خطبه ۱۱۳ شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

۱۱۳ و من خطبه له ع

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَاصِلِ الْحَمْدَ بِالنِّعَمِ- وَ النِّعَمَ بِالشُّکْرِ نَحْمَدُهُ عَلَى آلَائِهِ- کَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلَائِهِ- وَ نَسْتَعِینُهُ عَلَى هَذِهِ النُّفُوسِ الْبِطَاءِ- عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ- السِّرَاعِ إِلَى مَا نُهِیَتْ عَنْهُ- وَ نَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ- وَ أَحْصَاهُ کِتَابُهُ عِلْمٌ غَیْرُ قَاصِرٍ- وَ کِتَابٌ غَیْرُ مُغَادِرٍ- وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِیمَانَ مَنْ عَایَنَ الْغُیُوبَ- وَ وَقَفَ عَلَى الْمَوْعُودِ- إِیمَاناً نَفَى إِخْلَاصُهُ الشِّرْکَ وَ یَقِینُهُ الشَّکَّ- وَ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِیکَ لَهُ- وَ أَنَّ مُحَمَّداً ص عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- شَهَادَتَیْنِ تُصْعِدَانِ الْقَوْلَ وَ تَرْفَعَانِ الْعَمَلَ- لَا یَخِفُّ مِیزَانٌ تُوضَعَانِ فِیهِ- وَ لَا یَثْقُلُ مِیزَانٌ تُرْفَعَانِ مِنْهُ أُوصِیکُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- الَّتِی هِیَ الزَّادُ وَ بِهَا الْمَعَاذُ- زَادٌ مُبْلِغٌ وَ مَعَاذٌ مُنْجِحٌ- دَعَا إِلَیْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ- وَ وَعَاهَا خَیْرُ وَاعٍ- فَأَسْمَعَ دَاعِیهَا وَ فَازَ وَاعِیهَا- عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ تَقْوَى اللَّهِ حَمَتْ أَوْلِیَاءَ اللَّهِ مَحَارِمَهُ- وَ أَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ- حَتَّى أَسْهَرَتْ لَیَالِیَهُمْ وَ أَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ- فَأَخَذُوا الرَّاحَهَ بِالنَّصَبِ وَ الرِّیَّ بِالظَّمَإِ- وَ اسْتَقْرَبُوا الْأَجَلَ فَبَادَرُوا الْعَمَلَ- وَ کَذَّبُوا الْأَمَلَ فَلَاحَظُوا الْأَجَلَ- ثُمَّ إِنَّ الدُّنْیَا دَارُ فَنَاءٍ وَ عَنَاءٍ وَ غِیَرٍ وَ عِبَرٍ- فَمِنَ الْفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ- لَا تُخْطِئُ سِهَامُهُ- وَ لَا تُؤْسَى جِرَاحُهُ یَرْمِی الْحَیَّ بِالْمَوْتِ- وَ الصَّحِیحَ بِالسَّقَمِ- وَ النَّاجِیَ بِالْعَطَبِ- آکِلٌ لَا یَشْبَعُ وَ شَارِبٌ لَا یَنْقَعُ- وَ مِنَ الْعَنَاءِ أَنَّ الْمَرْءَ یَجْمَعُ‏مَا لَا یَأْکُلُ- وَ یَبْنِی مَا لَا یَسْکُنُ- ثُمَّ یَخْرُجُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى- لَا مَالًا حَمَلَ وَ لَا بِنَاءً نَقَلَ- وَ مِنْ غِیَرِهَا أَنَّکَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً- وَ الْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً- لَیْسَ ذَلِکَ إِلَّا نَعِیماً زَلَّ وَ بُؤْساً نَزَلَ- وَ مِنْ عِبَرِهَا أَنَّ الْمَرْءَ یُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ- فَیَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ- فَلَا أَمَلٌ یُدْرَکُ- وَ لَا مُؤَمَّلٌ یُتْرَکُ- فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا- وَ أَظْمَأَ رِیَّهَا وَ أَضْحَى فَیْئَهَا- لَا جَاءٍ یُرَدُّ وَ لَا مَاضٍ یَرْتَدُّ- فَسُبْحَانَ اللَّهِ- مَا أَقْرَبَ الْحَیَّ مِنَ الْمَیِّتِ لِلَحَاقِهِ بِهِ- وَ أَبْعَدَ الْمَیِّتَ مِنَ الْحَیِّ لِانْقِطَاعِهِ عَنْهُ- إِنَّهُ لَیْسَ شَیْ‏ءٌ بِشَرٍّ مِنَ الشَّرِّ إِلَّا عِقَابُهُ- وَ لَیْسَ شَیْ‏ءٌ بِخَیْرٍ مِنَ الْخَیْرِ إِلَّا ثَوَابُهُ- وَ کُلُّ شَیْ‏ءٍ مِنَ الدُّنْیَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِیَانِهِ- وَ کُلُّ شَیْ‏ءٍ مِنَ الآْخِرَهِ عِیَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ- فَلْیَکْفِکُمْ مِنَ الْعِیَانِ السَّمَاعُ- وَ مِنَ الْغَیْبِ الْخَبَرُ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الدُّنْیَا- وَ زَادَ فِی الآْخِرَهِ- خَیْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الآْخِرَهِ- وَ زَادَ فِی الدُّنْیَا- فَکَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابِحٍ وَ مَزِیدٍ خَاسِرٍ- إِنَّ الَّذِی أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ الَّذِی نُهِیتُمْ عَنْهُ- وَ مَا أُحِلَّ لَکُمْ أَکْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَیْکُمْ- فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا کَثُرَ وَ مَا ضَاقَ لِمَا اتَّسَعَ- قَدْ تَکَفَّلَ لَکُمْ بِالرِّزْقِ- وَ أُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ- فَلَا یَکُونَنَّ الْمَضْمُونُ لَکُمْ طَلَبُهُ- أَوْلَى بِکُمْ مِنَ الْمَفْرُوضِ عَلَیْکُمْ عَمَلُهُ- مَعَ أَنَّهُ وَ اللَّهِ لَقَدِ اعْتَرَضَ الشَّکُّ- وَ دَخَلَ الْیَقِینُ- حَتَّى کَأَنَّ الَّذِی ضُمِنَ لَکُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَیْکُمْ- وَ کَأَنَّ الَّذِی فُرِضَ عَلَیْکُمْ قَدْ وَضِعَ عَنْکُمْ- فَبَادِرُوا الْعَمَلَ وَ خَافُوا بَغْتَهَ الْأَجَلِ- فَإِنَّهُ لَا یُرْجَى مِنْ رَجْعَهِ الْعُمُرِ- مَا یُرْجَى مِنْ رَجْعَهِ الرِّزْقِ- مَا فَاتَ الْیَوْمَ مِنَ الرِّزْقِ رُجِیَ غَداً زِیَادَتُهُ- وَ مَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ الْعُمُرِ- لَمْ یُرْجَ الْیَوْمَ‏ رَجْعَتُهُ- الرَّجَاءُ مَعَ الْجَائِی وَ الْیَأْسُ مَعَ الْمَاضِی- فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ- وَ لَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ لقائل أن یقول أما کونه واصل الحمد له- من عباده بالنعم منه علیهم فمعلوم- فکیف قال إنه یصل النعم المذکوره بالشکر- و الشکر من أفعال العباد- و لیس من أفعاله لیکون واصلا للنعم به- و جواب هذا القائل- هو أنه لما وفق العباد للشکر- بعد أن جعل وجوبه فی عقولهم مقررا و بعد أن أقدرهم علیه- صار کأنه الفاعل له- فأضافه إلى نفسه توسعا- کما یقال أقام الأمیر الحد و قتل الوالی اللص- فأما حمده سبحانه على البلاء کحمده على الآلاء- فقد تقدم القول فیه- و من الکلام المشهور سبحان من لا یحمد على المکروه سواه- و السر فیه أنه تعالى إنما یفعل المکروه بنا لمصالحنا- فإذا حمدناه علیه فإنما حمدناه على نعمه أنعم بها- و إن کانت فی الظاهر بلیه و ألما- .

فإن قلت فقد کان الأحسن فی البیان أن یقول- نحمده على بلائه کما نحمده على آلائه- قلت إنما عکس لأنه جاء باللفظین- فی معرض ذکر النعم و الشکر علیها- فاستهجن أن یلقبها بلفظه الحمد على البلاء للمنافره- التی تکون بینهما- فقال نحمده على هذه الآلاء التی أشرنا إلیها- التی هی آلاء فی الحقیقه- و هذا ترتیب صحیح منتظم- .

ثم سأل الله أن یعینه على النفس البطیئه عن المأمور به- السریعه إلى المنهی عنه- و من دعاء بعض الصالحین- اللهم إنی أشکو إلیک عدوا بین جنبی- قد غلب علی- . و فسر قوم من أهل الطریقه و الحقیقه قوله تعالى- یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا قاتِلُوا-الَّذِینَ یَلُونَکُمْ مِنَ الْکُفَّارِ- وَ لْیَجِدُوا فِیکُمْ غِلْظَهً- قالوا أراد مجاهده النفوس- ومن کلام رسول الله ص أبت الأنفس إلا حب المال و الشرف- و إن حبهما لأذهب بدین أحدکم- من ذئبین ضاریین باتا فی زریبه غنم إلى الصباح- فما ذا یبقیان منها- .

ثم شرع فی استغفار الله سبحانه من کل ذنب- و عبر عن ذلک بقوله مما أحاط به علمه- و أحصاه کتابه- لأنه تعالى عالم بکل شی‏ء- و محیط بکل شی‏ء- و قد أوضح ذلک بقوله- علم غیر قاصر- و کتاب غیر مغادر- أی غیر مبق شیئا لا یحصیه- قال تعالى ما لِهذَا الْکِتابِ لا یُغادِرُ- صَغِیرَهً وَ لا کَبِیرَهً إِلَّا أَحْصاها- .

ثم قال و نؤمن به إیمان من عاین و شاهد- لأن إیمان العیان أخلص- و أوثق من إیمان الخبر- فإنه لیس الخبر کالعیان- و هذا إشاره إلى إیمان العارفین- الذین هو ع سیدهم و رئیسهم- و لذلکقال لو کشف الغطاء ما ازددت یقینا- . و قوله تصعدان القول إشاره إلى قوله تعالى- إِلَیْهِ یَصْعَدُ الْکَلِمُ الطَّیِّبُ- وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ یَرْفَعُهُ- و روی تسعدان القول بالسین- أی هما شهادتان بالقلب یعاضدان الشهاده باللسان- و یسعدانها- .

ثم ذکر أنهما شهادتان لا یخف میزان هما فیه- و لا یثقل میزان رفعا عنه- . أما أنه لا یثقل میزان رفعا عنه فهذا لا کلام فیه- و إنما الشأن فی القضیه الأولى- لأن ظاهر هذا القول یشعر بمذهب المرجئه الخلص- و هم أصحاب مقاتل بن سلیمان- القائلون إنه لا یضر مع الشهادتین معصیه أصلا- و إنه لا یدخل النار- من فی قلبه ذره من الإیمان-و لهم على ذلک احتجاج- قد ذکرناه فی کتبنا الکلامیه- فنقول فی تأویل ذلک- إنه لم یحکم بهذا على مجرد الشهادتین- و إنما حکم بهذا على شهادتین مقیدتین- قد وصفهما بأنهما یصعدان القول- و یرفعان العمل- و تانک الشهادتان المقیدتان بذلک القید- إنما هو الشهادتان- اللتان یقارنهما فعل الواجب و تجنب القبیح- لأنه إن لم یقارنهما ذلک لم یرفعا العمل- و إذا کان حکمه ع بعد خفه میزان هما فیه- إنما هو على شهادتین مقیدتین لا مطلقتین- فقد بطل قول من یجعل هذا الکلام حجه للمرجئه- . ثم أخذ فی الوصاه بالتقوى- و قال إنما الزاد فی الدنیا الذی یزود منه- لسفر الآخره و بها المعاذ مصدر من عذت بکذا- أی لجأت إلیه و اعتصمت به- .

ثم وصفهما أعنی الزاد و المعاذ- فقال زاد مبلغ- أی یبلغک المقصد و الغایه التی تسافر إلیها- و معاذ منجح أی یصادف عنده النجاح- . دعا إلیها أسمع داع یعنی البارئ سبحانه- لأنه أشد الأحیاء أسماعا لما یدعوهم إلیه- و بناء أفعل هاهنا من الرباعی- کما جاء ما أعطاه للمال و ما أولاه للمعروف- و أنت أکرم لی من زید أی أشد إکراما- و هذا المکان أقفر من غیره أی أشد إقفارا- و فی المثل أفلس من ابن المذلق- و روی دعا إلیها أحسن داع أی أحسن داع دعا- و لا بد من تقریر هذا الممیز- لأنه تعالى لا توصف ذاته بالحسن- و إنما یوصف بالحسن أفعاله- . و وعاها خیر واع أی من وعاها عنه تعالى و عقلها- و أجاب تلک الدعوه فهو خیر واع- . و قیل عنى بقوله- أسمع داع رسول الله ص- و عنى بقوله خیر واع نفسه- لأنه أنزل فیه وَ تَعِیَها أُذُنٌ واعِیَهٌ- و الأول أظهر- .

ثم قال فأسمع داعیها- أی لم یبق أحدا من المکلفین- إلا و قد أسمعه تلک الدعوه و فازوا علیها- أفلح من فهمها و أجاب إلیها- لا بد من تقدیر هذا- و إلا فأی فوز یحصل لمن فهم و لم یجب- و التقوى خشیه الله سبحانه- و مراقبته فی السر و العلن- و الخشیه أصل الطاعات- و إلیها وقعت الإشاره بقوله تعالى- إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاکُمْ- و قوله سبحانه وَ مَنْ یَتَّقِ اللَّهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً- وَ یَرْزُقْهُ مِنْ حَیْثُ لا یَحْتَسِبُ- . قوله حتى أسهرت لیالیهم- و أظمأت هواجرهم- من قول العرب نهاره صائم و لیله قائم- نقلوا الفعل إلى الظرف- و هو من باب الاتساع الذی یجرون فیه الظروف مجرى المفعول به- فیقولون الذی سرته یوم الجمعه أی سرت فیه- و قالو یوم شهدناه سلیما و عامرا- أی شهدنا فیه سلیما- و قد اتسعوا فأضافوا إلى الظروف فقالوا-

یا سارق اللیله أهل الدار

و قال تعالى بَلْ مَکْرُ اللَّیْلِ وَ النَّهارِ- فأخرجوهما بالإضافه عن الظرفیه- . قوله ع فأخذوا الراحه النصب- یروى فاستبدلوا الراحه- و النصب التعب و استقربوا الأجل رأوه قریبا- . فإن قلت لما ذا کرر لفظه الأجل- و فی تکرارها مخالفه لفن البیان- قلت إنه استعملها فی الموضعین بمعنیین مختلفین- فقوله استقربوا الأجل یعنی المده- و قوله فلاحظوا الأجل یعنی الموت نفسه- .و یروى موتر و موتر بالتشدید- و لا تؤسى جراحه لا تطب و لا تصلح- أسوت الجرح أی أصلحته- و لا ینقع لا یروى- شرب حتى نقع أی شف علیله- و ماء ناقع و هو کالناجع- و ما رأیت شربه انقع منها- . و إلى قوله ع- یجمع ما لا یأکل- و یبنی ما لا یسکن- نظر الشاعر فقال-

أموالنا لذوی المیراث نجمعها
و دورنا لخراب الدهر نبنیها

و قال آخر

أ لم تر حوشبا أمسى یبنی
بناء نفعه لبنی بقیله

یؤمل أن یعمر عمر نوح‏
و أمر الله یطرق کل لیله

 قوله و من غیرها أنک ترى المرحوم مغبوطا- و المغبوط مرحوما- أی یصیر الفقیر غنیا و الغنی فقیرا- و قد فسره قوم فقالوا- أراد أنک ترى- من هو فی باطن الأمر مرحوم مغبوطا- و ترى من هو فی باطن الأمر مغبوط مرحوما- أی تحسب ذاک و تتخیله و هذا التأویل غیر صحیح- لأن قوله بعده لیس ذلک إلا نعیما زل و بؤسا نزل- و یکذبه و یصدق التفسیر الأول- . و أضحى فیئها من أضحى الرجل إذا برز للشمس- ثم قال لا جاء یرد و لا ماض یرتد- أی یسترد و یسترجع- أخذه أبو العتاهیه فقال-

فلا أنا راجع ما قد مضى لی
و لا أنا دافع ما سوف یأتی‏

 و إلى قوله ما أقرب الحی من المیت للحاقه به- و ما أبعد المیت من الحی لانقطاعه عنه- نظر الشاعر فقال-

یا بعیدا عنی و لیس بعیدا
من لحاقی به سمیع قریب‏

صرت بین الورى غریبا- کما أنک تحت الثرى وحید غریب- فإن قلت- ما وجه تقسیمه ع الأمور التی عددها- إلى الفناء و العناء و الغیر و العبر- قلت لقد أصاب الثغره و طبق المفصل- أ لا تراه ذکر فی الفناء رمی الدهر الإنسان- عن قوس الردى- و فی العناء جمع ما لا یأکل- و بناء ما لا یسکن- و فی الغیر الفقر بعد الغنى و الغنى بعد الفقر- و فی العبر اقتطاع الأجل الأمل- فقد ناط بکل لفظه ما یناسبها- . و قد نظر بعض الشعراء إلى قوله ع- لیس شی‏ء بشر من الشر إلا عقابه- و لیس شی‏ء بخیر من الخیر إلا ثوابه- فقال

خیر البضائع للإنسان مکرمه
تنمی و تزکو إذا بارت بضائعه‏

فالخیر خیر و خیر منه فاعله‏
و الشر شر و شر منه صانعه‏

إلا أن أمیر المؤمنین ع استثنى العقاب و الثواب- و الشاعر جعل مکانهما فاعل الخیر و الشر- . ثم ذکر أن کل شی‏ء من أمور الدنیا المرغبه و المرهبه- سماعه أعظم من عیانه- و الآخره بالعکس و هذا حق- أما القضیه الأولى فظاهره- و قد قال القائل-

اهتز عند تمنی وصلها طربا
و رب أمنیه أحلى من الظفر

 و لهذا یحرص الواحد منا على الأمر- فإذا بلغه برد و فتر- و لم یجده کما کان یظن فی اللذه- و یوصف لنا البلد البعید عنا- بالخصب و الأمن و العدل- و سماح أهله و حسن نسائه و ظرف رجاله- فإذا سافرنا إلیه لم نجده کما وصف- بل ربما وجدنا القلیل من ذلک- و یوصف لنا الإنسان الفاضل بالعلم- بفنون من الآداب و الحکم- و یبالغ الواصفون فی ذلک- فإذا اختبرناه وجدناه دون ما وصف- و کذلک قد یخاف الإنسان حبسا أو ضربا أو نحوهما- فإذا وقع فیهما هان ما کان یتخوفه- و وجد الأمر دون ذلک- و کذلک القتل و الموت- فإن ما یستعظمه الناس منهما- دون أمرهما فی الحقیقه- و قد قال أبو الطیب و هو حکیم الشعراء-

کل ما لم یکن من الصعب فی الأنفس
سهل فیها إذا هو کانا

 و یقال فی المثل لج الخوف تأمن- و أما أحوال الآخره فلا ریب أن الأمر فیها بالضد من ذلک- لأن الذی یتصوره الناس من الجنه- أنها أشجار و أنهار و مأکول و مشروب و جماع- و أمرها فی الحقیقه أعظم من هذا و أشرف- لأن ملاذها الروحانیه المقارنه لهذه الملاذ المضاده لها- أعظم من هذه الملاذ بطبقات عظیمه- و کذلک أکثر الناس یتوهمون- أن عذاب النار یکون أیاما و ینقضی- کما یذهب إلیه المرجئه- أو أنه لا عذاب بالنار لمسلم أصلا- کما هو قول الخلص من المرجئه- و أن أهل النار یألفون عذابها- فلا یستضرون به إذا تطاول الأمد علیهم- و أمر العذاب أصعب مما یظنون- خصوصا على مذهبنا فی الوعید- و لو لم یکن إلا آلام النفوس- باستشعارها سخط الله تعالى علیها- فإن ذلک أعظم من ملاقاه جرم النار لبدن الحی- .

و فی هذا الموضع أبحاث شریفه دقیقه- لیس هذا الکتاب موضوعا لها- . ثم أمرهم بأن یکتفوا- من عیان الآخره و غیبها بالسماع و الخبر لأنه لا سبیل- و نحن فی هذه الدار إلى أکثر من ذلک- . و إلى قوله ما نقص من الدنیا و زاد فی الآخره- خیر مما نقص من الآخره- و زاد فی الدنیا- نظر أبو الطیب فقال- إلا أنه أخرجه فی مخرج آخر-

بلاد ما اشتهیت رأیت فیها
فلیس یفوتها إلا کرام‏

فهلا کان نقص الأهل فیها
و کان لأهلها منها التمام‏

 ثم قال فکم من منقوص فی دنیاه و هو رابح فی آخرته- و کم من مزید فی دنیاه و هو خاسر فی آخرته ثم قال إن الذی أمرتم به أوسع من الذی نهیتم عنه- و ما أحل لکم أکثر مما حرم علیکم- الجمله الأولى هی الجمله الثانیه بعینها- و إنما أتى بالثانیه تأکیدا للأولى و إیضاحا لها- و لأن فن الخطابه و الکتابه هکذا هو- و ینتظم کلتا الجملتین معنى واحد- و هو أن فیما أحل الله غنى عما حرم- بل الحلال أوسع- أ لا ترى أن المباح من المآکل و المشارب- أکثر عددا و أجناسا من المحرمات- فإن المحرم لیس إلا الکلب و الخنزیر- و أشیاء قلیله غیرهما- و المحرم من المشروب الخمر و نحوها من المسکر- و ما عدا ذلک حلال أکله و شربه- و کذلک القول فی النکاح و التسری- فإنهما طریقان مهیعان إلى قضاء الوطر- و السفاح طریق واحد- و الطریقان أکثر من الطریق الواحد- .

فإن قلت فکیف قال إن الذی أمرتم به- فسمى المباح مأمورا به- قلت سمى کثیر من الأصولیین المباح مأمورا به- و ذلک لاشتراکه مع المأمور به- فی أنه لا حرج فی فعله فأطلق علیه اسمه- و أیضا فإنه لما کان کثیر من الأمور التی عددناها مندوبا- أطلق علیه لفظ الأمر- لأن المندوب مأمور به- و ذلک کالنکاح و التسری و أکل اللحوم- التی هی سبب قوه البدن- و شرب ما یصلح المزاج من الأشربه- التی لا حرج فی استعمالها- و قال بعض العقلاء لبنیه یا بنی- إنه لیس کل شی‏ء من اللذه ناله أهل الخساره بخسارتهم- إلا ناله أهل المروءه و الصیانه بمروءتهم و صیانتهم- فاستتروا بستر الله و دخل إنسان على علی بن موسى الرضا ع- و علیه ثیاب مرتفعه القیمه- فقال یا ابن رسول الله- أ تلبس مثل هذا- فقال له مَنْ حَرَّمَ زِینَهَ اللَّهِ- الَّتِی أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّیِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ‏

ثم أمر بالعمل و العباده- و نهى عن الحرص على طلب الرزق- فقال إنکم أمرتم بالأول و ضمن لکم الثانی- فلا تجعلوا المضمون حصوله لکم- هو المخصوص بالحرص و الاجتهاد- بل ینبغی أن یکون الحرص و الاجتهاد فیما أمرتم بعمله- و هو العباده- و قد یتوهم قوم أنه ارتفع طلبه بالمضنون- کقولک المضروب أخوه- و هذا غلط لأنه لم یضمن طلبه- و إنما ضمن حصوله و لکنه ارتفع- لأنه مبتدأ و خبره أولى- و هذا المبتدأ و الخبر فی موضع نصب- لأنه خبر یکونن- أو ارتفع لأنه بدل من المضنون- و هذا أحسن و أولى من الوجه الأول- و هو بدل الاشتمال- . ثم ذکر أن رجعه العمر غیر مرجوه- و رجعه الرزق مرجوه- أوضح ذلک بأن الإنسان قد یذهب منه الیوم درهم- فیستعیضه أی یکتسب عوضه فی الغد دینارا- و أما أمس نفسه- فمستحیل أن یعود و لا مثله- لأن الغد و بعد الغد محسوب من عمره- و لیس عوضا من الأمس الذاهب-

و هذا الکلام یقتضی أن العمر مقدور- و أن المکاسب و الأرزاق إنما هی بالاجتهاد- و لیست محصوره مقدره- و هذا یناقض فی الظاهر ما تقدم من قوله- إن الرزق مضمون فلا تحرصوا علیه- فاحتاج الکلام إلى تأویل- و هو أن العمر هو الظرف الذی یوقع المکلف فیه- الأعمال الموجبه له السعاده العظمى- المخلصه له من الشقاوه العظمى- و لیس له ظرف یوقعها فیه إلا هو خاصه- فکل جزء منه إذا فات- من غیر عمل لما بعد الموت- فقد فات على الإنسان بفواته- ما لا سبیل له إلى استدراکه بعینه و لا اغترام مثله- لأن المثل الذی له إنما هو زمان آخر- و لیس ذلک فی مقدور الإنسان- و الزمان المستقبل الذی یعیش فیه الإنسان- لم یکتسبه هو لینسب إلیه فیقال- إنه حصله عوضا مما انقضى و ذهب من عمره- و إنما هو فعل غیره- و مع ذلک فهو معد و مهیأ- لأفعال من العباده توقع فیه- کما کان الجزء الماضی معدا لأفعال‏ توقع فیه- فلیس أحدهما عوضا عن الآخر و لا قائما مقامه- و أما المنافع الدنیویه کالمآکل و المشارب و الأموال- فإن الإنسان إذا فاته شی‏ء منها- قدر على ارتجاعه بعینه- إن کانت عینه باقیه- و ما لا تبقى عینه یقدر على اکتساب مثله- و الرزق و إن کان مضمونا من الله- إلا أن للحرکه فیه نصیبا- إما أن یکون شرطا- أو أن یکون هو بذاته من أثر قدره الإنسان- کحرکته و اعتماده و سائر أفعاله- و یکون الأمر بالتوکل و النهی عن الاجتهاد- فی طلب الرزق على هذا القول- إنما هو نهی عن الحرص- و الجشع و التهالک فی الطلب- فإن ذلک قبیح یدل على دناءه الهمه و سقوطها- .

ثم هذه الأغراض الدنیویه- إذا حصلت أمثالها بعد ذهابها قامت مقام الذاهب- لأن الأمر الذی یراد الذاهب له- یمکن حصوله بهذا المکتسب- و لیس کذلک الزمان الذاهب من العمر- لأن العبادات و الأعمال التی کان أمس متعینا لها- لا یمکن حصولها الیوم على حد حصولها أمس- فافترق البابان- باب الأعمال و باب الأرزاق- . و قوله الرجاء مع الجائی- و الیأس مع الماضی- کلام یجری مجرى المثل- و هو تأکید للمعنى الأول- و جعل الجائی مرجوا- لأنه لا یعلم غیبه قال الشاعر-

ما مضى فات و المقدر غیب
و لک الساعه التی أنت فیها

– و قوله حق تقاته أی حق تقیته أی خوفه- اتقى یتقی تقیه و تقاه- و وزنها فعله و أصلها الیاء- و مثلها اتخم تخمه و اتهم تهمه

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن‏ أبی‏ الحدید) ج ۷ 

بازدیدها: ۳۳

مطالب مرتبط

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

این سایت از اکیسمت برای کاهش هرزنامه استفاده می کند. بیاموزید که چگونه اطلاعات دیدگاه های شما پردازش می‌شوند.