خطبه 199 شرح ابن میثم بحرانی

و قال عليه السّلام لما اضطرب عليه أصحابه فى أمر الحكومة

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ أَمْرِي مَعَكُمْ عَلَى مَا أُحِبُّ- حَتَّى نَهِكَتْكُمُ الْحَرْبُ- وَ قَدْ وَ اللَّهِ أَخَذَتْ مِنْكُمْ وَ تَرَكَتْ- وَ هِيَ لِعَدُوِّكُمْ أَنْهَكُ- . لَقَدْ كُنْتُ أَمْسِ أَمِيراً فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَأْمُوراً- وَ كُنْتُ أَمْسِ نَاهِياً فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَنْهِيّاً- وَ قَدْ أَحْبَبْتُمُ الْبَقَاءَ وَ لَيْسَ لِي أَنْ أَحْمِلَكُمْ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ

اللغة

أقول: نهكتكم: خلقتكم.

المعنى

فقوله: على ما أحبّ.
أى من الطاعة لى، و لفظ النهك و استناده إلى الحرب استعارة لاضعافها لهم ملاحظة لشبههم بالثوب الّذي أخلقه اللبس، و تشبّهها بمستعملة في كونها سببا لذلك الإضعاف: أى لم أزل كذلك إلى تلك الغاية.

و قوله: و اللّه أخذت منكم و تركت.
كناية عن تصرّفها فيهم بوجوه التصرّف و هو كالعذر لهم، و إرادته بقوله: و هى لعدوّكم أنهك لكى لا يتعاجزوا بعذر إنها كهالهم. ثمّ أخذ في التشكّى منهم إليهم‏ و عتابهم على عصيانهم له و حكمهم عليه بالرجوع إلى التحكيم حتّى صار مأمورا لهم و منهيّا بعد كونه آمرا فيهم و ناهيا، و ذلك من معكوس الحكم و مضادّ لما ينبغي لهم. و قوله: و قد أحببتم البقاء. أى بترك القتال و هو كالتوبيخ لهم على ذلك. و قوله: و ليس. إلى آخره. أي ليس لى قدرة على ذلك و إن كان له ذلك بحسب المصلحة و الشرع.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 4 ، صفحه‏ى 16

 

 

خطبه 198 شرح ابن میثم بحرانی

و قال عليه السّلام فى بعض أيام صفين و قد رأى الحسن عليه السلام يتسرع إلى الحرب

امْلِكُوا عَنِّي هَذَا الْغُلَامَ لَا يَهُدَّنِي- فَإِنَّنِي أَنْفَسُ بِهَذَيْنِ يَعْنِي الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ ع- عَلَى الْمَوْتِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُولِ اللَّهِ ص قال الرضى أبو الحسن: قوله عليه السلام «املكوا عنى هذا الغلام» من أعلى الكلام و أفصحه.

 

اللغة

أقول: املكوه: شدّوه و اضبطوه.

و يهدّنى: يكسرني.

و نفست بالكسر أنفس بالفتح: أى أضنّ و أبخل.

المعنى

و لمّا كان وجود الولد المنتفع ممّا يشدّ القوّة و تقوى به النفس خصوصا مثل الحسن عليه السّلام كنّى بقوله: لا يهدّنى على تقدير هلاكه عن إضعافه لركنه و انكسار نفسه بذلك. ثمّ على علّة اخرى لوجوب المحافظة عليه مع أخيه عليهما السّلام و هى المحافظة على نسل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 4 ، صفحه‏ى 15

خطبه 197 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام و قد سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين

إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ- وَ لَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ وَ ذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ- كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ وَ أَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ- وَ قُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ- اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَنَا وَ دِمَاءَهُمْ- وَ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَ بَيْنِهِمْ وَ اهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ- حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ- وَ يَرْعَوِيَ عَنِ الْغَيِّ وَ الْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ

اللغة

أقول: لهج به: أولع و حرص عليه.

و حاصل الفصل تأديب قومه و إرشادهم إلى السيرة الحسنة و جذب لهم عن تعويدها و تمرينها بكلام الصالحين

و نبّه بكراهته للسبّ و النهى عنه على تحريمه، و نحوه إشارة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بقوله: ما بعثت لعّانا و لا سبّابا. و قوله: اللهم إنّى بشر فإذا دعوت على إنسان فاجعل دعائى له لا عليه و اهده إلى الصراط المستقيم.

و قوله: لو وصفتم. إلى قوله: في العذر.
أى لو عدلتم عن السباب إلى وصف أعمالهم و تذكيرهم بكونهم ظالمين لكم و ضالّين عن السبيل ذكرا على وجه النصيحة و الهداية لهم. ثمّ قلتم مكان سبّكم إيّاهم هذا الدعاء لكان أصوب في القول ممّا ذكرتموه من رذيلة السباب و لأنّ في تذكيرهم بأحوالهم و نصيحتهم إيّاهم فائدة و هى رجاء أن يعودوا إلى الحقّ و لأنّ ذلك أبلغ في العذر إليهم من غيره. إذ لكم أن تقولوا بعد ذلك إنّكم نصحتموهم و طلبتم منهم العتبى فلم يستعينوا.

و قوله: و قلتم.
عطف على قوله: وصفتم و لو مقدّرة عليه و جوابها مقدّر بعد تمام الدعاء و حذفا لدلالة لو الاولى عليهما، و التقدير لو قلتم هذا الدعاء لكان أصوب و أبلغ في العذر، و الدعاء الّذي علّمهم عليه السّلام إيّاه مطابق لصورة حال الحرب، و اشتمل على طلب حقن الدماء أوّلا لأنّ سفك الدماء هو الخوف الحاضر، و على طلب علّته و هى إصلاح ذات البين: أى ما بيننا و بينهم من الأحوال الموجبة للافتراق حتّى يكون أحوال الفة و اتّفاق، و لمّا كانت الأحوال ملابسة للبين قيل لها: ذات البين كقولك: اسقنى ذا إنائك: أى ما في إنائك من الشراب، و قيل: ذات البين حقيقة الفرقة: أى صلح حقيقة الفرقة بيننا و بينهم و بدّلها بالالفة. ثمّ على طلب العلّة الحاسمة للفرقة الموجبة لاصلاحها و هى هداهم من ضلالتهم بمعرفة من جهل الحقّ له و ارعوا به من غباوته، و هى طرف التفريط من فضيلة الحكمة، و عداوته و هو طرف الإفراط من فضيلة العدل، و قد كانت الرذيلتان في أصحاب معاوية فإنّه لمّا قصرت وطئتهم عن وجه الحقّ و غلبت عليهم الشبهة بغوا و تعدّوا و لهجوا بعدوانهم، و روى عوض الغىّ العمى و هو عمى البصيرة و غباوتها.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 4 ، صفحه‏ى 13

 

 

خطبه 196 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام

كلم به طلحة و الزبير بعد بيعته بالخلافة و قد عتبا [عليه‏] من ترك مشورتهما، و الاستعانة فى الأمور بهما لَقَدْ نَقَمْتُمَا يَسِيراً وَ أَرْجَأْتُمَا كَثِيراً- أَ لَا تُخْبِرَانِي أَيُّ شَيْ‏ءٍ كَانَ لَكُمَا فِيهِ حَقٌّ دَفَعْتُكُمَا عَنْهُ- أَمْ أَيُّ قَسْمٍ اسْتَأْثَرْتُ عَلَيْكُمَا بِهِ- أَمْ أَيُّ حَقٍّ رَفَعَهُ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ- ضَعُفْتُ عَنْهُ أَمْ جَهِلْتُهُ أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ- . وَ اللَّهِ مَا كَانَتْ لِي فِي الْخِلَافَةِ رَغْبَةٌ- وَ لَا فِي الْوِلَايَةِ إِرْبَةٌ- وَ لَكِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَيْهَا وَ حَمَلْتُمُونِي عَلَيْهَا- فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيَّ نَظَرْتُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ مَا وَضَعَ لَنَا- وَ أَمَرَنَا بِالْحُكْمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ- وَ مَا اسْتَنَّ النَّبِيُّ ص فَاقْتَدَيْتُهُ- فَلَمْ أَحْتَجْ فِي ذَلِكَ إِلَى رَأْيِكُمَا وَ لَا رَأْيِ غَيْرِكُمَا- وَ لَا وَقَعَ حُكْمٌ جَهِلْتُهُ فَأَسْتَشِيرَكُمَا وَ إِخْوَانِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ- وَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ أَرْغَبْ عَنْكُمَا وَ لَا عَنْ‏ غَيْرِكُمَا- . وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ الْأُسْوَةِ- فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُمْ أَنَا فِيهِ بِرَأْيِي- وَ لَا وَلِيتُهُ هَوًى مِنِّي- بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَ أَنْتُمَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ص قَدْ فُرِغَ مِنْهُ- فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَيْكُمَا فِيمَا قَدْ فَرَغَ اللَّهُ مِنْ قَسْمِهِ- وَ أَمْضَى فِيهِ حُكْمَهُ- فَلَيْسَ لَكُمَا وَ اللَّهِ عِنْدِي وَ لَا لِغَيْرِكُمَا فِي هَذَا عُتْبَى- . أَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَ قُلُوبِكُمْ إِلَى الْحَقِّ- وَ أَلْهَمَنَا وَ إِيَّاكُمُ الصَّبْرَ.

اللغة

أقول: أرجأتما: أخّرتما.

و استأثر: استبدّ. و الإربة: الحاجة.

و أفضت: وصلت.

و العتبى: الرجوع عن الإساءة

المعنى

و اعلم أنّ الرجلين كانا يؤمّلان الأمر لأنفسهما فلمّا صار إليه عليه السّلام عاد إلى رجاء أن يداخلهما في أمره و أن يزد لهما في العطاء على غيرهما كما فضّل بعض الأئمّة من قبله و أن يشاركهما في أكثر الآراء المصلحيّة محبّة منهما للجاه و نظرا إلى محلّهما و شرفهما لكنّ الرجل لمّا جعل دليله الكتاب العزيز و السنّة النبويّة و كان هو القويّ على تفريع الأحكام منهما دون غيره و صاحب أسرارهما كما علمت رجوع أكابر الصحابة و الخلفاء السابقين إليه في كثير الأحكام لا جرم لم يكن به حاجة إلى الاستشارة فيما يقع إليه من الوقايع، و أشار باليسير الّذي نقماه إلى ترك مشورتهما و تسويتهما بغيرهما في العطاء و إن كان عندهما صعبا فهو لكونه عنده غير حقّ في غاية من السهولة، و الكسير الّذي أرجاه ما أخّراه من حقّه و لم يوفياه إيّاه، و روى كثيرا بالثاء بثلاث نقط، و أشار به إلى ما يعود إلى صلاح المسلمين من الآراء الّتي ينبغي أن‏ يتحدّث فيها، و يحتمل أن يريد أنّ الّذي أبدياه و نقماه بعض ممّا في أنفسهما، و قد دلّ ذلك على أنّ في أنفسهما أشياء كثيرة وراء ما ذكراه لم يقولاه.

و قوله: ألا تخبرانى. إلى قوله: بابه.
استفسار عن الحقّ الّذي نقما تركه، و أشار إلى وجوه الحقّ و جهاته المتعارفة المعتادة، و تلخيصه أنّ الحقّ الّذي تنقمان على تركه إمّا أن يكون متعلّقا بكما أو بغير كما من المسلمين، و الأوّل إمّا أن يكون قسما استأثرت به أو غيره من الحقوق دفعتكما عنه ظلما، و الثاني إمّا أن يكون تركه منّى ضعفا أو جهلا به أو خطأ لدليل الحكم فيه، و الاستفهام في الأقسام كلّها استفهام إنكار لها و مستند منعه و إنكاره لها ظاهر فإنّ التسوية في العطاء سنّة الرسول فيجب اتّباعها، و الاستشارة في الحوادث و نحوها إنّما يجب مع عدم الحكم في الواقعة أو مع جهله و لم يكن عادما لأحكام الوقايع الواردة عليه و لا جاهلا بها، و كذلك لم يترك حقّا لأحد من المسلمين عن ضعف منه لأنّه كان خليفة الوقت و لا عن جهل بحكم و لا بدليله لأنّه كان أعلم الامّة بأحكام اللّه، و لمّا كان الّذي نقماه عليه في تلك الحال من الأقسام المذكورة إنّما هو ترك مشورتهما و السوية في العطاء بينهما و بين غيرهما أشار إلى الجواب عن الأوّل بقوله: و اللّه ما كانت.
إلى قوله: و لا عن غيركما.
فقوله: و اللّه. إلى قوله: حملتمونى عليها.

كالمقدّمة في الجواب المكاسرة من توهّمهما رغبته في الخلافة و محبّته للملك و السلطان لاستيثار عليهما و نحو ذلك فإنّه إذا انكسر ذلك الوهم لم يبق علّة طلبه للولاية إلّا نصرة الحقّ و إقامته كما صرّح هو به في غير موضع و حينئذ تندفع شبهتها عنه.

و قوله: فلمّا أفضت. إلى قوله: فاقتديته.
وجه الجواب دلّ به على صغرى القياس فيه، و خلاصته: أى إنّما أحكم بالكتاب فأتّبعته و أقتدى بالسنّة، و تقدير الكبرى و كلّ من فعل ذلك فلا حاجة به في الحكم إلى الرأي.
و قوله، فلم أحتج. إلى قوله، غيركما.
كالنتيجة.

و قوله: و لا وقع حكم جهلته.
أحد الأقسام الّتي استفهم عنها على سبيل الإنكار أوّلا قد صرّح بإنكاره هاهنا و منعه على تقدير دعواهم له. ثمّ بتسليمه تسليم جدل أنّه لو وقع لم يكن يرغب عنهما و لا عن غيرهما من المسلمين و الاستشارة فيه. ثمّ ذكر الأمر الثاني ممّا نقماه عليه فقال: و أمّا ما ذكرتما من الأمر الأسوة: أى اسوتكما بغير كما في العطاء، و أجاب عنه بقوله: فإنّ ذلك أمر. إلى قوله: حكمه. فقوله: و لاولّيته هوى منّى.
أى لم أجعل الحاكم في ذلك هواى، و روى و لا ولّيته هوى منّى على أن يكون هوى مفعولا له: و خلاصته أنّ حكمى بالتسوية في القسمة لم يكن عن رأى منّى و لا هوى أتّبعته و لكن وجدته أنا و أنتم قد فرغ اللّه منه: أى من القضاء به في اللوح المحفوظ و إنزاله، و يقال للأمر الثابت الّذي لا يحتاج إلى إيجاد أو تكميل مفروغ منه، و نسبة الفراغ إلى اللّه مجاز لمناسبته ما قضاه بفعل العبد الّذي فرغ من عمله.

و قوله: فلم أحتج إليكما. إلى قوله: حكمه.
أى لمّا وجدته كذلك لم أمل إليكما بما يرضيكما مع مخالفته لما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و روى فلم أحتجّ إليكما: أى في الإرشاد إلى أحكام اللّه بعد فراغه منها.

و قوله: فليس لكما. إلى قوله. عتبى.
لازم بنتيجتى قياسيّة في الجوابين فإنّه لمّا ثبت أنّه لا حقّ لهما فيما نقماه عليه لم يكن عليه أن يعتب. ثمّ أخذ في الدعاء لهما و لنفسه بأخذ اللّه قلوبهم إلى الحقّ و إلهامهم الصبر عن الميول الباطلة و على الحقّ. ثمّ دعا برحمة اللّه لرجل‏ رأى حقّا و عدلا و أعان على العمل به، أو رأى جورا و ظلما فردّه و أعان على صاحبه جذ بالهما إلى ذلك. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 4 ، صفحه‏ى 9

خطبه 195 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام كان كثيرا ما ينادى به أصحابه

تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ- وَ أَقِلُّوا الْعُرْجَةَ عَلَى الدُّنْيَا- وَ انْقَلِبُوا بِصَالِحِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ- فَإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَئُوداً وَ مَنَازِلَ مَخُوفَةً مَهُولَةً- لَا بُدَّ مِنَ الْوُرُودِ عَلَيْهَا وَ الْوُقُوفِ عِنْدَهَا- . وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَلَاحِظَ الْمَنِيَّةِ نَحْوَكُمْ دَانِيَةٌ- وَ كَأَنَّكُمْ بِمَخَالِبِهَا وَ قَدْ نَشِبَتْ فِيكُمْ- وَ قَدْ دَهَمَتْكُمْ فِيهَا مُفْظِعَاتُ الْأُمُورِ وَ مُعْضِلَاتُ الْمَحْذُورِ- . فَقَطِّعُوا عَلَائِقَ الدُّنْيَا وَ اسْتَظْهِرُوا بِزَادِ التَّقْوَى و قد مضى شي‏ء من هذا الكلام فيما تقدم، بخلاف هذه الرواية.

اللغة

أقول: العرجة و التعريج: الإقامة على المكان و الاحتباس به.

و عقبة كؤود: شاقة المصاعد.

و الملاحظ: جمع ملحظ و هو مصدر أو محلّ اللحظ و هو النظر بموخّر العين.

و دانية: مجدّدة.

و مفظعات الامور: عظائمها و شدائدها المجاوزة حدّ المقدار المعتاد.

و معضلات المحذور: ما ثقل منها و أمال.

و مدار الفصل على الأمر بالتجهيز من الدنيا

و هو الاستعداد للسفر إلى اللّه بما يحتاج إليه المسافرون إلى حضرته من الزاد المبلغ و هو التقوى، و الرحيل يحتمل أن يريد به السفر بالموت فيكون المنادى هو حوادث الأيّام الداعية بضرورتها للأمزجة إلى الانهدام، و يحتمل أن يريد به السفر إلى اللّه بالرياضة الكاملة، و المنادى بذلك هو الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الكتاب العزيز و أولياء اللّه. ثمّ على الأمر بإقلال التعريج على الدنيا: أي بقلّة الالتفات إليها إلّا على القدر الضرورىّ منها و هو الزهد. ثمّ بالانقلاب عنها بصالح ما يحضرهم في الدنيا و يمكنهم إعداده و الاستعداد به و هو الأعمال الصالحة و التقوى و قوله: فإنّ أمامكم عقبة كؤودا.

استعار لفظ العقبة بوصف الكؤود، و وجه المشابهة شدّة الملاقات و قطع منازله في حال تألم النفوس إلى آخر الموت، و أراد بالمنازل المحوفة المهولة منازل الآخرة بعد من القبر و ساير درجات النفوس في الشقاوة و الأهوال الاخرويّة و ظاهر أنّه لا بدّ من ورود تلك المنازل و الوقوف عندها إلى حين عبورها خصوصا أصحاب الملكات الرديئة و العلايق الدنيّة البدنيّة فإنّ وقوفهم بتلك المنازل أطول و شدائدهم فيها أهول.

و قوله: و اعلموا. إلى قوله: فيكم.
أخذ بعض لوازم المستعار و هو الملاحظة و ذويها، و كنّى بذلك عن كونها هم بالرصد لا تنقطع عنهم، و روى دائنة: أى قريبة منهم، و كذلك المخالب و نشبتها كناية عن لحوق الآفات و الأمراض المهلكة لهم، و معنى التشبيه هاهنا تشبيه المقدّر القريب وقوعه و هو لحوق الموت لهم، و نسبة مخالب المنية فيهم بوقوع ذلك في السرعة، و الباء في بمخالبها للالصاق، و الواوان في قوله: و قد للحال.

و قوله: و قد دهمتكم. إلى قوله: المحذور.
كناية عن لحوق شدائد الموت و مثقلات الظهور المحذورة و هى الذنوب.

و قوله: فقطّعوا علايق الدنيا.
أمر بالزهد الحقيقىّ فيها و التخفيف منها بترك الفضول و الاستكثار من متاعها، و استظهروا بزاد التقوى: أى اتّخذوه ظهيرا لكم على مشاقّ السفر إلى الآخرة، و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن‏ ميثم بحراني)، ج 4 ، صفحه‏ى 8

خطبه 194 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَجَازٍ وَ الْآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ- فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ- وَ لَا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ- وَ أَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ- مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ- فَفِيهَا اخْتُبِرْتُمْ وَ لِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ- إِنَّ الْمَرْءَ إِذَا هَلَكَ قَالَ النَّاسُ مَا تَرَكَ- وَ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا قَدَّمَ- لِلَّهِ آبَاؤُكُمْ فَقَدِّمُوا بَعْضاً يَكُنْ لَكُمْ- وَ لَا تُخْلِفُوا كُلًّا فَيَكُونَ فَرْضاً عَلَيْكُمْ

أقول: حاصل الفصل التنفير عن الدنيا و الترغيب في الآخرة بذكر الغاية من وجودهما
فتكون الدنيا مجازا: أى يسلك بها إلى الآخرة سلوكا اختياريّا كسلوك عباد اللّه الصالحين إليه، و اضطراريّا كعبور الكلّ إلى الآخرة بالموت، و أراد هنا الاضطرارىّ، و هاتان القرينتان كالمقدّمة لقوله: فخذوا من ممرّكم لمقرّكم.

و قوله: و لا تهتكوا. إلى قوله: أسراركم.أى لمجاهرته بالمعصية فإنّه إذا كان يعلم أسراركم فهو يعلم ظواهر كم أولى.

و قوله: و أخرجوا. إلى قوله: أبدانكم.
أمر لهم بالزهد في الدنيا قبل الموت، و كنّى عنه بإخراج القلوب منها. يقال: خرج فلان عن كذا، و أخرج نفسه من كذا إذا أعرض عنه و تبرّء منه.

و قوله: ففيها اختبرتم.
إشارة إلى قصد العناية الإلهيّة منها، و قد عرفت معنى الاختبار، و لغيرها خلقتم: أى لنيل السعادة في الآخرة بالذات، أو الشقاوة لمن حرّمها بالعرض.

و قوله: إنّ المرء. إلى قوله: قدّم.
أى ما ترك من متاع الدنيا أو ما قدّم من الأعمال الصالحة، و إنّما قرن ذكر الناس و ما يسئلون عنه بذكر الملائكة و ما يسئلون عنه لينبّه على شرف الأعمال المسعدة في الآخرة على متاع الدنيا لكون الأوّل مطلوب الملائكة و ما تعتنون بالفحص عنه، و كون الثاني معتنى الناس الغافلين، و في لفظ ما ترك و ما قدّم لطف شبيه [تنبيه خ‏] على أنّ متاع الدنيا مفارق متروك و الأعمال الصالحة مقدّمة باقية نافعة للمرء في معاده فينبغى أن تكون العناية بها دون المفارق المتروك.

و قوله: للّه آباؤكم.
كلمة تقولها العرب لتعظيم المخاطب بنسبته أو بنسبة أبيه إلى اللّه يقال: للّه أنت و للّه أبوك، و قيل: اللام للعاقبة: أى إلى اللّه تصير آبائكم لكن بذلك يخرج الكلام عن معنى التعجّب و الاستعظام.

و قوله: فقدّموا بعضا. إلى آخره.
أى فقدّموا بعضا من متاع الدنيا كالصدقات و نحوها يكن لكم ثوابها في الآخرة كقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يا بن آدم ليس لك من دنياك إلّا ثلاث: ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدّقت فأبقيت، و لا تخلّفوها بأسرها لغيركم فيكون عليكم وزرها، و قد علمت كيفيّة استلزام الصدقة و الزكاة و نحوها للملكات الفاضلة و الثواب الاخروى، و استلزام البخل و ادخار المال للشقاوة الاخرويّة، و إنّما خصّص‏ البعض بالتقديم لأنّ حرمان الورثة لا يجوز، و نهى عن تخليف الكلّ لأنّ ترك الزكاة و الصدقة لا يجوز، و روى يكن لكم قرضا و يكن عليكم كلّا و هو كقوله تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً«» و لفظ القرض مستعار، و وجه الاستعارة أنّ القرض يستلزم في العادة الطلب من المقترض و شكره لمقرضه و أداه إليه فأشبه ذلك تكرر أوامر اللّه الطالبة للزكاة و الصدقة و شكر اللّه للمنفقين في سبيله و جزاؤه للمتصدّقين في الآخرة بأضعاف ما بذلوه و أنفس كميّة و كيفيّة من الكلّ الّذي لا منفعة فيه مع وجود مضرّته، و لمّا كان حفظ المال و تخليفه بعد الموت كذلك لا جرم كان كلّا. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 4 ، صفحه‏ى 6

 

خطبه 193 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام

روى عنه أنه قاله عند دفن سيدة النساء فاطمة عليها السلام كالمناجى به رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم عند قبره

السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنِّي- وَ عَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ- وَ السَّرِيعَةِ اللَّحَاقِ بِكَ- قَلَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي وَ رَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِي- إِلَّا أَنَّ فِي التَّأَسِّي لِي بِعَظِيمِ فُرْقَتِكَ- وَ فَادِحِ مُصِيبَتِكَ مَوْضِعَ تَعَزٍّ- فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ- وَ فَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَ صَدْرِي نَفْسُكَ- فَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ- فَلَقَدِ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ وَ أُخِذَتِ الرَّهِينَةُ- أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ وَ أَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ- إِلَى أَنْ يَخْتَارَ اللَّهُ لِي دَارَكَ الَّتِي أَنْتَ بِهَا مُقِيمٌ- وَ سَتُنَبِّئُكَ ابْنَتُكَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا- فَأَحْفِهَا السُّؤَالَ وَ اسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ- هَذَا وَ لَمْ يَطُلِ الْعَهْدُ وَ لَمْ يَخْلُ مِنْكَ الذِّكْرُ- وَ السَّلَامُ عَلَيْكُمَا سَلَامَ مُوَدِّعٍ لَا قَالٍ‏ وَ لَا سَئِمٍ- فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلَا عَنْ مَلَالَةٍ- وَ إِنْ أُقِمْ فَلَا عَنْ سُوءِ ظَنٍّ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ الصَّابِرِينَ

اللغة

أقول: مسهّد: مورق.

و أحفها السؤال: استقص عليها فيه.

المعنى

فأمّا قول السيّد- رضى اللّه تعالى عنه- سيّدة النساء، فقد جاء في الخبر أنّه رآها تبكى عند موته فقال لها: أ ما ترضين أن تكون سيّدة نساء هذه الامّة، و روى أنّه قال: سادات نساء العالمين أربع: خديجة بنت خويلد، و فاطمة بنت محمّد، و آسية بنت مزاحم، و مريم بنت عمران. و السلام منه عليه السّلام على الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كعادة الزائرين لكن الزيارة هنا قلبيّة، و عنها كالمستأذن لها في الدخول عليه، و جوارها له: أى في منازل الجنّة و أمّا سرعة لحاقها به ففائدة ذكرها التشكّى إليه من سرعة تواتر المصائب عليه بموته و لحوقها عقيبه، و المنقول أنّ مدّة حياتها بعده صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أربعة أشهر، و قيل: ستّة أشهر. ثمّ أخذ في التشكّى إليه كالمخاطب له من قلّة صبره و رقّة تجلّده و تحمّله للمصيبة بها.

و في قوله: صفيّتك.
إشارة إلى ما كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من التبجيل و المحبّة و الإكرام.

و قوله: إلّا أنّ لى. إلى قوله: موضع تعزّ.
كالعذر و التسلية و إن كانت هذه المصيبة عظيمة يقلّ لها الصبر و يرقّ لها التجلّد فإنّ المصيبة بفراقك أعظم، و كما صبرت في تلك على كونها أشدّ فلإن أصبر على هذه أولى. و التأسي الاقتداء بالصبر في هذه المصيبة كالصبر في تلك.

و قوله: فلقد وسّدتك. إلى قوله: نفسك.
كالشرح للمصيبة به صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و مقاساتها عند تلحيده و عند فيضان نفسه و هى دمه بين صدره و نحره، و كالتذكير لنفسه بها.

و قوله: فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون.
امتثال لقوله تعالى وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا
لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ«».

و قوله: فلقد استرجعت الوديعة. إلى قوله: الرهينة.
استعار لفظ الوديعة و الرهينة لتلك النفس، و وجه الاستعارة الاولى أنّ النفوس في هذه الأبدان يشبه الودايع و الأمانات في كونها تسترجع إلى عاملها في وجوب المحافظة عليها من المهلكات، و يحتمل أن يريد ما هو المتعارف بين الناس من كون المرأة وديعة الرجل كما يقال: النساء ودايع الكرام، و وجه الثانية أنّ كلّ نفس رهينة على الوفاء بالميثاق الّذي واثقها اللّه تعالى به، و العهد الّذي أخذ عليها حين الإهباط إلى عالم الحسّ و الخيال أن ترجع إليه سالمة من سخطه، عاملة بأوامره غير منحرفة من صراطه الوضوح على لسان رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإن وفيت بعهدها خرجت من وثاق الرهن و ضوعف لها الأجر كما قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ«» و إن نكثت و ارتكبت بما نهيت عنه بقيت رهينة بعملها كما قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ«» و الرهينة تصدق على الذكر و الأنثى. و قد سبقت الإشارة إلى ذلك.

و قوله: أمّا حزنى. إلى قوله: مقيم.
صورة حاله بعدهما على سبيل الشكاية، و كنّى بالدار عن الجنّة لأنّه ممّن بشّر بها.

و قوله: و ستنبّئك ابنتك. إلى قوله: الذكر.
رمز للتشكّى إلى الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من امّته بعده فيما كان يعتقده حقّا له من الخلافة و نحلة فدك لفاطمة عليها السّلام فزحزحا عنهما مع نوع من الاهتضام له، و الغلظة عليه في القول على قرب عهدهم بالرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و طراوة الذكر الّذي هو القرآن الآمر بمودّة القربى.

و قوله: و السلام عليكما. إلى آخره.صورة وداع المحبّين الناصحين بجارى العادة.

و قوله: و إن اقم. إلى قوله: الصابرين.
تنزيه لنفسه عمّا عساه يعرض لبعض من يلازم القبور لشدّة الجزع و الأسف عن و هم أنّه لا عوض عن ذلك الفائت و الأجر على التعزّى و الصبر عنه، و ما وعد اللّه به الصابرين على نزول المصائب هو صلاته و رحمته في قوله تعالى الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ«» و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(اب ‏ميثم بحراني)، ج 4 ، صفحه‏ى‏3

خطبه 192 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام

أَيُّهَا النَّاسُ- لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ- فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُهَا قَصِيرٌ- وَ جُوعُهَا طَوِيلٌ- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا وَ السُّخْطُ- وَ إِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ- فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا- فَقَالَ سُبْحَانَهُ فَعَقَرُوها
فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ- فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ خَارَتْ أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَةِ- خُوَارَ السِّكَّةِ الْمُحْمَاةِ فِي الْأَرْضِ الْخَوَّارَةِ- أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوَاضِحَ وَرَدَ الْمَاءَ- وَ مَنْ خَالَفَ وَقَعَ فِي التِّيهِ

اللغة

أقول: السكّة: الحديدة تكون في رأس خشبة الفدّان تثار بها الأرض.

و خوارها: صوتها في الأرض.

و الأرض الخوّارة: الضعيفة.

و حاصل الفصل ترغيب أصحابه السالكين لطريق الهدى في البقاء على ما هم عليه

بذكر كونه طريق الهدى، و من العادة أن يستوحش الناس من الوحدة و قلّة الرفيق في الطريق الطويل الصعب فنهى عن الاستيحاش في تلك الطريق، و كنّى به عمّا عساه يعرض لبعضهم من الوسوسة بأنّهم ليسوا على حقّ لقلّتهم و كثرة مخالفيهم لأنّ قلّة العدد في الطريق مظنّة الهلاك و السلامة مع الكثرة و نحو ذلك فنبّههم على أنّهم في طريق الهدى و إن كانوا قليلين. و قوله: فإنّ الناس اجتمعوا. إلى قوله: طويل. تنبيه على علّة قلّة أهل الهدى و هو اجتماع الناس على الدنيا، و استعار لها لفظ المائدة ملاحظة لشبهها بها في كونها مجتمع اللذّات، و كنّى عن قصر مدّتها بقصر شبعها، و عن استعقاب الانهماك فيها للعذاب الطويل في الآخرة بطول جوعها، و لفظ الجوع مستعار للحاجة الطويلة بعد الموت إلى المطاعم الحقيقيّة الباقية من الكمالات النفسانيّة الفانية بسبب الغفلة في الدنيا فلذلك نسب الجوع إليها، و يحتمل أن يكون مستعارا لما تتلهّف عليه النفس و تتأسّف بعد المفارقة من اللذّات الدنيويّة الّتي لا تحصل عليها بعد الموت أبدا فيطول جوعها منها، و راعى المقابلة فالجوع بإزاء الشبع و الطول بإزاء القصر.

و قوله: أيّها الناس. إلى قوله: السخط. أى إنّما يجمع الناس في عذاب اللّه رضاهم بالمنكرات و معاصى اللّه و إن‏ لم يباشرها أكثرهم و سخطهم لمحابّه من الأعمال، و مصداق ذلك قصّة ثمود في عموم العذاب لهم بفعل عاقر الناقة فإنّهم بأسرهم ما فعلوا ذلك مع نسبة الفعل إلى جميعهم كما قال تعالى «فَعَقَرُوها» الآية و عمّتهم العقوبة لمّا عمّوه بالرضى، و الضمير في عمّوه يعود إلى الرجل أو إلى العقر الّذي دلّ عليه قوله: عقر: أى لمّا عمّوا فعله برضاهم به، و إليه الإشارة بقوله تعالى «وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً»«» و ظاهر أنّ الراضى بفعل شريك فاعله و في قوّته، و كذلك إنّما يجمع اللّه الناس في رحمته باجتماعهم على الرضا بمحابّه و السخط لمكارهه.

فقوله: فما كان إلّا أن خارت أرضهم. إلى قوله: الخوّارة. تفسير للعذاب اللاحق لهم المشار إليه بقوله: فأصبحوا نادمين فأخذهم العذاب، و قد فسّره القرآن الكريم أيضا في قوله «فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ»«» فبيّن عليه السّلام كيفيّة ذلك و شبّه صوت أرضهم في خسوفها و ذهابها في الأرض بصوت السكّة المحماة في الأرض عند الحرث بها، و إنّما زادها صفة المحماة تنبيها على قوّة تصويتها و سرعة غوصها لأنّ المحماة يكون لها في الأرض نشيش زائد على ما يقتضيه حركتها و يعينها الحمى على النفوذ. فأمّا قصّة ثمود فالمنقول أنّهم خلف عاد في الأرض بعد هلاكهم عنها فكثروا و عمّروا أعمارا طويلة حتّى كان الرجل يبنى المسكن المحكم فينهدم في حياته فنحتّوا البيوت في الجبال و كانوا في سعة و رخاء من العيش فعتوا عن أمر اللّه و أفسدوا في الأرض و عبدوا الأوثان. فبعث اللّه إليهم صالحا و كانوا قوما عربا و صالح من أوسطهم نسبا فدعاهم إلى اللّه فلم يتّبعه إلّا قليل منهم مستضعفون فحذّرهم و أنذرهم فسألوه آية فقال: أيّة آية تريدون. فقالوا: تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلوم من السنة تدعو إلهك و ندعو آلهتنا فإن استجيب لك اتّبعناك و إن استجيب لنا اتّبعتنا. فقال: نعم. فخرج معهم و دعوا أربابهم و سألوها فلم تجب.

فقال كبيرهم و أشار إلى صخرة مفردة في ناحية الجبل يسمّونها الكاثبة: أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة جوفاء و براء فإن فعلت صدّقناك و أجبناك. فأخذ عليهم‏ المواثيق بذلك. ثمّ صلّى و دعا ربّه فتمخّضت الصخرة كما تمخّض النتوج بولدها فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء و براء كما يطلبون، و عظماؤهم ينظرون. ثمّ نتجت ولدا مثلها في العظم. فآمن به رئيسهم و نفر من قومه و منع أعقابهم ناس من رؤسائهم أن يؤمنوا. فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر و تشرب الماء و كانت ترد غبّا فإذا كان يوم شربها وضعت رأسها في البئر فما ترفعه حتّى تشرب كلّ ماء فيها. ثمّ تفجّج فيحلبون ما شاءوا حتّى تمتلى أوانيهم فيشربون و يدّخرون. فإذا وقع الحرّ تصيّفت بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم فتهبط إلى بطنه، و إذا وقع البرد تشتّت ببطن الوادي فتهرب مواشيهم إلى ظهره فشقّ ذلك عليهم، و زيّنت لهم عقرها امرأتان: عنيزة امّ غنم و صدقة بنت المختار كانتا كثيرتى المواشى لمّا أضرّت بمواشيهما.

فعقرها قدار الأحمر و اقتسموا لحمها و طبخوه فانطلق سقبها حتّى رقى جبلا يقال له غارة فرغا ثلاثا و كان صالح قال لهم: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب فلم يقدروا عليه و انفجّت الصخرة بعد رغائه فدخلها فقال لهم صالح: تصبحون غدا و وجوهكم مصفرّة و بعد غد و هي محمّرة و اليوم الثالث و هي مسوّدة.

ثمّ يغشاكم العذاب. فلمّا رأوا العلامات همّوا بقتله فأنجاه اللّه إلى أرض فلسطين. فلمّا كان اليوم الرابع و ارتفع الضحى تحنّطوا بالصبر و تكفّنوا بالأنطاع فأتتهم الصيحة و خسف شديد و زلزال فتقطّعت قلوبهم فهلكوا. و باللّه العصمة و التوفيق هذا آخر المجلّد الثالث من هذا الكتاب تمّ ثالث أجزاء الكتاب من الأجزاء الخمسة على ما جزئه الشارح المحقّق- قدّس سرّه- في أحسن وضع و على أنقى ورق و بأجود طباعة و يليه الجزءان الآخران- إنشاء اللّه تعالى- و لو تدرى نفس ما يتحمّله المقدم من الصعوبة في تهذيب طباعة كتاب لعبت به يد الأيّام و حرّفته أقلام الجهلة لقبل ذلك عذرا فيما يؤخذ على الناشر، أو ليحثّه أن يغفر ما له من الذنب.
و عليه سبحانه التوكّل و به العصمة.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 473

خطبه 191 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام

وَ اللَّهِ مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي وَ لَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَ يَفْجُرُ- وَ لَوْ لَا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ- وَ لَكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ وَ كُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ- وَ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ- وَ اللَّهِ مَا أُسْتَغْفَلُ بِالْمَكِيدَةِ وَ لَا أُسْتَغْمَزُ بِالشَّدِيدَةِ

اللغة

أقول: الدهاء: استعمال العقل و الرأى الجيّد فيما يراد فعله ممّا لا ينبغي مع إظهار إرادة غيره. و يسمّى صاحبه داهيا، و داهية للمبالغة، و خبيثا و مكّارا و حيّالا.
و هو داخل تحت رذيلة الجربزة و هي طرف الإفراط من فضيلة الحكمة العمليّة و يستلزم رذائل كثيرة كالكذب.

و الغدر: هو الرذيلة المقابلة لفضيلة الوفاء بالعهود الّتي هي ملكة تحت العفّة.

و الفجور: المقابل لفضيلة العفّة.

المعنى

فقوله عليه السّلام: ما معاوية بأدهى منّى. أى ليس بأقدر منّي على فعل الدهاء، و أكّد ذلك بالقسم البارّ. و قوله: و لكنّه يغدر و يفجر. إشارة إلى لوازم الدهاء الّتي لأجلها تركه و هو الغدر، و بواسطته الفجور فإنّ الوفاء لمّا كان نوعا تحت العفّة كان الغدر الّذى هو رذيلته نوعا تحت ما يقابل العفّة و هو الفجور و لذلك نفى الدهاء عن نفسه لكراهيّته للغدر، و نفيه له عن نفسه‏

لأنّ نفى اللازم مستلزم لنفى الملزوم. ثمّ جعل الغدر أوسط في إثبات الفجور لمعاوية بقياس ضمير من الشكل الأوّل فقوله: و لكنّه يغدر. في قوّة صغرى القياس، و قوله: و يفجر. في قوّة النتيجة فكأنّه قال: و لكنّه يغدر فهو يفجر، و نبّه على الكبرى بقوله: و كلّ غدرة فجرة. فصار الترتيب هكذا: و لكنّه يغدر و كلّ من يغدر يفجر و النتيجة فهو إذن يفجر. ثمّ نبّه على لزوم الكفر له بقياس آخر من الشكل الأوّل نبّه على صغراه بقوله: و كلّ غدرة فجرة، و على كبراه بقوله: و كلّ فجرة كفرة، و إذ ثبت في القياس الأوّل أنّه فاجر و استلزم قوله: و كلّ فجرة كفرة أن كلّ فاجر كافر ثبت بهاتين المقدّمتين أنّه كافر. و روى: غدرة، و فجرة، و كفرة.

و هو كثير الغدر و الفجور و الكفر و ذلك أصرح في إثبات المطلوب، قال بعض الشارحين: و وجه لزوم الكفر أنّ هنا الغادر على وجه استباحة ذلك و استحلاله، كما كان هو المشهور من حال عمرو بن العاص و معاوية في استباحة ما علم تحريمه بالضرورة من دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم و جحده و هو معنى الكفر، و يحتمل أنّه يريد كفر نعم اللّه و سترها بإظهار معصيته كما هو المفهوم اللغويّ من لفظ الكفر. و إنّما وحّد الكفر ليتعدّد الكفر بحسب تعدّد الغدر فيكون أدعى إلى النفار عن الغدر. إذ هو في معرض التنفير عنه. و قوله: و لكلّ غادر لواء يعرف به يوم القيامة. لفظ الخبر النبوىّ، و فيه تنفير عن رذيلة الغدر. و قوله: و اللّه ما استغفل بالمكيدة. تقرير و تأكيد لما ذكره من معرفته بوجوه الآراء و كيفيّة الدهاء للداهى فإنّ من يكون كذلك لا يلحقه غفلة عمّا يعمل عليه من الحيلة و المكيدة. و قوله: و لا استغمز. بالزاء المعجمة. أى لا يطلب غمزى و إضعافي فإنّى لا أضعف عمّا ارمى به من الشدائد، و روى بالراء أى لا استجهل بشدائد المكائد. و هذا القول صدر منه عليه السّلام كالجواب لما كان يسمعه من أقوال الجاهلين بحاله و نسبتهم له إلى قلّة التدبير و سوء الرأى‏ و نسبة معاوية إلى استخراج وجوه المصالح و الآراء الصحيحة في الحرب و غيرها. و اعلم أنّ الجواب عن هذا الخيال يستدعى فهم حاله عليه السّلام و حال معاوية و غيره ممّن ينسب إلى جودة الرأى، و بيان التفاوت بينهم و بينه و ذلك راجع إلى حرف واحد و هو أنّه عليه السّلام كان ملازما في جميع حركاته قوانين الشريعة مدفوعا إلى اتّباعها و رفض ما العادة أن يستعمل في الحروب.

فالتدابير من الدهاء و الخبث و المكر و الحيلة و الاجتهادات في النصوص و تخصيص عموماتها بالآراء و غير ذلك ممّا لم ترخص فيه الشريعة، و كان غيره يعتمد جميع ذلك سواء وافق الشريعة أو لم يوافق فكانت وجوه الحيل و التدبير عليهم أوسع، و كان مجالها عليه أضيق. و نقل عن أبى عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في هذا المعنى كلام طويل خلاصته أن قال: إنّى ربّما رأيت بعض من يظنّ بنفسه العقل و العلم و أنّه من الخاصّة و هو من العامّة، و يزعم أنّ معاوية كان أبعد غورا و أصحّ فكرا و أجود مسلكا من علىّ و ليس الأمر كذلك و ساؤمى إلى موضع غلطه، و ذلك أنّ عليّا عليه السّلام كان لا يستعمل في حروبه إلّا ما يوافق الكتاب و السنّة، و كان معاوية يستعمل ما يخالفهما كاستعماله ما يوافقهما و يسير في الحرب بسيرة ملك الهند إذا لا فى كسرى، و كان علىّ يقول لأصحابه: لا تبدءوهم بالقتال حتّى يبدؤكم و لا تتّبعوا مدبرا و لا تجهزوا على جريح و لا تفتحوا بابا مغلقا. هذه سيرته في ذى الكلاع و في أبى الأعور السلمى و في عمرو بن العاص و في حبيب بن مسلمة و في جميع الرؤساء كسيرته في الحاشية و الأتباع، و أصحاب الحروب إنّما يقصدون الوجه الّذى به هلاك الخصم و ينتظرون وجه الفرصة سواء كان مخالفا للشريعة كالحريق و الغريق و دفق السموم و التضريب بين الناس بالكذب و إلقاء الكتب في العسكر أو موافقا لها فمن اقتصر في التدبير على الكتاب و السنّة فقد منع نفسه الطويل العريض من التدبير و ما لا يتناهى من المكائد، و الصدق و الكذب أكثر من الصدق وحده و الحلال و الحرام أكثر من الحلال وحده فعلىّ كان ملجما بلجام الورع عن جميع القول إلّا ما فيه للّه رضى، و ممنوع اليدين من كلّ بطش إلّا بما دلّ عليه الكتاب و السنّة دون أصحاب‏ الدهاء و المكر و المكائد فلمّا رأت العوامّ نوادر معاوية في المكائد و كثرة معايبه في الخديعة و ما تهيّأ له و لم يروا مثل ذلك من علىّ ظنّوا القصور فظنّهم أنّ ذلك من رجحان عند معاوية و نقصان في علىّ. ثمّ انظر بعد ذلك كلّه هل يعدّ لمعاوية من الخداع أكبر من رفع المصاحف، ثمّ انظر هل خدع بها إلّا من عصى رأى علىّ و خالف أمره من أصحابه فإن زعمت أنّه قد نال ما أراد بخداعه من الاختلاف على علىّ فقد صدقت و لكن ليس ذلك محل النزاع و لم يختلف في غرارة أصحاب علىّ و عجلتهم و تسرّعهم و تنازعهم، و إنّما كانت البحث في التمييز بينه و بين معاوية في الدهاء و المكر و صحّة العقل و الرأى.

فهذه خلاصة كلامه، و من تأمّله بعين الانصاف علم صحّته و صدقه، و من هذا يتبيّن لك الجواب عن كلّ ما نسب إليه من التقصير في خلافته كعدم إقراره لمعاوية على الولاية في أوّل خلافته ثمّ يعزله بعد ذلك لما يستلزم تقريره من الظلم، و كشبهة التحكيم، و كنسبتهم له إلى التوحّش لبعض أصحابه حتّى فارقوه إلى معاوية كأخيه عقيل و شاعره النجاشي و مصقلة بن هبيرة، و كتركه لطلحة و الزبير حتّى فارقاه و خرجا إلى مكّة و أذن لهما في العمرة و ذهب عنه الرأى في ارتباطهما عنده و منعه لهما من البعد عنه، و أمثال ذلك فإنّ الانصاف عند اعتبار حاله في جميع ما نسب إليه يقتضى موافقته للشريعة و عدم خروجه عنها. و تفصيل الأجوبة عن ذلك ممّا يخرج عن الغرض، و باللّه التوفيق.

شرح ‏نهج‏ البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 3 ، صفحه‏ى 269

 

خطبه 190 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام كان يوصى به أصحابه

تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلَاةِ وَ حَافِظُوا عَلَيْهَا- وَ اسْتَكْثِرُوا مِنْهَا وَ تَقَرَّبُوا بِهَا- فَإِنَّهَا كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً- أَ لَا تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ النَّارِ حِينَ سُئِلُوا- ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ- قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ- وَ إِنَّهَا لَتَحُتُّ الذُّنُوبَ حَتَّ الْوَرَقِ- وَ تُطْلِقُهَا إِطْلَاقَ الرِّبَقِ- وَ شَبَّهَهَا رَسُولُ اللَّهِ ص بِالْحَمَّةِ تَكُونُ عَلَى بَابِ الرَّجُلِ- فَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ وَ اللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ- فَمَا عَسَى أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَنِ- وَ قَدْ عَرَفَ حَقَّهَا رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- الَّذِينَ لَا تَشْغَلُهُمْ عَنْهَا زِينَةُ مَتَاعٍ وَ لَا قُرَّةُ عَيْنٍ- مِنْ وَلَدٍ وَ لَا مَالٍ- يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ- رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ- وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ- وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص نَصِباً بِالصَّلَاةِ- بَعْدَ التَّبْشِيرِ لَهُ بِالْجَنَّةِ- لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ أْمُرْ أَهْلَكَ‏ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها- فَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ وَ يُصْبِرُ نَفْسَهُ ثُمَّ إِنَّ الزَّكَاةَ جُعِلَتْ مَعَ الصَّلَاةِ قُرْبَاناً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ- فَمَنْ أَعْطَاهَا طَيِّبَ النَّفْسِ بِهَا- فَإِنَّهَا تُجْعَلُ لَهُ كَفَّارَةً وَ مِنَ النَّارِ حِجَازاً وَ وِقَايَةً- فَلَا يُتْبِعَنَّهَا أَحَدٌ نَفْسَهُ وَ لَا يُكْثِرَنَّ عَلَيْهَا لَهَفَهُ- فَإِنَّ مَنْ أَعْطَاهَا غَيْرَ طَيِّبِ النَّفْسِ بِهَا- يَرْجُو بِهَا مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا فَهُوَ جَاهِلٌ بِالسُّنَّةِ- مَغْبُونُ الْأَجْرِ ضَالُّ الْعَمَلِ- طَوِيلُ النَّدَمِ ثُمَّ أَدَاءَ الْأَمَانَةِ- فَقَدْ خَابَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا- إِنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى السَّمَاوَاتِ الْمَبْنِيَّةِ- وَ الْأَرَضِينَ الْمَدْحُوَّةِ وَ الْجِبَالِ ذَاتِ الطُّولِ الْمَنْصُوبَةِ- فَلَا أَطْوَلَ وَ لَا أَعْرَضَ وَ لَا أَعْلَى وَ لَا أَعْظَمَ مِنْهَا- وَ لَوِ امْتَنَعَ شَيْ‏ءٌ بِطُولٍ أَوْ عَرْضٍ- أَوْ قُوَّةٍ أَوْ عِزٍّ لَامْتَنَعْنَ- وَ لَكِنْ أَشْفَقْنَ مِنَ الْعُقُوبَةِ- وَ عَقَلْنَ مَا جَهِلَ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُنَّ وَ هُوَ الْإِنْسَانُ- إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ- مَا الْعِبَادُ مُقْتَرِفُونَ فِي لَيْلِهِمْ وَ نَهَارِهِمْ- لَطُفَ بِهِ خُبْراً وَ أَحَاطَ بِهِ عِلْماً أَعْضَاؤُكُمْ شُهُودُهُ- وَ جَوَارِحُكُمْ جُنُودُهُ وَ ضَمَائِرُكُمْ عُيُونُهُ وَ خَلَوَاتُكُمْ عِيَانُهُ

اللغة

أقول: الربق: جمع الربقة و هي الحلقة في الحبل.

و الجمّة بالجيم: الحفيرة يجمع فيها الماء، و روى بالحاء و المعنى واحد.

و الدرن: الوسخ.

و النصب: التاعب.

و الاقتراف: الاكتساب.

المعنى

و حاصل الفصل الوصيّة بالمحافظة على امور ثلاثة و الحثّ عليها:

أوّلها: الصلاة فأمر بتعاهد أمرها و المحافظة عليها
و ذلك بافتقار الإنسان لأحوال نفسه حال الصلاة و مراقبتها حذرا أن تشوبها نزغات الشيطان برياء فيها أو التفاوت عنها. ثمّ بالمحافظة على أوقاتها و أداء أركانها كما هى. ثمّ بالاستكثار منها و التقرّب بها إلى اللّه لكونها أفضل العبادات و القرب إليه. ثمّ أشار إلى فضيلتها و وجه وجوبها: أحدها: قوله: فإنّها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا و هو لفظ القرآن الكريم. و موقوتا: مفروضاً، و قيل منجّما في كلّ وقت صلاة معيّنة. الثاني: التحذير لتاركها بالتنبيه على استلزام تركها لدخول النار بقوله: لا تسمعون. إلى قوله: من المصلّين. الثالث: أنّها تحتّ الذنوب حتّ الورق، و هو تشبيه للمعقول بالمحسوس و وجه الشبه ظاهر، و كذلك و تطلقها إطلاق الربق: أى و تطلق أعناق النفوس من أغلالها كما تطلق الربقة من عنق الشاة. الرابع: تشبيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لها بالجمّة تكون على باب الرجل. و صورة الخبر عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم: أيسّر أحدكم أن يكون على بابه جمّة يغتسل منها كلّ يوم خمس مرّات فلا يبقى عليه من درنه شي‏ء فقالوا: نعم. قال: فإنّها الصلوات الخمس. الخامس: تنبيهه بذكر عرفان رجال من المؤمنين و هم الموصوفون في الآية بقدرها. السادس: نصب الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيها و أمر اللّه تعالى بالمواظبة عليها بعد تبشّره له بالجنّة و ذلك في قوله «وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها» و امتثاله لذلك الأمر في نفسه و أمره أهله، و روى أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قام في الصلاة حتّى تورمت قدماه.

فقيل له في ذلك. فقال: أفلا أكون عبدا شكورا، و ذلك من أوضح الدلائل على كثرة فوائدها و قوّة فضيلتها، و اعلم أنّه قد ورد في فضلها أخبار كثيرة بعد تأكيد القرآن للأمر بها، و قد بيّنّا ذلك و أشرنا إلى فضيلتها إشارة مستوفاة في الفصل‏

الّذى أوّله: إنّ أفضل ما يتوسّل به المتوسّلون إلى اللّه سبحانه الإيمان به و برسوله.
الثانية ممّا أمر بالمحافظة عليه: الزكاة
و هى قرينة الصلاة في الذكر في الكتاب العزيز و في الفضيلة فلذلك قال: جعلت مع الصلاة. ثمّ أشار إلى سرّها و هو كونها قربانا لأهل الإسلام، و سنبيّن ذلك، و أشار بقوله: فمن أعطاها إلى قوله: طويل الندم إلى شرط كونها مقرّبة إلى اللّه تعالى و بيان كون قبولها مشروطا بطيب النفس ببيان سرّها، و قد عرفته أيضا في ذلك الفصل و علمت أنّ من أقسام المستنزلين عن المال من اقتصر منه على أداء الواجب من الزكاة من غير زيادة و لا نقصان و هم العوامّ لجهلهم بسرّ البذل و بخلهم بالمال و ميلهم إليه من ضعف حبّهم للآخرة قال تعالى «إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا» و طهارة الفرق الّذين ذكرناهم ممّن استنزل عن المال و محابّهم و قربهم من اللّه و بعدهم بقدر طيب أنفسهم عن بذل المال و الإعراض عنه و محبّته، و هذه الفرقة أعنى من اقتصر منهم على أداء الواجب فقط تنقسم إلى مؤدّ لذلك الحقّ بطيب نفس و مسامحة، و إلى مؤدّ له مع بقاء محبّته و تكدير النفس ببذله و تلهّف عليه أو انتظار جزاء له، و باعتبار القسمين الأوّلين مع القسم الأوّل من هذه الفرقة يكون بذل المال و الزكاة قربة إلى اللّه تعالى و هو الّذي أشار إليه أمير المؤمنين بقوله: إنّ الزكاة. إلى قوله: و وقاية.

و إن كان قد خصّص الزكاة هنا، و إنّما يكون قربة لاستلزامه رفض هذا المحبوب الّذي يتصوّر باذنه أنّ جميع الكمالات الدنيويّة يستفاد منه رغبة عنه و محبّة للّه و رغبة فيما عنده، و تكون كفّارة ماحية لرذيلة البخل و ما يستلزمه من الذنوب، و يكون حجابا بين العبد و بين عذاب اللّه. إذ قد علمت أنّ مبدء العذاب في الآخرة حبّ الدنيا و أعظمه حبّ المال فإذا كان بذل المال مستلزما لزوال حبّه كان بذلك الاعتبار حجابا من العذاب و وقاية منه، و أمّا إيتاء الزكاة على الوجه الثاني فهو المذموم و المنهىّ عنه بقوله: و لا يكثرنّ عليها لهفه.

بعد أمره بها في قوله: فلا يتبعنّها أحد نفسه و يلزم باذلها على ذلك الوجه النقائص المذكورة: و هي الجهل بالسنّة فإنّ السنّة في أدائها أن يؤدّى بطيب نفسه و مسامحة، و أن يكون مغبونا في الأجر فإنّ إيتانها على وجه توقّع جزاء لها لا على وجه القربة إلى اللّه غير مستلزمة لرضوانه و ذلك هو الغبن و إن حصل له جزاء غير رضوان اللّه فإنّ الحصول على كلّ جزاء غير رضوانه جزاء ناقص و غبن فاحش بالنسبة إليه، و أن يكون ضالّ العمل و هو إعطاؤه ذلك المال و بذله على غير وجهه و قصده به غير سبيل الهدى إلى رضوان اللّه، و أن يكون طويل الندم: أي في محبّة المال و فيما يرجوه به من الجزاء.

الثالثة ممّا أوصى به: أداء الأمانة
و هي الّتي أشار القرآن الكريم إليها بقوله «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ»«» الآية، و قد بيّنّا فيما سلف أنّها تعود إلى العبادة و الطاعة المطلوبة من الإنسان بما هو إنسان، و ظاهر أنّ تلك العبادة لا يمكن من غيره فإنّه إنّما حملها من حيث خلق مستصلحا للدارين، و بيان ذلك أنّ مخلوقات اللّه تعالى إمّا جمادات أو ذات حياة، و ذوات الحيات إمّا الملائكة و الحيوان الأرضى، و الحيوان الأرضى إمّا أعجم أو ناطق.
فالحيوان منها و هو الإنسان هو المتأهّل لعمارة الدارين و الكون فيها، و هو الواسطة بين خلقين وضيع و هو الحيوان الأعجم و شريف و هو الملك، و قد استجمع قوّتى العاملين فهو كالحيوان في الشهوة و الغضب و قوّة التناسل و ساير القوى البدنيّة المختصّة بالحيوان، و كالملك في القوّة المجرّدة و العقل و العلم و العبادة و سائر الكمالات النفسانيّة، و وجه الحكمة في ذلك أنّه تعالى لمّا اقتضت عنايته إيجاده لهذه العبادة المخصوصة أن يجعل في الأرض خليفة لعمارتها جمع له بين القوّتين فإنّه لو كان كالبهيمة خاليا عن العقل لم يتأهّل لمعرفته و عبادته الخاصّة، و لو خلق كالملك معرّى عن الشهوة و الغضب و سائر القوى البدنيّة لم يصلح لعمارة أرضه و خلافته فيها و لذلك قال للملائكة «إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ» فإذن هذه العبادة الخاصّة و هي الأمانة المشار إليها لا يصلح لها إلّا الإنسان و لا يمكن من غيره، و قد علمت أيضا فيما سلف أنّ إباء السماوات و الأرض و الجبال عن حملها يعود إلى امتناع‏ قبولها بلسان حال قصورها و عدم صلاحيّتها لها، و إشفاقها من عقوبة اللّه على التقصير عن أداء حقوقها كما أشار إليه أمير المؤمنين عليه السّلام بقوله: أشفقن من العقوبة. و لم يكن ذلك إباء استكبار لخضوعها تحت ذلّ الحاجة إليه، و لفظ الإشفاق مجاز في ثمرته و لازمه و ذلك أنّ السلطان مثلا إذا كلّف بعض رعيّته حمل أمانة تكليف تخيير فخاف ذلك المكلّف العقوبة على تقصيره في أداء تلك الأمانة فإنّ خوفه يستلزم تركه و امتناعه من حمله فكان الامتناع من الأمانة مسبّبا عن الإشفاق فأطلق الإشفاق هنا على إباء السماوات و الأرض بلسان حالها مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب و قيل: إنّ ذلك الإباء و الإشفاق على وجه التقدير و إنّما جي‏ء بلفظ الواقع لأنّ الواقع أبلغ من المقدّر: أى لو كانت هذه الأجرام عاقلة ثمّ عرضت عليها وظائف الدين عرض تخيير لاستثقلت ذلك مع كبر أجسامها و شدّتها و لامتنعت من حملها إشفاقا من القصور عن أداء حقّها. ثمّ إنّ مخاطبة الجماد و الإخبار عنها نظرا إلى قرينة الحال طريقة مشهورة للعرب و مستحسنهم في تعارفهم كقولهم: يا دار ما صنعت بك الأيّام، و نحوه. بل مخاطبة بعض الجمادات لبعض بلسان أحوالها كقولهم: قال الحائط للوتد: لم تشقّنى قال: سل من يدقّنى، و نحو ذلك كثير. فأمّا قوله عليه السّلام: و قد خاب من ليس من أهلها. فتلك الخيبة تعود إلى حرمان ثمرة هذه العبادة و ما يستلزمه من الحصول على الكمالات. إذ ليست من أهلها، و ذكر كون السماوات مبنيّة و الأرض مدحوّة و الجبال بأطوالها و عروضها و علوّها و عظمتها تنبيه للإنسان على جرأته على المعاصى و تضييع هذه الأمانة إذ اهلّ لها و حملها، و تعجّب منه في ذلك. فكأنّه يقول: إذا كانت هذه الأجرام العلويّة الّتي لا أعظم منها قد امتنعت من حمل هذه الأمانة حين عرضت عليها فكيف حملها من هو أضعف منها.

و قوله: و لو امتنع شي‏ء. إلى قوله: لامتنعن. إشارة إلى أنّ امتناعهنّ لم يكن لعزّة و عظمة أجساد و لا استكبار عن الطاعة له، و أنّه لو كان كذلك لكانت أولى بالمخالفة عن كلّ شي‏ء لأعظميّة أجرامها عن كلّ المخلوقات بل إنّما ذلك عن ضعف و إشفاق من خشية اللّه، و عقلن ما جهل الإنسان. قيل: إنّ اللّه تعالى عند خطابها خلق فيها فهما و عقلا، و قيل: إنّ إطلاق العقل مجاز في مسبّبه و هو الامتناع عن قبول هذه الأمانة كلفظ الإشفاق فإنّ عقليّة المكلّف العقوبة على التقصير في تكليف يخيّر فيه و يخاف التقصير يستلزم تركه لذلك التكليف و استقالته منه، و إذ لم يكن لها عقل من جهة ما هي أجرام اطلق لفظ العقل على لازمه و ثمرته و هو الامتناع و الإباء مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب كإطلاق لفظ الإرادة على ميل الحائط في قوله تعالى «جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ»«» و أقول: يحتمل أن يعود الضمير في أشفقن و عقلن إلى من يعقل من الملائكة السماويّة. إذ لكلّ جرم سماويّ ملك يدبّره هو كالبدن له لإمكان ذلك فيها دون سائر الأجرام الأرضيّة، و ما جهله الإنسان هو عظمة اللّه و غاية هذه الأمانة، و تقصيره في أداء واجباتها المستلزم لعقوبته و استحقاق سخط اللّه، و كونه ظلوما: أي كثير الظلم لنفسه لعدم محافظته على هذه الأمانة، و كونه جهولا: أي كثير الجهل بأسرار هذه الأمانة و الغفلة عمّا يستلزمه فعلها و تركها و عن الوعيدات الواردة على التقصير فيها. و قوله: إنّ اللّه لا يخفى عليه. إلى آخره. تنبيه لهذا الظلوم الجهول على إحاطة علم اللّه تعالى بجميع أحواله و اكتساباته في ليله و نهاره و أنّه لطيف الخبر و المعرفة بها ينفذ علمه في البواطن كما يقع على الظواهر. و قوله: أعضاؤكم شهوده. أى شهود له عليكم من قوله تعالى «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ»«»، و جوارحكم جنوده و ذلك باعتبار كونها معينة عليهم، و ضمائركم عيونه: أى طلائعه و جواسيسه كقوله تعالى «وَ شَهِدُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ»«» و تلك الشهادة و الإعانة بلسان الحال و قد عرفت كيفيّة إنطاق الجوارح و شهادة النفوس على أنفسها، و كنّى بالخلوات عمّا يفعل فيها من معاصى اللّه مجازا، و إنّما خصّصها لأنّها مظنّة المعصية، و يحتمل أن يريد بالخلوة مصدر قولك: خلوت خلوا. لا المكان. فيكون حقيقة و ظاهرا كونها عيانا للّه: أى معاينة له، و كلّ ذلك تحذير و تنفير عن تحريك الجوارح و الخلوة بها فيما لا ينبغي من المعاصي. و باللّه التوفيق و العصمة.

 

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 463

 

خطبه 189 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي الْفَلَوَاتِ- وَ مَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ- وَ اخْتِلَافَ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ- وَ تَلَاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّيَاحِ الْعَاصِفَاتِ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً نَجِيبُ اللَّهِ- وَ سَفِيرُ وَحْيِهِ وَ رَسُولُ رَحْمَتِهِ‏ أَمَّا بَعْدُ- فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ- وَ إِلَيْهِ يَكُونُ مَعَادُكُمْ وَ بِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ- وَ إِلَيْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِكُمْ وَ نَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُمْ- وَ إِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُمْ- فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ- وَ بَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ وَ شِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ- وَ صَلَاحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ- وَ طُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ وَ جِلَاءُ غِشَاءِ أَبْصَارِكُمْ- وَ أَمْنُ فَزَعِ جَأْشِكُمْ وَ ضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ فَاجْعَلُوا طَاعَةَ اللَّهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِكُمْ- وَ دَخِيلًا دُونَ شِعَارِكُمْ وَ لَطِيفاً بَيْنَ أَضْلَاعِكُمْ- وَ أَمِيراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ وَ مَنْهَلًا لِحِينِ وُرُودِكُمْ- وَ شَفِيعاً لِدَرَكِ طَلِبَتِكُمْ وَ جُنَّةً لِيَوْمِ فَزَعِكُمْ- وَ مَصَابِيحَ لِبُطُونِ قُبُورِكُمْ- وَ سَكَناً لِطُولِ وَحْشَتِكُمْ وَ نَفَساً لِكَرْبِ مَوَاطِنِكُمْ- فَإِنَّ طَاعَةَ اللَّهِ حِرْزٌ مِنْ مَتَالِفَ مُكْتَنِفَةٍ- وَ مَخَاوِفَ مُتَوَقَّعَةٍ وَ أُوَارِ نِيرَانٍ مُوقَدَةٍ- فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوِّهَا- وَ احْلَوْلَتْ لَهُ الْأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا- وَ انْفَرَجَتْ عَنْهُ الْأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاكُمِهَا- وَ أَسْهَلَتْ لَهُ الصِّعَابُ بَعْدَ إِنْصَابِهَا- وَ هَطَلَتْ عَلَيْهِ الْكَرَامَةُ بَعْدَ قُحُوطِهَا- . وَ تَحَدَّبَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورِهَا- وَ تَفَجَّرَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا- وَ وَبَلَتْ عَلَيْهِ الْبَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا- فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي نَفَعَكُمْ بِمَوْعِظَتِهِ- وَ وَعَظَكُمْ بِرِسَالَتِهِ وَ امْتَنَّ عَلَيْكُمْ بِنِعْمَتِهِ-

فَعَبِّدُوا أَنْفُسَكُمْ لِعِبَادَتِهِ- وَ اخْرُجُوا إِلَيْهِ مِنْ حَقِّ طَاعَتِهِ ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْإِسْلَامَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ- وَ اصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ وَ أَصْفَاهُ خِيَرَةَ خَلْقِهِ- وَ أَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ- أَذَلَّ الْأَدْيَانَ بِعِزَّتِهِ وَ وَضَعَ الْمِلَلَ بِرَفْعِهِ- وَ أَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِكَرَامَتِهِ وَ خَذَلَ مُحَادِّيهِ بِنَصْرِهِ- وَ هَدَمَ أَرْكَانَ الضَّلَالَةِ بِرُكْنِهِ- وَ سَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِيَاضِهِ- وَ أَتْأَقَ الْحِيَاضَ لِمَوَاتِحِهِ- ثُمَّ جَعَلَهُ لَا انْفِصَامَ لِعُرْوَتِهِ وَ لَا فَكَّ لِحَلْقَتِهِ- وَ لَا انْهِدَامَ لِأَسَاسِهِ وَ لَا زَوَالَ لِدَعَائِمِهِ- وَ لَا انْقِلَاعَ لِشَجَرَتِهِ وَ لَا انْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ- وَ لَا عَفَاءَ لِشَرَائِعِهِ وَ لَا جَذَّ لِفُرُوعِهِ وَ لَا ضَنْكَ لِطُرُقِهِ- وَ لَا وُعُوثَةَ لِسُهُولَتِهِ وَ لَا سَوَادَ لِوَضَحِهِ- وَ لَا عِوَجَ لِانْتِصَابِهِ وَ لَا عَصَلَ فِي عُودِهِ- وَ لَا وَعَثَ لِفَجِّهِ وَ لَا انْطِفَاءَ لِمَصَابِيحِهِ- وَ لَا مَرَارَةَ لِحَلَاوَتِهِ- فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاخَ فِي الْحَقِّ أَسْنَاخَهَا- وَ ثَبَّتَ لَهَا آسَاسَهَا وَ يَنَابِيعُ غَزُرَتْ عُيُونُهَا- وَ مَصَابِيحُ شَبَّتْ نِيرَانُهَا- وَ مَنَارٌ اقْتَدَى بِهَا سُفَّارُهَا وَ أَعْلَامٌ قُصِدَ بِهَا فِجَاجُهَا- وَ مَنَاهِلُ رَوِيَ بِهَا وُرَّادُهَا- .

جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مُنْتَهَى رِضْوَانِهِ- وَ ذِرْوَةَ دَعَائِمِهِ وَ سَنَامَ طَاعَتِهِ- فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ وَثِيقُ الْأَرْكَانِ رَفِيعُ الْبُنْيَانِ- مُنِيرُ الْبُرْهَانِ مُضِي‏ءُ النِّيرَانِ- عَزِيزُ السُّلْطَانِ مُشْرِفُ الْمَنَارِ مُعْوِذُ الْمَثَارِ- فَشَرِّفُوهُ وَ اتَّبِعُوهُ وَ أَدُّوا إِلَيْهِ حَقَّهُ وَ ضَعُوهُ مَوَاضِيعَهُ‏ ثُمِّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً ص بِالْحَقِّ- حِينَ دَنَا مِنَ الدُّنْيَا الِانْقِطَاعُ وَ أَقْبَلَ مِنَ الْآخِرَةِ الِاطِّلَاعُ- وَ أَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقٍ وَ قَامَتْ بِأَهْلِهَا عَلَى سَاقٍ- وَ خَشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ وَ أَزِفَ مِنْهَا قِيَادٌ- فِي انْقِطَاعٍ مِنْ مُدَّتِهَا وَ اقْتِرَابٍ مِنْ أَشْرَاطِهَا- وَ تَصَرُّمٍ مِنْ أَهْلِهَا وَ انْفِصَامٍ مِنْ حَلْقَتِهَا- وَ انْتِشَارٍ مِنْ سَبَبِهَا وَ عَفَاءٍ مِنْ أَعْلَامِهَا- وَ تَكَشُّفٍ مِنْ عَوْرَاتِهَا وَ قِصَرٍ مِنْ طُولِهَا- جَعَلَهُ اللَّهُ بَلَاغاً لِرِسَالَتِهِ وَ كَرَامَةً لِأُمَّتِهِ- وَ رَبِيعاً لِأَهْلِ زَمَانِهِ وَ رِفْعَةً لِأَعْوَانِهِ وَ شَرَفاً لِأَنْصَارِهِ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ نُوراً لَا تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ- وَ سِرَاجاً لَا يَخْبُو تَوَقُّدُهُ وَ بَحْراً لَا يُدْرَكُ قَعْرُهُ- وَ مِنْهَاجاً لَا يُضِلُّ نَهْجُهُ وَ شُعَاعاً لَا يُظْلِمُ ضَوْءُهُ- وَ فُرْقَاناً لَا يُخْمَدُ بُرْهَانُهُ وَ تِبْيَاناً لَا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ- وَ شِفَاءً لَا تُخْشَى أَسْقَامُهُ وَ عِزّاً لَا تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ وَ حَقّاً لَا تُخْذَلُ أَعْوَانُهُ- فَهُوَ مَعْدِنُ الْإِيمَانِ وَ بُحْبُوحَتُهُ وَ يَنَابِيعُ الْعِلْمِ وَ بُحُورُهُ- وَ رِيَاضُ الْعَدْلِ وَ غُدْرَانُهُ وَ أَثَافِيُّ الْإِسْلَامِ وَ بُنْيَانُهُ- وَ أَوْدِيَةُ الْحَقِّ وَ غِيطَانُهُ وَ بَحْرٌ لَا يَنْزِفُهُ الْمُسْتَنْزِفُونَ- وَ عُيُونٌ لَا يُنْضِبُهَا الْمَاتِحُونَ- وَ مَنَاهِلُ لَا يَغِيضُهَا الْوَارِدُونَ- وَ مَنَازِلُ لَا يَضِلُّ نَهْجَهَا الْمُسَافِرُونَ- وَ أَعْلَامٌ لَا يَعْمَى عَنْهَا السَّائِرُونَ- وَ آكَامٌ لَا يَجُوزُ عَنْهَا الْقَاصِدُونَ جَعَلَهُ‏

اللَّهُ رِيّاً لِعَطَشِ الْعُلَمَاءِ وَ رَبِيعاً لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ- وَ مَحَاجَّ لِطُرُقِ الصُّلَحَاءِ وَ دَوَاءً لَيْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ- وَ نُوراً لَيْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ وَ حَبْلًا وَثِيقاً عُرْوَتُهُ- وَ مَعْقِلًا مَنِيعاً ذِرْوَتُهُ وَ عِزّاً لِمَنْ تَوَلَّاهُ- وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَ هُدًى لِمَنِ ائْتَمَّ بِهِ- وَ عُذْراً لِمَنِ انْتَحَلَهُ وَ بُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ- وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ وَ فَلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ- وَ حَامِلًا لِمَنْ حَمَلَهُ وَ مَطِيَّةً لِمَنْ أَعْمَلَهُ- وَ آيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَ جُنَّةً لِمَنِ اسْتَلْأَمَ- وَ عِلْماً لِمَنْ وَعَى وَ حَدِيثاً لِمَنْ رَوَى وَ حُكْماً لِمَنْ قَضَى

اللغة

أقول: العجيج: رفع الصوت،

و النينان: جمع نون و هو الحوت.

و الجأش: القلب.

و الاوار: حرّ النار.

و الشمس عزبت: غابت.

و إنصابها: إتعابها.

و تحدّبت: عطفت و حنّت.

و الرذاذ: ضعيف المطر.

و عبّدوا: ذلّلوا.

و المحادّ: المشاقّ.

و أثاق الحياض: ملأها.

و المواتح: المستقون.

و الوعوثة: كثرة في سهولة توجب صعوبة المشى كما في الرمل.

و الوضح: البياض.

و العوج: بالفتح فيما له ساق ينتصب كالنخلة، و بالكسر فيما ليس كذلك كالطريق.

و العصل. الاعوجاج.

و ساخ: غاص. و السنخ: الأصل.

و أزف: دنا و بحبوحة الدار: وسطها.

و الغيطان: المواضع المطمئنّة من الأرض.

و المحاجّ: جمع محجّة و هى جادّة الطريق.

و المعقل: الملجأ.

و الفلج: الفوز.

و المتوسّم: المتفرّس.

و استلأم: لبس لامة الحرب و هي الدرع.

المعنى

و صدر الفصل تنبيه على إحاطة علمه بجزئيّات الموجودات على اختلافها و كثرتها
و نبّه بعجيج الوحوش على أنّه تعالى يعلمها حين يجأر إليه من جدب الأرض و قلّة العشب فكأنّها تضرّع إليه بالعجيج ليكون الإنسان أولى بذلك النزع [الفزع- خ- ] إليه، و بعلمه بمعاصى العباد في الخلوات تنفيرا عنها في الخلوة الّتي‏ هي مظنّتها، و اختلاف النينان بالمجى‏ء و الذهاب و قطع البحار طولا و عرضا. ثمّ عقّب بشهادة الرسالة. ثم بالوصيّة بتقوى اللّه، و قرنها باعتبارات من صفاته تعالى توجب الفزع إليه و هى كونه سبحانه مبدءا لخلقهم و منتهى لمعادهم الحسّى و العقلىّ كقوله تعالى «وَ هُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» و قد نبّهنا عليه مرارا، و أنّ به نجاح طلباتهم، و إليه منتهى رغباتهم، و نحوه قصدهم و سلوكهم فإنّه تعالى غاية الكلّ، و إليه مرامى مفزعهم يقال: فلان مرمى قصدى: أى إليه مفزعى في المهمّات، و نحوه قوله تعالى «إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ».
ثمّ باعتبارات من صفة التقوى توجب الفزع إليها.
(ا) و هى كونها دواء داء قلوبكم، و قد عرفت كونها دواء لأدواء الرذائل النفسانيّة الموبقة. (ب) و بصر عمى أفئدتكم: أى أبصار أفئدتكم من عمى الجهل. (ج) و شفاء مرض أجسادكم، و ذلك أنّ التقوى تستلزم قلّة الأكل و الشرب و استعمالهما بقدر الحاجة كما قال في صفات المتّقين: منزورا أكله. و قد علمت ما تحدث البطنة من الأمراض البدنيّة، و لذلك قال عليه السّلام: المعدة بيت الأدواء. (د) و صلاح فساد صدوركم: أى من الغلّ و الحسد و الخبث و النيّات المخالفة لأوامر اللّه. فإنّ التقوى تستلزم نفى ذلك كلّه. و صلاح الصدور منه لأنّ مبادى تلك الشرور كلّها محبّة الدنيا و باطلها، و المتّقون بمعزل عن ذلك. (ه) و كذلك طهور دنس أنفسكم: أى من نجاسات الرذائل المهلكة و هو كقوله: دواء قلوبكم. لكن اعتبار كونها دواء يخالف اعتبار كونها طهورا إذ في الأوّل ملاحظة كون الرذائل أمراضا ضارّا تؤدّى إلى الهلاك السرمدى، و في الثاني اعتبار كونها نجاسات تمنع من دخول حظيرة القدس و مقعد الصدق. (و) و جلاء عشا أبصاركم، و فيه استعارة لفظ العشا لما يعرض عن ظلمة الجهل، و سائر الرذائل من عدم إدراك الحقائق، و يروى غشاء بالغين المعجمة و هو الظلمة المتوهّمة من الجهل الّتى هى حجاب الغفلة، و بهذا الاعتبار ففى التقوى جلاء لتلك الظلمة لما تستلزمه من إعداد النفس للكمال، و كونها نفسها هى الجلاء مجاز إطلاقا لاسم المسبّب على السبب. (ز) و أمن فزع جأشكم. إذ قد علمت أنّ بها الأمان من عذاب الآخرة، و قد يكون بها الأمان من فزع الدنيا. لأنّ أكبر مخاوف الدنيا الموت و ما يؤدّى إليه، و المتّقون العارفون بمعزل عن تقيّة الموت بل عسى يكون محبوبا لهم لكونه وسيلة لهم إلى اللقاء الخالص لمحبوبهم الأقصى، و إليه الإشارة بقوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ»«» دلّت الآية على أنّ الصادق في دعوى الولاية يتمنّى الموت، و كذلك قوله تعالى «قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ»«». (ح) ضياء سواد ظلمكم، و استعار لفظ الظلمة للجهل و تغطية القلب، و رشّح بذكر السواد لاستلزام الظلمة السواد، و هو كقوله: و جلاء عشا أبصاركم، و راعى في هذه القرائن كلّها المضادّة.

ثمّ أكّد الوصيّة بطاعة اللّه تعالى بآداب:
أحدها: أن يجعلوها شعارهم
و كنّى بذلك عن ملازمتهم لها كما يلزم الشعار الجسد. ثمّ عن كونها في الباطن دون الظاهر لقلّة فايدته و هو المشار إليه بقوله.
دون دثاركم.

الثاني: أكّد أمرهم بإبطانهم
بأمرهم باتّخاذها دخيلا تحت الشعار لإمكان ذلك فيها دون الشعار المحسوس. ثمّ فسّر ذلك فقال: و لطيفا بين أضلاعكم. و كنّى بلطفها عن اعتقادها و عقليتها و يكون بين أضلاعهم عن إيداعها القلوب.

الثالث: أن يجعلوها أميرا
و استعار لها لفظ الأمير باعتبار إكرامهم لها و تقديمها على سائر مهمّاتهم.

الرابع: أن يجعلوها منهلا لحين ورودهم
أي يوم القيامة، و استعار لفظ المنهل لها، و وجه المشابهة أنّ التقوى و الطاعة للّه مظنّة التروّى من شراب الأبرار يوم القيامة كما أنّ موارد الإبل مظنّة ريّها.

الخامس: أن يجعلوها شفيعا إلى اللّه و وسيلة إلى مطالبهم منه
و ظاهر كون المطيع يستعدّ بطاعته لدرك بغيته من اللّه تعالى، و لفظ الشفيع مستعار للوسيلة و القربة.

السادس: و جنّة ليوم فزعهم
و ظاهر كون الطاعة ساترا يوم القيامة من الفزع الأكبر من عذاب اللّه.

السابع: و مصابيح لبطون قبورهم
و قد عرفت كيفيّة إعداد الطاعة لقبول الأنفس الأنوار العلويّة و الأسرار الإلهيّة المخلّصة من ظلمة القبور و العذاب الاخروىّ. و في الخبر: أنّ العمل الصالح يضي‏ء قبر صاحبه كما يضي‏ء المصباح الظلمة.
و استعار لها لفظ المصابيح لاستلزامها الإنارة.

الثامن: و كذلك سكنا لطول الوحشة في القبور تستأنس به النفوس
كما روى: أنّ العمل الصالح و الخلق الفاضل يراه صاحبه بعد الموت في صورة شابّ حسن الصورة و الثياب طيّب الريح فيسلّم عليه فيقول له: من أنت فيقول: أنا خلقك الحسن أو عملك الحسن. و حاصله يعود إلى كون الطاعة سببا للاستيناس من وحشة الآخرة، و ذلك أنّ الوحشة إنّما تعرض في المكان لمن كان غافلا عنه و غير متوقّع له و لا متهيّى‏ء للانتقال إليه و مطمئنّا بوطنه الأوّل و بأهله و جاعلهم كلّ الانس.

فأمّا أهل الطاعة فإنّهم أبدا متفكّرون فيما ينتقلون إليه و متذكّرون له واثقون بانس ربّهم و ملتفتون إليه. فانسهم أبدا به و فرحهم دائما بلقائه، و اعتقادهم في الدنيا: أنّهم لأهلها بأبدانهم مجاورون. فمنهم يهربون و إلى العزلة ينقطعون. فبالحرىّ أن لا تعرض لهم وحشة و أن تكون أعمالهم سببا لعدم الوحشة الّتي عساها تعرض لهم، و لمّا كان الإنسان في الدنيا لا يتصوّر ما بعد الموت بالحقيقة لا جرم لا بدّ له من وحشة ما إلّا أنّ الأنوار الإلهيّة و الانس بالرفيق الأعلى مزيل لها.

التاسع: و كذلك و نفسا لكرب مواطنكم
أى سعة و روحا لما يعرض من‏ كرب منازل الآخرة و أهوالها.

العاشر: كونها حرزا من متالف مكتنفة
و تلك المتالف هى الرذائل الموبقة الّتي هي محالّ الهلاك و التلف. و اكتنافها إحاطتها بالنفس بحيث لا يكفّها إلّا طاعة اللّه و سلوك سبيله، و المخاوف المتوقّعة مخاوف الآخرة و حرّ نيرانها.

الحادى عشر: كون التقوى مستلزمة لبعد الشدائد عن المتّقى بعد دنوّها منه
و كثيرا ما يعبّر بالتقوى عن الطاعة و إن كانت أخصّ في بعض المواضع. أمّا في بعد شدائد الآخرة فظاهر، و أمّا في الدنيا فلأنّ المتّقين هم أسلم الناس من شرور الناس لبعدهم عن مخالطاتهم و مجاذباتهم لمتاع الدنيا، و بغضهم لها. إذ كانت محبّتها و الحرص عليها منبعا لجميع الشرور و الشدائد.

الثاني عشر: كونها مستلزمة لحلاوة الامور بعد مرارتها
أمّا امور الآخرة فكالتكليف الوارد عليهم لها بالعبادات، و ظاهر أنّها عند المتّقين أحلى و ألذّ من كلّ شي‏ء بعد مرارتها في ذوقهم في مبدء سلوكهم و ثقلها عليهم و على غيرهم من الجاهلين، و أمّا المرّ من امور الدنيا فكالفقر و العرى و الجوع، و كلّ ذلك شعار المتّقين، و هو أحلى في نفوسهم و آثر من كلّ شعار و إن كان مرّا في ذوقهم في مبدء السلوك و قبل وصولهم إلى ثمرات التقوى.

الثالث عشر: و انفراج الأمواج عنه بعد تراكمها
و استعار لفظ الأمواج للهيئات البدنيّة الرديئة و ملكات السوء الّتى إذا تكاثفت و توالت على النفس أغرقتها في بحار عذاب اللّه. و ظاهر كون لزوم التقوى سببا ينفرج باستعداد النفوس به عنها تلك الهيئات و ينمحي من لوحها و إن كثرت.

الرابع عشر: كون لزومها سببا لتسهيل صعاب الأمور على النفس بعد إتعابها لها و ذلك أنّ المتّقين عند ملاحظة غايتهم من نفوسهم يسهل عليهم كلّ صعب من أمور الدنيا ممّا يشتدّ على غيرهم كالفقر و المرض و كلّ شديد، و كذلك يسهل عليهم كلّ صعب من مطالب الآخرة بعد إتعاب تلك المطالب لهم قبل تصوّرها التامّ في أوّل التكليف.

الخامس عشر: كونه سببا لهطل الكرامة عليهم
و الكرامة تعود إلى الكمالات النفسانيّة الباقية و الالتذاذ بها. و لاحظ في إفاضتها عليهم مشابهتها بالغيث فاستعار لها لفظ الهطل و أسنده إليها، و كذلك لفظ القحوط، و كنّى به عن منعهم إيّاها قبل استعدادهم بالتقوى لها.

السادس عشر: كونه سببا لتعطف الرحمة الإلهيّة بإفاضة الكمالات عليهم بعد نفورها عنهم لعدم الاستعداد أيضا، و لفظ التحدّب مستعار للإرادة أو لأثر الرحمة، و كذلك لفظ النفور لعدم أثرها في حقّهم قبل ذلك.

السابع عشر: كونه سببا لتفجّر النعم بعد نضوبها
و لفظ التفجّر مستعار لانتشار وجوه إفاضات النعم الدنيويّة و الاخرويّة كما قال تعالى «وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ»«» و كذلك لفظ النضوب لعدمها قبل الاستعداد لها ملاحظة لشبه النعم بالماء في الاستعارتين.

الثامن عشر: كونه سببا لوبل البركة بعد رذاذها
و لفظ الوبل مستعار للفيض الكثير من البركة بعد الاستعداد بالتقوى، و لفظ الرذاذ للقليل قبل ذلك الاستعداد ملاحظة لشبهها بالغيث أيضا، و ظاهر كون التقوى سببا لمزيد الفيض على كلّ من كان له بعض الكمالات كمن يستعدّ بالعلوم دون الزهد و العبادة ثمّ يسلك بهما.
ثمّ بعد الفراغ من فضائلها و الترغيب فيها من تلك الجهة أعاد الأمر بها و رغّت فيها باعتبارات اخر من إنعام المنعم، و هي كونه تعالى نافعا لهم بموعظته: أى جاذبا لهم إلى جنّته، مرغّبا لهم في كرامته، و واعظا لهم برسالته إليهم، و ممتّنا عليهم بنعمته كقوله تعالى «وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» في غير موضع من كتابه. ثمّ أمرهم بتعبيد أنفسهم و تذليلها لعبادته و الخروج إليه من حقّه الّذي يطلبه منهم و هو طاعته.

ثمّ ذكر الإسلام و فضائله مرغّبا فيه
و هو كالتفسير لطاعته و عبادته فكأنّه قال: و اخرجوا إليه من حقّ طاعته الّذي هو الإسلام فإنّه ذكر له فضائل:

(ا) كونه اصطفاه لنفسه: أى طريقا إلى معرفته و نيل ثوابه.

(ب) كونه اصطنعه على عينه و هي كلمة يقال لما يهتمّ به و كأنّه للصنعة الّتي يختارها من عملت له و يشاهدها بعينه. و لفظ العين مجاز في العلم. و على تفيد الحال: أى على علم منه بشرفه و فضيلته و وجه الحكمة فيه، و نحو قوله تعالى «وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ عَيْنِي».

(ج) و اصطفاه خير خلقه: أى اصطفى للبعثة به و إليه خير خلقه محمّد و آله.

(د) و أقام دعائمه على محبّته. و لفظ الدعائم مستعار إمّا لأهل الإسلام أو لأركانه. و وجه المشابهة قيامه بها في الوجود كقيام الشي‏ء المدعوم بدعائمه، و كلمة على للحال، و الضمير في محبّته للإسلام: أى أقام دعائمه حال المحبّة له، و قيل بل اللّه كما تقول طبع اللّه قلبي على محبّته.

(ه) أذلّ الأديان بعزّه. و ذلّة الأديان تعود إلى عدم الالتفات إليها فيكون مجازا من باب إطلاق اسم السبب على المسبّب، أو ذلّة أهلها. فيكون من باب حذف المضاف. و ظاهر أنّ عزّ الإسلام سبب للأمرين.

(و) و كذلك إطلاق وضع الملل برفعه.

(ز) و كذلك إهانة أعدائه و هم المشركون و المكذّبون له من الملل السابقة إهانتهم بالقتل و أخذ الجزية و الصغار لهم، و كرامته إجلاله و أجلال أهله و تعظيمهم في النفوس.

(ح) و خذل محادّيه بنصره: أى بنصر أهله و في القرائن الأربع التضادّ: فالعزّ للذلّ، و الرفع للوضع، و الكرامة للإهانة، و النصر للخذلان.

(ط) و هدم أركان الضلالة بركنه و قوّته، و أركان الضلالة تعود إلى العقائد المضلّة في الجاهليّة و إلى أهل الضلالة و هو مستعار. و وجه الاستعارة قيام الضلالة بتلك العقائد أو بأهلها كقيام ذى الأركان بها و كذلك لفظ الهدم لزوال الضلالة بقوّة الإسلام و أهله.

(ى) و سقى من عطش من حياضه. فاستعار السقى لإفاضة علوم الدين على‏ على نفوسهم و كمالها بها، و لفظ العطش لما كانوا عليه من الجهل البسيط و عدم العلم و كذلك استعار لفظ الحياض لعلماء الإسلام الّذين هم أوعيته و حياضه الّتي ترده العطاش من العلوم و الحكمة الدينيّة.

(يا) و أثاق الحياض لمواتحه، و استعار لفظ المواتح إمّا للأئمّة من القرن الأوّل الاخذين للإسلام من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم الّذي هو الينبوع، أو لأفكار العلماء و سؤالاتهم و بحثهم عن الدين و أحكامه و استفادتهم بها، و وجه الاستعارتين كونهم مستخرجين للعلم و الدين عن مظانّه كما يستخرج الماتح الماء من البئر. و لفظ الحياض للمستفيدين.

(يب) جعله له بحيث لا ينفصم عروته، و لفظ العروة مستعار لما يتمسّك الإنسان به منه، و رشّح بذكر الانفصام. و لمّا كان المتمسّك به ناجيا من الهلاك الأخروىّ و الشرور اللاحقة للملل السابقة و كان عدم الانفصام مظنّة سلامة المتمسّك عن الهلاك كنّى به عن دوام السلامة.

(يج) و لا فكّ لحلقته، كناية عن عدم انقهار أهله و جماعته.

(يد) و لا انهدام لأساسه، استعار لفظ الأساس للكتاب و السنّة الّذين هما أساس الإسلام، و لفظ الانهدام لاضمحلالهما.

(يه) و لا زوال لدعائمه، استعار لفظ الدعائم لعلمائه أو للكتاب و السنّة و قوانينهما و أراد بعدم زوالهما عدم انقراض العلماء أو عدم القوانين الشرعيّة.

(يو) و لا انقلاع لشجرته، استعار لفظ الشجرة لأصله و أركانه، و هو كقوله: و لا انهدام لأساسه.

(يز) و لا انقطاع لمدّته، إشارة إلى بقائه إلى يوم الدين.

(يح) و لا عفاء لشرايعه، و شرايعه قوانينه و اصوله و هو كقوله: لا انقلاع لشجرته.

(يط) و لا جذّ لفروعه: أى لا ينقطع التفريع عليه بل كلّ ذهن سليم فكّر في اصوله و هي الكتاب و السنّة استخرج منها ما لم يستخرجه غيره.

(ك) و لا ضنك لطرقه، و كنّى بعدم الضيق عن عدم صعوبة قوانينه على أهل التكليف، أو لازم الضيق و هو مشقّة السالكين به إلى اللّه كما قال صلّى اللّه عليه و آله و سلم: بعثت بالحنيفيّة السهلة السمحة.

(كا) و لا وعوثة لسهولته، كناية عن كونه في غاية العدل بين الصعوبة و بين السهولة المفرطة كما عليه أكثر الأديان السابقة من التشبيه و التجسيم فإنّ سلوكها مع ذلك و تصوّرها في غاية السهولة لكنّها طرق يبعد حصول المطالب الحقيقيّة و الوصول إلى التوحيد الخالص منها فكانت في سهولها هذه الوعوثة.

(كب) و لا سواد لوضحه، استعار لفظ الوضح لصفائه عن كدر الباطل الّذى هو سواد ألواح نفوس الكافرين و المنافقين.

(كج) و لا عوج لانتصابه، و استعار لفظ الانتصاب لاستقامته في إدّائه إلى اللّه تعالى. إذ هو الصراط المستقيم في الدنيا.

(كد) و كذلك و لا عصل في عوده.

(كه) و لا وعث لفجّه.

(كو) و لا انطفاء لمصابيحه، عبّر بالمصابيح عن العلماء استعارة، و بعدم انطفائها عن عدم خلوّ الأرض منهم.

(كز) و لا مرارة لحلاوته، و ذلك أنّ حلاوة الإسلام الحقيقيّ في قلوب المتّقين لا يشوبها مرارة من مشقّة تكليف و نحوها لما يتصوّرونه من شرف غايتهم.

(كح) فهو دعائم: أى فالإسلام دعائم، و ذلك إشارة إلى تعريفه بأجزائه و هي كالشهادتين و العبادات الخمس كما ورد في الخبر: بنى الإسلام على خمس. و قوله: أساخ في الحقّ اسناخها إشارة إلى كونه تعالى بناها على أسرار من الحقّ عميقة لا يهتدى إليها إلّا آحاد الخلق و هو أسرار العبادات. (كط) قوله: و ينابيع غزرت عيونها، إشارة إلى تعريفه من قبل مادّته و هي الكتاب و السنّة، و استعار لهما لفظ الينابيع نظرا إلى فيضان العلوم الإسلاميّة النقليّة و العقليّة عنهما كفيضان الماء عن الينابيع، و لفظ العيون لما صدرا عنه، و هو علم اللّه تعالى و نفوس ملائكته و نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و ظاهر غزارة تلك العلوم و كثرتها.

(ل) و مصابيح شبّت نيرانها إشارة إلى مادّته أيضا باعتبار أنّ في الكتاب و السنّة أدلّة أحكامها و براهينها، و استعار لها لفظ المصابيح باعتبار كونها تضي‏ء الطريق لخابطها إلى اللّه. و رشّح بذكر إضرام نيرانها، و عبّر به عن غاية إضاءتها.

(لا) و منار اقتدى بها سفّارها و أعلام قصد بها فجاجها. إشارة إلى تلك المادّة باعتبار أنّ فيها أمارات على أحكام اللّه الظنيّة يقتدى بها المسافرون السالكون إلى قصدها و القاصدون لطرقها الّتي هي منصوبة عليها.

(لب) و مناهل روى بها ورّادها، استعار لفظ المناهل لتلك الموادّ أيضا باعتبار كونها من العلم لوارديها و مقتبسيه منها كما تروى ورّاد الحياض بمائها.

لج) جعل اللّه فيه منتهى رضوانه، و ذلك في نحو قوله تعالى «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ» و قوله «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ» و لأنّ فيه أتمّ وسيلة إلى غاية الكمالات الإنسانيّة الّتي هي منتهى ما يرضاه اللّه و يحبّه من عباده.

(لد) و ذروة دعائمه، و الضمير في دعائمه للّه: أى لدعائم الّتي جعلها اللّه عمدة له في إصلاح خلقه و هى الشرائع و قوانينها، و ظاهر أنّ الأنوار الّتي جاء بها الإسلام و الهداية الّتي به أشرف و أعلى منها في سائر الشرائع فهو كالذروة لها.

(له) و سنام طاعته، و لفظ السنام مستعار لمجموع ما اشتمل عليه من البيانات و الهدايات. و وجه المشابهة شرفها أيضا و علوّها بالنسبة إلى الطاعات السابقة عليه كشرف السنام بالنسبة إلى باقى الأعضاء.

(لو) فهو عند اللّه وثيق الأركان، و أركانه أجزائه، و وثاقتها تعود إلى بنائها على الأسرار الحقيقيّة و العلم التامّ لواضعها بكيفيّة وضعها و كمال فايدتها بحيث لا يمكن انتقاضها و لا زوالها.

(لز) رفيع البيّنات: أى ما ارتقى إليه أهله من المجد و الفضيلة، و ظاهر علوّ قدره و قدر أهله و تعظيمهم في النفوس على سائر الأديان و أهلها.

(لج) منير البرهان، و أراد برهانه الّذى دعى الخلق إليه و هو القرآن و سائر المعجزات، و لا شكّ في إنارتها و إضاءتها في أقطار العالم و اهتداء أكثر الخلق بها.

(لط) مضي‏ء النيران، و استعار لفظ النيران لأنواره من العلوم و الأخلاق المضيئة على علمائه و أئمّته.

(م) عزيز السلطان، و أراد قوّته و عزّة أهله و دولته و منعة من التجأ إليه به.

(ما) مشرف المنار، و كنّى به عن علوّ قدر علمائه و أئمّته و انتشار فضلهم و الهداية بهم.

(مب) معوز المثار: أى يعجز الخلق إثارة دفائنه و ما فيه من كنوز الحكمة و لا يمكنهم استقصاء ذلك منه، و روى المنال: أى يعجز الناس إمّا بالإتيان بمثله أو باستقصاء حكمه و ثمراته، و روى المثال و هو ظاهر. ثمّ لمّا بيّن فضيلته أمر بتعظيمه و اتّباعه و أداء حقّه و هو العمل به مع اعتقاد شرفه و كونه مؤدّيا إلى الجنّة.

ثمّ بوضعه مواضعه و هى القلوب لا الألسن و الشعار الظاهر فقطّ. ثمّ لمّا فرغ من ذلك شرع في فضائل من بعث به ليذكّرهم نعمة من اللّه بعد نعمة، و قرن ذكره بذكر أحوال الدنيا حين البعثة ليظهر شرفها: ف (ا) كونها قد دنا انقطاعها و إقبال الآخرة و اطّلاعها، و قد بيّنّا ذلك في قوله: ألا و إنّ الدنيا قد أدبرت و آذنت بوداع، و على الجملة فيحتمل أن يريد قرب انقطاع الدنيا و زوالها بالكلّيّة و حضور الآخرة و القيامة الكبرى كما عليه ظاهر الشريعة و يحتمل أن يريد قرب انقطاع دنيا كلّ امّة منهم و حضور آخرتهم بموتهم و انقراضهم و لفظ الاطّلاع استعارة كما سبق. (ب) كونها قد أظلمت بهجتها بعد إشراق، و أراد إشراق بهجتها بأنوار الأنبياء السابقين و ضياء الشرائع، و إظلامها حين بعثة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم باندراس تلك الآثار و فسادها.

(ج) قيامها بأهلها على ساق، كناية عن ظهوره شدائدها و إثارة الفتن بين أهلها و ما كانت العرب عليه من الخبط و الاختلاف في الحروب و الغارات المؤدّية إلى الفناء. (د) خشونة المهاد منها، و كنّى به عن عدم الاستقرار بها و طيب العيش فإنّ ذلك إنّما يتمّ و يعتدل بنظام الشرائع و النواميس الإلهيّة. (ه) و أزف منها قياد: أى قرب منها انقياد للانقطاع و الزوال و الانخراط في سلك التقضّى و اقتراب علامات ذلك منها، و علامات زوالها هى علامات الساعة و و أشراطها، و كذلك تصرّم أهلها و انفصام حلقتها، و كنّى بالحلقة عن نظامها و اجتماع أهلها بالنواميس و الشرائع و بانفصامها عن فساد ذلك النظام بانتشار سببها عن فساد أسباب ذلك النظام فإنّ أسباب التصرّف النافع فيها إنّما يتمّ بالنواميس الشرعيّة و قوانينها، و استعار لفظ أعلامها للعلماء و الصلحاء بها و كان عليهم العفاء حينئذ، و كذلك بعوراتها عن وجوه الفساد فيها، و بتكشّفها عن ظهورها بعد اختفاء، و كذلك القصر من طولها فإنّ الدنيا إنّما يكون طولها و دوامها عند صلاحها بالشرائع فإذن قصرها يكون عند فسادها و عدم النظام الشرعىّ.

ثمّ رجع إلى تعديد فوائد بعثة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم: ف (ا) إنّ اللّه تعالى جعله بلاغا لرسالته و هو كقوله تعالى «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ»«» الآية. (ب) و كرامة لامّته لكونه داعيا لهم إلى الكرامة الباقية التامّة و سبب للكرامة. (ج) و ربيعا لأهل زمانه، و استعار لفظ الربيع له، و وجه المشابهة كونه بهجة للمسلمين و علمائهم و سببا لبطنتهم من العلم و الحكمة كما أنّ الربيع سبب لبهجة الحيوان بمراعيها و بطنتهم و سمنهم. (د) و رفعة لأعوانه: أى لأعوان اللّه و أنصاره و هم المسلمون و ظاهر كونه صلّى اللّه عليه و آله و سلم سبب رفعتهم و شرفهم.

ثمّ عقّب بذكر بعض الأنوار الّتي بعث بها صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو الكتاب العزيز و عدّ فضائل: ف (ا) كونه نورا لا تطفى مصابيحه، و أراد نور العلم و الأخلاق المشتمل عليها، و استعار لفظ المصابيح إمّا لما انتشر من علومه و حكمه فاقتدى بها الناس، و إمّا لعلمائه و حاملى فوايده. (ب) كونه سراجا لا يخبو توقّده، و أراد أنّه لا تنقطع هداية الناس بنوره فهو كالأوّل. (ج) و بحر لا يدرك قعره، لفظ البحر مستعار له باعتبارين: أحدهما عمق أسراره بحيث لا يحيط بها الأفهام و لا تصل إلى أغوارها العقول كما لا يدرك الغائض قعر البحر العميق. و الثاني: كونه معدنا لجواهر العلوم النفيسة و الفضائل كما أنّ البحر معدن للجواهر. (د) و منهاجا لا يضلّ نهجه، و ظاهر كونه طريقا واضحا لمن سلك به إلى اللّه.
و من تفهم مقاصده لا يضلّ قصده. (ه) و شعاعا لا يظلم ضوءه: أى لا يغطّى الحقّ الوارد به ظلام شبهة و لا تلبيس باطل، و لفظ الشعاع و الضوء و الظلمة مستعار. (و) و فرقانا لا يخمد برهانه: أى فيه براهين يفرق بين الحقّ و الباطل لا يخمد، و لفظ الخمود مستعار ملاحظة لشبه البرهان بالنار في الإضاءه فنسب إليه وصفها. (ز) و بنيانا لا تهدم أركانه، و استعار لفظ البنيان لما انتظم من الكتاب و رسخ في القلوب، و رشّح بذكر الأركان لاستلزام البنيان لها. (ح) و شفاء لا يخشى سقامه كما قال تعالى «وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ»، و ظاهر كون تدبّره و أسراره شفاء للنفوس من أعراض الجهل و رذائل الأخلاق، و ذلك شفاء لا يخاف استعقابه بمرض و ذلك أنّ الفضائل النفسانيّة

إذا صارت ملكات لم تزل و لم يتبدّل بأضدادها و إن كان أيضا شفاء للأبدان كما سبق. (ط) و عزّاً لا تهزم أنصاره. (ى) و حقّا لا تخذل أعوانه و أنصاره، و أعوانه هم المسلمون المعتزّون به [المعترفون به خ‏] و الملتجئون إليه العاملون على وفقه السالكون به إلى اللّه، و ظاهر أنّ اولئك الأنصار و الأعوان لا يهزمهم أحد و لا يخذلهم اللّه أبدا. (يا) فهو معدن الإيمان الّذي يستنار منه الإيمان الكامل باللّه و رسوله و بما جاء به و بحبوحته، و ظاهر كون اعتقاد حقّيته و تفهّم مقاصده و العمل بها واسطة عقد الإيمان. (يب) و ينابع العلم و بحوره، و اللفظان استعارة له باعتبار كونه محلّ فيض العلوم النفيسة و استف استفادتها. (يج) و رياض العدل و غدرانه، و اللفظان مستعاران أيضا باعتبار كونه موردا يؤخذ عنه العدل بكلّيّته فهو مورده الّذى لا يجور عن سنن الحقّ إلى أن يبلغ به صاحبه السالك به إلى اللّه.
(يد) و أثافىّ الإسلام و بنيانه، و اللفظان مستعاران له باعتبار كونه أصلا للإسلام يبتنى عليه، و به يقوم كما أنّ الأثافىّ للقدر و البنيان لما يحمل عليه كذلك. (يد) و أودية الحقّ و غيطانه، و اللفظان مستعاران له باعتبار كونه معدنا للحقّ و مظنّة له كما أنّ الأودية و الغيطان مظانّ الكلاء و الماء. (يو) و بحر لا يستنزفه المستنزفون. (يز) و عيون لا ينضبها الماتحون، إنّما كرّر استعارة البحر و العيون له باعتبار آخر و هو كونه لا ينتهى فوايده و المقاصد المستنبطة منه. (يح) و كذلك و مناهل لا يغيضها الواردون و خصّص النضوب بالعيون لإمكان ذلك فيها دون البحر و الورد بالمناهل لكون النهل و هوى الرىّ لغاية وارد الماء. (يط) منازل لا يضلّ نهجها المسافرون: أى مقامات من العلوم إذا نزلتها العقول المسافرة إلى اللّه لا تضلّ لاستنارتها و شدّة إضاءتها.

(ك) و كذلك و أعلام لا تعمى عنها السائرون. (كا) و كذلك و آكام لا يجوز عنها القاصدون، استعار لفظ الأعلام و الآكام للأدلّة و الأمارات فيه على طريق إلى معرفته و أحكامه باعتبار كونها هادية إليها كما تهدى الأعلام و الجبال على الطرق. (كب) جعله اللّه ريّا لعطش العلماء، استعار لفظ الرىّ له باعتبار كونه دافعا لألم الجهل عن النفوس كما يدفع الماء ألم العطش، و لفظ العطش للجهل البسيط أو لاستعداد الطالبين للعلوم و اشتياقهم إلى الاستفادة، و أطلق لفظ الرىّ على المروى مجازا إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه. (كج) و ربيعا لقلوب الفقهاء، و لفظ الربيع مستعار له باعتبار كونه مرعى لقلوب الفقهاء يستثمرون منه الأحكام، و بهجة لها كالربيع للحيوان.
(كد) و محاجّ لطرق الصلحاء، و ظاهر كونه طريقا واضحا للصالحين إلى اللّه. (كه) و دواء ليس بعده داء كقوله: شفاء لا يخشى سقامه. (كو) و نورا ليس معه ظلمه: أى لا تبقى مع هدايته إلى الأحكام ظلمة على البصيرة، و هو كقوله: و شعاعا لا يظلم نوره. (كز) و حبلا وثيقا عروته، استعار لفظ الحبل له و العروة لما يتمسّك به منه، و كنّى بوثاقة عروته عن كونه منجيا لمن تمسّك به. (كح) و معقلا منيعا ذروته، استعار لفظ المعقل باعتبار كونه ملجأ من الجهل و لوازمه و هو العذاب، و رشّح بذكر الذروة و كنّى بمنعتها عن كونه عزيزا يمنع من لجأ إليه. (كط) و عزّا لمن تولّاه: أى اتّخذه وليّا يلقى إليه مقاليد اموره و لا يخالفه، و ظاهر كونه سبب عزّه في الدارين. (ل) و سلماً لمن دخله: أى أمنا. و دخوله: الخوض في تدبّر مقاصده و اقتباسها، و بذلك الاعتبار يكون مأمنا من عذاب اللّه و من الوقوع في الشبهات الّتي هي مهاوى الهلاك.

(لا) و هدى لمن ائتمّ و هو ظاهر. (لب) و عذرا لمن انتحله: أى من نسبه إلى نفسه بدعوى حفظه أو تفسيره و نحو ذلك معتذرا بذلك من تكليف لا يليق به أو يشقّ عليه كان ذلك عذرا منجيا له. و هذا كمال تقول لمن يقصد إنسانا بأذى: لا ينبغي لك أن تؤذيه فإنّه من حملة القرآن الكريم أو ممّن يعلم علومه فيكون ذلك سببا لترك أذاه. (لج) و برهانا لمن تكلّم به. (لد) و شاهدا لمن خاصم به (له) و فلجا لمن حاجّ به. الثلاثة متقاربة، و أطلق لفظ الفلج عليه من جهة ما يحتجّ به إطلاقا لاسم الغاية على ذى الغاية إذ غاية الاحتجاج به الفوز. و الشاهد و الحجّة أعمّ من البرهان. (لو) و حاملا لمن حمله: أى يحمل يوم القيامة حملته و حفظته الآن، و عبّر بحمله لهم عن إنجائه لهم من العذاب اطلاقا لاسم السبب على المسبّب. (لز) و مطيّة لمن أعمله، استعار له لفظ المطيّة باعتبار كونه منجياً لهم كقوله: حاملا و لفظ الأعمال لاتّباع قوانينه و المواظبة عليها المنجية من العذاب كما ينجى إعمال المطيّة في الطريق البعيد. (لح) و آية لمن توسّم، و ذلك باعتبار تدبّر أمثاله و قصصه فإنّ فيها آياتا و عبرا كما قال تعالى «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ»«». (لط) و جنّة لمن استلأم: أى لمن استلأمه و لبسه كالدرع، و استعار له لفظ الجنّة لوقايته من استعدّ بعلمه من عذاب اللّه، و كنّى باستلئامه عن ذلك الاستعداد به. (م) و علما لمن وعى: أى لمن حفظه و فهم مقاصده. (ما) و حديثا لمن روى، و ذلك باعتبار ما فيه من القصص و أخبار القرون الماضية فإنّ أصدق حديث يروى منها ما اشتمل عليه القرآن، و يحتمل أن يريد بكونه حديثا كونه قولا و كلاما ليس لمن نقله كما قال تعالى «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ‏ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ» إلخ«» و تكون فايدة هذا الوصف أنّ فيه غنية لمن أراد أن يتحدّث بحديث غيره ممّا لا يفيد فايدته فينبغى أن يعدل إليه و يشتغل بتلاوته و التحدّث به. (مب) و حكما لمن قضى: أى فيه الأحكام الّتى يحتاج إليها القضاة، و روى حكما: أى حاكما ترجع إليه القضاة و لا يخرجون عن حكمه. و باللّه التوفيق

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏ميثم بحرانی)، ج 3 ، صفحه‏ى 463

خطبه 188 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

وَ لَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ص- أَنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَى اللَّهِ وَ لَا عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ- وَ لَقَدْ وَاسَيْتُهُ بِنَفْسِي فِي الْمَوَاطِنِ- الَّتِي تَنْكُصُ فِيهَا الْأَبْطَالُ- وَ تَتَأَخَّرُ فِيهَا الْأَقْدَامُ نَجْدَةً أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِهَا- وَ لَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ إِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِي- وَ لَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِي كَفِّي فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِي- وَ لَقَدْ وُلِّيتُ غُسْلَهُ ص وَ الْمَلَائِكَةُ أَعْوَانِي- فَضَجَّتِ الدَّارُ وَ الْأَفْنِيَةُ- مَلَأٌ يَهْبِطُ وَ مَلَأٌ يَعْرُجُ- وَ مَا فَارَقَتْ سَمْعِي هَيْنَمَةٌ مِنْهُمْ- يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَارَيْنَاهُ فِي ضَرِيحِهِ- فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّي حَيّاً وَ مَيِّتاً- فَانْفُذُوا عَلَى بَصَائِرِكُمْ- وَ لْتَصْدُقْ نِيَّاتُكُمْ فِي جِهَادِ عَدُوِّكُمْ- فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّي لَعَلَى جَادَّةِ الْحَقِّ- وَ إِنَّهُمْ لَعَلَى مَزَلَّةِ الْبَاطِلِ- أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَ لَكُمْ‏

 

اللغة

أقول: الهيمنة: صوت خفىّ يسمع و لا يفهم.

و حاصل الفصل: التنبيه على فضيلته لغاية قبول قوله فيما يأمرهم به.
فذكر منها: أنّه لم يردّ على اللّه و على رسوله في وقت قطّ
فيما صدر من الأمر عنهما، و استشهد على ذلك بما علمه منه المستحفظون من الصحابة و هم العلماء و أهل الدين الّذين استحفظوا كتاب اللّه و دينه: أى جعلوا حفظة له و اودعوا إيّاه، و قال بعض الشارحين: و فيه ايماء إلى ما كان يفعله بعض الصحابة من التسرّع بالقول و الاعتراض على الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم في مواضع كما نقل عن عمر يوم الحديبيّة عند سطر كتاب الصلح أنّه أنكر ذلك و قال لرسول اللّه: ألسنا على الحقّ قال: بلى. قال: أو ليسوا الكاذبين. قال: بلى. قال: فكيف تعطى الريبة في ديننا. فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلم: أنا أعمل بما اومر به. فقام عمر فقال لقوم من الصحابة: ألم يكن قد وعدنا اللّه بدخول مكّة و ها نحن قد صددنا عنها ثمّ ننصرف بعد أن اعطينا الريبة في ديننا و اللّه لو وجدت أعوانا لم اعط الريبة أبدا. فقال له ابو بكر: ويحك الزم غزوه فو اللّه إنّه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أنّ اللّه لا يضيّعه. ثمّ قال له: أقال لك: إنّه سيدخل مكّة هذا العام. فقال: لا. قال: فسيدخلها. فلمّا فتح النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم مكّة و أخذ مفاتيح الكعبة دعاه. فقال: هذا الّذي وعدتم به.

و منها: مواساته لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بنفسه و هو ممّا اختصّ به عليه السّلام،
و ذلك في مواطن: فثبت معه يوم احد و فرّ الناس. روى المحدّثون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا ارتثّ يوم احد، و نادى الناس قتل محمّد رأته كتيبة من المشركين و هو صريع بين القتلى إلّا أنّه حيّ فصمدت له. فقال لعلىّ: اكفنى هذه. فحمل عليها فهزمها و قتل رئيسها: ثمّ صمدت له اخرى. فقال يا على: اكفنى هذه فحمل عليها و قتل رئيسها.
ثمّ صمدت له ثالثة فكذلك. فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: قال لى جبرئيل حينئذ: يا محمّد هذه المواساة. فقلت: و ما يمنعه و هو منّى و أنا منه. فقال جبرئيل: و أنا منكما، و روى المحدّثون أيضا أنّ المسلمين سمعوا ذلك اليوم هاتفا من قبل السماء ينادى: لا سيف إلّا ذو الفقار و لا فتى إلّا علىّ. فقال الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم: ألا تسمعون هذا صوت جبرئيل. و كذلك ثبت معه يوم حنين في نفر يسير من بنى هاشم بعد أنّ ولّى المسلمون الأدبار، و حامى عنه، و قتل قوما من هو اذن بين يديه حتّى ثابت إليه الأنصار و انهزمت هو اذن و غنمت أموالها، و أمّا يوم خبير فقصّته مشهورة، و ذلك قوله: و لقد واسيته. إلى قوله: الأقدام. و قوله: نجدة أكرمنى اللّه بها. فالنجدة فضيلة تحت الشجاعة، و قد يعبّر بها عن الشجاعة.

و منها حاله عند ما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم
من تولّى أمره و مباشرة ما يختصّ به من الأحوال حالة وفاته من وضع رأسه على صدره، و قيل: أراد بذلك أنّ رأسه حينئذ كان على ركبتيه، و على ذلك يكون في صدره عند إكبابه عليه. و الأشبه أنّه أراد تسنيده حين اشتداد علّة موته. ثمّ سيلان نفسه في كفه و إمرارها على وجهه، و أراد بنفسه دمه يقال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قاء وقت موته دما يسيرا، و أنّ عليّا عليه السّلام مسح بذلك الدم وجهه، و لا ينافي ذلك نجاسة الدم لجواز أن يخصّص دم الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم كما روى أنّ أبا طيبة الحجّام شرب دمه صلّى اللّه عليه و آله و سلم حين حجمه. فقال: إذن لا يتّجع بطنك، و كذلك تولّيه لغسله بإعانة الملائكة، و كان هو الّذى يغسّله و الفضل بن عباس يصّب الماء عليه، روى أنّه عصب عينى الفضل حين صبّه الماء، و نقل عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه قال: لا يبصر عورتى غيرك أحد إلّا عمى، و روى أنّه عليه السّلام قال: ما قلّبت عضوا إلّا و انقلب لا أجد له ثقلا كأنّ معى من يساعدني عليه، و ما ذلك إلّا الملائكة. و حيّا و ميّتا منصوبان على الحال من الضمير المجرور في به، و أمّا دفنه فتنازع الصحابة في أنّه يلحد أو يضرح فأرسل العبّاس إلى عبيدة بن الجرّاح و كان يحفر لأهل مكّة و يضرح لهم على عادتهم، و أرسل إلى أبى طلحة الأنصارى و كان يلحد لأهل المدينة على عادتهم فقال: اللهم اختر لنبيّك فجاء أبو طلحة فلحد له، و تنازعوا فيمن يدخل القبر معه فقال على عليه السّلام: لا ينزل معه أحد غيرى و غير العبّاس. ثمّ أذن في نزول الفضل و اسامة بن زيد. ثمّ ضجّت الأنصار و سألوا أن ينزل منهم رجل فأنزلوا أوس بن خولىّ و كان بدريّا، و قد يعبّر بالضريح عن القبر فيكون أعمّ من الشقّ و اللحد.

فأمّا ضجيج الدار و الأفنية بأصوات الملائكة ملأ يهبط منهم و ملأ يصعد بحيث لا يفارق هينمتهم سمعه في حال صلاتهم عليه إلى أن واراه في ضريحه. فقد عرفت كيفيّة سماع البشر لأصوات الملائكة في مقدّمات الكتاب، و كذلك صلاتهم تعود إلى وساطتهم في إفاضة الرحمة من اللّه تعالى على العباد، و كذلك علمت معنى الصعود و الهبوط منهم فيما سبق.

 

و اعلم أنّ حمل الكلام على ظاهره عند الإمكان أولى من التعسّف في التأويل، و ذكر هذه الفضيلة بهذه المقامات تجرى مجرى صغرى قياس ضمير من الشكل الأوّل استدلّ به على أنّه لا أحقّ منه به. و تقدير كبراه: و كلّ من كان ذلك معه صلّى اللّه عليه و آله و سلم. فهو أحقّ به. و حينئذ يتبيّن أنّه لا أحقّ به منه، و أراد أنّه لا أحقّ بالمنزلة و القرب منه. ففى حياته بالاخوّة و الوزارة، و بعد موته بالوصيّة و الخلافة إذ لا يريد أنّه أحقّ بذاته فبقى أن يريد كونه أحقّ به في المنزلة و ولاية أمره بعده. ثمّ عقّب ذكر فضيلته بأمرهم أن يمضوا في جهاد عدوّهم على بصائرهم: أى عقايدهم أنّهم على الحقّ و أنّ عدوّهم على الباطل، و أكّد تلك العقائد بالقسم البارّ أنّه فيما يأمرهم به على طريق الحقّ، و أنّ خصومه على مزلّة الباطل، و ذكر الجادّه للحقّ جذبا إليه، و المزلّة للباطل تنفيرا عنه، و لأنّ الباطل لا طريق واضحة له بعلم حقّ أو برهان صدق كما عليه الطريق الحقّ، و باقى الكلام خاتمة الخطبة.
و باللّه التوفيق.

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 3 ، صفحه‏ى 440

خطبه 187 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

بَعَثَهُ حِينَ لَا عَلَمٌ قَائِمٌ- وَ لَا مَنَارٌ سَاطِعٌ وَ لَا مَنْهَجٌ وَاضِحٌ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- وَ أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا دَارُ شُخُوصٍ- وَ مَحَلَّةُ تَنْغِيصٍ سَاكِنُهَا ظَاعِنٌ وَ قَاطِنُهَا بَائِنٌ- تَمِيدُ بِأَهْلِهَا مَيَدَانَ السَّفِينَةِ- تَقْصِفُهَا الْعَوَاصِفُ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ- فَمِنْهُمُ الْغَرِقُ الْوَبِقُ وَ مِنْهُمُ النَّاجِي عَلَى بُطُونِ الْأَمْوَاجِ- تَحْفِزُهُ الرِّيَاحُ بِأَذْيَالِهَا وَ تَحْمِلُهُ عَلَى أَهْوَالِهَا- فَمَا غَرِقَ مِنْهَا فَلَيْسَ بِمُسْتَدْرَكٍ وَ مَا نَجَا مِنْهَا فَإِلَى مَهْلَكٍ- عِبَادَ اللَّهِ الْآنَ فَاعْلَمُوا وَ الْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ- وَ الْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ وَ الْأَعْضَاءُ لَدْنَةٌ- وَ الْمُنْقَلَبُ فَسِيحٌ وَ الْمَجَالُ عَرِيضٌ- قَبْلَ إِرْهَاقِ الْفَوْتِ وَ حُلُولِ الْمَوْتِ- فَحَقِّقُوا عَلَيْكُمْ نُزُولَهُ وَ لَا تَنْتَظِرُوا قُدُومَهُ

اللغة

أقول: الساطع: المرتفع.

و الوبق: الهالك.

و اللدن: الناعم: و الإرهاق: الإلحاق.

 

المعنى

و قد ذكر البعثة حين ظهور الأحوال الّتي كان العالم عليها تنبيها على فضلها و فضيلة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
فقوله: حيث لا علم قائم. استعار لفظ العلم و المنار للهداة إلى اللّه الداعين إليه، و عدم قيامه و سطوعه لعدمهم زمان الفترة. و قوله: و لا منهج واضح. أى لا طريق إلى اللَّه خالص عن شوب الأباطيل يتّبع. ثمّ عقّب بالوصيّة بتقوى اللّه. ثمّ بالتحذير من الدنيا، و قرنها بذكر عيوبها للتنفير عنها. و كونها دار شخوص إشارة إلى ضرورة الارتحال عنها بالموت، و محلّة تنغيص: أى تنغيص لذّاتها بالآلام و الأمراض حتّى قيل: إنّ اللذّة فيها إنّما هي الخلاص عن الألم. و قوله: ساكنها ظاعن و قاطنها بائن. كالتفسير لقوله: دار شخوص. و قوله: تميد بأهلها إلى قوله: إلى مهلك. ضربه لها و لأحوال أهلها فيها. فمثّلها بالسفينة عند عصف الريح، و مثّل تصرّفاتها و تغيّراتها بميدان السفينة، و رميهم فيها بالأمراض و الحوادث الّتي هى مظنّة الهلاك بالأحوال الّتى يلحق أهل السفينة عند هبوب الريح العاصف حال كونها في لجج البحار، و مثّل انقسامهم عند بعض تلك الحوادث و نزولها بهم إلى ميّت لا يرجى له عودة و إلى مستدرك متفارط بانقسام ركّاب السفينة عند عصف الريح عليها إلى غريق هالك و إلى ناج، و مثّل الناجى من بعض الأمراض الّذي تأخّر موته إلى مرض آخر فلاقى من أهوال الدنيا في تلك المدّة ما لاقى ثمّ لحقه الموت بالأخرة بالناجى من الغرق الّذى تحمله الأمواج و تدفعه الرياح و يقاسى أهوال البحر و شدائده ثمّ بعد خلاصه منه لا بدّ له من وقت هو أجله و مرض هو المهلك: أى محلّ هلاكه. ثمّ أمر بالعمل و ذكر الأحوال الّتى يمكن فيها و معها العمل تنبيها على انتهاز الفرصة، و تلك الأحوال صحّة الألسن و إمكان ذكر اللّه و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و سائر التكاليف المتعلّقة بها، و كذلك صحّة الأبدان‏ و لدنة الأعضاء و مطاوعتها للعمل قبل يبسها بالسقم و الأمراض، و فسح المنقلب و هو محلّ التصرّف و التقلّب، و كنّى به عن وقت الصحّة و الشبيبة، و يقرب منه عرض المجال، و ذكر إرهاق الأجل و حلول الموت تحذيرا منه و جذبا إلى العمل لما بعده. ثمّ أمرهم أن يتحقّقوا نزوله قبل نزوله: أى يتذكّروه و يخطر ببالهم أنّه حقّ و يقدّروا أنّه واقع ليكون آكد في العمل. و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلم: أكثروا من ذكر هادم اللذّات. و نهاهم عن انتظار قدومه لاستلزام انتظارهم له توهّمهم لبعده عنهم، و ذلك يوقعهم في التكاسل عن العمل. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 437

 

 

خطبه 186 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْهَرَ مِنْ آثَارِ سُلْطَانِهِ وَ جَلَالِ كِبْرِيَائِهِ- مَا حَيَّرَ مُقَلَ الْعُيُونِ مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَتِهِ- وَ رَدَعَ خَطَرَاتِ هَمَاهِمِ النُّفُوسِ عَنْ عِرْفَانِ كُنْهِ صِفَتِهِ وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- شَهَادَةَ إِيمَانٍ وَ إِيقَانٍ وَ إِخْلَاصٍ وَ إِذْعَانٍ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ وَ أَعْلَامُ الْهُدَى دَارِسَةٌ- وَ مَنَاهِجُ الدِّينِ طَامِسَةٌ فَصَدَعَ بِالْحَقِّ- وَ نَصَحَ لِلْخَلْقِ وَ هَدَى إِلَى الرُّشْدِ وَ أَمَرَ بِالْقَصْدِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ‏

وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ- أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً وَ لَمْ يُرْسِلْكُمْ هَمَلًا- عَلِمَ مَبْلَغَ نِعَمِهِ عَلَيْكُمْ وَ أَحْصَى إِحْسَانَهُ إِلَيْكُمْ- فَاسْتَفْتِحُوهُ وَ اسْتَنْجِحُوهُ وَ اطْلُبُوا إِلَيْهِ وَ اسْتَمْنِحُوهُ- فَمَا قَطَعَكُمْ عَنْهُ حِجَابٌ وَ لَا أُغْلِقَ عَنْكُمْ دُونَهُ بَابٌ- وَ إِنَّهُ لَبِكُلِّ مَكَانٍ وَ فِي كُلِّ حِينٍ وَ أَوَانٍ- وَ مَعَ كُلِّ إِنْسٍ وَ جَانٍّ- لَا يَثْلِمُهُ الْعَطَاءُ وَ لَا يَنْقُصُهُ الْحِبَاءُ- وَ لَا يَسْتَنْفِدُهُ سَائِلٌ وَ لَا يَسْتَقْصِيهِ نَائِلٌ- وَ لَا يَلْوِيهِ شَخْصٌ عَنْ شَخْصٍ وَ لَا يُلْهِيهِ صَوْتٌ عَنْ صَوْتٍ- وَ لَا تَحْجُزُهُ هِبَةٌ عَنْ سَلْبٍ وَ لَا يَشْغَلُهُ غَضَبٌ عَنْ رَحْمَةٍ- وَ لَا تُولِهُهُ رَحْمَةٌ عَنْ عِقَابٍ وَ لَا يُجِنُّهُ الْبُطُونُ عَنِ الظُّهُورِ- وَ لَا يَقْطَعُهُ الظُّهُورُ عَنِ الْبُطُونِ- قَرُبَ فَنَأَى وَ عَلَا فَدَنَا وَ ظَهَرَ فَبَطَنَ- وَ بَطَنَ فَعَلَنَ وَ دَانَ وَ لَمْ يُدَنْ- لَمْ يَذْرَأِ الْخَلْقَ بِاحْتِيَالٍ وَ لَا اسْتَعَانَ بِهِمْ لِكَلَالٍ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- فَإِنَّهَا الزِّمَامُ وَ الْقِوَامُ فَتَمَسَّكُوا بِوَثَائِقِهَا وَ اعْتَصِمُوا بِحَقَائِقِهَا تَؤُلْ بِكُمْ إِلَى أَكْنَانِ الدَّعَةِ- وَ أَوْطَانِ السَّعَةِ وَ مَعَاقِلِ الْحِرْزِ وَ مَنَازِلِ الْعِزِّ- فِي يَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ وَ تُظْلِمُ لَهُ الْأَقْطَارُ- وَ تُعَطَّلُ فِيهِ صُرُومُ الْعِشَارِ وَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ- فَتَزْهَقُ كُلُّ مُهْجَةٍ وَ تَبْكَمُ كُلُّ لَهْجَةٍ- وَ تَذِلُّ الشُّمُّ الشَّوَامِخُ وَ الصُّمُّ الرَّوَاسِخُ- فَيَصِيرُ صَلْدُهَا سَرَاباً رَقْرَقاً وَ مَعْهَدُهَا قَاعاً سَمْلَقاً- فَلَا شَفِيعٌ يَشْفَعُ وَ لَا حَمِيمٌ يَنْفَعُ وَ لَا مَعْذِرَةٌ تَدْفَعُ‏

 

اللغة

أقول: مقلة العين: شحمتها.

و الهمهمة: حديث النفس مع صوت خفىّ لا يفهم.

و الطامسة: كالدراسة.

و الحباء: النوال.

و ذرء: خلق.

و المعقل: الملجأ.

و الصروم: جمع صرم و صرمة و هي القطعة من الإبل نحو الثلاثين.

و العشار: النوق أتى عليها بعد طروق الفحل عشرة أشهر.

و الشمّ الشوامخ: الجبال العالية.

و معهدها: ما كان مسكونا منها.

و قاعا: خاليا.

و السملق: الصفصف المستوى ليس بعضه أرفع من بعض.

المعنى

و قد حمد اللّه تعالى باعتبار إظهاره من آثار ملكه و سلطانه ما أظهره من ملكوت السماوات و الأرض، و ترتيب العالمين على وجه النظام الأتمّ ممّا هو محلّ العجب العجيب الّذي تحار أبصار البصائر في كيفيّة وقوعه من القدرة الإلهيّة، و في ترتيبه على النظام الأكمل. بل كلّ مخلوق منها فهو محلّ ذلك العجب و الحيرة، و لفظ المقل مستعار و نسبة ذلك إلى جلال كبريائه مناسب لما أنّ السلطان و العظمة و الكبرياء يناسب صدور الآثار العظيمة العجيبة المحكمة عنها. و ردع خطرات هماهم النفوس: أى ما يخطر للنفوس فيهمهم به، و ردعه لها استلزام كماله المطلق عجزها عن إدراك حقيقته. و قد سبق ذلك غير مرّة. ثمّ شهد بكلمة التوحيد معتبرا فيها أربعة أمور: أحدها: كونها شهادة إيمان: أى يطابق القول فيها للعقد القلبىّ. الثاني: و إيقان: أى يكون اعتقادها يقينا و هو اعتقاد أن لا إله إلّا هو مع اعتقاد أنّه لا يمكن أن يكون ذلك المعتقد إلّا كذلك. الثالث: و إخلاص: و هي أن يحذف عن ذلك المعتقد كلّ أمر عن درجة الاعتبار و لا يلاحظ معه غيره. الرابع: و إذعان: و الإذعان ثمرة ذلك الإخلاص و كماله، و يتفاوت بتفاوته و يعود إلى سائر الطاعات و العبادات الّتى هي من حقوق تلك الكلمة و توابعها. ثمّ أردفها باختها. و ذكر الأحوال الّتي كان العالم عليها حين الرسالة ممّا هي شرور تنبيها على فضيلة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و استعار أعلام الهدى لأئمّة الدين الهادين إلى‏ سبيل اللَّه. و لفظ المناهج لقوانين الشريعة الّتي يسلك فيها جزئيّات الأحكام. و لفظ دروسها و طموسها لاضمحلالها قبل النبوّة.

و الواو في و أعلام للحال. فصدع بما جاء به من الحقّ ما طلب من الباطل، و نصح الخلق ليردّهم عن غوايتهم إلى صراط اللّه، و هداهم إلى الرشد في سلوكه، و أمرهم بالعدل و الاستقامة عليه. ثمّ نبّه السامعين إجمالا على أنّ خلق اللّه تعالى لهم ليس خاليا عن غاية و أنّهم لم يرسلوا في الدنيا مهملين عن أمر يراد بهم كإهمال البهيمة. ثمّ على علمه بمبلغ نعمه عليهم كميّة و كيفيّة و إحصائه لها عدّا ليبعثهم على شكرها، و لذلك قال فاستفتحوه: أى اطلبوا منه أن يفتح عليكم أبواب بركاته و نصره، و استنجحوه: أى اطلبوا منه نجاح حاجاتكم، و اطلبوا إليه: أى اطلبوا الهداية إلى حضرته و وجوه مرضاته، و استمنحوه أن يعطيكم كمالكم. كلّ ذلك بالشكر و سائر العبادات الّتي بها الاستعداد لإفاضة رحمته. و قوله فما قطعكم عنه حجاب إلى قوله: إنس و جانّ. إظهار لوجود كماله و عظمته، و تنزيه له عن صفات المخلوقين المحدثين، و تقريب له من عباده ليطلبوا منه و يتقرّبوا إليه و يستنجحوه و يستمنحوه و تنفتح آمالهم منه، و إذ لم يكن تعالى متحيّزا فلا حجاب دونه و لا باب، و كان بكلّ مكان في حالة واحدة: أى بعلمه المحيط لاستحالة ذلك التحيّز، و في كلّ حين و أوان بمعنى مساوقة وجوده لوجود الزمان لا بمعنى الظرفيّة له لتنزّهه تعالى عن لحوق الزمان المتأخّر عنه بمراتب من المعلولات، و مع كلّ إنس و جانّ بعلمه «وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ». و قوله: لا يثلمه العطاء. إلى قوله: نائل. فاستقصاء النائل له بلوغ الجود منه أقصى مقدوره، و برهان تلك الأحكام أنّ الثلم و النقصان و الاستنفاد و الاستقصاء على المقدور يستلزم النهاية و الحاجة المستلزمين للإمكان، و لا شي‏ء من واجب الوجود بممكن، و كلّ من لحقته هذه الأحوال ممكن فواجب الوجود لا تلحقه هذه الأحوال، و كذلك قوله: لا يلويه‏ شخص عن شخص: أى لا يصرفه. إلى قوله: عقاب. و برهان هذه الأحكام أنّ الصرف و اللهو يستلزمان الغفلة عن أمر و الفطنة لغيره بعد الغفلة عنه، و كذلك حجز الهبة و منعها عن سلب نعمة اخرى و شغل الغضب له عن الرحمة مستلزمان قصور القدرة و ضعفها و تعلّقها بمحلّ جسمانى، و ذلك مستلزم للنقصان المستلزم للحاجة و الإمكان المنزّه قدس اللّه تعالى عنه، و كذلك توليهه الرحمة عن العقاب يستلزم رقّة الطبع و رحمة النفوس البشرية المستلزمة لعوارض الجسميّة. و جلال اللّه منزّه عنها. و قوله: و لا تجنّه البطون عن الظهور. يحتمل وجهين: أحدهما: لا يخفيه بطون حقيقته عن العقول و خفاؤه عن العيون عن ظهوره للبصائر في صور آثاره و ملكوت قدرته. الثاني: أنّه ليس في شي‏ء حتّى يخفى فيه عن الظهور على الأشياء و الاطّلاع عليها. و لا يقطعه الظهور عن البطون: أى لا يقطعه كونه ظاهرا أو عالما بالامور الظاهرة عن أن يكون باطنا لا يطّلع العقل عليه أو عن علمه ببواطن الامور و حقايقها. و قوله: قرب. أى بعلمه و قدرته من الأشياء قرب العلّة من المعلول. فنأى: أى بعد بحقيقته عن إدراك العقول و الحواسّ. و قوله: و علا فدنا. فعلّوه شرفه بالقياس إلى آثاره شرف العلّة على المعلول و دنوّه منها قربه. و قوله: و ظهر فبطن و بطن فعلن. تأكيد لما قبله، و قد سبق بيانه غير مرّة. و قوله: لم يذرء الخلق باحتيال إلى قوله: الكلال. تنزيه لايجاده لآثاره عن استخراج الحيل و إجالة وجوه الآراء في استخراجها.

ثمّ عن الاستعانة بغيره في شي‏ء من آثاره. ثمّ عن مبدء الاستعانة و هو الكلال و الإعياء لاستلزام ذلك تناهى القوّة المستلزمة للجسميّة، و إذ قدّم تنزيه الحقّ سبحانه عمّا لا ينبغي له، و وصفه بما ينبغي له شرع في الوصيّة بتقواه. ثمّ في التنبيه على فضائلها، و استعار لفظ الزمام لها باعتبار كونها قائدة للعبد إلى طريق الحقّ‏ مانعة له عن الجور إلى طرف الباطل كالزمام للناقة، و أراد بكونها قواما كونها مقيمة للعبد في سلوك سبيل اللّه أيضا إقامة للمصدر مقام اسم الفاعل. و قوله: فتمسّكوا بوثائقها. أى بما به يوثق منها و هو سائر أنواع العبادات الّتي هي أجزاؤها، و التمسّك بها يقود إلى لزومها و المواظبة عليها. و اعتصموا بحقائقها: أى بالخالص منها دون المشوب بالرياء و النفاق فإنّ الالتجاء إلى خالصها هو المخلص من عذاب اللّه. و قوله: تؤل بكم. انجزم تؤل لكونه جواب الأمر بالتمسّك و الاعتصام. و أكنان الدعة مواطن الراحة من الآلام الحسّيّة و العقليّة. و هي غرفات الجنّة و منازلها و هي أوطان السعة أيضا من ضيق الأبدان و ضنك بيوت النيران، و هي معاقل الحرز المانعة من عذاب اللّه. و هي منازل العزّ في جوار اللّه. و قوله: في يوم. متعلّق بتؤل، و اليوم يوم القيامة و سائر ما عدّده من صفات ذلك اليوم ممّا نطق به الكتاب الكريم كقوله تعالى «إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ» و قوله «وَ إِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ» و قوله «وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ» و قوله «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً» الآية و قوله «فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ» و قوله «فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ» فهذه بعض أهوال القيامة المحسوسة، و أمّا المعقولة فقال بعض السالكين: إنّ الإنسان إذا حضرته الوفاة شخص بصر عقله إلى ما انكشف له من الأطوار الاخرويّة، و أظلمت عليه أقطار الدنيا، و غاب منها ما كان يشاهده، و تعطّلت عنه عشاره، و ناداه داعى الأجل إلى الآخرة فزهقت نفسه، و أجابت الداعى، و بكمت لهجته، و ذلّت شوامخ الجبال و رواسخها في نظره لعظمة اللّه عند مشاهدة كبريائه‏ فتصير لا نسبة لها في نظره إلى ما شاهد من عظيم ملكوته فكأنّها اضمحلّت و غابت و صارت في نظره كالسراب المترقرق الّذى لا أصل له بعد ما كان يراها عليه من العلوّ و العظمة، و كذلك ينقطع نظره عن عالم الأجسام و الجسمانيّات عند التوجّه إلى عالم الملكوت، و كذلك يرى ما كان معهودا منها كالقاع الصفصف المستوى تحت سلطان اللّه و قهره، و حينئذ تنقطع عن الشفيع الشافع و الصديق الدافع و العذر النافع. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 431

خطبه 185 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام يصف فيها المنافقين

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا وَفَّقَ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ- وَ ذَادَ عَنْهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَ نَسْأَلُهُ لِمِنَّتِهِ تَمَاماً- وَ بِحَبْلِهِ اعْتِصَاماً- وَ نَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- خَاضَ إِلَى رِضْوَانِ‏ اللَّهِ كُلَّ غَمْرَةٍ وَ تَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّةٍ- وَ قَدْ تَلَوَّنَ لَهُ الْأَدْنَوْنَ وَ تَأَلَّبَ عَلَيْهِ الْأَقْصَوْنَ- وَ خَلَعَتْ إِلَيْهِ الْعَرَبُ أَعِنَّتَهَا- وَ ضَرَبَتْ إِلَى مُحَارَبَتِهِ بُطُونَ رَوَاحِلِهَا- حَتَّى أَنْزَلَتْ بِسَاحَتِهِ عَدَاوَتَهَا مِنْ أَبْعَدِ الدَّارِ وَ أَسْحَقِ الْمَزَارِ- أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ أُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ النِّفَاقِ- فَإِنَّهُمُ الضَّالُّونَ الْمُضِلُّونَ وَ الزَّالُّونَ الْمُزِلُّونَ- يَتَلَوَّنُونَ أَلْوَاناً وَ يَفْتَنُّونَ افْتِنَاناً- وَ يَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَادٍ وَ يَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادٍ- قُلُوبُهُمْ دَوِيَّةٌ وَ صِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ- يَمْشُونَ الْخَفَاءَ وَ يَدِبُّونَ الضَّرَاءَ- وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ وَ قَوْلُهُمْ شِفَاءٌ وَ فِعْلُهُمُ الدَّاءُ الْعَيَاءُ- حَسَدَةُ الرَّخَاءِ وَ مُؤَكِّدُو الْبَلَاءِ وَ مُقْنِطُو الرَّجَاءِ- لَهُمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ صَرِيعٌ- وَ إِلَى كُلِّ قَلْبٍ شَفِيعٌ وَ لِكُلِّ شَجْوٍ دُمُوعٌ- يَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءَ وَ يَتَرَاقَبُونَ الْجَزَاءَ- إِنْ سَأَلُوا أَلْحَفُوا وَ إِنْ عَذَلُوا كَشَفُوا وَ إِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا- قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٍّ بَاطِلًا وَ لِكُلِّ قَائِمٍ مَائِلًا- وَ لِكُلِّ حَيٍّ قَاتِلًا وَ لِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحاً- وَ لِكُلِّ لَيْلٍ مِصْبَاحاً- يَتَوَصَّلُونَ إِلَى الطَّمَعِ بِالْيَأْسِ لِيُقِيمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ- وَ يُنْفِقُوا بِهِ أَعْلَاقَهُمْ يَقُولُونَ فَيُشَبِّهُونَ- وَ يَصِفُونَ فَيُمَوِّهُونَ قَدْ هَوَّنُوا الطَّرِيقَ- وَ أَضْلَعُوا الْمَضِيقَ فَهُمْ لُمَةُ الشَّيْطَانِ وَ حُمَةُ النِّيرَانِ- أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ- أَلا إِنَّ حِزْبَ‏ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ

اللغة

اقول: ذاد: طرد.

و الغمرة من كلّ شي‏ء: معظمه.

و أسحق المزار: أبعده.

و السحق بضم السين: البعد، و كذلك بضمّ الحاء.

و يعمدونكم: يهدّونكم و يفدحونكم.

و العماد: الأمر الفادح.

يرصدونكم: يقعدون لكم المراصد و ينتظرونكم: و الضراء: ما واراك من الشجر الملتفّ.

و الإلحاف: الاستقصاء في السؤال.

و الشجو: الحزن.

و الأعلاق: جمع علق و هى السعلة الثمينة.

و التمويه: التزيين و التلبيس.

و أضلعوا المضيق إضلاعا: أى عوّجوه و أمالوه.

و هو ضلع: أى مائل.

و ضلع بفتح اللام: أى معوّج خلقة.

و اللمة بالتخفيف: الجماعة.

و حمّة النيران بالتشديد: معظم حرّها.

و بالتخفيف سمّ العقرب.

المعنى

و قد حمد اللّه تعالى باعتبارين: و هما التوفيق لطاعته الّتي هى سبب الفوز الأكبر و الطرد عن معصيته الّتى هى سبب الخسران الأخسر، و ذلك الذود إمّا بالنواهى أو بحسم أسباب المعاصى و عدم الإعداد لها و الكلّ منه سبحانه. ثمّ سأله أمرين: التمام لما شكره من النعمة نظرا إلى قوله تعالى «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» و الاعتصام بحبله المتين و هو الدين القويم العاصم لمن تمسّك له عن الهوى في مهاوى الهلاك و دركات الجحيم، و أردف ذلك بشهادة الرسالة و شرح حال المرسل صلّى اللّه عليه و آله و سلم في أداء رسالته، و استعار لفظ الغمرة لمعظم الشرور و المكاره المتكافئة المجتمعة حين بعثته صلّى اللّه عليه و آله و سلم ملاحظة لشبهها بغمرة الماء، و رشّح بذكر الخوض، و كنّى به عن مقاساته للمتاعب الكثيرة و ملاقاته للنوائب من المشركين في بدء دعوته، و كنّى بالغصص عن عوارض الغموم له من ملاقاة تلك المكاره، و كنّى بتلوّن الأدنين له عن تغيّر قلوب أقربائه عليه حينئذ بضروب التغيّرات، و تألّب الأقصين عليه اجتماع الأباعد عنه من العرب و انضمامهم من أقصى البلاد إلى حربه. و قوله: و خلعت إليه العرب. إلى قوله: رواحلها. مثلان كنّى بهما عن المسارعة إلى حربه لأنّ أقوى عدوّ الخيل إذا خلعت أعنّتها، و أقوى عدوّ الرواحل إذا ضربت بطونها، و فيه إيماء إلى أنّهم أتوه فرسانا و ركبانا متسرّعين إلى حربه. و قوله: حتّى أنزلت بساحته عداوتها. أى حروبها و شرورها الّتي هى ثمرة العداوة، و أطلق لفظ العداوة على الحرب مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب. و من طالع كتب السير يطّلع على ما لاقى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في ذات اللّه سبحانه من المشاقّ كاستهزاء قريش به في أوّل الدعوة، و رميهم إيّاه بالحجارة حتّى أدموا عقبيه، و صياح الصبيان به، و فرث الكرش على رأسه، و فتلهم الثوب في عنقه، و حصره هو و أهله في شعب بنى هاشم سنين عدّة محرّمة معاملتهم و مبايعتهم و مناكحتهم و كلامهم حتّى كادوا يتلفون جوعا لو لا بعض من كان يحنو عليهم لرحم أو لسبب آخر فكان يسترق لهم القليل من الدقيق أو التمر فيلقيه إليهم ليلا، ثمّ ضربهم لأصحابه و تعذيبهم بالجوع و الوثاق في الشمس و طردهم إيّاهم عن شعاب مكّة حتّى خرج بعضهم إلى الحبشة و خرج هو عليه السّلام مستجيرا منهم تارة بثقيف و تارة ببنى عامر و تارة بربيعة الفرس و بغيرهم، ثمّ أجمعوا على قتله و الفتك به ليلا حتّى هرب منهم لائذا بالأوس و الخزرج تاركا لأولاده و أهله ناجيا بحشاشة نفسه حتّى وصل إلى المدينة فناصبوا الحرب و رموه بالكتايب و ضربوا إليه آباط الإبل حتّى أكرمه اللّه تعالى و نصره و أيّد دينه و أظهر.
ثمّ عقّب عليه السّلام بالوصيّة بتقوى اللّه و التحذير من المنافقين و تعديد مذاقهم ليعرفوا فيجتنبوا و يحصل النفار عنهم فإنّهم الضالّون: أى المنحرفون عن سبيل اللّه لعدم الاهتداء إليها، المضلّون لغيرهم عنها بالشبهات الباطلة. و كذلك الزالّون المزلّون. و كنّى بتلوّنهم ألوانا عن تغيّراتهم في أقوالهم و أفعالهم من حال إلى حال بحسب أغراضهم الفاسدة فيلقون كلا بوجه و لسان غير الآخر. و كذلك تفتّنهم: أى تشعّب أقوالهم و حالاتهم بحسب تشعّب أغراضهم. و أراد بعمدهم لهم قصدهم لهم بكلّ مكروه على وجه الحيلة و الخدعة، و ترصّدهم لهم بكلّ مرصاد تتّبع وجوه الحيل في هلاكهم بكلّ مكروه على وجه الحيلة. و أراد بقلوبهم دويّة و صفاحهم نقيّة اشتمال نفوسهم على الداء النفسانىّ من الحسد و الحقد و المكر و الخديعة و إعمال الحيلة مع إظهارالبشاشة و الصداقة و المحبّة و النصيحة لهم، و هذا هو الضابط في النفاق، و هو أن يظهر الانسان بلسانه أمراً حسنا محمودا و يبطن خلافه، و أراد بصفاحهم وجوههم، و بنقائها سلامتها عن شرّ ظاهر. و قوله: يمشون الخفاء. كناية عن كون حركاتهم القوليّة و الفعليّة فيما يريدونه في خفاء أفهام الناس، و كذلك قوله: و يدبّون الضراء. و الخفاء و الضراء منصوبان على الظرف.
و هما مثلان لمن يختل غيره و يخدعه. و قوله: وصفهم دواء إلى قوله: العياء. أى أقوالهم أقوال الزاهدين العابدين من الموعظة و الأمر بالتقوى و طاعة اللّه الّذي هو دواء الغىّ و الضلال و شفاء منهما، و أفعالهم أفعال الفاسقين الضالّين من معصية اللّه الّتي هى الداء الأكبر. و العياء: المعيى للأطبّاء. و قوله: حسدة الرخاء. أى إن رأوا لامرء رخاء حسدوه، و مؤكّدو البلاء: أى إن رأوا به بلاء أكّدوه بالسعاية و التأليب عليه. و روى: و مولّدوا. و هو ظاهر. و مقنطوا الرجاء: أى إذا رجا راج أمرا ففى طباعهم أن يقنطوه و يؤيسوه. و هكذا شأن المنافق الكذّاب أن يبعّد القريب و يقرّب البعيد. و قوله: لهم بكلّ طريق صريع. كناية عن كثرة من يقتلونه أو يؤذونه بخديعتهم و مكرهم. و كنّى بالطريق إمّا عن كلّ مقصد قصدوه، أو عن كلّ حيلة احتالوها و مكر مكروه فانّه لابدّ أن يستلزم أذى. و قوله: إلى كلّ قلب شفيع. أى إنّ من شأن المنافق أن يتّخذ إلى كلّ قلب ذريعة و وجها غير الآخر فيكون صديق الكلّ حتّى المتعادين ليتوصّل بذلك إلى إثارة الفتن و ايقاع الشرّ بينهم و هو في نفس الأمر عدوّ الكلّ، و كذلك لهم لكلّ شجو دموع كناية عن توجّعهم لكلّ‏ شجو و توصّلهم بذلك إلى أغراضهم و إن كانوا لأهل الشجو أعداء. و قوله: يتقارضون الثناء و يتراقبون الجزاء. أى يثنى أحدهم على الآخر ليثنى الآخر عليه، و يترقّب كلّ منهم الجزاء من صاحبه على ثنائه. و قوله: إن سألوا ألحفوا. أى ألحّوا في السؤال و هو من المذامّ كما قال تعالى «لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً»«». و قوله: و إن عذلوا كشفوا. أى إذا عذلك أحدهم كشف لك عيوبك في ذلك العذل و جبّهك بها و ربّما ذكرها بمحضر من لا تحبّ ذكرها معه و ليسوا كالناصحين الّذين يعرضون بالذنب عند العتاب تعريضا لطيفا دون التصريح، و إذا حكموا أسرفوا: أى إذا ولّى أحدهم ولاية أسرف فيها بالظلم و الانهماك في مأكله و مشربه و عبر في قينات الدنيا إلى حدّ الإفراط من فضيلة العدل. و ذلك لجهله بالعواقب و تصوّره أن لا غاية أشرف ممّا هو فيه، قد أعدّوا لكلّ حقّ باطلا: أى من الشبه يموّهون عليه و يغطّونه بها، و لكلّ حىّ قاتلا: أى سببا يميتونه به. و الحىّ أعمّ من الإنسان هنا بل كلّ أمر يحيى و يقوم إذا أرادوا فساده، و لكلّ باب مفتاحا من الحيل و الخديعة و لفظ المفتاح مستعار، و لكلّ ليل مصباحا و لفظ الليل مستعار لما أشكل من الأمور و أظلم. و كذلك لفظ المصباح للرأى الّذي يدخلون به في ذلك الأمر و يهتدون إلى وجهه به كرأى عمرو بن العاص على معاوية ليلة الهرير برفع المصاحف و دعوتهم أهل العراق أن يحاكموهم إلى كتاب اللّه فلم يكن لذلك المشكل إلّا ذلك الرأى الصعب، و يتوصّلون إلى الطمع باليأس: أى بإظهار اليأس عمّا في أيدى الناس و الزهد فيه كما يفعله كثير من زهّاد الوقت.
و وصفهم بأخذ الشي‏ء بضدّه أبلغ ما يكون في وصف النفاق و الحيلة. و قوله: ليقيموا به أسواقهم.

استعار لفظ الأسواق لأحوالهم في معاملة الخلق من أخذ و إعطاء فإنّ فعلهم ذلك يقيمها بين الناس و يروّجها عليهم. و كذلك ينفقوا به أعلاقهم. و لفظ الأعلاق مستعار لما يزعمون أنّه نفيس من آرائهم و حركاتهم الخارجة عن أوامر اللّه. و قوله: يقولون. إلى قوله. فيوهّمون. أى يوقعون بأقوالهم الشبه في القلوب و يوهّمون عليهم الباطل بصورة الحقّ. و قوله: قد هوّنوا الطريق. أى قد عرفوا كيف يسلكون في مقاصدهم من الآراء و الحيل، و أضلعوا الطريق: عوّجوا مضائقها. و كنّى بمضائقها عن دقائق المداخل في الامور، و بتعويجها عن أنّهم إذا أرادوا الدخول في أمر مضيّق أظهروا أنّهم يريدون غيره تعمية على الغير و تلبيسا أن يقف على وجه الحيلة فيفسد مقصودهم. و قوله: فهم لمة الشيطان. أى جماعته و أتباعه. و حمّة النيران مستعار لمعظم شرورهم. و وجه المشابهة استلزامها للأذى البالغ. و كذلك حمة بالتخفيف.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 426

خطبه 184 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

روى أن صاحبا لأمير المؤمنين عليه السلام- يقال له: همام- كان رجلا عابدا، فقال له: يا أمير المؤمنين، صف لى المتقين حتى كأنى أنظر إليهم فتثاقل عليه السلام عن جوابه، ثم قال: يا همّام اتّق اللّه و أحسن فإنّ اللّه مع الّذين اتّقوا و الّذين هم محسنون) فلم يقنع همام بهذا القول حتى عزم عليه، فحمد اللّه و أثنى عليه، و صلّى على النبي صلّى اللّه عليه و آله، ثم قال: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ- غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ- لِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ- وَ لَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ‏ أَطَاعَهُ فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ- وَ وَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ- فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ- مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ وَ مَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ وَ مَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ- غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ- وَ وَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ- نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ- كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ- وَ لَوْ لَا الْأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ- لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ- شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ- عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ- فَهُمْ وَ الْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ- وَ هُمْ وَ النَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ- قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ- وَ أَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ وَ حَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ وَ أَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ- صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً- تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ- أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا- وَ أَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا- أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ- تَالِينَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا- يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ يَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ- فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً- وَ تَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ- وَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ- أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ- وَ ظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَ شَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ- فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ- مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وَ أَكُفِّهِمْ وَ رُكَبِهِمْ وَ أَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ- يَطْلُبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ- وَ أَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ- قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ- يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى- وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ وَ يَقُولُ قَدْ خُولِطُوا- وَ لَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ- لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ- وَ لَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ- فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ- إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ- أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي وَ رَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي- اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ- وَ اجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ وَ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ فَمِنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينٍ- وَ حَزْماً فِي لِينٍ وَ إِيمَاناً فِي يَقِينٍ وَ حِرْصاً فِي عِلْمٍ- وَ عِلْماً فِي حِلْمٍ وَ قَصْداً فِي غِنًى وَ خُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ- وَ تَجَمُّلًا فِي فَاقَةٍ وَ صَبْراً فِي شِدَّةٍ وَ طَلَباً فِي حَلَالٍ- وَ نَشَاطاً فِي هُدًى وَ تَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ- يَعْمَلُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَ هُوَ عَلَى وَجَلٍ- يُمْسِي وَ هَمُّهُ الشُّكْرُ وَ يُصْبِحُ وَ هَمُّهُ الذِّكْرُ- يَبِيتُ حَذِراً وَ يُصْبِحُ فَرِحاً- حَذِراً لِمَا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ- وَ فَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَ الرَّحْمَةِ- إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ- لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا تُحِبُّ- قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لَا يَزُولُ وَ زَهَادَتُهُ فِيمَا لَا يَبْقَى- يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَ الْقَوْلَ بِالْعَمَلِ- تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلًا زَلَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ- قَانِعَةً نَفْسُهُ مَنْزُوراً أَكْلُهُ سَهْلًا أَمْرُهُ- حَرِيزاً دِينُهُ مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ مَكْظُوماً غَيْظُهُ- الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ- إِنْ كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ- وَ إِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ- يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَ يُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ- وَ يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ بَعِيداً فُحْشُهُ- لَيِّناً قَوْلُهُ غَائِباً مُنْكَرُهُ حَاضِراً مَعْرُوفُهُ- مُقْبِلًا خَيْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ- فِي الزَّلَازِلِ وَقُورٌ وَ فِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ- وَ فِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ- وَ لَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ- يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ- لَا يُضِيعُ مَا اسْتُحْفِظَ وَ لَا يَنْسَى مَا ذُكِّرَ- وَ لَا يُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ وَ لَا يُضَارُّ بِالْجَارِ- وَ لَا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ وَ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ- وَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ- إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ وَ إِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ- وَ إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ- نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ- أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِآخِرَتِهِ وَ أَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ- بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَ نَزَاهَةٌ- وَ دُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَ رَحْمَةٌ- لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَ عَظَمَةٍ وَ لَا دُنُوُّهُ بِمَكْرٍ وَ خَدِيعَةٍ- قَالَ فَصَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً كَانَتْ نَفْسُهُ فِيهَا- فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع‏

أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ- ثُمَّ قَالَ أَ هَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا- فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ فَمَا بَالُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- فَقَالَ ع وَيْحَكَ إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ وَقْتاً لَا يَعْدُوهُ- وَ سَبَباً لَا يَتَجَاوَزُهُ فَمَهْلًا لَا تَعُدْ لِمِثْلِهَا- فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ

المعنى

أقول: و من هاهنا اختلفت نسخ النهج فكثير منها تكون هذه الخطبة فيها أوّل المجلد الثاني منه بعد الخطبة المسمّاة بالقاصعة، و يكون عقيب كلامه للبرج بن مسهر الطائى قوله: و من خطبة له عليه السّلام الحمد للّه الّذى لا تدركه الشواهد و لا تحويه المشاهد، و كثير من النسخ تكون هذه الخطبة فيها متّصلة بكلامه عليه السّلام للبرج بن مسهر و يتأخّر تلك الخطبة فيكون بعد قوله: و من كلامه له عليه السّلام و هو يلي غسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يتّصل ذلك إلى تمام الخطبة المسمّاة بالقاصعة. ثمّ يليه قوله: باب المختار من كتب أمير المؤمنين و رسائله، و عليه جماعة الشارحين كالإمام قطب الدين أبى الحسن الكيدرىّ و الفاضل عبد الحميد بن أبى الحديد، و وافقتهم هذا الترتيب لغلبة الظنّ باعتمادهم على النسخ الصحيحة. فأمّا همام هذه فهو همام بن شريح بن يزيد بن مرّة بن عمرو بن جابر بن عوف الأصهب، و كان من شيعة على عليه السّلام، و أوليائه ناسكا عابدا، و تثاقله عليه السّلام عن جوابه لما رأى من استعداد نفسه لأثر الموعظة، و خوفه عليه أن يخرج به خوف اللّه إلى انزعاج نفسه و صعوقها. فأمره بتقوى اللّه: أى في نفسه أن يصيبها فادح بسبب سؤاله، و أحسن: أى أحسن إليها بترك تكليفها فوق طوقها، و لذلك قال عليه السّلام حين صعق همام: أما و اللّه لقد كنت أخافها عليه. فحيث لم يقنع همام إلّا بما سأل، و عزم عليه بذلك: أى ألحّ عليه في‏ السؤال و أقسم، أجابه.

فإن قلت: كيف جاز منه عليه السّلام أن يجيبه مع غلبة ظنّه بهلاكه و هو كالطبيب إنّما يعطى كلّا من المرضى بحسب احتمال طبيعته من الدواء.
قلت: إنّه لم يكن يغلب على ظنّه عليه السّلام إلّا الصعقة عن الوجد الشديد فأمّا أنّ تلك الصعقة فيها موته فلم يكن مظنونا له. و إنّما قدّم بيان كونه تعالى غنيّا عن الخلق في طاعتهم و آمنا منهم في معصيتهم لأنّه لمّا كانت أوامره تعالى بأسرها أو أكثرها يعود إلى الأمر بتقواه و طاعته و كان أشرف ما يتقرّب إليه البشر بالتقوى، و هو في معرض صفة المتّقين فرّبما خطر ببعض أوهام الجاهلين أنّ للّه تعالى في تقواه و طاعته منفعة، و له بمعصيته مضرّة فصدّره الخطبة بتنزيهه تعالى عن الانتفاع و التضرّر. و قد مرّ برهان ذلك غير مرّة. و قوله: فقسم. إلى قوله: مواضعهم. تقرير و تأكيد لكمال غناه عنهم لأنّه إذا كان وجوده هو مبدء خلقهم و قسمة معايشهم و وضعهم من الدنيا في مراتبهم و منازلهم من غنىّ و فقير و شريف و وضيع فهو الغنىّ المطلق عنهم، و إليه الإشارة بقوله تعالى «نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ»«» ثمّ أخذ في غرض الخطبة، و هو وصف المتّقين فوصفهم بالوصف المجمل.

فقال: فالمتّقون فيها هم أهل الفضايل: أى الّذين استجمعوا الفضايل المتعلّقة بإصلاح قوّتى العلم و العمل،
ثمّ شرع في تفصيل تلك الفضايل و نسقها:

فالاولى: الصواب في القول
و هو فضيلة العدل المتعلّقة باللسان، و حاصله أن لا يسكت عمّا ينبغي أن يقال فيكون مفرّطا، و لا يقول ما ينبغي أن يسكت عنه فيكون مفرطا بل يضع كلّا من الكلام في موضعه اللايق به، و هو أخصّ من الصدق لجواز أن يصدق الإنسان فيما لا ينبغي من القول.

الثانية: و ملبسهم الاقتصاد
و هو فضيلة العدل في الملبوس فلا يلبس ما يلحقه‏ بدرجة المترفين، و لا ما يلحقه بأهل الخسّة و الدناءة ممّا يخرج به عن عرف الزاهدين في الدنيا.

الثالثة: مشى التواضع
و التواضع ملكة تحت العفّة تعود إلى العدل بين رذيلتى المهانة و الكبر، و مشى التواضع مستلزم للسكون و الوقار عن تواضع نفسهم.

الرابعة: غضّ الأبصار عمّا حرّم اللّه
و هو ثمرة العفّة.

الخامسة: و قوفهم أسماعهم على سماع العلم النافع
و هو فضيلة العدل في قوّة السمع، و العلوم النافعة ما هو كمال القوّة النظريّة من العلم الإلهى و ما يناسبه، و ما هو كمال للقوّة العمليّة و هى الحكمة العمليّة كما سبق بيانها.

السادسة: نزول أنفسهم منهم في البلاء كنزولها في الرخاء
أى لا تقنط من بلاء ينزل بها و لا يبطر برخاء يصيبها بل مقامها في الحالين مقام الشكر. و الّذى صفة مصدر محذوف، و الضمير العايد إليه محذوف أيضا، و التقدير نزلت كالنزول الّذى نزلته في الرخاء، و يحتمل أن يكون المراد بالّذى الّذين محذف النون كما في قوله تعالى «كَالَّذِينَ مِنْ» و يكون المقصود تشبيههم حال نزول أنفسهم منهم في البلاء بالّذين نزلت أنفسهم منهم في الرخاء، و المعنى واحد.

السابعة: غلبة الشوق إلى ثواب اللّه و الخوف من عقابه على نفوسهم
إلى غاية أنّ أرواحهم لا تستقرّ في أجسادهم من ذلك لولا الآجال الّتي كتبت لهم، و هذا الشوق و الخوف إذا بلغ إلى حدّ الملكة فإنّه يستلزم دوام الجدّ في العمل و الإعراض عن الدنيا، و مبدءهما تصوّر عظمة الخالق، و بقدر ذلك يكون تصوّر عظمة وعده و وعيده، و بحسب قوّة ذلك التصوّر يكون قوّة الخوف و الرجاء، و هما بابان عظيمان للجنّة.

الثامنة: عظم الخالق في أنفسهم
و ذلك بحسب الجواذب الإلهيّة إلى الاستغراق في معرفته و محبّته، و بحسب تفاوت ذلك الاستغراق يكون تفاوت تصوّر العظمة، و بحسب تصوّر عظمته تعالى يكون تصوّرهم لأصغريّة ما دونه و نسبته إليه في أعين بصائرهم.

و قوله: فهم و الجنّة كمن رآها. إلى قوله: معذّبون. إشارة إلى أنّ العارف و إن كان في الدنيا بجسده فهو في مشاهدته بعين بصيرته لأحوال الجنّة و سعادتها و أحوال النار و شقاوتها كالّذين شاهدوا الجنّة بعين حسّهم و تنعّموا فيها، و كالّذين شاهدوا النار و عذّبوا فيها. و هى مرتبة عين اليقين. فحسب هذه المرتبة كانت شدّة شوقهم إلى الجنّة و شدّة خوفهم من النار.

التاسعة: حزن قلوبهم
و ذلك ثمرة خوف الغالب.

العاشرة: كونهم مأمونى الشرّ
و ذلك أنّ مبدء الشرور محبّة الدنيا و أباطيلها و العارفون بمعزل عن ذلك.

الحادية عشر: نحافة أجسادهم
و مبدء ذلك كثرة الصيام و السهر و جشوبة المطعم و خشونة الملبس و هجر الملاذّ الدنيويّة.

الثانية عشر: خفّة حاجتهم
و ذلك لاقتصارهم من حوائج الدنيا على القدر الضرورىّ من ملبس و مأكل، و لا أخفّ من هذه الحاجة.

الثالثة عشر: عفّة أنفسهم
و ملكة العفّة فضيلة القوّة الشهويّة، و هى الوسط بين رذيلتى خمود الشهوة و الفجور.

الرابعة عشر: الصبر على المكاره أيّام حياتهم من ترك الملاذّ الدنيويّه، و احتمال أذى الخلق، و قد عرفت أنّ الصبر مقاومة النفس الأمّارة بالسوء لئلّا ينقاد إلى قبائح اللذّات، و إنّما ذكر قصر مدّة الصبر و استعقابه للراحة الطويلة ترغيبا فيه، و تلك الراحة بالسعادة في الجنّة كما قال تعالى «وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً» الآية. و قوله: تجارة مربحة. استعار لفظ التجارة لأعمالهم الصالحة و امتثال أوامر اللّه، و وجه المشابهة كونهم متعوّضين بمتاع الدنيا و بحركاتهم في العبادة متاع الآخرة، و رشّح بلفظ الربح لأفضليّة متاع الآخرة و زيادته في النفاسة على ما تركوه، و ظاهر أنّ ذلك بتيسير اللّه لأسبابه و إعدادهم له بالجواذب الإلهيّة.

الخامسة عشر: عدم إرادتهم للدنيا مع إرادتها لهم
و هو إشارة إلى الزهد الحقيقىّ، و هو ملكة تحت العفّة، و كنّى بإرادتها عن كونهم أهلا لأن يكونوا فيها رؤساءاً و أشرافا كقضاة و وزراء و نحو ذلك، و كونها بمعرض أن تصل إليهم لو أرادوها، و يحتمل أن يريد أرادهم أهل الدنيا فحذف المضاف.

السادسة عشر: افتداء من أسرته لنفسه منها
و هو إشارة إلى من تركها و زهد فيها بعد الانهماك فيها و الاستمتاع بها ففكّ بذلك الترك و الإعراض و التمرّن على طاعة اللّه أغلال الهيئات الرديئة المكتسبة منها من عنقه، و لفظ الأسر استعارة في تمكّن تلك الهيئات من نفوسهم، و لفظ الفدية استعارة لتبديل ذلك الاستمتاع بها بالإعراض عنها و المواظبة على طاعة اللّه، و إنّما عطف بالواو في قوله: و لم يريدوها، و بالفاء في قوله: ففدوا. لأنّ زهد الإنسان في الدنيا كما يكون متأخّرا عن إقبالها عليه كذلك قد يكون متقدّما عليه لقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: و من جعل الآخرة أكبر همّه جمع اللّه عليه همّه و أتته الدنيا و هى راغمة. فلم يحسن العطف هنا بالفاء، و أمّا الفدية فلمّا لم يكن إلّا بعد الأسر لا جرم عطفها بالفاء.

السابعة عشر: كونهم صافيّن أقدامهم بالليل يتلون القرآن و يرتّلونه.
إلى قوله: آذانهم. و ذلك إشارة إلى تطويع نفوسهم الأمّارة بالسوء بالعبادات، و شرح لكيفيّة استثارتهم للقرآن العزيز في تلاوته و غاية ترتيلهم له بفهم مقاصده و تحزينهم لأنفسهم به عند ذكر الوعيدات من جملة استثارتهم لإدواء دائهم، و لمّا كان داؤهم هو الجهل و سائر رذائل العمليّة كان دواء الجهل بالعلم، و دواء كلّ رذيلة الحصول على الفضيلة المضادّة. فهم بتلاوة القرآن يستثيرون بالتحزين الخوف من وعيد اللّه المضادّ للانهماك في الدنيا، و دوائه العلم الّذى هو دواء الجهل، و كذلك كلّ فضيلة حثّ القرآن عليها فهى دواء لما يضادّها من الرذائل، و باقى الكلام شرح لكيفيّة التحزين و التشويق. و قوله: فهم حانون على أوساطهم. ذكر لكيفيّة ركوعهم.

و قوله: مفترشون لجباههم. إلى قوله: أقدامهم. إشارة إلى كيفيّة سجودهم، و ذكر الأعضاء السبعة. و قوله: يطّلبون. إلى قوله: رقابهم. إشارة إلى غايتهم من عبادتهم تلك.

الثامنة عشر:- من صفات النهار- كونهم حكماء
و أراد الحكمة الشرعيّة و ما فيها من كمال القوّة العلميّة و العمليّة لكونها المتعارفة بين الصحابة و التابعين، و روى: حلماء. و الحلم فضيلة تحت ملكة الشجاعة هى الوسط بين رذيلتى المهانة و الإفراط في الغضب، و إنّما خصّ الليل بالصلاة لكونها أولى بها من النهار كما سبق.

التاسعة عشر: كونهم علماء
و أراد كمال القوّة النظريّة بالعلم النظرىّ و هو معرفة الصانع و صفاته.

العشرون: كونهم أبرار
و البرّ يعود إلى العفيف لمقابلته الفاجر.

الحادية و العشرون: كونهم أتقياء
و المراد بالتقوى هاهنا الخوف من اللّه. و قد مرّ ذكر العفّة و الخوف، و إنّما كرّرها هنا في إعداد صفاتهم بالنهار و ذكرها هناك في صفاتهم المطلقة.
قوله: و قد براهم الخوف. إلى قوله: عظيم. شرح لفعل الخوف الغالب بهم، و إنّما يفعل الخوف ذلك لاشتغال النفس المدبّرة للبدن به عن النظر في صلاح البدن، و وقوف القوّة الشهويّة و الغاذيّة عن إدّاء بدل ما يتحلّل، و شبّه برى الخوف لهم ببرى القداح و وجه التشبيه شدّة النحافة، و يتبع ذلك تغيّر السحنات و الضعف عن الانفعالات النفسانيّة من الخوف و الحزن حتّى يحسبهم الناظر مرضى و إن لم يكن بهم مرض، و يقول قد خولطوا إشارة إلى ما يعرض لبعض العارفين عند اتّصال نفسه بالملأ الأعلى و اشتغالها عن تدبير البدن و ضبط حركاته من أن يتكلّم بكلام خارج عن المتعارف مستبشع بين أهل الشريعة الظاهرة فينسب ذلك منه إلى الاختلاط و الجنون و تارة إلى الكفر و الخروج عن الدين كما نقل عن الحسين بن منصور الحلّاج و غيره.
و قوله: و لقد خالطهم أمر عظيم. و هو اشتغال أسرارهم بملاحظة جلال اللّه و مطالعة أنوار الملأ الأعلى.

الثانية و العشرون: كونهم لا يرضون القليل.
إلى قوله: الكثير، و ذلك لتصوّرهم شرف غايتهم المقصودة بأعمالهم. و قوله: فهم لأنفسهم متّهمون. إلى قوله: ما لا يعلمون. فتهمتهم لأنفسهم و خوفهم من أعمالهم يعود إلى شكّهم فيما يحكم به أوهامهم من حسن عبادتهم، و كونها مقبولة أو واقعة على الوجه المطلوب الموصل إلى اللّه تعالى فإنّ هذا الوهم يكون مبدءا للعجب بالعبادة و التقاصر عن الازدياد من العمل.
و التشكّك في ذلك و تهمة النفس بانقيادها في ذلك الحكم للنفس الأمّارة يستلزم خوفها أن تكون تلك الأعمال قاصرة عن الوجه المطلوب و غير واقعة عليه فيكون باعثا على العمل و كاسرا للعجب به، و قد عرفت أن العجب من المهلكات كما قال عليه السّلام: ثلاث مهلكات: شحّ مطاع و هوى متّبع و إعجاب المرء بنفسه. و كذلك خوفهم من تزكية الناس لهم هو الدواء لما ينشأ عن تلك التزكية من الكبر و العجب بما يزكّون به. فيكون جواب أحدهم عند تزكيته: إنّى أعلم بنفسى من غيرى. إلى آخره.

ثمّ شرع بعد ذلك في علاماتهم الّتي بجملتها يعرف أحدهم.
و الصفات السابقة و إن كان كثير منها مما يخصّ أحدهم و يعرف به إلّا أنّ بعضها قد يدخله الرياء فلا يدخل على التقوى الحقّة فجمعها هاهنا و نسقها:

فالأولى: القوّة في الدين
و ذلك أن يقاوم في دينه الوسواس الخنّاس و لا يدخل فيه خداع الناس، و هذا إنّما يكون في دين العالم.

الثانية: الحزم في الأمور
الدنيويّة و التثبّت فيها ممزوجا باللين للخلق و عدم الفظاظة عليهم كما في المثل: لا تكن حلوا فتسترط و لا مرّا فتلفظ. و هى فضيلة العدل في المعاملة مع الخلق، و قد علمت أنّ اللين قد يكون للتواضع المطلوب بقوله‏ «وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»«» و قد يكون عن مهانة و ضعف يقين، و الأوّل هو المطلوب و هو المقارن للحزم في الدين و مصالح النفس، و الثاني رذيلة و لا يمكن معه الحزم لانفعال المهين عن كلّ جاذب.

الثالثة: الإيمان في اليقين
و لمّا كان الإيمان عبارة عن التصديق بالصانع و بما وردت به الشريعة، و كان ذلك التصديق قابلا للشدّة و الضعف، فتارة يكون عن التقليد و هو الاعتقاد المطابق لا لموجب، و تارة يكون عن العلم و هو الاعتقاد المطابق لموجب هو الدليل، و تارة عن العلم به مع العلم بأنّه لا يكون إلّا كذلك، و هو علم اليقين- و محقّقوا الساكين لا يقفون عند هذه المرتبة بل يطلبون اليقين بالمشاهدة بعد طرح حجب الدنيا و الإعراض عنها- أراد أنّ علمهم علم يقين لا يتطرّق إليه احتمال.

الرابعة:
الحرص في العلم و الازدياد منه.

الخامسة: مزج العلم و هو فضيلة القوّة الملكيّة بالحلم
و هو من فضايل القوّة السبعيّة.

السادسة: القصد في الغنى
و هو فضيلة العدل في استعمال متاع الدنيا و حذف الفضول عن قدر الضرورة.

السابعة: الخشوع في العبادة
و هو من ثمرة الفكر في جلال المعبود و ملاحظة عظمته الّذي هو روح العبادة.

الثامنة: التحمّل في الفاقه
و ذلك بترك الشكوى إلى الخلق و الطلب منهم، و إظهار الغنى عنهم. و ذلك ينشأ عن القناعة و الرضا بالقضاء و علوّا الهمّة، و يعين على ذلك ملاحظة الوعد الأجلّ و ما اعدّ للمتّقين.

التاسعة:
و كذلك الصبر في الشدّة.

العاشرة:
الطلب في الحلال، و ينشأ عن العفّة.

الحادية عشر: النشاط في الهدى
و سلوك سبيل اللّه. و ينشأ عن قوّة الاعتقاد فيما وعد المتّقون و تصوّر شرف الغاية.

الثانية عشر: عمل الصالحات على وجل
أى من أن يكون على غير الوجه اللايق فلا يقبل كما روى عن زين العابدين عليه السّلام أنّه كان في التلبية و هو على راحلته فخرّ مغشيّاً عليه فلمّا أفاق قيل له ذلك. فقال: خشيت أن يقول لي ربّى: لا لبّيك و لا سعديك.

الثالثة عشر: أن يكون همّهم عند المساء الشكر
على ما رزقوا بالنهار و ما لم يرزقوا، و يصبحوا و همّهم الذكر للّه ليذكرهم فيرزقهم من الكمالات النفسانيّة و البدنيّة كما قال تعالى «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ».

الرابعة عشر: أن يبيت حذرا و يصبح فرحا. إلى قوله: الرحمة
تفسير لمحذور و ما به الفرح، و ليس مقصوده تخصيص البيات بالحذر و الصباح بالفرح كما يقول أحدنا يمسى فلان و يصبح حذرا فرحا، و كذلك تخصيصه الشكر بالمساء و الذكر بالصباح يحتمل أن لا يكون مقصودا.

الخامسة عشر: قوله إن استصعبت. إلى قوله: تحبّ.
إشارة إلى مقاومته لنفسه الأمّارة بالسوء عند استصعابها عليه، و قهره لها على ما تكره و عدم مطاوعته لها في ميولها الطبيعيّة و محابّها.

السادسة عشر: أن يرى قرّة عينه فيما لا يزول
من الكمالات النفسانيّة الباقية كالعلم و الحكمة و مكارم الأخلاق المستلزمة للذّات الباقية و السعادة الدائمة، و قرّه عينه كناية عن لذّته و ابتهاجه لاستلزامها لقرار العين و بردها برؤية المطلوب، و زهادته فيما لا يبقى من متاع الدنيا.

السابعة عشر: أن يمزج بالحلم العلم
فلا يجهل و يطيش، و القول بالعمل فلا يقول ما لا يفعل فلا يأمر بمعروف و يقف دونه و لا ينهى عن منكر ثمّ يفعله، و لا يعد فيخلف فيدخل في مقت اللّه كما قال تعالى «كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ».

الثامنة عشر: قصر أمله و قربه
و ذلك لكثرة ذكر الموت و الوصول إلى اللّه.

التاسعة عشر: قلّة زلله
قد عرفت أنّ زلل العارفين يكون من باب ترك الأولى‏ لأنّ صدور الخيرات عنهم صادر ملكة و الجواذب فيهم إلى الزلل و الخطيئات نادرة تكون لضرورة منهم أو سهو، و لا شكّ في قلّته.

العشرون: خشوع قلبه
عن تصوّر عظمته المعبود و جلاله.

الحادية و العشرون: قناعة نفسه
و ينشأ عن ملاحظة حكمة اللّه في قدرته و قسمته الأرزاق، و يعين عليها تصوّر فوائدها الحاضرة و غايتها في الآخرة.

الثانية و العشرون: قلّة أكله
و ذلك لما يتصوّر في البطنة من ذهاب الفطنة و زوال الرقّة و حدوث القسوة و الكسل عن العمل.

الثالثة و العشرون: سهولة أمره
أى لا يتكلّف لأحد و لا يكلّف أحدا.

الرابعة و العشرون: حرز دينه
فلا يهمل منه شيئا و لا يطرق إليه خللا.

الخامسة و العشرون: موت شهوته
و لفظ الموت مستعار لخمود شهوته عمّا حرّم عليه. و يعود إلى العفّة.

السادسة و العشرون: كظم غيظه
و هو من فضائل القوّة الغضبيّة.

السابعة و العشرون: كونه مأمول الخير
و ذلك لأكثريّة خيريّته، مأمون الشرور و ذلك لعلم الخلق بعدم قصده للشرور.

الثامنة و العشرون: قوله: إن كان في الغافلين.
إلى قوله: الغافلين: أى إن رآه الناس في عداد الغافلين عن ذكر اللّه لتركه الذكر باللسان كتب عند اللّه من الذاكرين لاشتغال قلبه بالذكر و إن تركه بلسانه، و إن كان من الذاكرين بلسانه بينهم فظاهر أنّه لا يكتب من الغافلين. و لذكر اللّه ممادح كثيرة و هو باب عظيم من أبواب الجنّة و الاتّصال لجناب اللّه، و قد أشرنا إلى فضيلته و أسراره.

التاسعة و العشرون: عفوه عمّن ظلمه
و العفو فضيلة تحت الشجاعة، و خصّ من ظلمه ليتحقّق عفوه مع قوّة الداعى إلى الانتقام.

الثلاثون: و يعطى من حرمه
و هى فضيلة تحت السخاء.

الحادية و الثلاثون: و يصل من قطعه
و المواصلة فضيلة تحت العفّة.

الثانية و الثلاثون: بعد فحشه
و أراد ببعد الفحش عنه أنّه قلّما يخرج في‏ أقواله إلى ما لا ينبغي.

الثالثة و الثلاثون: ليّنة في القول
عند محاورة الناس و وعظهم و معاملتهم، و هو من أجزاء التواضع.

الرابعة و الثلاثون: غيبة منكره
و حضور معروفه، و ذلك للزومه حدود اللّه.

الخامسة و الثلاثون: إقبال خيره و إدبار شرّه
و هو كقوله: الخير منه مأمول و الشرّ منه مأمون، و يحتمل باقبال خيره أخذه في الازدياد من الطاعة و تشميره فيها، و بقدر ذلك يكون إدباره عن الشرّ لأنّ من استقبل أمرا و سعى فيه بعد عمّا يضادّه و أدبر عنه.

السادسة و الثلاثون: وقاره في الزلازل
و كنّى بها عن الامور العظام و الفتن الكبار المستلزمة لاضطراب القلوب و أحوال الناس. و الوقار ملكة تحت الشجاعة.

السابعة و الثلاثون: كثرة صبره في المكاره
و ذلك عن ثباته و علوّ همّته عن أحوال الدنيا.

الثامنة و الثلاثون: كثرة شكره في الرخاء
و ذلك لمحبّة المنعم الأوّل- جلّت قدرته- فيزداد شكره في رخائه و إن قلّ.

التاسعة و الثلاثون: كونه لا يحيف على من يبغض
و هو سلب للحيف و الظلم مع قيام الداعى إليهما و هو البغض لمن يتمكّن من حيفه و ظلمه.

الأربعون: كونه لا يأثم فيمن يحبّ
و هو سلب لرذيلة الفجور عنه باتّباع الهوى فيمن يحبّ إمّا بإعطائه ما لا يستحقّ أو دفع ما يستحقّ عليه عنه كما يفعله قضاة السوء و امراء الجور. فالمتّقى لا يأثم بشي‏ء من ذلك مع قيام الداعى إليه و هو المحبّة لمن يحبّه بل يكون على فضيلة العدل في الكلّ على السواء.

الحادية و الأربعون: اعترافه بالحقّ قبل أن يشهدوا عليه
و ذلك لتحرّزه في دينه من الكذب. إذ الشهادة إنّما يحتاج إليها مع إنكار الحقّ، و ذلك كذب.

الثانية و الأربعون: كونه لا يضيع أماناته و لا يفرط فيما استحفظه
اللّه من دينه و كتابه، و ذلك لورعه و لزوم حدود اللّه.

الثالثة و الأربعون: و لا ينسى ما ذكر
من آيات اللّه و عبره و أمثاله و لا يترك‏ العمل بها، و ذلك لمداومته ملاحظتها و كثرة إخطارها بباله و العمل بها لغايته المطلوبة منه.

الرابعة و الأربعون: و لا ينابز بالألقاب
و ذلك لملاحظته النهى في الذكر الحكيم «وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ»«» و لسرّ ذلك النهى و هو كون ذلك مستلزما لإثارة الفتن و التباغض بين الناس، و الفرقة المضادّة لمطلوب الشارع.

الخامسة و الأربعون: و لا يضارّ بالجار
لملاحظة وصيّة اللّه تعالى «وَ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ»«» و وصيّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في المرفوع إليه: أوصانى ربّى بالجار حتّى ظننت أنّه يورّثه، و لغاية ذلك و هى الالفة و الاتّحاد في الدين.

السادسة و الأربعون: و لا يشمت بالمصائب
و ذلك لعلمه بأسرار القدر، و ملاحظته لأسباب المصائب، و أنّه في معرض أن تصيبه فيتصوّر أمثالها في نفسه فلا يفرح بنزولها على غيره.

السابعة و الأربعون: أنّه لا يدخل الباطل و لا يخرج عن الحقّ
أى لا يدخل فيما يبعّد عن اللّه تعالى من باطل الدنيا و لا يخرج عمّا يقرّب إليه من مطالبه الحقّة، و ذلك لتصوّر شرف غايته.

الثامنة و الأربعون: كونه لا يغمّه صمته
لوضعه كلّا من الصمت و الكلام في موضعه، و إنّما يستلزم الغمّ الصمت عمّا ينبغي من القول و هو صمت في غير موضعه.

التاسعة و الأربعون: كونه لا يعلو ضحكه
و ذلك لغلبة ذكر الموت و ما بعده على قلبه، و ممّا نقل من صفات الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم: كان أكثر ضحكه التبسّم، و قد يفتر أحيانا، و لم يكن من أهل القهقهة و الكركرة. و هما كيفيّتان للضحك.

الخمسون: صبره في البغى عليه إلى غاية انتقام اللّه له
و ذلك منه نظرا إلى ثمرة الصبر و إلى الوعد الكريم ذلك «ذلِكَ وَ مَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ»«» الآية و قوله «وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ».

الحادية و الخمسون: كون نفسه منه في عناء
أى نفسه الأمّارة بالسوء لمقاومته‏ لها و قهرها و مراقبته إيّاها، و الناس من أذاه في راحة لذلك.

الثانية و الخمسون: كون بعده عمّن تباعد عنه لزهده
فيما في أيدى الناس و نزاهته عنه لا عن كبر و تعظيم عليهم، و كذلك دنوّه ممن دنا منه عن لين و رحمة منه لهم لا بمكر بهم و خديعة لهم عن بعض المطالب كما هو عادة الخبيث المكّار.

و هذه الصفات و العلامات قد يتداخل بعضها بعضا، و لكن تورد بعبارة أخرى أو يذكر مفردة ثمّ يذكر ثانيا مركّبة مع غيرها. و بالجملة فهذه الخطبة من جليل و بليغ وصفه و لذلك فعلت بهمّام ما فعلت. فأمّا جوابه عليه السّلام لمن سأله بقوله: ويحك إنّ لكلّ أجل وقتا لا يعدوه: أى ينتهى إليه و يكون غاية له لا يتجاوزها و لا يتأخّر عنها، و الضمير في يعدوه للأجل. و سببا لا يتجاوزه: أى و لذلك الأجل سبب: أى علّة فاعلة لا يتعدّاها إلى غيرها من الأسباب فمنها ما يكون موعظة بالغة كهذه. فهو جواب مقنع للسامع مع أنّه حقّ و صدق، و هو إشارة إلى السبب الأبعد لبقائه عليه السّلام عند سماع المواعظ البالغة و هو الأجل المحكوم به للقضاء الإلهىّ، و أمّا السبب القريب للفرق بينه و بين همّام و نحوه فقوّة نفسه القدسيّة على قبول الواردات الإلهيّة و تعوّده بها و بلوغ رياضته حدّ السكينة عند ورود أكثرها و ضعف نفس همّام عمّا ورد عليه من خوف اللّه و رجائه. و لم يجب عليه السّلام بمثل هذا الجواب لاستلزامه تفضيل نفسه، أو لقصور فهم السائل. و نهيه له عن مثل هذا السؤال و التنفير عنه كونه من نفثات الشيطان لوضعه في غير موضعه و هو من آثار الشيطان. و باللّه العصمة و التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 410

 

خطبه 183 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام

قاله للبرج بن مسهر الطائى، و قد قال له بحيث يسمعه: «لا حكم إلا للّه»، و كان من الخوارج

اسْكُتْ قَبَحَكَ اللَّهُ يَا أَثْرَمُ- فَوَاللَّهِ لَقَدْ ظَهَرَ الْحَقُّ فَكُنْتَ فِيهِ ضَئِيلًا شَخْصُكَ- خَفِيّاً صَوْتُكَ حَتَّى إِذَا نَعَرَ الْبَاطِلُ نَجَمْتَ نُجُومَ قَرْنِ الْمَاعِزِ

 

اللغة

أقول: هو البرج بالباء المضمومة و الجيم.

و قبّحه اللّه: نحّاه عن الخير.

و أثرم: ساقط الثنية.

و الضئيل: الصغير الحقير النحيف.

و نعر: صاح.

و نجم: طلع.

المعنى

و كان البرج شاعرا مشهورا من شعراء الخوارج نادى بشعارهم بحيث يسمعه عليه السّلام فزجره و قبّحه و دعاه بآفته إهانة له و انتقاصا كما هو العادة في إهانة ذوى العاهات بذكر آفاتهم، و كنّى بضئولة شخصه عند ظهور الحقّ عن حقارته في زمن العدل بين الجماعة و خمول ذكره- و ظهور الحقّ زمان قوّة الإسلام و قبل ظهور الفتن و قوّة الباطل- ، و بخفاء صوته عن عدم الالتفات إلى أقواله و حقارته، و استعار لفظ النعير لظهور الباطل ملاحظة لشبهه في قوّته و ظهوره بالرجل الصائل الصائح بكلامه عن جرأة و شجاعة، و شبّه ظهوره بين الناس و ارتفاع ذكره عند ظهور الباطل و قوّته بظهور قرن الماعز في السرعة بغتة: أى طلعت بلا شرف و لا شجاعة و لا قدم بل على غفلة كنبات قرن الماعز و من البلاغة تشبيه من يراد إهانته بالمهين الحقير و تشبيه من يراد تعظيمه بالعظيم الخطير، و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 409

 

خطبه 182 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

القسم الأول

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ- وَ الْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ مَنْصَبَةٍ خَلَقَ الْخَلَائِقَ‏ بِقُدْرَتِهِ- وَ اسْتَعْبَدَ الْأَرْبَابَ بِعِزَّتِهِ وَ سَادَ الْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ- وَ هُوَ الَّذِي أَسْكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ- وَ بَعَثَ إِلَى الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ رُسُلَهُ- لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا وَ لِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا- وَ لِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا وَ لِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وَ أَسْقَامِهَا- وَ لَيُبْصَرُوهُمْ عُيُوبَهَا و حَلَالِهَا وَ حَرَامِهَا- وَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ وَ الْعُصَاةِ- مِنْ جَنَّةٍ وَ نَارٍ وَ كَرَامَةٍ وَ هَوَانٍ- أَحْمَدُهُ إِلَى نَفْسِهِ كَمَا اسْتَحْمَدَ إِلَى خَلْقِهِ- وَ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً وَ لِكُلِّ قَدْرٍ أَجَلًا وَ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاباً

اللغة

أقول: المنصبة: التعب.

المعنى

 
و حمد اللّه باعتبار كونه معروفا بآيات آثاره عند العقول المعرفة المنزّهة عن إدراك البصر المختصّ بالأجسام و لواحقها. ثمّ باعتبار كونه خالقا و موجدا الايجاد المنزّه عن المتاعب لاستلزامها الآلات المستلزمة للجسميّة الّتي من شأنها الضعف و النهاية في القوّة. ثمّ نبّه على استناد الخلايق و النعم المفاضة إلى قدرته ليعتبر السامعون نسبتهم إليه، و باعتبار استعباده الأرباب على كمال عزّه المطلق الواجبىّ المستلزم لخضوع كلّ موجود في ذلّ الإمكان و الحاجة إليه، و بسيادته للعظماء على كمال عظمة وجوده الواجبىّ المطلق المستلزم لفقر كلّ إليه و تعبّده له، ثمّ بنسبة إسكانهم الدنيا و بعثه رسله إلى الجنّ و الإنس منهم كما قال «يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي»«» الآية على كمال لطفه بخلقه و حكمته في إيجادهم في الدنيا. و غاية ذلك أن يكشفوا لهم ما يغطّى بحجب الدنيا عن أعين بصائرهم من أحوال الآخرة الّتي خلقوا لها، و أن يجذبوهم بالتحذير من‏ ضرّ الدنيا و عواقبها و ضرب الأمثال بنسبتها كما في القرآن الكريم «إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ» الآية و أمثالها، و أن يبصروهم عيوبها، و أن يهجموا عليهم بما في تصاريفها من العبرة و هي الصحّة و السقم و ما أحلّ و حرّم على طريق الابتلاء به. و حلالها عطف على تصرّف، و يحتمل أن يكون عطفا على أسقامها باعتبار أنّ الحلال و الحرام من تصاريف الدنيا، و بيانه أنّ كثيرا من المحرّمات لنبىّ كانت حلالا لنبىّ قبله، و بالعكس و ذلك تابع لمصالح الخلق بمقتضى تصاريف أوقاتهم و أحوالهم الّتي هي تصاريف الدنيا. و قوله: و ما أعدّ اللّه. إمّا عطف على معتبر أو على عيوبها: أى و يبصرونهم ما أعدّ اللّه للمطيعين و العصاة. إلى آخره. و قوله: أحمده إلى نفسه كما استحمد إلى خلقه. أى أحمده حمدا يكون في الكيفيّة و الكميّة على الوجه الّذي طلب الحمد لنفسه من خلقه. و قوله: جعل لكلّ شي‏ء قدرا. كقوله تعالى «قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً»«» أى مقدارا من الكيفيّة و الكميّة ينتهى إليه و حدّا يقف عنده، و لكلّ قدر أجلا: أى و لكلّ مقدار وقت يكون، انقضاؤه فيه و فناؤه و لكلّ أجل كتابا و أراد بالكتاب العلم الإلهى المعبّر عنه بالكتاب المبين و اللوح المحفوظ المحيط بكلّ شي‏ء و فيه رقم كلّ شي‏ء. و باللّه التوفيق.

القسم الثاني منها في ذكر القرآن

فَالْقُرْآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ- حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ أَخَذَ عَلَيْهِ مِيثَاقَهُمْ- وَ ارْتَهَنَ عَلَيْهِمْ أَنْفُسَهُمْ أَتَمَّ نُورَهُ- وَ أَكْمَلَ بِهِ دِينَهُ وَ قَبَضَ نَبِيَّهُ ص- وَ قَدْ فَرَغَ إِلَى الْخَلْقِ مِنْ أَحْكَامِ‏ الْهُدَى بِهِ- فَعَظِّمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَظَّمَ مِنْ نَفْسِهِ- فَإِنَّهُ لَمْ يُخْفِ عَنْكُمْ شَيْئاً مِنْ دِينِهِ- وَ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً رَضِيَهُ أَوْ كَرِهَهُ إِلَّا وَ جَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِياً- وَ آيَةً مُحْكَمَةً تَزْجُرُ عَنْهُ أَوْ تَدْعُو إِلَيْهِ- فَرِضَاهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ وَ سَخَطُهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرْضَى عَنْكُمْ بِشَيْ‏ءٍ سَخِطَهُ- عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ- وَ لَنْ يَسْخَطَ عَلَيْكُمْ بِشَيْ‏ءٍ رَضِيَهُ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ- وَ إِنَّمَا تَسِيرُونَ فِي أَثَرٍ بَيِّنٍ- وَ تَتَكَلَّمُونَ بِرَجْعِ قَوْلٍ قَدْ قَالَهُ الرِّجَالُ مِنْ قَبْلِكُمْ- قَدْ كَفَاكُمْ مَئُونَةَ دُنْيَاكُمْ وَ حَثَّكُمْ عَلَى الشُّكْرِ- وَ افْتَرَضَ مِنْ أَلْسِنَتِكُمُ الذِّكْرَ وَ أَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوَى- وَ جَعَلَهَا مُنْتَهَى رِضَاهُ وَ حَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِعَيْنِهِ وَ نَوَاصِيكُمْ بِيَدِهِ- وَ تَقَلُّبُكُمْ فِي قَبْضَتِهِ- إِنْ أَسْرَرْتُمْ عَلِمَهُ وَ إِنْ أَعْلَنْتُمْ كَتَبَهُ- قَدْ وَكَّلَ بِذَلِكَ حَفَظَةً كِرَاماً لَا يُسْقِطُونَ حَقّاً وَ لَا يُثْبِتُونَ بَاطِلًا- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ الْفِتَنِ- وَ نُوراً مِنَ الظُّلَمِ وَ يُخَلِّدْهُ فِيمَا اشْتَهَتْ نَفْسُهُ- وَ يُنْزِلْهُ مَنْزِلَ الْكَرَامَةِ عِنْدَهُ فِي دَارٍ اصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ- ظِلُّهَا عَرْشُهُ وَ نُورُهَا بَهْجَتُهُ- وَ زُوَّارُهَا مَلَائِكَتُهُ وَ رُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ- فَبَادِرُوا الْمَعَادَ وَ سَابِقُوا الْآجَالَ- فَإِنَّ النَّاسَ يُوشِكُ أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ الْأَمَلُ وَ يَرْهَقَهُمُ الْأَجَلُ- وَ يُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ التَّوْبَةِ- فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَيْهِ الرَّجْعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ- وَ أَنْتُمْ‏ بَنُو سَبِيلٍ عَلَى سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ- وَ قَدْ أُوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالِارْتِحَالِ وَ أُمِرْتُمْ فِيهَا بِالزَّادِ وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا الْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ- فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ- فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا- أَ فَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ- وَ الْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ وَ الرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ- فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ- ضَجِيعَ حَجَرٍ وَ قَرِينَ شَيْطَانٍ- أَ عَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ- حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ- وَ إِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ- أَيُّهَا الْيَفَنُ الْكَبِيرُ الَّذِي قَدْ لَهَزَهُ الْقَتِيرُ- كَيْفَ أَنْتَ إِذَا الْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ النَّارِ بِعِظَامِ الْأَعْنَاقِ- وَ نَشِبَتِ الْجَوَامِعُ حَتَّى أَكَلَتْ لُحُومَ السَّوَاعِدِ- فَاللَّهَ اللَّهَ مَعْشَرَ الْعِبَادِ- وَ أَنْتُمْ سَالِمُونَ فِي الصِّحَّةِ قَبْلَ السُّقْمِ- وَ فِي الْفُسْحَةِ قَبْلَ الضِّيقِ- فَاسْعَوْا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا- أَسْهِرُوا عُيُونَكُمْ وَ أَضْمِرُوا بُطُونَكُمْ- وَ اسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ وَ أَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ- وَ خُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ فَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ- وَ لَا تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ- إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ- وَ قَالَ تَعَالَى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً- فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ- فَلَمْ يَسْتَنْصِرْكُمْ‏ مِنْ ذُلٍّ- وَ لَمْ يَسْتَقْرِضْكُمْ مِنْ قُلٍّ- اسْتَنْصَرَكُمْ وَ لَهُ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ- وَ اسْتَقْرَضَكُمْ وَ لَهُ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ- وَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ- وَ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا- فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ جِيرَانِ اللَّهِ فِي دَارِهِ- رَافَقَ بِهِمْ رُسُلَهُ وَ أَزَارَهُمْ مَلَائِكَتَهُ- وَ أَكْرَمَ أَسْمَاعَهُمْ أَنْ تَسْمَعَ حَسِيسَ نَارٍ أَبَداً- وَ صَانَ أَجْسَادَهُمْ أَنْ تَلْقَى لُغُوباً وَ نَصَباً- ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ- أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلَى نَفْسِي وَ أَنْفُسِكُمْ- وَ هُوَ حَسْبُنَا وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ

اللغة

أقول: اليفن. الشيخ الكبير.

و القتير: الشيب.

و لهزه: خالطة.

و الجوامع: جمع جامعة و هي الغلّ لجمعها الأيدى إلى الأعناق.

و اللغوب: التعب.

المعنى

و قد وصف القرآن الكريم بالأضداد المتعادية لاختلاف الاعتبارات: فالآمر مع الزاجر. و إطلاقهما عليه مجاز من باب إطلاق اسم السبب على المسبّب. إذ الآمر و الناهى هو اللّه تعالى، و الصامت مع الناطق. و إطلاق لفظ الناطق عليه مجاز. إذ الناطق هو المتكلّم به من باب إطلاق اسم المتعلّق على المتعلّق، و كونه حجّة اللّه على خلقه لاشتماله على وعدهم و وعيدهم، و بيان غاية وجودهم و المطلوب منهم و الإعذار إليهم «أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين» و لأنّه خلاصة ما بعث به الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قد بعث رسله مبشّرين و منذرين لئلّا يكون للناس على اللّه حجّة بعد الرسل، و لأنّه أقوى المعجزات الّتي احتجّ بها الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم على الخلق في صدقه. و قوله: أخذ عليهم ميثاقه.

الضمير في أخذ للّه و في ميثاقه للكتاب، و ذلك الأخذ هو خلقهم و بعثهم إلى الوجود إلى أن يعملوا بما اشتمل عليه الكتاب من مطالب اللّه الحقّة، و هو ما أشار إليه القرآن الكريم «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» الآية، و التقدير أخذ عليهم ميثاق بما فيه. و قوله: وارتهن عليه أنفسهم. أى جعل أنفسهم رهنا على العمل بما فيه و الوفاء به «فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى‏ نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفى‏ بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً»و أتمّ به نوره: أى نور هدايته للخلق، و النور المتمّم هو نور النبوّة و هو المشار إليه بقوله تعالى «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ» و إطفاؤه بما كانوا يقولونه من كونه صلّى اللّه عليه و آله و سلم معلّم مجنون و ساحر كذّاب، و كون القرآن أساطير الأوّلين اكتتبها. و كذلك أكرم به دينه. و قوله: و قبض نبيّه. إلى قوله: به. كقوله تعالى «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» الآية، و أحكام الهدى بيان طرقه و كيفيّة سلوكها و تثبيتها في قلوب المؤمنين. ثمّ أمر بتعظيم اللّه سبحانه و تعالى.

يقال: عظّمت من فلان. كما يقال: عظّمته، و ما هنا مصدريّة: أى عظّموه كتعظيمه نفسه: أى اطلبوا المناسبة في تعظيمكم له كتعظيمه نفسه. ثمّ أشار إلى وجه وجوب تعظيمنا له و هو قوله: لم يخف عنكم شيئا من دينه بل كشفه لنا و بيّنه بأجمعه بقدر الإمكان، و لم يترك شيئا من مراضيه و مكارهه إلّا نصب عليه علما ظاهرا أو آية واضحة من كتابه يشتمل على أمر بما يرضيه أو زجر عمّا يكرهه. و قوله: فرضاه فيما بقى واحد و سخطه فيما بقى واحد. إشارة إلى أنّ المرضىّ له من الأحكام أو المسخوط فيما مضى هو المرضىّ أو المسخوط فيما بقى من الأوقات و استقبل من الزمان، و حكمه في كونه مرضيّا أو مسخوطا واحد في جميع الأوقات لا يتغيّر و لا ينقض، و فيه إيماء إلى أنّ رفع شي‏ء من الأحكام السابقة بالقياس و الرأى لا يجوز كما سبق بيان مذهبه عليه السّلام في ذلك. و قوله: أنّه لن يرضى عنكم بشي‏ء سخطه على من كان قبلكم. إلى قوله: قبلكم. تأكيد و تقرير لما سبق: أى أنّ ما سخطه و نهى عنه الصحابة مثلا فلن يرضى عنكم بفعله فليس لكم أن تجوّزوه و تحلّوه باجتهاد، و كذلك ما رضيه لهم و أمرهم به فلن يسخط عليكم بفعله حتّى تحرّموه باجتهاد منكم. و يحتمل أن يريد بقوله: فرضاه فيما بقى واحد و سخطه فيما بقى واحد: أى فيما بقى من الأحكام الجزئيّة الّتي لم يدلّ النصّ عليها بالمطابقة بل يحتاج إلى اجتهاد في إلحاقها بالمنصوص و إدراجها تحت النصوص. و معنى وحدة رضاه و سخطه فيها أنّ الحكم المطلوب أو المكروه فيها واحد لا يجوز الاختلاف فيه حتّى يحكم أحد المجتهدين في الشي‏ء الواحد بالحلّ و يحكم الآخر فيه بالحرمة، و يختلف الفتاوى في تلك القضيّة.

لأنّها إمّا مسخوطة أو مرضىّ. و يكون ذلك نهيا منه عليه السّلام عن الاختلاف في الفتيا كما علمت ذمّه لذلك فيما سبق من الفصول، و يكون قوله: و اعلموا أنّه لن يرضى عنكم. إلى قوله: قبلكم. في معنى النهى عن رفع الأحكام الشرعيّة بالاجتهاد و القياس كما قرّرناه، و قيل: معناه النهى عن الاختلاف في الفتيا أيضا: أى أنّه لن يرضى عنكم بالاختلاف الّذي سخطه ممّن كان قبلكم كما أشار إليه تعالى بقوله «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ‏ءٍ» و كذلك ليس يسخط عليكم بالإتّفاق و الاجتماع المرضىّ ممّن كان قبلكم، و قيل: بل المراد أنّه لم يرض عنكم بشى‏ء سخطه ممّن كان قبلكم من الاعتقادات الباطلة في المسائل الإلهيّة، و لم يسخط عليكم بشى‏ء رضيه ممّن كان قبلكم من الاعتقادات الحقّة فيها، و يكون ذلك مختصّا بالاصول دون الفروع. و قوله: و إنّما تسيرون في أثر بيّن. إلى قوله: قبلكم. إشارة إلى أنّ الأدلّة لكم واضحة قد تداولها الأوّلون قبلكم. فأنتم المتكلّمون‏ بها و تردّدونها رجع القول المردّد منهم. و قوله: قد كفاكم مئونة دنياكم. كقوله تعالى «وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ»«» و تلك الكفاية إمّا بخلقها و إيجادها، و إمّا برزقه بكلّ ما كتب له في اللوح المحفوظ. و حثّه على الشكر في تكرار أوامره به‏. و نقل عن الحسن البصرىّ أنّه قال: إنّ اللّه كفانا مئونة دنيانا و حثّنا على القيام بوظائف ديننا فليته كفانا مئونة ديننا و حثّنا على القيام بوظائف دنيانا، و هو إشارة منه إلى شدّة التحفّظ في الدين و الاحتراز عليه. و قوله: و افترض من ألسنتكم الذكر.

لمّا كان لكلّ من الجوارح عبادة كانت العبادة المفروضة باعتبار اللسان الذكر، و قد علمت أنّه باب عظيم من أبواب السلوك إلى اللّه بل هو روح العبادات كلّها.
إذ كلّ عبادة لم يشفع بالذكر فهي خداج. ثمّ نبّه على التقوى بوصيّة اللّه تعالى فيها، ثمّ بكونها منتهى رضاه و حاجته من خلقه، و لفظ الحاجة مستعار. إذ تنزّه قدسه تعالى عنها، و وجه مشابهته للمحتاج هو الحثّ و الطلب المتكرّر منه حتّى كأنّه محتاج إلى عبادة العباد و تقويهم، و لمّا استلزمت التقوى الحقيقيّة الوصول إلى اللّه لا جرم كانت منتهى رضاه من خلقه. ثمّ أمرهم بها بعد التنبيه عليها. و نبّه على الوجوه الّتي لأجلها تحصل تقوى اللّه و خشيته و هي كونهم بعينه: أى بحيث يعلم ما يعملون، و لفظ العين مجاز في العلم إطلاقا لاسم السبب على المسبّب لاستلزامها إيّاه، و كون نواصيهم بيده: أى في قدرته. و إنّما خصّ الناصية إشارة إلى أنّ أعظم جوارح الإنسان و أشرف ما فيه مملوك. و اليد مجاز في القدرة إطلاقا لاسم السبب القابلىّ على المسبّب، و كذلك كون تقلّبهم في قبضته: أى تصرّفهم في حركاتهم و سكناتهم بحسب تصريف قدرته و حكمه لا خروج عنه في شي‏ء. و قوله: إن أسررتم. كقوله تعالى «يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ».

و قوله: إن أعلنتم كتبه. إلى قوله: باطلا. قد سبقت الإشارة إلى الكتبة غير مرّة. ثمّ أكّد القول في التقوى بقوله: و اعلموا. إلى قوله: من الفتن. و هو لفظ القرآن.

و قوله: من الفتن. تفسير لقوله: مخرجا. و نورا من الظلم. أى من ظلم الجهل بأنوار العلوم الحاصلة عن الاستعداد بالتقوى. و قوله: و يخلده فيما اشتهت نفسه. كقوله تعالى «لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَ هُمْ فِي مَا»«»، و منزل الكرامة هو المنزل المبارك المأمور بطلبه في قوله تعالى «وَ قُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ»«» و الدار الّتي اصطنعها لنفسه كناية عن الجنّة، و نسبها إلى نفسه تعظيما لها و ترغيبا فيها. و ظاهر حسن تلك النسبة فإنّ الجنّة المحسوسة أشرف دار رتّبت لأشرف المخلوقات. و أمّا المعقولة فيعود إلى درجات الوصول و الاستغراق في المعارف الإلهيّة الّتي بها السعادة و البهجة و اللذّة التامّة و هي جامع الاعتبار العقلىّ لمنازل أولياء اللّه و خاصّته و مقامات ملائكته و رسله. و من المتعارف أنّ الملك العظيم إذا صرف عنايته إلى بناء دار يسكنها هو و خاصّته أن يقال إنّها تخصّ بالملك و أنّه بناها. و ظاهر الكلام يدلّ على أنّها في السماوات و أنّ العرش عليها، و في هذه الكلمة لطيفة و ذلك أنّك علمت أنّ العرش يطلق و يراد به الفلك التاسع، و يطلق و يراد به العقل الأوّل باعتبار إحاطة علمه بجميع الموجودات و باعتبار حمله لمعرفة صانعه الأوّل- جلّت عظمته- ، و يطلق و يراد به سلطانه و عظمته. و استعار لفظ الظلّ للعرش بالمعنى الأوّل باعتبار أنّ حركة الفلك من الأسباب المعدّة لوصول النفوس البشريّة و الفلكيّة إلى كمالها بالمعارف الإلهيّة الّتي بها الراحة الكبرى من حرارة نار الجهل كما أنّ بالظلّ يكون الراحة من حرارة الشمس.
و بالمعنى الثاني أيضا هو أنّ المعارف الإلهيّة المفاضة على أسرار المستعدّين من‏ قبل ذلك الملك المقدّس يكون بها الراحة الكبرى كما تكون بالظلّ أيضا. و بالمعنى الثالث أنّ سلطانه تعالى و علوّه هو المستولى على كلّ سلطان و العالى عليه العلوّ المطلق. و إذ هو مبدء راحة جميع النفوس بجميع كمالاتها العقليّة فهو ظلّها الّذي إليه يلجأ. و إطلاق لفظ الظلّ على النعمة و السلطان في العرف ظاهر يقال: أنا في ظلّ فلان و في ظلّ الملك و عدله إذا كان في نعمة منه و عنايته. و قوله: و نورها بهجته. فبهجته تعالى تعود إلى بهائه و كماله المشرق في أقطار العالمين على أسرار النفوس. و ظاهر كونه نور الجنّة الّذي تعشى فيه أبصار البصائر، و يستغرق في الابتهاج به الملائكة المقرّبون. و قوله: و زوّارها ملائكته و رفقاؤها رسله. فيه لطيفة: و ذلك أنّه لمّا كانت النفوس البشريّة متّحدة كانت متقاربة المنازل في الكمال، و ممكن لها ذلك. فعبّر عن الرسل بالرفقاء في الجنّة لسكّانها. و لمّا خالفت أنواع الملائكة السماويّة و المجرّدين عن علايق الأجسام في الحقائق و تفاوتت في الكمالات لا جرم خصّص الملائكة بكونهم زوّارها: أى زوّار ساكنيها.

إذ كان الرفيق ألصق و أقرب من الزائر. و عبّر بتلك الزيارة عن حضور الملأ الأعلى عند النفوس الكاملة عند [حين خ‏] انقطاعها عن العلايق الحسيّة و التفاتها عنها. و لمّا كان ذلك الحضور غير دايم بل بحسب فلتات النفس أشبه الزيارة فاستعير له لفظها. و إنّما كان الملك هو الزائر دون النفس لأنّ صورته و مثاله هو الواصل إلى النفس عند استعدادها لتصوّره من فيض واهب الصور. ثمّ عاد إلى التذكير بأمر المعاد فأمر بمبادرته إلى المعالجة إلى ما يصلحه و يخلص من أهواله من سائر القربات إلى اللّه. و كذلك مسابقة الآجال. و قوله: فإنّ الناس يوشك أن ينقطع بهم الأمل. أى أمل الدنيا و البقاء فيها. و لأجل ذلك الانقطاع و قربه يجب أن يلتفت إلى صلاح المعاد. و يرهقهم الأجل: أى يلحقهم. فلأجل ذلك اللحوق يجب أن يسارع إلى العمل لما يبقى. و يسدّ عنهم باب التوبة بإدراك الأجل فيجب مبادرتها. و قوله: فقد أصبحتم. إلى قوله: قبلكم. أى أصبحتم في حال الحياة و الصحّة و الأمن و ساير الأسباب الّتي يتمنّى من كان قبلكم الرجعة إليها، و يمكنكم معها العمل. و قوله: و أنتم بنو سبيل. إلى قوله: بالزاد. فالواو في أنتم للحال، و استعار لهم وصف بنو السبيل لكونهم في هذه الدار بالعرض تقصد بهم العناية الإلهيّة غاية اخرى، و تحثّهم بالشريعة على الرحيل عن الدنيا فهم فيها كالمسافرين. فأبواب مدينتهم جود اللّه. و أقرب الأبواب إلى الدنيا الأرحام الّتي منها يخرجون إليها. و أبواب الخروج منها هي الموت. و لفظ السفر مستعار مشهور يقرب من الحقيقة. و ظاهر أنّ دارا لا يبقى الإنسان فيها بل تكون مرافق لطريق دار اخرى ليست بدار للسالك إلى تلك الدار، و نبّه على إيذانهم فيها بالرحيل منها تنفيرا عن الركون إليها و اتّخاذها وطنا، و على أمرهم باتّخاذ الزاد فيها تنبيها على أنّ هناك غاية لها يجب أن يستعدّ للسلوك إليها فيها.

و لفظ الزاد مستعار لتقوى اللّه و طاعته الّتي هي زاد النفوس إلى حضرة ربّ العالمين. و قوله: و اعلموا. إلى قوله: نفوسكم. تذكير بالوعيد على المعاصى، و أمر لهم برحمة نفوسهم. و ذلك بالأعمال الصالحة و اتّباع أوامر اللّه. و قوله: فإنّكم قد جرّبتموها. إلى قوله: شيطان. في قوّة احتجاج على وجوب تلك الرحمة. و تلخيصه أنّكم جرّبتم أنفسكم في هذه الأمور الحقيرة فجزعتم، و كلّ من جزع من أمثال هذه فبالأولى أن يجزع من كونه بين طابقين من نار ضجيع حجر و قرين شيطان، و قد علمت فيما سلف أنّ للنار سبع طبقات و هي دركاتها، و ضجيع حجر من قوله تعالى «وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ»، و قرين شيطان من قوله «فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ» و هم الشياطين، و قوله «وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ»«» إلى قوله «وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ»«». و قوله: أعلمتم أنّ مالكا. إلى قوله: زجرته. من صفات النار المحسوسة ذكرها للتخويف و التحذير. و قوله: أيّها اليفن الكبير. إلى قوله: السواعد. خطاب للشيخ الكبير لأنّه أولى بالإقلاع عن المعصية لقربه من الآخرة. و سؤاله عن حاله سؤاله تقريع و توبيخ على المعصية. و أطواق النار المحسوسة ظاهرة، و أطواقها المعقولة تمكّن الهيئات البدنيّة من أعناق النفوس، و أغلالها من سواعدها. ثمّ أخذ في التحذير من اللّه لغاية العمل بما يرضيه حال الصحّة و الفسحة قبل لحوق ضدّيهما. ثمّ في الأمر بالسعى لغاية فكاك رقابهم من النار. قبل أن تغلق رهائنها بآثامها. و قد علمت وجه الاستعارة هنا للرهن. ثمّ في الأمر بالسهر، و كنّى به عن قطع الليل بالعبادة كقوله تعالى «وَ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَ سَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا»«» و إنّما خصّ الليل لأنّه مظنّة الخلوة باللّه و الفراغ من الناس، و لأنّ النهار محلّ عبادة اخرى كالجهاد و الكدح للعيال. ثم بتضمير البطون، و كنّى به عن صيام النهار. ثمّ باستعمال أقدامهم، و كنّى به عن القيام في الصلاة. ثمّ بإنفاق أموالهم، و كنّى به عن الصدقات و الزكوات في سبيل اللّه. ثمّ بالأخذ من أجسادهم، و كنّى به عن إذابتها بالصيام و القيام للصلوات و إيثار القشف المستلزم للإعراض عن تربيته هذه الأجساد لاستلزام ذلك حبّ الدنيا و الإقبال على لذّاتها. و لا شكّ أنّ الأخذ من الجسد بهذه العبادات جود على النفس بملكات الخير و القرب من اللّه تعالى، و لذلك قال: فجودوا بها على أنفسكم و لا تبخلوا بها عنها. و في ذكر أنّ إتعاب الجسد جود على النفس ترغيب فيه. ثمّ استشهد بالآيتين على وعد اللّه بالنصر لمن نصره، و بمضاعفة الأجر لمن أقرضه بعد أمره بنصر اللّه بامتثال أوامره و بقرضه بالصدقات، و وجه استعارة لفظ القرض كثرة الأوامر الإلهيّة الطالبة للصدقات فاشبهت طلب‏ المحتاج المستقرض، و فائدة هذه الاستشهاد إلى قوله: أيّكم أحسن عملا. إعلامهم بانّه الغنّى المطلق عن عباده فيما طلبه منهم من نصرة و قرض، و بيان غاية العناية الإلهيّة منهم بذلك و هو الابتلاء، و قد علمت ابتلاء اللّه تعالى لخلقه غير مرّة. ثمّ أعاد الأمر بالمبادرة إلى أعمال الآخرة لغاية الكون مع خزّان اللّه [جيران اللّه- خ- ] في جنّته مرافقين لرسله كما قال تعالى «وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ»«» و مرافقة رسله كقوله تعالى «وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ»«» و مزارين للملائكة كقوله تعالى «وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ» و تكرمة أسماعهم أن يسمع حسيس نار أبدا كقوله تعالى «لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَ هُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُم‏ ْ خالِدُونَ» و صيانة أجسادهم أن يلقى لغوبا و نصبا كقوله تعالى «لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَ لا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ»«». و قوله: ذلك فضل اللّه الآية. اقتباس للآية و وجه الاقتباس ظاهر. و قوله: أقول. إلى آخره. خاتمة الخطبة، و فيها الاستعانة باللّه على النفوس الأمّارة بالسوء في قهرها و تطويعها للنفوس المطمئنّة فإنّه نعم المعين و نعم الوكيل.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 396

 

خطبه 181شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

روى عن نوف البكالى قال: خطبنا هذه الخطبة بالكوفة أمير المؤمنين عليه السلام و هو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومى، و عليه مدرعة من صوف، و حمائل سيفه ليف، و في رجليه نعلان من ليف، و كأن جبينه ثفنة بعير. فقال عليه السلام:

 

القسم الأول

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي إِلَيْهِ مَصَائِرُ الْخَلْقِ- وَ عَوَاقِبُ الْأَمْرِ نَحْمَدُهُ عَلَى عَظِيمِ إِحْسَانِهِ- وَ نَيِّرِ بُرْهَانِهِ وَ نَوَامِي فَضْلِهِ وَ امْتِنَانِهِ- حَمْداً يَكُونُ لِحَقِّهِ قَضَاءً وَ لِشُكْرِهِ أَدَاءً- وَ إِلَى ثَوَابِهِ مُقَرِّباً وَ لِحُسْنِ مَزِيدِهِ مُوجِباً- وَ نَسْتَعِينُ بِهِ اسْتِعَانَةَ رَاجٍ لِفَضْلِهِ مُؤَمِّلٍ لِنَفْعِهِ وَاثِقٍ بِدَفْعِهِ- مُعْتَرِفٍ لَهُ بِالطَّوْلِ مُذْعِنٍ لَهُ بِالْعَمَلِ وَ الْقَوْلِ- وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِناً- وَ أَنَابَ إِلَيْهِ مُؤْمِناً وَ خَنَعَ لَهُ مُذْعِناً- وَ أَخْلَصَ لَهُ مُوَحِّداً وَ عَظَّمَهُ مُمَجِّداً وَ لَاذَ بِهِ رَاغِباً مُجْتَهِداً لَمْ يُولَدْ سُبْحَانَهُ فَيَكُونَ فِي الْعِزِّ مُشَارَكاً- وَ لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْرُوثاً هَالِكاً- وَ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَقْتٌ وَ لَا زَمَانٌ- وَ لَمْ يَتَعَاوَرْهُ زِيَادَةٌ وَ لَا نُقْصَانٌ- بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلَامَاتِ التَّدْبِيرِ الْمُتْقَنِ- وَ الْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ- فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بِلَا عَمَدٍ- قَائِمَاتٍ بِلَا سَنَدٍ دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ- غَيْرَ مُتَلَكِّئَاتٍ وَ لَا مُبْطِئَاتٍ- وَ لَوْ لَا إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ- وَ إِذْعَانُهُنَّ بِالطَّوَاعِيَةِ- لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ وَ لَا مَسْكَناً لِمَلَائِكَتِهِ- وَ لَا مَصْعَداً لِلْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلَاماً يَسْتَدِلُّ بِهَا الْحَيْرَانُ- فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الْأَقْطَارِ- لَمْ يَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا ادْلِهْمَامُ سُجُفِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ- وَ لَا اسْتَطَاعَتْ جَلَابِيبُ سَوَادِ الْحَنَادِسِ- أَنْ‏ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ تَلَأْلُؤِ نُورِ الْقَمَرِ- فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ سَوَادُ غَسَقٍ دَاجٍ- وَ لَا لَيْلٍ سَاجٍ فِي بِقَاعِ الْأَرَضِينَ الْمُتَطَأْطِئَاتِ- وَ لَا فِي يَفَاعِ السُّفْعِ الْمُتَجَاوِرَاتِ- وَ مَا يَتَجَلْجَلُ بِهِ الرَّعْدُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ- وَ مَا تَلَاشَتْ عَنْهُ بُرُوقُ الْغَمَامِ- وَ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ تُزِيلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ الْأَنْوَاءِ- وَ انْهِطَالُ السَّمَاءِ- وَ يَعْلَمُ مَسْقَطَ الْقَطْرَةِ وَ مَقَرَّهَا وَ مَسْحَبَ الذَّرَّةِ وَ مَجَرَّهَا- وَ مَا يَكْفِي الْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِهَا وَ مَا تَحْمِلُ الْأُنْثَى فِي بَطْنِهَا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَائِنِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كُرْسِيٌّ أَوْ عَرْشٌ- أَوْ سَمَاءٌ أَوْ أَرْضٌ أَوْ جَانٌّ أَوْ إِنْسٌ- لَا يُدْرَكُ بِوَهْمٍ وَ لَا يُقَدَّرُ بِفَهْمٍ- وَ لَا يَشْغَلُهُ سَائِلٌ وَ لَا يَنْقُصُهُ نَائِلٌ- وَ لَا يَنْظُرُ بِعَيْنٍ وَ لَا يُحَدُّ بِأَيْنٍ وَ لَا يُوصَفُ بِالْأَزْوَاجِ- وَ لَا يُخْلَقُ بِعِلَاجٍ وَ لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ وَ لَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ- الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً وَ أَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظِيماً- بِلَا جَوَارِحَ وَ لَا أَدَوَاتٍ وَ لَا نُطْقٍ وَ لَا لَهَوَاتٍ- بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَيُّهَا الْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ- فَصِفْ جِبْرِيلَ وَ مِيكَائِيلَ وَ جُنُودَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ فِي حُجُرَاتِ الْقُدُسِ مُرْجَحِنِّينَ- مُتَوَلِّهَةً عُقُولُهُمْ أَنْ يَحُدُّوا أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ- فَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ ذَوُو الْهَيْئَاتِ وَ الْأَدَوَاتِ- وَ مَنْ يَنْقَضِي إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ- فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلَامٍ-وَ أَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُورٍ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- الَّذِي أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمُ الْمَعَاشَ- فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلًا- لَكَانَ ذَلِكَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ع الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ- مَعَ النُّبُوَّةِ وَ عَظِيمِ الزُّلْفَةِ- فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ وَ اسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ- رَمَتْهُ قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ الْمَوْتِ- وَ أَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً- وَ الْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً وَ وَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ- وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً- أَيْنَ الْعَمَالِقَةُ وَ أَبْنَاءُ الْعَمَالِقَةِ- أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ وَ أَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَةِ- أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسِّ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ- وَ أَطْفَئُوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ وَ أَحْيَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِينَ- أَيْنَ الَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ وَ هَزَمُوا بِالْأُلُوفِ- وَ عَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ وَ مَدَّنُوا الْمَدَائِنَ

اللغة

أقول: نقل الجوهرىّ في الصحاح أنّ نوفا البكالى بفتح الباء و تخفيف الكاف كان صاحب علىّ عليه السّلام، و نقل عن ثعلب أنّه منسوب إلى بكالة قبيلة. و قال القطب الراوندىّ: و هو منسوب إلى بكال، و بكيل و بكال شي‏ء واحد و هو اسم حىّ من همدان. قال: و بكيل أكثر، و قال الشارح عبد الحميد بن أبى الحديد: و الصواب غير ما قالاه، و إنّما هو بكال بكسر الباء من حمير فمنهم هذا الشخص و هو نوف بن فضالة صاحب عليّ عليه السّلام. و الأقوال محتملة. و أمّا جعدة بن هبيرة فهو ابن اخت أمير المؤمنين عليه السّلام امّ هانى بنت أبى طالب بن عبد المطّلب بن هاشم، و أبوه هبيرة بن أبى وهب بن عمرو بن عامد بن عمران بن مخزوم و هو صحابىّ. و ثفنة البعير: واحدة الثفنات و هي ما يقع على الأرض من أعضائه.

و الخنوع: الخضوع.

و يتعاوره.

يختلف عليه.

و موطّدات. ممهّدات.

و التلكّؤ: التوقّف.

و الطواعية: الطاعة.

و الفجاج: الطريق بين الجبال.

و الادلهمام: شدّة الظلمة.

و السجف: الستور.

و الحندس بكسر الحاء: الليل شديد الظلمة.

و السفع: الجبال.

و السفعة: سواد مشرب بحمرة و لون الجبال في الأكثر.

و اليفاع: المرتفع من الأرض.

و الجلجلة: صوت الرعد.

و تلاشى: اضمحلّ: و الأنواء: جمع نوء، و هو سقوط نجم من منازل القمر الثمانية و العشرين في المغرب مع الفجر، و طلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته في كلّ ليلة إلى ثلاثة عشر يوما، و هكذا كلّ نجم منها إلى انقضاء السنة ما خلا الجبهة فإنّ لها أربعة عشر يوما.

و مرجحنّين: مائلين إلى جهة تحت.

و الرياش: اللباس.

و الطعمة. المأكلة.

المعنى

فقوله: الحمد للّه. إلى قوله: الأمر. حمد له باعتبار كونه منتهى جميع آثاره في عالمى الخلق و الأمر انتهاءاً في أوّليّتها بالصنع و الإبداع و انتهاء في آخريّتها لأنّه غاية مطلوب السالكين، و هو الباقى بعد كلّ شي‏ء منها باعتبار وجوب وجوده فهو مستحقّ البقاء لذاته، و هى الممكنة و المستحقّة للفناء باعتبار كونه ممكنا لها، و لمّا كان الحمد قد يكون لأداء حقّ ما سبق من النعمة، و قد يكون للاستزادة منها كان قوله: نحمده. إلى قوله: أداء. نظرا إلى ما سبق من أنواع نعم اللّه و هي عظيم إحسانه بالخلق و الايجاد على وفق الحكمة و المنفعة. ثمّ بإنارة برهانه في متقن صنعه و محكمه و على ألسنة رسله لسوقنا في صراطه المستقيم إلى جنّات النعيم و هدايتنا إليها. ثمّ بإفاضة نوامى فضله و امتنانه بكفايتنا في حياتنا الدنيا. ثمّ بإفاضة أسباب معاشنا و معادنا، و كان قوله: و إلى ثوابه. إلى قوله: موجبا إشارة إلى ما يستزاد منها و هو القرب من ثوابه الاخروى لاستكمال النفس بذلك و حسن مزيده من نعمه الحاضرة كما قال تعالى «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ»«» ثمّ أردف ذلك الشكر بطلب المعونة منه استعانة بالصفات المعدودة. إلى قوله: و القول. فإنّ استعانة من هذه صفته تكون أقرب الاستعانات إلى إجابة المستعان بالعون لقوّتها باستجماعها قوّة الرجاء، و الأمل له تعالى، و حسن اليقين في قدرته على بذل النفع و دفع الضرّ، و الشكر و الإذعان بالطاعة العمليّة و القوليّة. ثمّ أردف ذلك بالإقرار بالإيمان الكامل، و هو إيمان من استكمل الأوصاف المعدودة آنفا و هي رجاء المطالب العالية منه حال اليقين التامّ بأنّه أهلها، و الرجوع إليه عن جميع الفرطات و في سائر المهمّات حال الإيمان به، و الخضوع حال انقياده لعزّته، ثمّ الإخلاص له حال توحيده، ثمّ تعظيمه حال تمجيده، و اللوذ به حال الرغبة إليه و الاجتهاد فيها.
و ظاهر أنّ ذلك الإيمان كامل. ثمّ أخذ في تنزيهه تعالى باعتبارات سلبيّة و إضافيّة هي غاية الواصفين: منها أنّه لم يكن له والد فيكون له شريك في العزّ. إذ العادة أن يكون والد العزيز عزيزا. و منها أنّه لم يلد فيكون موروثا هالكا. و هو تنزيه له عن صفات البشر. إذ العادة أنّ الإنسان يهلك فيرثه ولده، و برهانهما أنّهما من لواحق الحيوانيّة المستلزمة للجسميّة المنزّه قدسه عنها. و منها أنّه لم يتقدّمه وقت و لا زمان و الوقت جزء الزمان و إذا كان خالق الوقت و الزمان فبالحرىّ أن يتقدّمها. و منها أنّه لم يختلف عليه الزيادة و النقصان لأنّ الزيادة و النقصان من لواحق الممكنات لاستلزامهما التغيّر المستلزمة للإمكان المنزّه قدسه عنه. و منها أنّه ظاهر للعقول في علامات التدبير، و هى الإحكام و الإتقان في مصنوعاته الموجودة على وفق القضاء المحكم فمن جملتها خلق السماوات كقوله تعالى «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» الآية، و قوله «أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» و قد مرّ بيان كونهما بلا عمد و قيامهما بلا سند في الخطبة الاولى، و دعاؤهنّ حكم سلطان القدرة الإلهيّة عليهنّ، و إجابتهنّ دخولهنّ في الوجود عن ذلك الحكم و طوعهنّ و إذعانهنّ من غير تلكّؤ و لا تباطى‏ء في إجابتهنّ و خضوعهنّ في رقّ الحاجة و الإمكان لواجب وجوده و سلطانه. و قوله: و لو لا إقرارهنّ. إلى قوله: و العمل الصالح من خلقه. كلام حقّ فإنّ الإقرار بالربوبيّة له راجع إلى شهادة لسان حال الممكن بالحاجة إلى الربّ و الانقياد لحكم قدرته، و ظاهر أنّه لو لا إمكانها و انفعالها عن قدرته و تدبيره لم يكن فيها عرش و لم يكن أهلا لقبول تدبير أحوال الملائكة و سكناها، و لم تكن قابلة لصعود الملائكة بالكلم الطيّب و الأعمال الصالحة للخلق، و قد سبقت الإشارة إلى بيان الصعود بالأعمال و غيرها في الخطبة الاولى بحسب الإمكان، و لفظ الدعاء و الإقرار و الإذعان مستعارة و يحتمل أن يكون حقائق نظرا إلى أنّ لها أرواحا مدبّرة عاقلة.

و قوله: و جعل نجومها. إلى قوله: الأقطار. إشارة إلى بعض غايات وجود النجوم، و قد سبق بيان ذلك. و قوله: لم يمنع. إلى قوله: القمر. استعار لفظ السجف و الجلابيب للساتر من سواد الليل، و وجه الاستعارة ظاهر، و خصّ القمر بالذكر لكونه من الآيات العظيمة، و المقابلة بين الضياء و الظلم مقابلة العدم و الملكة، و كلّ منهما يوجد بوجود سببه و يعدم بعدم سببه فلا يكون رفع أحدهما بالآخر، و ظاهر إذن أنّ نور القمر و النجوم لا يمنعه من الوجود و التحقّق ظلمة ليل بل يتعاقبان بحسب تعاقب أسبابهما المنتهية إلى قدرة الصانع الحكيم- جلّت قدرته-

. و قوله: فسبحان. إلى قوله: في بطنها. تنزيه له بحسب إحاطة علمه بحسب كلّيّات الأشياء و جزئيّاتها. و المطأطئات: مهابط الأرض، و ما يتجلجل به الرعد إشارة إلى تسبيحه في قوله تعالى «وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ»«» و ذلك التسبيح يعود إلى شهادته بلسان حاله في ذلك الصوت على كمال قدرة مسخّر السحاب و مؤلّفه و المقدّر لتصويته، و قد عرفت سببه، و ما تلاشت‏ عنه بروق الغمام إشارة إلى ما ينكشف للأبصار بإضائتها، و إنّما خصّ ذلك دون ما أضاءته لأنّ العلم هناك أشرف لتعلّقه بما لا يدركه أبصار المخلوقين دون ما تضيئه لإدراك الكلّ له، و إنّما أضاف العواصف إلى الأنواء لأنّ العرب تضيف الآثار العلويّة من الرياح و الأمطار و الحرّ و البرد إليها. ثمّ عاد إلى حمده تعالى باعتبار تقدّمه في الوجود على سائر مخلوقاته، و قد عرفت ما يقال في الكرسىّ و العرش.

ثمّ نزّهه تعالى باعتبارات سلبيّة:

الأوّل: أنّه لا يدرك بوهم. الثاني: أنّه لا يقدّر بفهم: أى لا يحدّ بفهم، و الفهم من صفات العقل و قد مرّت الإشارة إلى عجز العقول و الأوهام عن وصفه تعالى. الثالث: و لا يشغله سائل لإحاطة علمه و قدرته. و قد سبق بيانه أيضا. الرابع: و لا ينقصه نائل لأنّ النقصان يتوجّه نحو ذى الحاجة، و قد تنزّه قدسه تعالى عنها. الخامس: كونه لا يبصر بعين: أى أنّ إدراكه ليس بحاسّة البصر و إن كان بصيرا و ذلك لتنزّه قدسه عن الحواسّ. السادس: و لا يحدّ بأين: أى لا تحدّه العقول بالأمكنة و لا تحيط به باعتبارها لبراءته عن التحيّز و هو نفى الكميّة المتّصلة عنه. السابع: و لا يوصف بالأزواج و هو نفى الكمّ المنفصل عنه: أى ليس فيه اثنينية و تعدد. و الثامن: و لا يخلق بعلاج تنزيه لصنعه عن وساطة الآلة و الحيلة كما تزاوله أصحاب الصنائع. التاسع: و لا يدرك بالحواسّ لتخصيص إدراكها بالأجسام و كيفيّاتها و تنزّهه تعالى عن الجسميّة و لواحقها. العاشر: و لا يقاس بالناس تنزيه له عن التشبّه بخلقه في كمالاتهم كما يتوهّمه أهل التجسيم.

الحادى عشر: كونه متكلّما بلا جارحة نطق و لا لهوات، و هو تنزيه له عن حال البشريّة. و علمت في المقدّمات كيفيّة سماع الأنبياء عليهم السلام للوحى. فأمّا قوله: و أراه من آياته عظيما. فقيل: أراد آياته في كلامه لئلّا يصير بين قوله: تكليما. و قوله: بلا جوارح. اعتراض غير مناسب، و الّذي رآه من تلك الآيات ما روى أنّه كان يسمع الصوت من جهاته الستّ ليس على حدّ سماع البشر من جهة مخصوصة و له دوىّ كوقع السلاسل العظيمة على الحصا الأصمّ، و في هذه الكيفيّة سرّ لطيف، و كونه يسمع من الجهات الستّ إشارة إلى أنّ الكلام كان يأتيه فينتقش في لوح خياله لا من جهة بل نسبة الجهات الستّ إليه على سواء في عدم سماعه منها فلا جرم قيل: يسمع من الجهات الستّ و هو أولى من أن يقال: يسمع لا من جهة لبعد ذلك عن أوهام الخلق. فأمّا كونه كوقع السلاسل في القوّة فأشار إلى عظمته بالنسبة إليه فشبّهه بأشدّ الأصوات جرسا.

و قيل: أراد بها الآيات التسع كانشقاق البحر و قلب العصا ثعبانا و غيرهما. ثمّ نبّه على عجز القوّة البشريّة عن وصف كماله تعالى بقوله: بل إن كنت صادقا إلى قوله: أحسن الخالقين. و هي صورة قياس استثنائىّ متّصل نبّه به على عجز من يدّعى وصف ربّه كما هو، و تقديره إن كنت صادقا أيّها المتكلّف لوصف ربّك في وصفه فصف بعض خلقه و هو جبرئيل و ميكائيل و جنود ملائكته المقرّبين، و و ينتج باستثناء نقيض تاليه: أى لكنّك لا يمكنك وصف هؤلاء بالحقيقة فلا يمكنك وصفه تعالى. بيان الملازمة أنّ وصفه تعالى إذا كان ممكنا لك فوصف بعض آثاره أسهل عليك، و أمّا بطلان التالى فلأنّ حقيقة جبرئيل و ميكائيل و ساير الملائكة المقرّبين غير معلومة لأحد من البشر، و من عجز عن وصف بعض آثاره فهو عن وصفه أعجز، و حجرات القدس: مقارّ الطهارة عن الهيئات البدنيّة و التعلّقات الخياليّة عن شوائب النفس الأمّارة بالسوء، و استعار لفظ المرجحنّين لخضوعهم تحت سلطان هيبته و عظمته، و تولّه عقولهم: حيرتها و تشتّتها عن إدراك حقيقته بحدّ تقف عنده عظمته، ثمّ نبّه على ما يدرك من جهة الوصف و هو ذوو الهيئات و الآلات الّتي يحترف بها و يحيط بها الأفهام من جهتها، و ما يلحقه الفناء فينقضى إذا بلغ أمد حدّه، و تقف الأفهام على ذلك الحدّ و تحلّله إلى أجزائه فتطّلع على كنهه منها. ثمّ عقّب ذلك التنزيه بتوحيده و نفى الكثرة عنه.

و قوله: أضاء بنوره كلّ ظلام. فالظلام إمّا محسوس فأضاء بأنوار الكواكب، أو معقول و هو ظلام الجهل فأضاءه بأنوار العلم و الشرائع. و قوله: و أظلم بنوره كلّ نور. إذ جميع الأنوار المحسوسة أو المعقولة لغيره متلاشية مضمحلّة في نور علمه، و ظلام بالنسبة إلى ضياء براهينه في جميع مخلوقاته الكاشفة على وجوده و كمال جوده. ثمّ شرع في الموعظة فبدء بالوصيّة بتقوى اللّه باعتبار سلب أمرين هما سبب البقاء في الحياة الدنيا و هما الملبوس و المطعوم، و يحتمل أن يريد بالمعاش سائر أسباب البقاء، و ثنّى بذكر أنّه لا سبيل إلى البقاء و دفع الموت تخويفا به، و احتجّ عليه بقياس استثنائى تلخيصه: لو أنّ أحدا يجد سبيلا إلى دفع الموت لوجده سليمان عليه السّلام و تقدير الاستثناء: لكنّه لم يجده فلن يجده أحد بعده. أمّا الملازمة فلأنّ سليمان عليه السّلام كان أقوى سلطان وجد في العالم لاستيلاء حكمه على ملك الجنّ و الإنس مع النبوّة و عظيم الزلفة عند اللّه فكان أولى بدفعه لو كان يمكن دفعه، و أمّا بطلان التالى فلأنّه عليه السّلام لما استوفى طعمته و استكمل مدّته مات فلو وجد مدفعا لدفعه عن نفسه.

فقوله: فلو أنّ. إلى قوله: سبيلا. هو مقدّم الشرطيّة.
و قوله: لكان ذلك. إلى قوله: عليه السّلام. هو التالى.
و قوله: الّذي. إلى قوله: الزلفة. بيان لوجه الملازمة.
و قوله: فلمّا استوفى. إلى قوله: قوم آخرون.

هو بيان بطلان التالى، و لفظ القسىّ و النبال استعارة لمرامى الأمراض و أسبابها الّتي هي نبال الموت، و وجها ظاهر. ثمّ شرع في التنبيه على الاعتبارات بأحوال القرون السالفة و استفهم عن قرن قرن تنبيها على فنائهم استفهاما على سبيل التقرير.
و العماليق أولاد لاوذ بن إرم بن سام بن نوح و كان باليمن و الحجاز و ما تاخم ذلك من الأقاليم فمن أولاده عملاق و طسم و جديس، و كان العزّ و الملك بعد عملاق بن لاوذ في طسم فلمّا ملكهم عملاق بن طسم بغى و أكثر العبث و الفساد في الأرض حتّى كان يطأ العروس ليلة هدائها إلى بعلها و إن كانت بكرا افتضّها قبل وصولها إليه ففعل ذلك بامراة من جديس فغضب لها أخوها و تابعه قومه على الفتك بعملاق بن طسم و أهل بيته فصنع أخوها طعاما و [دخل خ‏] عملاق الملك إليه. ثمّ وثب به و بطسم فأتى على رؤسائهم و نجا منهم رياح بن مرّ فصار إلى ذى جيشان بن تبّع الحميرى ملك اليمن فاستغاث به و استنجده على جديس و أتى ذو جيشان في حمير بلاد جوّ و هي قصبة اليمامة فاستأصل جديسا و أخرب اليمامة. فلم يبق لجديس باقية و لا لطسم إلّا اليسير منهم. ثمّ ملك بعد طسم و جديس و باز بن أميم بن لاوذ بن إرم بولده و أهله فنزل بأرض و باز و هي المعروفة الآن برمل عالج فبغوا في الأرض حينا ثمّ أفناهم اللّه. ثمّ ملك بعد و باز عبد ضخم [صمم خ‏] بن آسف بن لاوذ فنزلوا بالطايف حينا.

ثمّ بادوا. و أمّا الفراعنه فهم ملوك مصر فمنهم الوليد بن ريّان فرعون يوسف، و منهم الوليد بن مصعب فرعون موسى، و منهم فرعون الأعرج الّذي غزا بنى إسرائيل و أخرب بيت المقدس. و أمّا أصحاب مداين الرسّ. فقيل: إنّهم أصحاب شعيب النبىّ عليه السّلام و كانوا عبدة أوثان و لهم مواشى و آبار يستقون منها، و الرسّ بئر عظيمة جدّا انخسفت بهم و هم حولها، و قيل: الرسّ قرية باليمامة كان يسكنها قوم من بقايا ثمود فبغوا فاهلكوا، و قيل الرس: أصحاب الاخدود و هو الرسّ الأخدود، و قيل: الرسّ نهر عظيم في إقليم الباب و الأبواب مبدئه من مدينة طرار و ينتهى إلى نهر كبير فيختلط به حتّى يصبّ في بحر الخزر، و كان هناك ملوك اولو بأس و قدرة فأهلكهم اللّه ببغيهم. و باللّه التوفيق.

 

القسم الثاني منها

قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا- وَ أَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا مِنَ الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا- وَ الْمَعْرِفَةِ بِهَا وَ التَّفَرُّغِ لَهَا- فَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُهَا- وَ حَاجَتُهُ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا- فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الْإِسْلَامُ- وَ ضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنَبِهِ- وَ أَلْصَقَ الْأَرْضَ بِجِرَانِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ- خَلِيفَةٌ مِنْ خَلَائِفِ أَنْبِيَائِهِ ثم قال عليه السلام: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ- الَّتِي وَعَظَ الْأَنْبِيَاءُ بِهَا أُمَمَهُمْ- وَ أَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ الْأَوْصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ- وَ أَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا- وَ حَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا- لِلَّهِ أَنْتُمْ- أَ تَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطَأُ بِكُمُ الطَّرِيقَ- وَ يُرْشِدُكُمُ السَّبِيلَ- أَلَا إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ الدُّنْيَا مَا كَانَ مُقْبِلًا- وَ أَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً- وَ أَزْمَعَ التَّرْحَالَ عِبَادُ اللَّهِ الْأَخْيَارُ- وَ بَاعُوا قَلِيلًا مِنَ الدُّنْيَا لَا يَبْقَى- بِكَثِيرٍ مِنَ الْآخِرَةِ لَا يَفْنَى- مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُم وَ هُمْ بِصِفِّينَ- أَلَّا يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاءً يُسِيغُونَ الْغُصَصَ- وَ يَشْرَبُونَ الرَّنْقَ قَدْ وَ اللَّهِ لَقُوا اللَّهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ- وَ أَحَلَّهُمْ دَارَ الْأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ- أَيْنَ إِخْوَانِيَ الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ- وَ مَضَوْا عَلَى الْحَقِّ أَيْنَ عَمَّارٌ وَ أَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ- وَ أَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ- وَ أَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ- وَ أُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ- قَالَ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى لِحْيَتِهِ الشَّرِيفَةِ الْكَرِيمَةِ- فَأَطَالَ الْبُكَاءَ ثُمَّ قَالَ ع- أَوْهِ عَلَى إِخْوَانِيَ الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ- وَ تَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ- أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَ أَمَاتُوا الْبِدْعَةَ- دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا وَ وَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ الْجِهَادَ الْجِهَادَ عِبَادَ اللَّهِ- أَلَا وَ إِنِّي مُعَسْكِرٌ فِي يَومِي هَذَا- فَمَنْ أَرَادَ الرَّوَاحَ إِلَى اللَّهِ فَلْيَخْرُجْ

قال نوف: و عقد للحسين- عليه السلام- في عشرة آلاف، و لقيس بن سعد رحمه اللّه في عشرة آلاف، و لأبى أيوب الأنصارى في عشرة آلاف، و لغيرهم على أعداد أخر، و هو يريد الرجعة إلى صفين، فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه اللّه، فتراجعت العساكر فكنا كأغنام فقدت راعيها تختطفها الذئاب من كل مكان.

اللغة

أقول: جرانه: صدره.

و عسيب ذنبه: طرفه.

و استوسق الأمر: انتظم و اجتمع.

و أزمع: صمّم عزمه.

و الرنق بالسكون: الكدر.

و أبرد: أرسل.

و أوه: ساكنة الواو مكسورة الهاء كلمة توجّع.

و الاختطاف و التخطّف: الأخذ بسرعة.

المعنى

و الإشارة إلى العارف مطلقا، و قال بعض الإماميّة: الإشارة إلى الإمام المنتظر، و ليس بواضح من هذا الكلام، و لفظ الجنّة مستعار في الاستعداد للحكمة بالزهد و العبادة الحقيقيّتين و المواظبة على العمل بأوامر اللّه، و وجه الاستعارة أنّ بذلك الاستعداد يأمن إصابة سهام الهوى و ثوران دواعى الشهوات القايدة إلى النار كما يأمن لابس الجنّة من أذى الضرب و الجرح. و أخذه لها بجميع آدابها من الإقبال عليها و المعرفة بها: أى بقدرها و التفرّغ لها عن العلايق الدنيويّة بالزهد من جملة الاستعداد لها أيضا، و استعار لها لفظ الضالّة لمكان إنشاده و طلبه كما تطلب الضالّة من الإبل، و إليه الإشارة بقوله عليه السّلام: الحكمة ضالّة المؤمن. و قوله: فهو مغترب إذا اغترب الإسلام. إشارة إلى إخفائه نفسه و إيثاره العزلة عند اغتراب الإسلام و ضعفه و ظهور البدع و المنكرات كما أشار إليه سيّد المرسلين صلّى اللّه عليه و آله و سلم بدء الإسلام غريبا و سيعود غريبا كما بدء، و استعار لفظ العسيب و الذنب و الجران ملاحظة لشبهه بالبعير البارك، و كنّى بذلك عن ضعفه و قلّة نفعه فإنّ البعير أقلّ ما يكون نفعه حال بروكه. و قوله: بقيّة من بقايا حجّته. أى على خلقه. إذا العلماء و العارفون حجج اللّه في الأرض على عباده، و ظاهر كونه خليفة من خلفاء أنبيائه لقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم: العلماء ورثة الأنبياء. و قوله: أيّها الناس. إلى قوله: تستوسقوا. تذكير بموعظته لهم، و إعذار إليهم بأداء ما كلّف به في حقّهم ممّا كلّفت به الأنبياء مع اممهم و الأوصياء إلى من بعدهم، و معاتبة لهم، و توبيخ على عدم استقامتهم و اجتماعهم على أوامره مع تأديبه لهم بالضرب و التحذير بالزواجر.

و قوله: للّه أنتم. إلى قوله: السبيل. استفهام لهم عن توقّعهم إماما هاديا مرشدا غيره استفهاما على سبيل الإنكار لوجود سبيل ذلك الإمام، و أكّد ذلك الإنكار المفهوم من الاستفهام بقوله: ألا إنّه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا: أى من الخير و صلاح أهلها، و أقبل منها ما كان مدبرا: أى من الشرور الّتى أدبرت بمقدم الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ظهور الإسلام، و أزمع الترحال عباد اللّه الأخيار المتوقّع فيهم إمام كمثله عليه السّلام في الهداية لسبيل اللّه، و إزماعهم للترحال كناية عن اقتضاء الزمان لفنائهم من الدنيا و الرحيل عنها. ثمّ استعار لفظ البيع لتعويضهم بالقليل الفانى من متاع الدنيا و الكثير الباقى من متاع الآخرة. ثمّ أخذ في التذكير بنفى ضرر الموت و عدم الحياة عن إخوانه من الصحابة الّذين قتلوا بصفّين، و زهّد في تلك الحياة بكونها محلّ تجرّع الغصص و شرب الكدر من الآلام و الأعراض و مشاهدة المنكرات، و لمّا زهّد في تلك الحياة نبّه على مالهم في عدمها من الفائدة و هي لقاء اللّه، و توفيته لأجورهم على الأعمال الصالحة، و حلولهم في دار الأمن: أى الجنّة بعد خوفهم من فتن أهل الضلال. ثمّ أخذ في استفهام عمّن ركب طريق الحقّ و مضى عليه مستصحبا له استفهاما على سبيل التوجّع لفقدهم و التوحّش لفراقهم، ثمّ عن أعيان أكابرهم فذكر عمّار بن ياسر. و فضله في الصحابة مشهور و أبوه عربىّ قحطانىّ و امّه كانت أمة لأبى حذيفة ابن المغيرة المخزومىّ ولدت عمّارا فأعتقها أبو حذيفة فمن هناك كان عمّار مولى لبنى مخزوم، و أسلم هو و امّه سميّة فعذّبهما بنو مخزوم في اللّه فأعطاهم عمّار مولى أرادوا بلسانه مع اطمينان قلبه بالإيمان فنزلت فيه «مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا»«» و هاجر إلى أرض الحبشة، و صلّى القبلتين، و هو من المهاجرين الأوّلين، و شهد بدرا و المشاهد كلّها، و ابلى بلاء حسنا، ثمّ شهد اليمامة فابلى فيها أيضا و يومئذ قطعت اذنه.
و عن ابن عبّاس في قوله تعالى «أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ»«» قال: هو عمّار بن ياسر، و عن عايشة أنّها قالت: ما من أحد من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم أشاء أن أقول فيه إلّا قلت إلّا عمّار بن ياسر فإنّى سمعته صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول: إنّه ملى‏ء إيمانا إلى أخمص قدميه. و عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم: عمّار جلدة ما بين عينى تقتله الفئة الباغية لا أنالها اللّه شفاعتى. و عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم من أبغض عمّاراً أبغضه اللّه. و أمّا ابن التيّهان بياء مشدّدة مفتوحة بنقطتين من تحت، و يروى مخفّفة ساكنة فهو من الأنصار كنية أبو الهيثم. و اسمه مالك بن مالك، و قيل: بل اسم أبيه عمرو بن الحرب و هو- ابن التيّهان- كان أحد النقباء ليلة العقبة، و شهد بدرا، و المشهور أنّه أدرك صفّين‏

مع علىّ عليه السّلام و قتل بها، و قيل: توفّى في زمان الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم. و أمّا ذو الشهادتين فكنية أبو عماره و اسمه حزيمة بن ثابت بن الفاكة بن ثعلبة الخطمى الأنصارى من الأوس. جعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم شهادته بشهادة رجلين لقصّة مشهورة، و شهد بدرا و ما بعدها من المشاهد، و كانت راية بنى خطمة من الأوس يوم الفتح بيده، و شهد صفّين مع علىّ عليه السّلام فلمّا قتل عمّار قاتل هو حتّى قتل معه. و نظراؤهم من إخوانه: أى الّذين قتلوا بصفّين معه من الصحابة كابن بديل و هاشم بن عتبة و نحوهما، و تعاقدهم على المنيّة اتّفاقهم على المقاتلة إلى غاية أن يقتلوا. و روى: تعاهدوا.

و الفجرة الّذين حملت رؤوسهم إليهم امراء الشام. ثمّ أخذ في التشكّى و التوجّع على فقدهم. ثمّ أشار إلى فضائلهم الّتي هي غاية الشريعة المطلوبة منهم و هي تلاوة القرآن و إحكامه بفهم مقاصده و معانيه، و التدبّر للفرض: أى فهم ما لأجله العبادات و إقامتها و المواظبة عليها نظرا إلى أسرارها، و إحياء السنن النبويّة، و إماتة البدع المخالفة لها، و إجابتهم للدعوة إلى الجهاد لإقامة الدين، و وثوقهم إليه في سبيل اللّه يعنى نفسه و اتّباعهم له، و الرواح إلى اللّه الخروج إلى الجهاد الّذي هو سبيله الموصلة إليه و إلى ثوابه. و قيس بن سعد الخزرجى صحابى كنيته أبو عبد الملك روى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أحاديث و أبوه سعد من رؤساء بالخزرج و هو سعد بن عبادة الّذي حاولت قومه إقامته خليفة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و كان قيس هذا من كبار شيعة علىّ و محبّيه، و شهد معه حروبه كلّها، و كان مع الحسن ابنه و نقم عليه صلحه لمعاوية.

و أمّا أبو أيّوب الأنصارىّ فهو خالد بن سعد بن كعب الخزرجى من بنى النجّار شهد العقبة و بدرا و ساير المشاهد، و عليه نزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا خرج من بنى عمرو بن عوف حين قدم المدينة مهاجرا فلم يزل عنده حتّى بنى مسجده و مساكنه ثمّ انتقل إليها، و شهد مع علىّ مشاهده كلّها الجمل و صفّين، و كان على مقدّمته يوم النهروان. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 381

 

خطبه 180شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام

و قد أرسل رجلا من أصحابه يعلم له علم أحوال قوم من جند الكوفة قد هموا باللحاق بالخوارج، و كانوا على خوف منه عليه السلام، فلما عاد إليه الرجل قال له: أمنوا فقطنوا أم جبنوا فظعنوا فقال الرجل: بل ظعنوا يا أمير المؤمنين.

فقال: بُعْداً لَهُمْ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ- أَمَا لَوْ أُشْرِعَتِ الْأَسِنَّةُ إِلَيْهِمْ- وَ صُبَّتِ السُّيُوفُ عَلَى هَامَاتِهِمْ- لَقَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ- إِنَّ الشَّيْطَانَ الْيَوْمَ قَدِ اسْتَفَلَّهُمْ- وَ هُوَ غَداً مُتَبَرِّئٌ مِنْهُمْ وَ مُتَخَلٍّ عَنْهُمْ- فَحَسْبُهُمْ بِخُرُوجِهِمْ مِنَ الْهُدَى وَ ارْتِكَاسِهِمْ فِي الضَّلَالِ وَ الْعَمَى- وَ صَدِّهِمْ عَنِ الْحَقِّ وَ جِمَاحِهِمْ فِي التِّيهِ

اللغة

أقول: قطنوا: أقاموا.

و بعدت بالكسر: هلكت.

و أشرعت الرمح: سدّدته و صوّبته نحو من تريد ضربه.

و استفلّهم: أى طلب منهم التفرّق و الهزيمة و زيّنها لهم.

و الفلّ: التفريق و الانهزام.

و الارتكاس: الرجوع في الشي‏ء مقلوبا.

و الفصل مشتمل على السؤال عن ظعنهم و إقامتهم و علّتهما و هما الأمن و الجبن
ثمّ على الدعاء عليهم بالهلاك. و انتصب بعدا على المصدر. ثمّ على ما لو فعل لكان سببا لندمهم على ما فعلوا و هو الهجوم عليهم بالقتل و الاذلال على ما كان منهم من اللحوق بأولياء الشيطان. ثمّ على علّة لحوقهم بهم و هى استفلال الشيطان لهم و تفريقه لجماعتهم، و روى استفزّهم: أى استخفّهم، و روى استقبلهم: أى تقبّلهم و رضى عنهم. و هى أقوى القرينة. قوله: و هو غدا متبرّى‏ء منهم و متخلّ عنهم. أى تارك لهم فإنّ التبرى‏ء في مقابلة الاستقبال و ذلك كقوله تعالى «وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ» إلى قوله «وَ إِذْ زَيَّنَ»«». و قوله: فحسبهم بخروجهم من الهدى. أى يكفيهم ذلك عذاباً و شرّا، و الباء في بخروجهم زائدة كهي في قوله تعالى «وَ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً»، و ارتكاسهم في الضلال و العمى رجوعهم إلى الضلال القديم و عمى الجهل الّذي كانوا عليه بعد خروجهم منه بهدايته، و صدّهم عن الحقّ بالخروج عن طاعته و جماحهم في تيه الجهل و الهوى بعد الاستقرار في مدينة العلم و العقل، و لفظ الجماح مستعار لخروجهم عن فضيلة العدل إلى رذيلة الإفراط منها كما سبق و الغلوّ في طلب الحقّ إلى حدّ الجور عن الصراط المستقيم. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم‏بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 381

 

 

خطبه199ترجمه شرح ابن میثم بحرانی

(خطبه208صبحی صالح)

و من كلام له ( عليه ‏السلام ) قاله لما اضطرب عليه أصحابه في أمر الحكومة

 
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ أَمْرِي مَعَكُمْ عَلَى مَا أُحِبُّ- حَتَّى نَهِكَتْكُمُ الْحَرْبُ- وَ قَدْ وَ اللَّهِ أَخَذَتْ مِنْكُمْ وَ تَرَكَتْ- وَ هِيَ لِعَدُوِّكُمْ أَنْهَكُ- .
لَقَدْ كُنْتُ أَمْسِ أَمِيراً فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَأْمُوراً- وَ كُنْتُ أَمْسِ نَاهِياً فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَنْهِيّاً- وَ قَدْ أَحْبَبْتُمُ الْبَقَاءَ وَ لَيْسَ لِي أَنْ أَحْمِلَكُمْ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ

لغت

نهكتكم: شما را كهنه و خسته كرد.

ترجمه

گفتار آن حضرت، هنگامى كه يارانش در امر حكومت، با او به مخالفت برخاستند چنين فرمود:

«اى مردم تا كنون امر ميان من و شما بر طبق خواسته من بود تا اين كه جنگ شما را خسته كرد، و به ضعف و ناتوانى كشاند، و به خدا سوگند كه اين جنگ بسيارى از شما را نابود كرد، و برخى را به دست حوادث سپرد، امّا براى دشمنان شما خسته كننده ‏تر بود.
ديروز فرمانرواى شما بودم ولى امروز تحت فرمانم، و ديروز نهى كننده بودم و امروز نهى شده، شما زنده ماندن را دوست مى‏ داريد و من نمى ‏توانم، شما را به آنچه ميل نداريد، مجبور كنم.»

شرح

على ما احبّ،
تا كنون چنان كه من دوست داشتم از من اطاعت و پيروى‏ مى ‏كرديد. اسناد دادن نهك: كهنگى به جنگ، استعاره است براى آن كه جنگ آنها را ناتوان ساخته بود و بعد حضرت آن را به جامه اى مانند ساخته است كه بر اثر پوشيدن كهنه شده باشد و جنگ را كه سبب اين ناتوانى است، به پوشيدن لباس تشبيه كرده است، و معناى عبارت اين است: در گذشته حال من چنين بود كه مرا اطاعت مى‏كرديد، تا زمانى كه اين چنين از جنگ خسته شديد.

و اللَّه اخذت منكم و تركت،
كنايه از آن است كه جنگ وضع آنها را دگرگون كرده و گويى همين امر براى آنها عذرى شده است كه از زير بار جنگ شانه خالى كنند و با جمله و هى لعدّوكم انهك اراده كرده است كه به بهانه اين عذر كه جنگ آنها را خسته كرده از پاى ننشينند.

پس از بيان عذر ياران و پند دادن آنان شكايت آنها را به سوى خودشان برده و آنها را مورد عتاب و سرزنش قرار مى‏دهد زيرا علاوه بر آن كه حرف او را گوش نداده و فرمانش را اطاعت نكردند، او را به زور وادار كردند كه تن به حكميّت ديگران دهد و در نتيجه شخصى كه در گذشته نه چندان دور، فرمانده جامعه بود و آنان را امر و نهى مى‏كرد، اكنون ديگران او را امر و نهى مى‏كنند و اين امرى است بر خلاف وظيفه آنها و كارى است كه بايد آن را انجام نمى‏دادند.

و قد احببتم البقاء،

ياران خود را توبيخ مى‏ كند كه علاقه به زندگى دنيا آنها را به ترك جنگ وادار كرده است.

و ليس….:
معناى اين عبارت چنين است: من توانائى بر آن ندارم كه شما را بر آنچه دوست نمى‏داريد (جنگ) وادار كنم، يعنى بر حسب ظاهر بر آن توانايى ندارم اگر چه در صورت وجود مصلحت و اقتضاى شرع، حق آن را دارم.

ترجمه ‏شرح‏ نهج ‏البلاغه(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحه‏ى 29-27

خطبه198ترجمه شرح ابن میثم بحرانی

(خطبه207صبحی صالح)

و من كلام له ( عليه ‏السلام ) في بعض أيام صفين و قد رأى الحسن ابنه ( عليه‏السلام ) يتسرع إلى الحرب‏

امْلِكُوا عَنِّي هَذَا الْغُلَامَ لَا يَهُدَّنِي فَإِنَّنِي أَنْفَسُ بِهَذَيْنِ يَعْنِي الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ ( عليهماالسلام )عَلَى الْمَوْتِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى ‏الله‏ عليه‏ وآله ‏وسلم )

قال السيد الشريف قوله ( عليه‏ السلام ) املكوا عني هذا الغلام من أعلى الكلام و أفصحه

لغات

املكوه: او را محكم گرفته و نگهدارى كنيد.

يهدّنى: مرا درهم مى‏ شكند.

نفست به كسر (فا)، انفس به فتح (فا): بخل مى‏ ورزم.

ترجمه

«اين جوان را محكم بگيريد تا (كشته شدن) او مرا درهم نشكند، زيرا كه من نسبت به از دست دادن اين دو شخص (حسن و حسين (ع)). بخل مى

‏ورزم، نكند كه نسل رسول خدا قطع شود.»

شرح

سيد رضى مى ‏فرمايد: اين كلام امام: املكوا عنّى هذا الغلام از بلندترين سخنان و فصيحترين آنهاست، به دليل آن كه وجود فرزند سودمند، از

چيزهايى است كه به انسان سخت نيرو مى‏ بخشد، و قواى نفسانى را تقويت مى‏ كند، به ويژه فرزندى مانند حضرت‏ امام حسن عليه السلام، امام (ع) 

باجمله «لا يهدّنى» شدّت ناتوانى و ضعف و انكسار روحى خود را با از دست دادن چنين فرزندى بطور كنايه بيان فرموده، و براى وجوب و لزوم

نگهدارى و حفظ او و برادرش علت ديگرى ذكر كرده و آن، مراقبت بر حفظ نسل پيامبر اكرم است.

ترجمه ‏شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحه‏ى 27-25

خطبه197ترجمه شرح ابن میثم بحرانی

(خطبه206صبحی صالح)

 من كلام له ( عليه‏ السلام ) و قد سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين‏

إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ وَ لَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ وَ ذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ وَ أَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ وَ قُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ اللَّهُمَّ احْقِنْ

دِمَاءَنَا وَ دِمَاءَهُمْ وَ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَ بَيْنِهِمْ وَ اهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ وَ يَرْعَوِيَ عَنِ الْغَيِّ وَ الْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ

لغت

لهج به: نسبت به آن حرص ورزيد.

ترجمه

– گفتار آن حضرت، اين سخن را هنگامى فرمود كه شنيد جمعى از يارانش اهل شام را در صفين دشنام مى‏ دادند:

«من دوست ندارم كه شما از ناسزاگويان باشيد، امّا اگر كارهاى آنان را بر شمرده، حالات آنها را به خاطر مى‏ آورديد به درستى نزديكتر و براى اتمام حجت شما بليغتر و رساتر بود، و (حق اين بود) كه به جاى ناسزا به آنها مى‏ گفتيد: خدايا خون ما و ايشان را از ريختن حفظ فرما، و امر ميان ما و آنها را اصلاح كن، و آنان را از گمراهى نجات ده، تا هر آن كس كه نسبت به حق، ناآگاه است، آن را بشناسد و آن كه حريص به گمراهى و ستيز با حق است از آن برگردد.»

 

شرح

نتيجه اين فصل از گفتار امام (ع): ادب آموزى و ارشاد ياران به سيره‏ حسنه و وادار كردن آنهاست بر اين كه به سخنان نيكو خو گرفته و زبان خود را به آن عادت دهند، امام عليه السلام با اظهار ناخشنودى خود نسبت به ناسزاگوئى و نهى كردن از آن، حكم حرام بودن آن را صادر فرموده است، چنان كه پيامبر اكرم نيز فرموده است: «من براى لعن و سبّ مبعوث نشده‏ ام» و جاى ديگر به درگاه خدا عرض مى‏ كند: «خدايا من بشرى بيش نيستم، پس هر گاه انسانى را نفرين كردم تو آن را به سود او قرار ده، نه به زيان او، و او را به راه راست هدايت فرما.»

لو وصفتم… فى العذر

يعنى، اگر از ناسزاگوئى مخالفان، صرف نظر كرده، كارهاى ناشايست آنها را بر ايشان بر مى‏شمرديد و از روى خيرخواهى و راهنمائى، ستمگرى و انحراف آنان را يادآور مى‏شديد و سپس به جاى دشنام، اين چنين در حق ايشان به دعا مى‏پرداختيد به درستى نزديكتر بود، زيرا موقعى كه كارهاى زشت آنان را تذكر داده و آنها را نصيحت مى‏كرديد، اميد مى‏رفت كه به سوى حق برگردند، و نيز براى شما بهترين اتمام حجت محسوب مى‏شد، زيرا بعدا مى‏توانستيد ادعا كنيد: وظيفه خود را انجام داده و براى دست برداشتن از خلافكارى آنها را نصيحت كرده‏ايد، ولى آنان گوش نداده ‏اند.
قلتم عطف بر كلمه وصفتم و قبل از آن، لو در تقدير است، و نيز جواب شرط بعد از پايان دعا، مقدّر است، و هر دو، به قرينه قبلى حذف شده است و تقدير آن چنين است، اگر اين دعا را بر زبان جارى مى‏كرديد، در گفتار درست‏تر و در مقام عذر رساتر بود.
دعائى كه حضرت به اصحاب خود مى‏ آموزد، با وضعيت جنگ مناسبت است و در آن، چند موضوع از خدا درخواست شده است:

1- اين كه خدا خونها را از ريختن نگهدارى فرمايد، زيرا اولين چيزى كه در جنگ معمول است و خوف آن مى ‏رود خون‏ريزى است.

2- علت حفظ خون كه اصلاح ذات البين است، درخواست شده، يعنى خدايا ميان ما و ايشان را از حالاتى كه مايه اختلاف است، حفظ فرما و به جاى آن الفت و همبستگى قرار ده.

شارح در شرح ذات البين چنين مى‏ گويد: به علت اين كه احوال اجتماعى همراه با طرفين است لذا بر آنها ذات البين اطلاق شده (يعنى آن چه در ميان است).

چنان كه وقتى گفته مى‏ شود: اسقنى ذا إنائك، يعنى بنوشان به من آن چه از آشاميدنى كه در ظرف خوددارى، به علت اين است كه آشاميدن همراه ظرف مى ‏باشد.

معناى ديگر براى ذات البين: اين است كه ذات به معناى حقيقت و ماهيت شيئى باشد، و بين از بينونيت و به معناى افتراق و جدايى باشد و كلمه ذات البين يعنى حقيقت اختلاف و معناى عبارت: (اصلح ذات…) اين است: خدايا حقيقت تفرقه ميان ما و ايشان را اصلاح فرما و آن را به الفت و همبستگى تبديل كن.

3- سپس عاملى كه ريشه اختلاف و تفرقه را از بن بر مى‏كند و مايه اصلاح جامعه مى‏شود كه همان هدايت و برگشتن از ضلالت است از خدا خواسته، تا با شناخت كسى كه حقش ناشناخته مانده، از بى‏ خبرى نجات يافته و از عداوت و دشمنى برگردد«». غباوت (غفلت و بى‏ خبرى) طرف تفريط از صفت پسنديده حكمت است و عداوت طرف افراط از صفت عدالت مى‏باشد و اين هر دو صفت پست در ياران معاويه وجود داشت، زيرا آنان وقتى از درك حقيقت ناتوان شده و شك بر آنان عارض شد ستم كردند و در دشمنى خود تجاوز و افراط كردند.
به جاى (غىّ) (عمى) نيز روايت شد. كه مقصود كوردلى و غفلت آن است.

ترجمه ‏شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحه‏ى 25-21