نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 119 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 120 صبحی صالح

120- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) يذكر فضله و يعظ الناس‏

تَاللَّهِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ الرِّسَالَاتِ

وَ إِتْمَامَ الْعِدَاتِ

وَ تَمَامَ الْكَلِمَاتِ

وَ عِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَبْوَابُ الْحُكْمِ

وَ ضِيَاءُ الْأَمْرِ

أَلَا وَ إِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ

وَ سُبُلَهُ قَاصِدَةٌ

مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَ غَنِمَ

وَ مَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ وَ نَدِمَ

اعْمَلُوا لِيَوْمٍ تُذْخَرُ لَهُ الذَّخَائِرُ وَ تُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ

وَ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُبِّهِ فَعَازِبُهُ عَنْهُ أَعْجَزُ وَ غَائِبُهُ أَعْوَزُ

وَ اتَّقُوا نَاراً حَرُّهَا شَدِيدٌ

وَ قَعْرُهَا بَعِيدٌ

وَ حِلْيَتُهَاحَدِيدٌ

وَ شَرَابُهَا صَدِيدٌ.

أَلَا وَ إِنَّ اللِّسَانَ الصَّالِحَ يَجْعَلُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُورِثُهُ مَنْ لَا يَحْمَدُهُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج8  

و من كلام له عليه السّلام و هو المأة و التاسع عشر من المختار في باب الخطب

تاللَّه لقد علّمت تبليغ الرّسالات، و إتمام العدات، و تمام الكلمات، و عندنا أهل البيت أبواب الحكم، و ضياء الأمر، ألا و إنّ شرائع الدّين واحدة، و سبله قاصدة، من أخذ بها لحق و غنم، و من وقف عنها ضلّ و ندم، اعملوا ليوم تذخر له الذّخائر، و تبلى فيه السّرائر، و من لا ينفعه حاضر لبّه، فعازبه اعجز، و غائبه أعوز، و اتّقوا نارا حرّها شديد، و قعرها بعيد، و حليتها حديد، و شرابها صديد، ألا و إنّ اللّسان الصّالح يجعله اللَّه للمرء في النّاس خير من مال يورثه من لا يحمده.

اللغة

(علّمت) في أكثر النّسخ على صيغة المجهول من باب التفعيل و في بعضها بالتخفيف على المعلوم، قال الشّارح المعتزلي: و الرّواية الاولى أحسن و (الحكم) في أكثر النسخ بالضمّ و سكون الكاف و في بعضها بالكسر و فتح الكاف جمع الحكمة و (عزب) الشّي‏ء من باب قعد بعد عنّى و غاب و (عوز) الشّي‏ء كفرح إذا لم يوجد و الرجل افتقر و أعوزه الدهر أفقره.

الاعراب

قوله عليه السّلام: و عندنا أهل البيت في أكثر النّسخ بالجرّ، و في بعضها بالنصب أمّا الثاني فعلى الاختصاص، و أمّا الأوّل فعلى كونه بدلا من ضمير المتكلّم كما يراه بعض علماء الأدبية أو على أنه عطف بيان كما هو الأظهر.

فان قلت: صرّح الأدبيّون بأنّ عطف البيان إنّما يؤتى به لا يضاح متبوعه و ههنا المتبوع أعرف من التابع فكيف يجوز الاتباع قلت: هذا مبنيّ على الأغلب و إلّا فقد يؤتى بالبيان لقصد المدح كما قاله المحقّق التفتازاني، حيث قال: فائدة عطف البيان لا تنحصر في الايضاح لما ذكر صاحب الكشاف أنّ البيت الحرام في قوله تعالى: جعل اللَّه الكعبة البيت الحرام قياما للنّاس، عطف بيان جي‏ء به للمدح لا للايضاح كما تجي‏ء الصّفة لذلك، انتهى و جملة تذخر له الذّخائر مجرورة المحلّ على الوصف، و جملة يجعله اللَّه في محلّ النصب على الحال أو الوصف، و جملة يورثه من لا يحمده وصفيّة.

المعنى

اعلم أنّ المقصود بهذا الكلام كما يفهم من سياقه الاشارة إلى وجوب اتباعه و ملازمته و التمسك بذيل ولايته و اتباع الطّيبين من عترته و ذريّته، و وجوب أخذ معالم الدّين و أحكام الشّرع المبين عنهم عليهم السّلام، و عقّبه بالأمر بأخذ الزاد ليوم المعاد، و لذلك ذكر جملة من فضائله المخصوصة به المفيدة لتقدّمه على غيره، و الدّالة على وجوب تقديمه نظرا إلى قبح ترجيح المرجوح على الرّاجح، و غير خفيّ على الذّكيّ البصير أنّ كلا من هذه الخصائص برهان واضح و شاهد صدق على اختصاص الخلافة و الولاية بهم عليهم السّلام و على أنّها حقّ لهم دون غيرهم.

و افتتح كلامه بالقسم البارّ تحقيقا للمقصد فقال: (تاللَّه لقد علّمت تبليغ الرسالات) أى علّمنيه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم بتعليم من اللَّه سبحانه و أعلمنيه بأمر منه تعالى، لا أنّه علمه بوحى كما توهمه بعض الغلات، لأنّ الأئمة عليهم السّلام محدّثون، و الرسالة هو الاخبار عن مراد اللَّه تعالى بكلامه بدون واسطة بشر، و المراد أنّه عليه السّلام علمه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله إبلاغ ما جاء به إلى الخلق على اختلاف ألسنتهم و تعدّد لغاتهم سواء كان ذلك في حال حياة الرّسول كبعثه صلّى اللَّه عليه و آله له عليه السّلام بسورة برائة إلى أهل مكة و عزله لأبي بكر معلّلا بقوله صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: امرت أن لا يبلغها إلّا أنا أو رجل منّى و بعثه له إلى الجنّ و نحو ذلك، أو بعد وفاته صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم، فقد كان هو و أولاده الطاهرون‏ سلام اللَّه عليهم أوعية علم النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و حملة سرّه و حفظة شرعه مؤدّين له إلى امّته و كان عمدة نشر الأحكام و انتشار مسائل الحلال و الحرام و انفتاح باب العلم في زمنهم عليهم السّلام و كانوا مأمورين بالتّبليغ و الانذار، كما كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم مأمورا بذلك و يشهد بذلك ما رواه الكليني و الطبرسي و العياشي عن الصّادق عليه السّلام في قوله تعالى: و أوحى إلىّ هذا القرآن لانذركم به و من بلغ الآية، قال: و من بلغ أن يكون اماما من آل محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم، فهو ينذر بالقرآن كما أنذر به رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم و في غاية المرام عن الصّدوق باسناده عن يزيد «بريد ظ» بن معاوية العجلي قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام: انّما أنت منذر و لكلّ قوم هاد، فقال: المنذر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم و عليّ الهادي، و في كلّ وقت و زمان امام منّا يهديهم إلى ما جاء به رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم.

و فيه أيضا عن الصّدوق مسندا عن أبي هريرة قال: دخلت على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم و قد نزلت هذه الآية: إنّما أنت منذر و لكلّ قوم هاد، فقرأها علينا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم قال: أنا المنذر، أ تعرفون الهادى قلنا: لا يا رسول اللَّه، قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم هو خاصف النعل، فطولت الأعناق اذ خرج علينا عليّ عليه السّلام من بعض الحجر و بيده نعل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم ثمّ التفت إلينا و قال: ألا إنّه المبلّغ عنّى و الامام بعدي و زوج ابنتي و أبو سبطى، ففخرا نحن أهل بيت أذهب اللَّه عنّا الرجس و طهّرنا تطهيرا من الدّنس الحديث.

و في البحار عن بصائر الدرجات باسناده عن انس بن مالك خادم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم يا على أنت تعلّم النّاس تأويل القرآن بما لا يعلمون، فقال عليّ عليه السّلام: ما ابلغ رسالتك بعدك يا رسول اللَّه، قال: تخبر النّاس بما اشكل عليهم من تأويل القرآن.
و فيه أيضا من كشف الغمة من كتاب محمّد بن عبد اللَّه بن سليمان مسندا عن أنس قال: كنت أخدم النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم فقال لي يا أنس بن مالك: يدخل علىّ رجل امام المؤمنين، و سيّد المسلمين و خير الوصيّين، فضرب الباب فاذا عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فدخل بعرق فجعل النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم يمسح العرق عن وجهه و يقول: أنت تؤدّى عنّى‏ أو تبلغ عني، فقال: يا رسول اللَّه أو لم تبلغ رسالات ربّك فقال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: بلى و لكن أنت تعلم النّاس.

(و إتمام العدات) أى انجازها يحتمل أن يكون المراد بها ما وعده اللَّه سبحانه في حقّه، فقد علّمه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم بأن اللَّه سيفي به بما انزل عليه في القرآن حيث قال: أ فمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه.
روى في غاية المرام عن الحسن بن أبي الحسن الدّيلمي باسناده عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام في هذه الآية قال: الموعود عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، وعده اللَّه أن ينتقم له من أعدائه في الدنيا، و وعده الجنّة له و لأوليائه في الآخرة.

و لكنّ الأظهر أن يراد بها العدات و العهود التي عاهد عليها اللَّه سبحانه، و يشهد به قوله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. فقد روت الخاصّة و العامّة أنّها نزلت في عليّ عليه السّلام و جعفر و حمزة.

روى في غاية المرام عن عليّ بن يونس صاحب كتاب صراط المستقيم قال: قال: روى المفسّرون أنها نزلت في عليّ و حمزة، و لا ريب أنه لمّا قتل حمزة اختصّت بعليّ فامن منه التبديل بحكم التنزيل و روى اختصاصها بعليّ عليه السّلام ابن عبّاس و الصّادق عليه السّلام و أبو نعيم.

و فيه أيضا عن محمّد بن العباس الثقة في تفسيره فيما نزل في أهل البيت عليهم السّلام باسناده عن جابر عن أبي جعفر و أبي عبد اللَّه عليهما السّلام عن محمّد بن الحنفية رضى اللَّه عنه قال: قال عليّ عليه السّلام: كنت عاهدت اللَّه و رسوله أنا و عمّي حمزة و أخي جعفر و ابن عمّي عبيدة بن الحارث على أمر وفينا به للَّه و رسوله، فتقدمني أصحابي و خلفت بعدهم لما أراد اللَّه عزّ و جلّ، فأنزل اللَّه سبحانه فينا: « مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ حمزة و جعفر و عبيدة « وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا».أنا المنتظر و ما بدّلت تبديلا.

أو يراد بها مواعيد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم التي وعدها للنّاس فقد قال له رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: أنت وصيّي و وارثي و قاضي ديني و منجز عدتي، و علّمه صلّى اللَّه عليه و آله كيفيّة أدائها و من أين يؤدّيها.

و قد روى في غاية المرام، عن محمّد بن عليّ الحكيم الترمذي من أعيان علماء العامة في كتابه المسمّى بفتح المبين من كتاب الأوصال قال: و روى أنّ أمير المؤمنين كرم اللَّه وجهه قد أدّى سبعين ألفا من دينه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم، و كان أكثره من الموعود.

و فيه أيضا من كتاب ثاقب المناقب قال: حدّثني شيخي أبو جعفر محمّد بن حسين الشهرابي في داره بمشهد الرّضا عليه السّلام باسناده إلى عطا عن ابن عباس رضى اللَّه عنه قال: قدم أبو الصمصام العيسى إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم و أناخ ناقته على باب المسجد و دخل و سلّم و أحسن التسليم ثمّ قال: أيكم الفتى الغوى الذي يزعم أنه نبىّ فوثب إليه سلمان الفارسي «رض» فقال: يا أخا العرب أما ترى صاحب الوجه الأقمر، و الجبين الأزهر، و الحوض و الشفاعة، و التواضع و السكينة، و المسألة و الاجابة، و السّيف و القضيب، و التكبير و التهليل، و الأقسام و القضية، و الأحكام الخفيّة، و النّور و الشرف، و العلوّ و الرّفعة، و السخاء و الشجاعة و النجدة، و الصّلاة المفروضة و الزكاة المكتوبة، و الحجّ و الاحرام، و زمزم و المقام، و المشعر الحرام، و اليوم المشهود، و المقام المحمود، و الحوض المورود، و الشفاعة الكبرى، و ذلك مولانا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم.

فقال الأعرابيّ: إن كنت نبيّا فقل متى تقوم الساعة و متى يجي‏ء المطر و أىّ شي‏ء في بطن ناقتي و أىّ شي‏ء اكتسب هذا و متى أموت فبقى صلّى اللَّه عليه و آله ساكتا لا ينطق بشى‏ء فهبط الأمين جبرئيل فقال: يا محمّد اقرء: « إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ‏ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» قال الأعرابي: مدّ يدك فأنا أشهد أن لا إله إلّا اللَّه، و اقرّ أنّك رسول اللَّه، فأىّ شي‏ء لي عندك إن آتيك بأهلي و بني عمّي مسلمين فقال له النّبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: لك عندي ثمانون ناقة حمر الظهور، بيض البطون، سود الحدق، عليها من طرايف اليمن و نقط«» الحجاز.

ثمّ التفت النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله إلى عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و قال صلّى اللَّه عليه و آله: اكتب يا أبا الحسن بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم أقرّ محمّد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد المناف و أشهد على نفسه في صحّة عقله و بدنه و جواز أمره أنّ لأبي الصّمصام عليه و عنده و في ذمّته ثمانين ناقة حمر الظهور، بيض البطون، سود الحدق عليها من طرايف اليمن و نقط الحجاز، و أشهد عليه جميع أصحابه.

و خرج أبو الصّمصام إلى أهله، فقبض النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم، فقدم أبو الصّمصام و قد أسلم بنوعيس كلّها، فقال أبو الصّمصام: ما فعل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم قالوا: قبض، قال: فمن الوصىّ بعده قالوا ما خلف فينا أحدا، قال: فمن الخليفة بعده قالوا: أبو بكر فدخل أبو الصمصام المسجد فقال: يا خليفة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله إنّ لي على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله دينا ثمانين ناقة حمر الظهور، بيض البطون، سود الحدق عليها من طرائف اليمن و نقط الحجاز، فقال أبو بكر يا أخا العرب سألت ما فوق العقل، و اللَّه ما خلف فينا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله لاصفراء و لا بيضاء، خلف فينا بغلته الذلول، و درعه الفاضلة فأخذها عليّ بن أبي طالب، و خلف فينا فدكا فأخذناها بحقّ، و نبينا محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم لا يورث.

فصاح سلمان: كردى و نكردى و حق أمير بردى، ردّ العمل إلى أهله ثمّ مدّ يده إلى أبي الصّمصام فأقامه إلى منزل عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و هو يتوضّأ وضوء الصّلاة، فقرع سلمان الباب، فنادى عليّ عليه السّلام: ادخل أنت و أبو الصّمصام العيسى‏

فقال أبو الصّمصام: اعجوبة و ربّ الكعبة، من هذا الذي سمّاني و لم يعرفني فقال سلمان الفارسى «رض»: هذا وصيّ رسول اللَّه، هذا الذى قال له رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله أنا مدينة العلم و عليّ بابها فمن أراد العلم فليأت الباب، هذا الذي قال له رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: عليّ خير البشر فمن رضى فقد شكر و من أبى فقد كفر، هذا الذي قال اللَّه تعالى فيه: وَ جَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا.

هذا الّذي قال اللَّه تعالى فيه: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ و هذا الّذي قال اللَّه تعالى فيه: أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَ عِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ جاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ هذا الّذي قال اللَّه تعالى فيه: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. هذا الّذي قال اللَّه تعالى فيه: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ الآية.

هذا الّذي قال اللَّه تعالى فيه: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً هذا الذي قال اللَّه عزّ و جلّ فيه: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» ادخل يا أبا الصمصام و سلّم عليه، فدخل و سلّم عليه، ثمّ قال: إن لى على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم ثمانين ناقة حمر الظهور، بيض البطون، سود الحدق، عليها من طرائف اليمن و نقط الحجاز، فقال عليه السّلام أمعك حجّة قال: نعم، و دفع الوثيقة فقال عليه السّلام: ناد يا سلمان في الناس: ألا من أراد أن ينظر إلى قضاء دين رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم فليخرج إلى خارج المدينة.

فلمّا كان بالغد خرج النّاس، و قال المنافقون: كيف يقضى الدين و ليس معه شي‏ء غدا يفتضح من أين له ثمانون ناقة حمر الظهور، بيض البطون، سود الحدق عليها من طرائف اليمن، و نقط الحجاز فلما كان الغد اجتمع الناس و خرج عليّ عليه السّلام في أهل بيته و محبّيه و في الجماعة من أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله، و أسرّ الحسن عليه السّلام سرّا لم يدر أحد ما هو.

ثمّ قال: يا أبا الصمصام امض مع ابني الحسن إلى كثيب الرّمل، فمضى و معه أبو الصّمصام، و صلّى ركعتين عند الكثيب، و كلّم الأرض بكلمات لا يدرى ماهى، و ضرب على الكثيب بقضيب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله، فانفجر الكثيب عن صخرة ململمة مكتوب عليها سطران، على الأوّل لا إله إلّا اللَّه محمّد رسول اللَّه، و على الآخر لا إله إلّا اللَّه و عليّ وليّ اللَّه، و ضرب الحسن عليه السّلام تلك الصّخرة بالقضيب فانفجرت عن خطام ناقة، فقال الحسن عليه السّلام: قديا أبا الصّمصام، فقاد، فخرج منها ثمانون ناقة حمر الظهور، بيض البطون، سود الحدق، عليها من طرائف اليمن، و نقط الحجاز، و رجع إلى عليّ عليه السّلام فقال عليه السّلام: استوفيت حقك يا أبا الصّمصام فقال: نعم، فقال عليه السّلام: سلّم الوثيقة، فسلّمها إليه فخرقها فقال: هكذا أخبرني ابن عمّي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله إنّ اللَّه عزّ و جلّ خلق هذه النّوق في هذه الصخرة قبل أن يخلق ناقة صالح بألفى عام، ثمّ قال المنافقون: هذا من سحر علىّ قليل.

قال صاحب ثاقب المناقب: و يروى هذا الخبر على وجه آخر و هو ما روى أبو محمّد الادريسى عن حمزة بن داود الديلمي عن يعقوب بن يزيد الانبارى عن أحمد ابن محمّد بن أبي نصر عن حبيب الأحول عن أبي حمزة الثّمالي عن شهر بن حوشب عن ابن عبّاس قال: لمّا قبض النّبي صلّى اللَّه عليه و آله و جلس أبو بكر نادى في النّاس: ألا من كان له على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله عدة أو دين فليأت أبا بكر و ليأت معه شاهدين، و نادى عليّ عليه السّلام بذلك‏ على الاطلاق من غير طلب شاهدين، فجاء أعرابيّ متلثم متقلدا سيفه متنكنا كنانته و فرسه لا يرى منه إلّا حافره، و ساق الحديث و لم يذكر الاسم و القبيلة، و كان ما وعده مأئة ناقة حمراء بأزمتها و أثقالها موقّرة ذهبا و فضّة بعبيدها.

فلما ذهب سلمان بالأعرابي إلى أمير المؤمنين عليه السّلام قال له حين بصربه: مرحبا بطالب عدة والده من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: فقال: ما وعد أبي يا أبا الحسن قال: إنّ أباك قدم على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله قال: أنا رجل مطاع في قومي إن دعوتهم أجابوك، و إنّي ضعيف الحال فما تجعل لي إن دعوتهم إلى الاسلام فأسلموا فقال صلّى اللَّه عليه و آله: من أمر الدّنيا أم من أمر الآخرة قال: و ما عليك أن تجمعهما بي يا رسول اللَّه و قد جمعهما اللَّه لا ناس كثيرة، فتبسّم النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و قال: اجمع لك خير الدّنيا و الآخرة، أما في الآخرة فأنت رفيقى في الجنة، و أمّا في الدّنيا فما تريد قال: مأئة ناقة حمر بأزمتها و عبيدها موقرة ذهبا و فضّة، ثمّ قال: و إن دعوتهم فأجابوني و قضى علىّ الموت و لم ألقك فتدفع ذلك إلى ولدى قال: نعم على أني لا أراك و لا تراني في دار الدّنيا بعد يومي هذا، و سيجيبك قومك، فاذا حضرتك الوفاة فليصر ولدك إلى وليّي من بعدي و وصيّي، و قد مضى أبوك و دعا قومه فأجابوه و أمرك بالمصير إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله إو إلى وصيّه، وها أنا وصيّه و منجز وعده.

فقال الأعرابي: صدقت يا أبا الحسن، ثمّ كتب عليه السّلام له على خرقة بيضاء و ناول الحسن عليه السّلام، و قال: يا أبا محمّد سر بهذا الرجل إلى وادي العقيق و سلّم على أهله و اقذف الخرقة و انتظر ساعة حتّى ترى ما يفعل، فان دفع إليك شي‏ء فادفعه إلى الرجل، و مضيا بالكتاب.

قال ابن عباس: فسرت من حيث لم يرني أحد، فلما أشرف الحسن عليه السّلام على الوادي نادى بأعلى صوته السّلام عليكم أيّها السكان البررة الأتقياء أنا ابن وصىّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله أنا الحسن بن عليّ سبط رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم و ابن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و رسوله إليكم، و قد قذف الخرقة في الوادي فسمعت من الوادي صوتا لبّيك لبّيك يا سبط رسول اللَّه و ابن البتول و ابن سيد الاوصياء سمعنا و أطعنا انتظر ليدفع إليك،فبينا أنا كذلك إذ ظهر غلام لم ادر من اين ظهر و بيده زمام ناقة حمراء تتبعها ستة فلم يزل يخرج غلام بعد غلام في يد كلّ غلام قطار حتّى عددت مأئة ناقة حمراء بأزمتها و أحمالها، فقال الحسن عليه السّلام خذ بزمام نوقك و عبيدك و مالك و امض يرحمك اللَّه هذا و قد روى هذا الحديث بطرق آخر من العامة و الخاصّة نحوا ممّا رويناه.

و أما قوله: (و تمام الكلمات) فقد فسره الشارح المعتزلي بتأويل القرآن و بيانه الذى يتمّ به، قال: لأنّ في كلامه تعالى المجمل الذى لا يستغنى عن متمّم و مبيّن يوضحه أقول: إذا كان متمّم القرآن و مبيّنه هو أمير المؤمنين عليه السّلام و لم يمكن الاستغناء فيه عنه عليه السّلام، فكيف يمكن معذلك تقديم أحلاف العرب الذين لا يعرفون من القرآن إلا اسمه عليه و ترجيحهم عليه، فانّ القرآن هو إعجاز النبوّة و أساس الملّة و عماد الشريعة، فلا بد أن يكون القيّم به و العارف له و الحافظ لأسراره، هو الحجّة لا غير كما هو غير خفيّ على الذكي ذى الفطنة.

ثمّ أقول الذي عندي أنه يجوز أن يراد بالكلمات الكلمات القرآنية خصوصا أعنى الآيات و ما تضمّنته من التأويل و التنزيل و المفهوم و المنطوق و الظهر و البطن و النكات و الأسرار، و ما فيها من الناسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه و العام و الخاص و المطلق و المقيّد و المجمل و المبيّن و الأمر و النهى و الوعد و الوعيد و الجدل و المثل و القصص و الترغيب و الترهيب إلى غير ذلك، فانّ تمام ذلك و كلّه عند أمير المؤمنين عليه السّلام و العلم بجميع ذلك مخصوص به و بالطاهرين من أولاده سلام اللَّه عليهم حسبما عرفته تفصيلا و تحقيقا في التّذييل الثّالث من تذييلات الفصل السابع عشر من فصول الخطبة الاولى.

و أن يراد بها مطلق كلمات اللَّه النازلة على الأنبياء و الرّسل في الكتب السماوية و الصّحف الالهيّة، و قد مضى ما يدلّ على معرفتهم بتمام هذه في شرح الفصل الرابع من فصول الخطبة الثانية عند قوله عليه السّلام: و كهف كتبه.

و أن يراد بها الأعمّ من هذه أيضا، و هو الأنسب باقتضاء عموم وظيفتهم عليهم السّلام، فيكون المراد بها ما ورد في غير واحد من الأخبار من أنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله علّم عليا كلمة تفتح ألف كلمة و ألف كلمة يفتح كلّ كلمة ألف كلمة، و عبّر عنها في أخبار اخر بلفظ الباب و في بعضها بلفظ الحديث و في طايفة بلفظ الحرف.

مثل ما رواه في غاية المرام عن المفيد مسندا عن أبي حمزة الثمالي عن عليّ ابن الحسين عليهما السّلام قال: علّم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم عليا كلمة تفتح ألف كلمة، و ألف كلمة يفتح كلّ كلمة ألف كلمة.

و فيه عن المفيد أيضا باسناده عن عبد الرّحمن بن أبي عبد اللَّه عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال: علّم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله عليّا حرفا يفتح ألف حرف كلّ حرف منها يفتح ألف حرف.

و فيه أيضا عن محمّد بن الحسن الصّفار مسندا عن أبي حمزة الثّمالى عن أبي إسحاق السّبيعى قال: سمعت بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام ممّن يثق به يقول: سمعت عليّا عليه السّلام يقول: إنّ في صدرى هذا العلما جمّا علّمنيه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله لو أجد له حفظة يرعونه حقّ رعايته و يروونه عنّي كما يسمعونه منّي إذا لأودعتهم بعضه، يعلم به كثيرا من العلم مفتاح كلّ باب و كلّ باب يفتح ألف باب.

و فيه أيضا عن محمّد بن عليّ الحكيم الترمذى عن صاحب الينابيع قال: سأل قوم من اليهود عمر في زمن خلافته عن مسائل بشرط إن أجابهم أو غيره من أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم آمنوا به صلّى اللَّه عليه و آله و قالوا: ما قفل السماء و ما مفتاح ذلك القفل و ما القبر الجاري و من الرّسول الذي وعظ قومه و لم يكن من الجنّ و لا من الانس و من الخمسة الذين يسيرون في الأرض و لم يخلقوا في أرحام الامهات و ما يقول الدّيك في صوته و الدّراج في هديده و القمري في هديره و الفرس في صهيله و الحمار في نهيقه و الضفدع في نقيقه فأطرف عمر زمانا ثمّ رفع رأسه قال لا أدرى، فقالوا: علمنا أنّ دينكم باطل، فغدا سلمان «ض» جدّا و أخبر عليا بالقصّة فأتي فلما رآه استقبله و عانقه و أخبره بالقصّة فقال كرّم اللَّه وجهه لا تبال فانّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم علّمني ألف باب من العلم كان يتشعّب منه ألف باب آخر، قال عمر فاسألوه عنها، فقال في جوابهم: أمّا قفل السّماء فهو الشرك، و أمّا مفتاح ذلك القفل فقول لا إله إلّا اللَّه محمّد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله، قالوا: صدق الفتى، ثمّ قال: و أمّا القبر الجارى فهو الحوت الذي‏ كان يونس في بطنه حيث دار به في سبعة أبحر، و أمّا الرّسول الذي لم يكن من الجنّ و الانس فنملة سليمان كما قال اللَّه تعالى: قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ.

و أمّا الخمسة الذين لم يخلقوا في أرحام الامّهات فآدم، و حوّا، و ناقة صالح، و كبش إبراهيم، و ثعبان موسى، و أمّا الديك فيقول: اذكروا اللَّه أيّها الغافلون، و أمّا الدرّاج فيقول: الرّحمن على العرش استوى، و أمّا القمرى فيقول: الّلهمّ العن مبغضي محمّد و آل محمّد، و أمّا الفرس فيقول عند الغزو: اللهمّ انصر عبادك المؤمنين على عبادك الكافرين، و أمّا الحمار فيلعن العشّار و لا ينهق إلّا في وجه الشيطان، و أمّا الضفدع فيقول: سبحان ربّى المعبود في لجج البحار.

و روى أنّهم كانوا ثلاثة فآمن منهم اثنان، و قام ثالثهم فسأل عن أصحاب الكهف و عن أسمائهم و أسماء كهفهم و اسم كلبهم، فأخبر بكلّها عليّ رضى اللَّه عنه كما رواه عنه صاحب الكشاف في تفسير سورة الكهف، و قصّ قصّتهم، فآمن اليهودي.

ثمّ قال عليه السّلام: (و عندنا أهل البيت أبواب الحكم) يجوز أن يراد بالحكم على رواية ضمّ الحاء و سكون الكاف القضاء و الفصل بين الناس في الخصومات و الدعاوى، و أن يراد به الحكم الشرعي الفرعي أعني خطاب اللَّه المتعلّق بأفعال المكلّفين.

فعلى الاول فالظاهر أنّ المراد بأبوابه هو طرقه و وجوهه، فانهم عليهم السّلام كانوا عالمين بها عارفين بتمامها يحكمون في القضايا الشخصية على ما يقتضيه المصلحة الكامنة الظاهرية أو الواقعيّة.

ففى بعضها كانوا يحكمون بظاهر الشريعة على ما يقتضيه اليمين و البيّنة، و هو المراد بما روى عن النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم أنه قال: انّما أنا بشر مثلكم و إنما تختصمون إلىّ و لعلّ بعضكم يكون أعرف بحجّته من بعض فأقضى له على نحوما أسمع منه فمن قضيت له بشي‏ء من حقّ أخيه فلا يأخذه فانما اقطع له قطعة من النار.

و في بعضها بمرّ الحقّ على وجه التّدبير و استخراج وجه الحيلة و الاحتيال في اعمال الحقّ و استخراج الافراد بالحقوق الباطنة بلطايف الفكر كما كان يفعله أمير المؤمنين عليه السّلام في أيام خلافة عمرو غيرها كثيرا، مثل قضائه في المرأة التي استودعها رجلان وديعة، و في المرأة التي توفّي عنها. زوجها و ادّعى بنوها أنّها فجرت و في الجارية التي افتضتها سيّدتها اتهاما و رميا لها بالفاحشة حسبما تقدّم تفصيل ذلك كلّه في شرح الفصل الثاني من فصول الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية.

و مثل ما رواه عنه في الفقيه قال: قال أبو جعفر عليه السّلام: توفّى رجل على عهد أمير المؤمنين و خلّف ابنا و عبدا فادّعى كلّ واحد منهما انه الابن و أنّ الآخر عبد له فأتيا أمير المؤمنين عليه السّلام فتحا كما إليه، فأمر أمير المؤمنين أن يثقب في حايط المسجد ثقبتان، ثمّ أمر كلّ واحد منهما أن يدخل رأسه في ثقب، ففعلا، ثمّ قال: يا قنبر جرّد السيف و أشار إليه لا تفعل ما آمرك به، ثمّ قال عليه السّلام اضرب عنق العبد العبد قال فنحّى العبد رأسه فأخذه أمير المؤمنين عليه السّلام و قال للآخر أنت الابن و قد اعتقته و جعلته مولى لك.

و في بعضها بالحكم الواقعى المحض و به يحكم القايم من آل محمّد سلام اللَّه عليه و عليهم بعد ظهوره، و هو المعبّر عنه بحكم داود و آل داود في الأخبار، فانّ داود عليه السّلام كان يعمل زمانا على مقتضى علمه بالوحى من دون أن يسأل عن البيّنة، ثمّ إنّ بني إسرائيل اتّهموه لبعده عن طور العقل، فرجع إلى العمل بالبينات، و قد رويناه في شرح الفصل المذكور من الخطبة الشقشقية عن الساباطي قال: قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام بما تحكمون إذا حكمتم فقال: بحكم اللَّه و حكم داود الحديث، و قد مضى ثمّة أخبار اخر بهذا المعنى.

و كان أمير المؤمنين عليه السّلام يحكم بهذا الحكم احيانا، مثل ما روى عنه في محاكمة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله مع الاعرابي.

قال في الفقيه: جاء أعرابيّ إلى النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم فادّعى عليه سبعين درهما ثمن ناقة باعها منه، فقال صلّى اللَّه عليه و آله قد أوفيتك، فقال: اجعل بيننا و بينك رجلا يحكم بيننا فأقبل رجل من قريش فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: احكم بيننا، فقال للأعرابي: ما تدّعى على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه، فقال: ما تقول يا رسول اللَّه قال: قد أوفيته، فقال للأعرابي: ما تقول قال: لم يوفني، فقال لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: ألك بيّنة على أنك قد أوفيته قال: لا، قال للأعرابي: أ تحلف أنك لم تستوف حقك و تأخذه فقال: نعم، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله: لأتحاكمنّ مع هذا إلى رجل يحكم بيننا بحكم اللَّه عزّ و جلّ، فأتي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و معه الأعرابي فقال عليّ عليه السّلام: مالك يا رسول اللَّه فقال: يا أبا الحسن احكم بيني و بين هذا الأعرابي، فقال عليّ عليه السّلام: يا أعرابي ما تدّعى على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه، فقال: ما تقول يا رسول اللَّه فقال: قد أوفيته ثمنها، فقال: يا أعرابي اصدق رسول اللَّه فيما قال قال: لا، ما أوفاني شيئا، فأخرج عليّ عليه السّلام سيفه فضرب عنقه، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: لم فعلت ذلك يا علي فقال: يا رسول اللَّه نحن نصدّقك على أمر اللَّه و نهيه و على أمر الجنّة و النار و الثواب و العقاب و وحى اللَّه عزّ و جلّ، و لا نصدّقك في ثمن ناقة هذا الاعرابي، و إنّي قتلته لأنّه كذّبك لمّا قلت له اصدق رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله فيما قال فقال لا ما أوفاني شيئا، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله أصبت يا عليّ فلا تعد إلى مثلها، ثمّ التفت صلّى اللَّه عليه و آله إلى القرشي و كان قد تبعه فقال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: هذا حكم اللَّه لا ما حكمت به.

و في رواية محمّد بن بحر الشّيباني عن أحمد بن الحارث قال: حدّثنا أبو أيوب الكوفي قال: حدّثنا إسحاق بن وهب العلّاف قال: حدّثنا أبو عاصم النبال عن ابن جريح عن الضحاك عن ابن عبّاس قال: خرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم من منزل عايشة فاستقبله أعرابيّ و معه ناقة فقال: يا محمّد تشري هذه النّاقة فقال النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله: نعم بكم تبيعها يا أعرابي، فقال: بمأتي درهم، فقال النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله: بل ناقتك خير من هذا، قال: فما زال النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم يزيد حتى اشترى الناقة بأربعمائة درهم، قال: فلمّا دفع النّبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم إلى أعرابي الدّراهم ضرب الأعرابي يده إلى زمام الناقة فقال: الناقة ناقتي و الدّراهم دراهمى فان‏ كان لمحمّد شي‏ء فليقم البيّنة، قال: فأقبل رجل فقال النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: أترضى بالشّيخ المقبل قال: نعم يا محمّد، فقال النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: تقضي فيما بيني و بين هذا الاعرابي فقال: تكلّم يا رسول اللَّه، فقال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: الناقة ناقتي و الدّراهم دراهم الاعرابي فقال الاعرابي: بل الناقة ناقتي و الدّراهم دراهمي إن كان لمحمّد شي‏ء فليقم البيّنة، فقال الرّجل: القضيّة فيها واضحة يا رسول اللَّه، و ذلك أنّ الاعرابي طلب البيّنة، فقال له النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: اجلس فجلس، ثمّ أقبل رجل آخر فقال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: أترضى يا أعرابى بالشيخ المقبل فقال: نعم يا محمّد، فلمّا دنى قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله: اقض فيما بيني و بين هذا الأعرابي، فقال تكلّم يا رسول اللَّه فقال النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: الناقة ناقتي و الدّراهم دراهم الأعرابي، فقال الأعرابي: بل الناقة ناقتي و الدّراهم دراهمي إن كان لمحمّد شي‏ء فليقم البيّنة، فقال الرّجل: القضيّة فيها واضحة يا رسول اللَّه لأنّ الأعرابي طلب البيّنة، فقال النّبي صلّى اللَّه عليه و آله: اجلس حتّى يأتي اللَّه عزّ و جلّ بمن يقضي بيني و بين الأعرابي بالحقّ، فاقبل عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، فقال النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله أترضى بالشّاب المقبل فقال: نعم، فلمّا دنى قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله: يا أبا الحسن اقض فيما بيني و بين الأعرابي، فقال: تكلّم يا رسول اللَّه، فقال النّبي صلّى اللَّه عليه و آله: الناقة ناقتي و الدّراهم دراهم الأعرابي، فقال الأعرابي، بل الناقة ناقتي و الدّراهم دراهمي إن كان لمحمّد شي‏ء فليقم البيّنة، فقال عليّ عليه السّلام: خلّ بين النّاقة و بين رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم، فقال الأعرابي: ما كنت بالّذي أفعل أو يقيم البيّنة، قال فدخل عليّ عليه السّلام منزله فاشتمل على قائم سيفه ثمّ أتا فقال خلّ بين النّاقة و بين رسول اللَّه قال ما كنت بالذي أفعل أو يقيم البيّنة، قال: فضربه علىّ ضربة فاجتمع أهل الحجاز على أنه رمى برأسه و قال بعض أهل العراق: بل قطع عضوا منه قال فقال النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: ما حملك على هذا يا عليّ فقال: يا رسول اللَّه نصدّقك على الوحى من السماء و لا نصدّقك على أربعمائة درهم، قال الصدوق (ره) بعد رواية هذين الحديثين انهما غير مختلفين لأنهما في قضيّتين و كانت هذه القضيّة قبل القضيّة التي ذكرتها قبلها، هذا.

و قد تقدّم في شرح الكلام الثّامن و الخمسين ما ينفعك في هذا المقام.

و على الثاني أى على كون المراد بالحكم الأحكام الشرعية فالمراد بأبوابه هو طرق الافتاء و وجوه بيان المسائل على ما تقتضيه المصلحة فيفتون بعض الناس بالحكم الواقعي و بعضهم بالتقيّة حقنا لدمائهم أو لدماء السائلين حسبما تقدّم تفصيل ذلك أيضا في شرح الكلام الثامن و الخمسين في بيان وجوه التفويض فتذكر.

و كيف كان فقد وضح و ظهر ممّا قرّرنا أنّ الأئمة عليهم السّلام عندهم أبواب الحكم بأىّ معنى اخذ الحكم و أنهم عارفون بها محيطون بأقطارها، و هذا الوصف مخصوص بهم لا يوجد في غيرهم، لأنّ معرفة المصالح الكامنة لا يحصل إلّا بتأييد الهى و قوّة ربّانية مخصوصة بأهل العصمة و الطهارة.

و لذلك أى لقصد الاختصاص و التخصيص قدّم عليه السّلام المسند و قال: و عندنا أبواب الحكم (و ضياء الأمر) و المراد بالأمر إمّا الولاية كما كنّى به عنها كثيرا في اخبار أهل البيت عليهم السّلام، و في قوله تعالى و اولى الأمر منكم، و الضياء حينئذ بمعناه الحقيقي أى عندنا نور الامامة و الولاية، و إمّا الأوامر الشرعيّة فالضياء استعارة للحقّ لأنّ الحقّ يشبه بالنور كما أنّ الباطل يشبه بالظلمة قال سبحانه: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ فالمقصود أنّ الأئمة عليهم السّلام عندهم حقّ الأوامر الشرعية و التّكاليف الالهية، و إليه اشير في قوله سبحانه: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.

و إمّا مطلق الامور المقدّرة في الكون كما قال تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ أى تنزّل إلى وليّ الأمر بتفسير الامور على ما تقدّم تحقيقه بما لا مزيد عليه في شرح‏

الفصل الرابع من فصول الخطبة الثانية.

ثمّ انه عليه السّلام بعد ما ذكر جملة من فضايله و فضائل آله الطّاهرين سلام اللَّه عليهم أجمعين أردف ذلك بالاشارة إلى وجوب اتّباعهم و أخذ معالم الدّين عنهم عليهم السّلام فقال (ألا و إنّ شرايع الدّين) و طرقه أى قواعده و قوانينه (واحدة و سبله قاصدة) أى معتدلة مستقيمة و هي ما دلّ عليها أهل بيت العصمة و الطهارة، لأنهم أولياء الدّين و أبواب الايمان و امناء الرّحمن و الأدلّاء على الشريعة و الهداة إلى السنة (من أخذ بها) و اتّبع أئمة الهدى سلك الجادّة الوسطى و (لحق) بالحقّ (و غنم) النعمة العظمى (و من وقف عنها) و انحرف عن الصراط الأعظم و السّبيل الأقوم و أخذ في أمر الدين بطرق الأقيسة و وجوه الاستحسانات العقلية، أو رجع فيه إلى الهمج الرعاع و أئمة الضّلال العاملين فيه لعقولهم الفاسدة و آرائهم الكاسدة (ضلّ و ندم) و قد تقدّم في شرح الكلام السادس عشر و السابع عشر و الثامن عشر ما ينفعك في هذا المقام.

ثمّ أمر بتحصيل الزاد ليوم المعاد فقال عليه السّلام (اعملوا اليوم تذخر له الذخائر) و هى الأعمال الصّالحة (و تبلى فيه السرائر) الغرض بالوصف إمّا تخصيص الموصوف أو التهويل حثا بالعمل كما في قوله سبحانه: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.

و الجملة الثانية مأخوذة من الكتاب العزيز قال تعالى: يوم تبلى السرائر، أى تختبر و السرائر: ما أسرّ القلوب من العقائد و النيات و غيرها و ما خفى من الأعمال قال الطبرسي: و السّرائر أعمال بني آدم و الفرائض ما أوجبت عليه و هى سرائر في العبد تختبر تلك السرائر يوم القيامة حتّى يظهر خيرها و شرّها.

و عن معاذ بن جبل قال: سألت النبيّ ما هذه السرائر التي تبلى بها العباد يوم القيامة قال صلّى اللَّه عليه و آله سرائركم هي أعمالكم من الصّلاة و الزكاة، و الصيام و الوضوء و الغسل من الجنابة و كلّ مفروض لأنّ الأعمال كلّها سرائر خفيّة فان شاء قال صلّيت و لم يصلّ، و إن شاء قال توضّأت و لم يتوضّ، فذلك قوله: يوم تبلى السرائر هذا.

و لما كان كمال القوّة العملية لا يحصل إلّا بكمال القوّة النظرية أردفه بقوله (و من لا ينفعه حاضر لبّه فعازبه) أى بعيده (أعجز و غايبه أعوز) أى أعدم للمنفعة يعني أنّ من لا ينفعه لبّه الحاضر و عقله الموجود فهو بعدم الانتفاع بما هو غير حاضر و لا موجود عنده من العقل أولى و أحرى.

و قيل في تفسيره وجوه اخر: الاول من لا يعتبر بلبّه في حياته فأولى بأن لا ينتفع به بعد الموت الثاني أنّ من لم يعمل بما فهم و حكم به عقله وقت امكان العمل فأحرى أن لا ينتفع به بعد انقضاء وقته بل لا يورثه إلّا ندامة و حسرة الثالث أنّ من لم يكن له من نفسه رادع و زاجر فمن البعيدان نيز جر و يرتدع بعقل غيره و موعظة غيره كما قيل: و زاجر من النفس خير من عتاب العواذل.

و لما حثّ بالعمل أكّده بالتحذير من النار فقال (و اتّقوا نارا حرّها شديد و قعرها بعيد و حليتها حديد و شرابها صديد) لا يخفى ما في هذه الفقر من حسن الخطابة حيث ناط بكلّ لفظة ما يناسبها و يلايمها لو نيطت بغيرها لم تلائم، و الاضافة في القرينة الاولى على أصلها، و في الأخيرة لأدنى المناسبة، و في الوسطين تحتمل الأول و الثّاني، و استعارة الحلية للقيود و الاغلال من باب التحكم، و القرينة الاخرى مأخوذة عن قوله سبحانه: يُسْقى‏ مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ، و هو القيح و الدّم، و قيل: هو القيح كأنه الماء في رقته و الدّم في شكله، و قيل: هو ما يسيل من جلود أهل النار و كيف كان فتوصيف النار بهذه الأوصاف الأربعة للتحذير و الترهيب منها كما أنّ في ذكر حلية أهل الجنّة و شرابهم في قوله تعالى: وَ حُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً.

ترغيبا و تشويقا إليها ثمّ قال (ألا و إنّ اللّسان الصالح) اى الذكر الجميل تسمية للشي‏ء باسم مسبّبه (يجعله اللَّه للمرء في الناس خير له من مال يورثه من لا يحمده) و قد مرّ نظير هذه العبارة في الفصل الثاني من فصلي الخطبة الثالثة و العشرين، و المراد أنّ تحصيل مكارم الأخلاق‏و محاسن الأفعال من البذل و الانفاق و نحوهما مما يوجب الثناء الجميل في الدّنيا و الثواب الجزيل في العقبا خير من تحصيل المال و جمعه و توريثه من لا يشكره عليه أى وارثه الذي لا يعد ذلك الايراث فضلا و نعمة لايجابه العذاب الأليم و الندم الطويل و هو شاهد بالعيان معلوم بالوجدان

الترجمة

از جمله كلام بلاغت فرجام آن امام أنام است كه فرموده: قسم بخداوند بتحقيق كه تعليم كرده شده‏ ام من برسانيدن رسالتها را، و تمام كردن وعدها را، و تمامى كلمه‏ ها را، و نزد ما أهل بيت است بابهاى أحكام، و روشنى امورات، آگاه باشيد و بدانيد كه طرق دين يكى است، و راههاى آن معتدل و مستقيم است، هر كه فرا گرفت آنرا رسيد بمقصد و غنيمت يافت، و هر كه وا ايستاد از آن گمراه شد و بضلالت و ندامت شتافت، عمل نمائيد از براى روزى كه ذخيره كرده مى ‏شود از براى آن روز ذخيرها، و امتحان كرده مى ‏شود در آن روز عقايد صحيحه و فاسده و نيات حقّه و باطله، و كسى كه فائده نبخشد او را عقل او كه حاضر است پس عقلى كه بعيد است از او عاجزتر است از نفع بخشيدن، و عقلى كه غائب است از آن عادم‏تر است منفعت را، و بترسيد از آتشى كه گرمى آن سخت است، و ته آن دور است، و زينت آن آهن است، و شراب آن زردابست، بدانيد كه بدرستى كه زبان خوشى كه بگرداند او را خداوند تعالى از براى مرد در ميان خلق بهتر است مر او را از مالى كه ارث بگذارد آنرا بكسى كه ستايش نكند او را بكثير و قليل آن و لنعم ما قيل:

كسى كو شد بنام نيك مشهور
پس از مرگش بزرگان زنده دانند

ولى آنرا كه بد فعل است و بدنام‏
اگر چه زنده باشد مرده خوانند

و قال آخر:

سعديا مرد نكو نام نميرد هرگز
مرده آنست كه نامش بنكوئى نبرند

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 118 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 119 صبحی صالح

119- و من كلام له ( عليه‏ السلام  ) و قد جمع الناس و حضهم على الجهاد فسكتوا مليا

فقال ( عليه‏ السلام  )مَا بَالُكُمْ أَ مُخْرَسُونَ أَنْتُمْ

فقال قوم منهم يا أمير المؤمنين إن سرت سرنا معك

فقال ( عليه ‏السلام  )مَا بَالُكُمْ لَا سُدِّدْتُمْ لِرُشْدٍ

وَ لَا هُدِيتُمْ لِقَصْدٍ

أَ فِي مِثْلِ هَذَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَخْرُجَ

وَ إِنَّمَا يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا رَجُلٌ مِمَّنْ أَرْضَاهُ مِنْ شُجْعَانِكُمْ وَ ذَوِي بَأْسِكُمْ

وَ لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَدَعَ الْجُنْدَ وَ الْمِصْرَ وَ بَيْتَ الْمَالِ وَ جِبَايَةَ الْأَرْضِ وَ الْقَضَاءَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ

وَ النَّظَرَ فِي حُقُوقِ الْمُطَالِبِينَ

ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ أَتْبَعُ أُخْرَى

أَتَقَلْقَلُ تَقَلْقُلَ الْقِدْحِ فِي الْجَفِيرِ الْفَارِغِ

وَ إِنَّمَا أَنَا قُطْبُ الرَّحَى

تَدُورُ عَلَيَّ وَ أَنَا بِمَكَانِي

فَإِذَا فَارَقْتُهُ اسْتَحَارَ مَدَارُهَا

وَ اضْطَرَبَ ثِفَالُهَا

هَذَا لَعَمْرُ اللَّهِ الرَّأْيُ السُّوءُ

وَ اللَّهِ لَوْ لَا رَجَائِي الشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَائِي الْعَدُوَّ وَ لَوْ قَدْ حُمَّ لِي لِقَاؤُهُ لَقَرَّبْتُ رِكَابِي ثُمَّ شَخَصْتُ عَنْكُمْ فَلَا أَطْلُبُكُمْ مَا اخْتَلَفَ جَنُوبٌ وَ شَمَالٌ

طَعَّانِينَ عَيَّابِينَ

حَيَّادِينَ رَوَّاغِينَ

إِنَّهُ لَا غَنَاءَ فِي كَثْرَةِ عَدَدِكُمْ

مَعَ قِلَّةِ اجْتِمَاعِ قُلُوبِكُمْ

لَقَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ الَّتِي لَا يَهْلِكُ عَلَيْهَا إِلَّا هَالِكٌ

مَنِ اسْتَقَامَ فَإِلَى الْجَنَّةِ

وَ مَنْ زَلَّ فَإِلَى النَّارِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج8  

و من كلام له عليه السّلام و هو المأة و الثامن عشر من المختار في باب الخطب و قد جمع النّاس و حضّهم على الجهاد فسكتوا مليّا

فقال عليه السّلام: ما بالكم أ مخرسون أنتم فقال قوم منهم: يا أمير المؤمنين إن سرت سرنا معك. فقال عليه السّلام: ما بالكم لا سدّدتم لرشد، و لا هديتم لقصد، أ في مثل هذا ينبغي لي أن أخرج، إنّما يخرج في مثل هذا رجل ممّن أرضاه من شجعائكم و ذوي بأسكم، و لا ينبغي لي أن أدع الجند و المصر و بيت المال و جباية الأرض و القضاء بين المسلمين و النّظر في حقوق المطالبين، ثمّ أخرج في كتيبة اتّبع أخرى، أتقلقل تقلقل القدح في الجفير الفارغ، و إنّما أنا قطب الرّحى تدور عليّ و أنا بمكاني، فإذا فارقته استحار مدارها، و اضطرب ثفالها، هذا لعمر اللَّه الرّأي السّوء،و اللَّه لو لا رجائي الشّهادة عند لقائي العدوّ لو قد حمّ لي لقائه لقرّبت ركابي، ثمّ شخصت عنكم، و لا أطلبكم ما اختلف جنوب و شمال، طعّانين، عيّابين، خيّادين، روّاغين، و إنّه لا غناء في كثرة عددكم مع قلّة اجتماع قلوبكم، لقد حملتكم على الطّريق الواضح الّتي لا يهلك عليها إلّا هالك، من استقام فإلي الجنّة، و من زلّ فإلى النّار.

اللغة

(المليّ) الهواء من الدّهر و الساعة الطويلة من النّهار قال تعالى: و اهجرني مليّا، و (مخرسون) اسم مفعول من أخرسه اللَّه و (سدّدتم) بالتخفيف و التشديد و (الشجعاء) جمع شجيع و في بعض النسخ شجعانكم بالنّون و هو بالضّمّ و الكسر جمع شجاع و (الكتيبة) القطعة العظيمة من الجيش و (القدح) بالكسر السّهم قبل أن يراش و ينضل و (الجفير) الكنانة و قيل و عاء للسّهام أوسع من الكنانة و (استحار مدارها) قال الشّارح المعتزلي: اضطرب و لم نجده بهذا المعنى في اللغة و الظّاهر من استحار إذا لم يهتد بسبيله يقال استحار السّحاب أى لم يتجه جهة، و عن الجوهري المستحير سحاب ثقيل متردّد ليس له ريح تسوقه و (الثفال) كالكتاب و الغراب الحجر الأسفل من الرّحى و (الرّكاب) كالكتاب أيضا الابل التي يسار عليها.

الاعراب

مليّا منصوب على الظرف، و قوله: و اللَّه لو لا رجائى الشهادة جواب القسم، قوله: لقرّبت ركابي، و هو سادمسدّ جواب لو لا، و جملة لو قدحمّ لي لقائه، شرطيّة معترضة بين القسم و جوابه كما في قوله:

لعمرى و ما عمرى عليّ بهين            لقد نطقت بطلا«» علىّ الأقارع‏

و جواب لو محذوف بدلالة سياق الكلام عليه أى لو قدحمّ لى لقائه لقيته و دخول قد في شرط لو نادر، و مثله ما رواه في حواشي المغني من صحيح البخاري قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: لو قد جاء مال البحرين قد أعطيتك هكذا هكذا، و اختلف في المرفوع بعد لو لا و أنّ رفعه لما ذا، قال ابن هشام لو لا تدخل على جملة اسميّة ففعليّة لربط امتناع الثانية بوجود الاولى، نحو لو لا زيد لأكرمتك، أى لو لا زيد موجود إلى أن قال، و ليس المرفوع بعد لو لا فاعلا بفعل محذوف، و لا بلولا لنيابتها عنه، و لا بها أصالة، خلافا لزاعمي ذلك، بل رفعه بالابتداء، و طعانين مع المنصوبات الثلاثة بعدها حالات من ضمير الخطاب في قوله أطلبكم، و جملة لقد حملتكم جواب لقسم محذوف، و الطريق يذكّر و يؤنث و لذا اتى بصفة أوّلا بالتذكير و ثانيا بالتّأنيث جريا على اللّغتين.

المعنى

إنّ هذا الكلام قاله أمير المؤمنين عليه السّلام بعد انقضاء أمر صفّين و النهروان في بعض غارات أهل الشام على أطراف العراق، (و قد جمع النّاس و حضّهم) أى حثّهم (على الجهاد فسكتوا مليّا) أى ساعة طويلة (فقال عليه السّلام) توبيخا لهم على تثاقلهم (ما بالكم أ مخرسون أنتم) فلا تنطقون (فقال قوم منهم يا أمير المؤمنين عليه السّلام ان سرت) إلى العدوّ (سرنا معك فقال عليه السّلام: ما بالكم لا سددتم لرشد و لا هديتم لقصد) دعاء عليهم بعدم الاستقامة و السّداد لما فيه الصّلاح و الرّشاد و عدم الاهتداء للقصد أى الأمر المعتدل الذي لا يميل إلى أحد طرفي الافراط و التفريط.

(أفي مثل هذا ينبغي لي أن أخرج) استفهام على سبيل التوبيخ و الانكار، و الاتيان باسم الاشارة للتحقير كما في قوله تعالى: « أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ»(انما يخرج في مثل هذا رجل ممّن ارضاه من شجعانكم و ذوى بأسكم) و شجاعتكم.

ثمّ أشار عليه السّلام إلى وجوه الفساد في خروجه بنفسه بقوله (و لا ينبغي لى أن أدع الجند و المصر و بيت المال و جباية الأرض) أى جمع ما فيها و خراجها (و القضاء بين المسلمين) و فصل خصوماتهم (و النظر في حقوق المطالبين) و دفع ظلاماتهم و غير ذلك مما فيه نظام الدولة و انتظام المملكة و مهام العباد و قوام البلاد (ثم اخرج في كتيبة أتبع) في كتيبة (أخرى أتقلقل) أى أضطرب (تقلقل القدح في الجفير الفارغ) من السهام، و الغرض التّشبيه في اضطراب الحال و الانفصال عن الجنود و الاعوان بالقدح الذي لا يكون حوله قداح تمنعه من التّقلقل و لا يستقرّ مكانه.

و قال الشارح البحراني: شبّه خروجه معهم بالقدح في الجفير، و وجه الشّبه أنّه كان قد نفد الجيش و أراد أن يجهّز من بقي من النّاس في كتيبة اخرى فشبّه نفسه في خروجه في تلك الكتيبة وحده مع تقدم أكابر جماعة و شجعانها بالقدح في الجفير الفارغ في كونه يتقلقل، و في العرف يقال للشريف إذا مشى في حاجة ينوب فيها من هو دونه و ترك المهام التي لا تقوم إلّا به ترك المهمّ الفلاني و مشى يتقلقل على كذا، و الأشبه ما ذكرنا (و إنما أنا قطب الرّحى تدور علىّ و أنا بمكاني) شبّه عليه السّلام نفسه بالقطب و امور الامارة و الخلافة المنوطة عليه بالرحى و وجه الشّبه دوران تلك الامور عليه دوران الرّحى على القطب كما أشار إليه بقوله: تدور علىّ، و هو من قبيل التشبيه المجمل المقرون بذكر وصف المشبّه به كما في قولها: هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها.

و قوله (فاذا فارقته استحار مدارها و اضطرب ثفالها) إشارة إلى الغرض من التشبيه و هو فساد الامور المذكورة و اضطرابها بمفارقته عليه السّلام لها و انتقاله عليه السّلام عن مكانه، و كذلك يبطل الغرض المقصود من الرّحا بارتفاع قطبها و انتفائه، و معنى استحار مدارها على تفسير الشّارح المعتزلي اضطراب دورانها و خروجه عن الحركة المستديرة إلى المستقيمة، و على ما قدّمنا من عدم مجي‏ء الاستحارة بمعنى الاضطراب فالأنسب أن يكون كناية عن الوقوف عن الحركة و يكون اضطراب ثفالها كناية عن عدم تأتى الغرض المطلوب منه.

و لما نبّه على فساد ر أيهم أكّد ذلك بالقسم البارّ و قال (هذا لعمر اللَّه الرأى السّوء) ثمّ أقسم باستكراهه لهم و استنكافه منهم و نفرة طبعه عن البقاء معهم إلّا أنّ له مانعا عن ذلك و هو قوله (و اللَّه لو لا رجائي) لقاء اللَّه ب (الشهادة عند لقائى العدوّ لو قدحمّ) و قدّر (لي لقائه لقرّبت ركابي ثمّ شخصت عنكم) و فارقتكم غير متأسّف عليكم (فلا أطلبكم) سجيس اللّيالي (ما اختلف جنوب و شمال) تبرّما من سوء صنيعتكم و قبح فعالكم و مخالفتكم لأوامرى حالكونكم (طعّانين) على النّاس (عيّابين) عليهم (حيّادين) ميّالين عن الحقّ (روّاغين) عن الحرب روغ الثّعلب (و انّه لاغناء) و لا نفع (في كثرة عددكم مع قلّة اجتماع قلوبكم) و نفاقكم (لقد حملتكم على الطريق الواضح التي لا يهلك عليها) أى كائنا عليها أو بسببها (إلّا هالك من استقام) و اعتدل و لزم سلوكها (ف) مرجعه (إلى الجنّة) بنفس مطئنّة (و من زلّ) و عدل عنها (ف) مصيره (إلى النّار) و بئس القرار.

الترجمة

از جمله كلام بلاغت اسلوب آن امام است در حالتى كه جمع كرده بود مردمان را و ترغيب مى ‏فرمود ايشان را بر جهاد، پس ساكت شدند زمان درازى، پس فرمود كه چيست شما را آيا گنك ساخته ‏اند شما را پس گفتند طايفه از ايشان أى مولاى مؤمنان اگر سير بفرمائيد سير مى‏ كنيم با تو، پس فرمود كه: چه مى‏ شود شما را موفّق نباشيد بر راه قويم و هدايت نيابيد بر طريق مستقيم آيا در مثل اين كار مختصر سزاوار است مرا كه بيرون بروم بكار زار، جز اين نيست كه خارج مي شوند درمانند اين امر مردى از كسانى كه پسند من بوده باشد از دليران شما، و صاحبان قوت و شجاعت شما، و سزاوار نيست مرا كه ترك كنم لشكر را و شهر را و بيت المال و خراج گرفتن زمين را، و حكم نمودن در ميان مسلمانان و نظر كردن در حقهاى طلب كنندگان حقوق را، بعد از آن خارج شوم در طايفه از لشكر كه متابعت نمايم طايفه ديگر را، جنبش نمايم مثل جنبش نمودن تير بى‏پر در تيردان خالى از تير، و جز اين نيست كه من مثل قطب آسيا هستم كه مى‏گردد آن آسيا بر من و من در جاى باشم، پس هنگامى كه من جدا شوم از آن متحيّر و سرگردان شود دوران آن، و مضطرب گردد سنگ زيرين آن.

اين كه شما مى‏ گوئيد قسم بخدا بد رأيى است و انديشه كج است، و بخدا سوگند اگر نبود اميدوارى من بشهادت در حين ملاقات دشمن اگر مقدر بشود از براى من ملاقات آن هر آينه نزديك مى‏ گردانيدم شتر سوارى خود را بعد از آن رحلت مى ‏كردم از شما پس طلب نمى‏ كردم شما را أبدا مادامى كه اختلاف دارند باد جنوب و شمال در حالتى كه هستيد طعن نمايندگان مردمان، عيب جويندگان، برگردندگان از راه حق، ترسندگان، و بدرستى هيچ منفعتى نيست در كثرت عدد و شماره شما با وجود كمى اجتماع قلبهاى شما، هر آينه بتحقيق كه حمل نمودم شما را بر راه روشن و آشكار كه هلاك نمى‏شود بر آن مگر هلاك شونده گمراه، كسى كه مستقيم شد بر آن راه پس رجوع آن بسوى بهشت است، و كسى كه لغزيد از آن راه پس بازگشت آن بسوى آتش است.

قال الشارح المحتاج الى غفران اللَّه تعالى و رحمته، المتوسل الى اللَّه سبحانه برسول اللَّه و عترته سلام اللَّه عليه و عليهم ما اختلف الليل و النهار و الجنوب و الشمال: هذا هو المجلد الثالث«» من مجلّدات شرح النهج، قد يسّر اللَّه اتمامه و أحسن بالخير ختامه، و يتلوه انشاء اللَّه سبحانه المجلّد الرّابع، و هذه هى النسخة الأصل التي كتبتها بيمينى، و المرجّو من اللَّه سبحانه أن يبثها في صحايف الحسنات، و يجعلها ممحاة للسّيئآت بفضله الواسع، و كرمه السّابغ، و بمحمّد و آله الطاهرين، و كان الفراغ سلخ شهر ذى القعدة الحرام 1306

بسم اللَّه الرحمن الرحيم الحمد للَّه الذي هدانا إلى نهج الحقّ و منهج الصّواب، و الاعتصام بالعروة الوثقى و الحبل المتين في المبدأ و المآب، و الصّلاة و السّلام على من آتاه الحكم و فصل الخطاب، و بعثه ليتمّ مكارم الأخلاق و محاسن الآداب، شجرة الاصطفاء و ثمرة الاجتباء شريف الحسب و كريم الأنساب، ختم الأنبياء و أنف البطحاء نخبة العرب و شامخ الالقاب، و على أوصيائه الذين هم أعلام التوحيد و منار التفريد و عندهم علم الكتاب، و أهل الذكر المسئولون المؤيّدون في كلّ فصل و باب، و المعصومون المسدّدون في الشيب و الشباب، و إليهم حشر الخلائق و نشرهم و إليهم الاياب و عليهم الحساب، و بولايتهم تقبل الأعمال و تنال الآمال و يفاز عظيم الزلفى و حسن الثواب.

يا بني أحمد ناديكم اليوم
و أنتم غدا الرّد جوابي‏

ألف باب اعطيتم ثمّ افضى‏
كلّ باب منها إلى ألف باب‏

لكم الأمر كلّه و إليكم
ولد يكم يؤل فصل الخطاب‏

لا سيّما أعظم النعيم و النّباء العظيم و الصّراط المستقيم ابو الأئمة الأطهار الأطياب، هادى الامم و كاشف الظلم و سيّد العرب و العجم و العبيد و الأرباب، علم الهدى و كهف الورى و طود النهى و بحر السدى و ماطر السحاب، من أحبّه سعد مولده و طاب، و من أبغضه ضلّ سعيه و خسر و خاب.

و بعد فهذا هو المجلّد الرابع من مجلّدات منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة املاء راجي عفو ربه الغني حبيب اللَّه بن محمد بن هاشم الهاشمى العلوى الموسوى أعطاه اللَّه كتابه بيمناه، و جعل عقباه خيرا من اولاه، و أسأله سبحانه من نواله، أن يمنّ علىّ باكماله، بجاه محمّد و آله.

فأقول: قال السّيد رضى اللَّه عنه:

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 117 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 118 صبحی صالح

118- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) في الصالحين من أصحابه‏

أَنْتُمُ الْأَنْصَارُ عَلَى الْحَقِّ

وَ الْإِخْوَانُ فِي الدِّينِ

وَ الْجُنَنُ يَوْمَ الْبَأْسِ

وَ الْبِطَانَةُ دُونَ النَّاسِ

بِكُمْ أَضْرِبُ الْمُدْبِرَ

وَ أَرْجُو طَاعَةَ الْمُقْبِلِ

فَأَعِينُونِي بِمُنَاصَحَةٍ خَلِيَّةٍ مِنَ الْغِشِّ

سَلِيمَةٍ مِنَ الرَّيْبِ

فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج8  

و من كلام له عليه السّلام و هو المأة و السابع عشر من المختار فى باب الخطب

أنتم الأنصار على الحقّ، و الإخوان في الدّين، و الجنن يوم‏ البأس، و البطانة دون النّاس، بكم أضرب المدبر، و أرجو طاعة المقبل، فأعينوني بمناصحة جليّة من الغشّ، سليمة من الرّيب، فواللَّه إنّي لأولى النّاس بالنّاس.

اللغة

(الجنن) جمع الجنّة و هى ما استترت به من سلاح و (بطانة) الرّجل خاصّته و أصحاب سرّه و (خليّة) في بعض النسخ بالجيم و في بعضها بالخاء.

الاعراب

دون ظرف إما بمعنى عند أو بمعنى سوى، و الفاء في قوله: فأعينوني فصيحة

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام على ما رواه الشارح المعتزلي من المدايني و الواقدى قاله أمير المؤمنين عليه السّلام للأنصار بعد فراغه من حرب الجمل، و الغرض بذلك مدح أصحابه و استمالة قلوبهم إلى مناصحته فقوله عليه السّلام: (أنتم الأنصار على الحقّ) أى النّاصرون لي و المعينون على الحقّ الذّابون عن الباطل (و الاخوان في الدّين) لقوله سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (و الجنن) و التّرس (يوم البأس) أى يوم الشّدة و الحرب (و البطانة) أى خاصّتى و خالصتى الذين لا اطوى عنكم سرّى (دون النّاس) أى عندهم يعني أنّكم عندهم معروفون باختصاصي، أو أنتم البطانة لي سوى النّاس أى ليس لي بطانة غيركم (بكم أضرب المدبر) عن الحقّ (و أرجو طاعة المقبل) يعني من أقبل إلىّ إذا رأى أخلاقكم الحميدة أطاعني بصميم قلبه، و يمكن أن يراد بالمقبل من كان من شأنه الاقبال و الطاعة، و إذا كنتم بهذه المثابة (فأعينوني بمناصحة جليّة) أى صافية أو خالية (من الغشّ) و التدليس (سليمة من الرّيب) أى سالمة من الشّك في استحقاقي للخلافة و الولاية (فواللَّه انى لأولى النّاس بالنّاس) و أحقّ بالامامة.

الترجمة

از جمله كلام آن حضرتست در مدح أصحاب خود كه فرموده: كه شما يارى كنندگانيد بر راه راست، و برادرانيد در دين، و سپرهائيد در روز سختى و شدّت، و خواص منيد در نزد مردمان، باعانت شما مى‏ زنم پشت گرداننده از حق را، و بوجود شما اميد مى‏ دارم رو آورنده را پس اعانت نمائيد بنصيحت كردنى كه خالى است از نقص و عيب، و سالم است از شك و ريب، پس قسم بخدا كه بدرستى من بهترين مردمانم بمردمان، و أولايم بايشان از ديگران.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 116 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 117 صبحی صالح

117- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) يوبخ البخلاء بالمال و النفس‏

فَلَا أَمْوَالَ بَذَلْتُمُوهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا

وَ لَا أَنْفُسَ خَاطَرْتُمْ بِهَا لِلَّذِي خَلَقَهَا

تَكْرُمُونَ بِاللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ

وَ لَا تُكْرِمُونَ اللَّهَ فِي عِبَادِهِ

فَاعْتَبِرُوا بِنُزُولِكُمْ مَنَازِلَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ

وَ انْقِطَاعِكُمْ عَنْ أَوْصَلِ إِخْوَانِكُمْ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج8  

و من كلام له عليه السّلام و هو المأة و السادس عشر من المختار فى باب الخطب.

فلا أموال بذلتموها للّذي رزقها، و لا أنفس خاطرتم بها للّذي خلقها، تكرمون باللّه على عباده، و لا تكرمون اللّه في عباده، فاعتبروا بنزولكم منازل من كان قبلكم، و انقطاعكم عن أوصل إخوانكم.

اللغة

(خاطرتم بها) من المخاطرة و هى ارتكاب ما فيه خطر و هلاك و (تكرمون)

الأوّل من باب فعل و الثاني من باب افعل يقال كرم الرجل كرما من باب حسن عزّ و نفس فهو كريم.

الاعراب

أموال و أنفس منصوبان على الاشتغال، و اللّام في الذي رزقها تحتمل الصّلة و التعليل، و في للّذي خلقها للتّعليل لا غير كما هو غير خفىّ، و انقطاعكم عطف على نزولكم.

المعنى

اعلم أنّ مدار هذا الفصل على التوبيخ بالبخل بالأموال و الأنفس، و الأمر بالاعتبار بتقلّبات الدّهر و تغيّرات الزّمان فلا مهم أوّلا بترك بذل الأموال (فلا أموال بذلتموها للّذي رزقها) لا يخفى ما في التّعبير بهذه العبارة من اللطف و النكتة و هو أنّ التّعبير بقوله: للّذي رزقها فيه من زيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام ما ليس في التعبير بقوله للَّه كما في قوله:

أعبّاد المسيح يخاف صحبي            و نحن عبيد من خلق المسيحا

فانه أدلّ على عدم خوفهم النصارى من أن يقول نحن عبيد اللَّه، و ذلك لأنّ غرضه عليه السّلام لومهم و توبيخهم على البخل و الامساك عن بذل الأموال و التعبير بالموصول آكد في افادة ذلك المطلوب لدلالته على اتّصافهم بغاية البخل حتى انّهم يمسكون أموالهم عن معطيها و رازقها فضلا عن غيره، فيستحقّون بذلك غاية اللّوم و المذمّة و مثله قوله (و لا أنفس خاطرتم بها للّذي خلقها) فانّه أدلّ على البخل بالأنفس و أثبت لذلك الغرض، فانهم إذا لم يخاطروا بأنفسهم و لم يلقوا بها إلى المهالك لرضاء الخالق مع كونه أحقّ و أولى بها منهم، فكيف لغيره ثمّ أكّد التّوبيخ بقوله (تكرمون باللَّه على عباده و لا تكرمون اللَّه في عباده) و لذلك وصل هذا الكلام بما سبق و لم يفصل بالعاطف، لكون ذلك أو فى بتأدية المراد ممّا سبق، يعني أنّكم تتنافسون و تظهرون العزّو الشّرف على عباد اللَّه‏ تعالى باللَّه سبحانه أى بما خوّلكم و أعطاكم و منحكم من النّعم الدّنيويّة و الاخروية و لا تكرمون اللَّه و لا تطيعونه في الاحسان إلى عباده و الافضال عليهم، بل بنعمته تبخلون، و عن عباده تمسكون (فاعتبروا بنزولكم منازل من كان قبلكم) من طحنتهم الآجال و ضاق بهم المجال و ارتهنوا بالأعمال كما قال عزّ من قائل: وَ سَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَ ضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ.

(و انقطاعكم عن أوصل اخوانكم) حتى انتقلوا إلى ضيق المضجع و وحشة المرجع، فستصيرون مثلهم و تنزلون منزلتهم، فاسلكوا مسلك العاجلة حميدا، و قدّموا زاد الآجلة سعيدا.

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن امام است در توبيخ و عتاب مذمّت أصحاب بر عدم بذل أموال در راه ذو الجلال فرموده.

پس هيچ مالهاى دنيا را بذل نكرديد براى كسى كه روزى شما گردانيد آنها را و هيچ جانها در مهالك ني فكنديد براى كسى كه خلق كرد آنها را، كريم و عزيز شويد بسبب خدا بر بندگان خدا، و گرامى نمى ‏داريد خدا را در بندگان خدا، پس عبرت بگيريد بنازل شدن خودتان بمنزلهاى كسانى كه بودند پيش از شما، و ببريدن خود از أقرب برادران خود.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 115 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)پیشگویی وپیش بینی

خطبه 116 صبحی صالح

116- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) و فيها ينصح أصحابه‏

أَرْسَلَهُ دَاعِياً إِلَى الْحَقِّ وَ شَاهِداً عَلَى الْخَلْقِ

فَبَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ غَيْرَ وَانٍ وَ لَا مُقَصِّرٍ

وَ جَاهَدَ فِي اللَّهِ أَعْدَاءَهُ غَيْرَ وَاهِنٍ وَ لَا مُعَذِّرٍ

إِمَامُ مَنِ اتَّقَى

وَ بَصَرُ مَنِ اهْتَدَى

و منها وَ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مِمَّا طُوِيَ عَنْكُمْ غَيْبُهُ

إِذاً لَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ

تَبْكُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ

وَ تَلْتَدِمُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ

وَ لَتَرَكْتُمْ أَمْوَالَكُمْ لَا حَارِسَ لَهَا وَ لَا خَالِفَ عَلَيْهَا

وَ لَهَمَّتْ كُلَّ امْرِئٍ مِنْكُمْ نَفْسُهُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهَا

وَ لَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ مَاذُكِّرْتُمْ

وَ أَمِنْتُمْ مَا حُذِّرْتُمْ

فَتَاهَ عَنْكُمْ رَأْيُكُمْ

وَ تَشَتَّتَ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ

وَ لَوَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ

وَ أَلْحَقَنِي بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِي مِنْكُمْ

قَوْمٌ وَ اللَّهِ مَيَامِينُ الرَّأْيِ

مَرَاجِيحُ الْحِلْمِ

مَقَاوِيلُ بِالْحَقِّ

مَتَارِيكُ لِلْبَغْيِ

مَضَوْا قُدُماً عَلَى الطَّرِيقَةِ

وَ أَوْجَفُوا عَلَى الْمَحَجَّةِ

فَظَفِرُوا بِالْعُقْبَى الدَّائِمَةِ

وَ الْكَرَامَةِ الْبَارِدَةِ

أَمَا وَ اللَّهِ لَيُسَلَّطَنَّ عَلَيْكُمْ غُلَامُ ثَقِيفٍ الذَّيَّالُ الْمَيَّالُ

يَأْكُلُ خَضِرَتَكُمْ

وَ يُذِيبُ شَحْمَتَكُمْ

إِيهٍ أَبَا وَذَحَةَ

قال الشريف الوذحة الخنفساء

و هذا القول يومئ به إلى الحجاج

و له مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج8  

و من خطبة له عليه السّلام و هى المأة و الخامسة عشر من المختار فى باب الخطب

أرسله داعيا إلى الحقّ، و شاهدا على الخلق، فبلّغ رسالات ربّه غير وان و لا مقصّر، و جاهد في اللّه أعدائه غير واهن و لا معذّر، إمام من اتّقى، و بصر من اهتدى. منها: و لو تعلمون ما أعلم ممّا طوى عنكم غيبه إذا لخرجتم إلى الصّعدات تبكون على أعمالكم، و تلتدمون على أنفسكم، و لتركتم أموالكم لا حارس لها و لا خالف عليها، و لهمّت كلّ امرء منكم نفسه، لا يلتفت إلى غيرها، و لكنّكم نسيتم ما ذكّرتم، و أمنتم ما حذّرتم، فتاه عنكم رأيكم، و تشتّت عليكم أمركم، و لوددت أنّ اللّه فرّق بيني و بينكم، و ألحقني بمن هو أحقّ بي منكم، قوم و اللّه ميامين الرّأي، مراجيح الحلم، مقاويل بالحقّ، متاريك للبغي، مضوا قدما على‏ الطّريقة، و أوجفوا على المحجّة، فظفروا بالعقبى الدّائمة، و الكرامة الباردة، أمّا و اللّه ليسلّطنّ عليكم غلام ثقيف الذّيّال الميّال، يأكل خضرتكم، و يذيب شحمتكم، ايه أبا وذحة. قال السيد (ره) اقول: الوذحة الخنفساء و هذا القول يؤمى به الى الحجاج و له مع الوذحة حديث ليس هذا موضع ذكره

اللغة

(الواني) الفاتر الكال و (المعذّر) بالتّثقيل الذي يعتذر من تقصيره بغير عذر كما قال تعالى: و جاء المعذّرون من الأعراب و (الصّعدات) جمع الصّعد و هو جمع صعيد قال الشارح المعتزلي: الصّعيد التّراب و يقال وجه الأرض و الجمع صعد و صعدات كطريق و طرق و طرقات، و عن النهاية فيه ايّاكم و القعود بالصّعدات هى الطّرق و هى جمع صعد و صعد جمع صعيد كطريق و طرق و طرقات و قيل هي جمع صعدة كظلمة و هى فناء باب الدّار و ممرّ النّاس بين يديه، و منه الحديث لخرجتم إلى الصّعدات تجأرون.

و (الالتدام) ضرب النساء وجوههنّ في النّياحة (و لهمّت كلّ امرء) قال الشارح المعتزلي أى أذابته و انحلته، هممت الشّحم أى اذبته، و يروى: و لا همّت كلّ امرء و هو أصحّ من الرّواية الاولى، أهمّنى الأمر اذا حزننى، انتهى. و فيه نظر لأنّ همّ أيضا يكون بمعنى أهمّ قال الفيروز آبادي: همّه الأمر همّا حزنه كأهمّه فاهتمّ و السقم جسمه أذا به و أذهب لحمه و الشّحم أذابه فانهمّ ذاب.

(و مراجيح) الحلم قال الجوهرى: راجحته فرجحته أى كنت ارزن منه و منه قوم مراجيح الحلم و (المقاويل) جمع مقوال و (المتاريك) جمع متراك و (قدما) بالضّم و بضمّتين و (الذّيال) هو الذي يجرّ ذيله على الأرض تبخترا يقال: ذأل فلان من باب منع ذألا و ذألانا تبختر و (الخضرة) بفتح الخاء و كسر الضّاد الزّرع، و البقلة الخضراء و الغضّ، و قال في القاموس (الوذح) محرّكة ماتعلّق بأصواف الغنم من البعر و البول الواحدة بها و الجمع و ذح كبدن، و قال الشارح المعتزلي في قول السيّد (ره): الوذحة الخنفساء و لم اسمع هذا من شيخ من أهل الأدب و لا وجدته في كتاب من كتب اللّغة و لا أدرى من أين نقل الرّضىّ ذلك

الاعراب

داعيا و شاهدا و غير وان و غير واهن، منصوبات على الحال، و امام خبر محذوف المبتدأ، و كلّ منصوب على المفعول و الفاعل نفسه، و ايه اسم فعل يراد به الاستزادة أى زدوهات، قال في القاموس: ايه بكسر الهمزة و الهاء و فتحها و تنوّن المكسورة كلمة استزادة و استنطاق، و قال الطريحىّ ايه اسم سمّى به الفعل لأنّ معناه الأمر يقال للرجل زد اذا استزدته من حديث أو عمل ايه بكسر الهاء، قال ابن السّكيت فان وصلت نوّنت فقلت ايه حديثا، و إذا أردت التبعيد بايه قلت أيها بفتح الهمزة بمعنى هيهات، و من العرب من يقول ايهات و هو في معنى هيهات.

و في كتاب شرح الاثبات: إذا قلت ايه بغير تنوين فكان مخاطبك كان في حديث ثمّ أمسك فأمرته بالشروع في الحديث الذي كان فيه أى هيهات الحديث، فإذا قلت أيه بالتنوين فكأنّك أمرته ابتداء بأن يحدّث حديثا أى هات حديثا.

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة على ما يستفاد من شرح البحراني ملتقطة من خطبة طويلة خطب عليه السّلام بها في الكوفة لاستنهاض أصحابه إلى حرب الشام و ما ظفرت بعد على تمامها، و ما أورده السيّد (ره) منها في الكتاب يدور على فصلين: الاول في ذكر ممادح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ذكر بعض أوصافه الجميلة و نعوته الجليلة، و هو قوله (أرسله داعيا إلى الحقّ) بالحكمة و الموعظة الحسنة (و شاهدا على الخلق) يوم القيامة كما قال تعالى: وَ شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ فقد فسر الشّاهد بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و المشهود بيوم القيامةأمّا الأوّل فلقوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً و أمّا الثّاني فلقوله تعالى: وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ.

و قد تقدّم تحقيق هذه الشّهادة بما لا مزيد عليه في شرح الخطبة الحادية و السّبعين فتذكّر.

(فبلّغ رسالات ربّه) سبحانه (غيروان) في الابلاغ (و لا مقصّر) في الانذار (و جاهد في اللّه) تعالى (أعدائه غير واهن) في الجهاد (و لا معذّر) من قتال الانجاد و هو (امام من اتّقى) لأنّه قدوة المتّقين في كيفيّة سلوك سبيل التّقوى و الصّلاح (و بصر من اهتدى) لأنّه نور المتهدين في المسير إلى طريق الخير و الفلاح كما يهتدي بالبصيرة إلى سبيل الرشاد و يسلك بها نحو القصد و السّداد يهتدى بالبصر إلى الجادّة الوسطى و الطريق المستقيم.

و الفصل الثاني اخبار عن الغيب و اظهار لما يبتلى به أهل الكوفة بسوء أعمالهم و قبح فعالهم و هو قوله عليه السّلام (و لو تعلمون ما أعلم ممّا طوى) و اخفى (عنكم غيبه) و باطنه (إذا الخرجتم إلى الصّعدات) أى خرجتم عن البيوت و تركتم الاستراحة و الجلوس على الفرش للقلق و الانزعاج و جلستم في الطريق أو على التراب (تبكون على أعمالكم) التي كان الواجب تركها (و تلتدمون على أنفسكم) للتقصير فيما يجب عليكم فعله (و لتركتم أموالكم لا حارس لها) يحرسها (و لا خالف عليها) يستخلفها (و لهمّت كلّ امرى‏ء منكم نفسه) أى أذابته أو حزنته لا يلتفت إلى غيرها (و لكنّكم نسيتم ما ذكّرتم و أمنتم ما حذّرتم) أراد بذلك ما ذكّرهم عليه السّلام به ممّا فيه نظام امورهم و تحذيرهم مما أوجب إدالة الأعداء منهم و تسلّط الولاة السّوء عليهم، و هو النّفاق و تشتّت الأهواء، و اختلاف الآراء.

(فتاه)«» أى ضلّ و تخيّر أو هلك و اضطرب (عنكم رأيكم) أى عقلكم و تدبيركم (و تشتّت عليكم أمركم) بغلبة العدوّ على بلادكم.

ثمّ تمنّى مفارقتهم بقوله (و لوددت أنّ اللّه فرّق بيني و بينكم و ألحقنى بمن هو أحقّ) و أحرى (بي منكم) أراد به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و حمزة و جعفر و من لم يفارق الحقّ من الصّحابة (قوم و اللّه ميامين الرأى) و مبارك الآراء (مراجيح الحلم) و ثقال الحلوم لا يستخفنّهم جاهلية الجهلاء (مقاويل بالحقّ متاريك للبغى) أى أكثرون قولا بالحقّ و الصّدق و تركا للبغى و الظلم (مضوا قدما) أى متقدّمين (على الطريقة) الوسطى (و أوجفوا) أي أسرعوا (على المحجّة) البيضاء غير ملتفتين عنها (فظفروا) و فازوا (بالعقبى الدائمة و الكرامة الباردة) التي ليس فيها تعب و لا مشقة حرب.

و لمّا حذّرهم عمّا طوى عنهم غيبه أراد التنبيه ببعض ذلك المطوى و التّصريح ببعض ما يلحقهم من الفتن العظيمة فقال عليه السّلام: (أما و اللّه ليسلّطنّ عليكم) و في الايماء بحرف التنبيه و القسم و النون ما لا يخفى من التأكيد لوقوع المخبر به أي لا محالة يسلّط عليكم (غلام ثقيف) أراد به الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل ابن مسعود من بني ثقيف (الذّيال) الذي يجرّ ذيله على الأرض تبخترا و هو كناية عن كثرة نخوته (الميّال) كثير الظلم و الميل عن الحقّ (يأكل خضرتكم و يذيب شحمتكم) أراد بذلك أخذ الأموال و تعذيب الأبدان و استيصال النّفوس و وقوع ذلك الخبر على ما أخبر عليه السّلام به مشهور و في الكتب مسطور و قد تقدّم شطر من فعله بأهل العراق في شرح الخطبة الخامسة و العشرين.

و روى في البحار من الخرائج أنّ الأشعث بن قيس استأذن على عليّ عليه السّلام فردّه قنبر فأدمى أنفه، فخرج عليّ عليه السّلام و قال: ما ذاك يا أشعث أما و اللّه لو بعبد ثقيف مررت لاقشعرّت شعيرات استك، قال: و من غلام ثقيف قال، غلام يليهم لا يبقى بيت من العرب إلّا أدخلهم الذّلّ، قال: كم يلي قال عشرين إن بلغها، قال الراوي: ولي الحجّاج سنة خمس و سبعين و مات خمس و تسعين.

ثمّ قال عليه السّلام (ايه أبا وذحة) أى زد و هات ما عندك أبا الخنفساء على ما ذكره الرّضي من تفسير الوذحة بالخنفساء، قال الشارح المعتزلي: إنّ المفسّرين بعد الرّضى (ره) قالوا في قصّة هذه الخنفساء وجوها: منها أنّ الحجّاج رأى خنفساء تدبّ إلى مصلّاه فطردها فعادت، ثمّ طردها فعادت، فأخذ بها بيده و حذف بها فقرصته قرصا و رمت يده منه و رما كان فيه حتفه قالوا: و ذلك لأنّ اللّه تعالى قد قتله بأهون مخلوقاته كما قتل نمرود بن كنعان بالبقّة التي دخلت في أنفه فكان فيها هلاكه.

و منها أنّ الحجّاج كان اذا رأى خنفساء تدّب قريبة منه يأمر غلمانه بابعادها و يقول: هذه وذحة من وذح الشّيطان، تشبيها بالبعرة المعلّقة بأذناب الشّاة.

و منها أنّ الحجّاج قد رأى خنفسات مجتمعات فقال: و اعجبا لمن يقول إنّ اللّه خلق هذه، قيل: فمن خلقها أيّها الأمير قال: الشّيطان، إنّ ربّكم لأعظم شأنا أن يخلق هذه الوذح، فنقل قوله هذا إلى الفقهاء في عصره فأكفروه و منها أنّ الحجّاج كان مثفارا أى ذا ابنة، و كان يمسك الخنفساء حيّة ليشفى بحركتها في الموضع حكاكه، قالوا: و لا يكون صاحب هذا الدّاء إلّا شانيا مبغضا لأهل البيت، قالوا: و لسنا نقول كلّ مبغض فيه هذا الداء، و إنّما قلنا كلّ من به هذا الدّاء فهو مبغض، قالوا: و قد روى أبو عمرو الزّاهد و لم يكن من رجال الشيعة في أماليه و أحاديثه عن السّيارى عن أبي خزيمة الكاتب قال: ما فتّشنا أحدا فيه هذا الدّاء إلّا وجدناه ناصبيّا.

قال أبو عمر و أخبرني العطاني عن رجاله قالوا سئل جعفر بن محمّد عن هذا الصّنف من النّاس فقال: رحم منكوسة يؤتى و لا يأتي و ما كانت هذه الخصلة في وليّ اللّه قطّ، و لا تكون أبدا، و إنما يكون في الكفّار و الفسّاق و النّاصب للطّاهرين.

أقول: و يدلّ على ذلك و يؤيّده: ما رواه في الكافي عن أحمد عن عليّ بن أسباط عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: ما كان في شيعتنا فلم يكن فيهم ثلاثة أشياء: من يسأل في كفّه‏و لم يكن فيهم أزرق أخضر، و لم يكن فيهم من يؤتى في دبره.

و عن أحمد عن جعفر بن محمّد الأشعري عن ابن القداح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: جاء رجل إلى أبي، فقال: يابن رسول اللّه إنّي ابتليت ببلاء فادع اللّه لي، فقيل له: انّه يؤتى في دبره، فقال: ما أبلى اللّه عزّ و جلّ بهذا البلاء أحدا له فيه حاجة، ثمّ قال أبي: قال اللّه عزّ و جلّ، و عزّتي و جلالي لا يقعد على استبرقها و حريرها من يؤتي في دبره.

و في البحار من الخصال للصّدوق عن أبيه عن سعد عن البرقيّ عن عدّة من أصحابنا عن عليّ بن أسباط عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: ما ابتلى اللّه به شيعتنا فلن يبتليهم بأربع: بأن يكون لغير رشدة، أو أن يسألوا بأكفّهم، أو أن يؤتوا أدبارهم، أو أن يكون فيهم أزرق.

و فيه منه عن ابن الوليد عن محمّد العطّار عن أحمد بن محمّد عن أبي عبد اللّه الرازي عن ابن أبي عثمان عن أبيه عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام، قال: أربع خصال لا يكون في مؤمن: لا يكون مجنونا، و لا يسأل عن أبواب النّاس، و لا يولد من الزّنا، و لا ينكح في دبره و فيه من قرب الاسناد عن محمّد بن عيسى عن القداح عن جعفر عن أبيه عليه السّلام قال: جاء رجل إلى عليّ عليه السّلام فقال: إني لاحبكم أهل البيت، قال: و كان فيه لين، قال: فأثنى عليه عدّة فقال عليه السّلام له: كذبت ما يحبّنا مخنّث و لا ديّوث و لا ولد زنا و لا من حملت به امّه في حيضها، قال: فذهب الرّجل، فلمّا كان يوم صفّين فهي مع معاوية و حكى المحدّث الدّربندي قال: كنت «كان ظ» ابن ستّة عشر من أولاد بعض علماء بلدنا معروفا بهذا الفعل الشّنيع، فبينا أنا مع جمع نكثر السّرور و الفرح في يوم العيد الغدير دنا منّى هذا الشخص، و قال: ما لك كأني أراك تظنّ أنّ اللّه قد أعطاك في هذا اليوم سلطنة الدّنيا قلت: إنّ كرامة اللّه على محبّي أمير المؤمنين و سيّد الوصيّين عليه السّلام في هذا اليوم الشريف أعظم من سلطنة الدّنيا،فقال: ناشدتك باللّه هل تحبّ عليّ بن أبي طالب فقلت: ويلك هل يوجد أحد اتّصف بالاسلام و لا يحبّ أمير المؤمنين عليه السّلام فقال: و اللّه أنا لا احبّه، فقلت الحمد للّه الذي لم يدخل مثلك النجس الخبيث المخنّث في حزب محبّى الأطيب الأطهر أمير المؤمنين و لعنة اللّه عليك و على أمثالك من المخنّثين، قال: فلم يمض على ذلك إلّا مدّة قريبة من مدّة سنة أن اختار الشرك و أظهر الكفر و دخل في مذهب النّصرانية.

و في الأنوار النّعمانية للمحدّث الجزايري (ره) عن جلال الدّين السيوطي في حواشي القاموس عند تصحيح لغة الابنة قال: و كانت في جماعة في الجاهلية أحدهم سيّدنا عمر، و قال ابن الأثير و هو من أجلّاء علماء العامة: زعمت الرّوافض أنّ سيّدنا عمر كان مخنّثا، كذبوا و لكن به داء دواؤه ماء الرّجال.

ثمّ قال الجزائري: و لم أر في كتب الرّافضة مثل هذا نعم روى العياشي منهم حديثا حاصل معناه أنّ لفظ أمير المؤمنين قد خصّ اللّه به عليّ بن أبي طالب و لهذا لم تسمّ الرافضة أئمّتهم بهذا الاسم و من سمّها نفسه به غير عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فهو ممّا يؤتى في دبره، و هو شامل لجميع المتخلّفين من الامويّة و العبّاسيّة لعنهم اللّه انتهى.

و قد أوردنا رواية العياشي مع غيرها في ديباجة الشرح في نور ألقاب أمير المؤمنين عليه السّلام فتذكر، و في أخبار كثيرة من طريق أهل البيت عليهم السّلام أنّ هؤلاء لا خير فيهم و في بعضها أنّه لا يبتلى به أحد للّه فيه حاجة.

ثمّ قال الشّارح المعتزلي بعد ذكر ما أوردنا من كلامه في تفسير أبا وذحة: فهذا مجموع ما ذكره المفسّرون و ما سمعته من أفواه النّاس في هذا الموضع، و يغلب على ظنّي أنّه أراد معنى آخر، و ذلك أنّ عادة العرب أن تكنّي الانسان إذا أرادت تعظيمه بما هو مظنّة التعظيم كقولهم: أبو الهول و أبو المقدام و أبو المغوار فاذا أرادت تحقيره و الغضّ منه كنّته بما يستحقر و يستهان به كقولهم في كنية يزيد ابن معاوية لعنه اللّه يعنون القرد و كقولهم في كنية سعيد بن حفص البخاري المحدّث أبو القارد و كقولهم للطّفيلي: أبو لقمة «إلى أن قال» فلما كان أمير المؤمنين عليه السّلام‏ يعلم من حال الحجاج نجاسته بالمعاصى و الذنوب التي لو شوهدت بالبصر لكانت بمنزلة البعر الملتصق بشعر الشّاة كنّاه أبا وذحة.

و يمكن أن يكنّيه بذلك لدمامته في نفسه و حقارة منظره و تشويه خلقته فانّه كان قصيرا دميما نحيفا أخفش العينين معوج الساقين قصير السّاعدين مجدور الوجه أصلع الرّأس فكنّاه عليه السّلام بأحقر الأشياء و هو البعرة.

و قد روى قوم هذه اللّفظة بصيغة اخرى فقالوا ايه أبا ودجة، قالوا: واحدة الأوداج كنّاه بذلك لأنّه كان قتّالا يقطع الأوداج بالسّيف، و رواه قوم أبا وحرة و هي دويبة تشبه الحرباء قصير الظّهر شبهته بها قال: و هذا و ما قبله ضعيف و ما ذكرناه أقرب إلى الصواب.

الترجمة

از جمله خطب بليغه آن بزرگوار و امام أبرار است در نعت حضرت خاتم الأنبياء و مذمت أهل كوفه بجهة سنگيني از جهاد أعداء و اعلام ايشان بفتنه حجّاج بي ‏ايمان چنانچه فرمود كه: فرو فرستاد خداوند آفريدگار رسول مختار را در حالتى كه خواننده بود مردمان را بسوى حق، و گواه بود بر خلق، پس رسانيد پيغامهاى پروردگار خود را در حالتى كه سستى ننمود در أداء پيغام، و تقصير كننده نبود در تبليغ أحكام، و جهاد كرد در راه خداى متعال با أعداء ربّ ذو الجلال در حالتى كه سست نبود در قتال، و عذر خواهى نكرد بعذر ناموجه از مقاتله ابطال پيشواى صاحبان تقوى است، و بينائى طالبان هدايت.

و اگر بدانيد آنچه من مى‏ دانم از چيزى كه كتمان شده از شما غيب آن در آن هنگام هر آينه خارج مى ‏شديد بسوى راهها يعنى ترك استراحت مى‏ كرديد در خانه‏ ها در حالتى كه گريه مى‏ كرديد بر عمل هاى خودتان، و مى ‏زديد بر نفسهاى خود، و هر آينه ترك مى ‏نموديد مالهاى خود را در حالتى كه هيچ مستحفظى نباشد آنها را، و هيچ جانشينى نباشد بر آنها، و هر آينه محزون و غمگين مى ‏ساخت يا اين كه‏ مى ‏گداخت هر مردى را از شما نفس او كه أصلا التفات نمى‏ كند بغير خود، و ليكن شما فراموش گرديد چيزى را كه پند داده شديد بآن، و ايمن گشتيد از چيزى كه ترسانيده شديد از آن، پس حيران گشت از شما انديشه و تدبير شما، و پراكنده شد بر شما كار شما، هر آينه دوست مى‏ دارم اين كه خداى تعالى جدائى افكند ميان من و ميان شما، و لا حق نمايد مرا بكسانى كه ايشان سزاوارترند بمن از شما، ايشان قومى بودند قسم بخدا كه صاحبان رأى مبارك بودند و موصوفان بافزونى بردبارى بسيار سخن گوينده بودند براستى، و زياد ترك كننده بودند ظلم و گمراهى را گذشتند در حالتى كه پيش قدم بودند بر راه راست، و شتافتند بر طريقه درست و فايز شدند بآخرت بى‏ نهايت، و بكرامت خالى از زحمت.

آگاه باشيد قسم بخدا هر آينه البته مسلّط مى ‏شود بر شما پسرى از قبيله ثقيف يعني حجاج بن يوسف ثقفى كه كشنده باشد دامن خود را بر زمين از روى غرور و نخوت، و عدول كننده باشد از راه عدالت كه مى‏ خورد زراعت شما را، و مى ‏گذارد پيه شما را، زياده كن و بياور آنچه كه در پيش تو است اى پدر جعل.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 114 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)استسقاء(طلب باران)

خطبه 115 صبحی صالح

115- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) في الاستسقاء

اللَّهُمَّ قَدِ انْصَاحَتْ جِبَالُنَا

وَ اغْبَرَّتْ أَرْضُنَا

وَ هَامَتْ دَوَابُّنَا

وَ تَحَيَّرَتْ فِي مَرَابِضِهَا

وَ عَجَّتْ عَجِيجَ الثَّكَالَى عَلَى أَوْلَادِهَا

وَ مَلَّتِ التَّرَدُّدَ فِي مَرَاتِعِهَا

وَ الْحَنِينَ إِلَى مَوَارِدِهَا

اللَّهُمَّ فَارْحَمْ أَنِينَ الْآنَّةِ

وَ حَنِينَ الْحَانَّةِ

اللَّهُمَّ فَارْحَمْ حَيْرَتَهَا فِي مَذَاهِبِهَا

وَ أَنِينَهَا فِي مَوَالِجِهَا

اللَّهُمَّ خَرَجْنَا إِلَيْكَ حِينَ اعْتَكَرَتْ عَلَيْنَا حَدَابِيرُ السِّنِينَ

وَ أَخْلَفَتْنَا مَخَايِلُ الْجُودِ

فَكُنْتَ‏الرَّجَاءَ لِلْمُبْتَئِسِ

وَ الْبَلَاغَ لِلْمُلْتَمِسِ

نَدْعُوكَ حِينَ قَنَطَ الْأَنَامُ

وَ مُنِعَ الْغَمَامُ

وَ هَلَكَ السَّوَامُ

أَلَّا تُؤَاخِذَنَا بِأَعْمَالِنَا

وَ لَا تَأْخُذَنَا بِذُنُوبِنَا

وَ انْشُرْ عَلَيْنَا رَحْمَتَكَ بِالسَّحَابِ الْمُنْبَعِقِ

وَ الرَّبِيعِ الْمُغْدِقِ

وَ النَّبَاتِ الْمُونِقِ سَحّاً وَابِلًا

تُحْيِي بِهِ مَا قَدْ مَاتَ

وَ تَرُدُّ بِهِ مَا قَدْ فَاتَ

اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ مُحْيِيَةً مُرْوِيَةً

تَامَّةً عَامَّةً طَيِّبَةً مُبَارَكَةً هَنِيئَةً مَرِيعَةً

زَاكِياً نَبْتُهَا

ثَامِراً فَرْعُهَا

نَاضِراً وَرَقُهَا

تُنْعِشُ بِهَا الضَّعِيفَ مِنْ عِبَادِكَ

وَ تُحْيِي بِهَا الْمَيِّتَ مِنْ بِلَادِكَ

اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ تُعْشِبُ بِهَا نِجَادُنَا

وَ تَجْرِي بِهَا وِهَادُنَا

وَ يُخْصِبُ بِهَا جَنَابُنَا

وَ تُقْبِلُ بِهَا ثِمَارُنَا

وَ تَعِيشُ بِهَا مَوَاشِينَا

وَ تَنْدَى بِهَا أَقَاصِينَا

وَ تَسْتَعِينُ بِهَا ضَوَاحِينَا

مِنْ بَرَكَاتِكَ الْوَاسِعَةِ وَ عَطَايَاكَ الْجَزِيلَةِ عَلَى بَرِيَّتِكَ الْمُرْمِلَةِ

وَ وَحْشِكَ الْمُهْمَلَةِ

وَ أَنْزِلْ عَلَيْنَا سَمَاءً مُخْضِلَةً

مِدْرَاراً هَاطِلَةً

يُدَافِعُ الْوَدْقُ مِنْهَا الْوَدْقَ

وَ يَحْفِزُ الْقَطْرُ مِنْهَا الْقَطْرَ

غَيْرَ خُلَّبٍ بَرْقُهَا

وَ لَا جَهَامٍ عَارِضُهَا

وَ لَا قَزَعٍ رَبَابُهَا

وَ لَا شَفَّانٍ ذِهَابُهَا

حَتَّى يُخْصِبَ لِإِمْرَاعِهَا الْمُجْدِبُونَ

وَ يَحْيَا بِبَرَكَتِهَا الْمُسْنِتُونَ

فَإِنَّكَ تُنْزِلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَ تَنْشُرُ رَحْمَتَكَ وَ أَنْتَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ

تفسير ما في هذه الخطبة من الغريب‏

قال السيد الشريف رضي الله عنه

قوله ( عليه ‏السلام  ) انصاحت جبالنا أي تشققت من المحول

يقال انصاح الثوب إذا انشق

و يقال أيضا انصاح النبت و صاح و صوح إذا جف و يبس

كله بمعنى.

و قوله و هامت دوابُّنا أي عطشت و الهُيام العطش.

و قوله حدابير السنين جمع حِدْبار و هي الناقة التي أنضاها السير

فشبه بها السنة التي فشا فيها الجدب

قال ذو الرمة

حدابير ما تنفك إلا مناخة
على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا

و قوله و لا قزع ربابها
القزع القطع الصغار المتفرقة من السحاب.

و قوله

و لا شَفَّان ذهابها
فإن تقديره و لا ذات شَفَّان ذهابها

و الشَفَّان الريح الباردة
و الذهاب الأمطار اللينة

فحذف ذات لعلم السامع به

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج8  

و من خطبة له عليه السّلام في الاستسقاء و هي المأة و الرابعة عشر من المختار في باب الخطب

و هى ملتقطة من خطبة طويلة اوردها الصدوق في الفقيه باختلاف كثير ناتى بها بعد الفراغ من شرح ما رواه السيد (ره) في الكتاب لكثرة فوائدها و مزيد عوايدها ألّلهمّ قد انصاحت جبالنا، و أغبرت أرضنا، و هامت دوابّنا، «و تحيرت في مرابضها خ»، و عجّت عجيج الثّكالى على أولادها، و ملّت التّردّد في مراتعها، و الحنين إلى مواردها، ألّلهمّ فأرحم أنين الانّة، و حنين الحانّة، ألّلهمّ فارحم حيرتها في مذاهبها، و أنينها في موالجها، ألّلهمّ خرجنا إليك حين اعتكرت علينا حدابير السّنين، و أخلفتنا مخائل الجود، فكنت الرّجاء للمبتئس و البلاغ للملتمس،ندعوك حين قنط الأنام، و منع الغمام، و هلك السّوام، ألّا تؤاخذنا بأعمالنا، و لا تأخذنا بذنوبنا، و انشر علينا رحمتك بالسّحاب المنبعق، و الرّبيع المغدق، و النّبات المونق، سحا وابلا تحيي به ما قد مات، و تردّ به ما قد فات، ألّلهمّ سقيا منك محيية مروية تامّة عامّة طيّبة مباركة هنيئة مريئة مريعة زاكيا نبتها، ثامرا فرعها، ناصرا ورقها، تنعش بها الضّعيف من عبادك، و تحيي بها الميّت من بلادك. أللّهمّ سقيا منك تعشب بها نجادنا، و تجري بها و هادنا، و تخصب بها جنابنا، و تقبل بها ثمارنا، و تعيش بها مواشينا، و تندى بها أقاصينا و تستعين بها ضواحينا، من بركاتك الواسعة، و عطاياك الجزيلة على بريّتك المرملة، و وحشك المهملة، و أنزل علينا سماء مخضلّة مدرارا هاطلة، يدافع الودق منها الودق، و يحفز القطر منها القطر، غير خلّب برقها، و لا جهام عارضها، و لا قزع ربابها، و لا شفّان ذهابها حتّى يخصب لإمراعها المجدبون، و يحيا ببركتها المسنتون، فإنّك تنزل الغيث من بعد ما قنطوا، و تنشر رحمتك، و أنت الوليّ الحميد. قال السيد رضى (ره) قوله (انصاحت) جبالنا أى تشقّقت من المحول يقال انصاح الثوب إذا انشقّ و يقال أيضا انصاح النبت و صاح وصوح إذا جفّ و يبس كلّه بمعنى، و قوله (هامت دوابنا) أى عطشت و الهيام العطش و قوله (حدابير السنين)

جمع حدبار و هي الناقة التي انضاها السّير فشبّه بها السّنة التي فشا فيها الجدب قال ذو الرّمة:

حدابير ما تنفكّ إلّا مناخة
على الخسف أو ترمى بها بلدا قفرا

و قوله (و لا قزع ربابها) القزع الصغار المتفرّقة من السّحاب، و قوله (و لا شفان ذهابها) فانّ تقديره و لا ذات شقّان ذهابها و الشفان الريح الباردة، و الذهاب الأمطار الليّنة فحذف ذات لعلم السامع به

اللغة

(الاستسقاء) استفعال بمعنى طلب السّقى مثل الاستمطار لطلب المطر و استسقيت فلانا إذا طلبت منه أن يسقيك و قد صار حقيقة شرعية أو متشرّعة في طلب الغيث بالدّعاء (و هامت دوابنا) يجوز أن يكون من الهائم بمعنى المتحيّر و (ثكلت) المرأة ولدها ثكلا من باب تعب فقدته و الاسم الثكل و زان قفل فهى ثاكل و قد يقال ثاكلة و ثكلى و الجمع ثواكل و ثكالى و في بعض النسخ الثكلى بدل الثكالي و (أنّ) الرجل انّا و أنينا تأوّه و (الحنين) الشّوق و شدّة البكاء و (الآنّة الحانّة) الشّاة و النّاقة يقال ماله آنّة و لا حانّة.

و (عكر) على الشي‏ء يعكر عكرا و عكورا و اعتكر كرّوا نصرف، و العكار الكرار العطاف، و اعتكر الظلام اختلط و (الجود) بفتح الجيم المطر الغريز، و في بعض النسخ الجود بضم الجيم و (قنط) يقنط من بابى ضرب و تعب و في لغة من باب قعد فهو قانط و قنوط (و انبعق) السّحاب انبعج و انفرج بالمطر و (المغدق) من اغدق الشجر إذا ظهرت ثمرته و (السّح) بالضّم الصّب و السّيلان من فوق و (السّقيا) و زان فعلى بالضّم مؤنثة اسم من سقاه اللَّه الغيث أنزله له و (مروية) من باب الافعال أو التفعيل و منه يوم التروية لثامن ذى الحجّة لأنّ الماء كان قليلا بمعنى فكانوا يرتوون من الماء لما بعد.

و (تعشب) بفتح المضارعة مضارع عشب و زان تعب أو بضمّها من باب الافعال يقال عشب الارض و اعشبت أى نبتت فهى عشيبة و عاشبة و معشبة أى كثيرة العشب‏ و يقال اعشبت الأرض أيضا أى انبتت العشب فتكون الهمزة للتعدية و العشب بالضمّ الكلاء الرطب في أوّل الربيع، و في بعض النسخ تعشب بالبناء على المفعول.

و (النجاد) بكسر الأوّل جمع نجد و هو ما ارتفع من الأرض و يجمع أيضا على نجود كفلس و فلوس و (الوهاد) بكسر الأول أيضا جمع الوهد و هي المنخفضة من الارض و (خصب) الأرض من باب ضرب و علم و اخصبت أى اتّصفت بالخصيب و هو بكسر الخا كثرة العشب و رفاغة العيش و (الجناب) بفتح الجيم الفناء بالكسر و هو سعة امام البيت أو ما امتدّ من جوانبه، و يطلق الجناب على الجانب من كلّ شي‏ء أيضا و (أرمل) فلان أى افتقر و فقد زاده.

و (اخضله) المطر أى بلّه و السّماء المخضلة أى تخضل النبت و تبلّه، و في أكثر النسخ مخضلّة و زان مبيضّة من اخضلّ النبت اخضلالا أى ابتلّ و (حفزه) كضربه دفعه بشدّة (البرق الخلّب) المطمع المخلف و السحاب (الجهام) الذي لا ماء فيه و (العارض) السحاب الذي يعترض في افق السّماء و (القزع) محركة قطع من السّحاب متفرّقة جمع قزعة، و (الرّباب) بفتح الأوّل السّحاب الأبيض و (الذّهاب) بكسر الذال جمع الذّهبة بالكسر أيضا المطرة الضّعيفة و (مرع) الوادى بالضّم مراعة أخصب بكثرة الكلاء فهو مريع و الجمع امرع و أمرع مثل يمين و ايمن و أيمن.

و أرض محل-  و محول-  و محلة و ممحل و ممحلة أى اتّصفت بالجذب و انقطاع المطر-  و انضاها السير أى هزلها و-  الحدابير-  في بيت ذى الرّمة مما لم يذكره إلّا السيد (ره)، و الموجود في كتب الأدبيّة حراجيج و هكذا روى الشارح المعتزلي عن ابن الخشاب، و هى جمع حرجوج الناقة الضّامرة و-  الخسف-  الذلّ و البلد القفر لا ماء فيه و لا نبات.

الاعراب

منع الغمام فعل لم يسمّ فاعله رعاية للأدب و استكراها لاضافة المنع إلى اللّه سبحانه و هو منبع النعم و مبدء الجود و الكرم، و في بعض النّسخ منع الغمام بصيغةالمعلوم فلا بدّ من حذف المتعلّق أى منع الغمام من المطر، و سحّا منصوب على المصدر أى تسحّ سحّا، و جملة تحيى به منصوبة المحلّ على الحال من فاعل نشر و سقيا منك، منصوب على المصدر أيضا و نجادنا بالرفع فاعل تعشب و يروى بالنّصب فيكون مفعولا له بناء على كونه من باب الافعال متعدّيا حسبما مرّ في بيان اللغة.

و قوله على بريّتك ظرف لغو متعلّق بالجزيلة أو الواسعة على التنازع، و سماء مخضلة تأنيث الوصف رعاية للفظ الموصوف و إن كان المعنى مذكّرا، و جملة يدافع الودق منصوبة المحلّ صفة لسماء أو حال منها لكونها نكرة موصوفة أو من ضمير هاطلة، و الوجهان جاريان في نصب غير خلب.

و أمّا بيت ذى الرّمة فقد اعترض عليه غير واحد من علماء الأدبية بكونه مخالفا للقواعد النحوية حيث أنّ شرط الاستثناء المفرّغ أن يكون في الكلام الغير الموجب و هذا الشرط مفقود هنا، لأنّ تنفكّ الناقصة مثل زال نفيها اثبات و اثباتها نفي فكما لا يجوز أن يقال ما زال زيد إلّا قائما، فكذلك لا يجوز ما تنفكّ إلّا مناخة، و لذلك قال الاصمعي: إنّ ذا الرّمة غلط في ذلك إذ لا يقال جاء زيد إلّا راكبا.

و اجيب بوجوه: الاول أنّ الرواة غلطوا فيه و أنّ الرواية الصحيحة إلّا مناخة بالتنوين أى شخصا الثاني انّ تنفكّ تامّة بمعنى تنفصل فنفيها نفي أى ما تنفصل عن التّعب أو ما تخلص منه و مناخة حال من الضمير في تنفك أى لا تنفصل منه في حالة من حالات إلّا في حالة الاناخة الثالث أنها ناقصة و الخبر على الخسف و مناخة حال.

قال ابن هشام: و هذا فاسد لبقاء الاشكال إذ لا يقال جاء زيد إلّا راكبا يعنى أنّ الاشكال الذي هو وقوع الاستثناء المفرّغ في الايجاب لا يرتفع بهذا الجواب بل هو باق بحاله.

و قد يعترض عليه بأنّ الاستثناء المفرّغ يقع في الايجاب بشرطين كما صرّح به ابن الحاجب أحدهما أن يكون المستثنى فضلة لا عمدة، الثاني أن تحصل به فائدة فلا يجوز ضربت إلّا زيدا إذ من المحال أن يضرب جميع الناس إلّا زيدا، و يجوز قرئت إلّا يوم كذا، لجواز أن يقرأ في جميع الأيام إلّا في ذلك اليوم و على‏هذا فيرتفع الاشكال و لا يبقى بحاله لأنّ مناخة إذا كان خبرا كان عمدة و أمّا إذا كان حالا كان فضلة و كان الكلام مفيدا الرابع أنّ إلّا زائدة ذهب إليه ابن جنّى و حكى عن الاصمعى كما ذهب إليه ابن مالك قوله:

أرى الدّهر الّا منجنونا بأهله
و ما صاحب الحاجات إلّا معذّبا

هذا، و قوله: من بركاتك، بدل من قوله: منك، أى سقيا من بركاتك، و مخضلة صفة لسماء و التانيث باعتبار لفظ الموصوف و إن كان باعتبار معناه أعنى المطر مذكرا، و جملة يحفر القطراه عطف تفسير.

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة كما ذكره السّيده (ره) خطب عليه السّلام بها في الاستسقاء أى في مقام طلب السّقيا و توفير المياه، قال شيخنا الشهيد طاب ثراه، و الاستسقاء أنواع أدناه الدّعاء بلا صلاة، و لا خلاف صلاة، و أوسطه الدّعاء خلف الصّلاة، و أفضله الاستسقاء بركعتين.

و كيفيّته على ما وردت في الأخبار و نبّه عليها علمائنا الأخيار أن يخرج النّاس بعد التوبة و ردّ المظالم و تهذيب الأخلاق و صوم ثلاثة أيّام يكون ثالثها يوم الاثنين، و يبرزوا في الثالث إلى الصّحراء و إن كانوا بمكّة فالى المسجد الحرام حفاة مشاة و نعالهم في أيديهم بسكينة و وقار متخشّعين مخبتين مستغفرين، و يخرجون الشّيوخ و الصّبيان و البهايم و أهل الزّهد و الصّلاح، فاذا حضروا في المصلّي ينادى المؤذّنون بدل الأذان، الصّلاة ثلاثا، فيصلّى الامام بالنّاس ركعتين: يقرأ في الاولى بعد الحمد سورة بالجهر ثمّ يكبّر خمسا و يقنت عقيب كلّ تكبيرة و يدعو في القنوت بالاستغفار و طلب الغيث و إنزال الرحمة، و من المأثور فيه: اللّهمّ اسق عبادك و امائك و بهائمك و انشر رحمتك و أحى بلادك الميّتة، ثمّ يكبّر السادسة و يركع و يسجد السجدتين ثمّ يقوم إلى الركعة الثانية فيفعل مثل ما فعل في الاولى إلّا أنّ التكبيرات فيها أربع و يقنت أربعا أيضا عقيب التكبيرات، ثمّ يكبّر الخامسة و يركع و يسجد و يشهد و يسلّم.

فلما فرغ من الصلاة يصعد المنبر و يحوّل ردائه فيجعل الذي على يمينه على يساره و الذي على يساره على يمينه تأسّيا برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم، و سئل الصّادق عليه السّلام عن تحويل النّبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم رداه إذ استسقى قال عليه السّلام: علامة بينه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم و بين أصحابه يحول الجدب خصبا، و يخطب بخطبتين ثمّ يستقبل القبلة فيكبّر اللَّه مأئة تكبيرة رافعا بها صوته، ثمّ يلتفت إلى يمينه فيسبّح اللَّه مأئة مرّة رافعا بها صوته، ثمّ يلتفت إلى يساره فيهلّل اللَّه مأئة تهليلة رافعا بها صوته، ثمّ يستقبل الناس بوجهه فيحمد اللَّه مأئة رافعا بها صوته و الناس يتابعونه في الأذكار دون الالتفات إلى الجهات، فان سقوا، و إلّا عادوا ثانيا و ثالثا من غير قنوط بانين على الصوم الأوّل ان لم يفطروا و إلّا فبصوم مستأنف إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ من أفضل الخطب المأثورة في هذا المقام و أفصحها ما خطب إمام الانام عليه السّلام و هو قوله (اللّهمّ قد انصاحت جبالنا) أى تشقّقت من المحل و الجدب (و اغبرت ارضنا) أى صارت كثير الغبار بانقطاع الأمطار (و هامت دوابنا) أى عطشت و تحيّرت في مرابضها و مباركها من الظّماء و فقدان النّبات و الكلاء.

(و عجّت) أى صرخت مثل (عجيج الثكالى على أولادها) يحتمل رجوع الضمير إلى الثكالي و رجوعه إلى الدّواب و الأوّل أظهر (و ملت التردّد في مراتعها و الحنين إلى مواردها) و ذلك لأنّها أكثرت من التردّد في مراتعها المعتادة فلم تجد فيها نبتا ترعاه فملت من التردّد و كذلك لم تجد ماء في الغدران و الموارد المعدّة لشربها، فحنت إليها و ملت من الحنين، و يئست من الانين.

(أللهمّ فارحم أنين الآنّة) من الشياة (و حنين الحانّة) من النّوق (اللّهمّ فارحم حيرتها في مذاهبها) و مسالكها (و أنينها في موالجها) و مداخلها و إنما ابتدء عليه السّلام بذكر الدوّاب و الأنعام لأنها أقرب إلى الرّحمة و مظنة الافضال بها على المذنبين من الامّة.

و يرشد إلى ذلك ما في منتخب التوراة، يابن آدم كيف لا تجتنبون الحرام، و لا اكتساب الآثام، و لا تخافون النيران، و لا تتّقون غضب الرّحمن، فلو لا مشايخ ركّع، و أطفال رضّع، و بهائم رتّع، و شباب خشّع، لجعلت السّماء فوقكم حديداو الأرض صفصفا، و التراب رمادا، و لا انزلت عليكم من السماء قطرة، و لا أنبتّ لكم من الأرض حبّة، و يصبّ عليكم العذاب صبّا.

و في النبوي لو لا أطفال رضّع، و شيوخ ركّع، و بهائم رتّع لصّب عليكم العذاب صبّا.

و في الفقيه عن حفص بن غياث عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام أنّه قال: إنّ سليمان ابن داود عليه السّلام خرج ذات يوم مع أصحابه ليستسقى فوجد نملة قد رفعت قائمة من قوائمها إلى السّماء و هي تقول: اللّهمّ إنا خلق من خلقك لاغناء بنا عن رزقك، فلا تهلكنا بذنوب بني آدم، فقال سليمان لأصحابه: ارجعوا فقد سقيتم بغيركم.

و روى الرازي عن رجل أنّه قال: أصاب النّاس في بعض الأزمنة قحط شديد فأصروا يستسقون، فلم يستجب لهم، قال الراوى: فأتيت وقتئذ إلى بعض الجبال فاذا بظبية قلقة من كثرة العطش و شدّة الهيام مبادرة نحو غدير هناك، فلما وصلت إلى الغدير و لم تجد فيها ماء تحيرت و اضطربت و رفعت رأسها إلى السّماء تحرّكه و تنظر إليها، فبينما هى كذلك رأيت سحابة ارتفعت و أمطرت حتّى امتلاء الغدير فشربت منه و ارتوت ثمّ رجعت.

ثمّ قال عليه السّلام (اللهمّ خرجنا إليك حين اعتكرت) أى تكررّت (علينا حدابير السّنين) تشبيه السّنين بالحدابير من باب تشبيه المعقول بالمحسوس و وجه الشّبه عقلى، و هو أنّ الحدابير كما تتعب راكبها فكذلك السّنون تتعب أهلها كما لا يخفى.

(و اخلفتنا مخائل الجود) أى الامارات التي توقع الجود في الخيال و أراد بها البرق و السّحاب الّتي يظنّ أنّها تمطر و ليست بماطرة، فكأنها وعدت بالمطر فأخلفت و لم تف بوعده (فكنت الرجاء للمبتئس) أى ذى البؤس الحزين (و البلاغ للملتمس) أى كفاية للطالب المسكين (ندعوك حين قنط الانام) و يأس (و منع الغمام) و حبس (و هلك السوام) أى الابل السائمة الرّاعية.

(ألّا تؤاخذنا بأعمالنا و لا تأخذنا بذنوبنا) قال الشارح المعتزلي: الفرق بين المؤاخذة و الأخذ أنّ الأول عقوبة دون الثاني لأنّ الأخذ هو الاستيصال و المؤاخذة عقوبة

أقول: إن كان نصّ بذلك من أهل اللغة فلا بأس، و إلّا فقولهم زيادة المباني تدلّ على زيادة المعاني يفيد عكس ما قاله، و كيف كان ففي كلامه عليه السّلام دلالة على أنّ للذّنوب و المعاصي مدخليّة في منع اللّطف و الرّحمة و استحقاق المؤاخذة و السخطة، و سرّ ذلك أنّ الجود الالهي لا بخل فيه و لا مانع له من قبله سبحانه و إنما يصل إلى الموادّ بحسب القابلية و الاستعداد، و المنهمكون في المعاصي راغبون عن اللّه تعالى و عن تلقّى آثار رحمته، فهم لانهماكهم في الفساد اسقطوا أنفسهم عن الاستعداد، و حرىّ بمن كان كذلك أن يمنع من الفيوضات و يحرم من البركات.

و قد روى في الأخبار أنّ كلّا من أصناف الذّنوب تورث نوعا خاصّا من المؤاخذات الدّنيوية، مثل ما رواه في الفقيه عن عبد الرحمن بن كثير عن الصادق عليه السّلام أنه قال: إذا فشت أربعة ظهرت أربعة إذا فشا الزّنا ظهرت الزلازل، و إذا امسكت الزكاة هلكت الماشية، و إذا جار الحاكم في القضاء أمسك المطر من السماء، و إذا خفرت«» الذّمة نصر المشركون على المسلمين.

و في الكافي عن أبان عن رجل عن أبي جعفر عليه السّلام قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خمس إن أدركتموهنّ فتعوّذوا باللّه منهنّ: لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ حتى يعلنوها إلّا ظهر فيهم الطاعون و الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، و لم ينقصوا المكيال و الميزان إلّا اخذوا بالسنين و شدّة المؤنة و جور السلطان، و لم يمنعوا الزّكاة إلّا منعوا القطر من السماء و لو لا البهائم لم يمطروا، و لم ينقضوا عهد اللّه و عهد رسوله إلّا سلّط اللّه عليهم عدوّهم و أخذوا بعض ما في أيديهم، و لم يحكموا بغير ما أنزل اللّه إلّا جعل اللّه بأسهم بينهم.

و عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السّلام قال وجدنا في كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذا ظهر الزّنا من بعدي كثر موت الفجأة، و إذا طفّف المكيال و الميزان أخذهم اللّه بالسنين و النقص، و إذا منعوا الزكاة منعت الأرض بركتها من الزّرع و للثمار و المعادن كلّها، و إذا جاروا في الأحكام تعاونوا على الظلم و العدوان، و إذا نقضوا العهد سلّط اللّه عليهم عدوّهم، و إذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار، و إذالم يأمروا بالمعروف و لم ينهوا عن المنكر و لم يتبعوا الأخيار من أهل بيتي سلّط اللّه عليهم شرارهم فيدعو خيارهم فلا يستجاب لهم.

ثمّ قال عليه السّلام (و انشر علينا رحمتك بالسّحاب المنبعق) أى المنفرج بالمطر و السّائل الكثير السّيلان (و الربيع المغدق) المظهر للثمر (و النيات المونق) المعجب (سحّا) أى صبّا (وابلا) أى مطرا شديدا (تحيى به ما قد مات و تردّ به ما قد فات) من الزرع و النّبات (اللّهمّ سقيا منك محيية) للموات (مروية) للنّبات (تامّة) ثمراتها (عامة) بركاتها (طيّبة مباركة هنيئة مريئة مريعة) أى سائغة لذيذة خصيبة واسعة (زاكيا) ناميا (نبتها ثامرا فرعها) أى يكون فرعها ذا ثمر (ناضرا ورقها) أى يكون ورقها ذا نضرة و حسن و بهجة (تنعش) و ترفع (بها الضعيف من عبادك و تحيى بها الميّت من بلادك اللّهمّ سقيا منك تعشب بها نجادنا) أى تنبت بها أراضينا المرتفعة (و تجرى بها و هادنا) أى تسيل بها أراضينا المنخفضة المطمئنّة (و تخصب بها جنابنا) أى تكثر بها عشب فنائنا و جوانبنا (و تقبل بها ثمارنا و تعيش بها مواشينا و تندى) أى تنتفع بها (أقاصينا) و أباعدنا (و تستعين بها ضواحينا) و نواحينا (من بركاتك الواسعة و عطاياك الجزيلة) العظيمة الكثيرة (على بريّتك المرملة) المفتقرة (و وحشك المهملة) المرسلة التي لا راعى لها و لا صاحب يشفق بها (و أنزل علينا سماء مخضلّة) مبتلّة (مدرارا هاطلة) أى كثيرة الدّرور متتابعة (يدافع الودق منها الودق و يحفز القطر منها القطر) أراد بذلك كثرتها و شدّتها و كونها أعظم و أغزر.

و أكّد ذلك بقوله (غير خلب برقها و لا جهام عارضها و لا قزع ربابها و لا شفّان ذهابها) أى لا يكون برقها مطمعا مخلفا، و لا سحابها المعترض في افق السّماء خاليا من الماء، و لا سحابها الأبيض قطعا متفرقة، و لا أمطارها اللّينة الضعيفة ذات ريح باردة بالزرع و النبت مضرّة و أراد بذلك كلّه عموم نفعها و كثرة منفعتها (حتى يخصب لا مراعها المجدبون) أى يتّصف أهل الجدب بالخصب و رفاغة العيش لكثرة كلائها (و يحيى ببركتها المسنتون) الذين أصابتهم السنة و جهد القحط(فانّك تنزل الغيث من بعد ما قنطوا و تنشر رحمتك) و هذا اشارة إلى حسن الظنّ باللّه و عدم القنوط و اليأس من روح اللّه (و أنت الوليّ) للنعم و الاحسان و (الحميد) بالكرم و الامتنان و أنت على كلّ شي‏ء قدير و بالاجابة حقيق جدير.

تكملة

ينبغي أن نورد تمام تلك الخطبة على ما في الفقيه و نتبعها بتفسير بعض ألفاظها الغريبة، فأقول: قال الصّدوق (ره): و خطب أمير المؤمنين عليه السّلام في الاستسقاء فقال: الحمد للّه صابغ النّعم، و مفرّج الهمّ، و بارى‏ء النّسم، الذي جعل السماوات لكرسيّه عمادا، و الجبال للأرض أوتادا، و الأرض للعباد مهادا، و ملائكته على أرجائها، و عرشه على أمطائها، و أقام بعزّته أركان العرش، و أشرق بضوئه شعاع الشّمس، و أحيا بشعاعه ظلمة الغطش الدياجير، و فجر الأرض عيونا، و القمر نورا و النّجوم بهورا ثمّ علا فتمكّن، و خلق فأتقن، و أقام فتهيمن، فخضعت له نخوة المستكبر، و طلبت إليه خلّة المتمسكين «المتمكن خ»، اللّهم فبدرجتك الرفيعة و محلّتك المنيعة و فضلك السابغ، و سبيلك الواسع، أسئلك أن تصلّى على محمّد و آل محمّد كما دان لك، و دعا إلى عبادتك، و وفا بعهدك، و أنفذ أحكامك، و اتّبع أعلامك، عبدك و نبيّك و أمينك على عهدك إلى عبادك القائم بأحكامك، و مؤيّد من أطاعك و قاطع عذر من عصاك، اللهمّ فاجعل محمّدا أجزل من جعلت له نصيبا من رحمتك، و أنضر من أشرق وجهه بسجال عطاياك، و أقرب الأنبياء زلفة يوم القيامة عندك، و أوفرهم حظّا من رضوانك، و أكثرهم صفوف امّة في جنانك، كما لم يسجد للأحجار، و لم يعتكف للأشجار، و لم يستحلّ السباء، و لم يشرب الدّماء.

اللّهمّ خرجنا إليك حين فاجأتنا المضايق الوعرة، و ألجأتنا المحابس العسرة و عضّتنا علائق الشّين، و تأثلت علينا لواحق المين، و اعتكرت علينا حدابير السنين و أخلفتنا مخائل الجود، و استظمأنا لصوارخ القود، و كنت رجاء المبتئس، و الثقة للملتمس، ندعوك حين قنط الأنام، و منع الغمام، و هلك السّوام، يا حىّ يا قيّوم،عدد الشجر و النجوم، و الملائكة الصّفوف، و العنان المكفوف، ألا تردّنا خائبين و لا تؤاخذنا بأعمالنا، و لا تخاصمنا بذنوبنا، و انشر علينا رحمتك بالسّحاب المنساق و النبات المونق، و امنن على عبادك بتنويع الثمرة، و أحى بلادك ببلوغ الزّهرة، و اشهد ملائكتك الكرام السفرة، سقيا منك نافعة دائمة غزرها واسعا درّها، سحابا وابلا، سريعا عاجلا تحيى به ما قد مات و تردّ به ما قد فات، و تخرج به ما هو آت.

اللهمّ اسقنا غيثا مغيثا ممرعا طبقا مجلجلا متتابعا خفوقه، منبجسة بروقه، مرتجسة هموعه، و سيبه مستدّر، و صوبه مستطر، لا تجعل ظلله علينا سموما، و برده علينا حسوما، وضوئه علينا رجوما، و مائه أجاجا، و نباته رمادا رمددا.

اللّهمّ انّا نعوذ بك من الشّرك و هواديه، و الظلم و دواهيه، و الفقر و دواعيه يا معطى الخيرات من أماكنها، و مرسل البركات من معادنها، منك الغيث المغيث و أنت الغياث المستغاث، و نحن الخاطئون و أهل الذنوب، و أنت المستغفر الغفار، نستغفرك للجهالات من ذنوبنا، و نتوب إليك من عوامّ خطايانا اللهمّ فأرسل علينا ديمة مدرارا، و اسقنا الغيث و اكفا مغزارا، غيثا واسعا و بركة من الوابل نافعة، تدافع الودق بالودق، و يتلو القطر منه القطر، غير خلّب برقه و لا مكذب رعده، و لا عاصفة جنائبه، بل ريّا يقصّ بالرّيّ ربابه، و فاض فانضاع به سحابه، جرى آثار هيدبه جنابه، سقا منك مجلبة «محيية خ» مروية مفضلة محفلة زاكيا نبتها، ناميا زرعها، ناضرا عودها، ممرعة آثارها، جارية بالخصب و الخير على أهلها، تنعش بها الضّعيف من عبادك، و تحيى بها الميّت عن بلادك، و تنعم بها المبسوط من رزقك، و تخرج بها المخزون من رحمتك، و تعمّ بها من نأى من خلقك حتى يخصب لا مراعها المجدبون، و يحيى ببركتها المسنتون، و تترع بالقيعان غدرانها، و تورق ذرى الآكام زمراتها، و يدهام بذرى الآجام شجرها، و يستحقّ علينا بعد اليأس شكرا منّة من مننك مجللة، و نعمة من نعمك مفضلة على بريّتك المرملة، و بلادك المعرنة، و بهائمك المعملة، و وحشك المهملة

اللهم منك ارتجاؤنا، و إليك مآبنا، فلا تحبسه علينا لتبطنك سرائرنا، و لا تؤاخذ بما فعل السّفهاء منّا، فانّك تنزل الغيث من بعد ما قنطوا و تنشر رحمتك و أنت الوليّ الحميد.

ثمّ بكى عليه السّلام فقال: سيّدي صاحت جبالنا، و اغبرت أرضنا، و هامت دوابنا و قنط الناس منّا أو من قنط منهم، و تاهت البهائم، و تحيّرت في مراتعها، و عجّت عجيج الثّكالي على أولادها، و ملّت الدّوران في مراتعها حين حبست عنها قطر السّماء، فدقّ لذلك عظمها، و ذهب لحمها و ذاب شحمها، و انقطع درّها.

اللهمّ ارحم أنين الآنّة، و حنين الخانّة، ارحم تحيّرها في مراتعها، و أنينها في مرابضها، هذا.

و يعجبني أن اردف هذه الخطبة الشريفة بخطبتي السيّدين الجليلين الامامين الهمامين النّورين النّيرين أبي محمّد الحسن و أبي عبد اللّه الحسين عليهما و على جدّهما و أبيهما و الطيبين من آلهما صلوات اللّه و سلامه ملاء الخافقين، ليعلم أنّ كلامهما تالى كلام أبيهما في الفصاحة، و أنّ الكلّ قد بلغ الغاية في البراعة و البلاغة.

وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها.

قال في الفقيه: و جاء قوم من أهل الكوفة إلى عليّ عليه السّلام فقالوا يا أمير المؤمنين ادع لنا بدعوات في الاستسقاء، فدعا عليّ عليه السّلام الحسن و الحسين عليهما السّلام فقال: يا حسن ادع، فقال الحسن عليه السّلام: اللهمّ هيّج لنا السحاب بفتح الأبواب، بماء عباب، و رباب بانصباب و انسكاب يا وهاب، و اسقنا مطبقة مغدقة مونقة، فتح اغلاقها، و سهل اطلاقها، و عجل سياقها بالأندية في الأودية يا وهّاب، بصوب الماء يا فعّال، اسقنا مطرا قطرا ظلا مظلّا طبقا مطبقا عاما معما رهما بهما رحيما رشا مرشا واسعا كافيا عاجلا طيبا مباركا سلاطح بلاطح يناطح الأباطح مغدودقا مطبوقا مغرورقا، و اسق سهلنا و جبلنا،و بدونا و حضرنا، حتى ترخص به أسعارنا، و تبارك به في ضياعنا و مدننا أرنا الرزق موجودا و الغلا مفقودا، آمين ربّ العالمين.

ثمّ قال للحسين عليه السّلام: ادع، فقال الحسين عليه السّلام اللهمّ معطى الخيرات من مظانها، و منزل الرحمات من معادنها، و مجرى البركات على أهلها، منك الغيث المغيث، و أنت الغياث و المستغاث، و نحن الخاطئون و أهل الذنوب، و أنت المستغفر الغفار، لا إله إلّا أنت، اللهمّ أرسل السماء علينا دبمة مدرارا، و اسقنا الغيت و اكفا مغزارا، غيثا مغيثا واسعا مسبغا مهطلا مريئا مريعا غدقا مغدقا عبابا مجلجلا صحا صحصا حابسا بساسا مسبلا عاما ودقا مطفاحا، تدفع الودق بالودق دفاعا و يطلع القطر منه القطر غير خلّب البرق، و لا مكذب الرعد، تنعش بها الضعيف من عبادك، و تحيى به الميت من بلادك، و تستحق علينا مننك آمين ربّ العالمين.

فما تمّ كلامه عليه السّلام حتّى صبّ اللّه الماء صبا، فسئل سلمان الفارسي فقيل يا أبا عبد اللّه هذا شي‏ء علماه فقال (رض) ويحكم ألم تسمعوا قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث يقول: اجريت الحكمة على لسان أهل بيتي.

بيان

«النّسم» جمع النّسمة محركة و هى الانسان و «الأرجاء» جمع الرّجاء و هي الناحية و «الأمطاء» جمع المطاء و هو الظهر و الضمير في ضوئه راجع إلى العرش كما روى أن نور الشّمس من نور العرش و «غطش» اللّيل أظلم، قال الطريحى و في الحديث اطفأ بشعاعه ظلمة الغطش أى ظلمة الظلام و «الدياجير» جمع الدّيجور و هو الظلام و ليلة ديجور أى مظلمة و «البهور» المضي‏ء و «المهيمن» من أسمائه تعالى القائم على خلقه بأعمالهم و آجالهم و أرزاقهم و قيل: الرّقيب على كلّ شي‏ء.

و «النخوة» بالفتح فالسّكون الافتخار و التعظم و «الخلّة» الفقر و الخصاصة و «المستمسكين» الطّالبون للمسكة و هو بالضم ما يمسك الأبدان، من الغذاء و الشراب، و في بعض النسخ المتمسّكين أى المعتصمين به و «السّجال» دلو عظيم مملوّة، و الكاف في قوله «كما لم يسجد» للتعليل على حدّ قوله تعالى: و اذكروه‏كما هديكم، أى لأجل هدايتكم.

و «السّباء» بالكسر و المدّ الخمر و «الوعر» ضدّ السهل و «العسرة» الصّعبة الشّديدة و «الشّين» خلاف الزّين، و قيل ما يحدث في ظاهر الجلد من الخشونة يحصل به تشويه الخلقة و «تأثلّت» علينا أى اجتمعت و «المين» الكذب و «القود» بالفتح الجمل المسن و هو الذي جاوز في السن الباذل، قال الطريحي: و في حديث الاستسقاء و استظماءنا لصوارخ القود، أى ظمأنا من ظمأ ظماء مثل عطش عطشا و زنا و معنى و القود الخيل.

و قوله «عدد الشجر» من متعلّقات ندعوك قال الجوهري «عنان» السّماء هو ما عنّ لك منها أى بدا إذا رفعت رأسك و «زهر» النّبات نوره الواحدة زهرة كتمر و تمرة و قد تفتح الهاء و «الغزر» شدة النفع و عمومه و «غيثا مغيثا» أى مطرا نافعا و «ممرعا» أى خصيبا واسعا و «طبقا» أى مغطيا للأرض ما لئالها كلّها، من قولهم غيم طبق أى عام واسع أى من طبق الغيم تطبيقا إذا أصاب بمطره جميع الأرض و مطر طبق أى عام.

و «مجلجلا» أى مشتملا على الجلجلة و هو صوت الرعد و «خفق» المطر خفوقا إذا سمع دوىّ جريه و «منبجسة بروقه» أى منفجرة بروقه بالماء من الانبجاس و هو الانفجار قال سبحانه: فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً.

و «مرتجسة هموعه» الهموع بالضّم السّيلان أى يكون هموعه مشتملة على الرّجس و هو بالفتح الصّوت الشديد من الرّعد يقال رجست السّماء رعدت شديدا و تمخضت و «السّيب» بالفتح مصدر ساب أى جرى و مشى مسرعا، و بالكسر مجرى الماء و «الصّوب» الانصباب و «المستطر» المنتشر و «الظلل» جمع الظلة و هي ما وارى الشّمس منه من السّحاب و «الحسوم» بالضّم الشؤم و «رماد رمدد» كز برج و درهم كثير دقيق جدّا أو هالك و «الهوادى» الأوائل جمع الهادي‏و «الدّواهي» جمع الدّاهية و هي النائبة و المصيبة و «عوامّ خطايانا» و زان دواب و الظّاهر أنّه جمع عام قال في القاموس: و التعويم وضع الحصيد قبضة فاذا اجتمع فهى عامة و الجمع عام و «درّ» السماء بالمطر درّا درورا فهى مدرار و «و كف» البيت يكف قطر، و كف البيت بالمطر سال و «عاصفة جنائبه» قال الطريحي كانّه يريد الرّياح الجنوبية فانها تكثر السّحاب و تلحق روادفه بخلاف الشمالية فانها تمزقه و «الرّى» بالكسر اسم من روى من الماء ريّا و ريّا بالفتح و الكسر و «يقص بالرّى» أى يرجع و «الفيضان» السّيلان و «الانضياع» التحرّك أو من انضاع الفرخ بسط جناحيه إلى امّه لتزقّه و «الهيدب» السحاب المتدلى و «الجناب» الفناء و الناحية و «محفلة» من حفل الماء و اللبن اجتمع و الوادي بالسيل جاء بملى‏ء جنبيه و السماء اشتدّ مطرها و «من نأى من خلقك» أى من تباعد منهم عن ذكر اللّه من النّاى و هو البعد.

«و تترع بالقيعان غدرانها» أى تملاء، و القيعان جمع القيعة و هى كالقاع ما استوى من الأرض، و الغدران جمع الغدير و هو النهر و «الآكام» كأعناق جمع اكمه و هو التّلّ الصّغير و «الزمرة» الجماعة و الباء في قوله «بذرى الآجام» للظرف و «بلادك المعرنة» من عرنت الدّار عرانا بعدت و ديار عران و عارنة بعيدة «و بهائمك المعملة» أى المعدّة للعمل يقال ناقة عملة كفرحة بيّنة العمالة فارهة و العوامل لبقر الحرث و «لتبطنك سرائرنا» مصدر باب التفعل أى لوقوفك على بواطن سرائرنا و «عباب» الماء معظمه و «اسقنا مطبقة مغدقة مونقة» المطبقة السّحابة بعضها على بعض و المغدقة بالغين المعجمة و الدّال المهملة الكثيرة الغزيرة، و المونقة المفرحة من الانق و هو الفرح و السّرور أو المعجبة.

و «الأندية» جمع الندى و هو المطر و «الظلّ» من السّحاب ما وراى الشّمس منه أو سواده و «المظلّ» صاحب الظلّ و «طبقا مطبقا» أى مطرا عاما مغطيا للأرض و «عاما معمّا» أى مطرا شاملا يعمّ بخيره قال في القاموس يقال عمّهم‏ بالعطية و هو معمّ خيّر بكسر أوّله يعمّ بخيره و عقله و «رهما» وزان عنب جمع رهمة بالكسر و هى المطرة الدّائمة و يقال الرهمة أشدّ دفعا من الدّيمة.

و «البهيم» الخالص الذي لم يشبه غيره و «الرّحيم» مبالغة في الرّاحم من رحمت زيدا رحمة رفقت له و حننت و «رشّت» السّماء امطرت و أرشّت بالهمزة لغة و منه مرشّا و رشّ الماء صبّه قليلا قليلا و «سلاطح بلاطح يناطح الأباطح» السلاطح بالضّم و زان علابط العريض، قال الفيروز آبادى و سلاطح بلاطح اتباع، و قال الطريحى السّلطح الصلطح الضخم و البلطح كبلاح الذي يضرب بنفسه الأرض، و السلاطح و الصّلاطح كعلابط العريض و قوله عليه السّلام في الاستسقاء: سلاطح بلاطح يناطح الأباطح يريد كثرة الماء و قوّته و فيضانه و حينئذ فلا حاجة إلى جعل بلاطح من الاتباع كشيطان ليطان انتهى.

و «نطحه» نطحا ضربه و أصابه بقرنه و «الأباطح» جمع الأبطح و هو مسيل واسع فيه دقاق الحصى و «الديمة» بالكسر المطر يدوم في سكون بلا رعد و برق أو تدوم خمسة أو ستّة أو سبعة أو يوما و ليلة و «مهطلا» أى متتابعا من الهطل و هو تتابع المطر المتفرّق العظيم القطر و «صحّا صحصاحا» الصحّ بالضم البراءة من كلّ عيب و صحصاحا قال الطريحى كأنّه أراد مستويا متساويا و «بسّا بساسا» البس بالفتح ارسال الماء و تفريقها في البلاد و البساس مبالغة فيه و «مطفاحا» من طفح الأناء امتلاء و ارتفع و طفاح الأرض ملاءها هذا.

و اللّه العالم بحقايق كلام أوليائه عليهم السّلام.

الترجمة

از جمله خطب شريفه آن مقتداى كونين و پيشواى ثقلين است در مقام خواستن باران.

بار خدايا شكافته شد كوههاى ما از خشكى، و گرد آلود شد زمين ما و بسيار تشنه شد چهارپايان ما، و متحير شدند در محلّهاى خوابيدن خود، و ناله كردند مثل ناله زنان بچه مرده بر فرزندان خود، و ملال آوردند از تردّد نمودن در چراگاههاى خود.

بار خدايا رحم كن برناله ناله كنندگان، و اشتياق و فغان مشتاقان.

بار خدايا پس رحم كن بر حيرت و سرگردانى ايشان در مواضع رفتن ايشان و رحمت فرما بر ناله ايشان در مكانهاى در آمدن ايشان.

بار خدايا بيرون آمديم بسوى تو در حينى كه مختلط شد بر ما شتران لاغر قحط سالها، و وعده خلافي كرد ما را علامتهاى باران، پس هستى تو اميد مر اندوهگين را و رساننده بمطلوب التماس كننده حزين را، مى‏ خوانيم ترا در زمانى كه نا اميد شدند مردمان، و ممنوع شد از باريدن ابرهاى آسمان، و هلاك شد چرندگان اين كه مؤاخذه نكنى بر عملهاى ما، و اخذ نكنى ما را بگناهان ما، و نشر كن بر ما رحمت بى‏نهايت خود را بأبرهاى منفجر بباران سخت و با شدّت، و با بهار ظاهر كننده ميوه‏ها، و با نبات و گياه تعجب آورنده خلقها در حالتى كه بريزد بر ما ريختنى بباران فراوان كه زنده سازى بآن آنچه كه مرده، و باز گردانى بآن آنچه كه فوت گشته.

بار خدايا آب ده ما را آب دادنى از جانب خود كه زنده سازد زمين مرده را و سيراب گرداننده باشد و متصف شود بتمامى و عموم منفعت و پاكيزگى و ببركت و گوارائى و وسعت، در حالتى كه نمو كننده باشد گياه آن، ميوه دهنده باشد شاخ آن، تر و تازه باشد برگ آن كه بلند نمائى بآن، و قوّت دهى عاجز و ذليل را از بندگان خود، و زنده سازى بآن مرده را از شهرهاى خود.

بار خدايا آب ده ما را آب دادنى از نزد خود كه پرگياه شود بآن زمينهاى بلند ما، و جارى شود بآن زمينهاى نشيب ما، و بفراخ سالى در آيد بسبب آن اطراف و جوانب ما و روى آورد و اقبال كند بجهة آن ميوهاى ما، و زندگانى نمايد بآن چهار پايان ما، و نمناك بشود بآن جماعتى كه از ما دورند، و استعانت جويند بآن مردماني كه در نواحى ما هستند از بركتهاى با وسعت خودت و عطاهاى بزرگ خودت بر مردمان صاحب احتياج خود، و حيوانات وحشى بى‏صاحب خود، و نازل كن بر ما باران تر كننده بارنده بسيار ريزان كه دفع كند باران بزرگ قطره‏ ديگر را از غايت شدّت، و برانگيزاند قطرها از آن قطرهاى ديگر را در حالتى كه نباشد برق آن طمع آورنده و خلف كننده، و نه ابر پهن شده در كنار آسمان آن خالى از آب، و نه ابرهاى سفيد آن پارهاى كوچك كوچك، و نه بارانهاى نرم آن صاحب بادهاى خنك، تا آنكه فراخ سالى يابند بجهة بسيارى گياههاى آن قحط يا بندگان، و زنده شوند ببركت آن سختى كشيدگان، پس بدرستى كه تو فرو فرستى باران را از پس آنكه نوميد مي شوند مردمان، و پراكنده مى‏ سازى رحمت خود را بر عالميان، و توئى ولىّ نعمتها، و ستوده در صفتها

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 113 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 114 صبحی صالح

114- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) و فيها مواعظ للناس‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَاصِلِ الْحَمْدَ بِالنِّعَمِ

وَ النِّعَمَ بِالشُّكْرِ

نَحْمَدُهُ عَلَى آلَائِهِ

كَمَا نَحْمَدُهُ عَلَى بَلَائِهِ

وَ نَسْتَعِينُهُ عَلَى هَذِهِ النُّفُوسِ الْبِطَاءِ عَمَّا أُمِرَتْ بِهِ السِّرَاعِ إِلَى مَا نُهِيَتْ عَنْهُ

وَ نَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُهُ

وَ أَحْصَاهُ كِتَابُهُ

عِلْمٌ غَيْرُ قَاصِرٍ

وَ كِتَابٌ غَيْرُ مُغَادِرٍ

وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ عَايَنَ الْغُيُوبَ

وَ وَقَفَ عَلَى الْمَوْعُودِ

إِيمَاناً نَفَى إِخْلَاصُهُ الشِّرْكَ

وَ يَقِينُهُ الشَّكَّ

وَ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ

وَ أَنَّ مُحَمَّداً ( صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلم  )عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ

شَهَادَتَيْنِ تُصْعِدَانِ الْقَوْلَ

وَ تَرْفَعَانِ الْعَمَلَ

لَا يَخِفُّ مِيزَانٌ تُوضَعَانِ فِيهِ

وَ لَا يَثْقُلُ مِيزَانٌ تُرْفَعَانِ عَنْهُ

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّتِي هِيَ الزَّادُ وَ بِهَا الْمَعَاذُ

زَادٌ مُبْلِغٌ وَ مَعَاذٌ مُنْجِحٌ

دَعَا إِلَيْهَا أَسْمَعُ دَاعٍ

وَ وَعَاهَا خَيْرُ وَاعٍ

فَأَسْمَعَ دَاعِيهَا وَ فَازَ وَاعِيهَا

عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ تَقْوَى اللَّهِ حَمَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ مَحَارِمَهُ

وَ أَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ

حَتَّى أَسْهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ

وَ أَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ

فَأَخَذُوا الرَّاحَةَ بِالنَّصَبِ

وَ الرِّيَّ بِالظَّمَإِ

وَ اسْتَقْرَبُوا الْأَجَلَ‏

فَبَادَرُوا الْعَمَلَ

وَ كَذَّبُوا الْأَمَلَ فَلَاحَظُوا الْأَجَلَ

ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَ عَنَاءٍ

وَ غِيَرٍ وَ عِبَرٍ

فَمِنَ الْفَنَاءِ أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ لَا تُخْطِئُ سِهَامُهُ

وَ لَا تُؤْسَى جِرَاحُهُ

يَرْمِي الْحَيَّ بِالْمَوْتِ

وَ الصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ

وَ النَّاجِيَ بِالْعَطَبِ

آكِلٌ لَا يَشْبَعُ

وَ شَارِبٌ لَا يَنْقَعُ

وَ مِنَ الْعَنَاءِ أَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لَا يَأْكُلُ

وَ يَبْنِي مَا لَا يَسْكُنُ

ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا مَالًا حَمَلَ

وَ لَا بِنَاءً نَقَلَ

وَ مِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً

وَ الْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً

لَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا نَعِيماً زَلَّ وَ بُؤْساً نَزَلَ

وَ مِنْ عِبَرِهَا أَنَّ الْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ

فَلَا أَمَلٌ يُدْرَكُ

وَ لَا مُؤَمَّلٌ يُتْرَكُ

فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا

وَ أَظْمَأَ رِيَّهَا

وَ أَضْحَى فَيْئَهَا

لَا جَاءٍ يُرَدُّ

وَ لَا مَاضٍ يَرْتَدُّ

فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَقْرَبَ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ لِلَحَاقِهِ بِهِ

وَ أَبْعَدَ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ لِانْقِطَاعِهِ عَنْهُ

إِنَّهُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ بِشَرٍّ مِنَ الشَّرِّ إِلَّا عِقَابُهُ

وَ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ بِخَيْرٍ مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا ثَوَابُهُ

وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ مِنَ الدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ

وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ مِنَ الْآخِرَةِ عِيَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ

فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ الْعِيَانِ السَّمَاعُ

وَ مِنَ الْغَيْبِ الْخَبَرُ

وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَا نَقَصَ مِنَ الدُّنْيَا وَ زَادَ فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِمَّا نَقَصَ مِنَ الْآخِرَةِ وَ زَادَ فِي الدُّنْيَا

فَكَمْ مِنْ مَنْقُوصٍ رَابِحٍ وَ مَزِيدٍ خَاسِرٍ

إِنَّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ أَوْسَعُ مِنَ الَّذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ

وَ مَا أُحِلَ‏ لَكُمْ أَكْثَرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ

فَذَرُوا مَا قَلَّ لِمَا كَثُرَ

وَ مَا ضَاقَ لِمَا اتَّسَعَ

قَدْ تَكَفَّلَ لَكُمْ بِالرِّزْقِ

وَ أُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ

فَلَا يَكُونَنَّ الْمَضْمُونُ لَكُمْ طَلَبُهُ أَوْلَى بِكُمْ مِنَ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ

مَعَ أَنَّهُ وَ اللَّهِ لَقَدِ اعْتَرَضَ الشَّكُّ وَ دَخِلَ الْيَقِينُ

حَتَّى كَأَنَّ الَّذِي ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ

وَ كَأَنَّ الَّذِي قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ قَدْ وُضِعَ عَنْكُمْ

فَبَادِرُوا الْعَمَلَ

وَ خَافُوا بَغْتَةَ الْأَجَلِ

فَإِنَّهُ لَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الْعُمُرِ مَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الرِّزْقِ

مَا فَاتَ الْيَوْمَ مِنَ الرِّزْقِ رُجِيَ غَداً زِيَادَتُهُ

وَ مَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ الْعُمُرِ لَمْ يُرْجَ الْيَوْمَ رَجْعَتُهُ

الرَّجَاءُ مَعَ الْجَائِي

وَ الْيَأْسُ مَعَ الْمَاضِي

فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج8  

و من خطبة له عليه السّلام و هى المأة و الثالثة عشر من المختار في باب الخطب

الحمد للَّه الواصل الحمد بالنّعم، و النّعم بالشّكر، نحمده على آلائه كما نحمده على بلائه، و نستعينه على هذه النّفوس البطاء عمّا أمرت به، الشّراع إلى ما نهيت عنه، و نستغفره ممّا أحاط به علمه، و أحصاه كتابه علم غير قاصر، و كتاب غير مغادر، و نؤمن به إيمان من عاين الغيوب، و وقف على الموعود، إيمانا نفي إخلاصه الشّرك، و يقينه الشّكّ، و نشهد أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، و أن محمّدا عبده و رسوله صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم، شهادتين تصعدان القول، و ترفعان العمل، لا يخفّ ميزان توضعان فيه، و لا يثقل ميزان ترفعان عنه، أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه الّتي هي الزّاد، و بها المعاد، زاد مبلّغ، و معاد منجح، دعا إليها أسمع داع، و وعيها خير واع فأسمع داعيها، و فاز واعيها، عباد اللَّه، إنّ تقوى اللَّه حمت أولياء اللَّه محارمه، و ألزمت قلوبهم مخافته، حتّى أسهرت لياليهم، و أظمأت هو اجرهم، فأخذوا الرّاحة بالنّصب، و الرّيّ بالظّمآء، و استقربوا الأجل‏ فبادروا العمل، و كذّبوا الأمل، فلا حظوا الأجل. ثمّ إنّ الدّنيا دار فناء و عناء، و غير و عبر، فمن الفناء إنّ الدّهر موتر قوسه، و لا تخطي سهامه، و لا توسى جراحه، يرمى الحيّ بالموت، و الصّحيح بالسّقم، و النّاجي بالعطب، آكل لا يشبع، و شارب لا ينقع، و من العناء أنّ المرء يجمع ما لا يأكل، و يبنى ما لا يسكن، ثمّ يخرج إلى اللَّه لا مالا حمل، و لا بناء نقل، و من غيرها أنّك ترى المرحوم مغبوطا، و المغبوط مرحوما، ليس ذلك إلّا نعيما زلّ، و بؤسا نزل، و من عبرها أنّ المرء يشرف على أمله، فيقتطعه حضور أجله، فلا أمل يدرك، و لا مؤمّل يترك، فسبحان اللَّه ما أغرّ سرورها، و أظمأريّها، و أضحى فيئها، لا جاء يردّ، و لا ماض يرتدّ، فسبحان اللَّه ما أقرب الحيّ من الميّت للحاقه به، و أبعد الميّت من الحيّ لانقطاعه عنه، إنّه ليس شي‏ء بشرّ من الشرّ إلّا عقابه، و ليس شي‏ء بخير من الخير إلا ثوابه، و كلّ شي‏ء من الدّنيا سماعه أعظم من عيانه، و كلّ شي‏ء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه، فليكفكم من العيان السّماع، و من الغيب الخبر. و اعلموا أنّ ما نقص من الدّنيا و زاد في الآخرة خير ممّا نقص من الآخرة و زاد في الدّنيا، فكم من منقوص رابح، و مزيد خاسر، إنّ‏ الّذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه، و ما أحلّ لكم أكثر ممّا حرّم عليكم، فذروا ما قلّ لما كثر، و ما ضاق لما اتّسع، قد تكفّل لكم بالرّزق، و أمرتم بالعمل، فلا يكوننّ المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم عمله، مع أنّه و اللَّه لقد اعترض الشّكّ و دخل اليقين حتّى كأنّ الّذي ضمن لكم قد فرض عليكم، و كأنّ الّذي فرض عليكم قد وضع عنكم، فبادروا العمل، و خافوا بغتة الأجل، فإنّه لا يرجا من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرّزق، ما فات اليوم من الرّزق رجي غدا زيادته، و ما فات أمس من العمر لم يرج رجعته، الرّجاء مع الجائي، و اليأس مع الماضي، « اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ».

اللغة

(البطاء) على وزن الفعال من بطوء بطئا كقرب ضدّ السّراع و (غادره) مغادرة و غدارا تركه و بقاه و (المعاد) بالدال المهملة مصدر بمعنى العود أى الرّجوع إلى اللَّه سبحانه، و في بعض النسخ بالذال المعجمة بمعنى الملاذ و (النجح) بالضم الظفر بالمطلوب و انجح زيد صار ذا نجح فهو منجح و (أسمع واع) بناء أفعل ههنا من الرباعي أى أشدّ اسماعا، مثل قولهم ما أعطاه للمال و ما أولاه للمعروف و هذا المكان أقفر من غيره، أى أشدّ اقفارا، و في بعض الرّوايات: و احسن واع، بدله و (الظماء) محرّكة العطش أو شدّته و (الهواجر) جمع الهاجرة و هو كالهجر و الهجيرة نصف النهار أو من عند زوال الشمس إلى العصر، لأنّ الناس يستكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا، و شدّة الحرّ.

و (الرّى) بالكسر اسم من روى من الماء و اللبن ريّا و (الغير) اسم من‏ غيره جعله غير ما كان و حوّله و بدله و غير الدهر وزان عنب احداثه المغيرة و (موتر) من باب الافعال أو التفعيل و كلاهما مرويّان يقال: أو تر القوس أى جعل لها وترا و وترها توتى را شدّ وترها، و الوتر محرّكة شرعة القوس و معلقها و الجمع أوتار و (أسى) الجرح اسوا واسى داواه، اسوت بين القوم أصلحت و (أضحى) فيئها من ضحى الرجل إذا برز للشمس و (العيان) بالكسر المعاينة يقال لقيه عيانا أى معاينة لم يشكّ في رؤيته إيّاه و (دخل اليقين) أى تزلزل كما في قوله: كنت أرى اسلامه مدخولا، أى متزلزلا و (الرجعة) الرّجوع و (التقاة) الخوف و أصله تقية و زان تهمة.

الاعراب

ايمانا بالنصب بدل من ايمان الأوّل، و جملة تصعدان صفة للشهادتين، و جملة لا يخف آه تحتمل الوصفية أيضا و الحالية لوقوعها بعد نكرة مخصّصة بالوصف، و داعيها فاعل اسمع، و واعيها فاعل فاز، و الباء في قوله بالنصب و بالظماء للمقابلة، و أكل بالرفع خبر لمبتدأ محذوف، و قوله لا مالا حمل، لا للنّفى و ما لا منصوب بفعل محذوف يفسّره ما بعده، و جملة المنفي حال من فاعل يخرج، و طلبه بالرفع بدل اشتمال من المضمون و ليس فاعلا له على حدّ قولهم: جاءني المضروب أخوه، و ذلك لأنّ الرزق حصوله مضمون لا طلبه كما هو ظاهر، و يحتمل أن يكون رفعه بالابتداء و أولى بكم خبره، و جملة المبتدأ و الخبر في محلّ النصب خبرا ليكون، و الأول أحسن و أنسب.

المعنى

اعلم أنّ الغرض بهذه الخطبة الشريفة الأمر بملازمة التقوى و التنفير عن الدّنيا و الترغيب في العقبا افتتحها بالحمد و الثناء فقال: (الحمد للَّه الواصل الحمد بالنّعم و النّعم بالشكر) المراد بوصل أحدهما بالآخر شدّة الارتباط بينهما، فيكون التكرير للتأكيد أو أنه أراد بوصل الحمد بالنّعم ايجابه الحمد عليها و أمره به عند حصولها، و بوصل النّعم بالشّكر جعل‏ الشكر سببا لمزيدها كما قال: لئن شكرتم لأزيدنّكم، و هذا هو الأظهر، و لذا اختار الشّكر على الحمد لمحا للآية الشريفة.

(نحمده على آلائه كما نحمده على بلائه) و هذا من باب التشبيه المقلوب و الغرض منه عايد إلى المشبّه به و هو ايهام أنّه أتمّ من المشبّه و ان كان الحمد على الآلاء أكثر و أشهر، و مثله قوله:

و بدا الصّباح كأنّ غرّته            وجه الخليفة حين يمتدح‏

فانه قصد ايهام أنّ وجه الخليفة أتمّ في الوضوح و الضّياء من الصّباح و ان كان الأمر بحسب الواقع بالعكس هذا، و فيه ارشاد للعباد على القيام بوظايف الحمد عند السّراء و الضرّاء، و الملازمة بمراسم التّحيّة و الثناء في حالتي الشدّة و الرّخاء لأنّ الرضاء بالقضاء و الصّبر على البلا يوجبان الثواب الجميل و الأجر الجزيل في العقبى فبذلك الاعتبار البلاء منه سبحانه أيضا نعمة توجب الحمد للَّه تعالى قال: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ الآيات.

و في رواية الكافي عن داود بن فرقد عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال إنّ فيما أوحى اللَّه تعالى إلى موسى بن عمران يا موسى بن عمران ما خلقت خلقا أحبّ إلىّ من عبدى المؤمن، و انى انما أبتليه لما هو خير له، و أزوى عنه لما هو خير له، و أنا أعلم بما يصلح عليه عبدى، فليصبر على بلائى و ليشكر نعمائي و ليرض بقضائى اكتبه في الصّديقين عندي إذا عمل برضائي و أطاع أمري (و نستعينه على هذه النفوس) المايلة بمقتضى جبلّتها إلى المفاسد و المقابح و الراغبة عن المنافع و المصالح (البطاء عمّا امرت به) من العبادات و الطّاعات (السّراع إلى ما نهيت عنه) من المعاصي و السّيئآت (و نستغفره ممّا أحاط به علمه و أحصاه كتابه) من صغاير الذّنوب و كبايرها و بواطن السّيئات و ظواهرها و سوالف الزّلّات و حوادثها (علم غير قاصر) عن شي‏ء و لا يعزب عنه ممّا في الأرض و السّماء من شي‏ء (و كتاب‏ غير مغادر) شي‏ء أى لا يغادر و لا يبقى صغيرة و لا كبيرة إلّا أحصيها.

(و نؤمن به) أى نصدّقه بقول مقول و عمل معمول و عرفان بالعقول و اتّباع الرّسول (ايمان من عاين الغيوب) و شاهد بعين اليقين الغيب المحجوب عن غمرة الموت و سكرته و ضيق القبر و ظلمته و طول البرزخ و وحشته و عقبات السّاعة و دواهيها و أهوال القيامة و شدائدها (و وقف) أى اطّلع (على الموعود) من الرّفد المرفود و الطلح المنضود و السّدر المخضود و الظل الممدود و غيرها ممّا وعد به المتّقون، أو النّار ذات الوقود و القيح و السّديد و العذاب الشّديد و نزل الحميم و تصلية الجحيم و نحوها ممّا وعد به المجرمون.

و انّما خصّ ايمان المعاين الواقف بالبيان لكونه أقوى درجات الايمان، فانّ من الايمان ما يكون بحسب التقليد، و منه ما يكون بحسب البرهان و هو علم اليقين، و أقوى منه الايمان بحسب الكشف و المشاهدة، و هو عين اليقين و ذلك هو الايمان الخالص.

و في الكافي باسناده عن إسحاق بن عمّار قال: سمعت أبا عبد اللَّه عليه السّلام يقول: إنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم صلّى بالنّاس الصّبح فنظر إلى شابّ في المسجد و هو يخفق و يهوى برأسه مصفرا لونه و قد نحف جسمه و غارت عيناه في رأسه فقال له رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: كيف أصبحت يا فلان قال: أصبحت يا رسول اللَّه موقنا، فعجب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم من قوله و قال: إنّ لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك فقال: إنّ يقيني يا رسول اللَّه هو الّذي أخرنني و أسهر ليلي و أظمأ هو اجرى فعزفت نفسي عن الدّنيا و ما فيها حتّى كأني أنظر إلى عرش ربّي و قد نصب للحساب و حشر الخلايق لذلك و أنا فيهم، و كأنّي انظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون في الجنّة و يتعارفون على الأرائك متّكؤون، و كأنّي أنظر إلى أهل النّار و هم فيها معذّبون مصطرخون، و كأنّي الآن أسمع زفير النّار يدور في مسامعي، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم لأصحابه: هذا عبد نوّر اللَّه قلبه بالايمان، ثمّ قال له: ألزم ما أنت عليه، فقال الشاب: ادع اللَّه لي يا رسول اللَّه أن ارزق الشّهادة معك، فدعى له رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم‏ فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النّبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم فاستشهد بعد تسعة نفر و كان هو العاشر.

و حيث كان ايمانه عليه السّلام من أقوى درجات الايمان و أعلى مراتبه، موصوفا بالخلوص و اليقين كما قال: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا اتبعه بقوله: (ايمانا نفى اخلاصه الشّرك و يقينه الشّك) أما نفى اخلاصه للشّرك فواضح، و أما نفى يقينه للشّك فلأنّ اليقين عبارة عن الاعتقاد بأنّ الأمر كذا مع اعتقاد أنه لا يمكن أن لا يكون إلّا كذا، فهو مناف للشكّ لا محالة.

(و نشهد أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم عبده و رسوله) و قد مضى تفصيل ما يتعلّق بالشّهادتين في شرح الفصل الثّاني من الخطبة الثانية و لا حاجة إلى الاعادة.

(شهادتين تصعدان القول) أى الكلم الطّيب (و ترفعان العمل) أى العمل الصّالح و إنما تكونان كذلك إذا كانتا صادرتين عن صميم القلب و وجه اليقين و خلوص الجنان فتكونان حينئذ فاتحة الاحسان و عزيمة الايمان تصعدان الكلمات الطيّبات، و ترفعان الأعمال الصّالحات، و تزيدان في الدّرجات، و تكفّران الخطيات و أمّا الصّادرة عن مجرّد اللّسان فلا فايدة فيها إلّا تطهير ظاهر الانسان، و خيرها زهيد و نفعها فقيد هذا.

و في قوله (لا يخفّ ميزان توضعان فيه و لا يثقل ميزان ترفعان عنه) دلالة على أنّ لهما مدخلية في ثقل الميزان و خفّته بوضعهما فيه و رفعهما عنه.

و يشهد به صريحا في الجملة ما قدّمنا روايتها في شرح الفصل الثّاني من الخطبة الثانية، من ثواب الأعمال عن أبي سعيد الخدرى عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم قال: قال اللَّه جلّ جلاله لموسى بن عمران: يا موسى لو أنّ السّماوات، و عامريهنّ عندي و الأرضين السبع في كفّة و لا إله إلّا اللَّه في كفة مالت بهنّ لا إله إلّا اللَّه.

ثمّ وصّى عليه السّلام العباد بما لا يزال يوصي به فقال: (اوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه‏ التي هي) الذّخيرة و (الزاد و بها) المرجع و (المعاد زاد) يتقوّى به إلى طيّ منازل الآخرة و سلوك سبيل الجنان (مبلّغ) إلى غاية الرّضوان (و معاد منجح) يصادف عنده الفوز و النجاح و ينال به منتهى الارباح (دعا اليها) أى إلى التقوى (أسمع داع و وعاها) أى حفظها (خير واع) يحتمل أن يكون المراد بأسمع داع هو اللَّه سبحانه، لأنّه أشدّ المسمعين اسماعا، و قد دعى إليها كثيرا و ندب إليها في غير واحد من الكتب السّماويّة و غير آية من الآيات القرآنيّة و من جملتها قوله سبحانه: وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى‏.

و بخير واع هو الأنبياء و المرسلون أو الاعمّ منهم و من ساير المسارعين إلى داعى اللَّه الّذين هم أفضل القوابل الانسانيّة، و أن يكون المراد بأسمع داع رسول اللَّه و بخير واع نفسه عليه السّلام.

و يؤيّده قوله تعالى: اذن واعية، بما روى في الكافي عن الصادق عليه السّلام قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: هي اذنك يا علي.

(فاسمع داعيها) أى لم يبق أحد من المكلّفين إلّا أسمعه تلك الدّعوة (و فاز واعيها) المتدبّر فيها الآخذ بها.

ثمّ نبّه على آثار التقوى و خواصّها في الأولياء فقال (عباد اللَّه إنّ تقوى اللَّه حمت) أى منعت (أولياء اللَّه) من حماه سبحانه و هو (محارمه) كما قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم ألا و إنّ لكلّ ملك حمى و انّ حمى اللَّه محارمه فمن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه، أى قرب أن يدخله (و الزمت قلوبهم مخافته) و خشيته (حتى اسهرت لياليهم و اظمأت هو اجرهم) نسبة السّهر إلى اللّيالي و الظماء إلى الهواجر من باب التوسّع و المجاز على حدّ قولهم: نهاره صائم و ليله قائم، و المراد أنّ التقوى و شدّة الخوف أوجبت سهرهم في اللّيالي للقيام إلى الصّلاة و الدّوام على المناجاة و عطشهم في الهواجر لملازمتهم بالصّيام و الكفّ عن الشراب و الطعام، فهم عمش العيون من‏ البكاء ذبل الشفاه من الدعاء حدب الظهور من القيام خمص البطون من الصّيام، صفر الوجوه من السهر، عليهم غبرة الخاشعين.

(فأخذوا الراحة) في الاخرى (بالنصب) و التعب في الدّنيا (و الرّى) من عين سلسبيل (بالظّماء) و العطش في زمان قليل (و استقربوا الأجل فبادروا العمل و كذبوا الأمل فلاحظوا الأجل) يعني أنهم عدوّا الآجال أى مدّة الأعمار قريبا، فسارعوا إلى الأعمال الصّالحة و تهيّأوا زاد الآخرة، و أنهم كذّبوا الآمال الباطلة و لم يغترّوا بالامنيّات العاطلة فلاحظوا الموت.

و بما ذكرنا ظهر أنّ الأجل في الفقرة الاولى بمعنى مدّة العمر، و في الثانية بمعنى الموت، فلا تكرار كما ظهر أنّ الفاء في قوله: فبادروا، للسّببية مفيدة لسببيّة ما قبلها لما بعدها، و أمّا في قوله فلاحظوا فيحتمل أن تكون كذلك أى لا فادة سببيّة ما قبلها لما بعدها، و يحتمل العكس فيكون مفادها مفاد لام التعليل كما في قولك أكرم زيدا فانّه فاضل، يعنى أكرمه لكونه فاضلا، فيدلّ على أنّ فضله علّة لاكرامه.

و الاحتمالان مبنيّان على أنّ الدّنيا و الآخرة ضرّتان متضادّتان فبقدر التّوجّه إلى إحداهما يغفل عن الاخرى و طول الأمل انّما ينشأ من حبّ الدّنيا و الميل إليها، فلحاظ الآخرة أعنى الاجل و ما بعده و الالتفات إليها و التوجّه لها يستلزم الاعراض عن الدّنيا و عن الآمال الباطلة المتعلّقة بها لا محالة، و هو معني تكذيبها كما أنّ انتزاع محبّة الدّنيا عن القلب و عدم الاغترار بآمالها يستلزم ملاحظة الآخرة، فبين الأمرين ملازمة في الحقيقة يكون تكذيب الآمال سببا لملاحظة الآخرة و باعتبار آخر يكون ملاحظة الآخرة علّة لتكذيب الآمال و أعني بالعلية و السّببيّة الارتباط و الملازمة و ان لم تكن تامة فافهم جيدا.

و يمكن أن يراد بالأجل في الفقرة الاولى الموت، و في الثانية مدّة العمر عكس ما قدّمنا و يحتاج حينئذ إلى نوع تكلّف، بأن يراد بملاحظة الأجل ملاحظة قصر مدّة العمر و قلّتها حتّى يستفهم العلية المستفادة من الفاء فتدبّر.

ثمّ انّه عليه السّلام وصف الدّنيا بأوصاف منفّرة و عن الركون إليها فقال (ثمّ انّ الدّنيا دار فناء و عناء و غير و عبر) أى دار موصوفة بالفناء و المشقة و التغيّر و الاعتبار (فمن الفناء انّ الدّهر موتر قوسه) شبّه الدّهر بالرامي بالقوس على سبيل الاستعارة بالكناية، و الجامع بينهما أنّ الدّهر يرمى بمصائبه و حوادثه المستندة إلى القضاء الالهى الذي لا يتغيّر و لا يتبدّل، كما أنّ الرامي يرمي بسهامه الغير الخاطئة، و ذكر القوس تخييل، و ذكر الايتار ترشيح (و) رشّح ثانية بقوله (لا تخطي سهامه و) ثالثة بأنه (لا توسى جراحه) أى لا تداوى و لا تصلح.

و لما جعل الدّهر بمنزلة الرامى بيّن كيفيّة رميه بقوله (يرمى الحىّ بالموت و الصحيح بالسّقم و الناجي بالعطب) و الهلاك و قوله (آكل لا يشبع و شارب لا ينقع) يعني أنّ الدهر آكل لا يشبع من أكل لحوم الناس و افنائهم، و شارب لا يروى من شرب دمائهم، و هو من باب التّشبيه البليغ على حدّ قولنا زيد أسد، لا الاستعارة كما توهّمه البحراني، لأنّ مبنى الاستعارة على تناسى التشبيه مبالغة كما في قولك رأيت أسدا يرمى، فيلزمه أن لا يؤتي بطرفى التّشبيه معا في الكلام، لأنّ الاتيان بهما يبطل ذلك الغرض، و قد تقدّم تحقيقه في ديباجة الشرح.

(و من العناء) أى من عناء الدّنيا و مشقّتها (أنّ المرء يجمع) فيها (ما لا يأكل و يبنى ما لا يسكن) لا يزال مشغولا بالجمع و البناء حتى تتمّ المدّة و تقضى (ثمّ يخرج إلى اللَّه سبحانه) فيدع ما جمع و يذر ما بنى يأكله الأعقاب و الأبناء و يسكنه الأباعد و الأعداء (لا مالا حمل) ه إلى محطّه«» (و لا بناء نقل) ه إلى مخطّه و في هذا المعنى قال الشّاعر:

هبك بلّغت كلّما تشتهيه
و ملكت الزّمان تحكم فيه‏

هل قصارى الحياة إلّا الممات‏
يسلب المرء كلّ ما يقتنيه‏

(و من غيرها) أى تغيّر الدّنيا و انقلابها (انّك ترى المرحوم مغبوطا و المغبوط مرحوما) يعني ترى من يرحمه الخلايق بسبب الضّر و الفقر و المسكنة يصير في زمان قليل موصوفا باليسار و الرّخاء و السعة فيغبطونه بذلك، و ترى من يغبطه الخلائق بالعزّ و المنعة و الغنى يصير عمّا قليل مبتلا بالذلّ و الفقر و العناء، فيرحمونه لأجل ذلك.

و (ليس ذلك إلّا نعيما زلّ و بؤسا نزل) أى ليس كون المغبوط مرحوما إلّا بنعيم انتقل من المغبوط إلى غيره، أو شدّة نزلت عليه و فقر و سوء حال حلّ به (و من عبرها أنّ المرء يشرف على أمله فيقتطعه حضور أجله) أى يطلع على أمله و يعلو عليه بحيث يكاد يدركه فيحضر إذا أجله و يقتطعه عنه و يحول بينه و بينه (فلا أمل يدرك و لا مؤمّل يترك) ثمّ تعجب من بعض حالات الدّنيا و أطوارها و قال (فسبحان اللَّه ما أغرّ سرورها و أظماء ريّها و أضحى فيئها) أراد بالرّى استتمام لذّتها و بفيئها الرّكون إلى قنياتها و الاعتماد عليها، أى أيّ شي‏ء أوجب لكون سرورها سببا للغرور، و كون ريّها سببا للعطش و ظلّها سببا للحرارة، فانّ الضحى هي وقت ارتفاع الشّمش و عنده تكون الحرارة.

و نسبة الغرور إلى السرور و الظماء إلى الرّى و الضحى إلى الفى‏ء باعتبار أنّ سرورها و لذّاتها و زخارفها هي الصّوارف عن العمل للآخرة، و الشواغل عن الاقبال إلى اللَّه سبحانه، فكان سرورها أقوى سبب للاغترار بها، و ريّها من آكد الأسباب للعطش في الآخرة و الحرمان من شراب الأبرار، و فيئها من أقوى الدواعى إلى إيراده في حرّ الجحيم و تصلية الحميم.

و يحتمل أن يكون المراد باظماء ريّها أنّ الارتواء منها لا ينقع و لا ينفع من الغلة، بل يزيد في العطش كمن شرب من الماء المالح و الاجاج، فيكون كناية عن كون الاكثار منها سببا لمزيد الحرص عليها، و كذا يكون المراد باضحاء فيئها أنّ من طلب الراحة فيها اعتمادا على ما جمعها منها لا يجد فيها الراحة و لا ينجو به من حرارة الكبد و فرط المحبة إلى جمعها و تحصيلها و إكثارها، بل هو دائما في‏ التّعب و العطب للتحصيل و الطلب إلى أن يموت فيكفن و يخرج فيدفن (لاجاء يردّ) به أراد به الموت (و لا ماض يرتد) أزاد به الميّت.

ثمّ تعجب ثانية و قال (فسبحان اللَّه ما أقرب الحىّ من الميّت للحاقه به و أبعد الميّت من الحىّ لانقطاعه عنه) و هو من أفصح الكلام و أحسنه في تأدية المرام يعرف ذلك من له دراية في صناعة البيان و إحاطة بلطايف فنّ المعان.

ثمّ نبّه على شدّة عقاب الآخرة و عظم ثوابها بقوله (إنّه ليس شي‏ء بشرّ من الشرّ إلّا عقابه و ليس شي‏ء بخير من الخير إلّا ثوابه) قال الشارح البحراني: يحتمل أن يريد الشرّ و الخير المطلقين و يكون ذلك للمبالغة إذ يقال للأمر الشريف: هذا أشدّ من الشديد و أجود من الجيد، و يحتمل أن يريد شرّ الدّنيا و خيرها، فانّ أعظم شرّ في الدّنيا مستحقر في عقاب اللَّه، و أعظم خير فيها مستحقر بالنسبة إلى ثواب اللَّه، انتهى.

و الاحتمال الأوّل أظهر، و عليه فالمراد انه ليس شي‏ء يكون أشرّ الأشياء، إلّا عقاب ذلك الشّي‏ء، و لا شي‏ء يكون أعظم الأشياء خيرا إلّا ثواب ذلك الشي‏ء.

إلّا أنّ الاحتمال الثاني يؤيّده قوله (و كلّ شي‏ء من الدّنيا) خيرا كان أو شرّا (سماعه أعظم من عيانه) أما خيرها فلأنّ الانسان لا يزال يحرص على تحصيل الدّرهم و الدّينار و ساير القنيات الدّنيويّة، و يكون قلبه مشغولا بتحصيلها مسرورا بانتظار وصولها، فاذا وصل إليها هانت عليه و ارتفع وقعها لديه كما يشهد به التجربه و الوجدان، و أمّا شرّها فلأنّ أعظم شرّ يتصوّرها الانسان بالسّماع و يستهوله و يستنكره ممّن يفعله هو صورة القتل و الجرح، فاذا وقع في مثل تلك الأحوال و اضطرّ إلى المخاصمة و القتال سهل عليه ما كان يستصعبه منها، و هو معنى قوله في بعض كلماته الآتية: إذا هبت أمرا فقع فيه.

(و كلّ شي‏ء من الآخرة) ثوابا كان أو عقابا (عيانه أعظم من سماعه) فانّ جلّ الخلق بل كلّهم إلّا الصّدّيقين إذا سمعوا أحوال الآخرة خيرها و شرّها إنما يتصوّرونها كأحوال الدّنيا و يزعمونها مثلها و يقيسونها إليها، بل بعضهم يتوهّمونها أهون منها مع أنّه لا نسبة لها إليها و لذلك قال عزّ من قائل في طرف الثواب: أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، و في طرف العقاب.

كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ.

حيث جعل الرّؤية بالعين أعلى المراتب لأنّه يحصل بها ما لا يحصل بغيرها، و أمّا الصّدّيقون فلا تفاوت لهم بين السّماع و العيان، فقد قال سيّدهم و رئيسهم: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا.

و حيث كانت أهوال الآخرة و شدايدها أعظم من أن تعبّر باللّسان و تدرك بالآذان و يطّلع عليها على ما هى عليها قبل خروج الأرواح من الأبدان (فليكفكم من العيان السّماع و من الغيب الخبر) أى ليكفكم من معاينة تلك الأهوال سماعها و ممّا غاب عنكم منها انبائها، و مما حجب منها أخبار المخبرين الصّادقين باخبارها لتأخذوا لها عدّتها و تهيّئوا لها جنّتها.

(و اعلموا أنّ ما نقص من الدّنيا و زاد في الآخرة خير ممّا نقص من الآخرة و زاد في الدّنيا) لأنّ ما يزاد للآخرة فهو باق دائم و ما يزاد للدّنيا فهو فان زائل و أيضا في زيادة الدّنيا طول الحساب و العقاب، و في زيادة العقبى مزيد الفوز و الثواب (فكم من منقوص رابح) كما قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفى‏ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ و قال: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ‏ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (و) كم من (مزيد خاسر) لقوله سبحانه: وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى‏ عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى‏ بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ و قوله تعالى: وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ الآية.

ثمّ قال (إنّ الّذى امرتم به أوسع ممّا نهيتم عنه و ما احلّ لكم أكثر مما حرّم عليكم) الأظهر أنّ الجملة الثانية توكيد للأولى فيكون المراد بالمأمور به في الأولى مطلق ما رخّص في ارتكابه فيعمّ الواجب و المندوب و المكروه و المباح بالمتساوى الطّرفين و بالنّهى عنه فيها ما نهى عنه نهى تحريم، و أوسعيّة الثاني بالنسبة إلى الأوّل على ذلك واضحة لأنّ المنهىّ عنه قسم واحد و المأمور به أقسام أربعة لا يقال: الأمر حقيقة في الوجوب على ما حقّق في الأصول فكيف يعمّ الأقسام لأنّا نقول: سلّمنا إلّا أنّه إذا قامت قرينة على المجاز لا يكون بأس بحمل اللفظ عليه و القرينة في المقام موجودة و هي الأوسعيّة و العلاقة هي اشتراك ساير الأقسام مع الواجب في أنّ كلا منها مأذون فيها مرخّص في فعلها و تناولها، و يدلّ على كثرة الحلال بالنسبة إلى الحرام صريحا قوله سبحانه: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً.

فانّ كلمة ما مفيدة للعموم و لفظ الجميع تأكيد لها، و اللّام للانتفاع فيدلّ على جواز الانتفاع بجميع ما في الأرض.

فان قلت: إنّ الآية لا تفيد العموم لأنّ شرط حمل المطلقات على العموم أن لا يكون المقام مقام الاجمال بل يكون مقام البيان، و ههنا ليس كذلك إذا المقصود بيان أنّ في خلق الأشياء منفعة لكم للايمان «للايماء ظ» أنّ جميع الأشياء مما ينتفع بها.

قلت: فيه بعد ما عرفت أنّ الموصول مفيد للعموم لا سيّما مع التوكيد بلفظ الجميع إنّ الآية واردة في مقام الامتنان المقتضى للتعميم كما لا يخفى، فيدلّ على إباحة الانتفاع و حلّه بجميع ما في الأرض فيكون الأصل الأوّلى في الجميع هو الحلّ و الاباحة إلى أن يقوم دليل على الحظر و الحرمة، فيحتاج إلى تخصيص ما ثبتت حرمته من عموم الآية، و يدلّ عليه أيضا قوله سبحانه: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

فانّ تخصيص المحرّمات بما بعد إلّا دليل على أنّ غير المستثنى ليس حراما، و عدم وجدان النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم دليل على عدم وجود الحرمة واقعا، و يدلّ عليه أيضا قوله سبحانه: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ، فانّ الطيّب هو ضدّ الخبيث الذي يتنفّر عنه الطّبع فيكون، المراد بالطّيبات ما تستلذّها الطباع فيدلّ على حلّية جميع المستلذّات و يخصّص بما دلّ على حرمة بعضها بالخصوص، و هذه الآيات تدلّ على إباحة جميع ما لم يقم دليل على حرمته، و لذا استدلّ بها الاصوليّون في مسألة الحظر و الاباحة على أنّ الأصل الأوّلى في الأشياء هو الاباحة.

و مثلها في الدّلالة عليها قوله صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهى، إلّا أنّ ذلك يدلّ على الاباحة الظاهريّة فيما شكّ في إباحته و حرمته، و هذه على‏الاباحة الواقعية، فمعناه أنّ كلّ شي‏ء مرخّص فيه من قبل الشارع حتّى يرد فيه نهى، فالناس في سعة مما لم يعلم بورود نهى فيه.

ثمّ انّ اصالة الاباحة كما تجرى في الأعيان مثل التفاح و نحوه بقوله: خلق لكم ما في الأرض جميعا، فيباح الأفعال المتعلّقة بها كذلك تجرى في الأفعال كالغنا مثلا ان فرض عدم قيام دليل على حرمته لقوله: احلّ لكم الطيبات، فالأصل المذكور يجرى في القسمين المذكورين من دون تأمّل.

و ربّما يقال: باختصاص اصالة الاباحة بالأعيان و أنّ الأصل الدّال على حلّية الأفعال يسمّى باصالة الحلّ فهما أصلان ناظران إلى موردين و نحن نقول إنّ ذلك لا بأس به إذ لا مشاحة في الاصطلاح لكن لا يختصّ أحدهما بالحجّية دون الآخر ضرورة أنّ الأدلة وافية بحجّيتهما معا و ان كانا مختلفي المورد.

و على ذلك فيمكن أن لا يجعل العطف في كلامه عليه السّلام تفسيريّا بأن يكون المراد بما امرتم به و ما نهيتم عنه الأعيان المباحة و المنهيّة، و بما حلّ و ما حرّم الأفعال المحلّلة و المحرّمة.

و كيف كان فلمّا أفصح عن كون المباح أوسع من المنهىّ و الحلال أكثر من الحرام أمر بترك المحرّمات و المنهيّات فقال (فذروا) أى اتركوا (ما قلّ لما كثر و ما ضاق لما اتّسع) يعني أنّه بعد ما كان الحرام قليلا و الحلال كثيرا فلا حرج عليكم في ترك الأوّل و أخذ الثاني، و لا عسر في ذلك و كذلك المباح و المحظور نعم لو كان الأمر بالعكس لكان التكليف أصعب، و لكنّه سبحانه منّ على عباده بما بين السّماء و الأرض، و جعل الملّة سمحة سهلة، و ما جعل في الدّين من حرج علما منه بضعف النفوس عن القيام بمراسم عبوديّته بمقتضى الجبلّة البشريّة، فسبحان اللَّه ما أعظم مننه و أسبغ نعمه و أوسع كرمه.

ثمّ نهى عن تقديم طلب الرّزق على الاشتغال بالعبادة و ترجيحه عليه فقال (قد تكفّل لكم بالرّزق و أمرتم بالعمل) أما الأمر بالعمل فواضح، و أمّا التكفّل بالرّزق فقد تقدّم الكلام فيه و في معنى الرّزق بما لا مزيد عليه في شرح الفصل الأوّل من فصول‏ الخطبة التسعين (فلا يكون المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم عمله) و هذا يدلّ صريحا على المنع من ترجيح الطّلب على العمل حسب ما اشرنا إليه، و لا دلالة فيه على ترك الطّلب بالكليّة، بل المستفاد من الرّوايات الكثيرة كراهة ذلك مثل الأول.

منها ما رواه في الكافي باسناده عن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام رجل قال لأقعدنّ في بيتى و لاصلّينّ و لأصومنّ و لأعبدنّ ربّي فأما رزقي فسيأتيني فقال أبو عبد اللَّه عليه السّلام: هذا أحد الثلاثة الّذين لا يستجاب لهم.

و فيه عن معلّى بن خنيس قال سأل أبو عبد اللَّه عليه السّلام عن رجل و أنا عنده فقيل أصابته الحاجة، فقال: ما يصنع اليوم قيل في البيت يعبد ربّه، قال: فمن أين قوته قال: من عند بعض اخوانه، فقال أبو عبد اللَّه عليه السّلام: و اللَّه للّذي يقوته أشدّ عبادة منه.

ثمّ وبّخهم بقوله (مع أنّه و اللَّه لقد اعترض الشّك و دخل اليقين) أى اعترض الشّك في المضمون و المفروض و تزلزل اليقين بضمان المضمون و بفرض المفروض (حتّى كأنّ الّذي ضمن لكم قد فرض عليكم) فبالغتم في تحصيله و طلبه و الجدّ له (و كأنّ الّذى فرض عليكم قد وضع عنكم) فتوانيتم فيه و لم تبالوا به (فبادروا العمل) المأمور به قبل حلول الموت (و خافوا بغتة الأجل) و فجأة الفوت (فانه لا يرجى من رجعة العمر) و عوده (ما يرجى من رجعة الرّزق) هذا في مقام التعليل للمبادرة إلى العمل و ترجيحه على طلب الرزق بيانه: أنّ العمر ظرف للعمل و ما فات و مضى منه فلا يعود و لا يرجى عوده و يفوت العمل كساير الزّمانيّات المتعلّقة به بفواته لا محالة و لا يمكن استدراكه بعينه فاذا وجب المبادرة إليه و الاتيان به و إليه اشير في قوله عليه السّلام:

ما فات مضى و ما سيأتيك فأين
قم فاغتنم الفرصة بين العدمين‏

و قال آخر:

إنّما هذه الحياة متاع
و السّفيه الغوىّ من يصطفيها

ما مضى فات و المؤمّل غيب
ذلك السّاعة الّتي أنت فيها

و أمّا الرزق فهو مقسوم و ما نقص منه في الماضى أمكن جبرانه في الغابر، و إليه أشار بقوله (ما فات اليوم من الرزق رجى غدا زيادته و ما فات أمس من العمر لم يرج اليوم رجعته) لأنّ العمر عبارة عن زمان الحياة و مدّته و الزّمان كمّ متّصل غير قارّ الذات، و الجزء الثّاني منه عادم للجزء الأوّل، و الجزء الثّالث عادم للجزء الثاني و هكذا فلا يمكن رجوع الجزء الأوّل بعد مضيّه أبدا، و هذا بخلاف الرّزق كالمآكل و المشارب و الأموال، فانّ الانسان إذا فاته شي‏ء منها قدر على ارتجاعه بعينه إن كان عينه باقية، و ما لا يبقى عينه يقدر على اكتساب مثله، نعم يشكل ذلك لو عممنا الرزق بالنّسبة إلى التّنفس في الهواء، فانه كالعمل أيضا من الزّمانيات لا يمكن استدراكه، اللّهم إلّا أن يقال إنّه فرد نادر، و نظر الامام عليه السّلام في كلامه إلى الأفراد الشائعة و الأعمّ الأغلب، فانّ ساير أفراد الرّزق عموما قابل للاستدراك.

و قوله عليه السّلام (الرّجاء مع الجائي و اليأس مع الماضي) مؤكّد لما سبق و أراد بالجائي الرّزق و بالماضى العمر.

و لما أمرهم بالمبادرة إلى العمل مخافة بغتة الأجل أكّد ذلك بالأمر بملازمة التقوى فقال (فاتّقوا اللَّه حقّ تقاته) أى حقّ تقواه و ما يجب منها و هو استفراغ الوسع في القيام بالواجبات و الاجتناب عن المحرّمات (و لا تموتنّ إلّا و أنتم مسلمون) و هو اقتباس من الآية في سورة آل عمران قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ الآية.

قال في مجمع البيان معناه و اتّقوا عذاب اللَّه أى احترسوا و امتنعوا بالطاعة من عذاب اللَّه كما يحقّ، فكما يجب أن يتّقى ينبغي أن يحترس منه، و ذكر في قوله حقّ تقاته وجوه أحدها أن يطاع فلا يعصى و يشكر فلا يكفر و يذكر فلا ينسى، و هو المرويّ عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام و ثانيها أنه اتّقاء جميع معاصيه و ثالثها أنّه المجاهدة في اللَّه و أن لا تأخذه فيه لومة لائم و أن يقام له بالقسط في الخوف و الأمن و قوله:وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.

معناه لا تتركوا الاسلام و كونوا عليه حتّى إذا ورد عليكم الموت صادفكم عليه، و انما قال بلفظة النّهى عن الموت من حيث إنّ الموت لا بدّ منه و إنما النّهي في الحقيقة عن ترك الاسلام لأن لا يهلكوا بالانقطاع عن التّمكّن منه بالموت إلّا أنه وضع كلام موضع كلام على جهة التّصرّف و الابدال بحسن الاستعارة و زوال اللّبس و روى عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام: و أنتم مسلّمون، بالتشديد و معناه مستسلمون لما أتى به النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم منقادون له، و اللَّه الموفّق.

الترجمة

از جمله خطب شريفه آن حضرت است در تنبيه بر تقوى و پرهيزكارى و تزهيد از اين جهان فانى باين قرار كه مى ‏فرمايد: حمد بي قياس معبود بحقّيرا سزاست كه وصل كننده است حمد را بنعمتها، و پيوند كننده است نعمتها را بشكر، حمد مى ‏كنيم بر نعماء او همچنان كه سپاس مى‏ كنيم بر بلاء او، و طلب اعانت مى‏ كنيم از او بر اين نفسهائى كه دير حركت كننده ‏اند از آنچه مأمور شده‏ اند بأو شتابنده ‏اند بسوى آنچه نهى گشته ‏اند از آن، و استغفار مى‏ كنيم از او از آنچه كه احاطه كرده بأو علم آن، و شمرده است او را كتاب آن علمى كه كوتاه نيست از چيزى، و كتابى كه ترك كننده نيست چيزى را و ايمان مى ‏آوريم او را مثال ايمان كسى كه ديده باشد غيبها را بعين اليقين، و واقف بشود بچيزى كه وعده داده شده است از أحوال يوم الدّين، ايمانى كه نفى كند اخلاص آن شرك را از دلها، و زايل نمايد يقين او شكّ را از قلبها، و شهادت مى‏ دهيم باين كه نيست هيچ معبود بحقّى بجز خدا در حالتى كه يكتا است شريك نيست او را، و باين كه محمّد بن عبد اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله بنده پسنديده و پيغمبر برگزيده او است، شهادتينى كه بلند مى‏ گردانند گفتار پاكيزه را و رفع مي كنند عمل صالح را در حالتى كه سبك نمى ‏شود ميزانى كه نهاده شوند آن دو شهادت در او و سنگين نمى‏ شود ميزاني كه برداشته شوند آن دو شهادت از آن.

وصيّت مي كنم شما را اى بندگان خدا بتقوى و پرهيزكارى از خدا چنان پرهيزكارى كه آن است توشه راه آخرت و با او است رجوع بحضرت ربّ العزّة، چنان توشه كه رساننده است بمقصود، و رجوعى كه ادراك كننده است مطلوب را دعوت نمود بسوى آن تقوى شنواننده ‏ترين دعوت كنندگان، و حفظ نمود و نگاه داشت آنرا بهترين نگاه دارندگان، پس شنوانيد دعوت كننده آن، و فايز شد نگاه دارنده آن.

اى بندگان خدا بدرستى كه تقوى و پرهيزكارى از خداى تعالى حفظ نمود دوستان خدا را از محرّمات آن، و لازم گردانيد قلبهاى ايشان را ترس او را تا اين كه بيدار گردانيد آن ترس شبهاى ايشان را بجهة عبادت، و تشنه ساخت روزهاى گرم ايشان را بجهة روزها و كثرت طاعت، پس فرا گرفتند استراحت آخرت را بعوض چند روزها زحمت، و سيرابى را بعوض تشنگى، و نزديك شمردند مدّت عمر را، پس مبادرت نمودند بسوى أعمال صالحه، و تكذيب نمودند آرزوهاى باطله را، پس ملاحظه كردند مرگ را.

پس بدرستى كه دنيا دار فنا و مشقّت و تغيّر و عبرت است، پس از جمله فناء دنيا اين است كه روزگار بزه كرده كمان خود را، خطا نمى‏ كند تيرهاى او، و دوا كرده نمى‏ شود زخمهاى او، مى ‏اندازد زنده را بمرگ، و تندرست را به بيمارى، و رستگار را بهلاكت و گرفتارى، خورنده ‏ايست كه سير نمى‏ شود، و آشامنده ‏ايست كه سيراب نمى ‏باشد، و از جمله مشقّتهاى دنيا اين است كه بدرستى كه مرد جمع مي كند چيزى را كه نمى‏ خورد، و بنا مي كند چيزى را كه ساكن نمى‏ شود، پس بيرون مى‏ رود بسوى خدا در حالتى كه نه مالى باشد كه برداشته باشد، و نه بنائى باشد كه نقل نمايد.

و از جمله تغيّرات دنيا اين است كه تو مى‏ بينى فقير عاجزيكه خلايق بحال او رحم مى ‏نمايند غبطه برده شده بجهة ثروت و مال، و كسى كه بحال او غبطه مى‏ نمايند رحم شده بجهة فقر وفاقه يعنى در اندك زمانى پريشاني فقير برفاه حال مبدّل مى‏ شود و رفاه حال غني بفقر تبديل مى‏ يابد، نيست اين حال يعني تبدّل حال غني به پريشاني مگر نعمتى كه منتقل شده باشد، و شدّتى كه فرود آمده باشد.

و از جمله عبرتهاى دنيا اينست كه مرد مشرف و نزديك مى‏ شود بادراك آرزوى خود پس جدا مي كند او را حاضر شدن مرگ او، پس سبحان اللَّه چه چيز سبب غرور گردانيده شادى دنيا را، و تشنه ساخته سيرابى دنيا را، و گرم گردانيده سايه دنيا را، نه آينده باز گردانيده مى ‏شود نه بر گذشته رجوع مى ‏نمايد.

پس سبحان اللَّه چه چيز غريب و عجيب باعث شده بر نزديكى زنده از مرده بجهة سرعت لحوق او بآن، و چه چيز باعث شده بدورى مرده از زنده بجهة بريده شدن او از آن، بدرستى كه نيست بدتر از بد مگر عقاب آن، و نيست بهتر از خوب مگر ثواب آن، و هر چيز از دنيا شنيدن آن بزرگتر است از ديدن آن، و هر چيزى از آخرت ديدن او بزرگتر است از شنيدن آن، پس بايد كه كفايت نمايد شما را از ديدن امور اخروى شنيدن آن، و از غيبها خبر او، و بدانيد آن چيزى كه ناقص شود از دنيا و زياده شود بر آخرت بهتر است از چيزى كه ناقص شود از آخرت و زايد شود بر دنيا، پس بسا كم شده‏ايست كه باعث ربح و منفعت است، و بسا زياده‏ ايست كه باعث ضرر و خسارت.

بدرستى كه آن چيزى كه خداوند شما را أمر فرموده بآن فراخ ‏تر است از چيزى كه نهى فرموده خدا شما را از آن، و چيزى كه حلال شده از براى شما أكثر است از چيزى كه حرام شده بر شما، پس ترك نمائيد چيزى كه اندك است از براى چيزى كه بسيار است، و چيزى كه تنگ است از براى چيزى كه وسعت دارد، بتحقيق كه كفالت شده است از براى شما بروزى، و مأمور شده ‏ايد بعمل، پس بايد نباشد چيزى كه ضمانت شده است از براى شما طلب كردن آن اولى بشما از چيزى كه فرض و واجب شده است بر شما عمل آن.

با وجود اين بحق خدا پيش آمده است شما را شك در ضمان روزى و مدخول‏ و متزلزل شده است يقين در فرض ربّ العالمين حتى اين كه گويا آنچه كه ضمانت شده براى شما واجب كرده شده است بر شما و چيزى كه فرض كرده بر شما انداخته شده است از گردن شما، پس بشتابيد بسوى عمل، و بترسيد از ناگهان رسيدن أجل، پس بدرستى كه اميد گرفته نمى‏ شود از باز گشتن عمر آنچه كه اميد گرفته مى‏ شود از باز گشتن روزى، آنچه كه فوت شده است امروز از روزى اميد گرفته مى‏ شود فردا افزونى آن، و آنچه كه فوت شده است ديروز از عمر اميد گرفته نمى‏شود امروز بازگشتن آن، اميد با آينده است كه روزى فردا است، و نوميدى با گذشته است كه عمر ديروزى است بس، و بترسيد از خدا حق تقوى و ترسكارى، و مميريد مگر در حالتى كه شما هستيد مسلمان و تسليم داريد حكم ملك منّان.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 112 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 113 صبحی صالح

113- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) في ذم الدنيا

وَ أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ

وَ لَيْسَتْ بِدَارِ نُجْعَةٍ

قَدْ تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِهَا

وَ غَرَّتْ بِزِينَتِهَا

دَارُهَا هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا

فَخَلَطَ حَلَالَهَا بِحَرَامِهَا

وَ خَيْرَهَا بِشَرِّهَا

وَ حَيَاتَهَا بِمَوْتِهَا

وَ حُلْوَهَا بِمُرِّهَا

لَمْ يُصْفِهَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ

وَ لَمْ يَضِنَّ بِهَا عَلَى أَعْدَائِهِ

خَيْرُهَا زَهِيدٌ

وَ شَرُّهَا عَتِيدٌ

وَ جَمْعُهَا يَنْفَدُ

وَ مُلْكُهَا يُسْلَبُ

وَ عَامِرُهَا يَخْرَبُ

فَمَا خَيْرُ دَارٍ تُنْقَضُ نَقْضَ الْبِنَاءِ

وَ عُمُرٍ يَفْنَى فِيهَا فَنَاءَ الزَّادِ

وَ مُدَّةٍ تَنْقَطِعُ انْقِطَاعَ السَّيْرِ

اجْعَلُوا مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلَبِكُمْ

وَ اسْأَلُوهُ مِنْ أَدَاءِ حَقِّهِ مَا سَأَلَكُمْ

وَ أَسْمِعُوا دَعْوَةَ الْمَوْتِ آذَانَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى بِكُمْ

إِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُمْ وَ إِنْ ضَحِكُوا

وَ يَشْتَدُّ حُزْنُهُمْ وَ إِنْ فَرِحُوا

وَ يَكْثُرُ مَقْتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَ إِنِ اغْتَبَطُوا بِمَا رُزِقُوا

قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ الْآجَالِ

وَ حَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ الْآمَالِ

فَصَارَتِ الدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنَ الْآخِرَةِ

وَ الْعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ الْآجِلَةِ

وَ إِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ

مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلَّا خُبْثُ السَّرَائِرِ وَ سُوءُ الضَّمَائِرِ

فَلَا تَوَازَرُونَ وَ لَا تَنَاصَحُونَ

وَ لَا تَبَاذَلُونَ وَ لَا تَوَادُّونَ

مَا بَالُكُمْ تَفْرَحُونَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا تُدْرِكُونَهُ

وَ لَا يَحْزُنُكُمُ الْكَثِيرُ مِنَ الْآخِرَةِ تُحْرَمُونَهُ

وَ يُقْلِقُكُمُ الْيَسِيرُ مِنَ الدُّنْيَا يَفُوتُكُمْ

حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِكُمْ

وَ قِلَّةِ صَبْرِكُمْ عَمَّا زُوِيَ مِنْهَا عَنْكُمْ

كَأَنَّهَا دَارُ مُقَامِكُمْ

وَ كَأَنَّ مَتَاعَهَا بَاقٍ عَلَيْكُمْ

وَ مَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَخَاهُ بِمَا يَخَافُ مِنْ عَيْبِهِ إِلَّا مَخَافَةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِمِثْلِهِ

قَدْ تَصَافَيْتُمْ عَلَى رَفْضِ الْآجِلِ وَ حُبِّ الْعَاجِلِ

وَ صَارَ دِينُ أَحَدِكُمْ لُعْقَةً عَلَى لِسَانِهِ

صَنِيعَ مَنْ قَدْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ

وَ أَحْرَزَ رِضَى سَيِّدِهِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج8  

و من خطبة له عليه السّلام و هى المأة و الثانية عشر من المختار في باب الخطب.

و أحذّركم الدّنيا فإنّها منزل قلعة و ليست بدار نجعة، قد تزيّنت بغرورها، و غرّت بزينتها، دار هانت على ربّها، فخلط حلالها بحرامها، و خيرها بشرّها، و حياتها بموتها، و حلوها بمرّها، لم يصفّها اللَّه تعالى لأوليائه، و لم يضنّ بها على (عن خ) أعدائه، خيرها زهيد، و شرّها عتيد، و جمعها ينفد، و ملكها يسلب، و عامرها يخرب، فما خير دار تنقض نقض البناء، و عمر يفنى فناء الزّاد، و مدّة تنقطع انقطاع السّير، اجعلوا (فاجعلوا خ) ما افترض اللَّه عليكم من طلبتكم، و اسألوه من أداء حقّه ما سألكم، و أسمعوا دعوة الموت آذانكم قبل أن يدعى بكم، إنّ الزّاهدين في الدّنيا تبكي قلوبهم و إن ضحكوا، و يشتدّ حزنهم و إن فرحوا، و يكثر مقتهم أنفسهم و إن اغتبطوا بما رزقوا، قد غاب عن قلوبكم ذكر الآجال، و حضرتكم كواذب الآمال، فصارت الدّنيا أملك بكم من الآخرة، و العاجلة أذهب بكم من الآجلة، و إنّما أنتم إخوان على دين اللَّه ما فرّق بينكم إلّا خبث السّرائر، و سوء الضّمائر، فلا توازرون، و لا تناصحون، و لا تباذلون، و لا توادّون، ما بالكم تفرحون باليسير من الدّنيا تدركونه، و لا يحزنكم الكثير من الآخرة تحرمونه، و يقلقلكم اليسير من الدّنيا (حين خ) يفوتكم حتّى يتبيّن ذلك في وجوهكم و قلّة صبركم عمّا زوي منها عنكم، كأنّها دار مقامكم و كأنّ متاعها باق عليكم، و ما يمنع أحدكم أن يستقبل أخاه بما يخاف‏ من عيبه إلّا مخافة أن يستقبله بمثله، قد تصافيتم على رفض الاجل، و حبّ العاجل، و صار دين أحدكم لعقة على لسانه، صنع «صنيع» من قد فرغ من «عن خ» عمله، و أحرز رضى سيّده.

اللغة

(القلعة) بالضمّ العزل و المال العارية أو مالا يروم و منزلنا منزل قلعة و قلعة و قلعة و زان همزة أى ليس بمستوطن أو لا تدرى متى تتحول عنه او لا تملكه و (النجعة) بالضمّ طلب الكلاء في موضعه و (يخرب) بالبناء على الفاعل مضارع باب فعل كفرح و في بعض النسخ بالبناء على المجهول مضارع اخرب و في بعضها يتخرّب مضارع باب التفعل مبنيا على الفاعل أيضا و (الطلبة) بفتح الطاء و كسر اللام ما طلبته و (مقته) مقتا أبغضه فهو مقيت و ممقوت.

و قوله (فلا توازرون) بفتح التاء من باب التفاعل بحذف احدى التائين، و في بعض النسخ بضمّها و كسر الزّاء مضارع باب المفاعلة، و مثله الافعال الثلاثة بعده و قوله (ما بالكم) في بعض النسخ بدله مالكم و (اللّعقة) بالضمّ اسم لما يلعق أى تؤكل بالاصبع أو بالملعقة و هي آلة معروفة.

الاعراب

جملة قد تزيّنت في محل النّصب على الحال من الدّنيا، و في بعض النسخ و قد تزيّنت بالواو، و الفاء في قوله فخلط حلالها بحرامها فصيحة أى إذا كانت مهانة على اللَّه فخلط و في بعض النسخ عن أعدائه بدل على أعدائه فلا بدّ من تضمين معنى القبض أى لم يضر بها قابضا لها عن أعدائه، و قوله فما خير دار تنقض اه ما استفهاميّة و اضافة خير إلى دار بمعنى في، أى منفعة في دار وصفها كذا، و من في قوله: من طلبتكم للتبعيض، و يحتمل الزيادة على مذهب الأخفش و الكوفيّين من تجويز زيادتها في الايجاب استدلالا بقوله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ، و ذهب سيبويه‏إلى أنها فيه للتبعيض أيضا.

و قوله: و اسألوه من أداء حقه ما سألكم، اى اسألوا منه على الحذف و الايصال، و ما موصولة منصوبة المحلّ مفعول اسألوه و سألكم صلتها و العايد محذوف أى الّذي سأله منكم، و من أداء حقّه، بيان لما، كما في قولك: عندى من المال ما يكفى، و انّما جاز تقديم من المبينة على المبهم في هذا و أمثاله، لأنّ المبهم الذي فسّر بمن مقدّم تقديرا كأنّك قلت عندى شي‏ء من المال ما يكفى، فالمبيّن بفتح الباء في الحقيقة محذوف، و الّذي بعد من عطف بيان له، و المقصود بذلك تحصيل البيان بعد الابهام، لأنّ معنى أعجبني زيد، أى شي‏ء من أشيائه بلا ريب، فاذا قلت: كرمه أو وجهه، فقد تبيّنت ذلك الشّي‏ء المبهم.

و الفاء في قوله: فصارت الدّنيا فصيحة، و في قوله: فلا توازرون، عاطفة مفيدة للسّببية نحو يقوم زيد فيغضب عمرو أى صار قيامه سببا لغضب عمرو، و جملة تفرحون و تدركونه و تحرمونه و يفوتكم في محال النصب على الحال، و في بعض النسخ حين يفوتكم، باضافة حين، و قلّة صبركم، بالجرّ عطف على وجوهكم.

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة مسوقة للتنفير عن الدّنيا و الترغيب في الآخرة، و نبّه على جهات النفرة بقوله (و احذّركم) من (الدّنيا) و الرّكون إليها و الاعتماد عليها و الاغترار بها و بزخارفها (فانها منزل قلعة) أى لا تصح للسّكنى و الاستيطان أو لا تدرى متى يكون لك منها التحوّل و الارتحال و المضىّ و الانتقال (و ليست بدار نجعة) يطلب فيها الكلاء و يروى من الظماء، و هو كناية عن انّها لا ينال فيها المراد و لا يوفّق فيها للسّداد (قد تزيّنت) للناس (بغرورها) و أباطيلها (و غرّت) المفتونين بها أى خدعتهم (بزينتها) و زخارفها.

و هى (دار هانت على ربّها) و اتصفت بالذّل و الهوان لعدم تعلّق العناية الالهية عليها بالذات و إنما خلقت لكونها وسيلة إلى غيرها.

قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام: مرّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم بجدى أسك ملقى على مزبلة،

فقال لأصحابه: كم يساوى هذا فقالوا: لعله لو كان حيّا يساو درهما، فقال النّبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: و الذي نفسي بيده الدّنيا أهون على اللَّه من هذا الجدى على أهله.

و قوله (فخلط حلالها بحرامها و خيرها بشرّها و حياتها بموتها و حلوها بمرّها) يعني أنها من أجل حقارتها لم تكن خيرا محضا، بل كان كلّ ما يعدّ فيها خيرا مشوبا بشرّ يقابله، بخلاف الدّار الآخرة، فانها خير كلّها وصفو كلّها و لذلك (لم يصفّها اللَّه لأوليائه) بل جعلهم فيها مبتلى بأنواع الغمص و المحن، و أصناف المصائب و الحزن فمشربهم فيها رنق و مترعهم فيها روغ (و لم يضنّ بها على أعدائه) بل أعطاهم فيها غاية المأمول، و منتهى المسئول، فحازوا نفايس الأموال و فازوا نهاية الآمال، و ليس عدم التّصفية للأولياء و عدم الضنّة بها في حقّ الأعداء إلّا اكراما للأوّلين و إضلالا للآخرين.

قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام: إنّ المؤمن ليكرم على اللَّه حتى لو سأله الجنّة بما فيها أعطاه ذلك من غير أن ينتقص من ملكه شيئا، و إنّ الكافر ليهون على اللَّه حتى لو سأله الدّنيا بما فيها أعطاه ذلك من غير أن ينتقص من ملكه شيئا، و إنّ اللَّه ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الغايب أهله بالطرف، و إنّه ليحميه الدّنيا كما يحمى الطّبيب المريض.

و في رواية اخرى عنه عليه السّلام قال: ما كان من ولد آدم مؤمن إلّا فقيرا و لا كافر إلّا غنيّا، حتّى جاء إبراهيم فقال: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا.

فصيّر اللَّه في هؤلاء أموالا و حاجة، و في هؤلاء أموالا و حاجة.

و بالجملة فعدم تصفيتها للأولياء و جعلهم فيها مبتلى بأوصاف البلاء ليس إلّا ليصبروا أيّاما قليلة و يصيروا إلى راحة طويلة، و عدم قبضها من الأعداء لهوانها عليه سبحانه‏ كهوانهم عنده و لو تساوى«» عنده تعالى جناح بعوضة لما اعطى أعدائه منها حبّة و لا سقاهم منها شربة.

(خيرها زهيد) قليل (و شرّها عتيد) حاضر (و جمعها ينفد) و يفنى (و ملكها يسلب) و يؤخذ (و عامرها يخرب) و يهدم (فما خير دار) اى أىّ خير و منفعة في دار (تنقض نقض البناء و عمر يفنى فناء الزاد و مدّة تنقطع انقطاع السير) لا يخفى حسن التشبيه في القراين الثلاث و تمام المناسبة و الايتلاف بين طرفى التشبيه في كلّ منها هذا.

و لمّا نبّه عليه السّلام على معايب الدّنيا و مساويها عقّبه بالأمر بأخذ ما هو لازم فيها فقال (اجعلوا ما افترض اللَّه عليكم) من العقائد الحقّة و المعارف الالهيّة و العبادات الفرعيّة (من طلبتكم) أى من جملة ما تطلبونه أو نفس ما تطلبونه على زيادة من و على الثاني ففيه من المبالغة ما لا يخفى، يعني أنّ اللّازم عليكم أن يكون مطلوبكم في الدّنيا الفرائض و أدائها و تكون همّتكم مقصورة فيها (و اسألوه من أداء حقّه ما سألكم) أى اسألوا منه سبحانه التّوفيق و التّسديد و الاعانة لما أمركم به و فرضه عليكم من أداء حقوقه الواجبة و تكاليفه اللّازمة، فانّ الاتيان بالواجبات و الانتهاء عن السّيئات لا يحصل إلّا بحول اللَّه و قوّته و توفيقه و تأييده و عصمته، فيلزم على العبد أن يقرع باب الرّب ذي الجلال بيد الذلّ و المسكنة و السؤال لأن يسهّل له مشاقّ الأعمال، و يصرفه عما يورطه في ورطة الضّلال، و يوقعه في شدايد الأهوال، كما قال سيّد العابدين و زين السّاجدين سلام اللَّه عليه و على آبائه و أولاده الطّاهرين في دعاء يوم عرفة: و خذ بقلبي إلى ما استعملت به القانتين، و استعبدت به المتعبّدين، و استنقذت به المتهاونين، و أعذني مما يباعدني عنك و يحول بيني و بين حظّي منك و يصدّني‏ عمّا احاول لديك، و سهّل لى مسلك الخيرات اليك، و المسابقة إليها من حيث أمرت و المشاحة فيها على ما أوردت.

و في دعاء الاشتياق إلى طلب المغفرة: اللّهم و إنّك من الضعف خلقتنا، و على الوهن بنيتنا، و من ماء مهين ابتدئتنا و لا حول لنا إلّا بقوّتك، و لا قوّة لنا إلّا بعونك، فأيّدنا بتوفيقك، و سدّدنا بتسديدك و أعم أبصار قلوبنا عمّا خالف محبّتك، و لا تجعل لشي‏ء من جوارحنا نفوذا إلى معصيتك.

و في دعائه عليه السّلام في ذكر التّوبة: اللّهم انّه لا وفاء لي بالتوبة إلّا بعصمتك، و لا استمساك بي عن الخطايا إلّا عن قوّتك، فقوّني بقوّة كافية، و تولّني بعصمة مانعة، هذا.

و اطلاق السّؤال على الفرائض و الأوامر في قوله ما سألكم من باب المجاز بجامع الطّلب، أو أنّ الاتيان بلفظ السؤال لمجرّد المشاكلة بينه و بين قوله و اسألوه و هى من محسّنات البديع كما مرّ في ديباجة الشرح و قوله (و اسمعوا دعوة الموت آذانكم قبل أن يدعى بكم) أراد به التهيّؤ للموت قبل حلول الفوت و الاستعداد له قبل نزوله، بأن يجعله نصب عينيه، يذكر شدّة ما يكون في تلك الحال عليه من سكرة ملهثة و غمرة كارثة و أنّه موجعة و جذبة مكربة و سوقة متعبة.

ثمّ نبّه عليه السّلام على أوصاف خيرة العباد من العبّاد و الزّهاد لترمق أعمالهم و يقتدى لهم في أفعالهم فقال: (إنّ الزاهدين في الدّنيا) الرّاغبين في الآخرة (تبكى قلوبهم) من خشية الحقّ (و إن ضحكوا) مداراة مع الخلق (و يشتدّ حزنهم) من خوف النار و غضب الجبّار (و إن فرحوا) حينا ما من الأعصار (و يكثر مقتهم) و بغضهم (أنفسهم) لكونها أمّارة بالسّوء و الفساد صارفة عن سمت السّداد و الرشاد فلا يطيعونها و لا يلتفتون إليها و لا يخلعون لجامها لتقتحم لهم في العذاب الاليم و توردهم في الخزى العظيم (و ان اغتبطوا) اى اغتبطهم الناس (بما رزقوا) من فوائد النّعم و عوائد المزيد و القسم.

ثمّ وبّخهم على ما هم عليه من حالة الغرّة و الغفلة فقال (قد غاب عن قلوبكم‏ ذكر الآجال) فلم تمهدوا في سلامة الأبدان (و حضرتكم كواذب الآمال) فلم تعتبروا في أنف الأوان (فصارت الدّنيا أملك بكم من الآخرة) لاستيلائها عليكم و نفوذ تصرّفها فيكم و اتّباعكم عليها اتّباع العبد على سيّده و المملوك على مولاه (و العاجلة أذهب بكم من الآجلة) لفرط محبّتكم لها و دخول حبّها شغاف قلوبكم فذهبت بقلوبكم كما يذهب المحبوب بقلب محبّه (و انّما أنتم اخوان مجتمعون على دين اللَّه) و فطرته التي فطر النّاس عليها بقوله تعالى إنّما المؤمنون اخوة (ما فرّق بينكم إلّا خبث السّرائر و سوء الضمائر) اى لم يفرّق بينكم إلّا خبث البواطن و سوء العقائد و النّيات و من ذلك ارتفعت عليكم آثار التواخي و المودّة و لوازم المحبّة و الاخوّة (فلا توازرون و لا تناصحون و لا تباذلون و لا توادّون) أى لا يعين أحدكم صاحبه و لا يقويه و لا يناصحه و لا يبذل ماله له و لا يقوم بلوازم المودّة روى في الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن إبراهيم ابن عمر اليماني، عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال: حقّ المسلم على المسلم أن لا يشبع و يجوع أخوه و لا يروى و يعطش أخوه و لا يكتسى و يعرى أخوه، فما أعظم حقّ المسلم على أخيه المسلم.

و قال أحبّ لأخيك المسلم ما تحبّ لنفسك و إذا احتجت فاسأله و إن سألك فاعطه، لا تملّه خيرا و لا يملّه لك، كن له ظهرا فانه لك ظهر، إذا غاب فاحفظه في غيبته، و إذا شهد فزره و أجلّه و أكرمه فانه منك و أنت منه، فان كان عليك عاتبا فلا تفارقه حتّى تسئل سميحته«» و إن أصابه خير فاحمد اللَّه، و إن ابتلى فاعضده، و إن يمحل له فأعنه، و إذا قال الرّجل لأخيه: افّ انقطع ما بينهما من الولاية، و إذا قال: أنت عدوّى كفر أحدهما، فاذا اتّهمه انماث الايمان في قلبه كما يماث الملح في الماء.

و باسناده عن جابر عن أبي جعفر عليه السّلام قال: من حقّ المؤمن على أخيه المؤمن أن يشبع جوعته و يوارى عورته، و يفرّج عنه كربته، و يقضي دينه، فاذا مات خلفه‏ في أهله و ولده.

أقول: قد استفيد من هذين الخبرين و غيرهما لم نورده شرايط الاخوّة بين المسلمين، و علم بذلك أنّ من لم يقم بوظايفها فليس هو في الحقيقة بأخ لصاحبه، و لذلك قال الباقر و الصّادق عليهما السّلام فيما رواه عنهما في الكافي: لم تتواخوا على هذا الأمر و إنما تعارفتم عليه.

ثمّ استفهم على المخاطبين على سبيل التقريع فقال (ما بالكم تفرحون باليسير من الدّنيا تدركونه و لا يحزنكم الكثير من الآخرة تحرمونه) مع أنّ هذا اليسير فان زائل و ذلك الكثير باق دائم (و يقلقلكم) أى يزعجكم (اليسير من الدّنيا يفوتكم حتّى يتبيّن ذلك) القلق و الاضطراب و يظهر أثره (في وجوهكم و) في (قلّة صبركم عمّا زوى) أى قبض (منها) أى من الدّنيا و خيرها و فضلها (عنكم) فتحزنون و تتأسّفون بذلك (كأنها دار مقامكم و كانّ متاعها باق عليكم) ثمّ ذمّهم على عدم كون محافظتهم على اخوانهم بظهر الغيب عن وجه الخلوص و الصّفاء و على عدم كون كتمانهم لعيوب اخوتهم لمجرّد ملاحظة الصّدقة و الاخاء فقال (و ما يمنع أحدكم أن يستقبل أخاه بما يخاف) الأخ منه (من عيبه إلّا مخافة ان يستقبله) أخوه (بمثله) يعني أنه لا مانع لأحد منكم من مواجهة أخيه باظهار عيوبه التي يخاف الأخ من إظهارها إلّا مخافة أن يواجهه أخوه بمثل ما واجهه به، فيذكر مثالبه و يظهر معايبه، و هو اشارة إلى عدم مبالاتهم في الدين و عدم خوفهم من اللَّه سبحانه في إذاعة سرّ المؤمنين مع أنّ حقّ المؤمن من المؤمن إذا رأى منه عيبا أو عرف منه ذنبا هو الاخفاء و الكتمان، لا الاذاعة و الاعلان، قضاء لحق الاخوّة و رعاية لوظيفة التقوى و المروّة قال اللَّه سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ و قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه و هدم مروّته ليسقط من أعين الناس أخرجه اللَّه من ولايته إلى ولاية الشّيطان فلا يقبله الشّيطان‏ رواه في الكافي.

و فيه أيضا عن زيد عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال: فيما جاء في الحديث عورة المؤمن على المؤمن حرام، قال: ما هو أن ينكشف فترى منه شيئا إنّما هو أن تروى عليه أو تعيبه.

ثمّ قال (قد تصافيتم على رفض الآجل و حبّ العاجل) أى تواخيتم على ترك الاخرى و محبّة الدّنيا (و صار دين أحدكم لعقة على لسانه) قال الشارح البحراني استعار لفظ اللعقة لما ينطق به من شعار الاسلام و الدّين كالشّهادتين و نحوهما من دون ثبات ذلك في القلب و رسوخه و العمل على وفقه.

و قال الشارح المعتزلي: و أصل اللعقة شي‏ء قليل يؤخذ بالملعقة من الاناء يصف دينهم بالنزارة، و لم يقنع بأن جعله لعقة حتى جعله على ألسنتهم فقط أى ليس في قلوبهم (صنع من) أى صنعهم مثل صنيع من (قد فرغ من عمله و أحرز رضى سيّده) باتيان أوامره و أحكامه، و وجه التشبيه الاشتراك في الاعراض من العمل.

الترجمة

از جمله خطبهاى آن حضرت است در مذمّت دنيا و تنفير مردمان از آن غدار بى ‏وفا چنانچه فرموده: و مى‏ ترسانم شما را از دنيا، پس بدرستى كه آن منزلى است كه قابل أخذ وطن نيست و نيست سرائى كه طلب آب و گياه كرده شود در آن، بتحقيق كه آراسته شده بباطل خود، و فريب داده به آرايش خود، خانه‏ايست كه ذليل و خوار شده بر پروردگار خود، پس آميخته حلال آنرا بحرام آن، و خير آنرا بشرّ آن، و زندگانى آن را بمرگ آن، و شيرينى آن را بتلخ آن، صافى نفرموده است آنرا از براى دوستان خود، و بخيلى ننموده آن را بر دشمنان خود، خير آن كم است، و شرّ آن حاضر است، و جمع شده آن تمام مى‏ شود، و پادشاهى آن ربوده مى‏ شود، و آباد آن خراب مى ‏شود.

پس چه منفعت است در خانه‏اى كه شكسته مى‏ شود چون شكسته شدن بناى‏بى اعتبار، و در عمرى كه فانى مى‏ شود چون فانى شدن توشه، و در مدتى كه منقطع مى‏ شود چون انقطاع رفتار، بگردانيد آنچه كه واجب نمود خداوند تعالى بر شما از جمله مطالب خود، و سؤال كنيد از حق تعالى توفيق و اعانة آنچه را كه خواهش فرموده از شما از أداء حق او، و بشنوانيد دعوت مرگ را بگوشهاى خودتان پيش از اين كه دعوت نمايند و بخوانند شما را بدار القرار.

بدرستى صاحبان زهد در دنيا گريه مي كند قلبهاى ايشان و اگر چه خنده كنند بحسب ظاهر، و شدّت مى ‏يابد پريشانى ايشان و اگر چه شاد باشند بر روى ناظر، و بسيار مى‏ شود دشمنى ايشان با نفسهاى خودشان و اگر چه غبطه كرده شوند و مردمان آرزوى نيكوئى حال ايشان را نمايند به آن چه كه روزى داده شدند در اين جهان.

بتحقيق كه غائب شده از قلبهاى شما ياد كردن أجلها، و حاضر شده شما را دروغهاى آرزوها، پس گرديد دنيا مالكتر و متصرّفتر شد بشما از آخرت، و دنيا برنده‏ تر شد شما را بسوى خود از عقبا، و جز اين نيست كه شما برادرانيد بر دين خداى تعالى تفرقه نينداخته در ميان شما مگر ناپاكى شرها، و بدى انديشها، پس اعانت يكديگر نمى ‏كنيد، و بار گردن يكديگر را بر نمى‏ داريد، و نصيحت نمى‏ كنيد يكديگر را، و بخشش نمى‏ كنيد بيكديگر، و دوستى نمى‏ ورزيد با يكديگر.

چيست شأن شما در حالتى كه شاد مى ‏باشيد باندكى از دنيا در حالتى كه در مى‏ يابيد آنرا، و محزون نمى‏ كند شما را بسيارى از آخرت در حالتى كه محروم مى‏ شويد از آن، و مضطرب مى‏ نمايد شما را اندكى از متاع دنيا هنگامى كه فوت مى‏شود از شما تا آنكه ظاهر مى‏ شود أثر آن اضطراب در بشره رويهاى شما در كمى صبر و شكيبائى شما از آنچه پيچيده شده است از متاع دنيا از شما، گوئيا دنيا سراى اقامت شما است، و گوئيا متاع آن باقى است بر شما، و مانع نمى‏ شود يكى از شما را از اين كه مواجهه كند برادر دينى خود را بچيزى كه مى ‏ترسد برادر از عيب آن مگر ترس آنكه مواجهه نمايد برادر او با او با مثل گفتار او، بتحقيق كه دوستى ورزيده‏ايد با يكديگر بر ترك آخرت و بر محبّت دنيا، و گرديده است دين يكى از شما آنچه كه بيكارليسيده مى‏ شود بر زبان، و عمل نموديد ترك در امورات اخروى مثل كار كسى كه فارغ شود از عمل خود، و فراهم آورده باشد خوشنودى و رضاى مولاى خود را.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 111 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 112 صبحی صالح

112- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) ذكر فيها ملك الموت و توفية النفس و عجز الخلق عن وصف اللّه‏

هَلْ تُحِسُّ بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلًا

أَمْ هَلْ تَرَاهُ إِذَا تَوَفَّى أَحَداً

بَلْ كَيْفَ يَتَوَفَّى الْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ

أَ يَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ جَوَارِحِهَا

أَمْ الرُّوحُ أَجَابَتْهُ بِإِذْنِ رَبِّهَا

أَمْ هُوَ سَاكِنٌ مَعَهُ فِي أَحْشَائِهَا

كَيْفَ يَصِفُ إِلَهَهُ مَنْ يَعْجَزُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج8  

و من خطبة له عليه السّلام و هى المأة و الحادية عشر من المختار في باب الخطب يذكر فيها ملك الموت و توفّيه الأنفس

هل يحسّ إذا دخل منزلا، أم هل تراه إذا توفّى أحدا، بل كيف‏ يتوفّى الجنين في بطن أمّه، أ يلج عليه من بعض جوارحها، أم أجابته بإذن ربّها، أم هو ساكن معه في أحشائها، كيف يصف إلهه من يعجز عن صفة مخلوق مثله

اللغة

(توفّيه الأنفس) في بعض النسخ على وزن التفعّل مصدر توفّاه اللَّه أى قبض روحه و أماته، و في بعض الاخرى توفية الأنفس وزان التّفعلة مصدر باب التفعيل و (يحسّ) بالبناء على المفعول و في بعض النسخ بدله تحسّ به بصيغة الخطاب و (الجنين) الولد في البطن و الجمع أجنّة (الأحشاء) جمع الحشاء و هو ما في البطن من المعاء و غيره.

الاعراب

توفية الأنفس من اضافة المصدر إلى فاعله، و على ما في بعض النسخ من توفيه الأنفس من اضافته إلى مفعوله، و قوله هل يحسّ استفهام على سبيل الانكار.

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل على ما في شرح البحراني من خطبة طويلة ذكره عليه السّلام في معرض التّوحيد و التنزيه للَّه تعالى عن اطلاع العقول البشريّة على كنه وصفه و ما ظفرت بعد على هاهنا «عليها ظ» و قد ذكر فيها ملك الموت و توفية الانفس أى قبضه للأرواح على سبيل الاستطراد، و هو نوع من فنون البيان و هو أن تخرج بعد أن تمهّد ما تريد أن تمهده إلى الأمر الذى تروم ذكره فتذكره و كأنّك غير قاصد لذكره بالذّات بل قد حصل و وقع ذكره عن غير قصد فتمرّبه مرورا كالبرق الخاطف ثمّ تتركه و تنساه و تعود إلى ما مهّدته أوّلا كالمقبل عليه و كالملغى عمّا استطردت بذكره إذا عرفت ذلك فأقول:

قوله: (هل يحسّ إذا دخل منزلا أم هل تراه إذا توفّى أحدا) تنبيه على عدم امكان الاحساس به في دخول منازل المتوفّين و على عدم امكان رؤيته عند اماتة الناس، و ذلك لكونه جسما لطيفا هوائيا غير قابل للادراك بالحواس، و قال الشّارح البحراني: و نبّه باستنكار الاحساس به على أنّه ليس بجسم، اذ كان كلّ جسم من شأنه أن يحسّ باحدى الحواس الخمس «انتهى»، و هو مبنيّ على كون الملائكة جواهر مجرّدة غير متحيّزة كما هو مذهب الفلاسفة، و تحقيق ذلك موكول الى محلّه.

ثمّ قال (بل كيف يتوفّى الجنين في بطن امّه) و هو استعظام لأمره في قبض روح الجنين، و الأقسام المتصوّرة في كيفيّة ذلك القبض ثلاثة أشار إليها بقوله: (أ يلج عليه من بعض جوارحها أم الرّوح أجابته باذن ربّها أم هو ساكن معه في احشائها) و هذا التّقسيم حاصر لا يمكن الزيادة عليه. لأنّه اذا فرضناه جسما يقبض الأرواح الّتي في الأجسام إمّا أن يكون مع الجنين في جوف امه فيقبض روحه عند حضور أجله، أو خارجا عنها، و الثاني ينقسم قسمين: أحدهما أن يلج جوف امه لقبض روحه، و ثانيهما أن يقبضها من غير حاجة إلى الولوج إلى جوفها، و ذلك بأن يطيعه الرّوح و تكون مسخّرة له و منقادة لأمره إذا أراد قبضها امتدّت إليه.

و الاظهر الاقوى أن يكون توفية الجنين من قبيل القسم الأخير، و يدلّ عليه الرّواية الآتية للصّدوق في الفقيه عن الصّادق عليه السّلام و غيرها أيضا، و على مذاق المعتزلة فهو من قبيل الوسط، لأنّهم قالوا: إنّ كيفيّة القبض و لوج الملك من الفم إلى القلب، لأنّه جسم لطيف هوائى لا يتعذّر عليه النفوذ في المخارق الضيقة فيخالط الرّوح التي هى كالشبيهة بها، لأنّها بخارى، ثمّ يخرج من حيث دخل و هى معه، و يلزم عليهم أن يغوص الملك في الماء لقبض روح الغريق تحت الماء و التزموا ذلك، و أجابوا بأنّه لا يستحيل أن يتخلّل الملك مسام الماء فانّ في الماء مسام و منافذ كما في غيره من الأجسام، و لو فرضنا أنه لامسام فيه لم يبعد أن يلجه الملك فيوسع لنفسه مكانا كالحجر و السمك و نحوهما، و كالرّيح الشّديدة التي تقرع ظاهرالبحر فتقعره و تحفره، و قوّة الملك أشدّ من قوّة الرّيح.

و كيف كان فلما بيّن أنّ ملك الموت لا يمكن للانسان وصف حاله و عرفان صفته أردفه بالتنبيه على عظمة اللَّه سبحانه بالنسبة إليه فقال (كيف يصف الهه من يعجز عن صفة مخلوق مثله) يعني أنه إذا عجز الانسان عن وصف مخلوق هو مثله فبالأولى أن يعجز عن وصف خالقه و إدراك ذات مبدعه الذى هو أبعد الأشياء عنه مناسبة.

تنبيه

في بيان معنى الموت و ايراد بعض الأخبار الواردة في وصف حال ملك الموت فأقول: قال الشّارح البحراني أخذا من أبي حامد الغزالي في كتاب احياء العلوم: إنّ الموت ليس إلّا عبارة عن تغيّر حال، و هو مفارقة الرّوح لهذا البدن الجارى مجرى الآلة لذي الصّنعة، و إنّ الرّوح باقية بعده كما شهدت به البراهين العقلية بين مظانها، و الآثار النبويّة المتواترة، و معنى مفارقتها له هو انقطاع تصرّفها فيه لخروجه عن حدّ الانتفاع به. فما كان من الامور المدركة لها تحتاج في إدراكه إلى اللَّه فهى منقطعة عنه بعد مفارقة البدن إلى أن تعاد إليه في القبر أو يوم القيامة و ما كان مدركا لها لنفسها من غير اللَّه فهو باق معها يتنعّم به و يفرح أو يحزن من غير حاجة الى هذه الآلة في بقاء تلك العلوم و الادراكات الكلية لها هناك.

قال الغزالي تعطل الجسد بالموت يضاهى تعطل أعضاء الزمن بفساد مزاج يقع فيه و بشدّة تقع في الاعصاب تمنع نفوذ الرّوح فيها، فتكون الرّوح العالمة العاقلة المدركة باقية مستعملة لبعض الأعضاء و قد استعصى عليها بعضها، و الموت عبارة عن استعصاء الاعضاء كلّها و كلّ الأعضاء آلات، و الرّوح هى المستعملة لها، فالموت زمانة مطلقة في الأعضاء كلّها، و حقيقة الانسان نفسه و روحه و هى باقية، نعم تغيّر حاله من جهتين إحداهما أنه سلب منه عينه و اذنه و لسانه و يده و رجله و جميع أعضائه، و سلب منه أهله و ولده و أقاربه و ساير معارفه، و سلب منه خيله و دوابه و غلمانه و دوره و عقاره و ساير أملاكه، و لا فرق بين أن يسلب هذه الأشياء من الانسان أو يسلب‏ الانسان من هذه الأشياء، فانّ المؤلم هو الفراق، و الفراق يحصل تارة بأن ينهب مال الرّجل و تارة بأن يسلب الرّجل عن الملك و المال، و الألم واحد في الحالتين و إنما معنى الموت سلب الانسان عن أمواله بازعاجه إلى عالم آخر لا يناسب هذا العالم، فان كان له في الدّنيا شي‏ء يأنس به و يستريح إليه و يعتدّ بوجوده فيعظم تحسّره عليه بعد الموت، و يصعب شقاؤه في مفارقته و يلتفت إلى واحد واحد من ماله و جاهه و عقاره حتى إلى قميص كان يلبسه مثلا، و يفرح به، و إن لم يكن يفرح إلّا بذكر اللَّه و لم يأنس إلّا به عظم نعيمه و تمّت سعادته، إذ خلى بينه و بين محبوبه و قطعت عنه العوائق و الشواغل المانعة له عن ذكر اللَّه.

و الجهة الثانية أنه ينكشف له بالموت ما لم يكن له مكشوفا في الحياة كما ينكشف للمتيقّظ ما لم يكن مكشوفا في النوم، و النّاس نيام فاذا ماتوا انتبهوا، هذا و قد مضى الكلام في شرح حالة الاحتضار و كيفيّة زهوق الروح و شرح حال الميت حينئذ في التذييل الثالث من تذييلات الفصل السّابع من فصول الخطبة الثانية و الثمانين، و في شرح الفصل الثاني من الخطبة المأة و الثمانية و مضى ثمة أيضا وصف حال ملك الموت و نورد هنا ما لم يسبق ذكره هناك فأقول: روى في الكافي باسناده عن اسباط بن سالم مولى أبان قال: قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام: جعلت فداك يعلم ملك الموت بقبض من يقبض قال عليه السّلام: لا إنما هي صكاك«» تنزل من السّماء اقبض نفس فلان بن فلان.

و عن زيد الشّحام قال: سئل أبو عبد اللَّه عليه السّلام عن ملك الموت فقال: يقال: الأرض بين يديه كالقصعة يمدّ يده منها حيث يشاء فقال عليه السّلام نعم.

و عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام: ما من أهل بيت شعر و لا وبر إلّا و ملك الموت يتصفّحهم في كلّ يوم خمس مرّات.

و عن جابر عن أبي جعفر عليه السّلام قال سألته عن لحظة ملك الموت قال عليه السّلام‏

أما رأيت الناس يكونون جلوسا فتعتريهم السّكينة فما يتكلّم أحد منهم فتلك لحظة ملك الموت حيث يلحظهم.

و في الفقيه قال الصّادق عليه السّلام: قيل لملك الموت عليه السّلام: كيف تقبض الأرواح و بعضها في المغرب و بعضها في المشرق في ساعة واحدة فقال: ادعوها فتجيبني، قال: و قال ملك الموت عليه السّلام: إنّ الدّنيا بين يدىّ كالقصعة بين يدي أحدكم فيتناول منها ما شاء، و الدّنيا عندى كالدّرهم في كفّ احدكم يقلّبه كيف يشاء.

بقى الكلام في أنّ قابض الأرواح هل هو اللَّه سبحانه، أم ملك الموت فقط، أم هو مع ساير الملائكة.

فأقول: الآيات في ذلك كالرّوايات مختلفة، و وجه الجمع بينها امور اشير إليها في أخبار أهل البيت عليهم السّلام.

ففي الفقيه و سئل الصادق عليه السّلام عن قول اللَّه عز و جلّ: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها و عن قوله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ و عن قوله تعالى الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ وَ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ و عن قوله عزّ و جلّ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا و عن قوله عزّ و جلّ: وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ.

و قد يموت في الساعة الواحدة في جميع الآفاق ما لا يحصيه إلّا اللَّه عزّ و جلّ فكيف هذا فقال عليه السّلام: إنّ اللَّه تبارك و تعالى جعل لملك الموت أعوانا من الملائكة يقبضون الأرواح بمنزلة صاحب الشّرطة له أعوان من الانس، فيبعثهم في حوائجه فتتوفّاهم الملائكة و يتوفّاهم«» ملك الموت من الملائكة مع ما يقبض هو و يتوفّاهم‏اللَّه من ملك الموت.

و في الاحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه سئل عن قول اللَّه تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها و قوله: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ و قوله عزّ و جلّ: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا و قوله تعالى تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ فمرّة يجعل الفعل لنفسه، و مرّة لملك الموت، و مرّة للرّسل، و مرّة للملائكة فقال عليه السّلام: إنّ اللَّه تبارك و تعالى أجلّ و أعظم من أن يتولّى ذلك بنفسه، و فعل رسله و ملائكته فعله، لأنّهم بأمره يعملون، فاصطفى من الملائكة رسلا و سفرة بينه و بين خلقه، و هم الذين قال اللَّه فيهم: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَ مِنَ النَّاسِ فمن كان من أهل الطاعة تولّت قبض روحه ملائكة الرّحمة، و من كان من أهل المعصية تولّت قبض روحه ملائكة النقمة، و لملك الموت أعوان من الملائكة الرّحمة و النقمة يصدرون عن أمره و فعلهم فعله، و كلّ ما يأتونه منسوب إليه، و إذا كان فعلهم فعل ملك الموت ففعل ملك الموت فعل اللَّه لأنّه يتوفّى الأنفس على يد من يشاء، و يعطى و يمنع و يثيب و يعاقب على يد من يشاء، و انّ فعل امنائه فعله كما قال: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ و في التوحيد بسند ذكره عن أبي معمر السّعداني، أنّ رجلا أتى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فقال: يا أمير المؤمنين إنّي قد شككت في كتاب اللَّه المنزل قال له عليّ عليه السّلام: ثكلتك امّك و كيف شككت في كتاب اللَّه المنزل قال: لأني وجدت الكتاب يكذب بعضه بعضا فكيف لا أشكّ فيه، فقال عليّ بن أبي طالب عليه السّلام إنّ كتاب اللَّه ليصدق بعضه بعضا و لا يكذب بعضه بعضا، و أظنّك لم ترزق عقلا تنتفع به‏فهات ما شككت فيه من كتاب اللَّه-  فذكر الرجل آيات مختلفة الظواهر و من جملتها الآيات التي قدّمناها-  فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: إنّ اللَّه تبارك و تعالى يدبّر الامور كيف يشاء، و يوكّل من خلقه من يشاء بما يشاء، أمّا ملك الموت فانّ اللَّه يوكّله بخاصّة من يشاء، و يوكّل رسله من الملائكة خاصّة بمن يشاء من خلقه و الملائكة الذين سماهم اللَّه عزّ ذكره، وكلهم بخاصة من يشاء من خلقه تعالى يدبّر الامور كيف يشاء و ليس كلّ العلم يستطيع صاحب العلم أن يفسّره لكلّ النّاس، لأنّ منهم القوىّ و الضعيف، و لأنّ منه ما يطاق حمله و منه ما لا يطيق حمله إلّا من يسهل اللَّه حمله و أعانه عليه من خاصّة أوليائه، و إنّما يكفيك أن تعلم أنّ اللَّه المحيى و المميت، و أنّه يتوفّى الأنفس على يدي من يشاء من خلقه من ملائكته و غيرهم، قال: فرّجت عنّى يا أمير المؤمنين امتع اللَّه المسلمين بك.

الترجمة

از جمله خطب شريفه آن بزرگوار و سيد أبرار است كه ذكر فرمود در آن ملك الموت و قبض نمودن او روحها را.

آيا ادراك كرده مى‏ شود بحواس زماني كه داخل بشود منزلى، يا آيا مى‏ بينى او را زمانى كه بميراند أحديرا بلكه چه نحو قبض مي كند روح بچه را در شكم مادر خودش، آيا داخل مى‏ شود بر او از بعض أعضاء مادر او، يا آنكه روح بچه اجابت مي كند او را باذن پروردگار خود، يا آنكه ملك الموت ساكن است با آن بچه در آلات اندرون مادر، چگونه وصف مي كند معبود خود را كسى كه عاجز است از وصف مخلوقي كه مثل او است در امكان افتقار.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 110 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

111- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) في ذم الدنيا

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا

فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ

حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ

وَ تَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ

وَ رَاقَتْ بِالْقَلِيلِ

وَ تَحَلَّتْ بِالْآمَالِ

وَ تَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ

لَا تَدُومُ حَبْرَتُهَا

وَ لَا تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا

غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ

حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ

نَافِدَةٌ بَائِدَةٌ

أَكَّالَةٌ غَوَّالَةٌ

لَا تَعْدُو إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّةِ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا وَ الرِّضَاءِ بِهَا

أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى سُبْحَانَهُ

كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً

تَذْرُوهُ الرِّياحُ

وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقْتَدِراً

لَمْ يَكُنِ امْرُؤٌ مِنْهَا فِي حَبْرَةٍ إِلَّا أَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةً

وَ لَمْ يَلْقَ فِي سَرَّائِهَا بَطْناً

إِلَّا مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً

وَ لَمْ تَطُلَّهُ فِيهَا دِيمَةُ رَخَاءٍ

إِلَّا هَتَنَتْ عَلَيْهِ مُزْنَةُ بَلَاءٍ

وَ حَرِيٌّ إِذَا أَصْبَحَتْ لَهُ مُنْتَصِرَةً أَنْ تُمْسِيَ لَهُ مُتَنَكِّرَةً

وَ إِنْ جَانِبٌ مِنْهَا اعْذَوْذَبَ وَ احْلَوْلَى أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ فَأَوْبَى

لَا يَنَالُ امْرُؤٌ مِنْ غَضَارَتِهَا رَغَباً

إِلَّا أَرْهَقَتْهُ مِنْ نَوَائِبِهَا تَعَباً

وَ لَا يُمْسِي مِنْهَا فِي جَنَاحِ أَمْنٍ

إِلَّا أَصْبَحَ عَلَى قَوَادِمِ خَوْفٍ

غَرَّارَةٌ غُرُورٌ مَا فِيهَا

فَانِيَةٌ فَانٍ مَنْ عَلَيْهَا

لَا خَيْرَ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ أَزْوَادِهَا إِلَّا التَّقْوَى

مَنْ أَقَلَّ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُؤْمِنُهُ

وَ مَنِ اسْتَكْثَرَ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُوبِقُهُ

وَ زَالَ عَمَّا قَلِيلٍ عَنْهُ

كَمْ مِنْ وَاثِقٍ بِهَا قَدْ فَجَعَتْهُ

وَ ذِي طُمَأْنِينَةٍ إِلَيْهَا قَدْ صَرَعَتْهُ

وَ ذِي أُبَّهَةٍ قَدْ جَعَلَتْهُ حَقِيراً

وَ ذِي نَخْوَةٍ قَدْ رَدَّتْهُ ذَلِيلًا

سُلْطَانُهَا دُوَّلٌ

وَ عَيْشُهَا رَنِقٌ

وَ عَذْبُهَا أُجَاجٌ

وَ حُلْوُهَا صَبِرٌ

وَ غِذَاؤُهَا سِمَامٌ

وَ أَسْبَابُهَا رِمَامٌ

حَيُّهَا بِعَرَضِ مَوْتٍ

وَ صَحِيحُهَا بِعَرَضِ سُقْمٍ

مُلْكُهَا مَسْلُوبٌ

وَ عَزِيزُهَا مَغْلُوبٌ

وَ مَوْفُورُهَا مَنْكُوبٌ

وَ جَارُهَا مَحْرُوبٌ

أَ لَسْتُمْ فِي مَسَاكِنِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَطْوَلَ أَعْمَاراً

وَ أَبْقَى آثَاراً

وَ أَبْعَدَ آمَالًا

وَ أَعَدَّ عَدِيداً

وَ أَكْثَفَ جُنُوداً

تَعَبَّدُوا لِلدُّنْيَا أَيَّ تَعَبُّدٍ

وَ آثَرُوهَا أَيَّ إِيْثَارٍ

ثُمَّ ظَعَنُوا عَنْهَا بِغَيْرِ زَادٍ مُبَلِّغٍ

وَ لَا ظَهْرٍ قَاطِعٍ

فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَةٍ

أَوْ أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَةٍ

أَوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ‏ صُحْبَةً

بَلْ أَرْهَقَتْهُمْ بِالْقَوَادِحِ

وَ أَوْهَقَتْهُمْ بِالْقَوَارِعِ

وَ ضَعْضَعَتْهُمْ بِالنَّوَائِبِ

وَ عَفَّرَتْهُمْ لِلْمَنَاخِرِ

وَ وَطِئَتْهُمْ بِالْمَنَاسِمِ

وَ أَعَانَتْ عَلَيْهِمْ رَيْبَ الْمَنُونِ

فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكُّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا

وَ آثَرَهَا وَ أَخْلَدَ إِلَيْهَا

حِينَ ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ الْأَبَدِ

وَ هَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلَّا السَّغَبَ

أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إِلَّا الضَّنْكَ

أَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلَّا الظُّلْمَةَ

أَوْ أَعْقَبَتْهُمْ إِلَّا النَّدَامَةَ

أَ فَهَذِهِ تُؤْثِرُونَ أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ

أَمْ عَلَيْهَا تَحْرِصُونَ

فَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا

وَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَلٍ مِنْهَا

فَاعْلَمُوا وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ

بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا وَ ظَاعِنُونَ عَنْهَا

وَ اتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِينَ قَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً

حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلَا يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً

وَ أُنْزِلُوا الْأَجْدَاثَ

فَلَا يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً

وَ جُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفِيحِ أَجْنَانٌ

وَ مِنَ التُّرَابِ أَكْفَانٌ

وَ مِنَ الرُّفَاتِ جِيرَانٌ

فَهُمْ جِيرَةٌ لَا يُجِيبُونَ دَاعِياً

وَ لَا يَمْنَعُونَ ضَيْماً

وَ لَا يُبَالُونَ مَنْدَبَةً

إِنْ جِيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا

وَ إِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا

جَمِيعٌ وَ هُمْ آحَادٌ

وَ جِيرَةٌ وَ هُمْ أَبْعَادٌ

مُتَدَانُونَ لَا يَتَزَاوَرُونَ

وَ قَرِيبُونَ لَا يَتَقَارَبُونَ

حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَانُهُمْ

وَ جُهَلَاءُ قَدْ مَاتَتْ أَحْقَادُهُمْ

لَا يُخْشَى فَجْعُهُمْ

وَ لَا يُرْجَى دَفْعُهُمْ

اسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الْأَرْضِ بَطْناً

وَ بِالسَّعَةِ ضِيقاً

وَ بِالْأَهْلِ غُرْبَةً

وَ بِالنُّورِ ظُلْمَةً

فَجَاءُوهَا كَمَا فَارَقُوهَا

حُفَاةً عُرَاةً

قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ إِلَى الْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ وَ الدَّارِ الْبَاقِيَةِ

كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِين‏

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج8  

و من خطبة له عليه السّلام و هى المأة و العاشرة من المختار في باب الخطب

و رواها المحدّث العلامة المجلسى (قد) في البحار من كتاب مطالب السؤول باختلاف كثير تطلع عليه انشاء اللَّه بعد شرح ما رواه الرضىّ (قد) و هو قوله أمّا بعد فإنّي أحذّركم الدّنيا فإنّها حلو خضرة حفّت بالشّهوات، و تحبّبت بالعاجلة، و راقت بالقليل، و تحلّت بالآمال، و تزيّنت بالغرور، لا تدوم حبرتها، و لا تؤمن فجعتها، غرّارة، ضرّارة، حائلة زائلة، نافدة، بائدة، أكّالة، غوّالة، لا تعدو إذا تناهت إلى أمنيّة أهل الرّغبة فيها و الرّضا بها أن تكون كما قال اللَّه تعالى سبحانه: كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَ كانَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مُقْتَدِراً لم يكن امرء منها في حبرة إلّا أعقبته بعدها عبرة، و لم يلق من سرّائها بطنا إلّا منحته من ضرّائها ظهرا، و لم تطلّه فيها ديمة رخاء إلّا هتنت عليه مزنة بلاء، و حرىّ إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له متنكّرة، و إن جانب منها اعذوذب و احلولي أمرّ منها جانب فأوبى، لا ينال امرء من غضارتها رغبا إلّا أرهقته من نوائبها تعبا، و لا يمسي منها في جناح أمن إلّا أصبح على قوادم خوف، غرّارة غرور ما فيها، فانية فان من عليها، لا خير في شي‏ء من أذوادها إلّا التّقوى، من أقلّ منها استكثر ممّا يؤمنه، و من استكثر منها استكثر ممّا يوبقه، و زال عمّا قليل عنه، كم من واثق بها قد فجعته، و ذي طمأنينة قد صرعته، و ذي أبّهة قد جعلته حقيرا، و ذي نخوة قدردّته ذليلا، سلطانها دول، و عيشها رنق، و عذبها أجاج، و حلوها صبر، و غذائها سمام، و أسبابها رمام، حيّها بعرض موت، و صحيحها بعرض سقم، ملكها مسلوب، و عزيزها مغلوب، و موفورها منكوب، و جارها محروب، ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا، و أبقى آثارا، و أبعد آمالا، و أعدّ عديدا، و أكثف جنودا، تعبّدوا للدّنيا أيّ تعبّد، و آثروها أيّ إيثار، ثمّ ظعنوا عنها بغير زاد مبلّغ، و لا ظهر قاطع، فهل بلغكم أنّ الدّنيا سخت لهم نفسا بفدية، أو أعانتهم بمعونة، أو أحسنت لهم صحبة، بل أرهقتهم بالفوادح، و أوهنتهم بالقوارع، و ضعضعتهم بالنّوائب، و عفرتهم للمآخر، و وطئتهم بالمناسم، و أعانت عليهم ريب المنون، فقد رأيتم تنكّرها لمن دان لها و آثرها و أخلد إليها حتّى ظعنوا عنها لفراق الأبد، هل زوّدتهم إلّا السّغب، أو أحلّتهم إلّا الضّنك، أو نوّرت لهم إلّا الظّلمة، أو أعقبتهم إلّا النّدامة، أ فهذه تؤثرون أم إليها تطمئنّون أم عليها تحرصون فبئست الدّار لمن لم يتّهمها و لم يكن فيها على وجل منها، فاعلموا و أنتم تعلمون بأنّكم تاركوها و ظاعنون عنها، و اتّعظوا فيها بالّذين قالوا من أشدّ منّا قوّة، حملوا إلى قبورهم، فلا يدعون ركبانا، و أنزلوا الأجداث فلا يدعون ضيفانا، و جعل لهم من الصّفيح أجنان، و من التّراب أكفان، و من الرّفات جيران، فهم جيرة لا يجيبون داعيا، و لا يمنعون ضيما، و لا يبالون مندبة، إن جيدوا لم يفرحوا، و إن قحطوا لم يقنطوا، جميع و هم آحاد، و جيرة و هم أبعاد، متدانون لا يتزاورون، و قريبون لا يتقاربون، حلماء قد ذهبت أضغانهم، و جهلاء قد ماتت أحقادهم، لا يخشى فجعهم، و لا يرجى دفعهم، استبدلوا بظهر الأرض بطنا، و بالسّعة ضيقا، و بالأهل غربة، و بالنّور ظلمة، فجاءوها كما فارقوها حفاة عراة، قد ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدّائمة، و الدّار الباقية، كما قال سبحانه: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِ‏ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ.

اللغة

(الحبرة) بفتح الحاء المهملة و ضمّها ايضا و سكون الباء الموحدة النعمة و الحثن و الوشى و (حائلة) من حال الشي‏ء الحول إذا تغيّرو (غاله) غو لا من باب قال قتله و (الهشيم) من النبات اليابس المتكسّر و لا يقال له الهشيم و هو رطب و (ذرت) الرّيح الشي‏ء ذروا و أذرّت و ذرّته أطارته و نسفته و (الطّل) المطر الخفيف و يقال أضعف المطر و (الدّيمة) بالكسر المطر يدوم أيّاما في سكون بلا رعد و برق و (هتنت) السماء تهتن هتنا و هتونا و تهاتنت انصبّت و (المزنة) القطعة من السّحاب ذى الماء أو الأبيض منه و (رغبا) بفتح الغين مصدر رغب مثل تعب تعبا و (أرهقته) تعبا الحقت ذلك به و اغشته ايّاه و (القوادم) مقاديم الريش و (منتصرة) في أكثر النسخ بالنون ثمّ التاء من الانتصار بمعنى الانتقام و في بعضها بالعكس من تنصّر أى تكلّف النّصرة و (الابّهة) و زان سكّرة العظمة و البهجة و الكبر و النخوة و (الصبر) بكسر الباء نبات معروف ثمّ يطلق على كلّ مرّ و (السمام) بالكسر جمع السّم مثلّثة و (المناسم) جمع منسم بكسر السّين كمسجد و هو باطن الخفّ و قيل هو للبعير كالسنبك للفرس و (السغب) محرّكة الجوع في تعب و (الصفيح) وجه كلّ شي‏ء عريض

الاعراب

قوله: أن تكون كما قال اللَّه تعالى بحذف حرف الجرّ متعلّقة بتعدو أى لا تتجاوز عن أن تكون، و حذفها عن ان المصدرية و اختها ان مطّرد و منه قوله سبحانه: وَ تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ.

و فاعل حرىّ ضمير مستكن عايد الى الدّنيا، و التذكير باعتبار أنّ المراد و ان شأنها جدير بأن يفعل كذا، و اللّام في قوله: له منتصرة، للتعليل، و في قوله: له متنكّرة للتقوية، و على رواية متنصّرة من التنصّر، فاللّام ثمّة أيضا للتقوية كما لا يخفى و جانب في قوله: ان جانب اعذوذب اه، مرفوع بفعل محذوف يفسّره ما بعده على حدّ قوله تعالى وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ.

و زال، عطف على استكثر اى من استكثر منها زال المستكثر منها عما قليل عنه، و قوله: ألستم في مساكن، استفهام تقريرىّ، و قوله عليه السّلام: تعبّد و اللدّنيا الجملة استينافية بيانية و أىّ تعبّد، بنصب أىّ صفة محذوف الموصوف أى تعبّدوا للدّنيا تعبّدا أىّ تعبّد، و الظاهر أنّ أىّ هذه في الأصل هى أىّ الاستفهاميّة، لأنّ معنى مررت برجل أىّ رجل برجل عظيم أو كامل يسأل عن حاله لأنه لا يعرفه كلّ أحد حتّى يسأل عنه ثمّ نقلت عن الاستفهاميّة الى الصفة فاعتور عليها اعراب الموصوف و الاستفهام في قوله فهل بلغكم، على سبيل الانكار و الابطال، و في قوله: هل ذوّدتهم إلّا السّغب للتقرير و في قوله: أ فهذه تؤثرون، على سبيل التوبيخ و التقريع، و قوله: فاعلموا و أنتم تعلمون بأنّكم تاركوها، تعدية اعلموا بالباء لتضمينه معنى اليقين، أو أنّ الباء زايدة و جملة و أنتم تعلمون معترضة على حدّ قوله:

ألا هل أتاها و الحوادث جمّة            بأنّ امرء القيس بن تملك يبقرا

فانّ جملة و الحوادث جمّة معترضة بين الفعل أعنى أتاها، و معموله الذى هو بأن اه. و الباء زايدة فيه أيضا و يحتمل جعل الجملة حالا من مفعول اعلموا فتكون في محلّ النصب، و على هذا فهى في المعنى قيد لعامل الحال و وصف له بخلاف ما لو كانت معترضة فانّ لها تعلّقا بما قبلها لكن ليست بهذه المرتبة أشار إلى ذلك صاحب الكشاف في تفسير قوله « ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ».

بعذاب أليم، حيث استعير التبشير الذي هو الاخبار بما يظهر سرور المخبر له للانذار الّذي هو ضدّها بادخاله في جنسها على سبيل التهكّم، أى انذرهم بعذاب أليم.

(و لم تطلّه فيها ديمة رخاء إلّا هتنت عليه مزنة بلاء) اسناد هتنت إلى مزنة من باب التوسّع و المعني أنّه لم تمطر على أحد في الدّنيا ديمة أى مطر خفيف موجب على رخاء حاله و سعة عيشه إلّا انصبّت عليه أمطار كثيرة من مزنة البلاء و سحابة فتوجب شدّة حاله و ضيق عيشه، و الغرض أنها إذا اعطت أحدا قليلا من الخير أعقبت ذلك بكثير من الضّر (و حرىّ إذا أصبحت له منتصرة أن تمسى له متنكّرة) يعنى أنها جديرة حين أصبحت محبّة لامرء منتقمة لأجله من عدوّه أو متكلّفة لنصره بأن تمسى مبغضة و متغيّرة له (و ان جانب منها اعذوذب و احلولى) أى صار عذبا و حلوا (أمرّ منها جانب فأوبى) أى صار مرّا فأوقع في المرض و في هذا المعنى قال الشاعر:

ألا انّما الدّنيا غضارة أيكة            إذا اخضرّ منها جانب جفّ جانب‏

فلا تكتحل عيناك منها بغيره‏

على ذاهب منها فانك ذاهب‏

(لا ينال امرء من غضارتها رغبا إلا أرهقته من نوائبها تعبا) أراد أنّه لا يبلغ أحد من طيب عيشها وسعتها و نعمتها رغبته و إرادته إلّا حملته و أغشته من نوائبها و مصائبها التعب و المشقة كما هو يدرك بالعيان و مشاهد بالوجدان، و لا يخفى ما في اتيان ينال بصيغة المضارع و ارهقته بصيغة الماضي من النّكتة اللطيفة، و هى الاشارة إلى أنّ نيل الرّغبة من غضارتها أمر متوقّع مشكوك و ارهاق التعب من نوائبها أمر محقق ثابت.

(و لا يمسى منها في جناح أمن إلّا أصبح على قوادم خوف) أراد به عدم ثبات أمنها و سرعة انتقاله منه الى الخوف، و لا يخفى ما في تخصيص الأمن بالجناح و الخوف بالقوادم لأنّ الجناح محلّ الأمن و السّاكن تحته مصون من الأذى و نيل المكروه متحصّن بحصن السّلامة ألا ترى أنّ الطائر يحصّن فرخه بجناحه حفظا له من المكاره و الآلام، و أما القوادم و هى مقاديم الرّيش فلا ريب أنّ الرّاكب عليها في معرض خطر عظيم و سقوط قريب هذا.

و قال الشارح البحراني (ره) و إنما خصّ الامن بالجناح، لأنّ الجناح محلّ التغيّر بسرعة فتنبه به على سرعة تغييراتها و إنّما خصّ الخوف بالقوادم من الجناح لأنّ القوادم هى رأس الجناح و هى الأصل في سرعة حركته و تغيّره، و هو في مساق ذمّها و التخويف منها، فحسن ذلك التخصيص و مراده أنّه و إن حصل فيها أمن و هو في محلّ التّغير السّريع و الخوف اليه أسرع لتخصيصه بالقوادم انتهى، و الأظهر ما ذكرناه.

(غرّارة غرور ما فيها فانية فان من عليها) لا يخفى ما في هاتين القرينتين من حسن الاشتقاق و جزالة المعنى، فانّ القرينة الأولى تنبيه على خسّة الدّنيا و حقارتها و على أنّ ما فيها تدليس و تلبيس و غرور و باطل بمنزلة امرأة شوهاء هتماء زخرفت من ظاهرها و البست انواع الحلىّ و الحلل تدليسا و تفتينا فاغترّ بها و افتتن من رأى حسن ظاهرها غافلا عن قبح باطنها، و القرينة الثانية تذكرة لكونها مع هذه الخسّة و الحقارة في معرض الفناء و الزوال و الازوف و الانتقال، و كذلك الرّاغبون فيها و الخاطبون لها كما قال عزّ من قائل « كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى‏ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ» (لا خير في شي‏ء من أزوادها إلّا التّقوى) لأنه هو الذى يتقوّى به لسلوك سفر الآخرة و طىّ منازلها، و الوصول الى حظيرة القدس الّتي هى غنية كلّ طالب و منية كلى راغب، و لذلك امر بذلك ربّ العزّة بقوله: وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى‏.

و قد تقدّم توضيح ذلك بما لا مزيد عليه في شرح الخطبة الخامسة و السّبعين، و إنما جعله من أزواد الدّنيا لأنّ تحصيله إنما يكون فيها و الآخرة دار جزاء لا تكليف كما سبق بيانه في شرح الخطبة الثانية و السّتين، و تقدّم ثمّة أيضا ما يوضح أنّ غير التقوى من أزواد الدّنيا لا خير فيها، و يشهد بذلك قوله سبحانه:الْمالُ وَ الْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَ خَيْرٌ أَمَلًا.

(من أقلّ منها استكثر ممّا يؤمنه و من استكثر منها استكثر ممّا يوبقه) يعنى أنّ من ذهب في الدّنيا و اكتفى بالقليل من متاعها طلب الكثير ممّا يوجب أمنه و نجاته في الآخرة، و من رغب فيها طلب الكثير من متاعها استكثر مما يوجبه هلاكه فيها، لأنه ان كان من الحلال ففيه طول الحساب، و ان كان من الحرام ففيه أليم العذاب.

(و زال عمّا قليل عنه) إشارة إلى مفسدة اخرى فيما استكثره مضافة إلى ايجابه هلاكه و هى أنّه لم يبق له بل زال بعد حين قليل عنه.

ثمّ أشار عليه السّلام إلى مفاسد الرّكون اليها و الاعتماد عليها بقوله: (كم من واثق بها قد فجعته) بأنواع الأحزان (و ذى طمأنينة اليها قد صرعته) في مصارع الهوان (و ذى ابّهة) و عظمة (قد جعلته حقيرا) مهينا (و ذى نخوة) و كبر (قد ردّته ذليلا) مستكينا (سلطانها دول) يتداوله السّلاطين بينهم يكون تارة لهؤلاء و لهؤلاء اخرى (و عيشها رنق) متكدّر (و عذبها اجاج) مالح (و حلوها صبر) مرّ استعار لفظى العذب و الحلو للذّاتها و لفظى الاجاج و المرّ لما يشوبها من الكدر و الأسقام و الجامع الاشتراك في الالتذاذ و الايلام (و غذائها سمام) قاتلة (و أسبابها) أى حبالها (رمام) بالية (حيّها بعرض موت و صحيحها بعرض سقم) أراد به إشراف الأحياء بالممات و الأصحاء بالأسقام و قربهم منها (ملكها مسلوب و عزيزها مغلوب و موفورها منكوب و جارها محروب) أى وافر المال و صاحب الثروة فيها مثاب و جارها حريب أى مأخوذ منه جميع ماله هذا.

و لما حذّر من الدّنيا بذكر معايبها أكدّ ذلك بالتنبيه على السّابقين فيها و قال (ألستم في مساكن من كان قبلكم) لكونهم (أطول أعمارا) فقد لبث نوح عليه السّلام في قومه ألف سنة الّا خمسين عاما، و مثله كثير (و أبقى آثارا) كما يشهد به الهرمان‏و الايوان و سدّ يأجوج و منارة الاسكندريّة و نحوها (و أبعد آمالا) لأنّ الأعمار إذا كانت أطول كانت الآمال أبعد لترتّب طول الأمل على طول العمر غالبا (و أعدّ عديدا) أى عدّد كثيرا من الجيوش (و أكثف جنودا) كفرعون و بخت نصر و غيرهما.

(تعبّدوا للدّنيا أىّ تعبّد) أى قصّروا هممهم في الدّنيا و أظهروا العبوديّة و التذلل لها و أخذوها معبودا لهم و تعبّدوا الها كمال تعبّد (و آثروها أىّ إيثار) أى اختاروها على الآخرة تمام اختيار (ثمّ ظعنوا) و ارتحلوا (عنها بغير زاد مبلّغ) له إلى منزله (و لا ظهر) أى مركوب (قاطع) لطريقه و هما استعارتان للّطاعات و القربات المؤدية له إلى حظيرة القدس الموصلة إلى مجلس الانس (فهل بلغكم أنّ الدّنيا سخت لهم نفسا بفدية) استفهام على سبيل الانكار كما أشرنا إليه سابقا، و المراد أنها جادت«» لهم حين ارتحالهم منها بطيب نفسها فداء ليكون عوضا عنهم حتّى لا يموتوا و لا يرتحلوا، أو أنها ما بذلت لهم نفسا بأن تكون في هذا النفس فداء لهم (أو أعانتهم بمعونة أو أحسنت لهم صحبة) مع فرط محبّتهم لها و غاية رغبتهم اليها و شدّة انسهم بها (بل أرهقتهم بالفوادح) أى أغشتهم بالمثقلات (و أوهنتهم بالقوارع) أى أضعفتهم بالمحن و الدّواهى القارعات (و ضعضعتهم بالنوائب) و المصائب (و عفرتهم للمناخر) أى ألصقتهم على العفر و التراب لانوفهم (و وطئتهم بالمناسم) و الاخفاف و داستهم بالسّنابك و الاظلاف (و أعانت عليهم ريب المنون) أى كانت معينا لحوادث الدّهر عليهم (فقد رأيتم تنكّرها) و تغيّرها (لمن دان لها) و تقرّب بها (و آثرها) و اختارها على غيرها (و أخلد إليها) و اعتمد عليها (حتّى ظعنوا عنها لفراق الأبد) أى مفارقة دائمة لا عود بعدها (هل زوّدتهم إلّا السّغب) و الجوع (أو أحلّتهم إلّا الضنك) و الضّيق (أو نوّرت لهم إلّا الظّلمة) أى جعلت الظلمة نورا لهم كما جعلت الجوع لهم زادا (أو أعقبتهم إلّا الندامة) و الحسرة (أ فهذه) الغدّارة الغرّارة (تؤثرون أم اليها تطمئنّون أم عليها تحرصون) مع ما رأيتم من مكائدها و جرّبتم من خياناتها (فبئست الدار لمن لم يتّهمها) في نفسه (و لم يكن فيها على و جل منها) على عرضه فكانت موجبة لهلاكه و عطبه و أمّا المتّهم لها بالخديعة و الغرور و الخائف منها و الحذر فنعمت الدّار في حقّه لكونه منها على و جل دائم و خوف لازم، فيأخذ حذره بعد عدّته و يقدم الزاد ليوم المعاد و يتزوّد لحال رحيله و وجه سبيله (فاعلموا و أنتم تعلمون) و استيقنوا (بأنكم تاركوها و ظاعنون) أى مرتحلون (عنها و اتّعظوا فيها بالّذين) كانوا قبلكم و (قالوا من أشدّ منّا قوّة) و عدّة و انتقلوا عن دورهم و (حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا و انزلوا الأجداث) بعد الادعاث«» (فلا يدعون ضيفانا) يعنى انهم انقطعت عنهم بعد ارتحالهم أسماء، الأحياء فلا يسمّون بالركبان و لا بالضيفان و كانت عادة العرب انهم إذا ركبوا يسمّون ركبانا، و إذا نزلوا يسمّون ضيفانا، و هؤلاء الأموات مع كون الجنائز حمولة لهم و كونهم محمولين عليها كالراكبين لا يطلق عليهم اسم الركب«»، و كذلك هم مع نزولهم بالأجداث و القبور لا يطلق عليهم اسم الضيف و ان كان تسمية الضيف إنما هى بذلك الاسم باعتبار نزوله، و هذا الاعتبار موجود فيهم مأخوذ من ضافه ضيفا إذا نزل عنده فافهم (و جعل لهم من الصّفيح أجنان) أى من وجه الأرض العريض قبور (و من التراب أكفان) و في بعض النسخ بدله أكنان، و هى السّتاير جمع الكن و هى السترة أى ما يستتر به، و على ذلك فالكلام على حقيقته، و على الرواية الاولى فلا بدّ من ارتكاب المجاز بأن يقال إنّ جعل التراب أكفانا لهم باعتبار إحاطته عليهم كالأكفان أو باعتبار المجاورة بينه و بينها، أو من أجل اندراس الكفن و انقلابه ترابا كما قيل، و الأظهر الأوّلان (و من الرفات) و العظام البالية (جيران فهم جيرة) أى جيران كما في بعض‏ النسخ (لا يجيبون داعيا و لا يمنعون ضيما) أى ظلما عن أنفسهم أو عمّن استجار بهم لانقطاع الاقتدار عنهم (و لا يبالون مندبة) أى لا يكترثون بالندب و البكاء على ميّت (إن جيدوا لم يفرحوا و إن قحطوا لم يقنطوا) يعنى أنّهم إن جادت السماء عليهم بالمطر لا يفرحون و ان احتبست عنهم المطر لا ييأسون كما هو شأن. الأحياء فانّهم يفرحون عند الخصب و يحزنون عند الجدب (جميع) أى مجتمعون (و هم آحاد) متفرّدون (و جيرة و هم أبعاد) متباعدون (متدانون لا يتزاورون و قريبون لا يتقاربون) إلى هذا المعنى نظر السّجاد عليه السّلام في ندبته حيث قال:

و اضحوا رميما في التراب و اقفرت
مجالس منهم عطّلت و مقاصر

و حلّوا بدار لا تزاور بينهم‏
و أنّى لسّكان القبور التزاور

فما أن ترى إلّا جثي قد ثووا بها
مسنمة تسفى عليه الأعاصر

و قال آخر:

لكلّ اناس معمر في ديارهم
فهم ينقصون و القبور يزيد

فكاين ترى من دار حيّ قد اخربت‏
و قبر بأكنان التّراب جديد

هم جيرة الأحياء أما مزارهم
فدان و أمّا الملتقى فبعيد

(حلماء قد ذهبت أضغانهم و جهلاء قد ماتت أحقادهم) يعنى أنهم بموتهم و انقطاع مادّة الحياة عنهم صار و احلماء جهلاء لا يشعرون شيئا فارتفع عنهم الضغن و الحقد و الحسد و ساير الصّفات النفسانيّة المتفرّعة عن الحياة، و توصيفهم بالحلم و الجهل في تلك الحال من باب التوسّع و المجاز باعتبار أنهم لا يستفزّهم الغضب و لا يشعرون و إلّا فالحلم هو الصّفح و الاناة و العقل و الجهل عدم العلم عمّن من شأنه أن يكون عالما و هما من صفات الأحياء كما لا يخفى.

(لا يخشى فجعهم و لا يرجى دفعهم) يعنى أنهم بارتفاع الاقتدار عنهم لا يخشون و لا يرجون فلا يخشى أحد من أن ينزل عليه بهم فجيعة و رزيّة و لا يرجو أحد أن يدفع بهم من نفسه نازلة و بلية (استبدلوا بظهر الأرض بطنا و بالسّعة ضيقا و بالأهل غربة و بالنّور ظلمة).

ضربوا بمدرجة الفناء قبائهم
من غير أطناب و لا أوتاد

ركب أناخوا لا يرجّى منهم
قصد لاتهام و لا انجاد

كرهوا النزول فانزلتهم وقعة
للدّهر نازلة لكلّ مفاد«»

فتهافتوا عن رحل كلّ مذلّل
و تطاوحوا عن سرج كلّ جواد

بادون في صور الجميع و انّهم‏
متفرّدون تفرّد الأحياء

 

(فجاءوها كما فارقوها حفاتا عراتا) قيل:«» انّ المراد بمجيئهم اليها فيها و بمفارقتهم لها خروجهم عنها، و وجه الشبه كونهم حفاتا عراتا و قيل«» انّ المراد بمجيئهم اليها دفنهم فيها و بمفارقتهم لها خلقتهم منها كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ و هو أقرب من الأوّل بل أقوى، لأنّ جملة فجاءوها معطوفة على جملة استبدلوا، و الفاء العاطفة موضوعة للتعقيب و الترتيب و لا ترتيب كما لا تعقيب بين مضمون الجملتين على الأوّل، و أمّا على الثاني فهو من قبيل عطف تفصيل المجمل على المجمل على حدّ قوله: وَ نادى‏ نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي الآية و هاهنا لما ذكر عليه السّلام استبدا لهم بظهر الأرض بطنها عقّب ذلك ببيان تفصيل حالهم بأنّهم جاءوا اليها حالكونهم حافين عارين ليس لهم نعال و لا لبايس. و لكن ينبغي أن يعلم أنّ اللازم على هذا القول حمل المفارقة على الولادة حتّى يستقيم كونهم حفاتا عراتا.

أقول: و الأظهر عندى يرجع الضمير في قوله فجاءوها كما فارقوها إلى ظهر الأرض، و التأنيث باعتبار المضاف إليه، فانه قد يكتسب المضاف المؤنث من المضاف إليه المذكر التأنيث إذا صحّت اقامته مقامه كما في قوله: «كما شرقت صدر القناة من الدّم» و يراد بمجيئهم إليها بعثهم فيها و إعادتهم إليها بعد مفارقتهم لها

كما قال تعالى: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ و على هذا فالأنسب جعل حفاتا عراتا حالين من ضمير الجمع في جاءوها لا فارقوها إلّا أنّه يبعده قوله: (قد ظعنوا عنها بأعمالهم إلى الحياة الدّائمة و الدّار الباقية) إذ الظاهر كونه حالا من فاعل فارقوها مؤكّدة لعاملها كما أنّ حفاتا عراتا مؤسّسة و إن أمكن توجيهه بأنّه على جعله حالا من ضمير جاءوها يكون فيه نحو من التوكيد أيضا، و يؤيّد ذلك أنّ الحياة الدائمة إنما هو بعد البرزخ و البعث.

فان قلت: هذا التوجيه ينافيه الضمير في عنها، لأنّ ظعنهم على ما ذكرت إنما هو عن بطن الأرض، و الضمير في جاءوها كان راجعا ظهر الأرض.

قلت: غاية الأمر يكون أنه من باب الاستخدام، و لا يقدح ذلك في كونه حالا منه فافهم جيدا، و يقرّب ما ذكرناه من الوجه استشهاده عليه السّلام بالآية الشريفة أعنى قوله (كما قال سبحانه) أى في سورة الأنبياء: يوم نطوى السّماء كطىّ السّجلّ للكتب (كما بدئنا أوّل خلق نعيده وعدا علينا إنّا كنّا فاعلين) فانّها مسوقة لبيان حال البعث و النشور، و معناها نبعث الخلق كما ابتدأناه، أى قدرتنا على الاعادة كقدرتنا على الابتداء.

روى في الصّافي عن النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله أنه قال: تحشرون يوم القيامة عراتا حفاتا كما بدئنا أوّل خلق نعيده، و قيل معناها كما بدأناهم في بطون امّهاتهم حفاتا عراتا عز لا كذلك نعيدهم.

قال الطبرسيّ روى ذلك مرفوعا و هو يؤيّد القول الثاني أعني قول من قال أنّ المراد بفارقوها خلقهم منها و ان كان لا يخلو عن دلالة على ما استظهرناه أيضا فليتأمل و قوله تعالى: وعدا، منصوب على المصدر أى وعدناكم ذلك وعدا علينا انجازه إنّا كنّا فاعلين ذلك لا محالة.

تكملة

اعلم أنّ هذه الخطبة رواها المحدّث العلّامة المجلسي «قد» في البحار من كتاب مطالب السؤول لمحمّد بن طلحة باختلاف كثير أحببت ايرادها بتلك الطريق على عادتنا المستمرّة.

قال: قال عليه السّلام: احذّركم الدّنيا فانّها خضرة حلوة حفّت بالشّهوات و تخيبت بالعاجلة و عمّرت بالآمال و تزيّنت بالغرور و لا يؤمن فجعتها و لا يدوم خيرها، ضرّارة غدّارة غرّارة زايلة بايدة أكّالة عوّالة، لا تعدو إذا تناهت إلى امنيّة أهل الرّضا بها و الرّغبة فيها أن يكون كما قال اللَّه عزّ و جلّ: كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ. على أنّ امرأ لم يكن فيها في حيرة «حبرة ظ» إلّا أعقبته بعدها عبرة، و لم يلق من سرّائها بطنا إلّا منحته من ضرّائها ظهرا، و لم تنله فيها ديمة رخاء إلّا هتنت عليه مزنة بلاء، و حرىّ إذا أصبحت له متنصّرة أن تمسى له متنكّرة، فان جانب منها اعذوذب لامرء و احلولى، أمرّ عليه جانب و أوباه، و ان لقى امرء من غضارتها زوّدته من نوابئها تعبا، و لا يمسى امرء منها في جناح أمن إلّا أصبح في خوافي خوف و غرور.

فانية فان من عليها من أقلّ منها استكثر مما تؤمنه و من استكثر منها لم تدم له و زال عما قليل عنه، كم من واثق بها قد فجعته و ذى طمأنينة اليها قد صرعته، و ذي خدع قد خدعته، و ذي ابّهة قد صيّرته حقيرا و ذي نخوة قد صيّرته خائفا فقيرا، و ذي تاج قد أكبّته لليدين و الفم، سلطانها دول، و عيشها رنق، و عذبها اجاج، و حلوها صبر، و غذائها سمام، و أسبابها رمام، حيّها بعرض موت، و صحيحها بعرض سقم، و منيعها بعرض اهتضام، عزيزها مغلوب، و ملكها مسلوب، و ضيفها مثلوب، و جارها محروب.

ثمّ من وراء ذلك هول المطلع و سكرات الموت و الوقوف بين يدي الحكم العدل ليجزى الّذين أساءوا بما عملوا و يجزي الذين أحسنوا بالحسنى، ألستم في منازل من كان أطول منكم أعمارا و آثارا، و أعدّ منكم عديدا، و أكثف جنودا و أشدّ منكم عنودا تعبّدوا الدّنيا أيّ تعبّد، و آثروها أىّ ايثار، ثمّ ظعنوا عنها بالصغار فهل يمنعكم أنّ الدّنيا سخت لهم بفدية أو أغنت عنهم فيما قد أهلكهم من خطب، بل قد أوهنتهم بالقوارع، و ضعضعتهم بالنوائب، و عفّرتهم للمناخر، و أعانت عليهم ريب المنون.

فقد رأيتم تنكّرها لمن دان بها و أجدّ اليها حتّى ظعنوا عنها بفراق ابدالى آخر المستند، هل أحلّتهم الّا الضنك، أو زوّدتهم إلّا التّعب، أو نورّت لهم إلّا الظلمة، أو أعقبتهم إلّا النّار، أ فهذه تؤثرون، أم على هذه تحرصون، أم إلى هذه تطمئنّون، يقول اللَّه جلّ من قائل: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَ هُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَ حَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فبئست الدار لمن لا يتّهمها و ان لم يكن فيها على و جل منها، اعلموا و أنتم تعلمون أنكم تاركوها لا بدّ فانما هى كما نعّتها اللَّه لهو و لعب، و اتّعظوا بالذين كانوا يبنون بكلّ ريع آية تعبثون و يتّخذون مصانع لعلّهم يخلدون، و اتّعظوا بالّذين قالوا من أشدّ منّا قوّة، و اتّعظوا باخوانكم الّذين نقلوا إلى قبورهم لا يدعون ركبانا قد جعل لهم من الضّريح أكنانا و من التراب أكفانا و من الرّفات جيرانا، فهم جيرة لا يجيبون داعيا، و لا يمنعون ضيما، قد بادت أضغانهم، فهم كمن لم يكن و كما قال اللَّه عزّ و جلّ: فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَ كُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ استبدلوا بظهر الأرض بطنا، و بالسّعة ضيقا، و بالأهل غربة، جاءوها كما فارقوها بأعمالهم إلى خلود الأبد كما قال عزّ من قائل: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ

الترجمة

از جمله خطب شريفه آن بزرگوار امام انام است در مذمّت دنيا و تحذير خلايق از آن غدّار و بى‏ وفا كه فرموده: أما بعد از حمد و ثناء خداوند ربّ الأرباب و صلوات بر سيّد ختمى مآب، پس بدرستى كه من مى‏ ترسانم شما را از دنيا پس بتحقيق كه آن شيرين است و سبز يعنى نفس لذّت مى‏ برد از آن بجهت حلاوت و خضرويت و طراوت آن در حالتى كه أحاطه كرده شده است بخواهشات نفسانية، و اظهار محبّت نموده است بطالبان خود بلذّتهاى عاجله خود، و بشكفت آورده مردمان را بزيورهاى قليل و اندك، و آراسته گشته باميدهاى بى‏ بنياد، و آرايش يافته بباطل و فساد، دوام نمى‏ يابد سرور آن، و ايمن نمى‏ توان شد از درد و مصيبت آن، فريبنده ايست مضرّت رساننده تغيير يابنده ايست زايل شونده، موصوف است بفنا و هلاك، و متّصف است بكثرت خوردن مردمان و أخذ نمودن و هلاك كردن ايشان، تجاوز نمى‏ كند وقتى كه متناهى شد بنهايت آرزوى كسانى كه راغب هستند در آن، و خوشنودند بآن از اين كه باشد حال آن بقرارى كه خداوند متعال بيان فرموده و وصف نموده در سوره كهف كه فرموده: مثل زندگانى دنيا همچه آبى است كه نازل كردم آنرا از آسمان پس آميخته شد بآن آب گياه زمين پس برگشت آن گياه خشك و درهم شكسته پس پراكنده مى ‏گرداند آنرا بادها و از بيخ بر مي كند و هست خدا بهر چيز صاحب اقتدار محصّل مرام اينست كه خدا تشبيه نموده صفت زندگانى دنيا را در بهجت و لذّت و سرور و شكفتگى آن كه آخرش منتهى مى‏شود بمرگ و هلاك بصفت گياهى كه مى‏رويد از زمين بسبب آبى كه از آسمان نازل مى‏شود كه پنج روز سبز و خرّم و تر و تازه ميباشد، و بعد از آن در زمان قليلى خشك و شكسته مى‏گردد، و بادها آن را از بيخ كنده و مى‏پرانند.

بهار عمر بسى دلفريب و رنگين است            ولى چه سود كه دارد خزان مرگ از پى‏

پس فرمود: نيست هيچ مردى از دنيا در سرور و شادى مگر اين كه در پى در آورد او را بعد از آن شادى بگريه و زارى، و ملاقات نكرد هيچ أحدى از خير و منفعت دنيا بشكمى مگر اين كه بخشش نمود بآن از دشوارى و مشقت خود آتشى را، و نباريد بأحدى در دنيا باران نرم آسانى و رفاهيّت مگر اين كه ريخته شد بر او باران بزرگ قطره از أبر بلا و مصيبت، و سزاوار است زمانى كه بامداد كند مر او را داد ستاننده آنكه شبانگاه كند او را تغيير نماينده و ناخوش شمرنده، و اگر بسيار خوش و شيرين باشد جانبى از آن دنيا تلخ مى‏گردد جانبى ديگر از آن، و ناخوشى مى‏آورد، نرسد هيچ مردى از طيب عيش و نعمت دنيا برغبت و ارادتى مگر اين كه پوشانيد و بار كرد او را از حوادث و مصائب خود تعب و مشقّتى، و شبانگاه نكرد احدى از دنيا در بال امنيت و آسايش مگر اين كه صباح نمود بر پرهاى دراز خوف و ترسى.

دنيا بسيار فريبنده است فريب است آنچه در او است، فنا يابنده است فانيست آن كسيكه بر او است، هيچ خير و منفعتى نيست در چيزى از توشهاى دنيا مگر پرهيزكارى و تقوى، هر كس كه اندك نمود از لذايذ دنيا و شهوات آن بسيار خواست از چيزى كه ايمن گرداند او را از عذاب قيامت و هر كس كه بسيار خواست از شهوات دنيا بسيار خواست از چيزى كه هلاك نمايد او را در آخرت و زايل شد بعد از اندك زمانى از آن.

بسا اعتماد كننده بدنيا كه دردمند ساخت او را، و بسا صاحب اطمينانى بسوى آن كه در خاك هلاك انداخت او را، و بسا صاحب عظمتى كه گردانيد او را حقير و بى‏ مقدار، و بسا صاحب نخوتى كه گردانيد او را ذليل و خوار، سلطنت و پادشاهى آن دوران كننده است از دستى بدستى، و عيش آن كدر آميز است و آب شيرين آن شور است و بيمزه، و حلاوتهاى آن تلخ، و طعامهاى آن زهرهاى قاتل است، و ريسمانهاى آن پوسيده است، زنده آن در معرض مرگست و صحيح آن در معرض ناخوشى است، ملك و مال آن ربوده شده است، و عزيز آن مغلوب‏است، و صاحب ثروت آن صاحب نكبت شده است، و همسايه آن ربوده شده از آن تمام مال او.

آيا نيستيد شما در مسكنهاى كسانى كه بودند پيش از شما در حالتى كه درازتر بودند از حيثيّت عمرها، و باقى‏تر بودند از حيثيّت اثرها، و دورتر بودند از حيثيّت آرزوها، و آماده‏تر بودند از حيثيّت شمار، و انبوه‏تر بودند از حيثيّت لشكر پرستيدند از براى دنيا پرستيدنى و برگزيدند آنرا چه برگزيدنى، پس از آن كوچ كردند از آن بدون توشه كه بمنزل برساند، و بدون مركبى كه قطع مراحل نمايد.

پس آيا رسيد بشما كه دنيا سخاوت ورزيد از براى آنها از روى طيب نفس بفديه دادن، و رها نمودن ايشان، يا آنكه يارى كرد ايشان را بمعاونتى، يا اين كه خوب نمود از براى ايشان صحبتى و معلوم است كه هيچكدام از اينها ننمود بلكه پوشانيد بايشان و بار نمود ايشان را كارهاى سنگين، و ضعيف نمود بمحنتهاى كوبنده و مضطرب كرد ايشان را بحوادث، و بخاك ماليد ايشان را بسوراخهاى دماغها، و لگدكوب كرد ايشان را بدستها و پايها، و اعانت نمود بضرر ايشان حادثات دوران را.

پس بتحقيق ديديد شما تغير دنيا را مر آن كسى را كه تقرّب جست بآن و برگزيد او را و چسبيد بآن تا اين كه كوچ كردند از آن بفراق دائمى آيا توشه داد ايشان را بغير از گرسنگى، يا فرود آورد ايشان را غير از تنگى، يا روشن كرد از براى ايشان غير از تاريكى، يا آنكه از پى در آورد ايشان را غير از پريشانى، آيا پس اين دنياى بى‏اعتبار اختيار مى‏ كنيد يا بسوى آن مطمئن مى‏ باشيد يا بر او حريص مى ‏شويد پس بد سرائى است آن از براى كسى كه متّهم ندارد او را و نباشد در او بر ترس و هراس از آن.

پس بدانيد و اعتقاد نمائيد و شما عالم هستيد بآن كه شما ترك كننده آن هستيد، و كوچ كننده‏ايد از آن، و پند گيريد در آن به آن كسانى كه گفتند كه كيست‏ سخت‏تر از ما از حيثيّت قوت، برداشته شدند بسوى قبرهاى خود، پس خوانده نشدند سواران، و فرود آورده شدند در قبور پس خوانده نشدند مهمانان، و گردانيده شد از براى ايشان از روى زمين قبرها و از خاك كفنها يا پوشاكها و از استخوانهاى پوسيده همسايها، هستند كه اجابت نمى ‏كنند خواننده را، و ممانعت نمى ‏كنند ظلم را، و باك نمى ‏دارند از نوحه و زارى، اگر داده شدند باران شاد نگشتند، و اگر رسيدند بقحط و تنگى نوميد نشدند.

اجتماع دارند و حال آنكه ايشان تنهايند، و همسايگانند و حال آنكه ايشان دورند، نزديكند بيكديگر و حال آنكه ايشان زيارت يكديگر نمى‏توانند كنند، و خويشند بهمديگر و حال آنكه اظهار خويشى نمى‏نمايند، حليم هستند در حالتى كه رفته است كينهاى ايشان، نادانند در حالتى كه مرده است جسدهاى ايشان، ترسيده نمى‏ شود از اندوه و مصيبت ايشان، و اميد گرفته نمى ‏شود دفع نمودن ايشان، عوض كردند بظاهر زمين باطن را، و بفراخى تنگيرا، و بانسيت غريبى را، و بنور و روشنى تاريكى را.

پس آمدند بروى زمين چنانچه مفارقت كردند از آن در حالتى كه پا برهنگان و تن برهنگانند در حالتى كه كوچ نمودند از آن با عملهاى خودشان بسوى زندگانى دائمى و سراى باقى چنانكه فرموده است حق سبحانه و تعالى: همچنان كه در ابتداء آفريديم خلق را اعاده مى‏كنيم ايشان را وعده كرديم آن را وعده كردنى در حالتى كه بر ما است وفا كردن بآن بدرستى كه ما كنندگانيم آنرا لا محاله وعده بعث و اعاده را داده و قادر هستيم بر انجاز آن وعده.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 109 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 110 صبحی صالح

110- و من خطبة له ( عليه‏ السلام  ) في أركان الدين‏الإسلام‏

إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى

الْإِيمَانُ بِهِ وَ بِرَسُولِهِ

وَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ

فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الْإِسْلَامِ

وَ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ

فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ

وَ إِقَامُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ

وَ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ

وَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ

وَ حَجُّ الْبَيْتِ وَ اعْتِمَارُهُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَ يَرْحَضَانِ الذَّنْبَ

وَ صِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ

وَ مَنْسَأَةٌ فِي الْأَجَلِ

وَ صَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ

وَ صَدَقَةُ الْعَلَانِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ

وَ صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ

أَفِيضُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الذِّكْرِ

وَ ارْغَبُوا فِيمَا وَعَدَ الْمُتَّقِينَ

فَإِنَّ وَعْدَهُ أَصْدَقُ الْوَعْدِ

وَ اقْتَدُوا بِهَدْيِ نَبِيِّكُمْ

فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْهَدْيِ

وَ اسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَإِنَّهَا أَهْدَى السُّنَنِ

فضل القرآن‏

وَ تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ

وَ تَفَقَّهُوا فِيهِ فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ

وَ اسْتَشْفُوا بِنُورِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءُ الصُّدُورِ

وَ أَحْسِنُوا تِلَاوَتَهُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ الْقَصَصِ

وَ إِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لَا يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِهِ

بَلِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ

وَ الْحَسْرَةُ لَهُ أَلْزَمُ

وَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ أَلْوَمُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج8-7  

و من خطبة له عليه السّلام و هى المأة و التاسعة من المختار في باب الخطب
و هى ملتقطة من خطبة طويلة معروفة بالديباج رواها حسن بن على ابن شعبة فى تحف العقول حسبما تطلع عليه بعد شرح ما فى المتن و هو قوله:

إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى اللّه سبحانه الإيمان به و برسوله، و الجهاد في سبيله، فإنّه ذروة الإسلام، و كلمة الإخلاص فإنّها الفطرة، و إقام الصّلوة فانّها الملّة، و إيتاء الزّكوة فإنّها فريضة واجبة، و صوم شهر رمضان فإنّه جنّة من العقاب، و حجّ البيت و اعتماره فإنّهما ينفيان الفقر و يرحضان الذّنب، و صلة الرّحم فإنّها مثراة في المال و منسأة في الأجل، و صدقة السّرّ فإنّها تكفّر الخطيئة، و صدقة العلانية فإنّها تدفع ميتة السّوء، و صنايع المعروف فإنّها تقى مصارع الهوان. أفيضوا في ذكر اللّه فإنّه أحسن الذكر، و ارغبوا فيما وعد المتّقين فإنّ وعده أصدق الوعد، و اقتدوا بهدى نبيّكم فإنّه أفضل الهدى، و استنّوا بسنّته فإنّها أهدى السّنن، و تعلّموا القرآن فإنّه أحسن الحديث، و تفقّهوا فيه فإنّه ربيع القلوب، و استشفوا بنوره فإنّه شفاء الصّدور، و أحسنوا تلاوته فإنّه أنفع القصص، فإنّ العالم العامل بغير علمه، كالجاهل الحائر الّذي لا يستفيق من جهله، بل الحجّة عليه أعظم، و الحسرة له ألزم، و هو عند اللّه ألوم.

اللغة

(و سل) الى اللّه توسيلا عمل عملا تقرّب به اللّه كتوسّل و (الايمان) إفعال من الأمن الّذي هو خلاف الخوف ثمّ استعمل بمعنى التصديق، فالهمزة فيه إمّا للصّيرورة كان المصدق صار ذا أمن من أن يكون مكذّبا، أو للتعدية كانّه جعل المصدّق هنا من التكذيب و المخالفة، و يعدى بالباء لاعتبار معنى الاقرار و الاعتراف كما في عبارته، و نحوه قوله: يؤمنون بالغيب، و باللّام لاعتبار معنى الاذعان نحو قوله تعالى: و ما أنت بمؤمن لنا، و قد اجتمعا في قوله تعالى: يؤمن باللّه و يؤمن للمؤمنين.

(ذروة) الشي‏ء أعلاه و (الجنّة) بالضمّ كلّ ما وقى و (و اعتمر) الرّجل زار البيت و المعتمر الزائر و منه سميّت العمرة عمرة لأنها زيارة البيت يقال اعتمر فهو معتمر أى زار و قصد، و فى الشرع زيارة البيت الحرام بشروط مخصوصة مذكورة في محالها و (رحض) الثوب و نحوه بالحاء المهملة و الضاد المعجمة من باب منع غسله كأرحضه فهو رحيض و مرحوض و (ثرى) المال ثرا كثر و نمى، و الثروة كثرة العدد من الناس و المال، و هذا مثراة للمال بهمز و غيره تكثرة و (المنسأة) بالهمز و غيره أيضا كمثراة وزان مفعلة بالفتح فالسكون محل النّساء يقال نسأت التي نسأ أخرته و منه الحديث: صلة الرّحم تنسى‏ء الأجل أى تؤخّره و (صرعه) كمنعه طرحه على الأرض و المصرع وزان مقعد موضع الصّرع و (الافاضة) الاندفاع و منه افاض الناس من عرفات أى اندفعوا و قيل اسرعوا منها الى مكان آخر قوله تعالى إذ تفيضون فيه، أى تدفعون فيه بكثرة و (الهدى) بالضمّ الرّشاد مصدر يقال هداه اللّه هدى و هداية أرشده، و بالفتح وزان تمر الهيئة و السيرة و الطريقة و منه قولهم: هدى هدى فلان أى سلك مسلكه و (الحائر) المتحيّر.

الاعراب

قوله: إلى اللّه سبحانه لفظ سبحانه منصوب على المصدر محذوف عامله وجوبا باضافته إلى الضمير، و المعنى اسبّحك سبحانا لك، و لنجم الأئمة الرّضي في حذف عوامل المصادر تحقيق نفيس أحببت ايراده.

قال في شرح قول ابن الحاجب: و قد يحذف الفعل لقيام قرينة جوازا كقولك لمن قدم خير مقدم و وجوبا سماعا نحو سقيا و رعيا و خيبة و جدعا و حمدا و شكرا و عجبا: أقول: الذي أرى أنّ هذه المصادر و أمثالها إن لم يأت بعدها ما يبيّنها و يعيّن ما تعلّقت به من فاعل أو مفعول إما بحرف جرّ أو باضافة المصدر إليه فليست مما يجب حذف فعله بل يجوز نحو سقاك اللّه سقيا و رعاك اللّه رعيا فأمّا ما يبيّن فاعله بالاضافة نحو كتاب اللّه و سنة اللّه و وعد اللّه، أو يبيّن مفعوله بالاضافة نحو ضرب الرقاب و سبحان اللّه و لبيّك و سعديك و معاذ اللّه، أو يبيّن فاعله بحرف الجرّ نحو بؤسا لك و سحقا لك أى بعدا، أو يبيّن مفعوله بحرف جرّ نحو عقرا لك أى جرحا و شرّا لك و حمدا لك و عجبا منك، فيجب حذف الفعل في جميع هذا قياسا.

و المراد بالقياس أن يكون هناك ضابط كلّي يحذف الفعل حيث حصل ذلك الضّابط، و الضّابط ههنا ما ذكرنا من ذكر الفاعل أو المفعول بعد المصدر مضافا إليه أو بحرف الجرّ.

و إنّما وجب حذف الفعل مع هذا الضّابط لأنّ حقّ الفاعل و المفعول به أن يعمل فيهما الفعل فيتصلا به، و استحسن حذف الفعل في بعض المواضع إما إبانة لقصد الدوّام و اللزوم بحذف ما هو موضوع للحدوث و التجدّد أى الفعل في نحو حمدا لك و شكرا لك و عجبا منك و معاذ اللّه و سبحان اللّه، و إمّا لتقدّم ما يدلّ عليه كما في قوله تعالى: كتاب اللّه عليكم، و صبغة اللّه، و وعد اللّه، أو لكون الكلام ممّا يستحسن الفراغ منه بالسرعة نحو لبيك و سعديك، فبقى المصدر مبهما لا يدرى ما تعلق به من فاعل أو مفعول فذكر ما هو مقصود المتكلّم من أحدهما بعد المصدر ليختصّ به، فلمّا بيّنها بعد المصدر بالاضافة أو بحرف الجرّ قبح اظهار الفعل بل لم يجز فلا يقال كتاب كتاب اللّه و وعد وعد اللّه و اضربوا بضرب الرّقاب و اسبّح سبحان اللّه و أحمد حمدا لك و عقر اللّه عقرا لك.

و ذلك لما ذكرناه من أنّ حقّ الفاعل و المفعول أن يتّصلا بالفعل معمولين له، فلما حذف الفعل لأحد الدّواعي المذكورة و بين المصدر إمّا بالاضافة أو بحرف الجرّ فلو ظهر الفعل رجع الفاعل أو المفعول إلى مكانه و مركزه متصلا بالفعل و معمولا له.

فاحفظ ذلك فانه ينفعك في كثير من الموارد و اعراب ساير الفقرات واضح.

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشريفة مسوقة للارشاد إلى بعض أسباب القرب و الوسايل التي يتوسل بها إلى اللّه سبحانه، و للأمر بالافاضة إلى ذكر اللّه، و ببعض ما يدرك به رضوان اللّه حسبما تطلع على تفصيله انشاء اللّه، و لما كان
أسباب الزلفى و التقرّب كثيرة
خصّ أفضلها بالبيان و هو على ما ذكره عشرة:

اولها الايمان

كما أشار اليه بقوله: (إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون الى اللّه سبحانه الايمان به و برسوله) و تقديمه على غيره لكونه أصلا بالنسبة اليه، و المراد به هنا التصديق المجرّد عن الاقرار و العمل بقرينة ذكر كلمة الاخلاص التي هو الاقرار و ساير العبادات التي هو من باب الأعمال بعده، و تحقيق المقام يحتاج إلى بسط في المقال و بيان الفرق بين الاسلام و الايمان.

فأقول: إنّك قد عرفت المعنى اللّغوى للايمان و أنه التّصديق، و أما الاسلام فمعناه لغة هو التّسليم و الانقياد، و أمّا في لسان الشرع فقد يستعملان على التساوق و الترادف كما في قوله تعالى:فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

و لم يكن بالاتفاق إلّا بيت واحد و قال تعالى: يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ و قال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ.
و ربما استعملا على التقابل كما في قوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ.

فقد نفى عنهم الايمان مع اثبات وصف الاسلام و المستفاد من كلام أكثر الأصحاب و معظم أخبار الأئمة الأطهار الأطياب أنّ الاسلام أعمّ من الايمان.

قال الصّادق عليه السّلام في رواية الفضيل بن يسار عنه عليه السّلام: الايمان يشارك الاسلام و الاسلام لا يشارك الايمان.
و في رواية سماعة بن مهران قال: سألته عن الايمان و الاسلام قلت: أفرق بين الاسلام و الايمان قال: فأضرب لك مثله قال: قلت أراد «أورد خ» ذلك قال: مثل الايمان و الاسلام مثل الكعبة الحرام من الحرم، قد تكون في الحرم و لا تكون في الكعبة و لا تكون في الكعبة حتى تكون في الحرم، و قد يكون مسلما و لا يكون مؤمنا و لا يكون مؤمنا حتى يكون مسلما.

و في رواية أبي الصباح الكناني قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: أيّهما أفضل الايمان أو الاسلام فانّ من قبلنا يقولون إنّ الاسلام أفضل من الايمان، فقال: الايمان أرفع من الاسلام، قلت: فاوجدنى ذلك، قال: ما تقول فيمن أحدث في المسجد الحرام‏ متعمّدا قال: قلت: يضرب ضربا شديدا، قال: أصبت فما تقول فيمن أحدث في الكعبة متعمّدا قلت: يقتل، قال: أصبت ألا ترى أنّ الكعبة أفضل من المسجد و أنّ الكعبة تشرك المسجد و المسجد لا يشرك الكعبة، و كذلك الايمان يشرك الاسلام و الاسلام لا يشرك الايمان.

فانّ المستفاد من هذه الرّوايات و أمثالها أنّه كلّما وجد الايمان وجد الاسلام لا بالعكس و ذلك.
اما من جهة أنّ الاسلام عبار عن التصديق بالظاهر أعني الاعتراف باللّسان و الايمان عبارة عن التّصديق بالباطن، و الأوّل غير مستلزم للثّاني و لذلك كذب اللّه سبحانه الأعراب بقوله: قل لم تؤمنوا، في دعويهم وصف الايمان لأنفسهم، حيث قالوا آمنّا، و ذلك لأجل أنهم لم يكونوا مصدّقين بالباطن و لم يكونوا على ثقة و طمأنينة فيما أقرّوا به ظاهرا، و أثبت لهم وصف الاسلام بقوله: و لكن قولوا أسلمنا باعتبار شهادتهم بالتوحيد و الرّسالة و اعترافهم ظاهرا.

و يدلّ على ما ذكرنا ما رواه في الكافي باسناده عن سماعة قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: أخبرني عن الاسلام و الايمان أهما مختلفان فقال عليه السّلام: إنّ الايمان يشارك الاسلام و الاسلام لا يشارك الايمان فقلت: فصفهما لى، فقال عليه السّلام: الاسلام شهادة أن لا إله إلا اللّه و التصديق برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم به حقنت الدّماء و عليه جرت المناكح و المواريث و على ظاهره جماعة النّاس، و الايمان الهدى و ما يثبت في القلوب من صفة الاسلام و ما ظهر من العمل به، و الايمان أرفع من الاسلام بدرجة، إنّ الايمان يشارك الاسلام في الظّاهر، و الاسلام لا يشارك الايمان في الباطن، و ان اجتمعا في القول و الصفة.

و نحوه رواية فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: إنّ الايمان يشارك الاسلام و لا يشاركه الاسلام، إنّ الايمان ما و قر في القلوب، و الاسلام ما عليه المناكخ و المواريث و حقن الدّما، و الايمان يشارك الاسلام، و الاسلام لا يشارك الايمان.

فان قلت: إذا جعلت الايمان عبارة عن التصديق بالباطن فلا بدّ أن تكون النسبة بينهما عموما من وجه إذ كما أنّ التّصديق ظاهرا لا يستلزم التصديق بالباطن كلّيا، فكذلك العكس، إذ ربّما يذعن المرء باللّه و برسوله من دون أن ينطق بكلمتي الشهادة، بأن يصدّق بالقلب و لا يساعده من العمر مهلة النطق، نعم لا يحكم بايمانه إلّا بعد النطق و الكلام، لكون اللّسان ترجمان القلب، لكنه لا يقدح فيما ذكرنا لأنّ الكلام في منع الملازمة بين نفس الايمان و الاسلام لا في الحكم بكون الرجل مسلما و مؤمنا، فافهم.

قلت: التصديق بالباطن ملازم عادة للتصديق بالظاهر و إن لم يكن ملازما له عقلا كما فيما ذكرته من المثال، فانّ العرف و العادة قاضية بأنّ من كان مصدّقا بالباطن يكون لا محالة مصدّقا بالظاهر، و المثال المذكور فرد نادر نعم لو قيل بأنّ الايمان عبارة عن التصديق بالجنان و الاقرار باللّسان و العمل بالأركان أعنى مجموع الثلاثة ارتفع الاشكال رأسا، و كذا على مذهب من يعتبر فيه الاقرار باللّسان فقط شطرا كما عزى إلى المحقق الطّوسى حيث قال: بأنه مركب من الاقرار و التّصديق، أو شرطا كما نسب الى المتكلّمين من الخاصّة و بعض العامة.

و اما من جهة أنّ الاسلام عبارة عن الشّهادة بالتوحيد و الرسالة مع التصديق الباطني و بدونه، سواء كان معه الاقرار بالولاية و الاذعان بها أم لا، و الايمان يعتبر فيه ذلك.

و يرشد إليه ما رواه ثقة الاسلام الكليني باسناده عن سفيان بن السمط قال: سأل رجل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الاسلام و الايمان ما الفرق بينهما فلم يجبه ثمّ سأله فلم يجبه، ثمّ التقيا في الطريق و قد أزف من الرجل الرحيل فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام: كأنه قد أزف منك رحيل، فقال: نعم، فقال: فالقنى في البيت فلقاه فسأله عن الاسلام و الايمان ما الفرق بينهما فقال عليه السّلام: الاسلام ما هو الظاهر الذي عليه الناس شهادة أن لا إله إلا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه و إقام الصّلاة و ايتاء الزكاة و حجّ البيت و صيام شهر رمضان‏ فهذا الاسلام، و قال: الايمان معرفة هذا الأمر مع هذا، فان أقرّ بها و لم يعرف هذا الأمر كان مسلما و كان ضالا.

و عن عجلان بن أبي صالح قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: أوقفنى على حدود الايمان، فقال: شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الاقرار بجميع ما جاء من عند اللّه و صلاة الخمس و أداء الزكاة و صوم شهر رمضان و حجّ البيت و ولاية وليّنا و عداوة عدوّنا و الدخول مع الصّادقين.

فانّ المراد بالدّخول مع الصادقين الدّخول في زمرة آل محمّد سلام اللّه عليهم و الكون معهم كما قال: يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه و كونوا مع الصّادقين، على ما تقدّم تفصيله في شرح الفصل الثالث من فصول الخطبة السّادسة و الثمانين.

و اما من جهة أنّ الايمان يعتبر فيه العمل دون الاسلام أعنى العمل بما يقتضيه ذلك التّصديق.
و يدلّ عليه ما في الكافي عن محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام قال: الايمان إقرار و عمل و الاسلام إقرار بلا عمل.
فانّ الظّاهر أنّ قوله: و الاسلام إقرار بلا عمل هو أنّ العمل غير معتبر فيه لا أنّ عدمه فيه معتبر، و يدلّ عليه أخبار أخر.

و فيه أيضا باسناده عن عبد الرّحيم القصير قال: كتبت مع عبد الملك بن أعين إلى أبى عبد اللّه عليه السّلام أسأله عن الايمان ما هو، فكتب الىّ مع عبد الملك بن أعين: سألت رحمك اللّه عن الايمان، و الايمان هو الاقرار باللّسان و عقد في القلب و عمل بالاركان، و الايمان بعضه من بعض، و هو دار و كذلك الاسلام دار و الكفر دار، فقد يكون العبد مسلما قبل أن يكون مؤمنا و لا يكون مؤمنا حتى يكون مسلما، فالاسلام قبل الايمان و هو لا يشارك الايمان فاذا أتى العبد كبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى اللّه عزّ و جلّ عنها كان خارجا من الايمان ساقطا عنه اسم الايمان و ثابتا عليه اسم الاسلام، فان تاب و استغفر عاد إلى دار الايمان و لا يخرجه إلى الكفر إلّا الجحود و الاستحلال، أن يقول للحلال هذا حرام، و للحرام هذا حلال، و دان بذلك فعندها يكون خارجا من الاسلام و الايمان، داخلا في الكفر، و كان بمنزلة من‏ دخل الحرم ثمّ دخل الكعبة و أحدث في الكعبة حدثا فاخرج عن الكعبة و عن الحرم فضربت عنقه و صار إلى النار فقد ظهر لك مما ذكرنا كلّه أنّ الاسلام يصدق على مجرّد الاقرار باللّسان من غير تصديق، و على الاقرار و التّصديق مجرّدا عن الولاية، و على جميع ذلك مجرّدا من العمل، و الايمان يعتبر فيه ذلك، فيكون الايمان أخصّ لكنّ الانصاف أنّ العمل ليس داخلا في مفهوم الايمان حقيقة و إن كان شرطا في كماله.

أما أنّه غير داخل في حقيقته فللتبادر و عدم صحّة السلب و لقوله تعالى: وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا و قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى‏ و قوله الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ.

دلّ اقتران الايمان بالمعاصي فيها على أنّ العمل غير داخل في حقيقته و قوله تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ.
دلّ على التّغاير و أنّ العمل ليس بداخل فيه لأنّ الشي‏ء لا يعطف على نفسه و لا الجزء على كلّه و مثله كلام أمير المؤمنين عليه السّلام في هذا المقام و أمّا أنه شرط في كماله فللخبرين السابقين.

لا يقال: إنّ ظاهرهما كون العمل داخلا في مفهومه لا شرطا في كماله.
لأنا نقول: بعد تسليم الظهور لا بدّ من حملهما على ما ذكرنا بمقتضى الجمع بينهما و بين الأدلّة الّتي قدّمناها آنفا فان قلت: ما الدّليل على هذا الجمع قلت: الدليل على ذلك ما رواه في الكافى عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن بكر بن صالح عن القاسم بن بريد قال: حدّثنا أبو عمر الزبيرى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام‏

قال: قلت له: أيها العالم أخبرني أىّ الأعمال أفضل عند اللّه قال: ما لا يقبل اللّه شيئا إلّا به، قلت: و ما هو قال: الايمان باللّه الذي لا إله إلّا هو أعلى الأعمال درجة و أشرفها منزلة و أسناها حظا قال: قلت: ألا تخبرني عن الايمان أقول هو و عمل أم قول بلا عمل فقال: الايمان عمل كلّه و القول بعض ذلك العمل بفرض من اللّه بيّن في كتابه واضح نوره ثابتة حجّته يشهد له به الكتاب و يدعوه اليه قال: قلت له: صفة لى جعلت فداك حتّى أفهمه، قال: الايمان حالات و درجات و طبقات و منازل: فمنه التامّ المنتهى تمامه، و منه الناقص البيّن نقصانه، و منه الراجح الزّايد رجحانه قلت: إنّ الايمان ليتمّ و ينقص و يزيد قال: نعم، قلت: كيف ذاك قال: لأنّ اللّه تبارك و تعالى فرض الايمان على جوارح ابن آدم و قسّمه عليها و فرّقه فيها، فليس من جوارحه جارحة إلّا و قد وكّلت من الايمان بغير ما وكّلت به اختها، فمنها قلبه الذى به يعقل و يفقه و يفهم، و هو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح و لا تصدر إلّا عن رأيه و أمره، و منها عيناه اللّتان يبصر بهما، و اذناه اللّتان يسمع بهما و يداه اللّتان يبطش بهما و رجلاه اللّتان يمشى بهما، و فرجه الذى الباه من قبله «قلبه خ» و لسانه الذي ينطق به، و رأسه الذي فيه وجهه فليس من هذه جارحة إلّا و قد وكلت من الايمان بغير ما وكلّت به اختها بفرض من اللّه تبارك و تعالى اسمه، ينطق به الكتاب لها و يشهد به عليها، ففرض على القلب غير ما فرض على العينين و فرض على العينين غير ما فرض على اللّسان، و فرض على اللّسان غير ما فرض على اليدين و فرض على اليدين غير ما فرض على الرّجلين، و فرض على الرّجلين غير ما فرض على الفرج و فرض على الفرج غير ما فرض على الوجه.

فاما ما فرض على القلب من الايمان فالاقرار و المعرفة و العقد و الرّضا و التسليم بأن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له إلها واحدا لم يتّخذ صاحبة و لا ولدا و أنّ محمّدا عبده و رسوله صلوات اللّه عليه و آله، و الاقرار بما جاء من عند اللّه من نبىّ أو كتاب، فذلك ما فرض اللّه على القلب من الاقرار و المعرفة و هو قول اللّه عزّ و جلّ:إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً و قال: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ و قال: الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ و قال: إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ.
فذلك ما فرض اللّه عزّ و جلّ على القلب من الاقرار و المعرفة و هو عمله و هو رأس ايمان.

و فرض الله على اللّسان القول و التعبير عن القلب بما عقد عليه و أقرّ به قال اللّه تبارك و تعالى اسمه: وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً و قال: وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَ قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي.
فهذا ما فرض اللّه على اللّسان و هو عمله.

و فرض على السّمع أن يتنزّه عن الاستماع إلى ما حرّم اللّه و أن يعرض عمّا لا يحلّ له مما نهى اللّه عزّ و جلّ عنه و الاصغاء إلى ما اسخط اللّه عزّ و جلّ فقال في ذلك: وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَ يُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ.

ثمّ استثنى اللَّه عزّ و جلّ موضع النسيان فقال: وَ إِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى‏ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ و قال: فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ‏ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ و قال عزّ و جلّ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ و قال: وَ إِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ و قال: وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً.

فهذا ما فرض اللّه على السّمع من الايمان أن لا يصغى إلى ما لا يحلّ له و هو عمله و هو من الايمان.
و فرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرّم اللّه عليه و أن يعرض عمّا نهى اللّه عنه مما لا يحلّ له و هو عمله و هو من الايمان فقال تبارك و تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ.

فنهيهم عن أن ينظروا إلى عوراتهم و أن ينظر المرء إلى فرج أخيه و يحفظ فرجه أن ينظر إليه و قال: وَ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ.

من أن ينظر احديهنّ إلى فرج اختها و تحفظ فرجها من أن تنظر اليها و قال عليه السّلام كلّ شي‏ء في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزّنا إلّا هذه الآية فانّها من النظر ثمّ نظم ما فرض اللّه عزّ و جلّ على القلب و اللّسان و السّمع و البصر في آية اخرى فقال: وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ.

يعني بالجلود الفروج و الافخاذ و قال:وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا.

فهذا ما فرض اللّه على العينين من غضّ البصر عمّا حرّم اللّه و هو عملهما و هو من الايمان و فرض على اليدين أن لا يبطش بهما إلى ما حرّم اللّه و أن يبطش بهما إلى ما أمر اللّه عزّ و جلّ و فرض عليهما من الصّدقة و صلة الرّحم و الجهاد في سبيل اللّه و الطّهور للصّلوات فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ و قال: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها فهذا ما فرض اللّه على اليدين لأنّ الضّرب من علاجهما.

و فرض على الرّجلين أن لا يمشى بهما إلى شي‏ء من معاصي اللّه و فرض عليهما المشي إلى ما يرضى اللّه عزّ و جلّ فقال: وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا و قال: وَ اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ.

و قال فيما شهدت الأيدى و الأرجل في أنفسهما و على أربابهما من تضييعهما لما أمر اللّه عزّ و جلّ به و فرضه عليهما:

الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى‏ أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ فهذا أيضا ممّا فرض اللّه عزّ و جلّ على اليدين و على الرّجلين و هو عملهما و هو من الايمان.

و فرض على الوجه السّجود له باللّيل و النهار في مواقيت الصّلاة فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.

و هذه فريضة جامعة على الوجه و اليدين و الرّجلين و قال في موضع آخر: أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً.

و قال فيما فرض على الجوارح من الطّهور و الصلاة بها و ذلك أنّ اللّه عزّ و جلّ لمّا صرف نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى الكعبة عن بيت المقدّس أنزل اللّه عزّ و جلّ: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ فسمّى الصّلاة إيمانا فمن لقى اللّه عزّ و جلّ حافظا لجوارحه موفيا كلّ جارحة من جوارحه ما فرض اللّه عزّ و جلّ عليها لقى اللّه عزّ و جلّ مستكملا لايمانه و هو من أهل الجنّة، و من خان في شي‏ء منها أو تعدّى ما أمر اللّه عزّ و جلّ فيها لقى اللّه عزّ و جلّ ناقص الايمان قلت: قد فهمت نقصان الايمان و تمامه، فمن أين جاءت زيادته فقال عليه السّلام: فول اللّه عزّ و جلّ وَ إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ و قال: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ‏ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً.

و لو كان كلّه واحدا لا زيادة فيه و لا نقصان لم يكن لأحد منهم فضل على الآخر و لاستوت النعم فيه، و لاستوى الناس و بطل التفضيل و لكن بتمام الايمان دخل المؤمنون الجنّة، و بالزّيادة في الايمان تفاضل المؤمنون بالدّرجات عند اللّه، و بالنقصان دخل المفرطون النّار.

فانّ صدر هذه الرّواية الشريفة أعنى قوله عليه السّلام: الايمان عمل كلّه، و إن كان موهما في بادى الرأى كون العمل داخلا في مفهوم الايمان، إلّا أنّ ذيلها أعنى قوله: لقى اللّه عزّ و جلّ مستكملا لايمانه، إلى قوله: لقى اللّه عزّ و جلّ ناقص الايمان، إلى آخر الرّواية نصّ صريح في كونه شرطا في كماله لاجزء من مفهومه و قد استفيد منها أيضا كونه قابلا للزّيادة و النقصان كما هو مذهب المحقّقين من الفريقين.

و أمّا ما توهّمه كثير من المتكلّمين من أنه إن كان الايمان هو التّصديق فلا يقبلهما، لأنّ الواجب هو اليقين، و هو غير قابل للتفاوت لا بحسب ذاته و لا بحسب متعلّقه أمّا بحسب الذّات فلأنّ التفاوت باعتبار احتمال النقيض و لو بأبعد وجه و هو ينافي اليقين و لا يجامعه، و أمّا بحسب المتعلّق فلأنّ متعلّقه جميع ما علم مجي‏ء الرّسول به و الجميع من حيث هو جميع لا يتصوّر فيه تعدّد، و إلّا لم يكن جميعا، و إن كان هو العمل وحده أو مع التّصديق فيقبلهما و هو ظاهر، و ما وردت في الكتاب و السّنّة ممّا يدلّ على قبوله إيّاهما فباعتبار الأعمال فيزيد بزيدها و ينقص بنقصانها ففيه منع ذلك أمّا باعتبار الذّات فلأنّ التّصديق من الكيفيات النّفسانيّة المتفاوتة قوّة و ضعفا فيجوز أن يكون التفاوت فيه بالقوّة و الضّعف، فانّ عين اليقين أعلى مرتبة و أقوى من علم اليقين، و للفرق الظاهر بين ايمان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأئمة و آحاد الرعيّة، قال أمير المؤمنين عليه السّلام: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا.

و امّا باعتبار المتعلّق فلأنّ التّصديق التّفصيلي في أفراد ما علم‏ مجي‏ء الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم به جزء من الايمان يثاب عليه، مضافا إلى ثوابه على تصديقه بالاجمال فكان قابلا للزّيادة، و اللّه الهادي إلى المنهج القويم، و الصراط المستقيم.

(و) الثاني من الوسايل إلى اللّه سبحانه (الجهاد في سبيله فانه ذروة الاسلام) لما كان ذروة كلّ شي‏ء عبارة عن أعلاه جعل الجهاد ذروة الاسلام باعتبار رفعته و علوّ رتبته فيه و تقدّمه على ساير العبادات البدنيّة باعتبار اقتضائه قوّة التصديق و اليقين بما جاء به خاتم النبيين ما لا يقتضيه ساير الطّاعات و القربات و إلّا لما ألقى المجاهد نفسه إلى المهالك مع غلبة ظنّه بأنه عاطب هالك و لو لا سيف المجاهدين لما اخضرّ للاسلام عود و لا قام له عمود و قد تقدّم في الخطبة السّابعة و العشرين انه باب من أبواب الجنّة فتحه اللّه لخاصّة أوليائه إلى آخر ما ذكره من فضائله و بيّنا في شرحها ما فيه كفاية لمن له علم و دراية.

(و) الثالث (كلمة الاخلاص)

أى الكلمة المتضمّنة لاخلاص اللّه تعالى و تنزيهه عن الشركاء و الأنداد و هى كلمة التّوحيد أعنى لا إله إلّا اللّه و قد تقدّم في شرح الفصل الثّاني من فصول الخطبة الثانية فضايل تلك الكلمة الطيّبة المباركة و فوايدها و علل عليه السّلام كونها من أفضل القرب بقوله (فانها الفطرة) أى الفطرة المعهودة الواردة في الكتاب العزيز المأمور باتّباعها بقوله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها و أصلها الخلقة من الفطر بمعنى الخلق ثمّ جعلت للخلقة القابلة لدين الحقّ على الخصوص، و ربما تطلق على التّوحيد و المعرفة و به فسّرت الآية الشريفة و فسّر قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: كلّ مولود يولد على الفطرة حتّى يكون أبواه هما اللّذان يهوّدانه و ينصّرانه و يمجّسانه، قال في مجمع البيان أى اتبع فطرة اللّه و هى التّوحيد التي‏ فطر النّاس أى خلق النّاس عليها و لها و بها، أى لأجلها و التمسّك بها فيكون كقوله: و ما خلقت الجنّ و الانس إلّا ليعبدون، و هو كما يقول القائل لرسوله: بعثتك على هذا و لهذا و بهذا، و المعنى واحد.

و عن الصّدوق في التوحيد في أخبار كثيرة عن الصّادق عليه السّلام قال: فطرهم على التوحيد و باسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: سألته عن قول اللّه: حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ.

و عن الحنيفيّة فقال: هى الفطرة التي فطر النّاس عليها لا تبديل لخلق اللّه، قال: فطرهم اللّه على المعرفة قال زرارة و سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ-  الآية.

قال عليه السّلام أخرج من ظهر آدم ذريّته إلى يوم القيامة فخرجوا كالذّرّ فعرفهم و أرادهم و لو لا ذلك لم يعرف أحد ربّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: كلّ مولود يولد على الفطرة بأنّ اللّه عزّ و جلّ خالقه فذلك قوله تعالى: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ.

و قد تقدّم في شرح الفصل الرّابع عشر من فصول الخطبة الاولى أخبار أخر في هذا المعنى هذا.

و لما كانت كلمة الاخلاص متضمّنة للفطرة التي هى التوحيد و المعرفة دالّا عليها جعلها نفس الفطرة تسمية للدّال باسم مدلوله.

(و) الرابع (إقام الصّلاة فإنّها الملّة)

و قال الطّريحى الملّة في الأصل ما شرع اللّه لعباده على ألسنة الأنبياء ليتوصلوا به إلى جوار اللّه و يستعمل في جملة الشرائع دون آحادها و لا يكاد توجد مضافة إلى اللّه و لا إلى آحاد امّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بل يقال ملّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم‏ قال تعالى: ملّة أبيكم إبراهيم، أى دينه.

أقول: لما كان الصّلاة هو الركن الأعظم من الدّين اطلق اسمه عليها و أتى بالملّة معرفة بلام الجنس قصدا للحصر مبالغة من باب زيد الأمير و نحوه الحديث النّبوىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: الصّلاة عماد الدّين، فانه لما كان قوام الدّين و ثباته بها جعلها عمادا له كما صرّح بذلك في رواية اخرى قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: مثل الصّلاة مثل عمود الفسطاط إذا ثبت العمود ثبتت الأطناب و الأوتاد و الغشاء، و إذا انكسر العمود لم ينفع طنب و لاوتد و لا غشاء، و في رواية اخرى عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، الصّلاة عماد الدّين فمن ترك صلاته متعمّدا فقد هدم دينه و كيف كان فالآيات و الروايات في فضلها و عقوبة تاركها فوق حدّ الاحصاء قال تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً و في سورة النّساء: فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً و في سورة مريم: أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا و في سورة العَنكبوت: وَ أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ و في سورة أرأيت: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ.

أى غافلون غير مبالين بها قال عليّ بن إبراهيم القمّي: عنى به تاركون لأنّ كلّ انسان يسهو في الصّلاة، و في المجمع عن الصّادق عليه السّلام هو التّرك لها و التواني عنها، و عن الخصال عن أمير المؤمنين عليه السّلام: ليس عمل أحبّ إلى اللّه عزّ و جلّ من الصّلاة فلا يشغلكم عن أوقاتها شي‏ء من امور الدّنيا، فانّ اللّه عزّ و جلّ ذمّ أقواما فقال:الذين هم عن صلاتهم ساهون، يعنى أنهم غافلون استهانوا بأوقاتها.

و في الكافي باسناده عن معاوية بن وهب قال سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى ربّهم و أحبّ ذلك إلى اللّه عزّ و جلّ ما هو فقال عليه السّلام: ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصّلاة، ألا ترى أنّ العبد الصّالح عيسى بن مريم قال: و أوصاني بالصّلاة و الزّكاة ما دمت حيّا.

و عن زيد الشّحام عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سمعت يقول: أحبّ الأعمال إلى اللّه عزّ و جلّ الصّلاة، و هي آخر وصايا الأنبياء عليهم السّلام فما أحسن الرّجل يغتسل أو يتوضّأ فيسبغ الوضوء ثمّ يتنحىّ حيث لايراه أنيس فيشرف عليه و هو راكع أو ساجد، إنّ العبد إذا سجد فأطال السجود نادى إبليس: يا ويله أطاعوا و عصيت و سجدوا و أبيت، و نحوه في الفقيه إلّا أنّ فيه فيشرف اللّه عليه.

و عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إذا قام العبد المؤمن في صلاة نظر اللّه إليه أو قال أقبل اللّه عليه حتى ينصرف، و أظلّته الرّحمة من فوق رأسه إلى افق السماء و الملائكة تحفّه من حوله إلى افق السّماء، و وكل اللّه به ملكا قائما على رأسه يقول: أيّها المصلّى لو تعلم من ينظر إليك و من تناجي ما التفتّ و لا زلت من موضعك أبدا.

و عن محمّد بن الفضيل عن أبي الحسن الرّضا عليه السّلام قال: الصّلاة قربان كلّ تقىّ.
و عن حفص بن البخترى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: من قبل اللّه منه صلاة واحدة لم يعذّبه و من قبل منه حسنة لم يعذّبه.

و عن الحسين بن سيف عن أبيه قال: حدّثنى من سمع أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: من صلّى ركعتين يعلم ما يقول فيهما انصرف و ليس بينه و بين اللّه ذنب.
و في الفقيه قال الصّدوق: قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ما من صلاة يحضر وقتها إلّا نادى ملك بين يدي النّاس: أيّها النّاس قوموا إلى نيرانكم الّتي أوقدتموها على ظهوركم فأطفئوها بصلاتكم.

قال: و قال الصّادق عليه السّلام: أوّل ما يحاسب به العبد الصّلاة فاذا قبلت منه قبل ساير عمله، و إذا ردّت عليه ردّ عليه ساير عمله قال: و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّما مثل الصّلاة فيكم كمثل البرى و هو النهر على باب أحدكم يخرج إليه في اليوم و اللّيلة يغتسل منه خمس مرّات فلم يبق الدّرن على الغسل خمس مرّات، و لم يبق الذّنوب على الصّلاة خمس مرّات.

و في جامع الأخبار قال: قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لا تضيّعوا صلاتكم، فانّ من ضيّع صلاته حشره اللّه تعالى مع قارون و فرعون و هامان لعنهم اللّه و أخزاهم و كان حقا على اللّه أن يدخله النار مع المنافقين، فالويل لمن لم يحافظ على صلاته.
قال: و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: من ترك الصّلاة حتّى تفوته من غير عذر فقد حبط عمله، ثمّ قال: بين العبد و بين الكفر ترك الصّلاة.
و عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من ترك الصّلاة لا يرجو ثوابها و لا يخاف عقابها فلا ابالي يموت يهوديّا أو نصرانيّا أو مجوسيّا.
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: من أعان تارك الصّلاة بلقمة أو كسوة فكأنّما قتل سبعين نبيّا أوّلهم آدم و آخرهم محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هذا.
و الأخبار في هذا المعنى كثيرة جدا و فيما أوردناه كفاية للمهتدى المسترشد و إنما المهمّ الاشارة إلى علّة وجوب الصلوات الخمس و بعض أسرارها.
اما علة وجوبها فقد روى في الفقيه عن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام أنّه قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول اللّه فسأله أعلمهم عن مسائل فكان فيما ساله أنه قال له: أخبرنى عن اللّه لأىّ شي‏ء فرض اللّه عزّ و جلّ هذه الخمس الصّلوات في خمسة مواقيت على امّتك في ساعات اللّيل و النّهار فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّ الشمس عند الزّوال لها حلقة«» تدخل فيها فاذا دخلت فيها زالت الشمس فيسبّح كلّ شي‏ء دون العرش بحمد ربّي جلّ جلاله و هى السّاعة التي يصلّى‏ فيها على ربّي فقرض اللّه علىّ و على امّتي فيها الصّلاة و قال: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ.«» و هى السّاعة التي يؤتى فيها بجهنّم يوم القيامة فما من مؤمن يوافق تلك السّاعة أن يكون ساجدا أو راكعا أو قائما إلّا حرّم اللّه جسده على النّار.

و أمّا صلاة العصر فهى السّاعة التي اكل آدم فيها من الشجرة فأخرجه اللّه من الجنّة فأمر اللّه ذرّيته بهذه الصّلاة إلى يوم القيامة و اختارها لامّتي فهى من أحبّ الصّلوات إلى اللّه عزّ و جلّ و أوصاني أن أحفظها من بين الصّلوات.
و أمّا صلاة المغرب فهى السّاعة التي تاب اللّه على آدم عليه السّلام و كان بين ما اكل من الشجرة و بين ما تاب اللّه عليه ثلاثمأة سنة من أيّام الدّنيا و في أيّام الآخرة يوم كألف سنة«» ما بين العصر إلى العشاء فصلّى آدم ثلاث ركعات و ركعة لخطيئته و ركعة لخطيئة حوّا، و ركعة لتوبته فافترض اللّه هذه الثلاث ركعات على امّتي و هى السّاعة التي يستجاب فيها الدّعا فوعدنى اللّه أن يستجيب لمن دعاه فيها و هى الصّلاة التي أمرني ربّي بها في قوله: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ.

و أمّا صلاة العشاء الآخرة فانّ للقبر ظلمة، و ليوم القيامة ظلمة أمرني اللّه بهذه الصّلاة و امّتي لتنوّر الصّور و ليعطني و امّتي النّور على الصّراط، و ما من قدم مشت الى صلاة العتمة«» إلّا حرّم اللّه جسدها على النّار و هى الصّلاة التي اختارها اللّه للمرسلين قبلي.

و أمّا صلاة الفجر فانّ الشّمس إذا طلعت تطلع على قرن شيطان، فأمرني اللّه أن اصلّي قبل طلوع الشّمس صلاة الغداة و قبل أن يسجد لها الكافر لتسجد امتي للّه عزّ و جلّ و سرعتها أحبّ الى اللّه و هى الصّلاة التي يشهدها ملائكة اللّيل و ملائكة النّهار و علة اخرى لذلك و هو ما رواه في الفقيه أيضا عن الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنه قال: لما هبط آدم عليه السّلام من الجنّة ظهرت به شأمة سوداء في وجهه من قرنه إلى قدمه، فطال حزنه و بكاؤه على ما ظهر به، فأتاه جبرئيل فقال له: ما يبكيك يا آدم فقال: لهذه الشامة التي ظهرت بي، قال: قم يا آدم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الاولى، فقام فصلّى فانحطت الشامة إلى عنقه، فجاءه في الصّلاة الثانية فقال: يا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الثالثة، فقام فصلّى فانحطت الشّامة إلى سرّته، فجاءه في الصّلاة الثالثة فقال: يا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الثالثة فقام فصلّ فانحطت الشامة إلى ركبتيه، فجاء في الصّلاة الرّابعة فقال: يا آدم قم فصلّى فهذا وقت الصّلاة الرابعة، فقام فصلّى فانحطت الشامة إلى قدميه، فجاءه في الصّلاة الخامسة فقال: يا آدم قم فصلّ فهذا وقت الصّلاة الخامسة، فقام فصلّى فخرج منها، فحمد اللّه و أثنا عليه فقال جبرئيل: يا آدم مثل ولدك في هذه الصّلاة كمثلك في هذه الشّامة، من صلّى من ولدك في كلّ يوم و ليلة خمس صلوات خرج من ذنوبه كما خرجت من هذه الشّامة، و يأتي لها علّة ثالثة انشاء اللّه في شرح الخطبة المأة و الحادية و التسعين.

و أما أسرار الصلاة فهى كثيرة لا يمكن استقصاؤها و إنّما نشير إلى نبذ منها مما اشير إليها في الروايات و وصل إلينا من أولى الألباب و الدّرايات و أرباب المعرفة و الاشارات فنقول و باللّه التوفيق: إنّ الصّلاة الكاملة قد خصّت من بين ساير العبادات بأنّها بمنزلة انسان كامل مشتمل على روح و جسد، منقسم إلى ظهر و بطن و سرّ و علن، و لروحه و سرّه أخلاق و صفات، و لجسده و علن أعضاء و أشكال، فروح الصّلاة أهل معرفة الحقّ و العبوديّة له بالاخلاص و التوحيد.

أمّا أخلاقها و صفاتها الباطنة فيجمعها امور و هي: حضور القلب، و التفهّم و التعظيم، و الهيبة، و الرجاء، و الحياء، و هذه ستّ خصال شريفة و حالات كريمة و ملكات عظيمة لا يوجد جميعها إلّا في مؤمن امتحن اللّه قلبه بنور الايمان و العرفان اما حضور القلب فهو تفريغ القلب عن غير ما هو ملابس له و متكلّم به و صرفه إلى ما يتلبّس به من الأفعال و يتكلّم به من الأقوال، و لا يحصل ذلك إلّا بعد معرفة المصلّى بانّ الغرض المطلوب منه هو الايمان و التصديق بأنّ الآخرة خير و أبقى، و أنّ الصّلاة وسيلة اليها، فاذا اضيف إلى تلك المعرفة العلم بحقارة الدّنيا و خسّتها و زوالها انصرف القلب عن مهمّات الدّنيا لا محالة و توجّه إلى صلاته الموصلة و إلى سعادات الآخرة و هو معنى حضور القلب.

روى إبراهيم الكرخي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال: إنّي لاحبّ الرّجل المؤمن منكم إذا قام في صلاة فريضة أن يقبل بقلبه إلى اللّه تعالى و لا يشغل قلبه بأمر الدّنيا، فليس من عبد يقبل بقلبه في صلاته إلى اللّه تعالى إلّا أقبل اللّه إليه بوجهه، و أقبل بقلوب المؤمنين إليه بالمحبة بعد حبّ اللّه إليه ايّاه.

و عن الخصال باسناده عن علىّ عليه السّلام في حديث الأربعمائة قال: لا يقومنّ أحدكم في الصّلاة متكاسلا، و لانا عسا، و لا يفكّرن في نفسه، فانه بين يدي ربّه عزّ و جلّ، و إنما للعبد من صلاته ما أقبل عليه منها بقلبه.
أقول: و مرّ ذلك أنّ الصّلاة في الحقيقة معراج المؤمن و مناجاة الرّب المعبود، فلا بدّ فيه من الاقبال، لأنّ من لا يقبل عليك لا يستحقّ اقبالك عليه، كما لو حاربك من تعلم غفلته من محاربتك و إعراضه عن محاورتك، فانّه يستحق إعراضك عن خطابه و اشتغالك بجوابه.

قال الصّادق عليه السّلام من أراد أن ينظر منزلته عند اللّه فلينظر منزلة اللّه عنده، فانّ اللّه ينزل العبد مثل ما ينزل العبد إليه من نفسه.
و أما التفهم فهو التّدبر في معنى اللّفظ، و هو أمر وراء حضور القلب، فربما يكون القلب حاضرا مع اللفظ و لا يكون حاضرا مع معنى اللّفظ، فاشتمال القلب‏ القلب على العلم بمعنى اللّفظ هو المراد بالتفهم، و قد ذمّ اللّه أقواما على ترك التدبّر حيث قال: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها.
و روى سيف بن عمير عمّن سمع أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: من صلّى ركعتين يعلم ما يقول فيهما انصرف و ليس بينه و بين اللّه ذنب إلّا غفر له.

ثمّ الناس في هذا المقام أى مقام التفهّم متفاوتون، إذ ليس يشترك الجميع في تفهّم معاني القرآن و التّسليمات، و كم من معاني لطيفة يفهمها المصلّى في أثناء الصّلاة و لم يكن خطر بقلبه قبل ذلك، و من هذا الوجه كانت الصّلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر، فانّما يفهم امورا هى مانعة من الفحشاء لا محالة.

روى يونس بن ظبيان عن أبى عبد اللّه عليه السّلام أنه قال: اعلم أنّ الصّلاة حجزة اللّه في الأرض فمن أحبّ أن يعلم ما أدرك من نفع صلاته فلينظر، فان كانت صلاته حجزته عن الفواحش و المنكر فانّما أدرك من نفعها بقدر ما احتجز، و من أحبّ أن يعلم ماله عند اللّه فليعلم ما للّه عنده و اما التعظيم فهو أمر وراء حضور القلب و الفهم، فربما يخاطب الرّجل عبده بكلام و هو حاضر القلب فيه و متفهّم لمعناه، و لا يكون معظما له، فالتعظيم أمر زايد عليهما، و هو حالة للقلب منشاها معرفة جلال الرّب سبحانه و كبريائه و عظمته مع معرفة حقارة النّفس و خسّتها و كونها عبدا مسخّرا مربوبا، فيتولّد من هاتين المعرفتين الاستكانة و الانكسار و الخشوع للّه سبحانه، فيعبّر عنه بالتعظيم.

روى الحلبيّ عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إذا كنت في صلاتك فعليك بالخشوع و الاقبال على صلاتك، فانّ اللّه تعالى يقول: الّذينهم في صلاتهم خاشعون، ثمّ الخشوع كما يكون في القلب كذلك يكون في الجوارح، و يدلّ عليه ما رواه الطّبرسي في مجمع البيان أنّ النبيّ رأى رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أما أنه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه.

و اما الهيبة فأمر زايد على التعظيم، و هى عبارة عن خوف منشاه التعظيم، لأنّ من لا يخاف لا يسمّى هايبا، و المخافة من العقرب و الحيّة و ساير الموذيات و من العقوبة و سوء خلق العبد و ما يجرى مجرى ذلك من الأسباب الخسيسة لا تسمّى مهابة، فالهيبة خوف مصدره الاجلال، و هى متولّدة من المعرفة بقدرة اللّه و سطوته و نفوذ أمره و مشيّته فيه مع قلّة مبالاته به، و أنّه بحيث لو أهلك الأوّلين و الآخرين لم ينقص من ملكه مثقال ذرّة، لا سيّما إذا انضمّ إلى ذلك ملاحظة ما جرى على الأنبياء و الأولياء من أنواع المحن و المصائب و البلاء، و كلّما زاد العلم باللّه و كبريائه زادت الهيبة و الخشية، و لأجل ذلك قال تعالى: إنّما يخشى اللّه من عباده العلماء.

روى فضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: كان عليّ بن الحسين عليه السّلام اذا قام إلى الصّلاة تغيّر لونه، فاذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفض عرقا و عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام إنى رأيت عليّ بن الحسين عليهما السّلام إذا قام إلى الصلاة غشى لونه لون آخر، فقال لي: و اللّه إنّ عليّ بن الحسين عليهما السلام كان يعرف الذى يقوم بين يديه.

و عن جهم بن حميد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال أبي: كان عليّ بن الحسين إذا قام إلى الصّلاة كأنّه ساق شجرة لا يتحرّك منه شي‏ء إلّا ما حرّكت الرّيح منه و قد اخرجت هذه الرّوايات و سابقتها من الوسايل رواها فيه باسنادها من الكافي و غيره.

و اما الرجاء فلا شك أنّه زايد على ما سبق، فكم من معظم ملكا من الملوك يهابه أو يخاف سطوته و لا يرجو انعامه و مبرّته، و العبد ينبغي أن يكون راجيا بصلاته ثواب اللّه كما أنه خائف بتقصيره عقاب اللّه، و منشا الرّجا معرفة لطف الحقّ و كرمه و عميم جوده و احسانه و شمول رحمته و انعامه و معرفة صدقه في وعده على الصلاة بالثواب و بشراه بالجنّة و حسن المآب، فبمجموع المعرفة بلطفه سبحانه و المعرفة بصدقه يحصل الرجاء.

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الصّلاة مرضاة اللّه، و حبّ الملائكة، و سنّة الأنبياء و نور المعرفة، و أصل الايمان، و اجابة الدّعاء، و قبول الاعمال، و بركة في الرّزق و راحة في البدن، و سلاح على الأعداء، و كراهة الشّيطان، و شفيع بين صاحبها و ملك الموت، و السراج في القبر، و فراش تحت جنبه، و جواب منكر و نكير، و مونس في السّراء و الضّراء، و صائر معه في قبره إلى يوم القيامة.

و أما الحياء فزيادته على ما سبق واضحة، لأنّ مستنده استشعار تقصير و توهّم ذنب، و يتصوّر التعظيم و الخوف و الرّجاء من غير حياء، حيث لا يتوهّم تقصير و خطاء و منشا استشعار التقصير و توهّم الذّنب علم المكلف بالعجز عن القيام بوظائف العبوديّة و التعظيم على ما يليق بحضرة الرّبوبيّة سبحانه، و يزيد ذلك بالاطلاع على كثرة عيوب النّفس و آفاتها، و فرط رغبتها في أفعالها و حركاتها و سكناتها إلى الدّنيا و شهواتها، و قلّة اخلاصها في طاعاتها مع العلم بعظيم ما يقتضيه جلال اللّه و عظمته و كبريائه، و مع المعرفة بأنه خبير بصير مطلع على السرائر، عالم بالضمائر، و هذه المعارف إذا حصلت يقينا انبعث منها الحياء.

و أما اعضاء الصلاة و أشكالها فهى: القيام، و القعود، و القرائة، و التشهد و الركوع، و السجود، و ظاهرها يرتبط بظاهر الانسان، و به يكلف العوام الذين درجتهم درجة الأنعام، ليمتازوا بذلك التعبّد الظاهرى عن ساير أنواع الحيوان في العاجل، و يستحقوا به نوعا من الثواب في الاجل، و باطنها يلتزم بباطن الانسان ممن له قلب أو ألقى السّمع و هو شهيد.

أمّا صلاة الظاهر المأمور بها شرعا و المفروضة على كافة المكلّفين سمعا فاعدادها معلومة، و أوقاتها مرسومة، و أركانها مضبوطة، و أحكامها في الكتب مسطورة، لا حاجة بنا إلى تفصيلها الشهرتها، و كفاية الكتب الفقهيّة في تعيين شرايطها و أحكامها و أمّا صلاة الباطن و صلاة أهل الخصص فنشير إلى بعض أسرارها و يسير ممّا ينبغي لها لتكون على ذكر منها عند القيام بها، و تأتى بها على وجه البصيرة و المعرفة إن كنت من أهل القرب و الطّاعة فنقول و باللّه التوفيق:اما الطهارة فاذا أتيت بها في مكانك و هو طرفك الأبعد، ثمّ في ثيابك و هو غلافك الأقرب، ثمّ في بشرتك و هو قشرك الأدنى فلا تغفل عن تطهير ذاتك و إزالة رجس الشيطان عن لبّك بالتوبة و النّدم على التفريط في جنب اللّه كما قال سبحانه: و ثيابك فطهّر و الرّجز فاهجر، فطهّر قلبك فانّه منظر معبودك.

و اما ستر العورة فمعناه تعطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق أعنى سكّان عالم الأرض، فاذا وجب عليك ستر ظاهر البدن عن الخلق و هم مخلوق مثلك فما ظنك في عورات باطنك و فضايح سترك الذي هو موضع نظر معبودك و خالقك، فانها أولى بالسّتر و أحرى، فاحضر تلك الفضايح ببالك، و طالب نفسك بسترها بالنّدم و الخوف و الحياء، و نزل نفسك منزلة العبد المجرم المسى‏ء الآبق الذى ندم فرجع إلى مولاه ناكسا رأسه من الحياء و الخوف.

و اما الاستقبال فهو صرف ظاهر وجهك من ساير الجهات إلى جهة البيت الحرام، أفترى أنك مأمور بذلك و لست مأمورا بتوجيه قلبك إلى معبودك، فليكن وجه قلبك مع وجه بدنك، و كما لا يمكن التوجّه بالبيت إلّا بالالتفات عن ساير الجهات، فكذلك لا يمكن التّوجّه إلى الحقّ، إلّا بالاعراض عن كلّ ما عداه، و الانقطاع بكلّيته إلى اللّه.
و أما القيام فليكن على ذكرك في الحال خطر القيام بين يدي الربّ المتعال في القيامة و هو المطّلع في مقام العرض و السّؤال حين ما أيقن أهل الجرائم بالعقاب و عاينوا أليم العذاب، فقم بين يديه سبحانه قيام عبد ذليل بين يدي ملك جليل، و عليك بخفوت أطرافك و هد و أطراقك و سكون جوارحك و خشوع أجزائك و حاسب نفسك قبل أن تحاسب، وزن نفسك قبل أن توزن.

و أما النية فاعلم أنّ الأعمال بالنيات و أنّ النّية رأس العبادات، فاجتهد في تحصيل الاخلاص، رجاء للثّواب و خوفا من العقاب و طلبا للقرب إلى ربّ الأرباب قال الصادق عليه السّلام إذا كان أوّل صلاته بنيّة يريد بها ربّه فلا يضرّه ما دخله بعد ذلك فليمض في صلاته و ليخسأ الشّيطان.

و أما التكبير فاذا نطق به لسانك فينبغي أن لا يكذّبه قلبك، فان كان هواك أغلب عليك من أمر اللّه و أنت أطوع له منك للّه فقد اتّخذته إلها لك و معبودا من دون اللّه كما قال عزّ من قائل: أرأيت من اتّخذ إلهه هويه، فقولك: اللّه أكبر يكون حينئذ كلاما بمجرّد اللّسان من دون أن يساعده القلب و الجنان، فيشهد اللّه سبحانه عليك بأنك لكاذب في تكبيرة و تعظيمه كما شهد على المنافقين بأنهم لكاذبون في قولهم: نشهد أنّك لرسول اللّه، و ما أعظم الخطر في ذلك لو لا التّدارك بالتوبة و الاستغفار.

و اما القرائة فالناس فيها على ثلاثة أقسام: السّابقون و هم المقرّبون، و أصحاب اليمين و هم أهل الجنّة، و أصحاب الشّمال و هم أهل النّار، فرجل يتحرّك لسانه و قلبه غافل عما هو فيه و يتكلّم به، بل مشغول الفكر بأغراض نفسه و معاملاته و تجاراته و خصوماته و غيرها، و رجل يتحرّك لسانه و قلبه يتبع اللّسان فيفهم و يسمع منه كانه يسمعه من غيره و هو مقام أصحاب اليمين، و رجل يسبق قلبه إلى المعاني أوّلا ثمّ يخدم اللّسان القلب فيترجمه كما ربّما يخطر ببالك شي‏ء فينبعث منك داعية الشّوق إلى التكلّم به و فرق بين أن يكون اللّسان ترجمان القلب و بين أن يكون القلب ترجمانا تابعا للسان، و المقرّبون لسانهم ترجمان قلوبهم.

و توضيح ترجمة المعاني أنك اذا قلت: أعوذ باللّه من الشيطان الرّجيم، فادفع وساوس قلبك و عجب نفسك، و طهّر ساحة قلبك من خطرات ابليس و أحاديث النفس ليتيسّر لك الدّخول في باب الرّحمة فينفتح لك باب الملكوت بالمغفرة و باب الجبروت بالفضل و الكرامة، و إذا قلت: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، فانو به التبرّك باسمه، و اعلم أنّ الامور كلّها باللّه و هى من فيض رحمته في الدّنيا و الآخرة فاذا كانت النعم الدّنيويّة و الاخرويّة مبدؤها وجوده و كانت كلّها من بحر كرمه وجوده كما قال عزّ من قائل: و ما بكم من نعمة فمن اللّه، فاعلم أنه لا يليق الحمد و الثناء إلّا للّه سبحانه، فقل: الحمد للّه، فلو كنت ترى نعمة من عند غيره و تتوقّع منه‏ الوصول اليها و تقرع بيد السّؤال بابه بزعم استقلاله فيها لا باعتقاد أنه واسطة في ايصالها إليك و آلة لوصولها إلى يديك فتشكره بذلك، ففي تسميتك و تحميدك نقصان و أنت بقدر التفاتك إلى غيره كاذب فيهما.

ثمّ اعلم أنّك تأسّيت في تحميدك للّه بالملائكة المقرّبين حيث قالوا قبل أن يخلق اللّه سبحانه هذه النشأة: نحن نسبّح بحمدك و نقدّس لك، و بعباد اللّه الصّالحين، حيث إنّهم بعد ما يحكم بينهم و بين المجرمين يوم الحاقة بالحقّ فيحمدون ربهم كما اخبر عنهم بقوله: و قضي بينهم بالحقّ و قيل الحمد للّه ربّ العالمين، و بعد ما يعتبرون الصراط و يجدون رايحة الجنان يقولون: الحمد للّه الذي هدانا لهذا، و بعد ما يتمكنون في قصور الجنّات و يجلسون وسط الرّوضات يقولون: الحمد للّه الذي صدقنا وعده، و بعد ما ينالون غاية الآمال و يجزون الحسنى بالأعمال يكون آخر كلامهم حمد الرّب المتعال، و آخر دعويهم أن الحمد للّه رب العالمين، فاذا كان بدية العالم و نهايته مبنيّة على الحمد فاجتهد أن يكون بداية عملك و نهايته كذلك، و كما أنّ حمد هؤلاء المقرّبين ناش عن وجه الاخلاص و اليقين، فليكن ثناؤك كذلك و إذا قلت: ربّ العالمين، فاعلم أنّه سبحانه مربّيك و مربّي ساير الخلائق أجمعين، حيث إنه خلقهم و ساق اليهم أرزاقهم و دبّر امورهم و قام بمصالحهم و بدء بالآمال قبل السؤال، و أنه رباهم بعظيم ما لديه من دون جلب ربح و منفعة منهم إليه كما هو شأن ساير المربّين و المحسنين فانهم انما يربون و يحسنون ليربحوا على ذلك و ينتفعوا بذلك إما ثوابا أو ثناء، فاذا كان تربيته كذلك فلينبعث منك مزيد شوق و رجاء إلى فضله و نواله.

و ليشتدّ ذلك الرّجاء إذا قلت: الرّحمن الرّحيم، فانّ رحمته سبحانه لانهاية لها، فبرحمته الرّحمانية خلق الدّنيا و ما فيها، و برحمته الرّحيميّة يجزى لمؤمنين الجزاء الأوفى، و هو الذي ينادى عبده و يشرفه بألطف الخطاب حين ما وارده في التراب، و ودّعه الأحباب و يقول: عبدي بقيت فريدا وحيدا فأنا أرحمك اليوم رحمة يتعجّب الخلائق منها.

ثمّ لا تغترّ بذلك و لا تأمن من غضبه و استشعر من قلبك الخوف، و إذا قلت: مالك يوم الدّين، فاحضر في نظرك أنواع غضبه و قهره على أهل الجرائم و الجوائز و اعلم أنّه لا مانع ذلك اليوم من سخطه و لا رادّ من عقابه، لانحصار الملك يومئذ فيه، فليس لأحد لجأ يؤويه.

ثمّ إذا حصلت بين الخوف و الرّجاء فجرد الاخلاص و التوحيد و قل: إيّاك نعبد، أى لا يستحقّ العبادة إلّا أنت و لا معبود سواك و لا نعبد إلّا إيّاك، و تفطّن لسرّ التكلّم بصيعة الجمع نكتة تشريك الغير معك في الاذعان بالعبوديّة، و هو أنّ من باع أمتعة كثيرة صفقة بعضها صحيح و بعضها معيب فاللّازم على المشتري إمّا قبول الجميع أو ردّ الجميع، و لا يجوز له ردّ المعيب و أخذ الصحيح، فههنا قد مزجت عبادتك بعبادة غيرك من الأنبياء و المرسلين و الملائكة المقرّبين و عباد اللّه الصّالحين، و عرضت الجميع صفقة واحدة على حضرة ربّ العالمين، فهو سبحانه أجلّ من أن يردّ المعيب و يقبل الصحيح، فانّه قد نهى عباده عن ذلك فلا يليق بكرمه ذلك، كما لا يليق به ردّ الجميع لكون بعضها مقبولا البتة فلم يبق إلّا قبول الجميع و هو المطلوب.

ثمّ القيام منك بوظايف العبودية و الاتيان بلوازم الطّاعة لما لم يكن ممكنا إلّا باعانة منه سبحانه و إفاضة منه الحول و القوّة اليك فتضرّع إليه تعالى و اطلب منه التوفيق و الاعانة و قل: و إيّاك نستعين، و تحقّق أنه ما تيسّرت طاعتك إلّا باعانته و أنّه لولا توفيقه لكنت من المطرودين مع الشّيطان اللعين و إذا أظهرت حاجتك إليه سبحانه في إفاضته الاعانة و التّوفيق فعيّن مسئولك و اطلب منه تعالى أهمّ حاجاتك و ليس ذلك إلّا طلب القرب من جواره، و لا يكون ذلك إلّا بالحركة و السكون نحوه و سلوك السّبيل المؤدّى اليه و لا يمكن ذلك إلّا بهدايته سبحانه فقل: اهدنا الصّراط المستقيم، قال الصادق عليه السّلام يعني أرشدنا للزوم الطّريق المؤدّى إلى محبّتك و المبلغ إلى جنّتك و المانع من أن نتبع أهوائنا فنعطب أو نأخذ بآرائنا فنهلك.

و زد ذلك شرحا و تفصيلا و تأكيدا بقولك: صراط الذين أنعمت عليهم، و هم الذين أنعم عليهم بالتوفيق و الطّاعة لا بالمال و الصّحة و هم الذين قال اللّه تعالى.
وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً.

و أمّا الذين انعم عليهم بالمال و الصحّة فربما يكونون كفّارا أو فسّاقا من الذين لعنهم اللّه و غضب عليهم، أو من الضّالين المكذّبين، و لذلك حسن التأكيد بأن تقول: غير المغضوب عليهم، و هم اليهود قال اللّه فيهم: من لعنه اللّه و غضب عليه، و لا الضّالّين، و هم النّصارى قال اللّه فيهم قد ضلّوا من قبل و أضلّوا كثيرا فاذا فرغت من قراءة فاتحة الكتاب فأقرء ما شئت من السّور، و عليك بالترتيل و تعمد الاعراب في ألفاظ ما تقرؤها و التّفكّر في معناها، و سؤال الرحمة و التّعوّذ من النقمة عند قراءة آيتيهما، ثمّ إذا فرغت من القرائة فجدّد ذكر كبرياء اللّه سبحانه و عظمته و ارفع يديك حيال وجهك و قال: اللّه أكبر استجارة بعفوه عن عقابه و اتباعا لسنّة رسوله، ثمّ تستأنف له ذلّا و تواضعا بركوعك و تجتهد في ترقيق قلبك و في استشعار الخشوع له، و عليك بالطمأنينة و الوقار و تسوية ظهرك و مدّ عنقك.

فقد قال أبو جعفر عليه السّلام: من أتمّ ركوعه لم يدخله وحشة في القبر.
و في مرفوعة أبي القاسم بن سلام قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذا ركع لوصبّ على ظهره ماء لاستقرّ، و أمّا مدّ العنق فمعناه إنّى آمنت بك و لو ضربت عنقى.

ثمّ تشهد على ربّك بالعظمة و أنّه أعظم من كلّ عظيم فتقول: سبحان ربّى العظيم و بحمده، و تكرّر ذلك على القلب و تؤكده بالتكرير، ثمّ تنتصب قائما و تقول: سمع اللّه لمن حمده و الحمد للّه ربّ العالمين، ثمّ تهوى إلى السّجود و هو أعلى درجات التذلّل و الاستكانة حيث الصقت أعزّ جوارحك و أشرفها و هو الجبهة بأذلّ الأشياء و أخسّها و هو التراب، و قد نهيت عن السجود على الذهب و الفضّة و المطاعم و الملابس، لأنها متاع الحياة الدّنيا و السّجدة زاد الآخرة.

روى الصّدوق باسناده عن هشام بن الحكم أنّه قال لأبي عبد اللّه عليه السّلام: أخبرني عمّا يجوز السجود عليه و عما لا يجوز، قال: السجود لا يجوز إلّا على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلّا ما أكل أو لبس، فقال له: جعلت فداك ما العلّة في ذلك، قال: لأنّ السّجود خضوع للّه عزّ و جلّ فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل و يلبس، لأنّ أبناء الدّنيا عبيد ما يأكلون و يلبسون، و الساجد في سجوده في عبادة اللّه عزّ و جلّ فلا ينبغي أن يضع جهته في سجوده على معبود أبناء الدّنيا الذين اغترّوا بغرورها.

و أمّا تعدّد السجود فسّره ما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السّلام حيث سأله رجل ما معنى السجدة الاولى فقال عليه السّلام: تأويلها اللّهم منها خلقتنا يعني من الأرض، و تأويل رفع رأسك: و منها أخرجتنا و السجدة الثانية: و إليها تعيدنا، و رفع رأسك منها: و منها تخرجنا تارة اخرى.

أقول: و هو مأخوذ من قوله سبحانه في سورة طه: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى‏.
ثمّ تجلس لتشهد على يسارك و ترفع يمينك و تأويل ذلك: اللّهمّ أمت الباطل و اقحم الحقّ، فتجدّد العهد للّه سبحانه بالشهادة بالتوحيد و للنبيّ بالشهادة بالرّسالة، و تصلّى عليه و آله الذين هم وسايط الفيوضات النازلة، و بهم قبول الصّلاة و ساير العبادات، و بالتقرّب اليهم يرجى نزول الرّحمة من الحقّ، لكونهم واسطة بينك و بين الرسول كما أنّه واسطة بين اللّه و بين الخلق.

ثمّ احضر شخصه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في قلبك و قل: السّلام عليك أيّها النّبيّ و رحمة اللّه و بركاته، لتدخل في زمرة المؤمنين المجيبين لنداء يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه و سلّموا تسليما، ثمّ سلّم على نفسك و على عباد اللّه الصّالحين، و تأمّل أنّ اللّه يردّ عليك سلاما بعدد عباده الصالحين، و أما قولك: السّلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته، فتقصد بخطابك فيه الأنبياء و الملائكة و الأئمة عليهم السّلام و المؤمنين من الجنّ و الانس‏ و تحضرهم ببالك و تخاطبهم به، و إلّا كان التسليم بصيغة الخطاب لغوا و إن كان مخرجا عن العهدة، و حقيقة هذا التسليم هو الرّجوع عن الحقّ إلى الخلق، فانّ الصّلاة معراج للمؤمن و مناجاة للعبد مع معبوده و حضور له مع اللّه و غيبته له عما سواه، فاذا انصرف منه لزم عليه تجديد العهد بالخلق و التسّليم عليهم كما يسلم الغائب إذا قدم من سفره.

هذا قليل من كثير و نبذ يسير من أسرار الصّلاة، و المقام لا يسع الزيادة، و اللّه وليّ التوفيق و الهداية.

(و) الخامس من الوسايل (إيتاء الزّكاةفانها فريضة واجبة) و الاتيان بالوجوب بعد الفرض لمحض التأكيد و الاشارة إلى تأكّد وجوبها نظير قوله سبحانه: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقابِ وَ الْغارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.

فانّه سبحانه بعد الأمر بها بالجملة الخبرية التي هى في معنى الانشاء، عقّبه بقوله: فريضة، تأكيدا للوجوب، قال الزّجاج: فريضة منصوب على التوكيد، لأنّ قوله: إنّما الصّدقات لهؤلاء جار مجرى قوله: فرض اللّه الصّدقات لهؤلاء فريضة و ذلك كالزجر عن مخالفة هذا الظاهر.

قال رفاعة بن موسى: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: ما فرض اللّه على هذه الأمة أشدّ عليهم من الزّكاة و فيها تهلك عامّتهم.

أو الفريضة من الفرض بمعنى القطع و التقدير و منه قوله سبحانه: لَعَنَهُ اللَّهُ وَ قالَ لَأَتَّخِذَنَّ أى منقطعا محدودا و يطلقون الفقهاء في باب المواريث‏ على ذوى السهام المقدّرة ذوى الفرائض باعتبار أنّ سهامهم مقدّرة معيّنة في كتاب اللّه سبحانه و على هذا فيكون معنى قوله عليه السّلام: انّها فريضة واجبة أنها شي‏ء مقدّر منقطع متّصف بالوجوب، و كيف كان فهى من أعظم دعائم الدّين و أقوى أركان الاسلام، و الكلام فيها في مقامين.

المقام الاول في علّة وجوبها و فضلها و عقوبة مانعها.

أمّا فضلها و وجوبها فكفى بذلك أنّ أكثر الآيات المتضمّنة للأمر باقامة الصّلاة متضمّنة للأمر بايتاء الزّكاة، فجعل الزّكاة تالى الصّلاة، و الأخبار في هذا المعنى فوق حدّ الاحصاء.

ففي الكافي باسناده عن محمّد بن مسلم و أبي بصير و بريد عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام قالا: فرض اللّه الزّكاة مع الصّلاة.

و عن مبارك العقرقوفي قال: قال أبو الحسن عليه السّلام إنّ اللّه عزّ و جلّ وضع الزّكاة قوتا للفقراء و توقيرا لأموالكم.

و عن أحمد بن محمّد بن عبد اللّه و غيره عن رجل من أهل ساباط قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام لعمّار السّاباطي: يا عمّار أنت ربّ مال كثير قال: نعم جعلت فداك، قال: فتؤدّى ما افترض اللّه عليك من الزّكاة فقال: نعم، قال: فتخرج الحقّ المعلوم من مالك قال: نعم، قال: فتصل قرابتك قال: نعم، قال: فتصل اخوانك قال: نعم، فقال عليه السّلام: يا عمّار إنّ المال يفنى و البدن يبلى و العمل يبقى و الدّيان حىّ لا يموت، يا عمّار إنّه ما قدّمت فلن يسبقك، و ما أخّرت فلن يلحقك. و رواه الصّدوق في الفقيه عنه عليه السّلام مثله.

و فيه أيضا عن معتب مولى الصّادق عليه السّلام قال: قال الصّادق عليه السّلام: إنما وضعت الزّكاة اختبارا للأغنياء و معونة للفقراء، و لو أنّ النّاس ردّوا زكاة أموالهم ما بقى مسلم فقيرا محتاجا، و لا ستغنى بما فرض اللّه له، إنّ النّاس ما افتقروا و لا احتاجوا و لا جاعوا و لا غروا إلّا بذنوب الأغنياء، و حقيق على اللّه أن يمنع رحمته ممن منع حقّ اللّه في ماله، و اقسم بالذي خلق الخلق و بسط الرّزق إنه ما ضاع مال في برّ و لا بحر إلّا بترك الزّكاة، و ما صيد في برّ و لا بحر إلّا بتركه التسبيح في ذلك اليوم و إنّ أحبّ النّاس إلى اللّه أسخاهم كفا، و أسخى النّاس من أدّى زكاة ماله و لم يبخل على المؤمنين بما افترض اللّه لهم في ماله.

و فيه أيضا أنّه كتب الرّضا عليّ بن موسى عليهما السلام إلى محمّد بن سنان فيما كتب إليه من جواب مسائله: أنّ علّة الزكاة من أجل قوت الفقراء و تحصين أموال الأغنياء، لأنّ اللّه كلّف أهل الصّحة القيام بشأن أهل الزّمانة و البلوى كما قال تعالى.

لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ.

في أموالكم اخراج الزكاة، و في أنفسكم توطين النفس على الصبّر مع ما في ذلك من أداء شكر نعم اللّه و الطمع في الزّيادة مع ما فيه من الرفادة و الرأفة و الرّحمة لأهل الضعف، و العطف على أهل المسكنة و الحثّ لهم على المواساة، و تقوية الفقراء و المعونة لهم على أمر الدّين، و موعظة لأهل الغنى، و عبرة لهم ليستدلّوا على فقراء الآخرة بهم و ما لهم عن الحثّ في ذلك على الشكر للّه لما خوّلهم و أعطاهم و الدّعا و التضرّع و الخوف من أن يصير و امثلهم في امور كثيرة في أداء الزكاة و الصّدقات و صلة الأرحام و اصطناع المعروف.

قال الصّدوق: و قال أبو الحسن موسى بن جعفر عليهما السّلام: من أخرج زكاة ماله تامّا فوضعها في موضعها لم يسأل من أين اكتسب ماله.

قال: و قال الصّادق عليه السّلام: إنما جعل اللّه الزكاة في كلّ ألف خمسة و عشرين درهما، لأنّ اللّه تعالى خلق الخلق فعلم غنيّهم و فقيرهم و قويّهم و ضعيفهم، فجعل من كلّ ألف خمسة و عشرين مسكينا لو لا ذلك لزادهم اللّه لأنه خالقهم و هو أعلم بهم.

اما عقوبة تارك الزكاة و مانعها فقد قال تعالى في سورة آل عمران: وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ و في سورة البراءة: وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى‏ عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى‏ بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ.
و لا يخفى ما في الآيتين من وجوه الحثّ على الانفاق و الوعيد على الامساك.

أما الاية الاولى فجهات الانذار فيها غير خفيّة الأولى أنّه سبحانه نهى عن حسبان الممسكين إمساكهم خيرا لهم و نفعا في حقّهم و أكّد ذلك بالنون المفيدة للتوكيد الثانية أنّه وصف الممسكين بصفة البخل و هو صفة ذمّ الثالثة أنّ ما بخلوا به هو ممّا آتاهم اللّه فاللّازم عليهم أن يتصرّفوا فيه بما أمر اللّه و يصرفوه إلى ما أراده اللّه الرابعة أنّ ذلك شرّ لهم و ضرّ في حقّهم الخامسة أنّهم يطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة.

روى الصّدوق عن حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال: ما من ذى ذهب أو فضة تمنع زكاة ماله إلّا حبسه اللّه يوم القيامة بقاع قرقر«» و سلّط عليه شجاعا أقرع«» يريده و هو يحيد عنه فاذا رأى أنه لا يتخلّص منه انكسه فقضمها كما يقضم الفجل ثمّ يصير طوقا في عنقه و ذلك قوله:سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ.

و ما من ذي ابل أو بقر أو غنم يمنع زكاة ماله إلّا حبسه اللّه يوم القيامة بقاع قرقر تطاه كلّ ذات ظلف بظلفها، و ينهشه كلّ ذات ناب بنابها، و ما من ذي نخل أو كرم أو زرع يمنع زكاته إلّا طوّقه اللّه ريعة أرضه إلى سبع أرضين إلى يوم القيامة.

و في الكافي باسناده عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ: سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة، فقال: يا محمّد ما من أحد يمنع من زكاة ماله شيئا إلّا جعل اللّه ذلك يوم القيامة ثعبانا من نار مطوّقا في عنقه ينهش من لحمه حتّى يفرغ من الحساب، ثمّ قال هو قول اللّه عزّ و جلّ: سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة، يعنى ما بخلوا به من الزكاة السادسة أنّ ميراث السماوات و الأرض كلّه للّه سبحانه بمعنى أنّه وحده يبقى و غيره يفنى و يبطل ملك كلّ مالك إلّا ملكه، فاذا كان المال في معرض الفناء و الزّوال فأجدر بالعاقل أن لا يبخل بالانفاق، و لا يحرص على الامساك، فيكون وزره عليه و نفعه لغيره السابعة أنّه سبحانه خبير بما يعمله المكلّفون بصير بمخالفتهم لأمره لا يعزب عن علمه بخلهم بالانفاق و منعهم عن أهل الاستحقاق، فسيذيقهم و بال أمرهم عند المساق، اذا التفّت السّاق بالساق.

و اما الآية الثانية فقد روى الطبرسيّ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه لما نزلت هذه الآية قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: تبّا للذّهب و الفضّة، يكرّرها ثلاثا، فشقّ ذلك على أصحابه فسأله عمر: أىّ المال نتّخذ فقال: لسانا ذاكرا، و قلبا شاكرا، و زوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه.

و عن أمير المؤمنين عليه السّلام ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز أدّى زكاته أو لم يؤدّ و عن التّهذيب عن الصادق عليه السّلام ما أعطى اللّه عبدا ثلاثين ألفا و هو يريد به خيرا و قال ما جمع رجل قطّ عشرة ألف درهم من حلّ و قد يجمعها لأقوام إذا أعطى القوت و رزق العمل فقد جمع اللّه له الدّنيا و الآخرة.

و محصّل المعنى أنّ الذين يجمعون المال و لا يؤدّون زكاتهم فأخبرهم بعذاب موجع، و للتعبير عن ذلك بلفظ البشارة مبنيّ على التهّكّم، لأنّ من يكنز الذّهب و الفضّة فانما يكنزهما لتحصيل الوجاهة بهما يوم الحاجة، و التوسل الى الفرج يوم الشدّة فقيل له: هذا هو الوجاهة و الفرج كما يقال تحيّتهم ليس إلّا الضرب و إكرامهم ليس إلّا الشتم «يوم يحمى عليها» أى يوقد على الكنوز «فى نار جهنّم» حتى تصير نارا «فتكوى بها» أى بتلك الأموال و الكنوز التي منعوا حقوقها الواجبة «جباههم و جنوبهم و ظهورهم» و تخصيص هذه الأعضاء بالكىّ بوجوه.

أحدها أنّ منظورهم بكسب الأموال و ترك الانفاق ليس إلّا الأغراض الدّنيويّة و هو حصول الوجاهة لهم عند النّاس و حصول الشّبع لهم بأكل الطّيبات فينفتح منه الجنبان و لبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم فوقع الكىّ على هذه الأعضاء جزاء لأغراضهم الفاسدة.

الثاني أنّ الجباه كناية عن مقاديم البدن و الجنون عن طرفيه و الظهور عن المآخير، و المراد به أنّ الكيّ يستوعب تمام البدن.
الثالث أنّ الجبهة محلّ السّجود فلم يقم فيه بحقّه و الجنب مقابل القلب الّذي لم يخلص في معتقده، و الظّهر محلّ الأوزار قال: يحملون أوزارهم على ظهورهم.
الرّابع أنّ هذه الأعضاء مجوفة و ليست بمصمتة و في داخلها آلات ضعيفة يعظم التألم بسبب وصول أدنى أثر اليها، بخلاف ساير الأعضاء.

الخامس و هو أحسن الوجوه و ألطفها أنّ صاحب المال إذا رأى الفقير أوّلا قبض جبهته و عبس وجهه و إذا دار الفقير يوليه جنبه و إذا دار يولّيه ظهره و قوله «هذا ما كنزتم لأنفسكم» أى يقال لهم في حالة الكىّ هذا هو الذى ادّخرتموه لأنفسكم، و هو تبكيت لهم بأنّ المال الذى بخلتم بانفاقه و ادّخرتموه لتنتفعوا به صار عذابكم به، فكأنّكم أكنزتموه ليجعل عقابا لكم «فذوقوا» عقاب «ما كنتم تكنزون» به لا بغيره.

قال الطّبرسيّ صاحب التفسير قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ما من عبد له مال لا يؤدّى زكاته إلّا جمع يوم القيامة صفايح يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جبهته و جنباه و ظهره حتّى يقضى اللّه بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ممّا تعدّون، ثمّ يرى سبيله إما إلى الجنة و إما إلى النّار قال و روى ثوبان عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من ترك كنزا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان ينتبعه و يقول: ويلك ما أنت، فيقول أنا كنزك الذي تركت بعدك فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها ثمّ يتبعه ساير جسده

المقام الثاني في أسرار الزّكاة و دقايق بذل المال و هى امور:الاول أنّ المؤمن الموحّد إذا أقرّ بالتّوحيد باللّسان لزم إذعانه به بالجنان و معنى التوحيد إفراد المعبود بالمحبوبيّة و اخلاص القلب عمّا سواه و الفراغ عن كلّ ما عداه، فانّ المحبّة أمر لا يقبل الشركة و الأموال محبوبة عند الخلايق، لأنّها آلة تمتّعهم بالدّنيا، و بسببها يأنسون بهذا العالم و ينفرون عن الموت مع أنّ فيه لقاء المحبوب، فجعل اللّه بذل المال امتحانا لهم و تصديقا لدعوتهم المحبّة له سبحانه و الناس في ذلك ثلاثة أصناف: صنف صدقوا التوحيد و حذفوا عن ساحة قلوبهم ما سوى المعبود و بذلوا أموالهم من غير تعرّض بوجوب الزّكاة و لم يدّخروا لأنفسهم دينارا و لا درهما، و لم يتركوا بعدهم صفراء و لا بيضاء، و هم الذين قال اللّه سبحانه في حقهم: وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً.

روى في الكافي باسناده عن محمّد بن سنان عن المفضّل قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام فسأله رجل في كم تجب الزّكاة من المال فقال عليه السّلام له: الزكاة الظاهرة أم الباطنة تريد فقال: أريدهما جميعا، فقال عليه السّلام: أمّا الظّاهرة ففي‏كلّ ألف خمسة و عشرون، و أمّا الباطنة فلا تستأثر على أخيك بما هو أحوج إليه منك.

و صنف درجتهم دون درجة الصنف السابق و هم الممسكون أموالهم المراقبون لمواقيت الحاجات و مواسم الخيرات، فيكون قصدهم في الادّخار الانفاق على نفسه و عياله الواجب النفقة بقدر الحاجة، و صرف الفاضل إلى وجوه البرّ مهما ظهر، و هؤلاء لا يقتصرون على مقدار الزّكاة و هم الذين في أموالهم حقّ معلوم للسائل و المحروم.

روى في الكافي باسناده عن أبي بصير قال: كنّا عند أبي عبد اللّه عليه السّلام و معنا بعض أصحاب الأموال، فذكروا الزكاة فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إنّ الزكاة ليس يحمد بها صاحبها، و انما هو شي‏ء ظاهر إنما حقن بهادمه و سمّى بها مسلما، و لو لم يؤدّها لم يقبل له صلاة، و إنّ عليكم في أموالكم غير الزكاة، فقلت أصلحك اللّه و مالنا في أموالنا غير الزكاة فقال عليه السّلام: سبحان اللّه أما تسمع اللّه عزّ و جلّ يقول في كتابه: وَ الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ.

قال: ما ذا الحقّ المعلوم الذي علينا قال عليه السّلام: هو الشي‏ء يعلمه الرجل في ماله يعطه في اليوم أو في الجمعة أو في الشهر قلّ أو كثر غير أنه يدوم عليه.

و عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه عزّ و جلّ وَ الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ.
أهو سوى الزكاة فقال عليه السّلام: هو الرّجل يؤتيه اللّه الثروة من المال فيخرج منه الألف و الألفين و الثلاثة آلاف و الأقلّ و الأكثر فيصل به رحمه و يحمل به الكلّ عن قومه.

و عن القاسم عبد الرّحمن الأنصارى قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: إنّ ‏رجلا جاء إلى أبي عليّ بن الحسين عليهما السّلام فقال له: أخبرني عن قوله اللّه عزّ و جلّ: وَ الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ، ما هذا الحقّ المعلوم فقال له عليّ بن الحسين عليهما السّلام: الحقّ المعلوم الشي‏ء يخرجه الرّجل من ماله ليس من الزّكاة و لا من الصّدقة المفروضين، قال: فاذا لم يكن من الزكاة و لا من الصدقة فما هو فقال عليه السّلام: هو الشي‏ء يخرجه الرّجل من ماله إن شاء أكثر و إن شاء أقلّ على قدر ما يملك، فقال له الرّجل: فما يصنع به قال: يصل به رحما و يقوى به ضعيفا و يحمل به كلّا أو يصل به أخا له في اللّه أو لنائبة تنوبه فقال الرّجل: اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته هذا.
و المحروم الرّجل الذي ليس بعقله بأس و لم يبسط له في الرزق، و رواه الكلينيّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام.

و الصنف الثالث الذين يقتصرون على أداء الواجب فلا يزيدون عليه و لا ينقصون منه و هى أدون الرتب، و قد اقتصر جميع العوام عليه لبخلهم بالمال و فرط ميلهم إليه و ضعف حبّهم للاخرة.

السر الثاني من أسرار الزّكاة

أنها مطهّرة من صفة البخل و هى صفة مذمومة من جنود النفس قال سبحانه: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها و قال: وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ.

الثالث أنّ شكر النّعمة واجب عقلا و شرعا

و هو على ما قاله العلماء عبارة عن صرفها إلى طلب مرضات المنعم، فالعبادات البدنيّة شكر لنعمة البدن، و العبادات المالية شكر لنعمة المال، فيحكم العقل بوجوبها لكونها شكرا للمنعم، و ما أخسّ من ينظر إلى الفقير و قد ضيق عليه الرزق و انتقع لونه من مسّ الجوع ثمّ لا يسمح نفسه أن يؤدّى شكر اللّه تعالى على إغنائه عن السّؤال و إحواج غيره إليه بربع العشر أو العشر من ماله.

قال الصّادق عليه السّلام في رواية سماعة بن مهران المرويّة في الكافي: و من أدى‏ ما فرض اللّه عليه فقد قضى ما عليه و أدّى شكر ما انعم اللّه عليه في ماله إذا هو حمده على ما أنعم اللّه عليه فيه بما فضّله به من السّعة على غيره، و لما وفّقه لأداء ما فرض اللّه عزّ و جلّ عليه و أعانه عليه.

الرابع أنّ النفس الناطقة لها قوّتان: نظريّة و عمليّة، فالقوّة النظريّة كما لها في التعظيم لأمر اللّه، و القوّة العمليّة كمالها في الشفقّة على خلق اللّه فأوجب اللّه الزّكاة ليحصل لجوهر الرّوح هذا الكمال، و هو اتّصافه بكونه محسنا إلى الخلق، ساعيا في ايصال الخيرات إليهم، دافعا للآفات عنهم.

الخامس أنّ المال سمّى مالا لميل كلّ أحد إليه
و هو في معرض التلف و الزّوال مهادم في يده فهو غاد و رائح، و إذا أنفق في مصارف الخير و وجوه اللّه بقى بقاء لا يزول، لأنّه يوجب الثناء الجميل في الدّنيا و الثواب الجزيل في الآخرة، و قد مرّ في الخطبة الثانية و العشرين أنّ لسان الصدق يجعله اللّه للمرء في النّاس خير له من المال يورثه غيره، فانّ المراد بلسان الصدق هو الذكر الجميل، قال حاتم لامرأته مارية:

أمارىّ إنّ المال غاد و رائح
و يبقى من المال الأحاديث و الذكر

لقد علم الأقوام لو أنّ حاتما
أراد ثراء المال كان له و قر

السادس أنّ كثرة المال موجبة لحصول الطغيان و الانحراف عن سبيل الرحمن كما قال عزّ من قائل: إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى‏ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى‏.
فأوجب اللّه الزكاة لتقليل سبب الطغيان و جبرا لمفسدته، إلى غير ذلك من الأسرار التي يستنبطها العقل بأدنى توجّه، و اللّه الهادى إلى الخيرات.

(و) السادس

(صوم شهر رمضان فانّه جنّة من العقاب) و وقاية من النّار يوم الحساب،و انما خصّه بهذه العلة مع كون ساير العبادات كذلك لكونه أشدّ وقاية من غيره، بيان ذلك أنّ استحقاق الانسان للعقوبة إنّما هو بقربه من الشيطان و اطاعته له و للنفس الامّارة، و بشدّة القرب و ضعفه يتفاوت العقاب شدّة و ضعفا، و بكثرة الطاعة و قلّتها يختلف العذاب زيادة و نقصانا، و سبيل الشّيطان على الانسان و وسيلته إليه إنّما هي الشّهوات، و قوّة الشهوة بالأكل و الشرب، فبالجوع و الصوم يضعف الشهوة و ينكسر صولة النفس و ينسد سبيل الشيطان و ينجى من العقوبه و الخذلان، كما قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّ الشيطان ليجرى من ابن آدم مجرى الدم فضيّقوا مجاريه بالجوع.

و قال صلوات اللّه عليه و آله لعايشة: و ادمى قرع باب الجنّة، قالت: بماذا قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: بالجوع.
قال الغزالي في احياء العلوم في تعداد فوائد الجوع و يأتي إنشاء اللّه جميعها في التّذييل الثاني من شرح الفصل الثاني من الخطبة المائة و التاسعة و الخمسين: «الفائدة الخامسة» و هى من أكبر الفوائد كسر شهوات المعاصي كلّها و الاستيلاء على النّفس الامارة بالسّوء، فانّ منشأ المعاصي كلّها الشهوات و القوى و مادّة الشهوات و القوى لا محالة الأطعمة، فتقليلها يضعف كلّ شهوة و قوّة، و إنّما السعادة كلّها في أن يملك الرّجل نفسه، و الشقاوة في أن تملكه نفسه، و كما أنّك لا تملك الدّابة الجموح إلّا بضعف الجوع، فاذا شبعت قويت و شردت و جمحت فكذلك النفس، و هذه ليست فائدة واحدة، بل هى خزائن الفوائد، و لذلك قيل الجوع خزانة من خزائن اللّه.

فقد اتّضح بذلك كون الصّوم جنّة من النّار، و وقاية من غضب الجبّار، و أنّ فيه من إذلال النّفس و قهر إبليس و كسر الشهوات ما ليس في ساير العبادات و هو واجب بالضرورة من الدّين و اجماع المسلمين و نصّ الكتاب المبين قال سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ‏قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.

قال الصادق عليه السّلام في هذه الآية: لذّة ما في النداء أزال تعب العبادة و العناء و في قوله: لعلّكم تتّقون، إشارة إلى ما ذكرنا سابقا من أنّ الصوم جنّة و وقاية به يتّقى من العقاب و ينجى من العذاب.

و المستفاد من الآية الشريفة أنّ الصّوم كان مكتوبا مفروضا على الامم السالفة كما أنه مكتوب على الامة المرحومة، و لا خلاف في ذلك، و إنّما الخلاف في أنّ الصوم المفروض علينا بهذه الكيفية المخصوصة في وقته و عدده هل كان في ساير الامم كذلك ذهب بعض العامّة إلى ذلك على ما حكاه في مجمع البيان، حيث روى فيه عن الشعبي و الحسن أنهما قالا إنه فرض علينا صوم شهر رمضان كما كان فرض صوم شهر رمضان على النّصارى، و كان يتّفق ذلك في الحرّ الشديد و البرد الشديد فحوّلوه إلى الرّبيع و زادوا في عدده.

و ذهب آخرون إلى أن التّشبيه في الآية بين فرض صومنا و فرض صوم من تقدّمنا من الامم، أى كتب عليكم صيام أيّام كما كتب عليهم صيام أيّام، و ليس في ذلك تشبيه عدم الصوم المفروض علينا و لا وقته بعدد الصوم المفروض عليهم و لاوقته، قال الطبرسي: و هو اختيار أبي مسلم و الجبائي.

أقول: و هذا هو الأقوى و يدلّ عليه صريحا ما رواه في الفقيه عن سليمان ابن داود المنقرى عن حفص بن غياث النخعي قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: إنّ شهر رمضان لم يفرض اللّه صيامه على أحد من الامم قبلنا، فقلت له: فقول اللّه عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ.

قال عليه السّلام: إنما فرض اللّه صيام شهر رمضان على الأنبياء دون الامم، ففضّل اللّه به هذه الامّة و جعل صيامه فرضا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و على امّته هذا.

و الكلام بعد في علّة وجوب الصوم و فضله و فضل صوم شهر رمضان خصوصا و الآداب التي يكون عليها الصايم.
أما علة وجوب الصوم ففي الفقيه سأل هشام بن الحكم أبا عبد اللّه عليه السّلام عن علّة الصّيام فقال عليه السّلام: إنما فرض اللّه الصيام ليستوى به الغنى و الفقير، و ذلك إنّ الغنى لم يكن ليجد مسّ الجوع فيرحم الفقير، لأنّ الغنىّ كلّما أراد شيئا قدر عليه، فأراد اللّه أن يسوّى بين خلقه و أن يذيق الغنى مسّ الجوع و الألم ليرقّ على الضعيف و يرحم الجائع.

و كتب أبو الحسن علىّ بن موسى الرّضا عليه السّلام إلى محمّد بن سنان فيما كتب من جواب مسائله: علّة الصّوم عرفان مسّ الجوع و العطش ليكون ذليلا مستكينا مأجورا محتسبا صابرا و يكون ذلك دليلا له على شدايد الآخرة مع ما فيه من الانكسار له عن الشّهوات واعظا له في العاجل دليلا على الآجل ليعلم شدّة مبلغ ذلك من أهل الفقر و المسكنة في الدّنيا و الآخرة.

و روى عن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام أنّه قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فسأله أعلمهم من مسائل فكان فيما سأله أنّه قال: لأىّ شي‏ء فرض اللّه الصّوم على امّتك بالنّهار ثلاثين يوما و فرض على الامم أكثر من ذلك فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ آدم عليه السّلام لما أكل من الشجرة بقي في بطنه ثلاثين يوما ففرض اللّه على ذرّيته«» ثلاثين يوما الجوع و العطش، و الذي يأكلونه باللّيل تفضّل من اللّه عليهم و كذلك كان على آدم ففرض اللّه عزّ و جلّ ذلك على امتي ثمّ تلى هذه الآية.

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ.

قال اليهودى صدقت يا محمّد فما جزاء من صامها فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ما من مؤمن يصوم شهر رمضان احتسابا إلّا أوجب اللّه له سبع خصال: أولها يذوب الحرام من جسده و الثانية يقرب من رحمة اللّه و الثالثة يكون قد كفّر خطيئة أبيه آدم عليه السّلام و الرابعة يهوّن اللّه عليه سكرات الموت و الخامسة أمان من الجوع و العطش يوم القيامة و السادسة يعطيه اللّه برائة من النّار و السابعة يطعمه اللّه من طيّبات الجنّة، قال: صدقت يا محمّد.

و أما فضل الصوم مطلقا ففي الكافي و الفقيه عن أبي جعفر عليه السّلام قال: بنى الاسلام على خمسة أشياء: على الصّلاة، و الزكاة، و الصّوم، و الحجّ، و الولاية، و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: الصّوم جنّة من النار.

و فيهما عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لأصحابه: ألا أخبركم بشي‏ء إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم كما تباعد المشرق من المغرب قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: الصوم يسوّد وجهه، و الصّدقة تكسر ظهره، و الحبّ في اللّه و الموازرة على العمل الصّالح يقطع دابره، و الاستغفار يقطع و تينه، و لكلّ شي‏ء زكاة و زكاة لأبدان الصّيام.

و فيهما عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: أوحى اللّه إلى موسى ما يمنعك من مناجاتي فقال: يا ربّ اجلّك عن المناجاة لخلوف فم الصّايم، فأوحى اللّه إليه يا موسى لخلوف فم الصّايم أطيب عندى من ريح المسك.

و عنه عليه السّلام للصّائم فرحتان: فرحة حين افطاره، و فرحة حين لقاء ربّه.

و قال عليه السّلام من صام اللّه يوما في شدّة الحرّ فأصابه ظماء وكّل اللّه به ألف ملك يمسحون وجهه و يبشّرونه حتّى إذا أفطر قال اللّه عزّ و جلّ: ما أطيب ريحك و روحك يا ملائكتي اشهدوا أنى قد غفرت له.

و في الكافي عن أبي الصباح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إنّ اللّه تبارك و تعالى يقول: الصوم لي و أنا اجزى عليه، و رواه في الفقيه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مثله إلّا أنّ فيه به بدل عليه.

و تخصيصه من بين ساير العبادات مع كون جميعها للّه سبحانه من جهة مزيد اختصاصه به تعالى، إمّا لأجل أنّ الصّوم عبادة لم يعبد بها غير الحقّ سبحانه بخلاف ساير العبادات و الرّكوع و القيام و القربان و نحوها، فانها ربما تؤتى بها للمعبودات الباطلة كما يعبد بها للمعبود بالحقّ، و أما الصّوم فلم يتعبّد به إلّا للّه سبحانه و تعالى، أو لأنّ الصوم عبادة خفيّة بعيدة عن الرّيا و ليست مثل ساير العبادات التي تعلّقها بالجوارح و الأعضاء الظاهرة غالبا، و لذلك لم تسلم من الشرك الخفى و الرياء كثيرا.

و أما فضل شهر رمضان و فضل صومه ففي الوسايل عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: اعطيت أمّتي في شهر رمضان خمسا لم يعطها اللّه امة نبيّ قبلي إذا كان أوّل يوم منه نظر اللّه إليهم فاذا نظر اللّه عزّ و جلّ إلى شي‏ء لم يعذّبه بعدها، و خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند اللّه من ريح المسك، و يستغفر لهم الملائكة كلّ يوم و ليلة منه، و يأمر اللّه عزّ و جلّ جنّته فيقول تزّيني لعبادى المؤمنين يوشك أن يستريحوا من نصب الدّنيا و اذاها إلى جنّتي و كرامتي، فاذا كان آخر ليلة منه غفر اللّه عزّ و جلّ لهم جميعا.

و عن عليّ بن موسى الرّضا عن آبائه عليهم السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: رجب شهر اللّه الأصبّ و شهر شعبان تتشعّب فيه الخيرات و في أوّل يوم من شهر رمضان تغلّ المردة من الشياطين و يغفر في كلّ ليلة لسبعين ألفا فاذا كان ليلة القدر غفر اللّه لمثل ما غفر في رجب و شعبان و شهر رمضان إلى ذلك اليوم إلّا رجل بينه و بين أخيه شحناء، فيقول اللّه عزّ و جلّ انظروا هؤلاء حتّى يصطلحوا.

و عن عليّ بن الحسين عليه السّلام كان يقول: إنّ للّه عزّ و جلّ في كلّ ليلة من شهر رمضان عند الافطار سبعين ألف ألف عتيق من النار كلّ قد استوجب النار، فاذا كان آخر ليلة من شهر رمضان اعتق مثل ما اعتق في جميعه.

و عن الصّادق عليه السّلام قال: حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حديث قال: من صام شهر رمضان و حفظ فرجه و لسانه و كفّ أذاه عن النّاس غفر اللّه له ذنوبه ما تقدّم منها و ما تأخّر، و أعتقه من النّار، و أدخله دار القرار، و قبل شفاعته بعدد رمل عالج من مذنبي أهل التّوحيد.

و في العيون باسناده عن حسن بن فضال عن أبيه عن الرّضا عن آبائه عن عليّ عليهم السّلام إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خطب ذات يوم فقال: أيّها النّاس إنه قد أقبل إليكم شهر اللّه بالبركة و الرّحمة و المغفرة، شهر هو عند اللّه أفضل الشّهور، و أيّامه أفضل الأيام، و لياليه أفضل اللّيالي، و ساعاته أفضل السّاعات، و هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة اللّه، و جعلتم فيه من أهل كرامة اللّه، أنفاسكم فيه تسبيح، و نومكم فيه عبادة، و عملكم فيه مقبول، و دعاؤكم فيه مستجاب فاسألوا اللّه ربّكم بنيّات صادقة و قلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه و تلاوة كتابه فانّ الشقيّ من حرم غفران اللّه في هذا الشهر العظيم، و اذكروا بجوعكم و عطشكم فيه جوع يوم القيامة و عطشه، و تصدّقوا على فقرائكم و مساكينكم، و وقّروا كباركم، و ارحموا صغاركم، و صلوا أرحامكم، و احفظوا ألسنتكم، و غضّوا عما لا يحلّ النظر إليه أبصاركم، و عما لا يحلّ الاستماع إليه أسماعكم و تحنّنوا على أيتام الناس يتحنّن على أيتامكم، و توبوا إلى اللّه من ذنوبكم، و ارفعوا اليه أيديكم‏ بالدّعاء في أوقات صلاتكم، فانّها أفضل السّاعات ينظر اللّه عزّ و جلّ فيها إلى عباده يجيبهم إذا ناجوه، و يلبّيهم إذا نادوه، و يعطيهم إذا سألوه، و يستجيب لهم اذا دعوه.

أيّها الناس إنّ انفسكم مرهونة بأعمالكم ففكّوها باستغفاركم، و ظهوركم ثقيلة من أوزاركم فخفّفوا عنها بطول سجودكم، و اعلموا أنّ اللّه أقسم بعزّته أن لا يعذّب المصلّين و السّاجدين، و أن لا يروّعهم بالنار يوم يقوم الناس لربّ العالمين أيّها النّاس من فطر منكم صائما مؤمنا في هذا الشهر كان له بذلك عند اللّه عتق نسمة، و مغفرة لما مضى من ذنوبه، فقيل يا رسول اللّه فليس كلّنا نقدر على ذلك، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: اتّقوا النّار و لو بشقّ تمرة، اتّقوا النّار و لو بشربة من ماء، أيها الناس من حسن في هذا الشهر منكم خلقه كان له جوازا على الصّراط يوم تزلّ فيه الأقدام، و من خفّف في هذا الشّهر عمّا ملكت يمينه خفّف اللّه عليه حسابه، و من كفّ فيه شرّه كفّ اللّه عنه غضبه يوم يلقاه، و من أكرم فيه يتيما أكرمه اللّه يوم يلقاه، و من وصل فيه رحمه وصله اللّه برحمته يوم يلقاه، و من تطوّع فيه بصلاة كتب اللّه له برائة من النّار، و من أدّى فيه فرضا كان له ثواب من أدّى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور، و من أكثر فيه من الصلوات علىّ ثقّل اللّه له ميزانه يوم تخفّ الموازين، و من تلى فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور.

أيّها الناس إنّ أبواب الجنان في هذا الشهر مفتّحة فاسألوا ربّكم أن لا يغلقها عليكم، و أبواب النيران مغلقة فاسألوا ربّكم أن لا يفتحها عليكم، و الشياطين مغلولة فاسألوا ربّكم أن لا يسلّطها عليكم.

قال أمير المؤمنين عليه السّلام فقمت و قلت يا رسول اللّه ما أفضل الأعمال في هذا الشهر فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يا أبا الحسن أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم اللّه عزّ و جلّ، ثمّ بكى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقلت: ما يبكيك يا رسول اللّه فقال: أبكى لما يستحلّ منك في هذا الشهر، كأنّي بك و أنت تصلّى لربّك و قد انبعث أشقى الأوّلين‏ و الآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود، فضربك ضربة على قرنك فخضب منها لحيتك، فقلت: يا رسول اللّه و ذلك في سلامة من ديني فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: في سلامة من دينك ثمّ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يا عليّ من قتلك فقد قتلني، و من أبغضك فقد أبغضني، لأنك منّي كنفسي و طينتك من طينتى و أنت وصيّي و خليفتي على امتي.

و أما آداب الصوم و الحالات التي يجب أن يكون الصّائم عليها فنقول: إنّ الصّوم على ثلاث مراتب و درجات بعضها فوق بعض الاولى صوم العموم الثانية صوم الخصوص الثالثة صوم الأخصّ.

أما صوم العموم فهو المفروض على عامة المكلّفين، و هو الكفّ عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى الغروب الشرعى مع النيّة، و المشهور في المفطرات أنها عشرة: الأكل، و الشرب، و الجماع، و البقاء على الجنابة عمدا، و في حكمه النوم بعد انتباهتين، و الغبار الغليظ، و في حكمه الدخان كذلك، و الكذب على اللّه سبحانه و رسوله و الأئمة عليهم السّلام، و الارتماس، و الاستمناء مع خروج المني، و الحقنة، و القي‏ء و التفصيل مذكور في الكتب الفقهيّة.
و أمّا صوم الخصوص فهو أن يكون جامعا لشرائط الكمال مضافة إلى شرايط الصحّة كما أشار إليه الامام سيّد السّاجدين و زين العابدين عليه السّلام في دعائه عند دخول شهر رمضان حيث قال: «اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و ألهمنا معرفة فضله و اجلال حرمته و التحفّظ ممّا حظرت فيه، و أعنّا على صيامه بكفّ الجوارح عن معاصيك و استعمالها بما يرضيك حتّى لا نصغى بأسماعنا إلى لغو و لا نسرع بأبصارنا إلى لهو، و حتّى لا نبسط أيدينا إلى محظور و لا نخطو بأقدامنا إلى محجور، و حتّى لا تعى بطوننا إلّا ما أحللت، و لا تنطق ألسنتنا إلّا بما مثلث، و لا نتكلّف إلّا ما يدنى من ثوابك و لا نتعاطى إلّا ما يقي من عقابك، ثمّ خلص ذلك كلّه من رياء المرائين و سمعة المسمعين لا نشرك فيه أحدا دونك، و لا نبغى به معبودا سواك».
و محصّل شروط الكمال أن لا يكون يوم صومه كيوم فطره، و مداره على امور:منها غضّ السّمع و البصر عن محارم اللّه
و عن كلّ ما يلهى النّفس عن ذكر اللّه، و كذلك حفظ ساير الأعضاء عن المعاصي و الآثام.
قال أبو عبيد اللّه عليه السّلام في رواية الكافي: إذا صمت فليصم سمعك و بصرك و شعرك و جلدك و عدّد أشياء غير هذا و قال: لا يكون يوم صومك كيوم فطرك، و تقدّم ما يدلّ على ذلك، و سيأتي أيضا.

و منها حفظ اللّسان عن الهذيان و الكذب و الغيبة و النّميمة و الفحش و الخصومةبل عن مطلق التّكلّم الّا بذكر اللّه.
روى في الكافي عن جراح المدايني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إنّ الصيام ليس من الطّعام و الشراب وحده ثمّ قال عليه السّلام: قالت مريم: إنّي نذرت للرحمن صوما أى صمتا، فاحفظوا ألسنتكم و غضّوا أبصاركم و لا تنازعوا و لا تحاسدوا.

قال: و سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم امرأة تسبّ جارية لها و هي صائمة، فدعى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بطعام فقال لها: كلى، فقالت: إنّي صائمة، فقال: كيف تكونين صائمة و قد سببت جاريتك، إنّ الصّوم ليس من الطعام و الشّراب.

قال: و قال أبو عبد اللّه عليه السّلام إذا صمت فليصم سمعك و بصرك من الحرام و القبيح و دع المراء و أذى الخادم، و ليكن عليك و قار الصّيام، و لا تجعل يوم صومك كيوم فطرك.
و يأتي إنشاء اللّه في شرح الكلام المأة و الأربعين في ضمن الأخبار الواردة في حرمة الغيبة حديث الفتاتين الصّائمتين الذي رواه المحدّث الجزائري في الأنوار النعمانية و فيه تنبيه على عظم خطر الغيبة في حال الصيّام فانتظر لما يتلى عليك و تبصّر.

و عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ما من عبد صالح يشتم فيقول: إنّي صائم سلام عليك لا أشتمك كما تشتمني إلّا قال الرّب تبارك و تعالى: استجار عبدى بالصّوم من شرّ عبدي و قد أجرته من النّار.

و عن حمّاد بن عثمان و غيره عن أبى عبد اللّه عليه السّلام قال: لا ينشد الشعر بليل‏ و لا ينشد في شهر رمضان بليل و لا نهار، فقال له إسماعيل: يا أبتاه و إن كان فينا، فقال عليه السّلام: و إن كان فينا.
و بالجملة فاللازم على الصّائم التحفظ من سقطات اللّسان و فضول البيان و المواظبة على الاستغفار و الدّعاء و تلاوة القرآن و ساير الأذكار.

قال أمير المؤمنين عليه السّلام: عليكم في شهر رمضان بكثرة الاستغفار و الدّعاء، فأما الدّعاء فيدفع به عنكم البلاء، و أمّا الاستغفار فتمحى به ذنوبكم.
و قال أبو عبد اللّه عليه السّلام و كان عليّ بن الحسين عليه السّلام إذا كان شهر رمضان لم يتكلّم إلّا بالدّعاء و التسبيح و الاستغفار و التكبير فاذا أفطر قال: اللّهم إن شئت أن تفعل فعلت.
و منها ترك شمّ الرّياحين
و لا سيّما النرجس.
و منها الكفّ عن الافطار على الشّبهات
روى في الوسائل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام عن أبيه عليه السّلام قال: جاء قنبر مولى عليّ عليه السّلام بفطره اليه فجاء بجراب فيه سويق و عليه خاتم قال عليه السّلام: فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إنّ هذا لهو البخل تختم على طعامك قال: فضحك عليه السّلام ثمّ قال: أو غير ذلك لا أحبّ أن يدخل بطني شي‏ء لا أعرف سبيله.

و منها أن لا يكثر من الحلال وقت الافطار
بحيث يمتلي و يثقل فما من وعاء أبغض الى اللّه من بطن مملوّ.
روى في البحار عن مجالس ابن الشّيخ (ره) باسناده عن جعفر بن محمّد عن آبائه عليهم السّلام في حديث طويل لابليس مع يحيى عليه السّلام قال: قال يحيى عليه السّلام: فهل ظفرت بي ساعة قطّ قال: لا، و لكن فيك خصلة تعجبني، قال يحيى عليه السّلام: فما هى قال: أنت رجل أكول فاذا أفطرت أكلت و بشمت، فيمنعك ذلك من بعض صلاتك و قيامك باللّيل، قال يحيى: فانى اعطى اللّه عهدا أني لا أشبع من الطعام حتى ألقاه، قال له إبليس: و أنا أعطى اللّه عهدا أنى لا أنصح مسلما حتّى ألقاه ثمّ خرج فما عاد اليه.

و منها أن يكون قلبه بعد الافطار مضطربا بين الخوف و الرّجاء
إذ لا يدرى أنّ صومه مقبول فهو من المقرّبين أو مردود فهو من المحرومين.
مرّ بعض أصحاب العقول بقوم يوم عيدهم و هم ضاحكون مستبشرون فقال: إنّ اللّه سبحانه جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته فسبق أقوام ففازوا و تخلّف أقوام فخابوا فالعجب كلّ العجب للضاحك اللّاعب في اليوم الذي فاز فيه المسارعون و خاب فيه المبطلون.«» و أمّا صوم أخص الخواصّ فصوم القلوب عن الهمم الدّنيوية و الأغراض الدّنية و كفّه عن التوجّه إلى ما سوى اللّه بالكلّية لدوام استغراقه بالحقّ عن الالتفات بغيره، فالفطر في هذا الصّوم الذي هو فيه هو الفكر فيما سوى اللّه و اليوم الآخر و صرف الهمة في غير طاعة اللّه و طاعة رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من أغراض النفس و مقاصد الطبع

(و) السابع (حجّ البيت و اعتماره

فانّهما ينفيان الفقر و يرحضان الذّنب) أى يغسلانه و يطهّرانه و قد مضى الكلام في فضل الحجّ و المشاعر العظام و فضل البيت الحرام بما لا مزيد عليه في شرح الفصل الثامن عشر من فصول الخطبة الاولى، و نورد هنا ما لم يسبق ذكره هناك.

فأقول: تعليل الحجّ و الاعتمار بنفى الفقر و رحض الذنب إشارة إلى أنّ فيهما جمعا بين منفعة الدنيا و منفعة الآخرة و إلى ذلك أشار سبحانه في سورة الحجّ بقوله: وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ.

قال ابن عباس: يعنى بالمنافع التجارات، و قال سعيد بن المسيّب و عطيّة: هى منافع‏الآخرة و هي العفو و المغفرة، و قال مجاهد: هي التّجارة في الدّنيا و الأجر و الثّواب في الآخرة.
و يشعر به المرويّ عن الصّادق عليه السّلام حيث قال في رواية: إنّي سمعت اللّه عزّ و جلّ يقول: ليشهدوا منافع لهم فقيل: منافع الدّنيا أو منافع الآخرة فقال عليه السّلام: الكلّ.

و في الفقيه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما من حاجّ يضحّى ملبّيا حتّى تزول الشمس إلّا غابت ذنوبه معها، و الحجّ و العمرة ينفيان الفقر كما ينفى الكير خبث الحديد و في الكافي باسناده عن خالد القلانسي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال عليّ ابن الحسين عليهما السّلام: حجّوا و اعتمروا تصحّ أبدانكم و تتّسع أرزاقكم و تكفون مؤنات عيالاتكم، و قال عليه السّلام الحاجّ مغفور له و موجوب له الجنّة و مستأنف له العمل و محفوظ في أهله و ماله.

و عن السّكوني عن أبي عبد اللّه عن آبائه عليهم السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الحجّة ثوابها الجنّة، و العمرة كفّارة لكلّ ذنب.
و عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: إنّي قد وطنت نفسى على لزوم الحجّ كلّ عام بنفسى أو برجل من أهل بيتي بما لي، فقال عليه السّلام و قد عزمت على ذلك قال: قلت: نعم، قال: إن فعلت فأيقن بكثرة المال.
و عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يخالف«» الفقر و الحمى مدمن الحجّ و العمرة.

و عن أبي محمّد الفرا قال: سمعت جعفر بن محمّد عليه السّلام يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تابعوا بين الحجّ و العمرة فانهما ينفيان الفقر و الذّنوب كما ينفى الكير خبث الحديد و عن ابن الطيّار قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: حجج تترى و عمر تسعى يدفعن عيلة الفقر و ميتة السّوء.

أقول: المستفاد من هذه الروايات أنّ للحجّ و العمرة بذاتهما مدخليّة في زيادة المال و نفى الفقر لا من حيث التجارة الحاصلة في موسم الحجّ و قيام الأسواق حينئذ كما زعمه الشارح البحراني.

(و) الثامن (صلة الرّحم فانها مثراة في المال و منساة في الأجل) يعنى أنها موجبة للزيادة في المال و التأخير في الأجل، و محلّ لهما، و قد مرّ الكلام فيها مستوفى في شرح الفصل الثاني من الخطبة الثالثة و العشرين.

قال الشارح البحراني: كونها مثراة في المال من وجهين: أحدهما أنّ العناية الالهية قسمت لكلّ حيّ قسطا من الرّزق يناله مدّة الحياة الدّنيا و تقوم به صورة بدنه، فاذا اعدّت شخصا من النّاس للقيام بأمر جماعة و كفلة بامدادهم و معونتهم وجب في العناية إفاضة أرزاقهم على يده و ما يقوم بامدادهم بحسب استعداده لذلك، سواء كانوا ذوى أرحام أو مرحومين في نظره حتّى لو نوى قطع أحدهم فربما نقص ماله بحسب رزق ذلك المقطوع، و ذلك معنى كونه مثراتا للمال.

الثّاني أنّ صلة الرّحم من الأخلاق الحميدة التي يستمال بها طباع الخلق فواصل رحمه مرحوم في نظر الكلّ، فيكون ذلك سببا لامداده و معونته من ذوى الأمداد و المعانات كالملوك و نحوهم فكان صلة الرّحم مظنّة لزيادة المال.

و كونها منساة في الأجل من وجهين: أحدهما أنّ صلة الرّحم توجب تعاطف ذوى الأرحام و توازرهم و معاضدتهم لواصلهم، فيكون عن أذى الأعداء أبعد و فى ذلك مظنّة تأخيره و طول عمره.

الثّاني أنّ مواصلة ذوى الأرحام توجب تعلّق هممهم ببقاء و اصلهم و اعداده بالدّعاء، و يكون دعاؤهم و تعلّق هممهم ببقائه من شرايط بقائه و نساء أجله فكانت مواصلتهم منساة في أجله.

(و) التاسع الصدقة و هى على قسمين:أحدهما (صدقة السرّ فانّها تكفّر الخطيئة) و تطفي غضب الرّبّ سبحانه، و إنما خصّها بذلك مع كون ساير العبادات كذلك لكونها أبعد من الرّياء و تضمّنها

من الخلوص و التقرّب ما ليس في غيرها.
روى في الكافي عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السلام قالا: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: صدقة السرّ تطفى غضب الرّب تبارك و تعالى.

و عن عمار السّاباطي قال: قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام: يا عمار الصّدقة و اللّه في السّر أفضل من الصّدقة في العلانية، و كذلك و اللّه العبادة في السّر أفضل منها في العلانية.
و عن معلّى بن خنيس قال: خرج أبو عبد اللّه عليه السّلام في ليلة قد رشت و هو يريد ظلّة بني ساعدة فاتّبعته فاذا قد سقط منه شي‏ء فقال: بسم اللّه اللّهمّ ردّ علينا، قال: فأتيته فسلّمت عليه فقال عليه السّلام: معلّى قلت: نعم، جعلت فداك، فقال لي: التمس بيدك فما وجدت من شي‏ء فادفعه الىّ، فاذا أنا بخبز منتشر كثير فجعلت أدفع عليه ما وجدت فاذا أنا بجراب أعجز عن حمله من خبز، فقلت: جعلت فداك أحمله على رأسى «عاتقى خ» فقال: لا، أنا أولى به منك و لكن امض معى، قال: فأتينا ظلّة بني ساعدة فاذا نحن بقوم نيام، فجعل يدسّ الرغيف و الرّغيفين حتى أتا على آخرهم ثمّ انصرفنا، فقلت: جعلت فداك يعرف هؤلاء الحق فقال: لو عرفوه لو اسيناهم بالدّقة و الدّقة هي الملح إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يخلق شيئا إلّا و له خازن يخزنه إلّا الصدقة فانّ الرّب يليها بنفسه و كان أبي عليه السّلام إذا تصدّق بشي‏ء وضعه في يد السائل ثمّ ارتدّه منه فقبّل و شمّه ثمّ ردّه في يد السّائل، إنّ صدقة اللّيل تطفى غضب الرّب و تمحو الذّنب العظيم و تهوّن الحساب، و صدقة النهار تثمر المال و تزيد في العمر، إنّ عيسى بن مريم عليهما السلام لما أن مر على شاطي‏ء البحر رمى بقرص من قوته في الماء، فقال له بعض الحواريّين يا روح اللّه و كلمته لم فعلت هذا و انما هو من قوتك قال عليه السّلام: فعلت هذا لدابة تأكله من دوابّ الماء و ثوابه عند اللّه عظيم.

(و) الثّاني (صدقة العلانيةفانّها تدفع ميتة السّوء) كالغرق و الحرق و الهدم و نحوها.
و يدلّ عليه روايات اخر مثل ما رواه ثقة الاسلام الكلينيّ عطّر اللّه مضجعه‏باسناده عن عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: إنّ الصّدقة باليد تقى ميتة السّوء و تدفع سبعين نوعا من أنواع البلاء و تفكّ عن لحى سبعين شيطانا كلّهم يأمره أن لا يفعل.

و عن أبي ولّاد قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: بكروا بالصّدقة و ارغبوا فيها، فما من مؤمن يتصدّق بصدقة يريد بها ما عند اللّه ليدفع اللّه بها عنه شرّ ما ينزل من السّماء إلى الأرض في ذلك اليوم إلّا وقاه اللّه شرّ ما ينزل في ذلك اليوم.

و عن السّكوني عن جعفر عن آبائه عليهم السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّ اللّه لا إله إلّا هو ليدفع بالصّدقة الدّاء و الدّبيلة«» و الحرق و الغرق و الهدم و الجنون و عدّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سبعين بابا من السّوء.

و عن سالم بن مكرم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: مرّ يهودىّ بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: السّام عليك، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: عليك، فقال أصحابه انما سلّم عليك بالموت، فقال الموت عليك قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: و كذلك رددت، ثمّ قال النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، إنّ هذا اليهودى يعضّه أسود في قفاه فيقتله، قال: فذهب اليهودى فاحتطب حطبا كثيرا فاحتمله ثمّ لم يلثب أن انصرف فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ضعه، فوضع الحطب، فاذا أسود في جوف الحطب عاض على عود، فقال: يا يهودى أىّ شي‏ء عملت اليوم قال: ما عملت عملا إلّا حطبي هذا احتملته و جئت به فكان معى كعكتان فأكلت واحدة و تصدّقت بواحدة على مسكين، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: بها دفع اللّه عنك، فقال: إنّ الصدقة تدفع ميتة السوء عن الانسان.

و عن حنان بن سدير عن أبيه عن أبي جعفر عليه السّلام قال: إنّ الصّدقة لتدفع سبعين بلية من بلايا الدّنيا مع ميتة السوء، إنّ صاحبها لا يموت ميتة السوء أبدا مع ما يدخر لصاحبها من الأجر في الآخرة.

(و) العاشر (صنايع المعروففانها تقى مصارع الهوان) المعروف اسم لكلّ فعل يعرف‏ حسنه بالعقل و الشرع كالاحسان و البرّ و الصّلة و الصّدقة على الناس و الرفق معهم و ساير أعمال الخير، و اصطناع المعروف لما كان مستلزما لتأليف قلوب الخلق و جامعا لهم على محبة المصطنع لاجرم كان وقاية له، و النّاس يتّقون قتله و يجتنبون عن فعل ما يوجب الهوان به و ذلّته و هو ظاهر.

و نظير هذا الكلام ما رواه عبد اللّه بن ميمون القداح عن أبي عبد اللّه عن آبائه عليهم السّلام قال: صنايع المعروف تقى مصارع السوء.
و روى عبد اللّه بن سليمان قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: إنّ صنايع المعروف تدفع مصارع السّوء.
و هذا من جملة خواصّه في الدّنيا و منها أيضا زيادة البركة.
روى السّكوني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ البركة أسرع إلى البيت الذي يمتار«» منه «فيه خ» المعروف من الشفرة إلى سنام البعير أو من السّيل الى منتهاه.

و أمّا ثمراته الاخروية فكثيرة اشيرت اليها في أخبار متفرّقة ففى الفقيه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أوّل من يدخل الجنة المعروف و أهله و أوّل من يرد علىّ الحوض، و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أهل المعروف في الدّنيا أهل المعروف في الآخرة، و تفسيره انه اذا كان يوم القيامة قيل لهم: هبوا حسناتكم لمن شئتم و ادخلو الجنة، و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: كلّ معروف صدقة و الدّالّ على الخير كفاعله و اللّه يحبّ اغاثة اللهفان.
و قال الصّادق عليه السّلام: أيّما مؤمن أوصل الى أخيه المؤمن معروفا فقد أوصل ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قال عليه السّلام: المعروف شي‏ء سوى الزّكاة فتقرّبوا إلى اللّه عزّ و جلّ بالبرّ و صلة الرّحم، و قال عليه السّلام: رأيت المعروف كاسمه و ليس شي‏ء أفضل من المعروف إلّا ثوابه، و ذلك يراد منه، و ليس كلّ من يحبّ أن يصنع المعروف الى الناس يصنعه و ليس كلّ من يرغب فيه يقدر عليه و لا كلّ من يقدر عليه يوزن له فيه فاذا اجتمعت الرغبة و القدرة و الاذن فهنا لك تمّت السّعادة للطالب و المطلوب اليه.

و قال الصّادق عليه السّلام أيضا: رأيت المعروف لا يصلح الّا بثلاث خصال: تصغيره، و ستره، و تعجيله فانّك إذا صغّرته عظّمته عند من تصنعه اليه، و إذا سترته تمّمته، و إذا عجّلته هنّاته، و ان كان غير ذلك محققه و نكدته، و رواه في الكافي باسناده عنه عليه السّلام نحوه، و هو إشارة إلى بعض آداب صنع المعروف.

و من جملتها أيضا ما اشير اليه في رواية مفضّل بن عمر قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: يا مفضّل إذا أردت أن تعلم الى خير يصير الرّجل أم إلى شرّ انظر الى أين يضع معروفه، فان كان يضع معروفه عند أهله فاعلم أنّه يصير إلى خير، و إن كان يضع معروفه عند غير أهله فاعلم أنّه ليس له في الآخرة من خلاق.

هنا انتهى الجزء السابع من هذه الطبعة النفيسة القيمة، و تمّ تصحيحه و ترتيبه و تهذيبه بيد العبد «السيد ابراهيم الميانجى» عفى عنه و عن و الديه و ذلك في اليوم الثالث من شهر رجب الاصب سنة 1380 و يليه ان شاء الله الجزء الثامن، و الحمد لله أوّلا و آخرا و ظاهرا و باطنا

الجزء الثامن
تتمة باب المختار من خطب أمير المؤمنين ع و أوامره
تتمة المختار المأة و التاسع
تتمة المعنى من المختار المأة و التاسع
بسم اللَّه الرحمن الرحيم ثمّ انّه عليه السّلام لما فرغ من تعداد أفضل الوسائل إلى اللَّه سبحانه و أشرف ما يتقرّب به إليه تعالى أردفه بالأمر بما هو موجب لكماله و تمامه فقال عليه السّلام: (أفيضوا) أى اندفعوا (في ذكر اللَّه فانّه أحسن الذّكر) لما يترتب عليه من الثّمرات الدّنيويّة و الأخروية حسبما عرفته في التنبيه الثاني من تنبيهات الفصل السّادس من فصول الخطبة الثانية و الثمانين (و ارغبوا فيما وعد المتّقين) بقوله: «للّذين اتّقوا عند ربّهم جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و أزواج مطهّرة و رضوان من اللَّه و اللَّه بصير بالعباد».

و الرّغبة فيه إنّما هو بتحصيل التقوى و الاتّصاف بأوصاف المتّقين الّذين: «يقولون ربّنا إنّنا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا و قنا عذاب النّار الصّابرين و الصّادقين و القانتين و المنفقين و المستغفرين بالأسحار».

(فإنّ وعده) سبحانه (أصدق الوعد) أى لا يخلف الميعاد لأنّ الخلف منشاه إمّا البخل أو العجز، و كلاهما محالان على اللَّه سبحانه (و اقتدوا بهدى نبيّكم) أى بسيرته صلّى اللَّه عليه و آله (فانّه أفضل الهدى) لأنّه إذا كان أفضل الأنبياء كانت سيرته أفضل السّير (و استنّوا بسنّته) أى بطريقته سلام اللَّه عليه و آله (فانّها أهدى السّنن)و أقرب الطرق الموصلة إلى الحقّ سبحانه (و تعلّموا القرآن فانّه أحسن الحديث) أى أحسن الكلام، و سمّى الكلام به لتجدّده و حدوثه شيئا فشيئا، و قد مضى في شرح الفصل السّابع عشر من فصول الخطبة الاولى بعض امور المهمّة المتعلّقة بالقرآن، و لعلوّ مقامه و سموّ مكانه و حسن نظمه و جلالة قدره و بعد غوره و عذوبة معناه و دقّة مغزاه و اشتماله على ما لم يشتمل عليه غيره من كلام المخلوقين كان أحسن الكلام و أمر عليه السّلام بتعلّمه بذلك الاعتبار مضافا إلى ما يترتّب على تعلّمه من عظيم الفوائد و مزيد القسم و العوايد.

كما يشهد به ما رواه ثقة الاسلام الكلينيّ عطر اللَّه مضجعه عن عليّ بن محمّد عن عليّ بن العبّاس عن الحسين بن عبد الرّحمن عن سفيان الحريري عن أبيه عن سعد الخفاف عن أبي جعفر عليه السّلام قال: يا سعد تعلّموا القرآن فانّ القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة نظر إليه الخلق، و النّاس صفوف عشرون و مأئة ألف صفّ ثمانون ألف صفّ امّة محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم و أربعون ألف صفّ من ساير الامم فيأتي على صفّ المسلمين في صورة رجل فيسلّم فينظرون إليه، ثمّ يقولون: لا إله إلا اللَّه الحليم الكريم إنّ هذا الرّجل من المسلمين نعرفه بنعته و صفته غير أنه كان أشدّ اجتهادا منّافي القرآن، فمن هناك اعطى من البهاء و الجمال و النور ما لم نعطه، ثمّ يتجاوز حتّى يأتي على صفّ الشهداء فينظر إليه الشهداء ثمّ يقولون لا إله إلّا اللَّه الرّبّ الرّحيم انّ هذا الرّجل من الشّهداء نعرفه بسمته و صفته غير أنّه من شهداء البحر فمن هناك اعطى من البهاء و الفضل ما لم نعطه، قال فيجاوز حتّى يأتي صفّ شهداء البحر في صورة شهيد فينظر إليه شهداء البحر فيكثر تعجّبهم و يقولون إنّ هذا من شهداء البحر نعرفه بسمته و صفته غير أنّ الجزيرة التي اصيب فيها كانت أعظم هولا من الجزيرة «الجزائر خ» التي اصبنا فيها فمن هناك اعطى من البهاء و الجمال و النّور ما لم نعطه، ثمّ يجاوز حتّى يأتي صفّ النبيّين و المرسلين في صورة نبيّ مرسل، فينظر النّبيون و المرسلون إليه فيشتدّ لذلك تعجّبهم و يقولون: لا إله إلّا اللَّه الحليم الكريم إنّ هذا النبيّ مرسل نعرفه بصفته و سمته غير انه اعطى فضلا كثيرا، قال: فيجتمعون فيأتون رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم فيسألونه و يقولون: يا محمّد من هذا فيقول لهم: أو ما تعرفونه فيقولون: ما نعرفه هذا ممّن لم يغضب اللَّه عليه فيقول رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: هذا حجّة اللَّه على خلقه فيسلم، ثمّ يجاوز حتّى يأتي على صفّ الملائكة في صورة ملك مقرّب فينظر اليه الملائكة فيشتدّ تعجّبهم و يكبر ذلك عليهم لما رأوا من فضله و يقولون: تعالى ربّنا و تقدّس إنّ هذا العبد من الملائكة نعرفه بسمته و وصفه غير أنّه كان أقرب الملائكة إلى اللَّه عزّ و جلّ مقاما فمن هناك البس من النور و الجمال ما لم نلبس، ثمّ يجاوز حتّى ينتهى إلى ربّ العزّة تبارك و تعالى فيخرّ تحت العرش فيناديه تبارك و تعالى: يا حجّتي في الأرض و كلامي الصادق الناطق ارفع رأسك و سل تعط و اشفع تشفع، فيرفع رأسه فيقول اللَّه تبارك: كيف رأيت عبادى فيقول: يا ربّ منهم من صانني و حافظ علىّ و لم يضيّع شيئا، و منهم من ضيّعنى و استخفّ بحقّي و كذب بي و أنا حجّتك على جميع خلقك فيقول اللَّه تبارك و تعالى: و عزّتي و جلالي و ارتفاع مكاني لاثيبنّ عليك اليوم أحسن الثواب، و لأعاقبنّ عليك اليوم أليم العقاب، قال فيرفع القرآن رأسه في صورة اخرى قال: فقلت له: يا ابا جعفر في أيّ صورة يرجع قال: في صورة رجل شاحب متغيّر ينكره أهل الجمع، فيأتي الرّجل من شيعتنا الذي كان يعرفه و يجادل به أهل الخلاف فيقوم بين يديه فيقول: ما تعرفني فينظر إليه الرّجل فيقول: ما أعرفك يا عبد اللَّه، قال: فيرجع في صورته التي كانت في الخلق الأوّل، فيقول: ما تعرفني فيقول: نعم، فيقول القرآن: أنا الذي أسهرت ليلك و أنصبت عيشك، و سمعت فيّ الأذى و رجمت بالقول، ألا و انّ كلّ تاجر قد استوفى تجارته و انا وراءك اليوم، قال: فينطلق به إلى ربّ العزّة تبارك و تعالى فيقول: يا ربّ عبدك و أنت أعلم به قد كان نصبا بى مواظبا علىّ يعادي بسببي و يحبّ فيّ و يبغض، فيقول اللَّه عزّ و جلّ ادخلوا عبدي جنّتي و اكسوه حلّة من حلل الجنّة و توّجوه بتاج، فاذا فعل به ذلك عرض على القرآن فيقول له: هل رضيت بما صنع بوليّك فيقول: يا ربّ إنيّ أستقلّ هذا له فزده مزيد الخير كلّه، فيقول عزّ و جلّ: و عزّتي و جلالي و علوّي و ارتفاع مكاني لأنحلنّ له اليومخمسة أشياء مع المزيد له و لمن كان بمنزلته ألا أنّهم شباب لا يهرمون، و أصحّاء لا يسقمون، و أغنياء لا يفتقرون، و فرحون لا يحزنون، و أحياء لا يموتون، ثمّ تلا هذه الآية لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى‏.

قال قلت: يا أبا جعفر و هل يتكلّم القرآن فتبسّم عليه السّلام ثمّ قال: رحم اللَّه الضّعفاء من شيعتنا إنهم أهل تسليم، ثمّ قال عليه السّلام: نعم يا سعد و الصّلاة تتكلّم، و له صورة و خلق تأمر و تنهى، قال سعد: فتغيّر لذلك لونى و قلت: هذا شي‏ء لا أستطيع التكلّم به في النّاس، فقال أبو جعفر عليه السّلام: و هل الناس إلّا شيعتنا، فمن لم يعرف الصّلاة فقد أنكر حقّنا، ثمّ قال: يا سعد اسمعك كلام القرآن قال سعد: فقلت: بلى صلّى اللَّه عليك، فقال: إنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر و لذكر اللَّه أكبر، فالنهى كلام و الفحشاء و المنكر رجال و نحن ذكر اللَّه و نحن أكبر (و تفقّهوا فيه) أى تفهّموا في القرآن (فانه ربيع القلوب) و استعار له لفظ الرّبيع باعتبار كونه جامعا لأنواع الأسرار العجيبة و النكات البديعة و المعاني اللّطيفة و العلوم الشريفة التي هي متنزّه القلوب كما أنّ الرّبيع جامع لأنواع الأزهار و الرياحين التي هي مطرح الأنظار و مستمتع الأبصار و محصّل المعنى أنّه يجب عليكم أخذ الفهم في القرآن كيلا تحرموا من فوائده و لا تغفلوا عن منافعه فانه بمنزلة الرّبيع المتضمّن للفوائد الكثيرة و المنافع العظيمة هذا.

و يحتمل أن يكون المراد بالتفّقه التبصّر على حذو ما ذهب اليه بعض الشارحين في شرح قوله صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: من حفظ على أمّتي أربعين حديثا بعثه اللَّه فقيها عالما، حيث قال: ليس المراد به الفقه بمعنى الفهم فانه لا يناسب المقام، و لا العلم بالأحكام الشرعية عن أدلّتها التفصيليّة فانه مستحدث، بل المراد البصيرة في أمر الدّين، و الفقه أكثر ما يأتي في الحديث بهذا المعني، و إليها أشار صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم بقوله: لا يفقه العبد كلّ الفقه حتّى يمقت الناس في ذات اللَّه و حتّى يرى للقرآن وجوها كثيرة ثمّ يقبل على نفسه فيكون لها أشدّ مقتا.

ثمّ قال: هذا البصيرة إمّا موهبيّة و هي التي دعا بها النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم لأمير المؤمنين عليه السّلام حين أرسله إلى اليمن حيث قال: اللّهم فقّهه في الدّين، أو كسبيّة و هى التي أشار اليها أمير المؤمنين عليه السّلام حيث قال لولده الحسن عليه السّلام و تفقّه يا بنيّ في الدّين انتهى.

و على هذا الاحتمال فتعليل الأمر بالتفقّه بكونه ربيعا إشارة إلى أنّ الرّبيع كما أنّه مورد الاعتبار بما أودع اللَّه فيه من عجايب العبر و الأسرار و أخرج فيه من بدايع النبات و الأزهار و غيرها من شواهد الحكمة و آثار القدرة، فكذلك القرآن محلّ الاستبصار بما تضمنّه من حكاية حال الامم الماضية و القرون الخالية و تفصيل ما أعطاه اللَّه سبحانه للمطيعين من عظيم الثواب و جزاه للمسيئين من أليم العقاب و العذاب، و غير ذلك مما فيه تذكرة لاولى الأبصار و تبصرة لأولى الألباب (و استشفوا بنوره فانه شفاء الصدور) من الاسقام الظاهرة و الباطنة و الأمراض الحسيّة و العقليّة.

كما يدلّ عليه ما رواه في الكافي باسناده عن طلحة بن زيد عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال: إنّ هذا القرآن فيه منار الهدى و مصابيح الدّجى، فليجل جال بصره و يفتح للضياء نظره، فانّ التّفكر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنّور.

و فيه عن أبي جميلة قال قال: أبو عبد اللَّه عليه السّلام: كان في وصيّة أمير المؤمنين عليه السّلام لأصحابه: اعلموا أنّ القرآن هدى النهار و نور الليل المظلم على ما كان من جهل و فاقة.

و فيه عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن النّوافلي عن السّكوني عن أبي عبد اللَّه عن آبائه عليهم السّلام قال: شكى رجل النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم وجعا في صدره فقال: استشف بالقرآن فانّ اللَّه عزّ و جلّ يقول و شفاء لما في الصّدور، إلى غير ذلك مما لا نطيل بروايتها و يأتي طائفة كثيرة منها في شرح الفصل الرابع من فصول الخطبة المأة و السابعة و التسعين إنشاء اللَّه تعالى (و أحسنوا تلاوته فانّه أنفع القصص) يعني أنه لما كان أحسن القصص و أنفعها كما يرشد إليه قوله تعالى: نحن نقصّ عليك أحسن القصص، لا جرم ينبغي أن يحسن تلاوته و أن يتلى حقّ التلاوة بحسن التّدبّر و النظر لتدرك منافع قصصه و تنال بها فيها من الفوائد العظيمة.

روى في الكافي باسناده عن عبد اللَّه بن سليمان قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السّلام عن قول اللَّه عزّ و جلّ: و رتّل القرآن ترتيلا، قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام: بيّنه تبيانا و لا تهذّه«» هذّ الشعر و لا تنثره نثر الرّمل و لكن افرغوا قلوبكم القاسية و لا يكن همّ أحدكم آخر السّورة.

ثمّ إنه عليه السّلام لما أمر بتعلّم القرآن و عقّبه بامور ملازمة للعمل به من التفقّه فيه و الاستشفاء بنوره و حسن تلاوته، علّل ذلك بقوله: (فانّ العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحاير) أى المتحيّر (الّذى لا يستفيق من جهله) في اشتراكهما في التورّط في الضلال و العدول عن قصد السبيل (بل الحجّة عليه أعظم) لانقطاع معذرته بمعرفته و عدم تمكّنه من أن يعتذر و يقول: إنّا كنّا عن هذا غافلين و قد مرّ في شرح الفصل الثاني من فصول الخطبة الثانية و الثمانين تحقيق الكلام في ذلك بما لا مزيد عليه، و روينا هنالك عن حفص بن غياث عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام أنه قال: يا حفص يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد (و الحسرة له ألزم) كما يوضحه رواية سليم بن قيس الهلالى المتقدّمة ثمّة و قال الشارح البحراني «قد»: إنّ النفوس الجاهلة غير عالمة بمقدار ما يفوتها من الكمال بالتفصيل فإذا فارقت أبدانها فهى و إن كانت محجوبة عن ثمار الجنّة و ما أعدّها اللَّه فيها لأوليائه العلماء، إلّا أنها لما لم تجد لذّتها و لم تطعم حلاوة المعارف الالهية لم تكن لها كثير حسرة عليها و لا أسف على التقصير في تحصيلها، بخلاف العارف بها العالم بنسبتها إلى اللّذات الدّنيويّة، فانّه بعد المفارقة إذا علم‏ و انكشف له أنّ الصارف له و المانع عن الوصول إلى حضرة جلال اللَّه هو تقصيره في العمل بما علم مع علمه بمقدار ما فاته من الكمالات و الدّرجات، كان أسفه و حسرته على ذلك أشدّ الحسرات، و جرى ذلك مجرى من علم قيمة جوهرة ثمينة تساوى جملة من المال ثمّ اشتغل عن تحصيلها ببعض لعبه فانّه يعظم حسرته عليها و ندمه على التفريط فيها بخلاف الجاهل بقيمتها (و هو عند اللَّه ألوم) و شدّة اللّائمه مساوق لشدة العقوبة، و هو باعتبار أنّ عدم قيامه بوظايف علمه و اتّباعه هواه كاشف عن منتهى جرأته على مولاه، فبذلك يستحقّ من اللؤم و العتاب و الخزى و العذاب ما لا يستحقّه غيره ممّن ليس له هذه الجرأة، فهو عند اللَّه أشد لؤما و عتابا، و أعظم نكالا و عقابا

تكملة

اعلم أنّ هذه الخطبة الشريفة حسبما أشرنا إليه ملتقطة من خطبة طويلة روى تمامها الشيخ المحدّث الثقة أبي محمّد الحسن بن عليّ بن شعبة قدّس اللَّه سرّه في كتاب تحف العقول.

قال: خطبته عليه السّلام المعروفة بالدّيباج: الحمد للَّه فاطر الخلق و خالق الاصباح و منشر الموتى و باعث من في القبور، و أشهد أن لا اله إلا اللَّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم عباد اللَّه إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى اللَّه جلّ ذكره الايمان باللَّه و برسله و ما جاءت به من عند اللَّه، و الجهاد في سبيله فانه ذروة الاسلام، و كلمة الاخلاص فانها الفطرة، و إقامة الصلاة فانّها الملّة، و إيتاء الزكاة فانها فريضة و صوم شهر رمضان فانّه جنّة حصينة، و حجّ البيت و العمرة فانهما ينفيان الفقر و يكفّر ان الذنب و يوجبان الجنّة، و صلة الرّحم فانها ثروة في المال و منساة في الأجل و تكثير للعدد، و الصّدقة في السّر فانها تكفّر الخطاء و تطفى غضب الرّب تبارك و تعالى، و الصّدقة في العلانية فانها تدفع ميتة السوء، و صنايع المعروف أنها تقى مصارع السوء، و أفيضوا في ذكر اللَّه جلّ ذكره فانه أحسن الذكر، و هوأمان من النفاق و برائة من النار و تذكير لصاحبه عند كلّ خير يقسمه اللَّه جلّ و عزّ له دويّ تحت العرش، و ارغبوا فيما وعد المتّقون فانّ وعد اللَّه أصدق الوعد، و كلّما وعد فهو آت كما وعد، فاقتدوا بهدي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم فانّه أفضل الهدي، و استنّوا بسنّته فانها أشرف السنن، و تعلّموا كتاب اللَّه تبارك و تعالى فانه أحسن الحديث و أبلغ الموعظة، و تفقّهوا فيه فانه ربيع القلوب، و استشفوا بنوره فانّه شفاء لما في الصّدور، و أحسنوا تلاوته فانّه أحسن القصص، و إذا قرء عليكم القرآن فاستمعوا له و أنصتوا لعلكم ترحمون، و إذا هديتم لعلمه فاعلموا بما علمتم من علمه لعلّكم تفلحون.

فاعلموا عباد اللَّه أنّ العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذى لا يستفيق من جهله، بل الحجّة عليه أعظم و هو عند اللَّه ألوم و الحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه مثل ما على هذا الجاهل المتحيّر في جهله و كلاهما حاير باير مضلّ مفتون مبتور ما هم فيه و باطل ما كانوا يعملون.

عباد اللَّه لا ترتابوا فتشكّوا، و لا تشكّوا فتكفروا فتندموا، و لا ترخصوا لأنفسكم فتدهنوا و تذهب بكم الرّخص مذاهب الظلمة فتهلكوا، و لا تداهنوا في الحقّ إذا ورد عليكم و عرفتموه فتخسروا خسرانا مبينا.
عباد اللَّه إنّ من الحزم أن تتّقوا اللَّه، و إنّ من العصمة أن لا تغترّوا باللَّه.

عباد اللَّه إنّ أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربّه، و أغشّهم لنفسه أعصاهم له عباد اللَّه إنه من يطع اللَّه يأمن و يستبشر، و من يعصيه يخب و يندم و لا يسلم عباد اللَّه سلوا اللَّه اليقين فانّ اليقين رأس الدّين، و ارغبوا اليه في العافية فانّ أعظم النعمة العافية فاغتنموها للدّنيا و الآخرة و ارغبوا اليه في التوفيق فانه اسّ وثيق، و اعلموا أنّ خير ما لزم القلب اليقين، و أحسن اليقين التّقى، و أفضل امور الحقّ عزائمها، و شرّها محدثاتها، و كلّ محدثة بدعة و كلّ بدعة ضلالة، و بالبدع هدم السّنن، المغبون من غبن دينه، و المغبوط من سلم له دينه و حسن يقينه، و السّعيد من وعظ بغيره، و الشقى من انخدع لهواه.

عباد اللَّه اعلموا أنّ يسير الرّياء شرك، و انّ اخلاص العمل اليقين، و الهوى يقود إلى النار، و مجالسة أهل الهوى ينسى القرآن و يحضر الشّيطان، و النسى‏ء زيادة في الكفر و اعمال العصاة تدعو الى سخط الرّحمن و سخط الرّحمن يدعو إلى النّار، و محادثة النساء تدعو إلى البلاء و تزيغ القلوب، و الرّمق لهنّ يخطف نور أبصار القلوب، و لمح العيون مصائد الشيطان، و مجالسة السّلطان يهيج النّيران.

عباد اللَّه أصدقوا فانّ اللَّه مع الصّادقين، و جانبوا الكذب فانّه مجانب للايمان و إنّ الصّادق على شرف منجاة و كرامة، و الكاذب على شفا مهواة و هلكة، و قولوا الحقّ تعرفوا به، و اعملوا به تكونوا من أهله، و أدّوا الأمانة إلى من ائتمنكم عليها، و صلوا أرحام من قطعكم، و عودوا بالفضل على من حرمكم، و إذا عاقدتم فأوفوا، و إذا حكمتم فاعدلوا، و إذا ظلمتم فاصبروا، و إذا اسي‏ء إليكم فاعفوا و اصفحوا كما تحبّون أن يعفى عنكم، و لا تفاخروا بالآباء، و لا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان، و لا تمازحوا، و لا تغاضبوا، و لا تباذخوا، و لا يغتب بعضكم بعضا أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا، و لا تحاسدوا فانّ الحسد يأكل الايمان كما تأكل النّار الحطب، و لا تباغضوا فانها الحالقة، و افشوا السّلام في العالم، و ردّوا التحيّة على اهلها بأحسن منها، و ارحموا الأرملة و اليتيم، و اعينوا الضعيف و المظلوم و الغارمين و في سبيل اللَّه و ابن السّبيل و السّائلين و في الرّقاب و المكاتب و المسكين، و انصروا المظلوم، و اعطوا الفروض، و جاهدوا انفسكم في اللَّه حقّ جهاده فانّه شديد العقاب، و جاهدوا في سبيل اللَّه، و أقروا الضيف و أحسنوا الوضوء، و حافظوا على الصّلوات الخمس في أوقاتها، فانها من اللَّه عزّ و جلّ بمكان.
« فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ… فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ» « تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ» «وَ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَ لا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ»

و اعلموا عباد اللَّه أنّ الأمل يذهب العقل و يكذب الوعد و يحثّ على الغفلة و يورث الحسرة، فاكذبوا الأمل فانّه غرور و أنّ صاحبه مأزور، فاعملوا في الرغبة و الرهبة فان نزلت بكم رغبة فاشكروا و اجمعوا معها رغبة، فانّ اللَّه قد تأذّن للمسلمين بالحسنى و لمن شكر بالزيادة، فانّى لم أر مثل الجنّة نام طالبها، و لا كالنّار نام هاربها، و لا أكثر مكتسبا ممن كسبه ليوم تذخر فيه الذخائر و تبلى فيه السّراير، و أنّ من لا ينفعه الحقّ يضرّه الباطل، و من لا يستقيم به الهدى تضرّه الضّلالة، و من لا ينفعه اليقين يضرّه الشّك و انكم قد امرتم بالظعن و دللتم على الزّاد، ألا انّ أخوف ما أتخوّف عليكم اثنان: طول الأمل و اتّباع الهوى ألا و إنّ الدّنيا أدبرت و آذنت بانقلاع، ألا و انّ الآخرة قد أقبلت و آذنت باطلاع، ألا و إنّ المضمار اليوم و السباق غدا، ألا و إنّ السبقة الجنّة و الغاية النار، ألا و إنكم في أيّام مهل من ورائه أجل يحثّه عجل فمن أخلص للَّه عمله في أيّامه قبل حضور أجله نفعه عمله و لم يضرّه أجله، و من لم يعمل في أيّام مهله ضرّه أجله و لم ينفعه عمله عباد اللَّه أفزعوا إلى قوام دينكم باقام الصّلاة لوقتها، و ايتاء الزكاة في حينها و التضرّع و الخشوع و صلة الرّحم، و خوف المعاد و إعطاء السّائل و إكرام الضعيفة و الضعيف و تعلّم القرآن و العمل به و صدق الحديث و الوفاء بالعهد و أداء الأمانة إذا ائتمنتم، و ارغبوا في ثواب اللَّه و ارهبوا عذابه و جاهدوا في سبيل اللَّه بأموالكم و أنفسكم، و تزوّدوا من الدّنيا ما تحرزون به أنفسكم و اعملوا بالخير تجزوا بالخير يوم يفوز بالخير من قدّم الخير، أقول قولي و أستغفر اللَّه لي و لكم.

بيان

لا يخفى على الضّابط المحيط بما تقدّمت من الخطب أن الأشبه أن تكون الخطبة الثّامنة و العشرون، و أو آخر الخطبة الخامسة و الثمانين، و هذه الخطبة التي نحن في شرحها جميعا ملتقطة من تلك الخطبة المعروفة بالدّيباج، فانّك إذا لاحظتها ترى توافق هذه الخطبة لأوائل تلك الخطبة، و أواخر الخامسة و الثمانين لأواسطها، و الثامنة و العشرين لأواخرها، و إن كان بينها اختلاف يسير في بعض‏ العبارات، و تقديم و تأخير في بعض الفقرات، و لا ضير فيه فانّه من تفاوت مراتب حفظ الرّواة في القوّة و الضعف، و هو عمدة جهات الاختلاف في الأخبار كما هو غير خفىّ على اولى الأبصار.

الترجمة

از جمله خطبهاى شريفه آن حجت زمان و قدوة عالميانست در وصف شعائر اسلام و حثّ و ترغيب بر آن مى‏ فرمايد: بتحقيق بهترين چيزى كه تقرّب مي كنند بآن تقرّب جويندگان بسوى پروردگار عالميان كه منزّه و مقدّس است از هر گونه عيب و نقصان، ايمان و تصديق است بذات او و به پيغمبر برگزيده او، و جهاد است در راه او پس بتحقيق كه جهاد بلندي اسلام است، ديگر از اسباب تقرّب كلمه اخلاص يعنى كلمه طيبه لا إله الّا اللَّه است پس بدرستى كه آن كلمه مباركه توحيد است و معرفت، ديگر بر پا داشتن نماز پنج‏گانه پس بتحقيق كه او است ملّت، و دادن زكاة است كه او است فرض و واجب و روزه ماه مبارك رمضان است كه سپر است از عقوبت، و حجّ خانه خدا و عمره بجا آوردن است در آن كه آن حجّ و عمره بر مى ‏دارند فقر و پريشانى را و مى‏ شويند گناه را، وصله أرحام است كه مايه أفزونى مال است و درازى عمر، و صدقه دادن است پنهان كه كفّاره گناهانست، و صدقه دادنست آشكارا كه دفع كننده مردن زشت است چون سوختن و غرق شدن و مثل آن، و كارهاى نيكو كردنست كه نگه مى ‏دارد كردن آنها از كشته شدن در مواضع ذلّت.

كوچ نمائيد و سير كنيد در ذكر خدا پس بدرستى كه ذكر خدا بهترين ذكرها است، و رغبت نمائيد بچيزى كه وعده فرموده پرهيزكاران را پس بتحقيق كه وعده او راست‏ ترين وعدها است، و متابعت كنيد بسيرت پيغمبر خودتان كه بهترين سيرتها است، و راه برويد بطريقه او كه هدايت كننده ‏ترين طريقها است، و ياد بگيريد و بياموزيد قرآن كريم را كه بهترين كلامها است، و بفهميد نكات آنرا كه‏ آن بهار قلبها است، و طلب شفا كنيد با نور قرآن كه آن شفاى سينها است، و خوب تلاوت نمائيد آنرا پس بدرستى كه آن نافع‏ترين قصّه‏ ها است، بتحقيق كه عالمى كه بعلم خود عمل نكند مثل جاهل و نادان سرگردانى است كه از مستى و جهالت خود بهوش نيايد، بلكه حجّت خدا بر آن عالم بزرگتر است، و حسرت و أفسوس مر آن عالم را لازم‏تر است، و او در نزد خدا بيشتر مستحقّ مذمّت و ندامت است.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

 

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 108 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 109 صبحی صالح

109- و من خطبة له ( عليه‏ السلام  ) في بيان قدرة اللّه و انفراده بالعظمة و أمر البعث‏

قدرة اللّه‏

كُلُّ شَيْ‏ءٍ خَاشِعٌ لَهُ

وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ قَائِمٌ بِهِ

غِنَى كُلِّ فَقِيرٍ

وَ عِزُّ كُلِّ ذَلِيلٍ

وَ قُوَّةُ كُلِّ ضَعِيفٍ

وَ مَفْزَعُ كُلِّ مَلْهُوفٍ

مَنْ تَكَلَّمَ سَمِعَ نُطْقَهُ

وَ مَنْ سَكَتَ عَلِمَ سِرَّهُ

وَ مَنْ عَاشَ فَعَلَيْهِ رِزْقُهُ

وَ مَنْ مَاتَ فَإِلَيْهِ مُنْقَلَبُهُ

لَمْ تَرَكَ الْعُيُونُ فَتُخْبِرَ عَنْكَ

بَلْ كُنْتَ قَبْلَ الْوَاصِفِينَ مِنْ خَلْقِكَ

لَمْ تَخْلُقِ الْخَلْقَ لِوَحْشَةٍ

وَ لَا اسْتَعْمَلْتَهُمْ لِمَنْفَعَةٍ

وَ لَا يَسْبِقُكَ مَنْ طَلَبْتَ

وَ لَا يُفْلِتُكَ مَنْ أَخَذْتَ

وَ لَا يَنْقُصُ سُلْطَانَكَ مَنْ عَصَاكَ

وَ لَا يَزِيدُ فِي مُلْكِكَ مَنْ أَطَاعَكَ

وَ لَا يَرُدُّ أَمْرَكَ مَنْ سَخِطَ قَضَاءَكَ

وَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْكَ مَنْ تَوَلَّى عَنْ أَمْرِكَ

كُلُّ سِرٍّ عِنْدَكَ عَلَانِيَةٌ

وَ كُلُّ غَيْبٍ عِنْدَكَ شَهَادَةٌ

أَنْتَ الْأَبَدُ فَلَا أَمَدَ لَكَ

وَ أَنْتَ الْمُنْتَهَى فَلَا مَحِيصَ عَنْكَ

وَ أَنْتَ الْمَوْعِدُ فَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ

بِيَدِكَ نَاصِيَةُ كُلِّ دَابَّةٍ

وَ إِلَيْكَ مَصِيرُ كُلِّ نَسَمَةٍ

سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ شَأْنَكَ

سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ مَا نَرَى مِنْ خَلْقِكَ

وَ مَا أَصْغَرَ كُلَّ عَظِيمَةٍ فِي جَنْبِ قُدْرَتِكَ

وَ مَا أَهْوَلَ مَا نَرَى مِنْ‏ مَلَكُوتِكَ

وَ مَا أَحْقَرَ ذَلِكَ فِيمَا غَابَ عَنَّا مِنْ سُلْطَانِكَ

وَ مَا أَسْبَغَ نِعَمَكَ فِي الدُّنْيَا

وَ مَا أَصْغَرَهَا فِي نِعَمِ الْآخِرَةِ

الملائكة الكرام‏

و منهامِنْ مَلَائِكَةٍ أَسْكَنْتَهُمْ سَمَاوَاتِكَ

وَ رَفَعْتَهُمْ عَنْ أَرْضِكَ

هُمْ أَعْلَمُ خَلْقِكَ بِكَ

وَ أَخْوَفُهُمْ لَكَ

وَ أَقْرَبُهُمْ مِنْكَ

لَمْ يَسْكُنُوا الْأَصْلَابَ

وَ لَمْ يُضَمَّنُوا الْأَرْحَامَ

وَ لَمْ يُخْلَقُوا مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ‏

وَ لَمْ يَتَشَعَّبْهُمْ رَيْبُ الْمَنُونِ

وَ إِنَّهُمْ عَلَى مَكَانِهِمْ مِنْكَ

وَ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَكَ

وَ اسْتِجْمَاعِ أَهْوَائِهِمْ فِيكَ

وَ كَثْرَةِ طَاعَتِهِمْ لَكَ

وَ قِلَّةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ أَمْرِكَ

لَوْ عَايَنُوا كُنْهَ مَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ لَحَقَّرُوا أَعْمَالَهُمْ

وَ لَزَرَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ

وَ لَعَرَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ

وَ لَمْ يُطِيعُوكَ حَقَّ طَاعَتِكَ

عصيان الخلق‏

سُبْحَانَكَ خَالِقاً وَ مَعْبُوداً

بِحُسْنِ بَلَائِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ

خَلَقْتَ دَاراً

وَ جَعَلْتَ فِيهَا مَأْدُبَةً

مَشْرَباً وَ مَطْعَماً

وَ أَزْوَاجاً وَ خَدَماً وَ قُصُوراً وَ أَنْهَاراً وَ زُرُوعاً وَ ثِمَاراً

ثُمَّ أَرْسَلْتَ دَاعِياً يَدْعُو إِلَيْهَا

فَلَا الدَّاعِيَ أَجَابُوا

وَ لَا فِيمَا رَغَّبْتَ رَغِبُوا

وَ لَا إِلَى مَا شَوَّقْتَ إِلَيْهِ اشْتَاقُوا

أَقْبَلُوا عَلَى جِيفَةٍ قَدِ افْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا

وَ اصْطَلَحُوا عَلَى‏حُبِّهَا

وَ مَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ

وَ أَمْرَضَ قَلْبَهُ

فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ

وَ يَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَيْرِ سَمِيعَةٍ

قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ

وَ أَمَاتَتِ الدُّنْيَا قَلْبَهُ

وَ وَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ

فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا

وَ لِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْ‏ءٌ مِنْهَا

حَيْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا

وَ حَيْثُمَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا

لَا يَنْزَجِرُ مِنَ اللَّهِ بِزَاجِرٍ

وَ لَا يَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظٍ

وَ هُوَ يَرَى الْمَأْخُوذِينَ عَلَى الْغِرَّةِ

حَيْثُ لَا إِقَالَةَ وَ لَا رَجْعَةَ

كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ

وَ جَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأْمَنُونَ

وَ قَدِمُوا مِنَ الْآخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ

فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهِمْ

اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ وَ حَسْرَةُ الْفَوْتِ

فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ

وَ تَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ

ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً

فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وَ بَيْنَ مَنْطِقِهِ

وَ إِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ

وَ يَسْمَعُ بِأُذُنِهِ

عَلَى صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ

وَ بَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ

يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمُرَهُ

وَ فِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ

وَ يَتَذَكَّرُ أَمْوَالًا جَمَعَهَا

أَغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا

وَ أَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا وَ مُشْتَبِهَاتِهَا

قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا

وَ أَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا

تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ فِيهَا

وَ يَتَمَتَّعُونَ بِهَا

فَيَكُونُ الْمَهْنَأُ لِغَيْرِهِ

وَ الْعِبْ‏ءُ عَلَى ظَهْرِهِ

وَ الْمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ رُهُونُهُ بِهَا

فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةً عَلَى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ

وَ يَزْهَدُ فِيمَا كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمُرِهِ

وَ يَتَمَنَّى أَنَ‏الَّذِي كَانَ يَغْبِطُهُ بِهَا وَ يَحْسُدُهُ عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ

فَلَمْ يَزَلِ الْمَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ

فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لَا يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ

وَ لَا يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ

يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ فِي وُجُوهِهِمْ

يَرَى حَرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ

وَ لَا يَسْمَعُ رَجْعَ كَلَامِهِمْ

ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ الْتِيَاطاً بِهِ

فَقُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ

وَ خَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ

فَصَارَ جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ

قَدْ أَوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهِ

وَ تَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ

لَا يُسْعِدُ بَاكِياً

وَ لَا يُجِيبُ دَاعِياً

ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى مَخَطٍّ فِي الْأَرْضِ

فَأَسْلَمُوهُ فِيهِ إِلَى عَمَلِهِ

وَ انْقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ

القيامة

حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ

وَ الْأَمْرُ مَقَادِيرَهُ

وَ أُلْحِقَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَوَّلِهِ

وَ جَاءَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ تَجْدِيدِ خَلْقِهِ

أَمَادَ السَّمَاءَ وَ فَطَرَهَا

وَ أَرَجَّ الْأَرْضَ وَ أَرْجَفَهَا

وَ قَلَعَ جِبَالَهَا وَ نَسَفَهَا

وَ دَكَّ بَعْضُهَا بَعْضاً مِنْ هَيْبَةِ جَلَالَتِهِ وَ مَخُوفِ سَطْوَتِهِ

وَ أَخْرَجَ مَنْ فِيهَا

فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ إِخْلَاقِهِمْ

وَ جَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ

ثُمَّ مَيَّزَهُمْ لِمَا يُرِيدُهُ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ عَنْ خَفَايَا الْأَعْمَالِ وَ خَبَايَا الْأَفْعَالِ

وَ جَعَلَهُمْ فَرِيقَيْنِ

أَنْعَمَ عَلَى هَؤُلَاءِ

وَ انْتَقَمَ مِنْ هَؤُلَاءِ

فَأَمَّا أَهْلُ الطَّاعَةِ فَأَثَابَهُمْ بِجِوَارِهِ وَ خَلَّدَهُمْ فِي دَارِهِ

حَيْثُ لَا يَظْعَنُ النُّزَّالُ

وَ لَا تَتَغَيَّرُ بِهِمُ‏الْحَالُ

وَ لَا تَنُوبُهُمُ الْأَفْزَاعُ

وَ لَا تَنَالُهُمُ الْأَسْقَامُ

وَ لَا تَعْرِضُ لَهُمُ الْأَخْطَارُ

وَ لَا تُشْخِصُهُمُ الْأَسْفَارُ

وَ أَمَّا أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ

وَ غَلَّ الْأَيْدِيَ إِلَى الْأَعْنَاقِ

وَ قَرَنَ النَّوَاصِيَ بِالْأَقْدَامِ

وَ أَلْبَسَهُمْ سَرَابِيلَ الْقَطِرَانِ

وَ مُقَطَّعَاتِ النِّيرَانِ

فِي عَذَابٍ قَدِ اشْتَدَّ حَرُّهُ

وَ بَابٍ قَدْ أُطْبِقَ عَلَى أَهْلِهِ

فِي نَارٍ لَهَا كَلَبٌ وَ لَجَبٌ

وَ لَهَبٌ سَاطِعٌ

وَ قَصِيفٌ هَائِلٌ

لَا يَظْعَنُ مُقِيمُهَا وَ لَا يُفَادَى أَسِيرُهَا

وَ لَا تُفْصَمُ كُبُولُهَا

لَا مُدَّةَ لِلدَّارِ فَتَفْنَى

وَ لَا أَجَلَ لِلْقَوْمِ فَيُقْضَى

زهد النبي‏

و منها في ذكر النبي ( صلى‏ الله ‏عليه‏ وآله  )

قَدْ حَقَّرَ الدُّنْيَا وَ صَغَّرَهَا

وَ أَهْوَنَ بِهَا وَ هَوَّنَهَا

وَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ زَوَاهَا عَنْهُ اخْتِيَاراً

وَ بَسَطَهَا لِغَيْرِهِ احْتِقَاراً

فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ

وَ أَمَاتَ ذِكْرَهَا عَنْ نَفْسِهِ

وَ أَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ

لِكَيْلَا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً

أَوْ يَرْجُوَ فِيهَا مَقَاماً

بَلَّغَ عَنْ رَبِّهِ مُعْذِراً

وَ نَصَحَ لِأُمَّتِهِ مُنْذِراً

وَ دَعَا إِلَى الْجَنَّةِ مُبَشِّراً

وَ خَوَّفَ مِنَ النَّارِ مُحَذِّراً

أهل البيت‏

نَحْنُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ

وَ مَحَطُّ الرِّسَالَةِ

وَ مُخْتَلَفُ الْمَلَائِكَةِ

وَ مَعَادِنُ الْعِلْمِ

وَ يَنَابِيعُ الْحُكْمِ

نَاصِرُنَا وَ مُحِبُّنَا يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ

وَ عَدُوُّنَا وَ مُبْغِضُنَا يَنْتَظِرُ السَّطْوَةَ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج7  

و من خطبة له عليه السّلام و هى المأة و الثامنة من المختار في باب الخطب

و شرحها فى ضمن فصول:

الفصل الاول

كلّ شي‏ء خاضع له، و كلّ شي‏ء قائم به، غنى كلّ فقير، و عزّ كلّ ذليل، و قوّة كلّ ضعيف، و مفزع كلّ ملهوف، من تكلّم سمع نطقه، و من سكت علم سرّه، و من عاش فعليه رزقه، و من مات فإليه منقلبه، لم ترك العيون فتخبر عنك، بل كنت قبل الواصفين من خلقك، لم تخلق الخلق لوحشة، و لا استعملتهم لمنفعة، و لا يسبقك من طلبت، و لا يفلتك من أخذت، و لا ينقص سلطانك من عصاك، و لا يزيد في ملكك من أطاعك، و لا يردّ أمرك من سخط قضاءك، و لا تستغنى عنك من توّلى عن أمرك، كلّ سرّ عندك علانية و كلّ غيب عندك شهادة، أنت الأبد لا أمد لك، و أنت المنتهى لا محيص عنك، و أنت الموعد لا منجا منك إلّا إليك، بيدك ناصية كلّ دآبّة، و إليك مصير كلّ نسمة، سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك، و ما أصغر عظمه في جنب قدرتك، و ما أهول ما نرى من‏ ملكوتك، و ما أحقر ذلك فى ما غاب عنّا من سلطانك، و ما أسبغ نعمك في الدّنيا، و ما أصغرها في نعم الآخرة. منها: من ملائكة أسكنتهم سمواتك، و رفعتهم عن أرضك، هم أعلم خلقك بك، و أخوفهم لك، و أقربهم منك، لم يسكنوا الأصلاب، و لم يضمّنوا الأرحام، و لم يخلقوا من ماء مهين، و لم يشعّبهم ريب المنون، و إنّهم على مكانهم منك، و منزلتهم عندك و استجماع أهوائهم فيك، و كثرة طاعتهم لك، و قلّة غفلتهم عن أمرك، لو عاينوا كنه ما خفي عليهم منك، لحقّروا أعمالهم، و لزروا على أنفسهم، و لعرفوا أنّهم لم يعبدوك حقّ عبادتك، و لم يطيعوك حقّ طاعتك.

اللغة

(لهف) لهفا من باب فرح حزن و تحسّر، و اللّهوف و اللّهيف و اللّهفان و اللّاهف المظلوم المضطرّ يستغيث و يتحسّر و (أفلت) الطائر و غيره إفلاتا تخلّص و أفلتّه اذا أطلقته و خلّصته يستعمل لازما و متعدّيا، و فلت فلتا من باب ضرب لغة و فلته أنا يستعمل أيضا لازما و متعدّيا.

و (الناصية) الشعر المسترسل في مقدّم الراس أى شعر الجبهة و قال الأزهريّ منبت الشعر و اطلاقها على الشعر مجاز من باب تسمية الحالّ باسم المحلّ و (ماء مهين) أى ضعيف حقير و هى النطفة و (انشعبت) أغصان الشجرة و تشعّبت تفرّقت و (المنون) الدّهر من مننت الشي‏ء قطعته، لأنه يقطع الأعمار و (زرى) عليه زريا من باب رمى‏و زرية و زراية بالكسر عابه و استهزء به قال أبو عمر الشيباني: الرّاري على الانسان هو الذي ينكر عليه و لا يعدّه شيئا.

الاعراب

قوله: لم ترك العيون فتخبر عنك، في بعض النسخ تخبر بالنصب و هو الأظهر و في بعضها بالجزم، و الأوّل مبنىّ على كونه منصوبا بان مضمرة وجوبا بعد الفاء السببيّة المسبوقة بالنفى، و الثاني مبنىّ على جعل الفاء لمجرّد عطف ما بعدها على ما قبلها، فيكون ما بعدها شريكا لما قبلها في الاعراب.

قال في التصريح: و لك في نحو ما تأتيني فاكرمك أن تقدّر الفاء لمجرّد عطف لفظ الفعل على لفظ ما قبلها فيكون شريكه في اعرابه فيجب هنا الرّفع لأنّ الفعل الذي قبلها مرفوع و المعطوف شريك المعطوف عليه و كأنّك قلت ما تأتيني فما اكرمك فهو شريكه فى النفى الداخل عليه.

و إن تقدّر الفاء أيضا لعطف مصدر الفعل الذى بعدها على المصدر المؤل ممّا قبلها، و لكن يقدّر النفى منصبّا على المعطوف عليه و ينتفي المعطوف لأنه مسبّب عنه و قد انتفى، و المعنى ما يكون منك اتيان فكيف يكون منّى إكرام.

و قوله عليه السّلام: لا يفلتك، من باب الحذف و الايصال أى لا يفلت منك على حدّ قوله:

استغفر اللّه ذنبا لست محصيه            ربّ العباد اليه الوجه و العمل‏

أى من ذنب، و قوله: سبحانك ما اعظم ما نرى، سبحانك منصوب على المصدر و عامله محذوف وجوبا، أى أسبّح سبحانا فحذف الفعل لسدّ المصدر مسدّه و تبعه اللّام أيضا في الحذف تخفيفا فاضيف المصدر إلى كاف الخطاب، و هذه اللفظة واردة في هذا المقام للتعجّب كما في قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في رواية أبي هريرة: سبحان اللّه إنّ المؤمن لا ينجس، صرّح به في التوضيح، و معنى التعجّب انفعال يعرض للنّفس عند الشعور بأمر يخفى سببه، و لهذا قيل: إذا ظهر السّبب بطل العجب، و يشترط أن يكون المتعجّب منه عادم النظير أو قليل النّظاير، فما يكثر نظائره في الوجود لا يستعظم‏ فلا يتعجّب منه.

قوله عليه السّلام ما اعظم ما نرى، تأكيد للتعجّب، فانّ ما في ما أعظم تعجّبة أيضا و ماء الثانية موصولة، و قد طال التشاجر بين علماء الأدبيّة في ماء التّعجب و صيغة أفعل بعدها بعد اتفاقهم على اسميتها و كونها مبتدأ، فالمحكىّ عن سيبويه و جمهور البصرييّن أنّها نكرة تامّة بمعنى شي‏ء و ابتدء بها على نكارتها لتضمّنها معنى التّعجب.

قال الرّضيّ (ره): فانّ التعجّب كما ذكرنا إنّما يكون فيما يجهل سببه فالتنكير يناسب معنى التعجّب، فكان معنى ما أحسن زيدا، في الأصل شي‏ء من الأشياء لا أعرفه جعل زيدا حسنا، ثمّ انتقل إلى إنشاء التعجّب و انمحى عنه معنى الجعل فجاز استعماله في التعجّب عن شي‏ء يستحيل كونه جعل جاعل، نحو ما أقدر اللّه و ما أعلمه، و ذلك لأنه اقتصر من اللفظ على ثمرته و هى التعجّب من الشي‏ء سواء كان مجعولا و له سبب أولا، فما مبتداء و افعل فعل ماض خبره و فيه ضمير راجع إلى ما هو فاعله و المنصوب بعده مفعوله، فعلى ذلك يكون فتحة أفعل فتحة بناء فاعراب ما أحسن زيدا مثل اعراب زيد ضرب عمرا حرفا بحرف.«» و قال الأخفش في أحد قوله إنّ ما موصولة بمعنى الذي و ما بعدها من الجملة الفعلية صلة لها لا محلّ لها من الاعراب، أو نكرة موصوفة بمعنى شي‏ء و ما بعدها صفة لها، فمحلّها رفع تبعا لمحلّ ما، و على التقديرين فالخبر محذوف وجوبا أى الذي أحسن زيدا أو شي‏ء أحسن زيدا موجود أو شي‏ء عظيم.

و استبعدوه بأنّ فيه التزام وجوب حذف الخبر مع عدم ما يسدّ مسدّه، و بأنه ليس فيه معنى الابهام اللّايق بالتعجّب، و أيضا إذا تضمّن الكلام افهاما و ابهاما فالمعتاد تقدّم الابهام، و فيما ذكره يكون الأمر بخلاف ذلك إذ فيه تقديم الافهام بالصّلة أو الصفة و تأخير الابهام بالتزام حذف الخبر.

و ذهب الفرّاء و ابن درستويه و ربما عزّى إلى الكوفيّين إلى أنّ ما استفهامية ما بعدها خبرها.

قال نجم الأئمة و هو قوىّ من حيث المعنى، لأنّه كان جهل سبب حسنه فاستفهم عنه، و قد يستفاد من الاستفهام معنى التعجّب نحو: ما أدراك ما يوم الدّين و أ تدرى من هو، و للّه درّه أىّ رجل كان قال و للّه غنيّا خيرا أيّما فتى.

و ربما يضعف بأنّ فيه نقل من الاستفهام إلى التعجّب و النقل من انشاء إلى انشاء مما لم يثبت، هذا.

و بقى الكلام في أفعل و قد ظهر من كلام البصريّين أنه فعل ماض و فتحته فتحة بناء للزومه مع ياء المتكلم نون الوقاية نحو ما أفقرنى إلى رحمة اللّه و ما أحوجنى اليها، و قال الكوفيّون غير الكسائي«» إنه اسم و فتحته فتحة اعراب كفتحة عندك في زيد عندك، و يؤيد قولهم تصغيرهم اياه«» في نحو ما احيسنه و ما اميلحه قال الشاعر:

يا ما اميلح غزلانا شددن لنا

و اعتذروا عن فتحة الخبر بأنّ مخالفة الخبر للمبتدأ تقتضى نصبه و أحسن إنّما هو في المعنى وصف لزيد لا لضمير ما، فلذلك كان منصوبا، بيان ذلك. أنّ الخبر إذا كان فى المعنى هو المبتدأ كاللّه ربّنا أو مشبه به نحو: أزواجه امّهاتهم، ارتفع ارتفاعه، و إذا كان مخالفا له بحيث لا يحمل عليه حقيقة أو حكما خالفه في الاعراب كما في زيد عندك، و الناصب له عندهم معنوىّ و هو معنى المخالفة التي اتّصف بها، و لا حاجة على قولهم إلى شي‏ء يتعلّق به الخبر، و امّا انتصاب زيدا فلمشابهة المفعول به، لأنّ ناصبه وصف قاصر فأشبه نصب الوجه في قولك زيد حسن الوجه هكذا قال في التوضيح و شرحه.

و قال نجم الأئمة بعد حكاية هذا المذهب أعنى مذهب الكوفيّة في أفعل و كونه اسما كأفعل التفضيل: و لو لا انفتاح أفعل التعجّب و انتصاب ما بعده انتصاب المفعول به لكان مذهبهم جديرا بأن ينصر.

و قد اعتذروا لفتح آخره بكونه متضمنّا لمعنى التعجّب الذى كان حقيقا بأن يوضع له حرف كما مرّ في بناء اسم الاشارة، فبنى لتضمنه معنى الحرف و بنى على الفتح لكونه أخفّ.

و اعتذروا لنصب المتعجّب منه بعد افعل بكونه مشابها للمفعول لمجيئه بعد افعل المشابه لفعل مضمر فاعله فموقعه موقع المفعول به فانتصب انتصابه فهو نحو قوله:

و لدنا بعده بذناب«» عيش            اجبّ الظّهر ليس له سنام‏

بنصب الظهر، و هو ضعيف، لأنّ النّصب في مثل أجبّ الظهر و حسن الوجه توطئة لصحة الاضافة إلى ذلك المنصوب و لا يضاف أفعل إلى المتعجّب منه هذا.

و قوله عليه السّلام لم يخلقوا من ماء مهين، حرف من ابتدائية نشويّة، و قوله: و انّهم على مكانهم، جملة مستأنفة و خبر إن الجملة الشرطية الآتية أعني قوله: لو عاينوا آه، و على في قوله: على مكانهم، للاستعلاء المجازى، و المعنى أنهم حالكونهم مستقرّين على مكانهم المعيّن لهم منك و منزلتهم الموجودة لهم عندك لو عاينوا ما خفى عليهم لحقّروا أعمالهم.

المعنى

قال الشارح المعتزلي: من أراد أن يتعلّم الفصاحة و البلاغة و يعرف فضل الكلام بعضهم على بعض فليتأمّل هذه الخطبة، فانّ نسبتها إلى كلّ فصيح من الكلام عدا كلام اللّه و رسوله نسبة الكواكب المنيرة الفلكية إلى الحجارة المظلمة الأرضية، ثمّ لينظر الناظر إلى ما عليها من البهاء و الجلالة و الرواء و الدّيباجة و ما يحدثه من الروعة و الرهبة و المخافة و الخشية، حتى لو تليت على زنديق ملحد و مصمم على اعتقاد نفى البعث و النشور، لهدت قواه و رعبت قلبه، و أصعقت على نفسه و زلزلت اعتقاده.

فجزى اللّه قائلها عن الاسلام أفضل ما جزى به وليا من أوليائه، فما أبلغ نصرته له تارة بيده و سيفه، و تارة بلسانه و نطقه، و تارة بقلبه و فكره.

إن قيل جهاد و حرب فهو سيّد المجاهدين و المحاربين، و إن قيل وعظ و تذكير فهو أبلغ الواعظين و المذكرين، و إن قيل فقه و تفسير فهو رئيس الفقهاء و المفسرين و إن قيل عدل و توحيد فهو إمام أهل العدل و الموحّدين، و ليس للّه بمستنكر أن يجمع العالم في واحد.

ثمّ نعود إلى الشرح فنقول: افتتح عليه السّلام كلامه بالتوحيد و التنزيه و الاجلال و ذكر نعوت الجمال و الجلال، و عقّبه بالموعظة و التذكير و الانذار و التحذير فقال (كلّ شي‏ء خاشع له) أو خاضع له كما في بعض النسخ، أى متذلّل معترف بالفاقة إليه سبحانه و الحاجة الى تخليقه و تكوينه، و إن من شي‏ء إلّا يسبّح بحمده.

فالمراد بالخشوع الخضوع التكويني و الافتقار الذاتي اللّازم المهية الممكن مثل نفس الامكان، هذا.

و قال الشارح البحراني (ره): الخشوع هنا مراد بحسب الاشتراك اللفظى إذ الخشوع من الناس يعود إلى تطامنهم و خضوعهم للّه، و من الملائكة دؤبهم في عبادتهم ملاحظة لعظمته سبحانه و من ساير الممكنات انفعالها عن قدرته و خضوعها في رقّ الامكان و الحاجة اليه، و المشترك و إن كان لا يستعمل في جميع مفهوماته حقيقة فقد بينّا أنّه يجوز استعماله مجازا فيها بحسب القرينة، و هى هنا اضافته لكلّ شي‏ء، أو لأنه في قوّة المتعدّد كقوله تعالي: إنّ اللّه و ملائكته يصلّون على النبيّ فكانه قال: الملك خاشع له و البشر خاشع له، انتهى.

أقول: و أنت خبير بما فيه أمّا أوّلا فلأنّ كونه من المشتركات اللّفظية ممنوع، بل المستفاد من كلام أكثراللّغويين أنّه موضوع لمطلق الخضوع أعني الذلّ و الاستكانة، و ربما يفرّق بينه و بين الخضوع كما في مجمع البحرين و غيره بأنّ الأوّل في البدن و البصر و القلوب و الثاني في البدن، و قال الفيومى خشع خشوعا خضع و خشع في صلاته و دعائه أقبل بقلبه، و هو مأخوذ من خشعت الأرض إذا سكنت و اطمأنّت، و قال خضع خضوعا ذلّ و استكان، و الخضوع قريب من الخشوع إلّا أنّ الخضوع أكثر ما يستعمل في الاعناق و الخشوع في الصوت، و قال الفيروز آبادى الخشوع الخضوع أو قريب منه أو هو في البدن و الخشوع في الصوت و البصر، و قال خضع خضوعا تطامن و تواضع و قريب من ذلك كلام ساير أهل اللّغة.

و على قولهم فهو إما من باب الاشتراك المعنوي فيكون استعماله في الانسان و الملك و غيرها من باب استعمال العامّ في افراده.

و إما من باب الحقيقة و المجاز إن خصّصناه بذوات الأبدان و الابصار، فيكون اطلاقه على غيرها مجازا و استعماله في الجميع بعنوان عموم المجاز، و على أيّ تقدير فالقول بكونه مشتركا لفظيا و توهّم تعدّد الوضع فيه باطل.

و أمّا ثانيا فلأنّ تجويز استعمال اللّفظ المشترك في معانيه المتعدّدة و لو بالمجاز و القرينة خلاف ما عليه المحقّقون من الاصوليّين، و قد حقّقناه في ديباجة هذا الشرح و في حواشينا على قوانين الاصول بما لا مزيد عليه.

نعم لا بأس بجواز استعماله في معنى عام شامل للمعاني المتعدّدة بعنوان عموم الاشتراك كاستعمال لفظ الأمر في مطلق الطلب الشامل للوجوب و الندب على القول بكونه حقيقة فيهما، كما لا ريب في جواز استعمال اللّفظ في معنى عام شامل لمعناه الحقيقي و المجازي و يسمّى بعموم المجاز كالمثال الذى ذكرناه على القول بكون الأمر حقيقة في الوجوب مجازا في الندب، و لا يمكن حمل مراد الشّارح على ذلك، لمنافاته بقوله: و الخشوع هنا مراد بحسب الاشتراك اللّفظي فافهم.

و أمّا ثالثا فلأنّ جعل خاشع بمنزلة المتعدّد بالعطف قياسا بقوله يصلّون في الآية الشريفة فاسد، فانّ يصلّون في الآية لفظ جمع و خاشع لفظ مفرد و كون الأوّل في قوّة المتعدّد لا يدلّ على كون الثّاني كذلك مع امكان منع أصل‏الدّعوى في الآية أيضا لاحتمال حذف الخبر فيها أى إنّ اللّه يصلّى و ملائكته يصلّون على حدّ قوله: نحن بما عندنا و أنت بما عندك راض و الرّأى مختلف أو كونها من باب عموم الاشتراك بأن يكون معنى يصلّون يعتنون باظهار شرف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تعظيمه كما فسّرها به الطبرسيّ و البيضاوى و غيرهما على ما مرّ تفصيلا و توضيحا في ديباجة الشرح.

و هذا كلّه مبنيّ على التنزّل و المماشاة و إلّا فنقول: إنّ كون الآية بمنزلة المفرد المتكرّر المتعدّد لا يوجب الحاقها به في جميع الأحكام، فانّ المفرد المتكرّر شي‏ء، و ما بمنزلته شي‏ء آخر، فاطلاق المكرّرات و إرادة المعاني المتعدّدة منها لا يوجب جواز إرادة المعاني المتعدّدة مما هو بمنزلتها كما لا يخفى.

فقد وضح و اتّضح بما ذكرنا كلّه أنّ الآية الشريفة لا دلالة فيها على جواز استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى، و أنّ كلام الامام عليه السّلام ليس من هذا القبيل فافهم ذلك و اغتنم.

(و كلّ شي‏ء قائم به) لأنّ جميع الممكنات إمّا جواهر أو أعراض، و ليس شي‏ء منها يقوم بذاته في الوجود أمّا الأعراض فظاهر، لظهور حاجتها إلى المحلّ الجوهرى، و أما الجواهر فلأنّ قوامها في الوجود انما هو بعللها، و تنتهى إلى المبدأ الأوّل و علّة العلل جلّت عظمته فهو إذا الفاعل المطلق الذي به قوام وجود كلّ موجود، هكذا قال الشارح البحراني، ثمّ قال: و اذ ثبت أنّه تعالى غنّى عن كلّ شي‏ء في كلّ شي‏ء ثبت أنّ به قوام كلّ شي‏ء فثبت أنّه القيّوم المطلق اذ مفهوم القيّوم هو القائم بذاته المقيم لغيره، فكان هذا الاعتبار مستلزما لهذا الوصف.

(غنى كلّ فقير) قال الشارح: و يجب أن يحمل الفقير على ما هو أعمّ من الفقر المتعارف و هو مطلق الحاجة ليعمّ التمجيد كما أنّ الغنى هو سلب مطلق الحاجة و إذ ثبت أنّ كلّ ممكن فهو مفتقر في طرفيه منته في سلسلة الحاجة إليه و أنّه تعالى المقيم له في الوجود ثبت أنه تعالى رافع حاجة كلّ موجود بل كلّ ممكن، و هو المراد بكونه غنى له و اطلق عليه تعالى لفظ الغنى و إن كان الغنى به مجازا إطلاقا لاسم السّبب على المسبّب.

(و عزّ كلّ ذليل) يعني أنه سبحانه سبب عزّة كلّ من كان به ذلّة، لأنّه العزيز المطلق الذي لا يعادله شي‏ء و لا يغلبه شي‏ء، فكلّ عزّة لكلّ موجود منتهية إليه سبحانه، و قد سبق تفسير العزيز في شرح الخطبة الرّابعة و السّتين.

(و قوّة كلّ ضعيف) معنى هذه الفقرة كسابقتها، و قد مرّ تفسير القوى من أسمائه سبحانه في شرح الخطبة الرابعة و السّتين أيضا، و روى أنّ الحسن عليه السّلام قال: واعجبا لنبيّ اللّه لوط إذ قال لقومه: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ.

أ تراه أراد ركنا أشدّ من اللّه، و في المجمع عن الصادق عليه السّلام لو يعلم أىّ قوّة له، و عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رحم اللّه أخى لوطا لو يدرى من معه في الحجرة لعلم أنّه منصور حيث (حين خ ل) يقول، لو أنّ لى بكم قوّة أو آوى الى ركن شديد، أىّ ركن أشد من جبرئيل معه في الحجرة و رواه في عقاب الأعمال عن أبي جعفر عليه السّلام مثله.

(و مفزع كلّ ملهوف) يعني أنه تعالى ملجأ كلّ مضطرّ محزون حال حزنه و اضطراره فيفرّج همّه و يكشف ضرّه و يرفع اضطراره كما قال تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ و قال: وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ.

و هذا العطف يستلزم عموم قدرته و شمول علمه تعالى بشهادة فطرة المضطرّ بنسبة جميع أحوال وجوده إلى جوده و شهادة فطرته أيضا بعلمه بحاله و اطلاعه على ضرورته و وجوه اللهف و الاضطرار غير معدودة، و جهات الحاجة و الافتقار غير محصورة، و لا يقدر الاجابة لها على كثرتها إلّا الحقّ و القادر المطلق، و أما غيره سبحانه فانما يكون مفزعا و ملجئا لمضطرّ لا لكلّ مضطرّ فكونه مفزعا مجاز لا حقيقة و اتّصافه به اضافيّ لا حقيقيّ.

فمفزع جميع العباد في الداهية و الناوية«» ليس إلّا اللّه الحىّ القيّوم السّميع البصير العالم القادر الخبير المجيب الدّعوات الكاشف للكربات المنجح للطّلبات المنفّس لكلّ حزن و همّ المفرّج من كلّ ألم و غمّ و قال تعالى: وَ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ.

يعني إذا كنتم في البحر و خفتم الغرق ذهب عن خواطركم كلّ من تدعونه في حوادثكم إلّا إيّاه وحده، فلا ترجون هناك النجاة إلّا من عنده.

روى في التّوحيد انه قال رجل للصّادق عليه السّلام يابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دلّني على اللّه ما هو فقد أكثر علىّ المجادلون و حيّروني، فقال عليه السّلام: يا عبد اللّه هل ركبت سفينة قطّ قال: بلى، قال: فهل كسرت بك حيث لا سفينة تنجيك و لا سباحة تغنيك قال: بلى، قال: فهل تعلّق قلبك هناك أنّ شيئا من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك قال: بلى، قال الصادق عليه السّلام: فذلك الشي‏ء هو اللّه القادر على الانجاء حين لا منجى و على الاغاثة حيث لا مغيث.

و (من تكلّم سمع نطقه و من سكت علم سرّه) يعني أنه سبحانه سميع عليم محيط بما أظهره العبد و أبداه، خبير بما أسّره و أخفاه في حالتي نطقه و سكوته، و هو إشارة إلى عموم علمه و إحاطته سبحانه و عدم التفاوت فيه بين السرّ و الاعلان، و الاظهار و الكتمان و قد مضى تحقيق الكلام في هذا المعنى في شرح الفصل السادس و السّابع من الخطبة الاولى و في شرح الخطبة الرابعة و السّتين.

(و من عاش فعليه رزقه و من مات فاليه منقلبه) يعني أنه مرجع العباد الأحياء منهم و الأموات، و به قيام وجودهم حالتي الحياة و الممات، و تقدّم تحقيق الكلام في الرزق في شرح الفصل الأوّل من فصول الخطبة التسعين.

(لم ترك العيون فيخبر عنك) التبقات من الغيبة إلى الخطاب، يعنى امتنع الرؤية من العيون لك فامتنع اخبارها عنك، و قد تقدّم بيان وجه امتناع الرؤية في‏ شرح الخطبة التاسعة و الأربعين، و في اسناد الاخبار إلى العيون توسّع، و المراد نفى امكان الاخبار المستند إلى المشاهدة الحسيّة عنه تعالى.

(بل كنت قبل الواصفين من خلقك) أى بالذات و العلية، و هو وارد في مقام التعليل لنفى الرؤية.

قال الشارح المعتزلي: فان قلت فأىّ منافاة بين هذين الأمرين أليس من الممكن أن يكون سبحانه قبل الواصفين له، و مع ذلك يدرك بالابصار إذا خلق خلقه ثمّ يصفونه رأى عين قلت بل ههنا منافاة ظاهرة و ذلك لأنه إذا كان قديما لم يكن جسما و لا عرضا و ما ليس بجسم و لا عرض يستحيل رؤيته فيستحيل أن يخبر عنه على سبيل المشاهدة (لم تخلق الخلق لوحشة) لاستحالة الاستيحاش كالاستيناس في حقّه سبحانه حسب ما عرفت تفصيلا في شرح الفصل السادس من فصول الخطبة الاولى (و لا استعملتهم لمنفعة) تعود اليك و إنما هى عايدة اليهم لنقصانهم في ذاتهم و لو كانت عايدة اليه سبحانه لزم نقصه في ذاته و استكماله بغيره و هو محال، و قد تقدّم توضيح ذلك في شرح الخطبة الرابعة و الستين و (لا يسبقك من طلبت) أى لا تطلب أحدا فيسبقك و يفوتك (و لا يفلتك من أخذت) أى من أخذته لا يفلت منك بعد أخذه، و الغرض بهذين الوصفين الاشارة إلى كمال قدرته و تمام ملكه، فانّ ملوك الدّنيا أيّهم فرضت ربما يفوت منهم هارب و ينجو من قيد اسرهم المأخوذ بحيلة و نحوها، و أما اللّه العزيز القادر القاهر فلا يمكن في حقّه ذلك.

(و لا ينقص من سلطانك من عصاك و لا يزيد في ملكك من أطاعك) و هو تزيد له سبحانه عن قياس سلطانه و ملكه بسلطنة ملوك الزّمان، فانّ كمال سلطان أحدهم إنما هو بزيادة جنوده و كثرة مطيعيه و قلّة مخالفيه و عصاته، و نقصان سلطانه إنما هو بعكس ذلك، فأما الحقّ تعالى فلمّا كان سلطانه بذاته لا لغيره مالك الملك يعطى الملك من يشاء و ينزع الملك ممّن يشاء و يعزّ من يشاء و يذلّ من يشاء لم‏ يتصوّر خروج العاصي بعصيانه عن كمال سلطانه حتّى يؤثر في نقصانه، و لا طاعة المطيع في ازدياد ملكه حتى تؤثر في زيادته.

و محصلّ ذلك كلّه أنه تعالى كامل من جميع الجهات في ذاته و صفاته بذاته و لذاته و لا حاجة له في عزّه و سلطانه إلى الغير، و لا تأثير للغير في ملكه و سلطنته بالنقصان و الزيادة، و إلّا لزم نقصه في ذاته استكماله بغيره، و هو باطل.

(و لا يردّ أمرك من سخط قضائك) المراد بالأمر هنا الأمر التّكويني المشار إليه بقوله سبحانه: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.

و اريد الأمر لكونه بارتفاع الوسايط لا بدّ فيه من وقوع المأمور به لا محالة من غير احتمال تمرّد و عصيان و أما الأمر التشريعي كما في قوله: فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ و قوله: وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ.

و نحوهما فهو لكونه بالواسطة و على ألسنة الرّسل و الملائكة، فيمكن فيه العصيان و عدم الطّاعة فمعنى قوله: انه لا يردّ أمرك الملزم أى المقدّرات الحادثة على طبق العلم الأزلى من سخط قضائك و كرهه، و قد مرّ في شرح الفصل التاسع من فصول الخطبة الاولى ماله ربط بتوضيح المقام، و في هذه الفقرة أيضا دلالة على كمال قدرته و عموم سلطانه لافادته أنّ كلّ ما علم وجوده فلا بدّ من وجوده، سواء كان محبوبا للعبد أو مبغوضا له كما قال تعالى: وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ و قال إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ.

و تخصيص السّاخط للقضاء بالعجز عن ردّ الأمر لأنّ من شأنه أن لو قدر على ردّ الأمر و القدر لفعل.

(و لا يستغنى عنك من تولّى عن أمرك) أراد به الأمر التشريعى، و من المعلوم‏ أنّ من تمرّد عن أمره و خالفه اشدّ افتقارا و حاجة إلى غفرانه و رحمته ممن قام بوظايف الطاعة و العبادة، و الأظهر أن يراد به الأعمّ من ذلك، و يكون المعنى أنّ من أدبر و تولّى عن حكمه و لم يرض بقضائه و قدره لا يمكن استغنائه عنه و انقطاع افتقاره منه.

و يوضح ذلك ما رواه الصّدوق في التّوحيد باسناده عن سعد الخفاف عن الأصبغ بن نباته قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام لرجل: ان كنت لا تطيع خالقك فلا تأكل رزقه، و إن كنت و اليت عدوّه فاخرج من ملكه، و إن كنت غير قانع بقضائه و قدره فاطلب ربّا سواه.

(كلّ سرّ عندك علانية و كلّ غيب عندك شهادة) و هما إشارتان إلى عموم علمه و إحاطته، و قد مرّ ذلك في شرح الفصل السّابع من الخطبة الاولى و نقول هنا مضافا إلى ما مرّ: انّ واجب الوجود سبحانه مجرّد غاية التجرّد، و الغيبة و الخفاء إنّما يتصوّران بالنسبة إلى القلوب المحجوبة بحجب الطّبيعة و سترات الهيآت البدنية و الأرواح المستولى عليها نقصان الامكان الحاكم عليها بجهل أحوال ما هو أكمل منها، و الواجب تعالى لتجرّده و بساطته و منتهى كماله لا يحجبه شي‏ء عن شي‏ء و فوق كلّ شي‏ء ليس فوقه شي‏ء حتى يقصر عن إدراكه.

(أنت الأبد فلا أمد لك) أى أنت الدّائم فلا غاية لك يقف عندها وجودك و ذلك لاستلزام وجوب الوجود امتناع العدم و الانتهاء إلى الغاية، و يمكن ان يكون إطلاق الأبد عليه سبحانه من باب المجاز مبالغة في الدّوام، و الأصل أنت ذو الأبد على حدّ قوله: فانما هى إقبال و إدبار، و قوله: فأنت طلاق، و هذا المجاز شايع في عرف العرب.

(و أنت المنتهى فلا محيص عنك) أى إليه مصير الخلائق و وقوفهم عنده و إليه انتهاؤهم و إيابهم فيجزى كلّ أحد ما يستحقّه من الثواب و العقاب، فلا محيد عن حكمه و لا مهرب عن أمره و لا معدل يلجئون إليه كما قال تعالى:

وَ أَنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الْمُنْتَهى‏ و قال إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (و أنت الموعد فلا منجى منك إلّا إليك) و معناها قريب من سابقتها أى لا مخلص و لا ملجأ لأحد منه سبحانه إلّا إليه، و لا عاصم من عذابه إلّا هو عزّ و جلّ فيعصم منه و يرفعه عنه إما بالتوبة و الانابة، أو بالمنّ و الرّحمة.

(بيدك ناصية كلّ دابّة) أى أنت مالك لها قادر عليها تصرفها كيف تشاء غير مستعصية عليك، فانّ الأخذ بالناصية تمثيل لذلك قال المفسّرون في تفسير قوله سبحانه: ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها.

هو تمثيل لغاية التسخير و نهاية التذليل، و كان العرب إذا اسر الأسير فأرادوا إطلاقه و المنّ عليه جزوا ناصيته فكان علامة لقهره.

و قال الشارح البحراني: و انما خصت النّاصية لحكم الوهم بأنّه تعالى في جهة فوق فيكون أخذه بالناصية، و لأنها أشرف ما في الدابة فسلطانه تعالى على الأشرف يستلزم القهر و الغلبة و تمام القدرة.

أقول: و الأظهر أنّ تخصيصها من جهة جريان العادة بأنّ الممسك للدابة و المريد لتسخيرها إنّما يستمسك و يقبض ناصيتها بيدها، فأجرى كلامه تعالى و كلام وليّه عليه السّلام على ما هو المتعارف المعتاد.

(و اليك مصير كلّ نسمة) أى مرجع كلّ نفس ثمّ نزّهه سبحانه و قدّسه عن أحكام الأوهام بكونه تعالى مشابها لمدركاتها فقال: (سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك و ما أصغر عظمه في جنب قدرتك) و هو تعجّب في معرض التمجيد من عظم ما يشاهد من مخلوقاته تعالى من الأرض و السّماء و الجوّ و الهواء و النبات و الماء و الشجر و الحجر و الشّمس و القمر و الانسان و الحيوان و البرّ و البحر و اللّيل و النّهار و السّحاب و الغمام و الضّياء و الظّلام إلى غير هذه مما لا ينتهي إلى حدّ و لا يستقصى بعدّ ثمّ من حقارة هذه كلّها بالنسبة إلى ما تعتبره العقول من مقدوراته و ما يمكن في‏ كمال قدرته من الممكنات الغير المتناهية و من البيّن أنّ قياس الموجود على الممكن و نسبته إليه في العظم و الكثرة يستلزم صغره و حقارته ثمّ قال (و ما أهول ما نرى من ملكوتك و ما أحقر ذلك فيما غاب عنّا من سلطانك) و هو تعجّب من هول ما وصلت إليه العقول من عظمة ملكوته ثمّ من حقارته بالنسبة إلى ما غاب عنها و خفى عليها مما هو محتجب تحت أستار القدرة و حجبّ العزّة من بدايع الملاء الأعلى و عجائب العالم العلوى و سكّان حظائر القدس.

ثمّ قال (و ما اسبغ نعمك في الدّنيا و ما أصغرها في نعم الآخرة) و هو تعجّب من سبوغ نعمه على عباده في الدّنيا بما لا تحصى ثمّ من حقارتها بالقياس إلى نعم الآخرة و ما أعدّه للمؤمنين فيها من الجزاء الأوفى، فانّ نسبتها إليها نسبة المتناهى إلى ما لا يتناهى كما هو ظاهر لا يخفى.

ثمّ إنّه سلام اللّه عليه و آله لما افتتح كلامه بذكر أوصاف العظمة و الكبرياء للرّب العزيز تبارك و تعالى عقّبه بذكر حالات ملائكة السماء و أنّهم على ما هم عليه من القدس و الطهارة و الفضايل الجمّة و الكمالات الدثرة الّتي فضّلوا بها على الاشباح و الأقران و تميزوا بها عن نوع الانسان، و من العلم و المعرفة التي لهم بخالقهم، و الخوف و الخشية التي لهم من بارئهم، و الخضوع و الخشوع الذى لهم لمعبودهم لم يعبدوه حقّ عبادته و لم يطيعوه حقّ طاعته.

فقال (من ملائكة أسكنتهم سماواتك و رفعتهم عن أرضك) هذا محمول على الأغلب أو المراد أنّ مسكنهم الأصلي هو السّماء، فلا ينافي كون بعضهم في الأرض لاقتضاء المصلحة و التّدبير مثل الكرام الكاتبين و المجاورين بمرقد الحسين عليه السّلام و نظرائهم.

(هم أعلم خلقك بك) لتجرّدهم و بعد علومهم من منازعة النفس الأمارة التي هي مبدء السّهو و النسيان و الغفلة، فيكونون أبلغ معرفة و أكمل علما (و أخوفهم لك) لأنّ العلم كلما كان أكمل كان الخوف آكد و الخشية أشدّ كما قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ.

قال الطبرسي أى ليس يخاف اللّه حقّ خوفه و لا يحذر معاصيه خوفا من نقمته إلّا العلماء الذين يعرفونه حقّ معرفته و إنما خصّ العلماء بالخشية لأنّ العالم أحذر لعقاب اللّه من الجاهل، حيث يختصّ بمعرفة التوحيد و العدل و يصدّق بالبعث و الحساب و الجنّة و النّار.

(و أقربهم منك) أى من حيث الشرف و الرتبة لا بالمكان و المنزلة، لتنزّهه سبحانه عن المحلّ و المكان و تقدّسه من لوازم الامكان، و غير خفىّ أنّ نفضيلهم على غيرهم في القرب و الشرف إنما هو إضافيّ لا حقيقيّ فقد قدّمنا في شرح الفصل الخامس من فصول الخطبة التسعين أنّ بعض أفراد البشر كالنبيّ و الأئمة عليهم السّلام أفضل منهم و أشرف، و قد تقدّم في الفصل المذكور شرح حالات الملائكة مستوفا، و كذلك في شرح الفصل التّاسع من فصول الخطبة الاولى من أراد الاطّلاع فليراجع إليه.

و قوله (لم يسكنوا الأصلاب) و ما يتلوه من الجملات الثّلاث السّلبية إشارة إلى ارتفاعهم عن النقصانات البشرية، أى لم يسكنوا أصلاب الآباء (و لم يضمّنوا الأرحام) أى أرحام الامّهات يعني لم يخالطوا المحالّ المستقذرة (و لم يخلقوا من من ماء مهين) أى ضعيف حقير (و لم يشعبهم ريب المنون) أى لم يفرّقهم حوادث الدهر، و هو إشارة إلى سلامتهم من الأمراض و الأسقام البدنية العارضة للموادّ العنصرية المانعة من الاستغراق التامّ، و التّوجه الكلّي لشهود أنوار الحضرة الرّبوبية.

(و أنّهم على مكانهم منك و منزلتهم عندك) يعني أنهم على ما هم عليه من القرب و الزلفى (و استجماع أهوائهم فيك) أى كمال محبّتهم لك و رغبتهم و شوقهم اليك (و كثرة طاعتهم لك) بحيث لا يفترون عن تسبيحك و لا يسئمون عن تقديسك (و قلّة غفلتهم عن أمرك) التعبير بقلّة الغفلة لمحض المشاكلة و المقابلة بكثرة الطاعة، و إلّا فلا يتصوّر في حقّهم الغفلة كما يدلّ عليه قوله سبحانه: فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ.

و في دعاء الصّحيفة العلويّة السجّادية على صاحبها آلاف الصّلاة و السّلام و التحيّة في الصّلاة على حملة العرش: اللّهمّ و حملة عرشك الذي لا يفترون من تسبيحك و لا يسأمون من تقديسك و لا يستحسرون عن عبادتك و لا يؤثرون التقصير على الجدّ في امرك و لا يغفلون عن الوله اليك.

فانّ المقصود ذلك كلّه الاشارة إلى كمال مراتبهم في صنوف العبادات و التأكيد لاستغراقهم في مقام المعرفة و المحبّة و بيان خلوّ عبوديّتهم من النقصانات اللّاحقة، فانّ كلّا من هذه الصّفات المنفية لو وجد كان نقصانا فيما يتعلّق به و اعراضا عن الجهة المقصودة.

و بالجملة فالغرض أنّ هؤلاء الملائكة الرّوحانيّات مع هذه المراتب و الكمالات التي لهم (لو عاينوا كنه ما خفى عليهم منك) أى لو عرفوك حقّ معرفتك (لحقروا أعمالهم) علما منهم بأنها لا تليق بحضرتك (و لزروا على أنفسهم) أى عابوها و عاتبوها لمعرفتهم بكونهم مقصّرين في القيام بوظايف عبوديّتك (و لعرفوا أنّهم لم يعبدوك حقّ عبادتك و لم يطيعوك حقّ طاعتك) لظهور أنّ العبادة و الطاعة إنما هي على قدر المعرفة و كلّما كانت المعرفة أكمل كانت العبادة أكمل، فعبادتهم الحالية على قدر معرفتهم الموجودة، فلو ازدادت المعرفة ازدادت العبادة لا محالة.

الترجمة

از جمله خطب فصيحه آن سرور عالميان و مقتداى آدميانست در ذكر صفات كمال و نعوت جلال خداوند متعال و أوصاف فرشتگان و غرور بندگان بمتاع اين جهان و بيان حشر و نشر انسان و ذكر صفات پيغمبر آخر الزّمان عليه و آله أفضل الصّلاة و السّلام چنانچه فرموده: هر چيز فروتني كننده است بر حضرت عزّت، و هر چيز قايم است در وجود بجناب احديت او، توانگرى هر فقير است، و عزّت هر ذليل و حقير، و قوّت هر ضعيف و ناتوان، و پناهگاه هر مضطرّ و محزون، هر كس تكلّم نمود شنود او گفتار او را،و هر كه خاموش شد دانست أسرار او را، و هر كه زندگاني نمايد بر او است روزى او، و هر كه وفات نمايد بسوى اوست باز گشت او، نديد تو را چشمها تا خبر دهد از تو صاحبان ديدها، بلكه بودى تو پيش از وصف كنندگان از خلايق خودت، نيافريدى خلق را از جهة ترس و وحشت، و طلب عمل ننمودى از ايشان بجهة جلب منفعت، پيشي نمى‏ گيرد بتو كسى كه طلب كردى تو او را، و خلاصى نيافت از تو كسى كه أخذ نمودى تو او را، و كم نمى‏ نمايد پادشاهى تو را كسى كه معصيت تو را نمود، و زياد نمى‏ كند در ملك تو كسى كه اطاعت تو را كرد، و ردّ نمى ‏كند أمر تو را كسى كه ناخوش دارد حكم تو را، و مستغنى نمى ‏باشد از تو كسى كه رو گردان شود از فرمان تو، هر نهاني در نزد تو آشكار است، و هر غايبى در نزد تو حاضر، توئى صاحب دوام پس هيچ نهايتى نيست تو را، و توئى محلّ نهايت خلايق پس هيچ گريز گاهى نيست از تو، و توئى وعده گاه همه پس جاى نجاتي نيست از تو مگر بسوى تو، در دست قدرت تست موى پيشانى هر جنبنده، و بسوى تست باز گشت هر نفس تنزيه ميكنم تو را تنزيه كردنى چه بزرگست آنچه كه مى‏ بينيم از مخلوقات، و چه كوچكست بزرگى آن در جنب قدرت تو، و چه هولناكست آنچه كه مشاهده مى ‏كنيم از پادشاهى تو، و چه حقير است اين در جنب آنچه كه پنهانست از مادر سلطنت تو، و چه وافر است نعمتهاى تو در دنيا، و چه كوچكست اين نعمتها در جنب نعمتهاى آخرت.

بعض ديگر از اين خطبه در صفت فرشتگان فرموده: از ملائكه كه ساكن نمودى ايشان را در آسمانهاى خود، و برداشتى ايشان را از زمين خود، ايشان داناترين مخلوقات تو است بتو، و ترسنده ترين خلايق است مر تو را، و مقرّب‏ترين ايشان است از تو، ساكن نشده ‏اند ايشان در پشت پدران، و نهاده نشده ‏اند در رحمهاى مادران، و آفريده نشده ‏اند از نطفه كه ضعيف است و بي مقدار، و پراكنده نساخته است ايشان را حوادث روزگار.

و بدرستى كه ايشان در مكان قربى كه ايشان را است از تو، و منزلت و مرتبتى كه‏ ايشان را است نزد تو، و كمال خواهشهائيست كه ايشان را است در تو، و كثرت عبادتى كه ايشان را است بتو، و كمى غفلتى كه ايشان را است از امر تو اگر مشاهده كنند پايان آنچه كه پنهانست برايشان در معرفت، هر آينه حقير مى‏ شمارند عملهاى خودشان را و هر آينه عتاب مى‏ نمايند بر نفسهاى خود، و هر آينه مى‏ دانند كه ايشان نپرستيده‏ اند تو را حقّ پرستش، و فرمان نبرده‏اند تو را همچنان كه لايق فرمان بردارى تست.

الفصل الثاني

سبحانك خالقا و معبودا، بحسن بلائك عند خلقك، خلقت دارا و جعلت فيها مأدبة، مشربا، و مطعما، و أزواجا، و خدما، و قصورا، و أنهارا، و زروعا، و ثمارا، ثمّ أرسلت داعيا يدعو إليها، فلا الدّاعي أجابوا، و لا فيما رغّبت إليه رغبوا، و لا إلى «على خ ل» ما شوّقت إليه اشتاقوا، أقبلوا على جيفة قد افتضحوا بأكلها، و اصطلحوا على حبّها، و من عشق شيئا أعشى بصره، و أمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة، و يسمع باذن غير سميعة، قد خرقت الشّهوات عقله، و أماتت الدّنيا قلبه، و ولهت عليها نفسه، فهو عبد لها، و لمن في يديه شي‏ء منها، حيثما زالت زال إليها، و حيثما أقبلت أقبل عليها، لا ينزجر من اللّه بزاجر، و لا يتّعظ منه بواعظ، و هو يرى المأخوذين على الغرّة، حيث لا إقالة و لا رجعة، كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون، و جاءهم من فراق الدّنيا ما كانوا يأمنون، و قدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون. فغير موصوف ما نزل بهم، اجتمعت عليهم سكرة الموت، و حسرة الفوت، ففترت لها أطرافهم، و تغيّرت لها ألوانهم، ثمّ ازداد الموت فيهم و لوجا، فحيل بين أحدهم و بين منطقه، و إنّه لبين أهله، ينظر ببصره، و يسمع باذنه، على صحّة من عقله، و بقاء من لبّه، يفكّر فيم أفنى عمره، و فيم أذهب دهره، و يتذكّر أموالا جمعها، أغمض في مطالبها، و أخذها من مصرّحاتها و مشتبهاتها، قد لزمته تبعات جمعها، و أشرف على فراقها، تبقى لمن ورائه، ينعّمون فيها، و يتمتّعون بها، فيكون المهناء لغيره، و العب‏ء على ظهره، و المرء قد غلقت رهونه بها، فهو يعضّ يده ندامة على ما أصحر له عند الموت من أمره، و يزهد فيما كان يرغب فيه أيّام عمره، و يتمنّى أنّ الّذي كان يغبطه بها، و يحسده عليها قد حازها دونه. فلم يزل الموت يبالغ في جسده، حتّى خالط لسانه سمعه، فصار بين أهله، لا ينطق بلسانه، و لا يسمع بسمعه، يردّد طرفه بالنّظر في وجوههم، يرى حركات ألسنتهم، و لا يسمع رجع كلامهم، ثمّ ازداد الموت التياطا، فقبض بصره كما قبض سمعه، و خرجت الرّوح من جسده، فصار جيفة بين أهله، قد أوحشوا من جانبه، و تباعدوا من قربه، لا يسعد باكيا، و لا يجيب داعيا، ثمّ حملوه إلى مخطّ من الأرض، فأسلموه فيه إلى عمله، و انقطعوا عن زورته.

اللغة

(المأدبة) بفتح الهمزة و ضمّها وزان مسعدة و مكرمة طعام صنع لدعوة أو عرس من أدب فلان أدبا من باب ضرب إذا عمل مأدبة و (و له) الرّجل من باب ضرب و منع و حسب اذا تحيّر من شدّة الوجد و في بعض النسخ و لهت بالتضعيف و نصب نفسه على المفعول و (الغرّة) بكسر الغين المعجمة الاغترار و الغفلة يقال اغترّه فلان أى أتاه على غرّة منه و (أطراف) البدن الرأس و اليدان و الرّجلان و (و لج) يلج ولوجا أى دخل و (المصرّح) خلاف المشتبه و هو الظاهر البيّن و (التبعات) جمع التبعة و هو الاثم، و (المهنأ) المصدر من هنأ الطعام يهنأ و هنوء يهنوء بالكسر و الضم إذا صار هنيئا و (العب‏ء) الثقل و (أصحر) أى ظهر و انكشف و اصله من أصحر القوم اذا برزوا من المكمن الى الصحرا و (رجع) الكلام ما يتراجع منه و (الالتياط) الالتصاق و (الاسعاد) الاعانة و (المخطّ من الأرض) بالخاء المعجمة كناية عن القبر يخطّ أولا ثمّ يحفر، و في بعض النسخ بالحاء المهملة و هو المنزل من حطّ القوم إذا نزلوا.

الاعراب

خالقا و معبودا منصوبان على الحال من كاف الخطاب في سبحانك، و العامل فيهما هو المصدر لتضمّنه معنى الفعل و يحتملان الانتصاب على التميز.

قال الشارح المعتزلي: و الباء في قوله بحسن بلائك، للتعليل كقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ، أى لأنّهم، فتكون متعلّقة بما في سبحانك من معنى الفعل أى اسبّحك لحسن بلائك، و يجوز أن تتعلّق بمعبود أى يعبد لذلك، انتهى.

و الأظهر أن تكون متعلّقة بقوله خلقت، و تقديمها عليه للتّوسّع، و المعنى خلقت دارا بسبب حسن بلائك كما تقول ضربت زيدا بسوء أدبه، و قوله مأدبة قال الشارح البحراني: المأدبة هنا الجنّة، و المنصوبات الثمانية مميّزات لتلك المأدبة أقول: و هو غلط إذ المأدبة سواء اريد به معناه الاصلي أو المجازى أعني الجنة لا ابهام فيه حتى يحتاج إلى التميز، بل الظاهر أنّ المراد به في المقام مطلق ما يصنع لدعوة من طعام أو غيره.

و انتصاب المنصوبات الثمانية إما على أنّها عطف بيان كما هو مذهب الكوفيّين و جماعة من البصريّين من علماء الأدبيّة حيث جوّزوا عطف البيان في النكرات و جعلوا منه قوله سبحانه: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ، فيمن نوّن كفّارة.

و إما على البدل كما هو مذهب جمهور البصريّين حيث خصّوا عطف البيان بالمعارف زعما منهم أنّ البيان بيان كاسمه، و النكرة مجهولة و المجهول لا يبين المجهول.

و فيه أنّ بعض النكرات قد يكون أخصّ من بعض و الأخصّ يبيّن غير الأخصّ كما في كلام الامام عليه السّلام، و قوله: و لا فيما رغبت رغبوا، الظرف متعلّق برغبوا، و رغبت صلة ما، و العايد محذوف بقرينة المقام و دلالة الكلام أى فيما رغبت فيه، و جملة أقبلوا، استيناف بيانيّ، و نفسه بالضمّ فاعل و لهت، و لمن في يديه، عطف على لها.

و جملة و هو يرى، منصوبة المحلّ على الحال من فاعل يتّعظ، و قوله: فغير موصوف ما نزل بهم، غير بالرّفع خبر مقدّم على مبتدئه أعني ماء الموصولة لافادة الحصر و الدّلالة على أنّ غير ما نزل قابل لأن يوصف كما في قوله سبحانه: لا فيهاغول، أى ليس غول في خمور الجنة بخلاف خمور الدّنيا و ايراد المسند اليه بلفظ الموصول للتفخيم و التهويل كما في قوله: فغشيهم من اليمّ ما غشيهم.

و وصل جملة اجتمعت لسابقتها لما بينهما من كمال الاتّصال و كون الثانية أو فى بتمام المراد و اقتضاء المقام الاعتناء بشأنه لكونه فظيعا في نفسه و نظيرها قوله سبحانه: أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَ بَنِينَ وَ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ.

فانّ المراد التنبيه على نعم اللّه، و الثّانية أو في بتاديته لدلالتها عليها بالتفصيل، فالجملة الثانية في المقامين منزّلة منزلة بدل البعض، و كذلك وصل جملة يفكر لسابقتها لما بينهما من كمال الاتصال أيضا لكونها من سابقتها بمنزلة التّأكيد المعنوى مثل: لا ريب فيه، في قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ، و وزانهما وزان جائنى زيد نفسه، و هذا كله من محسّنات البيان و إنما نبّهنا عليه مع عدم مدخلية في الاعراب اشارة إلى بعض وجوه الحسن في كلامه عليه السّلام.

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه تحذير للمتمرّدين العصاة و المذنبين الغواة، و تنفير لهم عن الركون إلى الدّنيا و إلى زخارفها و ما فيها، و تذكير لهم بما يحلّ بساحتهم من سكرات الموت و ينزل بفنائهم من حسرات الفناء و الفوت.

و افتتح بتسبيحه تعالى و تقديسه فقال: (سبحانك خالقاً و معبوداً) أى أنزّهك تنزيها عن الشركاء و الأمثال في حالة خلقك و معبوديّتك لا موجد غيرك و لا معبود سواك (بحسن بلائك عند خلقك خلقت دارا) أى خلقت دارا بسبب ابتلاء عبادك و امتحانا لهم و تميزا بينهم و تفرقه بين السّعداء أعنى الطالبين المشتاقين إلى تلك الدار، و بين الأشقياء و هم الرّاغبون المعرضون عنها، و المراد بالدّار دار الآخرة،و ما في شرح البحراني من أنّ لفظ الدّار مستعار للاسلام باعتبار أنه يجمع أهله و يحميهم كالدّار، لا يخفى بعده و الأظهر ما ذكرناه، و يشعر به قوله سبحانه: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.

و يؤيّده قوله (و جعلت فيها مأدبة) فانّه لو أريد بالدّار الاسلام لا بدّ من حمل الظرف أعنى قوله: فيها، على المجاز بخلاف ما لو اريد بها الآخرة و الأصل في الكلام الحقيقة، و المراد بالمأدبة الجنّة التي هيأت للمتّقين و دعى اليها عباد اللّه الصّالحون، و أعدّ اللّه سبحانه لهم فيها ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و ما تشتهيه أنفسهم.

(مشربا و مطعما) أى شرابا و طعاما (و أزواجا) من الحور العين (و خدما) من الولدان المخلّدين (و قصورا) عالية (و أنهارا) جارية (و زروعا) زاكية (و ثمارا) طيّبة (ثمّ أرسلت داعيا يدعو) الناس (اليها) إى إلى هذه الدّار أو المأدبة، و أراد بالداعى محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو إيّاه مع ساير الأنبياء.

(فلا الدّاعى أجابوا و لا فيما رغبت اليه) من الدار الآخرة الباقية و نعيمها (رغبوا و لا إلى ما شوّقت اليه) من حور الجنة و قصورها و أنهارها و ثمارها و ساير ما اعدّ فيها.

(اشتاقوا اقبلوا على جيفة قد افتضحوا بأكلها) استعار عليه السّلام لفظ الجيفة للدنيا باعتبار نفرة طباع أهل البصيرة. و المعرفة عنها و كونها مستقذرة في نظر أرباب اليقين و أولياء الدّين كالجيفة المنتنة التي ينفرّ عنها النّاس و يفرّون منها، أو باعتبار اجتماع أهلها عليها و فرط رغبتهم إليها و كون همّ كلّ واحد جذبها إلى نفسه بمنزلة جيفة منبوذة تجتمع عليها الكلاب و يجذبها كلّ إليه قال الشاعر:

و ما هى إلّا جيفة مستحيلة
عليها كلاب همّهنّ اجتذابها

فان تجتنبها كنت سلما لأهلها
و ان تجتذ بها نازعتك كلابها

و أما افتضاحهم بأكلها فلانّها بعد ما كانت بمنزلة الجيفة يكون آكلها مفتضحا بأكلها لا محالة، و هو ترشيح للاستعارة.

و قوله عليه السّلام (و اصطلحوا على حبّها) أى اتفقوا على محبّتها و توافقوا عليها، فانّ أصل الصلح هو التراضي بين المتنازعين و تجوّز به عن التوافق و الاتفاق للملازمة بينهما (و من عشق شيئا) أى كان مولعا به شديد المحبّة له، فانّ العشق هو الافراط في الحبّ و التجاوز عن حدّ الاعتدال.

قال جالينوس الحكيم العشق من فعل النفس و هى كامنة في الدّماغ و القلب و الكبد، و في الدماغ ثلاث مساكن التخيّل في مقدّمه، و الفكر في وسطه، و الذكر في آخره فلا يكون أحد عاشقا حتى اذا فارق معشوقه لم يخل من تخيّله و فكره و ذكره فيمتنع من الطعام و الشراب باشتغال قلبه و كبده من النوم باشتغال الدّماغ بالتخيّل و الذكر و الفكر للمعشوق، فيكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به، و متى لم يكن كذلك لم يكن عاشقا.

و كيف كان فالمراد أنّ من أفرط في محبّة شي‏ء (اغشى) ذلك الشي‏ء (بصره و أمرض قلبه) أى يكون فرط حبّه لذلك الشي‏ء مانعا عن توجّهه الى ما يلزمه التوجّه إليه و حاجبا عن النظر إلى مصالحه و ما يلزمه الاشتغال به فيكون غافلا عما عداه، صارفا أوقاته بكلّيته إلى هواه، و يكون«» عشقه مانعا عن ادراكه العقول، و يكون عشقه ايضا مانعا عن ادراكه لعيوب المعشوق، و عن التفاته الى مساويه، و من هنا قيل:

و عين الرّضا عن كلّ عيب كليلة
كما أنّ عين السّخط تبدى المساويا

و غرضه عليه السّلام أنّ أهل الدّنيا لكثرة حبّهم لها و فرط رغبتهم إليها قصرت أبصارهم عن النظر إلى اخراهم، و مرضت قلوبهم عن التوجه إلى عقباهم، و صرفوا أوقاتهم بكلّيتها إليها و إلى زخارفها و قنياتها، غافلين عن ادراك عيوباتها و مساويها و لم يعرفوا أنها غدّارة مكّارة، غرّارة يونق منظرها و يوبق مخبرها، و لم تف إلى الآن لأحد من عشّاقها، و لم تصدق ظنّ أحد من طالبيها و راغبيها (فهو ينظر بعين غير صحيحة و يسمع باذن غير سميعة) لغفلته عما سوى المحبوب و عدم تنبّهه بما فيه من العيوب فلا ينظر اليه بنظر البصيرة و الاعتبار حتى يبصر ما فيه من المفاسد و المضار، و لا يستمع إلى المواعظ و الزواجر و النواهى و الأوامر حتّى يأخذ عدّته ليوم تبلى السرائر.

(قد خرقت الشهوات عقله) شبّه العقل بالثوب اذ كما أنّ الثوب زينة الانسان و وقاية للبدن من الحرّ و البرد فكذلك العقل زينة للمرء و وقاية له من حرّ نار الجحيم يعبد به الرّحمن و يكتسب به الجنان، و جعل عقل الرجل الموصوف بمنزلة ثوب خلق و رشح الاستعارة بذكر الخرق إذا الثوب إذا كان خرقا خلقا ممزقا لا ينتفع به صاحبه فكذلك العقل إذا كان مفرقا بالشهوات الباطلة مصروفا في اللّذات العاجلة لا ينتفع به فيما خلق لأجله البتة و في الحقيقة هذه القوّة نكر أو شيطنة و ليست بالعقل و إنما هى شبيهة بالعقل.

(و أماتت الدّنيا قلبه) فلا انتفاع له به كميّت لا نفع له (و ولهت عليها نفسه) أى صار في فرط محبّته للدّنيا بمنزلة الواله عليها و المفتون بها (فهو عبد لها و لمن في يديه شي‏ء منها) لأنه اذا كانت همته مصروفة اليها و أوقاته مستغرقة في جمعها و جبايتها صار زمام أمره بيدها (حيثما زالت زال اليها و حيثما أقبلت أقبل عليها) كعبد دائر في حركاته و سكناته مدار مولاه بل عبوديته لها أشدّ و أخسّ من عبودية العبد لسيّده، إذ طاعة العبد و انقياده لسيّده ربما يكون قسّريا و خدمة ذلك لدنياه عن وجه الشّوق و الرّغبة و الرضاء و المحبة و في هذا المعنى قال الشاعر:

ما النّاس إلّا مع الدّنيا و صاحبها
فكيف ما انقلبت يوما به انقلبوا

يعظّمون أخا الدّنيا فان و ثبت‏
يوما عليه بما لا يشتهى و ثبوا

(لا ينزجر من اللّه بزاجر و لا يتّعظ منه بواعظ و هو يرى) الكتب الالهية و الصحف‏ السّماويّة و الأخبار النّبويّة المشحونة بذمّ الدّنيا النّاهية عن الركون اليها و الاعتماد عليها، مضافا إلى رؤيته المخرجين عن الدّنيا بجبر و قهر، و المقلعين عنها بكره و قسر (المأخوذين على الغرّة) و حالة الاغترار و الغفلة المشغولين بالدّنيا و شهواتها الغافلين عن هادم اللّذات و سكراته (حيث لا اقالة) لهم عن ذنوبهم (و لا رجعة) لهم إلى الدّنيا ليتداركوا سيئات أعمالهم.

(كيف نزل بهم) من شدايد الأهوال (ما كانوا يجهلون و جاءهم من فراق الدّنيا ما كانوا يأمنون و قدموا من) عقبات (الآخرة على ما كانوا يوعدون) فانه لو تفكّر في ذلك و تذكّر ذلك يوشك أن يؤثر فيه و يقلّ فرحه بالدّنيا و شعفه بها.

لأنه بعد ما لاحظ أحوال هؤلاء الماضين و تصوّر تبدّد أجزائهم في قبورهم، و محو التراب حسن صورهم، و أنهم كيف ارملوا نسائهم و ايتموا أولادهم و ضيّعوا أموالهم، و خلت عنهم مجالسهم و مدارسهم، و انقطعت عنهم آثارهم و معالمهم، و عرف أنّه عن قريب كائن مثلهم انقلع لا محالة عن هواه و ارتدع عن حبّ دنياه

تفانوا جميعا فما مخبر
و ماتوا جميعا و مات الخبر

تروح و تغد و بنات الثرى‏
فتمحو محاسن تلك الصّور

فيا سائلى عن اناس مضوا
أما لك فيما ترى معتبر

لا سيّما لو عمق نظره في ما حلّ بالأموات بعد موتهم، و ما نزل بساحتهم حين موتهم، لكان ندمه أشدّ و حسرته آكد.

(ف) انه (غير موصوف ما نزل بهم) من الشّدائد و الآلام، و يحتمل أن يكون ضمير بهم راجعا إلى الذين لم يجيبوا الدّاعي المقدّم ذكرهم بقوله: فلا الدّاعي أجابوا و لا فيما رغبت إليه رغبوا (اجتمعت عليهم سكرة الموت و حسرة الفوت ففترت لها أطرافهم و تغيّرت لها ألوانهم) و ذلك لأنّ ألم النزع يسرى جميع اعضاء البدن و يستوعب الأطراف و يوجب ضعفها و فتورها.

قال الغزالي: و اعلم أنّ شدّة الألم في سكرات الموت لا يعرفها بالحقيقة إلا من ذاقها، و من لم يذقها فانما يعرفها بالقياس إلى الآلام التي أدركها، بيان ذلك القياس أنّ كلّ عضولا روح فيه فلا يحسّ بالألم، فاذا كان فيه فالمدرك للألم هو الرّوح فمهما أصاب العضو جرح أو حريق سرى الأثر إلى الروح فبقدر ما يسرى إلى الروح يتألّم، و المؤلم يتفرّق على اللّحم و الدم و ساير الأجزاء فلا يصيب الرّوح إلّا بعض الألم، فان كان في الآلام ما يباشر نفس الروح و لا يلاقي غيره، فما اعظم ذلك الألم و ما أشدّ، و النزع عبارة عن مؤلم نزل بنفس الرّوح، فاستغرق جميع أجزائه حتى لم يبق جزء من اجزاء المنتشر في أعماق البدن إلّا و قد حلّ به الألم، فلو أصابته شوكة فالألم الذى يجده إنّما يجرى في جزء من الرّوح يلاقي ذلك الموضوع الذي أصابته الشوكة، و إنما يعظم أثر الاحتراق لأنّ أجزاء النار تغوص في ساير أجزاء البدن، فلا يبقى جزء من العضو المحترق ظاهرا و باطنا إلّا و تصيبه النّار، فتحسر الأجزاء الرّوحانية المنتشرة في ساير أجزاء اللحم، و أمّا الجراحة فانّما تصيب الموضوع الذي مسّه الحديد فقط فكان لذلك ألم الجرح دون ألم النار فألم النزع يهجم على نفس الرّوح و يستغرق جميع أجزائه، فانّه المنزوع المجذوب من كلّ عرق من العروق و عصب من الأعصاب و جزء من الأجزاء و مفصل من المفاصل و من أصل كلّ شعرة و بشرة من الفرق إلى القدم حتّى قالوا إنّ الموت لأشد من ضرب بالسّيف و نشر بالمناشير و قرض بالمقاريض، لأنّ قطع البدن بالسيف إنما يولمه لتعلّقه بالرّوح فكيف إذا كان المتناول المباشر نفس الروح، و إنما يستغيث المضروب و يصيح لبقاء قوّته في قلبه و في لسانه، و إنّما انقطع صوت الميّت و صياحه مع شدّة ألمه لأنّ الكرب قد بالغ فيه و تصاعد على قلبه و بلغ كلّ موضع منه، فهدّ كلّ قوّة و ضعف كلّ جارحة، فلم يترك له قوّة الاستغاثة.

و إلى ذلك أشار بقوله (ثمّ ازداد الموت فيهم و لوجا فحيل بين أحدهم و بين منطقه) و استعار لفظ الولوج لما يتصوّر من فراق الحياة بعضو عضو، فأشبه ذلك دخول جسم في جسم آخر، و المقصود بذلك شدّة تأثير الموت في أبدانهم و ايجابه لضعف اللّسان عن قوّة النطق و التكلّم.

نعم في رواية الكافي باسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: الحياة و الموت خلقان من خلق اللّه فاذا جاء الموت فدخل في الانسان لم يدخل في شي‏ء إلّا و خرج منه الحياة.

فانّ ظاهر هذه الرواية مفيدة لكون الولوج في كلامه مستعملا في معناه الحقيقي اللهمّ إلّا أن يرتكب المجاز في ظاهر هذه أيضا فافهم.

(و انه لبين أهله ينظر) اليهم (ببصره و يسمع) كلامهم (باذنه) و لا يتمكّن من اظهار ما فيه من الشدّة و الحسرة عليهم لمكان ضعفه و عجزه مع أنه (على صحّة من عقله و بقاء من لبّه) فهو راغب عن الدّنيا مقبل إلى الآخرة، مشغول بحاله محاسب على نفسه، متحسّر على ما قدّمت يداه، نادم على ما فرّط في جنب مولاه.

(يفكّر فيم أفنى عمره و فيم أذهب دهره) و يتأثّر على غفلته في أيّام مهلته (و يتذكّر أموالا جمعها) و استغرق أوقاته فيها (أغمض في مطالبها) و تساهل في اكتسابه أيّامه و ذلك لعدم مبالاته بأنها من حلال أو حرام (و أخذها من مصرّحاتها و مشتبهاتها) أى من وجوه مباحة و ذوات شبهة.

كما اشير إليه في النبوى المعروف قال عليه السّلام إنما الامور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتّبع، و أمر بيّن غيّه فيجتنب، و شبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجى من المحرّمات و من أخذ بالشّبهات وقع في المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم.

(قد لزمته تبعات جمعها) و آثام جبايتها (و أشرف على فراقها تبقى لمن ورائه ينعّمون فيها و يتمتّعون بها) و هم إما أهل طاعة اللّه فسعدوا بما شقى، و إمّا أهل معصيته فكان عونا لهم على معصيتهم (فيكون المهنأ لغيره و العبؤ على ظهره) أى يكون هنائة تلك الأموال أى كونها هنيئة لغيره، و وزرها و ثقلها على ظهره.

و في الحديث النبويّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المرويّ عن ارشاد القلوب قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إذا حمل الميّت على نعشه رفرف روحه فوق النعش و هو ينادى: يا أهلي و ولدي لا تلعبنّ بكم الدّنيا كما لعبت بي، جمعته من حلّ و غير حلّ و خلّفته لكم فالمهنأ لكم‏ و التعب علىّ فاحذروا مثل ما قد نزل بي، و نعم ما قيل:

يمرّ أقاربي جنبات قبرى
كأنّ أقاربي لم يعرفوني‏

و ذو الميراث يقتسمون مالي‏
و ما يألون أن جحدوا ديوني‏

و قد أخذوا سهامهم و عاشوا
فياللّه أسرع ما نسوني‏

و قوله عليه السّلام (و المرء قد غلقت رهونه بها) قال الشارح المعتزلي: معناه أنه لما كان قد شارف الرّحيل و أشفى على الفراق صارت تلك الأموال التي جمعها مستحقّه لغيره و لم يبق له فيها تصرّف، و أشبهت الرّهن الذى غلق على صاحبه، فخرج عن كونه مستحقا له و صار مستحقا لغيره و هو المرتهن.

و اورد عليه بأنه و إن كان محتملا إلّا أنه يضيع فائدة قوله: بها، لأنّ الضمير يعود إلى الأموال المجموعة، و هو إشارة إلى المال الذى انغلق الرّهن به فلا نكون هى نفس الرّهن.

و قال الشارح البحراني: ضربه عليه السّلام مثلا لحصول المرء في تبعات ما جمع و ارتباطه بها عن الوصول إلى كماله و انبعاثه الى سعادته بعد الموت، و قد كان يمكنه فكاكها بالتوبة و الأعمال الصالحة، فأشبه ما جمع من الهيآت الرّديّة في نفسه عن اكتساب الأموال، فارتهنت بها بما على الراهن من المال.

أقول: و يتوجّه عليه أنّ الراهن على ذلك التوجيه هو نفس المراد و لو كان مراده عليه السّلام ذلك لقال و المرء قد صار رهينا بها كما قال تعالى: كلّ نفس بما كسبت رهينة.

و الذي يلوح على النّظر القاصر هو أن يقال: إنّه من باب الاستعارة التمثيلية و الغرض تشبيه حال هذا المرء المحجوب عن الترقّي إلى مدارج الكمال الغير المتمكّن من الوصول إليها بجمع تلك الأموال بحال من غلقت عليه أمواله المرهونة في مقابل دين المرتهن في عدم امكان وصوله اليها و محجوريته عنها، أو أنّ رهونه استعارة لبعض ما فعله من الأعمال الصالحة و ذكر الغلق ترشيح، و تشبيه تلك الأعمال‏ بالرّهن باعتبار عدم تمكّنه من الانتفاع بها و محجوبيّته عنها بما جمعه من الأموال فصارت تلك الأموال حاجبة مانعة عن انتفاعه بها بمنزلة دين المرتهن المانع عن تصرف الراهن في العين المرهونة الموجب لحجره عنها و عن استفادته بها، و إنّما صارت تلك الأموال سببا للحجب و المنع عن الانتفاع، لكون حقّ النّاس مقدّما على حقّ اللّه، و لذلك كان أوّل عقبات القيامة موضوعة للحكم بين النّاس و أخذ المظالم، هذا ما يخطر بالخاطر القاصر، و اللّه العالم بحقايق كلام وليّه عليه السّلام (فهو يعضّ يده ندامة على ما أصحر له عند الموت من أمره) و انكشف له حينئذ من تفريطه كما يعضّ يوم القيامة إذا عاين العقاب و شاهد طول العذاب قال سبحانه: وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى‏ يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى‏ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي.

قال في التفسير أى يعضّ على يديه ندما و أسفا، قال عطا: يأكل يديه حتى تذهب إلى المرفقين ثمّ تنبتان لا يزال هكذا كلّما نبتت يداه أكلهما ندامة على ما فعل، هذا فغضّ اليد في الآية مستعمل على التّفسير المذكور في معناه الحقيقي، و في كلامه عليه السّلام كناية عن النّدم و التّحسّر على ما فرّط في جنب اللّه و قصر في امتثال أمر مولاه (و يزهد فيما كان يرغب فيه أيّام عمره) من الأموال التي جمعها و خلّفها لغيره (و يتمنّى انّ الذى كان يغبطه بها و يحسده عليها قد حازها دونه) لما ظهر له من تبعاتها و سوء عاقبتها.

(فلم يزال الموت يبالغ في جسده حتى خالط لسانه سمعه فصار بين أهله لا) يقدر أن (ينطق بلسانه و لا) أن (يسمع بسمعه) لانقطاع مادّة الحياة عن السّمع‏ و اللّسان (يردّد طرفه بالنظر في وجوههم) أى مخاطباتهم و (يرى حركات ألسنتهم و لا يسمع رجع كلامهم) أى ما يتراجعونه من الكلام لبطلان قوّته السّامعة و بقاء قوّته الباصرة بعد.

(ثمّ ازداد الموت التياطا به) أى التصاقا (فقبض بصره كما قبض سمعه و خرجت الرّوح من جسده) و ظاهر هذا الكلام بملاحظة ما سبق من قوله: ثمّ ازداد الموت فيهم و لوجا فحيل بين أحدهم و بين منطقه آه، و ما سبق أيضا من قوله: فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتى خالط لسانه سمعه، يفيد لبطلان آلة النطق في الانسان قبل آلتى السمع و البصر، ثمّ بطلان آلة البصر و إنّما تبطل مع خروج الرّوح و مفارقتها عن البدن.

قال الشارح البحراني: و ليس ذلك مطلقا بل في بعض الناس و أغلب ما يكون ذلك فيمن تعرض الموت الطبيعي لآلاته و الّا فقد تعرض الآفة لقوّة البصر و آلته قبل آلة السّمع و آلة النطق، و الذي يلوح من اسباب ذلك أنه لما كان السبب العام القريب للموت هو انطفاء الحرارة الغريزية عن فناء الرّطوبة الأصلية التي منها خلقنا، و كان فناء تلك الرطوبة عن عمل الحرارة الغريزية فيها التجفيف و التحليل، و قد تعينها على ذلك الأسباب الخارجية من الأهوية و استعمال الأدوية المجففة و ساير المجففات، كان كلّ عضو أيبس من طبيعته و أبرد أسرع إلى البطلان و أسبق إلى الفساد.

إذا عرفت ذلك فنقول: أما أنّ آلة النطق أسرع فسادا من آلة السمع، فلأنّ آلة النطق مبنيّة على الأعصاب المحركة و مركبة منها، و آلة السمع من الاعصاب المفيدة للحسّ و اتّفق الأطباء على أنّ الأعصاب المحرّكة أيبس و أبرد، لكونها منبعثة من مؤخّر الدماغ دون الأعصاب المفيدة للحسّ، فانّ جلّها منبعث من مقدّم الدّماغ فكان لذلك أقرب إلى البطلان، و لأنّ النطق أكثر شروطا من السّماع لتوقفه مع الآلة و سلامتها على الصّوت و سلامة مخارجه و مجارى النفس، و الأكثر شرطا أسرع إلى الفساد.

و أما بطلان آلة السمع قبل البصر فلأنّ منبت الأعصاب التي هي محلّ القوّة السامعة أقرب إلى مؤخّر الدّماغ من منابت محلّ القوّة الباصرة، فكانت أيبس و أبرد و أقبل لانطفاء الحرارة الغريزية، و لأنّ العصب المفروش على الصّماخ الذي رتّبت فيه قوة السّمع احتاج أن يكون مكشوفا غير مسدود عنه سبيل الهواء بخلاف العصب الذى هو آلة البصر، فكانت لذلك أصلب و الأصلب أيبس و أسرع فسادا، هذا مع أنّه قد يكون ذلك لتحلّل الروح الحامل للسّمع قبل الرّوح الحامل للبصر أو لغير ذلك، و اللّه اعلم.

و قوله عليه السّلام (فصار جيفة بين أهله) لا يخفى ما في هذا التعبير من النكتة اللّطيفة، و هو التنفير عن التعلّق بهذا البدن العنصرى و النهى عن التعزّز بهذا الهيكل الجسماني، فإنّ من كان أوّله جيفة و آخره جيفة و هو في الدّنيا حامل الجيف كيف يجوز له الاغترار بوجوده، و التعزّز و التّكبر بذاته لا سيّما بعد ملاحظة كون آخره جيفة أقذر من ساير الجيف حتّى جيفة الكلب و الخنزير، حيث إنّ ساير الجيف لا توجب على من لامسها الغسل بخلاف ميتة الانسان فانّ ملامستها توجب غسل المسّ خصوصا لو لاحظ أنّ أقرب النّاس إليه و آنسهم به من الآباء و الاخوان و البنات و الولدان: (قد أوحشوا من جانبه و تباعدوا من قربه) مع كمال انسهم به و محبّتهم له، و جهة استيحاشهم منه حكم أوهامهم السخيفة على قواهم المتخيلة بمحاكات حاله في نفس المتوهم و عزل العقل في ذلك الموضع، و لذلك أنّ المجاور لميّت في موضع ظلماني منفرد يتخيل أنّ الميّت يجذ به إليه و يصيره بحاله المنفورة عنها طبعا.

و بالجملة فالمرء إذا خرجت روحه من جسده تنافر الناس عنه و يبقى فريدا وحيدا (لا يسعد باكيا) على بكائه (و لا يجيب داعيا) على دعائه.

(ثمّ حملوه) أى حفدة الولدان و حشدة الاخوان (الى محطّ من الأرض) أى قبره الذى يحطّ و ينزل فيه و على ما في بعض النسخ من رواية مخط بالخاء المعجمة تكون كناية عن القبر لكونه يخط أولا ثمّ يحفر أو عن اللحد لكونه كالخطّ فى الدّقة(فأسلموه فيه إلى عمله و انقطعوا عن زورته) و وجد ما عمله محضرا فان كان العمل صالحا فنعم المونس و المعين، و إن كان سيئا فبئس المصاحب و القرين و العدوّ المبين أقول: لو كان كلام يؤخذ بالأعناق في التزهيد عن الدّنيا و الترغيب الى الآخرة لكان هذا الكلام الذى في هذا الفصل، و ما أبعد غوره و اجزل قدره، فانّ عمدة ما أوجب رغبة الراغبين إلى الدّنيا و الرّاكنين اليها و المغترّين بها إنما هى امور ثلاثة احدها حبّ المال و الثاني حبّ الوجود و الثالث حبّ الأولاد و البنين و الأزواج و الأقربين، فزهّد عليه السّلام عن كلّ ذلك بأحكم بيان و أوضح برهان.

أما عن المال فبأنه عن قريب يفارقه و ينتقل عنه و يكون لذّته و مهنائه لغيره و يبقى وزره و تبعته عليه.

و أمّا عن وجوده و نفسه فبأنّه سينمحى أعضاؤه و جوارحه و يبطل قواه و آلاته و يكون بالآخرة جيفة منبوذة بين أهله.

و أما عن الأولاد و الابناء و الاخوان و الأقرباء فبأنهم سيفارقونه و يتنفّرون عنه و يستوحشون منه، فمن كان مآل ما أحبّه ذلك فكيف يغترّ بذلك مع علمه بأنّ كلّ ذلك واقع لا محالة و اعتقاده بأنّ الموت لا يمكن الفرار منه البتة.

قال عليّ بن الحسين عليهما السّلام: عجب كلّ العجب لمن أنكر الموت و هو يرى من يموت كلّ يوم و ليلة، و العجب كلّ العجب لمن أنكر النشأة الآخرة و هو يرى النشأة الاولى و قال اللّه سبحانه: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ.

روى الأعمش عن خثيمة قال: دخل ملك الموت على سليمان بن داود على نبيّنا و آله و عليهما السلام فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر اليه، فلما خرج قال الرجل: من هذا قال: هذا ملك الموت، قال: لقد رأيته ينظر الىّ كأنه يريدني، قال عليه السّلام: فما ذا تريد قال: اريد أن تخلصني منه فتأمر الريح حتّى تحملني إلى أقصى الهند، ففعلت الرّيح ذلك ثمّ قال سليمان عليه السّلام لملك الموت بعد أن أتاه ثانيا: رأيتك تديم النظر إلى واحد من جلسائى، قال: نعم كنت أتعجّب منه، لأنى كنت‏ أمرت أن أقبضه بأقصى الهند في ساعة قريبة و كانت عندك فتعجّبت من ذلك.

و في الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن عمرو بن عثمان عن مفضل بن صالح عن جابر عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أخبرني جبرئيل أنّ ملكا من ملائكة اللّه كانت له عند اللّه منزلة عظيمة فتعتّب عليه فأهبطه من السماء إلى الأرض، فأتى ادريس عليه السّلام فقال: إنّ لك من اللّه منزلة فاشفع لى عند ربك، فصلّى ثلاث ليال لا يفتر و صام أيّامها لا يفطر، ثمّ طلب الى اللّه في السحر في الملك، فقال الملك: إنك قد اعطيت سؤلك و قد اطلق لى جناحى و أنا احبّ أن اكافيك فاطلب إلىّ حاجة قال: ترينى ملك الموت لعلّي آنس به فانه ليس يهنئني مع ذكره شي‏ء، فبسط جناحه ثمّ قال: اركب، فصعد به يطلب ملك الموت في السماء الدّنيا، فقيل له: اصعد، فاستقبله بين السماء الرابعة و الخامسة فقال الملك: يا ملك الموت مالى أراك قاطبا قال: العجب انى تحت ظلّ العرش حيث امرت أن أقبض روح آدمى بين السماء الرابعة و الخامسة، فسمع إدريس عليه السّلام بها فامتعض فخرّ من جناح الملك فقبض روحه مكانه، و قال اللّه عزّ و جلّ: و رفعناه مكانا عليّا و نعم ما قيل:

انّ الحبيب من الاحباب مختلس
لا يمنع الموت بوّاب و لا حرس‏

فكيف تفرح بالدّنيا و لذّتها
يا من يعدّ عليه اللّفظ و النّفس‏

أصبحت يا غافلا في النقص منغمسا
و أنت دهرك في اللّذات منغمس‏

لا يرحم الموت ذا جهل لغرّته‏
و لا الذى كان منه العلم يقتبس‏

كم أخرس الموت في قبر وقفت به
عن الجواب لسانا ما به خرس‏

قد كان قصرك معمورا به شرف‏
فقبرك اليوم في الأجداث مندرس‏

ايقاظ

في ذكر بعض ما ورد في وصف الموت و حالات الميّت.

فأقول: قال الغزالي: روى عن مكحول عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنه قال: لو أنّ شعرة من شعر الميت وضعت على أهل السّماوات و الأرض لماتوا باذن اللّه، لأنّ في كلّ شعرة الموت و لا يقع الموت بشي‏ء إلّا لمات، قال: و يروى لو أنّ قطرة من‏ ألم الموت وضعت على جبال الدّنيا كلها لذابت، قال: و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ العبد ليعالج كرب الموت و سكرات الموت و أنّ مفاصله يسلّم بعضها على بعض تقول: عليك السلام تفارقنى و افارقك الى يوم القيامة.

و في الكافي باسناده عن جابر قال قال عليّ بن الحسين عليهما السّلام ما ندرى كيف نصنع بالناس، إن حدّثناهم بما سمعنا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ضحكوا، و إن سكتنا لم يسعنا، قال: فقال ضمرة بن معبد: حدّثنا فقال: هل تدرون ما يقول عدوّ اللّه إذا حمل على سريره قال: فقلنا: لا، قال عليه السّلام: فانه يقول لحملته ألا تستمعون إني أشكو إليكم عدوّ اللّه خدعنى و أوردنى ثمّ لم يصدرني، و أشكو اليكم اخوانا و اخيتهم فخذلونى، و أشكو اليكم أولادا حاميت عليهم فخذلونى «فأسلموني خ» و أشكو اليكم دارا أنفقت فيها حريبتى فصار سكّانها غيرى، فارفقوا بى و لا تستعجلوني قال: فقال ضمرة يا أبا الحسن إن كان هذا يتكلّم بهذا الكلام يوشك أن يثب بجهد على أعناق الذين يحملونه قال: فقال عليّ بن الحسين عليهما السّلام: اللهمّ إن كان ضمرة هزاء من حديث رسولك فخذه أخذ أسف، قال: فمكث أربعين يوما ثمّ مات، فحضره مولى له قال: فلما دفن أتى عليّ بن الحسين عليهما السّلام فجلس إليه فقال له: من أين جئت يا فلان قال: من جنازة ضمرة فوضعت وجهى عليه حين سوى عليه فسمعت صوته و اللّه أعرفه كما كنت أعرفه و هو حىّ يقول: و يلك يا ضمرة بن معبد اليوم خذلك كلّ خليل، و صار مصيرك إلى الجحيم، فيها مسكنك و مبيتك و المقيل قال: فقال عليّ ابن الحسين عليهما السّلام: أسأل اللّه العافية هذا جزاء من يهزء من حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و عن جابر عن أبي جعفر عليه السّلام قال: سألته عن قوله اللّه عز و جلّ: وَ قِيلَ مَنْ راقٍ وَ ظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ.

قال: فانّ ذلك ابن آدم إذا حلّ به الموت قال: هل من طبيب إنه الفراق أيقن بمفارقة الأحبّة قال، و التفّت السّاق بالسّاق التفّت الدّنيا بالآخرة، ثمّ إلى ربّك يومئذ المساق قال: المصير إلى ربّ العالمين.

و عن عبد اللّه بن سليم العامري عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إنّ عيسى بن مريم جاء إلى قبر يحيى بن زكريّا عليه السّلام و كان سأل ربّه أن يحييه له، فدعا فأجابه و خرج إليه من القبر، فقال له ما تريد منّى فقال له: اريد أن تونسنى كما كنت في الدّنيا، فقال له يا عيسى ما سكنت عنّى حرارة الموت و أنت تريد أن تعيدنى إلى الدّنيا و تعود علىّ حرارة الموت، فتركه فعاد إلى قبره.

و عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن محبوب عن أبي أيّوب عن يزيد الكناسي عن أبي جعفر عليه السّلام قال: إنّ فتية من أولاد ملوك بني إسرائيل كانوا متعبّدين، و كانت العبادة في اولاد ملوك بني إسرائيل و أنهم خرجوا يسيرون في البلاد ليعتبروا، فمرّوا بقبر على ظهر الطّريق قد سفى عليه السّافي ليس منه إلّا اسمه، فقالوا: لودعونا اللّه السّاعة فينشر لنا صاحب هذا القبر فساءلناه كيف وجد طعم الموت، فدعوا اللّه و كان دعائهم الذى دعوا به: اللّه أنت إلهنا يا ربّنا ليس لنا إله غيرك و البدى‏ء الدّايم غير الغافل الحىّ الذي لا يموت لك في كلّ يوم شأن تعلم كلّ شي‏ء بغير تعليم، انشر لنا هذا الميت بقدرتك، قال: فخرج من ذلك القبر رجل أبيض الرأس و اللّحية ينفض رأسه من التراب فزعا شاخصا بصره إلى السماء، فقال له: ما يوقفكم على قبرى فقالوا: دعوناك لنسألك كيف وجدت طعم الموت فقال لهم: قد سكنت في قبرى تسعة و تسعون «تسعين خ ل» سنة ما ذهب عنّى ألم الموت و كربه، و لا خرج مرارة طعم الموت من حلقي فقال له: متّ يوم متّ و أنت على ما نرى أبيض الرّأس و اللّحية قال: لا و لكن لما سمعت الصيحة اخرج اجتمعت تربة عظامى إلى روحى و بقيت فيه فخرجت فزعا شاخصا بصرى مهطعا إلى صوت الدّاعى فابيضّ لذلك رأسي و لحيتي.

و في عقايد الصّدوق (ره) قال: قيل لأمير المؤمنين عليه السّلام: صف لنا الموت، فقال عليه السّلام: على الخبير سقطتم هو أحد امور ثلاثة يرد عليه: إما بشارة بنعيم الأبد، و إما بشارة بعذاب الأبد و إما تخويف و تهويل و أمر مبهم لا يدرى من أىّ الفرق هو، أمّا وليّنا و المطيع لأمرنا فهو المبشّر بنعيم الأبد، و أما عدوّنا و المخالف لأمرنا فهو المبشّر بعذاب الأبد و أما المبهم أمره الذي لا يدرى ما حاله فهو المؤمن المسرف على نفسه لا يدرى ما يؤل إليه حاله، يأتيه الخبر مبهما مخوفا ثمّ لن يشوبه اللّه عزّ و جلّ بأعدائنا و لكن يخرجه من النّار بشفاعتنا، فاعملوا و أطيعوا و لا تتّكلوا و لا تستصغروا عقوبة اللّه، فانّ من المسرفين من لا يلحقه شفاعتنا إلّا بعد عذاب اللّه بثلاثمأة ألف سنة قال: و سئل عن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ما الموت الذي جهلوه فقال: أعظم سرور يرد على المؤمنين إذا نقلوا عن دار النكد إلى نعيم الأبد، و أعظم ثبور يرد على الكافرين إذا نقلوا من جنّتهم إلى نار لا تبيد و لا تنفد.

قال: و قيل لعليّ بن الحسين عليه السّلام: ما الموت قال: للمؤمن كنزع ثياب و سخة قملة أو فكّ قيود و أغلال ثقيلة و الاستبدال بأفخر الثّياب و أطيبها روايح و أوطى المراكب و آنس المنازل، و للكافر كخلع ثياب فاخرة و النقل عن منازل أنيسة و الاستبدال بأوسخ الثياب و أخشنها و أوحش المنازل و أعظم العذاب.

قال: و قيل للصادق عليه السّلام: صف لنا الموت، فقال: هو للمؤمن كأطيب ريح يشمّه فينفس لطيبه فيقطع التعب و الألم كلّه عنه، و للكافر كلسع الأفاعى و لذع العقارب و أشدّ، قيل له: فانّ قوما يقولون هو أشدّ من نشر بالمناشير و قرض بالمقاريض و رضخ بالحجارة و تدوير قطب ارحية في الأحداق، فقال: هو كذلك على بعض الكافرين و الفاجرين، ألا ترون من يعاين تلك الشدائد، فذلكم الذي هو أشد من هذا و هو أشدّ من عذاب الدّنيا، قيل: فما لنا نرى كافرا يسهل عليه النزع فينطفى و هو يتحدّث و يضحك و يتكلّم، و في المؤمنين من يكون أيضا كذلك، و في المؤمنين و الكافرين من يقاسى عند سكرات الموت هذه الشدائد فقال عليه السّلام: ما كان راحة للمؤمن فهو من عاجل ثوابه، و ما كان من شدّة فهو تمحيصه من ذنوبه ليرد إلى الآخرة تقيا طاهرا نظيفا مستحقا لثواب اللّه ليس له مانع دونه، و ما كان هناك من سهولة على الكافرين فليستوفي أجر حسناته في الدّنيا ليرد إلى الآخرة و ليس له إلّا ما يوجب عليه العذاب، و ما كان من شدّة على الكافرين هناك فهو ابتداء عقاب اللّه تعالى عند نفاد حسناته، ذلك بأنّ اللّه عزّ و جلّ عدل لا يجور.

و روى عن الصّادق عليه السّلام قال: جاء رجل إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: يا رسول اللّه ما بالى لا أحبّ الموت فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ألك مال قال: نعم، قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: قدمته أمامك قال: لا، قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: فمن ثمّ لا تحبّ الموت.

قال: و جاء رجل إلى أبي ذر رحمه اللّه و قال ما لنا نكره الموت فقال: لأنكم عمّرتم الدّنيا و خرّبتم الآخرة فتكرهون أن تنقلوا من عمران إلى خراب، و قيل له كيف ترى قدومنا على اللّه تعالى فقال: أما المحسن فكالغائب يقدم على اهله، و أما المسى‏ء فكالآبق يقدم على مولاه و هو منه خائف، قيل: و كيف ترى حالنا عند اللّه قال: اعرضوا أعمالكم على كتاب اللّه تعالى حيث يقول: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ قال رجل «الرجل ظ» فأين رحمة اللّه قال: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.

تنبيه

أحببت أن أورد هنا الرّواية المتضمّنة لتكلّم الميّت مع سلمان الفارسي رضى اللّه عنه و ما أخبره به من حالات سكرات الموت و ما بعدها من الشدائد و الدّواهى لأنّ فيها تنبيها للغافلين و تذكرة للجاهلين.

فأقول: روى غير واحد من أصحابنا أنار اللّه برهانهم عن أبي الفضل سديد الملّة و الدّين شاذان بن جبرئيل بن إسماعيل بن أبي طالب القمّي في الجزء الثاني من كتابه كتاب الفضايل عن أبي الحسن بن عليّ بن محمّد المهدي بالاسناد الصّحيح عن الأصبغ ابن نباته أنه قال: كنت مع سلمان الفارسى و هو أمير المداين في زمان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و ذلك أنه قد ولّاه المداين عمر بن الخطاب فقام إلى أن ولي الأمر عليّ بن أبي طالب عليه السّلام.

قال الأصبغ فأتيته يوما و قد مرض مرضه الذى مات فيه، قال: فلم أزل أعوده‏ في مرضه حتّى اشتدّ به الأمر و أيقن بالموت، قال: فالتفت إلىّ و قال لي: يا أصبغ عهدى برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول يا سلمان سيكلّمك ميّت إذا دنت وفاتك و قد اشتهيت أن أدرى وفاتي دنت أم لا، فقال الأصبغ: بماذا تأمرني يا سلمان يا أخي قال له ان تخرج و تأتيني بسرير و تفرش لي عليه ما يفرش للموتى ثمّ تحملني بين أربعة فتأتون بي الى المقبرة.

فقال الاصبغ: حبا و كرامة، فخرجت مسرعا و غبت ساعة و أتيته بسرير و فرشت عليه ما يفرش للموتى، ثمّ أتيته بقوم حملوه إلى المقبرة، فلما وضعوه فيها قال لهم: يا قوم استقبلوا بوجهى القبلة، فلما استقبل بوجهه القبلة نادى بأعلى صوته: السّلام عليكم يا أهل عرصة البلاء، السّلام عليكم يا محتجبين عن الدّنيا قال: فلم يجبه أحد فنادى ثانية، السّلام عليكم يا من جعلت المنايا لهم غذاء، السلام عليكم يا من جعلت الأرض عليهم غطاء، السّلام عليكم يا من القوا أعمالهم في دار الدّنيا، السّلام عليكم يا منتظرين النفخة الاولى سألتكم باللّه العظيم و النبيّ الكريم إلّا أجابني منكم مجيب فأنا سلمان الفارسى مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فانه قال لي: يا سلمان إذا دنت وفاتك سيكلّمك ميّت، قد اشتهيت أن أدرى دنت وفاتي أم لا.

فلما سكت سلمان من كلامه فاذا هو بميّت قد نطق من قبره و هو يقول: السّلام عليك و رحمة اللّه و بركاته، يا أهل البناء و الفناء المشتعلون بعرصة الدّنيا و ما فيها، نحن لكلامك مستمعون، و لجوابك مسرعون فسل عمّا بدا لك يرحمك اللّه تعالى.

قال سلمان: أيّها الناطق بعد الموت و المتكلّم بعد حسرة الفوت أمن أهل الجنة بعفوه أم من أهل النار بعدله فقال: يا سلمان أنا ممن أنعم اللّه تعالى عليه بعفوه و كرمه، و أدخله الجنة برحمته.

فقال له سلمان: الآن يا عبد اللّه صف لى الموت كيف وجدته و ما ذا لقيت منه و ما رأيت و ما عاينت قال: مهلا يا سلمان فواللّه إنّ قرضا بالمقاريض و نشرا بالمناشير لأهون علىّ من غصّة من غصص الموت، و تسعين ضربة بالسّيف أهون من نزعة من نزعات الموت.

فقال سلمان: ما كان حالك في دار الدّنيا قال: اعلم أني كنت في دار الدّنيا ممن ألهمني اللّه تعالى الخير و العمل به و كنت اؤدّى فرائضه و أتلو كتابه، و كنت أحرص في برّ الوالدين و أجتنب الحرام و المحارم و أنزع من المظالم و اكدّ اللّيل و النّهار في طلب الحلال خوفا من وقعة السؤال، فبينا أنا في ألذّ العيش و غبطة و فرح و سرور إذ مرضت و بقيت في مرضى أيّاما حتى انقضت من الدّنيا مدّتي و قربت موتى، فأتانى عند ذلك شخص عظيم الخلقة فظيع المنظر فوقف«» مقابل وجهى لا إلى السماء صاعدا و لا إلى الأرض نازلا، فأشار إلى بصرى فأعماه، و إلى سمعى فأصمه، و إلى لسانى فأخرسه فصرت لا ابصر و لا اسمع و لا انطق، فعند ذلك بكى أهلى و اخواني و ظهر بخبرى إلى اخواني و جيراني.

فقلت له عند ذلك: من أنت يا هذا الذي أشغلتني عن مالي و أهلي و ولدي فقد ارتعدت فرايصي من مخافتك.

فقال: أنا ملك الموت أتيتك لقبض روحك و لأنقلك من دار الدّنيا إلى دار الآخرة، فقد انقضت مدّتك من الدّنيا، و جاءت منيّتك.

و بينا هو كذلك يخاطبني إذا أتاني شخصان و لهما منظر أحسن ما يكون و ما رأيت من الخلق أحسن منهما، فجلس أحدهما عن يميني و الآخر عن شمالي فقالا: السّلام عليك أيها العبد و رحمة اللّه و بركاته، قد جئناك بكتابك فخذه الآن و انظر ما فيه‏

فقلت لهما: من أنتما يرحمكما اللّه و أىّ كتاب لى أنظره و أقرء فقالا: نحن الملكان اللّذان كنامعك في دار الدّنيا على كتفيك نكتب مالك و ما عليك فهذا كتاب عملك، فلما نظرت في كتاب حسناتى بيد الرّقيب فسرّ لى ما فيه و ما رأيت من الخير و فرحت و ضحكت عند ذلك و فرحت فرحا شديدا، و نظرت إلى كتاب السّيئآت و هو بيد العتيد فسائنى ما رأيت و أبكاني، فقالا لي: ابشر فلك الخير.

ثمّ دنى منى الشخص الأوّل فجذب الرّوح فليس من جذبة يجذبها إلّا و هى تقوم مقام كلّ شدّة من السّماء إلى الأرض، فلم يزل كذلك حتّى صارت الروح في صدرى، ثمّ أشار الىّ بجذبة لو أنّها وضعت على الجبال لذابت، فقبض روحي من عرنين أنفي فعلا من اهلي عند ذلك الصّراخ و ليس من شي‏ء يقال أو يفعل إلّا و أنا به عالم.

فلما اشتدّ صراخ القوم و بكاؤهم جزعا علىّ التفت اليهم ملك الموت بغيض و حنق و قال: معاشر القوم ممّ بكائكم فو اللّه ما ظلمناه فتشكون و لا اعتدينا عليه فتصيحون و تبكون و لكن نحن و أنتم عبيد ربّ واحد و لو امرتم فينا كما امرنا فيكم لا متثلتم فينا كما امتثلنا فيكم، و اللّه ما أخذناه حتى فنى رزقه و انقطعت مدّته و صار إلى ربّ كريم يحكم فيه ما يشاء و هو على كلّ شي‏ء قدير فان صبرتم أوجرتم و إن جزعتم أثمتم كم لي من رجعة إليكم آخذ البنين و البنات و الآباء و الأمّهات.

ثمّ انصرف عند ذلك عنّى و الروح معه فعند ذلك أتاه ملك آخر فأخذها منه و طرحها في ثوب أخضر من الحرير و صعد بها و وضعها بين يدي اللّه في أقلّ من طبقة جفن.

فلمّا حصلت الرّوح بين يدي ربي سبحانه سألها عن الصغيرة و الكبيرة، و عن الصّلاة و الصّيام في شهر رمضان و حجّ بيت اللّه الحرام و قراءة القرآن و الزكاة و الصّدقات و ساير الأوقات و الأيام و طاعة الوالدين و عن قتل النفس بغير الحقّ‏ و أكل مال اليتيم و مال الرّبا و الزّنا و الفواحش و عن مظالم العباد، و عن التهجّد باللّيل و النّاس نيام و ما يشاكل ذلك، و ما بعد ذلك ردّت الرّوح إلى الأرض باذن اللّه تعالى.

فعند ذلك أتاني الغاسل فجرّدنى من أثوابي و أخذ في تغسيلى، فنادته الرّوح باللّه عليك يا عبد اللّه رفقا بالبدن الضعيف فو اللّه ما خرجت من عرق إلّا انقطع و لا من عضو إلّا انصدع فو اللّه لو سمع الغاسل ذلك القول لما غسل ميّتا أبدا.

ثمّ أنّه أجرى علىّ الماء و غسّلنى ثلاثة أغسال و كفّننى في ثلاثة أثواب و حنّطنى بحنوط و هو الزّاد الذي خرجت به الى الآخرة، ثمّ جذب الخاتم من يدي اليمنى فدفعه إلى أكبر أولادى و قال: آجرك اللّه في أبيك و أحسن لك الاجر و العزاء.

ثمّ أدرجنى في الكفن و لفّنى و نادى أهلى و جيرانى و قال هلمّوا إليه بالوداع فقاموا عند ذلك لو داعى.

فلمّا فرغوا من وداعى حملت على سرير خشب و حملوني على أكتاف أربعة، و الرّوح عند ذلك بين وجهى و كفى واقفة على نعشي و هى تقول: يا أهلى و أولادي لا تلعب بكم الدّنيا كما لعبت بي، فهذا ما جمعته من حلّ و من غير حلّ و خلّفته بالهناءة و الصّحة فاحذروني فيه.

و لم أزل كذلك حتى وضعت للصّلاة فصلّوا علىّ، فلما فرغوا من الصّلاة و حملت إلى قبرى ادليت فيه ثمّ رفعت روحى بين كتفى و وجهى ادنيت من قبرى و طرحت على شفير القبر، فعاينت هو لا عظيما.

يا سلمان يا عبد اللّه لما وضعت في قبرى خيّل لي أنّي سقطت من السّماء إلى الأرض في لحدى، و شرج علىّ اللّبن و حثى علىّ التراب و زارونى «و ارونى ظ» و انصرفوا، فرجعت الرّوح إلىّ فأخذت في النّدم فقلت: يا ليتنى كنت مع الراجعين.

فعند ذلك سلبت الرّوح من اللّسان و انقلبت السّمع و البصر فلما نادى المنادى بالانصراف أخذت في الندم و بكيت من القبر و ضيقه و ضغطته و كنت قلت: يا ليتنى كنت مع الراجعين لعملت عملا صالحا فجاوبنى مجيب من جانب القبر:

كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ.

فقلت من أنت يا هذا الذي تكلّمني و تحدّثنى قال: أنا منبّه، قلت: و ما منبّه قال: أنا ملك و كلنى اللّه بجميع خلقه لأنبّههم بعد مماتهم ليكتبوا أعمالهم على أنفسهم بين يدي اللّه.

ثمّ إنّه جذبني و أجلسني و قال لي: اكتب عملك و مالك و ما عليك في دار الدّنيا، قلت: انى لا احصيه و لا أعرفه، قال: أو ما سمعت قول ربّك: أحصيه اللّه و نسوه ثمّ قال لي: اكتب الآن و أنا أملي عليك، فقلت: أين البياض فجذب جانبا من كفنى فاذا هو رقّ فقال: هذه صحيفتك، فقلت: من أين القلم قال: سبّابتك، فقلت: من أين المداد فقال: ريقك.

ثمّ أملى علىّ جميع ما فعلته في دار الدّنيا من أوّل عمرى إلى آخره، فلم يبق من أعمالى صغيرة و لا كبيرة، ثمّ تلى علىّ: لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً.

ثمّ إنّه أخذ الكتاب و ختمه بخاتم و طوّقه في عنقى فخيّل لي أنّ جبال الدّنيا جميعا قد طوّقها في عنقى، فقلت له: يا منبّه و لم تفعل بي هكذا قال: ألم تسمع قول ربّك وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى‏ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً.

فهذا ما تخاطب به يوم القيامة و يؤتى بك و بكتابك بين عينيك منشورا لتشهد به على نفسك.

ثمّ انصرف عنّى فبقيت أبكى على نفسي على حسرة الدّنيا و أقول: يا ليتني‏عملت خيرا حتّى لا يكتب علىّ شرّ.

فبينا أنا كذلك و إذا أنا بملك منكر أعظم منظرا و أهول شخصا ما رأيته في الدّنيا، و معه عمود من الحديد لو اجتمعت عليه الثقلان ما حرّكوه، فراعنى و أفزعني و هدّدنى و دنا منّى فجذبنى بلحيتي، ثمّ انه صاح بي صيحة لو سمعها أهل الأرض لماتوا جميعا ثمّ قال لي: يا عبد اللّه أخبرني من ربّك و من نبيّك و ما دينك و ما كنت عليه في دار الدّنيا فاعتقل لساني من فزعه و تحيّرت في أمرى و ما أدرى ما أقول و ليس في جسمي عضو إلّا فارقنى من الفزع و انقطعت أعضائى و أوصالى من الخوف.

فأتتني رحمة من ربّي فأمسك بها في قلبي و شدّ بها ظهرى و اطلق بها لساني و رجع إلىّ ذهني فقلت له عند ذلك: يا عبد اللّه لم تفزعني و أنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أنّ اللّه ربّي و محمّد نبيّي و الاسلام ديني و القرآن كتابي و الكعبة قبلتي و عليّ امامي و بعده أولاده الطاهرون أئمتي، و المؤمنون اخواني و أنّ الموت حقّ و السّؤال حقّ و الصّراط حقّ و الجنة حقّ و النّار حقّ و أنّ السّاعة آتية لا ريب فيها و أنّ اللّه يبعث من فى القبور فهذا قولي و اعتقادي و عليه القى ربّي في معادي.

فعند ذلك قال لي: يا عبد اللّه ابشر بالسلامة فقد نجوت منّي فنم نومة العروس ثمّ مضى عنّى.

ثمّ أتاني شخص أهول منه يعرف بنكير، فصاح صيحة هائلة أعظم من صيحة الاولى، فاشتبكت أعضائي بعضها في بعض كاشتباك الأصابع، ثمّ قال لي: هات الآن عملك يا عبد اللّه و ما خرجت عليه من دار الدّنيا و من ربّك و من نبيّك و ما دينك فبقيت حايرا متفكّرا في ردّ الجواب لا أعرف جوابا و لا انطق بخطاب لما رأيت و سمعت منه.

فعند ذلك صرف اللّه عنّي شدّة الرّوع و الفزع و ألهمني حجّتي و حسن التوفيق و اليقين فقلت: ارفق بي و لا تزعجني يا عبد اللّه و امهل علىّ حتّى أقول لك، فقال: قل‏ فقلت: اني خرجت من شهادة أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، و أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب و الأئمة الطاهرين من ذرّيته أئمتي و أنّ الموت حقّ و القبر حقّ و الصّراط حقّ و الميزان حقّ و الحساب حقّ و مسائلة منكر و نكير حقّ، و أنّ الجنّة و ما وعد اللّه فيها من النّعيم حقّ و أنّ النّار و ما وعد اللّه من العذاب حقّ، و أنّ السّاعة آتية لا ريب فيها و أنّ اللّه يبعث من في القبور.

ثمّ قال لي: يا عبد اللّه ابشر بالنّعيم الدّائم و الخير المقيم ثمّ إنّه أضجعنى و قال: نم نومة العروس، ثمّ انه فتح لي بابا من عند رأسي إلى الجنّة و بابا من عند رجلي الى النار ثمّ قال لي: يا عبد اللّه انظر إلى ما صرت إليه في الجنّة و إلى ما نجوت منه من نار الجحيم، ثمّ سدّ الباب التي من عند رجلي و ابقى الباب الذي هو من عند رأسي فجعل يدخل علىّ من روح الجنّة و نعيمها و أوسع لحدى مدّ البصر«» و اسرج لي سراجا أضوء من الشمس و القمر و خرج عنّي.

فهذه صفتي و حديثي و ما لقيته من شدّة الأهوال، و أنا أشهد باللّه أنّ مرارة الموت في حلقي إلى يوم القيامة، فراقب اللّه أيّها السائل من رفعة المسائل، و خف من هول المطّلع و ما قد ذكرته، هذا الذى لقيته و أنا من الصّالحين ثمّ انقطع عند ذلك كلامه عن سلمان.

فقال سلمان للأصبغ و من كان معه: هلمّوا إليّ و احملوني، فلمّا وصل إلى منزله قال: حطونى رحمكم اللّه، فلمّا حططناه إلى الأرض و شهدناه فقال: اسندوني، ثمّ رمق بطرفه إلى السّماء و قال: يا من بيده ملكوت كلّ شي‏ء و إليه يرجعون و هو يجير و لا يجار عليه بك آمنت و عليك توكلت و بنبيّك أقررت و بكتابك صدقت، و قد أتاني ما وعدتني يا من لا يخلف الميعاد فلقني جودك، و أقبضنى إلى رحمتك، و أنزلني إلى دار كرامتك فاني اشهد اللّه لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له،و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، و أنّ عليّا أمير المؤمنين و الأئمّة من ذرّيته أئمتّي و ساداتي فلمّا أكمل شهادته قضى نحبه و لقى ربّه رضى اللّه تعالى عنه.

فقال بينما نحن كذلك إذ أتا رجل على بعلة شهباء متلثّما فسلّم علينا فرددنا السّلام عليه فقال: يا أصبغ اجهدوا في أمر سلمان، فأخذنا في أمره فأخذ معه حنوطا و كفنا فقال: هلمّوا فانّ عندى ما ينوب عنه، فأتيناه بماء و مغسل، فلم يزل يغسله بيده حتّى فرغ و كفّنه و صلّى عليه فصلّينا خلفه، ثمّ إنّه دفنه بيده فلمّا فرغ من دفنه همّ بالانصراف تعلّقنا به و قلنا له: من أنت يرحمك اللّه فكشف لنا عن وجهه فسطع النور من ثناياه كالبرق الخاطف فاذا هو أمير المؤمنين فقلت له يا أمير المؤمنين كيف كان مجيئك و من أعلمك بموت سلمان قال: فالتفت إلىّ و قال: آخذ عليك يا أصبغ عهد اللّه و ميثاقه و أنّك لا تحدّث به أحدا ما دمت حيّا في دار الدّنيا، فقلت يا أمير المؤمنين أموت قبلك فقال: لا يا أصبغ بل يطول عمرك، قلت له: يا أمير المؤمنين خذ علىّ عهدا و ميثاقا فانّي لك سامع مطيع انى لا احدّث به حتّى يقضى اللّه من أمرك ما يقضى و هو على كلّ شي‏ء قدير.

فقال: يا أصبغ بهذا عهدني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فاني قد صلّيت هذه السّاعة بالكوفة و قد خرجت اريد منزلي فلمّا وصلت إلى منزلي اضطجعت، فأتاني آت في منامى و قال: يا على إنّ سلمان قد قضى نحبه فركبت بغلتي و أخذت معى ما يصلح للموتى فجعلت أسير فقرّب اللّه لى البعيد كما ترانى، و بهذا أخبرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثم انه دفنه و واراه فلم أر أصعد إلى السّماء أم في الأرض نزل، فأتى الكوفة و المنادى ينادى بصلاة المغرب فحضر عندهم.«» و هذا ما كان من حديث وفاة سلمان الفارسي (ره) على التمام و الكمال و الحمد للّه حقّ حمده و قد رويت الخبر على طوله لاقتضاء المقام ذلك من حيث اشتماله على‏ كثير من أحوال الميّت و أهوال البرزخ المسوق لها هذا الفصل من كلامه عليه السّلام، و أوردت ذيله مع خروجه عن مقتضى المقام لانّى إن ساعدني التوفيق إنشاء اللّه اورد في شرح باب الكتب و الوصايا مبدء أمر سلمان و كيفيّة اسلامه و بعض مناقبه فأحببت أن اورد هنا مآل أمره و منتهاه ليطلع النّاظر في الشرح على بداية حاله و نهايته مع ما فيه من اعجاز عجيب لأمير المؤمنين سلام اللّه عليه و على آله الطّيبين هذا.

و لا يخفى ما في هذه الرّواية من الكفاية للمهتدى الطالب للرّشاد، بما فيها من التّنبيه و الايقاظ من الغفلة و الرقاد، فانّ هذا الميّت مع كونه ممّن ألهمه اللّه الخير و الصلاح و كونه من أهل السعادة و الفلاح إذا كان حاله ذلك، و مصير أمره كذلك فكيف بنا و نحن المنهمكون في الشّهوات و المستغرقون في بحار السّيئآت.

تروّ عنا الجنائز مقبلات
و نلهوحين تذهب مدبرات‏

كروعة ثلّة لمغار ذئب‏
فلمّا غاب عادت راتعات‏

اشتغلنا ببدوات الخواطر، و نسينا اللّه و اليوم الآخر، و غفلنا عن أخذ الزاد ليوم المعاد، و لا سبب لهذه الغفلة إلّا قسوة القلوب بكثرة المعاصي و الذّنوب، فليس لنا خلاص و مناص، و لا معاذ و لا ملاذ، و لا مطمع و لا رجاء إلّا في بحر الكرم و الجود، و التّفضل من واجب الوجود

و لما قسى قلبي و ضاقت مذاهبي
جعلت رجائى نحو عفوك سلّما

تعاظمنى ذنبي فلمّا قرنته‏
بعفوك ربّي كان عفوك أعظما

فما زلت ذا عفو عن الذّنب لم تزل
تجود و تعفو منّة و تكرّما

الترجمة

تنزيه ميكنم تو را تنزيه كردني در آن حال كه آفريننده مخلوقاتي و معبود موجودات بسبب حسن امتحان خود در حين آفريدن، آفريدي خانه را كه عبارت است از خانه آخرت و مهيا نمودى در آن مهمانى را: شرابي و طعامي و زناني و خدمتگذاراني و غرفه‏هاى رفيعه و نهرهاى لطيفه و زراعتهاى خوب و ميوه‏هاى‏ مرغوب، بعد از آن فرستادى دعوت كننده را كه مى‏خواند مردمان را بسوى آن پس اين مردمان نادان نه دعوت كننده را اجابت نمودند، و نه در آنچه ترغيب نمودى راغب شدند، و نه بسوى آنچه كه مشتاق نمودى بسوى آن شايق گشتند.

روى آوردند بر جيفه دنياى غدّار در حالتى كه مفتضح و رسوا شدند بسبب خوردن آن، و اتفاق و آشتي كردند بر دوستي آن، و هر كه عاشق گشت بچيزى پرده كشيد آن چيز چشم او را، و ناخوش گردانيد قلب او را، پس او نظر مى‏كند با چشم نا صحيح، و مى‏شنود با گوش ناشنوا، در حالتى كه دريده و پاره كرده شهوات دنيويه عقل او را، و كشته دنياى دني قلب او را، و واله و شيفته شده بر دنيا نفس او.

پس آن محبّ دنيا بنده دنيا است و بنده كسيست كه در دستهاى آن چيزيست از متاع دنيا، هر كجا كه گرديد دنيا گرديد آن شخص بسوى آن، و هر كجا كه روى آورد دنيا روى نهاد او بر آن در حالتي كه منزجر نمى‏شود از خدا بزجر كننده و متعظ نمى‏شود از حق تعالى بموعظه نماينده، و حال آنكه مى‏بيند كسانى را كه گرفتار شدند در حالت غفلت و مغروري در مكاني كه نيست هيچ فسخ و اقاله مر ايشان را و نه رجوع و بازگشتي در حق ايشان، چگونه نازلشد بايشان چيزى كه جاهل بودند بآن، و آمد مالشان در مفارقت دنيا چيزى كه خاطر جمع بودند از آن، و آمدند از آخرت بر آنچه كه بودند كه وعده داده مى‏شدند بآن.

پس قابل وصف و تعريف نيست چيزى كه نازلشد به آنها، جمع شد برايشان سختي و شدت مرگ و حسرت و پشيماني وفات، پس سست گشت از جهة سكرات موت اعضاء ايشان، و تغيير يافت از جهة آن رنگهاى ايشان.

بعد از آن افزون شد مرگ در ايشان از حيثيت دخول، پس حايل شد ميان هر يك از ايشان و ميان سخن گفتن او، و بدرستى كه او در ميان اهل خود نگاه ميكند بديده خود و مى‏شنود بگوش خود بر صحت عقل خود و باقي بودن ادراك خود، تفكر مى‏كند كه در چه چيز فاني كرد عمر خود را، و در چه چيز گذرانيد روزگار خود را، و بياد مى‏آورد مالهائى را كه جمع نمود آنها را، و اغماض نمود در مواضع طلب آنها، و أخذ نمود آنها را از جاهائى كه واضح و روشن بود حليّت آن، و از جاهاى شبهه‏ناك آنها بتحقيق كه لازم شد او را گناههاى جمع آورى آنها، و مشرف شد بر مفارقت آنها باقي ماند آنها از براى پس ماندگان او در حالتى كه منعم ميشوند بر آنها، و متمتع مى‏باشند به آنها، پس باشد گوارائى آن اموال از براى غير او، و بار گران و وزر و بال آنها بر پشت او، و حال آنكه آن مرد بسته شده گروهاى او بسبب آن مالها، پس او گزد دندان خود را از روى ندامت و پشيمانى بر آنچه كه ظاهر شد باو در حين مرگ از امر خود، و ترك رغبت ميكند در آنچه كه راغب بود در آن در مدّت عمر خود، و آرزو ميكند اين كه كاشكى آن شخصى كه غبطه مى‏نمود باو بسبب آن اموال و حسد مى‏برد بر او در آنها آن شخص حيازت نمودى و جمع مى‏كردى آنها را نه او.

پس هميشه مرگ ثابت بود مبالغه مى‏كرد در بدن او تا آنكه آميخته شد بقوّه ناطقه او سامعه او، پس گرديد در ميان اهل خود بحيثيتى كه قادر نبود سخن بگويد با زبان خود، و نه بشنود با گوش خود در حالتى كه گرداند چشم خود را بنگاه كردن در رويهاى ايشان، بيند حركتهاى زبانهاى ايشان را، و نمى‏شنود ترديد سخنان و جواب باز دادن ايشان را.

پس از آن زياده مى‏شود مرگ در حيثيّت چسبيدن باو، پس أخذ كند چشم او را همچنان كه قبض نمود گوش او را، و خارج شود روح از تن او، پس گردد جيفه و مردارى در ميان اهل خود در حالتى كه وحشت كنند از جانب او و دورى جويند از نزديكى او، و موافقت نمى‏كند گوينده خود را، و جواب نمى‏تواند بدهد برخواننده خود.

پس از آن بردارند او را بسوى منزل او در زمين پس سپارند او را در آن منزل بعمل خودش و بريده شوند از زيارت كردن او.

شارح فقير كثير التقصير مى‏گويد كه مخفى نماند كفايت اين كلام بلاغت نظام در مقام وعظ و تذكير و انذار و تحذير و هدايت سرگشتگان باديه ضلالت‏

و نجات دادن غرق شدگان درياى غفلت را، و لنعم ما قيل:

دلا يكدم از خواب بيدار شو
ز سر مستى كبر هشيار شو

بعبرت نظر كن سوى رفتگان‏
كه فردا شوى عبرت ديگران‏

بزرگى كه سودى بگردون سرش
نگه كن كه چون خاك شد پيكرش‏

ز دور زمان نگذرد اندكى‏
كه خواهى تو هم بود از ايشان يكى‏

الفصل الثالث

حتّى إذا بلّغ الكتاب أجله، و الأمر مقاديره، و الحق آخر الخلق بأوّله، و جاء من أمر اللّه ما يريده من تجديد خلقه، أماد السّماء و فطرها، و أرجّ الأرض و أرجفها، و قلع جبالها و نسفها، و دكّ بعضها بعضا من هيبة جلاله، و مخوف سطوته، و أخرج من فيها، فجدّدهم بعد إخلاقهم و جمعهم بعد تفريقهم، ثمّ ميّزهم لما يريد من مسائلتهم: عن خفايا الأعمال، و خبايا الأفعال، و جعلهم فريقين: أنعم على هؤلاء، و انتقم من هؤلاء. فأمّا أهل الطّاعة، فأثابهم بجواره، و خلّدهم في داره، حيث لا يظعن النّزّال، و لا يتغيّر لهم الحال، و لا تنوبهم الأفزاع، و لا تنالهم الأسقام، و لا تعرض لهم الأخطار، و لا تشخصهم الأسفار، و أمّا أهل المعصية، فأنزلهم شرّ دار، و غلّ الأيدي إلى الأعناق، و قرن‏ النّواصي بالأقدام، و ألبسهم سرابيل القطران، و مقطّعات النّيران، في عذاب قد اشتدّ حرّه، و باب قد أطبق على أهله، في نار لها كلب و لجب، و لهب ساطع، و قصيف هائل، لا يظعن مقيمها، و لا يفادى أسيرها، و لا تفصم كبولها، لا مدّة للدّار فتفنى، و لا أجل للقوم فيقضى.

اللغة

(الكتاب) بمعنى المكتوب من كتب بمعنى حكم و قضى يقال كتب القاضى بالنّفقة و (ماد) يميد ميدا و ميدانا تحرّك و أماده حرّكه، و في بعض النّسخ أمار، و الموران الحركة (و أرجّ) الأرض زلزلها أرجّت الأرض و أرجّها اللّه يستعمل لازما و متعدّيا و في بعض النسخ و رجّ الأرض بغير همز و هو الأفصح المطابق لقوله تعالى إذا رجّت الأرض رجّا و (الرّجفة) الزّلزلة الشّديدة و (نسفها) قلعها من اصولها.

و قوله (بعد اخلاقهم) في بعض النسخ بفتح الهمزة و في بعضها بالكسر من خلق الثّوب بالضّم اذا بلى فهو خلق بفتحتين و أخلق الثوب بالالف لغة و أخلقته يكون الرّباعي لازما و متعدّيا هكذا في المصباح، و قال الطّريحى: و ثوب اخلاق اذا كانت الخلوق فيه كلّه و (ظعن) ظعنا و ظعنا من باب نفع سار و ارتحل، و يتعدّي بالهمزة و بالحرف يقال أظعنته و ظعنت به و (الاخطار) جمع الخطر محرّكة كأسباب و سبب و هو الاشراف على الهلاك و خوف التّلف.

و (شخص) يشخص من باب منع خرج من موضع إلى غيره و يتعدّى بالهمزة فيقال أشخصته و (السّربال) القميص و (القطران) بفتح القاف و كسر الطاء و بها قرأ السّبعة في قوله تعالى سرابيلهم من قطران، و ربما يكسر القاف و يسكن الطّاءو هو شي‏ء أسود لزج منتن يطلى به الابل.

و (المقطّعات) الثياب التي تقطع و قيل: هى قصار الثياب و (الكلب) محرّكة الشدّة و يقال كلب الدّهر على أهله اذا ألحّ عليهم و اشتدّ و (اللّجب) بالتحريك أيضا الصّوت و (القصيف) الصّوت الشديدة و (تفصم) بالفاء من انفصم و هو كسر الشي‏ء من غير إبانة، و في بعض النسخ بالقاف و هو الكسر مع إبانة و (الكبول) جمع الكبل كفلس و فلوس و هو القيد يقال كبلت الأسير و كبلته إذا قيدته فهو مكبول و مكبل قال الشّاعر:

لم يبق الّا أسير غير منقلب
و موثق في عقال الاسر مكبول‏

الاعراب

قوله: فأما أهل الطّاعة فأثابهم بجواره، أما حرف شرط و تفصيل و توكيد أما أنها شرط فبدليل لزوم الفاء بعدها، و أما أنها تفصيل فلكونها مكرّرة غالبا قال تعالى: و أمّا السّفينة فكانت لمساكين، و أمّا الغلام، و أمّا الجدار، الآيات، و أما أنها مفيدة للتوكيد فقد أفصح عنه الزمخشري حيث قال: فايدة أمّا في الكلام أن تعطيه فضل توكيد، تقول زيد ذاهب فاذا قصدت توكيد ذلك و أنه لا محالة ذاهب و أنّه بصدد الذهاب و أنه منه على عزيمة تقول: أمّا زيد فذاهب، و لذلك قال سيبويه في تفسيره: مهما يكن من شي‏ء فزيد ذاهب، فهذا التفسير مفيد لفائدتين: بيان كونه تأكيدا، و أنه في معنى الشرط.

و قوله: حيث لا يظعن النزال، حيث ظرف مكان بدل من قوله في داره، و هى من الظّروف الواجبة الاضافة الى الجمل و مبنيّة على الضمّ أمّا بناؤها فلأنها مضافة في المعنى إلى المصدر الذي تضمّنته الجملة إذ معنى جلست حيث جلس زيد جلست مكان جلوسه و إن كانت في الظّاهر مضافة إلى الجملة فاضافتها اليها كلا اضافة فشابهت الغايات المحذوف ما اضيفت اليه فلهذا بنيت على الضمّ كالغايات.

قال نجم الأئمة الرّضيّ: و اعلم أنّ الظرف المضاف إلى الجملة لما كان ظرفاللمصدر الذي تضمّنته الجملة على ما قرّرنا لم يجز أن يعود من الجملة اليه ضمير فلا يقال آتيك يوم قدم زيد فيه، لأنّ الرّبط الذي يطلب حصوله من مثل هذا الضمير حصل باضافة الضمير الى الجملة و جعله ظرفا لمضمونها، فيكون كانّك قلت يوم قدوم زيد فيه، أى في اليوم و ذلك غير مستعمل و إنما وجب الرّبط لما لم يكن الظرف مرتبطا بأن كان منوّنا نحو يوما قدم فيه زيد، قال تعالى: يوم تسوّد وجوه و قد يقول العوام: يوم تسودّ فيه الوجوه و نحوه، و هو شاذّ و بذلك ظهر عدم الحاجة الى الضّمير في قوله حيث لا يظعن النزال، فانّ معناه مكان عدم ظعن النزال فافهم ذلك فانّه ينفعك في كثير من المقامات الآتية.

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه عليه السّلام متضمّن لبيان حال العباد في المعاد و كيفيّة محشرهم و منشرهم و بعثهم و جمعهم و إثابة المطيعين منهم و عقاب العاصين و أكثر ما أورده عليه السّلام هنا مطابق لآيات الكتاب الكريم و القرآن الحكيم حسبما تطلع عليه فيما يتلى عليك فأقول: قوله: (حتّى اذا بلغ الكتاب أجله و الأمر مقاديره) أراد بالكتاب ما كتبه اللّه تعالى سبحانه و قضاه في حقّ النّاس من لبثهم في القبور إلى يوم الحشر و النشور و بالأمر«» الامورات المقدّرة الحادثة في العالم السفلي المشار اليها بقوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ.

فالمعنى أنّه إذا بلغ المقضي في حقّ العباد غايته و نهايته في الامورات المقدّرة مقاديرها المعلومة و حدودها المعينة التي اقتضت الحكمة الالهية و التدبير الأزلى بلوغها اليها (و الحق آخر الخلق بأوّله) أى انتزعوا جميعا عن الدّنيا و أحاط بهم الموت و الفنا و اجتمعوا فى القبور بعد سكنى القصور (و جاء من أمر اللّه) و حكمه (ما يريده من‏ تجديد خلقه) أى بعثهم و حشرهم (أما السّماء و فطرها) أى حرّكها و شقّها، و هو اشارة إلى خراب هذا العالم.

و به نطق قوله سبحانه: يوم تمور السّماء مورا، أى تضطرب و تموج و تتحرّك، و في سورة المزمّل: السّماء منفطر به و كان وعده مفعولا، قال الطّبرسيّ: المعنى أنّ السّماء تنفطر و تنشقّ في ذلك اليوم من هو له، و في سورة الانفطار: إذا السّماء انفطرت، قال الطّبرسىّ تشقّقت و تقطّعت، (و أرجّ الأرض و أرجفها) أى حرّكها و زلزلها كما قال تعالى في سورة الواقعة: إذا رجّت الأرض رجّا، قال الطّبرسيّ أى حركت حركة شديدة، و قيل زلزلت زلزالا شديدا، و قيل معناه رجّت بما فيها كما يرجّ الغربال بما فيه فيكون المراد ترجّ باخراج من في بطنها من الموتى، و في سورة النّازعات: يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة، قيل أى تضطرب الأرض اضطرابا شديدا و تحرّك تحرّكا عظيما يعني يوم القيامة تتبعها الرادفة أى اضطرابة اخرى كائنة بعد الاولى في موضع الرّدف من الراكب فلا تزال تضطرب حتى يفنى كلّها.

(و قلع جبالها و نسفها) و هو موافق لقوله تعالى في سورة طه: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى‏ فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً.

قال الطّبرسيّ أى و يسألك منكر و البعث عند ذكر القيامة عن الجبال ما حالها فقل: يا محمّد ينسفها ربّى نسفا، أى يجعلها ربّي بمنزلة الرّمل، ثمّ يرسل عليها الرّياح فيذريها كتذرية الطعام من القشور و التّراب فلا يبقى على وجه الأرض منها شي‏ء و قيل يصيّرها كالهباء، و قيل إنّ رجلا من ثقيف سأل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كيف تكون الجبال يوم القيامة مع عظمها فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ اللّه يسوقها بأن يجعلها كالرّمال ثمّ يرسل عليها الرّياح فتفرّقها، فيذرها، اى فيدع أما كنها من الأرض إذا نسفها، قاعا، أى أرضا ملساء، و قيل منكشفة، صفصفا، أى أرضا مستوية ليس للجبل فيها أثر،لا ترى فيها عوجا و لا أمتا، أى ليس فيها منخفض و لا مرتفع و في سورة الواقعة: وَ بُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا.

أى فتت فتأ أو كسرت كسرا، فكانت غبارا متفرّقا كالذى يرى من شعاع الشّمس اذا دخل من الكوّة و في سورة المزّمل: يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ وَ كانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا.

قال الطّبرسيّ: أى رملا سائلا مستأثرا عن ابن عباس و قيل: المهيل الذى اذا وطأه القدم زلّ من تحتها و إذا اخذت أسفله انهار أعلاه، عن الضحاك، و المعنى أنّ الجبال تنقلع من اصولها فتصير بعد صلابتها كالرّمل السّائل و دلّ بعضها بعضا من هيبة جلاله و مخوف سلطنته، و يشهد به قوله سبحانه في سورة الحاقّة: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ وَ حُمِلَتِ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ.

أى رفعت الأرض و الجبال من اماكنها و ضرب بعضها ببعض حتّى تفتت الجبال و سفتها الرّياح و بقيت الأرض شيئا واحدا لا جبل فيها و لا رابية، بل تكون قطعة مستوية، و قال عليّ بن إبراهيم القمّي في تفسيرها: قد وقعت فدكّ بعضها على بعض، و قال الطّبرسىّ أى كسرتا كسرة واحدة لا تثنى حتى يستوى ما عليها من شي‏ء مثل الأديم الممدود.

(و اخرج من فيها فجدّدهم بعد اخلاقهم) أى بعد كونهم خلقا باليا أو بعد جعله لهم كذلك (و جمعهم بعد تفريقهم) يحتمل أن يكون المراد به جمع اجزائهم بعد تفتتهم و تأليف أعضائهم بعد تمزيقهم و جمع نفوسهم في المحشر بعد تفرّقهم في مشارق الأرض و مغاربها و الثّاني أظهر (ثمّ ميّزهم لما يريد من مسائلتهم عن خفايا الأعمال و خبايا الأفعال) أى أعمالهم الّتي فعلوها في خلواتهم (و جعلهم فريقين أنعم على هؤلاء و انتقم من هؤلاء) كما قال تعالى:

إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ و في سورة الرّعد: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَ ظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ عُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ.

و اليه أشار بقوله (فأمّا أهل الطّاعة) و السّعادة (فأثا بهم بجواره) و قربه (و خلّدهم فيداره) الاضافة للتشريف و التكريم و فيها تشويق و ترغيب الى هذه الدّار لا سيّما و انها دار خلود (حيث لا يظعن النزال) أى لا يرتحل النازلون فيها عنها و لا يجوز عليهم الانتقال (و) دار سلامة و استقامة (لا يتغيّر لهم الحال و) دار أمن و كرامة (لا تنوبهم الأفزاع و) دار صحّة و عافية (لا تنالهم الأسقام و) دار سرور و لذّة (لا تعرض لهم الأخطار و) دار استراحة (لا تشخصهم الأسفار) و في هذه كلّها اشارة إلى سلامة أهل الجنان من الهموم و الأحزان، و آفات الأجساد و الأبدان، و طوارق المحن و البلاء العارضة لأهل الدّنيا، و فيها حسبما اشرنا اليه حثّ و ترغيب اليها و إلى المجاهدة في طلبها.

فتنبّه أيّها المسكين من نوم الغفلة، و استيقظ من رقدة الجهالة، و عليك بالمجاهدة و التّقوى، و نهى النفس عن الهوى لتصل إلى تلك النعمة العظمى و تدرك الجنّة التي عرضها الأرض و السموات العلى، و تفكّر في أهلها و ساكنيها تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ وَ فِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ.

جالسين على منابر الياقوت الأحمر في خيام من اللّؤلؤ الرّطب الأبيض فيها بسط من العبقري الأخضر متّكئين على أرائك منصوبة على أطراف أنهار مطردة بالخمر و العسل محفوفة بالغلمان و الولدان مزيّنة بالحور العين من الخيرات الحسان، كأنّهنّ الياقوت و المرجان لم يطمثهنّ انس قبلهم و لا جانّ، يمشين في درجات الجنان‏ و اذا اختالت احديهنّ في مشيها حمل اعطافها سبعون ألفا من الولدان عليها من طرايف الحرير ما تتحيّر فيه الأبصار مكلّلات بالتّيجان المرصّعة باللّؤلؤ و المرجان مشكلات غنجات عطرات امنات من الهرم و البوس و حوادث الزّمان مقصورات في الخيام في قصور من الياقوت بنيت وسط روضات الجنان قاصرات الطرف عين ثمّ يطاف عليهم و عليهنّ بأكواب و أباريق و كأس من معين بيضاء لذّة للشّاربين، و يطوف عليهم ولدان مخلّدون كأمثال اللّؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون، في مقام أمين في جنّات و نهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، لا يرهقهم قتر و لا ذلّة بل عباد مكرمون لا خوف عليهم و لا هم يحزنون، و من ريب المنون آمنون، خالدون فيها و يأكلون من أطعمتها و يشربون من أنهارها لبنا و خمرا و عسلا مصفّى، و أيّ أنهار أراضيها من فضّة بيضاء و حصبائها مرجان، و يمطرون من سحاب من ماء النسرين على كثبان الكافور و يجلسون على أرض ترابها مسك أذفر، و نباتها زعفران.

فيا عجبا لمن يؤمن بدار هذه صفتها، و يوقن بأنه لا يموت أهلها و لا تحلّ الفجائع بمن نزل بساحتها، و لا تنظر الأحداث بعين التغيير إلى أهلها، كيف يأنس بدار قد أذن اللّه في خرابها، و نودى بالرّحيل قطانها، و اللّه لو لم يكن فيها الّا سلامة الأبدان مع الأمن من البلاء و الموت و ساير الحدثان، لكان جديرا بأن يهجر الدّنيا بسببها، و لا تؤثر عليها مع كون التنغّص و التصرّم من ضروراتها، فانّ نعم الدّنيا زايلة كلّها فانية، و نعم الجنّة دائمة باقية، و أهل الدّنيا كلّهم متنغّصون هالكون، و أهل الجنّة منعّمون آمنون.

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ينادى مناديا أهل الجنة انّ لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدا، و انّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، و انّ لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدا و انّ لكم أن تنعّموا فلا تيأسوا أبدا، فذلك قول اللّه عزّ و جلّ: وَ نُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.

(و أمّا أهل المعصية) و الشّقاوة (فأنزلهم شرّدار) و بئس القرار (و غلّ الأيدى إلى‏ الأعناق) بأغلال و سلاسل من نار قال سبحانه: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَ السَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ و في سورة يس: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ.

قال الطّبرسيّ: يعني أيديهم، كنّى عنها و ان لم يذكرها لأنّ الأعناق و الأغلال تدلّان عليها، و ذلك انّ الغلّ انما يجمع اليد الى الذقن و العنق و لا يجمع الغلّ العنق الى الذقن، و روى عن ابن عباس و ابن مسعود انهما قرءا انّا جعلنا في أيمانهم أغلالا، و قرأ بعضهم في أيديهم، و المعنى في الجميع واحد، لأنّ الغلّ لا يكون في العنق دون اليد و لا في اليد دون العنق، و قوله: فهم مقمحون«»، أراد أنّ أيديهم لما غلّت الى أعناقهم و رفعت الأغلال أذقانهم و رؤوسهم صعدا فهم مرفوع و الرّأس برفع الأغلال ايّاها وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ.

اشارة الى ضيق المكان في النار بحيث لا يجدون متقدّما و لا متأخّرا إذ سدّ عليهم جوانبهم فأغشيناهم بالعذاب فهم لا يبصرون في النار.

(و قرن النّواصي بالأقدام) بالأغلال و الأصفاد كما قال تعالى في سورة الرحمن يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَ الْأَقْدامِ.

قال الطّبرسيّ في تفسير: تأخذهم الزّبانية فتجمع بين نواصيهم و أقدامهم بالغلّ‏ ثمّ يسحبون في النّار و يقذفون فيها (و ألبسهم سرابيل القطران) كما قال عزّ من قائل في سورة إبراهيم: وَ تَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ قال المفسّر و هو ما يطلى به الابل الجربي فيحرق الجرب و الجلد، و هو شي‏ء أسود لزج منتن يطلون به فيصير كالقميص عليهم ثمّ يرسل النار فيهم ليكون أسرع اليهم و أبلغ في الاشتعال و أشدّ في العذاب، و قيل السّربال من قطران تمثيل لما يحيط بجوهر النّفس من المهلكات الرّدية و الهيآت الموحشات المؤلمة (و مقطّعات النّيران) قيل: المقطّعات كلّ ثوب يقطع كالقميص و الجبّة و نحوهما لا ما لا يقطع كالازار و الرّداء، و لعلّ السرّ في كون ثياب أهل النار مقطعات كونها أشدّ في العذاب لاشتمالها على جميع البدن، و في مجمع البيان في تفسير قوله: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ قال ابن عباس: حين صاروا إلى جهنّم لبسوا مقطّعات النيران، و هى الثياب القصار و قيل يجعل لهم ثياب نحاس من نار و هى أشدّ ما تكون حمى، و قيل أنّ النّار تحيط بهم كاحاطة الثياب التي يلبسونها (في عذاب قد اشتدّ حرّه و باب قد اطبق على أهله) لكونهم في العذاب مخلّدين، و في النار محبوسين، و من خروج الباب ممنوعين، فالأبواب عليهم مغلقة، و أسباب الخروج بهم منقطعة قال سبحانه: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ.

قال الحسن: انّ النار ترميهم بلهبها حتّى اذا كانوا في أعلاها ضربوا بمقامع فهو وا فيها سبعين خريفا، فاذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفير لهبها فلا يستقرّون ساعة فذلك قوله: كلّما أرادوا الآية، و أمّا أهل الجنّة فأبوا بها عليهم مفتوحة كما قال تعالى:

وَ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ.

(في نار لها كلب و لجب و لهب ساطع) أى لها شدّة و صوت و اشتعال مرتفع (و قصيف هائل) أى صوت شديد مخوف (لا يظعن مقيمها) بل كلّما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها و قيل لهم ذوقوا عذاب النّار الذي كنتم به تكذّبون (و لا ينادى أسيرها) أى لا يؤخذ عنه الفدية فيخلص كأسراء الدّنيا (و لا تفصهم كبولها) و قيودها بل هى و ثيقة محكمة (لا مدّة للدّار فتفنى و لا أجل للقوم فيقضى) بل عذابها أبدىّ سرمديّ.

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يؤتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيذبح بين الجنّة و النّار، و يقال: يا أهل الجنّة خلود بلا موت، و يا أهل النّار خلود بلا موت.

فيا أيّها الغافل عن نفسه المغرور بما هو فيه من شواغل هذه الدّنيا المؤذنة بالزّوال و الانقضاء، دع التّفكر فيما أنت مرتحل عنه و اصرف الفكر الى موردك و مصيرك و قد اخبرت بأنّ النار مورد للجميع اذ قيل: وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى‏ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا.

فانت من الورود على يقين و من النّجاة في شكّ، فاستشعر في قلبك هول ذلك المورد فعساك تستعدّ للنجاة منه، و تأمّل في حال الخلايق و قد قاسوا من دواهى القيامة ما قاسوا، فبينما هم في كربها و أهوالها وقوفا ينتظرون حقيقة أنبائها، اذ أحاطت بالمجرمين ظلمات ذات شعب و أظلّت عليهم نار ذات لهب، و سمعوا لها زفيرا و جرجرة تفصح عن شدّة الغيظ و الغضب، فعند ذلك أيقن المجرمون بالهلاك و العطب، و جثت الامم على الركب، حتى اشفق البرآء من سوء المنقلب، و خرج المنادى من الزّبانية قائلا أين فلان بن فلان المسوّف نفسه في الدّنيا بطول الأمل‏ المضيّع عمره في سوء العمل، فيبادرونه بمقامع من حديد، و يستقبلونه بعظائم التّهديد و يسوقونه الى العذاب الشّديد، و ينكسونه في قعر الجحيم، و يقولون له: ذق إنّك أنت العزيز الكريم.

فاسكنوا دارا ضيقة الأرجاء، مظلمة المسالك، مبهمة المهالك يخلد فيها الأسير، و يوقد فيها السعير، شرابهم فيها الحميم، و مستقرّهم الجحيم، الزّبانية تقمعهم، و الهاوية تجمعهم، أمانيهم فيها الهلاك، و مآلهم منها فكاك، قد شدّت أقدامهم إلى النواصي، و اسودّت وجوههم من ظلمة المعاصى.

ينادون من أكنافها، و يصيحون في أطرافها، يا مالك قد حقّ علينا الوعيد يا مالك قد أثقلنا الحديد، يا مالك قد نضجت منا الجلود، يا مالك اخرجنا منها فانّا لا نعود، فتقول الرّبانية لات حين أمان، لا خروج لكم من دار الهوان، فاخسئوا فيها و لا تكلّمون، و لو اخرجتم لكنتم الى ما نهيتم عنه تعودون، فعند ذلك يقنطون و على ما فرّطوا في جنب اللّه يتأسّفون، و لا يغنيهم الأسف و لا ينجيهم الندّم، اذ زلّت بهم القدم، بل يكبّون على وجوههم مغلولين، النار من فوقهم، و النّار من تحتهم، و النار عن أيمانهم، و النّار عن شمائلهم. فهم غرقى في النّار، طعامهم و شرابهم نار، و لباسهم نار، و مهادهم نار.

فهم بين مقطعات النّيران، و سرابيل القطران، و ضرب المقامع، و ثقل السّلاسل، و هم يتجلجلون في مضايقها، و يتحطّمون في دركاتها، و يضطربون بين غواشيها، تغلي بهم النّار كغلى القدور، و يهتفون بالويل و العويل و الثبور، و مهما دعوا بذلك صبّ من فوق رؤوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم و الجلود، و لهم مقامع من حديد، تهشم بها جباههم، فيتفجّر الصّديد من أفواههم، و تنقطع من العطش اكبادهم، و تسيل على الخدود أحداقهم و يسقط من الوجنات لحومها، و يتمعّط«» من الأطراف جلودها، و كلّما نضجت جلودهم بدّلوا جلودا غيرها قد عريت من اللّحم عظامهم، فبقيت الأرواح منوطة بالعروق و علايق العصب، و هى تنش في نفخ تلك النيران و هم مع ذلك يتمنّون الموت فلا يموتون.

فكيف بك لو نظرت اليهم و قد اسودّت و جوههم أشدّ سوادا من الحميم، و اعميت ابصارهم، و ابكمت ألسنتهم، و قصمت ظهورهم، و كسرت عظامهم. و جدعت آذانهم، و مزّقت جلودهم، و غلّت أيديهم إلى أعناقهم، و جمع بين نواصيهم و أقدامهم و هم يمشون على النار بوجوههم و يطؤن حسك الحديد بأحداقهم، فلهيب النار سار في بواطن أجزائهم، و حيّات الهاوية و عقاربها متشبّثة بظواهر أعضائهم.

قال أبو الدّردا: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يلقى على أهل النّار الجوع حتّى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن و لا يغنى من جوع، و يستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذى غصّة فيذكرون انّهم كانوا يجيزون «يجرعون» الغصص في الدّنيا فيستغيثون بشراب فيرفع اليهم الحميم بكلاليب الحديد فاذ ادنت من وجوههم شوت وجوههم، فاذا دخل الشراب بطونهم قطع ما في بطونهم فيقولون: ادعوا اخزنة جهنم، قال: فيدعون فيقولون: ادعوا ربّكم يخفّف عنّا يوما من العذاب، و يقولون أولم تك تأتيكم رسلكم بالبيّنات قالوا بلى قالوا فادعوا و ما دعاء الكافرين إلّا في ضلال، قال فيقولون ادعوا مالكا، فيدعون، فيقولون: يا مالك ليقض علينا ربّك، قال فيجيبهم إنّكم ما كثون.

قال الاعمش انبئت أنّ بين دعائهم و بين اجابة مالك إيّاهم ألف عام قال: فيقولون: ادعوا ربّكم، فلا أحد خير من ربّكم فيقولون: رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَ كُنَّا قَوْماً ضالِّينَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ.

قال: فيجيبهم: اخسئوا فيها و لا تكلّمون، قال: فعند ذلك يئسوا من كلّ خير، و عند ذلك اخذوا في الزّفير و الحسرة و الويل.

و عن زيد بن أسلم في قوله تعالى:سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ.

قال صبروا مأئة سنة ثمّ جزعوا مأئة سنة ثمّ صبروا مأئة سنة ثمّ قالوا سواء علينا أجزعنا أم صبرنا.

و قال محمّد بن كعب: لأهل النار خمس دعوات يجيبهم اللّه عزّ و جلّ في أربعة فاذا كانت الخامسة لم يتكلّموا بعدها أبدا يقولون: رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى‏ خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ فيقول اللّه تعالى مجيبا لهم: ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَ إِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ثمَّ يقولون: رَبَّنا أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً فيجيبهم اللّه تعالى: أَ وَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ فيقولون: رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ فيجيبهم اللّه تعالى: أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَ جاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ثمّ يقولون: رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَ كُنَّا قَوْماً ضالِّينَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ فيجيبهم اللّه تعالى قالَ اخْسَؤُا فِيها وَ لا.

فلا يتكلّمون بعدها أبدا، و ذلك غاية شدّة العذاب، و هذه بعض أحوال أهل النّار اجمالا، و أمّا تفصيل غمومها و أحزانها و محنها و حسراتها فلا نهاية لها، فالعجب‏ كلّ العجب لي و لأمثالي نضحك و نلهو و نشتغل بمحقرات الدّنيا و قيناتها، و لا ندرى أنحن من أهل الجنّة و فيها منعّمون، أم من أهل النّار و فيها معذّبون، و كيف لنا بالجنّة مع شرور أنفسنا و غرورها، و لا رجاء بل لا طمع إلّا برحمة الغفّار و شفاعة الشّفعاء الأطهار نعوذ باللّه من النّار و من غضب الجبّار.

الترجمة

تا اين كه زمانى كه برسد مكتوب در حقّ بندگان بنهاية خود، و امورات مقدّره بغاية خود، و لا حق گردانيده شود آخر مردمان بأوّل ايشان، و بيايد از فرمان خداى متعال آنچه اراده كرده باشد آنرا از تازه كردن خلق خود، بحركت بياورد آسمان را، و بشكافد آنرا، و حركت دهد زمين را، و بجنباند آنرا، و برك