خطبه 189 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي الْفَلَوَاتِ- وَ مَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ- وَ اخْتِلَافَ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ- وَ تَلَاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّيَاحِ الْعَاصِفَاتِ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً نَجِيبُ اللَّهِ- وَ سَفِيرُ وَحْيِهِ وَ رَسُولُ رَحْمَتِهِ‏ أَمَّا بَعْدُ- فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ- وَ إِلَيْهِ يَكُونُ مَعَادُكُمْ وَ بِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ- وَ إِلَيْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِكُمْ وَ نَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُمْ- وَ إِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُمْ- فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ- وَ بَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ وَ شِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ- وَ صَلَاحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ- وَ طُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ وَ جِلَاءُ غِشَاءِ أَبْصَارِكُمْ- وَ أَمْنُ فَزَعِ جَأْشِكُمْ وَ ضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ فَاجْعَلُوا طَاعَةَ اللَّهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِكُمْ- وَ دَخِيلًا دُونَ شِعَارِكُمْ وَ لَطِيفاً بَيْنَ أَضْلَاعِكُمْ- وَ أَمِيراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ وَ مَنْهَلًا لِحِينِ وُرُودِكُمْ- وَ شَفِيعاً لِدَرَكِ طَلِبَتِكُمْ وَ جُنَّةً لِيَوْمِ فَزَعِكُمْ- وَ مَصَابِيحَ لِبُطُونِ قُبُورِكُمْ- وَ سَكَناً لِطُولِ وَحْشَتِكُمْ وَ نَفَساً لِكَرْبِ مَوَاطِنِكُمْ- فَإِنَّ طَاعَةَ اللَّهِ حِرْزٌ مِنْ مَتَالِفَ مُكْتَنِفَةٍ- وَ مَخَاوِفَ مُتَوَقَّعَةٍ وَ أُوَارِ نِيرَانٍ مُوقَدَةٍ- فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوِّهَا- وَ احْلَوْلَتْ لَهُ الْأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا- وَ انْفَرَجَتْ عَنْهُ الْأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاكُمِهَا- وَ أَسْهَلَتْ لَهُ الصِّعَابُ بَعْدَ إِنْصَابِهَا- وَ هَطَلَتْ عَلَيْهِ الْكَرَامَةُ بَعْدَ قُحُوطِهَا- . وَ تَحَدَّبَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورِهَا- وَ تَفَجَّرَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا- وَ وَبَلَتْ عَلَيْهِ الْبَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا- فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي نَفَعَكُمْ بِمَوْعِظَتِهِ- وَ وَعَظَكُمْ بِرِسَالَتِهِ وَ امْتَنَّ عَلَيْكُمْ بِنِعْمَتِهِ-

فَعَبِّدُوا أَنْفُسَكُمْ لِعِبَادَتِهِ- وَ اخْرُجُوا إِلَيْهِ مِنْ حَقِّ طَاعَتِهِ ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْإِسْلَامَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ- وَ اصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ وَ أَصْفَاهُ خِيَرَةَ خَلْقِهِ- وَ أَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ- أَذَلَّ الْأَدْيَانَ بِعِزَّتِهِ وَ وَضَعَ الْمِلَلَ بِرَفْعِهِ- وَ أَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِكَرَامَتِهِ وَ خَذَلَ مُحَادِّيهِ بِنَصْرِهِ- وَ هَدَمَ أَرْكَانَ الضَّلَالَةِ بِرُكْنِهِ- وَ سَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِيَاضِهِ- وَ أَتْأَقَ الْحِيَاضَ لِمَوَاتِحِهِ- ثُمَّ جَعَلَهُ لَا انْفِصَامَ لِعُرْوَتِهِ وَ لَا فَكَّ لِحَلْقَتِهِ- وَ لَا انْهِدَامَ لِأَسَاسِهِ وَ لَا زَوَالَ لِدَعَائِمِهِ- وَ لَا انْقِلَاعَ لِشَجَرَتِهِ وَ لَا انْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ- وَ لَا عَفَاءَ لِشَرَائِعِهِ وَ لَا جَذَّ لِفُرُوعِهِ وَ لَا ضَنْكَ لِطُرُقِهِ- وَ لَا وُعُوثَةَ لِسُهُولَتِهِ وَ لَا سَوَادَ لِوَضَحِهِ- وَ لَا عِوَجَ لِانْتِصَابِهِ وَ لَا عَصَلَ فِي عُودِهِ- وَ لَا وَعَثَ لِفَجِّهِ وَ لَا انْطِفَاءَ لِمَصَابِيحِهِ- وَ لَا مَرَارَةَ لِحَلَاوَتِهِ- فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاخَ فِي الْحَقِّ أَسْنَاخَهَا- وَ ثَبَّتَ لَهَا آسَاسَهَا وَ يَنَابِيعُ غَزُرَتْ عُيُونُهَا- وَ مَصَابِيحُ شَبَّتْ نِيرَانُهَا- وَ مَنَارٌ اقْتَدَى بِهَا سُفَّارُهَا وَ أَعْلَامٌ قُصِدَ بِهَا فِجَاجُهَا- وَ مَنَاهِلُ رَوِيَ بِهَا وُرَّادُهَا- .

جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مُنْتَهَى رِضْوَانِهِ- وَ ذِرْوَةَ دَعَائِمِهِ وَ سَنَامَ طَاعَتِهِ- فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ وَثِيقُ الْأَرْكَانِ رَفِيعُ الْبُنْيَانِ- مُنِيرُ الْبُرْهَانِ مُضِي‏ءُ النِّيرَانِ- عَزِيزُ السُّلْطَانِ مُشْرِفُ الْمَنَارِ مُعْوِذُ الْمَثَارِ- فَشَرِّفُوهُ وَ اتَّبِعُوهُ وَ أَدُّوا إِلَيْهِ حَقَّهُ وَ ضَعُوهُ مَوَاضِيعَهُ‏ ثُمِّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً ص بِالْحَقِّ- حِينَ دَنَا مِنَ الدُّنْيَا الِانْقِطَاعُ وَ أَقْبَلَ مِنَ الْآخِرَةِ الِاطِّلَاعُ- وَ أَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقٍ وَ قَامَتْ بِأَهْلِهَا عَلَى سَاقٍ- وَ خَشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ وَ أَزِفَ مِنْهَا قِيَادٌ- فِي انْقِطَاعٍ مِنْ مُدَّتِهَا وَ اقْتِرَابٍ مِنْ أَشْرَاطِهَا- وَ تَصَرُّمٍ مِنْ أَهْلِهَا وَ انْفِصَامٍ مِنْ حَلْقَتِهَا- وَ انْتِشَارٍ مِنْ سَبَبِهَا وَ عَفَاءٍ مِنْ أَعْلَامِهَا- وَ تَكَشُّفٍ مِنْ عَوْرَاتِهَا وَ قِصَرٍ مِنْ طُولِهَا- جَعَلَهُ اللَّهُ بَلَاغاً لِرِسَالَتِهِ وَ كَرَامَةً لِأُمَّتِهِ- وَ رَبِيعاً لِأَهْلِ زَمَانِهِ وَ رِفْعَةً لِأَعْوَانِهِ وَ شَرَفاً لِأَنْصَارِهِ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ نُوراً لَا تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ- وَ سِرَاجاً لَا يَخْبُو تَوَقُّدُهُ وَ بَحْراً لَا يُدْرَكُ قَعْرُهُ- وَ مِنْهَاجاً لَا يُضِلُّ نَهْجُهُ وَ شُعَاعاً لَا يُظْلِمُ ضَوْءُهُ- وَ فُرْقَاناً لَا يُخْمَدُ بُرْهَانُهُ وَ تِبْيَاناً لَا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ- وَ شِفَاءً لَا تُخْشَى أَسْقَامُهُ وَ عِزّاً لَا تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ وَ حَقّاً لَا تُخْذَلُ أَعْوَانُهُ- فَهُوَ مَعْدِنُ الْإِيمَانِ وَ بُحْبُوحَتُهُ وَ يَنَابِيعُ الْعِلْمِ وَ بُحُورُهُ- وَ رِيَاضُ الْعَدْلِ وَ غُدْرَانُهُ وَ أَثَافِيُّ الْإِسْلَامِ وَ بُنْيَانُهُ- وَ أَوْدِيَةُ الْحَقِّ وَ غِيطَانُهُ وَ بَحْرٌ لَا يَنْزِفُهُ الْمُسْتَنْزِفُونَ- وَ عُيُونٌ لَا يُنْضِبُهَا الْمَاتِحُونَ- وَ مَنَاهِلُ لَا يَغِيضُهَا الْوَارِدُونَ- وَ مَنَازِلُ لَا يَضِلُّ نَهْجَهَا الْمُسَافِرُونَ- وَ أَعْلَامٌ لَا يَعْمَى عَنْهَا السَّائِرُونَ- وَ آكَامٌ لَا يَجُوزُ عَنْهَا الْقَاصِدُونَ جَعَلَهُ‏

اللَّهُ رِيّاً لِعَطَشِ الْعُلَمَاءِ وَ رَبِيعاً لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ- وَ مَحَاجَّ لِطُرُقِ الصُّلَحَاءِ وَ دَوَاءً لَيْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ- وَ نُوراً لَيْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ وَ حَبْلًا وَثِيقاً عُرْوَتُهُ- وَ مَعْقِلًا مَنِيعاً ذِرْوَتُهُ وَ عِزّاً لِمَنْ تَوَلَّاهُ- وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَ هُدًى لِمَنِ ائْتَمَّ بِهِ- وَ عُذْراً لِمَنِ انْتَحَلَهُ وَ بُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ- وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ وَ فَلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ- وَ حَامِلًا لِمَنْ حَمَلَهُ وَ مَطِيَّةً لِمَنْ أَعْمَلَهُ- وَ آيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَ جُنَّةً لِمَنِ اسْتَلْأَمَ- وَ عِلْماً لِمَنْ وَعَى وَ حَدِيثاً لِمَنْ رَوَى وَ حُكْماً لِمَنْ قَضَى

اللغة

أقول: العجيج: رفع الصوت،

و النينان: جمع نون و هو الحوت.

و الجأش: القلب.

و الاوار: حرّ النار.

و الشمس عزبت: غابت.

و إنصابها: إتعابها.

و تحدّبت: عطفت و حنّت.

و الرذاذ: ضعيف المطر.

و عبّدوا: ذلّلوا.

و المحادّ: المشاقّ.

و أثاق الحياض: ملأها.

و المواتح: المستقون.

و الوعوثة: كثرة في سهولة توجب صعوبة المشى كما في الرمل.

و الوضح: البياض.

و العوج: بالفتح فيما له ساق ينتصب كالنخلة، و بالكسر فيما ليس كذلك كالطريق.

و العصل. الاعوجاج.

و ساخ: غاص. و السنخ: الأصل.

و أزف: دنا و بحبوحة الدار: وسطها.

و الغيطان: المواضع المطمئنّة من الأرض.

و المحاجّ: جمع محجّة و هى جادّة الطريق.

و المعقل: الملجأ.

و الفلج: الفوز.

و المتوسّم: المتفرّس.

و استلأم: لبس لامة الحرب و هي الدرع.

المعنى

و صدر الفصل تنبيه على إحاطة علمه بجزئيّات الموجودات على اختلافها و كثرتها
و نبّه بعجيج الوحوش على أنّه تعالى يعلمها حين يجأر إليه من جدب الأرض و قلّة العشب فكأنّها تضرّع إليه بالعجيج ليكون الإنسان أولى بذلك النزع [الفزع- خ- ] إليه، و بعلمه بمعاصى العباد في الخلوات تنفيرا عنها في الخلوة الّتي‏ هي مظنّتها، و اختلاف النينان بالمجى‏ء و الذهاب و قطع البحار طولا و عرضا. ثمّ عقّب بشهادة الرسالة. ثم بالوصيّة بتقوى اللّه، و قرنها باعتبارات من صفاته تعالى توجب الفزع إليه و هى كونه سبحانه مبدءا لخلقهم و منتهى لمعادهم الحسّى و العقلىّ كقوله تعالى «وَ هُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» و قد نبّهنا عليه مرارا، و أنّ به نجاح طلباتهم، و إليه منتهى رغباتهم، و نحوه قصدهم و سلوكهم فإنّه تعالى غاية الكلّ، و إليه مرامى مفزعهم يقال: فلان مرمى قصدى: أى إليه مفزعى في المهمّات، و نحوه قوله تعالى «إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ».
ثمّ باعتبارات من صفة التقوى توجب الفزع إليها.
(ا) و هى كونها دواء داء قلوبكم، و قد عرفت كونها دواء لأدواء الرذائل النفسانيّة الموبقة. (ب) و بصر عمى أفئدتكم: أى أبصار أفئدتكم من عمى الجهل. (ج) و شفاء مرض أجسادكم، و ذلك أنّ التقوى تستلزم قلّة الأكل و الشرب و استعمالهما بقدر الحاجة كما قال في صفات المتّقين: منزورا أكله. و قد علمت ما تحدث البطنة من الأمراض البدنيّة، و لذلك قال عليه السّلام: المعدة بيت الأدواء. (د) و صلاح فساد صدوركم: أى من الغلّ و الحسد و الخبث و النيّات المخالفة لأوامر اللّه. فإنّ التقوى تستلزم نفى ذلك كلّه. و صلاح الصدور منه لأنّ مبادى تلك الشرور كلّها محبّة الدنيا و باطلها، و المتّقون بمعزل عن ذلك. (ه) و كذلك طهور دنس أنفسكم: أى من نجاسات الرذائل المهلكة و هو كقوله: دواء قلوبكم. لكن اعتبار كونها دواء يخالف اعتبار كونها طهورا إذ في الأوّل ملاحظة كون الرذائل أمراضا ضارّا تؤدّى إلى الهلاك السرمدى، و في الثاني اعتبار كونها نجاسات تمنع من دخول حظيرة القدس و مقعد الصدق. (و) و جلاء عشا أبصاركم، و فيه استعارة لفظ العشا لما يعرض عن ظلمة الجهل، و سائر الرذائل من عدم إدراك الحقائق، و يروى غشاء بالغين المعجمة و هو الظلمة المتوهّمة من الجهل الّتى هى حجاب الغفلة، و بهذا الاعتبار ففى التقوى جلاء لتلك الظلمة لما تستلزمه من إعداد النفس للكمال، و كونها نفسها هى الجلاء مجاز إطلاقا لاسم المسبّب على السبب. (ز) و أمن فزع جأشكم. إذ قد علمت أنّ بها الأمان من عذاب الآخرة، و قد يكون بها الأمان من فزع الدنيا. لأنّ أكبر مخاوف الدنيا الموت و ما يؤدّى إليه، و المتّقون العارفون بمعزل عن تقيّة الموت بل عسى يكون محبوبا لهم لكونه وسيلة لهم إلى اللقاء الخالص لمحبوبهم الأقصى، و إليه الإشارة بقوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ»«» دلّت الآية على أنّ الصادق في دعوى الولاية يتمنّى الموت، و كذلك قوله تعالى «قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ»«». (ح) ضياء سواد ظلمكم، و استعار لفظ الظلمة للجهل و تغطية القلب، و رشّح بذكر السواد لاستلزام الظلمة السواد، و هو كقوله: و جلاء عشا أبصاركم، و راعى في هذه القرائن كلّها المضادّة.

ثمّ أكّد الوصيّة بطاعة اللّه تعالى بآداب:
أحدها: أن يجعلوها شعارهم
و كنّى بذلك عن ملازمتهم لها كما يلزم الشعار الجسد. ثمّ عن كونها في الباطن دون الظاهر لقلّة فايدته و هو المشار إليه بقوله.
دون دثاركم.

الثاني: أكّد أمرهم بإبطانهم
بأمرهم باتّخاذها دخيلا تحت الشعار لإمكان ذلك فيها دون الشعار المحسوس. ثمّ فسّر ذلك فقال: و لطيفا بين أضلاعكم. و كنّى بلطفها عن اعتقادها و عقليتها و يكون بين أضلاعهم عن إيداعها القلوب.

الثالث: أن يجعلوها أميرا
و استعار لها لفظ الأمير باعتبار إكرامهم لها و تقديمها على سائر مهمّاتهم.

الرابع: أن يجعلوها منهلا لحين ورودهم
أي يوم القيامة، و استعار لفظ المنهل لها، و وجه المشابهة أنّ التقوى و الطاعة للّه مظنّة التروّى من شراب الأبرار يوم القيامة كما أنّ موارد الإبل مظنّة ريّها.

الخامس: أن يجعلوها شفيعا إلى اللّه و وسيلة إلى مطالبهم منه
و ظاهر كون المطيع يستعدّ بطاعته لدرك بغيته من اللّه تعالى، و لفظ الشفيع مستعار للوسيلة و القربة.

السادس: و جنّة ليوم فزعهم
و ظاهر كون الطاعة ساترا يوم القيامة من الفزع الأكبر من عذاب اللّه.

السابع: و مصابيح لبطون قبورهم
و قد عرفت كيفيّة إعداد الطاعة لقبول الأنفس الأنوار العلويّة و الأسرار الإلهيّة المخلّصة من ظلمة القبور و العذاب الاخروىّ. و في الخبر: أنّ العمل الصالح يضي‏ء قبر صاحبه كما يضي‏ء المصباح الظلمة.
و استعار لها لفظ المصابيح لاستلزامها الإنارة.

الثامن: و كذلك سكنا لطول الوحشة في القبور تستأنس به النفوس
كما روى: أنّ العمل الصالح و الخلق الفاضل يراه صاحبه بعد الموت في صورة شابّ حسن الصورة و الثياب طيّب الريح فيسلّم عليه فيقول له: من أنت فيقول: أنا خلقك الحسن أو عملك الحسن. و حاصله يعود إلى كون الطاعة سببا للاستيناس من وحشة الآخرة، و ذلك أنّ الوحشة إنّما تعرض في المكان لمن كان غافلا عنه و غير متوقّع له و لا متهيّى‏ء للانتقال إليه و مطمئنّا بوطنه الأوّل و بأهله و جاعلهم كلّ الانس.

فأمّا أهل الطاعة فإنّهم أبدا متفكّرون فيما ينتقلون إليه و متذكّرون له واثقون بانس ربّهم و ملتفتون إليه. فانسهم أبدا به و فرحهم دائما بلقائه، و اعتقادهم في الدنيا: أنّهم لأهلها بأبدانهم مجاورون. فمنهم يهربون و إلى العزلة ينقطعون. فبالحرىّ أن لا تعرض لهم وحشة و أن تكون أعمالهم سببا لعدم الوحشة الّتي عساها تعرض لهم، و لمّا كان الإنسان في الدنيا لا يتصوّر ما بعد الموت بالحقيقة لا جرم لا بدّ له من وحشة ما إلّا أنّ الأنوار الإلهيّة و الانس بالرفيق الأعلى مزيل لها.

التاسع: و كذلك و نفسا لكرب مواطنكم
أى سعة و روحا لما يعرض من‏ كرب منازل الآخرة و أهوالها.

العاشر: كونها حرزا من متالف مكتنفة
و تلك المتالف هى الرذائل الموبقة الّتي هي محالّ الهلاك و التلف. و اكتنافها إحاطتها بالنفس بحيث لا يكفّها إلّا طاعة اللّه و سلوك سبيله، و المخاوف المتوقّعة مخاوف الآخرة و حرّ نيرانها.

الحادى عشر: كون التقوى مستلزمة لبعد الشدائد عن المتّقى بعد دنوّها منه
و كثيرا ما يعبّر بالتقوى عن الطاعة و إن كانت أخصّ في بعض المواضع. أمّا في بعد شدائد الآخرة فظاهر، و أمّا في الدنيا فلأنّ المتّقين هم أسلم الناس من شرور الناس لبعدهم عن مخالطاتهم و مجاذباتهم لمتاع الدنيا، و بغضهم لها. إذ كانت محبّتها و الحرص عليها منبعا لجميع الشرور و الشدائد.

الثاني عشر: كونها مستلزمة لحلاوة الامور بعد مرارتها
أمّا امور الآخرة فكالتكليف الوارد عليهم لها بالعبادات، و ظاهر أنّها عند المتّقين أحلى و ألذّ من كلّ شي‏ء بعد مرارتها في ذوقهم في مبدء سلوكهم و ثقلها عليهم و على غيرهم من الجاهلين، و أمّا المرّ من امور الدنيا فكالفقر و العرى و الجوع، و كلّ ذلك شعار المتّقين، و هو أحلى في نفوسهم و آثر من كلّ شعار و إن كان مرّا في ذوقهم في مبدء السلوك و قبل وصولهم إلى ثمرات التقوى.

الثالث عشر: و انفراج الأمواج عنه بعد تراكمها
و استعار لفظ الأمواج للهيئات البدنيّة الرديئة و ملكات السوء الّتى إذا تكاثفت و توالت على النفس أغرقتها في بحار عذاب اللّه. و ظاهر كون لزوم التقوى سببا ينفرج باستعداد النفوس به عنها تلك الهيئات و ينمحي من لوحها و إن كثرت.

الرابع عشر: كون لزومها سببا لتسهيل صعاب الأمور على النفس بعد إتعابها لها و ذلك أنّ المتّقين عند ملاحظة غايتهم من نفوسهم يسهل عليهم كلّ صعب من أمور الدنيا ممّا يشتدّ على غيرهم كالفقر و المرض و كلّ شديد، و كذلك يسهل عليهم كلّ صعب من مطالب الآخرة بعد إتعاب تلك المطالب لهم قبل تصوّرها التامّ في أوّل التكليف.

الخامس عشر: كونه سببا لهطل الكرامة عليهم
و الكرامة تعود إلى الكمالات النفسانيّة الباقية و الالتذاذ بها. و لاحظ في إفاضتها عليهم مشابهتها بالغيث فاستعار لها لفظ الهطل و أسنده إليها، و كذلك لفظ القحوط، و كنّى به عن منعهم إيّاها قبل استعدادهم بالتقوى لها.

السادس عشر: كونه سببا لتعطف الرحمة الإلهيّة بإفاضة الكمالات عليهم بعد نفورها عنهم لعدم الاستعداد أيضا، و لفظ التحدّب مستعار للإرادة أو لأثر الرحمة، و كذلك لفظ النفور لعدم أثرها في حقّهم قبل ذلك.

السابع عشر: كونه سببا لتفجّر النعم بعد نضوبها
و لفظ التفجّر مستعار لانتشار وجوه إفاضات النعم الدنيويّة و الاخرويّة كما قال تعالى «وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ»«» و كذلك لفظ النضوب لعدمها قبل الاستعداد لها ملاحظة لشبه النعم بالماء في الاستعارتين.

الثامن عشر: كونه سببا لوبل البركة بعد رذاذها
و لفظ الوبل مستعار للفيض الكثير من البركة بعد الاستعداد بالتقوى، و لفظ الرذاذ للقليل قبل ذلك الاستعداد ملاحظة لشبهها بالغيث أيضا، و ظاهر كون التقوى سببا لمزيد الفيض على كلّ من كان له بعض الكمالات كمن يستعدّ بالعلوم دون الزهد و العبادة ثمّ يسلك بهما.
ثمّ بعد الفراغ من فضائلها و الترغيب فيها من تلك الجهة أعاد الأمر بها و رغّت فيها باعتبارات اخر من إنعام المنعم، و هي كونه تعالى نافعا لهم بموعظته: أى جاذبا لهم إلى جنّته، مرغّبا لهم في كرامته، و واعظا لهم برسالته إليهم، و ممتّنا عليهم بنعمته كقوله تعالى «وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» في غير موضع من كتابه. ثمّ أمرهم بتعبيد أنفسهم و تذليلها لعبادته و الخروج إليه من حقّه الّذي يطلبه منهم و هو طاعته.

ثمّ ذكر الإسلام و فضائله مرغّبا فيه
و هو كالتفسير لطاعته و عبادته فكأنّه قال: و اخرجوا إليه من حقّ طاعته الّذي هو الإسلام فإنّه ذكر له فضائل:

(ا) كونه اصطفاه لنفسه: أى طريقا إلى معرفته و نيل ثوابه.

(ب) كونه اصطنعه على عينه و هي كلمة يقال لما يهتمّ به و كأنّه للصنعة الّتي يختارها من عملت له و يشاهدها بعينه. و لفظ العين مجاز في العلم. و على تفيد الحال: أى على علم منه بشرفه و فضيلته و وجه الحكمة فيه، و نحو قوله تعالى «وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ عَيْنِي».

(ج) و اصطفاه خير خلقه: أى اصطفى للبعثة به و إليه خير خلقه محمّد و آله.

(د) و أقام دعائمه على محبّته. و لفظ الدعائم مستعار إمّا لأهل الإسلام أو لأركانه. و وجه المشابهة قيامه بها في الوجود كقيام الشي‏ء المدعوم بدعائمه، و كلمة على للحال، و الضمير في محبّته للإسلام: أى أقام دعائمه حال المحبّة له، و قيل بل اللّه كما تقول طبع اللّه قلبي على محبّته.

(ه) أذلّ الأديان بعزّه. و ذلّة الأديان تعود إلى عدم الالتفات إليها فيكون مجازا من باب إطلاق اسم السبب على المسبّب، أو ذلّة أهلها. فيكون من باب حذف المضاف. و ظاهر أنّ عزّ الإسلام سبب للأمرين.

(و) و كذلك إطلاق وضع الملل برفعه.

(ز) و كذلك إهانة أعدائه و هم المشركون و المكذّبون له من الملل السابقة إهانتهم بالقتل و أخذ الجزية و الصغار لهم، و كرامته إجلاله و أجلال أهله و تعظيمهم في النفوس.

(ح) و خذل محادّيه بنصره: أى بنصر أهله و في القرائن الأربع التضادّ: فالعزّ للذلّ، و الرفع للوضع، و الكرامة للإهانة، و النصر للخذلان.

(ط) و هدم أركان الضلالة بركنه و قوّته، و أركان الضلالة تعود إلى العقائد المضلّة في الجاهليّة و إلى أهل الضلالة و هو مستعار. و وجه الاستعارة قيام الضلالة بتلك العقائد أو بأهلها كقيام ذى الأركان بها و كذلك لفظ الهدم لزوال الضلالة بقوّة الإسلام و أهله.

(ى) و سقى من عطش من حياضه. فاستعار السقى لإفاضة علوم الدين على‏ على نفوسهم و كمالها بها، و لفظ العطش لما كانوا عليه من الجهل البسيط و عدم العلم و كذلك استعار لفظ الحياض لعلماء الإسلام الّذين هم أوعيته و حياضه الّتي ترده العطاش من العلوم و الحكمة الدينيّة.

(يا) و أثاق الحياض لمواتحه، و استعار لفظ المواتح إمّا للأئمّة من القرن الأوّل الاخذين للإسلام من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم الّذي هو الينبوع، أو لأفكار العلماء و سؤالاتهم و بحثهم عن الدين و أحكامه و استفادتهم بها، و وجه الاستعارتين كونهم مستخرجين للعلم و الدين عن مظانّه كما يستخرج الماتح الماء من البئر. و لفظ الحياض للمستفيدين.

(يب) جعله له بحيث لا ينفصم عروته، و لفظ العروة مستعار لما يتمسّك الإنسان به منه، و رشّح بذكر الانفصام. و لمّا كان المتمسّك به ناجيا من الهلاك الأخروىّ و الشرور اللاحقة للملل السابقة و كان عدم الانفصام مظنّة سلامة المتمسّك عن الهلاك كنّى به عن دوام السلامة.

(يج) و لا فكّ لحلقته، كناية عن عدم انقهار أهله و جماعته.

(يد) و لا انهدام لأساسه، استعار لفظ الأساس للكتاب و السنّة الّذين هما أساس الإسلام، و لفظ الانهدام لاضمحلالهما.

(يه) و لا زوال لدعائمه، استعار لفظ الدعائم لعلمائه أو للكتاب و السنّة و قوانينهما و أراد بعدم زوالهما عدم انقراض العلماء أو عدم القوانين الشرعيّة.

(يو) و لا انقلاع لشجرته، استعار لفظ الشجرة لأصله و أركانه، و هو كقوله: و لا انهدام لأساسه.

(يز) و لا انقطاع لمدّته، إشارة إلى بقائه إلى يوم الدين.

(يح) و لا عفاء لشرايعه، و شرايعه قوانينه و اصوله و هو كقوله: لا انقلاع لشجرته.

(يط) و لا جذّ لفروعه: أى لا ينقطع التفريع عليه بل كلّ ذهن سليم فكّر في اصوله و هي الكتاب و السنّة استخرج منها ما لم يستخرجه غيره.

(ك) و لا ضنك لطرقه، و كنّى بعدم الضيق عن عدم صعوبة قوانينه على أهل التكليف، أو لازم الضيق و هو مشقّة السالكين به إلى اللّه كما قال صلّى اللّه عليه و آله و سلم: بعثت بالحنيفيّة السهلة السمحة.

(كا) و لا وعوثة لسهولته، كناية عن كونه في غاية العدل بين الصعوبة و بين السهولة المفرطة كما عليه أكثر الأديان السابقة من التشبيه و التجسيم فإنّ سلوكها مع ذلك و تصوّرها في غاية السهولة لكنّها طرق يبعد حصول المطالب الحقيقيّة و الوصول إلى التوحيد الخالص منها فكانت في سهولها هذه الوعوثة.

(كب) و لا سواد لوضحه، استعار لفظ الوضح لصفائه عن كدر الباطل الّذى هو سواد ألواح نفوس الكافرين و المنافقين.

(كج) و لا عوج لانتصابه، و استعار لفظ الانتصاب لاستقامته في إدّائه إلى اللّه تعالى. إذ هو الصراط المستقيم في الدنيا.

(كد) و كذلك و لا عصل في عوده.

(كه) و لا وعث لفجّه.

(كو) و لا انطفاء لمصابيحه، عبّر بالمصابيح عن العلماء استعارة، و بعدم انطفائها عن عدم خلوّ الأرض منهم.

(كز) و لا مرارة لحلاوته، و ذلك أنّ حلاوة الإسلام الحقيقيّ في قلوب المتّقين لا يشوبها مرارة من مشقّة تكليف و نحوها لما يتصوّرونه من شرف غايتهم.

(كح) فهو دعائم: أى فالإسلام دعائم، و ذلك إشارة إلى تعريفه بأجزائه و هي كالشهادتين و العبادات الخمس كما ورد في الخبر: بنى الإسلام على خمس. و قوله: أساخ في الحقّ اسناخها إشارة إلى كونه تعالى بناها على أسرار من الحقّ عميقة لا يهتدى إليها إلّا آحاد الخلق و هو أسرار العبادات. (كط) قوله: و ينابيع غزرت عيونها، إشارة إلى تعريفه من قبل مادّته و هي الكتاب و السنّة، و استعار لهما لفظ الينابيع نظرا إلى فيضان العلوم الإسلاميّة النقليّة و العقليّة عنهما كفيضان الماء عن الينابيع، و لفظ العيون لما صدرا عنه، و هو علم اللّه تعالى و نفوس ملائكته و نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و ظاهر غزارة تلك العلوم و كثرتها.

(ل) و مصابيح شبّت نيرانها إشارة إلى مادّته أيضا باعتبار أنّ في الكتاب و السنّة أدلّة أحكامها و براهينها، و استعار لها لفظ المصابيح باعتبار كونها تضي‏ء الطريق لخابطها إلى اللّه. و رشّح بذكر إضرام نيرانها، و عبّر به عن غاية إضاءتها.

(لا) و منار اقتدى بها سفّارها و أعلام قصد بها فجاجها. إشارة إلى تلك المادّة باعتبار أنّ فيها أمارات على أحكام اللّه الظنيّة يقتدى بها المسافرون السالكون إلى قصدها و القاصدون لطرقها الّتي هي منصوبة عليها.

(لب) و مناهل روى بها ورّادها، استعار لفظ المناهل لتلك الموادّ أيضا باعتبار كونها من العلم لوارديها و مقتبسيه منها كما تروى ورّاد الحياض بمائها.

لج) جعل اللّه فيه منتهى رضوانه، و ذلك في نحو قوله تعالى «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ» و قوله «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ» و لأنّ فيه أتمّ وسيلة إلى غاية الكمالات الإنسانيّة الّتي هي منتهى ما يرضاه اللّه و يحبّه من عباده.

(لد) و ذروة دعائمه، و الضمير في دعائمه للّه: أى لدعائم الّتي جعلها اللّه عمدة له في إصلاح خلقه و هى الشرائع و قوانينها، و ظاهر أنّ الأنوار الّتي جاء بها الإسلام و الهداية الّتي به أشرف و أعلى منها في سائر الشرائع فهو كالذروة لها.

(له) و سنام طاعته، و لفظ السنام مستعار لمجموع ما اشتمل عليه من البيانات و الهدايات. و وجه المشابهة شرفها أيضا و علوّها بالنسبة إلى الطاعات السابقة عليه كشرف السنام بالنسبة إلى باقى الأعضاء.

(لو) فهو عند اللّه وثيق الأركان، و أركانه أجزائه، و وثاقتها تعود إلى بنائها على الأسرار الحقيقيّة و العلم التامّ لواضعها بكيفيّة وضعها و كمال فايدتها بحيث لا يمكن انتقاضها و لا زوالها.

(لز) رفيع البيّنات: أى ما ارتقى إليه أهله من المجد و الفضيلة، و ظاهر علوّ قدره و قدر أهله و تعظيمهم في النفوس على سائر الأديان و أهلها.

(لج) منير البرهان، و أراد برهانه الّذى دعى الخلق إليه و هو القرآن و سائر المعجزات، و لا شكّ في إنارتها و إضاءتها في أقطار العالم و اهتداء أكثر الخلق بها.

(لط) مضي‏ء النيران، و استعار لفظ النيران لأنواره من العلوم و الأخلاق المضيئة على علمائه و أئمّته.

(م) عزيز السلطان، و أراد قوّته و عزّة أهله و دولته و منعة من التجأ إليه به.

(ما) مشرف المنار، و كنّى به عن علوّ قدر علمائه و أئمّته و انتشار فضلهم و الهداية بهم.

(مب) معوز المثار: أى يعجز الخلق إثارة دفائنه و ما فيه من كنوز الحكمة و لا يمكنهم استقصاء ذلك منه، و روى المنال: أى يعجز الناس إمّا بالإتيان بمثله أو باستقصاء حكمه و ثمراته، و روى المثال و هو ظاهر. ثمّ لمّا بيّن فضيلته أمر بتعظيمه و اتّباعه و أداء حقّه و هو العمل به مع اعتقاد شرفه و كونه مؤدّيا إلى الجنّة.

ثمّ بوضعه مواضعه و هى القلوب لا الألسن و الشعار الظاهر فقطّ. ثمّ لمّا فرغ من ذلك شرع في فضائل من بعث به ليذكّرهم نعمة من اللّه بعد نعمة، و قرن ذكره بذكر أحوال الدنيا حين البعثة ليظهر شرفها: ف (ا) كونها قد دنا انقطاعها و إقبال الآخرة و اطّلاعها، و قد بيّنّا ذلك في قوله: ألا و إنّ الدنيا قد أدبرت و آذنت بوداع، و على الجملة فيحتمل أن يريد قرب انقطاع الدنيا و زوالها بالكلّيّة و حضور الآخرة و القيامة الكبرى كما عليه ظاهر الشريعة و يحتمل أن يريد قرب انقطاع دنيا كلّ امّة منهم و حضور آخرتهم بموتهم و انقراضهم و لفظ الاطّلاع استعارة كما سبق. (ب) كونها قد أظلمت بهجتها بعد إشراق، و أراد إشراق بهجتها بأنوار الأنبياء السابقين و ضياء الشرائع، و إظلامها حين بعثة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم باندراس تلك الآثار و فسادها.

(ج) قيامها بأهلها على ساق، كناية عن ظهوره شدائدها و إثارة الفتن بين أهلها و ما كانت العرب عليه من الخبط و الاختلاف في الحروب و الغارات المؤدّية إلى الفناء. (د) خشونة المهاد منها، و كنّى به عن عدم الاستقرار بها و طيب العيش فإنّ ذلك إنّما يتمّ و يعتدل بنظام الشرائع و النواميس الإلهيّة. (ه) و أزف منها قياد: أى قرب منها انقياد للانقطاع و الزوال و الانخراط في سلك التقضّى و اقتراب علامات ذلك منها، و علامات زوالها هى علامات الساعة و و أشراطها، و كذلك تصرّم أهلها و انفصام حلقتها، و كنّى بالحلقة عن نظامها و اجتماع أهلها بالنواميس و الشرائع و بانفصامها عن فساد ذلك النظام بانتشار سببها عن فساد أسباب ذلك النظام فإنّ أسباب التصرّف النافع فيها إنّما يتمّ بالنواميس الشرعيّة و قوانينها، و استعار لفظ أعلامها للعلماء و الصلحاء بها و كان عليهم العفاء حينئذ، و كذلك بعوراتها عن وجوه الفساد فيها، و بتكشّفها عن ظهورها بعد اختفاء، و كذلك القصر من طولها فإنّ الدنيا إنّما يكون طولها و دوامها عند صلاحها بالشرائع فإذن قصرها يكون عند فسادها و عدم النظام الشرعىّ.

ثمّ رجع إلى تعديد فوائد بعثة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم: ف (ا) إنّ اللّه تعالى جعله بلاغا لرسالته و هو كقوله تعالى «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ»«» الآية. (ب) و كرامة لامّته لكونه داعيا لهم إلى الكرامة الباقية التامّة و سبب للكرامة. (ج) و ربيعا لأهل زمانه، و استعار لفظ الربيع له، و وجه المشابهة كونه بهجة للمسلمين و علمائهم و سببا لبطنتهم من العلم و الحكمة كما أنّ الربيع سبب لبهجة الحيوان بمراعيها و بطنتهم و سمنهم. (د) و رفعة لأعوانه: أى لأعوان اللّه و أنصاره و هم المسلمون و ظاهر كونه صلّى اللّه عليه و آله و سلم سبب رفعتهم و شرفهم.

ثمّ عقّب بذكر بعض الأنوار الّتي بعث بها صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو الكتاب العزيز و عدّ فضائل: ف (ا) كونه نورا لا تطفى مصابيحه، و أراد نور العلم و الأخلاق المشتمل عليها، و استعار لفظ المصابيح إمّا لما انتشر من علومه و حكمه فاقتدى بها الناس، و إمّا لعلمائه و حاملى فوايده. (ب) كونه سراجا لا يخبو توقّده، و أراد أنّه لا تنقطع هداية الناس بنوره فهو كالأوّل. (ج) و بحر لا يدرك قعره، لفظ البحر مستعار له باعتبارين: أحدهما عمق أسراره بحيث لا يحيط بها الأفهام و لا تصل إلى أغوارها العقول كما لا يدرك الغائض قعر البحر العميق. و الثاني: كونه معدنا لجواهر العلوم النفيسة و الفضائل كما أنّ البحر معدن للجواهر. (د) و منهاجا لا يضلّ نهجه، و ظاهر كونه طريقا واضحا لمن سلك به إلى اللّه.
و من تفهم مقاصده لا يضلّ قصده. (ه) و شعاعا لا يظلم ضوءه: أى لا يغطّى الحقّ الوارد به ظلام شبهة و لا تلبيس باطل، و لفظ الشعاع و الضوء و الظلمة مستعار. (و) و فرقانا لا يخمد برهانه: أى فيه براهين يفرق بين الحقّ و الباطل لا يخمد، و لفظ الخمود مستعار ملاحظة لشبه البرهان بالنار في الإضاءه فنسب إليه وصفها. (ز) و بنيانا لا تهدم أركانه، و استعار لفظ البنيان لما انتظم من الكتاب و رسخ في القلوب، و رشّح بذكر الأركان لاستلزام البنيان لها. (ح) و شفاء لا يخشى سقامه كما قال تعالى «وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ»، و ظاهر كون تدبّره و أسراره شفاء للنفوس من أعراض الجهل و رذائل الأخلاق، و ذلك شفاء لا يخاف استعقابه بمرض و ذلك أنّ الفضائل النفسانيّة

إذا صارت ملكات لم تزل و لم يتبدّل بأضدادها و إن كان أيضا شفاء للأبدان كما سبق. (ط) و عزّاً لا تهزم أنصاره. (ى) و حقّا لا تخذل أعوانه و أنصاره، و أعوانه هم المسلمون المعتزّون به [المعترفون به خ‏] و الملتجئون إليه العاملون على وفقه السالكون به إلى اللّه، و ظاهر أنّ اولئك الأنصار و الأعوان لا يهزمهم أحد و لا يخذلهم اللّه أبدا. (يا) فهو معدن الإيمان الّذي يستنار منه الإيمان الكامل باللّه و رسوله و بما جاء به و بحبوحته، و ظاهر كون اعتقاد حقّيته و تفهّم مقاصده و العمل بها واسطة عقد الإيمان. (يب) و ينابع العلم و بحوره، و اللفظان استعارة له باعتبار كونه محلّ فيض العلوم النفيسة و استف استفادتها. (يج) و رياض العدل و غدرانه، و اللفظان مستعاران أيضا باعتبار كونه موردا يؤخذ عنه العدل بكلّيّته فهو مورده الّذى لا يجور عن سنن الحقّ إلى أن يبلغ به صاحبه السالك به إلى اللّه.
(يد) و أثافىّ الإسلام و بنيانه، و اللفظان مستعاران له باعتبار كونه أصلا للإسلام يبتنى عليه، و به يقوم كما أنّ الأثافىّ للقدر و البنيان لما يحمل عليه كذلك. (يد) و أودية الحقّ و غيطانه، و اللفظان مستعاران له باعتبار كونه معدنا للحقّ و مظنّة له كما أنّ الأودية و الغيطان مظانّ الكلاء و الماء. (يو) و بحر لا يستنزفه المستنزفون. (يز) و عيون لا ينضبها الماتحون، إنّما كرّر استعارة البحر و العيون له باعتبار آخر و هو كونه لا ينتهى فوايده و المقاصد المستنبطة منه. (يح) و كذلك و مناهل لا يغيضها الواردون و خصّص النضوب بالعيون لإمكان ذلك فيها دون البحر و الورد بالمناهل لكون النهل و هوى الرىّ لغاية وارد الماء. (يط) منازل لا يضلّ نهجها المسافرون: أى مقامات من العلوم إذا نزلتها العقول المسافرة إلى اللّه لا تضلّ لاستنارتها و شدّة إضاءتها.

(ك) و كذلك و أعلام لا تعمى عنها السائرون. (كا) و كذلك و آكام لا يجوز عنها القاصدون، استعار لفظ الأعلام و الآكام للأدلّة و الأمارات فيه على طريق إلى معرفته و أحكامه باعتبار كونها هادية إليها كما تهدى الأعلام و الجبال على الطرق. (كب) جعله اللّه ريّا لعطش العلماء، استعار لفظ الرىّ له باعتبار كونه دافعا لألم الجهل عن النفوس كما يدفع الماء ألم العطش، و لفظ العطش للجهل البسيط أو لاستعداد الطالبين للعلوم و اشتياقهم إلى الاستفادة، و أطلق لفظ الرىّ على المروى مجازا إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه. (كج) و ربيعا لقلوب الفقهاء، و لفظ الربيع مستعار له باعتبار كونه مرعى لقلوب الفقهاء يستثمرون منه الأحكام، و بهجة لها كالربيع للحيوان.
(كد) و محاجّ لطرق الصلحاء، و ظاهر كونه طريقا واضحا للصالحين إلى اللّه. (كه) و دواء ليس بعده داء كقوله: شفاء لا يخشى سقامه. (كو) و نورا ليس معه ظلمه: أى لا تبقى مع هدايته إلى الأحكام ظلمة على البصيرة، و هو كقوله: و شعاعا لا يظلم نوره. (كز) و حبلا وثيقا عروته، استعار لفظ الحبل له و العروة لما يتمسّك به منه، و كنّى بوثاقة عروته عن كونه منجيا لمن تمسّك به. (كح) و معقلا منيعا ذروته، استعار لفظ المعقل باعتبار كونه ملجأ من الجهل و لوازمه و هو العذاب، و رشّح بذكر الذروة و كنّى بمنعتها عن كونه عزيزا يمنع من لجأ إليه. (كط) و عزّا لمن تولّاه: أى اتّخذه وليّا يلقى إليه مقاليد اموره و لا يخالفه، و ظاهر كونه سبب عزّه في الدارين. (ل) و سلماً لمن دخله: أى أمنا. و دخوله: الخوض في تدبّر مقاصده و اقتباسها، و بذلك الاعتبار يكون مأمنا من عذاب اللّه و من الوقوع في الشبهات الّتي هي مهاوى الهلاك.

(لا) و هدى لمن ائتمّ و هو ظاهر. (لب) و عذرا لمن انتحله: أى من نسبه إلى نفسه بدعوى حفظه أو تفسيره و نحو ذلك معتذرا بذلك من تكليف لا يليق به أو يشقّ عليه كان ذلك عذرا منجيا له. و هذا كمال تقول لمن يقصد إنسانا بأذى: لا ينبغي لك أن تؤذيه فإنّه من حملة القرآن الكريم أو ممّن يعلم علومه فيكون ذلك سببا لترك أذاه. (لج) و برهانا لمن تكلّم به. (لد) و شاهدا لمن خاصم به (له) و فلجا لمن حاجّ به. الثلاثة متقاربة، و أطلق لفظ الفلج عليه من جهة ما يحتجّ به إطلاقا لاسم الغاية على ذى الغاية إذ غاية الاحتجاج به الفوز. و الشاهد و الحجّة أعمّ من البرهان. (لو) و حاملا لمن حمله: أى يحمل يوم القيامة حملته و حفظته الآن، و عبّر بحمله لهم عن إنجائه لهم من العذاب اطلاقا لاسم السبب على المسبّب. (لز) و مطيّة لمن أعمله، استعار له لفظ المطيّة باعتبار كونه منجياً لهم كقوله: حاملا و لفظ الأعمال لاتّباع قوانينه و المواظبة عليها المنجية من العذاب كما ينجى إعمال المطيّة في الطريق البعيد. (لح) و آية لمن توسّم، و ذلك باعتبار تدبّر أمثاله و قصصه فإنّ فيها آياتا و عبرا كما قال تعالى «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ»«». (لط) و جنّة لمن استلأم: أى لمن استلأمه و لبسه كالدرع، و استعار له لفظ الجنّة لوقايته من استعدّ بعلمه من عذاب اللّه، و كنّى باستلئامه عن ذلك الاستعداد به. (م) و علما لمن وعى: أى لمن حفظه و فهم مقاصده. (ما) و حديثا لمن روى، و ذلك باعتبار ما فيه من القصص و أخبار القرون الماضية فإنّ أصدق حديث يروى منها ما اشتمل عليه القرآن، و يحتمل أن يريد بكونه حديثا كونه قولا و كلاما ليس لمن نقله كما قال تعالى «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ‏ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ» إلخ«» و تكون فايدة هذا الوصف أنّ فيه غنية لمن أراد أن يتحدّث بحديث غيره ممّا لا يفيد فايدته فينبغى أن يعدل إليه و يشتغل بتلاوته و التحدّث به. (مب) و حكما لمن قضى: أى فيه الأحكام الّتى يحتاج إليها القضاة، و روى حكما: أى حاكما ترجع إليه القضاة و لا يخرجون عن حكمه. و باللّه التوفيق

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏ميثم بحرانی)، ج 3 ، صفحه‏ى 463

دیدگاه‌ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

این سایت از اکیسمت برای کاهش هرزنامه استفاده می کند. بیاموزید که چگونه اطلاعات دیدگاه های شما پردازش می‌شوند.