خطبه۷۶ شرح ابن میثم بحرانی

و من کلام له علیه السّلام

قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسیر إلى الخوارج، فقال له: یا أمیر المؤمنین، إن سرت فى هذا الوقت خشیت أن لا تظفر بمرادک، من طریق علم النجوم.

فقال علیه السّلام: أَ تَزْعُمُ أَنَّکَ تَهْدِی إِلَى السَّاعَهِ- الَّتِی مَنْ سَارَ فِیهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ- وَ تُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَهِ الَّتِی مَنْ

سَارَ فِیهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُّ- فَمَنْ صَدَّقَکَ بِهَذَا فَقَدْ کَذَّبَ الْقُرْآنَ- وَ اسْتَغْنَى عَنِ الِاسْتِعَانَهِ بِاللَّهِ- فِی نَیْلِ الْمَحْبُوبِ وَ دَفْعِ

الْمَکْرُوهِ- وَ تَبْتَغِی فِی قَوْلِکَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِکَ- أَنْ یُولِیَکَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ- لِأَنَّکَ بِزَعْمِکَ أَنْتَ هَدَیْتَهُ إِلَى السَّاعَهِ- الَّتِی نَالَ

فِیهَا النَّفْعَ وَ أَمِنَ الضُّرَّ ثم أقبل ع على الناس فقال أَیُّهَا النَّاسُ- إِیَّاکُمْ وَ تَعَلُّمَ النُّجُومِ إِلَّا مَا یُهْتَدَى بِهِ فِی بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ- فَإِنَّهَا

تَدْعُو إِلَى الْکَهَانَهِ- وَ الْمُنَجِّمُ کَالْکَاهِنِ وَ الْکَاهِنُ کَالسَّاحِرِ وَ السَّاحِرُ کَالْکَافِرِ- وَ الْکَافِرُ فِی النَّارِ سِیرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ

اللغه

أقول: حاق به: أحاط. و یولیه کذا: یعطیه إیّاه و یجعله أولى به.

المعنى

و روى أنّ المشیر علیه بذلک کان عفیف بن قیس أخا لأشعث بن قیس و کان یتعاطى‏ علم النجوم. و اعلم أنّ الّذی یلوح من سرّ نهى الحکمه النبوّیه عن تعلّم النجوم أمران:

أحدها: اشتغال متعلّمها بها، و اعتماد کثیر من الخلق السامعین لأحکامها فیما یرجون و یخافون علیه فیما یسنده إلى الکواکب و الأوقات، و الاشتغال بالفزع إلیه و إلى ملاحظه الکواکب عن الفزع إلى اللّه و الغفله عن الرجوع إلیه فیمایهمّ من الأحوال و قد علمت أنّ ذلک یضادّ مطلوب الشارع إذ کان غرضه لیس إلّا دوام التفات الخلق إلى اللّه و تذکّرهم لمعبودهم بدوام حاجتهم إلیه.

الثانی: أنّ الأحکام النجومیّه إخبارات عن امور سیکون و هى تشبه الاطّلاع على الامور الغیبیّه. و أکثر الخلق من العوامّ و النساء و الصبیّان لا یتمیّزون بینها و بین علم الغیب و الإخبار به. فکان تعلّم تلک الأحکام و الحکم بها سببا لضلال کثیر من الخلق موهنا لاعتقاداتهم فی المعجزات إذ الإخبار عن الکائنات منها، و کذلک فی عظمه بارئهم. و یسلکهم فی عموم صدق قوله تعالى قُلْ لا یَعْلَمُ مَنْ فِی السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَیْبَ إِلَّا اللَّهُ و عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَیْبِ لا یَعْلَمُها إِلَّا هُوَ«» و قوله إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَهِ وَ یُنَزِّلُ الْغَیْثَ وَ یَعْلَمُ ما فِی الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِی نَفْسٌ ما ذا تَکْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِی نَفْسٌ بِأَیِّ أَرْضٍ تَمُوتُ«» فالمنجّم إذا حکم لنفسه بأنّه یصیب کذا فی وقت کذا فقد ادّعى أنّ نفسه تعلم ما تکسب غدا و بأىّ أرض تموت. و ذلک عین التکذیب للقرآن، و کأنّ هذین الوجهین هما المقتضیان لتحریم الکهانه و السحر و العزائم و نحوها، و أمّا مطابقه لسان الشریعه للعقل فی تکذیب هذه الأحکام فبیانها أنّ أهل النظر أمّا متکلّمون فإمّا معتزله أو أشعریّه.

أمّا المعتزله فاعتمادهم فی تکذیب المنجّم على أحد أمرین: أحدهما: أنّ الشریعه کذّبته. و عندهم أنّ کلّ حکم شرعىّ فیشتمل على وجه عقلىّ و إن لم یعلم عین ذلک الوجه، و الثانی مناقشته فی ضبطه لأسباب ما اخبر عنه من کون أو فساد.

و أمّا الاشعریّه فهم و إن قالوا: إنّه لا مؤثّر له إلّا اللّه و زعم بعضهم أنّهم خلصوا بذلک من إسناد التأثیرات إلى الکواکب إلّا أنّه لا مانع على مذهبهم أن یجعل اللّه‏ تعالى اتّصال نجم بنجم أو حرکته علامه على کون کاین أو فساده و ذلک ممّا لا یبطل على منجّم قاعده. فیرجعون أیضا إلى بیان عدم إحاطته بأسباب کون ما اخبر عنه. و مناقشته فی ذلک.

و أمّا الحکماء فاعلم أنّه قد ثبت فی اصولهم أنّ کلّ کائن فاسد فی هذا العالم فلا بدّ له من أسباب أربعه: فاعلىّ، و مادّىّ، و صورىّ، و غائىّ: أمّا السبب الفاعلىّ القریب فالحرکات السماویه و الّذی هو أسبق منها فالمحرّک لها إلى أن ینتهى إلى الجود الإلهىّ المعطى لکلّ قابل ما یستحقّه، و أمّا سببه المادىّ فهو القابل لصورته و تنتهى القوابل إلى القابل الأوّل و هو مادّه العناصر المشترکه بینها، و أمّا الصورىّ فصورته الّتی یقبلها مادّته، و أمّا الغائىّ فهى الّتی لأجلها وجد. أمّا الحرکات السماویّه فإنّ من الکاینات ما یحتاج فی کونه إلى دوره واحده للفلک، و منها ما یحتاج إلى جمله من أدواره و اتّصالاته. و أمّا القوابل للکائنات فقد تقرّر عندهم أیضا أنّ قبولها لکلّ کاین معیّن مشروط باستعداد معیّن له و ذلک الاستعداد یکون بحصول صوره سابقه علیه و هکذا قبل کلّ صوره صوره معدّه لحصول الصوره بعدها و کلّ صوره منها أیضا تستند إلى الاتّصالات و الحرکات الفلکیّه، و لکلّ استعداد معیّن زمان معیّن و حرکه معیّنه و اتّصال معیّن یخصّه لا یفی بدرکها القوّه البشریّه.

إذا عرفت ذلک فنقول: الأحکام النجومیّه إمّا أن تکون جزئیّه و إمّا کلّیّه.

أمّا الجزئیّه فأن یحکم مثلا بأنّ هذا الإنسان یکون من حاله کذا و کذا، و ظاهر أنّ مثل هذا الحکم لا سبیل إلى معرفته إذ العلم به إنّما هو من جهه أسبابه أمّا الفاعلیّه فأن یعلم أنّ الدوره المعیّنه و الاتّصال المعیّن سبب لملک هذا الرجل البلد المعیّن مثلا و أنّه لا سبب فاعلىّ لذلک إلّا هو، و الأوّل باطل لجواز أن یکون السبب غیر ذلک الاتّصال أو هو مع غیره. أقصى ما فی الباب أن یقال:

إنّما کانت هذه الدوره و هذه الاتّصال سببا لهذا الکاین لأنّها کانت سببا لمثله فى الوقت الفلانىّ لکن هذا أیضا باطل لأنّ کونها سببا للکائن السابق لا یجب أن یکون لکونها مطلق دوره و اتّصال بل لعلّه أن یکون لخصوصیّه کونه تلک المعیّنه الّتى لا تعود بعینها فیما بعد، و حینئذ لا یمکن الاستدلال بحصولها على کون هذا الکاین لأنّ المؤثرات المختلفه لا یجب تشابه آثارها، و الثانی‏ أیضا باطل لأنّ العقل یجزم بأنّه لا اطّلاع له على أنّه لا یقتضى لذلک الکاین من الأسباب الفاعله إلّا الاتّصال المعیّن. کیف و قد ثبت أنّ من الکاینات ما یفتقر إلى أکثر من اتّصال واحد و دوره واحده أو أقلّ، و أمّا القابلیّه فأن یعلم أنّ المادّه قد استعدّت لقبول مثل هذا الکاین و استجمعت جمیع شرائط قبوله الزمانیّه و المکانیّه و السماویّه و الأرضیّه. و ظاهر أنّ الإحاطه بذلک ممّا لا یفی به القوّه البشریّه، و أمّا الصوریّه و الغائیّه فأن یعلم ما یقتضیه استعداد مادّه ذلک المعیّن و قبولها من الصوره و ما یستلزمه من الشکل و المقدار، و أن یعلم ما غایه وجوده و ما أعدّته العنایه له، و ظاهر أنّ الإحاطه بذلک غیر ممکنه للإنسان.

و أمّا أحکامهم الکلّیّه فکأن یقال کلّما حصلت الدوره الفلانیّه کان کذا. و المنجّم إنّما یحکم بذلک الحکم من جزئیّات من الدورات تشابهت آثارها فظنّها متکرّره و لذلک یعدلون إذا حقّق القول علیهم إلى دعوى التجربه، و قد علمت أنّ التجربه تعود إلى تکرّر مشاهدات یضبطها الحسّ. و العقل یحصل منها حکما کلیّا کحکمه بأنّ کلّ نار محرقه فإنّه لمّا أمکن العقل استبتات الإحراق بواسطه الحسّ أمکنه الجزم الکلّى بذلک. فأمّا التشکّلات الفلکیّه و الاتّصالات الکوکبیّه المقتضیه لکون ما یکون فلیس شی‏ء منها یعود بعینه کما علمت و إن جاز أن یکون تشکّلات و عودات متقاربه الأحوال و متشابهه إلّا أنّه لا یمکن الإنسان ضبطها و لا الاطّلاع على مقدار ما بینها من المشابهه و التفاوت، و ذلک أنّ حساب المنجّم مبنىّ على قسمه الزمان بالشهور و الأیّام و الساعات و الدرج و الدقایق و أجزائها، و تقسیم الحرکه بإزائها و رفعهم بینها نسبه عددیّه و کلّ هذه امور غیر حقیقیّه و إنّما تؤخذ على سبیل التقریب. أقصى ما فی الباب أنّ التفاوت فیها لا یظهر فی المدد المتقاربه لکنّه یشبه أن یظهر فی المدد المتباعده، و مع ظهور التفاوت فی الأسباب کیف یمکن دعوى التجربه و حصول العلم الکلّى الثابت الّذی لا یتغیّر باستمرار أثرها على و تیره واحده. ثمّ لو سلّمنا أنّه لا یظهر تفاوت أصلا إلّا أنّ العلم بعود مثل الدوره

إذا عرفت ذلک فنقول: قوله: أ تزعم إلى قوله: الضرّ. استثبات لما فی العاده أن یدّعیه الأحکامیّون کما ادّعاه المنجّم المشیر بعدم المسیر فی ذلک الوقت. و قوله: فمن صدّقک [صدّق خ‏] بهذا إلى قوله: الضرر. إلزامات له على ما یعتقده عن نفرتها عن قبول أحکام المنجّم و الاعتقاد فیه.

أوّلها: أنّ من صدّقه فقد کذّب القرآن، و وجه التکذیب ما ذکرناه.

الثانی: کون مصدّقه یستغنى عن الاستعانه باللّه فی نیل محبوبه و رفع مکروهه: أى یفزع إلیه فی کلّ أمریهمّ به و یجعلهم عمده له فیعرض عن الفزع إلى اللّه کما سبق.

الثالث: أنّه ینبغی للعامل أن یولیه الحمد دون ربّه. و علّل هذا الإلزام بقیاس ضمیر من الشکل الأوّل. صورته: تزعم أنّک تهدى إلى ساعه النفع و الضرر، و کلّ من زعم ذلک فقد أهّل نفسه لاستحقاق الحمد من مصدّقه دون اللّه. فینتج أنّه قد أهّل نفسه لاستحقاق الحمد من مصدّقه دون اللّه. و الکبرى من المخیّلات، و قد یستعملها الخطیب للتنفیر عن بعض الامور الّتى یقصد النهى عنها. و قوله: أیّها الناس. إلى قوله: برّ أو بحر. تحذیر عن تعلّمها لما ذکرناه، و استثنى من ذلک تعلّمها للاهتداء بها فی السفر.

و اعلم أنّ الّذی ذکرناه لیس إلّا بیان أنّ الاصول الّتی ینبى‏ء علیها الأحکامیّون و ما یخبرون به فی المستقبل اصول غیر موثوق بها فلا یجوز الاعتماد علیها فی تلک الأحکام و الجزم بها. و هذا لا ینافی کون تلک القواعد ممهّده بالتقریب کقسمه الزمان و حرکه الفلک بالسنه و الشهر و الیوم مأخوذا عنها حساب یبنى علیه مصالح دینیّه کمعرفه أوقات العبادات کالصوم و الحجّ و نحوهما أو دنیویّه کآجال المداینات و سایر المعاملات و کمعرفه الفصول الأربعه لیعمل فی کلّ منها ما یلیق به من الحراثه و السفر و أسباب المعاش، و کذلک معرفه قوانین تقریبیّه من أوضاع الکواکب و حرکاتها یهتدى بقصدها و على‏ سمتها المسافرون فی برّ أو بحر فإنّ ذلک القدر منها غیر محرّم بل لعلّه من الامور المستحبّه لخلوّ المصالح المذکوره فیه عن وجوه المفاسد الّتی تشتمل علیها الأحکام کما سبق. و لذلک أمتن اللّه سبحانه على عباده بخلق الکواکب فی قوله وَ هُوَ الَّذِی جَعَلَ لَکُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِی ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ«» و قوله لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِینَ وَ الْحِسابَ«» و قوله: فإنّها. إلى آخره.

تعلیل للتحذیر عن تعلّمها و تنفیر عنها بقیاس آخر موصول یستنتج منه أنّ المنجّم فی النار. و على تقدیر تفصیله فالنتیجه الاولى کون المنجّم کالساحر و هى مع قوله: و الساحر کالکافر. و هذه النتیجه مع قوله: و الکافر فی النار ینتج المطلوب، و هو أنّ المنجّم فی النار، و القیاسان الأوّلان من قیاس المساواه. و قد علمت أنّه عسر الانحلال إلى الحدود المرتّبه فی القیاس المنتج لأنّ موضوع الکبرى جزء من محمول الصغرى فلیس الأوسط بمشترک فهو معدول عن وجهه إلى وقوع الشرکه فی بعض الأوسط. و لذلک یستحقّ أن یفرد باسم و یجعل لتحلیله قانون یرجع إلیه فی أمثاله. و قد سبق مثله فی الخطبه الاولى. و إذا حمل على القیاس الصحیح کان تقدیره المنجّم یشبه الکاهن المشبه للساحر و مشبه الکاهن المشبه للساحر مشبه للساحر فینتج أنّ المنجّم یشبه الساحر، و هکذا فی القیاس الثانی المنجّم یشبه الساحر المشبه للکافر و مشبه الساحر المشبه للکافر یشبه الکافر فالمنجّم یشبه الکافر و الکافر فی النار فالمنجّم کذلک و هو القیاس الثالث و نتیجته. فأمّا بیان معنى الکاهن و الساحر و الإشاره إلى وجوه التشبیهات المذکوره: فاعلم أنّا قد أشرنا فی المقدّمه إلى مکان وجود نفس تقوى على اطّلاع ما سیکون و على التصرّفات العجیبه فی هذا العالم فتلک النفس إن کانت کامله خیّره مجذوبه من اللّه تعالى بدواعى السلوک إلى سبیله و ما یقود إلیه فهى نفوس الأنبیاء و الأولیاء ذوى المعجزات و الکرامات، و إن کانت ناقصه شریره منجذبه عن تلک الجهه و غیر طالبه لتلک المرتبه بل مقتصره على رذایل الأخلاق و خسائس الامور کالتکهّن و نحوه‏ فهى نفوس الکهنه و السحره.

و أعلم أنّ أکثر ما تظهر قوّه الکهانه و نحوها من قوى النفوس فی أوقات الأنبیاء و قبل ظهورهم. و ذلک أنّ الفلک إذا أخذ فی التشکّل بشکل یتمّ به فی العالم حدث عظیم عرض من ابتداء ذلک الشکل و غایته أحداث فی الأرض شبیهه بما یرید أن یتمّ و لکنّها تکون غیر تامّه فإذا استکمل ذلک الشکل فی الفلک و تمّ وجد به فی العالم ما یقتضیه فی أسرع زمان لسرعه تبدّل أشکال الفلک فتظهر تلک القوّه الّتی یوجبها ذلک الشکل فی شخص واحد أو شخصین أو أکثر على حسب ما یقتضیه العنایه الإلهیّه و یستوعب ذلک الشخص تلک القوّه على الکمال. فأمّا من قرب من ذلک الشکل و لم یستوفه فإنّه یکون ناقص القوّه بحسب بعده من الشکل. و یظهر ذلک النقصان بظهور النبوّه المقصوده من ذلک الشکل.
فتبیّن قصور القوى المتقدّمه على النبىّ و المتأخّره عنه و نقصانهما عن ذلک التمام.

فأمّا صفه الکاهن من أصحاب تلک القوى فإنّ صاحب قوّه الکهانه إذا أحسّ بها من نفسه تحرّک إلیها بالإراده لیکملها فیبرزها فی امور حسیّه و یثیرها فی علامات تجرى مجرى الفال و الزجر و طرق الحصى، و ربّما استعان بالکلام الّذی فیه سجع و موازنه أو بحرکه عنیفه من عدو حثیث کما حکى عن کاهن من الترک، و کما نقل إلىّ من شاهد کاهنا کان فی زماننا و توفّى مند عشرین سنه یکنّى بأبى عمرو کان بناحیه من ساحل البحر یقال لها قلهات، و إنّه کان إذا سئل عن أمر استعان بتحریک رأسه تحریکا یقوى و یضعف بحسب الحاجه و أجاب عقیب ذلک، و قیل إنّه کان قد یستغنى فی بعض الإخبارات عن تلک الحرکه. و الغرض من ذلک اشتغال النفس عن المحسوسات فتداخل نفسه و یقوى فیها ذلک الأثر و یهجس فی نفسه عن تلک الحرکه ما تقذفه على لسانه، و ربّما صدق الکاهن، و ربّما کذب. و ذلک أنّه یتمّم نقصه بأمر مباین لکماله غیر داخل فیه فیعرض له الکذب و یکون غیر موثوق به، و ربّما تعمد الکذب خوفا من کساد بضاعته فیستعمل الزرق و یخبر بمالا أثر له فی نفسه و یضطرّ إلى التخمین. و درجات هؤلاء متفاوته بحسب قربهم من الافق الإنسانىّ و بعدهم منه و بقدر قبولهم للأثر العلوىّ. و یتمیّزون عن الأنبیاء بالکذب و ما یدّعونه من المحالات فإن اتّفق أن یلزم أحدهم الصدق فإنّه لا یتجاوز قدره فی قوّته و یبادر إلى التصدیق بأوّل أمر یلوح من النبىّ صلى اللّه علیه و آله و سلّم و یعرف فضله کما روى عن طلحه و سواد بن قارب و نحوهما من الکهنه فی زمان الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم.

إذا عرفت ذلک فنقول: أمّا قوله: فإنّها تدعو إلى الکهانه. أىّ أنّها تدعو المنجّم فی آخر أمره إلى أن یصّیر نفسه کالکاهن فی دعوى الإخبار عمّا سیکون، ثمّ أکّد کونها داعیه إلى التمکین بتشبیهه بالکاهن. و أعلم أنّ الکاهن یتمیّز عن المنجّم بکون ما یخبر به من الأمور الکاینه إنّما هو عن قوّه نفسانیّه له، و ظاهر أنّ ذلک أدعى إلى فساد أذهان الخلق و إغوائهم لزیاده اعتقادهم فیه على المنجّم، و أمّا الساحر فیتمیّز عن الکائن بأنّ له قوّه على التأثیر فی أمر خارج عن بدنه آثارا خارجه عن الشریعه موذیه للخلق کالتفریق بین الزوجین و نحوه و تلک زیاده شرّ آخر على الکاهن أدعى إلى فساد أذهان الناس و زیاده اعتقادهم فیه و انفعالهم عنه خوفا و رغبه، و أمّا الکافر فیتمیّز عن الساحر بالبعد الأکبر عن اللّه تعالى و عن دینه و إن شارکه فی أصل الانحراف عن سبیل اللّه. و حینئذ صار الضلال و الفساد فی الأرض مشترکا بین الأربعه إلّا أنّه مقول علیهم بالأشدّ و الأضعف فالکاهن أقوى فی ذلک من المنجّم، و الساحر أقوى من الکاهن، و الکافر أقوى من الساحر. و لذلک التفاوت جعل علیه السّلام الکاهن أصلا فی التشبیه للمنجّم لزیاده فساده علیه ثمّ ألحقه به، و جعل الساحر أصلا للکاهن، و الکافر أصلا للساحر. لأنّ التشبیه یستدعى کون المشبّه به أقوى فی الوصف الّذی فیه التشبیه و أحقّ به. و قد لاح من ذلک أنّ وجه الشبه فی الکلّ هو ما یشترکون فیه من العدول و الانحراف عن طریق اللّه بالتنجیم و الکهانه و السحر و الکفر و ما یلزم من ذلک من صدّ کثیر من الخلق عن سبیل اللّه و إن اختلف جهات هذا العدول بالشدّه و الضعف کما بیّناه. و لمّا فرغ علیه السّلام من تنفیر أصحابه عن تعلّم النجوم و قبول أحکامها و غسّل أذهانهم من ذلک بالتخویف المذکور أمرهم بالمسیر إلى الحرب. و روى: أنّه سار فی تلک الساعه إلى الخوارج و کان منه ما علمت من الظفر بهم و قتلهم حتّى لم یفلت منهم غیر تسعه نفر، و لم یهلک من رجاله غیر ثمانیه نفر کما سبق بیانه، و ذلک یستلزم خطأ ذلک المنجّم و تکذیبه فی مقاله. و باللّه التوفیق.

شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن ‏میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ ى ۲۱۶

بازدیدها: ۴

دیدگاه‌ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد.

این سایت از اکیسمت برای کاهش هرزنامه استفاده می کند. بیاموزید که چگونه اطلاعات دیدگاه های شما پردازش می‌شوند.