیر موضعه أو یفعله بغیر أهله من اللئام لأنّ ذلک وضع الشی‏ء فی غیر موضعه و هو خروج عن العقل، و قد علمت أنّ الأمور المذکوره من لوازم الصداقه الحقّه. و إلى نحوه أشار الشاعر بقوله:
و إنّ الّذی بینى و بین بنی أبی و بین بنى امّی لمختلف جدّا
فإن أکلوا لحمى و فرت لحومهم‏
و إن هدموا مجدى بنیت لهم مجدا
و إن زجروا طیرا بنحس تمرّ بى زجرت لهم طیرا یمرّ بهم سعدا
و لا أحمل الحقد القدیم علیهم‏
و لیس رئیس القوم من یحمل الحقدا

التاسع و الثلاثون: نهاه أن یتّخذ عدوّ صدیقه صدیقا،
و نبّه على قبح ذلک بضمیر استثنائى تقدیره: فإنّک إن فعلت ذلک عادیت صدیقک، و یستدلّ فیه بقبح اللازم على قبح ملزومه: أی لکن معاداه الصدیق قبیحه منهىّ عنها فاتّخاذ عدوّه صدیقا کذلک، و وجه الملازمه أنّ مصادقه عدوّ الصدیق یستلزم نفره الصدیق عمّن یصادق عدوّه لنفرته عن عدوّه و توهّمه مشارکه العدوّ و موافقته فی جمیع أحواله و من جمله أحواله عداوته فهى إذن توهمه الموافقه على عداوته فیوجب له النفره و المجانبه، و إلیه أشار بذکر القائل:
تودّ عدوّی ثمّ تزعم أنّنى صدیقک إنّ الرأى عنک لعازب‏

الأربعون: أن یخلّص نصیحته لأخیه فی جمیع أحواله سواء کانت النصیحه حسنه أو قبیحه
أى مستقبحه فی نظر المنصوح ضارّه له فی العاجل باعتبار استحیائه و انفعاله من المواجهه بها. و نحوه قوله تعالى وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَیِّئَهٌ بِما قَدَّمَتْ أَیْدِیهِمْ«» فعدّها بالنسبه إلیهم سیّئه.
الحادی و الأربعون: أمره بفضیله کظم الغیظ،
و قد رسمت بأنّها الإمساک‏ عن المبادره إلى قضاء وطر الغضب فیمن یجنى علیه جنایه یصل مکروها إلیه. و قد یرادفه الحلم و الکرم و الصفح و التثبّت و العفو و التجاوز و الاحتمال، و ربّما فرّق بعضهم بین هذه المفهومات، و استعار وصف التجرّع للتصبّر على مضض الألم الموجود منه ملاحظه لما یشرب من دواء مرّ، ثمّ نبّه على فضیلته بضمیر صغراه قوله: فإنّی لم أر. إلى قوله: مغبّه، و استعار لفظ الحلاوه لما یستلزمه من العاقبه الحسنه، و وجه المشابهه ما یستلزمانه من اللذّه. و الضمیر فی قوله: منها یعود إلى ما دلّ علیه قوله: تجرّع من المصدر، و تقدیر الکبرى: و کلّ ما لا یرى من المتجرّع أحلى منه فینبغی أن یتجرّع. و عن زین العابدین علیه السّلام وصیّه لابنه الباقر علیه السّلام یا بنیّ علیک بتجرّع الغیظ من الرجال فإنّ أباک لا تسرّه بنصیبه من تجرّع الغیظ من الرجال حمر النعم.

الثانی و الأربعون: أمره أن یلین لمن غالظه
و خاشنه، و نبّه على حسن ذلک بضمیر صغراه قوله: فإنّه یوشک أن یلین لک: أی بسبب لینک له حال غلظته: و تقدیر کبراه: و کلّ من قارب أن یلین لک بسبب لینک له فالأولى بک أن تلین له، و نحوه قولهم: إذا عز أخوک فمن واصله و قوله تعالى ادْفَعْ بِالَّتِی هِیَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِی بَیْنَکَ وَ بَیْنَهُ عَداوَهٌ کَأَنَّهُ وَلِیٌّ حَمِیمٌ«».

الثالث و الأربعون: أمره أن یأخذ على عدوّه بالفضل
من عوارفه. و نبّهه على أحسنه باستلزامه لأحد الظفرین فإنّ للظفر سببین: أحدهما: الرهبه بالقوّه و الغلبه و هو الأظهر. الثانی: الرغبه بالإفضال علیه بحیث یسترق به و یدخل فی الطاعه بسببه. و قوله: فإنّه أحد الظفرین. صغرى ضمیر، و تقدیر الکبرى: و کلّ ما صدق علیه أنّه أحد الظفرین فینبغی أن یفعل.

الرابع و الأربعون: أمره إن أراد مقاطعه أخیه أن یبقى له من نفسه بقیّه
من صداقته و لا یفارقه مفارقه کلّیّه، و نبّه على ذلک بضمیر أشار إلى صغراه بقوله: یرجع إلیها: أی فإنّه یرجع إلیها لو بدا له الرجوع، و تقدیر الکبرى: و کلّ ما یرجع به فواجب أن یبقیه له، و نحوه قولهم: أحبب حبیبک هونا ما عسى أن یکون بغیضک یوما ما، و أبغض بغیضک هونا ما عسى أن یکون حبیبک یوما ما، و قولهم: إذا هویت فلا تکن غالیا، و إذا ترکت فلا تکن قالیا.

الخامس و الأربعون: أن یصدّق من ظنّ به خیرا فی ظنّه
و ذلک التصدیق بفعل ما ظنّه فیه من الخیر کأن یظنّ به الجود فیفضل علیه.

السادس و الأربعون: نهى أن یفعل بأهله شرّا.
و نفّره بضمیر تقدیر صغراه: فإنّ أهلک حینئذ یکونون أسعى الخلق بک، و ذلک لملازمته لهم و قربه منهم، و تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فهو مذموم.

السابع و الأربعون: أن لا یضیع حقّ أخ له اعتمادا على ما بینهما من الاخوّه
و نبّه على ذلک بضمیر صغراه قوله: فإنّه. إلى قوله: حقّه، و المعنى أنّ من أضعت حقّه لابدّ أن یفارقک لتضییعک حقّه فلا یکون أخا لک: و تقدیر کبراه: و کلّ أخ یفارقک لتضییع حقّه فلا ینبغی أن تضیّع حقّه لتسلم تلک لک مودّته و اخوّته، و نحوه قولهم: إضاعه الحقوق داعیه العقوق.

الثامن و الأربعون: نهاه عن الرغبه فیمن زهد فیه
و أراد بمن زهد فیه من لیس للصنیعه موضعا، و لا للمودّه أهلا. و لیس بأخ قدیم و إلّا لناقض ما قبله و ما بعده من الأمر بصله من قطعه و الدنوّ ممّن تباعد عنه و الإحسان إلى من أساء إلیه.

التاسع و الأربعون: و لا یکوننّ أخوک أقوى على قطیعتک منک على صلته.
إلى قوله: الإحسان. و أشار إلى وجوب ذلک بالتنفیر عن نقیضه بضمیر صغراه شرطیّه متّصله تقدیرها فإنّک إن لا تفعل ذلک لکان أخوک أقوى على فعل الإساءه منک إلى فعل الإحسان، و بیان الملازمه أنّ الإساءه و الشرّ له صوارف کثیره تصرف عنه، و الإحسان و فعل الخیر له بواعث کثیره یبعث علیه فإذا لم تفعل الإحسان مع کثره البواعث علیه و أساء أخوک مع کثره صوارفه عن الإساءه کان هو أقوى على الإساءه منک على الإحسان، و تقدیر کبراه: و کلّ من کان کذلک فهو عاجز مذموم.

الخمسون: نهاه عن استعظام ظلم الظالمین فی حقّه
و هونه عنده بضمیر صغراه قوله: فإنّه یسعى فی مضرّته و نفعک أی أنّ سعیه فی ظلمه یستلزم مضرّته فی الآخره بما توعّد اللّه به الظالمین و نفعک بما وعد اللّه به الصابرین على بلائهم، و تقدیر الکبرى: و کلّ من سعى فی مضرّته و نفعک فلا ینبغی أن یکبر علیک صنیعه فی حقّک.

الحادی و الخمسون: نبّهه على وجوب مقابله الإحسان بمثله دون الکفران
بقوله: لیس جزاء من سرّک أن تسوءه: و هو فی قوّه صغرى ضمیر تقدیرها: من سرّک فلیس جزاؤه أن تسوءه، و تقدیر کبراه: و کلّ من لم یکن جزاؤه ذلک فینبغی أن لا تسوءه، و قیل: إنّ هذه الکلمه من تمام الّتی قبلها، و التقدیر لا یکبرنّ علیک ظلم من ظلمک فتقابله بسوء فإنّه یسعى فی مضرّته و نفعک و کلّ من کان کذلک فلیس جزاؤه أن تقابله بالإساءه.

 

الفصل العاشر:

قوله: وَ اعْلَمْ یَا بُنَیَّ أَنَّ الرِّزْقَ رِزْقَانِ- رِزْقٌ تَطْلُبُهُ وَ رِزْقٌ یَطْلُبُکَ- فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاکَ- مَا أَقْبَحَ الْخُضُوعَ عِنْدَ الْحَاجَهِ- وَ الْجَفَاءَ عِنْدَ الْغِنَى- إِنَّمَا لَکَ مِنْ دُنْیَاکَ مَا أَصْلَحْتَ بِهِ مَثْوَاکَ- وَ إِنْ کُنْتَ جَازِعاً عَلَى مَا تَفَلَّتَ مِنْ یَدَیْکَ- فَاجْزَعْ عَلَى کُلِّ مَا لَمْ یَصِلْ إِلَیْکَ- اسْتَدِلَّ عَلَى مَا لَمْ یَکُنْ بِمَا قَدْ کَانَ- فَإِنَّ الْأُمُورَ أَشْبَاهٌ- وَ لَا تَکُونَنَّ مِمَّنْ لَا تَنْفَعُهُ الْعِظَهُ إِلَّا إِذَا بَالَغْتَ فِی إِیلَامِهِ- فَإِنَّ الْعَاقِلَ یَتَّعِظُ بِالْآدَابِ- وَ الْبَهَائِمَ لَا تَتَّعِظُ إِلَّا بِالضَّرْبِ- . اطْرَحْ عَنْکَ‏ وَارِدَاتِ الْهُمُومِ بِعَزَائِمِ الصَّبْرِ- وَ حُسْنِ الْیَقِینِ- مَنْ تَرَکَ الْقَصْدَ جَارَ- وَ الصَّاحِبُ مُنَاسِبٌ- وَ الصَّدِیقُ مَنْ صَدَقَ غَیْبُهُ- وَ الْهَوَى شَرِیکُ الْعَنَاءِ- وَ رُبَّ بَعِیدٍ أَقْرَبُ مِنْ قَرِیبٍ- وَ قَرِیبٍ أَبْعَدُ مِنْ بَعِیدٍ- وَ الْغَرِیبُ مَنْ لَمْ یَکُنْ لَهُ حَبِیبٌ- مَنْ تَعَدَّى الْحَقَّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ- وَ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِهِ کَانَ أَبْقَى لَهُ- وَ أَوْثَقُ سَبَبٍ أَخَذْتَ بِهِ- سَبَبٌ بَیْنَکَ وَ بَیْنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ- وَ مَنْ لَمْ یُبَالِکَ فَهُوَ عَدُوُّکَ- قَدْ یَکُونُ الْیَأْسُ إِدْرَاکاً إِذَا کَانَ الطَّمَعُ هَلَاکاً- لَیْسَ کُلُّ عَوْرَهٍ تَظْهَرُ وَ لَا کُلُّ فُرْصَهٍ تُصَابُ- وَ رُبَّمَا أَخْطَأَ الْبَصِیرُ قَصْدَهُ وَ أَصَابَ الْأَعْمَى رُشْدَهُ- أَخِّرِ الشَّرَّ فَإِنَّکَ إِذَا شِئْتَ تَعَجَّلْتَهُ- وَ قَطِیعَهُ الْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَهَ الْعَاقِلِ- مَنْ أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ وَ مَنْ أَعْظَمَهُ أَهَانَهُ- لَیْسَ کُلُّ مَنْ رَمَى أَصَابَ- إِذَا تَغَیَّرَ السُّلْطَانُ تَغَیَّرَ الزَّمَانُ- سَلْ عَنِ الرَّفِیقِ قَبْلَ الطَّرِیقِ- وَ عَنِ الْجَارِ قَبْلَ الدَّارِ إِیَّاکَ أَنْ تَذْکُرَ مِنَ الْکَلَامِ مَا یَکُونُ مُضْحِکاً- وَ إِنْ حَکَیْتَ ذَلِکَ عَنْ غَیْرِکَ- وَ إِیَّاکَ وَ مُشَاوَرَهَ النِّسَاءِ- فَإِنَّ رَأْیَهُنَّ إِلَى أَفْنٍ وَ عَزْمَهُنَّ إِلَى وَهْنٍ- وَ اکْفُفْ عَلَیْهِنَّ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ بِحِجَابِکَ إِیَّاهُنَّ- فَإِنَّ شِدَّهَ الْحِجَابِ أَبْقَى عَلَیْهِنَّ- وَ لَیْسَ خُرُوجُهُنَّ بِأَشَدَّ- مِنْ إِدْخَالِکَ مَنْ لَا یُوثَقُ بِهِ عَلَیْهِنَّ- وَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا یَعْرِفْنَ غَیْرَکَ فَافْعَلْ- وَ لَا تُمَلِّکِ الْمَرْأَهَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا- فَإِنَّ الْمَرْأَهَ رَیْحَانَهٌ وَ لَیْسَتْ بِقَهْرَمَانَهٍ- وَ لَا تَعْدُ بِکَرَامَتِهَا نَفْسَهَا وَ لَا تُطْمِعْهَا فِی أَنْ تَشْفَعَ لِغَیْرِهَا- وَ إِیَّاکَ وَ التَّغَایُرَ فِی غَیْرِ مَوْضِعِ غَیْرَهٍ- فَإِنَّ ذَلِکَ یَدْعُو الصَّحِیحَهَ إِلَى السَّقَمِ- وَ الْبَرِیئَهَ إِلَى الرِّیَبِ- وَ اجْعَلْ لِکُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ خَدَمِکَ عَمَلًا تَأْخُذُهُ بِهِ- فَإِنَّهُ أَحْرَى أَلَّا یَتَوَاکَلُوا فِی خِدْمَتِکَ- وَ أَکْرِمْ عَشِیرَتَکَ- فَإِنَّهُمْ جَنَاحُکَ الَّذِی بِهِ تَطِیرُ- وَ أَصْلُکَ الَّذِی إِلَیْهِ تَصِیرُ وَ یَدُکَ الَّتِی بِهَا تَصُولُ اسْتَوْدِعِ اللَّهَ دِینَکَ وَ دُنْیَاکَ- وَ اسْأَلْهُ خَیْرَ الْقَضَاءِ لَکَ فِی الْعَاجِلَهِ وَ الْآجِلَهِ- وَ الدُّنْیَا وَ الْآخِرَهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ

اللغه

أقول: المثوى: المقام. و تفلّت: تخلّص. و عزائم الصبر: ما جزمت به منه و لزمته. و العوره هنا: الاسم من أعور الصید إذا أمکنک من نفسه، و أعور الفارس: إذا بدا منه موضع خلل الضرب. و الأفن: الضعف. و القهرمانه: فارسی معرّب.
و فی الفصل تنبیهات على لطائف من الحکمه و مکارم الأخلاق:
الاولى: أنّه قسّم مطلق الرزق إلى قسمین مطلوب و طالب،