خطبه ۲۲۳ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)( اول)

الجزء الثانی عشر

تتمه باب الخطب و الأوامر

بسم الله الرحمن الرحیم الحمد لله الواحد العدل

۲۲۳ و من کلام له ع

لِلَّهِ بِلَادُ فُلَانٍ فَلَقَدْ قَوَّمَ الْأَوَدَ وَ دَاوَى الْعَمَدَ- وَ أَقَامَ السُّنَّهَ وَ خَلَّفَ الْفِتْنَهَ- ذَهَبَ نَقِیُّ الثَّوْبِ قَلِیلَ الْعَیْبِ- أَصَابَ خَیْرَهَا وَ سَبَقَ شَرَّهَا- . أَدَّى إِلَى اللَّهِ طَاعَتَهُ وَ اتَّقَاهُ بِحَقِّهِ- رَحَلَ وَ تَرَکَهُمْ فِی طُرُقِ مُتَشَعِّبَهٍ- لَا یَهْتَدِی بِهَا الضَّالُّ وَ لَا یَسْتَیْقِنُ الْمُهْتَدِی العرب تقول لله بلاد فلان- و لله در فلان و لله نادی فلان- و لله نائح فلان- و المراد بالأول لله البلاد التی أنشأته و أنبتته- و بالثانی لله الثدی الذی أرضعه- و بالثالث لله المجلس الذی ربی فیه- و بالرابع لله النائحه التی تنوح علیه و تندبه- ما ذا تعهد من محاسنه- .

و یروى لله بلاء فلان أی لله ما صنع- و فلان المکنى عنه عمر بن الخطاب- و قد وجدت النسخه التی بخط الرضی أبی الحسن- جامع نهج البلاغه- و تحت فلان عمر-حدثنی بذلک فخار بن معد الموسوی الأودی الشاعر- و سألت عنه النقیب أبا جعفر یحیى بن أبی زید العلوی- فقال لی هو عمر- فقلت له أ یثنی علیه أمیر المؤمنین ع هذا الثناء- فقال نعم- أما الإمامیه فیقولون إن ذلک من التقیه- و استصلاح أصحابه- و أما الصالحیون من الزیدیه فیقولون- إنه أثنى علیه حق الثناء- و لم یضع المدح إلا فی موضعه و نصابه- و أما الجارودیه من الزیدیه فیقولون- إنه کلام قاله فی أمر عثمان أخرجه مخرج الذم له- و التنقص لأعماله- کما یمدح الآن الأمیر المیت فی أیام الأمیر الحی بعده- فیکون ذلک تعریضا به- .

فقلت له إلا أنه لا یجوز التعریض- و الاستزاده للحاضر بمدح الماضی- إلا إذا کان ذلک المدح صدقا- لا یخالطه ریب و لا شبهه- فإذا اعترف أمیر المؤمنین بأنه أقام السنه- و ذهب نقی الثوب قلیل العیب- و أنه أدى إلى الله طاعته و اتقاه بحقه- فهذا غایه ما یکون من المدح- و فیه إبطال قول من طعن على عثمان بن عفان- . فلم یجبنی بشی‏ء و قال هو ما قلت لک- .

فأما الراوندی فإنه قال فی الشرح- إنه ع مدح بعض أصحابه بحسن السیره- و إن الفتنه هی التی وقعت بعد رسول الله ص- من الاختیار و الأثره- . و هذا بعید لأن لفظ أمیر المؤمنین یشعر إشعارا ظاهرا- بأنه یمدح والیا ذا رعیه و سیره- أ لا تراه کیف یقول- فلقد قوم الأود و داوى العمد- و أقام السنه و خلف الفتنه- و کیف یقول أصاب خیرها و سبق شرها- و کیف یقول أدى إلى الله طاعته- و کیف یقول رحل و ترکهم فی طرق متشعبه- .

و هذا الضمیر و هو الهاء و المیم فی قوله ع و ترکهم- هل یصح أن یعود إلا إلى الرعایا- و هل یسوغ أن یقال هذا الکلام لسوقه من عرض الناس- و کل من مات قبل وفاه النبی ص کان سوقه لا سلطان له- فلا یصح أن یحمل هذا الکلام- على إراده أحد من الذین قتلوا- أو ماتوا قبل وفاه النبی ص- کعثمان بن مظعون أو مصعب بن عمیر- أو حمزه بن عبد المطلب أو عبیده بن الحارث- و غیرهم من الناس- و التأویلات البارده الغثه لا تعجبنی- على أن أبا جعفر محمد بن جریر الطبری قد صرح أو کاد یصرح- بأن المعنی بهذا الکلام عمر- قال الطبری لما مات عمر بکته النساء- فقالت إحدى نوادبه وا حزناه على عمر- حزنا انتشر حتى ملأ البشر- و قالت ابنه أبی حثمه وا عمراه أقام الأود و أبرأ العمد- و أمات الفتن و أحیا السنن- خرج نقی الثوب بریئا من العیب- .

قال الطبری فروى صالح بن کیسان عن المغیره بن شعبه قال لما دفن عمر أتیت علیا ع- و أنا أحب أن أسمع منه فی عمر شیئا- فخرج ینفض رأسه و لحیته و قد اغتسل- و هو ملتحف بثوب لا یشک أن الأمر یصیر إلیه- فقال رحم الله ابن الخطاب لقد صدقت ابنه أبی حثمه- ذهب بخیرها و نجا من شرها- أما و الله ما قالت و لکن قولت – . و هذا کما ترى یقوی الظن- أن المراد و المعنی بالکلام إنما هو عمر بن الخطاب- .

قوله فلقد قوم الأود أی العوج- أود الشی‏ء بالکسر یأود أودا أی أعوج- و تأود العود یتأود- . و العمد انفضاخ سنام البعیر- و منه یقال للعاشق عمید القلب و معموده- . قوله أصاب خیرها أی خیر الولایه- و جاء بضمیرها و لم یجر ذکرها- لعاده العرب فی أمثال ذلک- کقوله تعالى حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ- . و سبق شرها أی مات أو قتل قبل الأحداث- و الاختلاط الذی جرى بین المسلمین- . قوله و اتقاه بحقه أی بأداء حقه و القیام به- . فإن قلت و أی معنى فی قوله و اتقاه بأداء حقه- و هل یتقى الإنسان الله بأداء الحق- إنما قد تکون التقوى عله فی أداء الحق- فأما أن یتقی بأدائه فهو غیر معقول- . قلت أراد ع أنه اتقى الله- و دلنا على أنه اتقى الله بأدائه حقه- فأداء الحق عله فی علمنا بأنه قد اتقى الله سبحانه- .

ثم ذکر أنه رحل و ترک الناس فی طرق متشعبه متفرقه- فالضال لا یهتدی فیها- و المهتدی لا یعلم أنه على المنهج القویم- و هذه الصفات إذا تأملها المنصف- و أماط عن نفسه الهوى- علم أن أمیر المؤمنین ع لم یعن بها إلا عمر- لو لم یکن قد روی لنا توقیفا و نقلا أن المعنی بها عمر- فکیف و قد رویناه عمن لا یتهم فی هذا الباب نکت من کلام عمر و سیرته و أخلاقه و نحن نذکر فی هذا الموضع- نکتا من کلام عمر و سیرته و أخلاقه- .

أتی عمر بمال فقال له عبد الرحمن بن عوف- یا أمیر المؤمنین لو حبست من هذا المال فی بیت المال- لنائبه تکون أو أمر یحدث- فقال کلمه ما عرض بها إلا شیطان- کفانی حجتها و وقانی فتنتها- أعصی الله العام مخافه قابل أعد لهم تقوى الله- قال الله سبحانه- وَ مَنْ یَتَّقِ اللَّهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً- وَ یَرْزُقْهُ مِنْ حَیْثُ لا یَحْتَسِبُ- . استکتب أبو موسى الأشعری نصرانیا- فکتب إلیه عمر اعزله و استعمل بدله حنیفیا- فکتب له أبو موسى- إن من غنائه و خیره و خبرته کیت و کیت- فکتب له عمر لیس لنا أن نأتمنهم و قد خونهم الله- و لا أن نرفعهم و قد وضعهم الله- و لا أن نستنصحهم فی الدین و قد وترهم الإسلام- و لا أن نعزهم- و قد أمرنا بأن یعطوا الجزیه عن ید و هم صاغرون- . فکتب أبو موسى أن البلد لا یصلح إلا به- فکتب إلیه عمر مات النصرانی و السلام- .

و کتب إلى معاویه إیاک و الاحتجاب دون الناس- و ائذن للضعیف و أدنه حتى ینبسط لسانه و یجترئ قلبه- و تعهد الغریب فإنه إذا طال حبسه و دام إذنه- ضعف قلبه و ترک حقه عزل عمر زیادا عن کتابه أبی موسى الأشعری- فی بعض قدماته علیه- فقال له عن عجز أم عن خیانه- فقال لا عن واحده منهما- و لکنی أکره أن أحمل على العامه فضل عقلک- .

و قال إنی و الله لا أدع حقا لله لشکایه تظهر- و لا لضب یحتمل و لا محاباه لبشر- و إنک و الله ما عاقبت من عصى الله فیک- بمثل أن تطیع الله فیه- . و کتب إلى سعد بن أبی وقاص- یا سعد سعد بنی أهیب- إن الله إذا أحب عبدا حببه إلى خلقه- فاعتبر منزلتک من الله بمنزلتک من الناس- و اعلم أن ما لک عند الله مثل ما لله عندک- . و سأل رجلا عن شی‏ء فقال الله أعلم- فقال قد شقینا إن کنا لا نعلم أن الله أعلم- إذا سئل أحدکم عما لا یعلم فلیقل لا أدری- .

و قال عبد الملک على المنبر- أنصفونا یا معشر الرعیه- تریدون منا سیره أبی بکر و عمر- و لم تسیروا فی أنفسکم و لا فینا سیره أبی بکر و عمر- نسأل الله أن یعین کلا على کل- . و دخل عمر على ابنه عبد الله- فوجد عنده لحما عبیطا معلقا- فقال ما هذا اللحم قال اشتهیت فاشتریت- فقال أ و کلما اشتهیت شیئا أکلته- کفى بالمرء سرفا أن أکل کل ما اشتهاه- . مر عمر على مزبله فتأذى بریحها أصحابه- فقال هذه دنیاکم التی تحرصون علیها- .

و من کلامه للأحنف- یا أحنف من کثر ضحکه قلت هیبته- و من مزح استخف به- و من أکثر من شی‏ء عرف به- و من کثر کلامه کثر سقطه- و من کثر سقطه قل حیاؤه- و من قل حیاؤه قل ورعه و من قل ورعه مات قلبه- . و قال لابنه عبد الله یا بنی اتق الله یقک- و أقرض الله یجزک و اشکره یزدک- و اعلم أنه لا مال لمن لا رفق له- و لا جدید لمن لا خلق له و لا عمل لمن لا نیه له- . و خطب یوم استخلف- فقال أیها الناس- إنه لیس فیکم أحد أقوى عندی من الضعیف- حتى آخذ الحق له- و لا أضعف من القوی حتى آخذ الحق منه- .

و قال لابن عباس یا عبد الله- أنتم أهل رسول الله و آله و بنو عمه- فما تقول منع قومکم منکم- قال لا أدری علتها و الله ما أضمرنا لهم إلا خیرا- قال اللهم غفرا- إن قومکم کرهوا أن یجتمع لکم النبوه و الخلافه- فتذهبوا فی السماء شمخا و بذخا- و لعلکم تقولون إن أبا بکر أول من أخرکم- أما إنه لم یقصد ذلک- و لکن حضر أمر لم یکن بحضرته أحزم مما فعل- و لو لا رأی أبی بکر فی لجعل لکم من الأمر نصیبا- و لو فعل ما هنأکم مع قومکم- إنهم ینظرون إلیکم نظر الثور إلى جازره- . و کان یقول لیت شعری متى أشفى من غیظی- أ حین أقدر فیقال لی لو عفوت- أم حین أعجل فیقال لو صبرت- . و رأى أعرابیا یصلی صلاه خفیفه- فلما قضاها قال اللهم زوجنی الحور العین- فقال له لقد أسأت النقد و أعظمت الخطبه- .

و قیل له کان الناس فی الجاهلیه- یدعون على من ظلمهم فیستجاب لهم- و لسنا نرى‏ ذلک الآن- قال لأن ذلک کان الحاجز بینهم و بین الظلم- و أما الآن فالساعه موعدهم و الساعه أدهى و أمر- . و من کلامه- من عرض نفسه للتهمه فلا یلومن من أساء به الظن- و من کتم سره کانت الخیره بیده- . ضع أمر أخیک على أحسنه حتى یأتیک منه ما یغلبک- و لا تظن بکلمه خرجت من أخیک المسلم شرا- و أنت تجد لها فی الخیر محملا- أو علیک بإخوان الصدق و کیس أکیاسهم- فإنهم زینه فی الرخاء و عده عند البلاء- و لا تتهاونن بالخلق فیهینک الله- و لا تعترض بما لا یعنیک- و اعتزل عدوک و تحفظ من خلیلک إلا الأمین- فإن الأمین من الناس لا یعادله شی‏ء- و لا تصحب الفاجر فیعلمک من فجوره و لا تفش إلیه سرک- و استشر فی أمرک أهل التقوى- و کفى بک عیبا أن یبدو لک من أخیک- ما یخفى علیک من نفسک- و أن تؤذی جلیسک بما تأتی مثله- .

و قال ثلاث یصفین لک الود فی قلب أخیک- أن تبدأه بالسلام إذا لقیته- و أن تدعوه بأحب أسمائه إلیه- و أن توسع له فی المجلس- . و قال أحب أن یکون الرجل فی أهله کالصبی- و إذا أصیخ إلیه کان رجلا- . بینا عمر ذات یوم إذا رأى شابا یخطر بیدیه- فیقول أنا ابن بطحاء مکه کدیها و کداها- فناداه عمر فجاء فقال إن یکن لک دین فلک کرم- و إن یکن لک عقل فلک مروءه- و إن یکن لک مال فلک شرف- و إلا فأنت و الحمار سواء- .

و قال یا معشر المهاجرین- لا تکثروا الدخول على أهل الدنیا- و أرباب الإمره و الولایه- فإنه مسخطه للرب- و إیاکم و البطنه فإنها مکسله عن الصلاه- و مفسده للجسد مورثه للسقم- و إن الله یبغض الحبر السمین- و لکن علیکم بالقصد فی قوتکم- فإنه أدنى من الإصلاح و أبعد من السرف- و أقوى على عباده الله- و لن یهلک عبد حتى یؤثر شهوته على دینه- . و قال تعلموا أن الطمع فقر و أن الیأس غنى- و من یئس من شی‏ء استغنى عنه- و التؤده فی کل شی‏ء خیر إلا ما کان من أمر الآخره- . و قال من اتقى الله لم یشف الله غیظه- و من خاف الله لم یفعل ما یرید- و لو لا یوم القیامه لکان غیر ما ترون- . و قال إنی لأعلم أجود الناس و أحلم الناس- أجودهم من أعطى من حرمه- و أحلمهم من عفا عمن ظلمه- . و کتب إلى ساکنی الأمصار- أما بعد فعلموا أولادکم العوم و الفروسیه- رووهم ما سار من المثل و حسن من الشعر- .

و قال لا تزال العرب أعزه ما نزعت فی القوس- و نزت فی ظهور الخیل- و قال و هو یذکر النساء- أکثروا لهن من قول لا- فإن نعم مفسده تغریهن على المسأله- . و قال ما بال أحدکم یثنی الوساده عند امرأه معزبه- إن المرأه لحم على وضم إلا ما ذب عنه- .

و کتب إلى أبی موسى أما بعد- فإن للناس نفره عن سلطانهم- فأعوذ بالله أن یدرکنی و إیاک عمیاء مجهوله- و ضغائن محموله و أهواء متبعه و دنیا مؤثره- أقم الحدود و اجلس للمظالم و لو ساعه من نهار- و إذا عرض لک أمران أحدهما لله و الآخر للدنیا- فابدأ بعمل الآخره فإن الدنیا تفنى و الآخره تبقى- و کن من مال الله عز و جل على حذر- و اجف الفساق و اجعلهم یدا و یدا و رجلا و رجلا- و إذا کانت بین القبائل نائره یا لفلان یا لفلان- فإنما تلک نجوى الشیطان- فاضربهم بالسیف حتى یفیئوا إلى أمر الله- و تکون دعواهم إلى الله و إلى الإسلام- و قد بلغنی أن ضبه تدعو یا لضبه- و إنی و الله أعلم أن ضبه ما ساق الله بها خیرا قط- و لا منع بها من سوء قط- فإذا جاءک کتابی هذا فأنهکهم ضربا و عقوبه- حتى یفرقوا إن لم یفقهوا- و الصق بغیلان بن خرشه من بینهم- و عد مرضى المسلمین و اشهد جنائزهم- و افتح لهم بابک و باشر أمورهم بنفسک- فإنما أنت رجل منهم غیر إن الله قد جعلک أثقلهم حملا- و قد بلغنی أنه فشا لک و لأهل بیتک هیئه فی لباسک و مطعمک- و مرکبک لیس للمسلمین مثلها- فإیاک یا عبد الله بن قیس أن تکون بمنزله البهیمه- التی مرت بواد خصیب- فلم یکن لها همه إلا السمن- و إنما حظها من السمن لغیرها-

و اعلم أن للعامل مردا إلى الله- فإذا زاغ العامل زاغت رعیته- و إن أشقى الناس من شقیت به نفسه و رعیته و السلام و خطب عمر فقال أما بعد- فإنی أوصیکم بتقوى الله الذی یبقى و یفنى ما سواه- و الذی بطاعته ینفع أولیاءه و بمعصیته یضر أعداءه- إنه لیس لهالک هلک عذر فی تعمد ضلاله حسبها هدى- و لا ترک حق حسبه ضلاله- قد ثبتت الحجه و وضحت الطرق- و انقطع العذر و لا حجه لأحد على الله عز و جل- ألا إن أحق ما تعاهد به الراعیرعیته- أن یتعاهدهم بالذی لله تعالى علیهم فی وظائف دینهم- الذی هداهم به- و إنما علینا أن نأمرکم بالذی أمرکم الله به من طاعته- و ننهاکم عما نهاکم الله عنه من معصیته- و أن نقیم أمر الله فی قریب الناس و بعیدهم- و لا نبالى على من قال الحق- لیتعلم الجاهل و یتعظ المفرط و یقتدی المقتدی- و قد علمت أن أقواما یتمنون فی أنفسهم- و یقولون نحن نصلی مع المصلین- و نجاهد مع المجاهدین- إلا أن الإیمان لیس بالتمنی و لکنه بالحقائق- إلا من قام على الفرائض و سدد نیته و اتقى الله- فذلکم الناجی- و من زاد اجتهادا وجد عند الله مزیدا- .

و إنما المجاهدون الذین جاهدوا أهواءهم- و الجهاد اجتناب المحارم- ألا إن الأمر جد- و قد یقاتل أقوام لا یریدون إلا الذکر- و قد یقاتل أقوام لا یریدون إلا الأجر- و إن الله یرضى منکم بالیسیر- و أثابکم على الیسیر الکثیر- . الوظائف الوظائف أدوها تؤدکم إلى الجنه- و السنه السنه الزموها تنجکم من البدعه- . تعلموا و لا تعجزوا فإن من عجز تکلف- و إن شرار الأمور محدثاتها- و إن الاقتصاد فی السنه خیر من الاجتهاد فی الضلاله- فافهموا ما توعظون به- فإن الحریب من حرب دینه- و إن السعید من وعظ بغیره- .

و قال و علیکم بالسمع و الطاعه فإن الله قضى لهما بالعزه- و إیاکم و التفرق و المعصیه فإن الله قضى لهما بالذله- . أقول قولی هذا و أستغفر الله العظیم لی و لکم- . بعث سعد بن أبی وقاص أیام القادسیه إلى عمر- قباء کسرى و سیفه و منطقته-و سراویله و تاجه و قمیصه و خفیه- فنظر عمر فی وجوه القوم عنده- فکان أجسمهم و أمدهم قامه- سراقه بن مالک بن جعشم المدلجی- فقال یا سراق قم فالبس- قال سراقه طمعت فیه فقمت فلبست- فقال أدبر فأدبرت و قال أقبل فأقبلت- فقال بخ بخ أعرابی من بنی مدلج علیه قباء کسرى- و سراویله و سیفه و منطقته و تاجه و خفاه- رب یوم یا سراق لو کان فیه دون هذا- من متاع کسرى و آل کسرى- لکان شرفا لک و لقومک- انزع فنزعت- فقال اللهم إنک منعت هذا نبیک و رسولک- و کان أحب إلیک منی و أکرم- و منعته أبا بکر و کان أحب إلیک منی و أکرم- ثم أعطیتنیه- فأعوذ بک أن تکون أعطیتنیه لتمکر بی- ثم بکى حتى رحمه من کان عنده- .

و قال لعبد الرحمن بن عوف- أقسمت علیک لما بعته ثم قسمته قبل أن تمسی- فما أدرکه المساء إلا و قد بیع و قسم ثمنه على المسلمین- . جی‏ء بتاج کسرى إلى عمر فاستعظم الناس قیمته- للجواهر التی کانت علیه- فقال إن قوما أدوا هذا لأمناء- فقال علی ع إنک عففت فعفوا و لو رتعت لرتعوا- . کان عمر یعس لیلا فنزلت رفقه من التجار بالمصلى- فقال لعبد الرحمن بن عوف- هل لک أن تحرسهم اللیله من السرق- فباتا یحرسانهم و یصلیان ما کتب الله لهما- فسمع عمر بکاء صبی فأصغى نحوه- فطال بکاؤه فتوجه إلیه- فقال لأمه اتقی الله و أحسنی إلى صبیک- ثم عاد إلى مکانه فسمع بکاءه فعاد إلى أمه- فقال لها مثل ذلک ثم عاد إلى مکانه- فسمع بکاءه فأتى أمه فقال ویحک إنی لأراک أم سوء- لا أرى ابنک یقر منذ اللیله- فقالت یا عبد الله لقد آذیتنی منذ اللیله- إنی أریغه‏ على الفطام فیأبى-

قال و لم قالت لأن عمر لا یفرض لرضیع- و إنما یفرض للفطیم- قال و کم له قالت اثنا عشر شهرا- قال ویحک لا تعجلیه- فصلى الفجر و ما یستبین الناس قراءته- من غلبه البکاء علیه- فلما سلم قال یا بؤسا لعمرکم- کم قتل من أولاد المسلمین- فطلب منادیا فنادى ألا لا تعجلوا صبیانکم عن الرضاع- و لا تفطموا قبل أوان الفطام- فإنا نفرض لکل مولود فی الإسلام- . و کتب بذلک إلى سائر الآفاق- . مر عمر بشاب من الأنصار و هو ظمآن- فاستسقاه فخاض له عسلا- فرده و لم یشرب و قال إنی سمعت الله سبحانه یقول- أَذْهَبْتُمْ طَیِّباتِکُمْ فِی حَیاتِکُمُ الدُّنْیا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِها- فقال الفتى إنها و الله لیست لک- فاقرأ یا أمیر المؤمنین ما قبلها- وَ یَوْمَ یُعْرَضُ الَّذِینَ کَفَرُوا عَلَى النَّارِ- أَذْهَبْتُمْ طَیِّباتِکُمْ فِی حَیاتِکُمُ الدُّنْیا- أ فنحن منهم فشرب و قال کل الناس أفقه من عمر- .

و أوصى عمر حین طعنه أبو لؤلؤه- من یستخلفه المسلمون بعده من أهل الشورى- فقال أوصیک بتقوى الله لا شریک له- و أوصیک بالمهاجرین الأولین خیرا- أن تعرف لهم سابقتهم و أوصیک بالأنصار خیرا- أقبل من محسنهم و تجاوز عن مسیئهم- و أوصیک بأهل الأمصار خیرا- فإنهم ردء العدو و جباه الفی‏ء- لا تحمل فیئهم إلى غیرهم إلا عن فضل منهم- و أوصیک بأهل البادیه خیرا- فإنهم أصل العرب و ماده الإسلام- أن یؤخذ من حواشی أموالهم فیرد على فقرائهم- و أوصیک بأهل الذمه خیرا- أن تقاتل‏ من ورائهم و لا تکلفهم فوق طاقتهم- إذا أدوا ما علیهم للمسلمین طوعا أو عن ید و هم صاغرون- .

و أوصیک بتقوى الله- و شده الحذر منه و مخافه مقته- أن یطلع منک على ریبه- و أوصیک أن تخشى الله فی الناس- و لا تخشى الناس فی الله- و أوصیک بالعدل فی الرعیه- و التفرغ لحوائجهم و ثغورهم- و ألا تعین غنیهم على فقیرهم- فإن فی ذلک بإذن الله سلامه لقلبک- و حطا لذنوبک و خیرا فی عاقبه أمرک- و أوصیک أن تشتد فی أمر الله و فی حدوده- و الزجر عن معاصیه على قریب الناس و بعیدهم- و لا تأخذک الرأفه و الرحمه فی أحد منهم- حتى تنتهک منه مثل جرمه- و اجعل الناس عندک سواء- لا تبال على من وجب الحق- لا تأخذک فی الله لومه لائم- و إیاک و الأثره و المحاباه فیما ولاک الله- مما أفاء الله على المسلمین- فتجور و تظلم- و تحرم نفسک من ذلک ما قد وسعه الله علیک- فإنک فی منزله من منازل الدنیا- و أنت إلى الآخره جد قریب- فإن صدقت فی دنیاک عفه و عدلا فیما بسط لک- اقترفت رضوانا و إیمانا- و إن غلبک الهوى اقترفت فیه سخط الله و مقته- .

و أوصیک ألا ترخص لنفسک و لا لغیرک فی ظلم أهل الذمه- . و اعلم أنی قد أوصیتک و خصصتک و نصحت لک- أبتغی بذلک وجه الله و الدار الآخره- و دللتک على ما کنت دالا علیه نفسی- فإن عملت بالذی وعظتک و انتهیت إلى الذی أمرتک- أخذت منه نصیبا وافرا و حظا وافیا- و إن لم تقبل ذلک و لم تعمل- و لم تترک معاظم الأمور عند الذی یرضی الله به سبحانه عنک- یکن ذاک بک انتقاصا و یکن رأیک فیه مدخولا- فالأهواء مشترکه- و رأس الخطیئه إبلیس الداعی إلى کل هلکه- قد أضل القرون السالفه قبلک و أوردهم النار- و لبئس الثمن أن یکون حظ امرئ من دنیاه- موالاه عدو الله الداعی إلى معاصیه ارکب الحق و خض إلیه الغمرات- و کن واعظا لنفسک- .

و أنشدک لما ترحمت إلى جماعه المسلمین- و أجللت کبیرهم و رحمت صغیرهم- و قربت عالمهم- لا تضربهم فیذلوا و لا تستأثر علیهم بالفی‏ء فتغضبهم- و لا تحرمهم عطایاهم عند محلها فتفقرهم- و لا تجمرهم فی البعوث فتقطع نسلهم- و لا تجعل الأموال دوله بین الأغنیاء منهم- و لا تغلق بابک دونهم فیأکل قویهم ضعیفهم- . هذه وصیتی إیاک و أشهد الله علیک- و أقرأ علیک السلام و الله على کل شی‏ء شهید- . و خطب عمر فقال- لا یبلغنی أن امرأه تجاوز صداقها- صداق زوجات رسول الله ص- إلا ارتجعت ذلک منها- فقامت إلیه امرأه- فقالت و الله ما جعل الله ذلک لک إنه تعالى یقول- وَ آتَیْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَیْئاً- فقال عمر أ لا تعجبون من إمام أخطأ- و امرأه أصابت ناضلت إمامکم فنضلته- .

و کان یعس لیله فمر بدار سمع فیها صوتا- فارتاب و تسور فرأى رجلا عند امرأه و زق خمر- فقال یا عدو الله- أ ظننت أن الله یسترک و أنت على معصیته- فقال لا تعجل یا أمیر المؤمنین- إن کنت أخطأت فی واحده فقد أخطأت فی ثلاث- قال الله تعالى- وَ لا تَجَسَّسُوا و قد تجسست- و قال وَ أْتُوا الْبُیُوتَ مِنْ أَبْوابِهاو قد تسورت- و قال فَإِذا دَخَلْتُمْ بُیُوتاً فَسَلِّمُوا و ما سلمت- فقال هل عندک من خیر إن عفوت عنک- قال نعم و الله لا أعود- فقال اذهب فقد عفوت عنک- . و خطب یوما- فقال أیها الناس ما الجزع مما لا بد منه- و ما الطمع فیما لا یرجى و ما الحیله فیما سیزول- و إنما الشی‏ء من أصله- و قد مضت قبلکم الأصول و نحن فروعها- فما بقاء الفرع بعد ذهاب أصله- .

إنما الناس فی هذه الدنیا أغراض- تنتبل فیهم المنایا نصب المصائب- فی کل جرعه شرق و فی کل أکله غصص- لا تنالون نعمه إلا بفراق أخرى- و لا یستقبل معمر من عمره یوما- إلا بهدم آخر من أجله- و هم أعوان الحتوف على أنفسهم- فأین المهرب مما هو کائن- ما أصغر المصیبه الیوم مع عظم الفائده غدا- و ما أعظم خیبه الخائب و خسران الخاسر- یَوْمَ لا یَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِیمٍ- . و أکثر الناس روى هذا الکلام لعلی ع- و قد ذکره صاحب نهج البلاغه و شرحناه فیما سبق- . حمل من العراق إلى عمر مال فخرج هو و مولى له- فنظر إلى الإبل فاستکثرها- فجعل یقول الحمد لله یکررها و یرددها- و جعل مولاه یقول هذا من فضل الله و رحمته- و یکررها و یرددها- .

فقال عمر کذبت لا أم لک- أظنک ذهبت إلى أن هذا هو ما عناه سبحانه-بقوله قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِکَ فَلْیَفْرَحُوا- و إنما ذلک الهدى- أ ما تسمعه یقول هُوَ خَیْرٌ مِمَّا یَجْمَعُونَ- و هذا مما یجمعون- . و روى الأحنف بن قیس- قال قدمنا على عمر بفتح عظیم نبشره به- فقال أین نزلتم قلنا فی مکان کذا- فقام معنا حتى انتهینا إلى مناخ رکابنا- و قد أضعفها الکلال و جهدها السیر- فقال هلا اتقیتم الله فی رکابکم هذه- أ ما علمتم أن لها علیکم حقا هلا احترموها- هلا حللتم بها فأکلت من نبات الأرض- فقلنا یا أمیر المؤمنین إنا قدمنا بفتح عظیم- فأحببنا التسرع إلیک و إلى المسلمین بما یسرهم- .

فانصرف راجعا و نحن معه- فأتى رجل فقال یا أمیر المؤمنین إن فلانا ظلمنی- فأعدنی علیه فرفع فی السماء درته- و ضرب بها رأسه- و قال تدعون عمر و هو معرض لکم- حتى إذا شغل فی أمر المسلمین أتیتموه أعدنی أعدنی- فانصرف الرجل یتذمر- فقال عمر علی بالرجل فجی‏ء به فألقى إلیه المخفقه- فقال اقتص قال بل أدعه لله و لک- قال لیس کذلک بل تدعه إما لله و إراده ما عنده- و إما تدعه لی- قال أدعه لله قال انصرف- ثم جاء حتى دخل منزله و نحن معه- فصلى رکعتین خفیفتین- ثم جلس فقال یا ابن الخطاب- کنت وضیعا فرفعک الله- و کنت ضالا فهداک الله- و کنت ذلیلا فأعزک الله- ثم حملک على رقاب الناس- فجاء رجل یستعدیک على من ظلمه فضربته- ما ذا تقول لربک غدا- فجعل یعاتب نفسه معاتبه ظننت أنه من خیر أهل الأرض- .

و ذکر أبو عبید القاسم بن سلام فی غریب الحدیث- أن رجلا أتى عمر یسأله و یشکو إلیه الفقر- فقال هلکت یا أمیر المؤمنین- فقال أ هلکت و أنت تنث نثیث الحمیت أعطوه- فأعطوه ربعه من مال الصدقه تبعها ظئراها- ثم أنشأ یحدث عن نفسه- فقال لقد رأیتنی و أختا لی نرعى على أبوینا ناضحا لنا- قد ألبستنا أمنا نقبتها- و زودتنا یمنتیها هبیدا فنخرج بناضحنا- فإذا طلعت الشمس ألقیت النقبه إلى أختی- و خرجت أسعى عریان فنرجع إلى أمنا- و قد جعلت لنا لفیته من ذلک الهبید فیا خصباه- .

و روى ابن عباس رضی الله عنه- قال دخلت على عمر فی أول خلافته- و قد ألقی له صاع من تمر على خصفه- فدعانی إلى الأکل فأکلت تمره واحده- و أقبل یأکل حتى أتى علیه- ثم شرب من جر کان عنده- و استلقى على مرفقه له و طفق یحمد الله یکرر ذلک- ثم قال من أین جئت یا عبد الله قلت من المسجد- قال کیف خلفت ابن عمک- فظننته یعنى عبد الله بن جعفر- قلت خلفته یلعب مع أترابه- قال لم أعن ذلک إنما عنیت عظیمکم أهل البیت- قلت خلفته یمتح بالغرب على نخیلات من فلان- و هو یقرأ القرآن- قال یا عبد الله علیک دماء البدن إن کتمتنیها- هل بقی فی نفسه‏ شی‏ء من أمر الخلافه قلت نعم- قال أ یزعم أن رسول الله ص نص علیه قلت نعم- و أزیدک سألت أبی عما یدعیه فقال صدق- فقال عمر لقد کان من رسول الله ص فی أمره ذرو من قول- لا یثبت حجه و لا یقطع عذرا- و لقد کان یربع فی أمره وقتا ما- و لقد أراد فی مرضه أن یصرح باسمه- فمنعت من ذلک إشفاقا و حیطه على الإسلام- لا و رب هذه البنیه لا تجتمع علیه قریش أبدا- و لو ولیها لانتقضت علیه العرب من أقطارها- فعلم رسول الله ص أنی علمت ما فی نفسه- فأمسک و أبى الله إلا إمضاء ما حتم- .

ذکر هذا الخبر أحمد بن أبی طاهر- صاحب کتاب تاریخ بغداد فی کتابه مسندا- . ابتنى أبو سفیان دارا بمکه فأتى أهلها عمر- فقالوا إنه قد ضیق علینا الوادی و أسال علینا الماء- فأتاه عمر فقال خذ هذا الحجر فضعه هناک- و ارفع هذا و اخفض هذا ففعل- فقال الحمد لله الذی أذل أبا سفیان بأبطح مکه- . و قال عمر- و الله لقد لان قلبی فی الله حتى لهو ألین من الزبد- و لقد اشتد قلبی فی الله حتى لهو أشد من الحجر- . کان عمر إذا أتاه الخصمان برک على رکبتیه- و قال اللهم أعنی علیهما- فإن کلا منهما یریدنی عن دینی- .

و خطب عمر فقال أیها الناس- إنما کنا نعرفکم و النبی ص بین أظهرنا- إذ ینزل الوحی و إذ ینبئنا الله من أخبارکم- ألا و إن النبی ص قد انطلق و الوحی قد انقطع- و إنما نعرفکم بما یبدو منکم- من أظهر خیرا ظننا به خیرا و أحببناه علیه- و من أظهر شرا ظننا به شرا و أبغضناه علیه- سرائرکم بینکم و بین ربکم- ألا إنه قد أتى علی حین- و أنا أحسب أنه لا یقرأ القرآن أحد- إلا یرید به وجه الله و ما عند الله- و قد خیل إلی بأخره- أن رجالا قد قرءوه یریدون به ما عند الناس- فأریدوا الله بقراءتکم و أریدوا الله بأعمالکم- . ألا و إنی لا أرسل عمالی إلیکم أیها الناس- لیضربوا أبشارکم- و لا لیأخذوا أموالکم- و لکن أرسلهم إلیکم لیعلموکم دینکم و سنتکم- فمن فعل به سوى ذلک فلیرفعه إلی لأقتص له- فقد رأیت رسول الله ص یقتص من نفسه- . ألا لا تضربوا المسلمین فتذلوهم- و لا تمنعوهم حقوقهم فتفقروهم- و لا تنزلوهم الغیاض فتضیعوهم- .

و قال مره قد أعیانی أهل الکوفه- إن استعملت علیهم لینا استضعفوه- و إن استعملت علیهم شدیدا شکوه- و لوددت أنی وجدت رجلا قویا أمینا استعمله علیهم- فقال له رجل- أنا أدلک یا أمیر المؤمنین على الرجل القوی الأمین- قال من هو قال عبد الله بن عمر- قال قاتلک الله و الله ما أردت الله بها- لاها الله لا أستعمله علیها و لا على غیرها- و أنت فقم فاخرج فمذ الآن لا أسمیک إلا المنافق- فقام الرجل و خرج- . و کتب إلى سعد بن أبی وقاص- أن شاور طلیحه بن خویلد و عمرو بن معدیکرب- فإن کل صانع أعلم بصنعته- و لا تولهما من أمر المسلمین شیئاو غضب عمر على بعض عماله- فکلم امرأه من نساء عمر فی أن تسترضیه له- فکلمته فیه فغضب- و قال و فیم أنت من هذا یا عدوه الله- إنما أنت لعبه نلعب بک و تفرکین- . و من کلامه أشکو إلى الله جلد الخائن و عجز الثقه- .

قال عمرو بن میمون- لقد رأیت عمر بن الخطاب قبل أن یصاب بأیام- واقفا على حذیفه بن الیمان و عثمان بن حنیف- و هو یقول لهما- أ تخافان أن تکونا حملتما الأرض ما لا تطیقه- فقالا لا إنما حملناها أمرا هی له مطیقه- فأعاد علیهما القول- انظرا أن تکونا حملتما الأرض ما لا تطیقه- فقالا لا فقال عمر- إن عشت لأدعن أرامل العراق لا یحتجن بعدی إلى رجل أبدا- فما أتت علیه رابعه حتى أصیب- . کان عمر إذا استعمل عاملا کتب علیه کتابا- و أشهد علیه رهطا من المسلمین- ألا یرکب برذونا و لا یأکل نقیا- و لا یلبس رقیقا و لا یغلق بابه دون حاجات المسلمین- ثم یقول اللهم اشهد- . و استعمل عمر النعمان بن عدی بن نضله على میسان- فبلغه عنه الشعر الذی قاله و هو-

و من مبلغ الحسناء أن حلیلها
بمیسان یسقى من زجاج و حنتم‏

إذا شئت غنتنی دهاقین قریه
و صناجه تحدو على کل منسم‏

فإن کنت ندمانی فبالأکبر اسقنی
و لا تسقنی بالأصغر المتثلم‏

لعل أمیر المؤمنین یسوءه‏
تنادمنا بالجوسق المتهدم‏

فکتب إلیه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِیمِ- حم تَنْزِیلُ الْکِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِیزِ الْعَلِیمِ- غافِرِ الذَّنْبِ وَ قابِلِ التَّوْبِ شَدِیدِ الْعِقابِ- ذِی الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَیْهِ الْمَصِیرُ- أما بعد فقد بلغنی قولک- لعل أمیر المؤمنین یسوءه‏- البیت و ایم الله إنه لیسوءنی فاقدم فقد عزلتک- . فلما قدم علیه- قال یا أمیر المؤمنین و الله ما شربتها قط- و إنما هو شعر طفح على لسانی و إنی لشاعر- . فقال عمر أظن ذاک و لکن لا تعمل لی على عمل أبدا- . استعمل عمر رجلا من قریش على عمل- فبلغه عنه أنه قال-

اسقنی شربه تروی عظامی
و اسق بالله مثلها ابن هشام‏

فأشخصه إلیه و فطن القرشی فضم إلیه بیتا آخر- فلما مثل بین یدیه قال له أنت القائل-

اسقنی شربه تروی عظامی‏

قال نعم یا أمیر المؤمنین فهلا أبلغک الواشی ما بعده- قال ما الذی بعده قال-

عسلا باردا بماء غمام
إننی لا أحب شرب المدام‏

قال آلله آلله ثم قال ارجع إلى عملک- .قال عمر أیما عامل من عمالی ظلم أحدا- ثم بلغتنی مظلمته فلم أغیرها فأنا الذی ظلمته- . و قال للأحنف بن قیس- و قد قدم علیه فاحتبسه عنده حولا- یا أحنف إنی قد خبرتک و بلوتک فرأیت علانیتک حسنه- و أنا أرجو أن تکون سریرتک مثل علانیتک- و إن کنا لنحدث أنه إنما یهلک هذه الأمه کل منافق علیم- . و کتب عمر إلى سعد بن أبی وقاص- أن مترس بالفارسیه هو الأمان- فمن قلتم له ذلک ممن لا یفقه لسانکم فقد أمنتموه- .

و قال لأمیر من أمراء الشام- کیف سیرتک کیف تصنع فی القرآن و الأحکام- فأخبره فقال أحسنت اذهب فقد أقررتک على عملک- فلما ولی رجع فقال یا أمیر المؤمنین- إنی رأیت البارحه رؤیا أقصها علیک- رأیت الشمس و القمر یقتتلان- و مع کل واحد منهما جنود من الکواکب- فقال فمع أیهما کنت قال مع القمر- فقال قد عزلتک قال الله تعالى- وَ جَعَلْنَا اللَّیْلَ وَ النَّهارَ آیَتَیْنِ فَمَحَوْنا آیَهَ اللَّیْلِ- وَ جَعَلْنا آیَهَ النَّهارِ مُبْصِرَهً- .

کان عمر جالسا فی المسجد فمر به رجل- فقال ویل لک یا عمر من النار- فقال قربوه إلی فدنا منه فقال لم قلت لی ما قلت- قال تستعمل عمالک و تشترط علیهم-ثم لا تنظر هل وفوا لک بشروط أم لا- قال و ما ذاک قال عاملک على مصر اشترطت علیه- فترک ما أمرته به و ارتکب ما نهیته عنه- ثم شرح له کثیرا من أمره- فأرسل عمر رجلین من الأنصار- فقال لهما انتهیا إلیه فاسألا عنه- فإن کان کذب علیه فأعلمانی- و إن رأیتما ما یسوءکما- فلا تملکاه من أمره شیئا حتى تأتیا به- فذهبا فسألا عنه فوجداه قد صدق علیه- فجاءا إلى بابه فاستأذنا علیه-

فقال حاجبه إنه لیس علیه الیوم إذن- قالا لیخرجن إلینا أو لنحرقن علیه بابه- و جاء أحدهما بشعله من نار- فدخل الآذن فأخبره فخرج إلیهما- قالا إنا رسولا عمر إلیک لتأتیه- قال إن لنا حاجه تمهلاننی لأتزود- قالا إنه عزم علینا ألا نمهلک فاحتملاه فأتیا به عمر- فلما أتاه سلم علیه فلم یعرفه- و قال من أنت و کان رجلا أسمر- فلما أصاب من ریف مصر ابیض و سمن- فقال أنا عاملک على مصر أنا فلان- قال ویحک رکبت ما نهیت عنه و ترکت ما أمرت به- و الله لأعاقبنک عقوبه أبلغ إلیک فیها- ائتونی بکساء من صوف و عصا- و ثلاثمائه شاه من غنم الصدقه- فقال البس هذه الدراعه- فقد رأیت أباک و هذه خیر من دراعته- و خذ هذه العصا فهی خیر من عصا أبیک- و اذهب بهذه الشیاه فارعها فی مکان کذا- و ذلک فی یوم صائف- و لا تمنع السابله من ألبانها شیئا إلا آل عمر- فإنی لا أعلم أحدا من آل عمر أصاب من ألبان غنم الصدقه- و لحومها شیئا- . فلما ذهب رده- و قال أ فهمت ما قلت فضرب بنفسه الأرض- و قال یا أمیر المؤمنین لا أستطیع هذا- فإن شئت فاضرب عنقی- قال فإن رددتک فأی رجل تکون- قال و الله لا یبلغک بعدها إلا ما تحب- فرده فکان نعم الرجل- و قال عمر و الله‏ لا أنزعن فلانا من القضاء- حتى أستعمل عوضه رجلا إذا رآه الفاجر فرق- . و روى عبد الله بن بریده- قال بینا عمر یعس ذات لیله انتهى إلى باب متجاف- و امرأه تغنی نسوه-

هل من سبیل إلى خمر فأشربها
أم هل سبیل إلى نصر بن حجاج‏

فقال عمر أما ما عشت فلا- . فلما أصبح دعا نصر بن حجاج- و هو نصر بن الحجاج بن علابط البهزی السلمی- فأبصره و هو من أحسن الناس وجها- و أصبحهم و أملحهم حسنا فأمر أن یطم شعره- فخرجت جبهته فازداد حسنا- فقال له عمر اذهب فاعتم فاعتم فبدت وفرته- فأمر بحلقها فازداد حسنا- فقال له فتنت نساء المدینه یا ابن حجاج- لا تجاورنی فی بلده أنا مقیم بها- ثم سیره إلى البصره- . فروى الأصمعی- قال أبرد عمر بریدا إلى عتبه بن أبی سفیان بالبصره- فأقام بها أیاما ثم نادى منادی عتبه- من أراد أن یکتب إلى أهله بالمدینه- أو إلى أمیر المؤمنین شیئا- فلیکتب فإن برید المسلمین خارج- . فکتب الناس و دس نصر بن حجاج کتابا فیه- لعبد الله عمر أمیر المؤمنین من نصر بن حجاج- سلام علیک أما بعد یا أمیر المؤمنین-

لعمری لئن سیرتنی أو حرمتنی
لما نلت من عرضی علیک حرام‏

أ إن غنت الذلفاء یوما بمنیه
و بعض أمانی النساء غرام‏

ظننت بی الظن الذی لیس بعده
بقاء فما لی فی الندی کلام‏

و أصبحت منفیا فی غیر ریبه
و قد کان لی بالمکتین مقام‏

سیمنعنی مما تظن تکرمی
و آباء صدق سالفون کرام‏

و یمنعها مما تمنت صلاتها
و حال لها فی دینها و صیام‏

فهاتان حالانا فهل أنت راجع
فقد جب منی کاهل و سنام‏

فقال عمر أما ولی ولایه فلا- و أقطعه أرضا بالبصره و دارا- . فلما قتل عمر رکب راحلته و لحق بالمدینه- . و ذکر المبرد محمد بن یزید الثمالی- قال کان عمر أصلع- فلما حلق وفره نصر بن حجاج قال نصر و کان شاعرا-

تضن ابن خطاب علی بجمه
إذا رجلت تهتز هز السلاسل‏

فصلع رأسا لم یصلعه ربه‏
یرف رفیفا بعد أسود جائل‏

لقد حسد الفرعان أصلع لم یکن
إذا ما مشى بالفرع بالمتخایل‏

محمد بن سعید- قال بینا یطوف عمر فی بعض سکک المدینه- إذ سمع امرأه تهتف من خدرها-

هل من سبیل إلى خمر فأشربها
أم هل سبیل إلى نصر بن حجاج‏

إلى فتى ماجد الأعراق مقتبل
سهل المحیا کریم غیر ملجاج‏

تنمیه أعراق صدق حین تنسبه‏
أخی قداح عن المکروب فراج‏

سامی النواظر من بهز له قدم
تضی‏ء صورته فی الحالک الداجی‏

فقال عمر- ألا لا أدری معی رجلا یهتف به العواتق فی خدورهن- علی بنصر بن حجاج فأتی به- فإذا هو أحسن الناس وجها و عینا و شعرا- فأمر بشعره فجز- فخرجت له وجنتان کأنه قمر- فأمره أن یعتم فاعتم ففتن النساء بعینیه- فقال عمر لا و الله لا تساکننی بأرض أنا بها- قال و لم یا أمیر المؤمنین قال هو ما أقول لک- فسیره إلى البصره- . و خافت المرأه التی سمع عمر منها ما سمع- أن یبدر إلیها منه شی‏ء فدست إلیه أبیاتا-

قل للأمیر الذی تخشى بوادره
ما لی و للخمر أو نصر بن حجاج‏

إنی بلیت أبا حفص بغیرهما
شرب الحلیب و طرف فاتر ساج‏

لا تجعل الظن حقا أو تبینه
إن السبیل سبیل الخائف الراجی‏

ما منیه قلتها عرضا بضائره
و الناس من هالک قدما و من ناج‏

إن الهوى رعیه التقوى تقیده
حتى أقر بإلجام و إسراج‏

فبکى عمر- و قال الحمد لله الذی قید الهوى بالتقوى- . و أتته یوما أم نصر حین اشتدت علیها غیبه ابنها- فتعرضت لعمر بین الأذان و الإقامه- فقعدت له على الطریق فلما خرج یرید الصلاه هتفت به- و قالت یا أمیر المؤمنین لأجاثینک غدا بین یدی الله عز و جل- و لأخاصمنک إلیه- یبیت عاصم و عبد الله إلى‏جانبیک- و بینی و بین ابنی الفیافی و القفار و المفاوز و الجبال- قال من هذه قیل أم نصر بن حجاج- فقال یا أم نصر- إن عاصما و عبد الله لم تهتف بهما العواتق من وراء الخدور- .

و یروى أن نصر بن الحجاج- لما سیره عمر إلى البصره نزل بها على مجاشع بن مسعود السلمی- و کان خلیفه أبی موسى علیها- و کانت له امرأه شابه جمیله فهویت نصرا و هویها- فبینا الشیخ جالس و نصر عنده إذ کتب فی الأرض شیئا- فقرأته المرأه فقالت أنا و الله- فقال مجاشع ما قال لک- قالت إنه قال ما أصفى لقحتکم هذه- فقال مجاشع إن الکلمه التی قلت لیست أختا لهذا الکلام- عزمت علیک لما أخبرتنی- قالت إنه قال ما أحسن سوار ابنتکم هذه- قال و لا هذه فإنه کتب فی الأرض- فرأى الخط فدعا بإناء فوضعه علیه- ثم أحضر غلاما من غلمانه- فقال اقرأ فقرأه و إذا هو أنا و الله أحبک- فقال هذه لهذه- اعتدی أیتها المرأه و تزوجها یا ابن أخی إن أردت- .

ثم غدا على أبی موسى فأخبره- فقال أبو موسى أقسم ما أخرجه عمر عن المدینه من خیر- ثم طرده إلى فارس و علیها عثمان بن أبی العاص الثقفی- فنزل على دهقانه فأعجبها فأرسلت إلیه- فبلغ خبرها عثمان- فبعث إلیه أن اخرج عن أرض فارس- فإنک لم تخرج عن المدینه و البصره من خیر- فقال و الله لئن أخرجتمونی لألحقن ببلاد الشرک- فکتب بذلک إلى عمر- فکتب أن جزوا شعره و شمروا قمیصه و ألزموه المساجد- .

و روى عبد الله بن بریده أن عمر خرج لیلا یعس- فإذا نسوه یتحدثن- و إذا هن‏یقلن أی فتیان المدینه أصبح- فقالت امرأه منهن أبو ذؤیب و الله- فلما أصبح عمر سأل عنه فإذا هو من بنی سلیم- و إذا هو ابن عم نصر بن حجاج- فأرسل إلیه فحضر فإذا هو أجمل الناس و أملحهم- فلما نظر إلیه قال أنت و الله ذئبها- یکررها و یرددها- لا و الذی نفسی بیده لا تجامعنی بأرض أبدا- .

فقال یا أمیر المؤمنین إن کنت لا بد مسیری- فسیرنی حیث سیرت ابن عمی نصر بن حجاج- فأمر بتسییره إلى البصره فأشخص إلیها- . خطب عمر فی اللیله التی دفن فیها أبو بکر- فقال إن الله تعالى نهج سبیله و کفانا برسوله- فلم یبق إلا الدعاء و الاقتداء- الحمد لله الذی ابتلانی بکم و ابتلاکم بی- و أبقانی فیکم بعد صاحبی- و أعوذ بالله أن أزل أو أضل- فأعادی له ولیا أو أوالی له عدوا- ألا إنی و صاحبی کنفر ثلاثه قفلوا من طیبه- فأخذ أحدهم مهله إلى داره و قراره- فسلک أرضا مضیئه متشابهه الأعلام- فلم یزل عن الطریق و لم یحرم السبیل- حتى أسلمه إلى أهله- ثم تلاه الآخر فسلک سبیله و اتبع أثره- فأفضى إلیه و لقی صاحبه ثم تلاهما الثالث- فإن سلک سبیلهما و اتبع أثرهما أفضى إلیهما و لاقاهما- و إن زل یمینا أو شمالا لم یجامعهما أبدا- . ألا و إن العرب جمل أنف قد أعطیت خطامه- ألا و إنی حامله على المحجه و مستعین بالله علیه- .

ألا و إنی داع فأمنوا اللهم إنی شحیح فسخنی- اللهم إنی غلیظ فلینی اللهم إنی ضعیف فقونی- اللهم أوجب لی بموالاتک- و موالاه أولیائک ولایتک و معونتک- و أبرئنیمن الآفات بمعاداه أعدائک- و توفنی مع الأبرار و لا تحشرنی فی زمره الأشقیاء- اللهم لا تکثر لی من الدنیا فأطغى- و لا تقلل لی فأشقى- فإن ما قل و کفى خیر مما کثر و ألهى- . وفد على عمر قوم من أهل العراق- منهم جریر بن عبد الله فأتاهم بجفنه قد صبغت بخل و زیت- و قال خذوا فأخذوا أخذا ضفیفا- فقال ما بالکم تقرمون قرم الشاه الکسیره- أظنکم تریدون حلوا و حامضا و حارا و باردا- ثم قذفا فی البطون- لو شئت أن أدهمق لکم لفعلت- و لکنا نستبقی من دنیانا ما نجده فی آخرتنا- و لو شئنا أن نأمر بصغار الضأن فتسمط- و لبأت الخبز فیخبز- و نأمر بالزبیب فینبذ لنا فی الأسعان- حتى إذا صار مثل عین الیعقوب- أکلنا هذا و شربنا هذا لفعلت- و الله إنی ما أعجز عن کراکر- و أسنمه و صلائق و صناب- لکن الله تعالى قال لقوم عیرهم أمرا فعلوه- أَذْهَبْتُمْ طَیِّباتِکُمْ فِی حَیاتِکُمُ الدُّنْیا- و إنی نظرت فی هذا الأمر-فجعلت إن أردت الدنیا أضررت بالآخره- و إن أردت الآخره أضررت بالدنیا- و إذا کان الأمر هکذا فأضروا بالفانیه- . خرج عمر یوما إلى المسجد- و علیه قمیص فی ظهره أربع رقاع- فقرأ حتى انتهى إلى قوله وَ فاکِهَهً وَ أَبًّا- فقال ما الأب ثم قال إن هذا لهو التکلف- و ما علیک یا ابن الخطاب ألا تدری ما الأب- .

و جاء قوم من الصحابه إلى حفصه- فقالوا لو کلمت أباک فی أن یلین من عیشه- لعله أقوى له على النظر فی أمور المسلمین- فجاءته فقالت- إن ناسا من قومک کلمونی- فی أن أکلمک فی أن تلین من عیشک- فقال یا بنیه غششت أباک و نصحت لقومک- .

و روى سالم بن عبد الله بن عمر- قال لما ولی عمر قعد على رزق أبی بکر الذی کان فرضه لنفسه- فاشتدت حاجته فاجتمع نفر من المهاجرین- منهم علی و عثمان و طلحه و الزبیر- و قالوا لو قلنا لعمر یزید فی رزقه- فقال عثمان إنه عمر- فهلموا فلنستبن ما عنده من وراء وراء- نأتی حفصه فنکلمها و نستکتمها أسماءنا- فدخلوا علیها و سألوها أن تکلمه- و لا تخبره بأسماء من أتاها إلا أن یقبل- فلقیت عمر فی ذلک فرأت الغضب فی وجهه- و قال من أتاک قالت لا سبیل إلى ذلک- فقال لو علمت من هم لسؤت أوجههم- أنت بینی و بینهم- نشدتک الله ما أفضل ما اقتنى رسول الله ص- فی بیتک من الملبس- قالت ثوبان ممشقان کان یلبسهما للوفد- و یخطب‏ فیهما فی الجمع- قال فأی طعام ناله عندک أرفع- قالت خبزنا مره خبزه شعیر- فصببت علیها و هی حاره أسفلها عکه لنا- کان فیها سمن و عسل- فجعلتها هشه حلوه دسمه- فأکل منها فاستطابها-

قال فأی مبسط کان یبسط عندک أوطأ- قالت کساء ثخین کنا نرقعه فی الصیف فنجعله ثخینا- فإذا کان الشتاء بسطنا نصفه و تدثرنا بنصفه- قال فأبلغیهم أن رسول الله ص قدر فوضع الفضول مواضعها- و تبلغ ما أبر- و إنی قدرت فو الله لأضعن الفضول مواضعها- و لأتبلغن ما أبر حبه وفد على عمر وفد فیه رجال الناس من الآفاق- فوضع لهم بسطا من عباء- و قدم إلیهم طعاما غلیظا- فقالت له ابنته حفصه أم المؤمنین- إنهم وجوه الناس و کرام العرب- فأحسن کرامتهم- فقال یا حفصه أخبرینی بألین فراش فرشته لرسول الله ص- و أطیب طعام أکله عندک- قالت أصبنا کساء ملبدا عام خیبر- فکنت أفرشه له فینام علیه- و إنی رفعته لیله- فلما أصبح قال ما کان فراشی اللیله- قلت فراشک کل لیله- إلا أنی اللیله رفعته لک لیکون أوطأ- فقال أعیدیه لحالته الأولى فإن وطاءته منعتنی اللیله من الصلاه- .
و کان لنا صاع من دقیق سلت فنخلته یوما و طبخته له- و کان لنا قعب من سمن فصببته علیه- فبینا هو ع یأکل إذ دخل أبو الدرداء-

فقال أرى سمنکم قلیلا و إن لنا لقعبا من سمن- قال ع فأرسل فأت به- فجاء به فصبه علیه فأکل- فهذا أطیب طعام أکله عندی رسول الله ص- . فأرسل عمر عینیه بالبکاء- و قال لها و الله لا أزیدهم على ذلک العباء- و ذلک الطعام‏شیئا- و هذا فراش رسول الله ص و هذا طعامه- . لما قدم عتبه بن مرثد أذربیجان أتی بالخبیص- فلما أکله وجد شیئا حلوا طیبا- فقال لو صنعت من هذا لأمیر المؤمنین- فجعل له خبیصا فی منقلین عظیمین- و حملهما على بعیرین إلى المدینه- فقال عمر ما هذا قالوا الخبیص فذاقه فوجده حلوا- فقال للرسول ویحک أ کل المسلمین عندکم یشبع من هذا- قال لا قال فارددهما- ثم کتب إلى عتبه أما بعد- فإن خبیصک الذی بعثته لیس من کد أبیک و لا من کد أمک- أشبع المسلمین مما تشبع منه فی رحلک- و لا تستأثر فإن الأثره شر و السلام- .

و روى عتبه بن مرثد أیضا- قال قدمت على عمر بحلواء من بلاد فارس فی سلال عظام- فقال ما هذه قلت طعام طیب أتیتک به- قال ویحک و لم خصصتنی به- قلت أنت رجل تقضی حاجات الناس أول النهار- فأحببت إذا رجعت إلى منزلک أن ترجع إلى طعام طیب- فتصیب منه فتقوى على القیام بأمرک- فکشف عن سله منها فذاق فاستطاب- فقال عزمت علیک یا عتبه إذا رجعت- إلا رزقت کل رجل من المسلمین مثله- قلت و الذی یصلحک یا أمیر المؤمنین- لو أنفقت علیه أموال قیس کلها لما وسع ذلک- قال فلا حاجه لی فیه إذا- ثم دعا بقصعه من ثرید و لحم غلیظ و خبز خشن- فقال کل ثم جعل یأکل أکلا شهیا- و جعلت أهوى إلى البضعه البیضاء- أحسبها سناما و إذا هی عصبه- و أهوى إلى البضعه من اللحم أمضغهافلا أسیغها- و إذا هی من علباء العنق- فإذا غفل عنی جعلتها بین الخوان و القصعه- فدعا بعس من نبیذ کاد یکون خلا- فقال اشرب فلم أستطعه و لم أسغه أن أشرب- فشرب ثم نظر إلی- و قال ویحک إنه لیس بدرمک العراق و ودکه- و لکن ما تأکله أنت و أصحابک- .

ثم قال اسمع إنا ننحر کل یوم جزورا- فأما أوراکها و ودکها و أطائبها- فلمن حضرنا من المهاجرین و الأنصار- و أما عنقها فلآل عمر- و أما عظامها و أضلاعها فلفقراء المدینه- نأکل من هذا اللحم الغث- و نشرب من هذا النبیذ الخاثر- و ندع لین الطعام لیوم تذهل کل مرضعه عما أرضعت- و تضع کل ذات حمل حملها- . حضر عند عمر قوم من الصحابه فأثنوا علیه- و قالوا و الله ما رأینا یا أمیر المؤمنین رجلا أقضى منک بالقسط- و لا أقول بالحق و لا أشد على المنافقین منک- إنک لخیر الناس بعد رسول الله ص- .

فقال عوف بن مالک کذبتم و الله- أبو بکر بعد رسول الله خیر أمته رأینا أبا بکر- . فقال عمر صدق عوف و الله و کذبتم- لقد کان أبو بکر و الله أطیب من ریح المسک- و أنا أضل من بعیر أهلی- . لما أتى عمر الخبر بنزول رستم القادسیه- کان یخرج فیستخبر الرکبان کل یوم عن أهل القادسیه- من حین یصبح إلى انتصاف النهار- ثم یرجع إلى أهله فلما جاء البشیر بالفتح-لقیه کما یلقى الرکبان من قبل فسأله فأخبره- فجعل یقول یا عبد الله إیه حدثنی- فیقول له هزم الله العدو- و عمر یحث معه و یسأله و هو راجل- و البشیر یسیر على ناقته و لا یعرفه- فلما دخل المدینه إذا الناس یسلمون علیه باسمه- بإمره المؤمنین و یهنئونه- فنزل الرجل و قال هلا أخبرتنی یا أمیر المؤمنین رحمک الله- و جعل عمر یقول لا علیک یا ابن أخی لا علیک یا ابن أخی- .

و روى أبو العالیه الشامی- قال قدم عمر الجابیه على جمل أورق- تلوح صلعته لیس علیه قلنسوه- تصل رجلاه بین شعبتی رحله بغیر رکاب- وطاؤه کساء أنبجانی کثیر الصوف- و هو وطاؤه إذا رکب و فراشه إذا نزل- و حقیبته نمره محشوه لیفا هی حقیبته إذا رکب- و وسادته إذا نزل- و علیه قمیص من کرابیس قد دسم و تخرق جیبه- فقال ادعوا إلی رأس القریه- فدعوه له فقال اغسلوا قمیصی هذا و خیطوه- و أعیرونی قمیصا ریثما یجف قمیصی- فأتوه بقمیص کتان فعجب منه- فقال ما هذا قالوا کتان- قال و ما الکتان فأخبروه فلبسه ثم غسل قمیصه- و أتی به فنزع قمیصهم و لبس قمیصه- فقال له رأس القریه أنت ملک العرب- و هذه بلاد لا یصلح بها رکوب الإبل- فأتی ببرذون- فطرحت علیه قطیفه بغیر سرج فرکبه- فهملج تحته فقال للناس احبسوا فحبسوه- فقال ما کنت أظن الناس یرکبون الشیطان قبل هذا- قدموا لی جملی فجی‏ء به فنزل عن البرذون و رکبه- .

قدم عمر الشام- فلقیه أمراء الأجناد و عظماء تلک الأرض- فقال و أین أخی قالوا من هو- قال أبو عبیده قالوا سیأتیک الآن- فجاء أبو عبیده على ناقه مخطومه بحبل- فسلم علیه و رد له ثم قال للناس انصرفوا عنا- فسار معه حتى أتى منزله فنزل علیه- فلم یر فیه إلا سیفا و ترسا- فقال له لو اتخذت متاع البیت- قال حسبی هذا یبلغنی المقیل- . و روى طارق بن شهاب- أن عمر لما قدم الشام عرضت له مخاضه- فنزل عن بعیره و نزع جرموقیه فأمسکهما بیده- و خاض الماء و زمام بعیره فی یده الأخرى- فقال له أبو عبیده- لقد صنعت الیوم صنیعا عظیما عند أهل هذه الأرض- فصک فی صدره و قال لو غیرک قالها یا أبا عبیده- إنکم کنتم أذل الناس و أحقر الناس و أقل الناس- فأعزکم الله بالإسلام- فمهما تطلبوا العز بغیره یرجعکم إلى الذل- .

و روى محمد بن سعد صاحب الواقدی- أن عمر قال یوما على المنبر- لقد رأیتنی و ما لی من أکال یأکله الناس- إلا أن لی خالات من بنی مخزوم- فکنت أستعذب لهن الماء- فیقبضن لی القبضات من الزبیب- فلما نزل قیل له ما أردت بهذا- قال وجدت فی نفسی بأوا فأردت أن أطأطئ منها- .

و من کلام عمر رحم الله امرأ أهدى إلی عیوبی- . قدم عمرو بن العاص على عمر و کان والیا لمصر- فقال له فی کم سرت قال فی عشرین- قال عمر لقد سرت سیر عاشق- فقال عمرو إنی و الله ما تأبطتنى الإماء- و لا حملتنی فی غبرات المآلی- فقال عمر و الله ما هذا بجواب الکلام الذی سألتک عنه- و أن الدجاجه لتفحص فی الرماد فتضع لغیر الفحل- و إنما تنسب البیضه إلى طرقها- فقام عمرو مربد الوجه- .

قلت المآلی خرق سود یحملها النوائح- و یسرن بها بأیدیهن عند اللطم- و أراد خرق الحیص هاهنا و شبهها بتلک- و أنکر عمر فخره بالأمهات- و قال إن الفخر للأب الذی إلیه النسب- و سألت النقیب أبا جعفر عن هذا الحدیث فی عمر- فقال إن عمرا فخر على عمر لأن أم الخطاب زنجیه- و تعرف بباطحلی تسمى صهاک- فقلت له و أم عمرو النابغه أمه من سبایا العرب- فقال أمه عربیه من عنزه سبیت فی بعض الغارات- فلیس یلحقها من النقص عندهم ما یلحق الإماء الزنجیات- فقلت له أ کان عمرو یقدم على عمر بمثل ما قلت- قال قد یکون بلغه عنه قول قدح فی نفسه فلم یحتمله له- و نفث بما فی صدره منه- و إن لم یکن جوابا مطابقا للسؤال و قد کان عمر مع خشونته یحتمل نحو هذا- فقد جبهه الزبیر مره و جعل یحکی کلامه یمططه- و جبهه سعد بن أبی وقاص أیضا فأغضى عنه- و مر یوما فی السوق على ناقه له- فوثب غلام من بنی ضبه فإذا هو خلفه- فالتفت إلیه فقال فممن أنت قال ضبی- قال جسور و الله فقال الغلام على العدو- قال عمر و على الصدیق أیضا- ما حاجتک فقضى حاجته- ثم قال دع الآن لنا ظهر راحلتنا- .

و من کلام عمر اخشع عند القبور إذا نظرت إلیها- و استعص عند المعصیه و ذل عند الطاعه- و لا تبذلن کلامک إلا عند من یشتهیه و یتخذه غنما- و لا تستعن على حاجتک إلا بمن یحب نجاحها لک- و آخ الإخوان على التقوى- و شاور فی أمرک کله- و إذا اشترى أحدکم بعیرا فلیشتره جسیما- فإن أخطأته النجابه لم یخطئه السوق- . أوفد بشر بن مروان و هو على العراق رجلا إلى عبد الملک- فسأله عن بشر- فقال یا أمیر المؤمنین هو اللین فی غیر ضعف- الشدید فی غیر عنف- فقال عبد الملک ذاک الأحوذی ابن حنتمه- الذی کان یأمن عنده البری‏ء و یخافه السقیم- و یعاقب على الذنب و یعرف موضع العقوبه- لا بشر بن مروان- . أذن عمر یوما للناس- فدخل شیخ کبیر یعرج- و هو یقود ناقه رجیعا یجاذبها- حتى وقف بین ظهرانی الناس ثم قال-

و إنک مسترعى و إنا رعیه
و إنک مدعو بسیماک یا عمر

لدى یوم شر شره لشراره‏
و خیر لمن کانت مؤانسه الخیر

فقال عمر لا حول و لا قوه إلا بالله من أنت- قال عمرو بن براقه قال ویحک- فما منعک أن تقول- وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَیْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ- ثم قرأها إلى آخرها و أمر بناقته فقبضت- و حمله على غیرها و کساه و زوده- .بینا عمر یسیر فی طریق مکه یوما- إذا بالشیخ بین یدیه یرتجز و یقول-

ما إن رأیت کفتى الخطاب
أبر بالدین و بالأحساب‏
بعد النبی صاحب الکتاب‏

فطعنه عمر بالسوط فی ظهره- فقال ویلک و أین الصدیق- قال ما لی بأمره علم یا أمیر المؤمنین- قال أما إنک لو کنت عالما ثم قلت هذا لأوجعت ظهرک- . قال زید بن أسلم کنت عند عمر- و قد کلمه عمرو بن العاص فی الحطیئه و کان محبوسا- فأخرجه من السجن ثم أنشده-

ما ذا تقول لأفراخ بذی مرخ
زغب الحواصل لا ماء و لا شجر

ألقیت کاسبهم فی قعر مظلمه
فاغفر علیک سلام الله یا عمر

أنت الإمام الذی من بعد صاحبه
ألقت إلیه مقالید النهى البشر

ما آثروک بها إذ قدموک لها
لکن لأنفسهم کانت بک الأثر

فبکى عمر لما قال له ما ذا تقول لأفراخ- فکان عمرو بن العاص بعد ذلک یقول- ما أقلت الغبراء و لا أظلت الخضراء أتقی من رجل- یبکی خوفا من حبس الحطیئه- ثم قال عمر لغلامه یرفأ علی بالکرسی فجلس علیه- ثم قال علی بالطست فأتی بها- ثم قال علی بالمخصف لا بل علی بالسکین- فأتی بها فقال لا بل علی بالموسى- فإنها أوجی فأتی بموسى- ثم قال أشیروا علی فی الشاعر- فإنه یقول الهجر و ینسب بالحرم- و یمدح الناس و یذمهم بغیر ما فیهم- و ما أرانی إلا قاطعا لسانه فجعل الحطیئه یزید خوفا- فقال من حضر أنه لا یعود یا أمیر المؤمنین- و أشاروا إلیه قل لا أعود یا أمیر المؤمنین- فقال النجاء النجاء- فلما ولى ناداه یا حطیئه فرجع مرعوبا- فقال کأنی بک یا حطیئهعند فتى من قریش- قد بسط لک نمرقه و کسر لک أخرى- ثم قال غننا یا حطیئه فطفقت تغنیه بأعراض الناس- قال یا أمیر المؤمنین لا أعود و لا یکون ذلک- .

قال زید بن أسلم- ثم رأیت الحطیئه یوما بعد ذلک عند عبید الله بن عمر- قد بسط له نمرقه و کسر له أخرى- ثم قال تغنینا یا حطیئه و هو یغنیه- فقلت یا حطیئه أ ما تذکر قول عمر لک- ففزع و قال رحم الله ذلک المرء- أما لو کان حیا ما فعلنا هذا- قال فقلت لعبید الله بن عمر سمعت أباک یذکر کذا- فکنت أنت ذلک الفتى- . کان عمر یصادر خونه العمال- فصادر أبا موسى الأشعری و کان عامله على البصره- و قال له بلغنی أن لک جاریتین- و أنک تطعم الناس من جفنتین- و أعاده بعد المصادره إلى عمله- .

و صادر أبا هریره و أغلظ علیه- و کان عامله على البحرین- فقال له أ لا تعلم أنی استعملتک على البحرین- و أنت حاف لا نعل فی رجلک- و قد بلغنی أنک بعت أفراسا بألف و ستمائه دینار- قال أبو هریره کانت لنا أفراس فتناتجت- فقال قد حبست لک رزقک و مئونتک و هذا فضل- قال أبو هریره لیس ذلک لک قال بلى و الله و أوجع ظهرک- ثم قام إلیه بالدره فضرب ظهره حتى أدماه- ثم قال ائت بها فلما أحضرها- قال أبو هریره سوف أحتسبها عند الله- قال عمر ذاک لو أخذتها من حل و أدیتها طائعا- أما و الله ما رجت فیک أمیمه- أن تجبی أموال هجر و الیمامه و أقصى البحرین لنفسک- لا لله و لا للمسلمین- و لم ترج فیک أکثر من رعیه الحمر و عزله- . و صادر الحارث بن وهب أحد بنی لیث بکر بن کنانه- و قال له ما قلاص و أعبد بعتها بمائه دینار- قال خرجت بنفقه لی فاتجرت فیها- قال و إنا و الله ما بعثناک للتجارهأدها- قال أما و الله لا أعمل لک بعدها- قال إنا و الله لا أستعملک بعدها- ثم صعد المنبر فقال یا معشر الأمراء- إن هذا المال لو رأینا أنه یحل لنا لأحللناه لکم- فأما إذ لم نره یحل لنا و ظلفنا أنفسنا عنه- فاظلفوا عنه أنفسکم- فإنی و الله ما وجدت لکم مثلا إلا عطشان ورد اللجه- و لم ینظر الماتح فلما روی غرق- .

و کتب عمر إلى عمرو بن العاص و هو عامله فی مصر- أما بعد فقد بلغنی أنه قد ظهر لک مال- من إبل و غنم و خدم و غلمان- و لم یکن لک قبله مال و لا ذلک من رزقک- فإنی لک هذا- و لقد کان لی من السابقین الأولین من هو خیر منک- و لکنی استعملتک لغنائک- فإذا کان عملک لک و علینا- بم نؤثرک على أنفسنا- فاکتب إلی من أین مالک و عجل و السلام- .

فکتب إلیه عمرو بن العاص- قرأت کتاب أمیر المؤمنین و لقد صدق- فأما ما ذکره من مالی فإنی قدمت بلده- الأسعار فیها رخیصه و الغزو فیها کثیر- فجعلت فضول ما حصل لی من ذلک فیما ذکره أمیر المؤمنین- و الله یا أمیر المؤمنین- لو کانت خیانتک لنا حلالا ما خناک حیث ائتمنتنا- فأقصر عنا عناک- فإن لنا أحسابا إذا رجعنا إلیها أغنتنا عن العمل لک- و أما من کان لک من السابقین الأولین- فهلا استعملتهم فو الله ما دققت لک بابا- . فکتب إلیه عمر أما بعد- فإنی لست من تسطیرک و تشقیقک الکلام فی شی‏ء- إنکم معشر الأمراء أکلتم الأموال- و أخلدتم إلى الأعذار- فإنما تأکلون النار و تورثون العار- و قد وجهت إلیک محمد بن مسلمه- لیشاطرک على ما فی یدیک و السلام- .

فلما قدم إلیه محمد اتخذ له طعاما و قدمه إلیه- فأبى أن یأکل فقال ما لک لا تأکل طعامنا- قال إنک عملت لی طعاما هو تقدمه للشر- و لو کنت عملت لی طعام الضیف لأکلته- فأبعد عنی طعامک و أحضر لی مالک- فلما کان الغد و أحضر ماله- جعل محمد یأخذ شطرا و یعطی عمرا شطرا- فما رأى عمرو ما حاز محمد من المال- قال یا محمد أقول قال قل ما تشاء- قال لعن الله یوما کنت فیه والیا لابن الخطاب- و الله لقد رأیته و رأیت أباه- و إن على کل واحد منهما عباءه قطوانیه- مؤتزرا بها ما تبلغ مأبض رکبتیه- و على عنق کل واحد منهما حزمه من حطب- و إن العاص بن وائل لفی مزررات الدیباج- فقال محمد إیها یا عمرو فعمر و الله خیر منک- و أما أبوک و أبوه ففی النار- و و الله لو لا ما دخلت فیه من الإسلام- لألفیت معتلفا شاه یسرک غزرها و یسوءک بکؤها- قال صدقت فاکتم علی قال أفعل- .

جاءت سریه لعبید الله بن عمر إلى عمر تشکوه- فقالت یا أمیر المؤمنین أ لا تعذرنی من أبی عیسى- قال و من أبو عیسى قالت ابنک عبید الله- قال ویحک و قد تکنی بأبی عیسى و دعاه- و قال إیها اکتنیت بأبی عیسى فحذر و فزع- فأخذ یده فعضها حتى صاح- ثم ضربه و قال ویلک هل لعیسى أب- أ ما تدری ما کنى العرب- أبو سلمه أبو حنظله أبو عرفطه أبو مره- . کان عمر إذا غضب على بعض أهله- لم یشتف حتى یعض یده- و کان عبد الله بن الزبیر کذلک- یقال إنه لم یل ولایه من ولد عمر وال عادل‏و قال مالک بن أنس- إن عمر بن الخطاب استفرغ کل عدل فی ولده- فلم یعدل بعده أحد منهم فی ولایه ولیها- .

کان عمر و من بعده من الولاه- إذا أخذوا العصاه نزعوا عمائمهم و أقاموهم للناس- حتى جاء زیاد فضربهم بالسیاط- فجاء مصعب فحلق مع الضرب- فجاء بشر بن مروان فکان یصلب تحت الإبطین- و یضرب الأکف بالمسامیر- فکتب إلى بعض الجند- قوم من أهله یستزیرونه و یتشوقونه- و قد أخرجه بشر إلى الری فکتب إلیهم-

لو لا مخافه بشر أو عقوبته
أو أن یرى شأنی کفی بمسمار

إذا لعطلت ثغری ثم زرتکم‏
إن المحب المعنى جد زوار

فلما جاء الحجاج قال- کل هذا لعب فقتل العصاه بالسیف- . زید بن أسلم عن أبیه- قال خلا عمر لبعض شأنه و قال أمسک علی الباب- فطلع الزبیر فکرهته حین رأیته- فأراد أن یدخل فقلت هو على حاجه- فلم یلتفت إلی و أهوى لیدخل- فوضعت یدی فی صدره فضرب أنفی فأدماه- ثم رجع فدخلت على عمر فقال ما بک قلت الزبیر- . فأرسل إلى الزبیر- فلما دخل جئت فقمت لأنظر ما یقول له- فقال ما حملک على ما صنعت أدمیتنی للناس- فقال الزبیر یحکیه و یمطط فی کلامه أدمیتنی- أ تحتجب عنا یا ابن الخطاب- فو الله ما احتجب منی رسول الله و لا أبو بکر- فقال عمر کالمعتذر إنی کنت فی بعض شأنی- . قال أسلم فلما سمعته یعتذر إلیه- یئست من أن یأخذ لی بحقی منه- .

فخرج الزبیر فقال عمر- إنه الزبیر و آثاره ما تعلم فقلت حقی حقک- . و روى الزبیر بن بکار فی کتاب الموفقیات- عن عبد الله بن عباس قال- إنی لأماشی عمر بن الخطاب فی سکه من سکک المدینه- إذ قال لی یا ابن عباس ما أرى صاحبک إلا مظلوما- فقلت فی نفسی و الله لا یسبقنی بها- فقلت یا أمیر المؤمنین فاردد إلیه ظلامته- فانتزع یده من یدی- و مضى یهمهم ساعه ثم وقف فلحقته- فقال یا ابن عباس- ما أظنهم منعهم عنه إلا أنه استصغره قومه- فقلت فی نفسی هذه شر من الأولى- فقلت و الله ما استصغره الله و رسوله- حین أمراه أن یأخذ براءه من صاحبک- .

فأعرض عنی و أسرع فرجعت عنه- . و قال ابن عباس- قلت لعمر لقد أکثرت التمنی للموت- حتى خشیت أن یکون علیک غیر سهل عند أوانه- فما ذا سئمت من رعیتک أن تعین صالحا أو تقوم فاسدا- . قال یا ابن عباس إنی قائل قولا فخذه إلیک- کیف لا أحب فراقهم- و فیهم من هو فاتح فاه للشهوه من الدنیا- إما لحق لا ینوء به و إما لباطل لا یناله- و الله لو لا أن أسأل عنکم لبرئت منکم- فأصبحت الأرض منی بلاقع- و لم أقل ما فعل فلان و فلان- .

جاءت امرأه إلى عمر بن الخطاب- فقالت یا أمیر المؤمنین- إن زوجی یصوم‏ النهار و یقوم اللیل- و إنی أکره أن أشکوه و هو یعمل بطاعه الله- فقال نعم الزوج زوجک- فجعلت تکرر علیه القول و هو یکرر علیها الجواب- . فقال له کعب بن سور یا أمیر المؤمنین- إنها تشکو زوجها فی مباعدته إیاها عن فراشه- ففطن عمر حینئذ- و قال له قد ولیتک الحکم بینهما- . فقال کعب علی بزوجها فأتی به- فقال إن زوجتک هذه تشکوک- قال فی طعام أو شراب قال لا- قالت المرأه-

أیها القاضی الحکیم رشده
ألهى خلیلی عن فراشی مسجده‏

زهده فی مضجعی تعبده‏
نهاره و لیله ما یرقده‏
فلست فی أمر النساء أحمده‏

فقال زوجها-

زهدنی فی فرشها و فی الحجل
أنی امرؤ أذهلنی ما قد نزل‏

فی سوره النمل و فی السبع الطول‏
و فی کتاب الله تخویف جلل‏

قال کعب-

إن لها حقا علیک یا رجل
تصیبها من أربع لمن عقل‏
فأعطها ذاک و دع عنک العلل‏

فقال لعمر یا أمیر المؤمنین- إن الله أحل له من النساء مثنى و ثلاث و رباع- فله ثلاثه أیام و لیالیهن- یعبد فیها ربه و لها یوم و لیله- . فقال عمر و الله ما أعلم من أی أمریک أعجب- أ من فهمک أمرهما أم من حکمک بینهما- اذهب فقد ولیتک قضاء البصره- . و روى زید بن أسلم عن أبیه قال- خرجت مع عمر بن الخطاب و هو یطوف باللیل-فنظر إلى نار شرقی حره المدینه- فقال إن هؤلاء الرکب لم ینزلوا هاهنا إلا اللیله- ثم أهوى لهم فخرجت معه حتى دنونا- فسمعنا تضاغی الصبیان و بکاءهم- .

فقال السلام علیکم یا أصحاب الضوء هل ندنو منکم- و احتبسنا قلیلا فقالت امرأه منهم ادنوا بسلام- فأقبلنا حتى وقفنا علیها فقال ما یبکی هؤلاء الصبیان- قالت الجوع قال فما هذا القدر على النار- قالت ماء أعللهم به- قال انتظرینی فإنی بالغک إن شاء الله- ثم خرج یهرول و أنا معه حتى جئنا دار الدقیق- و کانت دارا یطرح فیها ما یجی‏ء من دقیق العراق و مصر- و قد کان کتب إلى عمرو بن العاص و أبی موسى- حین أمحلت السنه الغوث الغوث- احملوا إلى أحمال الدقیق و اجعلوا فیها جمائد الشحم- فجاء إلى عدل منها فطأطأ ظهره- ثم قال احمله على ظهری یا أسلم فقلت أنا أحمله عنک- فنظر إلی و قال أنت تحمل عنی وزری یوم القیامه- لا أبا لک قلت لا قال فاحمله على ظهری إذا- ففعلت و خرج به یدلج و أنا معه- حتى ألقاه عند المرأه- . ثم قال لی ذر علی ذرور الدقیق- لا یتعرد و أنا أخزر- ثم أخذ المسواط یخزر- ثم جعل ینفخ تحت البرمه- و أنا أنظر إلى الدخان یخرج من خلل لحیته- و یقول لا تعجل حتى ینضج- ثم قال ألق علی من الشحم- فإن القفار یوجع البطن- .

ثم أنزل القدر و قال للمرأه لا تعجلی- لا تعطیهم حارا و أنا أسطح لک- فجعل یسطح بالمسواط و یبرد طعامهم- حتى إذا شبعوا ترک عندها الفضل- ثم قال لها ائتی أمیر المؤمنین غدا- فإنک عسیت أن تجدینی قریبا منه فأشفع لک بخیر- و هی تقول من أنت یرحمک الله- و تدعو له و تقول أنت أولى بالخلافه من أمیر المؤمنین- فیقول قولی خیرا یرحمک الله لا یزید على هذا- . ثم انصرف حتى إذا کان قریبا جلس فأقعى- و جعل یسمع طویلا- حتى سمع التضاحک منها و من الصبیان- و أنا أقول یا أمیر المؤمنین قد فرغت من هذه- و لک شغل فی غیرها و یقول لا تکلمنی- حتى إذا هدأ حسهم قام فتمطى و قال- ویحک إنی سمعت الجوع أسهرهم- فأحببت ألا أبرح حتى أسمع الشبع أنامهم- .

و من کلامه- الرجال ثلاثه الکامل و دون الکامل و لا شی‏ء- فالکامل ذو الرأی یستشیر الناس- فیأخذ من آراء الرجال إلى رأیه- و دون الکامل من یستبد به و لا یستشیر- و لا شی‏ء من لا رأى له و لا یستشیر- . و النساء ثلاث- تعین أهلها على الدهر و لا تعین الدهر على أهلها- و قلما تجدها- و امرأه وعاء للولد لیس فیها غیره- و الثالثه غل قمل- یجعله الله فی رقبه من یشاء و یفکه إذا شاء- . لما أخرج عمر الحطیئه من حبسه قال له إیاک و الشعر- قال لا أقدر على ترکه یا أمیر المؤمنین- مأکله عیالی و نمله تدب على لسانی- قال فشبب بأهلک و إیاک‏ و کل مدحه مجحفه- قال و ما المجحفه- قال تقول إن بنی فلان خیر من بنی فلان- امدح و لا تفضل أحدا- قال أنت و الله یا أمیر المؤمنین أشعر منی- .

و روى الزبیر فی الموفقیات عن عبد الله بن عباس- قال خرجت أرید عمر بن الخطاب فلقیته راکبا حمارا- و قد ارتسنه بحبل أسود فی رجلیه نعلان مخصوفتان- و علیه إزار و قمیص صغیر- و قد انکشفت منه رجلاه إلى رکبتیه- فمشیت إلى جانبه و جعلت أجذب الإزار و أسویه علیه- کلما سترت جانبا انکشف جانب- فیضحک و یقول إنه لا یطیعک- حتى جئنا العالیه فصلینا- ثم قدم بعض القوم إلینا طعاما من خبز و لحم- و إذا عمر صائم فجعل ینبذ إلی طیب اللحم- و یقول کل لی و لک- ثم دخلنا حائطا فألقى إلی رداءه و قال اکفنیه- و ألقى قمیصه بین یدیه و جلس یغسله و أنا أغسل رداءه- ثم جففناهما و صلینا العصر- فرکب و مشیت إلى جانبه و لا ثالث لنا- .

فقلت یا أمیر المؤمنین إنی فی خطبه فأشر علی- قال و من خطبت قلت فلانه ابنه فلان- قال النسب کما تحب و کما قد علمت- و لکن فی أخلاق أهلها دقه- لا تعدمک أن تجدها فی ولدک- قلت فلا حاجه لی إذا فیها- قال فلم لا تخطب إلى ابن عمک یعنی علیا- قلت أ لم تسبقنی إلیه- قال فالأخرى قلت هی لابن أخیه- قال یا ابن عباس إن صاحبکم إن ولی هذا الأمر- أخشى عجبه بنفسه أن یذهب به- فلیتنی أراکم بعدی قلت یا أمیر المؤمنین إن صاحبنا ما قد علمت- أنه ما غیر و لا بدل و لا أسخط رسول الله ص أیام صحبته له- .

قال فقطع علی الکلام- فقال و لا فی ابنه أبی جهل- لما أراد أن یخطبها على فاطمه- . قلت قال الله تعالى وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً- و صاحبنا لم یعزم على سخط رسول الله ص- و لکن الخواطر التی لا یقدر أحد على دفعها عن نفسه- و ربما کان من الفقیه فی دین الله- العالم العامل بأمر الله- . فقال یا ابن عباس من ظن أنه یرد بحورکم- فیغوص فیها معکم حتى یبلغ قعرها- فقد ظن عجزا- أستغفر الله لی و لک خذ فی غیرها- .

ثم أنشأ یسألنی عن شی‏ء من أمور الفتیا و أجیبه- فیقول أصبت أصاب الله بک- أنت و الله أحق أن تتبع- . أشرف عبد الملک على أصحابه و هم یتذاکرون سیره عمر- فغاظه ذلک و قال إیها عن ذکر سیره عمر- فإنها مزراه على الولاه مفسده للرعیه- . قال ابن عباس کنت عند عمر- فتنفس نفسا ظننت أن أضلاعه قد انفرجت- فقلت ما أخرج هذا النفس منک یا أمیر المؤمنین- إلا هم شدید- قال إی و الله یا ابن عباس- إنی فکرت فلم أدر فیمن أجعل هذا الأمر بعدی- ثم قال لعلک ترى صاحبک لها أهلا- قلت و ما یمنعه من ذلک- مع جهاده و سابقته و قرابته و علمه- قال صدقت و لکنه امرؤ فیه دعابه- قلت فأین أنت عن طلحه قال ذو البأو- و بإصبعه المقطوعه قلت فعبد الرحمن- قال رجل ضعیف- لو صار الأمر إلیه لوضع خاتمه فی ید امرأته- قلت فالزبیر قال شکس لقس- یلاطم فی النقیع فی صاع‏ من بر- قلت فسعد بن أبی وقاص- قال صاحب سلاح و مقنب- قلت فعثمان قال أوه ثلاثا- و الله لئن ولیها لیحملن بنی أبی معیط على رقاب الناس- ثم لتنهض العرب إلیه- . ثم قال یا ابن عباس- إنه لا یصلح لهذا الأمر إلا خصیف العقده- قلیل الغره لا تأخذه فی الله لومه لائم- ثم یکون شدیدا من غیر عنف- لینا من غیر ضعف سخیا من غیر سرف- ممسکا من غیر وکف- قال ابن عباس و کانت و الله هی صفات عمر- .

قال ثم أقبل علی بعد أن سکت هنیهه- و قال أجرؤهم و الله إن ولیها أن یحملهم على کتاب ربهم- و سنه نبیهم لصاحبک- أما إن ولى أمرهم- حملهم على المحجه البیضاء و الصراط المستقیم- . و روى عبد الله بن عمر قال کنت عند أبی یوما- و عنده نفر من الناس- فجرى ذکر الشعر فقال من أشعر العرب- فقالوا فلان و فلان- فطلع عبد الله بن عباس فسلم و جلس- فقال عمر قد جاءکم الخبیر- من أشعر الناس یا عبد الله- قال زهیر بن أبی سلمى- قال فأنشدنی مما تستجیده له- فقال یا أمیر المؤمنین إنه مدح قوما من غطفان- یقال لهم بنو سنان فقال-

لو کان یقعد فوق الشمس من کرم
قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا

قوم أبوهم سنان حین تنسبهم‏
طابوا و طاب من الأولاد ما ولدوا

أنس إذا أمنوا جن إذا فزعوا
مرزءون بها لیل إذا جهدوا

محسدون على ما کان من نعم
لا بنزع الله منهم ماله حسدوا

فقال عمر و الله لقد أحسن- و ما أرى هذا المدح یصلح إلا لهذا البیت من هاشم- لقرابتهم من رسول الله ص- فقال ابن عباس وفقک الله یا أمیر المؤمنین- فلم تزل موفقا- فقال یا ابن عباس أ تدری ما منع الناس منکم- قال لا یا أمیر المؤمنین قال لکنی أدری- قال ما هو یا أمیر المؤمنین- قال کرهت قریش أن تجتمع لکم النبوه و الخلافه- فیجخفوا جخفا- فنظرت قریش لنفسها فاختارت و وفقت فأصابت- . فقال ابن عباس- أ یمیط أمیر المؤمنین عنی غضبه فیسمع- قال قل ما تشاء- قال أما قول أمیر المؤمنین إن قریشا کرهت- فإن الله تعالى قال لقوم- ذلِکَ بِأَنَّهُمْ کَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ- .

و أما قولک إنا کنا نجخف- فلو جخفنا بالخلافه جخفنا بالقرابه- و لکنا قوم أخلاقنا مشتقه من خلق رسول الله ص- الذی قال الله تعالى وَ إِنَّکَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِیمٍ- و قال له وَ اخْفِضْ جَناحَکَ لِمَنِ اتَّبَعَکَ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ- . و أما قولک فإن قریشا اختارت- فإن الله تعالى یقول- وَ رَبُّکَ یَخْلُقُ ما یَشاءُ وَ یَخْتارُ ما کانَ لَهُمُ الْخِیَرَهُ- و قد علمت یا أمیر المؤمنین- أن الله اختار من خلقه لذلک من اختار- فلو نظرت قریش من حیث نظر الله لها- لوفقت و أصابت قریش- . فقال عمر على رسلک یا ابن عباس- أبت قلوبکم یا بنی هاشم إلا غشا فی أمر قریش لا یزول- و حقدا علیها لا یحول- فقال ابن عباس مهلا یا أمیر المؤمنین-لا تنسب هاشما إلى الغش- فإن قلوبهم من قلب رسول الله الذی طهره الله و زکاه- و هم أهل البیت الذین قال الله تعالى لهم- إِنَّما یُرِیدُ اللَّهُ لِیُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ- وَ یُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیراً- و أما قولک حقدا فکیف لا یحقد من غصب شیئه- و یراه فی ید غیره- . فقال عمر أما أنت یا ابن عباس- فقد بلغنی عنک کلام أکره أن أخبرک به- فتزول منزلتک عندی- قال و ما هو یا أمیر المؤمنین أخبرنی به- فإن یک باطلا فمثلی أماط الباطل عن نفسه- و إن یک حقا فإن منزلتی عندک لا تزول به- .

قال بلغنی أنک لا تزال تقول- أخذ هذا الأمر منک حسدا و ظلما- قال أما قولک یا أمیر المؤمنین حسدا- فقد حسد إبلیس آدم فأخرجه من الجنه- فنحن بنو آدم المحسود- . و أما قولک ظلما فأمیر المؤمنین یعلم صاحب الحق من هو- . ثم قال یا أمیر المؤمنین- أ لم تحتج العرب على العجم بحق رسول الله- و احتجت قریش على سائر العرب بحق رسول الله ص- فنحن أحق برسول الله من سائر قریش- . فقال له عمر قم الآن فارجع إلى منزلک فقام- فلما ولى هتف به عمر أیها المنصرف- إنی على ما کان منک لراع حقک- . فالتفت ابن عباس فقال- إن لی علیک یا أمیر المؤمنین- و على کل المسلمین حقا برسول الله ص- فمن حفظه فحق نفسه حفظ- و من أضاعه فحق نفسه أضاع ثم مضى- .

فقال عمر لجلسائه واها لابن عباس- ما رأیته لاحى أحدا قط إلا خصمه- . لما توفی عبد الله بن أبی- رأس المنافقین فی حیاه رسول الله ص- جاء ابنه و أهله- فسألوا رسول الله ص أن یصلی علیه- فقام بین یدی الصف یرید ذلک- فجاء عمر فجذبه من خلفه- و قال أ لم ینهک الله أن تصلی على المنافقین- فقال إنی خیرت فاخترت- فقیل لی اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ- إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِینَ مَرَّهً فَلَنْ یَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ- و لو أنی أعلم أنی إذا زدت على السبعین غفر له لزدت- ثم صلى رسول الله علیه و مشى معه و قام على قبره- . فعجب الناس من جرأه عمر على رسول الله ص- فلم یلبث الناس إلا أن نزل قوله تعالى- وَ لا تُصَلِّ عَلى‏ أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً- وَ لا تَقُمْ عَلى‏ قَبْرِهِ- فلم یصل ع بعدها على أحد من المنافقین- .

و روى أبو هریره قال کنا قعودا حول رسول الله ص فی نفر- فقام من بین أظهرنا فأبطأ علینا و خشینا أن یقطع دوننا فقمنا و کنت أول من فزع- فخرجت أبتغیه حتى أتیت حائطا للأنصار- لقوم من بنی النجار- فلم أجد له بابا إلا ربیعا- فدخلت فی جوف الحائط و الربیع الجدول- فدخلت منه بعد أن احتفرته فإذا رسول الله ص- فقال أبو هریره قلت نعم- قال ما شأنک قلت کنت بین أظهرنا- فقمت فأبطأت عنا فخشینا أن تقتطع دوننا- ففزعنا و کنت أول من فزع- فأتیت هذا الحائط فاحتفرته کما یحتفر الثعلب- و الناس من ورائی- .

فقال یا أبا هریره اذهب بنعلی هاتین- فمن لقیته وراء هذا الحائط یشهد أن لا إله إلا الله- مستیقنا بها قلبه فبشره بالجنه- فخرجت فکان أول من لقیت عمر- فقال ما هذان النعلان- قلت نعلا رسول الله ص بعثنی بهما- و قال من لقیته یشهد أن لا إله إلا الله مستیقنا بها قلبه- فبشره بالجنه- . فضرب عمر فی صدری فخررت لاستی- و قال ارجع إلى رسول الله ص- . فأجهشت بالبکاء راجعا- فقال رسول الله ما بالک- قلت لقیت عمر فأخبرته بالذی بعثتنی به- فضرب صدری ضربه خررت لاستی- و قال ارجع إلى رسول الله- . فخرج رسول الله فإذا عمر- فقال ما حملک یا عمر على ما فعلت- فقال عمر أنت بعثت أبا هریره بکذا- قال نعم قال فلا تفعل- فإنی أخشى أن یتکل الناس علیها فیترکوا العمل خلهم یعملون فقال رسول الله ص خلهم یعملون

و روى أبو سعید الخدری قال أصابت الناس مجاعه فی غزاه تبوک- فقالوا یا رسول الله لو أذنت لنا فذبحنا نواضحنا- و أکلنا شحمها و لحمها فقال افعلوا- فجاء عمر فقال یا رسول الله إنهم إن فعلوا قل الظهر- و لکن ادعهم بفضلات أزوادهم فاجمعها- ثم ادع لهم علیها بالبرکه لعل الله یجعل فی ذلک خیرا-ففعل رسول الله ص ذلک- فأکل الخلق الکثیر من طعام قلیل- و لم تذبح النواضح

و روى ابن عباس رضی الله عنه أن رجلا أتى رسول الله ص یذکر له ذنبا أذنبه- فانزل الله تعالى فی أمره- وَ أَقِمِ الصَّلاهَ طَرَفَیِ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّیْلِ- إِنَّ الْحَسَناتِ یُذْهِبْنَ السَّیِّئاتِ ذلِکَ ذِکْرى‏ لِلذَّاکِرِینَ- فقال یا رسول الله لی خاصه أم للناس عامه- . فضرب عمر صدره بیده و قال- لا و لا نعمى عین بل للناس عامه- فقال رسول الله ص بل للناس عامه
– . و کان عمر یقول وافقنی ربی فی ثلاث- قلت یا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهیم مصلى- فنزلت وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِیمَ مُصَلًّى- .

و قلت یا رسول الله- إن نساءک یدخل علیهن البر و الفاجر- فلو أمرتهن أن یحتجبن فنزلت آیه الحجاب- . و تمالأ علیه نساؤه غیره فقلت له- عسى ربه إن طلقکن أن یبدله أزواجا خیرا منکن- فنزلت بهذا اللفظ- . و قال عبد الله بن مسعود فضل عمر الناس بأربع- برأیه فی أسارى بدر فنزل القرآن بموافقته- ما کانَ لِنَبِیٍّ أَنْ یَکُونَ لَهُ أَسْرى‏ حَتَّى یُثْخِنَ فِی الْأَرْضِ- و برأیه فی حجاب نساء النبی ص- فنزل قوله تعالى- وَ إِذا سَأَلْتُمُوهُنَ‏ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ- و بدعوه النبی ص-

اللهم أید الإسلام بأحد الرجلین- و برأیه فی أبی بکر کان أول من بایعه- . و روت عائشه قالت- کنت آکل مع رسول الله ص حیسا- قبل أن تنزل آیه الحجاب- و مر عمر فدعاه فأکل- فأصابت یده إصبعی فقال حس- لو أطاع فیکن ما رأتکن عین فنزلت آیه الحجاب- . جاء عیینه بن حصن و الأقرع بن حابس إلى أبی بکر- فقالا یا خلیفه رسول الله- إن عندنا أرضا سبخه لیس فیها کلأ و لا منفعه- فإن رأیت أن تقطعناها لعلنا نحرثها أو نزرعها- و لعل الله أن ینفع بها بعد الیوم- فقال أبو بکر لمن حوله من الناس المسلمین- ما ترون قالوا لا بأس- فکتب لهما بها کتابا و أشهد فیه شهودا- و عمر ما کان حاضرا- فانطلقا إلیه لیشهد فی الکتاب- فوجداه قائما یهنأ بعیرا- فقالا إن خلیفه رسول الله ص کتب لنا هذا الکتاب- و جئناک لتشهد على ما فیه- أ فتقرؤه أم نقرؤه علیک- قال أ على الحال التی تریان إن شئتما فاقرآه- و إن شئتما فانتظرا حتى أفرغ- .

قالا بل نقرؤه علیک- فلما سمع ما فیه أخذه منهما ثم تفل فیه- فمحاه فتذامرا و قالا مقاله سیئه- .فقال إن رسول الله ص کان یتألفکما- و الإسلام یومئذ ذلیل- و إن الله تعالى قد أعز الإسلام- فاذهبا فاجهدا جهدکما- لا رعى الله علیکما إن رعیتما- . فذهبا إلى أبی بکر و هما یتذمران- فقالا و الله ما ندری أنت أمیر أم عمر- فقال بل هو لو شاء کان- . و جاء عمر و هو مغضب حتى وقف على أبی بکر- فقال أخبرنی عن هذه الأرض التی أقطعتها هذین الرجلین- أ هی لک خاصه أم بین المسلمین عامه- فقال بین المسلمین عامه- قال فما حملک على أن تخص بها هذین دون جماعه المسلمین- قال استشرت الذین حولی فأشاروا بذلک- فقال أ فکل المسلمین أوسعتهم مشوره و رضا- فقال أبو بکر- فلقد کنت قلت لک إنک أقوى على هذا الأمر منی- لکنک غلبتنی- .

لما کتب النبی ص کتاب الصلح- فی الحدیبیه بینه و بین سهیل بن عمرو- کان فی الکتاب أن من خرج من المسلمین إلى قریش لا یرد- و من خرج من المشرکین إلى النبی ص یرد علیهم- فغضب عمر و قال لأبی بکر ما هذا یا أبا بکر- أ یرد المسلمون إلى المشرکین- ثم جاء إلى رسول الله ص فجلس بین یدیه- و قال یا رسول الله أ لست رسول الله حقا قال بلى- قال و نحن المسلمون حقا قال نعم- قال و هم الکافرون حقا قال نعم- قال فعلام نعطی الدنیه فی دیننا- فقال رسول الله أنا رسول الله أفعل ما یأمرنی به- و لن یضیعنی- .

فقام عمر مغضبا- و قال لو أجد أعوانا ما أعطیت الدنیه أبدا- و جاء إلى أبی بکرفقال له یا أبا بکر- أ لم یکن وعدنا أننا سندخل مکه- فأین ما وعدنا به فقال أبو بکر- أ قال لک إنه العام یدخلها قال لا- قال فسیدخلها فقال فما هذه الصحیفه التی کتبت- و کیف نعطی الدنیه من أنفسنا- فقال أبو بکر یا هذا الزم غرزه- فو الله إنه لرسول الله و إن الله لا یضیعه- .

فلما کان یوم الفتح- و أخذ رسول الله ص مفتاح الکعبه- قال ادعوا لی عمر- فجاء فقال هذا الذی کنت وعدتکم به- . لما قتل المشرکون یوم بدر أسر منهم سبعون أسیرا- فاستشار رسول الله ص فیهم أبا بکر و عمر- فقال أبو بکر- یا رسول الله هؤلاء بنو العم و العشیره و الإخوان- و أرى أن تأخذ منهم الفدیه- فیکون ما أخذنا منهم قوه لنا على المشرکین- و عسى أن یهدیهم الله بعد الیوم- فیکونوا لنا عذرا- فقال رسول الله ص ما تقول أنت یا عمر- قال أرى أن تمکننی من فلان قریب لعمر- فأضرب عنقه- و تمکن علیا من عقیل فیضرب عنقه- و تمکن حمزه من أخیه فیضرب عنقه- حتى یعلم الله أنه لیس فی قلوبنا هواده للمشرکین- اقتلهم یا رسول الله فإنهم صنادیدهم و قادتهم- فلم یهو رسول الله ما قاله عمر- . قال عمر فجئت رسول الله ص- فوجدته قاعدا و أبو بکر و هما یبکیان- فقلت ما یبکیکما حدثانی- فإن وجدت بکاء بکیت و إلا تباکیت- فقال رسول الله ص أبکی لأخذ الفداء- لقد عرض علی عذابکم أدنى من هذه الشجره- لشجره قریبه منه- .

قال عبد الله بن عمر- فکان رسول الله ص یقول- کدنا أن یصیبنا شر فی مخالفه عمر- . و قال عمر فی خلافته- لئن عشت إن شاء الله لأسیرن فی الرعیه حولا- فإنی أعلم أن للناس حوائج تقتطع دونی- أما عمالهم فلا یرفعونها إلی- و أما هم فلا یصلون إلی- أسیر إلى الشام فأقیم بها شهرین- ثم أسیر إلى الجزیره فأقیم بها شهرین- ثم أسیر إلى مصر فأقیم بها شهرین- ثم أسیر إلى البحرین فأقیم بها شهرین- ثم أسیر إلى الکوفه فأقیم بها شهرین- ثم إلى البصره فأقیم بها شهرین- و الله لنعم الحول هذا- .

و قال أسلم- بعثنی عمر بإبل من إبل الصدقه إلى الحمى- فوضعت جهازی على ناقه منها کریمه- فلما أردت أن أصدرها قال أعرضها علی- فعرضتها علیه فرأى متاعی على ناقه حسناء- فقال لا أم لک- عمدت إلى ناقه تغنی أهل بیت من المسلمین- فهلا ابن لبون بوال أو ناقه شصوص- . و قیل لعمر إن هاهنا رجلا من الأحبار نصرانیا- له بصر بالدیوان لو اتخذته کاتبا- فقال لقد اتخذت إذا بطانه من دون المؤمنین- . قال و قد خطب الناس- و الذی بعث محمدا بالحق- لو أن جملا هلک ضیاعا بشط الفرات- خشیت أن یسأل الله عنه آل الخطاب- .

قال عبد الرحمن بن زید بن أسلم- یعنی بآل الخطاب نفسه ما یعنی غیرها- . و کتب إلى أبی موسى- أنه لم یزل للناس وجوه من الأمر- فأکرم من قبلک من وجوه الناس- و بحسب المسلم الضعیف من بین القوم- أن ینصف فی الحکم و فی القسم- . أتى أعرابی عمر- فقال إن ناقتی بها نقبا و دبرا فاحملنی- فقال له و الله ما ببعیرک من نقب و لا دبر فقال-

أقسم بالله أبو حفص عمر
ما مسها من نقب و لا دبر
فاغفر له اللهم إن کان فجر

فقال عمر اللهم اغفر لی ثم دعاه فحمله- . جاء رجل إلى عمر و کانت بینهما قرابه یسأله- فزبره و أخرجه فکلم فیه- و قیل یا أمیر المؤمنین زبرته و أخرجته- قال إنه سألنی من مال الله- فما معذرتی إذا لقیته ملکا خائنا فلو سألنی من مالی- ثم بعث إلیه ألف درهم من ماله- .

و کان یقول فی عماله- اللهم إنی لم أبعثهم لیأخذوا أموال المسلمین- و لا لیضربوا أبشارهم- من ظلمه أمیره فلا إمره علیه دونی بینا عمر ذات لیله یعس- سمع صوت امرأه من سطح و هی تنشد-

تطاول هذا اللیل و أزور جانبه
و لیس إلى جنبی خلیل ألاعبه‏

فو الله لو لا الله تخشى عواقبه‏
لزعزع من هذا السریر جوانبه‏

مخافه ربی و الحیاء یصدنی
و أکرم بعلی أن تنال مراکبه‏

و لکننی أخشى رقیبا موکلا
بأنفسنا لا یفتر الدهر کاتبه‏

– فقال عمر لا حول و لا قوه إلا بالله- ما ذا صنعت یا عمر بنساء المدینه- ثم جاء فضرب على حفصه ابنته- فقالت ما جاء بک فی هذه الساعه- قال أخبرینی کم تصبر المرأه المغیبه عن بعلها- قالت أقصاه أربعه أشهر- . فلما أصبح کتب إلى أمرائه فی جمیع النواحی- ألا تجمر البعوث- و ألا یغیب رجل عن أهله أکثر من أربعه أشهر- .

و روى أسلم قال- کنت مع عمر و هو یعس بالمدینه- إذ سمع امرأه تقول لبنتها- قومی یا بنیه إلى ذلک اللبن بعد المشرقین فامذقیه- قالت أ و ما علمت ما کان من عزمه أمیر المؤمنین بالأمس- قالت و ما هو- قالت إنه أمر منادیا فنادى ألا یشاب اللبن بالماء- قالت فإنک بموضع لا یراک أمیر المؤمنین- و لا منادی أمیر المؤمنین- قالت‏ و الله ما کنت لأطیعه فی الملأ و أعصیه فی الخلاء- و عمر یسمع ذلک- فقال یا أسلم اعرف الباب ثم مضى فی عسه- فلما أصبح قال یا أسلم امض إلى الموضع- فانظر من القائله و من المقول لها و هل لهما من بعل- قال أسلم- فأتیت الموضع فنظرت فإذا الجاریه أیم- و إذا المتکلمه بنت لها لیس لهما رجل- .

فجئت فأخبرته فجمع عمر ولده- و قال هل یرید أحد أن یتزوج- فأزوجه امرأه صالحه فتاه- و لو کان فی أبیکم حرکه إلى النساء لم یسبقه أحد إلیها- فقال عاصم ابنه أنا فبعث إلى الجاریه فزوجها ابنه عاصما- فولدت له بنتا هی المکناه أم عاصم- و هی أم عمر بن عبد العزیز بن مروان- . حج عمر فلما کان بضجنان- قال لا إله إلا الله العلی العظیم- المعطی ما یشاء لمن یشاء- أذکر و أنا أرعى إبل الخطاب- بهذا الوادی فی مدرعه صوف- و کان فظا یتعبنی إذا عملت- و یضربنی إذا قصرت- و قد أمسیت الیوم و لیس بینی و بین الله أحد ثم تمثل-

لا شی‏ء مما یرى تبقى بشاشته
یبقى الإله و یودی المال و الولد

لم تغن عن هرمز یوما خزائنه‏
و الخلد قد حاولت عاد فما خلدوا

و لا سلیمان إذ تجری الریاح له
و الإنس و الجن فیما بینها یرد

أین الملوک التی کانت منازلها
من کل أوب إلیها راکب یفد

حوض هنالک مورود بلا کذب
لا بد من ورده یوما کما وردوا

و روى محمد بن سیرین- أن عمر فی آخر أیامه اعتراه نسیان- حتى کان ینسى عدد رکعات الصلاه- فجعل أمامه رجلا یلقنه- فإذا أومى إلیه أن یقوم أو یرکع فعل- . و سمع عمر منشدا ینشد قول طرفه-

فلو لا ثلاث هن من عیشه الفتى
و جدک لم أحفل متى قام عودی‏

فمنهن سبقی العاذلات بشربه‏
کمیت متى ما تعل بالماء تزبد

و کری إذا نادى المضاف محنبا
کسید الغضا نبهته المتوسد

و تقصیر یوم الدجن و الدجن معجب‏
ببهکنه تحت الطراف الممدد

فقال و أنا لو لا ثلاث هن من عیشه الفتى- لم أحفل متى قام عودی- أن أجاهد فی سبیل الله- و أن أضع وجهی فی التراب لله- و أن أجالس قوما یلتقطون طیب القول کما یلتقط طیب التمر- . و روى عبد الله بن بریده- قال کان عمر ربما یأخذ بید الصبی- فیقول ادع لی فإنک لم تذنب بعد- و کان عمر کثیر المشاوره- کان یشاور فی أمور المسلمین حتى المرأه- . و روى یحیى بن سعید قال- أمر عمر الحسین بن علی ع- أن یأتیه‏ فی بعض الحاجه- فلقی الحسین ع عبد الله بن عمر- فسأله من أین جاء- قال استأذنت على أبی فلم یأذن لی- فرجع الحسین و لقیه عمر من الغد- فقال ما منعک یا حسین أن تأتینی قال قد أتیتک- و لکن أخبرنی ابنک عبد الله أنه لم یؤذن له علیک- فرجعت فقال عمر و أنت عندی مثله- و هل أنبت الشعر على الرأس غیرکم- .

قال عمر یوما و الناس حوله- و الله ما أدری أ خلیفه أنا أم ملک- فإن کنت ملکا فقد ورطت فی أمر عظیم- فقال له قائل یا أمیر المؤمنین إن بینهما فرقا- و إنک إن شاء الله لعلى خیر قال کیف- قال إن الخلیفه لا یأخذ إلا حقا و لا یضعه إلا فی حق- و أنت بحمد الله کذلک- و الملک یعسف الناس و یأخذ مال هذا فیعطیه هذا- فسکت عمر و قال أرجو أن أکونه- . و روى مالک عن نافع عن ابن عمر- أن عمر تعلم سوره البقره فی اثنتی عشره سنه- فلما ختمها نحر جزورا- . و روى أنس- قال کان یطرح لعمر کل یوم صاع من تمر- فیأکله حتى حشفه- . و روى یوسف بن یعقوب الماجشون- قال قال لی ابن شهاب و لأخ لی و ابن عم لنا- و نحن صبیان أحداث- لا تحتقروا أنفسکم لحداثه أسنانکم- فإن عمر کان إذا نزل به الأمر المعضل- دعا الصبیان فاستشارهم یبتغی حده عقولهم- .

و روى الحسن- قال کان رجل لا یزال یأخذ من لحیه عمر شیئا- فأخذ یوما من لحیته فقبض على یده فإذا فیها بشی‏ء- فقال إن الملق من الکذب ثم علاه بالدره- . انقطع شسع نعل عمر فاسترجع- و قال کل ما ساءک فهو مصیبه- . وقف أعرابی على عمر فقال له-

یا ابن خطاب جزیت الجنه
اکس بنیاتی و أمهنه‏
أقسم بالله لتفعلنه‏

فقال عمر إن لم أفعل یکون ما ذا- قال

إذا أبا حفص لأمضینه‏

فقال إذا مضیت یکون ما ذا- قال

تکون عن حالی لتسألنه
یوم تکون الأعطیات جنه

و الواقف المسئول یبهتنه‏
إما إلى نار و إما جنه

فبکى عمر ثم قال لغلامه- أعطه قمیصی هذا لذلک الیوم لا لشعره- و الله ما أملک ثوبا غیره- . و روى ابن عباس- قال قال لی عمر لیله أنشدنی لشاعر الشعراء- قلت و من هو قال زهیر الذی یقول-

إذا ابتدرت قیس بن عیلان غایه
من المجد من یسبق إلیها یسود

فأنشدته حتى برق الفجر- فقال إیها الآن اقرأ یا عبد الله- قلت ما أقرأ قال سوره الواقعه- . سمع عمر صوت بکاء فی بیت- فدخل و بیده الدره- فمال علیهم ضربا حتى بلغ النائحه- فضربها حتى سقط خمارها- ثم قال لغلامه اضرب النائحه- ویلک اضربها فإنها نائحه لا حرمه لها- لأنها لا تبکی بشجوکم- إنها تهریق دموعها على أخذ دراهمکم- إنها تؤذی أمواتکم فی قبورهم و أحیاءکم فی دورهم- إنها تنهى عن الصبر و قد أمر الله به- و تأمر بالجزع و قد نهى الله عنه- . و من کلامه- من اتجر فی شی‏ء ثلاث مرات فلم یصب فیه- فلیتحول عنه إلى غیره- . و من کلامه- لو کنت تاجرا لما اخترت على العطر شیئا- إن فاتنی ربحه لم یفتنی ریحه- .

و من کلامه تفقهوا قبل أن تسودوا- . و من کلامه تعلموا المهنه- فإنه یوشک أحدکم أن یحتاج إلى مهنته- . و من کلامه مکسبه فیها بعض الدناءه- خیر من مسأله الناس- . و من کلامه أعقل الناس أعذرهم لهم- . رأى عمر ناسا یتبعون أبی بن کعب- فرفع علیه الدره- فقال یا أمیر المؤمنین اتق الله- قال فما هذه الجموع خلفک یا ابن کعب- أ ما علمت أنها فتنه للمتبوع مذله للتابع- . جاء رجل إلى عمر- فقال إن بنتا لی واریتها فی الجاهلیه- فاستخرجناها قبل أن‏

تموت- فأدرکت معنا الإسلام فأسلمت- ثم قارفت حدا من حدود الله- فأخذت الشفره لتذبح نفسها- فأدرکناها و قد قطعت بعض أوداجها- فداویناها حتى برئت و تابت توبه حسنه- و قد خطبها قوم أ فأخبرهم بالذی کان من شأنها- فقال عمر أ تعمد إلى ما ستره الله فتبدیه- و الله لئن أخبرت بشأنها أحدا- لأجعلنک نکالا لأهل الأمصار- أنکحها نکاح العفیفه السلیمه- .

أسلم غیلان بن سلمه الثقفی من عشر نسوه- فقال له النبی ص- اختر منهن أربعا و طلق ستا – فلما کان على عهد عمر طلق نساءه الأربع- و قسم ماله بین بنیه- فبلغ ذلک عمر فأحضره- فقال له إنی لأظن الشیطان فیما یسترق من السمع- سمع بموتک فقذفه فی نفسک- و لعلک لا تمکث إلا قلیلا- و ایم الله لتراجعن نساءک- و لترجعن فی مالک- أو لأورثنهن منک- و لآمرن بقبرک فیرجم- کما رجم قبر أبی رغال و قال عمر- إن الجزف فی المعیشه أخوف عندی علیکم من العیال- أنه لا یبقى مع الفساد شی‏ء- و لا یقل مع الإصلاح شی‏ء- . و کان عمر یقول أدبوا الخیل- و انتضلوا و اقعدوا فی الشمس- و لا یجاورنکم الخنازیر- و لا تقعدوا على مائده یشرب علیها الخمر- أو یرفع علیها الصلیب- و إیاکم و أخلاق العجم- و لا یحل لمؤمن أن یدخل الحمام إلا مؤتزرا- و لا لامرأه أن تدخل الحمام إلا من سقم- فإذا وضعت المرأه خمارها فی غیر بیت زوجها- فقد هتکت الستر بینها و بین الله تعالى- .

و کان یکره أن یتزیا الرجال بزی النساء- و ألا یزال الرجل یرى مکتحلا مدهنا- و أن یحف لحیته و شاربه کما تحف المرأه- . سمع عمر سائلا یقول من یعشی السائل- فقال عشوا سائلکم- ثم جاء إلى دار إبل الصدقه یعشیها- فسمع صوته مره أخرى- من یعشی السائل- فقال أ لم آمرکم أن تعشوه فقالوا قد عشیناه- فأرسل إلیه عمر و إذا معه جراب مملوء خبزا- فقال إنک لست سائلا إنما أنت تاجر تجمع لأهلک- فأخذ بطرف الجراب فنبذه بین یدی الإبل- . و قال عمر من مزح استخف به- و قال أ تدرون لم سمی المزاح مزاحا- لأنه أزاح الناس عن الحق- .

و من کلامه لن یعطى أحد بعد الکفر بالله شرا- من زوجه حدیده اللسان سیئه الخلق عقیم- و لن یعطى أحد بعد الإیمان بالله خیرا- من زوجه کریمه ودود ولود حسنه الخلق- . و کان یقول- إن شقاشق الکلام من شقاشق اللسان- فأقلوا ما استطعتم- . و نظر إلى شاب قد نکس رأسه خشوعا- فقال یا هذا ارفع رأسک- فإن الخشوع لا یزید على ما فی القلب- فمن أظهر للخلق خشوعا فوق ما فی قلبه- فإنما أظهر نفاقا- . و من کلامه- إن أحبکم إلینا ما لم نرکم أحسنکم أسماء- فإذا رأیناکم فأحبکم إلینا أحسنکم أخلاقا- فإذا بلوناکم فأحبکم إلینا أعظمکم أمانه- و أصدقکم حدیثا- . و کان یقول- لا تنظروا إلى صلاه امرئ و لا صیامه- و لکن انظروا إلى عقله و صدقه- .

و من کلامه إن العبد إذا تواضع لله رفع حکمته- و قال له انتعش نعشک الله- فهو فی نفسه صغیر و فی أعین الناس عظیم- و إذا تکبر و عتا وهضه الله إلى الأرض- و قال اخسأ خسأک الله- فهو فی نفسه عظیم- و فی أعین الناس حقیر- حتى یکون عندهم أحقر من الخنزیر- . و قال الإنسان لا یتعلم العلم لثلاث و لا یترکه لثلاث- لا یتعلمه لیماری به و لا لیباهی به و لا لیرائی به- و لا یترکه حیاء من طلبه- و لا زهاده فیه و لا رضا بالجهل بدلا منه- . و قال تعلموا أنسابکم تصلوا أرحامکم- . و قال إنی لا أخاف علیکم أحد الرجلین- مؤمنا قد تبین إیمانه و کافرا قد تبین کفره- و لکن أخاف علیکم منافقا یتعوذ بالإیمان و یعمل بغیره- . و من کلامه إن الرجف من کثره الزناء- و إن قحوط المطر من قضاه السوء و أئمه الجور- .

و قال فی النساء استعینوا علیهن بالعری- فإن إحداهن إذا کثرت ثیابها- و حسنت زینتها أعجبها الخروج- . و من کلامه إن الجبت السحر و إن الطاغوت الشیطان- و إن الجبن و الشجاعه غرائز تکون فی الرجال- یقاتل الشجاع عمن لا یعرف- و یفر الجبان عن أمه- و إن کرم الرجل دینه- و حسب الرجل خلقه- و إن کان فارسیا أو نبطیا- . و قال تفهموا العربیه- فإنها تشحذ العقل و تزید فی المروءه- . و قال النساء ثلاث- امرأه هینه لینه عفیفه ودود ولود- تعین بعلها على الدهر- و لا تعین الدهر على بعلها و قلما تجدها- و أخرى وعاء للولد لا تزید على ذلک شیئا- و الثالثه غل قمل- یجعله الله فی عنق من یشاء- و ینزعه إذا شاء- .

و الرجال ثلاثه- رجل عاقل یورد الأمور و یصدرها- فیحسن إیرادا و إصدارا- و آخر یشاور الرجال و یقف عند آرائهم- و الثالث حائر بائر لا یأتمر رشدا- و لا یطیع مرشدا- . و قال ما یمنعکم إذا رأیتم السفیه- یخرق أعراض النساء أن تعربوا علیه- قالوا نخاف لسانه قال ذاک أدنى ألا تکونوا شهداء- . و رأى رجلا عظیم البطن- فقال ما هذا قال برکه من الله- . و قال إذا رزقت موده من أخیک- فتشبث بها ما استطعت- . و قال لقوم یحصدون الزرع- إن الله جعل ما أخطأت أیدیکم رحمه لفقرائکم- فلا تعودوا فیه- . و قال ما ظهرت قط نعمه على أحد إلا وجدت له حاسدا- و لو أن أمرا کان أقوم من قدح لوجدت له غامزا- . و قال إیاکم و المدح فإنه الذبح- . و قال لقبیصه بن ذؤیب- أنت رجل حدیث السن فصیح اللسان- و إنه یکون فی الرجل تسعه أخلاق حسنه- و خلق واحد سیئ- فیغلب الواحد التسعه فتوق عثرات السیئات- .

و قال بحسب امرئ من الغی أن یؤذی جلیسه- أو یتکلف ما لا یعنیه- أو یعیب الناس بما یأتی مثله- و یظهر له منهم ما یخفى علیهم من نفسه- . و قال احترسوا من الناس بسوء الظن- . و قال فی خطبه له لا یعجبنکم من الرجل طنطنته- و لکن من أدى الأمانه- و کف عن أعراض الناس فهو الرجل- . و قال الراحه فی مهاجره خلطاء السوء- .

و قال إن لؤما بالرجل أن یرفع یدیه من الطعام قبل أصحابه- . و أثنى رجل على رجل عند عمر- فقال له أ عاملته قال لا- قال أ صحبته فی السفر قال لا- قال فأنت إذا القائل ما لا یعلم- . و قال لأن أموت بین شعبتی رحلی أسعى فی الأرض- أبتغی من فضل الله کفاف وجهی- أحب إلی من أن أموت غازیا- . و کان عمر قاعدا و الدره معه و الناس حوله- إذ أقبل الجارود العامری فقال رجل هذا سید ربیعه- فسمعها عمر و من حوله و سمعها الجارود- فلما دنا منه خفقه بالدره- فقال ما لی و لک یا أمیر المؤمنین- قال ویلک سمعتها- قال و سمعتها فمه- قال خشیت أن تخالط القوم- و یقال هذا أمیر فأحببت أن أطأطئ منک- .

و قال من أحب أن یصل أباه فی قبره- فلیصل إخوان أبیه من بعده- . و قال إن أخوف ما أخاف أن یکون- إعجاب المرء برأیه- فمن قال إنی عالم فهو جاهل- و من قال إنی فی الجنه فهو فی النار- . و خرج للحج- فسمع غناء راکب یغنی و هو محرم- فقیل یا أمیر المؤمنین أ لا تنهاه عن الغناء و هو محرم- فقال دعوه فإن الغناء زاد الراکب- .

و قال یثغر الغلام لسبع و یحتلم لأربع عشره- و ینتهی طوله لإحدى و عشرین- و یکمل عقله لثمان و عشرین- و یصیر رجلا کاملا لأربعین- .

و روى سعید بن المسیب- أن عمر لما صدر من الحج فی الشهر الذی قتل فیه- کوم کومه من بطحاء و ألقى علیها طرف ثوبه- ثم استلقى علیها و رفع یدیه إلى السماء- و قال اللهم کبرت سنی- و ضعفت قوتی و انتشرت رعیتی- فاقبضنی إلیک غیر مضیع و لا مفرط- . ثم قدم المدینه فخطب الناس فقال- أیها الناس قد فرضت لکم الفرائض- و سننت لکم السنن و ترکتکم على الواضحه- إلا أن تضلوا بالناس یمینا و شمالا- إیاکم أن تنتهوا عن آیه الرجم- و أن یقول قائل لا نجد ذلک حدا فی کتاب الله- فقد رأیت رسول الله رجم و رجمنا بعده- و لو لا أن یقول الناس- إن ابن الخطاب أحدث آیه فی کتاب الله لکتبتها- و لقد کنا نقرؤها- و الشیخ و الشیخه إذا زنیا فارجموهما البته- فما انسلخ ذو الحجه حتى طعن دفع إلى عمر صک محله فی شعبان- فقال أی شعبان الذی مضى أم الذی نحن فیه- ثم جمع أصحاب رسول الله ص-

و قال ضعوا للناس تاریخا یرجعون إلیه- فقال قائل منهم اکتبوا على تاریخ الروم- فقیل إنه یطول و إنه مکتوب من عهد ذی القرنین- و قال قائل بل اکتبوا على تاریخ الفرس- فقیل إن الفرس کلما قام ملک طرحوا ما کان قبله- فقال علی ع اکتبوا تاریخکم- منذ خرج رسول الله ص من دار الشرک إلى دار النصره- و هی دار الهجره – فقال عمر نعم ما أشرت به- فکتب للهجره- بعد مضی سنتین و نصف من خلافه عمر- .

قال المؤرخون- إن عمر أول من سن قیام رمضان فی جماعه- و کتب به إلى البلدان و أقام الحد فی الخمر ثمانین- و أحرق بیت رویشد الثقفی و کان نباذا- و أقام فی عمله بنفسه- و أول من حمل الدره و أدب بها- و قیل بعده کانت دره عمر أهیب من سیف الحجاج- . و هو أول من فتح الفتوح- فتح العراق کله السواد و الجبال و أذربیجان- و کور البصره و کور الکوفه و الأهواز و فارس- و فتح الشام کلها ما خلا أجنادین- فإنها فتحت فی خلافه أبی بکر- و فتح کور الجزیره و الموصل و مصر و الإسکندریه- و قتله أبو لؤلؤه و خیله على الری- .

و هو أول من مسح السواد و وضع الخراج على الأرض- و الجزیه على جماجم أهل الذمه فیما فتحه من البلدان- و بلغ خراج السواد فی أیامه مائه ألف ألف درهم- و عشرین ألف ألف درهم بالوافیه- و هی وزن الدینار من الذهب- و هو أول من مصر الأمصار- و کوف الکوفه و بصر البصره و أنزلها العرب- و أول من استقضى القضاه فی الأمصار- و أول من دون الدواوین- و کتب الناس على قبائلهم- و فرض لهم الأعطیه- و هو أول من قاسم العمال و شاطرهم أموالهم- و کان یستعمل قوما و یدع أفضل منهم لبصرهم بالعمل- و قال أکره أن أدنس هؤلاء بالعمل- و هو الذی هدم مسجد رسول الله ص- و زاد فیه و أدخل دار العباس فیما زاد- و هو الذی أخرج الیهود من الحجاز- و أجلاهم عن جزیره العرب إلى الشام- و هو الذی فتح البیت المقدس و حضر الفتح بنفسه- و هو الذی أخر المقام إلى موضعه الیوم- و کان ملصقا بالبیت و حج بنفسه خلافته کلها إلا السنه الأولى- فإنه استخلف على الحج عبد الرحمن بن عوف- و هوالذی جاء بالحصى من العقیق فبسطه فی مسجد المدینه- و کان الناس إذا رفعوا رءوسهم من السجود نفضوا أیدیهم- .

و روى أبو هریره قال- قدمت على عمر من عند أبی موسى بثمانمائه ألف درهم- فقال لی بما ذا قدمت قلت بثمانمائه ألف درهم- فقال أ لم أقل لک إنک یمان أحمق- ویحک إنما قدمت بثمانین ألف درهم- فقلت یا أمیر المؤمنین إنما قدمت بثمانمائه ألف درهم- فجعل یعجب و یکررها- فقال ویحک و کم ثمانمائه ألف درهم- فعددت مائه ألف و مائه ألف حتى بلغت ثمانیه- فاستعظم ذلک- و قال أ طیب هو ویحک- قلت نعم فبات عمر لیلته تلک أرقا حتى إذا نودی لصلاه الصبح- قالت له امرأته ما نمت هذه اللیله- قال و کیف أنام و قد جاء الناس ما لم یأتهم مثله منذ قام الإسلام- فظنت المرأه أنها داهیه- فسألته فقال مال جم حمله أبو موسى- قالت فما بالک- قال ما یؤمننی لو مت و هذا المال عندی لم أضعه فی حقه- فخرج یصلی الصبح و اجتمع الناس إلیه- فقال لهم قد رأیت فی هذا المال رأیا فأشیروا علی- رأیت أن أکیله للناس بالمکیال- قالوا لا یا أمیر المؤمنین-

قال لا بل أبدأ برسول الله ص و بأهله- ثم الأقرب فالأقرب فبدأ ببنی هاشم- ثم ببنی المطلب ثم بعبد شمس و نوفل- ثم بسائر بطون قریش- . قسم عمر مروطا بین نساء المدینه- فبقی مرط جید له فقال بعض من عنده- أعط هذا یا أمیر المؤمنین ابنه رسول الله التی عندک- یعنون أم کلثوم ابنه علی ع-فقال أم سلیط أحق به- فإنها ممن بایع رسول الله ص- و کانت تزفر لنا القرب یوم أحد- . و روى زید بن أسلم عن أبیه- قال خرجت مع عمر إلى السوق- فلحقته امرأه شابه- فقالت یا أمیر المؤمنین هلک زوجی- و ترک صبیه صغارا لا ینضحون کراعا- لا زرع لهم و لا ضرع- و قد خشیت علیهم الضیعه- و أنا ابنه خفاف بن أسماء الغفاری- و قد شهد أبی الحدیبیه فوقف عمر معها و لم یمض- و قال مرحبا بنسیب قریب- ثم انصرف إلى بعیر ظهیر کان مربوطا فی الدار- فحمل علیه غرارتین ملأهما طعاما- و جعل بینهما نفقه و ثیابا ثم ناولها خطامه-

و قال اقتادیه فلن یفنى هذا حتى یأتیکم الله بخیر- فقال له رجل لقد أکثرت لها یا أمیر المؤمنین- فقال ثکلتک أمک و الله لکأنی أرى أبا هذه و أخاها- و قد حاصرا حصنا فافتتحاه فافترقنا- ثم أصبحنا نستقرئ سهماننا فیه- . و روى الأوزاعی أن طلحه تبع عمر لیله- فرآه دخل بیتا ثم خرج- فلما أصبح ذهب طلحه إلى ذلک البیت- فرأى امرأه عمیاء مقعده- فقال لها ما بال رجل أتاک اللیله- قالت إنه رجل یتعاهدنی منذ کذا و کذا- یأتینی بما یصلحنی- فقال طلحه ثکلتک أمک یا طلحه ترید تتبع عمر- .

خرج عمر إلى الشام- حتى إذا کان ببعض الطریق- لقیه أمراء الأجناد أبو عبیده بن الجراح و أصحابه- فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام- فقال لابن عباس ادع لی المهاجرین- فدعاهم فسألهم فاختلفوا علیه- فقال بعضهم خرجت لأمر و لا نرى أن‏ ترجع عنه- و قال بعضهم معک بقیه الناس و أصحاب رسول الله ص- و لا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء- فقال ارتفعوا عنی- ثم قال لابن عباس ادع لی الأنصار فدعاهم فاستشارهم- فاختلفوا علیه اختلاف المهاجرین- فقال لابن عباس- ادع لی من کان من مشیخه قریش من مهاجره الفتح- فدعاهم فقالوا بأجمعهم- نرى أن ترجع بالناس و لا تقدمهم على هذا الوباء- فنادى عمر فی الناس- إنی مصبح على ظهر فأصبحوا علیه- فقال له أبو عبیده بن الجراح- أ فرارا من قدر الله تعالى- فقال عمر لو غیرک قالها یا أبا عبیده- نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله- أ رأیت لو کان لک إبل فهبطت وادیا له عدوتان- إحداهما خصبه و الأخرى جدبه- أ لیس إن رعیت الخصبه رعیتها بقدر الله- و إن رعیت الجدبه رعیتها بقدر الله- فجاء عبد الرحمن بن عوف و کان متغیبا فی بعض حاجته- فقال إن عندی من هذا علما-
سمعت رسول الله ص یقول إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا علیه- و إذا وقع بأرض و أنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه
– فحمد عمر الله عز و جل و انصرف إلى المدینه- .

و روى ابن عباس- قال خرجت مع عمر إلى الشام فی إحدى خرجاته- فانفرد یوما یسیر على بعیره فاتبعته- فقال لی یا ابن عباس أشکو إلیک ابن عمک- سألته أن یخرج معی فلم یفعل- و لم أزل أراه واجدا فیم تظن موجدته- قلت یا أمیر المؤمنین إنک لتعلم- قال أظنه لا یزال کئیبا لفوت الخلافه- قلت هو ذاک إنه یزعم أن رسول الله أراد الأمر له- فقال یا ابن عباس و أراد رسول الله ص الأمر له- فکان ما ذا إذا لم یرد الله تعالى ذلک- إن رسول الله ص أراد أمرا و أراد الله غیره- فنفذ مراد الله تعالى و لم ینفذ مراد رسوله- أ و کلما أراد رسول الله ص کان- إنه أراد إسلام عمه و لم یرده الله فلم یسلم- .

و قد روی معنى هذا الخبر بغیر هذا اللفظ و هو قوله- إن رسول الله ص أراد أن یذکره للأمر فی مرضه- فصددته عنه خوفا من الفتنه و انتشار أمر الإسلام- فعلم رسول الله ما فی نفسی و أمسک- و أبى الله إلا إمضاء ما حتم و حدثنی الحسین بن محمد السینی- قال قرأت على ظهر کتاب- أن عمر نزلت به نازله- فقام لها و قعد و ترنح لها و تقطر- و قال لمن عنده معشر الحاضرین- ما تقولون فی هذا الأمر- فقالوا یا أمیر المؤمنین أنت المفزع و المنزع- فغضب و قال- یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ- وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِیداً- ثم قال أما و الله إنی و إیاکم لنعلم ابن بجدتها و الخبیر بها- قالوا کأنک أردت ابن أبی طالب- قال و أنى یعدل بی عنه و هل طفحت حره مثله- قالوا فلو دعوت به یا أمیر المؤمنین- قال هیهات إن هناک شمخا من هاشم و أثره من علم- و لحمه من رسول الله ص یؤتى و لا یأتی- فامضوا بنا إلیه فانقصفوا نحوه و أفضوا إلیه- فألفوه فی حائط له علیه تبان- و هو یترکل على مسحاته و یقرأ- أَ یَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ یُتْرَکَ سُدىً إلى آخر السوره- و دموعه تهمی على خدیه- فأجهش الناس لبکائه فبکوا ثم سکت و سکتوا- فسأله عمر عن تلک الواقعه فأصدر جوابها- فقال عمر- أماو الله لقد أرادک الحق و لکن أبى قومک- فقال یا أبا حفص خفض علیک من هنا و من هنا- إِنَّ یَوْمَ الْفَصْلِ کانَ مِیقاتاً- فوضع عمر إحدى یدیه على الأخرى- و أطرق إلى الأرض و خرج کأنما ینظر فی رماد- . قلت أجدر بهذا الخبر أن یکون موضوعا- و فیه ما یدل على ذلک- من کون عمر أتى علیا یستفتیه فی المسأله- و الأخبار کثیره بأنه ما زال یدعوه إلى منزله و إلى المسجد- و أیضا فإن علیا لم یخاطب عمر منذ ولی الخلافه بالکنیه- و إنما کان یخاطبه بإمره المؤمنین- هکذا تنطق کتب الحدیث و کتب السیر و التواریخ کلها- . و أیضا فإن هذا الخبر لم یسند إلى کتاب معین- و لا إلى راو معین- بل ذکر ذلک أنه قرأه على ظهر کتاب فیکون مجهولا- و الحدیث المجهول غیر الصحیح- .

فأما ثناء عمر على أمیر المؤمنین فصحیح غیر منکر- و فی الروایات منه الکثیر الواسع- و لکنا أنکرنا هذا الخبر بعینه خاصه- و قد روی عن ابن عباس أیضا- قال دخلت على عمر یوما فقال یا ابن العباس- لقد أجهد هذا الرجل نفسه فی العباده حتى نحلته ریاء- قلت من هو فقال هذا ابن عمک یعنی علیا- قلت و ما یقصد بالریاء أمیر المؤمنین- قال یرشح نفسه بین الناس للخلافه- قلت و ما یصنع بالترشیح- قد رشحه لها رسول الله ص فصرفت عنه- قال إنه کان شابا حدثا- فاستصغرت العرب سنه و قد کمل الآن- أ لم تعلم أن الله تعالى لم یبعث نبیا إلا بعد الأربعین- قلت یا أمیر المؤمنین- أما أهل الحجى و النهى فإنهم ما زالوا یعدونه کاملا- منذ رفع الله منار الإسلام- و لکنهم یعدونه محروما مجدودا- فقال أما إنه سیلیها بعد هیاط و میاط- ثم تزل فیها قدمه و لا یقضى منها أربه- و لتکونن شاهدا ذلک یا عبد الله- ثم یتبین الصبح لذی عینین- و تعلم العرب صحه رأی المهاجرین الأولین-الذین صرفوها عنه بادئ بدء- فلیتنی أراکم بعدی یا عبد الله- إن الحرص محرمه و إن دنیاک کظلک- کلما هممت به ازداد عنک بعدا- .

نقلت هذا الخبر- من أمالی أبی جعفر محمد بن حبیب رحمه الله- . و نقلت منه أیضا ما رواه عن ابن عباس- قال تبرم عمر بالخلافه فی آخر أیامه- و خاف العجز و ضجر من سیاسه الرعیه- فکان لا یزال یدعو الله بأن یتوفاه- فقال لکعب الأحبار یوما و أنا عنده- إنی قد أحببت أن أعهد إلى من یقوم بهذا الأمر- و أظن وفاتی قد دنت- فما تقول فی علی- أشر علی فی رأیک و أذکرنی ما تجدونه عندکم- فإنکم تزعمون أن أمرنا هذا مسطور فی کتبکم- فقال أما من طریق الرأی فإنه لا یصلح- إنه رجل متین الدین لا یغضی على عوره- و لا یحلم عن زله و لا یعمل باجتهاد رأیه- و لیس هذا من سیاسه الرعیه فی شی‏ء- و أما ما نجده فی کتبنا فنجده لا یلی الأمر و لا ولده- و إن ولیه کان هرج شدید- قال کیف ذاک قال لأنه أراق الدماء فحرمه الله الملک- إن داود لما أراد أن یبنی حیطان بیت المقدس- أوحى الله إلیه إنک لا تبنیه- لأنک أرقت الدماء و إنما یبنیه سلیمان- فقال عمر أ لیس بحق أراقها- قال کعب و داود بحق أراقها یا أمیر المؤمنین-

قال فإلى من یفضی الأمر تجدونه عندکم قال- نجده ینتقل بعد صاحب الشریعه و الاثنین من أصحابه- إلى أعدائه الذین حاربهم و حاربوه و حاربهم على الدین- فاسترجع عمر مرارا- و قال أ تستمع یا ابن عباس- أما و الله لقد سمعت من رسول الله ما یشابه هذا سمعته یقول لیصعدن بنو أمیه على منبری- و لقد أریتهم فی منامی ینزون علیه نزو القرده – و فیهم أنزل- وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْیَا الَّتِی أَرَیْناکَ إِلَّا فِتْنَهً لِلنَّاسِ- وَ الشَّجَرَهَ الْمَلْعُونَهَ فِی الْقُرْآنِ-

و قد روى الزبیر بن بکار فی الموفقیات- ما یناسب هذا عن المغیره بن شعبه- قال قال لی عمر یوما یا مغیره- هل أبصرت بهذه عینک العوراء منذ أصیبت- قلت لا قال أما و الله لیعورن بنو أمیه الإسلام- کما أعورت عینک هذه- ثم لیعمینه حتى لا یدری أین یذهب و لا أین یجی‏ء- قلت ثم ما ذا یا أمیر المؤمنین- قال ثم یبعث الله تعالى بعد مائه و أربعین- أو بعد مائه و ثلاثین وفدا کوفد الملوک طیبه ریحهم- یعیدون إلى الإسلام بصره و شتاته- قلت من هم یا أمیر المؤمنین- قال حجازی و عراقی و قلیلا ما کان و قلیلا ما دام- .

و روى أبو بکر الأنباری فی أمالیه- أن علیا ع جلس إلى عمر فی المسجد و عنده ناس- فلما قام عرض واحد بذکره و نسبه إلى التیه و العجب- فقال عمر حق لمثله أن یتیه- و الله لو لا سیفه لما قام عمود الإسلام- و هو بعد أقضى الأمه و ذو سابقتها و ذو شرفها- فقال له ذلک القائل- فما منعکم یا أمیر المؤمنین عنه- قال کرهناه على حداثه السن و حبه بنی عبد المطلب- . قلت سألت النقیب أبا جعفر یحیى بن محمد بن أبی زید- و قد قرأت علیه هذه الأخبار- فقلت له ما أراها إلا تکاد تکون داله على النص- و لکنی أستبعد أن یجتمع الصحابه- على دفع نص رسول الله ص على شخص بعینه- کما استبعدنا من الصحابه على رد نصه على الکعبه- و شهر رمضان و غیرهما من معالم الدین-

فقال لی رحمه الله أبیت إلا میلا إلى المعتزله- ثم قال إن القوم لم یکونوا یذهبون فی الخلافه- إلى أنها من معالم الدین- و أنها جاریه مجرى العبادات الشرعیه کالصلاه و الصوم- و لکنهم کانوا یجرونها مجرى الأمور الدنیویه و یذهبون لهذا- مثل تأمیر الأمراء و تدبیر الحروب و سیاسه الرعیه- و ما کانوا یبالون فی أمثال هذا من مخالفه نصوصه ص- إذا رأوا المصلحه فی غیرها- أ لا تراه کیف نص على إخراج أبی بکر و عمر فی جیش أسامه- و لم یخرجا لما رأیا أن فی مقامهما مصلحه للدوله و للمله- و حفظا للبیضه و دفعا للفتنه- و قد کان رسول الله ص یخالف- و هو حی فی أمثال ذلک فلا ینکره- و لا یرى به بأسا- أ لست تعلم أنه نزل فی غزاه بدر منزلا- على أن یحارب قریشا فیه- فخالفته الأنصار-

و قالت له لیس الرأی فی نزولک هذا المنزل فاترکه- و انزل فی منزل کذا فرجع إلى آرائهم- و هو الذی قال للأنصار عام قدم إلى المدینه- لا تؤبروا النخل- فعملوا على قوله فحالت نخلهم فی تلک السنه و لم تثمر- حتى قال لهم أنتم أعرف بأمر دنیاکم- و أنا أعرف بأمر دینکم- و هو الذی أخذ الفداء من أسارى بدر- فخالفه عمر فرجع إلى تصویب رأیه- بعد أن فات الأمر و خلص الأسرى و رجعوا إلى مکه- و هو الذی أراد أن یصالح الأحزاب على ثلث تمر المدینه لیرجعوا عنه- فأتى سعد بن معاذ و سعد بن عباده فخالفاه- فرجع إلى قولهما و قد کان قال لأبی هریره- اخرج فناد فی الناس- من قال لا إله إلا الله مخلصا بها قلبه دخل الجنه- فخرج أبو هریره فأخبر عمر بذلک فدفعه فی صدره- حتى وقع على الأرض فقال لا تقلها- فإنک إن تقلها یتکلوا علیها و یدعوا العمل- فأخبر أبو هریره رسول الله ص بذلک-

فقال لا تقلها و خلهم یعملون- فرجع إلى قول عمر و قد أطبقت الصحابه إطباقا واحدا- على ترک کثیر من النصوص لما رأوا المصلحه فی ذلک- کإسقاطهم سهم ذوی القربى و إسقاط سهم المؤلفه قلوبهم- و هذان الأمران أدخل فی باب الدین منهما فی باب الدنیا- و قد عملوا بآرائهم أمورا- لم یکن لها ذکر فی الکتاب و السنه- کحد الخمر فإنهم عملوه اجتهادا- و لم یحد رسول الله ص شاربی الخمر- و قد شربها الجم الغفیر فی زمانه بعد نزول آیه التحریم- و لقد کان أوصاهم فی مرضه-أن أخرجوا نصارى نجران من جزیره العرب فلم یخرجوهم- حتى مضى صدر من خلافه عمر- و عملوا فی أیام أبی بکر برأیهم فی ذلک باستصلاحهم- و هم الذین هدموا المسجد بالمدینه و حولوا المقام بمکه- و عملوا بمقتضى ما یغلب فی ظنونهم من المصلحه- و لم یقفوا مع موارد النصوص- حتى اقتدى بهم الفقهاء من بعد- فرجح کثیر منهم القیاس على النص- حتى استحالت الشریعه- و صار أصحاب القیاس أصحاب شریعه جدیده- .

قال النقیب و أکثر ما یعملون بآرائهم- فیما یجری مجرى الولایات و التأمیر و التدبیر- و تقریر قواعد الدوله- و ما کانوا یقفون مع نصوص الرسول ص و تدبیراته- إذا رأوا المصلحه فی خلافها- کأنهم کانوا یقیدون نصوصه المطلقه بقید غیر مذکور لفظا- و کأنهم کانوا یفهمونه من قرائن أحواله- و تقدیر ذلک القید افعلوا کذا إن رأیتموه مصلحه- .

قال و أما مخالفتهم له فیما هو محض الشرع و الدین- و لیس بمتعلق بأمور الدنیا و تدبیراتها فإنه یقل جدا- نحو أن یقول الوضوء شرط فی الصلاه- فیجمعوا على رد ذلک و یجیزوا الصلاه من غیر وضوء- أو یقول صوم شهر رمضان واجب- فیطبقوا على مخالفه ذلک و یجعلوا شوالا عوضا عنه- فإنه بعید إذ لا غرض لهم فیه- و لا یقدرون على إظهار مصلحه عثروا علیها خفیت عنه ص- و القوم الذین کانوا قد غلب على ظنونهم- أن العرب لا تطیع علیا ع- فبعضها للحسد و بعضها للوتر و الثأر- و بعضها لاستحداثهم سنه- و بعضها لاستطالته علیهم و رفعه عنهم- و بعضها کراهه اجتماع النبوه و الخلافه فی بیت واحد- و بعضها للخوف من شده وطأته و شدته فی دین الله- و بعضها خوفا لرجاء تداول قبائل العرب الخلافه- إذا لم یقتصر بها على بیت مخصوص علیه- فیکون رجاء کل حی لوصولهم إلیها ثابتا مستمرا- و بعضها ببغضه لبغضهم من قرابته‏ لرسول الله ص- و هم المنافقون من الناس- و من فی قلبه زیغ من أمر النبوه- فأصفق الکل إصفاقا واحدا على صرف الأمر عنه لغیره-

و قال رؤساؤهم إنا خفنا الفتنه- و علمنا أن العرب لا تطیعه و لا تترکه- و تأولوا عند أنفسهم النص و لا ینکر النص- و قالوا إنه النص و لکن الحاضر یرى ما لا یرى الغائب- و الغائب قد یترک لأجل المصلحه الکلیه- و أعانهم على ذلک مسارعه الأنصار إلى ادعائهم الأمر- و إخراجهم سعد بن عباده من بیته و هو مریض- لینصبوه خلیفه فیما زعموا و اختلط الناس- و کثر الخبط و کادت الفتنه أن تشتعل نارها- فوثب رؤساء المهاجرین- فبایعوا أبا بکر و کانت فلته کما قال قائلهم- و زعموا أنهم أطفئوا بها نائره الأنصار- فمن سکت من المسلمین و أغضى و لم یتعرض- فقد کفاهم أمر نفسه- و من قال سرا أو جهرا- إن فلانا قد کان رسول الله ص ذکره- أو نص علیه أو أشار إلیه- أسکتوه فی الجواب بأنا بادرنا إلى عقد البیعه مخافه الفتنه- و اعتذروا عنده ببعض ما تقدم- إما أنه حدیث السن أو تبغضه العرب- لأنه وترها و سفک دماءها- أو لأنه صاحب زهو و تیه- أو کیف تجتمع النبوه و الخلافه فی مغرس واحد- بل قد قالوا فی العذر ما هو أقوى من هذا و أوکد-

قالوا أبو بکر أقوى على هذا الأمر منه- لا سیما و عمر یعضده و یساعده- و العرب تحب أبا بکر و یعجبها لینه و رفقه- و هو شیخ مجرب للأمور لا یحسده أحد- و لا یحقد علیه أحد و لا یبغضه أحد- و لیس بذی شرف فی النسب فیشمخ على الناس بشرفه- و لا بذی قربى من الرسول ص فیدل بقربه- و دع ذا کله فإنه فضل مستغنى عنه- قالوا لو نصبنا علیا ع- ارتد الناس عن الإسلام و عادت الجاهلیه کما کانت- فأیما أصلح فی الدین- الوقوف مع النص المفضی إلى ارتداد الخلق- و رجوعهم إلى الأصنام و الجاهلیه- أم العمل بمقتضى الأصلح- و استبقاء الإسلام و استدامه العمل بالدین- و إن کان فیه مخالفه النص- .

قال رحمه الله و سکت الناس عن الإنکار- فإنهم کانوا متفرقین- فمنهم من هو مبغض شانئ لعلی ع- فالذی تم من صرف الأمر عنه هو قره عینه و برد فؤاده- و منهم ذو الدین و صحه الیقین- إلا أنه لما رأى کبراء الصحابه قد اتفقوا على صرف الأمر عنه- ظن أنهم إنما فعلوا ذلک- لنص سمعوه من رسول الله ص- ینسخ ما قد کان سمعه من النص على أمیر المؤمنین ع- لا سیما ما رواه أبو بکر من قول النبی ص الأئمه من قریش – فإن کثیرا من الناس توهموا أنه ناسخ للنص الخاص- و إن معنى الخبر أنکم مباحون فی نصب إمام من قریش- من أی بطون قریش کان فإنه یکون إماما- . و أکد أیضا فی نفوسهم رفض النص الخاص- ما سمعوه من قول رسول الله ص ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن و قوله ع سألت الله ألا یجمع أمتی على ضلال- فأعطانیها فأحسنوا الظن بعاقدی البیعه – .

و قالوا هؤلاء أعرف بأغراض رسول الله ص من کل أحد- فأمسکوا و کفوا عن الإنکار- و منهم فرقه أخرى و هم الأکثرون- أعراب و جفاه و طغام أتباع کل ناعق یمیلون مع کل ریح- فهؤلاء مقلدون لا یسألون و لا ینکرون و لا یبحثون- و هم مع أمرائهم و ولاتهم- لو أسقطوا عنهم الصلاه الواجبه لترکوها- فلذلک أمحق النص و خفی و درس- و قویت کلمه العاقدین لبیعه أبی بکر- و قواها زیاده على ذلک- اشتغال علی و بنی هاشم برسول الله ص- و إغلاق بابهم علیهم- و تخلیتهم الناس یعملون ما شاءوا و أحبوا- من غیر مشارکه لهم فیما هم فیه- لکنهم أرادوا استدراک ذلک بعد ما فات- و هیهات الفائت لا رجعه له- .

و أراد علی ع بعد ذلک نقض البیعه فلم یتم له ذلک- و کانت العرب لا ترى‏الغدر- و لا تنقض البیعه صوابا کانت أو خطأ- و قد قالت له الأنصار و غیرها أیها الرجل- لو دعوتنا إلى نفسک قبل البیعه لما عدلنا بک أحدا- و لکنا قد بایعنا- فکیف السبیل إلى نقض البیعه بعد وقوعها- . قال النقیب- و مما جرأ عمر على بیعه أبی بکر و العدول عن علی- مع ما کان یسمعه من الرسول ص فی أمره- أنه أنکر مرارا على الرسول ص أمورا اعتمدها- فلم ینکر علیه رسول الله ص إنکاره- بل رجع فی کثیر منها إلیه- و أشار علیه بأمور کثیره نزل القرآن فیها بموافقته- فأطمعه ذلک فی الإقدام على اعتماد کثیر- من الأمور التی کان یرى فیها المصلحه- مما هی خلاف النص- و ذلک نحو إنکاره علیه فی الصلاه على عبد الله بن أبی المنافق- و إنکاره فداء أسارى بدر- و إنکاره علیه تبرج نسائه للناس- و إنکاره قضیه الحدیبیه- و إنکاره أمان العباس لأبی سفیان بن حرب- و إنکاره واقعه أبی حذیفه بن عتبه- و إنکاره أمره بالنداء- من قال لا إله إلا الله دخل الجنه – و إنکاره أمره بذبح النواضح- و إنکاره على النساء بحضره رسول الله ص هیبتهن له- دون رسول الله ص إلى غیر ذلک- من أمور کثیره تشتمل علیها کتب الحدیث- و لو لم یکن إلا إنکاره قول رسول الله ص فی مرضه- ائتونی بدواه و کتف- أکتب لکم ما لا تضلون بعدی –

و قوله ما قال و سکوت رسول الله ص عنه- و أعجب الأشیاء أنه قال ذلک الیوم حسبنا کتاب الله- فافترق الحاضرون من المسلمین فی الدار- فبعضهم یقول القول ما قال رسول الله ص- و بعضهم یقول القول ما قال عمر- فقال رسول الله و قد کثر اللغط و علت الأصوات- قوموا عنی فما ینبغی لنبی أن یکون عنده هذا التنازع – فهل بقی للنبوه مزیه أو فضل- إذا کان الاختلاف قد وقع بین القولین- و میل‏ المسلمون بینهما- فرجح قوم هذا و قوم هذا- فلیس ذلک دالا على أن القوم سووا بینه و بین عمر- و جعلوا القولین مسأله خلاف- ذهب کل فریق إلى نصره واحد منهما- کما یختلف اثنان من عرض المسلمین فی بعض الأحکام- فینصر قوم هذا و ینصر ذاک آخرون- فمن بلغت قوته و همته إلى هذا- کیف ینکر منه أنه یبایع أبا بکر لمصلحه رآها- و یعدل عن النص- و من الذی کان ینکر علیه ذلک- و هو فی القول الذی قاله للرسول ص فی وجهه- غیر خائف من الأنصار- و لا ینکر علیه أحد لا رسول الله ص و لا غیره- و هو أشد من مخالفه النص فی الخلافه و أفظع و أشنع قال النقیب- على أن الرجل ما أهمل أمر نفسه- بل أعد أعذارا و أجوبه- و ذلک لأنه قال لقوم عرضوا له بحدیث النص- أن رسول الله ص رجع عن ذلک- بإقامته أبا بکر فی الصلاه مقامه- و أوهمهم أن ذلک جار مجرى النص علیه بالخلافه- و قال یوم السقیفه- أیکم یطیب نفسا أن یتقدم قدمین- قدمهما رسول الله ص فی الصلاه-

ثم أکد ذلک بأن قال لأبی بکر- و قد عرض علیه البیعه- أنت صاحب رسول الله ص فی المواطن کلها- شدتها و رخائها رضیک لدیننا أ فلا نرضاک لدنیانا- . ثم عاب علیا بخطبته بنت أبی جهل- فأوهم أن رسول الله ص کرهه لذلک و وجد علیه- و أرضاه عمرو بن العاص- فروى حدیثا افتعله و اختلقه على رسول الله- قال سمعته یقول إن آل أبی طالب لیسوا لی بأولیاء- إنما ولیی الله و صالح المؤمنین فجعلوا ذلک کالناسخ لقوله ص من کنت مولاه فهذا مولاه – .

قلت للنقیب أ یصح النسخ فی مثل هذا- أ لیس هذا نسخا للشی‏ء قبل تقضی وقت فعله- فقال سبحان الله من أین تعرف العرب هذا- و أنى لها أن تتصوره فضلا عن أن تحکم بعدم جوازه- فهل یفهم حذاق الأصولیین هذه المسأله- فضلا عن حمقى العرب- هؤلاء قوم ینخدعون بأدنى شبهه- و یستمالون بأضعف سبب- و تبنى الأمور معهم على ظواهرالنصوص و أوائل الأدله- و هم أصحاب جهل و تقلید- لا أصحاب تفضیل و نظر- . قال ثم أکد حسن ظن الناس بهم- أنهم أطلقوا أنفسهم عن الأموال- و زهدوا فی متاع الدنیا و زخرفها- و سلکوا مسلک الرفض لزینتها- و الرغبه عنها و القناعه بالطفیف النزر منها- و أکلوا الخشن و لبسوا الکرابیس- و لما ألقت إلیهم الدنیا أفلاذ کبدها- و فرقوا الأموال على الناس و قسموها بینهم- و لم یتدنسوا منها بقلیل و لا کثیر- فمالت إلیهم القلوب و أحبتهم النفوس- و حسنت فیهم الظنون-

و قال من کان فی نفسه شبهه منهم أو وقفه فی أمرهم- لو کان هؤلاء قد خالفوا النص- لهوى أنفسهم لکانوا أهل الدنیا- و لظهر علیهم المیل إلیها و الرغبه فیها و الاستئثار بها- و کیف یجمعون على أنفسهم مخالفه النص- و ترک لذات الدنیا و مآربها- فیخسروا الدنیا و الآخره- و هذا لا یفعله عاقل و القوم عقلاء ذوو الباب و آراء صحیحه- فلم یبق عند أحد شک فی أمرهم و لا ارتیاب لفعلهم- و ثبتت العقائد على ولایتهم و تصویب أفعالهم- و نسوا لذه الرئاسه- و أن أصحاب الهمم العالیه لا یلتفون- إلى المأکل و المشرب و المنکح- و إنما یریدون الرئاسه و نفوذ الأمر- کما قال الشاعر-

و قد رغبت عن لذه المال أنفس
و ما رغبت عن لذه النهی و الأمر

قال رحمه الله- و الفرق بین الرجلین و بین الثالث ما أصیب به الثالث- و قتل تلک القتله و خلعه الناس و حصروه- و ضیقوا علیه بعد أن توالى إنکارهم أفعاله- و جبهوه فی وجهه و فسقوه- و ذلک لأنه استأثر هو و أهله بالأموال- و انغمسوا فیها و استبدوا بها- فکانت طریقته و طریقتهم مخالفه لطریق الأولین- فلم تصبر العرب على ذلک- و لو کان عثمان سلک طریق عمر فی الزهد- و جمع الناس و ردع الأمراء و الولاه عن الأموال- و تجنب استعمال أهل بیته- و وفر أعراض الدنیا و ملاذها و شهواتها على الناس- زاهدا فیها تارکا لها معرضا عنها- لما ضره شی‏ء قط و لا أنکر علیه أحد قط- و لو حول الصلاه من‏ الکعبه إلى بیت المقدس- بل لو أسقط عن الناس إحدى الصلوات الخمس- و اقتنع منهم بأربع- و ذلک لأن همم الناس مصروفه إلى الدنیا و الأموال- فإذا وجدوها سکتوا و إذا فقدوها هاجوا و اضطربوا- أ لست ترى رسول الله ص- کیف قسم غنائم هوازن على المنافقین- و على أعدائه الذین یتمنون قتله و موته و زوال دولته- فلما أعطاهم أحبوه إما کلهم أو أکثرهم- و من لم یحبه منهم بقلبه جامله و داراه- و کف عن إظهار عداوته و الإجلاب علیه- و لو أن علیا صانع أصحابه بالمال- و أعطاه الوجوه و الرؤساء- لکان أمره إلى الانتظام و الاطراد أقرب- و لکنه رفض جانب التدبیر الدنیوی- و آثر لزوم الدین و تمسک بأحکام الشریعه- و الملک أمر آخر غیر الدین- فاضطرب علیه أصحابه- و هرب کثیر منهم إلى عدوه- . و قد ذکرت فی هذا الفصل- خلاصه ما حفظته عن النقیب أبی جعفر- و لم یکن إمامی المذهب و لا کان یبرأ من السلف- و لا یرتضی قول المسرفین من الشیعه- و لکنه کلام أجراه على لسانه البحث و الجدل بینی و بینه- على أن العلوی لو کان کرامیا- لا بد أن یکون عنده نوع من تعصب- و میل على الصحابه و إن قل- .

و لنرجع إلى ذکر کلام عمر من خطبته و سیرته- . کتب عمر إلى أبی موسى- لما استعمله قاضیا و بعثه إلى العراق- من عبد الله أمیر المؤمنین عمر إلى عبد الله بن قیس- سلام علیک أما بعد- فإن القضاء فریضه محکمه و سنه متبعه- فافهم إذا أدلی إلیک- فإنه لا ینفع تکلم بحق لا نفاد له- آس بین الناس فی وجهک و عدلک و مجلسک- حتى لا یطمع شریف فی‏حیفک- و لا ییأس ضعیف من عدلک- البینه على من ادعى و الیمین على من أنکر- و الصلح جائز بین المسلمین- إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا- لا یمنعنک قضاء قضیته الیوم فراجعت فیه عقلک- و هدیت فیه لرشدک- أن ترجع إلى الحق فإن الحق قدیم- و مراجعه الحق خیر من التمادی فی الباطل- الفهم الفهم فیما تلجلج فی صدرک- مما لیس فی کتاب و لا سنه-

ثم اعرف الأشباه و الأمثال- و قس الأمور عند ذلک- و اعمد إلى أقربها إلى الله عز و جل و أشبهها بالحق- و اجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بینه أمدا ینتهی إلیه- فإن أحضر بینته أخذت له بحقه- و إلا استحللت علیه القضیه- فإنه أنفى للشک و أجلى للعمى- المسلمون عدول بعضهم على بعض- إلا مجلودا فی حد أو مجربا علیه شهاده زور- أو ظنینا فی ولاء أو نسب- فإن الله عز و جل تولى منکم السرائر- و درأ عنکم بالبینات و الأیمان الشبهات- إیاک و الغلق و الضجر و التأذی بالخصوم- و التنکر عند الخصومات- فإن الحق فی مواطن الحق یعظم الله به الأجر- و یحسن به الذخر فمن صحت نیته- و أقبل على نفسه کفاه الله ما بینه و بین الناس- و من تخلق للناس بما یعلم الله عز و جل منه إنه لیس من نفسه- شانه الله فما ظنک بثواب الله فی عاجل رزقه- و خزائن رحمته و السلام- .

ذکر هذه الرساله أبو العباس محمد بن یزید المبرد- فی کتاب الکامل و أطراها- فقال إنه جمع فیها جمل الأحکام- و اختصرها بأجود الکلام- و جعل الناس بعده یتخذونه إماما فلا یجد محق عنها معدلا- و لا ظالم عن حدودها محیصا- .و کتب عمر إلى عماله یوصیهم- فقال فی جمله الکتاب- ارتدوا و ائتزروا و انتعلوا- و ألقوا الخفاف و السراویلات و ألقوا الرکب- و انزوا نزوا على الخیل و اخشوشنوا و علیکم بالمعدیه- أو قال و تمعددوا و ارموا الأغراض- و علموا فتیانکم العوم و الرمایه- و ذروا التنعم و زی العجم و إیاکم و الحریر- فإن رسول الله ص نهى عنه- و قال لا تلبسوا من الحریر إلا ما کان هکذا- و أشار بإصبعه- .

و کتب إلى بعض عماله- أن أسعد الرعاه من سعدت به رعیته- و أن أشقى الرعاه من شقیت به رعیته- فإیاک أن تزیغ فتزیغ رعیتک- فیکون مثلک عند الله مثل البهیمه- رأت الخضره فی الأرض فرعت فیها تبغی السمن- و حتفها فی سمنها و کتب إلى أبی موسى و هو بالبصره- بلغنی أنک تأذن للناس الجماء الغفیر- فإذا جاءک کتابی هذا- فأذن لأهل الشرف و أهل القرآن و التقوى و الدین- فإذا أخذوا مجالسهم فأذن للعامه- و لا تؤخر عمل الیوم لغد- فتتداک علیک الأعمال فتضیع- و إیاک و اتباع الهوى- فإن للناس أهواء متبعه و دنیا مؤثره و ضغائن محموله- و حاسب نفسک فی الرخاء قبل حساب الشده- فإنه من حاسب نفسه فی الرخاء قبل حساب الشده- کان مرجعه إلى الرضا و الغبطه- و من ألهته حیاته و شغلته أهواؤه- عاد أمره إلى الندامه و الحسره- إنه لا یقیم أمر الله فی الناس إلا خصیف العقده- بعید القراره لا یحنق على جره- و لا یطلع الناس منه على عوره- و لا یخاف فی الحق لومه لائم- الزم أربع خصال یسلم لک دینک و تحیط بأفضل حظک- إذا حضر الخصمان- فعلیک بالبینات العدول و الأیمان القاطعه- ثم ائذن للضعیف حتى ینبسط لسانه- و یجترئ قلبه و تعاهد الغریب- فإنه إذا طال حبسه ترک حاجته و انصرف إلى أهله- و احرص على الصلح ما لم یبن لک القضاء- و السلام علیک- .

و کان رجل من الأنصار- لا یزال یهدی لعمر فخذ جزور- إلى أن جاء ذات یوم مع خصم له- فجعل فی أثناء الکلام یقول- یا أمیر المؤمنین افصل القضاء بینی و بینه- کما یفصل فخذ الجزور- . قال عمر- فما زال یرددها حتى خفت على نفسی- فقضیت علیه و کتبت إلى عمالی- أما بعد فإیاکم و الهدایا فإنها من الرشا- ثم لم أقبل له هدیه فیما بعد و لا لغیره- . و کان عمر یقول- اکتبوا عن الزاهدین فی الدنیا ما یقولون- فإن الله عز و جل وکل بهم ملائکه- واضعه أیدیهم على أفواههم- فلا یتکلمون إلا بما هیأه الله لهم- .

و روى أبو جعفر الطبری فی تاریخه- قال کان عمر یقول- جردوا القرآن و لا تفسروه- و أقلوا الروایه عن رسول الله ص و أنا شریککم- . و قال أبو جعفر- و کان عمر إذا أراد أن ینهى الناس عن شی‏ء جمع أهله- فقال إنی عسیت أن أنهى الناس عن کذا- و أن الناس ینظرون إلیکم نظر الطیر إلى اللحم- و أقسم بالله لا أجد أحدا منکم یفعل- إلا أضعفت علیه العقوبه- . قال أبو جعفر و کان عمر شدیدا على أهل الریب- و فی حق الله صلیبا حتى یستخرجه- و لینا سهلا فیما یلزمه حتى یؤدیه و بالضعیف رحیما- .

و روى زید بن أسلم- عن أبیه أن نفرا من المسلمین- کلموا عبد الرحمن بن عوف- فقالوا کلم لنا عمر بن الخطاب- فقد و الله أخشانا حتى لا نستطیع أن ندیم إلیه أبصارنا- فذکر عبد الرحمن له ذلک- فقال أ و قد قالوا ذلک- و الله لقد لنت لهم حتى تخوفت الله فی أمرهم- و قد تشددت علیهم حتى خفت الله فی أمرهم- و أنا و الله أشد فرقا لله منهم لی- .

و روى جابر بن عبد الله قال- قال رجل لعمر یا خلیفه الله قال خالف الله بک- قال جعلنی الله فداک قال إذن یهینک الله- . و روى أبو جعفر- قال استشار عمر فی أمر المال کیف یقسمه- فقال له علی بن أبی طالب ع- تقسم کل سنه ما اجتمع معک من المال- و لا تمسک منه شیئا- و قال عثمان بن عفان- أرى مالا کثیرا یسع الناس و إن لم یحصوا- حتى یعرف من أخذ ممن لم یأخذ خشیت أن ینتشر الأمر- فقال الولید بن هشام بن المغیره- یا أمیر المؤمنین قد جئت الشام- فرأیت ملوکها قد دونوا دیوانا- و جندوا جنودا و فرضوا لهم أرزاقا- فأخذ بقوله فدعا عقیل بن أبی طالب- و مخرمه بن نوفل و جبیر بن مطعم- و کانوا نساب قریش-

و قال اکتبوا الناس على منازلهم- فکتبوا فبدءوا ببنی هاشم- ثم أتبعوهم أبا بکر و قومه- ثم عمر و قومه على ترتیب الخلافه- فلما نظر إلیه قال وددت أنه کان هکذا- لکن ابدأ بقرابه النبی ص الأقرب فالأقرب- حتى تضعوا عمر حیث وضعه الله- . قال أبو جعفر جاءت بنو عدی إلى عمر- فقالوا له یا عمر- أنت خلیفه رسول الله‏ص- قال أو خلیفه أبی بکر- و أبو بکر خلیفه رسول الله ص- قالوا و ذاک فلو جعلت نفسک حیث جعلک هؤلاء القوم- فقال بخ بخ یا بنی عدی- أردتم الأکل على ظهری- و أن أذهب حسناتی لکم- لا و الله و لو کتبتم آخر الناس- إن لی صاحبین سلکا طریقا- فإن أنا خالفتهما خولف بی- و الله ما أدرکنا الفضل فی الدنیا إلا بمحمد- و لا نرجو ما نرجو من الآخره و ثوابها إلا بمحمد ص- فهو شرفنا و قومه أشرف العرب ثم الأقرب منه فالأقرب- و ما بیننا و بین أن نلقاه- ثم لا نفارقه إلى آدم إلا آباء یسیره- و الله لئن جاءت الأعاجم بالأعمال و جئنا بغیر عمل- فإنهم أولى بمحمد ص منا یوم القیامه- لا ینظرن رجل إلى قرابته- و لیعمل بما عند الله- فإن من قصر به عمله لم یسرع به نسبه- .

و روى السائب بن یزید قال- سمعت عمر بن الخطاب یقول- و الله ما من أحد إلا له فی هذا المال حق أعطیه أو منعه- و ما أحد أحق به من أحد إلا عبد مملوک- و ما أنا فیه إلا کأحدکم- و لکنا على منازلنا من کتاب الله- و قسمنا من رسول الله ص- فالرجل و بلاؤه فی الإسلام- و الرجل و غناؤه و الرجل و حاجته- و الله لئن بقیت لیأتین الراعی بجبل صنعاء- حظه من المال و هو مکانه- . و روى نافع مولى آل الزبیر قال- سمعت أبا هریره یقول رحم الله ابن حنتمه- لقد رأیته عام الرماده- و إنه لیحمل على ظهره جرابین- و عکه زیت فی یده- و إنه لیعتقب هو و أسلم- فلما رآنی قال من أین یا أبا هریره- قلت قریبا فأخذت‏ أعقبه فحملناه حتى انتهینا إلى ضرار- فإذا صرم من نحو عشرین بیتا من محارب- فقال عمر ما أقدمکم قالوا الجهد- و أخرجوا لنا جلد المیته مشویا کانوا یأکلونه- و رمه العظام مسحوقه کانوا یستفونها- فرأیت عمر طرح رداءه ثم برز- فما زال یطبخ لهم حتى شبعوا- و أرسل أسلم إلى المدینه- فجاء بأبعره فحملهم علیها- ثم أنزلهم الجبانه ثم کساهم- و کان یختلف إلیهم و إلى غیرهم حتى کفى الله ذلک- .

و روى راشد بن سعد أن عمر أتی بمال- فجعل یقسم بین الناس فازدحموا علیه- فأقبل سعد بن أبی وقاص یزاحم الناس حتى خلص إلیه- فعلاه عمر بالدره- و قال إنک أقبلت- لا تهابن سلطان الله فی الأرض- فأحببت بأن أعلمک أن سلطان الله لا یهابک- . و قالت الشفاء ابنه عبد الله- و رأت فتیانا من النساک یقتصدون فی المشی- و یتکلمون رویدا ما هؤلاء- فقیل نساک- فقالت کان عمر بن الخطاب هو الناسک حقا- و کان إذا تکلم أسمع- و إذا مشى أسرع و إذا ضرب أوجع- .

أعان عمر رجلا على حمل شی‏ء فدعا له الرجل- و قال نفعک بنوک یا أمیر المؤمنین- قال بل أغنانی الله عنهم- . و من کلامه- القوه فی العمل ألا یؤخر عمل الیوم لغد- و الأمانه ألا تخالف سریرتک علانیتک- و التقوى بالتوقی و من یتق الله یقه- .

و قال عمر کنا نعد المقرض بخیلا إنما کانت المواساه- . أتى رهط إلى عمر- فقالوا یا أمیر المؤمنین- کثر العیال و اشتدت المئونه فزدنا فی أعطیاتنا- فقال فعلتموها جمعتم بین الضرائر- و اتخذتم الخدم من مال الله- أما لوددت أنی و إیاکم فی سفینتین فی لجه البحر- تذهب بنا شرقا و غربا- فلن یعجز الناس أن یولوا رجلا منهم- فإن استقام اتبعوه و إن جنف قتلوه- فقال طلحه و ما علیک لو قلت و إن أعوج عزلوه- فقال القتل أرهب لمن بعده- احذروا فتى قریش- فإنه کریمها الذی لا ینام إلا على الرضا- و یضحک عند الغضب- و یتناول ما فوقه من تحته- .

و کان یقول فی آخر أیامه- عند تبرمه بالأمر و ضجره من الرعیه- اللهم ملونی و مللتهم و أحسست من نفسی و أحسوا منی- و لا أدری بأینا یکون اللوت- و قد أعلم أن لهم قتیلا منهم فاقبضنی إلیک- . و ذکر قوم من الصحابه لعمر رجلا- فقالوا فاضل لا یعرف الشر- قال ذاک أوقع له فیه و روى الطبری فی التاریخ- أن عمر استعمل عتبه بن أبی سفیان على عمل- فقدم منه بمال فقال له ما هذا یا عتبه- قال مال خرجت به معی و تجرت فیه- قال و ما لک تخرج المال معک إلى هذا الوجه- فأخذ المال منه فصیره فی بیت المال- فلما قام عثمان قال لأبی سفیان-إنک إن طلبت ما أخذه عمر من عتبه رددته علیک- فقال له أبو سفیان إیاک و ما هممت به- إنک إن خالفت صاحبک قبلک- ساء رأی الناس فیک- إیاک أن ترد على من کان قبلک فیرد علیک من بعدک- .

و روى الطبری أیضا- أن هندا بنت عتبه بن ربیعه قامت إلى عمر- فسألته أن یقرضها من بیت المال أربعه آلاف درهم- تتجر فیها و تضمنها- فخرجت بها إلى بلاد کلب فباعت و اشترت- و بلغها أن أبا سفیان قد أتى معاویه یستمیحه- و معه ابنه عمرو بن أبی سفیان- فعدلت إلیه من بلاد کلب- و کان أبو سفیان قد طلقها- فقال معاویه ما أقدمک یا أمه- قالت النظر إلیک یا بنی إنه عمر- و إنما یعمل لله و قد أتاک أبوک- فخشیت أن تخرج إلیه من کل شی‏ء- و أهل ذلک هو- و لکن لا یعلم عمر من أین أعطیته- فیؤنبوک و یؤنبک و لا تستقبلها أبدا- فبعث معاویه إلى أبیه و أخیه مائه دینار- و کساهما و حملهما فسخطها عمر- فقال أبو سفیان لا تسخطها- فإنها عطاء لم تغب عنه هند- و رجع هو و ابنه إلى المدینه- فسأله عمر بکم أجازک معاویه- فقال بمائه دینار فسکت عمر- .

و روى الأحنف قال- أتى عبد الله بن عمیر عمر- و هو یقرض الناس- فقال یا أمیر المؤمنین- أقرض لی فلم یلتفت إلیه فنخسه- فقال عمر حس و أقبل علیه- فقال من أنت فقال عبد الله بن عمیر- و کان أبوه استشهد یوم حنین- فقال یا یرفأ أعطه ستمائه- فأعطاه ستمائه فلم یقبلها- و رجع إلى عمر فأخبره- فقال یا یرفأ أعطه ستمائه حله فأعطاه- فلبس الحله التی کساه عمر و رمى ما کان علیه- فقال له خذ ثیابک هذه- فلتکن فی مهنه أهلک و هذه لزینتک- .

و روى إیاس بن سلمه عن أبیه- قال مر عمر فی السوق و معه الدره- فخفقنی خفقه فأصاب طرف ثوبی- و قال أمط عن الطریق- فلما کان فی العام المقبل لقینی- فقال یا سلمه أ ترید الحج قلت- نعم فأخذ بیدی و انطلق بی إلى منزله- فأعطانی ستمائه درهم و قال استعن بها على حجک- و اعلم أنها بالخفقه التی خفقتک- فقلت یا أمیر المؤمنین ما ذکرتها- قال و أنا ما نسیتها- .

و خطب عمر فقال أیتها الرعیه- إن لنا علیکم حقا النصیحه بالغیب و المعاونه على الخیر- إنه لیس من حلم أحب إلى الله- و لا أعم نفعا من حلم إمام و رفقه- و لیس من جهل أبغض إلى الله من جهل إمام و خرفه- أیها الرعیه إنه من یأخذ بالعافیه من بین ظهرانیه- فوته الله العافیه من فوقه- .

و روى الربیع بن زیاد- قال قدمت على عمر بمال من البحرین- فصلیت معه العشاء ثم سلمت علیه- فقال ما قدمت به قلت خمسمائه ألف- قال ویحک إنما قدمت بخمسین ألفا- قلت بل خمسمائه ألف- قال کم یکون ذلک- قلت مائه ألف و مائه ألف و مائه ألف حتى عددت خمسا- فقال إنک ناعس ارجع إلى بیتک- ثم اغد علی فغدوت علیه- فقال ما جئت به قلت ما قلته لک- قال کم هو قلت خمسمائه ألف- قال أ طیب هو قلت نعم- لا أعلم إلا ذلک فاستشار الصحابه فیه- فأشیر علیه بنصب الدیوان فنصبه- و قسم المال بین المسلمین ففضلت عنده فضله-فأصبح فجمع المهاجرین و الأنصار- و فیهم علی بن أبی طالب- و قال للناس ما ترون فی فضل فضل عندنا من هذا المال- فقال الناس یا أمیر المؤمنین- إنا شغلناک بولایه أمورنا عن أهلک و تجارتک و صنعتک فهو لک- فالتفت إلى علی فقال ما تقول أنت- قال قد أشاروا علیک قال فقل أنت- فقال له لم تجعل یقینک ظنا فلم یفهم عمر قوله- فقال لتخرجن مما قلت- قال أجل و الله لأخرجن منه- أ تذکر حین بعثک رسول الله ص ساعیا- فأتیت العباس بن عبد المطلب فمنعک صدقته- فکان بینکما شی‏ء فجئتما إلی و قلتما- انطلق معنا إلى رسول الله ص فجئنا إلیه- فوجدناه خاثرا فرجعنا- ثم غدونا علیه فوجدناه طیب النفس- فأخبرته بالذی صنع العباس- فقال لک یا عمر- أ ما علمت أن عم الرجل صنو أبیه- فذکرنا له ما رأینا من خثوره فی الیوم الأول- و طیب نفسه فی الیوم الثانی- فقال إنکم أتیتم فی الیوم الأول- و قد بقی عندی من مال الصدقه دیناران- فکان ما رأیتم من خثوری لذلک- و أتیتم فی الیوم الثانی و قد وجهتهما- فذاک الذی رأیتم من طیب نفسی- أشیر علیک ألا تأخذ من هذا الفضل شیئا- و أن تفضه على فقراء المسلمین- فقال صدقت و الله لأشکرن لک الأولى و الأخیره- .

و روى أبو سعید الخدری قال- حججنا مع عمر أول حجه حجها فی خلافته- فلما دخل المسجد الحرام- دنا من الحجر الأسود فقبله و استلمه- و قال إنی لأعلم أنک حجر لا تضر و لا تنفع- و لو لا أنی رأیت رسول الله ص قبلک و استلمک- لما قبلتک و لا استلمتک- فقال له علی بلى یا أمیر المؤمنین- إنه لیضر و ینفع- و لو علمت تأویل ذلک من کتاب الله- لعلمت أن الذی أقول لک- کما أقول قال الله تعالى- وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّکَ مِنْ بَنِی آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّیَّتَهُمْ- وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ‏ بِرَبِّکُمْ قالُوا بَلى‏ – فلما أشهدهم و أقروا له- أنه الرب عز و جل و أنهم العبید- کتب میثاقهم فی رق ثم ألقمه هذا الحجر- و أن له لعینین و لسانا و شفتین- تشهد لمن وافاه بالموافاه- فهو أمین الله عز و جل فی هذا المکان- فقال عمر لا أبقانی الله بأرض لست بها یا أبا الحسن- .

قلت- قد وجدنا فی الآثار و الأخبار فی سیره عمر أشیاء- تناسب قوله فی هذا الحجر الأسود- کما أمر بقطع الشجره التی بویع رسول الله ص تحتها بیعه الرضوان- فی عمره الحدیبیه- لأن المسلمین بعد وفاه رسول الله ص کانوا یأتونها- فیقیلون تحتها فلما تکرر ذلک أوعدهم عمر فیها- ثم أمر بها فقطعت- . و روى المغیره بن سوید قال- خرجنا مع عمر فی حجه حجها فقرأ بنا فی الفجر- أَ لَمْ تَرَ کَیْفَ فَعَلَ رَبُّکَ بِأَصْحابِ الْفِیلِ- و لِإِیلافِ قُرَیْشٍ- فلما فرغ رأى الناس یبادرون إلى مسجد هناک- فقال ما بالهم- قالوا مسجد صلى فیه النبی ص و الناس یبادرون إلیه- فناداهم فقال هکذا هلک أهل الکتاب قبلکم- اتخذوا آثار أنبیائهم بیعا- من عرضت له صلاه فی هذا المسجد فلیصل- و من لم تعرض له صلاه فلیمض- . و أتى رجل من المسلمین إلى عمر فقال- أنا لما فتحنا المدائن أصبنا کتابا- فیه علم من علوم الفرس و کلام معجب- فدعا بالدره فجعل یضربه بها- ثم قرأ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَیْکَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ- و یقول ویلک أ قصص أحسن من کتاب الله- إنما هلک‏ من کان قبلکم- لأنهم أقبلوا على کتب علمائهم و أساقفتهم- و ترکوا التوراه و الإنجیل حتى درسا- و ذهب ما فیهما من العلم- . و جاء رجل إلى عمر فقال- إن ضبیعا التمیمی لقینا یا أمیر المؤمنین- فجعل یسألنا عن تفسیر حروف من القرآن- فقال اللهم أمکنی منه- فبینا عمر یوما جالس یغدی الناس- إذ جاءه الضبیع و علیه ثیاب و عمامه فتقدم فأکل- حتى إذا فرغ قال یا أمیر المؤمنین ما معنى قوله تعالى- وَ الذَّارِیاتِ ذَرْواً- فَالْحامِلاتِ وِقْراً- قال ویحک أنت هو- فقام إلیه فحسر عن ذراعیه- فلم یزل یجلده حتى سقطت عمامته فإذا له ضفیرتان فقال- و الذی نفس عمر بیده لو وجدتک محلوقا لضربت رأسک- ثم أمر به فجعل فی بیت- ثم کان یخرجه کل یوم فیضربه مائه- فإذا برأ أخرجه فضربه مائه أخرى- ثم حمله على قتب و سیره إلى البصره- و کتب إلى أبی موسى یأمره أن یحرم على الناس مجالسته- و أن یقوم فی الناس خطیبا- ثم یقول إن ضبیعا قد ابتغى العلم فأخطأه- فلم یزل وضیعا فی قومه و عند الناس حتى هلک- و قد کان من قبل سید قومه- .

و قال عمر على المنبر- ألا إن أصحاب الرأی أعداء السنن- أعیتهم الأحادیث أن یحفظوها- فأفتوا بآرائهم فضلوا و أضلوا- ألا إنا نقتدی و لا نبتدی و نتبع و لا نبتدع- إنه ما ضل متمسک بالأثر و روى زید بن أسلم عن أبیه- قال سمعت عمر یقول فی الحج- فیم الرملان الآن و الکشف عن المناکب- و قد أظهر الله الإسلام و نفى الکفر و أهله- و مع ذلک لا ندع شیئا کنا نفعله على عهد رسول الله ص- .

مر عمر برجل فسلم علیه فرد علیه- فقال ما اسمک قال جمره- قال أبو من قال أبو شهاب- قال ممن قال من الحرقه- قال و أین مسکنک قال بحره النار- قال بأیها قال بذات لظى- فقال ویحک أدرک أهلک فقد احترقوا- فمضى علیهم فوجدهم قد احترقوا- . و روى اللیث بن سعد قال- أتی عمر بفتى أمرد- قد وجد قتیلا ملقى على وجه الطریق- فسأل عن أمره و اجتهد فلم یقف له على خبر فشق علیه- فکان یدعو و یقول اللهم أظفرنی بقاتله- حتى إذا کان رأس الحول أو قریبا من ذلک- وجد طفل مولود ملقى فی موضع ذلک القتیل- فأتی به عمر- فقال ظفرت بدم القتیل إن شاء الله تعالى- فدفع الطفل إلى امرأه-

و قال لها قومی بشأنه- و خذی منا نفقته و انظری من یأخذه منک- فإذا وجدت امرأه تقبله و تضمه إلى صدرها- فأعلمینی مکانها- فلما شب الصبی جاءت جاریه- فقالت للمرأه- إن سیدتی بعثتنی إلیک لتبعثی إلیها بهذا الصبی- فتراه و ترده إلیک قالت نعم- اذهبی به إلیها و أنا معک- فذهبت بالصبی حتى دخلت على امرأه شابه- فأخذت الصبی- فجعلت تقبله و تفدیه و تضمه إلیها- و إذا هی بنت شیخ من الأنصار- من أصحاب رسول الله ص- فجاءت المرأه و أخبرت عمر- فاشتمل على سیفه و أقبل إلى منزلها- فوجد أباها متکئا على الباب- فقال له ما الذی تعلم من حال ابنتک- قال أعرف الناس بحق الله و حق أبیها- مع حسن صلاتها و صیامها و القیام بدینها فقال- إنی أحب أن أدخل إلیها و أزیدها رغبه فی الخیر- فدخل الشیخ ثم خرج- فقال ادخل یا أمیر المؤمنین- فدخل و أمر أن یخرج کل من فی الدار إلا أباها- ثم سألها عن الصبی فلجلجت- فقال لتصدقینی ثم انتضى السیف- فقالت على رسلک یا أمیر المؤمنین- فو الله لأصدقنک- إن عجوزا کانت تدخل علی فاتخذتها أما- و کانت تقوم فی أمری بما تقوم به الوالده- و أنا لها بمنزله البنت-فمکثت کذلک حینا- ثم قالت إنه قد عرض لی سفر- و لی بنت أتخوف علیها بعدی الضیعه-

و أنا أحب أن أضمها إلیک- حتى أرجع من سفری- ثم عمدت إلى ابن لها أمرد- فهیأته و زینته کما تزین المرأه و أتتنی به- و لا أشک أنه جاریه- فکان یرى منی ما ترى المرأه من المرأه- فاغتفلنی یوما و أنا نائمه- فما شعرت به حتى علانی و خالطنی- فمددت یدی إلى شفره کانت عندی فقتلته- ثم أمرت به فألقی حیث رأیت- فاشتملت منه على هذا الصبی- فلما وضعته ألقیته فی موضع أبیه- هذا و الله خبرهما على ما أعلمتک- فقال عمر صدقت بارک الله فیک- ثم أوصاها و وعظها و خرج- و کان عمر یقول- لو أدرکت عروه و عفراء لجمعت بینهما- . ذکر عمرو بن العاص یوما عمر فترحم علیه- و قال ما رأیت أحدا أتقی منه و لا أعمل بالحق منه- لا یبالی على من وقع الحق- من ولد أو والد- إنی لفی منزلی بمصر ضحى إذ أتانی آت-

فقال قدم عبد الله و عبد الرحمن ابنا عمر غازیین- فقلت أین نزلا قال فی موضع کذا لأقصى مصر- و قد کان عمر کتب إلی- إیاک و أن یقدم علیک أحد من أهل بیتی- فتجیزه أو تحبوه بأمر لا تصنعه بغیره- فافعل بک ما أنت أهله- فضقت ذرعا بقدومهما- و لا أستطیع أن أهدی لهما- و لا أن آتیهما فی منزلهما خوفا من أبیهما- فو الله إنی لعلى ما أنا علیه- و إذا قائل یقول- هذا عبد الرحمن بن عمر بالباب- و أبو سروعه یستأذنان علیک- فقلت یدخلان فدخلا و هما منکسران- فقالا أقم علینا حد الله- فإنا أصبنا اللیله شرابا فسکرنا- فزبرتهما و طردتهما- و قلت ابن أمیر المؤمنین و آخر معه من أهل بدر- فقال عبد الرحمن- إن لم تفعل أخبرت أبی- إذا قدمت علیه أنک لم تفعل- فعلمت أنی إن لم أقم علیهما الحد غضب عمر و عزلنی- فنحن على ما نحن علیهإذ دخل عبد الله بن عمر- فقمت إلیه و رحبت به- و أردت أن أجلسه فی صدر مجلسی فأبى علی-

و قال إن أبی نهانی أن أدخل علیک- إلا ألا أجد من الدخول بدا- و إنی لم أجد من الدخول علیک بدا- إن أخی لا یحلق على رءوس الناس أبدا- فأما الضرب فاصنع ما بدا لک- قال و کانوا یحلقون مع الحد- فأخرجتهما إلى صحن الدار و ضربتهما الحد- و دخل عبد الله بن عمر بأخیه عبد الرحمن- إلى بیت من الدار فحلق رأسه- و حلق أبا سروعه- و الله ما کتبت إلى عمر بحرف مما کان- و إذا کتابه قد ورد- من عبد الله عمر أمیر المؤمنین- إلى العاصی ابن العاصی- عجبت لک یا ابن العاصی و لجرأتک علی و مخالفتک عهدی- أما إنی خالفت فیک أصحاب بدر و من هو خیر منک- و اخترتک و أنت الخامل و قدمتک و أنت المؤخر- و أخبرنی الناس بجرأتک و خلافک و أراک کما أخبروا- و ما أرانی إلا عازلک فمسی‏ء عزلک- ویحک تضرب عبد الرحمن بن عمر فی داخل بیتک- و تحلق رأسه فی داخل بیتک- و قد عرفت أن فی هذا مخالفتی-

و إنما عبد الرحمن رجل من رعیتک- تصنع به ما تصنع بغیره من المسلمین- و لکن قلت هو ولد أمیر المؤمنین- و قد عرفت ألا هواده لأحد من الناس عندی- فی حق یجب لله عز و جل- فإذا جاءک کتابی هذا فابعث به فی عباءه على قتب- حتى یعرف سوء ما صنع- قال فبعثت به کما قال أبوه- و أقرأت أخاه عبد الله کتاب أبیهما- و کتبت إلى عمر کتابا أعتذر فیه- و أخبرته أنی ضربته فی صحن الدار- و حلفت بالله الذی لا یحلف بأعظم منه- أنه الموضع الذی أقیم فیه الحدود على المسلم و الذمی- و بعثت بالکتاب مع عبد الله بن عمر- فذکر أسلم مولى عمر قال- قدم عبد الله بأخیه عبد الرحمن على أبیهما- فدخل علیه فی عباءه- و هو لا یقدر على المشی من مرکبه- فقال یا عبد الرحمن فعلت و فعلت السیاط السیاط- فکلمه‏ عبد الرحمن بن عوف-

و قال یا أمیر المؤمنین قد أقیم علیه الحد مره- فلم یلتفت إلیه و زبره فأخذته السیاط- و جعل یصیح أنا مریض و أنت و الله قاتلی- فلم یرق له حتى استوفى الحد و حبسه- ثم مرض شهرا و مات- . و روى الزبیر بن بکار- قال خطب عمر أم کلثوم بنت علی ع- فقال له إنها صغیره فقال زوجنیها یا أبا الحسن- فإنی أرصد من کرامتها ما لا یرصده أحد- فقال أنا أبعثها إلیک فإن رضیتها زوجتکها- فبعثها إلیه ببرد- و قال لها قولی هذا البرد الذی ذکرته لک- فقالت له ذلک- فقال قولی له قد رضیته رضی الله عنک و وضع یده على ساقها- فقالت له أ تفعل هذا- لو لا أنک أمیر المؤمنین لکسرت أنفک- ثم جاءت أباها فأخبرته الخبر- و قالت بعثتنی إلى شیخ سوء- قال مهلا یا بنیه إنه زوجک- فجاء عمر إلى مجلس المهاجرین فی الروضه- و کان یجلس فیها المهاجرون الأولون- فقال رفئونی رفئونی قالوا بما ذا یا أمیر المؤمنین- قال تزوجت أم کلثوم بنت علی بن أبی طالب- سمعت رسول الله ص یقول کل سبب و نسب و صهر ینقطع یوم القیامه- إلا سببی و نسبی و صهری – .

و کتب عثمان إلى أبی موسى- إذا جاءک کتابی هذا فأعط الناس أعطیاتهم- و احمل ما بقی إلی ففعل- و جاء زید بن ثابت بالمال فوضعه بین یدی عثمان- فجاء ابن لعثمان فأخذ منه أستاندانه من فضه- فمضى بها فبکى زید- قال عثمان ما یبکیک- قال أتیت عمر مثل ما أتیتک به- فجاء ابن له فأخذ درهما فأمر به فانتزع منه- حتى أبکى‏الغلام و أن ابنک قد أخذ هذه فلم أر أحدا قال شیئا- فقال عثمان إن عمر کان یمنع أهله و قرابته- ابتغاء وجه الله- و أنا أعطی أهلی و أقاربی ابتغاء وجه الله- و لن تلقى مثل عمر و روى إسماعیل بن خالد- قال قیل لعثمان أ لا تکون مثل عمر- قال لا أستطیع أن أکون مثل لقمان الحکیم- .

ذکرت عائشه عمر فقالت کان أجودنا- نسیج وحده قد أعد للأمور أقرانها- . جاء عبد الله بن سلام بعد أن صلى الناس على عمر- فقال إن کنتم سبقتمونی بالصلاه علیه- فلا تسبقونی بالثناء علیه- ثم قال نعم أخو الإسلام کنت یا عمر- جوادا بالحق بخیلا بالباطل- ترضى حین الرضا و تسخط حین السخط- لم تکن مداحا و لا معیابا- طیب الطرف عفیف الطرف- . و روى جویریه بن قدامه- قال دخلت مع أهل العراق على عمر حین أصیب- فرأیته قد عصب بطنه بعمامه سوداء- و الدم یسیل فقال له الناس أوصنا- فقال علیکم بکتاب الله- فإنکم لن تضلوا ما اتبعتموه- فأعدنا القول علیه ثانیه أوصنا- قال أوصیکم بالمهاجرین- فإن الناس سیکثرون و یقلون- و أوصیکم بالأنصار فإنهم شعب الإسلام الذی لجأ إلیه- و أوصیکم بالأعراب- فإنهم أصلکم الذی لجأتم إلیه و مأواکم- و أوصیکم بأهل الذمه- فإنهم عهد نبیکم و رزق عیالکم- قوموا عنی- .
فلم أحفظ من کلامه إلا هذه الکلمات- . و روى عمرو بن میمون قال- سمعت عمر و هو یقول و قد أشار إلى السته- و لم یکلم أحدا منهم إلا علی بن أبی طالب و عثمان- ثم أمرهم بالخروج فقال لمن کان عنده- إذا اجتمعوا على رجل فمن خالف فلتضرب رقبته- ثم قال إن یولوها الأجلح یسلک بهم الطریق- فقال له قائل فما یمنعک من العهد إلیه- قال أکره أن أتحملها حیا و میتا

خطب عمر الطوال

و قال الجاحظ فی کتاب البیان و التبیین- لم یکن عمر من أهل الخطب الطوال- و کان کلامه قصیرا- و إنما صاحب الخطب الطوال علی بن أبی طالب ع- . و قد وجدت أنا لعمر خطبا فیها بعض الطول- ذکرها أبو جعفر محمد بن جریر الطبری فی التاریخ- . فمنها خطبه خطب بها حین ولی الخلافه- و هی بعد حمد الله و الثناء علیه و على رسوله- أیها الناس إنی ولیت علیکم- و لو لا رجاء أن أکون خیرکم لکم- و أقواکم علیکم- و أشدکم استضلاعا بما ینوب من مهم أمورکم- ما تولیت ذلک منکم- و لکفى عمر فیها مجزى العطاء موافقه الحساب- بأخذ حقوقکم کیف آخذها و وضعها أین أضعها-و بالسیر فیکم کیف أسیر فربی المستعان- فإن عمر لم یصبح یثق بقوه و لا حیله- إن لم یتدارکه الله برحمته و عونه- .

أیها الناس إن الله قد ولانی أمرکم- و قد علمت أنفع ما لکم- و أسأل الله أن یعیننی علیه- و أن یحرسنی عنده کما حرسنی عند غیره- و أن یلهمنی العدل فی قسمکم کالذی أمر به- فإنی امرؤ مسلم و عبد ضعیف إلا ما أعان الله- و لن یغیر الذی ولیت من خلافتکم من خلقی شیئا- إن شاء الله- إنما العظمه لله و لیس للعباد منها شی‏ء- فلا یقولن أحدکم إن عمر تغیر منذ ولی- و إنی أعقل الحق من نفسی- و أتقدم و أبین لکم أمری- فأیما رجل کانت له حاجه- أو ظلم مظلمه أو عتب علینا فی خلق فلیؤذنی- فإنما أنا رجل منکم- فعلیکم بتقوى الله فی سرکم و علانیتکم- و حرماتکم و أعراضکم- و أعطوا الحق من أنفسکم- و لا یحمل بعضکم بعضا على ألا تتحاکموا إلی- فإنه لیس بینی و بین أحد هواده- و أنا حبیب إلى صلاحکم عزیز على عنتکم- و أنتم أناس عامتکم حضر فی بلاد الله- و أهل بلد لا زرع فیه و لا ضرع إلا ما جاء الله به إلیه- و إن الله عز و جل قد وعدکم کرامه کبیره- و أنا مسئول عن أمانتی و ما أنا فیه- و مطلع على ما یحضرنی بنفسی إن شاء الله- لا أکله إلى أحد- و لا أستطیع ما بعد منه إلا بالأمناء- و أهل النصح منکم للعامه- و لست أحمل أمانتی إلى أحد سواهم إن شاء الله- .

و خطب عمر مره أخرى- فقال بعد حمد الله و الصلاه على رسول الله ص-أیها الناس إن بعض الطمع فقر- و إن بعض الیأس غنى- و إنکم تجمعون ما لا تأکلون- و تؤملون ما لا تدرکون- و أنتم مؤجلون فی دار غرور- و قد کنتم على عهد رسول الله ص تؤخذون بالوحی- و من أسر شیئا أخذ بسریرته- و من أعلن شیئا أخذ بعلانیته- فأظهروا لنا حسن أخلاقکم و الله أعلم بالسرائر- فإنه من أظهر لنا قبیحا- و زعم أن سریرته حسنه لم نصدقه- و من أظهر لنا علانیه حسنه ظننا به حسنا- و اعلموا أن بعض الشح شعبه من النفاق- فأنفقوا خیرا لأنفسکم- و من یوق شح نفسه فأولئک هم المفلحون- .

أیها الناس أطیبوا مثواکم و أصلحوا أمورکم- و اتقوا الله ربکم و لا تلبسوا نساءکم القباطی- فإنه إن لم یشف فإنه یصف- . أیها الناس إنی لوددت أن أنجو کفافا لا لی و لا علی- إنی لأرجو أن عمرت فیکم یسیرا أو کثیرا- أن أعمل فیکم بالحق إن شاء الله- و ألا یبقى أحد من المسلمین و إن کان فی بیته- إلا أتاه حقه و نصیبه من مال الله- و إن لم یعمل إلیه نفسه و لم ینصب إلیه بدنه- فأصلحوا أموالکم التی رزقکم الله- فقلیل فی رفق خیر من کثیر فی عنف- . و اعلموا أن القتل حتف من الحتوف- یصیب البر و الفاجر- و الشهید من احتسب نفسه- و إذا أراد أحدکم بعیرا فلیعمد إلى الطویل العظیم- فلیضربه بعصاه فإن وجده حدید الفؤاد فلیشتره- . و خطب عمر مره أخرى فقال-إن الله سبحانه قد استوجب علیکم الشکر- و اتخذ علیکم الحجج فیما آتاکم- من کرامه الدنیا و الآخره من غیر مسأله منکم- و لا رغبه منکم فیه إلیه- فخلقکم تبارک و تعالى- و لم تکونوا شیئا لنفسه و عبادته- و کان قادرا أن یجعلکم لأهون خلقه علیه- فجعلکم عامه خلقه- و لم یجعلکم لشی‏ء غیره- و سخر لکم ما فی السموات و الأرض- و أسبغ علیکم نعمه ظاهره و باطنه- و حملکم فی البر و البحر- و رزقکم من الطیبات لعلکم تشکرون-

ثم جعل لکم سمعا و بصرا- و من نعم الله علیکم نعم عم بها بنی آدم- و منها نعم اختص بها أهل دینکم- ثم صارت تلک النعم خواصها فی دولتکم و زمانکم و طبقتکم- و لیس من تلک النعم نعمه وصلت إلى امرئ خاصه- إلا لو قسمتم ما وصل منها بین الناس کلهم- أتعبهم شکرها و فدحهم حقها- إلا بعون الله مع الإیمان بالله و رسوله- فأنتم مستخلفون فی الأرض قاهرون لأهلها- قد نصر الله دینکم فلم تصبح أمه مخالفه لدینکم- إلا أمتین أمه مستعبده للإسلام و أهله- یتجرون لکم تستصفون معایشهم و کدائحهم- و رشح جباههم علیهم المئونه و لکم المنفعه- و أمه تنتظر وقائع الله و سطواته فی کل یوم و لیله- قد ملأ الله قلوبهم رعبا- فلیس لهم معقل یلجئون إلیه و لا مهرب یتقون به- قد دهمتهم جنود الله و نزلت بساحتهم- مع رفاغه العیش و استفاضه المال- و تتابع البعوث و سد الثغور بإذن الله- فی العافیه الجلیله العامه- التی لم تکن الأمه على أحسن منها منذ کان الإسلام- و الله المحمود مع الفتوح العظام فی کل بلد- فما عسى أن یبلغ شکر الشاکرین- و ذکر الذاکرین و اجتهاد المجتهدین- مع هذه النعم التی لا یحصى عددها و لا یقدر قدرها- و لا یستطاع أداء حقها إلا بعون الله و رحمته و لطفه- فنسأل الله الذی أبلانا هذا- أن یرزقنا العمل بطاعته و المسارعه إلى مرضاته- و اذکروا عباد الله بلاء الله عندکم- و استتموا نعمه الله علیکم و فی مجالسکم مثنى و فرادى- فإن الله تعالى قال لموسى-أَخْرِجْ قَوْمَکَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ- وَ ذَکِّرْهُمْ بِأَیَّامِ اللَّهِ-

و قال لمحمد ص- وَ اذْکُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِیلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِی الْأَرْضِ- فلو کنتم إذ کنتم مستضعفین محرومین- خیر الدنیا على شعبه من الحق تؤمنون بها- و تستریحون إلیها- مع المعرفه بالله و بدینه- و ترجون الخیر فیما بعد الموت- و لکنکم کنتم أشد الناس عیشه- و أعظم الناس بالله جهاله- فلو کان هذا الذی ابتلاکم به- لم یکن معه حظ فی دنیاکم- غیر أنه ثقه لکم فی آخرتکم التی إلیها المعاد و المنقلب- و أنتم من جهد المعیشه على ما کنتم علیه- کنتم أحریاء إن تشحوا على نصیبکم منه- و إن تظهروه على غیره فبله- أما إنه قد جمع لکم فضیله الدنیا و کرامه الآخره- أو لمن شاء أن یجمع ذلک منکم- فأذکرکم الله الحائل بینکم و بین قلوبکم- إلا ما عرفتم حق الله و عملتم له- و سیرتم أنفسکم على طاعته- و جمعتم مع السرور بالنعم خوفا لزوالها و انتقالها- و وجلا من تحویلها- فإنه لا شی‏ء أسلب للنعمه من کفرانها- و أن الشکر أمن للغیر و نماء للنعمه و استجلاب للزیاده- و هذا علی فی أمرکم و نهیکم واجب إن شاء الله

و روى أبو عبیده معمر بن المثنى- فی کتاب مقاتل الفرسان- قال کتب عمر إلى سلمان بن ربیعه الباهلی- أو إلى النعمان بن مقرن- أن فی جندک رجلین من العرب- عمرو بن معدیکرب و طلیحه بن خویلد- فأحضرهما الناس و أدبهما و شاورهما فی الحرب- و ابعثهما فی الطلائع و لا تولهما عملا من أعمال المسلمین- و إذا وضعت الحرب أوزارها- فضعهما حیث وضعا أنفسهما- قال و کان عمرو ارتد و طلیحه تنبأ- .

و روى أبو عبیده أیضا فی هذا الکتاب- قال قدم عمرو بن معدیکرب- و الأجلح بن وقاص الفهمی على عمر- فأتیاه و بین یدیه مال یوزن- فقال متى قدمتما قالا یوم الخمیس- قال فما حبسکما عنی قالا شغلنا المنزل یوم قدمنا- ثم کانت الجمعه ثم غدونا علیک الیوم- فلما فرغ من وزن المال نحاه و أقبل علیهما- فقال هیه فقال عمرو بن معدیکرب- یا أمیر المؤمنین هذا الأجلح بن وقاص الشدید المره- البعید الغره الوشیک الکره- و الله ما رأیت مثله حین الرجال صارع و مصروع- و الله لکأنه لا یموت- فقال عمر للأجلح و أقبل علیه- و قد عرف الغضب فی وجهه هیه یا أجلح- فقال الأجلح- یا أمیر المؤمنین ترکت الناس خلفی صالحین- کثیرا نسلهم داره أرزاقهم- خصبه بلادهم أجریاء على عدوهم- فأکلا عدوهم عنهم- فسیمتع الله بک فما رأینا مثلک إلا من سبقک- فقال ما منعک أن تقول فی صاحبک مثل ما قال فیک- قال ما رأیت من وجهک قال أصبت- أما إنک لو قلت فیه مثل الذی قال فیک- لأوجعتکما ضربا و عقوبه- فإذ ترکتک لنفسک فسأترکه لک- و الله لوددت لو سلمت لکم حالکم و دامت علیکم أمورکم- أما إنه سیأتی علیک یوم تعضه و ینهشک- و تهره و ینبحک و لست له یومئذ و لیس لک- فإن لا یکن بعدکم فما أقربه منکم- .

لما أسر الهرمزان صاحب الأهواز و تستر و حمل إلى عمر- حمل و معه رجال من المسلمین- فیهم الأحنف بن قیس و أنس بن مالک- فأدخلوه فی المدینه فی هیئته- و علیه تاجه الذهب و کسوته- فوجدوا عمر نائما فی جانب المسجد- فجلسوا عنده ینتظرون انتباهه- فقال الهرمزان أین عمر فقالوا هو ذا- قال و أین حراسه و حجابه- قالوا لا حارس له و لا حاجب- قال فینبغی أن یکون هذا نبیا- قالوا إنه یعمل عمل الأنبیاء- .

فاستیقظ عمر فقال الهرمزان قالوا نعم- قال لا أکلمه حتى لا یبقى علیه من حلیته شی‏ء- فرموا بالحلیه و ألبسوه ثوبا ضعیفا- فقال عمر یا هرمزان کیف رأیت وبال الغدر- و قد کان صالح المسلمین مره ثم نکث- فقال یا عمر إنا و إیاکم فی الجاهلیه کنا نغلبکم- إذ لم یکن الله معکم و لا معنا- فلما کان الله معکم غلبتمونا- قال فما عذرک فی انتقاضک مره بعد مره- قال أخاف إن قلت أن تقتلنی- قال لا بأس علیک فأخبرنی- فاستسقى ماء فأخذه و جعلت یده ترعد- قال ما لک قال أخاف أن تقتلنی و أنا أشرب- قال لا بأس علیک حتى تشربه- فألقاه من یده فقال ما بالک- أعیدوا علیه الماء و لا تجمعوا علیه بین القتل و العطش- قال کیف تقتلنی و قد أمنتنی- قال کذبت قال لم أکذب- فقال أنس صدق یا أمیر المؤمنین قال ویحک یا أنس- أنا أؤمن قاتل مجزأه بن ثور و البراء بن مالک- و الله لتأتینی بالمخرج أو لأعاقبنک- قال إنک قلت لا بأس علیک حتى تخبرنی- و لا بأس علیک حتى تشرب- و قال له ناس من المسلمین مثل قول أنس- فأقبل على الهرمزان- فقال تخدعنی و الله لا تخدعنی إلا أن تسلم- فأسلم ففرض له ألفین و أنزله المدینه- .

بعث عمر عمیر بن سعید الأنصاری عاملا على حمص- فمکث حولا لا یأتیه خبره- ثم کتب إلیه بعد حول- إذا أتاک کتابی هذا فأقبل- و احمل ما جبیت من مال المسلمین- فأخذ عمیر جرابه و جعل فیه زاده و قصعته- و علق أداته و أخذ عنزته- و أقبل ماشیا من حمص حتى دخل المدینه- و قد شحب لونه و اغبر وجهه و طال شعره- فدخل على عمر فسلم- فقال عمر ما شأنک یا عمیر- قال ما ترى من شأنی أ لست ترانی صحیح البدن- ظاهر الدم معی الدنیا أجرها بقرنیها- قال و ما معک فظن عمر أنه قد جاء بمال- قال معی جرابی أجعل فیه زادی- و قصعتی آکل فیها و أغسل منها رأسی و ثیابی- و أداتی أحمل فیها وضوئی و شرابی- و عنزتی أتوکأ علیها و أجاهد بها عدوا إن عرض لی- قال عمر أ فجئت ماشیا قال نعم لم یکن لی دابه- قال أ فما کان فی رعیتک أحد یتبرع لک بدابه ترکبها- قال ما فعلوا و لا سألتهم ذلک- قال عمر بئس المسلمون خرجت من عندهم- قال عمیر اتق الله یا عمر و لا تقل إلا خیرا- قد نهاک الله عن الغیبه و قد رأیتهم یصلون-

قال عمر فما ذا صنعت فی إمارتک- قال و ما سؤالک قال سبحان الله- قال أما إنی لو لا أخشى أن أعمل ما أخبرتک- أتیت البلد فجمعت صلحاء أهله فولیتهم جبایته- و وضعه فی مواضعه و لو أصابک منه شی‏ء لأتاک- قال أ فما جئت بشی‏ء قال لا- فقال جددوا لعمیر عهدا- قال إن ذلک لشی‏ء لا أعمله بعد لک و لا لأحد بعدک- و الله ما کدت أسلم بل لم أسلم- قلت لنصرانی معاهد أخزاک الله- فهذا ما عرضتنی له یا عمر إن أشقى أیامی لیوم صحبتک- ثم استأذنه فی الانصراف فأذن له- و منزله بقباء بعیدا عن المدینه- فأمهله عمر أیاما ثم بعث رجلا یقال له الحارث- فقال انطلق إلى عمیر بن سعد و هذه مائه دینار- فإن وجدت علیه أثرا فأقبل علی بها- و إن رأیت حالا شدیده فادفع إلیه هذه المائه- فانطلق الحارث فوجد عمیرا جالسا- یفلی قمیصا له إلى جانب حائط- فسلم علیه فقال عمیر انزل رحمک الله- فنزل فقال من أین جئت قال من المدینه-

قال کیف ترکت أمیر المؤمنین قال صالحا- قال کیف ترکت المسلمین قال صالحین- قال أ لیس عمر یقیم الحدود قال بلى- ضرب ابنا له على فاحشه فمات من ضربه- فقال عمیر اللهم أعن عمر- فإنی لا أعلمه إلا شدیدا حبه لک- قال فنزل به ثلاثه أیام- و لیس لهم إلا قرص من شعیر- کانوا یخصونه کل یوم به و یطوون حتى نالهم الجهد- فقال له عمیر إنک قد أجعتنا- فإن رأیت أن تتحول عنا فافعل- فأخرج الحارث الدنانیر فدفعها إلیه- و قال بعث بها أمیر المؤمنین فاستغن بها- فصاح و قال ردها لا حاجه لی فیها- فقالت المرأه خذها ثم ضعها فی موضعها- فقال ما لی شی‏ء أجعلها فیه- فشقت أسفل درعها فأعطته خرقه فشدها فیها-

ثم خرج فقسمها کلها بین أبناء الشهداء و الفقراء- فجاء الحارث إلى عمر فأخبره- فقال رحم الله عمیرا ثم لم یلبث أن هلک- فعظم مهلکه على عمر- و خرج مع رهط من أصحابه ماشین إلى بقیع الغرقد- فقال لأصحابه لیتمنین کل واحد منا أمنیته- فکل واحد تمنى شیئا و انتهت الأمنیه إلى عمر- فقال وددت أن لی رجلا مثل عمیر بن سعد- أستعین به على أمور المسلمین

نبذ من کلام عمر

و من کلام عمر إیاکم و هذه المجازر- فإن لها ضراوه کضراوه الخمر- . و قال إیاکم و الراحه فإنها غفله- . و قال السمن غفله- . و قال لا تسکنوا نساءکم الغرف و لا تعلموهن الکتابه- و استعینوا علیهن بالعرى- و عودوهن قول لا فإن نعم تجرئهن على المسأله- .

و قال تبین عقل المرء فی کل شی‏ء حتى فی علته- فإذا رأیته یتوقى على نفسه الصبر عن شهوته و یحتمی من مطعمه و مشربه- عرفت ذلک فی عقله- و ما سألنی رجل عن شی‏ء قط إلا تبین لی عقله فی ذلک- . و قال إن للناس حدودا و منازل فأنزلوا کل رجل منزلته- و ضعوا کل إنسان فی حده و احملوا کل امرئ بفعله على قدره- . و قال اعتبروا عزیمه الرجل بحمیته و عقله بمتاع بیته- قال أبو عثمان الجاحظ- لأنه‏ لیس من العقل أن یکون فرشه لبدا و مرقعته طبریه- . و قال من یئس من شی‏ء استغنى عنه- و عز المؤمن استغناؤه عن الناس- . و قال لا یقوم بأمر الله إلا من لا یصانع- و لا یصارع و لا یتبع المطامع- .

و قال لا تضعفوا همتکم- فإنی لم أر شیئا أقعد برجل- عن مکرمه من ضعف همته و وعظ رجلا فقال- لا تلهک الناس عن نفسک- فإن الأمور إلیک تصل دونهم- و لا تقطع النهار سادرا فإنه محفوظ علیک- فإذا أسأت فأحسن- فإنی لم أر شیئا أشد طلبا- و لا أسرع إدراکا من حسنه حدیثه لذنب قدیم- . و قال احذر من فلتات السباب- و کل ما أورثک النبز و أعلقک اللقب- فإنه إن یعظم بعده شأنک یشتد على ذلک ندمک- .

و قال کل عمل کرهت من أجله الموت فاترکه- ثم لا یضرک متى مت- . و قال أقلل من الدین تعش حرا- و أقلل من الذنوب یهن علیک الموت- و انظر فی أی نصاب تضع ولدک فإن العرق دساس- . و قال ترک الخطیئه أسهل من معالجه التوبه- . و قال احذروا النعمه حذرکم المعصیه- و هی أخفهما علیکم عندی- . و قال احذروا عاقبه الفراغ- فإنه أجمع لأبواب المکروه من السکر- . و قال أجود الناس من یجود على من لا یرجو ثوابه- و أحلمهم من عفا بعد القدره و أبخلهم من بخل بالسلام- و أعجزهم من عجز فی دعائه- . و قال رب نظره زرعت شهوه- و رب شهوه أورثت حزنا دائما- .

و قال ثلاث خصال من لم تکن فیه لم ینفعه الإیمان- حلم یرد به جهل الجاهل- و ورع یحجزه عن المحارم- و خلق یداری به الناس

 

بازدیدها: ۵۱۳

دیدگاه‌ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *