خطبه ۷۳شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبه له علیه السّلام

رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ حُکْماً فَوَعَى- وَ دُعِیَ إِلَى رَشَادٍ فَدَنَا وَ أَخَذَ بِحُجْزَهِ هَادٍ فَنَجَا- رَاقَبَ رَبَّهُ وَ خَافَ ذَنْبَهُ قَدَّمَ خَالِصاً وَ

عَمِلَ صَالِحاً- اکْتَسَبَ مَذْخُوراً وَ اجْتَنَبَ مَحْذُوراً- وَ رَمَى غَرَضاً وَ أَحْرَزَ عِوَضاً کَابَرَ هَوَاهُ وَ کَذَّبَ مُنَاهُ- جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِیَّهَ

نَجَاتِهِ وَ التَّقْوَى عُدَّهَ وَفَاتِهِ- رَکِبَ الطَّرِیقَهَ  

الْغَرَّاءَ وَ لَزِمَ الْمَحَجَّهَ الْبَیْضَاءَ- اغْتَنَمَ الْمَهَلَ وَ بَادَرَ الْأَجَلَ وَ تَزَوَّدَ مِنَ الْعَمَلِ

اللغه

أقول: الحجزه: معقد الإزار.

و المراقبه: المحافظه.

و ا لغرّاء: البیضاء.

المعنى

و اعلم أنّ هذا الفصل یشتمل على استنزاله علیه السّلام الرحمه لعبد استجمع ما ذکر من الامور، و هى عشرون وصفا:

الأوّل یسمع الحکم فیعیه، و الحکم الحکمه، و دعاؤه لسامعها و واعیها یستلزم أمره بتعلّمها و تعلیمها، و هى أعمّ من العلمیّه و العملیّه. و وعاها: أى فهمها کما القیت إلیه.

الثانی: کونه إذا دعى إلى رشاد دنا من الداعى إلیه و أجاب دعاؤه. و الرشاد یعود إلى ما یهدیه و یرشده إلى طریق معاشه و معاده من العلوم و الأعمال الّتی وردت بها الشریعه.

الثالث: أن یأخذ بحجزه هاد فینجو به: أى یکون فی سلوکه لسبیل اللّه مقتدیا باستاد مرشد عالم لتحصل به نجاته، و استعار لفظ الحجزه لأثر الاستاد و سنّته. و وجه المشابهه کون ذهن المقتدى لازما لسنّه شیخه فی مضایق طریق اللّه و ظلماتها لینجو به کما یلزم السالک لطریق مظلم لم یسلکه قبل بحجزه آخر قد سلک تلک الطریق و صار دلیلا فیها لیهتدى به و ینجو من التیه فی ظلماتها. و بین أهل السلوک حلاف أنّه هل یضطرّ المرید إلى الشیخ فی سلوکه أم لا. و أکثرهم یرى وجوبه. و یفهم من کلامه علیه السّلام وجوب ذلک و بمثل شهادته یتبجّح الموجبون له إذ کان لسان العارفین و منتهى طبقاتهم. و ظاهر أنّ طریق المرید مع الشیخ أقرب إلى الهدایه، و بدونه أطول و أقرب إلى الضلال عنها. فلذلک قال علیه السّلام: فنجا: أى أنّ النجاه معلّقه به، و قد ذکرنا ما احتجّ به الفریقان فی کتاب مصباح العارفین.

الرابع: أن یراقب ربّه. و أعلم أنّ المراقبه إحدى ثمرات الإیمان و هى رتبه عظیمه من رتب السالکین قال رسول اللّه صلى اللّه علیه و آله و سلّم: اعبد اللّه کأنّک تراه فإن لم تک تراه فإنّه یراک قال تعالى

أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى‏ کُلِّ نَفْسٍ بِما کَسَبَتْ«» و قال إِنَّ اللَّهَ کانَ عَلَیْکُمْ رَقِیباً«» قال الإمام الغزّالىّ: و حقیقتها أنّها حاله للنفس بثمرها نوع من المعرفه، و تثمر أعمالا فی الجوارح و القلب: أمّا الحاله فهى مراعاه القلب للرقیب و اشتغاله به، و أمّا العلم المثمر لها فهو العلم بأنّ اللّه تعالى مطّلع على الضمائر و السرائر قائم على کلّ نفس بما کسبت و أنّ سرّ القلوب مکشوف له کظاهر البشره للخلق بل هو أشدّ فهذه المعرفه إذا استولت على القلب و لم یبق فیها شبهه فلا بدّ أن تجذبه إلى مراعات الرقیب. و الموقنون بهذه المعرفه فمنهم الصدّیقون و مراقبتهم التعظیم و الإجلال و استغراق القلب بملاحظه ذلک الجلال و الانکسار تحت الهیبه و العظمه بحیث لا یبقى فیه متّسع للالتفات إلى الغیر أصلا. و هى مراقبه مقصوره على القلب. أمّا الجوارح فإنّها تتعطّل عن التلفّت إلى المباحات فضلا عن المحظورات، و إذا تحرّکت بالطاعه کانت کالمستعمل لها فلا تصلح لغیرها و لا یحتاج إلى تدبیر فی ضبطها على سنن السداد، و من نال هذه الرتبه فقد یغفل عن الخلق حتّى لا یبصرهم و لا یسمع أقوالهم. و مثّل هذا بمن یحضر فی خدمه ملک عظیم فإنّ بعضهم قد لا یحسّ بما یجرى فی حضره الملک من استغراقه بهیبته، و بمن یشغله أمر مهمّ یفکّر فیه.

و روى: أنّ یحیى بن زکریّا علیه السّلام مرّ بامراه فدفعها على وجهها. فقیل له: لم فعلت فقال: ما ظننتها إلّا جدارا. الثانیه مراقبه الورعین من أصحاب الیمین و هم قوم غلب بعض اطّلاع اللّه تعالى على قلوبهم و لکن لم تدهشهم ملاحظه الجلال بل بقیت قلوبهم على الاعتدال متّسعه للتلفّت إلى الأقوال و الأعمال إلّا أنّها مع مدارستها للعمل لا تخلو عن المراقبه، و قد غلب الحیاء من اللّه على قلوبهم فلا یقدمون و لا یجمحون إلّا عن تثبّت فیمتنعون عن کلّ أمر فاضح فی القیامه إذ یرون اللّه تعالى مشاهدا لأعمالهم فی الدنیا کما یرونه فی القیامه. و من کان فی هذه الدرجه فیحتاج أن یراقب جمیع حرکاته و سکناته و لحظاته و جمیع اختیاراته و یرصد کلّ خاطر یسنح له فإن کان إلهیّا یعجّل مقتضاه و إن کانت شیطانیّا بادر إلى قمعه   استحیا من ربّه و لام نفسه على اتّباع هواه فیه و إن شکّ فیه توقّف إلى أن یظهر له بنور اللّه سبحانه من أىّ جانب هو کما قال علیه السّلام: الهوى شریک‏

العمى. و من التوفیق التوقّف عند الحیره و لا یهمل شیئا من أعماله و خواطره و إن قلّ لیسلم من مناقشه الحساب. فقد قال الرسول صلى اللّه علیه و آله و سلّم: الرجل لیسئل عن کحل عینیه و عن فتله الطین بإصبعه و عن لمسه ثوب أخیه.

الخامس: أن یخاف ذنبه. و اعلم أنّ الخوف لیس ممّا هو ذنب بل من المعاقب على الذنب لکن لمّا کان الذنب سببا موجبا لسخط المعاقب و عقابه نسب الخوف إلیه. و قد سبق منّا بیان حقیقتى الخوف و الرجاء.

السادس: أن یقدّم خالصا بأن یکون أحواله کلّها خالصه للّه من قول أو عمل، و خاطره بریئه عن الالتفات إلى غیره فیها. و قد سبق معنى الإخلاص فی الخطبه الاولى.

السابع: أن یعمل صالحا. و صلاح العمل الإتیان به کما امر به و هو نوع ممّا تقدّمه.

الثامن: أن یکتسب مذخورا. و هو أمر بسایر ما أمرت الشریعه باکتسابه. و نبّه على وجوب السعى فیه بأنّه یبقى ذخرا لیوم الفاقه إلیه.

التاسع: أن یجتنب محذورا. و هو أمر باجتناب ما نهت الشریعه عنه، و نبّه على وجوب اجتنابه بکونه محذورا یستلزم العقاب فی الآخره.

العاشر: أن یرمى غرضا: أى یحذف أعراض الدنیا عن درجه الاعتبار، و هو إشاره إلى الزهد و التخلّى عن موانع الرحمه.

الحادى عشر: أن یحرز عوضا: أى یذخر فی جوهر نفسه ملکات الخیر و یوجّه سرّه إلى مطالعه أنوار کبریاء اللّه و یحرز ما یفاض علیه من الحسنات و یثبتها بتکریرها.
فنعم العوض من متاع الدنیا و أعراضها الفانیه.

الثانی عشر: أن یکابر هواه: أى یطوّع نفسه الأمّاره بالسوء بالأعمال الدینیّه و یراقبها فی کلّ خاطر یلقیه إلى نفسیه و یقابلها بکسره و قمعه.

الثالث عشر: أن یکذب مناه: أى یقابل ما یلفته إلیه الشیطان من الأمانى و یعده به بالتکذیب و القمع له بتجویز عدم نیلها. و یحسم مادّه ذلک بالمراقبه فإنّ الوساوس الشیطانیّه یتبع بعضها بعضا، و من إشاراته علیه السّلام إلى ذلک: إیّاکم و المنى فإنّها بضایع‏ النوکى: أى الحمقى.

الرابع عشر: أن یجعل الصبر مطیّه نجاته. و الصبر هو مقاومه النفس لئلّا تنقاد إلى قبایح اللذّات. و لمّا علمت أنّ الانقیاد فی مسلکها إلى اللذّات القبیحه هو سبب الهلاک فی الآخره علمت أنّ مقاومتها و دفعها عنها هو سبب النجاه هناک، و قد استعار لفظ المطیّه للصبر، و وجه المشابهه کون لزومه سببا للنجاه کما أنّ رکوب المطیّه و الهرب علیها سبب النجاه من العدوّ.

الخامس عشر: أن یجعل التقوى عدّه وفاته. و لمّا کان التقوى قد یراد به الزهد، و قد یراد به الخوف من اللّه المستلزم للزهد کما علمت و کانت العدّه هو ما استعدّ به الإنسان للقاء الحوادث، و کان الموت أعظم حادث یسبق إلى الإنسان من أحوال الآخره کان التقوى عدّه للموت. إذ کان المتّقى مشغول السرّ بعظمه اللّه و هیبته عن کلّ حاله تلحقه فلا یکون للموت. عنده کثیر وقع و لا عظیم کرب، و قد یراد بالتقوى مطلق الإیمان، و بالوفاه ما بعدها مجازا، و ظاهر کون الإیمان عدّه واقیه من عذاب اللّه.

السادس عشر: أن یرتکب الطریقه الغرّاء. و هو أن یسلک إلى اللّه تعالى الطریقه الواضحه المستقیمه و هى سریعه.

السابع عشر: و أن یلزم المحجّه البیضاء. و الفرق بین هذا الأمر و الّذی قبله أنّ الأوّل أمر برکوب الطریقه الغرّاء، و الثانی أمر بلزومها و عدم مفارقتها و أنّها و إن کانت واضحه إلّا أنّها طویله کثیره المخاوف و سالکها أبدا محارب للشیطان و هو فی معرض أن یستزلّه عنها.

الثامن عشر: أن یغتنم المهل: أى أیّام مهلته و هى حیاته الدنیا و اغتنامه العمل فیها قبل یوم الحساب.

التاسع عشر: أن یبادر الأجل: أى یسابقه إلى العمل قبل أن یسبقه فیقتطعه عنه.

العشرون: أن یتزوّد من العمل. و هو الأمر بما یتبادر إلیه من اتّخاذ العمل زادا.
و قد سبق وجه استعاره الزاد له. و قد راعى علیه السّلام فی کلّ مرتبتین من هذا الکلام السجع المتوازى، و جعل الصدر ثلاثا و الآخر ثلاثا و عطف کلّ قرینه على مشارکتها فی‏ الحرف الأخیر منها، و حذف حرف العطف من الباقى لیتمیّز ما یتناسب منها عن غیره.
و کلّ ذلک بلاغه.

 

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ میثم بحرانی)، ج ۲ ، صفحه‏ ى ۲۱۲

بازدیدها: ۵

دیدگاه‌ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد.

این سایت از اکیسمت برای کاهش هرزنامه استفاده می کند. بیاموزید که چگونه اطلاعات دیدگاه های شما پردازش می‌شوند.