نامه 78 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام لما استخلف، إلى أمراء الأجناد

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ- أَنَّهُمْ مَنَعُوا النَّاسَ الْحَقَّ فَاشْتَرَوْهُ- وَ أَخَذُوهُمْ بِالْبَاطِلِ فَاقْتَدَوْهُ

المعنى

أقول: نفّرهم عن منع الحقّ أهله، و معاملتهم الناس بالباطل، يذكّر أنّ ذلك هو سبب هلاك من كان قبلهم من أمثالهم. و قوله: فاشتروه. أى فباعوه و تعوّضوا عنه بالباطل لمّا منعوا منه كقوله تعالى وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ«» و كذلك قوله: و أخذوهم بالباطل: أى جعلوا تصرّفاتهم معهم بالباطل فاقتدوه: أي اقتدوا الباطل و سلكوا فيه مسلك من أخذهم به كقوله تعالى فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ«» و باللّه التوفيق. تمّ باب الكتب و الوصايا و العهود و الحمد للّه حقّ حمده.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 237

نامه 77 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى أبى موسى الأشعرى جوابا فى أمر الحكمين
ذكره سعيد بن يحيى الأموى فى كتاب المغازى

فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ حَظِّهِمْ- فَمَالُوا مَعَ الدُّنْيَا وَ نَطَقُوا بِالْهَوَى- وَ إِنِّي نَزَلْتُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَنْزِلًا مُعْجِباً- اجْتَمَعَ بِهِ أَقْوَامٌ أَعْجَبَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ- وَ أَنَا أُدَاوِي مِنْهُمْ قَرْحاً أَخَافُ أَنْ يَكُونَ عَلَقاً- وَ لَيْسَ رَجُلٌ فَاعْلَمْ أَحْرَصَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ص- وَ أُلْفَتِهَا مِنِّي- أَبْتَغِي بِذَلِكَ حُسْنَ الثَّوَابِ وَ كَرَمَ الْمَآبِ- وَ سَأَفِي بِالَّذِي وَأَيْتُ عَلَى نَفْسِي- وَ إِنْ تَغَيَّرْتَ عَنْ صَالِحِ مَا فَارَقْتَنِي عَلَيْهِ- فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ نَفْعَ مَا أُوتِيَ مِنَ الْعَقْلِ وَ التَّجْرِبَةِ- وَ إِنِّي لَأَعْبَدُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ بِبَاطِلٍ- وَ أَنْ أُفْسِدَ أَمْراً قَدْ أَصْلَحَهُ اللَّهُ- فَدَعْ مَا لَا تَعْرِفُ- فَإِنَّ شِرَارَ النَّاسِ طَائِرُونَ إِلَيْكَ بِأَقَاوِيلِ السُّوءِ

اللغة
أقول: العلق: الدم الغليظ. و أيت: وعدت. و أعبد: استنكف و أغضب.

المعنى
و قوله: فإنّ الناس. إلى قوله: حظّهم. أى الحظّ الّذي ينبغي لهم من الدين و الهدى. و قوله: فمالوا. إلى قوله: الهوى.

 

بيان لأنواع تغيّرهم. و قوله: و إنّي نزلت من هذا الأمر. أي أمر الخلافة منزلا معجبا و هو الحال الّتي انتهى إليها مع الصحابة و صارت محل التعجّب منها و كيف صار محكوما لهم في قبول الحكومة و الرضى بالصلح و غيره. و قوله: اجتمع به أقوام. صفة منزل: أي أنّ هذا المنزل الّذى أنا فيه من هذا الأمر قد اجتمع معى و شاركني في رأيي فيه أقوام أعجبتهم أنفسهم و آرائهم فأفسدوا علىّ الأمر فأنا اداوى منهم قرحا، و استعار لفظ القرح لما أفسد من حاله باجتماعهم على التحكيم. و لفظ المداواة لاجتهاده في إصلاحهم، و روى: ادارى. و كذلك استعار لفظ العلق لما يخاف من تفاقم أمرهم من حاله. و قوله: و ليس رجل أحرص منه على الفة جماعة محمّد صلّى اللّه عليه و آله للغرض المذكور.

و قوله: فاعلم. اعتراض حسن بين ليس و خبرها و رجل يفيد العموم و إن كان مفردا نكرة لكونه في سياق النفى على ما بيّن في اصول الفقه. ثمّ أخبر أنّه سيفي بما وعد على نفسه من شرط الصلح على ما وقع عليه، و توعّده بلزوم الشقاوة إن تغيّر عن صالح ما فارقه عليه من وجوب الحكم بكتاب اللّه و عدم اتّباع الهوى و الاغترار بمقارنة الأشرار. و فسّر الشقيّ بمن حرم نفع ما اوتى من العقل و التجربة مشيرا بذلك إلى أنّه إن خدع أو تغيّر بأمر آخر فقد حرم نفع عقله و سابقة تجربته فلزمته الشقاوة. ثمّ نبّهه على أنّه يأنف من قول الباطل، و أن يفسد أمرا أصلحه اللّه به و هو أمر الدين ليحترز من غضبه بلزوم الحقّ و الصدق و حفظ جانب اللّه في حقّه، و أكّد ذلك بقوله: فدع ما لا تعرف: أى من الحكم في هذه القضيّة بالشبهة. و قوله: فإنّ شرار الناس. إلى آخره.

أراد عمرو بن العاص و نحوه فيما كان يسرع بإلقائه إليه من الوساوس و الشبه الكاذبة الّتي هي أقاويل السوء.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 236

نامه 76 شرح ابن میثم بحرانی

و من وصيّة له عليه السّلام لعبد اللّه بن العباس، لما بعثه للاحتجاج إلى الخوارج

لَا تُخَاصِمْهُمْ بِالْقُرْآنِ- فَإِنَّ الْقُرْآنَ حَمَّالٌ ذُو وُجُوهٍ- تَقُولُ وَ يَقُولُونَ… وَ لَكِنْ حَاجِجْهُمْ بِالسُّنَّةِ- فَإِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَنْهَا مَحِيصاً

اللغة

أقول: المحيص: المعدل.

المعنى

و قد نهاه أن يحاجّهم بالقرآن. و نبّهه على ذلك بضمير صغراه قوله: فإنّ القرآن. إلى قوله: و يقولون: أى إنّ الآيات الّتي يمكنه الاحتجاج بها غير ناصّة في المطلوب بل لها ظاهر و تأويلات محتملة يمكنهم أن يتعلّقوا بها عند المجادلة.
و تقدير الكبرى: و كلّ ما كان كذلك فلا يتمّ الغرض به في مخاصمتهم. ثمّ أمره أن يحاجّهم بالسنّة. و نبّه على ذلك بضمير صغراه قوله: فإنّهم لا يجدون عنها معدلا لكونها ناصّة في المطلوب كقوله صلّى اللّه عليه و آله: حربك يا علىّ حربي. و نحوه. و تقدير الكبرى:

و كلّ ما لم يجدوا عنه معدلا فالأولى محاجّتهم به. و قد أشرنا من قبل إلى مجادلة ابن عبّاس.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 235

نامه 75 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام لعبد اللّه بن العباس، عند استخلافه إياه على البصرة

سَعِ النَّاسَ بِوَجْهِكَ وَ مَجْلِسِكَ وَ حُكْمِكَ- وَ إِيَّاكَ وَ الْغَضَبَ فَإِنَّهُ طَيْرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ- وَ اعْلَمْ أَنَّ مَا قَرَّبَكَ مِنَ اللَّهِ يُبَاعِدُكَ مِنَ النَّارِ- وَ مَا بَاعَدَكَ مِنَ اللَّهِ يُقَرِّبُكَ مِنَ النَّارِ

اللغة

أقول: الطيرة: فعلة من الطيران، و يستعمل في الخفّة و ما لاثبات له. و روي: طيرة من التطيّر و هو التشأم.

و قد أمره بفضائل من الأخلاق:
أحدها: أن يسع الناس بوجهه.
و كنّى بذلك عن البشر و الطلاقة، و بمجلسه. و هو كناية عن التواضع، و بحكمه. و كنّى به عن العدل لأنّ الحكم‏ العدل يسع كلّ أحد، و الجور ضيّق لا يحتمله الكلّ.

الثانية: حذّره من الغضب
و هو أمر بفضيلة الثبات و الحلم، و نفّره بقوله: فإنّه طيرة من الشيطان: أى خفّة ينشأ من الشيطان، أو أنّه ممّا يتشأم الناس بصاحبه و يكرهه. و نسبه إلى الشيطان لينفر عنه، و أراد الغضب المذموم. و هو صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّما كان كذلك فواجب أن يحذر. ثمّ رغّبه فيما يقرّبه من اللّه بما يستلزمه من كونه مباعدا له من النار، و نفّره عمّا يبعّده من اللّه بما يستلزمه من كونه مقرّبا له إلى النار. و هما صغريا ضميرين تقدير كبرى الأوّل منهما: و كلّ ما باعدك من النار فواجب أخذه، و تقدير كبرى الثاني: و كلّ ما يقرّبك من النار فواجب أن يحذره. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 234

نامه 74 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى معاوية فى أول ما بويع له ذكره الواقدى فى كتاب الجمل

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ- إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ عَلِمْتَ إِعْذَارِي فِيكُمْ- وَ إِعْرَاضِي عَنْكُمْ- حَتَّى كَانَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَ لَا دَفْعَ لَهُ- وَ الْحَدِيثُ طَوِيلٌ وَ الْكَلَامُ كَثِيرٌ- وَ قَدْ أَدْبَرَ مَا أَدْبَرَ- وَ أَقْبَلَ مَا أَقْبَلَ- فَبَايِعْ مَنْ قِبَلَكَ- وَ أَقْبِلْ إِلَيَّ فِي وَفْدٍ مِنْ أَصْحَابِكَ

اللغة
أقول: الوفد: الواردون على الملك.

المعنى

و أعلمه أوّلا إعذاره فيهم إلى اللّه: أى إظهار عذره و ذلك باجتهاده في نصيحة عثمان أوّلا، و نصرة بني اميّة بالذبّ عنه ثانيا، و إعراضه عنهم بعد إياسه من قبول عثمان لنصيحته و عجزه عن نصرته و الدفع عنه حتّى كان ما لابدّ منه و لا دفع له من قبله. ثمّ قال: و الحديث طويل و الكلام كثير: أى في أمره و من قبله.

و قوله: و قد أدبر. إلى قوله: أقبل. يحتمل أن يكون إخبارا له بأنّ بعض الناس أدبر عنه كطلحة و الزبير و من تابعهما و بعضهم أقبل عليه، و يحتمل أن يكون إنشاء أى قد دخل في الإدبار من أدبر عنّى و دخل في الإقبال من أقبل علىّ. ثمّ أمره أن يبايع له من قبله من الجماعة و تقبل إليه، و يحتمل أن يكون الضمير في قوله: فيكم و عنكم خطابا لمعاوية و ساير المسلمين على سبيل التعتّب و التشكّي: أى قد علمت أنّي أعذرت فيكم حيث لم اعاجل مسيئكم بالعقوبة و أعرضت عنكم حتّى كان ما كان من خروج طلحة و الزبير و من تابعهم ممّا لابدّ من وقوعه منهم و لا دفع له. و الحديث في شأنهم طويل، و الكلام في شبهتهم كثير، و قد أدبر من أدبر: أى هؤلاء الخارجون، و أقبل من أقبل. و تمام الكلام بحاله. و اللّه أعلم.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 233

نامه 73 شرح ابن میثم بحرانی

و من حلف له عليه السّلام كتبه بين ربيعة و اليمن، و نقل من خط هشام ابن الكلبى

هَذَا مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْيَمَنِ- حَاضِرُهَا وَ بَادِيهَا- وَ رَبِيعَةُ حَاضِرُهَا وَ بَادِيهَا- أَنَّهُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ يَدْعُونَ إِلَيْهِ- وَ يَأْمُرُونَ بِهِ وَ يُجِيبُونَ مَنْ دَعَا إِلَيْهِ وَ أَمَرَ بِهِ- لَا يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً- وَ لَا يَرْضَوْنَ بِهِ بَدَلًا- وَ أَنَّهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ وَ تَرَكَهُ- أَنْصَارٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ- دَعْوَتُهُمْ وَاحِدَةٌ- لَا يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ لِمَعْتَبَةِ عَاتِبٍ- وَ لَا لِغَضَبِ غَاضِبٍ- وَ لَا لِاسْتِذْلَالِ قَوْمٍ قَوْماً- وَ لَا لِمَسَبَّةِ قَوْمٍ قَوْماً- عَلَى ذَلِكَ شَاهِدُهُمْ وَ غَائِبُهُمْ- وَ سَفِيهُهُمْ وَ عَالِمُهُمْ وَ حَلِيمُهُمْ وَ جَاهِلُهُمْ- ثُمَّ إِنَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَهْدَ اللَّهِ وَ مِيثَاقَهُ- إِنَّ عَهْدَ اللَّهِ كَانَ مَسْئُولًا- وَ كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ

اللغة

أقول: الحلف: العهد.

و فيه نكت:
الأولى
قوله: هذا. مبتدأ و ما موصولة و هي صفة المبتدأ، و خبره أنّهم. و يجوز أن يكون هذا مبتدأ خبره ما اجتمع عليه، و يكون قوله: أنّهم. تفسيرا لهذا.
كأنّه قال: ما الّذي اجتمعوا عليه فقيل: على أنّهم على كتاب اللّه: أى اجتمعوا على ذلك، و خبر أنّهم على كتاب اللّه، و يدعون حال، و العامل متعلّق الجارّ. و حاضرها و باديها من أهل اليمن، و كذلك من ربيعة.

الثانية: كونهم لا يشترون به ثمنا
كناية عن لزومهم له و للعمل به.
الثالثة: قوله: و أنّهم يد واحدة
أى يتعاونون على من خالفه. فأطلق اسم اليد على المتعاون مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب، و أنصار خبر ثان لأنّ و بعضهم فاعله. و يجوز أن يكون بعضهم مبتدأ خبره أنصار.
الرابعة: قوله: و لا لاستذلال قوم قوما
أى لا ينقضون عهدهم لكون القبيلة الاخرى استذلّت قومهم أو سبّتهم. و روى لمشيئة قوم قوما: أى لإرادتهم. و في رواية- كتب عليّ بن أبو طالب- و هى المشهورة عنه عليه السّلام و وجهها أنّه جعل هذه الكنية علما بمنزلة لفظ واحدة لا يتغيّر إعرابها.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 231

 

نامه 72 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى معاوية

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي عَلَى التَّرَدُّدِ فِي جَوَابِكَ- وَ الِاسْتِمَاعِ إِلَى كِتَابِكَ- لَمُوَهِّنٌ رَأْيِي وَ مُخَطِّئٌ فِرَاسَتِي- وَ إِنَّكَ إِذْ تُحَاوِلُنِي الْأُمُورَ- وَ تُرَاجِعُنِي السُّطُورَ- كَالْمُسْتَثْقِلِ النَّائِمِ تَكْذِبُهُ أَحْلَامُهُ- وَ الْمُتَحَيِّرِ الْقَائِمِ يَبْهَظُهُ مَقَامُهُ- لَا يَدْرِي أَ لَهُ مَا يَأْتِي أَمْ عَلَيْهِ- وَ لَسْتَ بِهِ غَيْرَ أَنَّهُ بِكَ شَبِيهٌ- وَ أُقْسِمُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَوْ لَا بَعْضُ‏ الِاسْتِبْقَاءِ- لَوَصَلَتْ إِلَيْكَ مِنِّي قَوَارِعُ تَقْرَعُ الْعَظْمَ- وَ تَهْلِسُ اللَّحْمَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ ثَبَّطَكَ- عَنْ أَنْ تُرَاجِعَ أَحْسَنَ أُمُورِكَ- وَ تَأْذَنَ لِمَقَالِ نَصِيحَتِكَ

اللغة

أقول: موهّن: مضعّف. و بهظه: أثقله. و القوارع: الشدائد. و تهلس اللحم.

تذهب به، و تسحبه، و تقرب منه النهس. و ثبّطه عن كذا: شغله.

 

و مدار الفصل على منافرته و توبيخه.
فقوله: أمّا بعد. إلى قوله: فراستى: أى مضعّف رأيى و فراستي فيك لغلبة ظنّي أنّ مكاتبتك و جوابك لا فايدة فيه. ثمّ شبّهه في محاولته أمر الشام و ما يخدعه من جعل أمر الخلافة فيه بعده و مراجعته السطور أى الكتب في ذلك بالمستثقل في النوم، الغريق فيه، و انتصب السطور بحذف الجارّ إمّا في أو الباء، و أشار إلى وجه الشبه بقوله: تكذبه أحلامه. و أراد أنّ تخيّلاته و أمانيه في وصول هذا الأمر إليه تخيّلات كاذبة صادرة عن جهل غالب كالأحلام الكاذبة للمستغرق في نومه إذا استيقظ لم يجدها شيئا، و كذلك شبّهه بالمتحيّر القائم، و أشار إلى وجهه بقوله: يبهظه.
إلى قوله: عليه. و بيانه أنّ معاوية مجدّ في هذا الأمر متحيّر في تحصيله متهوّر في طلبه مع جهله بعاقبة سعيه هل هى خير أو شرّ كالقائم المتحيّر في الأمر يتعب بطول مقامه و لا يعرف غايته من قيامه. ثمّ لم يرض له بذلك التشبيه بل زاد مبالغة في غفلته و نومه في مرقد طبيعته و حيرته و قال: و لست به: أى و لست بهذا شبيها فيكون هو أصلا لك في الشبه غير أنّه بك شبيه: أى إنّك أصل له في ذلك الشبه. ثمّ أقسم لولا بعض الاستبقاء: أى للامور المصلحيّة لوصلت إليه منه قوارع. و أراد شدائد الحرب، و كنّى عن شدّتها بكونها تقرع العظم و تهلس اللحم. ثمّ أعلمه في معرض توبيخه أنّ الشيطان قد ثبّطه عن مراجعة أحسن اموره و هو الدخول في طاعته و ترك الفتنة و أن يأذن أى يصغى اذنه لمقال نصيحة. و هو جذب له إليهما بنسبة تركه لهما إلى تثبيط الشيطان. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 230

 

نامه 71 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى عبد اللّه بن العباس

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ لَسْتَ بِسَابِقٍ أَجَلَكَ- وَ لَا مَرْزُوقٍ مَا لَيْسَ لَكَ- وَ اعْلَمْ بِأَنَّ الدَّهْرَ يَوْمَانِ- يَوْمٌ لَكَ وَ يَوْمٌ عَلَيْكَ- وَ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ دُوَلٍ- فَمَا كَانَ مِنْهَا لَكَ أَتَاكَ عَلَى ضَعْفِكَ- وَ مَا كَانَ مِنْهَا عَلَيْكَ لَمْ تَدْفَعْهُ بِقُوَّتِكَ

أقول: الفصل موعظة. و نبّهه فيها على دقايق:
أحديها: أنّه لا يسبق أجله.
و لمّا كان الأجل هو الوقت الّذي علم اللّه أنّ‏ زيدا يموت فيه لم يمكن أن يموت زيد دونه لأنّ ذلك يستلزم انقلاب علم اللّه جهلا و أنّه محال.
الثانية: و لا مرزوق ما ليس له
أى ما علم اللّه أنّه ليس رزقا له فمحال أن يرزق إيّاه لما بيّناه.
الثالثة: أعلمه أنّ الدهر يومان:
يوم له و هو اليوم الّذى فيه المنافع كاللذّة و كمالاتها، و يوم عليه و هو ما يكون عليه فيه المضرّة كالألم و ما يستلزمه و ذلك معنى كون الدنيا دار دول كما قال تعالى وَ تِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ«».
الرابعة: أعلمه بأنّ ما كان له من خير الدنيا أتاه على ضعفه
و إن كان أمرا كبيرا لعلم اللّه سبحانه بأنّه يصل إليه، و كذلك ما كان عليه من شرّها لم يتمكّن من دفعه و إن كان قويّا. و ذكر الضعف و القوّة ليعلم استناد الأمور و الأرزاق إلى مدبّر حكيم هو مفيضها و مبدء أسبابها و ناظم وجودها و مقسّم كمالاتها و معطى كلّ منها ما استعدّ له من خير أو شرّ. فقد يحصل الضعف للحيوان و يرزق رزقا واسعا و يكون ضعفه من الأسباب المعدّة لسعة رزقه، و بالعكس قد تحصل له القوّة فتكون من أسباب الحرمان. و اللّه من ورائهم محيط و هو الرزاق ذو القوّة المتين.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 229

نامه 70 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى المنذر بن الجارود العبدى، و قد خان في بعض ما ولاه من أعماله

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ صَلَاحَ أَبِيكَ غَرَّنِي مِنْكَ- وَ ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَتَّبِعُ هَدْيَهُ- وَ تَسْلُكُ سَبِيلَهُ- فَإِذَا أَنْتَ فِيمَا رُقِّيَ إِلَيَّ عَنْكَ لَا تَدَعُ لِهَوَاكَ انْقِيَاداً- وَ لَا تُبْقِي لِآخِرَتِكَ عَتَاداً- تَعْمُرُ دُنْيَاكَ بِخَرَابِ آخِرَتِكَ- وَ تَصِلُ عَشِيرَتَكَ بِقَطِيعَةِ دِينِكَ- وَ لَئِنْ كَانَ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ حَقّاً- لَجَمَلُ أَهْلِكَ وَ شِسْعُ نَعْلِكَ خَيْرٌ مِنْكَ- وَ مَنْ كَانَ بِصِفَتِكَ فَلَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُسَدَّ بِهِ ثَغْرٌ- أَوْ يُنْفَذَ بِهِ أَمْرٌ أَوْ يُعْلَى لَهُ قَدْرٌ- أَوْ يُشْرَكَ فِي أَمَانَةٍ أَوْ يُؤْمَنَ عَلَى جِبَايَةٍ- فَأَقْبِلْ إِلَيَّ حِينَ يَصِلُ إِلَيْكَ كِتَابِي هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ قال الرضى: و المنذر هذا هو الذى قال فيه أمير المؤمنين عليه السّلام: إنه لنظار فى عطفيه، مختال فى برديه، تفال فى شراكيه.

اللغة

أقول: العتاد: العدّة. و الشسع: سير بين الإصبعين في النعل العربي.

و مدار الفصل على توبيخه بسبب خيانته.
فذكر سبب غروره و هو قياسه في الصلاح على أبيه الجارود العبدي في أنّه يتبع ما كان عليه من الهدى. ثمّ ذكر ما رقّى إليه عنه من الفارق من أربعة أوجه:

أحدها: انقياده لهواه في كلّ ما يقوده إليه.

الثاني: إعراضه عمّا يعتدّ به لآخرته من صالح الأعمال.

الثالث: كونه يعمر دنياه بما يستلزم خراب آخرته من تناول الحرام.

الرابع: كونه يصل عشيرته بما يقطع دينه من ذلك. و راعى السجع في القرينتين. ثمّ أخذ في توبيخه و الحكم بنقصانه و حقارته إن حقّ ما نسب إليه ذلك بتفضيل جمل أهله و شسع نعله عليه. و جمل الأهل ممّا يتمثّل به في الهوان. و أصله فيما قيل: أنّ الجمل يكون لأب القبيلة فيصير ميراثا لهم يسوقه كلّ منهم و يصرفه في حاجته فهو ذليل حقير بينهم. ثمّ حكم في معرض توبيخه على من كان بصفته أنّه لا يصلح لولاية عمل يراد له الوالي. و راعى في القرائن الأربع السجع المتوازي. فالقدر بإزاء الأمر و الخيانة بإزاء الأمانة. و إنّما قال: أو يشرك في أمانة. لأنّ الخلفاء امناء اللّه في بلاده فمن ولّوه من قبلهم فقد أشركوه في أمانتهم. و قوله: أو يؤمن على خيانة. أي حال خيانتك. لأنّ كلمة على تفيد الحال. ثمّ بعد توبيخه استقدمه عليه عزلا له. و الّذي حكاه السيّد- رحمه اللّه- من وصف أمير المؤمنين عليه السّلام له فكناية عن تكبّره. و التفل في الشراك: نفخ الغبار عنه. و الحكاية مناسبة للكتاب لاشتمالها على الذمّ. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 228

 

نامه 69 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى سهل بن حنيف الأنصارى، و هو عامله على المدينة فى معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية

أَمَّا بَعْدُ- فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِمَّنْ قِبَلَكَ يَتَسَلَّلُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ- فَلَا تَأْسَفْ عَلَى مَا يَفُوتُكَ مِنْ عَدَدِهِمْ- وَ يَذْهَبُ عَنْكَ مِنْ مَدَدِهِمْ- فَكَفَى لَهُمْ غَيّاً- وَ لَكَ مِنْهُمْ شَافِياً فِرَارُهُمْ مِنَ الْهُدَى وَ الْحَقِّ- وَ إِيضَاعُهُمْ إِلَى الْعَمَى وَ الْجَهْلِ- فَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ دُنْيَا مُقْبِلُونَ عَلَيْهَا وَ مُهْطِعُونَ إِلَيْهَا- وَ قَدْ عَرَفُوا الْعَدْلَ وَ رَأَوْهُ وَ سَمِعُوهُ وَ وَعَوْهُ- وَ عَلِمُوا أَنَّ النَّاسَ عِنْدَنَا فِي الْحَقِ‏ أُسْوَةٌ- فَهَرَبُوا إِلَى الْأَثَرَةِ- فَبُعْداً لَهُمْ وَ سُحْقاً- إِنَّهُمْ وَ اللَّهِ لَمْ يَنْفِرُوا مِنْ جَوْرٍ- وَ لَمْ يَلْحَقُوا بِعَدْلٍ- وَ إِنَّا لَنَطْمَعُ فِي هَذَا الْأَمْرِ أَنْ يُذَلِّلَ اللَّهُ لَنَا صَعْبَهُ- وَ يُسَهِّلَ لَنَا حَزْنَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- وَ السَّلَامُ

اللغة

أقول: التسلّل: الذهاب واحدا بعد واحد. و الايضاع: الإسراع. و كذلك الإهطاع. و الأثرة: الاستبداد.

المعنى

فقوله: أمّا بعد إلى قوله: معاوية. إعلامه بعلمه بحالهم. و قوله: فلا تأسف. إلى قوله: مددهم. تسلية له عمّا فاته من عددهم و مددهم. و قوله: فكفى. إلى قوله: العدل. استدراج له عن الأسف على فرارهم بذكر معايبهم في ضميرين صغرى الأوّل: منهما قوله: فكفى. إلى قوله: الجهل. و تقدير كبراه: و كلّ من كان كذلك فلا يجوز الأسف عليه. و فرار فاعل كفى، و غيّا و شافيا تميز. و صغرى الثاني: قوله: و إنّما هم أهل الدنيا: أى لمّا كان شأنهم ذلك و عرفوا العدل عندنا و علموا تساوى الناس عندنا في الحقّ هربوا إلى الاستئثار و الاستبداد عند معاوية. و تقدير كبراه: و كلّ من كان بهذه الحال فلا يجوز الأسف عليه، و لذلك دعا عليهم بالبعد و السحق و هما مصدران وضعا للدعاء. ثمّ أقسم أنّهم لم يفرّوا من جور منه و لم يلحقوا بعدل من معاوية ليتأكّد حصره لأحوالهم الّتي هربوا لأجلها. ثمّ وعده بما يطمع من اللّه تعالى من تذليل ما صعب من أمر الخلافة لهم، و تسهيل حزنه بمشيئته سبحانه.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 226

 

نامه 68 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى الحارث الهمدانى

وَ تَمَسَّكْ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ وَ انْتَصِحْهُ وَ أَحِلَّ حَلَالَهُ وَ حَرِّمْ حَرَامَهُ- وَ صَدِّقْ بِمَا سَلَفَ مِنَ الْحَقِّ- وَ اعْتَبِرْ بِمَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا لِمَا بَقِيَ مِنْهَا- فَإِنَّ بَعْضَهَا يُشْبِهُ بَعْضاً- وَ آخِرَهَا لَاحِقٌ بِأَوَّلِهَا- وَ كُلُّهَا حَائِلٌ مُفَارِقٌ- وَ عَظِّمِ اسْمَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرَهُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ- وَ أَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ وَ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ- وَ لَا تَتَمَنَّ الْمَوْتَ إِلَّا بِشَرْطٍ وَثِيقٍ- وَ احْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يَرْضَاهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ- وَ يُكْرَهُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ- وَ احْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يُعْمَلُ بِهِ فِي السِّرِّ- وَ يُسْتَحَى مِنْهُ فِي الْعَلَانِيَةِ وَ احْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ إِذَا سُئِلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أَنْكَرَهُ أَوْ اعْتَذَرَ مِنْهُ- وَ لَا تَجْعَلْ عِرْضَكَ غَرَضاً لِنِبَالِ الْقَوْلِ- وَ لَا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِكُلِّ مَا سَمِعْتَ بِهِ- فَكَفَى بِذَلِكَ كَذِباً- وَ لَا تَرُدَّ عَلَى النَّاسِ كُلَّ مَا حَدَّثُوكَ بِهِ- فَكَفَى بِذَلِكَ جَهْلًا- وَ اكْظِمِ الْغَيْظَ وَ احْلُمْ عِنْدَ الْغَضَبِ- وَ تَجَاوَزْ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ- وَ اصْفَحْ مَعَ الدَّوْلَةِ تَكُنْ لَكَ الْعَاقِبَةُ- وَ اسْتَصْلِحْ كُلَّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا اللَّهُ عَلَيْكَ- وَ لَا تُضَيِّعَنَّ نِعْمَةً مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عِنْدَكَ- وَ لْيُرَ عَلَيْكَ أَثَرُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الْمُؤْمِنِينَ- أَفْضَلُهُمْ تَقْدِمَةً مِنْ نَفْسِهِ وَ أَهْلِهِ وَ مَالِهِ- فَإِنَّكَ مَا تُقَدِّمْ مِنْ خَيْرٍ يَبْقَ لَكَ ذُخْرُهُ- وَ مَا تُؤَخِّرْهُ يَكُنْ لِغَيْرِكَ خَيْرُهُ- وَ احْذَرْ صَحَابَةَ مَنْ يَفِيلُ رَأْيُهُ- وَ يُنْكَرُ عَمَلُهُ فَإِنَّ الصَّاحِبَ مُعْتَبَرٌ بِصَاحِبِهِ- وَ اسْكُنِ الْأَمْصَارَ الْعِظَامَ فَإِنَّهَا جِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ- وَ احْذَرْ مَنَازِلَ الْغَفْلَةِ وَ الْجَفَاءِ- وَ قِلَّةَ الْأَعْوَانِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ- وَ اقْصُرْ رَأْيَكَ عَلَى مَا يَعْنِيكَ- وَ إِيَّاكَ وَ مَقَاعِدَ الْأَسْوَاقِ- فَإِنَّهَا مَحَاضِرُ الشَّيْطَانِ وَ مَعَارِيضُ الْفِتَنِ- وَ أَكْثِرْ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى مَنْ فُضِّلْتَ عَلَيْهِ- فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الشُّكْرِ- وَ لَا تُسَافِرْ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ حَتَّى تَشْهَدَ الصَّلَاةَ- إِلَّا فَاصِلًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ فِي أَمْرٍ تُعْذَرُ بِهِ- وَ أَطِعِ اللَّهَ فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ- فَإِنَّ طَاعَةَ اللَّهِ فَاضِلَةٌ عَلَى مَا سِوَاهَا- وَ خَادِعْ نَفْسَكَ فِي الْعِبَادَةِ وَ ارْفُقْ‏ بِهَا وَ لَا تَقْهَرْهَا- وَ خُذْ عَفْوَهَا وَ نَشَاطَهَا- إِلَّا مَا كَانَ مَكْتُوباً عَلَيْكَ مِنَ الْفَرِيضَةِ- فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهَا وَ تَعَاهُدِهَا عِنْدَ مَحَلِّهَا- وَ إِيَّاكَ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ الْمَوْتُ- وَ أَنْتَ آبِقٌ مِنْ رَبِّكَ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا- وَ إِيَّاكَ وَ مُصَاحَبَةَ الْفُسَّاقِ- فَإِنَّ الشَّرَّ بِالشَّرِّ مُلْحَقٌ- وَ وَقِّرِ اللَّهَ وَ أَحْبِبْ أَحِبَّاءَهُ- وَ احْذَرِ الْغَضَبَ فَإِنَّهُ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِيسَ أقول: هذا الفصل من كتاب طويل إليه.

و قد أمره فيه بأوامره و زجره بزواجره مدارها على تعليم مكارم الأخلاق و محاسن الآداب.
أحدها: أن يتمسّك بحبل القرآن.
و لفظ الحبل مستعار كما سبق. و أراد لزوم العمل به.
الثاني: أن ينتصحه
أي يتّخذه ناصحا له بحيث يقبل أمره و شوره لأنّه يهدي إلى الحقّ و إلى صراط مستقيم.
الثالث: أن يحلّ حلاله و يحرّم حرامه.
و ذلك أن يعتقد ما فيه من الحلال و الحرام حلالا و حراما و يقف عند اعتقاده و يعمل بمقتضاه.
الرابع: أن يصدّق بما سلف من الحقّ
ممّا حكاه القرآن الكريم من أحوال القرون الماضية و أحوال الأنبياء مع أممهم ليصحّ منه الاعتبار.
الخامس: أن يعتبر ماضي الدنيا بباقيها
و يقيسه به فيجعل ما مضى أصلا و ما يبقى فرعا و يحذو القدر المشترك بينهما من العلّة و هو كونها مظنّة التغيّر و الزوال فيحكم في الفرع بحكم الأصل من وجوب الزوال، و قد نبّه على المشترك بقوله: فإنّ بعضها يشبه بعضا. و على ما يلزم ذلك في الفرع بقوله: و آخرها لاحق بأوّلها و كلّها حائل: أي زائل مفارق.
السادس: أن يعظّم اسم اللّه و يكبّره
أن يذكره حالفا إلّا على حقّ.

السابع: أن يكثر ذكر الموت و ما بعده
فإنّ في ذكرهما أعظم واعظ و أشدّ زاجر عن الدنيا.
الثامن: نهاه أن يتمنّى الموت إلّا بشرط وثيق
من نفسه يطمئنّ إليه في طاعة اللّه و ولايته فإنّ تمنّيه بدون ذلك سفه و حمق.
التاسع: أمره أن يحذر كلّ عمل يرضاه لنفسه و يكره للمسلمين
و هو في المعنى نهى عن الاستيثار عليهم بالمكاره و لنفسه بالخيرات و هو كقوله: ردّ للناس ما تريد لنفسك و اكره لهم ما تكرهه لها.
العاشر: أن يحذر ما يعمله في السرّ و يستحيى منه في العلانية.
و الإشارة إلى معاصى اللّه و مفارقة الدنايا من المباحات، و كذلك كلّ عمل من شأنه أن ينكره إذا سئل عنه و يعتذر منه.
الحادي عشر: أن يحفظ عرضه و نهاه أن يجعله غرضا.
و استعار لفظ الغرض و النبال لما يرمي به من القول: و قد سبق وجه الاستعارة.
الثاني عشر: أن يحدّث الناس بكلّ ما سمع
على وجه أن يقول: كان كذا و كذا دون أن يقول: سمعت فلانا يقول: كذا. فإنّ بينهما فرقا. و لذلك قال: و كفى بذلك كذبا. لأنّه جاز أن يكون ما سمع في نفس الأمر كذبا فيكون قد كذب في قوله: كان كذا. و قوله: سمعت كذا. لا يكون كذبا إلّا على وجه آخر.
الثالث عشر: أن لا يردّ كلّ ما يحدّث به الناس
و يقابله بالتكذيب و الإنكار لأنّه جاز أن يكون حقّا فيحصل من إنكاره جهل بحقّ، و قوله: فكفى. في الموضعين صغرى ضمير تقدير كبرى الأوّل: و كلّما كفى به كذبا فينبغي أن لا يتحدّث به.
و تقدير كبرى الثاني: و كلّما كفى بردّه جهلا وجب أن لا يردّ.
الرابع عشر: أمره بكظم الغيظ. و الحلم و التجاوز و الصفح
هي فضائل تحت ملكة الشجاعة و شرطها بوجود الغضب و القدرة و الدولة فيسمّى حلما و تجاوزا و صفحا و إلّا لم يصدق عليها الاسم.
و قوله: تكن لك العاقبة.

أى العاقبة الحسنة من ذلك، و هي صغرى ضمير تقديرها: فإنّ فاعل هذه الخصال يكون له العاقبة منها، و تقدير الكبرى: و كلّما كانت له العاقبة الحسنة منها فيجب أن يفعلها.
الخامس عشر: أن يستصلح كلّ نعمة للّه تعالى
عليه بمداومة الشكر.
السادس عشر: أن لا يضيّع من نعمة اللّه تعالى نعمة:
أى بالقصور عن الشكر و الغفلة عنه.
السابع عشر: أن يظهر أثر نعمة اللّه تعالى عليه بحيث يراها الناس
فظهور أثرها عليه بإظهارها على نفسه و ذويه و صرف فاضلها إلى أهل الاستحقاق. و أعلمه بدليل وجوب ذلك من وجهين: أحدها: قوله: إنّ أفضل المؤمنين أفضلهم تقدمة: أى صدقة تقدّمها من نفسه بأقواله و أفعاله و أمواله، و من أهله كذلك. و هو جذب له أن يجعل نفسه من أفضل المؤمنين بالصدقة. الثاني: قوله: و إنّك. إلى قوله: خيره: أى ما تقدّمه و تؤخّره من المال و تخلّفه، و هو صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّما إذا قدّمته كان لك ذخرا و إذا أخّرته كان لغيرك خيره فواجب عليك تقديمه.
الثامن عشر: أن يحذر صحابة من يفيل رأيه
أى يضعف، و ينكر عمله لسوئه.
و علّل ذلك الحذر بقوله: فإنّ. إلى قوله: بصاحبه: أى فإنّك تقاس به لتنسب فعلك إلى فعله، و لأنّ الطبع مع الصحبة أطوع للفعل منه للقول فلو صحبه لشابه فعله فعله.
التاسع عشر: أن يسكن الأمصار العظام.
و الغرض الجمعيّة على دين اللّه كقوله صلّى اللّه عليه و آله: عليكم بالسواد الأعظم و لذلك علّل بكونها جماع المسلمين: أى مجمعهم. و أطلق اسم المصدر على المكان مجازا، و هو صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّما كان كذلك فينبغي أن يخصّ بالسكنى.
العشرون 
أن يحذر منازل الغفلة و الجفاء لأهل طاعة اللّه.

الحادى و العشرون: أن يقصر رأيه على ما يعنيه
فإنّ فيه شغلا عمّا لا يعنيه فتجاوزه إليه سفه.
الثاني و العشرون: أن يحذر مقاعد الأسواق.
و أشار إلى وجه المفسدة بقوله: فإنّها. إلى قوله: الفتن. و معنى كونه محاضر الشيطان كونها مجمع الشهوات و محلّ الخصومات الّتي مبدئها الشيطان. و معاريض: جمع معرض و هو محلّ عروض الفتن. و الكلام صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّما كان كذلك فلا يجوز القعود فيه.
الثالث و العشرون: أن يكثر نظره إلى من هو دونه ممّن فضّل عليه في النعمة.
و علّل ذلك بقوله: فإنّ. إلى قوله: الشكر. و وجه كونه بابا للشكر أنّه يكون سببا للدخول إليه منه. و هو صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّما كان من أبواب الشكر فواجب ملازمته.
الرابع و العشرون: أن لا يسافر في يوم الجمعة إلّا أن يكون في جهاد أو عذر واضح.
و سرّه أن صلاة الجمعة عظيمة في الدين و هو محلّ التأهّب لها و العبادة.
فوضعه للسفر وضع للشي‏ء في غير موضعه.
الخامس و العشرون: أن يطيع اللّه في جميع اموره.
و رغّب فيها بضمير صغراه قوله: فإنّ. إلى قوله: سواها. و تقدير كبراه: و كلّما فضّل ما سواه فالأولى لزومه و ايثاره على ما سواه.
السادس و العشرون: أن يخادع نفسه في العبادة.
فإنّه لمّا كان شأن النفس اتّباع الهوى و موافقة الطبيعة فبالحرىّ أن تخادع عن مألوفها إلى غيره تارة بأن يذكر الوعد، و تارة الوعيد، و تارة بالاستشهاد بمن هو دونها ممّن شمّر في عبادة اللّه، و تارة باللوم لها على التفريط في جنب اللّه. فإذا سلك بها فينبغي أن يكون بالرفق من غير قهرها على العبادة لكون ذلك داعية الملال و الانقطاع كما أشار إليه سيّد المرسلين صلّى اللّه عليه و آله: إنّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق و لا تبغّض فيه إلى نفسك عبادة اللّه فإنّ المنبتّ لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى، بل تأخذ منها عفوها و نشاطها في العبادة إلّا الفريضة فإنّه لا يجوز المساهلة فيها.

السابع و العشرون: حذّره أن ينزل به الموت حال ما هو آبق من ربّه.
و استعار له الآبق باعتبار خروجه عن أمره و نهيه في طلب الدنيا.
الثامن و العشرون: أن يحذر صحبة الفسّاق
و نفّر عن ذلك بضمير صغراه قوله: فإنّ الشرّ بالشرّ ملحق: أى فإنّه يصير لك شرّا كشرّهم لأنّ القرين بالمقارن يقتدى. و تقدير كبراه: و كلّ ما صيّر لك كذلك فلا يجوز فعله.
التاسع و العشرون: أن يجمع بين توقير اللّه و تعظيمه و بين محبّة أحبّائه
و أوليائه، و هما أصلان متلازمان.
الثلاثون: أن يحذر الغضب.
و نفّر عنه بقوله: فإنّه. إلى آخره، و معنى كونه جندا له لأنّه من أعظم ما يدخل به على الإنسان فيملكه و يصير في تصريفه كالملك الداخل بالجند العظيم على المدينة، و هو صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّما كان كذلك فواجب أن يحذر منه. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 219

 

نامه 67 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى سلمان الفارسى رحمه اللّه قبل أيام خلافته

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّمَا مَثَلُ الدُّنْيَا مَثَلُ الْحَيَّةِ- لَيِّنٌ مَسُّهَا قَاتِلٌ سَمُّهَا- فَأَعْرِضْ عَمَّا يُعْجِبُكَ فِيهَا- لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكَ مِنْهَا- وَ ضَعْ عَنْكَ هُمُومَهَا- لِمَا أَيْقَنْتَ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا- وَ تَصَرُّفِ حَالَاتِهَا- وَ كُنْ آنَسَ مَا تَكُونُ بِهَا أَحْذَرَ مَا تَكُونُ مِنْهَا- فَإِنَّ صَاحِبَهَا كُلَّمَا اطْمَأَنَّ فِيهَا إِلَى سُرُورٍ- أَشْخَصَتْهُ عَنْهُ إِلَى مَحْذُورٍ

اللغة

أقول: أشخصته: أذهبته.

و مدار الفصل على الموعظة و ذمّ الدنيا، و ضرب لها مثلا، و ذكر من وجوه الشبه من جانب الممثّل به أمرين: أحدهما: ليّن المسّ و تماثله من جانب الدنيا رفاهيّة العيش و لذّاته. و الثاني: قتل سمّها و يماثله من الدنيا هلاك المنهمكين في لذّاتها يوم القيامة ثمّ أمره في مقامه بها بأوامر:

أحدها: أن يعرض عمّا يعجبه منها. و علّل وجوب إعراضه بقوله: لقلّة ما يصحبك منها، و هى صغرى ضمير تقديرها: ما يصحبك منها قليل، و تقدير كبراه: و كلّما كان كذلك فينبغى أن يعرض عنه.

الثاني: أن يضع عنه هموم طلبها، و علّل وجوب ذلك بضمير صغراه قوله: لما أيقنت من فراقها: أى لأنك متيقّن لفراقها. و تقدير كبراه: و كلّما تيقّنت فراقه فواجب أن تضع همّك عن طلبه.

الثالث: أن يكون آنس ما يكون بها أحذر ما يكون منها. و ما مصدريّة، و آنس ينصب على الحال، و أحذر خبر كان: أى في حال كونك آنس بها كن أحذر ما تكون منها. و الغرض أن يحذر منها بقدر جهده و لا يأنس بها. و علّل وجوب الحذر منها بقوله: فإنّ صاحبها. إلى آخره. و هو صغرى ضمير تقديرها: فإنّها كلّما اطمأنّ صاحبها فيها. إلى آخره. و تقدير كبراه: و كلّما كان كذلك فيجب أن يحذر صاحبه منه و لا يأنس إليه ينتج فالدنيا يجب أن يحذر صاحبها منها.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 218

نامه 66 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى قثم بن العباس، و هو عامله على مكة

أَمَّا بَعْدُ فَأَقِمْ لِلنَّاسِ الْحَجَّ- وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ- وَ اجْلِسْ لَهُمُ الْعَصْرَيْنِ فَأَفْتِ الْمُسْتَفْتِيَ- وَ عَلِّمِ الْجَاهِلَ وَ ذَاكِرِ الْعَالِمَ- وَ لَا يَكُنْ لَكَ إِلَى النَّاسِ سَفِيرٌ إِلَّا لِسَانُكَ- وَ لَا حَاجِبٌ إِلَّا وَجْهُكَ- وَ لَا تَحْجُبَنَّ ذَا حَاجَةٍ عَنْ لِقَائِكَ بِهَا- فَإِنَّهَا إِنْ ذِيدَتْ عَنْ أَبْوَابِكَ فِي أَوَّلِ وِرْدِهَا- لَمْ تُحْمَدْ فِيمَا بَعْدُ عَلَى قَضَائِهَا- وَ انْظُرْ إِلَى مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ مَالِ اللَّهِ- فَاصْرِفْهُ إِلَى مَنْ قِبَلَكَ مِنْ ذَوِي الْعِيَالِ وَ الْمَجَاعَةِ- مُصِيباً بِهِ مَوَاضِعَ الْفَاقَةِ وَ الْخَلَّاتِ- وَ مَا فَضَلَ عَنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ إِلَيْنَا لِنَقْسِمَهُ فِيمَنْ قِبَلَنَا- وَ مُرْ أَهْلَ مَكَّةَ أَلَّا يَأْخُذُوا مِنْ سَاكِنٍ أَجْراً- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ- سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَ الْبادِ- فَالْعَاكِفُ الْمُقِيمُ بِهِ- وَ الْبَادِي الَّذِي يَحُجُّ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ- وَفَّقَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ لِمَحَابِّهِ وَ السَّلَامُ

 

اللغة

أقول: ذيدت: ردّت. و الخلّة: الحاجة.

و فيه مقاصد:
أحدها: أمره بإقامة الحجّ للناس.
و إقامته القيام بأعماله، و تعليم الجاهلين كيفيّته، و جمعهم عليه.
الثاني: أن يذكّرهم بأيّام اللّه
أى عقوباته الّتي وقعت بمن سلف من المستحقّين لها كى يحترزوا بطاعته من أمثالها. و عبّر عنها بالأيّام مجازا إطلاقا لاسم المتعلّق على المتعلّق.
الثالث: أن يجلس لهم العصرين
أى الغداة و العشىّ لكونهما أطيب الأوقات بالحجاز، و أشار إلى أعظم فوائد جلوسه في الوقتين و هى فايدة العلم، و حصره وجوه حاجة أهلها إليها و أمره بسدّ تلك الوجوه، و بيان الحصر أنّ الناس إمّا غير عالم أو عالم، و غير العالم إمّا مقلّد أو متعلّم طالب، و العالم إمّا هو أو غيره. فهذه أقسام أربعة. فوجه حاجة القسم الأوّل و هو الجاهل المقلّد أن يستفتي فأمره أن يفتيه، و وجه حاجة الثاني و هو المتعلّم الجاهل أن يتعلّم فأمره أن يعلّمه، و وجه حاجة الثالث هو مع الرابع و هو العالم أن يتذاكرا فأمره بالمذاكرة له.
الرابع: نهاه أن يجعل له إلى الناس سفيرا يعبر عنه إلّا لسانه، و لا حاجبا إلّا وجهه لأنّ ذلك مظنّة الكبر و الجهل بأحوال الناس الّتي يجب على الوالي الإحاطة بها بقدر الإمكان. و إلّا للحصر و ما بعدها خبر كان.
الخامس: نهاه أن يحجب أحدا عن لقائه، بحاجته
مؤكّدا لما سبق، و رغبّه في ملاقات ذى الحاجة بضمير صغراه قوله: فإنّها. إلى قوله: قضائها: أى لم تحمدفيما بعد و إن قضيتها له، و تقدير الكبرى: و كلّ أمر كان كذلك فلا ينبغي أن يحجب صاحبه عن لقائك به و يذاد عن أبوابك في أوّل ورده.
السادس: أمره أن يعتبر مال بيت المسلمين و يصرفه في مصارفه
متوخّيا بذلك الأحوج فالأحوج و يحمل الباقي إليه. و مصيبا حال. و روى: مواضع المفاقر.
و الإضافة لتغاير اللفظين.
السابع: أمره بنهى أهل مكّة عن أخذ الاجرة ممّن يسكن بيوتهم و احتجّ لذلك بالآية
مفسّرا لها، و هى صغرى ضمير. و تقدير كبراه: و كلّما قال اللّه فيه ذلك لم يجز مخالفته. ثمّ ختم بالدعاء لنفسه و له أن يوفّقهما لمحابّه. و به التوفيق لذلك.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 216

 

نامه 65 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى عبد اللّه بن العباس

و قد تقدم ذكره بخلاف هذه الرواية أَمَّا بَعْدُ- فَإِنَّ الْمَرْءَ لَيَفْرَحُ بِالشَّيْ‏ءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيَفُوتَهُ- وَ يَحْزَنُ عَلَى الشَّيْ‏ءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ- فَلَا يَكُنْ أَفْضَلَ مَا نِلْتَ فِي نَفْسِكَ- مِنْ دُنْيَاكَ بُلُوغُ لَذَّةٍ- أَوْ شِفَاءُ غَيْظٍ- وَ لَكِنْ إِطْفَاءُ بَاطِلٍ أَوْ إِحْيَاءُ حَقٍّ- وَ لْيَكُنْ سُرُورُكَ بِمَا قَدَّمْتَ- وَ أَسَفُكَ عَلَى مَا خَلَّفْتَ- وَ هَمُّكَ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ

المعنى

أقول: قد سبق شرحه إلّا كلمات يسيرة فيه:

منها: أنّه نبّهه على لزوم فضيلتي العفّة و الحلم بالنهى عن أن يجعل بلوغ لذّته من دنياه أو شفاء غيظه اللذين هما طرفا الإفراط و التفريط من الفضيلتين المذكورتين أفضل ما نال منها في نفسه. ثمّ نبّهه على ما ينبغي أن يكون أفضل في نفسه من دنياه و هو إطفاء الباطل و إحياء الحقّ. و إطفاء الباطل تنبيه على وجه استعمال قوّتي الشهوة و الغضب و هو أن يكون الغرض من فعلها دفع الضرورة و بقدر الحاجة. و منها: أنّه أمره في الرواية الاولى أن يكون فرحه بما نال من آخرته، و أمره هنا أن يكون سروره بما قدّم لنفسه من زاد التقوى و هو أمر بمقدّمة الآخرة.

و أمره في الرواية الأولى أن يكون أسفه على ما فات من آخرته، و أمره هنا أن يكون أسفه على ما خلّف: أى ترك من العمل. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 215

نامه 64 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إليه أيضا

أَمَّا بَعْدُ- فَقَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَنْتَفِعَ بِاللَّمْحِ الْبَاصِرِ مِنْ عِيَانِ الْأُمُورِ- فَقَدْ سَلَكْتَ مَدَارِجَ أَسْلَافِكَ بِادِّعَائِكَ الْأَبَاطِيلَ- وَ اقْتِحَامِكَ غُرُورَ الْمَيْنِ وَ الْأَكَاذِيبِ وَ بِانْتِحَالِكَ مَا قَدْ عَلَا عَنْكَ- وَ ابْتِزَازِكَ لِمَا قَدِ اخْتُزِنَ دُونَكَ- فِرَاراً مِنَ الْحَقِّ- وَ جُحُوداً لِمَا هُوَ أَلْزَمُ لَكَ مِنْ لَحْمِكَ وَ دَمِكَ- مِمَّا قَدْ وَعَاهُ سَمْعُكَ- وَ مُلِئَ بِهِ صَدْرُكَ- فَمَا ذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ الْمُبِينُ- وَ بَعْدَ الْبَيَانِ إِلَّا اللَّبْسُ- فَاحْذَرِ الشُّبْهَةَ وَ اشْتِمَالَهَا عَلَى لُبْسَتِهَا- فَإِنَّ الْفِتْنَةَ طَالَمَا أَغْدَفَتْ جَلَابِيبَهَا- وَ أَعْشَتِ الْأَبْصَارَ ظُلْمَتُهَا- وَ قَدْ أَتَانِي كِتَابٌ مِنْكَ ذُو أَفَانِينَ مِنَ الْقَوْلِ- ضَعُفَتْ قُوَاهَا عَنِ السِّلْمِ- وَ أَسَاطِيرَ لَمْ يَحُكْهَا مِنْكَ عِلْمٌ وَ لَا حِلْمٌ- أَصْبَحْتَ مِنْهَا كَالْخَائِضِ فِي الدَّهَاسِ- وَ الْخَابِطِ فِي الدِّيمَاسِ- وَ تَرَقَّيْتَ إِلَى مَرْقَبَةٍ بَعِيدَةِ الْمَرَامِ- نَازِحَةِ الْأَعْلَامِ- تَقْصُرُ دُونَهَا الْأَنُوقُ- وَ يُحَاذَى بِهَا الْعَيُّوقُ- وَ حَاشَ لِلَّهِ أَنْ تَلِيَ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدِي صَدْراً أَوْ وِرْداً- أَوْ أُجْرِيَ لَكَ عَلَى‏ أَحَدٍ مِنْهُمْ عَقْداً أَوْ عَهْداً- فَمِنَ الْآنَ فَتَدَارَكْ نَفْسَكَ وَ انْظُرْ لَهَا- فَإِنَّكَ إِنْ فَرَّطْتَ حَتَّى يَنْهَدَ إِلَيْكَ عِبَادُ اللَّهِ- أُرْتِجَتْ عَلَيْكَ الْأُمُورُ- وَ مُنِعْتَ أَمْراً هُوَ مِنْكَ الْيَوْمَ مَقْبُولٌ وَ السَّلَامُ

اللغة

أقول: المدارج: المسالك و المذاهب جمع مدرجة. و الإقحام: الدخول في الشي‏ء بسرعة من غير رويّة. و انتحل الكلام: ادّعاه لنفسه و ليس له. و الابتزاز: الاستلاب. و اغدفت المرأة جلبابها: أرسلته على وجهها. و التفنّن: التخليط و التنويع. و الأساطير: الأباطيل جمع اسطورة بالضمّ و إسطارة بالكسر. و الدهاس: المكان السهل الليّن دون الرمل. و الديماس: المكان شديد الظلمة، و كالسراب و نحوه. و المرقبة: موضع مشرف يرتفع عليه الراصد و الأنوق: الرخمة. و العيّوق: نجم معروف. و تنهد: تنهض. و أرتجت: أغلقت.

المعنى

و الكتاب جواب أيضا. فقوله: أمّا بعد. إلى قوله: الأمور. تنبيه له على وجوب الاتّعاظ و الانزجار عن دعوى ما ليس له. و المراد أنّه قد حضر وقت انتفاعك من عيان الأمور و مشاهدتها بلمحك الباصر. و لفظ اللمح مستعار لدرك الأمور النافعة بخفّة و سرعة، و روى عيون الأمور: أي أنفسها و حقائقها الّتي هى موارد اللمح و الاعتبار، و وصفه بالباصر مبالغة في الإبصار كقولهم: ليل أليل. و قوله: فقد سلكت. إلى قوله: اللبس. إشارة إلى سبب حاجته إلى التنبيه المذكور و هو سلوكه طرايق أسلافه بالأمور الأربعة المذكورة فادّعاؤه الأباطيل ادّعاؤه ما ليس له بحقّ حقّا من دم عثمان و طلحة و الزبير و غير ذلك، و اقتحامه لغرور الأكاذيب دخوله في الغفلة عن سوء عاقبتها. و أكاذيبه في دعاويه ظاهرة. و ما قد علا عنه هو أمر الخلافة، و ما اختزن‏ دونه فابتزّه هو مال المسلمين و بلادهم الّتي يغلب عليها. و أراد أنّه اختزن بالاستحقاق من اللّه. و فرارا و جحودا مصدران سدّا مسدّ الحال، و ما هو ألزم له من لحمه و دمه ممّا قد وعاه سمعه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و امتلأ به صدره علما في مواطن كغدير خمّ و غيره هو وجوب طاعته، و إنّما كان ألزم له من لحمه و دمه لأنّهما دائما في التغيّر و التبدّل و وجوب طاعته أمر لازم لنفسه لا يجوز تغيّره و تبدّله، و تجوّز بلفظ الصدر في القلب إطلاقا لاسم المتعلّق على المتعلّق، و أشار بالآية إلى أنّ الحقّ الّذي علمته لي ليس وراءه لمن تعدّاه إلّا الضلال و الهلاك لأنّ الحقّ حدّ من تجاوزه وقع في أحد طرفي الإفراط و التفريط، و كذلك ليس بعد البيان الّذي بيّن لك في أمري إلّا اللبس. ثمّ حذّرة الشبهة و اشتمالها على لبستها. و الشبهة دم عثمان. و لفظ اللبسة مستعار للداخلين فيها ملاحظة لشبهها بالقميص و نحوه، و علّل تحذيره إيّاه و وجوب وقوفه دونها بقوله: فإنّ الفتنة. إلى قوله: ظلمتها. و هو صغرى ضمير و استعار لفظ الجلابيب لأمورها المغطية لبصائر أهلها عن الحقّ كما لا تبصر المرأة عند إرسال جلبابها على وجهها. و كذلك استعار لفظ الظلمة باعتبار التباس الأمور فيها و عدم التهدّى إلى الحقّ كالظلمة الّتي لا يهتدي فيها، و رشّح بذكر الإغداف و الإعشاء. ثمّ شرع في أحوال كتابه فبدء بذمّه. و لمّا كان مداره على اللفظ و المعنى أشار إلى ذمّ اللفظ بأنّه ذو أفانين من القول: أى أنّه أقوال ملفّقة لا يناسب بعضها بعضا. و قوله: ضعفت قواها عن السلم. أى ليس لها قوّة أن يوجب صلحا. و أشار إلى ذمّ المعنى بأنّه أباطيل غير محكمة النسج لا من جهة العلم إذ لا علم له و لا من جهة الحلم لأنّ الكتاب كان فيه خشونة و تهوّر و ذلك ينافي الحلم و ينافي غرضه من الصلح. و لفظ الحوك مستعار لسبك الكلام.

و قوله: أصبحت منها. صفة لأساطير، و وجه شبهه بالخائض و الخابط ضلاله و عدم هدايته إلى وجه‏ الحقّ كما لا يهتدى حائض الدهاس و خابط الديماس فيهما. ثمّ شرع في جوابه و كان مقصوده في كتابه أن ينصّ عليه بالخلافة بعده ليبايعه فوبّخه أوّلا على طلبه أمرا ليس من أهله بقوله: و ترقّيت. إلى قوله: العيّوق. و لفظ المرقبة مستعار لأمر الخلافة. و رشّح بلفظ الترقّى و الأوصاف الأربعة بعدها لأنّها من شأن المرقبة التامّة، و إنّما خصّ الأنوق لأنّها تقصد الأماكن العالية الصعبة من رءوس الجبال فيبنى أو كارها هناك. ثمّ صرفه عن المطلوب بتنزيه اللّه سبحانه أن يلي من بعده للمسلمين خروجا أو دخولا في أمر من أمورهم، أو أن يجرى على أحد منهم له عقدا أو عهدا. و العقد كالنكاح و البيوع و الإجارة، و العهد كالبيعة و الأمان و اليمين و الذمّة: أى لا يمكنه من ذلك، و لمّا آيسه من المطلوب أمره بتدارك نفسه بالنظر لها فيما هو مصلحتها من طاعته، و توعّده على تقصيره في ذلك بما يلزم تقصيره من نهوض عباد اللّه إليه و انغلاق الأمور حينئذ و منعه العذر الّذي هو منه الآن مقبول. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 212

نامه 63 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى معاوية، جوابا

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّا كُنَّا نَحْنُ وَ أَنْتُمْ عَلَى مَا ذَكَرْتَ- مِنَ الْأُلْفَةِ وَ الْجَمَاعَةِ- فَفَرَّقَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمْ أَمْسِ أَنَّا آمَنَّا وَ كَفَرْتُمْ- وَ الْيَوْمَ أَنَّا اسْتَقَمْنَا وَ فُتِنْتُمْ- وَ مَا أَسْلَمَ مُسْلِمُكُمْ إِلَّا كَرْهاً- وَ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَنْفُ الْإِسْلَامِ كُلُّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ص حِزْباً وَ ذَكَرْتَ أَنِّي قَتَلْتُ طَلْحَةَ وَ الزُّبَيْرَ- وَ شَرَّدْتُ بِعَائِشَةَ وَ نَزَلْتُ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ- وَ ذَلِكَ أَمْرٌ غِبْتَ عَنْهُ فَلَا عَلَيْكَ وَ لَا الْعُذْرُ فِيهِ إِلَيْكَ- وَ ذَكَرْتَ أَنَّكَ زَائِرِي فِي الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ- وَ قَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ يَوْمَ أُسِرَ أَخُوكَ- فَإِنْ كَانَ فِيهِ عَجَلٌ فَاسْتَرْفِهْ- فَإِنِّي إِنْ أَزُرْكَ فَذَلِكَ جَدِيرٌ- أَنْ يَكُونَ اللَّهُ إِنَّمَا بَعَثَنِي إِلَيْكَ لِلنِّقْمَةِ مِنْكَ- وَ إِنْ تَزُرْنِي فَكَمَا قَالَ أَخُو بَنِي أَسَدٍ- مُسْتَقْبِلِينَ رِيَاحَ الصَّيْفِ تَضْرِبُهُمْ بِحَاصِبٍ بَيْنَ أَغْوَارٍ وَ جُلْمُودِ – وَ عِنْدِي السَّيْفُ الَّذِي أَعْضَضْتُهُ بِجَدِّكَ- وَ خَالِكَ وَ أَخِيكَ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ- وَ إِنَّكَ وَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ الْأَغْلَفُ الْقَلْبِ الْمُقَارِبُ الْعَقْلِ- وَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَكَ- إِنَّكَ رَقِيتَ سُلَّماً أَطْلَعَكَ مَطْلَعَ سُوءٍ عَلَيْكَ لَا لَكَ- لِأَنَّكَ‏ نَشَدْتَ غَيْرَ ضَالَّتِكَ وَ رَعَيْتَ غَيْرَ سَائِمَتِكَ- وَ طَلَبْتَ أَمْراً لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ وَ لَا فِي مَعْدِنِهِ- فَمَا أَبْعَدَ قَوْلَكَ مِنْ فِعْلِكَ- وَ قَرِيبٌ مَا أَشْبَهْتَ مِنْ أَعْمَامٍ وَ أَخْوَالٍ- حَمَلَتْهُمُ الشَّقَاوَةُ وَ تَمَنِّي الْبَاطِلِ عَلَى الْجُحُودِ بِمُحَمَّدٍ ص- فَصُرِعُوا مَصَارِعَهُمْ حَيْثُ عَلِمْتَ- لَمْ يَدْفَعُوا عَظِيماً وَ لَمْ يَمْنَعُوا حَرِيماً- بِوَقْعِ سُيُوفٍ مَا خَلَا مِنْهَا الْوَغَى- وَ لَمْ تُمَاشِهَا الْهُوَيْنَى- وَ قَدْ أَكْثَرْتَ فِي قَتَلَةِ عُثْمَانَ- فَادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ ثُمَّ حَاكِمِ الْقَوْمَ إِلَيَّ- أَحْمِلْكَ وَ إِيَّاهُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى- وَ أَمَّا تِلْكَ الَّتِي تُرِيدُ- فَإِنَّهَا خُدْعَةُ الصَّبِيِّ عَنِ اللَّبَنِ فِي أَوَّلِ الْفِصَالِ- وَ السَّلَامُ لِأَهْلِهِ

 

اللغة

أقول: أنف الإسلام: أوّله. و التشريد: الإبعاده. و استرفه: أى نفّس عنك من الرفاهيّة و هى السعة. و الأغوار: المنخفضة من الأرض. و أغصصت السيف بفلان: أى جعلته يغصّ به و هو من المغلوب لأنّ المضروب هو الّذي يغصّ بالسيف: أى لا يكاد يسيغه. و يروي بالضاد المعجمة: أى جعلته عاضّا لهم. و المقارب- بالكسر- : الّذي ليس بالتمام.

المعنى

و قد كان معاوية كتب إليه عليه السّلام يذكّره ما كانوا عليه قديما من الالفة و الجماعة، و ينسب إليه بعد ذلك قتل طلحة و الزبير و التشريد بعايشه و يتوعّده بالحرب و يطلب منه قتلة عثمان. فأجابه عليه السّلام عن كلّ من ذلك بجواب: أمّا

الأوّل: فسلّم دعواه من القدر المشترك بينهم و هو الألفه و الجماعة قبل الإسلام و لكنّه ذكر الفارق و هو من وجوه: أحدها: أنّه عليه السّلام في أوّل الإسلام آمن في جملة من أهل بيته، و معاوية و أهل بيته حينئذ كانوا كفّارا.

الثاني: أنّه عليه السّلام و أهل بيته في آخر الأمر لم يزالوا مستقيمين على الدين و معاوية و أهل بيته مفتونين جاهلين بفتنتهم. الثالث: أنّ من أسلم من أهل بيته عليه السّلام أسلم طوعا، و مسلم أهل معاوية لم يسلم إلّا كرها بعد أن اشتدّ الإسلام و صار للرسول صلّى اللّه عليه و آله حزب قوىّ من أشراف العرب، و استعار لفظ أنف الإسلام لهم باعتبار كونهم أعزّاء أهله. و ممّن أسلم كرها أبو سفيان، و ذلك أنّه لمّا انتهى [أتى خ‏] رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى مكّة في غزوة الفتح أتى ليلا فنزل بالبطحاء و ما حولها فخرج العبّاس بن عبد المطّلب على بغلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يدور حول مكّة في طلب من يبعثه إلى قريش ليخرجوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و يعتذروا إليه فلقى أبا سفيان فقال له: كن رديفى لتمضى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و نأخذ الأمان لك منه. فلمّا دخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عرض عليه الإسلام فأبى.
فقال عمر: ائذن لي يا رسول اللّه لأضرب عنقه. و كان العبّاس يحامى عنه للقرابة فقال: يا رسول اللّه إنّه يسلم غدا. فلمّا جاء الغد دخل به على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فعرض عليه الإسلام فأبى فقال له العبّاس في السرّ: يا أبا سفيان اشهد أن لا إله إلّا اللّه و اشهد أنّ محمّدا رسول اللّه و إن لم يكن ذلك في قلبك فإنّه يأمر الآن بقتلك إن لم تقل.
فشهد الشهادتين على كره لخوف القتل و قد رأى أكثر من عشرة آلاف رجل حول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد تحزبّوا معه و اجتمعوا إليه. فذلك معنى قوله: أمّا بعد. إلى قوله: حزبا. الثاني: ما ادّعاه عليه من قتل طلحة و الزبير و تشريد عايشه و النزول بين المصرين البصرة و الكوفة، فأجاب عنه بقوله: و ذلك. إلى قوله: إليك و هو في قوّة ضمير تقدير كبراه: و كلّ من غاب عن أمر و لم يكن فيه مدخل فليس تكليفه عليه و لا العذر من التقصير و التفريط فيه إليه. الثالث: ما توعّده به من زيارته في المهاجرين و الأنصار، فأجابه بوجهين: أحدهما: أنّه أوهم في كلامه أنّه من المهاجرين فأكذبه بقوله: و قد انقطعت الهجرة يوم أسر أبوك: أى حين الفتح، و ذلك أنّ معاوية و أباه و جماعة من أهله‏ إنّما أظهروا الإسلام بعد الفتح و قد قال صلّى اللّه عليه و آله: لا هجرة بعد الفتح فلا يصدق عليهم إذن اسم المهاجرين. و سمّى عليه السّلام أخذ العبّاس لأبي سفيان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله غير مختار و عرضه على القتل أسرا. و روى يوم اسر أخوك. و قد كان اسر أخوه عمرو بن أبي سفيان يوم بدر. فعلى هذه الرواية يكون الكلام في معرض التذكرة له بأنّ من شأنه و شأن أهله أن يؤسروا أوّلا فيسلموا فكيف يدّعون مع ذلك الهجرة فإنّ الهجرة بهذه الاعتبار منقطعة عنهم. و لا يكون- يوم اسر- ظرفا لانقطاع الهجرة لأنّ الهجرة انقطعت بعد الفتح. الثاني: مقابلة وعيده بوعيد مثله و هو فوله: فإن كان.
إلى قوله: مقام واحد. و أراد إن كنت مستعجلا في مسيرك إلىّ فاطلب الرفاهيّة على نفسك في ذلك فإنّك إنّما تستعجل إلى ما يضرّك، و نبّه على ذلك بقوله: فإنّي. إلى قوله: واحد، و هو في قوّة صغرى ضمير و وجه التمثيل بالبيت أنّه شبّه استقبال معاوية في جمعه له باستقبالهم رياح الصيف، و شبّه نفسه برياح الصيف و جعل وجه المشابهة كونه عليه السّلام يضرب وجوههم في الحرب بالسيوف و الرماح كما تضرب رياح الصيف وجوه مستقبليها بالحصباء، و قد بيّنا أنّه عليه السّلام قتل جدّ معاوية و هو عتبة، و خاله الوليد بن عتبة، و أخاه حنظلة بن أبي سفيان. و تقدير الكبرى: و كلّ من كان كذلك فمن الواجب ان يحذر منه ولايتوعد بحرب و قتال. و قوله: و إنّك و اللّه. إلى قوله: الهوينا. توبيخ مشوب بتهديد، و ما في قوله: و ما علمت. موصولة، و استعار لفظ الأغلف لقلبه، و وجه الاستعارة أنّه محجوب بالهيئات البدنيّة و أغشية الباطل عن قبول الحقّ و فهمه فكأنّه في غلاف منها، و وصف المقاربة في عقله لاختياره الباطل. ثمّ أعلمه على سبيل التوبيخ بما الأولى أن يقال في حاله. و استعار لفظ السلّم للأحوال الّتي ركبها و المنزلة الّتي طلبها، و رشّح بذكر الارتقاء و الإطلاع. المطلع مصدر، و يجوز أن يكون اسم الموضع و احتجّ لصحّة قوله بقوله: لأنّك: إلى قوله: معدنه، و استعار الضالّة و السائمة لمرتبته الّتي ينبغي له أن يطلبها و يقف عندها. و ما هو غيرها هو أمر الخلافة. إذ ليس من أهلها. و رشّح بذكر النشيد و الرعى. ثمّ تعجّب من بعد ما بيّن قوله و فعله و ذلك أنّ مدار قوله في الظاهر على طلب قتلة عثمان و إنكار المنكر كما ادّعاه، و مدار فعله و حركاته على التغليب في الملك و البغى على الإمام العادل و شتّان ما هما. ثمّ حكم بقرب شبهه بأعمامه و أخواله. و ما مصدرية و المصدر مبتدأ خبره قريب. فمن أهل الشقاوة من جهة عمومته حمّالة الحطب و من جهة خؤولته الوليد بن عتبة. و إنّما أنكر الأعمام و الأخوال لأنّه لم يكن له أعمام و أخوال كثيرون و الجمع المنكر جاز أن يعبّر به عن الواحد و الاثنين للمبالغة مجازا في معرض الشناعة، و لا كذلك الجمع المعرّف، و أشار إلى وجه الشبه بقوله: حملتهم. إلى قوله: الهوينا. و موضع قوله: حملتهم. الجرّ صفة لأخوال و أراد الشقّاوة المكتوبة عليهم في الدنيا و الآخرة الّتي استعدّوا لها بجحود محمّد صلّى اللّه عليه و آله و تمنّى الباطل هو ما كانوا يتمنّونه و يبذلون أنفسهم و أموالهم فيه من قهر الرسول صلّى اللّه عليه و آله و إطفاء نور النبوّة و إقامة أمر الشرك.

و قوله: بوقع. متعلّق بقوله: فصرعوا. و ما خلاصفة لسيوف. و لفظ المماشاة مستعار. و المراد أنّ تلك السيوف لم يلحق ضربها و وقعها هون و لا سهولة و لم يجر معها، و روى لم يماسّها بالسين المهملة من المماسّة: أى لم يخالطها شي‏ء من ذلك. الرابع: طلبه لقتلة عثمان و أجابه بقوله: فادخل. إلى آخره، و أراد فيما دخل فيه الناس من الطاعة و البيعة. و صدق الجواب ظاهر لأنّه لا بدّ للمتحاكمين من حاكم و هو عليه السّلام يومئذ الحاكم الحقّ فليس لمعاوية أن يطلب منه إذن قوما منهم المهاجرون و الأنصار ليسلّمهم إليه حتّى يقتلهم من غير محاكمة بل يجب أن يدخل في طاعته و يجرى عليه أحكامه ليحاكم القوم إليه فإمّا له و إمّا عليه.

و قوله: و أمّا تلك الّتي تريد. أى الخدعة عن الشام لغرض إقراره على إمارتها. و وجه مشابهتها بخدعة الصبيّ ضعفها و ظهور كونها خدعة لكلّ أحد. و إنّما قال: و السّلام لأهله. لأنّ‏معاوية لم يكن في نظره من أهله. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 207

 

نامه 62 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى أبى موسى الأشعرى، و هو عامله على الكوفة

و قد بلغه عنه تثبيطه الناس على الخروج إليه لما ندبهم لحرب أصحاب الجمل مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ- أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ قَوْلٌ هُوَ لَكَ وَ عَلَيْكَ- فَإِذَا قَدِمَ رَسُولِي عَلَيْكَ فَارْفَعْ ذَيْلَكَ- وَ اشْدُدْ مِئْزَرَكَ وَ اخْرُجْ مِنْ جُحْرِكَ وَ انْدُبْ مَنْ مَعَكَ- فَإِنْ حَقَّقْتَ فَانْفُذْ وَ إِنْ تَفَشَّلْتَ فَابْعُدْ- وَ ايْمُ اللَّهِ لَتُؤْتَيَنَّ مِنْ حَيْثُ أَنْتَ- وَ لَا تُتْرَكُ حَتَّى يُخْلَطَ زُبْدُكَ بِخَاثِرِكَ- وَ ذَائِبُكَ بِجَامِدِكَ- وَ حَتَّى تُعْجَلُ عَنْ قِعْدَتِكَ- وَ تَحْذَرَ مِنْ أَمَامِكَ كَحَذَرِكَ مِنْ خَلْفِكَ- وَ مَا هِيَ بِالْهُوَيْنَى الَّتِي تَرْجُو- وَ لَكِنَّهَا الدَّاهِيَةُ الْكُبْرَى- يُرْكَبُ جَمَلُهَا وَ يُذَلُّ صَعْبُهَا وَ يُسَهَّلُ جَبَلُهَا- فَاعْقِلْ عَقْلَكَ وَ امْلِكْ أَمْرَكَ وَ خُذْ نَصِيبَكَ وَ حَظَّكَ- فَإِنْ كَرِهْتَ فَتَنَحَّ إِلَى غَيْرِ رَحْبٍ وَ لَا فِي نَجَاةٍ- فَبِالْحَرِيِّ لَتُكْفَيَنَّ وَ أَنْتَ نَائِمٌ حَتَّى لَا يُقَالَ أَيْنَ فُلَانٌ- وَ اللَّهِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مَعَ مُحِقٍّ وَ مَا أُبَالِي مَا صَنَعَ الْمُلْحِدُونَ

المعنى

أقول: روى عن أبى موسى أنّه كان حين مسير عليّ عليه السّلام إلى البصرة واستنفاره لأهل الكوفة إلى نصرته يثبّط الناس عنه و يقول: إنّها فتنة فلا يجوز القيام فيها، و يروى عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أخبارا يتضمّن وجوب القعود عن الفتنة و الاعتزال فيها. فكتب إليه مع ابنه الحسن عليه السّلام هذا الكتاب. و القول الّذى بلغه عنه هو نهى الناس و تثبيطهم عن النهوض إليه، و ذلك قول هو له باعتبار ظاهر الدين و نهيه عن الخوض في الفتن، و هو عليه من وجوه: الأوّل: كان معلوما من همّه أنّه لم يقصد بذلك إلّا قعود الناس عنه، و فهم منه ذلك. و هو خذلان للدين في الحقيقة و هو عائد عليه بمضرّة العقوبة منه عليه السّلام و من اللّه تعالى في الآخرة. الثاني: أنّه لمّا كان عليه السّلام على الحقّ في حربه كان تثبيط أبي موسى عنه جهلا بحاله و ما يجب من نصرته و القول بالجهل عائد على القائل بالمضرّة. الثالث: أنّه في ذلك القول مناقض لغرضه لأنّه نهى عن الدخول مع الناس و مشاركتهم في زمن الفتنة و روى خبرا يقتضى أنّه يجب القعود عنهم حينئذ مع أنّه كان أميرا يتهافت على الولاية و ذلك متناقض فكان عليه لاله. ثمّ أمره عند قدوم رسوله عليه بأوامر على سبيل الوعيد و التهديد:

أحدها: أن يرفع ذيله و يشدّه مئزره. و هما كنايتان عن الاستعداد للقيام بواجب أمره و المسارعة إلى ذلك.

الثاني: أن يخرج من جحره. و أراد خروجه من الكوفة. و استعار له لفظ الجحر ملاحظة لشبهه بالثعلب و نحوه.

الثالث: أن يندب: أى يبعث من معه من العسكر و يدعوهم إلى الخروج. و قوله: فإن حقّقت. أى عرفت حقيقة أمرى و أنّي على الحقّ فانفذ. أى فامض فيما آمرك به، و إن تفشّلت: أى جبنت و ضعفت عن هذا الأمر و معرفته فاقعد عنه. ثمّ توعّده على تقدير قعوده و أقسم ليأتينّه بالمكان الّذى هو به من لا يتركه حتّى يخلط زبده بخاثره و ذائبه بجامده، و هما مثلان كنّى بهما عن خلط أحواله الصافية بالتكدير كعزّته‏ بذلّته و سروره بغمّه و سهولة أمره بصعوبته، و حتّى بعجله عن قعدته و هي هيئة قعوده و أراد غاية الإعجال، و حتّى يكون حذره من أمامه كحذره من خلفه. و هو كناية عن غاية الخوف. و إنّما جعل الحذر من الخلف أصلا في التشبيه لكون الإنسان من ورائه أشدّ خوفا. و قيل: أراد حتّى يخاف من الدنيا كما يخاف من الآخرة. و قوله: و ما هي بالهوينا. أى و ما القصّة المعهودة لك بالهيّنة السهلة الّتي ترجو أن تكون فيها على اختيارك و لكنّها الداهية الكبرى من دواهى الدهر و مصائبه.

و قوله: يركب جملها. أى يركب فيها، و يذلّ صعبها: أى يسهل الأمور الصعاب فيها. و هو كناية عن شدّتها و صعوبتها. ثمّ أردف وعيده و تحذيره بنصيحته و أمره بأوامر: أحدها: أن يعقل عقله. و عقله يحتمل النصب على المصدر و هو أمر له أن يراجع عقله و يعتبر هذا الحال العظيمة دون هواه. و قيل: هو مفعول به: أى اضبط عقلك و احبسه على معرفة الحقّ من الباطل و لا تفرّقه فيما لا ينبغي. الثاني: أن يملك أمره: أى شأنه و طريقته، و يصرفها على قانون العدل و الحقّ دون الباطل. الثالث: أن يأخذ نصيبه و حظّه من طاعته و القيام بأمره في نصرته و الذبّ عن دين اللّه. و قيل: أراد خذ ما قسّم لك من الحظّ و لا تتجاوز إلى ما ليس لك. ثمّ أردف ذلك بأمره بالتنحيّ عن الولاية على تقدير كراهته لما ذكر و عدم امتثاله لما أمر. و قوله: فبالحرىّ لتكفينّ. أى فما أحذر أن يكفى هذه المئونة و أنت نائم عن طاعة اللّه حتّي لا يفتقد و لا يسأل عنك لعدم المبالاة بك. ثمّ أقسم أنّه لحقّ: أى الأمر المعهود الّذى فعله من حربه بالبصرة، مع محقّ: أى صاحب محقّ لما يدّعيه، عالم به، لا يكترث بما صنع الملحدون في دين اللّه من مخالفته لمعرفته أنّه على الحقّ دونهم.

شرح نهج البلاغة (ابن‏ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 204

 

نامه 61 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى أهل مصر، مع مالك الأشتر لما ولاه إمارتها

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً ص- نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ وَ مُهَيْمِناً عَلَى الْمُرْسَلِينَ- فَلَمَّا مَضَى ع تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ‏ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ- فَوَاللَّهِ مَا كَانَ يُلْقَى فِي رُوعِي- وَ لَا يَخْطُرُ بِبَالِي أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هَذَا الْأَمْرَ- مِنْ بَعْدِهِ ص عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ- وَ لَا أَنَّهُمْ مُنَحُّوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ- فَمَا رَاعَنِي إِلَّا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلَانٍ يُبَايِعُونَهُ- فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ- قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ- يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَيْنِ مُحَمَّدٍ ص- فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَ أَهْلَهُ- أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً- تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَتِكُمُ- الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ- يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ- أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ- فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَ زَهَقَ- وَ اطْمَأَنَّ الدِّينُ وَ تَنَهْنَهَ وَ مِنْهُ إِنِّي وَ اللَّهِ لَوْ لَقِيتُهُمْ وَاحِداً وَ هُمْ طِلَاعُ الْأَرْضِ كُلِّهَا- مَا بَالَيْتُ وَ لَا اسْتَوْحَشْتُ- وَ إِنِّي مِنْ ضَلَالِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ- وَ الْهُدَى الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ- لَعَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ نَفْسِي وَ يَقِينٍ مِنْ رَبِّي- وَ إِنِّي إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ لَمُشْتَاقٌ- وَ حُسْنِ ثَوَابِهِ لَمُنْتَظِرٌ رَاجٍ- وَ لَكِنَّنِي آسَى أَنْ يَلِيَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ سُفَهَاؤُهَا وَ فُجَّارُهَا- فَيَتَّخِذُوا مَالَ اللَّهِ دُوَلًا وَ عِبَادَهُ خَوَلًا- وَ الصَّالِحِينَ حَرْباً وَ الْفَاسِقِينَ حِزْباً- فَإِنَّ مِنْهُمُ الَّذِي قَدْ شَرِبَ فِيكُمُ الْحَرَامَ- وَ جُلِدَ حَدّاً فِي الْإِسْلَامِ- وَ إِنَّ مِنْهُمْ‏ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى رُضِخَتْ لَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ الرَّضَائِخُ- فَلَوْ لَا ذَلِكَ مَا أَكْثَرْتُ تَأْلِيبَكُمْ وَ تَأْنِيبَكُمْ- وَ جَمْعَكُمْ وَ تَحْرِيضَكُمْ- وَ لَتَرَكْتُكُمْ إِذْ أَبَيْتُمْ وَ وَنَيْتُمْ- أَ لَا تَرَوْنَ إِلَى أَطْرَافِكُمْ قَدِ انْتَقَصَتْ- وَ إِلَى أَمْصَارِكُمْ قَدِ افْتُتِحَتْ- وَ إِلَى مَمَالِكِكُمْ تُزْوَى وَ إِلَى بِلَادِكُمْ تُغْزَى- انْفِرُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ إِلَى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ- وَ لَا تَثَّاقَلُوا إِلَى الْأَرْضِ فَتُقِرُّوا بِالْخَسْفِ- وَ تَبُوءُوا بِالذُّلِّ وَ يَكُونَ نَصِيبُكُمُ الْأَخَسَّ- وَ إِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الْأَرِقُ وَ مَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ وَ السَّلَامُ

 

اللغة

أقول: المهيمن: الشاهد. و الروع: القلب. و الانثيال: الانصباب. و راح: ذهب. و زهق: زال و اضمحلّ. و تنهنه: اتّسع. و طلاع الأرض: ملاؤها. و آسى: أحزن. و الدولة في المال- بالضمّ- : أن يكون مرّة لهذا مرّة لذلك. و الخول: العبيد و الرضخ: الرشوة، و أصله الرمى. و التأليب: التحريص. و التأنيب: اللوم. و الونى: الضعف. و تزوى: تقبض. و تبوءوا: ترجعوا. و الخسف: النقيصة.

 

المعنى

و صدّره باقتصاص حال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله باعتبار كونه نذيرا للعالمين بعقاب أليم، و شاهدا على المرسلين بكونهم مبعوثين و مصدّقا لهم في ذلك. ثمّ اقتصاص حال المسلمين بعده في تنازع أمر الخلافة متدرّجا من ذلك إلى شرح حاله معهم في معرض الشكاية من إزاحة أمر الخلافة عنه مع كونه أحقّ بها و انصبابهم على بيعة فلان- و هو كناية عن أبي بكر- و إمساك يده عن القيام في ذلك و الطلب للأمر إلى غاية ارتداد الناس في زمن أبي بكر عن الإسلام و طمعهم في محقّ الدين. ثمّ شرح حاله من الخوف على الإسلام و أهله أن ينثلم أو ينهدم فيكون المصيبة عليه في هدم أصل الدين أعظم من فوت الولاية القصيرة الأمد الّتي غايتها إصلاح فروع الدين و متمّماته. و شبّه زوالها بزوال السراب و تقشّع السحاب، و وجه الشبه سرعة الزوال و كونها لا أصل‏ لثباتها كما لا ثبات لحقيقة السراب و وجود السحاب، و قدّم ذكر الارتداد لغرض بيان فضيلته في الإسلام، و لذلك عقّبه باقتصاص حال نهوضه في تلك الأحداث الّتي وقعت من العرب إلى غاية زهوق الباطل و استقرار الدين و انتشاره. ثمّ أقسم أنّه لو لقيهم وحده و هم ملأ الأرض لم يكترث بهم و لم يستوحش منهم لأمرين: أحدهما: علمه اليقين بأنّهم على الضلال و أنّه على الهدى. الثاني: اشتياقه إلى لقاء ربّه و انتظاره و رجاؤه لثوابه. و هما يجريان مجرى ضميرين تقدير كبراهما: و كلّ من كان كذلك فلا يباليهم و لا يستوحش منهم.

و قوله: و لكنّني آسى. يجرى مجرى جواب سؤال مقدر كأنّه قيل: فإذا كنت تعلم أنّك و إيّاهم على الحالين المذكورين فلم تحزن من فعلهم فكأنّه قال: إنّي لا أحزن من لقائهم و حربهم و لكن أحزن أن تلى أمّه محمّد سفهاؤها و فجّارها. إلى قوله: حربا، و عنّى بالسفهاء بني أميّة و أشياعهم. ثمّ نبّه على أنّهم مظنّة أن يفعلوا ذلك لو ولّوا هذا الأمر بقوله: فإنّ منهم. إلى قوله: الرضائخ. و الّذي شرب منهم في المسلمين الحرام إشارة إلى المغيرة بن شعبة لمّا شرب الخمر في عهد عمر حين كان واليا من قبله على الكوفة فصلّى بالناس سكران و زاد في الركعات و قاء الخمر فشهدوا عليه و جلد الحدّ، و كذلك عنبسة [عتبة] بن أبي سفيان جلده في الخمر خالد بن عبيد اللّه بالطائف، و الّذي لم يسلم حتّى رضخت له الرضايخ قيل: هو أبو سفيان و ابنه معاوية و ذلك أنّهما كانا من المؤلّفة قلوبهم الّذين يستمالون إلى الدين و جهاد عدوّه بالعطاء. و قيل: هو عمرو بن العاص و لم يشتهر عنه مثل ذلك إلّا ما حكاه عليه السّلام عنه من اشتراطه على معاوية طعمة مصر في مساعدته بصفّين كما مرّ ذكره. ثمّ نبّههم على أنّ ما ذكره من الأسى هو السبب التامّ لتوبيخهم و تحريضهم على الجهاد، و لولا ذلك لتركهم إذ أبوا و ضعفوا. ثمّ نبّههم على فعل عدوّهم بهم و افتتاحه لأمصارهم و غرورهم ليستثير بذلك حميّة طباعهم. و لذلك أمرهم بعده بالنفور إلى قتال عدوّهم، و نهاهم عن التثاقل في ذلك و نفّرهم عنه بما يلزمه من الإقرار بالخسف و الرجوع إلى‏ الذلّ و خسّة النصيب. ثمّ نبّههم على من يكون أهلا للحرب و هو الأرق، و كنّى به عن كبير الهمّة. إذ كان من لوازمه قلّة النوم. و نفّرهم عن ضعف الهمّة و التواني في الجهاد بما يلزم ذلك من طمع العدوّ فيهم بسكوتهم عنه، و الرقدة عن مقاومته‏

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 201

نامه 60 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى كميل بن زياد النخعي، و هو عامله على هيت، ينكر عليه تركه دفع من يجتاز به من جيش العدو طالبا الغارة

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ تَضْيِيعَ الْمَرْءِ مَا وُلِّيَ وَ تَكَلُّفَهُ مَا كُفِيَ- لَعَجْزٌ حَاضِرٌ وَ رَأْيٌ مُتَبَّرٌ- وَ إِنَّ تَعَاطِيَكَ الْغَارَةَ عَلَى أَهْلِ قِرْقِيسِيَا- وَ تَعْطِيلَكَ مَسَالِحَكَ الَّتِي وَلَّيْنَاكَ- لَيْسَ بِهَا مَنْ يَمْنَعُهَا وَ لَا يَرُدُّ الْجَيْشَ عَنْهَا- لَرَأْيٌ شَعَاعٌ- فَقَدْ صِرْتَ جِسْراً لِمَنْ أَرَادَ الْغَارَةَ- مِنْ أَعْدَائِكَ عَلَى أَوْلِيَائِكَ- غَيْرَ شَدِيدِ الْمَنْكِبِ‏ وَ لَا مَهِيبِ الْجَانِبِ- وَ لَا سَادٍّ ثُغْرَةً وَ لَا كَاسِرٍ لِعَدُوٍّ شَوْكَةً- وَ لَا مُغْنٍ عَنْ أَهْلِ مِصْرِهِ وَ لَا مُجْزٍ عَنْ أَمِيرِهِ وَ السَّلامُ

اللغة

أقول: المتبّر: الهالك و الفاسد. و الشعاع: المتفرّق.

المعنى

و قوله: أمّا بعد. إلى قوله: متبّر. اعلم أنّ في صدر الكتاب إجمالا كما جرت عادة الخطيب ما يريد أن يوبخه عليه من تعاطيه أمرا مع إهماله ما هو أهمّ منه. ثمّ ذكر غرضه من الكتاب مفصّلا بقوله: و إنّ تعاطيك. إلى قوله: شعاع. ثمّ نفّره عن ذلك الرأي بما فيه من المفاسد و الرذائل: أحدهما: كونه جسرا. و استعار لفظ الجسر له باعتبار عبور العدوّ عليه إلى غرضه، و روى: حسرا. و هو أيضا مجاز باعتبار خلوّ مسالحه عن العسكر الّذي يبغى به العدوّ فهو كالحاسر عديم اللامة. الثاني: كونه غير شديد المنكب، و كنّى بذلك عن ضعفه، و كذلك كونه غير مهيب الجانب. الثالث: كونه غير سادّ ثغرة. الرابع: و لا كاسر شوكة عدوّه. و الخامس: و لا مغن عن أهل مصره في دفع عدوّهم. السادس: و لا مجز عن أميره فيما يريده منه.

شرح نهج البلاغة (ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 200

 

 

نامه 59 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى العمال الذين يطأ الجيش عملهم

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْ مَرَّ بِهِ الْجَيْشُ- مِنْ جُبَاةِ الْخَرَاجِ وَ عُمَّالِ الْبِلَادِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ سَيَّرْتُ جُنُوداً- هِيَ مَارَّةٌ بِكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- وَ قَدْ أَوْصَيْتُهُمْ بِمَا يَجِبُ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ- مِنْ كَفِّ الْأَذَى وَ صَرْفِ الشَّذَا- وَ أَنَا أَبْرَأُ إِلَيْكُمْ وَ إِلَى ذِمَّتِكُمْ مِنْ مَعَرَّةِ الْجَيْشِ- إِلَّا مِنْ جَوْعَةِ الْمُضْطَرِّ لَا يَجِدُ عَنْهَا مَذْهَباً إِلَى شِبَعِهِ- فَنَكِّلُوا مَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُمْ شَيْئاً ظُلْماً عَنْ ظُلْمِهِمْ- وَ كُفُّوا أَيْدِيَ سُفَهَائِكُمْ عَنْ مُضَارَّتِهِمْ- وَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِيمَا اسْتَثْنَيْنَاهُ مِنْهُمْ- وَ أَنَا بَيْنَ أَظْهُرِ الْجَيْشِ- فَارْفَعُوا إِلَيَّ مَظَالِمَكُمْ- وَ مَا عَرَاكُمْ مِمَّا يَغْلِبُكُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ- وَ لَا تُطِيقُونَ دَفْعَهُ إِلَّا بِاللَّهِ وَ بِي فَأَنَا أُغَيِّرُهُ بِمَعُونَةِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ

اللغة

أقول: الشذى: الأذى. و معرّة الجيش: المضرّة الواصله منه، و عرّه معرّة: أى سائه. و نكل ينكل بالضمّ: جبن. و نكّلوا: خوّفوا، و جبّنوا. و عراه الأمر: غشيه.

و حاصل الكتاب إعلام من على طريق الجيش من الجباة و عمّال البلاد بمسيره عليهم
ليتنبّهوا و يحترزوا منه، ثمّ وصيّة الجيش بما ينبغي لهم و يجب للّه عليهم من كفّ الأذى عمّن يمرّون به ليعرفوا عموم عدله و يتأدّبوا بآدابه، ثمّ إعلامهم أنّه برى‏ء إليهم و إلى ذمّتهم الّتي أخذها منهم من إساءة الجيش فإنّه ليس بأمره من ذلك إلّا معرّة جوعة المضطرّ الّتي لا يجد عنها إلى شبعه مذهبا. و تقدير الكلام: فإنّي أبرء إليكم من معرّة الجيش إلّا من معرّة جوعة المضطرّ منهم فأقام المضاف إليه مقام المضاف أو أطلقه مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب. ثمّ أمرهم أن يخوّفوا و يجبّنوا من تناول من الجيش شيئا عن ظلمه و يدفعوه الدفع الممكن لهم لئلّا يكون بسطوتهم خراب الأعمال، ثمّ أن يكفّوا أيدي سفهائهم عن مضارّتهم و التعرّض لهم فيما استثناه من المعرّة الضروريّة لئلّا يثور بذلك الفتنة بينهم و بين الجيش. ثمّ أعلمهم أنّه بين أظهر الجيش كناية عن كونه مرجع أمرهم ليدفعوا إليه مظالمهم و ما غشيهم من أمر يغلب عليهم من الجيش لا يطيقون دفعه إلّا باللّه و به فيغيّره بمعونة اللّه و خشيته.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 199

 

نامه 58 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى الأسود بن قطيبة صاحب جند حلوان

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْوَالِيَ إِذَا اخْتَلَفَ هَوَاهُ- مَنَعَهُ ذَلِكَ كَثِيراً مِنَ الْعَدْلِ- فَلْيَكُنْ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَكَ فِي الْحَقِّ سَوَاءً- فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَوْرِ عِوَضٌ مِنَ الْعَدْلِ- فَاجْتَنِبْ مَا تُنْكِرُ أَمْثَالَهُ- وَ ابْتَذِلْ نَفْسَكَ فِيمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ- رَاجِياً ثَوَابَهُ وَ مُتَخَوِّفاً عِقَابَهُ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلِيَّةٍ- لَمْ يَفْرُغْ صَاحِبُهَا فِيهَا قَطُّ سَاعَةً- إِلَّا كَانَتْ فَرْغَتُهُ عَلَيْهِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ- وَ أَنَّهُ لَنْ يُغْنِيَكَ عَنِ الْحَقِّ شَيْ‏ءٌ أَبَداً- وَ مِنَ الْحَقِّ عَلَيْكَ حِفْظُ نَفْسِكَ- وَ الِاحْتِسَابُ عَلَى الرَّعِيَّةِ بِجُهْدِكَ- فَإِنَّ الَّذِي يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ- أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يَصِلُ بِكَ وَ السَّلَامُ‏

أقول: في الفصل لطائف:
أحدها: أنّه نبّهه على وجوب ترك تنويع الأهوية و الإعراض عن اتّباع مختلفاتها
بما يستلزمه من المفسدة و هى الامتناع عن كثير من العدل، و وجه الاستلزام ظاهر لأنّ اتّباع الأهوية المختلفة يوجب الانحراف عن حاقّ الوسط في المطالب، و لمّا نبّهه على مفسدة الجور أمره ببسط العدل و التسوية بين الخلق في الحقّ. ثمّ نبّه على فضيلته بضمير صغراه قوله: فإنّه إلى قوله: العدل. و تقديرها: فإنّ العدل ليس في الجور عوض عنه، و تقدير الكبرى: و كلّ ما لم يكن في الجور عوض عنه فيجب لزومه و اتّباعه.

الثانية: لمّا كان اتّباع مختلف الأهوية ممّا ينكر مثله عند وقوعه في حقّه أو حقّ من يلزمه أمره
كالأذى اللاحق له مثلا أمره باجتنابه و أن لا يقع منه في غيره ما يكره وقوع مثله في حقّه. و العبارة وافية بهذا المعنى، و الغرض التنفير عنه.

الثالثة: أمره بعد ذلك أن يبذل نفسه فيما افترض اللّه عليه حالتي رجائه لثوابه و خوفه من عقابه
لكونهما داعى العمل.

الرابعة: نبّهه على أنّ الدنيا دار ابتلاء بالعمل
كما قال تعالى الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا«» و لمّا كان العمل الصالح فيها هو سبب الاستعداد للسعادة الباقية لا جرم كان الفراغ من العمل فيها تركا لسبب سعادة لا يحصل يوم القيامة إلّا به فكان من لوازم فرغته منه في الدنيا الحسرة على ثمرته يوم القيامة.

الخامسة: نبّهه على ضرورته إلى عمل الحقّ بأنّه لا يغنيه عنه شي‏ء غيره
لأنّ كلّ ما عدا الحقّ باطل و الباطل سبب للفقر في الآخرة فلا يفيد غنى.

السادسة: نبّهه على أنّ من الحقوق الواجبة عليه حفظ نفسه:
أى من زلّة القدم عن الصراط المستقيم و الوقوع في سواء الجحيم، ثمّ الاحتساب على رعيّته بجهده و طاقته، و الأخذ على أيديهم في الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر. و قدّم حفظ النفس لأنّه الأهمّ، و نبّه على وجوب الأمرين بقوله: فإنّ الّذي إلى آخره و أراد أنّ الّذي يصل إلى نفسك من الكمالات و الثواب اللازم عنها في الآخرة بسبب لزومك للأمرين المذكورين أفضل ممّا يصل بعد لك و إحسانك إلى الخلق من النفع و دفع الضرر، و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 197

 

نامه 57 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام كتبه إلى أهل الأمصار، يقص فيه ما جرى بينه و بين أهل صفين

وَ كَانَ بَدْءُ أَمْرِنَا أَنَّا الْتَقَيْنَا وَ الْقَوْمُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ- وَ الظَّاهِرُ أَنَّ رَبَّنَا وَاحِدٌ وَ نَبِيَّنَا وَاحِدٌ- وَ دَعْوَتَنَا فِي الْإِسْلَامِ وَاحِدَةٌ- وَ لَا نَسْتَزِيدُهُمْ فِي الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَ التَّصْدِيقِ بِرَسُولِهِ- وَ لَا يَسْتَزِيدُونَنَا- الْأَمْرُ وَاحِدٌ إِلَّا مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ- وَ نَحْنُ مِنْهُ بَرَاءٌ- فَقُلْنَا تَعَالَوْا نُدَاوِ مَا لَا يُدْرَكُ الْيَوْمَ- بِإِطْفَاءِ النَّائِرَةِ وَ تَسْكِينِ الْعَامَّةِ- حَتَّى يَشْتَدَّ الْأَمْرُ وَ يَسْتَجْمِعَ- فَنَقْوَى عَلَى وَضْعِ الْحَقِّ مَوَاضِعَهُ فَقَالُوا بَلْ نُدَاوِيهِ بِالْمُكَابَرَةِ- فَأَبَوْا حَتَّى جَنَحَتِ الْحَرْبُ وَ رَكَدَتْ- وَ وَقَدَتْ نِيرَانُهَا وَ حَمِشَتْ- فَلَمَّا ضَرَّسَتْنَا وَ إِيَّاهُمْ- وَ وَضَعَتْ مَخَالِبَهَا فِينَا وَ فِيهِمْ- أَجَابُوا عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى الَّذِي دَعَوْنَاهُمْ إِلَيْهِ- فَأَجَبْنَاهُمْ إِلَى مَا دَعَوْا وَ سَارَعْنَاهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا- حَتَّى اسْتَبَانَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ- وَ انْقَطَعَتْ مِنْهُمُ الْمَعْذِرَةُ- فَمَنْ تَمَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ- فَهُوَ الَّذِي أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنَ الْهَلَكَةِ- وَ مَنْ لَجَّ وَ تَمَادَى فَهُوَ الرَّاكِسُ- الَّذِي رَانَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ- وَ صَارَتْ دَائِرَةُ السَّوْءِ عَلَى رَأْسِهِ

اللغة

أقول: و بدء الأمر: أوّله. و يروى: بدى‏ء فعيل بمعنى مبتدأ. و النائرة: العداوة. و جنحت: مالت. و ركدت: ثبتت. و حمست: اشتدّت. و روى بالشين المعجمة: أى التهبت غضبا. و أنقذه خلّصه. و التمادى في الشي‏ء: الإقامة عليه و طلب الغاية فيه. و الركس: ردّ الشي‏ء مقلوبا. و اللّه أركسهم: أى ردّهم إلى عقوبة كفرهم و الرين: التغطية. و الدايرة: الهزيمة، يقال: عليهم الدائرة، و يؤكّد شنعتها بالإضافة إلى السوء.

المعنى

و الفصل من حكاية حاله مع أهل الشام و حالهم. و القوم عطف على الضمير في التقينا و في قوله: و الظاهر. إيماء إلى تهمته لهم بضدّ ذلك كما صرّح به هو و عمّار في صفّين فإنّه كان يقول: و اللّه ما أسلموا و لكن استسلموا و أسرّوا الكفر فلمّا وجدوا عليه أعوانا أظهروه. و الواو للحال. و قوله: لا نستزيدهم. أى لا نطلب منهم زيادة في الإيمان لتمامه منهم في الظاهر. و قد بيّن في حكاية الحال الاتّحاد الّذي بينهم في الامور المذكورة الّتي لا يجوز الاختلاف معها ليظهر الحجّة و استثنى من ذلك ما وقع الاختلاف فيه و هى الشبهة بدم عثمان و الجواب عنها إجمالا. ثمّ حكى وجه الرأى الأصلح في نظام أمر الإسلام و سلامة أهله و شوره عليهم و إبائهم عن قبوله إلى الغاية المذكورة. و الباء في قوله: بإطفاء النائرة متعلّق بقوله: نداوى ما لا يدرك: أى ما لا يمكن تلافيه بعد وقوع الحرب و لا يستدرك من القتل و هلاك المسلمين.

و قوله: فقالوا: بل نداويه بالمكابرة. حكاية قولهم بلسان حالهم حين دعاهم إلى نظام أمر الدين بالرجوع عمّاهم عليه فكابروه و أصرّوا على الحرب، و تجوّز باسم الجنوح إطلاقا لاسم المضاف على المضاف إليه، و استعار لفظ النيران للحركات في الحرب لمشابهتهما في استلزام الأذى و الهلاك، و رشّح بذكر الوقد، و كذلك لفظ الحمس و التضريس و وضع المخالب. ثمّ حكى إجابتهم و رجوعهم إلى رأيه الّذى رآه لهم، و ذلك أنّهم صبيحة ليلة الهرير حين حملوا المصاحف على الأرماح كانوا يقولون لأصحابه عليه السّلام: معاشر المسلمين نحن إخوانكم في الدين اللّه اللّه في البنات و النساء. كما حكيناه أوّلا. و ذلك عين ما كان يذكّرهم به عليه السّلام من حفظ دماء المسلمين و ذرّيّتهم، و أمّا إجابته إلى ما دعوا فإجابته إلى تحكيم كتاب اللّه حين دعوا إليه و ظهور الحجّة عليهم‏ برجوعهم إلى عين ما كان يدعوهم إليه من حقن الدماء، و في ذلك انقطاع عذرهم في المطالبة بدم عثمان إذ كان سكوتهم عن دم صحابىّ لا حقّ لهم فيه أسهل من سفك دماء سبعين ألفا من المهاجرين و الأنصار و التابعين بإحسان. و قوله: فمن تمّ على ذلك. أى على الرضاء بالصلح و تحكيم كتاب اللّه و هم أكثر أهل الشام و أكثر أصحابه عليه السّلام. و الّذين لجّوا في التمادي فهم الخوارج الّذين لجّوا في الحرب و اعتزلوه عليه السّلام بسبب التحكيم و كانت قلوبهم في أغشية من الشبهات الباطلة حتّى صارت دائرة السوء على رؤوسهم فقتلوا إلّا أقلّهم.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 194

 

نامه 56 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى أهل الكوفة، عند مسيره من المدينة إلى البصرة

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي خَرَجْتُ مِنْ حَيِّي هَذَا- إِمَّا ظَالِماً وَ إِمَّا مَظْلُوماً وَ إِمَّا بَاغِياً وَ إِمَّا مَبْغِيّاً عَلَيْهِ- وَ إِنِّي أُذَكِّرُ اللَّهَ مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي هَذَا لَمَّا نَفَرَ إِلَيَّ- فَإِنْ كُنْتُ مُحْسِناً أَعَانَنِي- وَ إِنْ كُنْتُ مُسِيئاً اسْتَعْتَبَنِي

أقول: غرض الكتاب إعلام أهل الكوفة بخروجه من المدينة القتال أهل البصرة و استنفارهم إليه، و قد مرّ مثل ذلك

اللغة

و حيّه: قبيلته.

المعنى

و قوله: إما ظالما. إلى قوله: عليه. من باب تجاهل العارف، و لأنّ القضيّة لم تكن بعد ظهرت لأهل الكوفة و غيرهم ليعرفوا هل هو مظلوم أو غيره و لذلك ذكّرهم لينفروا إليه فيحكموا بينه و بين خصومه فيعينوه أو يطلبوا منه العتبى و هى الرجوع إلى الحقّ. و- اذكّر- يتعدّى إلى مفعول أوّل هو المذكّر، و ثان هو المذكّر به و هو اللّه تعالى. و قد قدّمه لكونه هو المقصود من التذكير. و- لمّا- مشدّدة بمعنى إلّا، و مخفّفة هى ما زائدة دخل عليها لام التأكيد: أى لينفرنّ إلىّ. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى‏193

 

نامه 55 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام وصى بها شريح بن هانئ، لما جعله على مقدمته إلى الشام

اتَّقِ اللَّهَ فِي كُلِّ صَبَاحٍ وَ مَسَاءٍ- وَ خَفْ عَلَى نَفْسِكَ الدُّنْيَا الْغَرُورَ- وَ لَا تَأْمَنْهَا عَلَى حَالٍ- وَ اعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَرْدَعْ نَفْسَكَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا تُحِبُّ- مَخَافَةَ مَكْرُوهٍ- سَمَتْ بِكَ الْأَهْوَاءُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الضَّرَرِ- فَكُنْ لِنَفْسِكَ مَانِعاً رَادِعاً- وَ لِنَزْوَتِكَ عِنْدَ الْحَفِيظَةِ وَاقِماً قَامِعاً

أقول: قد ذكرنا طرفا من حال إنفاذه لشريح بن هاني مع زياد بن النضير على مقدّمته بالشام في إثنى عشر ألفا.

اللغة

و النزوة: الوثبة. و الحفيظة: الغضب. و الواقم: الذى يردّ الشي‏ء أقبح الردّ، يقال: و قمه: أى ردّه بعنف و بقهر، و الوقم: القهر و الإذلال، و كذلك القمع.

المعنى

و قد أمره بتقوى اللّه دائما، و لمّا كانت يستلزم الأعمال الجميلة أردف ذلك بتفصيلها و هى أن يحذّر على نفسه الدنيا. و نسب الغرور إليها لأنّها سبب مادّى له،و أن لا يأمنها على حال لما تستلزم ذلك من الغفلة عن الآخرة. ثمّ أعلمه أنّه إن لم يردع نفسه الأمّارة بالسوء عن الانهماك في كثير من مشتهياتها الّتي يخاف مكروها في العاقبة و يقف بها عند حدود اللّه و يسلك بها صراطه المستقيم لم يزل يسمو به هواها و ميولها حتّى تورده موارد الهلكة. ثمّ أكّد وصيّته بمنعها و قهرها عند نزواتها و توثّبها في الغضب. و قد عرفت أنّ إهمالها مبدء كلّ شرّ يلحق في الدنيا و الآخرة.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 192

نامه 54 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى معاوية

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الدُّنْيَا لِمَا بَعْدَهَا- وَ ابْتَلَى فِيهَا أَهْلَهَا لِيَعْلَمَ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا- وَ لَسْنَا لِلدُّنْيَا خُلِقْنَا وَ لَا بِالسَّعْيِ فِيهَا أُمِرْنَا- وَ إِنَّمَا وُضِعْنَا فِيهَا لِنُبْتَلَي بِهَا- وَ قَدِ ابْتَلَانِي اللَّهُ بِكَ وَ ابْتَلَاكَ بِي- فَجَعَلَ أَحَدَنَا حُجَّةً عَلَى الْآخَرِ- فَعَدَوْتَ عَلَى الدُّنْيَا بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ- فَطَلَبْتَنِي بِمَا لَمْ تَجْنِ يَدِي وَ لَا لِسَانِي- وَ عَصَبْتَهُ أَنْتَ وَ أَهْلُ الشَّامِ بِي- وَ أَلَّبَ عَالِمُكُمْ جَاهِلَكُمْ وَ قَائِمُكُمْ قَاعِدَكُمْ- فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ وَ نَازِعِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ- وَ اصْرِفْ إِلَى الْآخِرَةِ وَجْهَكَ- فَهِيَ طَرِيقُنَا وَ طَرِيقُكَ- وَ احْذَرْ أَنْ يُصِيبَكَ اللَّهُ مِنْهُ بِعَاجِلِ قَارِعَةٍ- تَمَسُّ الْأَصْلَ وَ تَقْطَعُ الدَّابِرَ- فَإِنِّي أُولِي لَكَ بِاللَّهِ أَلِيَّةً غَيْرَ فَاجِرَةٍ- لَئِنْ جَمَعَتْنِي وَ إِيَّاكَ جَوَامِعُ الْأَقْدَارِ لَا أَزَالُ بِبَاحَتِكَ- حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ

اللغة

أقول: عصبه به: علّقه به. و التأليب: التحريص. و القارعة: الداهية. و الدابر المتأخّر من النسل. و الأليّة: اليمين.

المعنى

فقوله: أمّا بعد. إلى قوله: لنبتلى بها. إشارة إلى غرض الدنيا و غايتها ليتنبّه لذلك و يعمل له، و أراد بالسعى فيها الّذى لم يؤمر به اكتسابها لها، دون غيره ممّا يكون للضرورة فإنّ ذلك مأمور به في‏ قوله تعالى فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ«». و قوله: و قد ابتلاني: إلى قوله: الآخر. تعيين لبعض أغراضها، و قد علمت كيفيّة ابتلائه بخلقه فيما قبل. و وجه ابتلائه عليه السّلام بمعاوية عصيانه و محاربته إيّاه حتّى لو قصّر في مقاومته و لم يقم في وجهه كان ملوما و كان معاوية حجّة اللّه عليه، و وجه ابتلاء معاوية به عليه السّلام دعوته له إلى الحقّ و تحذيره إيّاه من عواقب المعصية حتّى إذا لم يجب داعى اللّه لحقه الذمّ و العقاب و كان عليه السّلام هو حجّة اللّه عليه. و ذلك معنى قوله: فجعل أحدنا حجّة على الآخر. و قوله: فعدوت. إلى قوله: قاعدكم. إشارة إلى بعض وجوه ابتلائه عليه السّلام به، و معنى ذلك أنّه إنّما طلب بخروجه عليه الدنيا و جعل السبب إلى ذلك تأويل القرآن كقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى‏«» و غيره من الآيات الدالّة على وجوب القصاص فتأوّلها بإدخال نفسه فيها و طلب القصاص لعثمان، و إنّما كان دخوله في ذلك بالتأويل لأنّ الخطاب خاصّ بمن قتل و قتل منه. و معاوية بمعزل عن ذلك إذ لم يكن من أولياء دم عثمان ففسّر الآية بالعموم ليدخل فيها. و الّذى لم تجنه يده و لسانه عليه السّلام هو ما نسبوه إليه عليه السّلام و ألّب بعضهم بعضا عليه فيه و هو قتل عثمان. و أراد ألّب عليكم عالمكم بحالى جاهلكم به و قائمكم في حربي قاعدكم عنه. ثمّ لمّا نبّه على غاية الدنيا و جعل اللّه سبحانه كلّا منهما حجّة على الآخر ليعلم أيّهم أحسن عملا رجع إلى موعظته و تحذيره فأمره بتقوى اللّه في نفسه أن يهلكها بعصيانه و مخالفة أمره. و أن ينازع الشيطان قياده. و استعار لفظ القياد للميول الطبيعيّة و وجه الاستعارة كونها زمام الإنسان إلى المعصية إذا سلّمها بيد الشيطان و انهمك بها في اللذّات الموبقة. و منازعته للشيطان مقاومته لنفسه الأمّارة عن طرف الإفراط إلى حاقّ الوسط في الشهوة و الغضب، و أن يصرف إلى الآخرة وجهه: أى يولّى وجهه شطر الآخرة مطالعا ما اعدّ فيها من خير و شرّ و سعادة و شقاوة بعين بصيرته ليعمل بها.

و قوله: فهى طريقنا و طريقك. صغرى ضمير نبّه به على وجوب صرف وجهه إلى الآخرة. و تقدير كبراه: و كلّما كان طريق الإنسان فواجب أن يصرف إليها وجهه. و جعلها طريقا مجازا عن غاية الطريق إطلاقا لاسم ذى الغاية عليها. ثمّ حذّره من اللّه أن يصيبه بداهية يصيب أصله و يقطع نسله، و أراد بها ما نهاه من نهوضه إليه و حربه إيّاه و لذلك أقسم على تقدير أن يجمعهما جوامع الأقدار أن لا يزال بباحته مقيما حتّى يحكم اللّه بينهما. و في ذلك غليظ الوعد بعذاب شديد.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 190

 

نامه 53 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى طلحة و الزبير، مع عمران بن الحصين الخزاعى ذكره أبو جعفر الاسكافى فى كتاب المقامات فى مناقب أمير المؤمنين عليه السلام

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ عَلِمْتُمَا وَ إِنْ كَتَمْتُمَا- أَنِّي لَمْ أُرِدِ النَّاسَ حَتَّى أَرَادُونِي- وَ لَمْ أُبَايِعْهُمْ حَتَّى بَايَعُونِي- وَ إِنَّكُمَا مِمَّنْ أَرَادَنِي وَ بَايَعَنِي- وَ إِنَّ الْعَامَّةَ لَمْ تُبَايِعْنِي لِسُلْطَانٍ‏ غَالِبٍ وَ لَا لِعَرَضٍ حَاضِرٍ- فَإِنْ كُنْتُمَا بَايَعْتُمَانِي طَائِعَيْنِ- فَارْجِعَا وَ تُوبَا إِلَى اللَّهِ مِنْ قَرِيبٍ- وَ إِنْ كُنْتُمَا بَايَعْتُمَانِي كَارِهَيْنِ- فَقَدْ جَعَلْتُمَا لِي عَلَيْكُمَا السَّبِيلَ بِإِظْهَارِكُمَا الطَّاعَةَ- وَ إِسْرَارِكُمَا الْمَعْصِيَةَ- وَ لَعَمْرِي مَا كُنْتُمَا بِأَحَقِّ الْمُهَاجِرِينَ- بِالتَّقِيَّةِ وَ الْكِتْمَانِ- وَ إِنَّ دَفْعَكُمَا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْخُلَا فِيهِ- كَانَ أَوْسَعَ عَلَيْكُمَا مِنْ خُرُوجِكُمَا مِنْهُ- بَعْدَ إِقْرَارِكُمَا بِهِ- وَ قَدْ زَعَمْتُمَا أَنِّي قَتَلْتُ عُثْمَانَ- فَبَيْنِي وَ بَيْنَكُمَا مَنْ تَخَلَّفَ عَنِّي وَ عَنْكُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ- ثُمَّ يُلْزَمُ كُلُّ امْرِئٍ بِقَدْرِ مَا احْتَمَلَ- فَارْجِعَا أَيُّهَا الشَّيْخَانِ عَنْ رَأْيِكُمَا- فَإِنَّ الْآنَ أَعْظَمَ أَمْرِكُمَا الْعَارُ- مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجْتَمِعَ الْعَارُ وَ النَّارُ-

اللغة

أقول: خزاعة قبيلة من الأزد. و قيل: الإسكافيّ منسوب إلى إسكاف رستاق كبير كان بين النهروان و البصرة. و كتاب المقامات: الّذى صنّفه الشيخ المذكور في مناقب أمير المؤمنين عليه السّلام

المعنى

و قد احتجّ عليه السّلام عليهما في نكث بيعته بحجّتين: إحداهما: قوله: أمّا بعد. إلى قوله: حاضر. و هو في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ من علمتما من حاله ذلك فليس لكما أن تنكثا بيعته و تخرجا عليه.
و قوله: و إن كتمتما. إشارة إلى أنّهما بعد نكث بيعته كتما إرادتهما لبيعته و إرادة كثير من الناس و زعما أنّه إنّما حمّلهما عليها كرها. الحجّة الثانية قوله: فإن كنتما. إلى قوله: إقرار كما به. و هي شرطيّ منفصل تقديرها: أنّه لا يخلو إمّا أن تكونوا بايعتماني طائعين أو كارهين. و الأوّل هو المطلوب.

و يلزمكما ارتكاب المعصية و الرجوع إلى اللّه بالتوبة إلى اللّه من قريب قبل استحكام‏ المعصية في نفسيكما. و الثاني: باطل من ثلاثة أوجه: أحدها: أنّه يلزمكما النفاق حيث أظهرتما لى الطاعة و أضمرتما المعصية فجعلتما بذلك السبيل عليكما في القول و الفعل. الثاني: أنّكما ما كنتما بالتقيّة منّي و الكتمان لعصيانكما أحقّ من المهاجرين و ذلك لأنّهما كانا أقوى الجماعة و أعظمهم شأنا فكان غيرهما من المهاجرين أولى منهما بالتقيّة عند البيعة و نكثهما بعد ذلك. الثالث: إنّ دفعهما لبيعته قبل الدخول فيها أوسع لعذرهما من خروجهما منها بعد إقرارهما. و هذه الأقوال الثلاثة صغريات ضمير تقدير الكبرى في الأوّل: و كلّ ما جعلتهما لي عليكما به السبيل فيحرم عليكما فعله و ليس لكما أن تدّعياه، و في الثاني: و كلّ من لا يكون أحقّ من المهاجرين بدعواه فليس له أن يدّعيه إذا لم يدّعوه، و في الثالث: و كلّما كان أوسع لعذرهما فليس لهما العدول عنه إلى ما هو أضيق. و قوله: و قد زعمتما إنّي قتلت عثمان. إشارة: إلى شبهتهما المشهورة في خروجهما عليه.

و قوله: فبينى: إلى قوله: احتمل. جوابها: أى الحكم إلى من تخلّف عن نصرتي و نصرتكما من أهل المدينة ثمّ يلزم كلّ منّا من اللائمة و العقوبة بقدر ما احتمل من الإثم و البغى. و ثمّ بعد أن أقام الحجّة عليهما أمرهما بالرجوع عن رأيهما الفاسد في اختيارهما لبيعته و رغّب في الرجوع عن ذلك. بقوله: فإنّ الآن. إلى آخره، و هو في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و العار أسهل من اجتماع العار و النار في الاخرة. و أراد بالعار العار بالعذر. و الآن ظرف انتصب بأعظم الّذى هو اسم إنّ، و يجوز أن يكون هو اسمها و أعظم مبتدأ خبره العار- و الجملة خبر إنّ و العائد إلى اسمها محذوف تقديره: فإنّ الآن أعظم أمر كما فيه العار.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 188

 

نامه 52 شرح ابن میثم بحرانی

و من عهد له عليه السّلام كتبه للأشتر النخعي رحمه اللّه، لما ولاه على مصر و اعمالها حين اضطراب أمر محمد بن أبى بكر،

و هو أطول عهد و أجمع كتبه للمحاسن أقول: هو مالك بن الحرث الأشتر النخعيّ من اليمن، و كان من أكابر أصحابه عليه السّلام ذوى النجدة، و الشجاعة الّذين عليهم عمدته في الحروب، و روى أنّ الطرمّاح لمّا دخل على معاوية قال له: قل لابن أبي طالب: إنّى جمعت من العساكر بعدد حبّ جاورس الكوفة و ها أنا قاصده. فقال له الطرمّاح: إنّ لعليّ عليه السّلام ديكا أشتر يلتقط جميع ذلك. فأنكسر معاوية من قوله. و في العهد فصول:

الفصل الأوّل

قوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ- هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ- مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ- حِينَ وَلَّاهُ مِصْرَ جِبَايَةَ خَرَاجِهَا وَ جِهَادَ عَدُوِّهَا- وَ اسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا وَ عِمَارَةَ بِلَادِهَا- أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ إِيْثَارِ طَاعَتِهِ- وَ اتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ‏ وَ سُنَنِهِ- الَّتِي لَا يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهَا- وَ لَا يَشْقَى إِلَّا مَعَ جُحُودِهَا وَ إِضَاعَتِهَا- وَ أَنْ يَنْصُرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ وَ يَدِهِ وَ لِسَانِهِ- فَإِنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ وَ إِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ- وَ أَمَرَهُ أَنْ يَكْسِرَ نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ- وَ يَزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ- فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ اللَّهُ

اللغة
أقول: يزعها: يكفّها.

المعنى
و صدّر عليه السّلام هذا العهد بذكر امور هي غرض الولاية
و بها يكون نظام الأمر فمنها ما يعود إلى منفعة الوالى و هو جبوة الخراج، و منها ما يعود إلى الرعيّة و هي جهاد عدوّهم و استصلاحهم بالسياسة و حسن الرعى، و منها ما يعود إليهما و هو عمارة البلاد و لو احقها.
ثمّ أمره بأوامر خمسة يعود إلى إصلاح نفسه أوّلا:

أحدها: تقوى اللّه
و خشيته، و قد سبق بيان كونها أصلا لكلّ فضيلة.

الثاني: اتّباع أوامره في كتابه من فرائضه و سننه.
و رغّب في ذلك بقوله: لا يسعد. إلى قوله: إضاعتها. و تكرّر بيان ذلك.

الثالث: أن ينصر اللّه سبحانه بيده و قلبه و لسانه
في جهاد العدوّ. و إنكار المنكرات. و رغّب في ذلك بقوله: قد تكفّل. إلى قوله: أعزّه. كقوله تعالى إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ«».

الرابع، أن يكسر من نفسه عند الشهوات.
و هو أمر بفضيلة العفّة.

الخامس: أن يكفّها و يقاومها عند الجمحات.
و هو أمر بفضيلة الصبر عن اتّباع الهوى و هو فضيلة تحت العفّة، و حذّر من النفس بقوله: فإنّ النفس. إلى‏ آخره، و هو من قوله تعالى إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ«» الآية. و- ما- بمعنى- من- و هى نصب على الاستثناء: أي إلّا نفسا رحمها اللّه.

الفصل الثاني: في أوامره و وصاياه بالأعمال الصالحة المتعلّقة بأحوال الولاية و تدبير الملك و المدينة

و ذلك قوله: ثُمَّ اعْلَمْ يَا مَالِكُ- أَنِّي قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَى بِلَادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ- مِنْ عَدْلٍ وَ جَوْرٍ- وَ أَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ- فِي مِثْلِ مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلَاةِ قَبْلَكَ- وَ يَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِيهِمْ- وَ إِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ- بِمَا يُجْرِي اللَّهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ- فَلْيَكُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ- فَامْلِكْ هَوَاكَ وَ شُحَّ بِنَفْسِكَ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَكَ- فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ الْإِنْصَافُ مِنْهَا فِيمَا أَحَبَّتْ أَوْ كَرِهَتْ وَ أَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ- وَ الْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَ اللُّطْفَ بِهِمْ- وَ لَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ- فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ- وَ إِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ- يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وَ تَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ- وَ يُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَ الْخَطَإِ- فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَ صَفْحِكَ- مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وَ تَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَ صَفْحِهِ- فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَ وَالِي الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ- وَ اللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ- وَ قَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَ ابْتَلَاكَ بِهِمْ- وَ لَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللَّهِ- فَإِنَّهُ لَا يَدَيْ لَكَ بِنِقْمَتِهِ- وَ لَا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَ رَحْمَتِهِ- وَ لَا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوٍ وَ لَا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ- وَ لَا تُسْرِعَنَّ إِلَى بَادِرَةٍ وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً- وَ لَا تَقُولَنَّ إِنِّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ- فَإِنَّ ذَلِكَ إِدْغَالٌ فِي الْقَلْبِ- وَ مَنْهَكَةٌ لِلدِّينِ وَ تَقَرُّبٌ مِنَ الْغِيَرِ- وَ إِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةً أَوْ مَخِيلَةً- فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْكِ اللَّهِ فَوْقَكَ- وَ قُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَى مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ- فَإِنَّ ذَلِكَ يُطَامِنُ إِلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ- وَ يَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ- وَ يَفِي‏ءُ إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ- إِيَّاكَ وَ مُسَامَاةَ اللَّهِ فِي عَظَمَتِهِ وَ التَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ- فَإِنَّ اللَّهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ وَ يُهِينُ كُلَّ مُخْتَالٍ أَنْصِفِ اللَّهَ وَ أَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ- وَ مِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ- وَ مَنْ لَكَ فِيهِ هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ- فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ- وَ مَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ- وَ مَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ- وَ كَانَ لِلَّهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ أَوْ يَتُوبَ- وَ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللَّهِ وَ تَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ- مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ- فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ- وَ هُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ- وَ لْيَكُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ- وَ أَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ وَ أَجْمَعُهَا لِرِضَا الرَّعِيَّةِ- فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَا الْخَاصَّةِ- وَ إِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَا الْعَامَّةِ- وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَى الْوَالِي مَئُونَةً فِي الرَّخَاءِ- وَ أَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلَاءِ- وَ أَكْرَهَ لِلْإِنْصَافِ وَ أَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ- وَ أَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الْإِعْطَاءِ وَ أَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ- وَ أَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ- مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ- وَ إِنَّمَا عِمَادُ الدِّينِ وَ جِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ- وَ الْعُدَّةُ لِلْأَعْدَاءِ الْعَامَّةُ مِنَ الْأُمَّةِ- فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ لَهُمْ وَ مَيْلُكَ مَعَهُمْ وَ لْيَكُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ وَ أَشْنَأَهُمْ عِنْدَكَ- أَطْلَبُهُمْ لِمَعَايِبِ النَّاسِ- فَإِنَّ فِي النَّاسِ عُيُوباً الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا- فَلَا تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا- فَإِنَّمَا عَلَيْكَ تَطْهِيرُ مَا ظَهَرَ لَكَ- وَ اللَّهُ يَحْكُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْكَ- فَاسْتُرِ الْعَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ- يَسْتُرِ اللَّهُ مِنْكَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِيَّتِكَ- أَطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عُقْدَةَ كُلِّ حِقْدٍ- وَ اقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ كُلِّ وِتْرٍ- وَ تَغَابَ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَضِحُ لَكَ- وَ لَا تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ سَاعٍ- فَإِنَّ السَّاعِيَ غَاشٌّ وَ إِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ- وَ لَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلًا يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ- وَ يَعِدُكَ الْفَقْرَ- وَ لَا جَبَاناً يُضْعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ- وَ لَا حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ- فَإِنَّ الْبُخْلَ وَ الْجُبْنَ وَ الْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى- يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ‏ إِنَّ شَرَّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيراً- وَ مَنْ شَرِكَهُمْ فِي الْآثَامِ فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً- فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ وَ إِخْوَانُ الظَّلَمَةِ- وَ أَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ- مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَ نَفَاذِهِمْ- وَ لَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَ أَوْزَارِهِمْ وَ آثَامِهِمْ- مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ وَ لَا آثِماً عَلَى إِثْمِهِ- أُولَئِكَ أَخَفُّ عَلَيْكَ مَئُونَةً وَ أَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً- وَ أَحْنَى عَلَيْكَ عَطْفاً وَ أَقَلُّ لِغَيْرِكَ إِلْفاً- فَاتَّخِذْ أُولَئِكَ خَاصَّةً لِخَلَوَاتِكَ وَ حَفَلَاتِكَ- ثُمَّ لْيَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَكَ- وَ أَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةً فِيمَا يَكُونُ مِنْكَ مِمَّا كَرِهَ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ- وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَيْثُ وَقَعَ وَ الْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَ الصِّدْقِ- ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَلَّا يُطْرُوكَ- وَ لَا يَبْجَحُوكَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ- فَإِنَّ كَثْرَةَ الْإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ وَ تُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ- وَ لَا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَ الْمُسِي‏ءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ- فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِي الْإِحْسَانِ- وَ تَدْرِيباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ عَلَى الْإِسَاءَةِ- وَ أَلْزِمْ كُلًّا مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ بِأَدْعَى- إِلَى حُسْنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِهِ- مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ وَ تَخْفِيفِهِ الْمَئُونَاتِ عَلَيْهِمْ- وَ تَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ- فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ- يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ- فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِيلًا- وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلَاؤُكَ عِنْدَهُ- وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ سَاءَ بَلَاؤُكَ عِنْدَهُ- وَ لَا تَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّةِ- وَ اجْتَمَعَتْ بِهَا الْأُلْفَةُ وَ صَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ- وَ لَا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ- فَيَكُونَ الْأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا- وَ الْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا- وَ أَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ وَ مُنَاقَشَةَ الْحُكَمَاءِ- فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلَادِكَ- وَ إِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ

اللغة

أقول: الضاري: المعتاد للصيد، الجرى‏ء عليه. و الصفح: الإعراض عن الذنب. و البجح- بسكون الجيم- : الفرح و السرور. و البادرة: الحدّة. و المندوحة: السعة. و الإدغال: إدخال الفساد في الأمر. و النهك: الضعف. و الأبّهة، و المخيلة: الكبر و يطا من. يسكن: و طماح النفس: جماحها. و طمح البصر: ارتفع. و غرب الفرس: حدّته، و أوّل جريه، و المساماة: مفاعلة من السموّ. و الجبروت: الكبر العظيم. و أدحض حجّته: أبطلها. و ينزع: يرجع. و أجحف به: ذهب به. و الإلحاف: شدّة السؤال. و ملمّات الدهر: ما يلمّ من خطوبه. و جماع المسلمين: جمعهم. و الصغوة: الميل. و أشنأهم: أبغضهم و الوتر: الحقد. و التغابي: التجاهل و التغافل و بطانة الرجل: خاصّته و الآصار: الآثام. و حفلاتك: أى جلساتك في المحافل و المجامع. و الإطراء: المدح البالغ. و الزهو: الكبر. و التدريب: التعويد. و المنافثة: المحادثة.

المعنى

و اعلم أنّ مدار هذا الفصل لمّا كان على أمره بالعمل الصالح في البلاد و العباد نبّهه أوّلا على بعض العلل الغائيّة من ذلك، و هو الذكر الجميل في العقبى و الكون من الصالحين ليعمل له، و ذلك بقوله: إنّي قد وجهّتك. إلى قوله: تقول فيهم. و هو في قوّة صغرى ضمير تقديرها: إنّك موجّه إلى بلدة حالها كذا و كذا و حال الناس في فعلك بها كذا، و تقدير الكبرى: و كلّ من كان وجّه إلى بلدة كذلك و كان الناس ينظرون من أمره مثل ما كان ينظر قبله من أمر الولاة و يقولون فيه مثل ما كان يقول فيهم فيجب عليه أن يكون أحبّ الامور إليه العمل الصالح ليحصل منه الذكر الجميل بين الناس الدالّ على كون المذكور عند اللّه من الصالحين، و نبّه على تلك الدلالة بقوله: و إنّما يستدلّ على الصالحين بما يجرى اللّه لهم على ألسن عباده. و في نسبة إجراء القول إلى اللّه ترغيب عظيم في تحصيل الذكر الجميل.

ثمّ أعقب ذلك بأمره أن يجعل العمل الصالح أحبّ الذخائر إليه، و استعار له لفظ الذخيرة باعتبار أن يحصله في الدنيا لغاية الانتفاع به في العقبى كالذخيرة.
و لمّا أمره بالعمل الصالح إجمالا شرع في تفصيله و ذكر أنواعا:

أحدها: أن يملك هواه في شهوته و غضبه فلا يتّبعهما
و يشحّ بنفسه عمّا لا يحلّ لها من المحرّمات.
و قوله: فإنّ الشحّ. إلى قوله: كرهت. تفسير لذلك الشحّ بما يلازمه و هو الانصاف و الوقوف على حدّ العدل في المحبوب فلا يقوده شهوته إلى حدّ الإفراط فيقع في رذيلة الفجور، و في دفع المكروه فلا يقوده غضبه إلى طرف الإفراط من فضيلة العدل فيقع في رذيلة الظلم و التهوّر.
و ظاهر أنّ ذلك شحّ بالنفس و بخل بها عن إلقائها في مهاوى الهلاك.

الثاني: أن يشعر قلبه الرحمة للرعيّة و المحبّة و اللطف بهم.
و هي فضائل تحت ملكة العفّة: أى اجعل هذه الفضائل شعارا لقلبك. و لفظا الشعار و السبع مستعاران. و أشار إلى وجه استعارة السبع بقوله: تغتنم أكلهم.

الثالث: أن يعفو و يصفح عنهم،
و هو فضيلة تحت الشجاعة. و قوله: فإنّهم. إلى قوله: في الخلق.

بيان لسببين من أسباب الرحمة لهم و اللطف بهم. و قوله: يفرط منهم الزلل. إلى قوله: و الخطاء. تفسير للمثليّة و هي السبب الثاني، و الكلام في قوّة صغرى ضمير في حسن العفو و الصفح، و أراد بالعلل الّتي تعرض لهم الامور المشغلة الصارفة لهم عمّا ينبغي من إجراء أوامر الوالي على وجوهها. و قوله: و يؤتى على أيديهم. كناية عن كونهم غير معصومين بل هم ممّن يؤتون من قبل العمد و الخطاء، و تأتي على أيديهم أوامر الولاة و المؤاخذات فيما يقع منهم من عمد أو خطاء، و تقدير الكبرى: و كلّ من كان كذلك فينبغي أن يرحم و يشمل بالمحبّة ذو اللطف به و يقابل خطأه بالعفو و الصفح. و في أمره بإعطاء العفو مثل الّذي يجب أن يعطيه اللّه من عفوه أتمّ ترغيب في العفو و أقوى جاذب إليه، و كذلك قوله: فإنّك فوقهم.
إلى قوله: و ابتلاك بهم. تخويف من اللّه في معرض الأمر بالعفو و اللطف، و هو صغرى ضمير آخر في ذلك.

الرابع: نهاه أن ينصب نفسه لحرب اللّه.
و كنّى بحربه عن الغلظة على عباده و ظلمهم و مبارزته تعالى فيهم بالمعصية. و قوله: فإنّه لا يدي لك. إلى قوله: و رحمته. صغرى ضمير نبّه به على أنّه لا يجوز ظلم عباد اللّه و محاربته، و كنّى بعدم اليدين عن عدم القدرة. يقال: مالى بهذا الأمر يد. إذا كان ممّا لا يطاق. و حذف النون من يدين لمضارعة المضاف، و قيل: لكثرة الاستعمال، و تقدير الكبرى: و كلّ من كان كذلك فلا يجوز أن ينصب لحرب اللّه بظلم عباده.

الخامس: نهاه عن الندم على العفو. و عن التبجّح بعقوبة الغير و التسرّع إلى الغضب الّذي يجد منه مندوحة
فإنّ ذلك كلّه من لوازم إعطاء القوّة الغضبيّة قيادها. و قد علمت أنّها شيطان تقود إلى النار.

السادس: نهاه أن يأمر بما لا ينبغي الأمر به و يخالف الدين
و نهى عن ما عساه‏ يعرض في النفس من وجوب طاعة الخلق لامرته فإنّ عليهم أن يسمعوا و عليه أن يأمر فإنّ ذلك فساد في القلب و الدين، و أشار إلى ذلك الفساد بقوله: فإنّه إدغال إلى قوله: الغير. و هو من وجوه ثلاثة: أحدها: أنّه إدغال في القلب و صرف له عن دين اللّه، و هو معنى إفساده. الثاني: أنّ ذلك منهكة للدين و إضعاف له. الثالث: أنّه مقرّب من الغير لكون الظلم من أقوى الأسباب المعدّة باجتماع همم الخلق على زواله، و إليه الإشارة بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ«» و الكلام في قوّة ثلاث صغريات لثلاثة ضماير، و تقدير الكبريات فيها: و كلّ ما كان كذلك فلا يجوز ارتكابه.

السابع: أرشده إلى دواء داء الابّهة و الكبر
الّذي عساه يعرض له في سلطانه و ولايته، و ذلك. أن ينظر إلى عظمة اللّه تعالى فوقه و قدرته على ما لا يملكه من نفسه و لا يستطيعه جلبا لها أو دفعا عنها فإنّ ذلك يسكّن داء الكبر الّذي يحدث له فيطفيه و يكسر حدّة غضبه و يردّه إليه ما قهرته قوّته الغضبيّة من عقله فغرب عند جماحها، و هذه أيضا صغريات ثلاث لثلاثة ضمائر نبّه فيها على وجوب فعل ما أرشده إليه من الدواء، و تقدير الكبريات فيه: و كلّما كان كذلك فيجب عليك فعله.

الثامن: حذّره عن التعظيم و التجبّر
و نفّر عن ذلك بكونهما مساماة و تشبّها به، و بأنّ التكبّر يستلزم أن يذلّ اللّه صاحبه و يهينه. و تقدير الاحتجاج: فإنّك إن تجبّرت و اختلت يذلّك اللّه و يهينك و هو في قوّة صغرى ضمير أيضا، و تقدير كبراه: و كلّ من كان كذلك فيجب أن يحذر من اللّه بترك التجبّر.

التاسع: أمره بإنصاف اللّه و إنصاف الناس من نفسه و أهل هواه من رعيّته.
فإنصاف اللّه العمل بأوامره و الانتهاء عن زواجره مقابلا بذلك نعمه، و إنصاف الناس العدل فيهم و الخروج إليهم من حقوقهم اللازمة لنفسه و لأهل خاصّته. و احتجّ على.

وجوب ذلك الإنصاف بقياس مفصول صغرى الأوّل قوله: فإنّك إن لا تفعل تظلم: أى تظلم عباد اللّه. و كبراه و من ظلم عباد اللّه كان اللّه خصمه دون عباده. و تقدير نتيجته: فإنّك إن لا تفعل كان اللّه خصمك دون عباده و هي صغرى لقياس آخر كبراه قوله: و من خاصمه اللّه. إلى قوله: و يتوب. و تقدير نتيجته: فإنّك إن لا تفعل أدحض اللّه حجّتك عند مخاصمته و كنت له حربا إلى أن تنزع و تتوب من ظلمك. و قوله: و ليس شي‏ء. إلى قوله: على ظلم. تنبيه على لازم آخر لعدم الإنصاف أو الإقامة على الظلم، و هي كونه أدعى إلى تغيير نعم اللّه و تعجيل نقمته من كلّ شي‏ء.
و قوله: فإنّ اللّه. إلى قوله: بالمرصاد. بيان للزوم اللازم المذكور، و ذلك أنّ اللّه سبحانه إذا كان يسمع دعوة المظلوم و يطّلع على فعل الظالم فإنّه يسرع إلى تغيير نعمته إذ استعدّ لذلك.

العاشرة: أمره أن يكون أحبّ الأمور إليه أقربها إلى حاقّ الوسط
من طرفى الإفراط و التفريط و هو الحقّ، و أعمّها للعدل، و أجمعها لرضاء الرعيّة فإنّ العدل قد يوقع على وجه لا يعمّ العامّة بل يتّبع فيه رضاء الخاصّة. و نبّه على لزوم العدل العامّ للرعيّة و حفظ قلوب العامّة و طلب رضاهم بوجهين: أحدهما: أنّ سخط العامّة لكثرتهم لا يقاومه رضاء الخاصّة لقلّتهم، بل يجحف به و لا ينتفع برضاهم عند سخط العامّة، و ذلك يؤدّي إلى وهن الدين و ضعفه أمّا سخط الخاصّه فإنّه مغتفر و مستور عند رضاء العامّة فكان رضاهم أولى. الثاني: أنّه وصف الخاصّة بصفات مذمومة تستلزم قلّة الاهتمام بهم بالنسبة إلى العامّة، و وصف العامّة بصفات محمودة توجب العناية بهم. أمّا صفات الخاصّة: فأحدها: كونهم أثقل مئونة على الوالي في الرخاء لتكلّفه لهم ما لا يتكلّفه لغيرهم. الثاني: كونهم أقلّ معونة له في البلاء لمحبّتهم الدنيا و عزّة جانبهم. الثالث: كونهم أكره للانصاف لزياده أطماعهم في الدنيا على العامّة. الرابع: و كونهم أسأل بالإحاف لأنّهم عند الحاجة إلى السؤال أشدّ جرأة على الوالي و أطمع في إلانة جانبه. الخامس: كونهم أقلّ شكرا عند الإعطاء لاعتقادهم زيادة فضلهم على العامّة و أنّهم أحقّ بما يعطونه، و اعتقادهم حاجة الوالي إليهم و تخوّفه منهم. السادس: كونهم أبطأ عذرا للوالي إن منعهم: أي أنّهم أقلّ مسامحة له إن اعتذر إليهم في أمر لاعتقادهم فضيلة أنفسهم و كونهم واجبي قضاء الحقوق. السابع: كونهم أضعف صبرا عند ملمّات الدهر لتعوّدهم الترفّة، و جزعهم على ما في أيديهم من الدنيا. و أمّا صفات العامّة: فأحدها: كونهم عمود الدين، و استعار لهم لفظ العمود باعتبار قيام الدين بهم كقيام البيت بعموده. الثاني: كونهم جماع المسلمين لكونهم الأغلب و الأكثر و السواد الأعظم. الثالث: كونهم العدّة للأعداء لكثرتهم أيضا و لأنّهم كانوا أهل الحرب في ذلك الزمان. و هذه الصفات للفريقين يستلزم وجوب حفظ قلوب العامّة، و تقديمه على حفظ قلوب الخاصّة. و لذلك أمره أن يكون صغوه و ميله إلى العامّة.

الحادي عشر: أمر بأن يكون أبعد رعيّته منه و أبغضهم إليه أطلبهم لمعايب الناس،
و نبّهه على وجوب ذلك بقوله: فإنّ فى الناس إلى قوله: سترها. و إذا كان الوالي أحقّ من سترها لزمه أن لا يكشف عمّا غاب عنه منها، و ذلك بقمع أهل النميمة و إبعادهم، و أن يلزم ما يجب عليه و هو تطهير الخلق ممّا ظهر له من ذنوبهم دون ما غاب عنه، و أكّد ذلك بالأمر بستر العورة من الغير بقدر الاستطاعة فإنّ كلّ عيب عورة، و نبّه على الرغبة في ذلك بما يستلزمه من إعداده لستر اللّه منه ما يحبّ أن يستره هو بستره على رعيّته من الذنوب و العيوب.

الثاني عشر: أمره بنزع الحقد و عقد ما عقده في قلبه منه لكونه من الرذائل الموبقة
و أن يقطع أسبابه من قبول السعاية و أهل النميمة،

الثالث عشر، أن يتغافل عن كلّ أمر لا يتّضح له
و لا يقوم به برهان، و نهاه أن‏ يعجل إلى تصديق من سعى به، و نبّه على ذلك بضمير صغراه: قوله: فإنّ الساعي: إلى قوله: الناصحين. و وجه غشّه كونه مثير الأحقاد و الضغائن بين الناس و يذيع الفاحشة و الفساد في الأرض، و تقدير كبراه: و كلّ من كان غاشّا وجب أن لا يلتفت إليه.

الرابع عشر: نهاه أن يدخل في مشورته ثلاثة البخيل و الجبان و الحريص،
و نبّه على وجه المفسدة في استشارة كلّ أحد من الثلاثة بضمير صغرى الأوّل: قوله: يعدل بك. إلى قوله: الفقر. و ذلك أنّ البخيل لا يشير إلّا بما يراه مصلحة عنده و هو البخل و ما يستلزمه من التخويف بالفقر، و هو يعدل بالمستشير عن الفضل.
و صغرى الثاني قوله: ليضّعفك عن الأمور. لأنّ الجبان لا يشير إلّا بوجوب حفظ النفس و التخويف من العدوّ و هو المصلحة الّتي يراها، و كلّ ذلك مضعّف عن الحرب و مقاومة العدوّ. و صغرى الثالث: قوله: يزيّن لك الشره بالجور. و ذلك أنّ المصلحة عنده جمع المال و حفظه و هو مستلزم للجور عن فضيلة العدل و القصد. و تقدير الكبرى في الثلاثة: و كلّ من كان كذلك فلا يجوز استشارته. ثمّ نفّر عن الثلاثة بضمير آخر نبّه بصغراه على مبدء رذائلهم الثلاث و هي البخل و الجبن و الحرص لتعرف فتجتنب و تنفر عن عن أهلها فذكر أنّها غرائز: أي أخلاق متفرّقة يحصل للنفس عن أصل واحد ينتهى إليه و هو سوء الظنّ باللّه، و بيان ذلك أنّ مبدء سوء الظنّ باللّه عدم معرفته تعالى فالجاهل به لا يعرفه من جهة ما هو جواد فيّاض بالخيرات لمن استعدّ بطاعته لها فيسوء ظنّه به، و بأنّه لا يخلف عليه عوض ما يبذله فيمنعه ذلك مع ملاحظة الفقر من [عند] البذل و تلزمه رذيلة البخل، و كذا الجبان جاهل به تعالى من جهة لطفه بعباده و عنايته بوجودهم و غير عالم بسرّ قدره فيسوء ظنّه بأنّه لا يحفظه من التلف و يتصوّر الهلاك فيمنعه ذلك عن الإقدام في الحرب و نحوها فيلزمه رذيلة الجبن، و كذلك الحريص يجهله تعالى من الوجهين المذكورين فيسوء ظنّه به و يعتقد أنّه إذا لم يحرص الحرص المذموم لم يوصل إليه تعالى ما يصلح حاله ممّا يسعى فيه و يحرص عليه فيبعثه ذلك على الحرص. و كذلك النفس. فكانت هذه الأخلاق الثلاثة المذمومة راجعة إلى ما ذكره عليه السّلام.

الخامس عشر: لمّا كان من الأعمال الصالحة اختيار الوزراء و الأعوان
نبّهه على من لا ينبغي استصلاحه لذلك ليجتنبه و من ينبغي ليرغب فيه. فمن لا ينبغي هو من كان للأشرار من الولاة قبله وزيرا و مشاركا لهم في الآثام، و نهاه عن اتّخاذه بطانة و خاصّة له، و نفّر عنهم بضمير صغراه قوله: فإنّهم: إلى قوله: الخلف. و تقدير كبراه: و كلّ من كان كذلك فلا تتّخذه بطانة. و قوله: ممّن له مثل آرائهم. تميز لمن هو خير الخلف من الأشرار و هم الّذين ينبغي أن يستعان بهم، و بيان لوجه خيريّتهم بالنسبة إلى الأشرار، و هو أن يكون لهم مثل آرائهم و نفاذهم في الأمور و ليس عليهم مثل آصارهم و لم يعاون ظالما على ظلمه. ثمّ رغّب في اتّخاذ هؤلاء أعوانا بضمير صغراه قوله: اولئك أخفّ. إلى قوله: إلفا. أمّا أنّهم أخفّ مئونة فلأنّ لهم رادعا من أنفسهم عمّا لا ينبغي لهم من مال أو حال فلا يحتاج في إرضائهم أو ردعهم ممّا لا ينبغي إلى مزيد كلفة بخلاف الأشرار و الطامعين فيما لا ينبغي. و بحسب قربهم إلى الحقّ و مجانبتهم للأشرار كانوا أحسن معونة و أثبت عنده قلوبا و أشدّ حنوّا عليه و عطفا و أقلّ لغيره إلفا، و تقدير كبراه: و كلّ من كان كذلك فينبغي أن يتّخذ عونا و وزيرا و لذلك قال: فاتّخذ اولئك خاصّة لخلوتك و حفلاتك. ثمّ ميّز من ينبغي أن يكون أقرب هؤلاء إليه و أقواهم في الاعتماد عليه بأوصاف أخصّ: أحدها: أن يكون أقولهم بمرّ الحقّ له. الثاني: أن يكون أقلّهم مساعدة له فيما يكون منه و يقع من الامور الّتي يكرهها اللّه لأوليائه. و انتصب قوله: واقعا على الحال: أي في حال وقوع ذلك القول منه و النصيحة و قلّة المساعدة حيث وقع من هواك سواء كان في هوى عظيم أو يسير، أو حيث وقع هواك: أى سواء كان ما تهواه عظيما أو ليس، و يحتمل أن يريد واقعا عظيما أو ليس، و يحتمل أن يريد واقعا ذلك الناصح من هواك و محبّتك حيث وقع:

أى يجب أن يكون له من هواك موقعا. ثمّ أمره في اعتبارهم و اختيارهم بأوامر: أحدها: أن يلازم أهل الورع منهم و الأعمال الجميلة و أهل الصدق. و هما فضيلتان تحت العفّة. الثاني: أن يروضهم و يؤدّبهم بالنهي عن الإطراء له، أو يوجبوا له سرورا بقول ينسبونه فيه إلى فعل ما لم يفعله فيدخلونه في ذمّ قوله تعالى وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا«» و نفّره عن كثرة الإطراء بضمير صغراه قوله: فإن كثرة الإطراء إلى قوله: الغرّة. و استلزام الإطراء للرذيلتين المذكورتين ظاهر، و تقدير الكبرى: و كلّما كان كذلك فيجب اجتنابه. الثاني: نهاه أن يكون المحسن و المسي‏ء عنده بمنزلة سواء، و نفّر عن ذلك ببيان وجه المفسدة في ضمير صغراه قوله: فإنّ ذلك. إلى قوله: الإساءة. و سرّه أنّ أكثر فعل الإحسان إنّما يكون طلبا للمجازاة بمثله خصوصا من الولاة و طلبا لزيادة الرتبة على الغير و زيادة الذكر الجميل مع أنواع من الكلفة في ذلك. فإذا رأى المحسن مساواة منزلته لمنزلته المسى‏ء كان ذلك صارفا عن الإحسان و داعيا إلى الراحة من تكلّفه، و كذلك أكثر التاركين للإساءة إنّما يتركون خوفا من الولاة و إشفاقا من نقصان الرتبة عن النظر. فإذا رأى المسى‏ء مساواة مرتبته مع مرتبة المحسنين كان التقصير به أولى: و تقدير الكبرى: و كلّ ما كان فيه تزهيد للإحسان و تدريب على الإساءة فينبغي أن يجتنب. ثمّ أكّد ذلك بأمره أن يلزم كلّا من أهل الإحسان و الإساءة بما ألزم به نفسه من الاستعداد بالإحسان و الإساءة لهما فيلزم المحسن منزلة الإحسان و يلزم المسى‏ء منزلة الإساءة.

السادس عشر: نبّهه على الإحسان إلى رعيّته
و تخفيف المئونات عنهم و ترك استكراههم على ما ليس له قبلهم بما يستلزمه ذلك من حسن ظنّه بهم المستلزم لقطع النصب عنه من قبلهم و الاستراحة إليهم، و ذلك أنّ الوالي إذا أحسن إلى رعيّته قويت رغبتهم فيه و أقبلوا بطباعهم على محبّته و طاعته، و ذلك يستلزم حسن ظنّه بهم‏ فلا يحتاج معهم إلى كلفة في جمع أهوائهم و الاحتراس من شرورهم، و أكّد ذلك بقوله: و إنّ أحقّ من يحسن ظنّك به. إلى قوله: عنده.

السابع عشر: نهاه أن ينقض سنّة صالحة عمل بها السلف الصالح
من صدور هذه الامّة و اجتمعت بها الالفة و صلاح الرعيّة، و ذلك مفسدة ظاهرة في الدين.

الثامن عشر: نهاه أن يحدث سنّة تضرّ بشي‏ء من ماضي السنن.
و أشار إلى وجه الفساد فيها بضمير صغراه قوله: فيكون. إلى قوله: سنّها. و الضمير في منها يعود إلى السنن الّتي دخل عليها الضرر فيكون الأجر لمن سنّ السنّة الماضية الّتي أضرّت بها سنّتك الحادثة و الوزر عليك بما نقضت منها، و تقدير كبراه: فكلّ ما كان كذلك فينبغي أن يجتنب و ينفر عنه.

التاسع عشر: أمره أن يكثر مدارسة العلماء.
أي بأحكام الشريعة و قوانين الدين، و منافثة الحكماء: أي العارفين باللّه و بأسراره في عباده و بلاده العاملين بالقوانين الحكمية العمليّة التجربيّة و الاعتباريّة، و يتصفّح أنواع الأخبار في تثبّت القواعد و القوانين الّتي يصلح عليها أمر بلاده، و إقامة ما استقام به الناس قبله منها. و باللّه التوفيق.

الفصل الثالث: في التنبيه على طبقات الناس الّذين ينتظم بهم أمر المدينة

و وضع كلّ على حدّه و طبقته الّتي يقتضي الحكمة النبويّة وضعه فيها، و الإشارة إلى تعلّق كلّ طبقة بالأخرى حيث لا صلاح لبعضهم إلّا بالبعض و بذلك يكون قوام المدينة، ثمّ بالإشارة إلى من يستصلح من كلّ صنف و طبقه يكون أهلا لتلك المرتبة، و الوصيّة في كلّ ما يليق به. و ذلك قوله: وَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ- لَا يَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ- وَ لَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ- فَمِنْهَا جُنُودُ اللَّهِ وَ مِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَ الْخَاصَّةِ- وَ مِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ وَ مِنْهَا عُمَّالُ الْإِنْصَافِ وَ الرِّفْقِ- وَ مِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَ الْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَ مُسْلِمَةِ النَّاسِ- وَ مِنْهَا التُّجَّارُ وَ أَهْلُ الصِّنَاعَاتِ- وَ مِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَ الْمَسْكَنَةِ- وَ كُلٌّ قَدْ سَمَّى اللَّهُ لَهُ سَهْمَهُ- وَ وَضَعَ عَلَى حَدِّهِ فَرِيضَةً فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ص عَهْداً- مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً- فَالْجُنُودُ بِإِذْنِ اللَّهِ حُصُونُ الرَّعِيَّةِ وَ زَيْنُ الْوُلَاةِ- وَ عِزُّ الدِّينِ وَ سُبُلُ الْأَمْنِ- وَ لَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِهِمْ- ثُمَّ لَا قِوَامَ لِلْجُنُودِ- إِلَّا بِمَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ- الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ- وَ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ- وَ يَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ- ثُمَّ لَا قِوَامَ لِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ إِلَّا بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ- مِنَ الْقُضَاةِ وَ الْعُمَّالِ وَ الْكُتَّابِ- لِمَا يُحْكِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ وَ يَجْمَعُونَ مِنَ الْمَنَافِعِ- وَ يُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصِّ الْأُمُورِ وَ عَوَامِّهَا- وَ لَا قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إِلَّا بِالتُّجَّارِ وَ ذَوِي الصِّنَاعَاتِ- فِيمَا يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ- وَ يُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ- وَ يَكْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُّقِ بِأَيْدِيهِمْ- مَا لَا يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ- ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَ الْمَسْكَنَةِ- الَّذِينَ يَحِقُّ رِفْدُهُمْ وَ مَعُونَتُهُمْ- وَ فِي اللَّهِ لِكُلٍّ سَعَةٌ- وَ لِكُلٍّ عَلَى الْوَالِي حَقٌّ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ- فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ- أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِإِمَامِكَ- وَ أَنْقَاهُمْ جَيْباً وَ أَفْضَلَهُمْ حِلْماً- مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ وَ يَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ- وَ يَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ وَ يَنْبُو عَلَى الْأَقْوِيَاءِ- وَ مِمَّنْ لَا يُثِيرُهُ الْعُنْفُ وَ لَا يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ- ثُمَّ الْصَقْ بِذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَ الْأَحْسَابِ- وَ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَ السَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ- ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَ الشَّجَاعَةِ وَ السَّخَاءِ وَ السَّمَاحَةِ- فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ وَ شُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ- ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا- وَ لَا يَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْ‏ءٌ قَوَّيْتَهُمْ بِهِ- وَ لَا تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَ إِنْ قَلَّ- فَإِنَّهُ دَاعِيَةٌ لَهُمْ إِلَى بَذْلِ النَّصِيحَةِ لَكَ وَ حُسْنِ الظَّنِّ بِكَ- وَ لَا تَدَعْ تَفَقُّدَ لَطِيفِ أُمُورِهِمُ اتِّكَالًا عَلَى جَسِيمِهَا- فَإِنَّ لِلْيَسِيرِ مِنْ لُطْفِكَ مَوْضِعاً يَنْتَفِعُونَ بِهِ- وَ لِلْجَسِيمِ مَوْقِعاً لَا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ- وَ لْيَكُنْ آثَرُ رُءُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ- وَ أَفْضَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ- بِمَا يَسَعُهُمْ وَ يَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ- حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ- فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَيْهِمْ يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ- وَ إِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلَاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلَادِ وَ ظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّةِ و إِنَّهُ لَا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلَّا بِسَلَامَةِ صُدُورِهِمْ وَ لَا تَصِحُّ نَصِيحَتُهُمْ إِلَّا بِحِيطَتِهِمْ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ- وَ قِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ- وَ تَرْكِ اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ- فَافْسَحْ فِي آمَالِهِمْ وَ وَاصِلْ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ- وَ تَعْدِيدِ مَا أَبْلَى ذَوُو الْبَلَاءِ مِنْهُمْ- فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ- وَ تُحَرِّضُ النَّاكِلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- ثُمَّ اعْرِفْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَى- وَ لَا تَضُمَّنَّ بَلَاءَ امْرِئٍ إِلَى غَيْرِهِ- وَ لَا تُقَصِّرَنَّ بِهِ دُونَ غَايَةِ بَلَائِهِ- وَ لَا يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ- إِلَى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ صَغِيراً- وَ لَا ضَعَةُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ عَظِيماً- وَ ارْدُدْ إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ مَا يُضْلِعُكَ مِنَ الْخُطُوبِ- وَ يَشْتَبِهُ عَلَيْكَ مِنَ الْأُمُورِ- فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ- وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ- فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ- فَالرَّدُّ إِلَى اللَّهِ الْأَخْذُ بِمُحْكَمِ كِتَابِهِ- وَ الرَّدُّ إِلَى الرَّسُولِ الْأَخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ: ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ- مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ وَ لَا تُمَحِّكُهُ الْخُصُومُ- وَ لَا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ- وَ لَا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْ‏ءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ- وَ لَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ- وَ لَا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ- وَ أَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ وَ آخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ- وَ أَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ- وَ أَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الْأُمُورِ- وَ أَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ- مِمَّنْ لَا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ وَ لَا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ- وَ أُولَئِكَ قَلِيلٌ- ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ- وَ افْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ- وَ تَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ- وَ أَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لَا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ- لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ- فَانْظُرْ فِي ذَلِكَ نَظَراً بَلِيغاً- فَإِنَّ هَذَا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيراً فِي أَيْدِي الْأَشْرَارِ- يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى وَ تُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا: ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَاراً- وَ لَا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وَ أَثَرَةً- فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ وَ الْخِيَانَةِ- وَ تَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَ الْحَيَاءِ- مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَ الْقَدَمِ فِي الْإِسْلَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ- فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلَاقاً وَ أَصَحُّ أَعْرَاضاً- وَ أَقَلُّ فِي الْمَطَامِعِ إِشْرَافاً وَ أَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَراً- ثُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ- فَإِنَّ ذَلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلَاحِ أَنْفُسِهِمْ- وَ غِنًى لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ- وَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ- ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ- وَ ابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَ الْوَفَاءِ عَلَيْهِمْ- فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لِأُمُورِهِمْ- حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْأَمَانَةِ وَ الرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ- وَ تَحَفَّظْ مِنَ الْأَعْوَانِ- فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى خِيَانَةٍ- اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ- اكْتَفَيْتَ بِذَلِكَ شَاهِداً- فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ- وَ أَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ- ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ وَ وَسَمْتَهُ بِالْخِيَانَةِ- وَ قَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَةِ: وَ تَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ- فَإِنَّ فِي صَلَاحِهِ وَ صَلَاحِهِمْ صَلَاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ- وَ لَا صَلَاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلَّا بِهِمْ- لِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَ أَهْلِهِ- وَ لْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ- أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الْخَرَاجِ- لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمَارَةِ- وَ مَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ- وَ أَهْلَكَ الْعِبَادَ وَ لَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلَّا قَلِيلًا- فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلًا أَوْ عِلَّةً أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ أَوْ بَالَّةٍ- أَوْ إِحَالَةَ أَرْضٍ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ- أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ- خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ- وَ لَا يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْ‏ءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمَئُونَةَ عَنْهُمْ- فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلَادِكَ- وَ تَزْيِينِ وِلَايَتِكَ مَعَ اسْتِجْلَابِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ- وَ تَبَجُّحِكَ بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ- مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ- بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِكَ لَهُمْ- وَ الثِّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ وَ رِفْقِكَ بِهِمْ- فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الْأُمُورِ- مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ- طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ بِهِ- فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا حَمَّلْتَهُ- وَ إِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الْأَرْضِ مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا- وَ إِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لِإِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلَاةِ عَلَى الْجَمْعِ- وَ سُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ وَ قِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ: ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ- فَوَلِّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ- وَ اخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَايِدَكَ وَ أَسْرَارَكَ- بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُوهِ صَالِحِ الْأَخْلَاقِ مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ- فَيَجْتَرِئَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلَافٍ لَكَ بِحَضْرَةِ مَلَإٍ- وَ لَا تَقْصُرُ بِهِ الْغَفْلَةُ عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمِّالِكَ عَلَيْكَ- وَ إِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْكَ- فِيمَا يَأْخُذُ لَكَ وَ يُعْطِي مِنْكَ- وَ لَا يُضْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَكَ- وَ لَا يَعْجِزُ عَنْ إِطْلَاقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ- وَ لَا يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الْأُمُورِ- فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ- ثُمَّ لَا يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ- وَ اسْتِنَامَتِكَ وَ حُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ- فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّفُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلَاةِ- بِتَصَنُّعِهِمْ وَ حُسْنِ خِدْمَتِهِمْ- وَ لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَ الْأَمَانَةِ شَيْ‏ءٌ- وَ لَكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ- فَاعْمِدْ لِأَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً- وَ أَعْرَفِهِمْ بِالْأَمَانَةِ وَجْهاً- فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ لِلَّهِ وَ لِمَنْ وُلِّيتَ أَمْرَهُ- وَ اجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ- لَا يَقْهَرُهُ كَبِيرُهَا وَ لَا يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا- وَ مَهْمَا كَانَ فِي كُتَّابِكَ مِنْ عَيْبٍ فَتَغَابَيْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ: ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ وَ ذَوِي الصِّنَاعَاتِ وَ أَوْصِ بِهِمْ خَيْراً- الْمُقِيمِ مِنْهُمْ‏

وَ الْمُضْطَرِبِ بِمَالِهِ وَ الْمُتَرَفِّقِ بِبَدَنِهِ- فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ وَ أَسْبَابُ الْمَرَافِقِ- وَ جُلَّابُهَا مِنَ الْمَبَاعِدِ وَ الْمَطَارِحِ- فِي بَرِّكَ وَ بَحْرِكَ وَ سَهْلِكَ وَ جَبَلِكَ- وَ حَيْثُ لَا يَلْتَئِمُ النَّاسُ لِمَوَاضِعِهَا- وَ لَا يَجْتَرِءُونَ عَلَيْهَا- فَإِنَّهُمْ سِلْمٌ لَا تُخَافُ بَائِقَتُهُ- وَ صُلْحٌ لَا تُخْشَى غَائِلَتُهُ- وَ تَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ وَ فِي حَوَاشِي بِلَادِكَ- وَ اعْلَمْ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُمْ ضِيقاً فَاحِشاً- وَ شُحّاً قَبِيحاً- وَ احْتِكَاراً لِلْمَنَافِعِ وَ تَحَكُّماً فِي الْبِيَاعَاتِ- وَ ذَلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ- وَ عَيْبٌ عَلَى الْوُلَاةِ فَامْنَعْ مِنَ الِاحْتِكَارِ- فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص مَنَعَ مِنْهُ- وَ لْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً بِمَوَازِينِ عَدْلٍ- وَ أَسْعَارٍ لَا تُجْحِفُ بِالْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْبَائِعِ وَ الْمُبْتَاعِ- فَمَنْ قَارَفَ حُكْرَةً بَعْدَ نَهْيِكَ إِيَّاهُ فَنَكِّلْ بِهِ- وَ عَاقِبْهُ فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ: ثُمَّ اللَّهَ اللَّهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ- مِنَ الْمَسَاكِينِ وَ الْمُحْتَاجِينَ وَ أَهْلِ الْبُؤْسَى وَ الزَّمْنَى- فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَ مُعْتَرّاً- وَ احْفَظِ لِلَّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ- وَ اجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكِ- وَ قِسْماً مِنْ غَلَّاتِ صَوَافِي الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ بَلَدٍ- فَإِنَّ لِلْأَقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلْأَدْنَى- وَ كُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ- وَ لَا يَشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ- فَإِنَّكَ لَا تُعْذَرُ بِتَضْيِيعِكَ‏ التَّافِهَ لِإِحْكَامِكَ الْكَثِيرَ الْمُهِمَّ- فَلَا تُشْخِصْ هَمَّكَ عَنْهُمْ وَ لَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُمْ- وَ تَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لَا يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ- مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُيُونُ وَ تَحْقِرُهُ الرِّجَالُ- فَفَرِّغْ لِأُولَئِكَ ثِقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ وَ التَّوَاضُعِ- فَلْيَرْفَعْ إِلَيْكَ أُمُورَهُمْ- ثُمَّ اعْمَلْ فِيهِمْ بِالْإِعْذَارِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ تَلْقَاهُ- فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إِلَى الْإِنْصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ- وَ كُلٌّ فَأَعْذِرْ إِلَى اللَّهِ فِي تَأْدِيَةِ حَقِّهِ إِلَيْهِ- وَ تَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُتْمِ وَ ذَوِي الرِّقَّةِ فِي السِّنِّ- مِمَّنْ لَا حِيلَةَ لَهُ وَ لَا يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ- وَ ذَلِكَ عَلَى الْوُلَاةِ ثَقِيلٌ- وَ الْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ وَ قَدْ يُخَفِّفُهُ اللَّهُ عَلَى أَقْوَامٍ- طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ- وَ وَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللَّهِ لَهُمْ

اللغة

أقول: المعاقد: جمع مقعد مصدرا. و المرافق: المنافع. و تفاقم الأمر: عظمه. و الخلوف: المتخلّفون جمع- خلف بالفتح- . و الحيطة: الشفقّة. و يضلعك: يثقلك. و المحك: اللجاج. و الحصر: العىّ و العجز. و التبرّم: التضجّر. و الازدهاء: افتعال من الزهو و هو الكبر. و الإطراء: كثرة المدح. و الاغتيال: الأخذ على غرّة. و المحاباة: المعاطاة و المقاربة فيها. و الأثرة: الاستبداد. و الجماع: الجمع. و التوخّى: التقصّد. و الحدوة: الحثّ. و الشرب: النصيب من الماء. و البالّه: القليل من الماء يبلّ به الأرض. و أحالت الأرض: تغيّرت عمّا كانت عليه من الاستواء فلم ينحبّ زرعها و لا أثمر نخلها. و الإجمام: الإراحة. و معتمد: قاصد. و الإعواز: الفقر. و استنام إلى كذا: سكن إليه. و المترفّق: طالب الرفق من التجارة. و المطارح: جمع مطرح و هى الأرض البعيدة. و البائقة الداهية. و الغائلة: الشرّ. و الاحتكار: حبس المنافع عن الناس عند الحاجة إليها. و البؤسى: الشدّة. و القانع: السائل. و المعترّ: الّذي يتعرّض للعطاء من غير سؤال. و الصوافي:- جمع صافية- و هي أرض الغنيمة. و التافه: الحقير. و أشخص همّه: رفعه. و تصعير الحذّ: إمالته كبرا. و تقتحمه: تزد ريه. و أعذر في الأمر: صار ذا عذر فيه.

و اعلم أنّ في الفصل أبحاثا:

الأوّل: أنّه قسّم أهل المدينة إلى سبع طبقات
و حكم بأنّه لا يصلح بعضها إلّا بالبعض على ما بيّنه. و قوله: من أهل الذمّة و مسلمة الناس. تفصيل للأهل الأوّل. فأهل الذمّة تفسير لأهل الجزية، و مسلمة الناس تفسير لأهل الخراج، و يجوز أن يكون تفسيرا لأهل الجزية و الخراج لأنّ للإمام أن يقبل أرض الخراج من سائر المسلمين و أهل الذمّة، و أراد بالسهم الّذي سمّاه اللّه لكلّ منهم الاستحقاق لكلّ من ذوى الاستحقاق في كتابه إجمالا من الصدقات كالفقراء و المساكين و عمّال الخراج و الصدقه و فصله في سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله. و حدّه الّذي وضع اللّه عليه عهدا منه عند أهل بيت نبيّه هو مرتبته و منزلته من أهل المدينة الّذين لا يقوم إلّا بهم فإنّ للجندىّ منزلة و حدّا محدودا لا يجوز له تعدّيه، و فريضته وقوفه عنده و العمل بما يلزم تلك المرتبة، و كذلك الكتّاب و العمّال و القضاة و غيرهم فإنّ لكلّ منهم حدّا يقف عنده، و فريضة يلزمها عليها عهد من اللّه محفوظ عند نبيّه و أهل بيته عليهم السّلام اشتملت عليها الشريعة.

البحث الثاني: أنّه نبّه بقوله: فالجنود بإذن اللّه. إلى قوله: معونتهم.
على أنّ لكلّ من الأصناف المذكورة تعلّق بالآخر بحيث لا يقوم إلّا به، و الحاجة إليه ضروريّة. و بمجموعهم يقوم صورة المدينة. فبدء بالجنود لأنّهم الأصل و ذكر وجه الحاجة إليهم في أربعة أوصاف:

أحدها: كونهم حصون الرعيّة، و استعار لهم لفظ الحصون باعتبار حفظهم للرعيّة و حياطتهم لهم كالحصن. الثاني: أنّهم زين الولاة فإنّ الوالي بلا جند كأحد الرعيّة لا يبالي به و لا يطاع له أمر. و المفسدة فيه ظاهرة.

الثالث: كونهم عزّ الدين، و أطلق لفظ العزّ عليهم إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه إذ كان العزّ للدين لازما لوجودهم. الرابع: استعار لفظ الأمن لهم باعتبار لزوم الأمن لوجود الجند في الطرق و نحوها. و الكلام في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ من كان كذلك فليس يقوم الرعيّة إلّا به.
و قوله: و ليس يقوم الرعيّة إلّا بهم. نتيجة القياس المذكور. و قال: بإذن اللّه. لينبّه على أنّه أراد جنود الحقّ الّذين هم مقتضى الحكمة لا مطلق الجنود. الثاني: أهل الخراج و من يؤخذ منهم، و أشار إلى وجه استلزام الحاجة إلى الجند للحاجة إليهم بقوله: ثمّ لا قوام للجنود. إلى قوله: حاجتهم. فقوله: لا قوام. إلى قوله: الخراج. دعوى.

و قوله: الذين يقوون. إلى قوله: حاجتهم. في قوّة صغرى ضمير نبّه به عليها، و تقدير كبراه: و كلّ ما كان كذلك فلا قوام للجند إلّا به. فينتج لا قوام للجند إلّا بما يخرج اللّه لهم من الخراج، و لما كان الخراج إنّما يحصل من جماعة من الرعيّة و لا يقوم الجند إلّا بهم. الثالث: القضاة و العمّال و الكتّاب. و جمعهم. لأنّ وجه الحاجة إليهم واحدا، و أشار إليه بقوله: لما يحكمون به. إلى قوله: و عوامّها. فإنّهم امناء الوالي و الرعيّة على ما يعمّهم من الامور أو يخصّ كلّا منهم، و على أيديهم تكون أحكام العقود و جمع المنافع و هو في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ من كان كذلك فحاجة الجند و الرعيّة إليه ضروريّة. الرابع: التجّار و ذوى الصناعات و ادّعى أنّه لا قوام للأصناف السابقة إلّا بهم و نبّه على ذلك بقوله: فيما يجتمعون عليه من مرافقهم فإنّ كلّ ما يفعله التجّار من جلب الأمتعة و بيعها و شرائها و يقيمونه من الأسواق بذلك و ما يفعله الصنّاع من المنفعة بأيديهم ممّا لا يحصل من غيرهم الانتفاع به فهي مرافق و منافع للرعيّة في مقام‏ حاجتهم و ضرورتهم و هو في قوّة صغرى ضمير كبراه ما سبق. الخامس: الطبقة السفلى من أهل الحاجة و المسكنة، و نبّه على وجه الحاجة إليهم بقوله: الّذين يحقّ رفدهم و معونتهم. و بيان ذلك أنّ رفد هؤلاء و معونتهم يستلزم اجتماع هممهم و توافر دواعيهم لرافدهم و معينهم و بهم تستنزل الرحمة و تستدرّ البركة من اللّه تعالى لأهل المدينة و يدرك الثواب الاخرويّ. فكانت الحاجة إليهم داعية لذلك. و لمّا أشار إلى وجه الحاجة إلى جميعهم قال: و في اللّه لكلّ سعة: أي في وجود اللّه و عنايته. ليعتمد على اللّه في تدبير أمورهم. إذ هو تعالى ربّ العناية الأولى و قال: و لكلّ على الوالي حقّ بقدر ما يصلحه. ليعلم أنّ مراعاة كلّ منهم واجبة عليه فيشتمل عليها. و باللّه. التوفيق.

البحث الثالث: في أمره باستصلاح كلّ صنف بأوصاف يجب أن يكون عليها، و نصبه في مقامه:

فالصنف الأوّل: الجند
و أشار إلى تعيين من يصلح لهذه المرتبة بأوصاف، و أمره و نهاه فيهم بأوامر و نواهي أمّا الأوصاف: فأحدها: من كان أنصح في نفسه للّه و لرسوله و لإمامه جيبا أي أكثرهم أمانة في العمل بأوامر اللّه و رسوله و إمامه. و ناصح الجيب كناية عن الأمين. الثاني: أفضلهم حلما. ثمّ وصف ذلك الأفضل فقال: ممّن يبطى‏ء عن الغضب و يستريح إلى العذر فيقبله إذا وجده، و يرأف بالضعفاء فلا يغلظ عليهم، و ينبو على الأقوياء: أي يعلو عليهم و يتجنّب اميل إليهم على من دونهم، ممّن لا يثيره العنف: أي لا يكون له عنف فيثيره كقوله: و لا أري الضبّ بها فينحجر. و قيل: لا يهيّجه العنف و لا يزعجه إذا فعل، و لا يقعد به الضعف عن إقامة حدود اللّه و أخذ الحقوق من الظالمين أي لا يكون له ضعف فيقعده عن ذلك. الثالث: من كان من أهل الأحساب و البيوتات الصالحة و السوابق الحسنة من الأحوال و الأفعال و الأقوال الخيريّة. الرابع: من يكون من أهل النجدة و الشجاعة.

الخامس: من يكون من أهل السخاء و السماحة. و أمّا الأوامر: فأحدها: أن يولّى من الجند من كان بهذه الصفات. الثاني: أن يلصق بمن ذكر منهم: أي يلزمهم في هذه المرتبة. و رغّب فيهم بقوله: فإنّهم. إلى قوله: من العرف و وصفهم بكونهم جماع من الكرم و شعب من العرف إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه. إذ كان الجماع من الكرم و هو الفضائل المذكورة لازمة لهم. و الأمانة و السخاء و السماحة فضائل تحت العفّة. و الحلم و النجدة فضيلتان تحت الشجاعة. و يحتمل أن يكون الضمير في قوله: فإنّهم.
عائدا إلى الفضائل المذكورة كقوله تعالى فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي يشير إلى الأصنام. الثالث: أن يتفقّد من أمورهم و مصالحهم ما يتفقّده الولدان، و هو كناية عن نهاية الشفقّة عليهم. الرابع: نهاه أن يعظم في نفسه شي‏ء يقوّيهم به من مال أو نفع فيدعوه إلى التقاصر في حقّهم. الخامس: و أن لا يحتقر لطفا يتعاهدهم به فيحمله احتقاره على تركه. و احتجّ لأولويّة فعله و إن قلّ بقوله: فإنّه داعية. إلى قوله: الظنّ بك. و تقدير كبرى هذا الضمير: و كلّما كان كذلك فالأولى بك فعله. السادس: نهاه أن يدع تفقّد الصغير من امورهم اعتمادا على تفقّد عظيمها و احتجّ لأولويّة فعله بقوله: فإنّ اليسير. إلى قوله: موقعا لا يستغنون عنه. و المعنى ظاهر. فإنّ موضع اليسير المنتفع به لا يستغنى فيه عن الجسيم. و تقدير كبرى هذا الضمير: و كلّما كان له موضعا ينتفع به فالأولى فعله في موضعه لينتفع به. السابع: أمره أن يكون آثر رءوس جنده عنده من كان بالصفات المذكورة و هو الّذي يواسي من تحت يده من الجند فيما يحصل له من المعونة، و يفضل عليهم ممّا في يده بما يسعهم و يسع من ورائهم من ضعفاء أهليهم و خلوفهم حتّى يكون بذلك همّهم واحدا فيكونوا بمنزلة رجل واحد في جهاد العدوّ. ثمّ رغّب في العطف عليهم‏

بما يستلزمه من عطف قلوبهم عليه و هو في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّما كان مستلزما لعطف قلوبهم ففعله واجب و مصلحة. و أيضا لمّا كانت صحّة محبّتهم من أهمّ المطالب بيّن أنّها لا يتمّ إلّا بأمور ثلاثة: أحدها: حيطهم و محافظتهم ولاة أمورهم. الثاني: قلّة استثقال دولهم. الثالث: أن يتركوا استبطاء انقطاع مدّة دولهم، و ذلك في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و ما لا يتمّ أهمّ المطالب إلّا به كان من أهمّ المطالب. الثامن: أمره أن يفسح لهم: أى يجعل لهم من نفسه طمعا يفتسح به آمالهم فيه لأنّ ذلك ممّا لا يتمّ الأمور الثلاثة المذكورة إلّا به ولد لك رتّب هذا الأمر عليها بالفاء. التاسع: أمره أن يواصل من حسن الثناء عليهم و تعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم و احتجّ لوجوب ذلك بقوله: فإنّ كثرة الذكر. إلى قوله: إنشاء اللّه. و هو ظاهر و القضيّة في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّما كان كذلك كان واجبا. العاشر: أمره أن يعرف لكلّ امرء ما أبلى و ينسبه إليه لأنّه يهزّ الشجاع و يشجّع الجبان. الحادي عشر: نهاه أن يضمّ بلاء امرء إلى غيره. الثاني عشر: و أن يقصر به دون غاية بلائه فيذكر بعضه أو يحقّره. الثالث عشر: و أن يدعوه شرف امرء إلى أن يعظم صغير بلائه، أو ضعة امرء أن يستصغر كثير بلائه فإنّ كلّ ذلك داعية الكسل و الفتور عن الجهاد. الرابع عشر: أمره أن يردّ إلى اللّه و رسوله ما يضلعه من الخطوب و يشتبه عليه من الامور محتجّا بالآية. ثمّ فسّر الردّ إلى اللّه بالأخذ بمحكم كتابه، و الردّ إلى الرسول بالأخذ بسنّته. و وصف السنة بكونها جامعة لأنّ مدارها على وجوب الألفة و اجتماع الخلق على طاعة اللّه و سلوك سلوكه.

الصنف الثاني: قضاة العدل
و عيّنهم له بأوصاف و أمره فيهم بأوامر:

أمّا التعين فأوجب أن يكون أفضل رعيّته في نفسه، و ميّز ذلك الأفضل بصفات: أحدها: أن يكون ممّن لا يضيق به الامور فيحار فيها حين تورد عليه. الثاني: و ممّن لا يمحكه الخصوم: أي يغلبه على الحقّ باللجاج. و قيل: ذلك كناية عن كونه ممّن يرتضيه الخصوم فلا تلاجّه و يقبل بأوّل قوله. الثالث: أن لا يتمادى في زلّته إذا زلّ فإنّ الرجوع إلى الحقّ خير من التمادي في الضلال. الرابع: أن لا يحصر من الرجوع إلى الحقّ إذا عرفه كما يفعله قضاة السوء حفظا للجاه و خوفا من شناعة الغلط. الخامس: أن لا يشرف نفسه على طمع فإنّ الطمع في الناس داعية الحاجة إليهم و الميل عن الحقّ. السادس: أن لا يكتفى بأدنى فهم دون أقصاه لأنّ ذلك مظنّة الغلط. السابع: أن يكون أوقف الناس عند الشبهات لأنّها مظنّة الوقوع في المئاثم. الثامن: و آخذهم بالحجج. التاسع: و أقلّهم تبرّما بمراجعة الخصم لما يستلزمه التبرّم من تضييع الحقوق. العاشر: و كذلك و أصبرهم على تكشّف الأمور. الحادي عشر: و أصرمهم عند اتّضاح الحقّ فإنّ في التأخير آفات. الثاني عشر: و ممّن لا يحدث له كثرة المدح كبرا. الثالث عشر: و ممّن لا يستميله إلى غير الحقّ إغراء به ثمّ حكم بقلّة من يجتمع فيه هذه الصفات تنبيها على أنّ فيها ما هو أولى دون أن يكون شرطا في القضاء. و أمّا الأوامر: فأحدها: أن يختار من كان بالصفات المذكورة. الثاني: أن يكثر تعاهد قضائه ليقطع طمعه في الانحراف عن الحقّ لو خطر بباله. الثالث: أن يفسح له في البذل ما يزيل علّته، و هو كناية عمّا يكفيه و يقلّ معه‏ حاجته إلى الناس فلا يميل إليهم، و- ما- يحتمل أن يكون بدلا من البذل، و أن يكون مفعولا لفعل محذوف دلّ عليه البذل كأنّه قال: فيبذل له ما يزيل علّته، و أن يكون مفعولا ليفسح: أي يوسّع له ما يكفيه من المال، و يحتمل أن يكون في معنى مصدر يفسح: أي يفسح له فسحا يزيل علّته. الرابع: أن يعطيه من المنزلة عنده ما لا يطمع فيه معها غيره من خاصّته ليأمن بذلك اغتيال الأعداء. و تقدير كبرى هذا الضمير: و كلّ ما كان كذلك فواجب بذله للقاضي. الخامس: أن ينظر في اختيار من كان بهذه الصفات و فيما أمره به نظرا بالغا ليعمل بأقصاه. و علّل ذلك بقوله: فإنّ هذا الدين. إلى قوله: الدنيا. و استعار لفظ الأسير باعتبار تصريفهم له كالأسير. و الكلام صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّما كان كذلك فيجب النظر في اختيار من يعمل بالحقّ و يخرجه من اسر الأشرار. و باللّه التوفيق.

الصنف الثالث: العمّال
و ميّزهم أيضا بأوصاف و أمره فيهم بأوامره مصلحيّة.
أمّا الأوصاف: فأحدها: أن يكون العامل من أهل التجربة للأعمال و الولايات على علم بقواعدها. و بدء بذلك لأنّه الأصل الأكبر للعمل. الثاني: أن يكون من أهل الحياء فلا ينتهي في الانفعال إلى حدّ الاستخدام و هو طرف التفريط فيضيّع به الحقوق و المصالح و لا يتجاوزه إلى حدّ القحة فيقع في طرف الإفراط و ما يلزمه من الجفاوة و نفرة القلوب عنه. الثالث: أن يكون من أهل البيوتات الصالحة و القدم السابقة في الإسلام، و هي كناية عن البيوت المتقدّمة في الدين و الخير، و لهم في ذلك أصل معرق. و أشار إلى وجه الحكمة في تولية من كان بهذه الصفات الثلاث بقوله: فإنّهم. إلى قوله: نظرا. و ذلك أنّ الحياء و صلاح البيوت و التقدّم في الإسلام يفيدهم كرم الأخلاق و محافظة على الأعراض من المطاعن و قلّة الإشراف و التطّلع إلى المطامع الدنيّة، و التجربة يفيدهم بلاغة النظر في عواقب الأمور. و الكلام في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ من كان كذلك فهو أولى أن يقصد بالتوليه و العمل. و أمّا الأوامر: فأوّلها: أن ينظر في امورهم فيستعملهم بعد التجربة و الاختبار و لا يولّيهم محاباة و أثرة كأن يعطونه شيئا على الولاية فيولّيهم و يستأثر بذلك دون مشاورة فيه فإنّهما: أى المحاباة و الأثرة- كما هو مصرّح به في بعض النسخ عوض الضمير- جماع من شعب الجور و الخيانة أمّا الجور فللخروج بهما عن واجب العدل المأمور به شرعا و أمّا الخيانة فلأنّ التحرّى في اختيارهم من الدين و هو أمانة في يد الناصب لهم فكان نصبهم من دون ذلك بمجرّد المحاباة و الأثرة خروجا عن الأمانة و نوعا من الخيابة. و ثانيها: أن يقصد بالعمل من كان بالصفات المذكورة للعلل المذكورة. الثالث: أن يسبغ عليهم الأرزاق. و بيّن المصلحة في ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أنّ عمومهم بالأرزاق يكون قوّة لهم على استصلاح أنفسهم الّذي لا بدّ منه. الثاني: أنّه غنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم من مال المسلمين. الثالث: أنّه يكون حجّة له عليهم إن خالفوا أمره أو ثلموا أمانته. و استعار لفظ الثلم للخيانة. و الوجوه الثلاثة صغريات ضماير تقدير كبرياتها: و كلّما كان كذلك كان فعله مصلحة واجبة. الرابع: أن يتفقّد أعمالهم و يبعث العيون و الجواسيس من أهل الصدق و الوفاء عليهم، و أشار إلى وجه المصلحة في ذلك بقوله: فإنّ تعاهدك. إلى قوله: بالرعيّة. فإنّ تعهّده لامورهم مع علمهم بذلك منه يبعثهم على أداء الأمانة فيما ولّوا من الأعمال، و على الرفق بالرعيّة. و المذكور صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّما كان كذلك فيجب فعله. الخامس: أن يتحفّظ من خيانة الأعوان من العمّال. و أرشده بقوله: فإن أحد منهم بسط. إلى قوله: التهمة. إلى ما ينبغي من تأديبهم و إقامة سنّة اللّه فيهم. و استعار لفظ التقليد لتعليق نسبة التهمة إليه ملاحظة لشبهها بما يقلّد به من الشعار المحسوس‏ و اللفظ في غاية الفصاحة، و هذه العقوبة مقدّرة بحسب العرف و رأى الإمام أو من ارتضاه.

الصنف الرابع: أهل الخراج
و أمره فيهم بأوامر: أحدها: أن يتفقّد أمر خراجهم و يفعل فيه ما يصلح أهله مما سيشرحه. ثمّ أشار إلى وجه المصلحة فيه بضمير صغراه: قوله: فإنّ صلاحه. إلى قوله: إلّا بهم. و نبّه بقوله: لا صلاح لمن سواهم إلّا بهم على حصر صلاح الغير فيهم تأكيدا، و تقدير الكبرى: و كلّ من كان لاصلاح للناس إلّا به فيجب مراعاة اموره و تفقّد أحواله.
ثمّ بيّن الصغرى بقوله: لأنّ الناس كلّهم عيال على الخراج و أهله. و هو ظاهر في ذلك الوقت. الثاني: أن يكون نظره في عمارة الأرض أبلغ من نظره في طلب الخراج و استجلابه، و نبّه على وجه الحكمة فيه بقوله: لأنّ ذلك: أي الخراج لا يدرك إلّا بالعمارة. و هو في قوّة صغرى ضمير. ثمّ بيّنها بقوله: و من طلب إلى قوله: قليلا. و هو إشارة إلى ما يلزم نقيض المدّعى و هي مفاسد ثلاث أحدها: إخراب البلاد لعدم العمارة، و الثاني: إهلاك العباد لتكليفهم ما ليس في وسعهم، و الثالث: عدم استقامة أمر الطالب للخراج و الوالي على أهله. و هو لازم عن الأوّلين. و تقدير الكبرى: و كلّ ما لا يدرك إلّا بالعمارة وجب أن يكون النظر فيها أبلغ من النظر فيه فينتج أنّ النظر في العمارة يجب أن يكون أبلغ من النظر في الخراج. الثالث: أمره أن يخفّف عنهم من خراجهم ما يرجو أن يصلح به أمرهم على تقدير أن يشكوا من حالهم ما عساه يلحقهم من قبل أرضهم من ثقل خراج أو علّة سماويّة أو انقطاع نصيب كان لهم من الماء أو تغيّر أرض و فسادها بسبب غرق أو عطش، ثمّ نهاه يستثقل بما يخفّف عنهم به المئونة. و أشار إلى وجه الحكمة فيه بقوله: فإنّه ذخر.
إلى قوله: العدل فيهم. و معناه ظاهر.- و معتمدا- نصب على الحال و العامل خفّفت، و- فضل- نصب بالمفعول عن معتمدا، و قوله: و الثقة. عطف على المفعول المذكور، و نبّه على وجه المصلحة في اعتماد فضل قوّتهم بإراحتهم و الثقة بينهم بما عوّدهم من عدله‏ بقوله: فربّما حدث. إلى قوله: أنفسهم به. و تقدير الكلام خفّف عنهم معتمدا فضل قوّتهم فإنّ ذلك يستلزم احتمالهم لما عساه يحدث من الأمور فيحتملونه إذا عوّلت عليهم فيه بطيب نفس، و هو في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ من كان كذلك فواجب أن يخفّف عنهم و يعتمد فضل قوّتهم، و في قوله: فإنّ العمران محتمل ما حمّلته. بيان الصغرى لأنّ التخفيف عنهم يستلزم عمران أرضهم و هو يستلزم احتمالهم لما يرد عليهم من حوادث الامور. ثم نبّه بقوله: و إنّما يؤتى خراب الأرض. إلى قوله: أهلها. على سبب الخراب. و بقوله: و إنّما يعوز. إلى قوله: العبر. على ذلك السبب و هو مركّب من ثلاثة أجراء: أحدها: إشراف نفوس الولاة على الجمع، و الثاني: سوء ظنّ أحدهم أنّه لا يبقى في العمل، و الثالث: عدم انتفاعهم بالعبر لقلّة التفاتهم إليها. و ظاهر أنّ هذه الأمور إذا اجتمعت في الوالي استلزمت جمعه للمال و استقصائه على الرعيّة و استلزم ذلك إعوازهم و فقرهم فاستلزم ذلك خراب أرضهم و تعطيل عمارتها.

الصنف الخامس: الكتّاب
و أمره فيهم بأوامر: أحدها: أن يولّى أموره خيرهم، و تفسير الخير هنا هو من كان تقيّا قيّما بما يراد منه من مصالح العمل. الثاني: أن يخصّ رسائله و أسراره و مكائده بأجمعهم لصالح الأخلاق، و قد علمت أصولها غير مرّة و هي العلم بوجوه الآراء المصلحيّة و التهدّي إلى وضع كلّ شي‏ء موضعه ثمّ العفّة و الشجاعة و العدالة مع ما تحت الأربعة من الفضائل الخلقيّة ثمّ فسّر بعض الفضائل الّتي عساها أن يخفى، و ذكر منها خمسا: إحداها: عدم البطر، و هي فضيلة تلزم الشكر و هو فضيلة تحت العفّة. و نفّر عن صاحب البطر بقوله: فيجتزئ. إلى قوله: ملأ. و هو في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ من يجترء عليك كذلك فغير صالح لولاية أمرك. الثانية: الفطنة و الذكاء فيما هو بصدده من الأمور المذكورة، و كنّى عن ذلك بقوله: ممّن لا تقصر به الغفلة. إلى قوله: منك. و الذكاء: فضيلة تحت الحكمة. 168 الثالثة: أن لا يكون ممّن يضعّف عقدا يعتقده لك من الامور بل يجعله محكما. الرابعة: أن لا يعجز عن إطلاق ما اعتقده عليك خصومك من الامور بالحيلة و الخديعة، و هذان لازمان لأصالة الرأي و هو فضيلة تحت الحكمة. الخامسة: أن لا يجهل مبلغ قدر نفسه في الامور فيرفعها إلى فوق محلّها و مرتبتها و هي فضيلة تحت الحكمة الخلقيّة أيضا، و نبّه على اجتناب الجاهل بذلك بقوله: فإنّ الجاهل. إلى قوله: أجهل، و هي صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ من كان كذلك فيجب اجتنابه. الثالث: نهاه أن يكون اختياره للعمّال تفرّسا منه و سكونا و حسن ظنّ بأحدهم، و أشار إلى وجه المفسدة في ذلك بقوله: فإنّ الرجال. إلى قوله: شي‏ء. و المعنى أنّ الرجال قد يتصنّعون بحسن الخدمة و يتعرّضون لأنّ يتفرّس فيهم الولاة فيعرفونهم بذلك مع أنّه ليس وراء ذلك التصنّع من النصيحة و الأمانة شي‏ء و هو صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ من كان كذلك فينبغي أن لا يعتمد على اختياره بحسب الفراسة. الرابع: لمّا نهى أن يوقع اختيارهم كذلك أمره أن يختبرهم بولايتهم لمن كان قبله من الصالحين إرشادا إلى وجه الاختيار و يعضد إلى من كان بالصفات المذكورة و هو أن يكون أحسن أثرا في العامّة و أعرفهم بوجه الأمانة في الدين. و رغّبه في ذلك بضمير صغراه قوله: فإنّ ذلك. إلى قوله: أمره. و تقدير كبراه: و كلّما كان كذلك وجب فعله. الخامس: أمره أن يجعل لرأس كلّ أمر من اموره رأسا من الكتّاب الموصوفين بكونهم مناسبا له بحيث لا يكبر عليه كبيرة فيقهره و لا يكثر عليه كثيرة فيتشتّت عن ضبطه و يقصر دونه. السادس: نهاه أن يتغافل عمّا يكون في كتابه من عيب و نبّهه على ذلك بقوله: و مهما. إلى قوله: ألزمته. و هو صغرى ضمير تقديره: فإنّ كلّ ما يتغافل عنه من‏ ذلك تلزم به، و تقدير كبراه: و كلّ ما تلزم به فلا يجوز أن يتغافل عنه.

الصنف السادس: التجّار و ذوو الصناعات
و أمره فيهم بأوامر: أوّلها: أن يستوصى بهم خيرا. الثاني: أن يوصى بهم كذلك بأصنافهم المقيم منهم و المضطرب في تجارته بماله و المترفّق ببدنه و هم أهل الصنائع، و أشار إلى وجه الحكمة في الوصيّة بهم و العناية بحالهم من وجهين: أحدهما: منفعتهم، و ذلك قوله: فإنّهم. إلى قوله: عليها. و الضمير في قوله: مواضعها و عليها. يعود إلى المنافع و حيث: أي و من حيث كان لا يجتمع الناس لمواضع تلك المنافع منه و لا يجترءون عليها فيه و ذلك الحيث كالبحار و الجبال و نحوها. الثاني: أنّه لا مضرّة فيهم و ذلك قوله: فإنّهم. إلى قوله: غائلته. و تقدير كبرى الضميرين: و كلّ من كان كذلك فيجب الاستيصاء به و الوصيّة بالخير في حقّه. الثالث: أن يتفقّد امورهم بحضرته و في حواشي بلاده ما عساه يعرض لهم من المظالم و الموانع ليزيلها عنهم. الرابع: أن يعلم ما فيهم من المعائب المعدودة و هي الضيق الفاحش، و الشحّ. و الضيق هنا البخل، ثمّ الاحتكار للمنافع الّتي يعمّ نفعها و هى الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن و الملح، ثمّ التحكّم في البياعات و هو عبارة عن البيع على حكمه بالهوى المطلق من غير تقيّد بشريعة أو عرف فإنّ ذلك عدول عن العدل إلى رذيلة الجور. ثمّ نبّه على وجه المفسدة اللازمة لتلك المعايب بقوله: و ذلك. إلى قوله: الولاة: أمّا أنّه مضرّة فظاهر، و أمّا أنّه عيب على الولاة فلأنّ قانون العدل بأيديهم فإذا أهملوا بترك ردّ هؤلاء عن طرق الجور توجّهت اللائمة نحوهم و العيب عليهم و هو صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّما كان كذلك فيجب إنكاره و دفعه. الخامس: لمّا بين له وجه المفسدة في تلك المعايب أمره بمنع الاحتكار و احتجّ بمنع الرسول صلّى اللّه عليه و آله. السادس: أمره بكون البيع سهلا سمحا و أن يكون بموازين عدل و أسعار لا تجحف بالبايع فيذهب أصل مبيعه، و لا بالمشترى فيذهب رأس ماله. السابع: أمره بايقاع النكال على من احتكر بعد نهيه عن ذلك، و أن يعاقبه من غير إسراف.

الصنف السابع: الطبقة السفلى
و ميّزهم بأوصاف و أمر فيهم بأوامر و نواهي: أمّا تميّزهم فالعاجزون عن الحيلة و الاكتساب و المساكين و المحتاجون و أهل البؤسى و الزمنى، و هؤلاء كلّهم و إن دخل بعضهم في بعض إلّا أنّه عدّدهم بحسب تعدّد صفاتهم لمزيد العناية بهم كيلا يتغافل عن أحدهم و تثاقل فيه. و أمّا الأوامر: فأحدها: أنّه حذّر من اللّه فيهم، و أشار إلى وجه الحكمة في ذلك التحذير بقوله: فإنّ فيهم قانعا و معترّا، و هو صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ من كان كذلك فيجب أن يحذّر اللّه فيه و يحفظ له ما استحفظ من حقّه فيه. الثاني: أن يجعل لهم قسما من بيت ماله و من صوافي الإسلام في كلّ بلد. و أضاف بيت المال إليه و أراد الّذي يليه. و نبّهه على ذلك بقوله: فإنّ للأقصى.

إلى قوله: حقّه. و تقدير كبرى هذا الضمير: و كلّ من كان كذلك وجب أن يحسن الرعاية في حقّه بأدائه إليه. الثالث: نهاه أن يشغله عنهم بطر. و نفّر عن الاشتغال عنهم بقوله: فإنّك لا تعذر. إلى قوله: المهمّ. و أراد بالتافه القليل من امورهم و أحوالهم و هو صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ من لا يعذر بذلك فلا يجوز له الشغل عنه. الرابع: نهاه أن يشخص همّه عنهم: أي يرفعه حتّى لا يتناولهم. الخامس: نهاه أن يصعّر خدّه لهم، و هو كناية عن التكبّر عليهم. السادس: أمره أن يتفقّد امور من لا يمكنه الوصول إليه منهم لعجزه و حقارته في عيون الأعوان و الجند، و أن يفرّغ لهؤلاء ثقة له من أهل الخشية و التواضع و ينصبه لهم ليرفع إليه أمورهم. السابع أن يعمل فيهم بالأعذار إلى اللّه سبحانه يوم يلقاه: أي يعمل في حقّهم ما أمره اللّه به بحيث يعذر إليه: أي يكون ذا عذر عنده إذا سأله عن فعله بهم، و

نبّه على وجه الحكمة في مزيد العناية بهم بقوله: فإنّ هؤلاء. إلى قوله: غيرهم. الثامن: أكّد الأمر بالإعذار إلى اللّه في تأدية حقّ كلّ واحد من المذكوين إليه. التاسع: أمره أن يتعهّد الأيتام و ذوى الرقّة في السنّ: أي الّذين بلغوا في الشيخوخة إلى أن رقّ جلدهم و ضعف حالهم عن النهوض فلا حيلة لهم، و ممّن لا ينصب نفسه للمسألة حياء مع حاجته و فقره. ثمّ أشار إلى ثقل التكليف بمجموع الأوامر السابقة بقوله: و ذلك على الولاة ثقيل، و بقوله: و الحقّ كلّه ثقيل توطينا لنفسه على ذلك. ثمّ رغّب فيه بقوله: و قد يخفّف اللّه. إلى قوله: لهم. فنسب تخفيفه إلى اللّه ليرغب إليه، فيه و شجّعه على فعله و استسهاله بذكر صفات الصالحين و هم الّذين طلبوا العافية من بلاء اللّه في الآخرة فاستسهلوا ما صعب من التكاليف الدنيويّة بالقياس إليه و وثقوا بصدق موعود اللّه لهم في دار القرار. و باللّه التوفيق.

الفصل الرابع: في أوامر و نواهي مصلحيّة و آداب خلقيّة و سياسيّه بعضها عامّة و بعضها خاصّة

يتعلّق بعمّاله و بخاصّته و ببطانته و بنفسه و أحوال عبادته إلى غير ذلك، و هو قوله: وَ اجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ- وَ تَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً- فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ- وَ تُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَ أَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَ شُرَطِكَ- حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ- فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ- لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ- غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ- ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ وَ الْعِيَّ- وَ نَحِّ عَنْهُمُ الضِّيقَ وَ الْأَنَفَ- يَبْسُطِ اللَّهُ عَلَيْكَ بِذَلِكَ أَكْنَافَ‏ رَحْمَتِهِ- وَ يُوجِبْ لَكَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ- وَ أَعْطِ مَا أَعْطَيْتَ هَنِيئاً وَ امْنَعْ فِي إِجْمَالٍ وَ إِعْذَارٍ- ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِكَ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا- مِنْهَا إِجَابَةُ عُمَّالِكَ بِمَا يَعْيَا عَنْهُ كُتَّابُكَ- وَ مِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ يَوْمَ وُرُودِهَا عَلَيْكَ- بِمَا تَحْرَجُ بِهِ صُدُورُ أَعْوَانِكَ- وَ أَمْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ عَمَلَهُ فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ مَا فِيهِ: وَ اجْعَلْ لِنَفْسِكَ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ- أَفْضَلَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ وَ أَجْزَلَ تِلْكَ الْأَقْسَامِ- وَ إِنْ كَانَتْ كُلُّهَا لِلَّهِ إِذَا صَلَحَتْ فِيهَا النِّيَّةُ- وَ سَلِمَتْ مِنْهَا الرَّعِيَّةُ- وَ لْيَكُنْ فِي خَاصَّةِ مَا تُخْلِصُ بِهِ لِلَّهِ دِينَكَ إِقَامَةُ فَرَائِضِهِ- الَّتِي هِيَ لَهُ خَاصَّةً- فَأَعْطِ اللَّهَ مِنْ بَدَنِكَ فِي لَيْلِكَ وَ نَهَارِكَ- وَ وَفِّ مَا تَقَرَّبْتَ بِهِ إِلَى اللَّهِ- مِنْ ذَلِكَ كَامِلًا غَيْرَ مَثْلُومٍ وَ لَا مَنْقُوصٍ- بَالِغاً مِنْ بَدَنِكَ مَا بَلَغَ- وَ إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ لِلنَّاسِ- فَلَا تَكُونَنَّ مُنَفِّراً وَ لَا مُضَيِّعاً- فَإِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ بِهِ الْعِلَّةُ وَ لَهُ الْحَاجَةُ- وَ قَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص حِينَ وَجَّهَنِي إِلَى الْيَمَنِ- كَيْفَ أُصَلِّي بِهِمْ- فَقَالَ صَلِّ بِهِمْ كَصَلَاةِ أَضْعَفِهِمْ- وَ كُنْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً وَ أَمَّا بَعْدَ فَلَا تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ- فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلَاةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضِّيقِ- وَ قِلَّةُ عِلْمٍ بِالْأُمُورِ- وَ الِاحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دُونَهُ- فَيَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْكَبِيرُ وَ يَعْظُمُ الصَّغِيرُ- وَ يَقْبُحُ الْحَسَنُ وَ يَحْسُنُ الْقَبِيحُ- وَ يُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ- وَ إِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ- لَا يَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ- وَ لَيْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سِمَاتٌ- تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْكَذِبِ- وَ إِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ- إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ فِي الْحَقِّ- فَفِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِيهِ- أَوْ فِعْلٍ كَرِيمٍ تُسْدِيهِ أَوْ مُبْتَلًى بِالْمَنْعِ- فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ- إِذَا أَيِسُوا مِنْ بَذْلِكَ- مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْكَ- مِمَّا لَا مَئُونَةَ فِيهِ عَلَيْكَ- مِنْ شَكَاةِ مَظْلِمَةٍ أَوْ طَلَبِ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِي خَاصَّةً وَ بِطَانَةً- فِيهِمُ اسْتِئْثَارٌ وَ تَطَاوُلٌ وَ قِلَّةُ إِنْصَافٍ فِي مُعَامَلَةٍ- فَاحْسِمْ مَادَّةَ أُولَئِكَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ- وَ لَا تُقْطِعَنَّ لِأَحَدٍ مِنْ حَاشِيَتِكَ وَ حَامَّتِكَ قَطِيعَةً- وَ لَا يَطْمَعَنَّ مِنْكَ فِي اعْتِقَادِ عُقْدَةٍ- تَضُرُّ بِمَنْ يَلِيهَا مِنَ النَّاسِ- فِي شِرْبٍ أَوْ عَمَلٍ مُشْتَرَكٍ- يَحْمِلُونَ مَئُونَتَهُ عَلَى غَيْرِهِمْ- فَيَكُونَ مَهْنَأُ ذَلِكَ لَهُمْ دُونَكَ- وَ عَيْبُهُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- وَ أَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِيبِ وَ الْبَعِيدِ- وَ كُنْ فِي ذَلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً- وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وَ خَاصَّتِكَ حَيْثُ وَقَعَ- وَ ابْتَغِ عَاقِبَتَهُ بِمَا يَثْقُلُ عَلَيْكَ‏ مِنْهُ- فَإِنَّ مَغَبَّةَ ذَلِكَ مَحْمُودَةٌ- وَ إِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِكَ- وَ اعْدِلْ عَنْكَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ- فَإِنَّ فِي ذَلِكَ رِيَاضَةً مِنْكَ لِنَفْسِكَ وَ رِفْقاً بِرَعِيَّتِكَ وَ إِعْذَاراً- تَبْلُغُ بِهِ حَاجَتَكَ مِنْ تَقْوِيمِهِمْ عَلَى الْحَقِّ: وَ لَا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ و لِلَّهِ فِيهِ رِضًا- فَإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ- وَ رَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ وَ أَمْناً لِبِلَادِكَ- وَ لَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ- فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ- فَخُذْ بِالْحَزْمِ وَ اتَّهِمْ فِي ذَلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ- وَ إِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ عَدُوِّكَ عُقْدَةً- أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً- فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ وَ ارْعَ ذِمَّتَكَ بِالْأَمَانَةِ- وَ اجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً دُونَ مَا أَعْطَيْتَ- فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ شَيْ‏ءٌ- النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتِمَاعاً مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ- وَ تَشَتُّتِ آرَائِهِمْ- مِنْ تَعْظِيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ- وَ قَدْ لَزِمَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ- لِمَا اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ- فَلَا تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ وَ لَا تَخِيسَنَّ بِعَهْدِكَ- وَ لَا تَخْتِلَنَّ عَدُوَّكَ- فَإِنَّهُ لَا يَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا جَاهِلٌ شَقِيٌّ- وَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهُ وَ ذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ وَ حَرِيماً يَسْكُنُونَ إِلَى مَنَعَتِهِ وَ يَسْتَفِيضُونَ إِلَى جِوَارِهِ- فَلَا إِدْغَالَ

وَ لَا مُدَالَسَةَ وَ لَا خِدَاعَ فِيهِ- وَ لَا تَعْقِدْ عَقْداً تُجَوِّزُ فِيهِ الْعِلَلَ- وَ لَا تُعَوِّلَنَّ عَلَى لَحْنِ قَوْلٍ بَعْدَ التَّأْكِيدِ وَ التَّوْثِقَةِ- وَ لَا يَدْعُوَنَّكَ ضِيقُ أَمْرٍ- لَزِمَكَ فِيهِ عَهْدُ اللَّهِ إِلَى طَلَبِ انْفِسَاخِهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ- فَإِنَّ صَبْرَكَ عَلَى ضِيقِ أَمْرٍ تَرْجُو انْفِرَاجَهُ وَ فَضْلَ عَاقِبَتِهِ- خَيْرٌ مِنْ غَدْرٍ تَخَافُ تَبِعَتَهُ- وَ أَنْ تُحِيطَ بِكَ مِنَ اللَّهِ فِيهِ طِلْبَةٌ- لَا تَسْتَقِيلُ فِيهَا دُنْيَاكَ وَ لَا آخِرَتَكَ: إِيَّاكَ وَ الدِّمَاءَ وَ سَفْكَهَا بِغَيْرِ حِلِّهَا- فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَدْعَى لِنِقْمَةٍ وَ لَا أَعْظَمَ لِتَبِعَةٍ- وَ لَا أَحْرَى بِزَوَالِ نِعْمَةٍ وَ انْقِطَاعِ مُدَّةٍ- مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقِّهَا- وَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُبْتَدِئٌ بِالْحُكْمِ بَيْنَ الْعِبَادِ- فِيمَا تَسَافَكُوا مِنَ الدِّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ- فَلَا تُقَوِّيَنَّ سُلْطَانَكَ بِسَفْكِ دَمٍ حَرَامٍ- فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُضْعِفُهُ وَ يُوهِنُهُ بَلْ يُزِيلُهُ وَ يَنْقُلُهُ- وَ لَا عُذْرَ لَكَ عِنْدَ اللَّهِ وَ لَا عِنْدِي فِي قَتْلِ الْعَمْدِ- لِأَنَّ فِيهِ قَوَدَ الْبَدَنِ- وَ إِنِ ابْتُلِيتَ بِخَطَإٍ- وَ أَفْرَطَ عَلَيْكَ سَوْطُكَ أَوْ سَيْفُكَ أَوْ يَدُكَ بِالْعُقُوبَةِ- فَإِنَّ فِي الْوَكْزَةِ فَمَا فَوْقَهَا مَقْتَلَةً- فَلَا تَطْمَحَنَّ بِكَ نَخْوَةُ سُلْطَانِكَ- عَنْ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ حَقَّهُمْ: وَ إِيَّاكَ وَ الْإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ- وَ الثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا وَ حُبَّ الْإِطْرَاءِ- فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ- لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ- وَ إِيَّاكَ وَ الْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ- أَوِ التَّزَيُّدَ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِكَ- أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ- فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الْإِحْسَانَ وَ التَّزَيُّدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ- وَ الْخُلْفَ يُوجِبُ الْمَقْتَ عِنْدَ اللَّهِ وَ النَّاسِ- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى- كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ وَ إِيَّاكَ وَ الْعَجَلَةَ بِالْأُمُورِ قَبْلَ أَوَانِهَا- أَوِ التَّسَقُّطَ فِيهَا عِنْدَ إِمْكَانِهَا- أَوِ اللَّجَاجَةَ فِيهَا إِذَا تَنَكَّرَتْ- أَوِ الْوَهْنَ عَنْهَا إِذَا اسْتَوْضَحَتْ- فَضَعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُ وَ أَوْقِعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْقِعَهُ- وَ إِيَّاكَ وَ الِاسْتِئْثَارَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ- وَ التَّغَابِيَ عَمَّا تُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ- فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْكَ لِغَيْرِكَ- وَ عَمَّا قَلِيلٍ تَنْكَشِفُ عَنْكَ أَغْطِيَةُ الْأُمُورِ- وَ يُنْتَصَفُ مِنْكَ لِلْمَظْلُومِ- امْلِكْ حَمِيَّةَ أَنْفِكَ وَ سَوْرَةَ حَدِّكَ- وَ سَطْوَةَ يَدِكَ وَ غَرْبَ لِسَانِكَ- وَ احْتَرِسْ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ بِكَفِّ الْبَادِرَةِ وَ تَأْخِيرِ السَّطْوَةِ- حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُكَ فَتَمْلِكَ الِاخْتِيَارَ- وَ لَنْ تَحْكُمَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِكَ- حَتَّى تُكْثِرَ هُمُومَكَ بِذِكْرِ الْمَعَادِ إِلَى رَبِّكَ- وَ الْوَاجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ مَا مَضَى لِمَنْ تَقَدَّمَكَ- مِنْ حُكُومَةٍ عَادِلَةٍ أَوْ سُنَّةٍ فَاضِلَةٍ- أَوْ أَثَرٍ عَنْ نَبِيِّنَا ص أَوْ فَرِيضَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ‏ فَتَقْتَدِيَ بِمَا شَاهَدْتَ مِمَّا عَمِلْنَا بِهِ فِيهَا- وَ تَجْتَهِدَ لِنَفْسِكَ فِي اتِّبَاعِ مَا عَهِدْتُ إِلَيْكَ فِي عَهْدِي هَذَا- وَ اسْتَوْثَقْتُ بِهِ مِنَ الْحُجَّةِ لِنَفْسِي عَلَيْكَ- لِكَيْلَا تَكُونَ لَكَ عِلَّةٌ عِنْدَ تَسَرُّعِ نَفْسِكَ إِلَى هَوَاهَا

اللغة

أقول: الشرط: قوم يعلمون أنفسهم بعلامات الخدمة يعرفون بها. و الخرق: ضدّ الرفق و الأنف: الأنفة و هى خصلة تلازم الكبر. و الأكناف: الجوانب. و الإسداء: الإعطاء. و الحامّة: القرابة. و العقدة: الضيعة، و العقدة أيضا: المكان كثير الشجر و النخل، و اعتقد الضيعة: اقتناها. و المغبّة: العاقبة. و أصحر: أى أظهر. و الدعة: الراحة. و استوبلوا الأمر: استثقلوه، و الوبال: الوخم، يقال: استوبلت البلد: استوخمت فلم يوافق ساكنها و خاس بالعهد: نقضه. و الختل: الخداع. و أفضاه: بسطه. و استفاض الماء: سال. و الإدغال: الإفساد. و الدغل: الفساد. و المدالسة: مفاعلة من التدليس في البيع و غيره كالمخادعة. و لحن القول: كالتورية و التعريض من الأمر. و الوكزة: الضربة و الدفعة، و قيل: هى بجمع اليد على الذقن و الفرصة: النوبة، و الممكن من الأمر. و سورة الرجل: سطوته و حدّة بأسه. و غرب اللسان: حدّته. و البادرة: سرعة السطوة و العقوبة.

المعنى أمّا الأمور الّتى تعمّ مصلحتها.
فأحدها: أن يجعل لذوى الحاجات نصيبا من نفسه
يفرّغ لهم فيه بدنه عن كلّ شاغل و يجلس لهم مجلسا عامّا في الأسبوع أو دونه أو فوقه حسب ما يمكن.

الثاني: أن يتواضع فيه للّه.
و رغّبه في التواضع بنسبته إلى اللّه باعتبار أنّه خالقه الّذي من شأنه أن يكون له التواضع.

الثالث: أن يعقد عنهم جنده و أعوانه.

و أبان وجه المصلحة في ذلك بقوله: حتّى يكلّمك متكلّمهم غير متتعتع، و أشار إلى علّة وجوبه بقوله: فإنّي سمعت. إلى قوله: القوىّ. و وجه الدليل من هذا الخبر أنّه لمّا دلّ بالمطابقة على و عيد الامّة الّتي‏ لا ينتصف فيها من قوىّ بعدم طهارتها المستلزم لعذابها الاخروى دلّ بالالتزام على وجوب أن يكون فيها ذلك. ثمّ لمّا كانت الامور المأمور بها ممّا لا يتمّ ذلك الواجب إلّا بها كانت بأسرها واجبة.

الرابع: أمور تلزمه مباشرتها
و إن عمّت مصلحتها. و أمور مبتدأ حذف خبره: أى و هناك امور. و نحوه. منها إجابة عمّاله بما يرى المصلحة في الجواب به فقد يعجز الكتّاب عن كثير من ذلك. و منها إصدار حوائج الناس الّتي يضيق منها صدور أعوانه عند ورورها عليه، و لا ينبغي له أن يكلها إليهم فإنّ غاية قضائهم لها إذا قضيت أن يكون على غير الوجه المرضىّ.
الخامس: أن يمضى لكلّ يوم عمله.
و نبّه على ذلك بقوله: فإنّ لكلّ يوم ما فيه. و هو صغرى ضمير تقدير كبراه: و إذا كان لكلّ يوم ما فيه وجب أن يقضى فيه ماله.

السادس: أن يجعل لنفسه في معاملته للّه أفضل تلك المواقيت
أى الأوقات المفروضة للأفعال، و أجزل أقسام الأفعال الموقّتة. فأفضلها أبعدها عن الشواغل الدنيويّة و أقربها إلى الخلوة باللّه سبحانه، و نبّه بقوله: و إن كانت. إلى قوله: الرعيّة على أن أصلح الأعمال أخلصها للّه.

السابع: أن يكون في خاصّة ما يخلصه للّه في دينه إقامة فرائضة فيخصّها
بمزيد عناية منه و رعاية.

الثامن: أن يعطي اللّه من بدنه في ليله و نهاره:
أي طاعة و عبادة فحذف المفعول الثاني للعلم به. و القرينة كون الليل و النهار محلّين للأفعال و القرينة ذكر البدن.

التاسع: أن يوفّى ما تقرّب به إلى اللّه من ذلك
و كاملا، و غير مثلوم، و بالغا أحوال. و ما نصب على المصدريّة بقوله: بالغا من بدنك ما بلغ من القوّة على الطاعة.

العاشر: من الآداب الراجعة إلى حال الإمامة بالناس في الصلاة أن يكون متوسّطا في صلاته
بين المطوّل المنفّر للناس بتطويله و بين المقصّر المضيّع لأركان الصلاة و فضيلتها، و احتجّ لنفى التثقيل و التطويل بالمعقول و المنقول: أمّا المعقول‏ فضمير صغراه: قوله: فإنّ في الناس. إلى قوله: الحاجة. و تقدير كبراه: و كلّ من كان فيه من ذكر فيجب أن يرفق به و يخفّف عنه، و أمّا المنقول فما رواه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من الخبر، و وجه التشبيه بصلاة الأضعف تخفيف الصلاة بعد حفظ أركانها و واجباتها.

الحادي عشر: من الآداب المصلحيّة لتدبير المدينة
النهي عن طول الاحتجاب عن الرعيّة. و رغّب في الانتهاء عنه من وجوه: أحدها: أنّه نوع من أنواع الضيق على الرعيّة. إذ كانت مشاهدتهم للوالي تفرّج عنهم ما يكرثهم من الأمور المهمّة لهم. الثاني: أنّه قلّة علم بالأمور: أي يلزمه ذلك فأطلق اسم اللازم على ملزومه و أكّد ذلك بقوله: و الاحتجاب عنهم يقطع منهم: أي من الولاة علم ما احتجبوا دونه من امور الرعيّة. ثمّ أشار إلى ما يلزم عدم علمهم من المفاسد و هو أن يصغر كبير الامور عندهم كأن يظلم بعض حاشية الأمير فتصغّر الأعوان جريمته عنده فيصغر و كذلك يعظم صغيرها لو وقع من ضعيف صغير ذنب في حقّ كبيره. و كذلك يقبح عندهم الحسن و يحسن القبيح، و يشاب الحقّ بالباطل و يلبس به، و ذلك قوله: فيصغر. إلى قوله: بالباطل. ثمّ نبّه على وجه لزوم قطع العلم بالأمور لطول الاحتجاب بقوله: و إنّما الوالى بشر. إلى قوله: الصدق و الكذب. و التقدير أنّه بشر و البشر من خاصّته أنّه لا يعرف ذلك إلّا بعلامة و ليس على الحقّ علامات يعرف بها ضروب صدق القول من كذبه. الثالث: أنّه رغّب في الانتهاء عنه بضمير صغراه شرطيّة منفصلة و هي قوله: و إنّما أنت. إلى قوله: بذلك. و تلخيصه أنّك إمّا أن تكون مطبوعا على السخاء بالبذل في الحقّ أو مبتلى بالمنع منه. و تقدير الكبرى. و كلّ من كان كذلك فلا يجوز له الاحتجاب. بيان الكبرى: أمّا إن كان سخيّا ببذل الحقّ فإنّه عند الطلب منه إمّا أن يعطي حقّا يجب عليه، أو يفعل فعل الكرماء و ذلك لا يجوز الاحتجاب منه، و أمّا إن كان مبتلى بالمنع فإذن يسرعون الكفّ عن مسئلته إذا أيسوا من بذله و حينئذ لا معنى‏ للاحتجاب عنهم. الرابع: قوله: مع أن أكثر. إلى قوله: معامله. و هو صغري ضمير تقدير كبراه: و كلّ من كان أكثر حاجات الناس إليه ما لا مئونة عليه فيه من الامور المذكورة فلا معنى لاحتجابه عنهم.

الثاني عشر: من الامور المصلحيّة المتعلّقة بخاصّته أن يحسم مئونتهم عن الرعيّة
فقوله: بقطع أسباب إلى قوله: مئونته. إرشاد إلى سبب قطعها، و أشار إلى وجه ذلك بذكر ما فيهم من الاستئثار على الرعيّة بالمنافع و التطاول عليهم بالأذى و قلّة الإنصاف و هو في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ من كان كذلك فيجب قطع مئونته عنهم.
و الأحوال الّتي أمر بقطع أسبابها هي وجوه المئونة المذكورة من الاستئثار و التطاول و قلّة الإنصاف. و قوله: و لا تقطعنّ. إلى قوله: مشترك. تفصيل لوجوه قطع الأسباب المذكورة فإنّ إقطاع أحدهم قطيعة و طمعه في اقتناء ضيعة تضرّ بمن يليها من الناس في ماء أو عمل مشترك يحمل مئونته على الناس كعمارة و نحوها هي أسباب الأحوال المذكورة من وجوه المئونة و قطع تلك الأحوال بقطع أسبابها. ثمّ نفّره عن أسباب المئونة على الناس بما يلزم تلك الأسباب من المفسدة في حقّه و هي كون مهنأ ذلك لهم دونه و عيبه عليه في الدنيا و الآخرة، و هو في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ ما كان مهنأه للغير و عيبه عليك فلا يجوز فعله.

الثالث عشر: أن يلزم الحقّ من يلزمه الحقّ من القريب و البعيد
و يكون في ذلك الإلزام صابرا لما عساه يلحق أقاربه من مرّ الحقّ، محتسبا له: أى مدخله في حساب ما يتقرّب به إلى اللّه تعالى و يعدّه خالصا لوجهه، واقعا ذلك الإلزام من قرابته و خواصّه حيث اتّفق وقوعه بمقتضى الشريعة، و الواو في قوله: و لكنّ. للحال، و واقعا أيضا حال و العامل قوله: و ألزم.
الرابع عشر: أن يبتغي عاقبة ذلك الإلزام بما يثقل عليه من فعله بخاصّته.

كأنّه يستفيض بفعله ما يلزمه في العاقبة من العافية من عيب الدنيا و عذاب الآخرة، و رغّب في ذلك بقوله: فإنّ مغبّة ذلك محمودة و هي تلك العافية و ما يلزمها من السعادة الباقية، و هو صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ ما كانت مغبّته محمودة وجبت الرغبة في فعله.
الخامس عشر: أمره على تقدير أن تظنّ الرعيّة فيه حيفا أن يصحر لهم عذره فيما ظنّوا فيه الحيف
و يعدل عنه ظنونهم بإظهاره، و رغّب في ذلك بضمير صغراه قوله: فإنّ. إلى قوله: الحقّ: أي فإنّ في إظهار عذرك لهم أن تصير ذا عذر تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحقّ من معرفتهم أنّ فعلك حقّ لا حيف فيه، و تقدير كبراه: و كلّ ما كان كذلك فينبغي فعله.

السادس عشر: نهاه أن يدفع صلحا دعاه إليه عدوّه إذا كان صلحا يرضى اللّه
و نبّه على وجوه المصلحة فيه بضمير صغراه. قوله: فإنّ في الصلح. إلى قوله: لبلادك. و هي ثلاث مصالح ظاهرة اللزوم لصلح العدوّ، و تقدير كبراه: و كلّما كان فيه هذه المصالح فواجب قبوله.

السابع عشر: بالغ في تحذيره من العدوّ بعد صلحه
و أمره أن يأخذ بالحزم و يتّهم في الصلح حسن ظنّه الّذي عساه ينشأ عن صلحه. و نبّه على وجوب ذلك الحذر بضمير صغراه: قوله: فإنّ العدوّ ربّما قارب ليتغفّل: أي قارب عدوّه بصلحه ليطلب غفلته فيظفر به، و له عليه السّلام في ذلك شواهد التجربة. و حذف المفعولين للعلم بهما. و تقدير كبراه: و كلّ من كان كذلك فواجب أن يحذر منه.

الثامن عشر: أمره على تقدير أن يعقد بينه و بين عدوّه عهدا أن يحوطه بالوفاء
و يرعى ذمّته بالأمانة و يجعل نفسه جنّة دون ما أعطى: أي يحفظ ذلك بنفسه و لو أدّى إلى ضررها، و استعار لفظ اللبس لإدخاله في أمان الذمّة ملاحظة لشبهها بالقميص و نحوه. و كذلك لفظا الجنّة لنفسه ملاحظة لشبهها في الحفظ بالترس و نحوه.

و رغّب في ذلك بوجهين اشتمل عليهما قوله: فإنّه. إلى قوله: العذر: أحدهما: أنّ الناس أشدّ اجتماعا على ذلك من غيره من فرائض اللّه الواجبة عليهم مع تفرّق‏ أهوائهم و تشتّت آرائهم. الثاني: أنّ المشركين لزموا ذلك فيما بينهم و استثقلوا الغدر لما فيه من سوء العاقبة. و المذكوران صغريا ضمير تقدير الكبرى فيهما: و كلّما كان كذلك فيجب لزومه و المحافظة عليه. ثمّ أكّد ذلك بالنهى عن الغدر في العهد و نقض الذمّة و خداع العدوّ بمعاهدته ثمّ الغدر به، و نفّر عن ذلك بوجهين: أحدهما: قوله: فإنّه. إلى قوله: الأشقى. و هو صغرى ضمير تلخيصها: فإنّ المجترى على اللّه شقىّ، و تقدير كبراه: و ناقض العهد و المدغل فيه مجتر على اللّه، ينتج من الرابع فالشقىّ هو ناقض العهد و المدغل فيه. و يجوز أن يكون تقدير الصغرى: فإنّ ذلك جرأة على اللّه يستلزم الشقاوة، و تقدير الكبرى: و كلّما كان كذلك وجب اجتنابه لينتج من الأوّل المطلوب. الثاني: قوله: و قد جعل. إلى قوله: جواره. و أمنا: أي مأمنا و استعار لفظ الحريم للعهد، و رشّح بذكر السكون إلى منعته و الاستفاضة إلى جواره، و نبّه بذلك على وجه الاستعارة و هو الاطمينان إليه و الأمن من الفتنة بسببه فأشبه الحريم المانع، و الكلام صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّما كان كذلك فلا يجوز نقضه و الإدغال فيه.
التاسع عشر: نهاه أن يعقد عقدا يجوّز فيه العلل
أي الأحداث المفسدة له و هو كناية عن أمره بإحكام ما يعقد من الامور.

العشرون: نهاه أن يعتمد على لحن القول في الأيمان و العهود
بعد أن يؤكّدها و يتوثّق من غيره فيها أو يتوثّق غيره منه فيها و مثال لحن القول ما ادّعاه طلحة و الزبير من الوليجة و التورية في بيعتهما له عليه السّلام: أى لا تعتمد على ذلك من نفسك و لا تلتفت إليه من غير لو ادّعاه.

الحادي و العشرون: نهاه أن يدعوه ضيق أمر لزمه فيه عهد اللّه إلى أن يطلب إبطاله بغير حقّ،
و رغّب في الصبر عليه بقوله: فإنّ صبرك. إلى قوله: آخرتك. و هو صغرى ضمير، و أراد بتبعته ما يتبعه من العقوبة، و بالطلبة ما يطالب به يوم القيامة من لزوم العهد، و إحاطتها به كناية عن لزومها له، و بوصف الطلبة بقوله: لا تستقبل فيها دنياك و لا آخرتك. أراد أنّه لا يكون لك معها دنيا تستقبلها و تنتظر خيرها لعدم الدنيا هناك و لا آخرة تستقبلها إذ لا يستقبل في الآخرة إلّا الأمور الخيريّة. و من أحاطت به طلبته من اللّه فلا خير له في الآخرة يستقبله. و روى تستقبل بالياى: أي لا يكون لك من تلك الطلبة و التبعة إقالة في الدنيا و لا في الآخرة.

الثاني و العشرون: حذّرة من الدخول في الدماء و سفكها بغير حقّ
و هو كناية عن القتل، و نفّر عنه بوجهين: أحدهما: قوله: فإنّه. إلى قوله: حقّها، و هو صغرى ضمير تقديرها: فإنّ سفك الدماء بغير حقّ أدنى الأشياء لحلول نقمة اللّه، و أعظمها في لحوق التبعة منه، و أولاها بزوال النعمة و انقطاع مدّة الدولة و العمر. و ظاهر أنّها أقوى المعدّات للأمور الثلاثة لما يستلزمه من تطابق همم الخلق و دواعيهم على زوال القاتل و استنزال غضب اللّه عليه لكون القتل أعظم المصائب المنفور عنها و تقدير الكبرى: و كلّما كان كذلك فيجب أن يحذر فعله. الثاني: قوله: و اللّه سبحانه: إلى قوله: القيامة. و نبّه بابتدائه تعالى بالحكم بين العباد في القتل على أنّه أعظم عنده تعالى من سائر الكبائر، و هي صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ ما ابتدء اللّه بالحكم فيه فيجب التحرّي فيه و اجتناب ما يكره منه.

الثالث و العشرون: نهاه أن يقوّى سلطانه و دولته بسفك الدم الحرام،
و نفّر عنه بقوله: فإنّ ذلك. إلى قوله: و ينقله. و هي صغرى ضمير بيانها ما سبق فإنّ سفك الدم الحرام لمّا استلزم الأمور الثلاثة المذكورة كان ذلك مضعفا للسلطان و مزيلا له، و تقدير الكبرى: و كلّما كان كذلك وجب اجتنابه.
الرابع و العشرون: نهاه عن قتل العمد حراما
و نفّر عنه بأمرين: أحدهما: أنّه لا عذر فيه عند اللّه و لا عنده. الثاني: أنّ فيه قود البدن. و هما صغريا ضمير تقدير الكبرى فيهما: و كلّ ما كان كذلك وجب اجتنابه.

الخامس و العشرون: نهاه أن يرتكب رذيلة الكبر عند أن يبتلى بقتل خطاء أو إفراط سوطه أو يده عليه في عقوبة
فيأخذه عزّة الملك و الكبر على أولياء المقتول فلا يؤدّى إليهم حقّهم، و نبّه بقوله: فإنّ. إلى قوله: مقتلة. على أنّ الضرب‏ باليد المسمّى وكزا قد يكون فيه القتل و هو مظنّة له.

السادس و العشرون: حذّره الإعجاب بنفسه، و الثقة بما يعجبه منها، و حبّ الإطراء.
و الأخيران سببان لدوام الإعجاب و مادّة له، و نفّر عن الثلاثة بقوله: فإنّ ذلك. إلى قوله: المحسنين. و في نفسه متعلّق بأوثق. و قوله: ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين. يحتمل وجهين: أحدهما: أنّه لمّا كان الإعجاب من الهلكات لم ينفع معه إحسان المحسن فإذا تمكّن الشيطان من الفرصة و زيّن الإعجاب للإنسان و ارتكبه محقّ لذلك ما يكون له من الإحسان. و الثاني: إنّ المعجب بنفسه لا يرى لأحد عنده إحسانا فيكون إعجابه ماحقا لإحسان من أحسن إليه. و لمّا كان مبدء الإعجاب هو الشيطان كان الماحق لإحسان المحسن أيضا هو الشيطان فلذلك نسبه إليه، و الكلام في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّما كان أوثق فرص الشيطان في نفسه وجب الاحتراز عنه.

السابع و العشرون: حذّره رذائل ثلاثة.
أحدها: المنّ على الرعيّة بإحسانه إليهم. الثانية: التزيّد فيما فعله في حقّهم و هو أن ينسب إلى نفسه من الإحسان إليهم أزيد ممّا فعل. الثالثة: أن يخلف موعوده لهم. ثمّ نفّر عن المنّ بقوله: فإنّ المنّ يبطل الإحسان، و ذلك إشارة إلى قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذى‏«» و عن التزيّد بقوله: فإنّ التزيّد يذهب بنور الحقّ. و أراد بالحقّ هنا الإحسان إليهم، أو الصدق في ذكره في موضع يحتاج إليه فإنّ على ذلك نورا عقليّا ترتاح له النفوس و تلتذّ به. و لمّا كان التزيّد نوعا من الكذب و هو رذيلة عظيمة لا جرم كان ممّا يذهب نور ذلك الحقّ و يطفيه فلا يكون له وقع في نفوس الخلق. و نفّر عن الخلف بقوله يوجب: المقت عند اللّه و الناس: أمّا عند الناس فظاهر و أمّا عند اللّه فلقوله تعالى كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ«» الآية. و الثلاثة صغريّات ضماير تقدير كبرياتها: و كلّما كان كذلك وجب اجتنابه.

الثامن و العشرون: حذّره من إيقاع الامور
على أحد طرفي التفريط و الإفراط فطرف الإفراط في الطلب العجلة بها قبل أوانها أو اللجاجة فيها عند تنكّرها و تغيّر وجوه مأخذها و عدم اتّضاحها و تسهّلها، و طرف التفريط التساقط فيها و القعود عنها إذا أمكنت و هو يقابل العجلة فيها أو الضعف عنها إذا استوضحت و هو يقابل اللجاجة فيها عند تنكّرها. و استلزم النهى عن هذين الطرفين الأمر بإيقاعها على نقطة العدل و هي الحدّ الأوسط من الطرفين و موضعها الحقّ فلذلك قال: فيضع كلّ أمر موضعه و أوقع كلّ عمل موقعه.

التاسع و العشرون: حذّره من الاستئثار بما يجب تساوى الناس فيه
كالّذي يستحسن من مال المسلمين و نحوه.

الثلاثون. و عن التغافل عمّا يجب العلم و العناية به
من حقوق الناس المأخوذة ظلما ممّا قد وضح للعيون إهمالك له. و نفّر عن ذلك بقوله: التغابي. إلى قوله: للمظلوم، و أراد ما يستأثر به من حقوق الناس و يتغافل عنها، و ما في قوله: عمّا. زائدة، و أراد بالقليل مدّة الحياة الدنيا، و أشار بأغطية الامور إلى الهيئات البدنيّة الحاجبة لحقايق الامور من أن يدركها بصر بصيرته. و قد علمت أنّ انكشاف تلك الأغطية عنه بطرح بدنه و حينئذ يشاهد ما أعدّ له من خير أو شرّ كما قال تعالى يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً«» الآية.

الحادي و الثلاثون: أمره أن يملك حميّة أنفه:
أى أنفته ممّا يقع من الامور المكروهة، و سورة حدّه، و حدّة لسانه و ملكه لهذه الامور إنّما يكون بالاحتراس عن تعدّى قوّته الغضبيّة و وقوفه في فعلها على حاقّ الوسط بحيث لا يعبر فيها إلى حدّ الإفراط فيقع في رذيلة التهوّر و يلزمه في تلك الرذيلة الظلم.

الثاني و الثلاثون: أمره بالاحتراس من تلك الامور
و أرشده إلى أسبابه و هو كفّ البادرة و تأخير السطوة إلى حين سكون الغضب ليحصل له بذلك الاختيار في الفعل و الترك الّذي عساه مصلحة، و أشار إلى وجه إحكام تلك الأسباب بقوله: و لن تحكم ذلك. إلى قوله: عليك. و ذلك أنّ كثرة الهمّ عن ذكر المعاد و الفكر في أمور الآخرة ماح للرغبة في الامور الدنيويّة الّتي هى المشاجرات و ثوران الغضب.

الثالث و الثلاثون
أوجب عليه أمرين فيهما جماع ما أوصاه به في هذا العهد إجمالا: أحدهما: أن يتذّكر ما مضى لمن تقدّمه من الحكومات العادلة للولاة قبله، أو من الآثار المنقولة عن نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله، أو من فرائض اللّه ليقتدى بما شاهد من عمله عليه السّلام فيها. الثاني: أن يجتهد لنفسه في اتّباع ما عهد إليه في عهده هذا و استوثق به من الحجّة لنفسه عليه و هي الموعظة و التذكير بأوامر اللّه لكيلا يكون له عليه حجّة يحتجّ بها عند تسرّع نفسه إلى هواها كما قال تعالى لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ«».

و من هذا العهد ايضا

وَ أَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ- وَ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ كُلِّ رَغْبَةٍ- أَنْ يُوَفِّقَنِي وَ إِيَّاكَ لِمَا فِيهِ رِضَاهُ- مِنَ الْإِقَامَةِ عَلَى الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَيْهِ وَ إِلَى خَلْقِهِ- مَعَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِي الْعِبَادِ وَ جَمِيلِ الْأَثَرِ فِي الْبِلَادِ- وَ تَمَامِ النِّعْمَةِ وَ تَضْعِيفِ الْكَرَامَةِ- وَ أَنْ يَخْتِمَ لِي وَ لَكَ بِالسَّعَادَةِ وَ الشَّهَادَةِ- إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ وَ السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَ سَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً

 

المعنى

أقول: ختم هذا العهد بسؤال اللّه عن يوفّقهما لما فيه رضاه، و أقسم عليه في إجابة سؤاله برحمته الّتي وسعت كلّ شي‏ء و بقدرته العظيمة على إعطاء كلّ رغبة. و ظاهر كونهما مبدءين لإجابة السائلين ثمّ فصّل ما سأله ممّا فيه رضا اللّه و هي امور: أحدها: الإقامة على العذر الواضح إلى اللّه و إلى خلقه. فإن قلت: العذر إنّما يكون عن ذنب فمن أقام على طاعة اللّه كيف يكون فعله عذرا قلت: يحتمل أن يكون العذر اسما من الإعذار إلى اللّه و هو المبالغة في الإتيان بأوامره فكأنّه قال: من الإقامة على المبالغة إليه في أداء أوامره. الثاني: حسن الثناء في العباد و جميل الأثر و هو ما يؤثر من الأفعال الحميدة في البلاد، و ذلك ممّا سأله الأنبياء كإبراهيم عليه السّلام وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ«» قيل هو الذكر الجميل في الناس. الثالث: أن يتمّ نعمته عليهما. الرابع: تضعيف كرامته لهما. الخامس: الخاتمة الحسنة بالسعادة و ما يوصل إليها من الشهادة، و نبّه بقوله: إنّا إليه راغبون. على صدق نيّته في سؤاله، ثمّ ختم بالسلام على رسول اللّه و الصلاة عليه و آله.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 135

نامه 51 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى أمراء البلاد فى معنى الصلاة

أَمَّا بَعْدُ فَصَلُّوا بِالنَّاسِ الظُّهْرَ- حَتَّى تَفِي‏ءَ الشَّمْسُ مِثْلَ مَرْبِضِ الْعَنْزِ- وَ صَلُّوا بِهِمُ الْعَصْرَ وَ الشَّمْسُ بَيْضَاءُ حَيَّةٌ فِي عُضْوٍ مِنَ النَّهَارِ- حِينَ يُسَارُ فِيهَا فَرْسَخَانِ- وَ صَلُّوا بِهِمُ الْمَغْرِبَ حِينَ يُفْطِرُ الصَّائِمُ- وَ يَدْفَعُ الْحَاجُّ إِلَى مِنًى- وَ صَلُّوا بِهِمُ الْعِشَاءَ حِينَ يَتَوَارَى الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ- وَ صَلُّوا بِهِمُ الْغَدَاةَ وَ الرَّجُلُ يَعْرِفُ وَجْهَ صَاحِبِهِ- وَ صَلُّوا بِهِمْ صَلَاةَ أَضْعَفِهِمْ وَ لَا تَكُونُوا فَتَّانِينَ‏

أقول: بيّن في هذا الكتاب أوقات الصلاة المفروضة:

فالأول: وقت الظهر و حدّه بوقت في‏ء الشمس
أى رجوعها و ميلها إلى المغرب ثمّ نبّه بتقديره بمربض العنز و هو أوّل وقت الظهر و ذلك ممّا يختلف باختلاف البلاد.

الثاني: وقت العصر و قدّره ببقاء الشمس بيضاء لم تصفر للمغيب، و حيّة.
و استعار لفظ الحياة لظهورها على الأرض لمكان المشابهة، و في عضو من النهار، و أراد القسم و القطعة منه. ثمّ قدّر ذلك العضو بمقدار أن يسافر فيه فرسخان السير المعتاد.

الثالث: وقت المغرب
و عرّفه بأمرين: أحدهما: حين يفطر الصائم، و ذلك عند سقوط القرص. و الثاني: حين يدفع الحجّاج و يفيض من عرفات. و لشهرة هاتين العلامتين و تعارفهما مع المخاطبين عرّفه بهما.

الرابع: وقت العشاء الآخرة
عرّفه بتوارى الشفق و ذلك من ناحية المغرب، و حدّ آخره بثلث الليل، و إنّما حدّ آخر هذا الوقت دون أوقات سائر الفرائض لأنّ الفرائض يتبيّن آخر كلّ وقت منها ببيان أوّل وقت الاخرى. و لا كذلك آخر وقت العشاء الآخرة لاتّصاله بالليل الخالى عن الفرائض، و أمّا آخر وقت الصبح فحدّه بطلوع الشمس أيضا ظاهر.

الخامس: وقت صلاة الغداة،
و حدّه بحين يعرف الرجل وجه صاحبه، و ذلك حين طلوع الفجر الثاني و هو الحمرة المعترضة من ناحية المشرق، و العلامة التي ذكرها أوضح لسائر الناس. ثمّ أوصاهم بفعل و ترك: أمّا الفعل فأن يصلّوا بالناس صلاة أضعفهم، و هو أن لا يطيلوا في القراءة و في الفرائض كقراءة البقرة و السور الطوال فإنّ ذلك لا يستطيع القيام به كلّ الناس فيؤدّي ذلك إلى المشقّة و عجز بعضهم عن أداء الفريضة في الجماعة و هو ضرر منفىّ في الدين، و أمّا الترك‏ فأن لا يكونوا فتّانين بإطالة الصلاة، و وجه الفتنة هنا أنّهم يكونون صارفين للناس عن الاتّفاق و التساعد على الجماعة بإطالتها المستلزمة لتخلّف العاجزين و الضعفاء.
و اللّه أعلم.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 133

 

نامه 50 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى عماله على الخراج

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَصْحَابِ الْخَرَاجِ- أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَحْذَرْ مَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ- لَمْ يُقَدِّمْ لِنَفْسِهِ مَا يُحْرِزُهَا- وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَا كُلِّفْتُمْ يَسِيرٌ وَ أَنَّ ثَوَابَهُ كَثِيرٌ- وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ- مِنَ الْبَغْيِ وَ الْعُدْوَانِ عِقَابٌ يُخَافُ- لَكَانَ فِي ثَوَابِ اجْتِنَابِهِ مَا لَا عُذْرَ فِي تَرْكِ طَلَبِهِ- فَأَنْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَ اصْبِرُوا لِحَوَائِجِهِمْ- فَإِنَّكُمْ خُزَّانُ الرَّعِيَّةِ- وَ وُكَلَاءُ الْأُمَّةِ وَ سُفَرَاءُ الْأَئِمَّةِ- وَ لَا تُحْشِمُوا أَحَداً عَنْ حَاجَتِهِ وَ لَا تَحْبِسُوهُ عَنْ طَلِبَتِهِ- وَ لَا تَبِيعُنَّ لِلنَّاسِ فِي الْخَرَاجِ كِسْوَةَ شِتَاءٍ وَ لَا صَيْفٍ- وَ لَا دَابَّةً يَعْتَمِلُونَ عَلَيْهَا وَ لَا عَبْداً- وَ لَا تَضْرِبُنَّ أَحَداً سَوْطاً لِمَكَانِ دِرْهَمٍ- وَ لَا تَمَسُّنَّ مَالَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مُصَلٍّ وَ لَا مُعَاهَدٍ- إِلَّا أَنْ تَجِدُوا فَرَساً أَوْ سِلَاحاً- يُعْدَى بِهِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ- فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ- فَيَكُونَ شَوْكَةً عَلَيْهِ- وَ لَا تَدَّخِرُوا أَنْفُسَكُمْ نَصِيحَةً وَ لَا الْجُنْدَ حُسْنَ سِيرَةٍ- وَ لَا الرَّعِيَّةَ مَعُونَةً وَ لَا دِينَ اللَّهِ قُوَّةً- وَ أَبْلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا اسْتَوْجَبَ عَلَيْكُمْ- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ اصْطَنَعَ عِنْدَنَا وَ عِنْدَكُمْ- أَنْ نَشْكُرَهُ بِجُهْدِنَا- وَ أَنْ نَنْصُرَهُ بِمَا بَلَغَتْ قُوَّتُنَا- وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ

اللغة

أقول: السفير. الرسول. و حشمته و احتشمته: بمعنى: أى أعضبته و أخجلته. و الشوكة: القوّة. و أبليته معروفا: أى أعطيته.

المعنى
و صدّر الكتاب بمقدّمة كلّيّة، و هو أنّ من لم يحذر ما يصير إليه من العواقب المخوفة لم يقدّم لنفسه استعدادا يحرزها منها فإنّ الإنسان إنّما يستعدّ للأمر المرغوب أو المرهوب إذا رغب فيه أو خافه، و هى في معرض التوبيخ على ترك الحذر لغرض تقديم طاعة و ما يستعدّ به الإنسان ممّا يحرز نفسه من عذاب اللّه. ثمّ أعلمهم بكون التكليف لهم يسيرا تسهيلا له، و كون ثوابه كثيرا ترغيبا فيه. و هو في قوّة صغرى ضمير رغبّهم به في القيام بالامور المكلّف بها، و تقدير كبراه: و كلّ ما كان كذلك وجب القيام به و الاجتهاد فيه. ثم أردفه بالتنبيه على وجوب ترك البغى و الظلم بما يلزمه فعله من العقاب الأليم و تركه من الثواب العظيم الّذى لا عذر في ترك طلبه لو لم يكن في فعله عقاب. و المعنى أنّه لو لم يكن فيه عقاب يخاف فيترك لأجله لكان في تركه ثواب يجب لأجله فكيف و في فعله العقاب الأليم. فبالأولى أن يجب تركه. و هو من أفصح الكلام، و الغرض التحذير من الوقوع في رذيلة الظلم ثمّ أردف ذلك بأوامر و نواهي فمن الأوامر أمران: أحدهما: إنصاف الرعيّة من أنفسهم و ميولها. الثاني: أن يصبروا لحوائجهم لينتظم أمر مصلحتهم، و علّل ذلك بكونهم خزّان الرعيّة و وكلائهم على بيت مالهم و سفراء أئمّتهم إليهم، و هو في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ من كان كذلك فعليه النصفة و الصبر على حوائجهم. و من النواهي ستّة:

أحدها: أن لا يغضبوا أحدا و لا يجبهوه فيستحيى عن حاجته. الثاني: لا يمنعوا أحدا عن حاجته و يحتجبوا دونه. الثالث: أن لا يحوجوا أحدا في طلب الخراج إلى بيع ما يضطرّ إليه من كسوة أو دابّة ينتفع بها في عمل، و لا عبد. الخامس: أن لا يأخذوا من مال أحد من أهل القبلة أو لمعاهدين من أهل الكتاب شيئا إلّا أن يكون فرسا أو سلاحا يعدى به على المسلمين و الإسلام فإنّه يجب أخذه من أيدي أعدائهم لئلّا يكون شوكة عليهم و عونا. السادس: أن لا يدّخروا أنفسهم عن أنفسهم نصيحة بل ينصح بعضهم لبعض، و لا عن الجند حسن سيرة، و لا عن الرعيّة معونة، و لا عن دين اللّه قوّة. ثمّ أمرهم أن يبلوا في سبيله و يعطوا ما استوجب عليهم من شكر نعمه و طاعته. ثمّ علّل وجوب ذلك بقوله: فإنّ اللّه. إلى آخره. و هو في قوّة صغرى ضمير. و المعنى أنّه تعالى جعل شكره بجهدنا و نصرته بما بلغت قوّتنا صنيعة عندنا. إذ كان شكره و نصرته من أعظم نعمه علينا كما سبق. و قيل: أراد لأن نشكره. و تقدير الكبري: و كلّ من اصطنع عندنا وجب علينا شكره. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 133

 

نامه 49 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى أمرائه على الجيوش

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَصْحَابِ الْمَسَالِحِ- أَمَّا بَعْدُ- فَإِنَّ حَقّاً عَلَى الْوَالِي أَلَّا يُغَيِّرَهُ عَلَى رَعِيَّتِهِ فَضْلٌ نَالَهُ- وَ لَا طَوْلٌ خُصَّ بِهِ- وَ أَنْ يَزِيدَهُ مَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْ نِعَمِهِ دُنُوّاً مِنْ عِبَادِهِ- وَ عَطْفاً عَلَى إِخْوَانِهِ- أَلَا وَ إِنَّ لَكُمْ عِنْدِي أَلَّا أَحْتَجِزَ دُونَكُمْ سِرّاً إِلَّا فِي حَرْبٍ- وَ لَا أَطْوِيَ دُونَكُمْ أَمْراً إِلَّا فِي حُكْمٍ- وَ لَا أُؤَخِّرَ لَكُمْ حَقّاً عَنْ مَحَلِّهِ- وَ لَا أَقِفَ بِهِ دُونَ‏ مَقْطَعِهِ- وَ أَنْ تَكُونُوا عِنْدِي فِي الْحَقِّ سَوَاءً- فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ وَجَبَتْ لِلَّهِ عَلَيْكُمُ النِّعْمَةُ- وَ لِي عَلَيْكُمُ الطَّاعَةُ- وَ أَلَّا تَنْكُصُوا عَنْ دَعْوَةٍ وَ لَا تُفَرِّطُوا فِي صَلَاحٍ- وَ أَنْ تَخُوضُوا الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ- فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا لِي عَلَى ذَلِكَ- لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِمَّنِ اعْوَجَّ مِنْكُمْ- ثُمَّ أُعْظِمُ لَهُ الْعُقُوبَةَ وَ لَا يَجِدُ عِنْدِي فِيهَا رُخْصَةً- فَخُذُوا هَذَا مِنْ أُمَرَائِكُمْ- وَ أَعْطُوهُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ مَا يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ أَمْرَكُمْ

اللغة

أقول: أحتجز: أمنع. و النكوص: الرجوع على الأعقاب. و الغمرة: الشدّة.

المعنى

و اعلم أنّه قدّم هاهنا ما يجب على الوالى المطلق لرعيّته بوجه كليّ كما هو عادة الخطيب. ثمّ ثنّى ببيان ما يجب عليه لهم تفصيلا لذلك الكلّيّ. ثمّ ما يجب عليهم. ثمّ أمرهم بلزوم ما أوجبه عليهم.

أمّا الأوّل: فقوله: أمّا بعد. إلى قوله: إخوانه. و أشار فيه إلى أمرين أحدهما. أن لا يغيّره عنهم ما اختصّ به من الفضل و الطول لأنّ تغيّره عنهم خروج عن شرائط الولاية. الثاني: أن يزيده تلك النعمة من اللّه دنّوا من عباده عطفا على إخوانه لأنّ ذلك من تمام شكر النعمة. و أمّا الثاني: فاشترط على نفسه لهم خمسة أمور: أحدها: أن لا يحتجز دونهم سرّا في الامور المصلحيّة إلّا في الحرب. و يحتمل ترك مشورتهم هناك أمرين: أحدهما: أنّ أكثرهم ربّما لا يختار الحرب فلو توقّف على المشورة فيه لما استقام أمره بها. و لذلك كان عليه السّلام كثيرا ما يحملهم على الجهاد و يتضجّر من تثاقلهم عليه، و هم له كارهون. كما سبق.

الثاني: أن يكتم ذلك خوف‏

انتشاره إلى العدوّ فيكون سبب استعداده و تأهّبه للحرب، و لذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذا أراد سفرا إلى الحرب ورّى بغيره كما روى أنّه لمّا نوى غزاة بدر كتب للسريّة كتابا و أمرهم أن يخرجوا من المدينة إلى صوب مكّة يومين أو ثلاثة. ثمّ ينظروا في الكتاب و يعملوا بما فيه فلمّا سار و المدّة نظروا فيه فإذا هو يأمرهم فيه بالخروج إلى نخلة محمود و أن يفعلوا كذا و كذا ففعلوا و خرج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله خلفهم إلى بدر و كان الظفر لهم. و لو أعلمهم عليه السّلام حين أمرهم بالخروج أنّه يسير إلى قريش لانتشر ذلك إلى قريش و كان استعدادهم لهم أقوى، و جاز أن يكون ذلك أيضا مانعا لبعض الصحابة عن النهوض خوفا من أهل مكّة و شوكتهم. الثاني: أنّه لا يطوي دونهم أمرا إلّا في حكم. استعار لفظ الطىّ لكتمان الأمر: أى لا يخفى عنكم أمرا إلّا أن يكون حكما من أحكام اللّه فإني أقضيه دونكم من غير مراقبة و مشاورة فيه كالحدود و غيرها.

الثالث: أن لا يؤخّر لهم حقّا عن محلّه كالعطاء و ساير الحقوق اللازمة له و لا يقف به دون مقطعه كالأحكام المتعلّقة بالمتخاصمين المحتاجة إلى الفصل. الرابع: أن يسوى بينهم في الحقّ. و الأوّلان مقتضى فضيلة الحكمة، و الثالث و الرابع مقتضى فضيلة العدل. و أمّا الأمر الثالث: ممّا تستحقّه عليهم فبدأ بوجوب حقّ اللّه تعالى أوّلا. إذ كان حكم قضائه بنصبه لهم إماما و فعله بهم ما ذكر من أتمّ نعمه تعالى عليهم. ثمّ ثنىّ بما يجب له و ذكر امورا: أحدها: بذل طاعته. إذ لا حجّة لهم عليه يكون سببا لعصيانهم. الثانيّ: أن لا ينكصوا عن دعوة له إذا دعاهم. و هو من تمام الطاعة. الثالث: أن لا يقفوا في حيّز التفريط في مصلحة يراها أو يبدو لهم. الرابع: أن يخوضوا الغمرات و يركبوا الشدائد في نصرة الحقّ و طلبه. ثمّ أردف ذلك بالوعيد لهم إن لم يستقيموا له على ما وجب له عليهم ممّا عدّده و توعّد بأمرين: أحدهما: هو ان المعوّج منهم عن طاعته عليه و سقوط منزلته. والثاني: إعظام العقوبة له و عدم الرخصة فيها عنده. و لمّا بيّن لهم ما وجب عليهم أمرهم أن يأخذوا ذلك البيان و النصح منه و من ساير أمراء العدل، و يعطوهم من أنفسهم ما يصلح اللّه به امورهم من الطاعة و فعل ما امروا به. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 128

 

نامه 48 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى غيره

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا مَشْغَلَةٌ عَنْ غَيْرِهَا- وَ لَمْ يُصِبْ صَاحِبُهَا مِنْهَا شَيْئاً- إِلَّا فَتَحَتْ لَهُ حِرْصاً عَلَيْهَا وَ لَهَجاً بِهَا- وَ لَنْ يَسْتَغْنِيَ صَاحِبُهَا بِمَا نَالَ فِيهَا عَمَّا لَمْ يَبْلُغْهُ مِنْهَا- وَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ فِرَاقُ مَا جَمَعَ وَ نَقْضُ مَا أَبْرَمَ- وَ لَوِ اعْتَبَرْتَ بِمَا مَضَى حَفِظْتَ مَا بَقِيَ وَ السَّلَامُ

اللغة

أقول: اللهج: الحرص الشديد.

و صدّر الكتاب بالتنبيه على معايب الدنيا ليقلّ الرغبة فيها و ذكر منها أمور:

الأوّل: كونها مشغله عن غيرها:
أي عن الآخرة و هو ظاهر ممّا مرّ.

الثاني: كونها لم يصب صاحبها منها شيئا إلّا كان ذلك معدّا للحرص عليها و اللهج بها،
و إليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه و آله: لو كان لابن آدم و اديين من ذهب لابتغى لهما ثالثا. و لا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب.

الثالث: كونها لا يستغنى صاحبها بما نال فيها عمّا لم يبلغه منها،
و ذلك من لوازم العيب. الثاني فإنّ حصول بعضها إذا كان معدّا للفقر إليها لم يستغن طالبها أبدا منها.
ثمّ أردف ذلك بذكر امور للتنفير عنها أيضا:
أحدها: استعقابها لفراق ما جمع منها. الثاني: نقض ما أحكم من امورها، ثم نبّه على وجوب الاعتبار بما مضى من العمر أو من أحوال الدنيا و القرون الماضية لغاية حفظ ما بقى من العمر أن يضيّع في الباطل أو حفظ ما يبقى من السعادة الاخرويّة بالسعى في تحصيلها. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 127

 

نامه 47 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى معاوية

فَإِنَّ الْبَغْيَ وَ الزُّورَ يُوتِغَانِ الْمَرْءَ فِي دِينِهِ وَ دُنْيَاهُ- وَ يُبْدِيَانِ خَلَلَهُ عِنْدَ مَنْ يَعِيبُهُ- وَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ غَيْرُ مُدْرِكٍ مَا قُضِيَ فَوَاتُهُ- وَ قَدْ رَامَ أَقْوَامٌ أَمْراً بِغَيْرِ الْحَقِّ- فَتَأَلَّوْا عَلَى اللَّهِ فَأَكْذَبَهُمْ- فَاحْذَرْ يَوْماً يَغْتَبِطُ فِيهِ مَنْ أَحْمَدَ عَاقِبَةَ عَمَلِهِ- وَ يَنْدَمُ مَنْ أَمْكَنَ الشَّيْطَانَ مِنْ قِيَادِهِ فَلَمْ يُجَاذِبْهُ- وَ قَدْ دَعَوْتَنَا إِلَى حُكْمِ الْقُرْآنِ وَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ- وَ لَسْنَا إِيَّاكَ أَجَبْنَا وَ لَكِنَّا أَجَبْنَا الْقُرْآنَ فِي حُكْمِهِ- وَ السَّلَامُ

أقول: هذا الفصل من كتاب له إليه بعد التحكيم و تمسّك معاوية بما حكم به الحكمان، و يحتمل أن يكون عند إجابته إلى التحكيم.

اللغة

و الوتغ بالتحريك: الهلاك. و أوتغ فلان دينه بالإثم: أهلكه و أفسده، و في نسخة الرضى- رحمه اللّه- يذيعان: أى يظهران. و الغبطة: السرور، و الغبطة: تمنّى مثل حال الغير.

المعنى

و صدّر الفصل بذكر الظلم و الكذب و التنفير عنهما بما يلزمهما من إهلاك‏ دين المرء و دنياه، و يبديان خلله و عيبه لمن يعيبه. أمّا في دينه فلكونهما رذيلتين مضادّتين للعدل و العفّة و مجانبتين للإيمان و الدين، و أمّا في دنياه فلأنّ أعظم مطالب الدنيا للعقلاء الذكر الجميل و إنّما يحصل بظهور مكارم الأخلاق دون رذائلها، و أراد بما قضى فواته ما جعله معاوية شبهة له في محاربته و هو المطلب بدم عثمان و هو في قوّة صغرى ضمير احتجّ به على وجوب ترك المشاقّة، و تقدير كبراه: و كلّ من كان كذلك تعيّن عليه أن يترك ذلك الطلب. ثمّ أعلمه بحال من طلب أمرا باطلا و تأوّل على اللّه في ذلك. و الإشارة إلى أصحاب الجمل حيت كانوا طالبين للأمر و الملك فتأوّلوا على اللّه: أى على سلطان اللّه و هى الخلافة الحقّة فجعلوا لخروجهم و بغيهم عليها تأويلا و هو الطلب بدم عثمان، و نحوه من الشبه الباطلة. فأكذبهم اللّه بنصره عليهم و ردّ مقتضى شبههم. و الا كذاب كما يكون بالقول كذلك يكون بالفعل. و قال القطب الراوندىّ- رحمه اللّه- : معناه و قد طلب قوم أمر هذه الامّه فتأوّلو القرآن كقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ«» فسمّوا من نصبوه من الامراء أولى الأمر متحكّمين على اللّه فأكذبهم اللّه بكونهم ظالمين بغاة، و لا يكون الوالى من قبل اللّه كذلك. ثمّ حذّره يوم القيامة منبّها له على ما فيه من سرور الّذين حمدوا عاقبة أعمالهم بما حصلوا عليه من السعادة الباقية و اغتباط غيرهم لهم و تمنّى مثل مراتبهم، و ندم من أمكن الشيطان من قياده فصرفه كيف شاء و لم يجاذبه، و استعار لفظ التمكين من القياد لمطاوعة النفس الأمّارة. و غرض التحذير أن لا يكون كمن سبق من طالبى هذا الأمر بالتأويل على اللّه.

و قوله: و قد دعوتنا. إلى آخره. صورة سؤاله و الجواب عنه. و كونه ليس من أهله. إذ لم يكن صالحا للإمامة كما سبق بيانه مرارا، و حيث لم يكن أهلا لأن يجاب إلى الرضى بالتحكيم‏ أعلمه بذلك و أنّه إنّما أجاب القرآن إلى حكمه، و ذلك في قوله تعالى في حقّ الزوجين وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها«» الآية فجعل عليه السّلام هذا أصلا و قاس عليه بالطريق الأولى حال الامّة عند وقوع الشقاق بينهم. و بعين ذلك احتجّ ابن عباس- رضي اللّه عنه- على الخوارج حيث أنكروا التحكيم فقالوا: كيف يجوز لعليّ أن يحكّم في دين اللّه الرجال. فقال لهم: إنّ ذلك ليس بأمر عليّ عليه السّلام و إنّما هو بأمر من اللّه تعالى في كتابه. إذ يقول في حقّ الزوجين «و إن خفتم» الآية أ فترون أنّه أمر تعالى بذلك في حقّ الرجل و امراته مراعاة لمصلحتهما و لا يأمر بذلك في حقّ الأمّة رعيا لمصلحتهم فرجع كثير منهم إلى قوله. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 125

نامه 46 شرح ابن میثم بحرانی

و من وصيّة له عليه السّلام للحسن و الحسين عليهما السّلام لما ضربه ابن ملجم لعنه اللّه

أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ وَ أَلَّا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَ إِنْ بَغَتْكُمَا- وَ لَا تَأْسَفَا عَلَى شَيْ‏ءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا- وَ قُولَا بِالْحَقِّ وَ اعْمَلَا لِلْأَجْرِ- وَ كُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً وَ لِلْمَظْلُومِ عَوْناً- أُوصِيكُمَا وَ جَمِيعَ وَلَدِي وَ أَهْلِي وَ مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي- بِتَقْوَى اللَّهِ وَ نَظْمِ أَمْرِكُمْ‏ وَ صَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ- فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا ص يَقُولُ- صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَ الصِّيَامِ- اللَّهَ اللَّهَ فِي الْأَيْتَامِ فَلَا تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ- وَ لَا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ- وَ اللَّهَ اللَّهَ فِي جِيرَانِكُمْ فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ- مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ- وَ اللَّهَ اللَّهَ فِي الْقُرْآنِ- لَا يَسْبِقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ- وَ اللَّهَ اللَّهَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ- وَ اللَّهَ اللَّهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ لَا تُخَلُّوهُ مَا بَقِيتُمْ- فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا- وَ اللَّهَ اللَّهَ فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ- وَ أَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ- وَ عَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَ التَّبَاذُلِ- وَ إِيَّاكُمْ وَ التَّدَابُرَ وَ التَّقَاطُعَ- لَا تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ- فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ ثُمَّ تَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ- ثُمَّ قَالَ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ- لَا أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ خَوْضاً- تَقُولُونَ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ- أَلَا لَا تَقْتُلُنَّ بِي إِلَّا قَاتِلِي- انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هَذِهِ- فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ- وَ لَا تُمَثِّلُوا بِالرَّجُلِ- فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ- إِيَّاكُمْ وَ الْمُثْلَةَ وَ لَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ

اللغة

أقول: بغيت كذا: أردته. و إغباب أفواههم: أن يطعموهم يوما و يتركوهم‏ يوما. و المناظرة: المحافظة و المراقبة. و التدابر: التقاطع و التعادى. و المثله التنكيل.

و قد أوصاهما بأمور:

أولها: تقوى اللّه
الّتي هى رأس كلّ خير.

الثاني: الزهد في الدنيا، و أن لا يريداها و إن أرادتهما:
أى أقبلت عليهما بما يعدّ فيها [عنها خ‏] خيرا، و استعار لفظ البغية لها باعتبار سهولتها عليهما عن توافق أسباب خيرها لهما فهى بذلك الاعتبار كالطالبة لها.

الثالث: أن لا يأسفا على ما قبض و غيّب عنهما
من خيراتها و هو من لوازم الزهد الحقيقىّ فيها.

الرابع: أن لا يقولا إلّا الحقّ
و هو ما ينبغي قوله من أوامر اللّه و نواهيه، و أن يعملا لأجر الآخرة: أى يكون أقوالهما و أعمالهما مقصورة على هذين.

الخامس: أن يكونا للظالم خصيما و للمظلوم عونا،
و ذلك من لوازم قول الحقّ و العمل له. إذ من كان على حاقّ العدل لابدّ أن يجانب الظالم المنحرف إلى طرف الجور و يخاصمه ليردّه إلى فضيلة العدل فيكون حينئذ عونا للمظلوم.
ثمّ عاد مؤكّدا لوصيّتهما مع جميع ولده و أهله و من بلغه كتابه من عباد اللّه بتقوى اللّه مكرّرا لها و مردفا بأوامر اخرى:
أحدها: صلاح ذات البين
و ذات كناية عن الحالة الموجبة للبين و الافتراق.
و قيل: هى الحالة بين الرجلين و القبيلتين أو الرجل و أهله. أمر بإصلاح ما بينهما من فساد. و قيل: يحتمل أن يريد بالبين هنا الوصل، و بالذات النفس: أى أصلحوا نفس وصلكم من فساد يقع فيه. و قيل: إنّ ذات هنا مقحمة زائدة، و نحوه قوله تعالى فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ«» و صلاح ذات البين من لوازم الالفة و المحبّة في اللّه، و هى فضيلة تحت العفّة. و رغّب في ذلك بما رواه سماعا عن‏ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من قوله: صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة و الصيام و وجه الأفضليّة هنا أنّك علمت فيما سلف أنّ أهمّ المطالب للشارع صلّى اللّه عليه و آله جمع الخلق على سلوك سبيل اللّه و انتظامهم في سلك دينه و لن يتمّ ذلك مع تنازعهم و تنافر طباعهم و ثوران الفتنة بينهم فكان صلاح ذات البين ممّا لا يتمّ أهمّ مطالب الشارع إلّا به، و هذا المعنى غير موجود في الصلاة و الصيام لإمكان المطلوب المذكور بدونهما فتحقّقت أفضليّته من هذه الجهة. و الخبر في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: كلّما كان كذلك فواجب أن يفعل.

الثاني: حذّره من اللّه تعالى في الأيتام و نهى عن إجاعتهم:
و كنى عنها باغباب افواههم اذ هو مظنّة جوعهم. ثمّ عن إضاعتهم و استلزم ذلك النهى أمرهما ببرّهم و الإحسان إليهم و هو فضيلة تحت العفّة.

الثالث: الوصيّة في الجيران و التحذير من اللّه فيهم
و نبّه على حفظ قلوبهم و إكرامهم بوصيّة الرسول صلّى اللّه عليه و آله في حقّهم، و جعلهم نفس الوصيّة تأكيدا للمحافظة عليهم كالمحافظة على وصيّة رسول اللّه. و المجاز من باب إطلاق اسم المتعلّق. و قوله: ما زال. إلى قوله: سيورّثهم. تفسير للوصيّة المذكورة، و هى أيضا في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ من أوصى النبيّ في حقّه كذلك فواجب أن يحفظ.

الرابع: الوصيّة بما اشتمل عليه القرآن الكريم
من القوانين و القواعد، و التحذير من اللّه سبحانه في تركه، و النهى عن أن يسبقهم بذلك غيرهم المستلزم للأمر بالمسارعة و السبق إليه.

الخامس: الوصيّة بأمر الصلاة و التحذير من اللّه
في أمرها، و نبّه على فضيلتها بضمير صغراه قوله: فإنّها عمود الدين. و هو عين ما رويناه من الحديث قبل، و تقدير الكبرى: و كلّ ما كان كذلك فواجب أن يقام الدين بإقامته. ا

السادس: الوصيّة ببيت ربّهم و النهى عن ترك زيارته مدّة العمر
و قد سبق‏ سرّه، و نبّه على فضيلة اخرى له توجب ملازمته و هو ما يستلزمه تركه من عدم مناظرة اللّه لتاركيه و ترك محافظته عليهم و مراقبته لأنّ من لا يحفظ اللّه في بيته و لا يراقبه في مراعاة جانبه لم يحفظه اللّه و لم يراقبه، و يحتمل أن يريد لن يناظركم الأعداء و لم يراقبوكم. إذ في الإجماع إلى بيت اللّه و المحافظة عليه عزّ باللّه و اعتصام به يوجب مراقبة الخلق المعتصمين به و انفعال القلوب عنهم و عن كثرتهم و مناظرتهم.

السابع: الوصيّة بالجهاد في سبيل اللّه بالمال و النفس و اللسان و التحذير من اللّه في تركه
و هو ممّا علمت فضيلته.

الثامن: الوصيّة بالتواصل و التباذل:
أى يبذل كلّ منهم النصرة لصاحبه في سبيل اللّه.

التاسع: التحذير من التقاطع و التدابر.
و سرّه ظاهر.

العاشر: النهى عن ترك الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر
المستلزم للأمر بهما. و نفّر عن ذلك الترك بما يستلزمه و يعدّ له من تولّى الأشرار عليهم و عدم استجابة دعاء الداعين منهم، و وجه إعداده لذلك أنّ ترك الاجتماع على الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر يستلزم ثوران المنكر و قلّة المعروف من طباع الأشرار و يعدّ لاستيلائها و غلبتها و ولاية أهلها و ذلك يستلزم كثرة الشرّ و الأشرار و قلّة الصالحين و ضعف هممهم عن استنزال رحمة اللّه تعالى بأدعيتهم فيدعون فلا يستجاب لهم.

ثمّ عقّب ذلك بوصيّة أهل بيته من بنى عبد المطّلب بما يخصّه من أمر دمه. و الوصيّة بأمور:
أحدها: نهاهم عن إثارة الفتنة بسبب قتله
فقال: لا أجدنّكم تخوضون دماء المسلمين خوضا، و كنّى عن كثرة القتل.
و قوله: تقولون: قتل أمير المؤمنين. حكاية ما جرت به العادة أن يقوله طالب الثارحين هياجه إظهارا لعذره و السبب الحامل له على إثارة الفتنة.
الثاني: نهاهم أن يقتلوا إلّا قاتله.
إذ ذلك هو مقتضى العدل.
الثالث: نبّههم بقوله: انظروا. إلى قوله: هذه.
على أنّه لا يجوز قتله بمجرّدضربته إن لو حصل الموت بسبب غيرها إلّا أن يعلم أنّ موته كان بسبها.
الرابع: أمرهم أن يضربوه ضربة بضربة،
و ذلك مقتضى عدله عليه السّلام أيضا.
الخامس: نهى عن المثلة به معلّلا بما رواه سماعا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله
و ذلك لما في المثلة من تعدّي الواجب و قسوة القلب و شفاء الغيظ و كلّ ذلك رذائل يجب الانتهاء عنها، و هو في قوّة صغرى‏ ضمير تقدير كبراه: و كلّ ما نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عنه فوجب أن لا يفعل. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم ، ج 5 ، صفحه‏ى 120

 

نامه 45 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى بعض عماله

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ- وَ أَقْمَعُ بِهِ نَخْوَةَ الْأَثِيمِ- وَ أَسُدُّ بِهِ لَهَاةَ الثَّغْرِ الْمَخُوفِ- فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَى مَا أَهَمَّكَ- وَ اخْلِطِ الشِّدَّةَ بِضِغْثٍ مِنَ اللِّينِ- وَ ارْفُقْ مَا كَانَ الرِّفْقُ أَرْفَقَ- وَ اعْتَزِمْ بِالشِّدَّةِ حِينَ لَا تُغْنِي عَنْكَ إِلَّا الشِّدَّةُ- وَ اخْفِضْ لِلرَّعِيَّةِ جَنَاحَكَ وَ ابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ- وَ أَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ- وَ آسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَ النَّظْرَةِ وَ الْإِشَارَةِ وَ التَّحِيَّةِ- حَتَّى لَا يَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ- وَ لَا يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ

اللغة

أقول: النخوة: الكبر. و الأثيم: الآثم. و الضغث: النصيب من الشي‏ء يختلط بغيره. و أصله القبضة من الحشيش المختلط من رطبه و يابسه. و اعتزم بكذا: أى لزمه و أخذ به.

المعنى

و قد استماله أوّلا بأمور ثلاثة أعلمه بها من نفسه و أعدّه لقبول أوامره،
و هى كونه ممّن يستظهر به على إقامة الدين، و يقمع به نخوة الأثيم، و يسدّ به الثغر المخوف. و استعار لفظ اللهاة لما عساه ينفتح من مفاسد الثغر فيحتاج إلى سدّه‏ بالعسكر و السلاح ملاحظة الشبهه بالأسد الفاتح فاه للافتراس.
ثمّ أردف ذلك بما أمره به من مكارم الأخلاق.
أوّلها: أن يستعين باللّه على ما أهمّه
من اموره فإنّ الفزع إليه و الاستعانة به أفضل ما أعان على حصول المهمّات.
الثاني: أن يمزج الشدّة بضرب من اللين
و يضع كلامه موضعه فيرفق و يلين ما كان الرفق أولى و أوفق له و يأخذ بالشدّة حين لا يغنى إلّا الشدّة.
الثالث: أن يخفض جناحه لرعيّته،
و هو كناية عن التواضع.
الرابع: أن يبسط لهم وجهه،
و هو كناية عن لقائهم بالبشاشة و البشر و ترك العبوس و التقطيب.
الخامس: أن يلين لهم جانبه،
و هو كناية عن المساهلة معهم و عدم التشدّد عليهم.
السادس: أن يواسى بينهم في اللحظة و النظرة و الإشارة و التحيّة،
و اللحظة أخصّ من النظرة و هو أمر بفضيلة العدل بين الرعيّة لئلّا يطمع عظيمهم في حيفه على الضعيف فيتسلّط عليه، و لا ييأس الضعيف من عدله على القوىّ فيضعف نفسه و يكلّ عمّا هو بصدده من الأعمال المصلحيّة، و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحرانی)، ج 5 ، صفحه‏ى 118

 

نامه 44 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى عثمان بن حنيف الأنصارى، و هو عامله على البصرة

و قد بلغه أنه دعى إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها أَمَّا بَعْدُ يَا ابْنَ حُنَيْفٍ- فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ- دَعَاكَ إِلَى‏ مَأْدُبَةٍ فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا- تُسْتَطَابُ لَكَ الْأَلْوَانُ وَ تُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ- وَ مَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامِ قَوْمٍ- عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ وَ غَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ- فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ مِنْ هَذَا الْمَقْضَمِ- فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ- وَ مَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ- أَلَا وَ إِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ- وَ يَسْتَضِي‏ءُ بِنُورِ عِلْمِهِ- أَلَا وَ إِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ- وَ مِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ- أَلَا وَ إِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ- وَ لَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَ اجْتِهَادٍ وَ عِفَّةٍ وَ سَدَادٍ- فَوَاللَّهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً- وَ لَا ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً- وَ لَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً- بَلَى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ- فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ- وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ آخَرِينَ- وَ نِعْمَ الْحَكَمُ اللَّهُ- وَ مَا أَصْنَعُ بِفَدَكٍ وَ غَيْرِ فَدَكٍ- وَ النَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَدٍ جَدَثٌ تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا- وَ تَغِيبُ أَخْبَارُهَا- وَ حُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا وَ أَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا- لَأَضْغَطَهَا الْحَجَرُ وَ الْمَدَرُ- وَ سَدَّ فُرَجَهَا التُّرَابُ الْمُتَرَاكِمُ- وَ إِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى- لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكْبَرِ- وَ تَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ وَ لَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَا الْعَسَلِ- وَ لُبَابِ هَذَا الْقَمْحِ وَ نَسَائِجِ هَذَا الْقَزِّ- وَ لَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ- وَ يَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الْأَطْعِمَةِ- وَ لَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ مَنْ لَا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ- وَ لَا عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ- أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَ حَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى- وَ أَكْبَادٌ حَرَّى أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ-
وَ حَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ وَ حَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ

أَ أَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ- هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ- وَ لَا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ- أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ- فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ- كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا- أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا- تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلَافِهَا وَ تَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا- أَوْ أُتْرَكَ سُدًى أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً- أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلَالَةِ أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ وَ كَأَنِّي بِقَائِلِكُمْ يَقُولُ- إِذَا كَانَ هَذَا قُوتُ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ- فَقَدْ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ عَنْ قِتَالِ الْأَقْرَانِ- وَ مُنَازَلَةِ الشُّجْعَانِ- أَلَا وَ إِنَّ الشَّجَرَةَ الْبَرِّيَّةَ أَصْلَبُ عُوداً- وَ الرَّوَاتِعَ الْخَضِرَةَ أَرَقُّ جُلُوداً- وَ النَّابِتَاتِ الْعِذْيَةَ أَقْوَى وَقُوداً وَ أَبْطَأُ خُمُوداً- . وَ أَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ كَالضَّوْءِ مِنَ الضَّوْءِ- وَ الذِّرَاعِ مِنَ الْعَضُدِ- وَ اللَّهِ لَوْ تَظَاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا- وَ لَوْ أَمْكَنَتِ الْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا لَسَارَعْتُ إِلَيْهَا- وَ سَأَجْهَدُ فِي أَنْ أُطَهِّرَ الْأَرْضَ مِنْ هَذَا الشَّخْصِ الْمَعْكُوسِ- وَ الْجِسْمِ الْمَرْكُوسِ-

حَتَّى تَخْرُجَ الْمَدَرَةُ مِنْ بَيْنِ حَبِّ الْحَصِيدِ إِلَيْكِ عَنِّي يَا دُنْيَا فَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ- قَدِ انْسَلَلْتُ مِنْ مَخَالِبِكِ- وَ أَفْلَتُّ مِنْ حَبَائِلِكِ- وَ اجْتَنَبْتُ الذَّهَابَ فِي مَدَاحِضِكِ- أَيْنَ الْقُرُونُ الَّذِينَ غَرَرْتِهِمْ بِمَدَاعِبِكِ- أَيْنَ الْأُمَمُ الَّذِينَ فَتَنْتِهِمْ بِزَخَارِفِكِ- فَهَا هُمْ رَهَائِنُ الْقُبُورِ وَ مَضَامِينُ اللُّحُودِ- وَ اللَّهِ لَوْ كُنْتِ شَخْصاً مَرْئِيّاً وَ قَالَباً حِسِّيّاً- لَأَقَمْتُ عَلَيْكِ حُدُودَ اللَّهِ فِي عِبَادٍ غَرَرْتِهِمْ بِالْأَمَانِيِّ- وَ أُمَمٍ أَلْقَيْتِهِمْ فِي الْمَهَاوِي- وَ مُلُوكٍ أَسْلَمْتِهِمْ إِلَى التَّلَفِ- وَ أَوْرَدْتِهِمْ مَوَارِدَ الْبَلَاءِ إِذْ لَا وِرْدَ وَ لَا صَدَرَ- هَيْهَاتَ مَنْ وَطِئَ دَحْضَكِ زَلِقَ- وَ مَنْ رَكِبَ لُجَجَكِ غَرِقَ- وَ مَنِ ازْوَرَّ عَنْ حَبَائِلِكِ وُفِّقَ- وَ السَّالِمُ مِنْكِ لَا يُبَالِي إِنْ ضَاقَ بِهِ مُنَاخُهُ- وَ الدُّنْيَا عِنْدَهُ كَيَوْمٍ حَانَ انْسِلَاخُهُ اعْزُبِي عَنِّي فَوَاللَّهِ لَا أَذِلُّ لَكِ فَتَسْتَذِلِّينِي- وَ لَا أَسْلَسُ لَكِ فَتَقُودِينِي- وَ ايْمُ اللَّهِ يَمِيناً أَسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ- لَأَرُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةً تَهِشُّ مَعَهَا إِلَى الْقُرْصِ- إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ مَطْعُوماً- وَ تَقْنَعُ بِالْمِلْحِ مَأْدُوماً- وَ لَأَدَعَنَّ مُقْلَتِي كَعَيْنِ مَاءٍ نَضَبَ مَعِينُهَا- مُسْتَفْرِغَةً دُمُوعَهَا- أَ تَمْتَلِئُ السَّائِمَةُ مِنْ رِعْيِهَا فَتَبْرُكَ- وَ تَشْبَعُ الرَّبِيضَةُ مِنْ عُشْبِهَا فَتَرْبِضَ- وَ يَأْكُلُ عَلِيٌّ مِنْ زَادِهِ فَيَهْجَعَ- قَرَّتْ إِذاً عَيْنُهُ إِذَا اقْتَدَى بَعْدَ السِّنِينَ الْمُتَطَاوِلَةِ- بِالْبَهِيمَةِ الْهَامِلَةِ وَ السَّائِمَةِ الْمَرْعِيَّةِ- طُوبَى لِنَفْسٍ أَدَّتْ إِلَى رَبِّهَا فَرْضَهَا- وَ عَرَكَتْ بِجَنْبِهَا بُؤْسَهَا وَ هَجَرَتْ فِي اللَّيْلِ غُمْضَهَا- حَتَّى إِذَا غَلَبَ الْكَرَى عَلَيْهَا افْتَرَشَتْ أَرْضَهَا- وَ تَوَسَّدَتْ كَفَّهَا- فِي مَعْشَرٍ أَسْهَرَ عُيُونَهُمْ خَوْفُ مَعَادِهِمْ- وَ تَجَافَتْ عَنْ مَضَاجِعِهِمْ جُنُوبُهُمْ- وَ هَمْهَمَتْ بِذِكْرِ رَبِّهِمْ شِفَاهُهُمْ- وَ تَقَشَّعَتْ بِطُولِ اسْتِغْفَارِهِمْ ذُنُوبُهُمْ- أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- فَاتَّقِ اللَّهَ يَا ابْنَ حُنَيْفٍ وَ لْتَكْفُفْ أَقْرَاصُكَ- لِيَكُونَ مِنَ النَّارِ خَلَاصُكَ«»

اللغة

أقول: المأدبة بالضمّ: الطعام يدعى إليه. و العائل: الفقير. و القضم: الأكل بأدنى الفم. و الطمر: الثوب الخلق. و الوفر: المال الكثير. و فدك: اسم قرية كانت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. و الجدث: القبر. و أضغطها: ضيّقها. و القمح: الحنطة. و النسائج: جمع نسجة بمعنى منسوجة. و الجشع. أشدّ الحرص على الطعام. و المبطان: عظيم البطن لكثرة الأكل. و غرثى: جايعة. و البطنة: الكظّة و هي الامتلاء من الطعام و التقمّم: تتبّع القمامة و هي الكناسة. و تكترش: تملأ كرشها. و اسدى: الملقى المهمل. و الروائع: الأشجار الّتي تروع بنضارتها. و البدويّة: النباتات الّتي لا يسقيها إلّا ماء المطر. و المركوس: المردود مقلوبا كالمنكوس. و المداحض: المزالق، و ازورّ أخذ جانبا. و اعزبي. ابعدي. يقال: عزب الرجل- بالفتح- : إذا بعد. و سلس الرجل يسلس بكسر اللام في المستقبل: سهل قياده. و الرياضة: التأديب و التعويد. و الربيضة: الجماعة الرابضة من الغنم. و تجافت: أي بانت و ارتفعت. و الهمهمة: الصوت الخفيّ.

و في الكتاب مقاصد:

الأوّل: أشار إلى ما يريد عتابه عليه
و هو إجابته إلى المأدبة مسرعا يستطاب له الألوان و تنقل إليه الجفان، و أعلمه أنّه بلغه ذلك مقرّرا له ليحسن توبيخه، و ذلك في قوله: أمّا بعد. إلى قوله: الجفان.

الثاني: أشار على وجه المعاتبة إلى تخطئته في ذلك
بقوله: و ما ظننت أنّك إلى كذا: أى كان ظنّي فيك من الورع أنّك تنزّه نفسك عن الإجابة إلى طعام قوم لا يلتفتون إلى فقرائهم، و يقصرون الدعوة و الكرامة على أغنيائهم و امرائهم، و وجه الخطاء في إجابة داعي هؤلاء أنّ تخصيصهم الأغنياء دون الفقراء بالكرامة و الدعوة دليل واضح على أنّهم إنّما يريدون بذلك الدنيا و السمعة و الرئاء دون وجه اللّه تعالى، و من كان كذلك فإجابته موافقة له على ذلك و رضى بفعله، و ذلك خطاء كبير خصوصا من أمراء الدين المتمكّنين من إنكار المنكرات.

الثالث: أمره أن يحترز فيما يتّفق له أن يقع فيه من ذلك
بالنظر إلى ما يحضر من الطعام فما وجد فيه شبهة حرام و لم يحقّق حاله فليتركه، و ما تيقّن حلّه و طيب وجه اكتسابه ببراءة عن الشبهة فينال منه، و كنّى عنه بالمقضم تحقيرا له و تقليلا، و يفهم منه بحسب التأديب الأوّل أنّ التنزّه عن هذا المباح أفضل له من تناوله.

الرابع: نبّهه بعد ذلك بقوله: ألا و إنّ. إلى قوله: علمه. على أنّ له إماما يجب أن يقتدى به
و هو تمثيل في قوّة قياس كامل حذفت صغراه. فأصل التمثيل مطلق الإمام و المأموم، و علّته كونهما إماما و مأموما، و فرعه هو عليه السّلام و عامله، و حكمه وجوب الاقتداء. و تقدير القياس: أنّك مأموم لإمام، و كلّ مأموم لإمام فيجب عليه أن يقتدي بإمامه، ينتج أنّه يجب عليك أن تقتدي بإمامك و يستضي‏ء بنور علمه.

الخامس: أردف ذلك بالبيّنة على ما يجب أن يقتدي به فيه من حاله في دنياه

و هو اكتفاؤه من ملبوسها بما يستر بدنه من طمريه: و من مطعومها بما يسدّ به فورة جوعه من قرصيه غير ملتفت فيما لبسه إلى زينته فإنّ طمريه كانا عمامة و مدرعة قد استحيا من راقعها، و لا مكترث فيما طعمه بلذّة و طيب فإنّ قرصيه كانا من شعير غير منخول واحد بالغداة واحد بالعشيّ.

السادس: نبّه أصحابه على أنّ رياضته تلك لا يستطاع لهم
فإنّها قوّة مشروطة باستعداد لم يصلوا إليه. ثمّ أمرهم إذ كانت الحال كذلك أن يقصروا فى معونته على أنفسهم و رياضته بالورع، و أراد به هنا الكفّ عن المحارم ثمّ بالاجتهاد في الطاعة، و يحتمل أن يريد بالورع لزوم الأعمال الجميلة. ثمّ الاجتهاد فيها.

السابع: نبّه بالقسم البارّ على ردّ ما عساه يعرض لبعض الأذهان الفاسدة في حقّه عليه السّلام أنّ زهده في الدنيا مشوب برياء و سمعة
و أنّ وراءه محبّتها و جمعها و ادّخارها خصوصا و هو إمام الوقت و خليفة الأرض فعدّد أنواع ما أفاء اللّه على المسلمين منها ثمّ أقسم أنّه لم يأخذ منه إلّا قوته، و شبّهه في القلّة و الحقارة بقوت الأتان الدبرة، و خصّها لأنّ ضعفها بالدبر و شغلها بألمه يقلّل قوتها. ثمّ بالغ فى وصف حقارة دنياهم عنده فأخبر أنّها في نظره و اعتباره أهون من عفصة مقرة، و ظاهر أنّ من كان كذلك كيف يتصوّر محبّته للدنيا و عمله لها.

الثامن: أنّه لمّا قال فيما أقسم عليه من الدنيا: و لا حزت من أرضها شبرا.
استثنى من ذلك فدك
بقوله: بلى قد كانت لنا فدك من كلّ ما أظلّته السماء. و ذكرها في معرض حكاية حاله و حال القوم معه على سبيل التشكّي و التظلّم ممن أخذها منهم إلى اللّه سبحانه و تسليم الأمر له و الرضا بكونه حكما. و اعلم أنّ فدك كانت خاصّة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ذلك أنّه لمّا فرغ من أمر خيبر قذف اللّه في قلوب أهل فدك الرعب فبعثوا إليه صلّى اللّه عليه و آله يصالحونه على النصف فقبل ذلك منهم فكانت له خاصّة إذ لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، و روى أنّه صالحهم على كلّها. ثمّ المشهور بين الشيعة و المتّفق عليه عندهم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أعطاها فاطمة عليها السّلام، و رووا ذلك من طرق مختلفة: منها عن أبي سعيد الخدري قال:

لمّا أنزلت وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ أعطى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فاطمة عليها السّلام فدك فلمّا تولّى ابو بكر الخلافة عزم على أخذها منها. فأرسلت إليه تطالبه بميراثها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و تقول: إنّه أعطاني فدكا في حياته و استشهدت على ذلك عليّا عليه السّلام و أمّ أيمن فشهدا لها بها. فأجابها عن الميراث بخبر رواه هو: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث فما تركناه فهو صدقة، و عن دعوى فدك أنّها لم تكن للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و إنّما كانت مالا للمسلمين في يده يحمل به الرجال و ينفقه في سبيل اللّه و أنا أليه كما كان يليه.

فلمّا بلغها ذلك لاثت خمارها و أقبلت في لمّة من حفدتها و نساء قومها تطأ في ذيولها حتّى دخلت عليه و معه جلّ المهاجرين و الأنصار فضربت بينها و بينهم قطيفة. ثمّ أنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء. ثمّ أمهلت طويلا حتّى سكتوا من فورتهم«» و قالت: أبتدء بحمد من هو أولى بالحمد و الطول و المجد الحمد للّه على ما أنعم و له الشكر بما ألهم. ثمّ خطبت خطبة طويلة قالت في آخرها: فاتّقوا اللّه حقّ تقاته و أطيعوه فيما أمركم فإنّما يخشى اللّه من عباده العلماء، و احمدوا اللّه الّذي بعظمته و نوره يبتغى من في السماوات و من في الأرض إليه الوسيلة، و نحن وسيلته في خلقه، و نحن خاصّته و محلّ قدسه، و نحن حجّته في غيبه، و نحن ورثة أنبيائه.

ثمّ قالت أنا فاطمة بنت محمّد. أقول عودا على بدء ما أقول ذلك شرفا و لا شططا فاسمعوا بأسماع واعية. ثمّ قالت: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. فإن تعزوه تجدوه أبى دون آبائكم و أخا ابن عمّى دون رجالكم. ثمّ قالت: ثمّ أنتم تزعمون أن لا إرث لأبى أ فحكم الجاهلية تبغون و من أحسن من اللّه حكما لقوم يوقنون ايها معشر الملّة. أفى كتاب اللّه أن ترث يا ابن أبي قحافة أباك و لا أرث أبى لقد جئت شيئا فريّا فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم اللّه و الزعيم محمّد و الموعد القيامة، و عندالساعة يخسر المبطلون، و لكلّ نبأ مستقرّ و سوف تعلمون من يأتيه عذاب مقيم قال: ثمّ التفتت إلى قبر أبيها فتمثّلت بقول هند بنت أمامة:
قد كان بعدك أنباء و هنبثة لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏
أبدت رجال لنا نجوى صدورهم‏
لمّا قضيت و حالت دونك الترب‏
تجهّمتنا رجال و استخفّ بنا إذ غبت عنّا فنحن اليوم مغتصب‏

قال فلم ير الناس أكثر باكيا و باكية منهم يومئذ. ثمّ عدلت إلى مسجد الأنصار، و قالت: يا معشر الأنصار و أعضاد الملّة و حضنة الإسلام ما هذه الفترة عن نصرتى و الونية عن معونتي و الغميزة في حقّى و السنة عن ظلامتي أمّا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: المرء يحفظ في ولده. سرعان ما أحدثتم، و عجلان ما آتيتم ألأن مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أمتّم دينه. ها إنّ موته لعمرى خطب جليل استوسع وهيه و استنهر فتقه، و فقد راتقه، و أظلمت الأرض له، و خشعت الجبال، و أكدت الآمال. اضيع بعده الحريم و هتكت الحرمة و أزيلت المصونة، و تلك نازلة أعلن بها كتاب اللّه قبل موته و أنبأكم بها قبل وفاته فقال: و ما محمّد إلّا رسول قد خلت من قبله الرسل أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم و من ينقلب على عقبيه فلن يضرّ اللّه شيئا و سيجزي اللّه الشاكرين. ايها بنى قبيلة أ اهضم تراث أبى و أنتم بمرأى و مسمع تبلغكم الدعوة و تشملكم الصوت، و فيكم العدّة و العدد، و لكم الدار و الجنن، و أنتم نجبة اللّه الّتى انتجت، و خيرة اللّه الّتي اختار. فاديتم العرب، و ناطحتم الامم، و كافحتم البهم حتّى دارت بكم رحى الإسلام، و درّ حلبه و خبت نيران الحرب، و سكنت فورة الشرك، و هدأت دعوة الهرج، و استوثق نظام الدين. أفتأخّرتم بعد الإقدام، و جبنتم بعد الشجاعة عن قوم نكثوا أيمانهم من بعد إيمانهم و طعنوا في دينكم. فقاتلوا أئمّة الكفر إنّهم لا أيمان لهم لعلّهم ينتهون.

ألا و قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض و ركنتم إلى الدعة و جحدتم الدين و وسّعتم الّذي سوّغتم. و إن تكفروا أنتم و من في الأرض جميعا فإنّ اللّه غنىّ حميد. ألا و قد قلت ما قلت على معرفة منّى بالخذلة الّتي خامرتكم و خور القنا و ضعف اليقين فدونكموها فاحتبقوها مدبرة الظهور ناقبة الخفّ‏ باقية العار موسومة الشنار موصولة بنار اللّه الموقدة الّتى تطّلع على الأفئدة فبعين اللّه ما تعملون. و سيعلم الذين ظلموا أىّ منقلب ينقلبون. ثمّ رجعت إلى بيتها و أقسمت أن لا تكلّم أبا بكر و لتدعونّ اللّه عليه، و لم تزل كذلك حتّى حضرتها الوفاة فأوصت أن لا يصلّى عليها فصلّى عليها العبّاس و دفنت ليلا، و روي أنّه لمّا سمع كلامها أحمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على رسوله، ثمّ قال: يا خيرة النساء و ابنة خير الآباء و اللّه ما عدوت رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لا عملت إلّا بأمره، و إنّ الرائد لا يكذب أهله قد قلت فأبلغت و أغلظت فأهجرت فغفر اللّه لنا و لك أمّا بعد فقد دفعت ألّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و دابّته و حذاه إلى علىّ عليه السّلام، و أمّا ما سوى ذلك فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث ذهبا و لا فضّة و لا أرضا و لا عقارا و لا دارا و لكنّا نورّث الإيمان و الحكمة و العلم و السنّة، و قد عملت بما أمرنى و سمعت. فقالت: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد وهبها لي. قال: فمن يشهد بذلك. فجاء عليّ بن أبي طالب و أمّ أيمن فشهدا لها بذلك فجاء عمر بن الخطاب و عبد الرحمن بن عوف فشهدا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقسّمها. فقال: أبو بكر صدقت يا ابنة رسول اللّه و صدق علىّ و صدقت أمّ أيمن و صدق عمر و صدق عبد الرحمن، و ذلك أنّ لك ما لأبيك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يأخذ من فدك قوتكم و يقسّم الباقى و يحمل منه في سبيل اللّه، و لك على اللّه أن أصنع بها كما كان يصنع. فرضيت بذلك و أخذت العهد عليه به. و كان يأخذ غلّتها فيدفع إليهم منها ما يكفيهم. ثمّ فعلت الخلفاء بعده كذلك إلى أن ولّى معاوية فأقطع مروان ثلثها بعد الحسن عليه السّلام. ثمّ خلصت له في خلافته و تداولها أولاده إلى أن انتهت إلى عمر بن عبد العزيز فردّها في خلافته على أولاد فاطمة عليها السّلام قالت الشيعه: فكانت أوّل ظلامة ردّها. و قالت السنّة: بل استخلصها في ملكه ثمّ وهبها لهم. ثمّ اخذت منهم بعده إلى أن انقضت دولة بني أميّة فردّها عليهم أبو العبّاس السفّاح. ثمّ قبضها المنصور. فردّها ابنه المهدى. ثمّ قبضها ولداه موسى و هرون. فلم يزل في أيدى بنى العبّاس إلى زمن المأمون فردّها إليهم و بقبت إلى عهد المتوكّل فأقطعها عبد اللّه بن عمر البازيار، و روى أنّه كان فيها إحدى عشرة نخلة غرسها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بيده فكانت بنو فاطمة يهدون ثمرها إلى الحاجّ فيصلونهم عن ذلك بمال جليل فبعث البازيار رجلا فصرمها و عاد إلى البصرة ففلج، و في هذه القصّة خبط كثير بين الشيعة و مخالفيهم، و لكلّ من الفريقين كلام طويل. و لنرجع إلى المتن.

فنقول: أشار بالنفوس الّتي شحّت بها إلى أبي بكر و عمر و أتباعهما، و بالنفوس الّتي سمحت بها إلى وجوه بنى هاشم و من مال ميلهم.

التاسع: استفهم عمّا يصنع بفدك و غيرها من القينات الدنيويّة
استفهام إنكار لوجه حاجته إليها تسلية لنفسه عنها و جذبا له عن الدنيا إلى الأعمال الصالحة بذكر غاية النفوس منها، و هي صيرورتها إلى الجدث، و لوازم تلك الغاية من انقطاع الآثار و غيبة الأخبار فيها و ساير ما عدّده من صفات الجدث، و إنّما عدّد هذه الأمور لأنّ الأوهام تنفر عنها و تخشع القلوب لذكرها. فتفزع إلى اللّه تعالى و يجذب إلى الأعمال الصالحة الّتي بها الخلاص من أهوال الموت و ما بعده.
و الواو في قوله: و النفس. للحال.

العاشر: لمّا نبّه على أنّ فدك و غيرها من قينات الدنيا لا حاجة إليها
أشار إلى حصر حاجته و غايته لنفسه و هى رياضتها بالتقوى، و الضمير كهو في قوله فيما سبق: و إنّما هى الكوفة. و التقدير: و إنّما همّتى و حاجتى رياضة نفسى بالتقوى.
و اعلم أنّ رياضة النفس تعود إلى نهيها عن هواها و أمرها بطاعة مولاها و هى مأخوذة من رياضة البهيمة و هى منعها عن الإقدام على حركات غير صالحة لصاحبها و لا موافقة لمراده، و تمرينها على ما يوافق مراده من الحركات، و القوّة الحيوانيّة الّتى هى مبدأ الإدراكات و الأفاعيل الحيوانيّة في الإنسان إذا لم يكن لها طاعة القوّة العاقلة ملكة كانت بمنزلة بهيمة لم ترض فهى تتبع الشهوة تارة و الغضب اخرى، و غالب أحوالها أن تخرج في حركاتها عن العدل إلى أحد طرفى الإفراط و التفريط بحسب الدواعى المختلفة المتخيّلة و المتوهّمة و يستخدم القوّة العاقلة في تحصيل مراداتها فتكون هى أمّارة و العاقلة مؤتمرة لها. أمّا إذا راضتها القوّة العاقلة و منعتها عن‏ التخيّلات و التوهّمات و الإحساسات و الأفاعيل المثيرة للشهوة و الغضب و مرّنتها على ما يقتضيه العقل العمليّ و أدّبتها على طاعته بحيث يأتمر بأمرها و ينتهى لها كانت العقليّة مطمئنّة لا تفعل أفعالا مختلفة المبادي و كانت باقى القوى مؤتمرة

مسالمة لها. إذا عرفت ذلك فنقول: لمّا كان الغرض الأقصى من الرياضة إنّما هو نيل الكمال الحقيقىّ، و كان ذلك موقوفا على الاستعداد له، و كان حصول ذلك الاستعداد موقوفا على زوال الموانع الخارجيّة و الداخليّة كان للرياضة أغراض ثلاثة: أحدها: حذف كلّ محبوب و مرغوب عدا الحقّ الأوّل سبحانه عن درجة الاعتبار و مستنّ الايثار. و هى الموانع الخارجيّة. و الثاني: تطويع النفس الأمّارة للنفس المطمئنّة ليجذب التخيّل و التوهّم عن الجانب السفلى إلى العلوى و يتبعهما ساير القوى فيزول الدواعى الحيوانيّة المذكورة. و هى الموانع الداخليّة. الثالث: بعث السرّ و توجيهه إلى الجنّة العالية لتلقّى السوانح الإلهيّة و تهيّئه لقبولها. و يعين على الغرض الأوّل الزهد الحقيقى و هي الإعراض عن متاع الدنيا و طيّباتها بالقلب، و على الثاني العبادة المشفوعة بالفكر في ملكوت السماوات و الأرض و ما خلق اللّه من شي‏ء و عظمة الخالق سبحانه و الأعمال الصالحة المنويّة لوجهه خالصا. و عبّر عليه السّلام بالتقوى الّتي روّض بها نفسه عن هذه الامور المعيّنة و الأسباب المعدّة، و نبّه على غرضه الأقصى من الرياضة و هو الكمال الحقيقى و اللذّة به بذكر بعض لوازمه و هى أن يأتي نفسه آمنة من الفزع يوم الخوف الأكبر و هو يوم القيامة، و أن يثبت على جوانب المزلق و هو الصراط المستقيم فلا تميل به الدواعي المختلفة عنه إلى أبواب جهنّم و مهاوى الهلاك. و استعار لفظ المزالق: لمظانّ زلل أقدام العقول في الطريق إلى اللّه و جذب الميول الشهويّة و الغضبيّة عنها إلى الرذائل الموبقة.

الحادي عشر: نبّه على أنّ زهده في الدنيا و اقتصاره منها
على الطمرين و القرصين‏ و ترك ما سوى ذلك ليس عن عجزه عن تحصيل طيّبات مطعوماتها و ملبوساتها، و أنّه لو شاء لاهتدى إلى تحصيل تلك الطيّبات و لباب القمح و مصفّى العسل لأنّ الهريسة و العسل من أشهر الطيّبات بمكّة و الحجاز، و إنّما تركه مع القدرة عليه رياضة لنفسه و إعدادا لها لتحصيل الكمالات الباقية. و استثنى هنا نقيض الملزوم و هو عدم غلبة هواه لعقله و عدم قود جشعه له إلى تخيّر الأطعمة، و نبّه عن ذلك العدم بقوله: هيهات. فإنّ ما استبعد وقوعه من نفسه و أنكره فقد نفاه عنها و حكم بعدمه.

و أمّا أنّ ذلك العدم هو نقيض الملزوم بعينه فلأنّ الملزوم هنا هو المشيئة لتخيّر الطيّبات و غلبة الهوى للعقل على مقتضى رأيه في تركها و التنزّه عنها وقود الشهوة له إلى الموافقة على استعمالها، و المستثنى هاهنا هو عدم ذلك بعينه، و أمّا جواز استثنائه لنقيض المقدّم فلأنّ مشيئة تلك شرط مسا و لتخيّر الطيّبات و الاهتداء إليها، و كان عدمه مستلزما لعدم مشروطه و أكثر استعمال لو في لغة العرب على وجه أنّ الملزوم علّة للازمه أو شرط مساو له، و يستثنى نقيض الملزوم. و الواو في قوله: و لعلّ. للحال: أى هيهات أن يغلبني هواى إلى تخيّر الأطعمة حال ما يحتمل أن يكون بالحجاز و اليمامة من هو بصفة كذا. و قوله: أو أبيت. عطف على يقودني داخل فيما استبعده من نفسه. و الواو في قوله: و حولي. للحال، و العامل أبيت، و كذلك قوله: أو أن أكون. عطف على أبيت، و هما لازمان من لوازم نتيجة القياس الاستثنائى فإنّ عدم إرادته لتخيّر الطيّبات لمّا استلزمه هنا عدم تناولها و استمتاعه بها استلزم ذلك أن لا يبيت مبطانا و حوله أكباد جائعة و أن لا يلحقه عار بذلك. و البيت تمثيل. غرضه التنفير عن العار اللازم عن الاستمتاع بالطيّبات مع وجود ذوى الحاجة إلى يسير الطعام، و نبّه على حسن هذه اللوازم بما قارن نقايضها من الأحوال المذكورة. و البيت لحاتم بن عبد اللّه الطائي من قطعة أوّلها:
أيا ابنة عبد اللّه و ابنة مالك و يا ابنة ذى البردين و الفرس النهد

إذا ما صنعت الزاد فالتمسى له أكيلا فإنّى لست آكله و حدى‏
قصيّا بعيدا أو قريبا فإنّني‏
أخاف إذا متّ الأحاديث من بعدى‏
كفى بك عارا أن تبيت ببطنة و حولك أكباد تحنّ إلى القدّ
و إنّي لعبد الضيف ما دام نازلا
و ما فيّ لولا هذه شيمة العبد

و يروى حسبك داء. و أطلق عليه اسم الداء باعتبار أنّه رذيلة تنفيرا عنه، و روى قوله: أو أبيت و قوله: أو أكون. مرفوعين، و الوجه فيه أن لا يكون أو حرف عطف بل تكون الهمزة للاستفهام. و الواو بعدها متحرّكة كالفاء في قوله «أ فأصفاكم ربّكم بالبين» و يكون استفهام إنكار لبيانه مبطانا و لكونه كما قال القائل، و كذلك الاستفهام في قوله: و أقنع من نفسي. في معرض الإنكار لرضاء نفسه بأن يدعى أمير المؤمنين و لا يشاركهم في مكاره الدهر و جشوبة المطعم. و الواو في قوله: و لا. للحال. و أو أكون عطف على اشاركهم في حكم النفى.

الثاني عشر: نبّه على بعض العلل الحاملة له على ترك الطيّبات و الزهد في الدنيا.
و هو كونه لم يخلق ليشغله أكل الطيّبات عمّا يراد منه، و ذلك في قوله: فما خلقت. إلى قوله: المتاهة، و نفّر عن الاشتغال بأكل الطيّبات بذكر ما يلزم المشتغل بذلك من مشابهة البهيمة، و أشار إلى وجه الشبه بقوله: همّها علفها. إلى قوله: يراد بها. و ذلك أنّ المشتغل بها إن كان غنيّا أشبه البهيمة المعلوفة في اهتمامه بما يعتلفه من طعامه الحاضر، و إن كان فقيرا كان اهتمامه بما يكسبه و يقمّمه من حطام الدنيا ثمّ تعليفه، و يملأ كرشه مع غفلته عمّا يراد منه كالسائمة الّتي همّها الاكتراش لقممه من الكناسات مع غفلتها عمّا يؤول إليه حالها و يراد بها من ذبح و استخدام، و استعار لفظ الحبل و جرّه، و كنّى بذلك عن الاهمال و الإرسال كما ترسل البهيمة.

الثالث عشر: أشار إلى بعض ما عساه يعرض للأذهان الضعيفة من الشبهة،
و هي اعتقاد ضعفه عن قتال الأقران بسبب ذلك القوت النزر، و ذلك بقوله: و كأنّي.
إلى قوله: الشجعان.
ثمّ نبّه على الجواب عن ذلك من خمسة أوجه:

الأوّل: التمثيل بالشجرة البريّة
قياس نفسه عليها في القوّة. فالأصل هو الشجرة البريّة، و الفرع هو عليه السّلام، و المشترك الجامع بينهما هو قلّة الغذاء و جشوبة المطعم كقلّة غذاء الشجرة البريّة و سوء رعيها، و الحكم عن ذلك هو صلابة أعضائه و قوّته كصلابة عود الشجرة البريّة و قوّتها. ذلك دافع للشبهة المذكورة.
الثاني: تمثيل خصومه و أقرانه كمعاوية بالروائع الخضرة
و هي الأصل في هذا التمثيل، و الفرع هو خصومه و أقرانه، و المشترك الجامع بينهما هو الخضرة و النضارة الحاصلة عن الترفّه و لين المطعم، و الحكم اللازم عن ذلك هو رقّة الجلود و لينها و الضعف عن المقاومة و قلّة الصبر على المنازلة و الميل إلى الدعة و الرفاهيّة، و الغرض أن يعلم كون أقرانه أضعف منه. فيندفع الشبهة.
الثالث: تمثيله بالنباتات العذية
و هو كتمثيله بالشجرة البرّيّة و الحكم هنا هو كونه أقوى على سعير نار الحرب و أصبر على وقدها و أبطأ فتورا فيها و خمودا كالنباتات العذية في النار.
الرابع: تمثيله نفسه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالضوء من الضوء.
و أصل هذا التمثيل هو الضوء من الضوء و فرعه نسبة نفسه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و علّته الجامعة هي كون علومه و كمالاته النفسانيّة المشرقة مستفادة و مقتبسة من مصباح علم النبوّة و كمالاتها كالمعلول من العلّة و المصباح من الشعلة.
الخامس: تمثيله منه صلّى اللّه عليه و آله بالذراع من العضد.
و الأصل فيه الذراع مع نسبته إلى العضد، و الفرع هو عليه السّلام منسوبا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و العلّة الجامعة هي قربه منه و قوّته به و كونه ظهيرا له و وسيلة إلى حصول مقصوده من تمام الدين و كماله، و كون الرسول صلّى اللّه عليه و آله أصلا في ذلك كقرب الذراع من العضد، و كون العضد أصلا له، و كون الذراع وسيلة إلى التصرّف و البطش بالعضد، و الحكم في هذين التمثيلين واحد و هو كونه عليه السّلام لا يضعف عن قتال الأقران و منازلة الشجعان، و وجه لزوم هذا الحكم عن المشترك الأوّل أنّه لمّا كانت علومه اليقينيّة و بصيرته في الدين يناسب بصيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ذلك أعظم أمر يشجّعه و يقوّيه على قتال الأقران حمية للدين، و كذلك عن المشترك الثاني.
ثمّ لمّا أثبت ذلك الحكم و نفى عنه الضعف المتوهّم فيه أكدّ ذلك بالقسم البارّ أنّه لو تعاونت العرب على قتاله لما ولّى عنها، و لو أمكنت الفرصة من رقابها يسارع إليها: أي حين القتال و استحقاقهم للقتل بعداوتهم للدين و قبح العفو عنهم ملاحظة تشبّهه برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في ذلك في مبدء الإسلام فإنّه لم يكن ليضع العفو إلّا في موضعه، و روي أنّه قتل في يوم واحد ألف إنسان صبرا في مقام واحد لما رأى في ذلك من مصلحة الدين.

الرابع عشر: تواعد أن يجتهد في تطهير الأرض من هذا الشخص المعكوس و الجسم المركوس
و أراد معاوية، و إنّما قال: شخصا و جسما ترجيحا لجانب البدن على النفس باعتبار عنايته بكمال بدنه دون كمال نفسه فكأنّه جسم و شخص فقط، و أشار بكونه معكوسا و مركوسا إلى التفاته عن الجنبة العالية و انتكاسه عن تلقّى الكمالات الروحانيّة إلى الجنبة السافلة و ارتكاسه في الدنيا و انعكاس وجه عقله إلى تحصيلها لذاتها و الاعتناء بجمعها [بجميعها خ‏] فإن غرض العناية الإلهيّة من خلق الإنسان أن يترقّى في مدارج الكمال بعد حفظ فطرته الأصليّة عن الدنس برذائل الأخلاق فإذا جذبته دواعى الأمّارة إلى الدنيا و غرّته بحبّها حتّى التفت إليها لم يزل ينحطّ في دركات محبّتها و بحسب ذلك يكون انتكاسه عن مراتب الكمال و ارتكاسه في الرذائل و مهاوى الضلال، و تقيّده فيها بالسلاسل و الأغلال. و قوله: حتّى تخرج المدرة من بين حبّ الحصيد. إشعار لفظ المدرة لمعاوية و حبّ الحصيد للمؤمنين، و وجه المشابهة أنّه مخلص المؤمنين من وجود معاوية بينهم ليزكوا إيمانهم و يستقيم دينهم. إذ كان وجوده فيهم سببا عظيما لفساد عقائدهم و هلاك دينهم كما يفعل أهل البيادر من تصفية الغلال و إخراج ما يشوبها و يفسدها من المدر و غيره. و قال الشارح عبد الحميد بن أبي- الحديد كما أنّ الزرّاع يجتهدون في إخراج المدر و الحجر و الشوك و نحوه من بين الزرع كيلا يفسد منابته فيفسد ثمرته. و فيه نظر لأنّه لا معنى لإخراج الطين من‏ الزرع، و لأنّ لفظ حبّ الحصيد لا يفهم منه ذلك.

الخامس عشر: تمثّل الدنيا بصورة من يعقل
و خاطبها بخطاب العقلاء ليكون ذلك أوقع في النفوس لغرابته. ثمّ أمرها بالتنحّى و البعد عنه كالمطلّق لها. و حبلك على غاربك كناية عن الطلاق تمثيل. و أصله: أنّ الناقة إذا أريد إهمالها لترعى وضع حبلها على غاربها فضرب مثلا لكلّ من اهمل و اطلق عن الحكم. ثمّ جعلها ذات مخالب استعارة بالكناية عن كونها كالأسد في جذبها للإنسان بما فيها من الشهوات و القينات إلى الهلاك الأبد كما يجرّ الأسد فريسته، و كذلك جعلها ذات حبائل، و كنّى بهذا الوصف المستعار عن كونها تصيد قلوب الرجال بشهواتها الوهميّة فهي لها كحبائل الصايد، و استعار لفظ مداحضها لشهواتها و ملذّاتها أيضا باعتبار كونها مزالق أقدام العقول عن طريق اللّه و مصارع لها، و عبّر بجميع ذلك عن زهده فيها و إبعادها فيها عن نفسه. ثمّ أخذ في سؤالها عن القوم الّذين غرّتهم بمداعبها و الامم الّذين فتنتهم بزخارفها سؤالا على سبيل التوبيخ لها و الذمّ على فعلها ذلك بهم في معرض التنفير عنها، و هو من قبيل تجاهل العارف، و استعار لها لفظ المداعب جمع مدعبة بمعنى دعابة، و وجه المشابهة أنّها عند صفاء لذّاتها للخلق و اغترارهم بها ثمّ كرّها عليهم بعد ذلك بالأمر الجدّ يشبه من يمزح مع غيره و ينبسط معه بالأقوال و الأفعال الليّنة ليغترّ به ثمّ يأتيه بعد ذلك بالأمر الجدّ فيؤذيه أو يهلكه، و إنّما نسب الغرور إليها لكونها سببا مادّيا لذلك. و في نسخة الرضي- رحمه اللّه- غرّرتيهم بإثبات الياء، و وجهه أنّها حدثت من إشباع الكسرة.

السادس عشر: أشار إلى غايتهم الّتى صاروا إليها
و هي كونهم رهائن القبور و مضامين اللحود، و نبّه في ذلك على أنّ غرورهم و فتنتهم بما لم يخلصهم من هذه الغاية كلّ ذلك الغرض التنفير عنها. و ها للتنبيه، و استعار لفظ الرهائن لهم عتبار كونهم موثّقين في القبور بأعمالهم كالرهن، و يحتمل أن‏ يكون حقيقة، و يكون رهينة بمعنى راهنة و هى الأشخاص المقيمة بقبورها.

السابع عشر: أقسم أنّها لو كانت شخصا مرئيّا و قالبا حسّيّا
لأقام عليها حدود اللّه في عباد غرّتهم بالأمانيّ و أوردتهم موارد البلاء حيث لا ورد و لا صدر: أي أنّ تلك الموارد ليس من شأنها أن يكون إليها ورود و عنها صدر. ثمّ لمّا كان في هذا الخطاب كالمعلم لها أنّه قد اطّلع على خداعها و غرورها قال كالمؤيس لها من نفسه هيهات: أي بعد اغترارى بك و ركوني إليك. ثمّ نبّه على بعض العلل الحاملة على على البعد عنها و النفرة عن قربها و هي ما يلزم وطى‏ء دحضها من الزلق، و ركوب لججها من الغرق، و الازورار عن حبائلها من التوفيق للسلامة، و ما يلزم السالم منها من عدم مبالاته بضيق مناخه، و كلّ مناخ أناخ به من فقر و سجن و مرض و بلاء بعد السلامة منها فهو فسيح رحب بالقياس إلى ما يستلزم التفسّح فى سعتها و الجرى فى في ميادين شهواتها من العذاب الأليم في الآخرة، و هى عنده في القصر و عدم الالتفات إليها كيوم حان انسلاخه. و ألفاظ المداحض و اللجج و الحبال مستعار لشهواتها و لذّاتها.

فالأوّل: باعتبار كون شهواتها مظنّة أن تحبّ فينجرّ الإنسان عند استعمالها إلى الاستكثار منها أو تجاوز القدر المعتدل إلى المحرّم فتزّل قدم نفسه عن صراط اللّه فيقع في مهاوى الهلاك و المئاثم. و الثاني: باعتبار أنّ مطالبها و الآمال فيها غير متناهيه فمن لوازم المشتغل بها و المنهمك فى الدنيا أن يغرق نفسه فى بهر لا ساحل له منها فينقطع عن قبول رحمة الله الى الهلاك الابدى كالملقى نفسه فى بحر لجى. الثالث: باعتبار أن الانسان إذا اغترّ بها و حصل في محبّة مشتهياتها عاقته عن النهوض و التخلّص إلى جناب اللّه و منعته أن يطير بجناحي قوّته العقليّة في حضرة قدس اللّه و منازل أوليائه الأبرار كما تعوق حبائل الصائد جناح الطائر. و لفظ الوطى و الركوب و الزلق و الغرق ترشيح. ثمّ كرّر الأمر لها بالبعد عنه و أقسم أنّه لا يذلّ لها فيستذلّه و لا يسلس لها قياده فيقوده، و فيه تنبيه على أنّها لا يذلّ فيها إلّا من أذلّ نفسه و عبّدها لها و لا يملك إلّا قياد من أسلس لها قياده و هو ظاهر. إذ الإنسان ما دام قامعا لقوّته الحيوانيّة مصرفا لها بزمام عقله فإنّه من المحال أن‏ يذلّه الدنيا و يستعبده أهلها و مهما اتّبع شهوته فيما تمثّل إليه فإنّها تذلّه أشدّ إذلال و تستعبده أقوى استعباد كما قال عليه السّلام: عبد الشهوة أذلّ من عبد الرق. و استعار وصف إسلاس القياد للتسهيل في متابعة النفس العاقلة للنفس الأمّارة و عدم التشدّد في ضبطها باستعمال العقل عن متابعتها.

الثامن عشر: أقسم ليوقّعن ما صمّم عزمه عليه
و هو بصدده من رياضة نفسه. و وصف تلك الرياضة في قوّتها باستلزام أمرين: أحدهما: كون نفسه يهشّ معها إلى القرص و ترضى به إذا قدرت عليه مطعوما و تقنع بالملح مأدوما. و تلك رياضة القوّة الشهويّة، و لمّا كانت عدوّا للنفس و أكثر الفساد يلحق بسبها خصّها بالذكر و قوّة العزم، و يحتمل أن يريد رياضة جميع القوى و إنّما وصفها بكون النفس تهش معها إلى القرص لأنّ ضبط الشهوة أعظم من ضبط سائر القوى و أصعب و كانت الإشارة إلى ضبطها إلى الحدّ المذكور أبلغ في وصف الرياضة بالشدّة، و استثنى في يمينه بمشيئة اللّه أدبا لقوله تعالى وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ«» و تنبيها على استناد جميع الامور في سلسلة الحاجة إلى اللّه تعالى. الثاني: كونه يدع مقلته في تلك الرياضة كعين ماء نضب ماؤها، و وجه الشبه أن يفنى دموعها و يستفرغها بالبكاء شوقا إلى الملأ الأعلى و ما اعدّ لأولياء اللّه من السعادة الأبديّة و خوفا من حرمانها. و من كان في مقام الغربة و محلّ الوحشة كيف لا يشتاق إلى وطنه الأصليّ و مقام انسه الأوّلىّ. و مطعوما و مأدوما و مستفرغة أحوال. ثمّ أخذ في تمثيل نفسه بالسائمة و الربيضة على تقدير أن يرضى بمثل حالهما و غايتهما من الدنيا في معرض الإنكار لذلك الرضا من نفسه، و الأصل في ذلك التمثيل البهيمة، و الفرع هو عليه السّلام، و المشترك الجامع هو الرعى و الشبع و البروك و النوم و الراحة. و لمّا كان الأصل المقيس عليه في غاية من الخسّة بالقياس إلى‏ الإنسان الكامل استلزم ذلك التشبيه به قوّة النفرة عمّا يستلزم التشبيه من الصفات. و قوله: قرّت إذن عينه. إخبار في معرض الإنكار و الاستهزاء باللذّة كقوله تعالى ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ«»،

التاسع عشر: نبّه على أنّ النفس إذا كانت بالصفات المذكورة فلها استحقاق طوبى.
و جمع في تلك الصفات أكثر مكارم الأخلاق: فالاولى: القيام بواجب طاعة اللّه و ما افترضه عليها. الثانية: قوله: و عركت بجنبها بؤسها. كناية عن الصبر على نزول المصائب.
يقال: عرك فلان بجنبه الأذى، إذا أغضى عمّن يؤذيه و صبر على فعله به. و يلازم ذلك عدّة فضائل كالحلم و الكرم و العفو و الصفح و التجاوز و كظم الغيظ و احتمال المكروه و العفّة و نحوها. الثالثة: أن تهجر بالليل غمضها، و هو كناية عن إحياء ليلها بعبادة ربّها و اشتغالها بذكره حتّى إذا غلب النوم عليها افترشت أرضها و توسّدت كفّها: أى لم يكن لها كلفة في تهيّة فراش و طيب و ساد بل كانت بريّة عن كلّ كلفة عريّة عن كلّ قينة منزّهة عن كلّ ترفة. و قوله: في معشر. يصلح تعلّقه بكلّ من أفعال النفس المذكورة: أى فعلت هذه الأفعال في جملة معشر من شأنهم كذا. و عرّفهم بصفات أربع: أحدها: كونهم أسهر عيونهم خوف معادهم. الثاني: و تجافت جنوبهم من مضاجعهم. و هو كناية عن اشتغالهم ليلا بعبادة ربّهم كقوله تعالى تَتَجافى‏ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ«». الثالث: و همهمت بذكر ربّهم شفاهم كقوله تعالى يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً«».الرابع: و تقشّعت بطول استغفارهم ذنوبهم، و هو لازم عن الثلاثة الاولى أو ثمرة لها، و استعار لفظ التقشّع لانمحاء ذنوبهم، و وجه المشابهة أنّ الذنوب و الهيئات البدنيّة في تسويدها لألواح النفوس و تغطيتها و حجبها لها عن قبول أنوار اللّه يشبه المتراكم الحاجب لوجه الأرض عن قبول نور الشمس و الاستعداد بها للنبات و غيره فاستعار لزوالها و انمحائها من ألواح النفوس لفظ التقشّع. كلّ ذلك للترغيب في طاعة اللّه و الجذب إلى الدخول في زمرة أوليائه و باللّه التوفيق.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏ميثم بحرانی)، ج 5 ، صفحه‏ى 99

نامه 43 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى زياد بن أبيّه، و قد بلغه أن معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه

وَ قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَيْكَ- يَسْتَزِلُّ لُبَّكَ وَ يَسْتَفِلُّ غَرْبَكَ- فَاحْذَرْهُ فَإِنَّمَا هُوَ الشَّيْطَانُ- يَأْتِي الْمَرْءَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ- وَ عَنْ‏ يَمِينِهِ وَ عَنْ شِمَالِهِ- لِيَقْتَحِمَ غَفْلَتَهُ وَ يَسْتَلِبَ غِرَّتَهُ- وَ قَدْ كَانَ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَلْتَةٌ- مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ- وَ نَزْغَةٌ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ- لَا يَثْبُتُ بِهَا نَسَبٌ وَ لَا يُسْتَحَقُّ بِهَا إِرْثٌ- وَ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا كَالْوَاغِلِ الْمُدَفَّعِ وَ النَّوْطِ الْمُذَبْذَبِ

فلما قرأ زياد الكتاب قال: شهد بها و ربِّ الكعبه، و لم تزل فى نفسه حتى ادعاه معاوية. قال الرضى: قوله عليه السلام «الواغل»: هو الذى يهجم على الشَّرب ليشرب معهم، و ليس منهم، فلايزال مدفَّعا محاجزا. و «النوط المذبذب»: هو ما يناط برحل الراكب من قعب او قذح أو ما اشبه ذلك، فهو أبدا يتقلقل إذا حث ظهره و استعجل سيره. أقول: زياد هذا هو دعىّ أبي سفيان، و يقال: زياد بن عبيد. فمن الناس من يقول عبيد بن فلان الثقفى. و الأكثرون على أنّه كان عبدا و أنّه بقى إلى أيّام زياد فابتاعه و أعتقه، و أمّا ادّعاء أبي سفيان له فروى أنّه تكلّم يوما بحضرة عمر فأعجب الحاضرين كلامه فقال عمرو بن العاص: للّه أبوه لو كان قرشيّا لساق العرب بعصاه. فقال أبو سفيان: أمّا و اللّه أنّه لقرشىّ و لو عرفته لعرفت أنّه من خير أهلك.
فقال: و من أبوه فقال: أنا و اللّه وضعته في رحم امّه. قال: فهلّا تستلحقه. قال: اخاف هذا العمير الجالس أن يخرق علىّ إهابي يعنى عمر، و لمّا ولّى علىّ عليه السّلام الخلافة ولّى زيادا فارس فضبطها ضبطا صالحا و حماها. فكتب إليه معاويه يخدعه باستلحاقه أخا له: من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان أمّا بعد فإنّ المرء ربّما طرحه الهوى في مطارح العطب، و إنّك للمرء المضروب به المثل قاطع الرحم و واصل العدوّ، حملك‏ سوء ظنّك بي و بغضك لى على أن عققت قرابتى و قطعت رحمي، و ثبت نسبي و حرمتى كأنّك لست أخي و ليس صخر بن حرب أباك و أبي، و سيّان بينى و بينك أطلب بدم أبي العاص و أنت تقاتلنى، و لكن أدركك عرق الرخاوة من قبل النساوة فكنت كتاركة بيضها بالعراء و ملحقة بيض اخرى جناحا، و قد رأيت أن أعطف عليك و لا أؤاخذ بسوء سعيك و أن أصل رحمك و أبتغى الثواب في أمرك. و اعلم أبا المغيرة أنّك لو خضت البحر في طاعة القوم تضرب بالسيف حتّى ينقطع متنه لما ازددت منهم إلّا بعدا فإنّ بني عبد شمس أبغض إلى بني هاشم من الشفرة إلى الثور الصريع و قد اوثق للذبح. فارجع رحمك اللّه إلى أصلك و اتّصل بقومك و لا تكن كالموصول يطير بريش غيره فقد أصبحت ضالّ النسب. و لعمرى ما فعل ذلك بك إلّا اللجاج فدعه عنك فقد أصبحت على بيّنة من أمرك و وضوح من حجّتك فإن أحببت جانبي و وثقت بي فاتمر بأمرى و إن كرهت جانبي و لم تثق بقولي ففعل جميل لا علىّ و لا لى. و السّلام. و حمل الكتاب مع المغيرة بن شعبة إليه، و كان ذلك سبب فساده على الحسن بعد علىّ عليهما السّلام و انضيافه إلى معاوية. و لمّا بلغ عليّا عليه السّلام ذلك كتب إليه: أمّا بعد فإنّي ولّيتك ما ولّيتك و أنا أراك لذلك أهلا، و قد عرفت أنّ معاوية. إلى آخر الكتاب. و لنرجع إلى المتن فنقول:

اللغة

غرب السيف: حدّ. و الاستقلال: طلب الفلّ و هو ثلم الحدّ.

و مدار الكتاب على إعلامه بما علمه من كتاب معاوية إليه. ثمّ تنبيهه على قصده من ذلك الكتاب و هو أن يستزلّ عقله و يستغفله عمّا هو عليه من الرأي الصحيح في نصرة الحقّ و ولائه له عليه السّلام و يكسر حدّته في ذلك، و استعار لفظ الغرب لعقله و رأيه، و لفظ الاستفلال لطلب صرفه عن ذلك الرأي الصالح ملاحظة لشبهه بالسيف. ثمّ حذّره عنه بقوله: فإنّما هو الشيطان. باعتبار وسوسته و صدّه عن الحقّ على وجه الشبه بقوله: يأتي الإنسان. إلى قوله: شماله. و هو كقوله تعالى لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ. إلى قوله: شَمائِلِهِمْ«» أي أنّه يأتي الإنسان من كلّ جهة كما يأتي الشيطان، و خصّ الجهات الأربع لأنّها الجهات الّتي يعتاد الإتيان منها.

و قال بعض المفسّرين: من بين أيديهم يطمعهم في العفو و يغريهم بالعصيان، و من خلفهم يذكّرهم خلفهم و يحسّن لهم جمع المال و تركه لهم، و عن أيمانهم يحسّن لهم الرياسة و الثناء، و عن شمائلهم يحبّب إليهم اللهو و اللذّات. و عن شقيق قال: ما من صباح إلّا و يقعد إلىّ الشيطان على أربعة مراصد من بين يدي فيقول: لا تخف إنّ اللّه غفور رحيم. فأقرأ إنّي لغفّار لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثمّ اهتدى. و أمّا من خلفي فيخوّفني الضيعة على من خلفي فأقرء و ما من دابّة في الأرض إلّا على اللّه رزقها، و أمّا من قبل يميني فيأتيني من جهة الثناء فأقرء: و العاقبة للمتّقين، و أمّا من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات. فأقرء: و حيل بينهم و بين ما يشتهون، ثمّ نبّهه على وجه فساد حيلة معاوية، و ذلك أنّ معاوية إنّما أراد استغفاله باستلحاقه إيّاه أخا فنبّهه عليه السّلام على أنّ ذلك الاستلحاق إنّما يتمّ بصحّة استلحاق أبي سفيان له ابنا و لم يصحّ تلك الدعوى، و إنّما كان قوله: أنا كذا و كذا. فلتة من حديث النفس وقع منه من غير ثبت و لا رويّة، و إقرار بالزنا في قوله: أنا وضعته في رحم امّه. و ذلك نزغة من نزغات الشيطان ألقاها على لسانه فلا يثبت بها نسب و لا يستحقّ بها إرث لقوله صلّى اللّه عليه و آله: الولد للفراش و للعاهر الحجر. ثمّ شبّه المتعلّق في نسبه بهذه الفلتة و النزغة بالواغل المدفّع، و وجه الشبه كونه لا يزال مدفّعا، و بالنوط المذبذب و وجه الشبه اضطراب أمره و عدم لحوقه بنسب معيّن و عدم استقراره كما يضطرب النوط و لا يستقرّ. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 96

نامه 42 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني، و هو عامله على أردشير خرة

بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ إِنْ كُنْتَ فَعَلْتَهُ فَقَدْ أَسْخَطْتَ إِلَهَكَ- وَ عَصَيْتَ إِمَامَكَ- أَنَّكَ تَقْسِمُ فَيْ‏ءَ الْمُسْلِمِينَ- الَّذِي حَازَتْهُ رِمَاحُهُمْ وَ خُيُولُهُمْ وَ أُرِيقَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ- فِيمَنِ اعْتَامَكَ مِنْ أَعْرَابِ قَوْمِكَ- فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ- لَئِنْ كَانَ ذَلِكَ حَقّاً- لَتَجِدَنَّ لَكَ عَلَيَّ هَوَاناً وَ لَتَخِفَّنَّ عِنْدِي مِيزَاناً- فَلَا تَسْتَهِنْ بِحَقِّ رَبِّكَ- وَ لَا تُصْلِحْ دُنْيَاكَ بِمَحْقِ دِينِكَ- فَتَكُونَ مِنَ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا- أَلَا وَ إِنَّ حَقَّ مَنْ قِبَلَكَ وَ قِبَلَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ- فِي قِسْمَةِ هَذَا الْفَيْ‏ءِ سَوَاءٌ- يَرِدُونَ عِنْدِي عَلَيْهِ وَ يَصْدُرُونَ عَنْهُ وَ السَّلامُ

اللغة

أقول: اعتامك: اختارك من بين الناس،

المعنى

و قد أعلمه بما بلغه من الأمر الصادر عنه إجمالا ليتنبّه له، و أشعره أنّه أمر مكروه بما يلزمه و هو سخط إلهه و غضب إمامه، و نبّه بقوله: إن كنت فعلته. على عدم تحقّقه لذلك. ثمّ بيّن له ذلك و هو عطاؤه مال المسلمين لمن اختاره رئيسا من أعراب قومه. و وصف ذلك الفى‏ء بكونه حيازة رماحهم و خيولهم، و عليه اريقت دماؤهم ليتأكّد في النفوس و يتبيّن وجه استحقاقهم له. و بقدر ذلك يتأكّد قبح قسمته في غيرهم. ثمّ أقسم قسمه المعتاد في معرض الوعيد إن كان ذلك منه حقّا أن يلحقه به هو ان و حقارة عنده و يخفّ وزنه في اعتباره، و كنّى به عن صغر منزلته. و ميزانا نصب على التمييز. ثمّ نهاه عن استهانته بحقّ ربّه و عن إصلاح دنياه بفساد دينه تنبيها على عظمة اللّه و وجوب المحافظة على طاعته، و نبّهه على ما يلزم من ذلك من دخوله في زمرة الأخسرين أعمالا الّذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا. ثمّ نبّهه على قبح ما فعل من تخصيص قومه بذلك المال بقوله: ألا و إنّ. إلى قوله: سواء، و هو في قوّة صغرى ضمير، و قوله: يردون إليه و يصدرون عنه تأكيد لتساويهم في الاستحقاق و أنّه لهم كالشريعة المشتركة، و تقدير كبراه: و كلّ حقّ سواء بين المسلمين فلا يجوز تخصيص بعضهم به. و قد ذكرنا حال مصقلة من قبل. و باللّه التوفيق.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏ميثم بحرانی)، ج 5 ، صفحه‏ى 95

 

نامه 41 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى عمر بن أبى سلمة المخزومى، و كان عامله على البحرين فعزله، و استعمل نعمان بن عجلان الزرقى مكانه

أَمَّا بَعْدُ- فَإِنِّي قَدْ وَلَّيْتُ النُّعْمَانَ بْنِ عَجْلَانَ الزُّرَقِيَّ عَلَى الْبَحْرَيْنِ- وَ نَزَعْتُ يَدَكَ بِلَا ذَمٍّ لَكَ وَ لَا تَثْرِيبٍ عَلَيْكَ- فَلَقَدْ أَحْسَنْتَ الْوِلَايَةَ وَ أَدَّيْتَ الْأَمَانَةَ- فَأَقْبِلْ غَيْرَ ظَنِينٍ وَ لَا مَلُومٍ- وَ لَا مُتَّهَمٍ وَ لَا مَأْثُومٍ- فَلَقَدْ أَرَدْتُ الْمَسِيرَ إِلَى ظَلَمَةِ أَهْلِ الشَّامِ- وَ أَحْبَبْتُ أَنْ تَشْهَدَ مَعِي- فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ- وَ إِقَامَةِ عَمُودِ الدِّينِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ‏

أقول: عمر هذا هو ربيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و امّه امّ سلمة و أبوه أبو سلمة ابن عبد الأسد بن هلال بن عمر بن مخزوم، و أمّا النعمان بن عجلان فمن سادات الأنصار من بني زريق.

اللغة

و التثريب: التعنيف و استقصاء اللوم. و الظنين: المتهمّ. و استظهرت بفلان: اتّخذته ظهيرا.

و مدار الكتاب على إعلام عمر بن أبي سلمة بإنفاذ النعمان عوضا منه.
ثمّ إعلامه بأنّ ذلك لم يكن عن ذنب صدر منه يستحقّ به الذمّ و العزل، و أنّه شاكر له بكونه أحسن ولايته و أدّى أمانته. ثمّ إعلامه بغرضه من عزله و استدعائه و هو الاستعانة به على عدوّه كلّ ذلك ليطمئنّ قلبه و يفارق الولاية عن طيب نفس، و نبّهه على وجه رغبته في حضوره معه بقوله: فإنّك. إلى آخره، و هو في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ من أستظهر به على العدوّ و إقامة عمود الدين فواجب أن أرغب في حضوره و يشهد معى، و لفظ العمود مستعار للاصول الّتي بحفظها و قيامها يقوم كالعمود للبيت: و باللّه التوفيق.

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 5 ، صفحه‏ى 94

نامه 41 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى عمر بن أبى سلمة المخزومى، و كان عامله على البحرين فعزله، و استعمل نعمان بن عجلان الزرقى مكانه

أَمَّا بَعْدُ- فَإِنِّي قَدْ وَلَّيْتُ النُّعْمَانَ بْنِ عَجْلَانَ الزُّرَقِيَّ عَلَى الْبَحْرَيْنِ- وَ نَزَعْتُ يَدَكَ بِلَا ذَمٍّ لَكَ وَ لَا تَثْرِيبٍ عَلَيْكَ- فَلَقَدْ أَحْسَنْتَ الْوِلَايَةَ وَ أَدَّيْتَ الْأَمَانَةَ- فَأَقْبِلْ غَيْرَ ظَنِينٍ وَ لَا مَلُومٍ- وَ لَا مُتَّهَمٍ وَ لَا مَأْثُومٍ- فَلَقَدْ أَرَدْتُ الْمَسِيرَ إِلَى ظَلَمَةِ أَهْلِ الشَّامِ- وَ أَحْبَبْتُ أَنْ تَشْهَدَ مَعِي- فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ- وَ إِقَامَةِ عَمُودِ الدِّينِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ‏

أقول: عمر هذا هو ربيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و امّه امّ سلمة و أبوه أبو سلمة ابن عبد الأسد بن هلال بن عمر بن مخزوم، و أمّا النعمان بن عجلان فمن سادات الأنصار من بني زريق.

اللغة

و التثريب: التعنيف و استقصاء اللوم. و الظنين: المتهمّ. و استظهرت بفلان: اتّخذته ظهيرا.

و مدار الكتاب على إعلام عمر بن أبي سلمة بإنفاذ النعمان عوضا منه.
ثمّ إعلامه بأنّ ذلك لم يكن عن ذنب صدر منه يستحقّ به الذمّ و العزل، و أنّه شاكر له بكونه أحسن ولايته و أدّى أمانته. ثمّ إعلامه بغرضه من عزله و استدعائه و هو الاستعانة به على عدوّه كلّ ذلك ليطمئنّ قلبه و يفارق الولاية عن طيب نفس، و نبّهه على وجه رغبته في حضوره معه بقوله: فإنّك. إلى آخره، و هو في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ من أستظهر به على العدوّ و إقامة عمود الدين فواجب أن أرغب في حضوره و يشهد معى، و لفظ العمود مستعار للاصول الّتي بحفظها و قيامها يقوم كالعمود للبيت: و باللّه التوفيق.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏ميثم بحرانی)، ج 5 ، صفحه‏ى 94

 

نامه 40 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى بعض عماله

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي كُنْتُ أَشْرَكْتُكَ فِي أَمَانَتِي- وَ جَعَلْتُكَ شِعَارِي وَ بِطَانَتِي- وَ لَمْ‏ يَكُنْ فِي أَهْلِي رَجُلٌ أَوْثَقَ مِنْكَ فِي نَفْسِي- لِمُوَاسَاتِي وَ مُوَازَرَتِي وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلَيَّ- فَلَمَّا رَأَيْتَ الزَّمَانَ عَلَى ابْنِ عَمِّكَ قَدْ كَلِبَ- وَ الْعَدُوَّ قَدْ حَرِبَ وَ أَمَانَةَ النَّاسِ قَدْ خَزِيَتْ- وَ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ فَنَكَتْ وَ شَغَرَتْ- قَلَبْتَ لِابْنِ عَمِّكَ ظَهْرَ الْمِجَنِّ- فَفَارَقْتَهُ مَعَ الْمُفَارِقِينَ وَ خَذَلْتَهُ مَعَ الْخَاذِلِينَ- وَ خُنْتَهُ مَعَ الْخَائِنِينَ- فَلَا ابْنَ عَمِّكَ آسَيْتَ وَ لَا الْأَمَانَةَ أَدَّيْتَ- وَ كَأَنَّكَ لَمْ تَكُنِ اللَّهَ تُرِيدُ بِجِهَادِكَ- وَ كَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكَ- وَ كَأَنَّكَ إِنَّمَا كُنْتَ تَكِيدُ هَذِهِ الْأُمَّةَ عَنْ دُنْيَاهُمْ- وَ تَنْوِي غِرَّتَهُمْ عَنْ فَيْئِهِمْ- فَلَمَّا أَمْكَنَتْكَ الشِّدَّةُ فِي خِيَانَةِ الْأُمَّةِ أَسْرَعْتَ الْكَرَّةَ- وَ عَاجَلْتَ الْوَثْبَةَ وَ اخْتَطَفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمُ- الْمَصُونَةِ لِأَرَامِلِهِمْ وَ أَيْتَامِهِمُ- اخْتِطَافَ الذِّئْبِ الْأَزَلِّ دَامِيَةَ الْمِعْزَى الْكَسِيرَةَ- فَحَمَلْتَهُ إِلَى الْحِجَازِ رَحِيبَ الصَّدْرِ بِحَمْلِهِ- غَيْرَ مُتَأَثِّمٍ مِنْ أَخْذِهِ- كَأَنَّكَ لَا أَبَا لِغَيْرِكَ- حَدَرْتَ إِلَى أَهْلِكَ تُرَاثَكَ مِنْ أَبِيكَ وَ أُمِّكَ- فَسُبْحَانَ اللَّهِ أَ مَا تُؤْمِنُ بِالْمَعَادِ- أَ وَ مَا تَخَافُ نِقَاشَ الْحِسَابِ- أَيُّهَا الْمَعْدُودُ كَانَ عِنْدَنَا مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ- كَيْفَ تُسِيغُ شَرَاباً وَ طَعَاماً- وَ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ تَأْكُلُ حَرَاماً وَ تَشْرَبُ حَرَاماً- وَ تَبْتَاعُ الْإِمَاءَ وَ تَنْكِحُ النِّسَاءَ- مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُجَاهِدِينَ- الَّذِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْأَمْوَالَ- وَ أَحْرَزَ بِهِمْ هَذِهِ الْبِلَادَ- فَاتَّقِ اللَّهَ وَ ارْدُدْ إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَمْوَالَهُمْ- فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ثُمَّ أَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْكَ- لَأُعْذِرَنَّ إِلَى اللَّهِ فِيكَ- وَ لَأَضْرِبَنَّكَ بِسَيْفِي الَّذِي مَا ضَرَبْتُ بِهِ أَحَداً- إِلَّا دَخَلَ النَّارَ- وَ وَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ فَعَلَا مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتَ- مَا كَانَتْ لَهُمَا عِنْدِي هَوَادَةٌ وَ لَا ظَفِرَا مِنِّي بِإِرَادَةٍ- حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُمَا وَ أُزِيحَ الْبَاطِلَ عَنْ مَظْلَمَتِهِمَا- وَ أُقْسِمُ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ- مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَا أَخَذْتَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَلَالٌ لِي- أَتْرُكُهُ مِيرَاثاً لِمَنْ بَعْدِي فَضَحِّ رُوَيْداً- فَكَأَنَّكَ قَدْ بَلَغْتَ الْمَدَى وَ دُفِنْتَ تَحْتَ الثَّرَى- وَ عُرِضَتْ عَلَيْكَ أَعْمَالُكَ بِالْمَحَلِّ- الَّذِي يُنَادِي الظَّالِمُ فِيهِ بِالْحَسْرَةِ- وَ يَتَمَنَّى الْمُضَيِّعُ فِيهِ الرَّجْعَةَ وَ لاتَ حِينَ مَناصٍ

أقول: المشهور أنّ هذا الكتاب إلى عبد اللّه بن عبّاس حين كان واليا له على البصرة، و ألفاظ الكتاب تنبّه على ذلك كقوله: قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ و قوله: فلا ابن عمك آسيت، و كذلك ما روى أنّ ابن عبّاس كتب إليه جوابا عن هذا الكتاب: أما بعد فقد أتاني كتابك تعظم فيه ما أصبت من بيت مال البصرة و لعمرى إنّ حقّى في بيت المال لأكثر ممّا أخذت و السّلام.
فكتب عليه السّلام جواب ذلك: أمّا بعد فإنّ من العجب أن تزيّن لك نفسك أنّ لك في بيت المال من الحقّ أكثر ما لرجل من المسلمين فقد أفلحت إن كان تمنّيك الباطل و ادّعاك ما لا يكون تنجيك من المأثم و تحلّ لك المحارم. لأنت المهدىّ السعيد إذن. و قد بلغنى أنّك اتّخذت مكّة وطنا. و ضربت بها عطنا تشترى بها مولّدات مكّة و المدينة و الطائف تختارهنّ على عينك و تعطي فيهن مال غيرك فارجع هداك اللّه إلى رشدك و تب إلى اللّه ربّك و اخرج إلى المسلمين من أموالهم فعمّا قليل تفارق من ألفت، و تترك‏ ما جمعت و تغيب في صدع من الأرض غير موسّد و لا ممهّد قد فارقت الأحباب و سكنت التراب و واجهت غنيّا عمّا خلقت و فقيرا إلى ما قدّمت. و السّلام. و أنكر قوم ذلك و قالوا: إنّ عبد اللّه بن عبّاس لم يفارق عليّا عليه السّلام و لا يجوز أن يقول في حقّه ما قال القطب الراوندى- رحمه اللّه- يكون المكتوب إليه هو عبيد اللّه.
و حمله على ذلك أشبه و هو به أليق.
و اعلم أنّ هذين القولين لا مستند لهما: أمّا: الأوّل: فهو مجرّد استبعاد أن يفعل ابن عبّاس ما نسب إليه، و معلوم أنّ ابن عبّاس لم يكن معصوما و علىّ عليه السّلام لم يكن ليراقب في الحقّ أحدا و لو كان أعزّ أولاده كما تمثّل بالحسن و الحسين عليهما السّلام في ذلك فكيف بابن عمّه بل يجب أن يكون الغلظة على الأقرباء في هذا الأمر أشدّ ثمّ إنّ غلظته عليه و عتابه له لا يوجب مفارقته إيّاه لأنّه عليه السّلام كان إذا فعل أحد من أصحابه ما يستحقّ به المؤاخذة أخذه به سواء كان عزيزا أو ذليلا قريبا منه أو بعيدا فإذا استوفى حقّ اللّه منه أو تاب إليه ممّا فعل عاد في حقّه إلى ما كان عليه كما قال: العزيز عندى ذليل حتّى آخذ الحقّ منه، و الذليل عندى عزيز حتّى آخذ الحقّ له. فلا يلزم إذن من غلظته على ابن عبّاس و مقابلته إيّاه بما يكره مفارقته له و شقاقه على ما بينهما من المحبّة الوكيدة و القرابة، و أمّا القول الثاني: فإنّ عبد اللّه كان عاملا له عليه السّلام باليمن و لم ينقل عنه مثل ذلك. و لنرجع إلى المتن فنقول:

اللغة
الشعار: ما يلي الجسد من الثياب. و بطانة الرجل: خاصّته. و كلب الزمان: شدّته. و حرب العدوّ: اشتدّ غضبه. و الفتك: القتل على غرّة. و شغرت: تفرّقت. و المجنّ: الترس. و الأزلّ: خفيف الوركين. و الهوادة: المصالحة و المصانعة. و ضحّ رويدا: كلمة يقال لمن يؤمر بالتؤودة، و أصله الرجل يطعم إبله ضحى و يسيرها مسرعا للسير فلا يشبعها. فيقال له: ضحّ رويدا. و المناص: المهرب و المخلص. و النوص: الهرب و التخلّص.

و في هذا الكتاب مقاصد:

الأوّل: أنّه ذكّر بإحسانه إليه في معرض الامتنان عليه من وجوه:
الأوّل: إشراكه إيّاه في أمانته الّتي ائتمنه اللّه عليها، و هي ولاية أمر الرعيّة و القيام بإصلاح أمورهم في معاشهم و معادهم.

الثاني: جعله من خاصّته و ملازميه، و استعار له بذلك الاعتبار لفظ الشعار لمباشرته و ملازمته الجسد. الثالث: كونه أوثق أهله في نفسه و أدناهم منه لمواساته و موازرته، و أداء الأمانة إليه.
المقصود الثاني: أنّه بعد تذكيره بإحسانه إليه ذكر مقابلته بذلك بالإساءة إليه
في مفارقته إيّاه و خذلانه و خيانته لما تحت يديه من الأمانة عند رؤيته شدّة الزمان عليه و قيام العدوّ في وجهه و تفرّق كلمة الإمامة عن الحقّ لتبيّن أنّه قابل إحسانه بالكفران ليحسن ذمّه على ذلك و توبيخه فيذمّه و يوبّخه، و أراد مفارقته له في الطريقة و لزوم حدّ الأمانة. و قوله: قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ. يضرب مثلا لمن يكون مع أخيه فيتغيّر عليه و يصير خصما له، و أصله أنّ الرجل إذا كان سلما لأخيه يكون بطن ترسه إليه فإذا فارقه و صار حربا له يقلب له ظهر ترسه ليدفع به عن نفسه ما يلقاه من شرّه. فجعل ذلك كناية عن العداوة بعد الصداقة. و ضرب مثلا لمن فعل ذلك.

المقصود الثالث الأخذ في تعنيفه و توبيخه. و حكاية حاله في خيانته في معرض التوبيخ.
و ذلك قوله: فلا ابن عمّك. إلى قوله: هذه البلاد. و شبّهه بمن لم يرد اللّه بجهاده بل الدنيا، و بمن لم يكن على بيّنة من ربّه بل هو جاهل به و بوعده و وعيده. و وجه الشبه مشاركته لطالبى غير اللّه و الجاهلين به في طلب غيره و الإعراض عنه، و كذلك شبّهه بمن لم يكن له غرض من عبادته إلّا خدعة المسلمين عن دنياهم، و أشار إلى وجه الشبه بقوله: فلمّا أمكنتك الشدّة. إلى قوله: الكبيرة، أى فكما أنّ عرض الّذي يكيد غيره عن شي‏ء أن يترصّد الفرصة في أخذه و ينتهزها إذا وجدها فكذلك أنت في إسراعك بالوثوب على الخيانة و شبّه اختطافه لما أخذه من المال باختطاف الذئب الأزلّ دامية المعزى الكسيرة، و وجه الشبه سرعة أخذه له و خفّته له في ذلك، و خصّ الذئب الأزل لأنّ خفّة الوركين يعينه على سرعة الوثبة و الاختطاف، و دامية المعزى الكسيرة لأنّها أمكن للاختطاف لعدم الممانعة. ثمّ أخبر في معرض التوبيخ أنّه حمله إلى وطنه بمكّة، و كنّى بكونه رحيب الصدر به إمّا عن سروره و فرحه به أو عن كثرة ما حمل منه لأنّ من العادة إذا أراد الإنسان حمل شي‏ء في صدره و باعه حوى منه ما أمكنه حمله. و نصب رحيب و غير على الحال، و إضافة رحيب في تقدير الانفصال. ثمّ شبّهه في معرض التوبيخ و التقريع في حمله بمن حمل تراثه إلى أهله من والديه، و استفهم على سبيل التعجّب من حاله و الإنكار عليه على أمرين: أحدهما: عن إيمانه بالمعاد و خوفه من مناقشة اللّه في الحساب تذكيرا له، و نبّهه على أنّه كان معدودا في نظره من ذوى العقول. و أدخله في حيّز كان تنبيها له على أنّه لم يبق عنده كذلك. الثاني: عن كيفيّة إساغته للشراب و الطعام مع علمه أنّ ما يأكله و يشربه و ينكح به من هذا المال حرام لكونه مال المسلمين اليتامى منهم و المساكين و المجاهدين أفاء اللّه عليهم ليحرز به عباده و بلاده استفهام إنكار و تقريع بذكر معصية اللّه.

المقصود الرابع: أمره بعد التوبيخ الطويل بتقوى اللّه و ردّ أموال المسلمين عليهم، و توعّده إن لم يفعل
ثمّ أمكن اللّه منه أن يعذر إلى اللّه فيه: أى يبلغ إليه بالعذر فيه و بقتله، و ذكر الضرب بالسيف الموصوف بالصفة المذكورة اغلظ في الوعيد و أبلغ في الزجر.

المقصود الخامس: أقسم أنّ ولديه على قربهما منه و كرامتهما عليه لو فعلا كفعله من الخيانة لم يراقبهما في ذلك
حتّى يأخذ الحقّ منهما و يزيح الباطل عن مظلمتهما من مال أو غيره، و مراده أنّ غيرهم بطريق أولى في عدم المراقبة له. ثمّ أقسم القسم البارّ أنّه ما يسرّه أن يكون ما أخذه ابن عبّاس من أموال المسلمين‏ حلالا له يخلفه ميراثا لمن بعده لما علمت أنّ جمع المال و ادّخاره سبب العذاب في الآخرة كما قال تعالى وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ«» الآية، و قسمه الأوّل كالعذر له في شدّة إنكاره عليه، و الثاني لتحقير ما أخذه، و بيان أنّه لو كان أخذه على وجه حلال فلا يصلح للقنية فكيف به و هو حرام، و ذلك ليتركه و يخرج عنه إلى أهله.

السادس: أمره بالإمهال على سبيل التهديد بقرب الوصول إلى الغاية الّتي هى الموت و الدفن و عرض أعماله عليه
بالمحلّ الّذي ينادي فيه الظالم بالحسرة و يتمنّى فيه مضيّعوا أمر اللّه و العمل الصالح الرجعة إلى الدنيا حين لا مخلص لهم ممّا هم فيه. و ذلك المحلّ هو عرصة القيامة. و ذكر النداء بالحسرة حين لا رجعة ليتأكّد التخويف و التهديد بتعداد الامور المنفّرة، و أمّا قوله: و لات حين مناص شبّهوا لات بليس و أضمروا فيها اسم الفاعل. و لا يستعمل لات إلّا مع حين، و قد جاءت حين مرفوعة بأنّها اسم لات، و قيل: إنّ التاء زائدة كهى في ثمّت و ربّت. و قد مرّ ذلك قبل.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏ميثم بحرانی)، ج 5 ، صفحه‏ى 88

 

نامه 39 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى عمرو بن العاص

فَإِنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ دِينَكَ تَبَعاً لِدُنْيَا امْرِئٍ- ظَاهِرٍ غَيُّهُ مَهْتُوكٍ سِتْرُهُ- يَشِينُ الْكَرِيمَ بِمَجْلِسِهِ وَ يُسَفِّهُ الْحَلِيمَ بِخِلْطَتِهِ- فَاتَّبَعْتَ أَثَرَهُ وَ طَلَبْتَ فَضْلَهُ- اتِّبَاعَ الْكَلْبِ لِلضِّرْغَامِ يَلُوذُ بِمَخَالِبِهِ- وَ يَنْتَظِرُ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْ فَضْلِ فَرِيسَتِهِ- فَأَذْهَبْتَ دُنْيَاكَ وَ آخِرَتَكَ- وَ لَوْ بِالْحَقِّ أَخَذْتَ أَدْرَكْتَ مَا طَلَبْتَ- فَإِنْ يُمَكِّنِّي اللَّهُ مِنْكَ وَ مِنِ ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ- أَجْزِكُمَا بِمَا قَدَّمْتُمَا- وَ إِنْ تُعْجِزَا وَ تَبْقَيَا فَمَا أَمَامَكُمَا شَرٌّ لَكُمَا- وَ السَّلَامُ

 

المعنى

أقول: قد ذكر هذا الكتاب برواية تزيد على هذه، و أوّله: من عبد اللّه علىّ أمير المؤمنين إلى الأبتر ابن الأبتر عمرو بن العاص شانئ محمّد و آل محمّد في الجاهليّة و الإسلام. سلام على من اتّبع الهدى. أمّا بعد فإنّك تركت مروّتك لامرء فاسق مهتوك ستره يشين الكريم بمجلسه و يسفّه الحليم بخلطته. فصار قلبك لقلبه تبعا كما وافق شنّ طبقه. فسلبك دينك و أمانتك و دنياك و آخرتك و كان علم اللّه بالغا فيك.

فصرت كالذئب يتبع الضرغام إذا ما الليل دجى يلتمس أن يداوسه. و كيف تنجو من‏ القدر و لو بالحقّ طلبت أدركت ما رجوت، و قد يرشد من كان قائده. فإن يمكّنّى اللّه منك و من ابن آكلة الأكباد ألحقكما بمن قتله اللّه من ظلمة قريش على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و إن تعجزا أو تبقيا بعدى فاللّه حسبكما و كفى بانتقامه انتقاما و بعقابه عقابا. و مدار الكتاب على توبيخ عمرو بمتابعته لمعاوية في باطله و تنفيره عمّا هو عليه و وعيده لهما على ذلك. و معنى جعله دينه تبعا لدنيا معاوية أنّه يصرفه في مرضاته بحسب ما يتصوّر حصوله عليه من دنياه كما أشرنا إليه قبل من بيعه دينه في المظاهرة على حربه عليه السّلام بطعمة مصر. ثمّ ذمّ معاوية بأوصاف أربعة لغاية التنفير عنه:

أحدها: كونه ظاهرا غيّه، و ضلال معاوية عن طريق اللّه أوضح أن يوضح.

الثاني: كونه مهتوكا ستره، و من المشهور عنه أنّه كان هاتكا لستر دين اللّه عنه فإنّه كان كثير الخلاعة به و الهزل صاحب سمار و جلساء لهو و مناع و شرب و سماع، و قد كان يتستّر بذلك في زمان عمر خوفا منه إلّا أنّه كان يلبس الحرير و الديباج و يشرب في آنية الذهب و الفضّة و أمّا في أيّام عثمان فكان شديد التهتّك، و إنّما قارب الوقار حيث خرج على عليّ عليه السّلام لحاجته إلى استغواء الناس بظاهر الدين.

الثالث: يشين الكريم بمجلسه، و ذاك أنّ الكريم هو الّذي يضبط نفسه و ينزّهها عمّا يشين العرض من الرذائل، و قد كان مجلس معاوية مشحونا ببنى أميّة و رذائلهم، و مجالسة الكريم لهم يستلزم نسبته إليهم و لحاقه بهم، و ذلك مشين لعرضه و مقبّح لذكره.

الرابع: كونه يسفّه الحليم بخلطته، و ذلك أنّه كان دأبه هو و بنو اميّة شتم بني هاشم و قذفهم و التعرّض بذكر الإسلام و الطعن عليه، و إن أظهروا الانتماء إليه، و ذلك ممّا يستفزّ الحليم و يسفّه رأيه في الثبات عند مخالطتهم و سماعه منهم، و كنّى باتّباعه لأثره عن متابعته له فيما يفعله، و أشار بقوله: و طلبت فضله إلى غرض اتّباعه، و شبّه اتّباعه له باتّباع الكلب الأسد تحقيرا له و تنفيرا، و نبّهه‏ على وجه الشبه بقوله: يلوذ. إلى قوله: فريسته، و أراد أنّ اتّباعه له على وجه الذلّة و الحقارة و دناءة الهمّة للطمع فيما يعطيه من فضل ماله و انتظار ذلك منه كاتّباع الكلب للأسد، و في مثل هذا التشبيه بلاغ لعمرو في التنفير لو كان له كرم. ثمّ نبّهه على لازم اتّباعه له بقوله: فأذهبت دنياك و آخرتك، و أراد بدنياه ما كان يعيش به من الرزق و العطاء الحلال على وجه يلتذّ به في طيب نفس و أمن من الحروب الّتي لقيها بصفّين و الأهوال الّتي باشرها في موافقته لمعاوية، و تلك هى الدنيا الحقّة. إذ الدنيا إنّما يراد للّذّة بها و الاستمتاع، و ذلك ممّا لم يحصل عليه عمرو. و أمّا ذهاب آخرته فظاهر. و قوله: و لو بالحقّ أخذت. إلى قوله: طلبت. جذب له إلى لزوم الحقّ و ترغيب فيه بذكر لازمه، و هو إدراك ما طلب من دنيا و آخرة، و ظاهر أنّه لو لزم الحقّ لوصل إلى دنيا كاملة و آخرة بالمعالى كافلة. و قوله: فإن يمكّنّى اللّه. إلى آخره. و عيد بعذاب واقع على تقدير كلّ واحد من النقيضين و ذلك العذاب إمّا بواسطته في الدنيا بتقدير تمكين اللّه منهما و هو جزائه لهما بما قدّما من معصية اللّه، و إمّا من اللّه فى الآخرة على تقدير أن يعجزاه و تبقيا بعده و هو عذاب النار، و نبّه عليه بقوله: فما أمامكما شرّ لكما لقوله تعالى وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَ أَبْقى‏ و استعار لفظ الأمام للآخرة باعتبار استقبال النفوس لها و توجّهها نحوها. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 86

 

نامه 38 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى أهل مصر، لما ولى عليهم الأشتر رحمه اللّه

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ- إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ غَضِبُوا لِلَّهِ- حِينَ عُصِيَ فِي أَرْضِهِ وَ ذُهِبَ بِحَقِّهِ- فَضَرَبَ الْجَوْرُ سُرَادِقَهُ عَلَى الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ- وَ الْمُقِيمِ وَ الظَّاعِنِ- فَلَا مَعْرُوفٌ يُسْتَرَاحُ إِلَيْهِ- وَ لَا مُنْكَرٌ يُتَنَاهَى عَنْهُ- أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَبْداً مِنْ عِبَادِ اللَّهِ- لَا يَنَامُ أَيَّامَ الْخَوْفِ- وَ لَا يَنْكُلُ عَنِ الْأَعْدَاءِ سَاعَاتِ الرَّوْعِ- أَشَدَّ عَلَى الْفُجَّارِ مِنْ حَرِيقِ النَّارِ- وَ هُوَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو مَذْحِجٍ- فَاسْمَعُوا لَهُ وَ أَطِيعُوا أَمْرَهُ فِيمَا طَابَقَ الْحَقَّ- فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ- لَا كَلِيلُ الظُّبَةِ وَ لَا نَابِي الضَّرِيبَةِ- فَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا فَانْفِرُوا- وَ إِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تُقِيمُوا فَأَقِيمُوا- فَإِنَّهُ لَا يُقْدِمُ وَ لَا يُحْجِمُ- وَ لَا يُؤَخِّرُ وَ لَا يُقَدِّمُ إِلَّا عَنْ أَمْرِي- وَ قَدْ آثَرْتُكُمْ بِهِ عَلَى نَفْسِي لِنَصِيحَتِهِ لَكُمْ- وَ شِدَّةِ شَكِيمَتِهِ عَلَى عَدُوِّكُمْ

اللغة

أقول: السرادق: البيت من القطن. و النكول: الرجوع. و الظبة بالتخفيف: حدّ السيف، و نبا السيف: إذا لم يقطع لضريبه. و الإحجام: التأخّر. و فلان شديد الشكيمة. إذا كان أبيّا قوىّ النفس. و أصل الشكيمة: الحديدة المعترضة في فم الفرس.

و في الكتاب مقاصد:

الأوّل: قوله: من عبد اللّه. إلى قوله: يتناهى عنه.
صورة عنوانه، و وصف أهل مصر بالغضب للّه استجلابا لطباعهم، و إشارة إلى إنكارهم للأحداث الّتي نسبت إلى عثمان و مسيرهم لذلك إلى المدينة غضبا لحدود اللّه أن تعطّل.
فإن قلت: فيلزم أن يكون عليه السّلام راضيا بقتل عثمان. إذ مدح قاتله على المسير بقتله.
قلت: لا يلزم ذلك لجواز أن يكون مسيرهم إنّما كان للنكير عليه دون غرض قتله. فمدحهم على ذلك النكير لأنّه جهة مدح، و أمّا قاتلوه و الّذين تسوّروا عليه الدار- و كانوا قوما قليلين- لعلّه لم يك فيهم من أهل مصر إلّا النادر، و ليس في كلامه عليه السّلام ما يقتضى مدح أولئك باعتبار كونهم قتلوه، و استعار لفظ السرادق لما عمّ من الجور البرّ و الفاجر و المقيم و المسافر كالسرادق الحاوى لأهله، و قابل بين المعروف و المنكر و لم يرد نفى المنكر بل نفى صفة التناهي عنه.

الثاني: قوله: أمّا بعد إلى قوله: أخو بني مذحج.
صدر الكتاب: أعلمهم فيه ببعث الأشتر إجمالا، و وصفه بأوصاف يستلزم رغبتهم فيه، و كنّى بكونه لا ينام أيّام الخوف عن علوّ همّته و تعلّقها حين الخوف بتدبير الحرب و الاستعداد للقاء العدوّ، و بكونه لا ينكل عن الأعداء عن شجاعته و شدّة بأسه. و أكّد ذلك بوصف كونه أشدّ على الفجّار من حريق النار، و هو وصف صادق مع المبالغة فيه. إذ كان لقاؤه للفجّار يستلزم غلبة ظنونهم بالهلاك معه و عدم السلامة، و لا كذلك وجود الحريق لطمعهم في الفرار من النار و إطفائها. ثمّ ذكره بعد تعديد أوصافه الحميدة و هو أبلغ لأنّ الغرض الأهمّ وصفه لا ذكره فقط. و مذحج بفتح الميم كمسجد: أبو قبيلة من اليمن، و هو مذحج بن جابر بن مالك بن نهلان بن سبا.
و النخع: قبيلة من هذه القبيلة، و الأشتر نخعيّ.

الثالث: أمرهم بالمقصود و هو السمع له و الطاعة لأمره لا مطلقا بل فيما يطابق الحقّ
و يوافقه من الأوامر، و أشار إلى حسن امتثال أمره بضمير صغراه قوله: فإنّه سيف. إلى قوله: الضريبة، و استعار له لفظ السيف باعتبار كونه يصال به على العدوّ فيهلكه كالسيف، و رشّح بذكر الظبة، و كنّى بكونه غير كليلها و غير نابى الضريبة عن كونه ماضيا في الحوادث غير واقف فيها و لا راجع عنها، و الإضافة إلى الضريبة إضافة اسم الفاعل إلى المفعول: أى و لا ناب عن الضريبه، و تقدير الكبرى: و كلّ من كان كذلك فيجب أن يقدّم و يمتثل أمره فيما يشير به من الحرب و غيرها.

الرابع: أمرهم أن يكون نفارهم إلى الحرب، و إجحامهم عنها على وفق أمره،
و نبّه على ذلك بضمير صغراه قوله: فإنّه. إلى قوله: أمرى. و كنّى بذلك عن كونه لا يأمر في الحرب و غيرها بأمر إلّا و هو في موضعه لأنّ أوامره عليه السّلام كانت كذلك فمن كان على وفقها فأوامره أيضا كذلك، و لم يرد عليه السّلام أنّ كلّ ما يأمر به مالك في الأمور الكلّيّة و الجزئيّة فإنّه من أمره عليه السّلام بالتعيين و التفصيل بل أراد أنّه قد علمه بقواعد كلّيّة للسياسات و تدابير المدن و الحروب و أعدّه لذلك بحيث يمكنه أن يجتهد فيها و يستخرج جزئيّاتها.

الخامس: أعلمهم أنّه قد آثرهم به على نفسه
مع حاجته إليه في الرأي و التدبير في معرض الامتنان عليهم بذلك ليشكروه، و أشار إلى علّة ايثاره لهم به و هى كونه ناصحا لهم قوىّ النفس شديد الوطأة على عدوّهم. و كنّى بشدّة الشكيمة عن ذلك فأمّا مصلحته عليه السّلام في ذلك الايثار فهو استقامة الأمر له بصلاح حالهم. و باللّه التوفيق.

شرح نهج ‏البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 83

نامه 37 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى معاوية  

فَسُبْحَانَ اللَّهِ- مَا أَشَدَّ لُزُومَكَ لِلْأَهْوَاءَ الْمُبْتَدَعَةِ وَ الْحَيْرَةِ الْمُتَّبَعَةِ- مَعَ تَضْيِيعِ الْحَقَائِقِ وَ اطِّرَاحِ الْوَثَائِقِ- الَّتِي هِيَ لِلَّهِ طِلْبَةٌ وَ عَلَى عِبَادِهِ حُجَّةٌ- فَأَمَّا إِكْثَارُكَ الْحِجَاجَ عَلَى عُثْمَانَ وَ قَتَلَتِهِ- فَإِنَّكَ إِنَّمَا نَصَرْتَ عُثْمَانَ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ لَكَ- وَ خَذَلْتَهُ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ لَهُ

أقول: أوّل هذا الكتاب: أمّا بعد فإنّ الدنيا حلوة خضرة ذات زينة و بهجة لم يصيب إليها أحد إلّا شغلته بزينتها عمّا هو أنفع له منها، و بالآخرة أمرنا و عليها حثثنا.
فدع يا معاوية ما يفنى، و اعمل لما يبقى، و احذر الموت الّذي إليه مصيرك و الحساب الّذي إليه عاقبتك. و أعلم أنّ اللّه إذا أراد بعبد خيرا حال بينه و بين ما يكره و وفّقه لطاعته، و إذا أراد بعبد شرّا أغراه بالدنيا و أنساه الآخرة و بسط له أمله و عاقّه عمّا فيه صلاحه. و قد وصلني كتابك فوجدتك ترمي غير غرضك، و تنشد غير ضالّتك، و تخبط في عماية و تيه في ضلالة، و تعتصم بغير حجّة، و تلوذ بأضعف شبهة. فأمّا سؤالك إلىّ المشاركة و الإقرار لك على الشام، فلو كنت فاعلا لذلك اليوم لفعلته أمس. و أمّا قولك: إنّ عمر ولّاكها. فقد عزل عمر من كان ولّا صاحبه، و عزل عثمان من كان عمر ولّاه، و لم ينصب للناس إمام إلّا ليرى من صلاح الأمّة ما قد كان ظهر لمن كان قبله أو خفى عنهم غيبته، و الأمر يحدث بعده الأمر، و لكلّ وال رأى و اجتهاد. ثمّ يتّصل بقوله: سبحان اللّه. الفصل إلى آخره.

و الفصل مشتمل على أمرين:

أحدهما: التعجّب من شدّة لزومه للأهواء الّتي مبتدعها، و التحيّر فيها عن قصد الحقّ. و ذلك أنّه في كلّ وقت يوقع شبهة و يبتدع رأيا يغوى به أصحابه و يقرّر في أذهانهم بذلك أنّ عليّا عليه السّلام لا يصلح للإمامة، فتارة يقول: إنّه قتل عثمان، و تارة يزعم أنّه خذله، و تارة يزعم أنّه قتل الصحابة و فرّق كلمة الجماعة، و تارة تصرف عنه بالعطاء و تفريق مال المسلمين على غير الوجه الشرعيّ، و تارة يعترف بكونه صالحا للإمامة، و يطلب إليه الإقرار بالشام. إلى غير ذلك ممّا يبتدعه في الدين من الأباطيل، و يتّبع الحيرة فيها مع تضييعه لحقايق الامور الّتي ينبغي أن يعتقدها من كونه عليه السّلام الأحقّ بهذا الأمر، و إطراحه لوثايق اللّه و عهوده المطلوبة المرضيّة له‏ و هي على عباده حجّة يوم القيامة كما قال تعالى وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ الآية.

الثاني: جوابه عن خطابه في أمر عثمان
و فخره بنصرته و تبكيته له عليه السّلام بخذلانه إيّاه. و قوله: فإنّك: إلى آخره. في قوّة صغرى ضمير بيانها أنّ معاوية لمّا استصرخه عثمان تثاقل عنه و هو في ذلك يعده حتّى إذا اشتدّ به الحصار بعث إليه يزيد بن أسد القسربى، و قال له: إذا أتيت ذي خشب فاقم بها و لا تقل: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فإنّي أنا الشاهد و أنت الغائب. قال: فأقام بذي خشب حتّى قتل عثمان. فاستقدمه حينئذ معاوية فعاد إلى الشام بالجيش الّذي كان معه، فكان نصره له حيث بعث لنصرته إنّما كان على سبيل التعذير و التقاعد عنه ليقتل فيدعو إلى نفسه فكان ذلك النصر في الحقيقة لمعاوية. إذ كان فعله ذلك سببا لقتله، و انتصاره هو على مطلوبه من هذا الأمر، و كان خذلانه له حيث كان محتاجا إلى النصر، و تقدير الكبرى: و كلّ من كان كذلك فليس له أن يفخر بنصرته و ينسب غيره إلى خذلانه. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 81

 

نامه 36 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى عقيل بن أبى طالب، فى ذكر جيش انفذه إلى بعض الأعداء و هو جواب كتاب كتبه إليه

فَسَرَّحْتُ إِلَيْهِ جَيْشاً كَثِيفاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ- فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ شَمَّرَ هَارِباً وَ نَكَصَ نَادِماً- فَلَحِقُوهُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ- وَ قَدْ طَفَّلَتِ الشَّمْسُ لِلْإِيَابِ- فَاقْتَتَلُوا شَيْئاً كَلَا وَ لَا- فَمَا كَانَ إِلَّا كَمَوْقِفِ سَاعَةٍ حَتَّى نَجَا جَرِيضاً- بَعْدَ مَا أُخِذَ مِنْهُ بِالْمُخَنَّقِ- وَ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ غَيْرُ الرَّمَقِ- فَلَأْياً بِلَأْيٍ مَا نَجَا- فَدَعْ عَنْكَ قُرَيْشاً وَ تَرْكَاضَهُمْ فِي الضَّلَالِ- وَ تَجْوَالَهُمْ فِي الشِّقَاقِ وَ جِمَاحَهُمْ فِي التِّيهِ- فَإِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَرْبِي- كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ص قَبْلِي- فَجَزَتْ قُرَيْشاً عَنِّي الْجَوَازِي- فَقَدْ قَطَعُوا رَحِمِي وَ سَلَبُونِي سُلْطَانَ ابْنِ أُمِّي- وَ أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ رَأْيِي فِي الْقِتَالِ- فَإِنَّ رَأْيِي قِتَالُ الْمُحِلِّينَ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ- لَا يَزِيدُنِي كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي عِزَّةً- وَ لَا تَفَرُّقُهُمْ عَنِّي وَحْشَةً- وَ لَا تَحْسَبَنَّ ابْنَ أَبِيكَ- وَ لَوْ أَسْلَمَهُ النَّاسُ مُتَضَرِّعاً مُتَخَشِّعاً- وَ لَا مُقِرّاً لِلضَّيْمِ وَاهِناً- وَ لَا سَلِسَ الزِّمَامِ لِلْقَائِدِ- وَ لَا وَطِي‏ءَ الظَّهْرِ لِلرَّاكِبِ الْمُقْتَعِدِ- وَ لَكِنَّهُ كَمَا قَالَ أَخُو بَنِي سَلِيمٍ-

          فَإِنْ تَسْأَلِينِي كَيْفَ أَنْتَ فَإِنَّنِي                صَبُورٌ عَلَى رَيْبِ الزَّمَانِ صَلِيبُ‏
           يَعِزُّ عَلَيَّ أَنْ تُرَى بِي كَآبَةٌ                    فَيَشْمَتَ عَادٍ أَوْ يُسَاءَ حَبِيبُ‏

اللغة

أقول: طفّلت الشمس بالتشديد: إذا مالت للغيب. و آبت: لغة في غابت. و الجريض: المغموم الّذي يبتلع ريقه على همّ و حزن بالجهد و يكاد يموت لذلك. و المخنّق بالتشديد: هو من العنق موضع الخنق بكسر النون. و الرمق: بقيّة النفس و اللأى: الشدّة و العسر. و الاجماع: تصميم العزم. و الجوازى: جمع جازية و هي النفوس تجزى بالسيّئة. و المحلّين: من نقص البيعة، يقال لمن نقض عهده و بيعته: محلّ، و لمن حفظه. محرم. و المقتعد: الراكب لاقتعاده لأظهر البعير.

و حاصل الفصل أمور:

أحدها: قوله: فسرّحت، إلى قوله: ما نجا.
حكاية حال عدوّ و قد أغار على بعض أعماله فنفد إليه جيشا من المسلمين فهرب حين علم توجّههم نحوه ثمّ لحقوه‏ فقاتلوه قليلا ثمّ أفلت منهم على شدّة و عسر من الخلاص، و ألفاظه عليه السّلام أفصح العبارات عمّا ذكره، و هاربا و نادما و جريضا أحوال. و قوله كلا و لا. تشبيه بالقليل السريع الفناء، و ذلك لأنّ لا و لا لفظان قصيران سريعا الانقطاع قليلان في المسموع من المتخاطبين. فشبّه بهما ما كان من محاربة العدوّ للجيش الّذي نفذه. و نحوه قول ابن هاني المغربي:
                و أسرع في العين من لحظة             و أقصر في السمع من لا و لا

و موقف مصدر أى فما كان ذلك القتال إلّا كوقوف ساعة، و روى: لا و ذا.
و لأيا مصدر و العامل محذوف، و ما مصدريّة في موضع الفاعل، و التقدير: فلأيى لأيا نجاؤه أى عسرو إبطاء.
و قوله: بلأى. أى لأيا مقرونا بلأى.

الثاني: قوله: فدع عنك إلى قوله: ابن أمىّ.
كالجواب لكلام ذكر فيه قريشا و من انضمّ منهم إلى معاوية فأمره عليه السّلام بالإضراب عن ذكرهم على سبيل الغضب منهم، و الواو في قوله: و تركاضهم. يشبه أن يكون بمعنى مع، و يحتمل أن تكون عاطفة، و استعار لهم لفظ التركاض باعتبار خبط أذهانهم في الضلال عن سبيل اللّه و خوضهم في الباطل يتسرّع فيه من غير توقّف، و كذلك لفظ التجوال، و لفظ إجماح باعتبار كثرة خلافهم للحقّ و حركاتهم في تيه الجهل و الخروج عن طريق العدل كالفرس يجمح و يجول. و قوله. فإنّهم. إلى قوله: رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. في قوة صغرى ضمير نبّه به على أنّه لا خير فيهم و أنّه يجب الإعراض عنهم، و تقدير الكبرى، و كلّ من كان كذلك فينبغي تركه و الإعراض عنه إذ لا خير فيه.
و أمّا حقيقة الصغرى فظاهرة لأنّ قريشا صمّم عزمهم على حربه منذ بويع بغضا له و حسدا و حقدا عليه و اتّفقوا على شقاقه كما كانت حالهم في بدو الإسلام مع رسول اللّه‏ صلّى اللّه عليه و آله لم يفترق الحالان في شي‏ء من ذلك. و قوله: فجزت قريشا عنّى الجوازى. دعاء عليهم بأن يجازوا بمثل فعلهم به من قطيعة الرحم و سلبه سلطان الإسلام و الخلافة الّتي هو أولى بها. و هى تجرى مجرى المثل. و قوله: فقد قطعوا رحمي. كالتعليل لحسن الدعاء عليهم، و هو في قوّة صغرى ضمير أيضا، و تقدير كبراه: و كلّ من فعل ذلك فهو حقيق بالدعاء عليه، و أراد بابن امّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لأنّهما ابنا فاطمة بنت عمرو بن عمران بن عائذ بن مخزوم امّ عبد اللّه و أبي طالب، و لم يقل ابن أبي لأنّ غير أبي طالب من الأعمام يشركه في النسب إلى عبد المطّلب. و قيل: إنّ امّه فاطمة بنت أسد كانت تربّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حين كفّله أبو طالب يتيما فهي كالامّ له فأطلق عليه البنوّة لها مجازا.

الثالث: قوله: و أمّا ما سألت عنه. إلى آخره.
فهو تقرير بسؤاله و الجواب عنه، و فيه تنبيه على فضيلته من وجوه: الأوّل: قوّته في الدين على من أحلّ ذمّة اللّه و نقض عهدا من عهوده. الثاني: شجاعته الّتي لا يزيده معها كثرة الناس حوله عزّة و لا تفرّقهم عنه وحشة، و لا يوجد معها بالصفات المذكورة من الجبن و العجز و الانقياد للعدوّ، و لكنّه معها كالقائل. و الشعر منسوب إلى العبّاس بن مرداس السلمى و هو في قوّة تمثيل أصله القائل، و فرعه هو عليه السّلام، و علّته ما ذكر من الأوصاف، و حكمه كونه شجاعا يجب الحذر من صولته. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة (ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 79

 

نامه 35 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى عبد اللّه بن العباس، بعد مقتل محمد بن أبى بكر

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مِصْرَ قَدِ افْتُتِحَتْ- وَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدِ اسْتُشْهِدَ- فَعِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُهُ وَلَداً نَاصِحاً وَ عَامِلًا كَادِحاً- وَ سَيْفاً قَاطِعاً وَ رُكْناً دَافِعاً- وَ قَدْ كُنْتُ حَثَثْتُ النَّاسَ عَلَى لَحَاقِهِ- وَ أَمَرْتُهُمْ بِغِيَاثِهِ قَبْلَ الْوَقْعَةِ- وَ دَعَوْتُهُمْ سِرّاً وَ جَهْراً وَ عَوْداً وَ بَدْءاً- فَمِنْهُمُ الْآتِي كَارِهاً وَ مِنْهُمُ الْمُعْتَلُّ كَاذِباً- وَ مِنْهُمُ الْقَاعِدُ خَاذِلًا- أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لِي مِنْهُمْ فَرَجاً عَاجِلًا- فَوَاللَّهِ لَوْ لَا طَمَعِي عِنْدَ لِقَائِي عَدُوِّي فِي الشَّهَادَةِ- وَ تَوْطِينِي نَفْسِي عَلَى الْمَنِيَّةِ- لَأَحْبَبْتُ أَلَّا أَبْقَى مَعَ هَؤُلَاءِ يَوْماً وَاحِداً- وَ لَا أَلْتَقِيَ بِهِمْ أَبَداً

اللغة

أقول: احتسبت كذا عند اللّه: أي طلبت به الحسبة بكسر الحاء و هي الأجر. و الشهادة: القتل في سبيل اللّه. و استشهد: كانّه استحضر إلى اللّه.

و مدار الكتاب على امور:

أحدها
إعلامه بفتح مصر.

الثاني: إخباره عن قتل محمّد بن أبي بكر
ليساهمه في الهمّ بهذه المصيبة، و مدحه في معرض التفجّع عليه و التوجّع له، و ولدا و عاملا و سيفا و ركنا أحوال، و تسميته ولدا مجاز باعتبار تربيته في حجره كالولد، و ذلك أنّه كان ربيبا له، و أمّه أسماء بنت عميس الخثعميّة كانت تحت جعفر بن أبي طالب و هاجرت معه إلى الحبشة فولدت له محمّدا و عونا و عبد اللّه بالحبشة، و لمّا قتل جعفر تزوّجها ابو بكر فولدت له‏ محمّدا هذا. فلمّا توفّى عنها تزوّجها علي عليه السّلام فولدت له يحيى بن عليّ، و استعار له لفظ السيف باعتبار كونه يقمع به العدوّ و يصال به عليه، و رشّح بذكر القاطع، و كذلك لفظ الركن باعتبار كونه يستند إليه في الحوادث فتدفع به و رشّح بقوله: دافعا.

الثالث: إعلامه بحاله مع الناس في معرض التشكّى منهم
و أنّه قد حثّهم على لحاقه و إغاثته فلم يسمعوا، و أشار إلى وجه تقصير كلّ منهم، و قد كان حاله عليه السّلام مع الناس كحال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مع قومه فالآتون كارهين كأنّما يساقون إلى الموت و هم ينظرون، و المعتلّون كذبا كالّذين قالوا لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم و اللّه يعلم أنّهم لكاذبون، و من تأمّل حالهما و سيرتهما إلى أن قبضا تحقّق وجه الشبه بينهما في أكثر الأحوال. و هذه القسمة لهم بحسب ما وجدهم.

الرابع: سؤاله للّه تعالى أن يعجّل له منهم الفرج
و هو في معرض التشكّي أيضا و الإشارة إلى وجه عذره في المقام بينهم على هذه الحال و هو طلبه للشهادة و توطينه نفسه على الموت عند لقاء العدوّ، و لولا ذلك لفارقهم. و باللّه التوفيق.

شرح‏نهج‏البلاغة(ابن‏ميثم)، ج 5 ، صفحه‏ى 77

 

نامه34 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى محمد بن أبى بكر، لما بلغه توجده من عزله بالأشتر عن مصر

ثم توفى الأشتر فى توجهه إلى مصر قبل وصوله إليها أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي مَوْجِدَتُكَ مِنْ تَسْرِيحِ الْأَشْتَرِ إِلَى عَمَلِكَ- وَ إِنِّي لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ اسْتِبْطَاءً لَكَ فِي الْجَهْدَ- وَ لَا ازْدِيَاداً لَكَ فِي الْجِدِّ- وَ لَوْ نَزَعْتُ مَا تَحْتَ يَدِكَ مِنْ سُلْطَانِكَ- لَوَلَّيْتُكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ مَئُونَةً- وَ أَعْجَبُ إِلَيْكَ وِلَايَةً- إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي كُنْتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ- كَانَ رَجُلًا لَنَا نَاصِحاً وَ عَلَى عَدُوِّنَا شَدِيداً نَاقِماً- فَرَحِمَهُ اللَّهُ فَلَقَدِ اسْتَكْمَلَ أَيَّامَهُ- وَ لَاقَى حِمَامَهُ وَ نَحْنُ عَنْهُ رَاضُونَ- أَوْلَاهُ اللَّهُ رِضْوَانَهُ وَ ضَاعَفَ الثَّوَابَ لَهُ- فَأَصْحِرْ لِعَدُوِّكَ وَ امْضِ عَلَى بَصِيرَتِكَ- وَ شَمِّرْ لِحَرْبِ مَنْ حَارَبَكَ وَ ادْعُ إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ- وَ أَكْثِرِ الِاسْتِعَانَةَ بِاللَّهِ يَكْفِكَ مَا أَهَمَّكَ- وَ يُعِنْكَ عَلَى مَا نَزَلَ بِكَ و السلام

أقول: السبب أنّ محمّد بن أبي بكر كان يضعف عن لقاء العدوّ، و لم يكن في أصحاب عليّ عليه السّلام أقوى بأسا في الحرب من الأشتر- رحمه اللّه- و كان معاوية بعد وقايع صفّين قد تجرّد للإغارة على أطراف بلاد المسلمين، و قد كانت مصر جعلت طعمة لعمرو بن العاص، و علم عليه السّلام أنّها لا تتحفّظ إلّا بالأشتر فكتب له العهد الّذي يأتي ذكره و وجّهه إليها فبلغه أنّ محمّدا تألّم من ذلك. ثمّ إنّ الأشتر مات قبل وصوله إليها فكتب عليه السّلام إلى محمّد هذا الكتاب، و هو يؤذن بإقراره على عمله و استرضائه، و تعريفه وجه عذره في تولية الأشتر لعمله، و أنّه لم يكن ذلك لموجدة عليه و لا تقصير منه.

اللغة

و الموجدة ما يجده الإنسان من الغضب و التألّم عنه. و التسريح: الإرسال. و أصحر له: أى أخرج له إلى الصحراء. و البصيرة هنا: الحجّة و الهدى في الدين.

و حاصل الفصل امور:

الأوّل: فقد بلغني. إلى قوله: عملك
كالاعتراف له بما يشبه الإساءة في حقّه ليرتّب عليه ما يشبه الاعتذار إليه.

الثاني: قوله: و إنّي لم أفعل ذلك. إلى قوله: ناقما.
أخذ فيما يشبه العذر فنفى عنه التقصير و الاستبطاء في الجهاد و نحوه ممّا عساه يتوهّمه سببا لعزله. ثمّ وعده على تقدير تمام عزله بولاية أمر هو أسهل عليه كلفة و أحبّ إليه ولاية تسكينا لقلبه عن مصر بالترغيب فيما هو خير منها. ثمّ أشار إلى وجه بعثه الأشتر في معرض ذلك الثناء عليه بما استجمعه من الخصال الحميدة المذكورة، و هى كونه لامامه ناصحا، و على عدوّه شديدا ناقما: أي منكرا و مغيرا، و محمّد و إن كان له الأمر في الأوّل إلّا أنّه في الثاني ضعيف.

الثالث: قوله: فرحمه اللّه. إلى قوله: الثواب له.
إعلام بأنّه مات و هو عنه راض لأن لا يظهر به شماتته.

الرابع: قوله: فأصحر. إلى آخره
أمر له بالاستعداد للعدوّ، و أمره بالإصحار لإشعاره بالقوّة دون الاستتار في المدينة المشعر بالضعف، و أن يمضى في محاربته على حجّته في الحقّ و استبصاره فيه، و كنّى وصف التشمير عن الاستعداد للحرب، و أن يدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالّتي هي أحسن، و أن يكثر الاستعانة باللّه فإنّ الرغبة إليه، و الاستعانة به تعدّ لإفاضة النصر و كفايته ما أهمّ من أمر العدوّ و معونته على ما نزل من الشدائد. و باللّه التوفيق و العصمة.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 75

نامه 33 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى قثم بن العباس، و هو عامله على مكة

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ عَيْنِي بِالْمَغْرِبِ كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي- أَنَّهُ وُجِّهَ إِلَى الْمَوْسِمِ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ- الْعُمْيِ الْقُلُوبِ الصُّمِّ الْأَسْمَاعِ الْكُمْهِ‏ الْأَبْصَارِ- الَّذِينَ يَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ- وَ يُطِيعُونَ الْمَخْلُوقَ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ- وَ يَحْتَلِبُونَ الدُّنْيَا دَرَّهَا بِالدِّينِ- وَ يَشْتَرُونَ عَاجِلَهَا بِآجِلِ الْأَبْرَارِ الْمُتَّقِينَ- وَ لَنْ يَفُوزَ بِالْخَيْرِ إِلَّا عَامِلُهُ- وَ لَا يُجْزَى جَزَاءَ الشَّرِّ إِلَّا فَاعِلُهُ- فَأَقِمْ عَلَى مَا فِي يَدَيْكَ قِيَامَ الْحَازِمِ الصَّلِيبِ- وَ النَّاصِحِ اللَّبِيبِ- التَّابِعِ لِسُلْطَانِهِ الْمُطِيعِ لِإِمَامِهِ- وَ إِيَّاكَ وَ مَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ- وَ لَا تَكُنْ عِنْدَ النَّعْمَاءِ بَطِراً- وَ لَا عِنْدَ الْبَأْسَاءِ فَشِلًا

أقول: هو قثم بن العبّاس بن عبد المطّلب، و لم يزل واليا لعليّ عليه السّلام على مكّة حتّى قتل عليه السّلام و استشهد بسمرقند في زمن معاوية، و سبب هذا الكتاب أنّ معاوية كان قد بعث إلى مكّة في موسم الحجّ و اجتماع العرب بها دعاة يدعون إلى طاعته و يثبّطون العرب من نصرة عليّ عليه السّلام، و يلقون في أنفسهم أنّه إمّا قاتل عثمان أو خاذل له و على التقديرين فلا يصلح للإمامة، و ينشرون محاسن معاوية- بزعمهم- و أخلاقه و سيرته في العطاء. فكتب عليه السّلام هذا الكتاب إلى عامله بمكّة ينبّهه على ذلك ليعتمد عليه فيما يقتضيه السياسة، و قيل: إنّ الذين بعثهم بعض السرايا الّتي كان يبعثها ليغير على أعمال عليّ عليه السّلام.

اللغة

و العين: الجاسوس. و الموسم: مجمع الحاجّ. و الأكمه: الأعمى خلقة. و البطر: شدّة المرح و كثرة النشاط. و البأساء: الشدّة بنى على فعلاء و لا أفعل له لأنّه اسم غير صفة. و الفشل: الجبن و الضعف.

المعنى

و حاصل الكتاب إعلامه أوّلا بما كتب إليه عينه بالمغرب، و أراد الشام لأنّها من البلاد المغربيّة، و قد كان له عليه السّلام في البلاد جواسيس يخبره بما يتجدّد من الامور عند معاوية، و لمعاوية عنده كذلك كما جرت عادة الملوك بمثله. ثمّ وصف أهل الشام بأوصاف يستلزم البعد عن اللّه لغرض التنفير عنهم:

أحدها: شمول الغفلة بهم من كلّ وجه عمّا خلقوا لأجله، و أستعار لقلوبهم لفظ العمى باعتبار عدم عقليّتهم للحقّ و إدراكهم لما ينبغي من طريق الآخرة كما لا يدرك الأعمى قصده، و لفظ الصمّ لأسماعهم و الكمه لأبصارهم باعتبار عدم انتفاعهم من جهة الأسماع بالمواعظ و التذاكير، و من جهة الأبصار بتحصيل العبرة بها من آثار اللّه سبحانه كما لا ينتفع بذلك فاقد هاتين الآلتين.

الثاني: كونهم يلبسون الحقّ بالباطل: أى يخلّطونه و يعمّونه فيه. و المراد أنّهم يعلمون أنّه على الحقّ و أنّ معاوية على الباطل ثم يكتمون ذلك و يغطّونه بشبهة قتل عثمان و الطلب بدمه إلى غير ذلك من أباطيلهم، و روى يلتمسون الحقّ بالباطل. إذ كانوا يطلبون حقّا بحركاتهم الباطلة.

الثالث: كونهم يطيعون المخلوق: أى معاوية في معصية خالقهم.

الرابع: كونهم يجتلبون الدنيا درّها بالدين، و استعار لفظ الدرّ لمتاع الدنيا و طيّباتها، و لفظ الاحتلاب لاستخراج متاعها بوجوه الطلب من مظانّه ملاحظا لشبهها بالناقة. و درّها منصوب بدلا من الدنيا. و إنّما كان ذلك بالدين لأنّ إظهارهم لشعاره و تمسّكهم بظواهره لعرض تحصيل الدنيا و أخذهم ما لا يستحقّونه منها فإنّ محاربتهم له عليه السّلام إنّما كانت كما زعموا للأخذ بثار الخليفة عثمان و إنكار المنكر على قاتليه و خاذليه، و لذلك تمكّنوا من تألّف قلوب العرب و أكثر جهّال المسلمين على حربه عليه السّلام، و أخذ البلاد.

الخامس: شراؤهم عاجل الدنيا بآجل الأبرار، و هو ثواب الآخرة، و لفظ الشراء مستعار لاستعاضتهم ذلك العاجل من ذلك الآجل، و لمّا كان ذلك في شعار الإسلام هو الخسران المبين ذكره في معرض ذمّهم، ثمّ ذكر في مقام الوعد و الوعيد لهم انحصار الفوز بالخير ممّن عمل الخير ترغيبا فيه و المجازاة بالشرّ في فاعله تنفيرا عفه. ثمّ ختم بأمره و تحذيره أمّا أمره فبأن يقيم على ما في يديه من العمل مقام من هو أهل ذلك و هو الحازم المتثبّت في إرائه، الصليب في طاعة اللّه، الناصح اللبيب له و لأوليائه، التابع لسلطانه، المطيع لإمامه و أمّا تحذيره فممّا يعتذر منه و هو كلّ‏ أمر عدّ في الشرع معصية و تقصيرا عن أداء حقّه، و يروى الكلمات مرفوعة. ثمّ من البطر في النعمة و الفشل و الضعف عند البأساء و الشدّة لكون ذلك معدّ الزوال النعمة و حلول النقمة. و البطر رذيلة تستلزم رذيلتي الكبر و العجب و تقابل فضيلة التواضع، و الفشل رذيلة التفريط من فضيلة الشجاعة. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن‏ ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 72

 

نامه 32 شرح ابن میثم بحرانی

و من كتاب له عليه السّلام إلى معاوية  

وَ أَرْدَيْتَ جِيلًا مِنَ النَّاسِ كَثِيراً- خَدَعْتَهُمْ بِغَيِّكَ وَ أَلْقَيْتَهُمْ فِي مَوْجِ بَحْرِكَ- تَغْشَاهُمُ الظُّلُمَاتُ وَ تَتَلَاطَمُ بِهِمُ الشُّبُهَاتُ- فَجَازُوا عَنْ وِجْهَتِهِمْ وَ نَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ- وَ تَوَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ وَ عَوَّلُوا عَلَى أَحْسَابِهِمْ- إِلَّا مَنْ فَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ- فَإِنَّهُمْ فَارَقُوكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِكَ- وَ هَرَبُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ مُوَازَرَتِكَ- إِذْ حَمَلْتَهُمْ عَلَى الصَّعْبِ وَ عَدَلْتَ بِهِمْ عَنِ الْقَصْدِ- فَاتَّقِ اللَّهَ يَا مُعَاوِيَةُ فِي نَفْسِكَ- وَ جَاذِبِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ- فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْكَ وَ الْآخِرَةَ قَرِيبَةٌ مِنْكَ- وَ السَّلَامُ

أقول: أوّل هذا الكتاب: من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان أمّا بعد فإنّ الدنيا دار تجارة و ربحها الآخرة. فالسعيد من كانت بضاعته فيها الأعمال الصالحة، و من رأى الدنيا بعينها و قدّرها بقدرها و إنّي لأعظك مع علمى بسابق العلم فيك ممّا لا مردّ له دون نفاذه، و لكنّ اللّه تعالى أخذ على العلماء أن يردّوا الأمانة، و أن ينصحوا الغوىّ و الرشيد. فاتّق اللّه و لا تكن ممّن لا يرجو للّه‏ وقارا، و من حقّت عليهم كلمة العذاب فإنّ اللّه بالمرصاد، و أنّ دنياك ستدبر عنك، و ستعود حسرة عليك فانتبه من الغيّ و الضلال على كبر سنّك و فناء عمرك فإنّ حالك اليوم كحال الثواب المهيل الّذي لا يصلح من جانب إلّا فسد من آخر. ثمّ يتّصل به و قد أرديت. الفصل.   

اللغة

و المهيل: المتداعي في التمزّق، و منه رمل مهيل: أي ينهال و يسيل. و أرديت أهلكت. و الجيل: الصنف، و روى جبلا: و هو الخلق. و جاروا: عدلوا. و الوجهة: القصد. و النكوص: الرجوع. و عوّل على كذا: اعتمد عليه. و فاء: رجع. و الموازرة: المعاونة.

و في الكتاب مقاصد:
الأوّل: موعظته و تذكيره بحال الدنيا و كونها دار تجارة
و الغاية من التجارة فيها إمّا ربح الآخرة بصلاح البضاعة و هي الأعمال، و إمّا خسران الآخرة بفسادها.

الثاني: تنبيهه على أن يرى الدنيا بعينها
أي يعرفها بحقيقتها، أو يراها بالعين الّتي بها تعرف و هي عين البصيرة، و يعلم ما هي عليه من الغير و الزوال و أنّها خلقت لغيرها ليقدّرها بمقدارها و يجعلها في نظره لما خلقت له.

الثالث: نبّهه على أنّ للّه تعالى علما لا بدّ من نفاده فيه
فإنّ ما علم اللّه تعالى وقوعه لا بدّ من وقوعه، و إنّما وعظه امتثالا لأمر اللّه و وفاء بعهده على العلماء أن تؤدّوا أمانته، و تبلغوا أحكامه إلى خلقه و أن تنصحوا ضالّهم و رشيدهم.

الرابع: أمره بتقوى اللّه، و نهاه أن يكون ممّن لا يرجو للّه وقارا
أي لا يتوقّع للّه عظمة فيعبده و يطيعه. و الوقار: الاسم من التوقير: و هو التعظيم. و قيل: الرجاء هنا بمعنى الخوف فيكون مجازا إطلاقا لاسم أحد الضدّين على الآخر، و أن يكون ممّن حقّت عليه كلمة العذاب.
و قوله: فإنّ اللّه بالمرصاد.
تنبيه له على اطّلاعه عليه و علمه بما يفعل ليرتدع عن معصيته.

الخامس: نبّهه على إدبار الدنيا
و عودها حسرة عليه يوم القيامة فقدها مع عشقه لها، و عدم تمسّكه في الآخرة بعصم النجاة، و فناء زاده إليها.
السادس: أمره بالانتباه من رقدة الجهل و الضلال على حال كبر سنّه و فناء عمره
فإنّ تلك الحال أولى الأحوال بالانتباه منها، و نبّهه على أنّه غير قابل للإصلاح في ذلك السنّ بعد استحكام جهله و تمكّن الهيئات البدنيّة من جوهر نفسه و نهكها له فهو كالثوب الخلق لا يمكن إصلاحه بالخياطة بل كلّما خيط من جانب تمزّق من آخر.

السابع: أخبره في معرض التوبيخ على ما فعل بأهل الشام
من خدعته لهم و إلقائهم في موج بحره، و لمّا كان ضلاله عن دين اللّه و جهله بما ينبغي هو سبب خدعته لهم نسبها إليه، و استعار لفظ البحر لأحواله و آرائه في طلب الدنيا و الانحراف عن طريق اللّه باعتبار كثرتها و بعد غايتها، و لفظ الموج للشبه الّتي ألقاها إليهم و غرقهم بها فيما يريد من الأغراض الباطلة، و مشابهتها للموج في تلعّبها بأذهانهم و اضطراب أحوالهم بسببها ظاهرة، و كذلك استعار لفظ الظلمات لما حجب أبصار بصائرهم عن إدراك الحقّ من تلك الشبهات، و لفظ الغشيان لطريانها على قلوبهم و حجبها لها. و محلّ تغشاهم نصب على الحال. و كذلك لفظ التلاطم لتلعّب تلك الشبهات بعقولهم.

و قوله: فجازوا. عطف على ألقيتهم، و أراد أنّهم عدلوا عن الحقّ بسبب ما ألقاه إليهم من الشبه و اعتمدوا في قتالهم على أحسابهم حميّة الجاهليّة في الذبّ عن أصولهم و مفاخرهم دون مراعاة الدين و الذبّ عنه إلّا من رجع إلى الحقّ من أهل العقول فإنّهم عرفوك و ما أنت عليه من الضلال، فارقوك و هربوا إلى اللّه من مؤازرتك فيما تريده من هدم الدين حين حملتهم على الامور الصعبة الهادمة له و عدلت بهم عن قصد الحقّ. و قد كان استغوى العرب بشبهة قتل عثمان و الطلب بدمه. فلمّا عرف‏ عقلاؤهم و المتمسّكون بالدين منهم أنّ ذلك خدعة منه لإرادة الملك فارقوه و اعتزلوه. و قوله: على أعقابهم، و على أدبارهم. ترشيح لاستعارة لفظى النكوص و التولّى من المحسوسين للمعقولين، و الاستثناء هنا من الجيل الذين خدعهم، و لفظ الصعب مستعار لما حملهم عليه من الأمور المستصعبة في الدين باعتبار أنّ ركوبهم لها يستلزم عدولهم عن صراط اللّه و وقوعهم في مهاوى الهلاك كما يستلزم ركوب الجمل الصعب النفور العدول براكبه عن الطريق و تقحّم المهالك، و كذلك لفظ القصد مستعار للطريق المعقول إلى الحقّ من الطريق المحسوس. ثمّ كرّر عليه الأمر بتقوى اللّه، و أن يجاذب الشيطان قياده. و استعار لفظ المجاذبة للممانعة المعقولة، و لفظ القياد لما يقوده به من الآراء الباطلة و كواذب الآمال، و ممانعة الشيطان لذلك القياد بتكذيب النفس الأمّارة فيما يوسوس به من تلك الآراء. و قوله: فإنّ الدنيا. إلى آخره. تنبيه له على وجوب قطع الآمال الدنيويّة لانقطاع الدنيا، و على العمل للآخرة بقربها. و هو في قوّة صغرى ضميرين تقدير كبرى الأوّل: و كلّ ما كان منقطعا زايلا وجب أن يقطع الأمل فيه لانقطاعه و تجاذب الشيطان في دعوته إليه، و تقدير كبرى الثاني: و كلّ ما كان قريبا فينبعي أن يستعدّ لوصوله بالعمل. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة (ابن ميثم بحراني)، ج 5 ، صفحه‏ى 69

 

نامه 31 شرح ابن میثم بحرانی

و من وصيّة له عليه السّلام للحسن بن على عليهما السّلام، كتبها إليه بحاضرين منصرفا من صفين

أقول: روى جعفر بن بابويه القميّ- رحمه اللّه- أنّ هذه الوصيّة كتبها عليه السّلام إلى ابنه محمّد بن الحنفيّة- رضى اللّه عنه- و هى من أفصح الكلام و أبلغه و أشمله [أجمعه خ‏] لدقايق الحكمة العمليّة و لطايفها، و أكمل عبارة يجذب بها إلى سبيل اللّه. و حاضرين: اسم موضع بالشام. و فيها فصول:

الفصل الأوّل:

قوله: مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ الْمُدْبِرِ الْعُمُرِ- الْمُسْتَسْلِمِ لِلدَّهْرِ الذَّامِّ لِلدُّنْيَا- السَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى وَ الظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً- إِلَى الْمَوْلُودِ الْمُؤَمِّلِ مَا لَا يُدْرِكُ- السَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ- غَرَضِ الْأَسْقَامِ وَ رَهِينَةِ الْأَيَّامِ- وَ رَمِيَّةِ الْمَصَائِبِ وَ عَبْدِ الدُّنْيَا وَ تَاجِرِ الْغُرُورِ- وَ غَرِيمِ الْمَنَايَا وَ أَسِيرِ الْمَوْتِ- وَ حَلِيفِ الْهُمُومِ وَ قَرِينِ الْأَحْزَانِ- وَ نُصُبِ الْآفَاتِ وَ صَرِيعِ الشَّهَوَاتِ وَ خَلِيفَةِ الْأَمْوَاتِ

اللغة

أقول: الرهينة: ما يرهن. و الرمّية: الهدف، و التاء لنقل الاسم من الوصفيّة

إلى الاسميّة الصرفة. و الحليف: المحالف. و النصب: الشي‏ء المنصوب.

المعنى

و هذا الفصل كالعنوان للوصيّة، و قد ذكر لنفسه أوصافا سبعة، و لولده أربعة عشر في معرض الوعظ و التنفير عن الدنيا و الركون إليها، و ضاعف الأوصاف لولده لأنّه المقصود بالوصيّة و الموعظة:

فالأوّل: من الفان، و اللفظ هنا مجاز تسمية له باسم غايته، و وقف على المنقوص بحذف الياء لمراعاة القرينة الثانية، و قد علمت جوازه.

الثاني: المقرّ للزمان: أى بالغلبة و القهر المعترف بالعجز في يد تصريفاته كأنّه قدّره خصما ذا بأس يقرّ الأقران له.

الثالث: المدبر العمر، و ذاك أنّه كان عليه السّلام قد ذرّف على الستّين.

الرابع: المستسلم للدهر، و هو أبلغ من المقرّ للزمان.

الخامس: الذامّ للدنيا، و لم يزل عليه السّلام نافرا عنها و منفّرا بذكر معايبها.

السادس: الساكن مساكن الموتى، و هو تنفير عن الركون إلى الدنيا و المقام بها بذكر كونها مساكن الموتى. إذ من كان في مساكنهم يوشك أن يلحقه ما نزل بهم، و تقرب في التنفر من قوله تعالى «و سكنتم في مساكن الّذين ظلموا أنفسهم»«» الآية.

السابع: الظاعن عنها غدا، و هو تذكير بالمفارقة، و غدا كناية عن وقتها، و لفظ الظاعن مستعار له. و أمّا أوصاف المولود: فالأوّل: المؤمّل ما لا يدرك، و فيه تنفير عن طول الأمل. إذ كان ينسى الآخرة، و جعل وجه التنفير تأميله ما لا يدرك، و ظاهر أنّ الانسان ما دام في هذه الدار موجّه أمله نحو مطالبها كما أشار إليه سيّد المرسلين صلّى اللّه عليه و آله: يشيب بن آدم و يشبّ فيه خصلتان: الحرص و الأمل. و ذلك يستلزم انقضاء مدّته دون بلوغها. الثاني: السالك سبيل من قد هلك، و سبيلهم سفرهم في الدنيا إلى الآخرة و قطعهم لمنازل الأعمار، و أضافها إلى من هلك تذكيرا بالموت.الثالث: غرض الأسقام، و استعار لفظ الغرض له باعتبار كونه مرميّا بسهام الأمراض كالغرض. الرابع: رهينة الأيّام، و استعار له لفظ الرهينة باعتبار أنّ وجوده مربوط بالأوقات، و داخل في حكمها كما يرتبط الرهن بيد مرتهنه. الخامس: و رميّة المصائب، و هو كقوله: غرض الأسقام. السادس: و عبد الدنيا، و لفظ العبد مستعار لأنّ طالب الدنيا منقاد بطبعه إليها، و عامل لها كما ينقاد العبد لسيّده و يعمل له. السابع: و تاجر الغرور: أى تجارته لها غرور و غفلة عن المكاسب الحقيقيّة الباقية، و لفظ التاجر مستعار له باعتبار بذله لما له و أعماله في شرّ الدنيا على وهم أنّها هى المطالب الحقّة المربحة.

الثامن: و غريم المنايا، و لفظ الغريم مستعار له باعتبار طلب الموت له كالمتقاضى بالرحيل كما يتقاضى الغريم.

التاسع: استعار له لفظ الأسير باعتبار انقياده للموت و عدم تمكينه من الخلاص.

العاشر: و حليف الهموم.

الحادي عشر: و قرين الأحزان، و استعار لفظى الحليف و القرين له باعتبار عدم انفكاكه عن الهموم و الأحزان كما لا ينفكّ الحليف و القرين عن حليفه و قرينه.

الثاني عشر: و نصب الآفات، كقوله: و رميّة المصائب.

الثالث عشر: و صريع الشهوات، و لفظ الصريع مستعار له باعتبار كونه مغلوبا لشهوته مقهورا لها كالقتيل.

الرابع عشر: و خليفة الأموات، و فيه تنفير عن الدنيا بتذكير الموت لأنّ خليفة الأموات في معرض اللحوق بهم، و نحوه قول بعض الحكماء: إنّ امرء ليس بينه و بين آدم إلّا أب ميّت لمعرق النسب في الموت.

 

الفصل الثاني:

قوله: أَمَّا بَعْدُ- فَإِنَّ فِيمَا تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي- وَ جُمُوحِ الدَّهْرِ عَلَيَّ وَ إِقْبَالِ الْآخِرَةِ إِلَيَّ- مَا يَزَعُنِي عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ- وَ الِاهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي- غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِي- فَصَدَقَنِي رَأْيِي وَ صَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ- وَ صَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي- فَأَفْضَى بِي إِلَى جِدٍّ لَا يَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ- وَ صِدْقٍ لَا يَشُوبُهُ كَذِبٌ وَ وَجَدْتُكَ بَعْضِي- بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي- حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي- وَ كَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي- فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي- فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي مُسْتَظْهِراً بِهِ إِنْ أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ

اللغة

أقول: جمح الفرس: إذا غلب صاحبه فلم يملكه. و يزعني: يمنعني. و المحض: الخالص. و أفضى: أى انتهى. و الشوب: المزج و الخلط.

المعنى

و قابل في لفظه بين الإقبال و الادبار و الآخرة و الدنيا. و قد أشرنا إلى معنى إدبار الدنيا و إقبال الآخرة في قوله: ألا و إنّ الدنيا قد أدبرت، و استعار لفظ الجموح للدهر باعتبار عدم تمكّنه من ضبطه في تغيّراته و تصريفاته الخارجة عن اختياره كالجموح من الخيل، و ما الاولى بمعنى الّذي، و يحتمل أن تكون مصدريّة، و على المعنى الأوّل يكون من للتبيين، و على الثاني لابتداء الغاية، و ما الثانية بمعنى الّذي و محلّها الرفع بالابتداء، و فيما تبيّنت خبره، و مستظهرا حال، و مدار الفصل على إعلامه إيّاه أنّه في معرض الزوال عنه و أنّ ذلك الوقت هو وقت الاهتمام بحال نفسه و بحاله لينزّله منزلة نفسه و أنّه‏ شديد الاهتمام بحاله ليكون ذلك أدعى لقبول وصيّته و هو كالتوطئة و التمهيد لها.

ثمّ أعلمه أنّ فيما تبيّن له عليه السّلام من الأمور المذكورة قرب رحيله إلى اللّه و ذلك هو الّذي وزعه و منعه عن ذكر ما سواه و الاهتمام بما وراءه من المصالح المتعلّقة بصلاح الخلق و نظام العالم. إذ كان ذلك هو وقت التضيّق على الإنسان فيما هو أهمّ عليه من الاستكمال بالفضايل و الاستعداد للقاء اللّه دون ما سبق من أوقات الشبيبة و استقبال العمر لاتّساعها لصلاح حال الغير و الاشتغال بالامور المباحة، غير أنّه حين تبيّن له ذلك و تفرّد به همّ نفسه دون غيرها، و من صدّقه رأيه بكشفه له عمّا ينبغي أن يكون اشتغاله به من أمر نفسه و وجوب العمل لها فيما يهمّها، و صرفه عن هواه فيما يخرج عنها. إذ كان أجود الآراء و أصدقها في الأمر عنده شدّة، الاهتمام به، و صرّح له خالص أمره و ما ينبغي له، و انتهى به إلى جدّ و صدق خالصين من شائبة اللعب و الكذب. وجده عليه السّلام بعضا منه و هو كناية عن شدّة اتّصاله به و قربه منه و محبّته له كما قال الشاعر:
              و إنّما أولادنا بيننا           أكبادنا يمشى على الأرض‏

بل وجده كلّه: أى عبارة عن كلّه. إذ كان هو الخليفة له و القائم مقامه و وارث علمه و فضائله، و دلّ على شدّة قربه منه و أنّه بمنزلة نفسه بذكر الغايتين في قوله: حتّى. إلى قوله: أتانى، و وجه التشبيه بين ما يصيب ولده و بين ذلك الشي‏ء و إن لم يصبه عليه السّلام شدّة تألّمه به.

و اعلم أنّ ذلك الوجدان و إن كان له طبعا كما يحصل للوالد في أمر ولده لكنّه ممّا لزم التفطّن له في آخر العمر عند تذكير انقطاع الدنيا لما في طبعه من محبّة بقاء الذكر الجميل و الحرص على دوام الخير و الآثار الصالحة في العالم و لذلك جعله لازما لتفرّد همّ نفسه به و صدق رأيه في النصيحة، و روى: محض. مرفوعا على الفاعليّة و منصوبا بإسقاط حرف الجرّ، و التقدير عن محض أمري، ثمّ نبّه على أنّ من لوازم وجدانه لما وجده من أمره أن عناه و أهمّه منه ما يهمّه من أمر نفسه فكتب إليه هذه الوصيّة ليكون له ظهرا و مستندا يرجع إلى العمل بها في‏ حالتي بقائه له و فنائه عنه. إذ كان ما اشتملت عليه هذه الوصيّة من الحكم و الآداب و مكارم الأخلاق، و تعريف سلوك سبيل اللّه مما راض به نفسه في مدّة عمره اقتفاء لأثر الرسول صلّى اللّه عليه و آله و اقتداء به فاقتضت عنايته به أن يحثّه على العمل بها. و باللّه التوفيق.

الفصل الثالث:

قوله: فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ أَيْ بُنَيَّ وَ لُزُومِ أَمْرِهِ- وَ عِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ وَ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ- وَ أَيُّ سَبَبٍ أَوْثَقُ مِنْ سَبَبٍ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ- إِنْ أَنْتَ أَخَذْتَ بِهِ- أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ وَ أَمِتْهُ بِالزَّهَادَةِ- وَ قَوِّهِ بِالْيَقِينِ وَ نَوِّرْهُ بِالْحِكْمَةِ- وَ ذَلِّلْهُ بِذِكْرالْمَوْتِ وَ قَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ- وَ بَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا- وَ حَذِّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وَ فُحْشَ تَقَلُّبِ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ- وَ اعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ- وَ ذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ- وَ سِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَ آثَارِهِمْ- فَانْظُرْ فِيمَا فَعَلُوا وَ عَمَّا انْتَقَلُوا وَ أَيْنَ حَلُّوا وَ نَزَلُوا- فَإِنَّكَ تَجِدُهُمْ قَدِ انْتَقَلُوا عَنِ الْأَحِبَّةِ- وَ حَلُّوا دِيَارَ الْغُرْبَةِ- وَ كَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ- فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ وَ لَا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ- وَ دَعِ الْقَوْلَ فِيمَا لَا تَعْرِفُ وَ الْخِطَابَ فِيمَا لَمْ تُكَلَّفْ- وَ أَمْسِكْ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلَالَتَهُ- فَإِنَّ الْكَفَّ عِنْدَ حَيْرَةِ الضَّلَالِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْأَهْوَالِ وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ- وَ أَنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِيَدِكَ وَ لِسَانِكَ- وَ بَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ- وَ جَاهِدْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ- وَ لَا تَأْخُذْكَ‏ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ- وَ خُضِ الْغَمَرَاتِ لِلْحَقِّ حَيْثُ كَانَ وَ تَفَقَّهْ فِي الدِّينِ- وَ عَوِّدْ نَفْسَكَ التَّصَبُّرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ- وَ نِعْمَ الْخُلُقُ التَّصَبُرُ فِي الْحَقِّ- وَ أَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا إِلَى إِلَهِكَ- فَإِنَّكَ تُلْجِئُهَا إِلَى كَهْفٍ حَرِيزٍ وَ مَانِعٍ عَزِيزٍ- وَ أَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ- فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَ الْحِرْمَانَ- وَ أَكْثِرِ الِاسْتِخَارَةَ وَ تَفَهَّمْ وَصِيَّتِي- وَ لَا تَذْهَبَنَّ عَنْكَ صَفْحاً- فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ- وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ- وَ لَا يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لَا يَحِقُّ تَعَلُّمُهُ

اللغة

أقول: الغمرات: الشدائد. و المثوى: محلّ الثواء و الإقامة.

و هذا حين افتتح ما يريد أن يوصى به. و اشتمل هذا الفصل من ذلك على أمور:
أحدها: تقوى اللّه
و قد علمت حقيقتها فيما سلف، و يشبه أن يكون المراد بها هنا الخوف منه تعالى.

الثاني: لزوم أمره
و هو من لوازم تقواه.

الثالث: عمارة قلبه بذكره
و استعار لفظ العمارة لتكميل قلبه بذكر اللّه، و إكثاره منه لأنّه روح العبادات و كمال النفس كما أنّ العمارة كمال للدار و هو داخل في لزوم ذكره لقوله تعالى وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ«».

الرابع: الاعتصام بحبله
و استعار لفظ الحبل لما يوصل إليه من دينه فيكون التمسّك به سببا للنجاة كالحبل، و أراد بالاعتصام الامتناع بالتمسّك به من عذاب اللّه. ثمّ استفهم عن سبب أوثق منه استفهام إنكار و تعجّب من وثاقته، و يدخل في لزوم أمره لقوله تعالى وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً«».

الخامس: أمره أن يحيى قلبه بالموعظة،
و استعار وصف الإحياء له باعتبارتكميله لنفسه بالعلم و الاعتبار الحاصل عن الموعظة كما يكمل المرء بالحياة.

السادس: قوله: أمته بالزهادة
و الّذي يميته هى النفس الأمّارة بالسوء، و إماتتها كسرها عن ميولها المخالفة لأداء العقل بترك الدنيا و الإعراض عنها و تطويعها بذلك، و يحتمل أن يريد به النفس العاقلة أيضا، و إماتتها قطعها عن متابعة هواها.

السابع: أن يقويه باليقين
أى من ضعف الجهل للصعود إلى أفق عليّين و النهوض إلى مقام الأبرار، و لمّا كان اليقين درجة اشتداد و قوّة في العلم ناسب أن يجعله تقوية للقلب.

الثامن، و أن ينوّره بالحكمة،
و استعار لفظ التنوير بالحكمة لتحمّله لها باعتبار أنّ ذلك سبب هدايته لسبيل اللّه في ظلمات الجهل كحامل النار. و قد عرفت الحكمة و أقسامها.

التاسع: أن يذلّله بذكر الموت،
و ذلك لأنّ كثرة إخطاره بالبال يستلزم الخوف و يسكن القلب عن جماحه في ميدان الشهوات، و يذلّل من عزّة الكبر و هزّة العجب و حميّة الغضب.

العاشر: أن يقرّره بالفناء
أى يحمله على الإقرار به و يديم ذكره له ليتأكّد علمه به.

الحادي عشر: أن يبصّره فجايع الدنيا
أى يحمله على النظر بعين البصيرة و الاعتبار برزايا الدنيا و آفاتها.

الثاني عشر: أن يحذّره صولة الدهر و فحش تقلّب الليالي و الأيّام،
و لفظ الصولة مستعار له ملاحظة لشبهه بالسبع في أخذه و ما يكون بسببه من الأذى.

الثالث عشر: أن يعرض عليه أخبار الماضين
و يذكّره ما أصابهم لينظر ما فعلوا و عمّا انتقلوا من الآثار العظيمة و الملك الجسيم، و يحصل من ذلك عبرة و قياسا لحاله بحالهم، و يستقرب لحاقه بهم و صيرورته كأحدهم فيما صاروا إليه، و وجه التشبيه قرب حاله من حال أحدهم. و إليه الإشارة بقوله تعالى أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا«» الآية.

الرابع عشر: أن يصلح مثواه،
و هو الدار الآخرة بلزوم الأعمال الصالحة و لا يبيع آخرته و ما وعد فيها من الخيرات الباقية بما وجد في دنياه من اللذّات الوهميّة الفانية، و لفظ البيع مستعار.

الخامس عشر: أن يترك القول فيما لا يعرفه.
إذ القول بغير علم يستلزم رذيلتي الكذب و الجهل، و يلحق به الذمّ. و نحوه قول الرسول صلّى اللّه عليه و آله لبعض أصحابه: كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس خرجت عهودهم و أماناتهم و صاروا هكذا:- و شبّك بين أصابعه- قال: فقلت: مرنى يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله. فقال: خذ ما تعرف و دع ما لا تعرف، و عليك بحويضة نفسك. و كذلك قوله: و الخطاب فيما لا تكلّف كقوله صلّى اللّه عليه و آله: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.

السادس عشر: أن يمسك عن طريق إذا خاف ضلالته،
و المراد التوقّف عند الشبهات و عدم التسرّع إلى سلوك طريق يشكّ في تأديته إلى الحقّ فإنّ توقّفه و تثبّته عند طلب الحق إلى أن يتّضح له طريقه خير له من التعسّف و ركوب ما يخاف الضلال به من الطرق.

السابع عشر: أن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر فعلا و قولا، و يباين من فعله بقدر إمكانه
و هو من فروض الكفاية، و عليهما مدار نظام العالم، و لذلك كان القرآن الكريم و السنّة النبويّة مشحونين بهما و استدرجه إلى ذلك بقوله: تكن من أهله. لأنّهم أولياء اللّه الأبرار المرغوب في الكون منهم.

الثامن عشر: أن يجاهد في اللّه أعداء دينه الجهاد الحقّ،
و إضافة حقّ إلى جهاده إضافة الصفة إلى الموصوف لأنّ الصفة من باب الأهمّ.

التاسع عشر: أن لا يأخذه في اللّه لومة لائم،
و هو كناية عن نهيه عن التقصير في طاعة اللّه. إذ كان من لوازم المقصّر استحقاق لؤم اللائمين.

العشرون: أن يخوض الغمرات إلى الحقّ حيث كان
و لفظ الخوض مستعارلمعاناة الشدائد و الدخول فيها لطلبه الحقّ.

الحادى و العشرون: أن يتفقّه فى الدين،
و يتعلّم الأحكام الشرعيّة و مباديها.

الثاني و العشرون: أن يعوّد نفسه الصبر على المكروه.
و قد علمت أنّ احتمال المكروه فضيلة تحت الشجاعة و هو من مكارم الأخلاق.

الثالث و العشرون: أن يلجئ نفسه في اموره كلّها إلى اللّه تعالى،و هو أمر بالتوكّل على اللّه و الإنابة إليه في كلّ مرغوب أو مرهوب، و قد علمت حقيقة التوكّل و ما يستلزمه، و استدرجه إلى ذلك بقوله: فإنّك تلجئها إلى كهف حريز و مانع عزيز، و استعار لفظ الكهف له تعالى باعتبار أنّ من توكّل عليه كفاه و منعه ممّا يخاف كما يمنع الكهف من يلتجئ إليه.

الرابع و العشرون: أن يخلص في دعائه و مسئلته لربّه.
إذ كان ذلك من شرائط الإجابة، و استدرجه إلى الاخلاص بقوله: فإنّ بيده العطاء و الحرمان ليشتدّ الانجذاب إليه و الإعراض عن غيره. و الفئات الثلاث: فنعم، و قوله: فإنّك و قوله: فانّ بيده. جواب الأوامر الثالثة.

الخامس و العشرون: أن يكثر الاستخارة
أى الطلب إلى اللّه تعالى أن يخيّر له فيما يأتي و يذر.

السادس و العشرون: أن يتفهّم وصيّته و لا يعرض عنها،
و كنّى عن الإعراض و ترك العمل بها بالذهاب صفحا، و انتصب صفحا على الحال: أى و لا تذهبنّ معرضا، و استدرجه للإقناع بها بقوله: فإنّ خير القول ما نفع، و التقدير فإنّ وصيّتى نافعة، و ما نفع فهو خير القول. فإذن وصيّتى خير القول. ثمّ نبّهه بقوله: و اعلم.
إلى قوله: تعلّمه. على أنّ من العلوم ما لا خير فيه لئلّا يتشوّق إلى معرفته فيصدّه ذلك عن سلوك سبيل اللّه و العلم المؤدّى إليه، و تلك هى العلوم الّتي نهت الشريعة عن تعلّمها كالسحر و الكهانة و النجوم و النيرنجات و نحوها ممّا لا يكون سبيلا إلى المقاصد الحقيقيّة التامّة. و تقدير الكلام: و اعلم أنّ كلّ علم لا يحق تعلّمه: أى لا يثبت في الشريعة تعلّمه وجوبا و لا ندبا فهو علم لا ينتفع به في طريق الآخرة فلا خير فيه لأنّ الخير الحقيقىّ هو المنفعة الباقية عند اللّه فما لا منفعة فيه لا خير، و لذلك استعاذ الرسول صلّى اللّه عليه و آله منه فقال: و أعوذ بك من علم لا ينفع. فينتج أن كلّ علم لا يحقّ تعلّمه فلا خير فيه. و باللّه التوفيق.

الفصل الرابع:

قوله: أَيْ بُنَيَّ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنّاً- وَ رَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً- بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ- وَ أَوْرَدْتُ خِصَالًا مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي- دُونَ أَنْ أُفْضِيَ إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي- أَوْ أَنْ أُنْقَصَ فِي رَأْيِي كَمَا نُقِصْتُ فِي جِسْمِي- أَوْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَ فِتَنِ الدُّنْيَا- فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ- وَ إِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ- مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْ‏ءٍ قَبِلَتْهُ- فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ- وَ يَشْتَغِلَ لُبُّكَ لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ مِنَ الْأَمْرِ- مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَ تَجْرِبَتَهُ- فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَئُونَةَ الطَّلَبِ- وَ عُوفِيتَ مِنْ عِلَاجِ التَّجْرِبَةِ- فَأَتَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأْتِيهِ- وَ اسْتَبَانَ لَكَ مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا مِنْهُ أَيْ بُنَيَّ إِنِّي وَ إِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي- فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ وَ فَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ- وَ سِرْتُ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ- بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ- قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ- فَعَرَفْتُ‏ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ وَ نَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ- فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ وَ تَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ وَ صَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ- وَ رَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي الْوَالِدَ الشَّفِيقَ- وَ أَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ- وَ أَنْتَ مُقْبِلُ الْعُمُرِ وَ مُقْتَبَلُ الدَّهْرِ- ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ وَ نَفْسٍ صَافِيَةٍ- وَ أَنْ أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ تَأْوِيلِهِ وَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَ أَحْكَامِهِ وَ حَلَالِهِ وَ حَرَامِهِ- لَا أُجَاوِزُ ذَلِكَ بِكَ إِلَى غَيْرِهِ- ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ- مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَ آرَائِهِمْ- مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ- فَكَانَ إِحْكَامُ ذَلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ- مِنْ إِسْلَامِكَ إِلَى أَمْرٍ لَا آمَنُ عَلَيْكَ فِيهِ الْهَلَكَةَ- وَ رَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللَّهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ- وَ أَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هَذِهِ وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ- أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ إِلَيَّ مِنْ وَصِيَّتِي تَقْوَى اللَّهِ- وَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ- وَ الْأَخْذُ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ- وَ الصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ- فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ نَظَرُوا لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ- وَ فَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّرٌ- ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذَلِكَ إِلَى الْأَخْذِ بِمَا عَرَفُوا- وَ الْإِمْسَاكِ عَمَّا لَمْ يُكَلَّفُوا- فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ كَمَا عَلِمُوا- فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذَلِكَ بِتَفَهُّمٍ وَ تَعَلُّمٍ- لَا بِتَوَرُّطِ الشُّبُهَاتِ وَ عُلَوِّ الْخُصُوصِيِّاتِ- وَ ابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذَلِكَ بِالِاسْتِعَانَةِ بِإِلَهِكَ- وَ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي تَوْفِيقِكَ- وَ تَرْكِ كُلِّ شَائِبَةٍ أَوْلَجَتْكَ فِي شُبْهَةٍ- أَوْ أَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلَالَةٍ- فَإِنْ أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ- وَ تَمَّ رَأْيُكَ فَاجْتَمَعَ- وَ كَانَ هَمُّكَ فِي ذَلِكَ هَمّاً وَاحِداً- فَانْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ- وَ إِنْ أَنْتَ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ- وَ فَرَاغِ نَظَرِكَ وَ فِكْرِكَ- فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ الْعَشْوَاءَ وَ تَتَوَرَّطُ الظَّلْمَاءَ- وَ لَيْسَ طَالِبُ الدِّينِ مَنْ خَبَطَ أَوْ خَلَطَ- وَ الْإِمْسَاكُ عَنْ ذَلِكَ أَمْثَلُ فَتَفَهَّمْ يَا بُنَيَّ وَصِيَّتِي- وَ اعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ الْحَيَاةِ- وَ أَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ- وَ أَنَّ الْمُفْنِيَ هُوَ الْمُعِيدُ وَ أَنَّ الْمُبْتَلِيَ هُوَ الْمُعَافِي- وَ أَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ- إِلَّا عَلَى مَا جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّعْمَاءِ وَ الِابْتِلَاءِ- وَ الْجَزَاءِ فِي الْمَعَادِ- أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا لَا تَعْلَمُ- فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْ‏ءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ- فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ بِهِ جَاهِلًا ثُمَّ عُلِّمْتَ- وَ مَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الْأَمْرِ وَ يَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأْيُكَ- وَ يَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَ رَزَقَكَ وَ سَوَّاكَ- وَ لْيَكُنْ لَهُ تَعَبُّدُكَ- وَ إِلَيْهِ رَغْبَتُكَ وَ مِنْهُ شَفَقَتُكَ- وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبِئْ عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ- كَمَا أَنْبَأَ عَنْهُ الرَّسُولُ ص فَارْضَ بِهِ رَائِداً وَ إِلَى النَّجَاةِ قَائِداً- فَإِنِّي لَمْ آلُكَ نَصِيحَةً- وَ إِنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ فِي النَّظَرِ لِنَفْسِكَ- وَ إِنِ اجْتَهَدْتَ مَبْلَغَ نَظَرِي لَكَ

اللغة

أقول: الوهن: الضعف. و المبادرة: المسارعة و المسابقة. و أفضى: وصل. و البغية: الطلبة. و التوخّى: القصد. و أجمعت: صمّمت العزم. و أسلمته إلى كذا: خليت بينه و بينه. و أمثل: أقرب إلى الخير.

و في هذا الفصل مقاصد:

الأوّل: أنّه أشار إلى بعض العلل الحاملة له على هذه الوصيّة
و هى كونه قد بلغ سنّا عاليا و أخذ ازديادا في الضعف، و ذلك أنّه كان قد جاوز السّتين فلزم من ذلك خوفه لأحد الخصال المذكورة فبادرها و سابقها إليه. و خصالا مفعول به. و عدّ من تلك الخصال ثلاثا:

الأولى: أن يعجل به أجله إلى الآخرة قبل أن يوصل إليه ما في نفسه من الحكمة. الثانية: أن ينقص في رأيه، و ذلك أنّ القوى النفسانيّة تضعف عند علوّ السنّ لضعف الأرواح الحاملة لها فينقص بسبب ذلك تصرّف العقل و تحصيله للآراء الصالحة. الثالثة: أن يسبقه إليه بعض غلبات الهوى فإنّ الصبيّ إذا لم يؤخذ بالآداب في حداثته و لم ترض قواه لمطاوعة العقل و موافقته كان بصدد أن يميل به القوى الحيوانيّة إلى مشتهياتها و ينجذب في قياد هواه إلى الاستعمال بها فيفتنه و يصرفه عن الوجهة الحقيقيّة و ما ينبغي له فيكون حينئذ كالصعب النفور من الإبل، و وجه التشبيه أنّه يعسر حمله على الحقّ و جذبه إليه كما يعسر قود الجمل الصعب النفور و تصريفه بحسب المنفعة. ثمّ نبّه على وجوب المبادرة إليه بالأدب، و زرعه في قلبه‏ بضمير صغراه قوله: و إنّما قلب الحدث. إلى قوله: قبلته. و أشار إلى وجه التشبيه بقوله: و ما ألقى فيها من شي‏ء قبلته. و ذلك أنّ قلب المحدث لمّا كان خاليا من الانتقاش بالعقايد و غيرها مع كونه قابلا لما يلقى إليه من خير أو شرّ فينتقش به أشبه الأرض الخالية من النبات و الزرع القابلة لما يلقى فيها من البذر، و تقدير الكبرى: و كلّ قلب كان كذلك فيجب أن يسبق إليه ببذر الآداب و غرس الحكمة. فلذلك بادره بالأدب قبل أن يقسو قلبه عن الانقياد للحقّ و الاشتغال بالأمور الباطلة. ثمّ أشار إلى العلّة الأخرى من العلل الغائيّة لمبادرته بالأدب و هى أن يستقبل بجدّ رأيه و قوّة فكره ما قد كفاه أهل التجارب بغيته من العلوم و عوفى فيه من علاج التجربة و معاناتها فأتاه من ذلك العلم التجربيّ ما كان أهل التجربة يأتونه و يطلبونه، و استبان له ما ربّما أظلم عليهم منه، و فرّق بين من يأتيه العلم صفوا و يلقى إليه بينا واضحا، و قد كفى فيه مؤنة الاكتساب، و بين من سعى إليه و شقى في تحصيله و خاض إليه غمرات الشكوك و ظلمات الشبهات. و كلّ ذلك من الامور المقنعة له في قبول الوصيّة و العمل بما اشتملت عليه من الحكم و الآداب لأنّ أهل التجارب إذا كانوا قد جدّوا في تحصيله مع ما وجدوا فيه من المشقّة فلان يجدّ هو و يقبله خالصا من الكلفة أولى.

المقصود الثاني: أشار إلى فضيلة نفسه و استكمالها بالعلوم.
ثمّ إلى كونه في غاية العناية و الشفقّة عليه و إلى ما رآه أصلح في تعليمه إيّاه من العلوم غير متجاوز إلى غير ذلك، و غايته من الجميع استدراجه لقبول قوله كما علمت من غرض الخطيب في ذكر فضيلته، و ما يستدرج به للانفعال ممّا يريد أن يقنع به من الآراء و غيرها.
فنبّه على فضيلته بقوله: أى بنىّ. إلى قوله: مجهولة. و قوله: و إن لم أكن في قوّة جواب اعتراض مقدّر كأنّ قائلا قال له: فكيف حصلت العلوم عن تجارب الامور مع حاجة التجربة إلى عمر طويل يشاهد فيه الإنسان تغيّرات‏ الأمور و تقلّبات الدهور فقال: إنّى و إن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلى و شاهدت أحوالهم لكنّى نظرت في أعمالهم و فكّرت في أخبارهم المأثورة و سرت في آثارهم سيرا محسوسا و معقولا حتّى صرت كأحدهم في عيان امورهم.

و قوله: فعرفت عطف على قوله: و سرت. و قوله: ذلك. إشارة إلى ما انتهى إليه من أمورهم. و كنّى بالصفو عن الخير و بالكدر عن الشرّ: أى فعرفت خير امورهم من شرّها و نفعها من ضرّها، و استخلصت لك من كلّ أمر جليله و هو خيره و ما ينفع منه عند اللّه من العلوم و العبر النوافع، و روى: نخيلته أى خلاصته. و قصدت لك جميله: أى الأمر الحسن منه دون قبيحه، و صرفت عنك مجهوله: أى ما اشتبه عليك أمره و ألتبس الحقّ فيه. و قوله: و رأيت حيث عنانى. إلى آخره. إشارة إلى كمال عنايته و شفّقته عليه و وجوه اختياراته له ما هو أولى به من العلوم، و أجمعت عطف على يعنى، و أن يكون في محلّ النصب على أنّه مفعول أوّل لرأيت، و تكون هنا تامّة، و الواو في قوله: و أنت للحال، و أن أبتدئك عطف على أن يكون، و المفعول الثاني لرأيت محذوف تقديره أنفع و أصلح، و تقدير الكلام: و رأيت حيث عنانى من أمرك ما يعنى الوالد الشفيق من أمر ولده من النظر في مصالحه و الاهتمام بأحواله و ما صمّمت عزمى عليه من تأديبك أن يكون ذلك التأديب حال إقبال عمرك حال كونك ذانيّة سليمة من الأمراض النفسانيّة و الأخلاق الذميمة، و كونك ذا نفس صافية من كدر الباطل، و أن أبتدئك بتعليم كتاب اللّه و تأويله و ما يشتمل عليه من شرايع الإسلام: أى قوانينه و أحكامه و حلاله و حرامه، و أقتصر بك على ذلك كما اقتصر عليه كثير من السلف. و قوله: ثمّ أشفقت.

عطف على رأيت: أى كنت رأيت أن أقتصر بك على ذلك و لا اتجاوز بك إلى غيره مى العلوم العقليّة. ثمّ خفت أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم و آرائهم مثل ما التبس عليهم: أى التباسا مثل الالتباس عليهم فكان إحكام ذلك: أى ما اختلف الناس فيه على ما كرهت من شبهك له أحبّ إلىّ من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك فيه الهلكة في الدين، و ذلك الأمر هو ما اختلف الناس فيه من المسائل العقليّة الإلهيّة الّتي يكثر التباس الحقّ فيها بالباطل، و يكتنفها الشبهات المغلّطة الّتي هى مظنّة الخطر و الانحراف بها عن سبيل الحقّ إلى سبيل الهلاك، و إحكام ذلك الأمر ببيان وجه البرهان فيه و كيفيّة الخلاص من شبهة الباطل و مزاجه. و قوله: و رجوت أن يوفّقك. عطف على أشفقت، و الضمير المجرور بفى يعود إلى ما اختلف الناس فيه.

المقصود الثالث: الإشارة إلى بيان ما هو الأحبّ إليه أن يأخذ به من وصيّته،
و الإرشاد إلى كيفيّة أخذه و ما ينبغي أن يبدء قبل الشروع من الاستعانة باللّه و الرغبة إليه في التوفيق. إلى غير ذلك من الآداب الّتى يتمّ بها الاستعداد للبحث و التعلّم. فمن الأحبّ إليه تقوى اللّه الّذي هو الزاد المبلّغ إليه. ثمّ الاقتصار على ما افترضه اللّه عليه من النظر في ظواهر الأدلّة دون التوغّل في الفكر و خوض الشبهات ممّا لم يكلّف به أخذا بما مضى عليه الصالحون من أهل بيته كحمزة و جعفر و العبّاس و عبيدة بن الحرث و غيرهم من بنى هاشم. و قوله: فانّهم إلى قوله: لم يكلّفوا ترغيب له في الأخذ بمأخذهم، و تنفير له عن التوغّل و التعمّق بضمير صغراه ما ذكر، و تقدير الكبرى: و كلّ من كان كذلك فينبغى الاقتداء به في الأخذ بما عرف و الإمساك عمّا لم يكلّف. و قوله: فإن أبت. إلى آخره. بيان للكيفيّة الّتي ينبغي أن يكون عليها طلبة العلوم العقليّة، و التدقيق‏ فيها إن أبت نفسه الاقتصار على ما افترضه اللّه عليه: أى فليكن طلبك لما أنت طالب له من ذلك على وجوه: أحدها: التفهّم للمقاصد، و التعلّم للحقّ، و الطلب له لا على وجه تعلّم الشبهات و التورّط فيها و المشاغبة بها فإنّ ذلك ممّا يصدّ عن تعلّم الحقّ و يمنع من قبوله. الثاني: أن يبدء قبل نظره في ذلك الطلب بالاستعانة باللّه و الرغبة إليه في توفيقه لإصابة طريق الحقّ و الوصول إليه. الثالث: أن يترك كلّ شائبة أو لجته في شبهة كالعادات في نصرة المذاهب الباطلة بحسب اتّباع الهوى و الآراء الّتي يطلب بها الرئاسات فإنّ النفس إذا كانت فيها شائبة محبّة لأمر جسمانىّ لم يتّضح لها طريق الحقّ بل كانت إلى الانحراف في طرق الضلال و الشبه المناسبة للمطالب الباطلة أقرب، و تلك الطرق أعرف عندها لمكان تلك الشائبة. فينبغى للسالك أن يحذف عن نفسه كلّ شبهة تقود إلى ضلالة، و لفظ الإسلام مستعار لإهماله و عدم جذبه عمّا يتورّط فيه من الامور المضلّة. ثمّ قال: فإذا أيقنت. إلى آخره: أى فإذا أعددت نفسك للطلب و النظر بما ذكرت لك، و تحقّقت أن قد صفا قلبك من كلّ شائبة تنافي النظر، فخشع من خشية اللّه أن يؤاخذك بتركه، و تمّ رأيك و عزمك عليه فاجتمع متفرّقه حتّى لا يبقى لك إلى تركه التفات، و كان همّك فيه همّا واحدا لا ينقسم إلى غيره. فانظر حينئذ فيما فسّرت لك و نبّهتك عليه من المسائل العقليّة الإلهيّة كما سيأتي، و إن أنت لم يجتمع لك ما تحبّ من نفسك و فراغ نظرها و فكرها عن الشوائب المنافية للعلم و طلبه و نظرت. فاعلم أنّك في خوضك و طلبك له إنّما تخبط خبط عشواء و تتورّط الظلماء، و كلّ من كان كذلك فليس أهلا لطلب الدين من أصوله. و حذف المضاف إلى العشواء و أقام المضاف إليه مقامه، و استعار وصف الخبط له باعتبار أنّه طالب للعلم من غير استكمال شرائط الطلب و على غير وجهه فهو متعسّف سالك على غير طريق المطلوب كالناقة العشواء، و كذلك لفظ الظلماء للشبه باعتبار أنّ الذهن لا يهتدى فيها لطلب الحقّ كالماشى في الظلماء.

المقصود الرابع: أمره بتفهّم وصيّته.
و نبّهه على جملة من صفات اللّه و أفعاله الّتي قد يتوهّم التضادّ و التناهى في إسنادها إلى مبدء واحد، و أشار إلى أنّها ليست بمتضادّة، و أنّ مبدئها واحد، فأمّا الصفات فهو أنّ القادر على الموت و من له أن يميت فهو القادر على الحياة و له أن يحيى باعتبار أنّ أسباب الموت و الحياة ينتهى إليه، و كذلك الخالق هو المميت فإنّ فاعل الخلق هو مقدّر الموت الّذي ينتهى إليه أسبابهما، و إلى هذين الاعتبارين الإشارة بقوله تعالى «يحيى و يميت ربّكم و ربّ آبائكم الأوّلين» فيحيى و يميت باعتبار انّه الفاعل الأوّل لهما و باعتبار أنّه الربّ المطلق هو المالك الأوّل لهما، و كذلك المفنى هو المعيد و المبتلى هو المعافى باعتبار انتهاء أسباب الفناء و الإعادة و اللابتلاء و المعافاة إليه.

و قد علمت أنّ كلّ هذه الأمور اعتبارات عقليّة يلحقّ معقوليّة الواجب سبحانه بالقياس إلى مخلوقاته و آثاره كما استقصيناه في الخطبة الأولى، و أمّا الأفعال فهو أنّه تعالى لمّا خلق الدنيا لم يمكن خلقها و استقرار وجودها إلّا على ما خلقها اللّه عليه من إفاضة ما يعدّ نعمة في حقّ بعض العبيد من مال و صحّة و نحوهما، و الابتلاء بما يعدّ بلاء من الفقر و المرض و نحوهما، و إن كانت النعماء أيضا ابتلاء كما قال تعالى «و نبلوكم بالشرّ و الخير فتنة و إلينا ترجعون»«». ثمّ لزوم الجزاء في المعاد لنفوس المبتلين و المنعم عليهم بحسب طاعتهم و معصيتهم في النعمة و الابتلاء، و كذلك خلقه لها على ما شاء ممّا لا يعلم وجه الحكمة فيه، و اعلم أنّه قد ثبت في أصول الحكمة أنّ المقصود من العناية الإلهيّة بالذات إنّما هو الخير، و أمّا الشرور الواقعة في الوجود فكاينة بالعرض من حيث إنّه لا يمكن نزع الخير و تجريده عنها. و لمّا كان الخير أغلب في الوجود، و كانت الشرور امورا لازمة أقليّة لم يمكن ترك الخير الكثير لأجلها لأنّ ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شرّ كثير في الجود و الحكمة، و ذلك معنى قوله عليه السّلام: و إنّ‏ الدنيا لم تكن لتستقرّ إلّا على ما جعلها اللّه عليه ممّا عدّدناه ممّا يعلم كونه خيرا أو شرّا أولا يعلم حاله: أى لم يكن خلقها إلّا على ما فيها من خير مراد بالذات و شرّ مراد بالعرض، و لزوم الجزاء على السيّئة و عقاب النفوس في المعاد عليها من الشرور اللازمة لما حصلت عليه من الهيئات البدنيّة و الملكات الرديئة في الدنيا كما يعلم ذلك من موضعه. و قوله: فإن أشكل. إلى آخره. أى فإن أشكل عليك شي‏ء من أسرار القدر، و خفى عليك وجه الحكمة فيه فلا تتوّهم خلوّه عن حكمة بل احمله على جهالتك به فانّك أوّل ما خلقت جاهلا ثمّ علمت كما قال تعالى وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً«» الآية. و نصب أوّل على الظرف، و جاهلا على الحال، و روى أوّل مرفوعا بالابتداء و جاهل بالرفع خبرا له. ثمّ نبّهه على أكثريّة ما يسبق جهله به من الأمور ثمّ يدركه فيما بعد ليجعل ما لا يدرك وجه الحكمة فيه من ذلك القبيل. ثمّ أمره بالاعتصام باللّه و اللجأ إليه في أموره، و أن يجعل له تعبّده و إليه رغبته و منه شفقّته لأنّه تعالى أحقّ موجود بذلك و أولاه بالأمور المذكورة.

المقصود الخامس: الإشارة إلى فضيلة الرسول صلّى اللّه عليه و آله على سائر الأنبياء
لزيادته عليهم في إيضاح الخبر عن اللّه تعالى، و بيان المطالب الحقيقيّة الّتى اشتمل عليها الكتاب العزيز من أسرار التوحيد و القضاء و القدر و أمر المعاد فإنّ أحدا من الأنبياء السابقين عليهم السّلام لم يفصح عن هذه الأمور كإفصاحه، و لذلك كانت هداية هذه الأمّة بتمام ما جاء به صلّى اللّه عليه و آله أتمّ و أكمل من هداية ساير الامم السابقة عمّا جاءت به أنبياؤها و كانت عيون بصائرهم أبسط أنوارا و أكثر انتشارا. و غاية ذكر فضيلته صلّى اللّه عليه و آله هنا أن يرضى برأيه و دلالته على طريق النجاة في الآخرة، و استعار له لفظ الرائد باعتبار أنّه قد اختبر ما في الآخرة من الثواب المقيم و السعادة الباقية، و بشّر به أمّته كما يبشّر الرائد أهله بوجود الكلاء و الماء بعد ارتياده. ثمّ أردف ذلك ببيان أنّه لم يزل‏ ناصحا له وأنيه لم يبلغ نظره لنفسه و إن اجتهد في ذلك مبلغ نظره له ليتأكّد الإقناع برأيه و شوره عليه فيما يراه له. و نصيحة نصب على التميز.

الفصل الخامس:
قوله: وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ- أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ- وَ لَرَأَيْتَ آثَارَ مُلْكِهِ وَ سُلْطَانِهِ- وَ لَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَ صِفَاتِهِ- وَ لَكِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ- لَا يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ وَ لَا يَزُولُ أَبَداً وَ لَمْ يَزَلْ- أَوَّلٌ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ بِلَا أَوَّلِيَّةٍ- وَ آخِرٌ بَعْدَ الْأَشْيَاءِ بِلَا نِهَايَةٍ- عَظُمَ عَنْ أَنْ تَثْبُتَ رُبُوبِيَّتُهُ بِإِحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَرٍ- فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَافْعَلْ- كَمَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي صِغَرِ خَطَرِهِ- وَ قِلَّةِ مَقْدِرَتِهِ وَ كَثْرَةِ عَجْزِهِ- و عَظِيمِ حَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ فِي طَلَبِ طَاعَتِهِ- وَ الْخَشْيَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ- وَ الشَّفَقَةِ مِنْ سُخْطِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْكَ إِلَّا بِحَسَنٍ- وَ لَمْ يَنْهَكَ إِلَّا عَنْ قَبِيحٍ

أقول: أشار في هذا الفصل إلى الحجّة على وحدانيّة الصانع سبحانه، و على جملة من صفاته.
ثمّ إلى ما ينبغي أن يفعله من ملاحظة عظمته تعالى من الصفات المذكورة فإذن هاهنا أبحاث:
البحث الأوّل: الحجّة على وحدة الصانع
و هي شرطيّة متّصلة مقدّمها قوله: لو كان لربّك شريك، و تاليها لأتنك رسله. إلى قوله: و لعرفت أفعاله و صفاته، و يستنتج منها استثناء نقيض أقسام التالي لينتج نقيض المقدّم. بيان الملازمة: أنّه لو كان له شريك لكان شريكه إلها مستجمعا لجميع شرايط الإلهيّة و إلّا لم يصلح للشركة لكن من لوازم الإلهيّة امور:

أحدها: الحكمة في وجوب بعثة الرسل إلى الخلق و وصولهم إليه لما علمت من برهان وجوب البعثة في موضعه. الثاني: يلزم أن يكون آثار ملكه و سلطانه و صفات أفعاله ظاهرة مشاهد. الثالث: أن يعرف أفعاله و صفات ذاته. لكن هذه اللوازم كلّها باطلة: أمّا الأوّل فلأنّه لم يأتنا رسول ذو معجزة يدلّنا على الثاني و يخبرنا عنه، و أمّا الثاني: فهو أنّ آثار الملك و السلطان و عظمة الملك و إحكامه إنّما يدلّ على حكيم قادر فأمّا على التعدد فلا و اما الثالث: فالان مجرد الافعال التي نشاهدها انما يدل على فاعل فاما التعدد فلا و كذلك صفات الالهيه المكتسبه بواسطه الافعال من العلم و القدرة و الإرادة و غيرها إنّما يدلّ على صانع موصوف بها فأمّا على صانعين أو أكثر كذلك فلا. فإذن القول بأنّ لربّنا شريك قول باطل لا برهان عليه كما قال تعالى وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ«» الآية، و قوله: إله واحد كما وصف نفسه. من لوازم النتيجة لأنّه إذا بطل القول بثاني الإله ثبت أنّه إله واحد كما وصف هو نفسه بقوله «قل هو اللّه أحد. و هو اللّه الواحد القهّار» و أنّه لا يضادّه في ملكه أحد: أي يعانده في أفعاله و ينازعه في ملكه كما هو عادة الملوك. و أعلم أنّ هذه الحجّة إقناعيّة كما هو غاية الخطيب من الخطابة و ليست برهانيّة لأنّه إن أريد في الشرطيّة أنّ وجود الثاني يستلزم وجود آثار و أفعال و صفات تخصّه و يعلم اختصاصه به. فالملازمة ممنوعة لأنّ الإلهين سواء كانا متّفقي الحقيقة أو مختلفي الحقيقة لا يلزم أن يختلف أفعالهما و لوازمهما بالنوع و يتخصّص كلّ منهما بلازم خاصّ و فعل خاصّ لا يوجد للآخر بل جاز أن يتّفقا في اللوازم و الآثار، و إنّ أريد أنّ وجوده يستلزم أن يعرف آثار و أفعال و لوازم لا يخصّه بل جاز أن يشاركه فيها الإله الآخر فهذا مسلّم لكن لا يمكن الاستدلال بطلان التالي هاهنا، و هو ظاهر لأنّا نرى آثار ملك و أفعال و لوازم و صفات لا تدلّ على أحديّة فاعلها و الموصوف بها و لا على إثنينيّته‏ و إنّما يدلّ على مطلق فاعل و ملزوم ما. فلا يمكن بطلانها و رفعها لأنّ رفعها يستلزم رفع وجود الإله المطلق لاستلزام عدم اللازم عدم الملزوم لا رفع التالي خاصّة.

البحث الثاني: كونه تعالى لا يزال أبدا و أنّه لم يزل،
و هو إشارة إلى دوام وجوده و ثباته أزلا و أبدا، و برهانه أنّه تعالى واجب الوجود، و كلّ واجب الوجود لذاته فهو دائم الوجود و ثابته أزلا و أبدا: أمّا الصغرى فقد مرّ برهانها، و أمّا الكبرى فلأنّه لو جاز عليه الزوال و العدم لما كان واجب الوجود لذاته، و فساد التالي يستلزم فساد المقدّم. فإذن هو دايم الوجود أزلا و أبدا.

البحث الثالث: كونه أوّلا قبل الأشياء بلا أوّليّة لوجوده، و كونه آخرا بعد الأشياء بلا نهاية لوجوده.
أمّا الأوّل: فلأنّه لو كان لوجوده أوّليّة لكان مسبوقا بالعدم فكان محدثا فكان ممكنا. هذا خلف، و أمّا الثاني: فلأنّه لو كانت آخريّته منقطعة بنهاية لكان ملحوقا بالعدم فلم يكن واجب الوجود لذاته. هذا خلف.

البحث الرابع: كونه أعظم من أن يثبت ربوبيّته بإحاطة قلب أو بصر
أي هو أعظم أن يطّلع أحد بقلبه أو بصره على كمال صفات ربوبيّته و الاعتبارات المعتبرة فيها، و وجه الشبه على ذلك أنّك علمت أنّ صفة الربوبيّة و ساير صفات الإلهيّة باعتبار الخارج نفس حقيقه تعالى، و باعتبار العقل امور يعتبرها لمعقوليّة ذاته بالقياس إلى مخلوقاته و آثاره و على الوجهين فهو أعظم من أن يثبت ربوبيّته بإحاطة قلب أو بصر.
أمّا في الخارج فلأنّ صفة ربوبيّته هي نفس ذاته فكانت إحاطة العلم بها موقوفة على إحاطته بكنه ذاته، و قد علمت أنّها بريئة عن وجوه التركيب فيمتنع الإحاطة بها لغيرها، و أمّا في العقل فلأنّ اعتبار صفة الربوبيّة و إحاطة العقول بها موقوفة على الإحاطة بجميع اعتبارات صفات الكمال و نعوت الجلال. إذ اعتبار ربوبيّته المطلقة مستلزم لاعتبار الإلهيّة المطلقة المستلزم لاعتبار جميع ماله من صفات الإلهيّة، و قد علمت أنّ تلك الاعتبارات غير متناهية فهي أعظم أن يحيط بها عقل بشرىّ فضلا أن يتعلّق بها إدراك بصرىّ.

البحث الخامس
اعلم أنّه لمّا نبّهه على عظمة اللّه سبحانه و كمال ذاته في‏ الاعتبارات المذكورة أمره أن يفعل كما ينبغي أن يفعله من هو مثله في النقصان بالنسبة إلى عظمة اللّه سبحانه فيطيعه حقّ طاعته و يعبده بكمال عبادته و كما ينبغي لكرم وجهه و عزّ جلاله، و عدّد له وجوه النقصان ليعتبر حاله في كلّ منها بالقياس إلى كمال ذاته تعالى ليعلم صغر منزلته بالنسبة إلى عظمته تعالى، و قلّة مقدرته و كثرة عجزه بالنسبة إلى كمال قدرته. و كذلك عظم حاجته إلى ربّه في كلّ حال من طلب توفيقه و إعداده لطاعته و الرهبة من عقوبته و الإشفاق من سخطه كلّ ذلك بالنسبة إلى غنائه المطلق في كلّ شي‏ء عن كلّ شي‏ء. و قوله: فإنّه. إلى قوله: قبيح. تنبيه إجماليّ على وجوب طاعته تعالى في كلّ ما أمر به و نهى عنه. و جذبه إلى فعل كلّ مأمور به بكونه حسنا و إلى الانتهاء عن كلّ شي‏ء منهىّ عنه بكونه قبيحا.
و قد علمت أنّ الغاية من بعثة الرسل و وضع الشرائع و السنن هي نظام أحوال الخلق في معاشهم و معادهم. فلا بدّ إذن في كلّ أمر أو نهى من سرّ و حكمة يوجب حسن المأمور به و قبح المنهىّ عنه، و لهذا الكلام و نحوه تعلّقت المعتزلة بمسألة الحسن و القبح العقليّين، و باللّه التوفيق.

الفصل السادس:

قوله: يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَ حَالِهَا- وَ زَوَالِهَا وَ انْتِقَالِهَا- وَ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الْآخِرَةِ وَ مَا أُعِدَّ لِأَهْلِهَا فِيهَا- وَ ضَرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا الْأَمْثَالَ- لِتَعْتَبِرَ بِهَا وَ تَحْذُوَ عَلَيْهَا- إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ- نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ- فَأَمُّوا مَنْزِلًا خَصِيباً وَ جَنَاباً مَرِيعاً- فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ وَ فِرَاقَ الصَّدِيقِ- وَ خُشُونَةَ السَّفَرِ وَ جُشُوبَةَ المَطْعَمِ- لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ وَ مَنْزِلَ قَرَارِهِمْ- فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْ‏ءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً- وَ لَا يَرَوْنَ نَفَقَةً فِيهِ مَغْرَماً- وَ لَا شَيْ‏ءَ أَحَبُ‏ إِلَيْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ- وَ أَدْنَاهُمْ مِنْ مَحَلَّتِهِمْ- وَ مَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلٍ خَصِيبٍ- فَنَبَا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدِيبٍ- فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ وَ لَا أَفْظَعَ عِنْدَهُمْ- مِنْ مُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ- إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ وَ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ غَيْرِكَ- فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ- وَ اكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا- وَ لَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ- وَ أَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ- وَ اسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ- وَ ارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ- وَ لَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ وَ إِنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ- وَ لَا تَقُلْ مَا لَا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ وَ آفَةُ الْأَلْبَابِ- فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ وَ لَا تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ- وَ إِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ

اللغة

أقول: يحذو: يقتدي. و السفر: المسافرون: و أمّواخ: قصدوا. و الجناب: الفناء و المنزلة. و المريع. ذو الكلاء و الخصب. و وعثاء السفر: مشقّته. و جشوبة المطعم: غلظته. و هجم: وقع بغتة. و الكدح: الكسب.

المعنى

و في الفصل مطلوبان.
أحدهما: أنّه نبّهه على حالتي الدنيا و الآخرة،
و ذكّره بما أخبره به عنهما من ضرورة زوال الدنيا و انتقالها و بقاء الآخرة و ما أعدّ لأهلها فيها من السعادة الباقية الّتي اشتمل على تعديد أنواعها الكتاب العزيز و السنّة الكريمة، و ضرب لطالبهما مثلين ليكون ممّن أعرض عن الدنيا و أقبل على الآخرة. فالمثل الأوّل: مثل من خبر الدنيا و عرف زوالها و انتقالها، و خبر الآخرة و عرف بقائها و ما اعدّ فيها لأهلها، و مثّلهم بقوم مسافرين فارقوا منزلا جديبا إلى منزل خصيب، و وجه مطابقه هذا المثل أنّ النفوس البشريّة لمّا كانت في عالم المجرّدات، و كانت الحكمة في هبوطها إلى هذا العالم و مقارنتها لهذه الهياكل الجسمانيّة الكثيفة في دار الغربة و محلّ الوحشة من عالمها هو أن يحصل بواسطتها الكمالات العقليّة الّتي إنّما تمكّن لها بواسطتها، ثمّ يرجع بعد الاستكمال عنها إلى عالمها الأعلى طاهرة عن علايق هذه الهياكل و هيئاتها الرديئة كما أخذ عليها في العهد القديم كانت كلّ نفس حفظت عهد ربّها و بقيت على صراطه المستقيم و هي المدّة المضروبة لها ناظرة بعين الاعتبار إلى أنّ الدنيا كالمنزل الجديب خال عن المطاعم الحقيقيّة و المشارب العذبة الهنيئة فهو لذلك غير صالح للاستيطان و الإقامة، و أنّ عالم الآخرة كالمنزل الخصيب و الجناب المريع من وصل إليه مستقيما على أوامر اللّه و نواهيه فاز بالمقاصد السنيّة و اللذّات الباقية فكانت أبدا في طريق السفر في منازل طريق اللّه و الاستعداد للوصول إلى بهجة حضرته الشريفة محتملة لمشقّة ذلك السفر من معاناة الجوع و الظماء و مقاساة السهر قصدا إلى سعة الدار و منزل القرار لا تجد من ذلك ألما و لا تعدّ ما تنفقة من المال و العمر فيه مغرما و لا شي‏ء أحبّ إليها من وسيلة تقرّبها إلى ذلك المنزل الّذي أمّته و الجناب الّذي قصدته فأشبهت في ذلك من وصل إلى منزل جديب. ثمّ علم أنّ أمامه منزلا خصيبا فاقتضى رأيه الحسن أن يحتمل و عثاء السفر و مشقّته إليه ليحصل على الراحة الكبرى، و أمّا المثل الثاني: فهو مثل أهل الدنيا الّذين قادتهم نفوسهم الأمّارة بالسوء إليها فغفلوا فيها عمّا ورائها و نسوا عهد ربّهم و أعرضوا عمّا ذكروا به من آياته، و شبّههم بقوم كانوا في منزل خصيب فنبأ بهم إلى منزل جديب، فالمنزل الخصيب في هذا المثل هو الدنيا لأنّها محلّ سعادة أهلها و نعيمهم، و المنزل‏ الجديب هو الآخرة. إذ لم يكونوا قد استعدّوا لدرك السعادة فيها. و وجه تشبيههم بالقوم هو ما ذكره من أنّه ليس شي‏ء أكره إليهم. إلى آخره: أي ليس شي‏ء أكره إليهم و لا أفظع عندهم من مفارقة ما هم فيه من الدنيا إلى ما يهجمون عليه بغتة من الأهوال، و يصيرون إليه من مقاساة السلاسل و الأغلال كما أنّه ليس شي‏ء أكره إلى القوم من مفارقة منزل خصيب كانوا فيه إلى منزل جديب يهجمون عليه، و إلى هذين المثلين أشار الرسول صلّى اللّه عليه و آله: الدنيا سجن المؤمن و جنّة الكافر.

المطلوب الثاني: الوصيّة بإصلاح معاملته مع الخلق.
فأشار عليه أن يجعل نفسه ميزانا بينه و بين غيره، و وجه استعارة لفظ الميزان له أنّه يكون ذا عدل بين نفسه و بين الناس كالميزان.
ثمّ شرح وجوه العدل و التسوية الّتي أمره أن يكون ميزانا باعتبارها
فمنها أمور ثبوتيّة، و منها أمور سلبيّة:

فالأوّل: أن يحبّ لغيره ما يحبّ لنفسه، و يكره له ما يكره لها،
و في الحديث المرفوع: لا يكمل إيمان عبد حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه، و يكره له ما يكره لنفسه. و سرّ الحديث أنّ ذلك من كمال فضيله العدالة الّتي هي من كمال الإيمان.

الثاني: أن لا يظلم كما لا يحبّ أن يظلم
فيسلم من رذيلتي الظلم و الانظلام.

الثالث: أن يحسن إلى الغير كما يحبّ أن يحسن إليه،
و الإحسان فضيلة تحت العفّة.

الرابع: أن يستقبح من نفسه ما يستقبح من غيره
فينزجر عن جميع مناهي اللّه و هو من لوازم المروّة، و لذلك قال أحنف إذ سئل عن المروّة: هى أن تستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك.

الخامس: أن يرضى من الناس ما يرضاه لهم من نفسه
أي كلّ ما رضى أن يفعله بهم من خير أو شرّ إن فعله فينبغي أن يرضى بمثله منهم، و فيه تنبيه على أنّه لا يجوز أن يفعل الشرّ لعدم لازمه و هو الرضا منهم به.

السادس: أن لا يقول ما لا يعلم و إن قلّ ما يعلم،
و إنّما قال: و إن قلّ ما يعلم لأنّ تصوّر قلّة العلم قد يكون داعية لبعض الناس إلى أن يقول بغير علم لئلّا ينسب‏ إلى الجهل فيضلّ و يضلّ كما قال تعالى وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لا هُدىً وَ لا كِتابٍ مُنِيرٍ«».

السابع: أن لا يقول لأحد ما لا يحبّ أن يقال له
كالمواجهة بالعيوب و الألقاب المكروهة و كلّ كلام موذ.

الثامن: نبّهه على وجوب ترك الإعجاب
بأنّه ضدّ الصواب. و لمّا كان الصواب هو سلوك طريق اللّه باستجماع مكارم الأخلاق و كان الإعجاب من رذائل الأخلاق كان مضادّا للصواب مضادّة الرذيلة للفضيلة، و بأنّه آفة للعقول. إذ هو من أكبر أمراض العقل و آفاته المهلكة له كما أشار إليه الرسول صلّى اللّه عليه و آله: ثلاث مهلكات: إلى أن قال: و إعجاب المرء بنفسه.

التاسع: أن يسعى في كدحه:
أي فيما ينبغي له من كسب الطاعات، و قيل: أراد بالكدح ما اكتسبه من المال و ما ينبغي فيه إنفاقه في سبيل اللّه.

العاشر: أن يكون عند هداية اللّه إيّاه لرشده أخشع ما يكون لربّه،
و ذلك أنّ الهداية للرشد هي العلم بالطريق إلى اللّه تعالى في جميع ما عدّد من مكارم الأخلاق.
و العلم بالطريق المؤدّية إليه حين سلوكها يستلزم ملاحظة جلاله و عظمته و هناك يكون الخشوع الحقّ و الخشية التامّة لقوله تعالى إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ«».

الفصل السابع:

قوله: وَ اعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقاً ذَا مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ- وَ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ- وَ أَنَّهُ لَا غِنَى لَكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ الِارْتِيَادِ- وَ قَدْرِ بَلَاغِكَ مِنَ الزَّادِ مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ- فَلَا تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ- فَيَكُونَ ثِقْلُ ذَلِكَ وَبَالًا عَلَيْكَ- وَ إِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْفَاقَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ- فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحْتَاجُ‏ إِلَيْهِ- فَاغْتَنِمْهُ وَ حَمِّلْهُ إِيَّاهُ- وَ أَكْثِرْ مِنْ تَزْوِيدِهِ وَ أَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ- فَلَعَلَّكَ تَطْلُبُهُ فَلَا تَجِدُهُ- وَ اغْتَنِمْ مَنِ اسْتَقْرَضَكَ فِي حَالِ غِنَاكَ- لِيَجْعَلَ قَضَاءَهُ لَكَ فِي يَوْمِ عُسْرَتِكَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ عَقَبَةً كَئُوداً- الْمُخِفُّ فِيهَا أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمُثْقِلِ- وَ الْمُبْطِئُ عَلَيْهَا أَقْبَحُ حَالًا مِنَ الْمُسْرِعِ- وَ أَنَّ مَهْبِطَكَ بِهَا لَا مَحَالَةَ- عَلَى جَنَّةٍ أَوْ عَلَى نَارٍ- فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ وَ وَطِّئِ الْمَنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ- فَلَيْسَ بَعْدَ الْمَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ وَ لَا إِلَى الدُّنْيَا مُنْصَرَفٌ وَ اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ- قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ- وَ تَكَفَّلَ لَكَ بِالْإِجَابَةِ وَ أَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ- وَ تَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ- وَ لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبُكَ عَنْهُ- وَ لَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ وَ لَمْ يَمْنَعْكَ إِنْ أَسَأْتَ مِنَ التَّوْبَةِ- وَ لَمْ يُعَاجِلْكَ بِالنِّقْمَةِ- وَ لَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ الْفَضِيحَةُ بِكَ أَوْلَى- وَ لَمْ يُشَدِّدْ عَلَيْكَ فِي قَبُولِ الْإِنَابَةِ- وَ لَمْ يُنَاقِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ- وَ لَمْ يُؤْيِسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ- بَلْ جَعَلَ نُزُوعَكَ عَنِ الذَّنْبِ حَسَنَةً- وَ حَسَبَ سَيِّئَتَكَ وَاحِدَةً- وَ حَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً- وَ فَتَحَ لَكَ بَابَ الْمَتَابِ وَ بَابَ الِاسْتِعْتَابِ- فَإِذَا نَادَيْتَهُ سَمِعَ نِدَاكَ- وَ إِذَا نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ- فَأَفْضَيْتَ إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ- وَ أَبْثَثْتَهُ ذَاتَ نَفْسِكَ وَ شَكَوْتَ‏ إِلَيْهِ هُمُومَكَ- وَ اسْتَكْشَفْتَهُ كُرُوبَكَ وَ اسْتَعَنْتَهُ عَلَى أُمُورِكَ- وَ سَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غَيْرُهُ- مِنْ زِيَادَةِ الْأَعْمَارِ وَ صِحَّةِ الْأَبْدَانِ- وَ سَعَةِ الْأَرْزَاقِ- ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ- بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ- فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ- وَ اسْتَمْطَرْتَ شَآبِيبَ رَحْمَتِهِ- فَلَا يُقَنِّطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ- فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ- وَ رُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الْإِجَابَةُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِأَجْرِ السَّائِلِ- وَ أَجْزَلَ لِعَطَاءِ الْآمِلِ- وَ رُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْ‏ءَ فَلَا تُؤْتَاهُ- وَ أُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا- أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ- فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلَاكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ- فَلْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ- وَ يُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ- فَالْمَالُ لَا يَبْقَى لَكَ وَ لَا تَبْقَى لَهُ

اللغة

أقول: الارتياد: الطلب. و الطوق و الطاقة: ما يتسع له قدرتك. و الوبال: الهلاك. و كؤد: شاقّة المصعد. و النزوع عن الذنب. الخروج منه. و الإفضاء: الوصول. و البثّ: النشر و الكشف. و الشآبيب: جمع شؤبوب و هو الدفعة من المطر. و القنوط: اليأس. و الاستعتاب: طلب العتبى و هي الرجوع إلى الرضا.

و في الفصل مطالب:

الأول و الثاني
أحدها: الوصيّة بالسعى في تحصيل الكمالات النفسانيّة الباقية. و الثاني: طرح الرذائل المنقّصة فنبّهه على الأوّل بأن أمامه: أي في سفره إلى اللّه طريقا طويلا شديدا، و ظاهر أنّ الطريق الّتي يكون لذلك لابدّ لسالكه‏ من حسن طلب القصد فيه إلى مطلوبه، و من قدر مبلغ له من الزاد، و استعار له لفظ الطريق لما يسير فيه الإنسان من أحوال الدنيا و يعبر منها إلى الآخرة، و أشار بطولها و شدّتها إلى عسر النجاة فيها و السلامة من خطرها. إذ كان ذلك إنّما يكون بلزوم القصد و الثباث على سنن العدل و الاستقامة على حاقّ الوسط من مكارم الأخلاق. إذ علمت أنّ لكلّ من القوّة التميزيّة و الشهويّة و الغصبيّة حدّ يجب وقوف الإنسان عنده و هو العدل، و علمت أنّه أدقّ الحدود و أصبعها. إذ هو محتوش بطرفي تفريط و إفراط قلّ ما يسلم الإنسان من الوقوع في أحدهما، و هما طريقا جهنّم. فبالحرى أن يكون طريقا ذا مسافة لا يصل الإنسان منها إلى غايته إلّا على بعد بعيد، و لا يحصل منها على خبير إلّا بجهد جهيد، و استعار لفظ الزاد للتقوى و الكمالات الّتي هي بلاغ الإنسان في تلك الطريق إلى اللّه تعالى، و بهذا يكون النجاة فيها و الخلاص من مهالكها، و نبّهه على الثاني بقوله: مع خفّة الظهر. إلى قوله: وبالا عليك. و استعار لفظ الخفّة لتقليل اكتساب الآثام و حملها على النفس، و لفظ الحمل لاكتسابها، و وجه الاستعاره الاولى: أنّ مقلّل الآثام سريع القطع لتلك الطريق قريب إلى النجاة فيها من مخاوفها كما قال عليه السّلام: تخفّفوا تلحقوا. و كما أشار إليه الرسول صلّى اللّه عليه و آله: نجا المخفّون.

و وجه الثانية: أنّ مكتسب الآثام يثقل بها و يبطئ عن لحوق المخفّين و يهلك بها في طريقه، و كثرة تخلّفه تابعة لكثرة اكتسابة كما يكون حال المثقل في الطريق البعيدة، و لفظ الظهر ترشيح المطلوب.

الثالث: التنبيه على وجوب إنفاق المال في وجوه الصدقة و البرّ
لمن يحتاج إليه من أهل الفاقة، و ذلك قوله: و إذا وجدت. إلى قوله: عسرتك. و جذبه و أعدّه لذلك بأمرين: أحدهما: كون ذلك زادا يحمله ذو الفاقة إلى يوم القيامة، و يلقاه به هناك في موضع الحاجة إليه. و استعار لفظ الزاد هنا لما يحصل من فضيلة السخا و الكرم بالإنفاق، و وجه الاستعارة كونه سببا لسلامة النفس من الهلاك في طريق الآخرة و وسيلة إلى السعادة الباقية كالزاد المخلص للمسافر في طريقه و المبلّغ له إلى مطالبه، و استعار للمتصدّق عليه وصف الحامل لذلك الزاد باعتبار أنّه سبب لحصول الفضيلة بتلك الصدقة و وصول ثوابها إلى المتصدّق يوم القيامة فوجدانه لتلك الفضيلة و ظهورها في صحيفة أعمال المتصدّق يوم القيامة هو المشار إليه بالموافات بها غدا. ثمّ أمره أن يغتنم ذا الفاقة عند وجدانه، و أن يحمله ذلك الزاد و يكثر من تزويده و تحميله للزاد حينما هو قادر على تحصيله، و جذب إلى اغتنامه و المسارعة إلى الصدقة بقوله: فلعلّك تطلبه فلا تجده. لأنّ الوسيلة إلى أمر عظيم إذا كان في معرض أن يطلب فلا توجد ثمّ وجدت في وقت فمن الواجب أن يغتنم تحصيلها و لا تهمل. الثاني: كون الصدقة. على ذى الفاقة قرضا للمتصدّق في حال غناه بالمال يقضى له يوم عسرته و فقره، و استعار وصف المستقرض هنا للّه باعتبار أنّه هو المجازي بالثواب من أنفق ماله في طاعته، و إليه الإشارة بقوله تعالى إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ«» و نبّه بكون القرض في حال الغناء، و القضاء في حال العسرة ليكون القضاء أفضل فيرغب في القرض لغاية الربح المطلوب.

الرابع: التنبيه على شدّة طريق الآخرة و على وجوب الاستعداد لها
بالخفّة من حمل الآثام و السرعة فيها قبل انقضاء الأيّام، و استعار لفظ العقبة لما فيها من الصعود و الارتقاء في درجات الكمال بالفضائل عن مهابط الرذائل، و وصفها بشدّة الصعود باعتبار ما في ذلك الارتقاء من التعسّر و كثرة الموانع. و جذب إلى الاستعداد بامور ثلاثة: أحدها: كون المخفّ فيها أحسن حالا من المثقل، و هو ظاهر كما قدّمناه. الثاني: كون المبطئ فيها أقبح حالا من المسرع و هو أيضا ظاهر. إذ كان المبطئ فيها واقفا في أحد طرفي الإفراط و التفريط مشغولا بما يلهيه ملتفتا عمّا يعينه حتّى إذا تصرّم أجله بقى في مهاوى الهلاك أسيرا و على ما فاته من سرعة السير حسيرا. الثالث: ذكر الغايتين منها و هي الجنّة و النار. و أنّه لا بدّ من تأديتها و هبوطها بسالكها على أحدهما، و هو ظاظر. أيضا فإنّ خوض الإنسان في أحوال الدنيا و التصرّف فيها إلى غاية انقطاعها و وصول الآخرة إمّا أن يكون على وجه القصد، و لزوم سمت القبلة الحقيقيّة و تجنّب طريق طرفى الإفراط و التفريط و بذلك يكون هجوم تلك الطريق و هبوطها بسالكها على الجنّة، و إمّا أن يكون على وجه الانحراف عن ذلك القصد، و التعريج عنه إلى ما في تلك الطريق من مناهي اللّه و أبواب محارمه، و بذلك يكون هبوطها بسالكها على النار، و نسبة الهبوط إليها مجاز باعتبار تأدّيها إلى إحدى الغايبين كالهابط بالشي‏ء ليوصله إلى قراره. ثمّ أمره أن يرتاد لنفسه و يطلب ما يكون سببا لنجاته فيها و حسن حاله قبل نزول أحد المنزلين الّذين هما غايتاها ليكون هبوطها به على الجنّة، و أن يوطّئ المنزل الّذي يريد سكناه بالاستعداد له.

و روي: يوطّن- بالنون- أي يتّخذه وطنا.

المطلوب الخامس: التنبيه على الدعاء و الترغيب فيه
و سرّه دوام ملاحظة جلال اللّه و الانقطاع إليه. إذ هو مبدء كلّ محبوب و معطى كلّ مطلوب.
و رغّب في ذلك بامور:
أحدها: أنّ بيده تعالى خزائن السماوات و الأرض،

و هو في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ من كان كذلك كان أحقّ بالرغبة إليه من كلّ أحد.
الثاني: أنّه تعالى أذن في الدعاء و تكفّل بالإجابة
فقال ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ«» و تقدير الكبرى فكالأوّل.
الثالث: انّه أمر الخلق أن يسألوه ليعطيهم
في قوله تعالى وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ«» و كذلك أن يطلبوا منه الرحمة ليرحمهم، و ذلك أنّ إفاضة الرزق و الرحمة و كلّ فضل منه إنّما يوجد بعد الاستعداد له بالاخلاص في الطلب و الاسترحام و غيره كما علم في مظانّه، و تقدير الكبرى: و كلّ من كان كذلك فواجب أن يسأل و يسترحم.
الرابع: أنّه لم يجعل بينه و بين الراغب إليه حاجبا و لا بوّابا لتقدّسه سبحانه‏

عن الجسميّة و الجهة و صفات المحدثات بل تجلّى في كلّ شي‏ء لكلّ من فتح عين بصيرته و وجّهها إلى مطالعة كبريائه و عظمته، و تقدير الكبرى: و كلّ من كان كذلك فهو أولى من يسئل و يسترحم.
الخامس: أنّه لم يلجئه إلى من يشفع إليه
لأنّ الشفيع إنّما يضطرّ إليه عند تعذّر المطلوب من جهة المرغوب إليه إمّا لبخله أو جهله باستحقاق الطالب. و الباري تعالى لا بخل فيه و لا منع من جهته، و إنّما يتوقّف فيضه على استعداد الطالب له و لم يجعل سبحانه للراغبين إليه ضرورة إلى الشفعاء. إذ مكّنهم من الاستعداد لنيل مطلوباتهم منه و هيّأ لهم أسبابها و فتح لهم أبواب رحمته فإن عرضت لهم حاجة إلى شفيع فليس ذلك عن ضرورة و إلجاء منه إلى ذلك.
السادس: أنّه لم يمنعه إن أساء من التوبة
بل أمره بها و وعده عليها فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى‏ رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ يُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ، و قال بعد أن عدّد الكبائر و توعّد عليها: إِلَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ الآية.
السابع: أنّه لم يعاجله بالنقمة
مع اطّلاعه عليه حين معصيته و لم يفضحه في مقامه الّذي تعرّض فيه للفضيحة بل أمهله على ظلمه و أسبل عليه ستر كرمه و حلمه.
الثامن: أنّه يشدّد عليه في قبول الإنابة
و الرجوع إليه كما يفعله الملوك في حقّ من أساء و طلب الإقالة، و لم يناقشه بجريمته و ذنبه فيستقصى في حسابه بل سهل عليه في ذلك و قبل توبته متى شاء لأنّه تعالى لا مضرّة عليه بإساءة مسى‏ء و لا نفع يصل إليه من إنابة منيب. إذ هو الغنىّ المطلق.
التاسع: أنّه لم يؤيسه من الرحمة
حيث قال: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ. الآية.
العاشر: أنّه جعل نزوعه عن ذنبه
و توبته منه حسنة حيث قال بعد ذكر التوبة: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ، و حسب سيّئته واحدة و حسنته عشرا حيث قال: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى‏ إِلَّا مِثْلَها.

الحادي عشر: كونه فتح له باب المتاب
حيث قال: غافر الذنب و قابل التوب و هو الّذي يقبل التوبة عن عباده و يعفوا عن السيّئات، و باب الاستعتاب حيث أمره و أرشده إلى طلب الرضا عنه بعد توبته.
الثاني عشر: كونه إذا ناداه سمع ندائه
لقوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ«» و إذا ناجاه علم نجواه لقوله تعالى يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى‏«» فأوصل إليه حاجته إن شاء سرّا و إن شاء جهرا، و طلب منه إعانته على أموره، و نشر له ما كان في نفسه من مهماته، و سأله كشف كروبه. فوهب له من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائه غيره من زيادة الأعمار، و صحّة الأبدان، و سعة الأرزاق.
الثالث عشر: أنّه جعل في يديه مفاتيح خزائنه بما أدّت له من مسئلته،
و استعار لفظ المفاتيح للأدعية باعتبار أنّها أسباب لتحصيل النعمة و كمال الرحمة متى شاء استفتح بها أبواب خزائنها، و كذلك استعار لفظ الأبواب لأسباب جزئيّات النعم الواصلة إلى العبد. و خزائن نعمه هي خزائن السماوات و الأرض. إذ الكلّ منه و بيده، و يحتمل أن يشير بها إلى المعقول من سماء جوده و ما يحويه قدرته من الخيرات الممكنة، و استعار وصف الاستمطار لطلب نعم اللّه تعالى ملاحظة لشبهها بالمطر في كونهما سببين للحياة و صلاح الحال في الدنيا و يشبه طالبيهما بالمستمطر، و رشّح بذكر الشآبيب، و تقدير الكبرى في كلّ واحد من هذه الضمائر: و كلّ من كان كذلك فهو أحقّ بأن يرغب إليه و يوجّه الطلب نحوه، و أعلم أنّه لمّا رغّبه في الدعاء بهذه الجواذب نبّهه على أنّ الإجابة في الدعاء قد تبطى‏ء و تتأخّر.
ثمّ عدّد ما يصلح أسبابا لتأخّرها ليلحظها عند تأخّرها فلا يقنط منها:
أحدها: أنّ العطيّة على قدر النيّة
أي أنّ الإجابة موقوفة على الاستعداد بإخلاص النيّة فإذا تأخّرت الإجابة فلعلّ تأخّرها لأنّ النيّة لم تكن خالصة.
الثاني: أنّها ربّما أخّرت لعلم اللّه تعالى أنّ تأخيرها من أسباب استعداد السائل و المؤمّل استعدادا أعلى لعطاء ما هو أعلى و أشرف ممّا سأل فيعطاه عند كمال استعداده لأنّه على قدر أهل العزم يأتي العزائم، و بقدر الكدّ يكتسب المعالى.
الثالث: أنّ المطلوب قد لا يكون فيه مصلحة للعبد
لاشتماله على مفسدة في دينه لو اعطى إيّاه كالغنى و الجاه مثلا و ساير المطالب الدنيويّة الخالصة فلا يجيب اللّه سؤاله فيه بل يعطيه خيرا منه إمّا في عاجل دنياه أو في آجل آخرته و يصرف ذلك الأمر عنه لما هو مصلحة له أو خير. ثمّ ختم ذلك بتعريفه مواقع مسألته للّه و ما ينبغي أن يسأله إيّاه و هو ما يبقى له جماله و يبقى عنه وباله من التوفيق لأسباب السعادة الباقية و جميل الاحدوثة في الأعقاب دون المال.

الفصل الثامن:

قوله: وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّكَ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلْآخِرَةِ لَا لِلدُّنْيَا- وَ لِلْفَنَاءِ لَا لِلْبَقَاءِ وَ لِلْمَوْتِ لَا لِلْحَيَاةِ- وَ أَنَّكَ فِي مَنْزِلِ قُلْعَةٍ وَ دَارِ بُلْغَةٍ- وَ طَرِيقٍ إِلَى الْآخِرَةِ- وَ أَنَّكَ طَرِيدُ الْمَوْتِ الَّذِي لَا يَنْجُو مِنْهُ هَارِبُهُ- وَ لَا يَفُوتُهُ طَالِبُهُ وَ لَا بُدَّ أَنَّهُ مُدْرِكُهُ فَكُنْ مِنْهُ عَلَى‏

حَذَرِ أَنْ يُدْرِكَكَ وَ أَنْتَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ- قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ- فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ ذَلِكَ- فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ يَا بُنَيَّ أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَ ذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ- وَ تُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ- حَتَّى يَأْتِيَكَ وَ قَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ- وَ شَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ- وَ لَا يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ- وَ إِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلَادِ أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَيْهَا- وَ تَكَالُبِهِمْ عَلَيْهَا فَقَدْ نَبَّأَكَ اللَّهُ عَنْهَا- وَ نَعَتْ لَكَ نَفْسَهَا وَ تَكَشَّفَتْ‏ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا- فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلَابٌ عَاوِيَةٌ وَ سِبَاعٌ ضَارِيَةٌ- يَهِرُّ بَعْضُهَا بَعْضًا وَ يَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا- وَ يَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا- نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ وَ أُخْرَى مُهْمَلَةٌ- قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا وَ رَكِبَتْ مَجْهُولَهَا- سُرُوحُ عَاهَةٍ بِوَادٍ وَعْثٍ- لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا وَ لَا مُسِيمٌ يُسِيمُهَا- سَلَكَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا طَرِيقَ الْعَمَى- وَ أَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ الْهُدَى- فَتَاهُوا فِي حَيْرَتِهَا وَ غَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا- وَ اتَّخَذُوهَا رَبّاً فَلَعِبَتْ بِهِمْ وَ لَعِبُوا بِهَا- وَ نَسُوا مَا وَرَاءَهَا- رُوَيْداً يُسْفِرُ الظَّلَامُ- كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الْأَظْعَانُ- يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَلْحَقَ

اللغة

أقول: منزل قلعة: لا يصلح للاستيطان. و البلغة: ما تبلغ به من العيش. الأزر: القوّة. و يبهّره: غلبه و أتعبه، و أصل البهر تتايع النفس عن التعب. و أخلد إلى كذا: استند إليه. و التكالب: التواثب. و المساوي: المعايب. و الضراوة.
تعوّد الصيد و الجرأة عليه. و المعقّلة: المقيّدة. و المجهول و المجهل: المفازة الّتي لا أعلام فيها. و واد وعث: لا يثبت به خفّ و لا حافر لكثرة سهولته. و المسيم: الراعي.

و قد نبّهه في هذه الفصل على امور:
أحدها: أنّ العلّة الغائيّة من خلقه و وجوده هي الآخرة دون الدنيا و الموت و الفناء دون الحياة و البقاء،
و هذه الامور علل عرضيّة من وجود الإنسان لكونها من ضرورات وجوده، و أمّا العلّة الحقيقيّة الاولى من وجوده فهى استكماله و وصوله إلى حضرة ربّه طاهرا عن علايق الدنيا، و ذكره بهذه الغايات الّتي يجزم بالوصول إليها ليعمل لها و لما بعد الموت، و يقلّ العرجة على الدنيا و عمارتها و لا يركن إلى البقاء فيها لكونها امورا عرضيّة زايلة.

الثاني: نبّهه بكون الدنيا منزل قلعة
على أنّها منزل عبور لم يخلق للاستيطان و الإقامة، و بكونها دار بلغة على أنّها إنّما خلقت ليتّخذ منها الإنسان بلاغا للوصول إلى الآخرة و زادا لكونها طريقا إليها.

الثالث: نبّهه على أنّه طريد الموت،
و استعار له لفظ الطريد ملاحظة لشبهه بالصيد يطرده السبع و غيره. ثمّ وصف الموت بكونه لا ينجو منه هارب و لا بدّ أنّه مدركه تحذيرا منه و جذبا إلى الاستعداد له بطاعته المقاومة لأهواله و شدايده، و لذلك قال: فكن منه على حذر. إلى قوله: نفسك: أي ببقائك على الحال السيّئة تحدّث نفسك فيها بالتوبة إلى أن يدركك، و يحول عطف على يدركك، و إذا للمفاجاة.

الرابع: أمره بالإكثار من ذكر الموت و ما يهجم عليه
فإنّ ذلك يستلزم العبرة و الانزجار و الأخذ في الاهبّة و الاستعداد له و لما بعده، و لذلك قال: حتّى يأتيك و قد أخذت منه حذرك و شددت له قوّتك: أي بالكمالات الّتى استعددت بها و لا يأتيك بغتة فيتبعك، و قوله: و لا يأتيك عطف على قوله: حتّى يأتيك، و الواو في قوله: و قد للحال، و كذلك بغتة حال و يبهّرك منصوب بإضمار أن بعد الفاء في جواب النفي.

الخامس: نهاه أن يغترّ باستناد أهل الدنيا إليها و تواثبهم عليها،
و نبّهه على أنّه لا ينبغي له ذلك الاغترار بقياسات ضمير. فقوله: فقد نبّأك اللّه. إلى قوله: عنها. هو صغرى القياس الأوّل كقوله تعالى وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ«» في مواضع كثيرة من كتابه العزيز و قوله إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ«» الآية و أمثاله. و قوله: و نعت لك نفسها.

صغرى القياس الثاني، و روى: و نعت. بمعنى أنّ اللّه وصفها له، و معنى نعتها لنفسها وصفها بلسان حالها لنفسها، و بيان أنّها محلّ الهموم و الغموم و الأعراض و الأمراض و دار كلّ بلاء و منزل كلّ فتنة. و قوله: و إنّما أهلها. إلى آخره. صغرى القياس الثالث، و تقدير الكبرى في القياس الأوّل: و كلّ من أخبر اللّه تعالى عنه بذلك فلا ينبغي أن يغترّ به، و تقديرها في الثاني: و كلّ من وصف نفسه كذلك فلا ينبغي أن يغترّ به، و تقديرها في الثالث: و كلّ من كان كذلك فلا ينبغي أن يغترّ بفعله، و اعلم أنّه أشار في هذين المثلين إلى قسمة أهل الدنيا أوّلا بقسمين بحسب اعتبار قواهم الغضبيّة و الشهويّة و اتّباعهم لها: أى فمنهم من اتّبع قوّته الغضبيّة و أعطاها مقتضاها، و منهم من اتّبع قوّته الشهويّة و استرسل في قيادها و غفل عمّا خلق لأجله، و ضرب المثل للأوّلين بالكلاب العاوية و السباع الضارية. و أشار إلى وجه مطابقة المثل بقوله: يهرّ. إلى قوله: صغيرها. و وصف الهرير مستعار لتنازعهم عليها، و كذلك لفظ الأكل لغلبة بعضهم على بعض. و ضرب للآخرين مثل النعم باعتبار غفلتهم عمّا يراد بهم كالبهائم، ثمّ قسّم هؤلاء إلى قسمين: معقّلة و مهملة، و استعار لفظ المعقّلة للذين تمسّكوا بظواهر الشريعة و الإمام العادل فقيّدهم بالدين عن الاسترسال في اتّباع الشهوات و الانهماك فيها و إن لم يعقلوا أسرار الشريعة فهم كالنعم الّتي عقّلها راعيها، و أشار بالمهملة إلى الّذين استرسلوا في اتّباع شهواتهم و خرجوا عن طاعة إمامهم و لم يتعبّدوا بأوامره فهم كالبهائم المرسلة.
و أشار إلى وجه المشابهة بقوله: الّتي أضلّت عقولها. إلى آخره، و يحتمل أن يريد بعقولها عقلها جمع عقال فأشبع الضمّة و قلّبها واوا متابعة لقوله: مجهولها، و يحتمل أن يريد به جمع عقل و هو الملجأ: أي أنّها ضيّعت من يلجأ إليه، و هو أمامها، و وجه مطابقة هذا المثل أنّ هؤلاء في عدم انتفاعهم بعقولهم و ركوبهم لأهوائهم الفاسدة و شروعهم في مشتهياتهم الدنيويّة مكتسبين للرذائل و العاهات النفسانيّة ليس لهم إمام يقيمهم على طاعة اللّه في طرق الهدى إلى مكارم الأخلاق قد أشبهوا النعم المهملة الّتي أضلّت عقلها و ركبت‏ المفازة فهي سروح متردّدة متحيّرة بواد و عث ليس لها راع يرعاها و يقيمها إلى المرعى، و روى سروح آفة: أي فهي سارحة عن آفة قد خرجت بها عن الانتفاع.

و الرواية الثانية أقرب إلى الصواب. و أراد بطرق العمى طرق الجهل و مسالك الباطل الّتي لا يهتدي فيها لشي‏ء كما لا يهتدى الأعمى للطريق، و نسب السلوك بهم إليها باعتبار أنّها سبب لغرورهم و غفلتهم عمّا ورائهم، و كذلك أخذها بأبصارهم: أي بأبصار عقولهم عن منازل الهدى و هي آيات اللّه و منازل الطريق إليه، و أشار بتيههم في حيرتها إلى ضلالهم عن طرق الحقّ، و استعار لفظ الغرق باعتبار استيلاء نعيمها على عقولهم و تملّكه لها كما يستولى الماء على الغريق، و اتّخاذهم لها ربّا باعتبار خدمتهم لها. فلعبت بهم إذ كانوا عبيدا لها، و لعبوا بها إذ اشتغلوا بها غير منتفعين، و ضيّعوا ما الأولى بهم فعله، و نسوا ما وراءها ممّا خلقوا لأجله.

الفصل التاسع:

قوله: وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ- أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ- فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَ إِنْ كَانَ وَاقِفاً- وَ يَقْطَعُ الْمَسَافَةَ وَ إِنْ كَانَ مُقِيماً وَادِعاً- وَ اعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ وَ لَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ- وَ أَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ- فَخَفِّضْ فِي الطَّلَبِ وَ أَجْمِلْ فِي الْمُكْتَسَبِ- فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ- وَ لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ- وَ لَا كُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ- وَ أَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ- وَ إِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ- فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً- وَ لَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَ قَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرّاً-

وَ مَا خَيْرُ خَيْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِشَرٍّ- وَ يُسْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِعُسْرٍ-وَ إِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَعِ- فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ- وَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ- فَإِنَّكَ مُدْرِكٌ قَسْمَكَ وَ آخِذٌ سَهْمَكَ- وَ إِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَعْظَمُ وَ أَكْرَمُ مِنَ الْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ- وَ إِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ وَ تَلَافِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ- أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ- وَ حِفْظُ مَا فِي الْوِعَاءِ بِشَدِّ الْوِكَاءِ- وَ حِفْظُ مَا فِي يَدَيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدَيْ غَيْرِكَ- وَ مَرَارَةُ الْيَأْسِ خَيْرٌ مِنَ الطَّلَبِ إِلَى النَّاسِ- وَ الْحِرْفَةُ مَعَ الْعِفَّةِ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى مَعَ الْفُجُورِ- وَ الْمَرْءُ أَحْفَظُ لِسِرِّهِ وَ رُبَّ سَاعٍ فِيمَا يَضُرُّهُ- مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ وَ مَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ- قَارِنْ أَهْلَ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ- وَ بَايِنْ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ- بِئْسَ الطَّعَامُ الْحَرَامُ- وَ ظُلْمُ الضَّعِيفِ أَفْحَشُ الظُّلْمِ- إِذَا كَانَ الرِّفْقُ خُرْقاً كَانَ الْخُرْقُ رِفْقاً- رُبَّمَا كَانَ الدَّوَاءُ دَاءً وَ الدَّاءُ دَوَاءً- وَ رُبَّمَا نَصَحَ غَيْرُ النَّاصِحِ وَ غَشَّ الْمُسْتَنْصَحُ- وَ إِيَّاكَ وَ الِاتِّكَالَ عَلَى الْمُنَى فَإِنَّهَا بَضَائِعُ النَّوْكَى- وَ الْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ- وَ خَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ- بَادِرِ الْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّةً- لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ وَ لَا كُلُّ غَائِبٍ يَئُوبُ- وَ مِنَ الْفَسَادِ إِضَاعَةُ الزَّادِ وَ مَفْسَدَةُ الْمَعَادِ- وَ لِكُلِّ أَمْرٍ عَاقِبَةٌ سَوْفَ يَأْتِيكَ مَا قُدِّرَ لَكَ- التَّاجِرُ مُخَاطِرٌ وَ رُبَّ يَسِيرٍ أَنْمَى مِنْ كَثِيرٍ لَا خَيْرَ فِي مُعِينٍ مَهِينٍ وَ لَا فِي صَدِيقٍ ظَنِينٍ- سَاهِلِ الدَّهْرَ مَا ذَلَّ لَكَ قَعُودُهُ- وَ لَا تُخَاطِرْ بِشَيْ‏ءٍ رَجَاءَ أَكْثَرَ مِنْهُ- وَ إِيَّاكَ أَنْ تَجْمَحَ بِكَ مَطِيَّةُ اللَّجَاجِ- احْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ عَلَى الصِّلَةِ- وَ عِنْدَ صُدُودِهِ عَلَى اللَّطَفِ وَ الْمُقَارَبَةِ- وَ عِنْدَ جُمُودِهِ عَلَى الْبَذْلِ- وَ عِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنُوِّ- وَ عِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى اللِّينِ- وَ عِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْعُذْرِ- حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ وَ كَأَنَّهُ ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ- وَ إِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ- أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ- لَا تَتَّخِذَنَّ عَدُوَّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ- وَ امْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ- حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ قَبِيحَةً- وَ تَجَرَّعِ الْغَيْظَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ جُرْعَةً أَحْلَى مِنْهَا عَاقِبَةً- وَ لَا أَلَذَّ مَغَبَّةً- وَ لِنْ لِمَنْ غَالَظَكَ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَلِينَ لَكَ- وَ خُذْ عَلَى عَدُوِّكَ بِالْفَضْلِ فَإِنَّهُ أَحْلَى الظَّفَرَيْنِ- وَ إِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ- بَقِيَّةً يَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذَلِكَ يَوْماً مَا- وَ مَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ- وَ لَا تُضِيعَنَّ حَقَّ أَخِيكَ اتِّكَالًا عَلَى مَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ- فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِأَخٍ مَنْ أَضَعْتَ حَقَّهُ- وَ لَا يَكُنْ أَهْلُكَ أَشْقَى الْخَلْقِ بِكَ- وَ لَا تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ عَنْكَ- وَ لَا يَكُونَنَّ أَخُوكَ عَلَى مقَاطِعَتِكَ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ- وَ لَا تَكُونَنَّ عَلَى الْإِسَاءَةِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى‏ الْإِحْسَانِ- وَ لَا يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَكَ- فَإِنَّهُ يَسْعَى فِي مَضَرَّتِهِ وَ نَفْعِكَ- وَ لَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَنْ تَسُوءَهُ

اللغة

أقول: تعدوه: تجاوزه. و التخفيض: التسهيل على النفس. و الحرب: سلب المال. و الإجمال في الطلب: التسهيل فيه حتّى يكون جميلا. و أوجفت: أسرعت. و المناهل: المعاطش. و الحرفة: الضيق في الرزق و الحرمان. و أهجر الرجل: إذا أفحش في منطقه. و الرفق: اللين. و ضدّه الخرق. و النوكى: الحمقى، جمع أنوك. و الفرصة: وقت الإمكان. و الظنين: المتّهم. و الصرم: القطع. و محضه النصيحة: أخلصها له. و المغبّة: العاقبة.

و قد اشتمل هذا الفصل على الوصيّة بلطائف من الحكمة العمليّة و مكارم الأخلاق الّتي بها ينتظم أمر المعاش و المعاد، و صدّره بالتنبيه على ضرورة الموت
ليبنى عليه ما يريد أن يوصيه به من مفردات الحكم. و ذلك التنبيه بأمرين:

أحدهما: أنّ الإنسان في مدّة عمره مسافر إلى الآخرة
و أنّ ذلك السفر ليس على مطايا محسوسة و لا في طرق محسوسة بل المطيّة فيه الليل و النهار، و استعار لفظ المطيّة باعتبار أنّهما أجزاء اعتباريّة للزمان يعقّب بعضها بعضا و ينقضي بانقضائها الزمان فينتقل الشخص بحسبها في منازل مدّته المضروبة المقدّرة له منه إلى أن تفنى مدّته و يتمّ سفره إلى الآخرة كما ينتقل في منازل طريقه المحسوسة إلى أن يتمّ سفره فيها، و كذلك لفظ المسافة مستعار لمدّته المضروبة، و لذلك كان سير الزمان به سيرا اعتباريّا و إن كان واقفا وقوفه المتعارف و يقطع مسافة أجله راكبا تلك المطايا و إن كان وادعا قارّا قراره الحسّى.

الثاني: أمره أن يعلم يقينا أنّه لن يبلغ أمله.
و ذلك أنّ الإنسان أبدا في توجيه أمله في المطالب كلّما حصل مطلوب منها أو أفسد وجه أمله فيه وجّهه إلى مطلوب آخر و إن اختلفت المطالب، فالأمل أبدا متوجّه إلى مطلوب ما ليس مدركا في الحال، و الإحالة في ذلك على الوجدان. فإذن ليس كلّ بمدرك، و كذلك لا يمكن أن يتجاوز الإنسان أجله المضروب له و إلّا لما كان أجلا له. و هذان الأمران في قوّة صغريين لقياسى ضمير من الشكل الأوّل، و تقدير كبرى الأوّل: و كلّ من يسرى به كذلك فيوشك أن ينقطع مدّته و يصل إلى الآخرة، و تقدير كبرى الثاني: و كلّ من لا يبلغ أمله و لا يتجاوز أجله و هو سالك بطريق من كان قبله فيوشك أن يلحق بهم، و لمّا نبّه على ضرورة مفارقة الدنيا و الوصول إلى الآخرة رتّب على ذلك الوصيّة بالحكم المذكورة،
و ذكر منها جملة:

الاولى: أن يخفّض في طلب الدنيا و لا يحرص عليها
بل يجعل طلبه لها بقدر حاجته إليها.
الثاني: أن يفعل الجميل فيما يكتسبه منها
و ذلك أن يضع كلّ شي‏ء منه موضعه فيمسك منه قدر ضرورته و ينفق فاضله في وجوه البرّ و مصارف القربة، و يحتمل أن يريد بالمكتسب الاكتساب فأطلق اسم المفعول على المصدر مجازا، و نحوه قول الرسول صلّى اللّه عليه و آله: إنّ روح القدس نفث في روعى أنّه لن يموت نفس حتّى يستكمل رزقها فأجملوا في الطلب.
الثالث و قوله: فإنّه ربّ طلب. إلى قوله: محروم.
تنفير عن الخوض في الطلب بامور ثلاثة:
أحدها: أنّه قد تجرّ إلى الحرب،
و ذلك كما شوهد في وقتنا أنّ تاجرا كان رأس ماله سبعة عشر دينارا فسافر بها إلى الهند مرارا حتّى بلغت سبعة عشر ألفا فعزم حينئذ على ترك السفر و الاكتفاء بما رزقه اللّه فسوّلت له نفسه الأمّارة بالسوء في العود، و حبّبت إليه الزيادة فعاود السفر فلم يلبث أن خرجت عليه السرّاق في البحر فأخذوا جميع ما كان معه فرجع و قد حرب ماله. و ذلك ثمرة الحرص المذموم.
و هو في تقدير صغرى ضمير، و تقدير كبراه: و كلّ ما جرّ إلى الحرب فلا ينبغي أن يحرص عليه.

الثاني: قوله: و ليس كلّ طالب بمرزوق
و هو تمثيل نبّه فيه على أنّ الطلب على الحرمان في بعض الطالبين حتّى يقيس نفسه عليه فلا يحرس في الطلب.

الثالث: قوله: و لا كلّ مجمل بمحروم.
تنبيه على تمثيل آخر كذلك نبّه فيه على أنّ الإجمال علّة للرزق في بعض الناس ليقيس نفسه عليه فيجمل في الطلب.

الرابع: أن يكرم نفسه عن كلّ دنيّة و إن استلزمت وصوله إلى ما يرغب فيه
و يتنافس عليه، و ذلك كأن يكذب مثلا أو يغدر ليصل إلى الملك و نحوه، و الإكرام لها عن ذلك يستلزم فضائل كالسخاء و المروّة و كبر الهمّة. إذ كلّ واحد من رذيلة البخل و النذالة و صغر الهمّة يستلزم مقارفة الدنيّة بقوله: فإنّك. إلى قوله: عوضا: أي أنّ ما تبذله من نفسك من الفضيلة و تعدل عنه إلى الرذيلة لا يقاومه عند اللّه و عند أهل الفضائل من خلقه شي‏ء و إن جلّ، و لا يكون لك عنه عوض. و هو في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ ما لا يحصل له عوض يقابله و يساويه فلا ينبغي أن يبذل في مقارفة الدنايا.

الخامس: أن لا يكون عبد غيره:
أي لا يجعل لغيره عليه فضل إحسان يسأله إيّاه فيسترقّه به، و يستوجب بذلك على نفسه خدمته و الاشتغال بشكره عن اللّه. و قوله: و قد جعله اللّه حرّا. في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ من جعله اللّه حرّا فيقبح أن يجعل نفسه عبدا لغيره، و كذلك قوله: و خير خيره إلى قوله: إلّا بعسر استفهام في معنى الاستنكار: أي لا خير في خير لا يوجد إلا بشّر، و يسر لا ينال بعسر، و كنّى بذلك الخير و اليسر عمّا يطلب في مقارفة الدنايا و يصير الإنسان بسببه عبدا لغيره كالمال و نحوه، و بالشرّ و العسر المقارن له كبذل ماء الوجه في السؤال و الذلّة و غيرها من الدنايا، و هو أيضا في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ ما لا خير فيه فلا ينبغي أن يطلب و يتعبّد للغير من أجله.

السادس: حذّره من الطمع
و استعار لفظ المطايا لقواه الأمّارة بالسوء كالوهميّة و الخياليّة و الشهويّة و الغضبيّة، و وجه المشابهة كونها حاملة لنفسه العاقلة و موصلة لها إلى المشتهيات و ما يطمع فيه من متاع الدنيا كالمطايا الموصلة لراكبها إلى أغراضه، و كذلك وصف الوجيف لسرعة انقياده معها إلى المطامع الرديئة. و قوله: فتوردك مناهل الهلكة. فاستعار لفظ المناهل لموارد الهلاك في الآخرة كمنازل جهنّم و طبقاتها، و وجه المشابهة كونها موارد شراب أهل النار المهلك كما قال تعالى فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ«» و الفاء في جواب النهى اللازم للتحذير المذكور، و هو في قوّة متّصلة هى صغرى ضمير تقديرها فإنّك إن أوجفت بك مطايا الطمع أوردتك مناهل الهلكة، و تقدير الكبرى: و كلّ مطيّة كذلك فيحرم ركوبها.

السابع: نهاه أن يجعل بينه و بين اللّه واسطة في وصول نعمته إليه إن استطاع
ذلك و هو نهى عن مسئلة الغير و التعرّض لنواله بل ينتظر قسمه من رزق اللّه المفروض له من غير سؤال ذي نعمة يكون فيه بذل ماء الوجه و الذلّة و المنّة إن أعطى و بذله، و الحرمان و الذلّ إن حرم. و رغّبه في ذلك بضميرين: أحدهما: قوله: فإنّك مدرك قسمك و آخذ سهمك: أي من رزق اللّه، و تقدير كبراه: و كلّ من كان كذلك فلا ينبغي أن يجعل بينه و بين اللّه واسطة يطلب منه رزقه. الثاني: قوله: و إن اليسير. إلى قوله: خلقه: أي ما حصل من جهة يحمد حصوله منها و هي الجهة الّتي أمر اللّه تعالى بطلب الرزق منها و إن كان يسيرا أكرم عنده و أشرف من الكثير من غير تلك الجهة كسؤال الغير و التعرّض له، و تقدير الكبرى و كلّ ما كان أعظم فينبغي أن يكون هو المطلوب. و قوله: و إن كان كلّ منه. أي و إن كان الرزق من الخلق أيضا من اللّه إلّا أنّه ينبغي أن يوجّه الرغبة إليه ابتداء دون غيره. إذ هو مبدء الكلّ و عنايته بالجميع واحدة.

الثامن: قوله: و تلافيك. إلى قوله: منطقك.
تنبيه على وجوب ترجيح الصمت و تغليبه على كثرة الكلام بضمير هذه صغراه، و تقريرها أنّ الفارط من الصمت و إن استلزم الخطاء كالسكوت عمّا ينبغي أن يقال من الحكمة أو ما يترتّب عليه بعض المصالح إلّا أنّه يمكن استدراكه غالبا بما ينبغي من القول، و أمّا فارط القول فإنّ الخطاء فيه قد لا يمكن استدراكه، و إن أمكن فعلى غاية من العسر. فلذلك كان تلافي فارط الصمت بالقول أسهل من تدارك فارط القول، و لقوّة الخطاء في القول أكثر الناس في ذمّ الاكثار و مدح الصمت، و المنطق هنا يحتمل أن يريد به المصدر فيكون من لبيان الجنس، أو محلّ النطق فيكون لابتداء الغاية. و تقدير كبرى الضمير: و كلّ ما كان أيسر فهو أولى بك. ينتج أن تلافي فارط الصمت أولى بك، و ذلك مستلزم لرجحان الصمت.

التاسع: نبّهه على حفظ ما في يده من المال
الحفظ الّذي ينبغي و هو الواسطة بين التبذير و البخل. و الكلام في قوّة صغرى ضمير أيضا و تقدير كبراه: و كلّ ما كان أحبّ إليّ من طلبك ما في يدي غيرك فهو أولى بك.

العاشر: نبّهه على فضيلة قطع الطمع
و اليأس عمّا في أيدي الناس بضمير أيضا صغراه قوله: و مرارة اليأس. إلى قوله: الناس، و تقدير كبراه: و كلّ ما كان خيرا فهو أولى أن يلزم و يكرم النفس به، و أطلق لفظ المرارة على الألم الّذي تجده النفس بسبب اليأس من المطالب إطلاقا لاسم السبب على المسبّب، و كونه خيرا لما يستلزمه من إكرام النفس عن ذلّ السؤال و رذيلة المهانة. و إليه أشار الشاعر بقوله:
و إن كان طعم اليأس مرّا فإنّه ألذ و أحلى من سؤال الأراذل‏

الحادي عشر: نبّهه على وجوب الصبر في ضيق الرزق
و الحرمان إذا كان مع فضيلة العفّة، و أنّ لزومه أولى من طلب الغنى المستلزم للفجور بضمير أيضا صغراه ما ذكر، و تقدير كبراه: و كلّ ما كان خيرا من الغنى مع الفجور فلزومه أولى من طلب ذلك الغنى، و إنّما كان كذلك لاستلزام تلك الحرفة الفضيلة و استلزام ذلك الغنى الرذيلة. و قد علمت أنّ العفّة فضيلة القوّة الشهويّة و أنّها بين رذيلتى تفريط يسمّى خمود الشهوة و إفراط يسمّى فجورا.

الثاني عشر: نبّهه على أنّه لا يجوز إفشاء سرّه بتمثيله أصله
المرء، و الفرع هو المخاطب، و الحكم كونه أحفظ لسرّه، و العلّة كونه أكثر عناية بنفسه من غيره.
إذا ضاق صدر المرء من سرّ نفسه فصدر الّذي يستودع السرّ أضيق‏

الثالث عشر: نبّهه بطريق التمثيل أيضا على التحرّز في السعى و التثبّت في ارتياد المصالح
بقوله: ربّ ساع فيما يضرّه. فالأصل هو الساعي، و الفرع هو المخاطب، و العلّة هى السعى، و الحكم هو التضرّر.

الرابع عشر: نبّه على وجوب ترك الإكثار في القول
بتمثيل أيضا أصله المكثر، و فرعه المخاطب، و علّته الإكثار، و حكمه الهجر. و الغرض أن يعتبر نفسه في لحوقها بالمكثرين في لزوم الهجر لهم فيترك الإكثار لما يلزمه من الهجر و لحوق الذمّ به.

الخامس عشر: نبّه على فضيلة التفكّر في الأمور
بقوله: من تفكّر أبصر: أى أدرك بعين بصيرته حقائق الأمور و عواقبها.

السادس عشر: أمره بمقارنة أهل الخير
بضمير دلّ على صغراه بقوله: تكن منهم، و تقديرها أنّ مقارنتهم يستلزم الكون منهم، و تقدير الكبرى: و كلّ ما استلزم الكون منهم فواجب أن يفعل.

السابع عشر: و كذلك أمره بمباينة أهل الشرّ
و مفارقته لما يستلزمه المباينة لهم من عدم العداد في جملتهم في الدنيا و الآخرة، و وجه الحجّة كالّذي قبله.

الثامن عشر: نبّهه على قبح أكل الحرام
لغاية اجتنابه بذمّه بضمير صغراه ما ذكر، و إنّما كان أقبح الظلم لكون الضعيف في محلّ الرحمة فظلمه لا يصدر إلّا عن‏ قلب قاس و نفس بعيدة من الرقّة و الرحمة و العدل، و لأنّه غير مقابل من الضعيف بمدافعة و ممانعة فكان أبعد عن العدل، و تقدير كبراه: و كلّ ما كان أفحش الظلم كان أولى أصناف الظلم بالترك و الاجتناب.

العشرون: نبّهه على أنّ الرفق في بعض المواضع كالخرق
في كونه مخلّا بالمصلحة غالبا و مفوّتا للغرض فكان استعمال الخرق في ذلك الموضع كاستعمال الرفق في استلزامه للمصلحة و حصول الغرض غالبا فكان أولى من الرفق في ذلك الموضع.
و لفظا الخرق الأوّل و الرفق الثاني مستعاران للرفق الأوّل و الخرق الثاني لما ذكرناه من المشابهة، و إلى هذا المعنى أشار أبو الطيّب: و وضع الندى في موضوع السيف بالعلى مضرّ كوضع السيف في موضع الندى

الحادي و العشرون: نبّهه على أنّ بعض ما فيه مصلحة ظاهرة قد يشتمل على مفسدة
بقوله: ربّما كان الدواء داء، و على أنّ بعض ما هو مفسدة في الظاهر قد يستلزم مصلحة بقوله: و الداء دواء. و لفظا الدواء مستعاران للمصلحة، و لفظا الداء للمفسدة، و وجه الاستعارتين أنّ المصلحة من شأنها نظام حال الإنسان، و من شأن المفسدة فساده كالدواء و الداء، و إلى هذا المعنى أشار المتنبّىّ: فربّما صحّت الأجساد بالعلل.

الثاني و العشرون: نبّه على أنّه لا ينبغي أن يعرض عن مشورة أحد عليه بأمر هو مظنّة مصلحة
و إن كان من شأنه أنّه غير ناصح له بل ينظر في رأيه و شوره فربّما كان نصيحة، و كذلك لا ينبغي أن يركن إلى قول من يعتقده ناصحا. إذ من الجائز أن يغشّه.

الثالث و العشرون: نهاه عن الاتّكال على المنى
و نفّره عنها بضمير صغراه قوله: إنّها بضائع النوكى [الموتى خ‏]، و استعار لفظ البضائع لها باعتبار أنّ الأحمق يحصل منها لذّة خياليّة من الأمور المتمنّاة و هى فرعها كما يحصل عن البضاعة الربح. و أضافها إلى النوكى لعدم الفائدة في المنى كعدم الربح عن بضائع النوكى.

الرابع و العشرون: رسّم العقل بأنّه حفظ التجارب.
و الإشارة إلى العقل العملىّ و هو القوّة الّتي للنفس بحسب حاجتها إلى تدبير بدنها الموضوع لتصرّفاتها و تكميله، و هي الّتي بها تستنبط الآراء المصلحيّة ممّا يجب أن يفعل من الامور. إذ كان الشروع في العمل الاختيارى المختصّ بالإنسان إنّما يتأتّى بإدراك ما ينبغي أن يعمل في كلّ باب و هو إدراك رأى كلّىّ أو جزئىّ يستنبط من مقدّمات بعضها جزئيّة محسوسة و بعضها كلّيّة أوّليّة أو تجربيّة أو ذايعة أو ظنّية يحكم بها العقل النظريّ من غير أن يختصّ بجزئىّ دون غيره، و العقل العمليّ يستعين بالنظريّ فى ذلك ثمّ ينتقل منه باستعمال مقدّمات جزئيّة إلى أن ينتقل إلى الرأى الجزئيّ الحاصل فيعمل بحسبه و يحصل بعمله مقاصده في معاشه و معاده. و إرادته لهذا العقل أظهر لأنّه المتعارف و لأنّه فى معرض الأمر بتحصيل مكارم الأخلاق الّتي هى كمال هذه القوّة. و حفظ التجارب إشارة إلى ضبط هذه العلوم المنتزعة عن مشاهدات متكرّرة منّا لأمور جزئيّة تتكرّر فيفيد حكما كلّيّا ككون السقمونيا مثلا من شأنها الإسهال. و عرّف العقل بذلك لكونه من خواصّه و كمالاته.

الخامس و العشرون: نبّهه على أنّه ينبغي أن يقتصر من التجارب على ما وعظه
أى من شأنه أن يفيد موعظة و اعتبارا كالنظر في حال من تكرّر ظلمه فأسرعت عقوبة اللّه إليه، أو تكرّر كذبه فأدركه المقت بضمير صغراه ما ذكر، و تقديرها: ما وعظك فهو خير التجارب، و تقدير الكبرى: و خير التجارب أولى بك. ينتج فما وعظك من التجارب أولى بك، و نحوه قول أفلاطون: إذا لم تعظك التجربة لم تجرّب بل أنت ساذج كما كنت.

السادس و العشرون: أمره بانتهاز الفرصة
فيما ينبغي أن يفعل، و نفّره عن تركها بما يستلزمه من الأسف المغصّ، و أطلق اسم الغصّة على الفرصة مجازا تسمية للشي‏ء باسم ما يؤول إليه.

السابع و العشرون: نبّه على ما ينبغي من ترك الأسف على ما يفوت من المطالب
بضمير صغراه ما في قوّة هذا السلب من الايجاب، و تقديره: بعض الطالبين‏ لا يصيب مطلوبه، و تقدير الكبرى: و كلّ من لا يصيب مطلوبه فلا ينبغي أن يأسف على فواته. ليقدّر السامع نفسه أنّه من ذلك البعض فلا يأسف على فائت، و كذلك قوله: و لا كلّ غائب يئوب.

الثامن و العشرون: نبّه على لزوم التقوى
بضمير تقدير صغراه: إضاعة الزاد و مفسدة المعاد من الفساد، و تقدير الكبرى: و كلّ ما كان من الفساد وجب تركه.
و لفظ الزاد مستعار للتقوى كما سبق.

التاسع و العشرون: نبّه على وجوب النظر في عواقب الامور و اختيار أحسنها
بضمير ذكر ما هو في قوّة صغراه، و تقديرها: كلّ أمر له عاقبة نافعة أو ضارّة، و تقدير كبراه: و كلّ ما له عاقبة كذلك فينبغى أن يلمح ليفعل ما يوصل إليها أو يجتنب.

الثلاثون: نبّه على وجوب ترك الحرص و كدّ النفس في طلب المال و نحوه
بضمير ذكر صغراه، و تقدير كبراه: و كلّ ما سوف يأتيك فينبغي أن لا تحرص في طلبه.

الحادي و الثلاثون: نبّه على وجوب الاحتراز في المعاملات كالبيع و الشراء و نحوه
بضمير صغراه ما ذكر، و وجه كون التاجر مخاطرا أنّه لمّا كان محبّا للمال و متوجّها إلى اكتسابه كان حال البيع في مظنّة أن يحيف فيأخذ راجحا و يعطى ناقصا مع أنّ تكليفه لزوم العدل و الاستقامة على سواء الصراط فلا جرم كان على خطر من وقوعه في طرف التفريط و التقصير من سواء السبيل، و تقدير الكبرى: و المخاطر يجب أن يحترز في فعله المخاطر فيه.

الثاني و الثلاثون
لمّا نبه على وجوب الاحتراز في التجارة و التحفّظ من الظلم و كان ذلك الظلم إنّما هو لغرض كثرة المال نبّه في هذه الكلمة على أنّ من المال اليسير ما هو أنمى من الكبير ليقتصر عليه، و أراد باليسير الحلال فإنّه أغنى للعاقل من الكثير الحرام في الآخرة لاستلزامه زيادة الثواب، و هي في قوّة صغرى ضمير تقديره: اليسير الحلال أغنى من الكثير الحرام و تقدير الكبرى: و كلّ ما كان أغنى من الكثير الحرام فيجب أن يقتصر عليه.

الثالث و الثلاثون: نبّه على ترك الاستعانة في المهمّات بالمهين
من الناس بضمير تقدير الكبرى: و كلّ من كان كذلك فالأولى اجتناب الاستعانة به، و الخير المنفى عنه هو النافى في الاستعانة به، و معلوم أنّه منتف عنه لما أنّ مهاتنه تضادّ النهوض في مهمّات الامور و علياتها، و لأنّ ذلّته يستلزم قهره و ضعفه عن المقاومة، و نحوه قولهم: إذا تكفّيت بغير كاف وجدته للهمّ غير شاف.

الرابع و الثلاثون: نبّه على مجانبة الصديق المتّهم
بضمير تقدير صغراه كالّتي قبلها، و أراد أنّه لا خير فيه لصديقه. إذ كان من جهة الباطن مظنّة الشرّ له.

الخامس و الثلاثون: أمره أن يصبر على ما يقتضيه الدهر
و لا يتسخّط من ذلك و إن كان دون رضاه. إذ كان ذلك هو المتمكّن في الطبيعة، و ما بمعنى المدّة، و استعار لفظ القعود للزمان الّذي تيسّر فيه رزقه و تسهل فيه بعض مهمّاته، و وجه المشابهة أنّ ذلك الزمان يمكّنه من بعض مهمّاته و حوائجه. و طلب ما لا يمكن فيه و ما لم يعدّ لحصوله من المطالب ربّما يستلزم تغيّره و امتناع ما كان ممكنا فيه كما أنّ القعود من شأنه أن يمكّن من ظهره و اقتعاده و هو بمعرض أن ينفرّ براكبه إذ استزاده و شدّ عليه، و لفظ الذلّة مستعار لسكون الزمان و إمكان المطلوب فيه، و أراد بمساهلته الجريان معه بقدر مقتضاه من دون تشدّد و تسخّط عليه فإنّ ذلك يستلزم تعب النفس‏ إذ الدهر أعطاك العنان فسر به رويدا و لا تعنف فيصبح شامسا

السادس و الثلاثون: نهاه أن يخاطر بما يملكه رجاء أكثر منه.
إذ كان في مظنّة أن لا يعود فيوشك أن يضيع الأصل، و يحمل ذلك على كون الإنسان يلقى ما في يده للغرض المذكور مع شكّه في سلامته أمّا مع ظنّ السلامة فلا خطر. و نحوه قولهم: من طلب الفضل حرم الأصل.

السابع و الثلاثون: حذّره من اللجاج في طلب الأمر عند تعسّره، و نفّره عنه
بأن استعار له لفظ المطيّة الجموح، و وجه المشابهة كونه يؤدّي بصاحبه إلى غاية ليست بمجهوده [بمحمودة خ‏] كالجموح من المطايا.

الثامن و الثلاثون: أمره أن يلزم نفسه و يحملها في حقّ صديقه
الحقّ على أن يقابله و يجازيه برذائله فضائل كالقطيعة بالصلة، و ساير ما ذكر ليعود إلى العتبى و تدوم المودّة، و حذّره أن يضع ذلك في غير موضعه أو يفعله بغير أهله من اللئام لأنّ ذلك وضع الشي‏ء في غير موضعه و هو خروج عن العقل، و قد علمت أنّ الأمور المذكورة من لوازم الصداقة الحقّة. و إلى نحوه أشار الشاعر بقوله:
و إنّ الّذي بينى و بين بني أبي و بين بنى امّي لمختلف جدّا
فإن أكلوا لحمى و فرت لحومهم‏
و إن هدموا مجدى بنيت لهم مجدا
و إن زجروا طيرا بنحس تمرّ بى زجرت لهم طيرا يمرّ بهم سعدا
و لا أحمل الحقد القديم عليهم‏
و ليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

التاسع و الثلاثون: نهاه أن يتّخذ عدوّ صديقه صديقا،
و نبّه على قبح ذلك بضمير استثنائى تقديره: فإنّك إن فعلت ذلك عاديت صديقك، و يستدلّ فيه بقبح اللازم على قبح ملزومه: أي لكن معاداة الصديق قبيحة منهىّ عنها فاتّخاذ عدوّه صديقا كذلك، و وجه الملازمة أنّ مصادقة عدوّ الصديق يستلزم نفرة الصديق عمّن يصادق عدوّه لنفرته عن عدوّه و توهّمه مشاركة العدوّ و موافقته في جميع أحواله و من جملة أحواله عداوته فهى إذن توهمه الموافقة على عداوته فيوجب له النفرة و المجانبة، و إليه أشار بذكر القائل:
تودّ عدوّي ثمّ تزعم أنّنى صديقك إنّ الرأى عنك لعازب‏

الأربعون: أن يخلّص نصيحته لأخيه في جميع أحواله سواء كانت النصيحة حسنة أو قبيحة
أى مستقبحة في نظر المنصوح ضارّة له في العاجل باعتبار استحيائه و انفعاله من المواجهة بها. و نحوه قوله تعالى وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ«» فعدّها بالنسبة إليهم سيّئة.
الحادي و الأربعون: أمره بفضيلة كظم الغيظ،
و قد رسمت بأنّها الإمساك‏ عن المبادرة إلى قضاء وطر الغضب فيمن يجنى عليه جناية يصل مكروها إليه. و قد يرادفه الحلم و الكرم و الصفح و التثبّت و العفو و التجاوز و الاحتمال، و ربّما فرّق بعضهم بين هذه المفهومات، و استعار وصف التجرّع للتصبّر على مضض الألم الموجود منه ملاحظة لما يشرب من دواء مرّ، ثمّ نبّه على فضيلته بضمير صغراه قوله: فإنّي لم أر. إلى قوله: مغبّة، و استعار لفظ الحلاوة لما يستلزمه من العاقبة الحسنة، و وجه المشابهة ما يستلزمانه من اللذّة. و الضمير في قوله: منها يعود إلى ما دلّ عليه قوله: تجرّع من المصدر، و تقدير الكبرى: و كلّ ما لا يرى من المتجرّع أحلى منه فينبغي أن يتجرّع. و عن زين العابدين عليه السّلام وصيّة لابنه الباقر عليه السّلام يا بنيّ عليك بتجرّع الغيظ من الرجال فإنّ أباك لا تسرّه بنصيبه من تجرّع الغيظ من الرجال حمر النعم.

الثاني و الأربعون: أمره أن يلين لمن غالظه
و خاشنه، و نبّه على حسن ذلك بضمير صغراه قوله: فإنّه يوشك أن يلين لك: أي بسبب لينك له حال غلظته: و تقدير كبراه: و كلّ من قارب أن يلين لك بسبب لينك له فالأولى بك أن تلين له، و نحوه قولهم: إذا عز أخوك فمن واصله و قوله تعالى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ«».

الثالث و الأربعون: أمره أن يأخذ على عدوّه بالفضل
من عوارفه. و نبّهه على أحسنه باستلزامه لأحد الظفرين فإنّ للظفر سببين: أحدهما: الرهبة بالقوّة و الغلبة و هو الأظهر. الثاني: الرغبة بالإفضال عليه بحيث يسترق به و يدخل في الطاعة بسببه. و قوله: فإنّه أحد الظفرين. صغرى ضمير، و تقدير الكبرى: و كلّ ما صدق عليه أنّه أحد الظفرين فينبغي أن يفعل.

الرابع و الأربعون: أمره إن أراد مقاطعة أخيه أن يبقى له من نفسه بقيّة
من صداقته و لا يفارقه مفارقة كلّيّة، و نبّه على ذلك بضمير أشار إلى صغراه بقوله: يرجع إليها: أي فإنّه يرجع إليها لو بدا له الرجوع، و تقدير الكبرى: و كلّ ما يرجع به فواجب أن يبقيه له، و نحوه قولهم: أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، و أبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما، و قولهم: إذا هويت فلا تكن غاليا، و إذا تركت فلا تكن قاليا.

الخامس و الأربعون: أن يصدّق من ظنّ به خيرا في ظنّه
و ذلك التصديق بفعل ما ظنّه فيه من الخير كأن يظنّ به الجود فيفضل عليه.

السادس و الأربعون: نهى أن يفعل بأهله شرّا.
و نفّره بضمير تقدير صغراه: فإنّ أهلك حينئذ يكونون أسعى الخلق بك، و ذلك لملازمته لهم و قربه منهم، و تقدير كبراه: و كلّ من كان كذلك فهو مذموم.

السابع و الأربعون: أن لا يضيع حقّ أخ له اعتمادا على ما بينهما من الاخوّة
و نبّه على ذلك بضمير صغراه قوله: فإنّه. إلى قوله: حقّه، و المعنى أنّ من أضعت حقّه لابدّ أن يفارقك لتضييعك حقّه فلا يكون أخا لك: و تقدير كبراه: و كلّ أخ يفارقك لتضييع حقّه فلا ينبغي أن تضيّع حقّه لتسلم تلك لك مودّته و اخوّته، و نحوه قولهم: إضاعة الحقوق داعية العقوق.

الثامن و الأربعون: نهاه عن الرغبة فيمن زهد فيه
و أراد بمن زهد فيه من ليس للصنيعة موضعا، و لا للمودّة أهلا. و ليس بأخ قديم و إلّا لناقض ما قبله و ما بعده من الأمر بصلة من قطعه و الدنوّ ممّن تباعد عنه و الإحسان إلى من أساء إليه.

التاسع و الأربعون: و لا يكوننّ أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته.
إلى قوله: الإحسان. و أشار إلى وجوب ذلك بالتنفير عن نقيضه بضمير صغراه شرطيّة متّصلة تقديرها فإنّك إن لا تفعل ذلك لكان أخوك أقوى على فعل الإساءة منك إلى فعل الإحسان، و بيان الملازمة أنّ الإساءة و الشرّ له صوارف كثيرة تصرف عنه، و الإحسان و فعل الخير له بواعث كثيرة يبعث عليه فإذا لم تفعل الإحسان مع كثرة البواعث عليه و أساء أخوك مع كثرة صوارفه عن الإساءة كان هو أقوى على الإساءة منك على الإحسان، و تقدير كبراه: و كلّ من كان كذلك فهو عاجز مذموم.

الخمسون: نهاه عن استعظام ظلم الظالمين في حقّه
و هونه عنده بضمير صغراه قوله: فإنّه يسعى في مضرّته و نفعك أي أنّ سعيه في ظلمه يستلزم مضرّته في الآخرة بما توعّد اللّه به الظالمين و نفعك بما وعد اللّه به الصابرين على بلائهم، و تقدير الكبرى: و كلّ من سعى في مضرّته و نفعك فلا ينبغي أن يكبر عليك صنيعه في حقّك.

الحادي و الخمسون: نبّهه على وجوب مقابلة الإحسان بمثله دون الكفران
بقوله: ليس جزاء من سرّك أن تسوءه: و هو في قوّة صغرى ضمير تقديرها: من سرّك فليس جزاؤه أن تسوءه، و تقدير كبراه: و كلّ من لم يكن جزاؤه ذلك فينبغي أن لا تسوءه، و قيل: إنّ هذه الكلمة من تمام الّتي قبلها، و التقدير لا يكبرنّ عليك ظلم من ظلمك فتقابله بسوء فإنّه يسعى في مضرّته و نفعك و كلّ من كان كذلك فليس جزاؤه أن تقابله بالإساءة.

 

الفصل العاشر:

قوله: وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ الرِّزْقَ رِزْقَانِ- رِزْقٌ تَطْلُبُهُ وَ رِزْقٌ يَطْلُبُكَ- فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ- مَا أَقْبَحَ الْخُضُوعَ عِنْدَ الْحَاجَةِ- وَ الْجَفَاءَ عِنْدَ الْغِنَى- إِنَّمَا لَكَ مِنْ دُنْيَاكَ مَا أَصْلَحْتَ بِهِ مَثْوَاكَ- وَ إِنْ كُنْتَ جَازِعاً عَلَى مَا تَفَلَّتَ مِنْ يَدَيْكَ- فَاجْزَعْ عَلَى كُلِّ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ- اسْتَدِلَّ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بِمَا قَدْ كَانَ- فَإِنَّ الْأُمُورَ أَشْبَاهٌ- وَ لَا تَكُونَنَّ مِمَّنْ لَا تَنْفَعُهُ الْعِظَةُ إِلَّا إِذَا بَالَغْتَ فِي إِيلَامِهِ- فَإِنَّ الْعَاقِلَ يَتَّعِظُ بِالْآدَابِ- وَ الْبَهَائِمَ لَا تَتَّعِظُ إِلَّا بِالضَّرْبِ- . اطْرَحْ عَنْكَ‏ وَارِدَاتِ الْهُمُومِ بِعَزَائِمِ الصَّبْرِ- وَ حُسْنِ الْيَقِينِ- مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ جَارَ- وَ الصَّاحِبُ مُنَاسِبٌ- وَ الصَّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبُهُ- وَ الْهَوَى شَرِيكُ الْعَنَاءِ- وَ رُبَّ بَعِيدٍ أَقْرَبُ مِنْ قَرِيبٍ- وَ قَرِيبٍ أَبْعَدُ مِنْ بَعِيدٍ- وَ الْغَرِيبُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبِيبٌ- مَنْ تَعَدَّى الْحَقَّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ- وَ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِهِ كَانَ أَبْقَى لَهُ- وَ أَوْثَقُ سَبَبٍ أَخَذْتَ بِهِ- سَبَبٌ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ- وَ مَنْ لَمْ يُبَالِكَ فَهُوَ عَدُوُّكَ- قَدْ يَكُونُ الْيَأْسُ إِدْرَاكاً إِذَا كَانَ الطَّمَعُ هَلَاكاً- لَيْسَ كُلُّ عَوْرَةٍ تَظْهَرُ وَ لَا كُلُّ فُرْصَةٍ تُصَابُ- وَ رُبَّمَا أَخْطَأَ الْبَصِيرُ قَصْدَهُ وَ أَصَابَ الْأَعْمَى رُشْدَهُ- أَخِّرِ الشَّرَّ فَإِنَّكَ إِذَا شِئْتَ تَعَجَّلْتَهُ- وَ قَطِيعَةُ الْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ الْعَاقِلِ- مَنْ أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ وَ مَنْ أَعْظَمَهُ أَهَانَهُ- لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَمَى أَصَابَ- إِذَا تَغَيَّرَ السُّلْطَانُ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ- سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ- وَ عَنِ الْجَارِ قَبْلَ الدَّارِ إِيَّاكَ أَنْ تَذْكُرَ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَكُونُ مُضْحِكاً- وَ إِنْ حَكَيْتَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِكَ- وَ إِيَّاكَ وَ مُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ- فَإِنَّ رَأْيَهُنَّ إِلَى أَفْنٍ وَ عَزْمَهُنَّ إِلَى وَهْنٍ- وَ اكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ بِحِجَابِكَ إِيَّاهُنَّ- فَإِنَّ شِدَّةَ الْحِجَابِ أَبْقَى عَلَيْهِنَّ- وَ لَيْسَ خُرُوجُهُنَّ بِأَشَدَّ- مِنْ إِدْخَالِكَ مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ عَلَيْهِنَّ- وَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ فَافْعَلْ- وَ لَا تُمَلِّكِ الْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا- فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ وَ لَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ- وَ لَا تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا وَ لَا تُطْمِعْهَا فِي أَنْ تَشْفَعَ لِغَيْرِهَا- وَ إِيَّاكَ وَ التَّغَايُرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ غَيْرَةٍ- فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْعُو الصَّحِيحَةَ إِلَى السَّقَمِ- وَ الْبَرِيئَةَ إِلَى الرِّيَبِ- وَ اجْعَلْ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ خَدَمِكَ عَمَلًا تَأْخُذُهُ بِهِ- فَإِنَّهُ أَحْرَى أَلَّا يَتَوَاكَلُوا فِي خِدْمَتِكَ- وَ أَكْرِمْ عَشِيرَتَكَ- فَإِنَّهُمْ جَنَاحُكَ الَّذِي بِهِ تَطِيرُ- وَ أَصْلُكَ الَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ وَ يَدُكَ الَّتِي بِهَا تَصُولُ اسْتَوْدِعِ اللَّهَ دِينَكَ وَ دُنْيَاكَ- وَ اسْأَلْهُ خَيْرَ الْقَضَاءِ لَكَ فِي الْعَاجِلَةِ وَ الْآجِلَةِ- وَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ

اللغة

أقول: المثوى: المقام. و تفلّت: تخلّص. و عزائم الصبر: ما جزمت به منه و لزمته. و العورة هنا: الاسم من أعور الصيد إذا أمكنك من نفسه، و أعور الفارس: إذا بدا منه موضع خلل الضرب. و الأفن: الضعف. و القهرمانة: فارسي معرّب.
و في الفصل تنبيهات على لطائف من الحكمة و مكارم الأخلاق:
الاولى: أنّه قسّم مطلق الرزق إلى قسمين مطلوب و طالب،
و أراد بالرزق المطلوب ما لم يجر في القضاء الإلهي كونه رزقا له، و بالطالب عمّا علم اللّه أنّه رزقه و أنّه لابدّ من وصوله‏

إليه. و ترك بيان أحكام القسمين للعلم به إيجازا. و التقدير فأمّا الّذي تطلبه فلا تدركه لكون القضاء الإلهيّ لم يجر به، و كلّ ما لا تدركه فينبغي أن لا تحرص عليه، و أمّا الّذي يطلبك فإنّه لا محالة يأتيك و إن لم تأته، و هي صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ ما كان آتيك لا محالة فينبغي أن لا تحرص في طلبه.

الثانية: نبّه على فضيلة عزّة النفس عند الحاجة، و على مواصلة الأخوان في الغنى
بالتعجّب من قبح ضدّيهما، و هما الخضوع في الحاجة و الجفاء في الغنى للتقير عنهما. إذ كانا رذيلتين، و هي في قوّة ضمير تقديرها: أنّ الذلّة في الحاجة و جفاء الأخوان في الغنى قبيحان جدّا، و تقدير كبراه: و كلّما كان كذلك وجب اجتنابه.

الثالثة: نبّهه على بذل المال في وجوه البرّ و القربات لغاية إصلاح آخرته
بقوله: إنّما لك. إلى قوله: مثواك، و أراد بما له من دنياه ما يملك نفعه دائما و لذلك حصره بإنّما لأنّه القدر المنتفع به على الحقيقة، و الّذي يبقى ثمرته لاستلزام بذله تحصيل الملكات الفاضلة المستلزمة للثواب الدائم و النعيم المقيم في الآخرة، و هو صغرى ضمير تقديرها: ما أصلحت به مثواك من دنياك هو الّذي يبقى لك منها، و تقدير الكبرى: و كلّ ما هو الباقي لك منها فينبغي أن تحضّه بعنايتك، و يحتمل أن يكون هذه الكلمة تنبيها على ما قبلها من المواصلة في الغنى داخلة في إصلاح المثوى بالمال المنبّه عليه هاهنا.

الرابعة: نبّهه على ترك الأسف و الجزع على ما يخرج من يده من المال
بقياس استثنائي، و ذلك قوله: فإن جزعت. إلى قوله: إليك. و بيان الملازمة أنّ الّذي خرج من يده كالّذي لم يصل إليه فى أنّه ليس برزق له و ليس ممّا قضى اللّه له به.
و تقدير الاستثناء: لكن الجزع هناك قبيح و غير محقّق فينبغي أن لا يحصل الجزع هاهنا.

الخامسة: أمره أن يستدلّ بقياس ما لم يكن
أي ما لم يحدث من امور الدنيا و أحوالها و تغيّراتها على ما كان و حدث منها، و ذلك أن يقيس نفسه و ما ترغب فيه من متاع الدنيا على ما سبق من أهلها و متاعها فتجده مثله فيحكم بلحوق حكمه له و هو التغيّر و الزوال فيستلزم ذلك الاعتبار الرغبة عن الدنيا و متاعها، و نبّه على إمكان ذلك بضمير صغراه قوله: فإنّ الامور أشباه، و تقدير الكبرى: و كلّ ما هو متشابه فيمكن قياس بعضه على بعض، و كأن يقال: إذا أردت أن تنظر الدنيا بعدك فانظرها بعد غيرك.

السادسة. حذّره أن يكون ممّن لا ينفعه النصيحة فيما نصح به من الرأي إلّا إذا بالغت النصيحة و التوبيخ في إيلامه
و أذاه، و روى بالغت بالتاء المخاطب: أي في إيلامه بالقول و غيره، و ضرب له العاقل مثلا في اتّعاظه بالأدب و تذكيره بالنصيحة ليقيس نفسه عليه فيتّعظ بالأدب، و البهائم مثلا في عدم اتّعاظها و تذكّرها إلّا بالضرب ليعتبر نفسه بالقياس إليها و قد رفعه اللّه عنها بالعقل فيجب أن ينزّه نفسه عن لازمها فلا يحتاج إلى إيلام بقول أو فعل كأن يقال: اللئيم كالعبد و العبد كالبهيمة عتبها ضربها.

السابعة: أن يحذف عن نفسه ما يرد عليها من الغموم و الهموم
و مصائب الدنيا بالصبر الجازم الثابت عن حسن اليقين باللّه تعالى و بأسرار حكمته و قضائه و قدره، و ذلك أن يعلم يقينا أنّ كلّ أمر صدر عن اللّه و ابتلى به عباده من ضيق رزق أوسعته و كلّ أمر مرهوب أو مرغوب فعلى وفق الحكمة و المصلحة بالذات، و ما عرض في ذلك ممّا يعدّ شرّا فأمر عرضىّ لا يمكن نزع الخير المقصود منه فإنّ ذلك إذا كان متيقّنا استعدّت النفس بعلمه للصبر و مفارقة الهوى في الغمّ و الجزع و نحوه. و الغرض من الكلمة الأمر بالصبر و هي في قوّة صغرى ضمير تقديرها: أنّ عزائم الصبر و حسن اليقين باللّه يستلزمان طرح واردات الهموم و حذفها عن النفس، و تقدير الكبرى: و كلّ ما استلزم ذلك فينبغي أن تستعدّ به و تستكمل به نفسك.

الثامنة: نبّهه على لزوم القصد و العدل في أفعاله و أقواله
بضمير ذكر صغراه و تقدير كبراه: و من جاز هلك.

التاسعة: نبّه على حفظ الصاحب الحقّ و الرغبة فيه
بضمير ذكر صغراه، و استعار له لفظ التنسيب باعتبار مودّته و حسن معاضدته كالنسيب، و تقدير كبراه: و المناسب ينبغي أن يحمى عليه و يصطنع عنده.

العاشرة: عرّف الصديق الحقّ بعلامته ليعرف بها فيصادق
و أراد بصدقه في غيبه صدقه في ضميره و ما غاب من باطنه عن غيره.

الحادية عشر: نبّهه على مجانبة الهوى و الميول الطبيعيّة
بضمير صغراه قوله:

الهوى شريك العمى، و وجه كونه شريكا له استلزامه للضلال و ترك القصد كالعمى، و تقدير الكبرى: و كلّ ما هو شريك العمى فينبغي أن يجتنب، و نحوه قولهم: حبّك للشي‏ء يعمى و يصمّ.

الثانية عشر: نبّه على أنّ في البعداء من هو أقرب و أنفع من النسيب، و في الأقرباء من هو أبعد من البعيد
و هو مشهور، و إلى المعنى الثاني أشار القرآن الكريم بقوله تعالى إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَ أَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ«».

الثالثة عشر: نبّه على أنّ الحقيق باسم الغريب هو من لم يكن له نسيب:
أى محبّ يحبّه، و إليه أشار القائل:
اسرة المرء و الداه و في ما بين حضنيهما الحياة تطيب‏
فإذا وليّا عن المرء يوما
فهو في الناس أجنبيّ غريب‏ و ذلك باعتبار محبّة الوالدين له.

الرابعة عشر: نبّه على لزوم الحقّ بما يلزم نقيضه
و هو تعدّيه و تجاوزه إلى الباطل من ضيق المذهب و وعارة المسلك، و ذلك أنّ طريق الحقّ واضح مأمور باتّباعه و قد نصبت عليه أعلام الهداية، أمّا طريق الباطل فهى ضيقة و عرة على سالكها لما فيها من التحيّر و الخبط و عدم الهداية إلى المصلحة و المنفعة مع كونها ممنوعة بحرسة طريق الحقّ من حاد إليها عنه أخذوا عليه مذهبه و ضيّقوا عليه مسلكه حتّى يعود إلى طريق الحقّ، و هو صغرى ضمير تقدير كبراه كما في قوله: من ترك القصد جار.

الخامسة عشر: نبّهه على وجوب الاقتصار على قدره و هو مقداره و محلّه في خلق اللّه
و اقتصاره عليه مبنىّ على معرفته و هو أن يعلم الفطرة الّتي فطر الإنسان عليها من الضعف و الجور و النقص فيعلم أنّه كذلك فيمنع نفسه حينئذ عن الترفّع عن أبناء نوعه و الاستطالة على أحد منهم بفضل قوّة أو إعجاب بقية جسمانيّة أو نفسانيّة و يقتصر على ما دون ذلك من التواضع و لين الجانب و الاعتراف بما جبّل عليه من العجز و النقص، و هو في قوّة صغرى ضمير تقديرها: من اقتصر على قدره‏ كان اقتصاره أبقى له، و ذلك أنّ المتطاول إلى قدر غيره و المتجاوز لقدره في مظنّة أن يهلك لقصد الناس إيّاه بالمكاره و النكير. قيل: من جهل قدره قتل نفسه. و الاقتصار على القدر يستلزم عدم هذه الامور فكان أبقى على صاحبه و أسلم، و تقدير الكبرى: و كلّ من كان اقتصاره على قدره أبقى له فواجب أن يقتصر عليه.

السادسة عشر: نبّهه على لزوم سبب بينه و بين اللّه تعالى
و هو كلّ ما قرّب إليه من علم و قول و عمل، و لفظ السبب مستعار لذلك باعتبار إيصاله إلى اللّه و القرب منه كالحبل الّذي يتوصّل به إلى المقصود، و ظاهر أنّه أوثق الأسباب لثباته دائما و نجاة المتمسّك به في الدنيا و الآخرة، و الكلمة صغرى ضمير تقديرها السبب بينك و بين اللّه تعالى هو أوثق الأسباب المأخوذ بها، و تقدير الكبرى: و كلّ ما كان كذلك فينبغي أن يتمسّك به. و نحوه قوله تعالى فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏ لَا انْفِصامَ لَها«».

السابعة عشر: نبّهه على مجانبة من لا يبالى به
بضمير ذكر صغراه، و تقديرها: من لم يبالك وقت حاجتك إليه و قدرته على نفعك فهو عدوّك، و لفظ العدوّ مستعار له باعتبار أنّ عدم المبالاة من لوازم العدوّ، و تقدير الكبرى: و كلّ عدوّ ينبغي مجانبته.
الثامن عشر: نبّه على أنّ اليأس من بعض مطالب الدنيا
قد يكون سببا للسلامة من الهلاك و إدراك النجاة منه، و ذلك عند ما يكون الطمع في ذلك المطلوب مستلزما للهلاك كالطمع في نيل ملك و نحوه.

التاسعة عشر: نبّه بقوله: ليس كلّ عورة. إلى قوله: رشده.
على أنّ من الأمور الممكنة و الفرص ما يغفل الطالب البصير عن وجه طلبه فلا يصيبه و لا يهتدي له، و يظفر به الأعمى، و استعار لفظ البصير للعاقل الذكىّ، و الأعمى للجاهل الغبىّ.
و غرض الكلمة التسلية عن الأسف و الجزع على ما يفوت من المطالب بعد إمكانها.

العشرون: أمره بتأخير الشرّ و عدم الاستعجال فيه
و نبّه عليه بضمير ذكر صغراه: و معناها: أنّك قادر على تعجيله أيّ وقت شئت، و تقدير الكبرى: و كلّ ما كان كذلك فينبغى أن لا يعجل فيه. إذ لا يفوتك، و نحوه من الحكمة قولهم: ابدأ بالحسنة قبل السيّئة فلست بمستطيع للحسنة في كلّ وقت و أنت على الإساءة متى شئت قادر.

الحادية و العشرون: نبّه على وجوب قطيعة الجاهل
بضمير ذكر صغراه، و تقدير كبراه: و كلّ ما يعدل صلة العاقل فينبغى أن يرغب فيها و يفعلها و إنّما كانت تعدلها باعتبار استلزامها للمنفعة، و منفعة قطيعة الجاهل بالقياس إلى ما في صحبته من المضرّة.

الثانية و العشرون: نبّه على وجوب الحذر من الزمان و دوام ملاحظة تغيّراته، و الاستعداد لحوادثه قبل نزولها بالأعمال الصالحة
و استعار له لفظ الخيانة باعتبار تغيّره عند الغفلة عنه و الأمن فيه و الركون إليه فهو في ذلك كالصديق الخائن.
و الكلمة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ من خانه الزمان فينبغي أن يكون منه على حذر، و في الحكمة: من أمن الزمان ضيّع ثغرا مخوفا.

الثالثة و العشرون: نبّه بقوله: من أعظمه أهانه على وجوب ترك إعظامه.
و لم يرد الزمان المجرّد بل من حيث هو مشتمل على خيرات الدنيا و لذّاتها و معدّ لطيب العيش بالصحّة و الشباب و الأمن و نحوها، و بذلك الاعتبار يكرّم و يستعظم فيقال في العرف: زمان طيّب و زمان عظيم. و أمّا استلزام ذلك لإهانة من يستعظمه لأنّ إعظامه له يستلزم استنامته إليه و اشتغاله بما فيه من اللذّات الدنيويّة فغفل بسبب محبّتها عن الاستعداد لما ورائه. ثمّ إنّ الزمان مكر عليه بمقتضى طباعه فيفرّق بينه و بين ما كان يغترّ به من مال أو جاه أو رجال فيصبح حقيرا بعد أن كان خطيرا و صغيرا بعد أن كان كبيرا و قليلا بعد أن كان كثيرا، و الكلمة في قوّة صغرى ضمير تقدير كبراه: و كلّ من أهانه الزمان فينبغي له أن يستهين به و لا يعظمّه.

الرابعة و العشرون: قوله: ليس كلّ من رمى أصاب،
و قد سبق مثله في‏ قوله: ليس كلّ طالب يصيب. و غرضه التنبيه على ما ينبغي من ترك الاسف على ما يفوت من المطالب و التسلّى بمن أخطأ في طلبه، أو توبيخ الغير و تبكيته بأنّه ليس بأهل لذلك المطلوب و أنّ له قوما آخرين. و إلى نحوه أشار أبو الطيّب:
ما كلّ من طلب المعالي نافذا فيها و لا كلّ الرجال فحولا.

الخامسة و العشرون: نبّه على أنّ تغيّر السلطان في رأيه و نيّته و فعله في رعيّته
من العدل إلى الجور يستلزم تغيّر الزمان عليهم. إذ يغيّر من الإعداد للعدل إلى إلى الإعداد للجور، و روى أنّ كسرى أنوشيروان جمع عمّال السواد، و بيده درّة يقلّبها. فقال: أيّ شي‏ء أضرّ بارتفاع الأعمال و أدعي إلى محقه، و من أجابني بما في نفسي جعلت هذه الدرّة في فيه. فقال كلّ منهم قولا من احتباس المطر و الجراد و اختلاف الهواء. فقال لوزيره: قل أنت فإنّي أظنّ عقلك يعادل عقول الرعيّة و يزيد عليها. فقال: إنّما يضرّ بارتفاعها تغيّر رأي السلطان في رعيّته، و إضمار الحيف لهم و الجور عليهم. فقال: للّه أبوك بهذا العقل أهّلك الملوك لما أهّلوك له.
و دفع إليه الدرّة فجعلها في فيه.

السادسة و العشرون: أمره بالسؤال عند إرادته لسلوك طريق عن الرفيق فيها
لغاية أن يجتنبه إن كان شريرا، و يرافقه إن كان خيّرا. فإنّ الرفيق إمّا رحيق و إمّا حريق، و كذلك عن الجار عند إرادته لسكنى الدار للغاية المذكورة. و روى هذا الكلام مرفوعا.

السابعة و العشرون: حذّره أن يذكر من الكلام ما كان مضحكا
سواء كان عن نفسه أو عن غيره لما يستلزم ذلك من الهوان، و قلّة الهيبة في النفوس.

الثامنة و العشرون: وصّاه في النساء بامور:
أحدها: الحذر من مشاورتهنّ
و نبّه على وجوب الحذر بضمير صغراه قوله: فإنّ رأيهنّ. إلى قوله: وهن. و ذلك لنقصان عقولهنّ، و تقدير الكبرى: و كلّ من كان كذلك فينبغي أن يحذر من استشارته لما أنّ ضعف الرأي مظنّة الخطاء و عدم إصابة وجه المصلحة فيما يستشار فيه.

الثاني: أن يكفّ عليهنّ من أبصارهنّ بحجابه إيّاهنّ،
و هو من أفصح الكنايات عن الحجب. و من زايدة، و يحتمل أن يكون للتبعيض. و نبّه على وجوب حجبهنّ بضمير صغراه قوله: فإنّ شدّة الحجاب أبقى عليهنّ: أى أبقى للستر و العفّة من الخروج و التبرّج و أدوم لحفظهنّ، و تقدير الكبرى: و كلّ ما كان كذلك وجب فعله.
الثالث: نبّه على أنّه لا يجوز أن يرحض في إدخال من لا يوثق به عليهنّ،
و هو أعمّ من الرجال و النساء، و الكلام في قوّة صغرى ضمير دلّ به على ذلك المنع، و تقديرها: أنّ إدخال من لا يوثق به عليهنّ إمّا مساو لخروجهنّ في المفسدة أو أشدّ و تقدير الكبرى: و كلّ م