خطبه 159 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

القسم الأول

أَمْرُهُ قَضَاءٌ وَ حِكْمَةٌ وَ رِضَاهُ أَمَانٌ وَ رَحْمَةُ- يَقْضِي بِعِلْمٍ وَ يَعْفُو بِحِلْمٍ- اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وَ تُعْطِي- وَ عَلَى مَا تُعَافِي وَ تَبْتَلِي- حَمْداً يَكُونُ أَرْضَى الْحَمْدِ لَكَ- وَ أَحَبَّ الْحَمْدِ إِلَيْكَ وَ أَفْضَلَ الْحَمْدِ عِنْدَكَ- حَمْداً يَمْلَأُ مَا خَلَقْتَ وَ يَبْلُغُ مَا أَرَدْتَ- حَمْداً لَا يُحْجَبُ عَنْكَ وَ لَا يُقْصَرُ دُونَكَ- حَمْداً لَا يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ وَ لَا يَفْنَى مَدَدُهُ- فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ- إِلَّا أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ حَيٌّ قَيُّومُ- لَا تَأْخُذُكَ سِنَةٌ وَ لَا نَوْمٌ- لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرٌ وَ لَمْ يُدْرِكْكَ بَصَرٌ- أَدْرَكْتَ الْأَبْصَارَ وَ أَحْصَيْتَ الْأَعْمَالَ- وَ أَخَذْتَ بِالنَّوَاصِي وَ الْأَقْدَامِ- وَ مَا الَّذِي نَرَى مِنْ خَلْقِكَ- وَ نَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ- وَ نَصِفُهُ مِنْ عَظِيمِ سُلْطَانِكَ- وَ مَا تَغَيَّبَ عَنَّا مِنْهُ وَ قَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ- وَ انْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ- وَ حَالَتْ سُتُورُ الْغُيُوبِ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُ أَعْظَمُ- فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ وَ أَعْمَلَ فِكْرَهُ- لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ وَ كَيْفَ ذَرَأْتَ خَلْقَكَ- وَ كَيْفَ عَلَّقْتَ فِي الْهَوَاءِ سَمَاوَاتِكَ- وَ كَيْفَ مَدَدْتَ عَلَى مَوْرِ الْمَاءِ أَرْضَكَ رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِيراً- وَ عَقْلُهُ مَبْهُوراً وَ سَمْعُهُ وَالِهاً وَ فِكْرُهُ حَائِراً

المعنى

أقول: أمره هو حكم قدرته الإلهيّة، و كونه قضاء كونه حكما لازما لا يردّ، و كونه حكمة كونه على وفق الحكمة الإلهيّة و انتظام الأكمل، و رضاه يعود إلى علمه بطاعة العبد له على وفق أمره و نهيه. و قوله: يقضي بعلم. إعادة لمعنى قوله: أمره قضاء و حكمة. يجري مجرى التفسير له. و قوله: و يعفو بحلم. فالعفو يعود إلى الرضا بالطاعة بعد تقدّم الذنب، و إنّما يتحقّق العفو مع تحقّق القدرة على العقاب. إذ العجز لا يسمّى عفوا فلذلك قال: يعفو بحلم. ثمّ عقّب بخطاب اللّه بالاعتراف بنعمته و الحمد له باعتبار ضروب من السرّاء و الضرّاء إشارة إلى حمده على كلّ حال و هي الأخذ و الإعطاء و العافية و الابتلاء. ثمّ باعتبار كيفيّته و هو كونه أرضى الحمد للّه و أحبّه إليه و أفضله عنده: أي أشدّه وقوعا على الوجه اللائق المناسب لعظمته. ثمّ باعتبار كميّته و هو كونه يملأ ما خلق و يبلغ ما أراد كثرة. ثمّ باعتبار غايته و هو كونه لا يحجب عنه و لا يقصر دونه. ثمّ باعتبار مادّته و هو كونه لا ينقطع عدده و لا يفنى مدده، و قد يكون التفصيل في القول في بعض المواضع أبلغ وقعا في النفوس و ألذّ، و قد يكون الإجمال أو الاختصار أنفع و أبلغ. ثمّ شرع في الاعتراف بالعجز عن إدراك كنه عظمته، و في بيان وجه معرفته الممكنة للخلق، و هي إمّا بالصفات الحقيقيّة أو الاعتبارات السلبيّة أو الإضافيّة. و أشار إلى الاعتبارات الثلاثة فكونه حيّا قيّوما إشارة إلى الصفات الحقيقيّة. و قد عرفت أنّهما يستلزمان الوجود. إذ كلّ حىّ موجود و القيّوم هو القائم بذاته المقيم لغيره و كلّ قائم بذاته فهو موجود واجب الوجود، و كونه لا تأخذه سنة و لا نوم و لا ينتهي إليه نظر عقليّ أو بصريّ و لا يدركه بصر اعتبارات سلبيّة، و كونه مدركا للأبصار محصيا للأعمال آخذا بالنواصي و الأقدام: أى محيط القدرة بها. اعتبارات إضافيّة. ثمّ عاد إلى استحقار ما عدّده ممّا أدركه بالنسبة إلى ما لم يدركه من عظيم ملكوته، و ما في قوله: و ما الّذي. استفهاميّة على سبيل الاستحقار لما استفهم عنه، و ما الثانية في قوله: و ما يغيب عنّا منه. بمعنى الّذي محلّها الرفع بالابتداء و خبره أعظم، و الواو فيها للحال. ثمّ عقّب بالحكم على من فرّغ قلبه و أعمل فكره ليصل إلى كنه معرفته و علم كيفيّة نظامه للعالم الأعلى و الأسفل برجوع كلّ من آلات إدراكه حسيرا مقهورا عن إدراك ما كلّفه من ذلك. و قد سبقت الإشارة إلى براهين هذه الأحكام غير مرّة. و باللّه التوفيق.

 

القسم الثاني منها:

يَدَّعِي بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو اللَّهَ كَذَبَ وَ الْعَظِيمِ- مَا بَالُهُ لَا يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ- فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ- وَ كُلُّ رَجَاءٍ إِلَّا رَجَاءَ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ- وَ كُلُّ خَوْفٍ مُحَقَّقٌ إِلَّا خَوْفَ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ- يَرْجُو اللَّهَ فِي الْكَبِيرِ وَ يَرْجُو الْعِبَادَ فِي الصَّغِيرِ- فَيُعْطِي الْعَبْدَ مَا لَا يُعْطِي الرَّبَّ- فَمَا بَالُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ بِهِ لِعِبَادِهِ- أَ تَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ‏ لَهُ كَاذِباً- أَوْ تَكُونَ لَا تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً- وَ كَذَلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ- أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لَا يُعْطِي رَبَّهُ- فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً- وَ خَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِمَاراً وَ وَعْداً- وَ كَذَلِكَ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ- وَ كَبُرَ مَوْقِعُهَا مِنْ قَلْبِهِ آثَرَهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى- فَانْقَطَعَ إِلَيْهَا وَ صَارَ عَبْداً لَهَا وَ لَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ص كَافٍ لَكَ فِي الْأُسْوَةِ- وَ دَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا وَ عَيْبِهَا- وَ كَثْرَةِ مَخَازِيهَا وَ مَسَاوِيهَا- إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا وَ وُطِّئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا- وَ فُطِمَ عَنْ رَضَاعِهَا وَ زُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا- وَ إِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسَى كَلِيمِ اللَّهِ ص إِذْ يَقُولُ- رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ- وَ اللَّهِ مَا سَأَلَهُ إِلَّا خُبْزاً يَأْكُلُهُ- لِأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الْأَرْضِ- وَ لَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِيفِ صِفَاقِ بَطْنِهِ- لِهُزَالِهِ وَ تَشَذُّبِ لَحْمِهِ وَ إِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوُدَ ص صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ- وَ قَارِئِ أَهْلِ الْجَنَّةِ- فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخُوصِ بِيَدِهِ- وَ يَقُولُ لِجُلَسَائِهِ أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا- وَ يَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ع- فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ- وَ يَلْبَسُ الْخَشِنَ وَ يَأْكُلُ الْجَشِبَ- وَ كَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ وَ سِرَاجُهُ بِاللَّيْلِ الْقَمَرَ- وَ ظِلَالُهُ‏ فِي الشِّتَاءِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا- وَ فَاكِهَتُهُ وَ رَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ لِلْبَهَائِمِ- وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ وَ لَا وَلَدٌ يَحْزُنُهُ- وَ لَا مَالٌ يَلْفِتُهُ وَ لَا طَمَعٌ يُذِلُّهُ- دَابَّتُهُ رِجْلَاهُ وَ خَادِمُهُ يَدَاهُ فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الْأَطْيَبِ الْأَطْهَرِ ص- فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى وَ عَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى- وَ أَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ- وَ الْمُقْتَصُّ لِأَثَرِهِ- قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً وَ لَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً- أَهْضَمُ أَهْلِ ال

ِ الدُّنْيَا كَشْحاً- وَ أَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً- عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا- وَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ- وَ حَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ وَ صَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ- وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلَّا حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ- وَ تَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ- لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً لِلَّهِ وَ مُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اللَّهِ- وَ لَقَدْ كَانَ ص يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ- وَ يَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ وَ يَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ- وَ يَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ وَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ- وَ يُرْدِفُ خَلْفَهُ- وَ يَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ- يَا فُلَانَةُ لِإِحْدَى أَزْوَاجِهِ غَيِّبِيهِ عَنِّي- فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وَ زَخَارِفَهَا- فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ وَ أَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ- وَ أَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ- لِكَيْلَا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً وَ لَا يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً- وَ لَا يَرْجُوَ فِيهَا مُقَاماً فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ- وَ أَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ وَ غَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ- وَ كَذَلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ- وَ أَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ- وَ لَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ص- مَا يَدُلُّكُ عَلَى مَسَاوِئِ الدُّنْيَا وَ عُيُوبِهَا- إِذْ جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ- وَ زُوِيَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمِ زُلْفَتِهِ- فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ بِعَقْلِهِ- أَكْرَمَ اللَّهُ مُحَمَّداً بِذَلِكَ أَمْ أَهَانَهُ- فَإِنْ قَالَ أَهَانَهُ فَقَدْ كَذَبَ وَ اللَّهِ الْعَظِيمِ بِالْإِفْكِ الْعَظِيمِ- وَ إِنْ قَالَ أَكْرَمَهُ- فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ- وَ زَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ- فَتَأَسَّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ- وَ اقْتَصَّ أَثَرَهُ وَ وَلَجَ مَوْلِجَهُ- وَ إِلَّا فَلَا يَأْمَنِ الْهَلَكَةَ- فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ مُحَمَّداً ص عَلَماً لِلسَّاعَةِ- وَ مُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ وَ مُنْذِراً بِالْعُقُوبَةِ- خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً وَ وَرَدَ الْآخِرَةَ سَلِيماً- لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ- حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ وَ أَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ- فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللَّهِ عِنْدَنَا- حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ وَ قَائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ- وَ اللَّهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا- وَ لَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ أَ لَا تَنْبِذُهَا عَنْكَ- فَقُلْتُ اغْرُبْ عَنِّي فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى‏

 

اللغة

أقول: المدخول: الّذي فيه شبهة و ريبة، و كذلك المعلول: الغير الخالص.

و الضمار: الّذي لا يرجى من الموعود.

و المقتصّ للأثر: أى المتّبع له.

و القضم: الأكل بأدنى الفم.

و الهضيم: الخميص لقلّة الأكل.

و المحادّة: المعاداة.

و الرياش: الزينة.

و المدرعة. الدرّاعة.

و أغرب: أى تباعد.

المعنى

و مساق الكلام يقتضي ذمّ من يدّعى رجاء اللّه و لا يعمل له و تنبيه أنّ رجائه ليس بخالص بتكذيبه و بيان تقصيره في العمل.

فقوله: يدّعي بزعمه أنّه يرجو اللّه. ذكر صورة الدعوى الحاليّة أو المقاليّة. و قوله: كذب و العظيم. ردّ لتلك الدعوى مؤكّدا بالقسم البارّ، و إنّما قال: و العظيم دون اللّه لأنّ ذكر العظمة هنا أنسب للرجاء. و قوله: ما باله. إلى قوله: عرف رجاءه في عمله. قياس من الشكل الثاني بيّن فيه أنّه غير راج. و تلخيصه أنّ هذا المدّعي للرجاء غير راج، و مراده الرجاء التامّ الّذي يجتهد في العمل له و لذلك قال: إلّا رجاء اللّه فإنّه مدخول فنبّه بأنّ فيه رخلا على وجوده إلّا أنّه غير خالص، و بيان الدليل أنّ كلّ من رجا أمرا من سلطان أو غيره فإنّه يخدمه بخدمته التامّة و يبالغ في طلب رضاه و يكون عمله له بقدر قوّة رجائه له و خلوصه، و يرى هذا المدّعى للرجاء غير عامل فيستدلّ بتقصيره في الأعمال الدينيّة على عدم رجائه الخالص في اللّه، و كذلك قوله: و كلّ خوف محقّق إلّا خوف اللّه فإنّه معلول. توبيخ للسامعين في رجاء اللّه تعالى مع تقصيرهم في الأعمال الدينيّة، و تقدير الاستثناء الأوّل مع المستثنى منه: و كلّ رجاء لراج يعرف في عمله أى يعرف خلوص رجائه فيما يرجوه إلّا رجاء الراجي للّه فإنّه غير خالص. و روى و كلّ رجاء إلّا رجاء اللّه فإنّه مدخول، و التقدير و كلّ رجاء محقّق أو خالص. لتطابق الكلّيّتين على مساق واحد، و ينبّه على الاضمار في الكلّيّة الاولى قوله في الثانية: محقّق. فإنّه تفسير المضمر هناك.

و قوله: يرجو اللّه في الكبير. إلى قوله: يعطى الربّ. في قوّة قياس ضمير صغراه قوله: يرجو. إلى قوله: الصغير، و تقدير كبراه و كلّ من كان كذلك فينبغي أن يعطى اللّه الّذي هو ربّه من رجائه و العمل له ما لا يعطى المخلوقين و الّذين هم عباده، و الصغرى مسلّمة، فإنّ الحسّ يشهد بأكثريّة أعمال الخلق لما يرجوه بعضهم من بعض بالنسبة إلى أعمالهم لما يرجونه من اللّه تعالى، و أمّا الكبرى فبيانها أنّ المقرّر في الفطر أنّ المرجوّ الكبير يستدعي ما يناسبه ممّا هو وسيلة إليه كميّة و كيفيّة. و قوله: فيعطى العبد ما لا يعطى الربّ. نقض للكبرى. و قوله: فما بال اللّه. إلى قوله: لعباده. توبيخ و تشنيع على‏ من يخالف العمل بالنتيجة المذكورة. و قوله: أ تخاف. إلى قوله: موضعا. استفسار عن علّة التفسير المذكور في الرجاء للّه و العمل له بالنسبة إلى رجاء العباد و العمل لهم استفسارا على سبيل الإنكار و تقريعا على ما عساه يدّعى من إحدى العلّتين المذكورتين و هما خوف الكذب في رجاء اللّه أو ظنّه غير أهل للرجاء. و الأمر الأوّل خطاء عظيم لزم عن التقصير في معرفة اللّه، و الثاني كفر صراح، و إنّما خصّص هاتين العلّتين بالذكر لأنّهما المشهورتان في عدم رجاء الخلق بعضهم لبعض أو ضعفه، و انتفاؤهما في حقّ اللّه تعالى ظاهر فإنّه تعالى الغنيّ المطلق الّذي لا بخل فيه و لا منع من جهته فإنّ العبد إذا استعدّ بقوّة الرجاء له و العمل لما يرجوه منه و حببت إفاضة الجود عليه ما يرجوه فلا يكذب رجاؤه و هو اللّه تعالى الموضع التامّ له. و قوله: و كذلك إن هو خاف. إلى قوله: يعطي ربّه. قياس ضمير استثنائيّ بيّن فيه قصور خوف الخائف من اللّه بالنسبة إلى خوفه من بعض عبيده، و الضّمير في عبيده للّه، و في خوفه للخائف. و يحتمل عوده إلى العبد. و الملازمة في الشرطيّة ظاهرة، و كبرى القياس استثناء غير المقدّم لينتج‏ عين التالى. و قوله: فجعل. إلى قوله: وعداً. توبيخ و تشنيع على من لزمه ذلك الاحتجاج و أنّه من القبيح المشهور المذكور أنّ يجعل الإنسان خوفه من عبد مثله نقدا حاضرا و خوفه من خالقه وعداً غير حاضر.

و قوله: و كذلك من عظمت الدنيا. إلى آخره.
إشارة إلى علّة إيثار الناس للحياة الدنيا على ما عند اللّه ممّا وعد به و انقطاعهم إليها و صيرورتهم عبيدا لها
و ذكر جزء العلّة القريبة و هي عظمة الدنيا في أعينهم، و تمام هذه العلّة حقارة ما تصوّروه من الوعد الاخروىّ بالنسبة إلى الدنيا، و علّة هذه العلّة ميلهم للذّات العاجلة كما هي، و غيبوبة اللذّات الموعودة و تصوّرها الضعيف بحسب الوصف، الّذي غايته أن يوجب في أذهانهم مشابهة ما وعدوا به لما حضر لهم الآن. فلذلك كانت العاجلة أعظم في نفوسهم و أكبر وقعا في قلوبهم، و لذلك آثروها و انقطعوا إليها فاستعبدتهم. و غاية هذا التوبيخ التنفير عن الدنيا و الجذب عنها إلى الرغبة فيما وعد اللّه، و لذلك عقّب بالتنبيه على ترك الدنيا من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ساير الأنبياء و المرسلين الّذين هم القدوة للخلق و إعراضهم عنها، و على كونهم محلّ الاسوة الكافية لهم في ذلك و هو كقوله تعالى «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»«» الآية، و الدليل التامّ على ذمّها و عيبها و كثرة مساويها و مخازيها. و أشار بقوله: إذ قبضت عنه أطرافها. إلى مقدّمة من مقدّمات الدليل على حقارتها و خبثها و ذلك إلى قوله: و خادمه يداه. و قبض أطرافها عنه كناية عن منعها عنه بالكلّيّة لعدم استعداده لها و قبوله إيّاها، و توطية جوانبها لغيره كناية عن إعطائه إيّاها و تذليلها له كالملوك. و استعار لفظ الفطم لمنعه منها، و كذلك لفظ الرضاع لها ملاحظة لمشابهتها للامّ و له بالابن، و وجه المشابهة ظاهر. و الّذي ذكره عليه السّلام: و اللّه ما سأله إلّا خبزا. هو تفسير الآية كما نقله المفسّرون أيضا، و صفاق بطنه: هو الجلد الباطن. و شفيفه: ما رقّ منه فلم يحجب البصر عن إدراك ما رآه. و تشذّب لحمه: تفرّقه. و استعار لفظ المزامير لأصوات داود عليه السّلام و لفظ الإدام للجوع، و السراج للقمر، و الظلال لمشارق الأرض و مغاربها، و الفاكهة و الريحان لما تنبت الأرض، و الدابّة للرجلين، و الخادم لليدين. و وجه الاولى مشاركة صوته عليه السّلام للمزمار و هي الآلة الّتي يزمّر بها في الحسّ روى أنّ الوحش و الطير كانت تقع عليه حال القراءة في محرابه لاستغراقها في لذّة صوته و نغمته، و وجه الثانية قيام بدنه عليه السّلام بالجوع كقيامه بالإدام، و وجه الثالثة مشاركة القمر للسراج في الضوء، و وجه الرابعة استتاره عن البرد بالمشارق و المغارب كاستتاره بالظلال، و وجه الخامسة التذاذ ذوقه و شمّه بما تنبت الأرض كما يلتذّ غيره بالفاكهة و الريحان، و وجه السادسة و السابعة قيام انتفاعه برجليه و يديه كقيامه بالدابّة و الخادم. و بالجملة فحال الأنبياء المذكورين- سلام اللّه عليهم أجمعين- في التقشّف و ترك الدنيا و الإعراض عنها ظاهر معلوم بالتواتر، و أمّا كون داود قارى أهل الجنّة- كما ورد في الخبر- فلأنّ كلّ أمر حسن ينسب إلى الجنّة في العرف أو لأنّه مع حسنه جاذب إلى الجنّة وداع إلى اللّه تعالى. و لمّا وصف حالهم عاد إلى الأمر بالتأسّي بالرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأنّهم المأمورون بوجوب الاقتداء به مطلقا و فيه الاسوة الكافية لمن تأسّى به و لأنّه أقرب عهدا ممّن سبق، و حثّ على التأسي به بكون المتأسّي به المقتصّ لأثره أحبّ العباد إلى اللّه، و ذلك من قوله تعالى «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ»«» ثمّ عاد إلى اقتصاص من حاله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في ترك الدنيا و الاقتصار منها على قدر الضرورة ليتبيّن ما يكون فيه التأسي به، و كنّى عن ذلك بقضمها. ثمّ كنّى عن عدم التفاته لها بعدم إعادتها طرفه، و عن كونه أقلّ الناس شبعا فيها و التفاتا إلى مأكلها و مشربها بكونه أخمصهم خاصرة و بطنا. روى عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنّه كان إذا اشتدّ جوعه يربط حجرا على بطنه و يسمّيه المشبّع مع ملكه قطعة واسعة من الدنيا، و روى: أنّه ما شبع آل محمّد من لحم قطّ، و أنّ فاطمة و بعلها و بنيها كانوا يصومون على أقراص من الشعير كانوا يعدّونها لإفطارهم و ربّما آثروا بها السائلين و طووا. روى أنّهم فعلوا ذلك ثلاث ليال طووا في أيّامها حتّى كان ذلك سبب نزول سورة هل أتى في حقّهم كما هو المشهور في التفاسير، و أمّا قوله: و عرضت عليه فأبى أن يقبلها فكما روى [ورد خ‏] عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: عرضت علىّ كنوز الأرض و رفعت إلىّ مفاتيح خزائنها فكرهتها و اخترت الدار الآخرة.
الإشارة إلى أن الدنيا لأولياءه دارا لحقارتها بالقياس إلى ما أعده لهم في الآخرة

و قوله: و علم أنّ اللّه أبغض شيئا. إلى قوله: فصغّر. فبغض اللّه لها عدم إرادتها لأوليائه دارا، أو إشارة إلى أنّها مقصود وجودها بالعرض و تحقيرها و تصغيرها بالقياس إلى ما أعدّ لهم في الآخرة. ثمّ نفرّ عن محبّتها بعد أن أشار إلى بغض اللّه لها و تصغيره إيّاها بجملة اعتراضيّة يتلخّص منها قياس هكذا: أقلّ معايبنا محبّتنا لما أبغض اللّه و تعظيمنا لما صغّر و كلّ محبّة و تعظيم كذلك فكفى به شقاقا له و محادّة عن أمره. فينتج أنّ أقلّ ما فينا من المعايب يكفينا في مشاقّة اللّه و محادّته. ثمّ أردف ذلك بتمام أوصافه في ترك الدنيا و التكلّف لها.

فقوله: و لقد كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يأكل على الأرض و يجلس جلسة العبد. كما روى عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: إنّما أنا عبد آكل أكل العبيد، و أجلس جلسة العبيد. و غاية ذلك هو التواضع، و كذلك غاية خصف نعله بيده و ترقيع ثوبه بيده و ركوبه للحمار العارى و إردافه خلفه، و أمّا أمره بتغييب التصاوير فمحافظة من حركة الوسواس الخنّاس، و كما أنّ الأنبياء عليهم السّلام كانوا كاسرين للنفس الأمّارة بالسوء و قاهرين لشياطينهم كانوا أيضا محتاجين إلى مراعاتهم و مراقبتهم و تفقّد أحوال نفوسهم في كلّ لحظة و طرفة فإنّها كاللصوص المخادعين للنفوس المطمئنّة، مهما تركت و غفل عن قهرها و التحفّظ منها عادت إلى طباعها. و قوله: فأعرض عن الدنيا بقلبه. إلى قوله: و أن يذكر عنده. إشارة إلى الزهد الحقيقيّ و هو حذف الموانع الداخلة النفسيّة عن النفس.

و ما قبله من الأوصاف إشارة إلى زهده الظاهرىّ و هو حذف الموانع الخارجيّة عنه. ثمّ عاد إلى التذكير بالمقدّمة السابقة للدليل على حقارة الدنيا و خبثها فأعاد ذكر جوعه هو و خاصّة من أهل بيته مع عظيم زلفته و رفعة منزلته عند اللّه و إزوائها عنه، و لمّا ذكر تلك المقدّمة شرع في الاستدلال بقوله: فلينظر ناظر. إلى قوله: أقرب الناس إليه و هو بقياس شرطىّ متّصل مقدّمه حمليّة و تاليه قضيّه شرطيّة منفصلة و تلخيصه: إذا كان محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جاع في الدنيا مع خاصّته و زوى اللّه عنه زخارفها مع عظيم زلفته عنده فلا يخلو فعله بذلك إمّا أن يكون إكراما له أو إهانة و القسم الثاني ظاهر البطلان إذ ثبت أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أخصّ خواصّ اللّه، و إذا كان أحقر ملك في الدنيا لا يقصد بأحد من خاصّته إذا كان مطيعا له الإهانة فكيف يصدر ذلك من جبّار الجبابرة و مالك الدنيا و الآخرة حكيم الحكماء و رحيم الرحماء في حقّ أحقّ خواصّه و أشدّهم طاعة له، و لأجل وضوح ذلك اقتصر على تكذيب من قال به و أكّده بالقسم البارّ، و أمّا القسم الأوّل و هو أنّه أكرمه بذلك فمن المعلوم أنّ الشي‏ء إذا كان عدمه إكراما و كمالا كان وجوده نقصا و إهانة فكان وجود الدنيا في حقّ غيره صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إزوائها عنه مع قرب منزلته إهانة لذلك الغير و ذلك يستلزم حقارتها و يبعث العاقل على النفار عنها. ثمّ عاد إلى الأمر بالتأسّي به صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في ترك الدنيا تأكيدا لما سبق بعد بيان وجوه التأسى و هو أمر في صورة الخبر مع زيادة تنبيه على أنّ الميل إليها يحلّ الهلكة فمن لم يتأسّ بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أحواله في الدنيا و خالفه في الميل إلى شي‏ء منها لم يأمن الهلكة.

إذ قد عرفت أن حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة و هي الجاذبة عن درجات دار النعيم إلى دركات دار الجحيم. و قوله: فإنّ اللّه جعل محمّداً إلى قوله: داعى ربّه. صورة احتجاج على قوله: و إلّا فلا يأمن الهلكة. و تقريره أنّ اللّه تعالى جعله علما للساعة و أمارة على قربها و مبشّرا بالجنّة و منذرا بالعقوبة و اطّلعه على أحوال الآخرة ثمّ خرج من الدنيا بهذه الأحوال المعدودة المستلزمة للنفار عنها و الغض لها و الحذر منها فلو لم يكن الركون إليها و ارتكاب أضداد هذه الأحوال منها مظنّة الهلكة لما نفر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عنها و يركن إليها لكنّه نفر عنها فكانت مظنّة الهلكة فوجب التأسّي به في نفاره عنها و إلّا لم يأمن غير المتأسّى به الهلكة فيها.

و روى علما للساعة بكسر العين و هو مجاز إطلاقا لاسم المسبّب على السبب. إذ هو صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سبب للعلم بالساعة، و كنّى بوضع الحجر على الحجر عن البناء. ثمّ عقّب بتعظيم منّة اللّه تعالى على الناس حين أنعم عليهم به سلفا يتّبعونه و قائدا يقتفون أثره، و أردف ذلك بذكر بعض أحواله الّتي تأسّى به عليه السّلام فيها من ترك الدنيا و الإعراض عن الاستمتاع بها إلى غاية ترقيع مدرعته حتّى استحيا من راقعها و قول من قال له: ألا تنبذها و تلقيها و جوابه الحسن. و قوله: فعند الصباح يحمد القوم السرى. مثل يضرب لمحتمل المشقّة ليصل إلى الراحة فأصله أنّ القوم يسيرون في الليل فيحمدون عاقبة ذلك بقرب المنزل إذا أصبحوا. و مطابقة الصباح لمفارقة النفس البدن أو لإعراضها عنه و اتّصالها بالملأ الأعلى بسبب تلك الرياضة الكاملة و إشراق أنوار العالم العلوىّ عليها الّتي عنده تحمد عواقب الصبر على مكاره الدنيا و ترك لذّاتها و معاناة شدائدها مطابقة ظاهرة واقعة موقعها، و روى أنّه سئل عليه السّلام لم رقعت قميصك فقال: يخشع لها القلب و يقتدى بها المؤمنون. و ممّا نقل في زهده عليه السّلام ما رواه أحمد في مسنده عن أبي النور الحوّام بالكوفة قال: جاءني عليّ بن أبي طالب عليه السّلام إلى السوق و معه غلام له و هو خليفة فاشترى منّي قميصين و قال لغلامه: اختر أيّهما شئت فأخذ أحدهما و أخذ علىّ الآخر. ثمّ لبسه و مدّ يده فوجد كمّه افاضلة فقال: اقطع الفاضل فقطعه، ثمّ كفّه و ذهب، و روى أحمد أيضا قال: لما أرسل عثمان إلى عليّ وجدوه مؤتزرا بعباءة محتجرا بعقال و هو يهنأ بعيرا له: أى يمسحه بالقطران و هو الهناء والاخبار فى ذلك كثيرة و بالله التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 277

 

خطبه 158 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

وَ لَقَدْ أَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ- وَ أَحَطْتُ بِجُهْدِي مِنْ وَرَائِكُمْ- وَ أَعْتَقْتُكُمْ مِنْ‏ رِبَقِ الذُّلِّ وَ حَلَقِ الضَّيْمِ- شُكْراً مِنِّي لِلْبِرِّ الْقَلِيلِ- وَ إِطْرَاقاً عَمَّا أَدْرَكَهُ الْبَصَرُ- وَ شَهِدَهُ الْبَدَنُ مِنَ الْمُنْكَرِ الْكَثِيرِ

المعنى

أقول: إحاطته بجهده من ورائهم إشارة إلى حفظه و حراسته لهم، و إعتاقهم من ربق الذلّ و حلق الضيم حمايتهم من عدوّهم و اعتزازهم به. ثمّ نبّههم على شكره للقليل من برّهم: أى مقدار طاعتهم للّه في طاعته، و إطراقه عن كثير منكرهم ممّا شاهده منّا عليهم بالمسامحة و العفو.
فإن قلت: فكيف يجوز له أن يسكت عن إنكار المنكر مع مشاهدته له.

قلت: يحمل ذلك منه على عدم التمكّن من إزالته بالعنف و القهر لجواز أن يستلزم ذلك مفسدة أكبر ممّا هم عليه من المنكر، و ظاهر أنّهم غير معصومين و محال أن تستقيم دولة أو يتمّ ملك بدون الإحسان إلى المحسنين من الرعيّة و التجاوز عن بعض المسيئين. و باللّه التوفيق.

شرح‏ نهج‏ البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 3 ، صفحه‏ى 276

خطبه157شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

القسم الأول

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ- وَ طُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَ انْتِقَاضٍ مِنَ الْمُبْرَمِ- فَجَاءَهُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ- وَ النُّورِ الْمُقْتَدَى بِهِ ذَلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ- وَ لَنْ يَنْطِقَ وَ لَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ- أَلَا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي- وَ الْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي- وَ دَوَاءَ دَائِكُمْ وَ نَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ

اللغة

أقول: الهجعة: النومة.

و المبرم. الحبل المحكم الفتل.

و ثمرة الفصل التنبيه على فضيلة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الفترة الزمان بين الرسولين، و كنّى بالهجعة من الامم عن رقدتهم في مراقد الطبيعة و نوم الغفلة عمّا خلقوا لأجله في مدّة زمان الفترة، و أشار بالمبرم إلى ما كان الخلق عليه من نظام الحال بالشرائع السابقة و انبرام امورهم بوجودها، و انتقاضها فساد ذلك النظام بتغيّر الشرائع و اضمحلالها، و الّذي صدّقه بين يديه هو التوراة و الإنجيل كما قال تعالى «مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ»«» و لكلّ أمر منتظر أو قريب يقال إنّه جار بين اليدين، و استعار لفظ النور للقرآن، و وجه الاستعارة ظاهر. ثمّ أمر باستنطاقه و فسّر ذلك الاستنطاق باستماع العبارة عنه. إذ هو لسان الكتاب و السنّة، و كسّر أوهامهم الّتي عساها تستنكر آمره باستنطاقه بقوله: فلن ينطق، و نبّه على ما فيه من علم الأوّلين و الحديث عن القرون الماضية و علم ما يأتي من الفتن و أحوال القيامة و أنّ فيه‏ دواء دائهم، و ذلك الداء هو الرذائل المنقّصة، و دواء ذلك الداء هو لزوم الفضائل العلميّة و العمليّة الّتي اشتمل عليها القرآن الكريم و نظام ما بينهم إشارة إلى ما اشتمل عليه من القوانين الشرعيّة و الحكمة السياسيّة الّتي بها نظام العالم و استقامة اموره.

القسم الثاني منها:

فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَ لَا وَبَرٍ- إِلَّا وَ أَدْخَلَهُ الظَّلَمَةُ تَرْحَةً وَ أَوْلَجُوا فِيهِ نِقْمَةً- فَيَوْمَئِذٍ لَا يَبْقَى لَهُمْ فِي السَّمَاءِ عَاذِرٌ- وَ لَا فِي الْأَرْضِ نَاصِرٌ- أَصْفَيْتُمْ بِالْأَمْرِ غَيْرَ أَهْلِهِ وَ أَوْرَدْتُمُوهُ غَيْرَ مَوْرِدِهِ- وَ سَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِمَّنْ ظَلَمَ- مَأْكَلًا بِمَأْكَلٍ وَ مَشْرَباً بِمَشْرَبٍ- مِنْ مَطَاعِمِ الْعَلْقَمِ وَ مَشَارِبِ الصَّبِرِ وَ الْمَقِرِ- وَ لِبَاسِ شِعَارِ الْخَوْفِ وَ دِثَارِ السَّيْفِ- وَ إِنَّمَا هُمْ مَطَايَا الْخَطِيئَاتِ وَ زَوَامِلُ الْآثَامِ- فَأُقْسِمُ ثُمَّ أُقْسِمُ- لَتَنْخَمَنَّهَا أُمَيَّةُ مِنْ بَعْدِي كَمَا تُلْفَظُ النُّخَامَةُ- ثُمَّ لَا تَذُوقُهَا وَ لَا تَطْعَمُ بِطَعْمِهَا أَبَداً- مَا كَرَّ الْجَدِيدَانِ

اللغة
أقول: الترحة: الحزن.

و المقر: المرّ.

و الزاملة: الجمل يستظهر به الإنسان في حمل متاعه.

و تنخّمت النخامة: لفظتها.

و سياق الكلام الإخبار عن حال بني اميّة و ما يحدث في دولتهم من الظلم
و كنّى ببيت المدر و الوبر عن البدو و الحضر، و عن استحقاقهم عند فعلهم ذلك للتغيّر و زوال الدولة بعدم العاذر في السماء و الناصر في الأرض. ثمّ عقّب بتوبيخ السامعين على إصفائهم بأمر الخلافة غير أهله، و الخطاب عامّ خصّه العقل بمن هو راض بدولة معاوية و ذريّته، و ربّما الحق من تقاعد عن القيام معه في قتاله لأنّ العقود عن ردع الظالم و قتاله مستلزم لقوّته و يجرى مجرى نصرته و إعانته على ظلمه و إن لم يقصد القاعد عنه ذلك. ثمّ أخبر أنّ اللّه سينتقم منهم. و مأكلا و مشربا منصوبان بفعل مضمر و التقدير و يبدّلهم مأكلا بمأكل، و استعار لفظ العلقم و الصبر و المقر لما يتجرّعونه من شدائد القتل و أهوال العدوّ و مرارات زوال الدولة، و كذلك لفظ الشعار للخوف، و رشّح بذكر اللباس و لفظ الدثار للسيف، و وجه الاستعارة الاولى ظاهر، و وجه الثانية ملازمة الخوف لهم كملازمة الشعار للجسد، و أفاد بعض الشارحين أنّه إنّما خصّص الخوف بالشعار لأنّه باطن في القلوب، و السيف بالدثار لأنّه ظاهر في البدن كما أنّ الشعار ما كان يلي الجسد و الدثار ما كان فوقه، و استعار لهم لفظ المطايا و الزوامل، و وجه الاستعارة حملهم للآثام. و أتى بلفظ إنّما إشارة إلى أنّ جميع حركاتهم و تصرّفاتهم على غير قانون شرعيّ فيكون خطيئة و إثما. ثمّ أقسم لتنخمنّها اميّة من بعده. فاستعار لفظ التنخّم لزوال الخلافة عنهم فكأنّهم قاءوها و قذفوها من صدورهم ملاحظة لشبهها بالنخامة، و كنّى بعدم ذوقها و تطعّمها عن عدم رجوعها إليهم، و ما هنا بمعنى المدّة، و الجديدان الليل و النهار، و كنّى بذلك عن الأمد. و هو إخبار منه عمّا سيكون، و روى عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه أخبر أنّ بني اميّة تملك الخلافة بعده مع ذمّ منه لهم نحو ما روى عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في تفسير قوله «وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ»«» قال المفسرون: تلك الرؤيا أنّه رأى بني اميّة ينزون على منبره نزو القردة، و بهذا اللفظ فسّر صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الآية و ساءه ذلك. ثمّ قال: الشجرة الملعونة بنو اميّة و بنو المغيرة، و روى عنه أنّه قال: إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتّخذوا مال اللّه دولا و عباده خولا، و كما روى عنه في تفسيره لقوله تعالى: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» قال: ألف شهر يملك فيها بنو اميّة، و نحو قوله: أبغض الأسماء إلى اللّه الحكم و الهشام و الوليد. إلى غير ذلك.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 273

 

خطبه156شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْحَمْدَ مِفْتَاحاً لِذِكْرِهِ- وَ سَبَباً لِلْمَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ- وَ دَلِيلًا عَلَى آلَائِهِ وَ عَظَمَتِهِ- عِبَادَ اللَّهِ- إِنَّ الدَّهْرَ يَجْرِي بِالْبَاقِينَ كَجَرْيِهِ بِالْمَاضِينَ- لَا يَعُودُ مَا قَدْ وَلَّى مِنْهُ- وَ لَا يَبْقَى سَرْمَداً مَا فِيهِ- آخِرُ فَعَالِهِ كَأَوَّلِهِ مُتَشَابِهَةٌ أُمُورُهُ- مُتَظَاهِرَةٌ أَعْلَامُهُ فَكَأَنَّكُمْ بِالسَّاعَةِ تَحْدُوكُمْ حَدْوَ الزَّاجِرِ بِشَوْلِهِ- فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمَاتِ- وَ ارْتَبَكَ فِي الْهَلَكَاتِ- وَ مَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ- وَ زَيَّنَتْ لَهُ سَيِّئَ أَعْمَالِهِ- فَالْجَنَّةُ غَايَةُ السَّابِقِينَ وَ النَّارُ غَايَةُ الْمُفَرِّطِينَ- اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ- أَنَّ التَّقْوَى دَارُ حِصْنٍ عَزِيزٍ- وَ الْفُجُورَ دَارُ حِصْنٍ ذَلِيلٍ- لَا يَمْنَعُ أَهْلَهُ وَ لَا يُحْرِزُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ- أَلَا وَ بِالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَةُ الْخَطَايَا- وَ بِالْيَقِينِ تُدْرَكُ الْغَايَةُ الْقُصْوَى- عِبَادَ اللَّهِ اللَّهَ اللَّهَ فِي أَعَزِّ الْأَنْفُسِ عَلَيْكُمْ وَ أَحَبِّهَا إِلَيْكُمْ- فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْضَحَ لَكُمْ سَبِيلَ الْحَقِّ وَ أَنَارَ طُرُقَهُ- فَشِقْوَةٌ لَازِمَةٌ أَوْ سَعَادَةٌ دَائِمَةٌ- فَتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامِ الْفَنَاءِ لِأَيَّامِ الْبَقَاءِ- قَدْ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ وَ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ- وَ حُثِثْتُمْ عَلَى الْمَسِيرِ- فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَرَكْبٍ وُقُوفٍ لَا يَدْرُونَ- مَتَى يُؤْمَرُونَ بِالسَّيْرِ- أَلَا فَمَا يَصْنَعُ بِالدُّنْيَا مَنْ خُلِقَ لِلْآخِرَةِ- وَ مَا يَصْنَعُ بِالْمَالِ مَنْ عَمَّا قَلِيلٍ يُسْلَبُهُ- وَ تَبْقَى عَلَيْهِ تَبِعَتُهُ وَ حِسَابُهُ- عِبَادَ اللَّهِ- إِنَّهُ لَيْسَ لِمَا وَعَدَ اللَّهُ مِنَ الْخَيْرِ مَتْرَكٌ- وَ لَا فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مَرْغَبٌ- عِبَادَ اللَّهِ- احْذَرُوا يَوْماً تُفْحَصُ فِيهِ الْأَعْمَالُ- وَ يَكْثُرُ فِيهِ الزِّلْزَالُ وَ تَشِيبُ فِيهِ الْأَطْفَالُ- اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ- أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُمْ- وَ عُيُوناً مِنْ جَوَارِحِكُمْ- وَ حُفَّاظَ صِدْقٍ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ وَ عَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ- لَا تَسْتُرُكُمْ مِنْهُمْ ظُلْمَةُ لَيْلٍ دَاجٍ- وَ لَا يُكِنُّكُمْ مِنْهُمْ بَابٌ ذُو رِتَاجٍ- وَ إِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ يَذْهَبُ الْيَوْمُ بِمَا فِيهِ- وَ يَجِي‏ءُ الْغَدُ لَاحِقاً بِهِ- فَكَأَنَّ كُلَّ امْرِئٍ مِنْكُمْ- قَدْ بَلَغَ مِنَ الْأَرْضِ مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ وَ مَخَطَّ حُفْرَتِهِ- فَيَا لَهُ مِنْ بَيْتِ وَحْدَةٍ- وَ مَنْزِلِ وَحْشَةٍ وَ مُفْرَدِ غُرْبَةٍ- وَ كَأَنَّ الصَّيْحَةَ قَدْ أَتَتْكُمْ- وَ السَّاعَةَ قَدْ غَشِيَتْكُمْ- وَ بَرَزْتُمْ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ- قَدْ زَاحَتْ عَنْكُمُ الْأَبَاطِيلُ- وَ اضْمَحَلَّتْ عَنْكُمُ الْعِلَلُ- وَ اسْتَحَقَّتْ بِكُمُ الْحَقَائِقُ- وَ صَدَرَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ مَصَادِرَهَا- فَاتَّعِظُوا بِالْعِبَرِ- وَ اعْتَبِرُوا بِالْغِيَرِ وَ انْتَفِعُوا بِالنُّذُرِ

اللغة

أقول: الشول: النوق الّتي جفّ لبنها و ارتفع ضرعها و أتى عليها من نتاجها سبعة أشهر. الواحدة شائلة على غير قياس.

و الارتباك: الاختلاط.

و حمة العقرب: إبرتها، و هي محلّ سمّها.

و الرتاج: الغلق.

المعنى

و قد حمد اللّه تعالى باعتبارات: أحدها: جعله الحمد مفتاحا لذكره في عدّة سور. الثاني: كونه سببا للمزيد من فضله، و المراد بالحمد هنا الشكر لقوله تعالى «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ»«» و قد عرفت إعداده لزيادة النعم. الثالث: و دليلا على آلائه. لاختصاص الشكر بمولى النعم، و على عظمته. لاختصاصه باستحقاق ذلك لذاته. إذ هو مبدء لكلّ نعمة، و لأنّ الحمد لا ينبغي إلّا له، ثمّ أخذ في الموعظة فنبّه السامعين على فعل الدهر بالماضين ليتذكّروا أنّهم أمثالهم و لاحقون بهم فيتقهقروا عن غيّهم و يعملوا لما بعد الموت. ثمّ نبّه على حاله في تقضّيه بأنّ كلّ وقت مضى منه لا يعود، و أنّ كلّ وقت منه له أهل و متاع من الدنيا إنّما يكون في الوجود بوجود ذلك الوقت، و ظاهر أنّه تنقضى بتقضّيه و لا يبقى سرمدا ما فيه، و أنّ آثاره متشابهة آخرها كأوّلها: أى يوجد ما يكون بإعداد وقت منه بوجود ذلك الوقت و ينقضي بانقضائه فحاله دائما على وتيرة واحدة، و كذلك قوله: متشابهة اموره فإنّه كما كان أوّلا يعدّ قوما للفقر و قوما للغنى، و قوما للضعة و قوما للرفعة، و قوما للوجود و آخرين للعدم كذلك هو آخرا. و قوله: متظاهرة أعلامه. أى دلالاته على شيمته و طبيعته و أفعاله الّتي يعامل الناس بها قديما و حديثا متعاضدة يتبع بعضها بعضا، و نسبة هذه الامور إلى الدهر جريا على ما في أوهام العرب و إن كان الفاعل هو اللّه تعالى و إنّما للدهر الإعداد كما سبق. ثمّ نبّه على قرب الساعة و شبّه حدوها: أى سوقها لهم بسوق الزاجر للنوق في حثّه لها، و قد عرفت كيفيّة ذلك السوق و وجه الاستعارة فيه و في قوله: و إنّ الساعة من ورائكم تحدوكم، فأمّا وجه الشبه فهو السرعة و الحثّ، و إنّما خصّ الشول من النوق لخلوّها من العثار فيكون سوقها بعنف و أسرع، و لمّا نبّههم على قربها و إنّها تحدوهم نبّههم على وجوب اشتغال كلّ بنفسه.

إذ كلّ مشغل نفسه بغير نفسه غير محصّل لنور يهتدي به في ظلمات طريق الآخرة بل إنّما يحصل على أغطية و أغشية من الهيئات البدنيّة اكتسبها عمّا اشتغل به من متاع الدنيا و العمل بها، و علمت أنّ تلك الأغطية مغشيّة لنور البصيرة فلا جرم يتحيّر في تلك الظلمات و يرتبك في مهالك تلك الطريق و مغاويها، و تمدّ به شياطينه و نفسه الأمّارة في طغيانه، و تزيّن له سيّ‏ء أعماله. ثمّ ذكر غاية وجود الإنسان فخصّ الجنّة بالسابقين، و النّار بالمفرّطين، و قد كان ذكر الجنّة كافيا في الجذب إليها، و النار كافيا في الجذب عنها فقرن ذكر الجنّة بذكر فضيلة السبق، و ذكر النار برذيلة التفريط ليقوى الباعث على طلب أشرف الغايتين و الهرب من أخسّهما، و أيضا فلأنّ السبق و التفريط علّتان للوصول إلى غايتيهما المذكورتين فهدى إلى طلب إحداهما، و الهرب من الاخرى بذكر سببها. ثمّ عاد إلى التنبيه على فضيلة التقوى، و استعار له لفظ الدار الحصينة الّتي تعزّ من تحصّن بها، و وجه الاستعارة كونها تحصن النفس أمّا في الدنيا فمن الرذائل الموبقة المنقّصة الموجبة لكثير من الهلكات الدنيويّة، و أمّا في الآخرة فمن ثمرات الرذائل ملكات السوء المستلزمة للعذاب الأليم. ثمّ على رذيلة الفجور، و هو طرف الإفراط من فضيلة العفّة، و استعار لفظ الدار بقيد كونها حصنا ذليلا، و وجه الاستعارة كونه مستلزما لضدّ ما استلزم التقوى و يجب أن يخصّص التقوى هنا بفضيلة القوّة البهيميّة و هي العفّة و الزهد لمقابلة الفجور للعفّة. ثمّ نبّه على فضيلة اخرى للتقوى و هي كونها قاطعا لحمة الخطايا و لفظ الحمة مستعار لها باعتبار كونها أسبابا مستلزمة للأذى في الآخرة كما يستلزم إبرة العقرب أو سمّها للأذى، و من روى حمّة مشددّة أراد شدّة الخطايا و بأسها لأنّ حمة الحرّ معظمته، و ظاهر كون التقوى قاطعا لبأس الخطايا و ماحيا لآثارها، و لمّا أشار إلى كون التقوى حاسما لمادّة الخطايا و كان بذلك إصلاح القوّة العمليّة أشار إلى أنّ اليقين الّذي به إصلاح القوّة النظريّة سبب لإدراك الغاية القصوى فإنّ الإنسان إذا حصل على كمال القوّة النظريّة باليقين و على كمال القوّة العمليّة بالتقوى بلغ الغاية القصوى من الكمال الإنسانىّ.

ثمّ عقّب بتحذير السامعين من اللّه تعالى في أعزّ الأنفس عليهم و أحبّها إليهم، و في الكلام إشارة إلى أنّ للإنسان نفوسا متعدّدة و هى باعتبار مطمئنّة، و أمّارة بالسوء، و لوّامة.
و باعتبار عاقلة، و شهويّة، و غضبيّة. و الإشارة إلى الثلاث الأخيرة. و أعزّها النفس العاقلة. إذ هي الباقية بعد الموت، و لها الثواب و عليها العقاب، و فيها الوصيّة، و غاية هذا التحذير حفظ كلّ نفسه ممّا يوبقها في الآخرة، و ذلك بالاستقامة على سبيل اللّه، و لذلك قال: فقد أوضح لكم سبيل الحقّ و أبان طرقه، و روى و أنار طرقه: أي بالآيات و النذر. ثمّ نبّه على غايتى سبيل الحقّ و سبيل الباطل بقوله: فشقوة لازمة أو سعادة دائمة. ثمّ عاد إلى الحثّ على اتّخاذ الزاد بعد أن ذكر التقوى تنبيها على أنّ الزاد هو التقوى كما قال تعالى «وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى‏»«» و أيّام البقاء الحال الّتي بعد الموت، و دلالتهم على الزاد في الآية الّتي دلّهم اللّه تعالى بها عليه و أمرهم بالظعن كقوله تعالى «سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ»«» الآية و قوله «فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ» و بالجملة فكلّ أمر بالإعراض عن الدنيا و التنفير عنها فهو مستلزم للحثّ على الظعن و الأمر بالمسير عن الدنيا بالقلوب‏ لأنّ الظعن هنا هو قطع درجات المعارف و الأعمال في سبيل اللّه و صراطه المستقيم و المسير فيها، و يحتمل أن يريد بالحثّ على المسير حثّ الليل و النهار بتعاقبهما على الأعمار فهما سابقان حثيثان عنيفان فيجب التنبيه لسوقهما على اتّخاذ الزاد لما يسوقان إليه. و قوله: و إنّما أنتم كركب. إلى آخره. فوجه التشبيه ظاهر فالإنسان هو النفس، و المطايا هي الأبدان و القوى النفسانيّة، و الطريق هى العالم الحسّيّ و العقليّ، و السير الذي ذكره قبل الموت هو تصرّف النفس في العالمين لتحصيل الكمالات المسعدة و هي الزاد لغاية السعادة الباقية، و أمّا السير الثاني الّذي هو وقوف ينتظرون و لا يدرون متى يؤمرون به فهو الرحيل إلى الآخرة من دار الدنيا و طرح البدن و قطع عقبات الموت و القبر إذ الإنسان لا يعرف وقت ذلك.

و حينئذ يتبيّن لك من سرّ هذا الكلام أنّ قوله: و امرتم بالظعن مع قوله: لا تدرون متى تؤمرون بالسير. غير متنافيين كما ظنّه بعضهم. ثمّ أخذ في تزهيد الدنيا و التنفير عنها بذكر أنّ الإنسان غير مخلوق لها بل لغيرها و مقتضى العقل أن يعمل الإنسان لما خلق له، و في تزهيد المال بتذكير سلبه عن قليل بالموت و بقاء الحساب عليه و تبعاته من عقارب الهيئات الحاصلة بسبب محبّته و جمعه و التصرّف الخارج عن العدل فيه لاسعة لمقتنيه. ثمّ عقّب بالترغيب في وعد اللّه بأنّه ليس منه مترك: اى ليس منه عوض و بدل في النفاسة بالتنفير عمّا نهى اللّه عنه بكونه لا مرغب فيه: أى ليس فيه مصلحة ينبغي أن يجعلها العاقل غاية مقصوده له. إذ هو تعالى أعلم بالمصالح فلا يليق بجوده أن ينهى العبد عمّا فيه مصلحة راجحة. ثمّ عقّب بالتحذير من يوم الوعيد و وصفه بالصفات الّتي باعتبارها يجب الخوف منه و العمل له و هي فحص الأعمال فيه و نقاش الحساب عليه كقوله تعالى «وَ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»«» و ظهور الزلزال كقوله تعالى «إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْض‏ ُ زِلْزالَها» و شيب الأطفال كقوله تعالى «يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً»«». و أعلم أنّ هذه الصفات في يوم القيامة ظاهرة في الشريعة، و قد سلّط التأويل عليها بعض من تحذلق فقال: أمّا الفحص عن الأعمال فيرجع إلى إحاطة اللوح المحفوظ بها و ظهورها للنفس عند مفارقتها للبدن أو إلى انتقاش النفوس بها كما تقدّم شرحه كقوله تعالى «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً»«» الآية، و أمّا ظهور الزلزال فيحتمل أن يريد التغيّر الّذي لا بدّ منه و الاضطراب العارض للبدن عند مفارقة النفس و التشويش لها أيضا على ما تقدّم من الإشارة إلى أنّ الدنيا هي مقبرة النفوس و أجداثها، و أمّا مشيب الأطفال فكثيرا ما يكنّى بذلك عن غاية الشدّة يقال هذا أمر تشيب فيه النواصي و تهرم فيه الأطفال إذا كان صعبا. و لا أصعب على النفس من حال المفارقة و ما بعدها. ثمّ عقّب بالتحذير من المعاصي بالتنبيه على الرصد القريب الملازم، و أشار بالرصد إلى الجوارح كما قال تعالى «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ»«» و قوله «وَ قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا»«» الآية، و الشهادة هنا بلسان الحال و النطق به فإنّ كلّ عضو لمّا كان مباشرا لفعل من الأفعال كان حضور ذلك العضو و ما صدر عنه في علم اللّه تعالى بمنزلة الشهادة القوليّة بين يديه و أكّد في الدلالة، و أشار بحفّاظ الصدق إلى الكرام الكاتبين، و قد سبقت الإشارة إلى ذلك في الخطبة الاولى، و ظاهر كونهم لا يستر منهم ساتر. ثمّ بالتحذير بقرب غد، و كنّى به عن وقت الموت. ثمّ ببلوغ منزل الواحدة، و كنّى به عن القبر، و وصفه بالأوصاف الموحشة المنفّرة المستلزمة للعمل لحلوله و لما بعده. ثمّ بالصيحة و هي الصيحة الثانية إن كانت إلّا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون، و النفخة الثانية و نفخ فيه اخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثمّ بالقيامة الكبرى و البروز لفصل القضاء و هو حال استحقاق كلّ نفس ما لا بدّ لها منه من دوام عذاب أو دوام نعيم بحكم القضاء الإلهيّ، و ذلك بعد زوال الهيئات الباطلة الممكنة الزوال من النفوس الّتي لها استكمال ما و لحوقها بعالمها و اضمحلال العلل الباطلة للنفوس و استحقاق الحقائق بالخلق و رجوع كلّ امرى‏ء إلى ثمرة ما قدّم. ثمّ عاد إلى الموعظة الجامعة الكلّيّة فأمر بالاتّعاظ بالعبر و كلّ ما يفيد تنبيها على أحوال الآخرة فهو عبرة، و بالاعتبار بالغير و هي جمع غيرة فعلة من التغيّر و اعتبارها طريق الاتّعاظ و الانزجار.
ثمّ بالانتفاع بالنذر جمع نذير و هو أعمّ من الإنسان بل كلّ أمر أفاد تخويفا بأحوال الآخرة فهو نذير و الانتفاع به حصول الخوف عنه. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 266

خطبه155شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم

القسم الأول

فَمَنِ اسْتَطَاعَ عِنْدَ ذَلِكَ- أَنْ يَعْتَقِلَ نَفْسَهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَلْيَفْعَلْ- فَإِنْ أَطَعْتُمُونِي- فَإِنِّي حَامِلُكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْجَنَّةِ- وَ إِنْ كَانَ ذَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ وَ مَذَاقَةٍ مَرِيرَةٍ- وَ أَمَّا فُلَانَةُ فَأَدْرَكَهَا رَأْيُ النِّسَاءِ- وَ ضِغْنٌ غَلَا فِي صَدْرِهَا كَمِرْجَلِ الْقَيْنِ- وَ لَوْ دُعِيَتْ لِتَنَالَ مِنْ غَيْرِي مَا أَتَتْ إِلَيَّ لَمْ تَفْعَلْ- وَ لَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا الْأُولَى وَ الْحِسَابُ عَلَى اللَّهِ

اللغة

أقول:

اعتقل نفسه: أي ضبطها و حبسها.

و الضغن: الحقد.

و المرجل: القدر.

المعنى

و قوله: عند ذلك. يقتضى أنّه سبق منه قبل هذا الفصل ذكر فتن و حروب يقع بين المسلمين وجب على من أدركها أن يحبس نفسه على طاعة اللّه دون مخالطتها و الدخول فيها، و سبيل الجنّة هو الدين القيّم، و ظاهر شرط حمله لهم عليه بالطاعة. إذ لا رأى لمن لا يطاع، و نبّه على أنّ من الدين الحقّ ما هو ذو مشقّة شديدة و مذاقة مريرة كالجهاد، و كذلك سائر التكاليف لها مشقّة، و فلانة كناية عن عايشة و إدراك رأي النساء لها في حربه بالبصرة، و قد علمت أنّ رأى النساء يرجع إلى أفن و ضعف.

و في الخبر: لا يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة، و جاء: إنّهنّ قليلات عقل و دين. كما سبق بيان أخلاقهنّ، و أمّا الضغن فقد نقل له أسباب عدّة: منها ما كان بينها و بين فاطمة عليها السّلام بسبب تزويج الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لها عقيب موت خديجة امّ فاطمة، و إقامتها مقامها، و من المعلوم المعتاد ما يقع بين المرأة و ابنة زوجها من غيرها من الكدر، و كان سبب البغض من المرأة لبنت الزوج حركة المتخيّلة بإقامة البنت مقام الامّ الّتي هي ضرّة لها و تشبيهها بها فتقيمها مقام الضرّة، و تتوهّم فيها العداوة و البغضاء ثمّ ينشأ ذلك الخيال و يقوى بأسباب اخرى فيتأكّد البغض خصوصا إن كان الزوج أكرم لبنته كما هو المنقول من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حقّ فاطمة عليها السّلام، و أمّا من جهة البنت فلتخيّلها أنّها ضرّة امّها و توهّمها بسبب ذلك بغضها لها، و الباغض للامّ باغض للبنت لا محالة، و يتأكّد ذلك بالميل المنقول عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حقّ عايشة و إيثارها على سائر نسائه، و النفوس البشريّة خصوصا نفوس النساء تغيظ على ما دون ذلك فكيف بذلك منه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و لا شكّ في تعدّى ذلك إلى نفس بعلها عليه السّلام فإنّ النساء كثيرا ما يحصل بسببهنّ الأحقاد في قلوب الرجال، و عن بعض الحكماء: إذا رأيت في الدنيا خصومة ليست بسبب امرأة فاحمد اللّه تعالى فإنّها أمر عجيب، و كثيراً ما كانت فاطمة عليها السّلام تشكو إلى بعلها من عايشة. و منها ما كان من أمر قذف عايشة، و نقل إنّ عليّا عليه السّلام كان من المشيرين بطلاقها تنزيها لعرض الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من أقوال المنافقين، و قال له لمّا استشاره: إن هي إلّا شسع نعلك، و قال: اسأل الخادمة و خوّفها فإن أقامت على الجحود فاضربها. و بلغها كلّ ذلك الكلام و سمعت أضعافه من الغير ممّا جرت عادة الناس أن يتداولنه في مثل هذه الواقعة، و نقل إليها النساء: إنّ عليّا عليه السّلام و فاطمة سرّا بذلك. فتفاقم الأمر و غلظ. ثمّ لمّا نزلت براءتها و صالحها الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ظهر منها ما جرت العادة بظهوره ممّن انتصر بعد ظلمه و ينتصر بعد غلبه من بسط اللسان و التبجّح بالبراءة من العيب، و فلتات القول في أثناء ذلك. و بلغ ذلك عليّا و فاطمة عليهما السّلام، و منها كون النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سدّ باب أبى بكر من المسجد و فتح باب صهره، و منها بعثه إيّاها بسورة براءة، ثمّ أخذها منه و دفعها إلى عليّ عليه السّلام. إلى غير ذلك من الأسباب الجزئيّة الّتي تشهد بها قرائن الأحوال و لا تكاد تتبيّن بالأقوال. فإنّ كلّ ذلك ممّا يثير الأحقاد و يؤكّد الأضغان.

و قوله: و لو دعيت. إلى آخره. كلام حقّ لمكان الباعث لها في حقّه دون غيره. و قوله: و لها بعد حرمتها الاولى. وجه اعتذاره في الكفّ عن أذاها بعد استحقاقها للأذى في نظره، و حرمتها بنكاح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كونها زوجة له. و قوله: و الحساب على اللّه. تنبيه على أنّه و إن سامحها في الدنيا بما فعلت فإنّ اللّه تعالى هو المتولّى لحسابها في الآخرة، و لعلّ هذا الكلام منه عليه السّلام قبل إظهارها للتوبة و علمه بذلك لأنّه في معنى إظهار الوعيد لها من اللّه.

القسم الثاني منها:

سَبِيلٌ أَبْلَجُ الْمِنْهَاجِ أَنْوَرُ السِّرَاجِ- فَبِالْإِيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ- وَ بِالصَّالِحَاتِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الْإِيمَانِ وَ بِالْإِيمَانِ يُعْمَرُ الْعِلْمُ- وَ بِالْعِلْمِ يُرْهَبُ الْمَوْتُ وَ بِالْمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا- وَ بِالدُّنْيَا تُحْرَزُ الْآخِرَةُ- وَ إِنَّ الْخَلْقَ لَا مَقْصَرَ لَهُمْ عَنِ الْقِيَامَةِ- مُرْقِلِينَ فِي مِضْمَارِهَا إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى

اللغة

أقول:

[ازلفت خ‏]: قدّمت و قربت.

و الإرقال: ضرب من الخبب.

و لا مقصر له عن كذا: أي لا محبس.

المعنى

و مبدء الفصل في وصف الإيمان، و المراد بالإيمان التصديق القلبىّ بالتوحيد و بما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لا شكّ في كونه سبيلا أبلج واضح المسلك إلى الجنّة أنور السراج في ظلمات الجهل، و لفظ السراج مستعار، و الصالحات هي الأعمال الصالحات من ساير العبادات و مكارم الأخلاق الّتي وردت بها الشريعة، و ظاهر كونها معلولات للإيمان و ثمرات له يستدلّ بوجوده في قلب العبد على ملازمته لها استدلالا بالعلّة على المعلول، و يستدلّ بصدورها من العبد على وجود الإيمان في قلبه استدلالا بالمعلول على العلّة، و أمّا قوله: و بالإيمان يعمر العلم.

فلأنّ‏ الإيمان بالتفسير المذكور إذا عضده البرهان كان علما و هو روح العلوم، و يطلق اسم الإيمان عليه مع ثمراته، و هي الأعمال الصالحة لأنّها من كمالاته و لا تمام له و لا منفعة بدونها فإنّ العلم إذا لم يعضد بالعمل فهو قليل الفائدة في الآخرة بل لا ثمرة له فهو كالخراب الغير الصالح للاقتناء فكما لا يصلح الخراب للسكنى فكذلك العلم الخالى عن الأعمال الصالحة فلذلك قال عليه السّلام في موضع آخر: العلم مقرون بالعمل، و العلم يهتفّ بالعمل فإن جاء به و إلّا ارتحل، و أمّا قوله: و بالعلم يرهب الموت. فلأنّ العلم باللّه تعالى و غاية خلقه للإنسان و ملاحظة نسبة الدنيا إلى الآخرة و العلم بأحوال المعاد يستلزم ذكر الموت و دوام ملاحظته و ذلك مستلزم لرهبته و العمل له و لما بعده. و قوله: و بالموت يختم الدنيا. ظاهر إذ الدنيا عبارة عمّا فيه الإنسان قبل الموت من التصرّفات البدنيّة. و قوله: و بالدنيا تحرز الآخرة. إشارة إلى أنّ الدنيا محلّ الاستعداد لتحصيل الزاد ليوم المعاد، و فيها يحصل كمال النفوس الّذي تحرز به سعادة الآخرة. و قد سبق بيانه. و قوله: [بالقيامة تزلف الجنّة للمتّقين و تبرز الجحيم للغاوين خ‏]. إشارة لطيفة ذكرناها غير مرّه. و هو أنّ بالموت و طرح جلباب البدن يتبيّن ما للإنسان و ما عليه ممّا قدّم من خير أو شرّ و إن كانت ثمرة ذلك أثرا حاصلا للنفس في الدنيا لأنّ التألّم به و الالتذاذ إنّما يحصل لها بعد طرح البدن.

و إليه الإشارة بقوله تعالى «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً»«» و لفظ الإزلاف و البروز يشهد بذلك لأنّ فيه معنى الظهور: أى ظهور الإدراك إذن. و قوله: و إنّ الخلق لا مقصر لهم عن القيامة. إلى آخره. كلام في غاية الحسن مع غزارة الفائدة، و هو إشارة إلى أنّه لا بدّ لهم من‏ ورود القيامة. و مضمارها: مدّة الحياة الدنيا. و هو لفظ مستعار، و وجه المشابهة كون تلك المدّة محلّ استعداد النفوس للسباق إلى حضرة اللّه كما أنّ المضمار محلّ استعداد الخيل للسباق، و قد سبق بيان ذلك في قوله: ألا و إنّ اليوم المضمار و غدا السباق، و مرقلين: حال. و إرقالهم كناية عن سيرهم المتوهّم في مدّة أعمارهم إلى الآخرة و سرعة حثيث الزمان بهم في إعداد أبدانهم للخراب، و الغاية القصوى هي السعادة و الشقاوة الاخرويّة.

القسم الثالث منها:

قَدْ شَخَصُوا مِنْ مُسْتَقَرِّ الْأَجْدَاثِ- وَ صَارُوا إِلَى مَصَايِرِ الْغَايَاتِ لِكُلِّ دَارٍ أَهْلُهَا- لَا يَسْتَبْدِلُونَ بِهَا وَ لَا يُنْقَلُونَ عَنْهَا- وَ إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ- لَخُلُقَانِ مِنْ خُلُقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ- وَ إِنَّهُمَا لَا يُقَرِّبَانِ مِنْ أَجَلٍ- وَ لَا يَنْقُصَانِ مِنْ رِزْقٍ- وَ عَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ- فَإِنَّهُ الْحَبْلُ الْمَتِينُ وَ النُّورُ الْمُبِينُ- وَ الشِّفَاءُ النَّافِعُ وَ الرِّيُّ النَّاقِعُ- وَ الْعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسِّكِ وَ النَّجَاةُ لِلْمُتَعَلِّقِ- لَا يَعْوَجُّ فَيُقَامَ وَ لَا يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبَ- وَ لَا تُخْلِقُهُ كَثْرَةُ الرَّدِّ وَ وُلُوجُ السَّمْعِ- مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَ مَنْ عَمِلَ بِهِ سَبَقَ و قام إليه رجل و قال: أخبرنا عن الفتنة، و هل سألت عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال عليه السّلام: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا- أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ- عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لَا تَنْزِلُ بِنَا- وَ رَسُولُ اللَّهِ ص بَيْنَ أَظْهُرِنَا- فَقُلْتُ‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا- فَقَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي- فَقُلْتُ يَا رَسُولُ اللَّهِ- أَ وَ لَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ- حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ- وَ حِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ- فَقُلْتَ لِي أَبْشِرْ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ- فَقَالَ لِي إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذاً- فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ- وَ لَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ الْبُشْرَى وَ الشُّكْرِ- وَ قَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ- وَ يَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ- وَ يَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ وَ يَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ- وَ يَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ- وَ الْأَهْوَاءِ السَّاهِيَةِ فَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ- وَ السُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ وَ الرِّبَا بِالْبَيْعِ- قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ- بِأَيِّ الْمَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ- أَ بِمَنْزِلَةِ رِدَّةٍ أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ فَقَالَ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ

المعنى

أقول:

صدر هذا الفصل صفة حال أهل القبور في القيامة.

و مصائر الغايات: الجنّة و النار، و ظاهر أنّ لكلّ دار منهما أهل لا يستبدلون بها، و يجب أن يعنى بأهل النار الكفّار ليتمّ قوله: لا يستبدلون بها و لا ينقلون عنها فإنّ العصاة من أهل القبلة و إن صحّ أنّهم يعذّبون لكن ثبت أنّهم ينتقلون عنها. و قوله: و إنّ الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر. إلى قوله: من رزق. حثّ عليهما، يذكر كونهما خلقين من خلق اللّه. و اعلم أنّ إطلاق لفظ الخلق على اللّه استعارة لأنّ حقيقة الخلق أنّه ملكة نفسانيّة تصدر عن الإنسان‏ بها أفعال خيريّة أو شرّيّة. و إذ قد تنزّه قدسه تعالى عن الكيفيّات و الهيئات لم يصدق هذا اللفظ عليه حقيقة لكن لمّا كان الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر من الأخلاق الفاضلة أشبه ما نعتبره له تعالى من صفات الكمال و نعوت الجلال الّتي ينسب إليها ما يصدر عنه من الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و الأفعال الخيريّة الّتي بها نظام العالم و بقاؤه كحكمته و قدرته وجوده و عنايته و عدم حاجته ما يتعارف من الأخلاق الفاضلة الّتي تصدر عنها الأفعال الخيريّة و الشرّيّة فاستعير لها لفظ الأخلاق، و اطلق عليه. فأمّا كونهما لا يقرّبان الأجل و لا ينقصان الرزق فلأنّ كثيرا من ضعفاء الاعتبار العقلىّ يمنعهم عن الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر توهّم أحد الأمرين، و خصوصا ترك نهى الملوك من المنكرات. ثمّ شرع في الحثّ على لزوم كتاب اللّه بأوصاف نبّه بها على فضيلته:

الأوّل: كونه الحبل المتين، و لفظ الحبل مستعار له، و وجه المشابهة كونه سببا لنجاة المتمسّك به من الهوى في دركات الجحيم كالحبل في نجاة المتمسّك به، و رشّح بذكر المتانة.

الثاني: كونه نورا مبينا، و لفظ النور أيضا استعارة له باعتبار الاهتداء به إلى المقاصد الحقيقيّة في سلوك سبيل اللّه.

الثالث: كونه الشفاء النافع: أي من ألم الجهل، و كذلك الرىّ الناقع: أى للعطشان من ماء الحياة الأبديّة كالعلوم و الكمالات الباقية.

الرابع: كونه عصمة للمتمسّك و نجاة للمتعلّق، و معناه كالّذي سبق في كونه حبلا.

الخامس: لا يعوجّ فيقام. إذ ليس هو كسائر اللآلات المحسوسة.

السادس: و لا يزيع فيستعتب: أى يطلب منه العتبى و الرجوع إلى الحقّ كما يفعله سائر الحكام من الناس.

السابع: كونه و لا تخلقه كثرة الردّ: أى الترديد في الألسنة و ولوج الأسماع و هو من خصائص القرآن الكريم فإنّ كلّ كلام نثر أو نظم إذا كثرت تلاوته محّته‏ الأسماع و استهجن إلّا القرآن الكريم فإنّه لا يزال غضّا طريّا يزداد على طول التكرار في كرور الأعصار محبّة في القلوب و حسنا، و الّذي يلوح من سرّ ذلك كثرة أسراره و غموضها الّتي لا يطّلع عليها إلّا الأفراد مع كونه في غاية من فصاحة الألفاظ و عذوبة المسمع. فأمّا ما حكاه من سؤاله الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و جواب الرسول له فقد روى كثير من المحدّثين عنه عليه السّلام عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: إنّ اللّه قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب علىّ جهاد المشركين. قال: فقلت: يا رسول اللّه و ما هذه الفتنة الّتي كتب عليّ فيها الجهاد قال: فتنة قوم يشهدون أن لا إله إلّا اللّه و أنّي رسول اللّه و هم مخالفون للسنّة. فقلت: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: فعلام اقاتلهم و هم يشهدون كما أشهد. قال: على الإحداث في الدين و مخالفة الأمر. فقلت: يا رسول اللّه إنّك كنت وعدتنى بالشهادة فاسأل اللّه أن يعجّلها لى بين يديك. قال: فمن يقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين أما إنّي وعدتك الشهادة و ستشهد تضرب على هذا فتخضب هذه فكيف صبرك إذن. فقلت: يا رسول اللّه ليس ذا [هذا خ‏] بموطن صبر هذا موطن شكر. قال: أجل أصبت فأعدّ للخصومة فإنّك مخاصم. فقلت: يا رسول اللّه لو بيّنت لى قليلا. فقال: إنّ امّتى ستفتن من بعدى فتتأوّل القرآن و تعمل بالرأى و تستحلّ الخمر بالنبيذ و السحت بالهدية و الربا بالبيع و تحرّف الكتاب عن مواضعه و تغلب كلمة الضلال فكن حلس بيتك حتّى تقلّدها فإذا قلّدتها جاشت عليك الصدور و قلبت لك الامور فقاتل حينئذ على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فليست حالهم الثانية دون حالهم الاولى. فقلت: يا رسول اللّه فبأىّ المنازل هؤلاء المفتونين أ بمنزلة فتنة أم بمنزلة ردّة. فقال: بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل. فقلت: يا رسول اللّه أ يدركهم العدل منّا أم من غيرنا قال: بل منّا فبنا فتح و بنا يختم و بنا ألّف اللّه بين القلوب بعد الشرك. فقلت: الحمد للّه على ما وهب لنا من فضله.

و ليس في هذا الفصل غريب ينبّه عليه سوى قوله: ليس هذا من مواطن الصبر و لكن من مواطن الشكر. فإنّك علمت فيما سلف أنّ الصبر و الشكر من أبواب الجنّة و المقامات العالية للسالك إلى اللّه تعالى لكن علمت أنّ‏ مقام الشكر أرفع من مقام الصبر، و لمّا كان هو عليه السّلام سيّد العارفين بعد سيّد المرسلين صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا جرم كان أولى من صدرت عنه هذه الإشارة فأمّا إخبار الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأنّ الناس سيفتنون بأموالهم و يمنّون بدينهم على ربّهم و يتمنّون رحمته و يأمنون سطوته و سائر ما أخبر به. إلى قوله: بالبيع. فكلّ ذلك مشاهد في زماننا و قبله بقرون، و أمّا كون ذلك منزلة فتنة لا منزلة ردّة فلبقائهم على الإقرار بالشهادتين و إن ارتكبوا من المحارم ما ارتكبوا لشبه غطّت على أعين أبصارهم. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحرانى )، ج 3 ، صفحه‏ى 258

خطبه154شرح ابن میثم بحرانی

 و من خطبة له عليه السّلام يذكر فيها بديع خلقة الخفاش

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي انْحَسَرَتِ الْأَوْصَافُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ- وَ رَدَعَتْ عَظَمَتُهُ الْعُقُولَ- فَلَمْ تَجِدْ مَسَاغاً إِلَى بُلُوغِ غَايَةِ مَلَكُوتِهِ- هُوَ اللَّهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ- أَحَقُّ وَ أَبْيَنُ مِمَّا تَرَى الْعُيُونُ- لَمْ تَبْلُغْهُ الْعُقُولُ بِتَحْدِيدٍ فَيَكُونَ مُشَبَّهاً- وَ لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الْأَوْهَامُ بِتَقْدِيرٍ فَيَكُونَ مُمَثَّلًا- خَلَقَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ تَمْثِيلٍ وَ لَا مَشُورَةِ مُشِيرٍ-وَ لَا مَعُونَةِ مُعِينٍ فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ وَ أَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ- فَأَجَابَ وَ لَمْ يُدَافِعْ وَ انْقَادَ وَ لَمْ يُنَازِعْ وَ مِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ وَ عَجَائِبِ خِلْقَتِهِ- مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ الْحِكْمَةِ فِي هَذِهِ الْخَفَافِيشِ- الَّتِي يَقْبِضُهَا الضِّيَاءُ الْبَاسِطُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ- وَ يَبْسُطُهَا الظَّلَامُ الْقَابِضُ لِكُلِّ حَيٍّ- وَ كَيْفَ عَشِيَتْ أَعْيُنُهَا عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ- مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ نُوراً تَهْتَدِي بِهِ فِي مَذَاهِبِهَا- وَ تَتَّصِلُ بِعَلَانِيَةِ بُرْهَانِ الشَّمْسِ إِلَى مَعَارِفِهَا- وَ رَدَعَهَا بِتَلَأْلُؤِ ضِيَائِهَا عَنِ الْمُضِيِّ فِي سُبُحَاتِ إِشْرَاقِهَا- وَ أَكَنَّهَا فِي مَكَامِنِهَا عَنِ الذَّهَابِ فِي بُلَجِ ائْتِلَاقِهَا- فَهِيَ مُسْدَلَةُ الْجُفُونِ بِالنَّهَارِ عَلَى حِدَاقِهَا- وَ جَاعِلَةُ اللَّيْلِ سِرَاجاً تَسْتَدِلُّ بِهِ فِي الْتِمَاسِ أَرْزَاقِهَا- فَلَا يَرُدُّ أَبْصَارَهَا إِسْدَافُ ظُلْمَتِهِ- وَ لَا تَمْتَنِعُ مِنَ الْمُضِيِّ فِيهِ لِغَسَقِ دُجُنَّتِهِ- فَإِذَا أَلْقَتِ الشَّمْسُ قِنَاعَهَا وَ بَدَتْ أَوْضَاحُ نَهَارِهَا- وَ دَخَلَ مِنْ إِشْرَاقِ نُورِهَا عَلَى الضِّبَابِ فِي وِجَارِهَا- أَطْبَقَتِ الْأَجْفَانَ عَلَى مَآقِيهَا- وَ تَبَلَّغَتْ بِمَا اكْتَسَبَتْهُ مِنَ الْمَعَاشِ فِي ظُلَمِ لَيَالِيهَا فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ اللَّيْلَ لَهَا نَهَاراً وَ مَعَاشاً- وَ النَّهَارَ سَكَناً وَ قَرَاراً- وَ جَعَلَ لَهَا أَجْنِحَةً مِنْ لَحْمِهَا- تَعْرُجُ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّيَرَانِ- كَأَنَّهَا شَظَايَا الْآذَانِ غَيْرَ ذَوَاتِ رِيشٍ وَ لَا قَصَبٍ- إِلَّا أَنَّكَ تَرَى مَوَاضِعَ الْعُرُوقِ بَيِّنَةً أَعْلَاماً-لَهَا جَنَاحَانِ لَمَّا يَرِقَّا فَيَنْشَقَّا وَ لَمْ يَغْلُظَا فَيَثْقُلَا- تَطِيرُ وَ وَلَدُهَا لَاصِقٌ بِهَا لَاجِئٌ إِلَيْهَا- يَقَعُ إِذَا وَقَعَتْ وَ يَرْتَفِعُ إِذَا ارْتَفَعَتْ- لَا يُفَارِقُهَا حَتَّى تَشْتَدَّ أَرْكَانُهُ- وَ يَحْمِلَهُ لِلنُّهُوضِ جَنَاحُهُ- وَ يَعْرِفَ مَذَاهِبَ عَيْشِهِ وَ مَصَالِحَ نَفْسِهِ- فَسُبْحَانَ الْبَارِئِ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلَا مِنْ غَيْرِهِ

اللغة

أقول:

الخفاش: مفرد جمعه خفافيش، و هو من الخفش و هو ضعف البصر خلقة.

و انحسرت: كلت.

و درعت: كفّت.

و المساغ: المسلك.

و سبحات إشراقها: جلالته و بهاؤه.

و البلج: جمع بلجة و هو أوّل ضوء الصبح، و قد يكون مصدرا.

و الائتلاق: اللمعان.

و الإسداف: مصدر أسدف الليل ظلم.

و غسق الدجّنة: ظلام الليل.

و وضح النهار: ضوءه.

و وجار الضبّ: بيته. و الشظايا: القطع.

المعنى

و قد حمد اللّه تعالى باعتبارات:

الأوّل: انحسار الأوصاف عن كنه معرفته
و لمّا كانت ذاته تعالى بريئة من أنحاء التراكيب لم يمكن العقول إدراكها بشي‏ء من الأوصاف بالكنه، و قد سبق ذلك مرارا.

الثاني: ردع عظمته العقول عن بلوغ غاية ملكوته
و ذلك ظاهر لأنّ الإدراك للأشياء بحقائقها إنّما يتمّ بإدراك حقائق عللها، و إذا استلزمت عظمته و ارتفاعه عن إدراك العقول ردعها عن معرفة كنهه فظاهر أنّها لا تجد مسلكا إلى غاية ملكوته، و ما عليه نظام الوجود الأعلى و الأسفل كما هو.

الثالث: قوله: هو
فهو الهوية المطلق، و هو الّذي لا يكون هويّته موقوفة على غيره و مستفادة منه فإنّ كلّ ما كان مستفادا من الغير فما لم يعتبر غيره لم يكن هو فلم يكن هو هو المطلق، و كلّ ما كان هو هو لذاته فسواء اعتبر غيره أ و لم يعتبر فهو هو لكن كلّ ممكن فوجوده من غيره فكلّ ما كان وجوده من غير فخصوصيّة وجوده و تعيّنه من غيره و هو الهويّة فإذن كلّ ممكن فهويّته من غيره فلا يكون هو هو لذاته لكنّ المبدأ الأوّل هو هو لذاته فلا يكون من غيره فلا يكون ممكنا فهو واجب لذاته فإذن واجب الوجود هو الّذي لذاته هو هو بل ذاته أنّه هو البراءة عن التركيب المستلزم للإمكان.

الرابع: تعقيبه لذكر الهويّة باسم اللّه
و ذلك لأنّه لمّا كانت تلك الهويّة و الخصوصيّة عديمة الاسم لا يمكن شرحها إلّا بلوازمها، و اللوازم منها إضافيّة و منها سلبيّة، و اللوازم الإضافيّة أشدّ تعريفا و الأكمل في التعريف هو اللازم الجامع لنوعي الإضافة و السلب، و ذلك هو كون تلك الهويّة إليها فإنّ الإله هو الّذي ينسب إليه غيره و لا ينسب هو إلى غيره فانتساب غيره إليه إضافيّ، و عدم انتسابه إلى غيره سلبيّ فلا جرم عقّب ذكر الهويّة بما يدلّ على ذلك اللازم لأكمليّته في التعريف من غيره ليكون كالكاشف لما دلّ عليه لفظ هو، و فيه سرّ آخر، و هو أنّه لمّا عرّف تلك الهويّة بلازمها، و هو الإلهيّة نبّه على أنّه لا جزء لتلك الهويّة و إلّا لكان العدول عنه إلى التعريف باللازم قصور.

الخامس: ذكر الحقّ
و هو الثابت الموجود فإنّه لمّا أشار إلى الهويّة و شرح اسمها عقّب ذلك بالإشارة إلى كونها حقّا موجودا وجودها عند العقول أحقّ و أبين ممّا [عمّا خ‏] ترى العيون، و ذلك ظاهر فإنّ العلم بوجود الصانع- جلّت عظمته- فطرىّ للعقول و إن احتاج إلى بيّنة ما. و العلوم الّتي مستندها الحس قد يقع الخلل فيها بسبب ما يقع للوهم من اشتباه المحسوسات و عدم ضبطها أو بسبب تقصير الحسّ في كيفيّة الأداء لصورة المحسوس فكانت المعقولات الصرفة أحقّ لإدراك العقل لها بذاته.

السادس: أنّ العقول لم تبلغه تجديد فيكون مشبّها
و فيه إشارة لطيفة تدل على كمال علمه عليه السّلام، و ذلك أنّك علمت في المقدّمات أنّ العقول إذا قويت على الاتّصال بالامور المجرّدة، و كانت القوّة المتخيّلة بحيث تقوى على استخلاص الحسّ المشترك و ضبطه عن الحواسّ الظاهرة فإنّ النفس و الحال هذه إذا توجّهت‏ لاقتناص أمر معقول و انجذبت القوى النفسانيّة أثرها انتقشت بذلك المعقول. ثمّ إنّها تستعين في ضبط ذلك الأمر بالقوّة المتخيّلة فتحاكيه بما يشبهه من الامور المحسوسة. ثمّ تحطّه إلى خزانة الخيال فيصير مشاهدا ممثّلًا.
إذا عرفت ذلك فنقول: لو كان الباري تعالى ممّا تدركه العقول و تشتبه بحدّ وصفة لكان استثباتها له على النحو المذكور فيلزم أن يكون مشبّها بغيره من الأجسام، و الجسمانيّات ليثبت صورته عند الذهن، و قد تنزّه قدس اللّه عن التشبيه بشي‏ء منها.

السابع: و كذلك لم تقع الأوهام عليه بتقدير فيكون ممثّلا.
إذ الوهم لا يدرك إلّا المعاني الجزئيّة المتعلّقة بالمحسوسات، و لا بدّ له في إدراك ذلك المدرك من بعث المتخيّلة على تشبيهه بمثال من الصور الجسمانيّة فلو وقع عليه و هو لمثّله في صورة حسّية حتّى أنّ الوهم إنّما يدرك نفسه في مثال من صورة و حجم و مقدار.

الثامن: خلقه [خلق خ‏] الخلق على غير مثال. إلى قوله: معين
و قد سبق أيضا بيانه في الخطبة الاولى و غيرها، و تمام خلقه بأمره بلوغه إلى غايته في الكمال الممكن له إذ [إذا خ‏] نطقت البراهين العقليّة أنّ كلّ ما أمكن لشي‏ء وصل إليه من الجود الإلهي المنزّه عن البخل و المنع من جهته، و إذعانه لطاعته دخوله تحت القدرة الالهيّة، و كذلك إجابته من غير مدافعة و انقياده من غير منازعة.

ثمّ شرع في مقصود الخطبة
و هو حمد اللّه تعالى باعتبار بعض لطائف صنعه و عجائب خلقه، و التنبيه على غوامض حكمته في خلقة هذا الحيوان المخصوص، و بدأ بالتعجّب من مخالفتها لساير الحيوان في قبض الضياء لإبصارها مع بسطها لسائر إبصار الحيوانات و إعداده لانبساط النبات و نموّه و غيره. ثمّ من بسط الظلام لإبصارها مع قبضه لساير الإبصار. ثمّ نبّه على العلّة الطبيعيّة لذلك و هو عشاء أعينها و ضعفها أن تستمدّ من نور الشمس المضيئة نورا تهتدى به، و الّذي ذكر في علّة ذلك الضعف هو إفراط التحلّل في الروح الحامل للقوّة الباصرة من هذا الحيوان إذا لقى حرّ النهار فيصيبه لذلل التحلّل ضعف يحتاج معه إلى التعوّض عمّا يتحلّل فيرجع عن‏ العضو الباصر منها طلبا لبدل ما يتحلّل فيستكمل البدل بقرب الليل لمكان برده و ضعف حرارة النهار فيعود الإبصار، و وصفه عليه السّلام بهذه الخاصيّة منها و كيفيّة حالها فيها إلى قوله: ظلم لياليها. وصف لا مزيد على فصاحته. و قوله: و تتّصل بعلانية برهان الشمس إلى معارفها. في غاية الفصاحة. و معارفها ما تعرفه من مذاهبها و وجوه تصرّفاتها، و تتّصل عطف على قوله: تستمدّ، و أمّا إسدالها لجفونها على حداقها فلأنّ تحلّل الروح الحامل للقوّة الباصرة سبب للنوم أيضا فيكون ذلك الإسدال ضربا من النوم و كثيرا ما يلحق كثيرا من الحيوان و سببه ما ذكرناه، و استعار لفظ القناع للشمس ملاحظة لشبهها بالمرأة ذات القناع، و كنّى بإلقائه عن بروزها من حجاب الأرض. ثمّ ثنّى بتسبيح اللّه و تعظيمه باعتبار أمر آخر لها على سبيل التعجّب و هو خلق أجنحتها من لحم بلا ريش و لا قصب كساير أجنحة الطير بل من عروق و رقّ تبسطه و تقبضه على مفاصل مخصوصة من غير رقّة توجب له الانشقاق عند الطيران، و لا غلظ يوجب له الثقل. ثمّ ثلّث بعجيب حالها مع ولدها، و ذلك أنّه يلصق بها فيرتضعها و لا يفارقها في حالتي وقوعها و طيرانها حتّى يشتدّ و يمكنه الطيران و التصرّف بنفسه، و ذلك أمر يخالف به أيضا ساير الحيوان و هو محلّ التعجّب. ثمّ ختم الفصل بتسبيح اللّه تعالى باعتبار خلقه لكلّ شي‏ء من غير مثال سبق من غيره، و من الأمثال العامّة: قيل للخفّاش: لما ذا لا جناح لك قالت: لأنّي تصوير مخلوق. قيل: فلما ذا لا تخرج نهارا قال: حياء من الطيور. يريدون أنّ المسيح عليه السّلام صوّره. و إنّ إليه الإشارة بقوله تعالى «إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَ عَلى‏ والِدَتِكَ»«» و في الطير عجائب لا تهتدي لها العقول بل و في كلّ ذرّة من ذرّات مبدعاته و مكوّناته لطائف و أسرار كالنحل و البعوض و النمل تعجز عن إدراكها و استقصاء أوصافها ألباب الألبّاء و حكمة الحكماء فسبحانه ما أعظم شأنه و أبهر برهانه.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحرانى )، ج 3 ، صفحه‏ى 253

 

خطبه153شرح ابن میثم بحرانی

153- و من خطبة له عليه السّلام

القسم الأول

وَ نَاظِرُ قَلْبِ اللَّبِيبِ بِهِ يُبْصِرُ أَمَدَهُ- وَ يَعْرِفُ غَوْرَهُ وَ نَجْدَهُ- دَاعٍ دَعَا وَ رَاعٍ رَعَى- فَاسْتَجِيبُوا لِلدَّاعِي وَ اتَّبِعُوا الرَّاعِيَ قَدْ خَاضُوا بِحَارَ الْفِتَنِ- وَ أَخَذُوا بِالْبِدَعِ دُونَ السُّنَنِ- وَ أَرَزَ الْمُؤْمِنُونَ وَ نَطَقَ الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ- نَحْنُ الشِّعَارُ وَ الْأَصْحَابُ وَ الْخَزَنَةُ وَ الْأَبْوَابُ- وَ لَا تُؤْتَى الْبُيُوتُ إِلَّا مِنْ أَبْوَابِهَا- فَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِهَا سُمِّيَ سَارِقاً

اللغة

أقول: الأمد: الغاية.

و غوره و نجده: منخفضه و مرتفعه.

و أرز بفتح الراء: أي انقبض و انجمع.

المعنى
و ناظر قلب اللبيب: عين بصيرته. و ظاهر أنّه يبصر بها طريقه و غايته الّتي هي متوجّه إليها و مطلوبه منها، و غوره و نجده طريقاه للخير و الشرّ و هما النجدان في قوله تعالى «وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ»«» و عبارة القرآن المجيد أخص، و هذه العبارة أنسب إلى المعنى فإنّ الغور هو المنخفض و المستفل أنسب إلى أن يعبّر به عن رتبة النازلين في دركات الجحيم من النجد، و أشار بالداعى إلى الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ما جاء به القرآن الكريم و السنّة، و بالراعي إلى نفسه، و الأمر بالاستجابة للأوّل و الاتّباع للثاني، و ظاهر وجوب الاستجابة للّه و رسوله لقوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ»«» فيجب اتّباع من أوجبا اتّباعه.

و قوله: قد خاضوا بحار الفتن. يحتمل أن يكون التفاتا إلى صفة قوم معهودين للسامعين كمعاوية و أصحاب الجمل و الخوارج، و يحتمل أن يكون منقطعا عمّا قبله متّصلا بكلام لم يحكه الرضيّ- رضوان اللّه عليه- و إليه ذهب بعض الشارحين. قال: و هو ذكر قوم من أهل الضلال قد كان أخذ في ذمّهم و عيبهم، و لفظ البحار مستعار لما عظم من الفتن و الحروب، و قد عرفت وجه الاستعارة قبل، و رشّح بذكر الخوض، و البدعة قد يراد بها ترك السنّة، و قد يراد بها أمر آخر يفعل مع ترك السنّة، و هو الأظهر في العرف. ثمّ التفت إلى ذكر فضيلته فاستعار لفظ الشعار لنفسه و أهل بيته، و وجه المشابهة ملازمتهم للرسول صلى اللّه عليه و آله و سلم و اختصاصهم به كما يلزم الشعار الجسد. ثمّ ذكر كونهم أصحابا له. ثمّ كونهم خزنة علمه كما نقل عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو خازن علمى، و في رواية عيبة علمى، و قيل: خزنة الجنّة على معنى أنّ من جاء يوم القيامة بولايتهم دخل الجنّة و إلّا فلا، و لفظ الخزن على التقديرين مستعار، و وجه المشابهة تصرّفهم بمنع العلم و إعطائه أو بمنع الجنّة بسببهم، و إعطائها كما أنّ الخاذن للشي‏ء كذلك. ثمّ كونهم الأبواب: أي أبواب العلم كما قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أنا مدينة العلم و علىّ بابها و أبواب الجنّة على الاستعارة السابقة. و قوله: لا تؤتى البيوت إلّا من أبوابها، و ذلك لوجوه: أحدها: العادة الجارية على وفق الحكمة. الثاني: النصّ «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ». الثالث: العرف و هو أنّه من أتاها من غير أبوابها سمّى سارقا، و التقبيح العرفيّ يستلزم الترك، و مراده أنّ من طلب العلم و الحكمة و أسرار الشريعة فليرجع إلينا، و باللّه التوفيق.

القسم الثاني منها:

فِيهِمْ كَرَائِمُ الْقُرْآنِ وَ هُمْ كُنُوزُ الرَّحْمَنِ- إِنْ نَطَقُوا صَدَقُوا وَ إِنْ صَمَتُوا لَمْ يُسْبَقُوا- فَلْيَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ وَ لْيُحْضِرْ عَقْلَهُ- وَ لْيَكُنْ مِنْ‏ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ- فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ وَ إِلَيْهَا يَنْقَلِبُ- فَالنَّاظِرُ بِالْقَلْبِ الْعَامِلُ بِالْبَصَرِ- يَكُونُ مُبْتَدَأُ عَمَلِهِ أَنْ يَعْلَمَ أَ عَمَلُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَهُ- فَإِنْ كَانَ لَهُ مَضَى فِيهِ وَ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَقَفَ عَنْهُ- فَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ- فَلَا يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ إِلَّا بُعْداً مِنْ حَاجَتِهِ- وَ الْعَامِلُ بِالْعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ- فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ أَ سَائِرٌ هُوَ أَمْ رَاجِعٌ وَ اعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ ظَاهِرٍ بَاطِناً عَلَى مِثَالِهِ- فَمَا طَابَ ظَاهِرُهُ طَابَ بَاطِنُهُ- وَ مَا خَبُثَ ظَاهِرُهُ خَبُثَ بَاطِنُهُ- وَ قَدْ قَالَ الرَّسُولُ الصَّادِقُ ص- إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ وَ يُبْغِضُ عَمَلَهُ- وَ يُحِبُّ الْعَمَلَ وَ يُبْغِضُ بَدَنَهُ وَ اعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ نَبَاتاً- وَ كُلُّ نَبَاتٍ لَا غِنَى بِهِ عَنِ الْمَاءِ- وَ الْمِيَاهُ مُخْتَلِفَةٌ فَمَا طَابَ سَقْيُهُ طَابَ غَرْسُهُ وَ حَلَتْ ثَمَرَتُهُ- وَ مَا خَبُثَ سَقْيُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ وَ أَمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ

المعنى

أقول: الإشارة إلى فضائل أهل البيت عليهم السّلام فالاولى: فيهم كرائم الإيمان: أي نفائسه المستلزمة لأشديّة القرب من اللّه تعالى كالأخلاق الفاضلة و الاعتقادات الحقّة المطابقة لما عليه الأمر نفسه.

الثانية: و هو كنوز الرحمن: أي خزائن علمه و ساير ما امر به من مكارم الأخلاق.

الثالثة: ملازمة منطقهم للصدق.

الرابعة: اختصاصهم بالحكمة الّتي لا يتمكّن غيرهم من النطق بها و السبق إليها حال سكوتهم فهم إن نطقوا فبحكمة و إن صمتوا فحكمة و وضع للصمت في‏ موضعه، و إنّما ذكر هذه الفضائل لنفسه و أهل بيته جذبا إلى سماع قوله و دعوته إلى اللّه و لذلك عقّب بالمثل فليصدق رائد أهله، و أشار به إلى من يحضرنا طلبا لاختيارنا فليصدق من يعينه أمره إنّنا أهل الحقّ و ينابيع العلوم و الحكمة و الأدلّاء إلى اللّه كما يصدق الرائد لطلب الكلاء و الماء أهله مبشّرا بهما، و ليحضر عقله لما يقوله ليعرف صحّة ما ادّعيناه. ثمّ شرع فيما ينبغي أن يقوله أمثاله، و هو التنبيه على أحوال الآخرة، و أن يكون العاقل من أبنائها، و وجه استعارة النبوّة هاهنا. قوله: فإنّه منها قدم و إليها ينقلب. أى كما أنّ الابن ينقلب عن الامّ و إليها و له و رجوعه كذلك الإنسان مبدؤه الحضرة الإلهيّة فعنها ينقلب و إليها يعود فينبغي أن يكون من أبنائها بالرغبة فيها و الوله إليها و العمل لها. ثمّ نبّه العاقل ذا الفكر السليم الناظر بعين بصيرته على ما ينبغي له أن يبدأ به في حركاته و سكناته و هو أن يتفقّد أحوال نفسه فيما يهمّ به و ينبعث في طلبه أو تركه، و يعلم أذلك الخاطر أو تلك الحركة مقرّبة له من اللّه تعالى فيكون له فينبغي أن يمضى فيها أو مبعّده له عن رضاه و مستلزمة لسخطه فيكون عليه فيقف عنها. ثمّ شبّه الجاهل في حركاته و سكناته بالسائر على غير طريق و أشار إلى وجه التشبيه بقوله: فلا يزيده بعده عن الطريق إلّا بعدا عن حاجته.
إذ كان بعده عن مطلوبه بقدر بعده عن طريق ذلك المطلوب، و بضدّه العامل بالعلم في سلوكه و قربه من مطلوبه، و نفر بذلك التشبيه عن الجهل و زاد في التنفير بقوله: فلينظر ناظر أساير هوأم راجع فإنّه إذا علم أنّه سائر وجب أن يعلم كيف يسير و يشعل مصباح العلم ليسلم من الضلال و الصرعة في مهاوي الهلاك. و قوله: و اعلم أنّ لكلّ ظاهر باطنا. إلى قوله: ويبغض بدنه. فاعلم أنّ هذه القضيّة الكلّيّة صادقة و ذلك أنّه لمّا صدر عن الجود الإلهيّ عالما الغيب و الشهادة و إن شئت عالم الخلق و الأمر و إن شئت العالم الروحانيّ و الجسمانيّ اقتضت الحكمة الإلهيّة كون عالم الشهادة طريقا للنفوس البشريّة إلى عالم الغيب و لولاها لتعذّر السفر إلى الحضرة الإلهيّة و انسدّ طريق الترقّي إلى‏ اللّه فكان جميع ما ظهر في عالم الشهادة مثالا مناسبا للأمر باطن من عالم الغيب هو الطريق إليه، و الدليل عليه غير أنّ المفهوم من كلامه عليه السّلام هنا تخصيص تلك الكلّيّة بأحد أمرين فإنّه إمّا أن يشير بالظاهر إلى أشخاص الناس أو إلى أفعالهم الظاهرة، و الباطن إشارة إلى الأخلاق و أعمال القلوب و ما في الأمزجة المختلفة من الخير و الشرّ، و قيل: إشارة إلى ما يخفى من الثواب و العقاب في الآخرة، و قد دلّ الاستقراء و القياس على أنّ حسن الصورة أو حسن الأعمال الظاهرة الّتي تبدو من الإنسان حسن الأخلاق طيّب العشرة مستقيم السيرة، و على أنّ قبيحها سيّ‏ء الأخلاق شرير أمّا الاستقراء فظاهر، و أمّا القياس فلأنّ حسن الأخلاق و قرب النفس من الاستقامة على طلب الحقّ مقتضى قرب المزاج من الاعتدال، و كذلك حسن الصورة فيترتّب قياس هكذا: حسن الصورة معتدل المزاج و كلّ معتدل المزاج حسن الأخلاق فحسن الصورة حسن الأخلاق، و إن شئت هكذا: معتدل المزاج حسن الصورة و معتدل المزاج حسن الأخلاق و القضيّتان أكثريّتان فإنّ بعض حسن الصورة قبيح الباطن، و بعض خبيث الظاهر حسن الباطل، و لذلك استشهد بما رواه عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإنّ اللّه يحبّ العبد من حيث صورته الحسنة لكونها مقتضى الحكمة الإلهيّة و أنسب إلى الوجود من القبيحة الّتي هي أنسب إلى العدم الّذي هو الشرّ المحض و يبغض عمله من جهة ما هو شرّ، و كذلك يحبّ العمل الحسن الباطن الطيب، و يبغض بدنه القبيح لنسبته إلى العدم الّذي هو شرّ، و أمّا النصّ في دلالة الظاهر على الباطن فما نطق به القرآن الكريم «وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً»«» أي عسرا مشوما. قال ابن عبّاس و مجاهد و الحسن و قتادة و السدى: هذا مثل ضربه اللّه تعالى للمؤمن و الكافر بالأرض العذية التربة و بالأرض السبخة المالحة، و شبّه فيه المؤمن الّذي إذا سمع القرآن و عاه و عقله و انتفع به فبان أثره عليه بحسن الأعمال و طيّبها بالبلد الطيّب. إذ كان البلد الطيّب يمرع و يخصب و يحسن أثر المطر عليه، و شبّه الكافر الّذي يسمع القرآن فلا يؤثّر فيه أثرا محمودا بالبلدالخبيث. إذ كان لا يمرع و لا يخصب و لا يتبيّن أثر المطر فيه، و أمّا البغض و المحبّة فقد علمت أنّهما يعودان في اللّه سبحانه إلى إرادته و كراهيّته فما كان خيراً محضا أو الخير غالب عليه فهو مراد له بالذات، و ما كان شرّا محضا أو غالبا فهو مراد له بالعرض مكروه له بالذات. و قوله: و أعلم أنّ لكلّ عمل نباتا. استعار لفظ النبات لزيادة الأعمال و نموّها، و رشّح تلك الاستعارة بذكر الماء.
و كنّى به عن المادّة القلبيّة للأعمال، و وجه المشابهة أنّ الحركات في العبادة إنّما تكون بالميول القلبيّة و النيّات كما أنّ حركة النموّ للنبات إنّما تكون بالماء.

و ظاهر أنّ اختلاف المياه في الحلاوة و الملوحة سبب لاختلاف استعداد النبات لطيب المغارس و الثمار فما طاب سقيه: أي نصيبه من الماء طابت ثمرته و ما خبثت ثمرته فكذلك ما يشبه النباتات و هي الأعمال يكون طيب ثمارها و هي ثمار الجنّة و أنواع لذّاتها بحسب طيب مادّتها من الإخلاص للّه، و خبثها بحسب خبث مادّتها من الرياء و حبّ الشهرة و تكون‏ثمرتها أمرّ الثمار. إذ لا أمرّ مذاقا من عذاب النار. و باللّه التوفيق.

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 3 ، صفحه‏ى 248

 

خطبه152شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام 

القسم الأول

وَ هُوَ فِي مُهْلَةٍ مِنَ اللَّهِ يَهْوِي مَعَ الْغَافِلِينَ- وَ يَغْدُو مَعَ الْمُذْنِبِينَ بِلَا سَبِيلٍ قَاصِدٍ وَ لَا إِمَامٍ قَائِدٍ

أقول: هذا الفصل يشتمل على صفة مطلق الضالّ
و أشار بالمهلة إلى مدّة عمره المضروبة له من اللّه تعالى، و يهويه مع الغافلين إلى سقوطه و انخراطه في سلكهم بسبب جهله و غفلته عمّا يراد به، و استعار لفظ الهوى لذلك الانخراط و تلك المتابعة، و وجه المشابهة أنّ المنهمك في مجارى الغفلة و مسالك الجهل ينحطّ بها عن درجة أهل السلامة، و يهوى في مهابط الهلاك و هي الرذائل المبعّدة عن اللّه تعالى كما أنّ الهاوى من علوّ كذلك، و يغدو مع المذنبين موافقته لهم فيما هم فيه، و مسارعته إلى المعاصى من غير أن يسلك سبيلا قاصدا للحقّ و يتّبع إماما يقوده إليه من استاد مرشد أو كتاب أو سنّة، و باللّه التوفيق.

القسم الثاني منها

حَتَّى إِذَا كَشَفَ لَهُمْ عَنْ جَزَاءِ مَعْصِيَتِهِمْ- وَ اسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ جَلَابِيبِ غَفْلَتِهِمُ- اسْتَقْبَلُوا مُدْبِراً وَ اسْتَدْبَرُوا مُقْبِلًا- فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَا أَدْرَكُوا مِنْ طَلِبَتِهِمْ- وَ لَا بِمَا قَضَوْا مِنْ وَطَرِهِمْ- إِنِّي أُحَذِّرُكُمْ وَ نَفْسِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ- فَلْيَنْتَفِعِ امْرُؤٌ بِنَفْسِهِ- فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ- وَ نَظَرَ فَأَبْصَرَ وَ انْتَفَعَ بِالْعِبَرِ- ثُمَّ سَلَكَ جَدَداً وَاضِحاً يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِي الْمَهَاوِي- وَ الضَّلَالَ فِي الْمَغَاوِي- وَ لَا يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ الْغُوَاةَ بِتَعَسُّفٍ فِي حَقٍّ- أَوْ تَحْرِيفٍ فِي نُطْقٍ أَوْ تَخَوُّفٍ مِنْ صِدْقٍ فَأَفِقْ أَيُّهَا السَّامِعُ مِنْ سَكْرَتِكَ- وَ اسْتَيْقِظْ مِنْ غَفْلَتِكَ وَ اخْتَصِرْ مِنْ عَجَلَتِكَ- وَ أَنْعِمِ الْفِكْرَ فِيمَا جَاءَكَ- عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ص مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ- وَ لَا مَحِيصَ عَنْهُ- وَ خَالِفْ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ- وَ دَعْهُ وَ مَا رَضِيَ لِنَفْسِهِ وَ ضَعْ فَخْرَكَ- وَ احْطُطْ كِبْرَكَ وَ اذْكُرْ قَبْرَكَ فَإِنَّ عَلَيْهِ مَمَرَّكَ- وَ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ وَ كَمَا تَزْرَعُ تَحْصُدُ- وَ مَا قَدَّمْتَ الْيَوْمَ تَقْدَمُ عَلَيْهِ غَداً- فَامْهَدْ لِقَدَمِكَ وَ قَدِّمْ لِيَوْمِكَ- فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ وَ الْجِدَّ الْجِدَّ أَيُّهَا الْغَافِلُ- وَ لا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ إِنَّ مِنْ عَزَائِمِ اللَّهِ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ- الَّتِي عَلَيْهَا يُثِيبُ وَ يُعَاقِبُ وَ لَهَا يَرْضَى

اللغة

أقول: الجلباب: الملحفة.

و الوطر: الحاجة.

و الجدد: الطريق الواضح.

و استنجح الحاجة: استقضائها.

و صدر هذا الفصل صفة غاية الغافلين عن أحوال الآخرة المشمّرين في طلب الدنيا و فاعل كشف ضمير يعود إلى اسم اللّه تعالى فيما سبق من الكلام، و قد علمت أنّ النفس ذا جهتين: جهة تدبير أحوالها البدنيّة بما لها من القوّة العمليّة، و جهة استكمالها بقوّتهما النظريّة الّتي تتلقّى بها من العاليات كمالها، و علمت أنّ بقدر خروجها عن حدّ العدل في استكمال قوّتها العمليّة تنقطع عن الجهة الاخرى، و تكشفها الهيئات البدنيّة فتكون في أغطية منها و جلابيب من الغفلة عن الجهة الاخرى بالانصباب إلى ما يقتنيه ممّا يعدّ خيرا في الدنيا، و بحسب انصبابها في هذه الجهة، و تمكّن تلك الهيئات البدنيّة منها يكون بعدها عن بارئها و نزولها في دركات الجحيم عن درجات النعيم، و بالعكس كما قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: الدنيا و الآخرة ضرّتان بقدر ما تقرب من إحداهما تبعد من الاخرى، و ظاهر أنّ بالموت تنقطع تلك الغفلة و تنكشف تلك الحجب فيومئذ يتذكّر الإنسان و أنّى له الذكرى، و يكون ما اثيبه يومئذ من تعلّق تلك الهيئات بنفسه و حطّها له عن درجات الكمال و ما شاهده من السلاسل و الأغلال هو جزاء معصيتهم المنكشف لهم، و لفظ الجلابيب استعارة لفظ المحسوس للمعقول، و وجه المشابهة حجب الغفلة لا غير يصائرهم عن التنوّر بأنوار اللّه كحجب الوجه بالجلباب، و المدبر الّذي استقبلوه هو العذاب الاخروىّ، و الأهوال الّتي كانت غائبة عنهم، و المقبل الّذي استدبروه هو ما كانوا فيه من مأمولاتهم و أحوالهم الدنيويّة، و ظاهر أنّهم لم ينفعوا إذن بما أدركوا من طلباتهم الدنيويّة، و لا بما قضوا من أوطارهم و حاجاتهم الحاضرة فيها. ثمّ عاد إلى التحذير من هذه المنزلة: أى الحالة الّتي هؤلاء الموصوفون عليها من الغفلة فإنّها مقام صعب و مزلّة قدم، و شرك نفسه في التحذير لأنّه أدخل في جذب نفوس السامعين إلى طاعته. ثمّ أمر كلّا بالانتفاع بنفسه، و شرح كيفيّة الانتفاع بشرح حال البصير لأنّه لا ينتفع بنفسه إلّا البصير، و ذكر امورا: فالأوّل، أن يتفكّر فيما يسمعه من كلام اللّه و رسوله و المواعظ البالغة فإنّه لا ينتفع بها بدون الفكر كما علمته. الثاني: أن ينظر بعين حسّه، و بصيرته فيتوخى المقاصد النافعة فيبصرها و يدرك بعقله منها العبر. الثالث: أن ينتفع بما يدركه من العبر و ذلك بالعمل على وفق ما علم و أدرك.

الرابع: أن يسلك الصراط المستقيم الّذي وردت به الشريعة و هو الجدد الواضح، و يتجنّب فيه العدول و الانحراف بأنّه من انحرف عنه و لو باليسير انصرع في مهراة و ضلّ في مغواة، و قد نبّهناك فيما سلف على ذلك بالمثل الّذي ضربه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث قال: ضرب اللّه مثلا مستقيما، و على جنبتي الصراط أبواب مفتّحة، و عليها ستور مرخاة، و على رأس الصراط داع يقول: جوزوا و لا تعرّجوا. قال: فالصراط هو الدين، و هو الجدد الواضح هنا، و الداعى هو القرآن، و الأبواب المفتّحة محارم اللّه، و هي المهاوي و المغاوي هنا، و الستور المرخاة هي حدود اللّه و نواهيه. ثمّ نهى أن يعين الإنسان على نفسه الغواة بأحد امور: أن يتعسّف في حقّ: أي لا يحملهم على مرّ الحقّ و صعبه فإنّ الحقّ له درجات بعضها أسهل من بعض فالاستقصاء فيه على غير أهله يوجب لهم النفرة عمّن يقوله و يأمره به، و العداوة له و القول فيه، و يحتمل أن يريد بالتعسّف في الحقّ التكلّف في العمل به مع نوع من التقصير فيه فإنّ الغواة هم تاركوا الحقّ فإذا وجدوا ركيكا فيه أو متكلّفا للعمل به مقصّرا طمعوا في الأبنة للباطل فكان قد أعانهم على نفسه بذلك، و كذلك إذا آنسوا منه الكذب و التحريف في القول أو التخوّف من الصدق كأن ادعى لهم من الطمع في انفعاله لباطلهم و إدخاله فيه فكان معينا لهم على إغواء نفسه بذلك. ثمّ عاد إلى أمر السامع بأوامر:

أحدها: الإفاقة من سكرة الجهل و التيقّظ من الغفلة في الدنيا، و لفظ السكرة مستعار، و وجه المشابهة كون الغفلة مستلزمة لترك إعمال العقل كما أنّ السكر كذلك.

الثاني: بالاختصار من العجلة، و أراد بالعجلة سرعة الحركة في طلب الدنيا و الاهتمام بها، و باختصارها تخفيف تلك الحركة و تقليلها.

الثالث: بانعام الفكر فيما دار على لسان الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كثر من ذكر الموت و عرض النفوس على ديّانها، و إنعام الفكر في ذلك تدقيق النظر في حال الموت و ما بعده، و الاعتبار بما لا بدّ منه و لا محيص عنه من ذلك.

الرابع: بمخالفة من خالف ذلك و نظر في غيره ممّا عنه بدّ من أحوال الدنيا و زينتها، و أن يدع ذلك المخالف، و ما رضى لنفسه من التعوّض بالامور الفانية عن الامور الباقية، و ما يستلزم ذلك من الشقاوة الاخرويّة.

الخامس: أن يضع الفخر و يحطّ الكبر، و قد سبق بيان ما في الكبر من الآفات، و الفخر مستلزم للكبر. إذ كلّ مفتخر متكبّر أو متلازمان.

السادس: أن يذكر قبره لأنّ في ذكره عبرة تامّة.

و قوله: فإنّ عليه ممرّك. تنبيه له على وجوب الذكر له فإنّ السالك لطريق لا بدّ من سلوكها إذا كان فيها منزل موحش مظلم وجب الاستعداد له بحمل الضوء للاستنارة فيه، و الإنسان في سلوكه لطريق الآخرة لا بدّ له من المرور بالقبر و أحكام الشارع أكثرية، ثمّ نبّهه بالمثلين المشهورين: كما تدين تدان على وجوب حسن المعاملة مع اللّه سبحانه. إذ كان حسن جزائه بقدر حسن معاملة العبد، و قبحه بقبحها، و كذلك قوله: كما تزرع تحصد، و لفظ الزرع مستعار لما يفعله الإنسان فيكسب نفسه ملكة خيريّة أو شرّيّة، و كذلك لفظ الحصد للحصول على ما تثمره تلك الآثار، و تستلزمه من ثواب أو عقاب، و وجه الاستعارتين ظاهر. و قوله: و كما قدّمت اليوم تقدم عليه غدا. ظاهر فإنّ الهيئات النفسانيّة الّتي هي ثمرات الأفعال المستلزمة للسعادة أو الشقاوة و إن كانت مستصحبة للنفس مدّة بقائها في الدنيا أيضا إلّا أنّها لا تنكشف لها إلّا بعد المفارقة كما سبق بيانه فتكون حينئذ حالة الانكشاف بمنزلة من قدم على أمر لم يكن معه، و إذا كان كذلك فينبغي للإنسان أن يمهّد لقدمه: أى يوطى‏ء موضع قدمه في الآخرة بطيب الأعمال، و يقدّم صالحها ليوم قيامته. ثمّ عاد إلى تحذيره من حيث هو مستمع للموعظة، و إلى أمره بالجدّ في العمل لما بعد الموت و اليقظة من الغفلة، و نبّهه باقتباس الآية على أنّ الواعظ له خبير بأحوال طريق الآخرة و أهوالها و لا يخبر بحقائق الامور كالعارف بها. ثمّ عاد إلى التحذير من‏ بعض الكبائر الّتي نصّ القرآن المجيد أنّها مستلزمة للعقاب لا محالة، و الذكر الحكيم هو القرآن، و قد سبق بيان معنى العزائم منه، و قيل: هو اللوح المحفوظ،

القسم الثالث

وَ يَسْخَطُ- أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ عَبْداً- وَ إِنْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ وَ أَخْلَصَ فِعْلَهُ- أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا لَاقِياً رَبَّهُ- بِخَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا- أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَتِهِ- أَوْ يَشْفِيَ غَيْظَهُ بِهَلَاكِ نَفْسٍ- أَوْ يَعُرَّ بِأَمْرٍ فَعَلَهُ غَيْرُهُ- أَوْ يَسْتَنْجِحَ حَاجَةً إِلَى النَّاسِ بِإِظْهَارِ بِدْعَةٍ فِي دِينِهِ- أَوْ يَلْقَى النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ أَوْ يَمْشِيَ فِيهِمْ بِلِسَانَيْنِ- اعْقِلْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمِثْلَ دَلِيلٌ عَلَى شِبْهِهِ- إِنَّ الْبَهَائِمَ هَمُّهَا بُطُونُهَا- وَ إِنَّ السِّبَاعَ هَمُّهَا الْعُدْوَانُ عَلَى غَيْرِهَا- وَ إِنَّ النِّسَاءَ هَمُّهُنَّ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ الْفَسَادُ فِيهَا- إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَكِينُونَ- إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ مُشْفِقُونَ إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ خَائِفُونَ

المعنى

اسم إنّ أنّه لا ينفع، و الضمير في أنّه ضمير الشأن، و فاعل ينفع أن يخرج، و لاقيا نصب على الحال، و أراد أنّ من جملة نصوص اللّه سبحانه الّتي هي في محكم كتابه العزيز الّتي باعتقادها و العمل على وفقها يثيت و يرضى، و بتركها يعاقب و يسخط أنّه لا ينفع عبدا خروجه من الدنيا لاقيا ربّه بأحد الخصال المذكورة و إن أجهد نفسه في العمل و أخلص فيه: أحدها: الشرك باللّه تعالى، و قد سبق منّا بيان درجات الشرك، و بقدر قوّته و ضعفه يكون قوّة العقاب و ضعفه، و النصّ الدالّ على مضرّته المستلزم لعدم نفعه قوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ»«» و قوله: فيما افترض عليه من عبادته‏ يفهم منه أنّه أراد الشرك بالرياء في العبادة لا اتّخاذ إله ثان، و هذه الآية تلحق النفس تارة من غلبة الجهل عليها و استيلاء الغفلة و ترك النظر في المعرفة و التوحيد و تارة من غلبة الشهوة كما تلحق نفس المرائى بعبادته لطلب الدنيا. الثانية: أن يشفى غيظه بهلاك نفس، و في نسخة نفسه، و نفس أعمّ و ذلك الهلاك تارة في الدنيا كما يستلزمه السعى بالنميمة إلى الملوك و نحوه، و تارة في الآخرة باكتساب الآثام المستلزم لشفاء الغيظ، و النصّ فيه قوله تعالى «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها»«» الآية، و هذه الآفة تلحقها بواسطة القوّة الغضبيّة. الثالثة: أن يقرّ بأمر فعله غيره: أي يتمّ على غيره بأمر فعله ذلك الغير فيستلزمه إهلاكه و أذاه فيدخل فيمن يسعى في الأرض فسادا، و النصّ عليه قوله «إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا»«» الآية، و روى الشارحين يعرّ بالعين المهملة.

قال: و معناه أن يقذف غيره بأمر قد فعله هو فيكون غيره منصوبا مفعولا به، و العامل يعرّ يقال عرّه يعرّه عرّا: أي غابه و لحظه (لطخه خ) فعلى هذا يكون داخلا في جملة الفاسقين و الكاذبين و الموذين للمؤمنين بغير ما اكتسبوا، و هذه الآفة تلحق النفس بشركة من الشهوة و الغضب. الرابعة: أن يستنجح حاجة إلى الناس بإظهار بدعة في دينه كشاهد الزور لغاية يصل إليها، و المرتشي في الحكم و القضاء. الخامسة: أن يلقى الناس بوجهين أو يمشي فيهم بلسانين: أى يلقى كلّا من الصديقين مثلا بغير ما يلقى به الآخر ليفرّق بينهما أو بين العدوّين ليضرى بينهما، و بالجملة أن يقول بلسانه ما ليس في‏ قلبه فيدخل في زمرة المنافقين، و وعيد المنافقين في القرآن «إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»«» و مطابقة ذلك من العقل أنّ من انتقش لوح نفسه بهيئات السوء و لم يمحها بالتوبة ألحقه فهو من أصحاب النار. و قوله: اعقل ذلك.

أي اعقل ما أضربه لك من المثل، و احمل عليه ما يشبهه فإنّ المثل دليل على شبهه و ذلك المثل قوله: إنّ البهائم. إلى قوله: و الفساد فيها. فقوله: إنّ البهائم همّها بطونها. إشارة إلى أنّ الإنسان المتّبع لشهوته بمنزلة البهيمة في اتّباع قوّته الشهويّة، و الاهتمام بالطعام و الشراب دون المطالب الحقيقيّة. و قوله: إنّ السباع همّها العدوان على غيرها. إشارة إلى أنّ متّبع القوّة الغضبيّة بمنزلة السبع في اتّباعها و محبّة الانتقام و الغلبة على الغير. و قوله: و إنّ النساء همّهنّ زينة الحياة الدنيا و الفساد فيها. إشارة إلى أنّ النساء متّبعة للقوّتين: الشهويّة و لها كان همّهنّ زينة الحياة الدنيا، و الغضبيّة و لها كان همّهنّ الفساد في الدنيا فالتابع لشهوته و غضبه لاحق بالنساء في ذلك. ثمّ لمّا حصر متابع الشرّ في قوّتي الشهوة و الغضب ذكر المؤمنين بصفات ثلاث كلّ منها يستلزم كسر تينك القوّتين، و هي الاستكانة للّه و. الخضوع له. ثمّ الاشفاق من غضبه. ثمّ الخوف من عقابه، و ظاهر كون كلّ واحد من هذه الصفات جاذبا لهم عن طرف الافراط في القوّتين و الخروج عن حدّ العدل فيهما، و غاية هذا المثل التنفير عن طاعة الشهوة و الغضب بالتنبيه على أنّ الخارج فيهما عن حدّ العدل إلى ما لا ينبغي إمّا أن يشبه البهيمة أو السبع أو المرأة، و كلّ منها ممّا يرغب العاقل عنه، و هو الّذي أمر بعقليّته فانظر إلى ما اشتمل عليه هذا الكلام من الإشارة اللطيفة الّتي يشهد عليه عليه السّلام بمشاهدة الحقّ كما هو، و إذا اعتبرت ذلك و أمثاله من الحكم البالغة و نظرت إلى أنّه عليه السّلام لم يرجع فيه إلى مطالعة كتاب أو استفادة بحث علمت أنّه فيض ربّانيّ بواسطة إعداد سيّد البشر و الاستاد المرشد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال الشارح الفاضل عبد الحميد بن أبي الحديد- رحمه اللّه- إنّما رمز بباطن هذا الكلام إلى الرؤساء يوم الجمل لأنّهم حاولوا أن يشفوا غيظهم بإهلاكه و إهلاك غيره من المسلمين و عيّروه عليه السّلام بأمرهم فعلوه، و هو التأليب على عثمان و حصره و استنجحوا حوائجهم إلى أهل البصرة بإظهار البدعة و الفتنة و لقوا الناس بوجهين و لسانين لأنّهم بايعوه و أظهروا الرضا به. ثمّ نكثوا من وجه آخر فجعل ذنوبهم هذه بمنزلة الشرك في أنّها لا تغفر إلّا بالتوبة. قال: و هذا معنى قوله: اعقل ذلك فإنّ المثل دليل على شبهه. و باللّه التوفيق.

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن ‏ميثم بحرانی)، ج 3 ، صفحه‏ى 240

 

 

خطبه 151 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

القسم الأول

الْحَمْدُ لِلَّهِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ- وَ بِمُحْدَثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ- وَ بِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لَا شَبَهَ لَهُ- لَا تَسْتَلِمُهُ الْمَشَاعِرُ وَ لَا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ- لِافْتِرَاقِ الصَّانِعِ وَ الْمَصْنُوعِ- وَ الْحَادِّ وَ الْمَحْدُودِ وَ الرَّبِّ وَ الْمَرْبُوبِ- الْأَحَدِ بِلَا تَأْوِيلِ عَدَدٍ- وَ الْخَالِقِ لَا بِمَعْنَى حَرَكَةٍ وَ نَصَبٍ- وَ السَّمِيعِ لَا بِأَدَاةٍ وَ الْبَصِيرِ لَا بِتَفْرِيقِ آلَةٍ- وَ الشَّاهِدِ لَا بِمُمَاسَّةٍ وَ الْبَائِنِ لَا بِتَرَاخِي مَسَافَةٍ- وَ الظَّاهِرِ لَا بِرُؤْيَةٍ وَ الْبَاطِنِ لَا بِلَطَافَةٍ- بَانَ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْقَهْرِ لَهَا وَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا- وَ بَانَتِ الْأَشْيَاءُ مِنْهُ بِالْخُضُوعِ لَهُ وَ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ- مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ وَ مَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ- وَ مَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ- وَ مَنْ قَالَ كَيْفَ فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ- وَ مَنْ قَالَ أَيْنَ فَقَدْ حَيَّزَهُ- عَالِمٌ إِذْ لَا مَعْلُومٌ وَ رَبٌّ إِذْ لَا مَرْبُوبٌ- وَ قَادِرٌ إِذْ لَا مَقْدُورٌ

اللغة

أقول: المشاعر: الحواس. إذ هي محلّ الشعور.

و قد حمد اللّه تعالى باعتبارات من أوصافه، و في الفصل أبحاث من العلم الإلهىّ:
الأوّل: الإشارة إلى وجوده تعالى الواجب
و للناس في إثباته طريقان: إحداهما: إثبات وجوده بالنظر في نفس الوجود، و قسمته إلى أقسام حاصرة، و تقرير هذه الطريقة أن يقال: لا شكّ في وجود موجود فذلك الموجود إن كان واجب الوجود فهو المطلوب و إن كان ممكنا افتقر إلى مؤثّر بناء على أنّ العلّة المحوجة إلى المؤثّر هي الإمكان، و ذلك الموجود إن كان ممكنا افتقر إلى غيره و لزم الدور أو التسلسل و كلاهما باطلان: أمّا الأوّل: فلأنّه لو افتقر كلّ واحد من الأمرين إلى الآخر باعتبار واحد لزم تقدّم كلّ منهما على المتقدّم على نفسه فيلزم تقدّمه على نفسه بمراتب، و أمّا الثاني: فلأنّه و لو كانت سلسلة من علل و معلولات لا نهاية لها في الوجود لكان مجموعها ممكنا لافتقاره إلى الأجزاء الّتي هي غيره و بمجموعها علّة تامّة فهي إمّا نفسه و هو محال بالبديهة أو أمر داخل فيه و هو باطل لأنّ العلّة التامّة للمركّب علّة أوّلا لأجزائه و إلّا لتوقّف على علّة أجزائه فلم تكن علّة تامّة له بل هي مع علّة أجزائه هذا خلف، و إذا كانت علّة المركّب علّة أوّلا لأجزائه لزم كون ذلك الجزء المؤثّر في المجموع مؤثّرا في نفسه أوّلا، و في علله السابقة فيلزم تقدّمه على نفسه بمراتب غير متناهية و ذلك باطل بالبديهة فبقى أن يكون المؤثّر في ذلك المجموع إمّا أمرا خارجا عنه أو ما يتركّب من الداخل و الخارج عنه لكنّ القسم الثاني أيضا باطل لأنّ الداخل لمّا كان جزءا من العلّة المركّبة فله تقدّم عليها، و هي متقدّمة على مجموع الممكنات فلها تقدّم عليه، و على أجزائه فجزئها كذلك فله تقدّم على نفسه و على علله و هو باطل فبقى الأوّل لكن الموجود الخارج عن كلّ الممكنات لا يكون ممكنا بل واجب الوجود، و هو المطلوب، و هذه طريق العلّيّين الّذين يستدلّون به على مخلوقاته و يسمّونه برهان اللمّ. و أمّا الطريق الثانية: فهي الاستدلال بالنظر في المخلوقات و طبائعها و إمكانها و تكثّرها و قبولها للتغيّر و التركيب على مباديها. ثمّ على المبدأ الأوّل- جلّت‏ عظمته- و هي طريق الطبيعيّين و هي الّتي أشار إليها عليه السّلام بقوله: الدالّ على وجوده بخلقه،

و المتكلّمون فرّعوا هذه الطريق إلى أربع طرق:

أحدها: أنّهم استدلّوا بحدوث هذه الذوات على إمكانها و بإمكانها على حاجتها إلى موجد و مؤثّر، و هي طريق الأشعريّ و أبي الحسين البصرى و المتأخّرين من المتكلّمين.

الثانية: استدلّوا بحدوث هذه الذوات فقط على وجود محدث لها من غير نظر إلى الإمكان فقالوا: الأجسام محدثة و كلّ محدث فله محدث، و المقدّمة الاولى استدلاليّة، و الثانية عندهم بديهيّة.

الثالثة: استدلالهم بإمكان الصفات، و ذلك أن بيّنوا أنّ الأجسام الفلكيّة و العنصريّة متماثلة، ثمّ قالوا: رأينا بعضها قد اختصّ بصفات ليست للآخر فذلك التخصيص ليس للجسميّة و لا للوازمها، و إلّا لوجب في كلّ جسم كذلك، و لا لعارض من عوارضها لأنّ الكلام في تخصيص ذلك العارض كالكلام في الأوّل و يلزم التسلسل، و لا للطبيعة كما يقول بعض الناس لأنّها لا تفعل في المادّة البسيطة كالنقطة مثلا فعلًا مختلفا فبقى أن يكون ذلك التخصيص لمدبّر حكيم و هو مرادنا بالصانع.

الرابعة: الاستدلال بحدوث الصفات و هو ظاهر، و تقرير هذه الطرق و ما لها و عليها في الكتب الكلاميّة، و ينبغي أن يخصّص المتكلّم قوله عليه السّلام: الدالّ على وجوده بخلقه الطريقة الاولى لهم، و الثالثة فإنّه عليه السّلام جعل الحدوث دليلا على الأزليّة.

البحث الثاني: في أزليّته

و بيانه ما ذكره عليه السّلام بقوله: و بمحدث خلقه على أزليّته، و تقرير هذه الدلالة أنّه قد ثبت في موضعه أنّ جميع المحدثات صادرة عن قدرته تعالى و منتهية عندها فلو كان هو محدثا لكان محدثا لنفسه و هو باطل بالضرورة.

البحث الثالث: أنّه لا مثل له و لا شبيه
و إليه الإشارة بقوله: و باشتباههم على أنّه لا شبيه له، و أراد اشتباههم في الحاجة إلى المؤثّر و المدبّر، و تقرير هذه الطريق أن نقول: إن كان تعالى غنيّا عن المؤثّر فلا شبيه له في الحاجة إليه لكن‏ المقدّم حقّ فالتالي مثله، و قيل: أراد اشتباههم في الجسميّة و الجنس و النوع و الأشكال و المقادير و الألوان و نحو ذلك، و إذ ليس داخلا تحت جنس لبراءته عن التركيب المستلزم للإمكان، و لا تحت النوع لافتقاره في التخصيص بالعوارض إلى غيره، و لا بذى مادّة لاستلزامها التركيب أيضا فليس بذى شبيه في شي‏ء من الامور المذكورة، و الأوّل أعمّ في نفى الشبيه.

البحث الرابع: أنّ المشاعر لا تستلمه
و بيانه أنّ استلام المشاعر مستلزم للجسميّة و الأعراض القائمة بها، و إذ قد تنزّه قدسه تعالى عن الجسميّة و لواحقها فقد تنزّه عن إدراك المشاعر و لمسها.

البحث الخامس: أنّ السواتر لا تحجبه
و بيانه أنّ الحجاب و الستر من لواحق ذى الجهة و الجسميّة، و إذ تنزّه قدسه عنها فقد تنزّه عن الحجب و الستر المحسوسين. و قوله: لافتراق الصانع و المصنوع. إلى قوله: و المربوب. التعليل راجع إلى الجمل المتقدّمة كلّها. إذ كان لكلّ من الصانع و المصنوع صفات تخصّه و يتميّز بها و هي أليق به، و بها يفارق الآخر فالمخلوقيّة و الحدوث و الاشتباه و الملموسيّة بالمشاعر و الحجب بالسواتر من لواحق الامور الممكنة المصنوعة، و ممّا ينبغي لها و يليق بها، و الوجود الأزليّ الّذى لا شبيه له المنزّه عن المشاعر و حجب السواتر من لواحق الصانع الأوّل الواجب و هو الّذى ينبغي له و يليق به، و يضادّ ما سبق من أوصاف الممكنات، و أراد بالحادّ خالق الحدود و النهايات و هو الصانع، و اعتبار الصانع غير اعتبار الربّ لدخول المالكيّة في مفهوم الربوبيّة دون الصنع.

البحث السادس: في وحدانيّته
و قد سبق برهانها، و أراد بقوله: ليس بمعنى العدد أنّ وحدانيّته ليس بمعنى كونه مبدء لكثرة تعدّ به كما يقال في أوّل العدد واحد، و قد علمت فيما سبق أنّ الواحد يقال بالاشتراك اللفظي على معان عديدة عرفتها و عرفت إطلاق الواحد عليه تعالى بأىّ معنى هو، و أنّه لا يجوز أن يكون مبدء للعدد بل هو تعالى واحد بمعنى أنّه لا ثانى له في الوجود بمعنى أنّه لا كثرة في ذاته بوجه لا ذهنا و لا خارجا، و بمعنى أنّه لم يفته من كماله شي‏ء بل كلّ ما ينبغي أن يكون له فهو بالذات و الفعل.

البحث السابع: في كونه تعالى في خالقيّته منزّها عن الحركات و المتاعب،
و قد عرفت لميّة ذلك في الخطبة الاولى، و هو كونهما من لواحق الأجسام المنزّه قدسه عنها.

البحث الثامن: كونه سميعا لا بأداة
أى لا بسمع، و قد سبق بيانه في الخطبة الاولى.

البحث التاسع: كونه بصيرا لا بتفريق الآلة
و تفريقها إمّا عبارة عن بعث القوّة الباصرة و توزيعها على المبصرات، و هذا المعنى على قول من جعل الإبصار بآلة الشعاع الخارج من العين المتّصل بسطح المرئى أظهر فإنّ توزيعه أوضح من توزيع الآلة على قول من يقول: إنّ الإدراك يحصل بانطباع صورة المرئى في العين، و معنى التفريق على القول الثاني هو تقليب الحدقة و توجيهها مرّة إلى هذا المبصر و مرّة إلى ذاك كما يقال: فلان مفرّق الهمّة و الخاطر إذا وزع فكره على حفظ أشياء متباينة و مراعاتها كالعلم و تحصيل المال، و ظاهر تنزيهه تعالى عن الإبصار بآلة الحسّ لكونها من توابع الجسميّة و لواحقها.

البحث العاشر: كونه تعالى شاهدا
أى حاضرا لا بمماسّة شي‏ء، و المراد تنزية حضوره عن مماثلة حضور الجسمانيّات المستلزم للقرب المستلزم لمماسّة الأجسام و تقارب أين من أين فهو تعالى الحاضر بعلمه عند كلّ شي‏ء و الشاهد لكلّ شي‏ء من غير قرب و لا مماسّة و لا أين مطلقا لتنزّهه عن الجسميّة و لواحقها

البحث الحادى عشر: أنّه تعالى مباين للأشياء لا بتراخى مسافة
أى أنّ مباينته للأشياء لا تستدعى التمييز بالوضع و الأين بل بذاته فقط، و قد سبق تقرير ذلك في الخطبة الاولى أيضا.

البحث الثاني عشر: أنّه الظاهر لا برؤية، و الباطن لا بلطافة
و ذلك أنّ الظاهر من الأجسام ما كان منها مرئيّا بحاسّة البصر و الباطن منها ما كان لطيفا إمّا لصغر حجمه أو لطافة قوامه كالهواء، و ظهوره تعالى و بطونه منزّه من هاتين الكيفيّتين، و قد شرحنا هذين الوصفين غير مرّة.

البحث الثالث عشر: كونه بان من الأشياء بالقهر لها و القدرة عليها.
إلى قوله: إليه. ذكر في بينونته تعالى من مخلوقاته ما ينبغي له من الصفات، و في بينونتها منه ما ينبغي لها فالّذى ينبغي له كونه قاهرا لها غالبا عليها و مستوليا، و كونه قادرا على إيجادها و إعدامها، و الّذى ينبغي لها كونها خاضعة في ذلّ الإمكان و الحاجة لعزّته و قهره و راجعة في وجودها و كمالاتها إلى وجوده، و بذلك حصل التباين بينها و بينه.

البحث الرابع عشر: تنزيهه عن الصفات الزائدة بالقياس
الّذي ذكره بقوله: من وصفه فقد حدّه، و من حدّه فقد عدّه، و قد مرّ هذا القياس بعينه في الخطبة الاولى بأتمّ تقرير و أبلغ تحقيق غير أنّه قال هناك: و من أشار إليه فقد حدّه، و قال هاهنا: و من وصفه فقد حدّه لكن المراد بوصفه هنا هو إشارة الوهم إليه و استثباته بكيفيّات و صفات فيكون معنى العبارتين واحد. و قوله: و من عدّه فقد أبطل أزله. لمّا كان عدّه عبارة عن‏ جعله مبدءا لكثرة معدودة أو عن كونه ذا أجزاء معدوت، و كان ذلك من لواحق الممكنات و المحدثات الغير المستحقّة للأزليّة بالذات لا جرم كان من عدّه بأحد الاعتبارين مبطلا أزله الّذى يستحقّه لذاته.

البحث الخامس عشر: تنزيهه أن يسأل عنه بكيف
لأنّها سؤال عن الكيفيّة و الصفة و هو معنى قوله: قد استوصفه، و قد بيّنا تنزيهه تعالى عن الكيفيّات و الصفات.

البحث السادس عشر: تنزيهه عن السؤال عنه بأين
و ذلك لأنّها سؤال عن الحيّز و الجهة اللّذين هما من لواحق الأجسام، و قد بيّنا تنزيهه تعالى عن الجسميّة و ما ينبغي لها فليس هو سبحانه في مكان و هو في كلّ مكان بعلمه و إحاطته.

البحث السابع عشر: كونه تعالى عالما.
إذ لا معلوم. إلى قوله: مقدور.و قد علمت معنى علمه و ربوبيّته و قدرته، و علمت أنّ الإشارة بإذ إلى اعتبار تقدّمه بذاته على معلوماته و معلولاته، و ظاهر عند ذلك الاعتبار أنّه لا معلوم في الوجود سوى ذاته لذاته و لا مربوب و لا مقدور موجود هناك بل هى واجبة التأخّر عن ذلك الاعتبار سواء كانت بعد ذلك محدثة كلّها كما عليه المتكلّمون أو بعضها كما عليه الأوائل، و باللّه التوفيق و العصمة.

 

القسم الثاني منها:

قَدْ طَلَعَ طَالِعٌ وَ لَمَعَ لَامِعٌ وَ لَاحَ لَائِحٌ- وَ اعْتَدَلَ مَائِلٌ وَ اسْتَبْدَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ قَوْماً وَ بِيَوْمٍ يَوْماً- وَ انْتَظَرْنَا الْغِيَرَ انْتِظَارَ الْمُجْدِبِ الْمَطَرَ- وَ إِنَّمَا الْأَئِمَّةُ قُوَّامُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ- وَ عُرَفَاؤُهُ عَلَى عِبَادِهِ- وَ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ عَرَفَهُمْ وَ عَرَفُوهُ- وَ لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا مَنْ أَنْكَرَهُمْ وَ أَنْكَرُوهُ- إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّكُمْ بِالْإِسْلَامِ وَ اسْتَخْلَصَكُمْ لَهُ- وَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْمُ سَلَامَةٍ وَ جِمَاعُ كَرَامَةٍ- اصْطَفَى اللَّهُ تَعَالَى مَنْهَجَهُ وَ بَيَّنَ حُجَجَهُ- مِنْ ظَاهِرِ عِلْمٍ وَ بَاطِنِ حُكْمٍ- لَا تَفْنَى غَرَائِبُهُ وَ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ- فِيهِ مَرَابِيعُ النِّعَمِ وَ مَصَابِيحُ الظُّلَمِ- لَا تُفْتَحُ الْخَيْرَاتُ إِلَّا بِمَفَاتِيحِهِ- وَ لَا تُكْشَفُ الظُّلُمَاتُ إِلَّا بِمَصَابِيحِهِ- قَدْ أَحْمَى حِمَاهُ وَ أَرْعَى مَرْعَاهُ- فِيهِ شِفَاءُ الْمُشْتَفِي وَ كِفَايَةُ الْمُكْتَفِي

اللغة
أقول: العرفاء: جمع عريف و هو النقيب، و هو دون الرئيس.

المعنى

و أشار بطلوع الطالع إلى ظهور الإمرة و الخلافة عليه، و انتقالها إليه، و بلموع اللامع إلى ظهورها من حيث هى حقّ له، و سطوع أنوار العدل بصيرورتها إليه، و بلوح اللائح إلى ما يلحق انتقالها إليه من الفتن و الحروب الموعودة الّتي لاحت أماراتها يومئذ، و قال بعض الشارحين: المراد بالثلاثة معنى واحد، و هو انتقال الخلافة إليه. فقوله: و اعتدل مائل. فالمائل الخلافة فيمن كان قبله في نظره. إذ كان اعتقاده أنّه أولى بها و أنّ العدل أن يكون فيه، و اعتدل ذلك المائل بانتقالها إليه، و استبدل اللّه بقوم: أي من سبق عليه قوما: أى و هو و تابعوه، و بيوم يوما كناية عن زمانهم بزمانهم. و قوله: و انتظرنا الغير انتظار المجدب المطر. إشارة إلى ما كان يتوقّعه من انتقال هذا الأمر إليه، و أراد بالغير تغيّرات الدهر و تقلبات الأحوال.

فإن قلت: أليس هو المطلّق للدنيا فأين هذا القول من طلاقها ثلاثا قلت: إنّه يطلّقها من حيث هى دنيا، و لم يردها لذاتها، و لم يطلّقها من حيث يعمر بها الآخرة بإنكار المنكرات، و إظهار العدل و إقامة عمود الدين و حراسته فإنّ طلبه لها إنّما كان لذلك كما سبق في قوله لابن عبّاس بذي قار و هو يخصف نعله، و شبّه انتظاره للغير بانتطار المجدب للمطر، و وجه الشبه شدّة التوقّع و انتظاره، و يمكن أن يلاحظ في وجه الشبه لواحق الأمرين المنتظرين. إذ من لواحق ما انتظره هو عن الغير و انتقال الأمر إليه شمول العدل و ظهور الحقّ في موارده المشبّه لوقع المطر في الأرض المجدبة، و استلزامه للخير و البركة. ثمّ شرع في تعريف حال الأئمّة و ما نصبوا له.

و قوله: لا يدخل الجنّة إلّا من عرفهم و عرفوه. معناه أنّ أهل كلّ عصر لا يدخلون الجنّة إلّا بمعرفة إمامهم و معرفته لهم، و أراد الأئمّة من ولده عليهم السّلام و معرفتهم معرفة حقّ ولايتهم و صدق إمامتهم، و بيان الحصر من وجهين: أحدهما: أنّ دخول الجنّة لا يمكن لأحد من هذه الأمّة إلّا باتّباع الشريعة و لزوم العمل بها و لا يمكن ذلك إلّا بمعرفتها و معرفة كيفيّة العمل بها، و لا يمكن ذلك إلّا ببيان صاحب الشريعة و القائم بها، و إرشاده و تعليمه، و ذلك لا يمكن إلّا بمعرفة المأموم للإمام و حقيّة إمامته و صدق ولائه له ليقتدي به، و معرفة الإمام للماموم ليهديه فإذن دخول الجنّة مستلزم لمعرفة الإمام للمأمومين و معرفتهم له. الثاني: أنّ معرفة هؤلاء الأئمّة على رأيه عليه السّلام كما هو المشهور المنقول عنه، و معرفة حقيّة إمامتهم و صدق ولايتهم ركن من أركان الدين فلا يدخل الجنّة إلّا من أقامه، و من عرفهم كذلك وجبت معرفتهم له بذلك. فإن قلت: فنحن نرى كثيرا من شيعة هؤلاء الأئمّة و محبّيهم لا تعرفهم الأئمّة و لا يرون أشخاصهم.

قلت: لا يشترط في معرفتهم لمحبّيهم و معرفة محبّيهم لهم المعرفة الشخصيّة العينيّة بل الشرط المعرفة على وجه كلّىّ، و هو أن يعلموا أنّ كلّ من اعتقد حقّ إمامتهم و اهتدى بما انتشر من هديهم فهو وليّ لهم، و مقيم لهذا الركن من الدين فيكونون عارفين بمن يتولّاهم على هذا الوجه و من يتولّاهم عارفا بهم لمعرفته بحقيّة ولايتهم، و اعتقاد ما يقولون و إن لم يشترط المشاهدة و المعرفة الشخصيّة، و أمّا أنّه لا يدخل النار إلّا من أنكرهم و أنكروه فهو أيضا حقّ و ذلك أنّ دخول الجنّة مستلزم لمعرفتهم على الوجه الّذي قرّرناه و منحصر فيه فكلّ واحد واحد ممّن يدخل الجنّة عارف بهم، و ذلك يستلزم أنّه لا واحد ممّن يدخل الجنّة بمنكر لهم لأنّ معرفتهم و إنكارهم ممّا لا يجتمعان في ملزوم واحد.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ من أنكرهم فأنكروه لا يجوز أن يكون أعمّ ممّن يدخل النار: أمّا أوّلا فللخبر المشهور من مات و لم يعرف إمام وقته مات ميتة جاهليّة دلّ الخبر على أنّ إنكارهم مستلزم للميتة الجاهليّة المستلزمة لدخول النار، و أمّا ثانيا فلأنّه لو كان أعمّ لصدق على بعض من يدخل الجنّة فبعض المنكر لهم يدخل الجنّة فينعكس بعض من يدخل الجنّة منكر لهم، و قد بيّنا أنّه لا واحد ممّن يدخل الجنّة بمنكر لهم هذا خلف، و كذلك لا يجوز أن يكون أخصّ و إلّا لصدق على بعض من يتولّاهم و يعترف بصدق إمامتهم أنّه يدخل النار لكن ذلك باطل لقول الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يحشر المرء مع من أحبّ، و لقوله: لو أحبّ رجل حجرا لحشر معه دلّ الخبر على أنّ محبّة الإنسان لغيره مستلزمة لحشره معه، و قد ثبت أنّهم عليهم السّلام إلى الجنّة يحشرون فكذلك من أحبّهم و اعترف بحقيّة إمامتهم، و دخول الجنّة مع دخول النار ممّا لا يجتمعان فثبت أنّه لا واحد ممّن يحبّهم و يعترف بحقّهم يدخل النار فقد ظهر إذن صدق هذه الكلّيّة أيضا، و وجه الحصر فيها. ثمّ أخذ في إظهار منّة اللّه تعالى عليهم بالقرآن الكريم و تخصيصهم به من سائر الكتب و استخلاصهم له، و إعدادهم لقبوله من سائر الامم.

ثمّ نبّه على بعض أسباب إكرامه تعالى لهم به أمّا من جهة اسمه فلأنّه مشتقّ من السلامة بالدخول في الطاعة، و أمّا من معناه فمن وجوه:

أحدها: أنّه مجموع كرامة من اللّه لخلقه لأنّ مدار جميع آياته على هداية الخلق إلى سبيل اللّه القائدة إلى جنّته.
الثاني: أنّ اللّه تعالى اصطفى منهجه، و هو طريقته الواضحة المؤديّة للسالكين بأيسر سعي إلى رضوان اللّه.

الثالث: أنّه تعالى بيّن حججه، و هي الأدلّة و الأمارات، و من للتمييز و التقسيم هنا تقسيم الحجج إلى ظاهر علم، و أشار إلى ظواهر الشريعة و أحكامها الفقهيّة و أدلّة تلك الأحكام، و باطن حكم و أشار به إلى ما يشتمل عليه الكتاب العزيز من الحكمة الإلهيّة و أسرار التوحيد و علم الأخلاق و السياسات و غيرها.

الرابع: أنّه لا تفنى عزائمه [غرائبه خ‏] و أراد بالعزايم هنا آياته المحكمة و براهينه العازمة: أي القاطعة، و عدم فنائها إشارة إمّا إلى ثباتها و استقرارها و طول المدّة و تغيّر الأعصار، و إمّا إلى كثرتها عند البحث و التفتيش عنها.

الخامس: و لا تنقضى عجائبه، و ذلك أنّه كلّما تأمله الإنسان استخرج منه بفكره لطائف معجبة من أنواع العلوم لم يكن عنده من قبل.

السادس: فيه مرابيع النعم، و استعار لفظ المرابيع، و هي الأمطار تأتي زمن الربيع فتحيى الأرض و تنبت الكلاء لما يحصل عليه الإنسان من النعم ببركة القرآن و لزوم أوامره و نواهيه و حكمه و آدابه: أمّا في الدنيا فالنعم الّتي تحصل ببركته لحامليه من القرّاء و المفسّرين و غيرهم ظاهرة الكثرة، و أمّا بالنسبة إلى الآخرة فما يحصل عليه مقتبسوا أنواره من الكمالات المسعدة في الآخرة من العلوم و الأخلاق الفاضلة أعظم نعمة و أتمّ فضل، و وجه الاستعارة ظاهر.

السابع: أنّ فيه مصابيح الظلم، و استعار لفظ المصابيح لقوانينه و قواعده الهادية إلى اللّه في سبيله كما يهدي المصباح في الطريق المظلمة.

الثامن: أنّه لا تفتح الخيرات إلّا بمفاتيحه، و أراد الخيرات الحقيقيّة الباقية، و استعار لفظ المفاتيح لمناهجه و طرقه الموصلة إلى تلك الخيرات، و وجه الاستعارة كونها أسبابا موصلة إليها كما أنّ المفاتيح أسباب موصلة إلى خيرات الخزائن مثلا

التاسع: و لا ينكشف الظلمات إلّا بمصابيحه، و أراد ظلمات الجهل، و بالمصابيح قوانينه كما سبق استعارة.

العاشر: كونه قد أحمى حماه: أي هيّأه و عرّضه لأن يحمى كما يقال: أقتلت فلانا و أضربته إذا هيّأته للقتل و عرّضته للضرب، و استعار لفظ الحمى لحفظه و تدبّره و العمل بقوانينه، و وجه الاستعارة أنّ بذلك يكون حفظ الشخص و حراسته: أمّا في الدنيا فمن أيدى كثير من الظالمين لاحترامهم حملة القرآن و مفسّريه، و من يتعلّق به، و أمّا في الآخرة فلحمايته حفظته و متدبّريه و العامل به من عذاب اللّه كما يحمي الحمى من يلوذ به، و نسبة الإحماء إليه مجاز إذ المعرض له أن يتدبّر و يعمل به هو اللّه تعالى و رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و حملته، و قيل: أراد بحماه محارمه، و أحماه: أي منع بنواهيه و زواجره أن يستباح محارمه، و هو أخصّ ممّا قلناه أوّلا.

الحادي عشر: و كذلك أرعى مرعاه: أي هيّأه لأن يرعى، و استعار لفظ المرعى للعلوم و الحكم و الآداب الّتي يشتمل عليها القرآن، و وجه المشابهة أنّ هذه مراعي النفوس الإنسانيّة و غذاؤها الّذي به يكون نشوها العقلىّ و نمائها الفعلىّ كما أنّ المراعي المحسوسة من النبات و العشب غذاء للأبدان الحيوانيّة الّتى بها يقوم وجودها.

الثاني عشر: فيه شفاء المشتفي: أي طالب الشفاء منه: أمّا في الأبدان فبالتعوّذ به مع صدق النية فيه و سلامة الصدور، و أمّا في النفوس فلشفائها به من أمراض الجهل.

الثالث عشر: و كفاية المكتفي، و أراد بالمكتفي طالب الكفاية: أمّا من الدنيا فلأنّ حملة القرآن الطالبين به المطالب الدنيويّة هم أقدر أكثر الناس على الاحتيال به في تحصيل مطالبهم و كفايتهم بها، و أمّا في الآخرة فلأنّ طالب الكفاية منها يكفيه تدبّر القرآن و لزوم مقاصده في تحصيل مطلوبه منها، و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 228

 

خطبه 150 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

القسم الأول

وَ أَسْتَعِينُهُ عَلَى مَدَاحِرِ الشَّيْطَانِ وَ مَزَاجِرِهِ- وَ الِاعْتِصَامِ مِنْ حَبَائِلِهِ وَ مَخَاتِلِهِ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ نَجِيبُهُ وَ صَفْوَتُهُ- لَا يُؤَازَى فَضْلُهُ وَ لَا يُجْبَرُ فَقْدُهُ- أَضَاءَتْ بِهِ الْبِلَادُ بَعْدَ الضَّلَالَةِ الْمُظْلِمَةِ- وَ الْجَهَالَةِ الْغَالِبَةِ وَ الْجَفْوَةِ الْجَافِيَةِ- وَ النَّاسُ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيمَ- وَ يَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيمَ- يَحْيَوْنَ عَلَى فَتْرَةٍ وَ يَمُوتُونَ عَلَى كَفْرَةٍ ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ أَغْرَاضُ بَلَايَا قَدِ اقْتَرَبَتْ- فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ وَ احْذَرُوا بَوَائِقَ النِّقْمَةِ- وَ تَثَبَّتُوا فِي قَتَامِ الْعِشْوَةِ وَ اعْوِجَاجِ الْفِتْنَةِ- عِنْدَ طُلُوعِ جَنِينِهَا وَ ظُهُورِ كَمِينِهَا- وَ انْتِصَابِ قُطْبِهَا وَ مَدَارِ رَحَاهَا- تَبْدَأُ فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ وَ تَئُولُ إِلَى فَظَاعَةٍ جَلِيَّةٍ- شِبَابُهَا كَشِبَابِ الْغُلَامِ وَ آثَارُهَا كَآثَارِ السِّلَامِ- يَتَوَارَثُهَا الظَّلَمَةُ بِالْعُهُودِ أَوَّلُهُمْ قَائِدٌ لِآخِرِهِمْ- وَ آخِرُهُمْ مُقْتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ يَتَنَافَسُونَ فِي دُنْيَا دَنِيَّةٍ- وَ يَتَكَالَبُونَ عَلَى جِيفَةٍ مُرِيحَةٍ- وَ عَنْ قَلِيلٍ يَتَبَرَّأُ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوعِ- وَ الْقَائِدُ مِنَ الْمَقُودِ فَيَتَزَايَلُونَ بِالْبَغْضَاءِ- وَ يَتَلَاعَنُونَ عِنْدَ اللِّقَاءِ- ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ طَالِعُ الْفِتْنَةِ الرَّجُوفِ- وَ الْقَاصِمَةِ الزَّحُوفِ فَتَزِيغُ قُلُوبٌ بَعْدَ اسْتِقَامَةٍ- وَ تَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلَامَةٍ- وَ تَخْتَلِفُ الْأَهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا- وَ تَلْتَبِسُ الْآرَاءُ عِنْدَ نُجُومِهَا- مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ وَ مَنْ سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ- يَتَكَادَمُونَ فِيهَا تَكَادُمَ الْحُمُرِ فِي الْعَانَةِ- قَدِ اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الْحَبْلِ وَ عَمِيَ وَجْهُ الْأَمْرِ- تَغِيضُ فِيهَا الْحِكْمَةُ وَ تَنْطِقُ فِيهَا الظَّلَمَةُ- وَ تَدُقُّ أَهْلَ الْبَدْوِ بِمِسْحَلِهَا- وَ تَرُضُّهُمْ بِكَلْكَلِهَا يَضِيعُ فِي غُبَارِهَا الْوُحْدَانُ- وَ يَهْلِكُ فِي طَرِيقِهَا الرُّكْبَانُ تَرِدُ بِمُرِّ الْقَضَاءِ- وَ تَحْلُبُ عَبِيطَ الدِّمَاءِ وَ تَثْلِمُ مَنَارَ الدِّينِ- وَ تَنْقُضُ عَقْدَ الْيَقِينِ- يَهْرُبُ مِنْهَا الْأَكْيَاسُ وَ يُدَبِّرُهَا الْأَرْجَاسُ- مِرْعَادٌ مِبْرَاقٌ كَاشِفَةٌ عَنْ سَاقٍ تُقْطَعُ فِيهَا الْأَرْحَامُ- وَ يُفَارَقُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ بَرِيئُهَا سَقِيمٌ وَ ظَاعِنُهَا مُقِيمٌ

اللغة
أقول: المداحر: جمع مدحر. و هي الامور الّتي بها يدحر: أى يطرد. و مخاتلها: محالّ غروره الّتي يخيّل إلى الناس بها و يوهمهم أنّها نافعة. و البوائق:جمع بائقة، و هي الداهية. و القتام بفتح القاف: الغبار. و العشوة بكسر العين: الأمر على غير بيان و وضوح. و الفظاعة: تجاوز الأمر الشديد الحدّ و المقدار. و السلام بالكسر: الحجارة الصمّ واحدها سلمة بكسر السين. و المريحة: المنتنة. و يتزايلون: يتفارقون. و نجومها: طلوعها. و أشرف لها: أى انتصب لدفعها. و التكادم: التعاضّ بأدنى الفم. و العانة: القطيع من حمر الوحش. و المسحل: المبرد، و المسحل: حلقة تكون في طرف شكيمة اللجام مدخلة في مثلها. و الوحدان: جمع واحد. و العبيط: الخالص الطرىّ.

المعنى

و صدّر هذا الفصل باستعانة اللّه تعالى على ما يدحر الشيطان و يزجر به. و ذلك هو العبادات و الأعمال الصالحة المستلزمة لطرده و زجره و تطويعه، و على الاعتصام من حبائله و مخاتله. و هي الشهوات و اللذّات الدنيويّة، و استعار لها لفظ الحبايل و هي أشراك الصايد لمشابهتها إيّاها في استلزام الحصول فيهما للبعد عن السلامة و الحصول في العذاب، و من ممادح الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كونه نجيبا للّه: أى مختارا، و روى نجيّه، و صفوة له من خلقه لا يوازى فضله: أى لا يحصل مثله في أحد.

إذ كان كماله في قوّتيه النظريّة و العمليّة غير مدرك لأحد من الخلق، و من كان كذلك لم يجبر فقده إلّا بقيام مثله من الناس، و إذ لا مثل له فيهم فلا جبران لفقده. و قوله: أضاءت به البلاد بعد الضلالة. أى ضلالة الكفر، و وصفها بالظلمة لعدم الاهتداء فيها للحقّ. و الوصف مستعار، و كذلك وصف الإضاءة به مستعار لاهتداء الخلق به في معاشهم و معادهم، و إسناد الإضاءة إلى البلاد مجاز. أو الجهالة الغالبة على أكثر الخلق، و أراد الجهل بالطريق إلى اللّه تعالى و بكيفيّة نظام المعاش ممّا بيّنه هو و كشفه بشريعته. و الجفوة الجافية يريد غلظة العرب و ما كانوا عليه من قساوة القلوب و سفك الدماء، و وصفها بما اشتقّ منها مبالغة و تأكيدا لها، و أراد الجفوة القويّة. و الناس يستحلّون الحريم الواو للحال و العامل أضاءت و يستذلّون الحكيم، و ظاهر من عادة العرب إلى الآن استذلال من عقل منهم و حلم عن الغارة و النهب و إثارة الفتن، و استنهاضه بنسبته‏ إلى الجبن و الضعف. و يحيون على فترة: أى على حالة انقطاع الوحى و الرسل، و تلك حال انقطاع الخير و موت النفوس بداء الجهل. و يموتون على كفرة و هي الفعلة من الكفر لأهل كلّ قرن حيث لا هادى لهم. ثمّ أخذ عليه السّلام في إنذار السامعين باقتراب حوادث الوقايع المستقبلة الّتي يرمون بها كما يرمى الغرض بالسهام، و استعار لفظ الغرض لهم، و لمّا كانت الفتن الحادثة كتدمير قوم و إهلاكهم مثلا بحسب استعدادهم لذلك و كان أكبر الأسباب المعدّة له هي الغفلة عن ذكر اللّه بالانهماك في نعم الدنيا و لذّاتها استعار للغفلات لفظ السكرات.

ثمّ أمر باتّقائها، و حذّر من دواهي النقمات بسبب كفران النعم. ثمّ أمر بالتثبّت أو التبيّن على الروايتين عند اشتباه الامور عليهم و ظهور الشبهة المثيرة للفتن كشبهة قتل عثمان الّتي نشأت منها وقايع الجمل و صفّين و الخوارج، و استعار لفظ القتام لذلك الأمر المشتبه، و وجه المشابهة كون ذلك الأمر ممّا لا يهتدى فيه خائضوه كما لا يهتدى القائم في القتام عند ظهوره و خوضه، و اعوجاج الفتنة إتيانها على غير وجهها، و لفظ الجنين يحتمل أن يكون حقيقة: أى عند طلوع ما اجتنّ منها و خفى عليكم، و كذلك كمينها: أى ما كمن منها و استتر، و يحتمل أن يكون استعارة، و عنّى بقطبها من تدور عليه من البغاة المنافرين استعارة. و انتصابه: قيامه لذلك الأمر، و كذلك استعار لفظ مدار الرحى لدورانها على من تدور عليه من أنصار ذلك القطب و عسكره الّذين تدور عليهم الفتنة. ثمّ أخبر أنّها تبدء في مدارج خفيّة، و أراد بالمدارج صدور من ينوى القيام فيها و يقصد [يعقد على خ‏] إثارتها، و كان هذا إشارة إلى فتنة بنى أميّة، و قد كان مبدأها شبهة قتل عثمان، و لم يكن أحد من الصحابة يتوهّم خصوصيّة هذه الفتنة و إنّما كانوا علموا من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حدوث وقايع و فتن غير معيّنة الأزمان، و لا من يثيرها و يكون قطبا لها. فخفاء مدارجها كتمان معاوية و طلحة و الزبير و غيرهم لامورهم و ما عزموا عليه من إقامة الفتنة و الطمع في الملك و الدولة حتّى آل ذلك الطمع إلى الامور القطعيّة الواضحة بعد الخفاء، و استعار لفظ الشباب لقيامها و ظهورها في الناس، و وجه المشابهة السرعة في الظهور و لذلك أكّدها بتشبيه ذلك الظهور بشباب الغلام: أى في السرعة، و مع سرعتها لها آثار في هدم الإسلام كآثار الحجارة الصلب في الجلد، و وجه الشبه إفسادها للبين و لنظام المسلمين كإفساد الحجر ما يقع عليه بالرضّ و الكسر، و أشار بالظلمة الّتي يتوارثونها إلى بنى اميّة بعهد الأب لابنه إلى آخرهم، و ذكر قود أوّلهم لآخرهم إلى النار و الدخول في الظلم و الضلالة و إثارة تلك الفتن، و استعار لفظ القود لتهيئة الأوّل منهم أسباب الملك لمن بعده و اقتداء آخرهم بأوّلهم في ذلك، و ضمير المفعول في يتوارثونها يرجع إلى تلك الفتنة. ثمّ أشار إلى صفة حالهم في إثارة تلك الفتن و توارثها و هي المنافسة في الدنيا الدنيّة في نظر العقلاء، و استعار لفظ التكالب لمجاذبة بعضهم لبعض عليها كالمجاذبة بين الكلاب على الميتة. و استعار لها لفظ الجيفة، و رشّح بذكر المريحة للتنفير عنها، و وجهها كونها مستلزمة لأذى طالبها مهروبا منها العقلاء كالهرب من الجيفة المنتنة و الانزواء عنها. ثمّ أخبر بانقضائها عن قليل، و كنّى عن ذلك بتبرّء التابع من المتبوع و القايد من المقود: أى يتبرّء كلّ من الفريقين من الآخر كما قال تعالى «إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا»«». و قوله «قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً»«» و ذلك التبرّء قيل عند ظهور الدولة العباسيّة فإنّ العادة جارية بتبرّء الناس من الولاة المعزولين خصوصا عند الخوف ممّن تولّى عزل اولئك أو قتلهم فيتباينون بالبغضاء إذ لم تكن الفتهم و محبّتهم إلّا لغرض دنياوىّ زال، و يتلاعنون عند اللقاء. و قيل ذلك يوم القيامة. قوله: و عن قليل. إلى قوله: عند اللقاء. جملة اعتراضيّة مؤكّد بها معنى تعجبّه منهم فكأنّه قال: إنّهم على تكالبهم عليها عن قليل يتبرّء بعضهم من بعض، و ذلك أدعى لهم إلى ترك التكالب عليها.

و قوله: ثمّ يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف، و كان هذه الفتنة هى فتنة التتار إذ الدائره فيها على العرب. و قال بعض الشارجين: بل ذلك إشارة إلى الملحمة الكائنة في آخر الزّمان كفتنة الدّجال، و كنّى عن أهوالها و اضطراب أمر الإسلام‏ فيها بكونها رجوفا: أى كثيرة الرجف، و طالعها مقدّماتها و أوائلها، و كنّى بقصمها عن إهلاك الخلق فيها، و استعار لها لفظ الزحوف ملاحظة لشبهها بالرجل الشجاع كثير الزحف في الحرب إلى أقرانه: أي يمشي إليهم قدما. ثمّ شرع في بيان أفعال تلك الفتنة بالناس من إزاغة قلوب قوم عن سبيل اللّه تعالى بعد استقامتها عليه، و ضلال رجال: أي هلاكهم في الآخرة بالمعاصي بعد سلامة منها، و اختلاف الأهواء عن إرادة اللّه بهجومها، و التباس الآراء الصحيحة بالفاسدة عند ظهورها على الناس فلا يعرفون وجه المصلحة من غيره، و من يطلع إلى مقاومتها و سعى في دفعها هلك، و استعار لفظ التكادم إمّا لمغالبة مشيرى هذه الفتنة بعضهم لبعض أو مغالبتهم لغيرهم، و شبّه ذلك بتكادم الحمر في العانة، و وجه التشبيه المغالبة مع الإيماء: أى خلعهم ربق التكليف من أعناقهم و كثرة غفلتهم عمّا يراد بهم في الآخرة، و استعار معقود الحبل لما كان انبرم من دولة الإسلام و استعار لفظ الحبل للدين، و كنّى باضطرابه عن عدم استقرار قواعد الدين عند ظهور أوّل هذه الفتنة، و عمى وجه هذا الأمر: أى عدم الاهتداء إلى وجه المصلحة، و أشار بالحكمة الّتى تغيض فيها إلى الحكمة الخلقيّة الّتى عليها مدار الشريعة و تعليمها، و استعار لفظ الغيض لعدم ظهورها و الانتفاع بها و ينطق فيها الظلمة بالأمر و النهى، و ما يقتضيه آراؤهم الخارجة عن العدل، و استعار لفظ المسحل لما تؤذى به العرب و أهل البادية، و وجه المشابهة اشتراك المبرد أو شكيمة اللجام و ما تؤذى به العرب من هذه الفتنة في الإيذاء فكأنّها شجاع ساق عليهم فدقّهم بشكيمة فرسه أو نحو ذلك، و كذلك استعار لفظ الكلكل لما يدهم البدو منها ملاحظة لشبهها بالناقة التي برك على الشي‏ء فتستحقه.

و قوله: يضيع في غبارها الوحدان و يهلك في طريقها الركبان. كناية عن عظمتها: أي لا يقاومها أحد و لا يخلص منها الوحدان و الركبان، و لفظ الغبار مستعار للقليل اليسير من حركة أهلها: أى أنّ القليل من الناس إذا أرادوا دفعها هلكوا في غبارها من دون أن يدخلوا في غمارها، و أمّا الركبان و كنّى بهم عن الكثير من الناس فإنّهم يهلكون في طريقها و عند خوضها، و قيل: أراد بالوحدان فضلاء الوقت. إذ يقال: فلان واحد وقته، و بالغبار الشبه الّتى تغطى الحقّ عن أعينهم، و يكون الركبان كناية عن الجماعة أهل القوّة، و إذا كان هؤلاء يهلكون في طريقها: أى عند الخوض لغمراتها فكيف بغيرهم، و كنّى بمرّ القضاء عن القتل و الأسر و نحوهما، و ظاهر كون المواردات الموذية أو النافعة واردة عن القضاء الإلهىّ معلومة الكون، و كذلك استعار وصف الحلب لها ملاحظة لشبهها بالناقة، و كنّى بذلك عن سفك الدماء فيها، و منار الدين أعلامه و هم علماؤه و يحتمل أن يريد قوانينه الكلّيّة، و ثلمها عبارة عن قتل العلماء و هدم قواعد الدين و ترك العمل به، و عقد اليقين هو الاعتقاد الموصل إلى علم اليقين أو إلى عين اليقين و هو اعتقاد الشريعة و إيصال ذلك إلى جوار اللّه تعالى و القرب منه و نقضه هو ترك العمل على وفقه من تغيّره و تبدّله، و الأكياس الهاربون منها هم العلماء و أهل العقول السليمة و كلّ هذه الإشارات معلومة من فتنة من ذكرنا، و ظاهر كونهم أرجاس النفوس يرجس الشيطان أنجاسها بالهيئات البدنيّة، و الملكات الرديئة أنجاس الأبدان بحكم الشريعة، و كنّى عن شدّتها و كونها محلّ المخاوف بوصف المرعاد و المبراق المستعارين ملاحظة لشبهها بالسحابة كثيرة البروق و الرعود بوصف كشفها عن ساق عن إقبالها مجرّدة كالمشمّر للحرب أو لأمر مهمّ، و ظاهر كونها تقطع فيها الأرحام و يفارق عليها الإسلام، و أشار بريّها إلى من يعتقد في هذه الدولة أنّه ذو صلاح برى‏ء من المعاصى و الآثام مع كونه ليس كذلك. إذ من الظاهر أنّ السالم في هذه الفتنة من معصية اللّه قليل بل أقلّ من القليل، و لعلّه عند الاستقراء لا يوجد، و أشار بظاعنها إلى من يعتقد أنّه متخلّف عنها و غير داخل فيها و ظاهر كونه غير منحرف عنها، و يحتمل أن يريد أنّ من ارتحل عنها خوفا لا ينجو منها، و باللّه التوفيق.

القسم الثاني منها:

بَيْنَ قَتِيلٍ مَطْلُولٍ وَ خَائِفٍ مُسْتَجِيرٍ- يَخْتِلُونَ بِعَقْدِ الْأَيْمَانِ وَ بِغُرُورِ الْإِيمَانِ- فَلَا تَكُونُوا أَنْصَابَ الْفِتَنِ وَ أَعْلَامَ الْبِدَعِ- وَ الْزَمُوا مَا عُقِدَ عَلَيْهِ حَبْلُ الْجَمَاعَةِ- وَ بُنِيَتْ عَلَيْهِ أَرْكَانُ الطَّاعَةِ- وَ اقْدَمُوا عَلَى اللَّهِ مَظْلُومِينَ‏ وَ لَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ظَالِمِينَ- وَ اتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّيْطَانِ وَ مَهَابِطَ الْعُدْوَانِ- وَ لَا تُدْخِلُوا بُطُونَكُمْ لُعَقَ الْحَرَامِ- فَإِنَّكُمْ بِعَيْنِ مَنْ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَعْصِيَةَ- وَ سَهَّلَ لَكُمْ سُبُلَ الطَّاعَةِ

اللغة

أقول: يقال: طلّ دم فلان فهو مطلول: إذا هدر و لم يطلب به. و يختلون: يخدعون، و اللعق: جمع لعقة، و هي اسم لما تناوله الملعقة مرّة.

المعنى
فقوله: بين قتيل. إلى قوله: مستجير. يشبه أن يكون صفة حال المتمسّكين بالدين في زمان الفتنة الاولى. و قوله: يختلون. إلى قوله: و بغرور الإيمان. صفة حال استجلاب هؤلاء المقتولين: أي أنّهم يخدعون بإعطاء الأقسام و العهود الكاذبة و ذلك كخداع الحسين عليه السّلام عن نفسه و أصحابه، روي يختلون بالبناء للفاعل فيكون وصف حال أهل الفتنة و أتباعهم. ثمّ أخذ في نهى السامعين أن يكونوا أنصارا للفتن الّتي يدركونها، و أعلاما للبدع: أي رؤساء يشار إليهم فيها، و يقتدي بهم كما يشار إلى الأعلام البيّنة و يقتدي بها، و في الخبر كن في الفتنة كابن لبون لا ظهر فيركب و لا ضرع فيحلب.

و قوله: و أقدموا على اللّه مظلومين. ليس المراد منه الأمر بالانظلام فإنّ ذلك طرف التفريط من فضيلة العدالة، و هي رذيلة بل المراد إنّكم إذا كانت لكم مكنة من الظلم فلا تظلموا و لو استلزم ترك الظلم انظلامكم و هو كسر للنفوس عن رذيلة الظلم خصوصا نفوس العرب فإنّها أكثر تطاولا إلى الظلم و أمنع عن قبول الانظلام و الانفعال عنه و إن استلزم الظلم كما أشار إليه العربيّ.

و من لم يذد عن حوضه بسهامه يهدم و من لا يظلم القوم يظلم‏ و مدارج الشيطان: طرقه، و هي الرذائل الّتي يحسّنها و يقود إليه، و كذلك مهابط العدوان محالّة الّتي يهبط فيها. و هي من طرق الشيطان أيضا، و لعق الحرام‏ كناية عمّا يكتسبه الإنسان من الدنيا و متاعها على غير الوجه الشرعىّ، و نبّه، باللعق على قلتها و حقارتها بالنسبة الى متاع الاخرة و نبه على وجوب الانتهاء عمّا نهى عنه بقوله: فإنّكم بعين من حرّم عليكم. إلى آخره يقال: فلان من فلان بمرآ و مسمع و بعين منه إذا كان مطّلعا على أمره: أي فإنّ الّذي حرّم عليكم المعصية و أوجب عليكم طاعته مطّلع عليكم و عالم بما تفعلون، و ذلك أردع لهم من النهى المجرّد، و لفظ العين مجاز في العلم.

 

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 221

خطبه 149 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام في الملاحم

القسم الأول

وَ أَخَذُوا يَمِيناً وَ شِمَالًا ظَعْناً فِي مَسَالِكِ الْغَيِّ- وَ تَرْكاً لِمَذَاهِبِ الرُّشْدِ- فَلَا تَسْتَعْجِلُوا مَا هُوَ كَائِنٌ مُرْصَدٌ- وَ لَا تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِي‏ءُ بِهِ الْغَدُ- فَكَمْ مِنْ مُسْتَعْجِلٍ بِمَا إِنْ أَدْرَكَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ- وَ مَا أَقْرَبَ الْيَوْمَ مِنْ تَبَاشِيرِ غَدٍ- يَا قَوْمِ هَذَا إِبَّانُ وُرُودِ كُلِّ مَوْعُودٍ- وَ دُنُوٍّ مِنْ طَلْعَةِ مَا لَا تَعْرِفُونَ- أَلَا وَ إِنَّ مَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاجٍ مُنِيرٍ- وَ يَحْذُو فِيهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِينَ- لِيَحُلَّ فِيهَا رِبْقاً- وَ يُعْتِقَ فِيهَا رِقّاً وَ يَصْدَعَ شَعْباً- وَ يَشْعَبَ صَدْعاً فِي سُتْرَةٍ عَنِ النَّاسِ- لَا يُبْصِرُ الْقَائِفُ أَثَرَهُ وَ لَوْ تَابَعَ نَظَرَهُ- ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ فِيهَا قَوْمٌ شَحْذَ الْقَيْنِ النَّصْلَ- تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ- وَ يُرْمَى بِالتَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهِمْ- وَ يُغْبَقُونَ كَأْسَ الْحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبُوحِ

اللغة

أقول: إبّان الشي‏ء. بكسر الهمزة و تشديد الباء: وقته. و الربق بكسر الراء و تسكين الباء: حبل فيه عدّة عرى يشدّ به البهم. و الصدع: الشقّ. و الشعب: إصلاحه. و الشحذ: التحديد. و القين: الحدّاد. و الغبوق: الشراب بالعشىّ.
و الصبوح: الشرب بالغداة.

المعنى

فقوله: و أخذوا يمينا و شمالا. إلى قوله: الرشد. إشارة إلى من ضلّ من فرق الإسلام عن طريق الهدى الّتى عليها الكتاب‏ و السنّة و سلكوا طرفى الإفراط و التفريط منها كما قال عليه السّلام فيما قبل: اليمين و الشمال مضلّة و الطريق الوسطى هى الجادّة. و قد سبق تفسير ذلك مستوفي. و مسالك الغىّ: أطراف الرذائل من الفضايل الّتى عدّدناها كالحكمة و العفّة و الشجاعة و العدالة و ما تحتها، و مذاهب الرشد: هى تلك الفضايل، و ظعنا و تركا مصدران قاما مقام الحال.

و قوله: فلا تستعجلوا ما هو كائن مرصد. ذلك الاستعجال إشارة إلى ما كانوا يتوقّعونه من الفتن الّتى أخبر الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن وقوعها في المستقبل، و كانوا في أكثر الوقت يسألونه عليه السّلام عنها فقال: لا تستعجلوا ما هو كائن: أى لا بدّ من وقوعه و هو مرصد معدّ. و لا تستبطئوا ما يجي‏ء به الغد: أى من الفتن و الوقايع.

و قوله: فكم من مستعجل. إلى قوله: لم يدركه. ذمّ للاستعجال و الاستبطاء لهذا الموعود كقوله «وَ عَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ»«» و ما أقرب اليوم من تباشير غد: أى من البشرى بغد. كقوله: غد ما غد ما أقرب اليوم من غد، و كقوله: و إن غدا للناظرين قريب. ثمّ أخذ في تقريب ذلك الموعود من الفتن فقال: هذا إبّان ورود كلّ موعود به أو وقت دنوّ ظهور ما لا تعرفون من تلك الامور بالتفصيل.

و قوله: ألا و إنّ من أدركها منّا. أى من أدرك تلك الفتن من أهل بيته الأئمّة الأطهار يسرى فيها بسراج المنير. و استعار لفظ السراج لكمالات نفسه الّتى استضاءت بها في طريق اللّه من العلوم و الأخلاق الفاضلة، و لفظ المنير ترشيح. و هو إخبار عن معرفته للحقّ و تمييزه من الباطل، و أنّ تلك الفتن لا توقع له شبهة و لا تأثير لها في عقيدته الصادقة الصافية بل يتصرّف فيها منقادا لأنوار اللّه على صراطه المستقيم لا يلويه عنه ملو بل يقتفى فيه أثر آبائه الصالحين و يلتزم مكارم الأخلاق فيحلّ ما انعقد فيها و أشكل على الناس من الشبه، و يفكّ ربق الشكّ من أعناق نفوسهم أو يفتدى فيها الأسرى فيفكّ ربق أسرهم و يعتقهم، و يصدع ما انشعب و التأم من ضلال يمكنه صدعه، و يشعب ممّا انصدع من أمر الدين ما أمكنه شعبه في ستره عن الناس لا يبصر القائف أثره و لو تابع إليه نظره، و ما زالت أئمّة أهل البيت عليهم السّلام مغمورين في الناس لا يعرفهم إلّا من عرّفوه أنفسهم حتّى لو تعرّفهم من لا يريدون معرفته لهم لم يعرّفهم، و لست أقول لم يعرف أشخاصهم بل لا يعرف أنّهم أهل الحقّ و الأحقّون بالأمر.

و قوله: ثمّ ليشحذنّ فيها قوم. أي في أثناء ما يأتي من الفتن تشحذ أذهان قوم. و تعدّ لقبول العلوم و الحكمة كما يشحذ الحدّاد النصل، و لفظ الشحذ مستعار لإعداد الأذهان، و وجه الاستعارة الاشتراك في الإعداد التامّ النافع فهو يمضى في مسائل الحكمة و العلوم كمضىّ النصل فيما يقطع به، و هو وجه التشبيه المذكور. ثمّ أخذ في تفسير ذلك الشحذة و الإعداد، فقال: تجلّى بالتنزيل أبصارهم: أى تعدّ بالقرآن الكريم و دراسته و تدبّره أبصار بصائرهم لإدراك الحكمة و أسرار العلوم و ذلك لاشتمال التنزيل الإلهىّ عليها، و يرمي التفسير في مسامعهم: أى يلقى إليهم تفسيره على وجهه من إمام الوقت. ثمّ عبّر عن أخذهم الحكمة و مواظبتهم على تلقّفها بعد استعدادهم لها بالغبوق و الصبوح، و لفظ الصبوح و الغبوق مستعاران لكونهما حقيقتين في الشرب المخصوص المحسوس. و هؤلاء المشار إليهم بالاستعداد للحكمة و أخذها هم علماء الأمّة من جاء منهم قبلنا و من في آخر الزمان من المستجمعين لكمالات النفوس السالكين لسبيل اللّه المرتضين في نظره و نظر الأئمّة من ولده بعده.

القسم الثاني منها

وَ طَالَ الْأَمَدُ بِهِمْ لِيَسْتَكْمِلُوا الْخِزْيَ وَ يَسْتَوْجِبُوا الْغِيَرَ حَتَّى إِذَا اخْلَوْلَقَ الْأَجَلُ- وَ اسْتَرَاحَ قَوْمٌ إِلَى الْفِتَنِ- وَ أَشَالُوا عَنْ لَقَاحِ‏ حَرْبِهِمْ- لَمْ يَمُنُّوا عَلَى اللَّهِ بِالصَّبْرِ- وَ لَمْ يَسْتَعْظِمُوا بَذْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي الْحَقِّ- حَتَّى إِذَا وَافَقَ وَارِدُ الْقَضَاءِ انْقِطَاعَ مُدَّةِ الْبَلَاءِ- حَمَلُوا بَصَائِرَهُمْ عَلَى أَسْيَافِهِمْ- وَ دَانُوا لِرَبِّهِمْ بِأَمْرِ وَاعِظِهِمْ حَتَّى إِذَا قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ ص رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى الْأَعْقَابِ- وَ غَالَتْهُمُ السُّبُلُ وَ اتَّكَلُوا عَلَى الْوَلَائِجِ- وَ وَصَلُوا غَيْرَ الرَّحِمِ- وَ هَجَرُوا السَّبَبَ الَّذِي أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ- وَ نَقَلُوا الْبِنَاءَ عَنْ رَصِّ أَسَاسِهِ فَبَنَوْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ- مَعَادِنُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وَ أَبْوَابُ كُلِّ ضَارِبٍ فِي غَمْرَةٍ- قَدْ مَارُوا فِي الْحَيْرَةِ وَ ذَهَلُوا فِي السَّكْرَةِ- عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ- مِنْ مُنْقَطِعٍ إِلَى الدُّنْيَا رَاكِنٍ- أَوْ مُفَارِقٍ لِلدِّينِ مُبَايِنٍ

اللغة

أقول: الأمد: الوقت. و الاشتيال: الرفع. و الوليجة: البطانة، و هي خاصّة الرجل من أهله و عشيرته. و رصّ الأساس: إحكامه. و ما روا: تحرّكوا.

المعنى

و هذا الفصل يستدعى كلاما منقطعا قبله لم يذكره الرضىّ- رضوان اللّه عليه- قد وصف فيه فئة ضالّة قد استولت و ملكت و أملى لها اللّه سبحانه.
و قوله: و طال الأمد بهم ليستكملوا الخزى. كقوله تعالى «إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً»«» و قوله تعالى «وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً»«». و قوله: حتّى إذا اخلولق الأجل. اى صار خلقا و هو كنايه عن بلوغهم غايه مدتهم المكتوبه بقلم القضاء الالهى في اللوح المحفوظ.

و قوله: و استراح قوم إلى الفتن. إشارة إلى من يعتزل الوقائع الّتي ستقع في آخر الزمان من شيعة الحقّ و أنصاره. و يستريح إليها: أى يجد في اشتغال القوم بعضهم ببعض راحة له في الانقطاع و العزلة و الخمول، و اشتيالهم عن لقاح حربهم: رفعهم لأنفسهم عن تهييجها، و استعار لفظ اللقاح بفتح اللام لإثارة الحرب ملاحظة لشبهها بالناقة. و قوله: لم يمنّوا. جواب قوله: حتّى إذا اخلولق. و الضمير في يمنّوا قال بعض الشارحين: إنّه عائد إلى العارفين الّذين تقدّم ذكرهم في الفصل السابق يقول: حتّى إذا ألقى هؤلاء السلّم إلى هذه الفئة الضالّة و عجزوا و استراحوا من منابذتهم إلى فتنتهم تقيّة منهم أنهض اللّه أولئك الّذين خصّهم بحكمته و اطّلعهم على أسرار العلوم فنهضوا و لم يمنّوا على اللّه تعالى بالصبر في طاعته. و في رواية بالنصر: أى بنصرهم له. و لم يستعظموا ما بذلوه من نفوسهم في طلب الحقّ حتّى إذا وافق القدر الّذي هو وارد القضاء و تفصيله انقطاع مدّة هذه الفئة و ارتفاع ما كان شمل الخلق من بلائهم حمل هؤلاء العارفون بصائرهم على أسيافهم، و فيه معنى لطيف يريد أنّهم أظهروا عقايد قلوبهم للناس و كشفوها و جرّدوها مع تجريد سيوفهم فكأنّهم حملوها على سيوفهم فترى في غاية الجلاء و الظهور كما ترى السيوف المجرّدة، و منهم من قال: أراد بالبصائر جمع بصيرة و هي الدم فكأنّه أراد طلبوا ثارهم و الدماء الّتي سفكتها تلك الفئة فكانت تلك الدماء المطلوب ثارها محمولة على أسيافهم المجرّدة للحرب، و أشار بواعظهم إلى الإمام القائم. و أقول: يحتمل أن يريد بالضمير في يمنّوا و ما بعده القوم الّذين استراحوا إلى الفتنة و اشتالوا عن لقاح الحرب، و ذلك أنّهم لم يفعلوا ذلك إلّا لأنّه لم يؤذن لهم في القيام حين استراحتهم و إلقائهم السلّم لهذه الفئة، و لم يتمكّنوا من مقاومتهم لعدم قيام القائم بالأمر فكانوا حين مسالمتهم صابرين على مضض من ألم المنكر الّذي يشاهدونه غير مستعظمين لبذل أنفسهم في نصرة الحقّ لو ظهر من يكون لهم ظهر يلجئون إليه حتّى إذا ورد القضاء الإلهىّ بانقطاع مدّة بلاء هذه الفئة و ظهور من يقوم بنصر الحقّ و دعا إليه حمل هؤلاء بصائرهم على أسيافهم و قاموا لربّهم بأمر من يقوم فيهم واعظا و مخوّفا و داعيا، و هذا الحمل يرجّحه عود الضمير إلى الأقرب و هم القوم.

و قوله: حتّى إذا قبض اللّه و رسوله. إلى آخره. هذا الفصل منقطع عمّا قبله لأنّ صريحه ذكر غاية الاقتصاص حال حياة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و حال الناس قبله و بعده و معه، و ليس في الكلام المتقدّم شي‏ء من ذلك. اللّهم إلّا أن يحمل من طال الأمد بهم في الكلام المتقدّم على من كان أهل الضلال قبل الإسلام حتّى إذا اخلولق أجلهم و استراح قوم منهم إلى الفتن و الوقائع بالنهب و الغارة و اشتالوا عن لقاح حربهم: أى أعدّوا أنفسهم لها كما تعدّ الناقة نفسها بشول ذنبها للقاحها: أى برفعه، و تسمّى شائلا، و يكون الضمير في قوله: لم يمنّوا راجعا إلى ذكر سبق للصحابة في هذه الخطبة حين قام الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيهم و بهم للحرب فلم يمنّوا على اللّه بصبرهم معه و في نصرة الحقّ، و لم يستعظموا بذل أنفسهم له حتّى إذا وافق وارد القضاء انقطاع مدّة البلاء بدولة الجاهليّة و الكفر حمل هؤلاء الّذين لم يمنّوا على اللّه بنصرهم بصائرهم: أى ما كانوا يخفونه من الإسلام في أوّله على سيوفهم: أى كشفوا عقائدهم كما سبق القول فيه أو دمائهم و ثاراتهم من الكفّار، و دانوا لربّهم بأمر واعظهم و هو الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و حينئذ يصلح قوله: حتّى إذا قبض اللّه رسوله.

غاية لذلك الكلام على هذا التأويل. و قوله: رجع قوم على الأعقاب. إلى آخره. أمّا على المذاهب الإماميّة فإشارة إلى عدول الصحابة بالخلافة عنه و عن أهل بيته عليهم السّلام إلى الخلفاء الثلاثة، و أمّا على مذهب من صحّح إمامة الخلفاء الثلاثة فيحتمل أن يريد بالقوم الراجعين على الأعقاب من خرج عليه في زمن خلافته من الصحابة كمعاوية و طلحة و الزبير و غيرهم، و زعموا أنّ غيره أحقّ بهامنه و من أولاده.
و الرجوع على الأعقاب كناية عن الرجوع عمّا كانوا عليه من الانقياد للشريعة و أوامر اللّه و رسوله و وصيّته بأهل بيته، و غيلة السبل لهم كناية عن اشتباه طرق الباطل‏ بالحقّ و استراق طرق الباطل لهم و إهلاكها إيّاهم، و هي الشبه المستلزمة للآراء الفاسدة كما يقال في العرف: أخذته الطريق إلى مضيق، و هي مجاز في المفرد و المركّب: أمّا في المفرد فلأنّ سلوكهم لسبل الباطل لمّا كان عن غير علم منهم بكونه باطلا ناسب الغيلة فأطلق عليه لفظها، و أمّا في المركّب فلأنّ إسناد الغيلة إلى السبل ليس حقيقة. إذ الغيلة من فعل العقلاء. و اتّكالهم على الولائح اعتماد كلّ من رأى منهم رأيا فاسدا على أهله و خواصّه في نصرة ذلك الرأى. و وصلوا غير الرحم: أى غير الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ترك المضاف إليه للعلم به. و كذلك هجروا السبب الّذي امروا بمودّته و لزومه يريد أهل البيت أيضا، و ظاهر كونهم سببا لمن اهتدى بهم في الوصول إلى اللّه سبحانه كما قال الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: خلّفت فيكم الثقلين: كتاب اللّه و عترتى أهل بيتى حبلان ممدودان من السماء إلى الأرض لم يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض. فاستعار لهم لفظ الحبل، و السبب في اللغة الحبل و أمرهم بمودّته كما في قوله تعالى «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏»«».

و قوله: و نقلوا البناء عن رصّ أساسه فبنوه في غير موضعه. إشارة إلى العدول بأمر الخلافة عنه و عن أهل بيته إلى غيرهم، و صلة غير الرحم خروج عن فضيلة العدالة إلى رذيلة الظلم، و عدم مودّة اولى القربى رذيلة التفريط من تلك الفضيلة الداخلة تحت العفّة، و كذلك نقل البناء عن موضعه دخول في رذيلة الظلم. ثمّ وصفهم وصفا إجماليّا بكونهم معادن كلّ خطيئة: أى إنّهم مستعدّون لفعل كلّ خطيئة، و مهيّئون لها. فهم مظانّها، و لفظ المعادن استعارة، و كذلك أبواب كلّ ضارب في عمرة، و استعار لفظ الأبواب لهم باعتبار أنّ كلّ من دخل في غمرة جهالة أو شبهة يثير بها فتنة، و استعان بهم فتحوا له ذلك الباب و ساعدوه و حسّنوا له رأيه فكأنّهم بذلك أبواب له إلى مراده الباطل يدخل منها.

و قوله: قد ما روا في الحيرة. أى تردّدوا في أمرهم فهم حائرون لا يعرفون جهة الحقّ فيقصدونه، و ذهلوا:أى غابت أذهانهم في سكرة الجهل فهم على سنّة من آل فرعون و طريقته، و إنّما نكّر السنّة لأنّه يريد بها مشابهتهم في بعض طرائقهم، و آل فرعون أتباعه.

و قوله: من منقطع إلى الدنيا. إلى آخره. تفصيل لهم باعتبار كونهم على سنّة من آل فرعون فمنهم المنقطع إلى الدنيا المنهمك في لذّاتها المكبّ على تحصيلها، و منهم المفارق للدين المباين له و إن لم يكن له دنيا، و المنفصلة مانعة الخلوّ بالنسبة إلى المشار إليهم، و يحتمل أن يريد مانعة الجمع، و يشير بمفارق الدين إلى من ليس براكن إلى الدنيا ككثير ممّن يدعى الزهد مع كونه جاهلا بالطريق فتراه ينفر من الدنيا و يحسب أنّه على شي‏ء مع أنّ جهله بكيفيّة سلوك سبيل اللّه يقوده يمينا و شمالا عنها. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 213

 

خطبه 148 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام قبل موته

أَيُّهَا النَّاسُ- كُلُّ امْرِئٍ لَاقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ فِي فِرَارِهِ- الْأَجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ وَ الْهَرَبُ مِنْهُ مُوَافَاتُهُ- كَمْ أَطْرَدْتُ الْأَيَّامَ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا الْأَمْرِ- فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا إِخْفَاءَهُ هَيْهَاتَ عِلْمٌ مَخْزُونٌ- أَمَّا وَصِيَّتِي فَاللَّهَ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً- وَ مُحَمَّداً ص فَلَا تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ- أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ- وَ أَوْقِدُوا هَذَيْنِ الْمِصْبَاحَيْنِ- وَ خَلَاكُمْ ذَمٌّ مَا لَمْ تَشْرُدُوا- حُمِّلَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ مَجْهُودَهُ- وَ خُفِّفَ عَنِ الْجَهَلَةِ- رَبٌّ رَحِيمٌ وَ دِينٌ قَوِيمٌ وَ إِمَامٌ عَلِيمٌ- أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ- وَ أَنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ وَ غَداً مُفَارِقُكُمْ- غَفَرَ اللَّهُ لِي وَ لَكُمْ- إِنْ تَثْبُتِ الْوَطْأَةُ فِي هَذِهِ الْمَزَلَّةِ فَذَاكَ- وَ إِنْ تَدْحَضِ الْقَدَمُ فَإِنَّا كُنَّا فِي أَفْيَاءِ أَغْصَانٍ- وَ مَهَبِّ رِيَاحٍ وَ تَحْتَ ظِلِّ غَمَامٍ- اضْمَحَلَّ فِي الْجَوِّ مُتَلَفَّقُهَا وَ عَفَا فِي الْأَرْضِ مَخَطُّهَا- وَ إِنَّمَا كُنْتُ جَاراً جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أَيَّاماً- وَ سَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُثَّةً خَلَاءً- سَاكِنَةً بَعْدَ حَرَاكٍ وَ صَامِتَةً بَعْدَ نُطُوقٍ- لِيَعِظْكُمْ هُدُوِّي وَ خُفُوتُ إِطْرَاقِي وَ سُكُونُ أَطْرَافِي- فَإِنَّهُ أَوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ الْمَنْطِقِ الْبَلِيغِ- وَ الْقَوْلِ الْمَسْمُوعِ- وَدَاعِي لَكُمْ وَدَاعُ امْرِئٍ مُرْصِدٍ لِلتَّلَاقِي- غَداً تَرَوْنَ أَيَّامِي وَ يُكْشَفُ لَكُمْ عَنْ سَرَائِرِي- وَ تَعْرِفُونَنِي بَعْدَ خُلُوِّ مَكَانِي وَ قِيَامِ غَيْرِي مَقَامِي

اللغة

أقول: أطردت الأيّام: صيّرتها طريدة لي. و شرد الجمل: ذهب لوجهه. و دحضت القدم: زلفت. و اضمحلّ: فنى. و المخطّ: الأثر.

و هذا الفصل محلّ الوعظ و الاعتبار.
فأيّه بالناس و نبّههم على لحوق ضرورة الموت المنفور منه طبعا. و أحسن بقوله: في فراره. فإنّه لمّا كان الإنسان دائما فارّا من الموت و متوقيّا له، و كان لابدّ منه. لا جرم كان ضرورىّ اللقاء له في فراره.

و الأجل قد يراد به غاية الحياة الدنيا كما قال تعالى «فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ»«» و قد يراد به المدّة المضروبة للإنسان و هى مدّة عمره، و إيّاه عنى هاهنا بقوله:

و الأجل مساق النفس فإنّ مدّة بقائها في هذا البدن هو مساقها إلى غايتها لا محلّ قرارها. و قوله: و الهرب منه موافاته. في غاية اللطف، و ذلك أنّ الفارّ من الموت مثلا بالحركات و العلاجات و نحوها يستلزم حركاته في ذلك فناء الأوقات و تصرّمها و قطع تلك الأوقات مستلزم لملاقاته و موافاته فأطلق لفظ الموافاة على الهرب مجازا إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه. و قوله: كم أطردت الأيّام. أى صيّرتها طريدة لي أتّبع بعضها بعضا بالبحث و تعرّف مكنون هذا الأمر: أى الّذى وقع له من القتل، و ذلك المكنون هو وقته المعيّن بالتفصيل و مكانه فإنّ ذلك ممّا استأثر اللّه تعالى بعلمه كقوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ» و قوله «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ»«» و إن كان قد أخبره الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بكيفيّة قتله مجملا كما روى عنه أنّه قال: ستضرب على هذه- و أشار إلى هامّته- فيخضب منها هذه- و أشار إلى لحيته- . و عنه أنّه قال: أتعلم من أشقى الأوّلين قال: نعم عاقر الناقة. فقال له: أتعلم من أشقى الآخرين قال: لا. قال: من يضربك هاهنا فيخضب هذه. و أمّا بحثه هو فعن تفصيل الوقت و المكان و نحوهما من القرائن المشخّصه، و ذلك البحث إمّا بالسؤال من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مدّة حياته و كتمانه إيّاه أو بالفحص و التفرّس من قرائن أحواله في سائر أوقاته مع الناس.

فأبى اللّه إلّا أن تخفى عنه تلك الحال. هيهات: أى بعد ذلك العلم فهو علم مخزون. ثمّ شرع في الوصيّة فبدء بالأهمّ فالأهمّ فالأوّل: هو الإخلاص للّه بالإعراض عن كلّ ما سواه، و في ذلك لزوم أوامره و نواهيه و سائر ما نطق به كتابه العزيز. الثاني: لزوم سنّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عدم إهمالها. و إنّما قدّم اسم اللّه على محمّد لما بيّنا أنّ الواجب في علم البيان تقديم الأهمّ. ثمّ أكّد القول في الأمر باتّباع التوحيد المطلق و السنّة النبويّة، و استعار لهما لفظ العمودين و رشّح بذكر الإقامة، و لفظ المصباحين و رشّح بذكر الإيقاد، و وجه الاستعارة الاولى أنّ مدار الإسلام و نظام امور المسلمين في معاشهم و معادهم على توحيد اللّه و لزوم ما جاء به رسوله كما أنّ مدار الخيمة و قيامها بالعمد، و وجه الثانية: أنّ توحيد اللّه و الاقتداء بما جاء به رسوله مستلزمان للهداية في طريقه من ظلمات الجهل قائدان إلى جواره في جنّات النعيم و هو المطلوب الحقيقيّ كما يهدى المصباح في الظلام على الطريق إلى المطلوب. و قوله: و خلاكم ذمّ. أي عداكم، و هى كلمة تجري مجرى المثل: أي عند لزومكم لتوحيد اللّه و سنّة رسوله لا ذمّ عليكم، و أوّل من قالها قصير مولى جذيمة حين حثّ عمرو بن عديّ ابن اخت جذيمة على ثاره من الزباء. فقال له عمرو: كيف لي بذلك و الزباء أمنع من عقاب الجوّ. فقال له قصير: اطلب الأمر و خلاك ذمّ. و قوله: ما لم تشردوا. استثناء من نفى لحوق الذمّ لهم: أى أوقدوا هذين المصباحين فما دمتم كذلك فلا ذمّ يلحقكم إلّا أن تشردوا: أي تنفرّقوا عمّا أنتم عليه.

ثمّ لمّا كان قد أمرهم بلزوم هذين الأمرين اللذين يدور عليهما التكليف بيّن لهم بقوله: حمل كلّ امري‏ء منكم. إلى قوله: الجهلة. أنّ التكليف بذلك يتفاوت فكلّ امرء من العلماء و أهل النباهة و من هو بصدد العلم يحمل مجهوده و طاقته منه بالتنبيه على الأدلّة و تعليمها، و أمّا الجهّال كالنساء و أهل البادية و الزنج و نحوهم من أهل الغباوة فتكليفهم دون ذلك و هو بالمحسوس من العبادات دون الأمر بالتفكّر في مقاصدها. ثمّ ذكر وصف الرحمة للربّ لمناسبة ما سبق من ذكر التخفيف عن الجهلة في التكليف. و دين قويم: لا عوج فيه و لا زيغ عن القصد الحقيقيّ. و إمام عليم: إشارة إلى الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم العالم بكيفيّة سلوك طريق اللّه و مراحلها و منازلها، و الهادى فيها بما يقتضيه حكمته من القول و العمل، أو إلى نفسه لكونه وارث علمه و سالك مسالكه. و ربّ: خبر مبتدأ محذوف و تقديره و ذلك المكلّف ربّ رحيم، و يجوز أن يكون فاعلا لفعل يفسّره قوله: حمل و خفّف: أي يحملكم ربّ كقوله تعالى «يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ.

لِلرِّجالِ»«» ثمّ ختم الوصيّة بالدعاء لهم و له و بطلب المغفرة. ثمّ تمّم بالتنبيه لهم على وجه الاعتبار به، و هو تصرّف حالاته بحسب الأزمان فقد كان بالأمس صاحبهم في الحرب و منازعة الأقران و صاحب الأمر و النهي فيهم، و اليوم عبرة لهم بحال مصرعه و ضعفه عن الحراك، و غدا مفارقهم بالموت. و كلّ هذه التغييرات محلّ الاعتبار يجب التنبيه لها. و أراد بغد إمّا حقيقة إن كان قد غلب على ظنّه موته في تلك الواقعة، أو ما يستقبل من الزمان و إن بعد، و هذا أرجح لقوله: إن ثبتت الوطأة في هذه المزلّة: أي إن يكن لي ثبات في الدنيا و بقاء في هذه المزلّة: أي محلّ الزوال عن الحياة فذاك المرجوّ، و كنّى بثبات الوطأة عمّا ذكرناه، و بدحض القدم عن عدم ذلك بالموت.

و قوله في جواب الشرط: فإنّا كنّا في أفياء أغصان. إلى قوله: مخطّها. أي و إن نمت فإنّا كنّا في كذا. و كنّى بالامور المذكورة عن أحوال الدنيا و ملذّاتها و بقائه فيها و متاعه بها، و قيل: استعار لفظ الأغصان للأركان الأربعة من العناصر، و لفظ الأفياء لما تستريح فيه النفوس من تركيبها في هذا العالم، و وجه الاستعارة الاولى: أنّ الأركان في مادّتها كالأغصان للشجرة، و وجه الثانية: أنّ الأفياء محلّ الاستراحة و اللذة كما أنّ الكون في هذا البدن حين صحّة التركيب و اعتدال المزاج من هذه الأركان كذلك. و كذلك استعار لفظ مهابّ الرياح للأبدان، و لفظ الرياح للأرواح و النفحات الإلهيّة عليها في هذه الأبدان، و وجه الاولى: قبول الأبدان لنفحات الجود كقبول مهابّ الرياح لها استعارة لفظ المحسوس للمعقول، و وجه الثانية: أظهر من أن يذكر. و كذلك لفظ الغمام للأسباب العلويّة من الحركات السماويّة و الاتّصالات الكوكبيّة و الأرزاق المفاضة على الإنسان في هذا العالم الّتي هي سبب بقائها، و وجهها الاشتراك في الإفاضة و السببيّته، و كنّى بظلّها عمّا يستراح إليه منها كما يقال: فلان يعيش في ظلّ فلان: أي في عيشه و عنايته، و كنّى باضمحلال متلفّقها في الجوّ عن تفرّق الأسباب العلويّة للبقاء و فنائها، و بعفاء مخطّها في الأرض عن فناء آثارها في الأبدان، و الضمير في متلفّقها يعود إلى الغمام، و في مخطّها يعود إلى مهابّ الرياح.

و قوله: فإنّما كنت جارا جاوركم بدني أيّاما. فيه تنبيه على أنّ نفسه القدسيّة كانت متّصلة بالملأ الأعلى، و لم يكن لها ميل إلى البقاء في الدنيا و مجاورة أهلها فيها فكانت مجاورته لهم ببدنه فقط، و أيضا فإنّ المجاورة من عوارض الجسميّة فيحتمل أن يكون ذلك تنبيها منه على وجود أمر آخر غير البدن و هو النفس، و كنّى بالأيّام عن مدّة حياته الدنيا. و قوله: و ستعقبون. أي توجدون في عاقبة أمركم منّى جثّة خالية لا روح بها و لا حراك قد افقرت من تلك المعاني المعهودة لكم من العقل و النطق و القوّة فهي متبدّلة بالحراك السكون، و بالنطق السكوت. ثمّ عاد إلى أمرهم بالاتّعاظ بذلك الهدوء و خفوت الأطراق و سكون الأطراف بالموت. و قوله: فإنّه أوعظ للمعتبرين من المنطيق البليغ. صاحب اللسن و الفصاحة.
كلام حقّ فإنّ الطباع أكثر انفعالا و اعتبارا عن مشاهدة ما فيه العبرة من الوصف له بالقول المسموع، و لو بأبلغ عبارة. ثمّ أخذ عليه السّلام في توديعهم.

فقوله: و داعيكم. إنشاء لاخبر. و قوله: وداع امرء مرصد للتلاقي. أى معدّ و مهيّأ للقاء اللّه. و قوله: غدا ترون أيّامي. إلى آخره. تذكير لهم بفضيلته و تنبيه عليها ليثبت متّبعوه على اتّباعه، و الغافلون عن فضله و محلّه بينهم إذا فارقهم و ولّى أمرهم الظالمون بعده فلابدّ أن ينكشف لهم ما كان مغطّى عن أعين بصائرهم من لزومه للقصد في سبيل اللّه، و يعرفون منزلته و فضله حين مشاهدة المنكرات ممّن يقوم مقامه خلفا في الناس. و إنّ وقائعه و حروبه‏ و حرصه على هذا الأمر لم يكن لنيل دنيا بل لإقامة سنن العدل و رضا اللّه تعالى.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 208

 

خطبه 147 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام في ذكر أهل البصرة

كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْجُو الْأَمْرَ لَهُ- وَ يَعْطِفُهُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ- لَا يَمُتَّانِ إِلَى اللَّهِ بِحَبْلٍ- وَ لَا يَمُدَّانِ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ- كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَامِلُ ضَبٍّ لِصَاحِبِهِ- وَ عَمَّا قَلِيلٍ يُكْشَفُ قِنَاعُهُ بِهِ- وَ اللَّهِ لَئِنْ أَصَابُوا الَّذِي يُرِيدُونَ- لَيَنْتَزِعَنَّ هَذَا نَفْسَ هَذَا- وَ لَيَأْتِيَنَّ هَذَا عَلَى هَذَا- قَدْ قَامَتِ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فَأَيْنَ الْمُحْتَسِبُونَ- فَقَدْ سُنَّتْ لَهُمُ السُّنَنُ وَ قُدِّمَ لَهُمُ الْخَبَرُ- وَ لِكُلِّ ضَلَّةٍ عِلَّةٌ وَ لِكُلِّ نَاكِثٍ شُبْهَةٌ- وَ اللَّهِ لَا أَكُونُ كَمُسْتَمِعِ اللَّدْمِ- يَسْمَعُ النَّاعِيَ وَ يَحْضُرُ الْبَاكِيَ

اللغة

أقول: متّ إليه بكذا: أى تقرّب إليه به. و الضبّ: الحقد و الغلّ. و المحتسبون: طالبون الأجر و الثواب. و اللدم: ضرب الصدر باليد فعل الحزين،

المعنى

و الضمير في منهما راجع إلى طلحة و الزبير، و الأمر: أمر الخلافة، و ذلك حين خرجا إلى البصرة مع عائشة، و يعطفه إليه: يجذبه إلى نفسه و يزعم أنّه أحقّ به من صاحبه. و قوله: لا يمتّان. إلى قوله: بسبب. أى لا حجّة يعتذران إلى اللّه تعالى بها في قتالهما له عليه السّلام و هلاك المسلمين فيما بينهم.

و قوله: كلّ واحد منهما حامل ضبّ لصاحبه. أى في صدره غلّ عليه و عمّا قليل يظهر و ينكشف، و استعار لفظ القناع لظاهره الساتر لباطنه، و ذلك مثل يضرب لمن ينافق صاحبه و يظهر له الصداقة مع حسده و عقوقه له في الباطن. و العرب تضرب بالضبّ المثل في العقوق. فيقال: أعقّ من ضبّ. و ذلك أنّه ربّما يأكل حسوله. ثمّ أقسم لئن أصابوا بغيتهم لينزعنّ هذا و ليأتينّ عليه: أى يسعى كلّ منهم في قتل صاحبه، و هذا ممّا لا شكّ فيه فإنّ العادة جارية بعدم قيام الأمر برئيسين معا، و سرّه أنّ الطباع البشريّة متشاحّة على الكمال و يتفاوت ذلك التشاحّ بحسب تفاوت ذلك الكمال في تصوّر قوّته و ضعفه و لا شي‏ء في نفوس طالبى الدنيا أعظم من الملك خصوصا في نفس من يعتقد أنّه يقدر على تحصيل الآخرة فيه أيضا فإنّ تحصيل الدنيا و الآخرة هي أكمل الكمالات المطلوبة للإنسان. و لا شي‏ء يقاوم هذا المطلوب في النفوس. فهي تسعى في تحصيله بكلّ ممكن من قتل الولد و الوالد و الأخ. و لذلك قيل: الملك عقيم. و قد نقل عن هذين الرجلين الاختلاف قبل إصابتهما و قبل وقوع الحرب فاختلفا في الأحقّ بالتقديم في الصلاة فأقامت عايشة محمّد بن طلحة و عبد اللّه بن الزبير يصلّى هذا يوما و هذا يوما إلى أن ينقضي الحرب. ثمّ إنّ عبد اللّه بن الزبير ادّعى أنّ عثمان نصّ عليه بالخلافة يوم الدار و احتجّ على ذلك باستخلافه له في الصلاة، و احتجّ تارة بنصّ صريح ادّعاه. و طلب طلحة أن يسلّم الناس عليه بالإمرة و أدلى إليها بالسميّة، و أدلى الزبير بأختها أسماء. فأمرت الناس أن يسلّموا عليهما بالإمرة، و اختلفا في تولّى القتال فطلبه كلّ واحد منهما أوّلا ثمّ نكل عنه. و أحوالهم في ذلك ظاهرة. فقوله: قد قامت الفئة الباغية. إشارة إليهم و هم الناكثون الّذين نقل فيما سبق فيهم الخبر: امرت أن اقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين.

و قوله: فأين المحتسبون و قد سنّت لهم السنن.

أى أين طالبو الثواب من اللّه بعد وضوح الطريق، و روى: فأين المحسنون. و قوله: و قدّم لهم الخبر. أى أخبرهم الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن خروج فئة باغية و ناكثة و مارقة. فبالحريّ أن يحذر هؤلاء أن يكونوا ممّن أخبر عنهم. و قوله: و لكلّ ضلّة علّة. أى لكلّ خروج عن سبيل اللّه علّة. و أشار إلى خروج هذه الفرقة عن الدين.
و تلك العلّة هي البغى و الحسد، و كذلك لكلّ ناكث شبهة تغطّى عين بصيرته عن النظر إلى وجه الحقّ كطلبهم بدم عثمان. و قوله: و اللّه لا أكون. إلى آخره. أقسم أنّه لا يكون كذلك: أى إنّه بعد سماعه لغلبة هؤلاء و جلبهم عليه و تهديدهم إيّاه لا ينام عنهم و يصبر لهم حتّى يوافوه فيكون في الغرور كمن يسمع الضرب و البكاء الّذي هو مظنّة الخطر ثمّ لا يصدّق حتّى يجي‏ء لمشاهدة الحال و يحضر الباكي و قد كان الأولى به أن يكتفى بذلك السماع لظهور دلالته و يأخذ في الاستعداد للعدوّ و الحرب منه.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 205

 

خطبه 146 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً ص بِالْحَقِّ- لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ- وَ مِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ- بِقُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ‏ وَ أَحْكَمَهُ- لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ- وَ لِيُقِرُّوا بِهِ بَعْدَ إِذْ جَحَدُوهُ- وَ لِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ- فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ- مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ- وَ خَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ- وَ كَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلَاتِ- وَ احْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ وَ إِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ- لَيْسَ فِيهِ شَيْ‏ءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ- وَ لَا أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ- وَ لَا أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ- وَ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرَ مِنَ الْكِتَابِ- إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ- وَ لَا أَنْفَقَ مِنْهُ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ- وَ لَا فِي الْبِلَادِ شَيْ‏ءٌ أَنْكَرَ مِنَ الْمَعْرُوفِ- وَ لَا أَعْرَفَ مِنَ الْمُنْكَرِ- فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ وَ تَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ- فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ وَ أَهْلُهُ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ- وَ صَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ لَا يُؤْوِيهِمَا مُؤْوٍ- فَالْكِتَابُ وَ أَهْلُهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ وَ لَيْسَا فِيهِمْ- وَ مَعَهُمْ وَ لَيْسَا مَعَهُمْ- لِأَنَّ الضَّلَالَةَ لَا تُوَافِقُ الْهُدَى وَ إِنِ اجْتَمَعَا- فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ- وَ افْتَرَقُوا عَنِ الْجَمَاعَةِ كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ- وَ لَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ- فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلَّا اسْمُهُ- وَ لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا خَطَّهُ وَ زَبْرَهُ- وَ مِنْ قَبْلُ مَا مَثَّلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ- وَ سَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى اللَّهِ فِرْيَةً وَ جَعَلُوا فِي الْحَسَنَةِ عُقُوبَةَ السَّيِّئَةِ- وَ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِ آمَالِهِمْ وَ تَغَيُّبِ آجَالِهِمْ- حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ الْمَوْعُودُ الَّذِي تُرَدُّ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ- وَ تُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُ وَ تَحُلُّ مَعَهُ الْقَارِعَةُ وَ النِّقْمَةُ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ مَنِ اسْتَنْصَحَ اللَّهَ وُفِّقَ- وَ مَنِ اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلًا هُدِيَ لِلَّتِي هِيَ أَقُومُ- فَإِنَّ جَارَ اللَّهِ آمِنٌ وَ عَدُوَّهُ خَائِفٌ- وَ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللَّهِ أَنْ يَتَعَظَّمَ- فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ- وَ سَلَامَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ- فَلَا تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيحِ مِنَ الْأَجْرَبِ- وَ الْبَارِئِ مِنْ ذِي السَّقَمِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ- حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ- وَ لَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ- وَ لَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ- فَالْتَمِسُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ- فَإِنَّهُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ وَ مَوْتُ الْجَهْلِ- هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ- وَ صَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ- لَا يُخَالِفُونَ الدِّينَ وَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ- فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ

اللغة

أقول: الأوثان: الأصنام. و زبره: كتبه. و مثّلوا: بفتح الميم و الثاء: أى نكّلوا.
و الاسم المثلة بضمّ الميم و سكون الثاء. و القارعة: الشديدة من شدائد الدهر.

و مدار هذا الفصل على بيان بعثة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بيان غاية البعثة
و السبب المعدّ للوصول إلى تلك الغاية، ثمّ بيان غاية تلك الغاية. و الإشارة إلى البعثة بقوله:

فبعث. إلى قوله: بالحقّ، و أشار إلى غايتها بقوله: ليخرج إلى قوله: طاعته. و قد علمت أنّ طاعته بسلوك الصراط المستقيم في الدنيا و هو اتّباع الدين القيّم، و العدول عن طاعة الشيطان الّتي هي بالخروج إلى أحد طرفي الإفراط و التفريط. فأشار إلى سبب تلك الغاية بقوله: بقرآن قد بيّنه و أحكمه. و قد علمت اشتمال القرآن الكريم على الجواذب الإلهيّة إلى طاعة اللّه، و سلوك صراطه المستقيم، و أشار إلى غاية تلك الغاية أعنى غاية طاعة اللّه بقوله: ليعلم العباد. إلى قوله: أنكروه. و هي مسئلتان من امّهات العلم الإلهىّ: الُاولى: معرفتهم له بعد جهلهم به. و الثانية: الإقرار به بعد جحدهم له و إثباتهم له بعد إنكارهم إيّاه. و المعنى واحد و إن اختلفت العبارتان و هو التصديق بودّه إلّا أن يحمل الإقرار على الإقرار باللسان و الجحد به، و يحمل الإثبات و الإنكار على إثباته بالقلب بعد الإنكار به و حينئذ يتغاير المعنيان، و أشار بتجلّيه- سبحانه- في كتابه إلى ظهوره لهم في تذكيرهم فيه بما أراهم من عجائب مصنوعاته، و بما خوّفهم به من وعيده، و بتذكيرهم أنّه كيف محق من محق من القرون الماضية بالعقوبات و احتصد من احتصد منهم بالنقمات. كلّ ذلك الظهور و الجلاء من غير رؤية له. إذ تعالى عن إدراك الحواسّ. و قال بعض الفضلاء: يحتمل أن يريد بتجلّيه في كتابه ظهوره في عجائب مصنوعاته و مكنوناته، و يكون لفظ الكتاب استعارة في العلم، و وجه المشابهة كونه محلّا قابلا لآثار الصنع المختلفة و عجائب الصور المنقوشة فيه كما أنّ الكتاب محلّ لنقش الحروف كلّ ذلك من غير رؤية بحاسّة البصر له لتعاليه و تقدّسه عن ذلك.

و قوله: سيأتى. إلى قوله: المنكر. إخبار عن زمان يأتي بعده بالصفات المذكورة، و قد رأيناه و رأته قرون قبلنا فإنّ خفاء الحقّ و ظهور الباطل عليه أمر ظاهر، و كون الحقّ لا شي‏ء أخفى منه و الباطل لا شي‏ء أظهر على سبيل المبالغة، و كذلك لا أكثر من الكذب على اللّه و على رسوله. روى عن شعبة و كان إمام المحدّثين أنّه قال: تسعة أعشار الحديث كذب.

و عن الدارقطنى. ما الحديث الصحيح إلّا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود. و قوله: و ليس عند أهل. إلى آخره. قد مرّ تفسيره في الفصل الّذي يذمّ من يتصدّى للحكم بين الامّة و ليس له بأهل، و نبذ حملة الكتاب له: إعراض قرّائه عن تدبّر ما فيه و العمل به، و تناسى حفظته أيضا: تعاميهم عن أمره و نواهيه و تغافلهم عن اتّباعها. و قوله: فالكتاب. إلى قوله: و إن اجتمعا. فأهل الكتاب الملازمون للعمل به. و حيث كان أهل ذلك الزمان المشار إليه غير ملتفتين إلى الكتاب كانوا أيضا غير ملتفتين إلى أهله و من يعمل به بل مؤذون لهم فيما يخالفونهم فيه ممّا يقتضيه أحكام الكتاب و يوجبه اتّباعه فكان إعراضهم عنهم إبعادا لهم و نفيا و طردا، و الطريق الّذي اصطحب فيه الكتاب و أهله هو طريق اللّه الواحد. و صدق إذن أنّه لا يؤويهما مؤو من أهل ذلك الزمان. اللّهم إلّا إذا وافقتا غرضه لكن ذلك ليس للكتاب و للعامل به بل لموافقتهما الغرض. و كونهما في الناس: أى بوجودهما، و كونهما ليسا فيهم لعدم اتّباعهما و إلغاء فائدتهما فأشبها ما ليس بموجود، و لأنّ فايدة الموجود أن ينتفع به.

و كذلك معهم بالمصاحبة الاتّفاقيّة في الوجود، و ليسا معهم لأنّ ضلالتهم لا تجامع هدى الكتاب و أهله فكانا مضادّين لهم و إن اجتمعا في الوجود. و قوله: فاجتمع القوم على الفرقة. أى اتّفقوا على مفارقة الاجتماع و ما عليه الجماعة أمّا في وقته عليه السّلام فكالخوارج و البغاة، و أمّا فيما يستقبل من الزمان بعده فكالآخذين بالآراء و المذاهب المتفرّقة المحدثة في الدين. و الاجتماع على الفرقة يلازم الافتراق عن الجماعة. و قوله: كأنّهم أئمّة الكتاب. تشبيه لهم بالأئمّة له في الجرأة على مخالفة ظواهره و الاختلاف فيه و تفريعه على حسب أغراضهم. إذ شأن الإمام مع المأموم ذلك مع أنّه إمامهم الّذي يجب أن يتّبعوه و يقتفوا أثره، و إذ خالفوه و نبذوه وراء ظهورهم فلم يبق معهم من تمسّكهم‏ به إلّا اسمه و علم خطّه و زبره دون اتّباع مقاصده. و قوله: و من قبل ما مثّلوا بالصالحين. إشارة إلى زمن بنى اميّة الكائن قبل زمن من يخبر عنهم. و تمثيل بنى اميّة بالصالحين من الصحابة و التابعين و حملهم لهم على المكروه، و نسبتهم لهم إلى الكذب على اللّه، و جعلهم لهم في الحسنة عقوبة السيّئة ظاهر منهم. و وصفه لمن سيأتى في ذلك الزمان بالأوصاف المذكورة لا ينافي وصف من قبلهم من بنى أميّة بمثل تلك الأوصاف.

و- ما- مع الفعل في حكم المصدر و محلّها الرفع بالابتداء و خبرها- من قبل- . و قوله: و إنّما هلك. إلى آخره. تنبيه على وجوب تقصير الآمال في الدنيا لاستلزام طلبها الهلاك الاخروىّ، و أشار إلى القرون الماضية من قبل، و أراد الهلاك الاخروىّ، و جعل سبب هلاكهم طول آمالهم في الدنيا الموجب للاستغراق في لذّاتها المبعّدة عن اللّه تعالى مع تغيّب آجالهم عنهم: أى غفلتهم عنها، و قلّة فكرهم فيها و عدم علمهم بتعيينها فإنّ استشعار الأجل موجب للإقلاع عن الانهماك في اللذّات الحاضرة، و منغّص لها. و قوله: حتّى نزل بهم الموعود. إلى آخره. ذكر غاية طول آمالهم. و الموعود هو الموت، و تردّ عنه المعذرة: أى لا تقبل فيه معذرة معتذر، و ترفع عنه التوبة: أى ينسدّ بابها حين نزوله كقوله تعالى «وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَ لَا الَّذِينَ»«» الآية، و تحلّ معه القارعة: أى تنزل بمن نزل به الشدائد و الأهوال و تتبعها العقوبات الاخرويّة. ثمّ عاد إلى الرأى الصالح للسامعين فأيّه بهم و نبّههم على وجوب استنصاحه: أى اتّخاذه ناصحا في قبول أوامره و نواهيه و اتّخاذ قوله دليلا إلى المطالب المهمّة فإنّ استنصاحه يستلزم التوفيق، و اتّخاذه دليلا يستلزم الهدى للّتى هى أقوم: أى للطريق الّتي هي أقوم الطرق. ثمّ نبّه على حسن جوار اللّه بالأمن الّذي هو غاية الجوار، و على قبح عداوته بذكر الخوف الّذى‏ هو غاية عداوة الملوك خصوصا جبّار الجبابرة و ملك الدنيا و الآخرة، و أراد بجواره القرب منه بالطاعة، و بعداوته البعد عنه بالمعصية و مخالفة أوامره.

و لا شكّ في كون الأوّل أمنا من أهوال الآخرة و في كون الثاني في محلّ الخوف و الخطر. و قوله: و إنّه لا ينبغي لمن عرف إلى آخره. إرشاد لهم إلى التواضع للّه و لمن ارشد إلى طريقه، و نهى عن التكبّر عليهم، و النفار عن قبول الحقّ منهم. و خاطب من يعرف عظمة اللّه لاحتقاره نفسه عند ملاحظته لنفسه و نسبته لها إلى جلال اللّه فهو أسرع انفعالا و أحقر في نفسه أن يتكبّر على اللّه، و نبّه على حسن التواضع له بذكر عظمته و رفعه للعالمين بعظمته. فإنّه لمّا كان هو العظيم المطلق و كلّ عظمة و رفعة لعظيم فمستفادة من جوده و القرب منه، و كانت العادة جارية من الملوك في حقّ من يتواضع لهم و يوفّيهم حقّهم من الإجلال و الإكرام و حسن الانقياد أن يرفعوه و يعظّموه فبالحرّى أن يكون رفعة المتواضع للملك المطلق و العظيم المطلق لازمة عن التواضع له، و كذلك العادة جارية منهم بسلامة من استسلم لهم عن معرفته باقتدارهم فبالحرّى أن يكون سلامة المستسلم للّه عن العلم بغلبة قدرته و استيلاء سلطانه لازمة من استسلامه له. و إذ أدّبهم بالتواضع للّه و لأوليائه ندبهم إلى قبول الحقّ منهم و عدم النفار منه الشبيه بنفار الصحيح من الأجرب، و البارى‏ء من السقيم، و وجه الشبه هو شدّة النفار. ثمّ عاد إلى تنفيرهم عن أئمّة الضلال، و ذلك بتنبيههم على أنّهم ليسوا عارفين بالرشد و المعرفة الصحيحة، و لا آخذين بميثاق الكتاب، و لا متمسّكين به الأخذ و التمسّك التامّ ما لم يعرفوا اولئك الضالّين.

و إنّما شرط معرفتهم للرشد بمعرفتهم لتاركه لأنّ المعرفة التامّة للرشد بل لكلّ شي‏ء تستدعى معرفة ما عليها من الشكوك و الشبهات الّتى هى سبب التشكيك فيها و ترك العمل على وفقها، و لمّا كان الرشد و هو الحقّ الّذي هو عليه و تابعوه، و كان التارك لذلك هم مخالفوه و خصومه في الأمر من أئمّة الضلال لا جرم كان من تمام معرفة الحقّ الّذى في يده و الرشد الّذى يدعو إليه معرفة خصومة و أنّهم على شبهة إذا عرفها طالب الحقّ تمّت معرفته بطريق الرشد فسلكها و نفر عمّن نكب، و كذلك شرطه لأخذهم بميثاق الكتاب و العمل بما فيه بمعرفتهم لمن نقضه من خصومه: أى إنّ أخذهم بما يعمل به عليه السّلام منه لا يتمّ منهم إلّا أن يعرفوا شبهة ناقضه و هو العامل بخلاف حكمه عليه السّلام على وفق الكتاب لشبهة حتّى إذا اطّلعوا على كيفيّة فسادها و ضلاله بها أخذوا بميثاق الكتاب على بصيرة، و علموا أنّه ناقض له فنفروا عنه، و كذلك شرطه لتمسّكهم بالكتاب و لزومهم بميثاقه بمعرفة نابذه و أنّه ضالّ لتحصل النفرة عنه فيتمّ التمسّك به و يتأكّد لزوم ميثاقه. و غاية كلّ ذلك التنفير عن أئمّة الضلال بمعرفتهم و معرفة ما هم عليه من الشبه و التبرّى منهم. ثمّ بعد أن نبّه على تلك المعرفة أمر بالتماسها من عند أهلها، و الإشارة بهم إلى نفسه و أهل بيته عليهم السّلام، و استعار لهم وصفى عيش العلم: أى حياته، و موت الجهل. و وجه الاستعارة الاولى: أنّ بهم يكون وجود العلم و الانتفاع به كما يكون بحياة الشي‏ء الانتفاع به، و وجه الثانية: أنّ بهم يكون عدم الجهل و عدم التضرّر به كما يكون بموت الشرير عدمه و عدم مضرّته. و قوله: هم الّذين يخبركم حكمهم عن علمهم. أى يدلّكم منطقهم بالحكمة، و سيرتهم على وفقها على كمال نفوسهم بالعلوم، و صمتهم عن منطقهم فإنّ لصمت المنطيق اللسن ذى الحكمة العزيزة وقتا و هيئة و حالة تكون قرائن دالّة على حسن منطقه و علمه بما يقول، و كذلك ظاهرهم عن باطنهم. و قوله: لا يخالفون الدين. إشارة إلى لزومهم لأوامر اللّه و طريق شريعته. و لا يختلفون فيه. إشارة إلى اتّفاق آرائهم على أحكامه عن كمال علومهم به. فإنّه لمّا كان طريقا واحدا و اتّفقوا على معرفته وجب أن لا يختلفوا فيه و لا يضلّ أحدهم عن حكم من أحكامه حتّى يخالف صاحبه فيه.. و قوله: فهو بينهم شاهد صادق. أى شاهد يستدلّون به على الأحكام و الوقايع النازلة بهم و بغيرهم. لا يكذب‏ من حيث هو شاهد، و صامت ناطق لكونه حروفا و أصواتا. و إنّما ينطق بألسنتهم فهو بمنزلة الناطق. و اللفظان استعارة، وجهها الإفادة مع النطق به و عدمها مع السكوت عنه كافادة الناطق و عدم إفادة الصامت.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 198

خطبه 145 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام لعمر بن الخطاب، و قد استشاره في غزو الفرس بنفسه

إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ- وَ لَا خِذْلَانُهُ بِكَثْرَةٍ وَ لَا بِقِلَّةٍ- وَ هُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي أَظْهَرَهُ- وَ جُنْدُهُ الَّذِي أَعَدَّهُ وَ أَمَدَّهُ- حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ وَ طَلَعَ حَيْثُ طَلَعَ- وَ نَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ اللَّهِ- وَ اللَّهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ وَ نَاصِرٌ جُنْدَهُ- وَ مَكَانُ الْقَيِّمِ بِالْأَمْرِ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ- يَجْمَعُهُ وَ يَضُمُّهُ- فَإِنِ انْقَطَعَ النِّظَامُ تَفَرَّقَ الْخَرَزُ وَ ذَهَبَ- ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَافِيرِهِ أَبَداً- وَ الْعَرَبُ الْيَوْمَ وَ إِنْ كَانُوا قَلِيلًا- فَهُمْ كَثِيرُونَ بِالْإِسْلَامِ- عَزِيزُونَ بِالِاجْتِمَاعِ- فَكُنْ قُطْباً وَ اسْتَدِرِ الرَّحَى بِالْعَرَبِ- وَ أَصْلِهِمْ دُونَكَ نَارَ الْحَرْبِ- فَإِنَّكَ إِنْ شَخَصْتَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ- انْتَقَضَتْ عَلَيْكَ الْعَرَبُ مِنْ أَطْرَافِهَا وَ أَقْطَارِهَا- حَتَّى يَكُونَ مَا تَدَعُ وَرَاءَكَ مِنَ الْعَوْرَاتِ- أَهَمَّ إِلَيْكَ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْكَ- إِنَّ الْأَعَاجِمَ إِنْ يَنْظُرُوا إِلَيْكَ غَداً يَقُولُوا- هَذَا أَصْلُ الْعَرَبِ فَإِذَا اقْتَطَعْتُمُوهُ اسْتَرَحْتُمْ- فَيَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ لِكَلَبِهِمْ عَلَيْكَ وَ طَمَعِهِمْ فِيكَ- فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَسِيرِ الْقَوْمِ إِلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ أَكْرَهُ لِمَسِيرِهِمْ مِنْكَ- وَ هُوَ أَقْدَرُ عَلَى تَغْيِيرِ مَا يَكْرَهُ- وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَدَدِهِمْ- فَإِنَّا لَمْ نَكُنْ نُقَاتِلُ فِيمَا مَضَى بِالْكَثْرَةِ- وَ إِنَّمَا كُنَّا نُقَاتِلُ بِالنَّصْرِ وَ الْمَعُونَةِ

المعنى

أقول: اختلف الناقلون لهذا الكلام في الوقت الّذي قاله لعمر فيه.
فقيل: إنّه قاله في غزاة القادسيّة. و هو المنقول عن المدائنى في كتاب الفتوح. و قيل: في غزاة نهاوند. و هو نقل محمّد بن جرير الطبرىّ. فأمّا وقعة القادسيّة فكانت سنة أربع عشرة للهجرة استشار عمر المسلمين في خروجه فيها بنفسه فأشار عليه علىّ عليه السّلام بالرأى المسطور فأخذ عمر به و رجع عن عزم المسير بنفسه، و أمّر سعد بن أبى وقّاص على المسلمين. و يروى في تلك الواقعة أنّ رستم أمير العسكر من قبل يزدجرد أقام بريدا من الرجال الواحد منهم إلى جانب الآخر من القادسيّة إلى المدائن كلّما تكلّم رستم بكلمة أدّاها بعضهم إلى بعض حتّى يصل إلى سمع يزدجرد، و قصص الواقعة مشهورة في التواريخ، و أمّا وقعة نهاوند فإنّه لمّا أراد عمر أن يغزو العجم، و جيوش كسرى قد اجتمعت بنهاوند استشار أصحابه فأشار عثمان عليه بأن يخرج بنفسه بعد أن يكتب إلى جميع المسلمين من أهل الشام و اليمن و الحرمين و الكوفة و البصرة و يأمرهم بالخروج، و أشار علىّ عليه السّلام بالرأى المذكور: و قال: أمّا بعد و إنّ هذا الأمر لم يكن نصره و لا خذلانه. الفصل. فقال: عمر أجل هذا الرأى، و قد كنت احبّ أن اتابع عليه فأشيروا علىّ برجل اولّيه ذلك الثغر. فقالوا: أنت أفضل رأيا.
فقال: أشيروا علىّ به و اجعلوه عراقيّا. فقالوا: له أنت أعلم بأهل العراق و قد وفدوا عليك فرأيتهم و كلّمتهم. فقال: أما و اللّه لاولينّ أمرهم رجلا يكون غدا لأوّل الأسنّة. قيل: و من هو فقال: النعمان بن مقرن. قالوا: هولها. و كان نعمان يومئذ بالبصرة فكتب إليه عمر فولّاه أمر الجيش.

و لنرجع إلى المتن. فقوله: بحذافيره: أى بأسره. و قوله: إنّ هذا الأمر. إلى قوله: بالاجتماع: صدر الكلام أورده ليبتنى عليه الرأى فقرّر فيه أوّلا أنّ هذا الأمر: أى أمر الإسلام ليس نصره بكثرة و لا خذلانه بقلّة، و نبّه على صدق هذه الدعوى بأنّه دين اللّه الّذي أظهره و جنوده، و هي جنده الّذي أعدّه و أمدّه بالملائكة و الناس حتّى بلغ هذا المبلغ، و طلع في آفاق البلاد حيث طلع. ثمّ وعدنا بموعود و هو النصر و الغلبة و الاستخلاف في الأرض كما قال «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ»«» الآية، و كلّ وعد من اللّه فهو منجّز لعدم الخلف في خبره.

و قوله: و ناصر جنده. يجرى مجرى النتيجة. إذ من جملة وعده نصر جنده، و جنده هم المؤمنون. فالمؤمنون منصورون على كلّ حال سواء كانوا قليلين أو كثيرين. ثمّ شبّه مكان القيّم بالأمر بمكان الخيط من العقد، و وجه التشبيه هو قوله: يجمعه و يضمّه. إلى قوله: أبدا.

و قوله: لم يجتمع بحذافيره أبدا. و ذلك أنّهم عند فساد نظامهم بقتل الإمام مثلا يقع بهم طمع العدوّ و ظفره فيكون ذلك سبب استيصالهم. ثمّ رفع عنه الشبهة في عدم الحاجة إلى اجتماع كلّ العرب في هذه الواقعة، و ذلك لكثرتهم بالإسلام و استقبال الدولة و عزّتهم باجتماع الرأى و اتّفاق القلوب الّذي هو خير من كثرة الأشخاص، و أراد بالكثرة القوّة و الغلبة مجازا إطلاقا لاسم مظنّة الشي‏ء على الشي‏ء.

و قوله: فكن قطبا. شروع في الرأى الخاصّ بعمر. فأشار عليه أن يجعل نفسه مرجعا للعرب تؤل إليه، و تدور عليه، و استعار له لفظ القطب و لهم لفظ الرحا، و رشّح بالاستدارة، و كنّى بذلك عن جعل العرب دربة دونه و حيطة له، و لذلك قال: و أصلهم دونك نار الحرب. لأنّهم إن سلموا و غنموا فذلك الّذي ينبغي، و إن انقهروا كان هو مرجعا لهم و سندا يقوى ظهورهم به بخلاف شخوصه معهم فإنهم إن ظفروا فذلك و إن انقهروا لم يكن لهم ظهر يلجئون إليه كما سبق بيانه. و قوله: فإنّك إن شخصت. إلى قوله: فيك. بيان للمفسدة في خروجه بنفسه من وجهين:

أحدهما: أنّ الإسلام كان في ذلك الوقت غضّا، و قلوب كثير من العرب ممّن أسلم غير مستقرّة بعد فإذا انضاف إلى من لم يسلم منهم و علموا خروجه و تركه للبلاد كثر طمعهم و هاجت فتنتهم على الحرمين و بلاد الإسلام فيكون ما تركه ورائه أهمّ عنده بما يستقبله و يطلبه و يلتقى عليه الفريقان من الأعداء. الثاني: أنّ الأعاجم إذا خرج إليهم بنفسه طمعوا فيه و قالوا المقالة. فكان خروجه محرّصا لهم على القتال و هم أشدّ عليه كلبا و أقوى فيه طمعا. و قوله: فأمّا ما ذكرت من مسير القوم. إلى آخره. فهو أنّه قال له: إنّ هؤلاء الفرس قد قصدوا المسير إلى المسلمين و قصدهم إيّاهم دليل قوّتهم، و أنا أكره أن يغزونا قبل أن نغزوهم. فأجابه بأنّك إن كرهت ذلك فإنّ اللّه تعالى أشدّ كراهيّة، و أقدر منك على التغيّر و الإزالة. و هذا الجواب يدور على حرف و هو أنّ مسيرهم إلى المسلمين و إن كان مفسدة إلّا أنّ لقائه لهم بنفسه فيه مفسدة أكبر، و إذا كان كذلك فينبغى أن يدفع العظمى، و يكل دفع المفسدة الاخرى إلى اللّه تعالى فإنّه كاره لها و مع كراهيّته لها فهو أقدر على إزالتها.

و قوله: و أمّا ما ذكرت من عددهم. إلى آخره. فهو أنّ عمر ذكر كثرة القوم و عددهم فأجابه عليه السّلام بتذكير قتال المسلمين في صدر الإسلام فإنّه كان من غير كثرة، و إنّما كان بنصر اللّه و معونته فينبغى أن يكون الحال الآن كذلك. و هو يجرى مجرى التمثيل كما أشرنا إليه في المشورة الأولى، و بوعد اللّه تعالى المسلمين بالاستخلاف في الأرض و تمكين دينهم الّذي ارتضى لهم و تبديلهم بخوفهم أمنا كما هو مقتضى الآية.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 194

 

خطبه 144 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

القسم الأول

أَيُّهَا النَّاسُ- إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ الْمَنَايَا- مَعَ كُلِّ جَرْعَةٍ شَرَقٌ وَ فِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ- لَا تَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةً إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى- وَ لَا يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ- إِلَّا بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ- وَ لَا تُجَدَّدُ لَهُ زِيَادَةٌ فِي أَكْلِهِ إِلَّا بِنَفَادِ مَا قَبْلَهَا مِنْ رِزْقِهِ- وَ لَا يَحْيَا لَهُ أَثَرٌ إِلَّا مَاتَ لَهُ أَثَرٌ- وَ لَا يَتَجَدَّدُ لَهُ جَدِيدٌ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَخْلَقَ لَهُ جَدِيدٌ- وَ لَا تَقُومُ لَهُ نَابِتَةٌ إِلَّا وَ تَسْقُطُ مِنْهُ مَحْصُودَةٌ- وَ قَدْ مَضَتْ أُصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُهَا- فَمَا بَقَاءُ فَرْعٍ بَعْدَ ذَهَابِ أَصْلِهِ

اللغة

أقول: الغرض: الهدف.

و غرض هذا الفصل ذمّ الدنيا و تقبيحها بذكر معايبها لتخفّ الرغبات فيها و تنصرف إلى ما ورائها من الامور الباقية.
فاستعار لهم لفظ الغرض، و وجه الاستعارة كونهم مقصودين بسهام المنيّة من سائر الأمراض و الأغراض كما يقصد الغرض بالسهام، و أسند الانتضال إلى المنايا مجازا لأنّ القاصد لهم بالأمراض هو فاعلها بهم.
فكان المجاز هاهنا في الإفراد و التركيب. ثمّ كنّى بالجرعة و الأكلة عن لذّات‏ الدنيا، و بالشرق و الغصص عمّا في كلّ منها من شوب الكدورات اللازمة لها طبعا من الأمراض و المخاوف و سائر المنغّصات لها. و قوله: لا تنالون نعمة إلّا بفراق اخرى. فيه لطف: و هو إشارة إلى أنّ كلّ نوع من نعمة فإنّما يتجدّد شخص منها و يلتذّ به بعد مفارقة مثله كلذّة اللقمة مثلا فإنّها تستدعى فوت اللذّة باختها السابقة، و كذلك لذّة ملبوس شخصىّ أو مركوب شخصىّ، و سائر ما يعدّ نعما دنيويّة ملتذّا بها فإنّها إنّما تحصل بعد مفارقة ما سبق من أمثالها بل و أعمّ من ذلك فإنّ الإنسان لا يتهيّأ له الجمع بين الملاذّ الجسمانيّة في وقت واحد بل و لا اثنين منها فإنّه حال ما يكون آكلا لا يكون مجامعا أو حال ما هو في لذّة الأكل لا يكون يلتذّ بمشروب، و حال ما يكون جالسا على فراشه الوثير لا يكون راكبا المنزهة. و نحو ذلك. و بالجملة لا يكون مشغولا بنوع من الملاذّ الجسمانيّة إلّا و هو تارك لغيره، و ما استلزم مفارقة نعمة اخرى لا يعدّ في الحقيقة نعمة ملتذّا بها، و كذلك قوله: و لا يعمّر معمّر منكم. إلى قوله: أجله. لأنّ السرور بالبقاء إلى يوم معيّن لا يصل إليه إلّا بعد انقضاء ما قبله من الأيّام المحسوسة من عمره.

فإذا هدم من عمره يوما فيكون لذّته في الحقيقة ببقائه مستلزما لقربه من الموت و ما استلزم القرب من الموت فلا لذّة فيه عند الاعتبار، و كذلك قوله: و لا تجدّد له زيادة في أكله إلّا بنفاد ما قبلها من رزقه: أى من رزقه المعلوم أنّه رزقه و هو ما وصل إلى جوفه مثلا فإنّ ما لم يصل جاز أن يكون رزقا لغيره. و قد علمت أنّ الإنسان لا يأكل لقمة حتّى يفنى ما قبلها فهو إذن لا يتجدّد له زيادة في أكله إلّا بنفاد رزقه السابق، و ما استلزم نفاد الرزق لم يكن لذيذا في الحقيقة، و روى: اكلة.
و يحتمل أن يريد أنّه إذا تجدّدت له جهة رزق فتوجّه فيها طالبا له كان ذلك التوجّه مستلزما لانصرافه عمّا قبلها من الجهات و انقطاع رزقه من جهتها، و اللفظ مهمل يصدق و لو في بعض الناس فلا تجب الكلّيّة، و كذلك قوله: و لا يحيى له أثر إلّا مات له أثر. و أراد بالأثر الذكر أو الفعل فإنّ ما كان يعرف به الانسان في وقت‏ ما من فعل محمود أو مذموم أو ذكر حسن أو قبيح و يحيى له بين الناس يموت منه ما كان معروفا به قبله من الآثار و ينسى، و كذلك لا يتجدّد له جديد من زيادات بدنه و نقصانه و أوقاته إلّا بعد أن يخلق له جديد بتحلّل بدنه و معاقبة شيخوخته بشبابه و مستقبل أوقاته لسالفها، و كذلك لا تقوم له نابتة إلّا بعد أن تسقط منه محصودة، و استعار لفظ النابتة لمن ينشأ من أولاده و أقربائه، و لفظ المحصودة لمن يموت من آبائه و أهله. و لذلك قال: و قد مضت اصول يعنى الآباء و نحن فروعها. ثمّ استفهم على سبيل التعجّب عن بقاء الفرع بعد ذهاب أصله. و قد صرّح أبو العتاهيّة بهذا المعنى حيث قال:
كلّ حياة إلى ممات و كلّ ذى جدّة يحول‏ 

كيف بقاء الفروع يوما
و ذوّب قبلها الاصول‏

القسم الثاني منها

وَ مَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ إِلَّا تُرِكَ بِهَا سُنَّةٌ- فَاتَّقُوا الْبِدَعَ وَ الْزَمُوا الْمَهْيَعَ- إِنَّ عَوَازِمَ الْأُمُورِ أَفْضَلُهَا- وَ إِنَّ مُحْدَثَاتِهَا شِرَارُهَا

اللغة

أقول: المهيع. الطريق الواسع. و العوازم: جمع عوزم و هي العجوز المسنّة.

المعنى

و المراد بالبدعة كلّ ما احدث ممّا لم يكن على عهد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و قد اشتمل هذا الفصل على وجه ترك البدعة، و برهان استلزام إحداث البدعة لترك السنّة أنّ عدم إحداث البدع سنّته لقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: كلّ بدعة حرام. فكان إحداثها مستلزما لترك تلك السنّة. ثمّ على أمرهم بتقوى البدع: أى خشية عواقبها.

ثمّ بلزوم الطريق الواضح، و هي سبيل اللّه و شريعته، و أراد بعوازم الامور: إمّا قديمها و هو ما كان عليه عهد النبوّة. و إمّا جوازمها و هي المقطوع بها دون المحدثات منها الّتي هي محلّ الشبهة و الشكّ. و يرجّح الأوّل المقابلة بمحدثاتها. و جهة وصفها بكونها شرارا كونها محلّ الشبهة و خارجة عن قانون الشريعة فكانت مستلزمة للهرج و المرج و أنواع الشرور. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 191

 

خطبه 143 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

القسم الأول

بَعَثَ اللَّهُ رُسُلَهُ بِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ وَحْيِهِ- وَ جَعَلَهُمْ حُجَّةً لَهُ عَلَى خَلْقِهِ- لِئَلَّا تَجِبَ الْحُجَّةُ لَهُمْ بِتَرْكِ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ- فَدَعَاهُمْ بِلِسَانِ الصِّدْقِ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ- أَلَا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَشَفَ الْخَلْقَ كَشْفَةً- لَا أَنَّهُ جَهِلَ مَا أَخْفَوْهُ مِنْ مَصُونِ أَسْرَارِهِمْ- وَ مَكْنُونِ ضَمَائِرِهِمْ- وَ لَكِنْ لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا- فَيَكُونَ‏ الثَّوَابُ جَزَاءً وَ الْعِقَابُ بَوَاءً أَيْنَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ دُونَنَا- كَذِباً وَ بَغْياً عَلَيْنَا أَنْ رَفَعَنَا اللَّهُ وَ وَضَعَهُمْ- وَ أَعْطَانَا وَ حَرَمَهُمْ وَ أَدْخَلَنَا وَ أَخْرَجَهُمْ- بِنَا يُسْتَعْطَى الْهُدَى وَ يُسْتَجْلَى الْعَمَى- إِنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ- غُرِسُوا فِي هَذَا الْبَطْنِ مِنْ هَاشِمٍ لَا تَصْلُحُ عَلَى سِوَاهُمْ- وَ لَا تَصْلُحُ الْوُلَاةُ مِنْ غَيْرِهِمْ

أقول: هذا الفصل منافرة بينه و بين جمع من الصحابة الّذي كانوا ينازعونه الفضل

و البواء: الكفو. فقوله: بعث رسله. إلى قوله: سبيل الحقّ. كقوله تعالى «رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ»«» و لسان الصدق هو لسان الشريعة الناطقة عن مصباح النبوّة المشتعل عن نور الحقّ سبحانه، و سبيل الحقّ هو الطريق الموصلة إليه تعالى الّتي تطابقت على الهداية إليها ألسنة الرسل و الأولياء. و صدّر الفصل بذلك لاشتماله على فضيلة الأنبياء ليبنى عليه فضيلة نبيّه. و قوله: ألا إنّ اللّه. إلى قوله: بواء. كلام يجرى مجرى التهديد لمن نافره باطّلاع اللّه على أسرارهم، و أنّ ما كلّفهم به إنّما هو ابتلاء منه لهم أيّهم أحسن عملا، و قد عرفت معنى ابتلاء اللّه لخلقه مرارا، و أراد بالكشفة الاختبار و الابتلاء أيضا. ثمّ عقّب ذلك بالاستفهام عن الّذين زعموا أنّهم أفضل منه، و ذلك أنّ قوما من الصحابة كان منهم من يدّعى الأفضليّة في فنّ من العلم. فمنهم من كان يدّعى أنّه أفرض، و منهم من كان يدّعى أنّه أقرء، و منهم من كان يدّعى أنّه أعلم بالحلال و الحرام. و رووا أفرضكم زيد بن ثابت‏ و أقرئكم أبىّ، و رووا مع ذلك أقضاكم علىّ. و ذلك الاستفهام على سبيل الإنكار عليهم و لذلك أردفه بالتكذيب لهم فيما ادّعوه من الأفضليّة. ثمّ إن كان ما رووه حقّا مع أنّ القضاء يحتاج إلى جميع ما ادّعوه فضيلة لهم ثبت أنّه عليه السّلام أفضلهم لاستجماعه ما تفرّق فيهم من الفضايل فيهم، و إن لم يكن حقّا مع أنّ أنوار فضايله مستطيرة في آفاق الصدور فقد ظهر فضله عليهم، و ذلك وجه التكذيب لهم. ثمّ أشار إلى العلّة الحاملة لهم على الكذب فيما ادّعوه، و هو قوله: أن رفعنا اللّه: أى رفع درجاتنا في الدنيا و الآخرة على الكافّة و وضعهم دوننا، و أن و ما بعدها نصب على المفعول له، و أعطانا: أى الملك و النبوّة و حرّمهم ذلك، و كذلك أدخلنا بعنايته الخاصّة بنا فيما أعطانا و أخرجهم من ذلك. قوله: بنا يستطعى الهدى، و يستجلى العمى. فاستعار لفظ العمى للجهل، و رشّح بذكر الاستجلاء، و لمّا كانوا عليهم السّلام المعدّين لأذهان الخلق لقبول أنوار اللّه و المرشدين لنفوسهم إلى سبيل اللّه لا جرم كان بهم يستعطى الهدى من اللّه. إذ بواسطة استعدادهم يفاض على النفوس هداها، و بواسطة إعطائهم القوانين الشرعيّة الكلّيّة و الجزئيّة يستجلى الجهل من واهب ذلك الجلاء. و هو كناية عن الاستعداد أيضا.

و قوله: إنّ الأئمّة من قريش. إلى آخره. لفظ النصّ المشهور عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الأئمّة من قريش و تخصيصه ذلك بهذا البطن من هاشم: أمّا على مذهب الشيعة فهو نصّ يجب اتّباعه كما يجب اتّباع نصّ الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لاعتقادهم عصمته، و أمّا على مذهب الباقين من المسلمين فواجب الاتّباع أيضا لقوله عليه الصلاة و السلام: إنّه لمع الحقّ و أنّ الحقّ معه يدور حيث دار. و مراده بذلك البطن: أمّا على مذهب الاثنى عشريّة فنفسه مع الأحد عشر من ولده بنصّ كلّ منهم على من بعدهم من كونهم معصومين، و أمّا على مذهب الباقين من الإماميّة فكلّ منهم يحمل هذا الكلام على من اعتقد إمامته. لا يصلح على سواهم: أى لا يكون لها صلاح على يد غيرهم، و لا يصلح الولاة غيرهم.

القسم الثاني منها:

آثَرُوا عَاجِلًا وَ أَخَّرُوا آجِلًا- وَ تَرَكُوا صَافِياً وَ شَرِبُوا آجِناً- كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى فَاسِقِهِمْ وَ قَدْ صَحِبَ الْمُنْكَرَ فَأَلِفَهُ- وَ بَسِئَ بِهِ وَ وَافَقَهُ حَتَّى شَابَتْ عَلَيْهِ مَفَارِقُهُ- وَ صُبِغَتْ بِهِ خَلَائِقُهُ- ثُمَّ أَقْبَلَ مُزْبِداً كَالتَّيَّارِ لَا يُبَالِي مَا غَرَّقَ- أَوْ كَوَقْعِ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ لَا يَحْفِلُ مَا حَرَّقَ- أَيْنَ الْعُقُولُ الْمُسْتَصْبِحَةُ بِمَصَابِيحِ الْهُدَى- وَ الْأَبْصَارُ اللَّامِحَةُ إِلَى مَنَارِ التَّقْوَى- أَيْنَ الْقُلُوبُ الَّتِي وُهِبَتْ لِلَّهِ وَ عُوقِدَتْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ- ازْدَحَمُوا عَلَى الْحُطَامِ وَ تَشَاحُّوا عَلَى الْحَرَامِ- وَ رُفِعَ لَهُمْ عَلَمُ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ- فَصَرَفُوا عَنِ الْجَنَّةِ وُجُوهَهُمْ- وَ أَقْبَلُوا إِلَى النَّارِ بِأَعْمَالِهِمْ- وَ دَعَاهُمْ رَبُّهُمْ فَنَفَرُوا وَ وَلَّوْا- وَ دَعَاهُمُ الشَّيْطَانُ فَاسْتَجَابُوا وَ أَقْبَلُوا

اللغة

أقول: بسى‏ء به: آلفه و استانس به.

المعنى

و اعلم أنّ ضمير الجمع في آثروا و أخّروا و ما بعدهما ضمائر مهملة يصدق إطلاقها على الجماعة و إن كان المعنىّ بها بعضهم، و هذا الكلام يصدق على من تخلّف من الناس إلى زمانه ممّن هو غير مرضىّ الطريقة و إن كان معدودا من الصحابة بالظاهر كالمغيرة بن شعبة و عمرو بن العاص و مروان بن الحكم و معاوية و نحوهم من امراء بنى اميّة ممّن آثر عاجل الدنيا و ثاور إليه و أخّر آجل ثواب الاخرى فنبذه وراء ظهره و ترك ما وعد به من تلك اللذّات الصافية عن كدورات الدنيا و العلايق البدنيّة إلى اللذّات الوهميّة الآجنة بشوب الأعراض و الأمراض و التغيّر و الزوال، و استعار لفظ الآجن للذّات الدنيا ملاحظة لتشبيه ها بالماء الّذى لا يسوغ شربه لتغيّر طعمه، و رشّح بذكر الشوب.

و قوله: كأنّى أنظر إلى فاسقهم. يحتمل أن يريد فاسقا معيّنا كعبد الملك بن مروان و يكون الضمير عائدا إلى بنى أميّة و من تابعهم، و يحتمل أن يريد مطلق الفاسق: أى من يفسق من هؤلاء فيما بعده و يكون بالصفات الّتي ذكرها من صحبة المنكر و الفة له و موافقته لطبعه إلى غاية عمره، و كنّى عن تلك الغاية بشيب المفارق. و صبغت به خلائقه: أى صار المنكر ملكة له و خلقا، و استعار لفظ الازدياد تشبيها له بالبحر الطامى، و وجه التشبيه كونه عند غضبه لا يحفل بما يفعله في الناس من المنكرات كما لا حفلة للبحر بمن غرق فيه، و كذلك شبّه حركته في المنكرات و الظلامات بوقع النار في الحطب، و وجه الشّبه كونه لا يبالى بتلك الحركات كما لا يبالى النار بما أحرقت. ثمّ أخذ يسئل عن العقول المستكملة بأنوار اللّه، و استعار لفظ مصابيح الهدى: إمّا لأئمّة الدين أو لقوانينه الكلّيّة. و الاستصباح بها: الاقتداء بها. و الأبصار اللامحة إلى منار التقوى: أى الناظرة إلى أعلام التقوى، و استعارة لفظ المنار كاستعارة لفظ المصابيح.

ثمّ عن القلوب الّتي وهبها للّه أهلها: أى جعلوا هممهم مطالعة أنوار كبرياءه و التوجّه إلى كعبة وجوب وجوده. و عوقدت على طاعة اللّه: أى اخذ خلفاء اللّه عليهم العهد بطاعته و المواظبة عليها. ثمّ عاد إلى ذمّ السابقين و توبيخهم بازدحامهم على حطام الدنيا، و استعار لفظ الحطام لمقتنيات الدنيا، و وجه الاستعارة سرعة فنائها و فسادها كما يسرع فساد النبت اليابس و تكسيره، و بتشاحّهم على الحرام: أى كلّ واحد يشاحّ صاحبه على الحرام و يبخل به عليه، و أشار بعلم الجنّة إلى قانون الشريعة القايد إلى الجنّة و بعلم النار إلى الوساوس المزيّنة لقينات الدنيا. و العلم الأوّل بيد الدعاة إلى اللّه و هم الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و من بعده من أولياء اللّه من أهل بيته و التابعين لهم بإحسان، و العلم الثاني بيد إبليس و جنوده من شياطين الجنّ و الإنس الداعين إلى النار. ثمّ ذمّهم بصرفهم وجوههم عن الجنّة و إقبالهم بأعمالهم على النار حين رفع العلمين من قبل الدعاة: و إنّما قال: و أقبلوا بأعمالهم. و لم يقل بوجوههم. كما قال: فصرفوا وجوههم. لأنّ إقبالهم بوجوه نفوسهم على لذّات الدنيا و اقتنائها يستلزم صرفها عن الأعمال الموصلة إلى الجنّة و ذلك يستلزم إعراضها عن الجنّة. ثمّ لمّا كانت الغاية الّتي يطلبها الإنسان من الدنيا هو الحصول على لذّاتها و كانت النار لازمة للأعمال الموصلة إلى تلك الغاية لزوما عرضيّا لم تكن النار غاية ذاتيّة قد أقبلوا بوجوههم عليها بل كان إقبالهم عليها بأعمالهم. إذ كانت هي المستلزمة لها. ثمّ أخبر في معرض الذمّ لهم عن مقابلتهم لدعاء ربّهم لهم بالنفار عنه، و لدعاء الشيطان لهم باستجابتهم لدعوته و إقبالهم إليه. و في قوله: و دعاهم. إلى آخره تنبيه أنّ الرافع لعلم الجنّة هو اللّه بأيدى خلفائه، و الرافع لعلم النار هو الشيطان بأيدى أوليائه. و باللّه التوفيق.

 

شرح نهج البلاغة(اب‏ن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 187

 

خطبه 142 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام في الاستسقاء.

أَلَا وَ إِنَّ الْأَرْضَ الَّتِي تُقِلُّكُمْ- وَ السَّمَاءَ الَّتِي تُظِلُّكُمْ مُطِيعَتَانِ لِرَبِّكُمْ- وَ مَا أَصْبَحَتَا تَجُودَانِ لَكُمْ بِبَرَكَتِهِمَا تَوَجُّعاً لَكُمْ- وَ لَا زُلْفَةً إِلَيْكُمْ وَ لَا لِخَيْرٍ تَرْجُوَانِهِ مِنْكُمْ- وَ لَكِنْ أُمِرَتَا بِمَنَافِعِكُمْ فَأَطَاعَتَا- وَ أُقِيمَتَا عَلَى حُدُودِ مَصَالِحِكُمْ فَقَامَتَا- إِنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ- بِنَقْصِ الثَّمَرَاتِ وَ حَبْسِ الْبَرَكَاتِ- وَ إِغْلَاقِ خَزَائِنِ الْخَيْرَاتِ لِيَتُوبَ تَائِبٌ- وَ يُقْلِعَ مُقْلِعٌ وَ يَتَذَكَّرَ مُتَذَكِّرٌ وَ يَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ- وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الِاسْتِغْفَارَ سَبَباً- لِدُرُورِ الرِّزْقِ وَ رَحْمَةِ الْخَلْقِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ- اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً- يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً- وَ يُمْدِدْكُمْ‏ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ- وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً- فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً اسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ- وَ اسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ وَ بَادَرَ مَنِيَّتَهُ- اللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ مِنْ تَحْتِ الْأَسْتَارِ وَ الْأَكْنَانِ- وَ بَعْدَ عَجِيجِ الْبَهَائِمِ وَ الْوِلْدَانِ- رَاغِبِينَ فِي رَحْمَتِكَ وَ رَاجِينَ فَضْلَ نِعْمَتِكَ- وَ خَائِفِينَ مِنْ عَذَابِكَ وَ نِقْمَتِكَ اللَّهُمَّ فَاسْقِنَا غَيْثَكَ وَ لَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ- وَ لَا تُهْلِكْنَا بِالسِّنِينَ- وَ لَا تُؤَاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ- اللَّهُمَّ إِنَّا خَرَجْنَا إِلَيْكَ- نَشْكُو إِلَيْكَ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ- حِينَ أَلْجَأَتْنَا الْمَضَايِقُ الْوَعْرَةُ وَ أَجَاءَتْنَا الْمَقَاحِطُ الْمُجْدِبَةُ- وَ أَعْيَتْنَا الْمَطَالِبُ الْمُتَعَسِّرَةُ- وَ تَلَاحَمَتْ عَلَيْنَا الْفِتَنُ الْمُسْتَصْعِبَةُ- اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَلَّا تَرُدَّنَا خَائِبِينَ- وَ لَا تَقْلِبَنَا وَاجِمِينَ وَ لَا تُخَاطِبَنَا بِذُنُوبِنَا- وَ لَا تُقَايِسَنَا بِأَعْمَالِنَا- اللَّهُمَّ انْشُرْ عَلَيْنَا غَيْثَكَ وَ بَرَكَتَكَ- وَ رِزْقَكَ وَ رَحْمَتَكَ وَ اسْقِنَا سُقْيَا نَاقِعَةً مُرْوِيَةً مُعْشِبَةً- تُنْبِتُ بِهَا مَا قَدْ فَاتَ وَ تُحْيِي بِهَا مَا قَدْ مَاتَ- نَافِعَةَ الْحَيَا كَثِيرَةَ الْمُجْتَنَى تُرْوِي بِهَا الْقِيعَانَ- وَ تُسِيلُ الْبُطْنَانَ وَ تَسْتَوْرِقُ الْأَشْجَارَ- وَ تُرْخِصُ الْأَسْعَارَ إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ

 

اللغة

أقول: أقلع عن خطيئته: إذا رجع عنها و تاب. و المثاور: المواثب. و الزلفة: القربى و المنزلة. و الواجم: الّذي اشتدّ حزنه حتّى سكت من الكلام. و النافعة: المروية. و القيعان: جمع قاع: و هو المستوى من الأرض. و البطنان: جمع البطن: و هو ما انخفض من الأرض.

المعنى

و اعلم أنّا بيّنا فيما سبق أنّ الجود الإلهىّ لا بخل فيه و لا منع من جهته، و إنّما يكون منع الكمالات في هذه الحياة بعدم الاستعدادات لها فكلّ مستعدّ لأمر ملاق له و فايض عليه. إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه عليه السّلام صدّر هذا الفصل بتنبيه العباد على وجوب الاستعداد لرحمة اللّه الّتي ارتفعت عنهم بحبس المطر، و ذلك في قوله: ألا و إنّ الأرض. إلى قوله: و بادر منيّته. فنبّههم أوّلا في ذلك الصدر على أنّ الأرض الّتي هي كالأمّ للنبات و الزرع، و السماء الّتي هى كالأب مطيعتان لربّهم، و أشار بالسماء إلى السحاب أو إلى السماوات لكونها بحركاتها أسبابا معدّة لكلّ ما في هذا العالم من الحوادث، و أشار بطاعتهما إلى دخولهما تحت حكم القدرة الإلهيّة، و أشار بقوله: و ما أصبحنا. إلى قوله: ترجوا أنّه منكم. إلى لطيفة: و هي أنّ الحوادث الحادثة في هذا العالم من العاليات ليست مقصودة بالذات لها فيكون ذلك منها لأجل توجّع للناس أو لأجل قرابة و منزلة بينهم و بينها، و لا لخير ترجو أنّه منهم كما هو المتعارف من منافع الناس بعضهم لبعض لأنّ السماوات و الأرض غنيّة عنها لكنّ لمّا كانت السماوات متحرّكه دائما طلبا لكمالاتها اللائقة بها من واهبها- جلّ و علا- و مسخّرة بأمره عرض عن هذه الحركات و الاتصالات إعداد الأرض لقبول النبات و الزرع و وجود الحيوانات الّتي هي أرزاق لها و بها قوام وجودها فكانت مصالح هذه الحيوانات إذن منوطة بتلك الحركات و جارية على وفقها بإذن المدبّر العزيز الحكيم سبحانه، و إلى ذلك أشار بقوله: و لكن. إلى قوله: فأقامتا، و غرضه ممّا سبق إلى هاهنا أن يقرّر في النفوس عظمة اللّه سبحانه و أنّ الأرزاق و أسبابها منسوبة إليه و منه حتّى تتوجّه النفوس إليه بالإقلاع عن الذنوب الّتي هى حجب لها عن إفاضة الرحمة عليها منه.

ثمّ بيّن بعده أنّ اللّه سبحانه إنّما يفعل ما يفعل من نقص الثمرات و حبس البركات و إغلاق خزائن الخيرات عن الخلق عند أعمالهم السيّئة ابتلاء لهم كقوله تعالى «وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ»«» و قد علمت معنى ابتلائه لهم. ثمّ بيّن أنّ غاية العناية الإلهيّة من ذلك الابتلاء رفع حجب النفوس الّتي هى الذنوب و المعاصى و استعدادها بذلك لقبول رحمة اللّه بالتوبة و الإقلاع منها و الازدجار عنها و التذكّر للمبدأ الأوّل- جلّت عظمته- و ما أعدّ لأوليائه الأبرار في دار القرار و لأعدائه الأشرار في دار البوار. ثمّ بيّن لهم أنّ اللّه سبحانه جعل الاستغفار سببا لدرور الرزق و الرحمة، و لمّا كان الاستغفار هو طلب غفر الذنوب و سترها على العبد أن يفتضح بها و ذلك إنّما يكون بمحوها من لوح نفسه لا جرم كان المستغفر المخلص ماحيا لخطيئته باستغفاره عن لوح نفسه و بذلك يكمل استعداده لإفاضة رحمة اللّه عليه في الدنيا بإنزال البركات و في الآخرة برفع الدرجات، و إلى ذلك الإشارة بالشاهد العدل قوله تعالى «فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً»«» الآيات، و قوله تعالى «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى‏ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ»«» الآية، و قوله «وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ»«» و قوله: «وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً»«» ثمّ دعا لمن استقبل توبته و شرع في الاستعداد بها، و لمن استقال خطيئته: أى طلب الإقالة من الإلزام بعاقبتها و ثمرتها و هو العقاب عليها و المؤاخذة بها، و لمن واثب منيّته و عاجلها قبل إدراكها له بالتوبة. كلّ ذلك تنبيه على الاستعداد و طلب له منهم. إذ كان لا يتمّ المطلوب بدونه، و لفظ الإقالة استعارة، و وجهها أنّ المخطئ كالمعاهد و الملتزم لعقاب اخروىّ بلذّة عاجلة لما علم استلزام تلك اللذّة المنهىّ عنها للعقاب فهو يطلب للإقالة من هذه المعاهدة [المعاصى- خ- ] كما يطلب المشترى الإقالة من البيع.

و قوله: اللّهم. إلى آخره. لمّا قدّم الأمر بالاستعداد لرحمة اللّه رجع إليه في استنزالها عليهم فقدّم في الدعاء ما عادته أن يقدّم بين يدي الملوك من الكلام المرفق للطباع و الموجب للعفو و الرحمة.

فذكر الخروج من تحت الأستار و الأكنان الّتي ليس من شأنها أن يفارق إلّا لضرورة شديدة، و كذلك عجيج البهائم و الولدان و أصواتها المرتفعة بالبكاء، و ذكر الغاية من ذلك و هي الرغبة في رحمته و الرجاء لفضل نعمته و الخوف من عذابه و نقمته. و هذه جهات المساعى البشريّة. ثمّ سأل بعد ذلك المطالب: و هي السقيا و عدم الهلاك بالجدب، و أن لا يؤاخذهم بأفعال السفها ء من المعاصى المبعّدة عن رحمته كقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السّلام «أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا»«» ثمّ عاد إلى تكرير شكوى الجدب بذكر أسبابها الحاملة عليها ليكون أقوم للعذر. و المقاحط: أماكن القحط أو سنى القحط، و ظاهر كون الجوع و العرى و ساير المسبّبات عن القحط فتنة: أى صارفة للقلوب عمّا يراد بها. ثمّ عاد إلى طلب إجابة دعائه.

و قوله: و لا تخاطبنا بذنوبنا: أى لا تجعل جوابنا الاحتجاج علينا بذنوبنا، و لا تقايسنا بأعمالنا: أى لا تجعل فعلك بنا مقايسا لأعمالنا السيّئة و مشابها لها و سيّئة مثلها. ثمّ عاد إلى طلب أنواع ما يطلب منه سبحانه بأتمّ ما ينبغي على الوجه الّذي ينبغي. إلى آخر ه. و هو ظاهر. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 183

 

خطبه 141 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام

وَ لَيْسَ لِوَاضِعِ الْمَعْرُوفِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ- وَ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ مِنَ الْحَظِّ فِيمَا أَتَى إِلَّا مَحْمَدَةُ اللِّئَامِ- وَ ثَنَاءُ الْأَشْرَارِ وَ مَقَالَةُ الْجُهَّالَ- مَا دَامَ مُنْعِماً عَلَيْهِمْ مَا أَجْوَدَ يَدَهُ- وَ هُوَ عَنْ ذَاتِ اللَّهِ بِخَيْلٌ- فَمَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلْيَصِلْ بِهِ الْقَرَابَةَ- وَ لْيُحْسِنْ مِنْهُ الضِّيَافَةَ وَ لْيَفُكَّ بِهِ الْأَسِيرَ وَ الْعَانِيَ- وَ لْيُعْطِ مِنْهُ الْفَقِيرَ وَ الْغَارِمَ- وَ لْيَصْبِرْ نَفْسَهُ عَلَى الْحُقُوقِ وَ النَّوَائِبِ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ- فَإِنَّ فَوْزاً بِهَذِهِ الْخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا- وَ دَرْكُ فَضَائِلِ الْآخِرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ

المعنى

أقول: لمّا كان لواضع المعروف سواء كان في أهله أو غير أهله ثناء من الناس‏ و مدح له بالكرم و البذل كان ممّا يتميّز به وضعه في غير أهله عن وضعه في أهله أنّ الأوّل إنّما يحصل به لواضعه الحمد من لئام الناس: أى ساقطى الاصول و السفهاء و الأشرار و الجهّال لعدم معرفتهم بوضع الأشياء في مواضعها الّتي هي مقتضى العقل الّذي به نظام امور الدنيا و قوام نوع الإنسان في الوجود مع أنّه في الحقيقة و عند اولى الألباب العارفين بمواقع المعروف بخيل في جنب اللّه تعالى، و أمّا الثاني: فتحصل له المحمدة من الكلّ. في الدنيا محمدة مطابقة للحقّ مع الثواب الجزيل في الاخرى فلا جرم أشار إلى الأوّل بقوله: فليس لواضع المعروف. إلى قوله: و هو عن ذات اللّه بخيل.

و قوله: ما أجو ديده. متعلّق بمقالة: أى ذلك هو الأمر الّذي يقولونه ما دام منعما عليهم، و إنّما قيّد بهذا القيد لأنّ الجاهل قد يعتقد أنّ ما يسدى إليه حقّ له فربّما دام حمده بدوام ذلك الإنعام لكن ينقطع بانقطاعه، و أمّا الجاهل الشرير فكثيرا ما يعتقد أنّه إنّما يسدى إليه لشرّه و خوف أذاه فربّما يشكر المنعم ما دام منعما حتّى إذا انقطع إنعامه جعل شرّه عوض شكره استجلابا لذلك الإنعام المنقطع و استعادة له، و أمّا الثاني: فنبّه أوّلا على مواضع المعروف و أمر بوضعه فيها، و ذكر منها خمسة: الأوّل: صلة الرحم. الثاني: حسن الضيافة. الثالث: فكّ الأسير و العانى. و إنّما اختلف اللفظ. و الرابع: إعطاء الفقير و الغارم و هو من عليه دين. الخامس: الحقوق الواجبة على أهلها كالزكاة، و المستحبّة كالصدقات. و أشار بالنوائب إلى ما يلحق الإنسان من المصادرات و الغرامات الّتي يفكّ بها الإنسان من أيدى الظالمين و ألسنتهم، و الإنفاق في ذلك من الحقوق الواجبة على الإنسان. و الفضايل الخمس داخلة تحت فضيلة الكرم، و الإشارة إلى ذلك بقوله: فمن آتاه اللّه.

إلى قوله: ابتغاء الثواب. و نبّه بهذه الغاية أعنى المفعول له على أنّ الإنفاق في هذه الوجوه إنّما يكون وضعا للمعروف في موضعه إذا قصد به وجه اللّه تعالى فأمّا إذا قصد به الرياء و السمعة فهو و إن عدّ في ظاهر الشريعة مجزيا إلّا أنّه غير مجز و لا مقبول في باطنها ثمّ أشار بقوله: فإنّ فوزا بهذه الخصال. إلى آخره إلى ما يتميّز به وضع المعروف في أهله و هو شرف مكارم الدنيا من الذكر الجميل بين الناس، و الجاه العريض، و درك فضايل الآخرة و هي درجات الثواب الجزيل الموعود لأولى الفضايل النفسانيّة، و إنّما نكّر الفوز لأنّ تنكيره يفيد نوع الفوز فقط الّذي يحصل بأىّ شخص كان من أشخاصه، و هذا و إن كان حاصلا مع الالف و اللام لتعريف تلك الطبيعة إلّا أنّ ذلك التعريف مشترك بين تعريف الطبيعة و المعهود الشخصىّ فكان موهما لفوز شخصىّ و لذلك كان الإتيان به منكّرا أفصح و أبلغ. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم ‏بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 181

 

خطبه 140شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام

أَيُّهَا النَّاسُ- مَنْ عَرَفَ مِنْ أَخِيهِ وَثِيقَةَ دِينٍ وَ سَدَادَ طَرِيقٍ- فَلَا يَسْمَعَنَّ فِيهِ أَقَاوِيلَ الرِّجَالِ- أَمَا إِنَّهُ قَدْ يَرْمِي الرَّامِي- وَ تُخْطِئُ السِّهَامُ وَ يُحِيلُ الْكَلَامُ- وَ بَاطِلُ ذَلِكَ يَبُورُ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ وَ شَهِيدٌ- أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْبَاطِل وَ الْحَقِّ إِلَّا أَرْبَعُ أَصَابِعَ

قال الشريف: فسئل عليه السلام عن معنى قوله هذا، فجمع أصابعه و وضعها بين أذنه و عينه، ثم قال: الباطل أن تقول سمعت، و الحقّ أن تقول رأيت.

اللغة
أقول: أحاك الكلام يحيك: إذا عمل و أثّر و كذلك حاك، و روى: يحيل: أى يبطل و لا يصيب.

و هذا الفصل نهى عن التسرّع إلى التصديق بما يقال في حقّ مستور الظاهر المشهور بالصلاح و التديّن من العيب و القدح في دينه،
و هو نهى عن سماع الغيبة بعد نهيه عنها نفسها، و إليها الإشارة بقوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ»«». ثمّ نبّه على جواز الخطأ على المتسرّعين إلى الغيبة بالمثل. فقال: أما إنّه قد يرمى الرامى و تخطى‏ء السهام. و وجه مطابقة هذا المثل أنّ الّذي يرمى بعيب قد يكون بريئا منه فيكون الكلام في حقّه غير مطابق و لا صائب كما لا يصيب السهم الّذي يرمى به فيخطئ الغرض. و على الرواية بالكاف، و يحيك الكلام: أى أنّ السهم قد يخطى‏ء فلا يؤثّر، و الكلام يؤثّر على كلّ حال، و إن لم يكن حقّا فإنّه يسوّد العرض و يلوّثه في نظر من لا يعرفه.

و قوله: و باطل ذلك يبور و اللّه سميع و شهيد. يجرى مجرى التهديد و تحقير ثمرة ذلك القول الكاذب الّذي لا يبقى من مال أو جاه أو نحوهما بالنسبة إلى عظم عقوبة اللّه و غضبه الباقى فإنّ سمعه و شهادته مستلزمان لغضبه المستلزم لعقوبته. و قوله: أما إنّه ليس بين الحقّ و الباطل إلّا مقدار أربع أصابع. فتفسيره الفعل المذكور، و تفسير ذلك الفعل هو قوله: الباطل أن تقول: سمعت، و الحقّ أن تقول: رأيت. ثمّ هاهنا لطيفتان: فالاولى: أنّ قوله: الباطل أن تقول سمعت. لا يستلزم الكلّيّة حتّى يكون كلّ ما سمعه باطلًا فإنّ الباطل و المسموع مهملان. الثانية: أنّ الحقّ ليس هو قوله: رأيت. بل المرئىّ له، و الباطل هو قوله.
سمعت. بل القول المسموع له، و إنّما قوله: رأيت و سمعت. إخبار عن وصول المرئىّ و المسموع إلى بصره و سمعه فأقام هذين الخبرين مقام المخبر عنهما مجازا. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 179