خطبه132 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

القسم الأول

وَ انْقَادَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةُ بِأَزِمَّتِهَا- وَ قَذَفَتْ إِلَيْهِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرَضُونَ‏ مَقَالِيدَهَا- وَ سَجَدَتْ لَهُ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصَالِ الْأَشْجَارُ النَّاضِرَةُ- وَ قَدَحَتْ لَهُ مِنْ قُضْبَانِهَا النِّيرَانَ الْمُضِيئَةَ- وَ آتَتْ أُكُلَهَا بِكَلِمَاتِهِ الثِّمَارُ الْيَانِعَةُ

اللغة

أقول: المقاليد: المفاتيح جمع مقلد بكسر الميم. و اليانع من التمار: المدرك.

و هذا الفصل يشتمل على تمجيد اللّه سبحانه و إظهار عظمة سلطانه.

فانقياد الدنيا و الآخرة له بأزمّتها: دخولها ذلّ الإمكان و الحاجة إليه.

و قوله: و قذفت إليه السماوات و الأرضون مقاليدها. كقوله تعالى «لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ»«» قال ابن عبّاس و مقاتل: المراد بمفاتيح السماوات و الأرض الرزق و الرحمة، و قال الليث: القلاد: الخزانة. و مقاليد السماوات و الأرض خزائنهما، و أقول: لفظ القذف مجاز في تسليمها و انقيادها بزمام الحاجة و الإمكان إلى قدرته مع جميع ما هى سبب في وجوده في هذا العالم ممّا هو رزق و رحمة للخلق، و كذلك لفظ المفاتيح على رأى ابن عبّاس استعارة للأسباب المعدّة للأرزاق و الرحمة، و تلك الأسباب كحركات السماوات و اتّصالات بعض الكواكب ببعض و كاستعدادات الأرض للنبات و غيره، و وجه الاستعارة أنّ هذه الأسباب باعدادها الموادّ الأرضيّة تفتح بها خزائن الجود الإلهىّ كما تفتح الأبواب المحسوسة بمفاتيحها، و كلّها مسلّمة إلى حكمه و جريانها بمشيئته، و على قول الليث فلفظ الخزائن استعارة في موادّها و استعدادتها، و وجه الاستعارة أنّ تلك الموادّ و الاستعدادات تكون فيها بالقوّة و الفعل جميع المحدثات من الأرزاق و غيرها كما يكون في الخزائن ما يحتاج إليه. و سجود الأشجار الناضرة له بالغدوّ و الآصال: خضوعها و ذلّها تحت قدرته و حاجتها إلى جوده، و نسب قدح النيران إليها لما أنّها السبب المادّىّ و إن كان القدح حقيقة في فعال السبب الفاعليّ القريب، و جعل ذلك له تعالى لأنّه الفاعل الأوّل. و قوله: و آتت. إلى آخره.

فأراد بكلماته أوامره و أحكام قدرته المعبّر عنها بقوله: كن، و إطلاق الكلمات عليها استعارة وجهها نفوذ تلك الأحكام في المحكومات كنفوذ الأوامر القوليّة في المأمورات، و أراد بإتيان الثمار دخولها طوعا في الوجود المعبّر عنه بقوله تعالى «فَيَكُونُ». و باللّه التوفيق و العصمة.

القسم الثاني منها:

وَ كِتَابُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ- نَاطِقٌ لَا يَعْيَا لِسَانُهُ- وَ بَيْتٌ لَا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ- وَ عِزٌّ لَا تُهْزَمُ أَعْوَانُهُ

أقول: هذا الفصل كأنّه في معرض التوبيخ على ترك أوامر اللّه و مخالفة أحكامه
و يشبه أن يكون الواو للحال كأنّه يقول: تفعلون كذا و كتاب اللّه بين أظهركم ناطق، و كونه بين أظهرهم كناية عن وجوده بينهم مع أنّ من شأنه أن يستند إليه، و استعار لفظ الناطق للكتاب باعتبار أن المكتوب يعبّر عن المقصود كما أنّ الناطق كذلك، و لفظ اللسان و أنّه لا يعيا ترشيح للاستعارة كنّى بها عن بيان الكتاب على مرور الأوقات، و يحتمل أن يريد باللسان نفسه عليه السّلام مجازا. إذ كان هو لسان الكتاب الّذي لا يفتر و لا يقصر عن بيان مقاصده، و كذلك استعار لفظ البيت باعتبار كونه حافظا لحافظيه و العاملين به كما يحفظ البيت أهله، و أركانه: قواعده الكلّيّة الّتى يبنى عليها نظام العالم من الأوامر و النواهى و المواعظ و الحكم، و تلك القواعد لا تكاد تنهدم في وقت من الأوقات. إذ الحكم الكلّيّة صالحة لجميع الأوقات، و كونه عزّا مجاز إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه. إذ كان حفظه و العمل به مستلزما للعزّ الدائم الّذي لا يعرض له ذلّ، و أعوانه هم اللّه و ملائكته و رسله و أولياؤه.
و أولئك أعوان لا خوف عليهم و لا انهزام لجمعيّتهم من أمر. و باللّه التوفيق.

القسم الثالث منها:

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ- وَ تَنَازُعٍ مِنَ الْأَلْسُنِ- فَقَفَّى بِهِ الرُّسُلَ وَ خَتَمَ بِهِ الْوَحْيَ- فَجَاهَدَ فِي اللَّهِ الْمُدْبِرِينَ عَنْهُ وَ الْعَادِلِينَ بِهِ

اللغة
أقول: قفّى به: اتّبع به من قبله.

و غرض الفصل الثناء على الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
فقوله: أرسله. إلى قوله: الألسن. بيان لبعض أمارات النبوّة فإنّ منها الزمان المتطاول الّذى تندرس فيه الشريعة السابقة و القوانين الّتي بها نظام العالم و يحتاج الخلق إلى قوانين مجدّدة لنظام أحوالهم. و حينئذ تجب بعثة رسول. و كان الفترة بين عيسى و محمّد عليهما السّلام ستّة مأئة و عشرين سنة، و منها تنازع الألسن و اختلاف الخلق في الآراء و المذاهب و قلّة الاتّفاق على قانون شرعىّ جامع لهم. فقوله: فقفّى به الرسل. كقوله تعالى «وَ قَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ»«».

و قوله: و ختم به الوحى. كقوله «وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ» و هذا الختام مستفاد من الشريعة و ليس للعقل في الحكم بانقطاع الرسل فيما بعد مجال بل ذلك من الامور الممكنة عنده. و المدبرون عن اللّه: المعرضون عن اتّباع أوامره و نواهيه. و العادلون به: الجاعلون له عديلا و هو الندّ و المثل كالمشركين- تعالى عمّا يقولون علوّا كبيرا- و نسبة المجاهدة إلى اللّه تعالى استعارة، و وجهها أنّه تعالى رمى بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المشركين كما يرمى المجاهد بنفسه و أعوانه مجاهديه. و باللّه التوفيق.

القسم الرابع منها:

وَ إِنَّمَا الدُّنْيَا مُنْتَهَى بَصَرِ الْأَعْمَى- لَا يُبْصِرُ مِمَّا وَرَاءَهَا شَيْئاً- وَ الْبَصِيرُ يَنْفُذُهَا بَصَرُهُ- وَ يَعْلَمُ أَنَّ الدَّارَ وَرَاءَهَا- فَالْبَصِيرُ مِنْهَا شَاخِصٌ- وَ الْأَعْمَى إِلَيْهَا شَاخِصٌ- وَ الْبَصِيرُ مِنْهَا مُتَزَوِّدٌ- وَ الْأَعْمَى لَهَا مُتَزَوِّدٌ

اللغة
أقول: الشاخص: الذاهل و المسافر، و الشاخص أيضا الّذي يرفع بصره إلى الشي‏ء و يمدّه إليه.

و هذا الفصل مع قلّة ألفاظه يشتمل على لطائف:
فالاولى: أنّ الدنيا منتهى بصر الأعمى شيئا
و استعار لفظ الأعمى للجاهل كقوله تعالى «أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ»«» و وجه الاستعارة أنّ الجاهل لا يدرك بعين بصيرته الحقّ كما لا يدرك الأعمى من المبصرات، و أشار بقوله: لا يبصر من ورائها شيئا إلى جهله بأحوال الموت و ما بعده من سعادة الآخرة و شقاوتها.
فإن قلت: إنّه أثبت للأعمى العمى، و أثبت أنّه يبصر الدنيا و ذلك نوع مناقضة.
قلت: إنّه لمّا أراد بالأعمى أعمى البصيرة و هو الجاهل استعارة لم يكن في إثبات البصر الحسّى له و نظر الدنيا به مناقضة، و يحتمل أن يريد ببصره أيضا بصر بصيرته استعارة، و ظاهر أن منتهى بصر بصيرة الجاهل التصرّف في أحوال الدنيا و كيفيّة تحصيلها و التمتّع بها دون أن يفيده عبرة لما ورائها من أحوال الآخرة.

الثانية: قوله: و البصير ينفذها بصره
استعار لفظ البصير للعالم، و نفوذ بصره كناية عن إدراكه ما وراء الدنيا من أحوال الآخرة و علمه أنّها دار القرار.

الثالثة: قوله: فالبصير منها شاخص
أى راحل مسافر قد جعلها طريقا له إلى الآخرة، و الأعمى إليها شاخص: أى متطلّع إليها بعين بصيرته و وهمه و إن كان أعمى عن مصالحه الحقيقيّة و عن آفاتها و طرقها المخوفة، و في هذه الكلمة مع الّتي قبلها من أقسام البديع التجنيس التامّ و المطابقة بين الأعمى و البصير.
الرابعة: قوله: و البصير منها متزوّد

أى بالتقوى و الأعمال الصالحة في سفره إلى اللّه تعالى، و الأعمى لها متزوّد: أى متّخذ للذّاتها و قيناتها زادا له في قطعها مدّة عمره قد جعل ذلك هو الزاد الحقيقىّ و الكمال الّذي ينبغي له و هي في البديع كالّتي قبلها. و باللّه التوفيق.

 

القسم الخامس منها

وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْ‏ءٍ- إِلَّا وَ يَكَادُ صَاحِبُهُ يَشْبَعُ مِنْهُ- وَ يَمَلُّهُ إِلَّا الْحَيَاةَ فَإِنَّهُ لَا يَجِدُ فِي الْمَوْتِ رَاحَةً- وَ إِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحِكْمَةِ- الَّتِي هِيَ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ الْمَيِّتِ- وَ بَصَرٌ لِلْعَيْنِ الْعَمْيَاءِ- وَ سَمْعٌ لِلْأُذُنِ الصَّمَّاءِ- وَ رِيٌّ لِلظَّمْآنِ وَ فِيهَا الْغِنَى كُلُّهُ وَ السَّلَامَةُ- كِتَابُ اللَّهِ تُبْصِرُونَ بِهِ- وَ تَنْطِقُونَ بِهِ وَ تَسْمَعُونَ بِهِ- وَ يَنْطِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ- وَ يَشْهَدُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ- وَ لَا يَخْتَلِفُ فِي اللَّهِ- وَ لَا يُخَالِفُ بِصَاحِبِهِ عَنِ اللَّهِ- قَدِ اصْطَلَحْتُمْ عَلَى الْغِلِّ فِيمَا بَيْنَكُمْ- وَ نَبَتَ الْمَرْعَى عَلَى دِمَنِكُمْ- وَ تَصَافَيْتُمْ عَلَى حُبِّ الْآمَالِ- وَ تَعَادَيْتُمْ فِي كَسْبِ الْأَمْوَالِ- لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكُمُ الْخَبِيثُ وَ تَاهَ بِكُمُ الْغُرُورُ- وَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِي وَ أَنْفُسِكُمْ

اللغة
أقول: الدمن: ما تلبّد من آثار الناس و ما اسوّد و هو جمع دمنة: و الغلّ: الغشّ و الحقد.

المعنى
و قد استثنى الحياة ممّا يشبع منه و يملّ ثمّ علّل عدم ملال الحياة بفقدان الراحة في الموت. قال بعض الشارحين: إنّ فقدان الراحة في الموت مخصوص بأهل الشقاوة في الآخرة فأمّا أولياء اللّه و عباده الصالحون فلهم في الموت الراحة الكبرى كما أشار إليه سيّد المرسلين صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ليس للمؤمن راحة دون لقاء اللّه. و قال بعضهم: بل يحمل على العموم مراعاة لظاهر الكلام و ذلك من وجهين:

أحدهما: أنّ بالموت يفوت متجر الآخرة و ينقطع الاستعداد لكمال أشرف ممّا حصل عليه الميّت و إن كان وليّا فلا جرم لا يجد الراحة الّتى تلحقه بما يفوته من ذلك الكمال.

الثاني: أنّ النفوس البشريّة لمّا لم يكن معارفها ضروريّة و لم يتمكّن ما دامت في هذه الأبدان من الاطّلاع على ما بعد الموت من سعادة أو شقاوة فبالحريّ أن لا تجد لها راحة تتصوّرها في الموت. قال: و ذلك لا ينافي الخبر: ليس للمؤمن راحة دون لقاء اللّه: أمّا على الوجه الأوّل فلأنّ الراحة الحاصلة من الكمال الفائت بالموت لا تحصل له و إن حصل على راحة ما بحسب طاعته السابقة، و أمّا على الثاني فلأنّ المؤمن لا يجد له ما دام في الدنيا راحة في الموت و ذلك لا ينافي أن تحصل له الراحة عند لقاء اللّه كما نقل أنّ الحسن عليه السّلام لمّا آن سفره إلى الآخرة بكى فقال له أخوه الحسين عليه السّلام: ما لى أراك تكاد تجزع مع يقينك بأنّك تقدم حيث تقدم على جدّك و أبيك. فقال: نعم يا أخى لا شكّ في ذلك إلّا أنّنى سالك مسلكا لا أسلكه من قبل.

و أقول: إن كان مراده عليه السّلام بقوله: لا يجد في الموت راحة: أى في نفس الموت مع قطع النظر عن غيره من أحوال الآخرة فالحقّ قول من عمّم فقدان الراحة في حق الجميع. إذ الموت من حيث هو موت لا راحة فيه لأحد من الناس كافّة، و إن كان مراده فقدان الراحة في الموت و ما بعده فالحقّ التخصيص بأهل الشقاوة الدائمة. فإنّ شدّة محبّة الحياة و نقصانها متفاوته بحسب تصوّر زيادة الراحة في الآخرة و نقصانها، و ذلك ظاهر عند اعتبار أهل الدنيا المقبلين عليها بالكلّيّة، و أهل الآخرة المقبلين عليها بالكلّيّة، و من بينهم من طبقات السالكين.

و قوله: و إنّما ذلك. أى الأمر الّذي هو أحقّ بأن لا يملّ و لا يشبع منه بمنزلة الحكمة: أي ما كان بمنزلة الحكمة، و الحكمة في لسان الشريعة هى العلم النافع في الآخرة، و قد يطلق على ما هو أعمّ من ذلك. ثمّ ذكر لها أوصافا: الأوّل: أنّها حياة للقلب الميّت، و قد مرّ أنّ القلب في عرف العارفين هى النفس الإنسانيّة، و استعار للحكمة لفظ الحياة، و وجه المشابهة كون الحياة بها وجود القلب و بقائه كما أنّ الحكمة بها بقاء الإنسان و سعادته في الدارين، و كذلك استعار لفظ الميّت للقلب الجاهل باعتبار أنّه غير مطّلع على وجوه مصالحه و مفاسده‏ في الدارين غير مهتد لانتفاع أو دفع تضرّر كالميّت.

الثاني: استعار لفظ البصر للحكمة، و وصف العمياء لعين الجاهل. ثمّ يجوز أن يكون لفظ العين أيضا استعارة في بصيرة الجاهل، و يجوز أن يكون المراد حقيقته، و وجه الاستعارة الاولى: أنّ بالحكمة يبصر الإنسان مقاصده و يهتدى وجوه مصالحه الدنيويّة و الاخرويّة كما يهتدى البصير بعينه وجوه مسالكه و مقاصده، و وجه الثانية: أنّ بصيرة الجاهل لا تهتدى لتلك الوجوه كما لا تهتدى العين العمياء إلى شي‏ء، و وجه الثالثة: أنّ بصر الجاهل تابع لبصيرته فإقدامه و إحجامه و تصرّفاته المنسوبة إلى حسّ البصر و غيره تابعة لما يتصوّره، و لمّا كانت تلك التصرّفات غير نافعة في الأكثر بل قد يكون ضارّة لا جرم أشبهت عينه الباصرة الّتي وقع بها سوء ذلك التصرف العين العمياء فاستعير لها لفظها و كذلك استعار لفظ السمع و لفظ الصّماء للاذن، و وجه الاستعارات ما سبق فإنّ المراد بالسمع إدراك البصيرة.

و الاذن يحتمل أن يراد بها البصيرة استعارة، أو الاذن المحسوسة، و كذلك استعار لفظ الرّى للحكمة، و لفظ الظمآن للجاهل، و وجه الاولى: أنّ الحكمة تملأ النفس و تجدها شفاء لها من داء الجهل كما يملأ الماء جوف الظمآن و ينقع غلّته و يشفى من ألم الظماء، و وجه الثانية: أنّ الجاهل يلحقه ألم الجهل و يكون سببا لموته في الآخرة كما يلحق الظمآن ألم الظمأ. الثالث: أنّ فيها الغنى كلّه و السلامة، و أراد بالغنى غنى النفس عن كلّ شي‏ء و كمالها بها فإنّ غاية الحكمة الوصول إلى الحقّ سبحانه و الغرق في بحار معرفته و في ذلك غنى العارفين عن كلّ شي‏ء، و أراد بالسلامة سلامة النفوس من عذاب الجهل. إذ ثبت في اصول الحكمة أنّه السبب الأكبر في الهلاك الاخروىّ. قوله: كتاب اللّه. خبر مبتدأ: إمّا خبر ثان لذلك، و ما كان بمنزلة الحكمة خبر أوّل، أو لمبتدأ محذوف تقديره و هو كتاب اللّه، و يحتمل أن يكون عطف بيان لما كان بمنزلة الحكمة و ذكر له أوصافا:

الأوّل: قوله: تبصرون به. إشارة إلى اشتمال الكتاب على الحكمة، و وجه شبهه بها أنّ به إبصار الجاهلين لمقاصدهم الدنيويّة و الاخرويّة لما فيه من الحكمة.

الثاني: و كذلك ينطقون به.

الثالث: و يسمعون به.

الرابع: قوله: ينطق بعضه ببعض. أى يفسّر بعضه ببعض كالمبيّن المفسّر للمجمل، و المقيّد المبيّن للمطلق، و المخصّص المبيّن للعامّ.

الخامس: و يشهد بعضه على بعض: أى يستشهد ببعضه على أنّ المراد بعض آخر و هو قريب ممّا قبله.

السادس: قوله: و لا يختلف في اللّه. أي لمّا كان مدار الكتاب على بيان القواعد الكلّيّة الّتي بها يكون صلاح حال نوع الإنسان في معاشه و معاده و كانت غاية ذلك الجذب إلى اللّه سبحانه و الوصول إلى جواره لم يكن فيه لفظ يختلف في الدلالة على هذه المقاصد بل كلّه متطابق الألفاظ على مقصود واحد و هو الوصول إلى الحقّ- سبحانه- بصفة الطهارة عن نجاسات هذه الدار و إن تعدّدت الأسباب الموصلة إلى ذلك المقصود.

السابع: قوله: و لا يخالف بصاحبه عن اللّه. أي لا يجوز بالمهتدين بأنواره في سلوك سبيل اللّه عن الغاية الحقيقيّة و هو اللّه- سبحانه- . و قوله: قد اصطلحتم. إلى آخره. توبيخ للسامعين على ارتكاب رذائل الأخلاق، و استعار لفظ الاصطلاح لسكوتهم عن إنكار بعضهم على بعض ما يصدر عنه من المنكر كالغشّ و الحقد و الحسد، و اشتراكهم في تلك الرذائل. و قوله: و نبت المرعى على دمنكم. يضرب مثلا للمتصالحين في الظاهر مع غلّ القلوب فيما بينهم، و وجه مطابقة المثل أنّ ذلك الصلح سريع الزوال لا أصل له كما يسرع جفاف النبات في الدمن.

و قوله: تصافيتم على حبّ الآمال. إشارة إلى وجه الصلح الّذي ذكره و لذلك اسقط حرف العطف هنا.

و قوله: و تعاديتم في كسب الأموال. إشارة إلى وجه الغلّ الّذي أشار إليه: أمّا الأوّل: فلأنّ الجامع للناس في الظاهر هو ما يؤمّل كلّ من صاحبه من الانتفاع به أو دفع شرّه فيما هو بصدده من المأمولات الدنيويّة و إن انطوى له على غلّ كما هو المتعارف في زماننا، و أمّا الثاني: فلأنّ الأحقاد و العداوات أغلب ما تكون على مجاذبة أموال الدنيا و قيناتها.

و قوله: لقد استهام بكم الخبيث. أى اشتدّ عشقه لكم و لازمكم، و أراد بالخبيث إبليس، و ذلك تنبيه على ما يظهر منهم من آثار وسوسته و ملازمتهم لما ينهون عنه، و كذلك قوله: و تاه بكم الغرور: أى استغفلكم فتهتم في استغفاله لكم عن سواء سبيل اللّه، و الغرور هو الشيطان كما قال تعالى «وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ»«». ثمّ ختم باستعانة اللّه تعالى له و لهم على النفوس الأمّارة بالسوء: أمّا في حقّه عليه السّلام ففي دوامها مقهورة لعقله، و أمّا في حقّهم قهرها و قمعها. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 153

خطبه 139شرح ابن میثم بحرانی

 

و من كلام له عليه السّلام في النهى عن غيبة الناس

وَ إِنَّمَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعِصْمَةِ وَ الْمَصْنُوعِ إِلَيْهِمْ فِي السَّلَامَةِ- أَنْ يَرْحَمُوا أَهْلَ الذُّنُوبِ وَ الْمَعْصِيَةِ- وَ يَكُونَ الشُّكْرُ هُوَ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ- وَ الْحَاجِزَ لَهُمْ عَنْهُمْ- فَكَيْفَ بِالْعَائِبِ الَّذِي عَابَ أَخَاهُ وَ عَيَّرَهُ بِبَلْوَاهُ- أَ مَا ذَكَرَ مَوْضِعَ سَتْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ- مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي عَابَهُ بِهِ- وَ كَيْفَ يَذُمُّهُ بِذَنْبٍ قَدْ رَكِبَ مِثْلَهُ- فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَكِبَ ذَلِكَ الذَّنْبَ بِعَيْنِهِ- فَقَدْ عَصَى‏ اللَّهَ فِيمَا سِوَاهُ مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ- وَ ايْمُ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَاهُ فِي الْكَبِيرِ- وَ عَصَاهُ فِي الصَّغِيرِ لَجُرْأَتُهُ عَلَى عَيْبِ النَّاسِ أَكْبَرُ- يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ فِي عَيْبِ أَحَدٍ بِذَنْبِهِ- فَلَعَلَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ وَ لَا تَأْمَنْ عَلَى نَفْسِكَ صَغِيرَ مَعْصِيَةٍ- فَلَعَلَّكَ مُعَذَّبٌ عَلَيْهِ- فَلْيَكْفُفْ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ عَيْبَ غَيْرِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ عَيْبِ نَفْسِهِ- وَ لْيَكُنِ الشُّكْرُ شَاغِلًا لَهُ عَلَى مُعَافَاتِهِ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ غَيْرُهُ

المعنى

أقول: أهل العصمة هم الّذين أعانهم اللّه سبحانه على قهر نفوسهم الأمّارة بالسوء حتّى صارت أسيرة في أيدى نفوسهم العاقلة فحصلوا من ذلك على ملكة ترك الذنوب و الانزجار عن ولوج أبواب المحارم، و اولئك هم الّذين اصطنع اللّه إليهم السلامة من الانحراف عن سبيله و الوقوع في مهاوى الهلاك. فنبّههم أوّلا على ما ينبغي لهم و هو أن يرحموا أهل الذنوب. و حصول تلك الرحمة منهم باعتبارهم حال العصاة و وقوعهم في مهاوى الهلاك. و من عادة عباد اللّه الرحمة لمن يرونه في مهلكة بإنقاذه و إعانته على الخروج منها، و أن يكون الشكر هو الغالب عليهم و الحاجز لهم، و ذلك باعتبارهم عند مشاهدة أهل المعاصى لما أنعم اللّه به عليهم من إعانته لهم على قهر شياطينهم الّتى هى موادّ الذنوب.

و قوله: فكيف بالغايب. شروع في تنبيه من هو دون أهل العصمة ممّن يرتكب كبيرة أو صغيرة على ما ينبغي له من ترك الغيبة فكأنّه قال: فهذا هو ما ينبغي لأهل العصمة فكيف يليق بغيرهم ممّن يعيب أخاه و يعيّره ببلواه بل ينبغي لمثله أن يترك الغيبة و يشكر اللّه بالطريق الأولى. و ذلك باعتبار ستر اللّه عليه من ذنوبه ما هو أعظم ممّا عيّر أخاه به.
و تلك نعمة اللّه يجب شكره عليها، و أشار بموضع ستر اللّه عليه إلى النعمة المصطنعة عنده و هى تأهيله و إعداده له، و الاستفهام على سبيل الإنكار أخذ بالتعجّب من ذمّ العائب لأخيه على ذنب. و هو في صورة احتجاج عليه في ارتكابه لهذا الذنب، و ذلك قوله: و كيف يذمّه. إلى قوله: يا عبد اللّه. فكأنّه يقول: لا يجوز لأحد أن يعيب أخاه لأنّه إمّا أن يكون بذنب قد ركب العائب مثله أو أكبر منه أو أصغر. فإن كان بذنب قد ركب مثله أو أكبر كان له في عيبه لنفسه شغل عن عيب غيره، و إن كان ارتكب أصغر منه فهو ممنوع على تقدير جرأته على الغيبة و صدوره عنه لأنّها من الكباير، و إنّما قال: هى أكبر ما عند اللّه. إمّا مبالغة أو لأنّ المفاسد الّتى يشتمل عليها ارتكاب ساير المنهيّات جزئيّة و مفسدة الغيبة كلّيّة لأنّه لمّا كان من المقاصد المهمّة للشارع اجتماع النفوس على همّ واحد و طريقة واحدة و هى سلوك سبيل اللّه بساير وجوه الأوامر و النواهى و لن يتمّ ذلك إلّا بتعاون هممهم و تصافي بواطنهم و اجتماعهم على الالفة و المحبّة حتّى يكونوا بمنزلة عبد واحد في طاعة مولاه، و لن يتمّ ذلك إلّا بنفى الضغائن و الأحقاد و الحسد و نحوه، و كانت الغيبة من كلّ منهم لأخيه مشيرة لضغنه و مستدعية منه مثلها في حقّه لا جرم كانت ضدّ المقصود الكلّىّ للشارع فكانت مفسدة كلّيّة، و لذلك أكثر اللّه تعالى و رسوله من النهى عنها كقوله تعالى «وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً»«» حتّى استعار لما يقترضه الغائب من عرض أخيه لفظ اللحم و زاده تقبيحا و تكريها بصفة الميّت فقال «أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً» و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إيّاكم و الغيبة فإنّ الغيبة أشدّ من الزنا إنّ الرجل يزني فيتوب اللّه عليه و إنّ صاحب الغيبة لا يغفر له حتّى يغفر له صاحبه، و عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مررت ليلة اسرى بى فرأيت قوما يخمشون وجوههم بأظافيرهم فسألت جبرئيل عنهم.
فقال: هؤلاء الّذين يغتابون الناس، و في حديث البراء بن عاذب: خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى أسمع العواتق في بيوتهنّ. فقال: ألا لا تغتابوا المسلمين و لا تتّبعوا عوراتهم فمن تتّبع عورة أخيه تتّبع اللّه عورته و من تتّبع اللّه عورته يفضحه في جوف بيته. ثمّ نهى عن الاستعجال و التسرّع إلى العيب، و نبّه على‏ وجوب ذلك الاحتمال [لانتهاء- خ- ] باحتمال أن يكون الذنب الّذي يعيب أخاه به مغفورا له و إن كان كبيرا، و ذلك لاحتمال أن يكون حالة لم تتمكّن من جوهر نفسه، و نهى عن أن يأمن على نفسه صغير معصية يرتكبها لاحتمال أن يعذّب عليها لصيرورتها ملكة متمكّنة من جوهر نفسه. ثمّ عاد إلى الأمر بالكفّ عن العيب باعتبار ما يعلم الإنسان من عيب نفسه، و أن يكون الشكر للّه دأبه على السلامة من التورّط في مورد الهلكة الّذي سلكه صاحب الذنب و ابتلاه اللّه به.

و اعلم أن تعريف الغيبة يعود إلى ذكر الإنسان بما يكره نسبته إليه ممّا يعدّ نقصانا في العرف ذكرا على سبيل قصد الانتقاص و الذمّ سواء كان ذلك النقصان عدم كمال بدنىّ كالعور و العمى، أو نفسانىّ كالجهل و الشره و الظلم، أو عدم كمال من خارج كسقوط الأصل و دناءة الآباء. و احترزنا بالقيد الأخير في تعريفها و هو قصد الانتقاص عن ذكر العيب للطبيب مثلا أو لاستدعاء الرحمة من السلطان في حقّ الزمن و الأعمى بذكر نقصانهما. ثمّ الغيبة قد تكون باللسان و هي الحقيقيّة، و قد تكون بالإشارة و غيرها من ساير ما يعلم به انتقاص أخيك و التنبيه على عيبه، و تسمّى غيبة مجازا لقيامها مقام الغيبة. و لها أسباب غائيّة: أحدها: شفاء الغيظ. فانّ الإنسان كثيرا ما يشفى غيظه بذكر مساوى من غاظه. الثاني: المباهاة و التفاضل كما يقول من يتعاطى الإنشاء و الشعر: كلام فلان ركيك و شعره بارد. الثالث: اللعب و الهزل و ترجية الوقت فيذكر غيره بما يضحك الحاضرين. الرابع: أن يستشعر من غيره أنّه سيذمّه عند السلطان مثلا فيقصد سبقه بذكر مساويه ليسقط شهادته عنده عليه، و قد تكون لها غايات أخر. و قد وردت الرخصة في غيبة الفاسق المتجاهر بفسقه كالخمّار و المخنّث و العشّار الّذي ربّما يفتخر بعيبه و لا يستحيى منه. قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له. لكن تركها إلى السكوت أولى. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 176

 

خطبه 138شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام في وقت الشورى

لَنْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةِ حَقٍّ- وَ صِلَةِ رَحِمٍ وَ عَائِدَةِ كَرَمٍ- فَاسْمَعُوا قَوْلِي وَ عُوا مَنْطِقِي- عَسَى أَنْ تَرَوْا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِ هَذَا الْيَوْمِ- تُنْتَضَى فِيهِ السُّيُوفُ وَ تُخَانُ فِيهِ الْعُهُودُ- حَتَّى يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لِأَهْلِ الضَّلَالَةِ- وَ شِيعَةً لِأَهْلِ الْجَهَالَةِ

أقول: هذا من جملة كلام قاله عليه السّلام لأهل الشورى و قد ذكرنا طرفا من أخبارها.

فقوله: لن يسرع أحد. إلى قوله: و عائدة كرم. تقرير لفضيلته ليسمع قوله، و لذلك قال بعده: فسمعوا قولى و عوا منطقى، و ذكر فضائل ثلاثا: الدعوة إلى الحقّ الّذي لن يسارعه أحد إليها إلّا سرعه. و هى ثمرة العدالة، و صلة الرحم، و عائدة الكرم. و هما فضيلتان تحت ملكة العفّة. و الّذى أمرهم بسماعه هو التنبيه على عاقبة أمر الخلافة، و ما يقع فيها من الهرج و المرج بعدهم بناء على ما حضر من الخبط و الاختلاط فيها فكأنّه يقول: إذا كان حال هذا الأمر هذه الحال من الخبط و مجاذبة من لا يستحقّه [لمن يستحقّه خ‏] و التغلّب فيه على أهله فعسى أن ترونه بعد هذا اليوم بحال يختصم الناس فيه بالسيوف و تخان فيه العهود، و هو إشارة إلى ما علمه من حال البغاة و الخوارج عليه و الناكثين لعهد بيعته. فقوله: حتّى يكون بعضهم أئمّة لأهل الضلالة و شيعة لأهل الجهالة. غاية للتغالب على هذا الأمر، و أشار بالأئمّة إلى طلحة و الزبير، و بأهل الضلالة إلى أتباعهم، و بأهل الجهالة إلى معاوية و رؤساء الخوارج و سائر امراء بنى اميّة، و بشيعة أهل الجهالة إلى أتباعهم. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 175

 

خطبه 137شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام في ذكر الملاحم

القسم الأول

يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى- إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى- وَ يَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ- إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ

أقول: الإشارة في هذا الفصل إلى وصف الإمام المنتظر في آخر الزمان الموعود به في الخبر و الأثر.

فقوله: يعطف الهوى على الهدى أى يردّ النفوس الحايرة عن سبيل اللّه المتّبعة لظلمات أهوائها عن طرقها الفاسدة و مذاهبها المختلفة إلى سلوك سبيله و اتّباع أنوار هداه، و ذلك إذا ارتدّت تلك النفوس عن اتّباع أنوار هدى اللّه في سبيله الواضح إلى اتّباع أهوائها في آخر الزمان، و حين ضعفت الشريعة و زعمت أنّ الحقّ و الهدى هو ذلك. و كذلك قوله: و يعطف الرأى على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأى: أى يردّ على كلّ رأى رآه غيره إلى القرآن فيحملهم على ما وافقه منها دون ما خالفه، و ذلك إذا تأوّل الناس القرآن و حملوه على آرائهم و ردّوه إلى أهوائهم كما عليه أهل المذاهب المتفرّقة من فرق الإسلام كلّ على ما خيل إليه، و كلّ يزعم أنّ الحقّ الّذي يشهد به القرآن هو ما رآه و أنّه لا حقّ وراه سواه. و باللّه التوفيق.

القسم الثاني منها:

حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ بَادِياً نَوَاجِذُهَا- مَمْلُوءَةً أَخْلَافُهَا حُلْواً رَضَاعُهَا عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا- أَلَا وَ فِي غَدٍ وَ سَيَأْتِي غَدٌ بِمَا لَا تَعْرِفُونَ- يَأْخُذُ الْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا- وَ تُخْرِجُ لَهُ الْأَرْضُ أَفَالِيذَ كَبِدِهَا- وَ تُلْقِي إِلَيْهِ سِلْماً مَقَالِيدَهَا- فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدْلُ السِّيرَةِ- وَ يُحْيِي مَيِّتَ الْكِتَابِ وَ السُّنَّةِ

اللغة
أقول: أخلاف الناقة. حلمات ضرعها. و أفاليذ: جمع الجمع لفلذة، و هى القطعة من الكبد و جمعها فلذ.

المعنى
فقوله: حتّى تقوم الحرب بكم على ساق. إلى قوله: عاقبتها. كأنّه غاية لتخاذلهم عن طاعته في أمر الحرب و لقاء العدوّ. كأنّه يقول: إنّكم لا تزالون متخاذلين متقاعدين حتّى يشتدّ العدوّ و يقوم بكم الحرب على ساق. و قيامها على الساق كناية عن بلوغها الغاية في الشدّة، و بدوّ نواجدها كناية عمّا يستلزمه من الشدّة و الأذى، و هو من أوصاف الأسد عند غضبه. لأنّه حاول أن يستعير لها لفظ الأسد فأتى بوصفه.

و قال بعض الشارحين: بدوّ النواجد في الضحك: أى تبلغ بكم الحرب الغاية كما أنّ غاية الضحك أن تبدو النواجد. فهي أقصى الأضراس. فكنّى بذلك عن إقبالها.
قلت: هذا و إن كان محتملا إلّا أنّ الحرب مظنّة إقبال الغضب لا إقبال الضحك. فكان الأوّل أنسب. و كذلك قوله: مملوّة أخلافها. استعارة لوصف الناقة لحال استعداد الحرب و استكمالها عدّتها و رجالها كاستكمال ضرع الناقة اللبن. و قوله: حلوا رضاعها. استعارة لوصف المرضع لها، و كنّى بحلاوة رضاعها عن إقبال أهل النجدة في أوّل الحرب عليها. فكلّ منهم يحبّ أن يناجز قرنه و يستحلى مغالبته كما يستحلى الراضع لبن امّه، و كذلك استعار لفظ العلقم لعاقبتها، و وجه الاستعارة المشابهة بين المرارتين الحسيّة و العقليّة، و المنصوبات الأربعة: باديا، و مملوّة، و حلوا، و علقما. أحوال. و المرفوعات بعد كلّ منها فاعله، و إنّما ارتفع عاقبتها عن علقما مع أنّه اسم صريح لقيامه مقام اسم الفاعل كأنّه قال: مريرة عاقبتها.

و قوله: ألا و في غد. إخبار عن بعض الامور الّتي ستكون. و قوله: و سيأتى غد بما لا تعرفون. المراد به تعظيم شأن الموعود بمجيئه. و بيان لفضيلته عليه السّلام بعلم ما جهلوه.

و هو جملة اعتراضيّة كقوله تعالى «فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ»«» فقوله: و إنّه لقسم. اعتراض.

و قوله: يأخذ الوالى من غيرها عمّالها. يشبه أن يكون قد سبقه ذكر طائفة من الناس ذات ملك و إمرة فأخبر عليه السّلام‏ أنّ الوالى من غير تلك الطائفة- يؤمى به إلى الإمام المنتظر- يأخذ عمّالها على مساوى أعمالها: أى يؤاخذهم بذنوبهم. و قوله: و تخرج الأرض أفاليذ كبدها. استعار لفظ الكبد لما في الأرض من الكنوز و الخزائن، و وجهها مشابهة الكنوز للكبد في العزّة و الخفاء، و رشّح بذكر الأفاليذ. و قد ورد ذلك في الخبر المرقوع، و من لفظه: و قادت له الأرض أفلاذ كبدها. و فسّر بعضهم قوله تعالى «وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها» بذلك. فأمّا كيفيّة ذلك الإخراج: فقال بعض المحقّقين: هو إشارة إلى أنّ جميع ملوك الأرض تسلّم إليه مقاليد ممالكها طوعا و كرها و تحمل إليه الكنوز و الذخائر، و أسند الإخراج إلى الأرض مجازا لأنّ المخرج أهلها. و استبعد أن يكون الأرض بنفسها هي المخرجة لكنوزها. و لأهل الظاهر أن يقولوا إنّ المخرج يكون هو اللّه تعالى، و يكون ذلك من معجزات الإمام و لا مانع.

و قوله: و تلقى إليه سلما مقاليدها. أسند أيضا لفظ الإلقاء إلى الأرض مجازا لأنّ الملقى للمقاليد مسالما هو أهل الأرض، و كنّى بذلك عن طاعتهم و انقيادهم أجمعين لأوامره و تحت حكمه، و سلما مصدر سدّ مسدّ الحال. ثمّ أخبر أنّه سيريهم عدل سيرته، و أنّه يحيى ميّت الكتاب و السنّة. و لفظ الميّت استعارة لما ترك منهما فانقطع أثره و الانتفاع به كما ينقطع أثر الميّت.
فإنّ قلت: قوله: و يريكم. يدلّ على أنّ المخاطبين يدركون المخبر عنه و يرون عدله مع أنّكم قلتم أنّه يكون في آخر الزمان فكيف وجه ذلك.
قلت: خطاب الحاضرين من الامّة كالعامّ لكلّ الامّة، و ذلك كسائر خطابات القرآن الكريم مع الموجودين في عصر الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإنّه يتناول الموجودين إلى يوم القيامة ثمّ يخرج المخاطبون بدليل العادة. إذ من عادتهم أن لا تمتدّ أعمارهم إلى وقت ظهوره فبقى الموجودون في زمانه. و باللّه التوفيق.

 

القسم الثالث منها:

كَأَنِّي بِهِ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ- وَ فَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ- فَعَطَفَ عَلَيْهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ- وَ فَرَشَ الْأَرْضَ بِالرُّءُوسِ- قَدْ فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ وَ ثَقُلَتْ فِي الْأَرْضِ وَطْأَتُهُ بَعِيدَ الْجَوْلَةِ عَظِيمَ الصَّوْلَةِ- وَ اللَّهِ لَيُشَرِّدَنَّكُمْ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ- حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا قَلِيلٌ كَالْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ- فَلَا تَزَالُونَ كَذَلِكَ- حَتَّى تَئُوبَ إِلَى الْعَرَبِ عَوَازِبُ أَحْلَامِهَا- فَالْزَمُوا السُّنَنَ الْقَائِمَةَ وَ الْآثَارَ الْبَيِّنَةَ- وَ الْعَهْدَ الْقَرِيبَ الَّذِي عَلَيْهِ بَاقِي النُّبُوَّةِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ الشَّيْطَانَ- إِنَّمَا يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ لِتَتَّبِعُوا عَقِبَهُ

اللغة
أقول: نعق الغراب و نعق الراعى بغنمه بالعين و الغين: صاح. و فحص المطر التراب: قلّبه، و الفحص: البحث. و كوفان: اسم للكوفة. و ضواحيها: نواحيها البارزة. و الضروس: الناقة السيّئة الخلق تعضّ حالبها. و فغرت فاغرته: انفتح فوه.
و أكّد الفعل بذكر الفاعل من لفظه. و يسنّى: يسهّل. و العقب بكسر القاف: مؤخّر القدم.

المعنى
و قد أخبر في هذا الفصل أنّه سيظهر رجل بهذه الصفات. قال بعض الشارحين: هو عبد الملك بن مروان، و ذلك لأنّه ظهر بالشام حين جعله أبوه الخليفة من بعده و سار لقتال مصعب بن الزبير إلى الكوفة بعد أن قتل مصعب المختار بن أبي عبيدة الثقفىّ فالتقوا بأرض مسكن- بكسر الكاف- من نواحى الكوفة. ثمّ قتل مصعبا و دخل الكوفة فبايعه أهلها و بعث الحجّاج بن يوسف إلى عبد اللّه بن الزبير بمكّة فقتله و هدم الكعبة، و ذلك سنة ثلاث و سبعين من الهجرة، و قتل خلقا عظيما من العرب في وقايع عبد الرحمن بن الأشعث، و رمى الناس بالحجّاج بن يوسف،
و في الفصل لطايف:

الاولى: أطلق لفظ النعيق
لظهور أوامره و دعوته بالشام مجازا، و كذلك استعار لفظ الفحص لقلبه أهل الكوفة بعضهم على بعض و نقصه لحالاتهم الّتى كانوا عليها. ثمّ شبّه عطفه و حمله عليها بعطف الناقة الضروس، و وجه التشبيه شدّة الغضب و الحنق و الأذى الحاصل منها.

الثانية: فرشه الأرض بالرءوس
كناية عن كثرة قتلة فيها، و ذلك ممّا يشهد به التواريخ. و فغر: فيه استعارة ببعض أوصاف السبع الضارى كنّى به عن شدّة إقدامه على القتل و إقباله على الناس بشدّة الغضب و الأذى، و كذلك ثقل وطأته في الأرض كناية عن شدّة بأسه و تمكّنه في الأرض.

الثالثة: بعد جولته
كناية عن اتّساع ملكه و جولان خيله و رجله في البلاد البعيدة، و بعيد و عظيم حالان، و من روى بالرفع فهما خبرا مبتدأ  محذوف.

الرابعة: لمّا فرغ من صفاته العامّة بيّن لهم ما سيفعله معهم
من التشريد و الطرد في أطراف البلاد، و أكّد ذلك بالقسم البارّ، و ذلك إشارة إلى ما فعله عبد الملك و من ولى الأمر من ولده في باقى الصحابة و التابعين، و أحوالهم معهم في الانتقاض و الاحتقار و الطرد و القتل ظاهرة، و شبّه البقيّة منهم بالغبار الّذي يكون في العين من الكحل، و وجه التشبيه الاشتراك في القلّة.

الخامسة: أخبر أنّهم لا يزالون كذلك
أى بالحال الموصوفة مع عبد الملك و من بعده من أولاده حتّى تعود إلى العرب عوازب أحلامها: أى ما كان ذهب من عقولها العمليّة في نظام أحوالهم، و العرب هم بنو العبّاس و من معهم من العرب أيّام ظهور الدولة كقحطبة بن شبيب الطائىّ و ابنيه حميد و الحسن، و كبنى زريق أبى طاهر بن الحسين و إسحاق بن إبراهيم المصعبىّ و من في عدادهم من خزاعة و غيرهم من العرب من شيعة بنى العبّاس. و قيل: إنّ أبا مسلم أصله عربىّ. و كلّ هؤلاء كانوا مستضعفين مقهورين مقمورين في دولة بنى أميّة لهم ينهض منهم ناهض إلى أن أفاء اللّه تعالى عليهم ما كان عزب عنهم من حميّاتهم فغاروا للدين و للمسلمين من جور بنى مروان و أقاموا الأمر و أزالوا تلك الدولة.

فإن قلت: إنّ قوله: تؤوب. يدلّ على أنّ انقطاع تلك الدولة بظهور العرب و عود عوازب أحلامها، و عبد الملك مات و قامت بنوه بعده بالدولة، و لم يزل الملك عنه بظهور العرب فأين فايدة الغاية قلت: إنّ تلك الغاية ليست غاية لدولة عبد الملك بل غاية من كونهم لا يزالون مشرّدين في البلاد، و ذلك الانقهار و إن كان أصله من عبد الملك إلّا أنّه استمرّ في زمن أولاده إلى حين انقضاء دولتهم فكانت غايته ما ذكر، و قال بعض الشارحين في الجواب: إنّ ملك أولاده ملكه و ما زال الملك عن بنى مروان حتّى آبت إلى العرب عوازب أحلامها. و هذا جواب من لم يتدبّر كلامه عليه السّلام، و لم يتتبّع ألفاظ الفصل حتّى يعلم أنّ هذه الغاية لأيّ شي‏ء منه فيلحقها به. ثمّ أمرهم بلزوم سنن اللّه و رسوله القائمة فيهم من بعده و آثاره البيّنة فيهم و عهده القريب بينهم و بينه. و وجّه عليهم ذلك الأمر في الحال و عند نزول تلك الشدائد بهم: أى إذا نزل بكم منه ما وصف فلتكن وظيفتكم لزوم ما ذكرت. ثمّ نبّههم على ما في سهولة المعاصى و في تسهيل نفوسهم الأمّارة بالسوء عليهم طرق المحارم من المحذور و هو أن تنقاد لها النفوس العاقلة فتضلّها عن سبيل اللّه و يقودها الضلال إلى الهلاك الاخروىّ. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 169

 

خطبه 136شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام في معنى طلحة و الزبير

القسم الأول

وَ اللَّهِ مَا أَنْكَرُوا عَلَيَّ مُنْكَراً- وَ لَا جَعَلُوا بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ نِصْفاً- وَ إِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقّاً هُمْ تَرَكُوهُ وَ دَماً هُمْ سَفَكُوهُ- فَإِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْهُ- وَ إِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُونِي فَمَا الطَّلِبَةُ إِلَّا قِبَلَهُمْ- وَ إِنَّ أَوَّلَ عَدْلِهِمْ لَلْحُكْمُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ- وَ إِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي مَا لَبَسْتُ وَ لَا لُبِسَ عَلَيَّ- وَ إِنَّهَا لَلْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ فِيهَا الْحَمَأُ وَ الْحُمَّةُ- وَ الشُّبْهَةُ الْمُغْدِفَةُ وَ إِنَّ الْأَمْرَ لَوَاضِحٌ- وَ قَدْ زَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ نِصَابِهِ- وَ انْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ شَغْبِهِ- وَ ايْمُ اللَّهِ لَأُفْرِطَنَّ لَهُمْ حَوْضاً أَنَا مَاتِحُهُ- لَا يَصْدُرُونَ عَنْهُ بِرِيٍّ- وَ لَا يَعُبُّونَ بَعْدَهُ فِي حَسْيٍ

اللغة
أقول: النصف: النصفة. و الطلبة بكسر اللام: المطلوب. و الحمأ: الطين الأسود المنتن كما قال تعالى «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا»«» و يروى الحما بألف مقصورة. و الحمه بضمّ الحاء و تخفيف الميم و فتحها: اسم العقرب. و المغدفة بالدال و الفاء:المظلمة. يقال: أغدف الليل إذا اشتدّ ظلامه، و روى: المغدفة بفتح الدال: الخفيّة.
و أصله أنّ المرأة تغدف وجهها بالقناع. و زاح الباطل: انحرف. و نصابه: أصله و مقرّه. و لافرطنّ: لأملأنّ. و الشغب بالتسكين: المشاغبة و تهييج الشرّ. و الماتح بنقطتين من فوق: المستقى، و بنقطتين من تحت: الّذي يملأ الدلو في البئر. و العبّ: الشرب. و الحسى بكسر الحاء و سكون السين: الماء الّذي يشربه الرمل فينتهى إلى أرض صلبة تحفظه ثمّ يحفر عنه فيستخرج.

المعنى
و اعلم أنّ قوله: و اللّه. إلى قوله: و لا لبس علىّ. قد تقدّم تفسيره في قوله: ألا و إنّ الشيطان قد ذمّر حزبه. و في فصل قبله برواية اخرى فلا حاجة إلى إعادته.

و أمّا قوله: و إنّها للفئة الباغية فيها الحمأ و الحمة. فقال بعض الشارحين: في تعريف الفئة بالألف و اللام تنبيه على أنّه كان عنده علم من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه ستبغى عليه فئة من غير تعيين لها. فلمّا خرجت هذه الفئة علمها بإماراتها، و قد سبق أيضا تفسير الحمأ و الحمة على بعض الروايات، و أمّا على هذه الرواية فاستعارة للغلّ و الفساد الّذي كان في صدور هذه الفئة، و وجه الاستعارة استلزامه لتكدير الإسلام و إثارة الفتنة بين المسلمين كما تكدّر الحمأ الماء و تخبثه، و استلزامه للأذى و القتل كما يستلزم ذلك سمّ العقرب، و أشار بالشبهة المغدفة إلى شبهتهم في الطلب بدم عثمان، و استعار لها وصف الظلمة لعدم اهتداء أكثر الخلق فيها حتّى قتلوا بسببها كما لا يهتدى في الليل المظلم و قوله: و إنّ الأمر لواضح. إلى قوله: شغبه. نفى لتلك الشبهة عن نفسه و ولايته، و أنّ الحقّ واضح في حاله لا أصل للباطل فيه و لا لسان يشغب به، و لفظة اللسان استعارة، و الشغب ترشيح لها. و باقى الفصل قد تقدّم تفسيره أيضا في الفصل المذكور.

القسم الثاني منه

فَأَقْبَلْتُمْ إِلَيَّ إِقْبَالَ الْعُوذِ الْمَطَافِيلِ عَلَى أَوْلَادِهَا- تَقُولُونَ الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ- قَبَضْتُ كَفِّي فَبَسَطْتُمُوهَا- وَ نَازَعْتُكُمْ يَدِي فَجَاذَبْتُمُوهَا- اللَّهُمَّ إِنَّهُمَا قَطَعَانِي وَ ظَلَمَانِي- وَ نَكَثَا بَيْعَتِي وَ أَلَّبَا النَّاسَ عَلَيَّ- فَاحْلُلْ مَا عَقَدَا وَ لَا تُحْكِمْ لَهُمَا مَا أَبْرَمَا- وَ أَرِهِمَا الْمَسَاءَةَ فِيمَا أَمَّلَا وَ عَمِلَا- وَ لَقَدِ اسْتَثَبْتُهُمَا قَبْلَ الْقِتَالِ- وَ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمَا أَمَامَ الْوِقَاعِ- فَغَمَطَا النِّعْمَةَ وَ رَدَّا الْعَافِيَةَ

اللغة
أقول: العوذ: جمع عوذة و هى الناقة المسنّة. و المطافيل: جمع مطفل بضم الميم و هى قريبة العهد بالنتاج. و التأليب: التحريص. و أبرمت الأمر: أحكمته. و استثبتّهما بالثاء المعجمة بثلاث نقط: طلبت رجوعهما، و يروى بالتاء من التوبة.
و استأنيت: انتظرت.

و هذا الفصل احتجاج على طلحة و الزبير و من تابعهما على نكث بيعته.

فقوله: فأقبلتم. إلى قوله: فجاذ بتموها. يجرى مجرى صغرى قياس ضمير من الشكل الأوّل، و تلخيصها أنّكم اجتهدتم علىّ في طلب البيعة حتّى بايعتكم و أخذت عهودكم. و تقدير الكبرى و كلّ من اجتهد اجتهادكم إلى تلك الغاية فيجب عليه الوفاء بعهده. و الصغرى مسلّمة منهم. و برهان الكبرى الكتاب «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»«» و «أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ»«» الآية، و قد شبّه إقبالهم عليه طالبين للبيعة بإقبال مسنّات النوق على أطفالها، و وجه التشبيه شدّة الإقبال و الحرص على مبايعته، و خصّ المسنّات لأنّها أقوى حنّة على أولادها، و نصب البيعة على الإغراء، و فائدة التكرير في الإغراء تأكيد الأمر الدالّ على شدّة الاهتمام بالمأمور به. و قال بعض الشارحين: فايدة التكرار دلالة المنصوب الأوّل على تخصيص الأمر الأوّل بالحال، و دلالة الثاني على تخصيص الأمر الثاني بالمستقبل: أى خذ البيعة في الحال و خذها للاستقبال. قال: و كذلك قوله: اللّه اللّه: أى أتّقوا اللّه في الحال و اتّقوه في الاستقبال.
و أقول: إنّ ذلك غير مستفاد من اللفظ بإحدى الدلالات.

و قوله: اللّهم إلى قوله: علىّ. شكاية إلى اللّه منهم في امور ثلاثة: قطع رحمه و ظلمهما له بمطالبتهما له بغير حقّ لهما عنده. ثمّ نكث بيعته. ثمّ جمع الناس على قتاله.

و قوله: فاحلل. دعاء عليهما بأمور ثلاثة: أن يحلّ ما عقدا من العزوم الفاسدة الّتى فيها هلاك المسلمين، و أن لا يحكم ما أبرماه من الإغراء في حربه، و أن يريهما المسئاة في آمالهما و أعمالهما: أي عكس أغراضهما فيهما. و استجابة دعاءه ظاهرة بقتلهما.

و قوله: و لقد استثبتّهما. إلى قوله: الوقاع. إظهار لعذره مع الناس في حقّهما قبل وقاع الحرب بتأنّيه فيه في حقّهما، و استعطافه لهما في الرجوع إلى الحقّ و استتابته لهما من ذنبهما في نكث البيعة.

و قوله: فغمطا. إلى آخره. بيان لجوابهم عن إعذاره إليهم و هو مقابلتهم نعمة اللّه: أي قسمهما من الفى‏ء بالاحتقار لها و النظر عليها. إذ كان أحد الأسباب الباعثة لهما على منافرته هو التسوية بينهم و بين غيرهم في العطاء، و كذلك مقابلتهم للسلامة و العافية من بلاء الحرب و الشقاق و هلاك الدين و النفس في عاقبة فعلهما بردّهما لهما و الإصرار على الحرب و المنابذة من غير نظر في عاقبة أمرها. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 166

 

خطبه 135شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام

لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً- وَ لَيْسَ أَمْرِي وَ أَمْرُكُمْ وَاحِداً- إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ وَ أَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُمْ- أَيُّهَا النَّاسُ أَعِينُونِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ- وَ ايْمُ اللَّهِ لَأُنْصِفَنَّ الْمَظْلُومَ مِنْ ظَالِمِهِ وَ لَأَقُودَنَّ الظَّالِمَ بِخِزَامَتِهِ- حَتَّى أُورِدَهُ مَنْهَلَ الْحَقِّ وَ إِنْ كَانَ كَارِهاً

اللغة
أقول: الفلتة: الأمر يقع بغير تدبّر و لا رويّة. و الحزامة: الحلقة من الشعر يجعل في أنف البعير.

المعنى
و مفهوم قوله: لم تكن بيعتكم إيّاى فلتة. أنّها لمّا كانت عن تدبّر و اجتماع رأى منكم لم يكن لأحدكم بعدها أن يخالف أو يندم عليها، و فيه تعريض ببيعة أبى بكر حيث قال عمر فيها: كانت بيعة أبى بكر فلتة وقى اللّه شرّها. و قوله: و ليس أمرى و أمركم واحدا. إشارة إلى الاختلاف بين حركاته و مقاصدهم. ثمّ بيّن الفرق بقوله: إنّى اريدكم للّه: أى إنّما اريد طاعتكم لإقامة دين اللّه، و إقامة حدوده، و أنتم تريدونني‏ لأنفسكم: أى لحظوظ أنفسكم من العطاء و التقريب و ساير منافع الدنيا. ثمّ لمّا وبّخهم بذلك أيّه بهم، و طلب منهم الإعانة على أنفسهم: أى بالطاعة له و امتثال أوامره. فأقسم لينصفنّ المظلوم و ليقودنّ الظالم بخزامته، و كذلك استعار لفظ المنهل للحقّ. و وجه الاستعار كونه موردا يشفى به ألم المظلوم كما يشفى به ألم العطشان.
و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 165

 

خطبه 134شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام

قد وقعت مشاجرة بينه و بين عثمان فقال المغيرة ابن أخنس لعثمان: أنا أكفيكه. فقال أمير المؤمنين عليه السّلام:

يَا ابْنَ اللَّعِينِ الْأَبْتَرِ- وَ الشَّجَرَةِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا وَ لَا فَرْعَ- أَنْتَ تَكْفِينِي- فَوَ اللَّهِ مَا أَعَزَّ اللَّهُ مَنْ أَنْتَ نَاصِرُهُ- وَ لَا قَامَ مَنْ أَنْتَ مُنْهِضُهُ- اخْرُجْ عَنَّا أَبْعَدَ اللَّهُ نَوَاكَ ثُمَّ ابْلُغْ جَهْدَكَ- فَلَا أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ إِنْ أَبْقَيْتَ

أقول: هذه المشاجرة كانت في زمن ثوران الفتنة على عثمان في خلافته، و كان الناس يستسفرونه عليه السّلام إليه.

اللغة
و الأبتر: كلّ أمر انقطع من الخير أثره. و النوى: المقصد الّذي ينويه المسافر من قرب أو بعد. و النوى: لغة في النأى: و هو البعد.

المعنى
و قد ذمّ المغيرة بسقوط الأصل، و لعنه. و استعار لبيته لفظ الشجرة، و كنّى بنفى أصلها و فرعها عن سقوط بيته و دناءته و حقارته في الناس. ثمّ استفهمه عمّا ادّعى من الكفاية له استفهاما على سبيل الإنكار و الاستحقار له، و أقسم أنّ اللّه لا يعزّ من هو ناصره، و إنّما يعزّ اللّه من نصره أولياء اللّه و أهل عنايته، و من لم يعزّ اللّه لم يقم من نهضته كقوله تعالى «إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ»«». ثمّ دعا عليه بإبعاد اللّه مقصده. و قوله: أبلغ جهدك. أى في الأذى فلا أبقى اللّه عليك إن أبقيت، أى لارعاك و لا رحمك إن راعيتنى.
يقال: أبقيت على فلان إذا راعيته و رحميته.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 164

 

خطبه 133شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام و قد شاوره عمر بن الخطاب في الخروج إلى غزو الروم بنفسه

وَ قَدْ تَوَكَّلَ اللَّهُ- لِأَهْلِ هَذَا الدِّينِ بِإِعْزَازِ الْحَوْزَةِ- وَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَ الَّذِي نَصَرَهُمْ- وَ هُمْ قَلِيلٌ لَا يَنْتَصِرُونَ- وَ مَنَعَهُمْ وَ هُمْ قَلِيلٌ لَا يَمْتَنِعُونَ- حَيٌّ لَا يَمُوتُ- إِنَّكَ مَتَى تَسِرْ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ بِنَفْسِكَ- فَتَلْقَهُمْ فَتُنْكَبْ- لَا تَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ‏ كَانِفَةٌ دُونَ أَقْصَى بِلَادِهِمْ- لَيْسَ بَعْدَكَ مَرْجِعٌ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ- فَابْعَثْ إِلَيْهِمْ رَجُلًا مِحْرَباً- وَ احْفِزْ مَعَهُ أَهْلَ الْبَلَاءِ وَ النَّصِيحَةِ- فَإِنْ أَظْهَرَ اللَّهُ فَذَاكَ مَا تُحِبُّ- وَ إِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى- كُنْتَ رِدْءاً لِلنَّاسِ وَ مَثَابَةً لِلْمُسْلِمِينَ

أقول: ذلك حين خرج قيصر الروم في جماهير أهلها إلى المسلمين، و انزوى خالد بن الوليد فلازم بيته و صعب الأمر على أبى عبيدة بن الجرّاح. و شرحبيل بن حسنة و غيرهما من امراء سرايا الإسلام.

اللغة

و حوزة كلّ شي‏ء: بيضته و جمعيّته. و كنفه: حفظه و آواه. و المحرب بكسر الميم: الرجل صاحب حروب. و حفز كذا: أى دفعه. و حفزه ضمّه إلى غيره. و أظهر اللّه على فلان: نصر عليه. و الرده: العون. و المثابة: المرجع.

المعنى

و قوله: و قد توكّل اللّه. إلى قوله: لا يموت. صدر لهذه النصيحة و الرأى، نبّه فيه على وجوه التوكّل على اللّه و الاستناد إليه في هذا الأمر، و خلاصتها أنّه ضمن إقامة هذا الدين و إعزاز حوزة أهله، و كنّى بالعورة عن هتك الستر في النساء، و يحتمل أن يكون استعارة لما يظهر عليهم من الذلّ و القهر لو اصيبوا فضمن سبحانه ستر ذلك بإفاضة النصر عليهم، و هذا الحكم من قوله تعالى «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً»«».

و قوله: و الّذى نصرهم. إلى آخر الصدر. احتجاج في هذه الخطابة يشبه أن يكون تمثيلا، و تلخيصه أنّ الّذي نصرهم حال قلّتهم حىّ لا يموت فهو ينصرهم حال كثرتهم. فأصل التمثيل هو حال قلّتهم و فرعه حال كثرتهم، و حكمه النصر و علّة ذلك الحكم هو حياته الباقية الّتي لا يعاقبها موت.

و قوله: إنّك متى تسر. إلى آخره. نفس الرأى و خلاصة المشورة بعدم خروجه بنفسه، و وجه هذا الرأى تجويز النكبة و انقهاره عند ملاقات العدوّ مع أنّه يومئذ ظهر المسلمين الّذين يلجؤن إليه. فلو انكسر لم تبق لهم كانفة قوام يحوطهم، و لا جمع يستندون إليه. ثمّ بإخراج من يقوم مقامه من أهل النجدة ممّن عرف بكثرة الوقايع و الحروب فيكون على بصيرة في أمر الحرب، و أن يضمّ إليه أهل البلاء: أى المختبرون في النصيحة و المجرّبون في الوقائع. ثمّ استنتج من هذا الرأى أنّه إن نصر اللّه المسلمين فذاك الّذي تحبّ، و إن تكن الاخرى: أى الانكسار و عدم الانتصار كان للمسلمين ظهر يستندون إليه و مأمن يأوون إليه.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 162

 

خطبه 131شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام

القسم الأول

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَخَذَ وَ أَعْطَى- وَ عَلَى مَا أَبْلَى وَ ابْتَلَى- الْبَاطِنُ لِكُلِّ خَفِيَّةٍ- وَ الْحَاضِرُ لِكُلِّ سَرِيرَةٍ- الْعَالِمُ بِمَا تُكِنُّ الصُّدُورُ- وَ مَا تَخُونُ الْعُيُونُ- وَ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ- وَ أَنَّ مُحَمَّداً ص نَجِيبُهُ وَ بَعِيثُهُ- شَهَادَةً يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الْإِعْلَانَ وَ الْقَلْبُ اللِّسَانَ

المعنى

أقول: الضمير في قوله: نحمده. يعود إلى اسم اللّه في كلام سابق لم يذكر، و قد علّم شكر اللّه تعالى على أخذه و إعطائه و على إبلائه بالخير و ابتلائه بالشرّ،و نبّه بذلك على وجوب شكر اللّه تعالى في طوارى السرّاء و الضرّاء و حالتى الشدّة و الرخاء، فأمّا وصفه له بالباطن و الحاضر و العالم فقد سبق شرحه غير مرّة و مصداق الوصفين الأوّلين قوله تعالى «يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى‏»«»، و مصداق الأخيرين قوله تعالى «يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ»«» و كذلك سبقت الإشارة إلى سرّ الشهادتين. و نجيبه و بعيثه: منتخبه و مبعوثه. فعيل بمعنى مفعول. و قوله: شهادة يوافق فيها. إلى آخره. أى شهادة خالصة من النفاق و الرياء. و باللّه التوفيق.

القسم الثاني منه:

فَإِنَّهُ وَ اللَّهِ الْجِدُّ لَا اللَّعِبُ- وَ الْحَقُّ لَا الْكَذِبُ- وَ مَا هُوَ إِلَّا الْمَوْتُ قَدْ أَسْمَعَ دَاعِيهِ- وَ أَعْجَلَ حَادِيهِ- فَلَا يَغُرَّنَّكَ سَوَادُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ- فَقَدْ رَأَيْتَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ- مِمَّنْ جَمَعَ الْمَالَ وَ حَذِرَ الْإِقْلَالَ- وَ أَمِنَ الْعَوَاقِبَ طُولَ أَمَلٍ وَ اسْتِبْعَادَ أَجَلٍ- كَيْفَ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَأَزْعَجَهُ عَنْ وَطَنِهِ- وَ أَخَذَهُ مِنْ مَأْمَنِهِ- مَحْمُولًا عَلَى أَعْوَادِ الْمَنَايَا- يَتَعَاطَى بِهِ الرِّجَالُ الرِّجَالَ- حَمْلًا عَلَى الْمَنَاكِبِ- وَ إِمْسَاكاً بِالْأَنَامِلِ- أَ مَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَأْمُلُونَ بَعِيداً- وَ يَبْنُونَ مَشِيداً وَ يَجْمَعُونَ كَثِيراً- كَيْفَ أَصْبَحَتْ بُيُوتُهُمْ قُبُوراً- وَ مَا جَمَعُوا بُوراً- وَ صَارَتْ أَمْوَالُهُمْ لِلْوَارِثِينَ- وَ أَزْوَاجُهُمْ لِقَوْمٍ آخَرِينَ- لَا فِي حَسَنَةٍ يَزِيدُونَ- وَ لَا مِنْ سَيِّئَةٍ يَسْتَعْتِبُونَ- فَمَنْ أَشْعَرَ التَّقْوَى قَلْبَهُ بَرَّزَ مَهَلُهُ- وَ فَازَ عَمَلُهُ‏ فَاهْتَبِلُوا هَبَلَهَا- وَ اعْمَلُوا لِلْجَنَّةِ عَمَلَهَا- فَإِنَّ الدُّنْيَا لَمْ تُخْلَقْ لَكُمْ دَارَ مُقَامٍ- بَلْ خُلِقَتْ لَكُمْ مَجَازاً- لِتَزَوَّدُوا مِنْهَا الْأَعْمَالَ إِلَى دَارِ الْقَرَارِ- فَكُونُوا مِنْهَا عَلَى أَوْفَازٍ- وَ قَرِّبُوا الظُّهُورَ لِلزِّيَالِ

 

اللغة

أقول: المشيد: المعلّى. و الاهتبال في الأمر: السعى في إحكامه، و هبلها مصدر مضاف إلى ضمير التقوى مؤكّد للفعل: أى احكموها إحكاما. و الأوفاز: جمع وفزة و هى العجلة،

المعنى

و الضمير في قوله: فإنّه. إمّا أن يرجع إلى مذكور سابق أو إلى معنى كلامه و هو التحذير و الإنذار، و كذلك الّذى في قوله: و ما هو إلّا الموت. يحتمل أن يعود إلى ملفوظ به سابق و يحتمل أن يعود إلى المعنىّ بالتحذير منه و الإنذار به: أى و ما الّذى احذّركم هجومه عليكم إلّا الموت، و أسمع و أعجل محلّهما النصب على الحال من معنى الإشارة.

و قوله: فلا يغرّنّك إلى قوله: و أمن العواقب. أى فلا يغرّنّك من نفسك الأمّارة بالسوء و سوستها و استغفالها لك عن ملاحظة الموت برؤية سواد الناس: أى كثرتهم. إذ كثيرا ما يرى الإنسان الميّت محمولا فيتداركه من ذلك رقّة و روعة. ثمّ يعاوده الوسواس الخنّاس و يأمره باعتبار كثرة المشيّعين له من الناس و أن يجعل نفسه من الأحياء الكثيرين بملاحظة شبابه و صحّته و يأمره باعتبار أسباب موت ذلك الميّت من القتل و سائر الأمراض و باعتبار زوال تلك الأسباب في حقّ نفسه، و بالجملة فيبعّد في اعتباره الموت بكلّ حيلة. فنهى السامعين عن الانخداع للنفس بهذه الخديعة، و أسند الغرور إلى سواد الناس لأنّه مادّته. ثمّ نبّههم بقوله: و قد رأيت. إلى قوله: يستعتبون. على كذب تلك الخديعة مشاهدة، و الواو في قوله: و قد. واو الحال، و من في قوله: من جمع. بدل البعض من الكلّ من قوله: من كان قبلك. و المعنى أنّه كما نزل بأولئك الموت و أزعجهم عن أوطانهم فكذلك أنتم.

و قوله: طول أمل. نصب على المفعول له.
أى فعلوا ذلك لأجل طول الأمل، و يحتمل أن يكون مصدرا سدّ مسدّ الحال، و يحتمل أن يكون ظرفا و العامل أمن، و قيل: هو بدل من قوله: من كان قبلك: أى رأيت طول أمل من كان قبلك، و يروى بطول أمل. و أعواد المنايا: النعوش، و يتعاطى به الرجال الرجال: أى يسلّمه الحاملون له بعضهم إلى بعض، و الخطاب بالكاف لنوع المخاطب أو لشخص على طريقة قولهم: إيّاك أعنى و اسمعى يا جارة.

و قوله: أما رأيتم استفهام على سبيل التقرير، و إنّما كانوا لا يستطيعون زيادة في حسنة و لا استعتابا من سيّئة لأنّ محلّ الأعمال هى الدنيا دون ما بعدها. و قوله: فمن أشعر التقوى قلبه. أى من اتّقى تقوى حقيقة برزت تؤدته: أى ظهرت عليه آثار الرحمة الإلهيّة في السكينة و الوقار و الحلم و الأناة عن التسرّع إلى مطالب الدنيا، و علمت راحته في الآخرة، و فاز عمله فيها بالجزاء الأوفى. ثمّ أمرهم بإحكام التقوى: أى أن تتّقوا اللّه تقوى حقيقيّة فإنّها الّتى يستحقّ بها الثواب الدائم، و أن يعملوا للجنّة عملها الّتى تستحقّ به. ثمّ نبّههم على وجوب العمل للجنّة بالتصريح بما لأجله خلقت الدنيا، و أنّها لم تخلق دار إقامة بل طريقا يعبر بها إلى الآخرة كما يعبر المسافرون، و يتزوّد منها الأعمال الصالحة الموصلة إلى الجنّة، و أمرهم أن يكونوا فيها على سرعة في قطع عقباتها و عجل في الارتحال عنها لأنّ التأنّي فيها يستلزم الالتفات إلى لذّاتها و الغفلة عن المقصد الحقّ، و استعار لفظ الظهور و هى الركوب لمطايا الآخرة و هي الأعمال الصالحة، و تقريبها للزيال هو العناية الإلهيّة بالأعمال المقرّبة إلى الآخرة المستلزمة للبعد عن الدنيا و الإعراض عنها و مفارقتها.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 150

خطبه 130شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام

أَيَّتُهَا النُّفُوسُ الْمُخْتَلِفَةُ وَ الْقُلُوبُ الْمُتَشَتِّتَةُ- الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ وَ الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ- أَظْأَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ- وَ أَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْهُ نُفُورَ الْمِعْزَى مِنْ وَعْوَعَةِ الْأَسَدِ- هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ- أَوْ أُقِيمَ اعْوِجَاجَ الْحَقِّ- اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ- أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ- وَ لَا الْتِمَاسَ شَيْ‏ءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ- وَ لَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ- وَ نُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ- فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ- وَ تُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ- اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ- وَ سَمِعَ وَ أَجَابَ- لَمْ يَسْبِقْنِي إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ص بِالصَّلَاةِ- وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ- وَ الدِّمَاءِ وَ الْمَغَانِمِ‏ وَ الْأَحْكَامِ- وَ إِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ- فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ- وَ لَا الْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ- وَ لَا الْجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ- وَ لَا الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ- وَ لَا الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ- فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ- وَ يَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِعِ- وَ لَا الْمُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الْأُمَّةَ

اللغة

أقول: أظأركم: أعطفكم. و وعوعة الأسد: صوته. و سرار العدل: ما خفى منه، و النهمة: الحرص على الدنيا.

المعنى

و قد أيّه بالنفوس بصفة الاختلاف: أي اختلاف الأهواء و القلوب المتشتّتة: أى المتفرّقة عن مصالحها و ما خلقت لأجله. و أراد بغيبة عقولهم ذهولها عن رشدها، و إصابة وجه الحقّ بانصرافها عن دعائه إلى ما ينبغي، و شبّه نفارهم بنفور المعزى من صوت الأسد، و وجه التشبيه شدّة نفارهم عن الحقّ، ثمّ استبعد إظهاره للعدل و إقامة الدين بمثلهم على ما هم عليهم من قلّة طاعته. ثمّ عقّب ذلك باستشهاد اللّه سبحانه على أنّ قصده بمنافسته في أمر الخلافة لم يكن في سلطان و لا لفضل حطام دنيويّ، و لكن للغاية الّتى ذكرها من ردّ معالم الدين و هى الآثار الّتى يهتدى بها و كذا سائر ما عدّده من المصالح. ثمّ تلا ذلك الاستشهاد باستشهاده على أنّه أوّل من أناب. أي رجع إلى اللّه تعالى عمّا لعلّه كان يعدّ في حقّه ذنبا، و سمع: أى أطاع اللّه و أجاب: أي داعى اللّه. ثمّ استثنى سبق الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى الدين بالصلاة و ذلك أمر معلوم من حاله، و إنّما يقول خصمه: إنّه حين تبع الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان طفلا لا اعتداد بإسلامه. و سنذكر ذلك في موضعه من الخطبة المسمّاة بالقاصعة، و غرضه من هذا الاستشهاد مع ما بعده من الإشارة إلى الرذائل الّتى ينبغي أن يكون الإمام منزّها عنها تقرير فضيلته، و نبّه على أنّ فيه من الفضائل ما يقابل تلك الرذائل بتعديدها و نفيها عن الإمام الوالى لامور المسلمين، و الإشارة إلى وجوه المقاصد اللازمة عنها، و تذكيرهم بما علموه من ذلك بقوله. و قد علمتم. إلى آخره:

أمّا البخيل فلشدّة حرصه على ما في أيدى الناس من الرعيّة و قد عرفت ما يستلزمه من نفارهم عنه و عدم انتظام الأحوال به، و أمّا الجاهل فلأنّه لجهله بقوانين الدين و تدبير امور العالم ضالّ و ضلاله يستلزم ضلال من اقتدى به و ذلك ضدّ مقصود الشارع، و أمّا الجافي فلأنّ جفاءه يستلزم النفرة و الانقطاع عنه و ذلك ضدّ الالفة و الاجتماع المطلوب للشارع، و أمّا الخائف من الدول فيخصّص بعنايته من يخافه دون غيره و ذلك ظلم لا ينتظم معه نظام العالم، و أمّا المرتشى في الحكم فلظلمه و ذهابه بالحقوق و الوقوف فيها على الحيف دون المقاطع الحقّة. فترى أحد هؤلاء إذا أراد فصل قضيّة دافع بها طويلا و صعّب الحقّ و عرّض بغموضه و أشار بالصلح بين الخصمين مع ظهور الحقّ لأحدهما و كانت غايته من ذلك تخويف صاحب الحقّ من فواته ليجنح إلى الاصلاح [الصلح. خ‏] و الرضى ببعض حقّه مع أنّه قد يأخذ منه رشوة أيضا، و ربّما كانت في المقدار كرشوة المبطل منهما. و لهم في ذلك حيل يعرفها من عاناهم. و اللّه المستعان على ما يصفون، و أمّا المعطّل للسنّة فلتضييعه قوانين الشريعة و إهمالها المستلزم لفساد النظام في الدنيا و الهلاك الدائم في الاخرى. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 148

 

خطبه 129شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام لأبى ذر رحمه اللّه لما اخرج إلى الربذة

يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ غَضِبْتَ لِلَّهِ فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ- إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ وَ خِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ- فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ- وَ اهْرُبْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ- فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ- و مَا أَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ- وَ سَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابِحُ غَداً وَ الْأَكْثَرُ حُسَّداً- وَ لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ كَانَتَا عَلَى عَبْدٍ رَتْقاً- ثُمَّ اتَّقَى اللَّهَ لَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْهُمَا مَخْرَجاً- لَا يُؤْنِسَنَّكَ إِلَّا الْحَقُّ- وَ لَا يُوحِشَنَّكَ إِلَّا الْبَاطِلُ- فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْيَاهُمْ لَأَحَبُّوكَ- وَ لَوْ قَرَضْتَ مِنْهَا لَأَمَّنُوكَ

المعنى

أقول: أبوذرّ: اسمه جندب بن جنادة، و هو من بنى غفار قبيلة من كنانه، و أسلم بمكّة و لم يشهد بدرا و لا الخندق لأنّه حين أسلم رجع إلى بلاد قومه فأقام حتّى مضت [قامت خ‏] هذه المشاهد. ثمّ قدم المدينة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كانّ يتولّى عليّا و أهل بيته، و هو الّذي قال الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حقّه: ما أقلّت الغبراء و لا أظلّت الخضراء على ذى لهجة أصدق من أبى ذرّ، و روى ابن المعمّر عنه قال: رأيت أباذرّ آخذا بحلقة باب الكعبة و هو يقول: أنا أبوذرّ الغفارىّ فمن لم يعرفني فأنا جندب صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول: مثل أهل بيتى كمثل سفينة نوح من ركبها نجى و من تخلّف عنها غرق. و كان قد أخرجه عثمان إلى الربذة، و هى موضع قريب إلى المدينة. و اختلف في سبب إخراجه فروى عن زيد بن وهب أنّه قال: قلت لأبى ذرّ- رحمة اللّه عليه- و هو بالربذة: ما أنزلك هذا المنزل قال: اخبرك أنّى كنت بالشام في أيّام معاوية فذكرت قوله تعالى «وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ» الاية«» فقال معاوية هذه نزلت في أهل‏ الكتاب. قلت: بل فينا و فيهم. فكتب معاوية إلى عثمان يشكومنّى في ذلك فكتب إلىّ أن أقدم علىّ فقدمت عليه فامثال الناس علىّ كأنّهم لم يعرفوني فشكوت ذلك إلى عثمان فخيّرنى فقال: أنزل حيث شئت فنزلت الربذة. و هذا قول من نزّه عثمان عن ظلم أبى ذرّ و نفيه. إذ كان خروجه إلى الربذة باختياره، و قيل: بل كان يغلّظ القول في إنكار ما يراه منكرا و في حقّ عثمان، و يقول: لم تبق أصحاب محمّد على ما عهد. و ينفرّ بهذا القول و أمثاله عنه. فأخرجه لذلك، و خطابه عليه السّلام لأبى ذرّ أليق بالقول الثاني.

فقوله: إنّك عضبت للّه. شهادة له أنّ إنكاره لما ينكره إنّما يقصد به وجه اللّه تعالى. و قوله: إنّ القوم خافوك على دنياهم. أى على أمر الخلافة بالتنفير عنهم، و خفتهم على دينك باجتناب موافقتهم و أخذ عطائهم على غير السنّة. و قوله: فاترك. إلى قوله: منعوك. أى اترك لهم دنياهم و انج بدينك فما أحوجهم إلى دينك و أغناك عن دنياهم. و قوله: ستعلم من الرابح غدا و الأكثر حسّدا. أشار به إلى يوم القيامة، و ظاهر كون تارك الدنيا أربح من المقبل عليها. و أكثريّة الحسّد من لواحق أكثريّة الربح. و قوله: و لو أنّ السماوات. إلى قوله: مخرجا. بشارة له بخلاصه ممّا هو فيه من ضيق الحال بسبب الإخراج، و شرط في ذلك تقوى اللّه إشارةً إلى قوله تعالى «وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً»«» قال ابن عبّاس قرء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و من يتّق اللّه يجعل له مخرجا، قال: من شبهات الدنيا، و من غمرات الموت و شدائد يوم القيامة. و ظاهر كون التقوى عند استشعارها سببا قاطعا لطمع المتّقى من الدنيا و قيناتها، و هو مستلزم لراجيه من مجاذبة النفس الأمّارة بالسوء عن الوقوع في شبهات الدنيا، و هى في استلزام الخلاص من غمرات الموت و شدائد يوم القيامة أظهر، و كنّى عليه السّلام بالغاية المذكورة و هي رتق السماوات و الأرض على العبد عن غاية الشدّة مبالغة ليتبيّن فضل التقوى، ثمّ أمره بالاستيناس بالحقّ وحده، و الاستيحاش من الباطل وحده. و أكّد الحصر في الموضعين بقوله: وحده. تنفيرا عن أن يستوحش من حقّ ما فيترك و ينفر عنه و إن صعب و شقّ على النفس، أو يستأنس بباطل ما فيفعل أو يسكت عليه و إن لذّ لها. و نبّه على علّة بغضهم و إخافتهم له و هو عدم مشاركتهم في دنياهم و الانفراد بالإنكار و غلظة القول عليهم، و كنّى بالقرض من الدنيا عن الأخذ. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 145

 

خطبه 128شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام في ذكر المكائيل و الموازين.

عِبَادَ اللَّهِ إِنَّكُمْ وَ مَا تَأْمُلُونَ- مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا أَثْوِيَاءُ مُؤَجَّلُونَ- وَ مَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ أَجَلٌ مَنْقُوصٌ- وَ عَمَلٌ مَحْفُوظٌ- فَرُبَّ دَائِبٍ مُضَيَّعٌ وَ رُبَّ كَادِحٍ خَاسِرٌ- وَ قَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي زَمَنٍ لَا يَزْدَادُ الْخَيْرُ فِيهِ إِلَّا إِدْبَاراً- وَ الشَّرُّ فِيهِ إِلَّا إِقْبَالًا- وَ الشَّيْطَانُ فِي هَلَاكِ النَّاسِ إِلَّا طَمَعاً- فَهَذَا أَوَانٌ قَوِيَتْ عُدَّتُهُ- وَ عَمَّتْ مَكِيدَتُهُ وَ أَمْكَنَتْ فَرِيسَتُهُ- اضْرِبْ بِطَرْفِكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ النَّاسِ- فَهَلْ تُبْصِرُ إِلَّا فَقِيراً يُكَابِدُ فَقْراً- أَوْ غَنِيّاً بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً- أَوْ بَخِيلًا اتَّخَذَ الْبُخْلَ بِحَقِّ اللَّهِ وَفْراً- أَوْ مُتَمَرِّداً كَأَنَّ بِأُذُنِهِ عَنْ سَمْعِ الْمَوَاعِظِ وَقْراً- أَيْنَ أَخْيَارُكُمْ وَ صُلَحَاؤُكُمْ- وَ أَيْنَ أَحْرَارُكُمْ وَ سُمَحَاؤُكُمْ- وَ أَيْنَ الْمُتَوَرِّعُونَ فِي مَكَاسِبِهِمْ- وَ الْمُتَنَزِّهُونَ فِي مَذَاهِبِهِمْ- أَ لَيْسَ قَدْ ظَعَنُوا جَمِيعاً- عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ- وَ الْعَاجِلَةِ الْمُنَغِّصَةِ- وَ هَلْ خُلِقْتُمْ إِلَّا فِي حُثَالَةٍ- لَا تَلْتَقِي بِذَمِّهِمُ الشَّفَتَانِ- اسْتِصْغَاراً لِقَدْرِهِمْ وَ ذَهَاباً عَنْ ذِكْرِهِمْ- فَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ- ظَهَرَ الْفَسَادُ فَلَا مُنْكِرٌ مُغَيِّرٌ- وَ لَا زَاجِرٌ مُزْدَجِرٌ- أَ فَبِهَذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُجَاوِرُوا اللَّهَ فِي دَارِ قُدْسِهِ- وَ تَكُونُوا أَعَزَّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ- هَيْهَاتَ لَا يُخْدَعُ اللَّهُ عَنْ جَنَّتِهِ- وَ لَا تُنَالُ مَرْضَاتُهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ- لَعَنَ اللَّهُ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ التَّارِكِينَ لَهُ- وَ النَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ الْعَامِلِينَ بِهِ

اللغة

أقول: أثوياء: جمع ثوىّ على فعيل و هو الضيف. و الدائب: المجدّ في العمل.
و الكدح: العمل. و الوقر: الصمم. و الحثالة: الثقل، و كأنّه الرديّ من كلّ شي‏ء.

المعنى

و قد نفّر عليه السّلام عن الدنيا بذكر عدّة من معايبها:

أحدها: كونهم فيها ضيفانا
و استعار لهم لفظ الضيف و كذلك لما يأملون منها و وجه الاستعارة مشابهتهم للضيف في تأجيل الإقامة و انقطاع وقته و قرب رحيله، و مؤجّلون ترشيح للاستعارة.

الثانية: كونهم مدينون فيها
و استعار لفظ المدين باعتبار وجوب الفرائض المطلوبة منهم و عهد اللّه المأخوذ عليهم أن يرجعوا اليه طاهرين عن نجس الملحدين، و رشّح بذكر المقتضين لما أنّ شأن المدين أن يقتضى فيه الدين. ثمّ لمّا ذكر كونهم مؤجّلين و مدينين كرّر ذكر الأجل بوصف النقصان، و لا شكّ في نقصان ما لا يبقى، و ذكر العمل الّذي خالصه و صالحه هو الدين المقتضى منهم بوصف كونهم محفوظا عليهم ليجذب بنقصان الأجل إلى العمل، و بحفظ العمل إلى إصلاحه و الإخلاص فيه.

و أجل و عمل: خبران حذف مبتدئهما: أى أجلكم أجل منقوص، و عملكم عمل محفوظ. و نبّه بقوله: فربّ دائب مضيّع، و ربّ كادح خاسر: أنّ العمل و إن قصد فيه الصلاح أيضا إلّا أنّه قد يقع على وجه الغلط فيحصل بذلك انحراف عن الدين و ضلال عن الحقّ فيضيّع العمل و يخسر الكدح كدأب الخوارج و نحوهم فربما دخل الكادح في قوله تعالى «هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ‏يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً»«» و ذلك ككدح أهل الكتاب و نحوهم.

و قوله: و قد أصبحتم: إلى قوله: إقبالا. شكاية للزمان و ذمّ له، و هو كقوله: إنّا قد أصبحنا في زمن كنود، و دهر عنود. و ذلك لأخذ الزمان في البعد عن وقت ظهور الشريعة و طراوتها و جرأة الناس على هتك الدين و ارتكاب مناهى اللّه، و كذلك طمع الشيطان في هلاكهم: أى في هلاك دينهم الّذي يكون غايته هلاكهم في الآخرة، و أشار إلى أنّ ذلك الوقت هو أوان قوّة عدّته و عموم مكيدته و إمكان عمله فما ظنّك بزماننا هذا و ما بعده، و استعار لفظ الفريسة لمطاوعى الشيطان و المنفعلين عنه، و وجه الاستعارة بلوغه منهم مراده و تصريفه لهم لغاية هلاكهم كالأسد مع فريسته. و قوله: اضرب بطرفك. إلى قوله: و قرا. شرح لما أجمله أوّلا من ازدياد إقبال الشرّ و إدبار الخير، و كفر الغنىّ تركه و إعراضه عن شكر نعم اللّه سبحانه عليه. و قوله: بحقّ اللّه متعلّق بالبخل.

أى: أنّ البخيل يقصد ببخله بحقّ اللّه على مستحقّه توفير المال و الزيادة فيه. و قوله: أين خياركم: إلى قوله: مذاهبهم. سؤال من باب تجاهل العارف تنبيها لهم على ما صار و إليه من الفناء و فراق الدنيا، و على أنّه لم يبق فيهم من اولى الأعمال الصالحة أحد لعلّهم يرجعون إلى لزوم الأعمال الصالحة، و أراد بالأحرار الكرماء، و المتورّعون في مكاسبهم الملازمون للأعمال الجميلة فيها من التقوى و المسالمة و إخراج حقوق اللّه تعالى، و المتنزّهون في مذاهبهم الممتنعون عن ولوج أبواب المحارم و الشبهات في مسالكهم و حركاتهم.

و قوله: أليس. إلى قوله: المنغّصة. سؤال على سبيل التقرير لما نبّههم عليه من فراق الدنيا و دناءتها بالنسبة إلى عظيم ثواب الآخرة و تنغيصها بالآلام و نحوها حتّى قال بعض الحكماء: إنّ كلّ لذّة في الدنيا فإنّما هى خلاص من ألم. و قوله: و هل خلقتم. إلى قوله: عن ذكرهم. سؤال على سبيل التقرير لما ذكر أيضا، و استعار لفظ الحثالة لرعاع الناس و همجهم. و قوله: لا تلتقى بذمّهم الشفتان. أى إنّهم أحقر من أن يشتغل الإنسان بذمّهم. و انتصب استصغارا و ذهابا على المفعول له، و حسن اقتباس القرآن هاهنا لما أنّ هذه الحال الّتى الناس عليها من فقد خيارهم و بقاء شرارهم مصيبة لحقتهم، و من آداب اللّه للصابرين على نزول المصائب أن يسلّموا أنفسهم و أحوالهم إليه فيقولوا عندها: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون كما قال سبحانه «وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ» الآية. ثمّ حكم على سبيل التوجّع و الأسف بظهور الفساد و بنفى المنكر المغيّر للفساد المزدجر عنه تنبيها لهم على أنّهم و إن كان فيهم من ينكر و يزجر إلّا أنّه لا يغيّر ما ينكره و لا يزدجر عن مثله، و ذلك من قبايح الأعمال و الرياء فيها. و قوله: أ فبهذا. أى بأعمالكم هذه المدخولة و بتقصيركم. و مجاورة اللّه: الوصول إليه و المقام معه في جنّته الّتى هى مقام الطهارة عن نجاسات الهيئات البدنيّة و مقام تنزيه ذات اللّه تعالى و طهارتها عن اتّخاذ الشركاء و الأنداد، و هو استفهام على سبيل الإنكار و لذلك عقبّه بقوله: هيهات. إلى آخره، و لمّا كان ذلك يجرى مجرى الزهد الظاهر مع النفاق في الباطن أعنى أعمالهم المدخولة من إنكار المنكر و ارتكابهم نبّههم على أنّ فعلهم كخداع اللّه عن جنّته، و صرّح بأنّ اللّه لا يخدع لعلمه بالسرائر و أنّه لا تنال مرضاته إلّا بطاعته: أى الطاعة الحقيقيّة الخالصة دون الظاهرة. ثمّ ختم بلعن الآمرين بالمعروف مع تركهم للعمل به، و الناهين عن المنكر المرتكبين له لأنّهم منافقون مغرون بذلك لمن يقتدى بهم و النفاق مستلزم اللعن و البعد عن رحمة اللّه. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 142

خطبه 127شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام يؤمى به إلى وصف الأتراك

كَأَنِّي أَرَاهُمْ قَوْماً- كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ- يَلْبَسُونَ السَّرَقَ وَ الدِّيبَاجَ- وَ يَعْتَقِبُونَ الْخَيْلَ الْعِتَاقَ- وَ يَكُونُ هُنَاكَ اسْتِحْرَارُ قَتْلٍ- حَتَّى يَمْشِيَ الْمَجْرُوحُ عَلَى الْمَقْتُولِ- وَ يَكُونَ الْمُفْلِتُ أَقَلَّ مِنَ الْمَأْسُورِ- فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ- لَقَدْ أُعْطِيتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِلْمَ الْغَيْبِ- فَضَحِكَ ع وَ قَالَ لِلرَّجُلِ وَ كَانَ كَلْبِيّاً يَا أَخَا كَلْبٍ لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ- وَ إِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ- وَ إِنَّمَا عِلْمُ الْغَيْبِ عِلْمُ السَّاعَةِ- وَ مَا عَدَّدَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ- إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ- الْآيَةَ- فَيَعْلَمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا فِي الْأَرْحَامِ- مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَ قَبِيحٍ أَوْ جَمِيلٍ- وَ سَخِيٍّ أَوْ بَخِيلٍ- وَ شَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ- وَ مَنْ يَكُونُ فِي النَّارِ حَطَباً- أَوْ فِي الْجِنَانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرَافِقاً- فَهَذَا عِلْمُ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ- وَ مَا سِوَى ذَلِكَ فَعِلْمٌ- عَلَّمَهُ اللَّهُ نَبِيَّهُ ص فَعَلَّمَنِيهِ- وَ دَعَا لِي بِأَنْ يَعِيَهُ صَدْرِي- وَ تَضْطَمَّ عَلَيْهِ جَوَانِحِي

اللغة

أقول: المجانّ بالفتح: جمع مجنّ بكسر الميم و هو الترس. و المطرقة بفتح الراء و التخفيف: الّتى تطبق و تخصف كطبقات النعل. يقال: أطرقت بالجلد إذا ألبست. و السرق بفتح السين و الراء: شقق الحرير واحدتها سرقة. قال أبو عبيدة: هى البيض منها، و هو فارسىّ معرّب أصله سره: أى جيّد كالاستبرق الغليظ من الديباج. و يعتقبون الخيل: يحتبسونها و يرتبطونها. و استحرّ القتل و حرّ: أى اشتدّ.

المعنى

و اعلم أنّه عليه السّلام من عادته إذا أراد الإخبار عن أمر سيكون فإنّه يصدّره بقوله: كأنّى كما سبق من إخباره عليه السّلام عن الكوفة كأنّى بك يا كوفه، و كقوله:

كأنّى به و قد نعق بالشام. و وجه ذلك أنّ مشاهدته بعين بصيرته لمّا افيض على نفسه القدسيّة من أنوار الغيب على سبيل الإلهام بواسطة الاستاد المرشد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تشبّه المشاهدة بعين البصر في الجلاء و الظهور الخالى عن الشكّ فلذلك حسن حرف التشبيه صدرا، و ضماير الجمع في الفصل تعود إلى الأتراك، و شبّه وجوههم بالتروس المطبقة، و وجه الشبه في تشبيهها بالتروس الاستداره و العظم و الانبساط، و في كونها مطرقة الخشونة و الغلظة و هو تشبيه للمحسوس بالمحسوس، و أمّا وصفه لهم بمراعاة لبس السرق و الديباج، و اعتقاب الخيل فاعتبار أحوال الترك تشهد بصدقه، و أمّا إخباره عن استحرار القتل إلى الغاية المذكورة حين ظهورهم فممّا يشهد بصدقه التواريخ بالوقايع المشهورة بينهم و بين العرب و غيرهم من المسلمين في أيّام عبد اللّه بن الزبير، و في أيّام قتيبة بن مسلم، و يكفى في صدق ذلك إلى الغاية المذكورة ما شهدناه من وقايع التتار مع المسلمين و قتلهم إيّاهم بالعراقين و خراسان و غيرها من البلاد فأمّا جوابه عليه السّلام للكلبىّ إنّ ذلك ليس بعلم غيب، و إنّما هو تعلّم من ذى علم، و تعديده للمعلومات بعلم الغيب الّذي لا يعلمها إلّا اللّه سبحانه فحقّ و صدق، و قد نبّهنا على الفرق بين علم الغيب و الإخبار عن المغيبات في المقدّمات لكن ينبغي أن يعلم أنّ التعلّم الحاصل له من قبل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم ليس على سبيل أنّ كلّ ما القى إليه صور جزئيّة و وقايع جزئيّة بل معناه هو إعداد نفسه القدسيّة على طول الصحبة من حيث كان طفلا إلى أن توفّى الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لهذه العلوم بالرياضة التامّة، و تعليم كيفيّة السلوك و أسباب تطويع النفس الأمّارة بالسوء للنفس المطمئنّة حتّى استعدّت نفسه الشريفة للانتقاش بالامور الغيبيّة، و انتقشت فيها الصور الكلّيّة فأمكنه الإخبار عنها و بها، و لذلك قال: و دعا لى بأن يعيه صدرى و تضطمّ عليه جوانحى: أى يضبطه قلبى و يشتمل عليه، و كنّى بالجوانح عن القلب لاشتمالها عليه و لو كانت تلك العلوم صورا جزئيّة لم يحتج إلى مثل هذا الدعاء فإنّ فهم الصور الجزئيّة و ضبطها و الإخبار عنها ممكن لكلّ الصحابة من العوامّ و غيرهم، و إنّما الصعب المحتاج إلى الدعاء بأن يعيه الصدر و يستعدّ الأذهان لقبوله‏ هو القوانين الكلّيّة، و كيفيّة انشعابها و تفصيلها و أسباب تلك الامور المعدّه لإدراكها حتّى إذا استعدّت النفس بها أمكن أن ينتقش بالصور الجزئيّة من مفيضها كما سبقت الاشارة إليه.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 139

 

خطبه 126شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام فيما يخبر به عن الملاحم بالبصرة

يَا أَحْنَفُ كَأَنِّي بِهِ وَ قَدْ سَارَ بِالْجَيْشِ- الَّذِي لَا يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ وَ لَا لَجَبٌ- وَ لَا قَعْقَعَةُ لُجُمٍ وَ لَا حَمْحَمَةُ خَيْلٍ- يُثِيرُونَ الْأَرْضَ بِأَقْدَامِهِمْ- كَأَنَّهَا أَقْدَامُ النَّعَامِ يومئ بذلك إلى صاحب الزنج ثُمَّ قَالَ ع- وَيْلٌ لِسِكَكِكُمُ الْعَامِرَةِ وَ الدُّورِ الْمُزَخْرَفَةِ- الَّتِي لَهَا أَجْنِحَةٌ كَأَجْنِحَةِ النُّسُورِ- وَ خَرَاطِيمُ كَخَرَاطِيمِ الْفِيَلَةِ- مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَا يُنْدَبُ قَتِيلُهُمْ- وَ لَا يُفْقَدُ غَائِبُهُمْ- أَنَا كَابُّ الدُّنْيَا لِوَجْهِهَا- وَ قَادِرُهَا بِقَدْرِهَا وَ نَاظِرُهَا بِعَيْنِهَا

اللغة

أقول: الملحمة: الوقعة العظيمة.

المعنى

و هذا الفصل من خطبة له عليه السّلام بالبصرة بعد وقعة الجمل ذكرنا منها فصولا فيما سبق، و الخطاب مع الأحنف بن قيس لأنّه كان رئيسا ذا عقل و سابقة في قومه، و كان اسمه صخر بن قيس بن معاوية بن حصن بن عباد بن مرّة بن عبيد بن تميم، و قيل: اسمه الضحّاك، و كنيته أبو بحر. و بسببه كان إسلام بنى تميم حين دعاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلم يجيبوا. فقال لهم الأحنف: إنّه يدعوكم إلى مكارم الأخلاق و ينهاكم عن ملاعبها فأسلموا. و أسلم الأحنف و شهد مع علىّ عليه السّلام صفّين و لم يشهد الجمل مع أحد الفريقين، و الضمير في قوله: كأنّى به. لصاحب الزنج و اسمه علىّ بن محمّد علوىّ النسب، و الجيش المشار إليه هم الزنج، و واقعتهم بالبصرة مشهورة و أخبارهم و بيان أحوالهم و تفصيل واقعتهم يشتمل عليها كتاب منفرد في نحو من عشرين كرّاسة فليطلب علمها من هناك، و أمّا وصف ذلك الجيش بالأوصاف المذكورة فلأنّ الزنج لم يكونوا أهل خيل و لا جند من قبل حتّى يكون بالأوصاف المشار إليها، و إثارتهم التراب بأقدامهم كناية عن كونهم حفاة في الأغلب سائرين بالأقدام فهى [من اعتياد الحفاة- خ- ] باعتبار الحفاء و مباشرة الأرض بالخشب و نحوه فكانت مظنّة إثارة التراب عوضا من حوافر الخيل، و وجه شبهها بأقدام النعام أنّ أقدامهم في الأغلب قصارعراض منتشرة الصدور و مفرّقات الأصابع فهي من عرضها لا يتبيّن لها طول فأشبهت أقدام النعام في بعض تلك الأوصاف، ثمّ أخبر بالويل لمحالّ البصرة و دورها المزوّقة من اولئك، و استعار لدورها لفظ الأجنحة، و أراد بها القطانيّات الّتى تعمل من الأخشاب و البوارى بارزة عن السقوف كالوقاية للمشارف و الحيطان عن آثار الأمطار و هى أشبه الاشياء في هيئتها و صورة وضعها بأجنحة كبار الطير كالنسور، و كذلك استعار لفظ خراطيم الفيلة للميازيب الّتى تعمل من الخوص على شكل خرطوم الفيل و تطلى بالقار يكون نحوا من خمسة أزرع أو أزيد تدلى من السطوح حفظا للحيطان من أذى السيل أيضا، و هى أشبه الأشياء في صورتها بخراطيم الفيلة، و أمّا وصفه لهم بأنّه لا يندب قتيلهم و لا يفتقد غايبهم. قال بعض الشارحين: ذلك وصف لهم بشدّة البأس و الحرص على الحرب و القتال و أنّهم لا يبالون بالموت و لا يأسفون على من فقد منهم.

و أقول: و الأشبه أنّ ذلك لكونهم لا اصول لهم و لا أهل لأكثرهم من امّ أو أخت أو غير ذلك ممّن عادته أن ينوح و يندب قتيله و يفتقد غائبه لكون أكثرهم غرباء في البصرة فمن قتل منهم لا يكون له من يندبه و من غاب لا يكون له من يفتقده. و قوله: أنا كابّ الدنيا لوجهها. إشارة إلى زهده فيها، و تنبيه على فضيلته. يقال: كببت فلانا لوجهه إذا تركته و ما التفت إليه، و قادرها بقدرها: أى معامل لها بمقدارها، و لمّا كان مقدارها حقيرا عنده كان التفاته إليها التفاتا حقيرا حسب ضرورة البقاء فيها، و كذلك ناظرها بعينها: أى معتبرها بالعين الّتى ينبغي أن تعتبر بها الدنيا من كونها غرّارة غدّارة حائلة إلى غير ذلك من أوصافها، و أنّها مزرعة الآخرة و طريق إليها غير مطلوبة لذاتها. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 137

 

خطبه 125شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام أيضا للخوارج.

فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَزْعُمُوا أَنِّي أَخْطَأْتُ وَ ضَلَلْتُ- فَلِمَ تُضَلِّلُونَ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ص بِضَلَالِي- وَ تَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَئِي- وَ تُكَفِّرُونَهُمْ بِذُنُوبِي- سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ- تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ الْبُرْءِ وَ السُّقْمِ- وَ تَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ- وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص رَجَمَ الزَّانِيَ الْمُحْصَنَ- ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ- وَ قَتَلَ الْقَاتِلَ وَ وَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ- وَ قَطَعَ السَّارِقَ وَ جَلَدَ الزَّانِيَ غَيْرَ الْمُحْصَنِ- ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَيْ‏ءِ وَ نَكَحَا الْمُسْلِمَاتِ- فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ص بِذُنُوبِهِمْ- وَ أَقَامَ حَقَّ اللَّهِ فِيهِمْ- وَ لَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ- وَ لَمْ يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ- ثُمَّ أَنْتُمْ شِرَارُ النَّاسِ- وَ مَنْ رَمَى بِهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ وَ ضَرَبَ بِهِ تِيهَهُ- وَ سَيَهْلِكُ فِيَّ صِنْفَانِ- مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ- وَ مُبْغِضٌ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ- وَ خَيْرُ النَّاسِ فِيَّ حَالًا النَّمَطُ الْأَوْسَطُ فَالْزَمُوهُ- وَ الْزَمُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ- فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ- وَ إِيَّاكُمْ وَ الْفُرْقَةَ- فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ- كَمَا أَنَّ الشَّاذَّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْبِ- أَلَا مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ- وَ لَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هَذِهِ- فَإِنَّمَا حُكِّمَ الْحَكَمَانِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَا الْقُرْآنُ- وَ يُمِيتَا مَا أَمَاتَ الْقُرْآنُ- وَ إِحْيَاؤُهُ الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهِ- وَ إِمَاتَتُهُ الِافْتِرَاقُ عَنْهُ- فَإِنْ جَرَّنَا الْقُرْآنُ إِلَيْهِمُ اتَّبَعْنَاهُمْ- وَ إِنْ جَرَّهُمْ إِلَيْنَا اتَّبَعُونَا- فَلَمْ آتِ لَا أَبَا لَكُمْ بُجْراً- وَ لَا خَتَلْتُكُمْ عَنْ أَمْرِكُمْ- وَ لَا لَبَّسْتُهُ عَلَيْكُمْ- إِنَّمَا اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلَيْنِ- أَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَلَّا يَتَعَدَّيَا الْقُرْآنَ فَتَاهَا عَنْهُ- وَ تَرَكَا الْحَقَّ وَ هُمَا يُبْصِرَانِهِ- وَ كَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا فَمَضَيَا عَلَيْهِ- وَ قَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي الْحُكُومَةِ بِالْعَدْلِ- وَ الصَّمْدِ لِلْحَقِّ سُوءَ رَأْيِهِمَا وَ جَوْرَ حُكْمِهِمَا

اللغة

أقول: البحر: الشرّ و الأمر العظيم. و الختل: الخديعة. و الصمد: القصد.

و هذا الفصل مشاجرة مع الخوارج

و هو منع لشبههم الّتي بها كفّروا أصحابه عليه السّلام و صورتها إنّكم ضللتم بالتحكيم، و كلّ ضالّ كافر ينتج أنّهم كفّار.

فقوله: فإن أبيتم. إلى قوله: و ضللت. يجرى مجرى تسليم جدل لما منعه أوّلا في الفصول السابقة من صغرى شبههم و بين أنّ التحكيم لم يكن منه خطأ و لا ضلالا. فكأنّه يقول: وهب أنى أخطأت كما زعمتم.

و قوله: فلم تضلّلون عامّة امّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بضلالى. منع لصغرى هذه الشبهة.

و قوله: و تكفّرونهم بذنوبى. إلى قوله: بمن لم يذنب. منع للكبرى. فكأنّه يقول: و هب أنّكم ضلّلتموهم بضلالى فلم تكفّرونهم، و تقتلون بسبب تكفيرهم المذنب و غير المذنب.

و قوله: و قد علمتم. إلى قوله: بين أهله. استشهاد عليهم بفعل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيمن أخطأ، و أنّه لم يكفّرهم بذنوبهم بل أجرى عليهم أحكام الإسلام، و لم يسلبهم اسمه، و هذا الاستشهاد يجرى مجرى‏ ذكره مستند المنع. و الزانى الّذي رجمه هو المحصن، و لم يمنعه استحقاقه الرجم صدق الإسلام عليه و لحوق أحكامه له من الصلاة عليه و توريث ماله لأهله، و كذلك الباقون من أهل الكبائر من الأمّة لم يمنعهم ذلك من إجراء أحكام الإسلام عليهم، و صدق اسمه المنافي لصدق الكفر عليهم، و ضمير الاثنين في نكحا يرجع إلى السارق و الزاني: أى لم يمنعهم استحقاق القطع و الجلد من حصّتهما من الفي‏ء و لا من نكاح المسلمات، و ضمائر الجمع في قوله: فأخذهم اللّه بذنوبهم. إلى قوله: بين أهله راجعة إلى كلّ من جرى ذكره من المذنبين، و الكلام المذكور حكاية لحالهم، و الضمير في أهله يرجع إلى الإسلام.

ثمّ لمّا فرغ من بيان غلطهم ذمّهم و نسبهم إلى الانفعال عن الشيطان. إذ كانت وساوسه مبادى الأغلاط و الشبه. ثمّ عقّب ذلك بالإخبار عن هلاك من سلك طريق الإفراط في حبّه أو بغضه لخروجهما عن الحقّ و العدل إلى الباطل و الجور، و إفراط الحبّ أن جعل إلهاً كالمنسوب إلى النصيريّة و نحوهم من الغلاة، و إفراط البغض أن نسب إلى الكفر كالمنقول عن الخوارج، و جعل خير الناس فيه حالًا النمط الأوسط في المحبّة، و هم أهل العدل فيه. و النمط الأوسط الجماعة من الناس أمرهم واحد، و في الحديث خير هذه الامّة النمط الأوسط يلحق بهم التالى و يرجع إليهم الغالى. فالتالى هو المقصّر الواقف في طرف التفريط، و الغالى هو العابر إلى طرف الإفراط. و أمر بلزوم ذلك النمط و لزوم طريقة السواد الأعظم: أى أكثر المسلمين المتّفقين على رأى واحد، و رغّب في لزوم طريقتهم بأنّ يد اللّه على الجماعة فتجوّز بلفظ اليد في قدرة اللّه و حراسته للجماعة. إذ كانوا أمنع و أبعد عن الانفعال للعدوّ، و آمن من الغلط و الخطاء لكثرة آرائهم و اتّفاقها فلا تكاد تتّفق على أمر لا مصلحة فيه مع كثرتها و اختلافها، و حذّر من الفرقة و الشذوذ عن الجماعة بأنّ الشاذّ من الناس: أى المتفرّد المستبدّ برأيه للشيطان: أى محلّ تطرّق الشيطان لانفراده، و شبّه ذلك بالشّاذ من الغنم، و وجه الشبه كون انفراده محلّا لتطرّق الهلاك إليه باستغواء الشيطان له كمان أنّ الشاة المنفردة في مظنّة الهلاك لانفرادها و وحدتها للذئب. ثمّ أمر بقتل من دعا إلى هذا الشعار و هو مفارقه الجماعه و الاستبداد بالرأى. و قوله: و لو كان تحت عما متى هذه. مبالغة في الكلام كنّى بها عن أقصى القرب من عنايته: أى و لو كان ذلك الداعى إلى هذا الحدّ من عنايتى به، و قيل: أراد و لو كان ذلك الداعى أنا. و قوله: و إنّما حكّم الحكمان. اعتذار عن شبهة التحكيم، و أسند إليهما لفظى الإحياء و الإماتة مجازا باعتبار كونهما في الاجتماع عليه و العمل به مظهرين لمنفعته و فايدته كما يفعله موجد الحياة، و كونهما في تركه و الإعراض عنه سببا لبطلان منفعته و عدم منفعته كما يفعله مميت الشي‏ء و مبطل حياته. فلم آت- لا أبالكم- بجراً: إلى آخر. لمّا بيّن وجه عذره في التحكيم أنكر أن يكون فعله ذلك مشتملا على قصد شرّ أو خديعة لهم أو تلبيسا عليهم في التحكيم من غير اتّفاق منهم و مراجعة لهم بل إنّما كان ذلك عن اجتماع آراء قومهم على اختيار حكمين اخذت عليهما الشرائط المعدودة في كتاب الصلح، و في نسبته اختيار الحكمين إلى ملائهم، و نسبة أخذ العهد عليها في اتّباع الكتاب إلى نفسه أو إلى جماعة هو أحدهم تنبيه على أنّ أخذ العهد عليهما كان منه أو بشركته دون تعيينهما للحكومة لما نقل إنّه كان غير راض بنصب أبى موسى نائبا عنه، و إنّما اكره على ذلك و كان ميله و اختياره في ذلك لابن عبّاس.

و تلخيص الكلام: أنّا إنّما رضينا بالحكمين بشرط أن يعملا بكتاب اللّه، و المشروط بشرط عدم عند عدم ذلك الشرط. فحيث خالفا الشرط عمدا بعد أن سبق استثناؤنا عليهما سوء رأيهما وجبت مخالفتهم. و انتصب سوء رأيهما لأنّه مفعول به عن سبق. و باللّه التوفيق و العصمة.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 133

 

خطبه 124شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام لما عوتب على التسوية في العطاء

أَ تَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ- فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ- وَ اللَّهِ لَا أَطُورُ بِهِ‏ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ- وَ مَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً- لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ- فَكَيْفَ وَ إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ- أَلَا وَ إِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وَ إِسْرَافٌ- وَ هُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا- وَ يَضَعُهُ فِي الْآخِرَةِ- وَ يُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَ يُهِينُهُ عِنْدَ اللَّهِ- وَ لَمْ يَضَعِ امْرُؤٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَ لَا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ- إِلَّا حَرَمَهُ اللَّهُ شُكْرَهُمْ- وَ كَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُمْ- فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً- فَاحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَلِيلٍ- وَ أَلْأَمُ خَدِينٍ

اللغة

أقول: لا أطور به: أى لا أقرّبه. و السمير: الدهر. يقال: لا أفعله ما سمر سمير: أى الدهر كلّه، و كذلك لا أفعله ما سمر ابنا سمير: أى الدهر كلّه، و ابناه: الليل و النهار. و الخدين: الصديق.

المعنى

و التسوية في العطاء من سنّة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كان أبو بكر كذلك على تلك السنّة فلمّا فضّل من بعدهما أهل السابقة و الشرف في العطاء على غيرهم اعتاد المفضّلون بذلك إلى زمانه عليه السّلام و لمّا كان سالكا مسالك الرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و مقتفيا أثر سنّته لم يمكنه إلّا التسوية فطلب المفضّلون عادتهم من التفضيل عند ولايته لهذا الأمر فقال الكلام.

فقوله: أتامرونىّ أن أطلب النصر بالجور، جواب لمن أشار عليه بالتفضيل، و كأنّ المشير قال له: إن فضّلت هؤلاء كانوا معك بقلوبهم و نصروك. فأجابهم بذلك. و الجور: العدول عن سبيل اللّه بالتفضيل حيث كان خارجا عن سنّة الرسول. ثمّ أقسم أنّه لا يقرب التفضيل أبدا، و أنّ المال لو كان له لكان من العدل أن يسوّى بينهم فيه فكيف و المال للّه و لهم، و وجه ذلك أنّ التسوية هى العدل الّذي تجتمع به النفوس على النصرة و تتألّف الهمم على مقاومة العدوّ دون التفضيل‏ المستلزم لانكسار قلوب المفضولين مع كثرتهم. فلو كان المال له مع كونه بطباع البشريّة الميّالة إلى شخص دون شخص لم يسوّ بينهم فكيف و المال للّه الّذى تساوى نسبة الخلق إليه و ما لهم الّذى فرضه اللّه لهم على سواء، و هو كالاعتذار الحاسم لمادّة الطمع في التفضيل. ثمّ نبّه على قبح وضع المال في غير أهله و على غير وجهه. و غير أهله: هم غير المفروض لهم، و غير وجهه: غير حقّه الّذى يفرضه الشارع، و أشار إلى وجوه المفاسد ففى غير أهله تبذير، و في غير وجهه إسراف، و عرفت أنّهما طرفا الإفراط و التفريط من فضيلة السخاء.

و قوله: يرفع صاحبه في الدنيا. أى يحصل له بالتبذير ذكر الكرم بين العوامّ و الغاغة، و من لا يعرف حقيقة الكرم، و يضعه في الآخرة. إذ كان به على رذيلة، و كذلك يكرمه عند الناس و يهينه عند اللّه، و أمّا حكمه عليه السّلام بأنّ الواضع لماله في غير حقّه و عند غير أهله محروم شكرهم و لغيره ودّهم و على تقدير وقوع الزلّة منه الّتى يحتاج فيها إلى مساعدتهم يتقاعدون عنه فذلك أمر يحصل بالاستقراء و ربّما بلغ التجربة، و أمّا سرّ ذلك فيحتمل أن يكون لأنّهم لمّا كانوا غير أهل لوضع المعروف لم يكونوا أهلا للاعتراف به إمّا لجهلهم و غفلتهم أو لاعتقادهم أنّ المسدى إليهم غير أهل لشكرهم، و أنّهم على مرتبته و أحقّ بالمال منه. و أكثر ما يكون عدم الشكر من هؤلاء لنظر كلّ منهم إلى أنّ غيره من المسدى إليه غير أهل، و أنّه هو أحقّ فيرى نفسه دائما مبخوس الحظّ من باذل المعروف فلا يزال متسخّطا عاتبا عليه ذامّا للزمان، و حينئذ لا يتحقّق اعترافه بنعمة الباذل فإذا أصابه من غيره أدنى معروف أو لم يصبه بل سمع مدح أحد و شكر الناس له ساعد على مدحه و أظهر فضله، و قال: إنّه ممّن يضع المعروف في أهله فيكون ذلك كالمستنهض لهمة الباذل أو كالمزرى عليه و المغاير له، و كنّى بزلّ النعل عن خطائه و عثاره في المصائب. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 131

 

خطبه 123شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام في التحكيم

إِنَّا لَمْ نُحَكِّمِ الرِّجَالَ- وَ إِنَّمَا حَكَّمْنَا الْقُرْآنَ هَذَا الْقُرْآنُ- إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ- لَا يَنْطِقُ بِلِسَانٍ وَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ- وَ إِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ الرِّجَالُ- وَ لَمَّا دَعَانَا الْقَوْمُ- إلَى أَنْ نُحَكِّمَ بَيْنَنَا الْقُرْآنَ- لَمْ نَكُنِ الْفَرِيقَ الْمُتَوَلِّيَ- عَنْ كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى- وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ- فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ- فَرَدُّهُ إِلَى اللَّهِ أَنْ نَحْكُمَ بِكِتَابِهِ- وَ رَدُّهُ إِلَى الرَّسُولِ أَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّتِهِ- فَإِذَا حُكِمَ بِالصِّدْقِ فِي كِتَابِ اللَّهِ- فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ- وَ إِنْ حُكِمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ص- فَنَحْنُ أَوْلَاهُمْ بِهِ- وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ- لِمَ جَعَلْتَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ أَجَلًا فِي التَّحْكِيمِ- فَإِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ الْجَاهِلُ- وَ يَتَثَبَّتَ الْعَالِمُ- وَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ فِي هَذِهِ الْهُدْنَةِ- أَمْرَ هَذِهِ‏ الْأُمَّةِ- وَ لَا تُؤْخَذَ بِأَكْظَامِهَا- فَتَعْجَلَ عَنْ تَبَيُّنِ الْحَقِّ- وَ تَنْقَادَ لِأَوَّلِ الْغَيِّ- إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ- مَنْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ- وَ إِنْ نَقَصَهُ وَ كَرَثَهُ مِنَ الْبَاطِلِ- وَ إِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةً وَ زَادَهُ- فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ- وَ مِنْ أَيْنَ أُتِيتُمْ- اسْتَعِدُّوا لِلْمَسِيرِ إِلَى قَوْمٍ حَيَارَى- عَنِ الْحَقِّ لَا يُبْصِرُونَهُ- وَ مُوزَعِينَ بِالْجَوْرِ لَا يَعْدِلُونَ بِهِ- جُفَاةٍ عَنِ الْكِتَابِ- نُكُبٍ عَنِ الطَّرِيقِ- مَا أَنْتُمْ بِوَثِيقَةٍ يُعْلَقُ بِهَا- وَ لَا زَوَافِرَ عِزٍّ يُعْتَصَمُ إِلَيْهَا- لَبِئْسَ حُشَّاشُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ- أُفٍّ لَكُمْ- لَقَدْ لَقِيتُ مِنْكُمْ بَرْحاً يَوْماً أُنَادِيكُمْ- وَ يَوْماً أُنَاجِيكُمْ- فَلَا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ النِّدَاءِ- وَ لَا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ النَّجَاءِ

أقول: هذا الفصل من كلام له بعد سماعه لأمر الحكمين و خدعة عمرو بن العاص لأبى موسى.

اللغة

كرثه الأمر. اشتدّ عليه. و أوزع له بكذا فهو موزع: إذا أغرى به. و نكّب بتشديد الكاف: جمع ناكب و هو العادل عن الطريق كباذل و بذّل. و زوافر الرجل: أنصاره و عشيرته. و الحشّاش: جمع حاشّ و هو موقد النار، و كذلك الحشاش بكسر الحاء و تخفيف الشين كنائم و نوّام و نيام، و قيل: هو ما يحشّ به النار: أى يوقد.
و البرح بسكون الراء: الشدّة و الأذى. يقال: لقيت منه برحا بارحا، و روى ترحا و هو الحزن.

المعنى

و هذا الفصل من أوله. إلى قوله: أولاهم به. جواب له عن شبهة التحكيم للخوارج عن أمره بالحرب بعد أن رضى بالتحكيم. و تقدير الشبهة أنّك رضيت بتحكيم رجلين في هذا الأمر و عاهدت على ذلك، و كلّ من رضى بأمر و عاهد عليه فليس له أن ينقض عهده. فقدح في صغرى هذه الشبهة بقوله: إنّا لم نحكّم الرجال:

أى لكونها رجالا، و إنّما حكّمنا القرآن لكن لمّا كان القرآن لابدّ له من ترجمان يبيّن مقاصده، و دعانا القوم إلى حكم القرآن و لم نكن نحن الفريق الكاره لكتاب اللّه، المتولّى عنه بعد أمره تعالى بالرجوع إليه و إلى رسوله في الكتاب و السنّة فيما اشتبه أمره بقوله «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ» الآية. فإذا حكم بالصدق عن علم بكتابه فنحن أحقّ الناس به: أى أولاهم باتّباعه و أولاهم بأن ينصّ على كون الأمر لنا كما في قوله تعالى «وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ». إلى قوله: «وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»«» و ظاهر كون اولئك بعد عقد الإمامة بغاة عليه فوجب بنصّ الكتاب قتالهم، و كذلك الآيات الدالّة على وجوب الوفاء بالعهود و العقود و كان هو أولى بالحقّ الّذى يجب قتالهم عليه فكان الحاكم لهم مخطئا مخالفا لكتاب اللّه غير عامل به فوجبت مخالفة حكمه، و إن حكم بسنّة رسول اللّه فنحن أولى الناس برسول اللّه للقرابة و للعمل بسنّته لموافقتها الكتاب و نصّه على وجوب متابعة الإمام العادل فكان الحاكم لغيره مخالفا للسنّة أيضا. فصارت خلاصة هذا الجواب أنّا لم نرض بتحكيم الرجلين و لكن بتقدير حكمهما بكتاب اللّه الّذى هما ترجمان عنه و هو الحاكم الّذي دعانا الخصم إليه و حيث خالفاه لم يجب علينا قبول قولهما.

و قوله: و أمّا قولكم. إلى قوله: لأوّل الغيّ. فتقدير سؤال آخر لهم مع جوابه، و ذلك أنّهم حين اتّفقوا على التحكيم كتبوا كتاب الصلح و ضربوا لحكم الحكمين أجلًا مدّة سنة، و صورة الكتاب: هذا ما تقاضى عليه علىّ بن ابي طالب و معاوية بن أبى سفيان قاضى علىّ بن أبي طالب على أهل العراق و من كان معه من شيعته من المؤمنين و المسلمين، و قاضى معاوية بن أبى سفيان على أهل الشام و من كان من شيعته من المؤمنين و المسلمين إنّما ننزل عند حكم اللّه تعالى و كتابه و لا يجمع بيننا إلا إيّاه، و إنّ كتاب اللّه سبحانه بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيى ما أحيى القرآن و نميت ما أمات القرآن. فإن وجد الحكمان ذلك في كتاب اللّه اتّبعاه، و إن لم يجداه أخذا بالسنّة العادلة غير المفرّقة،و الحكمان عبد اللّه و عمرو بن العاص، و قد أخذ الحكمان من علىّ و معاوية و من الجندين أنّهما آمنان على أنفسهما و أموالهما و الامّة لهما أنصار، و على الّذى يقضيان عليه و على المؤمنين و المسلمين من الطائفتين عهد اللّه أن يعمل بما يقضيان عليه ممّا وافق الكتاب و السنّة، و إنّ الأمن و الموادعة و وضع السلاح متّفق عليه بين الطائفتين إلى أن يقع الحكم، و على كلّ واحد من الحكمين عهد اللّه ليحكمنّ بين الأمّة بالحقّ لا بما يهوى، و أجل الموادعة سنة كاملة فإن أحبّ الحكمان أن يعجّلا الحكم عجّلاه، و إن توفّى أحدهما فلأمير شيعته أن يختار مكانه رجلا لا يألو الحقّ و العدل و إن توفّي أحد الأميرين كان نصب غيره إلى أصحابه ممّن يرتضون أمره و يحمدون طريقته. اللّهم إنّا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة و أراد فيها إلحادا و ظلما.

و شهد فيه من أصحاب علىّ عليه السّلام عشرة، و من أصحاب معاوية عشرة. فذلك معنى الأجل في التحكيم. و تقدير هذا السؤال إنّك حين رضيت بالتحكيم لم ضربت بينك و بينهم أجلا، و ما الحكمة في ذلك. فأجاب إنّما فعلت ذلك ليتبيّن الجاهل: أى في وجه الحقّ، و يتثبّت العالم: أى في أمره بحيث يخلص من الشبهة، و رجاء إصلاح هذه الامّة بهذا الصلح. و قوله: و لا تؤخذ بأكظامها فتعجل. إلى آخره. فعبّر بأخذ الكظم عن الأخذ بغتة و على غرّة، و هؤلاء القوم لمّا أخذوا لأوّل شبهة عرضت من رفع المصاحف و هو أوّل الغىّ و لم يتثبّتوا في أمرهم أشبهوا من اخذ بمجرى نفسه فلم يتمكّن من‏ الاستراحة إلى التنفيس فاستعير وصف الكظم لهم. و قوله: إنّ أفضل الناس. إلى قوله: و زاده. جذب إلى الحقّ و إن أدّى إلى الغاية المذكورة و تنفير عن الباطل و إن استلزم الغاية المذكورة بذكر الأفضليّة عند اللّه.

و قوله: من الباطل. متعلّق بأحبّ إليه.
و قوله: و إن نقصه و كرثه.
اعتراض بينهما. و الحكم في هذه القضيّة ظاهر الصدق. إذ كان ملازم الحقّ‏ أتقى الخلق، و الأتقى أفضل عند اللّه تعالى كما قال تعالى «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ»«». و قوله: فأين يتاه بكم يريد إلى أىّ غاية يكون هذا التيه الّذى أخذتم فيه، و فيه تنبيه على أنّ ذلك التيه فعل الغير بهم. و من أين اتيتم: أى من أىّ وجه دخلت عليكم الشبهة. و يشبه هذا السؤال تجاهل العارف. إذ كان يعلم وجه الداخل عليهم. ثمّ أعقب ذلك التعنيف لهم بالأمر بالمسير إلى أهل الشام. و وصفهم بالحيرة عن الحقّ و العمى عنه و الإغراء بالجور عن طريق اللّه بحيث لا مثل للجور عندهم، و بجفاوة الطباع عن فهم كتاب اللّه و نبوء الأفهام عنه و بعدولهم عن طريقه كلّ ذلك إغراء بهم.

و قوله: ما أنتم بوثيقة: أى بعروة وثيقة. إلى آخره و هو عتاب لهم و تضجّر منهم على قلّة طاعته. و قوله: يوما اناديكم. أى أدعوكم إلى النصرة و أستغيث بكم، و يوما اناجيكم: أى اعاتبكم و اجادلكم على تقصيركم. و قوله فلا أحرار صدق عند النداء. لأنّ الحرّ من شأنه إجابة الداعى و الوفاء بالوعد و لستم كذلك، و لا إخوان ثقة عند النجاء لأنّ أخا الثقة إذا زلّ و عوتب من أخيه انعتب، و إذا أحوج و اعتذر إليه رجع إلى صفاء الاخوّة لمكان وثاقتها و لستم من ذلك في شي‏ء. و باللّه التوفيق.

شرح نهج ‏البلاغة(ابن ‏ميثم بحرانی)، ج 3 ، صفحه‏ى 131

 

خطبه 122شرح ابن میثم بحرانی

 و من كلام له عليه السّلام في حث أصحابه على القتال

فَقَدِّمُوا الدَّارِعَ وَ أَخِّرُوا الْحَاسِرَ- وَ عَضُّوا عَلَى الْأَضْرَاسِ- فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ- وَ الْتَوُوا فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ فَإِنَّهُ أَمْوَرُ لِلْأَسِنَّةِ- وَ غُضُّوا الْأَبْصَارَ فَإِنَّهُ أَرْبَطُ لِلْجَأْشِ وَ أَسْكَنُ لِلْقُلُوبِ- وَ أَمِيتُوا الْأَصْوَاتَ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ- وَ رَايَتَكُمْ فَلَا تُمِيلُوهَا وَ لَا تُخِلُّوهَا- وَ لَا تَجْعَلُوهَا إِلَّا بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ- وَ الْمَانِعِينَ الذِّمَارَ مِنْكُمْ- فَإِنَّ الصَّابِرِينَ عَلَى نُزُولِ الْحَقَائِقِ- هُمُ الَّذِينَ يَحُفُّونَ بِرَايَاتِهِمْ- وَ يَكْتَنِفُونَهَا حِفَافَيْهَا وَ وَرَاءَهَا وَ أَمَامَهَا- لَا يَتَأَخَّرُونَ عَنْهَا فَيُسْلِمُوهَا- وَ لَا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهَا فَيُفْرِدُوهَا أَجْزَأَ امْرُؤٌ قِرْنَهُ وَ آسَى أَخَاهُ بِنَفْسِهِ- وَ لَمْ يَكِلْ قِرْنَهُ إِلَى أَخِيهِ- فَيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ قِرْنُهُ وَ قِرْنُ أَخِيهِ- وَ ايْمُ اللَّهِ لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سَيْفِ الْعَاجِلَةِ- لَا تَسْلَمُوا مِنْ‏ سَيْفِ الْآخِرَةِ- وَ أَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ وَ السَّنَامُ الْأَعْظَمُ- إِنَّ فِي الْفِرَارِ مَوْجِدَةَ اللَّهِ وَ الذُّلَّ اللَّازِمَ وَ الْعَارَ الْبَاقِيَ- وَ إِنَّ الْفَارَّ لَغَيْرُ مَزِيدٍ فِي عُمُرِهِ- وَ لَا مَحْجُوزٍ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ يَوْمِهِ- الرَّائِحُ إِلَى اللَّهِ كَالظَّمْآنِ يَرِدُ الْمَاءَ- الْجَنَّةُ تَحْتَ أَطْرَافِ الْعَوَالِي- الْيَوْمَ تُبْلَى الْأَخْبَارُ- وَ اللَّهِ لَأَنَا أَشْوَقُ إِلَى لِقَائِهِمْ مِنْهُمْ إِلَى دِيَارِهِمْ- اللَّهُمَّ فَإِنْ رَدُّوا الْحَقَّ فَافْضُضْ جَمَاعَتَهُمْ- وَ شَتِّتْ كَلِمَتَهُمْ وَ أَبْسِلْهُمْ بِخَطَايَاهُمْ إِنَّهُمْ لَنْ يَزُولُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ- دُونَ طَعْنٍ دِرَاكٍ يَخْرُجُ مِنْهُ النَّسِيمُ- وَ ضَرْبٍ يَفْلِقُ الْهَامَ وَ يُطِيحُ الْعِظَامَ- وَ يُنْدِرُ السَّوَاعِدَ وَ الْأَقْدَامَ- وَ حَتَّى يُرْمَوْا بِالْمَنَاسِرِ تَتْبَعُهَا الْمَنَاسِرُ- وَ يُرْجَمُوا بِالْكَتَائِبِ تَقْفُوهَا الْحَلَائِبُ- وَ حَتَّى يُجَرَّ بِبِلَادِهِمُ الْخَمِيسُ يَتْلُوهُ الْخَمِيسُ- وَ حَتَّى تَدْعَقَ الْخُيُولُ فِي نَوَاحِرِ أَرْضِهِمْ- وَ بِأَعْنَانِ مَسَارِبِهِمْ وَ مَسَارِحِهِمْ قال الشريف: أقول: الدعق: الدق، أى: تدق الخيول بحوافرها أرضهم، و نواحر أرضهم: متقابلاتها، يقال: منازل بنى فلان تتناحر، أى: تتقابل أقول: هذا الكلام. قاله بصفّين.

اللغة

أمور: أشدّ حركة و نفوذا. و الجأش: روعة القلب و اضطرابه عند الخوف. و الذمار: ما وراء الرجل ممّا يجب عليه حمايته، و حفافا الشي‏ء: جانباه. و لهاميم العرب: أجوادهم. و الموجدة: الغضب. و أبسلهم: أسلمهم للهلكة. و العوالى: جمع عالية: الرمح، و هو ما دخل منه إلى ثلثه. و النسيم: النفس. و المنسر: القطعة من الجيش، و كذلك الخميس: الجيش. و النواحر: جمع نحيرة و هى آخر ليلة من‏ الشهر مع يومها كأنّها تنحر الشهر المستقبل فيكون مراده بنواحر أرضهم أقاصيها. و أعنان مساربهم: أقطارها و ما اعترض منها. و مساربهم: مراعيهم واحدتها مسربة و هكذا مسارحهم: واحدتها مسرحة.

المعنى

و قد أمرهم بأوامر في مصلحة الحرب و كيفيّتها و نهاهم مناهى: فأوّلها:

الأمر بتقديم الدارع و تأخير الحاسر. و المصلحة فيه ظاهرة.

الثاني: العضّ على الأضراس. و حكمته ما سبق في قوله: معاشر المسلمين استشعروا الخشية، و في قوله لابنه محمّد بن الحنفيّة: تزول الجبال و لا تزل، و قد كرّره هنا أيضا.

الثالث: الالتواء في أطراف الرماح. و علّته ما ذكر، و هو أنّه إذا التوى الإنسان مع الرمح حال إرساله كان الرمى به أشدّ، و ذلك لحركة صدر الإنسان بعد التوائه مع حركة يده حين الإرسال فكانت حركته أشدّ و أقوى نفوذا.

الرابع: غضّ الأبصار. و فائدته ما ذكر من كونه أربط لاضطراب القلب و أسكن، و ضدّ ذلك مدّ البصر إلى القوم فإنّه مظنّة الخوف و الفشل و علامة لهما عند العدوّ.

الخامس: إماتة الأصوات. و فائدته أيضا طرد الفشل، إذ كانت كثرة اللغط (اللفظ خ) و الصياخ علامة لخوف الصائخ، و ذلك مستلزم لطمع العدوّ فيه و جرئته عليه.

السادس: قوله: و رايتكم فلا تميلوها. فإنّ إمالتها ممّا يظنّ به العدوّ تشويشا و اضطراب حال فيطمع و يقدم، و لأنّها إذا اميلت تغيب عن عيون الجيش فربّما لا يهتدى كثير منهم للوجه المطلوب.

السابع: و لا تخلّوها. و سيفسّر هو التخلية.

الثامن: لا تجعلوها. إلى قوله: منكم. و ذلك أنّها أصل نظام العسكر و عليها يدور و بها يقوى قلوبهم ما دامت قائمة فيجب في ترتيب الحرب أن يكون حاملها أشجع القوم. و قوله: فإنّ الصابرين. إلى قوله: فيفردوها. تخصيص لمن يحفظ الراية و يحفّها بوصف الصبر على نزول الحقائق: أى الشدائد الحقّة المتيقّنة الّتى‏ لا شكّ في نزولها، كى يسارعوا إلى حفظها و الإحاطة بها رغبة في تلك المحمدة، و بيّن بقوله: لا يتأخّرون عنها. إلى قوله: فيفردوها. معنى التخلية الّتى نهاهم عنها، و قوله: فيسلموها و يفردوها. نصب الفعلان بإضمار أن عقيب الفاء في جواب النفى.

التاسع: قوله: أجزء امرؤ قرنه. العاشر: آسى أخاه بنفسه فعلان ماضيان في معنى الامر، و التقدير و ليجزى امرؤ قرنه و هو خصمه و كفوه في الحرب: أى لتقاومه و ليواس أخاه بنفسه في الذبّ عنه و لا يفرّ من قرنه اعتمادا على أخيه في دفعه فيجتمع على أخيه قرنه و قرن أخيه. ثم ذكّرهم عدم الفائدة في الفرار. إذ كانت غاية الفرار السلامة من الموت و هو لا بدّ منه كقوله تعالى قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَ إِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا«» و استعار لفظ سيف الآخرة للموت. و وجه المشابهة كونهما مبطلين للحياة. و إنّما كان سيف الآخرة لأنّها غايته. ثمّ مدحهم بأوصاف يستقبح معها الفرار، و هى كونهم أجود العرب و السنام الأعظم، و استعار لهم لفظ السنام لمشاركتهم إيّاه في العلوّ و الرفعة. ثمّ أكّد تقبيح الفرار بذكر معايبه، و أنّه لا فائدة فيه أيضا: أمّا معايبه فكونه يستلزم غضب اللّه فإنّ الفارّ من الجهاد في سبيله عاص لأمره و العاصى له مستحقّ لغضبه و عقابه. ثمّ كونه مستلزما للذّل اللازم و العار الباقى في الأعقاب و هو ظاهر، و أمّا أنّه لا فائدة فيه فلأنّ الفارّ لا يزاد في عمره لفراره. إذ علمنا أنّه بفراره لم يبلغ إلّا أجله المكتوب له فكان بقائه في مدّة الفرار من عمره لازيادة فيه و إنّ له يوما في القضاء الإلهىّ لا يحجز بينه و بينه فرار. و فيه تخويف بالموت.

و قوله: رائح إلى اللّه كالظمآن يرد الماء. استفهام عمّن يسلك سبيل اللّه و يروح إليه كما يروح الظمآن استفهاما على سبيل العرض لذلك الرواح، و وجه الشبه القوّة في السير و السعى الحثيث، و أشار بقوله: الجنّة تحت أطراف العوالى. إلى أنّ مطلوبه الرواح إلى اللّه بالجهاد و جذب إليه بذكر الجنّة، و خصّها بجهة تحت لأنّ دخول الجنّة غاية من الحركات بالرماح في سبيل اللّه و تلك الحركات‏ إنّما هي تحت العوالى، و قد أطلق لفظ الجنّة على تلك الأفعال الّتى هى غاية منها مجازا تسمية باسم غايته. ثمّ أعقب ذلك بدعاء اللّه على محاربيه إن ردّوا دعوته الحقّ بالتفريق و الإهلاك. ثمّ حكم بأنّهم لن يزولوا عن مواقفهم دون ما ذكر حكما على سبيل التهديد و الوعيد لهم. و الطعن الدراك: المتدارك. و كنّى بخروج النسيم منه عن كونه بخرق الجوف و الأمعاء بحيث يتنفّس المطعون من الطعنة، و روى النسم، و روى القشم بالقاف و الشين المعجمة و هو اللحم و الشحم و هو بعيد. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 3 ، صفحه‏ى 123