نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 99 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 100 صبحی صالح

100- و من خطبة له ( عليه‏ السلام  ) في رسول اللّه و أهل بيته‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ النَّاشِرِ فِي الْخَلْقِ فَضْلَهُ

وَ الْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ

نَحْمَدُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ

وَ نَسْتَعِينُهُ عَلَى رِعَايَةِ حُقُوقِهِ

وَ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ

وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ

أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صَادِعاً

وَ بِذِكْرِهِ‏نَاطِقاً

فَأَدَّى أَمِيناً

وَ مَضَى رَشِيداً

وَ خَلَّفَ فِينَا رَايَةَ الْحَقِّ

مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ

وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا زَهَقَ

وَ مَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ

دَلِيلُهَا مَكِيثُ الْكَلَامِ

بَطِي‏ءُ الْقِيَامِ

سَرِيعٌ إِذَا قَامَ

فَإِذَا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقَابَكُمْ

وَ أَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِكُمْ

جَاءَهُ الْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ

فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ حَتَّى يُطْلِعَ اللَّهُ لَكُمْ مَنْ يَجْمَعُكُمْ

وَ يَضُمُّ نَشْرَكُمْ

فَلَا تَطْمَعُوا فِي غَيْرِ مُقْبِلٍ

وَ لَا تَيْأَسُوا مِنْ مُدْبِرٍ

فَإِنَّ الْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلَّ بِهِ إِحْدَى قَائِمَتَيْهِ وَ تَثْبُتَ الْأُخْرَى

فَتَرْجِعَا حَتَّى تَثْبُتَا جَمِيعاً

أَلَا إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ ( صلى ‏الله‏ عليه ‏وآله  )كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ

إِذَا خَوَى نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ

فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكَامَلَتْ مِنَ اللَّهِ فِيكُمُ الصَّنَائِعُ

وَ أَرَاكُمْ مَا كُنْتُمْ تَأْمُلُونَ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج7  

و من اخرى و هى التاسعة و التسعون من المختار فى باب الخطب

خطب بها في الجمعة الثالثة من خلافته كما فى شرح المعتزلي: الحمد للّه النّاشر في الخلق فضله، و الباسط فيهم بالجود يده، نحمده في جميع أموره، و نستعينه على رعاية حقرقه، و نشهد أن لا إله غيره، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، أرسله بأمره صادعا، و بذكره ناطقا، فأدّى أمينا، و مضى رشيد، و خلّف فينا راية الحقّ، من تقدّمها مرق، و من تخلّف عنها زهق، و من لزمها لحق، دليلهامكيث الكلام، بطي‏ء القيام، سريع إذا قام، فإذا أنتم ألنتم له رقابكم، و أشرتم إليه بأصابعكم، جاءه الموت فذهب به فلبثتم بعده ما شاء اللّه حتّى يطلع اللّه لكم من يجمعكم و يضمّ نشركم، «فلا تطعنوا في عين مقبل تايسوا خ» فلا تطمعوا في غير مقبل، و لا تيأسوا من مدبر، فإنّ المدبر عسى أن تزلّ إحدى قائمتيه و تثبت الاخرى فترجعا حتّى تثبتا جميعا، ألا إنّ مثل آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كمثل نجوم السّماء، إذا خوى نجم طلع نجم. فكأنّكم قد تكاملت من اللّه فيكم الصّنائع، و أراكم ما كنتم تأملون.

اللغة

(الرّشد) إصابة الصّواب و قيل الاستقامة على طريق الحقّ مع تصلّب فيه، و بهما فسّر قوله سبحانه: وَ لَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ (و مرق) السهم من الرّمية خرج عن المرمى و (زهق) الشّى‏ء من باب منع بطل و هلك و (المكيث) البطي‏ء و (خوى) النجم مال للمغيب و (الصنائع) جمع الصنيعة و هى الاحسان.

الاعراب

فضله و يده منصوبان على المفعولية، و غيره منصوب على الوصف، و صادعا و ناطقا حالان من مفعول ارسله و يحتمل كون الأول حالا من امره و الثّاني من ذكره على نحو قوله: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ.

و أمينا و رشيدا منصوبان على الحال أيضا، و جملة من تقدّمها في محل النّصب صفة للراية، و دليلها بالرفع مبتدا و مكيث الكلام خبره.

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشريفة من جملة الأخبار الغيبيّة لأمير المؤمنين عليه السّلام أخبر فيها بما يكون بعده عليه السّلام من أمر الأئمة عليهم السّلام و أعلم النّاس بموته عليه السّلام بعد اشتهار أمره و اجتماع الخلق له، و افتتح بالحمد و الثّناء، و الشهادة بالتّوحيد و الرّسالة و ذكر وصف الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أولا فقال عليه السّلام: (الحمد للّه الناشر) أى المفرّق (في الخلق فضله) و احسانه (و الباسط فيهم بالجوديده) أى نعمته من باب اطلاق اسم السّبب على المسبّب أو بسط اليد كناية عن العطاء (نحمده) سبحانه (في جمع اموره) الصادرة عنه سواء كان من قبيل العطاء و النعمة أو البلاء و الشّدة، فانّ كلّ ما صدر عنه سبحانه نعمة كان أو غيرها جميل اختيارىّ يستحق به حمدا و ثناء، و لازم حقّ العبوديّة و مقتضى كمال المعرفة القيام بوظايف الحمد في كلّ باب، و الرّضاء بالقضاء على جميع الأحوال و لا حاجة إلى ما تمحّله الشّارح البحراني «ره» و تكلّفه من أنّ الحمد بالشّدايد اللّاحقة باعتبار كونها من نعمه أيضا فانها إذا قوبلت بصبر جميل استلزمت ثوابا جزيلا كما قال تعالى: و بشّر الصّابرين، و ظاهر أنّ أسباب النّعم نعم.

(و نستعينه على رعاية حقوقه) الواجبة و الاتيان بها سواء كانت حقوقا مالية كالخمس و الزّكاة و الحجّ و نحوها، أو غير مالية كساير ما أوجبه على عباده (و نشهد أن لا إله غيره و أنّ محمّدا) صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (عبده و رسوله) ذكر الشهادتين في هذه الخطبة كأكثر الخطب لما روى من أن كلّ خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء (أرسله) سبحانه (بأمره صادعا) أى مظهرا مجاهرا امتثالا لقوله سبحانه فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ.

(و بذكره ناطقا) اطاعة لما أمره بقوله: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ.

(فادى) ما حمّله (امينا) مؤتمنا (و مضى) إلى الحقّ (رشيدا) صائبا (و خلّف فينا راية الحقّ) المراد بها إما الثقلان المخلّفان أعنى كتاب اللّه و العترة، أو الثقل الأكبر فقط، و الاستعارة عنهما بالراية باعتبار أنهما يهتدى بهما السّالكون في سبيل اللّه كما أنّ الرّاية سبب الهداية في منازل الدّنيا (من تقدّمها) و لم يعتدّبها (مرق) من الدّين مروق السهم من الرّمية (و من تخلّف عنها) و لم يتابعها (زهق) و هلك في الوادى الضّلالة (و من لزمها) و لم يفارق عنها (لحق) بالحقّ و أصاب الصّواب في كلّ باب.

قال الشّارح البحراني: أشار براية الحقّ إلى كتاب اللّه و سنّته و أشار بتقدّمها و التّخلف عنها إلى طرفي الافراط و التفريط من فضيلة الاستقامة عليها أى أنّ من كان تحتها لاحقا بها فهو على حاقّ الوسط من الفضايل، و من تقدّمها كان على طرف الافراط و قد تعدّى في طلب الدّين و أغلى فيه على جهل منه كما فعلت الخوارج و من تخلّف عنها كان على طرف التفريط و التقصير فهلك في طرق الضّلال و الحيرة (دليلها) أى دليل تلك الراية، و أراد به حاملها، أو الدّليل الذي يكون قدام الراية و يتبعه حاملها فانّ المسافرين و القوافل ربما يكون معهم راية و دليل يتقدّمهم الدليل و يتبعه حامل الراية و يكون سيرها معه و يتبعهما المسافرون و يسيرون بهما، و الاحتمال الثّانى أظهر، و على كلّ تقدير فاستعار به عن نفسه الشريف سلام اللّه عليه و آله و وجه الاستعارة على الاحتمال الأوّل واضح، لأنه عليه السّلام حامل الكتاب و العالم بما فيه، و أمّا على الثّاني فلعلّه باعتبار أنّ الكتاب لا يفارقه و هو لا يفارق الكتاب كما يدلّ عليه اخبار الثقلين و أنّه عليه السّلام امام الكتاب، لكونه مفسّرا له مظهرا عمّا فيه.

و قوله: (مكيث الكلام) أى بطيئه يعني أنّه عليه السّلام ذو تدبّر و تثبّت في أقواله، فانّ قلّة الكلام من صفات المدح، و كثرته من صفات الذمّ، و من هنا قيل: لسان العاقل من وراء قلبه فاذا أراد الكلام تفكّر فان كان له قال و إن كان عليه سكت، و قلب الجاهل من وراء لسانه فان همّ بالكلام تكلّم به من غير تروّ سواء كان له أم عليه،و يأتي عنه عليه السّلام نظيره في أواخر الكتاب.

و قوله (بطى‏ء القيام) اشارة إلى تأنيّه في الامور فانّ التؤدة من صفات العقل و التسرّع من صفات الجهل.

روى في الوسائل عن الصّدوق باسناده عن أمير المؤمنين عليه السّلام في وصيته لمحمّد بن الحنفية قال عليه السّلام: من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطاء، و من تورّط في الامور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمفظعات النّوائب، و التدبير قبل العمل يؤمنك من الندم، و العاقل وعظه التجارب، و في التجارب علم مستأنف، و في تقلّب الأحوال علم تجارب الرّجال.

و فيه من مجالس الشيخ باسناده عن أبي قتادة القمّي قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام ليس لحاقن رأى، و لا لملول صديق، و لا لحسود غني، و ليس بحازم من لا ينظر في العواقب و النظر في العواقب تلقيح للقلوب.

و من محاسن البرقي مسندا عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السّلام قال: أتي رجل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: علّمني يا رسول اللّه فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: عليك باليأس ممّا في أيدى النّاس فانّه الغنى الحاضر، قال: زدني يا رسول اللّه، قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ايّاك و الطمع فانّه الفقر الحاضر، قال: زدني يا رسول اللّه، قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إذا هممت بأمر فتدبّر عاقبته فان يك خيرا و رشدا فاتبعه، و ان يك غيا فاجتنبه.

و الأخبار في هذا المعنى كثيرة، و فيه قال الشاعر:

و كلّ أناة في المواطن سودد
و لا كأناة من قدير محكم‏

و ما الرّاى الّا بعد طول تثبّت‏
و لا الحزم إلّا بعد طول تلوّم‏

و قوله عليه السّلام (سريع إذا قام) يعني انه إذا ظهر له بعد التثبّت و التروّى وجه المصلحة في القيام بأمر بادر إليه و قام به سريعا و انتهض الفرصة.

ثمّ أخذ عليه السّلام يذكّرهم بموته بقوله: (فاذا أنتم ألنتم له رقابكم) و هو كناية عن طاعتهم له و انقيادهم لأمره (و أشرتم إليه بأصابعكم) و هو كناية عن الاجلال (جاءه الموت فذهب به).

قال الشّارح المعتزلي: نقل أنّ أهل العراق لم يكونوا أشدّ اجتماعا عليه من الشهر الذى قتل فيه، و جاء في الأخبار أنّه عليه السّلام عقد للحسن عليه السّلام ابنه على عشرة آلاف، و لأبي أيّوب الأنصاري على عشرة آلاف، و لفلان و فلان حتّى اجتمع له مأئة ألف سيف، و أخرج مقدمته أمامه يريد الشّام فضربه اللعين ابن ملجم و كان من أمره ما كان و انقضت تلك الجموع و كانت كالغنم فقد راعيها (فلبثتم بعده ما شاء اللّه) عدم التعيين لمدّة اللبث إشارة إلى طولها (حتى يطلع اللّه) و يظهر (لكم من يجمعكم و يضمّ نشركم) أى تفرّقكم و أشار عليه السّلام به إلى الامام المنتظر أعنى المهدى صاحب الزّمان عليه السّلام، و قيل: أشار به إلى قائم بنى العباس بعد انقضاء دولة بني امية و الأوّل أظهر.

(فلا تطمعوا في غير مقبل) قال المجلسيّ (ره): أى من لم يقبل على طلب هذا الأمر ممّن هو أهله فلا تطمعوا فيه، فانّ ذلك لاختلال بعض شرايط الطلب كما كان شأن أكثر أئمتنا عليهم السّلام، و قيل: أراد بغير المقبل من انحرف عن الدّين بارتكاب منكر، فانه لا يجوز الطمع في أن يكون أميرا لكم، و في بعض النسخ فلا تطعنوا في عين مقبل أى من أقبل على هذا الأمر من أهل البيت فلا تدفعوه عما يريد.

(و لا تيأسوا من مدبر) قال المجلسىّ (ره): أى من أدبر عن طلب الخلافة ممّن هو أهل لها فلا تيأسوا من عوده و اقباله على الطّلب، فانّ ادباره يكون لفقد بعض الشّروط كقلّة الناصر (فانّ المدبر عسى أن تزلّ احدى قائمتيه) و هو كناية عن اختلال بعض الشروط (و تثبت الاخرى) و هو كناية عن وجود بعضها (فترجعا حتّى تثبتا جميعا) و هو كناية عن استكمال الشرائط، و لا ينافي النّهى عن الاياس النّهى عن الطّمع، لأنّ عدم اليأس هو التجويز، و الطّمع فوق التجويز، أو لأنّ النهى عن الطمع في حال عدم الشروط و الاعراض عن الطّلب لذلك أيضا، و النّهى عن الاياس لجواز حصول الشرائط هذا.

و قوله عليه السّلام: (ألا إنّ مثل آل محمّد كمثل نجوم السّماء) أراد به الأئمة الاثنى عشر سلام اللّه عليهم أجمعين، و تشبيههم بالنجوم إمّا من حيث أنهم يهتدى بهم في سبيل اللّه كما يهتدى بالنّجم في ظلمات البرّ و البحر قال سبحانه: وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ.

و يدلّ عليه ما في تفسير عليّ بن إبراهيم في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ.

قال: النّجوم آل محمّد، و قد مرّ توضيح ذلك بما لا مزيد عليه في شرح الخطبة الرّابعة، و إمّا من حيث أنّهم كلّما مضى منهم امام قام مقامه آخر كالنجوم (اذا خوى نجم) اى مال للمغيب (طلع نجم) آخر.

ثمّ بشّرهم بقوله: (فكأنّكم قد تكاملت من اللّه فيكم الصنائع) أى النّعم و الآلاء (و أراكم) اللّه (ما كنتم تاملون) أى لا تيأسوا عسى اللّه أن يأتي بالفرج عن قريب، و المتحقق الوقوع قريب و إن كان بعيدا، و يمكن أن يكون ارائة المخاطبين مأمولهم في الرّجعة، و اللّه العالم.

الترجمة

از جمله خطب شريفه ديگر آن امام أنام است كه فرموده: حمد و سپاس خداوند را سزاست كه پراكنده كننده است در ميان خلق فضل و اكرام خود را، و گستراننده در ميان ايشان بجود و بخشش احسان و انعام خود را حمد مى‏ كنيم او را در همه كارهاى او، و طلب يارى مى‏ كنيم از او بر رعايت حقّهاى او، و شهادت مى‏ دهيم آنكه نيست هيچ معبودى بحق غير از او، و آنكه محمّد بن عبد اللّه صلوات اللّه عليه و آله بنده و رسول او است، فرستاده او را در حالتي كه اظهار كننده بود امر او را، و گوينده بود ذكر او را، يا اين كه فرستاده او را بأمر خود در حالتى كه شكافنده بود آن امر بيضه شرك را، و بذكر خود در حالتى كه گوينده بود آن‏ ذكر حقّ را.

پس أدا نمود حضرت خاتم نبوّت أوامر و أحكام حق را در حالتى كه امين بود در تبليغ رسالت، و گذشت بسوى حقّ در حالتى كه راستكار يا مستقيم بود بر طريق هدايت، و واپس گذاشت در ميان ما علم حق را كه عبارت باشد از كتاب اللّه و عترت، چنان علمى كه هر كس بپيش افتاد از او خارج شد از دين و ملّت، و هر كس تخلّف نمود از آن هلاك شد در بيابانهاى ضلالت، و هر كه ملازم شد آنرا لاحق گرديد بارباب كمال و سعادت.

دليل و حامل آن علم صاحب تأنّي است در تكلّم نمودن، و صاحب بطوء است در ايستادن، يعنى كلام و قيام او با فكر و تدبير و با ملاحظه مآل كار و عاقبت انديشى است، و صاحب سرعت است آن وقتى كه ايستاد بأمرى از امور اسلام، و اينها همه اشاره است بنفس شريف خود آن امام عليه السّلام چنانچه مى‏فرمايد.

پس زمانى كه شما نرم نموديد براى او گردنهاى خود را باطاعت و تسليم، و اشاره نموديد بسوى آن بانگشتان خود از روى اجلال و تعظيم، بيايد بسوى او مرگ پس ببرد او را، پس درنگ نمائيد بعد از او بمقدارى كه خواهد خدا تا اين كه ظاهر سازد خداوند از براى شما كسى را كه جمع كند شما را و بهم آورد پراكنده‏گى شما را، پس طمع نكنيد در كسى كه اقبال ننمايد بخلافت، و مايوس و نااميد نشويد از كسى كه ادبار نمايد بخلافت از جهة اين كه اين ادبار كننده شايد كه بلغزد يكى از دو قائمه او، و اين كنايه است از انتفاء بعض شرائط، و ثابت شود قائمه ديگر او، و اين كنايه است از وجود بعض شرايط، پس رجوع نمايند هر دو قائمه تا اين كه ثابت شوند هر دو تا، و اين كنايه است از استكمال شروط.

آگاه باشيد بدرستى كه مثل أهل بيت پيغمبر صلوات اللّه عليه و آله مثل ستارهاى آسمانست هرگاه ميل كند بغروب ستاره طلوع نمايد ستاره ديگر پس گويا شما بتحقيق كامل شده از جانب خدا در حقّ شما نعمتها و احسانها، و نموده بشما چيزى را كه بوديد آرزو مى‏ كرديد آنرا و اين بشارت است مر ايشان را بقرب فرج و كرامت.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 98 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 99 صبحی صالح

99- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) في التزهيد من الدنيا

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا كَانَ

وَ نَسْتَعِينُهُ مِنْ أَمْرِنَا عَلَى مَا يَكُونُ

وَ نَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الْأَدْيَانِ

كَمَا نَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الْأَبْدَانِ

عِبَادَ اللَّهِ

أُوصِيكُمْ بِالرَّفْضِ لِهَذِهِ الدُّنْيَا التَّارِكَةِ لَكُمْ وَ إِنْ لَمْ تُحِبُّوا تَرْكَهَا

وَ الْمُبْلِيَةِ لِأَجْسَامِكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا

فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَ مَثَلُهَا كَسَفْرٍ

سَلَكُوا سَبِيلًا فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ

وَ أَمُّوا عَلَماً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوهُ

وَ كَمْ عَسَى الْمُجْرِي إِلَى الْغَايَةِ أَنْ يَجْرِيَ إِلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَهَا

وَ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ مَنْ لَهُ يَوْمٌ لَا يَعْدُوهُ

وَ طَالِبٌ حَثِيثٌ مِنَ الْمَوْتِ يَحْدُوهُ

وَ مُزْعِجٌ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُفَارِقَهَا رَغْماً

فَلَا تَنَافَسُوا فِي عِزِّ الدُّنْيَا وَ فَخْرِهَا

وَ لَا تَعْجَبُوا بِزِينَتِهَا وَ نَعِيمِهَا

وَ لَا تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا وَ بُؤْسِهَا

فَإِنَّ عِزَّهَا وَ فَخْرَهَا إِلَى انْقِطَاعٍ

وَ إِنَّ زِينَتَهَا وَ نَعِيمَهَا إِلَى زَوَالٍ

وَ ضَرَّاءَهَا وَ بُؤْسَهَا إِلَى‏نَفَادٍ

وَ كُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى انْتِهَاءٍ

وَ كُلُّ حَيٍّ فِيهَا إِلَى فَنَاءٍ

أَ وَ لَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ الْأَوَّلِينَ مُزْدَجَرٌ

وَ فِي آبَائِكُمُ الْمَاضِينَ تَبْصِرَةٌ وَ مُعْتَبَرٌ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ

أَ وَ لَمْ تَرَوْا إِلَى الْمَاضِينَ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُونَ

وَ إِلَى الْخَلَفِ الْبَاقِينَ لَا يَبْقَوْنَ

أَ وَ لَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُصْبِحُونَ وَ يُمْسُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى

فَمَيِّتٌ يُبْكَى

وَ آخَرُ يُعَزَّى

وَ صَرِيعٌ مُبْتَلًى

وَ عَائِدٌ يَعُودُ

وَ آخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ

وَ طَالِبٌ لِلدُّنْيَا وَ الْمَوْتُ يَطْلُبُهُ

وَ غَافِلٌ وَ لَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ

وَ عَلَى أَثَرِ الْمَاضِي مَا يَمْضِي الْبَاقِي

أَلَا فَاذْكُرُوا هَاذِمَ اللَّذَّاتِ

وَ مُنَغِّصَ الشَّهَوَاتِ

وَ قَاطِعَ الْأُمْنِيَاتِ عِنْدَ الْمُسَاوَرَةِ لِلْأَعْمَالِ الْقَبِيحَةِ

وَ اسْتَعِينُوا اللَّهَ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبِ حَقِّهِ

وَ مَا لَا يُحْصَى مِنْ أَعْدَادِ نِعَمِهِ وَ إِحْسَانِهِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج7  

و من خطبة له عليه السّلام و هى الثامنة و التسعون من المختار فى باب الخطب

نحمده على ما كان، و نستعينه من أمرنا على ما يكون، و نسأله المعافاة في الأديان، كما نسأله المعافاة في الأبدان. عباد اللّه أوصيكم بالرّفض لهذه الدّنيا التّاركة لكم و إن لم تحبّوا تركها، و المبلية لأجسامكم و إن كنتم تحبّون تجديدها، فإنّما مثلكم و مثلها كسفر سلكوا سبيلا فكأنّهم قد قطعوه، و أمّوا علما فكأنّهم قد بلغوه، و كم عسى المجري إلى الغاية أن يجري إليها حتّى يبلغها، و ما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه، و طالب حثيث يجدوه في الدّنيا حتّى يفارقها، فلا تنافسوا في عزّ الدّنيا و فخرها، و لا تعجبوا بزينتها و نعيمها، و لا تجزعوا من ضرّآئها و بؤسها، فإنّ عزها و فخرها إلى انقطاع، و إنّ زينتها و نعيمها إلى زوال، و ضرّائها و بؤسها إلى نفاد، و كلّ مدّة فيها إلى انتهاء، و كلّ حيّ فيها إلى فناء، أو ليس لكم في آثار الأوّلين مزدجر، و في آبائكم الماضين تبصرة و معتبر إن كنتم تعقلون، أو لم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون، و إلى الخلف الباقين لا يبقون، أولستم ترون أهل الدّنيا يمسون‏ و يصبحون على أحوال شتّى: فميّت يبكى، و آخر يعزّى و صريع مبتلى و عايد يعود، و آخر بنفسه يجود، و طالب للدّنيا و الموت يطلبه، و غافل و ليس بمغفول عنه، و على أثر الماضي ما يمضي الباقي، ألا فاذكروا هادم اللّذّات، و منغّص الشّهوات، و قاطع الأمنيّات عند المساورة للأعمال القبيحة، و استعينوا اللّه على أداء واجب حقّه، و ما لا يحصى من أعداد نعمه و إحسانه.

اللغة

(عافاه) اللّه من المكروه معافاة و عافية وهب اللّه له العافية من العلل و البلاء كأعفاه و العافية دفاع اللّه عن العبد و (رفضت) الدّنيا رفضا من باب نصر و ضرب تركتها و (سفر) بسكون العين جمع سافر كركب و راكب و صحب و صاحب و (جرى) الفرس جريا و أجريته أنا أرسلته و حملته على السير و (حثثت) الانسان على الشي‏ء حثّا من باب قتل حرضته عليه و ذهب حثيثا أى مسرعا و (حدوت) بالابل حثثتها على السير بالحداء و زان غراب و هو الغناء لها و حدوثه على كذا بعثته عليه و (الصّريع) من الأغصان ما تهدّل و سقط إلى الأرض و منه قيل للقتيل صريع، و في بعض النّسخ ضريع بالضاد المعجمة من ضرع ضرعا وزان شرف ضعف، و أضرعته الحمى أوهنته و (المساورة) المواثبة.

الاعراب

قوله. و كم عسى المجرى، أما لفظة كم استفهاميّة للتحقير بمعنى أيّ مدّة، و عسى فعل من أفعال المقاربة مفيد للرجاء و الطمع، و المرفوع بعده في مثل عسى زيد أن يخرج اسمه و ان مع الفعل في محلّ النصب على الخبر أى رجا زيد الخروج و قال الكوفيّون: ان مع الفعل في محلّ رفع بدلا ممّا قبله بدل الاشتمال كقوله تعالى‏ لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ إلى قوله أَنْ تَبَرُّوهُمْ أى لا ينهيكم اللّه عن أن تبرّوهم و على هذا فمعنى عسى زيد أن يخرج يتوقّع و يرجا خروج زيد، و الأشهر الأوّل هذا.

و قد يقع ان مع الفعل فاعلا له مستغنا به عن الخبر لكونه حينئذ تامّا بمعنى قرب تقول عسى أن يخرج زيد أى قرب خروجه.

و قال الرّضي انّ من ذهب إلى أنّ أن مع الفعل في عسى زيد أن يخرج خبر عسى، جاز أن يقول في عسى أن يخرج زيد أنّ أن يخرج خبر أيضا و هو من باب التنازع يعنى يجوز في المثال جعل زيد اسما لعسى و أن مع الفعل خبرا مقدّما له في محلّ النّصب فيضمر فى الفعل ضمير عايد إلى زيد، كما يجوز جعل زيد فاعلا للفعل و جعل عسى مسندا إلى ان و الفعل مستغنى بهما عن الخبر.

إذا عرفت ذلك فأقول: إنّ لفظة عسى في قوله عليه السّلام كم عسى ناقصة و المجرى اسمها و ان يجرى إليها خبرها، و في قوله و ما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه تامّة وقعت بعد ما النافية و أن يكون فى محل الرّفع على الفاعل و يكون تامة أيضا بمعنى يوجد، و الواو في قوله و طالب آه للحال و الضمير في قوله عليه السّلام يحدوه عايد إلى من الموصولة و الفاء في قوله عليه السّلام: فلا تنافسوا فصيحة، و الهمزة في قوله عليه السّلام أو ليس لكم استفهام على سبيل الانكار الابطالى و يحتمل جعلها تقريرا بما بعد النفى كما ذهب إليه الزمخشرى في قوله: أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ.

و مثلها الهمزة في قوله أو لستم ترون آه، و ما في قوله عليه السّلام ما يمضى الباقي مصدرية أو زايدة.

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشريفة مسوقة للوصيّة بالتّقوى و الأمر برفض الدّنياو التنفير عنها بذكر معايبها و مثالبها، و افتتح الكلام بحمد الملك المتعال و استعانة الربّ ذى الجلال لأنّ ذكره سبحانه مفتاح للمطالب، و وسيلة إلى المآرب فقال: (نحمده على ما كان و نستعينه من أمرنا على ما يكون) تخصيص الحمد بما كان و الاستعانة بما يكون من حيث إنّ الثّناء على النعمة موقوف و مترتب على وقوعها فيما مضى، و طلب العون على أمر لا يتصوّر إلّا فيما يأتي و ما هو بصدد أن يفعله (و نسأله المعافاة في الأديان كما نسأله المعافاة في الأبدان) فانّ الأديان لها سقم و شفاء كما للأبدان، و مرض الاولى أشدّ و آكد و تأثيره أكثر و أزيد، و لذلك قدّم طلب العافية لها، لأنّ مرض الأبدان عبارة عن انحراف المزاج الحيواني عن حدّ الاعتدال، و نقصانه يقع على الأعضا و الجوارح الظاهرة، و مرض الأديان عبارة عن ميل القلب عن الصراط المستقيم و المنهج القويم، و تأثيره يقع على القلب، و ضرره يعود إلى القوّة القدسيّة و نعم ما قيل:

و إذا مرضت من الذّنوب فداوها
بالذكر إنّ الذكر خير دواء

و السّقم في الأبدان ليس بضائر
و السّقم في الأديان شرّ بلاء

(عباد اللّه اوصيكم بالرفض لهذه الدّنيا التاركة لكم و ان لم تحبّوا تركها) أمر برفض الدّنيا و تركها و نفّر عنها بالتنبيه على أنّها تاركة لكم لا محالة، مفارقة إياكم و إن كانت محبوبة عندكم عزيزا عليكم فراقها، فانّ طبعها التّلطف في الاستدراج أوّلا و التّوصّل إلى الاهلاك آخرا، و هي كامرأة تتزيّن للخطاب حتّى إذا نكحوها ذبحتهم فمن كان ذا بصيرة لا يعقد قلبه على محبّة محبوبة كذلك، و لا يخاطب امرأة شأنها ذلك.

و قد روى أنّ الصادق عليه السّلام كان يقول لأصحابه: يا بني آدم اهربوا من الدّنيا إلى اللّه و أخرجوا قلوبكم عنها فانكم لا تصلحون لها و لا تصلح لكم و لا تبقون لها و لا تبقى لكم هى الخداعة الفجاعة المغرور من اغترّبها، و المفتون من اطمأنّ إليها، الهالك من أحبّها و أرادها.

و روى انّ عيسى عليه السّلام كوشف بالدّنيا فرآها في صورة عجوز هتماء«» عليها من كلّ زينة فقال عليه السّلام لها: كم تزوّجت قالت: لا احصيهم، قال فكلّهم مات عنك أم كلّهم طلّقك قالت: بل كلّهم قتلت، فقال عيسى عليه السّلام: بؤسا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين، و كيف تهلكينهم واحدا بعد واحد و لا يكونون منك على حذر.

ثمّ نبّه عليه السّلام على عيب لها آخر بقوله (و المبلية لأجسادكم و ان كنتم تحبّون تجديدها) و هذا الوصف أيضا منفّر عنها، لأنّ تجديد الأجساد و الأبدان إذا كان محبوبا للانسان و كانت الدّنيا حائلة بينه و بين محبوبه مانعة له عن نيله و وصوله بسهام الأسقام و نشاشيب الأمراض و الأوصاب فمن شأنها أن تبغض و ترفض و تجتنب و لا تحب.

قال بعض الحكماء: الأيّام سهام و النّاس أغراض و الدّهر يرميك كلّ يوم بسهامه، و يخترمك بلياليه و أيّامه، حتى يستغرق جميع أجزائك، فكيف بقاء لسلامتك مع وقوع الأيام بك، و سرعة الليالي في بدنك، لو كشف لك عما أحدثت الأيام فيك من النّقص لا ستوحشت من كلّ يوم يأتي عليك، و استثقلت ممرّ الساعات بك، و لكن تدبير اللّه فوق تدبير الاعتبار.

ثمّ ضرب عليه السّلام للدّنيا مثلا في قصر مدّتها بقوله (فانّما مثلكم و مثلها كسفر سلكوا سبيلا فكأنّهم قد قطعوه، و أمّوا علما فكأنهم قد بلغوه) جعل أهل الدّنيا و الكائنين فيها بمنزلة المسافرين، جعلها بمنزلة سبيل يسلكه المسافر، و جعل سرعة سيرهم و انتقالهم فيها و قربهم من الموت الذى هو آخر منازلها بمنزلة قطع المسافر منازله، و بلوغ قاصد علم و منار مقصده، يعنى أنهم في حالكونهم غير قاطعين له كأنّهم قاطعون له، و في حالكونهم غير بالغين له كأنهم بالغون له، لأنه لما قرب زمان احدى الحالتين من زمان الحالة الاخرى شبّهوا و هم في الحال الأولى بهم أنفسهم و هم على الحالة الثّانية و لنعم ما قيل

يا راقد اللّيل مسرورا بأوّلها
إنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا

أفنى القرون التي كانت منعمّة
كرّ الجديدين إقبالا و إدبارا

كم قد أبادت صروف الدهر من ملك‏
قد كان في الدّهر نفّاعا و ضرّارا

يا من يعانق دنيا لا بقاء لها
يمسى و يصبح في دنياه سفارا

هلّا تركت من الدّنيا معانقة
حتّى تعانق في الفردوس أبكارا

إن كنت تبغى جنان الخلد تسكنها
فينبغي لك أن لا تأمن النّارا

(و كم عسى المجري إلى الغاية أن يجرى إليها حتّى يبلغها) يعني أىّ مدّة يرجو و يطمع المرسل مركوبه إلى وصول غاية ارساله إليها حتى يصلها، و الغرض منه تحقير ما يرجوه من مدّة الجرى و هي مدّة الحياة أى لا تظنّ لها طولا و لا تغترن بتماديها فانها عن قليل تنقضى و تنصرم، و في هذا المعنى قال عليه السّلام في الدّيوان:

إلا إنّما الدّنيا كمنزل راكب
أناخ عشيّا و هو في الصّبح راحل‏

(و ما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه) يعني ما قرب وجود البقاء لمن له يوم لا يجاوزه، و هو تحقير لما يؤمل من مدّة البقاء أى بقاء من له يوم ليس وراءه بقاء و هو يوم الموت ليس بشي‏ء يعتدّ به (و) الحال انه له (طالب حثيث يحدوه في الدّنيا حتى يفارقها) لعلّه أراد بالطالب الحثيث الموت و كنى بحدائه له عن سوق أسباب الموت و مقدّماته التي هي كرّ اللّيالي و مرّ الأيام له إليه.

و إذا كانت الدّنيا بهذه المثابة (فلا تنافسوا) أى لا تحاسدوا و لا تضنّوا (في عزّ الدّنيا و فخرها و لا تعجبوا بزينتها و نعيمها و لا تجزعوا من ضرّائها و بؤسها) نهى عن المنافسة فيها و الاعجاب بها و الجزع منها معلّلا وجوب الانتهاء عن الأوّل بقوله (فانّ عزّها و فخرها إلى انقطاع) و ما كان منقطعا لا يحرص عليه لبيب و لا ينافس فيه أريب، و علّل وجوب الانتهاء عن الثاني بقوله (و زينتها و نعيمها إلى زوال) و ما كان زائلا لا يرغب إليه العاقل و لا يعجب به إلّا جاهل، و عن الثّالث بقوله (و ضرّائها و بؤسها إلى نفاد) و ما كان نافدا فانيا أحرى بأن يصبر عليه و لا يجزع منه (و كلّ مدّة فيها إلى انتهاء) سواء كانت مدّة عزّ و منعة أو زينة و نعمة أو ضرّ و شدّة (و كلّ حىّ فيها إلى فناء) سواء كان ذى شرف و رفعة أو ذلّ و محنة أو ابتهاج و لذّة

  و كلّ شباب أو جديد إلى البلى
و كلّ امرء يوما إلى اللّه صائر

(أ و ليس لكم في آثار الأوّلين) من الاخوان و الأقران و الا لّاف و الأسلاف (مزدجر و في آبائكم الماضين) الأقربين منهم و الأبعدين (تبصرة و معتبر إن كنتم تعقلون) بلى في النظر إلى ادنى ما جرى عليهم تبصرة و اعتبار، و الفكر في أهون ما لا قوة تذكرة و انزجار عدالى ذكر المنقول إلى الثرى و المدفوع إلى هول ما ترى

هوى مصرعا في لحده و توزّعت
مواريثه أرحامه و الأواصر

و أنحوا على أمواله بخصومة «يخضمونها خ» فما حامد منهم عليها و شاكر

فيا عامر الدّنيا و يا ساعيا لها
و يا آمنا من أن تدور الدّوائر

كيف أمنت هذه الحالة و أنت صائر إليها لا محالة (أو لم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون) فما لهم يذهبون و لا يعودون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا (و إلى الخلق الباقين لا يبقون) بل يمضون ارسالا و يحتذون مثالا قال قسّ ابن ساعدة الأيادى:

في الأولين الذاهبين من القرون لنا بصائر
و رأيت قومي نحوها يمضي الأكابر و الأصاغر

لا يرجع الماضى إلىّ و لا من الباقين غابر
أيقنت أنى لا محالة حيث صار القوم صائر

و قال زهير بن أبي سلمى:

ألا ليت شعرى هل يرى الناس ما أرى
من الأمر أو يبدو لهم ما بداليا

بدى لى أنّ النّاس تفنى نفوسهم‏
و أموالهم و لا أرى الدّهر فانيا

و إني متى أهبط من الأرض تلعة«»
أجد أثرا قبلى جديدا و عافيا

أراني إذا أصبحت أصبحت ذا هوى‏
فثمّ إذا أمسيت أمسيت عاديا

إلى حفرة«» أهوى اليها مضمّة
يحثّ إليها سايق من ورائيا

كأنّي و قد خلّفت سبعين حجّة«»
خلعت بها ان منكبى ردائيا

بدالى انّي لست مدرك ما مضى
و لا سابق شيئا إذا كان جائيا

و ما أن أرى نفسي تقيها«» عزيمتي
و ما أن تقى نفسى كرائم ماليا

ألا لا أرى على الحوادث باقيا
و لا خالدا إلّا الجبال الرّواسيا

و إلّا السّماء و البلاد و ربّنا
و أيّامنا معدودة و اللّياليا

أراني إذا ما شئت لا قيت آية
تذكّرني بعض الذى كنت ناسيا

ألم تر أنّ اللّه أهلك تبعا
و أهلك لقمان بن عاد و عاديا

«» و أهلك ذا القرنين من قبل ما يرى‏
و فرعون جبّار معا و النّجاشيا

ألا لا أرى ذا امّة أصبحت به
فتتركه الأيام و هي كماهيا

ألم تر للنعمان كان بنجوة«»
من الشّر لو أنّ أمرء كان ناجيا

فغيّر عنه رشد عشرين حجّة
من الدّهر يوم واحد كان غاديا

فلم أر مسلوبا له مثل ملكه‏
أقلّ صديقا صافيا و مواليا

فأين الذي قد كان يعطى جياده«»
بأرسانهنّ و الحسان الحواليا«»

و أين الذين قد كان يعطيهم القرى‏
بغلّاتهنّ و المثين الغواليا«»

و أين الذين يحضرون جفانه
إذا قدّمت ألقوا عليها المراسيا«»

رأيتهم لم يشركوا«» بنفوسهم‏
منيّته لمّا رأوا انهاهيا

هذا و لمّا ارشد عليه السّلام إلى الاتّعاظ بأحوال السّلف الماضين و بفناء الغابرين الباقين نبّه على اختلاف حالات أهل الدّنيا ليستدلّ به السامعون على عدم بقائها و يستفيدوا به عبرة اخرى فقال (أو لستم ترون أهل الدّنيا يمسون و يصبحون على أحوال شتّى) و حالات مختلفة (ف) منهم (ميّت يبكى) عليه و يشقّ الجيوب لديه و يخرج‏من سعة قصره إلى ضيق قبره و يحثّون بأيديهم عليه التراب و يكثرون عنده التلدّد و الانتحاب (و آخر يعزّى) و يسلّى اذا يئس عن برء عليله أو جزم بموت خليله (و صريع مبتلى) بأنواع الأوجاع و الأسقام و طوارق الأمراض و الآلام (و عائد يعود) المريض عند المرض و يتحسّر عليه إذا شاهده على غصص الجرض (و آخر بنفسه يجود) ابلس عنه زوّاره و عوّاده و أسلمه أهله و أولاده و غضّوا بأيديهم عينيه و مدّوا الى جنبيه يديه و رجليه و هو في سكرة ملهثة و غمرة كارثة و أنّه موجعة و سوقة مكربة و جذبة متعبة.

(و) منهم (طالب للدّنيا) ساع لها (و الموت يطلبه) و يحثّه حتّى يدخله في حفرته (و) منهم (غافل) عمّا خلقه اللّه لأجله (و ليس بمغفول عنه) بل اللّه عالم به و مجزيه بأعماله (و على أثر الماضي ما يمضي الباقي) قال سيّد العابدين عليه السّلام في هذه المعنى:

إذا كان هذا نهج من كان قبلنا
فانّا على آثارهم نتلا حق‏

فكن عالما أن سوف تدرك من مضى‏
و لو عصمتك الرّاسيات الشّواهق‏

ثمّ أمرهم عليه السّلام بذكر الموت و وصفه بلوازمه المنفّرة عنه فقال عليه السّلام (ألا فاذكروا هادم اللّذات) الدنيوية (و منغّص الشهوات) النفسانية (و قاطع الامنيّات) و الآمال الباطلة (عند المساورة) و المواثبة (للأعمال القبيحة) لترتدعوا بذكره عنها (و استعينوا اللّه) سبحانه و اطلبوا منه التوفيق (على أداء واجب حقّه) الذى أوجبه عليكم و هو الاتيان بالطّاعات و القيام بوظايف العبادات (و) على أداء واجب (ما لا يحصى من أعداد نعمه و احسانه) الذي أنعمه عليكم و أحسنه إليكم و هو القيام بوظايف الحمد و الثبات بمراسم الثناء.

قال عليه السّلام في بعض كلماته: أيّها النّاس إنّ للّه في كلّ نعمة حقّا، فمن أدّاه زاده، و من قصّر عنه خاطر بزوال النعمة و تعجّل العقوبة، فليراكم اللّه من النعمة و جلين، كما يراكم من الذنوب فرقين.

الترجمة

از جمله خطب شريفه آن حضرت است كه متضمن تنفير از دنيا و از محبت آن غدّار بى‏ وفا است چنانچه فرموده: حمد مى ‏كنيم خداوند را بر آنچه بوده است از نعمتها، و استعانت مى ‏نمائيم از خدا از كارهاى خود بر آنچه مي باشد، و سؤال مى كنيم از او بذل عافيت را در بدنها همچنان كه سؤال مى‏ كنيم از او بذل عافيت را در دينها اى بندگان خدا وصيت مي كنم شما را بترك نمودن اين دنيائى كه ترك نماينده است شما را و اگر چه دوست نداريد ترك نمودن او را، و كهنه كننده است جسدهاى شما را و اگر چه دوست داريد تازگى آنها را، پس بدرستى كه مثل شما و مثل دنيا همچو مسافرانيست كه روند براهى پس گويا كه ايشان قطع نموده باشند آن راه را، و قصد نمايند نشانه و علامتي را پس گويا كه ايشان رسيده باشند بآن مقصد، و چه قدر مدت را اميد مى‏ گيرد شخصى كه جارى كننده است مركب خود را بسوى غايتى جارى نمودن آن را بسوى آن غايت تا برسد بآن، و چه چيز اميد گرفته مى‏ شود باقى ماندن كسى كه او راست يك روزى كه تجاوز نمى‏ نمايد از آن و حال آنكه او راست طلب كننده شتاباننده كه ميراند او را در دنيا تا اين كه مفارقت نمايد از آن.

پس حسد و بخل نكنيد بر يكديگر در عزّت دنيا و فخر آن، و خوشحال و دلشاد نشويد بزينت و نعمت آن، و جزع ننمائيد از دشوارى و سختى آن، از جهة اين كه عزّت و فخر آن منتهى مى‏ شود بانقطاع، و نعمت و زينت آن منتهى مى‏ شود بزوال و فنا، و دشوارى و سختى آن منجّر مى‏ شود بنيستى و نابودى، و هر مدّتى كه در او است مى‏ كشد بانتهاء، و هر زنده كه در او است باز مى‏ گردد بفناء آيا نيست مر شما را در اثرهاى پيشينيان و در پدران گذشتگان شما بينائى و عبرت اگر بوده باشيد تعقل كننده، آيا نگاه نمى‏ كنيد بسوى گذشتگان از خودتان كه باز نمى‏ گردند، و بسوى خلفهائى باقي ماندگان كه باقي نمى‏ مانند.

آيا نيستيد شما كه مى‏ بينيد أهل دنيا را كه شام و صباح مى ‏نمايند بر حالتهاى‏مختلفه: پس بعضى مرده است كه بر او گريه مي كنند، و بعضى را سر سلامتي مى ‏دهند، و بعضى ديگر ضعيف است مبتلا بأنواع مرضها، و برخى عيادت كننده است بيمار را كه مى‏ رود بعيادت، و ديگرى در حال جان دادنست، و يكى طلب كننده است دنيا را و حال آنكه مرگ طلب مى ‏كند او را، و يكى هست كه بيخبر است از آخرت و حال آنكه غفلت نشده از او در هيچ حالت، و بر اثر گذشته است گذشتن باقي مانده.

آگاه باشيد پس ياد آوريد مرگ را كه شكننده لذتها است و مكدّر نماينده شهوتها و قطع كننده آرزوها است در هنگام جستن براى أعمال قبيحه و حركات ناشايست، و طلب يارى نمائيد از خدا بر أدا كردن حق واجب او را و أدا كردن آن چيزى كه شمرده نمى ‏شود از شماره‏ هاى نعمتها و احسان بى‏ پايان آن. و اللّه أعلم بالصّواب.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 97 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 98 صبحی صالح

98- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) يشير فيه إلى ظلم بني أمية

وَ اللَّهِ لَا يَزَالُونَ حَتَّى لَا يَدَعُوا لِلَّهِ مُحَرَّماً إِلَّا اسْتَحَلُّوهُ

وَ لَا عَقْداً إِلَّا حَلُّوهُ

وَ حَتَّى لَا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَ لَا وَبَرٍ

إِلَّا دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ وَ نَبَا بِهِ سُوءُ رَعْيِهِمْ

وَ حَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ

بَاكٍ يَبْكِي لِدِينِهِ

وَ بَاكٍ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ

وَ حَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ‏

مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ

إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ

وَ إِذَا غَابَ اغْتَابَهُ

وَ حَتَّى يَكُونَ أَعْظَمَكُمْ فِيهَا عَنَاءً أَحْسَنُكُمْ بِاللَّهِ ظَنّاً

فَإِنْ أَتَاكُمُ اللَّهُ بِعَافِيَةٍ فَاقْبَلُوا

وَ إِنِ ابْتُلِيتُمْ فَاصْبِرُوا

فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج7  

و من كلام له عليه السّلام و هو السابع و التسعون من المختار فى باب الخطب

و يستفاد من كتاب الغارات انه قاله بعد أمر الخوارج و النهروان و رواه في البحار عن المسيّب بن نجبة الفزارى نحوه و سنشير إليه إنشاء اللّه. و اللّه لا يزالون حتّى لا يدعوا للّه محرما إلّا استحلّوه، و لا عقدا إلّا حلوّه، و حتّى لا يبقى بيت مدر و لا وبر إلّا دخله ظلمهم، و نبا به سوء رعيهم، و حتّى يقوم الباكيان يبكيان: باك يبكي لدينه، و باك يبكي لدنياه، و حتّى يكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سيّده: إذا شهد أطاعه، و إذا غاب اغتابه، و حتّى يكون أعظمكم فيها عناء أحسنكم باللّه ظنّا، فإن أتاكم اللّه بعافية فأقبلوا، و إن ابتليتم فاصبروا، فإنّ العاقبة للمتّقين.

اللغة

(محرما) في أكثر النسخ و زان مقعد بفتح الميم و تخفيف الراء و هو ماحرّمه اللّه سبحانه و الجمع محارم، و عن بعضها محرّما بضم الميم و تشديد الرّاء و جمعه محارم و محرمات (و نبأ) منزله به بتقديم النون على الباء اذا لم يوافقه و (رعيهم) في أكثر النسخ بالياء المثناة التحتانية مصدر رعا يرعى بمعنى الحكومة و الامارة، و في بعض النسخ بالتاء الفوقانية مصدر ورع يقال ورع يرع بالكسر فيهما ورعا ورعة و هو التقوى و (ابتليتم) بالبناء على المفعول.

الاعراب

خبر زال محذوف أى لا يزالون على الجور أو ظالمين، و إضافة نصرة أحدكم و نصرة العبد من اضافة المصدر إلى فاعله، و أعظمكم بالنصب خبر كان قدّم على اسمها و هو أحسنكم و يروى برفع الأوّل و نصب الثاني على العكس و الأوّل أنسب

المعنى

اعلم أنّ المقصود بهذا الكلام الاشارة إلى شدّة طغيان بني اميّة و ما يصيب المسلمين منهم من الجور و الظلم و الأذية و صدّر الكلام بالقسم البار تحقيقا و تصديقا فقال (و اللّه لا يزالون) ظالمين (حتّى لا يدعو اللّه محرما إلّا استحلوه) أى عدّوه حلالا و استعملوه استعمال المحلّلات و لا يبالون به، و يشهد بذلك ما صدر منهم من القتل و اتلاف النّفوس الّتي لا تحصى، فاذا كان حالهم في أعظم الكباير ذلك فكيف بغيرها.

(و لا) يتركوا (عقدا إلّا حلّوه) و المراد به إمّا العقد و العهود المعاهدة بينهم و بين الناس فالمراد بحلّها نقضها، و أول ما وقع من ذلك ما كان من معاوية حيث نقض المعاهدة بينه و بين الحسن عليه السّلام، و إمّا العهود المأخوذة عليهم من اللّه تعالى و هو أحكام الدّين و قوانين الشرع المبين فيكون حلّها عبارة عن مخالفتها و عدم العمل بها (و حتّى لا يبقى بيت مدر و لا وبر إلّا دخله ظلمهم) أراد ببيت المدر ما يعمل من الطين و الجصّ و نحوه في القرى و البلدان، و ببيت الوبر الخباء و الخيم المتخذة من الشعر و الصوف و الوبر و نحوها في البوادى (و نبابه سوء رعيهم) أى‏ضره و خالفه سوء امارتهم أو سوء تقويهم.

(و حتّى يقوم الباكيان يبكيان باك يبكى لدينه و باك يبكى لدنياه) لعلّ المراد بالباكى لدينه من لم يكن متمكّنا من اظهار معالم الدّين من القيام بوظائف شرع سيّد المرسلين، و بالباكى لدنياه من كان مصابا بنهب الأموال و مبتلى بسوء الحال (و حتّى يكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سيّده إذا شهد أطاعه و إذا غاب اغتابه) الظاهر أنّ المراد بالنصرة في المقامين هو الانتصار فيكون المجرّد بمعنى المزيد و قد مرّ نظير هذه العبارة في الخطبة الثّانية و التّسعين و أوضحنا معناها هنالك.

قال الشّارح المعتزلي: و قد حمل قوم هذا المصدر أى نصرة أحدكم على الاضافة إلى المفعول، و كذلك نصرة العبد و تقدير الكلام حتى يكون نصرة أحد هؤلاء الولاة أحدكم كنصرة سيّد العبد السّى‏ء الطريقة إياه، و من في الموضعين مضافة إلى محذوف تقديره من جانب أحدهم و من جانب سيّده قال الشّارح: و هذا ضعيف لما فيه من الفصل بين العبد و بين قوله«» إذا شهد أطاعه، و هو الكلام الذي إذا استمر المعنى جعل حالا من العبد لقوله من سيّده.

أقول: لعلّ مراد الشّارح بما ذكره في وجه الضعف من استلزام الفصل هو اختلال نظام الكلام من حيث المعنى لا من حيث التركيب النحوى، فانّ الاتساع في الظروف و شبهها ممّا هو معروف، و الفصل بهما بين اجزاء الكلام بما لا يسوغ لغيرهما مشهور مأثور، نعم اختلال المعنى لا ريب فيه فانّ محصل معنى الكلام على ما ذكره القوم حتى يكون منصورية أحدكم من جانب أحدهم كمنصورية العبد من جانب سيده، و على ذلك فلا يلايمه قوله عليه السّلام: إذا شهد أطاعه «آه» فان ظاهر هذا الكلام يعطى كونه بيانا لحالة نصرة العبد سيّده بمعنى ناصريته له، لا لحالة منصوريته منه فافهم.

(و حتى يكون أعظمكم فيها) أى في هذه الفتنة المفهومة بسياق الكلام‏(عناء) و جهدا (أحسنكم باللّه ظنّا) لظهور أنّ حسن الظن باللّه من صفات المؤمنين و الأولياء الكاملين، و معلوم أنّ عداوتهم لهم تكون أشدّ، و عنائهم و تعبهم منهم يكون أكثر و آكد (فان أتاكم اللّه بعافية) و نجاة من تلك البلية (فاقبلو) ها بقبول حسن و اشكروا له سبحانه (و إن ابتليتم) و اصبتم بمصيبة (فاصبروا) عليها و تحاملوا بها (فانّ العاقبة للمتقين) و اللّه لا يضيع أجر المحسنين.

تنبيه

اعلم أنّ المستفاد من كتاب الغارات لابراهيم الثقفي على ما حكى عنه في البحار أنّ هذا الكلام قاله أمير المؤمنين عليه السّلام بعد واقعة النّهروان بعد ما رجع إلى الكوفة و أغار سفيان بن عوف العامرى بأمر معاوية على الانبار على ما تقدّم تفصيله في شرح الخطبة السّابعة و العشرين.

قال صاحب الغارات بعد ما أورد شطرا من الآثار في غارة سفيان: و عن ثعلبة بن يزيد الحماني أنّه قال: بينما أنا في السّوق إذ سمعت مناديا ينادى الصّلاة جامعة، فجئت اهرول و الناس يهرعون فدخلت الرّحبة فاذا علىّ عليه السّلام على منبر من طين مجصّص و هو غضبان قد بلغه أنّ اناسا قد أغاروا بالسّواد، فسمعته يقول: أما و ربّ السّماء و الأرض ثمّ ربّ السّماء و الأرض إنّه لعهد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّ الامّة ستغدر بى.

و عن المسيب بن نجبة الفزاري أنّه قال: سمعت عليّا عليه السّلام يقول: إنّي قد خشيت أن يدال هؤلاء القوم عليكم، بطاعتهم إمامهم و معصيتكم إمامكم، و بأدائهم الأمانة و خيانتكم، و بصلاحهم في أرضهم و فسادكم في أرضكم، و باجتماعهم على باطلهم و تفرقكم عن حقّكم حتّى تطول دولتهم و حتى لا يدعو اللّه محرما الّا استحلّوه حتى لا يبقى بيت و بر و لا بيت مدر إلّا دخله جورهم و ظلمهم حتى يقوم الباكيان باك يبكى لدينه و باك يبكى لدنياه، و حتّى لا يكون منكم إلّا نافعا لهم أو غير ضارّ بهم، و حتى يكون نصرة أحدكم منهم كنصرة العبد من سيّده إذا شهد أطاعه و إذا غاب سبّه، فان أتاكم اللّه بالعافية فاقبلوا و إن ابتلاكم فاصبروا، فانّ العاقبة للمتقين، هذا.

و أقول: لا يخفى على الناقد الخبير بالأخبار و المطلع على الآثار أنّ ما أخبر به أمير المؤمنين عليه السّلام و أشار إليه في هذا الكلام من عموم جور بنى اميّة، و انتهاكهم المحارم، و استحلالهم الدّماء و اضرارهم بالمسلمين، و سعيهم في اطفاء نور ربّ العالمين، فقد وقع كلّه مطابقا لما اخبربه.

فقد روى في البحار من كتاب سليم بن قيس الهلالي عن أبان عن سليم و عمر ابن أبي سلمة قالا: قدم معاوية لعنه اللّه حاجا في خلافته المدينة بعد ما قتل أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و صالح الحسن عليه السّلام و في رواية اخرى بعد ما مات الحسن عليه السّلام و استقبله أهل المدينة فنظر فاذا الذي استقبله من قريش أكثر من الأنصار، فسأل عن ذلك فقيل: إنّهم محتاجون ليست لهم دواب فالتفت معاوية إلى قيس بن سعد بن عبادة فقال: يا معشر الأنصار مالكم لا تستقبلونى مع اخوانكم من قريش.

فقال قيس و كان سيّد الأنصار و ابن سيدهم: اقعدنا يا أمير المؤمنين ان لم يكن لنا دواب، قال معاوية: فأين النواضح، فقال قيس: أفنيناها يوم بدر و احد و ما بعدهما في مشاهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين ضربناك و أباك على الاسلام حتى ظهر أمر اللّه و أنتم كارهون، قال معاوية: اللّهم غفرا«».

قال قيس: اما إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال سترون بعدى أثرة، ثم قال: يا معاوية تعيّرنا بنواضحنا و اللّه لقد لقيناكم عليها يوم بدر و أنتم جاهدون على اطفاء نور اللّه و أن يكون كلمة الشّيطان هى العليا، ثمّ دخلت أنت و أبوك كرها في الاسلام الذي ضربناكم عليه، فقال معاوية: كأنّك تمنّ علينا بنصرتكم إيّانا فللّه و لقريش بذلك المنّ و الطّول، ألستم تمنّون علينا يا معشر الأنصار بنصرتكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو من قريش و هو ابن عمّنا و منّا فلنا المنّ و الطّول أن جعلكم اللّه أنصارناو أتباعنا فهداكم بنا.

و قال قيس: إنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رحمة للعالمين، فبعثه إلى النّاس كافة و إلى الجنّ و الانس و الاسود و الأحمر و الأبيض، اختاره لنبوّته و اختصّه برسالته فكان أوّل من صدقه و آمن به ابن عمّه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و أبو طالب يذبّ عنه و يمنعه و يحول بين كفّار قريش و بين أن يروعوه و يؤذوه، و أمر أن يبلغ رسالة ربه فلم يزل ممنوعا من الضيم و الأذى حتى مات عمّه أبو طالب و أمر ابنه بموازرته فوازره و نصره و جعل نفسه دونه في كلّ شدة و ضيق و كلّ خوف، و اختصّ اللّه بذلك عليّا عليه السّلام من بين قريش و أكرمه من بين جميع العرب و العجم، فجمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جميع بني عبد المطلب فيهم أبو طالب و أبو لهب و هم يومئذ أربعون رجلا، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و نادمه عليّ عليه السّلام و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حجر عمّه أبي طالب فقال: ايّكم ينتدب أن يكون أخى و وزيرى و وصيّي و خليفتي في امّتي و وليّ كلّ مؤمن من بعدي، فأمسك القوم حتى أعادها ثلاثا فقال عليّ عليه السّلام: أنا يا رسول اللّه فوضع رأسه في حجره و تفل في فيه و قال: اللّهم املأ جوفه علما و فهما و حكما، ثمّ قال لأبي طالب: يا أبا طالب اسمع الآن لابنك و أطع فقد جعله اللّه من نبيّه بمنزلة هارون من موسى، و آخا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بين عليّ عليه السّلام و بين نفسه.

فلم يدع قيس شيئا من مناقبه عليه السّلام إلّا ذكرها و احتجّ بها، و قال: منهم جعفر ابن أبي طالب الطّيار في الجنّة بجناحين اختصّه اللّه بذلك من بين النّاس، و منهم حمزة سيّد الشّهداء، و منهم فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة، فاذا وضعت من قريش رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أهل بيته و عترته الطيّبين فنحن و اللّه خير منكم يا معشر قريش و احبّ إلى اللّه و رسوله و إلى أهل بيته منكم، لقد قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فاجتمعت الانصار إلى أبي ثمّ قالوا نبايع سعدا فجاءت قريش فخاصمونا بحجّة علىّ و أهل بيته و خاصمونا بحقّه و قرابته فما يعدو قريش أن يكونوا ظلموا الأنصار و ظلموا آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و لعمرى ما لأحد من الأنصار و لا لقريش و لا لأحد من العرب و العجم في الخلافة حقّ مع عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و ولده من بعده.

فغضب معاوية و قال يابن سعد عمّن أخذت هذا و عمّن رويته و عمّن سمعته أبوك أخبرك بذلك و عنه أخذته فقال قيس: سمعته و أخذته ممّن هو خير من أبي و أعظم علىّ حقا من أبي، قال: من قال: عليّ بن أبي طالب عليه السّلام عالم هذه الامّة و صديقها الذي انزل اللّه فيه قُلْ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ.

فلم يدع آية نزلت في عليّ عليه السّلام إلّا ذكرها.

قال معاوية: فانّ صديقها أبو بكر و فاروقها عمر و الذى عنده علم الكتاب عبد اللّه بن سلام.

قال قيس: أحقّ هذه الاسماء و أولى بها الذي انزل اللّه فيه: أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ.

و الذي نصبه رسول اللّه بغدير خم فقال: من كنت مولاه أولى به من نفسه فعليّ أولى به من نفسه، و قال في غزوة تبوك أنت منّى بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي.

و كان معاوية يومئذ بالمدينة فعند ذلك نادى مناديه و كتب بذلك نسخة إلى أعماله الا برئت الذّمة ممن روى حديثا في مناقب عليّ و أهل بيته و قامت الخطبة في كلّ مكان على المنابر يلعن عليّ بن أبي طالب و البراءة منه و الوقيعة في أهل بيته و اللّعنة لهم بما ليس فيهم عليهم السّلام.

ثمّ انّ معاوية لعنه اللّه مرّ بحلقة من قريش فلمّا رأوه قاموا إليه غير عبد اللّه بن عبّاس، فقال له: يابن عبّاس ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلّا لموجدة علىّ بقتالى إيّاكم يوم صفّين، يابن عبّاس إنّ عمّي عثمان قتل مظلوما، قال ابن عبّاس، فعمر بن الخطاب قد قتل قبله مظلوما، قال: فتسلم الأمر إلى ولده و هذا ابنه قال: إنّ عمر قتله مشرك، قال ابن عبّاس: فمن قتل عثمان قال: قتله المسلمون، قال: فذلك أدحض لحجّتك و أحلّ لدمه ان كان المسلمون قتلوه‏ و خذلوه فليس إلّا بحقّ.

قال: فانّا كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب عليّ و أهل بيته فكفّ لسانك يابن عبّاس و اربع على نفسك، قال: فتنهانا عن قراءة القرآن قال: لا، قال: فتنهانا عن تأويله قال: نعم، قال: فنقرأه و لا نسأل عمّا عنى اللّه به قال: نعم، قال: فأيّما أوجب علينا قراءته أو العمل به قال: العمل به، قال: فكيف نعمل حتى نعلم ما عنى اللّه بما انزل علينا قال: يسأل ممّن يتأوّله على غير ما تتأوله أنت و أهل بيتك، قال: إنّما نزل القرآن على أهل بيتي فأسأل عنه آل أبي سفيان و آل أبي معيط و اليهود و النّصارى و المجوس قال: فقد عدلتنى بهؤلاء قال: لعمرى ما اعدلك بهم إلّا إذا نهيت الامّة أن يعبدوا اللّه بالقرآن و بما فيه من أمر أو نهى أو حلال أو حرام أو ناسخ أو منسوخ أو عام أو خاص أو محكم أو متشابه و ان لم تسأل الامّة عن ذلك هلكوا و اختلفوا و تاهوا، قال: فاقرءوا القرآن و لا ترووا شيئا مما أنزل اللّه فيكم و مما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ارووا ما سوى ذلك.

قال: ابن عباس: قال اللّه تعالى في القرآن: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ.

قال معاوية: يابن عبّاس اكفنى عن نفسك و كفّ عنّى لسانك و ان كنت لا بدّ فاعلا فليكن سرّا و لا يسمعه أحد علانية، ثمّ رجع إلى منزله فبعث إليه بخمسين ألف درهم و في رواية اخرى مأئة الف درهم ثمّ اشتد البلاء بالامصار كلّها على شيعة عليّ عليه السّلام و أهل بيته و كان أشدّ النّاس بلية أهل الكوفة لكثرة من بها من الشّيعة و استعمل عليها زيادا ضمّها اليه مع البصرة و جمع له العراقين و كان يتبع الشيعة و هو بهم عالم، لأنّه كان منهم قد عرفهم و سمع كلامهم أوّل شي‏ء، فقتلهم تحت كلّ كوكب و تحت كلّ حجر و مدر، و أخافهم و قطع الأيدي و الأرجل منهم و صلبهم على جذوع النّخل و سمل أعينهم‏ و طردهم و شردهم حتى انتزحوا على العراق فلم يبق بها أحد منهم إلّا مقتول أو مصلوب أو طريد أو هارب.

و كتب معاوية إلى أعماله و ولاته في جميع الأرضين و الأمصار ألا يجيز و الأحد من شيعة علىّ و لا من أهل بيته و لا من أهل ولايته الذين يروون فضله و يتحدّثون بمناقبه شهادة.

و كتب إلى أعماله: انظروا من قبلكم من شيعة عثمان و محبّيه و أهل بيته و أهل ولايته الذين يروون فضله و يتحدّثون بمناقبه فادنوا مجالسهم و أكرموهم و قرّبوهم و شرّفوهم و اكتبوا إلىّ بما يروى كلّ واحد منهم فيه باسمه و اسم أبيه و ممّن هو.

ففعلوا ذلك حتّى أكثروا في عثمان الحديث و بعث إليهم بالصّلات و الكساء و أكثر لهم القطايع من العرب و الموالى فكثروا في كلّ مصر و تنافسوا في المنازل و الضياع و اتسعت عليهم الدّنيا فلم يكن أحد يأتي عامل مصر من الأمصار و لا قرية فيروى في عثمان منقبة أو يذكر له فضيلة إلّا كتب اسمه و قرب و شفع فمكثوا بذلك ما شاء اللّه.

ثمّ كتب إلى أعماله إنّ الحديث قد كثر في عثمان و فشا في كلّ مصر و من كلّ ناحية فاذا جائكم كتابي هذا فادعوهم إلى الرّواية في أبي بكر و عمر فانّ فضلهما و سوابقهما أحبّ الىّ و أقرّ لعيني و أدحض لحجّة أهل هذا البيت و أشدّ عليهم من مناقب عثمان و فضله، فقرأ كلّ قاض و أمير من ولاية كتابه على النّاس و أخذ النّاس في الرّوايات فيهم و في مناقبهم.

ثمّ كتب نسخة جمع فيها جميع ما روى فيهم من المناقب و الفضايل و أنفذهما إلى عماله و أمرهم بقراءتها على المنابر في كلّ كورة و في كلّ مسجد، و أمرهم أن ينفذوا إلى معلّمي الكتاتيب أن يعلّموها صبيانهم حتى يرووها و يتعلّموها كما يتعلّمون القرآن حتّى علّموها بناتهم و نسائهم و خدمهم و حشمهم فلبثوا بذلك ما شاء اللّه.

ثمّ كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البينة أنه يحبّ عليّا و أهل بيته فامحوه من الدّيوان و لا تجيزوا له شهادة.

ثمّ كتب كتابا آخر: من اتّهمتموه و لم تقم عليه بيّنة فاقتلوه، فقتلوهم على التّهم و الظّن و الشّبه تحت كلّ كوكب حتّى لقد كان الرّجل يسقط بالكلمة فيضرب عنقه.

و لم يكن ذلك البلاء في بلد أشدّ و لا أكبر منه بالعراق و لا سيّما بالكوفة حتّى أنّ الرّجل من شيعة عليّ و ممّن بقى من أصحابه بالمدينة و غيرها ليأتيه من يثق به فيدخل بيته ثمّ يلقى عليه سترا فيخاف من خادمه و مملوكه فلا يحدّثه حتى يأخذ الأيمان المغلّظة عليه ليكتمنّ عليه.

و جعل الأمر لا يزداد إلّا شدة و كثر عندهم عدوّهم و أظهروا أحاديثهم الكاذبة في أصحابهم من الزور و البهتان فينشأ النّاس على ذلك و لا يتعلّمون إلّا منهم و مضى على ذلك قضاتهم و ولاتهم و فقهاؤهم.

و كان أعظم النّاس في ذلك بلاء و فتنة القرّاء المراءون المتصنّعون الذين يظهرون لهم الحزن و الخشوع و النّسك و يكذبون و يعلمون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، و يدنو لذلك مجالسهم، و يصيبوا بذلك الأموال و القطايع و المنازل حتّى صارت أحاديثهم تلك و رواياتهم في أيدى من يحسب أنّها حقّ و أنها صدق فرووها و قبلوها و تعلّموها و علّموها و أحبّوا عليها و أبغضوا و صارت بأيدى النّاس الذين لا يستحلّون الكذب و يبغضون عليه أهله فقبلوها و هم يرون أنها حقّ و لو علموا أنّها باطل لم يرووها و لم يتديّنوا بها، فصار الحقّ في ذلك الزّمان باطلا، و الباطل حقا، و الصّدق كذبا، و الكذب صدقا.

و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليشملنكم فتنة يربو فيها الوليد، و ينشأ فيها الكبير يجرى الناس عليها و يتخذونها سنّة، فاذا غيّر منها شي‏ء قالوا أتى النّاس منكرا غيّرت السنّة.

لمّا مات الحسن بن عليّ عليه السّلام لم يزل البلاء و الفتنة يعظمان و يشتدّان فلم‏ يبق وليّ اللّه إلّا خائفا على دمه، و في رواية اخرى إلّا خائفا على دمه أنّه مقتول، و إلّا طريدا و شريدا، و لم يبق عدوّ اللّه إلّا مظهر الحجّة غير مستتر ببدعته و ضلالته الحديث.

ألا لعنة اللّه على القوم الظّالمين و سيعلم الّذين ظلموا آل محمّد صلّى اللّه عليه و عليهم أىّ منقلب ينقلبون.

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن امام أنام است كه اشاره فرموده در آن بأعمال قبيحه بني اميه و گفته: بخدا سوگند كه هميشه باشند بنى اميه تا اين كه نگذارند مر خداوند عالم را حرامى مگر كه حلال شمارند آن را، و نه گرهى از گرههاى دين مگر اين كه بگشايند آن را، و تا اين كه باقى نماند خانه از كلوخ ساخته شده و نه خيمه از پشم بر پا بوده مگر اين كه داخل شود در او ظلم آنها، و متزلزل سازد آن را بدى حكومت و أمارت ايشان تا آنكه برخيزد دو شخص گريه كننده كه گريه كند يك گريه كننده گريه كند از براى دين خود، و گريه كننده ديگر گريه كند از براى دنياى خود، و تا اين كه باشد انتقام كشيدن يكى از شما از يكى از ايشان مثل انتقام كشيدن بنده از مولاى خود باين وجه كه اگر حاضر باشد نزد مولايش اطاعت او را مى ‏نمايد، و هرگاه غائب باشد از او غيبت او ميكند، تا آنكه باشد بزرگترين شما از روى مشقّت نيكوترين شما از روى گمان و اميدوارى بخدا پس اگر عطا كند خداوند شما را سلامتى و عافيتى پس قبول نمائيد، و اگر مبتلا شويد ببلائى پس صبر نمائيد پس بدرستي كه عاقبت كار پرهيزكاران راست.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 96 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 97 صبحی صالح

97- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) في أصحابه و أصحاب رسول اللّه‏

أصحاب علي‏

وَ لَئِنْ أَمْهَلَ الظَّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُهُ

وَ هُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَى مَجَازِ طَرِيقِهِ

وَ بِمَوْضِعِ الشَّجَا مِنْ مَسَاغِ رِيقِهِ

أَمَا وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ

لَيَظْهَرَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَيْكُمْ

لَيْسَ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ

وَ لَكِنْ لِإِسْرَاعِهِمْ إِلَى بَاطِلِ صَاحِبِهِمْ

وَ إِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقِّي

وَ لَقَدْ أَصْبَحَتِ الْأُمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا

وَ أَصْبَحْتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي

اسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا

وَ أَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا

وَ دَعَوْتُكُمْ سِرّاً وَ جَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا

وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا

أَ شُهُودٌ كَغُيَّابٍ

وَ عَبِيدٌ كَأَرْبَابٍ

أَتْلُو عَلَيْكُمْ الْحِكَمَ فَتَنْفِرُونَ‏

مِنْهَا

وَ أَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا

وَ أَحُثُّكُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا

تَرْجِعُونَ إِلَى مَجَالِسِكُمْ

وَ تَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظِكُمْ

أُقَوِّمُكُمْ غُدْوَةً وَ تَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةً

كَظَهْرِ الْحَنِيَّةِ

عَجَزَ الْمُقَوِّمُ

وَ أَعْضَلَ الْمُقَوَّمُ

أَيُّهَا الْقَوْمُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ

الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ

الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ

الْمُبْتَلَى بِهِمْ أُمَرَاؤُهُمْ

صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللَّهَ وَ أَنْتُمْ تَعْصُونَهُ

وَ صَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللَّهَ وَ هُمْ يُطِيعُونَهُ

لَوَدِدْتُ وَ اللَّهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ

فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةَ مِنْكُمْ وَ أَعْطَانِي رَجُلًا مِنْهُمْ

يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ

مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلَاثٍ وَ اثْنَتَيْنِ

صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ

وَ بُكْمٌ ذَوُو كَلَامٍ

وَ عُمْيٌ ذَوُو أَبْصَارٍ

لَا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ

وَ لَا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ الْبَلَاءِ

تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ

يَا أَشْبَاهَ الْإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا

كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ آخَرَ

وَ اللَّهِ لَكَأَنِّي بِكُمْ فِيمَا إِخَالُكُمْ

أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى

وَ حَمِيَ الضِّرَابُ

قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ انْفِرَاجَ الْمَرْأَةِ عَنْ قُبُلِهَا

وَ إِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي

وَ مِنْهَاجٍ مِنْ نَبِيِّي

وَ إِنِّي لَعَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ أَلْقُطُهُ لَقْطاً

أصحاب رسول اللّه‏

انْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ

وَ اتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ

فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدًى

وَ لَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدًى

فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا

وَ إِنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا

وَ لَا تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا

وَ لَا تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا

لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ( صلى ‏الله ‏عليه ‏وآله  )

فَمَا أَرَى أَحَداً يُشْبِهُهُمْ مِنْكُمْ

لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً

وَ قَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَ قِيَاماً

يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَ خُدُودِهِمْ

وَ يَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ

كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَى مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ

إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ هَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ جُيُوبَهُمْ

وَ مَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ

خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ

وَ رَجَاءً لِلثَّوَاب‏

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج7  

و من كلام له عليه السّلام و هو السادس و التسعون من المختار فى باب الخطب

و لئن أمهل اللّه الظّالم فلن يفوت أخذه، و هو له بالمرصاد على مجاز طريقه، و بموضع الشّجى من مساغ ريقه، أما و الّذي نفسي بيده ليظهرنّ هؤلاء القوم عليكم، ليس لأنّهم أولى بالحقّ منكم، و لكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم، و إبطائكم عن حقّي، و لقد أصبحت الامم يخاف ظلم رعاتها، و أصبحت أخاف ظلم رعيّتي، استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا، و أسمعتكم فلم تسمعوا، و دعوتكم سرّا و جهرا فلم تستجيبوا، و نصحت لكم فلم تقبلوا، أشهود كغيّاب، و عبيد كأرباب، أتلو عليكم الحكم فتنفرون منها، و أعظكم بالموعظة البالغة فتتفرّقون عنها، و أحثّكم على جهاد أهل البغى فما أتى عليّ آخر قولي‏ حتّى أراكم متفرّقين أيادي سبا، ترجعون إلى مجالسكم، و تتخادعون عن مواعظكم، أقوّمكم غدوة، و ترجعون إليّ عشيّة كظهر الحنيّة، عجز المقوّم، و أعضل المقوّم. أيّها الشّاهدة أبدانهم، الغائبة عنهم عقولهم، المختلفة أهوائهم المبتلى بهم أمرائهم، صاحبكم يطيع اللّه و أنتم تعصونه، و صاحب أهل الشّام يعصي اللّه و هم يطيعونه، لوددت و اللّه إنّ معاوية صارفني بكم صرف الدّينار بالدّرهم، فأخذ منّي عشرة منكم و أعطاني رجلا منهم، يا أهل الكوفة منيت منكم بثلاث و إثنتين، صمّ ذوو أسماع، و بكم ذوو كلام، و عمي ذوو أبصار، لا أحرار صدق عند اللّقاء، و لا إخوان ثقة عند البلاء، تربت أيديكم، يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها، كلّما جمعت من جانب تفرّقت من آخر، و اللّه لكأنّي بكم فيما أخال أن لو حمس الوغى، و حمي الضّراب، قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها، و إنّي لعلى بيّنة من ربّي، و منهاج من نبيّي، و إنّي لعلى الطّريق الواضح، ألقطه لقطا. أنظروا أهل بيت نبيّكم، فالزموا سمتهم، و اتّبعوا أثرهم، فلن يخرجوكم من هدى، و لن يعيدوكم في ردى، فإن لبدوا فالبدوا،و إن نهضوا فانهضوا، و لا تسبقوهم فتضلوّا، و لا تتأخّروا عنهم فتهلكوا، لقد رأيت أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فما أرى أحدا منكم يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا، قد باتوا سجّدا و قياما، يراوحون بين جباههم و خدودهم، و يقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأنّ بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر اللّه هملت أعينهم حتّى تبلّ جيوبهم، و مادوا كما يميد الشّجر يوم الرّيح العاصف، خوفا من العقاب، و رجاء للثّواب.

اللغة

(رصد) فلانا من باب نصر رقبه كترصده و المرصاد الطريق و المكان يرصد فيه العدوّ و (الشجى) ما ينشب في الحلق من عظم أو غيره و موضع الشجى هو الحلق نفسه و (المساغ) اسم مكان من ساغ الشّراب سوغا سهل مدخله قال الشاعر:

         و ساغ لي الشّراب و كنت قبلا            أكاد أغصّ بالماء الفرات‏

و يقال أيضا سغت الشّراب اسوغه أى أوصلته إلى المعدة باللزوم و التّعدية و (ظهر) عليه غلب و (الرعاة) كالرعاء بالهمز جمع الراعي و هو كلّ من ولي أمر قوم و القوم رعيّته و (الاستنفار) الاستنصار أو طلب النّفور و الاسراع إلى الجهاد و (تنفرون) منها من نفرت الدّابة نفورا من بابى نصر و ضرب شرد و (أيادي سبا) مثل يضرب للمتفرّقين و أصله قوله تعالى عن أهل سبا: و مزّقناهم كلّ ممزّق، و سبأ بالهمزة وزان جبل يصرف و لا يصرف و هو بلدة بلقيس و لقب ابن يشحب بن يعرب بن قحطان اسمه عبد شمس و (الأيادى) جمع الأيدى و هو جمع اليد، قال الرّضىّ: و هو كناية عن الابناء و الاسرة لأنّهم في التقوى و البطش بهم بمنزلة الأيدي، و يقال ذهبوا أيدى سبا و أيادى سبا الياء ساكنة و كذلك الألف‏ هكذا نقل المثل أى ذهبوا متفرّقين، و هما اسمان جعلا اسما واحدا مثل معدى كرب ضرب المثل بهم لأنّهم لما غرق مكانهم و ذهبت جنّاتهم تبدّدوا في البلاد.

روى الطبرسيّ في تفسير سورة سبا في قصة تفرّق أولاد سبا عن الكلبي عن أبي صالح قال: ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر الذي يقال له مزيقيا بن ماء السّما و كانت قد رأت في كهانتها أنّ سدّ مارب سيخرب و أنّه سيأتي سيل العرم فيخرب الجنّتين، فباع عمرو بن عامر أمواله و سار هو و قومه حتّى انتهوا إلى مكة فأقاموا بها و ما حولها فأصابتهم الحمى، و كانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى، فدعوا طريقة فشكوا إليها الذي أصابهم فقالت لهم: قد أصابني الذي تشكون و هو مفرّق بيننا، قالوا: فما ذا تأمرين قالت: من كان منكم ذاهمّ بعيد و جمل شديد و مزاد جديد فليلحق بقصر عمان المشيد و كانت ازدعمان«»، ثمّ قالت: من كان منكم ذا جلد و قسر و صبر على ازمات الدّهر فعليه بالاراك من بطن مرّ (نمر خ ل) و كانت خزاعة، ثمّ قالت: من كان منكم يريد الرّاسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل و كانت الأوس و الخزرج، ثمّ قالت: من كان منكم يزيد الخمر الخمير و الملك و التأمير و ملابس التّاج و الحرير فليلحق ببصرى و عوير، و هما من أرض الشّام و كان الذين سكنوها آل خفية بن غسان، ثمّ قالت: من كان منكم يريد الثياب الرقاق و الخيل العتاق و كنوز الأرزاق و الدّم المهراق فليلحق بأرض العراق و كان الذين سكنوها آل جذيمة الابرش و من كان بالحيرة و آل محرق (و تتخادعون) قال في القاموس: تخادع فلان أرى أنّه مخدوع و ليس به، «انتهى» و لا يجوز ارادة هذا المعنى في المقام بل الأظهر أنّه من قولهم سوق خادعة مختلفة متلونة و خلق خادع متلوّن أى تختلفون و تتلوّنون في قبول الوعظ و لكنه يبعده لفظة عن، اللّهم إلّا أن يضمن معنى الاعراض فافهم، و يأت له معنى آخر إنشاء اللّه.

و (الحنية) وزان غنية القوس و الجمع حنى و حنايا و (المقوّم) الأوّل‏ على زنة الفاعل و الثاني على زنة المفعول و (تربت) أيديكم كلمة يدعابها على الانسان قال في القاموس: ترب كثرت را به و صار في يده التّراب و لزق بالتراب و خسر و افتقر تربا و متربا و يداه لا أصاب خيرا، و عن النّهاية هذه الكلمة جارية على ألسن العرب لا يريدون بها الدّعاء على المخاطب و لا وقوع الأمر بها كما يقولون: قاتل اللّه و قيل: معناه للّه درّك، قال: و كثيرا يرد للعرب ألفاظ ظاهرها الذمّ و إنما يريدون بها المدح كقولهم لا أب لك و لا أمّ لك و لا أرض لك و نحو ذلك و (خال) الشي‏ء يخاله أى ظنّه و تقول خلت اخال بكسر الهمزة و بالفتح لغة بني أسد كما في أكثر النسخ و (حمس) كفرح اشتدّ و (حمى) كرضى اشتدّ حرّه و (القطه لقطا) في أكثر النسخ بالقاف المثناة و الطاء المهملة من الالتقاط و في بعضها الفظه لفظا بالفاء و الظاء المعجمة أى ابينه بيانا و (لبد) الشي‏ء بالأرض من باب نصر التصق بها و (الجمر) جمع جمرة و هي النّار الموقدة و (ركب المعزى) جمع الرّكبة بالضمّ فيهما و (هملت) عينه هملا من باب نصر و ضرب فاضت

الاعراب

قوله عليه السّلام: فلن يفوت أخذه برفع أخذه على الفاعلية و المفعول محذوف أى لن يفوته أخذه، و قوله: على مجاز طريقه بدل من قوله بالمرصاد، و قوله: ليظهرنّ منصوب بأن مضمرة في محلّ رفع على الابتداء، و جملة ليس لأنّهم مرفوعة المحلّ على الخبر و جملة المبتدأ و الخبر جواب القسم، و يحتمل أن يكون جملة ليظهرنّ فقط جواب القسم لا محلّ لها من الاعراب و جملة ليس لأنهم استينافا بيانيّا و قوله: أشهود كغيّاب استفهام تقريرى أو توبيخى و في بعض النّسخ بلا همز و عليه فهو خبر محذوف المبتدأ، و أيادى سبا منتصب على اقامته مقام المصدر أى متفرّقين تفرّق أيادى سبا، و يجوز أن يكون حالا مؤكدة بتقدير المضاف أى مثل أيادى سبا، و قوله: أيّها الشاهدة برفع الشاهدة صفة محذوف الموصوف و جملة كلّما جمعت بدل بعض من جملة غاب عنها آه على حدّ قوله سبحانه.

 أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَ بَنِينَ.

المعنى

اعلم أنّ المقصود بهذه الخطبة الشريفة ذمّ أصحابه عليه السّلام و توبيخهم على تثاقلهم من جهاد معاوية و أصحابه لعنهم اللّه، و صدّر الكلام بالتهديد و التعريض لأهل الشام أو لأصحابه كما سيأتي من نسبة الظلم إليهم فقال عليه السّلام (و لئن أمهل اللّه الظالم) و متّعه في دار الدّنيا (فلن يفوته أخذه) و عقوبته كما قال تعالى: وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ.

قال أبو القاسم البلخي معناه: و لا يحسبّن الذين كفروا أنّ إملاءنا لهم رضا بأفعالهم و قبول لها بل هو شرّ لهم لأنّا نملي لهم و هم يزدادون إثما يستحقّون به العذاب الأليم، فالمقصود أنه سبحانه و إن أمهل الظالم و هو مغمور في ظلمه مستبشر بجوره و لكنه مدركه لا محالة و آخذه بالنّكال العظيم و العذاب الأليم.

(و هو له بالمرصاد) و عليه طريق العباد فلا يفوته أحد و هو من ألفاظ الكتاب العزيز قال تعالى: إنّ ربك لبالمرصاد، قال الطبرسيّ: و المعنى أنّه لا يفوته شي‏ء من أعمالهم لأنّه يسمع و يرى جميع أقوالهم و أفعالهم كما لا يفوت من هو بالمرصاد و روى عن عليّ عليه السّلام أنّه قال: معناه إنّ ربّك قادر على أن يجزى أهل المعاصى جزائهم و عن الصّادق عليه السّلام أنّه قال: المرصاد قنطرة على الصراط لا يجوزها عبد بمظلمة عبد، و قال عطا: يعني يجازي كلّ أحد و ينتصف من الظالم للمظلوم انتهى أقول: ما رواه عن الصادق عليه السّلام هو المعنى الحقيقى للمرصاد و ما رواه عن عليّ عليه السّلام بيان للمراد عن كونه سبحانه على المرصاد و محصّله أنه تعالى أجلّ و أعلى من أن يكون في المكان لأنّ ذلك من صفات الامكان فلا بد من حمل كونه بالمرصاد على التوسع و المجاز و إرادة عدم إمكان الهرب و الفوت منه كما لا يمكن الفوت ممن هو بالرّصد و الترقب و هذا هو المراد أيضا بقوله (على مجاز طريقه) و نظيره قوله (و بموضع الشجى من مساغ ريقه) أراد أنّه سبحانه يكاد أن يغصّه بشجي‏ء عقوباته و يشجوه بغصص نقماته بما هو عليه من رحب بلعومه و سوغه اللذائذ.

ثمّ أردف عليه السّلام ذلك بالقسم البارّ بظهور أهل الشّام عليهم و قال (أما و الذي نفسي بيده ليظهرنّ هؤلاء القوم عليكم) و نبّه على دفع ما لعلّهم يتوهّمون من كون علّة ظهورهم و غلبتهم كونهم على الحقّ و كون أصحابه عليه السّلام على الباطل بقوله: (ليس لأنهم أولى بالحقّ منكم) و أنتم أولى بالباطل منهم.

و أشار إلى علّة الظهور بقوله (و لكن لاسراعهم إلى باطل صاحبهم و إبطائكم عن حقّي) أراد بذلك أنّ ظهورهم عليكم ليس من جهة كونهم أهل حقّ و كونكم أهل باطل حتّى يوجب ذلك تخاذلكم عن جهادهم و إنما ظهورهم من أجل اتفاق كلمتهم و اجتماعهم على طاعة إمامهم الباطل و اختلاف آرائكم و تشتت أهوائكم فى طاعة الامام الحقّ، و من المعلوم أنّ مدار الفتح و الظفر و النصرة و الغلبة في الحرب على الاتفاق و الاجتماع بطاعة الجيش للرّئيس الموجب لانتظام أمرهم لا على حقيّة العقيدة و إلّا لما ظهر أهل الشرك على أهل التوحيد أصلا، و الوجدان كثيرا ما يشهد بخلافه.

و أوضح عليه السّلام هذا المعنى بقوله (و لقد أصبحت الامم يخاف ظلم رعاتها و أصبحت أخاف ظلم رعيّتي) و غرضه عليه السّلام بذلك الحاق التقصير و اللائمة في المغلوبيّة عليهم و الاشارة إلى أنّ له الحجّة على الحقّ لالهم عليه مع التنبيه على كونهم ظالمين في حقّه عاصين له، فانّ شأن الرعيّة الخوف من الوالي و به يستقيم له امور الولاية و ينتظم امور الرّعية، و أما إذا كان الأمر بالعكس فلا يكون له حينئذ في الرّعية رأى نافذ و يختلّ الأمر و يطمع فيه و في رعيّته غيره كما هو معلوم بالوجدان و مشاهد بالعيان.

و من كان خبيرا بأحواله عليه السّلام في خلافته و تأمل مجاري حالاته مع رعيّته عرف صدق هذا الكلام و ظهر له أنّه عليه السّلام كان المحجور عليه لا يتمكّن من إظهار ما في نفسه، إذ العارفون بحاله و المخلصون له كانوا قليلين، و كان السّواد الأعظم‏ لا يعتقدون فيه الأمر الذي يجب اعتقاده فيه، و كان يعامل معهم بالتقيّة، و يدارى معهم بحسن التدبير و السّلوك و الاناة مع ما كان يشاهده عليه السّلام منهم غير مرّة من التمرّد و العصيان كما أشار اليه بقوله (استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا و أسمعتكم فلم تسمعوا و دعوتكم سرّا و جهرا فلم تستجيبوا) دعوتي (و نصحت لكم فلم تقبلوا) نصيحتي.

ثمّ شبّههم عليه السّلام بقوله (أشهود كغيّاب) بالغائبين مع كونهم شاهدين، لأنّ ثمرة المشاهدة هو الاستفادة و الانتفاع و مع عدمها فالشاهد و الغائب سواء.

و كذلك شبّههم بقوله عليه السّلام (و عبيد كأرباب) بالأرباب مع كونهم عبيدا، و هو إمّا من باب القلب و مبنيّ على المبالغة أى أنتم أرباب من صناديد العرب و رؤسائها و لكنكم كالعبيد في رزالة النفس و دنائة الهمة، أو المراد أنّكم عبيد و رعايالي مفترض طاعتي عليكم و لكنكم تأبون عنها و تمرّدون عنها كالسادات، و هذا أنسب بالفقرة السّابقة، أو أنّ أخلاقكم أخلاق العبيد من الخلاف و النفاق و دنائة الأنفس و التواني و التخاذل و أنتم مع ذلك تدّعون الاستقلال و تتكبّرون و تتغرّون و تستبدّون بالآراء كالأرباب و الأحرار.

ثمّ أشار عليه السّلام إلى وجوه تقصيرهم بقوله (أتلو عليكم الحكم) الحسنة (فتنفرون منها و أعظكم بالموعظة البالغة فتتفرّقون عنها و أحثكم على جهاد أهل البغى) أراد به أهل الشّام (فما اتى على آخر قولى حتّى اريكم متفرّقين) مثل تفرّق (أيادى سبا ترجعون إلى) بيوتكم و (مجالسكم و تتخادعون عن مواعظكم) أي تتلوّنون و تختلفون معرضين عن قبول المواعظ، و قال الشّارح المعتزلي: أى تمسكون عن الاتعاظ من قولهم: كان فلان يعطى ثمّ خدع أى امسك و اقلع، و قال الشّارح البحراني: المخادعة هي الاستغفال عن المصلحة أى أنّهم إذا رجعوا من مجلس وعظه أخذ كلّ منهم يستغفل صاحبه عن تذكّر الموعظة و يشغله بغير ذلك من الأحاديث و إن لم يكن عن قصد خداع بل تقع منهم صورة المخادعة.

(اقوّمكم غدوة) باصلاح أخلاقكم و إرشادكم إلى السّداد و الرشاد (و ترجعون‏ إلىّ عشيّة كظهر الحنيّة) أى معوّجين كظهر القوس منحرفين عن مكارم الأخلاق (عجز المقوّم) أراد به نفسه الشريف (و أعضل المقوّم) أراد به قومه أى أشكل تقويمهم و أعياني دائهم علاجا.

ثمّ ناداهم عليه السّلام بذكر معايبهم تنفيرا لهم عنها فقال: (أيها) الفئة (الشاهدة أبدانهم الغائبة عنهم عقولهم) لعلّ المراد بغيبة العقول ذهابها أو عدم قيامهم بما تقتضيها و الثاني أظهر (المختلفة أهوائهم المبتلى بهم أمراؤهم) اى ابتلى أمراؤهم بسبب نفاقهم بسوء الحال و عدم انتظام الأمر (صاحبكم يطيع اللّه و أنتم تعصونه) و هو إشارة إلى اتصافهم برذيلة مخالفة الأمر مع كون أميرهم مطيعا للّه سبحانه (و صاحب أهل الشّام يعصي اللّه و هم يطيعونه) و هو اشارة إلى اتصاف أهل الشّام بفضيلة الطاعة مع كون أميرهم عاصيا له تعالى و جعل ذلك مقايسة بينهم ليظهر الفرق فيدركهم الغيرة.

ثمّ أردفه لتحقيرهم و تفضيل عدّوهم عليهم في البأس و النجدة فقال (لوددت و اللّه إنّ معاوية) لعنه اللّه (صارفني بكم صرف الدّينار بالدرّهم فأخذ منّي عشرة منكم و أعطاني رجلا منهم) و لا يخفى ما في هذا الكلام من وجوه التحقير حيث جعل عليه السّلام أهل الشّام بمنزلة الذهب و جعل أصحابه بمنزلة الفضّة و رجّح واحدا منهم على عشرة من أصحابه حيث ودّ مبادلتهم به و أكّد ذلك بالقسم البارّ و اللّام و إنّ.

ثمّ نبّه على ما ابتلى به منهم فقال (يا أهل الكوفة منيت منكم بثلاث و اثنتين) أي ابتليت منكم بخمس خصال و إنّما لم يجمع الخمس لكون الثلاث من جنس و الاثنتين من آخر، أو لكون الثلاث ايجابية و الاثنتين سلبية.

أمّا الثلاث الأول فهو أنّكم (صمّ ذوو أسماع و بكم ذوو كلام و عمى ذوو أبصار) توصيفهم بها مع أضدادها وارد في مقام التعجّب و معرض التوبيخ حيث إنّ المقصود بخلق هذه الجوارح و الآلات في الانسان انتفاعه بها و صرفه لها في‏ المصالح الدينيّة و الدّنيوية لينتظم بها أمر معاشه و معاده و إذا لم تنتفع بها كان واجدها و فاقدها سواء، و أحرى أن يلحق بالبهائم و الأنعام بل هو أضلّ سبيلا.

و أما الثنتان الباقيتان فنبّه عليهما بقوله (لا أحرار صدق عند اللّقاء) أى لا يرى منكم عند الحرب و لقاء الأبطال ما يصدق حريّتكم من البأس و النّجدة و الشّجاعة، بل يشاهد منكم صفات العبد من التخاذل و دنائة الهمة و بقوله (و لا إخوان ثقة عند البلاء) أى لستم ممّن توثق باخوّتكم عند الابتلاء بالنوازل (تربت أيديكم) دعا بعدم إصابة الخير (يا أشباه الابل غاب عنها رعاتها كلّما جمعت من جانب تفرّقت من آخر) شبّههم عليه السّلام بالابل الموصوفة و عقّبه بذكر وجه الشبه و هو فقد الانتظام بفقدان الراعي الناظم و أشار به إلى عصيانهم له و كونهم مطلقى العنان بمنزلة من لا أمير لهم.

(و اللّه لكأني) أبصر (بكم فيما أخال) و أظنّ بظهور الامارات و المخايل التي توجب الظن (أن لو حمس الوغا) و عظم الحرب (و حمى الضراب) و اشتدّ حرّ الطّعان (قد) تفرّقتم و (انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها) قال الشّارح المعتزلي: أى وقت الولادة، و قال البحراني: شبّه انفراجهم عنه بانفراج المرأة عن قبلها ليرجعوا إلى الانفة و تسليم المرأة قبلها و انفراجها عنه إما وقت الولادة أو وقت الطعان «انتهى» و قيل: تسليم المرأة لقبلها و انفراجها عنه وقت الولادة أو وقت الطعان و التشبيه في العجز و الدّنائة و الغرض إرجاع القوم إلى الانفة و الحميّة و تنبيههم على الخطاء في تفرّجهم و عدم انقيادهم له عليه السّلام.

أقول: و جميع ما قالوه كما ترى مما ينفرّ عنه الذوق السّليم و يأباه الطبع المستقيم لا سيّما التأويل بوقت الطّعان أقبح سماجة و لعلّ الأظهر أن يجعل الانفراج عن القبل كناية عن الانفراج عن الولادة أو مجازا مرسلا بعلاقة كون القبل محلّ الولادة و يكون المراد بالتشبيه الاشارة إلى شدّة محبّتهم في الانفراج و منتهى رغبتهم في التفرّق عنه فانّ المرأة في حال المخاض على غاية الشدّة و الاضطراب لا شي‏ء أحبّ اليها من الطلق و الانفراج فاذا طلقت استراحت و رجعت إليها نفسها و سكن وجعها، و الغرض بذلك توبيخهم و لو مهم و تشبيه حالتهم عند حضور الجهاد و اشتغال نائرة الحرب بحالة المرأة التي أخذها المخاض و وجع الولادة، و حسن هذا المعنى مما لا يخفى على أولى الأذهان السليمة و الأفهام المستقيمة، هذا.

و يحتمل بعيدا أن يكون أصل الرواية عن قبلها بفتحتين و إن كان النسخ لا يساعده، في القاموس و القبل محركة ضرب من الخرز يؤخّذ بها«»، أو شي‏ء من عاج مستدير يتلأ لؤ يعلّق في صدر المرأة.

ثمّ عاد عليه السّلام في ذكر مناقبه الجميلة المحركة لهم الى اتّباعه و متابعته فقال عليه السّلام (و إنّي لعلى بيّنة) و حجّة واضحة (من ربّي) و هي الآيات الباهرة و الأدلة الزّاهرة المفيدة لمعرفته و توحيده سبحانه (و منهاج) و جادّة مستقيمة (من نبيّي) و هى السّنة النّبويّة و الطريقة المصطفويّة على صاحبها أفضل الصّلاة و السّلام و التحية (و انّي لعلى الطريق الواضح) و هو طريق الدّين و نهج الشّرع المبين (ألقطه) من بين الطرق الضلال (لقطا) و لعلّ في التعبير بلفظ اللقطة إشارة إلى غلبة طرق الضلال و كثرتها و تنبيها على أنّ سالك طريق الهدى يحتاج إلى الجدّ و الاجتهاد و الاهتمام حتّى يميّزه من بينها و يلتقطه من ههنا و ههنا، فانّ سالك طريقة مكتنفة بالشوك و القتاد من جانبيها يحتاج إلى أن يلتقط المنهج التقاطا.

ثمّ نبّه على وجوب طاعته و ملازمته فقال (انظروا أهل بيت نبيكم) أراد به نفسه الشريف و الطّيبين من أولاده الأئمة الأحد عشر (فالزموا سمتهم) أى جهتهم و طريقتهم (و اتّبعوا أثرهم) و علل وجوب الاقتداء و الايتمام لهم بقوله (فلن يخرجوكم من هدى و لن يعيدوكم في ردى) أى ردى الجاهلية و الضّلال القديم، فانّهم خير امّة اخرجت للنّاس يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر، و فيه تعريض على أنّ متابعة غيرهم توجب الخروج من الهدى و العود إلى الرّدى أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ (فان لبدوا فالبدوا) أى إن قعدوا عن طلب الخلافة أو الجهاد و لزموا البيوت فتابعوهم (و إن نهضوا فانهضوا) أى إن قاموا بالخلافة فانصروهم (و لا تسبقوهم) فيما لم يأمروكم به و لا تفعلوا ذلك (فتضلّوا) لأنّ متقدّم الدّليل شأنه الضّلال عن القصد (و لا تتأخّروا عنهم) فيما يأمرونكم به و لا تخالفوهم (فتهلكوا) لأنّ المتخلف عن الهاد يتيه عن الرشاد فلا يدرى انه هلك في أيّ واد.

ثمّ نبّه عليه السّلام على بعض أوصاف الأصحاب الأنجاب للتهييج و الالهاب فقال عليه السّلام و (لقد رأيت أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هم الذين أدركوا صحبته بالايمان و ماتوا بالايمان (فما أرى أحدا منكم يشبههم) في الزّهد و الورع و الخوف و الخشية من الحقّ سبحانه (لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا) أى متغيّرى الشّعر و مغبّر الرّوؤس من غير استحداد و لا تنظف من قشف العبادة و كثرة الرياضة (قد باتوا) و أحيوا لياليهم (سجّدا و قياما يراوحون بين جباههم و خدودهم) أى يسجدون بالجبهة مرّة و بالخدود اخرى تذلّلا و خضوعا (و يقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم) كناية عن قلقهم و اضطرابهم من خوف المعاد (كانّ بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم) و أراد ببين أعينهم جباههم مجازا يعنى أن جباههم من طول السجود و كثرة مسّ الأرض صارت كركب المعزى و ثفنات البعير في الغلظة و الخشونة (إذا ذكر اللّه هملت أعينهم) و سالت (حتّى تبلّ جيوبهم) و في بعض النسخ جباههم بدل جيوبهم و بلّها ممكن في حال السّجود (و ما دوا كما يميد الشّجر) أى اضطربوا مثل اضطراب الشجر (يوم الريح العاصف خوفا من العقاب و رجاء للثواب) يعنى أنّ اضطرابهم تارة يكون من الخوف و الوجل و اخرى من الرجاء و الاشتياق و هذا هو شأن المؤمن المخلص الآخذ بين مرتبتى الخوف و الرجاء و الآمل من اللّه الحسنى إنّه الغفور الرّحيم ذو المنّ العظيم.

تكملة

هذا الكلام له عليه السّلام يشبه أن يكون ملتقطا من خطبة طويلة قدّمنا روايتها من كتاب الاحتجاج و الارشاد في شرح الخطبة التاسعة و العشرين، و تقدّم أيضا بعض‏ فقراتها في التنبيه الثاني من شرح الكلام السّابع و الثلاثين في ضمن رواية سليم ابن قيس الهلالي، فتذكر.

الترجمة

از جمله كلام آن قدوه أنام است مى‏ فرمايد: و اگر مهلت بدهد خداوند ظالم را پس هرگز فوت نمى‏ شود از او عقوبت او و حق تعالى مر ظالم را بر محل ترقب و نگهبانى است بر مكان گذشتن راه او و بموضع چيزهاى گلوگير است از جاى فرو بردن آب دهان او، آگاه باش قسم بآن خدائى كه نفس من در قبضه اقتدار او است هر آينه غالب شدن اين قوم كه عبارت باشند از أهل شام بشما نيست بجهة اين كه ايشان أقرب بحق انداز شما، و لكن بجهة شتافتن ايشانست بسوى باطل صاحب خودشان و اهمال نمودن شما است از حق من، و هر آينه بتحقيق كه صباح كردند امّتها در حالتى كه مى‏ترسند از ستم واليان خودشان، و صباح كردم من در حالتى كه مى‏ترسم از جور رعيّت خود طلب يارى كردم از شما بجهة جهاد پس يارى نكرديد، و شنواندم شما را قول حق را پس گوش نداديد، و خواندم شما را بحق در نهان و آشكار پس اجابت نكرديد، و نصيحت نمودم شما را پس قبول ننموديد آيا شما حاضران هستيد مثل غايبان، و غلامان هستيد مثل خواجه‏گان، تلاوت مي كنم بشما حكمتهاى حسنه را پس رم مى ‏كنيد از آن، و موعظه مي كنم شما را با موعظه بالغه پس پراكنده مى‏ شويد از آن، و ترغيب ميكنم شما را بر جهاد أهل بغى و ظلم پس نمى‏آيد بمن آخر گفتار خودم تا اين كه مى‏بينم شما را متفرّق مى‏ شويد مثل متفرّق شدن أولاد سبا، بر مى ‏گرديد بمجالس خودتان و اختلاف مى‏ نمائيد از مواعظ خودتان، راست مى‏ گردانم شما را در بامداد و باز مى‏ گرديد بسوى من در شبانگاه مانند پشت كمان كج شده، عاجز شد راست سازنده و مشكل شد راست شده.

اى جماعتى كه حاضر است بدنهاى ايشان و غايب است از ايشان عقلهاى ايشان مختلف است خواهشهاى ايشان مبتلا است بجهة ايشان اميران ايشان، صاحب شما اطاعت‏ مي كند خداى را و شما عصيان مى‏ نمائيد او را، و صاحب أهل شام نافرماني مي كند حق را و ايشان اطاعت مى ‏نمايند او را، هر آينه دوست مى‏ دارم قسم بخدا اين كه معاويه صرافي كند با من شما را مثل صرافي دينار بدرهم پس بگيرد از من ده نفر از شما را و عوض دهد بمن يك نفر از أهل شام را اى أهل كوفه مبتلا شدم من از شما بسه خصلت و دو خصلت أما سه خصلت اينست كه: هستيد كران صاحب گوشها، گنگان صاحب گفتار، كوران صاحب چشمها، أمّا دو خصلت اينست كه: نيستيد آزادگان راست در وقت ملاقات شجاعان و نه برادران محل وثوق و اطمينان هنگام ابتلاءات زمان، خاك آلود باد دستهاى شما اى أمثال شتران در حالتى كه غايب باشد از ايشان شتربانان ايشان كه هر وقت جمع كرده شوند از طرفي پراكنده شوند از طرف ديگر، قسم بخدا گوئيا مى‏بينم شما را در آنچه ظن و خيال ميكنم اين كه اگر شدّت بيابد جنگ و سخت شود حرارت كارزار بتحقيق كه منكشف شويد از پسر أبي طالب همچه منكشف شد زن از زائيدن خود، و بدرستى كه من بر حجّت و بيّنه هستم از جانب پروردگار خود، و بر جادّه مستقيمه هستم از جانب پيغمبر خود، و بدرستى كه من بر راه روشن مى‏باشم كه پيدا ميكنم آن راه را پيدا كردنى.

نظر نمائيد بسوى أهل بيت پيغمبر خودتان پس لازم شويد بسمت ايشان، و متابعت نمائيد أثر ايشان را، پس هرگز خارج نمى‏كنند ايشان شما را از هدايت، و هرگز بر نمى‏گردانند ايشان شما را بضلالت و هلاكت، پس اگر باز ايستند از طلب أمري باز ايستيد شما، و اگر بايستند بأمري بايستيد شما، و پيشى نگيريد بايشان پس گمراه شويد، و پس نيفتيد از ايشان پس هلاك شويد.

و بتحقيق ديدم من أصحاب حضرت رسالت مآب صلّى اللّه عليه و آله و سلّم را پس نديدم هيچيكى از شما را كه شبيه ايشان باشيد، بتحقيق كه بودند ايشان صباح مى‏ كردند ژوليده موى غبار آلوده سر بتحقيق كه شب را بروز مى ‏آوردند در حالتى كه سجده كنندگان و ايستاده‏گان بودند، راحت مى ‏نمودند ميان پيشانى و رخسارهاى خودشان را يعنى گاهى بپيشاني سجده مى‏ نمودند و گاهى رويشان را بزمين مى‏ نهادند، و مى ‏ايستادند بر مثال أخگر از ياد كردن قيامت و معاد خودشان گوئيا كه ميان چشمان ايشان زانوهاى بز است كه پينه بسته است از درازي سجده ايشان، هر گاه ذكر شود خداوند سبحانه ريزان مى‏ گرديد آب چشمهاى ايشان تا آنكه تر مى‏ شد گريبانهاى ايشان از اشك چشم، و مضطرب مى‏ شدند مثل مضطرب شدن و جنبيدن درخت در روز باد تند بسبب ترسيدن از عذاب، و بسبب اميدوارى بر ثواب.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 95 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 96 صبحی صالح

96- و من خطبة له ( عليه‏ السلام  ) في اللّه و في الرسول الأكرم‏

اللّه تعالى‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَوَّلِ فَلَا شَيْ‏ءَ قَبْلَهُ

وَ الْآخِرِ فَلَا شَيْ‏ءَ بَعْدَهُ

وَ الظَّاهِرِ فَلَا شَيْ‏ءَ فَوْقَهُ

وَ الْبَاطِنِ فَلَا شَيْ‏ءَ دُونَهُ

و منها في ذكر الرسول ( صلى ‏الله‏ عليه ‏وآله  )

مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٍّ

وَ مَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِتٍ

فِي مَعَادِنِ الْكَرَامَةِ

وَ مَمَاهِدِ السَّلَامَةِ

قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الْأَبْرَارِ

وَ ثُنِيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الْأَبْصَارِ

دَفَنَ اللَّهُ بِهِ الضَّغَائِنَ

وَ أَطْفَأَ بِهِ الثَّوَائِرَ

أَلَّفَ بِهِ إِخْوَاناً

وَ فَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً

أَعَزَّ بِهِ الذِّلَّةَ

وَ أَذَلَّ بِهِ الْعِزَّةَ

كَلَامُهُ بَيَانٌ

وَ صَمْتُهُ لِسَانٌ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج7  

و من اخرى و هى الخامسة و التسعون من المختار فى باب الخطب

الحمد للّه الأوّل فلا شي‏ء قبله، و الآخر فلا شي‏ء بعده، و الظّاهر فلا شي‏ء فوقه، و الباطن فلا شي‏ء دونه. منها في ذكر الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: مستقرّه خير مستقرّ، و منبته أشرف منبت، في معادن الكرامة، و مماهد السّلامة، قد صرفت نحوه أفئدة الأبرار، و ثنيت إليه أزمّة الأبصار، دفن به الضّغاين، و أطفأ به النّوائر، ألّف به إخوانا، و فرّق به أقرانا، أعزّ به الذّلّة، و أذلّ به العزّة، كلامه بيان، و صمته لسان.

اللغة

(المهد) و المهاد الفراش و موضع تهيّأ للصبىّ، و جمع الأوّل مهود كفلس و فلوس و جمع الثاني مهد ككتاب و كتب، و أمّا المماهد فلم يضبط فيما رأيته من كتب اللغة، قال الشّارح البحرانيّ: جمع ممهد و الميم زايدة، و قال الشّارح المعتزليّ: المهاد الفراش و لما قال عليه السّلام: في معادن و هي جمع معدن قال بحكم القرينة و الازدواج و مماهد و إن لم يكن الواحد منها ممهدا كما قالوا: الغدايا و العشايا و مأجورات و مأزورات و نحو ذلك (و ثنيت) الشي‏ء ثنيا من باب رمى إذا عطفته و رددته و (الضغائن) جمع الضّغينة و هي الحقد و (النواير) جمع النائرة و هي العداوة و المخاصمة.

الاعراب

قوله: في معادن الكرامة خبر بعد خبر، و يجوز كونه صفة أو حالا من الخبر لكونه نكرة غير محضة، و جملة قد صرفت في محلّ النّصب على الحال، و قد للتحقيق.

المعنى

صدر هذه الخطبة الشريفة مسوق للثناء على الواجب تعالى باعتبار نعوت العظمة و الجلال و صفات العزّة و الكمال، و ذيلها بمدح الرسول و الاشارة إلى فوايد البعثة فقال (الحمد للّه الأوّل فلا شي‏ء قبله و الآخر فلا شي‏ء بعده) و قد مرّ معنى الأوّل و الآخر في شرح الخطبة الرابعة و الستّين و في شرح الفصل الأوّل من فصول الخطبة التسعين بما لا مزيد عليه (و الظاهر فلا شي‏ء فوقه و الباطن فلا شي‏ء دونه) و قد مرّ معنى الظاهر و الباطن في شرح الخطبة الرابعة و السّتين أيضا و أقول هنا: يحتمل أن يكون المراد بالظاهر و الباطن كونه تعالى ظاهرا بآياته و آثار قدرته فلا شي‏ء فوقه من حيث الظهور و الجلاء، بل هو أجلى الأشياء و أظهرها، و باطنا من حيث ذاته و حقيقته فلا شي‏ء دونه من حيث البطون و الخفاء، و قد أوضحناه في شرح قوله عليه السّلام: كلّ ظاهر غيره غير باطن آه من الخطبة التي‏ أشرنا إليها، و أن يكون المراد بالظاهر الغالب القاهر على كلّ شي‏ء فكلّ شي‏ء مقهور دون قدرته، ذليل تحت عزّته، و بالباطن العالم بما بطن من خفيّات الامور فلا شي‏ء دونه أى أقرب منه سبحانه إليه، هذا.

قال السيّد (ره) (منها) أى ببعض فصول تلك الخطبة (في ذكر الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بيان شرفه و مناقبه الجميلة و هو قوله (مستقرّه خير مستقرّ و منبته أشرف منبت) يمكن أن يكون المراد بالمستقرّ و المنبت الأصلاب الشامخة و الأرحام المطهّرة، و أن يكون المراد بالأول مكّة و بالثاني الطيبة (في معادن الكرامة) أى الرسالة أو ما هو أعمّ من هذه (و مماهد السّلامة) أى المهد المتّصفة بالسّلامة من الأدناس و الأرجاس، و البراءة من العيوب الظاهرة و الباطنة (قد صرفت نحوه أفئدة الأبرار) أى صرف اللّه سبحانه أفئدتهم إليه (و ثنيت إليه أزمّة الأبصار) أى عطفت إليه أزمّة مطايا البصاير و القلوب، و هذا كلّه كناية من التفات الخلق إليه و تلقّيهم له بقلوبهم و محبّة الأبرار له عليه السّلام إجابة لدعوة إبراهيم الخليل عليه السّلام حيث قال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ.

أى أسكنت بعض ولدى و هو إسماعيل عليه السّلام و من ولد منه، و عن العيّاشي عن الباقر عليه السّلام نحن هم و نحن بقية تلك الذرّية، و في المجمع عنه عليه السّلام أنّه قال نحن بقية تلك العترة. و قال كانت دعوة إبراهيم لنا خاصّة.

و قوله: فاجعل افئدة من الناس أراد بعضهم و هم المؤمنون الأبرار كما اشير في كلام الامام عليه السّلام و صرّح به الباقر عليه السّلام في رواية العياشي قال: أما أنه لم يعن الناس كلّهم أنتم أولئك و نظراؤكم إنما مثلكم في النّاس مثل الشعرة البيضاء في الثور الأسود أو مثل الشّعرة السّوداء في الثور الأبيض، ينبغي للناس أن يحجّوا هذا البيت و يعظموه لتعظيم اللّه إياه، و أن تلقونا حيث كنّا نحن الأدلّاء على اللّه.

و في الصّافي عن الكافي عنه عليه السّلام في قوله تعالى: تهوى إليهم، و لم يعن البيت فيقول إليه، فنحن و اللّه دعوة إبراهيم.

و عن الاحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السّلام و الأفئدة من الناس تهوى إلينا، و ذلك دعوة ابراهيم حيث قال افئدة من النّاس تهوى إليهم.

و روى عليّ بن إبراهيم عن الصّادق عليه السّلام أنه تعالى عنى بقوله: و ارزقهم من الثمرات، ثمرات القلوب أى أحبّهم إلى النّاس ليأتوا إليهم (دفن به الضغائن و أطفأ به النّوائر) أى أخفى بوجوده الشّريف الاحقاد العربيّة بعد أن كانت ظاهرة علانية، و أطفأ به نوائر العداوات و خصومات الجاهلية بعد أن كانت مشتعلة ملتهبة و (الف به) على الاسلام (اخوانا) كما كان بين أمير المؤمنين عليه السّلام و سلمان (و فرق به) على الشرك (أقرانا) كما كان بين حمزة و أبي لهب (أعزّ به الذلة و أذلّ به العزّة) أى أعزّ به ذلّة الاسلام و أذلّ به عزّة الكفر، فقد رفع الاسلام سلمان فارس و قد وضع الكفر أبا لهب (كلامه بيان) للأحكام (و صمته لسان) لحدود الحلال و الحرام، أراد أنّ سكوته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان كالتكلّم و البيان في الاشتمال على الفائدة، فانّ سكوت المعصوم في مقام التقرير حجّة كقوله و أيضا ربما كان يسكت عن بعض المطالب إفهاما للناس عدم جواز خوضهم فيها.

الترجمة

از جمله خطبه اى ديگر آن حضرتست حمد و ثنا خداوند را سزاست كه أوّلست پس نيست هيچ چيز پيش از او، و آخر است پس نيست هيچ چيز بعد از او، و ظاهريست پس نيست هيچ چيز بالاتر از او در ظهور و جلا، و باطنى است پس نيست هيچ چيز نزديكتر از او بأشياء.

و بعض ديگر از اين خطبه در ذكر رسالت مآب صلوات اللّه و سلامه عليه و آله است: محل استقرار او بهترين محل استقرارها است، و مكان روئيدن او شريفترين روئيدنها اسب، ثابت است در معدنهاى بزرگوارى و كرامت، و مواضع أمنيّت و سلامت، در حالتى كه گردانيده شده بطرف او قلبهاى نيكوكاران، و ميل داده شده‏ بسوى او مهارهاى بصيرتهاى مؤمنان، دفن كرد و بر طرف فرمود بوجود شريف او كينه‏ هاى ديرينه را، و خاموش نمود و زايل فرمود بسبب ذات او آتشهاى عداوت در سينه ‏هاى پر كينه، و الفت داد بواسطه او ميان برادران از أهل ايمان، و پراكنده ساخت بجهة او اقران را از مشركان، عزيز گردانيد بأو ذلّت اسلام را، و ذليل گردانيد بأو عزّت كفر را كلام او بيان شرايع و أحكام است، و سكوت او زبانيست حدود حلال و حرام را، از جهة اين كه تقرير معصوم مثل فعل او و قول او حجّت و سند شرعيست.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 94 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 95 صبحی صالح

95- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) يقرر فضيلة الرسول الكريم‏

بَعَثَهُ وَ النَّاسُ ضُلَّالٌ فِي حَيْرَةٍ

وَ حَاطِبُونَ فِي فِتْنَةٍ

قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الْأَهْوَاءُ

وَ اسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيَاءُ

وَ اسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِيَّةُ الْجَهْلَاءُ

حَيَارَى فِي زَلْزَالٍ مِنَ الْأَمْرِ

وَ بَلَاءٍ مِنَ الْجَهْلِ

فَبَالَغَ ( صلى‏الله‏عليه‏وآله  )فِي النَّصِيحَةِ

وَ مَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ

وَ دَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ

 وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج7  

و من خطبة له عليه السّلام و هى الرابعة و التسعون من المختار فى باب الخطب

بعثه و النّاس ضلّال في حيرة، و خابطون في فتنة، قد استهوتهم الأهواء، و استزلّتهم الكبرياء، و استخفّتهم الجاهليّة الجهلاء، حيارى في زلزال من الأمر، و بلاء من الجهل، فبالغ صلّى اللّه عليه و آله في النّصيحة، و مضى على الطّريقة، و دعى إلى الحكمة و الموعظة الحسنة.

اللغة

(خابطون) بالخاء المعجمة و الباء الموحّدة بعدها الطاء من الخبط و هو السير على غير هدى، و في بعض النسخ حاطبون بالحاء المهملة بعدها الطّاء جمع حاطب‏ و هو الذي يجمع الحطب و (حيارى) بفتح الحاء و ضمّها جمع حاير من حار يحار حيرا و حيرة و حيرانا نظر إلى الشي‏ء فغشي عليه و لم يهتد لسبيله فهو حيران و حاير و هم حيارى.

الاعراب

الواو في قوله عليه السّلام: و الناس آه حالية، و في حيرة خبر بعد خبر أو متعلّق بضلال، و وصف الجاهلية بالجهلاء للتوكيد من قبيل ليل أليل و وتدواتد و داهية دهيا و قوله: حيارى حال من مفعول استخفتهم، و قوله: في زلزال من الأمر حال مؤكدة من فاعل حيارى على حدّ قوله: فتبسّم ضاحكا.

المعنى

اعلم أنّ المقصود بهذا الفصل تقرير فضيلة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و التنبيه على فوائد بعثته، و قد مضى بعض القول في ذلك المعنى في شرح الفصل السادس عشر من فصول الخطبة الاولى و في شرح الفصل الأوّل من فصول الخطبة السادسة و العشرين، و نقول هنا: قوله عليه السّلام.

(بعثه و النّاس ضلال في حيرة) أراد به أنه تعالى بعثه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حال كون الناس ضالّين عن طريق الحقّ في حيرة من أمر الدّين (و خابطون في فتنة) أى كانت حركاتهم على غير نظام و كانوا في فتنة و ضلال، و أما على رواية حاطبون فهو استعارة و المراد أنهم جامعون في ضلالهم و فتنتهم بين الغثّ و السمين مأخوذا من قولهم في المثل: فلان حاطب ليل أى يجمع بين الحقّ و الباطل و الصّواب و الخطاء، و أصله أنّ الحاطب كذلك يجمع في حبله ما لا يبصر.

(قد استهوتهم الأهواء) أى جذبتهم الأهواء الباطلة و الآراء العاطلة إلى مهاوى الهلاك إو إلى أنفسها (و استزلّتهم الكبرياء) أى قادهم التكبّر و التجبّر إلى الخطاء و الخطل و الهفوة و الزلل (و استخفّتهم الجاهلية الجهلاء) أى جعلتهم حالة الجاهلية أخفّاء العقول سفهاء الحلوم حالكونهم (حيارى) أى حائرين تائهين مغمورين (في زلزال) و اضطراب (من الأمر) لا يهتدون إلى وجوه مصالحهم‏(و بلاء من الجهل) أى ابتلاء بالقتل و الغارات ناشئا من جهالتهم لعواقب الأمورات (فبالغ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في النصيحة) للأمة (و مضى على الطريقة) المستقيمة (و دعا إلى الحكمة و الموعظة الحسنة) أى دعا إلى سبيل اللّه بهما امتثالا لأمر اللّه سبحانه و هو قوله: ادْعُ إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ قال الطبرسىّ أى ادع إلى دينه لأنّه السبيل إلى مرضاته، بالحكمة أى بالقرآن و سمّى القرآن حكمة لأنّه يتضمّن الأمر بالحسن و النهى عن القبيح و أصل الحكمة المنع و منه حكمة اللجام و إنّما قيل لها حكمة لأنها بمنزلة المانع من الفساد و ما لا ينبغي أن يختار و قيل: إنّ الحكمة هي المعرفة بمراتب الأفعال في الحسن و القبح و الصّلاح و الفساد، لأنّ بمعرفة ذلك يقع المنع من الفساد و الاستعمال للصّدق و الصّواب في الأفعال و الأقوال.

و الموعظة الحسنة، معناه الوعظ الحسن و هو الصّرف عن القبيح على وجه الترغيب في تركه و التزهيد في فعله، و في ذلك تليين القلوب بما يوجب الخشوع و قيل: إنّ الحكمة هي النبوّة و الموعظة الحسنة مواعظ القرآن.

و جادلهم بالتي هي أحسن، أى ناظرهم بالقرآن و بأحسن ما عندك من الحجج و تقديره بالكلمة التي هى أحسن، و المعنى اقتل المشركين و اصرفهم عما هم عليه من الشرك بالرفق و السكينة و لين الجانب في النصيحة ليكونوا أقرب إلى الاجابة، فانّ الجدل هو قتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج، و قيل: هو أن يجادلهم على قدر ما يحتملونه كما جاء في الحديث: أمرنا معاشر الأنبياء أن نكلّم النّاس على قدر عقولهم.

الترجمة

از جمله خطب شريفه در ذكر وصف خاتم نبوّت و بيان منافع بعثت مى‏ فرمايد كه‏ خداوند عز و جل مبعوث و برانگيخته فرمود حضرت خاتم الأنبياء محمّد مصطفى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم را و حال آنكه مردمان گمراه بودند در تحيّر و سرگرداني، و خبط كننده در فتنه و بلا، بتحقيق كه از راه برده بود ايشان را خواهشات نفسانيّة، و لغزانيده بود ايشان را غرور و نخوت شيطانيه، و سبك گردانيده بود ايشان را ناداني و جاهليت در حالتى كه حيران بودند، در اضطراب بودند از كار خود، و در ابتلا بودند از جهالت پس مبالغه فرمود حضرت خاتم الأنبياء عليه سلام الرّب الأعلى در نصيحت، و گذشت بر طريقه حضرت عزّت كه عبارتست از جادّه شريعت، و دعوت فرمود مردمان را بحكمت كه برهان وافى است، و بموعظه كه بيان شافى است و لنعم ما قيل:

         از ظلمات ضلال راه كه بردى برون            گر نشدى نور او شمع ره رهروان‏

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 93 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 94 صبحی صالح

94- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) و فيها يصف اللّه تعالى

ثم يبين فضل الرسول الكريم و أهل بيته ثم يعظ الناس‏

اللّه تعالى‏

فَتَبَارَكَ اللَّهُ الَّذِي لَا يَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ

وَ لَا يَنَالُهُ حَدْسُ الْفِطَنِ

الْأَوَّلُ الَّذِي لَا غَايَةَ لَهُ فَيَنْتَهِيَ

وَ لَا آخِرَ لَهُ فَيَنْقَضِيَ

و منها في وصف الأنبياء

فَاسْتَوْدَعَهُمْ فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَعٍ

وَ أَقَرَّهُمْ فِي خَيْرِ مُسْتَقَرٍّ

تَنَاسَخَتْهُمْ كَرَائِمُ الْأَصْلَابِ إِلَى مُطَهَّرَاتِ الْأَرْحَامِ

كُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ سَلَفٌ قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اللَّهِ خَلَفٌ

رسول اللّه و آل بيته‏

حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ ( صلى الله‏ عليه‏ وآله  )

فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً

وَ أَعَزِّ الْأَرُومَاتِ مَغْرِساً

مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ

وَ انْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَهُ

عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ

وَ أُسْرَتُهُ خَيْرُ الْأُسَرِ

وَ شَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ

نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ

وَ بَسَقَتْ فِي كَرَمٍ

لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ

وَ ثَمَرٌ لَا يُنَالُ

فَهُوَ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى

وَ بَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى

سِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْؤُهُ

وَ شِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ

وَ زَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ

سِيرَتُهُ الْقَصْدُ

وَ سُنَّتُهُ الرُّشْدُ

وَ كَلَامُهُ الْفَصْلُ

وَ حُكْمُهُ الْعَدْلُ

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ

وَ هَفْوَةٍ عَنِ الْعَمَلِ

وَ غَبَاوَةٍ مِنَ الْأُمَمِ

عظة الناس‏

اعْمَلُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ عَلَى أَعْلَامٍ بَيِّنَةٍ

فَالطَّرِيقُ نَهْجٌ‏

يَدْعُوا إِلى‏ دارِ السَّلامِ

وَ أَنْتُمْ فِي دَارِ مُسْتَعْتَبٍ عَلَى مَهَلٍ وَ فَرَاغٍ

وَ الصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ

وَ الْأَقْلَامُ جَارِيَةٌ

وَ الْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ

وَ الْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ

وَ التَّوْبَةُ مَسْمُوعَةٌ

وَ الْأَعْمَالُ مَقْبُولَةٌ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج7  

و من خطبة له عليه السّلام و هى الثالثة و التسعون من المختار فى باب الخطب

فتبارك اللّه الّذي لا يبلغه بعد الهم، و لا يناله حسن الفطن، الأوّل الّذي لا غاية له فينتهى، و لا آخر له فينقضي. منها: فاستودعهم في أفضل مستودع، و أقرّهم في خير مستقرّ،تناسختهم كرائم الأصلاب، إلى مطهّرات الأرحام، كلّما مضى منهم سلف، قام منهم بدين اللّه خلف، حتّى أفضت كرامة اللَّه سبحانه إلى محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فأخرجه من أفضل المعادن منبتا، و أعزّ الأرومات مغرسا، من الشّجرة الّتي صدع منها أنبياءه، و انتجب منها أمناءه، عترته خير العتر، و أسرته خير الأسر، و شجرته خير الشّجر، نبتت في حرم، و بسقت في كرم، لها فروع طوال، و ثمرة لا تنال، فهو إمام من اتّقى، و بصيرة من اهتدى، سراج لمع ضوئه، و شهاب سطع نوره، و زند برق لمعه، سيرته القصد، و سنّته الرّشد، و كلامه الفصل، و حكمه العدل، أرسله على حين فترة من الرّسل، و هفوة عن العمل، و غباوة من الامم، اعملوا رحمكم اللّه على أعلام بيّنة، فالطّريق نهج يدعو إلى دار السّلام، و أنتم في دار مستعتب، على مهل و فراغ، و الصّحف منشورة، و الأقلام جارية، و الأبدان صحيحة، و الألسن مطلقة، و التّوبة مسموعة، و الأعمال مقبولة.

اللغة

(تبارك اللّه) من البركة و هو كثرة الخير و زيادته يقال: بارك اللّه لك و فيك و عليك و باركك بالتعدية بنفسه و (النسخ) الازالة و النقل يقال: نسخت الشمس الظل أى أزالته و نسخت الكتاب و انتسخته و استنسخته أى نقلت ما فيه و المنقول‏ منه النسخة بالضمّ و (السلف) كلّ من تقدّمك من آبائك أو قرابتك و الجمع سلاف و أسلاف و (الخلف) بالتحريك الولد الصّالح و يقال: على من حضر من الحىّ و إذا كان الولد فاسدا يقال خلف بسكون اللّام و ربما استعمل كلّ منهما مكان الآخر و (الافضاء) إلى الشي‏ء الوصول و الانتهاء إليه و (المعدن) و زان مجلس منبت الجواهر من ذهب و نحوه و (الارومات) جمع الأرومة بفتح الهمزة و ضمّها أصل الشي‏ء و الجمع أيضا على الاروم و (غرس) الشجر يغرسه من باب ضرب اثبته في الأرض كأغرسه و (الصّدع) الشقّ في شي‏ء صلب و نبات الأرض قال سبحانه: و الأرض ذات الصّدع.

و (العترة) نسل الرجل و رهطه و عشيرته الأدنون من مضى و غبر كذا في القاموس و سيأتي تحقيق الكلام فيه و (اسرة) الرجل وزان غرفة رهطه و عشيرته الأدنون و أهل بيته و الجمع اسر كغرب و (بسق) النخل بسوقا من باب قعد طال قال سبحانه: وَ النَّخْلَ باسِقاتٍ و (الطوال) بالكسر جمع الطويل و الطوال بالضمّ و (الشهاب) كلّ شي‏ء مضي‏ء و (الزند) بالفتح فالسكون العود الذى يقدح به النّار و هو الأعلى و السفلى الزندة و (برقت) السماء بروقا و برقانا لمعت أو جاء ببرق و برق الشي‏ء برقا و بريقا و برقانا لمع و (الفترة) ما بين كلّ نبيّين و رسولين و (الغباوة) الجهل و قلّة الفطنة و (نهج) الطريق الواضح منه و (المستعتب) يجوز كونه مصدرا و مكانا من استعتبه أى استرضاء و طلب إليه العتبى أى الرّضا

الاعراب

يجوز في محلّ الموصول أعني قوله عليه السّلام: الذى لا يبلغه، الرفع على كونه تابعا للّه بكونه بدلا منه أو نعتأله، و النصب على تقدير المدح أى أعنى الذى او امدح الذي، و اضافة البعد إلى الهمم و الحسّ الى الفطن لامية و الأوّل إمّا خبر لمبتدأ محذوف أو تابع للّه.

و استشكل الشارح المعتزلي في الفاء العاطفة في قوله عليه السّلام: فينتهى فينقضى، بأنّ الفاء إنّما تدخل فيما إذا كان الثاني غير الأوّل كقولهم ما تأتينا فتحدّثنا و ليس‏ الثاني ههنا غير الأوّل لأنّ الانقضاء هو الآخرية بعينها فكأنّه قال: لا آخر له فيكون له آخر و كذلك القول في اللّفظة الاولى و أجاب بأنّ المراد لا آخر له بالامكان و القوّة فينقضى بالفعل فيما لا يزال، و لا هو أيضا ممكن الوجود فيما مضى فيلزم أن يكون وجوده مسبوقا بالعدم و هو معنى قوله فينتهى، بل هو واجب الوجود في الحالين فيما مضى و في المستقبل و هذان مفهومان متغايران و هما العدم و إمكان العدم فاندفع الاشكال انتهى كلامه أقول: و فيه نظر إذ الغالب في الفاء العاطفة لجملة على جملة على ما صرّح به علماء الأدب أن يكون مضمون الجملة الثّانية عقيب مضمون الجملة الاولى تقول قام زيد فقعد عمرو، و أمّا اشتراط التغاير بين الجملتين فممنوع، و قد تفيد الفاء كون المذكور بعدها كلاما مرتّبا في الذكر على ما قبلها لا أنّ مضمونه عقيب مضمون ما قبلها في الزمان كقوله تعالى: قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى و قوله: وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ.

فانّ ذكر ذمّ الشي‏ء و مدحه يصحّ بعد جرى ذكره و من هذا الباب عطف تفصيل المجمل على المجمل لأنّ موضع ذكر التفصيل بعد الاجمال قال سبحانه: وَ نادى‏ نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي.

و تقول أجبته فقلت لبيّك، و من هذا علم أنّ شرطية التغاير غير معتبرة فلا حاجة إلى ما تكلّفه في الجواب و إنّما مساق كلام الامام عليه السّلام مساق هذه الآية الشريفه و مساق قوله: وَ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً.

فانّ ذكر نفى الانتهاء للشي‏ء إنّما يصحّ بعد ذكر نفى النهاية و الغاية عنه، و كذا ذكر نفى الانقضاء يحسن بعد ذكر نفى الآخر عنه و سيأتي له مزيد توضيح في بيان المعنى، و جملة نبتت في حرم استينافية بيانية، و كذا جملة لها فروع طوال، و الفاء في قوله: فهو امام فصيحة، و الواو في قوله و أنتم في دار مستعتب حالية و دار في أكثر ما رأيناه من النسخ بالتنوين فلا بدّ من جعل مستعتب اسم مكان بدلا منه أو عطف بيان على ما هو الحقّ الذي ذهب إليه الكوفيّون من جواز البيان في النّكرات إلّا أنه يبعده و يبعد الوصفية أنّ الدار من المؤنثات السّماعيّة، فكان اللّازم أن يقال: مستعتبة بالتاء للزوم المطابقة بين الصفة و الموصوف و البيان و المبين في التذكير و التأنيث و إن امكن التصحيح بالتأويل في الموصوف أو عدم لزوم المطابقة في الصفة إذا كانت من أسماء المكان فليتأمل.

و في نسخة الشارح المعتزلي بلا تنوين على الاضافة و هو أولى، فيصحّ على ذلك جعل مستعتب مصدرا فيكون إضافة دار إليه لامية و جعله اسم مكان فتكون الاضافة بيانية، و على في قوله على مهل، للاستعلاء المجازى

المعنى

اعلم أنه صدّر هذه الخطبة بتقديس اللَّه سبحانه و تنزيهه عن صفات النّقص و الامكان، و عقّبه بذكر وصف الأنبياء و الأولياء، و ذيّله بالموعظة و النّصيحة، فقال سلام اللّه عليه و آله (فتبارك اللَّه) أى ثبت الخير و البركة عنده و في خزائنه و قيل: أى تعالى اللَّه لأنّ البركة ترجع معناها إلى الامتداد و الزيادة و كلّ ما زاد على الشي‏ء فقد علاه، و قيل أصله من البروك و هو الثبات فكأنه قال: و البقاء و الدّوام و الثّبات له فهو المستحقّ للتعظيم و الثّناء (الذي لا يبلغه بعد الهمم و لا يناله حسّ الفطن) قد مضى الكلام في شرح هذه الفقرة في الفصل الثّاني من فصول الخطبة الاولى و أقول هنا: إنّ نعوت الجلال و صفات الكمال للّه سبحانه المتعال لمّا كانت غير متناهية و لا محدودة نبّه عليه السّلام بذلك على عدم إمكان الوصول إليها و تعذّر إدراكها، إذ كلّ مدرك متناه محدود، فالمعنى أنه تعالى لا يبلغه الهمم و القصود على بعدها و علوّها، و لا يصل إليه إدراك الفطن و إن ذكت و اشتدّت في ذكائها و حدّتها و سرعة انتقالها من المبادي إلى المطالب، بل كلّ سابح في بحار جلاله غريق و كلّ مريد للوصول إلى أنوار جماله حريق.

(الأوّل الذي لا غاية له فينتهي و لا آخر له فينقضي) تقدّم تحقيق الكلام في أوليّته و آخريّته سبحانه في شرح الخطبة الرّابعة و السّتين و الفصل الأوّل من فصول الخطبة التسعين بما لا مزيد عليه، و المراد هنا أنه تعالى أول الأشياء لا غاية له في البداية فينتهي إليها، و لا آخر له في النهاية فيكون له الانصرام و الانقضاء عندها، بل هو أزليّ باق غير منقطع الوجود بداية و نهاية، و برهان ذلك أنّ الغاية و النهاية من عوارض الأجسام ذوات الأوضاع و المقادير تعرض لها بالذّات، و للواحقها كالأزمنة و الحركات، و للامور المتعلّقة بها كالقوى و الكيفيات بالعرض، و الأول سبحانه ليس بجسم و لا جسماني و لا متعلّق به ضربا من التّعلّق فهو منزّه عن الحدّ و النهاية.

قال السيد ره (منها) أى بعض فصول تلك الخطبة في شرح حال الأنبياء عليهم السّلام و هو قوله عليه السّلام: (فاستودعهم في أفضل مستودع) و هو أصلاب الآباء (و أقرّهم في خير مستقرّ) و هو أرحام الامّهات قال سبحانه: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ.

(تناسختهم كرائم الأصلاب إلى مطهّرات الأرحام) أى نقلتهم الأصلاب الكريمة إلى الأرحام المطهرّة من السفاح كما لو وقع عقد النكاح على غير الوجه الشرعي لخلل في لفظ العقد أو في القصد بأن يقع على غير المقصود إنكاحه أو نكاحه أو بغير رضا الطرفين أو أحدهما أو من يعتبر رضاه أو لوقوعه على المحارم‏ و نحو ذلك. روى عن أمير المؤمنين عليه السّلام بطريق العامة عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في قوله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ.

قال: نسبا و صهرا و حسبا ليس في آبائي من لدن آدم سفاح كلّنا بنكاح، قال الكلبي كتبت للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خمسمائة أمّ فما وجدت فيهنّ سفاحا و لا شيئا مما كان عليه أهل الجاهليّة هذا.

و قال الشّارح البحراني: و تناسخ الأصلاب لهم إلى مطهّرات الأرحام نقلهم إليها نطفا، و كرائم الأصلاب ما كرم منها، و حقّ لأصلاب سمحت بمثلهم أن توصف بالكرم، و مطهّرات الأرحام ما طهر منها، و حقّ لما استعدّ منها لا نتاج مثل هذه الأمزجة و قبولها أن تكون طاهرة من كدر الفساد، و الشّيعة يطهّرون اصول الأنبياء من طرف الآباء و الأمهات عن الشرك، و نحوه قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية.

و في حديث الجابر المرويّ في الفقيه في كيفية خلقة الانسان و ولادته قال: فقلت: يا رسول اللّه هذه حالنا فكيف حالك و حال الأوصياء بعدك في الولادة فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مليّا ثمّ قال: يا جابر لقد سألت عن أمر جسيم لا يحتمله إلّا ذو حظّ عظيم، إنّ الأنبياء و الأوصياء مخلوقون من نور عظمة اللّه جلّ ثناؤه يودع اللَّه أنوارهم أصلابا طيبة و أرحاما طاهرة يحفظها بملائكته، و يربّيها بحكمته و يغذوها بعلمه، فأمرهم يجلّ عن أن يوصف، و أحوالهم تدّق عن أن يعلم، لأنّهم نجوم اللّه في أرضه، و أعلامه في بريّته، و خلفاؤه على عباده، و أنواره في بلاده، و حججه على خلقه، هذا من مكنون العلم و مخزونه فاكتمه إلّا من أهله.

و بالجملة فالمراد أنه تعالى خلق الأنبياء عليهم السّلام و أودع أنوارهم في الأصلاب و الأرحام و أخرجهم إلى وجه الأرض على تعاقب الزمان و كرور الأيام، و أرسلهم تترى لمسيس الحاجة و اقتضاء المصلحة، و هو الدّلالة على التوحيد و المعرفة،و إكمال الدّين و الملّة، و لم يخل الخلق منهم بل (كلّما مضى منهم سلف) و ارتحلوا من الدّنيا إلى العقبا (قام منهم بدين اللّه) و نشر شرايعه و أحكامه (خلف حتى أفضت كرامة اللّه) و انتهت نبوّته (إلى محمّد صلّى اللّه عليه و آله) و بلغت بوجوده الشريف سلسلة النّبوة و الرسالة الغاية. و أشرقت وجه الأرض بنور جماله، و أضاءت الدّنيا بأشعّة كماله، و قد كان في عالم المعنى الأصلاب الشامخة و الأرحام المطهرة قشورا لذلك اللّب أحاطت به احاطة الأشعّة بالسراج، فهو مفارق لتلك المحالّ الشّريفة في التقدير و إن كان مقارنا لها في التدبير.

و لأجل هذا كان كلّ من انتقل إليه ذلك النّور أشرقت وجهه حتّى يعرف بذلك النور إلى أن ينتقل منه إلى رحم الطاهرة، فيسلب منه النور و يتلألأ بوجه الحامل إلى أن تضع الجنين فيخرج مشرقا بما فيه فيسلب اللّه النور.

روى الصدوق باسناده إلى أبي ذر قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو يقول: خلقت أنا و عليّ بن أبي طالب من نور واحد نسبّح اللّه يمنة العرش قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلما أن خلق اللّه آدم عليه السّلام جعل ذلك النور في صلبه و لقد سكن الجنة و نحن في صلبه، و لقد همّ بالخطيئة و نحن في صلبه، و لقد ركب نوح بالسفينة و نحن في صلبه، و لقد قذف إبراهيم عليه السّلام في النار و نحن في صلبه، فلم يزل ينقلنا اللّه عزّ و جل من أصلاب طاهرة إلى أرحام طاهرة حتى انتهى بنا إلى عبد المطلب، فقسمنا فجعلني في صلب عبد اللّه و جعل عليّا عليه السّلام في صلب أبي طالب و جعل فيّ النّبوة و البركة، و جعل في عليّ الفصاحة و الفروسية، و شقّ لنا اسمين عن أسمائه، فذوا العرش محمود و أنا محمّد. و اللّه العليّ الأعلى و هذا عليّ.

و عن المناقب لأحمد بن حنبل و النّسائى عن عليّ عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ اللّه خلق خلقه في ظلمة، ثمّ رشّ عليهم من نوره فمن أصابه من النّور شي‏ء اهتدى و من أخطأه ضلّ.

ثمّ فسّره عليّ عليه السّلام فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ حين شاء تقدير الخليقة و ذرء البريّة و إبداع المبدعات ضرب الخلق في صور كالهباء قبل وجود الأرض و السماء و هو سبحانه في انفراد ملكوته و توحّد جبروته، فأشاع نورا من نوره فلمع، و قبأ من ضيائه فسطع، ثمّ اجتمع ذلك النور في وسط تلك الصور الخفية فوافق صورة نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قال اللّه له: أنت المختار المنتخب و عندك ثابت نورى و أنت كنوز هدايتى، ثمّ أخفى الخليقه في غيبه و سترها في مكنون علمه، ثمّ وسّط العالم و بسط الزمان و موّج الماء و أثار الزبد و أفاج الرّيح، فطفى عرشه على الماء فسطح الأرض على ظهر الماء، ثمّ انشأ الملائكة من أنوار ابتدائها و أنوار اخترعها، و قرن بتوحيده نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ظاهرا فهو أبو الأرواح و يعسوبها كما أنّ آدم عليه السّلام أبو الأجساد و سببها، ثمّ انتقل النور في جميع العوالم عالما بعد عالم و طبقا بعد طبق و قرنا بعد قرن إلى أن ظهر محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالصورة و المعنى في آخر الزمان، و يطابق هذا الكلام قول عمّي العبّاس بن عبد المطلب رضى اللّه عنه قال: يا رسول اللّه أريد أن أمدحك قال: قل لا يفضض اللَّه فاك قال (ره):

من قبلها طبت في الظلال و في
مستودع حيث يخصف الورق‏

ثمّ انبطت البلاد لا بشر
أنت و لا مضغة و لا علق‏

بل نطفة تركب السّفين و قد
الجمت نسرا و أهله الغرق‏

وردت نار الخليل مكتتما
تجول فيها و لست تحترق‏

تنقل من صالب إلى رحم
إذا مضى عالم بدا طبق‏

حتّى احتوى بيتك المهيمن‏
من خندف«» عليا تحتها النّطق‏

و أنت لمّا ولدت أشرقت الأرض
و ضاءت بنورك الافق‏

فنحن في ذلك الضياء و في‏
النّور و سبل الرّشاد تحترق‏

(فأخرجه من أفضل المعادن منبتا و أعزّ الارومات مغرسا) يحتمل أن يكون المراد بذلك مكّة زادها اللّه شرفا لأنها لمّا سمحت بمثله صلوات اللّه و سلامه عليه صار أجدر بأن تكون أفضل المعادن و أعزّ الاصول، و يشعر به قوله الآتي: نبتت في حرم، فافهم.

و الأظهر أن يراد به إما إبراهيم خليل اللّه أو إسماعيل ذبيح اللّه، فانّ كلّا منهما لما كان محلا لجوهر الرسالة و أصلا لشجرة النبوّة صار حقيقا بأن يكون أفضل المعادن و أعزّ الاصول، و يستعار لهما هذان اللفظان.

و يناسب ذلك قوله عليه السّلام (من الشجرة التي صدع منها أنبيائه و انتجب منها أمنائه) فانّ الأظهر أنّ المراد بها أحدهما عليهما السّلام لكون الأنبياء من فروع تلك الشجرة المباركة و انتهاء سلسلة النبوة الخاصة لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم اليهما، و يعرف ذلك بذكر نسبه الشريف و هو كما في البحار أنه: محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلب و اسمه شيبة بن الحمد بن هاشم، و اسمه عمرو بن عبد مناف، و اسمه المغيرة بن قصى«»، و اسمه زيد بن كلاب«» بن مرّة بن كعب بن لوى«» بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، و هو قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر«» بن نزار بن معد«» بن عدنان بن ادّ بن اود بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السّلام ابن تارخ بن ناخور بن ساروع«» بن ارغوا بن فالغ (فالع خ ل) بن عابر، و هو هود بن شالح بن أرفحشد بن سام بن نوح بن ملك بن متوشلخ«» بن اخنوخ، و هو إدريس«» بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن انوش بن شيث، و هو هبة اللّه بن‏ آدم أبي البشر عليهم السّلام جميعا.

روى مسلم عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّ اللّه اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، و اصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، و اصطفى من بني كنانة قريشا و اصطفى من قريش بنى هاشم و اصطفاني من بني هاشم.

و (عترته خير العتر) و هم الذين أوصى فيهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قال: إنّي مخلف فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي و أنهما، لن يفترقا حتى يردا علىّ الحوض كهاتين، و ضمّ سبابتيه فقام إليه جابر بن عبد اللّه الأنصاري فقال: يا رسول اللّه و من عترتك قال: عليّ و الحسن و الحسين و الأئمة من ولد الحسين عليهم السّلام إلى يوم القيامة رواه الصدوق في كتاب اكمال الدّين و معاني الأخبار باسناده عن الصّادق عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و قال الصّدوق (ره) في محكيّ كلامه حكى محمّد بن بحر الشيباني عن محمّد بن عبد الواحد صاحب أبي العبّاس تغلب في كتابه الذي سماه كتاب الياقوتة أنه قال حدّثنى أبو العبّاس تغلب قال: حدّثني ابن الأعرابي، قال: العترة قطاع المسك الكبار في النافجة و تصغيرها عتيرة، و العترة الريقة العذبة، و العترة شجرة تنبت على باب و جار الضبّ و أحسبه أراد و جار الضّبع لأنّ الذي للضبّ مكو و للضبع و جار، ثمّ قال: و إذا خرجت الضبّ من و جارها تمرّغت على تلك الشجرة فهي لذلك لا تنمو و لا تكبر، و العرب تضرب مثلا للذليل و الذلة فيقولون أقلّ من عترة، و العترة ولد الرّجل و ذريّته من صلبه، فلذلك سميت ذرّية محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من عليّ و فاطمة: عترة محمّد قال تغلب: فقلت لابن الأعرابي: فما معنى قول أبي بكر في السقيفة: نحن عترة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: أراد بلدته و بيضته، و عترة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا محالة ولد فاطمة عليها السلام، و الدّليل على ذلك ردّ أبي بكر و انفاذ عليّ عليه السّلام بسورة برائة و قوله عليه السّلام: امرت أن لا يبلغها عنّي إلّا أنا أو رجل منّي، فأخذها منه و دفعهاإلى من كان منه دونه فلو كان أبو بكر من العترة نسبا دون تفسير ابن الاعرابي أنه أراد البلدة لكان محالا أخذ سورة برائة منه و دفعها إلى عليّ عليه السّلام.

و قد قيل: إنّ العترة الصّخرة العظيمة يتّخذ الضبّ عندها جحرا يأوى إليه و هذا لقلّة هدايته، و قد قيل إنّ العترة أصل الشجرة المقطوعة التي تنبت من اصولها و عروقها، و العترة في غير هذا المعنى قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا فرعة و لا عتيرة قال الاصمعى: كان الرّجل في الجاهلية ينذر نذرا على أنه إذا بلغت غنمه مأئة أن يذبح رجبية«» و عتاير فكان الرّجل ربما بخل بشاته فيصيد الظباء يذبحها عن غنمه عن آلهتهم ليوفى بها نذره و أنشد الحرث بن حلزة:

  عننا باطلا ظلما كما
تعتر عن حجرة الربيض الظباء

يعني يأخذونها بذنب غيرها كما يذبح اولئك الظباء عن غنمهم، و قال الأصمعي: و العترة الريح و العترة أيضا شجرة كثيرة اللّبن صغيرة يكون (نحو القامة خ ل) و يقال: العترة الذكر و عتر يعتر عترا إذا الغظ و قال الرياشي سألت الاصمعي عن العترة فقال هو نبت مثل المرز نجوش ينبت متفرقا ثمّ قال الصّدوق: العترة عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و ذرّيته من فاطمة و سلالة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و هم الذين نصّ اللّه بالامامة على لسان نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هم اثنا عشر أوّلهم عليّ عليه السّلام و آخرهم القائم عليهم السّلام على جميع ما ذهبت إليه العرب من معنى العترة.

و ذلك إنّ الأئمة عليهم السّلام من بين جميع بني هاشم و من بين جميع ولد أبي طالب كقطاع المسك الكبار في النافجة و علومهم العذبة عند أهل الحكمة و العقل، و هم الشجرة التي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أصلها و أمير المؤمنين فرعها و الأئمة من ولدها أغصانها و شيعتهم ورقها و علمهم ثمرتها، و هم عليهم السّلام اصول الاسلام على معنى البلدة و البيضة و هم عليهم السّلام الهداة على معنى الصخرة العظيمة التي يتّخذ الضبّ عندها جحرا يأوى إليه لقلّة هدايته، و هم أصل الشجرة المقطوعة لأنهم و تروا و ظلموا و جفوا و قطعوا و لم يوصلوا، فنبتوا من اصولهم و عروقهم لا يضرّهم قطع من قطعهم و إدبار من أدبر عنهم، إذ كانوا من قبل اللّه منصوصا عليهم على لسان نبيّ اللّه، و من معنى العترة هم المظلومون المؤاخذون بما لم يجرموه و لم يذنبوه و منافعهم كثيرة.

و هم عليهم السّلام ينابيع العلم على معنى الشجرة الكثيرة اللبن، و هم عليهم السّلام ذكر ان غير اناث على قول من قال إنّ العترة هم الذكر، و هم جند اللّه عزّ و جلّ و حزبه على معنى قول الاصمعى إنّ العترة الريح، قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: الريح جند اللّه الأكبر في حديث مشهور عنه، و الريح عذاب على قوم و رحمة للآخرين، و هم عليهم السّلام كذلك كالقرآن المقرون إليهم بقول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب اللّه و عترتي أهل بيتى قال اللّه عزّ و جلّ: وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً و قال عزّ و جلّ: وَ إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَ ماتُوا وَ هُمْ كافِرُونَ.

و هم أصحاب المشاهد المتفرقة على المعنى الذي ذهب إليه من قال إنّ العترة هو نبت مثل المرز نجوش ينبت متفرقا و بركاتهم منبثة في المشرق و المغرب (و اسرته) أى رهطه و عشيرته (خير الاسر) و يدل عليه ما في تفسير الامام عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ للّه عزّ و جلّ خيارا من كلّ ما خلقه: فله من البقاع خيار و له من الليالى و الأيام خيار، و له من الشهور خيار، و له من عباده خيار، و له من خيارهم خيار.

فامّا خياره من البقاع فمكّة و المدينة و بيت المقدس و إنّ صلاتا في مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلّا المسجد الحرام و المسجد الأقصى يعنى مكّة و بيت المقدّس، و أمّا خياره من اللّيالي فليالي الجمع و ليلة النصف من شعبان و ليلة القدر و ليلة العيد، و أما خياره من الأيام فأيّام الجمع و الأعياد، و أمّا خياره من الشهور فرجب و شعبان و شهر رمضان، و أما خياره من عباده فولد آدم عليه السّلام، و خياره من ولد آدم من اختاره على علم منه بهم فانّ اللّه عزّ و جلّ لما اختار خلقه اختار ولد آدم عليه السّلام، ثمّ اختار من ولد آدم العرب، ثمّ اختار من العرب مضر، ثمّ اختار من مضر، قريشا، ثمّ اختار من قريش هاشما، ثمّ اختارني من هاشم، و أهل بيتى كذلك، فمن أحبّ العرب فيحبّني و احبّهم و من أبغض العرب فيبغضني و ابغضهم و نعم ما قيل:

للّه في عالمه صفوة
و صفوة الخلق بنو هاشم‏

و صفوة الصفوة من هاشم‏
محمّد الطّهر أبو القاسم‏

و يشهد به أيضا ما روي بطريق العامة عن عايشة عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: أتاني جبرئيل فقال. قلبت مشارق الأرض و مغاربها فلم أر رجلا أفضل من محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و لم أر ابن أب أفضل من بني هاشم.

و في رواية ابن عمر أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: إنّ اللّه اختار خلقه فاختار منهم بني آدم ثمّ اختار بني آدم فاختار منهم العرب، ثمّ اختار العرب فاختار منهم قريشا، ثمّ اختار قريشا فاختار منهم بني هاشم، ثمّ اختار بني هاشم فاختارني منهم، فلم ازل خيارا من خيار ألا من أحبّ العرب فيحبّني احبّهم و من ابغض العرب فيبغضنى ابغضهم (و شجرته خير الشجر) أى أصله خير الاصول، و أراد بها إمّا هاشما أو اسماعيل على سبيل الاستعارة، و يجوز أن يراد بها نفسه صلوات اللّه و سلامه عليه و آله على كون الاضافة بيانية و يدل عليه ما في البحار من معاني الأخبار باسناده عن جابر قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ:

 كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها.

قال عليه السّلام: أمّا الشجرة فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و فرعها عليّ عليه السّلام، و غصن الشجرة فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و ثمرها أولادها عليهم السّلام، و ورقها شيعتنا ثمّ قال عليه السّلام: إنّ المؤمن من شيعتنا ليموت فيسقط من الشجرة ورقة و إنّ المولود من شيعتنا ليولد فتورق الشجرة ورقة.

و بمعناه أخبار كثيرة، و قد نظم بعض الشعراء مضمونها و قال:

يا حبذا دوحة في الخلد نابتة
ما مثلها نبتت في الخلد من شجر

المصطفى أصلها و الفرع فاطمة
ثمّ اللّقاح عليّ سيّد البشر

و الهاشميّان سبطاه لها ثمر
و الشّيعة الورق الملتفّ بالثمر

هذا مقال رسول اللّه جاء به‏
أهل الرّواية في العالي من الخبر

و قيل: أراد بالشجرة إبراهيم الخليل و هو بعيد لمنافاته بظاهر قوله (نبتت في حرم) لظهوره في مكّة إلّا أن يراد به حرم العزّ و المنعة (و بسقت في كرم) أى طالت و ارتفعت في العزّ و الكرامة (لها فروع طوال) إن كان المراد بالشجرة إبراهيم أو إسماعيل فالمراد بالفروع الأنبياء من ذرّيتها، و إن كان المراد بها هاشم أو النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأراد بها الأئمة عليهم السّلام و وصفها بالطول إشارة إلى بلوغها في الشّرف و الكمال منتهى النّهاية (و ثمرة لا تنال) كنّى بها عن علوم الأنبياء و الأئمة أو مكارم أخلاقهم و محاسن مآثرهم، و بعدم نيلها عن شرفها و غموض أسرارها يعني أنها لشرفها و علوّها لا يمكن الوصول اليها، أو أنها لغموضها و دقّتها لا تصل الأذهان اليها (فهو إمام من اتّقى و بصيرة من اهتدى) يعني أنّه صلوات اللّه عليه و آله قدوة المتقين و تبصرة المهتدين لهم فيه اسوة حسنة و هو (سراج لمع ضوئه و شهاب سطع نوره و زند برق لمعه) شبهه عليه السّلام بالسراج و الشهاب و الزند في كونه سبب هداية الخلق كما أنّ هذه الثلاثة كذلك، و رشح التشبيه الأول بلمعان الضوء، و الثّاني بارتفاع النّور، و الثالث ببروق اللّمع، و يحتمل أن يكون وجه الشبه في الثالث إثارة أنوار الهداية.

(سيرته القصد) و الاعتدال (و سنّته الرّشد) و الصواب (و كلامه الفصل) بين الحقّ و الباطل (و حكمه العدل) خال عن الحرف و الميل (أرسله على حين فترة من الرّسل) أى على حين سكون و انقطاع من الرّسل، و قد تقدّم توضيح ذلك في شرح الخطبة الثامنة و الثمانين فتذكر (و هفوة من العمل) أى زلّة منه (و غباوة من الامم) أى غفلة منها، و ذلك لأنّ خلوّ الزمان من الرسول موجب لكثرة الزلّات و تزايد الغفلات و فرط الجهالات، فتخصيص إرساله بذلك الزّمان و تلك الحال إشارة إلى كمال تلك النعمة و عظمة هذه الموهبة حيث هداهم بوجوده صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من الضلالة و أنقذهم بمكانه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من الجهالة، هذا.

و لمّا فرغ من شرح حال الرّسالة عقّبه بالذكرى و الموعظة فقال (اعملوا رحمكم اللّه على أعلام بيّنة) أى اعملوا الصّالحات على ما دلّت عليها الأعلام البيّنات و المنار الواضحات الظّاهرات، و كنّى بها عن أئمة الدّين و مصابيح اليقين فانهم علامات الهدى في غياهب الدّجى (فالطّريق) أى طريق الشريعة (نهج) واضح (يدعو) و يؤدّى (إلى دار السّلام و أنتم في دار مستعتب) أى يمكنكم فيها استعتاب الخالق سبحانه و استرضائه بصالح الأعمال و اصلاح الحال، لأنكم (على مهل و فراغ) أى على امهال و انظار و فراغ من عوائق الموت.

(و) الحال أنّ (الصّحف) أى صحايف أعمالكم (منشورة) لم تطو بعد (و الأقلام) اى أقلام كرام الكاتبين (جارية) لم تجف (و الأبدان صحيحة) و سالمة من الأمراض المانعة من القيام لوظايف العبودية (و الألسن مطلقه) من الخرس و الاعتقال (و التوبة مسموعة و الأعمال مقبولة) لانّكم في دار التكليف يمكنكم فيها تدارك ما فات و الورود على ما هو آت، و أما بعد طيّ الصخف و جفّ الاقلام و اعتقال اللسان و خروج الأرواح من الأبدان، فلا يمكنكم الاستزادة من صالح‏ العمل و لا الاستعتاب من سيّي‏ء الزّلل كما قال تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَ لا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ.

الترجمة

از جمله خطبهاى شريفه آن جناب ولايت مآب است كه مى ‏فرمايد: پس بلند است معبود بحق آن معبودى كه نمى‏ رسد بأوهمّتهاى بعيده، و درك نمى ‏نمايد او را إدراك ذكاوتها، أوّلي كه هيچ غايتي نيست او را پس نهايت برسد، و آخرى ندارد او را تا اين كه منقضى شود، بعضى از اين خطبه در صفت انبيا است مى‏فرمايد: پس أمانت نهاد خداوند متعال ايشان را در أفضل محلّ أمانتها كه عبارتست از صلبهاى پدران، و برقرار فرمود ايشان را در بهترين مقرها كه عبارتست از رحمهاى مادران، نقل نمود آنها را صلبهاى كريمه پدرها برحمهاى پاكيزه مادرها، هرگاه گذشت از ايشان سلفى ايستاد بترويج دين خدا از ايشان خلفى تا اين كه منجرّ شد كرامت حق سبحانه و تعالى كه عبارتست از منصب نبوّت بمحمّد بن عبد اللّه صلوات اللّه و سلامه عليه و آله، پس بيرون آورد آن بزرگار را از بهترين معدنها از حيثيت روئيدن و عزيزترين أصلها از حيثيت نشاندن، از درختى كه شكافته و بيرون آورده از آن پيغمبران خود را، و برگزيده از آن امينان خود را.

عترت آن حضرت بهترين عترتها است، و قبيله آن حضرت بهترين قبيله‏ها است، و درخت آن حضرت بهترين درختها است در حالتى كه روئيده است آن درخت در حرم محترم، و بلند شده در مجد و كرم، مر آن درخت راست شاخهاى بلند، و ميوهائى كه دست نمى‏رسد بآن.

پس آن حضرت پيشواى كسيست كه متّصف است بصفت تقوى، و بينائى كسى است كه متّصف است بصفت اهتدا، چراغيست كه درخشانست روشنائى او، و ستاره‏ايست كه‏ظاهر است نور او، و آتش زنه‏ايست كه برق مى‏دهد لمعان او، روش آن حضرت ميانه روى است، و طريقه او رشادت است، و كلام او جدا كننده است ميان حقّ و باطل، و حكم او عدل است.

فرستاد حق تعالى او را در حين فتور و انقطاع از پيغمبران، و زمان لغزش عاملان از عمل، و وقوع غفلت از امتها، عمل نمائيد خدا رحمت كند بر شما بر طبق آنچه كه دلالت نموده بر آن علامات ظاهره، پس طريق حق واضح و روشن است كه دعوت مى‏ نمايد و مى‏ خواند بدار سلامت كه عبارتست از جنت، و حال آنكه شما در سرائى هستيد كه ممكن است شما را ترضيه پروردگار، و بر مهلت و فراغت ميباشد در حالتى كه نامهاى أعمال نشر كرده شده و پيچيده نيست، و قلمهاى كرام الكاتبين روان است، و بدنها صحيح است و زبانها روان است و گويان، و توبه شنوده شده است، و عملها مقبول است، پس فرصت را غنيمت شماريد و وقت را از دست مگذاريد.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 92 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 93 صبحی صالح

93- و من خطبة له ( عليه‏ السلام  ) و فيها ينبّه أمير المؤمنين على فضله و علمه و يبيّن فتنة بني أمية

أَمَّا بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ

أَيُّهَا النَّاسُ

فَإِنِّي فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ

وَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي

بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا وَ اشْتَدَّ كَلَبُهَا

فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي

فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْ‏ءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ السَّاعَةِ

وَ لَا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِائَةً وَ تُضِلُّ مِائَةً إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا

وَ قَائِدِهَا وَ سَائِقِهَا

وَ مُنَاخِ رِكَابِهَا وَ مَحَطِّ رِحَالِهَا

وَ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلًا

وَ مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً

وَ لَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي وَ نَزَلَتْ بِكُمْ كَرَائِهُ الْأُمُورِ وَ حَوَازِبُ الْخُطُوبِ

لَأَطْرَقَ كَثِيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ

وَ فَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْئُولِينَ

وَ ذَلِكَ إِذَا قَلَّصَتْ حَرْبُكُمْ

وَ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ

وَ ضَاقَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ضِيقاً

تَسْتَطِيلُونَ مَعَهُ أَيَّامَ الْبَلَاءِ عَلَيْكُمْ

حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ لِبَقِيَّةِ الْأَبْرَارِ مِنْكُمْ

إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ

وَ إِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ

يُنْكَرْنَ مُقْبِلَاتٍ

وَ يُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ

يَحُمْنَ حَوْمَ الرِّيَاحِ

يُصِبْنَ بَلَداً وَ يُخْطِئْنَ بَلَداً

أَلَا وَ إِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي أُمَيَّةَ

فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ عَمَّتْ خُطَّتُهَا

وَ خَصَّتْ بَلِيَّتُهَا

وَ أَصَابَ الْبَلَاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا

وَ أَخْطَأَ الْبَلَاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا

وَ ايْمُ اللَّهِ لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ أَرْبَابَ سُوءٍ بَعْدِي

كَالنَّابِ الضَّرُوسِ تَعْذِمُ بِفِيهَا

وَ تَخْبِطُ بِيَدِهَا

وَ تَزْبِنُ بِرِجْلِهَا

وَ تَمْنَعُ دَرَّهَا

لَا يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لَا يَتْرُكُوا مِنْكُمْ إِلَّا نَافِعاً لَهُمْ

أَوْ غَيْرَ ضَائِرٍ بِهِمْ

وَ لَا يَزَالُ بَلَاؤُهُمْ عَنْكُمْ حَتَّى لَا يَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ إِلَّا كَانْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ

وَ الصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ

تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ مَخْشِيَّةً

وَ قِطَعاً جَاهِلِيَّةً

لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدًى

وَ لَا عَلَمٌ يُرَى

نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْهَا بِمَنْجَاةٍ

وَ لَسْنَا فِيهَا بِدُعَاةٍ

ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللَّهُ عَنْكُمْ كَتَفْرِيجِ الْأَدِيمِ

بِمَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً وَ يَسُوقُهُمْ عُنْفاً

وَ يَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ لَا يُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ

وَ لَا يُحْلِسُهُمْ إِلَّا الْخَوْفَ

فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَدُّ قُرَيْشٌ بِالدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا لَوْ يَرَوْنَنِي مَقَاماً وَاحِداً

وَ لَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ

لِأَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أَطْلُبُ الْيَوْمَ بَعْضَهُ فَلَا يُعْطُونِيهِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج7  

و من خطبة له عليه السّلام و هى الثانية و التسعون من المختار فى باب الخطب

خطب بها بعد انقضاء أمر النهروان، و هى من خطبه المشهورة رواها غير واحد حسبما تطلع عليه و شرحها في ضمن فصلين:

الفصل الاول

أمّا بعد أيّها النّاس فأنا فقأت عين الفتنة، و لم يكن ليجترئ عليهاأحد غيري بعد أن ماج غيهبها، و اشتد كلبّها، فاسئلوني قبل أن تفقدوني فو الّذي نفسي بيده لا تسألوني عن شي‏ء فيما بينكم و بين السّاعة، و لا عن فئة تهدي مأئة و تضلّ مأئة، إلّا أنبأتكم بناعقها، و قائدها، و سائقها و مناخ ركابها، و محطّ رحالها، و من يقتل من أهلها قتلا، و يموت منهم موتا، و لو قد فقد تموني و نزلت بكم كرائه الأمور، و حوازب الخطوب، لأطرق كثير من السّائلين، و فشل كثير من المسئولين، و ذلك إذا قلصت حربكم، و شمّرت عن ساق، و ضاقت الدّنيا عليكم ضيقا، تستطيلون أيام البلاء عليكم، حتّى يفتح اللّه لبقيّة الأبرار منكم، إنّ الفتن إذا أقبلت شبّهت، و إذا أدبرت نبّهت، ينكرن مقبلات، و يعرفن مدبرات، يحمن حوم الرّياح، يصبن بلدا، و يخطين بلدا.

اللغة

(فقأت) عين الفتنة من باب منع قلعتها و شققتها و (الغيهب) الظلمة و (كلب) الكلب كلبا فهو كلب من باب تعب و هوداء يشبه الجنون يأخذه فيعقر الناس و في القاموس الكلب بالتحريك صياح من عضّة الكلب الكلب و جنون الكلاب المعترى من أكل لحوم الانسان و شبه جنونها المعترى للانسان من عضّها و (نعق) بغنمه من باب منع و ضرب صاح بها لتعود إليه و زجرها و نعق الغراب صاح و (مناخ) الابل بضمّ الميم موضع اناختها أى مبركها، و في شرح المعتزلي يجوز جعله مصدرا كالمقام بالضّم بمعنى الاقامة و (الركاب) بالكسر المطى اى الابل التي يسار عليها و احدتها راحلة من غير لفظها و الجمع الرّكب ككتب‏ و (المحطّ) بفتح الميم قال الشارح المعتزلي يجوز كونه مصدرا كالمرد في قوله تعالى: و إنّ مردّنا إلى اللّه، و كونه موضعا كالمقتل و (الرّحال) كأرحل جمع الرّحل و هو مركب للبعير و يقال له را حول أيضا و (الحوازب) جمع الحازب من حزبه الأمر إذا اشتدّ عليه أو ضغطه و (الخطوب) جمع الخطب و هو معظم الأمر و (الاطراق) السّكوت و الاقبال بالبصر إلى الصّدر و (فشل) فشلا فهو فشل من باب تعب و هو الجبان الضّعيف القلب (إذا قلصت حربكم) بتخفيف اللّام من باب ضرب أى كثرت و تزايدت، و في المصباح قلصت شفته انزوت و قلص الثوب انزوى بعد غسله، و في بعض النسخ عن حربكم، و في بعض النسخ بالتشديد أى انضمّت و اجتمعت و (شبّهت) بالبناء على المعلوم اى جعلت أنفسها شبيهة بالحقّ أو على المجهول أى أشكل أمرها و التبس على الناس و (نبهته) من النوم أيقظته و (حام) الطائر حول الماء إذا دار و طاف لينزل عليه و (يخطين) من الخطو و هو المشى

الاعراب

جملة و لو قد فقد تموني إمّا استينافية أو قسمية بحذف المقسم به بدلالة السّياق، و لو الشرطية بمعنى ان مفيدة للتعليق في الاستقبال إلّا أنه جي‏ء، بالشرط و الجزاء بصيغة الماضي تنبيها على تحقّق وقوعهما لا محالة، و هو من المحسنات البيانية، و الحرب مؤنث سماعي و لذا انّث الفعل المسند إليه، و مفعول شمّرت محذوف أيضا، و ضاقت عطف على شمرت، و جملة تستطيلون حال من المجرور في عليكم، و جملة ينكرن مقبلات و يعرفن مدبرات بدل كلّ من جملة إذا أقبلت شبهت و إذا أدبرت نبهت كما في قوله تعالى: وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ.

و جملة يحمن منصوب المحلّ على الحال

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه عليه السّلام مسوق لاظهار مناقبه الجّمة و فضائله‏ الدثرة، و التنبيه على علو مقامه و رفعة مكانه و الغرض به التعريض على المخاطبين بغفلتهم عن سموّ شأنه و جهالتهم بقدره و عدم معرفتهم به حقّ المعرفة ليرقدوا بذلك عن نوم الغفلة و الجهالة و يعرفوه حقّ المعرفة، و يعظموا قدره و منزلته و يقيموا بوظايف طاعته على ما يليق به سلام اللّه عليه و آله و أشار عليه السّلام أوّلا إلى فضيلته و شجاعته و كمال مهابته بقوله (أما بعد أيّها النّاس فأنا فقأت عين الفتنة) أى شققتها و قلعتها بشحمها أو أدخلت الاصبع فيها، و هو استعارة لكسر ثورانها و إسكان هيجانها، و المراد بالفتنة إمّا خصوص فتنة أهل البصرة و النهروان كما وقع الاشارة إليه منه عليه السّلام في رواية إبراهيم الثقفي و سليم ابن قيس الهلالي الآتية في ذيل شرح الفصل الثاني، أو عموم فتن المنافقين و الكافرين و المصدر المحلّى باللام و إن لم يكن مفيدا للعموم بحسب الوضع اللّغوى حسبما قرّر في الاصول، إلّا أنّه لا ينافي إفادته له بقرينة الحال.

فقد ظهر و اتّضح لنا ظهور الشمس في رابعة النهار أنه عليه السّلام ردّ نخوة بأو الكفّار و اعتلائهم يوم بدر، و شموخ انفهم و سموّ غلوائهم يوم أحد، و كسر صولتهم يوم خيبر و فقأ أعينهم بقتل ابن عبدود يوم الأحزاب، و هكذا ساير الحروب و الخطوب فقد علمنا علما يقينا أنه لو لا سيفه عليه السّلام لما قام للاسلام عمود، و لا اخضرّ للايمان عود و لذلك قدّم المسند إليه على المسند ليفيد التخصيص، و جعل المسند جملة للتقوى كما قرّر في علم المعان، و أكده بقوله (و لم يكن ليجترئ عليها أحد غيرى) و تصديق ذلك أمّا في وقعة الجمل و النهروان فلأنّ الناس كانوا لا يتجاسرون على قتال أهل القبلة و يخافون من ذلك الاثم و العصيان، و كانوا حسن الظنّ بطلحة و الزبير مع كون زوجة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيهم و أهل النّهروان كانوا أهل قرآن و صلاة و اجتهاد و عبادة، و كان النّاس يهابون قتالهم و يقولون كيف نقاتل من يصلّى كصلاتنا و يؤذّن كأذاننا و يصوم كصومنا على ما عرفت في شرح الخطبة السادسة و الثلاثين و كذا التبس الأمر في وقعة صفين و لذلك أمسك مثل خزيمة بن ثابت الانصاري‏عن القتال حتّى قتل عمار فتيقّن ضلالة القاسطين و قاتل حتّى قتل كما مرّ مشروحا في تذييل الكلام الخامس و الستين و أمّا في ساير الوقايع و الحروب التي كانت في زمن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقد زاغَتِ الْأَبْصارُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ و ظنّوا باللّه الظّنونا و اضطرب المؤمنون وَ زُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً و دارت أعين المنافقين كَالَّذِي يُغْشى‏ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ و قالوا: ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ف وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ بوجوده عليه السّلام وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً و انزل في حقه عليه السّلام و في عمّه حمزة و أخيه جعفر مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.

و إلى شدّة تلك الفتن و ظلمتها أشار بقوله (بعد أن ماج غيهبها) و كنّى بتموّج، ظلمتها عن شمول ظلّ لها لأنّ الظلمة إذا تموجّت شملت أماكن كثيرة غير الأماكن التي تشملها لو كانت ساكنة و إلى غلبة شرّها و أذاها بقوله (و اشتدّ كلبها) ثمّ أشار إلى فضيلة علمه بقول ما زال يقوله و هو قوله: (فاسألوني قبل أن تفقدوني) قال الشارح المعتزلي روى صاحب كتاب الاستيعاب و هو أبو عمر محمّد بن عبد البر عن جماعة من الرّواة و المحدّثين قالوا لم يقل أحد من الصحابه عنهم سلونى إلّا عليّ ابن أبي طالب، و روى شيخنا أبو جعفر الاسكافي في كتاب نقض العثمانية عن عليّ بن الجعد عن ابن شبرمه قال: ليس لأحد من النّاس أن يقول على المنبر سلوني إلّا عليّ بن أبي طالب عليه السّلام.

أقول: و ذلك لأنّ الأنواع السّؤلات غير محصورة و لا محصاة، و أصناف الطلبات غير معدودة و لا مستقصاة، فبعضها يتعلّق بالمعقول و بعضها بالمنقول، و بعضها بعالم الشهود و بعضها بعالم الغيب، و بعضها بما كان و بعضها بما يكون و بعضها بما هو كائن، و هكذا فلا يمكن الجواب عن هذا كلّه و لا يقدر على مثل ذلك إلّا من تأيّد بقوّة ربانيّة، و اقتدر بقدرة الهيّة، و نفث في روعه الرّوح الأمين، و تعلّم علوم الأولين و الآخرين، و صار منبع العلم و الحكمة، و ينبوع الكمال و المعرفة، و هو أمير المؤمنين و يعسوب الدين، و وارث علم النبيين و بغية الطّالبين، و حلّال مشكلات السائلين فلا ينصب نفسه في هذا المنصب إلّا جاهل، و لا يدّعى لنفسه هذا المقام إلّا تائه غافل، و في هذا المقام قال الشاعر:

و من ذا يساميه بمجد و لم يزل
يقول سلوني ما يحلّ و يحرم‏

سلوني ففي جنبي علم ورثته‏
عن المصطفى ما فات منّى به الفم‏

سلوني عن طرق السموات إننى
بها عن سلوك الطرق في الارض أعلم‏

و لو كشف اللّه الغطا لم أزد به‏
يقينا على ما كنت أدرى و أفهم‏

و قد روينا في التذييل الثاني من شرح الكلام الثالث و الأربعين أنّ ابن الجوزي قال يوما على منبره: سلوني قبل أن تفقدوني، فسألته امرئة عمّا روي أنّ عليّا سار في ليلة إلى سلمان فجهّزه و رجع، فقال: روى ذلك، قالت: فعثمان ثمّ ثلاثة أيّام منبوذا في المزابل و عليّ عليه السّلام حاضر، قال: نعم، فقالت: فقد لزم الخطاء لأحدهما، فقال: إن كنت خرجت من بيتك بغير اذن زوجك فعليك لعنة اللّه و إلّا فعليه، فقالت: خرجت عايشة إلى حرب عليّ باذن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أولا فانقطع و لم يحر جوابا و رووا أيضا أنّ قتاده دخل الكوفة فالتفت إليه الناس فقال: اسألوني عما شئتم و كان أبو حنيفة حاضرا و هو إذا غلام حدث السنّ، فقال: اسألوه عن نملة سليمان أ كان ذكرا أم أنثى، فسألوه فانقطع، فقال أبو حنيفة كانت انثى فقيل له: بم عرفت ذلك قال من كتاب اللّه و هو قوله تعالى قالت نملة و لو كان ذكرا لقال: قال نملة و ذلك لأنّ لفظ النملة يقع على الذكر و الانثى كلفظ الحمامة و الشاة«» و إنما يميّز بينهما بعلامة التأنيث.

فانظر إلى هذين المغرورين المعجبين كيف عييا عن جواب أدنى مسألة فكيف بهما إذا سئلا عن حجب الأسرار، و سرادقات الأنوار، و الغيب المكنون، و السرّ المكتوم، و عجائب الملكوت، و بدايع الجبروت، فاشهد أنّ عريف ذلك و الخبير بكلّ ذلك لم يكن إلّا أمير المؤمنين، و وصيّ رسول ربّ العالمين، و عنده علم الكتاب كلّه، و فيه خبر السّماء و خبر الأرض و خبر ما كان و ما يكون و ما هو كائن إلى يوم القيامة كما قال عزّ من قائل: وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.

أى في إمام مبين و قد سئل عليه السّلام في مقامات شتى عن مسائل مشكلة متفرّقة فأجاب عنها بأجوبة شافية تاهت فيها العقول و دهشت بها القلوب حسبما نشير إلى بعضها بعد الفراغ عن شرح الفصل ثمّ اقسم عليه السّلام بالقسم البارّ انه عالم بما هو كائن إلى يوم القيامة و قال: (فو الذي نفسى بيده لا تسألوني عن شي‏ء فيما بينكم و بين الساعة) إلّا أنبئتكم به، و نحوه ما رواه في البحار من بصائر الدّرجات باسناده عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السّلام قال: سئل عليّ عليه السّلام عن علم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقال: علم النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم علم جميع النبيّين و علم و ما كان و علم ما هو كائن إلى قيام السّاعة، ثمّ قال عليه السّلام: و الذى نفسي بيده إنّى لأعلم علم النبيّ و علم ما كان و علم ما هو كائن فيما بيني و بين قيام السّاعة (و لا عن فئة تهدى مأئة و تضل مأئة) تخصيص هذا العدد بالبيان ليس لقصد الاختصاص و إنما هو جار على‏ سبيل المثل و إشارة إلى الكثرة إذا مادون مأئة حقير لا يعتدّ به قال الأعشى:

الواهب المأة الهجان و عبدها
عوذا يزجى خلفها أطفالها

و قال أيضا:

هو الواهب المأة المصطفاة
إمّا مخاضا و إمّا عشارا

و قد كثر في الأخبار ذكر السبعين على سبيل المثل، و قيل في قوله سبحانه إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.

إنّ المقصود به نفى الغفران جملة و إنّما جاء السّبعون مجرى المثل للتكثير و كيف كان فمفهوم العدد ليس بحجّة كما قرّر في الاصول، و الغرض أنّه لا تسألونى عن جماعة هادية لطايفة كثيرة و مضلّة لطائفة كثيرة اخرى (إلّا أنبأتكم بناعقها) أى الداعي اليها و زاجرها (و قائدها و سائقها و مناخ ركابها و محطّ رحالها) قال الشارح البحراني: استعار عليه السّلام أوصاف الابل و رعائها و أصحابها من الناعق و القائد و السائق و المناخ و الرّكاب و الرّحال للفئة المهدية و الضالّة و من يهديهم و يضلّهم ملاحظة لشبههم بالابل في الاجتماع و الانقياد لقائد وراع (و من يقتل من أهلها) أى أهل الفئة المذكورة (قتلا و يموت منهم موتا) ثمّ نبّه عليه السّلام على أنّه أعظم نعمة أنعم اللّه سبحانه بوجوده عليهم و أنّ قدره مجهول عندهم و هم غافلون عن فوائد مقامه بين أظهرهم و أنهم سوف يعلمون إذا نزلت بهم الدّواهى و حلّت بهم الرزايا فقال: (و لو قد فقد تمونى و نزلت بكم كرائه الامور) أى المصائب التي تكرهها النفوس (و حوازب الخطوب) أى شدايد الأحوال (لأطرق كثير من السائلين) أى أرخوا أعينهم ينظرون إلى الأرض، و ذلك لصعوبة الأمر و شدّته حتى أنه يبهته عن السؤال و يتحير كيف يسأل (و فشل كثير من المسئولين) أى جبنوا عن ردّ الجواب لجهلهم بعواقب تلك الخطوب و ما يسألون عنه منها (و ذلك إذا قلصت حربكم) أى إطراق السائلين و فشل المسئولين إذا تزايدت حربكم و كثرت أوانضمّت و اجتمعت، و هو كناية عن شدّتها و صعوبتها، لأنّ الجيوش إذا اجتمعت كلها و اصطدم الفيلقان كان الأمر أصعب و أشدّ من أن تتفرّق و يحارب كلّ كتيبة كتيبة اخرى في بلاد متباعدة، و من روى قلصت عن حربكم فالمراد إذا انكشفت كرائه الامور و حوازب الخطوب عن حربكم.

(و شمّرت عن ساق) أى شمّرت الحرب و رفعت السّاتر عن ساقها و هو كناية عن اشتدادها و التحامها على سبيل الاستعارة، و الغرض تشبيه الحرب بالمجد في أمر الساعي فيه، فانّ الانسان أذا جدّ في السّعي شمّر عن ساقه و دفع ثوبه لئلّا يعوقه و يمنعه، و ربما قيل بأنه جار على الحقيقة، و معنى السّاق الشدّة، أى كشفت عن شدّة و مشقّة و به فسّر قوله سبحانه: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ.

(و ضاقت الدّنيا عليكم ضيقا) بطروق الخطوب و ابتلاء المصائب حالكونكم (تستطيلون أيام البلاء عليكم) و ذلك لأنّ أيام البلاء تكون في نظر الانسان طويلة و أيام السعة و الرّخاء قصيرة قال الشاعر:

         فأيّام الهموم مقصّصات            و أيّام السّرور تطير طيرا

(حتّى يفتح اللّه لبقيّة الأبرار منكم) يحتمل أن يكون المراد ببقية الأبرار أولادهم و إن لم يكونوا أبرارا في أنفسهم إن كان إشارة إلى ظهور دولة بني العباس إلّا أنّ الأظهر أنّ المراد هو ظهور الدّولة الحقّة القائميّة عجّل اللّه له الفرج و أقرّ اللّه عيون مواليه بظهوره عليه السّلام.

(إنّ الفتن إذا أقبلت شبّهت) أى جعلت نفسها أى الامور الباطنة شبيهة بالحقّ، أو أشكل أمرها و التبس على الناس (و إذا أدبرت نبهت) أى أيقظت القوم من نوم الجهالة و ظهرت بطلانها عليهم، ألا ترى أنّ الناس كانوا في بدو فتنة الجمل و النهروان في حيرة و اشتباه لا يدرون أنّ الحقّ في أيّ الجانبين، فلمّا انقضت الحرب و وضعت أوزارها ارتفع الاشتباه و تميّز الحقّ من الباطل و انتبه القوم من جهالتهم.

و أكد عليه السّلام هذا المعنى بقوله (ينكرن مقبلات) أى لا يعرف حالهنّ في حالة اقبالها (و يعرفن مدبرات) ثمّ وصفها بأنّها (يحمن حوم الرّياح) أى يطفن مثل طواف الرّياح (يصبن بلدا و يخطين بلدا).

تنبيهان الاول

قد قلنا إنّ قوله عليه السّلام: سلوني قبل أن تفقدوني كلام ما زال عليه السّلام يقول حتى أنه عليه السّلام كان يقوله بعد ما ضربه ابن ملجم لعنه اللّه و قبل وفاته بيوم كما مرّ في شرح الكلام التاسع و الستين، و نكتة ذلك أنّ اللّازم على امام الزّمان أن يبذل فيوضاته للمواد القابلة بقدر الامكان.

 لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ.

روى الصدوق فى التّوحيد قال: حدثّنا أحمد بن الحسن القطان و عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدّقاق قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريّا القطان قال: حدّثنا محمد بن العبّاس قال: حدّثنى محمد بن أبى السّرى قال: حدّثنا أحمد بن عبد اللّه بن يونس عن سعد الكناني عن الأصبغ بن نباته قال: لما جلس عليّ عليه السّلام على الخلافة و بايعه النّاس خرج إلى المسجد متعمّما بعمامة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا بسا بردة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم متنعّلا نعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم متقلّدا سيف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فصعد إلى المنبر فجلس عليه متمكنا ثمّ شبّك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه.

ثمّ قال: يا معشر النّاس سلوني قبل أن تفقدوني هذا سفط«» العلم هذا لعاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، هذا ما زقّني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم زقّا زقّا، سلوني فانّ عندي علم الأوّلين و الآخرين، أم و اللّه لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها لأفتيت أهل التّوراة بتوراتهم حتّى تنطق التّوراة فتقول: صدق عليّ ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل اللّه في، و أفتيت أهل الانجيل بإنجيلهم حتى ينطق الانجيل فيقول: صدق‏عليّ ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ، و أفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتّى ينطق القرآن فيقول: صدق عليّ ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ، و أنتم تتلون القرآن ليلا و نهارا فهل فيكم أحد يعلم ما انزل فيه، و لو لا آية في كتاب اللّه لأخبرتكم بما كان و ما يكون و ما هو كائن إلى يوم القيامة و هي هذه الآية: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ.

ثمّ قال: سلوني قبل أن تفقدوني فو الّذي فلق الحبّة، و برء النّسمة لو سألتموني عن آية آية في ليل نزلت أو في نهار أنزلت مكّيها، و مدنيّها، سفريها، و حضريها، ناسخها، و منسوخها، محكمها، و متشابهها، و تأويلها، و تنزيلها، لأخبرتكم.

فقام إليه رجل يقال له: ذعلب و كان ذرب«» اللّسان بليغا في الخطب شجاع القلب فقال: لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة لأخجلته اليوم لكم في مسألتي إيّاه فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك قال: و يلك يا ذعلب لم أكن بالّذي أعبد ربّا لم أره، قال: كيف رأيته صفه لنا، قال عليه السّلام: و يلك لم تره العيون بمشاهدة الأبصار و لكن رأته القلوب بحقايق الايمان، و يلك يا ذعلب إنّ ربّي لا يوصف بالبعد و لا بالحركة و لا بالسّكون و لا بقيام قيام انتصاب و لا بمجي‏ء و لا بذهاب، لطيف اللطافة لا يوصف باللّطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقة، مؤمن لا بعبادة، مدرك لا بمحسّة، قائل لا بلفظ، هو في الأشياء على غير ممازجة، خارج منها على غير مباينة، فوق كلّ شي‏ء فلا يقال شي‏ء فوقه، و امام كلّ شي‏ء فلا يقال له امام، داخل في الأشياء لا كشي‏ء في شي‏ء داخل، و خارج منها لا كشي‏ء من شي‏ء خارج، فخرّ ذعلب مغشيا عليه ثمّ قال: تاللّه ما سمعت بمثل هذا الجواب و اللّه لا عدت إلى مثلها.

ثمّ قال عليه السّلام: سلوني قبل أن تفقدوني، فقام إليه الأشعث بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين كيف يؤخذ من المجوس الجزية و لم ينزل عليهم كتاب و لم يبعث إليهم نبيّ قال عليه السّلام: بلى يا أشعث قد أنزل اللّه عليهم كتابا و بعث إليهم رسولا حتّى كان لهم ملك سكر ذات ليلة فدعا بابنته إلى فراشه فارتكبها فلما أصبح تسامع به قومه فاجتمعوا إلى بابه فقالوا: أيها الملك دنّست علينا ديننا و أهلكته فاخرج نطهرّك و نقيم عليك الحدّ، و قال لهم: اجتمعوا و اسمعوا كلامي فان يكن لي مخرج ممّا ارتكبت و إلّا فشأنكم، فاجتمعوا فقال لهم: هل علمتم أنّ اللّه لم يخلق خلقا أكرم عليه من أبينا آدم و أمّنا حوّا قالوا: صدقت أيها الملك، قال: أ فليس قد زوّج بنيه بناته و بناته من بنيه قالوا: صدقت هذا هو الدّين فتعاقدوا على ذلك فمحا اللّه تعالى ما في صدورهم من العلم و رفع عنهم الكتاب، فهم الكفرة يدخلون النّار بلا حساب، و المنافقون أشدّ حالا منهم قال الأشعث: و اللّه ما سمعت بمثل هذا الجواب و اللّه لا عدت إلى مثلها أبدا.

ثمّ قال: سلوني قبل أن تفقدوني: فقام رجل من أقصى المسجد متوكّئا على عصاه فلم يزل يتخطأ النّاس حتّى دنا منه فقال: يا أمير المؤمنين دلّني على عمل إذا أنا عملت نجاني اللّه من النّار.

قال له: اسمع يا هذا ثمّ افهم، ثمّ استيقن، قامت الدّنيا بثلاثة: بعالم ناطق مستعمل لعلمه، و بغنيّ لا يبخل بما له على أهل دين اللّه، و بفقير صابر، فاذا كتم العالم علمه و بخل الغني بما له و لم يصبر الفقير فعندها الويل و الثبور، و عندها يعرف العارفون أنّ الدّار قد رجعت إلى بديّها أى الكفر بعد الإيمان.

أيّها السّائل فلا تغترن بكثرة المساجد و جماعة أقوام أجسادهم مجتمعة و قلوبهم شتّى إنّما النّاس ثلاثة: زاهد، و راغب، و صابر، فاما الزاهد فلا يفرح بشي‏ء من الدّنيا أتاه و لا يحزن منها على شي‏ء فاته فاما الصابر فيتمناها بقلبه فان‏أدرك منها شيئا صرف عنها نفسه لما يعلم من سوء عاقبتها و أما الراغب فلا يبالي من حلّ أصابها أم من حرام، قال له يا أمير المؤمنين فما علامة المؤمن في ذلك الزّمان قال: ينظر إلى ما أوجب اللّه عليه من حقّ فيتولّاه و ينظر إلى ما خالفه فيتبرّء منه و إن كان حميما قريبا قال: صدقت و اللّه يا أمير المؤمنين، ثمّ غاب الرّجل فلم نره فطلبه الناس فلم يجدوه فتبسم عليّ عليه السّلام على المنبر ثمّ قال: مالكم هذا أخي الخضر عليه السّلام.

ثمّ قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فلم يقم إليه أحد فحمد اللّه و أثنا عليه و صلّى على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

ثمّ قال عليه السّلام للحسن: يا حسن قم فاصعد المنبر فتكلّم بكلام لا يجهلك قريش من بعدي فيقولون إنّ الحسن بن عليّ لا يحسن شيئا، قال الحسن عليه السّلام: يا أبه كيف أصعد و أتكلّم و أنت في النّاس تسمع و ترى قال له: بأبي و أمّي اوارى نفسي عنك و اسمع و أرى و لا تراني، فصعد الحسن عليه السّلام المنبر فحمد اللّه بمحامد بليغة شريفة و صلّى على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صلاة موجزة ثمّ قال: أيّها النّاس سمعت جدّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: أنا مدينة العلم و عليّ بابها و هل تدخل المدينة إلّا من بابها ثمّ نزل، فوثب إليه عليّ عليه السّلام فحمله و ضمّه إلى صدره ثمّ قال للحسين: يا بنيّ قم فاصعد المنبر و تكلّم بكلام لا يجهلك قريش من بعدى فيقولون إنّ الحسين بن عليّ لا يبصر شيئا و ليكن كلامك تبعا لكلام أخيك فصعد الحسين عليه السّلام المنبر فحمد اللّه و أثنا عليه و صلّى على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صلاة موجزة ثمّ قال: معاشر النّاس سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو يقول: إنّ عليّا هو مدينة هدى فمن دخلها نجى و من تخلّف عنها هلك، فوثب إليه عليّ عليه السّلام فضمّه إلى صدره و قبّله ثمّ قال: معاشر النّاس اشهدوا أنهما فرخا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و وديعته التي استودعنيها و أنا أستودعكموها، معاشر الناس و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سائلكم عنهما.

الثاني

اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه عليه السّلام متضمّن للتنبيه على علمه بالأخبار الغيبية و الوقايع الآتية و ما يكون بعده إلى يوم القيامة و قد تقدّم في شرح الكلام السادس و الخمسين شطر من تلك الوقايع و الأخبار.

و قال الشارح المعتزلي في شرح هذا الفصل: اعلم أنّه قد أقسم في هذا الفصل باللّه الذي نفسه بيده انّهم لا يسألون عن أمر يحدث بينهم و بين القيامة إلّا أخبرهم به و أنّه ما من طائفة من الناس تهتدى بها مأئة و تضلّ بها مأئة إلّا و هو مخبر لهم إن سألوه برعاتها و قائديها و سائقيها و مواضع نزول ركابها و خيولها و من يقتل منها قتلا و من يموت منها موتا، و هذه الدّعوى منه عليه السّلام ليست ادّعاء الرّبوبية و لا ادّعاء النبوّة و لكنه كان يقول إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أخبره بذلك.

و لقد امتحنّا اخباره فوجدناه موافقا فاستدللنا بذلك على صدق الدّعوى المذكورة.

كإخباره عن الضربة التي يضرب في رأسه فتخضب لحيته، و إخباره عن قتل الحسين ابنه عليهما السّلام و ما قاله في كربلا حيث مرّ بها، و إخباره بملك معاوية الأمر من بعده، و إخباره عن الحجّاج و عن يوسف بن عمر، و ما أخبره من أمر الخوارج بالنهروان، و ما قدّمه إلى أصحابه من اخباره بقتل من يقتل منهم و صلب من يصلب و إخباره بقتال النّاكثين و القاسطين و المارقين، و اخباره بعدّة الجيش الوارد إليه من الكوفة لمّا شخص عليه السّلام إلى البصرة لحرب أهلها، و إخباره عن عبد اللّه بن الزّبير و قوله عليه السّلام فيه: خبّ ضبّ«» يروم أمراو لا يدركه ينصب حبالة الدّين لاصطياد الدّنيا«» و هو بعد مصلوب قريش.

و كإخباره عن هلاك البصرة بالغرق و هلاكها تارة اخرى بالزنج و هو الذى صحفه قوم فقالوا بالرّيح، و كإخباره عن الأئمة الذين ظهروا من ولده بطبرستان كالناصر«» و الداعى و غيرهما في قوله عليه السّلام: و إنّ لآل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالطالقان لكنزا سيظهره اللّه إذا شاء دعاة حتّى تقوم بإذن اللّه فتدعو إلى دين اللّه.

و كإخباره عن ظهور الرّايات السود من خراسان و تنصيصه على قوم من أهلها يعرفون ببنى رزيق بتقديم المهملة و هم آل مصعب منهم طاهر بن الحسين و إسحاق ابن إبراهيم و كانوا هم و سلفهم دعاة الدّولة العباسيّة، و كإخباره عن مقتل النّفس الزّكيّة«» بالمدينة و قوله عليه السّلام: انه يقتل عنده احجار الزيت، و كقوله عن أخيه إبراهيم المقتول يقتل بعد أن يظهر و يقهر بعد أن يقهر، و قوله عليه السّلام فيه أيضا يأتيه سهم عزب«» يكون فيه منيته فيا بؤس للرامي شلّت يده و وهن عضده.

و كإخباره عن قتلى فخّ و قوله عليه السّلام فيهم: هم خير أهل الأرض، أو من خير أهل الأرض و كإخباره عن المملكة العلويّة«» بالغرب و تصريحه بذكر كتائته«» و هم الذين نصروا أبا عبد اللّه الدّاعي المعلّم، و كقوله يشير إلى عبيد اللّه المهدى، و هو أوّلهم: ثمّ يظهر صاحب القيروان«» الغضّ البضّ«» ذو النسب المحض المنتجب من سلالة ذى البداء المسجّى بالرّدا، و كان عبيد اللّه المهدى مترفا مشربا رخص البدن تار الأطراف«»و ذو البداء إسماعيل بن جعفر بن محمّد عليهما السّلام لأنّ أباه أبا عبد اللّه جعفرا عليه السّلام سجّاه برداه لمّا مات و ادخل إليه وجوه الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته و تزول عنهم الشبهة«» في أمره.

و كإخباره عن بني بويه و قوله عليه السّلام فيهم: و يخرج من ديلمان بنو الصياد، و كقوله فيهم: ثمّ يستشرى أمرهم حتّى يملكوا الزوراء و يخلعوا الخلفاء إشارة إليهم و كان أبوهم صياد السمك يصيد منه بيده ما يتقوت هو و عياله بثمنه فأخرج اللّه تعالى من ولده لصلبه ملوكا ثلاثة«» و نشر ذريتهم حتّى ضربت الأمثال بملكهم و كقوله عليه السّلام فيهم: و المترف بن الأجذم تقتله ابن عمه على دجلة،، و هو إشارة إلى عز الدّولة بختيار بن معزّ الدولة أبي الحسين و كان معزّ الدّولة أقطع اليد قطعت يده في الحرب و كان ابنه عزّ الدولة بختيار مترفا صاحب لهو و شرب، قتله عضد الدّولة فنّا خسرو ابن عمه بقصر الجصّ على دجلة في الحرب و سلبه ملكه، فأمّا خلعهم للخلفاء فانّ معز الدّولة خلع المستكفى و رتب عوضه المطيع، و بهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدّولة خلع الطائع و رتّب عوضه القادر و كانت مدّة ملكهم كما أخبر به عليه السّلام.

و كإخباره لعبد اللّه بن العباس (ره) عن انتقال الأمر إلى أولاده، فان عليّ بن عبد اللّه لمّا ولد أخرجه أبوه عبد اللّه إلى عليّ عليه السّلام فأخذه و تفل في فيه و حنّكه بتمرة قد لاكها و دفعه إليه و قال: خذ إليك أبا الأملاك هكذا الرواية الصحيحة و هي التي ذكرها أبو العباس المبرّد في الكامل و ليست الرواية التي يذكر فيها العدد بصحيحة و لا منقولة من كتاب معتمد عليه.

و كم له عليه السّلام من الاخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى ممّا لو أردنا استقصائه لكسرنا له كراريس كثيرة و كتب السّير يشتمل عليها مشروحة

الترجمة

از جمله خطب شريفه آن امام مبين است كه اشاره فرموده در آن بكمالات نفسانيه و مقامات معنويه خود و بعضى از اخبار غيبيه باين نحو كه فرموده: أما بعد از حمد و ثناء الهى و درود نامعدود بر حضرت رسالت پناهي اى گروه خلايق پس من بر كندم چشم فتنه را و حال آنكه نبود هيچ كس كه جرأت نمايد بر دفع آن فتنه غير از من بعد از آنكه مضطرب شد ظلمت آن فتنه و سخت گرديد شرّ و أذيت آن، پس سؤال نمائيد از من از مسائل مشكله و مطالب معضله پيش از آنكه نيابيد مرا، پس قسم بخداوندى كه نفس من در قبضه اقتدار او است سؤال نمى‏نمائيد ار من از چيزى كه در ميان شما است و در ميان روز قيامت و نه از گروهى كه هدايت نمايند صد كس را و گمراه سازند صد كس ديگر را مگر اين كه خبر دهم شما را بخواننده آن و كشنده آن و راننده آن و محل فرود آمدن شتران بارگير ايشان و جاى فرود آوردن بارها با پالانهاى ايشان و به آن كه كشته مى‏شود از ايشان كشته شدنى و آنكه مى‏ميرد از ايشان مردنى و اگر مفقود كنيد مرا و نازل بشود بر شما امورات مكروهه و حالات شديده هر آينه سر در پيش اندازند بسيارى از سائلان و مى‏ترسند بسيارى از مسئولان، و اين آن زماني است كه درهم كشيده شود و جمع شود حرب شما و بردارد رخت را از ساق خود و تنگ باشد دنيا بشما تنگ شدني در حالتى كه دراز شماريد ايام بلا را برخودتان تا آنكه فتح كند خداوند از براى بقيّه نيكوكاران از شما بدرستى كه فتنه‏ها زماني كه رو آورند شبهه مى‏اندازند مردمان را و زمانى كه پشت برگردانند آگاه مى‏نمايند ايشان را، شناخته نمى‏شوند آن فتنه‏ها در حالتى كه اقبال ميكنند و شناخته مى‏شوند در حالتى كه ادبار مى‏نمايند، دوران ميكنند و بر مى‏گردند آنها مثل گرديدن بادها، مى‏رسند بشهرى و تخطي ميكنند و دور مى‏گذرند از شهرى ديگر.

الفصل الثاني

ألا إنّ أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أميّة، فإنّها فتنة عمياء مظلمة، عمّت حظّتها، و خصّت بليّتها، و أصاب البلاء من أبصر فيها، و أخطأ البلاء من عمى عنها، و أيم اللّه لتجدنّ بني أميّة لكم أرباب سوء بعدي كالنّاب الضّروس، تعذم بفيها، و تخبط بيدها، و تزبن برجلها، و تمنع درّها، لا يزالون بكم حتّى لا يتركوا منكم إلّا نافعا لهم، أو غير ضائر بهم، و لا يزال بلائهم حتّى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلّا مثل انتصار العبد من ربّه، و الصّاحب من مستصحبه، ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشيّة، و قطعا جاهليّة، ليس فيها منار هدى، و لا علم يرى، نحن أهل البيت منها بمنجاة، و لسنا فيها بدعاة، ثمّ يفرّج اللّه عنكم كتفريج الأديم بمن يسومهم خسفا، و يسوقهم عنفا، و يسقيهم بكأس مصبّرة، و لا يعطيهم إلّا السّيف، و لا يحلسهم إلّا الخوف، فعند ذلك تودّ قريش بالدّنيا و ما فيها لو يرونني مقاما واحدا و لو قدر جزر جزور، لأقبل منهم ما أطلب اليوم بعضه، فلا يعطونني.

اللغة

(الخطّة) بالضّم الأمر و الجهل و الخصلة و الحالة و شبه القصّة و (النّاب)الانثى المسنة من النوق و جمعها نيب و أنياب و (الضروس) الناقة السيئة الخلق تعضّ حالبها و (عدم) الفرس يعذم من باب ضرب عضّ أو أكل بجفاء و (خبط) البعير الأرض ضربها بيده و (زبنت) النّاقة حالبها زبنا من باب ضرب دفعته برجلها فهى زبون بالفتح فعول بمعنى فاعل و (الدرّ) اللّبن.

و (الصاحب من مستصحبه) قال في المصباح: صحبته أصحبه صحبة فأنا صاحب و الأصل في هذا الاطلاق لمن حصل له رؤية و مجالسة و كلّ شي‏ء لازم شيئا فقد استصحبه قاله ابن الفارس و غيره و (الشوه) قبح الخلقة و هو مصدر شوء من باب تعب و رجل أشوه قبيح المنظر و امرأة شوها، و الجمع شوه مثل أحمر و حمراء و حمر و شاهت الوجوه تشوه قبحت و (القطعة) الطائفة من الشي‏ء و القطع جمعها مثل سدرة و سدر و (المنجاة) مصدر بمعنى النجاة و اسم مكان و (سام) فلانا الأمر كلّفه إيّاه أو أولاه إيّاه كسوّمه و أكثر ما يستعمل في العذاب و الشرّ و (الخسف) الذّهاب في الأرض و الغيبة فيها و في القاموس سامه خسفا إذا أولاه ذلّا و (العنف) مثلّثة ضدّ الرفق.

و (المصبرة) الممزوجة بالصّبر و هو وزان كتف عصارة شجر مرّ و يجوز أن يكون المصبرة بمعنى المملوة إلى اصبارها، قال في القاموس ملاء الكاس إلى اصبارها أى رأسه و أخذه باصباره بجميعه و (حلس) البعير يحلسه غشاه بحلس و هو كساء يجعل على ظهر البعير تحت رحله و الجمع أحلاس كحمل و أحمال و (الجزور) الناقة التي تجزر أى تنحر.

الاعراب

كلمة ايمن اسم استعمل في القسم و التزم رفعه كما التزم رفع لعمر اللّه، و همزته عند البصريين وصل و اشتقاقه عندهم من اليمن و هو البركة قالوا و لم يأت في الأسماء همزة وصل مفتوحة غيرها و عند الكوفيين قطع لأنّه جمع يمين عندهم و قد يختصر عنه فيقال: و أيم اللّه بحذف النون، و يختصر ثانيا فيقال أم اللّه بضم الميم و كسرها و قد يدخل عليها اللّام لتأكيد الابتداء قال الشاعر:

         فقال فريق القوم لمّا نشدتهم            نعم و فريق ليمن اللّه ما ندرى‏

و رفعه بالابتداء و خبره محذوف وجوبا أى أيمن اللّه قسمى و إذا خاطبت به أحدا تقول: ليمنك كما تقول لعمرك، و قوله: لا يزالون بكم، الظرف متعلّق بمحذوف معلوم بقرينة المقام خبر لزال أي لا يزالون قائمين بكم أو موذين بكم أو نحو ذلك، و شوهاء منصوبة على الحالية من فاعل ترد و هو العامل فيها، و جاهليّة صفة لقطعا، و جملة ليس فيها آه إمّا استينافية بيانية أو مرفوعة المحلّ على كونها صفة لفتنتهم أو منصوبة على كونها صفة لقطعا و الباء في قوله بالدّنيا للبدل على حدّ قول الحماسي:

         فليت لى بهم قوما إذا ركبوا            شدّوا الاغارة فرسانا و ركبانا

و ما فيها عطف على الدّنيا، و ما موصولة و لفظة لو في قوله: لو يرونني، حرف مصدر بمعنى ان إلّا أنها لا تنصب كما تنصب ان قال سبحانه: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ.

و في قوله و لو قدر جزر جزور بمعنى إن الوصلية و حذف بعده كان كما هو الغالب و قوله: لأقبل متعلّق بتوّد و قوله: فلا يعطونني، فاعل يعطون ضمير قريش و ضمير المتكلّم مفعوله الأوّل و حذف مفعوله الثاني و في بعض النسخ فلا يعطوننيه باثبات المفعولين كليهما

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه عليه السّلام متضمّن للاخبار عن فتن بني امية لعنهم اللّه قاطبة و ما يرد على الناس فيها من الشدائد و المكاره و عن انقراض دولتهم بعد سلطنتهم و استيلائهم كما قال عليه السّلام (ألا إنّ أخوف الفتن عندى عليكم فتنة بني امية) و إنّما كانت أخوف الفتن لشدّتها و كثرة بلوى أهل الدّين بها و عظم رزء المسلمين فيها و يكفي في عظمها هتكهم حرمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قتلهم سبطيه و هدمهم البيت الحرام و إسائتهم الأدب بالنسبة إلى أمير المؤمنين عليه السّلام على رءوس منابر الاسلام ثمانين سنة حتى‏راب عليه الصغير و هرم عليه الكبير و أمرهم للناس بالتبّرى منه عليه السّلام و قتلهم كلّ من امتنع من ذلك و استيصالهم و تخريب دورهم و تشريدهم من البلاد و جعلهم البدعة سنّة و السّنة بدعة.

كما يشير إلى ذلك كلّه قوله: (فانها فتنة عمياء مظلمة) أى فتنة موجبة للعمى و الظّلام لا يهتدى فيها إلى سبيل الحقّ كما لا يهتدي الأعمى و السالك في الظلمة إلى النّهج المطلوب.

و محصل المراد انها فتنة موجبة للضّلال و العدول عن منهج الحقّ، و يحتمل أن يكون من باب التشبيه المحذوف الأداة مبالغة أى فتنة بمنزلة العصياء في كون جريانها على غير استقامة و هي فتنة (عمّت خطّتها) لكونها رياسة كليّة و سلطنة عامّة (و خصّت بليّتها) بأئمّة الدّين و مواليهم المؤمنين و شيعتهم المخلصين من أهل التقوى و اليقين (و أصاب البلاء من أبصر فيها) أى من كان ذا بصيرة فيها و هو مصاب بأنواع البلاء لحزنه في نفسه بما يشاهد من أفعالهم السّوئى و قصدهم له بأصناف العقوبة و الأذى (و أخطأ البلاء من عمى عنها) أى من كان ذا عمى و جهالة عن تلك الفتنة فهو في أمن و سلامة من اصابة البلية لكونه منقادا لدعوتهم منساقا تحت رايتهم، مطيعا لأوامرهم ممتثلا لنواهيهم (و أيم اللّه لتجدنّ بني اميّة لكم أرباب سوء بعدي) يطلق الرّبّ على المالك و المنعم و السيّد و المتمّم و المدبّر و المربّي و يصحّ ارادة كلّ منها في المقام و لا يطلق على الاطلاق إلّا على اللّه سبحانه و بيّن جهة السّوء بقوله: (كالنّاب الضّروس تعذم بفيها و تخبط بيدها و تزبن برجلها و تمنع درّها) شبّههم عليه السّلام بالنّاقة السّيّئة الخلق المتّصفة بالأوصاف الرّدية المذكورة أراد عليه السّلام أنها كما تعضّ بفيها و تضرب بيدها و تدفع حالبها برجلها و تمنع الناس من لبنها فكذلك هؤلاء في أفعالهم الرّديّة و حركاتهم الموذية من قصد الناس بالقتل و الضرب و الأذية و منعهم ما يستحقّونه من بيت المال (لا يزالون) قائمين (بكم) مسلّطين عليكم قاصدين لكم (حتى لا يتركوا منكم) في الأرض و لا يبقوا (إلّا نافعا لهم) سالكا مسلكهم ينفعهم في مقاصدهم (أو غير ضائر بهم) بانكار المنكرات عليهم أى من لا يكون مضرا لهم في امور دولتهم (و لا يزال بلائهم) عليكم (حتى لا يكون انتصار أحدكم) أى انتقامه (منهم إلّا مثل انتصار العبد من ربّه) و انتقامه من مولاه (و) كانتصار (الصّاحب) الملازم التابع (من مستصحبه) أى ممن اتبعه و لزمه.

و الغرض بذلك إمّا نفى إمكان الانتقام رأسا فيكون المقصود بالاثبات هو النفي أى كما لا يمكن للعبد الانتقام من مولاه و للمستصحب الذي من شأنه الضّعف و عدم الاستقلال الانتصار من مستصحبه، فكذلك هؤلاء الموجودون في تلك الزمان الناجون من سيف البغي و العدوان لا يمكنهم الانتصار من بني اميّة و مروان، لكونهم أذلّاء مقهورين بمنزلة العبيد المملوكين، و إمّا إثبات الانتصار في الجملة عند الغيبة بمثل الغيبة و السّب و الذّم و نحوها مع الأمن من الوصول إلى المغتاب و المسلوب و المذموم مع إظهار الطّاعة و الانقياد عند الحضور، و يؤيّد ذلك ما يأتي في رواية الثقفي من الزّيادة و هو قوله عليه السّلام: حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلّا مثل انتصار العبد من ربّه إذا رآه أطاعه و إذا توارى عنه شتمه.

(ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشيّة) أى حال كونها قبيحة عقلا و شرعا مخوّفة للنفوس مرعّبة للقلوب (و قطعا جاهليّة) أي طوايف و دفعات منسوبة إلى الجهالة متصفة بالضّلالة لكونها على غير قانون عدل، و ما يظهر من كلام الشراح من كون المراد بالجاهلية الحالة التي كانت العرب عليها قبل الاسلام من الجهل باللّه و رسوله و شرايع الدّين و المفاخرة بالأنساب و الكبر و التجبّر و التعصّب و الأخلاق الذّميمة، فيه أنّ معنى الجاهلية و إن كان ذلك إلّا أنّ ظاهر التركيب لا يساعد حمله على ذلك المعنى في المقام و لو كان مراده عليه السّلام ذلك لقال: و قطع الجاهليّة أى قطعا مثل قطع الجاهلية فافهم.

و قوله عليه السّلام: (ليس فيها منار هدى و لا علم يرى) بيان لوجه الجهالة أي ليس فيها إمام هدى يهتدى به و يستضاء بنوره، و لا قانون عدل يسلك به سبيل الحقّ.

ثمّ أشار عليه السّلام إلى برائة ساحتهم من تلك الفتنة بقوله (نحن أهل البيت منها بمنجاة و لسنا فيها بدعاة) أراد نجاتهم من الدخول فيها و من لحوق آثامها و تبعاتها و عدم كونهم من الداعين إليها و إلى مثلها، و ليس المراد نجاتهم من أذيّتها و خلاصهم من بليّتها لكونهم عليهم السّلام أعظم النّاس بليّة و أشدّهم أذيّة فيها، و كفى بذلك شاهدا شهادة الحسين عليه السّلام و أولاده و أصحابه و هتك حريمه و نهب أمواله و ما أصاب ساير أئمة الدّين من الطغاة الظالمين لعنهم اللّه أجمعين.

ثمّ بشّر بظهور الفرج بقوله: (ثمّ يفرّج اللّه) و يكشف عنكم (كتفريج الأديم) قيل أى ككشف الجلد عن اللّحم حتى يظهر ما تحته.

و قال في البحار: يحتمل أن يكون المراد بالأديم الجلد الذي يلفّ الانسان فيه للتّعذيب لأنّه يضغطه شديدا إذا جفّ، و في تفريجه راحة، و كيف كان فالمقصود انفتاح باب الفرج لهم (بمن يسومهم خسفا) أي يكلّفهم و يولّيهم ذلّا و هوانا أو خسفا في الأرض (و يسوقهم عنفا) أي بعنف و شدّة (و يسقيهم بكأس مصبرة) ممزوجة بالصّبر أو المراد مملوة إلى اصبارها (و لا يعطيهم إلّا السّيف و لا يحلسهم إلّا الخوف) استعار لفظ الاحلاس بمشابهة جعلهم الخوف شعارا لهم غير منفكّ عنهم كالحلس الملازم للبعير الذي يكسى على ظهره و يلاصق جسده.

قال الشراح: و هذه الفقرات إشارة إلى انقراض دولة بني اميّة بظهور بني العباس و انّ بني العباس أولاهم ذلّا و هوانا و أذاقوهم كأس العذاب طعوما مختلفة و أروهم عيان الموت ألوانا شتّى كما هو مذكور في كتب السير و التواريخ.

أقول: و الأظهر بملاحظة الزيادات الآتية في رواية سليم بن قيس الهلالي و إبراهيم الثقفي أنها إشارة إلى ظهور السلطنة الالهية و الدولة القائميّة، و على هذا يكون قوله: يسومهم خسفا إشارة إلى خسف الأرض بجيش السفياني في البيداء كما هو مرويّ في أخبار الرجعة.

ثمّ أشار الى مآل حال الفرقة المنقلبة من قريش و منتهى ذلّتهم و ضعفهم بقوله:

(فعند ذلك تودّ قريش بالدّنيا و ما فيها لو يرونني مقاما واحدا و لو قدر جزر جزور لأقبل منهم ما أطلب اليوم بعضه فلا يعطونني) أى حينئذ يتمنّى قريش بدل الدّنيا و ما فيها أن يروني مقاما قصيرا بمقدار جزر جزور فيطيعوني اطاعة كاملة و قد رضيت منهم اليوم بأن يطيعوني إطاعة ناقصة فلم يقبلوا و يصدّق هذا ما روى في السّير أنّ مروان بن محمّد و هو آخر ملوك بني امية قال يوم الزاب«» لمّا شاهد عبد اللّه بن محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس بازائه في صفّ خراسان: لوددت إنّ عليّ بن أبي طالب تحت هذه الرّاية بدلا من هذا الفتى، و على ما استظهرناه فيكون الاشارة بذلك إلى التمنّى عند قيام القائم عليه السّلام

تكملة

اعلم أنّ هذه الخطبة الشريفة ملتقطة من خطبة طويلة أوردها في البحار بزيادة و اختلاف كثير لما أورده السّيد (ره) في الكتاب أحببت أن اورد تمامها توضيحا للمرام و غيرة على ما أسقطه السيد (ره) اختصارا أو اقتصارا من عقايل الكلام فأقول: روى المحدّث العلّامة المجلسيّ (ره) من كتاب الغارات لابراهيم بن محمّدالثقفي، عن إسماعيل بن أبان عن عبد الغفار بن القسم عن المنصور بن عمر عن زربن حبيش، و عن أحمد بن عمران بن محمّد بن أبي ليلي عن أبيه عن ابن أبي ليلى عن المنهال ابن عمرو عن زرّبن حبيش قال خطب عليّ عليه السّلام بالنّهروان فحمد اللّه و أثنا عليه ثمّ قال: أيّها النّاس أما بعد أنا فقأت عين الفتنة لم يكن احد ليجترئ عليها غيري، و في حديث ابن أبي ليلي لم يكن ليقفاها أحد غيري و لو لم أك فيكم ما قوتل أصحاب الجمل و لا أهل صفّين و لا أهل النّهروان، و أيم اللّه لو لا ان تتكلّمو او تدعوا العمل لحدّثتكم بما قضى اللّه على لسان نبيّكم لمن قاتلهم مبصرا لضلالتهم عارفا للهدى الذى نحن عليه ثمّ قال: سلونى قبل أن تفقدوني سلوني عمّا شئتم سلوني قبل أن تفقدوني إني ميّت أو مقتول بلى (بل خ ل) قتل ما ينتظر أشقاها أن يخضبها من فوقها بدم، و ضرب بيده إلى لحيته، و الذي نفسى بيده لا تسألوني عن شي‏ء فيما بينكم و بين الساعة و لا عن فئة تضلّ مأئة أو تهدى مأئة إلّا نبأتكم بناعقها و سائقها فقام إليه رجل فقال: حدّثنا يا أمير المؤمنين عن البلاء، قال عليه السّلام: إنكم في زمان إذا سأل سائل فليعقل و إذا سئل مسئول فليثبت، ألا و إنّ من ورائكم امورا أتتكم جللا مزوجا و بلاء مكلحا، و الذي فلق الحبّة و برء النسمة أن لو فقدتموني و نزلت بكم كرايه الأمور و حقايق البلاء لقد أطرق كثير من السائلين و فشل كثير من المسئولين، و ذلك إذا قلصت حربكم و شمّرت عن ساق و كانت الدّنيا بلاء عليكم و على أهل بيتي حتّى يفتح اللّه لبقيّة الأبرار فانصروا أقواما كانوا أصحاب رايات يوم بدر و يوم حنين تنصروا و توجروا، و لا تسبقوهم فتصرعكم البلية.

فقام إليه رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين حدّثنا عن الفتن قال: إنّ الفتنة إذا اقبلت شبّهت و إذا أدبرت أسفرت يشبهن مقبلات و يعرفن مدبرات، إنّ الفتن تحوم كالرّياح يصبن بلدا و يخطين اخرى، ألا إنّ أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بنى اميّة إنّها فتنة عمياء مظلمة مطينة عمّت فتنتها و خصّت بليتها و أصاب البلاء من أبصر فيهاو أخطا البلاء من عمى عنها، يظهر أهل باطلها على أهل حقّها حتى يملاء الأرض عدوانا و بدعا، و إنّ أوّل من يضع جبروتها و يكسر عمدها و ينزع أوتادها اللّه ربّ العالمين.

و أيم اللّه لتجدنّ بني اميّة أرباب سوء لكم بعدي كالناب الضّروس تعضّ بفيها و تخبط بيديها و تضرب برجليها و تمنع درّها لا يزالون بكم حتّى لا يتركوا في مصركم إلّا تابعا لهم أو غير ضارّ، و لا يزال بلائهم بكم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلّا مثل انتصار العبد من ربّه إذا رآه أطاعه، و إذا توارى عنه شتمه و أيم اللّه لو فرّقوكم تحت كلّ حجر لجمعكم اللّه شرّ يوم لهم ألا إنّ من بعدى جمّاع شتّى، ألا إنّ قبلتكم واحدة و حجّكم واحد و عمرتكم واحدة و القلوب مختلفة ثمّ أدخل أصابعه بعضها في بعض فقام رجل فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين قال: هذا هكذا يقتل هذا هذا و يقتل هذا هذا قطعا جاهلية ليس فيها هدى و لا علم يرى، نحن أهل البيت منها بنجاة و لسنا فيها بدعاة.

فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما نصنع في ذلك الزّمان قال عليه السّلام: انظروا أهل بيت نبيكم فان لبدوا فالبدوا، و إن استصرخوكم فانصروهم توجروا، و لا تسبقوهم فتصرعكم البليّة.

فقام رجل آخر فقال: ثمّ ما يكون بعد هذا يا أمير المؤمنين قال عليه السّلام: ثمّ إنّ اللّه يفرج الفتن برجل منّا أهل البيت كتفريج الأديم، بأبى ابن خيرة الاماء يسومهم خسفا و يسقيهم بكأس مصبرة، و لا يعطيهم إلّا السّيف هرجا هرجا، يضع السّيف على عاتقه ثمانية أشهر، ودّت قريش عند ذلك بالدّنيا و ما فيها لو يرونى مقاما واحدا قد رحلب شاة أو جزر جزور لأقبل منهم بعض الذى يرد عليهم حتى تقول قريش لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا، فيغريه اللّه ببني امية فجعلهم: مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلًا، سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا.

بيان

و رواه في البحار أيضا من كتاب سليم بن قيس الهلالى نحو ما رواه من كتاب الغارات مع زيادات كثيرة في آخره و لا حاجة لنا إلى ايرادها و إنما المهمّ تفسير بعض الالفاظ الغريبة في تلك الروّاية فأقول «الجلل» بالضم جمع جليّ وزان ربّي و هو الأمر العظيم و «مزوجا» في النسخه بالزّاء المعجمة و الظاهر انه تصحيف و الصحيح مروجا بالمهملة من راج الريح اختلطت و لا يدرى من أين تجي‏ء و يمكن تصحيحه بجعله من زاج بينهم يزوج زوجا إذا أفسد بينهم و حرش و «كلح» كلوحا تكثر في عبوس كتلكح و دهر كالح شديد و «طان» الرجل البيت و السطح يطينه من باب باع طلاه بالطين و طينه بالتثقيل مبالغة و تكثير و المطينة فاعل منه، و في رواية سليم بن قيس بدلها مطبقة و «جمّاع» النّاس كرمّان اخلاطهم من قبائل شتّى و من كلّ شي‏ء مجتمع اصله و كلّ ما تجمع و انضمّ بعضه إلى بعض و «لبد» بالمكان من باب نصر و فرح لبدا و لبودا أقام و لزق.

و قوله: «بابى ابن خيرة الاماء» اشارة إلى امام الزمان الغايب المنتظر عجّل اللّه فرجه و سهّل مخرجه و «هرجا هرجا» منصوبان على المصدر قال في القاموس هرج النّاس يهرجون وقعوا في فتنة و اختلاط و قتل، و في رواية سليم بن قيس حتّى يقولوا ما هذا من قريش لو كان هذا من قريش و من ولد فاطمة لرحمنا و «غرى» بالشي‏ء غرى من باب تعب أولع به من حيث لا يحمله عليه حامل و أغريته به إغراء.

الترجمة

آگاه باشيد و بدرستى كه ترسناك‏ترين فتنه ‏ها نزد من بر شما فتنه بنى أميه است پس بدرستى كه آن فتنه فتنه ايست كه باعث كورى و ظلمت است كه عامست حالة آن بجهة احاطه او بجميع مسلمانان و خاص است بليه آن بر خواص أهل ايمان و يقين، و رسيد بلاء آن بكسى كه صاحب بصيرتست در او و خطا نمود بلاء از كسى كه كور و بي بصيرت گشت از آن، و قسم بخدا هر اينه البتة مى‏يابيد بني اميّه را از براى خود صاحبان بد بعد از من مثل ناقه بد خلق گزنده در وقت دوشيدن‏ كه دندان مى‏ گيرد با دهان خود و مى‏ زند با دستهاى خود و لگد مى ‏زند با پاهاى خود و منع مى‏ نمايد از شير خود.

هميشه باشند اذيّت كننده بشما تا اين كه نگذارند از شما أحدى را مگر اين كه فايده دهنده بايشان يا ضرر نرساننده برايشان و هميشه باشد با شما بلاء ايشان تا اين كه نباشد انتقام يكى از شما از ايشان مگر مثل انتقام كشيدن غلام از آقاى خود و مثل انتقام كشيدن تابع از متبوع خود، وارد مى‏ شود بر شما فتنه ايشان در حالتى كه قبيح است و ترسيده شده و طايفه بطايفه كه منسوبست بجهالة كه نباشد در ميان آن فتنه ‏ها مناره هدايت و نه علامت ديده شده ما أهل بيت از آن فتنه در نجات هستيم و نيستيم در آن دعوت كننده بمثل آن، پس از آن بگشايد خداوند آن فتنه را از شما مثل شكافتن و جدا نمودن پوست از گوشت بدست آن كسى كه بنمايد بايشان ذلّت را، و براند ايشان را بدرشتى، و سيراب مى‏ نمايد ايشان را با كاسه كه تلخ شده باشد، و ندهد برايشان مگر شمشير خون آشام، و نمى ‏پوشاند برايشان مگر لباس خوف را پس نزد آن واقعه دوست مى‏دارد قريش عوض دنيا و ما فيها اين كه ببيند مرا در يك مكانى اگر چه بوده باشد آن زمان ديدن بقدر كشتن شتر قربانى تا اين كه قبول نمايم از ايشان آنچه را كه مى‏ خواهم از ايشان امروز بعض آنرا پس نمى‏ دهند آنرا بمن

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 91 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 92 صبحی صالح

92- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) لما أراده الناس على البيعة بعد قتل عثمان رضي الله عنه‏

دَعُونِي وَ الْتَمِسُوا غَيْرِي

فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَ أَلْوَانٌ

لَا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ

وَ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ

وَ إِنَّ الْآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ

وَ الْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ.

وَ اعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ

وَ لَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَ عَتْبِ الْعَاتِبِ

وَ إِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ

وَ لَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَ أَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ

وَ أَنَا لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيرا

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج7  

و من كلام له عليه السّلام لما اريد على البيعة و هو الواحد و التسعون من المختار فى باب الخطب

و قد رواه غير واحد من العامة و الخاصة حسبما نشير إليه دعوني و التمسوا غيري، فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه و ألوان، لا تقوم له القلوب، و لا تثبت عليه العقول، و إنّ الآفاق قد أغامت، و المحجّة قد تنكّرت، و اعلموا أنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، و لم أصغ إلى قول القائل، و عتب العاتب، و إن تركتموني فأنا كأحدكم، و لعلّي أسمعكم و أطوعكم لمن و ليتموه أمركم، و أنا لكم وزيرا خير لكم منّي أميرا.

اللغة

(غامت) الآفاق و أغامت و اغيمت و غيمت تغييما و تغيمت غطاها الغيم، و غيم اللّيل جاء كالغيم و (المحجّة) الطريق الواضح و (التنكّر) التّغير عن حال تسرّك إلى حال تكرهها و الاسم النّكير و (العتب) كالعتاب الملامة و (الوزير) حباء الملك أى جليسه الذى يحمل ثقله و يعينه برأيه

الاعراب

قوله عليه السّلام: و أنا لكم آه الواو للحال، و الجملة بعدها منصوبة المحلّ على الحاليّة، و أنا مبتدأ و خير خبره و الظرفان متعلّقان به، و وزيرا و أميرا منصوبان على الحال، و اختلف علماء الأدبية في عامل الحال إذا وقع في مثل هذا المثال، فمنهم من جعله أفعل التفضيل، و منهم من جعله كان محذوفة تامة صلة لاذا و التقدير أنا إذا كنت لكم وزيرا خير منّي لكم إذا كنت أميرا و تحقيق ذلك أنّهم بعد حكمهم على عدم جواز تقديم الحال على عامله إذا كان اسم تفضيل من حيث ضعفه في العمل لأجل شباهته بالفعل الجامد في عدم قبوله علامة التأنيث و التثنية و الجمع كما يقبلها أسماء الفاعلين و المفعولين و الصفة المشبهة فلا يتصرّف«» في معموله بالتقديم كما لا يتصرّف في الفعل الجامد، استثنوا من ذلك ما إذا كان اسم التفضيل عاملا في حالين احداهما مفضلة على الاخرى فانه يجب حينئذ تقديم الحال الفاضلة لخوف اللبس، و مثلوا له بقولهم هذا بسرا أطيب منه رطبا، قال سيبويه في المحكيّ عنه: انتصب بسرا على الحال من الضمير فى أطيب و انتصب رطبا على الحال أيضا من الضمير المجرور بمن، و العامل فيهما أطيب بما فيه من معنى المفاضلة بين شيئين، كأنه قال: هذا في حال كونه بسرا أطيب من نفسه‏ فى حالكونه رطبا، تريد أن تفضل البسر على الرطب، قال: فأطيب ناب مناب عاملين، لأنّ التقدير يزيد طيبه في حالكونه بسرا على طيبه في حالكونه رطبا و أشار بذلك«» إلى التمر، و المعنى بسره أطيب من رطبه انتهى و به قال غير واحد من النحاة كالمازني و الفارسي و ابن كيسان و ابن جنى و ابن هشام في التوضيح، و ذهب المبرّد و الزّجاج و ابن السّراج و السيّرافي إلى أنّ النّاصب في المثال كان محذوفة تامة صلة لإذا و إذا فان قلت ذلك و هو بلح فالمقدر اذا و ان قلته و هو تمر فالمقدر إذ، و الصاحبان المضمران في كان لا المضمر في أطيب، و المجرور بمن و قدم الظرف يعنى إذا و إذا على أطيب لاتساعهم في الظروف و لهذا جاز كلّ يوم لك ثوب و لم يجز زيد جالسا في الدّار و كيف كان فقد اتفق الفريقان بعد اختلافهم في عامل الحال على وجوب تقديم أحد الحالين على اسم التفضيل و تأخير الآخر ليظهر الفضل بين المفضّل و المفضّل عليه إذ لو أخّرا جميعا حصل الالتباس.

فان قيل: إن جعل أحدهما تاليا لأفعل لا يحصل الالتباس، قلنا يؤدّى إلى الفصل بين أفعل و بين من و مجرورها و هو غير جايز لكونهما بمنزلة الصّلة و الموصول فان قلت: فكيف فصّل بالظرف في كلام الامام عليه السّلام قلت: ذلك فصل جايز للاتّساع في الظروف بما لا يتّسع في غيره

المعنى

اعلم أنّ المستفاد من الروايات الآتية و غيرها في سبب هذا الكلام هو أنّ خلفاء الجور بعد ما غيّروا سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سيرته التي كان يسيرها من العدل بالقسمة و المواساة بين الرّعية، ففضّلوا العرب على العجم، و الموالي على العبيد، و الرؤساء على السفلة، و آثر عثمان أقاربه من بني امية على ساير الناس و جرى على ذلك ديدنهم سنين عديدة، و اعتاد الناس ذلك أزمنة متطاولة حتّى نسوا سيرة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و كان غرض الطالبين لبيعته عليه السّلام أن يسير عليه السّلام فيهم مثل سيرة من سبق عليه من المتخلّفين من تفضيل الشريف على الوضيع، و كان عليه السّلام تفرّس ذلك منهم و عرفه من و جنات حالهم.

خاطبهم بهذا الكلام إتماما للحجّة و إعلاما لهم بأنّه عليه السّلام إن قام فيهم بالأمر لا يجيبهم إلى ما طمعوا فيه من الترجيح و التفضيل فقال عليه السّلام (دعوني و التمسوا غيرى) للبيعة (فانّا مستقبلون أمرا له وجوه و ألوان) و هو إنذار لهم بالحرب و إخبار عن ظهور الفتنة و اختلاف الكلمات و تشتّت الآراء و تفرّق الأهواء، يعنى أنّى إن أجبت إلى ملتمسكم فلا بدّ من ابتلاء أمر له أحكام صعبة و تكاليف شاقة من محاربة الناكثين و القاسطين و المارقين و التسوية في القسمة و العدل بين الرّعيّة الى غير ذلك و هو مما (لا تقوم له القلوب) أى لا تصبر عليه (و لا تثبت عليه العقول) بل تنكره (و انّ الآفاق قد أغامت) أى أظلمت بظهور البدع و خفاء شمس الحقّ تحت سحاب شبه أهل الباطل (و المحجّة قد تنكّرت) أراد به تغيّر الحنيفية البيضاء و الملّة الغرّاء و جهالة جادّة الحقّ (و اعلموا أنّي إن إن أجبتكم) إلى ما تلتمسونه منّي (ركبت بكم ما أعلم) أى جعلتكم راكبين على محض الحقّ و أسير فيكم بسيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (و لم أصغ إلى قول القائل و عتب العاتب) أى لم يأخذني في اللّه لومة لائم (و إن تركتموني فأنا كأحدكم) يعنى إن تركتموني فهو أنفع لكم و أرفه لحالكم لأنّى حينئذ أكون مثل واحد منكم و المراد بتركهم إيّاه عدم طاعتهم له و اختيار غيره للبيعة حتى لا تتمّ شرايط الخلافة لعدم النّاصر كما قال في الخطبة الشقشقيّة: لو لا حضور الحاضر و قيام الحجّة بوجود النّاصر لألقيت حبلها على غاربها، و ليس الغرض ردعهم عن البيعة الواجبة بل إتمام للحجة و توطئة لابطال ما علم عليه السّلام منهم من ادعاء الاكراه بعد البيعة كما فعل طلحة و الزّبير بعد النّكث و قوله (و لعلّى أسمعكم و أطوعكم لمن و ليتموه أمركم) لعلّه عليه السّلام أراد أنه إذا تولى الغير أمر الامامة و لم تتم الشرائط في خلافته عليه السّلام لم يكن ليعدل عن مقتضى التقيّة فيكون أكثر الناس إطاعة لوالي الأمر بخلاف ساير النّاس فانّه يجوز عليهم الخطاء (و أنا لكم وزيرا خير لكم منّي أميرا) يعني وزارتي خير لكم من امارتي، لأنّ فيه موافقة الغرض أو سهولة الحال في الدنيا، فانّه على تقدير الامارة و بسط اليد يجب عليه القيام بمحض الحق و هو صعب على النفوس و لا يحصل به آمال الطامعين بخلاف ما إذا كان وزيرا فانّ تكليف الوزير هو الاشارة بالرأى مع تجويز التأثير في الأمير و عدم الخوف و نحوه من شرايط الأمر بالمعروف، و لعلّ الأمير الذي يولّونه الأمر يرى في كثير من الامور ما يوافق آمال القوم و يطابق أطماعهم و لا يعمل بما يشير الوزير فيكون وزارته أوفق لمقصود القوم فالحاصل أنّ ما قصد تموه و طمعتم فيه من بيعتي لا يتمّ لكم، و وزارتي أوفق لغرضكم، و المقصود إتمام الحجّة و إفهام حقيقة الأمر كيلا يعترضوا عليه بعد البيعة إذا لم يحصل غرضهم منه عليه السّلام و لا يقولوا: إنّا كنّا عن هذا غافلين، هذا.

و اعلم أنّ ما ذكرته في شرح هذا الكلام له عليه السّلام هو الذي ينبغي أن يحمل الكلام عليه و هو أقرب و أظهر ممّا قاله الشّارح البحراني «قد» من أنّ مراده عليه السّلام بكلامه ذلك هو التمنّع عليهم لتقوى رغبتهم إليه، فانّه لا بدّ لكلّ مطلوب على أمر من تعزّز فيه و تمنّع، و الحكمة في ذلك أنّ الطالب له يكون بذلك أرغب فيما يطلب فانّ الطبع حريص على ما منع، سريع النفرة عمّا سورع إلى اجابته فيه.

و أمّا الشّارح المعتزلي فقد تمشّى فيه على مذهبه و قال: هذا الكلام يحمله أصحابنا على ظاهره و يقولون: إنّه عليه السّلام لم يكن منصوصا عليه بالامامة من جهة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إن كان أولى النّاس بها و أحقّهم بمنزلتها، لأنه لو كان منصوصا عليه بالامامة من جهة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لما جاز له أن يقول: دعونى و التمسوا غيرى، و لا أن يقول: و لعلّي أسمعكم و أطوعكم لمن و ليتموه أمركم، و لا أن يقول: و أنا لكم وزيرا خير لكم منّى أميرا.

ثمّ ذكر تأويل الامامية بأنّ الخطاب للطالبين منه أن يسير فيهم مثل سيرة الخلفاء بتفضيل بعضهم على بعض في القسمة و العطاء، فاستعفاهم و سألهم أن يطلبوا غيره ممن يسير بسيرتهما إلى أن قال: و قد حمل بعضهم كلامه عليه السّلام على محمل آخر فقال: هذا كلام مستزيد شاك من أصحابه يقول عليه السّلام لهم: دعوني و التمسوا غيري، على طريق التّضجر منهم و التّسخط لأفعالهم، لأنّهم كانوا عدلوا عنه من قبل و اختاروا غيره عليه فلما طلبوه بعد أجابهم جواب العاتب المتسخّط ثمّ قال: و حمل قوم منهم الكلام على وجه آخر فقالوا: إنّه أخرجه مخرج التّهكّم و السّخرية، أى أنا لكم وزيرا خير منّى لكم أميرا فيما تعتقدونه كما قال سبحانه: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ.

أى بزعمك و اعتقادك ثمّ قال: و اعلم أنّ ما ذكروه ليس ببعيد أن يحمل الكلام عليه لو كان الدّليل قد دلّ على ذلك، فأمّا إذا لم يدلّ عليه دليل فلا يجوز صرف اللّفظ عن ظاهره. و نحن نتمسّك بالظاهر إلى أن يقوم دلالة على مذهبهم تصدّنا عن حمل اللّفظ على ظاهره، و لو جاز أن يصرف الألفاظ عن ظواهرها لغير دليل قاهر يصدّ عنها لم يبق وثوق بكلام اللّه عزّ و جلّ و بكلام رسوله، انتهى كلامه هبط مقامه.

و أورد عليه المحدّث العلامة المجلسىّ طاب رمسه في المجلّد الثّامن من البحار بعد نقل كلامه بقوله: و لا يخفى على اللّبيب بعد الغماض عن الأدلّة القاهرة و النّصوص المتواترة لا فرق بين المذهبين في وجوب التّأويل و لا يستقيم الحمل على ظاهره إلّا على القول بأنّ إمامته عليه السّلام كان مرجوحا و أنّ كونه وزيرا كان أولى من كونه أميرا، و هو ينافي القول بالتفضيل الذي قال به، فانّه عليه السّلام إذا كان أحقّ بالامامة و بطل تفضيل المفضول على ما هو الحقّ و اختاره أيضا كيف يجوز للناس أن يعدلوا عنه إلى غيره و كيف يجوز له عليه السّلام أن يأمر الناس بتركه و العدول عنه‏ إلى غيره مع عدم ضرورة تدعو إلى ترك الامامة و مع وجود الضّرورة كما جاز ترك الامامة الواجبة بالدّليل جاز ترك الامامة المنصوص عليها، فالتأويل واجب على التقديرين و لا نعلم أحدا قال بتفضيل غيره عليه و رجحان العدول إلى أحد سواه في ذلك الزمان، على أنّ الظّاهر للمتأمّل في أجزاء الكلام حيث علّل الأمر بالتماس الغير باستقبال أمر لا تقوم له القلوب و لا تثبت عليه العقول و يتنكّر المحجة و أنّه إن أجابهم حملهم على محض الحقّ، هو أنّ السّبب في ذلك وجود المانع دون عدم النّص و أنّه لم يكن متعيّنا للامامة أو لم يكن أحقّ و أولى به و نحو ذلك

تنبيه

متضمّن لبعض الأخبار المناسبة للمقام، قال ابن الأثير في المحكيّ عنه في كتاب الكامل: لما قتل عثمان اجتمع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من المهاجرين و الأنصار و فيهم طلحة و الزّبير فأتوا عليّا عليه السّلام فقالوا له لا بدّ للناس من إمام، قال: لا حاجة لي في أمركم فمن اخترتم رضيت به، فقالوا: ما نختار غيرك و تردّدوا إليه مرارا و قالوا في آخر ذلك: إنّا لا نعلم أحدا أحقّ به منك و لا أقدم سابقة و لا أقرب قرابة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقال عليه السّلام: لا تفعلوا فاني أكون وزيرا خير من أن أكون أميرا، فقالوا، و اللّه ما نحن بفاعلين حتّى نبايعك.

قال عليه السّلام: ففي المسجد فانّ بيعتي لا يكون خفيّا و لا يكون إلّا في المسجد و كان عليه السّلام في بيته، و قيل: في حايط لبني عمرو بن منذر، فخرج إلى المسجد و عليه ازار و قميص و عمامة خز و نعلاه في يده متوكّئا على قوسه، فبايعه الناس فكان أوّل من بايعه طلحة بن عبيد اللّه، فنظر إليه حبيب بن ذويب فقال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، أوّل من بدأ بالبيعة يد شلاء لا يتمّ هذا الأمر، و بايعه الزبير و قالا بعد ذلك: إنما صنعنا ذلك خشية على أنفسنا، و هربا إلى مكّة بعد قتل عثمان بأربعة أشهر و بايعه الناس و جاءوا بسعد بن أبي وقاص فقال عليّ عليه السّلام: بايع، قال: لا حتّى يبايع النّاس و اللّه ما عليك منّي بأس، فقال عليه السّلام: خلّوا سبيله، و جاءوا بابن عمر فقالوا: بايع‏

فقال: لا حتى يبايع الناس، قال: ائتني بكفيل قال، لا أرى كفيلا، قال الأشتر: دعنى أضرب عنقه قال عليه السّلام: دعوه أنا كفيله.

و بايعت الأنصار إلّا نفرا يسيرا منهم حسان بن ثابت، و كعب بن مالك، و مسلمة بن مخلد، و أبو سعيد الخدري، و محمّد بن مسلمة، و النعمان بن بشير، و زيد ابن ثابت، و كعب بن مالك، و رافع خديج، و فضالة بن عبيد، و كعب بن عجرة كانوا عثمانية فأمّا النعمان بن بشير فانه أخذ أصابع نائلة امرئة عثمان التي قطعت و قميص عثمان الذي قتل فيه، فلحق بالشام فكان معاوية يعلّق قميص عثمان و فيه الأصابع فاذا رأوا ذلك أهل الشام ازدادوا غيظا وجدّوا في أمرهم قال: و روى أنهم لمّا أتوا عليّا عليه السّلام ليبايعوه قال: دعوني و التمسوا غيري فانّا مستقبلون أمرا له وجوه و ألوان لا تقوم له القلوب و لا تثبت عليه العقول، فقالوا ننشدك اللّه ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى الاسلام ألا ترى الفتنة ألا تخاف اللّه فقال: قد أجبتكم و اعلموا أني إن أجبتكم أركب بكم ما أعلم فان تركتموني فانما أنا كأحدكم إلّا أنّي من أسمعكم و أطوعكم لمن و ليتموه و روى الشّارح المعتزلي عن الطبري و غيره أنّ الناس غشوه و تكاثروا عليه يطلبون مبايعته و هو عليه السّلام يأبى ذلك و يقول: دعونى و التمسوا غيرى فانّا مستقبلون أمرا له وجوه و ألوان لا تثبت عليه العقول و لا تقوم له القلوب، قالوا: ننشدك اللّه ألا ترى الفتنة ألا ترى إلى ما حدث في الاسلام ألا تخاف اللّه فقال عليه السّلام: قد أجبتكم لما أرى منكم و اعلموا أنى إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم و إن تركتموني فانّما أنا كأحدكم بل أنا أسمعكم و أطوعكم لمن و ليتموه أمركم، فقالوا: ما نحن بتاركيك.

قال عليه السّلام: إن كان لا بدّ من ذلك ففي المسجد إنّ بيعتي لا يكون خفيّا و لا يكون إلّا عن رضاء المسلمين و في ملاء و جماعة، فقام و النّاس حوله فدخل المسجد و انثال عليه المسلمون فبايعوه و فيهم طلحة و الزبير و في البحار من المناقب في جمل أنساب الأشراف أنه قال الشعبي في خبر:

لما قتل عثمان أقبل الناس إلى عليّ عليه السّلام ليبايعوه و مالوا إليه فمدّوا يده فكفّها، و بسطوها فقبضها حتّى بايعوه و في ساير التواريخ أنّ أوّل من بايعه طلحة بن عبد اللّه و كانت أصبعه اصيبت يوم أحد فشلّت، فبصر بها أعرابيّ حين بايع فقال: ابتدأ هذا الأمريد شلاء لا يتمّ، ثمّ بايعه الناس فى المسجد، و يروى أنّ الرّجل كان عبيد بن ذويب فقال: يد شلاء و بيعة لا يتمّ و فى البحار و بويع يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجّة سنة خمس و ثلاثين من الهجرة، و عن المعلّى بن خنيس عن أبي عبد اللّه عليه السّلام انّ اليوم الذي بويع فيه أمير المؤمنين ثانية كان يوم النيروز، هذا و لمّا بويع عليه السّلام انشأ عطيّة هذه الأبيات:

رأيت عليّا خير من وطى‏ء الحصا
و أكرم خلق اللّه من بعد أحمد

وصيّ رسول المرتضى و ابن عمّه‏
و فارسه المشهور في كلّ مشهد

تخيّره الرّحمن من خير اسرة
لأطهر مولود و أطيب مولد

إذا نحن بايعنا عليّا فحسبنا

ببيعته بعد النبيّ محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم‏

و أنشأ خزيمة بن ثابت

إذا نحن بايعنا عليّا فحسبنا
أبو حسن ممّا نخاف من الفتن‏

وجدناه أولى النّاس بالنّاس انه‏
أطبّ قريش بالكتاب و بالسنن‏

و انّ قريشا لا تشقّ غباره
إذا ما جرى يوما على ضمر البدن‏

ففيه الذي فيهم من الخير كلّه‏
و ما فيهم مثل الذي فيه من حسن‏

وصيّ رسول اللّه من دون أهله
و فارسه قد كان في سالف الزّمن‏

و أوّل من صلّى من الناس كلّهم‏
سوى خيرة النسوان و اللّه ذى المنن‏

و صاحب كبش القوم في كلّ وقعة
يكون لها نفس الشجاع لدى الذقن‏

فداك الذي تثنى الخناصر باسمه‏
إمامهم حتّى اغيّب في الكفن‏

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن إمام عالي مقام است وقتى كه اراده شد بر بيعت‏ بعد از كشته شدن عثمان بى‏ايمان مى‏فرمايد: ترك نمائيد مرا از اين كار و معاف بداريد و طلب كنيد غير مرا پس بدرستي كه ما استقبال نمايندگانيم كارى را كه مر او را است وجهها و رنگهاى گوناگون كه نمى‏ايستد و صبر نمى‏ نمايد آن كار را قلبها، و ثابت نمى ‏شود بر آن عقلها، و بدرستى كه آفاق و اطراف عالم را ظلمت گرفته و راه روشن شريعت تغيير يافته، و بدانيد اين كه بدرستي من اگر اجابت نمايم و قبول كنم حرف شما را سوار گردانم شما را به آن چه كه خودم مى‏ دانم و گوش نمى ‏دهم بگفتار گوينده و ملامت ملامت كننده، و اگر بگذاريد مرا بحال خود و معذور بداريد پس من مى ‏باشم مثل يكى از شماها، و شايد اين كه گوش دادن و اطاعت نمودن من بيشتر از شماها باشد بكسى كه والى امر خود قرار بدهيد، و من از براى شما در حالتى كه وزير باشم بهترم از براى شما از من در حالتى كه أمير باشم زيرا كه در حالت أمارت و بسط يد تكليف من قيام نمودنست بمحض حق و آن صعب است در حق أكثر مردم، و أما در حالت وزارت تكليف من نصيحت است و مشاورت و بس خواه و الى امر قبول نمايد و خواه قبول ننمايد

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 90/4 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)خطبة الأشباح -القسم الرابع

خطبه 91 صبحی صالح

91- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) تعرف بخطبة الأشباح

و هي من جلائل خطبه ( عليه‏ السلام  )

روى مسعدة بن صدقة عن الصادق جعفر بن محمد ( عليهماالسلام  ) أنه قال:

خطب أمير المؤمنين بهذه الخطبة على منبر الكوفة

و ذلك أن رجلا أتاه فقال له يا أمير المؤمنين صف لنا ربنا مثل ما نراه عيانا لنزداد له حبا و به معرفة

فغضب و نادى الصلاة جامعة

فاجتمع الناس حتى غص المسجد بأهله

فصعد المنبر و هو مغضب متغير اللون

فحمد الله و أثنى عليه

و صلى على النبي ( صلى ‏الله ‏عليه ‏وآله  ) ثم قال

وصف اللّه تعالى‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَفِرُهُ الْمَنْعُ وَ الْجُمُودُ

وَ لَا يُكْدِيهِ الْإِعْطَاءُ وَ الْجُودُ

إِذْ كُلُّ مُعْطٍ مُنْتَقِصٌ سِوَاهُ

وَ كُلُّ مَانِعٍ مَذْمُومٌ مَا خَلَاهُ

وَ هُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النِّعَمِ

وَ عَوَائِدِ الْمَزِيدِ وَ الْقِسَمِ

عِيَالُهُ الْخَلَائِقُ

ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ

وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ

وَ نَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِبِينَ إِلَيْهِ

وَ الطَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ

وَ لَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلْ

الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلٌ فَيَكُونَ شَيْ‏ءٌ قَبْلَهُ

وَ الْآخِرُ الَّذِي لَيْسَ لهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ شَيْ‏ءٌ بَعْدَهُ

وَ الرَّادِعُ أَنَاسِيَّ الْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِكَهُ

مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرٌ فَيَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ

وَ لَا كَانَ فِي مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ

وَ لَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ

وَ ضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ

مِنْ فِلِزِّ اللُّجَيْنِ وَ الْعِقْيَانِ

وَ نُثَارَةِ الدُّرِّ

وَ حَصِيدِ الْمَرْجَانِ

مَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ

وَ لَا أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ

وَ لَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الْأَنْعَامِ‏

مَا لَا تُنْفِدُهُ

مَطَالِبُ الْأَنَامِ

لِأَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِي لَا يَغِيضُهُ سُؤَالُ السَّائِلِينَ

وَ لَا يُبْخِلُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ

صفاته تعالى في القرآن‏

فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ

فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ

وَ اسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ

وَ مَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ

وَ لَا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ ( صلى‏ الله‏ عليه ‏وآله  )وَ أَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ

فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ

فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ اللَّهِ عَلَيْكَ

وَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ

هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ

الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ

الْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ

فَمَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً

وَ سَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً

فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ

وَ لَا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ

فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ

هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي

إِذَا ارْتَمَتِ الْأَوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ

وَ حَاوَلَ الْفِكْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطَرَاتِ الْوَسَاوِسِ

أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ

وَ تَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ

لِتَجْرِيَ فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ

وَ غَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ لَا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ لِتَنَاوُلِ عِلْمِ ذَاتِهِ رَدَعَهَا

وَ هِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ

مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ‏

فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ

مُعْتَرِفَةً بِأَنَّهُ لَا يُنَالُ بِجَوْرِ الِاعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ

وَ لَا تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلَالِ عِزَّتِه

الَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ امْتَثَلَهُ

وَ لَا مِقْدَارٍ احْتَذَى عَلَيْهِ مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ كَانَ قَبْلَهُ

وَ أَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ

وَ عَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ

وَ اعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوَّتِهِ

مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ

فَظَهَرَتِ الْبَدَائِعُ الَّتِي أَحْدَثَتْهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ

وَ أَعْلَامُ حِكْمَتِهِ

فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ وَ دَلِيلًا عَلَيْهِ

وَ إِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً

فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ

وَ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ قَائِمَةٌ

فَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَايُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِكَ

وَ تَلَاحُمِ حِقَاقِ مَفَاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ

لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ

وَ لَمْ يُبَاشِرْ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لَا نِدَّ لَكَ

وَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّؤَ التَّابِعِينَ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ

إِذْ يَقُولُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ

 إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ‏

كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِكَ

إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ

وَ نَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ

وَ جَزَّءُوكَ تَجْزِئَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ

وَ قَدَّرُوكَ عَلَى الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقُوَى بِقَرَائِحِ عُقُولِهِمْ

وَ أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ

وَ الْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ

وَ نَطَقَتْ عَنْهُ‏

شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيِّنَاتِكَ

وَ إِنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ

فَتَكُونَ فِي مَهَبِّ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً

وَ لَا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا فَتَكُونَ مَحْدُوداً مُصَرَّفاً

و منهاقَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ

وَ دَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ

وَ وَجَّهَهُ لِوِجْهَتِهِ

فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ

وَ لَمْ يَقْصُرْ دُونَ الِانْتِهَاءِ إِلَى غَايَتِهِ

وَ لَمْ يَسْتَصْعِبْ إِذْ أُمِرَ بِالْمُضِيِّ عَلَى إِرَادَتِهِ

فَكَيْفَ وَ إِنَّمَا صَدَرَتِ الْأُمُورُ عَنْ مَشِيئَتِهِ

الْمُنْشِئُ أَصْنَافَ الْأَشْيَاءِ بِلَا رَوِيَّةِ فِكْرٍ آلَ إِلَيْهَا

وَ لَا قَرِيحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا

وَ لَا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ

وَ لَا شَرِيكٍ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الْأُمُورِ

فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ

وَ أَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ

وَ أَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ

لَمْ يَعْتَرِضْ دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِئِ

وَ لَا أَنَاةُ الْمُتَلَكِّئِ

فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوَدَهَا

وَ نَهَجَ حُدُودَهَا

وَ لَاءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادِّهَا

وَ وَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا

وَ فَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُخْتَلِفَاتٍ فِي الْحُدُودِ وَ الْأَقْدَارِ

وَ الْغَرَائِزِ وَ الْهَيْئَاتِ

بَدَايَا خَلَائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا

وَ فَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَ ابْتَدَعَهَا

و منها في صفة السماء

وَ نَظَمَ بِلَا تَعْلِيقٍ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا

وَ لَاحَمَ صُدُوعَ انْفِرَاجِهَا

وَ وَشَّجَ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ أَزْوَاجِهَا

وَ ذَلَّلَ لِلْهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ

وَ الصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ حُزُونَةَ مِعْرَاجِهَا

وَ نَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانٌ

فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا

وَ فَتَقَ بَعْدَ الِارْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا

وَ أَقَامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا

وَ أَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تُمُورَ فِي خَرْقِ الْهَوَاءِ بِأَيْدِهِ

وَ أَمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةً لِأَمْرِهِ

وَ جَعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا

وَ قَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِهَا

وَ أَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا

وَ قَدَّرَ سَيْرَهُمَا فِي مَدَارِجِ دَرَجِهِمَا

لِيُمَيِّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ بِهِمَا

وَ لِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ وَ الْحِسَابُ بِمَقَادِيرِهِمَا

ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوِّهَا فَلَكَهَا

وَ نَاطَ بِهَا زِينَتَهَا مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيِّهَا

وَ مَصَابِيحِ كَوَاكِبِهَا

وَ رَمَى مُسْتَرِقِي السَّمْعِ بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا

وَ أَجْرَاهَا عَلَى أَذْلَالِ تَسْخِيرِهَا

مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا

وَ مَسِيرِ سَائِرِهَا

وَ هُبُوطِهَا وَ صُعُودِهَا

وَ نُحُوسِهَا وَ سُعُودِهَا

و منها في صفة الملائكة

ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لِإِسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ

وَ عِمَارَةِ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ

خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلَائِكَتِهِ

وَ مَلَأَ بِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا

وَ حَشَا بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِهَا

وَ بَيْنَ فَجَوَاتِ تِلْكَ الْفُرُوجِ زَجَلُ الْمُسَبِّحِينَ مِنْهُمْ فِي حَظَائِرِ الْقُدُسِ

وَ سُتُرَاتِ الْحُجُبِ

وَ سُرَادِقَاتِ الْمَجْدِ وَ وَرَاءَ ذَلِكَ الرَّجِيجِ

الَّذِي تَسْتَكُّ مِنْهُ الْأَسْمَاعُ

سُبُحَاتُ نُورٍ تَرْدَعُ الْأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا

فَتَقِفُ خَاسِئَةً عَلَى حُدُودِهَا.

وَ أَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ

وَ أَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ

 أُولِي أَجْنِحَةٍ

تُسَبِّحُ جَلَالَ عِزَّتِهِ

لَا يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ

وَ لَا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مَعَهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ

 بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ

 لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‏

جَعَلَهُمُ اللَّهُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الْأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ

وَ حَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ

وَ عَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ

فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ عَنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ

وَ أَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ الْمَعُونَةِ

وَ أَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ السَّكِينَةِ

وَ فَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلًا إِلَى تَمَاجِيدِهِ

وَ نَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلَى أَعْلَامِ تَوْحِيدِهِ

لَمْ تُثْقِلْهُمْ مُؤْصِرَاتُ الْآثَامِ

وَ لَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ

وَ لَمْ تَرْمِ الشُّكُوكُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ

وَ لَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ

وَ لَا قَدَحَتْ قَادِحَةُ الْإِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ

وَ لَا سَلَبَتْهُمُ الْحَيْرَةُ مَا لَاقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ

وَ مَا سَكَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَ هَيْبَةِ جَلَالَتِهِ فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ

وَ لَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَيْنِهَا عَلَى فِكْرِهِمْ

وَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَامِ‏ الدُّلَّحِ

وَ فِي عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ

وَ فِي قَتْرَةِ الظَّلَامِ الْأَيْهَمِ

وَ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الْأَرْضِ السُّفْلَى

فَهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضٍ

قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ الْهَوَاءِ

وَ تَحْتَهَا رِيحٌ هَفَّافَةٌ تَحْبِسُهَا عَلَى حَيْثُ انْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَةِ

قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ

وَ وَصَلَتْ حَقَائِقُ الْإِيمَانِ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ

وَ قَطَعَهُمُ الْإِيقَانُ بِهِ إِلَى الْوَلَهِ إِلَيْهِ

وَ لَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ

قَدْ ذَاقُوا حَلَاوَةَ مَعْرِفَتِهِ

وَ شَرِبُوا بِالْكَأْسِ الرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ

وَ تَمَكَّنَتْ مِنْ سُوَيْدَاءِ

قُلُوبِهِمْ وَشِيجَةُ خِيفَتِهِ

فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ

وَ لَمْ يُنْفِدْ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ

وَ لَا أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الزُّلْفَةِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ

وَ لَمْ يَتَوَلَّهُمُ الْإِعْجَابُ فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ

وَ لَا تَرَكَتْ لَهُمُ اسْتِكَانَةُ الْإِجْلَالِ نَصِيباً فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ

وَ لَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فِيهِمْ عَلَى طُولِ دُءُوبِهِمْ

وَ لَمْ تَغِضْ رَغَبَاتُهُمْ فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ

وَ لَمْ تَجِفَّ لِطُولِ الْمُنَاجَاةِ أَسَلَاتُ أَلْسِنَتِهِمْ

وَ لَا مَلَكَتْهُمُ الْأَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ الْجُؤَارِ إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ

وَ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي مَقَاوِمِ الطَّاعَةِ مَنَاكِبُهُمْ

وَ لَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ.

وَ لَا تَعْدُو عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِمْ بَلَادَةُ الْغَفَلَاتِ

وَ لَا تَنْتَضِلُ فِي هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ

قَدِاتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةً لِيَوْمِ فَاقَتِهِمْ

وَ يَمَّمُوهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهِمْ

لَا يَقْطَعُونَ أَمَدَ غَايَةِ عِبَادَتِهِ

وَ لَا يَرْجِعُ بِهِمُ الِاسْتِهْتَارُ بِلُزُومِ طَاعَتِهِ

إِلَّا إِلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ وَ مَخَافَتِهِ

لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُمْ

فَيَنُوا فِي جِدِّهِمْ

وَ لَمْ تَأْسِرْهُمُ الْأَطْمَاعُ فَيُؤْثِرُوا وَشِيكَ السَّعْيِ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ

لَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ

وَ لَوِ اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ لَنَسَخَ الرَّجَاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ

وَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ

وَ لَمْ يُفَرِّقْهُمْ سُوءُ التَّقَاطُعِ

وَ لَا تَوَلَّاهُمْ غِلُّ التَّحَاسُدِ

وَ لَا تَشَعَّبَتْهُمْ مَصَارِفُ الرِّيَبِ

وَ لَا اقْتَسَمَتْهُمْ أَخْيَافُ الْهِمَمِ

فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيمَانٍ

لَمْ يَفُكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيْغٌ وَ لَا عُدُولٌ وَ لَا وَنًى وَ لَا فُتُورٌ

وَ لَيْسَ فِي أَطْبَاقِ السَّمَاءِ مَوْضِعُ إِهَابٍ إِلَّا وَ عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ

أَوْ سَاعٍ حَافِدٌ

يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً

وَ تَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً

و منها في صفة الأرض و دحوها على الماء

كَبَسَ الْأَرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجٍ مُسْتَفْحِلَةٍ

وَ لُجَجِ بِحَارٍ زَاخِرَةٍ

تَلْتَطِمُ أَوَاذِيُّ أَمْوَاجِهَا

وَ تَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَثْبَاجِهَا

وَ تَرْغُو زَبَداً كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا

فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلَاطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا

وَ سَكَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ‏ بِكَلْكَلِهَا

وَ ذَلَّ مُسْتَخْذِياً

إِذْ تَمَعَّكَتْ عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا

فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ

سَاجِياً مَقْهُوراً

وَ فِي حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً

وَ سَكَنَتِ الْأَرْضُ مَدْحُوَّةً فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ

وَ رَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ بَأْوِهِ وَ اعْتِلَائِهِ

وَ شُمُوخِ أَنْفِهِ وَ سُمُوِّ غُلَوَائِهِ

وَ كَعَمَتْهُ عَلَى كِظَّةِ جَرْيَتِهِ

فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ

وَ لَبَدَ بَعْدَ زَيَفَانِ وَثَبَاتِهِ

فَلَمَّا سَكَنَ هَيْجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِهَا

وَ حَمْلِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ الْبُذَّخِ عَلَى أَكْتَافِهَا

فَجَّرَ يَنَابِيعَ الْعُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أُنُوفِهَا

وَ فَرَّقَهَا فِي سُهُوبِ بِيدِهَا وَ أَخَادِيدِهَا

وَ عَدَّلَ حَرَكَاتِهَا بِالرَّاسِيَاتِ مِنْ جَلَامِيدِهَا

وَ ذَوَاتِ الشَّنَاخِيبِ الشُّمِّ مِنْ صَيَاخِيدِهَا

فَسَكَنَتْ مِنَ الْمَيَدَانِ لِرُسُوبِ الْجِبَالِ فِي قِطَعِ أَدِيمِهَا وَ تَغَلْغُلِهَا

مُتَسَرِّبَةً فِي جَوْبَاتِ خَيَاشِيمِهَا

وَ رُكُوبِهَا أَعْنَاقَ سُهُولِ الْأَرَضِينَ وَ جَرَاثِيمِهَا

وَ فَسَحَ بَيْنَ الْجَوِّ وَ بَيْنَهَا

وَ أَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً لِسَاكِنِهَا

وَ أَخْرَجَ إِلَيْهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَامِ مَرَافِقِهَا

ثُمَّ لَمْ يَدَعْ جُرُزَ الْأَرْضِ الَّتِي تَقْصُرُ مِيَاهُ الْعُيُونِ عَنْ رَوَابِيهَا

وَ لَا تَجِدُ جَدَاوِلُ الْأَنْهَارِ ذَرِيعَةً إِلَى بُلُوغِهَا

حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَاتَهَا

وَ تَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا

أَلَّفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهِ

وَ تَبَايُنِ قَزَعِهِ

حَتَّى إِذَا تَمَخَّضَتْ لُجَّةُالْمُزْنِ فِيهِ

وَ الْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي كُفَفِهِ

وَ لَمْ يَنَمْ وَمِيضُهُ فِي كَنَهْوَرِ رَبَابِهِ

وَ مُتَرَاكِمِ سَحَابِهِ

أَرْسَلَهُ سَحّاً مُتَدَارِكاً

قَدْ أَسَفَّ هَيْدَبُهُ

تَمْرِيهِ الْجَنُوبُ دِرَرَ أَهَاضِيبِهِ

وَ دُفَعَ شَآبِيبِهِ.

فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْكَ بِوَانَيْهَا

وَ بَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْ‏ءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا

أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الْأَرْضِ النَّبَاتَ

وَ مِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الْأَعْشَابَ

فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا

وَ تَزْدَهِي بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطِ أَزَاهِيرِهَا

وَ حِلْيَةِ مَا سُمِطَتْ بِهِ مِنْ نَاضِرِ أَنْوَارِهَا

وَ جَعَلَ ذَلِكَ بَلَاغاً لِلْأَنَامِ

وَ رِزْقاً لِلْأَنْعَامِ

وَ خَرَقَ الْفِجَاجَ فِي آفَاقِهَا

وَ أَقَامَ الْمَنَارَ لِلسَّالِكِينَ عَلَى جَوَادِّ طُرُقِهَا

فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ

وَ أَنْفَذَ أَمْرَهُ

اخْتَارَ آدَمَ ( عليه‏ السلام  )خِيرَةً مِنْ خَلْقِهِ

وَ جَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ

وَ أَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ

وَ أَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ

وَ أَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ

وَ أَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ

وَ الْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ

فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ

مُوَافَاةً لِسَابِقِ عِلْمِهِ

فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ

وَ لِيُقِيمَ الْحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ

وَ لَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ

مِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ

وَ يَصِلُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ

بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ عَلَى أَلْسُنِ الْخِيَرَةِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ

وَ مُتَحَمِّلِي وَدَائِعِ رِسَالَاتِهِ

قَرْناً فَقَرْناً

حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ( صلى‏ الله‏ عليه‏ وسلم  )حُجَّتُهُ

وَ بَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذْرُهُ وَ نُذُرُهُ

وَ قَدَّرَ الْأَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَ قَلَّلَهَا

وَ قَسَّمَهَا عَلَى الضِّيقِ وَ السَّعَةِ فَعَدَلَ فِيهَا

لِيَبْتَلِيَ مَنْ أَرَادَ بِمَيْسُورِهَا وَ مَعْسُورِهَا

وَ لِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ الشُّكْرَ وَ الصَّبْرَ مِنْ غَنِيِّهَا وَ فَقِيرِهَا

ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ فَاقَتِهَا

وَ بِسَلَامَتِهَا طَوَارِقَ آفَاتِهَا

وَ بِفُرَجِ أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا

وَ خَلَقَ الْآجَالَ فَأَطَالَهَا وَ قَصَّرَهَا

وَ قَدَّمَهَا وَ أَخَّرَهَا

وَ وَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا

وَ جَعَلَهُ خَالِجاً لِأَشْطَانِهَا

وَ قَاطِعاً لِمَرَائِرِ أَقْرَانِهَا

عَالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ

وَ نَجْوَى الْمُتَخَافِتِينَ

وَ خَوَاطِرِ رَجْمِ الظُّنُونِ

وَ عُقَدِ عَزِيمَاتِ الْيَقِينِ

وَ مَسَارِقِ إِيمَاضِ الْجُفُونِ

وَ مَا ضَمِنَتْهُ أَكْنَانُ الْقُلُوبِ

وَ غَيَابَاتُ الْغُيُوبِ

وَ مَا أَصْغَتْ لِاسْتِرَاقِهِ مَصَائِخُ الْأَسْمَاعِ

وَ مَصَايِفُ الذَّرِّ

وَ مَشَاتِي الْهَوَامِّ

وَ رَجْعِ الْحَنِينِ مِنَ الْمُولَهَاتِ

وَ هَمْسِ الْأَقْدَامِ

وَ مُنْفَسَحِ الثَّمَرَةِ مِنْ وَلَائِجِ غُلُفِ الْأَكْمَامِ

وَ مُنْقَمَعِ الْوُحُوشِ مِنْ غِيرَانِ الْجِبَالِ وَ أَوْدِيَتِهَا

وَ مُخْتَبَإِ الْبَعُوضِ بَيْنَ سُوقِ الْأَشْجَارِ وَ أَلْحِيَتِهَا

وَ مَغْرِزِ الْأَوْرَاقِ مِنَ الْأَفْنَانِ

وَ مَحَطِّ الْأَمْشَاجِ مِنْ مَسَارِبِ الْأَصْلَابِ

وَ نَاشِئَةِ الْغُيُومِ وَ مُتَلَاحِمِهَا

وَ دُرُورِ قَطْرِ السَّحَابِ فِي مُتَرَاكِمِهَا

وَ مَا تَسْفِي الْأَعَاصِيرُ بِذُيُولِهَا

وَ تَعْفُو الْأَمْطَارُ بِسُيُولِهَا

وَ عَوْمِ بَنَاتِ الْأَرْضِ فِي كُثْبَانِ الرِّمَالِ

وَ مُسْتَقَرِّ ذَوَاتِ الْأَجْنِحَةِ بِذُرَا شَنَاخِيبِ الْجِبَالِ

وَ تَغْرِيدِ ذَوَاتِ الْمَنْطِقِ فِي دَيَاجِيرِ الْأَوْكَارِ

وَ مَا أَوْعَبَتْهُ الْأَصْدَافُ

وَ حَضَنَتْ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ الْبِحَارِ

وَ مَا غَشِيَتْهُ سُدْفَةُ لَيْلٍ

أَوْ ذَرَّ عَلَيْهِ شَارِقُ نَهَارٍ

وَ مَا اعْتَقَبَتْ عَلَيْهِ أَطْبَاقُ الدَّيَاجِيرِ

وَ سُبُحَاتُ النُّورِ

وَ أَثَرِ كُلِّ خَطْوَةٍ

وَ حِسِّ كُلِّ حَرَكَةٍ

وَ رَجْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ

وَ تَحْرِيكِ كُلِّ شَفَةٍ

وَ مُسْتَقَرِّ كُلِّ نَسَمَةٍ

وَ مِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ وَ هَمَاهِمِ كُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ

وَ مَا عَلَيْهَا مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ

أَوْ سَاقِطِ وَرَقَةٍ

أَوْ قَرَارَةِ نُطْفَةٍ

أَوْ نُقَاعَةِ دَمٍ وَ مُضْغَةٍ

أَوْ نَاشِئَةِ خَلْقٍ وَ سُلَالَةٍ

لَمْ يَلْحَقْهُ فِي ذَلِكَ كُلْفَةٌ

وَ لَا اعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ مَا ابْتَدَعَ مِنْ خَلْقِهِ عَارِضَةٌ

وَ لَا اعْتَوَرَتْهُ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ وَ تَدَابِيرِ الْمَخْلُوقِينَ مَلَالَةٌ وَ لَا فَتْرَةٌ

بَلْ نَفَذَهُمْ عِلْمُهُ

وَ أَحْصَاهُمْ عَدَدُهُ

وَ وَسِعَهُمْ عَدْلُهُ

وَ غَمَرَهُمْ فَضْلُهُ

مَعَ تَقْصِيرِهِمْ عَنْ كُنْهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ

دعاء

اللَّهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِيلِ

وَ التَّعْدَادِ الْكَثِيرِ

إِنْ تُؤَمَّلْ فَخَيْرُ مَأْمُولٍ

وَ إِنْ تُرْجَ فَخَيْرُ مَرْجُوٍّ

اللَّهُمَّ وَ قَدْ بَسَطْتَ لِي فِيمَا لَا أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ

وَ لَا أُثْنِي بِهِ عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ

وَ لَا أُوَجِّهُهُ إِلَى مَعَادِنِ الْخَيْبَةِ وَ مَوَاضِعِ الرِّيبَةِ

وَ عَدَلْتَ بِلِسَانِي عَنْ مَدَائِحِ الْآدَمِيِّينَ وَ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْبُوبِينَ الْمَخْلُوقِينَ

اللَّهُمَّ وَ لِكُلِّ مُثْنٍ عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَثُوبَةٌ مِنْ جَزَاءٍ

أَوْ عَارِفَةٌ مِنْ عَطَاءٍ

وَ قَدْ رَجَوْتُكَ دَلِيلًا عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَةِ وَ كُنُوزِ الْمَغْفِرَةِ

اللَّهُمَّ وَ هَذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَكَ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ لَكَ

وَ لَمْ يَرَ مُسْتَحِقّاً لِهَذِهِ الْمَحَامِدِ وَ الْمَمَادِحِ غَيْرَكَ

وَ بِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ لَا يَجْبُرُ مَسْكَنَتَهَا إِلَّا فَضْلُكَ

وَ لَا يَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِهَا إِلَّا مَنُّكَ وَ جُودُكَ

فَهَبْ لَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ رِضَاكَ

وَ أَغْنِنَا عَنْ مَدِّ الْأَيْدِي إِلَى سِوَاكَ

 إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج7  

الجزء السابع

تتمة باب المختار من خطب أمير المؤمنين ع و أوامره

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

تتمة خطبه نودم

الفصل السادس

منها فى صفة الارض و دحوها على الماء كبس الأرض على مور أمواج مستفحلة، و لجج بحار زاخرة، تلتطم أو اذيّ أمواجها، و تصطفق متقاذفات أثباجها، و ترغو زبدا كالفحول عند هياجها، فخضع جماح الماء المتلاطم لثقل حملها، و سكن هيج ارتمائه إذ وطئته بكلكلها، و ذلّ مستخذئا إذ تمعّكت عليه بكواهلها، فأصبح بعد اصطحاب أمواجه ساجيا مقهورا، و في حكمة الذّلّ منقادا أسيرا، و سكنت الأرض مدحوّة في لجّة تيّاره، و ردّت من نخوة بأوه و اعتلائه، و شموخ أنفه و سموّ غلوائه، و كعمته على‏ كظّة جريته، فهمد بعد نزقاته، و لبد بعد زيفان و ثباته، فلمّا سكن هيج الماء من تحت أكنافها، و حمل شواهق الجبال البذّخ على أكنافها، فجر ينابيع العيون من عرانين أنوفها، و فرّقها في سهوب بيدها و أخاديدها، و عدّل حركاتها بالرّاسيات من جلاميدها، و ذوات الشّناخيب الشّمّ من صيا خيدها، فسكنت من الميدان برسوب الجبال في قطع أديمها و تغلغلها، متسرّبة في جوبات خياشيمها و ركوبها أعناق سهول الأرضين و جراثيمها، و فسح بين الجوّ و بينها، و أعدّ الهواء متنسّما لساكنها، و أخرج إليها أهلها على تمام مرافقها، ثمّ لم يدع جرز الأرض الّتي تقصر مياه العيون عن روابيها، و لا تجد جداول الأنهار ذريعة إلى بلوغها، حتّى أنشأ لها ناشئة سحاب تحيي مواتها، و تستخرج نباتها، ألّف غمامها بعد افتراق لمعه، و تباين قزعه، حتّى إذا تمخّضت لجّة المزن فيه، و التمع برقه في كففه، و لم ينم و ميضه في كنهور ربابه، و متراكم سحابه، أرسله سحّا متداركا قد أسف هيدبه، تمريه الجنوب درر أهاضيبه، و دفع شئابيبه، فلمّا ألقت السّحاب برك بوانيها، و بعاع ما استقلت به من العب‏ء المحمول عليها، أخرج به من هو امد الأرض النّبات، و من زعر الجبال‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 4
الأعشاب فهى تبهج بزينة رياضها، و تزد هي بما ألبسته من ريط أزاهيرها، و حلية ما سمّطت به من ناضر أنوارها، و جعل ذلك بلاغا للأنام، و رزقا للأنعام، و خرق الفجاج في آفاقها، و أقام المنار للسّالكين في جوادّ طرقها.
اللغة
(دحا) اللّه الأرض يدحوها دحوا بسطها و دحيا لغة و (كبس) الرّجل رأسه في قميصه اذا أدخله فيه و كبس البئر و النهر اذا طنّها بالتراب و فى شرح المعتزلي كبس الأرض أى أدخلها الماء بقوّة و اعتماد شديد و (استفحل) الأمر تفاقم و اشتدّ و (اللّجج) جمع اللّجة و هي معظم الماء قال سبحانه: فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ و (الأواذى) جمع الآذى بالمدّ و التشديد و هو الموج الشديد و (الصفق) الضرب يسمع له صوت و الصرف و الرّد و (الثبج) بتقديم الثاء المثلّثة على الباء الموحّدة معظم البحر و الجمع أثباج كسبب و أسباب و فى شرح المعتزلي أصل الثبج ما بين الكاهل الى الظهر و المراد أعالى الأمواج و (ترغو زبدا) من الرغا و هو صوت الابل و قيل من الرّغوة مثلّثة و هى الزّبد يعلو الشي‏ء عند غليانه يقال: رغا اللّبن أى صارت له رغوة ففيه تجريد و (جماح) الماء غليانه من جمح الفرس اذا غلب فارسه و لم يملكه و (هيج) الماء ثورانه و فورته و (الارتماء) الترامى و التقاذف و أصل (الوطى) الدّوس بالقدم و (الكلكل) بالتخفيف الصدر قال امرء القيس:
فقلت له لما تمطّى بصلبه و أردف اعجازا و ناء بكلكل‏

و ربما جاء في ضرورة الشّعر بتشديد اللام الثانية و (ذلّ) أى صار ذليلا أو ذلو لا ضدّ الصّعب و فى بعض النسخ كلّ أى عرض له الكلال من كلّ السّيف اذا لم يقطع و (المستخذى) بغير همز كما فى النسخ الخاضع و المنقاد و قد يهمز على الأصل‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 5
و (تمعّكت) الدابة تمرّغت فى التراب و (الكاهل) ما بين الكتفين و (الاصطخاب) افتعال من الصخب و هو كثرة الصّياح و اضطراب الأصوات و (الحكمة) محرّكة وزان قصبة حديدة فى اللّجام تكون على حنك الفرس تذلّلها لراكبها حتّى تمنعها الجماح و نحوه مأخوذة من الحكم و هو المنع يقال: حكمت عليه بكذا اذا منعته من خلافه فلم يقدر على الخروج منه و (التيّار) الموج و قيل أعظم الموج، و لجّته أعمقه و (النخوة) الافتخار و التعظم و الانفة و الحمية و (البأو) الكبر و الفخر يقال بأى كسعى و كدعا قليل بأوا و بأواء فخر و تكبّر و نفسه رفعها و فخربها و (شمخ) الجبل شموخا علا و طال و الرّجل بأنفه تكبّر و (الغلواء) بضم الغين المعجمة و فتح اللّام و قد تسكن الغلو و أوّل الشّباب و سرعته و مثله الغلوان بالضمّ و (كعمت) البعير من باب منع شددت فاه بالكعام و هو على وزن كتاب شي‏ء يجعل فى فيه اذا هاج لئلّا يعضّ أويأ كل و (الكظة) شي‏ء يعترى الممتلى من الطعام يقول: كظه الطعام ملأه حتى لا يطيق التنفس و اكتظّ المسيل بالماء ضاق به لكثرته أو هو من الكظاظ وزان كتاب و هو الشدّة و التّعب و طول الملازمة و (الجرية) بكسر الجيم مصدر جرى الماء أو حالة الجريان و (همدت) الريح سكنت و همود النار خمودها و (نزق) الفرس من باب نصر و ضرب و سمع نزقا و نزوقا نزى و وثب و النزقات دفعاته و (لبد) بالأرض من باب نصر لبودا لزمها و أقام بها و منها اللبد وزان صرد و كتف لمن لا يبرح منزله و لا يطلب معاشا و (زاف) البعير يزيف زيفا و زيفانا تبختر فى مشيته و فى بعض النسخ بعد زفيان و ثباته بتقديم الفاء على الياء و هو شدّة هبوب الريح يقال: زفت الريح السحاب اذا طردته و (الوثبة) الطفرة و (الأكناف) بالنون جمع الكنف محركة كالأسباب و السبب و هو الجانب و الناحية و (شواهق) الجبال عواليها و (البذخ) جمع الباذخ و هو العالى و (الينبوع) ما انفجر من الأرض من الماء و قيل الجدول الكثير الماء و (عرنين الانف) أوّله تحت مجتمع الحاجبين و (السّهب) الفلاة البعيدة الأكناف و الأطراف و (البيد) بالكسر جمع بيداء و هى الفلاة التي تبيد سالكها

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 6
أى ينقطع و يهلك و (الأخاديد) جمع الأخدود و هو الشقّ فى الأرض قال تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ.
و (الراسيات) جمع الراسية من رسى السّفينة وقفت على البحر و ارسيته قال تعالى: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَ مُرْساها.
و (الجلاميد) جمع جلمدوزان جعفر و هو الصخر كالجلمود بضمّ و (الشناخيب) جمع شنخوب بالضّم أيضا و هو أعلى الجبل و (الشم) جمع الشميم أى المرتفع و (الصياخيد) جمع الصّيخود و هي الصخرة الصلبة (فى قطع) اديمها فى بعض النسخ وزان عنب جمع قطعة بالكسر و هى الطائفة من الشي‏ء تقطع و الطائفة من الأرض اذا كانت مفروزة و في بعضها بسكون الطاء وزان حبر و هي طنفسة«» يجعلها الراكب تحته و يغطى كتفي البعير و جمعه قطوع و أقطاع و (أديم) الأرض وجهها و الأديم أيضا الجلد المدبوغ و (التغلغل) الدخول و (السّرب) محركة بيت في الأرض لا منفذله يقال: تسرب الوحش و انسرب فى جحره أى دخل و (الجوبة) الحفرة و الفرجة و (الخيشوم) أقصى الانف و (جرثومة) الشي‏ء أصله و قيل التراب المجتمع في اصول الشجرة و هو الأنسب و (فسح) له من باب منع أى وسّع و (المتنسّم) موضع التنسّم و التّنفس من تنسّم اذ اطلب النسيم و استنشقه و (مرافق) الدّار ما يستعين به أهلها و يحتاج اليه في التعيش و في القاموس مرافق الدار مصاب الماء و نحوها و (الجرز) بضمتين الأرض التي لانبات بها و لا ماء و قال تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ و (الرابية) ما ارتفع من الأرض و كذلك الربوة بالضمّ و (الجدول) وزان جعفر النهر الصغير و (ناشئة) السّحاب أوّل ما ينشأ منه أى يبتدء ظهوره، و يقال: نشأت‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 7
السّحاب اذا ارتفعت و (الغمام) جمع غمامة بالفتح فيهما و هي السحابة البيضاء و (اللّمع) على وزن صرد جمع لمعة و هي فى الأصل قطعة من النبت اذا اخذت في اليبس كأنها تلمع و تضى‏ء من بين ساير البقاع و (القزع) جمع قزعة بالتحريك فيهما و هي القطعة من الغيم و في الحديث كأنهم قزع الخريف و (تمخضت) أى تحركت بقوّة من المخض و هو تحريك السقاء الذى فيه اللّبن ليخرج زبده و (المزن) بضم الميم جمع مزنة و هي السحابة و (كففه) حواشيه و جوانبه و طرف كل شي‏ء كفه بالضمّ و عن الاصمعى كلّ ما استطال كحاشية الثوب و الرّمل فهو كفة بالضمّ و كلّ ما استدار ككفة الميزان فهو كفة بالكسر و يجوز فيه الفتح و (و ميض) البرق لمعانه و (الكنهور) وزان سفرجل قطع من السحاب كالجبال أو المتراكم منه و (الرباب) السّحاب الأبيض جمع ربابة و في شرح المعتزلي يقال: أنه السحاب الذي تراه كأنه دون السحاب و قد يكون أسود و قد يكون أبيض و (المتراكم) و المرتكم المجتمع و (السحّ) الصب و السّيلان من فوق و (تدارك) القوم اذا لحق آخرهم أولهم و (اسفّ) الطائر دنا من الأرض و (الهيدب) السحاب المتدلي أو ذيله من هدبت العين طال هدبها و تدلّى أشفارها و (تمريه) الجنوب من مري الناقة يمريها اى مسح ضرعها فامرت هى أى درّ لبنها و عدّى ههنا إلى مفعولين و في بعض النسخ تمري بدون الضمير هكذا قال في البحار و الأنسب عندي أن يجعل تمري على تقدير وجود الضمير كما في اكثر النسخ بمعنى تستخرج يقال: مرى الشي‏ء اذا استخرجه و هو احد معانيه كما فى القاموس و (الدرر) كعنب جمع درّة بالكسر و هو الصبّ و الاندقاق و (الأهاضيب) جمع هضاب و هو جمع هضب و هو المطر و (دفع) جمع دفعة بضم الدال فيهما و هي المرة من المطر و (الشآبيب) جمع شؤبوب و هو ما ينزل من المطر دفعة بشدّة و قوّة و (البرك) الصدر و (البوانى) قوائم الناقة و في شرح المعتزلي بوانيها بفتح النون تثنية بوان على فعال بكسر الفاء و هو عمود الخيمة و الجمع بون، قال فى البحار في النسخ القديمة المصححة على صيغة الجمع و في النهاية فسّر البوانى بأركان البنية و فى القاموس بقوائم الناقة قال:

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 8

و البواني أضلاع الزور«» و قوائم الناقة«» و القي بوانيه أقام و ثبت (و البعاع) كالسحاب ثقلة من المطر و (استقلت) أى نهضت و ارتفعت و استقلت به حملته و رفعته و (العب) بالكسر وزان حبر الحمل و الثقل و (الهوامد) من الأرض التي لانبات بها و (زعر) الجبال بالضمّ جمع أزعر كحمر و أحمر و هى القليلة النبات و أصله من الزعر بالتحريك و هو قلة الشعر في الرأس يقال رجل أزعر و (الأعشاب) جمع عشب كقفل و هو الرطب من الكلاء و (بهج) يبهج من باب منع سرّ و فرح و في بعض النسخ بضمّ الهاء من باب شرف أى حسن و (تزدهى) افتعال من الزّهو و هو الكبر و الفخر و (البسته) في بعض النسخ بالبناء على الفاعل و في بعضها بالبناء على المفعول و (الريط) جمع ريطة بالفتح فيها و هي كلّ ملأة غير ذات لفقين اى قطعتين كلها نسج واحد و قطعة واحدة، أو كلّ ثوب رقيق ليّن و (الأزاهير) جمع أزهار جمع زهرة بالفتح و هي النبات أو نورها و قيل الأصفر منه و أصل الزهرة الحسن و البهجة و (الحلية) ما يتزيّن به من مصوغ الذهب و الفضة و المعدنيات و (سمّطت) بالسين المهملة على البناء للمفعول من باب التفعيل أى علّقت و في بعض النسخ الصحيحة بالشين المعجمة من الشمط محرّكة و هو بياض الرأس يخالط سواده فمن النبات ما يخالط سواده النور الأبيض و في القاموس شمطه يشمطه خلطه و الاناء ملأه و النخلة انتشر بسرها و الشجر انتشر ورقه و الشميط من النبات ما بعضه هائج و بعضه أخضر و (البلاغ) ما يبتلغ به و يتوسل إلى الشي‏ء المطلوب و (الفج) الطريق الواسع بين الجبلين و الفجاج جمعه و (الجادّة) وسط الطريق و معظمه
الاعراب
على في قوله عليه السّلام على مور بمعنى في كما في قوله تعالى: دخل المدينة على حين غفلة، و جملة تلتطم منصوبة المحلّ على الحالية، و او اذي بالرفع فاعله، و ترغو زبدا إن كان ترغو من الرغا فزبدا منصوب بمقدّر أى ترغو قاذفة زبدا، و إن كان من‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 9
الرّغوة فانتصابه به على التجريد أى ترمى زبدا و يشعر بتضمّنه معنى ترمى قوله عليه السّلام فى الخطبة الاولى: فرمى بالزّبد ركامه، فافهم و مدحوّة منصوبة على الحال، و فى لجّة إما للظر فئة أو بمعنى على و الأوّل أولى إذ الأصل الحقيقة و قوله: ردّت فاعله ضمير مستكن عايد إلى الأرض و مفعوله محذوف و هو الضمير الراجع إلى جماع الماء و الباء فى قوله، بالراسيات تحتمل الصلة و السّببية كما سنشير اليه، و ذوات الشناخيب بالكسر عطف على جلاميدها، و تغلغلها و ركوبها بالجرّ معطوفان على الرسوب، و قوله: متسربة حال مؤكدة من ضمير تغلغلها على حدّ قوله تعالى: ولّى مدبرا، و على في قوله على تمام مرافقها للاستعلاء متعلّق بمحذوف أى مستقرّين و متمكّنين على تمام مرافقها، و أرسله جواب إذا تمخضت، و سحّا حال من مفعول أرسل و المصدر بمعنى الفاعل و قوله: تمريه الجنوب در رءاها ضيبه، الضمير فى تمريه مفعول بالواسطة و الجنوب فاعله و الدّرر مفعول به أى تمري الجنوب منه درر أهاضيبه، و الاضافة في برك بوانيها لأدنى ملابسة
المعنى
اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه عليه السّلام مسوق للاشارة إلى قدرته سبحانه و تدبيره في كيفيّة ايجاد الأرض و دحوها على الماء و خلقة الغمام و المطر و البرق و النبات و الأنهار و الأزهار و متضمّن لما أعدّ اللّه للناس فيها من المنافع العظيمة و الفوايد الجسيمة، و الرفد الروافغ، و النعم السوابغ و هو قوله عليه السّلام: (كبس الأرض على مور أمواج مستفحلة) استعار لفظ الكبس لخلقه لها غائصا معظمها في الماء كما يغوص و يكبس بعض الزقّ المنفوخ و نحوه في الماء بالاعتماد عليه، و وصف الأمواج بالاستفحال لشدّتها أو لكونها كالفحول في الصّولة (و لجج بحار زاخرة) أى كثيرة مائها مرتفعة أمواجها حال كونها (تلتطم أو اذي أمواجها) أى تضرب شدايد أمواجها بعضها بعضا (و تصطفق متقاذفات أثباجها) أى تردّ متراميات أمواجها العالية المعظمة (و ترغو زبدا كالفحول عند هياجها) أى تصوت قاذفة زبدا

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 10
أو ترمى زبدا عند اضطرابه و غليانه كالفحول الهايجة (فخضع جماح الماء المتلاطم لثقل حملها) استعار لفظ الجماع لغليان الماء و اضطرابه و جريانه على غير نسق كما يجمح الفرس الجموح بحيث لا يتمكن من ردّه و منعه يقول عليه السّلام: ذلّ اضطراب الماء لثقل حمل الأرض عليه (و سكن هيج ارتمائه إذ وطئته بكلكها) أى سكن ثوران تراميه و تقاذفه حين و طئته الأرض و داسته بصدرها تشبيها لها بالناقة و تخصيص الصدر بالذكر لقوته (و ذلّ مستخذيا إذ تمعّكت عليه بكواهلها) أى صار ذليلا منقادا حين تمرغت عليه الأرض كالدابة المتمرغة و تخصيص الكواهل بالذكر للقوّة أيضا (فأصبح بعد اصطخاب أمواجه) و اضطرابها (ساجيا مقهورا) أى ساكنا مغلوبا (و فى حكمة الذلّ منقادا اسيرا) كالدابة المذللة بالحكمة المنقادة لصاحبها، هذا و محصل كلامه عليه السّلام من قوله: فخضع إلى هنا أنّ هيجان الماء و غليانه و موجه سكن بوضع الأرض عليه و استشكل فيه بأنّ ذلك خلاف ما نشاهده و خلاف ما يقتضيه العقل لأنّ الماء السّاكن إذا جعل فيه جسم ثقيل اضطرب و تموّج و صعد علوّا فكيف الماء المتموّج يسكن بطرح الجسم الثقيل فيه و اجيب بأنّ الماء إذا كان تموّجه من قبل ريح هايجة جاز أن يسكن هيجانه بجسم يحول بينه و بين تلك الرّيح، و لذلك إذا جعلنا في الاناء ماء، و روّحناه بمروحة يموّجه فانه يتحرّك، فان جعلنا على سطح الماء جسما يملأ حافات الاناء و روّحناه بالمروحة فانّ الماء لا يتحرّك لأنّ ذلك الجسم قد حال بين الهواء المجتلب بالمروحة و بين سطح الماء، فمن الجائز أن يكون الماء الأوّل هائجا لاجل ريح محرّكة له فاذا وضعت الأرض عليه حال بين سطح الماء و بين تلك الريح و قد مرّ في كلامه عليه السّلام فى الفصل الثامن من فصول الخطبة الأولى ذكر هذه الرّيح و هو قوله عليه السّلام: ثمّ أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها و أدام مربها إلى أن قال:

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 11
أمرها بتصفيق الماء الزخّار و اثارة موج البحار فمخضه مخض السّقاء و عصفت به عصفها بالفضاء، إلى آخر ما مرّ قال المحدّث العلّامة المجلسيّ ره في البحار بعد ذكر هذا الاشكال و الجواب: و الأولى أن يقال: إنّ غرضه عليه السّلام ليس نفي التموّج مطلقا بل نفى الشديد الذى كان للماء اذ حمله سبحانه على متن الريح العاصفة و الزعزع القاصفة بقدرته الكاملة و أنشأ ريحا تمخّضه مخض السقاء فكانت كرة الماء تدفق من جميع الجوانب و ترد الرّيح أوّله على آخره و ساجيه على مائره كما مرّ في كلامه عليه السّلام أى فى الفصل المذكور من الخطبة الأولى، ثمّ لما كبس الأرض بحيث لم يحط الماء بجميعها فلا ريب فى انقطاع الهبوب و التمويج من ذلك الجانب المماسّ للأرض من الماء و أيضا لمّا منعت الأرض سيلان الماء من ذلك الجانب إذ ليست الأرض كالهواء المنفتق المتحرّك الذى كان ينتهي اليه ذلك الحدّ من الماء كان ذلك أيضا من أسباب ضعف التموّج و قلّة التّلاطم و أيضا لمّا تفرقت كرة الماء فى أطراف الأرض و مال الماء بطبعه الى المواضع المنخفضة من الأرض و صار البحر الواحد المجتمع بحارا متعدّدة و ان اتّصل بعضها ببعض و احاطت السواحل بأطراف البحار بحيث منعت الهبوب إلّا من جهة السّطح الظاهر سكنت الفورة الشديدة بذلك التفرّق و قلّة التعمّق و انقطاع الهبوب، و كلّ ذلك من أسباب السّكون الذى أشار اليه عليه السّلام و أقول: و ممّا يبيّن ذلك أنه إذا فرضنا حوضا يكون فرسخا في فرسخ و قدّرنا بناء عمارة عظيمة في وسطه فلا ريب في أنّه يقلّ بذلك أمواجه، و كلّما وصل موج من جانب من الجوانب اليه يرتدع و يرجع ثمّ إنّ هذه الوجوه إنما تبدى جريا على قواعد الطبيعيّين و خيالاتهم الواهية و إلّا فبعد ما ذكره عليه السّلام لا حاجة لنا الى إبداء وجه، بل يمكن أن يكون لخلق الأرض و كبسها في الماء نوع آخر من التأثير في سكونه لا تحيط به عقولنا الضعيفة كما قال عليه السّلام: (و سكنت الأرض) حال كونها (مدحوّة) مبسوطة (فى لجّة تياره)

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 12
أى أعمق موجه و معظمه (و ردّت الماء من نخوة بأوه و اعتلائه) أى فخره و ترفعه (و شموخ انفه و سمّو غلوائه) أى تكبّره و علوّ غلوّه و هذه كلّها استعارات للماء في هيجانه و اضطرابه بملاحظة مشابهته بالانسان المتجبّر المتكبّر التياه في حركاته و أفعاله و الغرض بيان سكون الأرض في الماء المتلاطم و منعها إيّاه من تموّجه و هيجانه (و كعمته على كظّة جريته) و المراد بكظّة الجرية ما يشاهد من الماء الكثير في جريانه من الثقل نحو ما يعتري المملي من الطعام، أو أراد به شدّة جريانه و طول ملازمته له، أو التعب العارض له من الجريان على سبيل الاستعارة تشبيها له بالانسان المتعب من كثرة المزاولة لفعل (فهمد بعد نزقاته) أراد به سكونه بعد و ثباته و (لبد بعد زيفان و ثباته) أى أقام بعد تبختره في طفراته (فلما سكن هيج الماء من تحت أكنافها) يعنى أطراف الأرض و جوانبها (و حمل شواهق الجبال البذخ على اكتافها) استعار عليه السّلام لفظ الاكتاف للأرض لكونها محلا لحمل ما يثقل من الجبال كما أنّ كتف الانسان و غيره من الحيوان محلّ، لحمل الأثقال (فجر ينابيع العيون) لعله عليه السّلام اعتبر في الينبوع الجريان بالفعل فيكون من قبيل اضافة الخاص الى العام، أو التكرير للمبالغة، و إن كان الينبوع بمعنى الجدول الكثير الماء على ما مرّ فهو مستغن عن التكلّف و قوله: (من عرانين انوفها) من باب الاستعارة تشبيها للجبال بالانسان و لأعاليها و رؤوسها بعرنينه و أنفه، و انما خصّ الجبال بتفجّر العيون فيها لأنّ العيون اكثر ما يتفجّر من الجبال و الأماكن المرتفعة و أثر القدرة فيها أظهر و نفعها أتمّ (و فرقها) أى الينابيع (فى سهوب بيدها و أخاديدها) المراد بالأخاديد مجارى الأنهار (و عدل حركاتها بالراسيات من جلاميدها) قال المحدّث المجلسيّ «قد» لعلّ تعديل الحركات بالراسيات أى الجبال الثابتات جعلها عذيلا للحركات بحيث لا تغلبه أسباب الحركة فيستفاد سكونها فالباء صلة

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 13
لا سببية، أو المعنى سوّى الحركات في الجهات أى جعل الميول متساوية بالجبال فسكنت لعدم المرجّح فالباء سببية، و يحتمل أن يكون المراد أنه جعلها بالجبال بحيث قد تتحرّك بالزلازل و قد لا تتحرّك و لم يجعل الحركة غالبة على السّكون مع احتمال كونها دائما متحرّكة بحركة ضعيفة غير محسوسة، و من ذهب الى استناد الحركة السريعة الى الأرض لا يحتاج إلى تكلّف و كيف كان فالمعنى أنه سبحانه عدل حركات الأرض بالجبال الثابته من صخورها و ب (ذوات الشناخيب الشمّ من صياخيدها) أى بصاحبات الرءوس المرتفعة من صخورها الصلبة (فسكنت) الأرض (من الميدان) و الاضطراب (برسوب الجبال فى قطع اديمها) أى دخولها في قطعات وجه الأرض و أعماقها (و تغلغلها متسربة في جوبات خياشيمها) أى دخولها حال كونها نافذة فى حفرات انوف الأرض و فرجاتها (و ركوبها أعناق سهول الأرضين و جراثيمها) استعار لفظ الركوب للجبال و الأعناق للأرضين كناية عن الحاقهما بالقاهر و المقهور و ذكر السّهول ترشيح، و لعلّ المراد بجراثيمها المواضع المرتفعة منها و مفاد هذه الفقرات أنّ الأرض كانت متحرّكة مضطربة قبل خلق الجبال فسكنت بها، و ظاهره أنّ لنفوذ الجبال فى أعماق الأرض و ظهورها و ارتفاعها عن الأرض كليهما مدخلا في سكونها و قد مرّ الكلام فى ذلك في شرح الفصل الثالث من فصول الخطبة الاولى فتذكر (و فسح بين الجوّ و بينها) لعلّ في الكلام تقدير مضاف أى وسّع بين منتهى الجوّ و بينها، أو المراد بالجوّ منتهاه إى السّطح المقعر للسماء (و أعدّ الهواء متنسّما لساكنها) أى جعل الهواء محلّا لطلب النسيم و استنشاقه و فائدته ترويح القلب حتّى لا يتأذّى بغلبة الحرارة (و أخرج اليها أهلها على تمام مرافقها) و المراد به ايجادهم و إسكانهم فيها بعد تهيئة ما يصلحهم لمعاشهم و التزوّد لمعادهم (ثمّ لم يدع) سبحانه و تعالى (جرز الأرض التي) لا نبات بها و لا ماء من حيث إنها (تقصر مياه العيون عن) سقى (روابيها) و مرتفعاتها (و لا تجدجد اول الأنهار ذريعة)

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 14
و وسيلة (الى بلوغها) و الوصول إليها (حتى أنشألها ناشئة سحاب تحيى مواتها) من باب المجاز في الاسناد (و) كذلك (تستخرج نباتها) لأنّ المحيى و المخرج هو اللّه سبحانه و السحاب سبب قال اللّه تعالى: وَ اللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ.
و قال: وَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ.
(الف) تعالى (غمامها) الضمير راجع إلى الأرض كساير الضمائر و الاضافة لأدنى ملابسة و المراد أنه سبحانه ركب السحاب المعدّة لسقيها (بعد افتراق لمعه و تباين قزعه) أى بعد ما كانت أجزائها اللّامعة متفرّقة و قطعاتها متباينة متباعدة (حتى اذا تمخضت لجّة المزن فيه) الضمير راجع الى المزن أى حتى اذا تحرّكت اللجّة أى معظم الماء المستودع في الغيم و استعدّت للنّزول (و التمع برقه في كففه) أى أضاء البرق في جوانبه و حواشيه (و لم ينم و ميضه) أى لم ينقطع لمعان البرق (في كنهور ربابه) أى فى القطع العظيمة من سحابه البيض (و متراكم سحابه) أى المجتمع الذى ركب بعضه بعضا (أرسله) اللّه سبحانه (سحّامتدار كا) أى حالكونه يصبّ الماء صبّا متلاحقا (قد أسفّ هيدبه) و دنا من الأرض ما تدلّى منه حالكونه (تمريه الجنوب درر أهاضيبه) أى تستخرج منه الجنوب أمطاره المنصبّة، و الجنوب ريح مهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريّا، و هى أدرّ للمطر و لذا خصّها بالذكر و قوله عليه السّلام (و دفع شآبيبه) أراد به الدّفعات من المطر المنزلة بشدّة و قوّة (فلما ألقت السحاب برك بوانيها) استعار عليه السّلام لفظ البرك و البوان للسحاب و اسند إليه الالقاء تشبيها لها بالجمل الذى أثقله الحمل فرمى بصدره الأرض، أو بالخيمة التي جرّ عمودها على اختلاف التفسرين المتقدّمين (و بعاع ما استقلّت به من العب‏ء

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 15
المحمول عليها) أى ثقل ما ارتفعت به من الحمل المحمول عليها يعنى المطر (أخرج) سبحانه (به) أى بذلك العب‏ء (من هو امد الأرض) التي لا حياة بها و لا عود (النبات) كما قال تعالى: وَ تَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ.
(و من زعر الجبال) أى المواضع القليلة النّبات منها (الأعشاب) و الرّطب من الكلا (فهى) أى الأرض (تبهج) و تفرح (بزينة رياضها) و مستنقع مياهها (و تزدهى) و تفتخر (بما البسته من ريط أزاهيرها) أى بأشجار البست الأرض إيّاها لباس انوارها و على ما فى بعض النسخ من كون البسته بصيغة المجهول فالمعنى أنّ الأرض تفتخر بما اكتسبت به من النبات و الأزهار و الأنوار فيكون لفظة من على هذا بيانا لما كما أنها على الأوّل صلة لألبسته، و الثاني أظهر (و) تتكبّر ب (حلية ما سمّطت) و علّقت (به من ناضر أنوارها) أى أنوارها المتصفة بالنضرة و الحسن و الطراوة (و جعل) اللّه سبحانه (ذلك) أى ما انبت من الأرض (بلاغا للأنام) يبتلغون به و يتوسلون إلى مقاصدهم و مطالبهم (و رزقا للأنعام) تأكل منه و ترعى عند جوعها و حاجتها قال تعالى: وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ.
(و خرق الفجاج فى آفاقها) أى خلق الطرق على الهيئة المخصوصة بين الجبال فى نواحى الأرض و أطرافها قال سبحانه: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ جَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ و قال: وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً.

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 16

(و أقام المنار للسالكين فى جواد طرقها) و المراد بالمنار العلامات التي يهتدى بها السالكون من الجبال و التلال أو النجوم، و الأول أظهر بملاحظة المقام و اعلم أنّ هذا الفصل لمّا كان متضمّنا لبعض ما في عالم العناصر من دلائل القدرة و بدائع الحكمة و عجائب الصنعة و ما أودع اللّه سبحانه فيه من المنافع العامة و الفوائد التّامة لا جرم أحببت تذييل المقام بهدايات فيها دراية على مقتضى الترتيب الذّكري الّذي جرى عليه هذا الفصل فأقول: و باللّه التكلان و هو المستعان
الهداية الاولى فى دلايل القدرة في الأرض
و المنافع المعدّة فيها للخلق و هى كثيرة لا تحصى لكنّا نقتصر على البعض بما ورد فى الكتاب و أفاده أولو الألباب فمنها أنه سبحانه جعلها مدحوّة على الماء و بارزة منه مع اقتضاء طبعها الغوص فيه و إحاطة البحار بها، و ذلك لحكمة الافتراش و أن يكون بساطا للنّاس كما قال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً و قال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً و قال: اللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً.
فلو كانت غائصة فى الماء لبطل تلك الحكمة فأخرج سبحانه بعض جوانبها من الماء كالجزيرة البارزة حتى صلحت لأن تكون فراشا و مهادا و منها- كونها ساكنة فى حيزها الطبيعى و هو وسط الأفلاك لأنّ الأثقال بالطبع تميل إلى تحت كما أنّ الخفاف بالطبع تميل إلى فوق، و الفوق من جميع الجوانب مايلي السماء و التحت مايلي المركز، فكما أنه يستبعد حركة الارض فيما بيننا إلى جهة السماء فكذلك يستبعد هبوطها في مقابلة ذلك لأنّ ذلك الهبوط صعود أيضا إلى السماء فاذن لاحاجة فى سكون الأرض و قرارها إلى علاقة من فوقها

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 17
و لا دعامة من تحتها، بل يكفي في ذلك ما أعطاها فالقها، و ركز فيها من الميل الطبيعى إلى الوسط الحقيقى بقدرته إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ.
و منها- توسّطها فى الصلابة و اللّين: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها.
اذ لو كانت في غاية الصلابة كالحجر لكان المشى و النوم عليها ممّا يولم البدن و لتعذرت الزراعة عليها و لا متنع إجراء الأنهار و حفر الآبار فيها و لم يمكن اتخاذ الأبنية و الآنية منها لتعذّر تركيبها، و لو كانت فى غاية اللين بحيث تغوص فيه الرّجل كالماء لا متنع الاستقرار و الافتراش و النوم و المشى و استحال الزرع و الحرث و منها أنه جعل لونها الغبراء لتكون قابلة للانارة و الضياء إذ ما كان فى غاية اللّطافة و الشفّافية لا يستقرّ النور عليه، و ما كان كذلك فانه لا يتسخّن بالشمس فكان يبرد جدّا و لا يمكن جواره، هكذا قال الرازى و صدر المتألهين. و الأولى ما فى شرح البحرانى «قد» من أنها لو كانت مخلوقة في غاية الشفافية و اللطافة فامّا أن تكون مع ذلك جسما سيّالا كالهواء لم يتمكن من الاستقرار عليه، أو يكون جسما ثابتا صقيلا براقا احترق الحيوان و ما عليها بسبب انعكاس أشعة الشمس عليها كما يحرق القطن إذا قرب من المرايا المحاذية للشّمس و البلور، لكنها خلقها غبراء ليستقرّ النّور على وجهها فيحصل فيها نوع من السخونة، و خلقها كثيفة لئلّا تنعكس الأشعة منها على ما فيها فتحرقه، فصارت معتدلة في الحرّ و البرد تصلح أن تكون فراشا و مسكنا للحيوان و منها كونها يتولّد منها النبات و الحيوان و المعادن وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْزُونٍ.

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 18
و منها أن يتخمّر الرّطب بها فيحصل التماسك في أبدان المركبات و منها اختلاف بقاعها فمنها أرض رخوة و صلبة و رملة و سبخة و عذبة و حزنة و سهلة، و قال تعالى وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ.
و منها اختلاف ألوانها فأحمر و أبيض و أسود و رمادي اللّون و أغبر، قال سبحانه وَ مِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَ حُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَ غَرابِيبُ سُودٌ و منها انصداعها بالنبات وَ الْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ و منها كونها خازنة للماء المنزّل من السماء وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّا عَلى‏ ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ.
و منها إجراء العيون و الأنهار فيها أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَ جَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً.
و منها أنّ لها طبع السماحة و الجود تدفع إليها حبّة واحدة و هي تردّها عليك سبعمائة كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ.
و منها موتها في الشّتآء و حياتها فى الرّبيع فَسُقْناهُ إِلى‏ بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ.

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 19
و منها انبثات الدّواب المختلفة فيها وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما.
و منها كونها مبدء الخلايق و منشأها مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى‏.
و جعل ظهرها مقرّ الأحيا و بطنها موطن الأموات أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَ أَمْواتاً.
و منها ما فيها من النباتات المختلفة الألوان و الأنواع و المنافع وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ.
فبعضها للانسان و بعضها للحيوان كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ.
و ما للانسان بعضها طعام و بعضها إدام و بعضها فواكه و بعضها دواء و بعضها لباس كالقطن و الكتان و منها ما فيها من الأحجار المختلفة، فبعضها للزينة كالدّرّ و الياقوت و العقيق و نحوها، و بعضها للحاجة كما تستخرج منه النّار، فانظر الى قلّة الأوّل و كثرة الثاني، ثمّ انظر إلى قلّة المنفعة بذلك الخطير و كثرة المنفعة بذلك الحقير إلى غير ذلك من آثار القدرة و دلائل الصنع و العظمة و العجائب و الغرائب التي يعجز عن إدراك معشارها عقول البشر، و يحتار فى البلوغ إليها الأذهان و الفكر
الثانية في انفجار الينابيع و العيون من الأرض
المشار إليه بقوله عليه السّلام: فجر

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 20
ينابيع الأرض من عرانين انوفها، فأقول: ظاهر قوله سبحانه: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ و قوله: أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ.
هو كون ماء العيون و الأنهار هو الماء المنزل من السحاب، و به صرّح جمع من الأصحاب فى باب طهورية الماء بقول مطلق بعد الاستدلال عليها بقوله سبحانه: وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً.
و يدلّ عليه ما رواه علىّ بن إبراهيم فى تفسيره قال فى رواية أبى الجارود عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ.
فهي الأنهار و العيون و الآبار، و محصّل ذلك أنّ القادر المختار أنزل بقدرته الكاملة و حكمته البالغة من السّماء ماء فأسكنه فى الأرض و أخرج منه فى العيون و الآبار و القنى و الأنهار ما اقتضاه الحكمة و التدبير فى بقاء نوع الانسان و الحيوان و إصلاح النّباتات و الزراعات و غير ذلك من وجوه الحاجات، و إليه ذهب أبو البركات البغدادى حيث قال: إنّ هذه المياه متولّدة من أجزاء مائية متولّدة من أجزاء متفرّقة في ثقب أعماق الأرض و منافذها إذا اجتمعت، و يدلّ عليه أنّ مياه العيون و الأنهار تزيد بزيادة الثلوج و الأمطار و قالت الحكماء: إنّ البخار إذا احتبس في داخل من الأرض لما فيها من ثقب و فرج يميل إلى جهة فيبرد بها فينقلب مياها مختلطة بأجزاء بخارية، فاذا كثر لوصول مدد متدافع إليه بحيث لا تسعه الأرض أوجب انشقاق الأرض و انفجرت منه العيون.

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 21
أمّا الجارية على الولاء فهى إما لدفع تاليها سابقها أولا نجذابه إليه لضرورة عدم الخلاء بأن يكون البخار الذي انقلب ماء و فاض إلى وجه الأرض ينجذب إلى مكانه ما يقوم مقامه لئلّا يكون خلاء فينقلب هو أيضا ماء و يفيض، و هكذا استتبع كلّ جزء منه جزء آخر و أما العيون الرّاكدة فهي حادثة من أبخرة لم تبلغ من قوّتها و كثرة موادّها أن يحصل منها معاونة شديدة أو يدفع اللّاحق السابق و أما مياه القنى و الآبار فهى متولّدة من أبخرة ناقصة القوّة عن أن يشقّ الأرض، فاذا ازيل ثقل الأرض عن وجهها صادفت منفذا تندفع إليه بأدنى حركة فان لم يجعل هناك مسيل فهو البئر، و إن جعل فهو القناة، و نسبة القنا إلى الآبار كنسبة العيون السيالة إلى الراكدة، و إنما كثر تفجّر العيون فى الجبال و الأماكن المرتفعة لشدّة احتقان الأبخرة تحتها بالنسبة إلى ساير الأماكن الهابطة الرّخوة، فانّ الأرض إذا كانت رخوة نفضت «نفذت خ ل» فلا يكاد يجتمع منه قدر ما يعتدّ به و قال الشيخ: هذه الأبخرة إذا انبعث عيونا أمدّت البحار بصبّ الأنهار إليها ثمّ ارتفع من البحار و البطائح و الأنهار و بطون الجبال خاصة أبخرة اخرى، ثمّ قطرت ثانيا إليها فقامت بدل ما يتحلّل منها على الدّور دائما
الثالثة
في حكمة خلق الهواء المشار إليها بقوله: و أعدّا لهواء متنسما لساكنها، فأقول: فيه نفع عظيم للانسان و الحيوان، لأنّه من ضروريّات العيش لأنها مادّة النفس الذى لو انقطع ساعة عن الحيوان لمات، و قيل هنا: إنّ كلّ ما كانت الحاجة إليه أشدّ كان وجدانه أسهل و لمّا كان احتياج الانسان إلى الهواء أعظم الحاجات حتّى لو انقطع عنه لحظة لمات لا جرم كان وجدانه أسهل من وجدان كلّ شي‏ء، و بعد الهواء الماء، فانّ الحاجة إليه أيضا شديدة فلا جرم سهل أيضا وجدان الماء، و لكن وجدان الهواء أسهل لأنّ الماء لا بدّ فيه من تكلّف الاغتراف بخلاف الهواء

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 22
فانّ الآلات المهيّاة لجذبه حاضرة أبدا ثمّ بعد الماء الحاجة إلى الطعام شديدة و لكن دون الحاجة إلى الماء فلا جرم كان تحصيل الطعام أصعب من تحصيل الماء و بعد الطعام الحاجة إلى تحصيل المعاجين و الادوية النّادرة قليلة فلا جرم عزّت هذه الأشياء، و بعد المعاجين الحاجة إلى أنواع الجواهر من الياقوت و الزبرجد نادرة جدّا فلا جرم كانت فى نهاية العزّة، فثبت أنّ كلّ ما كان الاحتياج إليه أشدّ كان وجدانه أسهل و كلّ ما كان الحاجة إليه أقلّ كان وجدانه أصعب، و ما ذاك إلّا رحمة منه سبحانه على العباد قال الشاعر:
سبحان من خصّ القليل بعزّة و النّاس مستغنون عن أجناسه‏
و أذّل أنفاس الهواء و كلّ ذى‏
نفس لمحتاج الى انفاسه‏

الرابعة في دلايل القدرة و براهين الجلال و الجبروت
في خلق السّحاب و المطر و البرد و الثلج و الرّعد و البرق و الصواعق قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ يُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَ الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَ يُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَ هُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ.
قال الرازيّ: في كونها خوفا و طمعا وجوه الاول عند لمعان البرق يخاف وقوع الصّواعق و يطمع في نزول الغيث الثاني أنه يخاف من المطر من له فيه ضرر كالمسافر و كمن في خزينته التمر و الزبيب و يطمع فيه من له نفع الثالث أنّ كلّ شي‏ء يحصل فى الدنيا فهو خير بالنسبة إلى قوم و شرّ بالنسبة إلى آخر فكذلك المطر خير في حقّ من يحتاج في أوانه و شرّ في حقّ من يضرّه ذلك إما بحسب المكان أو بحسب الزّمان ثمّ اعلم أنّ حدوث البرق دليل عجيب على قدرة اللّه سبحانه و بيانه أنّ السحاب‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 23
لا شك أنه جسم مركب من أجزاء مائية و أجزاء هوائية «نارية ظ» و لا شكّ أنّ الغالب عليه الاجزاء المائية و الماء جسم بارد رطب و النّار جسم حارّ يابس، فظهور الضّد من الضدّ التام على خلاف العقل فلا بدّ من صانع مختار يظهر الضدّ من الضدّ فان قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنّ الرّيح احتقن في داخل جرم السحاب و استولى البرد على ظاهره فانجمد السطح الظاهر منه، ثمّ إنّ ذلك الرّيح يمزقه تمزيقا عنيفا فيتولّد من ذلك التمزيق الشّديد حركة عنيفة و الحركة العنيفة موجبة للسخونة و هي البرق فالجواب أنّ كلّ ما ذكرتموه خلاف المعقول من وجوه: الأوّل أنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يقال أينما حصل البرق فلا بدّ و أن يحصل الرعد و هو الصوت الحاصل من تمزّق السحاب و معلوم أنه ليس الأمر كذلك فانه كثيرا ما يحدث البرق القوى من غير حدوث الرعد الثّانى أنّ السخونة الحاصلة بسبب قوّة الحركة مقابلة بالطبيعة المائية الموجبة للبرد، و عند حصول هذا المعارض القوى كيف تحدث النّارية بل نقول: النيران العظيمة ينتفي لصبّ الماء عليها و السّحاب كلّه ماء فكيف يمكن أن يحدث فيه شعلة ضعيفة نارية الثالث من مذهبكم أنّ النار الصرفة لا لون لها البتة فهب أنه حصلت النارية بسبب قوّة المحاكة الحاصلة في أجزاء السحاب، لكن من أين حدث ذلك اللّون الأحمر، فثبت أنّ السبب الذي ذكروه ضعيف و أنّ حدوث النّار الحاصلة فى جرم السحاب مع كونه ماء خالصا لا يمكن إلّا بقدرة القادر الحكيم و قال في قوله: و ينشى‏ء السحاب الثقال: السحاب اسم الجنس و الواحدة سحابة، و الثقال جمع ثقيلة أى الثقال بالماء و اعلم أنّ هذا أيضا من دلائل القدرة و العظمة، و ذلك لأنّ هذه الأجزاء المائية إمّا يقال إنّها حدثت في جوّ الهواء أو يقال إنها تصاعدت من وجه الأرض فان كان الأول وجب أن يكون حدوثها باحداث محدث حكيم قادر و هو المطلوب

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 24
و إن كان الثاني و هو أن يقال إنّ تلك الأجزاء تصاعدت من الأرض فلمّا وصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت فثقلت و رجعت إلى الأرض فنقول: هذا باطل، و ذلك لأنّ الأمطار مختلفة، فتارة تكون القطرات كبيرة، و تارة صغيرة، و تارة تكون متقاربة، و اخرى تكون متباعدة، و تارة تدوم مدّة نزول المطر زمانا طويلا، و تارة قليلا، فاختلاف الأمطار في هذه الصفات مع أنّ طبيعة الأرض واحدة و طبيعة الأشعّة المسخنة للبخارات واحدة لا بدّ و أن يكون بتخصيص الفاعل المختار و أيضا فالتجربة دلّت على أنّ للدّعاء و التضرّع في نزول الغيث أثرا عظيما و لذلك شرعت صلاة الاستسقاء فعلمنا أنّ المؤثّر فيه قدرة الفاعل لا الطبيعة الخاصة و في الصافي في قوله: وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، روى عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنه سئل عن الرعد فقال: ملك موكّل بالسحاب معه مخاريق من النّار يسوق بها السحاب و فى الفقيه روى أنّ الرّعد صوت ملك أكبر من الذباب و أصغر من الزنبور و فيه عن الصادق عليه السّلام أنّه بمنزلة الرجل يكون فى الابل فيزجرها هاى هاى كهيئة ذلك و قوله وَ الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ من خوفه و اجلاله وَ يُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ من عباده فيهلكه وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَ.
حيث يكذبون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيما يصفه تعالى من التفرّد بالالوهيّة وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ.
أى المماحلة و المكايدة لأعدائه و قيل: من المحل أى شديد القوّة و قال عليّ بن إبراهيم القمّي أى شديد الغضب هذا و قال الرّازي في تفسير قوله سبحانه: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ‏
منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 25

مِنْ خِلالِهِ: قال أهل الطبايع: إنّ تكوّن السحاب و المطر و الثلج و البرد و الطلّ و الصقيع فى أكثر الأمر يكون من تكاثف البخار، و فى الأقلّ من تكاثف الهواء، أمّا الأول فالبخار الصّاعد أن كان قليلا و كان في الهواء، من الحرارة ما يحلّل ذلك البخار فحينئذ ينحلّ و ينقلب هواء، و أمّا إن كان البخار كثيرا و لم يكن فى الهواء من الحرارة ما يحلّله فتلك الأبخرة المتصاعدة إمّا أن يبلغ في صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء أولا تبلغ، فان بلغت فامّا أن يكون البرد قويّا أو لا يكون، فان لم يكن البرد هناك قويا تكاثف ذلك البخار بذلك القدر من البرد و اجتمع و تقاطر فالبخار المجتمع هو السحاب، و المتقاطر هو المطر و الديمة، و الوابل إنما يكون من أمثال هذه الغيوم و أمّا إن كان البرد شديدا فلا يخلو إمّا أن يصل البرد إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها و انحلالها حبّات كبارا، أو بعد صيرورتها كذلك، فان كان على الوجه الأوّل نزل ثلجا، و إن كان على الوجه الثاني نزل بردا و أمّا إذا لم تبلغ الأبخرة إلى الطبقة فهي إمّا أن تكون قليلة أو تكون كثيرة، فان كانت كثيرة فهي تنعقد سحابا ماطرا و قد لا تنعقد، أمّا الأوّل فذاك لأحد أسباب خمسة أولها إذا منع هبوب الرّياح عن تصاعد تلك الأبخرة و ثانيها أن تكون الرّياح ضاغطة لها إلى اجتماع بسبب وقوف جبال قدام الرّيح و ثالثها أن تكون هناك رياح متقابلة متضادّة فتمتنع صعود الأبخرة حينئذ و رابعها أن يعرض للجزء المتقدم وقوف لثقله و بطوء حركته ثمّ تلتصق به سائر الأجزاء الكثيرة المدد و خامسها لشدّة برد الهواء القريب من الأرض فقد يشاهد البخار يصعد في بعض الجبال صعودا يسيرا حتى كأنّه مكبة موضوعة على و هدة و يكون الناظر إليها فوق تلك الغمامة و الذين يكونون تحت الغمامة يمطرون و الذين يكونون فوقها يكونون في الشمس أمّا إذا كانت الأبخرة القليلة الارتفاع قليلة لطيفة فاذا ضربها برد الليل‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 26
كثفها و عقدها ماء يكون محسوسا و نزل نزولا متفرّقا لا يحسّ به إلّا عند اجتماع شي‏ء يعتدّ به، فان لم يجمد كان طلّا، و إن جمد كان صقيعا و نسبة الصقيع إلى الطلّ نسبة الثلج إلى المطر و امّا أن تكون السحاب من انقباض الهواء و ذلك عند ما يبرد الهواء و ينقبض و حينئذ تحصل منه الأقسام المذكورة و الجواب انّا لما دللنا على حدوث الأجسام و توسّلنا بذلك إلى كونه قادرا مختارا يمكنه ايجاد الاجسام لم يمكنا القطع بما ذكرتموه، لاحتمال أنّه سبحانه خلق أجزاء السحاب دفعة لا بالطريق الذى ذكرتموه، و أيضا فهب أنّ الأمر كما ذكرتم و لكن الأجسام بالاتفاق ممكنة في ذواتها فلا بدّ لها من مؤثر، ثمّ إنّها متماثلة فاختصاص كلّ واحد منها بصفة معينّة من الصعود و الهبوط و اللّطافة و الكثافة و الحرارة و البرودة لا بدّ له من مخصّص، فاذا كان هو سبحانه خالقا لتلك الطبايع و تلك الطبايع مؤثّرة في هذه الأحوال و خالق السّبب و خالق المسبّب فكان سبحانه: هو الذي يزجى سحابا، لأنّه هو الذي خلق تلك الطبايع المحركة لتلك الأبخرة من باطن الأرض إلى جوّ الهواء، ثمّ إنّ تلك الأبخرة إذا ترادفت في صعودها و التصق بعضها بالبعض فهو سبحانه هو الذي: جعلها ركاما، فثبت على جميع التقريرات أنّ وجه الاستدلال بهذه الأشياء على القدرة و الحكمة ظاهر بيّن انتهى و تحقيق المقام هو ما ذكره بما لا مزيد عليه و أقول: دلائل القدرة في خلق السحاب مضافا إلى ما ذكره هو أنّ الماء بطبعه ثقيل يقتضي النزول فبقاؤه في الجوّ خلاف الطبع، و لذلك إذا انفصل منه قطرة نزلت دفعة فلا بدّ من قادر قاهر يمسكه في الجوّ على ثقله بقهره و قدرته و أيضا، لو دام السحاب لعظم ضرره حيث يسترضوء الشمس و تكثر الأمطار و تبتلّ المركبات فتفسد، و لو انقطع لعظم ضرره لافضائه الى القحط فيهلك المواشى و الانسان، فكان تقديره بالمقدار المعلوم مقتضى الحكمة و المصلحة

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 27
و أيضا ترى السّحاب يرشي الماء على الأرض و يرسله قطرات متفاضلة لا يدرك قطرة منها قطرة و لا يعلم عددها إلّا الذي أوجدها، ثمّ إنّ كلّ قطرة منها عيّنت لجزء من الأرض و لحيوان معيّن فيها من طيرو وحش و دود مكتوب عليها بخطّ غيبيّ غير محسوس أنه رزق الحيوان الفلاني في الموضع الفلاني في الوقت الفلاني هذا، مع ما في انعقاد البرد الصّلب من الماء اللّطيف و فى تناثر الثلوج كالقطن المندوف من العجائب التي لا تحصى، كلّ ذلك عناية من اللّه سبحانه و رحمة منه على العباد، و فيها هداية لمن استهدى و دراية لمن ابتغى الرشاد
الخامسة في دلايل القدرة و العظمة في إنبات النبات و الأشجار
قال سبحانه: وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ و قال وَ نَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَ حَبَّ الْحَصِيدِ، وَ النَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقاً لِلْعِبادِ وَ أَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ.
و دلايل القدرة في ذلك من وجوه: الأوّل أنّ الماء ثقيل بطبعه كما قلنا سابقا إنّه إذا انفصل قطرة منه من المزن تنزل إلى الأرض و لا تبقى في الجوّ بمقتضى طبعه فانظر الى قدرته تعالى كيف رقا الماء المصبوب في أسفل الأشجار مع هذا الطبع و الثقل إلى أعالى أغصانها، فهوى الى سفل ثمّ ارتفع إلى فوق فى داخل تجاويف الأشجار شيئا فشيئا بحيث ينتشر فى جميع الأوراق فغذاء كلّ جزء من كلّ ورقة تجرى إليه في تجاويف العروق، ففى كلّ ورقة عرق ممتد طولا و ينشعب منه عروق صغار كثيرة عرضا و طولا، فكان الكبير نهل و ما انشعب عنها جداول، ثمّ ينشعب من الجداول سواقي أصغر منها ثمّ ينتشر منها

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 28
خيوط عنكبوت دقيقة خارجة عن ادراك البصر حتى تنبسط فى جميع عرض الورق فيصل الماء فى أجوافها إلى ساير أجزاء الورق لتسقيها و تغذيها بمنزلة العروق المبثوثة في بدن الانسان و الحيوان لتوصل الغذاء إلى كلّ جزء منه و كذلك إلى ساير أجزاء الفواكه، فانّ الماء المتحرّك بطبعه إلى سفل كيف انجذب الى فوق من غير حامل أو قاسر، فعلم أنّ له جاذبا آخر و مجرّكا خارجا عن الحسّ ليسخّره و يدبّره و ينتهى بالأخرة إلى مدبّر السماوات و الأرض جلّت عظمته و تعالى شأنه.
الثاني أنّ أصناف النبات و الأشجار لما كانت محتاجة إلى الغذاء الدائم في بقاء نضرته و طراوته كحاجة الحيوان إلى الغذاء و لم يكن لها أفواه كأفواه الحيوان جعل لها أصول مركوزة في الأرض لتنزع منها الغذا فتؤدّيه اليها فصارت الأرض كالأمّ المرّبية و صارت اصولها كالأفواه الملتقمة للأرض، و أيضا لو لا تلك الأصول لما انتصب تلك الأشجار الطّوال العظام و لم يكن لها ثبات و دوام في الريح العاصف، فهي لها بمنزلة عمد الفساطيط و الخيم تمدّ بالأطناب من كلّ جانب لتثبت منتصبة فلا تسقط و لا تميل، ثمّ انظر إلى هذه العروق الصغار المنشعبة من الأصول المركوزة و أنها على دقّتها و ضعفها كيف تجرى فى أعماق الأرض و تسير فيها على صلبها عرضا و طولا الثالث إخراج أنواع مختلفه من النّبات و أصناف متشتّة من الأشجار من حبّ و عنب و قضب و زيتون و نخل و رمّان و فواكه كثيرة مختلفة الأشكال و الألوان و الطعوم و الروايح يفضل بعضها على بعض في الاكل مع أنّها جميعا يسقى بماء واحد و يخرج من أرض واحدة فان قلت: سبب اختلافها بذورها و حبوبها قلنا: هل يكفى ذلك في ترتّب هذه الآثار فانّ الحبوب على اختلافها متشابهة فى الصورة و الجوهر فكيف يصير بهذا الاختلاف موجبة لهذه الأنواع المتباعدة المتباينة في الصور الجوهرية و الكيفيّات و الخاصيّة، فهل كان في النواة نخلة مطوّقة بعنا قيد الرطب‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 29

سلّمنا أنّ اختلافها من المرجّحات لكن نسوق الكلام إلى موجد هذه الاختلافات و فاعلها، فانظر إلى اختلاف طبايع النبات و خواصها و منافعها فهذا يغذي و هذا يقوي، و هذا يقتل و هذا يحيي و هذا داء و هذا دواء و هذا يسخّن و هذا يبرّد، و هذا يسهل الصّفرا و هذا يولد السّوداء، و هذا يقمع البلغم و هذا يولده، و هذا يستحيل دما و هذا يطفيه، و هذا يسكر و هذا ينوم، و هذا يفرّح و هذا يضعف، إلى غير هذا ممّا لو أردنا استقصاء العجايب المودعة فيها انقضت الأيام و مع ذلك فالحكم الباطنة و المصالح الكامنة فيها أكثر جدّا مما وصلت اليه عقولنا القاصرة، فهذه هي دلائل القدرة و علامات العظمة و آثار الصنع و الحكمة في الأشياء المذكورة نبّهنا عليها على وجه الاختصار إذ الاستقصاء فيها خارج عن الطّوع و الاختيار، فسبحان من أقام الحجّة على مخلوقاته بما أراهم من بدايع آياته و جعلها تذكرة لاولى الألباب، و هو أعلم بالصواب
الترجمة
بعض ديگر از اين خطبه در صفت زمين و گسترانيدن او است بر روى آب مى‏فرمايد: فرو برد حضرت بارى تعالى زمين را بر بالاى موجهاى با شدّت و صولت و بر روى لجّه‏هاى درياهاى پر شدّت بر آمده در حالتى كه مى‏زدند موجهاى با شدّت آنها بعضى بعضى را و ردّ مى‏كردند يكديگر را دفع كننده‏هاى موجهاى بزرگ و بلند آنها، و مى‏انداختند كف را مانند شتران نر در وقت هيجان آنها، پس فروتنى نمود سركشى آب موج زننده و ردّ كننده يكديگر بجهة سنگينى باران زمين و ساكن گرديد هيجان مدافعه آن وقتى كه در نور ديد زمين آن آب را بسينه خود، و خوار شد آب در حالتى كه خاضع و فروتن بود وقتى كه غلطيد زمين بر او بدوشهاى خود مانند غلطيدن حيوان در خاك پس گرديد آب بعد از اضطراب و شدّة موجهاى او ساكن و ذليل و در حلقه‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 30
آهنين لجام ذلت گردن نهاده و گرفتار، و ساكن شد زمين در حالتى كه گسترانيده شده بود در ميان موج عميق آن آب، و باز گردانيد آبرا از نخوت فخر و بلندى آن و از پر بادى دماغ آن و بلندى از اندازه گذشتن آن، و ببست آبرا بر پرى روان شدن آن، پس ساكن شد آب بعد از سبكى و جهيدنهاى خود، و ايستاد بعد از تبختر كردن در جستنهاى خود، پس چون ساكن گرديد هيجان آب از زير أطراف زمين و بار فرمود حق تعالى كوههاى بلند بالا را بر دوشهاى زمين، روان گردانيد چشمهاى آبرا از بالاى بينيهاى زمين، و پراكنده ساخت آن چشمها را در بيابانهاى گشاده آن و مجارى نهرهاى آن، و تعديل فرمود حركتهاى زمين را بكوههاى ثابت شونده از سنگهاى آن، و بكوههائى كه صاحب سرهاى بلندند از سختيهاى سنگهاى آن پس ساكن شد زمين از اضطراب بجهة فرو رفتن كوهها در قطعهاى سطح آن، و بسبب در آمدن كوهها در عمق زمين در حالتى كه در آمده‏اند در خانهاى اندرون بينيهاى زمين بواسطه سوار شدن كوهها بر گردنهاى زمينهاى هموار و بر بلنديهاى آن، و فراخ كرد حق تعالى ميان هوا و ميان زمين را و مهيّا فرمود هوا را محل تنفس كشيدن از براى ساكنين آن، و بيرون آورد بسوى زمين اهل آنرا بر تماميت منافع و مصالح آن پس از آن ترك نكرد زمين بى‏گياه را كه قاصر باشد آبهاى چشمه‏ها از سيراب نمودن بلنديهاى آن زمين، و نمى‏يابد رودخانه‏ها وسيله رسيدن بدان زمين، تا اين كه ايجاد فرمود أز براى آن أبرى ظاهر شده كه زنده ميكند مردهاى آنرا و بيرون مى‏آورد گياه آنرا، جمع و تركيب فرمود ابرهاى سفيد آنرا بعد از تفرّق قطعهاى درخشان آن ابر و مباينت پارهاى آن تا اين كه چون متحرّك شد معظم ابرهاى سفيد در آن ابر، و درخشان گشت برق آن در جوانب و اطراف آن، و خواب نكرد يعنى ساكن نشد لمعان آن در

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 31
ميان پارهاى ابر سفيد آن، و ميان متراكم ابر كشيده آن فرستاد حق تعالى آن ابر را در حالتى كه ريزاننده آبست و دريابنده بعضى بعضى را بتحقيق كه نزديك شد بزمين ابريكه بواسطه ثقل مايل است بزمين كه بيرون مى‏آورد باد جنوب از ابر بارانهاى بهم ريخته او را، و دفعه دفعه‏هاى بارانهاى با شدّت او را پس چون افكند ابر سينه كه قريب باضلاع او است چون شتر گران بار كه سينه خود بر زمين نهد، و انداخت گرانى چيزى را كه بلند شده بود با او از باد گرانى كه بار شده بود بر آن، بيرون آورد بآن آب از موضع بى‏گياه زمين گياه روئيده را و از كوههاى كم گياه گياههاى تر و تازه را.
پس آن زمين بهجت مى‏نمايد بزينت مرغزارهاى خود، و تفاخر ميكند به آن چه كه پوشانيده شده باو از چادرهاى شكوفهاى نور دهنده خوش شكل خوش بوى خود، و تكبر مى‏نمايد بزيور آنچه كه معلّق شده بآن از شكوفهاى با نضرت و طراوت آن، و گردانيده است حق سبحانه و تعالى آنرا كه بيرون آورده از زمين مايه وصول عالميان بمقصود خودشان، و روزى از براى چهارپايان، و شكافت حضرت بارى راههاى گشاده را در اطراف زمين، و بر پا نمود نشانه‏ها از براى سالكين بر ميانهاى راههاى زمين
الفصل السابع
فلمّا مهّد أرضه، و أنفذ أمره، اختار آدم عليه السّلام خيرة من خلقه، و جعله أوّل جبّلته، و أسكنه جنّته، و أرغد فيها أكله، و أوعز إليه فيما نهاه عنه، و أعلمه أنّ فى الإقدام عليه التّعرّض لمعصيته، و المخاطرة بمنزلته، فأقدم على ما نهاه عنه موافاة لسابق علمه، فأهبطه بعد التّوبة ليعمر أرضه بنسله، و ليقيم الحجّة به على عباده، و لم يخلهم‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 32
بعد أن قبضه ممّا يؤكّد عليهم حجّة ربوبيّته، و يصل بينهم و بين معرفته، بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه، و متحمّلي و دائع رسالاته، قرنا فقرنا، حتّى تمّت بنبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حجّته، و بلغ المقطع عذره و نذره، و قدّر الأرزاق، فكثّرها و قلّلها، و قسّمها على الضّيق و السّعة، فعدل فيها، ليبتلي من أراد بميسورها و معسورها، و ليختبر بذلك الشّكر و الصّبر من غنيّها و فقيرها، ثمّ قرن بسعتها عقابيل فاقتها، و بسلامتها طوارق آفاتها، و بفرج أفراجها غصص أتراحها، و خلق الآجال، فأطالها و قصّرها، و قدّمها و أخّرها، و وصل بالموت أسبابها، و جعله خالجا لأشطانها، و قاطعا لمرائر أقرانها.
اللغة
(الخيرة) على وزن العنبة المختار، و قد يسكن الياء و في القاموس خار الرجل على غيره خيرة و خيرا و خيرة، فضّله على غيره كخيرة، و في شرح المعتزلي الخيرة اسم من اختاره اللّه يقال: محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خيرة اللّه و (الجبلّة) بكسر الجيم و الباء و تشديد اللّام الخلقة و الطبيعة و قيل في قوله تعالى: خَلَقَكُمْ وَ الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ.
أى ذوي الجبلّة، و يحتمل أن يكون من قبيل الخلق بمعنى المخلوق، و قيل الجبلّة الجماعة من الناس و (الاكل) بضمّتين الرزق و الحظّ قال تعالى: أُكُلُها دائِمٌ وَ ظِلُّها.

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 33
و (أوعزت) الى فلان فى فعل أو ترك أى تقدّمت و امرت و (خاطر) بنفسه و ماله أشفاهما على خطر و ألقاهما في المهلكة قال في المغرب: (تعهد) الصيغة و تعاهدها أتاها و أصلحها و حقيقته جدّد العهد بها و (القرن) أهل كلّ زمان مأخوذ من الاقتران فكأنّه المقدار الذى يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم و أحوالهم فقيل: أربعون سنة و قيل ثمانون سنة و قيل: مأئة و (مقطع) الشي‏ء منتهاه كأنه قطع من هناك و (العذر و النذر) إما مصدران بمعنى الاعذار و الانذار أو ما بيّن للمكلّفين من الأعذار في عقوبته لهم إن عصوه، و ما أنذرهم به من الحوادث و قوله: (فعدل) بالتخفيف و في بعض النسخ بالتشديد و (الميسور و المعسور) مصدران بمعنى اليسر و العسر كالمفتون بمعنى الفتنة، و يمتنع عند سيبويه مجي‏ء المصدر على وزن مفعول قال: الميسور الزمان الذى يوسر فيه و (العقابيل) جمع عقبول و عقبولة و هي قروح صغار تخرج غبّ الحمى بالشفة و (الفرج) جمع فرجة و هي التفصّى من الهمّ و (الغصص) جمع غصّة و هى ما اعترض في الحلق و (الاتراح) جمع الترح محركة كأسباب و سبب الهمّ و الهلاك و الانقطاع و (خلجه) يخلجه من باب نصر جذبه و (الأشطان) جمع الشطن بالتحريك و هو الحبل أو الطويل منه و (المرائر) جمع مرير و مريرة و هي الحبال المفتولة على اكثر من طاق و قيل: الحبال الشّديدة الفتل و قيل: الطوال الدّقاق منها و (الأقران) جمع قرن بالتحريك و هو حبل يجمع به البعيران.
الاعراب
قوله: خيرة منصوب إمّا على المصدر أو على كونه اسما منه كما حكيناه عن القاموس و عن شرح المعتزلي، فيكون المعنى اختاره اختيارا أى فضّله تفضيلا و اختاره خيارا، و انتصاب اسم المصدر بالفعل أيضا غير عزيز يقال: توضّأ وضوء و تطيّر طيرة و افتدى فدية، و على كونه بمعنى المختار فهو منصوب على الحال، و موافاة منصوب على الحدث بحذف العامل أى فوا فى المعصية موافاة و طابق بها سابق العلم مطابقة، و لا يجوز جعله مفعولا له حتى يكون علة للفعل لاستلزامه‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 34
كون علمه السّابق علّة لاقدامه على المعصية و هو لا يستقيم على اصول العدلية
المعنى
اعلم أنّ هذا الفصل متضمن لتمجيد اللّه سبحانه باعتبار خلقه آدم عليه السّلام و تفضيله على غيره و اتمام نعمته عليه و مقابلته بالعصيان و مقابلة عصيانه بقبول توبته و اهباطه إلى الأرض و إكرام ذرّيته بعده ببعث الأنبياء فيهم و قسمته بينهم معيشتهم و آجالهم بالقلّة و الكثرة و الضيق و السعة و ابتلائه لهم بذلك فقوله عليه السّلام (فلمّا مهّد أرضه) أى سوّاها و أصلحها أو بسطها على الماء و لعلّ المراد هنا إتمام خلق الأرض على ما تقتضيه المصلحة في نظام امور ساكنيها و فى شرح البحرانى أى جعلها مهادا كقوله تعالى: أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً.
أو جعلها مهدا كقوله تعالى: جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً.
و على التقدير الأوّل أراد أنه خلقها بحيث يسهل على العباد أن يتصرّفوا فيها بالقعود و القيام و الزراعة و ساير جهات المنفعة، و على التقدير الثاني يكون لفظ المهد استعارة لها بملاحظة تشبيهها بمهد الصبيّ في كونها محلّ الراحة و النوم (و انفذ أمره) أى أمضى أمره التكوينى في ايجاد المخلوقات و إتمامها و كان من تمامها خلقة نوع الانسان و ترجيحه على الأشباه و الأقران كما أشار إليه بقوله (اختار) أبا البشر (آدم) على نبيّنا و آله و عليه السّلام (خيرة من خلقه) و فضّله سبحانه و ذرّيته على ساير مخلوقاته كما قال عزّ من قائل: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
و قد اشير إلى بعض جهات التفضيل و الاصطفاء في الآيات الشريفة

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 35

فمنها أنه سبحانه شرّفه بالاستخلاف كما قال: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
و منها اضافة روحه إليه كما قال: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي.
و منها اضافة خلقته إلى يديه كما قال: قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ.
و منها أمر الملائكة بالسجود له كما قال: وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ.
و منها تعليمه الأسماء و ايثاره بذلك على ملائكة السّماء كما قال: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها.
و منها تكرمته و ذرّيته بما اشير إليه بقوله: وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى‏ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا.
و منها جعلهم قابلا لاتيان الطّاعات و حمل الأمانات كما قال: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ و منها تصويره لهم بالصور الحسنة كما قال: صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ.
و منها تعليمهم البيان كما قال:

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 36
خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ.
و منها تعديل الأعضاء و استقامة القامة كما قال: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.
و منها التّعليم بالقلم كما قال: اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ.
و منها كونه نسخة جامعة لما في الملك و الملكوت و كتابا مبينا لاسرار القدرة و الجبروت، و لذلك عقّب بيان خلقته بقوله: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ.
و إلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين عليه السّلام فيما نسب اليه:
دوائك فيك فلا تبصر و دائك منك فلا تشعر
و أنت الكتاب المبين الذي‏
بأحرفه تظهر المضمر
أ تزعم أنك جرم صغير و فيك انطوى العالم الاكبر

فقد ظهر بذلك كلّه أنه سبحانه اختاره على غيره (و جعله أوّل جبلته) أى أوّل شخص من نوع الانسان و أوّل خليفة خلقت في الأرض. و فيه ردّ على من قال بقدم الأنواع المتوالدة (و أسكنه جنّته) و أبا جهاله بقوله: وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ.
(و أرغد فيها اكله) أى جعله واسعا طيّبا و قال له و لزوجته: كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما.
(و أوعز إليه فيما نهاه عنه) أى تقدّم إليه في الأكل من الشجرة و نهاه عن ذلك و عاهده في ذلك كما قال:

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 37
وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً.
(و أعلمه أنّ في الاقدام عليه) أى على ما نهاه عنه (التعرّض لمعصيته) كما قال: وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ.
(و المخاطرة بمنزلته) أى اشراف منزلته على خطر و انحطاط درجته كما قال: فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى‏.
فالضمير في منزلته راجع إلى آدم، و يحتمل رجوعه إليه سبحانه كضمير معصيته على الظاهر (فأقدم على ما نهاه عنه) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏.
و قد مرّ تأويل تلك المعصية و أضرابها في شرح الفصل الثاني عشر و الفصل الثالث عشر من فصول الخطبة الأولى و لا حاجة إلى الاعادة و قوله: (موافاة لسابق علمه) أراد أنه وافى بالمعصية و طابق بها سابق العلم فأقدم على المنهيّ عنه بما قدر عليه و كتب في حقّه في القضاء الالهى السابق على وجوده يدلّ عليه ما ورد في بعض الأخبار أنّ آدم عليه السّلام حجّ لموسى عليه السّلام فقال موسى: أنت خلقك اللّه بيده و نفخ فيك من روحه و أسجد لك ملائكته و أسكنك جنّته فلم عصيته قال آدم عليه السّلام له: أنت موسى الذي اتّخذك اللّه كليما و أنزل عليك التّوراة قال له: نعم قال له: كم من سنة وجدت الذنب قدّر علىّ قبل فعله‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 38
قال: كتب عليك قبل أن تفعله بخمسين ألف عام، قال: يا موسى أ تلومني على أمر قد كتب علىّ فعله قبل أن أفعله بخمسين ألف سنة فان قلت: إذا كانت المعصية مكتوبة عليه مقدّرة في حقه ثابتة في العلم الالهى قبل وجوده، فلا بدّ أن يكون مجبورا فيها غير متمكن من تركها قلت: العلم ليس علّة للمعلوم بل حكاية له و كونها مقدّرة في حقّه لا يستلزم اضطراره إذا لم يكن ذلك قدرا حتما و قضاء لازما، و إلّا لما استحقّ اللّوم و العتاب بقوله: أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ.
و لم ينسبا العصيان إلى أنفسهما و لم يقولا: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ.
فان قلت: كيف لم يكن قدرا حتما و المستفاد من بعض الأخبار أنّ أكلهما منها كانا بمشيّة حتم و إرادة ملزمة، و هو ما رواه في الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن عليّ بن معبد عن واصل بن سليمان عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سمعته يقول: أمر اللّه و لم يشأ و شاء و لم يأمر، أمر إبليس أن يسجد لآدم عليه السّلام و شاء أن لا يسجد و لو شاء لسجد، و نهى آدم عليه السّلام من أكل الشجرة و شاء أن يأكل منها و لو لم يشأ لم يأكل و عن عليّ بن إبراهيم أيضا عن المختار بن محمّد الهمداني و محمّد بن الحسن عن عبد اللّه بن الحسن العلويّ جميعا عن الفتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن عليه السّلام قال: إنّ للّه إرادتين و مشيّتين: إرادة حتم، و إرادة عزم، ينهى و هو يشاء و يأمر و هو لا يشاء، أو ما رأيت أنّه نهى آدم و زوجته أن يأكلا من الشجرة و شاء ذلك، و لو لم‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 39
يشأ أن يأكلا لما غلبت شهوتهما مشية اللّه تعالى، و أمر إبراهيم عليه السّلام أن يذبح إسحاق و لم يشأ أن يذبحه و لو شاء لما غلبت مشيّة إبراهيم عليه السّلام مشيّة اللّه«» قلت: ظاهر الخبرين و إن كان يفيد أنّ صدور الأكل منهما إنّما كان عن مشيته الملزمة و أنّه لو لم يشإ الأكل أى شاء عدم الأكل لما امكن لهما الاقدام عليه و إلّا لزم غلبة مشيّتهما مشيّته سبحانه فيلزم منه العجز تعالى عن ذلك علوّا كبيرا، إلّا أنّه يمكن توجيههما على وجه يطابق الأصول العدليّة و لا ينافيها.
فنقول: أمّا الرّواية الأولى فقد وجّهت بوجوه: الأوّل حملها على التّقيّة لكونها موافقة لأصول الجبريّة«»
منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 40
الثاني أن يقال المراد بالمشيّة العلم فالمقصود أنه أمر بشي‏ء و لم يعلم وقوع ذلك الشي‏ء لعدم وقوعه فلا يتعلّق علمه بوقوعه، و شاء يعنى علم وقوع شي‏ء و لم يأمر به لكونه غير مرضيّ له الثالث أن يقال: المراد بمشية الطاعة هداياته و ألطافه الخاصة التي ليست من ضروريات التكليف، و بمشية المعصية خذلانه و عدم فعل تلك الألطاف بالنسبة إليه و شي‏ء منهما لا يوجب جبره على الفعل و الترك و لا ينافي استحقاق الثواب و العقاب الرابع ما قيل: إنّ المراد تهية أسباب فعل العبد بعد إرادة العبد ذلك الفعل الخامس أنه اسناد للفعل إلى العلّة البعيدة، فانّ العبد و قدرته و إرادته لما كانت مخلوقة للّه تعالى فهو جلّ و علا علّة بعيدة لجميع أفعاله السادس أن يقال: إنّ المراد بمشيّته عدم جبره على فعل الطاعة أو ترك المعصية، و بعبارة اخرى سمّى عدم المشية مشية العدم، فمعنى الحديث أنه أمر اللّه بشي‏ء على وجه الاختيار و أرادة على وجه التفويض و الاختيار، و لم يشأ ذلك الشي‏ء مشيّة جبر و لم يرد إرادة قسر، و شاء و لم يأمر يعنى شاء شيئا مشية تكليفيّة و أرادة إرادة تخييرية و لم يأمر به على وجه القسر و لم يرده على وجه الجبر ثمّ أوضح ذلك بقوله: أمر إبليس أن يسجد لآدم عليه السّلام على سبيل الاختيار و أراد منه السجود من غير القسر و الاجبار، و شاء أن لا يسجد بالجبر و القسر و لو شاء لسجد أى لو شاء سجوده لآدم على الجبر و القسر لسجد له، لأنّ الأفعال القسرية لا تخلف عن الفاعل و حيث لم يسجد علم انتفاء المشية القسرية و الارادة الجبرية، و نهى آدم عليه السّلام عن أكل الشجرة على وجه الاختيار و كره منه أكل ثمرتها من غير الالجاء و الاجبار و شاء أن يأكل منها أى شاء أن يكون الأكل أمرا اختياريا و أراد أن لا يكون مجبورا في تركه و في قبول النهى عنه، و لو لم يشأ لم يأكل أى لو لم يشأ أن يكون له اختيار في أكله و كان مجبورا على تركه لم يأكل، لأنّ المجبور على ترك الشي‏ء و مسلوب الاختيار عن فعله لا يقدر على الاتيان به، و حيث أكل علم أنه صاحب القدرة و الاختيار فيه و أنّه تعالى أراد أن يكون فعل العبد

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 41
و تركه بقدرته و اختياره حفظا لنظام التكليف و تحقيقا لمعنى الثواب و العقاب و أمّا الروّاية الثّانية فقد وجّهها الصدوق «ره» بمثل التوجيه السّادس في الرواية السّابقة قال ره في محكيّ كلامه عن كتاب التّوحيد بعد ايراد الرواية: إنّ اللّه تعالى نهى آدم و زوجته عن أن يأكلا من الشجرة و قد علم انهما يأكلان منها لكنه عزّ و جلّ شاء أن لا يحول بينهما و بين الأكل بالجبر و القدرة كما منعهما من الأكل منها بالنهى و الزجر، فهذا معنى مشيته فيهما، و لو شاء عزّ و جلّ منعهما عن الأكل بالجبر ثمّ أكلا منها لكان مشيّتهما قد غلبت مشيّة اللّه كما قال العالم عليه السّلام، تعالى اللّه عن العجز علوّا كبيرا انتهى.
أقول: و ساير الوجوه السّابقة جارية هنا أيضا كما لا يخفى، و لعلّنا نشبع الكلام على هذا المرام عند تحقيق مسألة الجبر و التفويض و الأمر بين الأمرين في مقام مناسب لذلك إنشاء اللّه، هذا.
و قوله عليه السّلام: (فأهبطه بعد التوبة) نصّ صريح في كون التوبة قبل الاهباط و هو المطابق للترتيب الذكرى في آية طه قال تعالى: فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ.
إلّا أنا استظهرنا في التنبيه الأوّل من تنبيهات الفصل الثالث عشر من فصول الخطبة الاولى أنّ الاهباط كان قبل التوبة لدلالة الأخبار الكثيرة على ذلك، و يمكن الجمع بين الأدلّة بحمل ما دلّ على تقدم التوبة على الهبوط على نفس التوبة، و ما دلّ على تأخّرها عنها على قبولها و يقال: بتأخّره عن التوبة، أو حمل ما دلّ على تأخّرها على التوبة الكاملة، و اللّه العالم و كيف كان فانما أهبطه سبحانه (ليعمر أرضه بنسله و ليقيم الحجّة به على عباده) قد مرّ كيفية ابتداء النسل في شرح الفصل الرابع عشر من الخطبة الأولى و أمّا إقامة الحجّة به على عباده فالمراد به كونه خليفة للّه سبحانه في أرضه‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 42
و حجّته على خلقه ممن كان معه من أولاده و من أتى بعده من الذين كانوا على شرعه و قال الشارح المعتزلي: المراد باقامة الحجّة به أنّه إذا كان أبوهم اخرج من الجنّة بخطيئة واحدة فأخلق بها أن لا يدخلها ذو خطايا جمّة، و الأظهر ما قلناه (و لم يخلهم بعد أن قبضه) اللّه سبحانه إليه (مما يؤكّد عليهم حجّة ربوبيّته و يصل بينهم و بين معرفته) أراد أنه لم يخل الخلق بعد قبض آدم اليه من الحجج المؤكّدة لأدلّة ربوبيّته و الموصلة للخلق إلى معرفته، و في الاتيان بلفظ التّاكيد إشارة إلى أنّ أدلّة الرّبوبيّة و آيات القدرة و براهين التّوحيد و شواهد التفريد للخالق تعالى ساطعة قائمة، و آثار الجلال و الجبروت في الأنفس و الآفاق للحقّ سبحانه نيّرة واضحة، و إنما الغرض من بعث الرّسل و إنزال الكتب محض التأكيد و التأييد، و إلّا فالأدلّة العقليّة في مقام الحجيّة كافية وافية.
و قوله: (بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه و متحمّلى و دائع رسالاته قرنا فقرنا) أى أصلحهم و جدّد العهد بهم في كلّ قرن قرن بالحجج الجارية على ألسن الأنبياء و الرّسل، و المودعة في الصحف و الكتب حسبما مرّ توضيحه في شرح الفصل الرّابع عشر من الخطبة الاولى في الرّواية الطويلة لأبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السّلام (حتّى تمّت بنبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حجّته) و أكمل به دينه و ختم به أنبيائه و رسله (و بلغ المقطع عذره و نذره) أى بلغ الغاية و النهاية اعذاره و انذاره، و قيل المراد بالعذر ما بيّن اللّه سبحانه للمكلّفين من الأعذار في عقوبته لهم إن عصوه، و بالنّذر ما أنذرهم به من الحوادث و خوّفهم به، و قد مرّ (و قدّر الأرزاق) في حقّ الخلايق و كتبها في أمّ الكتاب كما قال سبحانه: وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ.
قيل: أى في السّماء تقدير رزقكم أى ما قسّمه لكم مكتوب في اللّوح المحفوظ لأنّه في السّماء (فكثّرها و قلّلها) أى كثّرها في حقّ طائفة و قلّلها في حقّ‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 43
طائفة اخرى على ما يقتضيه الحكمة، أو كثّرها و قلّلها بالنسبة إلى شخص واحد بحسب اختلاف الأزمان و الحالات (و قسّمها على الضّيق و السّعة) لما كان المتبادر من القسمة البسط على التساوي بيّن ما أراده بذكر الضيق و السّعة، و لمّا كان ذلك موهما للجور أردفه بذكر العدل و قال: (فعدل فيها) أى في تلك القسمة ثمّ أشار إلى نكتة العدل و حكمته بقوله (ليبتلى من أراد بميسورها و معسورها و ليختبر بذلك الشكر و الصبر من غنيّها و فقيرها) نشر على ترتيب اللّف على الظاهر و الضمير فيهما راجع إلي الأرزاق و في الاضافة توسّع، و يحتمل عوده إلى الأشخاص المفهوم من المقام أو إلى الدّنيا أو إلى الأرض و لعلّ احداهما أنسب ببعض الضمائر الآتية، و قد مرّ تحقيق معنى اختبار اللّه سبحانه و ابتلائه في شرح الخطبة الثانية و الستين.
و محصّل المراد أنّه سبحانه يبسط الرّزق لمن يشاء من عباده و يقدر له و يجعل بعضهم غنيّا و بعضهم فقيرا و يختبر بذلك الشكر من الأغنياء و الصبر من الفقراء، لاعظام مثوباتهم و إعلاء درجاتهم إن شكروا و قنعوا، و تشديد عقوباتهم و احتطاط مقاماتهم إن كفروا و جزعوا، و يجي‏ء لذلك إنشاء اللّه مزيد توضيح في شرح الخطبة القاصعة (ثمّ قرن بسعتها عقابيل فاقتها) لا يخفى ما في تشبيه الفاقة و هى الفقر و الحاجة أو آثارها بالعقابيل من اللّطف، لكونها مما يقبح في المنظر و تخرج في العضو الذى لا يتيسّر ستره عن النّاس و تشتمل على فوائد خفيّة، و كذلك الفقر و ما يتبعه، و أيضا تكون غالبا بعد التلذّذ و التنعمّ (و بسلامتها طوارق آفاتها) أراد بها متجدّدات المصائب و ما يأتي بغتة من الطروق و هو الاتيان باللّيل (و بفرج أفراجها غصص أتراحها) أراد أنّ التفصّي من همومها مقارن لغصصها، و نشاطها معقّب لهلاكها قال الأعشى:
و لكن أرى الدّهر الذى هو خائن اذا صلحت كفاى عاد فأفسدا
شباب و شيب و افتقار و ثروة
فللّه هذا الدّهر كيف تردّدا

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 44
و قال الحريرىّ:
وقع الشّوائب شيّب و الدّهر بالناس قلّب‏
إن دان يوما لشخص‏
ففي غد يتغلّب‏
فلا تثق بوميض من برقه فهو خلّب‏

و قال آخر:
استقدر اللّه خيرا و ارضينّ به فبينما العسر إذ دارت مياسير
و بينما المرء في الأحياء مغتبط
إذ صار في الرّمس تعفوه الأعاصير

(و خلق الآجال فأطالها و قصّرها و قدّمها و أخّرها) قال في البحار: الأجل محرّكة مدّة الشي‏ء و غاية الوقت في الموت«» و حلول الدّين، و تعليق الاطالة و التقصير على الأوّل واضح، و أما التقديم و التأخير فيمكن أن يكون باعتبار أنّ لكلّ مدة غاية و حينئذ يرجع التقديم إلى التقصير و الاطالة إلى التأخير، و يكون العطف للتفسير تأكيدا، و يحتمل أن يكون المراد بالتقديم جعل بعض الأعمار سابقا على بعض و تقديم بعض الامم على بعض مثلا، فيكون تاسيسا، و يمكن أن يراد بتقديم الآجال قطع بعض الأعمار لبعض الأسباب كقطع الرّحم مثلا كما ورد في الأخبار و بتأخيرها مدّها لبعض الاسباب فيعود الضمير في قدّمها و أخّرها إلى الأجل بالمعنى الثاني على وجه الاستخدام أو نوع من التجوّز في التعليق كما مرّ (و وصل بالموت أسبابها) الضمير راجع إلى الآجال، و المراد باتّصال أسبابها به على كون الأجل بمعنى مدّة العمر هو اتصال أسباب انقضاء الآجال به، و على المعنى الثاني هو اتصال أسباب نفس الآجال به، و المراد بالأسباب على ذلك هى بعض الأمراض المفضية إلى الموت و نحوها من الأسباب المؤدّية إليه.
(و جعله خالجا لأشطانها) أى جعل الموت جاذبا لحبائل الآجال إليه و أراد بها الأعمار تشبيها لها بالأشطان في الطول و الامتداد، و استعار لفظ الخلج للموت‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 45
باعتبار استلزام الموت لقرب الأجل كما أنّ الجاذب يقرب المجذوب إلى نفسه (و قاطعا لمرائر أقرانها) قال المجلسيّ و لعلّ المراد بمرائر أقران الآجال الأعمار التي يرجى امتدادها لقوّة المزاج أو البنية و نحوها، و اللّه العالم
الترجمة
پس چون بسط فرمود و گسترانيد حقّ سبحانه و تعالى زمين خود را، و اجراء كرد امر خود را اختيار نمود جانب آدم عليه السّلام را اختيار كردنى، يا اين كه برگزيد او را برگزيده شده از ميان خلقان و گردانيد او را أوّل طبيعتى از نوع انسان و ساكن فرمود او را در بهشت خود و وسعت داد در آنجا رزق او را و مقدّم داشت بسوى وى در آنچه نهى كرد او را از آن يعنى أكل از شجره، و اعلام كرد او را كه در اقدام نمودن بر آن فعل متعرّض شدنست بمعصيت او و در خطر افكندن و ضايع ساختن است منزلت و مرتبت او، پس اقدام كرد جناب آدم بر آنچه كه نهى فرموده بود خدا از آن، و موافقت كرد اين موافقت نمودنى با علم سابق حضرت بارى پس فرود آورد او را بزمين بعد از توبه و انابت تا اين كه آباد نمايد زمين خود را با نسل او، و تا اين كه اقامه حجت نمايد با او به بندگان خود، و خالى نگذاشت بندگان خود را بعد از قبض فرمودن روح آدم عليه السّلام از چيزى كه مؤكّد شود حجت پروردگارى او را و وصل كند ميان ايشان و ميان معرفت او بلكه تجديد عهد فرمود با ايشان بحجتها و دليلها بر زبان برگزيدگان از پيغمبران خود و متحملان امانتهاى پيغامهاى خود در قرنى بعد از قرنى. تا اين كه تمام شد بپيغمبر ما كه محمّد بن عبد اللّه صلوات اللّه عليه و آله است حجّة بالغه او، و بنهايت رسيد عذر او در عذاب عاصيان و ترساندن او از آتش سوزان و مقدّر فرمود روزيها را پس بسيار گردانيد آنرا بر بعضى و كم گردانيد آنرا بر بعض آخر، و قسمت كرد آنها را بر تنگى و وسعت، پس عدالت كرد در آن قسمت تا اين كه امتحان نمايد هر كه را بخواهد با آسانى روزى و دشوارى آن و تا اين كه اختيار نمايد با اين شكر و صبر را از توانگر و درويش آن‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 46

پس از آن مقارن ساخت بفراخى روزيها تبخالهاى فقر و فاقه آن، و بسلامتيهاى آن مصيبتهاى ناگهان آنرا، و بگشادگيهاى شاديهاى آن غصّهاى هلاكتهاى آنرا و خلق كرد اجلها را پس دراز نمود آنرا و كوتاه گردانيد و مقدّم فرمود بعض آنرا و تأخير انداخت بعض ديگر را و چشانيد بمرگ اسباب اجلها را، و گردانيد مرگ را كشنده ريسمانهاى اجلها و برنده ريسمانهاى محكم پرتاب آنها
الفصل الثامن
عالم السّرّ من ضمائر المضمرين، و نجوى المتخافتين، و خواطر رجم الظنون، و عقد عزيمات اليقين، و مسارق إيماض الجفون، و ما ضمنته أكنان القلوب، و غيابات الغيوب، و ما أصغت لاستراقه مصائخ الأسماع، و مصائف الذّرّ، و مشاتى الهوامّ، و رجع الحنين من المولهات و همس الأقدام، و منفسح الثمرة من و لائج غلف الأكمام، و منقمع الوحوش من غيران الجبال و أوديتها، و مختبئ البعوض بين سوق الأشجار و ألحيتها، و مغرز الأوراق من الأفنان، و محطّ الأمشاج من مسارب الأصلاب، و ناشئة الغيوم و متلاحمها، و درور قطر السّحاب في متراكمها، و ما تسفى الأعاصير بذيولها، و تعفو الأمطار بسيولها، و عوم نبات الأرض في كثبان الرّمال، و مستقرّ ذوات الأجنحة بذرى شناخيب الجبال، و تغريد ذوات المنطق في دياجير الأوكار، و ما أوعته الأصداف و حضنت عليه أمواج البحار،

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 47
و ما غشيته سدفة ليل أو ذرّ عليه شارق نهار، و ما اعتقبت عليه أطباق الدّياجير و سبّحات النّور، و أثر كلّ خطوة، و حسّ كلّ حركة، و رجع كلّ كلمة، و تحريك كلّ شفة، و مستقرّ كلّ نسمة، و مثقال كلّ ذرّة، و هماهم كلّ نفس هامّة، و ما عليها من ثمر شجرة، أو ساقط ورقة، أو قرارة نطفة، أو نقاعة دم و مضغة، أو ناشئة خلق و سلالة، لم يلحقه في ذلك كلفة، و لا اعترضته في حفظ ما ابتدعه من خلقه عارضة، و لا اعتورته في تنفيذ الأمور و تدابير المخلوقين ملالة و لا فترة، بل نفذ فيهم علمه، و أحصيهم عدّه، و وسعهم عدله، و غمرهم فضله، مع تقصيرهم عن كنه ما هو أهله. أللّهمّ أنت أهل الوصف الجميل، و التّعداد الكثير، إن تؤمل فخير مأمول، و إن ترج فأكرم مرجوّ، ألّلهمّ و قد بسطت لي فيما لا أمدح به غيرك، و لا أثني به على أحد سواك، و لا أوجّهه إلى معادن الخيبة، و مواضع الرّيبة، و عدلت بلساني عن مدائح الآدميّين، و الثّنآء على المربوبين المخلوقين، ألّلهمّ و لكلّ مثن على من أثنى عليه مثوبة من جزاء، أو عارفة من عطاء، و قد رجوتك دليلا على ذخائر الرّحمة، و كنوز المغفرة.

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 48
ألّلهمّ و هذا مقام من أفردك بالتّوحيد الّذي هو لك، و لم ير مستحقّا لهذه المحامد و الممادح غيرك، و بي فاقة إليك، لا يجبر مسكنتها إلّا فضلك، و لا ينعش من خلّتها إلّا منّك وجودك، فهب لنا فى هذا المقام رضاك، و أغننا عن مدّ الأيدي إلى سواك، إنّك على كلّ شي‏ء قدير.
اللغة
(السر) هو ما يكتم و هو خلاف الاعلان و (ضمير) الانسان قلبه و باطنه و الجمع ضمائر على التشبيه بسريرة و سرائر لأنّ باب فعيل إذا كان اسما لمذكر يجمع كجمع رغيف و أرغفة و رغفان قاله الفيومى، و في القاموس الضمير السّر و داخل الخاطر و (النجوى) اسم مصدر بمعنى المسارة من انتجى القوم و تناجوا تسارّوا و (التخافت) كالاخفات خلاف الجهر قال الشّاعر:
أخاطب جهرا إذ لهنّ تخافت و شتّان بين الجهر و المنطق الخفت‏

و (الخاطر) ما يخطر في القلب من تدبير أمر و نحوه و (العقد) جمع عقده بالضمّ و عقدة كلّ شي‏ء الموضع الذي عقد منه و احكم و (أومضت) المرأة إذا سارقت النظر و أومض البرق إذا لمع لمعا خفيفا و أومض فلان أشار اشارة خفية و (الاكنان) و الاكنّة جمع الكنّ و هو اسم لكلّ ما يستتر فيه الانسان لدفع الحرّ و البرد من الأبنية و نحوها و ستر كلّ شي‏ء و وقائه قال تعالى: وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً.
قال الشّارح المعتزلي: و يروى أكنة القلوب و هى غلقها و اغطيتها قال تعالى وَ جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ.

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 49
و (غيابة) البئر قعره قال تعالى: وَ أَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ.
و غيابة كلّ شي‏ء ما يسترك منه و (استراق) السّمع الاستماع في خفيّة قال تعالى: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ.
و (الذّر) جمع ذرّة و هى صغار النّمل و (الهوام) جمع الهامّة و هو كلّ ذات سمّ يقتل كبعض الحيّات و ما لا يقتل فهو السّامة كالزنبور و قد يطلق الهوام على ما يدبّ من الحيوان كالحشرات و (منفسح) الثمرة بالنون و الحاء المهملة من باب الانفعال موضع انفساحها، و يروى متفسخ الثمرة بالتاء و السّين المشدّدة و الخاء المعجمة من باب التّفعل يقال: تفسّخ الشعر عن الجلد زال و (الولايج) المواضع السّاترة جمع و ليجة و هي كالكهف يستتر فيه المارّة من مطر أو غيره و يقال: أيضا في جمعه و لج و اولاج و (الغلف) بضمّة أو ضمّتين جمع غلاف ككتاب و يوجد في النّسخ على الوجهين و (الاكمام) جمع الكمّ بالكسر و هو وعاء الطلع و غطاء النّور و يجمع أيضا على الأكمة و كمام.
و (منقمع) الوحوش من باب الانفعال محلّ الانقماع و الاختفاء، و في بعض النسخ من باب التفعّل بمعناه و (الغيران) جمع غار و هو ما ينحت في الجبل شبه المغارة فاذا اتّسع قيل كهف، و قيل: الغار الجحر يأوى إليه الوحش أو كلّ مطمئنّ في الأرض أو المنخفض من الجبل و (الالحية) جمع اللّحاء ككساء و هي قشر الشجر و (الامشاج) قيل: مفرد و قيل جمع مشج بالفتح أو بالتحريك أو مشيج وزان يتيم و أيتام أى المختلط و (المسارب) المواضع الذي يتسرّب فيها المني أى يسيل أو يختفى من قولهم تسرب الوحش إذا دخل في سربه أى جحره و اختفى او مجاري المنى من السرب بمعنى الطريق، و تفسيرها بالاخلاط التي بتولّد منها المني كما احتمله الشّارح البحرانى بعيد (في متراكمها) في بعض النسخ و متراكمها بالواو

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 50
و (الأعاصير) جمع الأعصار و هو بالكسر الريح التي تهب صاعدا من الأرض نحو السّماء كالعمود و قيل: التي فيها نار و قيل: التي فيها العصار و هو الغبار الشديد و (العوم) السباحة و سير السّفينة و (بنات الأرض) بتقديم الباء على النون على ما في أكثر النسخ و في بعضها بالعكس و (ذرى) جمع ذروة بالكسر و الضمّ (و غرد) الطائر كفرح و غرّد تغريدا رفع صوته و طرب به و (الحضن) بالكسر ما دون الابط إلى الكشح أو الصدر و العضدان و ما بينهما، و حضن الصبيّ من باب نصر جعله في حضنه.
و (ذرت) الشمس تذر و ذروا أى طلعت و شرقت و (شرقت) الشمس و أشرقت أى أضاءت و (التّعداد) بالفتح مصدر للمبالغة و التكثير و قال الكوفيون أصله التفعيل الذي يفيد المبالغة قلبت ياؤه الفا و بالكسر شاذّ و (المحامد) جمع المحمدة بفتح العين و كسرها يقال: حمده كسمعه حمدا و محمدا و محمدا و محمدة و محمدة أثنا عليه
الاعراب
عالم السّر خبر لمبتدأ محذوف بدلالة المقام، و كلمة من في قوله: من ضماير المضمرين بيانية إن كان الضمير بمعنى السرّ و هو الأظهر و بمعنى في على حدّ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ.
ان كان بمعنى القلب، و نجوى المتخافتين على كون من بيانيّة عطف على الضّماير، و على كونها بمعنى في يكون عطفا على السّر و الأوّل أظهر لأنّ نجوى المتخافتين و ما يتلوه من المعطوفات كلّها من قبيل الاسرار، و قوله: من ولايج غلف الاكمام حرف من بيانيّة أو تبعيضية على رواية منفسح بالنون و الحاء المهملة وصلة أو بيانية على روايته بالتاء و الخاء المعجمة، و إضافة الغلف إلى الاكمام من قبيل إضافة العام إلى الخاص لإفادة الاختصاص إذ كلّ كمّ غلاف دون العكس، و جملة لم يلحقه إما حال من فأعل عالم السرّ المصدر به الفصل أو استيناف بيانيّ و الثّاني أظهر

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 51
و قوله: فخير مأمول خبر لمبتدأ محذوف، و قوله: بسطت لى فيما لا أمدح كلمة في إما زائدة أو للظرفيّة المجازية، و مفعول بسطت محذوف أى بسطت لي القدرة أو اللّسان أو الكلام فيما لا أمدح، و الباء في قوله: عدلت بلساني للتعدية، و دليلا منصوب إمّا على الحال من مفعول رجوتك أو مفعول له، و من في قوله: من خلّتها زائدة، و الفاء في قوله: فهب لنا فصيحة
المعنى
اعلم أنّه عليه السّلام لما ذكر في الفصول السّابقة عجائب قدرته تعالى و بدايع صنعته و دلائل حكمته و براهين عظمته أردفها بهذا الفصل للتنبيه على عموم علمه سبحانه بجزئيات الامور و خفايا الأسرار، و قد مضى بعض الكلام في هذا المعنى في الخطبة الخامسة و الثمانين و الخطبة التاسعة و الأربعين، و مرّ تحقيق عموم علمه بجميع الأشياء في تنبيه الفصل السّابع من فصول الخطبة الاولى، إلّا أنّ هذا الفصل قد تضمن ما لم يتضمنه الخطب السابقة، فانّ فيه مع جزالة اللّفظ و عظم خطر المعنى و فصاحة العبارة و غزارة«» الفحوى الاشارة إلى أصناف خلقه و أنواع بريّته و عجائب ربوبيته، و قد أحصا عليه السّلام فيه من خفيّات المخلوقات و خبيّات الموجودات و مكنونات المصنوعات مالا يوجد في كلام غيره بل لا يقدر عليه«» سواه، تنبيها بذلك على برهان علمه تعالى بها، لأنّ خلقه لها و حفظه و تربيته لكلّ منها و إظهار بدايع الحكمة في كلّ صفة من أوصافها و حال من أحوالها لا يتعقّل إلّا ممّن هو عالم بها مدرك لحقايقها، كما قال عزّ من قائل: أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.
قال الشّارح المعتزلي و لنعم ما قال: لو سمع أرسطاطالس القائل بأنه تعالى لا يعلم الجزئيات هذا الكلام له عليه السّلام لخشع قلبه وقفّ شعره و اضطرب فكره، ألا ترى ما عليه من الرّوا و المهابة و العظمة و الفخامة و المتانة و الجزالة مع ما قد اشرب‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 52
من الحلاوة و الطلاوة و اللطف و السلاسة، لا أرى كلاما يشبه هذا إلا أن يكون كلام الخالق سبحانه، فانّ هذا الكلام نبعة من تلك الشجرة، و جدول من ذلك البحر، و جذوة من تلك النار كأنّه شرح قوله تعالى: وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.
فلنعد إلى شرح كلامه عليه السّلام لعجز اللسان و قصور البيان عن احصاء فضائله و استقصاء خصائصه فأقول قوله: (عالم السّر من ضمائر المضمرين) أراد به أنه خبير بمكتوبات السرائر و محيط بمكنونات الضمائر، لا يعزب عن علمه شي‏ء منها كما قال عزّ من قائل: وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفى‏.
(و نجوى المتخافتين) أى مسارة الذين يسرّون المنطق كما قال تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى‏ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ.
(و خواطر رجم الظنون) يعنى ما يخطر بالقلب ممّا يسبق إليه الظّنون من غير برهان (و عقد عزيمات اليقين) أى محكمات العقائد الناشئة عن اليقين التي عقد عليها القلب و اطمأنّ إليها النّفس (و مسارق ايماض الجفون) يعنى خفيات«» إشارة الجفون، أو المراد بالجفون العيون مجازا و بالمسارق النظرات الخفية التي للعيون كانّها تسرق النظر لاخفائها فيكون المقصود علمه بالنّظرات الخفيّة للعيون حين تومض أى تلمع لمعا خفيفا يبرز لمعانها تارة و يختفى اخرى عند فتح‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 53

الجفون و طبقها كوميض البرق (و ما ضمنته اكنان القلوب) أى أستارها و أغطيتها (و غيابات الغيوب) أى ستراتها و حجاباتها المانعة من ادراك ما فيها (و ما أصغت لاستراقه مصائخ الاسماع) يعنى تسمعت و مالت إلى استماعه خفية مخارق الاسماع التي تسمع و تصاخ بها (و مصائف الذرّ و مشاتي الهوام) يعنى المواضع التي يصيف فيها أى يقيم بالصّيف صغار النمل و المواضع التي تشتو فيها أى تأوى بالشتاء حشرات الأرض (و رجع الحنين من المولهات) أراد به ترجيع الصوت و ترديد شدة البكاء من النوق و كلّ انثى حيل بينها و بين أولادها (و همس الأقدام) أخفى ما يكون من صوتها (و منفسح الثمرة من ولايج غلف الأكمام) أى موضع نموّها أو محلّ انقطاعها من بطانة الأكمام و المواضع المستترة منها (و منقمع الوحوش) محلّ اختفائها (من غير ان الجبال) و أغوارها أى جحراتها التي تأوى إليها الوحش (و أوديتها) الضمير راجع إلى الجبال و في الاضافة توسع (و مختبئى البعوض) موضع اختفاء البق (بين سوق الأشجار و ألحيتها) أى بين جذعها و قشرها (و مغرز الأوراق من الأفنان) محلّ و صلها من الاغصان (و محط الامشاج من مسارب الأصلاب) اى انحدار الاخلاط أو محلّ انحدارها«» من مجارى الأصلاب و مسيلها أو مخفاها قيل في قوله تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ.
أى أخلاط من الطبايع من الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة، و قيل: من الأجزاء المختلفة في الاستعداد، و قيل: أمشاج أى أطوار طورا نطفة و طورا علقة و هكذا، و قيل: أى أخلاط من ماء الرجل و ماء المرأة و كلّ منهما مختلفة الاجزاء في الرقة و القوام و الخواص و لذلك يصير كلّ جزء منهما مادّة عضو و قيل: ألوان فانّ ماء الرّجل أبيض و ماء المرأة أصفر فاذا اختلطا اخضّرا، و كلامه عليه السّلام‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 54
يؤيد بعض الوجوه كما لا يخفى فيكون محطّ الأمشاج مقرّ النطفة من الرّحم أو من الأصلاب على بعض الوجوه في المسارب فافهم (و ناشئة الغيوم و متلاحمها) أراد أوّل ما ينشأ منها و لم يتكامل اجتماعها و ما يلتصق بعضها ببعض و يلتحم (و درور قطر السحاب في متراكمها) أى سيلان المطر في متكاثف السّحاب و مجتمعها (و ما تسفى الأعاصير) أى تذروه و تثيره من التراب و نحوه (بذيولها) بأطرافها التي تجرّها على الأرض و لطف الاستعارة ظاهر (و تعفو الأمطار بسيولها) اى تمحوه و تدرسه من الآثار بمائها الكثير السّائل (و عوم بنات الأرض في كثبان الرّمال) أراد عليه السّلام ببنات الأرض الحشرات و الهوام التي تكون في تلال الرّمال و تنشأ فيها، استعار لحركتها فيها لفظ العوم الذي هو السّباحة فى الماء بمشابهة عدم استقرارها أو غوصها فيها، و على ما في بعض النسخ من تقديم النون فلفظ العوم استعارة لحركة عروق النباتات فيها كأرجل السّابحين و أيديهم في الماء (و مستقرّ ذوات الأجنحة من الطيور بذرى شناخيب الجبال) و أعالى رؤوسها (و تغريد ذوات المنطق) أى تطريب صاحبات النطق من الأطيار و رفع أصواتها بالغناء (في دياجير الأوكار) و ظلماتها (و ما أوعته الأصداف) أى حفظته و جمعته من اللّئالي (و حضنت عليه أمواج البحار) من السمك و العنبر و غيرهما، استعار لفظ الحضن للأمواج في انطباقها بملاحظة شبهها و بالحواضن في ضمّ فرخها و بيضها إلى حضنها (و ما غشيته) و غطته (سدفة ليل) و ظلمتها (أو ذرّ عليه شارق نهار) أى طلع عليه الشّمس المضيئة بالنهار (و ما اعتقبت) و تعاقبت (عليه أطباق الدياجير) و أغطية الظلم (و سبحات النور) أى ما يجرى و يسبح عليه النور من سبح الفرس و هو جريه، و المراد بما تعاقب عليه النور و الظلمة ما تغطيه ظلمة بعد نور و نور بعد ظلمة، و يحتمل أن يراد تعاقب أفراد كلّ منهما (و أثر كلّ خطوة) أى علامة كلّ مشية تبقى فى الأرض (و حسّ كلّ حركة) و صوتها الخفى (و رجع كلّ كلمة) أراد به ما ترجع به من

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 55
الكلام إلى نفسك و تردّده في فكرك، أو جواب الكلمة أو ترديد الصوت و ترجيعه عند التلفظ بالكلمة أو إرجاع النفس للتلفظ بكلمة بعد الوقف على كلمة.
(و تحريك كلّ شفة و مستقر كلّ نسمة) أى كلّ انسان أو كلّ دابة فيها روح، و مستقرّها إما الصّلب أو الرّحم أو القبر أو مكانه في الدّنيا أو في الآخرة أو الأعم (و مثقال كلّ ذرّة) يعني وزنها لا المثقال المعروف كما قال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
(و هما هم كلّ نفس هامة) أراد عليه السّلام ترديدات الصّوت في الحلق أو تردّداته في الصدر من الهم و الحزن من كلّ نفس ذات همة تعزم على أمر (و ما عليها) أى على الأرض المفهومة بقرينة المقام و إن لم يسبق لها ذكر في الكلام على حدّ قوله تعالى: كلّ من عليها فان (من ثمرة شجرة أو ساقط ورقة أو قرارة نطفة) مستقرّها (أو نقاعة دم) أى نقرة يجتمع فيها الدّم (و مضغة) قطعة لحم بقدر ما يمضغ (أو ناشئة خلق) أى الصّورة ينشئها سبحانه في البدن أو الرّوح التي ينفخها فيه (و سلالة) و هي في الأصل ما استلّ و استخرج من شي‏ء و سمّي الولد و نطفة الانسان سلالة باعتبار أنّهما استلا منه، و في هذه الفقرات إشارة إلى قوله تعالى: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ.
ثمّ إنّه بعد بيان عموم علمه بالمخلوقات على اختلاف أنواعها و أصنافها نبّه على تنزّهه سبحانه في ذلك عن صفات البشر فقال (لم يلحقه في ذلك) أى في علمه بالجزئيات المذكورة أو في خلقه لها على اختلاف موادّها و ماهيّاتها و خواصّها و حالاتها (كلفة) و مشقّة (و لا اعترضته) و منعته (في حفظ ما ابتدع من خلقه‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 56
عارضة) أى حالة أو خصلة مانعة عن الحفظ (و لا اعتورته) قيل أحاطت به (في تنفيذ الامور) و إمضائها (و تدابير المخلوقين) و إجراء امورهم على وفق المصلحة و العلم بالعواقب (ملالة) و ضجر (و لا فترة) أى كسر بعد حدّة و لين بعد شدّة (بل نفذ فيهم علمه) و أحاط بطواهرهم و بواطنهم لا يعزب عنه شي‏ء منهم (و أحصاهم عدّه) و في بعض النسخ عدوه (و وسعهم عدله و غمرهم) أى غطاهم و شملهم و سترهم (فضله) و نواله (مع تقصيرهم عن كنه ما هو أهله) و حقيقة ما هو مستحقه من الثناء الجميل و الوصف على جهة التعظيم و التبجيل، و أن يعبد حقّ العبادة، و يعرف حقّ المعرفة و فيه تنبيه على حقارة ثنائهم و عبادتهم في جنب جلاله و عظمته و استحقاقه لما هو أهله ليدوم شكرهم و ثنائهم و لا يستكثروا شيئا من طاعاتهم و عباداتهم، ثمّ إنه لما حمد اللّه و أثنا عليه و وصفه بأوصاف الكمال و نعوت الكبرياء و الجلال أردفه بالدّعاء و السؤال و التضرّع و الابتهال فقال: (اللهمّ أنت أهل الوصف الجميل) دون غيرك لاتّصافك بالصّفات الحسنى و الأمثال العليا (و التعداد الكثير) من النعم و الآلاء و المنن و العطايا (إن تؤمل) للكرم و الامتنان (ف) أنت (خير مأمول و إن ترج) للرحمة و الغفران (ف) أنت (أكرم مرجوّ) لأنّ كرمك لا يضيق عن سؤال أحد و يدك بالعطاء أعلى من كلّ يد (اللّهمّ و قد بسطت لي) القدرة (فيما) كناية عن بلاغة الكلام و فصاحة البيان و عذوبة اللّسان (لا أمدح به غيرك و لا اثنى به على أحد سواك) لاختصاصك بالفضل و الكمال و تفرّدك بالعظمة و الجلال (و لا اوجّهه) أى لا أصرف ما أعطيتنى من الفصاحة و البلاغة في الحمد و المدح (إلى معادن الخيبة و مواضع الريبة) يعنى أني اقصر حمدى و ثنائى عليك و لا أصرفه إلى أحد غيرك من المخلوقين علما منّي بأنّهم معادن الخيبة و مظانّ الحرمان، لأنّ عطاياهم قليلة فانية، مع أنّهم لا يعطون غالبا فان اعطوا قلّوا و إن لم يعطوا ملّوا، و عرفانا منّى بأنهم مواضع الرّيبة و التهمة لعدم الاعتماد على إعطائهم و عدم الوثوق بمواعيدهم، لكونهم عاجزين

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 57
محتاجين مفتقرين مثل السّائلين عنهم، فمن توجّه بحاجة إليهم و أناخ مطايا الرجاء في بابهم فقد تعرّض للحرمان و استحقّ فوت الاحسان اللهمّ (و) قد (عدلت بلسانى عن مدايح الآدميين) إلى مدائحك (و الثناء على المربوبين المخلوقين) إلى الثناء عليك (اللّهم و لكلّ مثن) و مادح (على من) مدحه و (أثنا عليه مثوبة من جزاء) مكافاة على ثنائه (أو عارفة من عطاء) مقابلة لمدحه (و قد رجوتك) و قصرت رجائى عليك لكونك (دليلا على ذخائر الرحمة) موصلا إلى أسبابها بالتوفيق و التأييد و العناية و المراد بها عظايم العطايا المذخورة ليوم الحاجة و المعدّة لحال الفاقة (و) أملتك هاديا إلى (كنوز المغفرة) أراد بها خزاين الغفران و معادن الاحسان و كونه سبحانه هاديا و دليلا عليهما باعتبار أنه بيده مفاتيح الكرم و الجود و هو وليّ الرّحمة و المغفرة لكلّ موجد موجود (اللّهمّ و هذا) المقام الذى أنا فيه مشغول بتعظيمك و توحيدك و خطيب بمحاسن محامدك (مقام من أفردك بالتوحيد الذي هولك) و التمجيد الذى هو مختصّ بك (و لم ير مستحقّا لهذه المحامد و الممادح غيرك) لانحصار أوصاف الجمال و نعوت الكمال التي بها يستحقّ الحمد و الثناء فيك (و بي) فقر و (فاقة إليك) و هي الحاجة إلى كرمه و إحسانه و رحمته و غفرانه و مرضاته و رضوانه مما لا ينجحها أحد من المخلوقين و لا يقدر على رفعها إلّا ربّ العالمين و لذلك قصره عليه و قال: (لا يجبر مسكنتها إلّا فضلك و لا ينعش من خلّتها إلّا منّك وجودك) أى لا يصلح ذلّ تلك الفاقة و سوء حالها إلّا فضلك و لا يرفع خصاصتها إلّا منك (فهب لنا في هذا المقام رضاك، و أغننا عن مدّ الأيدي إلى سواك، إنّك على كلّ شي‏ء قدير) و بالاجابة حقيق جدير.
قال الشارح المسكين: و أنا أتأسّى في هذا المقام بجدّي أمير المؤمنين و سيد الوصيّين، و أتوسّل به إلى حضرة ذي الجلال، و اناديه بلسان التضرّع و الابتهال، و أقول:

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 58

يا ربّي و ربّ كلّ شي‏ء قد كثرت ذنوبي، و جمّت خطيئتي، و أوقرت الخطايا ظهري، و أنت الغفور الرّحيم، العزيز الكريم، و كثير ما أسألك يسير في وجدك و خطير ما أستوهبك حقير في وسعك، فاجعل ما أوضحته فى شرح هذه الخطبة الشريفة من دلائل توحيدك، و براهين تفريدك، و كشفت الغطاء عنه من شواهد ربوبيّتك، و أدلّة قدرتك، و أسرار تدبيرك و حكمتك، ذخيرة مأمولة ليوم فقري و فاقتي، و عدّة مرجوّة لحال مسكنتي و حاجتي، و ممحاة لكباير سيأتي، و وسيلة لارتفاع درجتي، و لا تقطع رجائي منك، و لا تبت سببى عنك، و تفضّل علىّ باتمام شرح الكتاب بمحمّد و آله الأطياب، إنّك أنت المفضّل الوهّاب.
الترجمة
خداوند تعالى عالم راز و سرّ است از ضميرهاى صاحبان ضمير، و از نجواى راز گويندگان، و از خاطرهاى انداخته شده ظن و گمان، يعني خاطرهائى كه سبقت نمايد بسوى أن ظنّها، و از آنچه منعقد مى‏شود در قلب از عزيمتهاى يقين، و از نظرهاى خفيه چشمها در وقت نگريستن، و از آنچه كه در بر گرفته است او را پردهاى قلبها و حجابهاى غيبها، و از آنچه كه گوش داده است از براى نهان شنيدن آن مواضع سوراخ گوشها، و از جايهاى تابستاني موران و از جاى‏هاى زمستانى جنبندگان، و از باز گردانيدن آواز آه و ناله از مادران جدا شده از فرزندان و از صوت نهان قدمها و از جاى روئيدن ميوه از مداخل و بواطن غلافهائى كه در آن ميوه مخلوق مى‏شود، و از محل اختفاء وحشها از غارهاى كوهها، و از رودخانهاى آنها، و از موضع پنهان شدن پشّها در ميان ساقهاى درختان و پوست‏هاى آنها، و از مكان رستن برگ‏ها از شاخها و از محلّ فرود آمدن اخلاط نطفه از مجاري صلبها، و از تازه بر آمده ابرها و بهم پيوسته آنها، و از ريزان شدن قطرها از أبرها و بهم بر نشسته آنها، و از آنچه كه مى‏پاشد آنرا گردبادها بدامنهاى خود، و محو مى‏كند آنرا بارانها بسيل‏هاى خود، و از فرو رفتن و سير نمودن حشرات الأرض در تلّهاى ريگها، و از محل استقرار صاحبان بال‏ها ببلندى‏هاى سرهاى كوه‏ها،

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 59
و از آواز گردانيدن بنغمات و سرود صاحبان نطق از مرغان در تاريكى‏هاى آشيان‏ها و از آنچه كه حفظ نموده است آنرا صدف‏ها، يعنى از لؤلؤ و مرواريد، و دايگى نموده است آنرا موج‏هاى درياها يعنى از عنبر و ماهى، و از آنچه كه پوشيده آنرا تاريكى شب يا طلوع نموده بر آن روشنى دهنده روز، و از آنچه كه پى در پى مى‏آيد بر او طبق‏هاى ظلمت‏ها و مجارى نور، و از علامت هركام، و از حسّ و حركت هر جسمى از اجسام، و از باز گردانيدن جواب هر كلمه، و از حركت دادن هر لب، و از قرارگاه هر آفريده، و از مقدار هر ذرّه، و از آوازهاى پنهان هر نفس صاحب همّت، و از آنچه كه بر زمين است از ميوه درختى يا از افتاده برگى يا از آرام گرفتن نطفه يا نقاعه كه محلّ اجتماع خونست و مضغه، يا صورتى كه آفريده شده در بدن و نطفه كه بيرون كشيده شده از پشت حيوان.
نرسيده است بذات بارى تعالى در اين چيزها كه آفريده مشقتى، و عارض نشده است او را در حفظ آنچه كه ايجاد فرموده از مخلوقات عارضه، و احاطه نكرده او را در اجراء امورات و تدبير مخلوقات ملالت و كدورتي، و نه ضعف و فتورى، بلكه نافذ شده در ايشان علم او، و بشماره در آورده ايشان را شمردن او، و فرا گرفته است ايشان را عدالت او، و پوشيده گناهان ايشان را فضل او با وجود تقصير كردن ايشان از پايان رسانيدن آنچه كه خداوند سبحانه سزاوار او است از مراتب معرفت و عبادت.
بار پروردگارا توئى سزاوار اوصاف حسنه بى‏شمار و اهل شمار نمودن شماره‏هاى بسيار اگر اميد گرفته شوى تو، پس تو بهترين اميد داشته شدهائى، و اگر رجا بتو باشد پس تو گرامى‏ترين رجا داشته شدگانى بار خدايا و بتحقيق كه گسترانيدى از براى من قدرت را در آنچه كه مدح نميكنم با او غير تو را، و ثنا نميكنم با او بر أحدى غير از تو، و متوجّه نميكنم مدح و ثناء خود را بسوى مخلوقين كه معدن‏هاى نوميدى و محل‏هاى تهمت مى‏باشند و باز داشته زبان مرا از مدحهاى آدميان و ثنا گفتن بر مخلوقان كه تربيت يافته‏

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 7 ، صفحه‏ى 60
نعمت تو اند.
بار خدايا هر ثنا كننده را بر كسى كه در حقّ او ثنا گفته ثوابى هست از پاداش آن يا خوبى از عطا كردن، و بتحقيق كه اميد گرفتم بتو از جهت اين كه تو رهنمائى بر ذخيرهاى بخشش، و خزانهاى مغفرت و آمرزش بار خدايا اين مقامى كه مشغول هستم بذكر حمد و ثناى تو مقام كسيست كه منحصر دانست تو را بيگانگى كه اختصاص دارد بتو، و نديد كسى را كه مستحق باشد مر اين ستايشها و ثناها را غير از ذات تو، و مراست حاجتى بسوى تو كه جبر و اصلاح نمى‏كند ذلّت آنرا مگر فضل تو، و بر نمى‏دارد فقر وفاقت آنرا مگر عطا وجود تو پس ببخش ما را در اين مقام رضا و خشنودى خود را، و مستغنى كن ما را از دراز نمودن دستها بسوى غير تو، بدرستى كه تو بر آن چه مى‏خواهى صاحب قدرت مى‏باشى.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 90/3 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)خطبة الأشباح -القسم الثالث

خطبه 91 صبحی صالح

91- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) تعرف بخطبة الأشباح

و هي من جلائل خطبه ( عليه‏ السلام  )

روى مسعدة بن صدقة عن الصادق جعفر بن محمد ( عليهماالسلام  ) أنه قال:

خطب أمير المؤمنين بهذه الخطبة على منبر الكوفة

و ذلك أن رجلا أتاه فقال له يا أمير المؤمنين صف لنا ربنا مثل ما نراه عيانا لنزداد له حبا و به معرفة

فغضب و نادى الصلاة جامعة

فاجتمع الناس حتى غص المسجد بأهله

فصعد المنبر و هو مغضب متغير اللون

فحمد الله و أثنى عليه

و صلى على النبي ( صلى ‏الله ‏عليه ‏وآله  ) ثم قال

وصف اللّه تعالى‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَفِرُهُ الْمَنْعُ وَ الْجُمُودُ

وَ لَا يُكْدِيهِ الْإِعْطَاءُ وَ الْجُودُ

إِذْ كُلُّ مُعْطٍ مُنْتَقِصٌ سِوَاهُ

وَ كُلُّ مَانِعٍ مَذْمُومٌ مَا خَلَاهُ

وَ هُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النِّعَمِ

وَ عَوَائِدِ الْمَزِيدِ وَ الْقِسَمِ

عِيَالُهُ الْخَلَائِقُ

ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ

وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ

وَ نَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِبِينَ إِلَيْهِ

وَ الطَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ

وَ لَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلْ

الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلٌ فَيَكُونَ شَيْ‏ءٌ قَبْلَهُ

وَ الْآخِرُ الَّذِي لَيْسَ لهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ شَيْ‏ءٌ بَعْدَهُ

وَ الرَّادِعُ أَنَاسِيَّ الْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِكَهُ

مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرٌ فَيَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ

وَ لَا كَانَ فِي مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ

وَ لَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ

وَ ضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ

مِنْ فِلِزِّ اللُّجَيْنِ وَ الْعِقْيَانِ

وَ نُثَارَةِ الدُّرِّ

وَ حَصِيدِ الْمَرْجَانِ

مَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ

وَ لَا أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ

وَ لَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الْأَنْعَامِ‏

مَا لَا تُنْفِدُهُ

مَطَالِبُ الْأَنَامِ

لِأَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِي لَا يَغِيضُهُ سُؤَالُ السَّائِلِينَ

وَ لَا يُبْخِلُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ

صفاته تعالى في القرآن‏

فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ

فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ

وَ اسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ

وَ مَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ

وَ لَا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ ( صلى‏ الله‏ عليه ‏وآله  )وَ أَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ

فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ

فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ اللَّهِ عَلَيْكَ

وَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ

هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ

الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ

الْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ

فَمَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً

وَ سَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً

فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ

وَ لَا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ

فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ

هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي

إِذَا ارْتَمَتِ الْأَوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ

وَ حَاوَلَ الْفِكْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطَرَاتِ الْوَسَاوِسِ

أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ

وَ تَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ

لِتَجْرِيَ فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ

وَ غَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ لَا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ لِتَنَاوُلِ عِلْمِ ذَاتِهِ رَدَعَهَا

وَ هِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ

مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ‏

فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ

مُعْتَرِفَةً بِأَنَّهُ لَا يُنَالُ بِجَوْرِ الِاعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ

وَ لَا تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلَالِ عِزَّتِه

الَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ امْتَثَلَهُ

وَ لَا مِقْدَارٍ احْتَذَى عَلَيْهِ مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ كَانَ قَبْلَهُ

وَ أَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ

وَ عَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ

وَ اعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوَّتِهِ

مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ

فَظَهَرَتِ الْبَدَائِعُ الَّتِي أَحْدَثَتْهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ

وَ أَعْلَامُ حِكْمَتِهِ

فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ وَ دَلِيلًا عَلَيْهِ

وَ إِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً

فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ

وَ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ قَائِمَةٌ

فَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَايُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِكَ

وَ تَلَاحُمِ حِقَاقِ مَفَاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ

لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ

وَ لَمْ يُبَاشِرْ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لَا نِدَّ لَكَ

وَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّؤَ التَّابِعِينَ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ

إِذْ يَقُولُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ

 إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ‏

كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِكَ

إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ

وَ نَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ

وَ جَزَّءُوكَ تَجْزِئَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ

وَ قَدَّرُوكَ عَلَى الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقُوَى بِقَرَائِحِ عُقُولِهِمْ

وَ أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ

وَ الْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ

وَ نَطَقَتْ عَنْهُ‏

شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيِّنَاتِكَ

وَ إِنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ

فَتَكُونَ فِي مَهَبِّ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً

وَ لَا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا فَتَكُونَ مَحْدُوداً مُصَرَّفاً

و منهاقَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ

وَ دَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ

وَ وَجَّهَهُ لِوِجْهَتِهِ

فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ

وَ لَمْ يَقْصُرْ دُونَ الِانْتِهَاءِ إِلَى غَايَتِهِ

وَ لَمْ يَسْتَصْعِبْ إِذْ أُمِرَ بِالْمُضِيِّ عَلَى إِرَادَتِهِ

فَكَيْفَ وَ إِنَّمَا صَدَرَتِ الْأُمُورُ عَنْ مَشِيئَتِهِ

الْمُنْشِئُ أَصْنَافَ الْأَشْيَاءِ بِلَا رَوِيَّةِ فِكْرٍ آلَ إِلَيْهَا

وَ لَا قَرِيحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا

وَ لَا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ

وَ لَا شَرِيكٍ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الْأُمُورِ

فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ

وَ أَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ

وَ أَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ

لَمْ يَعْتَرِضْ دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِئِ

وَ لَا أَنَاةُ الْمُتَلَكِّئِ

فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوَدَهَا

وَ نَهَجَ حُدُودَهَا

وَ لَاءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادِّهَا

وَ وَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا

وَ فَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُخْتَلِفَاتٍ فِي الْحُدُودِ وَ الْأَقْدَارِ

وَ الْغَرَائِزِ وَ الْهَيْئَاتِ

بَدَايَا خَلَائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا

وَ فَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَ ابْتَدَعَهَا

و منها في صفة السماء

وَ نَظَمَ بِلَا تَعْلِيقٍ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا

وَ لَاحَمَ صُدُوعَ انْفِرَاجِهَا

وَ وَشَّجَ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ أَزْوَاجِهَا

وَ ذَلَّلَ لِلْهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ

وَ الصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ حُزُونَةَ مِعْرَاجِهَا

وَ نَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانٌ

فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا

وَ فَتَقَ بَعْدَ الِارْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا

وَ أَقَامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا

وَ أَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تُمُورَ فِي خَرْقِ الْهَوَاءِ بِأَيْدِهِ

وَ أَمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةً لِأَمْرِهِ

وَ جَعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا

وَ قَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِهَا

وَ أَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا

وَ قَدَّرَ سَيْرَهُمَا فِي مَدَارِجِ دَرَجِهِمَا

لِيُمَيِّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ بِهِمَا

وَ لِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ وَ الْحِسَابُ بِمَقَادِيرِهِمَا

ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوِّهَا فَلَكَهَا

وَ نَاطَ بِهَا زِينَتَهَا مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيِّهَا

وَ مَصَابِيحِ كَوَاكِبِهَا

وَ رَمَى مُسْتَرِقِي السَّمْعِ بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا

وَ أَجْرَاهَا عَلَى أَذْلَالِ تَسْخِيرِهَا

مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا

وَ مَسِيرِ سَائِرِهَا

وَ هُبُوطِهَا وَ صُعُودِهَا

وَ نُحُوسِهَا وَ سُعُودِهَا

و منها في صفة الملائكة

ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لِإِسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ

وَ عِمَارَةِ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ

خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلَائِكَتِهِ

وَ مَلَأَ بِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا

وَ حَشَا بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِهَا

وَ بَيْنَ فَجَوَاتِ تِلْكَ الْفُرُوجِ زَجَلُ الْمُسَبِّحِينَ مِنْهُمْ فِي حَظَائِرِ الْقُدُسِ

وَ سُتُرَاتِ الْحُجُبِ

وَ سُرَادِقَاتِ الْمَجْدِ وَ وَرَاءَ ذَلِكَ الرَّجِيجِ

الَّذِي تَسْتَكُّ مِنْهُ الْأَسْمَاعُ

سُبُحَاتُ نُورٍ تَرْدَعُ الْأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا

فَتَقِفُ خَاسِئَةً عَلَى حُدُودِهَا.

وَ أَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ

وَ أَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ

 أُولِي أَجْنِحَةٍ

تُسَبِّحُ جَلَالَ عِزَّتِهِ

لَا يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ

وَ لَا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مَعَهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ

 بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ

 لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‏

جَعَلَهُمُ اللَّهُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الْأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ

وَ حَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ

وَ عَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ

فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ عَنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ

وَ أَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ الْمَعُونَةِ

وَ أَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ السَّكِينَةِ

وَ فَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلًا إِلَى تَمَاجِيدِهِ

وَ نَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلَى أَعْلَامِ تَوْحِيدِهِ

لَمْ تُثْقِلْهُمْ مُؤْصِرَاتُ الْآثَامِ

وَ لَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ

وَ لَمْ تَرْمِ الشُّكُوكُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ

وَ لَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ

وَ لَا قَدَحَتْ قَادِحَةُ الْإِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ

وَ لَا سَلَبَتْهُمُ الْحَيْرَةُ مَا لَاقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ

وَ مَا سَكَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَ هَيْبَةِ جَلَالَتِهِ فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ

وَ لَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَيْنِهَا عَلَى فِكْرِهِمْ

وَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَامِ‏ الدُّلَّحِ

وَ فِي عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ

وَ فِي قَتْرَةِ الظَّلَامِ الْأَيْهَمِ

وَ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الْأَرْضِ السُّفْلَى

فَهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضٍ

قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ الْهَوَاءِ

وَ تَحْتَهَا رِيحٌ هَفَّافَةٌ تَحْبِسُهَا عَلَى حَيْثُ انْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَةِ

قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ

وَ وَصَلَتْ حَقَائِقُ الْإِيمَانِ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ

وَ قَطَعَهُمُ الْإِيقَانُ بِهِ إِلَى الْوَلَهِ إِلَيْهِ

وَ لَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ

قَدْ ذَاقُوا حَلَاوَةَ مَعْرِفَتِهِ

وَ شَرِبُوا بِالْكَأْسِ الرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ

وَ تَمَكَّنَتْ مِنْ سُوَيْدَاءِ

قُلُوبِهِمْ وَشِيجَةُ خِيفَتِهِ

فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ

وَ لَمْ يُنْفِدْ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ

وَ لَا أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الزُّلْفَةِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ

وَ لَمْ يَتَوَلَّهُمُ الْإِعْجَابُ فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ

وَ لَا تَرَكَتْ لَهُمُ اسْتِكَانَةُ الْإِجْلَالِ نَصِيباً فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ

وَ لَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فِيهِمْ عَلَى طُولِ دُءُوبِهِمْ

وَ لَمْ تَغِضْ رَغَبَاتُهُمْ فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ

وَ لَمْ تَجِفَّ لِطُولِ الْمُنَاجَاةِ أَسَلَاتُ أَلْسِنَتِهِمْ

وَ لَا مَلَكَتْهُمُ الْأَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ الْجُؤَارِ إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ

وَ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي مَقَاوِمِ الطَّاعَةِ مَنَاكِبُهُمْ

وَ لَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ.

وَ لَا تَعْدُو عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِمْ بَلَادَةُ الْغَفَلَاتِ

وَ لَا تَنْتَضِلُ فِي هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ

قَدِاتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةً لِيَوْمِ فَاقَتِهِمْ

وَ يَمَّمُوهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهِمْ

لَا يَقْطَعُونَ أَمَدَ غَايَةِ عِبَادَتِهِ

وَ لَا يَرْجِعُ بِهِمُ الِاسْتِهْتَارُ بِلُزُومِ طَاعَتِهِ

إِلَّا إِلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ وَ مَخَافَتِهِ

لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُمْ

فَيَنُوا فِي جِدِّهِمْ

وَ لَمْ تَأْسِرْهُمُ الْأَطْمَاعُ فَيُؤْثِرُوا وَشِيكَ السَّعْيِ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ

لَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ

وَ لَوِ اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ لَنَسَخَ الرَّجَاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ

وَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ

وَ لَمْ يُفَرِّقْهُمْ سُوءُ التَّقَاطُعِ

وَ لَا تَوَلَّاهُمْ غِلُّ التَّحَاسُدِ

وَ لَا تَشَعَّبَتْهُمْ مَصَارِفُ الرِّيَبِ

وَ لَا اقْتَسَمَتْهُمْ أَخْيَافُ الْهِمَمِ

فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيمَانٍ

لَمْ يَفُكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيْغٌ وَ لَا عُدُولٌ وَ لَا وَنًى وَ لَا فُتُورٌ

وَ لَيْسَ فِي أَطْبَاقِ السَّمَاءِ مَوْضِعُ إِهَابٍ إِلَّا وَ عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ

أَوْ سَاعٍ حَافِدٌ

يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً

وَ تَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً

و منها في صفة الأرض و دحوها على الماء

كَبَسَ الْأَرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجٍ مُسْتَفْحِلَةٍ

وَ لُجَجِ بِحَارٍ زَاخِرَةٍ

تَلْتَطِمُ أَوَاذِيُّ أَمْوَاجِهَا

وَ تَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَثْبَاجِهَا

وَ تَرْغُو زَبَداً كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا

فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلَاطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا

وَ سَكَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ‏ بِكَلْكَلِهَا

وَ ذَلَّ مُسْتَخْذِياً

إِذْ تَمَعَّكَتْ عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا

فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ

سَاجِياً مَقْهُوراً

وَ فِي حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً

وَ سَكَنَتِ الْأَرْضُ مَدْحُوَّةً فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ

وَ رَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ بَأْوِهِ وَ اعْتِلَائِهِ

وَ شُمُوخِ أَنْفِهِ وَ سُمُوِّ غُلَوَائِهِ

وَ كَعَمَتْهُ عَلَى كِظَّةِ جَرْيَتِهِ

فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ

وَ لَبَدَ بَعْدَ زَيَفَانِ وَثَبَاتِهِ

فَلَمَّا سَكَنَ هَيْجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِهَا

وَ حَمْلِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ الْبُذَّخِ عَلَى أَكْتَافِهَا

فَجَّرَ يَنَابِيعَ الْعُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أُنُوفِهَا

وَ فَرَّقَهَا فِي سُهُوبِ بِيدِهَا وَ أَخَادِيدِهَا

وَ عَدَّلَ حَرَكَاتِهَا بِالرَّاسِيَاتِ مِنْ جَلَامِيدِهَا

وَ ذَوَاتِ الشَّنَاخِيبِ الشُّمِّ مِنْ صَيَاخِيدِهَا

فَسَكَنَتْ مِنَ الْمَيَدَانِ لِرُسُوبِ الْجِبَالِ فِي قِطَعِ أَدِيمِهَا وَ تَغَلْغُلِهَا

مُتَسَرِّبَةً فِي جَوْبَاتِ خَيَاشِيمِهَا

وَ رُكُوبِهَا أَعْنَاقَ سُهُولِ الْأَرَضِينَ وَ جَرَاثِيمِهَا

وَ فَسَحَ بَيْنَ الْجَوِّ وَ بَيْنَهَا

وَ أَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً لِسَاكِنِهَا

وَ أَخْرَجَ إِلَيْهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَامِ مَرَافِقِهَا

ثُمَّ لَمْ يَدَعْ جُرُزَ الْأَرْضِ الَّتِي تَقْصُرُ مِيَاهُ الْعُيُونِ عَنْ رَوَابِيهَا

وَ لَا تَجِدُ جَدَاوِلُ الْأَنْهَارِ ذَرِيعَةً إِلَى بُلُوغِهَا

حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَاتَهَا

وَ تَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا

أَلَّفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهِ

وَ تَبَايُنِ قَزَعِهِ

حَتَّى إِذَا تَمَخَّضَتْ لُجَّةُالْمُزْنِ فِيهِ

وَ الْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي كُفَفِهِ

وَ لَمْ يَنَمْ وَمِيضُهُ فِي كَنَهْوَرِ رَبَابِهِ

وَ مُتَرَاكِمِ سَحَابِهِ

أَرْسَلَهُ سَحّاً مُتَدَارِكاً

قَدْ أَسَفَّ هَيْدَبُهُ

تَمْرِيهِ الْجَنُوبُ دِرَرَ أَهَاضِيبِهِ

وَ دُفَعَ شَآبِيبِهِ.

فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْكَ بِوَانَيْهَا

وَ بَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْ‏ءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا

أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الْأَرْضِ النَّبَاتَ

وَ مِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الْأَعْشَابَ

فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا

وَ تَزْدَهِي بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطِ أَزَاهِيرِهَا

وَ حِلْيَةِ مَا سُمِطَتْ بِهِ مِنْ نَاضِرِ أَنْوَارِهَا

وَ جَعَلَ ذَلِكَ بَلَاغاً لِلْأَنَامِ

وَ رِزْقاً لِلْأَنْعَامِ

وَ خَرَقَ الْفِجَاجَ فِي آفَاقِهَا

وَ أَقَامَ الْمَنَارَ لِلسَّالِكِينَ عَلَى جَوَادِّ طُرُقِهَا

فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ

وَ أَنْفَذَ أَمْرَهُ

اخْتَارَ آدَمَ ( عليه‏ السلام  )خِيرَةً مِنْ خَلْقِهِ

وَ جَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ

وَ أَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ

وَ أَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ

وَ أَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ

وَ أَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ

وَ الْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ

فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ

مُوَافَاةً لِسَابِقِ عِلْمِهِ

فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ

وَ لِيُقِيمَ الْحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ

وَ لَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ

مِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ

وَ يَصِلُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ

بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ عَلَى أَلْسُنِ الْخِيَرَةِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ

وَ مُتَحَمِّلِي وَدَائِعِ رِسَالَاتِهِ

قَرْناً فَقَرْناً

حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ( صلى‏ الله‏ عليه‏ وسلم  )حُجَّتُهُ

وَ بَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذْرُهُ وَ نُذُرُهُ

وَ قَدَّرَ الْأَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَ قَلَّلَهَا

وَ قَسَّمَهَا عَلَى الضِّيقِ وَ السَّعَةِ فَعَدَلَ فِيهَا

لِيَبْتَلِيَ مَنْ أَرَادَ بِمَيْسُورِهَا وَ مَعْسُورِهَا

وَ لِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ الشُّكْرَ وَ الصَّبْرَ مِنْ غَنِيِّهَا وَ فَقِيرِهَا

ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ فَاقَتِهَا

وَ بِسَلَامَتِهَا طَوَارِقَ آفَاتِهَا

وَ بِفُرَجِ أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا

وَ خَلَقَ الْآجَالَ فَأَطَالَهَا وَ قَصَّرَهَا

وَ قَدَّمَهَا وَ أَخَّرَهَا

وَ وَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا

وَ جَعَلَهُ خَالِجاً لِأَشْطَانِهَا

وَ قَاطِعاً لِمَرَائِرِ أَقْرَانِهَا

عَالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ

وَ نَجْوَى الْمُتَخَافِتِينَ

وَ خَوَاطِرِ رَجْمِ الظُّنُونِ

وَ عُقَدِ عَزِيمَاتِ الْيَقِينِ

وَ مَسَارِقِ إِيمَاضِ الْجُفُونِ

وَ مَا ضَمِنَتْهُ أَكْنَانُ الْقُلُوبِ

وَ غَيَابَاتُ الْغُيُوبِ

وَ مَا أَصْغَتْ لِاسْتِرَاقِهِ مَصَائِخُ الْأَسْمَاعِ

وَ مَصَايِفُ الذَّرِّ

وَ مَشَاتِي الْهَوَامِّ

وَ رَجْعِ الْحَنِينِ مِنَ الْمُولَهَاتِ

وَ هَمْسِ الْأَقْدَامِ

وَ مُنْفَسَحِ الثَّمَرَةِ مِنْ وَلَائِجِ غُلُفِ الْأَكْمَامِ

وَ مُنْقَمَعِ الْوُحُوشِ مِنْ غِيرَانِ الْجِبَالِ وَ أَوْدِيَتِهَا

وَ مُخْتَبَإِ الْبَعُوضِ بَيْنَ سُوقِ الْأَشْجَارِ وَ أَلْحِيَتِهَا

وَ مَغْرِزِ الْأَوْرَاقِ مِنَ الْأَفْنَانِ

وَ مَحَطِّ الْأَمْشَاجِ مِنْ مَسَارِبِ الْأَصْلَابِ

وَ نَاشِئَةِ الْغُيُومِ وَ مُتَلَاحِمِهَا

وَ دُرُورِ قَطْرِ السَّحَابِ فِي مُتَرَاكِمِهَا

وَ مَا تَسْفِي الْأَعَاصِيرُ بِذُيُولِهَا

وَ تَعْفُو الْأَمْطَارُ بِسُيُولِهَا

وَ عَوْمِ بَنَاتِ الْأَرْضِ فِي كُثْبَانِ الرِّمَالِ

وَ مُسْتَقَرِّ ذَوَاتِ الْأَجْنِحَةِ بِذُرَا شَنَاخِيبِ الْجِبَالِ

وَ تَغْرِيدِ ذَوَاتِ الْمَنْطِقِ فِي دَيَاجِيرِ الْأَوْكَارِ

وَ مَا أَوْعَبَتْهُ الْأَصْدَافُ

وَ حَضَنَتْ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ الْبِحَارِ

وَ مَا غَشِيَتْهُ سُدْفَةُ لَيْلٍ

أَوْ ذَرَّ عَلَيْهِ شَارِقُ نَهَارٍ

وَ مَا اعْتَقَبَتْ عَلَيْهِ أَطْبَاقُ الدَّيَاجِيرِ

وَ سُبُحَاتُ النُّورِ

وَ أَثَرِ كُلِّ خَطْوَةٍ

وَ حِسِّ كُلِّ حَرَكَةٍ

وَ رَجْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ

وَ تَحْرِيكِ كُلِّ شَفَةٍ

وَ مُسْتَقَرِّ كُلِّ نَسَمَةٍ

وَ مِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ وَ هَمَاهِمِ كُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ

وَ مَا عَلَيْهَا مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ

أَوْ سَاقِطِ وَرَقَةٍ

أَوْ قَرَارَةِ نُطْفَةٍ

أَوْ نُقَاعَةِ دَمٍ وَ مُضْغَةٍ

أَوْ نَاشِئَةِ خَلْقٍ وَ سُلَالَةٍ

لَمْ يَلْحَقْهُ فِي ذَلِكَ كُلْفَةٌ

وَ لَا اعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ مَا ابْتَدَعَ مِنْ خَلْقِهِ عَارِضَةٌ

وَ لَا اعْتَوَرَتْهُ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ وَ تَدَابِيرِ الْمَخْلُوقِينَ مَلَالَةٌ وَ لَا فَتْرَةٌ

بَلْ نَفَذَهُمْ عِلْمُهُ

وَ أَحْصَاهُمْ عَدَدُهُ

وَ وَسِعَهُمْ عَدْلُهُ

وَ غَمَرَهُمْ فَضْلُهُ

مَعَ تَقْصِيرِهِمْ عَنْ كُنْهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ

دعاء

اللَّهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِيلِ

وَ التَّعْدَادِ الْكَثِيرِ

إِنْ تُؤَمَّلْ فَخَيْرُ مَأْمُولٍ

وَ إِنْ تُرْجَ فَخَيْرُ مَرْجُوٍّ

اللَّهُمَّ وَ قَدْ بَسَطْتَ لِي فِيمَا لَا أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ

وَ لَا أُثْنِي بِهِ عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ

وَ لَا أُوَجِّهُهُ إِلَى مَعَادِنِ الْخَيْبَةِ وَ مَوَاضِعِ الرِّيبَةِ

وَ عَدَلْتَ بِلِسَانِي عَنْ مَدَائِحِ الْآدَمِيِّينَ وَ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْبُوبِينَ الْمَخْلُوقِينَ

اللَّهُمَّ وَ لِكُلِّ مُثْنٍ عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَثُوبَةٌ مِنْ جَزَاءٍ

أَوْ عَارِفَةٌ مِنْ عَطَاءٍ

وَ قَدْ رَجَوْتُكَ دَلِيلًا عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَةِ وَ كُنُوزِ الْمَغْفِرَةِ

اللَّهُمَّ وَ هَذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَكَ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ لَكَ

وَ لَمْ يَرَ مُسْتَحِقّاً لِهَذِهِ الْمَحَامِدِ وَ الْمَمَادِحِ غَيْرَكَ

وَ بِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ لَا يَجْبُرُ مَسْكَنَتَهَا إِلَّا فَضْلُكَ

وَ لَا يَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِهَا إِلَّا مَنُّكَ وَ جُودُكَ

فَهَبْ لَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ رِضَاكَ

وَ أَغْنِنَا عَنْ مَدِّ الْأَيْدِي إِلَى سِوَاكَ

 إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج6  

الفصل الخامس

منها في صفة الملائكة ثمّ خلق سبحانه لإسكان سماواته، و عمارة الصّفيح الأعلى من ملكوته، خلقا بديعا من ملائكته، ملأ بهم فروج فجاجها، و حشابهم فتوق أجوائها، و بين فجوجات تلك الفروج زجل المسبّحين منهم في حظاير القدس، و سترات الحجب، و سرادقات المجد، و وراء ذلك الرّجيج الّذي تستك منه الأسماع سبحات نور تردع الأبصار عن بلوغها، فتقف خاسئة على حدودها، أنشأهم على صور مختلفات، و أقدار متفاوتات، أولي أجنحة تسبّح جلال عزّته، لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه، و لا يدّعون أنّهم يخلقون شيئا معه ممّاانفرد به، بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون. جعلهم فيما هنا لك أهل الأمانة على وحيه، و حمّلهم إلى المرسلين و دائع أمره و نهيه، و عصمهم من ريب الشّبهات، فما منهم زائغ من سبيل مرضاته، و أمدّهم بفوائد المعونة، و أشعر قلوبهم تواضع إخبات السّكينة، و فتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجيده، و نصب لهم منارا واضحة على أعلام توحيده، لم تثقلهم موصرات الاثام، و لم ترتحلهم عقب اللّيالي و الأيّام، و لم ترم الشّكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم، و لم تعترك الظّنون على معاقد يقينهم، و لا قدحت قادحة الأحن فيما بينهم، و لا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم، و ما سكن من عظمته و هيبة جلالته في أثناء صدورهم، و لم تطمع فيهم الوساوس فتقترع برينها على فكرهم منهم من هو في خلق الغمام الدّلّح، و في عظم الجبال الشّمّخ، و في قترة الظّلام الأيهم، و منهم من قد خرقت أقدامهم تخوم الأرض السّفلى، فهي كرايات بيض قد نفذت في مخارق الهواء، و تحتها ريح هفّافة تحبسها على حيث انتهت من الحدود المتناهية، قد استفرغتهم أشغال عبادته، و وصلت حقايق الإيمان بينهم و بين معرفته، و قطعهم الإيقان به إلى الوله إليه، و لم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره.

قد ذاقوا حلاوة معرفته، و شربوا بالكأس الرّويّة من محبّته، و تمكّنت من سويداء قلوبهم و شيجة خيفته، فحنوا بطول الطّاعة اعتدال ظهورهم، و لم ينفد طول الرّغبة إليه مادّة تضرّعهم، و لا أطلق عنهم عظيم الزّلفة ربق خشوعهم، و لم يتولّهم الإعجاب فيستكثروا ما سلف منهم و لا تركت لهم استكانة الإجلال نصيبا في تعظيم حسناتهم، و لم تجر الفترات فيهم على طول دؤوبهم، و لم تغض رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربّهم، و لم تجفّ لطول المناجاة أسلات ألسنتهم، و لا ملكتهم الأشغال فتنقطع بهمس الجؤار إليه أصواتهم، و لم تختلف في مقاوم الطّاعة مناكبهم، و لم يثنوا إلى راحة التّقصير في أمره رقابهم، و لا تعدوا على عزيمة جدّهم بلادة الغفلات، و لا تنتصل في هممهم خدائع الشّهوات. قد اتّخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم، و يمّموه عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم، لا يقطعون أمد غاية عبادته، و لا يرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته، إلّا إلى موادّ من قلوبهم غير منقطعة من رجائه و مخافته، لم تنقطع أسباب الشّفقة منهم فينوا في جدّهم، و لم تأسرهم الأطماع فيؤثروا و شيك السّعي على اجتهادهم، و لم يستعظموا ما مضى من أعمالهم، و لو استعظموا ذلك لنسخ الرّجآء منهم شفقات وجلهم و لم يختلفوا في ربّهم باستحواذ الشّيطان عليهم، و لم يفرّقهم سوء التّقاطع، و لا تولّاهم غلّ التّحاسد، و لا شعّبتهم مصارف الرّيب، و لا اقتسمتهم أخياف الهمم، فهم أسراء إيمان لم يفكّهم من ربقته زيغ و لا عدول، و لا ونا و لا فتور، و ليس في أطباق السّموات موضع إهاب إلّا و عليه ملك ساجد، أو ساع حافد، يزدادون على طول الطّاعة بربّهم علما، و تزداد عزّة ربّهم في قلوبهم عظما.

اللغة

(عمارة) المنزل جعله أهلا ضدّ الخراب الذى لا أهل له يقال عمره اللَّه منزلك عمارة و أعمره جعله أهلا و (الصفيح) السّماء و وجه كلّ شي‏ء عريض قاله فى القاموس، و وصفه بالأعلى بالنسبة إلى الأرض لأنه الصفيح الأسفل، فما في شرح المعتزلي من تفسيره بسطح الفلك الأعظم ليس بشي‏ء بل مخالف لكلام الامام عليه السّلام مضافا إلى مخالفته لتفسير أهل اللغة إذ كلامه هنا و في الخطبة الاولى صريح في عدم اختصاص مسكن الملائكة بالفلك الأعظم، حيث قال ثمّة: ثمّ فتق ما بين السّماوات العلى فملأهنّ أطوارا من ملائكته، و ذكر هنا أنه تعالى ملأ بهم فروج فجاجها و حشابهم فتوق أجوائها.

و (الملكوت) كرهبوت العزّ و السلطان، قال بعض اللّغويين: إنّ أهل التحقيق يستعملون الملك في العالم الظاهر و الملكوت في العالم الباطن، و قال: إنّ الواو و التاء فيه كما في رهبوت و رغبوت و جبروت و تربوت زيدتا للمبالغة فيكون معنى الملكوت الملك العظيم و (الفجاج) بكسر الفاء جمع فجّ بفتحها قال سبحانه:

 

                         منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 6    ، صفحه‏ى 372

 مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ و هو الطريق الواسع بين الجبلين و (حشوت) الوسادة بالقطن جعلتها مملوّة منه و (الفجوات) جمع فجوة و هي الفرجة و الموضع المتّسع بين الشيئين و (الزجل) محرّكة رفع الصّوت مصدر زجل كفرح و (الحظيرة) بالحاء المهملة و الظاء المعجمة الموضع الذى يحاط عليه لتأوى إليه الابل و الغنم و غيرهما ليقيها من الحرّ و البرد و (القدس) بسكون الدّال و ضمّها الطهر و (السترات) بضمّتين جمع سترة بالضمّ و هو ما يستتر به كالسّتارة و (السرادق) الذى يمدّ فوق صحن البيت و البيت من الكرسف و (المجد) الشرف و العظمة و (الرجيج) الزلزلة و الاضطراب و منه رجيج البحر و (استكّت) المسامع ضاقت و صمت قال الشّاعر:

         و نبّئت خير النّاس أنّك لمتنى            و تلك التي تستكّ منه المسامع‏

 

و (السّبحات) بضمّتين النور و البهاء و الجلال و العظمة و قيل: سبحات الوجه محاسنه لأنّك إذا رأيت الوجه الحسن قلت سبحان اللَّه تعجّبا و (ردعه) كمنعه كفّه وردّه و (خسأ) البصر كلّ من باب منع و الخاسئ من الكلاب و نحوها المبعد الذى لا يترك أن يدنو من النّاس و (تسبّح) من التّسبيح و في بعض النسخ تسبح من السّباحة و في هذه النسخة (خلال) بالخاء المعجمة المكسورة و هو وسط الشّي‏ء أو جمع خلل بالتحريك و هو الفرجة بين الشيئين، و في بعضها جلال بحار عزّته و (انتحل) الشّي‏ء إذا ادّعاه لنفسه و هو لغيره و (حمّلهم) بتشديد الميم و (الزّيغ) العدول عن الحق قال سبحانه: ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى‏ و (استعنت به) فأعاننى و قد يتعدّى بنفسه فيقال استعنته فأعاننى و الاسم منه العون و المعانة و المعونة بفتح الميم و ضمّ الواو على وزن مكرمة و بضمّ العين أيضا و اتباع الواو على وزن مقولة.

قال الفيومى: وزن المعونة مفعلة بضمّ العين و بعضهم يجعل الميم أصلية و يقول‏

 

                         منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 6    ، صفحه‏ى 373

هي مأخوذة من الماعون و يقول هي فعولة و (اشعر) قلوبهم من شعرت بالشّي‏ء شعورا من باب قعد علمت و قيل مأخوذ من الشعار و هو ما يلبس تحت الدّثار أى الزم قلوبهم تشبيها بلزوم الشعار للبدن و (أخبت) الرجل خضع للّه و خشع قلبه و (السكينة) الوقار و الطمأنينة و المهابة و (الذّلل) بضمّتين جمع الذّلول و هو ضدّ الصّعب و (مجدّه) تمجيدا عظّمه و أثنا عليه و الجمع للدّلالة على الأنواع و (الأعلام) جمع علم بالتحريك و هو الجبل الطويل قال الشّاعر:

         ربما اوفيت في علم            ترفعن ثوبي شمالات‏

 

و (الاصر) الثقل و (العقب) جمع العقبة كغرف و غرفة و هي النوبة و اللّيل و النّهار يتعاقبان أى يتناوبان و يجي‏ء كلّ منهما بعد الآخر و (نوازعها) في بعض النسخ بالعين المهملة من نزع في القوس إذا مدّها و في بعضها بالغين المعجمة من نزغ الشيطان بين القوم أى أفسد و (الاعتراك) الازدحام و (قدح) بالزند من باب منع أى رام الايراء به و هو استخراج النّار و (أحن) الرّجل من باب تعب حقد و أضمر العداوة، و الاحنة اسم منه و الجمع احن كسدرة و سدر و (لاق) الشّي‏ء بغيره أى لزق و منه الليقة للصوق المداد بها و (الاقتراع) الضرب بالقرعة و الاختيار.

و في شرح المعتزلي هو من الاقتراع بالسهام بأن يتناوب كلّ من الوساوس عليها، و الأنسب أن يجعل المزيد بمعنى المجرّد يقال قرعته بالمقرعة ضربته بها، و في بعض النسخ فتفترع بالفاء من فرعه أى علاه و الأول أنسب بالطبع و (الرّين) بالنون كما في بعض النسخ و هو الدنس و الطبع و الغطاء و ران ذنبه على قلبه رينا غلب، و في بعضها بالباء الموحّدة بمعنى الشّك.

و (الغمام) جمع الغمامة و (الدلّح) بالحاء المهملة جمع دالح كراكع و ركّع يقاب سحاب دالح أى ثقيل بكثرة مائه و (الشمّخ) بالخاء المعجمة جمع الشامخ و هو المرتفع العالى و (القترة) بالضمّ بيت الصايد الذي يستتر به عند تصيده من خصّ و نحوه، و الجمع قتر مثل غرفة و غرف و (الايهم) الذى لا يهتدى فيه و منه فلاة يهماء و (تخوم) الأرض بالضمّ حدودها و معالمها، قال الفيومى: التخم حدّ الأرض‏

 

                         منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 6    ، صفحه‏ى 374

و الجمع تخوم مثل فلس و فلوس، و قال ابن الاعرابى و ابن السّكيت الواحد تخوم و الجمع تخم مثل رسول و رسل.

و (ريح هفافة) طيبة ساكنة و (وصلت) في بعض النسخ بالسين المهملة المشدّدة يقال و سلّ إلى اللَّه توسيلا و توسّل أى عمل عملا يقرب به إليه و (الوله) محركة شدّة الوجد أو ذهاب العقل و (شربوا بالكأس) بتثليث الرّاء و الكأس مؤنثة و (الرّوية) المرويّة التي تزيل العطش و (سويداء) القلب و سوداؤه حبّته و (الوشيجة) في الأصل عرق الشجرة يقال: و شجت العروق و الأغصان أى اشتبكت و (حنيت) العود ثنّيته و حنّيت ضلعي عوّجته و يقال للرّجل إذا انحنى من الكبر: حناه الدّهر.

و (اعجب) زيد بنفسه على البناء للمفعول إذا ترفّع و سرّ بفضائله و أعجبنى حسن زيد إذا أعجبت منه قال الفيومى: و التعجّب على وجهين أحدهما ما يحمده الفاعل و معناه الاستحسان و الاخبار عن رضاه به، و الثاني ما يكرهه و معناه الانكار و الذّم له ففي الاستحسان يقال أعجبني بالألف و في الذّم و الانكار عجبت و زان تعبت و (الفترات) جمع الفترة مصدر بنيت للمرّة من فتر الشي‏ء فتورا سكن بعد حدّة و لان بعد شدّة.

و (دأب) في عمله من باب منع دأبا و دابا بالتحريك و دؤبا بالضمّ جدّ و تعب.

و (غاض) الماء غيضا من باب سار قلّ و نقص و (اسلة) اللسان طرفه و مستدقّه و (الهمس) محرّكة الصّوت الخفىّ و (الجؤار) و زان غراب رفع الصّوت بالدّعاء و التضرّع و (المقاوم) جمع مقام و (ثنا) الشي‏ء يثنى و يثنو من باب رمى و دعا ردّ بعضه على بعض و ثنيته أيضا أى صرفته إلى حاجته و (بلد) الرّجل بالضمّ بلادة فهو بليد أى غير فطن و لا ذكي و (ناضلته) مناضلة راميته فنضلته نضلا من باب قتل غلبته في الرّمى و انتضل القوم رموا للسبق و (الهمة) ما همّ به من أمر ليفعل و (يمّمته) قصدته و (الأمد) المنتهى و قد يكون بمعنى امتداد المسافة و (رجع) يكون لازما و متعدّ يا تقول رجع زيد و رجعته أنا و (اهتر)

                         منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 6    ، صفحه‏ى 375

فلان بكذا و استهتر بالبناء للمفعول فهو مهتر و مستهتر بالفتح أولع به لا يتحدّث بغيره و لا يفعل غيره، و الاستهتار الولع بالشى‏ء لا يبالي بما فعل فيه و شتم له.

و (الوني) الضّعف و الفتور من وني في الأمر من باب تعب و وعدو (الوشيك) القريب و السّريع و (نسخ) الشي‏ء إزالته و إبطاله و (استحوذ) عليه الشيطان استولى و (التقاطع) التعادي و ترك البرّ و الاحسان و (تولّيت) الأمر قمت به و (الغلّ) الحقد و (الشعبة) من كلّ شي‏ء الطائفة منه و شعّبهم أى فرّقهم و فى بعض النّسخ تشعبّتهم على التفعّل و الأوّل أظهر و (الرّيب) جمع الرّيبة و هو الشّك.

و (أخياف) الهمم اختلافها و أصله من الخيف بالتحريك مصدر من باب تعب و هو أن يكون إحدى العينين من الفرس زرقاء و الاخرى كحلاء، فالفرس أخيف و النّاس أخياف أى مختلفون، و منه قيل لاخوة الامّ: أخياف لاختلافهم من حيث الأب و (الاهاب) ككتاب الجلد و (الحافد) المسرع و الخفيف في العمل و يجمع على حفد بالتحريك و يطلق على الخدم لاسراعه في الخدمة و (العظم) وزان عنب خلاف الصّغر مصدر عظم و فى بعض النّسخ بالضّم و زان قفل و هو اسم من تعظّم أى تكبّر.

الاعراب

قوله: و بين فجوات آه الجملة حال من مفعول حشا، و قوله: و وراء ذلك خبر قدّم على مبتدئه و هو سبحات، و الابصار في بعض النسخ بالنصب على أنّه مفعول تردع و فاعله راجع إلى سبحات، و في بعضها بالرّفع على بناء تردع للمفعول، و أنشأهم عطف على ملاء بهم، و أولى أجنحة حال من مفعول أنشأ، و جملة تسبح صفة لأولى أجنحة أو لأجنحة، و جملة لا ينتحلون حال، و اللّام في قوله: بالقول عوض عن المضاف إليه أى لا يسبقون اللَّه بقولهم.

و قوله إلى المرسلين متعلّق بحملهم على تضمين معنى البعث أو الارسال أو نحوه، و ودائع أمره بالنصب مفعول حمّلهم، و جملة لم تثقلهم استيناف بيانى، و الباء

 

                         منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 6    ، صفحه‏ى 376

 

في قوله عليه السّلام: و شربوا بالكأس إمّا للاستعانة، أو بمعنى من و ربما يضمن الشّرب معنى الالتذاذ ليتعدّى بالباء و كلمة من في قوله عليه السّلام: من قلوبهم ابتدائية أى إلى موادّ ناشئة من قلوبهم، و في قوله عليه السّلام، من رجائه بيانيّة، فالمراد الخوف و الرجاء الباعثان لهم على لزوم الطاعة، و يحتمل أن يكون الاولى بيانية أو ابتدائية و الثانية صلة للانقطاع.

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه عليه السّلام متضمّن لبيان صفات الملائكة و كيفية خلقتهم و حالة عبوديّتهم و خشوعهم و ذلّتهم لمعبودهم، و قد مضى شطر واف من الكلام على هذا العنوان في شرح الفصل التاسع من فصول الخطبة الأولى، و تقدّم ثمّة ما ينفعك في هذا المقام و لما كان الغرض من هذه الخطبة الاشارة إلى عظمة اللَّه سبحانه و قدرته و الابانة عن الصّفات الجمالية و الجلالية له تعالى، و كان ملائكة السماوات من أفضل الموجودات و أشرف المجعولات و عجائب الخلايق و بدايع الصّنايع و عظم المخلوق كان دالا على عظم الخالق و بديع صنعة المصنوع كان دليلا على كمال قدرة الصّانع و تدبيره و حكمته، لا جرم ساق عليه السّلام هذا الفصل لبيان حالهم و ضمنه ذكر أوصافهم المختلفة و شئوناتهم المتفاوتة بعبارات رائقة و بدائع فائقة.

قال الشّارح المعتزلي و لنعم ما قال: إذا جاء هذا الكلام الرّباني و اللّفظ القدسي بطلت فصاحة العرب و كانت نسبة الفصيح من كلامها إليه نسبة التراب إلى النضار الخالص، و لو فرضنا أنّ العرب تقدر على الألفاظ الفصيحة المناسبة أو المقاربة لهذه الألفاظ من أين لهم المادّة التي عبرت هذه الألفاظ عنها و من أين تعرف الجاهلية بل الصحابة المعاصرون لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله هذه المعاني الغامضة السّمائية ليتهيّأ لها التعبير عنها.

أما الجاهلية فانّهم إنما كانت تظهر فصاحتهم في صفة بعير أو فرس أو حمار وحش أو ثور فلاة أو صفة جبال أو فلوات و نحو ذلك.

و أما الصّحابة المذكورون منهم بفصاحة إنما كان منتهى فصاحة أحدهم كلمات‏

 

                         منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 6    ، صفحه‏ى 377

لا يتجاوز السطرين أو الثلاثة إما في موعظة تتضمّن ذكر الموت أو ذمّ الدّنيا و ما يتعلّق بحرب و قتال من ترغيب أو ترهيب.

فأمّا الكلام في الملائكة و صفاتها و عبادتها و تسبيحها و معرفتها بخالقها و حبّها له و ولهها إليه و ما جرى مجرى ذلك ممّا تضمّنه هذا الفصل بطوله فانّه لم يكن معروفا عندهم على هذا التّفصيل، نعم ربّما علموه جملة غير مقسّمة هذا التقسيم و لا مرتّبة هذا الترتيب بما سمعوه من ذكر الملائكة في القرآن العظيم، فثبت أنّ هذه الامور الدقيقة مثل هذه العبارة الفصيحة لم تحصل إلّا لعليّ عليه السّلام وحده، و اقسم أنّ هذا الكلام إذا تأمّله اللّبيب اقشعرّ جلده و رجف قلبه و استشعر عظمة اللَّه العظيم في روعه و خلده و هام نحوه و غلب الوجد عليه و كاد أن يخرج من مسكه شوقا و أن يفارق هيكله صبابة و وجدا.

إذا عرفت ذلك فلنعد إلى شرح كلامه عليه السّلام فأقول: قال عليه السّلام (ثمّ خلق سبحانه لإمكان سماواته و عمارة الصّفيح الأعلى من ملكوته خلقا بديعا من ملائكته) ظاهر كلمة ثمّ المفيد للترتيب الحقيقي كون خلق الملائكة بعد خلقة السّماوات، و يدلّ عليه أخبار كثيرة إلّا أنّ في بعض الرّوايات سبق خلقة الملائكة على خلقة السّماوات، و يمكن الجمع بالتخصيص ههنا بسكان السّماوات الذين لا يفارقونها، و المراد بالصفيح الأعلى سطح كلّ سماء، و يقابله الصفيح الأسفل الذى هو الأرض، و يظهر من ذلك عدم تلاصق السّماوات على ما ذهبت إليه الفلاسفة من غير دليل يعتمد عليه.

و أمّا ما في شرح البحراني من أنّه يحتمل أن يشير عليه السّلام بالصّفيح الأعلى إلى الفلك التاسع و هو العرش لكونه أعظم الأجرام و أعلاها و سكانه الملائكة المدبّرون له، فمبنىّ على اصول الفلاسفة مخالف للأخبار و كلام أهل اللغة حسبما عرفت آنفا في ترجمة لفظ الصفيح، و مخالف أيضا لظاهر قوله عليه السّلام (فملأ بهم فروج فجاجها و حشابهم فتوق أجوائها) إذ المستفاد من ذلك أنّ ما بين السّماوات مملوّة بهم فيكون السّطوح المحدّبة منها محلّ إسكان الملائكة و مكان عبادتهم للّه سبحانه‏

 

                         منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 6    ، صفحه‏ى 378

بأنواع العبادة و يستفاد منه أيضا تجسم الملائكة و هو المستفاد من الأخبار المتواترة معنى.

و العجب أنّ شارح البحراني أوّل ذلك أيضا بناء على الاصول الفاسدة بأنه عليه السّلام استعار لفظ الفروج و الفجاج و الفتوق لما يتصوّر بين أجزاء الفلك من التباين لولد الملائكة الذين هم أرواح الأفلاك و بها قام وجودها، و بقاء جواهرها محفوظة بها، و وجه المشابهة ظاهر، و رشح تلك الاستعارة بذكر الملاء و الحشو، و أما فجاجها و فروجها فاشارة إلى ما يعقل بين أجزائها و أجوائها المنتظمة على التباس لو لا الناظم لها بوجود الملائكة، فيكون حشو تلك الفرج بالملائكة كناية عن نظامها بوجودها و جعلها مدبّرة لها انتهى.

و قد مضى فساد ذلك و بطلانه في شرح الفصل التاسع من فصول الخطبة الأولى فتذكّر (و بين فجوات تلك الفروج) و متّسعاتها (زجل المسّبحين منهم) و أصواتهم الرفيعة العالية بالتضرّع و الابتهال و المسكنة (في حظاير القدس و سترات الحجب و سرادقات المجد) لعلّ المراد بها المواضع المعدّة لعبادة الملائكة بين أطباق السّماوات و وصفها بالقدس من حيث اتصافها بالطهارة و النزاهة من الأدناس و الأرجاس و يمكن أن يكون الاشارة بها إلى ما فوق السماء السّابعة من الحجب و السّرادقات النورانية.

ففي الخبر أنّ ما فوق السّماء السابعة صحارى من نور، و لا يعلم فوق ذلك إلّا اللَّه.

و عن وهب بن منبه فوق السّماوات حجب فيها ملائكة لا يعرف بعضهم بعضا لكثرتهم يسبّحون اللَّه تعالى بلغات مختلفة و أصوات كالرّعد العاصف، هذا.

و قد أشار عليه السّلام إلى تفصيل الحجب و السرادقات فيما رواه الصّدوق في التوحيد باسناده عن زيد بن وهب قال: سئل أمير المؤمنين عليه السّلام عن الحجب، فقال عليه السّلام: أوّل الحجب سبعة غلظ كلّ حجاب منها مسيرة خمسمائة عام و بين كلّ حجابين مسيرة خمسمائة عام، و الحجاب الثاني سبعون حجابا بين كلّ حجابين مسيرة خمسمائة

 

                         منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 6    ، صفحه‏ى 379

 

عام و طوله خمسمائة عام حجبة كلّ حجاب منها سبعون ألف ملك قوّة كلّ ملك منهم قوّة الثّقلين، منها ظلمة، و منها نور، و منها نار، و منها دخان، و منها سحاب، و منها برق، و منها مطر، و منها رعد، و منها ضوء، و منها رمل، و منها جبل، و منها عجاج، و منها ماء، و منها أنهار، و هي حجب مختلفة غلظ كلّ حجاب مسيرة سبعين ألف عام.

ثمّ سرادقات الجلال و هي ستّون «سبعون» سرادقا في كلّ سرادق سبعون ألف ملك بين كلّ سرادق و سرادق مسيرة خمسمائة عام، ثمّ سرادقات العزّ، ثمّ سرادق الكبرياء، ثمّ سرادق العظمة، ثمّ سرادق القدس، ثمّ سرادق الجبروت، ثمّ سرادق الفخر، ثمّ سرادق النور الأبيض، ثمّ سرادق الوحدانية، و هو مسيرة سبعين ألف عام في سبعين ألف عام، ثمّ الحجاب الأعلى و انقضى كلامه عليه السّلام و سكت، فقال له عمر: لا بقيت ليوم لا أراك فيه يا أبا الحسن.

قال المجلسيُّ (ره) بعد رواية ذلك في البحار: قوله عليه السّلام: منها ظلمة، لعلّ المراد من مطلق الحجب لا من الحجب المتقدّمة كما يدلّ عليه قوله غلظ كلّ حجاب اه (و وراء ذلك الرجيج الذى تستكّ منه الأسماع) و الزجل الذى تنسدّ منه الآذان (سبحات نور تردع الأبصار عن بلوغها) و تمنع الأعين عن وصولها لشدّة ضيائها و فرط بهائها (فتقف) الأبصار (خاسئة) حسيرة (على حدودها) أى حدود تلك السبحات، و يستفاد من شرح المعتزلي رجوع الضمير إلى الأبصار، قال: أى تقف حيث تنتهى قوّتها، لأنّ قوّتها متناهية فاذا بلغت حدّها وقفت هذا.

و المراد بسبحات النور إما الأنوار التي تغشي العرش.

و يدلّ عليه ما روى عن ميسرة قال: لا تستطيع الملائكة الذين يحملون العرش أن ينظروا إلى ما فوقهم من شعاع النور.

و عن زاذان قال: حملة العرش أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور.

و في حديث المعراج قال: و رأيت في علّيين بحارا و أنوارا و حجبا و غيرها

 

                         منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 6    ، صفحه‏ى 380

لو لا تلك لاحترق كلّ ما تحت العرش من نور العرش، و إمّا حجب النّور التي دون العرش، و يؤيّده ما في الحديث أنّ جبرئيل عليه السّلام قال للّه سبحانه: دون العرش سبعون حجابا لو دنونا من أحدها لاحترقتنا سبحات وجه ربّنا، و في حديث آخر من طرق المخالفين حجابه النّور و النّار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كلّ شي‏ء أدركه بصره.

و قال الشّارح البحراني (ره) أشار عليه السّلام بسبحات النّور التي وراء ذلك الرّجيج إلى جلال وجه اللَّه و عظمته و تنزيهه أن يصل إليه أبصار البصاير، و نبّه بكون ذلك وراء رجيجهم على أنّ معارفهم لا تتعلّق به كما هو، بل وراء علومهم و عباداتهم أطوار اخرى من جلاله تقصر معارفهم عنها و تردع أبصار البصاير عن ادراكها فترجع حسيرة متحيّرة واقفة عند حدودها و غاياتها من الادراك.

أقول: و هو لا ينافي ما ذكرناه إذ ما ذكرته تفسير للظّاهر و ما ذكره الشّارح تأويل للباطن، و قد تقدّم في شرح الخطبة التي قبل هذه الخطبة«» ما ينفعك ذكره في هذا المقام (أنشأهم على صور مختلفات و أقدار متفاوتات اولى أجنحة تسبّح جلال عزّته) قال الشّارح البحراني اختلاف صورهم كناية عن اختلافهم بالحقايق و تفاوت أقدارهم تفاوت مراتبهم في الكمال و القرب منه، و لفظ الاجنحة مستعار لقواهم التي بها حصلوا على المعارف الالهيّة و تفاوتها بالزيادة و النّقصان كما قال تعالى: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ كناية عن تفاوت ادراكهم لجلال اللَّه و علومهم بما ينبغي له، و لذلك جعل الأجنحة هي التي تسبّح جلال عزّته فانّ علمهم بجلاله منزّه عمّا لا ينبغي لكرم وجهه و لا يناسب جلال عزّته.

أقول: تسليط يد التّأويل على الظواهر من غير دليل هدم لأساس الشّريعة و حمل اللّفظ على المجازات إنّما هو عند تعذّر إرادة الحقيقة، و امّا مع إمكانها

 

                         منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 6    ، صفحه‏ى 381

و دلالة الدّليل عليها فهو خلاف السيرة المستمرة مناف لمقتضى الاصول اللفظية المتداولة بين أهل اللّسان من العرب و من حذاحذوهم من علماء الاصول و الأدب.

بل المراد انشاءهم على صور مختلفة و أشكال متشتّتة فبعضهم على صورة الانسان و بعضهم على صورة الحيوان من الأسد و الثور و الدّيك و غيرها من أصناف الحيوان على ما ورد في الأخبار، و بعضهم أولى أجنحة مثنى و ثلاث و رباع يزيد سبحانه عليها ما يشاء على وفق حكمته و مقتضى تدبيره و إرادته.

و ايجادهم على أقدار متفاوتة في الصغر و الكبر و الطّول و القصر، روى عليّ ابن إبراهيم القمّي (ره) في تفسير قوله سبحانه: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ عن الصّادق عليه السّلام أنّه قال: خلق اللَّه الملائكة مختلفين، و قد رأى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم جبرئيل و له ستّمأة جناح على ساقه الدّر مثل القطر على البقل قد ملأ ما بين السّماء و الأرض، و قال: إذا أمر اللَّه ميكائيل بالهبوط إلى الدّنيا صارت رجله اليمنى في السّماء السّابعة و الأخرى في الأرض السّابعة، و أنّ للَّه ملائكة أنصافهم من برد و أنصافهم من نار يقولون: يا مؤلّفا بين البرد و النّار ثبّت قلوبنا على طاعتك، و قال: إنّ اللَّه ملكا بعد ما بين شحمة اذنه إلى عينه مسير خمسمائة عام بخفقان الطير، و قال عليه السّلام: إنّ الملائكة لا يأكلون و لا يشربون و لا ينكحون و إنما يعيشون بنسيم العرش و إنّ للّه ملائكة ركّعا إلى يوم القيامة و إنّ للَّه ملائكة سجّدا إلى يوم القيامة ثمّ قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام ما من شي‏ء ممّا خلق اللَّه أكثر من الملائكة و أنّه ليهبط في كلّ يوم أو في كلّ ليلة سبعون ألف ملك فيأتون البيت الحرام فيطوفون به ثمّ يأتون رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم ثمّ يأتون أمير المؤمنين عليه السّلام فيسلّمون عليه ثمّ يأتون الحسين عليه السّلام فيقيمون عنده، فاذا كان وقت السّحر وضع لهم معراج إلى السّماء ثمّ لا يعودون أبدا.

و في التّوحيد بإسناده عن زيد بن وهب قال: سئل أمير المؤمنين عليّ بن‏

 

                         منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 6    ، صفحه‏ى 382

أبي طالب عليه السّلام عن قدرة اللَّه جلّت عظمته، فقام خطيبا فحمد اللَّه و أثنا عليه ثمّ قال: إنّ اللَّه تبارك و تعالى ملائكة لو أنّ ملكا منهم هبط إلى الأرض ما وسعته لعظمة خلقته و كثرة أجنحته، و منهم من لو كلّفت الجنّ و الانس أن يصفوه ما وصفوه لبعد ما بين مفاصله و حسن تركيب صورته، و كيف يوصف من ملائكته من سبعمائة عام ما بين منكبيه و شحمة اذنيه، و منهم من يسدّ الافق بجناح من أجنحته دون عظم بدنه، و منهم من السّماوات إلى حجزته«»، و منهم من قدمه على غير قرار في جوّ الهواء الأسفل و الأرضون إلى ركبتيه، و منهم من لو ألقى في نقرة ابهامه جميع المياه لوسعتها، و منهم من لو القيت السفن في دموع عينه لجرت دهر الداهرين فتبارك اللَّه أحسن الخالقين.

و فيه بإسناده عن ابن عباس عن النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم قال: إنّ للَّه تبارك و تعالى ديكا رجلاه في تخوم الأرض السّابعة و رأسه عند«» العرش ثاني عنقه تحت العرش «إلى أن قال:» و لذلك الدّيك جناحان إذا نشرهما جاوز المشرق و المغرب، فاذا كان في آخر اللّيل نشر جناحيه و خفق بهما و صرخ بالتسبيح يقول: سبحان الملك القدّوس الكبير المتعال لا إله إلّا اللَّه الحيّ القيّوم، فاذا فعل ذلك سبّحت ديكة الأرض كلّها و خفقت بأجنحتها و أخذت في الصّراخ، فاذا سكن ذلك الدّيك في السّماء سكنت الديكة في الأرض فإذا كان في بعض السحر نشر جناحيه فجاوز بهما المشرق و المغرب و خفق بهما و صرخ بالتسبيح سبحان اللَّه العظيم «سبحان خ» العزيز القهار سبحان اللَّه ذي العرش المجيد سبحان اللَّه ربّ العرش الرّفيع، فاذا فعل ذلك سبّحت ديكة الأرض فاذا هاج هاجت الدّيكة في الأرض تجاوبه بالتسبيح و التقديس للّه عزّ و جلّ و لذلك الدّيك ريش أبيض كأشدّ بياض رأيته قطّ و له زعبا«» خضر تحت ريشه الأبيض كأشدّ خضرة رأيتها قطّ فما زلت مشتاقا إلى أن أنظر إلى ريش ذلك الدّيك.

 

                         منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 6    ، صفحه‏ى 383

و بهذا الإسناد عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم قال: إنّ للَّه تبارك و تعالى ملكا من الملائكة نصف جسده الأعلى نار و نصفه الأسفل ثلج، فلا النّار تذيب الثلج و لا الثلج تطفئ النّار و هو قائم ينادى بصوت رفيع: سبحان اللَّه الذي كفّ حرّ هذه النّار فلا يذيب الثلج و كفّ برد هذا الثلج فلا يطفى‏ء حرّ النّار اللّهمّ يا مؤلّفا بين الثلج و النّار ألّف بين قلوب عبادك المؤمنين على طاعتك هذا.

و بقى الكلام في قوله عليه السّلام اولى أجنحة تسبح جلال عزّته، فأقول: إن كان تسبح بالتخفيف و الخلال بالخاء المعجمة فالمراد سباحتهم و سيرهم في اطباق السّماوات و فوقها أو نزولهم و صعودهم لأداء الرّسالات و غيرها أو سيرهم في مراتب القرب بالعبادة و التسبيح.

و أمّا على رواية التشديد و كون الجلال بالجيم فالجملة إما صفة لاولى أجنحة فالتأنيث باعتبار الجماعة و المقصود أنهم يسبّحونه و يقدّسون جلاله و عظمته و عزّته و قوّته سبحانه من النقائص.

و إمّا صفة لأجنحة فالمقصود بالتسبيح إمّا التنزيه و التقديس بلسان الحال إذ كلّ جناح من اجنحتهم بل كلّ ذرّة من ذرّات وجودهم ناطقة بلسان حالها شارحة لعظمة بارئها و مبدعها، برهان صدق على قدرته و قوّته و كماله، و دليل متين على تدبيره و حكمته و جلاله، و هذا عام لجميع الملائكة.

و إمّا التنزيه بلسان المقال و هو مخصوص ببعض الملائكة.

و يشهد به ما رواه في التوحيد باسناده عن ابن عباس عن النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال: إنّ اللَّه تبارك و تعالى ملائكة ليس شي‏ء من أطباق أجسادهم إلّا و هو يسبّح اللَّه عزّ و جلّ و يحمده من ناحية بأصوات مختلفة لا يرفعون رؤوسهم إلى السماء و لا يخفضونها إلى أقدامهم من البكاء و الخشية للَّه عزّ و جل.

و عن جميل بن درّاج قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السّلام هل في السماء بحار قال عليه السّلام: نعم أخبرني أبي عن أبيه عن جدّه عليهم السّلام قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: إنّ في‏

 

                         منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 6    ، صفحه‏ى 384

 

السماوات السبع لبحارا عمق أحدها مسيرة خمسمائة عام فيها ملائكة قيام منذ خلقهم اللَّه عزّ و جلّ و الماء إلى ركبهم ليس فيهم ملك إلّا و له ألف و أربع مأئة جناح في كلّ جناح أربعة وجوه في كلّ وجوه «وجه خ» أربعة ألسن ليس فيها جناح و لا وجه و لا لسان و لا فم إلّا و هو يسبّح اللَّه عزّ و جلّ بتسبيح لا يشبه نوع منه صاحبه، و اللَّه أعلم بحقايق ملكه و ملكوته، و آثار جلاله و جبروته.

ثمّ وصف عليه السّلام الملائكة بأنهم (لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه و لا يدعون أنهم يخلقون شيئا معه مما انفرد به) أي لا يدّعون الرّبوبية لأنفسهم كما يدّعيه البشر لهم و لأنفسهم فالفقرة الأولى لنفى ادّعاء الاستبداد و الثانية لنفى ادّعاء المشاركة أو الاولى لنفى ادّعائهم الخالقية فيما هم و سايط وجوده و لهم مدخل فيه بأمره سبحانه و الثانية لنفى ذلك فيما خلقه اللَّه سبحانه بمجرّد أمره من دون توسط الوسايل (بل) هم (عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون) و هو اقتباس من قوله سبحانه في سورة الأنبياء.

 وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ» الآية قيل: نزلت في خزاعة حيث قالت: الملائكة بنات اللَّه، فنزّه اللَّه سبحانه نفسه عن ذلك و قال سبحانه أنفة له: بل هؤلاء الّذين زعموا أنهم ولد اللَّه ليسوا أولاده، بل هم عباد مكرمون أكرمهم اللَّه و اصطفاهم لا يسبقونه بالقول و لا يتكلّمون إلّا بما يأمرهم به ربّهم، فكلّ أقوالهم طاعة لربّهم و يكفى بذلك جلالة قدرهم، و هم بأمره يعملون، و من كان بهذه الصفة لا يوصف بأنه ولد.

(جعلهم) اللَّه (فيما هنالك أهل الأمانة على وحيه، و حملهم إلى المرسلين ودايع أمره و نهيه) لعلّ هذا الوصف مختصّ ببعض الملائكة و يشهد به قوله سبحانه اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا

                         منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 6    ، صفحه‏ى 385

و يكفى للنسبة إلى الجميع كون بعضهم كذلك و ما هنالك عبارة عن مراتب الملائكة و يدلّ على الاختصاص بالبعض أيضا قوله عليه السّلام في الفصل التاسع من الخطبة الأولى: و منهم امناء على وحيه و ألسنة إلى رسله و مختلفون بقضائه و أمره، و قد تقدّم في شرح ذلك الفصل ما ينفعك ذكره في المقام و بيّنا ثمّة وجه الحاجة في أداء الامانة إلى وجود الواسطة من الملائكة و أشرنا إلى جهة وصفهم بالامانة.

و محصّله أنّه لما كان ذو الامانة هو الحافظ لما ائتمن عليه ليؤدّيه إلى مستحقّه و كانت الرّسالات النازلة بواسطة الملائكة نازلة كما هي محفوظة عن الخلل الصادر عن سهو لعدم أسباب السّهو هناك أو عن عمد لعدم الدّاعي إليه لقوله تعالى: يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ صدق أنهم أهل الامانة على وحيه و رسالاته (و عصمهم من ريب الشبهات فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته) هذا الوصف عام لجميع الملائكة لأنهم معصومون من الشكّ و الاشتباه الناشى من معارضة النفس الأمارة للقوّة العاقلة إذ ليس لهم هذه النفس فلا يتصوّر في حقّهم العدول عن سبيل رضوان اللَّه و الانحراف عن القصد لانتفاء سببه الذى هو وجود هذه النفوس.

(و أمدّهم بفوائد المعونة و أشعر قلوبهم تواضع اخبات السّكينة) لعلّ المراد أنّه سبحانه أعطاهم المدد و القوّة و أيّدهم بأسباب الطاعات و القربات و الألطاف و المعارف الصّارفة لهم عن المعصية و أنه ألزم قلوبهم التواضع و الذلّة و الخضوع و الاستكانة لزوم الشعار للجسد أو أنه أعلمهم ذلك، و محصّله عدم انفكاكهم عن الخوف و الخشوع و قد مرّ بعض الأخبار فيه في شرح الفصل التاسع من الخطبة الاولى.

(و فتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجيده) أى فتح لهم أبوابا سهلة إلى تعظيماته و الثناء عليه، و الجمع باعتبار أنواع التحيات و فتح الأبواب كناية عن إلهامها

 

                         منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 6    ، صفحه‏ى 386

عليهم و تسهيلها لهم لعدم معارضة شيطان أو نفس أمارة بالسوء، بل خلقهم خلقة يلتذّون بها كما ورد: أنّ شرابهم التّسبيح و طعامهم التقديس.

(و نصب لهم منارا واضحة على أعلام توحيده) استعار لفظ الأعلام لأدلّة التّوحيد و براهين التفريد و وجه المشابهة ايصال كلّ منهما إلى المطلوب، و لعلّه أراد بالمنار الواضحة المنصوبة على تلك الأعلام ما يوجب لهم الاهتداء إلى تلك الأدلّة من الوحى و الالهام.

و ربما قيل في شرح ذلك: إنه استعار المنار الواضحة للوسائط من الملائكة المقرّبين بينهم و بين الحقّ سبحانه إذ إخباره عن الملائكة السّماوية و لفظ الاعلام لصور المعقولات في ذواتهم المستلزمة لتوحيده و تنزيهه عن الكثرة، و وجه المشابهة أنّ المنار و الأعلام كما يكون وسايط في حصول العلم بالمطلوب كذلك الملائكة المقرّبون و المعارف الحاصلة بواسطتهم يكون وسايط في الوصول إلى المطلوب الأول محرّك الكلّ عزّ سلطانه، و هو قريب مما قلناه إلّا أنّ ما قلناه أظهروا أشبه هذا.

و أمّا توصيف المنار بوصف الوضوح فمن أجل وفور أسباب الهداية و كثرة الدلائل في حقهم لقربهم من سياحة عزّ و ملكوته و مشاهدتهم ما يخفى علينا من آثار ملكه و جبروته.

(لم تثقلهم موصرات الآثام) أى مثقلاتها و أشار عليه السّلام بذلك إلى عصمتهم من المعاصي لعدم خلق الشهوات فيهم و انتفاء النفس الامارة الداعية إلى المعصية (و لم ترتحلهم عقب اللّيالى و الأيام) أى لم يزعجهم تعاقبهما و لم يوجب رحيلهم عن دارهم، و المقصود تنزيههم عما يعرض للبشر من ضعف القوى أو القرب من الموت بكرور اللّيالى و مرور الأيام.

(و لم ترم الشّكوك بنوازعها عزيمة ايمانهم) عزيمة ايمانهم ما لزم ذواتهم من التّصديق بمبدعهم و ما ينبغي له، و المراد أنه لم ترم الشكوك بمحركاتها و هي شهواتها ما عزموا عليه من الايمان و التّصديق، هذا على رواية نوازعها بالعين المهملة

 

                         منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 6    ، صفحه‏ى 387

و أما على روايتها بالغين المعجمة فالمقصود عدم انبعاث نفوسهم الأمّارة بالشكوكات و الشبهات و القائها الخواطر الفاسدة إلى أنفسهم المطمئنة.

(و لم تعترك الظنون على معاقد يقينهم) المراد بالظنّ إمّا الاعتقاد الراجح غير الجازم أو الشّك أو ما يشملهما، و لعلّ الأخير أظهر هنا، فالمقصود نفى ازدحام الظنون و الأوهام على قلوبهم التي هي معاقد عقائدهم اليقينية (و لا قدحت قادحة الاحن فيما بينهم) أى لا تثير الأحقاد و العداوات بينهم فتنة كما تثير النّار قادحتها لتنزّهم من القوّة الغضبيّة (و لا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم و سكن من عظمته و هيبة جلاله في أثناء صدورهم) لمّا كان الحيرة عبارة عن عدم الاهتداء إلى وجه الصواب من حيث تردّد العقل في أنّ أىّ الأمرين أولى بالطلب و الاختيار، و كان منشأ ذلك معارضة الوهم و الخيال للعقل و لم يكن لهم و هم و لا خيال، لا جرم لا حيرة تخالط عقايدهم و تزيل هيبة عظمته من صدورهم.

قال المجلسي (ره): و يحتمل أن يكون المراد بالحيرة الوله لشدّة الحبّ و كمال المعرفة كما سيأتي، فالمعنى أنّ شدّة و لهم لا يوجب نقصا في معرفتهم و غفلة عن ملاحظة العظمة و الجلال كما في البشر، و على هذا فالسلب في كلامه عليه السّلام راجع إلى المحمول كما أنه على ما قلناه راجع إلى الموضوع (و لم تطمع فيهم الوساوس فتقترع برينها على فكرهم) أى لم تطمع فيهم الوساوس الشّيطانية و النّفسانية فتتناوب أو تضرب بأدناسها على قلوبهم، و الغرض نفى عروض الوساوس على عقولهم كما تعرض للبشر لانتفاء أسبابها في حقّهم.

(منهم) أى من مطلق الملائكة (من هو في خلق الغمام الدّلح) أى السحاب الثقيلة بالمطر، و المراد بذلك الصّنف هم الّذين مكانهم السحاب و هم خزّان المطر و زواجر السحاب المشار إليهم بقوله سبحانه: و الزاجرات زجرا قال ابن عباس: يعنى الملائكة الموكّلين بالسحاب فيشمل لمشيعي الثلج و البرد و الهابطين مع قطر المطر إذا نزل و إن كان السحاب مكانهم قبل النّزول قال سيّد

 

                         منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 6    ، صفحه‏ى 388

السّاجدين عليه السّلام في دعائه في الصّلاة على حملة العرش و ساير الملائكة من الصحيفة الكاملة: و خزّان المطروز واجر السحاب و الّذى بصوت زجره يسمع زجل الرعود و إذا سبحت به حفيفة السحاب التمعت صواعق البروق و مشيعى الثّلج و البرد و الهابطين مع قطر المطر إذا نزل، هذا.

و يحتمل أن يكون المقصود تشبيههم في لطافة الجسم بالسحاب، فيكون المعنى أنهم في الخلقة مثل خلق الغمام.

و كذلك قوله عليه السّلام (و في عظم الجبال الشّمخ) يحتمل أن يراد به الملائكة الموكّلون بالجبال للحفظ و ساير المصالح، و أن يراد به تشبيههم بالجبال في عظمة الخلقة.

و هكذا قوله (و في قترة الظلام الايهم) محتمل لأن يراد به الملائكة السّاكنون في الظلمات لهداية الخلق و حفظهم أو غير ذلك، و لأن يراد به تشبيههم في السّواد بالظلمة.

(و منهم من قد خرقت أقدامهم تخوم الأرض السّفلى، فهى كرايات بيض قد نفذت في مخارق الهواء و تحتها ريح هفّافة تحبسها على حيث انتهت من الحدود المتناهية) لعلّ المراد بهم الملائكة الموكّلون بالأرض يقول عليه السّلام: إنهم قد خرقت أقدامهم حدود الأرض السفلى و معالمها و أقدامهم بمنزلة أعلام بيض قد نفذت في مخارق الهواء، و أراد بها المواضع التي تمكنت فيها تلك الأعلام بخرق الهواء، و تحت هذه الأعلام ريح طيّبة ساكنة أى ليست بمضطربة فتموج تلك الرّايات تحسبها حيث انتهت هذا.

و قال الشّارح البحراني: يشبه أن يكون هذا القسم من الملائكة السّماوية أيضا و استعار لفظ الأقدام لعلومهم المحيطة بأقطار الأرض السفلى و نهاياتها، وجه الشبه كون العلوم قاطعة للمعلوم و سارية فيه واصلة إلى نهايته كما أنّ الأقدام تقطع الطريق و تصل إلى الغاية منها.

و تشبيهها بالرّايات البيض من وجهين احدهما في البياض لأنّ البياض لما استلزم‏

 

                         منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 6    ، صفحه‏ى 389

 

الصّفاء عن الكدر و السّواد كذلك علومهم صافية عن كدورات الباطل و ظلمات الشبه، الثاني في نفوذها في أجزاء المعلوم كما تنفذ الرّايات في الهواء، و أشار بالريح التي تحبس الاقدام الى حكمة اللَّه التي اعطت كلّا ما يستحقّه و قصرت كلّ موجود على حدّه و بهفوفها الى لطف تصرّفها و جريانها في المصنوعات.

أقول: و لا بأس به و إن كان خروجا عن الظاهر.

ثمّ أشار إلى استغراقهم في العبادة و ثباتهم في المعرفة و المحبّة بقوله: (قد استفرغتهم أشغال عبادته) أى جعلتهم فارغين عن غيرها (و وصلت حقايق الايمان بينهم و بين معرفته) أراد بحقايق الايمان العقائد اليقينية تحقّ أن تسمّى إيمانا أو البراهين الموجبة له، و كونها وصلة بينهم و بين معرفته من حيث إنّ التّصديق بوجود الشّي‏ء الواجب تحصيله أقوى الأسباب الباعثة على طلبه فصار الايمان و التصديق الحق بوجوده جامع بينهم و بين معرفته و وسيلة لهم إليه.

(و قطعهم الايقان به الى الوله إليه) أى صرفهم اليقين بوجوب وجوده عن التوجه و الالتفات إلى غيره إلى و لهم إليه و تحيّرهم من شدّة الوجد (و لم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره) أى رغباتهم مقصورة على ما عنده سبحانه من قربه و ثوابه و كرمه، فانه منتهى رغبة الراغبين و هو غاية قصد الطالبين.

(قد ذاقوا حلاوة معرفته) استعار عليه السّلام لفظ الذّوق لتعقّلاتهم و رشّحه بذكر الحلاوة و كنّى بها عن كمال ما يجدونه من اللذّة بمعرفته كما يلتذّ ذايق الحلاوة بها (و شربوا بالكأس الرّوية من محبّته) استعار لفظ الشرب لما تمكن في ذواتهم من كمال المحبّة و رشّحه بذكر الكأس الروّية أى من شانها أن تروى و تزيل العطش (و تمكنت من سويداء قلوبهم وشيجة خيفته) لما كان كمال استقرار العوارض القلبيّة من الحبّ و الخوف و نحوهما عبارة عن بلوغها إلى سويداء القلب و تمكنها فيها عبّر عليه السّلام بها مبالغة و أشار عليه السّلام بوشيجة خيفته إلى جهات الخوف المتشعبّة في ذواتهم الناشئة من زيادة معرفتهم بعزّته و قدرته و مقهوريّتهم تحت قوّته.

(فحنوا بطول الطاعة اعتدال ظهورهم) أى عوّجوا ظهورهم المعتدلة المستقيمة بطاعاتهم الطويلة، و هو كناية عن كمال خضوعهم.

 

                         منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 6    ، صفحه‏ى 390

(و لم ينفد طول الرّغبة إليه مادّة تضرّعهم) أراد به عدم إفناء طول رغبتهم إليه دواعي تضرّعهم له سبحانه كما في البشر فانّ أحدنا إذا كان له رغبة في أمر و أراد الوصول إليه من عند أحد تضرّع إليه و ابتهل و إذا طال رغبته و لم ينل إلى مطلوبه حصل له الملال و الكلال انقطع دواعى نفسه و ميول قلبه و ينعدم ما كان سببا لتضرّعه و ابتهاله، و لمّا كان الملال و الكلال من عوارض المركبات العنصرية و كانت الملائكة السماوية منزّهة عنها لا جرم حسن سلبها عنهم.

(و لا اطلق عنهم عظيم الزلفة ربق خشوعهم) لما كان من شأن مقرّبي الملوك و السّلاطين أنهم كلّما ازداد زلفاهم و قرباهم إليهم انتقص خضوعهم و خشوعهم و تواضعهم من أجل أنه يخفّ هيبتهم و سطوتهم في نظرهم لكونهم بشرا مثلهم و لم يكن كذلك حال من كان مقرّبي الحضرة الرّبوبيّة بل هم كلّما ازدادوا قربا ازدادوا خشوعا من حيث عدم انتهاء السّلطنة الألهيّة و عدم انتهاء مراتب العرفان و اليقين الدّاعيين إلى التضرّع و العبادة و عدم وقوفها على حدّ، لا جرم لم يطلق عظم قربهم أعناق ذلّهم عن ربقة الابتهال، فهم بقدر صعودهم في مدارج الطاعة يزداد قربهم، و كلّما ازداد قربهم تضاعف علمهم بعظمته فيحصل بزيادة العلم بالعظمة كمال الخشوع و الذلّة.

(و لم يتولهم الاعجاب فيستكثروا ما سلف منهم، و لا تركت لهم استكانة الاجلال نصيبا في تعظيم حسناتهم) المراد بذلك نفى استيلاء العجب عليهم و الاشارة إلى أنهم لا يستعظمون ما سلف منهم من العبادات، و لا يستكثرون ما تقدّم منهم من الطاعات، و أنهم لم يترك لهم خضوعهم الناشي عن ملاحظة جلال اللَّه و ولههم النّاشي من شدّة المحبّة إليه نصيبا في تعظيم الحسنات و حظا في إعظام القربات، لأنّ منشأ العجب هو النّفس الأمارة و هو من أحكام الأوهام و الملائكة السماوية مبرّؤون منها و منزّهون عنها.

(و لم تجر الفترات فيهم على طول دؤوبهم) يعنى أنهم على طول جدّهم في العبادة لا يحصل لهم فتور و لا قصور، و قد مضى بيان ذلك في شرح الفصل التاسع من الخطبة الاولى قال زين العابدين و سيّد السّاجدين عليه السّلام في الصلاة على حملة العرش‏

اللّهمّ و حملة عرشك الذين لا يفترون عن تسبيحك و لا يملّون عن تقديسك.
و العجب من الشارح البحراني حيث قال في شرح هذه الفقرة: قد ثبت أنّ الملائكة السّماوية دائمة التّحريك لأجرامها حركة لا يتخلّلها سكون و لا يكلّها و يفترها إعياء و تعب، و لبيان ذلك بالبراهين اصول ممهّدة في مواضعها و امّا بالقرآن فلقوله تعالى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ انتهى أقول: و هو تأويل من غير دليل مقبول مبتن على اصول الفلاسفة الجاعلين الملائكة بالنسبة إلى أجرام السّماء بمنزلة النفوس الناطقة بالنّسبة إلى أبدان البشر القائلين بكونها مدّبرة لأمرها كما أن النّفوس مدبّرة للأبدان، و هو مخالف للاصول الشّرعية موجب لطرح ظواهر الأدلّة من الكتاب و السّنة، فالأولى الاعراض عنه و الرّجوع إلى ما قاله المفسّرون في تفسير الآية الشريفة.

قال الطبرسيُّ: أى ينزّهون اللَّه عن جميع ما لا يليق بصفاته على الدّوام في اللّيل و النهار لا يضعفون عنه، قال كعب جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النّفس في السّهولة، و قيل: معنى لا يفترون لا يتخلل تسبيحهم فترة أصلا بفراغ أو بشغل آخر، و اورد عليه أنهم قد يشتغلون باللّعن كما قال تعالى: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ و اجيب بأنّ التّسبيح لهم كالتنفس لنا لا يمنعهم عنه الاشتغال بشي‏ء آخر.
و اعترض بأنّ آلة التّنفس لنا مغايرة لآلة التكلّم فلهذا صحّ اجتماع التنفس و التّكلّم، و اجيب بأنّه لا يستبعد أن يكون لهم ألسن كثيرة أو يكون المراد بعدم الفترة أنهم لا يتركون التسبيح في أوقاته اللّايقة به.

(و لم تغض رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربّهم) أى لم تنقص رغباتهم إلى ما عنده فيعدلوا عن الرّجاء إليه، و ذلك لأنّ أشواقهم إلى كمالاتهم دائمة و علمهم بعظمة خالقهم و بحاجتهم إليه و بأنّه مفيض الكمالات و واهب الخيرات لا يتطرّق‏ إليه نقص فلا ينقطع رجائهم عنه و لا ييأسون من فضله.

(و لم تجفّ لطول المناجاة أسلات ألسنتهم) أراد عليه السّلام به عدم عروض الفتور و الكلال عليهم في مناجاتهم كما يعرض علينا و يجفّ ألسنتنا بسبب طول المناجاة (و لا ملكتهم الأشغال فتنقطع بهمس الجؤار إليه أصواتهم) أى ليست لهم أشغال خارجة عن العبادة حتّى تنقطع لأجلها أصواتهم بسبب خفاء تضرّعهم إليه، و بعبارة اخرى ليست لهم أشغال خارجة فتكون لأجلها أصواتهم المرتفعه خافية ساكنة.
(و لم يختلف في مقاوم الطاعة مناكبهم) أى لم ينحرف مناكبهم أو لم يتقدّم بعضهم على بعض في مقامات الطاعة و صفوف العبادة (و لم يثنوا إلى راحة التقصير في أمره رقابهم) يعني لم يصرفوا رقابهم من أجل تعب العبادات و كثرتها إلى الرّاحة الحاصلة باقلال العبادة أو تركها بعد التّعب فيقصروا في أوامره، و المقصود نفى اتصافهم بالتعب و الرّاحة لكونهما من عوارض الأجسام البشريّة و توابع المزاج الحيواني.

(و لا تعدو على عزيمة جدّهم بلادة الغفلات) المراد أنهم لا تغلب على عزيمتهم و جدّهم في العبادة بلادة و لا غفلة لكونهما من عوارض هذا البدن (و لا تنتصل في هممهم خدايع الشهوات) أى لا ترمى الشهوات بسهام خدايعها هممهم، و المقصود نفى توارد وساوس الشّهوات الصارفة عن العبادة و تتابعها عنهم لبرائتهم من القوّة الشهويّة.

(قد اتّخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم) ذو العرش هو اللَّه سبحانه كما في غير واحدة من الآيات القرآنية، و المراد بيوم فاقتهم يوم حاجتهم و هو يوم قبض أرواحهم كما يظهر من بعض الأخبار.

قال المجلسيُّ (ره) و لا يبعد أن يكون لهم نوع من الثّواب على طاعاتهم بازدياد القرب و افاضة المعارف و ذكره سبحانه لهم و تعظيمه إيّاهم و غير ذلك، فيكون إشارة إلى يوم جزائهم (و يمّموه عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم) أي قصدوه بتضرّعهم إليه سبحانه عند انصراف الخلق و انقطاعهم منه إلى المخلوقين‏ و يحتمل رجوع ضمير رغبتهم إلى الخلق و إليهم و إلى الملائكة على سبيل التنازع.
(لا يقطعون أمد غاية عبادته) أراد أنّه لا يمكنهم الوصول إلى منتهى نهاية عبادته الذي هو عبارة عن كمال معرفته، و ذلك لكون مراتب العرفان و درجاته غير متناهية فلا يمكنهم قطعها (و لا يرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته إلّا إلى موادّ من قلوبهم غير منقطعة من رجائه و مخافته) أى لا يرجعهم الولع بلزوم طاعته سبحانه إلّا إلى موادّ ناشئة من قلوبهم غير منقطعة و هذه الموادّ هو رجائه و مخافته الباعثان لهم على لزوم طاعته، و الغرض إثبات دوام خوفهم و رجائهم الموجبين لعدم انفكاكهم عن الطاعة بل لزيادتها كما يشعر به لفظ الموادّ.

قال الشّارح البحراني: لما كانوا غرقى فى محبّته عالمين بكمال عظمته و أنّ ما يرجونه من جوده أشرف المطالب و أربح المكاسب و ما يخشى من انقطاع جوده و نزول حرمانه أعظم المهالك و المعاطب، لا جرم دام رجائهم له و خضوعهم في رقّ الحاجة إليه و الفزع من حرمانه، و كان ذلك الخوف و الرّجاء هو مادّة استهتارهم بلزوم طاعته التي يرجعون إليها من قلوبهم فلم ينقطع استهتارهم بلزومها.
(لم تنقطع أسباب الشفقّة منهم فينوا في جدّهم) أى لم تنقطع أسباب الخوف منهم فيفتروا في الجدّ في العبادة و أسباب الخوف هي حاجتهم إليه سبحانه و افتقارهم إلى إفاضته وجوده، فانّ الحاجة الضّرورية إلى الغير في مطلوب يستلزم الخوف منه في عدم قضائه و يوجب الاقبال على الاستعداد بجوده بلزوم طاعته و القيام بوظايف عبادته.

(و لم يأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك السّعى على اجتهادهم) أى لم تجعلهم الأطماع اسراء و ليسوا مأسورين في ربقة الطمع حتّى يختاروا السّعى القريب في تحصيل المطموع من الدّنيا الفانية على اجتهادهم الطويل في تحصيل السّعادة الباقية كما هو شأن البشر، و ذلك لكون الملائكة منزّهين عن الشهوات و ما يلزمها من الاطماع الكاذبة.

(و لم يستعظموا ما مضى من ذلك) قد مرّ معناه في شرح قوله: و لم يتولهم الاعجاب آه و إنّما أعاد ذلك مع إغناء السّابق عنه و كفايته في الدلالة على نفى العجب للاشارة إلى دليله و هو قوله (و لو استعظموا ذلك لنسخ الرجاء منهم شفقات و جلهم) يعني أنهم لو استعظموا سالف أعمالهم لأوجب ذلك اغترارهم و زيادة رجائهم لثواب أعمالهم فيبطل ذلك و يزيل ما دات وجلهم و خوفهم، ألا ترى أن الانسان إذا عمل لبعض الملوك عملا يستعظمه فانه يرى في نفسه استحقاق أجزل جزاء له و يجد التّطاول به فيهون ذلك ما يجده من خوفه، و كلّما ازداد استعظامه لخدمته ازداد اعتقاده في قربه من الملك قوّة و بمقدار ذلك ينقص خوفه و يقلّ هيبته في نظره، لكن الملائكة خائفون دائما لقوله سبحانه: وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ فينتج أنّهم لا يستعظمون سالف عباداتهم (و لم يختلفوا في ربّهم باستحواذ الشيطان عليهم) أى لم يختلفوا فيه من حيث الاثبات و النفى أو التعيين أو الصّفات كالتّجرّد و التجسّم و كيفيّة العلم و غير ذلك، و قيل: أى في استحقاق كمال العبادة، و المقصود نفى الاختلاف عنهم باستيلاء الشّيطان كما هو في الانسان لأنّه: لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ«» (و لم يفرقهم سوء التقاطع) و التعادي و ترك البرّ و الاحسان (و لا تولّاهم غلّ التحاسد) الناشي من النفس الامارة بالحقد و العدوان (و لا شعّبتهم مصارف الرّيب) و وجوهات شكوك الأذهان (و لا اقتسمتهم أخياف الهمم) و اختلافاتها لانحصار همّهم في طاعة اللَّه الرّحيم الرّحمن (فهم اسراء الايمان لم يفكهم من ربقته زيغ) و جور (و لا عدول و لاونا) و وهن (و لا فتور)ثمّ أشار عليه السّلام إلى كثرة الملائكة بقوله: (و ليس في أطباق السموات موضع اهاب) و جلد (إلّا و عليه ملك ساجد) خاشع لربّه (أوساع) مسرع (حافد) في طاعة معبوده (يزدادون على طول الطاعة بربّهم علما) و يقينا (و تزداد عزّة ربّهم في قلوبهم عظما) و كمالا.

قال الشّارح البحراني: اعلم أنّ للسماء ملائكة مباشرة لتحريكها، و ملائكة أعلى رتبة من اولئك هم الآمرون لهم بالتحريك، فيشبه أن يكون الاشارة بالساجدين منهم إلى الآمرين، و السجود كناية عن كمال عبادتهم كناية بالمستعار، و يكون الاشارة بالساعين المسرعين إلى المتولّين للتحريك، فأمّا زيادتهم بطول طاعتهم علما بربّهم فلما ثبت أنّ حركاتهم إنما هو شوقيّة للتشبّه بملائكة أعلى رتبة منهم في كمالهم بالمعارف الالهية و ظهور ما في ذواتهم بالقوّة إلى الفعل، و زيادة عزّة ربّهم عندهم عظما بحسب زيادة معرفتهم له تابعة لها.
أقول: و قد مضى الاشارة منّا إلى أنّ هذا كلّه مبنيّ على الاصول الحكميّة و عدول عن طريق الشريعة النبويّة على صادعها آلاف الصّلاة و السّلام و التحيّة و قدّمنا الأخبار المناسبة للمقام في شرح الفصل التّاسع من الخطبة الاولى فتذكّر

و ينبغي تذييل المقام بأمرين مهمّين: أحدهما فى عصمة الملائكة

و هو مذهب أصحابنا الاماميّة رضوان اللَّه عليهم و عليه دلّت الآيات القرآنيّة و الأخبار الكثيرة من طرقنا، و لنقتصر على رواية واحدة، و هو: ما رواه في الصّافي قال: قال الرّاوي: قلت لأبي محمّد عليه السّلام: فانّ قوما عندنا يزعمون أنّ هاروت و ماروت ملكان اختارتهما الملائكة لما كثر عصيان بني آدم، و أنزلهما اللَّه مع ثالث لهما إلى الدّنيا، و أنهما افتتنا بالزّهرة و أراد الزنا و شربا الخمر و قتلا النفس المحرّمة و أن اللَّه يعذّبهما ببابل، و أنّ السحرة منهما يتعلّمون السّحر و أنّ اللَّه مسخ تلك المرأة هذا الكوكب الذي هو الزّهرة.

فقال الامام عليه السّلام: معاذ اللَّه من ذلك إنّ ملائكة اللَّه معصومون محفوظون من الكفر و القبايح بألطاف اللَّه تعالى قال اللَّه فيهم: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ و قال: وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ يعني الملائكة لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ و قال في الملائكة أيضا: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ إلى قوله مُشْفِقُونَ و مثله في البحار عن يوسف بن محمّد بن زياد و عليّ بن محمّد بن سيّار عن أبويهما أنهما قالا: فقلنا للحسن أبي القائم عليهما السّلام: فانّ قوما إلى آخر الخبر، و رواه أيضا في الاحتجاج عن أبي محمّد العسكري عليه السّلام مثله.

نعم في بعض الرّوايات ما يدلّ على خلاف ذلك، و هو ما رواه عليّ بن إبراهيم القميّ (ره) عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن عليّ بن رئاب عن محمّد بن قيس عن أبي جعفر عليه السّلام قال: سأله عطا و نحن بمكّة عن هاروت و ماروت، فقال عليه السّلام: إنّ الملائكة كانوا ينزلون من السّماء إلى الأرض في كلّ يوم و ليلة يحفظون أعمال أوساط أهل الأرض من ولد آدم عليه السّلام و الجنّ و يسطرونها و يعرجون بها إلى السّماء قال: فضجّ أهل السّماء من معاصي أوساط أهل الأرض فتوامروا فيما بينهم ممّا يسمعون و يرون من افترائهم الكذب على اللَّه تبارك و جرأتهم عليه و نزّهوا اللَّه تعالى ممّا يقول فيه خلقه و يصفون، فقال طائفة من الملائكة: يا ربّنا ما تغضب مما يعمل خلقك في أرضك و ممّا يصفون فيك الكذب و يقولون الزّور و يرتكبون المعاصي، و قد نهيتهم عنها، ثمّ أنت تحلم عنهم و هم في قبضتك و قدرتك و خلال عافيتك، قال عليه السّلام: فأحبّ اللَّه عزّ و جلّ أن يرى الملائكة سابق علمه في جميع خلقه و يعرّفهم‏ ما منّ به عليهم ممّا عدل به عنهم من صنع خلقه و ما طبعهم عليه من الطاعة و عصمهم به من الذّنوب.

قال عليه السّلام: فأوحى اللَّه إلى الملائكة أن انتدبوا منكم ملكين حتّى اهبطهما إلى الأرض ثمّ أجعل فيهما من طبايع المطعم و المشرب و الشّهوة و الحرص و الأمل مثل ما جعلته في ولد آدم، ثمّ اختبرهما في الطّاعة، قال عليه السّلام: فندبوا لذلك هاروت و ماروت و كانا أشدّ الملائكة قولا في العيب لولد آدم و استيثار غضب اللَّه عليهم.

قال عليه السّلام: فأوحى اللَّه إليهما أن اهبطا إلى الأرض فقد جعلت فيكما من طبايع المطعم و المشرب و الشّهوة و الحرص و الأمل مثل ما جعلت في ولد آدم قال عليه السّلام ثمّ أوحى اللَّه إليهما: انظرا أن لا تشركا بي شيئا و لا تقتلا النّفس الّتي حرّم اللَّه و لا تزنيا و لا تشربا الخمر.

قال عليه السّلام: ثمّ كشط«» عن السّماوات السّبع ليريهما قدرته، ثمّ اهبطا إلى الأرض في صورة البشر و لباسهم، فهبطا ناحية بابل فرفع لهما بناء مشرف فأقبلا نحوه فاذا بحضرته امرأة جميلة حسناء مزيّنة معطّرة مسفرة مقبلة.
قال عليه السّلام فلمّا نظرا إليها و ناطقاها و تأملاها وقعت في قلوبهما موقعا شديدا لموضع الشّهوة التي جعلت فيهما، فرجعا إليها رجوع فتنة و خذلان و راوداها عن نفسها، فقالت لهما: إنّ لي دينا أدين به و ليس أقدر في ديني على أن اجيبكما إلى ما تريدان إلّا أن تدخلا في ديني الذي أدين به، فقالا لها: و ما دينك قالت: لي إله من عبده و سجد له كان لى السبيل إلى أن اجيبه إلى كلّ ما سألني، فقالا لها: و ما إلهك قالت: إلهي هذا الصّنم.

قال عليه السّلام: فنظر أحدهما إلى صاحبه فقال: هاتان خصلتان مما نهينا عنها الشّرك و الزّنا، لأنّا إن سجدنا لهذا الصّنم و عبدناه أشركنا باللّه و إنّما نشرك باللّه لنصل‏ إلى الزّنا و هو ذا نحن نطلب الزّنا فليس نعطى إلّا بالشّرك.
فقال عليه السّلام: فائتمرا بينهما فغلبتهما الشّهوة التي جعلت فيهما، فقالا لها نجيبك إلى ما سألت، فقالت: فدونكما فاشربا هذا الخمر فانّه قربان لكما و به تصلان إلى ما تريدان، فائتمرا بينهما فقالا: هذه ثلاث خصال ممّا نهينا ربّنا عنها: الشرك و الزّنا، و شرب الخمر، و إنّما ندخل في شرب الخمر و الشّرك حتّى نصل إلى الزّنا، فائتمرا بينهما فقالا: ما أعظم البليّة بك قد أجبناك الى ما سألت، قالت: فدونكما فاشربا من هذا الخمر، و اعبدا هذا الصّنم، و اسجدا له، فشربا الخمر و عبدا الصّنم ثمّ راوداها عن نفسها.

فلمّا تهيّأت لهما و تهيّآ لها دخل عليها سائل يسأل هذه، فلمّا رآهما و رأياه ذعرا«» منه، فقال لهما: إنكما لامرء آن ذعران، فدخلتما بهذه المرأة المعطّرة الحسناء إنكما لرجلا سوء، و خرج عنهما، فقالت لهما: و إلهى ما تصلان الآن إلىّ و قد اطلع هذا الرجل على حالكما و عرف مكانكما، و يخرج الآن و يخبر بخبر كما و لكن بادرا إلى هذا الرجل فاقتلاه قبل أن يفضحكما و يفضحني ثمّ دونكما فاقضيا حاجتكما و أنتما مطمئنّان آمنان.

قال عليه السّلام: فقاما إلى الرّجل فأدركاه فقتلاه ثمّ رجعا إليها فلم يرياها و بدت لهما سوآتهما و نزع عنهما رياشهما و اسقطا«» في أيديهما، فأوحى اللَّه إليهما أن اهبطتكما إلى الأرض مع خلقي ساعة من النّهار فعصيتماني بأربع من معاصي كلّها قد نهيتكما عنها و تقدّمت إليكما فيها فلم تراقباني و لم تستحييا منى، و قد كنتما أشدّ من نقم على أهل الأرض بالمعاصي و استجرّ أسفى و غضبي عليهم لما جعلت فيكما من طبع خلقي و عصمتي إيّاكما من المعاصي فكيف رأيتما موضع خذلاني فيكما.

اختارا عذاب الدّنيا أو عذاب الآخرة، فقال أحدهما لصاحبه: نتمتّع من‏ شهواتنا في الدّنيا إذ صرنا إليها إلى أن نصير إلى عذاب الآخرة، فقال الآخر: إنّ عذاب الدّنيا له مدّة و انقطاع و عذاب الآخرة قائم لا انقطاع له فلسنا نختار عذاب الآخرة الشديد الدّائم على عذاب الدّنيا المنقطع الفاني.

قال عليه السّلام: فاختارا عذاب الدّنيا فكانا يعلّمان النّاس السّحر في أرض بابل ثمّ لما علّما النّاس السّحر رفعا من الأرض إلى الهواء، فهما معذّبان منكّسان معلّقان في الهواء إلى يوم القيامة، و رواه في البحار عن العيّاشى عن محمّد بن قيس مثله، و بمعناه أخبار اخر، و يمكن حملها على التقيّة، و يشعر به كون السائل في هذه الرّواية من علماء العامة.

و ما رواه في البحار عن العلل عن الصّادق عليه السّلام في حديث قال: و أمّا الزّهرة فانّها كانت امرئة تسمّى ناهيد (ناهيل خ ل) و هي الّتي تقول الناس إنّه افتتن بها هاروت و ماروت، فانّ في نسبة افتتانهما إلى النّاس إشارة إلى ما ذكرناه كما لا يخفى.

و قال بعض أهل العرفان بعد ما أورد الرّوايات الدّالّة على تكذيب أمر هاروت و ماروت و الرّوايات الدّالّة على صحّة قصّتهما: و الوجه في الجمع و التوفيق أن يحمل روايات الصّحة على كونها من مرموزات الأوائل و إشاراتهم، و أنّهم عليه السّلام لمّا رأوا أنّ حكاتها كانوا يحملونها على ظاهرها كذّبوها ثمّ قال: و أمّا حلّها فلعلّ المراد بالملكين الرّوح و العقل فانّهما من العالم الرّوحاني اهبطا إلى العالم الجسمانى لاقامة الحقّ فافتتنا بزهرة الحياة الدّنيا، و وقعا في شبكة الشهوة، فشربا خمر الغفلة، و عبدا صنم الهوى، و قتلا عقلهما النّاصح لهما بمنع تغذيته بالعلم و التقوى، و محو أثر نصحه عن أنفسهما، و تهيّئا للزّنا ببغى الدّنيا الدّنيّة التي تلى تربية النشاط و الطرب فيها الكوكب المسمّى بالزّهرة، فهربت الدّنيا منهما و فاتتهما لما كان من عادتهما أن تهرب من طالبيها لأنّها متاع الغرور و بقي اشراق حسنها في موضع مرتفع بحيث لا تنالها ايدى طالبها ما دامت الزّهرة باقية في السّماء و حملهما حبّها في قلبهما إلى أن وضعها طرائق مر السّحر و هو ما لطف مأخذه و دقّ، فخيّرا للتخلّص منها فاختارا بعد التنبّه و عود العقل إليهما أهون العذابين، ثمّ رفعا إلى البرزخ معذّبين و رأسهما بعد الى أسفل إلى يوم القيامة.
هذا ما خطر بالبال في حلّ هذا الرّمز و اللّه الهادي.

الثاني
اختلف المسلمون في أنّ الأنبياء و الملائكة أيّهم أفضل أى أكثر ثوابا، فذهب أكثر الأشاعرة إلى أنّ الأنبياء أفضل، و قال المعتزلة كما في شرح المعتزلي إنّ نوع الملائكة أفضل من نوع البشر، و الملائكة المقرّبون أفضل من نوع الأنبياء و ليس كلّ ملك عند الاطلاق أفضل من محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، بل بعض المقرّبين أفضل منه، و هو صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أفضل من ملائكة اخرى غير الأوّلين.
و لا خلاف بين علماء الاماميّة قدّس اللّه أرواحهم في أنّ الأنبياء و الأئمّة صلوات اللّه عليهم أفضل من جميع الملائكة، و أخبارهم على ذلك مستفيضة، و قد حقّقوا ذلك في كتب الاصول و لا حاجة لنا الآن إلى بسط الكلام في ذلك المقام، و إنّما نقتصر على رواية واحدة توضيحا للمرام.

و هو ما رواه الصّدوق في كتاب إكمال الدّين و إتمام النّعمة قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن سعيد الهاشمي، قال: حدّثنا فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي قال: حدّثنا محمّد بن علىّ بن أحمد الهمداني، قال: حدّثنى أبو الفضيل العبّاس ابن عبد اللّه البخاري، قال: حدّثنا محمّد بن القاسم بن إبراهيم بن عبد اللّه بن القاسم بن محمّد بن أبي بكر، قال: حدّثنا عبد السّلام بن صالح الهروي عن عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمّد عن أبيه محمّد بن عليّ عن أبيه عليّ بن الحسين عن أبيه الحسين بن عليّ عن أبيه عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ما خلق اللّه خلقا أفضل منّي و لا أكرم عليه منّي قال عليّ عليه السّلام: فقلت: يا رسول اللّه فأنت أفضل أم جبرئيل فقال: إنّ اللّه تبارك و تعالى‏

فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقزّبين و فضّلني على جميع النّبيّين و المرسلين و الفصل بعدي لك يا عليّ و الأئمّة من بعدك، فانّ الملائكة لخدّامنا و خدّام محبّينا يا عليّ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ… وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا» بولايتنا، يا عليّ لو لا نحن ما خلق اللّه آدم عليه السّلام و لا حوّا و لا الجنّة و لا النّار و لا السّماء و لا الأرض، و كيف لا نكون أفضل من الملائكة و قد سبقناهم إلى التّوحيد و معرفة ربّنا عزّ و جلّ و تسبيحه و تقديسه و تهليله، لأنّ أوّل ما خلق اللّه عزّ و جلّ أرواحنا، فأنطقنا بتوحيده و تمجيده ثمّ خلق الملائكة فلمّا شاهدوا أرواحنا نورا واحدا استعظموا امورنا فسبّحنا لتعلم الملائكة أنّا خلق مخلوقون و أنّه منزّه عن صفاتنا فسبّحت الملائكة لتسبيحنا و نزهته عن صفاتنا.

فلمّا شاهد و اعظم شأننا هلّلنا لتعلم الملائكة أن لا إله إلّا اللّه فلمّا شاهدوا كبر محلّنا كبّرنا اللّه لتعلم الملائكة أنّ اللّه أكبر من أن تنال و أنّه عظيم المحلّ فلمّا شاهدوا ما جعل اللّه لنا من القدرة و القوّة قلنا: لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم، لتعلم الملائكة أن لا حول و لا قوّة إلّا باللّه.

فلمّا شاهدوا ما أنعم اللّه به علينا و أوجبه من فرض الطاعة قلنا: الحمد للّه، لتعلم الملائكة ما يحقّ اللّه تعالى ذكره علينا من الحمد على نعمه فقالت الملائكة الحمد للّه فبنا اهتدوا إلى معرفة اللّه و تسبيحه و تهليله و تحميده، ثمّ إنّ اللّه تبارك و تعالى خلق آدم عليه السّلام و أودعنا صلبه و أمر الملائكة بالسّجود له تعظيما لنا و إكراما، و كان سجودهم للّه عزّ و جلّ عبوديّة و لآدم إكراما و طاعة لكونه في صلبه فكيف لا نكون أفضل من الملائكة و قد سجدوا لآدم عليه السّلام كلّهم أجمعون.
و أنّه لما عرج بي إلى السّماء أذّن جبرئيل عليه السّلام مثنى مثنى ثمّ قال: تقدّم يا محمّد، فقلت: يا جبرئيل تقدّم عليك فقال: نعم لأنّ اللّه تبارك و تعالى‏

اسمه فضّل أنبيائه على ملائكته أجمعين و فضّلك خاصّة، فتقدّمت و صلّيت بهم و لا فخر فلمّا انتهينا إلى حجب النّور قال لي جبرئيل عليه السّلام: تقدّم يا محمّد و تخلّف عني، فقلت: يا جبرئيل في مثل هذا الموضع تفارقني فقال: يا محمّد إنّ هذا انتهاء حدّي الّذي وضعه اللَّه لي في هذا المكان فان تجاوزته احترقت أجنحتي لتعدّى حدود ربّي جلّ جلاله، فزّج بي ربّي زجّة في النّور حتّى انتهيت إلى حيث ما شاء اللّه عزّ و جلّ من ملكوته.

فنوديت: يا محمّد، فقلت: لبّيك ربّي و سعديك تباركت و تعاليت فنوديت يا محمّد أنت عبدي و أنا ربّك فإيّاى فاعبد و علىّ فتوكّل فانّك نوري في عبادي و رسولي إلى خلقي و حجّتي فى بريّتي، لمن تبعك خلقت جنّتي و لمن عصاك و خالفك خلقت ناري، و لأوصيائك أوجبت كرامتي، و لشيعتك أوجبت ثوابي.

فقلت: يا رب و من أوصيائي فنوديت: يا محمّد إنّ أوصيائك المكتوبون على ساق العرش، فنظرت و أنا بين يدي ربّي إلي ساق العرش فرأيت اثنا عشر نورا في كلّ نور سطر أخضر مكتوب عليه اسم كلّ وصيّ من أوصيائي أوّلهم عليّ بن أبي طالب و آخرهم مهديّ أمّتي.
فقلت: يا ربّ هؤلاء أوصيائي من بعدي فنوديت: يا محمّد هؤلاء أوليائي و أحبّائي و أصفيائي حجّتي بعدك على بريّتي، و هم أوصياؤك و خلفاؤك و خير خلقي بعدك، و عزّتي و جلالي لاظهرنّ بهم ديني، و لأعلينّ بهم كلمتي و لاطهّرنّ الأرض بآخرهم من أعدائي، و لا ملكنّه مشارق الأرض و مغاربها، و لأسخّرنّ له الرّياح و لاذللنّ الرّقاب الصّغار، و لا رقبه في الأسباب، و لأنصرنّه بجندي، و لأمدّنه بملائكتي حتّى يعلو دعوتي و يجمع الخلق على توحيدي، ثمّ لأديمنّ ملكه و لأداولنّ الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة.

و الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة على نبيّنا محمّد و آله الطّيبين الطاهرين و سلّم تسليما و إنّما ذكرت الرّواية بطولها مع كون ذيلها خارجا عن الغرض لتضمّنه مناقب أهل البيت الأطهار، و كونه نصّا في خلافة الأئمة الأبرار و لعا منّى بايراد فضايلهم و مناقبهم ما تعاقب على اللّيل و النّار، سلام اللّه عليهم أجمعين، و لعنة اللّه على أعدائهم و منكري فضائلهم إلى يوم الدّين.

الترجمة

بعضي ديگر از اين خطبه شريفه در صفة ملائكه است مى‏ فرمايد: بعد از خلق آسمان بيافريد حق سبحانه و تعالى از براى ساكن فرمودن در آسمانهاى خود و معمور ساختن صفحه پهن بلند از ملكوت خود خلقي عجيب از ملائكه خود پس پرساخت بايشان فرجهاى كشادگيهاى آسمانرا، و مملوّ نمود بايشان كشادگيهاى فضاهاى آنرا، و ميان وسعتهاى اين كشادگيها است صوتهاى بلند تسبيح كنندگان از ايشان در حرمهاى قدس و طهارت و پرده‏هاى حجابهاى عظمت و سراپردهاى بزرگي و عزّت و در پس اين زلزله و اضطرابى كه كر مى‏ شود از آن گوشها، اشراقات نورى است كه بازميدارد ديدها را از رسيدن بآن، پس مى‏ايستد آن ديدها ذليل و متحيّر بر حدود آن.

آفريد خداوند متعال آن ملائكه را بر صورتهاى مختلفه و اندازهاى متفاوته در حالتى كه صاحبان بالها هستند كه تسبيح مي كنند بزرگى عزّت او را، در حالتى كه بخود نمى ‏بندند آنچه كه ظاهر شده در مخلوقات از صنع قدر او، و ادّعا نمى‏ كنند اين كه ايشان مى‏ آفرينند چيزى را با آفريدگار از آن چيزى كه يگانه است او سبحانه بآفريدن آن، بلكه ايشان بندگاني هستند گرامى داشته شده در حالتي كه پيشى نمى‏گيرند بخدا در گفتار خودشان، و ايشان بفرمان او سبحانه عمل مى‏ نمايند.

گردانيد حق تعالى ايشان را در آنجا كه هستند، يعنى در مقامات خودشان كه حظاير قدس است أهل أمانت بروحى خود و تحميل نمود ايشان را در حالتى كه ارسال مي شوند بسوى پيغمبران أمانتهاى أوامر و نواهي خود را، و معصوم ساخت ايشان را از شك كردن در شبهها، پس نيست از ايشان ميل كننده از راه رضاى او، و مدد نمود ايشان را بفايده ‏هاى اعانت بسوى طاعات، و لازم فرمود قلبهاى ايشان را تواضع خضوع وقار را، و گشود بجهت ايشان درهاى سهل و آسان بسوى تمجيدات‏ خود، و بر پا نمود از براى ايشان منارهاى آشكار بر نشانهاى توحيد خود.

گران نكرد ايشان را گران سازنده‏هاى گناهها، و ضعيف ننمود ايشان را تعاقب و تناوب شبها و روزها، و نينداخت شكها بمحرّكات فاسده خود محكمى ايمان ايشان را، و عارض نشد ظنّها و وهمها بر مواضع عقد يقين ايشان، و بر نيفروخت بر افروزندگيهاى حقد و حسد در ميان ايشان، و سلب نكرد از ايشان حيرت چيزى را كه چسبيده از معرفت او بقلب ايشان، و ساكن شده از عظمت و هيبت او در ميان سينهاى ايشان، و طمع ننموده در ايشان وسوسه ‏ها تا اين كه بكوبد با استيلاى خود يا اين كه تناوب نمايد با چرك خود بفكرهاى ايشان.
بعضى از ايشان آنانند كه قرار گرفته در أبرهاى مخلوق شده گران بار بباران، و در كوههاى بزرك بلند، و در سياهى تاريكى كه هدايت يافته نمى‏شود در آن، و بعضى ديگر آنانند كه دريده است قدمهاى ايشان حدود زمين پائين را، پس آن قدمها بمنزله علمهاى سفيدند كه فرو رفته باشند در مواضع خرق هوا و شكاف آن، و در زير آن علمها است بادى كه ساكن است و پاكيزه كه بازداشته است آن علمها را بر مكاني كه منتهى شده آن علمها از حدود بنهايت رسيده.

بتحقيق كه فارغ نموده ايشان را از ما سوا شغلهاى عبادت او سبحانه، و وصل نموده است حقيقتهاى ايمان ميان ايشان و ميان معرفت آنرا، و بريده است ايشان را يقين و اذعان بخدا از غير آن، و مايل ساخته ايشان را بسوى حيراني او، و در نگذشته است رغبتهاى ايشان از آن چيزى كه نزد او است بسوى آن چيزى كه نزد غير او است.

بتحقيق كه چشيده‏اند شيرينى معرفت او را، و آشاميده‏اند با كاسه سيراب كننده از شراب محبّت او، و متمكّن و برقرار شده از ته دلهاى ايشان رگهاى خوف و خشيت او، پس خم كرده‏اند بدرازى عبادت راستى پشت‏هاى خودشان را، و تمام نكرده درازى رغبت بسوى او مادّه تضرّع ايشان را، و رها نكرده از گردنهاى ايشان بزرگى قرب و منزلت بحضرت ربّ العزّة ريسمان خشوع و ذلّترا و غالب نشده بر ايشان عجب و خودپسندى تا اين كه بسيار شمارند آنچه كه پيش‏ گذشته از ايشان از طاعات و عبادات، و نگذاشته از براى ايشان خوارى كه ناشي شده از ملاحظه جلال پروردگار نصيب و بهره در تعظيم و بزرگ دانستن حسنات خودشان، و جارى نشده سستيها در ايشان با درازى جدّ و جهد ايشان.

و ناقص نگشته رغبتهاى ايشان تا مخالفت كنند و عدول نمايند از اميدوارى پروردگار خودشان، و خشك نگشته بجهة طول راز و نياز اطراف زبانهاى ايشان و مالك نشده است ايشان را شغلهاى خارج از عبادت تا اين كه منقطع شود بسبب پنهاني تضرّع ايشان بسوى او آوازهاى بلند ايشان، و مختلف نشده در صفهاى عبادت دوشهاى ايشان، و ملتفت نساخته‏اند بسوى راحتى كه باعث تقصير در امر او است گردنهاى خودشان را، و غالب نمى‏شود بر عزم جدّ و جهد ايشان بيخردي غفلتها، و تير نمى‏اندازند در همّتهاى ايشان فريب دهندگان شهوتها.

بتحقيق كه اخذ نموده‏اند صاحب عرش را ذخيره بجهة روز حاجت‏شان، و قصد كرده‏ اند او را نزد بريده شدن خلق بسوى مخلوقات برغبتشان، قطع نمى‏توانند كنند پايان غايه عبادت او را، و باز نمى‏گرداند ايشان را حرص و محبّت بلزوم طاعت او مگر بسوى مادّهائي كه بريده نمى‏شوند آن مادّها كه از دل ايشانست كه عبارت‏اند از خوف و رجا آن، بريده نشده اسباب ترس از ايشان تا سست شوند در جدّ و جهد خودشان: و أسير ننموده ايشان را طمعهاى دنيوي تا اين كه اختيار نمايند سعى نزديك در تحصيل دنيا را بر كوشش خودشان در تحصيل سعادت آخرت، و بزرگ نمى‏ شمارند آنچه كه گذشته از اعمال ايشان، و اگر بزرك شمارند أعمال خودشان هر آينه باطل و زايل مى‏نمايد رجاء و اميدواري ايشان ترسهاى ايشان را، و اختلاف نمى‏نمايند در ذات و صفات پروردگار بسبب غلبه شيطان بر ايشان، و پراكنده نساخته ايشان را بدى بريدن از يكديگر، و مالك نشده ايشان را خيانت حسد بردن بيكديگر، و متفرّق نساخته ايشان را مواضع صرف شكّ و كمان، و منقسم نگردانيده ايشان را اختلافهاى همّتها.

پس ايشان أسيران ايمانند كه رها ننموده ايشان را از بند ايمان ميل نمودن از حق و نه عدول كردن از منهج صدق و نه سستى در عبادت و نه كاهلى در طاعت، و نيست در طبقهاى آسمان جاى پوستى مگر كه بر او است ملك سجد، كننده يا سعى نماينده شتابنده كه زياده مى‏گردانند بر درازى طاعت بپروردگار خودشان علم و يقين را، و افزون مى‏گرداند عزّت كردگار ايشان در دلهاى ايشان عطم و شأن را.
هذا آخر الجزء السادس من هذه الطبعة النفيسة و قد تمّ تصحيحه و تهذيبه بيد العبد «السيد ابراهيم الميانجى» عفى عنه و عن والديه فى اليوم الثاني من شهر ذى الحجة الحرام سنة 1379 و يليه انشاء اللّه الجزء السابع و اوله: «الفصل السادس» من المختار التسعين و الحمد للَّه أولا و آخرا.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 90/2 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)خطبة الأشباح -القسم الثانی

خطبه 91 صبحی صالح

91- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) تعرف بخطبة الأشباح

و هي من جلائل خطبه ( عليه‏ السلام  )

روى مسعدة بن صدقة عن الصادق جعفر بن محمد ( عليهماالسلام  ) أنه قال:

خطب أمير المؤمنين بهذه الخطبة على منبر الكوفة

و ذلك أن رجلا أتاه فقال له يا أمير المؤمنين صف لنا ربنا مثل ما نراه عيانا لنزداد له حبا و به معرفة

فغضب و نادى الصلاة جامعة

فاجتمع الناس حتى غص المسجد بأهله

فصعد المنبر و هو مغضب متغير اللون

فحمد الله و أثنى عليه

و صلى على النبي ( صلى ‏الله ‏عليه ‏وآله  ) ثم قال

وصف اللّه تعالى‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَفِرُهُ الْمَنْعُ وَ الْجُمُودُ

وَ لَا يُكْدِيهِ الْإِعْطَاءُ وَ الْجُودُ

إِذْ كُلُّ مُعْطٍ مُنْتَقِصٌ سِوَاهُ

وَ كُلُّ مَانِعٍ مَذْمُومٌ مَا خَلَاهُ

وَ هُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النِّعَمِ

وَ عَوَائِدِ الْمَزِيدِ وَ الْقِسَمِ

عِيَالُهُ الْخَلَائِقُ

ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ

وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ

وَ نَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِبِينَ إِلَيْهِ

وَ الطَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ

وَ لَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلْ

الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلٌ فَيَكُونَ شَيْ‏ءٌ قَبْلَهُ

وَ الْآخِرُ الَّذِي لَيْسَ لهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ شَيْ‏ءٌ بَعْدَهُ

وَ الرَّادِعُ أَنَاسِيَّ الْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِكَهُ

مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرٌ فَيَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ

وَ لَا كَانَ فِي مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ

وَ لَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ

وَ ضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ

مِنْ فِلِزِّ اللُّجَيْنِ وَ الْعِقْيَانِ

وَ نُثَارَةِ الدُّرِّ

وَ حَصِيدِ الْمَرْجَانِ

مَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ

وَ لَا أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ

وَ لَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الْأَنْعَامِ‏

مَا لَا تُنْفِدُهُ

مَطَالِبُ الْأَنَامِ

لِأَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِي لَا يَغِيضُهُ سُؤَالُ السَّائِلِينَ

وَ لَا يُبْخِلُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ

صفاته تعالى في القرآن‏

فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ

فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ

وَ اسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ

وَ مَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ

وَ لَا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ ( صلى‏ الله‏ عليه ‏وآله  )وَ أَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ

فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ

فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ اللَّهِ عَلَيْكَ

وَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ

هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ

الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ

الْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ

فَمَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً

وَ سَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً

فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ

وَ لَا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ

فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ

هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي

إِذَا ارْتَمَتِ الْأَوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ

وَ حَاوَلَ الْفِكْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطَرَاتِ الْوَسَاوِسِ

أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ

وَ تَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ

لِتَجْرِيَ فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ

وَ غَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ لَا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ لِتَنَاوُلِ عِلْمِ ذَاتِهِ رَدَعَهَا

وَ هِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ

مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ‏

فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ

مُعْتَرِفَةً بِأَنَّهُ لَا يُنَالُ بِجَوْرِ الِاعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ

وَ لَا تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلَالِ عِزَّتِه

الَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ امْتَثَلَهُ

وَ لَا مِقْدَارٍ احْتَذَى عَلَيْهِ مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ كَانَ قَبْلَهُ

وَ أَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ

وَ عَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ

وَ اعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوَّتِهِ

مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ

فَظَهَرَتِ الْبَدَائِعُ الَّتِي أَحْدَثَتْهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ

وَ أَعْلَامُ حِكْمَتِهِ

فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ وَ دَلِيلًا عَلَيْهِ

وَ إِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً

فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ

وَ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ قَائِمَةٌ

فَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَايُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِكَ

وَ تَلَاحُمِ حِقَاقِ مَفَاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ

لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ

وَ لَمْ يُبَاشِرْ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لَا نِدَّ لَكَ

وَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّؤَ التَّابِعِينَ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ

إِذْ يَقُولُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ

 إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ‏

كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِكَ

إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ

وَ نَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ

وَ جَزَّءُوكَ تَجْزِئَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ

وَ قَدَّرُوكَ عَلَى الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقُوَى بِقَرَائِحِ عُقُولِهِمْ

وَ أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ

وَ الْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ

وَ نَطَقَتْ عَنْهُ‏

شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيِّنَاتِكَ

وَ إِنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ

فَتَكُونَ فِي مَهَبِّ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً

وَ لَا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا فَتَكُونَ مَحْدُوداً مُصَرَّفاً

و منهاقَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ

وَ دَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ

وَ وَجَّهَهُ لِوِجْهَتِهِ

فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ

وَ لَمْ يَقْصُرْ دُونَ الِانْتِهَاءِ إِلَى غَايَتِهِ

وَ لَمْ يَسْتَصْعِبْ إِذْ أُمِرَ بِالْمُضِيِّ عَلَى إِرَادَتِهِ

فَكَيْفَ وَ إِنَّمَا صَدَرَتِ الْأُمُورُ عَنْ مَشِيئَتِهِ

الْمُنْشِئُ أَصْنَافَ الْأَشْيَاءِ بِلَا رَوِيَّةِ فِكْرٍ آلَ إِلَيْهَا

وَ لَا قَرِيحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا

وَ لَا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ

وَ لَا شَرِيكٍ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الْأُمُورِ

فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ

وَ أَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ

وَ أَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ

لَمْ يَعْتَرِضْ دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِئِ

وَ لَا أَنَاةُ الْمُتَلَكِّئِ

فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوَدَهَا

وَ نَهَجَ حُدُودَهَا

وَ لَاءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادِّهَا

وَ وَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا

وَ فَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُخْتَلِفَاتٍ فِي الْحُدُودِ وَ الْأَقْدَارِ

وَ الْغَرَائِزِ وَ الْهَيْئَاتِ

بَدَايَا خَلَائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا

وَ فَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَ ابْتَدَعَهَا

و منها في صفة السماء

وَ نَظَمَ بِلَا تَعْلِيقٍ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا

وَ لَاحَمَ صُدُوعَ انْفِرَاجِهَا

وَ وَشَّجَ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ أَزْوَاجِهَا

وَ ذَلَّلَ لِلْهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ

وَ الصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ حُزُونَةَ مِعْرَاجِهَا

وَ نَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانٌ

فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا

وَ فَتَقَ بَعْدَ الِارْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا

وَ أَقَامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا

وَ أَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تُمُورَ فِي خَرْقِ الْهَوَاءِ بِأَيْدِهِ

وَ أَمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةً لِأَمْرِهِ

وَ جَعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا

وَ قَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِهَا

وَ أَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا

وَ قَدَّرَ سَيْرَهُمَا فِي مَدَارِجِ دَرَجِهِمَا

لِيُمَيِّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ بِهِمَا

وَ لِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ وَ الْحِسَابُ بِمَقَادِيرِهِمَا

ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوِّهَا فَلَكَهَا

وَ نَاطَ بِهَا زِينَتَهَا مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيِّهَا

وَ مَصَابِيحِ كَوَاكِبِهَا

وَ رَمَى مُسْتَرِقِي السَّمْعِ بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا

وَ أَجْرَاهَا عَلَى أَذْلَالِ تَسْخِيرِهَا

مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا

وَ مَسِيرِ سَائِرِهَا

وَ هُبُوطِهَا وَ صُعُودِهَا

وَ نُحُوسِهَا وَ سُعُودِهَا

و منها في صفة الملائكة

ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لِإِسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ

وَ عِمَارَةِ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ

خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلَائِكَتِهِ

وَ مَلَأَ بِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا

وَ حَشَا بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِهَا

وَ بَيْنَ فَجَوَاتِ تِلْكَ الْفُرُوجِ زَجَلُ الْمُسَبِّحِينَ مِنْهُمْ فِي حَظَائِرِ الْقُدُسِ

وَ سُتُرَاتِ الْحُجُبِ

وَ سُرَادِقَاتِ الْمَجْدِ وَ وَرَاءَ ذَلِكَ الرَّجِيجِ

الَّذِي تَسْتَكُّ مِنْهُ الْأَسْمَاعُ

سُبُحَاتُ نُورٍ تَرْدَعُ الْأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا

فَتَقِفُ خَاسِئَةً عَلَى حُدُودِهَا.

وَ أَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ

وَ أَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ

 أُولِي أَجْنِحَةٍ

تُسَبِّحُ جَلَالَ عِزَّتِهِ

لَا يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ

وَ لَا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مَعَهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ

 بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ

 لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ‏

جَعَلَهُمُ اللَّهُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الْأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ

وَ حَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ

وَ عَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ

فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ عَنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ

وَ أَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ الْمَعُونَةِ

وَ أَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ السَّكِينَةِ

وَ فَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلًا إِلَى تَمَاجِيدِهِ

وَ نَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلَى أَعْلَامِ تَوْحِيدِهِ

لَمْ تُثْقِلْهُمْ مُؤْصِرَاتُ الْآثَامِ

وَ لَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ

وَ لَمْ تَرْمِ الشُّكُوكُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ

وَ لَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ

وَ لَا قَدَحَتْ قَادِحَةُ الْإِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ

وَ لَا سَلَبَتْهُمُ الْحَيْرَةُ مَا لَاقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ

وَ مَا سَكَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَ هَيْبَةِ جَلَالَتِهِ فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ

وَ لَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَيْنِهَا عَلَى فِكْرِهِمْ

وَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَامِ‏ الدُّلَّحِ

وَ فِي عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ

وَ فِي قَتْرَةِ الظَّلَامِ الْأَيْهَمِ

وَ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الْأَرْضِ السُّفْلَى

فَهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضٍ

قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ الْهَوَاءِ

وَ تَحْتَهَا رِيحٌ هَفَّافَةٌ تَحْبِسُهَا عَلَى حَيْثُ انْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَةِ

قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ

وَ وَصَلَتْ حَقَائِقُ الْإِيمَانِ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ

وَ قَطَعَهُمُ الْإِيقَانُ بِهِ إِلَى الْوَلَهِ إِلَيْهِ

وَ لَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ

قَدْ ذَاقُوا حَلَاوَةَ مَعْرِفَتِهِ

وَ شَرِبُوا بِالْكَأْسِ الرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ

وَ تَمَكَّنَتْ مِنْ سُوَيْدَاءِ

قُلُوبِهِمْ وَشِيجَةُ خِيفَتِهِ

فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ

وَ لَمْ يُنْفِدْ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ

وَ لَا أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الزُّلْفَةِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ

وَ لَمْ يَتَوَلَّهُمُ الْإِعْجَابُ فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ

وَ لَا تَرَكَتْ لَهُمُ اسْتِكَانَةُ الْإِجْلَالِ نَصِيباً فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ

وَ لَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فِيهِمْ عَلَى طُولِ دُءُوبِهِمْ

وَ لَمْ تَغِضْ رَغَبَاتُهُمْ فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ

وَ لَمْ تَجِفَّ لِطُولِ الْمُنَاجَاةِ أَسَلَاتُ أَلْسِنَتِهِمْ

وَ لَا مَلَكَتْهُمُ الْأَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ الْجُؤَارِ إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ

وَ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي مَقَاوِمِ الطَّاعَةِ مَنَاكِبُهُمْ

وَ لَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ.

وَ لَا تَعْدُو عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِمْ بَلَادَةُ الْغَفَلَاتِ

وَ لَا تَنْتَضِلُ فِي هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ

قَدِاتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةً لِيَوْمِ فَاقَتِهِمْ

وَ يَمَّمُوهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهِمْ

لَا يَقْطَعُونَ أَمَدَ غَايَةِ عِبَادَتِهِ

وَ لَا يَرْجِعُ بِهِمُ الِاسْتِهْتَارُ بِلُزُومِ طَاعَتِهِ

إِلَّا إِلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ وَ مَخَافَتِهِ

لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُمْ

فَيَنُوا فِي جِدِّهِمْ

وَ لَمْ تَأْسِرْهُمُ الْأَطْمَاعُ فَيُؤْثِرُوا وَشِيكَ السَّعْيِ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ

لَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ

وَ لَوِ اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ لَنَسَخَ الرَّجَاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ

وَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ

وَ لَمْ يُفَرِّقْهُمْ سُوءُ التَّقَاطُعِ

وَ لَا تَوَلَّاهُمْ غِلُّ التَّحَاسُدِ

وَ لَا تَشَعَّبَتْهُمْ مَصَارِفُ الرِّيَبِ

وَ لَا اقْتَسَمَتْهُمْ أَخْيَافُ الْهِمَمِ

فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيمَانٍ

لَمْ يَفُكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيْغٌ وَ لَا عُدُولٌ وَ لَا وَنًى وَ لَا فُتُورٌ

وَ لَيْسَ فِي أَطْبَاقِ السَّمَاءِ مَوْضِعُ إِهَابٍ إِلَّا وَ عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ

أَوْ سَاعٍ حَافِدٌ

يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً

وَ تَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً

و منها في صفة الأرض و دحوها على الماء

كَبَسَ الْأَرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجٍ مُسْتَفْحِلَةٍ

وَ لُجَجِ بِحَارٍ زَاخِرَةٍ

تَلْتَطِمُ أَوَاذِيُّ أَمْوَاجِهَا

وَ تَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَثْبَاجِهَا

وَ تَرْغُو زَبَداً كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا

فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلَاطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا

وَ سَكَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ‏ بِكَلْكَلِهَا

وَ ذَلَّ مُسْتَخْذِياً

إِذْ تَمَعَّكَتْ عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا

فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ

سَاجِياً مَقْهُوراً

وَ فِي حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً

وَ سَكَنَتِ الْأَرْضُ مَدْحُوَّةً فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ

وَ رَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ بَأْوِهِ وَ اعْتِلَائِهِ

وَ شُمُوخِ أَنْفِهِ وَ سُمُوِّ غُلَوَائِهِ

وَ كَعَمَتْهُ عَلَى كِظَّةِ جَرْيَتِهِ

فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ

وَ لَبَدَ بَعْدَ زَيَفَانِ وَثَبَاتِهِ

فَلَمَّا سَكَنَ هَيْجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِهَا

وَ حَمْلِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ الْبُذَّخِ عَلَى أَكْتَافِهَا

فَجَّرَ يَنَابِيعَ الْعُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أُنُوفِهَا

وَ فَرَّقَهَا فِي سُهُوبِ بِيدِهَا وَ أَخَادِيدِهَا

وَ عَدَّلَ حَرَكَاتِهَا بِالرَّاسِيَاتِ مِنْ جَلَامِيدِهَا

وَ ذَوَاتِ الشَّنَاخِيبِ الشُّمِّ مِنْ صَيَاخِيدِهَا

فَسَكَنَتْ مِنَ الْمَيَدَانِ لِرُسُوبِ الْجِبَالِ فِي قِطَعِ أَدِيمِهَا وَ تَغَلْغُلِهَا

مُتَسَرِّبَةً فِي جَوْبَاتِ خَيَاشِيمِهَا

وَ رُكُوبِهَا أَعْنَاقَ سُهُولِ الْأَرَضِينَ وَ جَرَاثِيمِهَا

وَ فَسَحَ بَيْنَ الْجَوِّ وَ بَيْنَهَا

وَ أَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً لِسَاكِنِهَا

وَ أَخْرَجَ إِلَيْهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَامِ مَرَافِقِهَا

ثُمَّ لَمْ يَدَعْ جُرُزَ الْأَرْضِ الَّتِي تَقْصُرُ مِيَاهُ الْعُيُونِ عَنْ رَوَابِيهَا

وَ لَا تَجِدُ جَدَاوِلُ الْأَنْهَارِ ذَرِيعَةً إِلَى بُلُوغِهَا

حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَاتَهَا

وَ تَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا

أَلَّفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهِ

وَ تَبَايُنِ قَزَعِهِ

حَتَّى إِذَا تَمَخَّضَتْ لُجَّةُالْمُزْنِ فِيهِ

وَ الْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي كُفَفِهِ

وَ لَمْ يَنَمْ وَمِيضُهُ فِي كَنَهْوَرِ رَبَابِهِ

وَ مُتَرَاكِمِ سَحَابِهِ

أَرْسَلَهُ سَحّاً مُتَدَارِكاً

قَدْ أَسَفَّ هَيْدَبُهُ

تَمْرِيهِ الْجَنُوبُ دِرَرَ أَهَاضِيبِهِ

وَ دُفَعَ شَآبِيبِهِ.

فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْكَ بِوَانَيْهَا

وَ بَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْ‏ءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا

أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الْأَرْضِ النَّبَاتَ

وَ مِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الْأَعْشَابَ

فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا

وَ تَزْدَهِي بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطِ أَزَاهِيرِهَا

وَ حِلْيَةِ مَا سُمِطَتْ بِهِ مِنْ نَاضِرِ أَنْوَارِهَا

وَ جَعَلَ ذَلِكَ بَلَاغاً لِلْأَنَامِ

وَ رِزْقاً لِلْأَنْعَامِ

وَ خَرَقَ الْفِجَاجَ فِي آفَاقِهَا

وَ أَقَامَ الْمَنَارَ لِلسَّالِكِينَ عَلَى جَوَادِّ طُرُقِهَا

فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ

وَ أَنْفَذَ أَمْرَهُ

اخْتَارَ آدَمَ ( عليه‏ السلام  )خِيرَةً مِنْ خَلْقِهِ

وَ جَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ

وَ أَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ

وَ أَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ

وَ أَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ

وَ أَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ

وَ الْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ

فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ

مُوَافَاةً لِسَابِقِ عِلْمِهِ

فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ

وَ لِيُقِيمَ الْحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ

وَ لَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ

مِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ

وَ يَصِلُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ

بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ عَلَى أَلْسُنِ الْخِيَرَةِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ

وَ مُتَحَمِّلِي وَدَائِعِ رِسَالَاتِهِ

قَرْناً فَقَرْناً

حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ( صلى‏ الله‏ عليه‏ وسلم  )حُجَّتُهُ

وَ بَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذْرُهُ وَ نُذُرُهُ

وَ قَدَّرَ الْأَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَ قَلَّلَهَا

وَ قَسَّمَهَا عَلَى الضِّيقِ وَ السَّعَةِ فَعَدَلَ فِيهَا

لِيَبْتَلِيَ مَنْ أَرَادَ بِمَيْسُورِهَا وَ مَعْسُورِهَا

وَ لِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ الشُّكْرَ وَ الصَّبْرَ مِنْ غَنِيِّهَا وَ فَقِيرِهَا

ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ فَاقَتِهَا

وَ بِسَلَامَتِهَا طَوَارِقَ آفَاتِهَا

وَ بِفُرَجِ أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا

وَ خَلَقَ الْآجَالَ فَأَطَالَهَا وَ قَصَّرَهَا

وَ قَدَّمَهَا وَ أَخَّرَهَا

وَ وَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا

وَ جَعَلَهُ خَالِجاً لِأَشْطَانِهَا

وَ قَاطِعاً لِمَرَائِرِ أَقْرَانِهَا

عَالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ

وَ نَجْوَى الْمُتَخَافِتِينَ

وَ خَوَاطِرِ رَجْمِ الظُّنُونِ

وَ عُقَدِ عَزِيمَاتِ الْيَقِينِ

وَ مَسَارِقِ إِيمَاضِ الْجُفُونِ

وَ مَا ضَمِنَتْهُ أَكْنَانُ الْقُلُوبِ

وَ غَيَابَاتُ الْغُيُوبِ

وَ مَا أَصْغَتْ لِاسْتِرَاقِهِ مَصَائِخُ الْأَسْمَاعِ

وَ مَصَايِفُ الذَّرِّ

وَ مَشَاتِي الْهَوَامِّ

وَ رَجْعِ الْحَنِينِ مِنَ الْمُولَهَاتِ

وَ هَمْسِ الْأَقْدَامِ

وَ مُنْفَسَحِ الثَّمَرَةِ مِنْ وَلَائِجِ غُلُفِ الْأَكْمَامِ

وَ مُنْقَمَعِ الْوُحُوشِ مِنْ غِيرَانِ الْجِبَالِ وَ أَوْدِيَتِهَا

وَ مُخْتَبَإِ الْبَعُوضِ بَيْنَ سُوقِ الْأَشْجَارِ وَ أَلْحِيَتِهَا

وَ مَغْرِزِ الْأَوْرَاقِ مِنَ الْأَفْنَانِ

وَ مَحَطِّ الْأَمْشَاجِ مِنْ مَسَارِبِ الْأَصْلَابِ

وَ نَاشِئَةِ الْغُيُومِ وَ مُتَلَاحِمِهَا

وَ دُرُورِ قَطْرِ السَّحَابِ فِي مُتَرَاكِمِهَا

وَ مَا تَسْفِي الْأَعَاصِيرُ بِذُيُولِهَا

وَ تَعْفُو الْأَمْطَارُ بِسُيُولِهَا

وَ عَوْمِ بَنَاتِ الْأَرْضِ فِي كُثْبَانِ الرِّمَالِ

وَ مُسْتَقَرِّ ذَوَاتِ الْأَجْنِحَةِ بِذُرَا شَنَاخِيبِ الْجِبَالِ

وَ تَغْرِيدِ ذَوَاتِ الْمَنْطِقِ فِي دَيَاجِيرِ الْأَوْكَارِ

وَ مَا أَوْعَبَتْهُ الْأَصْدَافُ

وَ حَضَنَتْ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ الْبِحَارِ

وَ مَا غَشِيَتْهُ سُدْفَةُ لَيْلٍ

أَوْ ذَرَّ عَلَيْهِ شَارِقُ نَهَارٍ

وَ مَا اعْتَقَبَتْ عَلَيْهِ أَطْبَاقُ الدَّيَاجِيرِ

وَ سُبُحَاتُ النُّورِ

وَ أَثَرِ كُلِّ خَطْوَةٍ

وَ حِسِّ كُلِّ حَرَكَةٍ

وَ رَجْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ

وَ تَحْرِيكِ كُلِّ شَفَةٍ

وَ مُسْتَقَرِّ كُلِّ نَسَمَةٍ

وَ مِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ وَ هَمَاهِمِ كُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ

وَ مَا عَلَيْهَا مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ

أَوْ سَاقِطِ وَرَقَةٍ

أَوْ قَرَارَةِ نُطْفَةٍ

أَوْ نُقَاعَةِ دَمٍ وَ مُضْغَةٍ

أَوْ نَاشِئَةِ خَلْقٍ وَ سُلَالَةٍ

لَمْ يَلْحَقْهُ فِي ذَلِكَ كُلْفَةٌ

وَ لَا اعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ مَا ابْتَدَعَ مِنْ خَلْقِهِ عَارِضَةٌ

وَ لَا اعْتَوَرَتْهُ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ وَ تَدَابِيرِ الْمَخْلُوقِينَ مَلَالَةٌ وَ لَا فَتْرَةٌ

بَلْ نَفَذَهُمْ عِلْمُهُ

وَ أَحْصَاهُمْ عَدَدُهُ

وَ وَسِعَهُمْ عَدْلُهُ

وَ غَمَرَهُمْ فَضْلُهُ

مَعَ تَقْصِيرِهِمْ عَنْ كُنْهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ

دعاء

اللَّهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِيلِ

وَ التَّعْدَادِ الْكَثِيرِ

إِنْ تُؤَمَّلْ فَخَيْرُ مَأْمُولٍ

وَ إِنْ تُرْجَ فَخَيْرُ مَرْجُوٍّ

اللَّهُمَّ وَ قَدْ بَسَطْتَ لِي فِيمَا لَا أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ

وَ لَا أُثْنِي بِهِ عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ

وَ لَا أُوَجِّهُهُ إِلَى مَعَادِنِ الْخَيْبَةِ وَ مَوَاضِعِ الرِّيبَةِ

وَ عَدَلْتَ بِلِسَانِي عَنْ مَدَائِحِ الْآدَمِيِّينَ وَ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْبُوبِينَ الْمَخْلُوقِينَ

اللَّهُمَّ وَ لِكُلِّ مُثْنٍ عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَثُوبَةٌ مِنْ جَزَاءٍ

أَوْ عَارِفَةٌ مِنْ عَطَاءٍ

وَ قَدْ رَجَوْتُكَ دَلِيلًا عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَةِ وَ كُنُوزِ الْمَغْفِرَةِ

اللَّهُمَّ وَ هَذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَكَ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ لَكَ

وَ لَمْ يَرَ مُسْتَحِقّاً لِهَذِهِ الْمَحَامِدِ وَ الْمَمَادِحِ غَيْرَكَ

وَ بِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ لَا يَجْبُرُ مَسْكَنَتَهَا إِلَّا فَضْلُكَ

وَ لَا يَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِهَا إِلَّا مَنُّكَ وَ جُودُكَ

فَهَبْ لَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ رِضَاكَ

وَ أَغْنِنَا عَنْ مَدِّ الْأَيْدِي إِلَى سِوَاكَ

 إِنَّكَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج6  

الفصل الثالث

منها قدّر ما خلق فأحكم تقديره، و دبّره فألطف تدبيره، و وجّهه لوجهته فلم يتعدّ حدود منزلته، و لم يقصر دون الانتهاء إلى غايته، و لم يستصعب إذ أمر بالمضيّ على إرادته، و كيف و إنّما صدرت الامور عن مشيّة المنشي‏ء أصناف الأشياء بلا رويّة فكر آل إليها، و لا قريحة غريزة أضمر عليها، و لا تجربة أفادها من حوادث الدّهور، و لا شريك أعانه على ابتداع عجائب الامور، فتمّ خلقه و أذعن لطاعته، و أجاب إلى دعوته، و لم يعترض دونه ريث المبطى، و لا أناة المتلكِّي، فأقام من الأشياء أودها، و نهج حدودها، و لائم بقدرته بين متضادّها، و وصل أسباب قرائنها، و فرّقها أجناسا مختلفات، في الحدود و الأقدار و الغرائز و الهيئات، بدايا (برايا خ ل) خلايق أحكم صنعها، و فطرها على ما أراد و ابتدعها.

اللغة

(التدبير) في الامور النّظر إلى ما يؤل إليه عاقبتها و (وجهة) الشي‏ء بالكسر جهة الشّي‏ء يتوجّه اليها قال تعالى: وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها.

و (قصر) السهم عن الهدف إذا لم يبلغه و قصرت عن الشي‏ء أى عجزت عنه و (دون) الشّي‏ء أى قريبا منه و قبل الوصول إليه و (آل) إليه رجع و (الغريزة) الطبيعة و (قريحة الغريزة) ما يستنبطه الذّهن.

قال الجوهريّ: القريحة أوّل ما يستنبط من البئر و منه قولهم: لفلان قريحة جيّدة يراد استنباط العلم بجودة الطبع و (أضمر عليها) أى بلغ الغاية و استقصى عليها من الاضمار بمعنى الاستقصاء، و قيل: من الاضمار بمعنى الاخفاء و ليس بشي‏ء لتعدّيه بنفسه يقال أضمره و أخفاه و لا يقال: أخفى و أضمر عليه و (الافادة) الاستفادة و (اعترض) الشي‏ء دون الشي‏ء حال، و اعترض صار كالخشبة المعترضة في النهر و (الريث) الابطاء و (الاناة) كقتاة: الحلم و الوقار مأخوذ من تأنّي في الأمر أى تثبّت و (تلكّاء) عليه اعتلّ و عنه أبطأ و (الاود) محركة الاعوجاج و (قرائنها) جمع القرينة و هي الأنفس و يحتمل أن يراد بها مقارنات الأشياء كما تطلع عليه.

قال الشّارح المعتزلي: و (بدايا) ههنا جمع بدية و هي الحالة العجيبة بدأ الرّجل إذا جاء بالأمر البدى‏ء أى المعجب و البدية أيضا الحالة المبتكرة المبتدئة و منه قولهم فعله بادى بدي‏ء على وزن فعل أي أوّل كلّ شي‏ء.

الاعراب

قوله: و كيف استفهام على سبيل الانكار و إنما صدرت جملة حالية و العامل محذوف أى كيف يستصعب و إنّما صدرت الامور، و جملة لم يعترض حال أيضا من فاعل المصدر أعني دعوته، قوله: أجناسا حال من مفعول فرّق أو منصوب بنزع‏ الخافض أي فرّقها بأجناس أو على أجناس مختلفة، و قوله: بدايا خلايق خبر لمبتدأ محذوف أى هي بدايا خلايق، و اضافة بدايا إلى خلايق من باب اضافة الصّفة إلى موصوفها، قال الشّارح المعتزلي: و يجوز أن لا يكون بدايا إضافة إليها بل يكون بدلا من اجناسا.

أقول: فعلى هذا الاحتمال تكون بدايا صفة ثانية لأجناسا و ما ذكرناه أظهر فتدبّر.

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من الخطبة متضمن لتنزيه اللَّه سبحانه في كيفية ايجاده للأشياء و خلقه لها عن صفات المصنوعين، و فيه تنبيه على كون المخلوقين مذلّين لانقياد حكمه، مطيعين لأمره، ماضين على ارادته، غير متمرّدين عن طاعته كما قال عليه السّلام: (قدّر ما خلق فأحكم تقديره) يعني أنّ كلّ مخلوق قدّره في الوجود فعلى وفق حكمته بحيث لو زاد على ذلك المقدار أو نقص منه لاختلّت مصلحة ذلك المقدّر و تغيّرت جهة المنفعة فيه (و دبّره فألطف تدبيره) يعني أنّه أوجد الأشياء على وفق المصلحة و نظام الخير فتصرّف فيها تصرّفات كلّية و جزئيّة من غير شعور غيره ذلك.

(و وجّهه لوجهته فلم يتعدّ حدود منزلته و لم يقصر دون الانتهاء إلى غايته) أراد أنّه سبحانه وجّه كلّ ما خلق إلى الجهة التي وجّهه إليها، و ألهم كلّا و يسّره لما خلق له، كالسحاب للمطر و الحمار للحمل و النّحل للشمع و العسل و هكذا فلم يتجاوز شي‏ء منها مرسوم تلك المنزلة المحدودة له المعيّنة في حقّه، و لم يقصر دون الانتهاء إلى الغاية التي كتبت له في اللّوح المحفوظ و إلّا لزم التّغيّر في علمه و عدم النفاذ في أمره و هما محالان.

(و لم يستصعب إذ أمر بالمضيّ على إرادته) أى لم يستصعب أحد من المخلوق التّوجّه إلى الجهة التي وجّهه إليها، و لم يمكنه التّخلّف من المضيّ اليها على وفق إرادته و حكمته بعد أمره له بذلك أمر تكوين لا تشريع.

(و كيف) يستصعب و يتخلّف (و إنّما صدرت الامور عن مشيّة المنشي أصناف الأشياء) يعني أنّ جميع الآثار مستند إلى مشيّة إذ كلّ أثر فهو واجب عن مؤثّره و الكلّ منته في سلسلة الحاجة إلى إرادته فهو واجب عنها.

و يدلّ عليه ما رواه في الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن اذينة عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال: خلق اللَّه المشيّة بنفسها ثمّ خلق الأشياء بالمشيّة.

و سيأتي تحقيق الكلام في ذلك بعد الفراغ من شرح الفصل، هذا و قوله عليه السّلام (بلا رويّة فكر آل إليها و لا قريحة غريزة أضمر عليها و لا تجربة أفادها من حوادث الدّهور و لا شريك أعانه على ابتداع عجائب الامور) إشارة إلى تنزّهه في ايجاد المخلوقات عن الافتقار إلى هذه الامور، و أنّ ذاته بذاته مصدر جميع الامور و أنّ خلقه سبحانه لها غير موقوف على شي‏ء منها.

أمّا رويّة الفكر فلأنها عبارة عن حركة القوّة المفكّرة في تحصيل المطالب من المبادي و انتقالها منها إليها و هي محال على اللَّه سبحانه: «أمّا أوّلا» فلكون القوّة المفكّرة من خواصّ نوع الانسان «و أمّا ثانيا» فلأنّ فايدتها تحصيل المطالب المجهولة من المعلومات و الجهل محال في حقه تعالى و أمّا قريحة الغريزة فلانّها على ما عرفت عبارة عن استنباط العلم بجودة الذهن، و استحالته على اللَّه واضحة إذ العلم عين ذاته و هو تعالى غير فاقد له حتّى يكون محتاجا إلى التّعمق و الاستنباط و النظر في موارده و مصادره و الاستقصاء عليه و بلوغ الغاية فيه و أمّا التجربة فلأنّها عبارة عن حكم العقل بأمر على أمر بواسطة مشاهدات متكرّرة معدّة لليقين بسبب انضمام قياس خفيّ إليها، و هو أنّه لو كان هذا الأمر اتفاقيّا لما كان دائما أو أكثريّا و استحالتها على اللَّه من وجهين: أحدهما أنّها، مركبة من مقتضى الحسّ و العقل، و ذلك أنّ الحسّ يشاهد وقوع الاسهال مثلا عقيب شرب الدّواء مرّة بعد مرّة فينتزع العقل من تلك المشاهدة حكما كلّيا بأنّ ذلك الدّواء مسهل و معلوم أنّ اجتماع الحسّ و العقل من خصايص نوع الانسان و ثانيهما أنّ التّجربة إنما تفيد علما لم يكن قبل فالمحتاج إلى التجربة لاستفادة العلم بها ناقص بذاته مستكمل بها و المستكمل بالغير محتاج إليه فيكون ممكنا و أمّا الشريك المعين فلانتفاء الشريك أوّلا كما مرّ في شرح الفصل الرابع من فصول الخطبة الاولى، و لانتفاء مبدء الاستعانة ثانيا لأنّ مبدئها هو العجز من الفعل و العجز عبارة عن تناهي القوّة و القدرة، و قدس الحقّ منزّه عن ذلك.

فقد وضح و اتّضح بذلك كلّ الوضوح أنّ اللَّه سبحانه غير محتاج في ابداع الخلايق و ايجادها إلى الفكر و الرّوية، و لا قريحة الطّبيعة و لا تجربة و لا مشاركة و إنّما مستند الايجاد نفس الارادة و المشيّة و أنّه سبحانه إِذا قَضى‏ أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.

(فتمّ خلقه) بمشيّته (و أذعن) الكلّ (لطاعته) بمقتضا امكانه و حاجته (و أجاب) الجميع (إلى دعوته) حيث دعاهم إلى بساط الوجود بمقتضا عموم الافاضة و الجود (و) الحال انّه (لم يعترض دونه ريث المبطئ و لا أناة المتلكّى) أى لم يحل دون نفاذ أمره إبطاء المبطئ و لا تثبّت المتوقّف المعتلّ بل انقاد له جميع الأشياء و أسرعوا إلى أمره عند الدّعاء من غير تعلّل و لا إبطاء لكون الكلّ مقهورا تحت قدرته أذلّة تحت عزّته كما قال عزّ من قائل: بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِذا قَضى‏ أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.

يعنى أنّه إذا أراد فعله و خلقه يقول له ذلك بلا لفظ و لا نطق بلسان و لا همة و لا تفكّر، فقوله كن اشارة إلى هبة ما ينبغي لذلك المأمور و بذل ما يعدّه لاجابة أمره بالكون في الوجود، و قوله: فيكون إشارة إلى وجوده، و الفاء المقتضية للتعقيب بلا مهلة دليل على اللّزوم و عدم التأخّر، هذا.

و يحتمل أن يكون المراد بنفي اعتراض الرّيث و الاناة نفي اعتراضهما بالنّظر إلى ذاته من حيث فاعليته، فيكون المقصود بذلك تنزيهه من أن يعرض له شي‏ء من هذه الكيفيّات كما يعزض على أحدنا إذا أردنا فعل شي‏ء من حيث قصور قدرتنا و ضعف قوّتنا (فأقام من الأشياء أودها) و اعوجاجها، و إقامتها كناية عن اعداده ما ينبغي لها و إفاضته الكمال بالنسبة إليها (و نهج حدودها) و غاياتها أراد به ايضاحه لكلّ شي‏ء وجهته و تيسيرها له (و لائم بقدرته بين متضادّها) كما جمع بين العناصر الأربعة على تضادّ كيفيّتها في مزاج واحد (و وصل أسباب قرائنها) و نفوسها بتعديل أمزجتها لأنّ اعتدال المزاج سبب بقائها.

قال الشارح البحراني: و يحتمل أن يكون معنى الوصول لأسبابها هدايتها إلى عبادته و ما هو الأولى بها في معاشها و معادها و سوقها إلى ذلك، إذ المفهوم من قول القائل: وصل الملك أسباب فلان إذا علّقه عليه و وصله إلى برّه و انعامه، هذا إن جعلنا القراين بمعنى الأنفس و إن كانت بمعنى مقارنات الشي‏ء فهو إشارة إلى أنّ الموجودات لا تنفكّ عن أشياء يقترن بها من هيئة أو شكل أو غريزة و نحوها، و اقتران الشيئين لا محالة مستلزم لاقتران أسبابهما، لاستحالة قيام الموجود بدون أسبابه، و ذلك الاقتران و الاتّصال مستند إلى كمال قدرته إذ هو مسبب الأسباب.

(و فرّقها أجناسا مختلفات في الحدود و الاقدار و الغرايز و الهيئات) أى جعلها أقساما مختلفة النهايات و المقادير متفاوتة الطبايع و الصفات، فجعل بعضها طويلا و بعضها قصيرا و بعضها صغيرا و بعضها كبيرا، و جعل سجيّة بعضها شجاعا و بعضها جبانا و بعضها شحيحة و بعضها كريمة و هيئة بعضها حسنة و بعضها قبيحة و هكذا، هذا ان كان الحدود في كلامه عليه السّلام بمعنى النهايات قال الشارح البحرانيّ: و إن حملنا الحدود على ما هو المتعارف كان حسنا،فانّ حكمة الخالق سبحانه اقتضت تميّز بعض الموجودات عن بعض بحدودها و حقايقها، و بعضها بأشكالها و هيئاتها و مقاديرها و غرائزها و اخلاقها كما يقتضيه نظام الوجود و أحكام الصّنع و حكم الارادة الالهيّة.

(بدايا خلايق أحكم صنعها و فطرها على ما أراد و ابتدعها) أى هي مخلوقات عجيبة أو مبتكرة غير محتذى بها حذو خالق سابق، جعل صنعها محكما متقنا، و أوجدها على وفق ارادته و أبدعها من العدم المحض إلى الوجود من دون أن تكون لها مادّة أصلا لها كما زعمت الفلاسفة من أنّ الأجسام لها أصل أزلىّ هي المادّة فهو المخترع للممكنات بما فيها من المقادير و الأشكال و الهيآت، و المبتدع للموجودات بمالها من الحدود و الغايات و النّهايات بمحض القدرة على وفق الارادة و مقتضى الحكمة.

تنبيه

اعلم أنّه لما جرى في هذا الفصل ذكر حديث صدور الأشياء عن مشيّته سبحانه أحببت تنقيح ذلك المرام و عزمت على تحقيق الكلام في هذا المقام لكونه من مزالّ الأقدام.

فأقول: و باللّه التكلان و هو المستعان إنّ الكلام في هذا الباب يقع في مقامات ثلاثة.

المقام الاول

في معنى المشيّة، و قد فسّرها أهل اللغة بالارادة قال في القاموس: شئته إشائه شيئا و مشيئة و مشائة و مشائية أرادته، و في مجمع البحرين: و المشيّة الارادة من شاء زيد يشاء من باب قال أراد، و في المصباح شاء زيد الأمر يشائه شيئا من باب قال أراده، و المشيئة اسم منه بالهمز، و الادغام غير سايغ إلّا على قياس من يحمل الأصلى على الزّايد لكنّه غير منقول و نحوها في ساير كتب اللغة.

و أما في الأخبار و أحاديث أئمّتنا الأبرار الأخيار فتارة اطلقتا على معنى‏ واحد مثل ما رواه الطريحي عن الرّضا عليه السّلام ان الابداع و المشية و الارادة معناها واحد و الأسماء ثلاثة، و اخرى و هو الأكثر على معنيين مختلفين يجعل مرتبة المشية متقدّمة على مرتبة الارادة و كون نسبتها إليها نسبة القوّة إلى الضعف.

و يدلّ عليه ما رواه المحدّث المجلسيّ من المحاسن للبرقي قال: حدثني أبي عن يونس عن أبي الحسن الرّضا عليه السّلام قال: قلت: لا يكون إلّا ما شاء اللَّه و أراد و قضى فقال عليه السّلام: لا يكون إلّا ما شاء اللَّه و قدّر و قضى، قلت: فما معنى شاء قال: ابتداء الفعل، قلت: فما معنى أراد قال عليه السّلام: الثبوت عليه، قلت: فما معنى قدّر قال: تقدير الشي‏ء من طوله و عرضه، قلت: فما معنى قضى قال عليه السّلام: إذا قضى أمضاه فذلك الذي لا مردّ له.

و رواه في الكافي مسندا عن عليّ بن إبراهيم الهاشمي عن أبي الحسن موسى ابن جعفر عليهما السّلام نحوه إلّا أنّه ليس فيه قوله: قلت: فما معنى أراد قال الثبوت عليه، و لعلّه سقط من الكتاب و الظّاهر أنّ مراده منه هو ما ذكرنا كما فهمه شرّاح الحديث.

قال في مرآت العقول: قوله عليه السّلام: ابتداء الفعل أى أوّل الكتابة في اللّوح المحفوظ أو أوّل ما يحصل من جانب الفاعل و يصدر عنه ممّا يؤدّي إلى وجود المعلول و على ما في المحاسن يدلّ على أنّ الارادة تأكّد المشيّة و في اللَّه سبحانه تكون عبارة عن الكتابة في الألواح و تسبيب أسباب وجوده، و قوله: تقدير الشي‏ء، أى تعيين خصوصيّاته في اللّوح أو تعيين بعض الأسباب المؤدّية إلى تعيين المعلول و تحديده و خصوصيّاته إذا قضى أمضاه، أى إذا أوجبه باستكمال شرايط وجوده و جميع ما يتوقّف عليه المعلول أوجده، و ذلك الذي لا مردّ له لاستحالة تخلّف المعلول عن الموجب التّام.

و قال الصّالح المازندراني في شرحه على أصول الكافي: لما كان قوله عليه السّلام: لا يكون شي‏ء إلّا ما شاء اللَّه، دالّا بحسب الظاهر على أنّ المعاصي تقع بمشيّته تعالى و إرادته و هذا لا يستقيم على المذهب الحقّ، سأل السائل عن معنى المشيّة حتى يظهر له وجه الاستقامة، فأجاب عليه السّلام بأنّ المشيّة ابتداء الفعل و أوله، و لعلّ المراد بابتداء الفعل أنّ مشيّته تعالى أوّل فعل من الأفعال، و كلّ فعل غيرها يتوقّف عليها و يصدر بعدها كما يدلّ عليه ما عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال: خلق اللَّه المشيّة بنفسها ثمّ خلق الأشياء بالمشيّة، يعني خلق أفعاله بها و كذا خلق أفعال عباده لكن بتوسط مشيّة جازمة صادرة منهم، فاذا سلسلة جميع الأفعال منتهية إلى مشيّته تعالى، و المراد به أنّ مشيّته أوّل المشيئات، و كلّ مشيّة سواها تابعة لها، كما أنّه تعالى هو الفاعل الأوّل و كلّ فاعل بعدها فاعل ثانوى يسند فعله إليه بلا واسطة، و إلى الفاعل الأوّل بواسطة، و هذا معنى مشيّته تعالى لأفعال العباد و معنى اسناد فعلهم إلى مشيّته.

و في محاسن البرقي بعد هذا السؤال و الجواب قلت: فما معنى أراد قال: الثبوت عليه، يعنى على ابتداء الفعل و من ههنا فسرّ بعضهم الارادة تارة بأنّها عزيمة على المشيّة، و تارة بأنها الاتمام لها، و تارة بأنّها الجدّ عليها.

و قال صدر المتألّهين: نسبة المشيّة إلى الارادة كنسبة الضعف إلى القوّة و نسبة الظنّ إلى الجزم، فانّك ربما تشاء أشياء و لا تريده، فظهر أنّ المشيّة ابتداء العزم على الفعل هذا.

و في الكافي عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالد عن أبيه و محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن الحسين بن سعيد و محمّد بن خالد جميعا عن فضالة بن أيوب عن محمّد بن عمارة عن حريز بن عبد اللَّه و عبد اللَّه بن مسكان جميعا عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال: لا يكون شي‏ء في الأرض و لا في السّماء إلّا بهذه الخصال السّبع: بمشيّة، و إرادة، و قدر، و قضاء، و اذن، و كتاب، و أجل، فمن زعم أنّه يقدر على نقص واحدة فقد كفر.

قال في مرآت العقول: يمكن حمل الخصال السبع على اختلاف مراتب التقدير في الألواح السّماويّة، أو اختلاف مراتب تسبب الأسباب السّماويّة و الأرضيّة، أو يكون بعضها في الامور التكوينيّة و بعضها في الأحكام التكليفيّة، أو كلّها في‏الامور التكوينيّة.

فالمشيّة و هي العزم و الارادة و هي تأكّدها في الأمور التكوينيّة ظاهرتان و أمّا في التكليفيّة فلعلّ عدم تعلّق الارادة الحتميّة بالترك عبّر عنه بارادة الفعل مجازا.

و الحاصل أنّ الارادة متعلّقة بالأشياء كلّها لكن تعلّقها بها على وجوه مختلفة إذ تعلّقها بأفعال نفسه بمعنى ايجادها و الرضا بها و الأمر بها، و بالمباحاة بمعنى الرّخصة بها، و بالمعاصي إرادة أن لا يمنع منها بالجبر لتحقّق الابتلاء و التكليف كما قال تعالى: وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا.

أو يقال تعلّقها بأفعال العباد على سبيل التجوّز باعتبار ايجاد الآلة و القدرة عليها و عدم المنع منها فكانّه أرادها.

و بالقدر تقدير الموجودات طولا و عرضا و كيلا و وزنا و حدّا و وصفا و كمّا و كيفا، و بالقضاء الحكم عليها بالثواب و العقاب أو تسبيب أسبابه البعيدة كما مرّ و المراد بالاذن إما العلم أو الأمر في الطّاعات أو رفع الموانع، و بالكتاب الكتابة في الألواح السّماوية أو الفرض و الايجاب كما قال تعالى: كتب عليكم الصّيام، و كتب على نفسه الرّحمة، و بالأجل الأمد المعيّن و الوقت المقدّر عنده تعالى.

و في الكافي أيضا عن الحسين بن محمّد عن معلّى بن محمّد قال: سئل العالم عليه السّلام كيف علم اللَّه قال: علم و شاء و أراد و قدّر و قضى و أمضى، فأمضى ما قضى و قضى ما قدّر و قدّر ما أراد، فبعلمه كانت المشيّة، و بمشيّته كانت الارادة، و بارادته كان التقدير، و بتقديره كان القضاء، و بقضائه كان الامضاء الحديث.

قال صدر المتألّهين في شرحه: هذا السّائل سأله عليه السّلام عن كيفيّة علمه تعالى بالجزئيات الزّمانيّة و المكانيّة، فأجابه عليه السّلام عنها بما أفاده من المراتب السّتة المرتّب بعضها على بعض.

أوّلها العلم، لأنه المبدأ الأوّل لجميع الأفعال الاختياريّة، فانّ الفاعل المختار لا يصدر عنه فعل إلّا بعد القصد و الارادة، و لا يصدر عنه القصد و الارادة إلّا بعد تصوّر ما يدعوه إلى ذلك الميل و تلك الارادة و التّصديق به تصديقا جازما أو ظنا راجحا، فالعلم مبدء مبادى الأفعال الاختياريّة، و اعلم أنّ المراد بهذا العلم المقدّم على المشيّة و الارادة و ما بعدهما بحسب الاعتبار أو التحقّق هو العلم الأزلىّ الذاتي الالهيّ أو القضائي المحفوظ عن التغيّر، فينبعث منه ما بعده و أشار إليه بقوله: علم، أى علم دائما عن غير زوال و تبدّل.

و ثانيها المشيّة، و المراد بها مطلق الارادة سواء بلغت حدّ العزم و الاجماع أ