نامه 79 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

79 و من كتاب كتبه ع لما استخلف إلى أمراء الأجناد

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ-  أَنَّهُمْ مَنَعُوا النَّاسَ الْحَقَّ فَاشْتَرَوْهُ-  وَ أَخَذُوهُمْ بِالْبَاطِلِ فَاقْتَدَوْهُ أي منعوا الناس الحق-  فاشترى الناس الحق منهم بالرشى و الأموال-  أي لم يضعوا الأمور مواضعها-  و لا ولوا الولايات مستحقيها-  و كانت أمورهم الدينية و الدنياوية تجري على وفق الهوى-  و الغرض الفاسد-  فاشترى الناس منهم الميراث و الحقوق-  كما تشترى السلع بالمال- .

ثم قال و أخذوهم بالباطل فاقتدوه-  أي حملوهم على الباطل فجاء الخلف من بعد السلف-  فاقتدوا بآبائهم و أسلافهم في ارتكاب ذلك الباطل-  ظنا أنه حق لما قد ألفوه و نشئوا و ربوا عليه- . و روي فاستروه بالسين المهملة أي اختاروه-  يقال استريت خيار المال أي اخترته-  و يكون الضمير عائدا إلى الظلمة لا إلى الناس-  أي منعوا الناس حقهم من المال-  و اختاروه لأنفسهم و استأثروا به

 

باب الحكم و المواعظ

 

باب المختار من حكم أمير المؤمنين و مواعظه و يدخل في ذلك المختار من أجوبة مسائله و الكلام القصير الخارج من سائر أغراضه اعلم أن هذا الباب من كتابنا كالروح من البدن-  و السواد من العين-  و هو الدرة المكنونة التي سائر الكتاب صدفها-  و ربما وقع فيه تكرار لبعض ما تقدم يسير جدا-  و سبب ذلك طول الكتاب و بعد أطرافه عن الذهن-  و إذا كان الرضي رحمه الله قدسها-  فكرر في مواضع كثيرة في نهج البلاغة على اختصاره-  كنا نحن في تكرار يسير في كتابنا الطويل أعذر

 

 شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 18

نامه 78 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

78 و من كتاب له ع أجاب به أبا موسى الأشعري

 عن كتاب كتبه إليه-  من المكان الذي اتعدوا فيه للحكومة-  و ذكر هذا الكتاب سعيد بن يحيى الأموي في كتاب المغازي: فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ حَظِّهِمْ-  فَمَالُوا مَعَ الدُّنْيَا وَ نَطَقُوا بِالْهَوَى-  وَ إِنِّي نَزَلْتُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَنْزِلًا مُعْجِباً-  اجْتَمَعَ بِهِ أَقْوَامٌ أَعْجَبَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ-  وَ أَنَا أُدَاوِي مِنْهُمْ قَرْحاً أَخَافُ أَنْ يَعُودَ عَلَقاً يَعُودُ-  وَ لَيْسَ رَجُلٌ فَاعْلَمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى جَمَاعَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ص-  وَ أُلْفَتِهَا مِنِّي-  أَبْتَغِي بِذَلِكَ حُسْنَ الثَّوَابِ وَ كَرَمَ الْمَآبِ-  وَ سَأَفِي بِالَّذِي وَأَيْتُ عَلَى نَفْسِي-  وَ إِنْ تَغَيَّرْتَ عَنْ صَالِحِ مَا فَارَقْتَنِي عَلَيْهِ-  فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ نَفْعَ مَا أُوتِيَ مِنَ الْعَقْلِ وَ التَّجْرِبَةِ-  وَ إِنِّي لَأَعْبَدُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ بِبَاطِلٍ-  وَ أَنْ أُفْسِدَ أَمْراً قَدْ أَصْلَحَهُ اللَّهُ-  فَدَعْ عَنْكَ مَا لَا تَعْرِفُ-  فَإِنَّ شِرَارَ النَّاسِ طَائِرُونَ إِلَيْكَ بِأَقَاوِيلِ السُّوءِ-  وَ السَّلَامُ روي و نطقوا مع الهوى-  أي مائلين مع الهوى- . و روي و أنا أداري بالراء-  من المداراة و هي الملاينة و المساهلة- .

 

و روي نفع ما أولى باللام يقول أوليته معروفا- . و روي-  إن قال قائل بباطل و يفسد أمرا قد أصلحه الله- . و اعلم أن هذا الكتاب كتاب من شك في أبي موسى-  و استوحش منه-  و من قد نقل عنه إلى أبي موسى كلاما إما صدقا و إما كذبا-  و قد نقل عن أبي موسى إليه كلاما إما صدقا أيضا و إما كذبا-  قال ع-  إن الناس قد تغير كثير منهم عن حظهم من الآخرة-  فمالوا مع الدنيا-  و إني نزلت من هذا الأمر منزلا معجبا-  بكسر الجيم أي يعجب من رآه-  أي يجعله متعجبا منه- .

و هذا الكلام شكوى من أصحابه و نصاره من أهل العراق-  فإنهم كان اختلافهم عليه و اضطرابهم شديدا جدا-  و المنزل و النزول هاهنا مجاز و استعارة-  و المعنى أني حصلت في هذا الأمر-  الذي حصلت فيه على حال معجبة لمن تأملها-  لأني حصلت بين قوم كل واحد منهم مستبد برأي-  يخالف فيه رأي صاحبه-  فلا تنتظم لهم كلمة و لا يستوثق لهم أمر-  و إن حكمت عليهم برأي أراه أنا خالفوه و عصوه-  و من لا يطاع فلا رأي له-  و أنا معهم كالطبيب الذي يداوي قرحا-  أي جراحة قد قاربت الاندمال و لم تندمل بعد-  فهو يخاف أن يعود علقا أي دما- .

ثم قال له-  ليس أحد فاعلم-  أحرص على ألفة الأمة و ضم نشر المسلمين- . و أدخل قوله فاعلم بين اسم ليس و خبرها فصاحة-  و يجوز رفع أحرص بجعله صفة لاسم ليس-  و يكون الخبر محذوفا أي ليس في الوجود رجل- . و تقول قد وأيت وأيا أي وعدت وعدا-  قال له أما أنا فسوف أفي بما وعدت-  و ما استقر بيني و بينك-  و إن كنت أنت قد تغيرت عن صالح ما فارقتني عليه- .

فإن قلت فهل يجوز أن يكون قوله-  و إن تغيرت من جملة قوله فيما بعد-  فإن الشقي-  كما تقول إن خالفتني فإن الشقي من يخالف الحق- . قلت نعم و الأول أحسن-  لأنه أدخل في مدح أمير المؤمنين ع-  كأنه يقول أنا أفي و إن كنت لا تفي-  و الإيجاب يحسنه السلب الواقع في مقابلته- و الضد يظهر حسنه الضد- .

ثم قال و إني لأعبد أي آنف-  من عبد بالكسر أي أنف-  و فسروا قوله فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ بذلك-  يقول إني لآنف من أن يقول غيري قولا باطلا-  فكيف لا آنف أنا من ذلك لنفسي-  ثم تختلف الروايات في اللفظة بعدها كما ذكرنا- . ثم قال فدع عنك ما لا تعرف-  أي لا تبن أمرك إلا على اليقين و العلم القطعي-  و لا تصغ إلى أقوال الوشاة و نقلة الحديث-  فإن الكذب يخالط أقوالهم كثيرا-  فلا تصدق ما عساه يبلغك عني شرار الناس-  فإنهم سراع إلى أقاويل السوء-  و لقد أحسن القائل فيهم- 

 أن يسمعوا الخير يخفوه و إن سمعوا
شرا أذاعوا و إن لم يسمعوا كذبوا

و نحو قول الآخر-

إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا
و إن ذكرت بخير عندهم دفنوا

  شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 18

نامه 77 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

77 و من وصية له ع لعبد الله بن العباس أيضا-  لما بعثه للاحتجاج على الخوارج

لَا تُخَاصِمْهُمْ بِالْقُرْآنِ-  فَإِنَّ الْقُرْآنَ حَمَّالٌ ذُو وُجُوهٍ-  تَقُولُ وَ يَقُولُونَ… وَ لَكِنْ حَاجِجْهُمْ بِالسُّنَّةِ-  فَإِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَنْهَا مَحِيصاً هذا الكلام لا نظير له في شرفه و علو معناه-  و ذلك أن القرآن كثير الاشتباه-  فيه مواضع يظن في الظاهر أنها متناقضة متنافية-  نحو قوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ-  و قوله إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ-  و نحو قوله وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا-  فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ-  و قوله وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ-  فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى‏ عَلَى الْهُدى‏-  و نحو ذلك و هو كثير جدا-  و أما السنة فليست كذلك-  و ذلك لأن الصحابة كانت تسأل رسول الله ص-  و تستوضح منه الأحكام في الوقائع-  و ما عساه يشتبه عليهم من كلامهم يراجعونه فيه-  و لم يكونوا يراجعونه في القرآن إلا فيما قل-  بل كانوا يأخذونه منه تلقفا-  و أكثرهم لا يفهم معناه‏لا لأنه غير مفهوم-  بل لأنهم ما كانوا يتعاطون فهمه-  إما إجلالا له أو لرسول الله أن يسألوه عنه-  أو يجرونه مجرى الأسماء الشريفة-  التي إنما يراد منها بركتها لا الإحاطة بمعناها-  فلذلك كثر الاختلاف في القرآن-  و أيضا فإن ناسخه و منسوخه-  أكثر من ناسخ السنة و منسوخها-  و قد كان في الصحابة من يسأل الرسول-  عن كلمة في القرآن يفسرها له تفسيرا موجزا-  فلا يحصل له كل الفهم-  لما أنزلت آية الكلالة و قال في آخرها-  يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا- 

سأله عمر عن الكلالة ما هو-  فقال له يكفيك آية الصيف-  لم يزد على ذلك فلم يراجعه عمر و انصرف عنه-  فلم يفهم مراده و بقي عمر على ذلك إلى أن مات-  و كان يقول بعد ذلك اللهم مهما بينت-  فإن عمر لم يتبين-  يشير إلى قوله يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا-  و كانوا في السنة و مخاطبة الرسول على خلاف هذه القاعدة-  فلذلك أوصاه علي ع أن يحاجهم بالسنة لا بالقرآن- .

فإن قلت فهل حاجهم بوصيته- . قلت لا بل حاجهم بالقرآن-  مثل قوله فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها-  و مثل قوله في صيد المحرم-  يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ-  و لذلك لم يرجعوا و التحمت الحرب-  و إنما رجع باحتجاجه نفر منهم- . فإن قلت-  فما هي السنة التي أمره أن يحاجهم بها- . قلت كان لأمير المؤمنين ع في ذلك غرض صحيح-  و إليه أشار و حوله كان يطوف و يحوم-  و ذلك أنه أراد أن يقول لهم- 

 قال رسول الله ص علي مع الحق و الحق مع علي يدور معه حيثما دارو قوله اللهم وال من والاه و عاد من عاداه-  و انصر من نصره و اخذل من خذله-  و نحو ذلك من الأخبار-  التي‏كانت الصحابة قد سمعتها من فلق فيه ص-  و قد بقي ممن سمعها جماعة تقوم الحجة و تثبت بنقلهم-  و لو احتج بها على الخوارج-  أنه لا يحل مخالفته و العدول عنه بحال-  لحصل من ذلك غرض أمير المؤمنين في محاجتهم-  و أغراض أخرى أرفع و أعلى منهم-  فلم يقع الأمر بموجب ما أراد-  و قضي عليهم بالحرب حتى أكلتهم عن آخرهم-  و كان أمر الله مفعولا

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 18

نامه 76 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

76 و من وصية له ع لعبد الله بن العباس-  عند استخلافه إياه على البصرة

سَعِ النَّاسَ بِوَجْهِكَ وَ مَجْلِسِكَ وَ حُكْمِكَ-  وَ إِيَّاكَ وَ الْغَضَبَ فَإِنَّهُ طَيْرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ-  وَ اعْلَمْ أَنَّ مَا قَرَّبَكَ مِنَ اللَّهِ يُبَاعِدُكَ مِنَ النَّارِ-  وَ مَا بَاعَدَكَ مِنَ اللَّهِ يُقَرِّبُكَ مِنَ النَّارِ روي و حلمك-  و القرب من الله هو القرب من ثوابه-  و لا شبهة أن ما قرب من الثواب باعد من العقاب-  و بالعكس لتنافيهما- . فأما وصيته له أن يسع الناس بوجهه و مجلسه و حكمه-  فقد تقدم شرح مثله-  و كذلك القول في الغضب- . و طيرة من الشيطان بفتح الطاء و سكون الياء-  أي خفة و طيش-  قال الكميت

  و حلمك عز إذا ما حلمت
و طيرتك الصاب و الحنظل‏

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 18

نامه 75 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

75 و من كتاب له ع إلى معاوية من المدينة-  في أول ما بويع له بالخلافة

ذكره الواقدي في كتاب الجمل: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ-  إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ-  أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ عَلِمْتَ إِعْذَارِي فِيكُمْ-  وَ إِعْرَاضِي عَنْكُمْ-  حَتَّى كَانَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَ لَا دَفْعَ لَهُ-  وَ الْحَدِيثُ طَوِيلٌ وَ الْكَلَامُ كَثِيرٌ-  وَ قَدْ أَدْبَرَ مَا أَدْبَرَ-  وَ أَقْبَلَ مَا أَقْبَلَ-  فَبَايِعْ مَنْ قِبَلَكَ-  وَ أَقْبِلْ إِلَيَّ فِي وَفْدٍ مِنْ أَصْحَابِكَ وَ السَّلَامُ كتابه إلى معاوية و مخاطبته لبني أمية جميعا-  قال و قد علمت إعذاري فيكم-  أي كوني ذا عذر لو لمتكم أو ذممتكم-  يعني في أيام عثمان- .

ثم قال و إعراضي عنكم-  أي مع كوني ذا عذر لو فعلت ذلك فلم أفعله-  بل أعرضت عن إساءتكم إلي و ضربت عنكم صفحا-  حتى كان ما لا بد منه-  يعني قتل عثمان و ما جرى من الرجبة بالمدينة- . ثم قاطعه الكلام مقاطعة و قال له-  و الحديث طويل و الكلام كثير-  و قد أدبر ذلك الزمان و أقبل زمان آخر-  فبايع و أقدم فلم يبايع و لا قدم-  و كيف يبايع‏و عينه طامحة إلى الملك و الرئاسة-  منذ أمره عمر على الشام و كان عالي الهمة-  تواقا إلى معالي الأمور-  و كيف يطيع عليا و المحرضون له على حربه عدد الحصى-  و لو لم يكن إلا الوليد بن عقبة لكفى-  و كيف يسمع قوله- 

   فو الله ما هند بأمك إن مضى النهار
و لم يثأر بعثمان ثائر

أ يقتل عبد القوم سيد أهله‏
و لم تقتلوه ليت أمك عاقر

و من عجب أن بت بالشام وادعا
قريرا و قد دارت عليه الدوائر

 و يطيع عليا و يبايع له-  و يقدم عليه و يسلم نفسه إليه-  و هو نازل بالشام في وسط قحطان و دونه منهم حرة لا ترام-  و هم أطوع له من نعله-  و الأمر قد أمكنه الشروع فيه-  و تالله لو سمع هذا التحريض-  أجبن الناس و أضعفهم نفسا و أنقصهم همة-  لحركه و شحذ من عزمه-  فكيف معاوية-  و قد أيقظ الوليد بشعره من لا ينام

 شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 18

نامه 74 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

74 و من حلف له ع كتبه بين ربيعة و اليمن

–  و نقل من خط هشام بن الكلبي: هَذَا مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْيَمَنِ-  حَاضِرُهَا وَ بَادِيهَا-  وَ رَبِيعَةُ حَاضِرُهَا وَ بَادِيهَا-  أَنَّهُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ يَدْعُونَ إِلَيْهِ-  وَ يَأْمُرُونَ بِهِ وَ يُجِيبُونَ مَنْ دَعَا إِلَيْهِ وَ أَمَرَ بِهِ-  لَا يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا-  وَ لَا يَرْضَوْنَ بِهِ بَدَلًا-  وَ أَنَّهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ وَ تَرَكَهُ-  وَ أَنَّهُمْ أَنْصَارٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ-  دَعْوَتُهُمْ وَاحِدَةٌ-  لَا يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ لِمَعْتَبَةِ عَاتِبٍ-  وَ لَا لِغَضَبِ غَاضِبٍ-  وَ لَا لِاسْتِذْلَالِ قَوْمٍ قَوْماً-  وَ لَا لِمَسَبَّةِ قَوْمٍ قَوْماً-  عَلَى ذَلِكَ شَاهِدُهُمْ وَ غَائِبُهُمْ-  وَ سَفِيهُهُمْ وَ عَالِمُهُمْ وَ حَلِيمُهُمْ وَ جَاهِلُهُمْ-  ثُمَّ إِنَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَهْدَ اللَّهِ وَ مِيثَاقَهُ-  إِنَّ عَهْدَ اللَّهِ كَانَ مَسْئُولًا-  وَ كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الحلف العهد أي و من كتاب حلف فحذف المضاف-  و اليمن كل من ولده قحطان نحو حمير و عك-  و جذام و كندة و الأزد و غيرهم- . و ربيعة هو ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان-  و هم بكر و تغلب و عبد القيس- . و هشام هو هشام بن محمد بن السائب الكلبي-  نسابة ابن نسابة عالم بأيام العرب و أخبارها-  و أبوه أعلم منه و هو يروى عن أبيه- .

 

و الحاضر ساكنو الحضر-  و البادي ساكنو البادية-  و اللفظ لفظ المفرد و المعنى الجمع- . قوله إنهم على كتاب الله-  حرف الجر يتعلق بمحذوف أي مجتمعون- . قوله لا يشترون به ثمنا قليلا-  أي لا يتعوضون عنه بالثمن فسمى التعوض اشتراء-  و الأصل هو أن يشترى الشي‏ء بالثمن لا الثمن بالشي‏ء-  لكنه من باب اتساع العرب-  و هو من ألفاظ القرآن العزيز- .

و إنهم يد واحدة أي لا خلف بينهم- . قوله لمعتبة عاتب-  أي لا يؤثر في هذا العهد و الحلف-  و لا ينقضه أن يعتب أحد منهم على بعضهم-  لأنه استجداه فلم يجده-  أو طلب منه أمرا فلم يقم به-  و لا لأن أحدا منهم غضب من أمر صدر من صاحبه-  و لا لأن عزيزا منهم استذل ذليلا منهم-  و لا لأن إنسانا منهم سب أو هجا بعضهم-  فإن أمثال هذه الأمور يتعذر ارتفاعها بين الناس-  و لو كانت تنقض الحلف لما كان حلف أصلا- .

و اعلم أنه قد ورد في الحديث عن النبي ص كل حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة-  و لا حلف في الإسلام-  لكن فعل أمير المؤمنين ع أولى بالاتباع من خبر الواحد-  و قد تحالفت العرب في الإسلام مرارا-  و من أراد الوقوف على ذلك-  فليطلبه من كتب التواريخ

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 18

نامه 73 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

73 و من كتاب له ع إلى معاوية

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي عَلَى التَّرَدُّدِ فِي جَوَابِكَ-  وَ الِاسْتِمَاعِ إِلَى كِتَابِكَ-  لَمُوَهِّنٌ رَأْيِي وَ مُخَطِّئٌ فِرَاسَتِي-  وَ إِنَّكَ إِذْ تُحَاوِلُنِي الْأُمُورَ-  وَ تُرَاجِعُنِي السُّطُورَ-  كَالْمُسْتَثْقِلِ النَّائِمِ تَكْذِبُهُ أَحْلَامُهُ-  وَ الْمُتَحَيِّرِ الْقَائِمِ يَبْهَظُهُ مَقَامُهُ-  لَا يَدْرِي أَ لَهُ مَا يَأْتِي أَمْ عَلَيْهِ-  وَ لَسْتَ بِهِ غَيْرَ أَنَّهُ بِكَ شَبِيهٌ-  وَ أُقْسِمُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَوْ لَا بَعْضُ الِاسْتِبْقَاءِ-  لَوَصَلَتْ مِنِّي إِلَيْكَ قَوَارِعُ تَقْرَعُ الْعَظْمَ-  وَ تَنْهَسُ اللَّحْمَ-  وَ اعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ ثَبَّطَكَ-  عَنْ أَنْ تُرَاجِعَ أَحْسَنَ أُمُورِكَ-  وَ تَأْذَنَ لِمَقَالِ نَصِيحِكَ وَ السَّلَامُ لِأَهْلِهِ روي نوازع جمع نازعة أي جاذبة قالعة-  و روي تهلس اللحم و تلهس بتقديم اللام-  و تهلس بكسر اللام-  تذيبه حتى يصير كبدن به الهلاس و هو السل-  و أما تلهس فهو بمعنى تلحس أبدلت الحاء هاء-  و هو عن لحست كذا بلساني بالكسر-  ألحسه أي تأتي على اللحم حتى تلحسه لحسا-  لأن الشي‏ء إنما يلحس إذا ذهب و بقي أثره-  و أما ينهس و هي الرواية المشهورة فمعناه يعترق- .

 

و تأذن بفتح الذال أي تسمع- . قوله ع إني لموهن رأيي بالتشديد-  أي إني لائم نفسي-  و مستضعف رأيي في أن جعلتك نظيرا-  أكتب و تجيبني و تكتب و أجيبك-  و إنما كان ينبغي أن يكون جواب مثلك السكوت لهوانك- . فإن قلت فما معنى قوله على التردد- . قلت ليس معناه التوقف-  بل معناه الترداد و التكرار-  أي أنا لائم نفسي-  على أني أكرر تارة بعد تارة أجوبتك عما تكتبه ثم قال-  و إنك في مناظرتي و مقاومتي بالأمور التي تحاولها-  و الكتب التي تكتبها كالنائم يرى أحلاما كاذبة-  أو كمن قام مقاما بين يدي سلطان-  أو بين قوم عقلاء ليعتذر عن أمر-  أو ليخطب بأمر في نفسه-  قد بهظه مقامه ذلك-  أي أثقله فهو لا يدري هل ينطق بكلام هو له أم عليه-  فيتحير و يتبلد و يدركه العمى و الحصر- .

قال و إن كنت لست بذلك الرجل فإنك شبيه به-  أما تشبيهه بالنائم ثم ذي الأحلام-  فإن معاوية لو رأى في المنام في حياة رسول الله ص أنه خليفة-  يخاطب بإمرة المؤمنين و يحارب عليا على الخلافة-  و يقوم في المسلمين مقام رسول الله ص-  لما طلب لذلك المنام تأويلا و لا تعبيرا-  و لعده من وساوس الخيال و أضغاث الأحلام-  و كيف و أنى له أن يخطر هذا بباله-  و هو أبعد الخلق منه-  و هذا كما يخطر للنفاط أن يكون ملكا-  و لا تنظرن إلى نسبه في المناقب-  بل انظر إلى أن‏الإمامة هي نبوة مختصره-  و أن الطليق المعدود من المؤلفة قلوبهم-  المكذب بقلبه و أن أقر بلسانه-  الناقص المنزلة عند المسلمين-  القاعد في أخريات الصف- 

إذا دخل إلى مجلس فيه أهل السوابق من المهاجرين-  كيف يخطر ببال أحد أنها تصير فيه-  و يملكها و يسمه الناس وسمها-  و يكون للمؤمنين أميرا-  و يصير هو الحاكم في رقاب أولئك العظماء-  من أهل الدين و الفضل-  و هذا أعجب من العجب-  أن يجاهد النبي ص قوما بسيفه و لسانه ثلاثا و عشرين سنة-  و يلعنهم و يبعدهم عنه-  و ينزل القرآن بذمهم و لعنهم و البراءة منهم-  فلما تمهدت له الدولة-  و غلب الدين على الدنيا-  و صارت شريعة دينية محكمة-  مات فشيد دينه الصالحون من أصحابه-  و أوسعوا رقعة ملته-  و عظم قدرها في النفوس-  فتسلمها منهم أولئك الأعداء-  الذين جاهدهم النبي ص فملكوها و حكموا فيها-  و قتلوا الصلحاء و الأبرار-  و أقارب نبيهم الذين يظهرون طاعته-  و آلت تلك الحركة الأولى و ذلك الاجتهاد السابق-  إلى أن كان ثمرته لهم-  فليته كان يبعث فيرى معاوية الطليق و ابنه-  و مروان و ابنه خلفاء في مقامه يحكمون على المسلمين-  فوضح أن معاوية فيما يراجعه و يكاتبه به-  كصاحب الأحلام- .

و أما تشبيهه إياه بالقائم مقاما قد بهظه-  فلأن الحجج و الشبه و المعاذير-  التي يذكرها معاوية في كتبه أوهن من نسج العنكبوت-  فهو حال ما يكتب كالقائم ذلك المقام-  يخبط خبط العشواء-  و يكتب ما يعلم هو و العقلاء من الناس أنه سفه و باطل- . فإن قلت فما معنى قوله ع-  لو لا بعض الاستبقاء-  و هل كانت الحال تقتضي أن يستبقي-  و ما تلك القوارع التي أشار إليها- .

 

قلت قد قيل-  إن النبي ص فوض إليه أمر نسائه بعد موته-  و جعل إليه أن يقطع عصمة أيتهن شاء إذا رأى ذلك-  و له من الصحابة جماعة يشهدون له بذلك-  فقد كان قادرا على أن يقطع عصمة أم حبيبة-  و يبيح نكاحها الرجال عقوبة لها و لمعاوية أخيها-  فإنها كانت تبغض عليا كما يبغضه أخوها-  و لو فعل ذلك لانتهس لحمه-  و هذا قول الإمامية-  و قد رووا عن رجالهم أنه ع تهدد عائشة بضرب من ذلك-  و أما نحن فلا نصدق هذا الخبر-  و نفسر كلامه على معنى آخر-  و هو أنه قد كان معه من الصحابة قوم كثيرون-  سمعوا من رسول الله ص يلعن معاوية بعد إسلامه-  و يقول إنه منافق كافر و إنه من أهل النار-  و الأخبار في ذلك مشهورة-  فلو شاء أن يحمل إلى أهل الشام-  خطوطهم و شهاداتهم بذلك-  و يسمعهم قولهم ملافظة و مشافهة لفعل-  و لكنه رأى العدول عن ذلك-  مصلحة لأمر يعلمه هو ع-  و لو فعل ذلك لانتهس لحمه و إنما أبقى عليه- . و قلت لأبي زيد البصري لم أبقى عليه-  فقال و الله ما أبقى عليه مراعاة له و لا رفقا به-  و لكنه خاف أن يفعل كفعله-  فيقول لعمرو بن العاص و حبيب بن مسلمة-  و بسر بن أبي أرطاة و أبي الأعور و أمثالهم-  ارووا أنتم عن النبي ص-  أن عليا ع منافق من أهل النار-  ثم يحمل ذلك إلى أهل العراق-  فلهذا السبب أبقى عليه

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 18

نامه 72 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

72 و من كتاب له ع إلى عبد الله بن العباس رضي الله عنه

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ لَسْتُ بِسَابِقٍ أَجَلَكَ-  وَ لَا مَرْزُوقٍ مَا لَيْسَ لَكَ-  وَ اعْلَمْ بِأَنَّ الدَّهْرَ يَوْمَانِ-  يَوْمٌ لَكَ وَ يَوْمٌ عَلَيْكَ-  وَ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ دُوَلٍ-  فَمَا كَانَ مِنْهَا لَكَ أَتَاكَ عَلَى ضَعْفِكَ-  وَ مَا كَانَ مِنْهَا عَلَيْكَ لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِكَ قد تقدم شرح مثل هذا الكلام-  و هذا معنى مطروق-  قد قال الناس فيه فأكثروا-  قال الشاعر

قد يرزق العاجز الضعيف و ما
شد بكور رحلا و لا قتبا

و يحرم المرء ذو الجلادة و الرأي‏
و من لا يزال مغتربا

و من جيد ما قيل في هذا المعنى- قول أبي يعقوب الخريمي-

هل الدهر إلا صرفه و نوائبه
و سراء عيش زائل و مصائبه‏

يقول الفتى ثمرت مالي و إنما
لوارثه ما ثمر المال كاسبه‏

يحاسب فيه نفسه في حياته
و يتركه نهبا لمن لا يحاسبه‏

فكله و أطعمه و خالسه وارثا
شحيحا و دهرا تعتريك نوائبه‏

أرى المال و الإنسان للدهر نهبة
فلا البخل مبقية و لا الجود خاربه‏

لكل امرئ رزق و للرزق جالب‏
و ليس يفوت المرء ما خط كاتبه‏

يخيب الفتى من حيث يرزق غيره
و يعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه‏

يساق إلى ذا رزقه و هو وادع‏
و يحرم هذا الرزق و هو يغالبه‏

و إنك لا تدري أ رزقك في الذي
تطالبه أم في الذي لا تطالبه‏

تناس ذنوب الأقربين فإنه‏
لكل حميم راكب هو راكبه‏

له هفوات في الرخاء يشوبها
بنصرة يوم لا توارى كواكبه‏

تراه غدوا ما أمنت و تتقي‏
بجبهته يوم الوغى من يحاربه‏

لكل امرئ إخوان بؤس و نعمة
و أعظمهم في النائبات أقاربه‏

 

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 18

نامه 71 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

71 و من كتاب له ع إلى المنذر بن الجارود العبدي

و قد كان استعمله على بعض النواحي-  فخان الأمانة في بعض ما ولاه من أعماله: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ صَلَاحَ أَبِيكَ غَرَّنِي مِنْكَ-  وَ ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَتَّبِعُ هَدْيَهُ-  وَ تَسْلُكُ سَبِيلَهُ-  فَإِذَا أَنْتَ فِيمَا رُقِّيَ إِلَيَّ عَنْكَ لَا تَدَعُ لِهَوَاكَ انْقِيَاداً-  وَ لَا تُبْقِي لآِخِرَتِكَ عَتَاداً-  تَعْمُرُ دُنْيَاكَ بِخَرَابِ آخِرَتِكَ-  وَ تَصِلُ عَشِيرَتَكَ بِقَطِيعَةِ دِينِكَ-  وَ لَئِنْ كَانَ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ حَقّاً-  لَجَمَلُ أَهْلِكَ وَ شِسْعُ نَعْلِكَ خَيْرٌ مِنْكَ-  وَ مَنْ كَانَ بِصِفَتِكَ فَلَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُسَدَّ بِهِ ثَغْرٌ-  أَوْ يُنْفَذَ بِهِ أَمْرٌ أَوْ يُعْلَى لَهُ قَدْرٌ-  أَوْ يُشْرَكَ فِي أَمَانَةٍ أَوْ يُؤْمَنَ عَلَى جِبَايَةٍ-  فَأَقْبِلْ إِلَيَّ حِينَ يَصِلُ إِلَيْكَ كِتَابِي هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ: قال الرضي رضي الله عنه: المنذر بن الجارود-  هذا هو الذي قال فيه أمير المؤمنين ع-  إنه لنظار في عطفيه مختال في برديه-  تفال في شراكيه‏

 

 ذكر المنذر و أبيه الجارود

هو المنذر بن الجارود-  و اسم الجارود بشر بن خنيس بن المعلى-  و هو الحارث بن زيد بن حارثة بن معاوية بن ثعلبة-  بن جذيمة بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة-  بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى-  بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة-  بن نزار بن معد بن عدنان-  بيتهم بيت الشرف في عبد القيس-  و إنما سمي الجارود لبيت قاله بعض الشعراء فيه في آخره- .

كما جرد الجارود بكر بن وائل‏

و وفد الجارود على النبي ص في سنة تسع-  و قيل في سنة عشر- . و ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإستيعاب-  أنه كان نصرانيا فأسلم و حسن إسلامه-  و كان قد وفد مع المنذر بن ساوى في جماعة من عبد القيس-  و قال

 شهدت بأن الله حق و سامحت
بنات فؤادي بالشهادة و النهض‏

فأبلغ رسول الله مني رسالة
بأني حنيف حيث كنت من الأرض‏

قال و قد اختلف في نسبه اختلافا كثيرا-  فقيل بشر بن المعلى بن خنيس-  و قيل بشر بن خنيس بن المعلى-  و قيل بشر بن عمرو بن العلاء-  و قيل بشر بن عمرو بن المعلى-  و كنيته أبو عتاب و يكنى أيضا أبا المنذر- . و سكن الجارود البصرة و قتل بأرض فارس-  و قيل بل قتل بنهاوند مع النعمان بن مقرن-  و قيل إن عثمان بن العاص بعث الجارود في بعث نحو ساحل فارس-  فقتل‏بموضع يعرف بعقبة الجارود-  و كان قبل ذلك يعرف بعقبة الطين-  فلما قتل الجارود فيه عرفه الناس بعقبة الجارود-  و ذلك في سنة إحدى و عشرين- . و قد روي عن النبي ص أحاديث و روي عنه-  و أمه دريمكة بنت رويم الشيبانية- .

و قال أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب التاج-  إن رسول الله ص أكرم الجارود و عبد القيس حين وفدا إليه-  و قال للأنصار قوموا إلى إخوانكم-  و أشبه الناس بكم-  قال لأنهم أصحاب نخل-  كما أن الأوس و الخزرج أصحاب نخل-  و مسكنهم البحرين و اليمامة-  قال أبو عبيدة و قال عمر بن الخطاب لو لا أني سمعت رسول الله ص يقول إن هذا الأمر لا يكون إلا في قريش

لما عدلت بالخلافة عن الجارود بن بشر بن المعلى-  و لا تخالجني في ذلك الأمور- . قال أبو عبيدة-  و لعبد القيس ست خصال فاقت بها على العرب-  منها أسود العرب بيتا-  و أشرفهم رهطا الجارود هو و ولده- . و منها أشجع العرب حكيم بن جبلة-  قطعت رجله يوم الجمل-  فأخذها بيده و زحف على قاتله فضربه بها حتى قتله-  و هو يقول

  يا نفس لا تراعي
إن قطعت كراعي‏
إن معي ذراعي‏

 فلا يعرف في العرب أحد صنع صنيعه- . و منها أعبد العرب هرم بن حيان-  صاحب أويس القرني- . و منها أجود العرب عبد الله بن سواد بن همام-  غزا السند في أربعة آلاف-  ففتحها و أطعم الجيش كله ذاهبا و قافلا-  فبلغه أن رجلا من الجيش مرض فاشتهى خبيصا-فأمر باتخاذ الخبيص لأربعة آلاف إنسان-  فأطعمهم حتى فضل و تقدم إليهم-  ألا يوقد أحد منهم نارا لطعام في عسكره مع ناره- . و منها أخطب العرب مصقلة بن رقبة-  به يضرب المثل فيقال أخطب من مصقلة- . و منها أهدى العرب في الجاهلية-  و أبعدهم مغارا و أثرا في الأرض في عدوه-  و هو دعيميص الرمل كان يعرف بالنجوم هداية-  و كان أهدى من القطا-  يدفن بيض النعام في الرمل مملوءا ماء-  ثم يعود إليه فيستخرجه- .

فأما المنذر بن الجارود فكان شريفا-  و ابنه الحكم بن المنذر يتلوه في الشرف-  و المنذر غير معدود في الصحابة-  و لا رأى رسول الله ص و لا ولد له في أيامه-  و كان تائها معجبا بنفسه-  و في الحكم ابنه يقول الراجز- 

    يا حكم بن المنذر بن الجارود
أنت الجواد ابن الجواد المحمود
سرادق المجد عليك ممدود

  و كان يقال-  أطوع الناس في قومه الجارود بن بشر بن المعلى-  لما قبض رسول الله ص فارتدت العرب-  خطب قومه فقال أيها الناس-  إن كان محمد قد مات فإن الله حتى لا يموت-  فاستمسكوا بدينكم-  و من ذهب له في هذه الفتنة-  دينار أو درهم أو بقرة أو شاة فعلي مثلاه-  فما خالفه من عبد القيس أحد- .

قوله ع إن صلاح أبيك غرني منك-  قد ذكرنا حال الجارود و صحبته و صلاحه-  و كثيرا ما يغتر الإنسان بحال الآباء-  فيظن أن الأبناء على منهاجهم-  فلا يكون و الأمر كذلك-  يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ- . قوله فيما رقي بالتشديد أي فيما رفع إلي-  و أصله أن يكون الإنسان في موضع عال‏ فيرقى إليه شي‏ء-  و كان العلو هاهنا-  هو علو المرتبة بين الإمام و الأمير-  و نحوه قولهم تعال باعتبار علو رتبة الآمر على المأمور-  و اللام في لهواك متعلقة بمحذوف دل عليه انقيادا-  و لا يتعلق بنفس انقياد-  لأن المتعلق من حروف الجر بالمصدر-  لا يجوز أن يتقدم على المصدر- . و العتاد العدة- .

قوله و تصل عشيرتك-  كان فيما رقي إليه عنه أنه يقتطع المال-  و يفيضه على رهطه و قومه-  و يخرج بعضه في لذاته و مآربه- . قوله لجمل أهلك-  العرب تضرب بالجمل المثل في الهوان قال- 

 لقد عظم البعير بغير لب
و لم يستغن بالعظم البعير

يصرفه الصبي بكل وجه‏
و يحبسه على الخسف الجرير

و تضربه الوليدة بالهراوى
فلا غير لديه و لا نكير

فأما شسع النعل فضرب المثل بها في الاستهانة مشهور-  لابتذالها و وطئها الأقدام في التراب- . ثم ذكر أنه من كان بصفته فليس بأهل لكذا و لا كذا-  إلى أن قال أو يشرك في أمانة-  و قد جعل الله تعالى البلاد و الرعايا أمانة في ذمة الإمام-  فإذا استعمل العمال على البلاد و الرعايا-  فقد شركهم في تلك الأمانة- . قال أو يؤمن على جباية-  أي على استجباء الخراج و جمعه-  و هذه الرواية التي سمعناها-  و من الناس من يرويها على خيانة-  و هكذا رواها الراوندي-  و لم يرو الرواية الصحيحة التي ذكرناها نحن-  و قال يكون على متعلقة بمحذوف-  أو بيؤمن نفسها و هو بعيد و متكلف- .

ثم أمره أن يقبل إليه-  و هذه كناية عن العزل- . فأما الكلمات التي ذكرها الرضي عنه ع في أمر المنذر-  فهي دالة على أنه نسبه إلى التيه و العجب-  فقال نظار في عطفيه أي جانبيه-  ينظر تارة هكذا و تارة هكذا-  ينظر لنفسه و يستحسن هيئته و لبسته-  و ينظر هل عنده نقص في ذلك أو عيب فيستدركه بإزالته-  كما يفعل أرباب الزهو و من يدعي لنفسه الحسن و الملاحة- .

قال مختال في برديه-  يمشي الخيلاء عجبا-  قال محمد بن واسع لابن له-  و قد رآه يختال في برد له ادن-  فدنا فقال من أين جاءتك هذه الخيلاء ويلك-  أما أمك فأمة ابتعتها بمائتي درهم-  و أما أبوك فلا أكثر الله في الناس أمثاله- . قوله تفال في شراكيه-  الشراك السير الذي يكون في النعل على ظهر القدم- . و التفل بالسكون مصدر تفل أي بصق-  و التفل محركا البصاق نفسه-  و إنما يفعله المعجب و التائه في شراكيه-  ليذهب عنهما الغبار و الوسخ-  يتفل فيهما و يمسحهما ليعودا كالجديدين

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 18

نامه 70 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

70 و من كتاب له ع إلى سهل بن حنيف الأنصاري-  و هو عامله على المدينة-  في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية

أَمَّا بَعْدُ-  فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِمَّنْ قِبَلَكَ يَتَسَلَّلُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ-  فَلَا تَأْسَفْ عَلَى مَا يَفُوتُكَ مِنْ عَدَدِهِمْ-  وَ يَذْهَبُ عَنْكَ مِنْ مَدَدِهِمْ-  فَكَفَى لَهُمْ غَيّاً-  وَ لَكَ مِنْهُمْ شَافِياً فِرَارُهُمْ مِنَ الْهُدَى وَ الْحَقِّ-  وَ إِيضَاعُهُمْ إِلَى الْعَمَى وَ الْجَهْلِ-  فَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ دُنْيَا مُقْبِلُونَ عَلَيْهَا وَ مُهْطِعُونَ إِلَيْهَا-  قَدْ عَرَفُوا الْعَدْلَ وَ رَأَوْهُ وَ سَمِعُوهُ وَ وَعَوْهُ-  وَ عَلِمُوا أَنَّ النَّاسَ عِنْدَنَا فِي الْحَقِّ أُسْوَةٌ-  فَهَرَبُوا إِلَى الْأَثَرَةِ-  فَبُعْداً لَهُمْ وَ سُحْقاً-  إِنَّهُمْ وَ اللَّهِ لَمْ يَفِرُّوا مِنْ جَوْرٍ-  وَ لَمْ يَلْحَقُوا بِعَدْلٍ-  وَ إِنَّا لَنَطْمَعُ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَنْ يُذَلِّلَ اللَّهُ لَنَا صَعْبَهُ-  وَ يُسَهِّلَ لَنَا حَزْنَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ-  وَ السَّلَامُ عَلَيْكَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ قد تقدم نسب سهل بن حنيف-  و أخيه عثمان فيما مضى- . و يتسللون يخرجون إلى معاوية هاربين في خفية و استتار- . قال فلا تأسف أي لا تحزن-  و الغي الضلال- . قال و لك منهم شافيا-  أي يكفيك في الانتقام منهم و شفاء النفس من عقوبتهم-  أنهم يتسللون إلى معاوية- .

 قال ارض لمن غاب عنك غيبته-  فذاك ذنب عقابه فيه- . و الإيضاع الإسراع-  وضع البعير أي أسرع و أوضعه صاحبه-  قال

  رأى برقا فأوضع فوق بكر
فلا يك ما أسال و لا أعاما

و مهطعون مسرعون أيضا-  و الأثرة الاستئثار-  يقول قد عرفوا أني لا أقسم إلا بالسوية-  و أني لا أنفل قوما على قوم-  و لا أعطي على الأحساب و الأنساب كما فعل غيري-  فتركوني و هربوا إلى من يستأثر و يؤثر- . قال فبعدا لهم و سحقا-  دعاء عليهم بالبعد و الهلاك- . و روي أنهم لم ينفروا بالنون من نفر-  ثم ذكر أنه راج من الله-  أن يذلل له صعب هذا الأمر و يسهل له حزنه-  و الحزن ما غلظ من الأرض-  و ضده السهل

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 18

نامه 69 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)( كتبه إلى الحارث الهمداني)

69 و من كتاب له ع كتبه إلى الحارث الهمداني

وَ تَمَسَّكْ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ وَ انْتَصِحْهُ-  وَ أَحِلَّ حَلَالَهُ وَ حَرِّمْ حَرَامَهُ-  وَ صَدِّقْ بِمَا سَلَفَ مِنَ الْحَقِّ-  وَ اعْتَبِرْ بِمَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا لِمَا بَقِيَ مِنْهَا-  فَإِنَّ بَعْضَهَا يُشْبِهُ بَعْضاً-  وَ آخِرَهَا لَاحِقٌ بِأَوَّلِهَا-  وَ كُلُّهَا حَائِلٌ مُفَارِقٌ-  وَ عَظِّمِ اسْمَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرَهُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ-  وَ أَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ وَ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ-  وَ لَا تَتَمَنَّ الْمَوْتَ إِلَّا بِشَرْطٍ وَثِيقٍ-  وَ احْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ-  وَ يَكْرَهُهُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ-  وَ احْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يُعْمَلُ بِهِ فِي السِّرِّ-  وَ يُسْتَحَى مِنْهُ فِي الْعَلَانِيَةِ-  وَ احْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ إِذَا سُئِلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَنْكَرَهُ وَ اعْتَذَرَ مِنْهُ-  وَ لَا تَجْعَلْ عِرْضَكَ غَرَضاً لِنِبَالِ الْقَوْمِ-  وَ لَا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِكُلِّ مَا سَمِعْتَ بِهِ-  فَكَفَى بِذَلِكَ كَذِباً-  وَ لَا تَرُدَّ عَلَى النَّاسِ كُلَّ مَا حَدَّثُوكَ بِهِ-  فَكَفَى بِذَلِكَ جَهْلًا-  وَ اكْظِمِ الْغَيْظَ وَ احْلُمْ عِنْدَ الْغَضَبِ-  وَ تَجَاوَزْ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ-  وَ اصْفَحْ مَعَ الدَّوْلَةِ تَكُنْ لَكَ الْعَاقِبَةُ-  وَ اسْتَصْلِحْ كُلَّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا اللَّهُ عَلَيْكَ-  وَ لَا تُضَيِّعَنَّ نِعْمَةً مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَكَ-  وَ لْيُرَ عَلَيْكَ أَثَرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ-  وَ اعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الْمُؤْمِنِينَ-  أَفْضَلُهُمْ تَقْدِمَةً مِنْ نَفْسِهِ وَ أَهْلِهِ وَ مَالِهِ-  وَ إِنَّكَ مَا تُقَدِّمْ مِنْ خَيْرٍ يَبْقَ لَكَ ذُخْرُهُ-  وَ مَا تُؤَخِّرْهُ يَكُنْ لِغَيْرِكَ خَيْرُهُ-وَ احْذَرْ صَحَابَةَ مَنْ يَفِيلُ رَأْيُهُ-  وَ يُنْكَرُ عَمَلُهُ فَإِنَّ الصَّاحِبَ مُعْتَبَرٌ بِصَاحِبِهِ-  وَ اسْكُنِ الْأَمْصَارَ الْعِظَامَ فَإِنَّهَا جِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ-  وَ احْذَرْ مَنَازِلَ الْغَفْلَةِ وَ الْجَفَاءِ-  وَ قِلَّةَ الْأَعْوَانِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ-  وَ اقْصُرْ رَأْيَكَ عَلَى مَا يَعْنِيكَ-  وَ إِيَّاكَ وَ مَقَاعِدَ الْأَسْوَاقِ-  فَإِنَّهَا مَحَاضِرُ الشَّيْطَانِ وَ مَعَارِيضُ الْفِتَنِ-  وَ أَكْثِرْ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَنْ فُضِّلْتَ عَلَيْهِ-  فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الشُّكْرِ-  وَ لَا تُسَافِرْ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ حَتَّى تَشْهَدَ الصَّلَاةَ-  إِلَّا فَاصِلًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ فِي أَمْرٍ تُعْذَرُ بِهِ-  وَ أَطِعِ اللَّهَ فِي جُمَلِ أُمُورِكَ-  فَإِنَّ طَاعَةَ اللَّهِ فَاضِلَةٌ عَلَى مَا سِوَاهَا-  وَ خَادِعْ نَفْسَكَ فِي الْعِبَادَةِ وَ ارْفُقْ بِهَا وَ لَا تَقْهَرْهَا-  وَ خُذْ عَفْوَهَا وَ نَشَاطَهَا-  إِلَّا مَا كَانَ مَكْتُوباً عَلَيْكَ مِنَ الْفَرِيضَةِ-  فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا وَ تَعَاهُدِهَا عِنْدَ مَحَلِّهَا-  وَ إِيَّاكَ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ الْمَوْتُ-  وَ أَنْتَ آبِقٌ مِنْ رَبِّكَ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا-  وَ إِيَّاكَ وَ مُصَاحَبَةَ الْفُسَّاقِ-  فَإِنَّ الشَّرَّ بِالشَّرِّ مُلْحَقٌ-  وَ وَقِّرِ اللَّهَ وَ أَحْبِبْ أَحِبَّاءَهُ-  وَ احْذَرِ الْغَضَبَ فَإِنَّهُ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِيسَ-  وَ السَّلَامُ

الحارث الأعور و نسبه

هو الحارث الأعور صاحب أمير المؤمنين ع-  و هو الحارث بن عبد الله بن كعب بن أسد بن نخلة بن حرث-  بن سبع بن صعب بن معاوية الهمداني-  كان أحدالفقهاء له قول في الفتيا-  و كان صاحب علي ع-  و إليه تنسب الشيعة الخطاب الذي خاطبه به في قوله ع‏

  يا حار همدان من يمت يرني
من مؤمن أو منافق قبلا

 و هي أبيات مشهورة قد ذكرناها فيما تقدم

نبذ من الأقوال الحكيمة

و قد اشتمل هذا الفصل على وصايا جليلة الموقع-  منها قوله و تمسك بحبل القرآن-  جاء في الخبر المرفوع لما ذكر الثقلين-  فقال أحدهما كتاب الله-  حبل ممدود من السماء إلى الأرض-  طرف بيد الله و طرف بأيديكم- . و منها قوله انتصحه-  أي عده ناصحا لك فيما أمرك به و نهاك عنه- . و منها قوله و أحل حلاله و حرم حرامه-  أي احكم بين الناس في الحلال و الحرام بما نص عليه القرآن- . و منها قوله و صدق بما سلف من الحق-  أي صدق بما تضمنه القرآن من أيام الله-  و مثلاته في الأمم السالفة لما عصوا و كذبوا- . و منها قوله و اعتبر بما مضى من الدنيا لما بقي منها-  و في المثل إذا شئت أن تنظر الدنيا بعدك فانظرها بعد غيرك-  و قال الشاعر- 

و ما نحن إلا مثلهم غير أننا
أقمنا قليلا بعدهم ثم نرحل‏

 و يناسب قوله و آخرها لاحق بأولها-  و كلها حائل مفارق-  قوله أيضا ع‏في غير هذا الفصل الماضي- للمقيم عبرة و الميت للحي عظة-  و ليس لأمس عودة و لا المرء من غد على ثقة-  الأول للأوسط رائد و الأوسط للأخير قائد-  و كل بكل لاحق و الكل للكل مفارق- . و منها قوله و عظم اسم الله أن تذكره إلا على حق-  قال الله سبحانه وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ-  و قد نهى عن الحلف بالله في الكذب و الصدق-  أما في أحدهما فمحرم و أما في الآخر فمكروه-  و لذلك لا يجوز ذكر اسمه تعالى-  في لغو القول و الهزء و العبث- .

و منها قوله و أكثر ذكر الموت و ما بعد الموت-  جاء في الخبر المرفوع أكثروا ذكر هاذم اللذات-  و ما بعد الموت العقاب و الثواب في القبر و في الآخرة- . و منها قوله و لا تتمن الموت إلا بشرط وثيق-  هذه كلمة شريفة عظيمة القدر-  أي لا تتمن الموت إلا و أنت واثق من أعمالك الصالحة-  أنها تؤديك إلى الجنة و تنقذك من النار-  و هذا هو معنى قوله تعالى لليهود-  إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ-  فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ-  وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ-  وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ- . و منها قوله و احذر كل عمل يرضاه صاحبه لنفسه-  و يكرهه لعامة المسلمين-  و احذر كل عمل يعمل في السر-  و يستحيا منه في العلانية-  و احذر كل عمل إذا سئل عنه صاحبه أنكره و اعتذر منه-  و هذه الوصايا الثلاث متقاربة في المعنى-  و يشملها معنى قول الشاعر- 

  لا تنه عن خلق و تأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم‏

 و قال الله تعالى حاكيا عن نبي من أنبيائه-  وَ ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى‏ ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ- . و من كلام الجنيد الصوفي-  ليكن عملك من وراء سترك-  كعملك من وراء الزجاج الصافي-  و في المثل و هو منسوب إلى علي ع-  إياك و ما يعتذر منه- . و منها قوله و لا تجعل عرضك غرضا لنبال القوم-  قال الشاعر

  لا تستتر أبدا ما لا تقوم له
و لا تهيجن من عريسة الأسدا

إن الزنابير إن حركتها سفها
من كورها أوجعت من لسعها الجسدا

و قال

مقالة السوء إلى أهلها
أسرع من منحدر سائل‏

و من دعا الناس إلى ذمه‏
ذموه بالحق و بالباطل‏

 و منها قوله و لا تحدث الناس بكل ما سمعت-  فكفى بذلك كذبا-  قد نهى أن يحدث الإنسان بكل ما رأى من العجائب-  فضلا عما سمع-  لأن الحديث الغريب المعجب تسارع النفس إلى تكذيبه-  و إلى أن تقوم الدلالة على صدقه-  قد فرط من سوء الظن فيه ما فرط- . و يقال إن بعض العلوية- 

قال في حضرة عضد الدولة ببغداد-  عندنا في الكوفة نبق وزن كل نبقة مثقالان-  فاستطرف الملك ذلك و كاد يكذبه الحاضرون-  فلما قام ذكر ذلك لأبيه-  فأرسل حماما كان عنده في الحال إلى الكوفة-  يأمر وكلاءه بإرسال مائة حمامة-  في رجلي كل واحدة نبقتان من ذلك النبق-  فجاء النبق في بكرة الغد و حمل إلى عضد الدولة-  فاستحسنه و صدقه حينئذ-  ثم قال له لعمري لقد صدقت-و لكن لا تحدث فيما بعد بكل ما رأيت من الغرائب-  فليس كل وقت يتهيأ لك إرسال الحمام- . و كان يقال الناس يكتبون أحسن ما يسمعون-  و يحفظون أحسن ما يكتبون-  و يتحدثون بأحسن ما يحفظون-  و الأصدق نوع تحت جنس الأحسن و منها قوله و لا ترد على الناس كل ما حدثوك-  فكفى بذلك جهلا-  من الجهل المبادرة بإنكار ما يسمعه- 

و قال ابن سينا في آخر الإشارات-  إياك أن يكون تكيسك و تبرؤك من العامة-  هو أن تنبري منكرا لكل شي‏ء-  فلذلك عجز و طيش-  و ليس الخرق في تكذيبك ما لم يستبن لك بعد جليته-  دون الخرق في تصديقك بما لم تقم بين يديك بينة-  بل عليك الاعتصام بحبل التوقف-  و إن أزعجك استنكار ما يوعيه سمعك-  مما لم يبرهن على استحالته لك-  فالصواب أن تسرح أمثال ذلك إلى بقعة الإمكان-  ما لم يذدك عنها قائم البرهان- . و منها قوله و اكظم الغيظ-  قد مدح الله تعالى ذلك فقال-  وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ- 

و روي أن عبدا لموسى بن جعفر ع قدم إليه صحفة-  فيها طعام حار-  فعجل فصبها على رأسه و وجهه فغضب-  فقال له وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ قال قد كظمت-  قال وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ قال قد عفوت-  قال وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ-  قال أنت حر لوجه الله-  و قد نحلتك ضيعتي الفلانية- . و منها قوله و احلم عند الغضب-  هذه مناسبة الأولى-  و قد تقدم منا قول كثير في الحلم و فضله-  و كذلك القول في قوله ع-  و تجاوز عند القدرة-  و كان يقال القدرة تذهب الحفيظة- .

 

و منها قوله و اصفح مع الدولة تكن لك العاقبة-  هذه كانت شيمة رسول الله ص-  و شيمة علي ع-  أما شيمة رسول الله ص فظفر بمشركي مكة و عفا عنهم-  كما سبق القول فيه في عام الفتح-  و أما علي ع فظفر بأصحاب الجمل-  و قد شقوا عصا الإسلام عليه-  و طعنوا فيه و في خلافته فعفا عنهم-  مع علمه بأنهم يفسدون عليه أمره فيما بعد-  و يصيرون إلى معاوية-  إما بأنفسهم أو بآرائهم و مكتوباتهم-  و هذا أعظم من الصفح عن أهل مكة-  لأن أهل مكة لم يبق لهم لما فتحت فئة يتحيزون إليها-  و يفسدون الدين عندها- . و منها قوله و استصلح كل نعمة أنعمها الله عليك-  معنى استصلحها استدمها-  لأنه إذا استدامها فقد أصلحها-  فإن بقاءها صلاح لها و استدامتها بالشكر- . و منها قوله و لا تضيعن نعمة من نعم الله عندك-  أي واس الناس منها و أحسن إليهم-  و اجعل بعضها لنفسك و بعضها للصدقة و الإيثار-  فإنك إن لم تفعل ذلك تكن قد أضعتها- .

و منها قوله و لير عليك أثر النعمة-  قد أمر بأن يظهر الإنسان على نفسه-  آثار نعمة الله عليه-  و قال سبحانه وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ-  و قال الرشيد لجعفر قم بنا لنمضي إلى منزل الأصمعي-  فمضيا إليه خفية-  و معهما خادم معه ألف دينار ليدفع ذلك إليه-  فدخلا داره فوجدا كساء جرداء و بارية سملاء-  و حصيرا مقطوعا و خباء قديمة-  و أباريق من خزف و دواة من زجاج-  و دفاتر عليها التراب و حيطانا مملوءة من نسج العناكب-  فوجم الرشيد-  و سأله مسائل غشة لم تكن من غرضه-  و إنما قطع بها خجله-  و قال الرشيد لجعفر أ لا ترى إلى نفس هذا المهين-  قد بررناه بأكثر  من خمسين ألف دينار و هذه حاله-  لم تظهر عليه آثار نعمتنا-  و الله لا دفعت إليه شيئا-  و خرج و لم يعطه- .

و منها قوله و اعلم أن أفضل المؤمنين-  أفضلهم تقدمة من نفسه و أهله و ماله-  أي أفضلهم إنفاقا في البر و الخير من ماله-  و هي التقدمة-  قال الله تعالى وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ-  فأما النفس و الأهل فإن تقدمتهما في الجهاد-  و قد تكون التقدمة في النفس بأن يشفع شفاعة حسنة-  أو يحضر عند السلطان بكلام طيب و ثناء حسن-  و أن يصلح بين المتخاصمين و نحو ذلك-  و التقدمة في الأهل أن يحج بولده و زوجته-  و يكلفهما المشاق في طاعة الله-  و أن يؤدب ولده إن أذنب-  و أن يقيم عليه الحد و نحو ذلك- . و منها قوله و ما تقدم من خير يبق لك زخره-  و ما تؤخره يكن لغيرك خيره-  و قد سبق مثل هذا-  و أن ما يتركه الإنسان بعده فقد حرم نفعه-  و كأنما كان يكدح لغيره-  و ذلك من الشقاوة و قلة التوفيق- .

و منها قوله و احذر صحابة من يفيل رأيه-  الصحابة بفتح الصاد مصدر صحبت-  و الصحابة بالفتح أيضا جمع صاحب-  و المراد هاهنا الأول-  و فال رأيه فسد و هذا المعنى قد تكرر-  و قال طرفة

عن المرء لا تسأل و سل عن قرينه
فإن القرين بالمقارن يقتدي‏

 و منها قوله و اسكن الأمصار العظام-  قد قيل لا تسكن إلا في مصر فيه سوق قائمة-  و نهر جار و طبيب حاذق و سلطان عادل-  فأما منازل الغفلة و الجفاء-  فمثل قرى السواد الصغار-  فإن أهلها لا نور فيهم و لا ضوء عليهم-  و إنما هم كالدواب‏ و الأنعام-  همهم الحرث و الفلاحة-  و لا يفقهون شيئا أصلا-  فمجاورتهم تعمي القلب و تظلم الحس-  و إذا لم يجد الإنسان من يعينه على طاعة الله-  و على تعلم العلم قصر فيهما- . و منها قوله و اقصر رأيك على ما يعنيك-  كان يقال من دخل فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه- . و منها نهيه إياه عن القعود في الأسواق-  قد جاء في المثل السوق محل الفسوق- .

و جاء في الخبر المرفوع الأسواق مواطن إبليس و جنده-  و ذلك لأنها قلما تخلو عن الأيمان الكاذبة-  و البيوع الفاسدة-  و هي أيضا مجمع النساء المومسات و فجار الرجال-  و فيها اجتماع أرباب الأهواء و البدع-  فلا يخلو أن يتجادل اثنان منهم-  في المذاهب و النحل فيفضي إلى الفتن- .

و منها قوله و انظر إلى من فضلت عليه-  كان يقال انظر إلى من دونك-  و لا تنظر إلى من فوقك-  و قد بين ع السر فيه فقال-  إن ذلك من أبواب الشكر-  و صدق ع لأنك إذا رأيت جاهلا و أنت عالم-  أو عالما و أنت أعلم منه-  أو فقيرا و أنت أغنى منه-  أو مبتلى بسقم و أنت معافى عنه-  كان ذلك باعثا و داعيا لك إلى الشكر- . و منها نهيه عن السفر يوم الجمعة-  ينبغي أن يكون هذا النهي-  عن السفر يوم الجمعة قبل الصلاة-  و أما بعد الصلاة فلا بأس به-  و استثنى فقال إلا فاصلا في سبيل الله-  أي شاخصا إلى الجهاد- . قال أو في أمر تعذر به-  أي لضرورة دعتك إلى ذلك- .

 

و قد ورد نهي كثير عن السفر يوم الجمعة-  قبل أداء الفرض-  على أن من الناس من كره ذلك بعد الصلاة أيضا-  و هو قول شاذ- . و منها قوله و أطع الله في جمل أمورك-  أي في جملتها و فيها كلها-  و ليس يعني في جملتها دون تفاصيلها-  قال فإن طاعة الله فاضلة على غيرها-  و صدق ع لأنها توجب السعادة الدائمة-  و الخلاص من الشقاء الدائم-  و لا أفضل مما يؤدي إلى ذلك- . و منها قوله و خادع نفسك في العبادة-  أمره أن يتلطف بنفسه في النوافل-  و أن يخادعها و لا يقهرها فتمل و تضجر و تترك-  بل يأخذ عفوها و يتوخى أوقات النشاط-  و انشراح الصدر للعبادة- .

قال فأما الفرائض فحكمها غير هذا الحكم-  عليك أن تقوم بها كرهتها النفس أو لم تكرهها-  ثم أمره أن يقوم بالفريضة في وقتها-  و لا يؤخرها عنه فتصير قضاء- . و منها قوله و إياك أن ينزل بك المنون-  و أنت آبق من ربك في طلب الدنيا-  هذه وصية شريفة جدا-  جعل طالب الدنيا المعرض عن الله عند موته-  كالعبد الآبق يقدم به على مولاه أسيرا مكتوفا ناكس الرأس-  فما ظنك به حينئذ- . و منها قوله و إياك و مصاحبة الفساق-  فإن الشر بالشر ملحق-  يقول إن الطباع ينزع بعضها إلى بعض-  فلا تصحبن الفساق-  فإنه ينزع بك ما فيك من طبع الشر-  إلى مساعدتهم على الفسوق و المعصية-  و ما هو إلا كالنار تقوى بالنار-  فإذا لم تجاورها و تمازجها نار-  كانت إلى الانطفاء و الخمود أقرب- .

 

و روي ملحق بكسر الحاء-  و قد جاء ذلك في الخبر النبوي فإن عذابك بالكفار ملحقبالكسر- . و منها قوله و أحب أحباءه-  قد جاء في الخبر لا يكمل إيمان امرئ حتى يحب من أحب الله-  و يبغض من أبغض الله-  و منها قوله و احذر الغضب-  قد تقدم لنا كلام طويل في الغضب-  وقال إنسان للنبي ص أوصني-  قال لا تغضب-  فقال زدني فقال لا تغضب-  قال زدني قال لا أجد لك مزيدا-  و إنما جعله ع جندا عظيما من جنود إبليس-  لأنه أصل الظلم و القتل و إفساد كل أمر صالح-  و هو إحدى القوتين المشئومتين-  اللتين لم يخلق أضر منهما على الإنسان-  و هما منبع الشر الغضب و الشهوة

 شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 18

نامه 68 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)(كتبه إلى سلمان الفارسي رحمه الله)

68 و من كتاب له ع كتبه إلى سلمان الفارسي رحمه الله-  قبل أيام خلافته

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ الْحَيَّةِ-  لَيِّنٌ مَسُّهَا قَاتِلٌ سَمُّهَا-  فَأَعْرِضْ عَمَّا يُعْجِبُكَ فِيهَا-  لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكَ مِنْهَا-  وَ ضَعْ عَنْكَ هُمُومَهَا-  لِمَا أَيْقَنْتَ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا-  وَ تَصَرُّفِ حَالَاتِهَا-  وَ كُنْ آنَسَ مَا تَكُونُ بِهَا أَحْذَرَ مَا تَكُونُ مِنْهَا-  فَإِنَّ صَاحِبَهَا كُلَّمَا اطْمَأَنَّ فِيهَا إِلَى سُرُورٍ-  أَشْخَصَتْهُ إِلَى مَحْذُورٍ-  أَوْ إِلَى إِينَاسٍ أَزَالَتْهُ عَنْهُ إِلَى إِيحَاشٍ وَ السَّلَامُ

سلمان الفارسي و خبر إسلامه

سلمان رجل من فارس من رامهرمز-  و قيل بل من أصبهان-  من قرية يقال لها جي-  و هو معدود من موالي رسول الله ص-  و كنيته أبو عبد الله-  و كان إذا قيل ابن من أنت-  يقول أنا سلمان ابن الإسلام أنا من بني آدم- . و قد روي أنه قد تداوله أرباب كثيرة-  بضعة عشر ربا-  من واحد إلى آخر حتى أفضى إلى رسول الله ص- .

و روى أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإستيعاب-  أن سلمان أتى رسول الله‏ ص بصدقة-  فقال هذه صدقة عليك و على أصحابك-  فلم يقبلها و قال إنه لا تحل لنا الصدقة-  فرفعها ثم جاء من الغد بمثلها-  و قال هدية هذه فقال لأصحابه كلوا- . و اشتراه من أربابه و هم قوم يهود بدراهم-  و على أن يغرس لهم من النخيل كذا و كذا-  و يعمل فيها حتى تدرك-  فغرس رسول الله ص ذلك النخل كله بيده-  إلا نخلة واحدة غرسها عمر بن الخطاب-  فأطعم النخل كله إلا تلك النخلة-  فقال رسول الله ص من غرسها قيل عمر-  فقلعها و غرسها رسول الله ص بيده فأطعمت- .

قال أبو عمر و كان سلمان يسف الخوص-  و هو أمير على المدائن و يبيعه و يأكل منه-  و يقول لا أحب أن آكل إلا من عمل يدي-  و كان قد تعلم سف الخوص من المدينة- . و أول مشاهده الخندق و هو الذي أشار بحفره-  فقال أبو سفيان و أصحابه لما رأوه-  هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها- . قال أبو عمر و قد روي أن سلمان شهد بدرا و أحدا-  و هو عبد يومئذ و الأكثر أن أول مشاهده الخندق-  و لم يفته بعد ذلك مشهد- . قال و كان سلمان خيرا فاضلا حبرا-  عالما زاهدا متقشفا- .

قال و ذكر هشام بن حسان عن الحسن البصري-  قال كان عطاء سلمان خمسة آلاف-  و كان إذا خرج عطاؤه تصدق به-  و يأكل من عمل يده-  و كانت له عباءة يفرش بعضها و يلبس بعضها- .قال و قد ذكر ابن وهب و ابن نافع-  أن سلمان لم يكن له بيت-  إنما كان يستظل بالجدر و الشجر-  و أن رجلا قال له أ لا أبني لك بيتا تسكن فيه-  قال لا حاجة لي في ذلك-  فما زال به الرجل حتى قال له-  أنا أعرف البيت الذي يوافقك قال فصفه لي-  قال أبني لك بيتا إذا أنت قمت فيه-  أصاب رأسك سقفه-  و إن أنت مددت فيه رجليك أصابهما الجدار-  قال نعم فبنى له- .

 قال أبو عمر و قد روي عن رسول الله ص من وجوه أنه قال لو كان الدين في الثريا لناله سلمانو في رواية أخرى لناله رجل من فارسقال و قد روينا عن عائشة قالت كان لسلمان مجلس من رسول الله ص-  ينفرد به بالليل حتى كاد يغلبنا على رسول الله ص قال و قد روي من حديث ابن بريدة عن أبيه أن رسول الله ص قال أمرني ربي بحب أربعة و أخبرني أنه يحبهم-  علي و أبو ذر و المقداد و سلمان قال و روى قتادة عن أبي هريرة قال سلمان صاحب الكتابين-  يعني الإنجيل و القرآن- .

و قد روى الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي ع أنه سئل عن سلمان فقال-  علم العلم الأول و العلم الآخر-  ذاك بحر لا ينزف و هو منا أهل البيت قال و في رواية زاذان عن علي ع سلمان الفارسي كلقمان الحكيم قال و قال فيه كعب الأحبار سلمان حشي علما و حكمة- .

 

قال و في الحديث المروي-  أن أبا سفيان مر على سلمان و صهيب و بلال-  في نفر من المسلمين-  فقالوا ما أخذت السيوف من عنق عدو الله مأخذها-  و أبو سفيان يسمع قولهم-  فقال لهم أبو بكر أ تقولون هذا لشيخ قريش و سيدها-  و أتى النبي ص و أخبره فقال-  يا أبا بكر لعلك أغضبتهم-  لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت الله فأتاهم أبو بكر-  فقال أبو بكر يا إخوتاه لعلي أغضبتكم-  قالوا لا يا أبا بكر يغفر الله لك- . قال و آخى رسول الله ص بينه و بين أبي الدرداء-  لما آخى بين المسلمين- .

قال و لسلمان فضائل جمة و أخبار حسان-  و توفي في آخر خلافة عثمان سنة خمس و ثلاثين-  و قيل توفي في أول سنة ست و ثلاثين-  و قال قوم توفي في خلافة عمر و الأول أكثر- . و أما حديث إسلام سلمان-  فقد ذكره كثير من المحدثين و رووه عنه-  قال كنت ابن دهقان قرية جي من أصبهان-  و بلغ من حب أبي لي أن حبسني في البيت-  كما تحبس الجارية-  فاجتهدت في المجوسية حتى صرت قطن بيت النار-  فأرسلني أبي يوما إلى ضيعة له-  فمررت بكنيسة النصارى فدخلت عليهم-  فأعجبتني صلاتهم-  فقلت دين هؤلاء خير من ديني-  فسألتهم أين أصل هذا الدين-  قالوا بالشام فهربت من والدي حتى قدمت الشام-  فدخلت على الأسقف فجعلت أخدمه و أتعلم منه-  حتى حضرته الوفاة-  فقلت إلى من توصي بي فقال-  قد هلك الناس و تركوا دينهم إلا رجلا بالموصل فالحق به-  فلما قضى نحبه لحقت بذلك الرجل-فلم يلبث إلا قليلا حتى حضرته الوفاة-  فقلت إلى من توصي بي فقال-  ما أعلم رجلا بقي على الطريقة المستقيمة إلا رجلا بنصيبين-  فلحقت بصاحب نصيبين-  قالوا و تلك الصومعة اليوم باقية-  و هي التي تعبد فيها سلمان قبل الإسلام- 

قال ثم احتضر صاحب نصيبين-  فبعثني إلى رجل بعمورية من أرض الروم-  فأتيته و أقمت عنده و اكتسبت بقيرات و غنيمات-  فلما نزل به الموت قلت له بمن توصي بي-  فقال قد ترك الناس دينهم و ما بقي أحد منهم على الحق-  و قد أظل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم-  يخرج بأرض العرب مهاجرا إلى أرض بين حرتين-  لها نخل قلت فما علامته-  قال يأكل الهدية-  و لا يأكل الصدقة-  بين كتفيه خاتم النبوة قال و مر بي ركب من كلب فخرجت معهم-  فلما بلغوا بي وادي القرى ظلموني و باعوني من يهودي-  فكنت أعمل له في زرعه و نخله-  فبينا أنا عنده إذ قدم ابن عم له-  فابتاعني منه و حملني إلى المدينة-  فو الله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها-  و بعث الله محمدا بمكة-  و لا أعلم بشي‏ء من أمره-  فبينا أنا في رأس نخلة إذ أقبل ابن عم لسيدي- 

فقال قاتل الله بني قيلة-  قد اجتمعوا على رجل بقباء قدم عليهم من مكة-  يزعمون أنه نبي قال فأخذني القر و الانتفاض-  و نزلت عن النخلة و جعلت أستقصي في السؤال-  فما كلمني سيدي بكلمة-  بل قال أقبل على شأنك و دع ما لا يعنيك-  فلما أمسيت أخذت شيئا كان عندي من التمر-  و أتيت به النبي ص فقلت له بلغني أنك رجل صالح-  و أن لك أصحابا غرباء ذوي حاجة-  و هذا شي‏ء عندي للصدقة-  فرأيتكم أحق به من غيركم-  فقال ع لأصحابه كلوا و أمسك فلم يأكل-  فقلت في نفسي هذه واحدة و انصرفت-  فلما كان من الغد أخذت ما كان بقي عندي و أتيته به-  فقلت له إني رأيتك لا تأكل الصدقة-  و هذه هدية فقال كلوا و أكل معهم-  فقلت إنه لهو فأكببت عليه أقبله و أبكي-  فقال ما لك فقصصت عليه القصة فأعجبه-  ثم قال يا سلمان كاتب صاحبك-  فكاتبته على ثلاثمائة نخلة و أربعين أوقية-  فقال رسول الله ص للأنصار أعينوا أخاكم-  فأعانوني بالنخل حتى جمعت ثلاثمائة ودية-  فوضعها رسول الله ص بيده فصحت كلها-  و أتاه مال من بعض المغازي فأعطاني منه-  و قال أد كتابتك فأديت و عتقت- .

و كان سلمان من شيعة علي ع و خاصته-  و تزعم الإمامية أنه أحد الأربعة الذين حلقوا رءوسهم-  و أتوه متقلدي سيوفهم في خبر يطول-  و ليس هذا موضع ذكره-  و أصحابنا لا يخالفونهم في أن سلمان كان من الشيعة-  و إنما يخالفونهم في أمر أزيد من ذلك-  و ما يذكره المحدثون من قوله للمسلمين يوم السقيفة-  كرديد و نكرديد-  محمول عند أصحابنا على أن المراد صنعتم شيئا و ما صنعتم-  أي استخلفتم خليفة و نعم ما فعلتم-  إلا أنكم عدلتم عن أهل البيت-  فلو كان الخليفة منهم كان أولى-  و الإمامية تقول معناه أسلمتم و ما أسلمتم-  و اللفظة المذكورة في الفارسية لا تعطي هذا المعنى-  و إنما تدل على الفعل و العمل لا غير-  و يدل على صحة قول أصحابنا أن سلمان عمل لعمر على المدائن-  فلو كان ما تنسبه الإمامية إليه حقا لم يعمل له.

فأما ألفاظ الفصل و معانيه فظاهرة-  و مما يناسب مضمونه قول بعض الحكماء-  تعز عن الشي‏ء إذا منعته بقلة صحبته لك إذا أعطيته- . و كان يقال الهالك على الدنيا رجلان-  رجل نافس في عزها و رجل أنف من ذلها- .

 

و مر بعض الزهاد بباب دار و أهلها يبكون ميتا لهم-  فقال وا عجبا لقوم مسافرين-  يبكون مسافرا قد بلغ منزله- . و كان يقال يا ابن آدم-  لا تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت-  و لا تفرح بموجود لا يتركه عليك الموت- . لقي عالم من العلماء راهبا فقال أيها الراهب-  كيف ترى الدنيا قال تخلق الأبدان-  و تجدد الآمال و تباعد الأمنية و تقرب المنية-  قال فما حال أهلها-  قال من ظفر بها نصب و من فاتته أسف-  قال فكيف الغنى عنها-  قال بقطع الرجاء منها-  قال فأي الأصحاب أبر و أوفى-  قال العمل الصالح-  قال فأيهم أضر و أنكى-  قال النفس و الهوى-  قال فكيف المخرج قال في سلوك المنهج-  قال و بما ذا أسلكه-  قال بأن تخلع لباس الشهوات الفانية-  و تعمل للدار الباقية

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 18

نامه 67 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

67 و من كتاب له ع كتبه إلى قثم بن العباس-  و هو عامله على مكة

أَمَّا بَعْدُ فَأَقِمْ لِلنَّاسِ الْحَجَّ-  وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ-  وَ اجْلِسْ لَهُمُ الْعَصْرَيْنِ-  فَأَفْتِ الْمُسْتَفْتِيَ-  وَ عَلِّمِ الْجَاهِلَ وَ ذَاكِرِ الْعَالِمَ-  وَ لَا يَكُنْ لَكَ إِلَى النَّاسِ سَفِيرٌ إِلَّا لِسَانُكَ-  وَ لَا حَاجِبٌ إِلَّا وَجْهُكَ-  وَ لَا تَحْجُبَنَّ ذَا حَاجَةٍ عَنْ لِقَائِكَ بِهَا-  فَإِنَّهَا إِنْ ذِيدَتْ عَنْ أَبْوَابِكَ فِي أَوَّلِ وِرْدِهَا-  لَمْ تُحْمَدْ فِيمَا بَعْدُ عَلَى قَضَائِهَا-  وَ انْظُرْ إِلَى مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ مَالِ اللَّهِ-  فَاصْرِفْهُ إِلَى مَنْ قِبَلَكَ مِنْ ذَوِي الْعِيَالِ وَ الْمَجَاعَةِ-  مُصِيباً بِهِ مَوَاضِعَ الْمَفَاقِرِ وَ الْخَلَّاتِ-  وَ مَا فَضَلَ عَنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ إِلَيْنَا لِنَقْسِمَهُ فِيمَنْ قِبَلَنَا-  وَ مُرْ أَهْلَ مَكَّةَ أَلَّا يَأْخُذُوا مِنْ سَاكِنٍ أَجْراً-  فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ-  سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ-  فَالْعَاكِفُ الْمُقِيمُ بِهِ-  وَ الْبَادِي الَّذِي يَحُجُّ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ-  وَفَّقَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ لِمَحَابِّهِ وَ السَّلَامُ‏

 

قد تقدم ذكر قثم و نسبه-  أمره أن يقيم للناس حجهم-  و أن يذكرهم بأيام الله و هي أيام الإنعام-  و أيام الانتقام لتحصل الرغبة و الرهبة- . و اجلس لهم العصرين الغداة و العشي- . ثم قسم له ثمرة جلوسه لهم ثلاثة أقسام-  إما أن يفتي مستفتيا من العامة في بعض الأحكام-  و إما أن يعلم متعلما يطلب الفقه-  و إما أن يذاكر عالما و يباحثه و يفاوضه-  و لم يذكر السياسة و الأمور السلطانية-  لأن غرضه متعلق بالحجيج و هم أضيافه-  يقيمون ليالي يسيرة و يقفلون- 

و إنما يذكر السياسة و ما يتعلق بها فيما يرجع إلى أهل مكة-  و من يدخل تحت ولايته دائما-  ثم نهاه عن توسط السفراء و الحجاب بينه و بينهم-  بل ينبغي أن يكون سفيره لسانه و حاجبه وجهه-  و روي و لا يكن إلا لسانك سفيرا لك إلى الناس-  بجعل لسانك اسم كان مثل قوله-  فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا-  و الرواية الأولى هي المشهورة-  و هو أن يكون سفيرا اسم كان-  و لك خبرها-  و لا يصح ما قاله الراوندي إن خبرها إلى الناس-  لأن إلى هاهنا متعلقة بنفس سفير-  فلا يجوز أن تكون-  الخبر عن سفير تقول سفرت إلى بني فلان في الصلح-  و إذا تعلق حرف الجر بالكلمة صار كالشي‏ء الواحد- . ثم قال فإنها إن ذيدت أي طردت و دفعت- . كان أبو عباد ثابت بن يحيى كاتب المأمون إذا سئل الحاجة-  يشتم السائل و يسطو عليه و يخجله و يبكته ساعة-  ثم يأمر له بها فيقوم و قد صارت إليه-  و هو يذمه و يلعنه قال علي بن جبلة العكوك-

 

  لعن الله أبا عباد
لعنا يتوالى‏

يوسع السائل شتما
ثم يعطيه السؤالا

و كان الناس يقفون لأبي عباد وقت ركوبه-  فيتقدم الواحد منهم إليه بقصته ليناوله إياها-  فيركله برجله بالركاب و يضربه بسوطه-  و يطير غضبا ثم لا ينزل عن فرسه حتى يقضي حاجته-  و يأمر له بطلبته فينصرف الرجل بها-  و هو ذام له ساخط عليه فقال فيه دعبل- 

أولى الأمور بضيعة و فساد
ملك يدبره أبو عباد

متعمد بدواته جلساءه‏
فمضرج و مخضب بمداد

و كأنه من دير هزقل مفلت
حرب يجر سلاسل الأقياد

فاشدد أمير المؤمنين صفاده‏
بأشد منه في يد الحداد

و قال فيه بعض الشعراء-

قل للخليفة يا ابن عم محمد
قيد وزيرك إنه ركال‏

فلسوطه بين الرءوس مسالك‏
و لرجله بين الصدور مجال‏

و المفاقر الحاجات يقال سد الله مفاقره-  أي أغنى الله فقره-  ثم أمره أن يأمر أهل مكة-  ألا يأخذوا من أحد من الحجيج أجرة مسكن-  و احتج على ذلك بالآية-  و أصحاب أبي حنيفة يتمسكون بها-  في امتناع بيع دور مكة و إجارتها-  و هذا بناء على أن‏المسجد الحرام هو مكة كلها-  و الشافعي يرى خلاف ذلك و يقول إنه الكعبة-  و لا يمنع من بيع دور مكة و لا إجارتها-  و يحتج بقوله تعالى الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ-  و أصحاب أبي حنيفة يقولون-  إنها إضافة اختصاص لا إضافة تمليك-  كما تقول جل الدابة-  و قرأ سواء بالنصب على أن يكون أحد مفعولي جعلنا-  أي جعلناه مستويا فيه العاكف و الباد-  و من قرأ بالرفع جعل الجملة هي المفعول الثاني

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 18

 

نامه 66 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

66 و من كتاب له ع كتبه إلى عبد الله بن العباس

و قد تقدم ذكره بخلاف هذه الرواية: أَمَّا بَعْدُ-  فَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَفْرَحُ بِالشَّيْ‏ءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ-  وَ يَحْزَنُ عَلَى الشَّيْ‏ءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ-  فَلَا يَكُنْ أَفْضَلَ مَا نِلْتَ فِي نَفْسِكَ-  مِنْ دُنْيَاكَ بُلُوغُ لَذَّةٍ-  أَوْ شِفَاءُ غَيْظٍ-  وَ لَكِنْ إِطْفَاءُ بَاطِلٍ وَ إِحْيَاءُ حَقٍّ-  وَ لْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا قَدَّمْتَ-  وَ أَسَفُكَ عَلَى مَا خَلَّفْتَ-  وَ هَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ هذا الفصل قد تقدم شرح نظيره-  و ليس في ألفاظه و لا معانيه ما يفتقر إلى تفسير-  و لكنا سنذكر من كلام الحكماء و الصالحين-  كلمات تناسبه

نبذ من كلام الحكماء

فمن كلام بعضهم ما قدر لك أتاك-  و ما لم يقدر لك تعداك-  فعلام تفرح بما لم يكن بد من وصوله إليك-  و علام تحزن بما لم يكن ليقدم عليك- . و من كلامهم الدنيا تقبل إقبال الطالب-  و تدبر إدبار الهارب-  و تصل وصال المتهالك-  و تفارق فراق المبغض الفارك-  فخيرها يسير و عيشها قصير-  و إقبالها خدعة و إدبارهافجعة-  و لذاتها فانية و تبعاتها باقية-  فاغتنم غفلة الزمان و انتهز فرصة الإمكان-  و خذ من نفسك لنفسك-  و تزود من يومك لغدك قبل نفاذ المدة-  و زوال القدرة-  فلكل امرئ من دنياه ما ينفعه على عمارة أخراه- .

و من كلامهم من نكد الدنيا أنها لا تبقى على حالة-  و لا تخلو من استحالة-  تصلح جانبا بإفساد جانب و تسر صاحبا بمساءة صاحب-  فالسكون فيها خطر و الثقة إليها غرر-  و الالتجاء إليها محال و الاعتماد عليها ضلال- . و من كلامهم-  لا تبتهجن لنفسك بما أدركت من لذاتها الجسمانية-  و ابتهج لها بما تناله من لذاتها العقلية-  و من القول بالحق و العمل بالحق-  فإن اللذات الحسية خيال ينفد-  و المعارف العقلية باقية بقاء الأبد

 شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 18

نامه 65 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

65 و من كتاب له ع إليه أيضا

أَمَّا بَعْدُ-  فَقَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَنْتَفِعَ بِاللَّمْحِ الْبَاصِرِ مِنْ عِيَانِ الْأُمُورِ-  فَلَقَدْ سَلَكْتَ مَدَارِجَ أَسْلَافِكَ بِادِّعَائِكَ الْأَبَاطِيلَ-  وَ اقْتِحَامِكَ غُرُورَ الْمَيْنِ وَ الْأَكَاذِيبِ مِنِ انْتِحَالِكَ مَا قَدْ عَلَا عَنْكَ-  وَ ابْتِزَازِكَ لِمَا قَدِ اخْتُزِنَ دُونَكَ-  فِرَاراً مِنَ الْحَقِّ-  وَ جُحُوداً لِمَا هُوَ أَلْزَمُ لَكَ مِنْ لَحْمِكَ وَ دَمِكَ-  مِمَّا قَدْ وَعَاهُ سَمْعُكَ-  وَ مُلِئَ بِهِ صَدْرُكَ-  فَمَا ذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ-  وَ بَعْدَ الْبَيَانِ إِلَّا اللَّبْسُ-  فَاحْذَرِ الشُّبْهَةَ وَ اشْتِمَالَهَا عَلَى لُبْسَتِهَا-  فَإِنَّ الْفِتْنَةَ طَالَمَا أَغْدَفَتْ جَلَابِيبَهَا-  وَ أَعْشَتِ الْأَبْصَارَ ظُلْمَتُهَا-  وَ قَدْ أَتَانِي كِتَابٌ مِنْكَ ذُو أَفَانِينَ مِنَ الْقَوْلِ-  ضَعُفَتْ قُوَاهَا عَنِ السِّلْمِ-  وَ أَسَاطِيرَ لَمْ يَحُكْهَا عَنْكَ عِلْمٌ وَ لَا حِلْمٌ-  أَصْبَحْتَ مِنْهَا كَالْخَائِضِ فِي الدَّهَاسِ-  وَ الْخَابِطِ فِي الدِّيمَاسِ-  وَ تَرَقَّيْتَ إِلَى مَرْقَبَةٍ بَعِيدَةِ الْمَرَامِ-  نَازِحَةِ الْأَعْلَامِ-  تَقْصُرُ دُونَهَا الْأَنُوقُ-  وَ يُحَاذَى بِهَا الْعَيُّوقُ-  وَ حَاشَ لِلَّهِ أَنْ تَلِيَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدِي صَدْراً أَوْ وِرْداً-  أَوْ أُجْرِيَ لَكَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ عَقْداً أَوْ عَهْداً-  فَمِنَ الآْنَ فَتَدَارَكْ نَفْسَكَ وَ انْظُرْ لَهَا-  فَإِنَّكَ إِنْ فَرَّطْتَ حَتَّى يَنْهَدَ إِلَيْكَ عِبَادُ اللَّهِ-  أُرْتِجَتْ عَلَيْكَ الْأُمُورُ-  وَ مُنِعْتَ أَمْراً هُوَ مِنْكَ الْيَوْمَ مَقْبُولٌ وَ السَّلَامُ‏

 

آن لك و أنى لك بمعنى أي قرب و حان-  تقول آن لك أن تفعل كذا يئين أينا و قال- 

  أ لم يأن أن لي تجل عني عمايتي
و أقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا

فجمع بين اللغتين-  و أنى مقلوبة عن آن-  و مما يجري مجرى المثل قولهم لمن يرونه شيئا-  شديدا يبصره و لا يشك فيه-  قد رأيته لمحا باصرا-  قالوا أي نظرا بتحديق شديد-  و مخرجه مخرج رجل لابن و تامر-  أي ذو لبن و تمر-  فمعنى باصر ذو بصر-  يقول ع لمعاوية-  قد حان لك أن تنتفع بما تعلمه من معاينة الأمور و الأحوال-  و تتحققه يقينا بقلبك-  كما يتحقق ذو اللمح الباصر ما يبصره بحاسة بصره-  و أراد ببيان الأمور هاهنا معاينتها-  و هو ما يعرفه ضرورة من استحقاق علي ع للخلافة دونه-  و براءته من كل شبهة ينسبها إليه- . ثم قال له فقد سلكت-  أي اتبعت طرائق أبي سفيان أبيك-  و عتبة جدك و أمثالهما من أهلك-  ذوي الكفر و الشقاق- . و الأباطيل جمع باطل على غير قياس-  كأنهم جمعوا إبطيلا- . و الاقتحام إلقاء النفس في الأمر من غير روية- . و المين الكذب-  و الغرور بالضم المصدر و بالفتح الاسم- . و انتحلت القصيدة أي ادعيتها كذبا- . قال ما قد علا عنك أي أنت دون الخلافة-  و لست من أهلها-  و الابتزاز الاستلاب- .

 

قال لما قد اختزن دونك-  يعني التسمي بإمرة المؤمنين- . ثم قال فرارا من الحق-  أي فعلت ذلك كله هربا من التمسك بالحق و الدين-  و حبا للكفر و الشقاق و التغلب- . قال و جحودا لما هو ألزم-  يعني فرض طاعة علي ع لأنه قد وعاها سمعه-  لا ريب في ذلك إما بالنص في أيام رسول الله ص-  كما تذكره الشيعة فقد كان معاوية حاضرا يوم الغدير-  لأنه حج معهم حجة الوداع-  و قد كان أيضا حاضرا يوم تبوك-  حين قال له بمحضر من الناس كافة-  أنت مني بمنزلة هارون من موسى-  و قد سمع غير ذلك-  و أما بالبيعة كما نذكره نحن فإنه قد اتصل به خبرها-  و تواتر عنده وقوعها-  فصار وقوعها عنده معلوما بالضرورة-  كعلمه بأن في الدنيا بلدا اسمها مصر-  و إن كان ما رآها- .

و الظاهر من كلام أمير المؤمنين ع-  أنه يريد المعنى الأول-  و نحن نخرجه على وجه لا يلزم منه ما تقوله الشيعة-  فنقول لنفرض أن النبي ص ما نص عليه بالخلافة بعده-  أ ليس يعلم معاوية و غيره من الصحابة-  أنه لو قال له في ألف مقام-  أنا حرب لمن حاربت و سلم لمن سالمت-  و نحو ذلك من قوله اللهم عاد من عاداه-  و وال من والاه-  و قوله حربك حربي و سلمك سلمي-  و قوله أنت مع الحق و الحق معك-  و قوله هذا مني و أنا منه-  و قوله هذا أخي-  و قوله يحب الله و رسوله-  و يحبه الله و رسوله-  و قوله اللهم ائتني بأحب خلقك إليك-  و قوله إنه ولي كل مؤمن و مؤمنة بعدي-  و قوله في كلام قاله خاصف النعل-  و قوله لا يحبه إلا مؤمن و لا يبغضه إلا منافق-  و قوله إن الجنة لتشتاق إلى أربعة-  و جعله أولهم-  و قوله لعمار تقتلك الفئة الباغية-  و قوله ستقاتل الناكثين و القاسطين-و المارقين بعدي-  إلى غير ذلك مما يطول تعداده جدا-  و يحتاج إلى كتاب مفرد يوضع له-  أ فما كان ينبغي لمعاوية أن يفكر في هذا و يتأمله-  و يخشى الله و يتقيه-  فلعله ع إلى هذا أشار بقوله-  و جحودا لما هو ألزم لك من لحمك و دمك-  مما قد وعاه سمعك و ملئ به صدرك- . قوله فما ذا بعد الحق إلا الضلال-  كلمة من الكلام الإلهي المقدس- .

قال و بعد البيان إلا اللبس-  يقال لبست عليه الأمر لبسا-  أي خلطته و المضارع يلبس بالكسر- . قال فاحذر الشبهة و اشتمالها على اللبسة بالضم-  يقال في الأمر لبسة أي اشتباه و ليس بواضح-  و يجوز أن يكون اشتمال مصدرا مضافا إلى معاوية-  أي احذر الشبهة و احذر اشتمالك إياها على اللبسة-  أي ادراعك بها و تقمصك بها على ما فيها-  من الإبهام و الاشتباه-  و يجوز أن يكون مصدرا مضافا إلى ضمير الشبهة فقط-  أي احذر الشبهة و احتواءها على اللبسة التي فيها- .

و تقول أغدفت المرأة قناعها-  أي أرسلته على وجهها-  و أغدف الليل-  أي أرخى سدوله-  و أصل الكلمة التغطية- . و الجلابيب جمع جلباب و هو الثوب- . قال و أعشت الأبصار ظلمتها-  أي أكسبتها العشي و هو ظلمة العين-  و روي و أغشت بالغين المعجمة ظلمتها بالنصب-  أي جعلت الفتنة ظلمتها غشاء للأبصار- . و الأفانين الأساليب المختلفة- . قوله ضعفت قواها عن السلم أي عن الإسلام-  أي لا تصدر تلك الأفانين‏المختلطة عن مسلم-  و كان كتب إليه يطلب منه أن يفرده بالشام-  و أن يوليه العهد من بعده-  و ألا يكلفه الحضور عنده-  و قرأ أبو عمرو ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً-  و قال ليس المعني بهذا الصلح-  بل الإسلام و الإيمان لا غير-  و معنى ضعفت قواها أي ليس لتلك الطلبات و الدعاوي-  و الشبهات التي تضمنها كتابك من القوة-  ما يقتضي أن يكون المتمسك به مسلما-  لأنه كلام لا يقوله إلا من هو-  إما كافر منافق أو فاسق-  و الكافر ليس بمسلم-  و الفاسق أيضا ليس بمسلم على قول أصحابنا و لا كافر- . ثم قال و أساطير لم يحكها منك علم و لا حلم-  الأساطير الأباطيل واحدها أسطورة بالضم-  و إسطارة بالكسر و الألف-  و حوك الكلام صنعته و نظمه-  و الحلم العقل يقول له-  ما صدر هذا الكلام و الهجر الفاسد عن عالم و لا عاقل- .

و من رواها الدهاس بالكسر فهو جمع دهس-  و من قرأها بالفتح فهو مفرد-  يقول هذا دهس و دهاس بالفتح مثل لبث و لباث-  للمكان السهل الذي لا يبلغ أن يكون رملا-  و ليس هو بتراب و لا طين- . و الديماس بالكسر السرب المظلم تحت الأرض-  و في حديث المسيح أنه سبط الشعر-  كثير خيلان الوجه كأنه خرج من ديماس-  يعني في نضرته و كثرة ماء وجهه-  كأنه خرج من كن-  لأنه قال في وصفه كان رأسه يقطر ماء-  و كان للحجاج سجن اسمه الديماس لظلمته-  و أصله من دمس الظلام يدمس أي اشتد-  و ليل دامس و داموس أي مظلم-  و جاءنا فلان بأمور دمس أي مظلمة عظيمة-  يقول له أنت في كتابك هذا كالخائض في تلك الأرض الرخوة-  و تقوم و تقع و لا تتخلص-  و كالخابط في الليل المظلم يعثر و ينهض-  و لا يهتدى الطريق- .

 

و المرقبة الموضع العالي و الأعلام جمع علم-  و هو ما يهتدى به في الطرقات من المنار-  يقول له سمت همتك إلى دعوى الخلافة-  و هي منك كالمرقبة التي لا ترام بتعد على من يطلبها-  و ليس فيها أعلام تهدى إلى سلوك طريقها-  أي الطرق إليها غامضة-  كالجبل الأملس الذي ليس فيه درج و مراق-  يسلك منها إلى ذروته- . و الأنوق على فعول بالفتح كأكول و شروب طائر-  و هو الرخمة و في المثل أعز من بيض الأنوق-  لأنها تحرزه و لا يكاد أحد يظفر به-  و ذلك لأن أوكارها في رءوس الجبال-  و الأماكن الصعبة البعيدة- . و العيوق كوكب معروف فوق زحل في العلو-  و هذه أمثال ضربها في بعد معاوية عن الخلافة- .

ثم قال حاش لله-  إن أوليك شيئا من أمور المسلمين بعدي-  أي معاذ الله و الأصل إثبات الألف في حاشا-  و إنما اتبع فيها المصحف- . و الورد و الصدر الدخول و الخروج-  و أصله في الإبل و الماء-  و ينهد إليك عباد الله أي ينهض-  و أرتجت عليك الأمور أغلقت- . و هذا الكتاب هو جواب كتاب وصل من معاوية إليه ع-  بعد قتل علي ع الخوارج-  و فيه تلويح بما كان يقوله من قبل-  إن رسول الله وعدني بقتال طائفة أخرى-  غير أصحاب الجمل و صفين و إنه سماهم المارقين-  فلما واقعهم ع بالنهروان و قتلهم كلهم بيوم واحد-  و هم عشرة آلاف فارس-  أحب أن يذكر معاوية بما كان يقول من قبل-  و يعد به أصحابه و خواصه-  فقال له قد آن لك أن تنتفع بما عاينت-  و شاهدت معاينة و مشاهدة-  من صدق القول الذي كنت أقوله للناس-  و يبلغك فتستهزئ به

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 18

نامه 64 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

 64 و من كتاب له ع إلى معاوية جوابا عن كتابه

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّا كُنَّا نَحْنُ وَ أَنْتُمْ عَلَى مَا ذَكَرْتَ-  مِنَ الْأُلْفَةِ وَ الْجَمَاعَةِ-  فَفَرَّقَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمْ أَمْسِ أَنَّا آمَنَّا وَ كَفَرْتُمْ-  وَ الْيَوْمَ أَنَّا اسْتَقَمْنَا وَ فُتِنْتُمْ-  وَ مَا أَسْلَمَ مُسْلِمُكُمْ إِلَّا كَرْهاً-  وَ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَنْفُ الْإِسْلَامِ كُلُّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ص حَرْباً-  وَ ذَكَرْتَ أَنِّي قَتَلْتُ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ-  وَ شَرَّدْتُ بِعَائِشَةَ وَ نَزَلْتُ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ-  وَ ذَلِكَ أَمْرٌ غِبْتَ عَنْهُ فَلَا عَلَيْكَ وَ لَا الْعُذْرُ فِيهِ إِلَيْكَ-  وَ ذَكَرْتَ أَنَّكَ زَائِرِي فِي جَمْعِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ-  وَ قَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ يَوْمَ أُسِرَ أَخُوكَ-  فَإِنْ كَانَ فِيكَ عَجَلٌ فَاسْتَرْفِهْ-  فَإِنِّي إِنْ أَزُرْكَ فَذَلِكَ جَدِيرٌ-  أَنْ يَكُونَ اللَّهُ إِنَّمَا بَعَثَنِي إِلَيْكَ لِلنِّقْمَةِ مِنْكَ-  وَ إِنْ تَزُرْنِي فَكَمَا قَالَ أَخُو بَنِي أَسَدٍ- 

  مُسْتَقْبِلِينَ رِيَاحَ الصَّيْفِ تَضْرِبُهُمْ
بِحَاصِبٍ بَيْنَ أَغْوَارٍ وَ جُلْمُودِ

 وَ عِنْدِي السَّيْفُ الَّذِي أَعْضَضْتُهُ بِجَدِّكَ-  وَ خَالِكَ وَ أَخِيكَ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ-  فَإِنَّكَ وَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ الْأَغْلَفُ الْقَلْبِ الْمُقَارِبُ الْعَقْلِ-  وَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَكَ-  إِنَّكَ رَقِيتَ سُلَّماً أَطْلَعَكَ مَطْلَعَ سُوءٍ عَلَيْكَ لَا لَكَ-  لِأَنَّكَ نَشَدْتَ غَيْرَ ضَالَّتِكَ وَ رَعَيْتَ غَيْرَ سَائِمَتِكَ-  وَ طَلَبْتَ أَمْراً لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ وَ لَا فِي مَعْدِنِهِ-  فَمَا أَبْعَدَ قَوْلَكَ مِنْ فِعْلِكَ-وَ قَرِيبٌ مَا أَشْبَهْتَ مِنْ أَعْمَامٍ وَ أَخْوَالٍ-  حَمَلَتْهُمُ الشَّقَاوَةُ وَ تَمَنِّي الْبَاطِلِ عَلَى الْجُحُودِ بِمُحَمَّدٍ ص-  فَصُرِعُوا مَصَارِعَهُمْ حَيْثُ عَلِمْتَ-  لَمْ يَدْفَعُوا عَظِيماً وَ لَمْ يَمْنَعُوا حَرِيماً-  بِوَقْعِ سُيُوفٍ مَا خَلَا مِنْهَا الْوَغَى-  وَ لَمْ تُمَاشِهَا الْهُوَيْنَى-  وَ قَدْ أَكْثَرْتَ فِي قَتَلَةِ عُثْمَانَ-  فَادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ ثُمَّ حَاكِمِ الْقَوْمَ إِلَيَّ-  أَحْمِلْكَ وَ إِيَّاهُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى-  وَ أَمَّا تِلْكَ الَّتِي تُرِيدُ-  فَإِنَّهَا خُدْعَةُ الصَّبِيِّ عَنِ اللَّبَنِ فِي أَوَّلِ الْفِصَالِ-  وَ السَّلَامُ لِأَهْلِهِ

كتاب معاوية إلى علي

أما الكتاب الذي كتبه إليه معاوية-  و هذا الكتاب جوابه فهو-  من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب-  أما بعد فإنا بني عبد مناف-  لم نزل ننزع من قليب واحد و نجري في حلبة واحدة-  ليس لبعضنا على بعض فضل-  و لا لقائمنا على قاعدنا فخر-  كلمتنا مؤتلفة و ألفتنا جامعة و دارنا واحدة-  يجمعنا كرم العرق و يحوينا شرف النجار-  و يحنو قوينا على ضعيفنا و يواسي غنينا فقيرنا-  قد خلصت قلوبنا من وغل الحسد-  و طهرت أنفسنا من خبث النية-  فلم نزل كذلك حتى كان منك ما كان من الإدهان-  في أمر ابن عمك و الحسد له-  و نصرة الناس عليه حتى قتل بمشهد منك-  لا تدفع عنه بلسان و لا يد-  فليتك‏ أظهرت نصره حيث أسررت خبره-  فكنت كالمتعلق بين الناس بعذر و إن ضعف-  و المتبرئ من دمه بدفع و إن وهن-  و لكنك جلست في دارك تدس إليه الدواهي-  و ترسل إليه الأفاعي-  حتى إذا قضيت وطرك منه-  أظهرت شماتة و أبديت طلاقة-  و حسرت للأمر عن ساعدك و شمرت عن ساقك-  و دعوت الناس إلى نفسك-  و أكرهت أعيان المسلمين على بيعتك-  ثم كان منك بعد ما كان-  من قتلك شيخي المسلمين-  أبي محمد طلحة و أبي عبد الله الزبير-  و هما من الموعودين بالجنة-  و المبشر قاتل أحدهما بالنار في الآخرة-  هذا إلى تشريدك بأم المؤمنين عائشة-  و إحلالها محل الهون-  متبذلة بين أيدي الأعراب و فسقة أهل الكوفة-  فمن بين مشهر لها و بين شامت بها و بين ساخر منها-  ترى ابن عمك كان بهذه لو رآه راضيا-  أم كان يكون عليك ساخطا و لك عنه زاجرا-  أن تؤذي أهله و تشرد بحليلته و تسفك دماء أهل ملته-  ثم تركك دار الهجرة التي قال رسول الله ص عنها إن المدينة لتنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد-  فلعمري لقد صح وعده و صدق قوله-  و لقد نفت خبثها-  و طردت عنها من ليس بأهل أن يستوطنها-  فأقمت بين المصرين و بعدت عن بركة الحرمين-  و رضيت بالكوفة بدلا من المدينة-  و بمجاورة الخورنق و الحيرة عوضا من مجاورة خاتم النبوة-  و من قبل ذلك ما عبت خليفتي رسول الله ص أيام حياتهما-  فقعدت عنهما و ألبت عليهما و امتنعت من بيعتهما-  و رمت أمرا لم يرك الله تعالى له أهلا-  و رقيت سلما وعرا و حاولت مقاما دحضا-  و ادعيت ما لم تجد عليه ناصرا-  و لعمري لو وليتها حينئذ لما ازدادت-  إلا فسادا و اضطرابا-  و لا أعقبت ولايتكها إلا انتشارا و ارتدادا-  لأنك الشامخ بأنفه الذاهب بنفسه-  المستطيل على الناس بلسانه و يده-  و ها أنا سائر إليك في جمع‏من المهاجرين و الأنصار-  تحفهم سيوف شامية و رماح قحطانية-  حتى يحاكموك إلى الله-  فانظر لنفسك و للمسلمين و ادفع إلي قتلة عثمان-  فإنهم خاصتك و خلصاؤك و المحدقون بك-  فإن أبيت إلا سلوك سبيل اللجاج-  و الإصرار على الغي و الضلال-  فاعلم أن هذه الآية إنما نزلت فيك-  و في أهل العراق معك وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً-  يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ-  فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ.

ثم نعود إلى تفسير ألفاظ الفصل و معانيه-  قال ع لعمري إنا كنا بيتا واحدا في الجاهلية-  لأنا بنو عبد مناف إلا أن الفرقة بيننا و بينكم-  حصلت منذ بعث الله محمدا ص فإنا آمنا و كفرتم-  ثم تأكدت الفرقة اليوم-  بأنا استقمنا على منهاج الحق و فتنتم- . ثم قال و ما أسلم من أسلم منكم إلا كرها-  كأبي سفيان و أولاده يزيد و معاوية-  و غيرهم من بني عبد شمس- . قال و بعد أن كان أنف الإسلام محاربا لرسول الله ص-  أي في أول الإسلام-  يقال كان ذلك في أنف دولة بني فلان أي في أولها-  و أنف كل شي‏ء أوله و طرفه-  و كان أبو سفيان و أهله من بني عبد شمس-  أشد الناس على رسول الله ص في أول الهجرة-  إلى أن فتح مكة-  ثم أجابه عن قوله قتلت طلحة و الزبير و شردت بعائشة-  و نزلت بين المصرين-  بكلام مختصر أعرض فيه عنه‏هوانا به-  فقال هذا أمر غبت عنه-  فليس عليك كان العدوان الذي تزعم-  و لا العذر إليك لو وجب على العذر عنه- .

فأما الجواب المفصل فأن يقال-  إن طلحة و الزبير قتلا أنفسهما ببغيهما و نكثهما-  و لو استقاما على الطريقة لسلما-  و من قتله الحق فدمه هدر-  و أما كونهما شيخين من شيوخ الإسلام فغير مدفوع-  و لكن العيب يحدث-  و أصحابنا يذهبون إلى أنهما تابا و فارقا الدنيا-  نادمين على ما صنعا-  و كذلك نقول نحن فإن الأخبار كثرت بذلك-  فهما من أهل الجنة لتوبتهما-  و لو لا توبتهما لكانا هالكين كما هلك غيرهما-  فإن الله تعالى لا يحابي أحدا في الطاعة و التقوى-  لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ- . و أما الوعد لهما بالجنة فمشروط بسلامة العاقبة-  و الكلام في سلامتهما-  و إذا ثبتت توبتهما فقد صح الوعد لهما و تحقق- 

وقوله بشر قاتل ابن صفية بالنار-  فقد اختلف فيه-  فقال قوم من أرباب السير و علماء الحديث-  هو كلام أمير المؤمنين ع غير مرفوع-  و قوم منهم جعلوه مرفوعا-  و على كل حال فهو حق-  لأن ابن جرموز قلته موليا خارجا من الصف-  مفارقا للحرب-  فقد قتله على توبة و إنابة و رجوع من الباطل-  و قاتل من هذه حاله فاسق مستحق للنار-  و أما أم المؤمنين عائشة فقد صحت توبتها-  و الأخبار الواردة في توبتها-  أكثر من الأخبار الواردة في توبة طلحة و الزبير-  لأنها عاشت زمانا طويلا و هما لم يبقيا-  و الذي جرى لها كان خطأ منها-  فأي ذنب لأمير المؤمنين ع في ذلك-  و لو أقامت في منزلها-  لم تبتذل بين الأعراب و أهل الكوفة-  على أن أمير المؤمنين ع أكرمها و صانها و عظم من شأنها-  و من أحب أن يقف على ما فعله معها-  فليطالع كتب السيرة-  و لو كانت فعلت بعمر ما فعلت به-  و شقت عصا الأمة عليه ثم ظفر بها-  لقتلها و مزقها إربا إربا-  و لكن عليا كان حليما كريما- .

 

و أما قوله لو عاش رسول الله ص-  فبربك هل كان يرضى لك أن تؤذي حليلته-  فلعلي ع أن يقلب الكلام عليه فيقول-  أ فتراه لو عاش أ كان يرضى لحليلته أن تؤذي أخاه و وصيه-  و أيضا أ تراه لو عاش أ كان يرضى لك يا ابن أبي سفيان-  أن تنازع عليا الخلافة و تفرق جماعة هذه الأمة-  و أيضا أ تراه لو عاش-  أ كان يرضى لطلحة و الزبير أن يبايعا-  ثم ينكثا لا لسبب بل قالا جئنا نطلب الدراهم-  فقد قيل لنا إن بالبصرة أموالا كثيرة-  هذا كلام يقوله مثلهما- .

فأما قوله تركت دار الهجرة فلا عيب عليه-  إذا انقضت عليه أطراف الإسلام بالبغي و الفساد-  أن يخرج من المدينة إليها و يهذب أهلها-  و ليس كل من خرج من المدينة كان خبثا-  فقد خرج عنها عمر مرارا إلى الشام-  ثم لعلي ع أن يقلب عليه الكلام فيقول له-  و أنت يا معاوية فقد نفتك المدينة أيضا عنها-  فأنت إذا خبث و كذلك طلحة و الزبير و عائشة-  الذين تتعصب لهم و تحتج على الناس بهم-  و قد خرج عن المدينة الصالحون-  كابن مسعود و أبي ذر و غيرهما-  و ماتوا في بلاد نائية عنها و أما قوله بعدت عن حرمة الحرمين-  و مجاورة قبر رسول الله ص-  فكلام إقناعي ضعيف-  و الواجب على الإمام أن يقدم الأهم فالأهم-  من مصالح الإسلام-  و تقديم قتال أهل البغي على المقام بين الحرمين أولى-  فأما ما ذكره من خذلانه عثمان و شماتته به-  و دعائه الناس بعد قتله إلى نفسه-  و إكراهه طلحة و الزبير و غيرهما على بيعته-  فكله دعوى و الأمر بخلافها-  و من نظر كتب السير عرف أنه قد بهته-  و ادعى عليه ما لم يقع منه- .

و أما قوله التويت على أبي بكر و عمر و قعدت عنهما-  و حاولت الخلافة بعد رسول الله ص-  فإن عليا ع لم يكن يجحد ذلك و لا ينكره-  و لا ريب‏أنه كان يدعى الأمر بعد وفاة رسول الله ص لنفسه-  على الجملة-  أما لنص كما تقوله الشيعة-  أو لأمر آخر كما يقوله أصحابنا-  فأما قوله لو وليتها حينئذ لفسد الأمر و اضطرب الإسلام-  فهذا علم غيب لا يعلمه إلا الله-  و لعله لو وليها حينئذ لاستقام الأمر-  و صلح الإسلام و تمهد-  فإنه ما وقع الاضطراب عند ولايته بعد عثمان-  إلا لأن أمره هان عندهم بتأخره عن الخلافة-  و تقدم غيره عليه-  فصغر شأنه في النفوس-  و قرر من تقدمه في قلوب الناس-  أنه لا يصلح لها كل الصلاحية-  و الناس على ما يحصل في نفوسهم-  و لو كان وليها ابتداء و هو على تلك الحالة-  التي كان عليها أيام حياة رسول الله ص-  و تلك المنزلة الرفيعة و الاختصاص الذي كان له-  لكان الأمر غير الذي رأيناه عند ولايته بعد عثمان-  و أما قوله لأنك الشامخ بأنفه الذاهب بنفسه-  فقد أسرف في وصفه بما وصفه به-  و لا شك أن عليا ع كان عنده زهو لكن لا هكذا-  و كان ع مع زهوه ألطف الناس خلقا- .

ثم نرجع إلى تفسير ألفاظه ع-  قوله و ذكرت أنك زائري في جمع من المهاجرين و الأنصار-  و قد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك-  هذا الكلام تكذيب له في قوله-  في جمع من المهاجرين و الأنصار أي ليس معك مهاجر-  لأن أكثر من معك ممن رأى رسول الله ص هم أبناء الطلقاء-  و من أسلم بعد الفتح و قد قال النبي ص لا هجرة بعد الفتح- . و عبر عن يوم الفتح بعبارة حسنة-  فيها تقريع لمعاوية و أهله بالكفر-  و أنهم ليسوا من ذوي السوابق-  فقال قد انقطعت الهجرة يوم أسر أخوك-  يعني يزيد بن أبي سفيان أسر يوم الفتح في باب الخندمة-  و كان خرج في نفر من قريش-  يحاربون و يمنعون‏من دخول مكة-  فقتل منهم قوم و أسر يزيد بن أبي سفيان-  أسره خالد بن الوليد-  فخلصه أبو سفيان منه و أدخله داره-  فأمن لأن رسول الله ص قال يومئذ من دخل دار أبي سفيان فهو آمن

ذكر الخبر عن فتح مكة

و يجب أن نذكر في هذا الموضع-  ملخص ما ذكره الواقدي في كتاب المغازي-  في فتح مكة فإن الموضع يقتضيه-  لقوله ع ما أسلم مسلمكم إلا كرها-  و قوله يوم أسر أخوك- . قال محمد بن عمر الواقدي في كتاب المغازي-  كان رسول الله ص-  قد هادن قريشا في عام الحديبية عشر سنين-  و جعل خزاعة داخلة معه-  و جعلت قريش بني بكر بن عبد مناة من كنانة داخلة معهم-  و كان بين بني بكر و بين خزاعة-  تراث في الجاهلية و دماء-  و قد كانت خزاعة من قبل حالفت عبد المطلب بن هاشم-  و كان معها كتاب منه و كان رسول الله ص يعرف ذلك-  فلما تم صلح الحديبية و أمن الناس-  سمع غلام من خزاعة إنسانا من بني كنانة-  يقال له أنس بن زنيم الدؤلي-  ينشد هجاء له في رسول الله ص-  فضربه فشجه-  فخرج أنس إلى قومه فأراهم شجته فثار بينهم الشر-  و تذاكروا أحقادهم القديمة-  و القوم مجاورون بمكة-  فاستنجدت بكر بن عبد مناة قريشا على خزاعة-  فمن قريش من كره ذلك و قال لا انقض عهد محمد-  و منهم من خف إليه و كان أبو سفيان أحد من كره ذلك-  و كان صفوان بن أمية و حويطب بن عبد العزى-  و مكرز بن حفص‏ممن أعان بني بكر-  و دسوا إليهم الرجال بالسلاح سرا-  و بيتوا خزاعة ليلا فأوقعوا بهم-  فقتلوا منهم عشرين رجلا-  فلما أصبحوا عاتبوا قريشا-  فجحدت قريش أنها أعانت بكرا و كذبت في ذلك-  و تبرأ أبو سفيان و قوم من قريش مما جرى-  و شخص قوم من خزاعة إلى المدينة مستصرخين برسول الله ص-  فدخلوا عليه و هو في المسجد-  فقام عمرو بن سالم الخزاعي فأنشده- 

  لا هم إني ناشد محمدا
حلف أبينا و أبيه الأتلدا

لكنت والدا و كنا ولدا
ثمت أسلمنا و لم ننزع يدا

إن قريشا أخلفوك الموعدا
و نقضوا ميثاقك المؤكدا

هم بيتونا بالوتير هجدا
نتلو القران ركعا و سجدا

و زعموا أن لست تدعو أحدا
و هم أذل و أقل عددا

فانصر هداك الله نصرا أيدا
و ادع عباد الله يأتوا مددا

في فيلق كالبحر يجري مزبدا
فيهم رسول الله قد تجردا
قرم لقوم من قروم أصيدا

ثم ذكروا له ما أثار الشر-  و قالوا له إن أنس بن زنيم هجاك-  و إن صفوان بن أمية-  و فلانا و فلانا-  دسوا إلينا رجال قريش مستنصرين-  فبيتونا بمنزلنا بالوتير فقتلونا-  و جئناك مستصرخين بك-  فزعموا أن رسول الله ص قام مغضبا يجر رداءه و يقول-  لا نصرت إن لم أنصر خزاعة فيما أنصر منه نفسي- .

قلت-  فصادف ذلك من رسول الله ص إيثارا و حبا لنقض العهد-  لأنه كان يريد أن يفتح مكة و هم بها في عام الحديبية فصد-  ثم هم بها في عمرة القضية-  ثم وقف لأجل العهد و الميثاق الذي كان عقده معهم-  فلما جرى ما جرى على خزاعة اغتنمها- . قال الواقدي-  فكتب إلى جميع الناس في أقطار الحجاز و غيرها-  يأمرهم أن يكونوا بالمدينة في رمضان من سنة ثمان للهجرة-  فوافته الوفود و القبائل من كل جهة-  فخرج من المدينة بالناس-  يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان في عشرة آلاف-  فكان المهاجرون سبعمائة و معهم من الخيل ثلاثمائة فرس-  و كانت الأنصار أربعة آلاف معهم من الخيل خمسمائة-  و كانت مزينة ألفا فيها من الخيل مائة فرس-  و كانت أسلم أربعمائة فيها من الخيل ثلاثون فرسا-  و كانت جهينة ثمانمائة معها خمسون فرسا-  و من سائر الناس تمام عشرة آلاف-  و هم بنو ضمرة و بنو غفار و أشجع-  و بنو سليم و بنو كعب بن عمرو و غيرهم-  و عقد للمهاجرين ثلاثة ألوية-  لواء مع علي و لواء مع الزبير-  و لواء مع سعد بن أبي وقاص-  و كانت الرايات في الأنصار و غيرهم-  و كتم عن الناس الخبر فلم يعلم به إلا خواصه-  و أما قريش بمكة فندمت على ما صنعت بخزاعة-  و عرفت أن ذلك انقضاء ما بينهم و بين النبي ص من العهد-  و مشى الحارث بن هشام و عبد الله بن أبي ربيعة-  إلى أبي سفيان فقالا له-  إن هذا أمر لا بد له أن يصلح-  و الله إن لم يصلح لا يروعكم إلا محمد في أصحابه-  و قال أبو سفيان قد رأت هند بنت عتبة رؤيا-  كرهتها و أفظعتها و خفت من شرها-  قالوا ما رأت قال رأت كان دما أقبل من الحجون يسيل-  حتى وقف بالخندمة مليا-  ثم كان ذلك الدم لم يكن-  فكره القوم ذلك و قالوا هذا شر- .

قال الواقدي-  فلما رأى أبو سفيان ما رأى من الشر قال-  هذا و الله أمر لم أشهده‏و لم أغب عنه-  لا يحمل هذا إلا علي-  و لا و الله ما شوورت و لا هونت حيث بلغني-  و الله ليغزونا محمد إن صدق ظني و هو صادق-  و ما لي بد أن آتي محمدا فأكلمه أن يزيد في الهدنة-  و يجدد العهد قبل أن يبلغه هذا الأمر-  قالت قريش قد و الله أصبت-  و ندمت قريش على ما صنعت بخزاعة-  و عرفت أن رسول الله ص لا بد أن يغزوها-  فخرج أبو سفيان و خرج معه مولى له على راحلتين-  و أسرع السير-  و هو يرى أنه أول من خرج من مكة إلى رسول الله ص قال الواقدي و قد روى الخبر على وجه آخر-  و هو أنه لما قدم ركب خزاعة على رسول الله ص-  فأخبروه بمن قتل منهم- 

قال لهم بمن تهمتكم و طلبتكم-  قالوا بنو بكر بن عبد مناة-  قال كلها قالوا لا و لكن تهمتنا بنو نفاثة قصرة-  و رأسهم نوفل بن معاوية النفاثي-  فقال هذا بطن من بكر-  فأنا باعث إلى أهل مكة فسائلهم عن هذا الأمر-  و مخيرهم في خصال-  فبعث إليهم ضمرة يخيرهم بين إحدى خلال ثلاث-  بين أن يدوا خزاعة أو يبرءوا من حلف نفاثة-  أو ينبذ إليهم على سواء-  فأتاهم ضمرة فخيرهم بين الخلال الثلاث-  فقال قريظة بن عبد عمرو الأعمى-  أما أن ندي قتلى خزاعة-  فإنا إن وديناهم لم يبق لنا سبد و لا لبد-  و أما أن نبرأ من حلف نفاثة-  فإنه ليس قبيلة تحج هذا البيت أشد تعظيما له من نفاثة-  و هم حلفاؤنا فلا نبرأ من حلفهم-  و لكنا ننبذ إليه على سواء-  فعاد ضمرة إلى رسول الله ص بذلك-  و ندمت قريش أن ردت ضمرة بما ردته به- . قال الواقدي و قد روي غير ذلك-  روي أن قريشا لما ندمت على قتل خزاعة-  و قالت محمد غازينا- 

قال لهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح-  و هو يومئذ كافر مرتد عندهم-  أن عندي رأيا أن محمدا ليس يغزوكم-  حتى يعذر إليكم و يخيركم في خصال-  كلها أهون عليكم من غزوة-  قالوا ما هي قال يرسل إليكم أن تدوا قتلى خزاعة-  أو تبرءوا من حلف من نقض العهد و هم بنو نفاثة-  أو ينبذ إليكم العهد-  فقال القوم أحر بما قال ابن أبي سرح أن يكون-  فقال سهيل بن عمرو-  ما خصلة أيسر علينا من أن نبرأ من حلف نفاثة-  فقال شيبة بن عثمان العبدري-  حطت أخوالك خزاعة و غضبت لهم-  قال سهيل و أي قريش لم تلد خزاعة-  قال شيبة لا و لكن ندي قتلى خزاعة فهو أهون علينا-  فقال قريظة بن عبد عمرو-  لا و الله لا نديهم و لا نبرأ عن نفاثة أبر العرب بنا-  و أعمرهم لبيت ربنا-  و لكن ننبذ إليهم على سواء-  فقال أبو سفيان ما هذا بشي‏ء و ما الرأي إلا جحد هذا الأمر-  أن تكون قريش دخلت في نقض العهد أو قطع مدة-  فإن قطعه قوم بغير هوى منا و لا مشورة فما علينا- 

قالوا هذا هو الرأي لا رأي إلا الجحد لكل ما كان من ذلك-  فقال أنا أقسم أني لم أشهد و لم أوامر و أنا صادق-  لقد كرهت ما صنعتم و عرفت أن سيكون له يوم غماس-  قالت قريش لأبي سفيان فاخرج أنت بذلك فخرج- . قال الواقدي و حدثني عبد الله بن عامر الأسلمي-  عن عطاء بن أبي مروان قال-  قال رسول الله ص لعائشة صبيحة الليلة-  التي أوقعت فيها نفاثة و قريش بخزاعة بالوتير-  يا عائشة لقد حدث الليلة في خزاعة أمر-  فقالت عائشة يا رسول الله-  أ ترى قريشا تجترئ على نقض العهد بينك و بينهم-  أ ينقضون و قد أفناهم السيف-  فقال العهد لأمر يريده الله بهم-  فقالت خير أم شر يا رسول الله فقال خير- .

 قال الواقدي و حدثني عبد الحميد بن جعفر قال حدثني عمران بن أبي أنس عن ابن عباس قال قام رسول الله ص و هو يجر طرف ردائه و يقول-لا نصرت إن لم أنصر بني كعب يعني خزاعة-  فيما أنصر منه نفسي- .

قال الواقدي و حدثني حرام بن هشام عن أبيه قال-  قال رسول الله ص لكأنكم بأبي سفيان قد جاءكم يقول-  جدد العهد و زد في الهدنة و هو راجع بسخطه-  و قال لبني خزاعة عمرو بن سالم و أصحابه-  ارجعوا و تفرقوا في الأودية-  و قام فدخل على عائشة و هو مغضب فدعا بماء فدخل يغتسل  قالت عائشة فأسمعه يقول و هو يصب الماء على رجليه-  لا نصرت أن لم أنصر بني كعب- .

قال الواقدي فأما أبو سفيان فخرج من مكة و هو متخوف-  أن يكون عمرو بن سالم-  و رهطه من خزاعة سبقوه إلى المدينة-  و كان القوم لما رجعوا من المدينة و أتوا الأبواء-  تفرقوا كما أوصاهم رسول الله ص-  فذهبت طائفة إلى الساحل تعارض الطريق-  و لزم بديل بن أم أصرم الطريق في نفر معه-  فلقيهم أبو سفيان فلما رآهم أشفق أن يكونوا-  لقوا محمدا ص بل كان اليقين عنده-  فقام للقوم منذ كم عهدكم بيثرب قالوا لا عهد لنا بها-  فعرف أنهم كتموه فقال-  أ ما معكم من تمر يثرب شي‏ء تطعموناه-  فإن لتمر يثرب فضلا على تمر تهامة-  قالوا لا-  ثم أبت نفسه أن تقر فقال يا بديل هل جئت محمدا-  قال لا و لكني سرت في بلاد خزاعة من هذا الساحل-  في قتيل كان بينهم حتى أصلحت بينهم-  قال يقول أبو سفيان إنك و الله ما علمت بر واصل-  فلما راح بديل و أصحابه جاء أبو سفيان إلى أبعار إبلهم-  ففتها فإذا فيها النوى-  و وجد في منزلهم نوى من تمر عجوة كأنه ألسنة العصافير-  فقال أحلف بالله لقد جاء القوم محمدا-  و أقبل حتى قدم المدينة فدخل على النبي ص-  فقال يا محمد إني كنت غائبا في صلح الحديبية-  فاشدد العهد و زدنا في المدة-  فقال رسول الله ص و لذلك قدمت يا أبا سفيان-  قال نعم قال فهل كان قبلكم حدث-

 فقال معاذ الله-  فقال رسول الله-  فنحن على موثقنا و صلحنا يوم الحديبية لا نغير و لا نبدل-  فقام من عنده فدخل على ابنته أم حبيبة-  فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ص طوته دونه-  فقال أ رغبت بهذا الفراش عني أم رغبت بي عنه-  فقالت بل هو فراش رسول الله ص-  و أنت امرؤ نجس مشرك-  قال يا بنية لقد أصابك بعدي شر-  فقالت إن الله هداني للإسلام-  و أنت يا أبت سيد قريش و كبيرها-  كيف يخفى عنك فضل الإسلام-  و تعبد حجرا لا يسمع و لا يبصر-  فقال يا عجبا و هذا منك أيضا-  أ أترك ما كان يعبد آبائي و أتبع دين محمد-  ثم قام من عندها فلقي أبا بكر فكلمه-  و قال تكلم أنت محمدا و تجير أنت بين الناس-  فقال أبو بكر جواري جوار رسول الله ص-  ثم لقي عمر فكلمه بمثل ما كلم به أبا بكر فقال عمر-  و الله لو وجدت السنور تقاتلكم لأعنتها عليكم- 

قال أبو سفيان جزيت من ذي رحم شرا-  ثم دخل على عثمان بن عفان فقال له-  إنه ليس في القوم أحد أمس بي رحما منك-  فزدني الهدنة و جدد العهد-  فإن صاحبك لا يرد عليك أبدا-  و الله ما رأيت رجلا قط أشد إكراما لصاحب من محمد لأصحابه-  فقال عثمان جواري جوار رسول الله ص-  فجاء أبو سفيان حتى دخل على فاطمة بنت رسول الله ص-  فكلمها و قال أجيري بين الناس-  فقالت إنما أنا امرأة-  قال إن جوارك جائز-  و قد أجارت أختك أبا العاص بن الربيع-  فأجاز محمد ذلك-  فقالت فاطمة ذلك إلى رسول الله ص و أبت عليه-  فقال مري أحد هذين ابنيك يجير بين الناس-  قالت إنهما صبيان و ليس يجير الصبي-  فلما أبت عليه أتى عليا ع فقال يا أبا حسن-  أجر بين الناس و كلم محمدا ليزيد في المدة-  فقال علي ع ويحك يا أبا سفيان-  إن رسول الله ص قد عزمألا يفعل-  و ليس أحد يستطيع أن يكلمه في شي‏ء يكرهه-  قال أبو سفيان فما الرأي عندك فتشير لأمري-  فإنه قد ضاق علي فمرني بأمر ترى أنه نافعي- 

قال علي ع و الله ما أجد لك شيئا-  مثل أن تقوم فتجير بين الناس-  فإنك سيد كنانة-  قال أ ترى ذلك مغنيا عني شيئا-  قال علي إني لا أظن ذلك و الله و لكني لا أجد لك غيره-  فقام أبو سفيان بين ظهري الناس فصاح-  ألا إني قد أجرت بين الناس و لا أظن محمدا يحقرني-  ثم دخل على رسول الله ص فقال-  يا محمد ما أظن أن ترد جواري-  فقال ع أنت تقول ذلك يا أبا سفيان-  و يقال إنه لما صاح لم يأت النبي ص-  و ركب راحلته و انطلق إلى مكة-  و يروى أنه أيضا أتى سعد بن عبادة فكلمه في ذلك-  و قال يا أبا ثابت قد عرفت الذي كان بيني و بينك-  و إني كنت لك في حرمنا جارا و كنت لي بيثرب مثل ذلك-  و أنت سيد هذه المدرة فأجر بين الناس و زدني في المدة-  فقال سعد جواري جوار رسول الله ص-  ما يجير أحد على رسول الله ص-  فلما انطلق أبو سفيان إلى مكة-  و قد كان طالت غيبته عن قريش و أبطأ فاتهموه و قالوا-  نراه قد صبا و اتبع محمدا سرا و كتم إسلامه-  فلما دخل على هند ليلا قالت-  قد احتبست حتى اتهمك قومك-  فإن كنت جئتهم بنجح فأنت الرجل-  و قد كان دنا منها ليغشاها-  فأخبرها الخبر و قال لم أجد إلا ما قال لي علي-  فضربت برجلها في صدوره و قالت-  قبحت من رسول قوم- .

قال الواقدي فحدثني عبد الله بن عثمان-  عن أبي سليمان عن أبيه قال-  لما أصبح أبو سفيان حلق رأسه عند الصنمين-  أساف و نائلة و ذبح لهما-  و جعل يمسح بالدم رءوسهما و يقول-  لا أفارق عبادتكما حتى أموت على ما مات عليه أبي-  قال فعل ذلك ليبرئ نفسه مما اتهمته قريش به‏

قال الواقدي و قالت قريش لأبي سفيان-  ما صنعت و ما وراءك-  و هل جئتنا بكتاب من محمد و زيادة في المدة-  فإنا لا نأمن من أن يغزونا-  فقال و الله لقد أبى علي-  و لقد كلمت عليه أصحابه فما قدرت على شي‏ء منهم-  و رموني بكلمة منهم واحدة-  إلا أن عليا قال لما ضاقت بي الأمور-  أنت سيد كنانة فأجر بين الناس فناديت بالجوار-  ثم دخلت على محمد فقلت إني قد أجرت بين الناس-  و ما أظن محمدا يرد جواري-  فقال محمد أنت تقول ذاك يا أبا سفيان-  لم يزد على ذلك-  قالوا ما زاد علي على أن يلعب بك تلعبا-  قال فو الله ما وجدت غير ذلك- .

 قال الواقدي فحدثني محمد بن عبد الله عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم قال لما خرج أبو سفيان عن المدينة-  قال رسول الله ص لعائشة-  جهزينا و أخفي أمركو قال رسول الله ص اللهم خذ عن قريش الأخبار و العيون حتى نأتيهم بغتةو روي أنه قال اللهم خذ على أبصارهم فلا يروني إلا بغتة-  و لا يسمعون بي إلا فجأة-  قال و أخذ رسول الله ص الأنقاب و جعل عليها الرجال-  و منع من يخرج من المدينة-  فدخل أبو بكر على عائشة و هي تجهز رسول الله ص-  تعمل له قمحا سويقا و دقيقا و تمرا-  فقال لها أ هم رسول الله ص بغزو قالت لا أدري-  قال إن كان هم بسفر فآذنينا نتهيأ له-  قالت لا أدري لعله أراد بني سليم-  لعله أراد ثقيفا أو هوازن فاستعجمت عليه-  فدخل على رسول الله ص فقال-  يا رسول الله أردت سفرا قال نعم قال أ فأتجهز قال نعم-  قال و أين تريد قال قريشا و أخف ذلك يا أبا بكر-  و أمر رسول الله ص الناس فتجهزوا-  و طوى عنهم الوجه الذي يريد- 

و قال له أبو بكر يا رسول الله أ و ليس بيننا و بينهم مدة-  فقال إنهم غدروا و نقضوا العهدفأنا غازيهم-  فاطو ما ذكرت لك-  فكان الناس بين ظان يظن أنه يريد سليما-  و ظان يظن أنه يريد هوازن و ظان يظن أنه يريد ثقيفا-  و ظان يظن أنه يريد الشام-  و بعث رسول الله ص أبا قتادة بن ربعي في نفر إلى بطن-  ليظن الناس أن رسول الله ص قدم أمامه أولئك الرجال-  لتوجهه إلى تلك الجهة و لتذهب بذلك الأخبار- .

قال الواقدي حدثني المنذر بن سعد-  عن يزيد بن رومان قال-  لما أجمع رسول الله ص المسير إلى قريش-  و علم بذلك من علم من الناس-  كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش-  يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ص في أمرهم-  و أعطى الكتاب امرأة من مزينة-  و جعل لها على ذلك جعلا على أن تبلغه قريشا-  فجعلت الكتاب في رأسها-  ثم فتلت عليه قرونها و خرجت به-  و أتى الخبر إلى النبي ص من السماء بما صنع حاطب-  فبعث عليا ع و الزبير فقال-  أدركا امرأة من مزينة-  قد كتب معها حاطب كتابا يحذر قريشا-  فخرجا و أدركاها بذي الحليفة-  فاستنزلاها و التمسا الكتاب في رحلها فلم يجدا شيئا-  فقالا لها نحلف بالله ما كذب رسول الله ص-  و لا كذبنا-  و لتخرجن الكتاب أو لنكشفنك-  فلما رأت منهما الجد حلت قرونها-  و استخرجت الكتاب فدفعته إليهما-  فأقبلا به إلى رسول الله ص-  فدعا حاطبا و قال له ما حملك على هذا-  فقال يا رسول الله و الله إني لمسلم مؤمن بالله و رسوله-  ما غيرت و لا بدلت-  و لكني كنت امرأ ليس لي في القوم أصل و لا عشيرة-  و كان لي بين أظهرهم أهل و ولد فصانعتهم-  فقال عمر قاتلك الله ترى رسول الله ص يأخذ بالأنقاب-  و تكتب إلى قريش تحذرهم-  دعني يا رسول الله أضرب عنقه فإنه قد نافق-  فقال رسول الله ص‏و ما يدريك يا عمر-  لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال- 

اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم-  قال الواقدي فلما خرج رسول الله ص من المدينة-  بالألوية المعقودة و الرايات-  بعد العصر من يوم الأربعاء لعشر خلون من شهر رمضان-  لم يحل عقده حتى انتهى إلى الصلصل-  و المسلمون يقودون الخيل و قد امتطوا الإبل-  و قدم أمامه الزبير بن العوام في مائتين-  قال فلما كان بالبيداء نظر إلى عنان السماء-  فقال إني لأرى السحاب تستهل بنصر بني كعب يعني خزاعة- . قال الواقدي-  و جاء كعب بن مالك ليعلم أي جهة يقصد-  فبرك بين يديه على ركبتيه ثم أنشده- 

قضينا من تهامة كل نحب
و خيبر ثم أحمينا السيوفا

فسائلها و لو نطقت لقالت‏
قواضبهن دوسا أو ثقيفا

فلست بحاضر إن لم تروها
بساحة داركم منها ألوفا

فننتزع الخيام ببطن وج‏
و نترك دوركم منها خلوفا

قال فتبسم رسول الله ص و لم يزد على ذلك-  فجعل الناس يقولون و الله ما بين لك رسول الله ص شيئا-  فلم تزل الناس كذلك حتى نزلوا بمر الظهران- . قال الواقدي و خرج العباس بن عبد المطلب-  و مخرمة بن نوفل-  من مكة يطلبان رسول الله ص-  ظنا منهما أنه بالمدينة يريدان الإسلام-  فلقياه بالسقيا- .

قال الواقدي فلما كانت الليلة التي أصبح فيها بالجحفة-  رأى فيها أبو بكر في منامه أن النبي ص و أصحابه-  قد دنوا من مكة فخرجت عليهم كلبة تهر-  فلما دنوا منها استلقت على قفاها-  و إذا أطباؤها تشخب لبنا-  فقصها على رسول الله ص-  فقال ذهب كلبهم و أقبل درهم-  و هم سائلونا بأرحامهم و أنتم لاقون بعضهم-  فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه قال الواقدي و إلى أن وصل مر الظهران-  لم يبلغ قريشا حرف واحد من حاله-  فلما نزل بمر الظهران أمر أصحابه أن يوقدوا النار-  فأوقدوا عشرة آلاف نار-  و أجمعت قريش أن يبعثوا أبا سفيان يتجسس لهم الأخبار-  فخرج هو و حكيم بن حزام و بديل بن ورقاء-  قال و قد كان العباس بن عبد المطلب قال-  وا سوء صباح قريش-  و الله إن دخلها رسول الله ص عنوة-  إنه لهلاك قريش آخر الدهر-  قال العباس فأخذت بغلة رسول الله ص الشهباء فركبتها-  و قلت ألتمس حطابا أو إنسانا أبعثه إلى قريش-  فيلقوا رسول الله ص قبل أن يدخلها عليهم عنوة-  فو الله إني لفي الأراك ليلا أبتغي ذلك إذ سمعت كلاما يقول-  و الله إن رأيت كالليلة نارا- 

قال يقول بديل بن ورقاء-  إنها نيران خزاعة جاشها الحرب-  قال يقول أبو سفيان خزاعة أذل-  من أن تكون هذه نيرانها و عسكرها-  فعرفت صوته فقلت أبا حنظلة-  فعرف صوتي فقال لبيك أبا الفضل-  فقلت ويحك هذا رسول الله ص في عشرة آلاف و هو مصبحكم-  فقال بأبي و أمي فهل من حيلة فقلت نعم-  تركب عجز هذه البغلة فأذهب بك إلى رسول الله ص-  فإنه إن ظفر بك دون ذلك ليقتلنك-  قال و الله أنا أرى ذلك فركب خلفي-  و رحل‏بديل و حكيم فتوجهت به-  فلما مررت به على نار من نيران المسلمين قالوا من هذا-  فإذا رأوني قالوا عم رسول الله ص على بغلة رسول الله-  حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فلما رآني قال من هذا- 

قلت العباس فذهب ينظر فرأى أبا سفيان خلفي-  فقال أبو سفيان عدو الله-  الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد و لا عقد-  ثم خرج يشتد نحو رسول الله ص-  و ركضت البغلة-  حتى اجتمعنا جميعا على باب قبة رسول الله ص-  فدخلت و دخل عمر بن الخطاب على أثري-  فقال عمر يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله-  قد أمكن الله منه بغير عقد و لا عهد فدعني أضرب عنقه-  فقلت يا رسول الله إني قد أجرته-  ثم لزمت رسول الله ص فقلت-  و الله لا يناجيه الليلة أحد دوني-  فلما أكثر عمر فيه قلت مهلا يا عمر-  فإنه لو كان رجلا من عدي بن كعب ما قلت هذا-  و لكنه أحد بني عبد مناف-  فقال عمر مهلا يا أبا الفضل-  فو الله لإسلامك كان أحب إلي من إسلام الخطاب-  أو قال من إسلام رجل من ولد الخطاب لو أسلم-  فقال رسول الله ص اذهب به فقد أجرناه-  فليبت عندك حتى تغدو به علينا إذا أصبحت-  فلما أصبحت غدوت به-  فلما رآه رسول الله ص قال ويحك يا أبا سفيان-  أ لم يأن لك أن تعلم لا إله إلا الله-  قال بأبي أنت ما أحلمك و أكرمك و أعظم عفوك-  قد كان يقع في نفسي أن لو كان مع الله إله آخر لأغنى- 

قال يا أبا سفيان أ لم يأن لك أن تعلم أني رسول الله-  قال بأبي أنت ما أحلمك و أكرمك و أعظم عفوك-  أما هذه فو الله إن في النفس منها لشيئا بعد-  قال العباس فقلت ويحك-  تشهد و قل لا إله الله محمد رسول الله قبل أن تقتل-  فتشهد-  و قال العباس يا رسول الله-  إنك قد عرفت أبا سفيان و فيه الشرف و الفخر فاجعل له شيئا- 

 فقال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن-  و من أغلق داره فهو آمن-  ثم قال خذه فاحبسه بمضيق الوادي إلى خطم الجبل-حتى تمر عليه جنود الله فيراها-  قال العباس فعدلت به في مضيق الوادي إلى خطم الجبل-  فحبسته هناك فقال أ غدرا يا بني هاشم-  فقلت له إن أهل النبوة لا يغدرون-  و إنما حبستك لحاجة-  قال فهلا بدأت بها أولا فأعلمتنيها فكان أفرخ لروعي-  ثم مرت به القبائل على قادتها و الكتائب على راياتها-  فكان أول من مر به خالد بن الوليد في بني سليم و هم ألف-  و لهم لواءان يحمل أحدهما العباس بن مرداس-  و الآخر خفاف بن ندبة و راية يحملها المقداد-  فقال أبو سفيان يا أبا الفضل من هؤلاء-  قال هؤلاء بنو سليم و عليهم خالد بن الوليد-  قال الغلام قال نعم-  فلما حاذى خالد العباس و أبا سفيان كبر ثلاثا-  و كبروا معه ثم مضوا-  و مر على أثره الزبير بن العوام في خمسمائة-  فيهم جماعة من المهاجرين و قوم من أفناء الناس-  و معه راية سوداء فلما حاذاهما كبر ثلاثا و كبر أصحابه-  فقال من هذا-  قال هذا الزبير قال ابن أختك قال نعم-  قال ثم مرت به بنو غفار في ثلاثمائة يحمل رايتهم أبو ذر-  و يقال إيماء بن رحضة-  فلما حاذوهما كبروا ثلاثا- 

قال يا أبا الفضل من هؤلاء قال بنو غفار-  قال ما لي و لبني غفار-  ثم مرت به أسلم في أربعمائة-  يحمل لواءها يزيد بن الخصيب-  و لواء آخر مع ناجية بن الأعجم فلما حاذوه كبروا ثلاثا-  فسأل عنهم فقال هؤلاء أسلم فقال ما لي و لأسلم-  ما كان بيننا و بينهم ترة قط-  ثم مرت بنو كعب بن عمرو بن خزاعة في خمسمائة-  يحمل رايتهم بشر بن سفيان-  فقال من هؤلاء قال كعب بن عمرو قال نعم حلفاء محمد-  فلما حاذوه كبروا ثلاثا-  ثم مرت مزينة في ألف فيها ثلاثة ألوية-  مع النعمان بن مقرن و بلال بن الحارث و عبد الله بن عمرو-  فلما حاذوهما كبروا-  قال من هؤلاء قال مزينة قال يا أبا الفضل ما لي و لمزينة-  قد جاءتني تقعقع من شواهقها-ثم مرت جهينة في ثمانمائة فيها أربعة ألوية-  مع معبد بن خالد و سويد بن صخر و رافع بن مكيث-  و عبد الله بن بدر-  فلما حاذوه كبروا ثلاثا فسأل عنهم فقيل جهينة-  ثم مرت بنو كنانة و بنو ليث و ضمرة و سعد بن أبي بكر-  في مائتين يحمل لواءهم أبو واقد الليثي-  فلما حاذوه كبروا ثلاثا- 

قال من هؤلاء قال بنو بكر قال نعم أهل شؤم هؤلاء-  الذين غزانا محمد لأجلهم-  أما و الله ما شوورت فيهم و لا علمته-  و لقد كنت له كارها حيث بلغني و لكنه أمر حم-  قال العباس لقد خار الله لك في غزو محمد إياكم-  و دخلتم في الإسلام كافة-  ثم مرت أشجع-  و هم آخر من مر به قبل أن تأتي كتيبة رسول الله ص-  و هم ثلاثة يحمل لواءهم معقل بن سنان-  و لواء آخر مع نعيم بن مسعود فكبروا-  قال من هؤلاء قال أشجع-  فقال هؤلاء كانوا أشد العرب على محمد-  قال العباس نعم و لكن الله أدخل الإسلام قلوبهم-  و ذلك من فضل الله-  فسكت و قال أ ما مر محمد بعد قال لا-  و لو رأيت الكتيبة التي هو فيها-  لرأيت الحديد و الخيل و الرجال و ما ليس لأحد به طاقة-  فلما طلعت كتيبة رسول الله ص الخضراء-  طلع سواد شديد و غبرة من سنابك الخيل-  و جعل الناس يمرون كل ذلك يقول أ ما مر محمد بعد-  فيقول العباس لا حتى مر رسول الله ص-  يسير على ناقته القصوى بين أبي بكر و أسيد بن حضير-  و هو يحدثهما- 

و قال له العباس هذا رسول الله ص في كتيبته الخضراء-  فانظر-  قال و كان في تلك الكتيبة وجوه المهاجرين و الأنصار-  و فيها الألوية و الرايات-  و كلهم منغمسون في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق-  و لعمر بن الخطاب فيها زجل و عليه الحديد و صوته عال و هو يزعها-  فقال يا أبا الفضل من هذا المتكلم-  قال هذاعمر بن الخطاب-  قال لقد أمر أمر بني عدي بعد قلة و ذلة-  فقال إن الله يرفع من يشاء بما يشاء-  و إن عمر ممن رفعه الإسلام-  و كان في الكتيبة ألفا دارع-  و راية رسول الله ص مع سعد بن عبادة و هو أمام الكتيبة-  فلما حاذاهما سعد نادى يا أبا سفيان- 

   اليوم يوم الملحمة
اليوم تسبى الحرمة

اليوم أذل الله قريشا- فلما حاذاهما رسول الله ص ناداه أبو سفيان- يا رسول الله أمرت بقتل قومك أن سعدا قال-

اليوم يوم الملحمة
اليوم تسبى الحرمة

 اليوم أذل الله قريشا-  و إني أنشدك الله في قومك فأنت أبر الناس-  و أرحم الناس و أوصل الناس-  فقال عثمان بن عفان و عبد الرحمن بن عوف-  يا رسول الله إنا لا نأمن سعدا أن يكون له في قريش صولة- فوقف رسول الله ص و ناداه-  يا أبا سفيان بل اليوم يوم المرحمة-  اليوم أعز الله قريشا-  و أرسل إلى سعد فعزله عن اللواء-  و اختلف فيمن دفع إليه اللواء-  فقيل دفعه إلى علي بن أبي طالب ع-  فذهب به حتى دخل مكة فغرزه عند الركن-  و هو قول ضرار بن الخطاب الفهري-  و قيل دفعه إلى قيس بن سعد بن عبادة-  و رأى رسول الله ص أنه لم يخرجه عن سعد حيث دفعه إلى ولده-  فذهب به حتى غرزه بالحجون-  قال و قال أبو سفيان للعباس-  ما رأيت مثل هذه الكتيبة قط و لا أخبرنيه مخبر-  سبحان الله ما لأحد بهؤلاء طاقة و لا يدان-  لقد أصبح ملك ابن أخيك يا عباس عظيما-  قال فقلت ويحك إنه ليس بملك و إنها النبوة قال نعم- .

قال الواقدي قال العباس فقلت له-  انج ويحك فأدرك قومك قبل أن يدخل‏ عليهم-  فخرج أبو سفيان حتى دخل من كداء و هو ينادي-  من دخل دار أبي سفيان فهو آمن-  و من أغلق عليه بابه فهو آمن-  حتى انتهى إلى هند بنت عتبة فقالت ما وراءك-  قال هذا محمد في عشرة آلاف عليهم الحديد-  و قد جعل لي أنه من دخل داري فهو آمن-  و من أغلق عليه بابه فهو آمن و من ألقى سلاحه فهو آمن-  فقالت قبحك الله من رسول قوم و جعلت تقول ويحكم-  اقتلوا وافدكم قبحه الله من وافد قوم-  فيقول أبو سفيان ويحكم-  لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإني رأيت ما لم تروا-  الرجال و الكراع و السلاح ليس لأحد بهذا طاقة-  محمد في عشرة آلاف فأسلموا تسلموا-  و قال المبرد في الكامل-  أمسكت هند برأس أبي سفيان و قالت بئس طليعة القوم-  و الله ما خدشت خدشا يا أهل مكة-  عليكم الحميت الدسم فاقتلوه-  قال الحميت الزق المزفت- .

قال الواقدي و خرج أهل مكة إلى ذي طوى-  ينظرون إلى رسول الله ص-  و انضوى إلى صفوان بن أمية و عكرمة بن أبي جهل-  و سهيل بن عمرو ناس من أهل مكة و من بني بكر و هذيل-  فلبسوا السلاح و أقسموا لا يدخل محمد مكة عنوة أبدا-  و كان رجل من بني الدؤل يقال له-  حماس بن قيس بن خالد الدؤلي-  لما سمع برسول الله ص جلس يصلح سلاحه-  فقالت له امرأته لم تعد السلاح قال لمحمد و أصحابه-  و إني لأرجو أن أخدمك منهم خادما فإنك إليه محتاجة-  قالت ويحك لا تفعل لا تقاتل محمدا-  و الله ليضلن هذا عنك لو رأيت محمدا و أصحابه-  قال سترين و أقبل رسول الله ص-  و هو على ناقته القصواء معتجرا ببرد حبرة-  و عليه عمامة سوداء و رايته سوداء و لواؤه أسود-  حتى وقف بذي طوى و توسط الناس-  و إن عثنونه ليمس واسطة الرحل أو يقرب منه تواضعا لله-  حيث رأى ما رأى من الفتح و كثرة المسلمين-  و قال لا عيش إلا عيش الآخرة- .

   و جعلت الخيل تعج بذي طوى في كل وجه-  ثم ثابت و سكنت و التفت رسول الله ص إلى أسيد بن حضير-  فقال كيف قال حسان بن ثابت قال فأنشده- 

   عدمنا خيلنا إن لم تروها
تثير النقع موعدها كداء

تظل جيادنا متمطرات‏
تلطمهن بالخمر النساء

 فتبسم رسول الله ص و حمد الله-  و أمر الزبير بن العوام أن يدخل من كداء-  و أمر خالد بن الوليد أن يدخل من الليط-  و أمر قيس بن سعد أن يدخل من كدى-  و دخل هو ص من أذاخر- . قال الواقدي-  و حدثني مروان بن محمد عن عيسى بن عميلة الفزاري-  قال دخل رسول الله ص مكة بين الأقرع بن حابس و عيينة بن حصن- . قال الواقدي و روى عيسى بن معمر-  عن عباد بن عبد الله عن أسماء بنت أبي بكر قالت-  صعد أبو قحافة بصغرى بناته و اسمها قريبة-  و هو يومئذ أعمى و هي تقوده حتى ظهرت به إلى أبي قبيس-  فلما أشرفت به قال يا بنية ما ذا ترين- 

قالت أرى سوادا مجتمعا مقبلا كثيرا-  قال يا بنية تلك الخيل فانظري ما ذا ترين-  قالت أرى رجلا يسعى بين ذلك السواد مقبلا و مدبرا-  قال ذاك الوازع فانظري ما ذا ترين-  قالت قد تفرق السواد قال قد تفرق الجيش البيت البيت-  قالت فنزلت الجارية به و هي ترعب لما ترى-  فقال يا بنية لا تخافي-  فو الله إن أخاك عتيقا لآثر أصحاب محمد عند محمد-  قالت و عليها طوق من فضة-  فاختلسه بعض من دخل- فلما دخل رسول الله ص مكة-  جعل أبو بكر ينادي أنشدكم الله أيها الناس طوق أختي-  فلم يرد أحد عليه-  فقال يا أخية احتسبي طوقك-  فإن الأمانة في الناس قليل- . قال الواقدي و نهى رسول الله ص عن الحرب-  و أمر بقتل ستة رجال و أربع نسوة-  عكرمة بن أبي جهل و هبار بن الأسود-  و عبد الله بن سعد بن أبي سرح-  و مقيس بن صبابة الليثي و الحويرث بن نفيل-  و عبد الله بن هلال بن خطل الأدرمي-  و هند بنت عتبة و سارة مولاة لبني هاشم-  و قينتين لابن خطل قريبا و قريبة-  و يقال قرينا و أرنب- .

قال الواقدي و دخلت الجنود كلها-  فلم تلق حربا إلا خالد بن الوليد-  فإنه وجد جمعا من قريش و أحابيشها قد جمعوا له-  فيهم صفوان بن أمية و عكرمة بن أبي جهل-  و سهيل بن عمرو-  فمنعوه الدخول و شهروا السلاح و رموه بالنبل-  و قالوا لا تدخلها عنوة أبدا-  فصاح خالد في أصحابه و قاتلهم-  فقتل من قريش أربعة و عشرون و من هذيل أربعة-  و انهزموا أقبح انهزام حتى قتلوا بالحزورة-  و هم مولون من كل وجه-  و انطلقت طائفة منهم فوق رءوس الجبال-  و اتبعهم المسلمون-  و جعل أبو سفيان بن حرب و حكيم بن حزام يناديان-  يا معشر قريش علام تقتلون أنفسكم-  من دخل داره فهو آمن و من أغلق عليه بابه فهو آمن-  و من وضع السلاح فهو آمن-  فجعل الناس يقتحمون الدور و يغلقون عليهم الأبواب-  و يطرحون السلاح في الطرق حتى يأخذه المسلمون- . قال الواقدي و أشرف رسول الله ص من على ثنية أذاخر-  فنظر إلى البارقة فقال ما هذه البارقة-  أ لم أنه عن القتال-  قيل يا رسول الله خالد بن الوليدقوتل-  و لو لم يقاتل ما قاتل-  فقال قضاء الله خير-  و أقبل ابن خطل مدججا في الحديد-  على فرس ذنوب بيده قناة يقول-  لا و الله لا يدخلها عنوة حتى يرى ضربا كأفواه المزاد-  فلما انتهى إلى الخندمة و رأى القتال-  دخله رعب حتى ما يستمسك من الرعدة-  و مر هاربا حتى انتهى إلى الكعبة-  فدخل بين أستارها بعد أن طرح سلاحه و ترك فرسه-  و أقبل حماس بن خالد الدؤلي منهزما حتى أتى بيته فدقه-  ففتحت له امرأته فدخل و قد ذهبت روحه-  فقالت أين الخادم التي وعدتني-  ما زلت منتظرتك منذ اليوم تسخر به-  فقال دعي هذا و أغلقي الباب-  فإنه من أغلق بابه فهو آمن-  قالت ويحك أ لم أنهك عن قتال محمد-  و قلت لك إني ما رأيته يقاتلكم مرة-  إلا و ظهر عليكم و ما بابنا-  قال إنه لا يفتح على أحد بابه-  ثم أنشدها- 

   إنك لو شهدتنا بالخندمه
إذ فر صفوان و فر عكرمه‏

و بو يزيد كالعجوز المؤتمه‏
و ضربناهم بالسيوف المسلمه‏

لهم زئير خلفنا و غمغمه
لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه‏

 قال الواقدي و حدثني قدامة بن موسى-  عن بشير مولى المازنيين عن جابر بن عبد الله قال-  كنت ممن لزم رسول الله ص يومئذ-  فدخلت معه يوم الفتح من أذاخر-  فلما أشرف نظر إلى بيوت مكة فحمد الله و أثنى عليه-  و نظر إلى موضع قبة بالأبطح تجاه شعب بني هاشم-  حيث حصر رسول الله ص و أهله ثلاث‏سنين-  و قال يا جابر-  إن منزلنا اليوم حيث تقاسمت علينا قريش في كفرها-  قال جابر فذكرت كلاما كنت أسمعه في المدينة قبل ذلك-  كان يقول منزلنا غدا إن شاء الله إذا فتح علينا مكة-  في الخيف حيث تقاسموا على الكفر- . قال الواقدي-  و كانت قبته يومئذ بالأدم ضربت له بالحجون-  فأقبل حتى انتهى إليها و معه أم سلمة و ميمونة قال الواقدي و حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله-  عن أبيه عن أبي رافع قال-  قيل للنبي ص أ لا تنزل منزلك من الشعب-  قال و هل ترك لنا عقيل من منزل-  و كان عقيل قد باع منزل رسول الله ص-  و منازل إخوته من الرجال و النساء بمكة-  فقيل لرسول الله ص فانزل في بعض بيوت مكة من غير منازلك-  فأبى و قال لا أدخل البيوت-  فلم يزل مضطربا بالحجون لم يدخل بيتا-  و كان يأتي إلى المسجد من الحجون-  قال و كذلك فعل في عمرة القضية و في حجته- .

قال الواقدي و كانت أم هانئ بنت أبي طالب-  تحت هبيرة بن أبي وهب المخزومي-  فلما كان يوم الفتح دخل عليها حموان لها-  عبد الله بن أبي ربيعة و الحارث بن هشام المخزوميان-  فاستجارا بها و قالا نحن في جوارك-  فقالت نعم أنتما في جواري-  قالت أم هانئ-  فهما عندي إذ دخل علي فارس مدجج في الحديد و لا أعرفه-  فقلت له أنا بنت عم رسول الله فأسفر عن وجهه-  فإذا علي أخي فاعتنقته-  و نظر إليهما فشهر السيف عليهما-  فقلت أخي من بين الناس تصنع بي هذا-  فألقيت عليهما ثوبا فقال أ تجيرين المشركين-  فحلت دونهما و قلت لا و الله و ابتدئ بي قبلهما-  قالت فخرج و لم يكد فأغلقت عليهما بيتا و قلت لا تخافا-  و ذهبت إلى خباء رسول الله ص‏بالبطحاء فلم أجده-  و وجدت فيه فاطمة فقلت لها ما لقيت من ابن أمي علي-  أجرت حموين لي من المشركين فتفلت عليهما ليقتلهما-  قالت و كانت أشد علي من زوجها-  و قالت لم تجيرين المشركين-  و طلع رسول الله ص و عليه الغبار-  فقال مرحبا بفاختة و هو اسم أم هانئ-  فقلت ما ذا لقيت من ابن أمي علي ما كدت أفلت منه-  أجرت حموين لي من المشركين فتفلت عليهما ليقتلهما-  فقال ما كان ذلك له قد أجرنا من أجرت و أمنا من أمنت-  ثم أمر فاطمة فسكبت له غسلا فاغتسل-  ثم صلى ثماني ركعات-  في ثوب واحد ملتحفا به وقت الضحى-  قالت فرجعت إليهما و أخبرتهما و قلت إن شئتما فأقيما-  و إن شئتما فارجعا إلى منازلكما-  فأقاما عندي في منزلي يومين ثم انصرفا إلى منازلهما- .

و أتى آت إلى النبي ص فقال-  إن الحارث بن هشام و عبد الله بن أبي ربيعة-  جالسان في ناديهما متفضلان في الملإ المزعفر-  فقال لا سبيل إليهما قد أجرناهما- . قال الواقدي-  و مكث رسول الله ص في قبة ساعة من النهار-  ثم دعا براحلته بعد أن اغتسل و صلى-  فأدنيت إلى باب القبة-  و خرج و عليه السلاح و المغفر على رأسه و قد صف له الناس-  فركبها و الخيل تمعج ما بين الخندمة إلى الحجون-  ثم مر و أبو بكر إلى جانبه على راحلة أخرى يسير و يحادثه-  و إذا بنات أبي أحيحة سعيد بن العاص بالبطحاء-  حذاء منزل أبي أحيحة و قد نشرن شعورهن-  فلطمن وجوه الخيل بالخمر-  فنظر رسول الله ص إلى أبي بكر فتبسم و أنشده قول حسان-

تظل جيادنا متمطرات
تلطمهن بالخمر النساء

فلما انتهى إلى الكعبة تقدم على راحلته-  فاستلم الركن بمحجنه و كبر فكبر المسلمون لتكبيره-  و عجوا بالتكبير حتى ارتجت مكة-  و جعل رسول الله ص يشير إليهم أن اسكتوا-  و المشركون فوق الجبال ينظرون-  ثم طاف بالبيت على راحلته-  و محمد بن مسلمة آخذ بزمامها-  و حول الكعبة ثلاثمائة و ستون صنما مرصوصة بالرصاص-  و كان هبل أعظمها و هو تجاه الكعبة على بابها-  و إساف و نائلة حيث ينحرون و يذبحون الذبائح-  فجعل كلما يمر بصنم منها يشير بقضيب في يده-  و يقول جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا-  فيقع الصنم لوجهه ثم أمر بهبل فكسر و هو واقف عليه-  فقال الزبير لأبي سفيان يا أبا سفيان قد كسر هبل-  أ ما إنك قد كنت منه يوم أحد في غرور-  حين تزعم أنه قد أنعم-  فقال دع هذا عنك يا ابن العوام-  فقد أرى أن لو كان مع إله محمد غيره لكان غير ما كان- .

قال الواقدي ثم انصرف رسول الله ص-  فجلس ناحية من المسجد-  و أرسل بلالا إلى عثمان بن طلحة يأتيه بالمفتاح-  مفتاح الكعبة-  فقال عثمان نعم فخرج إلى أمه و هي بنت شيبة-  فقال لها و المفتاح عندها يومئذ-  إن رسول الله ص قد طلب المفتاح-  فقالت أعيذك بالله-  أن يكون الذي يذهب مأثرة قومه على يده-  فقال فو الله لتأتيني به أو ليأتينك غيري فيأخذه منك-  فأدخلته في حجرتها و قالت-  أي رجل يدخل يده هاهنا-  فبينما هما على ذلك و هو يكلمها-  إذ سمعت صوت أبي بكر و عمر في الدار-  و عمر رافع صوته حين رأى عثمان أبطأ-  يا عثمان اخرج فقالت أمه خذ المفتاح-  فلأن تأخذه أنت أحب إلي من أن يأخذه تيم و عدي-  فأخذه فأتى به رسول الله ص-  فلما تناوله بسط العباس بن عبد المطلب يده و قال-  يا رسول الله بأبي أنت اجمع لنا بين السقاية و الحجابة-  فقال إنما أعطيكم ما ترضون فيه-  و لا أعطيكم ما ترزءون منه-قالوا و كان عثمان بن طلحة قد قدم على رسول الله ص-  مع خالد بن الوليد و عمرو بن العاص مسلما قبل الفتح- .

قال الواقدي-  و بعث رسول الله ص عمر بن الخطاب-  و معه عثمان بن طلحة-  و أمره أن يفتح البيت فلا يدع فيه صورة و لا تمثالا-  إلا صورة إبراهيم الخليل ع-  فلما دخل الكعبة-  رأى صورة إبراهيم شيخا كبيرا يستقسم بالأزلام- .

قال الواقدي-  و قد روي أنه أمره بمحو الصور كلها لم يستثن-  فترك عمر صورة إبراهيم-  فقال لعمر أ لم آمرك ألا تدع فيها صورة-  فقال عمر كانت صورة إبراهيم قال فامحها-  و قال قاتلهم الله جعلوه شيخا يستقسم بالأزلام- . قال و محا صورة مريم-  قال و قد روي أن رسول الله ص محا الصور بيده-  روى ذلك ابن أبي ذئب عن عبد الرحمن بن مهران عن عمير مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد قال دخلت مع رسول الله ص الكعبة-  فرأى فيها صورا فأمرني أن آتيه في الدلو بماء-  فجعل يبل به الثوب و يضرب به الصور و يقول-  قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون

 قال الواقدي و أمر رسول الله ص بالكعبة فأغلقت عليه-  و معه فيها أسامة بن زيد و بلال بن رباح و عثمان بن طلحة-  فمكث فيها ما شاء الله-  و خالد بن الوليد واقف على الباب يذب الناس عنه-  حتى خرج رسول الله ص-  فوقف و أخذ بعضادتي الباب-  و أشرف على الناس و في يده المفتاح-  ثم جعله في كمه و أهل مكة قيام تحته-  و بعضهم جلوس قد ليط بهم-  فقال الحمد لله الذي‏ صدق وعده و نصر عبده-  و هزم الأحزاب وحده ما ذا تقولون-  و ما ذا تظنون قالوا نقول خيرا و نظن شرا-  أخ كريم و ابن أخ كريم و قد قدرت-  فقال إني أقول كما قال أخي يوسف-  لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ-  يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ-  ألا إن كل ربا في الجاهلية أو دم أو مأثرة-  فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة الكعبة و سقاية الحاج-  ألا و في قتيل شبه العمد-  قتيل العصا و السوط الدية مغلظة مائة ناقة-  منها أربعون في بطونها أولادها-  إن الله قد أذهب نخوة الجاهلية و تكبرها بآبائها-  كلكم لآدم و آدم من تراب-  و أكرمكم عند الله أتقاكم-  ألا إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات و الأرض-  فهي حرام بحرم الله لم تحل لأحد كان قبل-  و لا تحل لأحد يأتي بعدي-  و ما أحلت لي إلا ساعة من النهار- 

قال يقصدها رسول الله ص بيده هكذا-  لا ينفر صيدها و لا يعضد عضاهها-  و لا تحل لقطتها إلا لمنشد و لا يختلى خلاها-  فقال العباس إلا الإذخر يا رسول الله-  فإنه لا بد منه للقبور و البيوت-  فسكت رسول الله ص ساعة-  ثم قال إلا الإذخر فإنه حلال-  و لا وصية لوارث و الولد للفراش و للعاهر الحجر-  و لا يحل لامرأة أن تعطي من مالها إلا بإذن زوجها-  و المسلم أخو المسلم و المسلمون إخوة-  يد واحدة على من سواهم تتكافأ دماؤهم-  يسعى بذمتهم أدناهم و يرد عليهم أقصاهم-  و لا يقتل مسلم بكافر و لا ذو عهد في عهده-  و لا يتوارث أهل ملتين مختلفتين-  و لا تنكح المرأة على عمتها و لا على خالتها-  و البينة على من ادعى و اليمين على من أنكر-  و لا تسافر امرأة مسيرة ثلاث إلا مع ذي محرم-  و لا صلاة بعد العصر و لا بعد الصبح-  و أنهاكم عن صيام يومين يوم الأضحى و يوم الفطرثم قال ادعوا لي عثمان بن طلحة فجاء-  و قد كان رسول الله ص قال له يوما بمكة قبل الهجرة-  و مع عثمان المفتاح-  لعلك سترى هذا المفتاح بيدي يوما أضعه حيث شئت-  فقال عثمان لقد هلكت قريش إذا و ذلت-  فقال ع بل عمرت و عزت- 

قال عثمان فلما دعاني يومئذ و المفتاح بيده-  ذكرت قوله حين قال-  فاستقبلته‏ببشر فاستقبلني بمثله-  ثم قال خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة-  لا ينزعها منكم إلا ظالم-  يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته-  فكلوا بالمعروف-  قال عثمان فلما وليت ناداني فرجعت-  فقال أ لم يكن الذي قلت لك-  يعني ما كان قاله بمكة من قبل-  فقلت بلى أشهد أنك رسول الله ص قال الواقدي و أمر رسول الله ص يومئذ برفع السلاح-  و قال إلا خزاعة عن بني بكر إلى صلاة العصر-  فخبطوهم بالسيف ساعة و هي الساعة التي أحلت لرسول الله ص- .

قال الواقدي و قد كان نوفل بن معاوية الدؤلي من بني بكر-  استأمن رسول الله ص على نفسه فأمنه-  و كانت خزاعة-  تطلبه بدماء من قتلت بكر و قريش منها بالوتير-  و قد كانت خزاعة قالت أيضا لرسول الله ص-  إن أنس بن زنيم هجاك فهدر رسول الله ص-  دمه-  فلما فتح مكة هرب و التحق بالجبال-  و قد كان قبل أن يفتح رسول الله ص مكة-  قال شعرا يعتذر فيه إلى رسول الله ص من جملته- 

 أنت الذي تهدى معد بأمره
بك الله يهديها و قال لها ارشدي‏

فما حملت من ناقة فوق كورها
أبر و أوفى ذمة من محمد

أحث على خير و أوسع نائلا
إذا راح يهتز اهتزاز المهند

و أكسى لبرد الخال قبل ارتدائه‏
و أعطى لرأس السابق المتجرد

تعلم رسول الله أنك مدركي
و إن وعيدا منك كالأخذ باليد

تعلم رسول الله أنك قادر
على كل حي من تهام و منجد

و نبي رسول الله أني هجوته
فلا رفعت سوطي إلي إذن يدي‏

سوى أنني قد قلت يا ويح فتية
أصيبوا بنحس يوم طلق و أسعد

أصابهم من لم يكن لدمائهم
كفاء فعزت عبرتي و تلددي‏

ذؤيبا و كلثوما و سلمى تتابعوا
جميعا فإلا تدمع العين أكمد

على أن سلمى ليس منهم كمثله
و إخوته و هل ملوك كأعبد

فإني لا عرضا خرقت و لا دما
هرقت ففكر عالم الحق و اقصد

قال الواقدي و كانت كلمته هذه-  قد بلغت رسول الله ص قبل أن يفتح مكة-  فنهنهت عنه و كلمه يوم الفتح نوفل بن معاوية الدؤلي-  فقال يا رسول الله أنت أولى الناس بالعفو-  و من منا لم يعادك و لم يؤذك-  و نحن في جاهلية لا ندري ما نأخذ و ما ندع-  حتى هدانا الله بك و أنقذنا بيمنك من الهلكة-  و قد كذب عليه الركب و كثروا في أمره عندك-  فقال رسول الله ص دع الركب عنك أنا لم نجد بتهامة أحدا-  من ذوي رحم و لا بعيد الرحم كان أبر بنا من خزاعة-  فاسكت يا نوفل-  فلما سكت قال رسول الله ص-  قد عفوت عنه فقال نوفل فداك أبي و أمي- .

قال الواقدي و جاءت الظهر-  فأمر رسول الله ص بلالا أن يؤذن فوق ظهر الكعبة-  و قريش في رءوس الجبال-  و منهم من قد تغيب و ستر وجهه خوفا من أن يقتلوا-  و منهم من يطلب الأمان و منهم من قد أمن-  فلما أذن بلال و بلغ إلى قوله-  أشهد أن محمدا رسول الله ص-  رفع صوته كأشد ما يكون قال-  تقول جويرية بنت أبي جهل قد لعمري رفع لك ذكرك-  فأما الصلاة فسنصلي-  و لكن و الله لا نحب من قتل الأحبة أبدا-  و لقد كان جاء أبي الذي جاء محمدا من النبوة-  فردها و لم يرد خلاف قومه- .

و قال خالد بن سعيد بن العاص-  الحمد لله الذي أكرم أبي فلم يدرك هذا اليوم-و قال الحارث بن هشام وا ثكلاه-  ليتني مت قبل هذا اليوم-  قبل أن أسمع بلالا ينهق فوق الكعبة-  و قال الحكم بن أبي العاص هذا و الله الحدث العظيم-  أن يصيح عبد بني جمح-  يصيح بما يصيح به على بيت أبي طلحة-  و قال سهيل بن عمرو-  إن كان هذا سخطا من الله تعالى فسيغيره-  و إن كان لله رضا فسيقره-  و قال أبو سفيان أما أنا فلا أقول شيئا-  لو قلت شيئا لأخبرته هذه الحصباء-  قال فأتى جبرئيل ع رسول الله ص فأخبره مقالة القوم- .

قال الواقدي فكان سهيل بن عمرو يحدث فيقول-  لما دخل محمد مكة انقمعت فدخلت بيتي و أغلقته علي-  و قلت لابني عبد الله بن سهيل-  اذهب فاطلب لي جوارا من محمد فإني لا آمن أن أقتل-  و جعلت أتذكر أثري عنده و عند أصحابه-  فلا أرى أسوأ أثرا مني-  فإني لقيته يوم الحديبية بما لم يلقه أحد به-  و كنت الذي كاتبه مع حضوري بدرا و أحدا-  و كلما تحركت قريش كنت فيها-  فذهب عبد الله بن سهيل إلى رسول الله ص فقال-  يا رسول الله أبي تؤمنه قال نعم هو آمن بأمان الله-  فليظهر-  ثم التفت إلى من حوله فقال-  من لقي سهيل بن عمرو فلا يشدن النظر إليه-  ثم قال قل له فليخرج فلعمري إن سهيلا له عقل و شرف-  و ما مثل سهيل جهل الإسلام-  و لقد رأى ما كان يوضع فيه إن لم يكن له تتابع-  فخرج عبد الله إلى أبيه فأخبره بمقالة رسول الله ص-  فقال سهيل كان و الله برا صغيرا و كبيرا-  و كان سهيل يقبل و يدبر غير خائف-  و خرج إلى خيبر مع النبي ص و هو على شركه حتى أسلم بالجعرانة

الجزء الثامن عشر

تتمة أبواب الكتب و الرسائل

تتمة 64 كتاب له ع إلى معاوية

ذكر بقية الخبر عن فتح مكة

بسم الله الرحمن الرحيم-  الحمد لله الواحد العدل قال الواقدي و هرب هبيرة بن أبي وهب-  و عبد الله بن الزبعري جميعا حتى انتهيا إلى نجران-  فلم يأمنا الخوف حتى دخلا حصن نجران-  فقيل ما شأنكما قالا-  أما قريش فقد قتلت و دخل محمد مكة-  و نحن و الله نرى أن محمدا سائر إلى حصنكم هذا-  فجعلت بلحارث بن كعب يصلحون ما رث من حصنهم-  و جمعوا ماشيتهم فأرسل حسان بن ثابت إلى ابن الزبعرى- 

لا تعدمن رجلا أحلك بغضه
نجران في عيش أجد ذميم‏

بليت قناتك في الحروب فألفيت‏
جوفاء ذات معايب و وصوم‏

غضب الإله على الزبعرى و ابنه
بعذاب سوء في الحياة مقيم‏

 فلما جاء ابن الزبعرى شعر حسان تهيأ للخروج-  فقال هبيرة بن وهب أين تريد يا ابن عم-  قال له أريد و الله محمدا-  قال أ تريد أن تتبعه قال إي و الله-  قال هبيرة يا ليت أني كنت رافقت غيرك-  و الله ما ظننت أنك تتبع محمدا أبدا-  قال ابن الزبعرى هو ذاك-  فعلى أي شي‏ء أقيم مع بني الحارث بن كعب-  و أترك ابن عمى و خير الناس و أبرهم-  و بين قومي و داري-  فانحدر ابن الزبعرى-  حتى جاء رسول الله ص-و هو جالس في أصحابه فلما نظر إليه قال-  هذا ابن الزبعرى و معه وجه فيه نور الإسلام-  فلما وقف على رسول الله ص قال-  السلام عليك يا رسول الله-  شهدت أن لا إله إلا الله-  و أنك عبده و رسوله-  و الحمد لله الذي هداني للإسلام-  لقد عاديتك و أجلبت عليك-  و ركبت الفرس و البعير-  و مشيت على قدمي في عداوتك-  ثم هربت منك إلى نجران-  و أنا أريد ألا أقرب الإسلام أبدا-  ثم أرادني الله منه بخير-  فألقاه في قلبي و حببه إلي-  و ذكرت ما كنت فيه من الضلال-  و اتباع ما لا ينفع ذا عقل من حجر يعبد-  و يذبح له لا يدرى من عبده و من لا يعبده-  فقال رسول الله ص الحمد لله الذي هداك للإسلام-  احمد الله إن الإسلام يجب ما كان قبله-  و أقام هبيرة بنجران-  و أسلمت أم هانئ-  فقال هبيرة حين بلغه إسلامها يوم الفتح-  يؤنبها شعرا من جملته- 

    و إن كنت قد تابعت دين محمد
و قطعت الأرحام منك حبالها

فكوني على أعلى سحوق بهضبة
ململمة غبراء يبس بلالها

 فأقام بنجران حتى مات مشركا- . قال الواقدي و هرب حويطب بن عبد العزى-  فدخل حائطا بمكة-  و جاء أبو ذر لحاجته-  فدخل الحائط فرآه-  فهرب حويطب فقال أبو ذر-  تعال فأنت آمن فرجع إليه فقال-  أنت آمن فاذهب حيث شئت-  و إن شئت أدخلتك على رسول الله ص-  و إن شئت فإلى منزلك-  قال و هل من سبيل إلى منزلي ألفى-  فأقتل قبل أن أصل إلى منزلي-أو يدخل علي منزلي فأقتل-  قال فأنا أبلغ معك منزلك-  فبلغ معه منزله ثم جعل ينادي على بابه-  أن حويطبا آمن فلا يهيج-  ثم انصرف إلى رسول الله ص فأخبره-  فقال أ و ليس قد أمنا الناس كلهم-  إلا من أمرت بقتله- .

قال الواقدي و هرب عكرمة بن أبي جهل إلى اليمن-  حتى ركب البحر-  قال و جاءت زوجته أم حكيم بنت الحارث بن هشام-  إلى رسول الله ص في نسوة منهن هند بنت عتبة-  و قد كان رسول الله ص أمر بقتلها-  و البغوم بنت المعدل الكنانية امرأة صفوان بن أمية-  و فاطمة بنت الوليد بن المغيرة امرأة الحارث بن هشام-  و هند بنت عتبة بن الحجاج-  أم عبد الله بن عمرو بن العاص-  و رسول الله ص بالأبطح فأسلمن-  و لما دخلن عليه دخلن و عنده زوجتاه-  و ابنته فاطمة و نساء من نساء بني عبد المطلب-  و سألن أن يبايعهن فقال إني لا أصافح النساء- 

و يقال إنه وضع على يده ثوبا فمسحن عليه-  و يقال كان يؤتى بقدح من ماء فيدخل يده فيه-  ثم يرفعه إليهن فيدخلن أيديهن فيه-  فقالت أم حكيم امرأة عكرمة يا رسول الله-  إن عكرمة هرب منك إلى اليمن-  خاف أن تقتله فأمنه-  فقال هو آمن فخرجت أم حكيم في طلبه-  و معها غلام لها رومي فراودها عن نفسها-  فجعلت تمنيه حتى قدمت به على حي-  فاستغاثت بهم عليه فأوثقوه رباطا-  و أدركت عكرمة و قد انتهى إلى ساحل من سواحل تهامة-  فركب البحر فهاج بهم-  فجعل نوتي السفينة يقول له-  أن أخلص قال أي شي‏ء أقول-  قال قل لا إله إلا الله- 

قال عكرمة ما هربت إلا من هذا-  فجاءت أم حكيم على هذا من الأمر-  فجعلت تلح عليه و تقول يا ابن عم-  جئتك من عند خير الناس و أوصل الناس و أبر الناس-  لا تهلك نفسك فوقف لها حتى أدركته-  فقالت إني قد استأمنت لك رسول الله ص فأمنك-  قال‏أنت فعلت قالت نعم أنا كلمته فأمنك-  فرجع معها فقالت ما لقيت من غلامك الرومي-  و أخبرته خبره فقتله عكرمة-  فلما دنا من مكة قال رسول الله ص لأصحابه يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا-  فلا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي-  و لا يبلغ الميت-  فلما وصل عكرمة و دخل على رسول الله ص-  وثب إليه ص و ليس عليه رداء فرحا به-  ثم جلس فوق عكرمة بين يديه-  و معه زوجته منقبة فقال يا محمد-  إن هذه أخبرتني أنك أمنتني-  فقال صدقت أنت آمن-  فقال عكرمة فإلام تدعو-  فقال إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله-  و أني رسول الله و أن تقيم الصلاة و تؤتي الزكاة-  و عد خصال الإسلام فقال عكرمة-  ما دعوت إلا إلى حق و إلى حسن جميل-  و لقد كنت فينا من قبل أن تدعو إلى ما دعوت إليه-  و أنت أصدقنا حديثا و أعظمنا برا-  ثم قال فإني أشهد أن لا إله إلا الله و أنك رسول الله-  فقال رسول الله ص-  لا تسألني اليوم شيئا أعطيه أحدا إلا أعطيتكه- 

قال فإني أسألك أن تغفر لي كل عداوة عاديتكها-  أو مسير أوضعت فيه أو مقام لقيتك فيه-  أو كلام قلته في وجهك أو أنت غائب عنه-  فقال اللهم اغفر له كل عداوة عادانيها-  و كل مسير سار فيه إلي يريد بذلك إطفاء نورك-  و اغفر له ما نال مني و من عرضي-  في وجهي أو أنا غائب عنه-  فقال عكرمة رضيت بذلك يا رسول الله-  ثم قال أما و الله لا أدع نفقة كنت أنفقها-  في صد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها-  في سبيل الإسلام و في سبيل الله-  و لأجتهدن في القتال بين يديك حتى أقتل شهيدا-  قال فرد عليه رسول الله ص امرأته بذلك النكاح الأول- . قال الواقدي و أما صفوان بن أمية-  فهرب حتى أتى الشعبة و جعل يقول لغلامه‏ يسار-  و ليس معه غيره ويحك انظر من ترى-  فقال هذا عمير بن وهب- 

قال صفوان ما أصنع بعمير-  و الله ما جاء إلا يريد قتلي قد ظاهر محمدا علي-  فلحقه فقال صفوان يا عمير ما لك-  ما كفاك ما صنعت حملتني دينك و عيالك-  ثم جئت تريد قتلي فقال يا أبا وهب-  جعلت فداك جئتك من عند خير الناس-  و أبر الناس و أوصل الناس-  و قد كان عمير قال لرسول الله ص يا رسول الله-  سيد قومي صفوان بن أمية خرج هاربا ليقذف نفسه في البحر-  خاف ألا تؤمنه فأمنه فداك أبي و أمي-  فقال قد أمنته فخرج في أثره فقال-  إن رسول الله ص قد أمنك صفوان-  لا و الله حتى تأتيني بعلامة أعرفها-  فرجع إلى رسول الله ص فأخبره و قال-  يا رسول الله جئته و هو يريد أن يقتل نفسه-  فقال لا أرجع إلا بعلامة أعرفها-  فقال خذ عمامتي-  فرجع عمير إليه بعمامة رسول الله ص-  و هي البرد الذي دخل فيه رسول الله ص مكة-  معتجرا به برد حبرة أحمر-  فخرج عمير في طلبه الثانية حتى جاءه بالبرد فقال-  يا أبا وهب جئتك من عند خير الناس-  و أوصل الناس و أبر الناس و أحلم الناس-  مجده مجدك و عزه عزك-  و ملكه ملكك ابن أبيك و أمك-  أذكرك الله في نفسك-  فقال أخاف أن أقتل-  قال فإنه دعاك إلى الإسلام فإن رضيت-  و إلا سيرك شهرين فهو أوفى الناس و أبرهم-  و قد بعث إليك ببرده الذي دخل به معتجرا-  أ تعرفه قال نعم-  فأخرجه-  فقال نعم هو هو-  فرجع صفوان حتى انتهى إلى رسول الله ص-  فوجده يصلي العصر بالناس فقال-  كم يصلون قالوا خمس صلوات في اليوم و الليلة-  قال أ محمد يصلي بهم قالوا نعم-  فلما سلم من صلاته صاح صفوان يا محمد-  إن عمير بن وهب جاءني ببردك-  و زعم أنك دعوتني إلى القدوم إليك-  فإن رضيت أمرا و إلا سيرتني شهرين-  فقال رسول الله ص انزل أبا وهب-  فقال لا و الله أو تبين لي- 

قال بل سر أربعة أشهر-  فنزل صفوان و خرج معه إلى حنين و هو كافر-  و أرسل إليه يستعير أدراعه و كانت مائة درع-  فقال أ طوعا أم كرها فقال ع-  بل طوعا عارية مؤداة فأعاره إياها-  ثم أعادها إليه بعد انقضاء حنين و الطائف-  فلما كان رسول الله ص بالجعرانة-  يسير في غنائم هوازن ينظر إليها-  فنظر صفوان إلى شعب هناك مملوء نعما وشاء ورعاء-  فأدام النظر إليه و رسول الله ص يرمقه فقال-  أبا وهب يعجبك هذا الشعب-  قال نعم قال هو لك و ما فيه-  فقال صفوان ما طابت نفس أحد بمثل هذا-  إلا نفس نبي أشهد أن لا إله إلا الله-  و أنك رسول الله ص- .

قال الواقدي فأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح-  فكان قد أسلم و كان يكتب لرسول الله ص الوحي-  فربما أملى عليه رسول الله ص سميع عليم-  فيكتب عزيز حكيم و نحو ذلك-  و يقرأ على رسول الله ص فيقول كذلك الله-  و يقرأ فافتتن-  و قال و الله ما يدري ما يقول-  إني لأكتب له ما شئت فلا ينكر-  و إنه ليوحى إلي كما يوحى إلى محمد-  و خرج هاربا من المدينة إلى مكة مرتدا-  فأهدر رسول الله دمه-  و أمر بقتله يوم الفتح-  فلما كان يومئذ جاء إلى عثمان و كان أخاه من الرضاعة-  فقال يا أخي إني قد أجرتك فاحتبسني هاهنا-  و اذهب إلى محمد فكلمه في-  فإن محمدا إن رآني ضرب عنقي-  أن جرمي أعظم الجرم و قد جئت تائبا-  فقال عثمان قم فاذهب معي إليه-  قال كلا و الله إنه إن رآني ضرب عنقي و لم يناظرني-  قد أهدر دمي و أصحابه يطلبونني في كل موضع-  فقال عثمان انطلق معي فإنه لا يقتلك إن شاء الله-  فلم يرع رسول الله ص إلا بعثمان-آخذا بيد عبد الله بن سعد واقفين بين يديه-  فقال عثمان يا رسول الله هذا أخي من الرضاعة-  إن أمه كانت تحملني و تمشيه و ترضعني و تفطمه-  و تلطفني و تتركه فهبه لي-  فأعرض رسول الله ص عنه-  و جعل عثمان كلما أعرض رسول الله عنه استقبله بوجهه-  و أعاد عليه هذا الكلام-  و إنما أعرض ع عنه إرادة لأن يقوم رجل فيضرب عنقه-  فلما رأى ألا يقوم أحد و عثمان قد انكب عليه-  يقبل رأسه و يقول يا رسول الله-  بايعه فداك أبي و أمي على الإسلام-  فقال رسول الله ص نعم فبايعه- .

قال الواقدي قال رسول الله ص بعد ذلك للمسلمين-  ما منعكم أن يقوم منكم واحد إلى هذا الكلب فيقتله-  أو قال الفاسق-  فقال عباد بن بشر و الذي بعثك بالحق-  إني لأتبع طرفك من كل ناحية-  رجاء أن تشير إلي فأضرب عنقه-  و يقال إن أبا البشير هو الذي قال هذا-  و يقال بل قاله عمر بن الخطاب-  فقال ع إني لا أقتل بالإشارة-  و قيل إنه قال إن النبي لا يكون له خائنة الأعين- . قال الواقدي فجعل عبد الله بن سعد-  يفر من رسول الله ص كلما رآه-  فقال له عثمان بأبي أنت و أمي-  لو ترى ابن أم عبد يفر منك كلما رآك-  فتبسم رسول الله ص فقال-  أ و لم أبايعه و أؤمنه-  قال بلى و لكنه يتذكر عظم جرمه في الإسلام-  فقال إن الإسلام يجب ما قبله

قال الواقدي و أما الحويرث بن معبد-  و هو من ولد قصي بن كلاب-  فإنه كان يؤذي رسول الله ص بمكة فأهدر دمه-  فبينما هو في منزله يوم الفتح و قد أغلق عليه بابه-  جاء علي ع يسأل عنه-  فقيل له هو في البادية-  و أخبر الحويرث أنه جاء يطلبه و تنحى علي ع عن بابه-  فخرج الحويرث يريد أن‏ يهرب من بيت إلى بيت آخر-  فتلقاه علي ع فضرب عنقه- .

قال الواقدي و أما هبار بن الأسود-  فقد كان رسول الله ص أمر أن يحرقه بالنار-  ثم قال إنما يعذب بالنار رب النار-  اقطعوا يديه و رجليه إن قدرتم عليه ثم اقتلوه-  و كان جرمه أن نخس زينب بنت رسول الله ص لما هاجرت-  و ضرب ظهرها بالرمح و هي حبلى فأسقطت-  فلم يقدر المسلمون عليه يوم الفتح-  فلما رجع رسول الله ص إلى المدينة-  طلع هبار بن الأسود قائلا-  أشهد أن لا إله إلا الله-  و أشهد أن محمدا رسول الله-  فقبل النبي ص إسلامه-  فخرجت سلمى مولاة النبي ص فقالت-  لا أنعم الله بك عينا-  أنت الذي فعلت و فعلت-  فقال رسول الله ص و هبار يعتذر إليه-  أن الإسلام محا ذلك و نهى عن التعرض له- .

قال الواقدي قال ابن عباس رضي الله عنه-  رأيت رسول الله ص و هبار يعتذر إليه-  و هو يطأطئ رأسه استحياء مما يعتذر هبار-  و يقول له قد عفوت عنك- . قال الواقدي و أما ابن خطل-  فإنه خرج حتى دخل بين أستار الكعبة-  فأخرجه أبو برزة الأسلمي منها-  فضرب عنقه بين الركن و المقام-  و يقال بل قتله عمار بن ياسر-  و قيل سعد بن حريث المخزومي-  و قيل شريك بن عبدة العجلاني-  و الأثبت أنه أبو برزة-  قال و كان جرمه أنه أسلم و هاجر إلى المدينة-  و بعثه رسول الله ص ساعيا-  و بعث معه رجلا من خزاعة فقتله-  و ساق ما أخذ من مال الصدقة و رجع إلى مكة-  فقالت له قريش ما جاء بك-  قال لم أجد دينا خيرا من دينكم-  و كانت له قينتان إحداهما قرينى-  و الأخرى قرينة أو أرنب-  و كان ابن خطل يقول‏ الشعر-  يهجو به رسول الله ص و يغنيان به-  و يدخل عليه المشركون بيته فيشربون عنده الخمر-  و يسمعون الغناء بهجاء رسول الله ص- .

قال الواقدي و أما مقيس بن صبابة فإن أمه سهمية-  و كان يوم الفتح عند أخواله بني سهم-  فاصطبح الخمر ذلك اليوم في ندامى له-  و خرج ثملا يتغنى و يتمثل بأبيات منها- 

دعيني أصطبح يا بكر إني
رأيت الموت نقب عن هشام‏

و نقب عن أبيك أبي يزيد
أخي القينات و الشرب الكرام‏

يخبرنا ابن كبشة أن سنحيا
و كيف حياة أصداء و هام‏

إذا ما الرأس زال بمنكبيه‏
فقد شبع الأنيس من الطعام‏

أ تقتلني إذا ما كنت حيا
و تحييني إذا رمت عظامي‏

 فلقيه نميلة بن عبد الله الليثي و هو من رهطه- فضربه بالسيف حتى قتله- فقالت أخته ترثيه-

لعمري لقد أخزى نميلة رهطه
و فجع أصناف النساء بمقيس‏

فلله عينا من رأى مثل مقيس‏
إذا النفساء أصبحت لم تخرس‏

 و كان جرم مقيس من قبل أن أخاه-  هاشم بن صبابة أسلم و شهد المريسيع-  مع رسول الله ص-  فقتله رجل من رهط عبادة بن الصامت-  و قيل من بني عمرو بن عوف و هو لا يعرفه-  فظنه من المشركين-  فقضى له رسول الله ص بالدية على العاقلة-  فقدم مقيس أخوه المدينة فأخذ ديته و أسلم-  ثم عدا على قاتل أخيه فقتله-  و هرب مرتدا كافرا يهجو رسول الله ص بالشعر-  فأهدر دمه- .

 

قال الواقدي فأما سارة مولاة بني هاشم-  و كانت مغنية نواحة بمكة-  و كانت قد قدمت على رسول الله ص المدينة-  تطلب أن يصلها و شكت إليه الحاجة-  و ذلك بعد بدر و أحد فقال لها-  أ ما كان لك في غنائك و نياحك ما يغنيك-  قالت يا محمد إن قريشا منذ قتل من قتل منهم ببدر-  تركوا استماع الغناء-  فوصلها رسول الله ص و أوقر لها بعيرا طعاما-  فرجعت إلى قريش و هي على دينها-  و كانت يلقى عليها هجاء رسول الله ص فتغنى به-  فأمر بها رسول الله ص يوم الفتح أن تقتل فقتلت-  و أما قينتا ابن خطل فقتل يوم الفتح إحداهما-  و هي أرنب أو قرينة-  و أما قريني فاستؤمن لها رسول الله ص فأمنها-  و عاشت حتى ماتت في أيام عثمان- . قال الواقدي و قد روي أن رسول الله ص-  أمر بقتل وحشي يوم الفتح-  فهرب إلى الطائف-  فلم يزل بها مقيما حتى قدم مع وفد الطائف-  على رسول الله ص فدخل عليه فقال-  أشهد أن لا إله إلا الله و أنك رسول الله-  فقال أ وحشي قال نعم-  قال اجلس و حدثني كيف قتلت حمزة-  فلما أخبره قال قم و غيب عني وجهك-  فكان إذا رآه توارى عنه- .

 قال الواقدي و حدثني ابن أبي ذئب و معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي عمرو بن عدي بن أبي الحمراء قال سمعت رسول الله ص يقول بعد فراغه من أمر الفتح-  و هو يريد الخروج من مكة أما و الله إنك لخير أرض الله-  و أحب بلاد الله إلي-  و لو لا أن أهلك أخرجوني ما خرجت- . و زاد محمد بن إسحاق في كتاب المغازي-  أن هند بنت عتبة جاءت إلى رسول الله‏ص-  مع نساء قريش متنكرة متنقبة-  لحدثها الذي كان في الإسلام-  و ما صنعت بحمزة حين جدعته و بقرت بطنه عن كبده-  فهي تخاف أن يأخذها رسول الله ص بحدثها ذلك-  فلما دنت منه و قال حين بايعنه-  على ألا يشركن بالله شيئا قلن نعم-  قال و لا يسرقن فقالت هند-  و الله أنا كنت لأصيب من مال أبي سفيان-  الهنة و الهنيهة فما أعلم أ حلال ذلك أم لا-  فقال رسول الله ص و إنك لهند-  قالت نعم أنا هند-  و أنا أشهد أن لا إله إلا الله و أنك رسول الله-  فاعف عما سلف عفا الله عنك-  فقال رسول الله ص و لا يزنين-  فقالت هند و هل تزني الحرة-  فقال لا و لا يقتلن أولادهن-  فقالت هند قد لعمري ربيناهم صغارا و قتلتهم كبارا ببدر-  فأنت و هم أعرف-  فضحك عمر بن الخطاب من قولها حتى أسفرت نواجذه-  قال و لا يأتين ببهتان يفترينه-  فقالت هند إن إتيان البهتان لقبيح-  فقال و لا يعصينك في معروف-  فقالت ما جلسنا هذه الجلسة و نحن نريد أن نعصيك- . قال محمد بن إسحاق-  و من جيد شعر عبد الله بن الزبعرى-  الذي اعتذر به إلى رسول الله ص حين قدم عليه- 

منع الرقاد بلابل و هموم
فالليل ممتد الرواق بهيم‏

مما أتاني أن أحمد لامني‏
فيه فبت كأنني محموم‏

يا خير من حملت على أوصالها
عيرانة سرح اليدين سعوم‏

إني لمعتذر إليك من الذي
أسديت إذ أنا في الضلال أهيم‏

أيان تأمرني بأغوى خطة
سهم و تأمرني به مخزوم‏

و أمد أسباب الردى و يقودني
أمر الغواة و أمرهم مشئوم‏

فاليوم آمن بالنبي محمد
قلبي و مخطئ هذه محروم‏

مضت العداوة و انقضت أسبابها
و دعت أواصر بيننا و حلوم‏

فاغفر فدى لك والدي كلاهما
زللي فإنك راحم مرحوم‏

و عليك من علم المليك علامة
نور أغر و خاتم مختوم‏

أعطاك بعد محبة برهانه‏
شرفا و برهان الإله عظيم‏

و لقد شهدت بأن دينك صادق
بر و شأنك في العباد جسيم‏

و الله يشهد أن أحمد مصطفى‏
متقبل في الصالحين كريم‏

فرع علا بنيانه من هاشم
دوح تمكن في العلا و أروم‏

قال الواقدي و في يوم الفتح-  سمى رسول الله ص أهل مكة الذين دخلها عليهم الطلقاء-  لمنه عليهم بعد أن أظفره الله بهم-  فصاروا أرقاء له-  و قد قيل له يوم الفتح قد أمكنك الله تعالى-  فخذ ما شئت من أقمار على غصون يعنون النساء-  فقال ع يأبى ذلك إطعامهم الضيف-  و إكرامهم البيت و وجؤهم مناحر الهدي.

ثم نعود إلى تفسير ما بقي من ألفاظ الفصل-  قوله فإن كان فيك عجل فاسترفه-أي كن ذا رفاهية-  و لا ترهقن نفسك بالعجل-  فلا بد من لقاء بعضنا بعضا-  فأي حاجة بك إلى أن تعجل-  ثم فسر ذلك فقال إن أزرك في بلادك-  أي إن غزوتك في بلادك-  فخليق أن يكون الله بعثني للانتقام منك-  و إن زرتني أي إن غزوتني في بلادي-  و أقبلت بجموعك إلي- . كنتم كما قال أخو بني أسد كنت أسمع قديما-  أن هذا البيت من شعر بشر بن أبي خازم الأسدي-  و الآن فقد تصفحت شعره فلم أجده-  و لا وقفت بعد على قائله-  و إن وقفت فيما يستقبل من الزمان عليه ألحقته- . و ريح حاصب تحمل الحصباء-  و هي صغار الحصى-  و إذا كانت بين أغوار و هي ما سفل من الأرض-  و كانت مع ذلك ريح صيف-  كانت أعظم مشقة-  و أشد ضررا على من تلاقيه-  و جلمود يمكن أن يكون عطفا على حاصب-  و يمكن أن يكون عطفا على أغوار-  أي بين غور من الأرض و حرة-  و ذلك أشد لأذاها لما تكسبه الحرة-  من لفح السموم و وهجها و الوجه الأول أليق- .

و أعضضته أي جعلته معضوضا برءوس أهلك-  و أكثر ما يأتي أفعلته أن تجعله فاعلا-  و هي هاهنا من المقلوب-  أي أعضضت رءوس أهلك به-  كقوله قد قطع الحبل بالمرود- . و جده عتبة بن ربيعة و خاله الوليد بن عتبة-  و أخوه حنظلة بن أبي سفيان-  قتلهم علي ع يوم بدر- . و الأغلف القلب الذي لا بصيرة له-  كأن قلبه في غلاف قال تعالى-  وَ قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ- .

 

و المقارب العقل بالكسر-  الذي ليس عقله بجيد-  و العامة تقول فيما هذا شأنه-  مقارب بفتح الراء- . ثم قال الأولى أن يقال هذه الكلمة لك- . و نشدت الضالة طلبتها-  و أنشدتها عرفتها أي طلبت ما ليس لك- . و السائمة المال الراعي-  و الكلام خارج مخرج الاستعارة- . فإن قلت كل هذا الكلام يطابق بعضه بعضا-  إلا قوله فما أبعد قولك من فعلك-  و كيف استبعد ع ذلك و لا بعد بينهما-  لأنه يطلب الخلافة قولا و فعلا-  فأي بعد بين قوله و فعله- . قلت لأن فعله البغي-  و الخروج على الإمام الذي ثبتت إمامته و صحت-  و تفريق جماعة المسلمين و شق العصا-  هذا مع الأمور التي كانت تظهر عليه و تقتضي الفسق-  من لبس الحرير و المنسوج بالذهب-  و ما كان يتعاطاه في حياة عثمان من المنكرات-  التي لم تثبت توبته منها فهذا فعله- .

و أما قوله فزعمه أنه أمير المؤمنين-  و خليفة المسلمين-  و هذا القول بعيد من ذلك الفعل جدا- . و ما في قوله و قريب ما أشبهت مصدرية-  أي و قريب شبهك بأعمام و أخوال-  و قد ذكرنا من قتل من بني أمية-  في حروب رسول الله ص فيما تقدم-  و إليهم الإشارة بالأعمام و الأخوال-  لأن أخوال معاوية من بني عبد شمس-  كما أن أعمامه من بني عبد شمس- . قوله و لم تماشها الهوينى أي لم تصحبها-  يصفها بالسرعة و المضي في الرءوس الأعناق-

 

و أما قوله ادخل فيما دخل فيه الناس و حاكم القوم-  فهي الحجة التي يحتج بها أصحابنا له-  في أنه لم يسلم قتلة عثمان إلى معاوية-  و هي حجة صحيحة-  لأن الإمام يجب أن يطاع-  ثم يتحاكم إليه أولياء الدم و المتهمون-  فإن حكم بالحق استديمت حكومته-  و إلا فسق و بطلت إمامته- .

قوله فأما تلك التي تريدها-  قيل إنه يريد التعلق بهذه الشبهة-  و هي قتلة عثمان-  و قيل أراد به ما كان معاوية يكرر طلبه-  من أمير المؤمنين ع و هو أن يقره على الشام وحده-  و لا يكلفه البيعة-  قال إن ذلك كمخادعة الصبي في أول فطامه عن اللبن-  بما تصنعه النساء له مما يكره إليه الثدي و يسليه عنه-  و يرغبه في التعوض بغيره-  و كتاب معاوية الذي ذكرناه لم يتضمن حديث الشام

 

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 17-18

 

نامه 63 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

63 و من كتاب له ع إلى أبي موسى الأشعري

و هو عامله على الكوفة-  و قد بلغه عنه تثبيطه الناس عن الخروج إليه-  لما ندبهم لحرب أصحاب الجمل-  مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ-  أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ قَوْلٌ هُوَ لَكَ وَ عَلَيْكَ-  فَإِذَا قَدِمَ عَلَيْكَ رَسُولِي فَارْفَعْ ذَيْلَكَ-  وَ اشْدُدْ مِئْزَرَكَ وَ اخْرُجْ مِنْ جُحْرِكَ وَ انْدُبْ مَنْ مَعَكَ-  فَإِنْ حَقَّقْتَ فَانْفُذْ وَ إِنْ تَفَشَّلْتَ فَابْعُدْ-  وَ ايْمُ اللَّهِ لَتُؤْتَيَنَّ مِنْ حَيْثُ أَنْتَ-  وَ لَا تُتْرَكُ حَتَّى يُخْلَطَ زُبْدُكَ بِخَاثِرِكَ-  وَ ذَائِبُكَ بِجَامِدِكَ-  وَ حَتَّى تُعْجَلُ عَنْ قِعْدَتِكَ-  وَ تَحْذَرَ مِنْ أَمَامِكَ كَحَذَرِكَ مِنْ خَلْفِكَ-  وَ مَا هِيَ بِالْهُوَيْنَى الَّتِي تَرْجُو-  وَ لَكِنَّهَا الدَّاهِيَةُ الْكُبْرَى-  يُرْكَبُ جَمَلُهَا وَ يُذَلُّ صَعْبُهَا وَ يُسَهَّلُ جَبَلُهَا-  فَاعْقِلْ عَقْلَكَ وَ امْلِكْ أَمْرَكَ وَ خُذْ نَصِيبَكَ وَ حَظَّكَ-  فَإِنْ كَرِهْتَ فَتَنَحَّ إِلَى غَيْرِ رَحْبٍ وَ لَا فِي نَجَاةٍ-  فَبِالْحَرِيِّ لَتُكْفَيَنَّ وَ أَنْتَ نَائِمٌ حَتَّى لَا يُقَالَ أَيْنَ فُلَانٌ-  وَ اللَّهِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مَعَ مُحِقٍّ وَ مَا يُبَالِي مَا صَنَعَ الْمُلْحِدُونَ-  وَ السَّلَامُ المراد بقوله قول هو لك و عليك-  أن أبا موسى كان يقول لأهل الكوفة-  إن عليا إمام هدى و بيعته صحيحة-  ألا إنه لا يجوز القتال معه لأهل القبلة-  و هذا القول بعضه حق و بعضه باطل- .

و قوله فارفع ذيلك-  أي شمر للنهوض معي و اللحاق بي-  لنشهد حرب أهل البصرة-  و كذلك قوله و اشدد مئزرك-  و كلتاهما كنايتان عن الجد و التشمير في الأمر- . قال و اخرج من جحرك-  أمر له بالخروج من منزله للحاق به-  و هي كناية فيها غض من أبي موسى و استهانة به-  لأنه لو أراد إعظامه لقال و اخرج من خيسك-  أو من غيلك كما يقال للأسد-  و لكنه جعله ثعلبا أو ضبا- .

قال و اندب من معك-  أي و اندب رعيتك من أهل الكوفة-  إلى الخروج معي و اللحاق بي- . ثم قال و إن تحققت فانفذ-  أي أمرك مبني على الشك-  و كلامك في طاعتي كالمتناقض-  فإن حققت لزوم طاعتي لك فانفذ-  أي سر حتى تقدم علي-  و إن أقمت على الشك فاعتزل العمل فقد عزلتك- . قوله و ايم الله لتؤتين-  معناه إن أقمت على الشك و الاسترابة-  و تثبيط أهل الكوفة عن الخروج إلي و قولك لهم-  لا يحل لكم سل السيف لا مع علي و لا مع طلحة-  و الزموا بيوتكم و اكسروا سيوفكم ليأتينكم-  و أنتم في منازلكم بالكوفة أهل البصرة مع طلحة-  و نأتينكم نحن بأهل المدينة و الحجاز-  فيجتمع عليكم سيفان من أمامكم و من خلفكم-  فتكون ذلك الداهية الكبرى التي لا شواة لها- .

قوله و لا تترك حتى يخلط زبدك بخاثرك-  تقول للرجل إذا ضربته حتى أثخنته-  لقد ضربته حتى خلطت زبده بخاثره-  و كذلك حتى خلطت ذائبه بجامده-  و الخاثر اللبن الغيظ و الزبد خلاصة اللبن و صفوته-  فإذا أثخنت الإنسان ضربا كنت كأنك‏ خلطت ما رق-  و لطف من أخلاطه بما كثف و غلظ منها-  و هذا مثل و معناه لتفسدن حالك و لتخلطن-  و ليضربن ما هو الآن منتظم من أمرك- . قوله و حتى تعجل عن قعدتك-  القعدة بالكسر هيئة القعود كالجلسة و الركبة-  أي و ليعجلنك الأمر عن هيئة قعودك-  يصف شدة الأمر و صعوبته- .

قوله و تحذر من أمامك كحذرك من خلفك-  يعني يأتيك من خلفك-  إن أقمت على منع الناس عن الحرب معنا-  و معهم أهل البصرة و أهل المدينة-  فتكون كما قال الله تعالى-  إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ- . قوله و ما هي بالهوينى التي ترجو-  الهوينى تصغير الهونى التي هي أنثى أهون-  أي ليست هذه الداهية و الجائحة-  التي أذكرها لك بالشي‏ء الهين-  الذي ترجو اندفاعه و سهولته- . ثم قال بل هي الداهية الكبرى ستفعل لا محالة-  إن استمررت على ما أنت عليه-  و كنى عن قوله ستفعل لا محالة-  بقوله يركب جملها و ما بعده-  و ذلك لأنها إذا ركب جملها-  و ذلل صعبها و سهل وعرها فقد فعلت-  أي لا تقل هذا أمر عظيم صعب المرام-  أي قصد الجيوش من كلا الجانبين الكوفة-  فإنه إن دام الأمر على ما أشرت إلى أهل الكوفة-  من التخاذل و الجلوس في البيوت-  و قولك لهم كن عبد الله المقتول-  لنقعن بموجب ما ذكرته لك-  و ليرتكبن أهل الحجاز و أهل البصرة-  هذا الأمر المستصعب-  لأنا نحن نطلب أن نملك الكوفة-  و أهل البصرة كذلك-  فيجتمع عليها الفريقان- .

ثم عاد إلى أمره بالخروج إليه فقال له-  فاعقل عقلك و املك أمرك و خذ نصيبك‏ و حظك-  أي من الطاعة و اتباع الإمام الذي لزمتك بيعته-  فإن كرهت ذلك فتنح عن العمل فقد عزلتك-  و ابعد عنا لا في رحب أي لا في سعة-  و هذا ضد قولهم مرحبا- . ثم قال فجدير أن تكفى ما كلفته-  من حضور الحرب و أنت نائم-  أي لست معدودا عندنا و لا عند الناس من الرجال-  الذين تفتقر الحروب و التدبيرات إليهم-  فسيغني الله عنك و لا يقال أين فلان- . ثم أقسم إنه لحق أي إني في حرب هؤلاء لعلى حق-  و إن من أطاعني مع إمام محق ليس يبالي ما صنع الملحدون-  و هذا إشارة إلى  قول النبي ص اللهم أدر الحق معه حيثما دار

 شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 17  

نامه 62 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

62 و من كتاب له ع إلى أهل مصر مع مالك الأشتر رحمه الله-  لما ولاه إمارتها

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً ص-  نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ وَ مُهَيْمِناً عَلَى الْمُرْسَلِينَ-  فَلَمَّا مَضَى ص تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ-  فَوَاللَّهِ مَا كَانَ يُلْقَى فِي رُوعِي-  وَ لَا يَخْطُرُ بِبَالِي أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هَذَا الْأَمْرَ-  مِنْ بَعْدِهِ ص عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ-  وَ لَا أَنَّهُمْ مُنَحُّوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ-  فَمَا رَاعَنِي إِلَّا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ يُبَايِعُونَهُ-  فَأَمْسَكْتُ بِيَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ-  قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ-  يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَيْنِ مُحَمَّدٍ ص-  فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَ أَهْلَهُ-  أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً-  تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَتِكُمُ-  الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ-  يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ-  وَ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ-  فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَ زَهَقَ-  وَ اطْمَأَنَّ الدِّينُ وَ تَنَهْنَهَ المهيمن الشاهد-  قال الله تعالى-  إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً-  أي تشهد بإيمان من آمن و كفر من كفر-  و قيل تشهد بصحة نبوة الأنبياء قبلك-و قوله على المرسلين يؤكد صحة هذا التفسير الثاني-  و أصل اللفظة من آمن غيره من الخوف-  لأن الشاهد يؤمن غيره من الخوف بشهادته-  ثم تصرفوا فيها فابدلوا إحدى همزتي مؤامن ياء-  فصار مؤيمن-  ثم قلبوا الهمزة هاء كأرقت و هرقت فصار مهيمن- . و الروع الخلد-  و في الحديث أن روح القدس نفث في روعي-  قال ما يخطر لي ببال أن العرب تعدل بالأمر-  بعد وفاة محمد ص عن بني هاشم ثم من بني هاشم عني-  لأنه كان المتيقن بحكم الحال الحاضرة-  و هذا الكلام يدل على بطلان دعوى الإمامية-  النص و خصوصا الجلي- .

قال فما راعني إلا انثيال الناس-  تقول للشي‏ء يفجؤك بغتة ما راعني إلا كذا-  و الروع بالفتح الفزع-  كأنه يقول ما أفزعني شي‏ء بعد ذلك السكون-  الذي كان عندي-  و تلك الثقة التي اطمأننت إليها-  إلا وقوع ما وقع من انثيال الناس-  أي انصبابهم من كل وجه كما ينثاب التراب-  على أبي بكر-  و هكذا لفظ الكتاب الذي كتبه للأشتر-  و إنما الناس يكتبونه الآن إلى فلان-  تذمما من ذكر الاسم كما يكتبون في أول الشقشقية-  أما و الله لقد تقمصها فلان-  و اللفظ أما و الله لقد تقمصها ابن أبي قحافة- . قوله فأمسكت يدي أي امتنعت عن بيعته-  حتى رأيت راجعة الناس يعني أهل الردة كمسيلمة-  و سجاح و طليحة بن خويلد و مانعي الزكاة-  و إن كان مانعو الزكاة قد اختلف في أنهم أهل ردة أم لا- . و محق الدين إبطاله- . و زهق خرج و زال-  تنهنه سكن و أصله الكف-  تقول نهنهت السبع فتنهنه- أي كف عن حركته و إقدامه-  فكان الدين كان متحركا مضطربا فسكن-  و كف عن ذلك الاضطراب- .

روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في التاريخ الكبير-  أن رسول الله ص لما مات-  اجتمعت أسد و غطفان و طي‏ء-  على طليحة بن خويلد-  إلا ما كان من خواص أقوام في الطوائف الثلاث-  فاجتمعت أسد بسميراء و غطفان بجنوب طيبة-  و طي‏ء في حدود أرضهم-  و اجتمعت ثعلبة بن أسد و من يليهم من قيس-  بالأبرق من الربذة-  و تأشب إليهم ناس من بني كنانة-  و لم تحملهم البلاد فافترقوا فرقتين-  أقامت إحداهما بالأبرق و سارت الأخرى إلى ذي القصة-  و بعثوا وفودا إلى أبي بكر-  يسألونه أن يقارهم على إقامة الصلاة و منع الزكاة-  فعزم الله لأبي بكر على الحق-  فقال لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه-  و رجع الوفود إلى قومهم-  فأخبروهم بقلة من أهل المدينة-  فأطمعوهم فيها و علم أبو بكر و المسلمون بذلك-  و قال لهم أبو بكر أيها المسلمون إن الأرض كافرة-  و قد رأى وفدهم منكم قلة-  و إنكم لا تدرون أ ليلا تؤتون أم نهارا-  و أدناهم منكم على بريد-  و قد كان القوم يأملون أن نقبل منهم و نوادعهم-  و قد أبينا عليهم و نبذنا إليهم فأعدوا و استعدوا-  فخرج علي ع بنفسه-  و كان على نقب من أنقاب المدينة-  و خرج الزبير و طلحة و عبد الله بن مسعود و غيرهم-  فكانوا على الأنقاب الثلاثة-  فلم يلبثوا إلا قليلا-  حتى طرق القوم المدينة غارة مع الليل-  و خلفوا بعضهم بذي حسى ليكونوا ردءا لهم-  فوافوا الأنقاب و عليها المسلمون-  فأرسلوا إلى أبي بكر بالخبر-  فأرسل إليهم أن الزموا مكانكم ففعلوا- 

و خرج أبو بكر في جمع من أهل المدينة على النواضح فانتشر العدو بين أيديهم-  و اتبعهم المسلمون على النواضح حتى بلغوا ذا حسى-  فخرج عليهم الكمين بأنحاء قد نفخوها-  و جعلوا فيها الحبال-  ثم دهدهوها بأرجلهم في وجوه الإبل-  فتدهده كل نحي منها في طوله فنفرت إبل المسلمين-  و هم عليها و لا تنفر الإبل من شي‏ء نفارها من الأنحاء-  فعاجت بهم لا يملكونها حتى دخلت بهم المدينة-  و لم يصرع منهم أحد و لم يصب-  فبات المسلمون تلك الليلة يتهيئون-  ثم خرجوا على تعبئة-  فما طلع الفجر إلا و هم و القوم على صعيد واحد-  فلم يسمعوا للمسلمين حسا و لا همسا-  حتى وضعوا فيهم السيف فاقتتلوا أعجاز ليلتهم-  فما ذر قرن الشمس إلا و قد ولوا الأدبار-  و غلبوهم على عامة ظهرهم-  و رجعوا إلى المدينة ظافرين- . قلت هذا هو الحديث الذي أشار ع-  إلى أنه نهض فيه أيام أبي بكر-  و كأنه جواب عن قول قائل إنه عمل لأبي بكر-  و جاهد بين يدي أبي بكر فبين ع عذره في ذلك-  و قال إنه لم يكن كما ظنه القائل-  و لكنه من باب دفع الضرر عن النفس و الدين-  فإنه واجب سواء كان للناس إمام أو لم يكن

ذكر ما طعن به الشيعة في إمامة أبي بكر و الجواب عنها

و ينبغي حيث جرى ذكر أبي بكر في كلام أمير المؤمنين ع-  أن نذكر ما أورده قاضي القضاة في المغني-  من المطاعن التي طعن بها فيه-  و جواب قاضي القضاة عنها-  و اعتراض المرتضى في الشافي على قاضي القضاة-  و نذكر ما عندنا في ذلك-  ثم نذكر مطاعن أخرى لم يذكرها قاضي القضاة- .

الطعن الأول

 قال قاضي القضاة-  بعد أن ذكر ما طعن به فيه في أمر فدك-  و قد سبق القول فيه-  و مما طعن به عليه قولهم-  كيف يصلح للإمامة-  من يخبر عن نفسه أن له شيطانا يعتريه-  و من يحذر الناس نفسه-  و من يقول أقيلوني بعد دخوله في الإمامة-  مع أنه لا يحل للإمام أن يقول أقيلوني البيعة- . أجاب قاضي القضاة فقال إن شيخنا أبا علي قال-  لو كان ذلك نقصا فيه لكان قول الله في آدم و حواء-  فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ-  و قوله فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ-  و قوله وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ-  إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ-  يوجب النقص في الأنبياء-  و إذا لم يجب ذلك فكذلك ما وصف به أبو بكر نفسه-  و إنما أراد أنه عند الغضب يشفق من المعصية و يحذر منها-  و يخاف أن يكون الشيطان يعتريه في تلك الحال-  فيوسوس إليه-  و ذلك منه على طريقة الزجر لنفسه عن المعاصي-  و قد روي عن أمير المؤمنين ع-  أنه ترك مخاصمة الناس في حقوقه-  إشفاقا من المعصية-  و كان يولي ذلك عقيلا-  فلما أسن عقيل كان يوليها عبد الله بن جعفر-  فأما ما روي في إقالة البيعة فهو خبر ضعيف-  و إن صح فالمراد به التنبيه على أنه لا يبالي لأمر-  يرجع إليه أن يقيله الناس البيعة-  و إنما يضرون بذلك أنفسهم-  و كأنه نبه بذلك‏على أنه غير مكره لهم-  و أنه قد خلاهم و ما يريدون إلا أن يعرض ما يوجب خلافه-  و قد روي أن أمير المؤمنين ع-  أقال عبد الله بن عمر البيعة حين استقاله-  و المراد بذلك أنه تركه و ما يختار- .

اعترض المرتضى رضي الله عنه فقال-  أما قول أبي بكر وليتكم و لست بخيركم-  فإن استقمت فاتبعوني و إن اعوججت فقوموني-  فإن لي شيطانا يعتريني عند غضبي-  فإذا رأيتموني مغضبا فاجتنبوني-  لا أؤثر في أشعاركم و أبشاركم-  فإنه يدل على أنه لا يصلح للإمامة من وجهين-  أحدهما أن هذا صفة من ليس بمعصوم-  و لا يأمن الغلط على نفسه-  من يحتاج إلى تقويم رعيته له إذا وقع في المعصية-  و قد بينا أن الإمام لا بد أن يكون معصوما موفقا مسددا-  و الوجه الآخر أن هذه صفة من لا يملك نفسه-  و لا يضبط غضبه-  و من هو في نهاية الطيش و الحدة و الخرق و العجلة-  و لا خلاف أن الإمام-  يجب أن يكون منزها عن هذه الأوصاف-  غير حاصل عليها و ليس يشبه قول أبي بكر-  ما تلاه من الآيات كلها-  لأن أبا بكر خبر عن نفسه بطاعة الشيطان عند الغضب-  و أن عادته بذلك جارية-  و ليس هذا بمنزلة من يوسوس إليه الشيطان و لا يطيعه-  و يزين له القبيح فلا يأتيه-  و ليس وسوسة الشيطان بعيب على الموسوس له-  إذا لم يستزله ذلك عن الصواب-  بل هو زيادة في التكليف-  و وجه يتضاعف معه الثواب-  و قوله تعالى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ-  قيل معناه في تلاوته-  و قيل في فكرته على سبيل الخاطر-  و أي الأمرين كان-  فلا عار في ذلك على النبي ص و لا نقص- 

و إنما العار و النقص على من يطيع الشيطان-  و يتبع ما يدعو إليه-  و ليس لأحد أن يقول-  هذا إن سلم لكم في جميع الآيات لم يسلم في قوله تعالى-  فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ-  لأنه قد خبر عن تأثير غوايته و وسوسته-  بما كان منهما من الفعل-  و ذلك أن المعنى الصحيح في هذه الآية أن آدم و حواء-  كانا مندوبين إلى اجتناب الشجرة و ترك التناول منها-  و لم يكن ذلك عليهما واجبا لازما- لأن الأنبياء لا يخلون بالواجب-  فوسوس لهما الشيطان حتى تناولا من الشجرة-  فتركا مندوبا إليه و حرما بذلك أنفسهما الثواب-  و سماه إزلالا-  لأنه حط لهما عن درجة الثواب و فعل الأفضل-  و قوله تعالى في موضع آخر-  وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏-  لا ينافي هذا المعنى-  لأن المعصية قد يسمى بها من أخل بالواجب و الندب معا-  قوله فغوى-  أي خاب من حيث لم يستحق الثواب على ما ندب إليه على أن صاحب الكتاب يقول- 

إن هذه المعصية من آدم كانت صغيرة-  لا يستحق بها عقابا و لا ذما-  فعلى مذهبه أيضا-  تكون المفارقة بينه و بين أبي بكر ظاهرة-  لأن أبا بكر خبر عن نفسه أن الشيطان يعتريه-  حتى يؤثر في الأشعار و الأبشار-  و يأتي ما يستحق به التقويم-  فأين هذا من ذنب صغير لا ذم و لا عقاب عليه-  و هو يجري من وجه من الوجوه مجرى المباح-  لأنه لا يؤثر في أحوال فاعله و حط رتبته-  و ليس يجوز أن يكون ذلك منه-  على سبيل الخشية و الإشفاق على ما ظن-  لأن مفهوم خطابه يقتضي خلاف ذلك-  أ لا ترى أنه قال إن لي شيطانا يعتريني-  و هذا قول من قد عرف عادته-  و لو كان على سبيل الإشفاق و الخوف لخرج عن هذا المخرج-  و لكان يقول-  فإني آمن من كذا و إني لمشفق منه-  فأما ترك أمير المؤمنين ع مخاصمة الناس في حقوقه-  فكأنه إنما كان تنزها و تكرما-  و أي نسبة بين ذلك و بين من صرح و شهد على نفسه-  بما لا يليق بالأئمة-  و أما خبر استقالة البيعة و تضعيف صاحب الكتاب له-  فهو أبدا يضعف ما لا يوافقه-  من غير حجة يعتمدها في تضعيفه-  و قوله إنه ما استقال على التحقيق- 

و إنما نبه على أنه لا يبالي بخروج الأمر عنه-  و أنه غير مكره لهم عليه-  فبعيد من الصواب-  لأن ظاهر قوله أقيلوني أمر بالإقالة-  و أقل أحواله أن يكون عرضا لها و بذلا-  و كلا الأمرين قبيح-  و لو أراد ما ظنه لكان له  في غير هذا القول مندوحة-  و لكان يقول إني ما أكرهتكم و لا حملتكم على مبايعتي-  و ما كنت أبالي ألا يكون هذا الأمر في و لا إلي-  و إن مفارقته لتسرني-  لو لا ما ألزمنيه الدخول فيه من التمسك به-  و متى عدلنا عن ظواهر الكلام بلا دليل-  جر ذلك علينا ما لا قبل لنا به-  و أما أمير المؤمنين ع-  فإنه لم يقل ابن عمر البيعة بعد دخولها فيها-  و إنما استعفاه من أن يلزمه البيعة ابتداء-  فأعفاه قلة فكر فيه-  و علما بأن إمامته لا تثبت بمبايعة من يبايعه عليها-  فأين هذا من استقالة بيعة قد تقدمت و استقرت- .

قلت أما قول أبي بكر وليتكم و لست بخيركم-  فقد صدق عند كثير من أصحابنا-  لأن خيرهم علي بن أبي طالب ع-  و من لا يقول بذلك يقول بما قاله الحسن البصري-  و الله إنه ليعلم أنه خيرهم و لكن المؤمن يهضم نفسه-  و لم يطعن المرتضى فيه بهذه اللفظة لنطيل القول فيها-  و أما قول المرتضى عنه أنه قال-  فإن لي شيطانا يعتريني عند غضبى-  فالمشهور في الرواية فإن لي شيطانا يعتريني-  قال المفسرون أراد بالشيطان الغضب-  و سماه شيطانا على طريق الاستعارة-  و كذا ذكره شيخنا أبو الحسين في الغرر-  قال معاوية لإنسان غضب في حضرته-  فتكلم بما لا يتكلم بمثله في حضرة الخلفاء-  اربع على ظلعك أيها الإنسان- 

فإنما الغضب شيطان و أنا لم نقل إلا خيرا- . و قد ذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري-  في كتاب التاريخ الكبير-  خطبتي أبي بكر عقيب بيعته بالسقيفة-  و نحن نذكرهما نقلا من كتابه-  أما الخطبة الأولى فهي-  أما بعد أيها الناس فإني وليتكم و لست بخيركم-  فإن أحسنت فأعينوني و إن أسأت فقوموني-  لأن الصدق أمانة و الكذب خيانة-  الضعيف منكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه-  و القوي منكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه-  لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل-  و لا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء-  أطيعوني ما أطعت الله و رسوله-  فإذا عصيت الله و رسوله فلا طاعة لي عليكم-  قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله و أما الخطبة الثانية فهي أيها الناس إنما أنا مثلكم-  و إني لا أدري لعلكم ستكلفونني-  ما كان رسول الله ص يطيقه- 

إن الله اصطفى محمدا ص على العالمين-  و عصمه من الآفات-  و إنما أنا متبع و لست بمتبوع-  فإن استقمت فاتبعوني و إن زغت فقوموني-  و إن رسول الله ص-  قبض و ليس أحد من هذه الأمة-  يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها-  ألا و إن لي شيطانا يعتريني-  فإذا غضبت فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم و أبشاركم-  ألا و إنكم تغدون و تروحون في أجل قد غيب عنكم علمه-  فإن استطعتم ألا يمضي هذا الأجل-  إلا و أنتم في عمل صالح فافعلوا-  و لن تستطيعوا ذلك إلا بالله-  فسابقوا في مهل آجالكم-  من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال-  فإن قوما نسوا آجالهم و جعلوا أعمالهم لغيرهم-  فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم-  الجد الجد الوحا الوحا-  فإن وراءكم طالبا حثيثا-  أجل مره سريع احذروا الموت-  و اعتبروا بالآباء و الأبناء و الإخوان-  و لا تغبطوا الأحياء إلا بما يغبط به الأموات- . إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما يراد به وجهه-  فأريدوا وجه الله بأعمالكم- 

و اعلمواأن ما أخلصتم لله من أعمالكم-  فلطاعة أتيتموها-  و حظ ظفرتم به و ضرائب أديتموها-  و سلف قدمتموه من أيام فانية لأخرى باقية-  لحين فقركم و حاجتكم-  فاعتبروا عباد الله بمن مات منكم-  و تفكروا فيمن كان قبلكم-  أين كانوا أمس و أين هم اليوم أين الجبارون-  أين الذين كان لهم ذكر القتال و الغلبة-  في مواطن الحرب-  قد تضعضع بهم الدهر و صاروا رميما-  قد تركت عليهم القالات الخبيثات-  و إنما الخبيثات للخبيثين و الخبيثون للخبيثات-  و أين الملوك الذين أثاروا الأرض و عمروها-  قد بعدوا بسيئ ذكرهم-  و بقي ذكرهم و صاروا كلا شي‏ء-  ألا إن الله قد أبقى عليهم التبعات-  و قطع عنهم الشهوات و مضوا-  و الأعمال أعمالهم و الدنيا دنيا غيرهم-  و بقينا خلفا من بعدهم-  فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا-  و إن اغتررنا كنا مثلهم-  أين الوضاء الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم-  صاروا ترابا و صار ما فرطوا فيه حسرة عليهم-  أين الذين بنوا المدائن و حصنوها بالحوائط-  و جعلوا فيها العجائب و تركوها لمن خلفهم-  فتلك مساكنهم خاوية و هم في ظلم القبور-  هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا-  أين من تعرفون من آبائكم و إخوانكم-  قد انتهت بهم آجالهم فوردوا على ما قدموا عليه-  و أقاموا للشقوة و للسعادة-  إلا إن الله لا شريك له-  ليس بينه و بين أحد من خلقه سبب-  يعطيه به خيرا و لا يصرف عنه به شرا-  إلا بطاعته و اتباع أمره- 

و اعلموا أنكم عباد مدينون-  و أن ما عنده لا يدرك إلا بتقواه و عبادته-  ألا و إنه لا خير بخير بعده النار-  و لا شر بشر بعد الجنة- .فهذه خطبتا أبي بكر يوم السقيفة و اليوم الذي يليه-  إنما قال إن لي شيطانا يعتريني-  و أراد بالشيطان الغضب-  و لم يرد أن له شيطانا من مردة الجن-  يعتريه إذا غضب-  فالزيادة فيما ذكره المرتضى في قوله-  إن لي شيطانا يعتريني عند غضبي-  تحريف لا محالة-  و لو كان له شيطان من الجن يعتاده و ينوبه-  لكان في عداد المصروعين من المجانين-  و ما ادعى أحد على أبي بكر هذا-  لا من أوليائه و لا من أعدائه-  و إنما ذكرنا خطبته على طولها-  و المراد منها كلمة واحدة-  لما فيها من الفصاحة و الموعظة-  على عادتنا في الاعتناء بإيداع هذا الكتاب-  ما كان ذاهبا هذا المذهب و سالكا هذا السبيل- . فأما قول المرتضى فهذه صفة من ليس بمعصوم-  فالأمر كذلك و العصمة عندنا ليست شرطا في الإمامة-  و لو لم يدل على عدم اشتراطها-  إلا أنه قال على المنبر بحضور الصحابة هذا القول-  و أقروه على الإمامة-  لكفى في عدم كون العصمة شرطا-  لأنه قد حصل الإجماع على عدم اشتراط ذلك-  إذ لو كان شرطا لأنكر منكر إمامته كما لو قال- 

إني لا أصبر عن شرب الخمر و عن الزنا- . فأما قوله هذه صفة طائش لا يملك نفسه-  فلعمري إن أبا بكر كان حديدا و قد ذكره عمر بذلك-  و ذكره غيره من الصحابة بالحدة و السرعة-  و لكن لا بحيث أن تبطل به أهليته للإمامة-  لأن الذي يبطل الإمامة من ذلك-  و ما يخرج الإنسان عن العقل-  و أما ما هو دون ذلك فلا-  و ليس قوله فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم و أبشاركم-  محمول على ظاهره-  و إنما أراد به المبالغة في وصف القوة الغضبية عنده-  و إلا فما سمعنا و لا نقل ناقل-  من الشيعة و لا من غير الشيعة-  أن أبا بكر في أيام رسول الله ص-  و لا في الجاهلية و لا في أيام خلافته-  احتد على إنسان-  فقام إليه فضربه بيده و مزق شعره- .

فأما ما حكاه قاضي القضاة عن الشيخ أبي علي-  من تشبيه هذه اللفظة بما ورد في القرآن-  فهو على تقدير أن يكون أبو بكر عنى الشيطان حقيقة-  و ما اعترض به المرتضى ثانية عليه غير لازم-  لأن الله تعالى قال فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ-  و تعقب ذلك قبولهما وسوسته و أكلهما من الشجرة-  فكيف يقول المرتضى-  ليس قول أبي بكر بمنزلة من وسوس له الشيطان فلم يطعه-  و كذلك قوله تعالى في قصة موسى لما قتل القبطي-  هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ-  و كذلك قوله فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها-  و قوله أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ-  و ما ذهب إليه المرتضى من التأويلات-  مبني على مذهبه في العصمة الكلية-  و هو مذهب يحتاج في نصرته إلى تكلف شديد-  و تعسف عظيم في تأويل الآيات-  على أنه إذا سلم أن الشيطان-  ألقى في تلاوة الرسول ص ما ليس من القرآن-  حتى ظنه السامعون كلاما من كلام الرسول-  فقد نقض دلالة التنفير المقتضية عنده في العصمة-  لأنه لا تنفير عنده أبلغ من تمكين الله الشيطان-  أن يخلط كلامه بكلامه و رسوله يؤديه إلى المكلفين-  حتى يعتقد السامعون كلهم أن الكلامين كلام واحد- .

و أما قوله إن آدم كان مندوبا-  إلى ألا يأكل من الشجرة لا محرم عليه أكلها-  و لفظة عصى إنما المراد بها خالف المندوب-  و لفظه غوى إنما المراد خاب-  من حيث لم يستحق الثواب على اعتماد ما ندب إليه-  فقول يدفعه ظاهر الآية لأن الصيغة صيغة النهي-  و هي قوله وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ-  و النهي عند المرتضى يقتضي التحريم لا محالة-  و ليس الأمر الذي قد يراد به الندب-  و قد يراد به الوجوب- . و أما قول شيخنا أبي علي-  إن كلام أبي بكر خرج مخرج الإشفاق و الحذر-  من المعصية عند الغضب فجيد- . و اعتراض المرتضى عليه-  بأنه ليس ظاهر اللفظ ذاك غير لازم-  لأن هذه عادة العرب-  يعبرون عن الأمر بما هو منه بسبب و سبيل-  كقولهم لا تدن من الأسد فيأكلك-  فليس أنهم قطعوا على الأكل عند الدنو-  و إنما المراد الحذر و الخوف-  و التوقع للأكل عند الدنو- .

 

و أما الكلام في قوله أقيلوني-  فلو صح الخبر لم يكن فيه مطعن عليه-  لأنه إنما أراد في اليوم الثاني اختبار حالهم في البيعة-  التي وقعت في اليوم الأول ليعلم وليه من عدوه منهم-  و قد روى جميع أصحاب السير أن أمير المؤمنين خطب في اليوم الثاني من بيعته-  فقال أيها الناس إنكم بايعتموني على السمع و الطاعة-  و أنا أعرض اليوم عليكم ما دعوتموني إليه أمس-  فإن أجبتم قعدت لكم و إلا فلا أجد على أحد-  و ليس بجيد قول المرتضى-  إنه لو كان يريد العرض و البذل-  لكان قد قال كذا و كذا-  فإن هذه مضايقة منه شديدة للألفاظ-  و لو شرعنا في مثل هذا لفسد أكثر ما يتكلم به الناس-  على أنا لو سلمنا أنه استقالهم البيعة حقيقة-  فلم قال المرتضى إن ذلك لا يجوز-  أ ليس يجوز للقاضي أن يستقيل من القضاء-  بعد توليته إياه و دخوله فيه-  فكذلك يجوز للإمام أن يستقيل من الإمامة-  إذا أنس من نفسه ضعفا عنها-  أو أنس من رعيته نبوة عنه-  أو أحس بفساد ينشأ في الأرض-  من جهة ولايته على الناس-  و من يذهب إلى أن الإمامة تكون بالاختيار-  كيف يمنع من جواز استقالة الإمام-  و طلبه إلى الأمة أن يختاروا غيره-  لعذر يعلمه من حال نفسه-  و إنما يمنع من ذلك المرتضى و أصحابه-  القائلون بأن الإمامة بالنص-  و إن الإمام محرم عليه ألا يقوم بالإمامة-  لأنه مأمور بالقيام بها لتعينه خاصة-  دون كل أحد من المكلفين-  و أصحاب الاختيار يقولون-  إذا لم يكن زيد إماما كان عمرو إماما عوضه-  لأنهم لا يعتبرون الشروط-  التي يعتبرها الإمامية من العصمة-  و أنه أفضل أهل عصره و أكثرهم ثوابا-  و أعلمهم و أشجعهم و غير ذلك من الشروط-  التي تقتضي تفرده و توحده بالأمر-  على أنه إذا جاز عندهم-  أن يترك الإمام الإمامة في الظاهر كما فعله الحسن-  و كما فعله غيره من الأئمة بعد الحسين ع للتقية-  جاز للإمام‏ على مذهب أصحاب الاختيار-  أن يترك الإمامة ظاهرا و باطنا-  لعذر يعلمه من حال نفسه أو حال رعيته

الطعن الثاني

قال قاضي القضاة بعد أن ذكر قول عمر كانت بيعة أبي بكر فلتة-  و قد تقدم منا القول في ذلك في أول هذا الكتاب-  و مما طعنوا به على أبي بكر أنه قال عند موته-  ليتني كنت سألت رسول الله ص عن ثلاثة-  فذكر في أحدها ليتني كنت سألته-  هل للأنصار في هذا الأمر حق-  قالوا و ذلك يدل على شكه في صحة بيعته-  و ربما قالوا قد روي أنه قال في مرضه-  ليتني كنت تركت بيت فاطمة لم أكشفه-  و ليتني في ظلة بني ساعدة كنت-  ضربت على يد أحد الرجلين-  فكان هو الأمير و كنت الوزير-  قالوا و ذلك يدل-  على ما روي من إقدامه على بيت فاطمة ع-  عند اجتماع علي ع و الزبير و غيرهما فيه-  و يدل على أنه كان يرى الفضل لغيره لا لنفسه- .

قال قاضي القضاة و الجواب أن قوله-  ليتني لا يدل على الشك فيما تمناه-  و قول إبراهيم ع-  رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏-  قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي-  أقوى من ذلك في الشبهة-  ثم حمل تمنيه على أنه أراد سماع شي‏ء مفصل-  أو أراد ليتني سألته عند الموت-  لقرب العهد لأن ما قرب عهده لا ينسى-  و يكون أردع للأنصار على ما حاولوه-  ثم قال على أنه ليس في ظاهره أنه تمنى أن‏ يسأل-  هل لهم حق في الإمامة أم لا-  لأن الإمامة قد يتعلق بها حقوق سواها-  ثم دفع الرواية المتعلقة ببيت فاطمة ع-  و قال فأما تمنيه أن يبايع غيره فلو ثبت لم يكن ذما-  لأن من اشتد التكليف عليه فهو يتمنى خلافه- .

اعترض المرتضى رحمه الله هذا الكلام فقال-  ليس يجوز أن يقول أبو بكر-  ليتني كنت سألت عن كذا-  إلا مع الشك و الشبهة-  لأن مع العلم و اليقين لا يجوز مثل هذا القول-  هكذا يقتضي الظاهر-  فأما قول إبراهيم ع-  فإنما ساغ أن يعدل عن ظاهره-  لأن الشك لا يجوز على الأنبياء و يجوز على غيرهم-  على أنه ع قد نفى عن نفسه الشك بقوله-  بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي-  و قد قيل إن نمرود قال له-  إذا كنت تزعم أن لك ربا يحيي الموتى-  فاسأله أن يحيي لنا ميتا إن كان على ذلك قادرا-  فإن لم تفعل ذلك قتلتك-  فأراد بقوله وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي-  أي لآمن توعد عدوك لي بالقتل-  و قد يجوز أن يكون طلب ذلك لقومه-  و قد سألوه أن يرغب إلى الله تعالى فيه فقال-  ليطمئن قلبي إلى إجابتك لي-  و إلى إزاحة علة قومي-  و لم يرد ليطمئن قلبي إلى أنك تقدر على أن تحيي الموتى-  لأن قلبه قد كان بذلك مطمئنا-  و أي شي‏ء يريد أبو بكر من التفضيل أكثر من قوله-  إن هذا الأمر لا يصلح إلا لهذا الحي من قريش-  و أي فرق بين ما يقال عند الموت و بين ما يقال قبله-  إذا كان محفوظا معلوما-  لم ترفع كلمة و لم تنسخ- . و بعد فظاهر الكلام لا يقتضي هذا التخصيص-  و نحن مع الإطلاق و الظاهر-  و أي حق يجوز أن يكون للأنصار في الإمامة-  غير أن يتولاها رجل منهم حتى يجوز أن يكون الحق-  الذي تمنى أن يسأل عنه غير الإمامة-  و هل هذا إلا تعسف و تكلف-و أي شبهة تبقى بعد قول أبي بكر-  ليتني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر حق-  فكنا لا ننازعه أهله-  و معلوم أن التنازع لم يقع بينهم-  إلا في الإمامة نفسها لا في حق آخر من حقوقها- .

فأما قوله إنا قد بينا أنه لم يكن منه في بيت فاطمة-  ما يوجب أن يتمنى أنه لم يفعله-  فقد بينا فساد ما ظنه فيما تقدم- . فأما قوله-  إن من اشتد التكليف عليه قد يتمنى خلافه-  فليس بصحيح-  لأن ولاية أبي بكر إذا كانت هي التي اقتضاها الدين-  و النظر للمسلمين في تلك الحال و ما عداها كان مفسدة-  و مؤديا إلى الفتنة-  فالتمني لخلافها لا يكون إلا قبيحا- . قلت أما قول قاضي القضاة-  إن هذا التمني لا يقتضي الشك-  في أن الإمامة لا تكون إلا في قريش-  كما أن قول إبراهيم وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي-  لا يقتضي الشك في أنه تعالى قادر على ذلك فجيد- .

فأما قول المرتضى-  إنما ساغ أن يعدل عن الظاهر في حق إبراهيم-  لأنه نبي معصوم لا يجوز عليه الشك-  فيقال له و كذلك ينبغي أن يعدل عن ظاهر كلام أبي بكر-  لأنه رجل مسلم عاقل-  فحسن الظن به-  يقتضي صيانة أفعاله و أقواله عن التناقض-  قوله إن إبراهيم قد نفى عن نفسه الشك بقوله-  بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي-  قلنا إن أبا بكر قد نفى عن نفسه الشك-  بدفع الأنصار عن الإمامة و إثباتها في قريش خاصة-  فإن كانت لفظة بلى دافعة لشك إبراهيم-  الذي يقتضيه قوله وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي-  ففعل أبي بكر و قوله يوم السقيفة- يدفع الشك الذي يقتضيه قوله ليتني سألته-  و لا فرق في دفع الشك-  بين أن يتقدم الدافع أو يتأخر أو يقارن- . ثم يقال للمرتضى أ لست في هذا الكتاب-  و هو الشافي بينت أن قصة السقيفة لم يجر فيها ذكر نص-  عن رسول الله ص بأن الأئمة من قريش-  و أنه لم يكن هناك إلا احتجاج أبي بكر و عمر-  بأن قريشا أهل النبي ص و عشيرته-  و أن العرب لا تطيع غير قريش-  و ذكرت عن الزهري و غيره أن القول الصادر عن أبي بكر-  إن هذا الأمر لا يصلح إلا لهذا الحي من قريش-  ليس نصا مرويا عن رسول الله ص-  و إنما هو قول قاله أبو بكر من تلقاء نفسه-  و رويت في ذلك الروايات-  و نقلت من الكتب من تاريخ الطبري و غيره-  صورة الكلام و الجدال الدائر بينه و بين الأنصار-  فإذا كان هذا قولك فلم تنكر على أبي بكر قوله-  ليتني كنت سألت رسول الله ص-  هل للأنصار في هذا الأمر حق-  لأنه لم يسمع النص و لا رواه و لا روي له-  و إنما دفع الأنصار بنوع من الجدل-  فلا جرم بقي في نفسه شي‏ء من ذلك- 

و قال عند موته ليتني كنت سألت رسول الله ص-  و ليس ذلك مما يقتضي شكه في بيعته كما زعم الطاعن-  لأنه إنما يشك في بيعته-  لو كان قال قائل أو ذهب ذاهب-  إلى أن الإمامة ليست إلا في الأنصار-  و لم يقل أحد ذلك-  بل النزاع كان في هل الإمامة مقصورة على قريش خاصة-  أم هي فوضى بين الناس كلهم-  و إذا كانت الحال هذه-  لم يكن شاكا في إمامته و بيعته بقوله-  ليتني سألت رسول الله ص-  هل للأنصار في هذا حق-  لأن بيعته على كلا التقديرين تكون صحيحة- .

 

فأما قول قاضي القضاة-  لعله أراد حقا للأنصار غير الإمامة نفسها-  فليس بجيد و الذي اعترضه به المرتضى جيد-  فإن الكلام لا يدل إلا على الإمامة نفسها-  و لفظة المنازعة تؤكد ذلك- . و أما حديث الهجوم على بيت فاطمة ع-  فقد تقدم الكلام فيه-  و الظاهر عندي صحة ما يرويه المرتضى و الشيعة-  و لكن لا كل ما يزعمونه بل كان بعض ذلك-  و حق لأبي بكر أن يندم و يتأسف على ذلك-  و هذا يدل على قوة دينه و خوفه من الله تعالى-  فهو بأن يكون منقبة له أولى من كونه طعنا عليه- .

فأما قول قاضي القضاة-  إن من اشتد التكليف عليه فقد يتمنى خلافه-  و اعتراض المرتضى عليه-  فكلام قاضي القضاة أصح و أصوب-  لأن أبا بكر و إن كانت ولايته مصلحة-  و ولاية غير مفسدة-  فإنه ما يتمنى أن يكون الإمام غيره-  مع استلزام ذلك للمفسدة-  بل تمنى أن يلي الأمر غيره و تكون المصلحة بحالها-  أ لا ترى أن خصال الكفارة في اليمين-  كل واحدة منها مصلحة-  و ما عداها لا يقوم مقامها في المصلحة-  و أحدها يقوم مقام الأخرى في المصلحة-  فأبو بكر تمنى أن يلي الأمر عمر أو أبو عبيدة-  بشرط أن تكون المصلحة الدينية-  التي تحصل من بيعته-  حاصلة من بيعة كل واحد من الآخرين

الطعن الثالث

قالوا إنه ولي عمر الخلافة-  و لم يوله رسول الله ص شيئامن أعماله البتة-  إلا ما ولاه يوم خيبر فرجع منهزما-  و ولاه الصدقة فلما شكاه العباس عزله- . أجاب قاضي القضاة بأن تركه ع أن يوليه-  لا يدل على أنه لا يصلح لذلك-  و توليته إياه لا يدل على صلاحيته للإمامة-  فإنه ص قد ولى خالد بن الوليد و عمرو بن العاص-  و لم يدل ذلك على صلاحيتهما للإمامة-  و كذلك تركه أن يولي لا يدل على أنه غير صالح-  بل المعتبر بالصفات التي تصلح للإمامة-  فإذا كملت صلح لذلك ولي من قبل أو لم يول-  و قد ثبت أن النبي ص-  ترك أن يولي أمير المؤمنين ع أمورا كثيرة-  و لم يجب إلا من يصلح لها-  و ثبت أن أمير المؤمنين ع لم يول الحسين ع ابنه-  و لم يمنع ذلك من أن يصلح للإمامة-  و حكي عن أبي علي-  أن ذلك إنما كان يصح أن يتعلق به-  لو ظفروا بتقصير من عمر فيما تولاه-  فأما و أحواله معروفة في قيامه بالأمر-  حين يعجز غيره فكيف يصح ما قالوه-  و بعد فهلا دل ما روي من قوله-  و إن تولوا عمر تجدوه قويا في أمر الله-  قويا في بدنه على جواز ذلك-  و إن ترك النبي ص توليته-  لأن هذا القول أقوى من الفعل- .

اعترض المرتضى رحمه الله فقال-  قد علمنا بالعادة أن من ترشح لكبار الأمور-  لا بد من أن يدرج إليها بصغارها-  لأن من يريد بعض الملوك تأهيله للأمر من بعده-  لا بد من أن ينبه عليه بكل قول و فعل-  يدل على ترشيحه لهذه المنزلة-  و يستكفيه من أمور ولاياته ما يعلم عنده-  أو يغلب على ظنه صلاحه لما يريده له-  و إن من يرى الملك مع حضوره و امتداد الزمان و تطاوله-  لا يستكفيه شيئا من الولايات-  و متى ولاه عزله-  و إنما يولي غيره و يستكفي سواه-  لا بد أن يغلب في الظن أنه ليس بأهل للولاية-  و إن جوزنا أنه لم يوله لأسباب كثيرة-  سوى أنه لا يصلح للولاية-  إلا أن مع هذا التجويز-  لا بد أن يغلب على الظن بما ذكرناه-  فأما خالد و عمرو فإنما لم يصلحا للإمامة-  لفقد شروط الإمامة فيهما-  و إن كانا يصلحان لما ولياه من الإمارة-  فترك الولاية مع امتداد الزمان و تطاول الأيام-  و جميع الشروط التي ذكرناها-  تقتضي غلبه الظن لفقد الصلاح-  و الولاية لشي‏ء لا تدل على الصلاح لغيره-  إذا كانت الشرائط في القيام بذلك الغير معلوما فقدها-  و قد نجد الملك يولي بعض أموره-  من لا يصلح للملك بعده لظهور فقد الشرائط فيه-  و لا يجوز أن يكون بحضرته من يرشحه للملك بعده-  ثم لا يوليه على تطاول الزمان شيئا من الولايات-  فبان الفرق بين الولاية و تركها فيما ذكرناه- . فأما أمير المؤمنين ع-  و إن يتول جميع أمور النبي ص في حياته-  فقد تولى أكثرها و أعظمها و خلفه في المدينة-  و كان الأمير على الجيش المبعوث إلى خيبر-  و جرى الفتح على يديه بعد انهزام من انهزم منها-  و كان المؤدي عنه سورة براءة-  بعد عزل من عزل عنها و ارتجاعها منه-  إلى غير ذلك من عظيم الولايات و المقامات-  بما يطول شرحه-  و لو لم يكن إلا أنه لم يول عليه واليا قط لكفى- .

فأما اعتراضه بأن أمير المؤمنين ع-  لم يول الحسين فبعيد عن الصواب-  لأن أيام أمير المؤمنين ع لم تطل-  فيتمكن فيها من مراداته-  و كانت على قصرها منقسمة بين قتال الأعداء-  لأنه ع لما بويع لم يلبث أن خرج عليه أهل البصرة-  فاحتاج إلى قتالهم-  ثم انكفأ من قتالهم إلى قتال أهل الشام-  و تعقب ذلك قتال أهل النهروان-  و لم تستقر به الدار و لا امتد به الزمان-  و هذا بخلاف أيام النبي ص-  التي تطاولت و امتدت-  على أنه قد نص عليه بالإمامة بعد أخيه الحسن-  و إنما تطلب الولايات لغلبة الظن بالصلاح للإمامة- . فإن كان هناك وجه يقتضي العلم بالصلاح لها-  كان أولى من طريق الظن-  على أنه‏ لا خلاف بين المسلمين-  أن الحسين ع كان يصلح للإمامة-  و إن لم يوله أبوه الولايات-  و في مثل ذلك خلاف من حال عمر فافترق الأمران-  فأما قوله إنه لم يعثر على عمر بتقصير في الولاية-  فمن سلم بذلك-  أ و ليس يعلم أن مخالفته تعد تقصيرا كثيرا-  و لو لم يكن إلا ما اتفق عليه من خطئه في الأحكام-  و رجوعه من قول إلى غيره-  و استفتائه الناس في الصغير و الكبير-  و قوله كل الناس أفقه من عمر لكان فيه كفاية-  و ليس كل النهوض بالإمامة-  يرجع إلى حسن التدبير و السياسة الدنياوية-  و رم الأعمال و الاستظهار في جباية الأموال-  و تمصير الأمصار و وضع الأعشار-  بل حظ الإمامة من العلم بالأحكام-  و الفتيا بالحلال و الحرام-  و الناسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه أقوى-  فمن قصر في هذا لم ينفعه أن يكون كاملا في ذلك- .

فأما قوله فهلا دل ما روي من  قوله ع فإن وليتم عمر-  وجدتموه قويا في أمر الله قويا في بدنه-  فهذا لو ثبت لدل و قد تقدم القول عليه-  و أقوى ما يبطله عدول أبي بكر عن ذكره-  و الاحتجاج به لما أراد النص على عمر-  فعوتب على ذلك و قيل له-  ما تقول لربك إذ وليت علينا فظا غليظا-  فلو كان صحيحا لكان يحتج به و يقول-  وليت عليكم من شهد النبي ص-  بأنه قوي في أمر الله قوي في بدنه-  و قد قيل في الطعن على صحة هذا الخبر-  إن ظاهره يقتضي تفضيل عمر على أبي بكر-  و الإجماع بخلاف ذلك لأن القوة في الجسم فضل-  قال الله تعالى إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ-  وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ-  و بعد فكيف يعارض ما اعتمدناه-  من عدوله ع عن ولايته-  و هو أمر معلوم-  بهذا الخبر المردود المدفوع- . قلت أما ما ادعاه من عادة الملوك فالأمر بخلافه-  فإنا قد وقفنا على سير الأكاسرة و ملوك الروم و غيرهم-  فما سمعنا أن أحدا منهم رشح ولده‏ للملك بعده-  باستعماله على طرف من الأطراف و لا جيش من الجيوش-  و إنما كانوا يثقفونهم بالآداب و الفروسية-  في مقار ملكهم لا غير-  و الحال في ملوك الإسلام كذلك-  فقد سمعنا بالدولة الأموية-  و رأينا الدولة العباسية-  فلم نعرف الدولة التي ادعاها المرتضى- 

و إنما قد يقع في الأقل النادر شي‏ء مما أشار إليه-  و الأغلب الأكثر خلاف ذلك-  على أن أصحابنا لا يقولون إن عمر كان مرشحا للخلافة-  بعد رسول الله ص ليقال لهم-  فلو كان قد رشحه للخلافة بعده-  لاستكفاه كثيرا من أموره-  و إنما عمر مرشح عندهم-  في أيام أبي بكر للخلافة بعد أبي بكر-  و قد كان أبو بكر استعمله على القضاء مدة خلافته-  بل كان هو الخليفة في المعنى-  لأنه فوض إليه أكثر التدبير-  فعلى هذا يكون قد سلمنا-  أن ترك استعمال النبي ص لعمر-  يدل على أنه غير مرشح في نظره للخلافة بعده-  و كذلك نقول و لا يلزم من ذلك-  ألا يكون خليفة بعد أبي بكر على أنا لا نسلم أنه ما استعمله-  فقد ذكر الواقدي و ابن إسحاق-  أنه بعثه في سرية في سنة سبع من الهجرة-  إلى الوادي المعروف ببرمة بضم الباء و فتح الراء-  و بها جمع من هوازن-  فخرج و معه دليل من بني هلال-  و كانوا يسيرون الليل و يكمنون النهار-  و أتى الخبر هوازن فهربوا-  و جاء عمر محالهم فلم يلق منهم أحدا-  فانصرف إلى المدينة- .

ثم يعارض المرتضى بما ذكره قاضي القضاة-  من ترك تولية علي ابنه الحسين ع-  و قوله في العذر عن ذلك-  إن عليا ع كان ممنوا-  بحرب البغاة و الخوارج لا يدفع المعارضة-  لأن تلك الأيام التي هي أيام حروبه مع هؤلاء-  هي الأيام التي كان ينبغي أن يولي الحسين ع-  بعض الأمور فيها-  كاستعماله على جيش ينفذه سرية إلى بعض الجهات-  و استعماله على الكوفة بعد خروجه منها إلى حرب صفين-  أو استعماله على القضاء-و ليس اشتغاله بالحرب بمانع له عن ولاية ولده-  و قد كان مشتغلا بالحرب-  و هو يولي بني عمه العباس الولايات و البلاد الجليلة فأما قوله-  على أنه قد نص عليه بالإمامة بعد أخيه الحسن-  فهذا يغني عن توليته شيئا من الأعمال-  فلقائل أن يمنع ما ذكره من حديث النص-  فإنه أمر تنفرد به الشيعة-  و أكثر أرباب السير و التواريخ لا يذكرون-  أن أمير المؤمنين ع نص على أحد-  ثم إن ساغ له ذلك ساغ لقاضي القضاة أن يقول-  إن  قول النبي ص اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر و عمر-  يغني عن تولية عمر شيئا من الولايات-  لأن هذا القول آكد من الولاية في ترشحه للخلافة- .

فأما قوله على أنه لا خلاف بين المسلمين-  في صلاحية الحسين للخلافة-  و إن لم يوله أبوه الولايات-  و في عمر خلاف ظاهر بين المسلمين-  فلقائل أن يقول له-  إجماع المسلمين على صلاحية الحسين للخلافة-  لا يدفع المعارضة بل يؤكدها-  لأنه إذا كان المسلمون-  قد أجمعوا على صلاحيته للخلافة-  و لم يكن ترك تولية أبيه إياه الولايات-  قادحا في صلاحيته لها بعده-  جاز أيضا أن يكون ترك تولية رسول الله ص-  عمر الولايات في حياته-  غير قادح في صلاحيته للخلافة بعده- . ثم ما ذكره من تقصير عمر في الخلافة-  بطريق اختلاف أحكامه و رجوعه إلى فتاوى العلماء-  فقد ذكرنا ذلك فيما تقدم-  لما تكلمنا في مطاعن الشيعة على عمر و أجبنا عنه- .

و أما قوله لا يغني حسن التدبير و السياسة و رم الأمور-  مر القصور في الفقه-  فأصحابنا يذهبون-  إلى أنه إذا تساوى اثنان في خصال الإمامة-  إلا أنه كان أحدهما أعلم و الآخرأسوس-  فإن الأسوس أولى بالإمامة-  لأن حاجة الإمامة إلى السياسة و حسن التدبير-  آكد من حاجتها إلى العلم و الفقه- . و أما الخبر المروي في عمر-  و هو قوله و إن تولوها عمر-  فيجوز ألا يكون أبو بكر سمعه من رسول الله ص-  و يكون الراوي له غيره-  و يجوز أن يكون سمعه و شذ عنه-  أن يحتج به على طلحة لما أنكر استخلاف عمر-  و يجوز ألا يكون شذ عنه و ترك الاحتجاج به-  استغناء عنه لعلمه أن طلحة لا يعتد بقوله-  عند الناس إذا عارض قوله-  و لعله كنى عن هذا النص بقوله-  إذا سألني ربي قلت له-  استخلفت عليهم خير أهلك-  على أنا متى فتحنا باب هلا احتج فلان بكذا-  جر علينا ما لا قبل لنا به-  و قيل هلا احتج علي ع على-  طلحة و عائشة و الزبير-  بقول رسول الله ص من كنت مولاه فهذا علي مولاه-  و هلا احتج عليهم بقوله أنت مني بمنزله هارون من موسى-  و لا يمكن الشيعة أن يعتذروا هاهنا بالتقية-  لأن السيوف كانت قد سلت من الفريقين-  و لم يكن مقام تقية- .

و أما قوله هذا الخبر لو صح-  لاقتضى أن يكون عمر أفضل من أبي بكر-  و هو خلاف إجماع المسلمين-  فلقائل أن يقول لم قلت إن المسلمين أجمعوا-  على أن أبا بكر أفضل من عمر-  مع أن كتب الكلام و التصانيف المصنفة في المقالات-  مشحونة بذكر الفرقة العمرية-  و هم القائلون إن عمر أفضل من أبي بكر-  و هي طائفة عظيمة من المسلمين-  يقال إن عبد الله بن مسعود منهم-  و قد رأيت أن جماعة من الفقهاء يذهبون إلى هذا-  و يناظرون عليه-  على أنه لا يدل الخبر على ما ذكره المرتضى-  لأنه و إن كان عمر أفضل منه باعتبار قوة البدن-  فلا يدل على أنه أفضل منه مطلقا-  فمن الجائز أن يكون بإزاء هذه الخصلة-  خصال كثيرة في أبي بكر من خصال الخير-  يفضل بها على عمر-أ لا ترى أنا نقول أبو دجانة أفضل من أبي بكر-  بجهاده بالسيف في مقام الحرب-  و لا يلزم من ذلك أن يكون أفضل منه مطلقا-  لأن في أبي بكر من خصال الفضل-  ما إذا قيس بهذه الخصلة-  أربى عليها أضعافا مضاعفة

الطعن الرابع

قالوا إن أبا بكر كان في جيش أسامة-  و إن رسول الله ص-  كرر حين موته الأمر بتنفيذ جيش أسامة-  فتأخره يقتضي مخالفة الرسول ص-  فإن قلتم إنه لم يكن في الجيش-  قيل لكم لا شك أن عمر بن الخطاب كان في الجيش-  و أنه حبسه و منعه من النفوذ مع القوم-  و هذا كالأول في أنه معصية-  و ربما قالوا إنه ص-  جعل هؤلاء القوم في جيش أسامة-  ليبعدوا بعد وفاته عن المدينة-  فلا يقع منهم توثب على الإمامة-  و لذلك لم يجعل أمير المؤمنين ع في ذلك الجيش-  و جعل فيه أبا بكر و عمر و عثمان و غيرهم-  و ذلك من أوكد الدلالة-  على أنه لم يرد أن يختاروا للإمامة- .

أجاب قاضي القضاة-  بأن أنكر أولا أن يكون أبو بكر في جيش أسامة-  و أحال على كتب المغازي-  ثم سلم ذلك و قال إن الأمر لا يقتضي الفور-  فلا يلزم من تأخر أبي بكر عن النفوذ أن يكون عاصيا-  ثم قال إن خطابه ص بتنفيذ الجيش-  يجب أن يكون متوجها إلى القائم بعده-  لأنه من خطاب الأئمة-  و هذا يقتضي ألا يدخل المخاطب بالتنفيذ في الجملة-  ثم قال-  و هذا يدل على أنه لم يكن هناك إمام منصوص عليه-  لأنه لو كان لأقبل بالخطاب عليه-  و خصه بالأمر بالتنفيذ دون الجميع-ثم ذكر أن أمر رسول الله ص-  لا بد أن يكون مشروطا بالمصلحة-  و بأن لا يعرض ما هو أهم منه-  لأنه لا يجوز أن يأمرهم بالنفوذ-  و إن أعقب ضررا في الدين-  ثم قوى ذلك بأنه لم ينكر على أسامة تأخره- 

و قوله لم أكن لأسأل عنك الركب-  ثم قال لو كان الإمام منصوصا عليه-  لجاز أن يسترد جيش أسامة أو بعضه لنصرته-  و كذلك إذا كان بالاختيار-  ثم حكى عن الشيخ أبي علي استدلاله-  على أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة-  بأنه ولاه الصلاة في مرضه-  مع تكريره أمر الجيش بالنفوذ و الخروج- . ثم ذكر أن الرسول ص-  إنما يأمر بما يتعلق بمصالح الدنيا-  من الحروب و نحوها عن اجتهاده-  و ليس بواجب أن يكون ذلك عن وحي-  كما يجب في الأحكام الشرعية-  و أن اجتهاده يجوز أن يخالف بعد وفاته-  و إن لم يجز في حياته-  لأن اجتهاده في الحياة أولى من اجتهاد غيره-  ثم ذكر أن العلة في احتباس عمر عن الجيش-  حاجة أبي بكر إليه و قيامه بما لا يقوم به غيره-  و أن ذلك أحوط للدين من نفوذه- . ثم ذكر أن أمير المؤمنين ع حارب معاوية-  بأمر الله تعالى و أمر رسوله-  و مع هذا فقد ترك محاربته في بعض الأوقات-  و لم يجب بذلك ألا يكون متمثلا للأمر-  و ذكر توليته ع أبا موسى-  و تولية الرسول ص خالد بن الوليد-  مع ما جرى منهما و أن ذلك يقتضي الشرط- .

ثم ذكر أن من يصلح للإمامة ممن ضمه جيش أسامة-  يجب تأخيره ليختار للإمامة أحدهم-  فإن ذلك أهم من نفوذهم-  فإذا جاز لهذه العلة التأخير قبل العقد-  جاز التأخير بعده للمعاضدة و غيرها-  و طعن في قول من جعل أن إخراجهم في الجيش-  على جهة الإبعاد لهم عن المدينة بأن قال-  إن بعدهم عن المدينة-  لا يمنع من أن يختاروا للإمامة-و لأنه ع لم يكن قاطعا على موته لا محالة-  لأنه لم يردنفذوا جيش أسامة في حياتي-  ثم ذكر أن ولاية أسامة عليهما-  لا تقتضي فضله و أنهما دونه-  و ذكر ولاية عمرو بن العاص عليهما-  و إن لم يكونا دونه في الفضل-  و أن أحدا لم يفضل أسامة عليهما ثم ذكر أن السبب في كون عمر من جملة جيش أسامة-  أن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي-  قال عند ولاية أسامة-  تولى علينا شاب حدث و نحن مشيخة قريش-  فقال عمر يا رسول الله مرني حتى أضرب عنقه-  فقد طعن في تأميرك إياه-  ثم قال أنا أخرج في جيش أسامة-  تواضعا و تعظيما لأمره ع- .

اعترض المرتضى هذه الأجوبة فقال-  أما كون أبي بكر في جملة جيش أسامة فظاهر-  قد ذكره أصحاب السير و التواريخ-  و قد روى البلاذري في تاريخه-  و هو معروف بالثقة و الضبط-  و بري‏ء من ممالاة الشيعة و مقاربتها-  أن أبا بكر و عمر معا كانا في جيش أسامة-  و الإنكار لما يجري هذا المجرى لا يغني شيئا-  و قد كان يجب على من أحال بذلك-  على كتب المغازي في الجملة-  أن يومئ إلى الكتاب المتضمن لذلك بعينه ليرجع إليه-  فأما خطابه ع بالتنفيذ للجيش-  فالمقصود به الفور دون التراخي-  إما من حيث مقتضى الأمر على مذهب من يرى ذلك لغة-  و إما شرعا من حيث وجدنا جميع الأمة-  من لدن الصحابة إلى هذا الوقت-  يحملون أوامره على الفور-  و يطلبون في تراخيها الأدلة-  ثم لو لم يثبت كل ذلك لكان قول أسامة-  لم أكن لأسأل عنك الركب-  أوضح دليل على أنه عقل من الأمر الفور-  لأن سؤال الركب عنه ع بعد وفاته لا معنى له- .

 و أما قول صاحب الكتاب-  إنه لم ينكر على أسامة تأخره فليس بشي‏ء-  و أي إنكار أبلغ من تكراره الأمر-  و ترداده القول في حال يشغل عن المهم-  و يقطع الفكر إلا فيها-  و قد كرر الأمر على المأمور تارة بتكرار الأمر-  و أخرى بغيره-  و إذا سلمنا أن أمره ع-  كان متوجها إلى القائم بعده بالأمر لتنفيذ الجيش بعد الوفاة-  لم يلزم ما ذكره من خروج المخاطب بالتنفيذ عن الجملة-  و كيف يصح ذلك و هو من جملة الجيش-  و الأمر متضمن تنفيذ الجيش-  فلا بد من نفوذ كل من كان في جملته-  لأن تأخر بعضهم-  يسلب النافذين اسم الجيش على الإطلاق-  أ و ليس من مذهب صاحب الكتاب-  أن الأمر بالشي‏ء أمر بما لا يتم إلا معه-  و قد اعتمد على هذا في مواضع كثيرة-  فإن كان خروج الجيش و نفوذه لا يتم إلا بخروج أبي بكر-  فالأمر بخروج الجيش أمر لأبي بكر بالنفوذ و الخروج-  و كذلك لو أقبل عليه على سبيل التخصيص-  و قال نفذوا جيش أسامة-  و كان هو من جملة الجيش-  فلا بد أن يكون ذلك أمرا له بالخروج-  و استدلاله على أنه لم يكن هناك إمام منصوص عليه-  بعموم الأمر بالتنفيذ ليس بصحيح-  لأنا قد بينا أن الخطاب إنما توجه إلى الحاضرين-  و لم يتوجه إلى الإمام بعده-  على أن هذا لازم له-  لأن الإمام بعده لا يكون إلا واحدا-  فلم عمم الخطاب و لم يفرد به الواحد فيقول-  لينفذ القائم من بعدي بالأمر جيش أسامة-  فإن الحال لا يختلف في كون الإمام بعده واحدا-  بين أن يكون منصوصا عليه أو مختارا- .

و أما ما ادعاه أن الشرط في أمره ع لهم بالنفوذ-  فباطل لأن إطلاق الأمر يمنع من إثبات الشرط-  و إنما يثبت من الشروط ما يقتضي الدليل إثباته-  من التمكن و القدرة-  لأن ذلك شرط ثابت في كل أمر ورد من حكيم-  و المصلحة بخلاف ذلك لأن الحكيم لا يأمر بشرط المصلحة-  بل إطلاق الأمر منه يقتضي ثبوت المصلحة-  و انتفاء المفسدة-  و ليس كذلك التمكن و ما يجري مجراه-  و لهذا لا يشترط أحد في أوامر الله تعالى و رسوله ص-  بالشرائع المصلحة و انتفاء المفسدة-  و شرطوا في ذلك التمكن و رفع التعذر-  و لو كان الإمام منصوصا عليه بعينه و اسمه-  لما جاز أن يسترد جيش أسامة بخلاف ما ظنه-  و لا يعزل من ولاه ع و لا يولي من عزله للعلة التي ذكرناها- . فأما استدلال أبي علي على أن أبا بكر-  لم يكن في الجيش بحديث الصلاة-  فأول ما فيه أنه اعتراف بأن الأمر بتنفيذ الجيش-  كان في الحياة دون بعد الوفاة-  و هذا ناقض لما بنى صاحب الكتاب عليه أمره ع- .

ثم إنا قد بينا أنه ع لم يوله الصلاة-  و ذكرنا ما في ذلك-  ثم ما المانع من أن يوليه تلك الصلاة إن كان ولاه إياها-  ثم يأمره بالنفوذ من بعد مع الجيش-  فإن الأمر بالصلاة في تلك الحال-  لا يقتضي أمره بها على التأبيد- . و أما ادعاؤه أن النبي ص يأمر بالحروب-  و ما يتصل بها عن اجتهاد دون الوحي-  فمعاذ الله أن يكون صحيحا-  لأن حروبه ع لم تكن مما يختص بمصالح أمور الدنيا-  بل للدين فيها أقوى تعلق لما يعود على الإسلام و أهله-  بفتوحه من العز و القوة و علو الكلمة-  و ليس يجري ذلك مجرى أكله و شربه و نومه-  لأن ذلك لا تعلق له بالدين-  فيجوز أن يكون عن رأيه-  و لو جاز أن تكون مغازيه و بعوثه-  مع التعلق القوي لها بالدين عن اجتهاد-  لجاز ذلك في الأحكام- .

ثم لو كان ذلك عن اجتهاد-  لما ساغت مخالفته فيه بعد وفاته-  كما لا تسوغ في حياته-  فكل علة تمنع من أحد الأمرين هي مانعة من الآخر-  فأما الاعتذار له عن حبس عمر عن الجيش-  بما ذكره فباطل لأنا قد قلنا-  إن ما يأمر به ع لا يسوغ مخالفته مع الإمكان-  و لا مراعاة لما عساه يعرض فيه من رأي غيره-  و أي حاجة إلى عمر بعد تمام العقد-  و استقراره و رضا الأمة به-  على طريق المخالف و إجماعها عليه-  و لم يكن‏ هناك فتنة و لا تنازع-  و لا اختلاف يحتاج فيه إلى مشاورته و تدبيره-  و كل هذا تعلل باطل- . فأما محاربة أمير المؤمنين ع معاوية-  فإنما كان مأمورا بها مع التمكن و وجود الأنصار-  و قد فعل ع من ذلك ما وجب عليه لما تمكن منه-  فأما مع التعذر و فقد الأنصار فما كان مأمورا بها-  و ليس كذلك القول في جيش أسامة-  لأن تأخر من تأخر عنه كان مع القدرة و التمكن-  فأما تولية أبي موسى فلا ندري كيف يشبه ما نحن فيه-  لأنه إنما ولاه بأن يرجع إلى كتاب الله تعالى-  فيحكم فيه و في خصمه بما يقتضيه-  و أبو موسى فعل خلاف ما جعل إليه-  فلم يكن ممتثلا لأمر من ولاه-  و كذلك خالد بن الوليد-  إنما خالف ما أمره به الرسول ص فتبرأ من فعله-  و كل هذا لا يشبه أمره ع-  بتنفيذ جيش أسامة أمرا مطلقا-  و تأكيده ذلك و تكراره له-  فأما جيش أسامة فإنه لم يضم من يصلح للإمامة-  فيجوز تأخرهم ليختار أحدهم على ما ظنه صاحب الكتاب-  على أن ذلك لو صح أيضا لم يكن عذرا في التأخر-  لأن من خرج في الجيش-  يمكن أن يختار و إن كان بعيدا-  و لا يمنع بعده من صحة الاختيار-  و قد صرح صاحب الكتاب بذلك-  ثم لو صح هذا العذر لكان عذرا في التأخر قبل العقد-  فأما بعد إبرامه فلا عذر فيه-  و المعاضدة التي ادعاها قد بينا ما فيها- .

فأما ادعاء صاحب الكتاب-  رادا على من جعل إخراج القوم في الجيش ليتم أمر النص-  أن من أبعدهم لا يمنع أن يختاروا للإمامة-  فيدل على أنه لم يتبين معنى هذا الطعن على حقيقته-  لأن الطاعن به لا يقول إنه أبعدهم-  لئلا يختاروا للإمامة-  و إنما يقول-  إنه أبعدهم حتى ينتصب بعده في الأرض من نص عليه-  و لا يكون هناك من ينازعه و يخالفه‏

 و أما قوله لم يكن قاطعا علي موته فلا يضر تسليمه-  أ ليس كان مشفقا و خائفا-  و على الخائف أن يتحرز ممن يخاف منه-  فأما قوله فإنه لم يرد-  نفذوا الجيش في حياتي فقد بينا ما فيه-  فأما ولاية أسامة على من ولي عليه-  فلا بد من اقتضائها لفضله على الجماعة-  فيما كان واليا فيه-  و قد دللنا فيما تقدم من الكتاب-  على أن ولاية المفضول على الفاضل-  فيما كان أفضل منه فيه قبيحة-  فكذلك القول في ولاية عمرو بن العاص عليها فيما تقدم-  و القول في الأمرين واحد- .

و قوله إن أحدا لم يدع فضل أسامة على أبي بكر و عمر-  فليس الأمر علي ما ظنه-  لأن من ذهب إلى فساد إمامة المفضول-  لا بد من أن يفضل أسامة عليهما فيما كان واليا فيه-  فأما ادعاؤه ما ذكره من السبب-  في دخول عمر في الجيش فما نعرفه-  و لا وقفنا عليه إلا من كتابه ثم لو صح لم يغن شيئا-  لأن عمر لو كان أفضل من أسامة-  لمنعه الرسول ص من الدخول في إمارته-  و المسير تحت لوائه-  و التواضع لا يقتضي فعل القبيح- . قلت إن الكلام في هذا الفصل قد تشعب شعبا كثيرة-  و المرتضى رحمه الله لا يورد كلام قاضي القضاة بنصه-  و إنما يختصره و يورده مبتورا-  و يومئ إلى المعاني إيماء لطيفا و غرضه الإيجاز-  و لو أورد كلام قاضي القضاة بنصه لكان أليق-  و كان أبعد عن الظنة و أدفع لقول قائل من خصومه-  إنه يحرف كلام قاضي القضاة و يذكر على غير وجه-  أ لا ترى أن من نصب نفسه لاختصار كلام-  فقد ضمن على نفسه أنه قد فهم معاني ذلك الكلام-  حتى يصح منه اختصاره-  و من الجائز أن يظن أنه قد فهم بعض المواضع-  و لم يكن قد فهمه على الحقيقة-  فيختصر ما في نفسه لا ما في تصنيف ذلك الشخص-  و أما من يورد كلام الناس بنصه-  فقد استراح من هذه التبعة-  و عرض عقل غيره و عقل نفسه على الناظرين و السامعين- . ثم نقول إن هذا الفصل ينقسم أقساما-  منها قول قاضي القضاة-  لا نسلم أن أبا بكر كان في جيش أسامة- .

و أما قول المرتضى-  إنه قد ذكره أرباب السير و التواريخ-  و قوله إن البلاذري ذكره في تاريخه-  و قوله هلا عين قاضي القضاة الكتاب-  الذي ذكر أنه يتضمن عدم كون أبي بكر في ذلك الجيش-  فإن الأمر عندي في هذا الموضع مشتبه-  و التواريخ مختلفة في هذه القضية-  فمنهم من يقول إن أبا بكر كان في جملة الجيش-  و منهم من يقول إنه لم يكن-  و ما أشار إليه قاضي القضاة بقوله في كتب المغازي-  لا ينتهي إلى أمر صحيح-  و لم يكن ممن يستحل القول بالباطل في دينه و لا في رئاسته-  ذكر الواقدي في كتاب المغازي-  أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة-  و إنما كان عمر و أبو عبيدة و سعد بن أبي وقاص-  و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل-  و قتادة بن النعمان و سلمة بن أسلم-  و رجال كثير من المهاجرين و الأنصار-  قال و كان المنكر لإمارة أسامة عياش بن أبي ربيعة-  و غير الواقدي يقول عبد الله بن عياش-  و قد قيل عبد الله بن أبي ربيعة أخو عياش- .

و قال الواقدي-  و جاء عمر بن الخطاب فودع رسول الله ص ليسير مع أسامة-  و قال و جاء أبو بكر فقال يا رسول الله-  أصبحت مفيقا بحمد الله-  و اليوم يوم ابنة خارجة-  فأذن لي فأذن له-  فذهب إلى منزله بالسنح و سار أسامة في العسكر-  و هذا تصريح بأن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة- .

 

و ذكر موسى بن عقبة في كتاب المغازي-  أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة-  و كثير من المحدثين يقولون بل كان في جيشه- . فأما أبو جعفر محمد بن جرير الطبري-  فلم يذكر أنه كان في جيش أسامة إلا عمر-  و قال أبو جعفر-  حدثني السدي بإسناد ذكره أن رسول الله ص-  ضرب قبل وفاته بعثا على أهل المدينة و من حولهم-  و فيهم عمر بن الخطاب-  و أمر عليهم أسامة بن زيد-  فلم يجاوز آخرهم الخندق حتى قبض رسول الله ص-  فوقف أسامة بالناس ثم قال لعمر-  ارجع إلى خليفة رسول الله ص-  فاستأذنه يأذن لي أرجع بالناس-  فإن معي وجوه الصحابة-  و لا آمن على خليفة رسول الله ص-  و ثقل رسول الله ص و أثقال المسلمين-  أن يتخطفهم المشركون حول المدينة-  و قالت الأنصار لعمر سرا-  فإن أبى إلا أن يمضي فأبلغه عنا-  و اطلب إليه أن يولي أمرنا رجلا أقدم سنا من أسامة-  فخرج عمر بأمر أسامة-  فأتى أبا بكر فأخبره بما قال أسامة-  فقال أبو بكر لو تخطفتني الكلاب و الذئاب-  لم أرد قضاء قضى به رسول الله ص- 

قال فإن الأنصار أمروني أن أبلغك أنهم يطلبون إليك-  أن تولي أمرهم رجلا أقدم سنا من أسامة-  فوثب أبو بكر و كان جالسا فأخذ بلحية عمر-  و قال ثكلتك أمك يا ابن الخطاب-  أ يستعمله رسول الله ص و تأمرني أن أنزعه-  فخرج عمر إلى الناس فقالوا له ما صنعت-  فقال امضوا ثكلتكم أمهاتكم-  ما لقيت في سبيلكم اليوم من خليفة رسول الله ص-  ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم فأشخصهم و شيعهم-  و هو ماش و أسامة راكب-  و عبد الرحمن بن عوف يقود دابة أبي بكر-  فقال له أسامة بن زيد يا خليفة رسول الله-  لتركبن أو لأنزلن-  فقال و الله لا تنزل و لا أركب-  و ما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة-فإن للغازي بكل خطوة يخطوها-  سبعمائة حسنة تكتب له-  و سبعمائة درجة ترفع له-  و سبعمائة خطيئة تمحى عنه-  حتى إذا انتهى قال لأسامة-  إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل فأذن له-  ثم قال أيها الناس قفوا حتى أوصيكم بعشر فاحفظوها عني-  لا تخونوا و لا تغدروا و لا تغلوا و لا تمثلوا-  و لا تقتلوا طفلا صغيرا و لا شيخا كبيرا و لا امرأة-  و لا تعقروا نخلا و لا تحرقوه و لا تقطعوا شجرة مثمرة-  و لا تذبحوا شاة و لا بعيرا و لا بقرة إلا لمأكلة-  و سوف تمرون بأقوام-  قد فرغوا أنفسهم للعبادة في الصوامع-  فدعوهم فيما فرغوا أنفسهم له-  و سوف تقدمون على أقوام-  يأتونكم بصحاف فيها ألوان الطعام-  فلا تأكلوا من شي‏ء حتى تذكروا اسم الله عليه-  و سوف تلقون أقواما قد حصوا أوساط رءوسهم-  و تركوا حولها مثل العصائب-  فاخفقوهم بالسيوف خفقا-  أفناهم الله بالطعن و الطاعون-  سيروا على اسم الله- .

و أما قول الشيخ أبي علي-  فإنه يدل على أنه لم يكن في جيش أسامة-  أمره إياه بالصلاة-  و قول المرتضى هذا اعتراف بأن الأمر بتنفيذ الجيش-  كان في الحال دون ما بعد الوفاة-  و هذا ينقض ما بنى عليه قاضي القضاة أمره-  فلقائل أن يقول إنه لا ينقض ما بناه-  لأن قاضي القضاة ما قال-  إن الأمر بتنفيذ الجيش ما كان إلا بعد الوفاة-  بل قال إنه أمر و الأمر على التراخي-  فلو نفذ الجيش في الحال لجاز-  و لو تأخر إلى بعد الوفاة لجاز- .

فأما إنكار المرتضى-  أن تكون صلاة أبي بكر بالناس كانت عن أمر رسول الله ص-  فقد ذكرنا ما عندنا في هذا فيما تقدم- . و أما قوله-  يجوز أن يكون أمر بصلاة واحدة أو صلاتين-  ثم أمره بالنفوذ بعدذلك فهذا لعمري جائز-  و قد يمكن أن يقال-  إنه لما خرج متحاملا من شدة المرض-  فتأخر أبو بكر عن مقامه-  و صلى رسول الله ص بالناس-  أمره بالنفوذ مع الجيش-  و أسكت رسول الله ص في أثناء ذلك اليوم-  و استمر أبو بكر على الصلاة بالناس إلى أن توفي ع-  فقد جاء في الحديث أنه أسكت-  و أن أسامة دخل عليه فلم يستطع كلامه-  لكنه كان يرفع يديه و يضعهما عليه كالداعي له-  و يمكن أن يكون زمان هذه السكتة-  قد امتد يوما أو يومين-  و هذا الموضع من المواضع المشتبهة عندي و منها قول قاضي القضاة إن الأمر على التراخي-  فلا يلزم من تأخر أبي بكر عن النفوذ أن يكون عاصيا- . فأما قول المرتضى-  الأمر على الفور إما لغة عند من قال به-  أو شرعا لإجماع الكل-  على أن الأوامر الشرعية على الفور-  إلا ما خرج بالدليل-  فالظاهر في هذا الموضع صحة ما قاله المرتضى-  لأن قرائن الأحوال-  عند من يقرأ السير و يعرف التواريخ-  تدل على أن الرسول ص-  كان يحثهم على الخروج و المسير و هذا هو الفور- .

و أما قول المرتضى و قول أسامة-  لم أكن لأسأل عنك الركب-  فهو أوضح دليل على أنه عقل من الأمر الفور-  لأن سؤال الركب عنه بعد الوفاة لا معنى له-  فلقائل أن يقول إن ذلك لا يدل على الفور-  بل يدل على أنه مأمور في الجملة بالنفوذ و المسير-  فإن التعجيل و التأخير مفوضان إلى رأيه-  فلما قال له النبي ص لم تأخرت عن المسير-  قال لم أكن لأسير و أسأل عنك الركب-  إني انتظرت عافيتك فإني إذا سرت و أنت على هذه الحال-  لم يكن لي قلب للجهاد بل أكون قلقا شديد الجزع-  أسأل‏ عنك الركبان-  و هذا الكلام لا يدل-  على أنه عقل من الأمر الفور لا محالة-  بل هو على أن يدل على التراخي أظهر-  و قول النبي ص لم تأخرت عن المسير-  لا يدل على الفور-  لأنه قد يقال مثل ذلك-  لمن يؤمر بالشي‏ء على جهة التراخي-  إذا لم يكن سؤال إنكار- .

و قول المرتضى-  لأن سؤال الركب عنه بعد الوفاة لا معنى له-  قول من قد توهم على قاضي القضاة أنه يقول-  إن النبي ص ما أمرهم بالنفوذ-  إلا بعد وفاته-  و لم يقل قاضي القضاة ذلك-  و إنما ادعى أن الأمر على التراخي لا غير-  و كيف يظن بقاضي القضاة-  أنه حمل كلام أسامة على سؤال الركب بعد الموت-  و هل كان أسامة يعلم الغيب فيقول ذاك-  و هل سأل أحد عن حال أحد من المرضى بعد موته- . فأما قول المرتضى عقيب هذا الكلام-  لا معنى لقول قاضي القضاة-  إنه لم ينكر على أسامة تأخره-  فإن الإنكار قد وقع بتكرار الأمر حالا بعد حال-  فلقائل أن يقول-  إن قاضي القضاة لم يجعل عدم الإنكار على أسامة-  حجة على كون الأمر على التراخي-  و إنما جعل ذلك دليلا-  على أن الأمر كان مشروطا بالمصلحة-  و من تأمل كلام قاضي القضاة-  الذي حكاه عنه المرتضى تحقق ذلك-  فلا يجوز للمرتضى أن ينتزعه-  من الوضع الذي أورده فيه-  فيجعله في موضع آخر- .

و منها قول قاضي القضاة-  الأمر بتنفيذ الجيش-  يجب أن يكون متوجها إلى الخليفة بعده-  و المخاطب لا يدخل تحت الخطاب-  و اعتراض المرتضى عليه-  بأن لفظة الجيش يدخل تحتها أبو بكر-  فلا بد من وجوب النفوذ عليه-  لأن عدم نفوذه يسلب الجماعة اسم الجيش-  فليس بجيد-  لأن لفظة الجيش لفظة موضوعة لجماعة من الناس-  قد أعدت للحرب-  فإذا خرج منها واحد أو اثنان-  لم يزل مسمى الجيش عن الباقين-  و المرتضى‏ اعتقد أن ذلك مثل الماهيات المركبة-  نحو العشرة إذا عدم منها واحد زال مسمى العشرة-  و ليس الأمر كذلك-  يبين ذلك أنه لو قال بعض الملوك لمائة إنسان-  أنتم جيشي-  ثم قال لواحد منهم-  إذا مت فأعط كل واحد من جيشي درهما من خزانتي-  فقد جعلتك أميرا عليهم-  لم يكن له أن يأخذ لنفسه درهما-  و يقول أنا من جملة الجماعة-  الذين أطلق عليهم لفظة الجيش- .

و منها قول قاضي القضاة-  هذه القضية تدل على أنه لم يكن هناك-  إمام منصوص عليه-  و أما قول المرتضى-  فقد بينا أن الخطاب إنما توجه إلى الحاضرين-  لا إلى القائم بالأمر بعده-  فلم نجد في كلامه في هذا الفصل بطوله ما بين فيه ذلك-  و لا أعلم على ما ذا أحال-  و لو كان قد بين على ما زعم-  أن الخطاب متوجه إلى الحاضرين-  لكان الإشكال قائما-  لأنه يقال له-  إذا كان الإمام المنصوص عليه حاضرا عنده-  فلم وجه الخطاب إلى الحاضرين-  أ لا ترى أنه لا يجوز أن يقول الملك للرعية-  اقضوا بين هذين الشخصين و القاضي حاضر عنده-  إلا إذا كان قد عزله عن القضاء-  في تلك الواقعة عن الرعية- .

فأما قول المرتضى هذا ينقلب عليكم فليس ينقلب-  و إنما ينقلب لو كان يريد تنفيذ الجيش بعد موته فقط-  و لا يريده و هو حي-  فكان يجي‏ء ما قاله المرتضى-  لينفذ القائم بالأمر بعدي جيش أسامة-  فأما إذا كان يريد نفوذ الجيش-  من حين ما أمر بنفوذه فقد سقط القلب-  لأن الخليفة حينئذ لم يكن قد تعين-  لأن الاختيار ما وقع بعد-  و على مذهب المرتضى-  الإمام متعين حاضر عنده نصب عينه-  فافترق الوصفان- . و منها قول قاضي القضاة-  إن مخالفة أمره ص في النفوذ مع الجيش-  أو في إنفاذ الجيش لا يكون معصية-  و بين ذلك من وجوه-أحدها أن أمره ع بذلك-  لا بد أن يكون مشروطا بالمصلحة-  و ألا يعرض ما هو أهم من نفوذ الجيش-  لأنه لا يجوز أن يأمرهم بالنفوذ-  و إن أعقب ضررا في الدين- 

فأما قول المرتضى-  الأمر المطلق يدل على ثبوت المصلحة-  و لا يجوز أن يجعل الأمر المطلق-  فقول جيد إذا اعترض به-  على الوجه الذي أورده قاضي القضاة-  فأما إذا أورده أصحابنا على وجه آخر-  فإنه يندفع كلام المرتضى-  و ذلك أنه يجوز تخصيص عمومات النصوص-  بالقياس الجلي عند كثير من أصحابنا-  على ما هو مذكور في أصول الفقه-  فلم لا يجوز لأبي بكر أن يخص عموم قوله-  انفذوا بعث أسامة-  لمصلحة غلبت على ظنه في عدم نفوذه نفسه-  و لمفسدة غلبت على نفسه في نفوذه نفسه مع البعث- . و ثانيها أنه ع كان يبعث السرايا-  عن اجتهاد لا عن وحي يحرم مخالفته-  فأما قول المرتضى إن للدين تعلقا قويا بأمثال ذلك-  و إنها ليست من الأمور الدنياوية المحضة-  نحو أكله و شربه و نومه-  فإنه يعود على الإسلام بفتوحه عز و قوة و علو كلمة-  فيقال له و إذا أكل اللحم و قوي مزاجه بذلك-  و نام نوما طبيعيا يزول عنه به المرض و الإعياء-  اقتضى ذلك أيضا عز الإسلام و قوته-  فقل إن ذلك أيضا عن وحي- .

ثم إن الذي يقتضيه فتوحه و غزواته و حروبه-  من العز و علو الكلمة-  لا ينافي كون تلك الغزوات و الحروب باجتهاده-  لأنه لا منافاة بين اجتهاده و بين عز الدين-  و علو كلمته بحروبه-  و إن الذي ينافي اجتهاده بالرأي-  هو مثل فرائض الصلوات و مقادير الزكوات-  و مناسك الحج و نحو ذلك من الأحكام-  التي تشعر بأنها متلقاة من محض الوحي-  و ليس للرأي و الاجتهاد فيها مدخل-  و قد خرج بهذا الكلام الجواب عن قوله-لو جاز أن تكون السرايا و الحروب عن اجتهاده-  لجاز أن تكون الأحكام كلها عن اجتهاده-  و أيضا فإن الصحابة كانوا يراجعونه في الحروب و آراءه-  التي يدبرها بها و يرجع ع إليهم-  في كثير منها بعد أن قد رأى غيره-  و أما الأحكام فلم يكن يراجع فيها أصلا-  فكيف يحمل أحد البابين على الآخر- .

فأما قوله لو كانت عن اجتهاد-  لوجب أن يحرم مخالفته فيها و هو حي-  لا فرق بين الحالين-  فلقائل أن يقول القياس يقتضي ما ذكرت-  إلا أنه وقع الإجماع-  على أنه لو كان في الأحكام أو في الحروب و الجهاد-  ما هو باجتهاده لما جازت مخالفته-  و العدول عن مذهبه و هو حي-  لم يختلف أحد من المسلمين في ذلك-  و أجازوا مخالفته بعد وفاته-  بتقدير أن يكون ما صار إليه عن اجتهاد-  و الإجماع حجة- . فأما قول قاضي القضاة-  لأن اجتهاده و هو حي أولى من اجتهاد غيره-  فليس يكاد يظهر-  لأن اجتهاده و هو ميت أولى أيضا من اجتهاد غيره-  و يغلب على ظني-  أنهم فرقوا بين حالتي الحياة و الموت-  فإن في مخالفته و هو حي نوعا من أذى له-  و أذاه محرم لقوله تعالى وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ-  و الأذى بعد الموت لا يكون-  فافترق الحالان- .

و ثالثها أنه لو كان الإمام منصوصا عليه-  لجاز أن يسترد جيش أسامة أو بعضه لنصرته-  فكذلك إذا كان بالاختيار-  و هذا قد منع منه المرتضى-  و قال إنه لا يجوز للمنصوص عليه ذلك-  و لا أن يولي من عزله رسول الله ص-  و لا أن يعزل من ولاه رسول الله ص‏ و رابعها-  أنه ع ترك حرب معاوية في بعض الحالات-  و لم يوجب ذلك أن يكون عاصيا-  فكذلك أبو بكر في ترك النفوذ في جيش أسامة- . فأما قول المرتضى-  إن عليا ع كان مأمورا بحرب معاوية-  مع التمكن و وجود الأنصار-  فإذا عدما لم يكن مأمورا بحربه-  فلقائل أن يقول و أبو بكر كان مأمورا-  بالنفوذ في جيش أسامة مع التمكن و وجود الأنصار-  و قد عدم التمكن لما استخلف-  فإنه قد تحمل أعباء الإمامة-  و تعذر عليه الخروج عن المدينة التي هي دار الإمامة-  فلم يكن مأمورا و الحال هذه بالنفوذ في جيش أسامة- .

فإن قلت-  الإشكال عليكم إنما هو من قبل الاستخلاف-  كيف جاز لأبي بكر أن يتأخر عن المسير-  و كيف جاز له أن يرجع إلى المدينة و هو مأمور بالمسير-  و هلا نفذ لوجهه و لم يرجع-  و إن بلغه موت رسول الله ص- . قلت لعل أسامة أذن له فهو مأمور بطاعته-  و لأنه رأى أسامة و قد عاد باللواء فعاد هو-  لأنه لم يكن يمكنه أن يسير إلى الروم وحده-  و أيضا فإن أصحابنا قالوا-  إن ولاية أسامة بطلت بموت النبي ص-  و عاد الأمر إلى رأي من ينصب للأمر-  قالوا لأن تصرف أسامة إنما كان من جهة النبي ص-  ثم زال تصرف النبي ص بموته-  فوجب أن يزول تصرف أسامة-  لأن تصرفه تبع لتصرف الرسول ص-  قالوا و ذلك كالوكيل تبطل وكالته بموت الموكل- 

قالوا و يفارق الوصي-  لأن ولايته لا تثبت إلا بعد موت الموصي-  فهو كعهد الإمام إلى غيره-  لا يثبت إلا بعد موت الإمام-  ثم فرع أصحابنا على هذا الأصل مسألة-  و هي الحاكم هل ينعزل بموت الإمام أم لا-  قال قوم من أصحابنا لا ينعزل-  و بنوه على أن التولي من غير جهة الإمام يجوز-  فجعلوا الحاكم نائبا عن المسلمين أجمعين-  لا عن الإمام- و إن وقف تصرفه على اختياره-  و صار ذلك عندهم بمنزلة أن يختار المسلمون واحدا-  يحكم بينهم ثم يموت من رضي بذلك-  فإن تصرفه يبقى على ما كان عليه-  و قال قوم من أصحابنا ينعزل-  و إن هذا النوع من التصرف لا يستفاد إلا من جهة الإمام-  و لا يقوم به غيره-  و إذا ثبت أن أسامة قد بطلت ولايته-  لم تبق تبعة على أبي بكر-  في الرجوع من بعض الطريق إلى المدينة- .

و خامسها-  أن أمير المؤمنين ولى أبا موسى الحكم-  و ولى رسول الله ص-  خالد بن الوليد السرية إلى الغميصاء-  و هذا الكلام إنما ذكره قاضي القضاة تتمة لقوله-  إن أمره ع بنفوذ بعث أسامة كان مشروطا بالمصلحة-  قال كما أن توليته ع أبا موسى-  كانت مشروطة باتباع القرآن-  و كما أن تولية رسول الله ص خالد بن الوليد-  كانت مشروطة بأن يعمل بما أوصاه به-  فخالفا و لم يعملا الحق-  فإذا كانت هذه الأوامر مشروطة-  فكذلك أمره جيش أسامة بالنفوذ-  كان مشروطا بالمصلحة-  و ألا يعرض ما يقتضي رجوع الجيش أو بعضه إلى المدينة-  و قد سبق القول في كون الأمر مشروطا- . و سادسها-  أن أبا بكر كان محتاجا إلى مقام عمر عنده-  ليعاضده و يقوم في تمهيد أمر الإمامة ما لا يقوم به غيره-  فكان ذلك أصلح في باب الدين من مسيره مع الجيش-  فجاز أن يحبسه عنده لذلك-  و هذا الوجه مختص بمن قال إن أبا بكر لم يكن في الجيش-  و إيضاح عذره في حبس عمر عن النفوذ مع الجيش- .

 

فأما قول المرتضى فإن ذلك غير جائز-  لأن مخالفة النص حرام-  فقد قلنا إن هذا مبني على مسألة تخصيص العمومات-  الواردة في القرآن بالقياس- .و أما قوله-  أي حاجة كانت لأبي بكر إلى عمر بعد وقوع البيعة-  و لم يكن هناك تنازع و لا اختلاف فعجيب-  و هل كان لو لا مقام عمر و حضوره في تلك المقامات-  يتم لأبي بكر أمر أو ينتظم له حال-  و لو لا عمر-  لما بايع علي و لا الزبير و لا أكثر الأنصار-  و الأمر في هذا أظهر من كل ظاهر- . و سابعها أن من يصلح للإمامة ممن ضمه جيش أسامة-  يجب تأخرهم ليختار للإمامة أحدهم-  فإن ذلك أهم من نفوذهم-  فإذا جاز لهذه العلة التأخر قبل العقد-  جاز التأخر بعده للمعاضدة و غيرها- .

فأما قول المرتضى-  إن ذلك الجيش لم يضم من يصلح للإمامة-  فبناء على مذهبه-  في أن كل من ليس بمعصوم لا يصلح للإمامة-  فأما قوله و لو صح ذلك لم يكن عذرا في التأخر-  لأن من خرج في الجيش يمكن أن يختار و لو كان بعيدا-  و لا يمكن بعده من صحة الاختيار-  فلقائل أن يقول-  دار الهجرة هي التي فيها أهل الحل و العقد-  و أقارب رسول الله ص و القراء و أصحاب السقيفة-  فلا يجوز العدول عن الاجتماع و المشاورة فيها-  إلى الاختيار على البعد-  و على جناح السفر-  من غير مشاركة من ذكرنا من أعيان المسلمين- . فأما قوله و لو صح هذا العقد-  لكان عذرا في التأخر قبل العقد-  فأما بعد إبرامه فلا عذر فيه-  فلقائل أن يقول-  إذا أجزت التأخر قبل العقد لنوع من المصلحة-  فأجز التأخر بعد العقد لنوع آخر من المصلحة-  و هو المعاضدة و المساعدة- .

 

هذه الوجوه السبعة كلها لبيان قوله-  تأخر أبي بكر أو عمر عن النفوذ في جيش أسامة-  و إن كان مأمورا بالنفوذ- .ثم نعود إلى تمام أقسام الفصل-  و منها قول قاضي القضاة لا معنى لقول من قال-  إن رسول الله ص قصد إبعادهم عن المدينة-  لأن بعدهم عنها-  لا يمنعهم من أن يختاروا واحدا منهم للإمامة-  و لأنه ع لم يكن قاطعا على موته لا محالة-  لأنه لم يرد نفذوا جيش أسامة في حياته- . و قد اعترض المرتضى هذا فقال-  إنه لم يتبين معنى الطعن-  لأن الطاعن لا يقول-  إنهم أبعدوا عن المدينة كي لا يختاروا واحدا للإمامة-  بل يقول إنما أبعدوا لينتصب بعد موته ص في المدينة-  الشخص الذي نص عليه-  و لا يكون حاضرا بالمدينة من يخالفه و ينازعه-  و ليس يضرنا ألا يكون ص قاطعا على موته-  لأنه و إن لم يكن قاطعا-  فهو لا محالة يشفق و يخاف من الموت-  و على الخائف أن يتحرز مما يخاف منه-  و كلام المرتضى في هذا الموضع-  أظهر من كلام قاضي القضاة- . و منها قول قاضي القضاة-  إن ولاية أسامة عليهما لا تقتضي كونهما دونه في الفضل-  كما أن عمرو بن العاص لما ولي عليهما-  لم يقتض كونه أفضل منهما-  و قد اعترض المرتضى-  هذا بأنه يقبح تقديم المفضول على الفاضل-  فيما هو أفضل منه-  و إن تقديم عمرو بن العاص عليهما في الإمرة-  يقتضي أن يكون أفضل منهما-  فيما يرجع إلى الإمرة و السياسة-  و لا يقتضي أفضليته عليهما في غير ذلك-  و كذلك القول في أسامة- .

و لقائل أن يقول-  إن الملوك قد يؤمرون الأمراء على الجيوش لوجهين-  أحدهما أن يقصد الملك بتأمير ذلك الشخص-  أن يسوس الجيش و يدبره بفضل رأيه و شيخوخته-  و قديم تجربته-  و ما عرف من يمن نقيبته في الحرب و قود العساكر-  و الثاني أن يؤمر على الجيش-  غلاما حدثا من غلمانه أو من ولده أو من أهله-  و يأمر الأكابر من الجيش أن يثقفوه و يعلموه-  و يأمره أن يتدبر بتدبيرهم و يرجع إلى رأيهم-  و يكون قصد الملك من ذلك-  تخريج ذلك الغلام و تمرينه على الإمارة-  و أن يثبت له في نفوس الناس منزلة-  و أن يرشحه لجلائل الأمور و معاظم الشئون-  ففي الوجه الأول يقبح تقديم المفضول على الفاضل-  و في الوجه الثاني لا يقبح-  فلم لا يجوز أن يكون تأمير أسامة عليهما-  من قبيل الوجه الثاني و الحال يشهد لذلك-  لأن أسامة كان غلاما لم يبلغ ثماني عشرة سنة-  حين قبض النبي ص-  فمن أين حصل له من تجربة الحرب و ممارسة الوقائع-  و قود الجيش ما يكون به أعرف بالإمرة من أبي بكر-  و عمر و أبي عبيدة و سعد بن أبي وقاص و غيرهم- .

و منها قول قاضي القضاة-  إن السبب في كون عمر في الجيش-  أنه أنكر على عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة-  تسخطه إمرة أسامة-  و قال أنا أخرج في جيش أسامة-  فخرج من تلقاء نفسه تعظيما لأمر رسول الله ص-  و قد اعترضه المرتضى فقال-  هذا شي‏ء لم نسمعه من راو و لا قرأناه في كتاب-  و صدق المرتضى فيما قال-  فإن هذا حديث غريب لا يعرف- . و أما قول عمر دعني أضرب عنقه فقد نافق-  فمنقول مشهور لا محالة-  و إنما الغريب الذي لم يعرف-  كون عمر خرج من تلقاء نفسه في الجيش-  مراغمة لعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة-  حيث أنكر ما أنكر-  و لعل قاضي القضاة سمعه من راو أو نقله من كتاب-  إلا أنا نحن ما وقفنا على ذلك

 

الطعن الخامس

قالوا-  إنه ص لم يول أبا بكر الأعمال و ولى غيره-  و لما ولاه الحج بالناس و قراءة سورة براءة على الناس-  عزله عن ذلك كله-  و جعل الأمر إلى أمير المؤمنين ع-  و قال لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني-  حتى يرجع أبو بكر إلى النبي ص- . أجاب قاضي القضاة فقال-  لو سلمنا أنه لم يوله لما دل ذلك على نقص-  و لا على أنه لم يصلح للإمارة و الإمامة-  بل لو قيل إنه لم يوله لحاجته إليه بحضرته-  و إن ذلك رفعة له لكان أقرب-  لا سيما و قد روي عنه ما يدل على أنهما وزيراه-  و أنه كان ص محتاجا إليهما و إلى رأيهما-  فلذلك لم يولهما-  و لو كان للعمل على تركه فضل-  لكان عمرو بن العاص و خالد بن الوليد و غيرهما-  أفضل من أكابر الصحابة-  لأنه ع ولاهما و قدمهما-  و قد قدمنا أن توليته هي بحسب الصلاح-  و قد يولى المفضول على الفاضل تارة و الفاضل أخرى-  و ربما ولى الواحد لاستغنائه عنه بحضرته-  و ربما ولاه لاتصال بينه و بين من يولى عليه إلى غير ذلك-  ثم ادعى أنه ولى أبا بكر على الموسم و الحج-  قد ثبتت بلا خلاف بين أهل الأخبار و لم يصح أنه عزله-  و لا يدل رجوع أبي بكر إلى النبي ص-  مستفهما عن القصة على العزل-  ثم جعل إنكار من أنكر حج أبي بكر في تلك السنة بالناس-  كإنكار عباد و طبقته-  أخذ أمير المؤمنين ع سورة براءة من أبي بكر-  و حكي عن أبي علي أن المعنى كان في أخذ السورة من أبي بكر-  أن من عادة العرب أن سيدا من سادات قبائلهم-  إذا عقد عقد القوم فإن ذلك العقد لا ينحل-  إلا أن يحله هو أو بعض سادات قومه-  فلما كان هذا عادتهم-  و أراد النبي ص أن ينبذ إليهم عقدهم-  و ينقض ما كان بينه و بينهم-  علم أنه لا ينحل ذلك إلا به-  أو بسيد من سادات رهطه-  فعدل عن أبي بكر إلى أمير المؤمنين المقرب في النسب-  ثم ادعى أنه ص ولى أبا بكر في مرضه الصلاة-  و ذلك أشرف الولايات و قال في ذلك-  يأبى الله و رسوله و المسلمون إلا أبا بكر- . ثم اعترض نفسه بصلاته ع خلف عبد الرحمن بن عوف-  و أجاب بأنه ص إنما صلى خلفه-  لا أنه ولاه الصلاة و قدمه فيها-  قال و إنما قدم عبد الرحمن عند غيبة النبي ص-  فصلى بغير أمره-  و قد ضاق الوقت فجاء النبي ص فصلى خلفه- .

اعترض المرتضى فقال-  قد بينا أن تركه ص الولاية لبعض أصحابه-  مع حضوره و إمكان ولايته و العدول عنه إلى غيره-  مع تطاول الزمان و امتداده-  لا بد من أن تقتضي غلبة الظن بأنه لا يصلح للولاية-  فأما ادعاؤه أنه لم يوله لافتقاره إليه بحضرته-  و حاجته إلى تدبيره و رأيه-  فقد بينا أنه ع ما كان يفتقر إلى رأي أحد-  لكماله و رجحانه على كل أحد-  و إنما كان يشاور أصحابه على سبيل التعليم لهم و التأديب-  أو لغير ذلك مما قد ذكر-  و بعد فكيف استمرت هذه الحاجة و اتصلت منه إليهما-  حتى لم يستغن في زمان من الأزمان عن حضورهما فيوليهما-  و هل هذا إلا قدح في رأي رسول الله ص-  و نسبته إلى أنه كان ممن يحتاج-  إلى أن يلقن و يوقف على كل شي‏ء-  و قد نزهه الله تعالى عن ذلك-  فأما ادعاؤه أن الرواية قد وردت بأنهما وزيراه-  فقد كان يجب أن يصحح ذلك قبل أن يعتمده و يحتج به-  فإنا ندفعه عنه أشد دفع-  فأما ولاية عمرو بن العاص و خالد بن الوليد-  فقد تكلمنا عليها من قبل-  و بينا أن ولايتهما تدل على صلاحهما لما ولياه-  و لا تدل على صلاحهما للإمامة-  لأن شرائط الإمامة لم تتكامل فيهما-  و بينا أيضا لأن ولاية المفضول على الفاضل لا تجوز-  فأما تعظيمه‏ و إكباره قول من يذهب إلى أن أبا بكر-  عزل عن أداء السورة و الموسم جميعا-  و جمعه بين ذلك في البعد و بين إنكار عباد-  أن يكون أمير المؤمنين ع ارتجع سورة براءة من أبي بكر-  فأول ما فيه أنا لا ننكر أن يكون أكثر الأخبار واردة-  بأن أبا بكر حج بالناس في تلك السنة-  إلا أنه قد روى قوم من أصحابنا خلاف ذلك-  و أن أمير المؤمنين ع كان أمير الموسم في تلك السنة-  و أن عزل الرجل كان عن الأمرين معا-  و استكبار ذلك-  و فيه خلاف لا معنى له-  فأما ما حكاه عن عباد فإنا لا نعرفه-  و ما نظن أحدا يذهب إلى مثله-  و ليس يمكنه بإزاء ذلك جحد مذهب أصحابنا-  الذي حكيناه-  و ليس عباد لو صحت الرواية عنه بإزاء من ذكرناه-  فهو ملي‏ء بالجهالات و دفع الضرورات-  و بعد فلو سلمنا أن ولاية الموسم لم تفسخ-  لكان الكلام باقيا-  لأنه إذا كان ما ولي مع تطاول الزمان إلا هذه الولاية-  ثم سلب شطرها و الأفخم الأعظم منها-  فليس ذلك إلا تنبيها على ما ذكرناه- .

فأما ما حكاه عن أبي علي-  من أن عادة العرب ألا يحل ما عقده الرئيس منهم-  إلا هو أو المتقدم من رهطه-  فمعاذ الله أن يجري النبي ص-  سنته و أحكامه على عادات الجاهلية-  و قد بين ع لما رجع إليه أبو بكر-  يسأله عن أخذ السورة منه الحال-  فقال إنه أوحي إلي ألا يؤدي عني-  إلا أنا أو رجل مني-  و لم يذكر ما ادعاه أبو علي-  على أن هذه العادة قد كان يعرفها النبي ص-  قبل بعثه أبا بكر بسورة براءة-  فما باله لم يعتمدها في الابتداء-  و يبعث من يجوز أن يحل عقده من قومه- . فأما ادعاؤه ولاية أبي بكر الصلاة-  فقد ذكرنا فيما تقدم أنه لم يوله إياها-  فأما فصله بين صلاته خلف عبد الرحمن-  و بين صلاة أبي بكر بالناس فليس بشي‏ء-  لأنا إذا كنا قد دللنا على أن الرسول ص-  ما قدم أبا بكر إلى الصلاة-  فقداستوى الأمران-  و بعد فأي فرق بين أن يصلي خلفه و بين أن يوليه و يقدمه-  و نحن نعلم أن صلاته خلفه إقرار لولايته و رضا بها-  فقد عاد الأمر إلى أن عبد الرحمن-  كأنه قد صلى بأمره و إذنه-  على أن قصة عبد الرحمن أوكد-  لأنه قد اعترف بأن الرسول صلى خلفه-  و لم يصل خلف أبي بكر-  و إن ذهب كثير من الناس إلى أنه قدمه و أمر بالصلاة-  قبل خروجه إلى المسجد و تحامله- . ثم سأل المرتضى رحمه الله نفسه فقال-  إن قيل ليس يخلو النبي ص-  من أن يكون سلم في الابتداء سورة براءة إلى أبي بكر-  بأمر الله أو باجتهاده و رأيه-  فإن كان بأمر الله تعالى-  فكيف يجوز أن يرتجع منه السورة قبل وقت الأداء-  و عندكم أنه لا يجوز نسخ الشي‏ء قبل تقضي وقت فعله-  و إن كان باجتهاده ص-  فعندكم أنه لا يجوز أن يجتهد فيما يجري هذا المجرى- . و أجاب فقال-  إنه ما سلم السورة إلى أبي بكر إلا بإذنه تعالى-  إلا أنه لم يأمره بأدائها-  و لا كلفه قراءتها على أهل الموسم-  لأن أحدا لم يمكنه أن ينقل ع في ذلك-  لفظ الأمر و التكليف-  فكأنه سلم سورة براءة إليه لتقرأ على أهل الموسم-  و لم يصرح بذكر القارئ المبلغ لها في الحال-  و لو نقل عنه تصريح لجاز أن يكون مشروطا بشرط لم يظهر- .

فإن قيل فأي فائدة في دفع السورة إلى أبي بكر-  و هو لا يريد أن يؤديها ثم ارتجاعها منه-  و هلا دفعت في الابتداء إلى أمير المؤمنين ع- . قيل الفائدة في ذلك-  ظهور فضل أمير المؤمنين ع و مرتبته-  و أن الرجل الذي نزعت السورة عنه لا يصلح لما يصلح له-  و هذا غرض قوي في وقوع الأمر على ما وقع عليه‏ قلت قد ذكرنا فيما تقدم-  القول في تولية الملك بعض أصحابه-  و ترك تولية بعضهم-  و كيفية الحال في ذلك-  على أنه قد روى أصحاب المغازي-  أنه أمر أبا بكر في شعبان من سنة سبع على سرية-  بعثها إلى نجد فلقوا جمعا من هوازن فبيتوهم-  فروى إياس بن سلمة عن أبيه قال-  كنت في ذلك البعث فقتلت بيدي سبعة منهم-  و كان شعارنا أمت أمت-  و قتل من أصحاب النبي ص قوم-  و جرح أبو بكر و ارتث و عاد إلى المدينة-  على أن أمراء السرايا الذين كان يبعثهم ص-  كانوا قوما مشهورين بالشجاعة و لقاء الحروب-  كمحمد بن مسلمة و أبي دجانة و زيد بن حارثة و نحوهم-  و لم يكن أبو بكر مشهورا بالشجاعة و لقاء الحروب-  و لم يكن جبانا و لا خوارا-  و إنما كان رجلا مجتمع القلب عاقلا ذا رأي و حسن تدبير-  و كان رسول الله ص يترك بعثه في السرايا-  لأن غيره أنفع منه فيها-  و لا يدل ذلك على أنه لا يصلح للإمامة-  و أن الإمامة-  لا تحتاج أن يكون صاحبها من المشهورين بالشجاعة-  و إنما يحتاج إلى ثبات القلب-  و إلا يكون هلعا طائر الجنان-  و كيف يقول المرتضى إنه ص لم يكن محتاجا إلى رأي أحد-  و قد نقل الناس كلهم رجوعه من رأي إلى رأي عند المشورة-  نحو ما جرى يوم بدر-  من تغير المنزل لما أشار عليه الحباب بن المنذر-  و نحو ما جرى يوم الخندق-  من فسخ رأيه في دفع ثلث تمر المدينة-  إلى عيينة بن حصن ليرجع بالأحزاب عنهم-  لأجل ما رآه سعد بن معاذ و سعد بن عبادة من الحرب-  و العدول عن الصلح-  و نحو ما جرى في تلقيح النخل بالمدينة و غير ذلك-  فأما ولاية أبي بكر الموسم فأكثر الأخبار على ذلك-  و لم يرو عزله عن الموسم إلا قوم من الشيعة- .

 

و أما ما أنكره المرتضى من حال عباد بن سليمان-  و دفعه أن يكون علي أخذ براءة من أبي بكر-  و استغرابه ذلك عجب-  فإن قول عباد قد ذهب إليه كثير من الناس-  و رووا أن رسول الله ص-  لم يدفع براءة إلى أبي بكر-  و أنه بعد أن نفذ أبو بكر بالحجيج-  أتبعه عليا و معه تسع آيات من براءة-  و قد أمره أن يقرأها على الناس-  و يؤذنهم بنقض العهد و قطع الدنية-  فانصرف أبو بكر إلى رسول الله ص-  فأعاده على الحجيج-  و قال له أنت الأمير و علي المبلغ-  فإنه لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني-  و لم ينكر عباد أمر براءة بالكلية- 

و إنما أنكر أن يكون النبي ص دفعها إلى أبي بكر-  ثم انتزعها منه-  و طائفة عظيمة من المحدثين يروون ما ذكرناه-  و إن كان الأكثر الأظهر أنه دفعها إليه-  ثم أتبعه بعلي ع فانتزعها منه-  و المقصود أن المرتضى قد تعجب مما لا يتعجب من مثله-  فظن أن عبادا أنكر حديث براءة بالكلية-  و قد وقفت أنا على ما ذكره عباد في هذه القضية-  في كتابه المعروف بكتاب الأبواب-  و هو الكتاب الذي نقضه شيخنا أبو هاشم-  فأما عذر شيخنا أبي علي-  و قوله إن عادة العرب ذلك و اعتراض المرتضى عليه-  فالذي قاله المرتضى أصح و أظهر-  و ما نسب إلى عادة العرب غير معروف- 

و إنما هو تأويل تأول به متعصبو أبي بكر-  لانتزاع براءة منه-  و ليس بشي‏ء-  و لست أقول ما قاله المرتضى-  من أن غرض رسول الله ص-  إظهار أن أبا بكر لا يصلح للأداء عنه-  بل أقول فعل ذلك لمصلحة رآها-  و لعل السبب في ذلك أن عليا ع من بني عبد مناف-  و هم جمرة قريش بمكة-  و علي أيضا شجاع لا يقام له-  و قد حصل في صدور قريش منه-  الهيبة الشديدة و المخافة العظيمة-  فإذا حصل مثل هذا الشجاع البطل و حوله من بني عمه-  و هم أهل العزة و القوة و الحمية-كان أدعى إلى نجاته من قريش-  و سلامة نفسه و بلوغ الغرض من نبذ العهد على يده-  أ لا ترى أن رسول الله ص في عمرة الحديبية-  بعث عثمان بن عفان إلى مكة-  يطلب منهم الإذن له في الدخول-  و إنما بعثه لأنه من بني عبد مناف-  و لم يكن بنو عبد مناف و خصوصا بني عبد شمس-  ليمكنوا من قتله-  و لذلك حمله بنو سعيد بن العاص على بعير يوم دخل مكة-  و أحدقوا به مستلئمين بالسلاح-  و قالوا له أقبل و أدبر و لا تخف أحدا-  بنو سعيد أعزة الحرم-  و أما القول في تولية رسول الله ص أبا بكر الصلاة-  فقد تقدم-  و ما رامه قاضي القضاة-  من الفرق بين صلاة أبي بكر بالناس-  و صلاة عبد الرحمن بهم-  مع كون رسول الله ص صلى خلفه ضعيف-  و كلام المرتضى أقوى منه-  فأما السؤال الذي سأله المرتضى من نفسه فقوي-  و الجواب الصحيح أن بعث براءة مع أبي بكر-  كان باجتهاد من الرسول ص-  و لم يكن عن وحي و لا من جملة الشرائع-  التي تتلقى عن جبرائيل ع-  فلم يقبح نسخ ذلك قبل تقضي وقت فعله-  و جواب المرتضى ليس بقوي-  لأنه من البعيد أن يسلم سورة براءة إلى أبي بكر-  و لا يقال له ما ذا تصنع بها-  بل يقال خذ هذه معك لا غير-  و القول بأن الكلام مشروط بشرط لم يظهر خلاف الظاهر-  و فتح هذا الباب يفسد كثيرا من القواعد.

الطعن السادس

أن أبا بكر لم يكن يعرف الفقه و أحكام الشريعة-  فقد قال في الكلالة أقول‏ فيها برأيي-  فإن يكن صوابا فمن الله و إن يكن خطأ فمني-  و لم يعرف ميراث الجد-  و من حاله هذه لا يصلح للإمامة- . أجاب قاضي القضاة-  بأن الإمام لا يجب أن يعلم جميع الأحكام-  و أن القدر الذي يحتاج إليه-  هو القدر الذي يحتاج إليه الحاكم-  و أن القول بالرأي هو الواجب فيما لا نص فيه-  و قد قال أمير المؤمنين ع بالرأي في مسائل كثيرة- .

اعترض المرتضى فقال-  قد دللنا على أن الإمام-  لا بد أن يكون عالما بجميع الشرعيات-  و فرقنا بينه و بين الحاكم-  و دللنا على فساد الرأي و الاجتهاد-  و أما أمير المؤمنين ع فلم يقل قط بالرأي-  و ما يروى من خبر بيع أمهات الأولاد غير صحيح-  و لو صح لجاز أن يكون أراد بالرأي-  الرجوع إلى النصوص و الأدلة-  و لا شبهة عندنا أن قوله كان واحدا في الحالين-  و إن ظهر في أحدهما خلاف مذهبه للتقية- . قلت هذا الطعن مبني على أمرين-  أحدهما هل من شرط الإمامة-  أن يعلم الإمام كل الأحكام الشرعية أم لا-  و هذا مذكور في كتبنا الكلامية-  و الثاني هو القول في الاجتهاد و الرأي حق أم لا-  و هذا مذكور في كتبنا الأصولية.

الطعن السابع

قصة خالد بن الوليد و قتله مالك بن نويرة-  و مضاجعته امرأته من ليلته-  و أن أبا بكرترك إقامة الحد عليه-  و زعم أنه سيف من سيوف الله سله الله على أعدائه-  مع أن الله تعالى قد أوجب القود و حد الزناء عموما-  و أن عمر نبهه و قال له-  اقتله فإنه قتل مسلما- . أجاب قاضي القضاة فقال إن شيخنا أبا علي قال-  إن الردة ظهرت من مالك بن نويرة-  لأنه جاء في الأخبار أنه رد صدقات قومه عليهم-  لما بلغه موت رسول الله ص-  كما فعله سائر أهل الردة فاستحق القتل-  فإن قال قائل فقد كان يصلي-  قيل له و كذلك سائر أهل الردة- 

و إنما كفروا بالامتناع من الزكاة-  و اعتقادهم إسقاط وجوبها دون غيره-  فإن قيل فلم أنكر عمر-  قيل كان الأمر إلى أبي بكر فلا وجه لإنكار عمر-  و قد يجوز أن يعلم أبو بكر من الحال ما يخفى على عمر-  فإن قيل فما معنى ما روي عن أبي بكر-  من أن خالدا تأول فأخطأ-  قيل أراد عجلته عليه بالقتل-  و قد كان الواجب عنده على خالد أن يتوقف للشبهة-  و استدل أبو علي على ردته-  بأن أخاه متمم بن نويرة لما أنشد عمر مرثيته أخاه-  قال له وددت أني أقول الشعر-  فأرثي أخي زيدا بمثل ما رثيت به أخاك-  فقال متمم-  لو قتل أخي على مثل ما قتل عليه أخوك ما رثيته-  فقال عمر ما عزاني أحد بمثل تعزيتك-  فدل هذا على أن مالكا لم يقتل على الإسلام-  كما قتل زيد- . و أجاب عن تزويج خالد بامرأته-  بأنه إذا قتل على الردة في دار الكفر-  جاز تزويج امرأته عند كثير من أهل العلم-  و إن كان لا يجوز أن يطأها إلا بعد الاستبراء- .

و حكي عن أبي علي-  أنه إنما قتله لأنه ذكر رسول الله ص فقال-  صاحبك و أوهم بذلك أنه ليس بصاحب له-  و كان عنده أن ذلك رده و علم عند المشاهدةالمقصد-  و هو أمير القوم-  فجاز أن يقتله و إن كان الأولى ألا يستعجل-  و أن يكشف الأمر في ردته حتى يتضح-  فلهذا لم يقتله أبو بكر به-  فأما وطؤه لامرأته فلم يثبت فلا يصح أن يجعل طعنا فيه اعترض المرتضى فقال-  أما منع خالد في قتل مالك بن نويرة-  و استباحة امرأته و أمواله لنسبته إياه إلى ردة-  لم تظهر منه-  بل كان الظاهر خلافها من الإسلام فعظيم-  و يجري مجراه في العظم تغافل من تغافل عن أمره-  و لم يقم فيه حكم الله تعالى-  و أقره على الخطإ الذي شهد هو به على نفسه-  و يجري مجراهما من أمكنه أن يعلم الحال فأهملها-  و لم يتصفح ما روي من الأخبار في هذا الباب-  و تعصب لأسلافه و مذهبه-  و كيف يجوز عند خصومنا على مالك و أصحابه جحد الزكاة-  مع المقام على الصلاة-  و هما جميعا في قرن-  لأن العلم الضروري-  بأنهما من دينه ع و شريعته على حد واحد-  و هل نسبة مالك إلى الردة مع ما ذكرناه-  إلا قدح في الأصول و نقض لما تضمنته-  من أن الزكاة معلومة ضرورة من دينه ع-  و أعجب من كل عجيب قوله-  و كذلك سائر أهل الردة-  يعني أنهم كانوا يصلون و يجحدون الزكاة-  لأنا قد بينا أن ذلك مستحيل غير ممكن-  و كيف يصح ذلك- 

و قد روى جميع أهل النقل-  أن أبا بكر لما وصى الجيش-  الذين أنفذهم بأن يؤذنوا و يقيموا-  فإن أذن القوم كأذانهم و إقامتهم كفوا عنهم-  و إن لم يفعلوا أغاروا عليهم-  فجعل أمارة الإسلام و البراءة من الردة-  الأذان و الإقامة-  و كيف يطلق في سائر أهل الردة-  ما أطلقه من أنهم كانوا يصلون-  و قد علمنا أن أصحاب مسيلمة و طليحة و غيرهما-  ممن كان ادعى النبوة و خلع الشريعة-  ما كانوا يرون الصلاة و لا شيئا مما جاءت به شريعتنا-  و قصة مالك معروفة عند من تأمل كتب السير و النقل-  لأنه كان على صدقات قومه بني‏يربوع واليا-  من قبل رسول الله ص-  و لما بلغته وفاة رسول الله ص أمسك عن أخذ الصدقة من قومه-  و قال لهم تربصوا بها حتى يقوم قائم بعد النبي ص-  و ننظر ما يكون من أمره-  و قد صرح بذلك في شعره حيث يقول- 

  و قال رجال سدد اليوم مالك
و قال رجال مالك لم يسدد

فقلت دعوني لا أبا لأبيكم‏
فلم أخط رأيا في المقام و لا الندي‏

و قلت خذوا أموالكم غير خائف
و لا ناظر فيما يجي‏ء به غدي‏

فدونكموها إنما هي مالكم‏
مصورة أخلاقها لم تجدد

سأجعل نفسي دون ما تحذرونه
و أرهنكم يوما بما قلته يدي‏

فإن قام بالأمر المجدد قائم‏
أطعنا و قلنا الدين دين محمد

 فصرح كما ترى أنه استبقى الصدقة في أيدي قومه-  رفقا بهم و تقربا إليهم-  إلى أن يقوم بالأمر من يدفع ذلك إليه-  و قد روى جماعة من أهل السير-  و ذكره الطبري في تاريخه-  أن مالكا نهى قومه-  عن الاجتماع على منع الصدقات و فرقهم-  و قال يا بني يربوع-  إنا كنا قد عصينا أمراءنا إذ دعونا إلى هذا الدين-  و بطأنا الناس عنه فلم نفلح و لم ننجح-  و أني قد نظرت في هذا الأمر-  فوجدت الأمر يتأتى لهؤلاء القوم بغير سياسة-  و إذا أمر لا يسوسه الناس-  فإياكم و معاداة قوم يصنع لهم-  فتفرقوا على ذلك إلى أموالهم-  و رجع مالك إلى منزله-  فلما قدم خالد البطاح بث السرايا و أمرهم بداعية الإسلام-  و أن يأتوه بكل من لم يجب-  و أمرهم إن امتنع أن يقاتلوه-  فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر من بني يربوع-  و اختلف السرية في أمرهم-  و في السرية أبو قتادة الحارث بن ربعي-  فكان ممن شهد أنهم أذنوا و أقاموا و صلوا-  فلما اختلفوا فيهم‏أمر بهم خالد فحبسوا-  و كانت ليلة باردة لا يقوم لها شي‏ء-  فأمر خالد مناديا ينادي-  أدفئوا أسراءكم-  فظنوا أنهم أمروا بقتلهم-  لأن هذه اللفظة تستعمل في لغة كنانة للقتل-  فقتل ضرار بن الأزور مالكا-  و تزوج خالد زوجته أم تميم بنت المنهال- .

و في خبر آخر أن السرية التي بعث بها خالد-  لما غشيت القوم تحت الليل راعوهم-  فأخذ القوم السلاح-  قال فقلنا إنا المسلمون فقالوا و نحن المسلمون-  قلنا فما بال السلاح معكم قلنا فضعوا السلاح-  فلما وضعوا السلاح ربطوا أسارى-  فأتوا بهم خالدا-  فحدث أبو قتادة خالد بن الوليد-  أن القوم نادوا بالإسلام و أن لهم أمانا-  فلم يلتفت خالد إلى قولهم و أمر بقتلهم و قسم سبيهم-  و حلف أبو قتادة ألا يسير تحت لواء خالد في جيش أبدا-  و ركب فرسه شاذا إلى أبي بكر فأخبره الخبر-  و قال له إني نهيت خالدا عن قتله فلم يقبل قولي-  و أخذ بشهادة الأعراب الذين غرضهم الغنائم-  و أن عمر لما سمع ذلك تكلم فيه عند أبي بكر فأكثر-  و قال إن القصاص قد وجب عليه-  و لما أقبل خالد بن الوليد قافلا دخل المسجد-  و عليه قباء له عليه صدأ الحديد-  معتجرا بعمامة له قد غرز في عمامته أسهما-  فلما دخل المسجد قام إليه عمر-  فنزع الأسهم عن رأسه فحطمها-  ثم قال له يا عدو نفسه أ عدوت على امرئ مسلم فقتلته-  ثم نزوت على امرأته-  و الله لنرجمنك بأحجارك-  و خالد لا يكلمه-  و لا يظن إلا أن رأي أبي بكر مثل رأيه-  حتى دخل إلى أبي بكر و اعتذر إليه بعذره و تجاوز عنه-  فخرج خالد و عمر جالس في المسجد-  فقال هلم إلى يا ابن أم شملة-  فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلمه-  و دخل بيته- .

و قد روي أيضا أن عمر لما ولي-  جمع من عشيرة مالك بن نويرة من وجد منهم-و استرجع ما وجد عند المسلمين من أموالهم-  و أولادهم و نسائهم-  فرد ذلك عليهم جميعا مع نصيبه كان منهم-  و قيل إنه ارتجع بعض نسائهم من نواحي دمشق-  و بعضهن حوامل فردهن على أزواجهن-  فالأمر ظاهر في خطإ خالد و خطإ من تجاوز عنه-  و قول صاحب الكتاب-  إنه يجوز أن يخفى عن عمر ما يظهر لأبي بكر ليس بشي‏ء-  لأن الأمر في قصة خالد لم يكن مشتبها-  بل كان مشاهدا معلوما لكل من حضره-  و ما تأول به في القتل لا يعذر لأجله-  و ما رأينا أبا بكر حكم فيه بحكم المتأول و لا غيره-  و لا تلافى خطأه و زلله-  و كونه سيفا من سيوف الله-  على ما ادعاه لا يسقط عنه الأحكام-  و يبرئه من الآثام-  و أما قول متمم-  لو قتل أخي على ما قتل عليه أخوك لما رثيته-  لا يدل على أنه كان مرتدا-  فكيف يظن عاقل أن متمما يعترف بردة أخيه-  و هو يطالب أبا بكر بدمه و الاقتصاص من قاتليه و رد سبيه-  و أنه أراد في الجملة التقرب إلى عمر بتقريظ أخيه-  ثم لو كان ظاهر هذا القول كباطنه-  لكان إنما يقصد تفضيل قتلة زيد على قتلة مالك-  و الحال في ذلك أظهر-  لأن زيدا قتل في بعث المسلمين ذابا عن وجوههم-  و مالك قتل على شبهة و بين الأمرين فرق- .

و أما قوله في النبي ص صاحبك-  فقد قال أهل العلم إنه أراد القرشية-  لأن خالدا قرشي-  و بعد فليس في ظاهر إضافته إليه-  دلالة على نفيه له عن نفسه-  و لو كان علم من مقصده-  الاستخفاف و الإهانة على ما ادعاه صاحب الكتاب-  لوجب أن يعتذر خالد بذلك-  عند أبي بكر و عمر-  و يعتذر به أبو بكر لما طالبه عمر بقتله-  فإن عمر-  ما كان يمنع من قتل قادح في نبوة النبي ص-  و إن كان الأمر على ذلك فأي معنى لقول أبي بكر-  تأول فأخطأ-  و إنما تأول فأصاب إن كان الأمر على ما ذكرقلت أما تعجب المرتضى-  من كون قوم منعوا الزكاة و أقاموا على الصلاة-  و دعواه أن هذا غير ممكن و لا صحيح-  فالعجب منه كيف ينكر وقوع ذلك-  و كيف ينكر إمكانه-  أما الإمكان فلأنه لا ملازمة بين العبادتين-  إلا من كونهما مقترنتين في بعض المواضع في القرآن-  و ذلك لا يوجب تلازمهما في الوجود-  أو من قوله إن الناس يعلمون-  كون الزكاة واجبة في دين الإسلام ضرورة-  كما تعلمون كون الصلاة في دين الإسلام ضرورة-  و هذا لا يمنع اعتقادهم سقوط وجوب الزكاة-  لشبهة دخلت عليهم-  فإنهم قالوا إن الله تعالى قال لرسوله-  خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها-  وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ-  قالوا فوصف الصدقة المفروضة-  بأنها صدقة من شأنها أن يطهر رسول الله ص الناس-  و يزكيهم بأخذها منهم-  ثم عقب ذلك بأن فرض عليه مع أخذ الزكاة منهم-  أن يصلي عليهم صلاة تكون سكنا لهم-  قالوا و هذه الصفات لا تتحقق في غيره-  لأن غيره لا يطهر الناس و يزكيهم بأخذ الصدقة-  و لا إذا صلى على الناس كانت صلاته سكنا لهم-  فلم يجب علينا دفع الزكاة إلى غيره-  و هذه الشبهة لا تنافي كون الزكاة-  معلوما وجوبها ضرورة من دين محمد ص-  لأنهم ما جحدوا وجوبها-  و لكنهم قالوا إنه وجوب مشروط-  و ليس يعلم بالضرورة انتفاء كونها مشروطة-  و إنما يعلم ذلك بنظر و تأويل-  فقد بان أن ما ادعاه من الضرورة-  ليس بدال على أنه لا يمكن أحد-  اعتقاد نفي وجوب الزكاة بعد موت الرسول-  و لو عرضت مثل هذه الشبهة في صلاة-  لصح لذاهب أن يذهب إلى أنها قد سقطت عن الناس-  فأما الوقوع فهو المعلوم ضرورة بالتواتر-  كالعلم بأن أبا بكر ولي الخلافة بعد الرسول ص-  ضرورة بطريق التواتر-  و من أراد الوقوف على ذلك فلينظر في كتب التواريخ- فإنها تشتمل من ذلك على ما يشفي و يكفي-  و قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري-  في التاريخ الكبير بإسناد ذكره-  أن أبا بكر أقام بالمدينة بعد وفاة رسول الله ص-  و توجيهه أسامة في جيشه-  إلى حيث قتل أبوه زيد بن حارثة لم يحدث شيئا-  و جاءته وفود العرب مرتدين-  يقرون بالصلاة و يمنعون الصدقة-  فلم يقيل منهم و ردهم-  و أقام حتى قدم أسامة بعد أربعين يوما من شخوصه-  و يقال بعد سبعين يوما- . و روى أبو جعفر قال امتنعت العرب قاطبة-  من أداء الزكاة بعد رسول الله ص إلا قريشا و ثقيفا- . و روى أبو جعفر عن السري عن شعيب عن سيف-  عن هشام بن عروة عن أبيه قال-  ارتدت العرب و منعت الزكاة إلا قريشا و ثقيفا-  فأما هوازن فقدمت رجلا و أخرت أخرى-  أمسكوا الصدقة- .

و روى أبو جعفر قال-  لما منعت العرب الزكاة-  كان أبو بكر ينتظر قدوم أسامة بالجيش-  فلم يحارب أحدا قبل قدومه إلا عبسا و ذبيان-  فإنه قاتلهم قبل رجوع أسامة- . و روى أبو جعفر قال-  قدمت وفود من قبائل العرب المدينة-  فنزلوا على وجوه الناس بها-  و يحملونهم إلى أبي بكر أن يقيموا الصلاة-  و ألا يؤتوا الزكاة فعزم الله لأبي بكر على الحق-  و قال لو منعوني عقال بعير لجاهدتهم عليه- . و روى أبو جعفر شعرا للخطيل بن أوس-  أخي الحطيئة في معنى منع الزكاة-  و أن‏أبا بكر رد سؤال العرب و لم يجبهم من جملته- 

  أطعنا رسول الله إذا كان بيننا
فيا لعباد الله ما لأبي بكر

أ يورثها بكر إذا مات بعده‏
و تلك لعمر الله قاصمة الظهر

فهلا رددتم وفدنا بإجابة
و هلا حسبتم منه راعية البكر

فإن الذي سألوكم فمنعتم‏
لكالتمر أو أحلى لحلف بني فهر

و روى أبو جعفر قال-  لما قدمت العرب المدينة على أبي بكر-  فكلموه في إسقاط الزكاة-  نزلوا على وجوه الناس بالمدينة-  فلم يبق أحد إلا و أنزل عليه ناسا منهم-  إلا العباس بن عبد المطلب-  ثم اجتمع إلى أبي بكر المسلمون-  فخوفوه بأس العرب و اجتماعها-  قال ضرار بن الأزور-  فما رأيت أحدا ليس رسول الله أملأ بحرب شعواء-  من أبي بكر فجعلنا نخوفه و نروعه-  و كأنما إنما نخبره بما له لا ما عليه-  و اجتمعت كلمة المسلمين على إجابة العرب إلى ما طلبت-  و أبى أبو بكر أن يفعل إلا ما كان يفعله رسول الله ص-  و أن يأخذ إلا ما كان يأخذ-  ثم أجلهم يوما و ليلة ثم أمرهم بالانصراف-  و طاروا إلى عشائرهم- .

و روى أبو جعفر قال-  كان رسول الله ص-  بعث عمرو بن العاص إلى عمان قبل موته-  فمات و هو بعمان فأقبل قافلا إلى المدينة-  فوجد العرب قد منعت الزكاة-  فنزل في بني عامر على قرة بن هبيرة-  و قرة يقدم رجلا و يؤخر أخرى-  و على ذلك بنو عامر كلهم إلا الخواص-  ثم قدم المدينة فأطافت به قريش-  فأخبرهم أن العساكر معسكرة حولهم-  فتفرق المسلمون و تحلقوا حلقا-  و أقبل عمر بن الخطاب-  فمر بحلقةو هم يتحدثون فيما سمعوا من عمرو-  و في تلك الحلقة علي و عثمان و طلحة و الزبير-  و عبد الرحمن بن عوف و سعد-  فلما دنا عمر منهم سكتوا-  فقال في أي شي‏ء أنتم فلم يخبروه-  فقال ما أعلمني بالذي خلوتم عليه-  فغضب طلحة و قال الله يا ابن الخطاب إنك لتعلم الغيب-  فقال لا يعلم الغيب إلا الله و لكن أظن قلتم-  ما أخوفنا على قريش من العرب و أخلقهم-  ألا يقروا بهذا الأمر-  قالوا صدقت-  فقال فلا تخافوا هذه المنزلة-  أنا و الله منكم على العرب أخوف مني عليكم من العرب- .

قال أبو جعفر و حدثني السري قال-  حدثنا شعيب عن سيف عن هشام بن عروة عن أبيه قال-  نزل عمرو بن العاص بمنصرفه من عمان-  بعد وفاة رسول الله ص-  بقرة بن هبيرة بن سلمة بن يسير-  و حوله عساكر من أفنائهم فذبح له-  و أكرم منزلته فلما أراد الرحلة خلا به و قال-  يا هذا إن العرب لا تطيب لكم أنفسا بالإتاوة-  فإن أنتم أعفيتموها من أخذ أموالها فستسمع و تطيع-  و إن أبيتم فإنها تجتمع عليكم-  فقال عمرو أ توعدنا بالعرب و تخوفنا بها-  موعدنا حفش أمك أما و الله لأوطئنه عليك الخيل-  و قدم على أبي بكر و المسلمين فأخبرهم- .

و روى أبو جعفر قال-  كان رسول الله ص-  قد فرق عماله في بني تميم على قبض الصدقات-  فجعل الزبرقان بن بدر على عوف و الرباب-  و قيس بن عاصم على مقاعس و البطون-  و صفوان بن صفوان و سبرة بن عمرو على بني عمرو-  و مالك بن نويرة على بني حنظلة-  فلما توفي رسول الله ص ضرب صفوان إلى أبي بكر-  حين وقع إليه الخبر بموت النبي ص بصدقات بني عمرو-  و بما ولي منها و ما ولي سبرة-  و أقام سبرة في قومه لحدث إن ناب-  و أطرق قيس بن عاصم ينظر ما الزبرقان صانع-  فكان له عدوا و قال و هو ينتظره و ينتظر ما يصنع-  و يلي عليه ما أدري ما أصنع-  إن أنابايعت أبا بكر و أتيته بصدقات قومي-  خلفني فيهم فساءني عندهم-  و إن رددتها عليهم فليأتين أبا بكر فيسوءني عنده-  ثم عزم قيس على قسمتها في مقاعس و البطون-  ففعل و عزم الزبرقان على الوفاء-  فاتبع صفوان بصدقات عوف و الرباب-  حتى قدم بها المدينة و قال شعرا يعرض فيه بقيس بن عاصم-  و من جملته- 

وفيت بأذواد الرسول و قد أبت
سعاة فلم يردد بعيرا أميرها

فلما أرسل أبو بكر إلى قيس العلاء بن الحضرمي-  أخرج الصدقة فأتاه بها و قدم معه إلى المدينة- . و في تاريخ أبي جعفر الطبري من هذا الكثير الواسع-  و كذلك في تاريخ غيره من التواريخ-  و هذا أمر معلوم باضطرار لا يجوز لأحد أن يخالف فيه فأما قوله كيف يصح ذلك و قد قال لهم أبو بكر-  إذا أذنوا و أقاموا كإقامتكم فكفوا عنهم-  فجعل أمارة الإسلام و البراءة من الردة-  الأذان و الإقامة-  فإنه قد أسقط بعض الخبر-  قال أبو جعفر الطبري في كتابه-  كانت وصيته لهم إذا نزلتم فأذنوا و أقيموا-  فإن أذن القوم و أقاموا فكفوا عنهم-  فإن لم يفعلوا فلا شي‏ء إلا الغارة-  ثم اقتلوهم كل قتلة-  الحرق فما سواه-  و إن أجابوا داعية الإسلام فاسألوهم-  فإن أقروا بالزكاة فاقبلوا منهم-  و إن أبوا فلا شي‏ء إلا الغارة و لا كلمة- .

فأما قوله-  و كيف يطلق قاضي القضاة في سائر أهل الردة-  ما أطلقه من أنهم كانوا يصلون-  و من جملتهم أصحاب مسيلمة و طلحة-  فإنما أراد قاضي القضاة بأهل الردة هاهنا-  مانعي الزكاة لا غير-  و لم يرد من جحد الإسلام بالكلية- . فأما قصة مالك بن نويرة و خالد بن الوليد-  فإنها مشتبهة عندي و لا غرو فقد اشتهت على الصحابة-  و ذلك أن من حضرها من العرب اختلفوا في حال القوم-  هل كان‏ عليهم شعار الإسلام أو لا-  و اختلف أبو بكر و عمر في خالد مع شدة اتفاقهما-  فأما الشعر الذي رواه المرتضى لمالك بن نويرة-  فهو معروف إلا البيت الأخير فإنه غير معروف-  و عليه عمدة المرتضى في هذا المقام-  و ما ذكره بعد من قصة القوم صحيح كله-  مطابق لما في التواريخ إلا مويضعات يسيرة- .

منها قوله-  إن مالكا نهى قومه عن الاجتماع على منع الصدقات-  فإن ذلك غير منقول-  و إنما المنقول أنه نهى قومه عن الاجتماع في موضع واحد-  و أمرهم أن يتفرقوا في مياههم-  ذكر ذلك الطبري و لم يذكر نهيه إياهم-  عن الاجتماع على منع الصدقة-  و قال الطبري إن مالكا تردد في أمره-  هل يحمل الصدقات أم لا-  فجاءه خالد و هو متحير سبح- . و منها أن الطبري ذكر أن ضرار بن الأزور-  قتل مالكا عن غير أمر خالد-  و أن خالدا لما سمع الواعية خرج و قد فرغوا منهم-  فقال إذا أراد الله أمرا أصابه-  قال الطبري و غضب أبو قتادة لذلك-  و قال لخالد هذا عملك-  و فارقه و أتى أبا بكر فأخبره فغضب عليه أبو بكر-  حتى كلمه فيه عمر فلم يرض إلا أن يرجع إلى خالد-  فرجع إليه حتى قدم معه المدينة- .

و منها أن الطبري روى أن خالدا-  لما تزوج أم تميم بنت المنهال امرأة مالك-  لم يدخل بها و تركها حتى تقضي طهرها-  و لم يذكر المرتضى ذلك- . و منها أن الطبري روى-  أن متمما لما قدم المدينة طلب إلى أبي بكر في سبيهم-  فكتب له برد السبي-  و المرتضى ذكر أنه لم يرد إلا في خلافة عمر- . فأما قول المرتضى إن قول متمم-  لو قتل أخي على مثل ما قتل عليه أخوك لما رثيته-لا يدل على ردته فصحيح-  و لا ريب أنه قصد تقريظ زيد بن الخطاب-  و أن يرضي عمر أخاه بذلك-  و نعما قال المرتضى إن بين القتلتين فرقا ظاهرا-  و إليه أشار متمم لا محالة- . فأما قول مالك صاحبك يعني النبي ص-  فقد روى هذه اللفظة الطبري في التاريخ قال-  كان خالد يعتذر عن قتله فيقول-  إنه قال له و هو يراجعه-  ما إخال صاحبكم إلا قال كذا و كذا-  فقال له خالد أ و ما تعده لك صاحبا-  و هذه لعمري كلمة جافية و إن كان لها مخرج في التأويل-  إلا أنه مستكره-  و قرائن الأحوال يعرفها من شاهدها و سمعها-  فإذا كان خالد قد كان يعتذر بذلك-  فقد اندفع قول المرتضى هلا اعتذر بذلك-  و لست أنزه خالدا عن الخطإ-  و أعلم أنه كان جبارا فاتكا-  لا يراقب الدين فيما يحمله عليه الغضب و هوى نفسه-  و لقد وقع منه في حياة رسول الله ص-  مع بني خذيمة بالغميصاء-  أعظم مما وقع منه في حق مالك بن نويرة-  و عفا عنه رسول الله ص-  بعد أن غضب عليه مدة و أعرض عنه-  و ذلك العفو هو الذي أطمعه-  حتى فعل ببني يربوع ما فعل بالبطاح.

الطعن الثامن

قولهم إن مما يؤثر في حاله و حال عمر-  دفنهما مع رسول الله ص في بيته-  و قد منع الله تعالى الكل من ذلك-  في حال حياته فكيف بعد الممات-  بقوله تعالى-  لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ- . أجاب قاضي القضاة بأن الموضع كان ملكا لعائشة-  و هي حجرتها التي كانت‏معروفة بها-  و الحجر كلها كانت أملاكا لأزواج النبي ص-  و قد نطق القرآن بذلك في قوله-  وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ-  و ذكر أن عمر استأذن عائشة-  في أن يدفن في ذلك الموضع-  و حتى قال إن لم تأذن لي فادفنوني في البقيع-  و على هذا الوجه يحمل-  ما روي عن الحسن ع أنه لما مات-  أوصى أن يدفن إلى جنب رسول الله ص-  و إن لم يترك ففي البقيع-  فلما كان من مروان و سعيد بن العاص ما كان دفن بالبقيع-  و إنما أوصى بذلك بإذن عائشة-  و يجوز أن يكون علم من عائشة-  أنها جعلت الموضع في حكم الوقف-  فاستباحوا ذلك لهذا الوجه-  قال و في دفنه ع في ذلك الموضع ما يدل على فضل أبي بكر-  لأنه ع لما مات اختلفوا في موضع دفنه-  و كثر القول حتى روى أبو بكر عنه ص أنه قال-  ما يدل على أن الأنبياء إذا ماتوا دفنوا حيث ماتوا-  فزال الخلاف في ذلك- .

اعترض المرتضى فقال-  لا يخلو موضع قبر النبي ص من أن يكون باقيا على ملكه ع-  أو يكون انتقل في حياته إلى عائشة على ما ادعاه-  فإن كان الأول لم يخل أن يكون ميراثا بعده أو صدقة-  فإن كان ميراثا فما كان يحل لأبي بكر و لا لعمر من بعده-  أن يأمرا بدفنهما فيه إلا بعد إرضاء الورثة-  الذين هم على مذهبنا فاطمة و جماعة الأزواج-  و على مذهبهم هؤلاء و العباس-  و لم نجد واحدا منهما خاطب أحدا من هؤلاء الورثة-  على ابتياع هذا المكان و لا استنزله عنه بثمن و لا غيره-  و إن كان صدقة-  فقد كان يجب أن يرضى عنه جماعة المسلمين و يبتاعه منهم-  هذا إن جاز الابتياع لما يجري هذا المجرى-  و إن كان انتقل في حياته-  فقد كان يجب أن يظهر سبب انتقاله و الحجة فيه-  فإن فاطمة ع-  لم يقنع منها في انتقال فدك إلى ملكها بقولها-  و لا بشهادة من‏شهد لها-  فأما تعلقه بإضافة البيوت إليهن في قوله-  وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ فمن ضعيف الشبهة-  لأنا قد بينا فيما مضى من هذا الكتاب-  أن هذه الإضافة لا تقتضي الملك و إنما تقتضي السكنى-  و العادة في استعمال هذه اللفظة فيما ذكرناه ظاهرة-  قال تعالى لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ-  و لم يرد الله تعالى إلا حيث يسكن و ينزلن-  دون حيث يملكن و ما أشبهه-  و أظرف من كل شي‏ء تقدم قوله-  إن الحسن ع استأذن عائشة في أن يدفن في البيت-  حتى منعه مروان و سعيد بن العاص-  لأن هذه مكابرة منه ظاهرة-  فإن المانع للحسن ع من ذلك لم يكن إلا عائشة-  و لعل من ذكره من مروان و سعيد و غيرهما-  أعانها و اتبع في ذلك أمرهما- 

و روي أنها خرجت في ذلك اليوم على بغل-  حتى قال ابن عباس يوما على بغل و يوما على جمل-  فكيف تأذن عائشة في ذلك و هي مالكة الموضع على قولهم-  و يمنع منه مروان و غيره-  ممن لا ملك له في الموضع و لا شركة و لا يد-  و هذا من قبيح ما يرتكب-  و أي فضل لأبي بكر في روايته عن النبي ص حديث الدفن-  و عملهم بقوله إن صح فمن مذهب صاحب الكتاب و أصحابه-  العمل بخبر الواحد العدل في أحكام الدين العظيمة-  فكيف لا يعمل بقول أبي بكر في الدفن-  و هم يعملون بقول من هو دونه فيما هو أعظم من ذلك قلت أما أبو بكر فإنه لا يلحقه بدفنه مع الرسول ص ذم-  لأنه ما دفن نفسه و إنما دفنه الناس و هو ميت-  فإن كان ذلك خطأ فالإثم و الذم لاحقان بمن فعل به ذلك-  و لم يثبت عنه بأنه أوصى أن يدفن مع رسول الله ص- 

و إنما قد يمكن أن يتوجه هذا الطعن إلى عمر-  لأنه سأل عائشة أن يدفن في الحجرة-  مع رسول الله ص و أبي بكر-  و القول عندي مشتبه في أمر حجر الأزواج- هل كانت على ملك رسول الله ص إلى أن توفي-  أم ملكها نساؤه-  و الذي تنطق به التواريخ أنه لما خرج من قباء-  و دخل المدينة و سكن منزل أبي أيوب-  اختط المسجد و اختط حجر نسائه و بناته-  و هذا يدل على أنه كان المالك للمواضع-  و أما خروجها عن ملكه إلى الأزواج و البنات-  فمما لم أقف عليه-  و يجوز أن تكون الصحابة قد فهمت-  من قرائن الأحوال و مما شاهدوه منه ع-  أنه قد أقر كل بيت منها في يد زوجة من الزوجات-  على سبيل الهبة و العطية-  و إن لم ينقل عنه في ذلك صيغة لفظ معين-  و القول في بيت فاطمة ع كذلك-  لأن فاطمة ع لم تكن تملك مالا-  و علي ع بعلها كان فقيرا في حياة رسول الله ص-  حتى أنه كان يستقي الماء ليهود بيده-  يسقي بساتينهم لقوت يدفعونه إليه-  فمن أين كان له ما يبتاع به حجرة يسكن فيها هو و زوجته-  و القول في كثير من الزوجات كذلك-  أنهن كن فقيرات مدقعات-  نحو صفية بنت حيي بن أخطب و جويرية بنت الحارث-  و ميمونة و غيرهن-  فلا وجه يمكن أن يتملك منه هؤلاء النسوة و البنت الحجر-  إلا أن يكون رسول الله ص وهبها لهن-  هذا إن ثبت أنها خرجت عن ملكيته ع-  و إلا فهي باقية على ملكيته باستصحاب الحال-  و القول في حجرة زينب بنت رسول الله ص كذلك-  لأنه أقدمها من مكة-  مفارقة لبعلها أبي العاص بن الربيع-  فأسكنها بالمدينة في حجرة منفردة خالية عن بعل-  فلا بد أن تكون تلك الحجرة بمقتضى ما يتغلب على الظن-  ملكا له ع-  فيستدام الحكم بملكه لها-  إلى أن نجد دليلا ينقلنا عن ذلك-  و أما رقية و أم كلثوم زوجتا عثمان-  فإن كان مثريا ذا مال-  فيجوز أن يكون ابتاع حجرة-  سكنت فيها الأولى منهما ثم الثانية بعدها- .

 

فأما احتجاج قاضي القضاة بقوله-  وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ-  فاعتراض المرتضى عليه قوي-  لأن هذه الإضافة إنما تقتضي التخصيص فقط لا التمليك-  كما قال-  لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ-  و يجوز أن يكون أبو بكر لما روى قوله-  نحن لا نورث-  ترك الحجر في أيدي الزوجات و البنت-  على سبيل الإقطاع لهن لا التمليك أي أباحهن السكنى-  لا التصرف في رقاب الأرض و الأبنية و الآلات-  لما رأى في ذلك من المصلحة-  و لأنه كان من المتهجن القبيح إخراجهن من البيوت-  و ليس كذلك فدك-  فإنها قرية كبيرة ذات نخل كثير خارجة عن المدينة-  و لم تكن فاطمة متصرفة فيها من قبل نفسها و لا بوكيلها-  و لا رأتها قط فلا تشبه حالها حال الحجر-  و أيضا لإباحة هذه الحجر و نزارة أثمانهن-  فإنها كانت مبنية من طين قصيرة الجدران-  فلعل أبا بكر و الصحابة استحقروها-  فأقروا النساء فيها-  و عوضوا المسلمين عنها بالشي‏ء اليسير-  مما يقتضي الحساب أن يكون من سهم الأزواج و البنت-  عند قسمة الفي‏ء- .

و أما القول في الحسن و ما جرى من عائشة و بني أمية-  فقد تقدم-  و كذلك القول في الخبر المروي في دفن الرسول ع-  فكان أبو المظفر هبة الله بن الموسوي صدر المخزن المعمور-  كان في أيام الناصر لدين الله-  إذا حادثته حديث وفاة رسول الله ص و رواية أبي بكر-  ما رواه من قوله ع الأنبياء يدفنون حيث يموتون-  يحلف أن أبا بكر افتعل هذا الحديث في الحال و الوقت-  ليدفن النبي ص في حجرة ابنته-  ثم يدفن هو معه عند موته-  علما منه أنه لم يبق من عمره إلا مثل ظم‏ء الحمار-  و أنه إذا دفن النبي ص في حجرة ابنته-  فإن ابنته تدفنه لا محالة في حجرتها عند بعلها-  و إن دفن النبي ص في موضع‏آخر-  فربما لا يتهيأ له أن يدفن عنده-  فرأى أن هذا الفوز بهذا الشرف العظيم-  و هذا المكان الجليل-  مما لا يقتضي حسن التدبير فوته-  و إن انتهاز الفرصة فيه واجب-  فروى لهم الخبر فلا يمكنهم بعد روايته ألا يعملوا به-  لا سيما و قد صار هو الخليفة-  و إليه السلطان و النفع و الضرر-  و أدرك ما كان في نفسه-  ثم نسج عمر على منواله-  فرغب إلى عائشة في مثل ذلك-  و قد كان يكرمها-  و يقدمها على سائر الزوجات في العطاء و غيره-  فأجابته إلى ذلك-  و كان مطاعا في حياته و بعد مماته-  و كان يقول وا عجبا للحسن-  و طمعه في أن يدفن في حجرة عائشة-  و الله لو كان أبوه الخليفة يومئذ لما تهيأ له ذلك-  و لا تم لبغض عائشة لهم و حسد الناس إياهم-  و تمالؤ بني أمية و غيرهم من قريش عليهم-  و لهذا قالوا يدفن عثمان في حش كوكب-  و يدفن الحسن في حجرة رسول الله ص-  فكيف و الخليفة معاوية و الأمراء بالمدينة بنو أمية-  و عائشة صاحبة الموضع-  و الناصر لبني هاشم قليل و الشانئ كثير- . و أنا أستغفر الله مما كان أبو المظفر يحلف عليه-  و أعلم و أظن ظنا شبيها بالعلم-  أن أبا بكر ما روى إلا ما سمع-  و أنه كان أتقى لله من ذلك.

الطعن التاسع

قولهم إنه نص على عمر بالخلافة-  فخالف رسول الله ص على زعمه-  لأنه كان يزعم هو و من قال بقوله-  أن رسول الله ص لم يستخلف- .و الجواب أن كونه لم يستخلف-  لا يدل على تحريم الاستخلاف-  كما أنه من لم يركب الفيل لا يدل على تحريم ركوب الفيل-  فإن قالوا ركوب الفيل فيه منفعة و لا مضرة فيه-  و لم يرد نص بتحريمه فوجب أن يحسن-  قيل لهم و الاستخلاف مصلحة و لا مضرة فيه-  و قد أجمع المسلمون أنه طريق إلى الإمامة-  فوجب كونه طريقا إليها-  و قد روي عن عمر أنه قال إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني أبا بكر-  و إن أترك فقد ترك من هو خير مني يعني رسول الله ص-  فأما الاجتماع المشار إليه-  فهو أن الصحابة أجمعوا-  على أن عمر إمام بنص أبي بكر عليه-  و أنفذوا أحكامه و انقادوا إليه-  لأجل نص أبي بكر لا لشي‏ء سواه-  فلو لم يكن ذلك طريقا إلى الإمامة لما أطبقوا عليه-  و قد اختلف الشيخان أبو علي و أبو هاشم-  في أن نص الإمام على إمام بعده-  هل يكفي في انعقاد إمامته-  فقال أبو علي لا يكفي-  بل لا بد من أن يرضى به أربعة-  حتى يجري عهده إليه مجرى عقد الواحد برضا أربعة-  فإذا قارنه رضا أربعة صار بذلك إماما-  و يقول في بيعة عمر-  أن أبا بكر أحضر جماعة من الصحابة لما نص عليه-  و رجع إلى رضاهم بذلك-  و قال أبو هاشم بل يكفي نصه ع-  و لا يراعى في ذلك رضا غيره به-  و لو ثبت أن أبا بكر فعله-  لكان على طريق التبع للنص-  لا أنه يؤثر في إمامته مع العهد-  و لعل أبا بكر إن كان فعل ذلك فقد استطاب به نفوسهم-  و لهذا لم يؤثر فيه كراهية طلحة حين قال-  وليت علينا فظا غليظا-  و يبين ذلك أنه لم ينقل استئناف العقد من الصحابة-  لعمر بعد موت أبي بكر-  و لا اجتماع جماعة لعقد البيعة له و الرضا به-  فدل على أنهم اكتفوا بعهد أبي بكر إليه

 

الطعن العاشر

–  قولهم إنه سمى نفسه بخليفة رسول الله ص-  لاستخلافه إياه بعد موته-  مع اعترافه أنه لم يستخلفه- . و الجواب أن الصحابة سمته خليفة رسول الله ص-  لاستخلافه إياه على الصلاة عند موته-  و الاستخلاف على الصلاة عند الموت له مزية-  على الاستخلاف على الصلاة حال الحياة-  لأن حال الموت هي الحال التي تكون فيها العهود-  و الوصايا و ما يهتم به الإنسان من أمور الدنيا و الدين-  لأنها حال المفارقة-  و أيضا فإن رسول الله ص-  ما استخلف أحدا على الصلاة بالمدينة و هو حاضر-  و إنما كان يستخلف على الصلاة قوما-  أيام غيبته عن المدينة-  فلم يحصل الاستخلاف المطلق على الصلاة بالناس كلهم-  و هو ص حاضر بين الناس حي إلا لأبي بكر-  و هذه مزية ظاهرة على سائر الاستخلافات في أمر الصلاة-  فلذلك سموه خليفة رسول الله ص-  و بعد فإذا ثبت أن الإجماع على كون الاختيار-  طريقا إلى الإمامة و حجة-  و ثبت أن قوما من أفاضل الصحابة اختاروه للخلافة-  فقد ثبت أنه خليفة رسول الله ص-  لأنه لا فرق بين أن ينص الرسول ص-  على شخص معين-  و بين أن يشير إلى قوم فيقول-  من اختار هؤلاء القوم فهو الإمام-  في أن كل واحد منهما يصح أن يطلق عليه خليفة رسول الله ص.

 

الطعن الحادي عشر

قولهم إنه حرق الفجاءة السلمي بالنار-  و قد نهى النبي ص أن يحرق أحد بالنار- . و الجواب أن الفجاءة جاء إلى أبي بكر-  كما ذكر أصحاب التواريخ-  فطلب منه سلاحا يتقوى به على الجهاد في أهل الردة-  فأعطاه فلما خرج قطع الطريق-  و نهب أموال المسلمين و أهل الردة جميعا-  و قتل كل من وجد-  كما فعلت الخوارج حيث خرجت-  فلما ظفر به أبو بكر رأى حرقه بالنار-  إرهابا لأمثاله من أهل الفساد-  و يجوز للإمام أن يخص النص العام بالقياس الجلي عندنا.

الطعن الثاني عشر

قولهم إنه تكلم في الصلاة قبل التسليم-  فقال لا يفعلن خالد ما أمرته-  قالوا و لذلك جاز عند أبي حنيفة-  أن يخرج الإنسان من الصلاة بالكلام و غيره-  من مفسدات الصلاة من دون تسليم-  و بهذا احتج أبو حنيفة- . و الجواب أن هذا من الأخبار التي تتفرد بها الإمامية-  و لم تثبت-  و أما أبو حنيفة فلم يذهب إلى ما ذهب إليه-  لأجل هذا الحديث-  و إنما احتج بأن التسليم خطاب آدمي-  و ليس هو من الصلاة و أذكارها-  و لا من أركانها بل هو ضدها-  و لذلك يبطلها قبل التمام-  و لذلك لا يسلم المسبوق تبعا لسلام الإمام-  بل يقوم من غير تسليم-  فدل على أنه ضد للصلاة-  و جميع الأضداد بالنسبة إلى رفع الضد-  على وتيرة واحدة-  و لذلك استوى الكل في‏ الإبطال قبل التمام-  فيستوي الكل في الانتهاء بعد التمام-  و ما يذكره القوم من سبب كلام أبي بكر في الصلاة أمر بعيد-  و لو كان أبو بكر يريد ذلك-  لأمر خالد أن يفعل ذلك الفعل بالشخص المعروف-  و هو نائم ليلا في بيته-  و لا يعلم أحد من الفاعل.

الطعن الثالث عشر

قولهم إنه كتب إلى خالد بن الوليد و هو على الشام-  يأمره أن يقتل سعد بن عبادة-  فكمن له هو و آخر معه ليلا-  فلما مر بهما رمياه فقتلاه-  و هتف صاحب خالد في ظلام الليل-  بعد أن ألقيا سعدا في بئر هناك فيها ماء ببيتين- 

نحن قتلنا سيد الخزرج
سعد بن عباده‏

و رميناه بسهمين‏
فلم تخط فؤاده‏

 يوهم أن ذلك شعر الجن و أن الجن قتلت سعدا-  فلما أصبح الناس فقدوا سعدا-  و قد سمع قوم منهم ذلك الهاتف فطلبوه-  فوجدوه بعد ثلاثة أيام في تلك البئر و قد اخضر-  فقالوا هذا مسيس الجن-  و قال شيطان الطاق لسائل سأله-  ما منع عليا أن يخاصم أبا بكر في الخلافة-  فقال يا ابن أخي خاف أن تقتله الجن- . و الجواب-  أما أنا فلا أعتقد أن الجن قتلت سعدا-  و لا أن هذا شعر الجن و لا أرتاب أن البشر قتلوه-  و أن هذا الشعر شعر البشر-  و لكن لم يثبت عندي أن أبا بكر أمر خالدا-  و لا أستبعد أن يكون فعله من تلقاء نفسه-  ليرضى بذلك أبا بكر و حاشاه-  فيكون الإثم على‏خالد و أبو بكر بري‏ء من إثمه-  و ما ذلك من أفعال خالد ببعيد.

الطعن الرابع عشر

قولهم إنه لما استخلف قطع لنفسه على بيت المال أجرة-  كل يوم ثلاثة دراهم-  قالوا و ذلك لا يجوز-  لأن مصارف أموال بيت المسلمين-  لم يذكر فيها أجرة للإمام- . و الجواب أنه تعالى جعل في جملة مصرف أموال الصدقات-  العاملين عليها و أبو بكر من العاملين-  و اعلم أن الإمامية لو أنصفت لرأت أن هذا الطعن-  بأن يكون من مناقب أبي بكر-  أولى من أن يكون من مساويه و مثالبه-  و لكن العصبية لا حيلة فيها.

الطعن الخامس عشر

قولهم إنه لما استخلف صرخ مناديه في المدينة-  من كان عنده شي‏ء من كلام الله فليأتنا به-  فإنا عازمون على جمع القرآن-  و لا يأتنا بشي‏ء منه إلا و معه شاهدا عدل-  قالوا و هذا خطأ-  لأن القرآن قد بان بفصاحته عن فصاحة البشر-  فأي حاجة إلى شاهدي عدل- . و الجواب أن المرتضى و من تابعه من الشيعة-  لا يصح لهم هذا الطعن-  لأن القرآن عندهم ليس معجزا بفصاحته-  على أن من جعل معجزته للفصاحة لم يقل-  إن كل آية من القرآن هي معجزة في الفصاحة-  و أبو بكر إنما طلب كل آية من القرآن-  لا السورة بتمامها و كمالها-  التي يتحقق الإعجاز من طريق الفصاحة فيها-  و أيضا فإنه لو أحضر إنسان آية أو آيتين-  و لم يكن معه شاهد فربما تختلف العرب-  هل هذه في الفصاحة بالغةمبلغ الإعجاز الكلي-  أم هي ثابتة من كلام العرب بثبوته-  غير بالغة إلى حد الإعجاز-  فكان يلتبس الأمر و يقع النزاع-  فاستظهر أبو بكر بطلب الشهود تأكيدا-  لأنه إذا انضمت الشهادة إلى الفصاحة الظاهرة-  ثبت أن ذلك الكلام من القرآن

وَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ-  إِنِّي وَ اللَّهِ لَوْ لَقِيتُهُمْ وَاحِداً وَ هُمْ طِلَاعُ الْأَرْضِ كُلِّهَا-  مَا بَالَيْتُ وَ لَا اسْتَوْحَشْتُ-  وَ إِنِّي مِنْ ضَلَالِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ-  وَ الْهُدَى الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ-  لَعَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ نَفْسِي وَ يَقِينٍ مِنْ رَبِّي-  وَ إِنِّي إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ لَمُشْتَاقٌ-  وَ لِحُسْنِ ثَوَابِهِ لَمُنْتَظِرٌ رَاجٍ-  وَ لَكِنَّنِي آسَى أَنْ يَلِيَ هَذِهِ الْأُمَّةَ سُفَهَاؤُهَا وَ فُجَّارُهَا-  فَيَتَّخِذُوا مَالَ اللَّهِ دُوَلًا وَ عِبَادَهُ خَوَلًا-  وَ الصَّالِحِينَ حَرْباً وَ الْفَاسِقِينَ حِزْباً-  فَإِنَّ مِنْهُمُ الَّذِي شَرِبَ فِيكُمُ الْحَرَامَ-  وَ جُلِدَ حَدّاً فِي الْإِسْلَامِ-  وَ إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى رُضِخَتْ لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ الرَّضَائِخُ-  فَلَوْ لَا ذَلِكَ مَا أَكْثَرْتُ تَأْلِيبَكُمْ وَ تَأْنِيبَكُمْ-  وَ جَمْعَكُمْ وَ تَحْرِيضَكُمْ-  وَ لَتَرَكْتُكُمْ إِذْ أَبَيْتُمْ وَ وَنَيْتُمْ-  أَ لَا تَرَوْنَ إِلَى أَطْرَافِكُمْ قَدِ انْتَقَصَتْ-  وَ إِلَى أَمْصَارِكُمْ قَدِ افْتُتِحَتْ-  وَ إِلَى مَمَالِكِكُمْ تُزْوَى وَ إِلَى بِلَادِكُمْ تُغْزَى-  انْفِرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ إِلَى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ-  وَ لَا تَثَّاقَلُوا إِلَى الْأَرْضِ فَتُقِرُّوا بِالْخَسْفِ-  وَ تَبَوَّءُوا بِالذُّلِّ وَ يَكُونَ نَصِيبُكُمُ الْأَخَسَّ-  وَ إِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الْأَرِقُ وَ مَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ وَ السَّلَامُ‏ طلاع الأرض ملؤها-  و منه قول عمر لو أن لي طلاع الأرض ذهبا-  لافتديت به من هول المطلع- . و آسى أحزن- . و أكثرت تأليبكم تحريضكم و إغراءكم به-  و التأنيب أشد اللوم- . و ونيتم ضعفتم و فترتم-  و ممالككم تزوى أي تقبض- . و لا تثاقلوا بالتشديد أصله تتثاقلوا-  و تقروا بالخسف تعترفوا بالضيم و تصبروا له-  و تبوءوا بالذل ترجعوا به و الأرق الذي لا ينام-  و مثل قوله ع-  من نام لم ينم عنه قول الشاعر- 

   لله درك ما أردت بثائر
حران ليس عن الترات براقد

أسهرته ثم اضطجعت و لم ينم‏
حنقا عليك و كيف نوم الحاقد

فأما الذي رضخت له على الإسلام الرضائخ فمعاوية-  و الرضيخة شي‏ء قليل يعطاه الإنسان-  يصانع به عن شي‏ء يطلب منه كالأجر-  و ذلك لأنه من المؤلفة قلوبهم الذين رغبوا في الإسلام-  و الطاعة بجمال وشاء دفعت إليهم-  و هم قوم معروفون كمعاوية و أخيه يزيد-  و أبيهما أبي سفيان و حكيم بن حزام و سهيل بن عمرو-  و الحارث بن هشام بن المغيرة و حويطب بن عبد العزى-  و الأخنس بن شريق و صفوان بن أمية-  و عمير بن وهب الجمحي و عيينة بن حصن-  و الأقرع بن حابس و عباس بن مرداس و غيرهم-  و كان إسلام هؤلاء للطمع و الأغراض الدنياوية-  و لم يكن عن أصل و لا عن يقين و علم- .

 

و قال الراوندي-  عنى بقوله رضخت لهم الرضائخ-  عمرو بن العاص-  و ليس بصحيح لأن عمرا لم يسلم بعد الفتح-  و أصحاب الرضائخ كلهم أسلموا بعد الفتح-  صونعوا على الإسلام بغنائم حنين-  و لعمري إن إسلام عمرو كان مدخولا أيضا-  إلا أنه لم يكن عن رضيخة و إنما كان لمعنى آخر-  فأما الذي شرب الحرام و جلد في حد الإسلام-  فقد قال الراوندي هو المغيرة بن شعبة-  و أخطأ فيما قال-  لأن المغيرة إنما اتهم بالزنى و لم يحد-  و لم يجر للمغيرة ذكر في شرب الخمر-  و قد تقدم خبر المغيرة مستوفى-  و أيضا فإن المغيرة لم يشهد صفين مع معاوية و لا مع علي ع-  و ما للراوندي و لهذا-  إنما يعرف هذا الفن أربابه-  و الذي عناه علي ع الوليد بن عقبة بن أبي معيط-  و كان أشد الناس عليه-  و أبلغهم تحريضا لمعاوية و أهل الشام على حربه

أخبار الوليد بن عقبة

و نحن نذكر خبر الوليد و شربه الخمر-  منقولا من كتاب الأغاني-  لأبي الفرج علي بن الحسين الأصفهاني-  قال أبو الفرج-  كان سبب إمارة الوليد بن عقبة الكوفة لعثمان-  ما حدثني به أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال-  حدثنا عمر بن شبة قال-  حدثني عبد العزيز بن محمد بن حكيم-  عن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد عن أبيه قال-  لم يكن يجلس مع عثمان على سريره-  إلا العباس بن عبد المطلب و أبو سفيان بن حرب-  و الحكم بن أبي العاص و الوليد بن عقبة-  و لم يكن سريره يسع إلا عثمان و واحدا منهم-  فأقبل الوليد يوما فجلس-  فجاء الحكم بن أبي العاص فأومأ عثمان إلى الوليد-  فرحل له عن مجلسه-  فلما قام الحكم قال الوليد-  و الله يا أمير المؤمنين لقد تلجلج في صدري بيتان-  قلتهما حين رأيتك آثرت ابن عمك على ابن أمك-  و كان الحكم عم عثمان و الوليد أخاه‏ لأمه-  فقال عثمان إن الحكم شيخ قريش فما البيتان-  فقال

   رأيت لعم المرء زلفى قرابة
دوين أخيه حادثا لم يكن قدما

فأملت عمرا أن يشب و خالدا
لكي يدعواني يوم نائبة عما

يعني عمرا و خالدا ابني عثمان-  قال فرق له عثمان و قال-  قد وليتك الكوفة فأخرجه إليها- . قال أبو الفرج و أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال-  حدثني عمر بن شبة قال-  حدثني بعض أصحابنا عن ابن دأب قال-  لما ولى عثمان الوليد بن عقبة الكوفة-  قدمها و عليها سعد بن أبي وقاص-  فأخبر بقدومه و لم يعلم أنه قد أمر فقال و ما صنع-  قالوا وقف في السوق فهو يحدث الناس هناك-  و لسنا ننكر شيئا من أمره-  فلم يلبث أن جاءه نصف النهار-  فاستأذن على سعد فأذن له-  فسلم عليه بالإمرة و جلس معه-  فقال له سعد-  ما أقدمك يا أبا وهب قال أحببت زيارتك-  قال و على ذاك أ جئت بريدا-  قال أنا أرزن من ذلك-  و لكن القوم احتاجوا إلى عملهم فسرحوني إليه-  و قد استعملني أمير المؤمنين على الكوفة-  فسكت سعد طويلا ثم قال-  لا و الله ما أدري أصلحت بعدنا أم فسدنا بعدك-  ثم قال- 

كليني و جريني ضباع و أبشري
بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره‏

فقال الوليد أما و الله لأنا أقول للشعر منك-  و أروى له و لو شئت لأجبتك و لكني أدع ذاك لما تعلم-  نعم و الله لقد أمرت بمحاسبتك و النظر في أمر عمالك-  ثم بعث إلى عمال سعد فحبسهم و ضيق عليهم-  فكتبوا إلى سعد يستغيثون به-  فكلمه فيهم فقال له أ و للمعروف عندك موضع-  قال نعم فخلى سبيلهم- .

 

قال أحمد و حدثني عمر عن أبي بكر الباهلي-  عن هشيم عن العوام بن حوشب قال-  لما قدم الوليد على سعد قال له سعد-  و الله ما أدري كست بعدنا أم حمقنا بعدك-  فقال لا تجزعن يا أبا إسحاق-  فإنه الملك يتغداه قوم و يتعشاه آخرون-  فقال سعد أراكم و الله ستجعلونه ملكا- . قال أبو الفرج و حدثنا أحمد قال حدثني عمر قال-  حدثني هارون بن معروف عن ضمرة بن ربيعة-  عن ابن شوذب قال-  صلى الوليد بأهل الكوفة الغداة أربع ركعات-  ثم التفت إليهم فقال أزيدكم-  فقال عبد الله بن مسعود ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم- . قال أبو الفرج-  و حدثني أحمد قال حدثنا عمر قال-  حدثنا محمد بن حميد قال-  حدثنا جرير عن الأجلح عن الشعبي قال-  قال الحطيئة يذكر الوليد- 

 شهد الحطيئة يوم يلقى ربه
إن الوليد أحق بالغدر

نادى و قد تمت صلاتهم‏
أ أزيدكم سكرا و لم يدر

فأبوا أبا وهب و لو أذنوا
لقرنت بين الشفع و الوتر

كفوا عنانك إذ جريت و لو
تركوا عنانك لم تزل تجري‏

و قال الحطيئة أيضا-

تكلم في الصلاة و زاد فيها
علانية و أعلن بالنفاق‏

و مج الخمر في سنن المصلي‏
و نادى و الجميع إلى افتراق‏

أزيدكم على أن تحمدوني
فما لكم و ما لي من خلاق‏

قال أبو الفرج و أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال-  حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني أبي قال-  قال أبو عبيدة و هشام بن الكلبي و الأصمعي-  كان الوليد زانيا يشرب الخمر-  فشرب بالكوفة و قام ليصلي بهم الصبح في المسجد الجامع-  فصلى بهم أربع ركعات ثم التفت إليهم فقال أزيدكم-  و تقيأ في المحراب بعد أن قرأ بهم رافعا صوته في الصلاة- 

        علق القلب الربابا
بعد ما شابت و شابا

فشخص أهل الكوفة إلى عثمان فأخبروه بخبره-  و شهدوا عليه بشرب الخمر-  فأتي به فأمر رجلا من المسلمين أن يضربه الحد-  فلما دنا منه قال نشدتك الله و قرابتي من أمير المؤمنين فتركه-  فخاف علي بن أبي طالب ع أن يعطل الحد-  فقام إليه فحده بيده-  فقال الوليد نشدتك الله و القرابة-  فقال أمير المؤمنين ع اسكت أبا وهب-  فإنما هلك بنو إسرائيل لتعطيلهم الحدود-  فلما ضربه و فرغ منه قال-  لتدعوني قريش بعدها جلادا-  قال إسحاق و حدثني مصعب بن الزبير قال-  قال الوليد بعد ما شهدوا عليه فجلد-  اللهم إنهم قد شهدوا علي بزور فلا ترضهم عن أمير-  و لا ترض عنهم أميرا-  قال و قد عكس الحطيئة أبياته فجعلها مدحا للوليد- 

شهد الحطيئة حين يلقى ربه
أن الوليد أحق بالعذر

كفوا عنانك إذ جريت و لو
تركوا عنانك لم تزل تجري‏

و رأوا شمائل ماجد أنف‏
يعطى على الميسور و العسر

فنزعت مكذوبا عليك و لم
تنزع على طمع و لا ذعر

 قال أبو الفرج و نسخت من كتاب هارون بن الرباب بخطه-  عن عمر بن شبة قال-  شهد رجل عند أبي العجاج و كان على قضاء البصرة-  على رجل من المعيطيين بشهادة-  و كان الشاهد سكران فقال المشهود عليه-  و هو المعيطي أعزك الله أيها القاضي-  إنه لا يحسن من السكر أن يقرأ شيئا من القرآن-  فقال الشاهد بلى أحسن قال فاقرأ فقال- 

علق القلب الربابا
بعد ما شابت و شابا

 يمجن بذلك-  و يحكي ما قاله الوليد في الصلاة-  و كان أبو العجاج أحمق فظن أن هذا الكلام من القرآن-  فجعل يقول صدق الله و رسوله-  ويلكم كم تعلمون و لا تعملون- . قال أبو الفرج و أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال-  حدثنا عمر بن شبة عن المدائني عن مبارك بن سلام-  عن فطر بن خليفة عن أبي الضحى قال-  كان ناس من أهل الكوفة يتطلبون عثرة الوليد بن عقبة-  منهم أبو زينب الأزدي و أبو مورع-  فجاءا يوما و لم يحضر الوليد الصلاة-  فسألا عنه فتلطفا حتى علما أنه يشرب-  فاقتحما الدار فوجداه يقي‏ء-  فاحتملاه و هو سكران حتى وضعاه على سريره-  و أخذا خاتمه من يده فأفاق فافتقد خاتمه-  فسأل عنه أهله فقالوا لا ندري-  و قد رأينا رجلين دخلا عليك-فاحتملاك فوضعاك على سريرك-  فقال صفوهما لي-  فقالوا أحدهما آدم طوال حسن الوجه-  و الآخر عريض مربوع عليه خميصة-  فقال هذا أبو زينب و هذا أبو مورع- .

قال و لقي أبو زينب و صاحبه عبد الله بن حبيش الأسدي-  و علقمة بن يزيد البكري و غيرهما-  فأخبروهم فقالوا أشخصوا إلى أمير المؤمنين فأعلموه-  و قال بعضهم إنه لا يقبل قولكم في أخيه-  فشخصوا إليه فقالوا إنا جئناك في أمر-  و نحن مخرجوه إليك من أعناقنا-  و قد قيل إنك لا تقبله-  قال و ما هو قالوا رأينا الوليد-  و هو سكران من خمر شربها-  و هذا خاتمه أخذناه من يده و هو لا يعقل- فأرسل عثمان إلى علي ع فأخبره-  فقال أرى أن تشخصه-  فإذا شهدوا عليه بمحضر منه حددته-  فكتب عثمان إلى الوليد فقدم عليه-  فشهد عليه أبو زينب و أبو مورع-  و جندب الأزدي و سعد بن مالك الأشعري-  فقال عثمان لعلي ع-  قم يا أبا الحسن فاجلده-  فقال علي ع للحسن ابنه قم فاضربه-  فقال الحسن ما لك و لهذا يكفيك غيرك-  فقال علي لعبد الله بن جعفر قم فاضربه-  فضربه بمخصرة فيها سير له رأسان-  فلما بلغ أربعين قال حسبك- .

قال أبو الفرج و حدثني أحمد قال حدثنا عمر قال-  حدثني المدائني عن الوقاصي عن الزهري قال-  خرج رهط من أهل الكوفة إلى عثمان في أمر الوليد-  فقال أ كلما غضب رجل على أميره رماه بالباطل-  لئن أصبحت لكم لأنكلن بكم-  فاستجاروا بعائشة-  و أصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتا و كلاما-  فيه بعض الغلظة-  فقال أ ما يجد فساق العراق و مراقها ملجأ-  إلا بيت عائشة-  فسمعت فرفعت نعل رسول الله ص و قالت-  تركت سنة صاحب هذا النعل-  و تسامع الناس فجاءوا حتى ملئوا المسجد-  فمن قائل قد أحسنت و من قائل ما للنساء و لهذا-  حتى تخاصمواو تضاربوا بالنعال-  و دخل رهط من أصحاب رسول الله ص على عثمان-  فقالوا له اتق الله و لا تعطل الحدود-  و اعزل أخاك عنهم ففعل قال أبو الفرج حدثنا أحمد قال حدثني عمر-  عن المدائني عن أبي محمد الناجي-  عن مطر الوراق قال-  قدم رجل من أهل الكوفة إلى المدينة-  فقال لعثمان إني صليت صلاة الغداة خلف الوليد-  فالتفت في الصلاة إلى الناس فقال أ أزيدكم-  فإني أجد اليوم نشاطا-  و شممنا منه رائحة الخمر-  فضرب عثمان الرجل-  فقال الناس عطلت الحدود و ضربت الشهود- . قال أبو الفرج و حدثنا أحمد قال حدثنا عمر قال-  حدثنا أبو بكر الباهلي عن بعض من حدثه قال-  لما شهد على الوليد عند عثمان بشرب الخمر-  كتب إليه يأمره بالشخوص-  فخرج و خرج معه قوم يعذرونه-  منهم عدي بن حاتم الطائي-  فنزل الوليد يوما يسوق بهم فارتجز و قال- 

لا تحسبنا قد نسينا الأحقاف
و النشوات من معتق صاف‏
و عزف قينات علينا عزاف‏

فقال عدي فأين تذهب بنا إذن فأقم- . قال أبو الفرج و قد روى أحمد عن عمر عن رجاله-  عن الشعبي عن جندب الأزدي قال-  كنت فيمن شهد على الوليد عند عثمان-  فلما استتممنا عليه الشهادة حبسه عثمان-  ثم ذكر باقي الخبر و ضرب علي ع إياه-  و قول الحسن ابنه ما لك و لهذا-  و زاد فيه و قال علي ع لست إذن مسلما-  أو قال من المسلمين- .

 

 قال أبو الفرج و أخبرني أحمد عن عمر عن رجاله أن الشهادة لما تمت قال عثمان لعلي ع-  دونك ابن عمك فأقم عليه الحد-  فأمر علي ع ابنه الحسن ع فلم يفعل فقال يكفيك غيرك-  فقال علي ع بل ضعفت و وهنت و عجزت-  قم يا عبد الله بن جعفر فاجلده فقام فجلده-  و علي ع يعد حتى بلغ أربعين-  فقال له علي ع أمسك حسبك-  جلد رسول الله ص أربعين-  و جلد أبو بكر أربعين و كملها عمر ثمانين-  و كل سنة- .

قال أبو الفرج و حدثني أحمد عن عمر-  عن عبد الله بن محمد بن حكيم عن خالد بن سعيد قال-  و أخبرني بذلك أيضا إبراهيم بن محمد بن أيوب-  عن عبد الله بن مسلم قالوا جميعا-  لما ضرب عثمان الوليد الحد قال-  إنك لتضربني اليوم بشهادة قوم ليقتلنك عاما قابلا- . قال أبو الفرج-  و حدثني أحمد بن عبد العزيز الجوهري-  عن عمر بن شبة عن عبد الله بن محمد بن حكيم-  عن خالد بن سعيد-  و أخبرني أيضا إبراهيم عن عبد الله قالوا جميعا-  كان أبو زبيد الطائي نديما للوليد بن عقبة-  أيام ولايته الكوفة-  فلما شهدوا عليه بالسكر من الخمر خرج عن الكوفة معزولا-  فقال أبو زبيد يتذكر أيامه و ندامته- 

 من يرى العير أن تمشي على ظهر
المرورى حداتهن عجال‏

ناعجات و البيت بيت أبي وهب‏
خلاء تحن فيه الشمال‏

يعرف الجاهل المضلل أن الدهر
فيه النكراء و الزلزال‏

ليت شعري كذا كم العهد أم كانوا
أناسا كمن يزول فزالوا

بعد ما تعلمين يا أم عمرو
كان فيهم عز لنا و جمال‏

و وجوه تودنا مشرقات‏
و نوال إذا أريد النوال‏

أصبح البيت قد تبدل بالحي
وجوها كأنها الأقيال‏

كل شي‏ء يحتال فيه الرجال‏
غير أن ليس للمنايا احتيال‏

و لعمر الإله لو كان للسيف
مضاء و للسان مقال‏

ما تناسيتك الصفاء و لا
الود و لا حال دونك الإشغال‏

و لحرمت لحمك المتعضي
ضلة ضل حلمهم ما اغتالوا

قولهم شربك الحرام و قد كان‏
شراب سوى الحرام حلال‏

و أبي ظاهر العداوة و الشنآن
إلا مقال ما لا يقال‏

من رجال تقارضوا منكرات‏
لينالوا الذي أرادوا فنالوا

غير ما طالبين ذحلا و لكن
مال دهر على أناس فمالوا

من يخنك الصفاء أو يتبدل‏
أو يزل مثل ما يزول الظلال‏

فاعلمن أنني أخوك أخو
الود حياتي حتى تزول الجبال‏

ليس بخلي عليك يوما بمال‏
أبدا ما أقل نعلا قبال‏

و لك النصر باللسان و بالكف
إذا كان لليدين مصال‏

قال أبو الفرج و حدثني أحمد قال حدثني عمر قال-  لما قدم الوليد بن عقبة الكوفة قدم عليه أبو زبيد-  فأنزله دار عقيل بن أبي طالب على باب المسجد-  و هي التي‏ تعرف بدار القبطي-  فكان مما احتج به عليه أهل الكوفة-  أن أبا زبيد كان يخرج إليه من داره-  و هو نصراني يخترق المسجد فيجعله طريقا- . قال أبو الفرج-  و أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال-  حدثني عمي عبيد الله عن ابن حبيب عن ابن الأعرابي-  أن أبا زبيد وفد على الوليد-  حين استعمله عثمان على الكوفة-  فأنزله الوليد دار عقيل بن أبي طالب عند باب المسجد-  و استوهبها منه فوهبها له-  فكان ذلك أول الطعن عليه من أهل الكوفة-  لأن أبا زبيد كان يخرج من داره حتى يشق المسجد إلى الوليد-  فيسمر عنده و يشرب معه-  و يخرج فيشق المسجد و هو سكران-  فذاك نبههم عليه-  قال و قد كان عثمان ولى الوليد صدقات بني تغلب-  فبلغه عنه شعر فيه خلاعه فعزله-  قال فلما ولاه الكوفة اختص أبا زبيد الطائي و قربه-  و مدحه أبو زبيد بشعر كثير-  و قد كان الوليد استعمل-  الربيع بن مري بن أوس بن حارثة بن لام الطائي-  على الحمى فيما بين الجزيرة و ظهر الحيرة-  فأجدبت الجزيرة-  و كان أبو زبيد في بني تغلب نازلا-  فخرج بإبلهم ليرعيهم-  فأبى عليهم الربيع بن مري و منعهم-  و قال لأبي زبيد إن شئت أرعيك وحدك فعلت-  فأتى أبو زبيد إلى الوليد فشكاه-  فأعطاه ما بين القصور الحمر من الشام-  إلى القصور الحمر من الحيرة و جعلها له حمى-  و أخذها من الربيع بن مري فقال أبو زبيد يمدح الوليد-  و الشعر يدل على أن الحمى كان بيد مري بن أوس-  لا بيد الربيع ابنه-  و هكذا هو في رواية عمر بن شبة- 

لعمر أبيك يا ابن أبي مري
لغيرك من أباح لنا الديارا

أباح لنا أبارق ذات قور
و نرعى القف منها و القفارا

بحمد الله ثم فتى قريش
أبي وهب غدت بدنا غزارا

أباح لنا و لا نحمي عليكم‏
إذا ما كنتم سنة جزارا

قال يقول إذا أجدبتم فإنا لا نحميها عليكم- و إذا كنتم أسأتم و حميتموها علينا- .

فتى طالت يداه إلى المعالي
و طحطحت المجذمة القصارا

قال و من شعر أبي زبيد- فيه يذكر نصره له على مري بن أوس بن حارثة-

يا ليت شعري بأنباء أنبؤها
قد كان يعنى بها صدري و تقديري‏

عن امرئ ما يزده الله من شرف‏
أفرح به و مري غير مسرور

إن الوليد له عندي و حق له
ود الخليل و نصح غير مذخور

لقد دعاني و أدناني أظهرني‏
على الأعادي بنصر غير تغرير

و شذب القوم عني غير مكترث
حتى تناهوا على رغم و تصغير

نفسي فداء أبي وهب و قل له‏
يا أم عمرو فحلي اليوم أو سيري‏

و قال أبو زبيد يمدح الوليد و يتألم لفراقه- حين عزل عن الكوفة-

لعمري لئن أمسى الوليد ببلدة
سواي لقد أمسيت للدهر معورا

خلا أن رزق الله غاد و رائح‏
و إني له راج و إن سار أشهرا

و كان هو الحصن الذي ليس مسلمي
إذا أنا بالنكراء هيجت معشرا

إذا صادفوا دوني الوليد فإنما
يرون بوادي ذي حماس مزعفرا

و هي طويلة يصف فيها الأسد قال أبو الفرج و حدثنا أحمد بن عبد العزيز-  قال حدثنا عمر عن رجاله عن الوليد قال-  لما فتح رسول الله ص مكة-  جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم-  فيدعو لهم بالبركة و يمسح يده على رءوسهم-  فجي‏ء بي إليه و أنا مخلق فلم يمسني-  و ما منعه إلا أن أمي خلقتني بخلوق-  فلم يمسني من أجل الخلوق- .

 قال أبو الفرج و حدثني إسحاق بن بنان الأنماطي عن حنيش بن ميسر عن عبد الله بن موسى عن أبي ليلى عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال الوليد بن عقبة لعلي بن أبي طالب ع-  أنا أحد منك سنانا و أبسط منك لسانا و أملأ للكتيبة-  فقال علي ع اسكت يا فاسق فنزل القرآن فيهما-  أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏- .

قال أبو الفرج و حدثني أحمد بن عبد العزيز-  عن عمر بن شبة عن محمد بن حاتم عن يونس بن عمر-  عن شيبان عن يونس عن قتادة في قوله تعالى-  يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا-  قال هو الوليد بن عقبة بعثه النبي ص مصدقا إلى بني المصطلق-  فلما رأوه أقبلوا نحوه فهابهم-  فرجع إلى النبي ص فقال له-  إنهم ارتدوا عن الإسلام-  فبعث النبي ص خالد بن الوليد فعلم عملهم-  و أمره أن يتثبت و قال له انطلق و لا تعجل-  فانطلق حتى أتاهم ليلا و أنفذ عيونه نحوهم-  فلما جاءوه أخبروه أنهم متمسكون بالإسلام-  و سمع أذانهم و صلاتهم-  فلما أصبح أتاهم فرأى ما يعجبه-  فرجع إلى الرسول ص فأخبره فنزلت هذه الآية- .

 

قلت-  قد لمح ابن عبد البر صاحب كتاب الإستيعاب-  في هذا الموضع نكتة حسنة-  فقال في حديث الخلوق-  هذا حديث مضطرب منكر لا يصح-  و ليس يمكن أن يكون من بعثه النبي ص مصدقا-  صبيا يوم الفتح-  قال و يدل أيضا على فساده-  أن الزبير بن بكار و غيره من أهل العلم بالسير و الأخبار-  ذكروا أن الوليد و أخاه عمارة ابني عقبة بن أبي معيط-  خرجا من مكة ليردا أختهما أم كلثوم عن الهجرة-  و كانت هجرتها في الهدنة-  التي بين النبي ص و بين أهل مكة-  و من كان غلاما مخلقا بالخلوق يوم الفتح-  ليس يجي‏ء منه مثل هذا-  قال و لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن-  أن قوله عز و جل إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا-  أنزلت في الوليد لما بعثه رسول الله ص مصدقا-  فكذب على بني المصطلق و قال-  إنهم ارتدوا و امتنعوا من أداء الصدقة-  قال أبو عمر و فيه و في علي ع نزل-  أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ-  في قصتهما المشهورة-  قال و من كان صبيا يوم الفتح لا يجي‏ء منه مثل هذا-  فوجب أن ينظر في حديث الخلوق-  فإنه رواية جعفر بن برقان عن ثابت-  عن الحجاج عن أبي موسى الهمداني-  و أبو موسى مجهول لا يصح حديثه- .

ثم نعود إلى كتاب أبي الفرج الأصبهاني-  قال أبو الفرج و أخبرني أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبة عن عبد الله بن موسى عن نعيم بن حكيم عن أبي مريم عن علي ع أن امرأة الوليد بن عقبة جاءت إلى النبي ص-  تشتكي إليه الوليد و قالت إنه يضربها-  فقال لها ارجعي إليه و قولي له-  إن رسول الله قد أجارني فانطلقت-  فمكثت ساعة ثم رجعت فقالت-  إنه‏ ما أقلع عني-  فقطع رسول الله ص هدبة من ثوبه-  و قال اذهبي بها إليه و قولي له إن رسول الله قد أجارني-  فانطلقت فمكثت ساعة ثم رجعت فقالت-  ما زادني إلا ضربا-  فرفع رسول الله ص يده ثم قال-  اللهم عليك بالوليد مرتين أو ثلاثا- .

قال أبو الفرج-  و اختص الوليد لما كان واليا بالكوفة ساحرا-  كاد يفتن الناس-  كان يريه كتيبتين تقتتلان-  فتحمل إحداهما على الأخرى فتهزمها-  ثم يقول له أ يسرك-  أن أريك المنهزمة تغلب الغالبة فتهزمها-  فيقول نعم-  فجاء جندب الأزدي مشتملا على سيفه-  فقال أفرجوا لي فأفرجوا فضربه حتى قتله-  فحبسه الوليد قليلا ثم تركه- . قال أبو الفرج و روى أحمد عن عمر عن رجاله-  أن جندبا لما قتل الساحر حبسه الوليد-  فقال له دينار بن دينار فيم حبست هذا-  و قد قتل من أعلن بالسحر في دين محمد ص-  ثم مضى إليه فأخرجه من الحبس-  فأرسل الوليد إلى دينار بن دينار فقتله- . قال أبو الفرج حدثني عمي الحسن بن محمد قال-  حدثني الخراز عن المدائني عن علي بن مجاهد-  عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان-  عن الزهري و غيره-  أن رسول الله ص-  لما انصرف عن غزاة بني المصطلق-  نزل رجل من المسلمين فساق بالقوم و رجز-  ثم آخر فساق بهم و رجز-  ثم بدا لرسول الله ص أن يواسي أصحابه-  فنزل فساق بهم و رجز و جعل يقول فيما يقول- 

جندب و ما جندب
و الأقطع زيد الخير

فدنا منه أصحابه فقالوا يا رسول الله- ما ينفعنا سيرنا مخافة أن تنهشك دابة- أو تصيبك نكبة- فركب و دنوا منه و قالوا- قلت قولا لا ندري ما هو قال و ما ذاك- قالوا كنت تقول-

جندب و ما جندب
و الأقطع زيد الخير

 فقال رجلان يكونان في هذه الأمة- يضرب أحدهما ضربة يفرق بين الحق و الباطل- و تقطع يد الآخر في سبيل الله- ثم يتبع الله آخر جسده بأوله- و كان زيد هو زيد بن صوحان- و قطعت يده في سبيل الله يوم جلولاء- و قتل يوم الجمل مع علي بن أبي طالب ع- و أما جندب هذا فدخل على الوليد بن عقبة- و عنده ساحر يقال له أبو شيبان- يأخذ أعين الناس فيخرج مصارين بطنهم ثم يردها- فجاء من خلفه فضربه فقتله و قال-

العن وليدا و أبا شيبان
و ابن حبيش راكب الشيطان‏
رسول فرعون إلى هامان‏

 قال أبو الفرج و قد روي أن هذا الساحر-  كان يدخل عند الوليد في جوف بقرة حية-  ثم يخرج منها-  فرآه جندب فذهب إلى بيته فاشتمل على سيف-  فلما دخل الساحر في البقرة قال جندب-  أ فتأتون السحر و أنتم تبصرون-  ثم ضرب وسط البقرة فقطعها و قطع الساحر معها-  فذعر الناس فسجنه الوليد و كتب بأمره إلى عثمان- . قال أبو الفرج فروى أحمد بن عبد العزيز-  عن حجاج بن نصير عن قرة عن‏محمد بن سيرين قال-  انطلق بجندب بن كعب الأزدي-  قاتل الساحر بالكوفة إلى السجن-  و على السجن رجل نصراني من قبل الوليد-  و كان يرى جندب بن كعب يقوم بالليل و يصبح صائما-  فوكل بالسجن رجلا-  ثم خرج فسأل الناس عن أفضل أهل الكوفة-  فقالوا الأشعث بن قيس فاستضافه-  فجعل يراه ينام الليل ثم يصبح فيدعو بغدائه-  فخرج من عنده و سأل أي أهل الكوفة أفضل-  قالوا جرير بن عبد الله فذهب إليه-  فوجده ينام الليل ثم يصبح فيدعو بغدائه-  فاستقبل القبلة و قال ربي رب جندب و ديني دين جندب-  ثم أسلم- . قال أبو الفرج-  فلما نزع عثمان الوليد عن الكوفة-  أمر عليها سعيد بن العاص-  فلما قدمها قال اغسلوا هذا المنبر-  فإن الوليد كان رجلا نجسا فلم يصعده حتى غسل-  قال أبو الفرج و كان الوليد أسن من سعيد بن العاص-  و أسخى نفسا و ألين جانبا و أرضى عندهم-  فقال بعض شعرائهم- 

   و جاءنا من بعده سعيد
ينقص في الصاع و لا يزيد

و قال آخر منهم-

فررت من الوليد إلى سعيد
كأهل الحجر إذ فزعوا فباروا

يلينا من قريش كل عام‏
أمير محدث أو مستشار

لنا نار تحرقنا فنخشى
و ليس لهم و لا يخشون نار

قال أبو الفرج و حدثنا أحمد قال-  حدثنا عمر عن المدائني قال-  قدم الوليد بن‏ عقبة الكوفة في أيام معاوية-  زائرا للمغيرة بن شعبة-  فأتاه أشراف الكوفة فسلموا عليه-  و قالوا و الله ما رأينا بعدك مثلك-  فقال أ خيرا أم شرا قالوا بل خيرا-  قال و لكني ما رأيت بعدكم شرا منكم-  فأعادوا الثناء عليه-  فقال بعض ما تأتون به-  فو الله إن بغضكم لتلف و إن حبكم لصلف قال أبو الفرج و روى عمر بن شبة-  أن قبيصة بن جابر كان ممن كثر على الوليد-  فقال معاوية يوما و الوليد و قبيصة عنده-  يا قبيصة ما كان شأنك و شأن الوليد-  قال خير يا أمير المؤمنين-  إنه في أول الأمر وصل الرحم و أحسن الكلام-  فلا تسأل عن شكر و حسن ثناء-  ثم غضب على الناس و غضبوا عليه و كنا معهم-  فإما ظالمون فنستغفر الله و إما مظلومون فيغفر الله له-  فخذ في غير هذا يا أمير المؤمنين-  فإن الحديث ينسي القديم-  قال معاوية ما أعلمه إلا قد أحسن السيرة-  و بسط الخير و قبض الشر-  قال فأنت يا أمير المؤمنين اليوم أقدر على ذلك فافعله-  فقال اسكت لا سكت فسكت و سكت القوم-  فقال معاوية بعد يسير ما لك لا تتكلم يا قبيصة-  قال نهيتني عما كنت أحب فسكت عما لا أحب- . قال أبو الفرج-  و مات الوليد بن عقبة فويق الرقة-  و مات أبو زبيد هناك-  فدفنا جميعا في موضع واحد-  فقال في ذلك أشجع السلمي و قد مر بقبريهما- 

 مررت على عظام أبي زبيد
و قد لاحت ببلقعة صلود

فكان له الوليد نديم صدق‏
فنادم قبره قبر الوليد

و ما أدري بمن تبدو المنايا
بحمزة أم بأشجع أم يزيد

قيل هم إخوته و قيل ندماؤه- . قال أبو الفرج و حدثني أحمد بن عبد العزيز-  عن محمد بن زكريا الغلابي‏ عن عبد الله بن الضحاك-  عن هشام بن محمد عن أبيه قال-  وفد الوليد بن عقبة و كان جوادا إلى معاوية-  فقيل له هذا الوليد بن عقبة بالباب-  فقال و الله ليرجعن مغيظا غير معطى-  فإنه الآن قد أتانا يقول-  علي دين و علي كذا-  ائذن له فأذن له فسأله و تحدث معه-  ثم قال له معاوية-  أما و الله إن كنا لنحب إتيان مالك بالوادي-  و لقد كان يعجب أمير المؤمنين-  فإن رأيت أن تهبه ليزيد فافعل-  قال هو ليزيد-  ثم خرج و جعل يختلف إلى معاوية-  فقال له يوما انظر يا أمير المؤمنين في شأني-  فإن علي مئونة و قد أرهقني دين-  فقال له أ لا تستحيي لنفسك و حسبك-  تأخذ ما تأخذه فتبذره-  ثم لا تنفك تشكو دينا-  فقال الوليد أفعل ثم انطلق من مكانه-  فسار إلى الجزيرة و قال يخاطب معاوية- 

  فإذا سئلت تقول لا
و إذا سألت تقول هات‏

تأبى فعال الخير لا
تروي و أنت على الفرات‏

أ فلا تميل إلى نعم
أو ترك لا حتى الممات‏

و بلغ معاوية شخوصه إلى الجزيرة فخافه- و كتب إليه أقبل فكتب-

أعف و أستعفي كما قد أمرتني
فأعط سواي ما بدا لك و ابخل‏

سأحدو ركابي عنك إن عزيمتي‏
إذا نابني أمر كسلة منصل‏

و إني امرؤ للنأي مني تطرب
و ليس شبا قفل علي بمقفل‏

ثم رحل إلى الحجاز فبعث إليه معاوية بجائزة- . و أما أبو عمر بن عبد البر-  فإنه ذكر في الإستيعاب في باب الوليد قال-  إن له أخبارا فيها شناعة تقطع على سوء حاله-  و قبح أفعاله غفر الله لنا و له-  فلقد كان من رجال قريش‏ظرفا و حلما-  و شجاعة و جودا و أدبا-  و كان من الشعراء المطبوعين-  قال و كان الأصمعي و أبو عبيدة و ابن الكلبي و غيرهم-  يقولون إنه كان فاسقا شريب خمر و كان شاعرا كريما-  قال و أخباره في شربه الخمر-  و منادمته أبا زبيد الطائي كثيرة مشهورة-  و يسمج بنا ذكرها و لكنا نذكر منها طرفا-  ثم ذكر ما ذكره أبو الفرج في الأغاني-  و قال إن خبر الصلاة و هو سكران-  و قوله أ أزيدكم-  خبر مشهور روته الثقات من نقلة الحديث- . قال أبو عمر بن عبد البر-  و قد ذكر الطبري في رواية-  أنه تغضب عليه قوم من أهل الكوفة حسدا و بغيا-  و شهدوا عليه بشرب الخمر-  و قال إن عثمان قال له يا أخي اصبر-  فإن الله يأجرك و يبوء القوم بإثمك- . قال أبو عمر-  هذا الحديث لا يصح عند أهل الأخبار و نقلة الحديث-  و لا له عند أهل العلم أصل-  و الصحيح ثبوت الشهادة عليه عند عثمان-  و جلده الحد و أن عليا هو الذي جلده-  قال و لم يجلده بيده-  و إنما أمر بجلده فنسب الجلد إليه- . قال أبو عمر-  و لم يرو الوليد من السنة ما يحتاج فيها إليه-  و لكن حارثة بن مضرب روى عنه أنه قال-  ما كانت نبوة إلا كان بعدها ملك

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 17

نامه 61 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

61 و من كتاب له ع إلى كميل بن زياد النخعي

و هو عامله على هيت ينكر عليه تركه دفع من يجتاز به-  من جيش العدو طالبا للغارة- : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ تَضْيِيعَ الْمَرْءِ مَا وُلِّيَ وَ تَكَلُّفَهُ مَا كُفِيَ-  لَعَجْزٌ حَاضِرٌ وَ رَأْيٌ مُتَبَّرٌ-  وَ إِنَّ تَعَاطِيَكَ الْغَارَةَ عَلَى أَهْلِ قِرْقِيسِيَا-  وَ تَعْطِيلَكَ مَسَالِحَكَ الَّتِي وَلَّيْنَاكَ-  لَيْسَ لَهَا مَنْ يَمْنَعُهَا وَ لَا يَرُدُّ الْجَيْشَ عَنْهَا-  لَرَأْيٌ شَعَاعٌ-  فَقَدْ صِرْتَ جِسْراً لِمَنْ أَرَادَ الْغَارَةَ-  مِنْ أَعْدَائِكَ عَلَى أَوْلِيَائِكَ-  غَيْرَ شَدِيدِ الْمَنْكِبِ وَ لَا مَهِيبِ الْجَانِبِ-  وَ لَا سَادٍّ ثُغْرَةً وَ لَا كَاسِرٍ لِعَدُوٍّ شَوْكَةً-  وَ لَا مُغْنٍ عَنْ أَهْلِ مِصْرِهِ وَ لَا مُجْزٍ عَنْ أَمِيرِهِ

كميل بن زياد و نسبه

هو كميل بن زياد بن سهيل بن هيثم بن سعد بن مالك-  بن الحارث بن صهبان بن سعد بن مالك بن النخع بن عمرو-  بن وعلة بن خالد بن مالك بن أدد-  كان من أصحاب علي ع و شيعته و خاصته-  و قتله الحجاج على المذهب فيمن قتل من الشيعة-  و كان كميل بن زياد عامل علي ع على هيت-  و كان ضعيفا يمر عليه سرايا معاوية-  تنهب أطراف العراق و لا يردها-  و يحاول أن يجبر ما عنده من الضعف-  بأن يغيرعلى أطراف أعمال معاوية مثل قرقيسيا-  و ما يجري مجراها من القرى التي على الفرات-  فأنكر ع ذلك من فعله و قال-  إن من العجز الحاضر أن يهمل الوالي ما وليه-  و يتكلف ما ليس من تكليفهو المتبر الهالك قال تعالى-  إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ- . و المسالح جمع مسلحة-  و هي المواضع التي يقام فيها طائفة من الجند لحمايتها- . و رأي شعاع بالفتح أي متفرق- .

ثم قال له قد صرت جسرا-  أي يعبر عليك العدو كما يعبر الناس على الجسور-  و كما أن الجسر لا يمنع من يعبر به و يمر عليه فكذاك أنت- . و الثغرة الثلمة-  و مجز كاف و مغن-  و الأصل مجزئ بالهمز فخفف

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 17

نامه 60 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

60 و من كتاب له ع إلى العمال-  الذين يطأ عملهم الجيوش

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْ مَرَّ بِهِ الْجَيْشُ-  مِنْ جُبَاةِ الْخَرَاجِ وَ عُمَّالِ الْبِلَادِ-  أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ سَيَّرْتُ جُنُوداً-  هِيَ مَارَّةٌ بِكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ-  وَ قَدْ أَوْصَيْتُهُمْ بِمَا يَجِبُ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ-  مِنْ كَفِّ الْأَذَى وَ صَرْفِ الشَّذَا-  وَ أَنَا أَبْرَأُ إِلَيْكُمْ وَ إِلَى ذِمَّتِكُمْ مِنْ مَعَرَّةِ الْجَيْشِ-  إِلَّا مِنْ جَوْعَةِ الْمُضْطَرِّ لَا يَجِدُ عَنْهَا مَذْهَباً إِلَى شِبَعِهِ-  فَنَكِّلُوا مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُمْ ظُلْماً عَنْ ظُلْمِهِمْ-  وَ كُفُّوا أَيْدِيَ سُفَهَائِكُمْ عَنْ مُضَادَّتِهِمْ-  وَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِيمَا اسْتَثْنَيْنَاهُ مِنْهُمْ-  وَ أَنَا بَيْنَ أَظْهُرِ الْجَيْشِ-  فَارْفَعُوا إِلَيَّ مَظَالِمَكُمْ-  وَ مَا عَرَاكُمْ مِمَّا يَغْلِبُكُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ-  وَ لَا تُطِيقُونَ دَفَعَهُ إِلَّا بِاللَّهِ وَ بِي-  أُغَيِّرُهُ بِمَعُونَةِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ روي عن مضارتهم بالراء المشددة-  و جباة الخراج الذين يجمعونه-  جبيت الماء في الحوض أي جمعته-  و الشذا و الضر الشر تقول لقد أشذيت و آذيت-  و إلى ذمتكم أي إلى اليهود و النصارى الذين بينكم-  قال ع من آذى ذميا فكأنما آذاني-

و قال إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا-  و أموالهم كأموالنا-  و يسمى هؤلاء ذمة أي أهل ذمة بحذف المضاف-  و المعرة المضرة-  قال الجيش ممنوع من أذى من يمر به من المسلمين و أهل الذمة-  إلا من سد جوعة المضطر منهم خاصة-  لأن المضطر تباح له الميتة فضلا عن غيرها- . ثم قال فنكلوا من تناول-  و روي بمن تناول بالباء أي عاقبوه-  و عن في قوله عن ظلمهم يتعلق بنكلوا-  لأنها في معنى اردعوا لأن النكال يوجب الردع- . ثم أمرهم أن يكفوا أيدي أحداثهم و سفهائهم-  عن منازعة الجيش و مصادمته-  و التعرض لمنعه عما استثناه-  و هو سد الجوعة عند الاضطرار-  فإن ذلك لا يجوز في الشرع-  و أيضا فإنه يفضي إلى فتنة و هرج- . ثم قال و أنا بين أظهر الجيش أي أنا قريب منكم-  و سائر على أثر الجيش-  فارفعوا إلي مظالمكم و ما عراكم منهم-  على وجه الغلبة و القهر-  فإني مغير ذلك و منتصف لكم منهم

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 17

نامه 59 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

59 و من كتاب له ع-  إلى الأسود بن قطبة صاحب جند حلوان

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْوَالِيَ إِذَا اخْتَلَفَ هَوَاهُ-  مَنَعَهُ ذَلِكَ كَثِيراً مِنَ الْعَدْلِ-  فَلْيَكُنْ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَكَ فِي الْحَقِّ سَوَاءً-  فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَوْرِ عِوَضٌ مِنَ الْعَدْلِ-  فَاجْتَنِبْ مَا تُنْكِرُ أَمْثَالَهُ-  وَ ابْتَذِلْ نَفْسَكَ فِيمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ-  رَاجِياً ثَوَابَهُ وَ مُتَخَوِّفاً عِقَابَهُ-  وَ اعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلِيَّةٍ-  لَمْ يَفْرُغْ صَاحِبُهَا فِيهَا قَطُّ سَاعَةً-  إِلَّا كَانَتْ فَرْغَتُهُ عَلَيْهِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ-  وَ أَنَّهُ لَنْ يُغْنِيَكَ عَنِ الْحَقِّ شَيْ‏ءٌ أَبَداً-  وَ مِنَ الْحَقِّ عَلَيْكَ حِفْظُ نَفْسِكَ-  وَ الِاحْتِسَابُ عَلَى الرَّعِيَّةِ بِجُهْدِكَ-  فَإِنَّ الَّذِي يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ-  أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يَصِلُ بِكَ وَ السَّلَامُ

الأسود بن قطبة

لم أقف إلى الآن على نسب الأسود بن قطبة-  و قرأت في كثير من النسخ-  أنه حارثي من بني الحارث بن كعب و لم أتحقق ذلك-  و الذي يغلب على ظني أنه الأسود بن زيد-  بن قطبة بن غنم الأنصاري من بني عبيد بن عدي-  ذكره أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإستيعاب-  و قال إن موسى بن عقبة عده فيمن شهد بدرا قوله ع إذا اختلف هوى الوالي-  منعه كثيرا من الحق قول صدق-  لأنه متى لم يكن الخصمان عند الوالي سواء في الحق-  جار و ظلم- .

ثم قال له فإنه ليس في الجور عوض من العدل-  و هذا أيضا حق-  و في العدل كل العوض من الجور- . ثم أمره باجتناب ما ينكر مثله من غيره-  و قد تقدم نحو هذا- . و قوله إلا كانت فرغته كلمة فصيحة-  و هي المرة الواحدة من الفراغ-  و قد روي عن النبي ص أن الله يبغض الصحيح الفارغ-  لا في شغل الدنيا و لا في شغل الآخرة-  و مراد أمير المؤمنين ع هاهنا-  الفراغ من عمل الآخرة خاصة- . قوله فإن الذي يصل إليك من ذلك-  أفضل من الذي يصل بك-  معناه فإن الذي يصل إليك-  من ثواب الاحتساب على الرعية-  و حفظ نفسك من مظالمهم و الحيف عليهم-  أفضل من الذي يصل بك من حراسة دمائهم-  و أعراضهم و أموالهم-  و لا شبهة في ذلك لأن إحدى المنفعتين دائمة-  و الأخرى منقطعة و النفع الدائم أفضل من المنقطع

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 17

نامه 58 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

58 و من كتاب له ع كتبه إلى أهل الأمصار-  يقص فيه ما جرى بينه و بين أهل صفين

وَ كَانَ بَدْءُ أَمْرِنَا أَنَّا الْتَقَيْنَا بِالْقَوْمِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ-  وَ الظَّاهِرُ أَنَّ رَبَّنَا وَاحِدٌ وَ نَبِيَّنَا وَاحِدٌ-  وَ دَعْوَتَنَا فِي الْإِسْلَامِ وَاحِدَةٌ-  وَ لَا نَسْتَزِيدُهُمْ فِي الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَ التَّصْدِيقِ بِرَسُولِهِ-  وَ لَا يَسْتَزِيدُونَنَا-  وَ الْأَمْرُ وَاحِدٌ إِلَّا مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ-  وَ نَحْنُ مِنْهُ بَرَاءٌ-  فَقُلْنَا تَعَالَوْا نُدَاوِي مَا لَا يُدْرَكُ الْيَوْمَ-  بِإِطْفَاءِ النَّائِرَةِ وَ تَسْكِينِ الْعَامَّةِ-  حَتَّى يَشْتَدَّ الْأَمْرُ وَ يَسْتَجْمِعَ-  فَنَقْوَى عَلَى وَضْعِ الْحَقِّ فِي مَوَاضِعِهِ-  فَقَالُوا بَلْ نُدَاوِيهِ بِالْمُكَابَرَةِ-  فَأَبَوْا حَتَّى جَنَحَتِ الْحَرْبُ وَ رَكَدَتْ-  وَ وَقَدَتْ نِيرَانُهَا وَ حَمِشَتْ-  فَلَمَّا ضَرَّسَتْنَا وَ إِيَّاهُمْ-  وَ وَضَعَتْ مَخَالِبَهَا فِينَا وَ فِيهِمْ-  أَجَابُوا عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى الَّذِي دَعَوْنَاهُمْ إِلَيْهِ-  فَأَجَبْنَاهُمْ إِلَى مَا دَعَوْا وَ سَارَعْنَاهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا-  حَتَّى اسْتَبَانَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ-  وَ انْقَطَعَتْ مِنْهُمُ الْمَعْذِرَةُ-  فَمَنْ تَمَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ-  فَهُوَ الَّذِي أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنَ الْهَلَكَةِ-  وَ مَنْ لَجَّ وَ تَمَادَى فَهُوَ الرَّاكِسُ-  الَّذِي رَانَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ-  وَ صَارَتْ دَائِرَةُ السَّوْءِ عَلَى رَأْسِهِ‏ روي التقينا و القوم بالواو-  كما قال

قلت إذ أقبلت و زهر تهادى‏- . و من لم يروها بالواو فقد استراح من التكلف- . قوله و الظاهر أن ربنا واحد-  كلام من لم يحكم لأهل صفين من جانب معاوية-  حكما قاطعا بالإسلام-  بل قال ظاهرهم الإسلام-  و لا خلف بيننا و بينهم فيه بل الخلف في دم عثمان- . قال ع قلنا لهم-  تعالوا فلنطفئ هذه النائرة الآن يوضع الحرب-  إلى أن تتمهد قاعدتي في الخلافة-  و تزول هذه الشوائب التي تكدر علي الأمر-  و يكون للناس جماعة ترجع إليها-  و بعد ذلك أتمكن من قتلة عثمان بأعيانهم فأقتص منهم-  فأبوا إلا المكابرة و المغالبة و الحرب- . قوله حتى جنحت الحرب و ركدت-  جنحت أقبلت و منه قد جنح الليل أي أقبل-  و ركدت دامت و ثبتت- . قوله و وقدت نيرانها أي التهبت- . قوله و حمشت أي استعرت و شبت-  و روي و استحشمت و هو أصح-  و من رواها حمست بالسين المهملة-  أراد اشتدت و صلبت- . قوله فلما ضرستنا و إياهم أي عضتنا بأضراسها-  و يقال ضرسهم الدهر أي اشتد عليهم- .

 

قال لما اشتدت الحرب علينا و عليهم-  و أكلت منا و منهم-  عادوا إلى ما كنا سألناهم ابتداء-  و ضرعوا إلينا في رفع الحرب-  و رفعوا المصاحف يسألون النزول على حكمها-  و إغماد السيف فأجبناهم إلى ذلك- . قوله و سارعناهم إلى ما طلبوا كلمة فصيحة-  و هي تعدية الفعل اللازم-  كأنها لما كانت في معنى المسابقة-  و المسابقة متعدية عدي المسارعة- .

قوله حتى استبانت-  يقول استمررنا على كف الحرب و وضعها-  إجابة لسؤالهم-  إلى أن استبانت عليهم حجتنا-  و بطلت معاذيرهم و شبهتهم في الحرب و شق العصا-  فمن تم منهم على ذلك-  أي على انقياده إلى الحق بعد ظهوره له-  فذاك الذي خلصه الله من الهلاك و عذاب الآخرة-  و من لج منهم على ذلك و تمادى في ضلاله فهو الراكس-  قال قوم الراكس هنا بمعنى المركوس-  فهو مقلوب فاعل بمعنى مفعول-  كقوله تعالى فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ أي مرضية-  و عندي أن اللفظة على بابها-  يعني أن من لج فقد ركس نفسه فهو الراكس و هو المركوس-  يقال ركسه و أركسه بمعنى-  و الكتاب العزيز جاء بالهمز فقال-  وَ اللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أي ردهم إلى كفرهم-  و يقول ارتكس فلان في أمر كان نجا منه-  و ران على قلبه أي ران هو على قلبه كما قلنا في الراكس-  و لا يجوز أن يكون الفاعل و هو الله محذوفا-  لأن الفاعل لا يحذف-  بل يجوز أن يكون الفاعل كالمحذوف-  و ليس بمحذوف-  و يكون المصدر و هو الرين و دل الفعل عليه-  كقوله تعالى ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ-  أي بدا لهم البداء-  و ران بمعنى غلب و غطى-  و روي فهو الراكس الذي رين على قلبه- .

قال و صارت دائرة السوء على رأسه-  من ألفاظ القرآن العزيز قال الله تعالى-  عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ و الدوائر الدول- .  و إن على الباغي تدور الدوائر- . و الدائرة أيضا الهزيمة يقال على من الدائرة منهما-  و الدوائر أيضا الدواهي

 شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 17

نامه 57 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

 57 و من كتاب له ع إلى أهل الكوفة-  عند مسيره من المدينة إلى البصرة

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي خَرَجْتُ عَنْ حَيِّي هَذَا-  إِمَّا ظَالِماً وَ إِمَّا مَظْلُوماً وَ إِمَّا بَاغِياً وَ إِمَّا مَبْغِيّاً عَلَيْهِ-  وَ أَنَا أُذَكِّرُ اللَّهَ مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي هَذَا لَمَّا نَفَرَ إِلَيَّ-  فَإِنْ كُنْتُ مُحْسِناً أَعَانَنِي-  وَ إِنْ كُنْتُ مُسِيئاً اسْتَعْتَبَنِي ما أحسن هذا التقسيم و ما أبلغه في عطف القلوب عليه-  و استمالة النفوس إليه- .

قال لا يخلو حالي في خروجي من أحد أمرين-  إما أن أكون ظالما أو مظلوما-  و بدأ بالظالم هضما لنفسه-  و لئلا يقول عدوه بدأ بدعوى كونه مظلوما-  فأعطى عدوه من نفسه ما أراد- . قال فلينفر المسلمون إلي فإن وجدوني مظلوما أعانوني-  و إن وجدوني ظالما نهوني عن ظلمي-  لأعتب و أنيب إلى الحق-  و هذا كلام حسن-  و مراده ع يحصل على كلا الوجهين-  لأنه إنما أراد أن يستنفرهم-  و هذان الوجهان يقتضيان نفيرهم إليه على كل حال-  و الحي المنزل و لما هاهنا بمعنى إلا-  كقوله تعالى إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ-  في قراءة من قرأها بالتشديد

 شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 17

نامه 56 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

 56 و من كلام له ع وصى به شريح بن هانئ-  لما جعله على مقدمته إلى الشام

اتَّقِ اللَّهَ فِي كُلِّ مَسَاءٍ وَ صَبَاحٍ-  وَ خَفْ عَلَى نَفْسِكَ الدُّنْيَا الْغَرُورَ-  وَ لَا تَأْمَنْهَا عَلَى حَالٍ-  وَ اعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَرْدَعْ نَفْسَكَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا تُحِبُّ-  مَخَافَةَ مَكْرُوهِهِ-  سَمَتْ بِكَ الْأَهْوَاءُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الضَّرَرِ-  فَكُنْ لِنَفْسِكَ مَانِعاً رَادِعاً-  وَ لِنَزَوَاتِكَ عِنْدَ الْحَفِيظَةِ وَاقِماً قَامِعاً

شريح بن هانئ

هو شريح بن هانئ بن يزيد-  بن نهيك بن دريد بن سفيان بن الضباب-  و هو سلمة بن الحارث بن ربيعة بن الحارث بن كعب المذحجي-  كان هانئ يكنى في الجاهلية أبا الحكم لأنه كان يحكم بينهم-  فكناه رسول الله ص بأبي شريح إذ وفد عليه-  و ابنه شريح هذا من جلة أصحاب علي ع-  شهد معه المشاهد كلها-  و عاش حتى قتل بسجستان في زمن الحجاج-  و شريح جاهلي إسلامي يكنى أبا المقدام-ذكر ذلك كله أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإستيعاب

قوله ع و خف على نفسك الغرور يعني الشيطان-  فأما الغرور بالضم فمصدر و الرادع الكاف المانع-  و النزوات الوثبات و الحفيظة الغضب-  و الواقم فاعل-  من وقمته أي رددته أقبح الرد و قهرته-  يقول ع إن لم تردع نفسك عن كثير من شهواتك-  أفضت بك إلى كثير من الضرر-  و مثل هذا قول الشاعر- 

  فإنك إن أعطيت بطنك سؤلها
و فرجك نالا منتهى الذم أجمعا

 شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 17

نامه 55 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

 55 و من كتاب له ع إلى معاوية

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا-  وَ ابْتَلَى فِيهَا أَهْلَهَا لِيَعْلَمَ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا-  وَ لَسْنَا لِلدُّنْيَا خُلِقْنَا وَ لَا بِالسَّعْيِ فِيهَا أُمِرْنَا-  وَ إِنَّمَا وُضِعْنَا فِيهَا لِنُبْتَلَي بِهَا-  وَ قَدِ ابْتَلَانِي اللَّهُ بِكَ وَ ابْتَلَاكَ بِي-  فَجَعَلَ أَحَدُنَا حُجَّةً عَلَى الآْخَرِ-  فَعَدَوْتَ عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ-  وَ طَلَبْتَنِي بِمَا لَمْ تَجْنِ يَدِي وَ لَا لِسَانِي-  وَ عَصَبْتَهُ أَنْتَ وَ أَهْلُ الشَّامِ بِي-  وَ أَلَّبَ عَالِمُكُمْ جَاهِلَكُمْ وَ قَائِمُكُمْ قَاعِدَكُمْ-  فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ وَ نَازِعِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ-  وَ اصْرِفْ إِلَى الآْخِرَةِ وَجْهَكَ-  فَهِيَ طَرِيقُنَا وَ طَرِيقُكَ-  وَ احْذَرْ أَنْ يُصِيبَكَ اللَّهُ مِنْهُ بِعَاجِلِ قَارِعَةٍ-  تَمَسُّ الْأَصْلَ وَ تَقْطَعُ الدَّابِرَ-  فَإِنِّي أُولِي لَكَ بِاللَّهِ أَلِيَّهً غَيْرَ فَاجِرَةٍ-  لَئِنْ جَمَعَتْنِي وَ إِيَّاكَ جَوَامِعُ الْأَقْدَارِ لَا أَزَالُ بِبَاحَتِكَ-  حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَ هُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ قال ع إن الله قد جعل الدنيا لما بعدها-  أي جعلها طريقا إلى الآخرة- . و من الكلمات الحكمية-  الدنيا قنطرة فاعبروها و لا تعمروها-  و ابتلي فيها أهلها أي اختبرهم ليعلم أيهم أحسن عملا-  و هذا من ألفاظ القرآن العزيز-  و المراد ليعلم خلقه‏أو ليعلم ملائكته و رسله-  فحذف المضاف-  و قد سبق ذكر شي‏ء يناسب ذلك فيما تقدم-  قال و لسنا للدنيا خلقنا أي لم نخلق للدنيا فقط- .

قال و لا بالسعي فيها أمرنا-  أي لم نؤمر بالسعي فيها لها-  بل أمرنا بالسعي فيها لغيرها- . ثم ذكر أن كل واحد منه و من معاوية مبتلى بصاحبه-  و ذلك كابتلاء آدم بإبليس و إبليس بآدم- . قال فغدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن-  أي تعديت و ظلمت-  و على هاهنا متعلقة بمحذوف دل عليه الكلام-  تقديره مثابرا على طلب الدنيا أو مصرا على طلب الدنيا-  و تأويل القرآن ما كان معاوية يموه به على أهل الشام-  فيقول لهم أنا ولي عثمان و قد قال الله تعالى-  وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً- . ثم يعدهم الظفر و الدولة على أهل العراق بقوله تعالى-  فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً- . قوله و عصبته أنت و أهل الشام-  أي ألزمتنيه كما تلزم العصابة الرأس-  و ألب عالمكم جاهلكم أي حرض- . و القياد حبل تقاد به الدابة- . قوله و احذر أن يصيبك الله منه بعاجل قارعة-  الضمير في منه راجع إلى الله تعالى-  و من لابتداء الغاية- .

 و قال الراوندي منه أي من البهتان الذي أتيته-  أي من أجله و من للتعليل-  و هذا بعيد و خلاف الظاهر- . قوله تمس الأصل أي تقطعه-  و منه ماء ممسوس أي يقطع الغلة-  و يقطع الدابر أي العقب و النسل- . و الألية اليمين-  و باحة الدار وسطها و كذلك ساحتها-  و روي بناحيتك- . قوله بعاجل قارعة و جوامع الأقدار-  من باب إضافة الصفة إلى الموصوف للتأكيد-  كقوله تعالى وَ إِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ

 شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 17

نامه 54 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

54 و من كتاب له ع إلى طلحة و الزبير

–  مع عمران بن الحصين الخزاعي-  و ذكر هذا الكتاب أبو جعفر الإسكافي في كتاب المقامات- : أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ عَلِمْتُمَا وَ إِنْ كَتَمْتُمَا-  أَنِّي لَمْ أُرِدِ النَّاسَ حَتَّى أَرَادُونِي-  وَ لَمْ أُبَايِعْهُمْ حَتَّى بَايَعُونِي-  وَ إِنَّكُمَا مِمَّنْ أَرَادَنِي وَ بَايَعَنِي-  وَ إِنَّ الْعَامَّةَ لَمْ تُبَايِعْنِي لِسُلْطَانٍ غَالِبٍ وَ لَا لِحِرْصٍ حَاضِرٍ-  فَإِنْ كُنْتُمَا بَايَعْتُمَانِي طَائِعَيْنِ-  فَارْجِعَا وَ تُوبَا إِلَى اللَّهِ مِنْ قَرِيبٍ-  وَ إِنْ كُنْتُمَا بَايَعْتُمَانِي كَارِهَيْنِ-  فَقَدْ جَعَلْتُمَا لِي عَلَيْكُمَا السَّبِيلَ بِإِظْهَارِكُمَا الطَّاعَةَ-  وَ إِسْرَارِكُمَا الْمَعْصِيَةَ-  وَ لَعَمْرِي مَا كُنْتُمَا بِأَحَقَّ الْمُهَاجِرِينَ-  بِالتَّقِيَّةِ وَ الْكِتْمَانِ-  وَ إِنَّ دَفْعَكُمَا هَذَا الْأَمْرَ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَا فِيهِ-  كَانَ أَوْسَعَ عَلَيْكُمَا مِنْ خُرُوجِكُمَا مِنْهُ-  بَعْدَ إِقْرَارِكُمَا بِهِ-  وَ قَدْ زَعَمْتُمَا أَنِّي قَتَلْتُ عُثْمَانَ-  فَبَيْنِي وَ بَيْنَكُمَا مَنْ تَخَلَّفَ عَنِّي وَ عَنْكُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ-  ثُمَّ يُلْزَمُ كُلُّ امْرِئٍ بِقَدْرِ مَا احْتَمَلَ-  فَارْجِعَا أَيُّهَا الشَّيْخَانِ عَنْ رَأْيِكُمَا-  فَإِنَّ الآْنَ أَعْظَمَ أَمْرِكُمَا الْعَارُ-  مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجْتَمِعَ الْعَارُ وَ النَّارُ-  وَ السَّلَامُ‏

  عمران بن الحصين

  هو عمران بن الحصين بن عبيد بن خلف بن عبد بن نهم-  بن سالم بن غاضرة بن سلول بن حبشية بن سلول-  بن كعب بن عمرو الخزاعي-  يكنى أبا بجيد بابنه بجيد بن عمران-  أسلم هو و أبو هريرة عام خيبر-  و كان من فضلاء الصحابة و فقهائهم-  يقول أهل البصرة عنه-  إنه كان يرى الحفظة و كانت تكلمه حتى اكتوى- . و قال محمد بن سيرين أفضل من نزل البصرة-  من أصحاب رسول الله ص عمران بن الحصين و أبو بكرة-  و استقضاه عبد الله بن عامر بن كريز على البصرة-  فعمل له أياما ثم استعفاه فأعفاه-  و مات بالبصرة سنة اثنتين و خمسين في أيام معاوية

أبو جعفر الإسكافي

و أما أبو جعفر الإسكافي-  و هو شيخنا محمد بن عبد الله الإسكافي-  عده قاضي القضاة في الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة-  مع عباد بن سليمان الصيمري و مع زرقان-  و مع عيسى بن الهيثم الصوفي-  و جعل أول الطبقة ثمامة بن أشرس أبا معن-  ثم أبا عثمان الجاحظ-  ثم أبا موسى عيسى بن صبيح المردار-  ثم أبا عمران يونس بن عمران ثم محمد بن شبيب-  ثم محمد بن إسماعيل بن العسكري-  ثم عبد الكريم بن روح العسكري-  ثم أبا يعقوب يوسف بن عبد الله الشحام-  ثم أبا الحسين الصالحي-ثم الجعفران جعفر بن جرير و جعفر بن ميسر-  ثم أبا عمران بن النقاش-  ثم أبا سعيد أحمد بن سعيد الأسدي-  ثم عباد بن سليمان ثم أبا جعفر الإسكافي هذا-  و قال كان أبو جعفر فاضلا عالما-  و صنف سبعين كتابا في علم الكلام- .

و هو الذي نقض كتاب العثمانية-  على أبي عثمان الجاحظ في حياته-  و دخل الجاحظ الوراقين ببغداد فقال-  من هذا الغلام السوادي-  الذي بلغني أنه تعرض لنقض كتابي-  و أبو جعفر جالس فاختفى منه حتى لم يره- . و كان أبو جعفر يقول بالتفضيل-  على قاعدة معتزلة بغداد و يبالغ في ذلك-  و كان علوي الرأي محققا منصفا قليل العصبية ثم نعود إلى شرح ألفاظ الفصل و معانيه-  قوله ع لم أرد الناس-  أي لم أرد الولاية عليهم حتى أرادوا هم مني ذلك- .

قال و لم أبايعهم حتى بايعوني-  أي لم أمدد يدي إليهم مد الطلب و الحرص على الأمر-  و لم أمددها إلا بعد أن خاطبوني بالإمرة و الخلافة-  و قالوا بألسنتهم قد بايعناك-  فحينئذ مددت يدي إليهم- . قال و لم يبايعني العامة و المسلمون لسلطان-  غصبهم و قهرهم على ذلك-  و لا لحرص حاضر أي مال موجود فرقته عليهم- . ثم قسم عليهما الكلام فقال-  إن كنتما بايعتماني طوعا عن رضا-  فقد وجب عليكما الرجوع-  لأنه لا وجه لانتقاض تلك البيعة-  و إن كنتما بايعتماني مكرهين عليها-  فالإكراه‏ له صورة-  و هي أن يجرد السيف و يمد العنق-  و لم يكن قد وقع ذلك و لا يمكنكما أن تدعياه-  و إن كنتما بايعتماني لا عن رضا و لا مكرهين بل كارهين-  و بين المكره و الكاره فرق بين-  فالأمور الشرعية إنما تبني على الظاهر-  و قد جعلتما لي على أنفسكما السبيل بإظهاركما الطاعة-  و الدخول فيما دخل فيه الناس-  و لا اعتبار بما أسررتما من كراهية ذلك-  على أنه لو كان عندي ما يكرهه المسلمون-  لكان المهاجرون في كراهية ذلك سواء-  فما الذي جعلكما أحق المهاجرين كلهم-  بالكتمان و التقية- .

ثم قال و قد كان امتناعكما عن البيعة في مبدإ الأمر-  أجمل من دخولكما فيها ثم نكثها- . قال و قد زعمتما أن الشبهة-  التي دخلت عليكما في أمري أني قتلت عثمان-  و قد جعلت الحكم بيني و بينكما-  من تخلف عني و عنكما من أهل المدينة-  أي الجماعة التي لم تنصر عليا و لا طلحة-  كمحمد بن مسلمة و أسامة بن زيد-  و عبد الله بن عمر و غيرهم-  يعني أنهم غير متهمين عليه و لا على طلحة و الزبير-  فإذا حكموا لزم كل امرئ منا بقدر ما تقتضيه الشهادات-  و لا شبهة أنهم لو حكموا و شهدوا بصورة الحال-  لحكموا ببراءة علي ع من دم عثمان-  و بأن طلحة كان هو الجملة-  و التفصيل في أمره و حصره و قتله-  و كان الزبير مساعدا له على ذلك-  و إن لم يكن مكاشفا مكاشفة طلحة- . ثم نهاهما عن الإصرار على الخطيئة-  و قال لهما إنكما إنما تخافان العار-  في رجوعكما و انصرافكما عن الحرب-  فإن لم ترجعا اجتمع عليكما العار و النار-  أما العار فلأنكما تهزمان-  و تفران عند اللقاء فتعيران بذلك-  و أيضا سيكشف للناس أنكما كنتما على باطل-  فتعيران بذلك-  و أما النار فإليها مصير العصاة إذا ماتوا على غير توبة-  و احتمال العار وحده-  أهون من احتماله و احتمال النار معه

 شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 17

نامه 53 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)( كتبه للأشتر النخعي رحمه الله)

53 و من كتاب له ع كتبه للأشتر النخعي رحمه الله-  لما ولاه على مصر و أعمالها

حين اضطرب أمر أميرها محمد بن أبي بكر-  و هو أطول عهد كتبه و أجمعه للمحاسن- : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ-  هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ-  مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ-  حِينَ وَلَّاهُ مِصْرَ جِبَايَةَ خَرَاجِهَا وَ جِهَادَ عَدُوِّهَا-  وَ اسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا وَ عِمَارَةَ بِلَادِهَا-  أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ إِيْثَارِ طَاعَتِهِ-  وَ اتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَ سُنَنِهِ-  الَّتِي لَا يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهَا-  وَ لَا يَشْقَى إِلَّا مَعَ جُحُودِهَا وَ إِضَاعَتِهَا-  وَ أَنْ يَنْصُرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِيَدِهِ وَ قَلْبِهِ وَ لِسَانِهِ-  فَإِنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ وَ إِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ-  وَ أَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَ الشَّهَوَاتِ-  وَ يَنْزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ-  فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ اللَّهُ-  ثُمَّ اعْلَمْ يَا مَالِكُ-  أَنِّي قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَى بِلَادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ-  مِنْ عَدْلٍ وَ جَوْرٍ-  وَ أَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ-  فِي مِثْلِ مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أُمُورِالْوُلَاةِ قَبْلَكَ-  وَ يَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنْتَ تَقُولُهُ فِيهِمْ-  وَ إِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ-  بِمَا يُجْرِي اللَّهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ-  فَلْيَكُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ-  فَامْلِكْ هَوَاكَ وَ شُحَّ بِنَفْسِكَ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَكَ-  فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ الْإِنْصَافُ مِنْهَا فِيمَا أَحَبَّتْ أَوْ كَرِهَتْ نصرة الله باليد الجهاد بالسيف و بالقلب الاعتقاد للحق-  و باللسان قول الحق و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر-  و قد تكفل الله بنصرة من نصره لأنه تعالى قال-  وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ- . و الجمحات منازعة النفس إلى شهواتها و مآربها-  و نزعها بكفها- .

ثم قال له قد كنت تسمع أخبار الولاة-  و تعيب قوما و تمدح قوما-  و سيقول الناس في إمارتك الآن-  نحو ما كنت تقول في الأمراء-  فاحذر أن تعاب و تذم كما كنت تعيب و تذم من يستحق الذم- . ثم قال إنما يستدل على الصالحين-  بما يكثر سماعه من ألسنة الناس بمدحهم و الثناء عليهم-  و كذلك يستدل على الفاسقين بمثل ذلك- . و كان يقال ألسنة الرعية أقلام الحق سبحانه إلى الملوك- . ثم أمره أن يشح بنفسه و فسر له الشح ما هو-  فقال إن تنتصف منها فيما أحبت‏و كرهت-  أي لا تمكنها من الاسترسال في الشهوات-  و كن أميرا عليها-  و مسيطرا و قامعا لها من التهور-  و الانهماك- . فإن قلت هذا معنى قوله فيما أحبت-  فما معنى قوله و كرهت-  قلت لأنها تكره الصلاة و الصوم و غيرهما-  من العبادات الشرعية و من الواجبات العقلية-  و كما يجب أن يكون الإنسان مهيمنا عليها في طرف الفعل-  يجب أن يكون مهيمنا عليها في طرف الترك:

وَ أَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ-  وَ الْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَ اللُّطْفَ بِهِمْ-  وَ لَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ-  فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ-  وَ إِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ-  يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وَ تَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ-  وَ يُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَ الْخَطَإِ-  فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَ صَفْحِكَ-  مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وَ تَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَ صَفْحِهِ-  فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَ وَالِي الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ-  وَ اللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ-  وَ قَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَ ابْتَلَاكَ بِهِمْ-  وَ لَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللَّهِ-  فَإِنَّهُ لَا يَدَيْ لَكَ بِنِقْمَتِهِ-  وَ لَا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَ رَحْمَتِهِ-  وَ لَا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوٍ وَ لَا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ-  وَ لَا تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَةٍ وَجَدْتَ عَنْهَا مَنْدُوحَةً-  وَ لَا تَقُولَنَّ إِنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ-  فَإِنَّ ذَلِكَ إِدْغَالٌ فِي الْقَلْبِ-  وَ مَنْهَكَةٌ لِلدِّينِ وَ تَقَرُّبٌ مِنَ الْغِيَرِ-وَ إِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةً أَوْ مَخِيلَةً-  فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْكِ اللَّهِ فَوْقَكَ-  وَ قُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَى مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ-  فَإِنَّ ذَلِكَ يُطَامِنُ إِلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ-  وَ يَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ-  وَ يَفِي‏ءُ إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ-  إِيَّاكَ وَ مُسَامَاةَ اللَّهِ فِي عَظَمَتِهِ وَ التَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ-  فَإِنَّ اللَّهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ وَ يُهِينُ كُلَّ مُخْتَالٍ أشعر قلبك الرحمة أي اجعلها كالشعار له-  و هو الثوب الملاصق للجسد-  قال لأن الرعية إما أخوك في الدين-  أو إنسان مثلك تقتضي رقة الجنسية-  و طبع البشرية الرحمة له- .

قوله و يؤتى على أيديهم-  مثل قولك و يؤخذ على أيديهم-  أي يهذبون و يثقفون يقال خذ على يد هذا السفيه-  و قد حجر الحاكم على فلان و أخذ على يده- . ثم قال فنسبتهم إليك كنسبتك إلى الله تعالى-  و كما تحب أن يصفح الله عنك ينبغي أن تصفح أنت عنهم- . قوله لا تنصبن نفسك لحرب الله-  أي لا تبارزه بالمعاصي-  فإنه لا يدي لك بنقمته-  اللام مقحمة و المراد الإضافة-  و نحوه قولهم لا أبا لك- . قوله و لا تقولن إني مؤمر-  أي لا تقل إني أمير و وال آمر بالشي‏ء فأطاع- .

 و الإدغال الإفساد و منهكة للدين ضعف و سقم- . ثم أمره عند حدوث الأبهة و العظمة عنده-  لأجل الرئاسة و الإمرة أن يذكر عظمة الله تعالى-  و قدرته على إعدامه و إيجاده و إماتته و إحيائه-  فإن تذكر ذلك يطامن من غلوائه-  أي يغض من تعظمه و تكبره و يطأطئ منه- . و الغرب حد السيف و يستعار للسطوة-  و السرعة في البطش و الفتك- . قوله و يفي‏ء-  أي يرجع إليك بما بعد عنك من عقلك-  و حرف المضارعة مضموم لأنه من أفاء- . و مساماة الله تعالى مباراته في السمو و هو العلو: أَنْصِفِ اللَّهَ وَ أَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ-  وَ مِنْ خَاصَّةً أَهْلِكَ-  وَ مَنْ لَكَ هَوًى فِيهِ مِنْ رَعِيَّتِكَ-  فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ-  وَ مَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ-  وَ مَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ-  وَ كَانَ لِلَّهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ أَوْ يَتُوبَ-  وَ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللَّهِ وَ تَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ-  مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ-  فَإِنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ-  وَ هُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ-  وَ لْيَكُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ-  وَ أَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ وَ أَجْمَعُهَا لِرِضَا الرَّعِيَّةِ-  فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَا الْخَاصَّةِ-  وَ إِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَا الْعَامَّةِ-وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَئُونَةً فِي الرَّخَاءِ-  وَ أَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلَاءِ-  وَ أَكْرَهَ لِلْإِنْصَافِ وَ أَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ-  وَ أَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الْإِعْطَاءِ وَ أَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ-  وَ أَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ-  مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ-  وَ إِنَّمَا عَمُودُ الدِّينِ وَ جِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ-  وَ الْعُدَّةُ لِلْأَعْدَاءِ الْعَامَّةُ مِنَ الْأُمَّةِ-  فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ لَهُمْ وَ مَيْلُكَ مَعَهُمْ قال له أنصف الله أي قم له بما فرض عليك-  من العبادة و الواجبات العقلية و السمعية- .

ثم قال و أنصف الناس من نفسك و من ولدك و خاصة أهلك-  و من تحبه و تميل إليه من رعيتك-  فمتى لم تفعل ذلك كنت ظالما- . ثم نهاه عن الظلم و أكد الوصاية عليه في ذلك- . ثم عرفه أن قانون الإمارة الاجتهاد في رضا العامة-  فإنه لا مبالاة بسخط خاصة الأمير مع رضا العامة-  فأما إذا سخطت العامة لم ينفعه رضا الخاصة-  و ذلك مثل أن يكون في البلد عشرة أو عشرون من أغنيائه-  و ذوي الثروة من أهله-  يلازمون الوالي و يخدمونه و يسامرونه-  و قد صار كالصديق لهم-  فإن هؤلاء و من ضارعهم من حواشي الوالي-  و أرباب الشفاعات و القربات عنده لا يغنون عنه شيئا-  عند تنكر العامة له-  و كذاك لا يضر سخط هؤلاء إذا رضيت العامة-  و ذلك لأن هؤلاء عنهم غنى و لهم بدل-  و العامة لا غنى عنهم و لا بدل منهم-  و لأنهم إذا شغبوا عليه كانوا كالبحر إذا هاج و اضطرب-  فلا يقاومه أحد و ليس الخاصة كذلك- .

ثم قال ع و نعم ما قال-  ليس شي‏ء أقل نفعا-  و لا أكثر ضررا على الوالي من خواصه أيام الولاية-  لأنهم يثقلون عليه بالحاجات و المسائل و الشفاعات-  فإذا عزل هجروه و رفضوه-  حتى لو لقوه في الطريق لم يسلموا عليه- . و الصغو بالكسر و الفتح و الصغا مقصور الميل: وَ لْيَكُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ وَ أَشْنَأَهُمْ عِنْدَكَ-  أَطْلَبُهُمْ لِمَعَايِبِ النَّاسِ-  فَإِنَّ فِي النَّاسِ عُيُوباً الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا-  فَلَا تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا-  فَإِنَّمَا عَلَيْكَ تَطْهِيرُ مَا ظَهَرَ لَكَ-  وَ اللَّهُ يَحْكُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْكَ-  فَاسْتُرِ الْعَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ-  يَسْتُرِ اللَّهُ مِنْكَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِيَّتِكَ-  أَطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عُقْدَةَ كُلِّ حِقْدٍ-  وَ اقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كُلِّ وِتْرٍ-  وَ تَغَابَ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَضِحُ لَكَ-  وَ لَا تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ سَاعٍ-  فَإِنَّ السَّاعِيَ غَاشٌّ وَ إِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ-  وَ لَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلًا يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ-  وَ يَعِدُكَ الْفَقْرَ-  وَ لَا جَبَاناً يُضْعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ-  وَ لَا حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ-  فَإِنَّ الْبُخْلَ وَ الْجُبْنَ وَ الْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى-  يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ أشناهم عندك أبغضهم إليك- . و تغاب تغافل يقال تغابى فلان عن كذا- . و يضح يظهر و الماضي وضح

فصل في النهي عن ذكر عيوب الناس و ما ورد في ذلك من الآثار

عاب رجل رجلا عند بعض الأشراف فقال له-  لقد استدللت على كثرة عيوبك-  بما تكثر فيه من عيوب الناس-  لأن طالب العيوب إنما يطلبها بقدر ما فيه منها- . و قال الشاعر- 

   و أجرأ من رأيت بظهر غيب
على عيب الرجال أولو العيوب‏

 و قال آخر-

يا من يعيب و عيبه متشعب
كم فيك من عيب و أنت تعيب‏

 و في الخبر المرفوع دعوا الناس بغفلاتهم يعيش بعضهم مع بعض – . و قال الوليد بن عتبة بن أبي سفيان-  كنت أساير أبي و رجل معنا يقع في رجل-  فالتفت أبي إلي فقال يا بني-  نزه سمعك عن استماع الخنى-  كما تنزه لسانك عن الكلام به-  فإن المستمع شريك القائل-  إنما نظر إلى أخبث ما في وعائه فأفرغه في وعائك-  و لو ردت كلمة جاهل في فيه لسعد رادها كما شقي قائلها- . و قال ابن عباس الحدث حدثان-  حدث من فيك و حدث من فرجك- .

و عاب رجل رجلا عند قتيبة بن مسلم-  فقال له قتيبة أمسك ويحك-  فقد تلمظت بمضغه طالما لفظها الكرام- . و مر رجل بجارين له و معه ريبة-  فقال أحدهما لصاحبه أ فهمت ما معه من الريبة-  قال و ما معه قال كذا قال-  عبدي حر لوجه الله شكرا له تعالى-  إذ لم يعرفني من الشر ما عرفك- . و قال الفضيل بن عياض-  إن الفاحشة لتشيع في كثير من المسلمين-  حتى إذا صارت إلى الصالحين كانوا لها خزانا- . و قيل لبزرجمهر هل من أحد لا عيب فيه-  فقال الذي لا عيب فيه لا يموت- . و قال الشاعر- 

و لست بذي نيرب في الرجا
ل مناع خير و سبابها

و لا من إذا كان في جانب‏
أضاع العشيرة و اغتابها

و لكن أطاوع ساداتها
و لا أتعلم ألقابها

و قال آخر-

لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا
فيكشف الله سترا من مساويكا

و اذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا
و لا تعب أحدا منهم بما فيكا

و قال آخر-

ابدأ بنفسك فإنهما عن عيبها
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم‏

فهناك تعذر إن وعظت و يقتدى‏
بالقول منك و يقبل التعليم‏

فأما قوله ع أطلق عن الناس عقدة كل حقد-  فقد استوفى هذا المعنى زياد في خطبته البتراء-  فقال و قد كانت بيني و بين أقوام إحن-  و قد جعلت ذلك دبر أذني و تحت قدمي-  فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا-  و من كان منكم مسيئا فلينزع عن إساءته-  إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السلال-  من بغضي لم أكشف عنه قناعا-  و لم أهتك له سترا حتى يبدي لي صفحته-  فإذا فعل لم أناظره-  ألا فليشمل كل امرئ منكم على ما في صدره-  و لا يكونن لسانه شفرة تجري على ودجه

فصل في النهي عن سماع السعاية و ما ورد ذلك من الآثار

فأما قوله ع و لا تعجلن إلى تصديق ساع-  فقد ورد في هذا المعنى كلام حسن-  قال ذو الرئاستين قبول السعاية شر من السعاية-  لأن السعاية دلالة و القبول إجازة-  و ليس من دل على شي‏ء كمن قبله و أجازه-  فامقت الساعي على سعايته-  فإنه لو كان صادقا كان لئيما-  إذ هتك العورة و أضاع الحرمة- . و عاتب مصعب بن الزبير الأحنف على أمر بلغه عنه فأنكره-  فقال مصعب أخبرني به الثقة-  قال كلا أيها الأمير إن الثقة لا يبلغ- . و كان يقال لو لم يكن من عيب الساعي-  إلا أنه أصدق ما يكون أضر ما يكون على الناس لكان كافيا- . كانت الأكاسرة لا تأذن لأحد أن يطبخ السكباج-  و كان ذلك مما يختص به الملك-  فرفع ساع إلى أنوشروان-  إن فلانا دعانا و نحن جماعة-  إلى طعام له و فيه‏ سكباج-  فوقع أنوشروان على رقعته قد حمدنا نصيحتك-  و ذممنا صديقك على سوء اختياره للإخوان- . جاء رجل إلى الوليد بن عبد الملك-  و هو خليفة عبد الملك على دمشق-  فقال أيها الأمير إن عندي نصيحة قال اذكرها-  قال جار لي رجع من بعثه سرا-  فقال أما أنت فقد أخبرتنا أنك جار سوء-  فإن شئت أرسلنا معك فإن كنت كاذبا عاقبناك-  و إن كنت صادقا مقتناك و إن تركتنا تركناك-  قال بل أتركك أيها الأمير قال فانصرف- . و مثل هذا يحكى عن عبد الملك أن إنسانا سأله الخلوة-  فقال لجلسائه إذا شئتم فانصرفوا-  فلما تهيأ الرجل للكلام قال له اسمع ما أقول-  إياك أن تمدحني فأنا أعرف بنفسي منك-  أو تكذبني فإنه لا رأي لمكذوب-  أو تسعى بأحد إلي فإني لا أحب السعاية-  قال أ فيأذن أمير المؤمنين بالانصراف قال إذا شئت- . و قال بعض الشعراء- 

لعمرك ما سب الأمير عدوه
و لكنما سب الأمير المبلغ‏

و قال آخر-

حرمت منائي منك إن كان ذا الذي
أتاك به الواشون عني كما قالوا

و لكنهم لما رأوك شريعة
إلي تواصوا بالنميمة و احتالوا

فقد صرت أذنا للوشاة سميعة
ينالون من عرضي و لو شئت ما نالوا

و قال عبد الملك بن صالح لجعفر بن يحيى-  و قد خرج يودعه لما شخص إلى خراسان-  أيها الأمير أحب أن تكون لي كما قال الشاعر-

 فكوني على الواشين لداء شغبة
كما أنا للواشي ألد شغوب‏

قال بل أكون كما قال القائل-

و إذا الواشي وشى يوما بها
نفع الواشي بما جاء يضر

 و قال العباس بن الأحنف-

ما حطك الواشون من رتبة
عندي و لا ضرك مغتاب‏

كأنهم أثنوا و لم يعلموا
عليك عندي بالذي عابوا

 قوله ع-  و لا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل-  و يعدك الفقر-  مأخوذ من قول الله تعالى-  الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ-  وَ اللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلًا-  قال المفسرون الفحشاء هاهنا البخل-  و معنى يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ-  يخيل إليكم أنكم إن سمحتم بأموالكم افتقرتم-  فيخوفكم فتخافون فتبخلون- . قوله ع-  فإن البخل و الجبن و الحرص غرائز شتى-  يجمعها سوء الظن بالله-  كلام شريف عال على كلام الحكماء-  يقول إن بينها قدرا مشتركا-  و إن كانت غرائز و طبائع مختلفة-  و ذلك القدر المشترك هو سوء الظن بالله-  لأن الجبان يقول في نفسه إن أقدمت قتلت-  و البخيل يقول إن سمحت و أنفقت افتقرت-  و الحريص يقول إن لم أجد و أجتهد و أدأب فاتني ما أروم-  و كل هذه الأمور ترجع إلى سوء الظن بالله-  و لو أحسن الظن الإنسان بالله و كان يقينه صادقا-  لعلم أن الأجل مقدر و أن الرزق مقدر-  و أن الغنى و الفقر مقدران-  و أنه لا يكون من ذلك إلا ما قضى الله تعالى كونه‏

شَرُّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ لِلْأَشْرَارِ وَزِيراً-  وَ مَنْ شَرِكَهُمْ فِي الآْثَامِ فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً-  فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ وَ إِخْوَانُ الظَّلَمَةِ-  وَ أَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ-  مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَ نَفَاذِهِمْ-  وَ لَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَ أَوْزَارِهِمْ وَ آثَامِهِمْ-  مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ وَ لَا آثِماً عَلَى إِثْمِهِ-  أُولَئِكَ أَخَفُّ عَلَيْكَ مَئُونَةً وَ أَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً-  وَ أَحْنَى عَلَيْكَ عَطْفاً وَ أَقَلُّ لِغَيْرِكَ إِلْفاً-  فَاتَّخِذْ أُولَئِكَ خَاصَّةً لِخَلَوَاتِكَ وَ حَفَلَاتِكَ-  ثُمَّ لْيَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَكَ-  وَ أَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةً فِيمَا يَكُونُ مِنْكَ مِمَّا كَرِهَ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ-  وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَيْثُ وَقَعَ نهاه ع ألا يتخذ بطانة-  قد كانوا من قبل بطانة للظلمة-  و ذلك لأن الظلم و تحسينه قد صار ملكة ثابتة في أنفسهم-  فبعيد أن يمكنهم الخلو منها-  إذ قد صارت كالخلق الغريزي اللازم-  لتكرارها و صيرورتها عادة-  فقد جاءت النصوص في الكتاب و السنة-  بتحريم معاونة الظلمة و مساعدتهم-  و تحريم الاستعانة بهم-  فإن من استعان بهم كان معينا لهم-  قال تعالى وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً-  و قال لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ-  يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ و جاء في الخبر المرفوع ينادى يوم القيامة-  أين من بري لهم أي الظالمين قلما- .

أتي الوليد بن عبد الملك برجل من الخوارج-  فقال له ما تقول في الحجاج-  قال و ما عسيت أن أقول فيه-  هل هو إلا خطيئة من خطاياك و شرر من نارك-  فلعنك الله و لعن الحجاج معك و أقبل يشتمهما-  فالتفت الوليد إلى عمر بن عبد العزيز فقال-  ما تقول في هذا قال ما أقول فيه-  هذا رجل يشتمكم-  فإما أن تشتموه كما شتمكم و إما أن تعفوا عنه-  فغضب الوليد و قال لعمر-  ما أظنك إلا خارجيا-  فقال عمر و ما أظنك إلا مجنونا و قام فخرج مغضبا-  و لحقه خالد بن الريان صاحب شرطة الوليد-  فقال له ما دعاك إلى ما كلمت به أمير المؤمنين-  لقد ضربت بيدي إلى قائم سيفي-  أنتظر متى يأمرني بضرب عنقك-  قال أ و كنت فاعلا لو أمرك قال نعم-  فلما استخلف عمر جاء خالد بن الريان-  فوقف على رأسه متقلدا سيفه فنظر إليه و قال يا خالد-  ضع سيفك فإنك مطيعنا في كل أمر نأمرك به-  و كان بين يديه كاتب للوليد-  فقال له ضع أنت قلمك فإنك كنت تضر به و تنفع-  اللهم إني قد وضعتهما فلا ترفعهما-  قال فو الله ما زالا وضيعين مهينين حتى ماتا- .

و روى الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين-  قال لما خالط الزهري السلطان كتب أخ له في الدين إليه-  عافانا الله و إياك أبا بكر من الفتن-  فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو الله لك و يرحمك-  فقد أصبحت شيخا كبيرا-  و قد أثقلتك نعم الله عليك بما فهمك من كتابه-  و علمك من سنة نبيه-  و ليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء-  فإنه تعالى قال-  لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ-  و اعلم أن أيسر ما ارتكبت و أخف ما احتملت-  أنك آنست وحشة الظالم-  و سهلت سبيل الغي بدنوك إلى من لم يؤد حقا-  و لم يترك باطلا حين أدناك-  اتخذوك أبا بكر قطبا تدورعليه رحى ظلمهم-  و جسرا يعبرون عليه إلى بلائهم و معاصيهم-  و سلما يصعدون فيه إلى ضلالتهم-  يدخلون بك الشك على العلماء-  و يقتادون بك قلوب الجهلاء-  فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك-  و ما أكثر ما أخذوا منك-  في جنب ما أفسدوا من حالك و دينك-  و ما يؤمنك أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم-  فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ-  وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا-  يا أبا بكر إنك تعامل من لا يجهل-  و يحفظ عليك من لا يغفل-  فداو دينك فقد دخله سقم-  و هيئ زادك فقد حضر سفر بعيد-  و ما يخفى على الله من شي‏ء في الأرض و لا في السماء-  و السلام: وَ الْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَ الصِّدْقِ-  ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَلَّا يُطْرُوكَ-  وَ لَا يَبْجَحُوكَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ-  فَإِنَّ كَثْرَةَ الْإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ وَ تُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ-  وَ لَا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَ الْمُسِي‏ءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ-  فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِي الْإِحْسَانِ-  وَ تَدْرِيباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ-  وَ أَلْزِمْ كُلًّا مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ‏

قوله و الصق بأهل الورع كلمة فصيحة-  يقول اجعلهم خاصتك و خلصاءك- . قال ثم رضهم على ألا يطروك-  أي عودهم ألا يمدحوك في وجهك-  و لا يبجحوك بباطل-  لا يجعلوك ممن يبجح أي يفخر بباطل لم يفعله-  كما يبجح أصحاب الأمراء الأمراء بأن يقولوا لهم-  ما رأينا أعدل منكم و لا أسمح-  و لا حمى هذا الثغر أمير أشد بأسا منكم-  و نحو ذلك و قد جاء في الخبر احثوا في وجوه المداحين التراب- . و قال عبد الملك لمن قام يساره ما تريد-  أ تريد أن تمدحني و تصفني أنا أعلم بنفسي منك- . و قام خالد بن عبد الله القسري-  إلى عمر بن عبد العزيز يوم بيعته-  فقال يا أمير المؤمنين-  من كانت الخلافة زائنته فقد زينتها-  و من كانت شرفته فقد شرفتها-  فإنك لكما قال القائل- 

و إذا الدر زان حسن وجوه
كان للدر حسن وجهك زينا

 فقال عمر بن عبد العزيز-  لقد أعطي صاحبكم هذا مقولا و حرم معقولا-  و أمره أن يجلس- . و لما عقد معاوية البيعة لابنه يزيد قام الناس يخطبون-  فقال معاوية لعمرو بن سعيد الأشدق-  قم فاخطب يا أبا أمية فقام فقال-  أما بعد فإن يزيد ابن أمير المؤمنين-  أمل تأملونه-  و أجل تأمنونه-  إن افتقرتم إلى حلمه وسعكم-  و إن احتجتم إلى رأيه أرشدكم-  و إن اجتديتم ذات يده أغناكم و شملكم-  جذع قارح سوبق فسبق و موجد فمجد-و قورع فقرع-  و هو خلف أمير المؤمنين و لا خلف منه-  فقال معاوية أوسعت يا أبا أمية فاجلس-  فإنما أردنا بعض هذا- .

و أثنى رجل على علي ع في وجهه ثناء أوسع فيه-  و كان عنده متهما-  فقال له أنا دون ما تقول و فوق ما في نفسك و قال ابن عباس لعتبة بن أبي سفيان-  و قد أثنى عليه فأكثر-  رويدا فقد أمهيت يا أبا الوليد-  يعني بالغت يقال أمهى حافر البئر إذا استقصى حفرها- . فأما قوله ع-  و لا يكونن المحسن و المسي‏ء عندك بمنزلة سواء-  فقد أخذه الصابي فقال-  و إذا لم يكن للمحسن ما يرفعه و للمسي‏ء ما يضعه-  زهد المحسن في الإحسان و استمر المسي‏ء على الطغيان-  و قال أبو الطيب- 

 شر البلاد بلاد لا صديق بها
و شر ما يكسب الإنسان ما يصم‏

و شر ما قبضته راحتي قنص‏
شهب البزاة سواء فيه و الرخم‏

و كان يقال قضاء حق المحسن أدب للمسي‏ء-  و عقوبة المسي‏ء جزاء للمحسن: وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ بِأَدْعَى-  إِلَى حُسْنِ ظَنِّ وَالٍ بِرَعِيَّتِهِ-  مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ وَ تَخْفِيفِهِ الْمَئُونَاتِ عَلَيْهِمْ-  وَ تَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ-  فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ-  يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ-  فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِيلًا-  وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلَاؤُكَ عِنْدَهُ-  وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ سَاءَ بَلَاؤُكَ عِنْدَهُ-وَ لَا تَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّةِ-  وَ اجْتَمَعَتْ بِهَا الْأُلْفَةُ وَ صَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ-  وَ لَا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ-  فَيَكُونَ الْأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا-  وَ الْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا-  وَ أَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ وَ مُنَاقَشَةَ الْحُكَمَاءِ-  فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلَادِكَ-  وَ إِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ خلاصة صدر هذا الفصل-  أن من أحسن إليك حسن ظنه فيك-  و من أساء إليك استوحش منك-  و ذلك لأنك إذا أحسنت إلى إنسان-  و تكرر منك ذلك الإحسان-  تبع ذلك اعتقادك أنه قد أحبك-  ثم يتبع ذلك الاعتقاد أمر آخر و هو أنك تحبه-  لأن الإنسان مجبول على أن يحب من يحبه-  و إذا أحببته سكنت إليه و حسن ظنك فيه-  و بالعكس من ذلك إذا أسأت إلى زيد-  لأنك إذا أسأت إليه و تكررت الإساءة-  تبع ذلك اعتقادك أنه قد أبغضك-  ثم يتبع ذلك الاعتقاد أمر آخر و هو أن تبغضه أنت-  و إذا أبغضته انقبضت منه و استوحشت و ساء ظنك به- .

قال المنصور للربيع-  سلني لنفسك قال يا أمير المؤمنين-  ملأت يدي فلم يبق عندي موضع للمسألة-  قال فسلني لولدك قال أسألك أن تحبه-  فقال المنصور يا ربيع إن الحب لا يسأل-  و إنما هو أمر تقتضيه الأسباب-  قال يا أمير المؤمنين و إنما أسألك أن تزيد من إحسانك-  فإذا تكرر أحبك و إذا أحبك أحببته-  فاستحسن‏المنصور ذلك-  ثم نهاه عن نقض السنن الصالحة-  التي قد عمل بها من قبله من صالحي الأمة-  فيكون الوزر عليه بما نقض و الأجر لأولئك بما أسسوا-  ثم أمره بمطارحة العلماء و الحكماء في مصالح عمله-  فإن المشورة بركة و من استشار فقد أضاف عقلا إلى عقله- . و مما جاء في معنى الأول-  قال رجل لإياس بن معاوية من أحب الناس إليك-  قال الذين يعطوني قال ثم من قال الذين أعطيهم- .

و قال رجل لهشام بن عبد الملك-  إن الله جعل العطاء محبة و المنع مبغضة-  فأعني على حبك و لا تعني في بغضك: وَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ-  لَا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ-  وَ لَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ-  فَمِنْهَا جُنُودُ اللَّهِ وَ مِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَ الْخَاصَّةِ-  وَ مِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ وَ مِنْهَا عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَ الرِّفْقِ-  وَ مِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَ الْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَ مُسْلِمَةِ النَّاسِ-  وَ مِنْهَا التُّجَّارُ وَ أَهْلُ الصِّنَاعَاتِ-  وَ مِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ وَ الْمَسْكَنَةِ-  وَ كُلٌّ قَدْ سَمَّى اللَّهُ لَهُ سَهْمَهُ-  وَ وَضَعَ عَلَى حَدِّهِ وَ فَرِيضَتِهِ فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ص عَهْداً-  مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً-  فَالْجُنُودُ بِإِذْنِ اللَّهِ حُصُونُ الرَّعِيَّةِ وَ زَيْنُ الْوُلَاةِ-  وَ عِزُّ الدِّينِ وَ سُبُلُ الْأَمْنِ-  وَ لَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِهِمْ-  ثُمَّ لَا قِوَامَ لِلْجُنُودِ-  إِلَّا بِمَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ-  الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ-  وَ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ-  وَ يَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ-  ثُمَّ لَا قِوَامَ لِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ إِلَّا بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ-  مِنَ الْقُضَاةِ وَ الْعُمَّالِ‏ وَ الْكُتَّابِ-  لِمَا يُحْكِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ وَ يَجْمَعُونَ مِنَ الْمَنَافِعِ-  وَ يُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصِّ الْأُمُورِ وَ عَوَامِّهَا-  وَ لَا قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إِلَّا بِالتُّجَّارِ وَ ذَوِي الصِّنَاعَاتِ-  فِيمَا يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ-  وَ يُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ-  وَ يَكْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُّقِ بِأَيْدِيهِمْ-  مِمَّا لَا يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ-  ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَ الْمَسْكَنَةِ-  الَّذِينَ يَحِقُّ رِفْدُهُمْ وَ مَعُونَتُهُمْ-  وَ فِي اللَّهِ لِكُلٍّ سَعَةٌ-  وَ لِكُلٍّ عَلَى الْوَالِي حَقٌّ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ-  وَ لَيْسَ يَخْرُجُ الْوَالِي-  مِنْ حَقِيقَةِ مَا أَلْزَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ-  إِلَّا بِالِاهْتِمَامِ وَ الِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ-  وَ تَوْطِينِ نَفْسِهِ عَلَى لُزُومِ الْحَقِّ-  وَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ فِيمَا خَفَّ عَلَيْهِ أَوْ ثَقُلَ قالت الحكماء الإنسان مدني بالطبع-  و معناه أنه خلق خلقة-  لا بد معها من أن يكون منضما إلى أشخاص من بني جنسه-  و متمدنا في مكان بعينه-  و ليس المراد بالمتمدن ساكن المدينة ذات السور و السوق-  بل لا بد أن يقيم في موضع ما مع قوم من البشر-  و ذلك لأن الإنسان مضطر-  إلى ما يأكله و يشربه ليقيم صورته-  و مضطر إلى ما يلبسه ليدفع عنه أذى الحر و البرد-  و إلى مسكن يسكنه ليرد عنه عادية غيره من الحيوانات-  و ليكون منزلا له ليتمكن من التصرف و الحركة عليه-  و معلوم أن الإنسان وحده-  لا يستقل بالأمور التي عددناها-  بل لا بد من جماعة يحرث بعضهم لغيره الحرث-  و ذلك الغير يحوك للحراث الثوب-  و ذلك الحائك يبني له غيره المسكن-  و ذلك البناء يحمل له‏ غيره الماء-  و ذلك السقاء يكفيه غيره أمر تحصيل الآلة-  التي يطحن بها الحب و يعجن بها الدقيق-  و يخبز بها العجين-  و ذلك المحصل لهذه الأشياء يكفيه غيره-  الاهتمام بتحصيل الزوجة-  التي تدعو إليها داعية الشبق-  فيحصل مساعدة بعض الناس لبعض-  لو لا ذلك لما قامت الدنيا-  فلهذا معنى قوله ع-  إنهم طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض-  و لا غناء ببعضها عن بعض- .

ثم فصلهم و قسمهم فقال-  منهم الجند و منهم الكتاب-  و منهم القضاة و منهم العمال-  و منهم أرباب الجزية من أهل الذمة-  و منهم أرباب الخراج من المسلمين-  و منهم التجار و منهم أرباب الصناعات-  و منهم ذوو الحاجات و المسكنة و هم أدون الطبقات- . ثم ذكر أعمال هذه الطبقات فقال الجند للحماية-  و الخراج يصرف إلى الجند و القضاة و العمال و الكتاب-  لما يحكمونه من المعاقد و يجمعونه من المنافع-  و لا بد لهؤلاء جميعا من التجار-  لأجل البيع و الشراء الذي لا غناء عنه-  و لا بد لكل من أرباب الصناعات-  كالحداد و النجار و البناء و أمثالهم-  ثم تلي هؤلاء الطبقة السفلى و هم أهل الفقر و الحاجة-  الذين تجب معونتهم و الإحسان إليهم- . و إنما قسمهم في هذا الفصل هذا التقسيم-  تمهيدا لما يذكره فيما بعد فإنه قد شرع بعد هذا الفصل-  فذكر طبقة طبقة و صنفا صنفا-  و أوصاه في كل طبقة و في كل صنف منهم بما يليق بحاله-  و كأنه مهد هذا التمهيد-  كالفهرست لما يأتي بعده من التفصيل‏

فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ-  أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِإِمَامِكَ-  وَ أَطْهَرَهُمْ جَيْباً وَ أَفْضَلَهُمْ حِلْماً-  مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ وَ يَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ-  وَ يَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ وَ يَنْبُو عَلَى الْأَقْوِيَاءِ-  وَ مِمَّنْ لَا يُثِيرُهُ الْعُنْفُ وَ لَا يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ-  ثُمَّ الْصَقْ بِذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَ الْأَحْسَابِ-  وَ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَ السَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ-  ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَ الشَّجَاعَةِ وَ السَّخَاءِ وَ السَّمَاحَةِ-  فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ وَ شُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ-  ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا-  وَ لَا يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْ‏ءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ-  وَ لَا تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَ إِنْ قَلَّ-  فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ وَ حُسْنِ الظَّنِّ بِكَ-  وَ لَا تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطِيفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَالًا عَلَى جَسِيمِهَا-  فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ-  وَ لِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لَا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ-  وَ لْيَكُنْ آثَرُ رُءُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ-  وَ أَفْضَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ-  بِمَا يَسَعُهُمْ وَ يَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ-  حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ-  فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَيْهِمْ يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ-  وَ لَا تَصِحُّ نَصِيحَتُهُمْ إِلَّا بِحِيطَتِهِمْ عَلَى وُلَاةِ أُمُورِهِمْ-  وَ قِلَّةِ اسْتَثْقَالِ دُوَلِهِمْ-  وَ تَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ-  فَافْسَحْ فِي آمَالِهِمْ وَ وَاصِلْ مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ-  وَ تَعْدِيدِ مَا أَبْلَى ذَوُو الْبَلَاءِ مِنْهُمْ-  فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ فِعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ-  وَ تُحَرِّضُ النَّاكِلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ-  ثُمَّ اعْرِفْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَى-  وَ لَا تَضُمَّنَّ بَلَاءَ امْرِئٍ إِلَى غَيْرِهِ-  وَ لَا تُقَصِّرَنَّ بِهِ دُونَ غَايَةِ بَلَائِهِ-  وَ لَا يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ-  إِلَى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ صَغِيراً-  وَ لَا ضَعَةُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ عَظِيماً-  وَ ارْدُدْ إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ مَا يُضْلِعُكَ مِنَ الْخُطُوبِ-  وَ يَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ الْأُمُورِ-  فَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ-  يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ-  وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ-  فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ-  فَالرَّدُّ إِلَى اللَّهِ الْأَخْذُ بِمُحْكَمِ كِتَابِهِ-  وَ الرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ الْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ هذا الفصل مختص بالوصاة فيما يتعلق بأمراء الجيش-  أمره أن يولى أمر الجيش من جنوده-  من كان أنصحهم لله في ظنه-  و أطهرهم جيبا أي عفيفا أمينا-  و يكنى عن العفة و الأمانة بطهارة الجيب-  لأن الذي يسرق يجعل المسروق في جيبه- .

فإن قلت و أي تعلق لهذا بولاة الجيش-  إنما ينبغي أن تكون هذه الوصية في ولاة الخراج-  قلت لا بد منها في أمراء الجيش لأجل الغنائم- . ثم وصف ذلك الأمير فقال-  ممن يبطئ عن الغضب و يستريح إلى العذر-  أي يقبل‏ أدنى عذر و يستريح إليه و يسكن عنده-  و يرؤف على الضعفاء يرفق بهم و يرحمهم-  و الرأفة الرحمة-  و ينبو عن الأقوياء يتجافى عنهم و يبعد-  أي لا يمكنهم من الظلم و التعدي على الضعفاء-  و لا يثيره العنف لا يهيج غضبه عنف و قسوة-  و لا يقعد به الضعف أي ليس عاجزا- . ثم أمره أن يلصق بذوي الأحساب و أهل البيوتات-  أي يكرمهم و يجعل معوله في ذلك عليهم-  و لا يتعداهم إلى غيرهم-  و كان يقال عليكم بذوي الأحساب-  فإن هم لم يتكرموا استحيوا- . ثم ذكر بعدهم أهل الشجاعة و السخاء-  ثم قال إنها جماع من الكرم و شعب من العرف-  من هاهنا زائدة-  و إن كانت في الإيجاب على مذهب أبي الحسن الأخفش-  أي جماع الكرم أي يجمعه-  كقول النبي ص الخمر جماع الإثم-  و العرف المعروف- . و كذلك من في قوله و شعب من العرف-  أي شعب العرف أي هي أقسامه و أجزاؤه-  و يجوز أن تكون من على حقيقتها للتبعيض-  أي هذه الخلال جملة من الكرم و أقسام المعروف-  و ذلك لأن غيرها أيضا من الكرم و المعروف-  و نحو العدل و العفة- . قوله ثم تفقد من أمورهم-  الضمير هاهنا يرجع إلى الأجناد لا إلى الأمراء-  لما سنذكره مما يدل الكلام عليه- . فإن قلت إنه لم يجر للأجناد ذكر فيما سبق-  و إنما المذكور الأمراء-  قلت كلا بل سبق ذكر الأجناد-  و هو قوله الضعفاء و الأقوياء- .

و أمره ع أن يتفقد من أمور الجيش-  ما يتفقد الوالدان من حال الولد-  و أمره ألا يعظم عنده ما يقويهم به و إن عظم-  و ألا يستحقر شيئا تعهدهم به و إن قل-  و ألا يمنعه تفقد جسيم أمورهم عن تفقد صغيرها-  و أمره أن يكون آثر رءوس جنوده عنده و أحظاهم عنده-  و أقربهم إليه من واساهم في معونته-  هذا هو الضمير الدال على أن الضمير المذكور أولا للجند-  لا لأمراء الجند-  لو لا ذلك لما انتظم الكلام- . قوله من خلوف أهليهم-  أي ممن يخلفونه من أولادهم و أهليهم- . ثم قال لا يصح نصيحة الجند لك-  إلا بحيطتهم على ولاتهم أي بتعطفهم عليهم و تحننهم-  و هي الحيطة على وزن الشيمة-  مصدر حاطه يحوطه حوطا و حياطا و حيطة أي كلأه و رعاه-  و أكثر الناس يروونها إلا بحيطتهم-  بتشديد الياء و كسرها-  و الصحيح ما ذكرناه- . قوله و قلة استثقال دولهم-  أي لا تصح نصيحة الجند لك إلا إذا أحبوا أمراءهم-  ثم لم يستثقلوا دولهم و لم يتمنوا زوالها- .

ثم أمره أن يذكر في المجالس و المحافل-  بلاء ذوي البلاء منهم-  فإن ذلك مما يرهف عزم الشجاع و يحرك الجبان- . قوله و لا تضمن بلاء امرئ إلى غيره-  أي اذكر كل من أبلى منهم مفردا-  غير مضموم ذكر بلائه إلى غيره-  كي لا يكون مغمورا في جنب ذكر غيره- . ثم قال له لا تعظم بلاء ذوي الشرف لأجل شرفهم-  و لا تحقر بلاء ذوي الضعة لضعة أنسابهم-  بل اذكر الأمور على حقائقها- . ثم أمره أن يرد إلى الله و رسوله ما يضلعه من الخطوب-  أي ما يئوده و يميله‏لثقله-  و هذه الرواية أصح من رواية من رواها بالظاء-  و إن كان لتلك وجه

رسالة الإسكندر إلى أرسطو و رد أرسطو عليه

و ينبغي أن نذكر في هذا الموضع-  رسالة أرسطو إلى الإسكندر-  في معنى المحافظة على أهل البيوتات و ذوي الأحساب-  و أن يخصهم بالرئاسة و الإمرة-  و لا يعدل عنهم إلى العامة و السفلة-  فإن في ذلك تشييدا لكلام أمير المؤمنين ع و وصيته- . لما ملك الإسكندر ايرانشهر-  و هو العراق مملكة الأكاسرة-  و قتل دارا بن دارا كتب إلى أرسطو و هو ببلاد اليونان-  عليك أيها الحكيم منا السلام-  أما بعد فإن الأفلاك الدائرة و العلل السمائية-  و إن كانت أسعدتنا بالأمور-  التي أصبح الناس لنا بها دائبين-  فإنا جد واجدين لمس الاضطرار إلى حكمتك-  غير جاحدين لفضلك و الإقرار بمنزلتك-  و الاستنامة إلى مشورتك و الاقتداء برأيك-  و الاعتماد لأمرك و نهيك-  لما بلونا من جدا ذلك علينا و ذقنا من جنا منفعته-  حتى صار ذلك بنجوعه فينا-  و ترسخه في أذهاننا و عقولنا كالغذاء لنا-  فما ننفك نعول عليه-  و نستمد منه استمداد الجداول من البحور-  و تعويل الفروع على الأصول-  و قوة الأشكال بالأشكال-  و قد كان مما سيق إلينا من النصر و الفلج-  و أتيح لنا من الظفر-  و بلغنا في العدو من النكاية و البطش-  ما يعجز القول عن وصفه-  و يقصر شكر المنعم عن موقع الإنعام به-  و كان من ذلك أنا جاوزنا أرض سورية و الجزيرة-  إلى بابل و أرض فارس-  فلما حللنا بعقوة أهلها و ساحة بلادهم-  لم يكن إلا ريثما تلقانا نفر منهم-  برأس ملكهم هدية إلينا و طلبا للحظوة عندنا-  فأمرنا بصلب من‏ جاء به و شهرته لسوء بلائه-  و قلة ارعوائه و وفائه-  ثم أمرنا بجمع من كان هناك من أولاد ملوكهم-  و أحرارهم و ذي الشرف منهم-  فرأينا رجالا عظيمة أجسامهم و أحلامهم-  حاضرة ألبابهم و أذهانهم رائعة مناظرهم و مناطقهم-  دليلا على أن ما يظهر من روائهم و منطقهم-  أن وراءه من قوة أيديهم-  و شدة نجدتهم و بأسهم ما لم يكن-  ليكون لنا سبيل إلى غلبتهم و إعطائهم بأيديهم-  لو لا أن القضاء أدالنا منهم-  و أظفرنا بهم و أظهرنا عليهم-  و لم نر بعيدا من الرأي في أمرهم أن نستأصل شأفتهم-  و نجتث أصلهم و نلحقهم بمن مضى من أسلافهم-  لتسكن القلوب بذلك الأمن إلى جرائرهم و بوائقهم-  فرأينا ألا نجعل بإسعاف بادئ الرأي في قتلهم-  دون الاستظهار عليهم بمشورتك فيهم-  فارفع إلينا رأيك فيما استشرناك فيه بعد صحته عندك-  و تقليبك إياه بجلي نظرك-  و سلام أهل السلام فليكن علينا و عليك- .

فكتب إليه أرسطو-  لملك الملوك و عظيم العظماء-  الإسكندر المؤيد بالنصر على الأعداء-  المهدي له الظفر بالملوك-  من أصغر عبيده و أقل خوله-  أرسطوطاليس البخوع بالسجود و التذلل في السلام-  و الإذعان في الطاعة-  أما بعد فإنه لا قوة بالمنطق و إن احتشد الناطق فيه-  و اجتهد في تثقيف معانيه و تأليف حروفه و مبانيه-  على الإحاطة بأقل ما تناله القدرة-  من بسطة علو الملك و سمو ارتفاعه عن كل قول-  و إبرازه على كل وصف و اغترافه بكل إطناب-  و قد كان تقرر عندي-  من مقدمات إعلام فضل الملك في صهلة سبقه-  و بروز شأوه و يمن نقيبته-  مذ أدت إلي حاسة بصري صورة شخصه-  و اضطرب في حس سمعي صوت لفظه-  و وقع وهمي‏ على تعقيب نجاح رأيه-  أيام كنت أؤدي إليه من تكلف تعليمي إياه-  ما أصبحت قاضيا على نفسي بالحاجة إلى تعلمه منه-  و مهما يكن مني إليه في ذلك- 

فإنما هو عقل مردود إلى عقله-  مستنبطة أواليه و تواليه من علمه و حكمته-  و قد جلا إلى كتاب الملك و مخاطبته إياي و مسألته لي-  عما لا يتخالجني الشك في لقاح ذلك و إنتاجه من عنده-  فعنه صدر و عليه ورد-  و أنا فيما أشير به على الملك-  و إن اجتهدت فيه و احتشدت له-  و تجاوزت حد الوسع و الطاقة مني في استنظافه و استقصائه-  كالعدم مع الوجود بل كما لا يتجزأ في جنب معظم الأشياء-  و لكني غير ممتنع من إجابة الملك إلى ما سأل-  مع علمي و يقيني بعظيم غناه عني و شدة فاقتي إليه-  و أنا راد إلى الملك ما اكتسبته منه-  و مشير عليه بما أخذته منه فقائل له-  إن لكل تربة لا محالة قسما من الفضائل-  و إن لفارس قسمها من النجدة و القوة-  و إنك إن تقتل أشرافهم تخلف الوضعاء علي أعقابهم-  و تورث سفلتهم على منازل عليتهم-  و تغلب أدنياءهم على مراتب ذوي أخطارهم-  و لم يبتل الملوك قط ببلاء هو أعظم عليهم-  و أشد توهينا لسلطانهم من غلبة السفلة و ذل الوجوه-  فاحذر الحذر كله أن تمكن تلك الطبقة من الغلبة و الحركة-  فإنه إن نجم منهم بعد اليوم على جندك و أهل بلادك ناجم-  دهمهم منه ما لا روية فيه و لا بقية معه-  فانصرف عن هذا الرأي إلى غيره-  و اعمد إلى من قبلك من أولئك العظماء و الأحرار-  فوزع بينهم مملكتهم-  و ألزم اسم الملك كل من وليته منهم ناحيته-  و اعقد التاج على رأسه و إن صغر ملكه-  فإن المتسمي بالملك لازم لاسمه-  و المعقود التاج على رأسه لا يخضع لغيره-  فليس ينشب ذلك أن يوقع كل ملك منهم-  بينه و بين صاحبه تدابرا و تقاطعا و تغالبا على الملك-  و تفاخرا بالمال و الجند-  حتى ينسوا بذلك أضغانهم عليك و أوتارهم فيك-  و يعود حربهم لك حربا بينهم-  و حنقهم عليك حنقا منهم على أنفسهم-  ثم لا يزدادون في ذلك بصيرة-  إلا أحدثوا لك بها استقامة-  إن دنوت منهم دانوا لك و إن نأيت عنهم تعززوا بك-  حتى يثب من ملك منهم على جاره باسمك و يسترهبه بجندك-  و في ذلك شاغل لهم عنك و أمان لأحداثهم بعدك-  و إن كان لا أمان للدهر و لا ثقة بالأيام- . قد أديت إلى الملك ما رأيته لي حظا و علي حقا-  من إجابتي إياه إلى ما سألني عنه-  و محضته النصيحة فيه-  و الملك أعلى عينا و أنفذ روية و أفضل رأيا-  و أبعد همة فيما استعان بي عليه-  و كلفني بتبيينه و المشورة عليه فيه-  لا زال الملك متعرفا من عوائد النعم و عواقب الصنع-  و توطيد الملك و تنفيس الأجل و درك الأمل-  ما تأتي فيه قدرته على غاية قصوى ما تناله قدرة البشر- . و السلام الذي لا انقضاء له-  و لا انتهاء و لا غاية و لا فناء-  فليكن على الملك- .

قالوا فعمل الملك برأيه-  و استخلف على ايرانشهر-  أبناء الملوك و العظماء من أهل فارس-  فهم ملوك الطوائف الذين بقوا بعده-  و المملكة موزعة بينهم-  إلى أن جاء أردشير بن بابك فانتزع الملك منهمثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ-  مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ وَ لَا تُمَحِّكُهُ الْخُصُومُ-  وَ لَا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ-  وَ لَا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْ‏ءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ-  وَ لَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ-  وَ لَا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ-  وَ أَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ وَ آخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ-  وَ أَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ-  وَ أَصْبَرَهُمْ‏ عَلَى تَكَشُّفِ الْأُمُورِ-  وَ أَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ-  مِمَّنْ لَا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ وَ لَا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ-  وَ أُولَئِكَ قَلِيلٌ-  ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ-  وَ أَفْسِحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيحُ عِلَّتَهُ-  وَ تَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ-  وَ أَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لَا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ-  لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ-  فَانْظُرْ فِي ذَلِكَ نَظَراً بَلِيغاً-  فَإِنَّ هَذَا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيراً فِي أَيْدِي الْأَشْرَارِ-  يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى وَ تُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا تمحكه الخصوم تجعله ما حكا أي لجوجا-  محك الرجل أي لج و ماحك زيد عمرا أي لاجه- . قوله و لا يتمادى في الزلة أي إن زل رجع و أناب-  و الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل- . قوله و لا يحصر من الفي‏ء هو المعنى الأول بعينه-  و الفي‏ء الرجوع إلا أن هاهنا زيادة-  و هو أنه لا يحصر أي لا يعيا في المنطق-  لأن من الناس من إذا زل حصر عن أن يرجع-  و أصابه كالفهاهة و العي خجلا- . قوله و لا تشرف نفسه أي لا تشفق-  و الإشراف الإشفاق و الخوف-  و أنشد الليث

و من مضر الحمراء إسراف أنفس
علينا و حياها علينا تمضرا

و قال عروة بن أذينة-

لقد علمت و ما الإشراف من خلقي
أن الذي هو رزقي سوف يأتيني‏

 و المعنى و لا تشفق نفسه-  و تخاف من فوت المنافع و المرافق- . ثم قال و لا يكتفى بأدنى فهم-  أي لا يكون قانعا بما يخطر له بادئ الرأي من أمر الخصوم-  بل يستقصي و يبحث أشد البحث- . قوله و أقلهم تبرما بمراجعة الخصم أي تضجرا-  و هذه الخصلة من محاسن ما شرطه ع-  فإن القلق و الضجر و التبرم قبيح-  و أقبح ما يكون من القاضي- . قوله و أصرمهم أي أقطعهم و أمضاهم-  و ازدهاه كذا أي استخفه-  و الإطراء المدح و الإغراء التحريض- . ثم أمره أن يتطلع على أحكامه و أقضيته-  و أن يفرض له عطاء واسعا يملأ عينه-  و يتعفف به عن المرافق و الرشوات-  و أن يكون قريب المكان منه كثير الاختصاص به-  ليمنع قربه من سعاية الرجال به و تقبيحهم ذكره عنده- . ثم قال إن هذا الدين قد كان أسيرا-  هذه إشارة إلى قضاة عثمان و حكامه-  و أنهم لم يكونوا يقضون بالحق عنده-  بل بالهوى لطلب الدنيا- . و أما أصحابنا فيقولون-  رحم الله عثمان فإنه كان ضعيفا و استولى عليه أهله-  قطعوا الأمور دونه فإثمهم عليهم و عثمان بري‏ء منهم‏

فصل في القضاة و ما يلزمهم و ذكر بعض نوادرهم

 قد جاء في الحديث المرفوع لا يقضي القاضي و هو غضبانو جاء في الحديث المرفوع أيضا من ابتلي بالقضاء بين المسلمين-  فليعدل بينهم في لحظه و إشارته و مجلسه و مقعده- . دخل ابن شهاب على الوليد أو سليمان فقال له-  يا ابن شهاب ما حديث يرويه أهل الشام-  قال ما هو يا أمير المؤمنين-  قال إنهم يروون أن الله تعالى إذا استرعى عبدا رعية-  كتب له الحسنات و لم يكتب عليه السيئات-  فقال كذبوا يا أمير المؤمنين-  أيما أقرب إلى الله نبي أم خليفة قال بل نبي-  قال فإنه تعالى يقول لنبيه داود-  يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ-  فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ-  وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ-  إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ-  فقال سليمان إن الناس ليغروننا عن ديننا- .

و قال بكر بن عبد الله العدوي لابن أرطاة-  و أراد أن يستقضيه و الله ما أحسن القضاء-  فإن كنت صادقا لم يحل لك أن تستقضي من لا يحسن-  و إن كنت كاذبا فقد فسقت-  و الله لا يحل أن تستقضي الفاسق- . و قال الزهري ثلاث إذا كن في القاضي فليس بقاض-  أن يكره اللائمة و يحب المحمدة و يخاف العزل- . و قال محارب بن زياد للأعمش وليت القضاء فبكى أهلي-  فلما عزلت بكى أهلي فما أدري مم ذلك-  قال لأنك وليت القضاء و أنت تكرهه و تجزع منه-فبكى أهلك لجزعك-  و عزلت عنه فكرهت العزل و جزعت فبكى أهلك لجزعك-  قال صدقت- . أتي ابن شبرمة بقوم يشهدون على قراح نخل-  فشهدوا و كانوا عدولا فامتحنهم فقال-  كم في القراح من نخلة قالوا لا نعلم فرد شهادتهم-  فقال له أحدهم-  أنت أيها القاضي تقضي في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة-  فأعلمنا كم فيه من أسطوانة-  فسكت و أجازهم- . خرج شريك و هو على قضاء الكوفة يتلقى الخيزران-  و قد أقبلت تريد الحج-  و قد كان استقضي و هو كاره-  فأتي شاهي فأقام بها ثلاثا فلم تواف-  فخف زاده و ما كان معه-  فجعل يبله بالماء و يأكله بالملح-  فقال العلاء بن المنهال الغنوي- 

   فإن كان الذي قد قلت حقا
بأن قد أكرهوك على القضاء

فما لك موضعا في كل يوم‏
تلقى من يحج من النساء

مقيما في قرى شاهي ثلاثا
بلا زاد سوى كسر و ماء

و تقدمت كلثم بنت سريع مولى عمرو بن حريث- و كانت جميلة- و أخوها الوليد بن سريع إلى عبد الملك بن عمير- و هو قاض بالكوفة فقضى لها على أخيها- فقال هذيل الأشجعي-

أتاه وليد بالشهود يسوقهم
على ما ادعى من صامت المال و الخول‏

و جاءت إليه كلثم و كلامها
شفاء من الداء المخامر و الخبل‏

فأدلى وليد عند ذاك بحقه
و كان وليد ذا مراء و ذا جدل‏

فدلهت القبطي حتى قضى لها
بغير قضاء الله في محكم الطول‏

فلو كان من في القصر يعلم علمه
لما استعمل القبطي فينا على عمل‏

له حين يقضي للنساء تخاوص‏
و كان و ما فيه التخاوص و الحول‏

إذا ذات دل كلمته لحاجة
فهم بأن يقضي تنحنح أو سعل‏

و برق عينيه و لاك لسانه‏
يرى كل شي‏ء ما خلا وصلها جلل‏

 و كان عبد الملك بن عمير يقول لعن الله الأشجعي-  و الله لربما جاءتني السعلة و النحنحة و أنا في المتوضإ-  فأردهما لما شاع من شعره- . كتب عمر بن الخطاب إلى معاوية-  أما بعد فقد كتبت إليك في القضاء بكتاب-  لم آلك و نفسي فيه خيرا-  الزم خمس خصال يسلم لك دينك و تأخذ بأفضل حظك-  إذا تقدم إليك الخصمان-  فعليك بالبينة العادلة أو اليمين القاطعة-  و ادن الضعيف حتى يشتد قلبه و ينبسط لسانه-  و تعهد الغريب-  فإنك إن لم تتعهده ترك حقه و رجع إلى أهله-  و إنما ضيع حقه من لم يرفق به-  و آس بين الخصوم في لحظك و لفظك-  و عليك بالصلح بين الناس-  ما لم يستبن لك فصل القضاء- . و كتب عمر إلى شريح لا تسارر و لا تضارر-  و لا تبع و لا تبتع في مجلس القضاء-  و لا تقض و أنت غضبان و لا شديد الجوع-  و لا مشغول القلب- . شهد رجل عند سوار القاضي-  فقال ما صناعتك فقال مؤدب-  قال أنا لا أجيز شهادتك قال و لم-  قال لأنك تأخذ على تعليم القرآن أجرا-  قال و أنت أيضا تأخذ على القضاء بين المسلمين أجرا-  قال إنهم أكرهوني قال نعم أكرهوك على القضاء-  فهل أكرهوك على أخذ الأجر-  قال هلم شهادتك- . و دخل أبو دلامة ليشهد عند أبي ليلى-  فقال حين جلس بين يديه- 

 إذا الناس غطوني تغطيت عنهم
و إن بحثوا عني ففيهم مباحث‏

و إن حفروا بئري حفرت بئارهم
ليعلم ما تخفيه تلك النبائث‏

– . فقال بل نغطيك يا أبا دلامة و لا نبحثك-  و صرفه راضيا-  و أعطى المشهود عليه من عنده قيمة ذلك الشي‏ء- . كان عامر بن الظرب العدواني حاكم العرب و قاضيها-  فنزل به قوم يستفتونه في الخنثى و ميراثه-  فلم يدر ما يقضي فيه-  و كان له جارية اسمها خصيلة-  ربما لامها في الإبطاء عن الرعي و في الشي‏ء يجده عليها-  فقال لها يا خصيلة لقد أسرع هؤلاء القوم في غنمي-  و أطالوا المكث-  قالت و ما يكبر عليك من ذلك اتبعه مباله و خلاك ذم-  فقال لها مسي خصيل بعدها أو روحي- . و قال أعرابي لقوم يتنازعون-  هل لكم في الحق أو ما هو خير من الحق-  قيل و ما الذي هو خير من الحق-  قال التحاط و الهضم فإن أخذ الحق كله مر- . و عزل عمر بن عبد العزيز بعض قضاته-  فقال لم عزلتني-  فقال بلغني أن كلامك أكثر من كلام الخصمين-  إذا تحاكما إليك- . و دخل إياس بن معاوية الشام و هو غلام-  فقدم خصما إلى باب القاضي في أيام عبد الملك-  فقال القاضي أ ما تستحيي تخاصم و أنت غلام شيخا كبيرا-  فقال الحق أكبر منه فقال اسكت ويحك-  قال فمن ينطق بحجتي إذا-  قال ما أظنك تقول اليوم حقا حتى تقوم-  فقال لا إله إلا الله-  فقام القاضي و دخل على عبد الملك و أخبره-  فقال اقض حاجته-  و أخرجه من الشام كي لا يفسد علينا الناس- . و اختصم أعرابي و حضري إلى قاض-  فقال الأعرابي أيها القاضي إنه و إن هملج إلى الباطل-  فإنه عن الحق لعطوف- . و رد رجل جارية على رجل اشتراها منه بالحمق-  فترافعا إلى إياس بن معاوية-فقال لها إياس أي رجليك أطول فقالت هذه-  فقال أ تذكرين ليلة ولدتك أمك قالت نعم-  فقال إياس رد رد- .

و جاء في الخبر المرفوع من رواية عبد الله بن عمر لا قدست أمة لا يقضى فيها بالحقو من الحديث المرفوع من رواية أبي هريرة ليس أحد يحكم بين الناس-  إلا جي‏ء به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه-  فكه العدل و أسلمه الجور واستعدى رجل على علي بن أبي طالب ع-  عمر بن الخطاب رضي الله عنه و علي جالس-  فالتفت عمر إليه فقال-  قم يا أبا الحسن فاجلس مع خصمك-  فقام فجلس معه و تناظرا-  ثم انصرف الرجل و رجع علي ع إلى محله-  فتبين عمر التغير في وجهه-  فقال يا أبا الحسن ما لي أراك متغيرا أ كرهت ما كان-  قال نعم قال و ما ذاك-  قال كنيتني بحضرة خصمي-  هلا قلت قم يا علي فاجلس مع خصمك-  فاعتنق عمر عليا و جعل يقبل وجهه-  و قال بأبي أنتم بكم هدانا الله-  و بكم أخرجنا من الظلمة إلى النور- . أبان بن عبد الحميد اللاحقي في سوار بن عبد الله القاضي- 

   لا تقدح الظنة في حكمه
شيمته عدل و إنصاف‏

يمضي إذا لم تلقه شبهة
و في اعتراض الشك وقاف‏

كان ببغداد رجل يذكر بالصلاح و الزهد يقال له رويم-  فولي القضاء فقال الجنيد-  من أراد أن يستودع سره من لا يفشيه فعليه برويم-  فإنه كتم حب الدنيا أربعين سنة إلى أن قدر عليها- . الأشهب الكوفي

يا أهل بغداد قد قامت قيامتكم
مذ صار قاضيكم نوح بن دراج‏

لو كان حيا له الحجاج ما سلمت‏
صحيحة يده من وسم حجاج‏

و كان الحجاج يسم أيدي النبط بالمشراط و النيل- . لما وقعت فتنة ابن الزبير اعتزل شريح القضاء-  و قال لا أقضي في الفتنة-  فبقي لا يقضي تسع سنين-  ثم عاد إلى القضاء و قد كبرت سنه-  فاعترضه رجل و قد انصرف من مجلس القضاء-  فقال له أ ما حان لك أن تخاف الله-  كبرت سنك و فسد ذهنك و صارت الأمور تجوز عليك-  فقال و الله لا يقولها بعدك لي أحد-  فلزم بيته حتى مات- . قيل لأبي قلابة و قد هرب من القضاء لو أجبت-  قال أخاف الهلاك-  قيل لو اجتهدت لم يكن عليك بأس-  قال ويحكم إذا وقع السابح في البحر كم عسى أن يسبح- . دعا رجل لسليمان الشاذكوني-  فقال أرانيك الله يا أبا أيوب على قضاء أصبهان-  قال ويحك إن كان و لا بد فعلى خراجها-  فإن أخذ أموال الأغنياء أسهل من أخذ أموال الأيتام- . ارتفعت جميلة بنت عيسى بن جراد و كانت جميلة كاسمها-  مع خصم لها إلى الشعبي و هو قاضي عبد الملك فقضى لها-  فقال هذيل الأشجعي

  فتن الشعبي لما
رفع الطرف إليها

فتنته بثنايا
ها و قوسي حاجبيها

و مشت مشيا رويدا
ثم هزت منكبيها

فقضى جورا على الخصم‏
و لم يقض عليها

–  فقبض الشعبي عليه و ضربه ثلاثين سوطا- . قال ابن أبي ليلى-  ثم انصرف الشعبي يوما من مجلس القضاء-  و قد شاعت الأبيات‏و تناشدها الناس-  و نحن معه فمررنا بخادم تغسل الثياب-  و تقولفتن الشعبي لما-  و لا تحفظ تتمة البيت فوقف عليها و لقنها-  و قال رفع الطرف إليها-  ثم ضحك و قال-  أبعده الله و الله ما قضينا لها إلا بالحق- . جاءت امرأة إلى قاض فقالت-  مات بعلي و ترك أبوين و ابنا و بني عم-  فقال القاضي لأبويه الثكل و لابنه اليتم-  و لك اللائمة و لبني عمه الذلة-  و احملي المال إلينا إلى أن ترتفع الخصوم- . لقي سفيان الثوري شريكا بعد ما استقضي-  فقال له يا أبا عبد الله-  بعد الإسلام و الفقه و الصلاح تلي القضاء-  قال يا أبا عبد الله فهل للناس بد من قاض-  قال و لا بد يا أبا عبد الله للناس من شرطي- . و كان الحسن بن صالح بن حي يقول-  لما ولي شريك القضاء أي شيخ أفسدوا- .

 قال أبو ذر رضي الله عنه قال لي رسول الله ص-  يا أبا ذر اعقل ما أقول لك-  جعل يرددها على ستة أيام ثم قال لي في اليوم السابع-  أوصيك بتقوى الله في سريرتك و علانيتك-  و إذا أسأت فأحسن-  و لا تسألن أحدا شيئا و لو سقط سوطك-  و لا تتقلدن أمانة و لا تلين ولاية-  و لا تكفلن يتيما و لا تقضين بين اثنين- . أراد عثمان بن عفان أن يستقضي عبد الله بن عمر-  فقال له أ لست قد سمعت النبي ص يقول من استعاذ بالله فقد عاذ بمعاذ-  قال بلى قال فإني أعوذ بالله منك أن تستقضيني- .

و قد ذكر الفقهاء في آداب القاضي أمورا-  قالوا لا يجوز أن يقبل هدية في أيام القضاء-  إلا ممن كانت له عادة يهدي إليه قبل أيام القضاء-  و لا يجوز قبولها في أيام القضاء ممن له حكومة و خصومة-  و إن كان ممن له عادة قديمة-  و كذلك إن كانت الهدية أنفس و أرفع-  مما كانت قبل أيام القضاء لا يجوز قبولها-  و يجوز أن يحضر القاضي الولائم-  و لا يحضر عند قوم دون قوم لأن التخصيص يشعر بالميل-  و يجوز أن يعود المرضى و يشهد الجنائز-  و يأتي مقدم الغائب و يكره له مباشرة البيع و الشراء-  و لا يجوز أن يقضي و هو غضبان و لا جائع و لا عطشان-  و لا في حال الحزن الشديد و لا الفرح الشديد-  و لا يقضي و النعاس يغلبه و المرض يقلقه-  و لا و هو يدافع الأخبثين-  و لا في حر مزعج و لا في برد مزعج-  و ينبغي أن يجلس للحكم في موضع بارز يصل إليه كل أحد-  و لا يحتجب إلا لعذر-  و يستحب أن يكون مجلسه فسيحا لا يتأذى بذلك هو أيضا-  و يكره الجلوس في المساجد للقضاء-  فإن احتاج إلى وكلاء جاز أن يتخذهم-  و يوصيهم بالرفق بالخصوم-  و يستحب أن يكون له حبس-  و أن يتخذ كاتبا إن احتاج إليه-  و من شرط كاتبه أن يكون عارفا بما يكتب به عن القضاء- . و اختلف في جواز كونه ذميا و الأظهر أنه لا يجوز-  و لا يجوز أن يكون كاتبه فاسقا-  و لا يجوز أن يكون الشهود عنده قوما معينين-  بل الشهادة عامة فيمن استكمل شروطها

ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِيَاراً-  وَ لَا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وَ أَثَرَةً-  فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَ الْخِيَانَةِ-  وَ تَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَ الْحَيَاءِ-  مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَ الْقَدَمِ فِي الْإِسْلَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ-  فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلَاقاً وَ أَصَحُّ أَعْرَاضاً-  وَ أَقَلُّ فِي الْمَطَامِعِ إِشْرَافاً-  وَ أَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَراً-ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ-  فَإِنَّ ذَلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلَاحِ أَنْفُسِهِمْ-  وَ غِنًى لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ-  وَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ-  ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ-  وَ ابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَ الْوَفَاءِ عَلَيْهِمْ-  فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لِأُمُورِهِمْ-  حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْأَمَانَةِ وَ الرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ-  وَ تَحَفَّظْ مِنَ الْأَعْوَانِ-  فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَةٍ-  اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ-  اكْتَفَيْتَ بِذَلِكَ شَاهِداً-  فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ-  وَ أَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ-  ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ وَ وَسَمْتَهُ بِالْخِيَانَةِ-  وَ قَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ لما فرغ ع من أمر القضاء شرع في أمر العمال-  و هم عمال السواد و الصدقات و الوقوف و المصالح و غيرها-  فأمره أن يستعملهم بعد اختبارهم و تجربتهم-  و ألا يوليهم محاباة لهم و لمن يشفع فيهم-  و لا أثرة و لا إنعاما عليهم- .

كان أبو الحسن بن الفرات يقول-  الأعمال للكفاة من أصحابنا-  و قضاء الحقوق على خواص أموالنا- . و كان يحيى بن خالد يقول من تسبب إلينا بشفاعة في عمل-  فقد حل عندنا محل من ينهض بغيره-  و من لم ينهض بنفسه لم يكن للعمل أهلا- . و وقع جعفر بن يحيى في رقعة متحرم به-  هذا فتى له حرمة الأمل فامتحنه بالعمل-  فإن كان كافيا فالسلطان له دوننا-  و إن لم يكن كافيا فنحن له دون السلطان- . ثم قال ع فإنهما يعني استعمالهم للمحاباة و الأثرة-  جماع من شعب الجور و الخيانة-  و قد تقدم شرح مثل هذه اللفظة-  و المعنى أن ذلك يجمع ضروبا من الجور و الخيانة-  أما الجور-  فإنه يكون قد عدل عن المستحق إلى غير المستحق-  ففي ذلك جور على المستحق- .

و أما الخيانة-  فلأن الأمانة تقتضي تقليد الأعمال الأكفاء-  فمن لم يعتمد ذلك فقد خان من ولاه- . ثم أمره بتخير من قد جرب-  و من هو من أهل البيوتات و الأشراف-  لشدة الحرص على الشي‏ء و الخوف من فواته- . ثم أمره بإسباغ الأرزاق عليهم فإن الجائع لا أمانة له-  و لأن الحجة تكون لازمة لهم إن خانوا-  لأنهم قد كفوا مئونة أنفسهم و أهليهم-  بما فرض لهم من الأرزاق- . ثم أمره بالتطلع عليهم-  و إذكاء العيون و الأرصاد على حركاتهم- . و حدوة باعث يقال حداني هذا الأمر حدوة على كذا-  و أصله سوق الإبل-  و يقال للشمال حدواء لأنها تسوق السحاب- . ثم أمره بمؤاخذة من ثبتت خيانته و استعادة المال منه-  و قد صنع عمر كثيرا من ذلك و ذكرناه فيما تقدم- . قال بعض الأكاسرة لعامل من عماله-  كيف نومك بالليل قال أنامه كله-  قال أحسنت لو سرقت ما نمت هذا النوم: وَ تَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ-  فَإِنَّ فِي صَلَاحِهِ وَ صَلَاحِهِمْ صَلَاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ-  وَ لَا صَلَاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلَّا بِهِمْ-  لِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَ أَهْلِهِ-  وَ لْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ-  أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الْخَرَاجِ-  لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمَارَةِ-  وَ مَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ-  وَ أَهْلَكَ‏ الْعِبَادَ وَ لَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلَّا قَلِيلًا-  فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلًا أَوْ عِلَّةً أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ أَوْ بَالَّةٍ-  أَوْ إِحَالَةَ أَرْضٍ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ-  أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ-  خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ-  وَ لَا يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْ‏ءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمَئُونَةَ عَنْهُمْ-  فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلَادِكَ-  وَ تَزْيِينِ وِلَايَتِكَ مَعَ اسْتِجْلَابِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ-  وَ تَبَجُّحِكَ بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ-  مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ-  بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِكَ لَهُمْ-  وَ الثِّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ وَ رِفْقِكَ بِهِمْ-  فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الْأُمُورِ-  مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ-  طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ بِهِ-  فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا حَمَّلْتَهُ-  وَ إِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا-  وَ إِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لِإِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلَاةِ عَلَى الْجَمْعِ-  وَ سُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ وَ قِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ انتقل ع من ذكر العمال-  إلى ذكر أرباب الخراج و دهاقين السواد-  فقال تفقد أمرهم فإن الناس عيال عليهم-  و كان يقال استوصوا بأهل الخراج-  فإنكم لا تزالون سمانا ما سمنوا- .

و رفع إلى أنوشروان أن عامل الأهواز-  قد حمل من مال الخراج ما يزيد على العادة-  و ربما يكون ذلك قد أجحف بالرعية-  فوقع يرد هذا المال على من قد استوفى منه-  فإن تكثير الملك ماله بأموال رعيته-  بمنزلة من يحصن سطوحه بما يقتلعه من قواعد بنيانه- .

و كان على خاتم أنوشروان-  لا يكون عمران حيث يجور السلطان- . و روي استحلاب الخراج بالحاء- . ثم قال فإن شكوا ثقلا-  أي ثقل طسق الخراج المضروب عليهم-  أو ثقل وطأة العامل- . قال أو علة نحو أن يصيب الغلة آفة-  كالجراد و البرق أو البرد- . قال أو انقطاع شرب بأن ينقص الماء في النهر-  أو تتعلق أرض الشرب عنه لفقد الحفر- . قال أو بالة يعني المطر- . قال أو إحالة أرض اغتمرها غرق-  يعني أو كون الأرض قد حالت و لم يحصل منها ارتفاع-  لأن الغرق غمرها و أفسد زرعها- .

قال أو أجحف بها عطش أي أتلفها- . فإن قلت فهذا هو انقطاع الشرب-  قلت لا قد يكون الشرب غير منقطع-  و مع ذلك يجحف بها العطش-  بأن لا يكفيها الماء الموجود في الشرب- . ثم أمره أن يخفف عنهم متى لحقهم شي‏ء من ذلك-  فإن التخفيف يصلح أمورهم-  و هو و إن كان يدخل على المال نقصا في العاجل-  إلا أنه يقتضي توفير زيادة في الآجل-  فهو بمنزلة التجارة-  التي لا بد فيها من إخراج رأس المال-  و انتظار عوده و عود ربحه- .

قال و مع ذلك فإنه يفضي إلى تزين بلادك بعمارتها-  و إلى أنك تبجح بين الولاة بإفاضة العدل في رعيتك-  معتمدا فضل قوتهم-  و معتمدا منصوب على الحال من الضمير في خففت الأولى-  أي خففت عنهم معتمدا بالتخفيف فضل قوتهم- . و الإجمام الترفيه- . ثم قال له و ربما احتجت فيما بعد-  إلى تكلفهم بحادث يحدث عندك-  المساعدة بمال يقسطونه عليهم قرضا أو معونة محضة-  فإذا كانت لهم ثروة نهضوا بمثل ذلك طيبة قلوبهم به- . ثم قال ع فإن العمران محتمل ما حملته- . سمعت أبا محمد بن خليد-  و كان صاحب ديوان الخراج في أيام الناصر لدين الله-  يقول لمن قال له قد قيل عنك إن واسط و البصرة-  قد خربت لشدة العنف بأهلها في تحصيل الأموال-  فقال أبو محمد ما دام هذا الشط بحاله-  و النخل نابتا في منابته بحاله-  ما تخرب واسط و البصرة أبدا- . ثم قال ع إنما تؤتى الأرض-  أي إنما تدهى من إعواز أهلها أي من فقرهم- .

قال و الموجب لإعوازهم طمع ولاتهم في الجباية-  و جمع الأموال لأنفسهم و لسلطانهم و سوء ظنهم بالبقاء-  يحتمل أن يريد به أنهم يظنون طول البقاء-  و ينسون الموت و الزوال- . و يحتمل أن يريد به أنهم يتخيلون العزل و الصرف-  فينتهزون الفرص و يقتطعون الأموال-  و لا ينظرون في عمارة البلاد

عهد سابور بن أردشير لابنه

و قد وجدت في عهد سابور بن أردشير إلى ابنه كلاما-  يشابه كلام أمير المؤمنين ع في هذا العهد-  و هو قوله و اعلم أن قوام أمرك بدرور الخراج-  و درور الخراج بعمارة البلاد-  و بلوغ الغاية في ذلك استصلاح أهله-  بالعدل عليهم و المعونة لهم-  فإن بعض الأمور لبعض سبب و عوام الناس لخواصهم عدة-  و بكل صنف منهم إلى الآخر حاجة-  فاختر لذلك أفضل من تقدر عليه من كتابك-  و ليكونوا من أهل البصر و العفاف و الكفاية-  و استرسل إلى كل امرئ منهم شخصا يضطلع به-  و يمكنه تعجيل الفراغ منه-  فإن اطلعت على أن أحدا منهم خان أو تعدى-  فنكل به و بالغ في عقوبته-  و احذر أن تستعمل على الأرض الكثير خراجها-  إلا البعيد الصوت العظيم شرف المنزلة- . و لا تولين أحدا من قواد جندك الذين هم عدة للحرب-  و جنة من الأعداء شيئا من أمر الخراج-  فلعلك تهجم من بعضهم-  على خيانة في المال أو تضييع للعمل-  فإن سوغته المال و أغضيت له على التضييع-  كان ذلك هلاكا و إضرارا بك و برعيتك-  و داعية إلى فساد غيره-  و إن أنت كافأته فقد استفسدته و أضقت صدره-  و هذا أمر توقيه حزم و الإقدام عليه خرق-  و التقصير فيه عجز- .

و اعلم أن من أهل الخراج من يلجئ بعض أرضه و ضياعه-  إلى خاصة الملك و بطانته لأحد أمرين-  أنت حري بكراهتهما-  إما لامتناع من جور العمال و ظلم الولاة-  و تلك منزلة يظهر بها سوء أثر العمال-  و ضعف الملك و إخلاله بما تحت يده-  و إما للدفع عما يلزمهم‏ من الحق و التيسر له-  و هذه خلة تفسد بها آداب الرعية-  و تنتقص بها أموال الملك-  فاحذر ذلك و عاقب الملتجئين و الملجأ إليهمركب زياد يوما بالسوس يطوف بالضياع و الزروع-  فرأى عمارة حسنة فتعجب منها-  فخاف أهلها أن يزيد في خراجهم-  فلما نزل دعا وجوه البلد و قال بارك الله عليكم-  فقد أحسنتم العمارة و قد وضعت عنكم مائة ألف درهم-  ثم قال ما توفر علي من تهالك غيرهم على العمارة-  و أمنهم جوري أضعاف ما وضعت عن هؤلاء الآن-  و الذي وضعته بقدر ما يحصل من ذاك-  و ثواب عموم العمارة و أمن الرعية أفضل ربح: ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ-  فَوَلِّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ-  وَ اخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَايِدَكَ وَ أَسْرَارَكَ-  بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُودِ صَالِحِ الْأَخْلَاقِ مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ-  فَيَجْتَرِئَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلَافٍ لَكَ بِحَضْرَةِ مَلٍا-  وَ لَا تُقَصِّرُ بِهِ الْغَفْلَةُ عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمِّالِكَ عَلَيْكَ-  وَ إِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْكَ-  وَ فِيمَا يَأْخُذُ لَكَ وَ يُعْطِي مِنْكَ-  وَ لَا يُضْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَكَ-  وَ لَا يَعْجِزُ عَنْ إِطْلَاقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ-  وَ لَا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الْأُمُورِ-  فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ-  ثُمَّ لَا يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ-  وَ اسْتِنَامَتِكَ وَ حُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ-فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلَاةِ-  بِتَصَنُّعِهِمْ وَ حُسْنِ حَدِيثِهِمْ-  وَ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَ الْأَمَانَةِ شَيْ‏ءٌ-  وَ لَكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ-  فَاعْمِدْ لِأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً-  وَ أَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَةِ وَجْهاً-  فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ لِلَّهِ وَ لِمَنْ وُلِّيتَ أَمْرَهُ-  وَ اجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ-  لَا يَقْهَرُهُ كَبِيرُهَا وَ لَا يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا-  وَ مَهْمَا كَانَ فِي كُتَّابِكَ مِنْ عَيْبٍ فَتَغَابَيْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ

فصل فيما يجب على مصاحب الملك

لما فرغ من أمر الخراج شرع في أمر الكتاب-  الذين يلون أمر الحضرة-  و يترسلون عنه إلى عماله و أمرائه-  و إليهم معاقد التدبير و أمر الديوان-  فأمره أن يتخير الصالح منهم-  و من يوثق على الاطلاع على الأسرار و المكايد-  و الحيل و التدبيرات-  و من لا يبطره الإكرام و التقريب-  فيطمع فيجترئ على مخالفته في ملإ من الناس و الرد عليه-  ففي ذلك من الوهن للأمير و سوء الأدب-  الذي انكشف الكاتب عنه ما لا خفاء به- . قال الرشيد للكسائي يا علي بن حمزة-  قد أحللناك المحل الذي لم تكن تبلغه همتك-  فرونا من الأشعار أعفها-  و من الأحاديث أجمعها لمحاسن الأخلاق-  و ذاكرنا بآداب الفرس و الهند-  و لا تسرع علينا الرد في ملإ و لا تترك تثقيفنا في خلإ- . و في آداب ابن المقفع-  لا تكونن صحبتك للسلطان إلا بعد رياضة منك لنفسك-  على‏طاعتهم في المكروه عندك و موافقتهم فيما خالفك-  و تقدير الأمور على أهوائهم دون هواك-  فإن كنت حافظا إذا ولوك حذرا إذا قربوك-  أمينا إذا ائتمنوك-  تعلمهم و كأنك تتعلم منهم-  و تأدبهم و كأنك تتأدب بهم-  و تشكر لهم و لا تكلفهم الشكر-  ذليلا إن صرموك راضيا إن أسخطوك-  و إلا فالبعد منهم كل البعد و الحذر منهم كل الحذر-  و إن وجدت عن السلطان و صحبته غنى فاستغن عنه-  فإنه من يخدم السلطان حق خدمته-  يخلى بينه و بين لذة الدنيا و عمل الأخرى-  و من يخدمه غير حق الخدمة فقد احتمل وزر الآخرة-  و عرض نفسه للهلكة و الفضيحة في الدنيا-  فإذا صحبت السلطان-  فعليك بطول الملازمة من غير إملال-  و إذا نزلت منه بمنزلة الثقة فاعزل عنه كلام الملق-  و لا تكثر له من الدعاء-  و لا تردن عليه كلاما في حفل و إن أخطأ-  فإذا خلوت به فبصره في رفق-  و لا يكونن طلبك ما عنده بالمسألة-  و لا تستبطئه و إن أبطأ-  و لا تخبرنه أن لك عليه حقا-  و أنك تعتمد عليه ببلاء-  و إن استطعت ألا تنسى حقك و بلاءك-  بتجديد النصح و الاجتهاد فافعل-  و لا تعطينه المجهود كله من نفسك في أول صحبتك له-  و أعد موضعا للمزيد-  و إذا سأل غيرك عن شي‏ء فلا تكن المجيب- .

و اعلم أن استلابك الكلام خفة فيك-  و استخفاف منك بالسائل و المسئول-  فما أنت قائل إن قال لك السائل ما إياك سألت-  أو قال المسئول أجب بمجالسته و محادثته-  أيها المعجب بنفسه و المستخف بسلطانه- . و قال عبد الملك بن صالح لمؤدب ولده-  بعد أن اختصه بمجالسته و محادثته-  يا عبد الله كن على التماس الحظ فيك بالسكوت-  أحرص منك على التماسه بالكلام-  فإنهم قالوا إذا أعجبك الكلام فاصمت-  و إذا أعجبك الصمت فتكلم-  و اعلم أن أصعب الملوك معاملة الجبار الفطن المتفقد-  فإن ابتليت بصحبته فاحترس-  و إن عوفيت فاشكر الله على السلامة-  فإن السلامة أصل كل نعمة-  لا تساعدني على ما يقبح بي-  و لا تردن علي‏خطأ في مجلس-  و لا تكلفني جواب التشميت و التهنئة-  و دع عنك كيف أصبح الأمير و كيف أمسى-  و كلمني بقدر ما أستنطقك-  و اجعل بدل التقريظ لي صواب الاستماع مني-  و اعلم أن صواب الاستماع أحسن من صواب القول-  فإذا سمعتني أتحدث فلا يفوتنك منه شي‏ء-  و أرني فهمك إياه في طرفك و وجهك-  فما ظنك بالملك-  و قد أحلك محل المعجب بما يسمعك إياه-  و أحللته محل من لا يسمع منه-  و كل من هذا يحبط إحسانك و يسقط حق حرمتك-  و لا تستدع الزيادة من كلامي-  بما تظهر من استحسان ما يكون مني-  فمن أسوأ حالا ممن يستكد الملوك بالباطل-  و ذلك يدل على تهاونه بقدر ما أوجب الله تعالى من حقهم- 

و اعلم أني جعلتك مؤدبا بعد أن كنت معلما-  و جعلتك جليسا مقربا بعد أن كنت مع الصبيان مباعدا-  فمتى لم تعرف نقصان ما خرجت منه-  لم تعرف رجحان ما دخلت فيه-  و قد قالوا من لم يعرف سوء ما أولى-  لم يعرف حسن ما أبلىثم قال ع و ليكن كاتبك غير مقصر-  عن عرض مكتوبات عمالك عليك-  و الإجابة عنها حسن الوكالة و النيابة عنك-  فيما يحتج به لك عليهم من مكتوباتهم-  و ما يصدره عنك إليهم من الأجوبة-  فإن عقد لك عقدا قواه و أحكمه-  و إن عقد عليك عقدا اجتهد في نقضه و حله-  قال و أن يكون عارفا بنفسه-  فمن لم يعرف قدر نفسه لم يعرف قدر غيره- . ثم نهاه أن يكون مستند اختياره لهؤلاء فراسته فيهم-  و غلبة ظنه بأحوالهم-  فإن التدليس ينم في ذلك كثيرا-  و ما زال الكتاب يتصنعون للأمراء بحسن الظاهر-  و ليس وراء ذلك كثير طائل في النصيحة و المعرفة-  و لكن ينبغي أن يرجع في ذلك-  إلى ما حكمت‏به التجربة لهم و ما ولوه من قبل-  فإن كانت ولايتهم و كتابتهم حسنة مشكورة فهم هم-  و إلا فلا-  و يتعرفون لفراسات الولاة-  يجعلون أنفسهم بحيث يعرف بضروب من التصنع-  و روي يتعرضون- . ثم أمره أن يقسم فنون الكتابة و ضروبها بينهم-  نحو أن يكون أحدهم للرسائل إلى الأطراف و الأعداء-  و الآخر لأجوبة عمال السواد-  و الآخرة بحضرة الأمير في خاصته و داره و حاشيته و ثقاته- . ثم ذكر له أنه مأخوذ مع الله تعالى بما يتغابى عنه-  و يتغافل من عيوب كتابه-  فإن الدين لا يبيح الإغضاء و الغفلة عن الأعوان و الخول-  و يوجب التطلع عليهم

فصل في الكتاب و ما يلزمهم من الآداب

و اعلم أن الكاتب الذي يشير أمير المؤمنين ع إليه-  هو الذي يسمى الآن في الاصطلاح العرفي وزيرا-  لأنه صاحب تدبير حضرة الأمير و النائب عنه في أموره-  و إليه تصل مكتوبات العمال و عنه تصدر الأجوبة-  و إليه العرض على الأمير-  و هو المستدرك على العمال و المهيمن عليهم-  و هو على الحقيقة كاتب الكتاب-  و لهذا يسمونه الكاتب المطلق- . و كان يقال للكاتب على الملك ثلاث-  رفع الحجاب عنه و اتهام الوشاة عليه-  و إفشاء السر إليه- . و كان يقال صاحب السلطان نصفه و كاتبه كله-  و ينبغي لصاحب الشرطة أن يطيل الجلوس و يديم العبوس-  و يستخف بالشفاعات- .

و كان يقال إذا كان الملك ضعيفا و الوزير شرها-  و القاضي جائرا فرقوا الملك شعاعا- . و كان يقال لا تخف صولة الأمير مع رضا الكاتب-  و لا تثقن برضا الأمير مع سخط الكاتب-  و أخذ هذا المعنى أبو الفضل بن العميد فقال- 

   و زعمت أنك لست تفكر بعد ما
علقت يداك بذمة الأمراء

هيهات قد كذبتك فكرتك التي‏
قد أوهمتك غنى عن الوزراء

لم تغن عن أحد سماء لم تجد
أرضا و لا أرض بغير سماء

 و كان يقال إذا لم يشرف الملك على أموره-  صار أغش الناس إليه وزيره- . و كان يقال ليس الحرب الغشوم بأسرع في اجتياح الملك-  من تضييع مراتب الكتاب حتى يصيبها أهل النذالة-  و يزهد فيها أولو الفضل

فصل في ذكر ما نصحت به الأوائل الوزراء

و كان يقال لا شي‏ء أذهب بالدول-  من استكفاء الملك الأسرار- . و كان يقال من سعادة جد المرء-  ألا يكون في الزمان المختلط وزيرا للسلطان- . و كان يقال كما أن أشجع الرجال يحتاج إلى السلاح-  و أسبق الخيل يحتاج إلى السوط-  و أحد الشفار يحتاج إلى المسن-  كذلك أحزم الملوك و أعقلهم-  يحتاج إلى الوزير الصالح- . و كان يقال صلاح الدنيا بصلاح الملوك-  و صلاح الملوك بصلاح الوزراء-و كما لا يصلح الملك إلا بمن يستحق الملك-  كذلك لا تصلح الوزارة إلا بمن يستحق الوزارة- . و كان يقال-  الوزير الصالح لا يرى أن صلاحه في نفسه كائن صلاحا-  حتى يتصل بصلاح الملك و صلاح رعيته-  و أن تكون عنايته فيما عطف الملك على رعيته-  و فيما استعطف قلوب الرعية و العامة-  على الطاعة للملك-  و فيما فيه قوام أمر الملك من التدبير الحسن-  حتى يجمع إلى أخذ الحق تقديم عموم الأمن-  و إذا طرقت الحوادث كان للملك عدة و عتادا-  و للرعية كافيا محتاطا و من ورائها محاميا ذابا-  يعنيه من صلاحها ما لا يعنيه من صلاح نفسه دونها- . و كان يقال مثل الملك الصالح إذا كان وزيره فاسدا-  مثل الماء العذب الصافي و فيه التمساح-  لا يستطيع الإنسان و إن كان سابحا-  و إلى الماء ظامئا دخوله-  حذرا على نفسه- .

قال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب القرظي-  حين استخلف-  لو كنت كاتبي و ردءا لي على ما دفعت إليه-  قال لا أفعل و لكني سأرشدك-  أسرع الاستماع و أبطئ في التصديق-  حتى يأتيك واضح البرهان-  و لا تعملن ثبجتك فيما تكتفي فيه بلسانك-  و لا سوطك فيما تكتفي فيه بثبجتك-  و لا سيفك فيما تكتفي فيه بسوطك- . و كان يقال-  التقاط الكاتب للرشا و ضبط الملك لا يجتمعان- . و قال أبرويز لكاتبه اكتم السر و اصدق الحديث-  و اجتهد في النصيحة و عليك بالحذر-  فإن لك علي ألا أعجل عليك حتى أستأني لك-  و لا أقبل فيك قولا حتى أستيقن-  و لا أطمع فيك أحدا فتغتال- 

و اعلم أنك بمنجاة رفعة فلا تحطنها-  و في‏ظل مملكة فلا تستزيلنه-  قارب الناس مجاملة من نفسك-  و باعدهم مسامحة عن عدوك-  و اقصد إلى الجميل ازدراعا لغدك-  و تنزه بالعفاف صونا لمروءتك-  و تحسن عندي بما قدرت عليه-  احذر لا تسرعن الألسنة عليك-  و لا تقبحن الأحدوثة عنك-  و صن نفسك صون الدرة الصافية-  و أخلصها إخلاص الفضة البيضاء-  و عاتبها معاتبة الحذر المشفق-  و حصنها تحصين المدينة المنيعة-  لا تدعن أن ترفع إلى الصغير فإنه يدل على الكبير-  و لا تكتمن عني الكبير فإنه ليس بشاغل عن الصغير-  هذب أمورك ثم القني بها-  و احكم أمرك ثم راجعني فيه-  و لا تجترئن علي فأمتعض-  و لا تنقبضن مني فأتهم-  و لا تمرضن ما تلقاني به و لا تخدجنه-  و إذا أفكرت فلا تجعل و إذا كتبت فلا تعذر-  و لا تستعن بالفضول فإنها علاوة على الكفاية-  و لا تقصرن عن التحقيق فإنها هجنة بالمقالة-  و لا تلبس كلاما بكلام و لا تبعدن معنى عن معنى-  و أكرم لي كتابك عن ثلاث-  خضوع يستخفه و انتشار يهجنه و معان تعقد به-  و اجمع الكثير مما تريد في القليل مما تقول-  و ليكن بسطة كلامك على كلام السوقة كبسطة الملك-  الذي تحدثه على الملوك-  لا يكن ما نلته عظيما و ما تتكلم به صغيرا- 

فإنما كلام الكاتب على مقدار الملك-  فاجعله عاليا كعلوه و فائقا كتفوقه-  فإنما جماع الكلام كله خصال أربع-  سؤالك الشي‏ء و سؤالك عن الشي‏ء-  و أمرك بالشي‏ء و خبرك عن الشي‏ء-  فهذه الخصال دعائم المقالات-  إن التمس إليها خامس لم يوجد-  و إن نقص منها واحد لم يتم-  فإذا أمرت فاحكم و إذا سألت فأوضح-  و إذا طلبت فأسمح و إذا أخبرت فحقق-  فإنك إذا فعلت ذلك أخذت بجراثيم القول كله-  فلم يشتبه عليك واردة و لم تعجزك صادرة-  أثبت في دواوينك ما أخذت و أحص فيها ما أخرجت-  و تيقظ لما تعطي و تجرد لما تأخذ-  و لا يغلبنك النسيان عن الإحصاء-  و لا الأناة عن التقدم-  و لا تخرجن‏ وزن قيراط في غير حق-  و لا تعظمن إخراج الألوف الكثيرة في الحق-  و ليكن ذلك كله عن مؤامرتي

ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ وَ ذَوِي الصِّنَاعَاتِ وَ أَوْصِ بِهِمْ خَيْراً-  الْمُقِيمِ مِنْهُمْ وَ الْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ وَ الْمُتَرَفِّقِ بِبَدَنِهِ-  فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ وَ أَسْبَابُ الْمَرَافِقِ-  وَ جُلَّابُهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ وَ الْمَطَارِحِ-  فِي بَرِّكَ وَ بَحْرِكَ وَ سَهْلِكَ وَ جَبَلِكَ-  وَ حَيْثُ لَا يَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا-  وَ لَا يَجْتَرِءُونَ عَلَيْهَا-  فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لَا تُخَافُ بَائِقَتُهُ-  وَ صُلْحٌ لَا تُخْشَى غَائِلَتُهُ-  وَ تَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ وَ فِي حَوَاشِي بِلَادِكَ-  وَ اعْلَمْ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ ضِيقاً فَاحِشاً-  وَ شُحّاً قَبِيحاً-  وَ احْتِكَاراً لِلْمَنَافِعِ وَ تَحَكُّماً فِي الْبِيَاعَاتِ-  وَ ذَلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ-  وَ عَيْبٌ عَلَى الْوُلَاةِ فَامْنَعْ مِنَ الِاحْتِكَارِ-  فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص مَنَعَ مِنْهُ-  وَ لْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً بِمَوَازِينِ عَدْلٍ-  وَ أَسْعَارٍ لَا تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَ الْمُبْتَاعِ-  فَمَنْ قَارَفَ حُكْرَةً بَعْدَ نَهْيِكَ إِيَّاهُ فَنَكِّلْ بِهِ-  وَ عَاقِبْهُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ خرج ع الآن إلى ذكر التجار و ذوي الصناعات-  و أمره بأن يعمل معهم الخير-  و أن يوصى غيره من أمرائه و عماله أن يعملوا معهم الخير-  و استوص بمعنى أوص‏نحو قر في المكان و استقر-  و علا قرنه و استعلاه- .

و قوله استوص بالتجار خيرا أي أوص نفسك بذلك-  و منه قول النبي ص استوصوا بالنساء خيرا-  و مفعولا استوص و أوص هاهنا محذوفان للعلم بهما-  و يجوز أن يكون استوص أي اقبل الوصية مني بهم-  و أوص بهم أنت غيرك- . ثم قسم ع الموصى بهم ثلاثة أقسام-  اثنان منها للتجار و هما المقيم-  و المضطرب يعني المسافر و الضرب السير في الأرض-  قال تعالى إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ-  و واحد لأرباب الصناعات-  و هو قوله و المترفق ببدنه-  و روي بيديه تثنية يد- . و المطارح الأماكن البعيدة- . و حيث لا يلتئم الناس لا يجتمعون-  و روي حيث لا يلتئم بحذف الواو-  ثم قال فإنهم أولو سلم يعني التجار و الصناع-  استعطفه عليهم و استماله إليهم- .

و قال ليسوا كعمال الخراج و أمراء الأجناد-  فجانبهم ينبغي أن يراعى و حالهم يجب أن يحاط و يحمى-  إذ لا يتخوف منهم بائقة لا في مال يخونون فيه-  و لا في دولة يفسدونها-  و حواشي البلاد أطرافها- . ثم قال له قد يكون في كثير منهم نوع من الشح و البخل-  فيدعوهم ذلك إلى الاحتكار في الأقوات-  و الحيف في البياعات-  و الاحتكار ابتياع الغلات في أيام‏رخصها-  و ادخارها في المخازن إلى أيام الغلاء و القحط-  و الحيف تطفيف في الوزن و الكيل و زيادة في السعر-  و هو الذي عبر عنه بالتحكم-  و قد نهى رسول الله ص عن الاحتكار-  و أما التطفيف و زياد التسعير فمنهي عنهما في نص الكتاب- . و قارف حكرة واقعها و الحاء مضمومة-  و أمره أن يؤدب فاعل ذلك من غير إسراف-  و ذلك أنه دون المعاصي التي توجب الحدود-  فغاية أمره من التعزير الإهانة و المنع: ثُمَّ اللَّهَ اللَّهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ-  مِنَ الْمَسَاكِينِ وَ الْمُحْتَاجِينَ وَ أَهْلِ الْبُؤْسَى وَ الزَّمْنَى-  فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَ مُعْتَرّاً-  وَ احْفَظِ اللَّهَ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ-  وَ اجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكِ-  وَ قِسْماً مِنْ غَلَّاتِ صَوَافِي الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ بَلَدٍ-  فَإِنَّ لِلْأَقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلْأَدْنَى-  وَ كُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ-  وَ لَا يَشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ-  فَإِنَّكَ لَا تُعْذَرُ بِتَضْيِيعِ التَّافِهِ لِإِحْكَامِكَ الْكَثِيرَ الْمُهِمَّ-  فَلَا تُشْخِصْ هَمَّكَ عَنْهُمْ وَ لَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُمْ-  وَ تَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لَا يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ-  مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُيُونُ وَ تَحْقِرُهُ الرِّجَالُ-  فَفَرِّغْ لِأُولَئِكَ ثِقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ وَ التَّوَاضُعِ-  فَلْيَرْفَعْ إِلَيْكَ أُمُورَهُمْ-  ثُمَّ اعْمَلْ فِيهِمْ بِالْإِعْذَارِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ يَوْمَ تَلْقَاهُ-  فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إِلَى الْإِنْصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ-  وَ كُلٌّ فَأَعْذِرْ إِلَى اللَّهِ فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ إِلَيْهِ-وَ تَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُتْمِ وَ ذَوِي الرِّقَّةِ فِي السِّنِّ-  مِمَّنْ لَا حِيلَةَ لَهُ وَ لَا يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ-  وَ ذَلِكَ عَلَى الْوُلَاةِ ثَقِيلٌ-  وَ الْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ وَ قَدْ يُخَفِّفُهُ اللَّهُ عَلَى أَقْوَامٍ-  طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ-  وَ وَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللَّهِ لَهُمْ انتقل من التجار و أرباب الصناعات-  إلى ذكر فقراء الرعية و مغموريها فقال-  و أهل البؤسى و هي البؤس كالنعمى للنعيم-  و الزمنى أولو الزمانة- .

و القانع السائل و المعتر الذي يعرض لك و لا يسألك-  و هما من ألفاظ الكتاب العزيز- . و أمره أن يعطيهم من بيت مال المسلمين-  لأنهم من الأصناف المذكورين في قوله تعالى-  وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ-  وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ-  و أن يعطيهم من غلات صوافي الإسلام-  و هي الأرضون التي لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب-  و كانت صافية لرسول الله ص-  فلما قبض صارت لفقراء المسلمين-  و لما يراه الإمام من مصالح الإسلام- .

ثم قال له فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى-  أي كل فقراء المسلمين سواء في سهامهم-  ليس فيها أقصى و أدنى-  أي لا تؤثر من هو قريب إليك أو إلى أحد من خاصتك-  على من هو بعيد ليس له سبب إليك-  و لا علقة بينه و بينك-  و يمكن أن يريد به-  لا تصرف غلات ما كان من الصوافي في بعض البلاد-  إلى مساكين ذلك‏ البلد خاصة-  فإن حق البعيد عن ذلك البلد فيها-  كمثل حق المقيم في ذلك البلد- . و التافه الحقير-  و أشخصت زيدا من موضع كذا أخرجته عنه-  و فلان يصعر خده للناس أي يتكبر عليهم- . و تقتحمه العيون تزدريه و تحتقره-  و الإعذار إلى الله-  الاجتهاد و المبالغة في تأدية حقه و القيام بفرائضه- . كان بعض الأكاسرة يجلس للمظالم بنفسه-  و لا يثق إلى غيره-  و يقعد بحيث يسمع الصوت-  فإذا سمعه أدخل المتظلم فأصيب بصمم في سمعه-  فنادى مناديه أن الملك يقول أيها الرعية-  إني إن أصبت بصمم في سمعي فلم أصب في بصري-  كل ذي ظلامة فليلبس ثوبا أحمر-  ثم جلس لهم في مستشرف له- . و كان لأمير المؤمنين ع بيت سماه بيت القصص-  يلقي الناس فيه رقاعهم-  و كذلك كان فعل المهدي محمد بن هارون الواثق-  من خلفاء بني العباس: وَ اجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ-  وَ تَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً-  فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ-  وَ تُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَ أَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَ شُرَطِكَ-  حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ-  فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ-  لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ-  غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ-ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ وَ الْعِيَّ-  وَ نَحِّ عَنْهُمُ الضِّيقَ وَ الْأَنَفَ-  يَبْسُطِ اللَّهُ عَلَيْكَ بِذَلِكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ-  وَ يُوجِبُ لَكَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ-  وَ أَعْطِ مَا أَعْطَيْتَ هَنِيئاً وَ امْنَعْ فِي إِجْمَالٍ وَ إِعْذَارٍ-  ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِكَ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا-  مِنْهَا إِجَابَةُ عُمَّالِكَ بِمَا يَعْيَا عَنْهُ كُتَّابُكَ-  وَ مِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ عِنْدَ وُرُودِهَا عَلَيْكَ-  بِمَا تَحْرَجُ بِهِ صُدُورُ أَعْوَانِكَ-  وَ أَمْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ عَمَلَهُ فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ مَا فِيهِ هذا الفصل من تتمة ما قبله-  و قد روي حتى يكلمك مكلمهم فاعل من كلم-  و الرواية الأولى الأحسن- . و غير متتعتع غير مزعج و لا مقلق-  و المتتعتع في الخبر النبوي-  المتردد المضطرب في كلامه عيا من خوف لحقه-  و هو راجع إلى المعنى الأول- . و الخرق الجهل- 

و روي ثم احتمل الخرق منهم و الغي-  و الغي و هو الجهل أيضا-  و الرواية الأولى أحسن- . ثم بين له ع أنه لا بد له من هذا المجلس-  لأمر آخر-  غير ما قدمه ع-  و ذلك لأنه لا بد من أن يكون في حاجات الناس-  ما يضيق به صدور أعوانه و النواب عنه-  فيتعين عليه أن يباشرها بنفسه-  و لا بد من أن يكون في كتب عماله الواردة عليه-ما يعيا كتابه عن جوابه-  فيجيب عنه بعلمه-  و يدخل في ذلك-  أن يكون فيها ما لا يجوز في حكم السياسة و مصلحة الولاية-  أن يطلع الكتاب عليه-  فيجيب أيضا عن ذلك بعلمه- .

ثم قال له لا تدخل عمل يوم في عمل يوم آخر-  فيتعبك و يكدرك-  فإن لكل يوم ما فيه من العمل: وَ اجْعَلْ لِنَفْسِكَ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى-  أَفْضَلَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ وَ أَجْزَلَ تِلْكَ الْأَقْسَامِ-  وَ إِنْ كَانَتْ كُلُّهَا لِلَّهِ إِذَا صَلَحَتْ فِيهَا النِّيَّةُ-  وَ سَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِيَّةُ-  وَ لْيَكُنْ فِي خَاصَّةِ مَا تُخْلِصُ بِهِ لِلَّهِ دِينَكَ إِقَامَةُ فَرَائِضِهِ-  الَّتِي هِيَ لَهُ خَاصَّةً-  فَأَعْطِ اللَّهَ مِنْ بَدَنِكَ فِي لَيْلِكَ وَ نَهَارِكَ-  وَ وَفِّ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ-  مِنْ ذَلِكَ كَامِلًا غَيْرَ مَثْلُومٍ وَ لَا مَنْقُوصٍ-  بَالِغاً مِنْ بَدَنِكَ مَا بَلَغَ-  وَ إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ لِلنَّاسِ-  فَلَا تَكُونَنَّ مُنَفِّراً وَ لَا مُضَيِّعاً-  فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ بِهِ الْعِلَّةُ وَ لَهُ الْحَاجَةُ-  وَ قَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص حِينَ وَجَّهَنِي إِلَى الْيَمَنِ-  كَيْفَ أُصَلِّي بِهِمْ-  فَقَالَ صَلِّ بِهِمْ كَصَلَاةِ أَضْعَفِهِمْ-  وَ كُنْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً لمافرغ ع من وصيته بأمور رعيته-  شرع في وصيته بأداء الفرائض-  التي‏افترضها الله عليه من عبادته-  و لقد أحسن ع في قوله و إن كانت كلها لله-  أي أن النظر في أمور الرعية-  مع صحة النية و سلامة الناس من الظلم-  من جملة العبادات و الفرائض أيضا- .

ثم قال له كاملا غير مثلوم-  أي لا يحملنك شغل السلطان على أن تختصر الصلاة اختصارا-  بل صلها بفرائضها و سننها و شعائرها في نهارك و ليلك-  و إن أتعبك ذلك و نال من بدنك و قوتك- . ثم أمره إذا صلى بالناس جماعة ألا يطيل فينفرهم عنها-  و ألا يخدج الصلاة و ينقصها فيضيعها- . ثم روى خبرا عن النبي ص-  و هو قوله ع له صل بهم كصلاة أضعفهم-  و قوله و كن بالمؤمنين رحيما-  يحتمل أن يكون من تتمة الخبر النبوي-  و يحتمل أن يكون من كلام أمير المؤمنين ع-  و الظاهر أنه من كلام أمير المؤمنين من الوصية للأشتر-  لأن اللفظة الأولى عند أرباب الحديث-  هي المشهور في الخبر: وَ أَمَّا بَعْدَ هَذَا فَلَا تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ-  فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلَاةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضِّيقِ-  وَ قِلَّةُ عِلْمٍ بِالْأُمُورِ-  وَ الِاحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دُونَهُ-  فَيَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْكَبِيرُ وَ يَعْظُمُ الصَّغِيرُ-  وَ يَقْبُحُ الْحَسَنُ وَ يَحْسُنُ الْقَبِيحُ-  وَ يُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ-  وَ إِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ-  لَا يَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ-  وَ لَيْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سِمَاتٌ-  تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ‏ الْكَذِبِ-  وَ إِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ-  إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ فِي الْحَقِّ-  فَفِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِيهِ-  أَوْ فِعْلٍ كَرِيمٍ تُسْدِيهِ أَوْ مُبْتَلًى بِالْمَنْعِ-  فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ-  إِذَا أَيِسُوا مِنْ بَذْلِكَ-  مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْكَ-  مَا لَا مَئُونَةَ فِيهِ عَلَيْكَ-  مِنْ شَكَاةِ مَظْلِمَةٍ أَوْ طَلَبِ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ نهاه عن الاحتجاب فإنه مظنة انطواء الأمور عنه-  و إذا رفع الحجاب دخل عليه كل أحد فعرف الأخبار-  و لم يخف عليه شي‏ء من أحوال عمله- .

ثم قال لم تحتجب-  فإن أكثر الناس يحتجبون كيلا يطلب منهم الرفد- . و أنت فإن كنت جوادا سمحا لم يكن لك إلى الحجاب داع-  و إن كنت ممسكا فسيعلم الناس ذلك منك-  فلا يسألك أحد شيئا- . ثم قال-  على أن أكثر ما يسأل منك ما لا مئونة عليه في ماله-  كرد ظلامة أو إنصاف من خصم

ذكر الحجاب و ما ورد فيه من الخبر و الشعر

و القول في الحجاب كثير-  حضر باب عمر جماعة من الأشراف-  منهم سهيل بن عمرو و عيينة بن حصن-  و الأقرع بن حابس-  فحجبوا ثم خرج الآذن فنادى-  أين عمار أين سلمان أين صهيب-فأدخلهم فتمعرت وجوه القوم-  فقال سهيل بن عمرو لم تتمعر وجوهكم-  دعوا و دعينا فأسرعوا و أبطأنا-  و لئن حسدتموهم على باب عمر اليوم لأنتم غدا لهم أحسد- . و استأذن أبو سفيان على عثمان فحجبه-  فقيل له حجبك-  فقال لا عدمت من أهلي من إذا شاء حجبني- . و حجب معاوية أبا الدرداء-  فقيل لأبي الدرداء حجبك معاوية-  فقال من يغش أبواب الملوك يهن و يكرم-  و من صادف بابا مغلقا عليه وجد إلى جانبه بابا مفتوحا-  إن سأل أعطي و إن دعا أجيب-  و إن يكن معاوية قد احتجب فرب معاوية لم يحتجب- .

و قال أبرويز لحاجبه لا تضعن شريفا بصعوبة حجاب-  و لا ترفعن وضيعا بسهولته-  ضع الرجال مواضع أخطارهم-  فمن كان قديما شرفه ثم ازدرعه و لم يهدمه بعد آبائه-  فقدمه على شرفه الأول و حسن رأيه الآخر-  و من كان له شرف متقدم و لم يصن ذلك حياطة له-  و لم يزدرعه تثمير المغارسة-  فألحق بآبائه من رفعة حاله ما يقتضيه سابق شرفهم-  و ألحق به في خاصته ما ألحق بنفسه-  و لا تأذن له إلا دبريا و إلا سرارا-  و لا تلحقه بطبقة الأولين-  و إذا ورد كتاب عامل من عمالي فلا تحبسه عني طرفة عين-  إلا أن أكون على حال لا تستطيع الوصول إلي فيها-  و إذا أتاك من يدعي النصيحة لنا فلتكتبها سرا-  ثم أدخله بعد أن تستأذن له-  حتى إذا كان مني بحيث أراه فادفع إلي كتابه-  فإن أحمدت قبلت و إن كرهت رفضت-  و إن أتاك عالم مشتهر بالعلم و الفضل يستأذن فأذن له-  فإن العلم شريف و شريف صاحبه-  و لا تحجبن عني أحدا من أفناء الناس-  إذا أخذت مجلسي مجلس العامة-  فإن الملك لا يحجب إلا عن ثلاث-  عي يكره أن يطلع عليه منه-  أو بخل يكره أن يدخل عليه من يسأله-  أو ريبة هو مصر عليها فيشفق من إبدائها-و وقوف الناس عليها-  و لا بد أن يحيطوا بها علما و إن اجتهد في سترها-  و قد أخذ هذا المعنى الأخير محمود الوراق فقال- 

 إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابه
و رد ذوي الحاجات دون حجابه‏

ظننت به إحدى ثلاث و ربما
رجمت بظن واقع بصوابه‏

أقول به مس من العي ظاهر
ففي إذنه للناس إظهار ما به‏

فإن لم يكن عي اللسان فغالب‏
من البخل يحمى ماله عن طلابه‏

و إن لم يكن لا ذا و لا ذا فريبة
يكتمها مستورة بثيابه‏

أقام عبد العزيز بن زرارة الكلابي-  على باب معاوية سنة في شملة من صوف لا يأذن له-  ثم أذن له و قربه و أدناه-  و لطف محله عنده حتى ولاه مصر-  فكان يقال استأذن أقوام لعبد العزيز بن زرارة-  ثم صار يستأذن لهم-  و قال في ذلك

دخلت على معاوية بن حرب
و لكن بعد يأس من دخول‏

و ما نلت الدخول عليه حتى‏
حللت محلة الرجل الذليل‏

و أغضيت الجفون على قذاها
و لم أنظر إلى قال و قيل‏

و أدركت الذي أملت منه‏
و حرمان المنى زاد العجول‏

 و يقال إنه قال له لما دخل عليه- أمير المؤمنين دخلت إليك بالأمل- و احتملت جفوتك بالصبر- و رأيت ببابك أقواما قدمهم الحظ- و آخرين أخرهم الحرمان- فليس ينبغي للمقدم أن يأمن عواقب الأيام- و لا للمؤخر أن ييأس من عطف الزمان- . و أول المعرفة الاختبار فابل و اختبر إن رأيت- و كان يقال لم يلزم باب السلطان أحد- فصبر على ذل الحجاب و كلام البواب- و ألقى الأنف و حمل الضيم و أدام الملازمة- إلا وصل إلى حاجته أو إلى معظمها- .

قال عبد الملك لحاجبه إنك عين أنظر بها- و جنة أستلئم بها- و قد وليتك ما وراء بابي فما ذا تراك صانعا برعيتي- قال أنظر إليهم بعينك و أحملهم على قدر منازلهم عندك- و أضعهم في إبطائهم عن بابك- و لزوم خدمتك مواضع استحقاقهم- و أرتبهم حيث وضعهم ترتيبك- و أحسن إبلاغهم عنك و إبلاغك عنهم- قال لقد وفيت بما عليك و لكن إن صدقت ذلك بفعلك- و قال دعبل و قد حجب عن باب مالك بن طوق-

لعمري لئن حجبتني العبيد
لما حجبت دونك القافيه‏

سأرمي بها من وراء الحجاب‏
شنعاء تأتيك بالداهيه‏

تصم السميع و تعمي البصير
و يسأل من مثلها العافيه‏

 و قال آخر

سأترك هذا الباب ما دام إذنه
على ما أرى حتى يلين قليلا

فما خاب من لم يأته مترفعا
و لا فاز من قد رام فيه دخولا

إذا لم نجد للإذن عندك موضعا
وجدنا إلى ترك المجي‏ء سبيلا

و كتب أبو العتاهية إلى أحمد بن يوسف الكاتب و قد حجبه-

و إن عدت بعد اليوم إني لظالم
سأصرف وجهي حيث تبغي المكارم‏

متى يفلح الغادي إليك لحاجة
و نصفك محجوب و نصفك نائم‏

– يعني ليله و نهاره- . استأذن رجلان على معاوية فأذن لأحدهما- و كان أشرف منزلة من الآخر- ثم أذن للآخر فدخل فجلس فوق الأول- فقال معاوية إن الله قد ألزمنا تأديبكم-كما ألزمنا رعايتكم- و أنا لم نأذن له قبلك- و نحن نريد أن يكون مجلسه دونك- فقم لا أقام الله لك وزنا- و قال بشار

تأبى خلائق خالد و فعاله
إلا تجنب كل أمر عائب‏

و إذا أتينا الباب وقت غدائه‏
أدنى الغداء لنا برغم الحاجب‏

 و قال آخر يهجو-

يا أميرا على جريب من الأر
ض له تسعة من الحجاب‏

قاعد في الخراب يحجب عنا
ما سمعنا بحاجب في خراب‏

 و كتب بعضهم إلى جعفر بن محمد- بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب-

أبا جعفر إن الولاية إن تكن
منبلة قوسا فأنت لها نبل‏

فلا ترتفع عنا لأمر وليته‏
كما لم يصغر عندنا شأنك العزل‏

 و من جيد ما مدح به بشر بن مروان قول القائل-

بعيد مراد الطرف ما رد طرفه
حذار الغواشي باب دار و لا ستر

و لو شاء بشر كان من دون بابه‏
طماطم سود أو صقالبة حمر

و لكن بشرا يستر الباب للتي
يكون لها في غبها الحمد و الأجر

 و قال بشار

خليلي من كعب أعينا أخاكما
على دهره إن الكريم يعين‏

و لا تبخلا بخل ابن قرعة إنه‏
مخافة أن يرجى نداه حزين‏

إذا جئته للعرف أغلق بابه
فلم تلقه إلا و أنت كمين‏

فقل لأبي يحيى متى تدرك العلا
و في كل معروف عليك يمين‏

و قال إبراهيم بن هرمة

هش إذا نزل الوفود ببابه
سهل الحجاب مؤدب الخدام‏

و إذا رأيت صديقه و شقيقه‏
لم تدر أيهما ذوي الأرحام‏

و قال آخر

و إني لأستحيي الكريم إذا أتى
على طمع عند اللئيم يطالبه‏

و أرثي له من مجلس عند بابه‏
كمرثيتي للطرف و العلج راكبه‏

و قال عبد الله بن محمد بن عيينة-

أتيتك زائرا لقضاء حق
فحال الستر دونك و الحجاب‏

و رأيي مذهب عن كل ناء
يجانبه إذا عز الذهاب‏

و لست بساقط في قدر قوم
و إن كرهوا كما يقع الذباب‏

و قال آخر

ما ضاقت الأرض على راغب
تطلب الرزق و لا راهب‏

بل ضاقت الأرض على شاعر
أصبح يشكو جفوة الحاجب‏

قد شتم الحاجب في شعره
و إنما يقصد للصاحب‏

ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِي خَاصَّةً وَ بِطَانَةً-  فِيهِمُ اسْتِئْثَارٌ وَ تَطَاوُلٌ وَ قِلَّةُ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ-  فَاحْسِمْ مَئُونَةَ أُولَئِكَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ-  وَ لَا تُقْطِعَنَّ لِأَحَدٍ مِنْ حَاشِيَتِكَ وَ حَامَّتِكَ قَطِيعَةً-  وَ لَا يَطْمَعَنَّ مِنْكَ فِي اعْتِقَادِ عُقْدَةٍ-  تَضُرُّ بِمَنْ يَلِيهَا مِنَ النَّاسِ-  فِي‏ شِرْبٍ أَوْ عَمَلٍ مُشْتَرَكٍ-  يَحْمِلُونَ مَئُونَتَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ-  فَيَكُونَ مَهْنَأُ ذَلِكَ لَهُمْ دُونَكَ-  وَ عَيْبُهُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَ الآْخِرَةِ-  وَ أَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ وَ الْبَعِيدِ-  وَ كُنْ فِي ذَلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً-  وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وَ خَوَاصِّكَ حَيْثُ وَقَعَ-  وَ ابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَثْقُلُ عَلَيْكَ مِنْهُ-  فَإِنَّ مَغَبَّةَ ذَلِكَ مَحْمُودَةٌ-  وَ إِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِكَ-  وَ اعْدِلْ عَنْكَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ-  فَإِنَّ فِي ذَلِكَ إِعْذَاراً-  تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ نهاه ع عن أن يحمل أقاربه و حاشيته و خواصه-  على رقاب الناس-  و أن يمكنهم من الاستئثار عليهم و التطاول و الإذلال-  و نهاه من أن يقطع أحدا منهم قطيعة-  أو يملكه ضيعة تضر بمن يجاورها من السادة و الدهاقين-  في شرب يتغلبون على الماء منه-  أو ضياع يضيفونها إلى ما ملكهم إياه-  و إعفاء لهم من مئونة أو حفر و غيره-  فيعفيهم الولاة منه مراقبة لهم-  فيكون مئونة ذلك الواجب عليهم قد أسقطت عنهم-  و حمل ثقلها على غيرهم- . ثم قال ع لأن منفعة ذلك في الدنيا تكون لهم دونك-  و الوزر في الآخرة عليك-  و العيب و الذم في الدنيا أيضا لاحقان بك- . ثم قال له إن اتهمتك الرعية بحيف عليهم-  أو ظنت بك جورا فاذكر لهم عذرك‏ في ذلك-  و ما عندك ظاهرا غير مستور-  فإنه الأولى و الأقرب إلى استقامتهم لك على الحق- .

و أصحرت بكذا أي كشفته-  مأخوذ من الإصحار و هو الخروج إلى الصحراء- . و حامة الرجل أقاربه و بطانته-  و اعتقدت عقدة أي ادخرت ذخيرة-  و المهنأ مصدر هنأه كذا و مغبة الشي‏ء عاقبته- . و اعدل عنك ظنونهم نحها و الإعذار إقامة العذر

طرف من أخبار عمر بن عبد العزيز و نزاهته في خلافته

رد عمر بن عبد العزيز المظالم-  التي احتقبها بنو مروان فأبغضوه و ذموه-  و قيل إنهم سموه فمات- . و روى الزبير بن بكار في الموفقيات-  أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز-  دخل على أبيه يوما و هو في قائلته فأيقظه-  و قال له ما يؤمنك أن تؤتى في منامك-  و قد رفعت إليك مظالم لم تقض حق الله فيها-  فقال يا بني إن نفسي مطيتي إن لم أرفق بها لم تبلغني-  إني لو أتعبت نفسي و أعواني لم يكن ذلك-  إلا قليلا حتى أسقط و يسقطوا-  و إني لأحتسب في نومتي من الأجر-  مثل الذي أحتسب في يقظتي-  إن الله جل ثناؤه لو أراد أن ينزل القرآن جملة لأنزله-  و لكنه أنزل الآية و الآيتين-  حتى استكثر الإيمان في قلوبهم- .

ثم قال يا بني مما أنا فيه آمر هو أهم إلى أهل بيتك-  هم أهل العدة و العدد و قبلهم ما قبلهم-  فلو جمعت ذلك في يوم واحد خشيت انتشارهم علي-  و لكني أنصف من الرجل‏و الاثنين-  فيبلغ ذلك من وراءهما فيكون أنجع له-  فإن يرد الله إتمام هذا الأمر أتمه-  و إن تكن الأخرى فحسب عبد-  أن يعلم الله منه أنه يحب أن ينصف جميع رعيته- . و روى جويرية بن أسماء عن إسماعيل بن أبي حكيم قال-  كنا عند عمر بن عبد العزيز فلما تفرقنا نادى مناديه-  الصلاة جامعة فجئت المسجد-  فإذا عمر على المنبر فحمد الله و أثنى عليه-  ثم قال أما بعد فإن هؤلاء يعني خلفاء بني أمية قبله-  قد كانوا أعطونا عطايا ما كان ينبغي لنا أن نأخذها منهم-  و ما كان ينبغي لهم أن يعطوناها-  و إني قد رأيت الآن أنه ليس علي في ذلك دون الله حسيب-  و قد بدأت بنفسي و الأقربين من أهل بيتي-  اقرأ يا مزاحم فجعل مزاحم يقرأ كتابا-  فيه الإقطاعات بالضياع و النواحي-  ثم يأخذه عمر بيده فيقصه بالجلم-  لم يزل كذلك حتى نودي بالظهر- .

و روى الفرات بن السائب قال-  كان عند فاطمة بنت عبد الملك بن مروان جوهر جليل-  وهبها أبوها و لم يكن لأحد مثله-  و كانت تحت عمر بن عبد العزيز-  فلما ولي الخلافة قال لها اختاري-  إما أن تردي جوهرك و حليك إلى بيت مال المسلمين-  و إما أن تأذني لي في فراقك-  فإني أكره أن اجتمع أنا و أنت و هو في بيت واحد-  فقالت بل أختارك عليه و على أضعافه لو كان لي-  و أمرت به فحمل إلى بيت المال-  فلما هلك عمر و استخلف يزيد بن عبد الملك-  قال لفاطمة أخته إن شئت رددته عليك-  قالت فإني لا أشاء ذلك-  طبت عنه نفسا في حياة عمر-  و أرجع فيه بعد موته لا و الله أبدا-  فلما رأى يزيد ذلك قسمه بين ولده و أهله- .

و روى سهيل بن يحيى المروزي عن أبيه-  عن عبد العزيز عن عمر بن عبد العزيز قال-  لما دفن سليمان صعد عمر على المنبر فقال-  إني قد خلعت ما في رقبتي من بيعتكم-  فصاح الناس صيحة واحدة قد اخترناك-  فنزل و دخل و أمر بالستور فهتكت-و الثياب التي كانت تبسط للخلفاء-  فحملت إلى بيت المال-  ثم خرج و نادى مناديه من كانت له مظلمة-  من بعيد أو قريب من أمير المؤمنين فليحضر-  فقام رجل ذمي من أهل حمص أبيض الرأس و اللحية-  فقال أسألك كتاب الله قال ما شأنك-  قال العباس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبني ضيعتي-  و العباس جالس-  فقال عمر ما تقول يا عباس-  قال أقطعنيها أمير المؤمنين الوليد و كتب لي بها سجلا-  فقال عمر ما تقول أنت أيها الذمي-  قال يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله-  فقال عمر إيها لعمري إن كتاب الله لأحق أن يتبع-  من كتاب الوليد-  اردد عليه يا عباس ضيعته-  فجعل لا يدع شيئا مما كان في أيدي أهل بيته من المظالم-  إلا ردها مظلمة مظلمة- .

و روى ميمون بن مهران قال-  بعث إلي عمر بن عبد العزيز و إلى مكحول و أبي قلابة-  فقال ما ترون في هذه الأموال-  التي أخذها أهلي من الناس ظلما-  فقال مكحول قولا ضعيفا كرهه عمر-  فقال أرى أن تستأنف و تدع ما مضى-  فنظر إلي عمر كالمستغيث بي-  فقلت يا أمير المؤمنين-  أحضر ولدك عبد الملك لننظر ما يقول فحضر-  فقال ما تقول يا عبد الملك فقال ما ذا أقول أ لست تعرف مواضعها-  قال بلى و الله قال فارددها-  فإن لم تفعل كنت شريكا لمن أخذها- . و روى ابن درستويه عن يعقوب بن سفيان-  عن جويرية بن أسماء قال-  كان بيد عمر بن عبد العزيز قبل الخلافة-  ضيعته المعروفة بالسهلة و كانت باليمامة-  و كانت أمرا عظيما لها غلة عظيمة كثيرة-  إنما عيشه و عيش أهله منها-  فلما ولي الخلافة قال لمزاحم مولاه و كان فاضلا-  إني قد عزمت أن أرد السهلة إلى بيت مال المسلمين-  فقال مزاحم أ تدري كم ولدك إنهم كذا و كذا-  قال فذرفت عيناه فجعل يستدمع-  و يمسح الدمعة بإصبعه الوسطى و يقول-  أكلهم إلى الله أكلهم إلى الله-  فمضى مزاحم فدخل على عبد الملك بن عمر فقال له-  أ لا تعلم ما قد عزم عليه أبوك إنه يريد أن يرد السهلة-  قال فما قلت‏ له قال ذكرت له ولده-  فجعل يستدمع و يقول أكلهم إلى الله-  فقال عبد الملك بئس وزير الدين أنت-  ثم وثب و انطلق إلى أبيه فقال للآذن استأذن لي عليه-  فقال إنه قد وضع رأسه الساعة للقائلة-  فقال استأذن لي عليه فقال أ ما ترحمونه-  ليس له من الليل و النهار إلا هذه الساعة-  قال استأذن لي عليه لا أم لك-  فسمع عمر كلامهما فقال ائذن لعبد الملك-  فدخل فقال على ما ذا عزمت قال أرد السهلة-  قال فلا تؤخر ذلك قم الآن-  قال فجعل عمر يرفع يديه و يقول-  الحمد لله الذي جعل لي من ذريتي من يعينني على أمر ديني-  قال نعم يا بني أصلي الظهر ثم أصعد المنبر-  فأردها علانية على رءوس الناس-  قال و من لك أن تعيش إلى الظهر-  ثم من لك أن تسلم نيتك إلى الظهر إن عشت إليها-  فقام عمر فصعد المنبر فخطب الناس و رد السهلة- .

قال و كتب عمر بن الوليد بن عبد الملك-  إلى عمر بن عبد العزيز لما أخذ بني مروان-  برد المظالم كتابا أغلظ له فيه-  من جملته أنك أزريت على كل من كان قبلك-  من الخلفاء و عبتهم و سرت بغير سيرتهم-  بغضا لهم و شنآنا لمن بعدهم من أولادهم-  و قطعت ما أمر الله به أن يوصل-  و عمدت إلى أموال قريش و مواريثهم-  فأدخلتها بيت المال جورا و عدوانا-  فاتق الله يا ابن عبد العزيز و راقبه-  فإنك خصصت أهل بيتك بالظلم و الجور-  و و الذي خص محمد ص بما خصه به-  لقد ازددت من الله بعدا بولايتك هذه-  التي زعمت أنها عليك بلاء-  فأقصر عن بعض ما صنعت-  و اعلم أنك بعين جبار عزيز و في قبضته-  و لن يتركك على ما أنت عليه- .

قالوا فكتب عمر جوابه أما بعد فقد قرأت كتابك-  و سوف أجيبك بنحو منه-  أما أول أمرك يا ابن الوليد فإن أمك نباتة أمة السكون-  كانت تطوف في أسواق حمص-  و تدخل حوانيتها ثم الله أعلم بها-  اشتراها ذبيان بن ذبيان من في‏ء المسلمين-  فأهداهالأبيك فحملت بك-  فبئس الحامل و بئس المحمول-  ثم نشأت فكنت جبارا عنيدا-  و تزعم أني من الظالمين لأني حرمتك و أهل بيتك في‏ء الله-  الذي هو حق القرابة و المساكين و الأرامل-  و إن أظلم مني و أترك لعهد الله-  من استعملك صبيا سفيها على جند المسلمين-  تحكم فيهم برأيك-  و لم يكن له في ذاك نية إلا حب الوالد ولده-  فويل لك و ويل لأبيك-  ما أكثر خصماءكما يوم القيامة-  و إن أظلم مني و أترك لعهد الله-  من استعمل الحجاج بن يوسف على خمسي العرب-  يسفك الدم الحرام و يأخذ المال الحرام-  و إن أظلم مني و أترك لعهد الله-  من استعمل قرة بن شريك أعرابيا جافيا على مصر-  و أذن له في المعازف و الخمر و الشرب و اللهو-  و إن أظلم مني و أترك لعهد الله-  من استعمل عثمان بن حيان على الحجاز-  فينشد الأشعار على منبر رسول الله ص-  و من جعل للعالية البربرية سهما في الخمس-  فرويدا يا ابن نباتة-  و لو التقت حلقتا البطان و رد الفي‏ء إلى أهله-  لتفرغت لك و لأهل بيتك فوضعتكم على المحجة البيضاء-  فطالما تركتم الحق و أخذتم في بنيات الطريق-  و من وراء هذا من الفضل ما أرجو أن أعمله-  بيع رقبتك-  و قسم ثمنك بين الأرامل و اليتامى و المساكين-  فإن لكل فيك حقا-  و السلام علينا و لا ينال سلام الله الظالمين- .

و روى الأوزاعي قال-  لما قطع عمر بن عبد العزيز عن أهل بيته ما كان من قبله-  يجرونه عليهم من أرزاق الخاصة-  فتكلم في ذلك عنبسة بن سعيد فقال-  يا أمير المؤمنين إن لنا قرابة-  فقال مالي إن يتسع لكم و أما هذا المال فحقكم فيه-  كحق رجل بأقصى برك الغماد-  و لا يمنعه من أخذه إلا بعد مكانه-  و الله إني لأرى أن الأمورلو استحالت حتى يصبح أهل الأرض-  يرون مثل رأيكم لنزلت بهم بائقة من عذاب الله- . و روى الأوزاعي أيضا قال قال عمر بن عبد العزيز يوما-  و قد بلغه عن بني أمية كلام أغضبه-  إن لله في بني أمية يوما أو قال ذبحا-  و ايم الله لئن كان ذلك الذبح أو قال ذلك اليوم-  على يدي لأعذرن الله فيهم-  قال فلما بلغهم ذلك كفوا-  و كانوا يعلمون صرامته-  و إنه إذا وقع في أمر مضى فيه- .

و روى إسماعيل بن أبي حكيم قال-  قال عمر بن عبد العزيز يوما لحاجبه-  لا تدخلن علي اليوم إلا مروانيا-  فلما اجتمعوا قال يا بني مروان-  إنكم قد أعطيتم حظا و شرفا و أموالا-  إني لأحسب شطر أموال هذه الأمة أو ثلثيها في أيديكم-  فسكتوا فقال أ لا تجيبوني-  فقال رجل منهم فما بالك-  قال إني أريد أن أنتزعها منكم-  فأردها إلى بيت مال المسلمين-  فقال رجل منهم و الله لا يكون ذلك-  حتى يحال بين رءوسنا و أجسادنا-  و الله لا نكفر أسلافنا و لا نفقر أولادنا-  فقال عمر و الله لو لا أن تستعينوا علي بمن أطلب هذا الحق له-  لأضرعت خدودكم قوموا عني- . و روى مالك بن أنس قال ذكر عمر بن عبد العزيز-  من كان قبله من المروانية فعابهم-  و عنده هشام بن عبد الملك فقال يا أمير المؤمنين-  إنا و الله نكره أن تعيب آباءنا و تضع شرفنا-  فقال عمر و أي عيب أعيب مما عابه القرآن- .

و روى نوفل بن الفرات قال-  شكا بنو مروان إلى عاتكة بنت مروان بن الحكم عمر-  فقالوا إنه يعيب أسلافنا و يأخذ أموالنا-  فذكرت ذلك له و كانت عظيمة عند بني مروان-  فقال لها يا عمة إن رسول الله ص قبض-  و ترك‏الناس على نهر مورود-  فولي ذلك النهر بعده رجلان-  لم يستخصا أنفسهما و أهلهما منه بشي‏ء-  ثم وليه ثالث فكرى منه ساقية-  ثم لم تزل الناس يكرون منه السواقي-  حتى تركوه يابسا لا قطرة فيه-  و ايم الله لئن أبقاني الله لأسكرن تلك السواقي-  حتى أعيد النهر إلى مجراه الأول-  قالت فلا يسبون إذا عندك-  قال و من يسبهم إنما يرفع الرجل مظلمته فأردها عليه- .

و روى عبد الله بن محمد التيمي قال-  كان بنو أمية ينزلون عاتكة بنت مروان بن الحكم-  على أبواب قصورهم-  و كانت جليلة الموضع عندهم-  فلما ولي عمر قال لا يلي إنزالها أحد غيري-  فأدخلوها على دابتها إلى باب قبته فأنزلها-  ثم طبق لها وسادتين إحداهما على الأخرى-  ثم أنشأ يمازحها و لم يكن من شأنه و لا من شأنها المزاح-  فقال أ ما رأيت الحرس الذين على الباب-  فقالت بلى و ربما رأيتهم عند من هو خير منك-  فلما رأى الغضب لا يتحلل عنها ترك المزاح-  و سألها أن تذكر حاجتها-  فقالت إن قرابتك يشكونك-  و يزعمون أنك أخذت منهم خير غيرك-  قال ما منعتهم شيئا هو لهم-  و لا أخذت منهم حقا يستحقونه-  قالت إني أخاف أن يهيجوا عليك يوما عصيبا-  و قال كل يوم أخافه دون يوم القيامة فلا وقاني الله شره-  ثم دعا بدينار و مجمرة و جلد فألقى الدينار في النار-  و جعل ينفخ حتى احمر-  ثم تناوله بشي‏ء فأخرجه فوضعه على الجلد فنش و فتر-  فقال يا عمة أ ما تأوين لابن أخيك من مثل هذا-  فقامت فخرجت إلى بني مروان فقالت-  تزوجون في آل عمر بن الخطاب-  فإذا نزعوا إلى الشبه جزعتم اصبروا له- .

و روى وهيب بن الورد قال-  اجتمع بنو مروان على باب عمر بن عبد العزيز-  فقالوا لولد له قل لأبيك يأذن لنا-  فإن لم يأذن فأبلغ إليه عنا و سأله-  فلم يأذن لهم و قال‏ فليقولوا-  فقالوا قل له إن من كان قبلك من الخلفاء كان يعطينا-  و يعرف لنا مواضعنا-  و إن أباك قد حرمنا ما في يديه-  فدخل إلى أبيه فأبلغه عنهم-  فقال اخرج فقل لهم-  إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم و روى سعيد بن عمار عن أسماء بنت عبيد قال-  دخل عنبسة بن سعيد بن العاص على عمر بن عبد العزيز فقال-  يا أمير المؤمنين إن من كان قبلك من الخلفاء-  كانوا يعطوننا عطايا منعتناها و لي عيال و ضيعة-  فأذن لي أخرج إلى ضيعتي و ما يصلح عيالي-  فقال عمر إن أحبكم إلينا من كفانا مئونته-  فخرج عنبسة فلما صار إلى الباب ناداه أبا خالد أبا خالد-  فرجع فقال أكثر ذكر الموت-  فإن كنت في ضيق من العيش وسعه عليك-  و إن كنت في سعة من العيش ضيقه عليك- .

و روى عمر بن علي بن مقدم قال-  قال ابن صغير لسليمان بن عبد الملك لمزاحم-  إن لي حاجة إلى أمير المؤمنين عمر-  قال فاستأذنت له فأدخله-  فقال يا أمير المؤمنين لم أخذت قطيعتي-  قال معاذ الله إن آخذ قطيعة ثبتت في الإسلام-  قال فهذا كتابي بها و أخرج كتابا من كمه-  فقرأه عمر و قال لمن كانت هذه الأرض-  قال كانت للمسلمين قال فالمسلمون أولى بها-  قال فاردد علي كتابي-  قال إنك لو لم تأتني به لم أسألكه-  فأما إذ جئتني به فلست أدعك تطلب به ما ليس لك بحق-  فبكى ابن سليمان فقال مزاحم-  يا أمير المؤمنين ابن سليمان تصنع به هذا-  قال و ذلك لأن سليمان عهد إلى عمر و قدمه على إخوته-  فقال عمر ويحك يا مزاحم-  إني لأجد له من اللوط ما أجد لولدي-  و لكنها نفسي أجادل عنها- .

و روى الأوزاعي قال قال هشام بن عبد الملك-  و سعيد بن خالد بن عمر بن عثمان‏ بن عفان-  لعمر بن عبد العزيز يا أمير المؤمنين-  استأنف العمل برأيك فيما تحت يدك-  و خل بين من سبقك و بين ما ولوه عليهم كان أو لهم-  فإنك مستكف أن تدخل في خير ذلك و شره-  قال أنشدكما الله الذي إليه تعودان-  لو أن رجلا هلك و ترك بنين أصاغر و أكابر-  فغر الأكابر الأصاغر بقوتهم فأكلوا أموالهم-  ثم بلغ الأصاغر الحلم فجاءوكما بهم-  و بما صنعوا في أموالهم ما كنتما صانعين-  قالا كنا نرد عليهم حقوقهم حتى يستوفوها-  قال فإني وجدت كثيرا ممن كان قبلي من الولاة-  غر الناس بسلطانه و قوته-  و آثر بأموالهم أتباعه و أهله و رهطه و خاصته-  فلما وليت أتوني بذلك-  فلم يسعني إلا الرد على الضعيف من القوي-  و على الدني‏ء من الشريف-  فقالا يوفق الله أمير المؤمنين

وَ لَا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ لِلَّهِ فِيهِ رِضًا-  فَإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ-  وَ رَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ وَ أَمْناً لِبِلَادِكَ-  وَ لَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ-  فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ-  فَخُذْ بِالْحَزْمِ وَ اتَّهِمْ فِي ذَلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ-  وَ إِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ عَدُوٍّ لَكَ عُقْدَةً-  أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً-  فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ وَ ارْعَ ذِمَّتَكَ بِالْأَمَانَةِ-  وَ اجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً دُونَ مَا أَعْطَيْتَ-  فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ شَيْ‏ءٌ-  النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتِمَاعاً مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ-  وَ تَشَتُّتِ آرَائِهِمْ-  مِنْ تَعْظِيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ-  وَ قَدْ لَزِمَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ-  لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ-  فَلَا تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ وَ لَا تَخِيسَنَّ بِعَهْدِكَ-  وَ لَا تَخْتِلَنَّ عَدُوَّكَ-  فَإِنَّهُ لَا يَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا جَاهِلٌ شَقِيٌّ-  وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهُ وَ ذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ-وَ حَرِيماً يَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ وَ يَسْتَفِيضُونَ إِلَى جِوَارِهِ-  فَلَا إِدْغَالَ وَ لَا مُدَالَسَةَ وَ لَا خِدَاعَ فِيهِ-  وَ لَا تَعْقِدْهُ عَقْداً تُجَوِّزُ فِيهِ الْعِلَلَ-  وَ لَا تُعَوِّلَنَّ عَلَى لَحْنِ الْقَوْلِ بَعْدَ التَّأْكِيدِ وَ التَّوْثِقَةِ-  وَ لَا يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْرٍ-  لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللَّهِ إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ-  فَإِنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيقِ أَمْرٍ تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَ فَضْلَ عَاقِبَتِهِ-  خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ-  وَ أَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللَّهِ طِلْبَةٌ-  لَا تَسْتَقِيلُ فِيهَا دُنْيَاكَ وَ لَا آخِرَتَكَ أمره أن يقبل السلم و الصلح إذا دعي إليه-  لما فيه من دعة الجنود-  و الراحة من الهم و الأمن للبلاد-  و لكن ينبغي أن يحذر بعد الصلح من غائلة العدو و كيده-  فإنه ربما قارب بالصلح ليتغفل أي يطلب غفلتك-  فخذ بالحزم و اتهم حسن ظنك-  لا تثق و لا تسكن إلى حسن ظنك بالعدو-  و كن كالطائر الحذر- .

ثم أمره بالوفاء بالعهود-  قال و اجعل نفسك جنة دون ما أعطيت-  أي و لو ذهبت نفسك فلا تغدر- . و قال الراوندي الناس مبتدأ و أشد مبتدأ ثان-  و من تعظيم الوفاء خبره-  و هذا المبتدأ الثاني مع خبره خبر المبتدإ الأول-  و محل الجملة نصب لأنها خبر ليس-  و محل ليس مع اسمه و خبره رفع لأنه خبر-  فإنه و شي‏ء اسم ليس و من فرائض الله حال-  و لو تأخر لكان صفة لشي‏ء-  و الصواب أن شي‏ء اسم ليس-  و جاز ذلك و إن كان نكرة لاعتماده على النفي-  و لأن الجار و المجرور قبله في موضع الحال كالصفة-  فتخصص بذلك و قرب من المعرفة-  و الناس مبتدأ و أشد خبره-  و هذه الجملة المركبة من مبتدإ

و خبر في موضع رفع-  لأنها صفة شي‏ء-  و أما خبر المبتدإ الذي هو شي‏ء فمحذوف-  و تقديره في الوجود كما حذف الخبر في قولنا-  لا إله إلا الله أي في الوجود-  و ليس يصح ما قال الراوندي من أن أشد مبتدأ ثان-  و من تعظيم الوفاء خبره-  لأن حرف الجر إذا كان خبرا لمبتدإ تعلق بمحذوف-  و هاهنا هو متعلق بأشد نفسه فكيف يكون خبرا عنه-  و أيضا فإنه لا يجوز أن يكون أشد من تعظيم الوفاء-  خبرا عن الناس-  كما زعم الراوندي لأن ذلك كلام غير مفيد-  أ لا ترى أنك إذا أردت أن تخبر بهذا الكلام عن المبتدإ-  الذي هو الناس لم يقم من ذلك صورة محصلة تفيدك شيئا-  بل يكون كلاما مضطربا- . و يمكن أيضا أن يكون من فرائض الله في موضع رفع-  لأنه خبر المبتدإ و قد قدم عليه-  و يكون موضع الناس و ما بعده رفع-  لأنه خبر المبتدإ الذي هو شي‏ء كما قلناه أولا-  و ليس يمتنع أيضا أن يكون من فرائض الله-  منصوب الموضع لأنه حال-  و يكون موضع الناس أشد رفعا-  لأنه خبر المبتدإ الذي هو شي‏ء- .

ثم قال له ع-  و قد لزم المشركون مع شركهم الوفاء بالعهود-  و صار ذلك لهم شريعة و بينهم سنة-  فالإسلام أولى باللزوم و الوفاء- . و استوبلوا وجدوه وبيلا أي ثقيلا-  استوبلت البلد أي استوخمته و استثقلته-  و لم يوافق مزاجك- . و لا تخيسن بعهدك أي لا تغدرن-  خاس فلان بذمته أي غدر و نكث- . قوله و لا تختلن عدوك أي لا تمكرن به-  ختلته أي خدعته- . و قوله أفضاه بين عباده جعله مشتركا بينهم-  لا يختص به فريق دون فريق- .

قال و يستفيضون إلى جواره-  أي ينتشرون في طلب حاجاتهم و مآربهم-  ساكنين إلى جواره-  فإلى هاهنا متعلقة بمحذوف مقدر-  كقوله تعالى فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى‏ فِرْعَوْنَ أي مرسلا-  قال فلا إدغال أي لا إفساد-  و الدغل الفساد-  و لا مدالسة أي لا خديعة-  يقال فلان لا يوالس و لا يدالس أي لا يخادع و لا يخون-  و أصل الدلس الظلمة-  و التدليس في البيع كتمان عيب السلعة عن المشتري- . ثم نهاه عن أن يعقد عقدا يمكن فيه التأويلات-  و العلل و طلب المخارج-  و نهاه إذا عقد العقد بينه و بين العدو أن ينقضه-  معولا على تأويل خفي أو فحوى قول-  أو يقول إنما عنيت كذا-  و لم أعن ظاهر اللفظة-  فإن العقود إنما تعقد على ما هو ظاهر في الاستعمال-  متداول في الاصطلاح و العرف لا على ما في الباطن- . و روي انفساحه بالحاء المهملة أي سعته

فصل فيما جاء في الحذر من كيد العدو

قد جاء في الحذر من كيد العدو-  و النهي عن التفريط في الرأي السكون-  إلى ظاهر السلم أشياء كثيرة-  و كذا في النهي عن الغدر و النهي عن طلب تأويلات العهود-  و فسخها بغير الحق- . فرط عبد الله بن طاهر في أيام أبيه في أمر-  أشرف فيه على العطب و نجا بعد لأي-  فكتب إليه أبوه أتاني يا بني من خبر تفريطك-  ما كان أكبر عندي من نعيك لو ورد-  لأني لم أرج قط ألا تموت-  و قد كنت أرجو ألا تفتضح بترك الحزم و التيقظ- .

و روى ابن الكلبي أن قيس بن زهير-  لما قتل حذيفة بن بدر و من معه بجفر الهباءة-خرج حتى لحق بالنمر بن قاسط و قال-  لا تنظر في وجهي غطفانية بعد اليوم-  فقال يا معاخرج حتى لحق بالنمر بن قاسط و قال-  لا تنظر في وجهي غطفانية بعد اليوم-  فقال يا معاشر النمر أنا قيس بن زهير-  غريب حريب طريد شريد موتور-  فانظروا لي امرأة قد أدبها الغني و أذلها الفقر-  فزوجوه بامرأة منهم-  فقال لهم إني لا أقيم فيكم حتى أخبركم بأخلاقي-  أنا فخور غيور أنف و لست أفخر حتى أبتلى-  و لا أغار حتى أرى و لا آنف حتى أظلم-  فرضوا أخلاقه فأقام فيهم حتى ولد له-  ثم أراد أن يتحول عنهم-  فقال يا معشر النمر إن لكم حقا علي في مصاهرتي فيكم-  و مقامي بين أظهركم-  و إني موصيكم بخصال آمركم بها و أنهاكم عن خصال-  عليكم بالأناة فإن بها تدرك الحاجة و تنال الفرصة-  و تسويد من لا تعابون بتسويده-  و الوفاء بالعهود فإن به يعيش الناس-  و إعطاء ما تريدون إعطاءه قبل المسألة-  و منع ما تريدون منعه قبل الإنعام-  و إجارة الجار على الدهر-  و تنفيس البيوت عن منازل الأيامى-  و خلط الضيف بالعيال-  و أنهاكم عن الغدر فإنه عار الدهر-  و عن الرهان فإن به ثكلت مالكا أخي-  و عن البغي فإن به صرع زهير أبي-  و عن السرف في الدماء-  فإن قتلي أهل الهباءة أورثني العار-  و لا تعطوا في الفضول فتعجزوا عن الحقوق-  و أنكحوا الأيامى الأكفاء-  فإن لم تصيبوا بهن الأكفاء فخير بيوتهن القبور- 

و اعلموا أني أصبحت ظالما و مظلوما-  ظلمني بنو بدر بقتلهم مالكا-  و ظلمتهم بقتلي من لا ذنب له-  ثم رحل عنهم إلى غمار فتنصر بها-  و عف عن المآكل حتى أكل الحنظل إلى أن ماتإِيَّاكَ وَ الدِّمَاءَ وَ سَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلِّهَا-  فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَدْعَى لِنِقْمَةٍ وَ لَا أَعْظَمَ‏لِتَبِعَةٍ-  وَ لَا أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَةٍ وَ انْقِطَاعِ مُدَّةٍ-  مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا-  وَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِئٌ بِالْحُكْمِ بَيْنَ الْعِبَادِ-  فِيمَا تَسَافَكُوا مِنَ الدِّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ-  فَلَا تُقَوِّيَنَّ سُلْطَانَكَ بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ-  فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ وَ يُوهِنُهُ بَلْ يُزِيلُهُ وَ يَنْقُلُهُ-  وَ لَا عُذْرَ لَكَ عِنْدَ اللَّهِ وَ لَا عِنْدِي فِي قَتْلِ الْعَمْدِ-  لِأَنَّ فِيهِ قَوَدَ الْبَدَنِ-  وَ إِنِ ابْتُلِيتَ بِخَطَإٍ-  وَ أَفْرَطَ عَلَيْكَ سَوْطُكَ أَوْ يَدُكَ بِالْعُقُوبَةِ-  فَإِنَّ فِي الْوَكْزَةِ فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَةً-  فَلَا تَطْمَحَنَّ بِكَ نَخْوَةُ سُلْطَانِكَ-  عَنْ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ حَقَّهُمْ قد ذكرنا في وصية قيس بن زهير آنفا-  النهي عن الإسراف في الدماء-  و تلك وصية مبنية على شريعة الجاهلية-  مع حميتها و تهالكها على القتل و القتال-  و وصية أمير المؤمنين ع مبنية على الشريعة الإسلامية-  و النهي عن القتل و العدوان الذي لا يسيغه الدين-  و قد ورد في الخبر المرفوع أن أول ما يقضي الله به يوم القيامة بين العباد-  أمر الدماء-  قال إنه ليس شي‏ء أدعى إلى حلول النقم-  و زوال النعم و انتقال الدول-  من سفك الدم الحرام-  و إنك إن ظننت أنك تقوي سلطانك بذلك-  فليس الأمر كما ظننت-  بل تضعفه بل تعدمه بالكلية- . ثم عرفه أن قتل العمد يوجب القود-  و قال له قود البدن أي يجب عليك هدم صورتك-  كما هدمت صورة المقتول-  و المراد إرهابه بهذه اللفظة-  أنها أبلغ من أن يقول له فإن فيه القود- .

ثم قال إن قتلت خطأ أو شبه عمد-  كالضرب بالسوط فعليك الدية-  و قد اختلف‏الفقهاء في هذه المسألة-  فقال أبو حنيفة و أصحابه القتل على خمسة أوجه-  عمد و شبه عمد و خطأ-  و ما أجري مجرى الخطإ و قتل بسبب- . فالعمد ما تعمد به ضرب الإنسان بسلاح-  أو ما يجري مجرى السلاح كالمحدد من الخشب و ليطة القصب-  و المروءة المحددة و النار و موجب ذلك المأثم و القود-  إلا أن يعفو الأولياء و لا كفارة فيه- . و شبه العمد أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح-  و لا أجري مجرى السلاح كالحجر العظيم-  و الخشبة العظيمة-  و موجب ذلك المأثم و الكفارة و لا قود فيه-  و فيه الدية مغلظة على العاقلة- . و الخطأ على وجهين خطأ في القصد-  و هو أن يرمي شخصا يظنه صيدا فإذا هو آدمي-  و خطأ في الفعل و هو أن يرمي غرضا فيصيب آدميا-  و موجب النوعين جميعا الكفارة و الدية على العاقلة-  و لا مأثم فيه- . و ما أجري مجرى الخطإ-  مثل النائم يتقلب على رجل فيقتله-  فحكمه حكم الخطإ-  و أما القتل بسبب-  فحافر البئر و واضع الحجر في غير ملكه-  و موجبه إذا تلف فيه إنسان الدية على العاقلة-  و لا كفارة فيه- . فهذا قول أبي حنيفة و من تابعه-  و قد خالفه صاحباه أبو يوسف و محمد في شبه العمد-  و قالا إذا ضربه بحجر عظيم أو خشبة غليظة فهو عمد-  قال و شبه العمد أن يتعمد ضربه بما لا يقتل به غالبا-  كالعصا الصغيرة و السوط-  و بهذا القول قال الشافعي- . و كلام أمير المؤمنين ع يدل-  على أن المؤدب من الولاة-  إذا تلف تحت‏ يده إنسان في التأديب فعليه الدية-  و قال لي قوم من فقهاء الإمامية أن مذهبنا أن لا دية عليه-  و هو خلاف ما يقتضيه كلام أمير المؤمنين ع: وَ إِيَّاكَ وَ الْإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ-  وَ الثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا وَ حُبَّ الْإِطْرَاءِ-  فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ-  لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ-  وَ إِيَّاكَ وَ الْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ-  أَوِ التَّزَيُّدَ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِكَ-  أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ-  فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الْإِحْسَانَ وَ التَّزَيُّدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ-  وَ الْخُلْفَ يُوجِبُ الْمَقْتَ عِنْدَ اللَّهِ وَ النَّاسِ-  قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى-  كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ-  وَ إِيَّاكَ وَ الْعَجَلَةَ بِالْأُمُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا-  أَوِ التَّسَاقُطَ فِيهَا عِنْدَ إِمْكَانِهَا-  أَوِ اللَّجَاجَةَ فِيهَا إِذَا تَنَكَّرَتْ-  أَوِ الْوَهْنَ عَنْهَا إِذَا اسْتَوْضَحَتْ-  فَضَعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُ وَ أَوْقِعْ كُلَّ عَمَلٍ مَوْقِعَهُ-  وَ إِيَّاكَ وَ الِاسْتِئْثَارَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ-  وَ التَّغَابِيَ عَمَّا تُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ-  فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْكَ لِغَيْرِكَ-  وَ عَمَّا قَلِيلٍ تَنْكَشِفُ عَنْكَ أَغْطِيَةُ الْأُمُورِ-  وَ يُنْتَصَفُ مِنْكَ لِلْمَظْلُومِ-  امْلِكْ حَمِيَّةَ أَنْفِكَ وَ سَوْرَةَ حَدِّكَ-  وَ سَطْوَةَ يَدِكَ وَ غَرْبَ لِسَانِكَ-  وَ احْتَرِسْ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ وَ تَأْخِيرِ السَّطْوَةِ-  حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الِاخْتِيَارَ-  وَ لَنْ تَحْكُمَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِكَ-  حَتَّى تُكْثِرَ هُمُومَكَ بِذِكْرِ الْمَعَادِ إِلَى رَبِّكَ-وَ الْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ مَا مَضَى لِمَنْ تَقَدَّمَكَ-  مِنْ حُكُومَةٍ عَادِلَةٍ أَوْ سُنَّةٍ فَاضِلَةٍ-  أَوْ أَثَرٍ عَنْ نَبِيِّنَا ص أَوْ فَرِيضَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ-  فَتَقْتَدِيَ بِمَا شَاهَدْتَ مِمَّا عَمِلْنَا بِهِ فِيهَا-  وَ تَجْتَهِدَ لِنَفْسِكَ فِي اتِّبَاعِ مَا عَهِدْتُ إِلَيْكَ فِي عَهْدِي هَذَا-  وَ اسْتَوْثَقْتُ بِهِ مِنَ الْحُجَّةِ لِنَفْسِي عَلَيْكَ-  لِكَيْلَا تَكُونَ لَكَ عِلَّةٌ عِنْدَ تَسَرُّعِ نَفْسِكَ إِلَى هَوَاهَا قد اشتمل هذا الفصل على وصايا نحن شارحوها-  منها قوله ع إياك و ما يعجبك من نفسك-  و الثقة بما يعجبك منها- 

 قد ورد في الخبر ثلاث مهلكات شح مطاع و هوى متبع و إعجاب المرء بنفسهو في الخبر أيضا لا وحشة أشد من العجبو في الخبر الناس لآدم و آدم من تراب-  فما لابن آدم و الفخر و العجبو في الخبر الجار ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامةو في الخبر و قد رأى أبا دجانة-  يتبختر-  إنها لمشية يبغضها الله إلا بين الصفين- .

و منها قوله و حب الإطراء-  ناظر المأمون محمد بن القاسم النوشجاني المتكلم-  فجعل يصدقه و يطريه و يستحسن قوله-  فقال المأمون يا محمد-  أراك تنقاد إلى ما تظن أنه يسرني-  قبل وجوب الحجة لي عليك-  و تطريني بما لست أحب أن أطري به-  و تستخذي لي في المقام-  الذي ينبغي أن تكون فيه مقاوما لي و محتجا علي-  و لو شئت أن أقسر الأمور بفضل بيان و طول لسان-  و أغتصب الحجة بقوة الخلافة-  و أبهة الرئاسة لصدقت و إن كنت كاذبا-  و عدلت و إن كنت جائرا و صوبت و إن كنت مخطئا-لكني لا أرضى إلا بغلبة الحجة و دفع الشبهة-  و إن أنقص الملوك عقلا و أسخفهم رأيا-  من رضي بقولهم صدق الأمير- . و أثنى رجل على رجل فقال الحمد لله الذي سترني عنك-  و كان بعض الصالحين يقول إذا أطراه إنسان-  ليسألك الله عن حسن ظنك- . و منها قوله و إياك و المن-  قال الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا-  لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى‏-  و كان يقال المن محبة للنفس مفسدة للصنع- .

و منها نهيه إياه عن التزيد في فعله-  قال ع إنه يذهب بنور الحق-  و ذلك لأنه محض الكذب-  مثل أن يسدي ثلاثة أجزاء من الجميل-  فيدعي في المجالس و المحافل أنه أسدى عشرة-  و إذا خالط الحق الكذب أذهب نوره- . و منها نهيه إياه عن خلف الوعد-  قد مدح الله نبيا من الأنبياء-  و هو إسماعيل بن إبراهيم ع بصدق الوعد-  و كان يقال وعد الكريم نقد و تعجيل-  و وعد اللئيم مطل و تعطيل-  و كتب بعض الكتاب و حق لمن أزهر بقول أن يثمر بفعل-  و قال أبو مقاتل الضرير قلت لأعرابي-  قد أكثر الناس في المواعيد فما قولك فيها-  فقال بئس الشي‏ء الوعد مشغلة للقلب الفارغ-  متعبة للبدن الخافض خيره غائب و شره حاضر-  و في الحديث المرفوع عدة المؤمن كأخذ باليد-  فأما أمير المؤمنين ع فقال إنه يوجب المقت-  و استشهد عليه بالآية-  و المقت البغض- . و منها نهيه عن العجلة و كان يقال-  أصاب متثبت أو كاد و أخطأ عجل أو كاد-  و في المثل رب عجلة تهب ريثا-  و ذمها الله تعالى فقال خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ- .

و منها نهيه عن التساقط في الشي‏ء الممكن عند حضوره-  و هذا عبارة عن النهي عن الحرص و الجشع-  قال الشنفري

 و إن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن
بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل‏

و منها نهيه عن اللجاجة في الحاجة إذا تعذرت- كان يقال من لاج الله فقد جعله خصما- و من كان الله خصمه فهو مخصوم- قال الغزي

دعها سماوية تجري على قدر
لا تفسدنها برأي منك معكوس‏

و منها نهيه له عن الوهن فيها إذا استوضحت- أي وضحت و انكشفت- و يروى و استوضحت فعل ما لم يسم فاعله- و الوهن فيها إهمالها و ترك انتهاز الفرصة فيها- قال الشاعر

فإذا أمكنت فبادر إليها
حذرا من تعذر الإمكان‏

و منها نهيه عن الاستئثار و هذا هو الخلق النبوي-  غنم رسول الله ص غنائم خيبر و كانت مل‏ء الأرض نعما-  فلما ركب راحلته و سار تبعه الناس-  يطلبون الغنائم و قسمها و هو ساكت لا يكلمهم-  و قد أكثروا عليه إلحاحا و سؤالا-  فمر بشجرة فخطفت رداءه فالتفت فقال-  ردوا علي ردائي-  فلو ملكت بعدد رمل تهامة مغنما-  لقسمته بينكم عن آخره-  ثم لا تجدونني بخيلا و لا جبانا-  و نزل و قسم ذلك المال عن آخره عليهم كله-  لم يأخذ لنفسه منه وبرة- . و منها نهيه له عن التغابي-  و صورة ذلك أن الأمير يومئ إليه-  أن فلانا من خاصته يفعل كذا-  و يفعل كذا من الأمور المنكرة و يرتكبها سرا-  فيتغابى عنه و يتغافل-  نهاه ع عن ذلك و قال-  إنك مأخوذ منك لغيرك أي معاقب-  تقول اللهم خذ لي من فلان بحقي-  أي اللهم انتقم لي منه- .

و منها نهيه إياه عن الغضب-  و عن الحكم بما تقتضيه قوته الغضبية حتى يسكن غضبه-  قد جاء في الخبر المرفوع لا يقضي القاضي و هو غضبان-  فإذا كان قد نهي أن يقضي القاضي-  و هو غضبان على غير صاحب الخصومة-  فبالأولى أن ينهى الأمير عن أن يسطو على إنسان-  و هو غضبان عليه- . و كان لكسرى أنوشروان صاحب قد رتبه و نصبه لهذا المعنى-  يقف على رأس الملك يوم جلوسه-  فإذا غضب على إنسان و أمر به-  قرع سلسلة تاجه بقضيب في يده و قال له-  إنما أنت بشر-  فارحم من في الأرض يرحمك من في السماء: وَ مِنْ هَذَا الْعَهْدِ وَ هُوَ آخِرُهُ-  وَ أَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ-  وَ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ كُلِّ رَغْبَةٍ-  أَنْ يُوَفِّقَنِي وَ إِيَّاكَ لِمَا فِيهِ رِضَاهُ-  مِنَ الْإِقَامَةِ عَلَى الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَيْهِ وَ إِلَى خَلْقِهِ-  مِنْ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِي الْعِبَادِ وَ جَمِيلِ الْأَثَرِ فِي الْبِلَادِ-  وَ تَمَامِ النِّعْمَةِ وَ تَضْعِيفِ الْكَرَامَةِ-  وَ أَنْ يَخْتِمَ لِي وَ لَكَ بِالسَّعَادَةِ وَ الشَّهَادَةِ-  إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ-  وَ السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ-  صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ روي كل رغيبة و الرغيبة ما يرغب فيه-  فأما الرغبة فمصدر رغب في كذا-  كأنه قال القادر على إعطاء كل سؤال-  أي إعطاء كل سائل ما سأله- .

و معنى قوله من الإقامة على العذر-  أي أسأل الله أن يوفقني للإقامة على الاجتهاد-  و بذل الوسع في الطاعة-  و ذلك لأنه إذا بذل جهده فقد أعذر-  ثم فسر اجتهاده في ذلك في رضا الخلق-  و لم يفسر اجتهاده في رضا الخالق لأنه معلوم-  فقال هو حسن الثناء في العباد و جميل الأثر في البلاد- . فإن قلت فقوله و تمام النعمة على ما ذا تعطفه-  قلت هو معطوف على ما من قوله لما فيه-  كأنه قال أسأل الله توفيقي لذا و لتمام النعمة-  أي و لتمام نعمته علي و تضاعف كرامته لدي-  و توفيقه لهما هو توفيقه للأعمال الصالحة-  التي يستوجبهما بها

فصل في ذكر بعض وصايا العرب

و ينبغي أن يذكر في هذا الموضع وصايا-  من كلام قوم من رؤساء العرب-  أوصوا بها أولادهم و رهطهم-  فيها آداب حسان و كلام فصيح-  و هي مناسبة لعهد أمير المؤمنين ع هذا-  و وصاياه المودعة فيه-  و إن كان كلام أمير المؤمنين ع أجل و أعلى-  من أن يناسبه كلام-  لأنه قبس من نور الكلام الإلهي-  و فرع من دوحة المنطق النبوي- .

روى ابن الكلبي قال-  لما حضرت الوفاة أوس بن حارثة أخا الخزرج-  لم يكن له ولد غير مالك بن الأوس-  و كان لأخيه الخزرج خمسة-  قيل له كنا نأمرك بأن تتزوج في شبابك-  فلم تفعل حتى حضرك الموت-  و لا ولد لك إلا مالك-  فقال لم يهلك هالك ترك مثل مالك-  و إن كان الخزرج ذا عدد و ليس لمالك ولد-  فلعل الذي استخرج‏ العذق من الجريمة و النار من الوثيمة-  أن يجعل لمالك نسلا و رجالا بسلا-  و كلنا إلى الموت-  يا مالك المنية و لا الدنية-  و العتاب قبل العقاب و التجلد لا التبلد-  و اعلم أن القبر خير من الفقر-  و من لم يعط قاعدا حرم قائما-  و شر الشرب الاشتفاف و شر الطعم الاقتفاف-  و ذهاب البصر خير من كثير من النظر-  و من كرم الكريم الدفع عن الحريم-  و من قل ذل-  و خير الغنى القناعة و شر الفقر الخضوع-  الدهر صرفان صرف رخاء و صرف بلاء-  و اليوم يومان يوم لك و يوم عليك-  فإذا كان لك فلا تبطر و إذا كان عليك فاصطبر-  و كلاهما سينحسر و كيف بالسلامة لمن ليست له إقامة-  و حياك ربك- .

و أوصى الحارث بن كعب بنيه فقال-  يا بني قد أتت علي مائة و ستون سنة-  ما صافحت يميني يمين غادر-  و لا قنعت لنفسي بخلة فاجر-  و لا صبوت بابنة عم و لا كنة و لا بحت لصديق بسر-  و لا طرحت عن مومسة قناعا-  و لا بقي على دين عيسى ابن مريم-  و قد روي على دين شعيب-  من العرب غيري و غير تميم بن مر بن أسد بن خزيمة-  فموتوا على شريعتي و احفظوا علي وصيتي-  و إلهكم فاتقوا يكفكم ما أهمكم و يصلح لكم حالكم-  و إياكم و معصيته فيحل بكم الدمار-  و يوحش منكم الديار-  كونوا جميعا و لا تفرقوا فتكنوا شيعا-  و بزوا قبل أن تبزوا-  فموت‏ في عز خير من حياة في ذل و عجز-  و كل ما هو كائن كائن و كل جمع إلى تباين-  و الدهر صرفان صرف بلاء و صرف رخاء-  و اليوم يومان يوم حبرة و يوم عبرة-  و الناس رجلان رجل لك و رجل عليك-  زوجوا النساء الأكفاء و إلا فانتظروا بهن القضاء-  و ليكن أطيب طيبهم الماء-  و إياكم و الورهاء فإنها أدوأ الداء-  و إن ولدها إلى أفن يكون-  لا راحة لقاطع القرابة-  و إذا اختلف القوم أمكنوا عدوهم-  و آفة العدد اختلاف الكلمة-  و التفضل بالحسنة يقي السيئة-  و المكافأة بالسيئة دخول فيها-  و عمل السوء يزيل النعماء-  و قطيعة الرحم تورث الهم-  و انتهاك الحرمة يزيل النعمة-  و عقوق الوالدين يعقب النكد و يخرب البلد-  و يمحق العدد-  و الإسراف في النصيحة هو الفضيحة-  و الحقد منع الرفد-  و لزوم الخطيئة يعقب البلية-  و سوء الدعة يقطع أسباب المنفعة-  و الضغائن تدعو إلى التباين-  يا بني إني قد أكلت مع أقوام و شربت-  فذهبوا و غبرت و كأني بهم قد لحقت-  ثم قال

أكلت شبابي فأفنيته
و أبليت بعد دهور دهورا

ثلاثة أهلين صاحبتهم‏
فبادروا و أصبحت شيخا كبيرا

قليل الطعام عسير القيام
قد ترك الدهر خطوي قصيرا

أبيت أراعي نجوم السماء
أقلب أمري بطونا ظهورا

وصى أكثم بن صيفي بنيه و رهطه فقال-  يا بني تميم لا يفوتنكم وعظي إن فاتكم الدهر بنفسي-  إن بين حيزومي و صدري لكلاما لا أجد له مواقع-  إلا أسماعكم و لا مقار إلا قلوبكم-  فتلقوه بأسماع مصغية و قلوب دواعية-  تحمدوا مغبته الهوى‏ يقظان و العقل راقد-  و الشهوات مطلقة و الحزم معقول-  و النفس مهملة و الروية مقيدة-  و من جهة التواني و ترك الروية يتلف الحزم-  و لن يعدم المشاور مرشدا-  و المستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل-  و من سمع سمع به-  و مصارع الرجال تحت بروق الطمع-  و لو اعتبرت مواقع المحن ما وجدت-  إلا في مقاتل الكرام-  و على الاعتبار طريق الرشاد-  و من سلك الجدد أمن العثار-  و لن يعدم الحسود أن يتعب قلبه و يشغل فكره-  و يورث غيظه و لا تجاوز مضرته نفسه-  يا بني تميم-  الصبر على جرع الحلم أعذب من جنا ثمر الندامة-  و من جعل عرضه دون ماله استهدف للذم-  و كلم اللسان أنكى من كلم السنان-  و الكلمة مرهونة ما لم تنجم من الفم-  فإذا نجمت مزجت-  فهي أسد محرب أو نار تلهب-  و رأي الناصح اللبيب دليل لا يجوز-  و نفاذ الرأي في الحرب أجدى من الطعن و الضرب- . و أوصى يزيد بن المهلب ابنه مخلدا-  حين استخلفه على جرجان-  فقال له يا بني قد استخلفتك على هذه البلاد-  فانظر هذا الحي من اليمن فكن لهم كما قال الشاعر- 

 إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم
فرش و اصطنع عند الذين بهم ترمي‏

و انظر هذا الحي من ربيعة-  فإنهم شيعتك و أنصارك فاقض حقوقهم-  و انظر هذا الحي من تميم فأمطرهم و لا تزه لهم-  و لا تدنهم فيطمعوا و لا تقصهم فيقطعوا-  و انظر هذا الحي من قيس-  فإنهم أكفاء قومك في الجاهلية-  و مناصفوهم المآثر في الإسلام و رضاهم منك البشر-  يا بني إن لأبيك صنائع فلا تفسدها-  فإنه كفى بالمرء نقصا أن يهدم ما بنى أبوه-  و إياك و الدماء فإنه لا تقية معها-  و إياك و شتم الأعراض-  فإن الحر لا يرضيه عن عرضه عوض-  و إياك و ضرب الأبشار فإنه عار باق و وتر مطلوب-  و استعمل على النجدة و الفضل دون الهوى-  و لا تعزل إلا عن عجز أو خيانة-  و لا يمنعك من اصطناع الرجل-  أن يكون غيرك قد سبقك إليه-  فإنك إنما تصطنع الرجال لفضلها-  و ليكن صنيعك عند من يكافئك عنه العشائر-  احمل الناس على أحسن أدبك يكفوك أنفسهم-  و إذا كتبت كتابا فأكثر النظر فيه-  و ليكن رسولك فيما بيني و بينك من يفقه عني و عنك-  فإن كتاب الرجل موضع عقله و رسوله موضع سره-  و أستودعك الله فلا بد للمودع أن يسكت-  و للمشيع أن يرجع-  و ما عف من المنطق و قل من الخطيئة أحب إلى أبيك- . و أوصى قيس بن عاصم المنقري بنيه فقال-  يا بني خذوا عني فلا أحد أنصح لكم مني-  إذا دفنتموني فانصرفوا إلى رحالكم-  فسودوا أكبركم-  فإن القوم إذا سودوا أكبرهم خلفوا أباهم-  و إذا سودوا أصغرهم أزرى ذلك بهم في أكفائهم-  و إياكم و معصية الله و قطيعة الرحم-  و تمسكوا بطاعة أمرائكم فإنهم من رفعوا ارتفع-  و من وضعوا اتضع-  و عليكم بهذا المال فأصلحوه-  فإنه منبهة للكريم و جنة لعرض اللئيم-  و إياكم و المسألة فإنها آخر كسب الرجل-  و إن أحدا لم يسأل إلا ترك الكسب-  و إياكم و النياحة فإني سمعت رسول الله ص ينهى عنها-  و ادفنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها و أصوم-  و لا يعلم بكر بن وائل بمدفني-  فقد كانت بيني و بينهم-  مشاحنات في الجاهلية و الإسلام-  و أخاف أن يدخلوا عليكم بي عارا-  و خذوا عني ثلاث خصال-  إياكم و كل عرق لئيم أن تلابسوه-  فإنه إن يسرركم اليوم يسؤكم غدا-  و اكظموا الغيظ-  و احذروا بني أعداء آبائكم فإنهم على منهاج آبائهم-  ثم قال‏

   أحيا الضغائن آباء لنا سلفوا
فلن تبيد و للآباء أبناء

 قال ابن الكلبي فيحكي الناس هذا البيت سابقا للزبير-  و ما هو إلا لقيس بن عاصم- . و أوصى عمرو بن كلثوم التغلبي بنيه فقال-  يا بني إني قد بلغت من العمر-  ما لم يبلغ أحد من آبائي و أجدادي-  و لا بد من أمر مقتبل-  و أن ينزل بي ما نزل بالآباء-  و الأجداد و الأمهات و الأولاد-  فاحفظوا عني ما أوصيكم به-  إني و الله ما عيرت رجلا قط أمرا إلا عيرني مثله-  إن حقا فحق و إن باطلا فباطل-  و من سب سب-  فكفوا عن الشتم فإنه أسلم لأعراضكم-  و صلوا أرحامكم تعمر داركم-  و أكرموا جاركم بحسن ثنائكم-  و زوجوا بنات العم بني العم-  فإن تعديتم بهن إلى الغرباء فلا تألوا بهن عن الأكفاء-  و أبعدوا بيوت النساء من بيوت الرجال-  فإنه أغض للبصر و أعف للذكر-  و متى كانت المعاينة و اللقاء-  ففي ذلك داء من الأدواء-  و لا خير فيمن لا يغار لغيره كما يغار لنفسه-  و قل من انتهك حرمة لغيره إلا انتهكت حرمته-  و امنعوا القريب من ظلم الغريب-  فإنك تدل على قريبك و لا يجمل بك ذل غريبك-  و إذا تنازعتم في الدماء فلا يكن حقكم الكفاء-  فرب رجل خير من ألف و ود خير من خلف-  و إذا حدثتم فعوا و إذا حدثتم فأوجزوا-  فإن مع الإكثار يكون الإهذار-  و موت عاجل خير من ضنى آجل-  و ما بكيت من زمان إلا دهاني بعده زمان-  و ربما شجاني من لم يكن أمره‏ عناني-  و ما عجبت من أحدوثة إلا رأيت بعدها أعجوبة-  و اعلموا أن أشجع القوم العطوف-  و خير الموت تحت ظلال السيوف-  و لا خير فيمن لا روية له عند الغضب-  و لا فيمن إذا عوتب لم يعتب-  و من الناس من لا يرجى خيره و لا يخاف شره-  فبكوؤه خير من دره و عقوقه خير من بره-  و لا تبرحوا في حبكم-  فإن من أبرح في حب آل ذلك إلى قبيح بغض-  و كم قد زارني إنسان و زرته فانقلب الدهر بنا فقبرته-  و اعلموا أن الحليم سليم و أن السفيه كليم-  أني لم أمت و لكن هرمت و دخلتني ذلة فسكت-  و ضعف قلبي فأهترت-  سلمكم ربكم و حياكم- .

و من كتاب أردشير بن بابك إلى بنيه-  و الملوك من بعده-  رشاد الوالي خير للرعية من خصب الزمان-  الملك و الدين توأمان لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه-  فالدين أس الملك و عماده-  ثم صار الملك حارس الدين-  فلا بد للملك من أسه و لا بد للدين من حارسه-  فأما ما لا حارس له فضائع و ما لا أس له فمهدوم-  إن رأس ما أخاف عليكم مبادرة السفلة-  إياكم إلى دراسة الدين و تأويله و التفقه فيه-  فتحملكم الثقة بقوة الملك على التهاون بهم-  فتحدث في الدين رئاسات منتشرات سرا-  فيمن قد وترتم و جفوتم و حرمتم و أخفتم-  و صغرتم من سفلة الناس و الرعية و حشو العامة-  ثم لا تنشب تلك الرئاسات-  أن تحدث خرقا في الملك و وهنا في الدولة-  و اعلموا أن سلطانكم إنما هو على أجسادكم الرعية-  لا على قلوبها-  و إن غلبتم الناس على ما في أيديهم-  فلن تغلبوهم على ما في عقولهم و آرائهم و مكايدهم-  و اعلموا أن العاقل المحروم سال عليكم لسانه-  و هو أقطع سيفيه-  و إن أشد ما يضر بكم من لسانه-  ما صرف الحيلة فيه إلى الدين-  فكان للدنيا يحتج و للدين فيما يظهر يتعصب-  فيكون‏ للدين بكاؤه و إليه دعاؤه-  ثم هو أوحد للتابعين و المصدقين-  و المناصحين و المؤازرين-  لأن تعصب الناس موكل بالملوك-  و رحمتهم و محبتهم موكلة بالضعفاء المغلوبين-  فاحذروا هذا المعنى كل الحذر و اعلموا أنه ليس ينبغي للملك أن يعرف للعباد و النساك-  بأن يكونوا أولى بالدين منه-  و لا أحدب عليه و لا أغضب له-  و لا ينبغي له أن يخلي النساك و العباد-  من الأمر و النهي في نسكهم و دينهم-  فإن خروج النساك و غيرهم من الأمر و النهي-  عيب على الملوك و على المملكة-  و ثلمة بينة الضرر على الملك و على من بعده- .

و اعلموا أنه قد مضى قبلنا من أسلافنا ملوك-  كان الملك منهم يتعهد الحماية بالتفتيش-  و الجماعة بالتفضيل و الفراغ بالاشتغال-  كتعهده جسده بقص فضول الشعر و الظفر-  و غسل الدرن و الغمر-  و مداواة ما ظهر من الأدواء و ما بطن-  و قد كان من أولئك الملوك-  من صحة ملكه أحب إليه من صحة جسده-  فتتابعت تلك الأملاك بذلك كأنهم ملك واحد-  و كان أرواحهم روح واحدة-  يمكن أولهم لآخرهم و يصدق آخرهم أولهم-  يجتمع أبناء أسلافهم و مواريث آرائهم-  و ثمرات عقولهم عند الباقي منهم بعدهم-  و كأنهم جلوس معه يحدثونه و يشاورونه-  حتى كأن على رأس دارا بن دارا-  ما كان من غلبة الإسكندر الرومي-  على ما غلب عليه من ملكه-  و كان إفساده أمرنا و تفرقته جماعتنا-  و تخريبه عمران مملكتنا-  أبلغ له فيما أراد من سفك دمائنا-  فلما أذن الله عز و جل في جمع مملكتنا و إعادة أمرنا-  كان من بعثه إيانا ما كان-  و بالاعتبار يتقى العثار-  و التجارب الماضية دستور-  يرجع إليه من الحوادث الآتية- .

و اعلموا أن طباع الملوك-  على غير طباع الرعية و السوقة-  فإن الملك يطيف به العز-  و الأمن و السرور و القدرة على ما يريد-  و الأنفة و الجرأة و العبث و البطر-  و كلما ازدادفي العمر تنفسا-  و في الملك سلامة ازداد من هذه الطبائع و الأخلاق-  حتى يسلمه ذلك إلى سكر السلطان-  الذي هو أشد من سكر الشراب-  فينسى النكبات و العثرات و الغير و الدوائر-  و فحش تسلط الأيام و لؤم غلبة الدهر-  فيرسل يده بالفعل و لسانه بالقول-  و عند حسن الظن بالأيام تحدث الغير و تزول النعم-  و قد كان من أسلافنا و قدماء ملوكنا-  من يذكره عزه الذل و أمنه الخوف-  و سروره الكآبة و قدرته المعجزة-  و ذلك هو الرجل الكامل قد جمع بهجة الملوك-  و فكرة السوقة-  و لا كمال إلا في جمعها- .

و اعلموا أنكم ستبلون على الملك-  بالأزواج و الأولاد و القرباء و الوزراء و الأخدان-  و الأنصار و الأعوان و المتقربين و الندماء و المضحكين-  و كل هؤلاء إلا قليلا-  أن يأخذ لنفسه أحب إليه من أن يعطي منها عمله-  و إنما عمله سوق ليومه و ذخيرة لغده-  فنصيحته للملوك فضل نصيحته لنفسه-  و غاية الصلاح عنده صلاح نفسه-  و غاية الفساد عنده فسادها-  يقيم للسلطان سوق المودة-  ما أقام له سوق الأرباح و المنافع-  إذا استوحش الملك من ثقاته أطبقت عليه ظلم الجهالة-  أخوف ما يكون العامة آمن ما يكون الوزراء-  و آمن ما يكون العامة أخوف ما يكون الوزراء- . و اعلموا أن كثيرا من وزراء الملوك-  من يحاول استبقاء دولته و أيامه بإيقاع الاضطراب-  و الخبط في أطراف مملكة الملك-  ليحتاج الملك إلى رأيه و تدبيره-  فإذا عرفتم هذا من وزير من وزرائكم فاعزلوه-  فإنه يدخل الوهن و النقص على الملك و الرعية-  لصلاح حال نفسه-  و لا تقوم نفسه بهذه النفوس كلها- .

و اعلموا أن بدء ذهاب الدولة-  ينشأ من قبل إهمال الرعية بغير أشغال معروفة-  و لا أعمال معلومة-  فإذا نشأ الفراغ تولد منه النظر في الأمور-  و الفكر في الفروع و الأصول- . فإذا نظروا في ذلك نظروا فيه بطبائع مختلفة-  فتختلف بهم المذاهب-  و يتولد من اختلاف مذاهبهم تعاديهم و تضاغنهم-  و هم مع اختلافهم هذا متفقون و مجتمعون على بغض الملوك-  فكل صنف منهم إنما يجري إلى فجيعة الملك بملكه-  و لكنهم لا يجدون سلما إلى‏ ذلك-  أوثق من الدين و الناموس-  ثم يتولد من تعاديهم-  أن الملك لا يستطيع جمعهم على هوى واحد-  فإن انفرد باختصاص بعضهم صار عدو بقيتهم-  ولى طباع العامة استثقال الولاة و ملالهم-  و النفاسة عليهم و الحسد لهم-  و في الرعية المحروم و المضروب-  و المقام عليه الحدود-  و يتولد من كثرتهم مع عداوتهم-  أن يجبن الملك عن الإقدام عليهم-  فإن في إقدام الملك على الرعية-  كلها كافة تغريرا بملكه-  و يتولد من جبن الملك عن الرعية استعجالهم عليه-  و هم أقوى عدو له و أخلقه بالظفر-  لأنه حاضر مع الملك في دار ملكه-  فمن أفضى إليه الملك بعدي-  فلا يكونن بإصلاح جسده أشد اهتماما منه بهذه الحال-  و لا تكونن لشي‏ء من الأشياء-  أكره و أنكر لرأس صار ذنبا-  و ذنب صار رأسا و يد مشغولة صارت فارغة-  أو غني صار فقيرا أو عامل مصروف أو أمير معزول- .

و اعلموا أن سياسة الملك و حراسته-  ألا يكون ابن الكاتب إلا كاتبا-  و ابن الجندي إلا جنديا و ابن التاجر إلا تاجرا-  و هكذا في جميع الطبقات-  فإنه يتولد من تنقل الناس عن حالاتهم-  أن يلتمس كل امرئ منهم فوق مرتبته-  فإذا انتقل أوشك أن يرى شيئا أرفع مما انتقل إليه-  فيحسد أو ينافس-  و في ذلك من الضرر المتولد ما لا خفاء به-  فإن عجز ملك منكم عن إصلاح رعيته كما أوصيناه-  فلا يكون للقميص القمل أصرع خلعا منه-  لما لبس من قميص ذلك الملك- .

و اعلموا أنه ليس ملك إلا و هو كثير الذكر-  لمن يلي الأمر بعده-  و من فساد أمر الملك نشر ذكره ولاة العهود-  فإن في ذلك ضروبا من الضرر-  و أن ذلك دخول عداوة بين الملك و ولي عهده-  لأنه تطمح عينه إلى الملك-  و يصير له أحباب و أخدان يمنونه ذلك-  و يستبطئون موت الملك-  ثم إن الملك يستوحش منه-  و تنساق الأمور إلى هلاك أحدهما-  و لكن لينظر الوالي منكم لله تعالى-  ثم لنفسه ثم للرعية-  و لينتخب وليا للعهد من بعده‏ و لا يعلمه ذلك-  و لا أحد من الخلق قريبا كان منه أو بعيدا-  ثم يكتب اسمه في أربع صحائف و يختمها بخاتمه-  و يضعها عند أربعة نفر من أعيان أهل المملكة-  ثم لا يكون منه في سره و علانيته أمر-  يستدل به على ولي عهده من هؤلاء-  في إدناء و تقريب يعرف به-  و لا في إقصاء و أعراض يستراب له-  و ليتق ذلك في اللحظة و الكلمة-  فإذا هلك الملك جمعت تلك الصحائف إلى النسخة-  التي تكون في خزانة الملك-  فتفض جميعا ثم ينوه حينئذ باسم ذلك الرجل-  فيلقي الملك إذا لنية بحداثة عهده بحال السوقة-  و يلبسه إذا لبسه ببصر السوقة و سمعها-  فإن في معرفته بحاله قبل إفضاء الملك إليه سكرا-  تحدثه عنده ولاية العهد-  ثم يلقاه الملك فيزيده سكرا إلى سكره-  فيعمي و يصم-  هذا مع ما لا بد أن يلقاه أيام ولاية العهد من حيل العتاة-  و بغي الكذابين و ترقية النمامين-  و إيغار صدره و إفساد قلبه على كثير من رعيته-  و خواص دولته-  و ليس ذلك بمحمود و لا صالح- .

و اعلموا أنه ليس للملك أن يحلف-  لأنه لا يقدر أحد استكراهه-  و ليس له أن يغضب لأنه قادر-  و الغضب لقاح الشر و الندامة-  و ليس له أن يعبث و يلعب-  لأن اللعب و العبث من عمل الفراغ-  و ليس له أن يفرغ لأن الفراغ من أمر السوقة-  و ليس للملك أن يحسد أحدا إلا على حسن التدبير-  و ليس له أن يخاف لأنه لا يد فوق يده- .

و اعلموا أنكم لن تقدروا على أن تختموا أفواه الناس-  من الطعن و الإزراء عليكم-  و لا قدرة لكم على أن تجعلوا القبيح من أفعالكم حسنا-  فاجتهدوا في أن تحسن أفعالكم كلها-  و إلا تجعلوا للعامة إلى الطعن عليكم سبيلا- . و اعلموا أن لباس الملك و مطعمه و مشربه-  مقارب للباس السوقة و مطعمهم-  و ليس‏ فضل الملك على السوقة-  إلا بقدرته على اقتناء المحامد و استفادة المكارم-  فإن الملك إذا شاء أحسن و ليس كذلك السوقة- . و اعلموا أن لكل ملك بطانة-  و لكل رجل من بطانته بطانة-  ثم إن لكل امرئ من بطانة البطانة بطانة-  حتى يجتمع من ذلك أهل المملكة-  فإذا أقام الملك بطانته على حال الصواب فيهم-  أقام كل امرئ منهم بطانته على مثل ذلك-  حتى يجتمع على الصلاح عامة الرعية- . احذروا بابا واحدا طالما أمنته فضرني-  و حذرته فنفعني-  احذروا إفشاء السر بحضرة الصغار من أهليكم و خدمكم-  فإنه ليس يصغر واحد منهم عن حمل ذلك السر كاملا-  لا يترك منه شيئا حتى يضعه حيث تكرهون-  إما سقطا أو غشا- .

و اعلموا أن في الرعية صنفا-  أتوا الملك من قبل النصائح له-  و التمسوا إصلاح منازلهم بإفساد منازل الناس-  فأولئك أعداء الناس و أعداء الملوك-  و من عادى الملوك و الناس كلهم فقد عادى نفسه- .

و اعلموا أن الدهر حاملكم على طبقات-  فمنها حال السخاء حتى يدنو أحدكم من السرف-  و منها حال التبذير حتى يدنو من البخل-  و منها حال الأناة حتى يدنو من البلادة-  و منها حال انتهاز الفرصة حتى يدنو من الخفة-  و منها حال الطلاقة في اللسان حتى يدنو من الهذر-  و منها حال الأخذ بحكمة الصمت حتى يدنو من العي-  فالملك منكم جدير-  أن يبلغ من كل طبقة في محاسنها حدها-  فإذا وقف عليه ألجم نفسه عما وراءها- . و اعلموا أن ابن الملك و أخاه و ابن عمه يقول-  كدت أن أكون ملكا و بالحري ألا أموت حتى أكون ملكا-  فإذا قال ذلك قال ما لا يسر الملك-  و إن كتمه فالداء في كل مكتوم-  و إذا تمنى ذلك جعل الفساد سلما إلى الصلاح-  و لم يكن الفساد سلما إلى صلاح قط-  و قد رسمت لكم في ذلك مثالا-  اجعلوا الملك لا ينبغي إلا لأبناء الملوك-  من بنات عمومتهم-  و لا يصلح من أولاد بنات العم إلا كامل غير سخيف العقل-  و لا عازب الرأي و لا ناقص الجوارح-  و لا مطعون عليه في الدين-  فإنكم إذا فعلتم ذلك قل طلاب الملك-  و إذا قل طلابه استراح كل امرئ إلى ما يليه-  و نزع إلى حد يليه و عرف حاله-  و رضي معيشته و استطاب زمانه- . فقد ذكرنا وصايا قوم من العرب-  و وصايا أكثر ملوك الفرس و أعظمهم-  حكمة لتضم إلى وصايا أمير المؤمنين-  فيحصل منها وصايا الدين و الدنيا-  فإن وصايا أمير المؤم