خطبه 59 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(قال لما قتل الخوارج)

59 و قال لما قتل الخوارج

و قيل له يا أمير المؤمنين هلك القوم بأجمعهم: كَلَّا وَ اللَّهِ إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَ قَرَارَاتِ النِّسَاءِ- وَ كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ- حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلَّابِينَ نجم ظهر و طلع- قرارات النساء كناية لطيفة عن الأرحام- . و من الكنايات اللطيفة الجارية هذا المجرى- قوله تعالى أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ يعني الجماع- . و قوله تعالى إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً- . و قوله شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ- يعني الفروج-: و قول رسول الله ص للحادي- يا أنجشة رفقا بالقواريريعني النساءالكناية و الرموز و التعريض مع ذكر مثل منهاو الكناية إبدال لفظة يستحى من ذكرها- أو يستهجن ذكرها أو يتطير بها- و يقتضي الحال رفضها لأمر من الأمور- بلفظة ليس فيها ذلك المانع- و من هذا الباب قول إمرئ القيس-

سموت إليها بعد ما نام أهلها
سمو حباب الماء حالا على حال‏

فقالت لك الويلات إنك فاضحي‏
أ لست ترى السمار و الناس أحوالي‏

فلما تنازعنا الحديث و أسمحت
هصرت بغصن ذي شماريخ ميال‏

فصرنا إلى الحسنى و رق كلامنا
و رضت فذلت صعبة أي إذلال‏

قوله فصرنا إلى الحسنى- كناية عن الرفث و مقدمات الجماع- . و قال ابن قتيبة تمازح معاوية و الأحنف- فما رئي مازحان أوقر منهما- قال‏

معاوية يا أبا بحر ما الشي‏ء الملفف في البجاد- فقال السخينة يا أمير المؤمنين- و إنما كنى معاوية عن رمي بني تميم بالنهم و حب الأكل- بقول القائل

إذا ما مات ميت من تميم
فسرك أن يعيش فجي‏ء بزاد

بخبز أو بتمر أو بسمن‏
أو الشي‏ء الملفف في البجاد

تراه يطوف في الآفاق حرصا
ليأكل رأس لقمان بن عاد

و أراد الشاعر وطب اللبن- فقال الأحنف هو السخينة يا أمير المؤمنين- لأن قريشا كانت تعير بأكل السخينة قبل الإسلام- لأن أكثر زمانها كان زمان قحط- و السخينة ما يسخن بالنار و يذر عليه دقيق- و غلب ذلك على قريش حتى سميت سخينة- قال حسان

زعمت سخينة أن ستغلب ربها
و ليغلبن مغالب الغلاب‏

فعبر كل واحد من معاوية و الأحنف عما أراده- بلفظ غير مستهجن و لا مستقبح- و علم كل واحد منهما مراد صاحبه- و لم يفهم الحاضرون ما دار بينهما- و هذا من باب التعريض و هو قريب من الكناية- . و من كنايات الكتاب العزيز أيضا قوله تعالى- وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ- وَ أَمْوالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها- كنى بذلك عن مناكح النساء- . و منها قوله تعالى- نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ- كنى عن مواقع النسل بمواقع الحرث- .

و مما ورد في الأخبار النبوية في هذا الباب- الخبر الذي فيه- أن المرأة قالت للرجل القاعد منها مقعد القابلة- لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه- فقام عنها و تركها- . و قد أخذ الصاحب بن عباد هذه اللفظة- فقال لأبي العلاء الأسدي الأصفهاني- و قد دخل بزوجة له بكر-

قلبي على الجمرة يا أبا العلا
فهل فتحت الموضع المقفلا

و هل فضضت الكيس عن ختمه‏
و هل كحلت الناظر الأحولا

و أنشد الفرزدق في سليمان بن عبد الملك شعرا قال فيه-

دفعن إلي لم يطمثن قبلي
و هن أصح من بيض النعام‏

فبتن بجانبي مصرعات‏
و بت أفض أغلاق الختام‏

فاستنكر سليمان ذلك و كان غيورا جدا- و قال له قد أقررت بالزنا فلأجلدنك- فقال يا أمير المؤمنين إني شاعر- و إن الله يقول في الشعراء- وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ- و قد قلت ما لم أفعل قال سليمان نجوت بها- .و من الأخبار النبوية أيضا: قوله ع في الشهادة على الزنا- حتى تشاهد الميل في المكحلة: و منها قوله ع للمرأة التي استفتته- في الذي استخلت له و لم يستطع جماعها- لا حتى تذوقي عسيلته و يذوق عسيلتك- .

و منها قول المرأة التي شكت إلى عائشة زوجها- أنه يطمح بصره إلى غيرها- إني عزمت على أن أقيد الجمل إشارة إلى ربطه- .
و منها قول عمر يا رسول الله هلكت- قال و ما أهلكك قال حولت رحلي- فقال ع أقبل و أدبر و اتق الحيضة- ففهم ص ما أراد- . و رأى عبد الله بن سلام على إنسان ثوبا معصفرا- فقال لو أن ثوبك في تنور أهلك لكان خيرا لك- فذهب الرجل فأحرق ثوبه في تنور أهله- و ظن أنه أراد الظاهر و لم يرد ابن سلام ذلك- و إنما أراد لو صرف ثمنه في دقيق- يخبزه في تنور أهله- .

و من ذلك قوله ص: إياكم و خضراء الدمن- و الدمن جمع دمنة- و هي المزبلة فيها البعر تنبت نباتا أخضر- و كنى بذلك عن المرأة الحسناء في منبت السوء- . و من ذلك قولهم إياك و عقيلة الملح- لأن الدرة تكون في الماء الملح- و مرادهم النهي عن المرأة الحسناء و أهلها أهل سوء- . و من ذلك قولهم لبس له جلد النمر- و قلب له ظهر المجن- و قال أبو نواس

لا أذود الطير عن شجر
قد بلوت المر من ثمره‏

و قد فسر قوم قوله تعالى- وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً- فقالوا أراد و إذا عبروا عن اللفظ بما يقبح ذكره- كنوا عنه- فسمى التعبير عن الشي‏ء مرورا به- و سمى الكناية عنه كرما- . و من ذلك أن بنت أعرابية صرخت- و قالت لسعتني العقرب- فقالت أمها أين- فقالت موضع لا يضع الراقي فيه أنفه- كنت بذلك عن السوأة- . و من هذا الباب قوله سبحانه- مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ- وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ- قال كثير من المفسرين هو كناية عن الغائط- لأنه يكون من الطعام فكني عنه- إذا هو منه مسبب- كما كنوا عن السمة بالنار- فقالوا ما نار تلك أي ما سمتها- و منه قول الشاعر

قد وسموا آبالهم بالنار
و النار قد تشفي من الأوار

و هذا من أبيات المعاني يقول هم أهل عز و منعة- فسقى راعيهم إبلهم بالسمات التي على الإبل- و علم المزاحمون له في الماء- أنه لا طاقة لهم بمنازعتهم عليه لعزهم- فكانت السمات سببا لسقيها- و الأوار العطش- فكنى سبحانه بقوله يَأْكُلانِ الطَّعامَ- عن إتيان الغائط- لما كان أكل الطعام سببا له- كما كنى الشاعر بالنار عن السمة- لما كانت النار سبب السمة- .

و من هذا الباب قوله سبحانه- وَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَ قَدْ أَفْضى‏ بَعْضُكُمْ إِلى‏ بَعْضٍ- كنى بالإفضاء عن الجماع- .
و من الأحاديث النبوية: من كشف قناع امرأة وجب عليه مهرها
– كنى عن الدخول بها بكشف القناع- لأنه يكشف في تلك الحالة غالبا- . و العرب تقول في الكناية عن العفة- ما وضعت مومسة عنده قناعا- و من حديث عائشة كان رسول الله ص يصيب من رءوس نسائه و هو صائم- كنت بذلك عن القبلة- . و من ذلك قوله تعالى- هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ- كنى بذلك عن الجماع و المخالطة- . و قال النابغة الجعدي-

إذا ما الضجيع ثنى عطفها
تثنت فكانت عليه لباسا

و قد كنت العرب عن المرأة بالريحان و بالسرحة- قال ابن الرقيات

لا أشم الريحان إلا بعيني
كرما إنما تشم الكلاب‏

أي أقنع من النساء بالنظر و لا أرتكب منهن محرما- . و قال حميد بن ثور الهلالي-

أبى الله إلا أن سرحة مالك
على كل أفنان العضاه تروق‏

فيا طيب رياها و برد ظلالها
إذا حان من حامي النهار وديق‏

و هل أنا إن عللت نفسي بسرحة
من السرح مسدود علي طريق‏

و السرحة الشجرة- . و قال أعرابي و كنى عن امرأتين-

أيا نخلتي أود إذا كان فيكما
جنى فانظرا من تطعمان جناكما

و يا نخلتي أود إذا هبت الصبا
و أمسيت مقرورا ذكرت ذراكما

و من الأخبار النبوية قوله ع: من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر- فلا يسقين ماءه زرع غيره- أراد النهي عن نكاح الحبائل- لأنه إذا وطئها فقد سقى ماءه زرع غيره- .

و قال ص لخوات بن جبير- ما فعل جملك يا خوات يمازحه- فقال قيده الإسلام يا رسول الله- لأن خواتا في الجاهلية كان يغشى البيوت- و يقول شرد جملي و أنا أطلبه- و إنما يطلب النساء و الخلوة بهن- و خوات هذا هو صاحب ذات النحيين- . و من كنايات القرآن العزيز قوله تعالى- وَ لا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَ أَرْجُلِهِنَّ- كنى بذلك عن الزنا- لأن الرجل يكون في تلك الحال- بين يدي المرأة و رجليها- . و منه في الحديث إذا قعد الرجل بين شعبها الأربع- .

و قد فسر قوم قوله تعالى وَ امْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ- عن النميمة- و العرب تقول لمن ينم و يشي- يوقد بين الناس الحطب الرطب- . و قال الشاعر يذكر امرأة-

من البيض لم تصطد على خيل لامة
و لم تمش بين الناس بالحطب الرطب‏

أي لم تؤخذ على أمر تلام عليه- و لم تفسد بين الحي بالكذب و النميمة- . و مما ورد نظير ممازحة معاوية و الأحنف- من التعريضات- أن أبا غسان المسمعي مر بأبي غفار السدوسي- فقال يا غفار ما فعل الدرهمان- فقال لحقا بالدرهم أراد بالدرهمين قول الأخطل-

فإن تبخل سدوس بدرهميها
فإن الريح طيبة قبول‏

و أراد الآخر قول بشار-

و في جحدر لؤم و في آل مسمع
صلاح و لكن درهم القوم كوكب‏

و كان محمد بن عقال المجاشعي عند يزيد بن مزيد الشيباني- و عنده سيوف تعرض عليه- فدفع سيفا منها إلى يد محمد- فقال كيف ترى هذا السيف- فقال نحن أبصر بالتمر منا بالسيوف- أراد يزيد قول جرير في الفرزدق-

بسيف أبي رغوان سيف مجاشع
ضربت و لم تضرب بسيف ابن ظالم‏

ضربت به عند الإمام فأرعشت‏
يداك و قالوا محدث غير صارم‏

و أراد محمد قول مروان بن أبي حفصة-

لقد أفسدت أسنان بكر بن وائل
من التمر ما لو أصلحته لمارها

و قال محمد بن عمير بن عطاء التميمي لشريك النميري- و على يده صقر- ليس في الجوارح أحب إلي من البازي- فقال شريك إذا كان يصيد القطا- أراد محمد قول جرير

أنا البازي المطل على نمير
أتيح من السماء لها انصبابا

و أراد شريك قول الطرماح-

تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا
و لو سلكت سبل المكارم ضلت‏

و دخل عبد الله بن ثعلبة المحاربي- على عبد الملك بن يزيد الهلالي- و هو يومئذ والي أرمينية- فقال له ما ذا لقينا الليلة من شيوخ محارب- منعونا النوم بضوضائهم و لغطهم- فقال عبد الله بن ثعلبة إنهم أصلح الله الأمير- أضلوا الليلة برقعا فكانوا يطلبونه- أراد عبد الملك قول الشاعر-

تكش بلا شي‏ء شيوخ محارب
و ما خلتها كانت تريش و لا تبري‏

ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت‏
فدل عليها صوتها حية البحر

و أراد عبد الله قول القائل-

لكل هلالي من اللؤم برقع
و لابن يزيد برقع و جلال‏

و روى أبو بكر بن دريد في كتاب الأمالي- عن أبي حاتم عن العتبي عن أبيه- أنه عرض على معاوية فرس- و عنده عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص- فقال كيف ترى هذا الفرس يا أبا مطرف- قال أراه أجش هزيما- قال معاوية أجل لكنه لا يطلع على الكنائن- قال يا أمير المؤمنين- ما استوجبت منك هذا الجواب كله- قال قد عوضتك عنه عشرين ألفا- . قال أبو بكر بن دريد- أراد عبد الرحمن التعريض بمعاوية- بما قاله النجاشي في أيام صفين-

و نجا ابن حرب سابح ذو علالة
أجش هزيم و الرماح دواني‏

إذا قلت أطراف الرماح تنوشه‏
مرته له الساقان و القدمان‏

فلم يحتمل معاوية منه هذا المزاح- و قال لكنه لا يطلع على الكنائن- لأن عبد الرحمن كان يتهم بنساء إخوته- . و روى ابن دريد أيضا في كتاب الأمالي- عن أبي حاتم النخعي- أن النجاشي دخل على معاوية- فقال له كيف قلت و نجا ابن حرب سابح- و قد علمت أن الخيل لا تجري بمثلي فرارا- قال إنما عنيت عتبة أخاك و عتبة جالس- فلم يقل معاوية و لا عتبة شيئا- .

و ورد إلى البصرة غلام من بني فقعس- كان يجلس في المربد فينشد شعرا و يجمع الناس إليه- فذكر ذلك للفرزدق فقال لأسوءنه- فجاء إليه فسمع شيئا من شعره فحسده عليه- فقال ممن أنت قال من بني فقعس- قال كيف تركت القنان- فقال مقابل لصاف- فقال يا غلام هل أنجدت أمك قال بل أنجد أبي- . قال أبو العباس المبرد أراد الفرزدق قول الشاعر-

ضمن القنان لفقعس سوآتها
إن القنان لفقعس لمعمر

و القنان جبل في بلاد فقعس- يريد أن هذا الجبل يستر سوآتهم- و أراد الغلام قول أبي المهوش-

و إذا يسرك من تميم خلة
فلما يسوءك من تميم أكثر

أكلت أسيد و الهجيم و دارم‏
أير الحمار و خصيتيه العنبر

قد كنت أحسبهم أسود خفية
فإذا لصاف يبيض فيه الحمر

و لصاف جبل في بلاد بني تميم- و أراد بقوله هل أنجدت أمك- أي إن كانت‏

أنجدت فقد أصابها أبي فخرجت تشبهني- فقال بل أنجد أبي يريد بل أبي أصاب أمك فوجدها بغيا- . قال عبد الله بن سوار- كنا على مائدة إسحاق بن عيسى بن علي الهاشمي- فأتينا بحريرة قد عملت بالسكر و السمن و الدقيق- فقال معد بن غيلان العبدي يا حبذا السخينة- ما أكلت أيها الأمير سخينة ألذ من هذه- فقال إلا أنها تولد الرياح في الجوف كثيرا- فقال إن المعايب لا تذكر على الخوان- . أراد معد ما كانت العرب تعير به قريشا في الجاهلية- من أكل السخينة- و قد قدمنا ذكره- و أراد إسحاق بن عيسى ما يعير به عبد القيس من الفسو- قال الشاعر

و عبد القيس مصفر لحاها
كان فساءها قطع الضباب‏

و كان سنان بن أحمس النميري- يساير الأمير عمر بن هبيرة الفزاري و هو على بغلة له- فتقدمت البغلة على فرس الأمير- فقال اغضض بغلتك يا سنان- فقال أيها الأمير إنها مكتوبة فضحك الأمير- أراد عمر بن هبيرة قول جرير-

فغض الطرف إنك من نمير
فلا كعبا بلغت و لا كلابا

و أراد سنان قول ابن داره-

لا تأمنن فزاريا خلوت به
على قلوصك و اكتبها بأسيار

و كانت فزارة تعير بإتيان الإبل- و لذلك قال الفرزدق يهجو عمر بن هبيرة هذا- و يخاطب يزيد بن عبد الملك-

أمير المؤمنين و أنت بر
تقي لست بالجشع الحريص‏

أ أطعمت العراق و رافديه‏
فزاريا أحذ يد القميص‏

تفنق بالعراق أبو المثنى
و علم قومه أكل الخبيص‏

و لم يك قبلها راعي مخاض‏
لتأمنه على وركي قلوص‏

الرافدان دجلة و الفرات- و أحذ يد القميص كناية عن السرقة و الخيانة- و تفنق تنعم و سمن و جارية فنق أي سمينة- . و البيت الآخر كناية عن إتيان الإبل- الذي كانوا يعيرون به- . و روى أبو عبيدة عن عبد الله بن عبد الأعلى قال- كنا نتغدى مع الأمير عمر بن هبيرة- فأحضر طباخه جام خبيص- فكرهه للبيت المذكور السابق- إلا أن جلده أدركه- فقال ضعه يا غلام قاتل الله الفرزدق- لقد جعلني أرى الخبيص فأستحي منه- . قال المبرد و قد يسير البيت في واحد- و يرى أثره عليه أبدا- كقول أبي العتاهية في عبد الله بن معن بن زائدة-

فما تصنع بالسيف
إذا لم تك قتالا

فكسر حلية السيف‏
و صغها لك خلخالا

و كان عبد الله بن معن إذا تقلد السيف و رأى من يرمقه- بان أثره عليه فظهر الخجل منه- . و مثل ذلك ما يحكى أن جريرا قال- و الله لقد قلت في بني تغلب بيتا- لو طعنوا بعدها بالرماح في أستاههم ما حكوها- و هو

و التغلبي إذا تنحنح للقرى
حك استه و تمثل الأمثالا

و حكى أبو عبيدة عن يونس قال- قال عبد الملك بن مروان يوما و عنده رجال- هل تعلمون أهل بيت قيل فيهم شعر- ودوا لو أنهم افتدوا منه بأموالهم- فقال أسماء بن خارجة الفزاري نحن يا أمير المؤمنين- قال و ما هو قال قول الحارث بن ظالم المري-

و ما قومي بثعلبة بن سعد
و لا بفزارة الشعر الرقابا

فو الله يا أمير المؤمنين- إني لألبس العمامة الصفيقة- فيخيل لي أن شعر قفاي قد بدا منها- .و قال هانئ بن قبيصة النميري- نحن يا أمير المؤمنين- قال و ما هو قال قول جرير-

فغض الطرف إنك من نمير
فلا كعبا بلغت و لا كلابا

كان النميري يا أمير المؤمنين إذا قيل له ممن أنت- قال من نمير- فصار يقول بعد هذا البيت من عامر بن صعصعة- . و مثل ذلك ما يروى أن النجاشي لما هجا بني العجلان- بقوله

إذا الله عادى أهل لؤم و قلة
فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل‏

قبيلة لا يغدرون بذمة
و لا يظلمون الناس حبة خردل‏

و لا يردون الماء إلا عشية
إذا صدر الوراد عن كل منهل‏

و ما سمي العجلان إلا لقوله‏
خذ القعب فاحلب أيها العبد و اعجل‏

فكان الرجل منهم إذا سئل عن نسبه يقول من بني كعب- و ترك أن يقول عجلاني- . و كان عبد الملك بن عمير القاضي يقول- و الله إن التنحنح و السعال ليأخذني و أنا في الخلاء- فأرده حياء من قول القائل-

إذا ذات دل كلمته لحاجة
فهم بأن يقضى تنحنح أو سعل‏

و من التعريضات اللطيفة ما روي- أن المفضل بن محمد الضبي بعث بأضحية هزيل إلى شاعر- فلما لقيه سأله عنها فقال كانت قليله الدم- فضحك المفضل و قال مهلا يا أبا فلان- أراد الشاعر قول القائل-

و لو ذبح الضبي بالسيف لم تجد
من اللؤم للضبي لحما و لا دما

و روى ابن الأعرابي في الأمالي قال- رأى عقال بن شبة بن عقال المجاشعي- على إصبع ابن عنبس وضحا- فقال ما هذا البياض على إصبعك يا أبا الجراح- فقال سلح النعامة يا ابن أخي- أراد قول جرير

فضح العشيرة يوم يسلح قائما
سلح النعامة شبة بن عقال‏

و كان شبة بن عقال قد برز يوم الطوانة- مع العباس بن الوليد بن عبد الملك إلى رجل من الروم- فحمل عليه الرومي فنكص و أحدث- فبلغ ذلك جريرا باليمامة فقال فيه ذلك- . و لقي الفرزدق مخنثا يحمل قماشه- كأنه يتحول من دار إلى دار- فقال أين راحت عمتنا- فقال قد نفاها الأغر يا أبا فراس- يريد قول جرير في الفرزدق-

نفاك الأغر ابن عبد العزيز
و حقك تنفى من المسجد

و ذلك أن الفرزدق ورد المدينة- و الأمير عليها عمر بن عبد العزيز- فأكرمه حمزة بن عبد الله بن الزبير و أعطاه- و قعد عنه عبد الله بن عمرو بن عفان و قصر به- فمدح الفرزدق حمزة بن عبد الله و هجا عبد الله فقال-

ما أنتم من هاشم في سرها
فاذهب إليك و لا بني العوام‏

قوم لهم شرف البطاح و أنتم‏
وضر البلاط موطئوا الأقدام‏

فلما تناشد الناس ذلك بعث إليه عمر بن عبد العزيز- فأمره أن يخرج عن المدينة- و قال له إن وجدتك فيها بعد ثلاث عاقبتك- فقال الفرزدق ما أراني إلا كثمود حين قيل لهم- تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ- فقال جرير يهجوه-

نفاك الأغر ابن عبد العزيز
و حقك تنفى من المسجد

و سميت نفسك أشقى ثمود
فقالوا ضللت و لم تهتد

و قد أجلوا حين حل العذاب
ثلاث ليال إلى الموعد

وجدنا الفرزدق بالموسمين‏
خبيث المداخل و المشهد

و حكى أبو عبيدة- قال بينا نحن على أشراف الكوفة وقوف- إذ جاء أسماء بن خارجة الفزاري فوقف- و أقبل ابن مكعبر الضبي فوقف متنحيا عنه- فأخذ أسماء خاتما كان في يده فصه فيروز أزرق- فدفعه إلى غلامه- و أشار إليه أن يدفعه إلى ابن مكعبر- فأخذ ابن مكعبر شسع نعله فربطه بالخاتم- و أعاده إلى أسماء فتمازحا- و لم يفهم أحد من الناس ما أرادا- أراد أسماء بن خارجة قول الشاعر-

لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر
كذا كل ضبي من اللؤم أزرق‏

و أراد ابن مكعبر قول الشاعر-

لا تأمنن فزاريا خلوت به
على قلوصك و اكتبها بأسيار

و كانت فزارة تعير بإتيان الإبل- و عيرت أيضا بأكل جردان الحمار- لأن رجلا منهم كان في سفر فجاع- فاستطعم قوما فدفعوا إليه جردان الحمار- فشواه و أكله- فأكثرت الشعراء ذكرهم بذلك- و قال الفرزدق

جهز إذا كنت مرتادا و منتجعا
إلى فزارة عيرا تحمل الكمرا

إن الفزاري لو يعمى فيطعمه‏
أير الحمار طبيب أبرأ البصرا

إن الفزاري لا يشفيه من قرم
أطايب العير حتى ينهش الذكرا

و في كتب الأمثال أنه اصطحب ثلاثة- فزاري و تغلبي و مري- و كان اسم التغلبي مرقمة- فصادوا حمارا و غاب عنهما الفزاري لحاجة- فقالوا نخبأ له جردانه نضحك منه- و أكلوا سائره- فلما جاء دفعا إليه الجردان و قالا هذا نصيبك- فنهسه فإذا هو صلب- فعرف أنهم عرضوا له بما تعاب به فزارة- فاستل سيفه و قال لتأكلانه- و دفعه إلى مرقمة فأبى أن يأكله فضربه فقتله- فقال المري طاح مرقمة- قال و أنت إن لم تلقمه فأكله- . و ذكر أبو عبيدة- أن إنسانا قال لمالك بن أسماء بن خارجة الفزاري- اقض ديني أيها الأمير فإن علي دينا- قال ما لك عندي إلا ما ضرب به الحمار بطنه- فقال له عبيد بن أبي محجن-بارك الله لكم يا بني فزارة في أير الحمار- إن جعتم أكلتموه و إن أصابكم غرم قضيتموه به- . و يحكى أن بني فزارة و بني هلال بن عامر بن صعصعة- تنافروا إلى أنس بن مدرك الخثعمي و تراضوا به- فقالت بنو هلال أكلتم يا بني فزارة أير الحمار- فقالت بنو فزارة و أنتم مدرتم الحوض بسلحكم- فقضى أنس لبني فزارة على بني هلال- فأخذ الفزاريون منهم مائة بعير- كانوا تخاطروا عليها- و في مادر يقول الشاعر-

لقد جللت خزيا هلال بن عامر
بني عامر طرا بسلحة مادر

فأف لكم لا تذكروا الفخر بعدها
بني عامر أنتم شرار المعاشر

و ذكر أبو العباس محمد بن يزيد المبرد- في كتاب الكامل- أن قتيبة بن مسلم لما فتح سمرقند- أفضى إلى أثاث لم ير مثله- و آلات لم يسمع مثلها- فأراد أن يري الناس عظيم ما فتح الله عليه- و يعرفهم أقدار القوم الذين ظهر عليهم- فأمر بدار ففرشت- و في صحنها قدور يرتقى إليها بالسلاليم- فإذا بالحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشي- قد أقبل و الناس جلوس على مراتبهم- و الحضين شيخ كبير- فلما رآه عبد الله بن مسلم- قال لأخيه قتيبة ائذن لي في معاتبته- قال لا ترده فإنه خبيث الجواب- فأبى عبد الله إلا أن يأذن له- و كان عبد الله يضعف- و كان قد تسور حائطا إلى امرأة قبل ذلك- فأقبل على الحضين- فقال أ من الباب دخلت يا أبا ساسان- قال أجل أسن عمك عن تسورالحيطان- قال أ رأيت هذه القدور- قال هي أعظم من ألا ترى- قال ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها- قال أجل و لا عيلان- و لو رآها سمي شبعان و لم يسم عيلان- فقال عبد الله أ تعرف يا أبا ساسان الذي يقول-

عزلنا و أمرنا و بكر بن وائل
تجر خصاها تبتغي من تحالف‏

فقال أعرفه و أعرف الذي يقول-

فأدى الغرم من نادى مشيرا
و من كانت له أسرى كلاب‏

و خيبة من يخيب على غني‏
و باهلة بن أعصر و الرباب‏

فقال أ فتعرف الذي يقول-

كأن فقاح الأزد حول ابن مسمع
و قد عرقت أفواه بكر بن وائل‏

قال نعم و أعرف الذي يقول-

قوم قتيبة أمهم و أبوهم
لو لا قتيبة أصبحوا في مجهل‏

قال أما الشعر فأراك ترويه- فهل تقرأ من القرآن شيئا قال نعم- أقرأ الأكثر الأطيب- هَلْ أَتى‏ عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ- لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً-فأغضبه فقال و الله لقد بلغني- أن امرأة الحضين حملت إليه و هي حبلى من غيره- قال فما تحرك الشيخ عن هيأته الأولى- بل قال على رسله- و ما يكون تلد غلاما على فراشي- فيقال فلان ابن الحضين كما يقال عبد الله بن مسلم- فأقبل قتيبة على عبد الله و قال له لا يبعد الله غيرك- .

و غرضنا من هذه الحكاية الأدبية المستحسنة- قول الحضين تعريضا بفاحشة عبد الله- أجل أسن عمك عن تسور الحيطان- . و يحكى أن أبا العيناء أهدى إلى أبي علي البصير- و قد ولد له مولود حجرا- يذهب في ذلك إلىقوله ع الولد للفراش و للعاهر الحجر- فاستخرج أبو علي ذلك بفطنته و ذكائه- ثم ولد بعد أيام لأبي العيناء مولود- فقال له في أي وقت ولد لك- قال وقت السحر فقال اطرد قياسه- و خرج في الوقت الذي يخرج فيه أمثاله يعنى السؤال- يعرض بأن أبا العيناء شحاذ- و أن ولده خرج يشبهه- . و من التعريضات و الرموز بالفعل دون القول- ما ذكره مؤرج بن عمرو السدوسي في كتاب الأمثال- أن الأحوص بن جعفر الكلابي أتاه آت من قومه- فقال أن رجلا لا نعرفه جاءنا- فلما دنا منا حيث نراه نزل عن راحلته- فعلق على شجرة وطبا من لبن- و وضع في بعض أغصانها حنظلة- و وضع صرة من تراب و حزمة من شوك- ثم أثار راحلته فاستوى عليها و ذهب- و كان أيام حرب تميم و قيس عيلان- فنظر الأحوص في ذلك فعي به- فقال أرسلوا إلى قيس بن زهير- فأتوا قيسا فجاءوا به إليه-

فقال له أ لم تك أخبرتني أنه لا يرد عليك أمر- إلا عرفت ما فيه ما لم تر نواصي الخيل- قال ما خبرك فأعلمه- فقال قد بين الصبح لذي عينين- هذا رجل قد أخذت عليه العهود ألا يكلمكم- و لا يرسل إليكم- و أنه قد جاء فأنذركم- أما الحنظلة فإنه يخبركم أنه قد أتاكم بنو حنظلة- و أما الصرة من التراب- فإنه يزعم أنهم عدد كثير- و أما الشوك فيخبركم أن لهم شوكة- و أما الوطب فإنه يدلكم على قرب القوم و بعدهم- فذوقوه فإن كان حليبا فالقوم قريب- و إن كان قارصا فالقوم بعيد- و إن كان المسيخ لا حلوا و لا حامضا- فالقوم لا قريب و لا بعيد- فقاموا إلى الوطب فوجدوه حليبا- فبادروا الاستعداد- و غشيتهم الخيل فوجدتهم مستعدين- . و من الكنايات بل الرموز الدقيقة- ما حكي أن قتيبة بن مسلم دخل على الحجاج- و بين يديه كتاب قد ورد إليه من عبد الملك- و هو يقرؤه و لا يعلم معناه و هو مفكر- فقال ما الذي أحزن الأمير- قال كتاب ورد من أمير المؤمنين لا أعلم معناه- فقال إن رأى الأمير إعلامي به فناوله إياه- و فيه أما بعد فإنك سالم و السلام- . فقال قتيبة ما لي إن استخرجت لك ما أراد به- قال ولاية خراسان- قال إنه ما يسرك أيها الأمير و يقر عينك- إنما أراد قول الشاعر-

يديرونني عن سالم و أديرهم
و جلدة بين العين و الأنف سالم‏

أي أنت عندي مثل سالم عند هذا الشاعر- فولاه خراسان- . حكى الجاحظ في كتاب البيان و التبيين- قال خطب الوليد بن عبد الملك فقال-

أمير المؤمنين عبد الملك قال- إن الحجاج جلدة ما بين عيني و أنفي- ألا و إني أقول إن الحجاج جلدة وجهي كله- . و على ذكر هذا البيت حكي- أن رجلا كان يسقي جلساءه شرابا صرفا غير ممزوج- و كان يحتاج إلى المزج لقوته فجعل يغني لهم-

يديرونني عن سالم و أديرهم
و جلدة بين العين و الأنف سالم‏

فقال له واحد منهم يا أبا فلان- لو نقلت ما من غنائك إلى شرابك- لصلح غناؤنا و نبيذنا جميعا- . و يشبه حكاية قتيبة و الحجاج- كتاب عبد الملك إلى الحجاج- جوابا عن كتاب كتبه إليه- يغلظ فيه أمر الخوارج- و يذكر فيه حال قطري و غيره و شدة شوكتهم- فكتب إليه عبد الملك- أوصيك بما أوصى به البكري زيدا و السلام- . فلم يفهم الحجاج ما أراد عبد الملك- فاستعلم ذلك من كثير من العلماء بأخبار العرب- فلم يعلموه- فقال من جاءني بتفسيره فله عشرة آلاف درهم- و ورد رجل من أهل الحجاز يتظلم من بعض العمال- فقال له قائل أ تعلم ما أوصى به البكري زيدا- قال نعم أعلمه- فقيل له فأت الأمير فأخبره و لك عشرة آلاف درهم- فدخل عليه فسأله فقال نعم أيها الأمير- إنه يعنى قوله

أقول لزيد لا تترتر فإنهم
يرون المنايا دون قتلك أو قتلي‏

فإن وضعوا حربا فضعها و إن أبوا
فعرضة نار الحرب مثلك أو مثلي‏

و إن رفعوا الحرب العوان التي ترى
فشب وقود النار بالحطب الجزل‏

فقال الحجاج أصاب أمير المؤمنين فيما أوصاني- و أصاب البكري فيما أوصى به زيدا- و أصبت أيها الأعرابي و دفع إليه الدراهم- .و كتب إلى المهلب- أن أمير المؤمنين أوصاني بما أوصى به البكري زيدا- و أنا أوصيك بذلك و بما أوصى به الحارث بن كعب بنيه- . فنظر المهلب في وصية الحارث بن كعب فإذا فيها- يا بني كونوا جميعا و لا تكونوا شيعا فتفرقوا- و بزوا قبل أن تبزوا- الموت في قوة و عز خير من الحياة في ذل و عجز- . فقال المهلب صدق البكري و أصاب- و صدق الحارث و أصاب- . و اعلم أن كثيرا مما ذكرناه داخل في باب التعريض- و خارج عن باب الكناية- و إنما ذكرناه لمشابهة الكناية- و كونهما كالنوعين تحت جنس عام- و سنذكر كلاما كليا فيهما- إذا انتهينا إلى آخر الفصل إن شاء الله- . و من الكنايات قول أبي نواس-

و ناظرة إلي من النقاب
تلاحظني بطرف مستراب‏

كشفت قناعها فإذا عجوز
مموهة المفارق بالخضاب‏

فما زالت تجشمني طويلا
و تأخذ في أحاديث التصابي‏

تحاول أن يقوم أبو زياد
و دون قيامه شيب الغراب‏

أتت بجرابها تكتال فيه
فقامت و هي فارغة الجراب‏

و الكناية في البيت الأخير و هي ظاهرة- و منها قول أبي تمام-

ما لي رأيت ترابكم بئس الثرى
ما لي أرى أطوادكم تتهدم‏

فكنى ببئس الثرى عن تنكر ذات بينهم- و بتهدم الأطواد عن خفة حلومهم و طيش عقولهم- . و منها قول أبي الطيب-

و شر ما قنصته راحتي قنص
شهب البزاة سواء فيه و الرخم‏

كنى بذلك عن سيف الدولة- و أنه يساوي بينه و بين غيره من أراذل الشعراء- و خامليهم في الصلة و القرب- . و قال الأقيشر لرجل ما أراد الشاعر بقوله-
و لقد غدوت بمشرف يافوخه
مثل الهراوة ماؤه يتفصد

أرن يسيل من المراح لعابه‏
و يكاد جلد إهابه يتقدد

قال إنه يصف فرسا فقال حملك الله على مثله- و هذان البيتان من لطيف الكناية و رشيقها- و إنما عنى العضو- . و قريب من هذه الكناية قول سعيد بن عبد الرحمن بن حسان- و هو غلام يختلف إلى عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدب- ولد هشام بن عبد الملك- و قد جمشه عبد الصمد فأغضبه- فدخل إلى هشام فقال له-

إنه و الله لو لا أنت لم
ينج مني سالما عبد الصمد

فقال هشام و لم ذلك- قال

إنه قد رام مني خطة
لم يرمها قبله مني أحد

قال هشام و ما هي ويحك- قال

رام جهلا بي و جهلا بأبي
يدخل الأفعى إلى بيت الأسد

فضحك هشام و قال لو ضربته لم أنكر عليك- . و من هذا الباب قول أبي نواس-

إذا ما كنت جار أبي حسين
فنم و يداك في طرف السلاح‏

فإن له نساء سارقات‏
إذا ما بتن أطراف الرماح‏

سرقن و قد نزلت عليه عضوي
فلم أظفر به حتى الصباح‏

فجاء و قد تخدش جانباه‏
يئن إلى من ألم الجراح‏

و الكناية في قوله أطراف الرماح- و في قوله في طرف السلاح- . و من الكناية الحسنة قول الفرزدق يرثي امرأته- و قد ماتت بجمع-

و جفن سلاح قد رزئت فلم أنح
عليه و لم أبعث عليه البواكيا

و في جوفه من دارم ذو حفيظة
لو أن المنايا أخطأته لياليا

أخذه الرضي رحمه الله تعالى فقال يرثي امرأة-

إن لم تكن نصلا فغمد نصول
غالته أحداث الزمان بغول‏

أو لم تكن بأبي شبول ضيغم‏
تدمى أظافره فأم شبول‏

و من الكنايات ما يروى- أن رجلا من خواص كسرى أحب الملك امرأته- فكان يختلف إليها سرا و تختلف إليه- فعلم بذلك فهجرها و ترك فراشها- فأخبرت كسرى فقال له يوما- بلغني أن لك عينا عذبة و أنك لا تشرب منها- فقال بلغني أيها الملك أن الأسد يردها فخفته- فتركتها له- فاستحسن ذلك منه و وصله- . و من الكنايات الحسنة قول حاتم-

و ما تشتكيني جارتي غير أنني
إذا غاب عنها بعلها لا أزورها

سيبلغها خيري و يرجع بعلها
إليها و لم يسبل على ستورها

فكنى بإسبال الستر عن الفعل لأنه يقع عنده غالبا- . فأماقول عمر من أرخى سترا أو أغلق بابا فقد وجب عليه المهر- فيمكن أن يكنى بذلك عن الجماع نفسه- و يمكن أن يكنى به عن الخلوة فقط- و هو مذهب أبي حنيفة- و هو الظاهر من اللفظ لأمرين- أحدهما قوله أغلق بابا- فإنه لو أراد الكناية لم يحسن الترديد بأو- و ثانيهما أنه قد كان مقررا عندهم- أن الجماع نفسه يوجب كمال المهر- فلم يكن به حاجة إلى ذكر ذلك- . و يشبه قول حاتم في الكناية المقدم- ذكرها قول بشار بن بشر-

و إني لعف عن زيارة جارتي
و إني لمشنوء إلى اغتيابها

و لم أك طلابا أحاديث سرها
و لا عالما من أي حوك ثيابها

إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها
زءورا و لم تنبح علي كلابها

و قال الأخطل في ضد ذلك يهجو رجلا و يرميه بالزنا-

سبنتى يظل الكلب يمضغ ثوبه
له في ديار الغانيات طريق‏

السبنتى النمر يريد أنه جري‏ء وقح- و أن الكلب لأنسه به- و كثرة اختلافه إلى جاراته يعرفه- و يمضغ ثوبه يطلب ما يطعمه- و العفيف ينكره الكلب و لا يأنس به- ثم أكد ذلك- بأنه قد صار له بكثرة تردده إلى ديار النساء- طريق معروف- . و من جيد الكناية عن العفة قول عقيل بن علفة المري-

و لست بسائل جارات بيتي
أ غياب رجالك أم شهود

و لا ملق لذي الودعات سوطي
ألاعبه و ريبته أريد

و من جيد ذلك و مختاره قول مسكين الدارمي-

ناري و نار الجار واحدة
و إليه قبلي تنزل القدر

ما ضر جارا لي أجاوره‏
ألا يكون لبابة ستر

أعمى إذا ما جارتي برزت
حتى يواري جارتي الخدر

و العرب تكني عن الفرج بالإزار- فتقول هو عفيف الإزار و بالذيل- فتقول هو طاهر الذيل- و إنما كنوا بهما- لأن الذيل و الإزار لا بد من رفعهما عند الفعل- و قد كنوا بالإزار عن الزوجة في قول الشاعر-

أ لا أبلغ أبا بشر رسولا
فدا لك من أخي ثقة إزاري‏

يريد به زوجتي أو كنى بالإزار هاهنا عن نفسه- . و قال زهير-

الحافظون ذمام عهدهم
و الطيبون معاقد الأزر

الستر دون الفاحشات و لا
يلقاك دون الخير من ستر

و يقولون في الكناية عن العفيف- ما وضعت مومسة عنده قناعها- و لا رفع عن مومسة ذيلا- . و قد أحسن ابن طباطبا في قوله-

فطربت طربة فاسق متهتك
و عففت عفة ناسك متحرج‏

الله يعلم كيف كانت عفتي‏
ما بين خلخال هناك و دملج‏

و من الكناية عن العفة قول ابن ميادة-

و ما نلت منها محرما غير أنني
أقبل بساما من الثغر أفلجا

و ألثم فاها آخذا بقرونها
و أترك حاجات النفوس تحرجا

فكنى عن الفعل نفسه بحاجات النفوس- كما كنى أبو نواس عنه بذلك العمل في قوله-

مر بنا و العيون ترمقه
تجرح منه مواضع القبل‏

أفرغ في قالب الجمال فما
يصلح إلا لذلك العمل‏

و كما كنى عنه ابن المعتز بقوله-

و زارني في ظلام الليل مستترا
يستعجل الخطو من خوف و من حذر

و لاح ضوء هلال كاد يفضحه‏
مثل القلامة قد قصت من الظفر

فقمت أفرش خدي في الطريق له
ذلا و أسحب أذيالي على الأثر

فكان ما كان مما لست أذكره‏
فظن خيرا و لا تسأل عن الخبر

و مما تطيروا من ذكره فكنوا عنه قولهم مات- فإنهم عبروا عنه بعبارات مختلفة- داخلة في باب الكناية- نحو قولهم لعق إصبعه- و قالوا اصفرت أنامله- لأن اصفرار الأنامل من صفات الموتى- قال الشاعر

فقرباني بأبي أنتما
من وطني قبل اصفرار البنان‏

و قبل منعاي إلى نسوة
منزلها حران و الرقتان‏

و قال لبيد-

و كل أناس سوف تدخل بينهم
دويهية تصفر منها الأنامل‏

يعني الموت- . و يقولون في الكناية عنه صك لفلان على أبي يحيى- و أبو يحيى كنية الموت كني عنه بضده- كما كنوا عن الأسود بالأبيض- و قال الخوارزمي

سريعة موت العاشقين كأنما
يغار عليهم من هواها أبو يحيى‏

و كنى رسول الله ص عنه بهاذم اللذات-
فقال أكثروا من ذكر هاذم اللذات

و قال أبو العتاهية

رأيت المنايا قسمت بين أنفس
و نفسي سيأتي بينهن نصيبها

فيا هاذم اللذات ما منك مهرب‏
تحاذر نفسي منك ما سيصيبها

و قالوا حلقت به العنقاء و حلقت به عنقاء مغرب- قال

فلو لا دفاعي اليوم عنك لحلقت
بشلوك بين القوم عنقاء مغرب‏

و قالوا فيه زل الشراك عن قدمه- قال

لا يسلمون العداة جارهم
حتى يزل الشراك عن قدمه‏

أي حتى يموت فيستغني عن لبس النعل- . فأما قولهم زلت نعله- فيكنى به تارة عن غلطه و خطئه- و تارة عن سوء حاله و اختلال أمره بالفقر- و هذا المعنى الأخير أراده الشاعر بقوله-

سأشكر عمرا ما تراخت منيتي
أيادي لم تمنن و إن هي جلت‏

فتى غير محجوب الغنى عن صديقه
و لا مظهر الشكوى إذا النعل زلت‏

رأى خلتي من حيث يخفى مكانها
فكانت قذى عينيه حتى تجلت‏

و يقولون فيه شالت نعامته- قال

يا ليت أمي قد شالت نعامتها
أيما إلى جنة أيما إلى نار

ليست بشبعى و لو أوردتها هجرا
و لا بريا و لو حلت بذي قار

أي لا يشبعها كثرة التمر و لو نزلت هجر- و هجر كثيرة النخل- و لا تروى و لو نزلت ذا قار و هو موضع كثير الماء- . قال ابن دريد- و النعامة خط باطن القدم في هذه الكناية- . و يقال أيضا للقوم قد تفرقوا بجلاء عن منازلهم- شالت نعامتهم- و ذلك لأن النعامة خفيفة الطيران عن وجه الأرض- كأنهم خفوا عن منزلهم- . و قال ابن السكيت- يقال لمن يغضب ثم يسكن شالت نعامته ثم وقعت- و قالوا أيضا في الكناية عن الموت- مضى لسبيله و استأثر الله به و نقله إلى جواره- و دعي فأجاب و قضى نحبه- و النحب النذر- كأنهم رأوا أن الموت لما كان حتما في الأعناق- كان نذرا- . و قالوا في الدعاء عليه اقتضاه الله بذنبه- إشارة إلى هذا- و قالوا ضحا ظله و معناه صار ظله شمسا- و إذا صار الظل شمسا فقد عدم صاحبه- . و يقولون أيضا خلى فلان مكانه- و أنشد ثعلب للعتبي في السري بن عبد الله-

كان الذي يأتي السري لحاجة
أباح إليه بالذي جاء يطلب‏

إذا ما ابن عبد الله خلى مكانه‏
فقد حلقت بالجود عنقاء مغرب‏

و قال دريد بن الصمة-

فإن يك عبد الله خلى مكانه
فما كان وقافا و لا طائش اليد

و كثير ممن لا يفهم يعتقد- أنه أراد بقوله خلى مكانه فر- و لو كان كذلك لكان هجاء- . و يقولون وقع في حياض غتيم و هو اسم للموت- . و يقولون طار من ماله الثمين يريدون الثمن- يقال ثمن و ثمين و سبع و سبيع- و ذلك لأن الميت ترث زوجته من ماله الثمن غالبا- قال الشاعر يذكر جوده بماله و يخاطب امرأته-

فلا و أبيك لا أولى عليها
لتمنع طالبا منها اليمين‏

فإني لست منك و لست مني‏
إذا ما طار من مالي الثمين‏

أي إذا مت فأخذت ثمنك من تركتي- . و قالوا لحق باللطيف الخبير- قال

و من الناس من يحبك حبا
ظاهر الود ليس بالتقصير

فإذا ما سألته ربع فلس‏
ألحق الود باللطيف الخبير

و قال أبو العلاء-

لا تسل عن عداك أين استقروا
لحق القوم باللطيف الخبير

و يقولون قرض رباطه أي كاد يموت جهدا و عطشا- . و قالوا في الدعاء عليه لا عد من نفره- أي إذا عد قومه فلا عد معهم- و إنما يكون كذلك إذا مات- قال إمرؤ القيس

فهو لا تنمي رميته
ما له لا عد من نفره‏

و هذا إنما يريد به وصفه و التعجب منه- لا أنه يدعو عليه حقيقة- كما تقول لمن يجيد الطعن شلت يده ما أحذقه- . و قالوا في الكناية عن الدفن أضلوه و أضلوا به- قال الله تعالى وَ قالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ- أي إذا دفنا في الأرض- . و قال المخبل السعدي-

أضلت بنو قيس بن سعد عميدها
و سيدها في الدهر قيس بن عاصم‏

و يقولون للمقتول ركب الأشقر كناية عن الدم- و إليه أشار الحارث بن هشام المخزومي في شعره- الذي يعتذر به عن فراره يوم بدر- عن أخيه أبي جهل بن هشام حين قتل-

الله يعلم ما تركت قتالهم
حتى علوا فرسي بأشقر مزبد

و علمت أني إن أقاتل واحدا
أقتل و لا يضرر عدوي مشهدي‏

فصددت عنهم و الأحبة فيهم‏
طمعا لهم بعقاب يوم مرصد

أراد بدم أشقر- فحذف الموصوف و أقام الصفة مقامه كناية عنه- و العرب تقيم الصفة مقام الموصوف كثيرا- كقوله تعالى وَ حَمَلْناهُ عَلى‏ ذاتِ أَلْواحٍ وَ دُسُرٍ- أي على سفينة ذات ألواح- و كقول عنترة

تمكو فريصته كشدق الأعلم‏

أي كشدق الإنسان الأعلم أو البعير الأعلم- . و يقولون ترك فلان بجعجاع أي قتل- قال أبو قيس بن الأسلت-

من يذق الحرب يجد طعمها
مرا و تتركه بجعجاع‏

أي تتركه قتيلا مخلى بالفضاء- . و مما كنوا عنه قولهم للمقيد هو محمول على الأدهم- و الأدهم القيد- قال الشاعر

أوعدني بالسجن و الأداهم
رجلي و رجلي شثنة المناسم‏

و قال الحجاج للغضبان بن القبعثرى- لأحملنك على الأدهم- فتجاهل عليه و قال- مثل الأمير حمل على الأدهم و الأشهب- .و قد كنوا عن القيد أيضا بالأسمر- أنشد ابن عرفة لبعضهم

فما وجد صعلوك بصنعاء موثق
بساقيه من سمر القيود كبول‏

قليل الموالي مسلم بجريرة
له بعد نومات العيون غليل‏

يقول له البواب أنت معذب
غداة غد أو رائح فقتيل‏

بأكثر من وجدي بكم يوم راعني‏
فراق حبيب ما إليه سبيل‏

و هذا من لطيف شعر العرب و تشبيهها- . و من كناياتهم عنه ركب ردعه- و أصله في السهم يرمى به فيرتدع نصله فيه- يقال ارتدع السهم إذا رجع النصل في السنخ متجاوزا- فقولهم ركب ردعه أي وقص فدخل عنقه في صدره- قال الشاعر و هو من شعر الحماسة-

تقول و صكت صدرها بيمينها
أ بعلي هذا بالرحا المتقاعس‏

فقلت لها لا تعجلي و تبيني‏
بلاي إذا التفت علي الفوارس‏

أ لست أرد القرن يركب ردعه
و فيه سنان ذو غرارين يابس‏

لعمر أبيك الخير إني لخادم‏
لضيفي و إني إن ركبت لفارس‏

و أنشد الجاحظ في كتاب البيان و التبيين- لبعض الخوارج-

و مسوم للموت يركب ردعه
بين الأسنة و القنا الخطار

يدنو و ترفعه الرماح كأنه‏
شلو تنشب في مخالب ضاري‏

فثوى صريعا و الرماح تنوشه
إن الشراة قصيرة الأعمار

و قد تطيرت العرب من لفظة البرص فكنوا عنه بالوضح- فقالوا جذيمة الوضاح يريدون الأبرص- و كني عنه بالأبرش أيضا- و كل أبيض عند العرب وضاح و يسمون اللبن وضحا- يقولون ما أكثر الوضح عند بني فلان- . و مما تفاءلوا به قولهم للفلاة التي يظن فيها الهلاك مفازة- اشتقاقا من الفوز و هو النجاة- و قال بعض المحدثين

أحب الفأل حين رأى كثيرا
أبوه عن اقتناء المجد عاجز

فسماه لقلته كثيرا
كتلقيب المهالك بالمفاوز

فأما من قال إن المفازة مفعلة من فوز الرجل أي هلك- فإنه يخرج هذه اللفظة من باب الكنايات- . و من هذا تسميتهم اللديغ سليما- قال

كأني من تذكر ما ألاقي
إذا ما أظلم الليل البهيم‏

سليم مل منه أقربوه‏
و أسلمه المجاور و الحميم‏

و قال أبو تمام في الشيب

شعلة في المفارق استودعتني
في صميم الأحشاء ثكلا صميما

تستثير الهموم ما اكتن منها
صعدا و هي تستثير الهموما

دقة في الحياة تدعى جلالا
مثلما سمي اللديغ سليما

غرة بهمة ألا إنما كنت‏
أغرا أيام كنت بهيما

حلمتني زعمتم و أراني
قبل هذا التحليم كنت حليما

و من هذا قولهم للأعور ممتع- كأنهم أرادوا أنه قد متع ببقاء إحدى عينيه- و لم يحرم ضوءهما معا- . و من كناياتهم على العكس- قولهم للأسود يا أبا البيضاء- و للأسود أيضا يا كافور- و للأبيض يا أبا الجون و للأقرع يا أبا الجعد- . و سموا الغراب أعور لحدة بصره- قال ابن ميادة

إلا طرقتنا أم عمرو و دونها
فياف من البيداء يعشى غرابها

خص الغراب بذلك لحدة نظره أي فكيف غيره- . و مما جاء في تحسين اللفظ ما روي- أن المنصور كان في بستان داره و الربيع بين يديه- فقال له ما هذه الشجرة- فقال وفاق يا أمير المؤمنين- و كانت شجرة خلاف- فاستحسن منه ذلك- . و مثل هذا استحسان الرشيد قول عبد الملك بن صالح- و قد أهدي إليه باكورة فاكهة في أطباق خيزران- بعثت إلى أمير المؤمنين في أطباق قضبان- تحمل من جنايا باكورة بستانه ما راج و أينع- فقال الرشيد لمن حضر ما أحسن ما كنى عن اسم أمنا- .

و يقال إن عبد الملك سبق بهذه الكناية- و إن الهادي قال لابن دأب و في يده عصا ما جنس هذه- فقال من أصول القنا يعني الخيزران- و الخيزران أم الهادي و الرشيد معا- . و شبيه بذلك ما يقال إن الحسن بن سهل- كان في يده ضغث من أطراف الأراك- فسأله المأمون عنه ما هذه- فقال محاسنك يا أمير المؤمنين- تجنبا لأن يقول مساوئك و هذا لطيف- . و من الكنايات اللطيفة أن عبد الملك بعث الشعبي- إلى أخيه عبد العزيز بن مروان- و هو أمير مصر يومئذ- ليسبر أخلاقه و سياسته و يعود إليه فيخبره بحاله- فلما عاد سأله فقال- وجدته أحوج الناس إلى بقائك يا أمير المؤمنين- و كان عبد العزيز يضعف- . و من الألفاظ التي جاءت عن رسول الله ص- من باب الكنايات-قوله ص بعثت إلى الأسود و الأحمر- يريد إلى العرب و العجم- فكنى عن العرب بالسود و عن العجم بالحمر- و العرب تسمى العجمي أحمر- لأن الشقرة تغلب عليه- .

قال ابن قتيبة خطب إلى عقيل بن علفة المري ابنته- هشام بن إسماعيل المخزومي- و كان والي المدينة و خال هشام بن عبد الملك فرده- لأنه كان أبيض شديد البياض- و كان عقيل أعرابيا جافيا غيورا مفرط الغيرة- و قال

رددت صحيفة القرشي لما
أبت أعراقه إلا احمرارا

فرده لأنه توسم فيه أن بعض أعراقه ينزع إلى العجم- لما رأى من بياض لونه و شقرته- . و منه قول جرير يذكر العجم-

يسموننا الأعراب و العرب اسمنا
و أسماؤهم فينا رقاب المزاود

و إنما يسمونهم رقاب المزاود لأنها حمراء- . و من كناياتهم تعبيرهم عن المفاخرة بالمساجلة- و أصلها من السجل و هي الدلو الملي‏ء- كان الرجلان يستقيان- فأيهما غلب صاحبه كان الفوز و الفخر له- قال الفضل بن العباس بن عتبة- بن أبي لهب بن عبد المطلب-

و أنا الأخضر من يعرفني
أخضر الجلدة من بيت العرب‏

من يساجلني يساجل ماجدا
يملأ الدلو إلى عقد الكرب‏

برسول الله و ابني عمه
و بعباس بن عبد المطلب‏

و يقال إن الفرزدق مر بالفضل- و هو ينشد من يساجلني- فقال أنا أساجلك‏و نزع ثيابه- فقال الفضل برسول الله و ابن عمه- فلبس الفرزدق ثيابه- و قال أعض الله من يساجلك- بما نفت المواسي من بظر أمه- و رواها أبو بكر بن دريد بما أبقت المواسي- . و قد نزل القرآن العزيز- على مخرج كلام العرب في المساجلة- فقال تبارك و تعالى- فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ- الذنوب الدلو و المراد ما ذكرناه- . و قال المبرد المراد بقوله و أنا الأخضر- أي الأسمر و الأسود- و العرب كانت تفتخر بالسمرة و السواد- و كانت تكره الحمرة و الشقرة- و تقول إنهما من ألوان العجم- . و قال ابن دريد- مراده أن بيتي ربيع أبدا مخصب كثير الخير- لأن الخصب مع الخضرة- و قال الشاعر

قوم إذا اخضرت نعالهم
يتناهقون تناهق الحمر

أي إذا أعشبت الأرض اخضرت نعالهم من وطئهم إياها- فأغار بعضهم على بعض- و التناهق هاهنا أصواتهم حين ينادون للغارة- و يدعو بعضهم بعضا- و نظير هذا البيت قول الآخر-

قوم إذا نبت الربيع لهم
نبتت عداوتهم مع البقل‏

أي إذا أخصبوا و شبعوا غزا بعضهم بعضا- و مثله قول الآخر

يا ابن هشام أهلك الناس اللبن
فكلهم يغدو بسيف و قرن‏

أي تسفهوا لما رأوا من كثرة اللبن و الخصب- فأفسدوا في الأرض و أغار بعضهم على بعض- و القرن الجعبة- .و قيل لبعضهم- متى يخاف من شر بني فلان فقال إذا ألبنوا- . و من الكنايات الداخلة في باب الإيماء قول الشاعر-

فتى لا يرى قد القميص بخصره
و لكنما يوهي القميص عواتقه‏

لما كان سلامة القميص من الخرق- في موضع الخصر تابعا لدقة الخصر- و وهنه في الكاهل تابعا لعظم الكاهل- ذكر ما دل بهما على دقة خصر هذا الممدوح و عظم كاهله- و منه قول مسلم بن الوليد-

فرعاء في فرعها ليل على قمر
على قضيب على حقف النقا الدهس‏

كأن قلبي وشاحاها إذا خطرت‏
و قلبها قلبها في الصمت و الخرس‏

تجري محبتها في قلب عاشقها
مجرى السلامة في أعضاء منتكس‏

فلما كان قلق الوشاح تابعا لدقة الخصر- ذكره دالا به عليه- . و من هذا الباب قول القائل-

إذا غرد المكاء في غير روضة
فويل لأهل الشاء و الحمرات‏

أومأ بذلك إلى الجدب لأن المكاء يألف الرياض- فإذا أجدبت الأرض سقط في غير روضة و غرد- فالويل حينئذ لأهل الشاء و الحمر- . و منه قول القائل-

لعمري لنعم الحي حي بني كعب
إذا جعل الخلخال في موضع القلب‏

القلب السوار- يقول نعم الحي هؤلاء إذا ريع الناس و خافوا- حتى إن المرأة لشدة خوفها تلبس الخلخال مكان السوار- فاختصر الكلام اختصارا شديدا- . و منه قول الأفوه الأودي-

إن بني أود هم ما هم
للحرب أو للجدب عام الشموس‏

أشار إلى الجدب و قلة السحب و المطر- أي الأيام التي كلها أيام شمس و صحو- لا غيم فيها و لا مطر- . فقد ذكرنا من الكنايات و التعريضات- و ما يدخل في ذلك و يجري مجراه من باب الإيماء و الرمز- قطعة صالحة- و سنذكر شيئا آخر من ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى- إذا مررنا في شرح كلامه ع بما يقتضيه و يستدعيه

حقيقة الكناية و التعريض و الفرق بينهما

و قد كنا وعدنا أن نذكر كلاما كليا- في حقيقة الكناية و التعريض و الفرق بينهما- فنقول الكناية قسم من أقسام المجاز- و هو إبدال لفظة عرض في النطق بها- مانع بلفظة لا مانع عن النطق بها- كقوله ع قرارات النساء- لما وجد الناس قد تواضعوا- على استهجان لفظة أرحام النساء- . و أما التعريض فقد يكون بغير اللفظ- كدفع أسماء بن خارجة الفص الفيروز الأزرق- من يده إلى ابن معكبر الضبي ادكارا له بقول الشاعر-

كذا كل ضبي من اللؤم أزرق‏

فالتعريض إذا هو التنبيه بفعل أو لفظ- على معنى اقتضت الحال العدول عن التصريح به- . و أنا أحكي هاهنا كلام نصر الله بن محمد بن الأثير الجزري- في كتابه المسمى بالمثل السائر في الكناية و التعريض- و أذكر ما عندي فيه قال- خلط أرباب هذه الصناعة الكناية بالتعريض- و لم يفصلوا بينهما- فقال ابن سنان إن قول إمرئ القيس-

فصرنا إلى الحسنى و رق كلامنا
و رضت فذلت صعبة أي إذلال‏

من باب الكناية و الصحيح أنه من باب التعريض- . قال و قد قال الغانمي و العسكري و ابن حمدون- و غيرهم نحو ذلك- و مزجوا أحد القسمين بالآخر- . قال و قد حد قوم الكناية- فقالوا هي اللفظ الدال على الشي‏ء- بغير الوضع الحقيقي- بوصف جامع بين الكناية و المكنى عنه كاللمس و الجماع- فإن الجماع اسم لموضوع حقيقي و اللمس كناية عنه- و بينهما وصف جامع إذ الجماع لمس و زيادة- فكان دالا عليه بالوضع المجازي- . قال و هذا الحد فاسد- لأنه يجوز أن يكون حدا للتشبيه و المشبه- فإن التشبيه هو اللفظ الدال على الوضع الحقيقي- الجامع بين المشبه و المشبه به في صفة من الأوصاف- أ لا ترى إذا قلنا زيد أسد- كان ذلك لفظا دالا على غير الوضع الحقيقي- بوصف جامع بين زيد و الأسد- و ذلك الوصف هو الشجاعة- . قال و أما أصحاب أصول الفقه- فقالوا في حد الكناية إنها اللفظ المحتمل- و معناه أنها اللفظ الذي يحتمل الدلالة على المعنى- و على خلافه- .

و هذا منقوض بالألفاظ المفردة المشتركة- و بكثير من الأقوال المركبة المحتملة للشي‏ء و خلافه- و ليست بكنايات- . قال و عندي أن الكنايات لا بد أن يتجاذبها جانبا- حقيقة و مجاز- و متى أفردت جاز حملها على الجانبين معا- أ لا ترى أن اللمس في قوله سبحانه أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ-يجوز حمله على الحقيقة و المجاز- و كل منهما يصح به المعنى و لا يختل- و لهذا قال الشافعي- إن ملامسة المرأة تنقض الوضوء و الطهارة- .

و ذهب غيره إلى أن المراد باللمس في الآية الجماع- و هو الكناية المجازية- فكل موضع يرد فيه الكناية فسبيله هذا السبيل- و ليس التشبيه بهذه الصورة- و لا غيره من أقسام المجاز- لأنه لا يجوز حمله إلا على جانب المجاز خاصة- و لو حمل على جانب الحقيقة لاستحال المعنى- أ لا ترى أنا إذا قلنا زيد أسد- لم يصح أن يحمل إلا على الجهة المجازية- و هي التشبيه بالأسد في شجاعته- و لا يجوز حمله على الجهة الحقيقية- لأن زيدا لا يكون سبعا ذا أنياب و مخالب- فقد صار إذن حد الكناية أنها اللفظ الدال على معنى- يجوز حمله على جانبي الحقيقة و المجاز- بوصف جامع بين الحقيقة و المجاز- . قال و الدليل على ذلك أن الكناية في أصل الوضع- أن تتكلم بشي‏ء و تريد غيره يقال كنيت بكذا عن كذا- فهي تدل على ما تكلمت به- و على ما أردته من غيره- فلا يخلو إما أن يكون في لفظ- تجاذبه جانبا حقيقة و حقيقة- أو في لفظ تجاذبه جانبا مجاز و مجاز- أو في لفظ لا يتجاذبه أمر- و ليس لنا قسم رابع- . و الثاني باطل لأن ذاك هو اللفظ المشترك- فإن أطلق من غير قرينة مخصصة كان مبهما غير مفهوم- و إن كان معه قرينة صار مخصصا لشي‏ء بعينه- و الكناية أن تتكلم بشي‏ء و تريد غيره- و ذلك مخالف للفظ المشترك إذا أضيف إليه القرينة- لأنه يختص بشي‏ء واحد بعينه- و لا يتعداه إلى غيره- و الثالث باطل أيضا- لأن المجاز لا بد له من حقيقة ينقل عنها- لأنه فرع عليها- .

و ذلك اللفظ الدال على المجاز- إما أن يكون للحقيقة شركة في الدلالة عليه- أو لا يكون لها شركة في الدلالة عليه- كان اللفظ الواحد قد دل على ثلاثة أشياء- أحدها الحقيقة و الآخران المجازان- . و هذا مخالف لأصل الوضع- لأن أصل الوضع أن تتكلم بشي‏ء و أنت تريد غيره- و هاهنا يكون قد تكلمت بشي‏ء و أنت تريد شيئين غيرين- و إن لم يكن للحقيقة شركة في الدلالة- كان ذلك مخالفا لأصل الوضع أيضا- إذ أصل الوضع أن تتكلم بشي‏ء و أنت تريد غيره- فيكون الذي تكلمت به دالا على غيره- و إذا أخرجت الحقيقة عن أن يكون لها شركة في الدلالة- لم يكن الذي تكلمت به- و هذا محال- فثبت إذن أن الكناية هي أن تتكلم بالحقيقة- و أنت تريد المجاز- . قال و هذا مما لم يسبقني إليه أحد- . ثم قال قد يأتي من الكلام ما يجوز أن يكون كناية- و يجوز أن يكون استعارة- و يختلف ذلك باختلاف النظر إليه بمفرده- و النظر إلى ما بعده- كقول نصر بن سيار في أبياته المشهورة- التي يحرض بها على بني أمية عند خروج أبي مسلم-

أرى خلل الرماد و ميض جمر
و يوشك أن يكون له ضرام‏

فإن النار بالزندين توري‏
و إن الحرب أولها كلام‏

أقول من التعجب ليت شعري
أ أيقاظ أمية أم نيام‏

فالبيت الأول لو ورد بمفرده لكان كناية- لأنه لا يجوز حمله على جانبي الحقيقة و المجاز- فإذا نظرنا إلى الأبيات بجملتها- كان البيت الأول المذكور استعارة لا كناية- . ثم أخذ في الفرق بين الكناية و التعريض- فقال التعريض هو اللفظ الدال على الشي‏ء- من طريق المفهوم- لا بالوضع الحقيقي و لا بالمجازي- فإنك إذا قلت لمن تتوقع معروفه و صلته بغير طلب- أنا محتاج و لا شي‏ء في يدي- و أنا عريان و البرد قد آذاني- فإن هذا و أشباهه تعريض بالطلب- و ليس اللفظ موضوعا للطلب لا حقيقة و لا مجازا- و إنما يدل عليه من طريق المفهوم- بخلاف قوله أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ- و على هذا ورد تفسير التعريض في خطبة النكاح- كقولك للمرأة أنت جميلة أو إنك خلية و أنا عزب- فإن هذا و شبهه لا يدل على طلب النكاح- بالحقيقة و لا بالمجاز- و التعريض أخفى من الكناية- لأن دلالة الكناية وضعية من جهة المجاز- و دلالة التعريض من جهة المفهوم المركب- و ليست وضعية- و إنما يسمى التعريض تعريضا لأن المعنى فيه يفهم من عرض اللفظ المفهوم- أي من جانبه- .

قال و اعلم أن الكناية تشتمل على اللفظ المفرد- و اللفظ المركب- فتأتي على هذا مرة و على هذا أخرى- و أما التعريض فإنه يختص باللفظ المركب- و لا يأتي في اللفظ المفرد البتة- لأنه لا يفهم المعنى فيه من جهة الحقيقة- و لا من جهة المجاز- بل من جهة التلويح و الإشارة- و هذا أمر لا يستقل به اللفظ المفرد- و يحتاج في الدلالة عليه إلى اللفظ المركب- . قال فقد ظهر فيما قلنا في البيت- الذي ذكره ابن سنان مثال الكناية- و مثال التعريض هو بيت إمرئ القيس- لأن غرض الشاعر منه أن يذكر الجماع- إلا أنه لم يذكره بل ذكر كلاما آخر- ففهم الجماع من عرضه- لأن المصير إلى الحسنى و رقة الكلام- لا يدلان على الجماع لا حقيقة و لا مجازا- . ثم ذكر أن من باب الكناية قوله سبحانه- أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها- فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً- وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ… الآية- قال كنى بالماء عن العلم و بالأودية عن القلوب- و بالزبد عن الضلال- . قال و قد تحقق ما اخترعناه و قدرناه من هذه الآية- لأنه يجوز حملها على جانب الحقيقة- كما يجوز حملها على جانب المجاز- . قال و قد أخطأ الفراء- حيث زعم أن قوله سبحانه و تعالى- وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ- كناية عن أمر النبي ص و أنه كنى عنه بالجبال- قال و وجه الخطأ أنه لا يجوز- أن يتجاذب اللفظ هاهنا جانبا الحقيقة و المجاز- لأن مكرهم لم يكن لتزول منه الجبال الحقيقية- فالآية إذا من باب المجاز لا من باب الكناية- .

قال و من الكنايات المستحسنةقوله ع للحادي بالنساء يا أنجشة رفقا بالقوارير- . و قول امرأة لرجل قعد منها مقعد القابلة- لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه- . و قول بديل بن ورقاء الخزاعي لرسول الله ص- إن قريشا قد نزلت على ماء الحديبية- معها العوذ المطافيل و إنهم صادوك عن البيت- . قال فهذه كناية عن النساء و الصبيان- لأن العوذ المطافيل- الإبل الحديثات النتاج و معها أولادها- .

و من الكناية ما ورد في شهادة الزنا- أن يشهد عليه برؤية الميل في المكحلة- .و منها قول عمر لرسول الله ص هلكت يا رسول الله قال و ما أهلكك- قال حولت رحلي البارحة- قال أشار بذلك إلى الإتيان في غير المأتي- . و منها قول ابن سلام لمن رأى عليه ثوبا معصفرا- لو أن ثوبك في تنور أهلك لكان خيرا لك- . قال و من الكنايات المستقبحة قول الرضي يرثي امرأة-إن لم تكن نصلا فغمد نصول‏- لأن الوهم يسبق في هذا الموضع إلى ما يقبح- و إنما سرقه من قول الفرزدق في امرأته- و قد ماتت بجمع-

و جفن سلاح قد رزئت فلم أنح
عليه و لم أبعث عليه البواكيا

و في جوفه من دارم ذو حفيظة
لو أن المنايا أخطأته لياليا

فأخذه الرضي فأفسده و لم يحسن تصريفه- . قال فأما أمثلة التعريض فكثيرة- منها قوله تعالى فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ- ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا- وَ ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ- وَ ما نَرى‏ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ- فقوله ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا تعريض- بأنهم أحق بالنبوة- و أن الله تعالى لو أراد أن يجعلها في واحد من البشر- لجعلها فيهم- فقالوا هب إنك واحد من الملأ و موازيهم في المنزلة- فما جعلك أحق بالنبوة منهم- أ لا ترى إلى قوله وَ ما نَرى‏ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ- . هذه خلاصة ما ذكره ابن الأثير في هذا الباب- . و اعلم أنا قد تكلمنا عليه في كثير من هذا الموضع- في كتابنا الذي أفردناه للنقض عليه- و هو الكتاب المسمى بالفلك الدائر على المثل السائر- فقلنا أولا أنه اختار حد الكناية- و شرع يبرهن على التحديد و الحدود لا يبرهن عليها- و لا هي من باب الدعاوي التي تحتاج إلى الأدلة- لأن من وضع لفظ الكناية لمفهوم مخصوص- لا يحتاج إلى دليل- كمن وضع لفظ الجدار للحائط لا يحتاج إلى دليل- .

ثم يقال له لم قلت- إنه لا بد من أن يتردد لفظ الكناية- بين محملي حقيقة و مجاز- و لم لا يتردد بين مجازين- و ما استدللت به على ذلك لا معنى له…- . أما أولا فلأنك أردت أن تقول- إما أن تكون للفظة الدالة على المجازين شركة- في الدلالة على الحقيقة- أو لا يكون لها في الدلالة على الحقيقة شركة- لأن كلامك هكذا يقتضي- و لا ينتظم إلا إذا قلت هكذا فلم تقله- و قلت إما أن يكون للحقيقة شركة- فياللفظ الدال على المجازين- و هذا قلب للكلام الصحيح و عكس له- .

و أما ثانيا فلم قلت- إنه لا يكون للفظة الدالة على المجازين شركة- في الدلالة على الحقيقة التي هي أصل لهما- فأما قولك هذا- فيقتضي أن يكون الإنسان متكلما بشي‏ء- و هو يريد شيئين غيره- و أصل الوضع أن يتكلم بشي‏ء و هو يريد غيره- فليس معنى قولهم الكناية أن تتكلم بشي‏ء- و أنت تريد غيره- أنك تريد شيئا واحدا غيره- كلا ليس هذا هو المقصود- بل المقصود أن تتكلم بشي‏ء و أنت تريد ما هو مغاير له- و إن أردت شيئا واحدا- أو شيئين أو ثلاثة أشياء أو ما زاد- فقد أردت ما هو مغاير له- لأن كل مغاير لما دل عليه ظاهر لفظك- فليس في لفظه غير ما يقتضي الوحدة و الإفراد- .

و أما ثالثا فلم لا يجوز- أن يكون للفظ الدال على المجازين شركة- في الدلالة على الحقيقة أصلا- بل يدل على المجازين فقط- فأما قولك إذا خرجت الحقيقة- عن أن يكون لها في ذلك شركة- لم يكن الذي تكلمت به دالا على ما تكلمت به- و هو محال- و مرادك بهذا الكلام المقلوب- أنه إذا خرجت اللفظة- عن أن يكون لها شركة- في الدلالة على الحقيقة- التي هي موضوعة لها في الأصل- لم يكن ما تكلم به الإنسان دالا- على ما تكلم به و هو حقيقة- و لا دالا أيضا على ما تكلم به و هو مجاز- لأنه إذا لم يدل على الحقيقة و هي الأصل- لم يجز أن يدل على المجاز الذي هو الفرع- لأن انتفاء الدلالة على الأصل- يوجب انتفاء الدلالة على الفرع- و هكذا يجب أن يتأول استدلاله- و إلا لم يكن له معنى محصل- لأن اللفظ هو الدال على مفهوماته- و ليس المفهوم دالا على اللفظ- و لا له شركة في الدلالة عليه- و لا على مفهوم آخر- يعترض اللفظ بتقدير انتقال اللفظ- اللهم إلا أن يكون دلالة عقلية- و كلامنا في الألفاظ و دلالتها- .

فإذا أصلحنا كلامه على ما ينبغي- قلنا له في الاعتراض عليه- لم قلت إنه إذا خرج اللفظ- عن أن يكون له شركة في الدلالة على الحقيقة- لم يكن ما تكلم به الإنسان دالا على ما تكلم به- و لم لا يجوز أن يكون للحقيقة مجازان- قد كثر استعمالهما حتى نسيت تلك الحقيقة- فإذا تكلم الإنسان بذلك اللفظ- كان دالا به على أحد ذينك المجازين- و لا يكون له تعرض ما بتلك الحقيقة- فلا يكون الذي تكلم به غير دال على ما تكلم به- لأن حقيقة تلك اللفظة قد صارت ملغاة منسية- فلا يكون عدم إرادتها موجبا- أن يكون اللفظ الذي يتكلم به المتكلم- غير دال على ما تكلم به- لأنها قد خرجت بترك الاستعمال- عن أن تكون هي ما تكلم به المتكلم- . ثم يقال إنك منعت أن يكون قولنا زيد أسد كناية- و قلت لأنه لا يجوز أن يحمل أحد هذا اللفظ- على أن زيدا هو السبع ذو الأنياب و المخالب- و منعت من قول الفراء إن الجبال في قوله- لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ- كناية عن دعوة محمد ص و شريعته- لأن أحدا لا يعتقد و لا يتصور- أن مكر البشر يزيل الجبال الحقيقية عن أماكنها- و منعت من قول من قال إن قول الشاعر-

و لو سكتوا أثنت عليك الحقائب‏

من باب الكناية- لأن أحدا لا يتصور أن الحقائب و هي جمادات تثني و تشكر- . و قلت لا بد أن يصح حمل لفظ الكناية- على محملي الحقيقة و المجاز- ثم قلت إن‏قول عبد الله بن سلام لصاحب الثوب المعصفر- لو أنك جعلت ثوبك في تنور أهلك كناية- و قول الرضي في امرأة ماتتإن لم تكن نصلا فغمد نصول‏- كناية و إن كانت مستقبحة-و قول النبي ص يا أنجشة رفقا بالقوارير- و هو يحدو بالنساء كناية- فهل يجيز عاقل قط أو يتصور في الأذهان- أن تكون المرأة غمدا للسيف- و هل يحمل أحد قط قوله للحادي رفقا بالقوارير- على أنه يمكن أن يكون نهاه عن العنف بالزجاج- أو يحمل أحد قط قول ابن سلام- على أنه أراد إحراق الثوب بالنار- أو يحمل قط أحد قوله الميل في المكحلة على حقيقتها- أو يحمل قط أحد قوله لا يحل لك فض الخاتم على حقيقته- و هل يشك عاقل قط في أن هذه الألفاظ- ليست دائرة بين المحملين- دوران اللمس و الجماع و المصافحة- و هذه مناقضة ظاهرة و لا جواب عنها- إلا بإخراج هذه المواضع من باب الكناية- أو بحذف ذلك الشرط الذي اشترطته في حد الكناية- .

فأما ما ذكره حكاية عن غيره في حد الكناية- بأنها اللفظ الدال على الشي‏ء بغير الوضع الحقيقي- بوصف جامع بين الكناية و المكنى عنه- و قوله هذا الحد هو حد التشبيه- فلا يجوز أن يكون حد الكناية- . فلقائل أن يقول إذا قلنا زيد أسد- كان ذلك لفظا دالا على غير الوضع الحقيقي- و ذلك المدلول هو بعينه- الوصف المشترك بين المشبه و المشبه به- أ لا ترى أن المدلول هو الشجاعة- و هي المشترك بين زيد و الأسد- و أصحاب الحد قالوا في حدهم- الكناية هي اللفظ الدال على الشي‏ء- بغير الوضع الحقيقي- باعتبار وصف جامع بينهما- فجعلوا المدلول أمرا و الوصف الجامع أمرا آخر- باعتباره وقت الدلالة- أ لا ترى أن لفظ لامَسْتُمُ يدل على الجماع- الذي لم يوضع لفظ لامَسْتُمُ له- و إنما يدل عليه باعتبار أمر آخر- هو كون الملامسة مقدمة الجماع و مفضية إليه فقد تغاير إذن حد التشبيه و حد الكناية- و لم يكن أحدهما هو الآخر- .

فأما قوله إن الكناية قد تكون بالمفردات- و التعريض لا يكون بالمفردات فدعوى- و ذلك أن اللفظ المفرد لا ينتظم منه فائدة- و إنما تفيد الجملة المركبة من مبتدأ و خبر- أو من فعل و فاعل- و الكناية و التعريض في هذا الباب سواء- و أقل ما يمكن أن يقيد في الكناية قولك لامست هندا- و كذلك أقل ما يمكن أن يفيد في التعريض أنا عزب- كما قد ذكره هو في أمثلة التعريض- فإن قال أردت أنه قد يقال- اللمس يصلح أن يكنى به عن الجماع- و اللمس لفظ مفرد- قيل له و قد يقال- التعزب يصلح أن يعرض به في طلب النكاح- .

فأما قوله إن بيت نصر بن سيار- إذا نظر إليه لمفرده صلح أن يكون كناية- و إنما يخرجه عن كونه كناية- ضم الأبيات التي بعده إليه- و يدخله في باب الاستعارة- فلزم عليه أن يخرج قول عمر حولت رحلي عن باب الكناية- بما انضم إليه من قوله هلكت-و بما أجابه رسول الله ص من قوله أقبل و أدبر و اتق الدبر و الحيضة- و بقرينة الحال- و كان يجب إلا تذكر هذه اللفظة في أمثلة الكنايات- .

فأما بيت إمرئ القيس فلا وجه لإسقاطه- من باب الكناية- و إدخاله في باب‏ التعريض- إلا فيما اعتمد عليه- من أن من شرط الكناية أن يتجاذبها جانبا حقيقة و مجاز- و قد بينا بطلان اشتراط ذلك فبطل ما يتفرع عليه- . و أما قول بديل بن ورقاء معها العوذ المطافيل- فإنه ليس بكناية عن النساء و الأولاد كما زعم- بل أراد به الإبل و نتاجها-

فإن كتب السير كلها متفقة- على أن قريشا- لم يخرج معها في سنة الحديبية نساؤها و أولادها- و لم يحارب رسول الله ص قوما- أحضروا معهم نساءهم و أولادهم- إلا هوازن يوم حنين- و إذا لم يكن لهذا الوجه حقيقة و لا وجود- فقد بطل حمل اللفظ عليه- . فأما ما زرى به على الرضي رحمه الله تعالى من قوله-إن لم تكن نصلا فغمد نصول‏- و قوله هذا مما يسبق الوهم فيه إلى ما يستقبح- و استحسانه شعر الفرزدق- و قوله إن الرضي أخذه منه فأساء الأخذ- فالوهم الذي يسبق إلى بيت الرضي- يسبق مثله إلى بيت الفرزدق- لأنه قد جعل هذه المرأة جفن السلاح- فإن كان الوهم يسبق هناك إلى قبيح- فهاهنا أيضا يسبق إلى مثله- .

و أما الآية التي مثل بها على التعريض- فإنه قال إن قوله تعالى ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا- تعريض بأنهم أحق بالنبوة منه- و لم يبين ذلك و إنما قال فحوى الكلام أنهم قالوا له- هب إنك واحد من الملإ و موازيهم في المنزلة- فما جعلك أحق بالنبوة منهم- أ لا ترى إلى قوله وَ ما نَرى‏ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ- و هذا الكلام لا يقتضي ما ادعاه أولا من التعريض- لأنه ادعى أن قوله ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا- تعريض بأنهم أحق بالنبوة منه- و ما قرره به يقتضي مساواته لهم- و لا يقتضي كونهم أحق بالنبوة منه- فبطل دعوى الأحقية- التي زعم أن التعريض إنما كان بها- .

فأما قوله تعالى أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً- فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً- و قوله إن هذا من باب الكناية- و إنه تعالى كنى به عن العلم و الضلال و قلوب البشر فبعيد- و الحكيم سبحانه لا يجوز أن يخاطب قوما بلغتهم- فيعمي عليهم- و أن يصطلح هو نفسه على ألفاظ لا يفهمون المراد بها- و إنما يعلمها هو وحده- أ لا ترى أنه لا يجوز أن يحمل قوله تعالى- وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ- وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ- على أنه أراد أنا زينا رءوس البشر- بالحواس الباطنة و الظاهرة المجعولة فيها- و جعلناها بالقوى الفكرية و الخيالية- المركبة في الدماغ- راجمة و طاردة للشبه المضلة- و إن من حمل كلام الحكيم سبحانه على ذلك- فقد نسبه إلى الإلغاز و التعمية- و ذلك يقدح في حكمته تعالى- و المراد بالآية المقدم ذكرها ظاهرها- و المتكلف لحملها على غيرها سخيف العقل- و يؤكد ذلك قوله تعالى- وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ- أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ- أ فترى الحكيم سبحانه يقول- إن للذهب و الفضة زبدا مثل الجهل و الضلال- و يبين ذلك قوله كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ- فضرب سبحانه الماء الذي يبقى في الأرض- فينتفع به الناس- و الزبد الذي يعلو فوق الماء- فيذهب جفاء مثلا للحق و الباطل- كما صرح به سبحانه فقال- كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ- و لو كانت هذه الآية من باب الكنايات- و قد كنى سبحانه بالأودية عن القلوب- و بالماء الذي أنزله من السماء عن العلم- و بالزبد عن الضلال- لما جعل تعالى هذه الألفاظ أمثالا- فإن الكناية خارجة عن باب المثل- و لهذا لا تقول إن قوله تعالى أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ- من باب المثل- و لهذا أفرد هذا الرجل في كتابه بابا آخر- غير باب الكناية سماه باب المثل- و جعلهما قسمين متغايرين في علم البيان- و الأمر في هذاالموضع واضح- و لكن هذا الرجل كان يحب هذه الترهات- و يذهب وقته فيها- و قد استقصينا في مناقضته و الرد عليه- في كتابنا الذي أشرنا إليه- . فأما قوله ع- كلما نجم منهم قرن قطع فاستعارة حسنة- يريد كلما ظهر منهم قوم استؤصلوا- فعبر عن ذلك بلفظة قرن- كما يقطع قرن الشاة إذا نجم- و قد صح إخباره ع عنهم أنهم لم يهلكوا بأجمعهم- في وقعة النهروان- و أنها دعوة سيدعو إليها قوم لم يخلقوا بعد- و هكذا وقع و صح إخباره ع أيضا- أنه سيكون آخرهم لصوصا سلابين- فإن دعوة الخوارج اضمحلت و رجالها فنيت- حتى أفضى الأمر إلى أن صار خلفهم قطاع طريق- متظاهرين بالفسوق و الفساد في الأرض

مقتل الوليد بن طريف الخارجي و رثاء أخته له

فممن انتهى أمره منهم إلى ذلك- الوليد بن طريف الشيباني- في أيام الرشيد بن المهدي- فأشخص إليه يزيد بن مزيد الشيباني فقتله- و حمل رأسه إلى الرشيد و قالت أخته ترثيه- و تذكر أنه كان من أهل التقى و الدين- على قاعدة شعراء الخوارج و لم يكن الوليد كما زعمت-

أيا شجر الخابور ما لك مورقا
كأنك لم تجزع على ابن طريف‏

فتى لا يحب الزاد إلا من التقى‏
و لا المال إلا من قنا و سيوف‏

و لا الذخر إلا كل جرداء شطبة
و كل رقيق الشفرتين خفيف‏

فقدناك فقدان الربيع و ليتنا
فديناك من ساداتنا بألوف‏

 و قال مسلم بن الوليد يمدح يزيد بن مزيد- و يذكر قتله الوليد-

و المارق ابن طريف قد دلفت له
بعارض للمنايا مسبل هطل‏

لو أن شيئا بكى مما أطاف به‏
فاز الوليد بقدح الناضل الخصل‏

ما كان جمعهم لما لقيتهم
إلا كرجل جراد ريع منجفل‏

فاسلم يزيد فما في الملك من أود
إذا سلمت و لا في الدين من خلل‏

خروج ابن عمرو الخثعمي و أمره مع محمد بن يوسف الطائيثم خرج في أيام المتوكل ابن عمرو الخثعمي بالجزيرة- فقطع الطريق و أخاف السبيل و تسمى بالخلافة- فحاربه أبو سعيد محمد بن يوسف الطائي الثغري الصامتي- فقتل كثيرا من أصحابه- و أسر كثيرا منهم و نجا بنفسه هاربا- فمدحه أبو عبادة البحتري و ذكر ذلك فقال-

كنا نكفر من أمية عصبة
طلبوا الخلافة فجرة و فسوقا

و نلوم طلحة و الزبير كليهما
و نعنف الصديق و الفاروقا

و نقول تيم أقربت و عديها
أمرا بعيدا حيث كان سحيقا

و هم قريش الأبطحون إذا انتموا
طابوا أصولا في العلا و عروقا

حتى غدت جشم بن بكر تبتغي
إرث النبي و تدعيه حقوقا

جاءوا براعيهم ليتخذوا به‏
عمدا إلى قطع الطريق طريقا

عقدوا عمامته برأس قناته
و رأوه برا فاستحال عقوقا

و أقام ينفذ في الجزيرة حكمه‏
و يظن وعد الكاذبين صدوقا

حتى إذا ما الحية الذكر انكفى
من أرزن حربا يمج حريقا

غضبان يلقى الشمس منه بهامة
يعشى العيون تألقا و بروقا

أوفى عليه فظل من دهش
يظن البر بحرا و الفضاء مضيقا

غدرت أمانيه به و تمزقت‏
عنه غيابة سكره تمزيقا

طلعت جيادك من ربا الجودي قد
حملن من دفع المنون وسوقا

فدعا فريقا من سيوفك حتفهم‏
و شددت في عقد الحديد فريقا

و مضى ابن عمرو قد أساء بعمره
ظنا ينزق مهره تنزيقا

فاجتاز دجلة خائضا و كأنها
قعب على باب الكحيل أريقا

لو خاضها عمليق أو عوج إذا
ما جوزت عوجا و لا عمليقا

لو لا اضطراب الخوف في أحشائه‏
رسب العباب به فمات غريقا

لو نفسته الخيل لفتة ناظر
ملأ البلاد زلازلا و فتوقا

لثنى صدور الخيل تكشف كربة
و لوى رماح الخط تفرج ضيقا

و لبكرت بكر و راحت تغلب
في نصر دعوته إليه طروقا

حتى يعود الذئب ليثا ضيغما
و الغصن ساقا و القرارة نيقا

هيهات مارس فليقا متيقظا
قلقا إذا سكن البليد رشيقا

مستسلفا جعل الغبوق صبوحه‏
و مرى صبوح غد فكان غبوقا

 و هذه القصيدة من ناصع شعر البحتري و مختاره

ذكر جماعة ممن كان يرى رأي الخوارج

و قد خرج بعد هذين جماعة من الخوارج بأعمال كرمان- و جماعة أخرى من أهل عمان لا نباهة لهم- و قد ذكرهم أبو إسحاق الصابي في الكتاب التاجي- و كلهم بمعزل عن طرائق سلفهم- و إنما وكدهم و قصدهم إخافة السبيل- و الفساد في الأرض و اكتساب الأموال من غير حلها- و لا حاجة لنا إلى الإطالة بذكرهم- و من المشهورين برأي الخوارج- الذين تم بهم صدق قول أمير المؤمنين ع- إنهم نطف في أصلاب الرجال و قرارات النساء- عكرمة مولى ابن عباس و مالك بن أنس الأصبحي الفقيه- يروى عنه أنه كان يذكر عليا ع و عثمان و طلحة و الزبير- فيقول و الله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر- .

و منهم المنذر بن الجارود العبدي- و منهم يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج- . و روي أن الحجاج أتي بامرأة من الخوارج- و بحضرته مولاه يزيد بن أبي مسلم- و كان يستسر برأي الخوارج- فكلم الحجاج المرأة فأعرضت عنه- فقال لها يزيد الأمير ويلك يكلمك- فقالت بل الويل لك أيها الفاسق الردي‏ء- و الردي‏ء عند الخوارج- هو الذي يعلم الحق من قولهم و يكتمه- . و منهم صالح بن عبد الرحمن صاحب ديوان العراق- . و ممن ينسب إلى هذا الرأي من السلف- جابر بن زيد و عمرو بن دينار و مجاهد- . و ممن ينسب إليه بعد هذه الطبقة- أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي- يقال إنه كان يرى رأي الصفرية- .

و منهم اليمان بن رباب و كان على رأي البيهسية- و عبد الله بن يزيد و محمد بن حرب و يحيى بن كامل- و هؤلاء إباضية- . و قد نسب إلى هذا المذهب أيضا من قبل- أبو هارون العبدي و أبو الشعثاء و إسماعيل بن سميع و هبيرة بن بريم- .
و زعم ابن قتيبة أن ابن هبيرة كان من غلاة الشيعة- . و نسب أبو العباس محمد بن يزيد المبرد- إلى رأي الخوارج- لإطنابه في كتاب المعروف ب الكامل في ذكرهم- و ظهور الميل منه إليهم

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 5 

خطبه 58 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

الجزء الخامس

تتمة الخطب و الأوامر

بسم الله الرحمن الرحيم- و الحمد لله رب العالمين- و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و آله أجمعين

58 و قال ع لما عزم على حرب الخوارج- و قيل له إن القوم قد عبروا جسر النهروان

مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ- وَ اللَّهِ لَا يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ وَ لَا يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ قال الرضي رحمه الله يعنى بالنطفة ماء النهر- و هي أفصح كناية عن الماء و إن كان كثيرا جما- و قد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم عند مضي ما أشبهه هذا الخبر من الأخبار التي تكاد تكون متواترة- لاشتهاره و نقل الناس كافة له- و هو من معجزاته و أخباره المفصلة عن الغيوب- . و الأخبار على قسمين- أحدهما الأخبار المجملة و لا إعجاز فيها- نحو أن يقول الرجل لأصحابه- إنكم‏ ستنصرون على هذه الفئة التي تلقونها غدا- فإن نصر جعل ذلك حجة له عند أصحابه و سماها معجزة- و إن لم ينصر قال لهم- تغيرت نياتكم و شككتم في قولي فمنعكم الله نصره- و نحو ذلك من القول- و لأنه قد جرت العادة أن الملوك و الرؤساء- يعدون أصحابهم بالظفر و النصر و يمنونهم الدول- فلا يدل وقوع ما يقع من ذلك على إخبار عن غيب- يتضمن إعجاز- .

و القسم الثاني في الأخبار المفصلة عن الغيوب- مثل هذا الخبر- فإنه لا يحتمل التلبيس- لتقييده بالعدد المعين في أصحابه و في الخوارج- و وقوع الأمر بعد الحرب بموجبه- من غير زيادة و لا نقصان- و ذلك أمر إلهي عرفه من جهة رسول الله ص- و عرفه رسول الله ص من جهة الله سبحانه- و القوة البشرية تقصر عن إدراك مثل هذا- و لقد كان له من هذا الباب ما لم يكن لغيره- .

و بمقتضى ما شاهد الناس من معجزاته و أحواله- المنافية لقوى البشر- غلا فيه من غلا- حتى نسب إلى أن الجوهر الإلهي حل في بدنه- كما قالت النصارى في عيسى ع- و قد أخبره النبي ص بذلك-فقال يهلك فيك رجلان محب غال و مبغض قالوقال له تارة أخرى و الذي نفسي بيده- لو لا أني أشفق أن يقول طوائف من أمتي فيك- ما قالت النصارى في ابن مريم- لقلت اليوم فيك مقالا- لا تمر بملإ من الناس- إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركةذكر الخبر عن ظهور الغلاةو أول من جهر بالغلو في أيامه عبد الله بن سبإ- قام إليه و هو يخطب فقال له- أنت أنت و جعل يكررها- فقال له ويلك من أنا فقال أنت الله- فأمر بأخذه و أخذ قوم كانوا معه على رأيه- .

و روى أبو العباس أحمد بن عبيد الله عن عمار الثقفي عن علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن أبيه و عن غيره من مشيخته أن عليا قال يهلك في رجلان- محب مطر يضعني غير موضعي و يمدحني بما ليس في- و مبغض مفتر يرميني بما أنا منه بري‏ء- . و قال أبو العباس و هذا تأويل الحديث- المروي عن النبي ص فيه- و هوقوله إن فيك مثلا من عيسى ابن مريم- أحبته النصارى فرفعته فوق قدره- و أبغضته اليهود حتى بهتت أمه- .

قال أبو العباس- و قد كان علي عثر على قوم خرجوا من محبته- باستحواذ الشيطان عليهم- إلى أن كفروا بربهم و جحدوا ما جاء به نبيهم- و اتخذوه ربا و إلها- و قالوا أنت خالقنا و رازقنا- فاستتابهم و توعدهم فأقاموا على قولهم- فحفر لهم حفرا دخن عليهم فيها طمعا في رجوعهم- فأبوا فحرقهم بالنارو قال‏

أ لا ترون قد حفرت حفرا
إني إذا رأيت أمرا منكرا
وقدت ناري و دعوت قنبرا

و روى أصحابنا في كتب المقالات- أنه لما حرقهم صاحوا إليه- الآن ظهر لنا ظهورا بينا أنك أنت الإله- لأن ابن عمك الذي أرسلته
قال لا يعذب بالنار إلا رب النار

و روى أبو العباس عن محمد بن سليمان بن حبيب المصيصي عن علي بن محمد النوفلي عن أبيه و مشيخته أن عليا مر بهم و هم يأكلون في شهر رمضان نهارا- فقال أ سفر أم مرضى- قالوا و لا واحدة منهما- قال أ فمن أهل الكتاب أنتم قالوا لا- قال فما بال الأكل في شهر رمضان نهارا- قالوا أنت أنت لم يزيدوه على ذلك- ففهم مرادهم فنزل عن فرسه- فألصق خده بالتراب- ثم قال ويلكم إنما أنا عبد من عبيد الله- فاتقوا الله و ارجعوا إلى الإسلام- فأبوا فدعاهم مرارا فأقاموا على أمرهم- فنهض عنهم ثم قال شدوهم وثاقا- و علي بالفعلة و النار و الحطب- ثم أمر بحفر بئرين فحفرتا- فجعل إحداهما سربا و الأخرى مكشوفة- و ألقى الحطب في المكشوفة و فتح بينهما فتحا- و ألقى النار في الحطب فدخن عليهم- و جعل يهتف بهم و يناشدهم- ارجعوا إلى الإسلام فأبوا فأمر بالحطب و النار- و ألقى عليهم فاحترقوا
فقال الشاعر-

لترم بي المنية حيث شاءت
إذا لم ترم بي في الحفرتين‏

إذا ما حشتا حطبا بنار
فذاك الموت نقدا غير دين‏

 قال فلم يبرح واقفا عليهم حتى صاروا حمما- . قال أبو العباس- ثم إن جماعة من أصحاب علي منهم عبد الله بن عباس- شفعوا في عبد الله بن سبإ خاصة- و قالوا يا أمير المؤمنين إنه قد تاب فاعف عنه- فأطلقه بعد أن اشترط عليه ألا يقيم بالكوفة- فقال أين أذهب قال المدائن فنفاه إلى المدائن-فلما قتل أمير المؤمنين ع أظهر مقالته- و صارت له طائفة و فرقة يصدقونه و يتبعونه- و قال لما بلغه قتل علي- و الله لو جئتمونا بدماغه في سبعين صرة- لعلمنا أنه لم يمت- و لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه- فلما بلغ ابن عباس ذلك- قال لو علمنا أنه يرجع لما تزوجنا نساءه- و لا قسمنا ميراثه- . قال أصحاب المقالات- و اجتمع إلى عبد الله بن سبإ بالمدائن جماعة- على هذا القول- منهم عبد الله بن صبرة الهمداني- و عبد الله بن عمرو بن حرب الكندي- و آخرون غيرهما و تفاقم أمرهم- .

و شاع بين الناس قولهم- و صار لهم دعوة يدعون إليها- و شبهة يرجعون إليها و هي ما ظهر و شاع بين الناس- من إخباره بالمغيبات حالا بعد حال- فقالوا إن ذلك لا يمكن أن يكون إلا من الله تعالى- أو ممن حلت ذات الإله في جسده- و لعمري إنه لا يقدر على ذلك- إلا بإقدار الله تعالى إياه عليه- و لكن لا يلزم من إقداره إياه عليه أن يكون هو الإله- أو تكون ذات الإله حالة فيه- و تعلق بعضهم بشبهة ضعيفة- نحو قول عمر و قد فقأ علي عين إنسان ألحد في الحرم- ما أقول في يد الله فقأت عينا في حرم الله- و نحوقول علي و الله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية- بل بقوة إلهيةو نحوقول رسول الله ص لا إله إلا الله وحده- صدق وعده و نصر عبده و هزم الأحزاب وحده- و الذي هزم الأحزاب هو علي بن أبي طالب- لأنه قتل بارعهم و فارسهم عمرا لما اقتحموا الخندق- فأصبحوا صبيحة تلك الليلة هاربين مفلولين- من غير حرب سوى قتل فارسهم- و قد أومأ بعض شعراء الإمامية إلى هذه المقالة- فجعلها من فضائله- و ذلك قوله

إذا كنتم ممن يروم لحاقه
فهلا برزتم نحو عمرو و مرحب‏

و كيف فررتم يوم أحد و خيبر
و يوم حنين مهربا بعد مهرب‏

أ لم تشهدوا يوم الإخاء و بيعة
الغدير و كل حضر غير غيب‏

فكيف غدا صنو النفيلي ويحه
أميرا على صنو النبي المرجب‏

و كيف علا من لا يطأ ثوب أحمد
على من علا من أحمد فوق منكب‏

إمام هدى ردت له الشمس جهرة
فصلى أداء عصره بعد مغرب‏

و من قبله أفنى سليمان خيله‏
رجاء فلم يبلغ بها نيل مطلب‏

يجل عن الأفهام كنه صفاته
و يرجع عنها الذهن رجعة أخيب‏

فليس بيان القول عنه بكاشف‏
غطاء و لا فصل الخطاب بمعرب‏

و حق لقبر ضم أعضاء حيدر
و غودر منه في صفيح مغيب

يكون ثراه سر قدس ممنع
و حصباؤه من نور وحي محجب‏

و تغشاه من نور الإله غمامة
تغاديه من قدس الجلال بصيب‏

و تنقض أسراب النجوم عواكفا
على حجرتيه كوكب بعد كوكب‏

فلولاك لم ينج ابن متى و لا خبا
سعير لإبراهيم بعد تلهب‏

و لا فلق البحر ابن عمران
بالعصا و لا فرت الأحزاب عن أهل يثرب‏

و لا قبلت من عابد صلواته‏
و لا غفر الرحمن زلة مذنب‏

و لم يغل فيك المسلمون جهالة
و لكن لسر في علاك مغيب‏

و قالوا أيضا إن بكريا و شيعيا تجادلا- و احتكما إلى بعض أهل الذمة- ممن لا هوى له مع أحد الرجلين في التفضيل- فأنشدهما

كم بين من شك في عقيدته
و بين من قيل إنه الله‏

طرق الإخبار عن الغيوب

فأما الإخبار عن الغيوب- فلمعترض أن يقول قد يقع الإخبار عن الغيوب- من طريق النجوم- فإن المنجمين قد اتفقوا- على أن شكلا من أشكال الطالع إذا وقع لمولود- اقتضى أن يكون صاحبه متمكنا من الإخبار عن الغيوب- . و قد يقع الإخبار عن الغيوب من الكهان- كما يحكى عن سطيح و شق و سواد بن قارب و غيرهم- .

و قد يقع الإخبار عن الغيوب لأصحاب زجر الطير و البهائم- كما يحكى عن بني لهب في الجاهلية- . و قد يقع الإخبار عن الغيوب للقافة- كما يحكى عن بني مدلج- . و قد يخبر أرباب النيرنجات- و أرباب السحر و الطلسمات بالمغيبات- و قد يقع الإخبار عن الغيوب- لأرباب النفس الناطقة القوية الصافية- التي تتصل مادتها الروحانية- على ما تقوله الفلاسفة- و قد يقع الإخبار عن الغيوب بطريق المنامات الصادقة- على ما رآه أكثر الناس و قد وردت الشريعة نصا به- .

و قد يقع الإخبار عن الغيوب بأمر صناعي يشبه الطبيعي- كما رأيناه عن أبي البيان و ابنه- . و قد يقع الإخبار عن الغيوب- بواسطة إعلام ذلك الغيب إنسانا آخر- لنفسه بنفس ذلك المخبر اتحاد أو كالاتحاد- و ذلك كما يحكي أبو البركات بن ملكا الطبيب- في كتاب المعتبر- قال و المرأة العمياء التي رأيناها ببغداد- و تكررت مشاهدتنا لها منذ مدة مديدة- قدرها ما يقارب ثلاثين سنة- و هي على ذلك إلى الآن تعرض عليها الخبايا- فتدل عليها بأنواعها و أشكالها و مقاديرها- و أعدادها غريبها و مألوفها دقيقهاو جليلها- تجيب على أثر السؤال من غير توقف- و لا استعانة بشي‏ء من الأشياء- إلا أنها كانت تلتمس أن ترى الذي يسأل عنه أبوها- أو يسمعه في بعض الأوقات دون بعض- و عند قوم دون قوم- فيتصور في أمرها أن الذي تقوله بإشارة من أبيها- و كان الذي تقوله يبلغ من الكثرة- إلى ما يزيد على عشرين كلمة- إذا قيل بصريح الكلام الذي هو الطريق الأخصر- و إنما كان أبوها يقول إذا رأى ما يراه من أشياء كثيرة- مختلفة الأنواع و الأشكال في مدة واحدة كلمة واحدة- و أقصاه كلمتان و هي التي يكررها في كل قول- و مع كل ما يسمع و يرى- سلها و سلها تخبرك أو قولي له أو قولي يا صغيرة- .

قال أبو البركات و لقد عاندته يوما- و حاققته في ألا يتكلم البتة- و أريته عدة أشياء- فقال لفظة واحدة فقلت له الشرط أملك- فاغتاظ و احتد طيشه عن أن يملك نفسه- فباح بخبيئته- قال و مثلك يظن أنني أشرت إلى هذا كله بهذه اللفظة- فاسمع الآن ثم التفت إليها- و أخذ يشير بإصبعه إلى شي‏ء و هو يقول تلك الكلمة- و هي تقول هذا كذا و هذا كذا- على الاتصال من غير توقف- و هو يقول تلك الكلمة لا زيادة عليها- و هي لفظة واحدة بلحن واحد و هيئة واحدة- حتى ضجرنا و اشتد تعجبنا- و رأينا أن هذه الإشارة لو كانت تتضمن هذه الأشياء- لكانت أعجب من كل ما تقوله العمياء- .

قال أبو البركات و من عجيب ما شاهدناه من أمرها- أن أباها كان يغلط في شي‏ء يعتقده على خلاف ما هو به- فتخبر هي عنه على معتقد أبيها كان نفسها هي نفسه- . قال أبو البركات- و رأيناها تقول ما لا يعلمه أبوها- من خبيئة في الخبيئة التي اطلع عليها أبوها- فكانت تطلع على ما قد علمه أبوها- و على ما لم يعلمه أبوها و هذا أعجب و أعجب- .

قال أبو البركات و حكاياتها أكثر من أن تعد- و عند كل أحد من الناس من حديثها ما ليس عند الآخر- لأنها كانت تقول من ذلك على الاتصال- لشخص شخص جوابا بحسب السؤال- . قال و ما زلت أقول- إن من يأتي بعدنا لا يصدق ما رأيناه منها- فإن قلت لي أريد- أن تفيدني العلة في معرفة المغيبات هذه- قلت لك العلة التي تصلح في جواب لم- في نسبة المحمول إلى الموضوع- تكون الحد الأوسط في القياس و هذه- فالعلة الفاعلة الموجبة لذلك فيها- هي نفسها بقوتها و خاصتها- فما الذي أقوله في هذا- و هل لي أن أجعل ما ليس بعلة علة- .

و اعلم أنا لا ننكر أن يكون في نوع البشر- أشخاص يخبرون عن الغيوب- و لكن كل ذلك مستند إلى البارئ سبحانه- بإقداره و تمكينه و تهيئة أسبابه- فإن كان المخبر عن الغيوب ممن يدعي النبوة- لم يجز أن يكون ذلك إلا بإذن الله سبحانه و تمكينه- و أن يريد به تعالى استدلال المكلفين- على صدق مدعى النبوة- لأنه لو كان كاذبا- لكان يجوز أن يمكن الله تعالى الجن من تعليمه ذلك- إضلالا للمكلفين- و كذلك لا يجوز أن يمكن سبحانه الكاذب- في ادعاء النبوة من الإخبار عن الغيب- بطريق السحر و تسخير الكواكب و الطلسمات- و لا بالزجر و لا بالقيافة- و لا بغير ذلك من الطرق المذكورة- لما فيه من استفساد البشر و إغوائهم- . و أما إذا لم يكن المخبر عن الغيوب مدعيا للنبوة- نظر في حاله- فإن كان ذلك من الصالحين الأتقياء- نسب ذلك إلى أنه كرامة أظهرها الله تعالى على يده- إبانة له و تمييزامن غيره- كما في حق علي ع- و إن لم يكن كذلك أمكن أن يكون ساحرا أو كاهنا- أو نحو ذلك- . و بالجملة فصاحب هذه الخاصية أفضل- و أشرف ممن لا تكون فيه من حيث اختصاصه بها- فإن كان للإنسان العاري منها مزية أخرى- يختص بها توازيها أو تزيد عليها- فنرجع إلى التمييل و الترجيح بينهما- و إلا فالمختص بهذه الخاصية أرجح- و أعظم من الخالي منها على جميع الأحوال

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 5 

خطبه 57 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(قسمت دوم)

عبد ربه الصغير

و منهم عبد ربه الصغير- أحد موالي قيس بن ثعلبة- . لما اختلفت الخوارج على قطري- بايعه منهم جمع كثير- و كان قطري قد عزم على أن يبايع للمقعطر العبدي- و يخلع نفسه فجعله أمير الجيش في الحرب- قبل أن يعهد إليه بالخلافة فكرهه القوم و أبوه- و قال صالح بن مخراق عنهم و عن نفسه- ابغ لنا غير المقعطر فقال لهم قطري- إني أرى طول العهد قد غيركم و أنتم بصدد عدو- فاتقوا الله و أقبلوا على شأنكم و استعدوا للقاء القوم- فقال صالح إن الناس قبلنا قد سألوا عثمان بن عفان- أن يعزل سعيد بن العاصي عنهم ففعل- و يجب على الإمام أن يعفي الرعية مما كرهت- فأبى قطري أن يعزل المقعطر فقال له القوم- فإنا قد خلعناك و بايعنا عبد ربه الصغير- و كان عبد ربه هذا معلم كتاب- و كان عبد ربه الكبير بائع رمان- و كلاهما من موالي قيس بن ثعلبة- فانفصل إلى عبد ربه الصغير أكثر من شطرهم- و جلهم الموالي و العجم- و كان منهم هناك ثمانية آلاف و هم القراء- ثم ندم صالح بن مخراق و قال لقطري- هذه نفخة من نفخات الشيطان فأعفنا من المقعطر- و سر بنا إلى عدونا و عدوك- فأبى قطري إلا للمقعطر- و حمل فتى من الشراة على صالح بن مخراق- فطعنه فأنفذه و أوجره الرمح- . فنشبت الحرب بينهم فتهايجوا- ثم انحاز كل قوم إلى صاحبهم- فلما كان الغد اجتمعوا فاقتتلوا- فأجلت الحرب عن ألفي قتيل- فلما كان الغد عاودوا الحرب- فلم ينتصف النهار حتى أخرجت العجم العرب عن المدينة-

فأقام عبد ربه بها- و صار قطري خارجا من‏ مدينة جيرفت بإزائهم- فقال له عبيدة بن هلال يا أمير المؤمنين- إن أقمت لم آمن هذه العبيد عليك- إلا أن تخندق على نفسك- فخندق على باب المدينة و جعل يناوشهم- و ارتحل المهلب و كان منهم على ليلة- و رسول الحجاج معه يستحثه فقال له أصلح الله الأمير- عاجلهم قبل أن يصطلحوا- فقال المهلب إنهم لن يصطلحوا- و لكن دعهم فإنهم سيصيرون إلى حال لا يفلحون معها- ثم دس رجلا من أصحابه- فقال ائت عسكر قطري- فقل إني لم أزل أرى قطريا يصيب الرأي- حتى نزل منزله هذا فظهر خطؤه- أ يقيم بين المهلب و عبد ربه- يغاديه القتال هذا و يراوحه هذا- فنمي الكلام إلى قطري- فقال صدق تنحوا بنا عن هذا الموضع- فإن اتبعنا المهلب قاتلناه- و إن أقام على عبد ربه رأيتم فيه ما تحبون- . فقال له الصلت بن مرة يا أمير المؤمنين- إن كنت إنما تريد الله فأقدم على القوم- و إن كنت إنما تريد الدنيا- فأعلم أصحابك حتى يستأمنوا ثم قال-

قل للمحلين قد قرت عيونكم
بفرقة القوم و البغضاء و الهرب‏

كنا أناسا على دين فغيرنا
طول الجدال و خلط الجد باللعب‏

ما كان أغنى رجالا قل جيشهم
عن الجدال و أغناهم عن الخطب‏

إني لأهونكم في الأرض مضطربا
ما لي سوى فرسي و الرمح من نشب‏

ثم قال أصبح المهلب يرجو منا ما كنا نطمع منه فيه- . و ارتحل قطري و بلغ ذلك المهلب- فقال لهزيم بن أبي طحمة المجاشعي- إني لا آمن أن يكون كاذبا بترك موضعه- اذهب فتعرف الخبر- فمضى الهزيم في اثني عشر فارسا- فلم ير في المعسكر إلا عبدا و علجا مريضين- فسألهما عن قطري و أصحابه- فقالا مضوا يرتادون غير هذا المنزل- فرجع هزيم إلى المهلب فأخبره- فارتحل حتى نزل خندق قطري- فجعل يقاتل عبد ربه أحيانا بالغداة و أحيانا بالعشي- فقال رجل من سدوس يقال له المعتق و كان فارسا-

ليت الحرائر بالعراق شهدننا
و رأيننا بالسفح ذي الأجبال‏

فنكحن أهل الجد من فرساننا
و الضاربين جماجم الأبطال‏

و وجه المهلب يزيد ابنه إلى الحجاج- يخبره بأنه قد نزل منزل قطري- و أنه مقيم على عبد ربه- و يسأله أن يوجه في أثر قطري رجلا جلدا- فسر بذلك الحجاج سرورا أظهره- ثم كتب إلى المهلب يستحثه لمناجزة القوم مع عبيد بن موهب- . أما بعد فإنك تتراخى عن الحرب- حتى تأتيك رسلي فيرجعون بعذرك- و ذلك أنك تمسك حتى تبرأ الجراح- و تنسى القتلى و تحمل الكال ثم تلقاهم- فتحمل منهم ثقل ما يحتملون منك من وحشة القتل- و ألم الجراح- و لو كنت تلقاهم بذلك الجد- لكان الداء قد حسم و القرن قد قصم- و لعمري ما أنت و القوم سواء- لأن من ورائك رجالا و أمامك أموالا- و ليس للقوم إلا ما نعهد- و لا يدرك الوجيف بالدبيب- و لا الظفر بالتعذير- . فلما ورد عليه الكتاب قال لأصحابه- يا قوم إن الله قد أراحكم من أمور أربعة- قطري بن الفجاءة و صالح بن مخراق- و عبيدة بن هلال و سعد بن الطلائع- و إنما بين أيديكم عبد ربه الصغير في خشار من خشار الشيطان- تقتلونهم إن شاء الله تعالى- .

فكانوا يتغادون القتال و يتراوحون- فتصيبهم الجراح ثم يتحاجزون- فكأنما انصرفوا عن مجلس كانوا يتحدثون فيه- يضحك بعضهم إلى بعض- فقال عبيد بن موهب للمهلب قد بان عذرك- فاكتب فإني مخبر الأمير- . فكتب إلى الحجاج- أما بعد فإني لم أعط رسلك على قول الحق أجرا- و لم أحتج منهم عن المشاهدة إلى تلقين- ذكرت إني أجم القوم- و لا بد من وقت راحة يستريح فيه الغالب- و يحتال فيه المغلوب- و ذكرت أن في الجمام ما ينسي القتلى و تبرأ منه الجراح- هيهات أن ينسى ما بيننا و بينهم- تأبى ذلك قتلى لم تجن- و قروح لم تتقرب و نحن و القوم على حالة- و هم يرقبون منا حالات- إن طمعوا حاربوا و إن ملوا وقفوا- و إن يئسوا انصرفوا و علينا أن نقاتلهم إذا قاتلوا- و نتحرز إذا وقفوا و نطلب إذا هربوا- فإن تركتني و الرأي كان القرن مقصوما- و الداء بإذن الله محسوما- و إن أعجلتني لم أطعك و لم أعصك- و جعلت وجهي إلى بابك- و أعوذ بالله من سخط الله و مقت الناس- . قال و لما اشتد الحصار على عبد ربه قال لأصحابه- لا تفتقروا إلى من ذهب عنكم من الرجال- فإن المسلم لا يفتقر مع الإسلام إلى غيره- و المسلم إذا صح توحيده عز بربه- و قد أراحكم الله من غلظة قطري- و عجلة صالح بن مخراق و نخوته و اختلاط عبيدة بن هلال- و وكلكم إلى بصائركم- فالقوا عدوكم بصبر و نية و انتقلوا عن منزلكم هذا- فمن قتل منكم قتل شهيدا- و من سلم من القتل فهو المحروم- .

قال- و ورد في ذلك الوقت على المهلب- عبيد بن أبي ربيعة بن أبي الصلت الثقفي من عند الحجاج- يستحثه بالقتال و معه أمينان- فقال للمهلب خالفت وصية الأمير و آثرت المدافعة و المطاولة- فقال له المهلب و الله ما تركت جهدا- . فلما كان العشي خرجت الأزارقة- و قد حملوا حريمهم و أموالهم و خف متاعهم لينتقلوا- فقال المهلب لأصحابه الزموا مصافكم- و أشرعوا رماحكم و دعوهم و الذهاب- فقال له عبيدة بن أبي ربيعة هذا لعمري أيسر عليك- فغضب و قال للناس ردوهم عن وجههم- و قال لبنيه تفرقوا في الناس- و قال لعبيدة بن أبي ربيعة كن مع يزيد- فخذه بالمحاربة أشد الأخذ- و قال لأحد الأمينين كن مع المغيرة- و لا ترخص له في الفتور- . فاقتتلوا قتالا شديدا حتى عقرت الخيل- و صرع الفرسان و قتلت الرجالة- و جعلت الخوارج تقاتل عن القدح يؤخذ منها- و السوط و العلف و الحشيش أشد قتال- . و سقط رمح لرجل من مراد من الخوارج- فقاتلوا عليه حتى كثر الجراح و القتل- و ذلك مع المغرب و المرادي يرتجز و يقول-

الليل ليل فيه ويل ويل
قد سال بالقوم الشراة السيل‏
إن جاز للأعداء فينا قول‏

فلما عظم الخطب في ذلك الرمح- بعث المهلب إلى المغيرة- خل لهم عن الرمح عليهم لعنة الله- فخلوا لهم عنه و مضت الخوارج- فنزلت على أربعة فراسخ من جيرفت فدخلها المهلب- و أمر بجمع ما كان لهم من متاع و ما خلفوه من دقيق- و جثم عليه و هو و الثقفي و الأمينان- ثم اتبعهم فوجدهم قد نزلوا على ماء و عين- لا يشرب منها أحد إلا قوي- يأتي الرجل بالدلو قد شدها في طرف رمحه فيستقي بها- و هناك قرية فيها أهلها فغاداهم القتال- و ضم الثقفي إلى ابنه يزيد و أحد الأمينين إلى المغيرة- فاقتتل القوم إلى نصف النهار- . و قال المهلب لأبي علقمة العبدي و كان شجاعا- و كان عاتيا هازلا أمددنا يا أبا علقمة بخيل اليحمد- و قل لهم فليعيرونا جماجمهم ساعة- فقال أيها الأمير إن جماجمهم ليست بفخار فتعار- و لا أعناقهم كرادي فتنبت- . و قال لحبيب بن أوس كر على القوم فلم يفعل و قال-

يقول لي الأمير بغير علم
تقدم حين جد به المراس‏

فما لي إن أطعتك من حياة
و ما لي غير هذا الرأس رأس‏

و قال لمعن بن المغيرة بن أبي صفرة احمل فقال- لا إلا أن تزوجني ابنتك أم مالك- فقال قد زوجتك فحمل على الخوارج فكشفهم و طعن فيهم- و قال

ليت من يشتري الحياة بمال
ملكة كان عندنا فيرانا

نصل الكر عند ذاك بطعن
إن للموت عندنا ألوانا

 قوله ملكة أي تزويجا و نكاحا- . قال ثم جال الناس جولة عند حملة حملها عليهم الخوارج- فالتفت المهلب فقال للمغيرة ابنه- ما فعل الأمين الذي كان معك- قال قتل و هرب الثقفي- فقال ليزيد ما فعل عبيد بن أبي ربيعة- قال لم أره منذ كانت الجولة- فقال الأمين الآخر للمغيرة أنت قتلت صاحبي- فلما كان العشي رجع الثقفي- فقال رجل من بني عامر بن صعصعة-

ما زلت يا ثقفي تخطب بيننا
و تغمنا بوصية الحجاج‏

حتى إذا ما الموت أقبل زاخرا
و سقى لنا صرفا بغير مزاج‏

وليت يا ثقفي غير مناظر
تنساب بين أحزة و فجاج‏

ليست مقارعة الكماة لدى الوغى‏
شرب المدامة في إناء زجاج‏

فقال المهلب للأمين الآخر- ينبغي أن تتوجه مع ابني حبيب في ألف رجل- حتى تبيتوا عسكرهم فقال- ما تريد أيها الأمير إلا أن تقتلني كما فعلت بصاحبي- فضحك المهلب و قال ذاك إليك و لم يكن للقوم خنادق- فكان كل حذرا من صاحبه- غير أن الطعام و العدة مع المهلب- و هو في زهاء ثلاثين ألفا- فلما أصبح أشرف على واد- فإذا هو برجل معه رمح مكسور مخضوب بالدم و هو ينشد-

و إني لأعفي ذا الخمار و صنعتي
إذا راح أطواء بني الأصاغر

أخادعهم عنه ليغبق دونهم
و أعلم غير الظن أني مغاور

كأني و أبدان السلاح عشية
يمر بنا في بطن فيحان طائر

 فقال له أ تميمي أنت قال نعم قال أ حنظلي قال نعم- قال أ يربوعي قال نعم قال أ من آل نويرة قال نعم- أنا ولد مالك بن نويرة قال قد عرفتك بالشعر- . قال أبو العباس و ذو الخمار فرس مالك بن نويرة- . قال فمكثوا أياما يتحاربون و دوابهم مسرجة- و لا خنادق لهم حتى ضعف الفريقان- فلما كان الليلة التي قتل في صبيحتها عبد ربه- جمع أصحابه فقال يا معشر المهاجرين- إن قطريا و عبيدة هربا طلبا للبقاء- و لا سبيل إلى البقاء فالقوا عدوكم غدا- فإن غلبوكم على الحياة فلا يغلبنكم على الموت- فتلقوا الرماح بنحوركم و السيوف بوجوهكم- و هبوا أنفسكم لله في الدنيا يهبها لكم في الآخرة- . فلما أصبحوا غادوا المهلب- فاقتتلوا قتالا شديدا أنسى ما كان قبله- و قال رجل من الأزد من أصحاب المهلب- من يبايعني على الموت فبايعه أربعون رجلا من الأزد- فصرع بعضهم و قتل بعضهم و جرح بعضهم- .
و قال عبد الله بن رزام الحارثي للمهلب احملوا- فقال المهلب أعرابي مجنون- و كان من أهل نجران فحمل وحده- فاخترق القوم حتى خرج من ناحية أخرى- ثم كر ثانية ففعل فعلته الأولى و تهايج الناس- فترجلت الخوارج و عقروا دوابهم- فناداهم عمرو القنا- و لم يترجل هو و لا أصحابه و هم زهاء أربعمائة فقال- موتوا على ظهور دوابكم كراما و لا تعقروها فقالوا- إنا إذا كنا على الدواب ذكرنا الفرار فاقتتلوا- و نادى المهلب بأصحابه الأرض الأرض- و قال لبنيه تفرقوا في الناس ليروا وجوهكم- و نادت الخوارج ألا إن العيال لمن غلب- فصبر بنو المهلب- و قاتل يزيد بين يدي أبيه قتالا شديدا أبلى فيه-

فقال له أبوه يا بني- إني أرى موطنا لا ينجو فيه إلا من صبر- و ما مر بي يوم مثل هذا منذ مارست الحروب- . و كسرت الخوارج أجفان سيوفها و تجاولوا- فأجلت جولتهم عن عبد ربه مقتولا- . فهرب عمرو القنا و أصحابه و استأمن قوم- و أجلت الحرب عن أربعة آلاف- قتيل و جريح من الخوارج و مأسور- و أمر المهلب أن يدفع كل جريح إلى عشيرته- و ظفر بعسكرهم فحوى ما فيه ثم انصرف إلى جيرفت- فقال الحمد لله الذي ردنا إلى الخفض و الدعة- فما كان عيشنا ذلك العيش- . ثم نظر المهلب إلى قوم في عسكره و لم يعرفهم فقال- ما أشد عادة السلاح ناولني درعي فلبسها ثم قال- خذوا هؤلاء فلما صيرهم إليه قال ما أنتم قالوا- جئنا لنطلب غرتك للفتك بك فأمر بهم فقتلوا

طرف من أخبار المهلب و بينه

و وجه كعب بن معدان الأشقري و مرة بن بليد الأزدي- فوردا على الحجاج فلما طلعا عليه تقدم كعب فأنشده-يا حفص إني عداني عنكم السفر فقال الحجاج أ شاعر أم خطيب قال شاعر- فأنشده القصيدة فأقبل عليه الحجاج و قال- خبرني عن بني المهلب قال المغيرة سيدهم و فارسهم- و كفى بيزيد فارسا شجاعا و جوادهم و سخيهم قبيصة- و لا يستحي الشجاع أن يفر من مدرك- و عبد الملك سم ناقع و حبيب موت ذعاف- و محمد ليث غاب و كفاك بالفضل نجدة- فقال له فكيف خلفت جماعة الناس قال خلفتهم بخير- قد أدركوا ما أملوا و أمنوا ما خافوا قال- فكيف كان بنو المهلب فيهم قال- كانوا حماة السرح فإذا أليلوا ففرسان البيات-

قال فأيهم كان أنجد قال كانوا كالحلقة المفرغة- لا يدرى أين طرفاها- قال فكيف كنتم أنتم و عدوكم قال- كنا إذا أخذنا عفونا و إذا أخذوا يئسنا منهم- و إذا اجتهدنا و اجتهدوا طمعنا فيهم- قال الحجاج إن العاقبة للمتقين فكيف أفلتكم قطري- قال كدناه و ظن أن قد كادنا بأن صرنا منه إلى التي نحب- قال فهلا اتبعتموه قال- كان حرب الحاضر آثر عندنا من اتباع الفل- قال فكيف كان المهلب لكم و كنتم له- قال كان لنا منه شفقة الوالد و له منا بر الولد- قال فكيف كان اغتباط الناس به- قال نشأ فيهم الأمن و شملهم النفل- قال أ كنت أعددت لي هذا الجواب قال- لا يعلم الغيب إلا الله قال هكذا و الله تكون الرجال- المهلب كان أعلم بذلك حيث بعثك- . هذه رواية أبي العباس- . و روى أبو الفرج في الأغاني- أن كعبا لما أوفده المهلب إلى الحجاج- أنشده قصيدته التي أولها-

يا حفص إني عداني عنكم السفر
و قد سهرت و آذى عيني السهر

 يذكر فيها حروب المهلب مع الخوارج- و يصف وقائعه فيهم في بلد و هي طويلة و من جملتها-

كنا نهون قبل اليوم شأنهم
حتى تفاقم أمر كان يحتقر

لما وهنا و قد حلوا بساحتنا
و استنفر الناس تارات فما نفروا

نادى امرؤ لا خلاف في عشيرته
عنه و ليس به عن مثله قصر

خبوا كمينهم بالسفح إذ نزلوا
بكازرون فما عزوا و لا نصروا

باتت كتائبنا تردي مسمومة
حول المهلب حتى نور القمر

هناك ولوا خزايا بعد ما هزموا
و حال دونهم الأنهار و الجدر

تأبى علينا حزازات النفوس فما
نبقي عليهم و لا يبقون إن قدروا

فضحك الحجاج و قال إنك لمنصف يا كعب- ثم قال له كيف كانت حالكم مع عدوكم- قال كنا إذا لقيناهم بعفونا و عفوهم يئسنا منهم- و إذا لقيناهم بجدنا وجدهم طمعنا فيهم- قال فكيف كان بنو المهلب قال- حماة الحريم نهارا و فرسان الليل تيقظا- قال فأين السماع من العيان قال السماع دون العيان- قال‏صفهم لي رجلا رجلا قال- المغيرة فارسهم و سيدهم نار ذاكية و صعدة عالية- و كفى بيزيد فارسا شجاعا ليث غاب و بحر جم العباب- و جوادهم قبيصة ليث المغار و حامي الذمار- و لا يستحي الشجاع أن يفر من مدرك و كيف لا يفر من مدرك- و كيف لا يفر من الموت الحاضر و الأسد الخادر- و عبد الملك سم ناقع و سيف قاطع- و حبيب الموت الذعاف طود شامخ و بحر باذح- و أبو عيينة البطل الهمام و السيف الحسام- و كفاك بالمفضل نجدة ليث هدار و بحر مواز- و محمد ليث غاب و حسام ضراب- قال فأيهم أفضل- قال هم كالحلقة المفرغة لا يعرف طرفاها- قال فكيف جماعة الناس قال- على أحسن حال أرضاهم العدل و أغناهم النفل- قال فكيف رضاهم بالمهلب قال- أحسن رضا لا يعدمون منه إشفاق الوالد- و لا يعدم منهم بر الولد و ذكر تمام الحديث- .

و قال إن الحجاج أمر له بعشرين ألف درهم- و حمله على فرس و أوفده على عبد الملك- فأمر له بعشرين ألفا أخرى- . قال أبو الفرج- و كعب الأشقري من شعراء المهلب و مادحيه- و هو شاعر مجيد- قال عبد الملك بن مروان للشعراء- تشبهونني مرة بالأسد و مرة بالبازي- ألا قلتم كما قال كعب الأشقري للمهلب و ولده-

براك الله حين براك بحرا
و فجر منك أنهارا غزارا

بنوك السابقون إلى المعالي
إذا ما أعظم الناس الخطارا

كأنهم نجوم حول بدر
تكمل إذ تكمل فاستدارا

ملوك ينزلون بكل ثغر
إذا ما الهام يوم الروع طارا

رزان في الخطوب ترى عليهم‏
من الشيخ الشمائل و النجارا

نجوم يهتدى بهم إذا ما
أخو الغمرات في الظلماء حارا

قال أبو الفرج و هذا الشعر من قصيدة لكعب- يمدح بها المهلب و يذكر الخوارج و منها-

سلوا أهل الأباطح من قريش
عن المجد المؤثل أين صارا

لقوم الأزد في الغمرات أمضى
و أوفى ذمة و أعز جارا

هم قادوا الجياد على وجاها
من الأمصار يقذفن المهارا

إلى كرمان يحملن المنايا
بكل ثنية يوقدن نارا

شوازب ما أصبنا الثار حتى‏
رددناها مكلمة مرارا

غداة تركن مصرع عبد رب
نثرن عليه من رهج غبارا

و يوم الزحف بالأهواز ظلنا
نروي منهم الأسل الحرارا

فقرت أعين كانت حزينا
قليلا نومها إلا غرارا

و لو لا الشيخ بالمصرين ينفي‏
عدوهم لقد نزلوا الديارا

و لكن قارع الأبطال حتى
أصابوا الأمن و احتلوا القرارا

إذا وهنوا و حل بهم عظيم
يدق العظم كان لهم جبارا

و مبهمة يحيد الناس عنها
تشب الموت شد لها إزارا

شهاب تنجلي الظلماء عنه
يرى في كل مظلمة منارا

براك الله حين براك بحرا
و فجر منك أنهارا غزارا

 الأبيات المتقدمة- . قال أبو الفرج و حدثني محمد بن خلف وكيع بإسناد ذكره- أن الحجاج لما كتب إلى المهلب- يأمره بمناجزة الخوارج حينئذ و يستبطئه و يضعفه- و يعجزه من تأخيره أمرهم و مطاولته لهم- قال المهلب لرسوله قل له- إنما البلاء أن يكون الأمر لمن يملكه لا لمن يعرفه- فإن كنت نصبتني لحرب هؤلاء القوم- على أن أدبرها كما أرى فإذا أمكنتني فرصة انتهزتها- و إن لم تمكني توقفت فأنا أدبر ذلك بما يصلحه- و إن أردت أن أعمل برأيك و أنا حاضر و أنت غائب- فإن كان صوابا فلك و إن كان خطأ فعلي- فابعث من رأيت مكاني- و كتب من فوره بذلك إلى عبد الملك- فكتب عبد الملك إلى الحجاج- لا تعارض المهلب فيما يراه و لا تعجله و دعه يدبر أمره- . قال و قام كعب الأشقري إلى المهلب- فأنشده بحضرة رسول الحجاج-

إن ابن يوسف غره من أمركم
خفض المقام بجانب الأمصار

لو شهد الصفين حيث تلاقيا
ضاقت عليه رحيبة الأقطار

من أرض سابور الجنود و خيلنا
مثل القداح بريتها بشفار

من كل صنديد يرى بلبانه
وقع الظبات مع القنا الخطار

لرأى معاودة الرباع غنيمة
أزمان كان محالف الإقتار

فدع الحروب لشيبها و شبابها
و عليك كل غريرة معطار

 فبلغت أبياته الحجاج- فكتب إلى المهلب يأمره بإشخاص كعب الأشقري إليه- فأعلم المهلب كعبا بذلك- و أوفده إلى عبد الملك من ليلته- و كتب إليه يستوهبه منه- فقدم كعب على عبد الملك برسالة المهلب- فاستنطقه فأعجبه و أوفده إلى الحجاج- و كتب إليه يقسم عليه أن يصفح- و يعفو عما بلغه من شعره فلما دخل قال إيه يا كعب-

لرأي معاودة الرباع غنيمة

فقال أيها الأمير- و الله لوددت في بعض ما شاهدته من تلك الحروب- و ما أوردناه المهلب من خطرها- أن أنجو منها و أكون حجاما أو حائكا قال أولى لك- لو لا قسم أمير المؤمنين ما نفعك ما تقول- الحق بصاحبك و رده إلى المهلب- . قال أبو العباس و كان كتاب المهلب إلى الحجاج- الذي بشره فيه بالظفر و النصر- بسم الله الرحمن الرحيم- الحمد لله الكافي بالإسلام فقد ما سواه- الحاكم بألا ينقطع المزيد من فضله- حتى ينقطع الشكر من عباده أما بعد-فقد كان من أمرنا ما قد بلغك- و كنا نحن و عدونا على حالين مختلفين- يسرنا منهم أكثر مما يسوءنا- و يسوءهم منا أكثر مما يسرهم على اشتداد شوكتهم- فقد كان علا أمرهم حتى ارتاعت له الفتاة- و نوم به الرضيع- فانتهزت الفرصة منهم في وقت إمكانها- و أدنيت السواد من السواد حتى تعارفت الوجوه- فلم نزل كذلك حتى بلغ الكتاب أجله- فقطع دابر القوم الذين ظلموا- و الحمد لله رب العالمين- .

فكتب إليه الحجاج- أما بعد فقد فعل الله بالمسلمين خيرا- و أراحهم من بأس الجلاد و ثقل الجهاد- و لقد كنت أعلم بما قبلك- فالحمد لله رب العالمين- فإذا ورد عليك كتابي فأقسم في المجاهدين فيئهم- و نفل الناس على قدر بلائهم- و فضل من رأيت تفضيله- و إن كانت بقيت من القوم بقية- فخلف خيلا تقوم بإزائهم- و استعمل على كرمان من رأيت- و ول الخيل شهما من ولدك- و لا ترخص لأحد في اللحاق بمنزلة دون أن تقدم بهم علي- و عجل القدوم إن شاء الله- . فولى المهلب يزيد ابنه كرمان و قال له يا بني- إنك اليوم لست كما كنت- إنما لك من كرمان ما فضل عن الحجاج- و لن تحتمل إلا على ما احتمل عليه أبوك- فأحسن إلى من تبعك- و إن أنكرت من إنسان شيئا فوجه إلي- و تفضل على قومك إن شاء الله- .ثم قدم المهلب على الحجاج فأجلسه إلى جانبه- و أظهر بره و إكرامه و قال يا أهل العراق- أنتم عبيد قن للمهلب- ثم قال أنت و الله كما لقيط-

فقلدوا أمركم لله دركم
رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا

لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه‏
هم يكاد حشاه يقصم الضلعا

لا مترفا إن رخاء العيش ساعده
و لا إذا عض مكروه به خشعا

ما زال يحلب هذا الدهر أشطره‏
يكون متبعا طورا و متبعا

حتى استمرت على شرر مريرته
مستحكم الرأي لا قحما و لا ضرعا

 و روى أنه قام إليه رجل فقال أصلح الله الأمير- و الله لكأني أسمع الساعة قطريا و هو يقول لأصحابه- المهلب و الله كما قال لقيط الأيادي ثم أنشد هذا الشعر- فسر الحجاج حتى امتلأ سرورا- فقال المهلب أما و الله ما كنا أشد من عدونا و لا أحد- و لكن دمغ الحق الباطل- و قهرت الجماعة الفتنة و العاقبة للمتقين- و كان ما كرهناه من المطاولة خيرا لنا- مما أحببناه من المعاجلة- .

فقال الحجاج صدقت- اذكر لي القوم الذين أبلوا و صف لي بلاءهم- فأمر الناس فكتبوا ذلك إلى الحجاج- فقال لهم المهلب ما ذخر الله لكم خير لكم- من عاجل الدنيا إن شاء الله- فذكرهم المهلب على مراتبهم في البلاء- و تفاضلهم في الغناء و قدم بنيه- المغيرة و يزيد و مدركا و حبيبا- و قبيصة و المفضل و عبد الملك و محمدا- و قال و الله لو واحد يقدمهم في البلاء لقدمته عليهم- و لو لا أن أظلمهم لآخرتهم- فقال الحجاج صدقت و ما أنت أعلم بهم مني- و إن حضرت و غبت إنهم لسيوف من سيوف الله- ثم ذكر معن بن المغيرة و الرقاد و أشباههما- . فقال الحجاج من الرقاد- فدخل رجل طويل أجنأ- فقال المهلب هذا فارس العرب- فقال الرقاد للحجاج أيها الأمير- إني كنت أقاتل مع غير المهلب فكنت كبعض الناس- فلما صرت مع من يلزمني الصبر- و يجعلني أسوة نفسه و ولده و يجازيني على البلاء- صرت أنا و أصحابي فرسانا- . فأمر الحجاج بتفضيل قوم على قوم على قدر بلائهم- و زاد ولد المهلب ألفين ألفين- و فعل بالرقاد و بجماعة شبيها بذلك- . و قال يزيد بن حبناء من الأزارقة-

دعي اللوم إن العيش ليس بدائم
و لا تعجلي باللوم يا أم عاصم‏

فإن عجلت منك الملامة فاسمعي‏
مقالة معني بحقك عالم‏

و لا تعذلينا في الهدية إنما
تكون الهدايا من فضول المغانم‏

و ليس بمهد من يكون نهاره
جلادا و يمسي ليله غير نائم‏

يريد ثواب الله يوما بطعنه‏
غموس كشدق العنبري بن سالم‏

أبيت و سربالي دلاص حصينة
و مغفرها و السيف فوق الحيازم‏

حلفت برب الواقفين عشية
لدى عرفات حلفة غير آثم‏

لقد كان في القوم الذين لقيتهم
بسابور شغل عن بزوز اللطائم‏

توقد في أيديهم زاعبية
و مرهفة تفري شئون الجماجم‏

و قال المغيرة الحنظلي من أصحاب المهلب-

إني امرؤ كفني ربي و أكرمني
عن الأمور التي في غبها وخم‏

و إنما أنا إنسان أعيش كما
عاشت رجال و عاشت قبلها أمم‏

ما عاقني عن قفول الجند إذ قفلوا
عي بما صنعوا حولي و لا صمم‏

و لو أردت قفولا ما تجهمني‏
إذن الأمير و لا الكتاب إذ رقموا

إن المهلب إن أشتق لرؤيته
أو أمتدحه فإن الناس قد علموا

أنه الأريب الذي ترجى نوافله‏
و المستنير الذي تجلى به الظلم‏

و القائل الفاعل الميمون طائره
أبو سعيد إذا ما عدت النعم‏

أزمان كرمان إذ غص الحديد بهم‏
و إذ تمنى رجال أنهم هزموا

و قال حبيب بن عوف من قواد المهلب-

أبا سعيد جزاك الله صالحة
فقد كفيت و لم تعنف على أحد

داويت بالحلم أهل الجهل فانقمعوا
و كنت كالوالد الحاني على الولد

و قال عبيدة بن هلال الخارجي يذكر رجلا من أصحابه-

يهوي فترفعه الرماح كأنه
شلو تنشب في مخالب ضار

يهوي صريعا و الرماح تنوشه‏
إن الشراة قصيرة الأعمار

شبيب بن يزيد الشيباني

و منهم شبيب بن يزيد الشيباني- و كان في ابتداء أمره يصحب صالح بن مسرح- أحد الخوارج الصفرية- و كان ناسكا مصفر الوجه صاحب عبادة- و له أصحاب يقرئهم القرآن و يفقههم و يقص عليهم- و يقدم الكوفة فيقيم بها الشهر و الشهرين- و كان بأرض الموصل و الجزيرة- و كان إذا فرغ من التحميد و الصلاة على النبي ص- ذكر أبا بكر فأثنى عليه و ثنى بعمر- ثم ذكر عثمان و ما كان من أحداثه- ثم عليا ع و تحكيمه الرجال في دين الله- و يتبرأ من عثمان و علي- ثم‏ يدعو إلى مجاهدة أئمة الضلال و قال- تيسروا يا إخواني للخروج من دار الفناء إلى دار البقاء- و اللحاق بإخواننا المؤمنين- الذين باعوا الدنيا بالآخرة- و لا تجزعوا من القتل في الله- فإن القتل أيسر من الموت و الموت نازل بكم- مفرق بينكم و بين آبائكم و إخوانكم- و أبنائكم و حلائلكم و دنياكم- و إن اشتد لذلك جزعكم- ألا فبيعوا أنفسكم طائعين و أموالكم تدخلوا الجنة- و أشباه هذا من الكلام- .

و كان فيمن يحضره من أهل الكوفة سويد و البطين- فقال يوما لأصحابه ما ذا تنتظرون- ما يزيد أئمة الجور إلا عتوا و علوا- و تباعدا من الحق و جراءة على الرب- فراسلوا إخوانكم حتى يأتوكم- و ننظر في أمورنا ما نحن صانعون- و أي وقت إن خرجنا نحن خارجون- . فبينا هو كذلك- إذ أتاه المحلل بن وائل بكتاب من شبيب بن يزيد- و قد كتب إلى صالح- أما بعد فقد أردت الشخوص- و قد كنت دعوتني إلى أمر أستجيب لك- فإن كان ذلك من شأنك- فإنك شيخ المسلمين- و لم يعدل بك منا أحد- و إن أردت تأخير ذلك أعلمني- فإن الآجال غادية و رائحة- و لا آمن أن تخترمني المنية- و لما أجاهد الظالمين فيا له غبنا و يا له فضلا- جعلنا الله و إياكم ممن يريد الله بعلمه- و رضوانه و النظر إلى وجهه- و مرافقة الصالحين في دار السلام و السلام عليك- .

فأجابه صالح بجواب جميل يقول فيه- إنه لم يمنعني من الخروج- مع ما أنا فيه من الاستعداد إلا انتظارك- فأقدم علينا ثم اخرج بنا- فإنك ممن لا تقضى الأمور دونه و السلام عليك- . فلما ورد كتابه على شبيب- دعا القراء من أصحابه فجمعهم إليه- منهم أخوه مصاد بن يزيد و المحلل بن وائل- و الصقر بن حاتم و إبراهيم بن حجر و جماعة مثلهم- ثم خرج حتى قدم على صالح بن مسرح- و هو بدارات أرض الموصل- فبث صالح رسله و واعدهم بالخروج- في هلال صفر ليلة الأربعاء سنة ست و تسعين- . فاجتمع بعضهم إلى بعض- و اجتمعوا عنده تلك الليلة- فحدث فروة بن لقيط قال- إني لمعهم تلك الليلة عند صالح- و كان رأيي استعراض الناس- لما رأيت من المكر و الفساد في الأرض فقمت إليه- فقلت يا أمير المؤمنين كيف ترى السيرة في هؤلاء الظلمة- أ نقتلهم قبل الدعاء أم ندعوهم قبل القتال- فإني أخبرك برأيي فيهم قبل أن تخبرني بذلك- إنا نخرج على قوم طاغين- قد تركوا أمر الله أو راضين بذلك- فأرى أن نضع السيف فقال لا بل ندعوهم- و لعمري لا يجيبك إلا من يرى رأيك- و ليقاتلنك من يزري عليك و الدعاء أقطع لحجتهم- و أبلغ في الحجة عليهم لك- فقلت‏ و كيف ترى فيمن قاتلنا فظفرنا به- و ما تقول في دمائهم و أموالهم فقال- إن قتلنا و غنمنا فلنا- و إن تجاوزنا و عفونا فموسع علينا- . ثم قال صالح لأصحابه ليلته تلك- اتقوا الله عباد الله- و لا تعجلوا إلى قتال أحد من الناس- إلا أن يكونوا قوما يريدونكم و ينصبون لكم- فإنكم إنما خرجتم غضبا لله حيث انتهكت محارمه- و عصي في الأرض و سفكت الدماء بغير حقها- و أخذت الأموال غصبا- فلا تعيبوا على قوم أعمالا ثم تعملونها- فإن كل ما أنتم عاملون أنتم عنه مسئولون- و إن عظمكم رجالة- و هذه دواب لمحمد بن مروان في هذا الرستاق- و ابدءوا بها فاحملوا عليها راجلكم- و تقووا بها على عدوكم- .

ففعلوا ذلك و تحصن منهم أهل دارا- . و بلغ خبرهم محمد بن مروان و هو يومئذ أمير الجزيرة- فاستخف بأمرهم- و بعث إليهم عدي بن عميرة في خمسمائة- و كان صالح في مائة و عشرة- فقال عدي أصلح الله‏ الأمير- تبعثني إلى رأس الخوارج منذ عشرين سنة- و معه رجال سموا لي كانوا يعازوننا- و إن الرجل منهم خير من مائة فارس في خمسمائة- فقال له إني أزيدك خمسمائة فسر إليهم في ألف فارس- . فسار من حران في ألف رجل و كأنما يساقون إلى الموت- و كان عدي رجلا ناسكا- فلما نزل دوغان نزل بالناس- و أنفذ إلى صالح بن مسرح رجلا دسه إليه فقال- إن عديا بعثني إليك يسألك أن تخرج عن هذا البلد- و تأتي بلدا آخر فتقاتل أهله فإني للقتال كاره- فقال له صالح ارجع إليه فقل له إن كنت ترى رأينا- فأرنا من ذلك ما نعرف ثم نحن مدلجون عنك- و إن كنت على رأي الجبابرة و أئمة السوء رأينا رأينا- فإما بدأنا بك و إلا رحلنا إلى غيرك- .

فانصرف إليه الرسول فأبلغه فقال له عدي- ارجع إليه فقل له إني و الله لا أرى رأيك- و لكني أكره قتالك و قتال غيرك من المسلمين- . فقال صالح لأصحابه اركبوا فركبوا و احتبس الرجل عنده- و مضى بأصحابه حتى أتى عديا في سوق دوغان- و هو قائم يصلي الضحى فلم يشعر إلا بالخيل طالعة عليهم- فلما دنا صالح منهم رآهم على غير تعبئة و قد تنادوا- و بعضهم يجول في بعض- فأمر شبيبا فحمل عليهم في كتيبة- ثم أمر سويدا فحمل في كتيبة فكانت هزيمتهم-و أتى عدي بدابته فركبها و مضى على وجهه- و احتوى صالح على عسكره و ما فيه- و ذهب فل عدي حتى لحقوا بمحمد بن مروان فغضب- ثم دعا بخالد بن جزء السلمي فبعثه في ألف و خمسمائة- و دعا الحارث بن جعونة في ألف و خمسمائة و قال لهما- اخرجا إلى هذه الخارجة القليلة الخبيثة- و عجلا الخروج و أغذا السير- فأيكما سبق فهو الأمير على صاحبه- فخرجا و أغذا في السير و جعلا يسألان عن صالح فقيل لهما- توجه نحو آمد فاتبعاه حتى انتهيا إليه بأمد- فنزلا ليلا و خندقا و هما متساندان- كل واحد منهما على حدته- فوجه صالح شبيبا إلى الحارث بن جعونة في شطر أصحابه- و توجه هو نحو خالد السلمي- فاقتتلوا أشد قتال اقتتله قوم- حتى حجز بينهم الليل و قد انتصف بعضهم من بعض- .

فتحدث بعض أصحاب صالح قال- كنا إذا حملنا عليهم استقبلنا رجالهم بالرماح- و نضحنا رماتهم بالنبل- و خيلهم تطاردنا في خلال ذلك- فانصرفنا عند الليل و قد كرهناهم و كرهونا- فلما رجعنا و صلينا و تروحنا و أكلنا من الكسر- دعانا صالح و قال يا أخلائي ما ذا ترون- فقال شبيب إنا إن قاتلنا هؤلاء القوم- و هم معتصمون بخندقهم لم ننل منهم طائلا- و الرأي أن نرحل عنهم- فقال صالح و أنا أرى ذلك- فخرجوا من تحت ليلتهم- حتى قطعوا أرض الجزيرة و أرض الموصل- و مضوا حتى قطعوا أرض الدسكرة- فلما بلغ ذلك الحجاج- سرح عليهم الحارث بن عميرة في ثلاثة آلاف-فسار و خرج صالح نحو جلولاء و خانقين- و اتبعه الحارث حتى انتهى إلى قرية يقال لها المدبج- و صالح يومئذ في تسعين رجلا- فعبى الحارث بن عميرة أصحابه ميمنة و ميسرة- و جعل صالح أصحابه ثلاثة كراديس و هو في كردوس- و شبيب في ميمنة في كردوس- و سويد بن سليم في كردوس في ميسرته- في كل كردوس منهم ثلاثون رجلا- فلما شد عليهم الحارث بن عميرة انكشف سويد بن سليم- و ثبت صالح فقتل و ضارب شبيب حتى صرع عن فرسه- فوقع بين رجاله فجاء حتى انتهى إلى موقف صالح- فوجده قتيلا فنادى إلى يا معشر المسلمين فلاذوا به-

فقال لأصحابه ليجعل كل رجل منكم ظهره إلى ظهر صاحبه- و ليطاعن عدوه إذا قدم عليه- حتى ندخل هذا الحصن و نرى رأينا- . ففعلوا ذلك حتى دخلوا الحصن- و هم سبعون رجلا مع شبيب- و أحاط بهم الحارث بن عميرة ممسيا- و قال لأصحابه أحرقوا الباب فإذا صار جمرا فدعوه- فإنهم لا يقدرون على الخروج حتى نصبح فنقتلهم- ففعلوا ذلك بالباب ثم انصرفوا إلى معسكرهم- . فقال شبيب لأصحابه يا هؤلاء ما تنتظرون- فو الله إن صبحوكم غدوة إنه لهلاككم- فقالوا له مرنا بأمرك فقال لهم إن الليل أخفى للويل- بايعوني إن شئتم أو بايعوا من شئتم منكم- ثم اخرجوا بنا حتى نشد عليهم في عسكرهم- فإنهم آمنون منكم و إني أرجو أن ينصركم الله عليهم- قالوا ابسط يدك فبايعوه فلما جاءواإلى الباب- وجدوه جمرا فأتوه باللبود فبلوها بالماء- ثم ألقوها عليه و خرجوا- فلم يشعر الحارث بن عميرة- إلا و شبيب و أصحابه يضربونهم بالسيوف- في جوف عسكرهم- فضارب الحارث حتى صرع و احتمله أصحابه- و انهزموا و خلوا لهم المعسكر و ما فيه- و مضوا حتى نزلوا المدائن- و كان ذلك الجيش أول جيش هزمه شبيب

دخول شبيب الكوفة و أمره مع الحجاج

ثم ارتفع في أداني أرض الموصل- ثم ارتفع إلى نحو آذربيجان يجبي الخراج- و كان سفيان بن أبي العالية قد أمر- أن يحارب صاحب طبرستان فأمر بالقفول نحو شبيب- و أن يصالح صاحب طبرستان فصالحه فأقبل في ألف فارس- و قد ورد عليه كتاب من الحجاج- . أما بعد فأقم بالدسكرة فيمن معك- حتى يأتيك جيش الحارث بن عميرة- قاتل صالح بن مسرح ثم سر إلى شبيب حتى تناجزه- . ففعل سفيان ذلك و نزل إلى الدسكرة حتى أتوه- و خرج مرتحلا في طلب شبيب فارتفع شبيب عنهم- كأنه يكره قتالهم و لقاءهم- و قد أكمن لهم أخاه مصادا في خمسين رجلا في هضم من الأرض- فلما رأوا شبيبا جمع أصحابه- و مضى في سفح من الجبل‏مشرقا قالوا- هرب عدو الله و اتبعوه- فقال لهم عدي بن عميرة الشيباني أيها الناس- لا تعجلوا عليهم حتى نضرب في الأرض و نستبرئها- فإن يكونوا أكمنوا كمينا حذرناه- و إلا كان طلبهم بين أيدينا لن يفوتنا- فلم يسمعوا منه فأسرعوا في آثارهم- . فلما رأى شبيب أنهم قد جازوا الكمين عطف عليهم- فحمل من أمامهم و خرج الكمين من ورائهم- فلم يقاتل أحد و إنما كانت الهزيمة- و ثبت سفيان بن أبي العالية في مائتي رجل- فقاتل قتالا شديدا حتى انتصف من شبيب- فقال سويد بن سليم لأصحابه- أ منكم أحد يعرف أمير القوم ابن أبي العالية- فقال له شبيب أنا من أعرف الناس به- أ ما ترى صاحب الفرس الأغر الذي دونه المرامية- فإنه هو فإن كنت تريده فأمهله قليلا- .

ثم قال يا قعنب اخرج في عشرين فأتهم من ورائهم- فخرج قعنب في عشرين فارتفع عليهم- فلما رأوه يريد أن يأتيهم من ورائهم- جعلوا ينتقصون و يتسللون- و حمل سويد بن سليم على سفيان بن أبي العالية يطاعنه- فلم تصنع رماحهما شيئا ثم اضطربا بسيفهما- ثم اعتنق كل واحد منهما صاحبه- فوقعا إلى الأرض يعتركان ثم تحاجزا و حمل عليهم شبيب- فانكشف من كان مع سفيان- و نزل غلام له يقال له غزوان عن برذونه- و قال لسفيان اركب يا مولاي فركب سفيان- و أحاط به أصحاب شبيب- فقاتل دونه غزوان حتى قتل و كان معه رايته- و أقبل سفيان منهزما حتى انتهىإلى بابل مهروذ- فنزل بها و كتب إلى الحجاج- و كان الحجاج أمر سورة بن أبجر أن يلحق بسفيان- فكاتب سورة سفيان و قال له انتظرني- فلم يفعل و عجل نحو الخوارج- فلما عرف الحجاج خبر سفيان و قرأ كتابه- قال للناس من صنع كما صنع هذا- و أبلى كما أبلى فقد أحسن- ثم كتب إليه يعذره و يقول- إذا خف عليك الوجع فأقبل مأجورا إلى أهلك- و كتب إلى سورة بن أبجر- .

أما بعد يا ابن أم سورة- فما كنت خليقا أن تجترئ على ترك عهدي و خذلان جندي- فإذا أتاك كتابي فابعث رجلا ممن معك- صليبا إلى المدائن فلينتخب من جندها خمسمائة رجل- ثم ليقدم بهم عليك ثم سر بهم- حتى تلقى هذه المارقة و احزم أمرك و كد عدوك- فإن أفضل أمر الحروب حسن المكيدة و السلام- . فلما أتى سورة كتاب الحجاج- بعث عدي بن عمير إلى المدائن و كان بها ألف فارس- فانتخب منهم خمسمائة- ثم رحل بهم حتى قدم على سورة ببابل مهروذ-

فخرج بهم في طلب شبيب- و خرج شبيب يجول في جوخى و سورة في طلبه- فجاء شبيب إلى المدائن فتحصن منه أهلها- فانتهب المدائن الأولى و أصاب دواب من دواب الجند- و قتل من ظهر له و لم يدخل البيوت- ثم أتى فقيل له هذا سورة قد أقبل إليك- فخرج في أصحابه حتى انتهى إلى النهروان- فنزلوا به و توضئوا و صلوا- ثم أتوا مصارع إخوانهم الذين قتلهم علي بن أبي طالب- فاستغفروا لهم و تبرءوا من علي و أصحابه- و بكوا فأطالوا البكاء ثم عبروا جسر النهروان- فنزلوا جانبه الشرقي- و جاء سورة حتى نزل بنفطرانا و جاءته عيونه- فأخبروه بمنزل شبيب بالنهروان- فدعا سورة رءوس أصحابه فقال لهم- إن الخوارج قلما يلقون في صحراء أو على ظهر إلا انتصفوا- و قد حدثت أنهم لا يزيدون على مائة رجل- و قد رأيت أن انتخبكم و أسير في ثلاثمائة رجل منكم- من أقويائكم و شجعانكم فأبيتهم- فإنهم آيسون من بياتكم- و إني و الله أرجو أن يصرعهم الله- مصارع إخوانهم في النهروان من قبل- فقالوا اصنع ما أحببت- .

فاستعمل على عسكره حازم بن قدامة- و انتخب ثلاثمائة من شجعان أصحابه- ثم أقبل بهم حتى قرب من النهروان- و بات و قد أذكى الحرس ثم بيتهم- فلما دنا أصحاب سورة منهم نذروا بهم- فاستووا على خيولهم و تعبوا تعبيتهم- فلما انتهى إليهم سورة و أصحابه أصابوهم و قد نذروا- فحمل عليهم سورة فصاح شبيب بأصحابه- فحمل عليهم‏حتى تركوا له العرصة- و حمل شبيب و جعل يضرب و يقول-
من ينك العير ينك نياكا

 فرجع سورة مفلولا قد هزم فرسانه و أهل القوة من أصحابه- و أقبل نحو المدائن و تبعه شبيب- حتى انتهى سورة إلى بيوت المدائن- و انتهى شبيب إليهم و قد دخل الناس البيوت- و خرج ابن أبي عصيفير و هو أمير المدائن يومئذ في جماعة- فلقيهم في شوارع المدائن- و رماهم الناس بالنبل و الحجارة من فوق البيوت- . ثم سار شبيب إلى تكريت- فبينا ذلك الجند بالمدائن إذ أرجف الناس فقالوا- هذا شبيب قد أقبل يريد أن يبيت أهل المدائن- فارتحل عامة الجند فلحقوا بالكوفة- و إن شبيبا بتكريت- فلما أتى الحجاج الخبر قال قبح الله سورة- ضيع العسكر و خرج يبيت الخوارج و الله لأسوءنه- .

ثم دعا الحجاج بالجزل و هو عثمان بن سعيد فقال له- تيسر للخروج إلى هذه المارقة- فإذا لقيتهم فلا تعجل عجلة الخرق النزق- و لا تحجم إحجام الواني الفرق أ فهمت قال نعم- أصلح الله الأمير قد فهمت قال- فاخرج و عسكر بدير عبد الرحمن حتى يخرج الناس إليك- فقال أصلح الله الأمير- لا تبعث معي أحدا من الجند المهزوم المفلول- فإن الرعب قد دخل قلوبهم- و قد خشيت ألا ينفعك و المسلمين منهم أحد- قال ذلك لك و لا أراك إلا قد أحسنت الرأي و وفقت- ثم دعا أصحاب الدواوين فقال- اضربوا على الناس البعث- و أخرجوا أربعة آلاف من الناس و عجلوا- فجمعت العرفاء و جلس أصحاب الدواوين- و ضربوا البعث فأخرجوا أربعة آلاف- فأمرهم باللحاق بالعسكر- ثم نودي فيهم بالرحيل فارتحلوا و نادى منادي الحجاج- أن برئت الذمة من رجل أصبناه من بعث الجزل متخلفا- . فمضى بهم الجزل- و قد قدم بين يديه عياض بن أبي لينة الكندي على مقدمته- فخرج حتى أتى المدائن فأقام بها ثلاثا- ثم خرج و بعث إليه ابن أبي عصيفير بفرس- و برذون و ألفي درهم- و وضع للناس من الحطب و العلف ما كفاهم ثلاثة أيام- و أصاب الناس ما شاءوا من ذلك- .

ثم إن الجزل خرج بالناس أثر شبيب- فطلبه في أرض جوخى فجعل شبيب يريه الهيبة- فيخرج من رستاق إلى رستاق- و من طسوج إلى طسوج و لا يقيم له-يريد بذلك أن يفرق الجزل أصحابه- و يتعجل إليه فيلقاه في عدد يسير على غير تعبئة- فجعل الجزل لا يسير إلا على تعبئة- و لا ينزل إلا خندق على نفسه و أصحابه- فلما طال ذلك على شبيب دعا يوما أصحابه- و هم مائة و ستون رجلا هو في أربعين- و مصاد أخوه في أربعين- و سويد بن سليم في أربعين- و المحلل بن وائل في أربعين- و قد أتته عيونه فأخبرته- أن الجزل بن سعيد قد نزل ببئر سعيد- فقال لأخيه و للأمراء الذين ذكرناهم- إني أريد أن أبيت الليلة هذا العسكر- فأتهم أنت يا مصاد من قبل حلوان- و سآتيهم أنا من أمامهم من قبل الكوفة- و ائتهم أنت يا سويد من قبل المشرق- و ائتهم أنت يا محلل من قبل المغرب- و ليلج كل امرئ منكم على الجانب الذي يحمل عليه- و لا تقلعوا عنهم حتى يأتيكم أمري- .

قال فروة بن لقيط- و كنت أنا في الأربعين الذين كانوا معه- فقال لجماعتنا تيسروا و ليسر كل امرئ منكم مع أميره- و لينظر ما يأمره به أميره فليتبعه- فلما قضمت دوابنا و ذلك أول ما هدأت العيون- خرجنا حتى انتهينا إلى دير الخرارة- فإذا القوم عليهم مسلحة ابن أبي لينة- فما هو إلا أن رآهم مصاد أخو شبيب- حتى حمل عليهم في أربعين رجلا- و كان شبيب أراد أن يرتفع عليهم- حتى يأتيهم من ورائهم كما أمره- .

فلما لقي هؤلاء قاتلهم فصبروا له ساعة و قاتلوه- ثم إنا دفعنا إليهم جميعا فهزمناهم- و أخذوا الطريق الأعظم- و ليس بينهم و بين عسكرهم بدير يزدجرد إلا نحو ميل- فقال لنا شبيب اركبوا معاشر المسلمين أكتافهم- حتى تدخلوا معهم عسكرهم إن استطعتم- فاتبعناهم ملظين بهم ملحين عليهم- ما نرفه عنهم و هم منهزمون ما لهم همة إلا عسكرهم- .

فمنعهم أصحابهم أن يدخلوا عليهم و رشقوهم بالنبل- و كانت لهم عيون قد أتتهم فأخبرتهم بمكاننا- و كان الجزل قد خندق عليهم و تحرز- و وضع هذه المسلحة الذين لقيناهم بدير الخرارة- و وضع مسلحة أخرى مما يلي حلوان- . فلما اجتمعت المسالح و رشقوهم بالنبل- و منعونا من خندقهم رأى شبيب أنه لا يصل إليهم- فقال لأصحابه سيروا و دعوهم- فلما سار عنهم أخذ على طريق حلوان- حتى كان منهم على سبعة أميال- قال لأصحابه انزلوا فاقضموا دوابكم و قيلوا و تروحوا- فصلوا ركعتين ثم اركبوا ففعلوا ذلك- ثم أقبل بهم راجعا إلى عسكر الكوفة و قال- سيروا على تعبيتكم التي عبأتكم عليها أول الليل- و أطيفوا بعسكرهم كما أمرتكم فأقبلنا معه- و قد أدخل أهل العسكر مسالحهم إليهم و أمنوا- فما شعروا حتى سمعوا وقع حوافر الخيل- فانتهينا إليهم قبيل الصبح و أحطنا بعسكرهم- و صحنا بهم من كل ناحية فقاتلونا و رمونا بالنبل- فقال شبيب لأخيه مصاد- و كان يقاتلهم من الجانب‏ الذي يلي الكوفة- خل لهم سبيل [طريق‏]- الكوفة فخلى لهم- و قاتلناهم من تلك الوجوه الثلاثة الأخرى إلى الصبح- ثم سرنا و تركناهم لأنا لم نظفر بهم- فلما سار شبيب سار الجزل في أثره يطلبه- و جعل لا يسير إلا على تعبية و ترتيب- و لا ينزل إلا على خندق- و أما شبيب فضرب في أرض جوخى و ترك الجزل- فطال أمره على الحجاج- فكتب إلى الجزل كتابا قرئ على الناس و هو- أما بعد فإني بعثتك في فرسان أهل المصر و وجوه الناس- و أمرتك باتباع هذه المارقة- و ألا تقلع عنها حتى تقتلها و تفنيها- فجعلت التعريس في القرى- و التخييم في الخنادق أهون عليك من المضي- لمناهضتهم و مناجزتهم و السلام- .

قال فشق كتاب الحجاج على الجزل- و أرجف الناس بأمره و قالوا سيعزله فما لبث الناس- أن بعث الحجاج سعيد بن المجالد أميرا بدله و عهد إليه- إذا لقي المارقة أن يزحف إليهم و لا يناظرهم- و لا يطاولهم و لا يصنع صنع الجزل- و كان الجزل يومئذ قد انتهى في طلب شبيب إلى النهروان- و قد لزم عسكره و خندق عليهم- فجاء سعيد حتى دخل عسكر أهل الكوفة أميرا- فقام فيهم خطيبا فحمد الله و أثنى عليه ثم قال- يا أهل الكوفة إنكم قد عجزتم و وهنتم- و أغضبتم عليكم أميركم- أنتم في طلب هذه الأعاريب العجف منذ شهرين- قد أخربوا بلادكم و كسروا خراجكم- و أنتم‏ حذرون في جوف هذه الخنادق لا تزايلونها- إلا أن يبلغكم أنهم قد ارتحلوا عنكم- و نزلوا بلدا سوى بلدكم اخرجوا على اسم الله إليهم- .

ثم خرج و خرج الناس معه- فقال له الجزل ما تريد أن تصنع قال- أقدم على شبيب و أصحابه في هذه الخيل- فقال له الجزل أقم أنت في جماعة الناس- فارسهم و راجلهم و لا تفرق أصحابك و دعني أصحر له- فإن ذلك خير لك و شر لهم- . فقال سعيد بل تقف أنت في الصف و أنا أصحر له- فقال الجزل إني بري‏ء من رأيك هذا- سمع الله و من حضر من المسلمين- فقال سعيد هو رأيي إن أصبت فيه فالله وفقني- و إن أخطأت فيه فأنتم برآء- . فوقف الجزل في صف أهل الكوفة و قد أخرجهم من الخندق- و جعل على ميمنتهم عياض بن أبي لينة الكندي- و على ميسرتهم عبد الرحمن بن عوف أبا حميد الراسبي- و وقف الجزل في جماعتهم- و استقدم سعيد بن مجالد فخرج و أخرج الناس معه- و قد أخذ شبيب إلى براز الروز فنزل قطفتا- و أمر دهقانها أن يشوي لهم غنما و يعد لهم غداء ففعل- و أغلق مدينة قطفتا- و لم يفرغ الدهقان من طعامه حتى أحاط بها ابن مجالد- فصعد الدهقان ثم نزل و قد تغير لونه- فقال شبيب ما بالك قال قد جاءك جمع عظيم- قال أ بلغ شواؤك قال لا قال دعه يبلغ- ثم أشرف الدهقان إشرافة أخرى- ثم نزل فقال قد أحاطوا بالجوسق قال هات شواءك- فجعل يأكل غير مكترث بهم و لا فزع- فلما فرغ قال لأصحابه قوموا إلى الصلاة و قام فتوضأ- فصلى بأصحابه صلاة الأولى و لبس درعه و تقلد سيفه- و أخذ عموده الحديد ثم قال أسرجوا لي بغلتي-

فقال أخوه أ في مثل هذا اليوم تركب بغلة- قال نعم أسرجوها فركبها- ثم قال يا فلان أنت على الميمنة- و أنت يا فلان على الميسرة- و أنت يا مصاد يعني أخاه على القلب- و أمر الدهقان ففتح الباب في وجوههم- . فخرج إليهم و هو يحكم و حمل حملة عظيمة- فجعل سعيد و أصحابه يرجعون القهقرى- حتى صار بينهم و بين الدير ميل- و شبيب يصيح أتاكم الموت الزؤام فاثبتوا- و سعيد يصيح يا معشر همدان إلي إلي أنا ابن ذي مران- فقال شبيب لمصاد ويحك استعرضهم استعراضا- فإنهم قد تقطعوا و إني حامل على أميرهم- و أثكلنيك الله إن لم أثكله ولده- ثم حمل على سعيد فعلاه بالعمود- فسقط ميتا و انهزم أصحابه- و لم يقتل يومئذ من الخوارج إلا رجل واحد- .

و انتهى قتل سعيد إلى الجزل فناداهم- أيها الناس إلي إلي و صاح عياض بن أبي لينة- أيها الناس إن يكن أميركم هذا القادم هلك- فهذا أميركم الميمون النقيبة أقبلوا إليه- فمنهم من أقبل إليه و منهم من ركب فرسه منهزما- و قاتل الجزل يومئذ قتالا شديدا حتى صرع- و حامى عنه خالد بن نهيك و عياض بن أبي لينة- حتى استنقذاه مرتثا- و أقبل الناس منهزمين حتى دخلوا الكوفة- و أتي بالجزل جريحا حتى دخل المدائن فكتب إلى الحجاج- أما بعد فإني أخبر الأمير أصلحه الله- أني خرجت فيمن قبلي من الجند الذي وجهني فيه إلى عدوه- و قد كنت حفظت عهد الأمير إلي فيهم و رأيه- فكنت أخرج إلى المارقين إذا رأيت الفرصة- و أحبس الناس عنهم إذا خشيت الورطة- فلم أزل كذلك أدير الأمر و أرفق في التدبير- و قد أرادني العدو بكل مكيدة- فلم يصب مني غرة حتى قدم علي سعيد بن مجالد- فأمرته بالتؤدة و نهيته عن العجلة- و أمرته ألا يقاتلهم إلا في جماعة الناس عامة- فعصاني و تعجل إليهم في الخيل- فأشهدت الله عليه و أهل المصرين- إني بري‏ء من رأيه الذي رأى- و إني لا أهوى الذي صنع فمضى فقتل تجاوز الله عنه- و دفع الناس إلي فنزلت و دعوتهم إلى نفسي- و رفعت رايتي و قاتلت حتى صرعت- فحملني أصحابي من بين القتلى- فما أفقت إلا و أنا على أيديهم على رأس ميل من المعركة- و أنا اليوم بالمدائن- و في جراحات قد يموت الإنسان من دونها- و قد يعافى من مثلها- فليسأل الأمير أصلحه الله عن نصيحتي له و لجنده- و عن مكايدتي عدوه و عن موقفي يوم البأس- فإنه سيبين له عند ذلك أني صدقته و نصحت له و السلام- .

فكتب إليه الحجاج‏أما بعد- فقد أتاني كتابك و قرأته- و فهمت كل ما ذكرته فيه من أمر سعيد و أمر نفسك- و قد صدقتك في نصيحتك لأميرك و حيطتك على أهل مصرك- و شدتك على عدوك و قد رضيت عجلة سعيد و تؤدتك- فأما عجلته فإنها أفضت به إلى الجنة- و أما تؤدتك فإنها ما لم تدع الفرصة إذا أمكنت حزم- و قد أحسنت و أصبت و أجرت- و أنت عندي من أهل السمع و الطاعة و النصيحة- و قد أشخصت إليك حيان بن أبجر الطبيب ليداويك- و يعالج جراحاتك- و قد بعثت إليك بألفي درهم نفقة تصرفها في حاجتك- و ما ينوبك و السلام- .

و بعث عبد الله بن أبي عصيفير والي المدائن إلى الجزل- بألف درهم و كان يعوده و يتعاهده بالألطاف و الهدايا- . و أما شبيب فأقبل حتى قطع دجلة عند الكرخ- و أخذ بأصحابه نحو الكوفة- و بلغ الحجاج مكانه بحمام أعين- فبعث إليه سويد بن عبد الرحمن السعدي- فجهزه بألفي فارس منتخبين و قال له- اخرج إلى شبيب فالقه و لا تتبعه- فخرج بالناس بالسبخة و بلغه أن شبيبا قد أقبل- فسار نحوه كأنما يساق إلى الموت هو و أصحابه- و أمر الحجاج عثمان بن قطن فعسكر بالناس في السبخة- و نادى ألا برئت الذمة من رجل من هذا الجند- بات الليلة بالكوفة- و لم يخرج إلى عثمان بن قطن بالسبخة- فبينا سويد بن عبد الرحمن يسير في الألفين الذين معه- و هو يعبيهم و يحرضهم إذ قيل له‏ قد غشيك شبيب- فنزل و نزل معه جل أصحابه و قدم رايته- فأخبر أن شبيبا لما علم بمكانه تركه- و وجد مخاضة فعبر الفرات- يريد الكوفة من غير الوجه الذي سويد بن عبد الرحمن به- ثم قيل أ ما تراهم فنادى في أصحابه فركبوا في آثارهم- فأتى شبيب دار الرزق فنزلها- و قيل له إن أهل الكوفة بأجمعهم معسكرون- فلما بلغهم مكان شبيب ماج الناس بعضهم إلى بعض- و جالوا و هموا بدخول الكوفة حتى قيل- هذا سويد بن عبد الرحمن في آثارهم قد لحقهم- و هو يقاتلهم في الخيل- و مضى شبيب حتى أخذ على شاطئ الفرات- ثم أخذ على الأنبار ثم دخل دقوقاء- ثم ارتفع إلى أداني آذربيجان- .

و خرج الحجاج من الكوفة إلى البصرة حيث بعد شبيب- و استخلف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة- فما شعر الناس إلا بكتاب من مادارست- دهقان بابل مهروز إلى عروة بن المغيرة بن شعبة- أن تاجرا من تجار الأنبار من أهل بلادي-أتاني يذكر أن شبيبا يريد- أن يدخل الكوفة في أول هذا الشهر المستقبل- و أحببت إعلامك ذلك لترى رأيك- و إني لم ألبث بعد ذلك إذ جاءني اثنان من جيراني- فحدثاني أن شبيبا قد نزل خانيجار- . فأخذ عروة كتابه فأدرجه- و سرح به إلى الحجاج إلى البصرة- فلما قرأ الحجاج أقبل جادا إلى الكوفة- و أقبل شبيب يسير- حتى انتهى إلى قرية حربى على شاطئ دجلة فعبرها- و قال لأصحابه يا هؤلاء إن الحجاج ليس بالكوفة- و ليس دون أخذها شي‏ء إن شاء الله فسيروا بنا- فخرج يبادر الحجاج إلى الكوفة- و كتب عروة إلى الحجاج- إن شبيبا قد أقبل مسرعا يريد الكوفة فالعجل العجل- . فطوى الحجاج المنازل مسابقا لشبيب إلى الكوفة- فسبقه و نزلها صلاة العصر- و نزل شبيب السبخة صلاة العشاء الآخرة- فأصاب هو و أصحابه من الطعام شيئا يسيرا- ثم ركبوا خيولهم- فدخل شبيب الكوفة في أصحابه حتى انتهى إلى السوق- و شد حتى ضرب باب القصر بعموده- فحدث جماعة أنهم رأوا- أثر ضربة شبيب بالعمود بباب القصر- ثم أقبل حتى وقف عند باب المصطبة و أنشد-

و كأن حافرها بكل ثنية
فرق يكيل به شحيح معدم‏

ثم أقحم هو و أصحابه المسجد الجامع- و لا يفارقه قوم يصلون فيه فقتل منهم جماعة- و مر هو بدار حوشب و كان هو على شرطة الحجاج- فوقف على بابه في جماعة فقالوا- إن الأمير يعنون الحجاج يدعو حوشبا- و قد أخرج ميمون غلامه برذونه ليركب- فكأنه أنكرهم فظنوا أنه قد اتهمهم- فأراد أن يدخل إلى صاحبه فقالوا له- كما أنت حتى يخرج صاحبك إليك- فسمع حوشب الكلام فأنكر القوم- و ذهب لينصرف فعجلوا نحوه فأغلق الباب دونه- فقتلوا غلامه ميمونا و أخذوا برذونه- و مضوا حتى مروا بالجحاف بن نبيط الشيباني- من رهط حوشب فقال له سويد انزل إلينا فقال- ما تصنع بنزولي فقال انزل- إني لم أقضك ثمن البكرة التي ابتعتها منك بالبادية- فقال الجحاف بئس ساعة القضاء هذه- و بئس المكان لقضاء الدين هذا- ويحك أ ما ذكرت أداء أمانتك إلا و الليل مظلم- و أنت على متن فرسك- قبح الله يا سويد دينا لا يصلح- و لا يتم إلا بقتل الأنفس و سفك الدماء- ثم مروا بمسجد بني ذهل- فلقوا ذهل بن الحارث و كان يصلي في مسجد قومه- فيطيل الصلاة إلى الليل- فصادفوه منصرفا إلى منزله فقتلوه- ثم خرجوا متوجهين نحو الردمة- و أمر الحجاج المنادي يا خيل الله اركبي و أبشري- و هو فوق باب القصر و هناك مصباح مع غلام له قائم- .

و كان أول من جاء من الناس عثمان بن قطن- و معه مواليه و ناس من أهله و قال- أعلموا الأمير مكاني أنا عثمان بن قطن فليأمرني بأمره- فناداه الغلام صاحب المصباح- قف مكانك حتى يأتيك أمر الأمير- و جاء الناس من كل جانب و بات عثمان مكانه- فيمن اجتمع إليه من الناس حتى أصبح- .

و قد كان عبد الملك بن مروان بعث- محمد بن موسى بن طلحة على سجستان و كتب له عهده عليها و كتب إلى الحجاج- إذا قدم عليك محمد بن موسى الكوفة- فجهز معه ألفي رجل و عجل سراحه إلى سجستان- . فلما قدم الكوفة جعل يتجهز- فقال له أصحابه و نصحاؤه تعجل أيها الرجل إلى عملك- فإنك لا تدري ما يحدث- و عرض أمر شبيب حينئذ و دخوله الكوفة- فقيل للحجاج إن محمد بن موسى إن سار إلى سجستان- مع نجدته و صهره لأمير المؤمنين عبد الملك- فلجأ إليه أحد ممن تطلبه منعك منه قال فما الحيلة- قالوا أن تذكر له أن شبيبا في طريقه و قد أعياك- و أنك ترجو أن يريح الله منه على يده- فيكون له ذكر ذلك و شهرته- .

فكتب إليه الحجاج إنك عامل على كل بلد مررت به- و هذا شبيب في طريقك تجاهده و من معه- و لك أجره و ذكره و صيته- ثم تمضي إلى عملك فاستجاب له- . و بعث الحجاج بشر بن غالب الأسدي في ألفي رجل- و زياد بن قدامة في ألفين- و أبا الضريس مولى تميم في ألف من الموالي- و أعين صاحب حمام أعين مولى لبشر بن مروان في ألف- و جماعة غيرهم فاجتمعت تلك الأمراء في أسفل الفرات- و ترك شبيب الوجه الذي فيه جماعة هؤلاء القواد- و أخذ نحو القادسية- فوجه الحجاج زحر بن قيس‏ في جريدة خيل نقاوة- عدتها ألف و ثمانمائة فارس و قال له- اتبع شبيبا حتى تواقعه حيثما أدركته- فخرج زحر بن قيس حتى انتهى إلى السيلحين- و بلغ شبيبا مسيره إليه فأقبل نحوه فالتقيا- و قد جعل زحر على ميمنته عبد الله بن كناز و كان شجاعا- و على ميسرته عدي بن عدي بن عميرة الكندي- و جمع شبيب خيله كلها كبكبة واحدة- ثم اعترض بها الصف يوجف وجيفا- حتى انتهى إلى زحر بن قيس فنزل زحر- فقاتل حتى صرع و انهزم أصحابه و ظن أنه قد قتل- .

فلما كان الليل و أصابه البرد قام يمشي حتى دخل قرية- فبات بها و حمل منها إلى الكوفة- و بوجهه أربع عشرة ضربة فمكث أياما- ثم أتى الحجاج و على وجهه و جراحه القطن- فأجلسه معه على السرير- و قال أصحاب شبيب لشبيب-و هم يظنون أنهم قد قتلوا زحرا قد هزمنا جندهم- و قتلنا أميرا من أمرائهم عظيما- فانصرف بنا الآن موفورين فقال لهم- إن قتلكم هذا الرجل و هزيمتكم هذا الجند- قد أرعب هؤلاء الأمراء فاقصدوا بنا قصدهم- فو الله لئن نحن قتلناهم- ما دون قتل الحجاج و أخذ الكوفة شي‏ء- فقالوا له نحن طوع لأمرك و رأيك فانقض بهم جادا- حتى أتى ناحية عين التمر و استخبر عن القوم- فعرف اجتماعهم في روذبار في أسفل الفرات- على رأس أربعة و عشرين فرسخا من الكوفة- . و بلغ الحجاج مسير شبيب إليهم- فبعث إليهم إن جمعكم قتال- فأمير الناس زائدة بن قدامة- .

فانتهى إليهم شبيب و فيهم سبعة أمراء- على جماعتهم زائدة بن قدامة- و قد عبى كل أمير أصحابه على حدة و هو واقف في أصحابه- فأشرف شبيب على الناس و هو على فرس أغر كميت- فنظر إلى تعبيتهم ثم رجع إلى أصحابه- و أقبل في ثلاث كتائب يزحف بها- حتى إذا دنا من الناس مضت كتيبة فيها سويد بن سليم- .فوقفت بإزاء ميمنة زائدة بن قدامة- و فيها زياد بن عمرو العتكي- و مضت كتيبة فيها مصاد أخو شبيب- فوقفت بإزاء الميسرة و فيها بشر بن غالب الأسدي- و جاء شبيب في كتيبة حتى وقف مقابل القوم في القلب- فخرج زائدة بن قدامة يسير في الناس- بين الميمنة و الميسرة يحرض الناس و يقول عباد الله- إنكم الطيبون الكثيرون- و قد نزل بكم الخبيثون القليلون- فاصبروا جعلت لكم الفداء- إنما هي حملتان أو ثلاث ثم هو النصر ليس دونه شي‏ء- أ لا ترونهم و الله لا يكونون مائتي رجل- إنما هم أكلة رأس و هم السراق المراق- إنما جاءوكم ليهريقوا دماءكم و يأخذوا فيئكم- فلا يكونوا على أخذه أقوى منكم على منعه- و هم قليل و أنتم كثير و هم أهل فرقة و أنتم أهل جماعة- غضوا الأبصار و استقبلوهم بالأسنة- و لا تحملوا عليهم حتى آمركم- .

ثم انصرف إلى موقفه- فحمل سويد بن سليم على زياد بن عمرو العتكي فكشف صفه- و ثبت زياد قليلا ثم ارتفع سويد عنهم يسيرا- ثم كر عليهم ثانية- . فقال فروة بن لقيط الخارجي اطعنا ذلك اليوم ساعة- فصبروا لنا حتى ظننت أنهم لن يزولوا- و قاتل زياد بن عمرو قتالا شديدا- و لقد رأيت سويد بن سليم يومئذ- و إنه لأشد العرب قتالا و أشجعهم- و هو واقف لا يعرض لهم ثم ارتفعنا عنهم- فإذا هم يتقوضون فقال بعض أصحابنا لبعض- أ لا ترونهم يتقوضون احملوا عليهم فأرسل إلينا شبيب- خلوهم لا تحملوا عليهم حتى يخفوا فتركناهم قليلا- ثم حملنا عليهم الثالثة فانهزموا- فنظرت إلى زياد بن عمرو و إنه ليضرب بالسيوف- و ما من سيف يضرب به‏ إلا نبا عنه- و لقد اعتوره أكثر من عشرين سيفا و هو مجفف- فما ضره شي‏ء منها ثم انهزم- .

و انتهينا إلى محمد بن موسى بن طلحة أمير سجستان- عند المغرب و هو قائم في أصحابه- فقاتلناه قتالا شديدا و صبر لنا- . ثم إن مصادا حمل على بشر بن غالب في الميسرة فصبر- و كرم و أبلى و نزل معه رجال من أهل البصرة نحو خمسين- فضاربوا بأسيافهم حتى قتلوا- ثم انهزم أصحابه فشددنا على أبي الضريس فهزمناه- ثم انتهينا إلى موقف أعين ثم شددنا على أعين- فهزمناهم حتى انتهينا إلى زائدة بن قدامة- فلما انتهوا إليه نزل و نادى يا أهل الإسلام الأرض الأرض- ألا لا يكونون على كفرهم أصبر منكم على إيمانكم- فقاتلوا عامة الليل إلى السحر- . ثم إن شبيبا شد على زائدة بن قدامة في جماعة من أصحابه- فقتله و قتل ربضة حوله من أهل الحفاظ- و نادى شبيب في أصحابه ارفعوا السيف- و ادعوهم إلى البيعة فدعوهم عند الفجر إلى البيعة- .

قال عبد الرحمن بن جندب- فكنت فيمن تقدم فبايعه بالخلافة- و هو واقف على‏فرس أغر كميت و خيله واقفة دونه- و كل من جاء ليبايعه ينزع سيفه عن عاتقه و يؤخذ سلاحه- ثم يدنو من شبيب فيسلم عليه بإمرة المؤمنين ثم يبايع- فإنا كذلك إذ أضاء الفجر- و محمد بن موسى بن طلحة في أقصى العسكر مع أصحابه- و كان الحجاج قد جعل موقفه آخر الناس- و زائدة بن قدامة بين يديه- و مقام محمد بن موسى مقام الأمير على الجماعة كلها- فأمر محمد مؤذنه فأذن فلما سمع شبيب الأذان قال- ما هذا قيل هذا ابن طلحة لم يبرح- قال ظننت أن حمقه و خيلاءه سيحملانه على هذا- نحوا هؤلاء عنا و انزلوا بنا فلنصل فنزل و أذن هو- ثم استقدم فصلى بأصحابه و قرأ- وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ- و أَ رَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ثم سلم و ركب- و أرسل إلى محمد بن موسى بن طلحة- إنك امرؤ مخدوع قد اتقى بك الحجاج المنية- و أنت لي جار بالكوفة- و لك حق فانطلق لما أمرت به و لك الله ألا أسوءك- فأبى محاربته فأعاد عليه الرسول فأبى إلا قتاله-

فقال له شبيب كأني بأصحابك لو التقت- حلقتا البطان قد أسلموك- و صرعت مصرع أمثالك فأطعني و انصرف‏لشأنك- فإني أنفس بك عن القتل- فأبى و خرج بنفسه و دعا إلى البراز فبرز له البطين- ثم قعنب بن سويد و هو يأبى إلا شبيبا- فقالوا لشبيب إنه قد رغب عنا إليك قال- فما ظنكم بمن يرغب عن الأشراف ثم برز له- و قال له أنشدك الله يا محمد في دمك فإن لك جوارا- فأبى إلا قتاله فحمل عليه بعموده الحديد- و كان فيه اثنا عشر رطلا- فهشم رأسه و بيضة كانت عليه فقتله- و نزل إليه فكفنه و دفنه- و تتبع ما غنم الخوارج من عسكره- فبعث به إلى أهله و اعتذر إلى أصحابه و قال- هو جاري بالكوفة و لي أن أهب ما غنمت- فقال له أصحابه ما دون الكوفة الآن أحد يمنعك- فنظر فإذا أصحابه قد فشا فيهم الجراح- فقال ليس عليكم أكثر مما قد فعلتم- .

و خرج بهم على نفر- ثم خرج بهم نحو بغداد يطلب خانيجار- و بلغ الحجاج أن شبيبا قد أخذ نحو نفر- فظن أنه يريد المدائن و هي باب الكوفة- و من أخذ المدائن كان ما في يديه من أرض الكوفة أكثر- فهال ذلك الحجاج و بعث إلى عثمان بن قطن- فسرحه إلى المدائن- و ولاه منبرها و الصلاة و معونة جوخى كلها و خراج الأستان- فجاء مسرعا حتى نزل المدائن- و عزل الحجاج ابن أبي عصيفير عن المدائن- و كان الجزل مقيما بها يداوي جراحاته- و كان ابن أبي عصيفير يعوده و يكرمه و يلطفه- فلما قدم عثمان بن قطن لم يكن يتعاهده و لا يلطفه بشي‏ء- فكان الجزل يقول- اللهم زد ابن أبي عصيفير فضلا و كرما- و زد عثمان بن قطن ضيقا و بخلا- .ثم إن الحجاج دعا عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث- فقال له انتخب الناس- فأخرج ستمائة من قومه من كندة- و أخرج من سائر الناس ستة آلاف- و استحثه الحجاج على الشخوص- فخرج بعسكره بدير عبد الرحمن- فلما استتموا هناك- كتب إليهم الحجاج كتابا قرئ عليهم- .

أما بعد فقد اعتدتم عادة الأذلاء- و وليتم الدبر يوم الزحف دأب الكافرين- و قد صفحت عنكم مرة بعد مرة و تارة بعد أخرى- و إني أقسم بالله قسما صادقا- لئن عدتم لذلك لأوقعن بكم إيقاعا- يكون أشد عليكم من هذا العدو الذي- تنهزمون منه في بطون الأودية و الشعاب- و تستترون منه بأثناء الأنهار و الواد الجبال- فليخف من كان له معقول على نفسه- و لا يجعل عليها سبيلا فقد أعذر من أنذر و السلام- . و ارتحل عبد الرحمن بالناس حتى مر بالمدائن- فنزل بها يوما ليشتري أصحابه منها حوائجهم- ثم نادى في الناس بالرحيل- و أقبل حتى دخل على عثمان بن قطن مودعا- ثم أتى الجزل عائدا- فسأله عن جراحته و حادثه- فقال الجزل يا ابن عم- إنك تسير إلى فرسان العرب- و أبناء الحرب و أحلاس الخيل- و الله لكأنما خلقوا من ضلوعها- ثم ربوا على ظهورها ثم هم أسد الأجم- الفارس منهم أشد من مائة- إن لم يبدأ به بدأ هو و إن هجهج أقدم- و إني قد قاتلتهم و بلوتهم- فإذا أصحرت لهم انتصفوا مني و كان لهم الفضل علي- و إذا خندقت أو قاتلت في مضيق نلت منهم ما أحب- و كانت لي عليهم- فلا تلقهم و أنت تستطيع إلا و أنت في تعبية أو خندق- ثم ودعه و قال له هذه فرسي الفسيفساء خذها فيها لا تجارى- فأخذها ثم خرج بالناس نحو شبيب- فلما دنا منه ارتفع شبيب عنه إلى دقوقاء و شهرزور- فخرج عبد الرحمن في طلبه- حتى إذا كان على تخوم تلك الأرض أقام- و قال إنما هو في أرض الموصل- فليقاتل أمير الموصل و أهلها عن بلادهم أو فليدعوا- .

و بلغ ذلك الحجاج فكتب إليه أما بعد- فاطلب شبيبا و اسلك في أثره أين سلك حتى تدركه- فتقتله أو تنفيه عن الأرض- فإنما السلطان سلطان أمير المؤمنين- و الجند جنده و السلام- . فلما قرأ عبد الرحمن كتاب الحجاج خرج في طلب شبيب- فكان شبيب يدعه- حتى إذا دنا منه ليبيته فيجده قد خندق و حذر- فيمضي و يتركه فيتبعه عبد الرحمن- فإذا بلغ شبيبا أنه قد تحمل و سار يطلبه كر في الخيل نحوه- فإذا انتهى إليه وجده قد صف خيله و رجالته المرامية- فلا يصيب له غرة و لا غفلة فيمضي و يدعه- . و لما رأى شبيب أنه لا يصيب غرته و لا يصل إليه- صار يخرج كلما دنا منه عبد الرحمن- حتى ينزل على مسيرة عشرين فرسخا- ثم يقيم في أرض غليظة وعرة- فيجي‏ء عبد الرحمن في ثقله و خيله- حتى إذا دنا من شبيب ارتحل- فسار عشرين أو خمسة عشر فرسخا فنزل منزلا غليظا خشنا- ثم يقيم حتى يبلغ عبد الرحمن ذلك المنزل ثم يرتحل- فعذب العسكر و شق عليهم و أحفى دوابهم- و لقوا منه كل بلاء- .

فلم يزل عبد الرحمن يتبعه- حتى صار إلى خانقين و جلولاء- ثم أقبل على تامرا فصار إلى البت- و نزل على تخوم الموصل- ليس بينه و بين الكوفة إلا نهر حولايا- و جاء عبد الرحمن حتى نزل بشرقي حولايا- و هم في راذان الأعلى من أرض جوخى و نزل في عواقيل من النهر- و نزلها عبد الرحمن حيث نزلها و هي تعجبه- يرى أنها مثل الخندق الحصين- . فأرسل شبيب إلى عبد الرحمن- أن هذه الأيام أيام عيد لنا و لكم- فإن رأيتم أن توادعونا حتى تمضي هذه الأيام فعلتم- فأجابه عبد الرحمن إلى ذلك- و لم يكن شي‏ء أحب إلى عبد الرحمن- من المطاولة و الموادعة- فكتب عثمان بن قطن إلى الحجاج- أما بعد فإني أخبر الأمير أصلحه الله- أن عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث قد حفر جوخى كلها- عليه خندقا واحدا و خلى شبيبا و كسر خراجها- فهو يأكل أهلها و السلام- . فكتب إليه الحجاج- قد فهمت ما ذكرت و قد لعمري فعل عبد الرحمن- فسر إلى الناس فأنت أميرهم- و عاجل المارقة حتى تلقاهم- فإن الله إن شاء ناصرك عليهم و السلام- .

و بعث الحجاج على المدائن مطرف بن المغيرة بن شعبة- و خرج عثمان حتى قدم على‏ عبد الرحمن و من معه- و هم معسكرون على نهر حولايا قريبا من البت- و ذلك يوم التروية عشاء- فنادى في الناس و هو على تلعة- أيها الناس اخرجوا إلى عدوكم فوثبوا إليه و قالوا- ننشدك الله هذا المساء قد غشينا- و الناس لم يوطنوا أنفسهم على القتال- فبت الليلة ثم اخرج على تعبية فجعل يقول- لأناجزنهم الليلة و لتكونن الفرصة لي أو لهم- فأتاه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث- فأخذ بعنان بغلته و ناشده الله لما نزل- و قال له عقيل بن شداد السلوني- إن الذي تريده من مناجزتهم الساعة أنت فاعله غدا- و هو خير لك و للناس- إن هذه ساعة ريح قد اشتدت مساء فانزل ثم أبكر بنا غدوة- .

فنزل و سفت عليه الريح و شق عليه الغبار- فاستدعى صاحب الخراج علوجا فبنوا له قبة- فبات فيها ثم أصبح فخرج بالناس- فاستقبلتهم ريح شديدة و غبرة فصاح الناس إليه- و قالوا ننشدك الله ألا تخرج بنا في هذا اليوم- فإن الريح علينا فأقام ذلك اليوم- . و كان شبيب يخرج إليهم- فلما رآهم لا يخرجون إليه أقام- فلما كان الغد خرج عثمان يعبئ الناس على أرباعهم- و سألهم من كان على ميمنتكم و ميسرتكم فقالوا- خالد بن نهيك بن قيس الكندي على ميسرتنا- و عقيل بن شداد السلوني على ميمنتنا- فدعاهما و قال لهما قفا في مواقفكما التي كنتما بها- فقد وليتكما المجنبتين فاثبتا و لا تفرا- فو الله لا أزول حتى تزول نخيل راذان عن أصولها- فقالا نحن و الله الذي لا إله إلا هو لا نفر حتى نظفر أو نقتل- فقال لهما جزاكما الله خيرا- ثم أقام حتى صلى بالناس الغداة ثم خرج بالخيل- فنزل يمشي في الرجال- و خرج شبيب و معه يومئذ مائة و أحد و ثمانون رجلا- فقطع إليهم النهر و كان هو في ميمنة أصحابه- و جعل على الميسرة سويد بن سليم- و جعل في القلب مصادا أخاه و زحفوا- و كان عثمان بن قطن يقول لأصحابه فيكثر- قل لن‏ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل- و إذا لا تمتعون إلا قليلا- . ثم قال شبيب لأصحابه- إني حامل على ميسرتهم مما يلي النهر- فإذا هزمتها فليحمل صاحب ميسرتي على ميمنتهم- و لا يبرح صاحب القلب حتى يأتيه أمري- ثم حمل في ميمنة أصحابه مما يلي النهر- على ميسرة عثمان بن قطن فانهزموا- و نزل عقيل بن شداد مع طائفة من أهل الحفاظ- فقاتل حتى قتل و قتلوا معه- .

و دخل شبيب عسكرهم- و حمل سويد بن سليم في ميسرة شبيب- على ميمنة عثمان بن قطن فهزمها- و عليها خالد بن نهيك الكندي فنزل خالد- و قاتل قتالا شديدا فحمل عليه شبيب من ورائه- فلم ينثن حتى علاه بالسيف فقتله و مشى عثمان بن قطن- و قد نزلت معه العرفاء و الفرسان- و أشراف الناس نحو القلب- و فيه أخو شبيب في نحو من ستين رجلا- فلما دنا منهم عثمان شد عليهم في الأشراف و أهل الصبر- فضربهم مصاد و أصحابه حتى فرقوا بينهم- و حمل شبيب من ورائهم بالخيل- فما شعروا إلا و الرماح في أكتافهم تكبهم لوجوههم- و عطف عليهم سويد بن سليم أيضا في خيله- و قاتل عثمان فأحسن القتال- .

ثم إن الخوارج شدوا عليهم فأحاطوا بعثمان- و حمل عليه مصاد أخو شبيب- فضربه ضربة بالسيف فاستدار لها و سقط و قال- و كان أمر الله قدرا مقدورا- فقتل و قتل معه العرفاء و وجوه الناس- و قتل من كندة يومئذ مائة و عشرون رجلا- و قتل من سائر الناس نحو ألف- و وقع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى الأرض- فعرفه‏ابن أبي سبرة فنزل و أركبه و صار رديفا له- و قال له عبد الرحمن ناد في الناس- ألحقوا بدير ابن أبي مريم فنادى بذلك- و انطلقا ذاهبين و أمر شبيب أصحابه- فرفعوا عن الناس السيف و دعاهم إلى البيعة- فأتاه من بقي من الرجال فبايعوه- و بات عبد الرحمن بدير اليعار فأتاه فارسان ليلا- فخلا به أحدهما يناجيه طويلا- و قام الآخر قريبا منهما ثم مضيا و لم يعرفا- فتحدث الناس أن المناجي له كان شبيبا- و أن الذي كان يرقبهما كان مصادا أخاه- و اتهم عبد الرحمن بمكاتبة شبيب من قبل- .

ثم خرج عبد الرحمن آخر الليل- فسار حتى أتى دير ابن أبي مريم- فإذا هو بالناس قبله قد سبقوه- و قد وضع لهم ابن أبي سبرة صبر الشعير و ألقت- كأنها القصور و نحر لهم من الجزور ما شاءوا- و اجتمع الناس إلى عبد الرحمن فقالوا له- إن علم شبيب بمكانك أتاك فكنت له غنيمة- قد تفرق الناس عنك و قتل خيارهم- فالحق أيها الرجل بالكوفة- . فخرج و خرج معه الناس- حتى دخل الكوفة مستترا من الحجاج- إلى أن أخذ له الأمان بعد ذلك- .

ثم إن شبيبا اشتد عليه الحر و على أصحابه- فأتى ماه بهراذان فصيف بها ثلاثة أشهر- و أتاه ناس ممن كان يطلب الدنيا و الغنيمة كثير- و لحق به ناس ممن كان يطلبهم‏ الحجاج بمال و تبعة- فمنهم رجل يقال له الحر بن عبد الله بن عوف- كان قتل دهقانين من أهل نهر درقيط كانا أساءا إليه- و لحق بشبيب حتى شهد معه مواطنه إلى أن هلك- و له مقام عند الحجاج و كلام سلم به من القتل- و هو أن الحجاج بعد هلاك شبيب- أمن كل من خرج إليه ممن كان يطلبهم الحجاج بمال أو تبعة- فخرج إليه الحر فيمن خرج- فجاء أهل الدهقانين يستعدون عليه الحجاج فأحضره- و قال يا عدو الله قتلت رجلين من أهل الخراج فقال- قد كان أصلحك الله مني ما هو أعظم من هذا قال و ما هو- قال خروجي عن الطاعة و فراقي الجماعة- ثم إنك أمنت كل من خرج عليك و هذا أماني و كتابك لي- . فقال الحجاج قد لعمري فعلت- ذلك أولى لك و خلى سبيله- .

ثم لما باخ الحر و سكن عن شبيب- خرج من ماه نهروان في نحو من ثمانمائة رجل- فأقبل نحو المدائن و عليها المطرف بن المغيرة بن شعبة- فجاء حتى نزل قناطر حذيفة بن اليمان- فكتب ماذراسب و هو عظيم بابل مهروذ إلى الحجاج- يخبره خبر شبيب و قدومه إلى قناطر حذيفة- فقام الحجاج في الناس و خطبهم و قال- أيها الناس لتقاتلن عن بلادكم و فيئكم- أو لأبعثن إلى قوم هم أطوع و أسمع- و أصبر على البلاء منكم- فيقاتلون عدوكم و يأكلون فيئكم يعني جند الشام- .

فقام إليه الناس من كل جانب يقولون بل نحن نقاتلهم- و نغيث الأمير ليندبنا إليهم فإنا حيث يسره- .و قام إليه زهرة بن حوية- و هو يومئذ شيخ كبير لا يستتم قائما حتى يؤخذ بيده فقال- أصلح الله الأمير- إنك إنما تبعث الناس متقطعين- فاستنفر إليهم الناس كافة- و ابعث عليهم رجلا متينا شجاعا مجربا- يرى الفرار هضما و عارا و الصبر مجدا و كرما- فقال الحجاج فأنت ذاك فاخرج- . فقال أصلح الله الأمير- إنما يصلح لهذا الموقف رجل يحمل الرمح و الدرع- و يهز السيف و يثبت على متن الفرس و أنا لا أطيق ذلك- قد ضعفت و ضعف بصرى- و لكن ابعثني مع أمير تعتمده- فأكون في عسكره و أشير عليه برأيي- .

فقال جزاك الله عن الإسلام و الطاعة خيرا- لقد نصحت و صدقت و أنا مخرج الناس كافة- ألا فسيروا أيها الناس- . فانصرف الناس يتجهزون و ينتشرون- و لا يدرون من أميرهم- . و كتب الحجاج إلى عبد الملك- أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله- أن شبيبا قد شارف المدائن و إنما يريد الكوفة- و قد عجز أهل العراق عن قتاله في مواطن كثيرة- في كلها تقتل أمراؤهم و يفل خيولهم و أجنادهم- فإن رأى أمير المؤمنين أن يبعث إلي جندا من جند الشام- ليقاتلوا عدوهم و يأكلوا بلادهم فعل إن شاء الله- . فلما أتى عبد الملك كتابه- بعث إليه سفيان بن الأبرد في أربعة آلاف- و بعث إليه حبيب بن عبد الرحمن الحكمي من مذحج في ألفين- و سرحهم نحوه حين أتاه الكتاب- .

و قد كان الحجاج بعث- إلى عتاب بن ورقاء الرياحي ليأتيه- و كان على خيل الكوفة مع المهلب- و دعا الحجاج أشراف أهل الكوفة- منهم زهرة بن حوية و قبيصة بن والق فقال- من ترون أن أبعث على هذا الجيش قالوا- رأيك أيها الأمير أفضل قال- إني قد بعثت إلى عتاب بن ورقاء- و هو قادم عليكم الليلة فيكون هو الذي يسير بالناس- فقال زهرة بن حوية أصلح الله الأمير رميتهم بحجرهم- لا و الله لا يرجع إليك حتى يظفر أو يقتل- .

فقال قبيصة بن والق- و إني مشير عليك أيها الأمير برأي اجتهدته- نصيحة لك و لأمير المؤمنين و لعامة المسلمين- إن الناس قد تحدثوا أن جيشا قد وصل إليك من الشام- لأن أهل الكوفة قد هزموا- و هان عليهم الفرار و العار من الهزيمة- فكأنما قلوبهم في صدور قوم آخرين- فإن رأيت أن تبعث إلى الجيش الذي- قد أمددت به من أهل الشام فليأخذوا حذرهم- و لا يثبتوا بمنزل إلا و هم يرون أنهم يبيتون فعلت- فإن فعلت فإنك إنما تحارب حولا قلبا محلالا مظعانا- إن شبيبا بينا هو في أرض إذا هو في أخرى- و لا آمن أن يأتيهم و هم غارون- فإن يهلكوا يهلك العراق كله- . فقال الحجاج لله أبوك ما أحسن ما رأيت- و ما أصح ما أشرت به- فبعث إلى الجيش الوارد عليه من الشام كتابا قرءوه- و قد نزلوا هيت و هو- أما بعد فإذا حاذيتم هيت- فدعوا طريق الفرات و الأنبار و خذوا على عين التمر- حتى تقدموا الكوفة إن شاء الله- . فأقبل القوم سراعا- و قدم عتاب بن ورقاء في الليلة التي- قال الحجاج إنه فيها قادم فأمره الحجاج- فخرج بالناس و عسكر بحمام أعين- و أقبل شبيب حتى انتهى‏إلى كلواذا فقطع منها دجلة- و أقبل حتى نزل بهرسير- و صار بينه و بين مطرف بن المغيرة بن شعبة جسر دجلة- فقطع مطرف الجسر و رأى رأيا صالحا كاد به شبيبا- حتى حبسه عن وجهه و ذلك أنه بعث إليه- أن ابعث إلي رجالا من فقهاء أصحابك و قرائهم- و أظهر له أنه يريد أن يدارسهم القرآن-

و ينظر فيما يدعون إليه فإن وجد حقا اتبعه- فبعث إليه شبيب رجالا فيهم قعنب و سويد و المحلل- و وصاهم ألا يدخلوا السفينة حتى يرجع رسوله من عند مطرف- و أرسل إلى مطرف- أن ابعث إلي من أصحابك و وجوه فرسانك بعدة أصحابي- ليكونوا رهنا في يدي حتى ترد على أصحابي- فقال مطرف لرسوله القه و قل له- كيف آمنك الآن على أصحابي إذ أبعثهم إليك- و أنت لا تأمنني على أصحابك- فأبلغه الرسول فقال قل له- قد علمت أنا لا نستحل الغدر في ديننا- و أنتم قوم غدر تستحلون الغدر و تفعلونه- فبعث إليه مطرف جماعة من وجوه أصحابه- فلما صاروا في يد شبيب سرح إليه أصحابه- فعبروا إليه في السفينة فأتوه- فمكثوا أربعة أيام يتناظرون و لم يتفقوا على شي‏ء- فلما تبين لشبيب أن مطرفا كاده و أنه غير متابع له- تعبى للمسير و جمع إليه أصحابه و قال لهم- إن هذا الثقفي قطعني عن رأيي منذ أربعة أيام- و ذلك أني هممت أن أخرج في جريدة من الخيل- حتى ألقى هذا الجيش المقبل من الشام- و أرجو أن أصادف غرتهم قبل أن يحذروا- و كنت ألقاهم منقطعين عن المصر- ليس عليهم أمير كالحجاج يستندون إليه- و لا لهم مصر كالكوفة يعتصمون به- و قد جاءني عيون أن أوائلهم قد دخلوا عين التمر- فهم الآن قد شارفوا الكوفة- و جاءني أيضا عيون من نحو عتاب- أنه نزل بحمام أعين بجماعة أهل الكوفة و أهل البصرة- فما أقرب ما بيننا و بينهم- فتيسروا بنا للمسير إلى عتاب- .

و كان عتاب حينئذ قد أخرج معه خمسين ألفا من المقاتلة- و هددهم الحجاج إن هربوا كعادة أهل الكوفة و توعدهم- و عرض شبيب أصحابه بالمدائن- فكانوا ألف رجل فخطبهم و قال يا معشر المسلمين- إن الله عز و جل كان ينصركم و أنتم مائة و مائتان- و اليوم فأنتم مئون و مئون- ألا و إني مصل الظهر ثم سائر بكم إن شاء الله- . فصلى الظهر ثم نادى في الناس فتخلف عنه بعضهم- . قال فروة بن لقيط فلما جاز ساباط و نزلنا معه- قص علينا و ذكرنا بأيام الله- و زهدنا في الدنيا و رغبنا في الآخرة- ثم أذن مؤذنه فصلى بنا العصر- ثم أقبل حتى أشرف على عتاب بن ورقاء- فلما رأى جيش عتاب نزل من ساعته و أمر مؤذنه- فأذن ثم تقدم فصلى بأصحابه صلاة المغرب- و خرج عتاب بالناس كلهم فعبأهم- و كان قد خندق على نفسه مذ يوم نزل- .

و جعل على ميمنته محمد بن عبد الرحمن- بن سعيد بن قيس الهمداني قال له- يا ابن أخي إنك شريف فاصبر و صابر فقال- أما أنا فو الله لأقاتلن ما ثبت معي إنسان- . و قال لقبيصة بن والق التغلبي اكفني الميسرة فقال- أنا شيخ كبير غايتي أن أثبت تحت رايتي- أ ما تراني لا أستطيع القيام إلا أن أقام- و أخي نعيم بن عليم ذو غناء- فابعثه على الميسرة فبعثه عليها- و بعث حنظلة بن الحارث الرياحي ابن عمه- و شيخ‏أهل بيته على الرجالة و بعث معه ثلاثة صفوف- صف فيه الرجالة و معهم السيوف- و صف هم أصحاب الرماح و صف فيه المرامية- . ثم سار عتاب بين الميمنة و الميسرة- يمر بأهل راية راية فيحرض من تحتها على الصبر- و من كلامه يومئذ إن أعظم الناس نصيبا من الجنة الشهداء- و ليس الله لأحد أمقت منه لأهل البغي- أ لا ترون عدوكم هذا يستعرض المسلمين بسيفه- لا يرى ذلك إلا قربة لهم- فهم شرار أهل الأرض و كلاب أهل النار فلم يجبه أحد- فقال أين القصاص يقصون على الناس و يحرضونهم- فلم يتكلم أحد فقال أين من يروي شعر عنترة- فيحرك الناس فلم يجبه أحد و لا رد عليه كلمة- فقال لا حول و لا قوة إلا بالله- و الله لكأني بكم و قد تفرقتم عن عتاب- و تركتموه تسفي في استه الريح- ثم أقبل حتى جلس في القلب- و معه زهرة بن حوية و عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث- .

و أقبل شبيب في ستمائة- و قد تخلف عنه من الناس أربعمائة فقال- إنه لم يتخلف عني إلا من لا أحب أن أراه معي- فبعث سويد بن سليم في مائتين إلى الميسرة- و بعث المحلل بن وائل في مائتين إلى القلب- و مضى هو في مائتين إلى الميمنة- و ذلك بين المغرب و العشاء الآخرة حين أضاء القمر- فناداهم لمن هذه الرايات قالوا رايات همدان- . فقال رايات طالما نصرت الحق و طالما نصرت الباطل- لها في كل نصيب أنا أبو المدلة اثبتوا إن شئتم- ثم حمل عليهم و هم على مسناة أمام الخندق ففضهم- و ثبت أصحاب رايات قبيصة بن والق- .

فجاء شبيب فوقف عليه و قال لأصحابه- مثل هذا قوله تعالى- وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ‏ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها- فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ- . ثم حمل على الميسرة ففضها و صمد نحو القلب- و عتاب جالس على طنفسة هو و زهرة بن حوية- فغشيهم شبيب فانفض الناس عن عتاب و تركوه- فقال عتاب يا زهرة- هذا يوم كثر فيه العدد و قل فيه الغناء- لهفي على خمسمائة فارس من وجوه الناس- أ لا صابر لعدوه أ لا مواس بنفسه- فمضى الناس على وجوههم- فلما دنا منه شبيب- وثب إليه في عصابة قليلة صبرت معه- فقال له بعضهم إن عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث قد هرب- و انصفق معه ناس كثير فقال- أما إنه قد فر قبل اليوم- و ما رأيت مثل ذلك الفتى ما يبالي ما صنع- ثم قاتلهم ساعة و هو يقول- ما رأيت كاليوم قط موطنا لم أبل بمثله- أقل ناصرا و لا أكثرها ربا خاذلا- فرآه رجل من بني تغلب من أصحاب شبيب- و كان أصاب دما في قومه و التحق بشبيب فقال- إني لأظن هذا المتكلم عتاب بن ورقاء فحمل عليه فطعنه- فوقع و قتل و وطئت الخيل زهرة بن حوية- فأخذ يذبب بسيفه و هو شيخ كبير لا يستطيع أن ينهض- فجاءه الفضل بن عامر الشيباني فقتله- و انتهى إليه شبيب فوجده صريعا فعرفه فقال- من قتل هذا قال الفضل أنا قتلته- فقال شبيب هذا زهرة بن حوية- أما و الله لئن كنت قتلت على ضلالة- لرب يوم من أيام المسلمين قد حسن فيه بلاؤك- و عظم فيه غناؤك- و لرب خيل للمشركين هزمتها و سرية لهم ذعرتها- و مدينة لهم فتحتها- ثم كان في علم الله أن تقتل ناصرا للظالمين- .

و قتل يومئذ وجوه العرب من عسكر العراق في المعركة- و استمكن شبيب من أهل العسكر فقال- ارفعوا عنهم السيف و دعاهم إلى البيعة- فبايعه الناس عامة من ساعتهم- و احتوى على جميع ما في العسكر- و بعث إلى أخيه و هو بالمدائن- فأتاه فأقام بموضع المعركة يومين- و دخل سفيان بن الأبرد الكلبي- و حبيب بن عبد الرحمن فيمن معهما إلى الكوفة- فشدوا ظهر الحجاج و استغنى بهم عن أهل العراق- و وصلته أخبار عتاب و عسكره فصعد المنبر فقال- يا أهل الكوفة لا أعز الله من أراد بكم العز- و لا نصر من أراد منكم النصر- اخرجوا عنا فلا تشهدوا معنا قتال عدونا- و الحقوا بالحيرة فانزلوا مع اليهود و النصارى- و لا يقاتلن معنا إلا من لم يشهد قتال عتاب بن ورقاء- .

و خرج شبيب يريد الكوفة فانتهى إلى سورا فقال لأصحابه- أيكم يأتيني برأس عاملها- فانتدب إليه قطين و قعنب و سويد- و رجلان من أصحاب شبيب فكانوا خمسة- و ساروا حتى انتهوا إلى دار الخراج و العمال فيها- فقالوا أجيبوا الأمير فقال الناس أي أمير- قالوا أمير قد خرج من قبل الحجاج- يريد هذا الفاسق شبيبا- فاغتر بذلك عامل سورا فخرج إليهم- فلما خالطهم شهروا السيوف- و حكموا و خبطوه بها حتى قتلوه- و قبضوا ما وجدوا في دار الخراج من مال و لحقوا بشبيب- . فلما رأى شبيب البدر قال أتيتمونا بفتنة المسلمين- هلم يا غلام الحربة فخرق بها البدر- و أمر أن تنخس الدواب التي كانت البدر عليها- فمرت رائحة و المال يتناثر من البدر- حتى وردت الصراة فقال- إن كان بقي شي‏ء فاقذفوه في الماء- .

و قال سفيان بن الأبرد للحجاج- ابعثني إلى شبيب أستقبله قبل أن يرد الكوفة- فقال لا ما أحب أن نفترق حتى ألقاه في جماعتكم- و الكوفة في ظهرنا و أقبل شبيب حتى نزل حمام أعين- و دعا الحجاج الحارث بن معاوية- بن أبي زرعة بن مسعود الثقفي- فوجهه في ناس لم يكونوا شهدوا يوم عتاب- فخرج في ألف رجل حتى انتهى إلى شبيب- ليدفعه عن الكوفة- فلما رآه شبيب حمل عليه فقتله و فل أصحابه- فجاءوا حتى دخلواالكوفة- و بعث شبيب البطين في عشرة فوارس- يرتادون له منزلا على شاطئ الفرات في دار الرزق- فوجه الحجاج حوشب بن يزيد في جمع من أهل الكوفة- فأخذوا بأفواه السكك- فقاتلهم البطين فلم يقو عليهم- فبعث إلى شبيب فأمده بفوارس من أصحابه- فعقروا فرس حوشب و هزموه فنجا بنفسه- و مضى البطين إلى دار الرزق في أصحابه- و نزل شبيب بها و لم يوجه إليه الحجاج أحدا- فابتنى مسجدا في أقصى السبخة- و أقام ثلاثا لم يوجه إليه الحجاج أحدا- و لا يخرج إليه من أهل الكوفة و لا من أهل الشام أحد- و كانت امرأته غزالة نذرت- أن تصلي في مسجد الكوفة ركعتين- تقرأ فيهما بالبقرة و آل عمران- .

فجاء شبيب مع امرأته حتى أوفت بنذرها في المسجد- و أشير على الحجاج أن يخرج بنفسه إليه- فقال لقتيبة بن مسلم إني خارج فاخرج أنت- فارتد لي معسكرا فخرج و عاد فقال- وجدت المدى سهلا- فسر أيها الأمير على اسم الله و الطائر الميمون- فخرج الحجاج بنفسه و مر على مكان فيه كناسة و أقذار- فقال ألقوا لي هنا بساطا فقيل له إن الموضع قذر- فقال ما تدعوني إليه أقذر- الأرض تحته طيبة و السماء فوقه طيبة- .

و وقف هناك و أخرج مولى له يعرف بأبي الورد- و عليه تجفاف و أحاط به غلمان كثير- و قيل هذا الحجاج فحمل عليه شبيب فقتله- و قال إن يكن الحجاج فقد أرحت الناس منه- و دلف الحجاج نحوه حينئذ و على ميمنته مطر بن ناجية- و على ميسرته خالد بن عتاب بن ورقاء- و هو في زهاء أربعة آلاف فقيل له- أيها الأمير لا نعرف‏ شبيبا بمكانك فتنكر و أخفى مكانه- و تشبه به مولى آخر للحجاج في هيئته و زيه- فحمل عليه شبيب فضربه بالعمود فقتله- و يقال إنه قال لما سقط أخ بالخاء المعجمة- فقال شبيب قاتل الله ابن أم الحجاج- اتقى الموت بالعبيد- و ذلك أن العرب تقول عند التأوه أح بالحاء المهملة- .

ثم تشبه بالحجاج أعين صاحب حمام أعين و لبس لبسته- فحمل عليه شبيب فقتله- فقال الحجاج علي بالبغل لأركبه فأتي ببغل محجل- و قيل أيها الأمير أصلحك الله- إن الأعاجم كانت تتطير أن تركب مثل هذا البغل- في مثل هذا اليوم فقال أدنوه مني فإنه أغر محجل- و هذا يوم أغر محجل فركبه- ثم سار في الناس يمينا و شمالا ثم قال- اطرحوا لي عباءة فطرحت له فنزل فجلس عليها ثم قال- ائتوني بكرسي فأتي به فقام فجلس عليه- ثم نادى أهل الشام فقال- يا أهل الشام يا أهل السمع و الطاعة- لا يغلبن باطل هؤلاء الأرجاس حقكم- غضوا الأبصار و اجثوا على الركب- و استقبلوا القوم بأطراف الأسنة- فجثوا على الركب و كأنهم حرة سوداء- . و منذ هذا الوقت ركدت ريح شبيب- و أذن الله تعالى في إدبار أمره و انقضاء أيامه فأقبل- حتى إذا دنا من أهل الشام عبى أصحابه ثلاثة كراديس- كتيبة معه و كتيبة مع سويد بن سليم- و كتيبة مع المحلل بن وائل- و قال لسويد احمل عليهم في خيلك- فحمل عليهم فثبتوا له حتى إذا غشي أطراف أسنتهم- وثبوا في وجهه فقاتلهم طويلا فصبروا له ثم طاعنوه- قدما قدما حتى ألحقوه بأصحابه- .

فلما رأى شبيب صبرهم نادى يا سويد- احمل في خيلك في هذه الرايات الأخرى- لعلك تزيل أهلها فتأتي الحجاج من ورائه- و نحمل نحن عليه من أمامه- فحمل سويد على تلك الرايات و هي بين جدران الكوفة- فرمى بالحجارة من سطوح البيوت- و من أفواه السكك فانصرف و لم يظفروا- .و رماه عروة بن المغيرة بن شعبة بالسهام- و قد كان الحجاج جعله في ثلاثمائة رام من أهل الشام- ردءا له كي لا يؤتى من ورائه فصاح شبيب في أصحابه- . يا أهل الإسلام إنما شريتم لله- و من يكن شراؤه لله لم يضره ما أصابه من ألم و أذى- لله أبوكم الصبر الصبر- شدة كشداتكم الكريمة في مواطنكم المشهورة- . فشدوا شدة عظيمة- فلم يزل أهل الشام عن مراكزهم- فقال شبيب الأرض دبوا دبيبا تحت تراسكم- حتى إذا صارت أسنة أصحاب الحجاج فوقها- فأذلقوها صعدا و ادخلوا تحتها- و اضربوا سوقهم و أقدامهم و هي الهزيمة بإذن الله- فأقبلوا يدبون دبيبا تحت الحجف- صمدا صمدا نحو أصحاب الحجاج- .

فقال خالد بن عتاب بن ورقاء أيها الأمير- أنا موتور و لا أتهم في نصيحتي- فأذن لي حتى آتيهم من ورائهم- فأغير على معسكرهم و ثقلهم فقال افعل ذلك- فخرج في جمع من مواليه و شاكريته و بني عمه- حتى صار من ورائهم فالتقى بمصاد أخي شبيب فقتله- و قتل غزالة امرأة شبيب و ألقى النار في معسكرهم- و التفت شبيب و الحجاج فشاهدا النار- فأما الحجاج فكبر و كبر أصحابه- و أما شبيب فوثب هو- و كل راجل من أصحابه على خيولهم مرعوبين- فقال الحجاج لأصحابه شدوا عليهم- فقد أتاهم ما أرعبهم فشدوا عليهم فهزموهم- و تخلف شبيب في خاصة الناس حتى خرج من الجسر- و تبعه خيل الحجاج و غشيه النعاس- فجعل يخفق برأسه و الخيل تطلبه- .
قال أصغر الخارجي كنت معه ذلك اليوم- فقلت يا أمير المؤمنين التفت‏ فانظر من خلفك- فالتفت غير مكترث و جعل يخفق برأسه- قال و دنوا منا فقلت يا أمير المؤمنين- قد دنا القوم منك- فالتفت و الله ثانية غير مكترث بهم و جعل يخفق برأسه- و بعث الحجاج خيلا تركض تقول- دعوه يذهب في حرق الله فتركوه و انصرفوا عنه- .

و مضى شبيب بأصحابه حتى قطعوا جسر المدائن- فدخلوا ديرا هناك و خالد بن عتاب يقفوهم- فحصرهم في الدير فخرج شبيب إليه- فهزمه و أصحابه نحوا من فرسخين- حتى ألقى خالد نفسه في دجلة هو و أصحابه بخيولهم- فمر به شبيب فرآه في دجلة و لواؤه في يده فقال- قاتله الله فارسا و قاتل فرسه- فرس هذا أشد الناس قوة- و فرسه أقوى فرس في الأرض و انصرف- فقيل له بعد انصرافه- إن الفارس الذي رأيت هو خالد بن عتاب بن ورقاء فقال- معرق في الشجاعة لو علمت لأقحمت خلفه و لو دخل النار- . ثم دخل الحجاج الكوفة بعد هزيمة شبيب فصعد المنبر- و قال و الله ما قوتل شبيب قط قبل اليوم ولى هاربا- و ترك امرأته يكسر في استها القصب- .

ثم دعا حبيب بن عبد الرحمن- فبعثه في أثره في ثلاثة آلاف من أهل الشام و قال- احذر بياته و حيثما لقيته فنازله- فإن الله تعالى قد فل حده و قصم نابه- فخرج حبيب في أثره حتى نزل الأنبار- و بعث الحجاج إلى العمال أن دسوا إلى أصحاب شبيب- من جاءنا منكم فهو آمن- فكان كل من ليست له بصيرة في دين الخوارج- ممن هزه القتال و كرهه ذلك اليوم يجي‏ء فيؤمن- و قبل ذلك كان الحجاج نادى يوم هزم شبيب- من جاءنا فهو آمن- فتفرق عن شبيب ناس كثير من أصحابه- .

و بلغ شبيبا منزل حبيب بن عبد الرحمن بالأنبار- فأقبل بأصحابه حتى دنا منه- فقال يزيد السكسكي- كنت مع أهل الشام بالأنبار ليلة جاءنا شبيب- فبيتنا فلما أمسينا جمعنا حبيب بن عبد الرحمن- فجعلنا أرباعا و جعل على كل ربع أميرا- و قال لنا ليحم كل ربع منكم جانبه- فإن قتل هذا الربع فلا يعنهم الربع الآخر- فإنه بلغني أن الخوارج منكم قريب- فوطنوا أنفسكم على أنكم مبيتون فمقاتلون- قال فما زلنا على تعبيتنا- حتى جاءنا شبيب تلك الليلة فبيتنا- فشد على ربع منا فصابرهم طويلا- فما زالت قدم إنسان منهم- ثم تركهم و أقبل إلى ربع آخر- فقاتلهم طويلا فلم يظفر بشي‏ء- ثم طاف بنا يحمل علينا ربعا ربعا- حتى ذهب ثلاثة أرباع الليل- و لصق بنا حتى قلنا لا يفارقنا- ثم ترجل فنازلنا راجلا نزالا طويلا هو و أصحابه- فسقطت و الله بيننا و بينهم الأيدي و الأرجل- و فقئت الأعين و كثرت القتلى- فقتلنا منهم نحو ثلاثين و قتلوا منا نحو مائة- و ايم الله لو كانوا أكثر من مائتي رجل لأهلكونا- ثم فارقونا و قد مللناهم و ملونا و كرهناهم و كرهونا- و لقد رأيت الرجل منا يضرب الرجل منهم بالسيف- فما يضره من الإعياء و الضعف- و لقد رأيت الرجل منا يقاتل جالسا- ينفخ بسيفه ما يستطيع أن يقوم من الإعياء و البهر- حتى ركب شبيب و قال لأصحابه الذين نزلوا معه- اركبوا و توجه بهم منصرفا عنا- . فقال فروة بن لقيط الخارجي- و كان شهد معه مواطنه كلها قال لنا ليلتئذ- و قد رأى‏بنا كآبة ظاهرة و جراحات شديدة- ما أشد هذا الذي بنا لو كنا نطلب الدنيا- و ما أيسر هذا في طاعة الله و ثوابه- فقال أصحابه صدقت يا أمير المؤمنين- .

قال فروة بن لقيط- و سمعته تلك الليلة يحدث سويد بن سليم و يقول له- لقد قتلت منهم أمس رجلين من أشجع الناس- خرجت عشية أمس طليعة لكم- فلقيت منهم ثلاثة نفر دخلوا قرية- يشترون منها حوائجهم فاشترى أحدهم حاجته- و خرج قبل أصحابه فخرجت معه فقال لي- أراك لم تشتر علفا فقلت إن لي رفقاء قد كفوني ذلك- ثم قلت له أين ترى عدونا هذا نزل فقال- بلغني أنه قد نزل قريبا منا- و ايم الله لوددت أني لقيت شبيبهم هذا- قلت أ فتحب ذلك قال إي و الله- قلت فخذ حذرك فأنا و الله شبيب- و انتضيت السيف فخر و الله ميتا- فقلت له ارتفع ويحك و ذهبت أنظر فإذا هو قد مات- فانصرفت راجعا فاستقبلت الآخر خارجا من القرية فقال- أين تذهب هذه الساعة التي- يرجع فيها الناس إلى معسكرهم- فلم أكلمه و مضيت فنفرت بي فرسي و ذهبت تتمطر- فإذا به في أثري حتى لحقني فعطفت عليه و قلت- ما بالك قال أظنك و الله من عدونا قلت أجل و الله- قال إذا لا تبرح حتى أقتلك أو تقتلني- فحملت عليه و حمل علي فاضطربنا بسيفينا ساعة- فو الله ما فضلته في شدة نفس و لا إقدام- إلا أن سيفي كان أقطع من سيفه فقتلته- . و بلغ شبيبا أن جند الشام الذي مع حبيب- حملوا معهم حجرا و حلفوا لا يفرون حتى يفر هذا الحجر- فأراد أن يكذبهم فعمد إلى أربعة أفراس- و ربط في أذنابها ترسة
في ذنب كل فرس ترسين- ثم ندب ثمانية نفر من أصحابه- و غلاما له يقال له حيان كان شجاعا فاتكا- و أمره أن يحمل معه إداوة من ماء- ثم سار ليلا حتى أتى ناحية من عسكر أهل الشام-

فأمر أصحابه أن يكونوا في نواحي العسكر الأربع- و أن يكون مع كل رجلين فرس- ثم يلبسوها الحديد حتى تجد حره ثم يخلوها في العسكر- و واعدهم تلعة قريبة من العسكر و قال- من نجا منكم فإن موعده التلعة- فكره أصحابه الإقدام على ما أمرهم- فنزل بنفسه حتى صنع بالخيل ما أمرهم به- حتى دخلت في العسكر و دخل هو يتلوها- و يشد خلفها شدا محكما فتفرقت في نواحي العسكر- و اضطرب الناس فضرب بعضهم بعضا و ماجوا- و نادى حبيب بن عبد الرحمن ويحكم إنها مكيدة- فالزموا الأرض حتى يتبين لكم الأمر ففعلوا- و حصل شبيب بينهم فلزم الأرض معهم حتى رآهم قد سكنوا- و قد أصابته ضربة عمود أوهنته- .

فلما هدأ الناس و رجعوا إلى مراكزهم خرج في غمارهم- حتى أتى التلعة فإذا مولاه حيان فقال- أفرغ ويحك على رأسي من هذه الإداوة- فلما مد رأسه ليصب عليه من الماء هم حيان بضرب عنقه- و قال لنفسه لا أجد مكرمة لي- و لا ذكرا أرفع من هذا في هذه الخلوة- و هو أماني من الحجاج فأخذته الرعدة حين هم بما هم به- فلما أبطأ عليه قال له ويحك ما انتظارك بحلها- ناولنيها و تناول السكين من موزجه فخرقها به- ثم ناوله إياها فأفرغ عليه من الماء- فكان حيان بعد ذلك يقول- لقد هممت فأخذتني الرعدة فجبنت عنه- و ما كنت أعهد نفسي جبانا- . ثم إن الحجاج أخرج الناس إلى شبيب- و قسم فيهم أموالا عظيمة و أعطى الجرحى و كل ذي بلاء- و أمر سفيان بن الأبرد أن يسير بهم- فشق ذلك على حبيب‏ بن عبد الرحمن و قال- تبعث سفيان إلى رجل قد فللته و قتلت فرسانه- و كان شبيب قد أقام بكرمان حتى جبر- و استراش هو و أصحابه فمضى سفيان بالرجال- و استقبله شبيب بدجيل الأهواز و عليه جسر معقود- فعبر إلى سفيان فوجده قد نزل بالرجال- و جعل مهاصر بن صيفي على خيله- و بشر بن حسان الفهري على ميمنته- و عمر بن هبيرة الفزاري على ميسرته- و أقبل شبيب في ثلاثة كراديس هو في كتيبة- و سويد بن سليم في كتيبة و قعنب في كتيبة- و خلف المحلل في عسكره- فلما حمل سويد و هو في ميمنته على ميسرة سفيان- و قعنب و هو في ميسرته على ميمنة سفيان- حمل هو على سفيان ثم اضطربوا مليا- حتى رجعت الخوارج إلى مكانها الذي كانوا فيه- .

فقال يزيد السكسكي و كان من أصحاب سفيان يومئذ- كر علينا شبيب و أصحابه أكثر من ثلاثين كرة- و لا يزول من صفنا أحد- فقال لنا سفيان لا تحملوا عليهم متفرقين- و لكن لتزحف عليهم الرجال زحفا ففعلنا- و ما زلنا نطاعنهم حتى اضطررناهم إلى الجسر- فقاتلونا عليه أشد قتال يكون لقوم قط- ثم نزل شبيب و نزل معه نحو مائة رجل- فما هو إلا أن نزلوا حتى أوقعوا بنا- من الضرب و الطعن شيئا ما رأينا مثله قط و لا ظنناه يكون- فلما رأى سفيان أنه لا يقدر عليهم و لا يأمن ظفرهم- دعا الرماة فقال ارشقوهم بالنبل و ذلك عند المساء- و كان الالتقاء ذلك اليوم نصف النهار فرشقهم أصحابه- و قد كان سفيان صفهم على حدة و عليهم أمير- فلما رشقوهم شدوا عليهم- فشددنا نحن و شغلناهم عنهم- فلما رأوا ذلك ركب شبيب و أصحابه- و كروا على أصحاب النبل كرة شديدة- صرعوا منهم فيها أكثر من ثلاثين راميا- ثم عطف علينا يطاعننا بالرماح- حتى اختلط الظلام ثم انصرف عنا- فقال سفيان بن الأبرد لأصحابه‏ يا قوم دعوهم لا تتبعوهم- يا قوم دعوهم لا تتبعوهم حتى نصبحهم قال- فكففنا عنهم و ليس شي‏ء أحب إلينا من أن ينصرفوا عنا- . قال فروة بن لقيظ الخارجي- فلما انتهينا إلى الجسر قال شبيب- اعبروا معاشر المسلمين- فإذا أصبحنا باكرناهم إن شاء الله تعالى- قال فعبرنا أمامه و تخلف في آخرنا- و أقبل يعبر الجسر و تحته حصان جموح- و بين يديه فرس أنثى ماذيانة- فنزا حصانه عليها و هو على الجسر فاضطربت الماذيانة- و زل حافر فرس شبيب عن حرف السفينة- فسقط في الماء فسمعناه يقول لما سقط- ليقضي الله أمرا كان مفعولا- و اغتمس في الماء ثم ارتفع فقال- ذلك تقدير العزيز العليم- ثم اغتمس في الماء فلم يرتفع- .

هكذا روى أكثر الناس و قال قوم- إنه كان مع شبيب رجال كثير بايعوه في الوقائع التي- كان يهزم الجيش فيها- و كانت بيعتهم إياه على غير بصيرة- و قد كان أصاب عشائرهم و ساداتهم فهم منه موتورون- فلما تخلف في أخريات الناس يومئذ- قال بعضهم لبعض هل لكم أن نقطع به الجسر- فندرك ثارنا الساعة فقالوا هذا هو الرأي- فقطعوا الجسر فمالت به السفينة- ففزع حصانه و نفر فسقط في الماء و غرق- . و الرواية الأولى أشهر- فحدث قوم من أصحاب سفيان قالوا- سمعنا صوت الخوارج يقولون غرق أمير المؤمنين- فعبرنا إلى عسكرهم فإذا هو ليس فيه صافر و لا أثر- فنزلنا فيه و طلبنا شبيبا- حتى استخرجناه من الماء و عليه الدرع- فيزعم الناس أنهم‏شقوا بطنه و أخرجوا قلبه- فكان مجتمعا صلبا كالصخرة- و أنه كان يضرب به الأرض فينبو و يثب قامة الإنسان- . و يحكى أن أم شبيب كانت لا تصدق أحدا نعاه إليها- و قد كان قيل لها مرارا إنه قد قتل فلا تقبل- فلما قيل لها إنه قد غرق بكت- فقيل لها في ذلك فقالت رأيت في المنام حين ولدته- أنه خرج من فرجي نار ملأت الآفاق ثم سقطت في ماء فخمدت- فعلمت أنه لا يهلك إلا بالغرق

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۴

خطبه 57 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(قسمت اول)

57 و من كلام له ع كلم به الخوارج- :

أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ وَ لَا بَقِيَ مِنْكُمْ آبِرٌ- أَ بَعْدَ إِيمَانِي بِاللَّهِ وَ جِهَادِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص- أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ- لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَ مَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ- فَأُوبُوا شَرَّ مَآبٍ وَ ارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الْأَعْقَابِ- أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلًّا شَامِلًا وَ سَيْفاً قَاطِعاً- وَ أَثَرَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِيكُمْ سُنَّةً قال الرضي رحمه الله- قوله ع و لا بقي منكم آبر يروى على ثلاثة أوجه- أحدها أن يكون كما ذكرناه آبر بالراء- من قولهم رجل آبر للذي يأبر النخل أي يصلحه- . و يروى آثر بالثاء بثلاث نقط- يراد به الذي يأثر الحديث- أي يرويه و يحكيه و هو أصح الوجوه عندي- كأنه ع قال لا بقي منكم مخبر- . و يروى آبز بالزاي المعجمة و هو الواثب- و الهالك أيضا يقال له آبزالحاصب الريح الشديدة التي تثير الحصباء- و هو صغار الحصى و يقال لها أيضا حصبة- قال لبيد

جرت عليها إذ خوت من أهلها
أذيالها كل عصوف حصبه‏

فأما التفسيرات التي فسر بها الرضي رحمه الله- تعالى قوله ع آبر فيمكن أن يزاد فيها- فيقال يجوز أن يريد بقوله و لا بقي منكم آبر- أي نمام يفسد ذات البين- و المئبرة النميمة و أبر فلان أي نم- و الآبر أيضا من يبغي القوم الغوائل خفية- مأخوذ من أبرت الكلب إذا أطعمته الإبرة في الخبز- و في الحديث المؤمن كالكلب المأبور – و يجوز أن يكون أصله هابر- أي من يضرب بالسيف فيقطع- و أبدلت الهاء همزة كما قالوا في آل أهل- و إن صحت الرواية الأخرى آثر بالثاء بثلاث نقط- فيمكن أن يريد به ساجي باطن خف البعير- و كانوا يسجون باطن الخف بحديدة ليقتص أثره- رجل آثر و بعير مأثور- . و قوله ع فأوبوا شر مآب أي ارجعوا شر مرجع- و الأعقاب جمع عقب بكسر القاف و هو مؤخر القدم- و هذا كله دعاء عليهم- قال لهم أولا أصابكم حاصب و هذا من دعاء العرب- قال تميم بن أبي مقبل-

فإذا خلت من أهلها و قطينها
فأصابها الحصباء و السفان‏

 ثم قال لهم ثانيا لا بقي منكم مخبر- ثم قال لهم ثالثا ارجعوا شر مرجع- ثم قال لهم رابعا عودوا على أثر الأعقاب- و هو مأخوذ من قوله تعالى- وَ نُرَدُّعَلى‏ أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ- و المراد انعكاس حالهم و عودهم من العز إلى الذل- و من الهداية إلى الضلال- . و قوله ع و أثرة يتخذها الظالمون فيكم سنة- فالأثرة هاهنا الاستبداد عليهم بالفي‏ء و الغنائم- و اطراح جانبهم- و قال النبي ص للأنصار ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني

أخبار الخوارج و ذكر رجالهم و حروبهم

و اعلم أن الخوارج على أمير المؤمنين ع- كانوا أصحابه و أنصاره في الجمل و صفين قبل التحكيم- و هذه المخاطبة لهم و هذا الدعاء عليهم- و هذا الإخبار عن مستقبل حالهم و قد وقع ذلك- فإن الله تعالى سلط على الخوارج بعده الذل الشامل- و السيف القاطع و الأثرة من السلطان- و ما زالت حالهم تضمحل- حتى أفناهم الله تعالى و أفنى جمهورهم- و لقد كان لهم من سيف المهلب بن أبي صفرة- و بنيه الحتف القاضي و الموت الزؤام- . و نحن نذكر من أخبار الخوارج و حروبهم هاهنا طرفا

عروة بن حدير

فمنهم عروة بن حدير أحد بني ربيعة بن حنظلة من بني تميم- و يعرف بعروة بن أدية و أدية جدة له جاهلية- و كان له أصحاب و و أتباع و شيعة- فقتله زياد في خلافة معاوية صبرا

نجدة بن عويمر الحنفي

و منهم نجدة بن عويمر الحنفي كان من رؤسائهم- و له مقالة مفردة من مقالة الخوارج‏ و له أتباع و أصحاب- و إليهم أشار الصلتان العبدي بقوله-

أرى أمة شهرت سيفها
و قد زيد في سوطها الأصبحي‏

بنجدية أو حررية
و أزرق يدعو إلى أزرقي‏

فملتنا أننا مسلمون
على دين صديقنا و النبي‏

أشاب الصغير و أفنى‏
الكبير مر الغداة و كر العشي‏

إذا ليلة أهرمت يومها
أتى بعد ذلك يوم فتي‏

نروح و نغدو لحاجاتنا
و حاجة من عاش لا تنقضي‏

تموت مع المرء حاجاته
و تبقى له حاجة ما بقي‏

و كان نجدة يصلي بمكة بحذاء عبد الله بن الزبير في جمعة [في كل جمعة]- و عبد الله يطلب الخلافة- فيمسكان عن القتال من أجل الحرم- . و قال الراعي يخاطب عبد الملك-

إني حلفت على يمين برة
لا أكذب اليوم الخليفة قيلا

ما إن أتيت أبا خبيب وافدا
يوما أريد لبيعتي تبديلا

و لما أتيت نجيدة بن عويمر
أبغي الهدى فيزيدني تضليلا

من نعمة الرحمن لا من حيلتي‏
أنى أعد له علي فضولا

 و استولى نجدة على اليمامة و عظم أمره- حتى ملك اليمن و الطائف و عمان و البحرين- و وادي تميم و عامر- ثم إن أصحابه نقموا عليه أحكاما أحدثها في مذهبهم- منها قوله إن‏ المخطئ بعد الاجتهاد معذور- و إن الدين أمران معرفة الله و معرفة رسوله- و ما سوى ذلك فالناس معذورون بجهله- إلى أن تقوم عليهم الحجة- فمن استحل محرما من طريق الاجتهاد فهو معذور- حتى أن من تزوج أخته أو أمه مستحلا لذلك بجهالة- فهو معذور و مؤمن- فخلعوه و جعلوا اختيار الإمام إليه- فاختار لهم أبا فديك أحد بني قيس بن ثعلبة- فجعله رئيسهم- ثم إن أبا فديك أنفذ إلى نجدة بعد من قتله- ثم تولاه بعد قتله طوائف من أصحابه بعد أن تفرقوا عليه- و قالوا قتل مظلوما

المستورد بن سعد التميمي

و منهم المستورد بن سعد أحد بني تميم- كان ممن شهد يوم النخيلة- و نجا بنفسه فيمن نجا من سيف علي ع- ثم خرج بعد ذلك بمدة على المغيرة بن شعبة- و هو والي الكوفة لمعاوية بن أبي سفيان- في جماعة من الخوارج- فوجه المغيرة إليه معقل بن قيس الرياحي- فلما تواقفا دعاه المستورد إلى المبارزة- و قال له علام تقتل الناس بيني و بينك- فقال معقل النصف سألت فأقسم عليه أصحابه- فقال ما كنت لآبى عليه فخرج إليه فاختلفا ضربتين- خر كل واحد منهما من ضربة صاحبه قتيلا- . و كان المستورد ناسكا كثير الصلاة- و له آداب و حكم مأثارة

حوثرة الأسدي

و منهم حوثرة الأسدي خرج على معاوية في عام الجماعة في عصابة من الخوارج- فبعث إليه معاوية جيشا من أهل الكوفة- فلما نظر حوثرة إليهم قال لهم يا أعداء الله- أنتم بالأمس تقاتلون معاوية لتهدوا سلطانه- و أنتم اليوم تقاتلون معه لتشدوا سلطانه- فلماالتحمت الحرب قتل حوثرة- قتله رجل من طيئ و فضت جموعه

قريب بن مرة و زحاف الطائي

و منهم قريب بن مرة الأزدي و زحاف الطائي- كانا عابدين مجتهدين من أهل البصرة- فخرجا في أيام معاوية في إمارة زياد- و اختلف الناس أيهما كان الرئيس فاعترضا الناس- فلقيا شيخا ناسكا من بني ضبيعة- من ربيعة بن نزار فقتلاه- و كان يقال له رؤبة الضبعي و تنادى الناس- فخرج رجل من بني قطيعة من الأزد و في يده السيف- فناداه الناس من ظهور البيوت الحرورية أنج بنفسك- فنادوه لسنا حرورية نحن الشرط فوقف فقتلوه- فبلغ أبا بلال مرداس بن أدية خبرهما- فقال قريب لا قربه الله و زحاف لا عفا الله عنه- ركباها عشواء مظلمة يريد اعتراضهما الناس- ثم جعلا لا يمران بقبيلة إلا قتلا من وجدا- حتى مرا على بني علي بن سود من الأزد- و كانوا رماة كان فيهم مائة يجيدون الرمي- فرموهم رميا شديدا- فصاحوا يا بني علي البقيا لا رماء بيننا- فقال رجل من بني علي بن سود-

لا شي‏ء للقوم سوى السهام
مشحوذة في غلس الظلام‏

فعرد عنهم الخوارج و خافوا الطلب- و اشتقوا مقبرة بني يشكر حتى نفذوا إلى مزينة- ينتظرون من يلحق بهم من مضر و غيرها- فجاءهم ثمانون و خرجت إليهم بنو طاحية من بنو سود- و قبائل من مزينة و غيرها- فاستقتلت الخوارج و حاربت حتى قتلت عن آخرها- و قتل قريب و زحاف- .

أبو بلال مرداس بن أدية

و منهم أبو بلال مرداس بن أدية- و هو أخو عروة بن حدير الذي ذكرناه أولا- خرج في أيام عبيد الله بن زياد- و أنفذ إليه ابن زياد عباس بن أخضر المازني- فقتله و قتل أصحابه و حمل رأسه إلى ابن زياد- و كان أبو بلال عابدا ناسكا شاعرا- و من قدماء أصحابنا من يدعيه- لما كان يذهب إليه من العدل و إنكار المنكر- و من قدماء الشيعة من يدعيه أيضا

نافع بن الأزرق الحنفي

و منهم نافع بن الأزرق الحنفي- و كان شجاعا مقدما في فقه الخوارج- و إليه تنسب الأزارقة- و كان يفتي بأن الدار دار كفر و أنهم جميعا في النار- و كل من فيها كافر إلا من أظهر إيمانه- و لا يحل للمؤمنين أن يجيبوا داعيا منهم إلى الصلاة- و لا أن يأكلوا من ذبائحهم و لا أن يناكحوهم- و لا يتوارث الخارجي و غيره- و هم مثل كفار العرب و عبدة الأوثان- لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف- و القعد بمنزلتهم و التقية لا تحل- لأن الله تعالى يقول إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ- كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً- و قال فيمن كان على خلافهم- يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ- فتفرق عنه جماعة من الخوارج منهم نجدة بن عامر- و احتج نجدة بقول الله تعالى- وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ- فسار نجدة و أصحابه إلى اليمامة- و أضاف نافع إلى مقالته التي قدمناها- استحلاله الغدر بأمانته لمن خالفه فكتب نجدة إليه-

أما بعد فإن عهدي بك و أنت لليتيم كالأب الرحيم- و للضعيف كالأخ البر تعاضد قوى المسلمين- و تصنع للأخرق منهم لا تأخذك في الله لومة لائم و لا ترى معونة ظالم- كذلك كنت أنت و أصحابك- أ و لا تتذكر قولك- لو لا أني أعلم أن للإمام العادل مثل أجر رعيته- ما توليت أمر رجلين من المسلمين- فلما شريت نفسك في طاعة ربك ابتغاء مرضاته- و أصبت من الحق فصه و صبرت على مره- تجرد لك الشيطان- و لم يكن أحد أثقل عليه وطأة منك و من أصحابك- فاستمالك و استهواك و أغواك فغويت- و أكفرت الذين عذرهم الله تعالى في كتابه- من قعدة المسلمين و ضعفتهم- قال الله عز و جل و قوله الحق و وعده الصدق- لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى الْمَرْضى‏- وَ لا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ- إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ- ثم سماهم تعالى أحسن الأسماء- فقال ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ- ثم استحللت قتل الأطفال- و قد نهى رسول الله ص عن قتلهم-

و قال الله جل ثناؤه وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏- و قال سبحانه في القعدة خيرا- فقال وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً- فتفضيله المجاهدين على القاعدين- لا يدفع منزلة من هو دون المجاهدين- أ و ما سمعت قوله تعالى- لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ- فجعلهم من المؤمنين- و فضل عليهم المجاهدين بأعمالهم- ثم إنك لا تؤدي أمانة إلى من خالفك- و الله تعالى قد أمر أن تؤدى الأمانات إلى أهلها- فاتق الله في نفسك و اتق يوما لا يجزى فيه والد عن ولده- و لا مولود هو جاز عن والده شيئا- فإن الله بالمرصاد و حكمه العدل و قوله الفصل و السلام-

فكتب إليه نافع- أما بعد أتاني كتابك تعظني فيه- و تذكرني و تنصح لي و تزجرني- و تصف ما كنت عليه من الحق- و ما كنت أوثره من الصواب- و أنا أسأل الله أن يجعلني من القوم- الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه- . و عبت علي ما دنت به- من إكفار القعدة و قتل الأطفال- و استحلال الأمانة من المخالفين- و سأفسر لك إن شاء الله- . أما هؤلاء القعدة- فليسوا كمن ذكرت ممن كان على عهد رسول الله ص- لأنهم كانوا بمكة مقهورين محصورين- لا يجدون إلى الهرب سبيلا- و لا إلى الاتصال بالمسلمين طريقا- و هؤلاء قد تفقهوا في الدين و قرءوا القرآن- و الطريق لهم نهج واضح- و قد عرفت ما قال الله تعالى فيمن كان مثلهم- إذ قالوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ- فقال أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها- و قال سبحانه فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ- وَ كَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ- و قال وَ جاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ- فخبر بتعذيرهم و أنهم كذبوا الله و رسوله- ثم قال سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ- فانظر إلى أسمائهم و سماتهم- . و أما الأطفال فإن نوحا نبي الله كان أعلم بالله مني و منك- و قد قال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً- إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ- وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً- فسماهم بالكفر و هم أطفال و قبل أن يولدوا- فكيف كان ذلك‏ في قوم نوح و لا تقوله في قومنا- و الله تعالى يقول- أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ- و هؤلاء كمشركي العرب لا يقبل منهم جزية- و ليس بيننا و بينهم إلا السيف أو الإسلام- .

و أما استحلال أمانات من خالفنا- فإن الله تعالى أحل لنا أموالهم- كما أحل دماءهم لنا فدماؤهم حلال طلق- و أموالهم في‏ء للمسلمين فاتق الله و راجع نفسك- فإنه لا عذر لك إلا بالتوبة- و لن يسعك خذلاننا- و القعود عنا و ترك ما نهجناه لك من مقالتنا- و السلام على من أقر بالحق و عمل به- . و كتب إلى من بالبصرة من المحكمة- أما بعد فإن الله اصطفى لكم الدين- فلا تموتن إلا و أنتم مسلمون- إنكم لتعلمون أن الشريعة واحدة و الدين واحد- ففيم المقام بين أظهر الكفار ترون الظلم ليلا و نهارا- و قد ندبكم الله عز و جل إلى الجهاد-

فقال وَ قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً- و لم يجعل لكم في التخلف عذرا في حال من الأحوال- فقال انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا- و إنما عذر الضعفاء و المرضى- و الذين لا يجدون ما ينفقون- و من كانت إقامته لعلة- ثم فضل عليهم مع ذلك المجاهدين- فقال لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ- وَ الْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ- فلا تغتروا و تطمئنوا إلى الدنيا- فإنها غرارة مكارة لذتها نافدة و نعيمها بائد- حفت بالشهوات اغترارا و أظهرت حبرة و أضمرت عبرة- فليس آكل منها أكلة تسره- و لا شارب منها شربة تؤنقه إلا و دنا بها درجة إلى أجله- و تباعد بها مسافة من أمله- و إنما جعلها الله دار المتزود منها- إلى النعيم المقيم و العيش السليم- فليس يرضى بها حازم دارا و لا حكيم قرارا- فاتقوا الله و تزودوا فإن خير الزاد التقوى- و السلام على من اتبع الهدى- .

فلما أظهر نافع مقالته هذه و انفرد عن الخوارج بها- أقام في أصحابه بالأهواز يستعرض الناس و يقتل الأطفال- و يأخذ الأموال و يجبي الخراج- و فشا عماله بالسواد فارتاع لذلك أهل البصرة- و اجتمع منهم عشرة آلاف إلى الأحنف- و سألوه أن يؤمر عليهم أميرا يحميهم من الخوارج و يجاهد بهم- فأتى عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب- و هو المسمى ببة- فسأله أن يؤمر عليهم- و ببة يومئذ أمير البصرة من قبل ابن الزبير- فأمر عليهم مسلم بن عبيس بن كريز و كان دينا شجاعا- فلما خرج بهم من جسر البصرة أقبل عليهم- و قال أيها الناس إني ما خرجت لامتيار ذهب و لا فضة- و إني لأحارب قوما إن ظفرت بهم- فما وراءهم إلا السيوف و الرماح- فمن كان شأنه الجهاد فلينهض- و من أحب الحياة فليرجع- .

فرجع نفر يسير و مضى الباقون معه- فلما صاروا بدولاب خرج إليهم نافع و أصحابه- فاقتتلوا قتالا شديدا حتى تكسرت الرماح- و عقرت الخيل و كثر الجراح و القتل- و تضاربوا بالسيوف و العمد- فقتل ابن عبيس أمير أهل البصرة- و قتل نافع بن الأزرق أمير الخوارج- و ادعى قتله سلامة الباهلي- و كان نافع قد استخلف عبيد الله بن بشير- بن الماحوز السليطي اليربوعي- و استخلف ابن عبيس الربيع- بن عمرو الأجذم الغداني اليربوعي- فكان الرئيسان من بني يربوع- فاقتتلوا بعد قتل ابن عبيس و نافع- قتالا شديدا نيفا و عشرين يوما- حتى قال الربيع لأصحابه إني رأيت البارحة- كأن يدي‏ التي أصيبت بكابل انحطت من السماء- فاستشلتني- فلما كان الغد قاتلهم إلى الليل ثم عاودهم القتال- فقتل فتدافع أهل البصرة الراية- حتى خافوا العطب إذ لم يكن لهم رئيس- ثم أجمعوا على الحجاج بن رباب الحميري فأباها- فقيل له أ لا ترى رؤساء العرب قد اختاروك من بينهم- فقال إنها مشئومة لا يأخذها أحد إلا قتل- ثم أخذها فلم يزل يقاتل القوم بدولاب- – حتى التقى بعمران بن الحارث الراسبي- و ذلك بعد أن اقتتلوا زهاء شهر- فاختلفا ضربتين فخرا ميتين- . و قام حارثة بن بدر الغداني بأمر أهل البصرة بعده- و ثبت بإزاء الخوارج يناوشهم القتال مناوشة خفيفة- و يزجي الأوقات انتظارا- لقدوم أمير من قبل ببة يلي حرب الخوارج- و هذه الحرب تسمى حرب دولاب- و هي من حروب الخوارج المشهورة- انتصف فيها الخوارج من المسلمين- و انتصف المسلمون منهم- فلم يكن فيها غالب و لا مغلوب

عبيد الله بن بشير بن الماحوز اليربوعي

و منهم عبيد الله بن بشير بن الماحوز اليربوعي- قام بأمر الخوارج يوم دولاب بعد قتل نافع بن الأزرق- و قام بأمر أهل البصرة عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي- ولاه عبد الله بن الزبير ذلك- و لقيه كتابه بالإمارة و هو يريد الحج- و قد صار إلى بعض الطريق فرجع فأقام بالبصرة- و ولى أخاه عثمان بن عبيد الله بن معمر محاربة الأزارقة- فخرج إليهم في اثني عشر ألفا- فلقيه أهل البصرة الذين كانوا في وجه الأزارقة- و معهم حارثة بن بدر الغداني- يقوم بأمرهم عن غير ولاية- و كان ابن الماحوز حينئذ في سوق الأهواز- فلما عبرعثمان إليهم دجيلا- نهضت إليه الخوارج- فقال عثمان لحارثه ما الخوارج إلا ما أرى- فقال حارثة حسبك بهؤلاء قال لا جرم- لا أتغدى حتى أناجزهم- فقال حارثة إن هؤلاء القوم لا يقاتلون بالتعسف- فأبق على نفسك و جندك- فقال أبيتم يا أهل العراق إلا جبنا- و أنت يا حارثة ما علمك بالحرب- أنت و الله بغير هذا أعلم يعرض له بالشراب- و كان حارثة بن بدر صاحب شراب فغضب حارثة فاعتزل- و حاربهم عثمان يومه إلى أن غربت الشمس- فأجلت الحرب عنه قتيلا و انهزم الناس- و أخذ حارثة بن بدر الراية و صاح بالناس- أنا حارثة بن بدر فثاب إليه قوم فعبر بهم دجيلا- و بلغ قتل عثمان البصرة- فقال شاعر من بني تميم-

مضى ابن عبيس صابرا غير عاجز
و أعقبنا هذا الحجازي عثمان‏

فأرعد من قبل اللقاء ابن معمر
و أبرق و البرق اليماني خوان‏

فضحت قريشا غثها و سمينها
و قيل بنو تيم بن مرة عزلان‏

فلو لا ابن بدر للعراقين لم يقم‏
بما قام فيه للعراقين إنسان‏

إذا قيل من حامي الحقيقة أومأت
إليه معد بالأكف و قحطان‏

 و وصل الخبر إلى عبد الله بن الزبير بمكة- فكتب إلى عمر بن عبيد الله بن معمر بعزله- و ولى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي- المعروف بالقباع البصرة فقدمها- فكتب إليه حارثة بن بدر يسأله الولاية و المدد- فأراد توليته- فقال له رجل من بكر بن‏ وائل- إن حارثة ليس بذلك إنما هو صاحب شراب- و كان حارثة مستهترا بالشراب معاقرا للخمر- و فيه يقول رجل من قومه-

أ لم تر أن حارثة بن بدر
يصلي و هو أكفر من حمار

أ لم تر أن للفتيان حظا
و حظك في البغايا و العقار

فكتب إليه القباع تكفى حربهم إن شاء الله- فأقام حارثة يدافعهم حتى تفرق أصحابه عنه- و بقي في خف منهم- فأقام بنهر تيري فعبرت إليه الخوارج- فهرب من تخلف معه من أصحابه- و خرج يركض حتى أتى دجيلا فجلس في سفينة- و اتبعه جماعة من أصحابه فكانوا معه فيها- و وافاه رجل من بني تميم عليه سلاحه و الخوارج وراءه- و قد توسط حارثة دجيلا- فصاح به يا حارثة ليس مثلي يضيع- فقال للملاح قرب فقرب إلى جرف و لا فرضة هناك- فطفر بسلاحه في السفينة فساخت بالقوم جميعا- و هلك حارثة- .

و روى أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني الكبير- أن حارثة لما عقدوا له الرئاسة و سلموا إليه الراية- أمرهم بالثبات و قال لهم إذا فتح الله عليكم- فللعرب زيادة فريضتين و للموالي زيادة فريضة- و ندب الناس- فالتقوا و ليس بأحد منهم طرق قد فشت فيهم الجراحات- و ما تطأ الخيل إلا على القتلى فبينا هم كذلك- إذ أقبل جمع‏ من الشراة من جهة اليمامة- يقول المكثر إنهم مائتان و المقلل إنهم أربعون- فاجتمعوا و هم مريحون مع أصحابهم- فصاروا كوكبة واحدة- فلما رآهم حارثة بن بدر ركض برايته منهزما- و قال لأصحابه

كرنبوا و دولبوا
أو حيث شئتم فاذهبوا

 و قال

أير الحمار فريضة لعبيدكم
و الخصيتان فريضة الأعراب‏

 قال كرنبوا أي اطلبوا كرنبى- و هي قرية قريبة من الأهواز و دولبوا اطلبوا دولاب- و هي ضيعة بينها و بين الأهواز أربعة فراسخ- . قال فتتابع الناس على أثره منهزمين و تبعتهم الخوارج- فألقى الناس أنفسهم في الماء- فغرق منهم بدجيل الأهواز خلق كثير

الزبير بن علي السليطي و ظهور أمر المهلب

و منهم الزبير بن علي السليطي التميمي- كان على مقدمة ابن الماحوز- و كان ابن الماحوز يخاطب بالخلافة- و يخاطب الزبير بالإمارة- و وصل الزبير بعد هلاك حارثة بن بدر- و هرب أصحابه إلى البصرة فخافه الناس خوفا شديدا- و ضج أهل البصرة إلى الأحنف فأتى القباع- فقال أصلح الله الأمير- إن هذا العدو قد غلبنا على سوادنا و فيئنا- فلم يبق إلا أن يحصرنا في بلدنا حتى نموت هزالا- قال فسموا إلى رجلا يلي الحرب- فقال الأحنف لا أرى لها رجلا إلا المهلب بن أبي صفرة- فقال أ و هذا رأي‏ جميع أهل البصرة- اجتمعوا إلي في غد لأنظر- و جاء الزبير حتى نزل على البصرة و عقد الجسر ليعبر إليها- فخرج أكثر أهل البصرة إليه- و انضم إلى الزبير جميع كور الأهواز و أهلها رغبة و رهبة- فوافاه البصريون في السفن و على الدواب- فاسودت بهم الأرض-

فقال الزبير لما رآهم أبى قومنا إلا كفرا و قطع الجسر- و أقام الخوارج بإزائهم و اجتمع الناس عند القباع- و خافوا الخوارج خوفا شديدا و كانوا ثلاث فرق- سمى قوم المهلب و سمى قوم مالك بن مسمع- و سمى قوم زياد بن عمرو بن أشرف العتكي- فاختبر القباع ما عند مالك و زياد- فوجدهما متثاقلين عن الحرب و عاد إليه من أشار بهما- و قالوا قد رجعنا عن رأينا ما نرى لها إلا المهلب- فوجه إليه القباع فأتاه فقال له يا أبا سعيد- قد ترى ما قد رهقنا من هذا العدو- و قد أجمع أهل مصرك عليك- و قال له الأحنف يا أبا سعيد أنا و الله ما آثرناك- و لكنا لم نر من يقوم مقامك- .

ثم قال القباع و أومأ إلى الأحنف- أن هذا الشيخ لم يسمك إلا إيثارا للدين و البقيا- و كل من في مصرك ماد عينه إليك- راج أن يكشف الله عنه هذه الغمة بك- فقال المهلب لا حول و لا قوة إلا بالله- إني عند نفسي لدون ما وصفتم و لست آبى ما دعوتم إليه- لكن لي شروطا أشترطها- قالوا قل قال على أن أنتخب من أحببت- قال الأحنف ذاك لك قال و لي إمرة كل بلد أغلب عليه- قالوا لك ذلك قال و لي في‏ء كل بلد أظفر به- قال الأحنف ليس ذاك لك و لا لنا إنما هو في‏ء للمسلمين- فإن سلبتهم إياه كنت عليهم كعدوهم- و لكن لك أن تعطي أصحابك- من في‏ء كل بلد تغلب عليه ما أحببت- و تنفق منه على محاربة عدوك- فما فضل عنكم كان للمسلمين- فقال المهلب لا حول و لا قوة إلا بالله فمن لي بذلك- قال الأحنف نحن و أميرك و جماعة أهل مصرك قال قد قبلت- فكتبوا بينهم بذلك كتابا- و وضع على يدي الصلت بن حريث بن جابر الجعفي-

و انتخب المهلب من جميع الأخماس- فبلغت نخبته اثني عشر ألفا و نظروا في بيت المال-فلم يكن إلا مائتي ألف درهم- فعجزت فبعث المهلب إلى التجار- فقال إن تجاراتكم منذ حول- قد فسدت بانقطاع مواد الأهواز و فارس عنكم- فهلموا فبايعوني و اخرجوا معي أوفكم حقوقكم- فبايعوه و تاجروه- فأخذ منهم من المال ما أصلح به عسكره- و اتخذ لأصحابه الخفاتين و الرانات المحشوة بالصوف- ثم نهض و كان أكثر أصحابه رجالة- حتى إذا صار بحذاء القوم أمر بسفن فأصلحت و أحضرت- فما ارتفع النهار حتى فرغ منها- ثم أمر الناس بالعبور- و أمر عليهم ابنه المغيرة فخرج الناس- فلما قاربوا الشط خاضت إليهم الخوارج- فحاربوهم و حاربهم المغيرة- و نضحهم بالسهام حتى تنحوا- و صار هو و أصحابه على الشط فحاربوا الخوارج فكشفوهم و شغلوهم حتى عقد المهلب الجسر و عبر- و الخوارج منهزمون- فنهى الناس عن اتباعهم- ففي ذلك يقول شاعر من الأزد-

إن العراق و أهله لم يخبروا
مثل المهلب في الحروب فسلموا

أمضى و أيمن في اللقاء نقيبة
و أقل تهليلا إذا ما أحجموا

 و أبلى مع المغيرة يومئذ عطية بن عمرو العنبري- من فرسان تميم و شجعانهم- و من شعر عطية

يدعى رجال للعطاء و إنما
يدعى عطية للطعان الأجرد

و قال فيه شاعر من بني تميم-

و ما فارس إلا عطية فوقه
إذا الحرب أبدت عن نواجذها الفما

به هزم الله الأزارق بعد ما
أباحوا من المصرين حلا و محرما

 فأقام المهلب أربعين ليلة يجبي الخراج بكور دجلة- و الخوارج بنهر تيرى- و الزبير بن علي منفرد بعسكره عن عسكر ابن الماحوز- فقضى المهلب التجار و أعطى أصحابه-فأسرع الناس إليه رغبة في مجاهدة العدو- و طمعا في الغنائم و التجارات- فكان فيمن أتاه محمد بن واسع الأزدي- و عبد الله بن رباح و معاوية بن قرة المزني- و كان يقول لو جاءت الديلم من هاهنا- و الحرورية من هاهنا لحاربت الحرورية- و جاءه أبو عمران الجوني- و كان يروى عن كعب- أن قتيل الحرورية يفضل قتيل غيرهم بعشرة أبواب- . ثم أتى المهلب إلى نهر تيرى- فتنحوا عنه إلى الأهواز- و أقام المهلب يجبي ما حواليه من الكور- و قد دس الجواسيس إلى عسكر الخوارج- يأتونه بأخبارهم و من في عسكرهم- و إذا حشوه ما بين قصاب و حداد و داعر- فخطب المهلب الناس و ذكر لهم ذلك- و قال أ مثل هؤلاء يغلبونكم على فيئكم- و لم يزل مقيما حتى فهمهم- و أحكم أمرهم و قوى أصحابه- و كثرت الفرسان في عسكره- و تتام أصحابه عشرين ألفا- .

ثم مضى يؤم كور الأهواز- فاستخلف أخاه المعارك بن أبي صفرة على نهر تيرى- و جعل المغيرة على مقدمته فسار حتى قاربهم- فناوشهم و ناوشوه فانكشف عن المغيرة بعض أصحابه- و ثبت المغيرة نفسه بقية يومه و ليلته يوقد النيران- ثم غاداهم فإذا القوم قد أوقدوا النيران في بقية متاعهم- و ارتحلوا عن سوق الأهواز فدخلها المغيرة- و قد جاءت أوائل خيل المهلب فأقام بسوق الأهواز- و كتب بذلك إلى الحارث القباع كتابا يقول فيه- . أما بعد فإنا مذ خرجنا نؤم العدو- في نعم من فضل الله متصلة علينا- و نقم متتابعة عليهم نقدم و يحجمون- و نحل و يرتحلون إلى أن حللنا سوق الأهواز- و الحمد لله رب العالمين الذي من عنده النصر- و هو العزيز الحكيم-فكتب إليه الحارث- هنيئا لك أخا الأزد الشرف في الدنيا و الأجر في الآخرة- إن شاء الله- .

فقال المهلب لأصحابه ما أجفى أهل الحجاز- أ ما ترونه عرف اسمي و كنيتي و اسم أبي- قالوا و كان المهلب يبث الأحراس في الأمن- كما يبثهم في الخوف و يذكي العيون في الأمصار- كما يذكيها في الصحاري و يأمر أصحابه بالتحرز- و يخوفهم البيات- و إن بعد منه العدو- و يقول احذروا أن تكادوا كما تكيدون- و لا تقولوا هزمناهم و غلبناهم و القوم خائفون وجلون- فإن الضرورة تفتح باب الحيلة- .

ثم قام فيهم خطيبا فقال أيها الناس- قد عرفتم مذهب هؤلاء الخوارج- و أنهم إن قدروا عليكم فتنوكم في دينكم و سفكوا دماءكم- فقاتلوهم على ما قاتلهم عليه أولكم علي بن أبي طالب- لقد لقيهم الصابر المحتسب مسلم بن عبيس- و العجل المفرط عثمان بن عبيد الله- و المعصي المخالف حارثة بن بدر فقتلوا جميعا و قتلوا- فالقوهم بحد و جد فإنما هم مهنتكم و عبيدكم- و عار عليكم و نقص في أحسابكم- و أديانكم أن يغلبكم هؤلاء على فيئكم- و يطئوا حريمكم- .

ثم سار يريدهم و هم بمناذر الصغرى- فوجه عبيد الله بن بشير بن الماحوز رئيس الخوارج رجلا- يقال له واقد- مولى لآل أبي صفرة من سبي الجاهلية في خمسين رجلا- فيهم صالح بن مخراق إلى نهر تيرى- و بها المعارك بن أبي صفرة فقتلوه و صلبوه- فنمي‏ الخبر إلى المهلب فوجه ابنه المغيرة- فدخل نهر تيرى و قد خرج واقد منها- فاستنزل عمه فدفنه و سكن الناس- و استخلف بها و رجع إلى أبيه- و قد نزل بسولاف و الخوارج بها فواقعهم- و جعل على بني تميم الحريش بن هلال-

فخرج رجل من أصحاب المهلب يقال له عبد الرحمن الإسكاف- فجعل يحض الناس و يهون أمر الخوارج- و يختال بين الصفين- فقال رجل من الخوارج لأصحابه- يا معشر المهاجرين هل لكم في قتلة فيها الجنة- فحمل جماعة منهم على الإسكاف فقاتلهم وحده فارسا- ثم كبا به فرسه فقاتلهم راجلا قائما و باركا- ثم كثرت به الجراحات فذبب بسيفه- ثم جعل يحثو في وجوههم التراب- و المهلب غير حاضر فقتل- ثم حضر المهلب فأعلم فقال للحريش و لعطية العنبري- أ سلمتما سيد أهل العراق- لم تعيناه و لم تستنقذاه حسدا له- لأنه رجل من الموالي و وبخهما- . و حمل رجل من الخوارج على رجل من أصحاب المهلب فقلته- فحمل عليه المهلب فطعنه فقتله- و مال الخوارج بأجمعهم على العسكر- فانهزم الناس و قتل منهم سبعون رجلا- و ثبت المهلب و ابنه المغيرة يومئذ و عرف مكانه- . و يقال حاص المهلب يومئذ حيصة- و يقول الأزد بل كان يرد المنهزمة و يحمي أدبارهم- و بنو تميم تزعم أنه فر- و قال شاعرهم

بسولاف أضعت دماء قومي
و طرت على مواشكة درور

و قال آخر من بني تميم-

تبعنا الأعور الكذاب طوعا
يزجي كل أربعة حمارا

فيا ندمى على تركي عطائي
معاينة و أطلبه ضمارا

إذا الرحمن يسر لي قفولا
فحرق في قرى سولاف نارا

 قوله الأعور الكذاب يعني به المهلب- كانت عينه عارت بسهم أصابها- و سموه الكذاب لأنه كان فقيها- و كان يتأول ما ورد في الأثر- من أن كل كذب يكتب كذبا إلا ثلاثة- الكذب في الصلح بين رجلين- و كذب الرجل لامرأته بوعد- و كذب الرجل في الحرب بتوعد و تهدد-
قالوا و جاء عنه ص إنما أنت رجل فخذل عنا ما استطعت و قال إنما الحرب خدعة – فكان المهلب ربما صنع الحديث- ليشد به من أمر المسلمين ما ضعف- و يضعف به من أمر الخوارج ما اشتد- و كان حي من الأزد يقال لهم الندب- إذا رأوا المهلب رائحا إليهم قالوا راح ليكذب- و فيه يقول رجل منهم-

أنت الفتى كل الفتى
لو كنت تصدق ما تقول‏

 فبات المهلب في ألفين فلما أصبح رجع بعض المنهزمة- فصاروا في أربعة آلاف فخطب أصحابه- فقال و الله ما بكم من قلة- و ما ذهب عنكم إلا أهل الجبن و الضعف و الطبع و الطمع- فإن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله- فسيروا إلى عدوكم على بركة الله- . فقام إليه الحريش بن هلال- فقال أنشدك الله أيها الأمير أن تقاتلهم إلا أن يقاتلوك- فإن في أصحابك جراحا و قد أثخنتهم هذه الجولة- . فقبل منه و مضى المهلب في عشرة- فأشرف على عسكر الخوارج فلم ير منهم أحدا يتحرك- فقال له الحريش ارتحل عن هذا المنزل فارتحل- فعبر دجيلا و صار إلى عاقول لا يؤتى إلا من جهة واحدة- فأقام به و أقام الناس ثلاثا مستريحين- . و في يقوم سولاف يقول ابن قيس الرقيات-

أ لا طرقت من آل مية طارقه
على أنها معشوقة الدل عاشقه‏

تراءت و أرض السوس بيني و بينها
و رستاق سولاف حمته الأزارقه‏

إذا نحن شئنا صادفتنا عصابة
حرورية فيها من الموت بارقه‏

أجازت عيلنا العسكرين كليهما
فباتت لنا دون اللحاف معانقه‏

فأقام المهلب في ذلك العاقول ثلاثة أيام ثم ارتحل- و الخوارج بسلى و سلبرى فنزل قريبا منهم- فقال ابن الماحوز لأصحابه- ما تنتظرون بعدوكم و قد هزمتموهم بالأمس- و كسرتم حدهم- فقال له واقد مولى أبي صفرة- يا أمير المؤمنين إنما تفرق عنهم أهل الضعف و الجبن- و بقي أهل النجدة و القوة- فإن أصبتهم لم يكن ظفرا هينا- لأني أراهم لا يصابون حتى يصيبوا- و إن غلبوا ذهب الدين- فقال أصحابه نافق واقد فقال ابن الماحوز لا تعجلوا على أخيكم- فإنه إنما قال هذا نظرا لكم- .

ثم وجه الزبير بن علي إلى عسكر المهلب- لينظر ما حالهم فأتاهم في مائتين فحزرهم و رجع- و أمر المهلب أصحابه بالتحارس- حتى إذا أصبح ركب إليهم في تعبئة- فالتقوا بسلى و سلبرى فتصافوا- فخرج من الخوارج مائة فارس- فركزوا رماحهم بين الصفين و اتكئوا عليها- و أخرج إليهم المهلب أعدادهم ففعلوا مثل ما فعلوا- لا يرعون إلا الصلاة- حتى إذا أمسوا رجع كل قوم إلى معسكرهم- ففعلوا هكذا ثلاثة أيام- .

ثم إن الخوارج تطاردوا لهم في اليوم الثالث- فحمل عليهم هؤلاء الفرسان فجالوا ساعة- ثم إن رجلا من الخوارج حمل على رجل فطعنه- فحمل عليه المهلب فطعنه فحمل الخوارج بأجمعهم- كما صنعوا يوم سولاف فضعضعوا الناس- و فقد المهلب و ثبت المغيرة في جمع أكثرهم أهل عمان- . ثم نجم المهلب في مائة و قد انغمس كماه في الدم- و على رأسه قلنسوة مربعة فوق المغفر- محشوة قزا و قد تمزقت- و إن حشوها ليتطاير و هو يلهث و ذلك في وقت الظهر- فلم يزل يحاربهم حتى أتى الليل- و كثر القتلى في الفريقين فلما كان الغد غاداهم- و قد كان وجه بالأمس رجلا- من طاحية بن سود بن مالك بن فهم- من الأزد من ثقاته و أصحابه يرد المنهزمين- فمر به عامر بن مسمع فرده- فقال إن الأمير أذن لي في الانصراف فبعث إلى المهلب فأعلمه- فقال دعه فلا حاجة لي في مثله من أهل الجبن و الضعف- ثم غاداهم المهلب في ثلاثة آلاف- و قد تفرق عنه أكثر الناس-

و قال لأصحابه ما بكم من قلة- أ يعجز أحدكم أن يلقي رمحه ثم يتقدم فيأخذه- ففعل ذلك رجل من كندة و اتبعه قوم- ثم قال المهلب لأصحابه أعدوا مخالي فيها حجارة- و ارموا بها في وقت الغفلة- فإنها تصد الفارس و تصرع الراجل- ففعلوا ثم أمر مناديا ينادي في أصحابه- يأمرهم بالجد و الصبر و يطمعهم في العدو- ففعل ذلك حتى مر ببني العدوية- من بني مالك بن حنظلة فنادى فيهم فضربوه- فدعا المهلب بسيدهم و هو معاوية بن عمرو- فجعل يركله برجله فقال أصلح الله الأمير- اعفني من أم كيسان و الأزد تسمى الركبة أم كيسان- ثم حمل المهلب و حملوا و اقتتلوا قتالا شديدا- فجهد الخوارج و نادى مناد منهم- ألا إن المهلب قد قتل-فركب المهلب برذونا وردا- و أقبل يركض بين الصفين- و إن إحدى يديه لفي القباء و ما يشعر لها- و هو يصيح أنا المهلب- فسكن الناس بعد أن كانوا قد ارتاعوا- و ظنوا أن أميرهم قد قتل- و كل الناس مع العصر فصاح المهلب بابنه المغيرة تقدم- ففعل و صاح بذكوان مولاه قدم رايتك ففعل-

فقال له رجل من ولده إنك تغرر بنفسك فزبره و زجره- و صاح يا بني سلمة آمركم فتعصونني- فتقدم و تقدم الناس فاجتلدوا أشد جلاد- حتى إذا كان مع المساء قتل ابن الماحوز- و انصرف الخوارج و لم يشعر المهلب بقتله- فقال لأصحابه ابغوا لي رجلا جلدا يطوف في القتلى- فأشاروا عليه برجل من جرم- و قالوا إنا لم نر قط رجلا أشد منه- فجعل يطوف و معه النيران- فجعل إذا مر بجريح من الخوارج- قال كافر و رب الكعبة فأجهز عليه- و إذا مر بجريح من المسلمين أمر بسقيه و حمله- و أقام المهلب يأمرهم بالاحتراس حتى إذا كان في نصف الليل- وجه رجلا من اليحمد في عشرة- فصاروا إلى عسكر الخوارج- فإذا هم قد تحملوا إلى أرجان- فرجع إلى المهلب فأعلمه-

فقال لهم أنا الساعة أشد خوفا احذروا البيات- . و يروى عن شعبة بن الحجاج- أن المهلب قال لأصحابه يوما- إن هؤلاء الخوارج قد يئسوا من ناحيتكم- إلا من جهة البيات- فإن يكن ذلك فاجعلوا شعاركم- حم لا ينصرون- فإن رسول الله ص كان يأمر بها- . و يروى أنه كان شعار أصحاب علي بن أبي طالب ع- . فلما أصبح القوم غدوا على القتلى- فأصابوا ابن الماحوز قتيلا- ففي ذلك يقول رجل من الخوارج-

بسلى و سلبرى مصارع فتية
كرام و عقرى من كميت و من ورد

و قال آخر

بسلى و سلبرى جماجم فتية
كرام و صرعى لم توسد خدودها

و قال رجل من موالي المهلب- لقد صرعت يومئذ بحجر واحد ثلاثة- رميت به رجلا فصرعته- ثم رميت به رجلا فأصبت به أصل أذنه فصرعته- ثم أخذت الحجر و صرعت به ثالثا- و في ذلك يقول رجل من الخوارج-

أتانا بأحجار ليقتلنا بها
و هل يقتل الأبطال ويحك بالحجر

و قال رجل من أصحاب المهلب في يوم سلى و سلبرى- و قتل ابن الماحوز-

و يوم سلى و سلبرى أحاط بهم
منا صواعق لا تبقي و لا تذر

حتى تركنا عبيد الله منجدلا
كما تجدل جذع مال منقعر

 و يروى أن رجلا من الخوارج يوم سلى- حمل على رجل من أصحاب المهلب فطعنه- فلما خالطه الرمح صاح يا أمتاه- فصاح به المهلب لا كثر الله منك في المسلمين- فضحك الخارجي و قال-

أمك خير لك مني صاحبا
تسقيك محضا و تعل رائبا

و كان المغيرة بن المهلب إذا نظر إلى الرماح- قد تشاجرت في وجهه- نكس على‏قربوس السرج و حمل من تحتها- فبرأها بسيفه و أثر في أصحابها- فتحوميت الميمنة من أجله- و كان أشد ما تكون الحرب استعارا أشد ما يكون تبسما- و كان المهلب يقول ما شهد معي حربا قط- إلا رأيت البشرى في وجهه- . و قال رجل من الخوارج في هذا اليوم-

فإن تك قتلى يوم سلى تتابعت
فكم غادرت أسيافنا من قماقم‏

غداة نكر المشرقية فيهم‏
بسولاف يوم المأزق المتلاحم‏

 فكتب المهلب- إلى الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة القباع- . أما بعد فإنا لقينا الأزارقة المارقة بحد و جد- فكانت في الناس جولة- ثم ثاب أهل الحفاظ و الصبر بنيات صادقة- و أبدان شداد و سيوف حداد- فأعقب الله خير عاقبة- و جاوز بالنعمة مقدار الأمل- فصاروا دريئة رماحنا و ضرائب سيوفنا- و قتل الله أميرهم ابن الماحوز- و أرجو أن يكون آخر هذه النعمة كأولها و السلام- .

فكتب إليه القباع- قد قرأت كتابك يا أخا الأزد- فرأيتك قد وهب لك شرف الدنيا و عزها- و ذخر لك إن شاء الله ثواب الآخرة و أجرها- و رأيتك أوثق حصون المسلمين- و هادأركان المشركين و ذا الرئاسة و أخا السياسة- فاستدم الله بشكره يتمم عليكم نعمه و السلام- . و كتب إليه أهل البصرة يهنئونه و لم يكتب إليه الأحنف- و لكن قال اقرءوا عليه السلام و قولوا- إنا لك على ما فارقتك عليه- فلم يزل يقرأ الكتب و ينظر في تضاعيفها- و يلتمس كتاب الأحنف فلا يراه- فلما لم يره قال لأصحابه أ ما كتب أبو بحر- فقال له الرسول إنه حملني إليك رسالة فأبلغه- فقال هذا أحب إلي من هذه الكتب- .

و اجتمعت الخوارج بأرجان فبايعوا الزبير بن علي- و هو من بني سليط بن يربوع من رهط ابن الماحوز- فرأى فيهم انكسارا شديدا و ضعفا بينا- فقال لهم اجتمعوا فاجتمعوا- فحمد الله و أثنى عليه و صلى على محمد رسوله ص- ثم أقبل عليهم فقال إن البلاء للمؤمنين تمحيص و أجر- و هو على الكافرين عقوبة و خزي- و إن يصب منكم أمير المؤمنين- فما صار إليه خير مما خلف- و قد أصبتم منهم مسلم بن عبيس- و ربيعا الأجذم و الحجاج بن رباب و حارثة بن بدر- و أشجيتم المهلب و قتلتم أخاه المعارك- و الله يقول لإخوانكم المؤمنين- إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ- وَ تِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ- فيوم سلى كان لكم بلاء و تمحيصا- و يوم سولاف كان لهم عقوبة و نكالا- فلا تغلبن علي الشكر في حينه و الصبر في وقته- و ثقوا بأنكم المستخلفون في الأرض و العاقبة للمتقين- .

ثم تحمل للمحاربة نحو المهلب فنفحهم المهلب نفحة- فرجعوا و أكمنوا للمهلب في غمض من غموض الأرض- يقرب من عسكره مائة فارس ليغتالوه- فسار المهلب‏ يوما يطيف بعسكره و يتفقد سواده- فوقف على جبل- فقال إن من التدبير لهذه المارقة- أن تكون قد أكمنت في سفح هذا الجبل كمينا- فبعث المهلب عشرة فوارس فاطلعوا على المائة- فلما علموا بهم قطعوا القنطرة- و نجوا و انكشفت الشمس- فصاحوا يا أعداء الله- لو قامت القيامة لجددنا و نحن في جهادكم- . ثم يئس الزبير من ناحية المهلب- فضرب إلى ناحية أصبهان- ثم كر راجعا إلى أرجان و قد جمع جموعا- و كان المهلب يقول كأني بالزبير و قد جمع لكم- فلا ترهبوهم فتنخب قلوبكم- و لا تغفلوا الاحتراس فيطمعوا فيكم- فجاءوه من أرجان فلقوه مستعدا آخذا بأفواه الطرق- فحاربهم فظهر عليهم ظهورا بينا- ففي ذلك يقول رجل من بني يربوع-

سقى الله المهلب كل غيث
من الوسمي ينتحر انتحارا

فما وهن المهلب يوم جاءت‏
عوابس خيلهم تبغي الغوارا

 و قال المهلب يومئذ- ما وقفت في مضيق من الحرب إلا رأيت أمامي رجالا- من بني الهجيم بن عمرو بن تميم يجالدون- و كان لحاهم أذناب العقاعق- و كانوا صبروا معه في غير مواطن- . و قال رجل من أصحاب المهلب من بني تميم-

ألا يا من لصب مستهام
قريح القلب قد مل المزونا

لهان على المهلب ما لقينا
إذا ما راح مسرورا بطينا

يجر السابري و نحن شعث
كأن جلودنا كسيت طحينا

و حمل يومئذ الحارث بن هلال على قيس الإكاف- و كان من أنجد فرسان الخوارج فطعنه فدق صلبه- و قال

قيس الإكاف غداة الروع يعلمني
ثبت المقام إذا لاقيت أقراني‏

و قد كان بعض جيش المهلب يوم سلى و سلبرى- صاروا إلى البصرة- فذكروا أن المهلب قد أصيب- فهم أهل البصرة بالنقلة إلى البادية- حتى ورد كتابه بظفره فأقام الناس- و تراجع من كان ذهب منهم- فعند ذلك قال الأحنف البصرة بصرة المهلب- و قدم رجل من كندة يعرف بابن أرقم فنعى ابن عم له- و قال إني رأيت رجلا من الخوارج- و قد مكن رمحه من صلبه- فلم ينشب أن قدم المنعي سالما فقيل له ذلك- فقال صدق ابن أرقم- لما أحسست برمحه بين كتفي صحت به البقية- فرفعه و تلا بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- و وجه المهلب بعقب هذه الوقعة رجلا من الأزد- برأس عبيد الله بن بشير بن الماحوز- إلى الحارث بن عبد الله- فلما صار بكربج دينار لقيته إخوة عبيد الله- حبيب و عبد الملك و علي بنو بشير بن الماحوز-

فقالوا ما الخبر و هو لا يعرفهم- فقال قتل الله ابن الماحوز المارق و هذا رأسه معي- فوثبوا عليه فقتلوه و صلبوه- و دفنوا رأس أخيهم عبيد الله- فلما ولي الحجاج دخل عليه علي بن بشير و كان وسيما جسيما- فقال من هذا فخبره فقتله و وهب ابنه الأزهر و ابنته لأهل الأزدي المقتول- و كانت زينب بنت بشير لهم مواصلة فوهبوهما لها- . قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في كتاب الكامل- و لم يزل المهلب يقاتل الخوارج في ولاية الحارث القباع- حتى عزل و ولي مصعب بن الزبير- فكتب إلى المهلب أن أقدم علي و استخلف ابنك المغيرة- ففعل بعد أن جمع الناس و قال لهم- إني قد استخلفت المغيرة عليكم- و هو أبو صغيركم رقة و رحمة- و ابن كبيركم طاعة و برا و تبجيلا- و أخو مثله مواساة و مناصحة- فلتحسن له طاعتكم و ليلن له جانبكم- فو الله ما أردت صوابا قط إلا سبقني إليه- .

ثم مضى إلى مصعب- فكتب مصعب إلى المغيرة بولايته- و كتب إليه أنك إن لم تكن كأبيك- فإنك كاف لما وليت- فشمر و ائتزر و جد و اجتهد- . ثم شخص المصعب إلى المزار- فقتل أحمر بن شميط ثم أتى الكوفة فقتل المختار- و قال للمهلب- أشر علي برجل أجعله بيني و بين عبد الملك- فقال له اذكر واحدا من ثلاثة- محمد بن عمير بن عطارد الدارمي- أو زياد بن عمرو بن الأشرف العتكي- أو داود بن قحذم- قال أ و تكفيني أنت قال أكفيك إن شاء الله- فشخص فولاه الموصل فخرج إليها- و صار مصعب إلى البصرة لينفر إلى أخيه بمكة- فشاور الناس فيمن يستكفيه‏ أمر الخوارج- فقال قوم ول عبد الله بن أبي بكرة- و قال قوم ول عمر بن عبيد الله بن معمر-

و قال قوم ليس لهم إلا المهلب فاردده إليهم- و بلغت المشورة الخوارج فأداروا الأمر بينهم- فقال قطري بن الفجاءة المازني- و لم يكن أمروه عليهم بعد- إن جاءكم عبد الله بن أبي بكرة- أتاكم سيد سمح كريم جواد مضيع لعسكره- و إن جاءكم عمر بن عبيد الله أتاكم فارس شجاع- بطل جاد يقاتل لدينه و لملكه- و بطبيعة لم أر مثلها لأحد فقد شهدته في وقائع- فما نودي في القوم لحرب إلا كان أول فارس- حتى يشد على قرنه و يضربه- و إن رد المهلب فهو من قد عرفتموه- إذا أخذتم بطرف ثوب أخذ بطرفه الآخر- يمده إذا أرسلتموه و يرسله إذا مددتموه- لا يبدؤكم إلا أن تبدءوه- إلا أن يرى فرصة فينتهزها- فهو الليث المبر و الثعلب الرواغ و البلاء المقيم- .

فولى مصعب عليهم عمر بن عبيد الله بن معمر ولاه فارس- و الخوارج بأرجان يومئذ- و عليهم الزبير بن علي السليطي- فشخص إليهم فقاتلهم- و ألح عليهم حتى أخرجهم منها- فألحقهم بأصبهان- فلما بلغ المهلب أن مصعبا ولى حرب الخوارج عمر بن عبيد الله- قال رماهم بفارس العرب و فتاها فجمع الخوارج له- و أعدوا و استعدوا ثم أتوا سابور- فسار إليهم حتى نزل منهم على أربعة فراسخ- فقال له مالك بن أبي حسان الأزدي- إن المهلب كان يذكي العيون- و يخاف البيات و يرتقب الغفلة- و هو على أبعد من هذه المسافة منهم- .

فقال عمر اسكت خلع الله قلبك- أ تراك تموت قبل أجلك و أقام هناك- فلما كان ذات ليلة بيته الخوارج- فخرج إليهم فحاربهم حتى أصبح- فلم يظفروا منه بشي‏ء- فأقبل على مالك بن أبي حسان فقال كيف رأيت- فقال قد سلم الله- و لم يكونوا يطمعون في مثلها من المهلب- فقال أما إنكم لو ناصحتموني مناصحتكم المهلب- لرجوت أن أنفي هذا العدو و لكنكم تقولون- قرشي حجازي بعيد الدار خيره لغيرنا- فتقاتلون معي تعذيرا- ثم زحف إلى الخوارج من غد ذلك اليوم- فقاتلهم قتالا شديدا حتى ألجأهم إلى قنطرة- فتكاثف الناس عليها حتى سقطت- فأقام حتى أصلحها ثم عبر- و تقدم ابنه عبيد الله بن عمر- و أمه من بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب- فقاتلهم حتى قتل-

فقال قطري للخوارج لا تقاتلوا عمر اليوم- فإنه موتور قد قتلتم ابنه- و لم يعلم عمر بقتل ابنه حتى أفضى إلى القوم- و كان مع ابنه النعمان بن عباد- فصاح به عمر يا نعمان أين ابني- قال أحتسبه فقد استشهد صابرا مقبلا غير مدبر- فقال إنا لله و إنا إليه راجعون- ثم حمل على الخوارج حملة لم ير مثلها- و حمل أصحابه بحملته- فقتلوا في وجههم ذلك تسعين رجلا من الخوارج- و حمل على قطري فضربه على جبينه ففلقه- و انهزمت الخوارج و انتهبها- فلما استقروا و رأى ما نزل بهم- قال أ لم أشر عليكم بالانصراف- فجعلوه حينئذ من وجوههم حتى خرجوا من فارس- و تلقاهم في ذلك الوقت الفزر بن مهزم العبدي- فسألوه عن خبره و أرادوا قتله- فأقبل على قطري و قال إني مؤمن مهاجر- فسأله عن أقاويلهم فأجاب إليها- فخلوا عنه ففي ذلك يقول في كلمة له-

فشدوا وثاقي ثم ألجوا خصومتي
إلى قطري ذي الجبين المفلق‏

و حاججتهم في دينهم فحججتهم‏
و ما دينهم غير الهوى و التخلق‏

ثم رجعوا و تكانفوا و عادوا إلى ناحية أرجان- فسار إليهم عمر بن عبيد الله و كتب إلى مصعب-أما بعد فإني لقيت الأزارقة- فرزق الله عز و جل عبيد الله بن عمر الشهادة- و وهب له السعادة و رزقنا بعد عليهم الظفر- فتفرقوا شذر مذر و بلغني عنهم عودة فيممتهم- و بالله أستعين و عليه أتوكل- . فسار إليهم و معه عطية بن عمرو و مجاعة بن سعر فالتقوا- فألح عليهم عمر حتى أخرجهم و انفرد من أصحابه- فعمد إلى أربعة عشر رجلا من مذكوريهم و شجعانهم- و في يده عمود فجعل لا يضرب رجلا منهم ضربة إلا صرعه- فركض إليه قطري على فرس طمر و عمر على مهر- فاستعلاه قطري بقوة فرسه حتى كاد يصرعه فبصر به مجاعة- فأسرع إليه فصاحت الخوارج- يا أبا نعامة إن عدو الله قد رهقك- فانحط قطري على قربوسه و طعنه مجاعة- و على قطري درعان فهتكهما و أسرع السنان في رأس قطري- فكشط جلده و نجا و ارتحل القوم إلى أصفهان- فأقاموا برهة ثم رجعوا إلى الأهواز- و قد ارتحل عمر بن عبيد الله إلى إصطخر- فأمر مجاعة فجبى الخراج أسبوعا فقال له كم جبيت- قال تسعمائة ألف فقال هي لك- . و قال يزيد بن الحكم لمجاعة-

و دعاك دعوة مرهق فأجبته
عمر و قد نسي الحياة و ضاعا

فرددت عادية الكتيبة عن فتى‏
قد كاد يترك لحمه أوزاعا

قال ثم عزل مصعب بن الزبير- و ولى عبد الله بن الزبير العراق ابنه- حمزةبن عبد الله بن الزبير فمكث قليلا- ثم أعيد مصعب إلى العراق و الخوارج بأطراف أصبهان- و الوالي عليها عتاب بن ورقاء الرياحي- فأقام الخوارج هناك يجبون شيئا من القرى- ثم أقبلوا إلى الأهواز من ناحية فارس- فكتب مصعب إلى عمر بن عبيد الله ما أنصفتنا- أقمت بفارس تجبي الخراج- و مثل هذا العدو يجتاز بك لا تحاربه- و الله لو قاتلت ثم هزمت لكان أعذر لك- . و خرج مصعب من البصرة يريدهم- و أقبل عمر بن عبيد الله يريدهم- فتنحى الخوارج إلى السوس- ثم أتوا إلى المدائن و بسطوا في القتل- فجعلوا يقتلون النساء و الصبيان- حتى أتوا المذار فقتلوا أحمر طيئ و كان شجاعا- و كان من فرسان عبيد الله بن الحر و في ذلك يقول الشاعر-

تركتم فتى الفتيان أحمر طيئ
بساباط لم يعطف عليه خليل‏

ثم خرجوا عامدين إلى الكوفة فلما خالطوا سوادها- و واليها الحارث القباع تثاقل عن الخروج و كان جبانا- فذمره إبراهيم بن الأشتر و لامه الناس- فخرج متحاملا حتى أتى النخيلة ففي ذلك يقول الشاعر-

إن القباع سار سيرا نكرا
يسير يوما و يقيم عشرا

 و جعل يعد الناس بالخروج و لا يخرج- و الخوارج يعيثون حتى أخذوا امرأة- فقتلوا أباها بين يديها و كانت جميلة- ثم أرادوا قتلها فقالت أ تقتلون من ينشأ في الحلية- و هو في الخصام غير مبين- فقال قائل منهم دعوها فقالوا قد فتنتك- ثم قدموها فقتلوها- .و قربوا امرأة أخرى و هم بإزاء القباع- و الجسر معقود بينهم فقطعه القباع و هو في ستة آلاف- و المرأة تستغيث به و هي تقبل و تقول علام تقتلونني- فو الله ما فسقت و لا كفرت و لا زنيت- و الناس يتفلتون إلى القتال و القباع يمنعهم- . فلما خاف أن يعصوه أمر عند ذاك بقطع الجسر- فأقام بين دبيرى و دباها خمسة أيام و الخوارج بقربه- و هو يقول للناس في كل يوم إذا لقيتم العدو غدا- فأثبتوا أقدامكم و اصبروا- فإن أول الحرب الترامي- ثم إشراع الرماح ثم السلة- فثكلت رجلا أمه فر من الزحف- . فقال بعضهم لما أكثر عليهم- أما الصفة فقد سمعناها فمتى يقع الفعل- . و قال الراجز-

إن القباع سار سيرا ملسا
بين دباها و دبيرى خمسا

 و أخذ الخوارج حاجتهم و كان شأن القباع التحصن منهم- ثم انصرفوا و رجع إلى الكوفة- و ساروا من فورهم إلى أصبهان- فبعث عتاب بن ورقاء الرياحي إلى الزبير بن علي- أنا ابن عمك- و لست أراك تقصد في انصرافك من كل حرب غيري- فبعث إليه الزبير- إن أدنى الفاسقين و أبعدهم في الحق سواء- . فأقام الخوارج يغادون عتاب بن ورقاء القتال- و يراوحونه حتى طال عليهم المقام- و لم يظفروا بكبير شي‏ء فلما كثر عليهم ذلك انصرفوا- لا يمرون بقرية بين أصبهان و الأهواز إلا استباحوها- و قتلوا من فيها و شاور المصعب الناس فيهم- فأجمع رأيهم على‏المهلب فبلغ الخوارج مشاورتهم-

فقال لهم قطري إن جاءكم عتاب بن ورقاء فهو فاتك- يطلع في أول المقنب و لا يظفر بكثير- و إن جاءكم عمر بن عبيد الله ففارس يقدم- إما عليه و إما له- و إن جاءكم المهلب فرجل لا يناجزكم حتى تناجزوه- و يأخذ منكم و لا يعطيكم- فهو البلاء الملازم و المكروه الدائم- . و عزم مصعب على توجيه المهلب- و أن يشخص هو لحرب عبد الملك- فلما أحس به الزبير خرج إلى الري- و بها يزيد بن الحارث بن رويم فحاربه ثم حصره- فلما طال عليه الحصار خرج إليه فكان الظفر للخوارج- فقتل يزيد بن الحارث بن رويم- و نادى يزيد ابنه حوشبا ففر عنه و عن أمه لطيفة- و كان علي بن أبي طالب ع دخل على الحارث بن رويم- يعود ابنه يزيد فقال عندي جارية لطيفة الخدمة أبعث بها إليك- فسماها يزيد لطيفة- فقتلت مع بعلها يزيد يومئذ و قال الشاعر-

مواقفنا في كل يوم كريهة
أسر و أشفى من مواقف حوشب‏

دعاه أبوه و الرماح شوارع‏
فلم يستجب بل راغ ترواغ ثعلب‏

و لو كان شهم النفس أو ذا حفيظة
رأى ما رأى في الموت عيسى بن مصعب‏

و قال آخر-

نجا حليلته و أسلم شيخه
نصب الأسنة حوشب بن يزيد

قال ثم انحط الزبير على أصفهان- فحصر بها عتاب بن ورقاء سبعة أشهر- و عتاب يحاربه في بعضهن- فلما طال به الحصار قال لأصحابه ما تنتظرون- و الله ما تؤتون من قلة و إنكم لفرسان عشائركم- و لقد حاربتموهم مرارا فانتصفتم منهم- و ما بقي مع هذا الحصار إلا أن تفنى ذخائركم- فيموت أحدكم فيدفنه أخوه- ثم يموت أخوه فلا يجد من يدفنه فقاتلوا القوم- و بكم قوة من قبل أن يضعف أحدكم عن أن يمشي إلى قرنه- . فلما أصبح صلى بهم الصبح- ثم خرج إلى الخوارج و هم غارون- و قد نصب لواء لجارية له يقال لها ياسمين- فقال من أراد البقاء فليلحق بلواء ياسمين- و من أراد الجهاد فليخرج معي- فخرج في ألفين و سبعمائة فارس- فلم يشعر بهم الخوارج حتى غشوهم- فقاتلوهم بجد لم تر الخوارج منهم مثله- فعقروا منهم خلقا كثيرا و قتل الزبير بن علي- و انهزمت الخوارج فلم يتبعهم عتاب- ففي ذلك يقول القائل-

و يوم بجي تلافيته
و لو لاك لاصطلم العسكر

– . و قال آخر-
خرجت من المدينة مستميتا
و لم أك في كتيبة ياسمينا

أ ليس من الفضائل أن قومي
غدوا مستلئمين مجاهدينا

قال و تزعم الرواة أنهم في أيام حصارهم كانوا يتواقفون- و يحمل بعضهم على بعض- و ربما كانت مواقفة بغير حرب- و ربما اشتدت الحرب بينهم- و كان رجل من أصحاب عتاب- يقال له شريح و يكنى أبا هريرة- إذا تحاجز القوم مع المساء- نادى بالخوارج و الزبير بن علي-

يا ابن أبي الماحوز و الأشرار
كيف ترون يا كلاب النار

شد أبي هريرة الهرار
يهركم بالليل و النهار

أ لم تروا جيا على المضمار
تمسي من الرحمن في جوار

فغاظهم ذلك فكمن له عبيدة بن هلال- فضربه بالسيف و احتمله أصحابه- و ظنت الخوارج أنه قد قتل- فكانوا إذا تواقفوا نادوهم ما فعل الهرار- فيقولون ما به من بأس حتى أبل من علته فخرج إليهم- فقال يا أعداء الله أ ترون بي بأسا فصاحوا به- قد كنا نرى أنك قد لحقت بأمك الهاوية- إلى النار الحامية

قطري بن الفجاءة المازني

و منهم قطري بن الفجاءة المازني قال أبو العباس- لما قتل الزبير بن علي أدارت الخوارج أمرها- فأرادوا تولية عبيدة بن هلال فقال- أدلكم على من هو خير لكم مني- من يطاعن في قبل و يحمي في دبر- عليكم‏بقطري بن الفجاءة المازني فبايعوه- و قالوا يا أمير المؤمنين امض بنا إلى فارس فقال- إن بفارس عمر بن عبيد الله بن معمر- و لكن نسير إلى الأهواز- فإن خرج مصعب من البصرة دخلناها- فأتوا الأهواز ثم ترفعوا عنها على إيذج- و كان المصعب قد عزم على الخروج إلى باجميرا- و قال لأصحابه إن قطريا لمطل علينا- و إن خرجنا عن البصرة دخلها فبعث إلى المهلب فقال- اكفنا هذا العدو فخرج إليهم المهلب- فلما أحس به قطري يمم نحو كرمان- و أقام المهلب بالأهواز ثم كر عليه قطري و قد استعد- و كانت الخوارج في حالاتهم أحسن عدة- ممن يقاتلهم بكثرة السلاح و كثرة الدواب- و حصانة الجنن فحاربهم المهلب- فدفعهم فصاروا إلى رامهرمز- و كان الحارث بن عميرة الهمداني قد صار إلى المهلب- مراغما لعتاب بن ورقاء و يقال- إنه لم يرضه عن قتله الزبير بن علي- و كان الحارث بن عميرة هو الذي قتله و خاض إليه أصحابه- ففي ذلك يقول أعشى همدان-

إن المكارم أكملت أسبابها
لابن الليوث الغر من همدان‏

للفارس الحامي الحقيقة معلما
زاد الرفاق و فارس الفرسان‏

الحارث بن عميرة الليث الذي
يحمي العراق إلى قرى نجران‏

ود الأزراق لو يصاب بطعنة
و يموت من فرسانهم مائتان‏

قال أبو العباس و خرج مصعب إلى باجميرا- ثم أتى الخوارج خبر مقتله بمسكن- و لم يأت المهلب و أصحابه- فتواقفوا يوما برامهرمز على الخندق- فناداهم الخوارج ما تقولون في مصعب قالوا إمام هدى- قالوا فما تقولون في عبد الملك قالوا ضال مضل- فلما كان بعد يومين أتى المهلب قتل المصعب- و إن أهل العراق قد اجتمعوا على عبد الملك- و ورد عليه كتاب عبد الملك بولايته- فلما تواقفوا ناداهم الخوارج- ما تقولون في المصعب قالوا لا نخبركم- قالوا فما تقولون في عبد الملك قالوا إمام هدى- قالوا يا أعداء الله بالأمس ضال مضل و اليوم إمام هدى- يا عبيد الدنيا عليكم لعنة الله- . و روى أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني الكبير- قال كان الشراة و المسلمون في حرب المهلب و قطري- يتواقفون و يتساءلون بينهم عن أمر الدين و غير ذلك- على أمان و سكون لا يهيج بعضهم بعضا- فتواقف يوما عبيدة بن هلال اليشكري- و أبو حزابة التميمي-

فقال عبيدة يا أبا حزابة إني أسألك عن أشياء- أ فتصدقني عنها في الجواب- قال نعم إن ضمنت لي مثل ذلك قال قد فعلت- قال فسل عما بدا لك قال ما تقولون في أئمتكم- قال يبيحون الدم الحرام قال ويحك- فكيف فعلهم في المال قال يحبونه من غير حله- و ينفقونه في غير وجهه- قال فكيف فعلهم في اليتيم- قال يظلمونه ماله و يمنعونه حقه و ينيكون أمه- قال ويحك يا أبا حزابة أ مثل هؤلاء تتبع- قال قد أجبتك فاسمع سؤالي و دع عتابي على رأيي-قال سل قال أي الخمر أطيب خمر السهل أم خمر الجبل- قال ويحك أ مثلي يسأل عن هذا قال- قد أوجبت على نفسك أن تجيب قال- أما إذ أبيت فإن خمر الجبل أقوى و أسكر- و خمر السهل أحسن و أسلس- قال فأي الزواني أفره أ زواني رامهرمز أم زواني أرجان- قال ويحك إن مثلي لا يسأل عن هذا- قال لا بد من الجواب أو تغدر- . قال أما إذ أبيت فزواني رامهرمز أرق أبشارا- و زواني أرجان أحسن أبدانا- قال فأي الرجلين أشعر جرير أم الفرزدق- قال عليك و عليهما لعنة الله قال لا بد أن تجيب- قال أيهما الذي يقول-

و طوى الطراد مع القياد بطونها
طي التجار بحضرموت برودا

 قال جرير قال فهو أشعرهما- . قال أبو الفرج و قد كان الناس تجادلوا- في أمر جرير و الفرزدق في عسكر المهلب- حتى تواثبوا و صاروا إليه محكمين له في ذلك- فقال أ تريدون أن أحكم بين هذين الكلبين المتهارشين- فيمضغاني ما كنت لأحكم بينهما- و لكني أدلكم على من يحكم بينهما- ثم يهون عليه سبابهما- عليكم بالشراة فاسألوهم إذا تواقفتم- فلما تواقفوا سأل أبو حزابة عبيدة بن هلال عن ذلك- فأجابه بهذا الجواب- . و روى أبو الفرج أن امرأة من الخوارج- كانت مع قطري بن الفجاءة يقال لها أم حكيم- و كانت من أشجع الناس و أجملهم وجها- و أحسنهم بالدين تمسكا- و خطبهاجماعة منهم فردتهم و لم تجبهم- فأخبر من شاهدها في الحرب- أنها كانت تحمل على الناس و ترتجز فتقول-

أحمل رأسا قد سئمت حمله
و قد مللت دهنه و غسله‏
أ لا فتى يحمل عني ثقله‏

 و الخوارج يفدونها بالآباء و الأمهات- فما رأينا قبلها و لا بعدها مثلها- . و روى أبو الفرج قال- كان عبيدة بن هلال إذا تكاف الناس ناداهم- ليخرج إلي بعضكم فيخرج إليه فتيان من عسكر المهلب- فيقول لهم أيما أحب إليكم- أقرأ عليكم القرآن أم أنشدكم الشعر- فيقولون له أما القرآن فقد عرفناه مثل معرفتك- و لكن تنشدنا فيقول يا فسقة- قد و الله علمت أنكم تختارون الشعر على القرآن- ثم لا يزال ينشدهم و يستنشدهم حتى يملوا و يفترقوا- . قال أبو العباس- و ولى خالد بن عبد الله بن أسيد فقدم فدخل البصرة- فأراد عزل المهلب فأشير عليه بألا يفعل- و قيل له إنما أمن أهل هذا المصر- لأن المهلب بالأهواز و عمر بن عبيد الله بفارس- فقد تنحى عمر و إن نحيت المهلب لم تأمن على البصرة- فأبى إلا عزله فقدم المهلب البصرة- و خرج خالد إلى الأهواز فاستصحبه- فلما صار بكربج دينار لقيه قطري- فمنعه حط أثقاله و حاربه ثلاثين يوما- . ثم أقام قطري بإزائه و خندق على نفسه-

فقال المهلب لخالد إن قطريا ليس‏ بأحق بالخندق منك- فعبر دجيلا إلى شق نهر تيرى- و اتبعه قطري فصار إلى مدينة نهر تيرى- فبنى سورها و خندق عليها- فقال المهلب لخالد خندق على نفسك- فإني لا آمن البيات- فقال يا أبا سعيد الأمر أعجل من ذاك- فقال المهلب لبعض ولده إني أرى أمرا ضائعا- ثم قال لزياد بن عمرو خندق علينا- فخندق المهلب على نفسه و أمر بسفنه ففرغت- و أبى خالد أن يفرغ سفنه- فقال المهلب لفيروز حصين صر معنا- فقال يا أبا سعيد إن الحزم ما تقول- غير إني أكره أن أفارق أصحابي- قال فكن بقربنا قال أما هذه فنعم- . و قد كان عبد الملك كتب إلى بشر بن مروان يأمره- أن يمد خالدا بجيش كثيف- أميره عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ففعل- فقدم عليه عبد الرحمن- فأقام قطري يغاديهم القتال و يراوحهم أربعين يوما- فقال المهلب لمولى أبي عيينة سر إلى ذلك الناوس- فبت عليه كل ليلة فمتى أحسست خبرا للخوارج- أو حركة أو صهيل خيل فأعجل إلينا- .

فجاءه ليلة فقال قد تحرك القوم- فجلس المهلب بباب الخندق- و أعد قطري سفنا فيها حطب و أشعلها نارا- و أرسلها على سفن خالد و خرج في أدبارها حتى خالطهم- لا يمر برجل إلا قتله و لا بدابة إلا عقرها- و لا بفسطاط إلا هتكه- فأمر المهلب يزيد ابنه فخرج في مائة فارس فقاتل- و أبلي عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث يومئذ بلاء حسنا- و خرج فيروز حصين في مواليه- فلم يزل يرميهم بالنشاب هو و من معه فأثر أثرا جميلا- و صرع يزيد بن المهلب يومئذ- و صرع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث- فحامى عنهما أصحابهما حتى ركبا- و سقط فيروز حصين في‏ الخندق- فأخذ بيده رجل من الأزد فاستنقذه- فوهب له فيروز عشرة آلاف- و أصبح عسكر خالد كأنه حرة سوداء- فجعل لا يرى إلا قتيلا أو جريحا- فقال للمهلب يا أبا سعيد كدنا نفتضح- فقال خندق على نفسك فإن لم تفعل عادوا إليك- فقال اكفني أمر الخندق- فجمع له الأحماس فلم يبق شريف إلا عمل فيه- فصاح بهم الخوارج و الله لو لا هذا الساحر المزوني- لكان الله قد دمر عليكم- و كانت الخوارج تسمى المهلب الساحر- لأنهم كانوا يدبرون الأمر- فيجدون المهلب قد سبق إلى نقض تدبيرهم- . و قال أعشى همدان لابن الأشعث- يذكره بلاء القحطانية عنده في كلمة طويلة-

و يوم أهوازك لا تنسه
ليس الثنا و الذكر بالبائد

 ثم مضى قطري إلى كرمان و انصرف خالد إلى البصرة- و أقام قطري بكرمان شهرا ثم عمد لفارس- فخرج خالد إلى الأهواز و ندب الناس للرحيل- فجعلوا يطلبون المهلب- فقال خالد ذهب المهلب بحظ هذا المصر- إني قد وليت أخي قتال الأزارقة- . فولى أخاه عبد العزيز- و استخلف المهلب على الأهواز في ثلاثمائة- و مضى عبد العزيز و الخوارج بدرابجرد- و هو في ثلاثين ألفا فجعل عبد العزيز يقول في طريقه- يزعم أهل البصرة أن هذا الأمر لا يتم إلا بالمهلب سيعلمون- . قال صقعب بن يزيد فلما خرج عبد العزيز عن الأهواز- جاءني كردوس‏ حاجب المهلب فدعاني- فجئت إلى المهلب و هو في سطح و عليه ثياب هروية-

فقال يا صقعب أنا ضائع كأني أنظر إلى هزيمة عبد العزيز- و أخشى أن توافيني الأزارقة و لا جند معي- فابعث رجلا من قبلك يأتيني بخبرهم سابقا إلي به- فوجهت رجلا من قبلي يقال له عمران بن فلان- و قلت له اصحب عسكر عبد العزيز- و اكتب إلي بخبر يوم فيوم- فجعلت أورده على المهلب- فلما قاربهم عبد العزيز وقف وقفة- فقال له الناس هذا منزل- فينبغي أن تنزل فيه أيها الأمير- حتى نطمئن ثم نأخذ أهبتنا- فقال كلا الأمر قريب فنزل الناس عن غير أمره- فلم يستتم النزول- حتى ورد عليه سعد الطلائع في خمسمائة فارس- كأنهم خيط ممدود- فناهضهم عبد العزيز فواقفوه ساعة- ثم انهزموا عنه مكيدة و اتبعهم-

فقال له الناس لا تتبعهم فإنا على غير تعبية فأبى- فلم يزل في آثارهم حتى اقتحموا عقبة- فاقتحمها وراءهم و الناس ينهونه و يأبى- و كان قد جعل على بني تميم عبس بن طلق الصريمي- الملقب عبس الطعان- و على بكر بن وائل مقاتل بن مسمع- و على شرطته رجلا من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار- فنزلوا عن العقبة و نزل خلفهم- و كان لهم في بطن العقبة كمين- فلما صاروا من ورائها خرج عليهم الكمين- و عطف سعد الطلائع فترجل عبس بن طلق- فقتل و قتل مقاتل بن مسمع- و قتل الضبيعي صاحب شرطة عبد العزيز- و انحاز عبد العزيز و اتبعهم الخوارج فرسخين- يقتلونهم كيف شاءوا- و كان عبد العزيز قد أخرج معه أم حفص- بنت المنذر بن الجارود امرأته- فسبوا النساء يومئذ و أخذوا أسارى لا تحصى- فقذفوهم في غار بعد أن شدوهم وثاقا- ثم سدوا عليهم بابه حتى ماتوا فيه- .

و قال بعض من حضر ذلك اليوم- رأيت عبد العزيز- و إن ثلاثين رجلا ليضربونه‏ بسيوفهم- فما تحيك في جنبه- و نودي على السبي يومئذ- فغولي بأم حفص فبلغ بها رجل سبعين ألفا- و كان ذلك الرجل من مجوس كانوا أسلموا- و لحقوا بالخوارج- ففرضوا لكل رجل منهم خمسمائة- فكاد ذلك الرجل يأخذ أم حفص- فشق ذلك على قطري و قال- ما ينبغي لرجل مسلم أن يكون عنده سبعون ألفا- إن هذه لفتنة- فوثب عليها أبو الحديد العبدي فقتلها- فأتي به قطري- فقال مهيم يا أبا الحديد- فقال يا أمير المؤمنين- رأيت المؤمنين تزايدوا في هذه المشركة- فخشيت عليهم الفتنة- فقال قطري أحسنت- فقال رجل من الخوارج-

كفانا فتنة عظمت و جلت
بحمد الله سيف أبي الحديد

إهاب المسلمون بها و قالوا
على فرط الهوى هل من مزيد

فزاد أبو الحديد بنصل سيف
رقيق الحد فعل فتى رشيد

و كان العلاء بن مطرف السعدي- ابن عم عمرو القنا- و كان يحب أن يلقاه في صدر مبارزة- فلحقه عمرو القنا يومئذ و هو منهزم- فضحك منه و قال متمثلا-

تمناني ليلقاني لقيط
أعام لك ابن صعصعة بن سعد

ثم صاح به أنج يا أبا المصدي- و كان العلاء بن مطرف قد حمل معه امرأتين-إحداهما من بني ضبة يقال لها أم جميل- و الأخرى بنت عمه- يقال لها فلانة بنت عقيل فطلق الضبية- و حملها أولا و تخلص بابنة عمه- فقال في ذلك-

أ لست كريما إذ أقول لفتيتي
قفوا فاحملوها قبل بنت عقيل‏

و لو لم يكن عودي نضارا لأصبحت‏
تجر على المتنين أم جميل‏

قال الصقعب بن يزيد- و بعثني المهلب لآتيه بالخبر- فصرت إلى قنطرة أربك- على فرس اشتريته بثلاثة آلاف درهم- فلم أحس خبرا- فسرت مهجرا إلى أن أمسيت- فلما أمسينا و أظلمنا- سمعت كلام رجل عرفته من الجهاضم- فقلت ما وراءك قال الشر- قلت فأين عبد العزيز قال أمامك- فلما كان آخر الليل- إذا أنا بزهاء خمسين فارسا معهم لواء- فقلت لواء من هذا قالوا لواء عبد العزيز- فتقدمت إليه فسلمت عليه- و قلت أصلح الله الأمير- لا يكبرن عليك ما كان- فإنك كنت في شر جند و أخبثه- قال لي أ و كنت معنا قلت لا- و لكن كأني شاهد أمرك- ثم أقبلت إلى المهلب و تركته- فقال لي ما وراءك- قلت ما يسرك هزم الرجل و فل جيشه- فقال ويحك- و ما يسرني من هزيمة رجل من قريش- و فل جيش من المسلمين- قلت قد كان ذلك ساءك أو سرك- فوجه رجلا إلى خالد يخبره بسلامة أخيه- قال الرجل فلما خبرت خالدا- قال كذبت و لؤمت- و دخل رجل من قريش فكذبني- فقال لي خالد- و الله لقد هممت أن أضرب عنقك- فقلت أصلح الله الأمير- إن كنت كاذبا فاقتلني- و إن كنت صادقا فأعطني مطرف هذا المتكلم- فقال خالد لبئس ما أخطرت به دمك- فما برحت حتى دخل عليه بعض الفل- و قدم عبد العزيز سوق الأهواز- فأكرمه المهلب و كساه- و قدم معه على خالد- و استخلف المهلب ابنه حبيبا- و قال له‏ تجسس الأخبار- فإن أحسست بخيل الأزارقة قريبا منك- فانصرف إلى البصرة على نهر تيرى- فلما أحس حبيب بهم- دخل البصرة و أعلم خالدا بدخوله- فغضب و خاف حبيب منه- فاستتر في بني عامر بن صعصعة- و تزوج هناك في استتاره الهلالية- و هي أم ابنه عباد بن حبيب- و قال الشاعر لخالد يفيل رأيه-

بعثت غلاما من قريش فروقة
و تترك ذا الرأي الأصيل المهلبا

أبى الذم و اختار الوفاء و أحكمت‏
قواه و قد ساس الأمور و جربا

و قال الحارث بن خالد المخزومي-

فر عبد العزيز إذ راء عيسى
و ابن داود نازلا قطريا

عاهد الله إن نجا ملمنايا
ليعودن بعدها حرميا

يسكن الخل و الصفاح فغورينا
مرارا و مرة نجديا

حيث لا يشهد القتال و لا
يسمع يوما لكر خيل دويا

و كتب خالد إلى عبد الملك بعذر عبد العزيز- و قال للمهلب- ما ترى أمير المؤمنين صانعا بي- قال يعزلك قال أ تراه قاطعا رحمي- قال نعم قد أتته هزيمة أمية أخيك- ففعل يعني هرب أمية من سجستان- فكتب عبد الملك إلى خالد-أما بعد فإني كنت حددت لك حدا في أمر المهلب- فلما ملكت أمرك نبذت طاعتي وراءك- و استبددت برأيك- فوليت المهلب الجباية و وليت أخاك حرب الأزارقة- فقبح الله هذا رأيا- أ تبعث غلاما غرا لم يجرب الأمور و الحروب للحرب- و تترك سيدا شجاعا مدبرا حازما- قد مارس الحروب ففلج فشغلته بالجباية- أما لو كافأتك على قدر ذنبك- لأتاك من- نكيري ما لا بقية لك معه- و لكن تذكرت رحمك فكفتني عنك- و قد جعلت عقوبتك عزلك و السلام- قال و ولى بشر بن مروان الإمارة و هو بالكوفة- و كتب إليه- أما بعد فإنك أخو أمير المؤمنين- يجمعك و إياه مروان بن الحكم- و إن خالدا لا مجتمع له مع أمير المؤمنين دون أمية- فانظر المهلب بي أبي صفرة- فوله حرب الأزارقة- فإنه سيد بطل مجرب- و امدده من أهل الكوفة بثمانية آلاف رجل و السلام- فشق على بشر ما أمره به في المهلب- و قال و الله لأقتلنه فقال له موسى بن نصير- أيها الأمير إن للمهلب حفاظا و وفاء و بلاء- .

و خرج بشر بن مروان يريد البصرة- فكتب موسى بن نصير و عكرمة بن ربعي- إلى المهلب أن يتلقاه لقاء لا يعرفه به- فتلقاه المهلب على بغل- و سلم عليه في غمار الناس- فلما جلس بشر مجلسه قال ما فعل أميركم المهلب- قالوا قد تلقاك أيها الأمير و هو شاك- فهم بشر أن يولي حرب الأزارقة- عمر بن عبيد الله بن معمر- و شد عزمه أسماءبن خارجة- و قال له إنما ولاك أمير المؤمنين لترى رأيك- فقال له عكرمة بن ربعي- اكتب إلى أمير المؤمنين فأعلمه علة المهلب- فكتب إليه بذلك- و أن بالبصرة من يغني غناءه- و وجه بالكتاب مع وفد أوفدهم إليه- رئيسهم عبد الله بن حكيم المجاشعي- فلما قرأ عبد الملك الكتاب خلا بعبد الله- فقال له إن لك دينا و رأيا و حزما- فمن لقتال هؤلاء الأزارقة- قال المهلب قال إنه عليل- قال ليست علته بمانعة-

فقال عبد الملك- لقد أراد بشر أن يفعل ما فعل خالد- فكتب إليه يعزم عليه أن يولي المهلب الحرب- فوجه إليه فقال أنا عليل- و لا يمكنني الاختلاف فأمر بشر بحمل الدواوين إليه- فجعل ينتخب فعزم عليه بشر بالخروج- فاقتطع أكثر نخبته- ثم عزم عليه ألا يقيم بعد ثالثة- و قد أخذت الخوارج الأهواز- و خلفوها وراء ظهورهم و صاروا بالفرات- فخرج المهلب حتى صار إلى شهار طاق- فأتاه شيخ من بني تميم- فقال أصلح الله الأمير- إن سني ما ترى فهبني لعيالي- فقال على أن تقول للأمير إذا خطب فحثكم على الجهاد- كيف تحثنا على الجهاد- و أنت تحبس عنه أشرافنا- و أهل النجدة منا- ففعل الشيخ ذلك فقال له بشر- و ما أنت و ذاك- ثم أعطى المهلب رجلا ألف درهم- على أن يأتي بشرا فيقول له- أيها الأمير أعن المهلب بالشرطة و المقاتلة- ففعل الرجل ذلك- فقال له بشر و ما أنت و ذاك-

فقال نصيحة حضرتني للأمير و المسلمين- و لا أعود إلى مثلها- فأمده بشر بالشرطة و المقاتلة- و كتب إلى خليفته على الكوفة- أن يعقد لعبد الرحمن بن مخنف على ثمانية آلاف- من كل ربع ألفين و يوجه بهم مددا للمهلب-فلما أتاه الكتاب- بعث إلى عبد الرحمن بن مخنف الأزدي يعقد له- و اختار من كل ربع ألفين- فكان على ربع أهل المدينة- بشر بن جرير بن عبد الله البجلي- و على ربع تميم و همدان- محمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني- و على ربع كندة- محمد بن إسحاق بن الأشعث بن قيس الكندي- و على ربع مذحج- و أسد زحر بن قيس المذحجي- فقدموا على بشر بن مروان- فخلا بعبد الرحمن بن مخنف- و قال له قد عرفت رأيي فيك و ثقتي بك- فكن عند ظني بك- و انظر إلى هذا المزوني- فخالفه في أمره و أفسد عليه رأيه- .

فخرج عبد الرحمن و هو يقول- ما أعجب ما طلب مني هذا الغلام- يأمرني أن أصغر شأن شيخ من مشايخ أهلي- و سيد من ساداتهم فلحق بالمهلب- . فلما أحس الأزارقة بدنو المهلب منهم- انكشفوا عن الفرات- فأتبعهم المهلب إلى سوق الأهواز فنفاهم عنها- ثم اتبعهم إلى رامهرمز فهزمهم عنها فدخلوا فارس- و أبلى يزيد ابنه في وقائعه هذه بلاء شديدا- تقدم فيه و هو ابن إحدى و عشرين سنة- . فلما صار القوم إلى فارس- وجه إليهم ابنه المغيرة- فقال له عبد الرحمن بن صالح أيها الأمير- إنه ليس لك برأي قتل هذه الأكلب- و لئن و الله قتلتهم لتقعدن في بيتك- و لكن طاولهم و كل بهم- فقال ليس هذا من الوفاء- فلم يلبث برامهرمز إلا شهرا- حتى أتاه موت بشر بن مروان- .

فاضطرب الجند على ابن مخنف- فوجه إلى إسحاق بن الأشعث و ابن زحر- فاستحلفهما ألا يبرحا فحلفا له و لم يفيا- و جعل الجند من أهل الكوفة يتسللون- حتى اجتمعوا بسوق الأهواز- و أراد أهل البصرة الانسلال من المهلب- فخطبهم فقال إنكم لستم كأهل الكوفة- إنما تذبون عن مصركم و أموالكم و حرمكم- . فأقام منهم قوم و تسلل منهم قوم كثير- .

و كان خالد بن عبد الله خليفة بشر بن مروان- فوجه مولى له بكتاب منه إلى من بالأهواز- يحلف بالله مجتهدا- لئن لم يرجعوا إلى مراكزهم- و انصرفوا عصاة لا يظفر بأحد إلا قتله- فجاءهم مولاه فجعل يقرأ عليهم الكتاب- و لا يرى في وجوههم قبولا- فقال إني أرى وجوها ما القبول من شأنها- فقال له ابن زحر أيها العبد- اقرأ ما في الكتاب و انصرف إلى صاحبك- فإنك لا تدري ما في أنفسنا- و جعلوا يستحثونه بقراءته ثم قصدوا قصد الكوفة- فنزلوا النخيلة- و كتبوا إلى خليفة بشر- يسألونه أن يأذن لهم في دخول الكوفة فأبى فدخلوها بغير إذن- .

فلم يزل المهلب و من معه من قواده و ابن مخنف- في عدد قليل فلم يلبثوا أن ولي الحجاج العراق- . فدخل الكوفة قبل البصرة- و ذلك في سنة خمس و سبعين- فخطبهم الخطبة المشهورة و تهددهم- ثم نزل فقال لوجوه أهلها- ما كانت الولاة تفعل بالعصاة- قالوا كانت تضرب و تحبس فقال- و لكن ليس لهم عندي إلا السيف- إن المسلمين لو لم يغزوا المشركين لغزاهم المشركون- و لو ساغت المعصية لأهلها- ما قوتل عدو و لا جبي في‏ء و لا عز دين- . ثم جلس لتوجيه الناس- فقال قد أجلتكم ثلاثا- و أقسم بالله لا يتخلف أحد- من‏ أصحاب ابن مخنف بعدها إلا قتلته- ثم قال لصاحب حرسه و لصاحب شرطته- إذا مضت ثلاثة أيام فاشحذا سيوفكما- فجاءه عمير بن ضابئ البرجمي بابنه- فقال أصلح الله الأمير- إن هذا أنفع لكم مني- و هو أشد بني تميم أبدانا- و أجمعهم سلاحا و أربطهم جأشا- و أنا شيخ كبير عليل- و استشهد جلساءه- فقال له الحجاج إن عذرك لواضح و إن ضعفك لبين- و لكني أكره أن يجترئ بك الناس علي- و بعد فأنت ابن ضابئ صاحب عثمان- و أمر به فقتل فاحتمل الناس- و إن أحدهم ليتبع بزاده و سلاحه- ففي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي-

أقول لعبد الله يوم لقيته
أرى الأمر أمسى منصبا متشعبا

تجهز فإما أن تزور ابن ضابئ
عميرا و إما أن تزور المهلبا

هما خطتا خسف نجاؤك منهما
ركوبك حوليا من الثلج أشهبا

فما إن أرى الحجاج يغمد سيفه
مدى الدهر حتى يترك الطفل أشيبا

فأضحى و لو كانت خراسان دونه‏
رآها مكان السوق أو هي أقربا

 و هرب سوار بن المضرب السعدي من الحجاج و قال-

أ قاتلي الحجاج إن لم أزر له
دراب و أترك عند هند فؤاديا

في قصيدة مشهورة له- . فخرج الناس عن الكوفة- و أتى الحجاج البصرة- فكان أشد عليهم إلحاحا- و قد كان أتاهم خبره بالكوفة- فتحمل الناس قبل قدومه- و أتاه رجل من بني يشكر و كان شيخا أعور- يجعل على عينه العوراء صوفة- فكان يلقب ذا الكرسفة فقال-أصلح الله الأمير إن بي فتقا- و قد عذرني بشر بن مروان و قد رددت العطاء- فقال إنك عندي لصادق- ثم أمر به فضربت عنقه- ففي ذلك يقول كعب الأشقري أو الفرزدق-

لقد ضرب الحجاج بالمصر ضربة
تقرقر منها بطن كل عريف‏

و يروى عن أبي البئر- قال إنا لنتغدى معه يوما- إذ جاءه رجل من بني سليم برجل يقوده- فقال أصلح الله الأمير إن هذا عاص- فقال له الرجل أنشدك الله أيها الأمير في دمي- فو الله ما قبضت ديوانا قط- و لا شهدت عسكرا قط- و إني لحائك أخذت من تحت الحف- فقال اضربوا عنقه فلما أحس بالسيف سجد- فلحقه السيف و هو ساجد- فأمسكنا عن الأكل فأقبل علينا- و قال ما لي أراكم قد صفرت أيديكم- و اصفرت وجوهكم- و حد نظركم من قتل رجل واحد- ألا إن العاصي يجمع خلالا- يخل بمركزه و يعصي أميره و يغر المسلمين- و هو أجير لهم و إنما يأخذ الأجرة لما يعمل- و الوالي مخير فيه إن شاء قتل و إن شاء عفا- .

ثم كتب إلى المهلب- أما بعد فإن بشرا استكره نفسه عليك- و أراك غناه عنك- و أنا أريك حاجتي إليك- فأرني الجد في قتال عدوك- و من خفته على المعصية ممن قبلك فاقتله-فإني قاتل من قبلي- و من كان عندي ممن هرب عنك فأعلمني مكانه- فإني أرى أن آخذ السمي بالسمي و الولي بالولي- . فكتب إليه المهلب- ليس قبلي إلا مطيع- و إن الناس إذا خافوا العقوبة كبروا الذنب- و إذا أمنوا العقوبة صغروا الذنب- و إذا يئسوا من العفو أكفرهم ذلك- فهب لي هؤلاء الذين سميتهم عصاة- فإنهم فرسان أبطال- أرجو أن يقتل الله بهم العدو و نادم على ذنبه- . فلما رأى المهلب كثرة الناس عنده- قال اليوم قوتل هذا العدو- . و لما رأى ذلك قطري قال لأصحابه- انهضوا بنا نريد السردن فنتحصن فيها- فقال عبيدة بن هلال أو تأتي سابور- فتأخذ منها ما نريد و تصير إلى كرمان- فأتوا سابور- و خرج المهلب في آثارهم فأتى أرجان- و خاف أن يكونوا قد تحصنوا بالسردن و ليست بمدينة- و لكنها جبال محدقة منيعة فلم يصب بها أحدا- فخرج فعسكر بكازرون و استعدوا لقتاله فخندق على نفسه- و وجه إلى عبد الرحمن‏ بن مخنف خندق على نفسك- فوجه إليه خنادقنا سيوفنا- فوجه المهلب إليه إني لا آمن عليك البيات- فقال ابنه جعفر- ذاك أهون علينا من ضرطة جمل- فأقبل المهلب على ابنه المغيرة- فقال لم يصيبوا الرأي و لم يأخذوا بالوثيقة- .

فلما أصبح القوم عاودوه الحرب- فبعث إلى ابن مخنف يستمده- فأمده بجماعة جعل عليهم ابنه جعفرا- فجاءوا و عليهم أقبية بيض جدد- فأبلوا يومئذ حتى عرف مكانهم المهلب- و أبلى بنوه يومئذ كبلاء الكوفيين أو أشد- . ثم أتى رئيس من الخوارج- يقال له صالح بن مخراق- و هو ينتخب قوما من جلة العسكر حتى بلغ أربعمائة- فقال لابنه المغيرة- ما أراه يعد هؤلاء إلا للبيات- . و انكشفت الخوارج و الأمر للمهلب عليهم- و قد كثر فيهم الجراح و القتل- و قد كان الحجاج يتفقد العصاة و يوجه الرجال- و كان يحبسهم نهارا و يفتح الحبس ليلا- فيتسلل الرجال إلى ناحية المهلب- و كان الحجاج لا يعلم فإذا رأى إسراعهم تمثل-

إن لها لسائقا عشنزرا
إذا وثبن وثبة تغشمرا

ثم كتب الحجاج إلى المهلب يستحثه- أما بعد فإنه قد بلغني- أنك قد أقبلت على جباية الخراج- و تركت قتال العدو- و إني وليتك و أنا أرى مكان عبد الله بن حكيم المجاشعي- و عباد بن الحصين الحبطي- و اخترتك و أنت من أهل عمان ثم رجل من الأزد- فالقهم يوم كذا في مكان كذا- و إلا أشرعت إليك صدر الرمح- .

فشاور المهلب بنيه- فقالوا أيها الأمير- لا تغلظ عليه في الجواب- . فكتب إليه- ورد إلي كتابك- تزعم أني أقبلت على جباية الخراج- و تركت قتال العدو و من عجز عن جباية الخراج- فهو عن قتال العدو أعجز- و زعمت أنك وليتني- و أنت ترى مكان عبد الله بن حكيم و عباد بن الحصين- و لو وليتهما لكانا مستحقين لذلك- لفضلهما و غنائهما و بطشهما- و زعمت أنك اخترتني و أنا رجل من الأزد- و لعمري إن شرا من الأزد لقبيلة تنازعتها ثلاث قبائل- لم تستقر في واحدة منهن- و زعمت أني إن لم ألقهم يوم كذا في مكان كذا- أشرعت إلى صدر الرمح- لو فعلت لقلبت لك ظهر المجن و السلام- .

قال ثم كانت الوقعة بينه و بين الخوارج عقيب هذا الكتاب- . فلما انصرف الخوارج تلك الليلة- قال لابنه المغيرة إني أخاف البيات على بني تميم- فانهض إليهم فكن فيهم فأتاهم المغيرة- فقال له الحريش بن هلال يا أبا حاتم- أ يخاف الأمير أن يؤتى من ناحيتنا- قل له فليبت آمنا فإنا كافوه ما قبلنا إن شاء الله- . فلما انتصف الليل و قد رجع المغيرة إلى أبيه- سرى صالح بن مخراق في القوم الذين كان أعدهم للبيات- إلى ناحية بني تميم و معه عبيدة بن هلال و هو يقول-

إني لمذك للشراة نارها
و مانع ممن أتاها دارها
و غاسل بالسيف عنها عارها

فوجد بني تميم أيقاظا متحارسين- و خرج إليهم الحريش بن هلال و هو يقول-

وجدتمونا وقرا أنجادا
لا كشفا ميلا و لا أوغادا

ثم حمل على الخوارج- فرجعوا عنه فاتبعهم ثم صاح بهم- إلى أين يا كلاب النار- فقالوا إنما أعدت لك و لأصحابك- فقال الحريش كل مملوك لي حر إن لم تدخلوا النار- ما دخلها مجوسي فيما بين سفوان و خراسان- . ثم قال بعضهم لبعض نأتي عسكر ابن مخنف- فإنه لا خندق عليه- و قد بعث فرسانهم اليوم مع المهلب- و قد زعموا أنا أهون عليهم من ضرطة جمل- فأتوهم فلم يشعر ابن مخنف و أصحابه- إلا و قد خالطوهم في عسكرهم- . و كان ابن مخنف شريفا- و فيه يقول رجل من بني عامر لرجل يعاتبه- و يضرب بابن مخنف المثل-

تروح و تغدو كل يوم معظما
كأنك فينا مخنف و ابن مخنف‏

 فترجل عبد الرحمن تلك الليلة يجالدهم- حتى قتل و قتل معه سبعون رجلا من القراء- فيهم نفر من أصحاب علي بن أبي طالب- و نفر من أصحاب ابن مسعود و بلغ الخبر المهلب- و جعفر بن عبد الرحمن بن مخنف عند المهلب- فجاءهم مغيثا فقاتل حتى ارتث- و وجه المهلب إليهم ابنه حبيبا فكشفهم ثم جاء المهلب- حتى صلى على عبد الرحمن بن مخنف و أصحابه- و صار جنده في جند المهلب- فضمهم إلى ابنه حبيب- فعيرهم البصريون و سموا جعفرا خضفة الجمل- .و قال رجل منهم لجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف-

تركت أصحابكم تدمى نحورهم
و جئت تسعى إلينا خضفة الجمل‏

فلام المهلب أهل البصرة- و قال بئسما قلتم و الله ما فروا و لا جبنوا- و لكنهم خالفوا أميرهم- أ فلا تذكرون فراركم بدولاب عني- و فراركم بدارس عن عثمان- . و وجه الحجاج البراء بن قبيصة إلى المهلب- يستحثه في مناجزة القوم- و كتب إليه إنك تحب بقاءهم لتأكل بهم- فقال المهلب لأصحابه حركوهم- فخرج فرسان من أصحابه- فخرج إليهم من الخوارج جمع كثير- فاقتتلوا إلى الليل- فقال لهم الخوارج ويلكم أ ما تملون- فقالوا لا حتى تملوا- فقالوا فمن أنتم قالوا تميم-

فقالت الخوارج و نحن تميم أيضا- فلما أمسوا افترقوا- فلما كان الغد خرج عشرة من أصحاب المهلب- و خرج إليهم من الخوارج عشرة- و احتفر كل واحد منهم حفيرة- و أثبت قدميه فيها- كلما قتل رجل جاء رجل من أصحابه- فاجتره و قام مكانه حتى أعتموا- فقال لهم الخوارج ارجعوا- فقالوا بل ارجعوا أنتم- قالوا لهم ويلكم من أنتم- قالوا تميم قالوا و نحن‏تميم أيضا- فرجع البراء بن قبيصة إلى الحجاج- فقال له مهيم قال- رأيت أيها الأمير قوما لا يعين عليهم إلا الله- . و كتب المهلب جواب الحجاج- إني منتظر بهم إحدى ثلاث- موتا ذريعا أو جوعا مضرا أو اختلافا من أهوائهم- . و كان المهلب لا يتكل في الحراسة على أحد- كان يتولى ذلك بنفسه و يستعين عليه بولده- و بمن يحل محلهم في الثقة عنده- . قال أبو حرملة العبدي يهجو المهلب و كان في عسكره-

عدمتك يا مهلب من أمير
أ ما تندى يمينك للفقير

بدولاب أضعت دماء قومي‏
و طرت على مواشكة درور

فقال له المهلب ويحك- و الله إني لاقيكم بنفسي و ولدي- قال جعلني الله فداء الأمير- فذاك الذي نكره منك ما كلنا يحب الموت- قال ويحك و هل عنه من محيص- قال لا و لكنا نكره التعجيل- و أنت تقدم عليه إقداما- قال المهلب ويلك أ ما سمعت قول الكلحبة اليربوعي-

فقلت لكأس ألجميها فإنما
نزلنا الكثيب من زرود لنفزعا

فقال بلى قد سمعت و لكن قولي أحب إلي منه-

و لما وقفتم غدوة و عدوكم
إلى مهجتي وليت أعداءكم ظهري‏

و طرت و لم أحفل ملامة جاهل‏
يساقي المنايا بالردينية السمر

فقال المهلب- بئس حشو الكتيبة أنت و الله يا أبا حرملة- إن شئت أذنت لك فانصرفت إلى أهلك- قال بل أقيم معك أيها الأمير- فوهب له المهلب و أعطاه فقال يمدحه-

يرى حتما عليه أبو سعيد
جلاد القوم في أولى النفير

إذا نادى الشراة أبا سعيد
مشى في رفل محكمة القتير

قال و كان المهلب يقول- ما يسرني أن في عسكري ألف شجاع مكان بيهس بن صهيب- فيقال له أيها الأمير بيهس ليس بشجاع- فيقول أجل و لكنه سديد الرأي محكم العقل- و ذو الرأي حذر سئول- فأنا آمن أن يغتفل- و لو كان مكانه ألف شجاع- لخلت أنهم ينشامون حيث يحتاج إليهم- . قال و مطرت السماء مطرا شديدا و هم بسابور- و بين المهلب و بين الشراة عقبة- فقال المهلب من يكفينا أمر هذه العقبة الليلة- فلم يقم أحد فلبس المهلب سلاحه- و قام إلى العقبة و اتبعه ابنه المغيرة- فقال رجل من أصحابه- دعانا الأمير إلى ضبط العقبة- و الحظ في ذلك لنا فلم نطعه- و لبس سلاحه و اتبعه جماعة من العسكر فصاروا إليه- فإذا المهلب و المغيرة و لا ثالث لهما- فقالوا انصرف أيها الأمير- فنحن نكفيك إن شاء الله- فلما أصبحوا إذا هم بالشراة على العقبة- فخرج إليهم غلام من أهل عمان على فرس- فجعل يحمل و فرسه تزلق- و يلقاه مدرك في جماعة معه- حتى ردوهم عن العقبة- فلما كان يوم النحر و المهلب على المنبر يخطب الناس- إذ الشراة قد أكبوا-

فقال المهلب سبحان الله- أ في مثل هذا اليوم يا مغيرة اكفنيهم- فخرج إليهم المغيرة- و أمامه سعد بن نجد القردوسي- و كان سعد مقدما في شجاعته- و كان الحجاج إذا ظن برجل أن نفسه قد أعجبته قال له- لو كنت سعد بن نجد القردوسي ما عدا- فخرج أمام المغيرة و مع المغيرة جماعة من فرسان المهلب فالتقوا- و أمام الخوارج غلام جامع السلاح- مديد القامة كريه الوجه شديد الحملة صحيح الفروسية- فأقبل يحمل على الناس و يرتجز فيقول-

نحن صبحناكم غداة النحر
بالخيل أمثال الوشيج تجري‏

 فخرج إليه سعد بن نجد القردوسي من الأزد- فتجاولا ساعة ثم طعنه سعد فقتله و التقى الناس- فصرع المغيرة يومئذ- فحامى عليه سعد بن نجد و دينار السجستاني و جماعة من الفرسان- حتى ركب و انكشف الناس عند سقطة المغيرة- حتى صاروا إلى المهلب فقالوا- قتل المغيرة فأتاه دينار السجستاني فأخبره بسلامته- فأعتق كل مملوك كان بحضرته- .

قال و وجه الحجاج الجراح بن عبد الله إلى المهلب- يستبطئه في مناجزة القوم و كتب إليه- أما بعد فإنك جبيت الخراج بالعلل- و تحصنت بالخنادق و طاولت القوم- و أنت أعز ناصرا و أكثر عددا- و ما أظن بك مع هذا معصية و لا جبنا- و لكنك اتخذتهم أكلا- و كان بقاؤهم أيسر عليك من قتالهم- فناجزهم و إلا أنكرتني و السلام- . فقال المهلب للجراح يا أبا عقبة- و الله ما تركت حيلة إلا احتلتها و لا مكيدة إلا أعملتها- و ما العجب من إبطاء النصرة و تراخي الظفر- و لكن العجب أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره- . ثم ناهضهم ثلاثة أيام يغاديهم القتال- فلا يزالون كذلك إلى العصر- و ينصرف أصحابه و بهم قرح و بالخوارج قرح و قتل- فقال له الجراح قد أعذرت- . فكتب المهلب إلى الحجاج- أتاني كتابك تستبطئني في لقاء القوم- على أنك لا تظن بي معصية و لا جبنا- و قد عاتبتني معاتبة الجبان- و أوعدتني وعيد العاصي- فسل الجراح و السلام- .

فقال الحجاج للجراح كيف رأيت أخاك- قال و الله أيها الأمير ما رأيت مثله قط- و لا ظننت أن أحدا يبقى على مثل ما هو عليه- و لقد شهدت أصحابه أياما ثلاثة يغدون إلى الحرب- ثم ينصرفون عنها و هم يتطاعنون بالرماح- و يتجالدون بالسيوف‏ و يتخابطون بالعمد- ثم يروحون كأن لم يصنعوا شيئا- رواح قوم تلك عادتهم و تجارتهم- . فقال الحجاج- لشد ما مدحته أبا عقبة فقال الحق أولى- . و كانت ركب الناس قديما من الخشب- فكان الرجل يضرب ركابه فينقطع- فإذا أراد الضرب أو الطعن لم يكن له معتمد- فأمر المهلب بضرب الركب من الحديد- فهو أول من أمر بطبعها- و في ذلك يقول عمران بن عصام العنزي-

ضربوا الدراهم في إمارتهم
و ضربت للحدثان و الحرب‏

حلقا ترى منها مرافقهم‏
كمناكب الجمالة الجرب‏

قال و كتب الحجاج إلى عتاب بن ورقاء الرياحي- من بني رياح بن يربوع و هو والي أصفهان- يأمره بالمسير إلى المهلب- و أن يضم إليه جند عبد الرحمن بن مخنف- فكل بلد يدخلانه من فتوح أهل البصرة- فالمهلب أمير الجماعة فيه- و أنت على أهل الكوفة- فإذا دخلتم بلدا فتحه أهل الكوفة- فأنت أمير الجماعة و المهلب على أهل البصرة- . فقدم عتاب في إحدى جماديين- من سنة ست و سبعين على المهلب و هو بسابور- و هي من فتوح أهل البصرة- فكان المهلب أمير الناس- و عتاب على أصحاب ابن مخنف- و الخوارج بأيديهم كرمان- و هم بإزاء المهلب بفارس يحاربونه من جميع النواحي- .

قال و وجه الحجاج إلى المهلب رجلين- يستحثانه لمناجزة القوم- أحدهما يقال له زياد بن عبد الرحمن- من بني عامر بن صعصعة- و الآخر من آل أبي عقيل من رهط الحجاج- فضم المهلب زيادا إلى ابنه حبيب- و ضم الثقفي إلى ابنه يزيد و قال لهما- خذا يزيد و حبيبا بالمناجزة و غادوا الخوارج- فاقتتلوا أشد قتال- فقتل زياد بن عبد الرحمن العامري و فقد الثقفي- ثم باكروهم في اليوم الثاني- و قد وجد الثقفي فدعا به المهلب و دعا بالغداء- فجعل النبل يقع قريبا منهم و يتجاوزهم- و الثقفي يعجب من أمر المهلب فقال الصلتان العبدي-

ألا يا أصبحاني قبل عوق العوائق
و قبل اختراط القوم مثل العقائق‏

غداة حبيب في الحديد يقودنا
يخوض المنايا في ظلال الخوافق‏

حرون إذا ما الحرب طار شرارها
و هاج عجاج النقع فوق المفارق‏

فمن مبلغ الحجاج أن أمينه‏
زيادا أطاحته رماح الأزارق‏

 فلم يزل عتاب بن ورقاء مع المهلب ثمانية أشهر- حتى ظهر شبيب بن يزيد- فكتب الحجاج إلى عتاب يأمره بالمصير إليه- ليوجهه إلى شبيب- و كتب إلى المهلب يأمره أن يرزق الجند- فرزق أهل البصرة و أبى أن يرزق أهل الكوفة- فقال له عتاب ما أنا ببارح حتى ترزق أهل الكوفة- فأبى فجرت بينهما غلظة فقال له عتاب- قد كان يبلغني أنك شجاع فرأيتك جبانا- و كان يبلغني أنك جواد فرأيتك بخيلا- فقال له المهلب يا ابن اللخناء- فقال له عتاب لكنك معم مخول- .

فغضبت بكر بن وائل للمهلب للحلف- و وثب نعيم بن هبيرة- ابن أخي مصقلة بن هبيرة على عتاب فشتمه- و قد كان المهلب كارها للحلف- فلما رأى نصرة بكر بن وائل له سره و اغتبط به- فلم يزل يؤكده و غضبت تميم البصرة لعتاب- و غضبت أزد الكوفة للمهلب- فلما رأى ذلك المغيرة مشى بين أبيه و بين عتاب- و قال لعتاب يا أبا ورقاء- إن الأمير يصير إلى كل ما تحب- و سأل أباه أن يرزق أهل الكوفة- ففعل فصلح الأمر فكانت تميم قاطبة و عتاب بن ورقاء- يحمدون المغيرة بن المهلب- و كان عتاب يقول إني لأعرف فضله على أبيه- . و قال رجل من الأزد من بني أياد بن سود-

ألا أبلغ أبا ورقاء عنا
فلو لا أننا كنا غضابا

على الشيخ المهلب إذ جفانا
للاقت خيلكم منا ضرابا

قال و كان المهلب يقول لبنيه- لا تبدءوا الخوارج بقتال حتى يبدءوكم و يبغوا عليكم- فإنهم إذا بغوا عليكم نصرتم عليهم- . فشخص عتاب إلى الحجاج في سنة سبع و سبعين- فوجهه إلى شبيب فقتله شبيب- . و أقام المهلب على حربهم- فلما انقضى من مقامه ثمانية عشر شهرا- اختلفوا و افترقت كلمتهم- و كان سبب اختلافهم أن رجلا حدادا من الأزارقة- كان يعمل نصالا مسمومة فيرمي بها أصحاب المهلب- فرفع ذلك إلى المهلب- فقال أنا أكفيكموه إن شاء الله- فوجه رجلا من أصحابه بكتاب و ألف درهم إلى عسكر قطري- فقال له ألق هذا الكتاب في العسكر و الدراهم- و احذر على نفسك و كان الحداد يقال له أبزى- فمضى الرجل و كان في الكتاب- أما بعد فإن نصالك قد وصلت إلي- و قد وجهت إليك بألف درهم- فاقبضها و زدنا من هذه النصال- .

فوقع الكتاب إلى قطري فدعا بأبزى- فقال ما هذا الكتاب قال لا أدري- قال فما هذه الدراهم قال لا أعلم- فأمر به فقتل- فجاءه عبد ربه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبة- فقال له أ قتلت رجلا على غير ثقة و لا تبين- قال قطري فما حال هذه الألف- قال يجوز أن يكون أمرها كذبا- و يجوز أن يكون حقا فقال قطري- إن قتل رجل في صلاح الناس غير منكر- و للإمام أن يحكم بما رآه صلاحا- و ليس للرعية أن تعترض عليه- فتنكر له عبد ربه في جماعة معه و لم يفارقوه- . و بلغ ذلك المهلب فدس إليهم رجلا نصرانيا- جعل له جعلا يرغب في مثله- و قال له إذا رأيت قطريا فاسجد له- فإذا نهاك فقل إنما سجدت لك- ففعل ذلك النصراني- فقال قطري إنما السجود لله تعالى-

فقال ما سجدت إلا لك فقال رجل من الخوارج- إنه قد عبدك من دون الله و تلا- إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ- أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ- فقال قطري- إن النصارى قد عبدوا عيسى ابن مريم- فما ضر عيسى ذلك شيئا- فقام رجل من الخوارج إلى النصراني فقتله- فأنكر قطري ذلك عليه- و أنكر قوم من الخوارج إنكاره- . و بلغ المهلب ذلك- فوجه إليهم رجلا يسألهم فأتاهم الرجل- فقال أ رأيتم رجلين خرجا مهاجرين إليكم- فمات أحدهما في الطريق و بلغ الآخر إليكم- فامتحنتموه فلم يجز المحنة ما تقولون فيهما- فقال بعضهم أما الميت فمؤمن من أهل الجنة- و أما الذي لم يجز المحنة فكافر حتى يجيز المحنة- . و قال قوم آخرون- بل هما كافران حتى يجيز المحنة فكثر الاختلاف- . و خرج قطري إلى حدود إصطخر فأقام شهرا- و القوم في اختلافهم ثم أقبل- فقال‏ لهم صالح بن مخراق يا قوم- إنكم أقررتم عين عدوكم- و أطمعتموه فيكم بما يظهر من خلافكم- فعودوا إلى سلامة القلوب و اجتماع الكلمة- . و خرج عمرو القنا و هو من بني سعد بن زيد مناة بن تميم- فنادى يا أيها المحلون- هل لكم في الطراد فقد طال عهدي به ثم قال-

أ لم تر أنا مذ ثلاثين ليلة
جديب و أعداء الكتاب على خفض‏

فتهايج القوم و أسرع بعضهم إلى بعض- و كانت الوقعة و أبلى يومئذ المغيرة بن المهلب- و صار في وسط الأزارقة فجعلت الرماح تحطه و ترفعه- و اعتورت رأسه السيوف و عليه ساعد حديد- فوضع يده على رأسه فلم يعمل السيف فيه شيئا- و استنقذه فرسان من الأزد بعد أن صرع- و كان الذي صرعه عبيدة بن هلال- بن يشكر بن بكر بن وائل و كان يقول يومئذ-

أنا ابن خير قومه هلال
شيخ على دين أبي بلال‏
و ذاك ديني آخر الليالي‏

فقال رجل للمغيرة- كنا نعجب كيف تصرع و الآن نعجب كيف تنجو- و قال المهلب لبنيه- إن سرحكم لغار و لست آمنهم عليه- أ فوكلتم به أحدا قالوا لا فلم يستتم الكلام حتى أتاه آت- فقال إن صالح بن مخراق قد أغار على السرح- فشق على المهلب و قال- كل أمر لا إليه بنفسي فهو ضائع و تذمر عليهم- فقال له بشر بن المغيرة أرح نفسك- فإن كنت إنما تريد مثلك- فو الله ما يعدل خيرنا شسع نعلك-فقال خذوا عليهم الطريق- فبادر بشر بن المغيرة و مدرك و المفضل ابنا المهلب- فسبق بشر إلى الطريق- فإذا رجل أسود من الأزارقة- يشل السرح و هو يقول-

نحن قمعناكم بشل السرح
و قد نكانا القرح بعد القرح‏

 و لحقه المفضل و مدرك فصاحا برجل من طيئ- اكفنا الأسود فاعتوره الطائي و بشر بن المغيرة فقتلاه- و أسرا رجلا من الأزارقة من همدان- و استردا السرح- . قال و كان عياش الكندي شجاعا بئيسا فأبلي يومئذ- فلما مات على فراشه بعد ذلك- قال المهلب لا وألت نفس الجبان بعد عياش- و قال المهلب ما رأيت تالله كهؤلاء القوم- كلما انتقص منهم يزيد فيهم- . و وجه الحجاج رجلين إلى المهلب يستحثانه بالقتال- أحدهما من كلب و الآخر من سليم- فقال المهلب متمثلا بشعر لأوس بن حجر-

و مستعجب مما يرى من أناتنا
و لو زبنته الحرب لم يترمرم‏

فقال المهلب ليزيد ابنه حرك القوم- فحركهم فتهايجوا- و ذلك في قرية من قرى إصطخر- فحمل رجل من الخوارج على رجل- من أصحاب المهلب و طعنه- فشك فخذه بالسرج- فقال المهلب للسلمي و الكلبي- كيف يقاتل قوم هذا طعنهم- و حمل‏يزيد عليهم- و قد جاء الرقاد و هو من فرسان المهلب- و هو أحد بني مالك بن ربيعة على فرس له أدهم- و به نيف و عشرون جراحة و قد وضع عليها القطن- فلما حمل يزيد ولى الجمع و حماهم فارسان منهم- فقال يزيد لقيس الخشني مولى العتيك من لهذين- قال أنا فحمل عليهما- فعطف عليه أحدهما فطعنه قيس فصرعه- و حمل عليه الآخر فتعانقا- فسقطا جميعا إلى الأرض- فصاح قيس الخشني اقتلونا جميعا- فحملت خيل هؤلاء و خيل هؤلاء فحجزوا بينهما- فإذا معانق قيس امرأة فقام قيس مستحييا- فقال له يزيد يا أبا بشر- أما أنت فبارزتها على أنها رجل- فقال أ رأيت لو قتلت أ ما كان يقال قتلته امرأة- و أبلى يومئذ ابن المنجب السدوسي- فقال غلام له يقال له خلاج- و الله لوددنا أنا فضضنا عسكرهم حتى نصير إلى مستقرهم- فاستلب مما هناك جاريتين- فقال له مولاه ابن المنجب- و كيف تمنيت ويحك اثنتين- فقال لأعطيك إحداهما و آخذ الأخرى- فقال ابن المنجب-

أ خلاج إنك لن تعانق طفلة
شرقا بها الجادي كالتمثال‏

حتى تلاقي في الكتيبة معلما
عمرو القنا و عبيدة بن هلال‏

و ترى المقعطر في الفوارس مقدما
في عصبة نشطوا على الضلال‏

أو أن يعلمك المهلب غزوه
و ترى جبالا قد دنت لجبال‏

قال و كان بدر بن الهذيل من أصحاب المهلب شجاعا- و كان لحانة كان إذا أحس بالخوارج ينادي- يا خيل الله اركبي و إليه يشير القائل-

و إذا طلبت إلى المهلب حاجة
عرضت توابع دونه و عبيد

العبد كردس و بدر مثله‏
و علاج باب الأحمرين شديد

قال و كان بشر بن المغيرة بن أبي صفرة- أبلى يومئذ بلاء حسنا عرف مكانه فيه- و كانت بينه و بين المهلب جفوة- فقال لبنيه يا بني عم- إني قد قصرت عن شكاة العاتب- و جاوزت شكاة المستعتب- حتى كأني لا موصول و لا محروم- فاجعلوا لي فرجة أعيش بها- و هبوني امرأ رجوتم نصره أو خفتم لسانه- فرجعوا له و وصلوه و كلموا فيه المهلب فوصله- . و ولى الحجاج كردما فارس- و وجهه إليها و الحرب قائمة- فقال رجل من أصحاب المهلب-

و لو رآها كردم لكردما
كردمة العير أحس الضيغما

فكتب المهلب إلى الحجاج يسأله- أن يتجافى له عن إصطخر و دارابجرد لأرزاق الجند ففعل- و قد كان قطري هدم مدينة إصطخر- لأن أهلها كانوا يكاتبون المهلب بأخباره- و أراد مثل ذلك بمدينة فسا- فاشتراها منه آزاذ مرد بن الهربذ بمائة ألف درهم-فلم يهدمها فواقعه وجه المهلب فهزمه- فنفاه إلى كرمان و اتبعه المغيرة ابنه- و قد كان دفع إليه سيفا وجه به الحجاج إلى المهلب- و أقسم عليه أن يتقلده فدفعه إلى المغيرة بعد ما تقلده- فرجع به المغيرة إليه و قد دماه فسر المهلب- و قال ما يسرني أن يكون كنت دفعته إلى غيرك من ولدي- و قال له اكفني جباية خراج هاتين الكورتين و ضم إليه الرقاد- فجعلا يجبيان و لا يعطيان الجند شيئا- ففي ذلك يقول رجل من بني تميم في كلمة له-

و لو علم ابن يوسف ما نلاقي
من الآفات و الكرب الشداد

لفاضت عينه جزعا علينا
و أصلح ما استطاع من الفساد

ألا قل للأمير جزيت خيرا
أرحنا من مغيرة و الرقاد

فما رزق الجنود بهم قفيزا
و قد ساست مطامير الحصاد

أي وقع فيها السوس- . قال ثم حاربهم المهلب بالسيرجان- حتى نفاهم عنها إلى جيرفت و اتبعهم و نزل قريبا منهم- . ثم اختلفت كلمة الخوارج- و كان سبب ذلك أن عبيدة بن هلال اتهم بامرأة رجل نجار- رأوه يدخل مرارا إليها بغير إذن- فأتى قطريا فذكروا ذلك له- فقال لهم إن عبيدة من الدين بحيث علمتم- و من الجهاد بحيث رأيتم- فقالوا إنا لا نقار على الفاحشة فقال‏ انصرفوا- ثم بعث إلى عبيدة فأخبره- و قال له أنا لا أقار على الفاحشة-

فقال بهتوني يا أمير المؤمنين فما ترى- قال إني جامع بينك و بينهم- فلا تخضع خضوع المذنب- و لا تتطاول تطاول البري‏ء فجمع بينهم فتكلموا- فقام عبيدة فقال بسم الله الرحمن الرحيم- إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ… حتى تلا الآيات- فبكوا و قاموا إليه فاعتنقوه- و قالوا استغفر لنا ففعل- فقال عبد ربه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبة- و الله لقد خدعكم فتابع عبد ربه منهم ناس كثير- و لم يظهروا و لم يجدوا على عبيدة في إقامة الحد ثبتا- . و كان قطري قد استعمل رجلا من الدهاقين- فظهرت له أموال كثيرة فأتوا قطريا فقالوا- إن عمر بن الخطاب لم يكن يقار عماله على مثل هذا-

فقال قطري إني استعملته و له ضياع و تجارات- فأوغر ذلك صدورهم و بلغ المهلب ذلك- فقال اختلافهم أشد عليهم مني- ثم قالوا لقطري أ لا تخرج بنا إلى عدونا- فقال لا ثم خرج فقالوا قد كذب و ارتد فاتبعوه يوما- فأحس بالشر و دخل دارا مع جماعة من أصحابه- فاجتمعوا عليه و صاحوا اخرج إلينا يا دابة- فخرج إليهم فقال أ رجعتم بعدي كفارا- قالوا أ و لست دابة قال الله تعالى- وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها- و لكنك قد كفرت بقولك- أنا قد رجعنا كفارا فتب إلى الله فشاور عبيدة في ذلك- فقال له إن تبت لم يقبلوا منك- فقل إني استفهمت فقلت أ رجعتم بعدي كفارا- فقال لهم ذلك فقبلوا منه فرجع إلى منزله

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 4

خطبه 56 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

56 و من كلام له ع لأصحابه

أَمَا إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ- مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ يَأْكُلُ مَا يَجِدُ وَ يَطْلُبُ مَا لَا يَجِدُ- فَاقْتُلُوهُ وَ لَنْ تَقْتُلُوهُ- أَلَا وَ إِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَ الْبَرَاءَةِ مِنِّي- فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي فَإِنَّهُ لِي زَكَاةٌ وَ لَكُمْ نَجَاةٌ- وَ أَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلَا تَتَبَرَّءُوا مِنِّي- فَإِنِّي وُلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَ سَبَقْتُ إِلَى الْإِيمَانِ وَ الْهِجْرَةِ مندحق البطن بارزها- و الدحوق من النوق التي يخرج رحمها عند الولادة- و سيظهر سيغلب و رحب البلعوم واسعه- . و كثير من الناس يذهب إلى أنه ع عنى زيادا- و كثير منهم يقول إنه عنى الحجاج- و قال قوم إنه عنى المغيرة بن شعبة- و الأشبه عندي أنه عنى معاوية- لأنه كان موصوفا بالنهم و كثرة الأكل و كان بطينا- يقعد بطنه إذا جلس على فخذيه- و كان معاوية جوادا بالمال و الصلات و بخيلا على الطعام- يقال إنه مازح أعرابيا على طعامه- و قد قدم بين يديه خروف- فأمعن الأعرابي في أكله فقال له- ما ذنبه إليك أ نطحك أبوه- فقال الأعرابي و ما حنوك عليه أ أرضعتك أمه- . و قال لأعرابي يأكل بين يديه و قد استعظم أكله- أ لا أبغيك سكينا فقال‏ كل امرئ سكينه في رأسه فقال- ما اسمك قال لقيم قال منها أتيت- . كان معاوية يأكل فيكثر ثم يقول ارفعوا- فو الله ما شبعت و لكن مللت و تعبت- . تظاهرت الأخبار-أن رسول الله ص دعا على معاوية لما بعث إليه يستدعيه- فوجده يأكل ثم بعث فوجده يأكل- فقال اللهم لا تشبع بطنه- قال الشاعر-

و صاحب لي بطنه كالهاوية
كأن في أحشائه معاوية

و في هذا الفصل مسائل- الأولى في تفسير قوله ع فاقتلوه و لن تقتلوه فنقول- إنه لا تنافي بين الأمر بالشي‏ء و الإخبار عن أنه لا يقع- كما أخبر الحكيم سبحانه- عن أن أبا لهب لا يؤمن و أمره بالإيمان و كما قال تعالى- فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- ثم قال وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً- و أكثر التكليفات على هذا المنهاج

مسألة كلامية في الأمر بالشي‏ء مع العلم بأنه لا يقع

و اعلم أن أهل العدل و المجبرة لم يختلفوا- في أنه تعالى قد يأمر بما يعلم أنه لا يقع- أو يخبر عن أنه لا يقع و إنما اختلفوا- هل يصح أن يريد ما يعلم أنه لا يقع أو يخبر عنه أنه لا يقع- فقال أصحابنا يصح ذلك و قال المجبرة لا يصح- لأن إرادة ما يعلم المريد أنه لا يقع قضية متناقضة- لأن تحت قولنا أراد- مفهوم أن ذلك المراد مما يمكن حصوله- لأن إرادة المحال ممتنعة- و تحت قولنا إنه يعلم أنه لا يقع- مفهوم أن ذلك المراد مما لا يمكن حصوله- لأنا قد فرضنا أنه لا يقع- و ما لا يقع لا يمكن حصوله مع فرض كونه لا يقع- فقال لهم أصحابنا هذا يلزمكم في الأمر- لأنكم قد أجزتم أن يأمر بما يعلم أنه لا يقع- فقالوا في الجواب نحن عندنا أنه يأمر بما لا يريد- فإذا أمر بما يعلم أنه لا يقع أو يخبر عن أنه لا يقع- كان ذلك الأمر أمرا عاريا عن الإرادة- و المحال إنما نشأ من إرادة ما علم المريد أنه لا يقع- و هاهنا لا إرادة- .

فقيل لهم هب أنكم ذهبتم- إلى أن الأمر قد يعرى من الإرادة مع كونه أمرا- أ لستم تقولون أن الأمر يدل على الطلب- و الطلب شي‏ء آخر غير الإرادة- و تقولون إن ذلك الطلب قائم بذات البارئ- فنحن نلزمكم في الطلب القائم بذات البارئ- الذي لا يجوز أن يعرى الأمر منه ما ألزمتمونا في الإرادة- . و نقول لكم- كيف يجوز أن يطلب الطالب ما يعلم أنه لا يقع- أ ليس تحت قولنا طلب مفهوم- أن ذلك المطلوب مما يمكن وقوعه- فالحال في الطلب كالحال في الإرادة حذو النعل بالنعل- و لنا في هذا الموضع أبحاث دقيقة- ذكرناها في كتبنا الكلامية
فصل فيما روي من سب معاوية و حزبه لعلي المسألة الثانية في قوله ع- يأمركم بسبي و البراءة مني-

فنقول إن معاوية أمر الناس بالعراق و الشام- و غيرهما بسب علي ع و البراءة منه- . و خطب بذلك على منابر الإسلام- و صار ذلك سنة في أيام بني أمية- إلى أن قام عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه فأزاله- و ذكر شيخنا أبو عثمان الجاحظ- أن معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة- اللهم إن أبا تراب ألحد في دينك- و صد عن سبيلك‏ فالعنه لعنا وبيلا و عذبه عذابا أليما- و كتب بذلك إلى الآفاق- فكانت هذه الكلمات- يشار بها على المنابر إلى خلافة عمر بن عبد العزيز- . و ذكر أبو عثمان أيضا- أن هشام بن عبد الملك لما حج خطب بالموسم- فقام إليه إنسان فقال يا أمير المؤمنين- إن هذا يوم كانت الخلفاء تستحب فيه لعن أبي تراب- فقال اكفف فما لهذا جئنا- . و ذكر المبرد في الكامل أن خالد بن عبد الله القسري- لما كان أمير العراق في خلافة هشام- كان يلعن عليا ع على المنبر فيقول- اللهم العن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم- صهر رسول الله ص على ابنته و أبا الحسن و الحسين- ثم يقبل على الناس فيقول هل كنيت- .

و روى أبو عثمان أيضا- أن قوما من بني أمية قالوا لمعاوية يا أمير المؤمنين- إنك قد بلغت ما أملت فلو كففت عن لعن هذا الرجل- فقال لا و الله حتى يربو عليه الصغير- و يهرم عليه الكبير و لا يذكر له ذاكر فضلا- . و قال أبو عثمان أيضا- و ما كان عبد الملك مع فضله و أناته و سداده و رجحانه- ممن يخفى عليه فضل علي ع- و أن لعنه على رءوس الأشهاد و في أعطاف الخطب- و على صهوات المنابر مما يعود عليه نقصه- و يرجع إليه وهنه لأنهما جميعا من بني عبد مناف- و الأصل واحد و الجرثومة منبت لهما- و شرف علي ع و فضله عائد عليه و محسوب له- و لكنه أراد تشييد الملك و تأكيد ما فعله الأسلاف- و أن يقرر في أنفس الناس- أن بني هاشم لا حظ لهم في هذا الأمر- و أن سيدهم الذي به يصولون و بفخره يفخرون-هذا حاله و هذا مقداره- فيكون من ينتمي إليه و يدلي به عن الأمر أبعد- و عن الوصول إليه أشحط و أنزح- .

و روى أهل السيرة- أن الوليد بن عبد الملك في خلافته ذكر عليا ع- فقال لعنه الله بالجر كان لص ابن لص- . فعجب الناس من لحنه فيما لا يلحن فيه أحد- و من نسبته عليا ع إلى اللصوصية- و قالوا ما ندري أيهما أعجب و كان الوليد لحانا- . و أمر المغيرة بن شعبة- و هو يومئذ أمير الكوفة من قبل معاوية- حجر بن عدي أن يقوم في الناس- فليلعن عليا ع فأبى ذلك فتوعده- فقام فقال أيها الناس- إن أميركم أمرني أن ألعن عليا فالعنوه- فقال أهل الكوفة لعنه الله- و أعاد الضمير إلى المغيرة بالنية و القصد- . و أراد زياد أن يعرض أهل الكوفة أجمعين- على البراءة من علي ع- و لعنه و أن يقتل كل من امتنع من ذلك و يخرب منزله- فضربه الله ذلك اليوم بالطاعون- فمات لا رحمه الله بعد ثلاثة أيام- و ذلك في خلافة معاوية- . و كان الحجاج لعنه الله يلعن عليا ع و يأمر بلعنه- و قال له متعرض به يوما و هو راكب أيها الأمير- إن أهلي عقوني فسموني عليا فغير اسمي- و صلني بما أتبلغ به فإني فقير- فقال للطف ما توصلت به قد سميتك كذا- و وليتك العمل الفلاني فاشخص إليه- . فأما عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فإنه قال- كنت غلاما أقرأ القرآن على بعض ولد عتبة بن مسعود- فمر بي يوما و أنا ألعب مع الصبيان- و نحن نلعن عليا- .

فكره ذلك و دخل المسجد- فتركت الصبيان و جئت إليه لأدرس عليه وردي- فلما رآني قام فصلى- و أطال في الصلاة شبه المعرض عني- حتى أحسست منه بذلك- فلما انفتل من صلاته كلح في وجهي- فقلت له ما بال الشيخ- فقال لي يا بني أنت اللاعن عليا منذ اليوم قلت نعم- قال فمتى علمت أن الله سخط على أهل بدر- بعد أن رضي عنهم- فقلت يا أبت و هل كان علي من أهل بدر- فقال ويحك و هل كانت بدر كلها إلا له- فقلت لا أعود فقال الله أنك لا تعود- قلت نعم فلم ألعنه بعدها- ثم كنت أحضر تحت منبر المدينة- و أبي يخطب يوم الجمعة و هو حينئذ أمير المدينة- فكنت أسمع أبي يمر في خطبه تهدر شقاشقه- حتى يأتي إلى لعن علي ع فيجمجم- و يعرض له من الفهاهة و الحصر ما الله عالم به- فكنت أعجب من ذلك- فقلت له يوما يا أبت أنت أفصح الناس و أخطبهم- فما بالي أراك أفصح خطيب يوم حفلك- حتى إذا مررت بلعن هذا الرجل صرت ألكن عليا- فقال يا بني إن من ترى تحت منبرنا من أهل الشام و غيرهم- لو علموا من فضل هذا الرجل- ما يعلمه أبوك لم يتبعنا منهم أحد- فوقرت كلمته في صدري- مع ما كان قاله لي معلمي أيام صغري- فأعطيت الله عهدا- لئن كان لي في هذا الأمر نصيب لأغيرنه- فلما من الله علي بالخلافة أسقطت ذلك و جعلت مكانه- إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏- وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ- يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ- و كتب به إلى الآفاق فصار سنة- . و قال كثير بن عبد الرحمن يمدح عمر و يذكر قطعه السب-

وليت فلم تشتم عليا و لم تخف
بريا و لم تقبل إساءة مجرم‏

و كفرت بالعفو الذنوب مع الذي‏
أتيت فأضحى راضيا كل مسلم‏

ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه
من الأود البادي ثقاف المقوم‏

و ما زلت تواقا إلى كل غاية
بلغت بها أعلى العلاء المقدم‏

فلما أتاك الأمر عفوا و لم يكن
لطالب دنيا بعده من تكلم‏

تركت الذي يفنى لأن كان بائدا
و آثرت ما يبقى برأي مصمم‏

و قال الرضي أبو الحسن رحمه الله تعالى-

يا ابن عبد العزيز لو بكت العين
فتى من أمية لبكيتك‏

غير أني أقول أنك قد طبت‏
و إن لم يطب و لم يزك بيتك‏

أنت نزهتنا عن السب و القذف
فلو أمكن الجزاء جزيتك‏

و لو أني رأيت قبرك لاستحييت‏
من أن أرى و ما حييتك‏

و قليل أن لو بذلت دماء
البدن صرفا على الذرا و سقيتك‏

دير سمعان فيك مأوى أبي حفص‏
بودي لو أنني آويتك‏

دير سمعان لا أغبك غيث
خير ميت من آل مروان ميتك‏

أنت بالذكر بين عيني و قلبي‏
إن تدانيت منك أو إن نأيتك‏

و إذا حرك الحشا خاطر منك
توهمت أنني قد رأيتك‏

و عجيب أني قليت بني مروان‏
طرا و أنني ما قليتك‏

قرب العدل منك لما نأى الجور
بهم فاجتويتهم و اجتبيتك‏

فلو أني ملكت دفعا لما نابك‏
من طارق الردى لفديتك‏

و روى ابن الكلبي عن أبيه- عن عبد الرحمن بن السائب- قال قال الحجاج يوما لعبد الله بن هانئ- و هو رجل من بني أود حي من قحطان- و كان شريفا في قومه- قد شهد مع الحجاج مشاهده كلها- و كان من أنصاره و شيعته- و الله ما كافأتك بعد- ثم أرسل إلى أسماء بن خارجة سيد بني فزارة- أن زوج عبد الله بن هانئ بابنتك- فقال لا و الله و لا كرامة فدعا بالسياط- فلما رأى الشر قال نعم أزوجه- ثم بعث إلى سعيد بن قيس الهمداني رئيس اليمانية- زوج ابنتك من عبد الله بن أود-

فقال و من أود لا و الله لا أزوجه و لا كرامة- فقال علي بالسيف- فقال دعني حتى أشاور أهلي فشاورهم- فقالوا زوجه و لا تعرض نفسك لهذا الفاسق فزوجه- فقال الحجاج لعبد الله- قد زوجتك بنت سيد فزارة و بنت سيد همدان- و عظيم كهلان و ما أود هناك- فقال لا تقل أصلح الله الأمير ذاك- فإن لنا مناقب ليست لأحد من العرب- قال و ما هي- قال ما سب أمير المؤمنين عبد الملك في ناد لنا قط- قال منقبة و الله- قال و شهد منا صفين مع أمير المؤمنين معاوية سبعون رجلا- ما شهد منا مع أبي تراب إلا رجل واحد- و كان و الله ما علمته امرأ سوء- قال منقبة و الله- قال و منا نسوة نذرن- إن قتل الحسين بن علي- أن تنحر كل واحدة عشر قلائص ففعلن- قال منقبة و الله- قال و ما منا رجل عرض عليه شتم أبي تراب و لعنه- إلا فعل و زاد ابنيه حسنا و حسينا و أمهما فاطمة- قال منقبة و الله- قال و ما أحد من العرب له من الصباحة و الملاحة ما لنا- فضحك الحجاج- و قال أما هذه يا أبا هانئ فدعها- و كان عبد الله دميما شديد الأدمة مجدورا- في رأسه عجر مائل الشدق- أحول قبيح الوجه شديد الحول- . و كان عبد الله بن الزبير يبغض عليا ع- و ينتقصه و ينال من عرضه- .

و روى عمر بن شبة و ابن الكلبي و الواقدي- و غيرهم من رواة السير- أنه مكث أيام ادعائه الخلافة أربعين جمعة- لا يصلي فيها على النبي ص- و قال لا يمنعني من ذكره إلا أن تشمخ رجال بآنافها- . و في رواية محمد بن حبيب و أبي عبيدة معمر بن المثنى- أن له أهيل سوء ينغضون رءوسهم عند ذكره- . و روى سعيد بن جبير أن عبد الله بن الزبير- قال لعبد الله بن عباس- ما حديث أسمعه عنك- قال و ما هو قال تأنيبي و ذمي-فقال إني سمعت رسول الله ص يقول- بئس المرء المسلم يشبع و يجوع جارهفقال ابن الزبير- إني لأكتم بغضكم أهل هذا البيت منذ أربعين سنة- و ذكر تمام الحديث- .

و روى عمر بن شبة أيضا عن سعيد بن جبير- قال خطب عبد الله بن الزبير فنال من علي ع- فبلغ ذلك محمد بن الحنفية- فجاء إليه و هو يخطب- فوضع له كرسي فقطع عليه خطبته- و قال يا معشر العرب شاهت الوجوه- أ ينتقص علي و أنتم حضور- إن عليا كان يد الله على أعداء الله- و صاعقة من أمره أرسله على الكافرين و الجاحدين لحقه- فقتلهم بكفرهم فشنئوه و أبغضوه- و أضمروا له الشنف و الحسد- و ابن عمه ص حي بعد لم يمت- فلما نقله الله إلى جواره و أحب له ما عنده- أظهرت له رجال أحقادها و شفت أضغانها- فمنهم من ابتز حقه و منهم من ائتمر به ليقتله- و منهم من شتمه و قذفه بالأباطيل- فإن يكن لذريته و ناصري دعوته دولة تنشر عظامهم- و تحفر على أجسادهم و الأبدان منهم يومئذ بالية- بعد أن تقتل الأحياء منهم و تذل رقابهم- فيكون الله عز اسمه قد عذبهم بأيدينا و أخزاهم- و نصرنا عليهم و شفا صدورنا منهم- إنه و الله ما يشتم عليا إلا كافر- يسر شتم رسول الله ص- و يخاف أن يبوح به-فيكني بشتم علي ع عنه- أما إنه قد تخطت المنية منكم من امتد عمره- و سمعقول رسول الله ص فيه لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافقوَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ فعاد ابن الزبير إلى خطبته- و قال عذرت بني الفواطم يتكلمون- فما بال ابن أم حنيفة- فقال محمد يا ابن أم رومان- و ما لي لا أتكلم- و هل فاتني من الفواطم إلا واحدة- و لم يفتني فخرها- لأنها أم أخوي- أنا ابن فاطمة بنت عمران بن عائذ بن مخزوم- جده رسول الله ص- و أنا ابن فاطمة بنت أسد بن هاشم- كافلة رسول الله ص و القائمة مقام أمه- أما و الله لو لا خديجة بنت خويلد- ما تركت في بني أسد بن عبد العزى عظما إلا هشمته- ثم قام فانصرف

فصل في ذكر الأحاديث الموضوعة في ذم علي

و ذكر شيخنا أبو جعفر الإسكافي رحمه الله تعالى- و كان من المتحققين بموالاة علي ع و المبالغين في تفضيله- و إن كان القول بالتفضيل عاما شائعا في البغداديين من أصحابنا كافة- إلا أن أبا جعفر أشدهم في ذلك قولا- و أخلصهم فيه اعتقادا- أن معاوية وضع قوما من الصحابة و قوما من التابعين- على رواية أخبار قبيحة في علي ع- تقتضي الطعن فيه و البراءة منه- و جعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله- فاختلقوا ما أرضاه- منهم أبو هريرة و عمرو بن العاص و المغيرة بن شعبة- و من التابعين عروة بن الزبير- .

روى الزهري أن عروة بن الزبير حدثه قال حدثتني عائشة قالت كنت عندرسول الله إذ أقبل العباس و علي- فقال يا عائشة إن هذين يموتان على غير ملتي أو قال ديني- .

و روى عبد الرزاق عن معمر- قال كان عند الزهري حديثان عن عروة عن عائشة في علي ع- فسألته عنهما يوما- فقال ما تصنع بهما و بحديثهما الله أعلم بهما- إني لأتهمهما في بني هاشم- . قال فأما الحديث الأول فقد ذكرناه- و أما الحديث الثاني فهو أن عروة زعم أن عائشة حدثته-قالت كنت عند النبي ص- إذ أقبل العباس و علي- فقال يا عائشة- إن سرك أن تنظري إلى رجلين من أهل النار- فانظري إلى هذين قد طلعا- فنظرت فإذا العباس و علي بن أبي طالب- .

و أما عمرو بن العاص- فروي عنه الحديث الذي أخرجه البخاري و مسلم- في صحيحيهما مسندا متصلا بعمرو بن العاص-قال سمعت رسول الله ص يقول إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء- إنما وليي الله و صالح المؤمنينو أما أبو هريرة: فروي عنه الحديث- الذي معناه أن عليا ع خطب ابنة أبي جهل- في حياة رسول الله ص فأسخطه فخطب على المنبر- و قال لاها الله- لا تجتمع ابنة ولي الله و ابنة عدو الله أبي جهل- إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها- فإن كان علي يريد ابنة أبي جهل- فليفارق ابنتي و ليفعل ما يريد- أو كلاما هذا معناه- و الحديث مشهور من رواية الكرابيسي- . قلت- هذا الحديث أيضا مخرج في صحيحي مسلم و البخاري- عن المسور بن مخرمة الزهري- و قد ذكره المرتضى في كتابه- المسمى تنزيه الأنبياء و الأئمة- و ذكر أنه رواية حسين الكرابيسي- و أنه مشهور بالانحراف عن أهل البيت ع- و عداوتهم و المناصبة لهم فلا تقبل روايته- . و لشياع هذا الخبر و انتشاره ذكره مروان بن أبي حفصة- في قصيدة يمدح بها الرشيد- و يذكر فيها ولد فاطمة ع- و ينحي عليهم و يذمهم- و قد بالغ حين ذم عليا ع و نال منه و أولها-

سلام على جمل و هيهات من جمل
و يا حبذا جمل و إن صرمت حبلي‏

يقول فيها

علي أبوكم كان أفضل منكم
أباه ذوو الشورى و كانوا ذوي الفضل‏

و ساء رسول الله إذ ساء بنته‏
بخطبته بنت اللعين أبي جهل‏

فذم رسول الله صهر أبيكم
على منبر بالمنطق الصادع الفضل‏

و حكم فيها حاكمين أبوكم‏
هما خلعاه خلع ذي النعل للنعل‏

و قد باعها من بعده الحسن ابنه
فقد أبطلت دعواكم الرثة الحبل‏

و خليتموها و هي في غير أهلها
و طالبتموها حين صارت إلى أهل‏

و قد روي هذا الخبر على وجوه مختلفة- و فيه زيادات متفاوتة- فمن الناس من يروي فيه- مهما ذممنا من صهر- فإنا لم نذم صهر أبي العاص بن الربيع- و من الناس من يروي فيه- ألا إن بني المغيرة أرسلوا إلى علي- ليزوجوه كريمتهم و غير ذلك- . و عندي أن هذا الخبر لو صح- لم يكن على أمير المؤمنين فيه غضاضة و لا قدح- لأن‏الأمة مجمعة على أنه لو نكح ابنة أبي جهل- مضافا إلى نكاح فاطمة ع لجاز- لأنه داخل تحت عموم الآية المبيحة للنساء الأربع- فابنة أبي جهل المشار إليها كانت مسلمة- لأن هذه القصة كانت بعد فتح مكة- و إسلام أهلها طوعا و كرها- و رواة الخبر موافقون على ذلك- فلم يبق إلا أنه إن كان هذا الخبر صحيحا- فإن رسول الله ص لما رأى فاطمة ع قد غارت- و أدركها ما يدرك النساء- عاتب عليا ع عتاب الأهل- و كما يستثبت الوالد رأي الولد- و يستعطفه إلى رضا أهله و صلح زوجته- و لعل الواقع كان بعض هذا الكلام فحرف و زيد فيه- و لو تأملت أحوال النبي ص مع زوجاته- و ما كان يجري بينه و بينهن من الغضب تارة- و الصلح أخرى و السخط تارة و الرضا أخرى- حتى بلغ الأمر إلى الطلاق مرة- و إلى الإيلاء مرة و إلى الهجر و القطيعة مرة- و تدبرت ما ورد في الروايات الصحيحة- مما كن يلقينه ع به و يسمعنه إياه- لعلمت أن الذي عاب الحسدة و الشائنون عليا ع به- بالنسبة إلى تلك الأحوال قطرة من البحر المحيط- و لو لم يكن إلا قصة مارية- و ما جرى بين رسول الله ص- و بين تينك الامرأتين من الأحوال و الأقوال- حتى أنزل فيهما قرآن يتلى في المحاريب- و يكتب في المصاحف- و قيل لهما ما لا يقال للإسكندر ملك الدنيا لو كان حيا- منابذا لرسول الله ص- وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ- وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ- ثم أردف بعد ذلك بالوعيد و التخويف- عَسى‏ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ الآيات بتمامها- ثم ضرب لهما مثلا امرأة نوح و امرأة لوط- اللتين خانتا بعليهما- فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً و تمام الآية معلوم-

فهل ما روي في الخبر- من تعصب فاطمة على علي ع‏ و غيرتها- من تعريض بني المغيرة له بنكاح عقيلتهم- إذا قويس إلى هذه الأحوال و غيرها- مما كان يجري إلا كنسبة التأفيف إلى حرب البسوس- و لكن صاحب الهوى و العصبية لا علاج له- . ثم نعود إلى حكاية كلام شيخنا- أبي جعفر الإسكافي رحمه الله تعالى- قال أبو جعفر و روى الأعمش- قال لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة- جاء إلى مسجد الكوفة- فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه- ثم ضرب صلعته مرارا- و قال يا أهل العراق- أ تزعمون أني أكذب على الله و على رسوله- و أحرق نفسي بالنار-و الله لقد سمعت رسول الله ص يقول إن لكل نبي حرما و إن حرمي بالمدينة- ما بين عير إلى ثور- فمن أحدث فيها حدثا- فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين و أشهد بالله أن عليا أحدث فيها- فلما بلغ معاوية قوله- أجازه و أكرمه و ولاه أمارة المدينة- . قلت أما قوله ما بين عير إلى ثور- فالظاهر أنه غلط من الراوي- لأن ثورا بمكة و هو جبل يقال له ثور أطحل- و فيه الغار الذي دخله النبي ص و أبو بكر-

و إنما قيل أطحل- لأن أطحل بن عبد مناف بن أد بن طابخة- بن إلياس بن مضر بن نزار بن عدنان كان يسكنه- و قيل اسم الجبل أطحل- فأضيف ثور إليه و هو ثور بن عبد مناف- و الصواب ما بين عير إلى أحد- . فأما قول أبي هريرة- أن عليا ع أحدث في المدينة- فحاش لله كان علي ع أتقى لله من ذلك- و الله لقد نصر عثمان نصرا- لو كان المحصور جعفر بن أبي طالب لم يبذل له إلا مثله- . قال أبو جعفر- و أبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي الرواية- ضربه عمربالدرة- و قال قد أكثرت من الرواية- و أحر بك أن تكون كاذبا على رسول الله ص- . و روى سفيان الثوري عن منصور- عن إبراهيم التيمي قال- كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة إلا ما كان من ذكر جنة أو نار- .

و روى أبو أسامة عن الأعمش- قال كان إبراهيم صحيح الحديث- فكنت إذا سمعت الحديث أتيته فعرضته عليه- فأتيته يوما بأحاديث من حديث أبي صالح- عن أبي هريرة- فقال دعني من أبي هريرة- إنهم كانوا يتركون كثيرا من حديثه- .

و قد روي عن علي ع أنه قال- ألا إن أكذب الناس- أو قال أكذب الأحياء- على رسول الله ص أبو هريرة الدوسي- . و روى أبو يوسف- قال قلت لأبي حنيفة- الخبر يجي‏ء عن رسول الله ص- يخالف قياسنا ما تصنع به- قال إذا جاءت به الرواة الثقات- عملنا به و تركنا الرأي- فقلت ما تقول في رواية أبي بكر و عمر- فقال ناهيك بهما- فقلت علي و عثمان قال كذلك- فلما رآني أعد الصحابة- قال و الصحابة كلهم عدول ما عدا رجالا- ثم عد منهم أبا هريرة و أنس بن مالك- .

و روى سفيان الثوري- عن عبد الرحمن بن القاسم- عن عمر بن عبد الغفار- أن أبا هريرة لما قدم الكوفة مع معاوية- كان يجلس بالعشيات بباب كندة- و يجلس الناس إليه فجاء شاب من الكوفة فجلس إليه- فقال يا أبا هريرة أنشدك الله- أ سمعت رسول الله ص يقول لعلي بن أبي طالب اللهم وال من والاه و عاد من عاداه فقال اللهم نعم قال فأشهد بالله لقد واليت عدوه و عاديت وليه ثم قام عنه- .

و روت الرواة- أن أبا هريرة كان يؤاكل الصبيان في الطريق- و يلعب معهم و كان يخطب و هو أمير المدينة- فيقول الحمد لله الذي جعل الدين قياما- و أبا هريرة إماما يضحك الناس بذلك- و كان يمشي و هو أمير المدينة في السوق- فإذا انتهى إلى رجل يمشي أمامه- ضرب برجليه الأرض- و يقول الطريق الطريق- قد جاء الأمير يعني نفسه- . قلت قد ذكر ابن قتيبة هذا كله- في كتاب المعارف في ترجمة أبي هريرة- و قوله فيه حجة لأنه غير متهم عليه- . قال أبو جعفر- و كان المغيرة بن شعبة يلعن عليا ع لعنا صريحا- على منبر الكوفة- و كان بلغه عن علي ع في أيام عمر- أنه قال لئن رأيت المغيرة لأرجمنه بأحجاره- يعني واقعة الزناء بالمرأة التي شهد عليه فيها أبو بكرة- و نكل زياد عن الشهادة- فكان يبغضه لذاك و لغيره من أحوال اجتمعت في نفسه- .

قال و قد تظاهرت الرواية عن عروة بن الزبير- أنه كان يأخذه الزمع عند ذكر علي ع- فيسبه و يضرب بإحدى يديه على الأخرى- و يقول و ما يغني أنه لم يخالف إلى ما نهي عنه- و قد أراق من دماء المسلمين ما أراق- . قال و قد كان في المحدثين من يبغضه ع- و يروي فيه الأحاديث المنكرة منهم حريز بن عثمان- كان يبغضه و ينتقصه- و يروي فيه أخبارا مكذوبة-

و قد روى‏ المحدثون أن حريزا رؤي في المنام بعد موته- فقيل له ما فعل الله بك- قال كاد يغفر لي لو لا بغض علي- . قلت- قد روى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري- في كتاب السقيفة- قال حدثني أبو جعفر بن الجنيد- قال حدثني إبراهيم بن الجنيد- قال حدثني محفوظ بن المفضل بن عمر- قال حدثني أبو البهلول يوسف بن يعقوب- قال حدثنا حمزة بن حسان- و كان مولى لبني أمية- و كان مؤذنا عشرين سنة و حج غير حجة- و أثنى أبو البهلول عليه خيرا- قال حضرت حريز بن عثمان- و ذكر علي بن أبي طالب- فقال ذاك الذي أحل حرم رسول الله ص حتى كاد يقع- . قال محفوظ- قلت ليحيي بن صالح الوحاظي- قد رويت عن مشايخ من نظراء حريز- فما بالك لم تحمل عن حريز- قال إني أتيته فناولني كتابا فإذا فيه- حدثني فلان عن فلان إن النبي ص- لما حضرته الوفاة أوصى أن تقطع يد علي بن أبي طالب ع – فرددت الكتاب و لم أستحل أن أكتب عنه شيئا- .

قال أبو بكر و حدثني أبو جعفر- قال حدثني إبراهيم- قال حدثني محمد بن عاصم صاحب الخانات- قال قال لنا حريز بن عثمان- أنتم يا أهل العراق تحبون علي بن أبي طالب ع و نحن نبغضه- قالوا لم قال لأنه قتل أجدادي- . قال محمد بن عاصم و كان حريز بن عثمان نازلا علينا- . قال أبو جعفر رحمه الله تعالى- و كان المغيرة بن شعبة صاحب دنيا- يبيع دينه بالقليل النزر منها- و يرضي معاوية بذكر علي بن أبي طالب ع- قال يوما في مجلس معاوية- إن عليا لم ينكحه رسول الله ابنته حبا- و لكنه أراد أن يكافئ بذلك إحسان أبي طالب إليه- .

قال و قد صح عندنا- أن المغيرة لعنه على منبر العراق مرات لا تحصى- و يروى أنه لما مات و دفنوه- أقبل رجل راكب ظليما- فوقف قريبا منه ثم قال-

أ من رسم دار من مغيرة تعرف
عليها زواني الإنس و الجن تعزف‏

فإن كنت قد لاقيت فرعون بعدنا
و هامان فاعلم أن ذا العرش منصف‏

قال فطلبوه فغاب عنهم و لم يروا أحدا- فعلموا أنه من الجن- . قال فأما مروان بن الحكم فأحقر و أقل- من أن يذكر في الصحابة الذين- قد غمصناهم و أوضحنا سوء رأينا فيهم- لأنه كان مجاهرا بالإلحاد هو و أبوه الحكم بن أبي العاص- و هما الطريدان اللعينان- كان أبوه عدو رسول الله ص يحكيه في مشيه- و يغمز عليه عينه و يدلع له لسانه- و يتهكم به و يتهانف عليه- هذا و هو في قبضته و تحت يده- و في دار دعوته بالمدينة- و هو يعلم أنه قادر على قتله أي وقت شاء من ليل أو نهار- فهل يكون هذا إلا من شانئ شديد البغضة و مستحكم العداوة- حتى أفضى أمره إلى أن طرده رسول الله ص عن المدينة- و سيره إلى الطائف- . و أما مروان ابنه فأخبث عقيدة- و أعظم إلحادا و كفرا- و هو الذي خطب يوم- وصل إليه رأس الحسين ع إلى المدينة- و هو يومئذ أميرها و قد حمل الرأس على يديه فقال-

يا حبذا بردك في اليدين
و حمرة تجري على الخدين‏
كأنما بت بمسجدين‏

ثم رمى بالرأس نحو قبر النبي و قال- يا محمد يوم بيوم بدر- و هذا القول مشتق من الشعر الذي تمثل به يزيد بن معاوية- و هو شعر ابن الزبعري يوم وصل الرأس إليه- . و الخبر مشهور- . قلت هكذا قال شيخنا أبو جعفر- و الصحيح أن مروان لم يكن أمير المدينة يومئذ- بل كان أميرها عمرو بن سعيد بن العاص- و لم يحمل إليه الرأس- و إنما كتب إليه عبيد الله بن زياد- يبشره بقتل الحسين ع- فقرأ كتابه على المنبر و أنشد الرجز المذكور- و أومأ إلى القبر قائلا يوم بيوم بدر- فأنكر عليه قوله قوم من الأنصار- .

ذكر ذلك أبو عبيدة في كتاب المثالب- . قال و روى الواقدي- أن معاوية لما عاد من العراق إلى الشام- بعد بيعة الحسن ع و اجتماع الناس إليه خطب فقال- أيها الناس إن رسول الله ص قال لي إنك ستلي الخلافة من بعدي- فاختر الأرض المقدسة فإن فيها الأبدال- و قد اخترتكم فالعنوا أبا تراب فلعنوه- فلما كان من الغد كتب كتابا- ثم جمعهم فقرأه عليهم و فيه- هذا كتاب كتبه أمير المؤمنين معاوية- صاحب وحي الله الذي بعث محمدا نبيا- و كان أميا لا يقرأ و لا يكتب- فاصطفى له من أهله وزيرا كاتبا أمينا- فكان الوحي ينزل على محمد و أنا أكتبه- و هو لا يعلم ما أكتب- فلم يكن بيني و بين الله أحد من خلقه- فقال له الحاضرون كلهم صدقت يا أمير المؤمنين- .

قال أبو جعفر و قد روي- أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم- حتى يروي أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب- وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا- وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى‏ ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ- وَ إِذا تَوَلَّى سَعى‏ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها- وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ- و أن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم و هي قوله تعالى- وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ- فلم يقبل فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل- فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل- فبذل له أربعمائة ألف فقبل و روى ذلك- . قال و قد صح أن بني أمية منعوا من إظهار فضائل علي ع- و عاقبوا على ذلك الراوي له- حتى أن الرجل إذا روى عنه حديثا- لا يتعلق بفضله بل بشرائع الدين لا يتجاسر على ذكر اسمه- فيقول عن أبي زينب- .

و روى عطاء عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال- وددت أن أترك- فأحدث بفضائل علي بن أبي طالب ع يوما إلى الليل- و أن عنقي هذه ضربت بالسيف- .قال فالأحاديث الواردة في فضله- لو لم تكن في الشهرة و الاستفاضة- و كثرة النقل إلى غاية بعيدة- لانقطع نقلها للخوف و التقية من بني مروان- مع طول المدة و شدة العداوة- . و لو لا أن لله تعالى في هذا الرجل سرا يعلمه من يعلمه- لم يرو في فضله حديث و لا عرفت له منقبة- أ لا ترى أن رئيس قرية لو سخط على واحد من أهلها- و منع الناس أن يذكروه بخير و صلاح لخمل ذكره و نسي اسمه- و صار و هو موجود معدوما و هو حي ميتا- هذه خلاصة ما ذكره شيخنا أبو جعفر رحمه الله تعالى- في هذا المعنى في كتاب التفضيل

فصل في ذكر المنحرفين عن علي

و ذكر جماعة من شيوخنا البغداديين- أن عدة من الصحابة و التابعين و المحدثين- كانوا منحرفين عن علي ع قائلين فيه السوء- و منهم من كتم مناقبه و أعان أعداءه- ميلا مع الدنيا و إيثارا للعاجلة- فمنهم أنس بن مالكناشد علي ع الناس في رحبة القصر- أو قال رحبة الجامع بالكوفة- أيكم سمع رسول الله ص يقول- من كنت مولاه فعلي مولاه- فقام اثنا عشر رجلا فشهدوا بها- و أنس بن مالك في القوم لم يقم فقال له يا أنس- ما يمنعك أن تقوم فتشهد و لقد حضرتها- فقال يا أمير المؤمنين كبرت و نسيتفقال اللهم إن كان كاذبا فارمه بها بيضاء- لا تواريها الغمامة- قال طلحة بن عمير فو الله- لقد رأيت الوضح به بعد ذلك أبيض بين عينيه- .

و روى عثمان بن مطرف أن رجلا سأل أنس بن مالك في آخر عمره- عن علي بن أبي طالب- فقال إني آليت ألا أكتم حديثا سئلت عنه- في علي بعد يوم الرحبة- ذاك رأس المتقين يوم القيامة سمعته و الله من نبيكم- .

و روى أبو إسرائيل عن الحكم عن أبي سليمان المؤذن أن عليا ع نشد الناس من سمع رسول الله ص يقول- من كنت مولاه فعلي مولاه- فشهد له قوم و أمسك زيد بن أرقم فلم يشهد و كان يعلمها- فدعا علي ع عليه بذهاب البصر فعمي- فكان يحدث الناس بالحديث بعد ما كف بصره- . قالوا و كان الأشعث بن قيس الكندي- و جرير بن عبد الله البجلي يبغضانه- و هدم علي ع دار جرير بن عبد الله- . قال إسماعيل بن جرير هدم علي دارنا مرتين- .

و روى الحارث بن حصين أن رسول الله ص دفع إلى جرير بن عبد الله نعلين نعاله- و قال احتفظ بهما فإن ذهابهما ذهاب دينك- فلما كان يوم الجمل ذهبت إحداهما- فلما أرسله علي ع إلى معاوية ذهبت الأخرى- ثم فارق عليا و اعتزل الحرب- . و روى أهل السيرة أن الأشعث خطب إلى علي ع ابنته فزبره-و قال يا ابن الحائك أ غرك ابن أبي قحافة- .

و روى أبو بكر الهذلي عن الزهري عن عبيد الله بن عدي بن الخيار بن نوفل بن عبد مناف قال قام الأشعث إلى علي ع فقال- إن الناس يزعمون أن رسول الله ص عهد إليك عهدا- لم يعهده إلى غيرك- فقال إنه عهد إلي ما في قراب سيفي لم يعهد إلي غير ذلك- فقال الأشعث هذه إن قلتها فهي عليك لا لك- دعها ترحل عنك- فقال له و ما علمك بما علي مما لي- منافق ابن كافر حائك ابن حائك- إني لأجد منك بنة الغزل- ثم التفت إلى عبيد الله بن عدي بن الخيار فقال يا عبيد الله إنك لتسمع خلافا و ترى عجبا ثم أنشد-

أصبحت هزءا لراعي الضأن أتبعه
ما ذا يريبك مني راعي الضأن‏

و قد ذكرنا في بعض الروايات المتقدمات- أن سبب قوله هذه عليك لا لك أمر آخر- و الروايات تختلف- . و روى يحيى بن عيسى الرملي عن الأعمش- أن جريرا و الأشعث خرجا إلى جبان الكوفة- فمر بهما ضب يعدو و هما في ذم علي ع فنادياه- يا أبا حسل هلم‏يدك نبايعك بالخلافة- فبلغ عليا ع قولهما-فقال أما إنهما يحشران يوم القيامة و إمامهما ضب و كان أبو مسعود الأنصاري منحرفا عنه ع-روى شريك عن عثمان بن أبي زرعة عن زيد بن وهب قال تذاكرنا القيام إذا مرت الجنازة عند علي ع- فقال أبو مسعود الأنصاري قد كنا نقوم- فقال علي ع ذاك و أنتم يومئذ يهود-.

و روى شعبة عن عبيد بن الحسن عن عبد الرحمن بن معقل قال حضرت عليا ع- و قد سأله رجل عن امرأة توفي عنها زوجها و هي حامل فقال- تتربص أبعد الأجلين فقال رجل فإن أبا مسعود يقول- وضعها انقضاء عدتها فقال علي ع إن فروجا لا يعلم- فبلغ قوله أبا مسعود فقال بلى- و الله إني لأعلم أن الآخر شر- .

و روى المنهال عن نعيم بن دجاجة قال كنت جالسا عند علي ع إذ جاء أبو مسعود- فقال علي ع جاءكم فروج فجاء فجلس- فقال له علي ع بلغني أنك تفتي الناس- قال نعم و أخبرهم أن الآخر شر- قال فهل سمعت من رسول الله ص شيئا- قال نعم سمعته يقول لا يأتي على الناس سنة مائة- و على الأرض عين تطرف- قال أخطأت استك الحفرة و غلطت في أول ظنك- إنما عنى من حضره يومئذ و هل الرخاء إلا بعد المائة-.

و روى جماعة من أهل السير أن عليا ع كان يقول عن كعب الأحبار إنه لكذابو كان كعب منحرفا عن علي ع- و كان النعمان بن بشير الأنصاري منحرفا عنه و عدوا له- و خاض الدماء مع معاوية خوضا- و كان من أمراء يزيد ابنه حتى قتل و هو على حاله- . و قد روي أن عمران بن الحصين كان من المنحرفين عنه ع- و أن عليا سيره إلى المدائن و ذلك أنه كان يقول- إن مات علي فلا أدري ما موته- و إن قتل فعسى أني إن قتل رجوت له- . و من الناس من يجعل عمران في الشيعة- . و كان سمرة بن جندب من شرطة زياد-

روى عبد الملك بن حكيم عن الحسن قال- جاء رجل من أهل خراسان إلى البصرة- فترك مالا كان معه في بيت المال و أخذ براءة- ثم دخل المسجد فصلى ركعتين- فأخذه سمرة بن جندب و اتهمه برأي الخوارج- فقدمه فضرب عنقه و هو يومئذ على شرطة زياد- فنظروا فيما معه فإذا البراءة بخط بيت المال- فقال أبو بكرة يا سمرة- أ ما سمعت الله تعالى يقول قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى- وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى- فقال أخوك أمرني بذلك- . و روى الأعمش عن أبي صالح قال قيل لنا- قد قدم رجل من أصحاب رسول الله ص- فأتيناه فإذا هو سمرة بن جندب- و إذا عند إحدى رجليه خمر و عند الأخرى ثلج- فقلنا ما هذا قالوا به النقرس و إذا قوم قد أتوه- فقالوا يا سمرةما تقول لربك غدا- تؤتى بالرجل فيقال لك هو من الخوارج فتأمر بقتله- ثم تؤتى بآخر فيقال لك ليس الذي قتلته بخارجي- ذاك فتى وجدناه ماضيا في حاجته فشبه علينا- و إنما الخارجي هذا فتأمر بقتل الثاني- فقال سمرة و أي بأس في ذلك- إن كان من أهل الجنة مضى إلى الجنة- و إن كان من أهل النار مضى إلى النار- .

و روى واصل مولى أبي عيينة عن جعفر بن محمد بن علي ع عن آبائه قال كان لسمرة بن جندب نخل في بستان رجل من الأنصار- فكان يؤذيه فشكا الأنصاري ذلك إلى رسول الله ص- فبعث إلى سمرة فدعاه فقال له- بع نخلك من هذا و خذ ثمنه قال لا أفعل- قال فخذ نخلا مكان نخلك قال لا أفعل- قال فاشتر منه بستانه قال لا أفعل- قال فاترك لي هذا النخل و لك الجنة قال لا أفعل- فقال ص للأنصاري اذهب فاقطع نخله فإنه لا حق له فيه- .

و روى شريك قال أخبرنا عبد الله بن سعد عن حجر بن عدي- قال قدمت المدينة فجلست إلى أبي هريرة فقال- ممن أنت قلت من أهل البصرة قال- ما فعل سمرة بن جندب قلت هو حي قال- ما أحد أحب إلي طول حياة منه قلت و لم ذاك-قال إن رسول الله ص قال لي و له و لحذيفة بن اليمان- آخركم موتا في النار- فسبقنا حذيفة و أنا الآن أتمنى أن أسبقه- قال فبقي سمرة بن جندب حتى شهد مقتل الحسين-.

و روى أحمد بن بشير عن مسعر بن كدام قال- كان سمرة بن جندب أيام مسيرالحسين ع إلى الكوفة- على شرطة عبيد الله بن زياد- و كان يحرض الناس على الخروج إلى الحسين ع و قتاله- . و من المنحرفين عنه المبغضين له عبد الله بن الزبير- و قد ذكرناه آنفا- كان علي ع يقول ما زال الزبير منا أهل البيت حتى نشأ ابنه عبد الله- فأفسده- . و عبد الله هو الذي حمل الزبير على الحرب- و هو الذي زين لعائشة مسيرها إلى البصرة- و كان سبابا فاحشا يبغض بني هاشم- و يلعن و يسب علي بن أبي طالب ع- و كان علي ع يقنت في صلاة الفجر و في صلاة المغرب- و يلعن معاوية و عمر و المغيرة و الوليد بن عقبة- و أبا الأعور و الضحاك بن قيس و بسر بن أرطاة- و حبيب بن مسلمة و أبا موسى الأشعري و مروان بن الحكم- و كان هؤلاء يقنتون عليه و يلعنونه- .

و روى شيخنا أبو عبد الله البصري المتكلم رحمه الله تعالى- عن نصر بن عاصم الليثي عن أبيه قال- أتيت مسجد رسول الله ص و الناس يقولون- نعوذ بالله من غضب الله و غضب رسوله فقلت ما هذا- قالوا معاوية قام الساعة- فأخذ بيد أبي سفيان فخرجا من المسجد-
فقال رسول الله ص لعن الله التابع و المتبوع- رب يوم لأمتي من معاوية ذي الأستاه- قالوا يعني الكبير العجز- . و قال روى العلاء بن حريز القشيري أن رسول الله ص قال لمعاوية- لتتخذن يا معاوية البدعة سنة و القبح حسنا- أكلك كثير و ظلمك عظيم قال و روى الحارث بن حصيرة عن أبي صادق عن ربيعة بن ناجذ قال قال‏علي ع نحن و آل أبي سفيان قوم تعادوا في الأمر- و الأمر يعود كما بدا- .

قلت و قد ذكرنا نحن في تلخيص نقض السفيانية- ما فيه كفاية في هذا الباب- . و روى صاحب كتاب الغارات عن أبي صادق عن جندب بن عبد الله قال ذكر المغيرة بن شعبة عند علي ع و جده مع معاوية- قال و ما المغيرة- إنما كان إسلامه لفجرة و غدرة غدرها بنفر من قومه- فتك بهم و ركبها منهم فهرب منهم- فأتى النبي ص كالعائذ بالإسلام- و الله ما رأى أحد عليه منذ ادعى الإسلام خضوعا و لا خشوعا- ألا و إنه يكون من ثقيف فراعنة قبل يوم القيامة- يجانبون الحق و يسعرون نيران الحرب- و يوازرون الظالمين- ألا إن ثقيفا قوم غدر لا يوفون بعهد- يبغضون العرب كأنهم ليسوا منهم- و لرب صالح قد كان منهم- فمنهم عروة بن مسعود و أبو عبيد بن مسعود- المستشهد يوم قس الناطف- و إن الصالح في ثقيف لغريب – .

قال شيخنا أبو القاسم البلخي- من المعلوم الذي لا ريب فيه لاشتهار الخبر به- و إطباق الناس عليه- أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط كان يبغض عليا و يشتمه- و أنه هو الذي لاحاه في حياة رسول الله ص و نابذه- و قال له أنا أثبت منك جنانا و أحد سنانا- فقال له علي ع اسكت يا فاسق فأنزل الله تعالى فيهما- أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ- الآيات المتلوة- و سمي الوليد بحسب ذلك في حياة رسول الله ص الفاسق- فكان لا يعرف إلا بالوليد الفاسق- .

و هذه الآية من الآيات التي- نزل فيها القرآن بموافقة علي ع- كما نزل في مواضع بموافقة عمر- و سماه الله تعالى فاسقا في آية أخرى و هو قوله تعالى- إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا و سبب نزولها مشهور- و هو كذبه على بني المصطلق- و ادعاؤه أنهم منعوا الزكاة و شهروا السيف- حتى أمر النبي ص بالتجهز للمسير إليهم- فأنزل الله تعالى في تكذيبه- و براءة ساحة القوم هذه الآية- . و كان الوليد مذموما معيبا عند رسول الله ص- يشنؤه و يعرض عنه- و كان الوليد يبغض رسول الله ص أيضا و يشنؤه- و أبوه عقبة بن أبي معيط هو العدو الأزرق بمكة- و الذي كان يؤذي رسول الله ص في نفسه و أهله- و أخباره في ذلك مشهورة- فلما ظفر به يوم بدر ضرب عنقه- و ورث ابنه الوليد الشنئان و البغضة لمحمد و أهله- فلم يزل عليهما إلى أن مات- .

قال الشيخ أبو القاسم- و هو أحد الصبية الذين قال أبو عقبة فيهم- و قد قدم ليضرب عنقه من للصبية يا محمد- فقال: النار اضربوا عنقه- . قال و للوليد شعر يقصد فيه الرد على رسول الله ص حيث قال إن تولوها عليا تجدوه هاديا مهديا – قال و ذلك أن عليا ع لما قتل- قصد بنوه أن يخفوا قبره خوفا من بني أمية- أن يحدثوا في قبره حدثا- فأوهموا الناس في موضع قبره تلك الليلة- و هي ليلة دفنه إيهامات مختلفة- فشدوا على جمل تابوتا موثقا بالحبال- يفوح منه روائح الكافور- و أخرجوه من الكوفة في سواد الليل صحبة ثقاتهم- يوهمون أنهم يحملونه إلى المدينة- فيدفنونه عند فاطمة ع- و أخرجوا بغلا و عليه جنازة مغطاة-يوهمون أنهم يدفنونه بالحيرة و حفروا حفائر عدة- منها بالمسجد و منها برحبة القصر قصر الإمارة- و منها في حجرة من دور آل جعدة بن هبيرة المخزومي- و منها في أصل دار عبد الله بن يزيد القسري- بحذاء باب الوراقين مما يلي قبلة المسجد- و منها في الكناسة و منها في الثوية- فعمي على الناس موضع قبره- و لم يعلم دفنه على الحقيقة إلا بنوه- و الخواص المخلصون من أصحابه- فإنهم خرجوا به ع وقت السحر- في الليلة الحادية و العشرين من شهر رمضان- فدفنوه على النجف بالموضع المعروف بالغري- بوصاة منه ع إليهم في ذلك و عهد كان عهد به إليهم- و عمي موضع قبره على الناس- و اختلفت الأراجيف في صبيحة ذلك اليوم اختلافا شديدا- و افترقت الأقوال في موضع قبره الشريف و تشعبت- و ادعى قوم أن جماعة من طيئ وقعوا على جمل في تلك الليلة- و قد أضله أصحابه ببلادهم و عليه صندوق فظنوا فيه مالا- فلما رأوا ما فيه خافوا أن يطلبوا به- فدفنوا الصندوق بما فيه و نحروا البعير و أكلوه- و شاع ذلك في بني أمية و شيعتهم و اعتقدوه حقا- فقال الوليد بن عقبة من أبيات يذكره ع فيها-

فإن يك قد ضل البعير بحمله
فما كان مهديا و لا كان هاديا

و روى الشيخ أبو القاسم البلخي أيضا- عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة الضبي قال- مر ناس بالحسن بن علي ع- و هم يريدون عيادة الوليد بن عقبة و هو في علة له شديدة- فأتاه الحسن ع معهم عائدا- فقال للحسن أتوب إلى الله تعالى- مما كان بيني و بين جميع الناس- إلا ما كان بيني و بين أبيك فإني لا أتوب منه- . قال شيخنا أبو القاسم البلخي- و أكد بغضه له ضربه إياه الحد في ولاية عثمان- و عزله عن الكوفة- .

و قد اتفقت الأخبار الصحيحة- التي لا ريب فيها عند المحدثين- على أن النبي ص قال لا يبغضك إلا منافق و لا يحبك إلا مؤمنقال و روى حبة العرني عن علي ع أنه قال إن الله عز و جل أخذ ميثاق كل مؤمن على حبي- و ميثاق كل منافق على بغضي- فلو ضربت وجه المؤمن بالسيف ما أبغضني- و لو صببت الدنيا على المنافق ما أحبني-.

و روى عبد الكريم بن هلال عن أسلم المكي عن أبي الطفيل قال سمعت عليا ع و هو يقول لو ضربت خياشيم المؤمن بالسيف ما أبغضني- و لو نثرت على المنافق ذهبا و فضة ما أحبني- إن الله أخذ ميثاق المؤمنين بحبي- و ميثاق المنافقين ببغضي- فلا يبغضني مؤمن و لا يحبني منافق أبدا- .

قال الشيخ أبو القاسم البلخي- و قد روى كثير من أرباب الحديث- عن جماعة من الصحابة قالوا- ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله ص- إلا ببغض علي بن أبي طالب- . ذكر إبراهيم بن هلال صاحب كتاب الغارات- فيمن فارق عليا ع و التحق بمعاوية يزيد بن حجية التيمي- من بني تيم بن ثعلبة بن بكر بن وائل- و كان ع قد استعمله على الري و دستبني- فكسر الخوارج و احتجن المال لنفسه- فحبسه علي ع و جعل معه سعدا مولاه- فقرب يزيد ركائبه و سعد نائم فالتحق بمعاوية و قال-

خادعت سعدا و ارتمت بي ركائبي
إلى الشام و اخترت الذي هو أفضل‏

و غادرت سعدا نائما في عباءة
و سعد غلام مستهام مضلل‏

ثم خرج حتى أتى الرقة و كذلك كان يصنع من يفارق عليا ع- يبدأ بالرقة حتى يستأذن معاوية في القدوم عليه- و كانت الرقة و الرها و قرقيسيا و حران من حيز معاوية- و عليها الضحاك بن قيس- و كانت هيت و عانات و نصيبين و دارا- و آمد و سنجار من حيز علي ع و عليها الأشتر- و كانا يقتتلان في كل شهر- . و قال يزيد بن حجية و هو بالرقة يهجو عليا ع-

يا طول ليلي بالرقات لم أنم
من غير عشق صبت نفسي و لا سقم‏

لكن لذكر أمور جمة طرقت‏
أخشى على الأصل منها زلة القدم‏

أخشى عليا عليهم أن يكون لهم
مثل العقور الذي عفى على إرم‏

و بعد ذلك ما لا نذكره- . قال إبراهيم بن هلال- و قد كان زياد بن خصفة التيمي قال لعلي ع يوم- هرب يزيد بن حجية- ابعثني يا أمير المؤمنين في أثره أرده إليك- فبلغ قوله يزيد بن حجية فقال في ذلك-

أبلغ زيادا أنني قد كفيته
أموري و خليت الذي هو عاتبه‏

و باب شديد موثق قد فتحته‏
عليك و قد أعيت عليك مذاهبه‏

هبلت أ ما ترجو غنائي و مشهدي
إذ الخصم لم يوجد له من يجاذبه‏

فأقسم لو لا أن أمك أمنا
و أنك مولى ما طفقت أعاتبه‏

و أقسم لو أدركتني ما رددتني‏
كلانا قد اصطفت إليه جلائبه‏

قال ابن هلال و كتب إلى العراق شعرا يذم فيه عليا ع- و يخبره أنه من أعدائه فدعا عليه- و قال لأصحابه عقيب الصلاة- ارفعوا أيديكم فادعوا عليه فدعا عليه و أمن أصحابه- .قال أبو الصلت التيمي كان دعاؤه عليه اللهم إن يزيد بن حجية هرب بمال المسلمين- و لحق بالقوم الفاسقين- فاكفنا مكره و كيده و اجزه جزاء الظالمين- .

قال و رفع القوم أيديهم يؤمنون- و كان في المسجد عفاق بن شرحبيل- بن أبي رهم التيمي شيخا كبيرا- و كان يعد ممن شهد على حجر بن عدي حتى قتله معاوية- فقال عفاق على من يدعو القوم- قالوا على يزيد بن حجية فقال- تربت أيديكم أ على أشرافنا تدعون- فقاموا إليه فضربوه حتى كاد يهلك- و قام زياد بن خصفة و كان من شيعة علي ع- فقال دعوا لي ابن عمي- فقال علي ع دعوا للرجل ابن عمه فتركه الناس- فأخذ زياد بيده فأخرجه من المسجد- و جعل يمشي معه يمسح التراب عن وجهه- و عفاق يقول و الله لا أحبكم ما سعيت و مشيت- و الله لا أحبكم ما اختلفت الدرة و الجرة- و زياد يقول ذلك أضر لك ذلك شر لك- . و قال زياد بن خصفة يذكر ضرب الناس عفاقا-

دعوت عفاقا للهدى فاستغشني
و ولى فريا قوله و هو مغضب‏

و لو لا دفاعي عن عفاق و مشهدي‏
هوت بعفاق عوض عنقاء مغرب‏

أنبئه أن الهدى في اتباعنا
فيأبى و يضريه المراء فيشغب‏

فإن لا يشايعنا عفاق فإننا
على الحق ما غنى الحمام المطرب‏

سيغني الإله عن عفاق و سعيه
إذا بعثت للناس جأواء تحرب‏

قبائل من حيي معد و مثلها
يمانية لا تنثني حين تندب‏

لهم عدد مثل التراب و طاعة
تود و بأس في الوغى لا يؤنب‏

فقال له عفاق لو كنت شاعرا لأجبتك- و لكني أخبركم عن ثلاث خصال كن منكم- و الله ما أرى أن تصيبوا بعدهن شيئا مما يسركم- . أما واحدة فإنكم سرتم إلى أهل الشام- حتى إذا دخلتم عليهم بلادهم قاتلتموهم- فلما ظن القوم أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف- فسخروا بكم فردوكم عنهم- فلا و الله لا تدخلونها بمثل ذلك الجد- و الحد و العدد الذي دخلتم به أبدا- . و أما الثانية فإنكم بعثتم حكما و بعث القوم حكما- فأما حكمكم فخلعكم و أما حكمهم فأثبتهم- فرجع صاحبهم يدعى أمير المؤمنين- و رجعتم متلاعنين متباغضين- فو الله لا يزال القوم في علاء و لا تزالون في سفال- . و أما الثالثة فإنه خالفكم قراؤكم و فرسانكم- فعدوتم عليهم فذبحتموهم بأيديكم- فو الله لا تزالون بعدها متضعضعين- . قال و كان يمر عليهم بعد فيقول- اللهم إني منهم بري‏ء و لابن عفان ولي- فيقولون اللهم إنا لعلي أولياء- و من ابن عفان برآء و منك يا عفاق- .

قال فأخذ لا يقلع- فدعوا رجلا منهم له سجاعة كسجاعة الكهان فقالوا- ويحك أ ما تكفينا بسجعك و خطبك هذا- فقال كفيتكم فمر عفاق عليهم فقال كما كان يقول- فلم يمهله أن قال له اللهم اقتل عفاقا- فإنه أسر نفاقا و أظهر شقاقا و بين فراقا و تلون أخلاقا- . فقال عفاق ويحكم من سلط علي هذا- قال الله بعثني إليك و سلطني عليك- لأقطع لسانك و أنصل سنامك و أطرد شيطانك- . قال فلم يك يمر عليهم بعد إنما يمر على مزينة- . و ممن فارقه ع عبد الله بن عبد الرحمن بن مسعود- بن أوس بن إدريس بن معتب الثقفي- شهد مع علي ع صفين- و كان في أول أمره مع معاوية ثم صار إلى علي ع- ثم رجع بعد إلى معاوية و كان علي ع يسميه الهجنع- و الهجنع الطويل- . و منهم القعقاع بن شور- استعمله علي ع على كسكر فنقم منه أمورا- منها أنه تزوج امرأة فأصدقها مائة ألف درهم- فهرب إلى معاوية- . و منهم النجاشي الشاعر من بني الحارث بن كعب- كان شاعر أهل العراق بصفين- و كان علي ع يأمره بمحاربة شعراء أهل الشام- مثل كعب بن جعيل و غيره- فشرب الخمر بالكوفة فحده علي ع- فغضب و لحق بمعاوية و هجا عليا ع- .

حدث ابن الكلبي عن عوانة قال- خرج النجاشي في أول يوم من شهر رمضان- فمر بأبي سمال الأسدي و هو قاعد بفناء داره فقال له- أين تريد قال أردت الكناسة- فقال هل لك في رءوس و أليات- قد وضعت في التنور من أول الليل- فأصبحت قد أينعت و قد تهرأت- قال ويحك في أول يوم من رمضان- قال دعنا مما لا نعرف قال ثم مه- قال أسقيك من شراب كالورس يطيب النفس- و يجرى في العرق و يزيد في الطرق- يهضم الطعام و يسهل للفدم الكلام- فنزل فتغديا ثم أتاه بنبيذ فشرباه- فلما كان آخر النهار علت أصواتهما- و لهما جار من شيعة علي ع فأتاه فأخبره بقصتهما- فأرسل إليهما قوما فأحاطوا بالدار- فأما أبو سمال فوثب إلى دور بني أسد فأفلت- و أخذ النجاشي فأتي ع به فلما أصبح أقامه في سراويل- فضربه ثمانين ثم زاده عشرين سوطا- فقال يا أمير المؤمنين أما الحد فقد عرفته فما هذه العلاوة- قال لجراءتك على الله و إفطارك في شهر رمضان- ثم أقامه في سراويله للناس فجعل الصبيان يصيحون به- خرئ النجاشي خرئ النجاشي- و جعل يقول كلا إنها يمانية وكاؤها شعر- . قال و مر به هند بن عاصم السلولي فطرح عليه مطرفا- فجعل الناس يمرون به و يطرحون عليه المطارف- حتى اجتمعت عليه مطارف كثيرة فمدح بني سلول فقال-

إذا الله حيا صالحا من عباده
تقيا فحيا الله هند بن عاصم‏

و كل سلولي إذا ما دعوته‏
سريع إلى داعي العلا و المكارم‏

هم البيض أقداما و ديباج أوجه
جلوها إذا اسودت وجوه الملائم‏

و لا يأكل الكلب السروق نعالهم‏
و لا يبتغي المخ الذي في الجماجم‏

ثم لحق معاوية و هجا عليا ع فقال-

أ لا من مبلغ عني عليا
بأني قد أمنت فلا أخاف‏

عمدت لمستقر الحق لما
رأيت أموركم فيها اختلاف‏

و روى عبد الملك بن قريب الأصمعي عن ابن أبي الزناد قال- دخل النجاشي على معاوية و قد أذن للناس عامة- فقال لحاجبه ادع النجاشي و النجاشي بين يديه- و لكن اقتحمته عينه فقال- ها أنا ذا النجاشي بين يديك يا أمير المؤمنين- إن الرجال ليست بأجسامها- إنما لك من الرجل أصغراه قلبه و لسانه- قال ويحك أنت القائل-

و نجا ابن حرب سابح ذو علالة
أجش هزيم و الرماح دواني‏

إذا قلت أطراف الرماح تنوشه‏
مرته به الساقان و القدمان‏

ثم ضرب بيده إلى ثديه- فقال ويحك إن مثلي لا تعدو به الخيل- فقال يا أمير المؤمنين إني لم أعنك إنما عنيت عتبة- . و روى صاحب كتاب الغارات- أن عليا ع لما حد النجاشي غضبت اليمانية لذلك- و كان أخصهم به طارق بن عبد الله بن كعب النهدي- فدخل عليه فقال يا أمير المؤمنين- ما كنا نرى أن أهل المعصية و الطاعة- و أهل الفرقة و الجماعة عند ولاة العدل- و معادن الفضل سيان في الجزاء- حتى رأينا ما كان من صنيعك بأخي الحارث-فأوغرت صدورنا و شتت أمورنا- و حملتنا على الجادة التي كنا نرى- أن سبيل من ركبها النار-
فقال علي ع وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ- يا أخا نهد- و هل هو إلا رجل من المسلمين انتهك حرمة من حرم الله- فأقمنا عليه حدا كان كفارته- إن الله تعالى يقول- وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى‏ أَلَّا تَعْدِلُوا- اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏-

قال فخرج طارق من عنده فلقيه الأشتر فقال يا طارق- أنت القائل لأمير المؤمنين- أوغرت صدورنا و شتت أمورنا- قال طارق نعم أنا قائلها- قال و الله ما ذاك كما قلت- إن صدورنا له لسامعة و إن أمورنا له لجامعة- فغضب طارق و قال ستعلم يا أشتر أنه غير ما قلت- فلما جنه الليل همس هو و النجاشي إلى معاوية- فلما قدما عليه دخل آذنه فأخبره بقدومهما- و عنده وجوه أهل الشام- منهم عمرو بن مرة الجهني و عمرو بن صيفي و غيرهما- فلما دخلا نظر إلى طارق- و قال مرحبا بالمورق غصنه- و المعرق أصله المسود غير المسود- من رجل كانت منه هفوة و نبوة باتباعه صاحب الفتنة- و رأس الضلالة و الشبهة- الذي اغترز في ركاب الفتنة حتى استوى على رجلها- ثم أوجف في عشوة ظلمتها و تيه ضلالتها- و اتبعه رجرجة من الناس- و أشبابة من الحثالة لا أفئدة لهم- أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها- .

فقام طارق فقال يا معاوية إني متكلم فلا يسخطك- ثم قال و هو متكئ على سيفه- إن المحمود على كل حال رب علا فوق عباده- فهم منه بمنظر و مسمع- بعث فيهم‏ رسولا منهم- يتلو كتابا لم يكن من قبله و لا يخطه بيمينه- إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ- فعليه السلام من رسول كان بالمؤمنين برا رحيما- أما بعد فإن ما كنا نوضع- فيما أوضعنا فيه بين يدي إمام تقي عادل- مع رجال من أصحاب رسول الله ص أتقياء مرشدين- ما زالوا منارا للهدى و معالم للدين- خلفا عن سلف مهتدين أهل دين لا دنيا كل الخير فيهم- و اتبعهم من الناس ملوك و أقيال- و أهل بيوتات و شرف- ليسوا بناكثين و لا قاسطين- فلم يكن رغبة من رغب عنهم و عن صحبتهم إلا لمرارة الحق- حيث جرعوها و لوعورته حيث سلكوها- و غلبت عليهم دنيا مؤثرة و هو متبع- و كان أمر الله قدرا مقدورا- و قد فارق الإسلام قبلنا جبلة بن الأيهم فرارا من الضيم- و أنفا من الذلة فلا تفخرن يا معاوية- إن شددنا نحوك الرحال و أوضعنا إليك الركاب- أقول قولي هذا- و أستغفر الله العظيم لي و لجميع المسلمين- . فعظم على معاوية ما سمعه و غضب لكنه أمسك- و قال يا عبد الله إنا لم نرد بما قلناه أن نوردك مشرع ظمأ- و لا أن نصدرك عن مكرع ري و لكن القول- قد يجري بصاحبه إلى غير ما ينطوي عليه من الفعل- ثم أجلسه معه على سريره- و دعا له بمقطعات و برود فصبها عليه- و أقبل نحوه بوجهه يحدثه حتى قام- .

و قام معه عمرو بن مرة و عمرو بن صيفي الجهنيان- فأقبلا عليه بأشد العتاب و أمضه- يلومانه في خطبته و ما واجه به معاوية- . فقال طارق و الله ما قمت بما سمعتماه حتى خيل لي- أن بطن الأرض خير لي من ظهرها عند سماعي- ما أظهر من العيب و النقص- لمن هو خير منه في الدنيا و الآخرة- و ما زهت به نفسه و ملكه عجبه- و عاب أصحاب رسول الله ص و استنقصهم- فقمت مقاما أوجب الله علي فيه إلا أقول إلا حقا- و أي خير فيمن لا ينظر ما يصير إليه غدا-فبلغ عليا ع قوله-فقال لو قتل النهدي يومئذ لقتل شهيدا- .

و قال معاوية للهيثم بن الأسود أبي العريان- و كان عثمانيا و كانت امرأته علوية الرأي- تكتب بأخبار معاوية في أعنة الخيل- و تدفعها إلى عسكر علي ع بصفين فيدفعونها إليه- فقال معاوية بعد التحكيم يا هيثم- أهل العراق كانوا أنصح لعلي في صفين أم أهل الشام لي- فقال أهل العراق قبل أن يضربوا بالبلاء- كانوا أنصح لصاحبهم قال كيف قلت ذلك- قال لأن القوم ناصحوه على الدين- و ناصحك أهل الشام على الدنيا- و أهل الدين أصبر و هم أهل بصيرة- و إنما أهل الدنيا أهل طمع ثم و الله- ما لبث أهل العراق أن نبذوا الدين وراء ظهورهم- و نظروا إلى الدنيا فالتحقوا بك- .

فقال معاوية فما الذي يمنع الأشعث أن يقدم علينا- فيطلب ما قبلنا- قال إن الأشعث يكرم نفسه أن يكون رأسا في الحرب- و ذنبا في الطمع- . و من المفارقين لعلي ع أخوه عقيل بن أبي طالب- قدم على أمير المؤمنين بالكوفة يسترفده- فعرض عليه عطاءه فقال إنما أريد من بيت المال- فقال تقيم إلى يوم الجمعة فلما صلى ع الجمعة- قال له ما تقول فيمن خان هؤلاء أجمعين- قال بئس الرجل- قال فإنك أمرتني أن أخونهم و أعطيك- فلما خرج من عنده شخص إلى معاوية- فأمر له يوم قدومه بمائة ألف درهم- و قال له يا أبا يزيد أنا خير لك أم علي- قال وجدت عليا أنظر لنفسه منه لي- و وجدتك أنظر لي منك لنفسك- . و قال معاوية لعقيل إن فيكم يا بني هاشم لينا- قال أجل إن فينا لينا من غيرضعف و عزا من غير عنف- و إن لينكم يا معاوية غدر و سلمكم كفر- فقال معاوية و لا كل هذا يا أبا يزيد- .

و قال الوليد بن عقبة لعقيل في مجلس معاوية- غلبك أخوك يا أبا يزيد على الثروة- قال نعم و سبقني و إياك إلى الجنة- قال أما و الله إن شدقيه لمضمومان من دم عثمان- فقال و ما أنت و قريش- و الله ما أنت فينا إلا كنطيح التيس- فغضب الوليد و قال- و الله لو أن أهل الأرض اشتركوا في قتله لأرهقوا صعودا- و إن أخاك لأشد هذه الأمة عذابا فقال صه- و الله إنا لنرغب بعبد من عبيده- عن صحبة أبيك عقبة بن أبي معيط- . و قال معاوية يوما و عنده عمرو بن العاص- و قد أقبل عقيل لأضحكنك من عقيل- فلما سلم قال معاوية مرحبا برجل عمه أبو لهب- فقال عقيل و أهلا برجل عمته- حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد- لأن امرأة أبي لهب أم جميل بنت حرب بن أمية- .

قال معاوية يا أبا يزيد ما ظنك بعمك أبي لهب- قال إذا دخلت النار فخذ على يسارك- تجده مفترشا عمتك حمالة الحطب- أ فناكح في النار خير أم منكوح قال- كلاهما شر و الله- . و ممن فارقه ع حنظلة الكاتب خرج هو- و جرير بن عبد الله البجلي من الكوفة إلى قرقيسيا- و قالا لا نقيم ببلدة يعاب فيها عثمان- .و ممن فارقه وائل بن حجر الحضرمي- و خبره مذكور في قصة بسر بن أرطاة- . و روى صاحب كتاب الغارات- عن إسماعيل بن حكيم عن أبي مسعود الجريري قال كان ثلاثة من أهل البصرة يتواصلون على بغض علي ع- مطرف بن عبد الله بن الشخير- و العلاء بن زياد و عبد الله بن شفيق- . قال صاحب كتاب الغارات و كان مطرف عابدا ناسكا-

و قد روى هشام بن حسان عن ابن سيرين- أن عمار بن ياسر دخل على أبي مسعود و عنده ابن الشخير- فذكر عليا بما لا يجوز أن يذكر به- فقال عمار يا فاسق و إنك لهاهنا- فقال أبو مسعود أذكرك الله يا أبا اليقظان في ضيفي- . قال و أكثر مبغضيه ع أهل البصرة كانوا عثمانية- و كانت في أنفسهم أحقاد يوم الجمل- و كان هو ع قليل التألف للناس شديدا في دين الله- لا يبالي مع علمه بالدين و اتباعه الحق من سخط و من رضي- .

قال و قد روى يونس بن أرقم عن يزيد بن أرقم عن أبي ناجية مولى أم هانئ قال كنت عند علي ع فأتاه رجل عليه زي السفر- فقال يا أمير المؤمنين- إني أتيتك من بلدة ما رأيت لك بها محبا- قال من أين أتيت قال من البصرة- قال أما إنهم لو يستطيعون أن يحبوني لأحبوني- إني و شيعتي في ميثاق الله لا يزاد فينا رجل- و لا ينقص إلى يوم القيامة- .

و روى أبو غسان البصري قال- بنى عبيد الله بن زياد أربعة مساجد بالبصرة- تقوم على بغض علي بن أبي طالب و الوقيعة فيه- مسجد بني عدي و مسجد بني مجاشع-و مسجد كان في العلافين على فرضة البصرة و مسجد في الأزد- . و مما قيل عنه إنه يبغض عليا ع و يذمه- الحسن بن أبي الحسن البصري أبو سعيد-.

و روى عنه حماد بن سلمة أنه قال- لو كان علي يأكل الحشف بالمدينة- لكان خيرا له مما دخل فيه- و رواه عنه أنه كان من المخذلين عن نصرته- .

و روي عنه أن عليا ع رآه و هو يتوضأ للصلاة و كان ذا وسوسة- فصب على أعضائه ماء كثيرا فقال له- أرقت ماء كثيرا يا حسن فقال- ما أراق أمير المؤمنين من دماء المسلمين أكثر- قال أ و ساءك ذلك قال نعم قال فلا زلت مسوأ- . قالوا فما زال الحسن عابسا قاطبا مهموما إلى أن مات- . فأما أصحابنا فإنهم يدفعون ذلك عنه- و ينكرونه و يقولون- إنه كان من محبي علي بن أبي طالب ع و المعظمين له- . و روى أبو عمر بن عبد البر المحدث في كتابه المعروف- بالاستيعاب في معرفة الصحاب- أن إنسانا سأل الحسن عن علي ع فقال- كان و الله سهما صائبا من مرامي الله على عدوه- و رباني هذه الأمة و ذا فضلها و ذا سابقتها- و ذا قرابتها من رسول الله ص- لم يكن بالنؤمة عن أمر الله- و لا بالملومة في دين الله و لا بالسروقة لمال الله- أعطى القرآن عزائمه ففاز منه برياض مونقة- ذلك علي بن أبي طالب يا لكع- .

و روى الواقدي قال: سئل الحسن عن علي ع- و كان يظن به الانحراف عنه و لم يكن كما يظن فقال- ما أقول فيمن جمع الخصال الأربع- ائتمانه على براءةو ما قال له الرسول في غزاة تبوك- فلو كان غير النبوة شي‏ء يفوته لاستثناه-و قول النبي ص الثقلان كتاب الله و عترتي
– و إنه لم يؤمر عليه أمير قط و قد أمرت الأمراء على غيره- .

و روى أبان بن عياش قال سألت الحسن البصري عن علي ع- فقال ما أقول فيه كانت له السابقة- و الفضل و العلم و الحكمة و الفقه و الرأي- و الصحبة و النجدة و البلاء و الزهد و القضاء و القرابة- إن عليا كان في أمره عليا رحم الله عليا و صلى عليه- فقلت يا أبا سعيد أ تقول صلى عليه لغير النبي- فقال ترحم على المسلمين إذا ذكروا- و صل على النبي و آله و علي خير آله- فقلت أ هو خير من حمزة و جعفر قال نعم- قلت و خير من فاطمة و ابنيها قال نعم- و الله إنه خير آل محمد كلهم و من يشك أنه خير منهم-و قد قال رسول الله ص و أبوهما خير منهماو لم يجر عليه اسم شرك و لا شرب خمر-و قد قال رسول الله ص لفاطمة ع زوجتك خير أمتي- فلو كان في أمته خير منه لاستثناه- و لقد آخى رسول الله ص بين أصحابه فآخى بين علي و نفسه- فرسول الله ص خير الناس نفسا و خيرهم أخا- فقلت يا أبا سعيد- فما هذا الذي يقال عنك إنك قلته في علي فقال- يا ابن أخي احقن دمي من هؤلاء الجبابرة- و لو لا ذلك لشالت بي الخشب- .

قال شيخنا أبو جعفر الإسكافي رحمه الله تعالى- و وجدته أيضا في كتاب الغارات لإبراهيم بن هلال الثقفي- و قد كان بالكوفة من فقهائها من يعادي عليا و يبغضه- مع غلبة التشيع على الكوفة فمنهم مرة الهمداني- .

و روى أبو نعيم الفضل بن دكين عن فطر بن خليفة قال- سمعت مرة يقول- لأن يكون علي جملا يستقى عليه أهله خير له مما كان عليه- . و روى إسماعيل بن بهرام عن إسماعيل بن محمد- عن عمرو بن مرة قال قيل لمرة الهمداني- كيف تخلفت عن علي قال سبقنا بحسناته- و ابتلينا بسيئاته- . قال إسماعيل بن بهرام- و قد روينا عنه أنه قال أشد فحشا من هذا- و لكنا نتورع عن ذكره- . و روى الفضل بن دكين عن الحسن بن صالح- قال لم يصل أبو صادق على مرة الهمداني- .

قال الفضل بن دكين و سمعت- أن أبا صادق قال في أيام حياة مرة- و الله لا يظلني و إياه سقف بيت أبدا- . قال و لما مات لم يحضره عمرو بن شرحبيل- قال لا أحضره لشي‏ء كان في قلبه على علي بن أبي طالب- . قال إبراهيم بن هلال فحدثنا المسعودي- عن عبد الله بن نمير بهذا الحديث قال- ثم كان عبد الله بن نمير يقول و كذلك أنا- و الله لو مات رجل في نفسه شي‏ء على علي ع لم أحضره- و لم أصل عليه- . و منهم الأسود بن يزيد و مسروق بن الأجدع روى سلمة بن كهيل- أنهما كانا يمشيان إلى بعض أزواج رسول الله ص- فيقعان في علي ع فأما الأسود فمات على ذلك- و أما مسروق فلم يمت حتى كان لا يصلى لله تعالى صلاة-إلا صلى بعدها على علي بن أبي طالب ع- لحديث سمعه من عائشة في فضله- .

و روى أبو نعيم الفضل بن دكين عن عبد السلام بن حرب- عن ليث بن أبي سليم قال- كان مسروق يقول كان علي كحاطب ليل- قال فلم يمت مسروق حتى رجع عن رأيه هذا- . و روى سلمة بن كهيل قال- دخلت أنا و زبيد اليمامي على امرأة مسروق بعد موته- فحدثتنا قالت كان مسروق و الأسود بن يزيد- يفرطان في سب علي بن أبي طالب- ثم ما مات مسروق حتى سمعته يصلي عليه- و أما الأسود فمضى لشأنه- . قال فسألناها لم ذلك قالت شي‏ء سمعه من عائشة- ترويه عن النبي ص فيمن أصاب الخوارج- . و روى أبو نعيم عن عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق قال ثلاثة لا يؤمنون على علي بن أبي طالب مسروق و مرة و شريح- . و روي أن الشعبي رابعهم- . و روي عن هيثم عن مجالد عن الشعبي- أن مسروقا ندم على إبطائه عن علي بن أبي طالب ع- .

و روى الأعمش عن إبراهيم التيمي قال قال علي ع لشريح و قد قضى قضية نقم عليه أمرها- و الله لأنفينك إلى بانقيا شهرين تقضي بين اليهود- قال ثم قتل علي ع و مضى دهر- فلما قام المختار بن أبي عبيد قال لشريح- ما قال لك أمير المؤمنين ع يوم كذا- قال إنه قال لي كذا قال- فلا و الله لا تقعد حتى تخرج إلى بانقيا تقضي بين اليهود- فسيره إليها فقضى بين اليهود شهرين- .و منهم أبو وائل شقيق بن سلمة كان عثمانيا يقع في علي ع- و يقال إنه كان يرى رأي الخوارج- و لم يختلف في أنه خرج معهم- و أنه عاد إلى علي ع منيبا مقلعا- . روى خلف بن خليفة قال قال أبو وائل- خرجنا أربعة آلاف فخرج إلينا علي- فما زال يكلمنا حتى رجع منا ألفان- . و روى صاحب كتاب الغارات عن عثمان بن أبي شيبة- عن الفضل بن دكين عن سفيان الثوري قال- سمعت أبا وائل يقول شهدت صفين و بئس الصفوف كانت- .

قال و قد روى أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود قال- كان أبو وائل عثمانيا و كان زر بن حبيش علويا- . و من المبغضين القالين أبو بردة بن أبي موسى الأشعري- ورث البغضة له لا عن كلالة- . و روى عبد الرحمن بن جندب قال قال أبو بردة لزياد- أشهد أن حجر بن عدي قد كفر بالله كفرة أصلع- قال عبد الرحمن إنما عنى بذلك- نسبة الكفر إلى علي بن أبي طالب ع لأنه كان أصلع- . قال و قد روى عبد الرحمن المسعودي- عن ابن عياش المنتوف قال رأيت أبا بردة- قال لأبي العادية الجهني قاتل عمار بن ياسر- أ أنت قتلت عمار بن ياسر قال نعم- قال ناولني يدك فقبلها و قال لا تمسك النار أبدا- .

و روى أبو نعيم عن هشام بن المغيرة عن الغضبان بن يزيد- قال رأيت أبا بردة قال لأبي العادية قاتل عمار بن ياسر- مرحبا بأخي هاهنا فأجلسه إلى جانبه- . و من المنحرفين عنه ع أبو عبد الرحمن السلمي القارئ- روى صاحب كتاب الغارات عن عطاء بن السائب قال- قال رجل لأبي عبد الرحمن السلمي- أنشدك بالله إن سألتك لتخبرني قال نعم- فلما أكد عليه قال- بالله هل أبغضت عليا إلا يوم قسم المال في الكوفة- فلم يصلك و لا أهل بيتك منه بشي‏ء قال- أما إذ أنشدتني بالله فلقد كان كذلك- .

قال و روى أبو عمر الضرير عن أبي عوانة قال- كان بين عبد الرحمن بن عطية- و بين أبي عبد الرحمن السلمي شي‏ء في أمر علي ع- فأقبل أبو عبد الرحمن على حيان فقال هل تدري ما جرأ صاحبك على الدماء يعني عليا- قال و ما جرأه لا أبا لغيرك-قال حدثنا أن رسول الله ص قال لأهل بدر- اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم- أو كلاما هذا معناه- . و كان عبد الله بن عكيم عثمانيا- و كان عبد الرحمن بن أبي ليلى علويا- فروى موسى الجهني عن ابنة عبد الله بن عكيم قالت- تحدثا يوما فسمعت أبي يقول لعبد الرحمن- أما إن صاحبك لو صبر لأتاه الناس- . و كان سهم بن طريف عثمانيا و كان علي بن ربيعة علويا- فضرب أمير الكوفة على الناس بعثا- و ضرب على سهم بن طريف معهم-

فقال سهم لعلي بن ربيعة- اذهب إلى الأمير فكلمه في أمري ليعفيني- فأتى علي بن ربيعة الأمير فقال أصلحك الله-إن سهما أعمى فأعفه قال قد أعفيته- فلما التقيا قال قد أخبرت الأمير أنك أعمى- و إنما عنيت عمى القلب- . و كان قيس بن أبي حازم يبغض عليا ع- روى وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم- قال أتيت عليا ع ليكلم لي عثمان في حاجة- فأبى فأبغضته- . قلت و شيوخنا المتكلمون رحمهم الله- يسقطون روايته عن النبي ص إنكم لترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر- و يقولون إنه كان يبغض عليا ع فكان فاسقا- و نقلوا عنهأنه قال سمعت عليا ع يخطب على المنبر و يقول انفروا إلى بقية الأحزاب- فدخل بغضه في قلبي- . و كان سعيد بن المسيب منحرفا عنه ع- و جبهه عمر بن علي ع في وجهه بكلام شديد- .

روى عبد الرحمن بن الأسود عن أبي داود الهمداني- قال شهدت سعيد بن المسيب- و أقبل عمر بن علي بن أبي طالب ع- فقال له سعيد يا ابن أخي- ما أراك تكثر غشيان مسجد رسول الله ص- كما يفعل إخوتك و بنو أعمامك- فقال عمر يا ابن المسيب- أ كلما دخلت المسجد أجي‏ء فأشهدك- فقال سعيد ما أحب أن تغضب-سمعت أباك يقول إن لي من الله مقاما- لهو خير لبني عبد المطلب مما على الأرض من شي‏ءفقال عمر و أنا سمعت أبي يقول ما كلمة حكمةفي قلب منافق فيخرج من الدنيا- حتى يتكلم بها- فقال سعيد يا ابن أخي جعلتني منافقا- قال هو ما أقول لك ثم انصرف- . و كان الزهري من المنحرفين عنه ع- .

و روى جرير بن عبد الحميد عن محمد بن شيبة قال شهدت مسجد المدينة- فإذا الزهري و عروة بن الزبير جالسان يذكران عليا ع- فنالا منه فبلغ ذلك علي بن الحسين ع- فجاء حتى وقف عليهما فقال- أما أنت يا عروة فإن أبي حاكم أباك إلى الله- فحكم لأبي على أبيك- و أما أنت يا زهري فلو كنت بمكة لأريتك كبر أبيك- .

و قد روي من طرق كثيرة- أن عروة بن الزبير كان يقول- لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ص يزهو- إلا علي بن أبي طالب و أسامة بن زيد- . و روى عاصم بن أبي عامر البجلي عن يحيى بن عروة قال- كان أبي إذا ذكر عليا نال منه- . و قال لي مرة يا بني- و الله ما أحجم الناس عنه إلا طلبا للدنيا- لقد بعث إليه أسامة بن زيد أن ابعث إلي بعطائي- فو الله إنك لتعلم أنك لو كنت في فم أسد لدخلت معك- فكتب إليه أن هذا المال لمن جاهد عليه- و لكن لي مالا بالمدينة فأصب منه ما شئت- . قال يحيى فكنت أعجب من وصفه إياه بما وصفه به- و من عيبه له و انحرافه عنه- . و كان زيد بن ثابت عثمانيا شديدا في ذلك- و كان عمرو بن ثابت عثمانيا- من أعداء علي ع و مبغضيه- و عمرو بن ثابت هو الذي روى عن أبي أيوب الأنصاري حديث- ستة أيام من شوال- .

روي عن عمرو أنه كان يركب- و يدور القرى بالشام و يجمع أهلها و يقول- أيها الناس إن عليا كان رجلا منافقا- أراد أن ينخس برسول الله ص ليلة العقبة فالعنوه- فيلعنه أهل تلك القرية- ثم يسير إلى القرية الأخرى فيأمرهم بمثل ذلك- و كان في أيام معاوية- . و كان مكحول من المبغضين له ع- روى زهير بن معاوية عن الحسن بن الحر قال- لقيت مكحولا فإذا هو مطبوع يعني مملوءا بغضا لعلي ع- فلم أزل به حتى لان و سكن- .

و روى المحدثون عن حماد بن زيد أنه قال- أرى أن أصحاب علي أشد حبا له من أصحاب العجل لعجلهم- و هذا كلام شنيع- . و روي عن شبابة بن سوار أنه ذكر عنده ولد علي ع- و طلبهم الخلافة فقال و الله لا يصلون إليها أبدا- و الله ما استقامت لعلي و لا فرح بها يوما- فكيف تصير إلى ولده هيهات هيهات- لا و الله لا يذوق طعم الخلافة من رضي بقتل عثمان- . و قال شيخنا أبو جعفر الإسكافي- كان أهل البصرة كلهم يبغضونه- و كثير من أهل الكوفة و كثير من أهل المدينة- و أما أهل مكة فكلهم كانوا يبغضونه قاطبة- و كانت قريش كلها على خلافه- و كان جمهور الخلق مع بني أمية عليه- .

و روى عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال سمعت عليا ع و هو يقول ما لقي أحد من الناس ما لقيت ثم بكى ع
و روى الشعبي عن شريح بن هانئ قال قال علي ع اللهم إني أستعديك‏ على قريش- فإنهم قطعوا رحمي و أصغوا إنائي- و صغروا عظيم منزلتي و أجمعوا على منازعتيو روى جابر عن أبي الطفيل قال سمعت عليا ع يقول اللهم إني أستعديك على قريش- فإنهم قطعوا رحمي و غصبوني حقي- و أجمعوا على منازعتي أمرا كنت أولى به- ثم قالوا إن من الحق أن نأخذه و من الحق أن تتركهو روى المسيب بن نجبة الفزاري قال قال علي ع من وجدتموه من بني أمية في ماء فغطوا على صماخه- حتى يدخل الماء في فيه- .

و روى عمرو بن دينار عن ابن أبي مليكة- عن المسور بن مخرمة قال- لقي عبد الرحمن بن عوف عمر بن الخطاب فقال- أ لم نكن نقرأ من جملة القرآن- قاتلوهم في آخر الأمر كما قاتلتموهم في أوله قال بلى- و لكن ذاك إذا كان الأمراء بني أمية و الوزراء بني مخزوم- .
و روى أبو عمر النهدي قال سمعت علي بن الحسين يقول ما بمكة و المدينة عشرون رجلا يحبناو روى سفيان الثوري عن عمرو بن مرة عن أبي البختري قال أثنى رجل على علي بن أبي طالب في وجهه و كان يبغضه- فقال علي أنا دون ما تقول و فوق ما في نفسك

و روى أبو غسان النهدي قال دخل قوم من الشيعة على علي ع في الرحبة- و هو على حصير خلق فقال ما جاء بكم- قالوا حبك يا أمير المؤمنين- قال أما إنه من أحبني رآني حيث يحب أن يراني- و من أبغضني رآني حيث يكره أن يراني ثم قال- ما عبد الله أحد قبلي إلا نبيه ع- و لقد هجم أبو طالب علينا و أنا و هو ساجدان- فقال أ و فعلتموها ثم قال لي و أنا غلام ويحك- انصر ابن عمك ويحك لا تخذله-و جعل يحثني على مؤازرته و مكانفته- فقال له رسول الله ص أ فلا تصلي أنت معنا يا عم فقال- لا أفعل يا ابن أخي لا تعلوني استي ثم انصرف
و روى جعفر بن الأحمر عن مسلم الأعور عن حبة العرني قال قال علي ع من أحبني كان معي- أما إنك لو صمت الدهر كله و قمت الليل كله- ثم قتلت بين الصفا و المروة- أو قال بين الركن و المقام- لما بعثك الله إلا مع هواك بالغا ما بلغ- إن في جنة ففي جنة و إن في نار ففي نارو روى جابر الجعفي عن علي ع أنه قال من أحبنا أهل البيت فليستعد عدة للبلاءو روى أبو الأحوص عن أبي حيان عن علي ع يهلك في رجلان محب غال و مبغض

قالو روى حماد بن صالح عن أيوب عن كهمس أن عليا ع قال يهلك في ثلاثة اللاعن و المستمع المقر و حامل الوزر- و هو الملك المترف الذي يتقرب إليه بلعنتي- و يبرأ عنده من ديني و ينتقص عنده حسبي- و إنما حسبي حسب رسول الله ص و ديني دينه- و ينجو في ثلاثة من أحبني و من أحب محبي و من عادى عدوي- فمن أشرب قلبه بغضي أو ألب على بغضي أو انتقصني- فليعلم أن الله عدوه و خصمه و الله عدو للكافرين و روى محمد بن الصلت عن محمد بن الحنفية قال من أحبنا نفعه الله بحبنا و لو كان أسيرا بالديلمو روى أبو صادق عن ربيعة بن ناجد عن علي ع قال قال لي رسول الله ص- إن فيك لشبها من عيسى ابن مريم- أحبته النصارى حتى أنزلته بالمنزلة التي ليست له- و أبغضته اليهود حتى بهتت أمه

و روى صاحب كتاب الغارات حديث البراءة- على غير الوجه المذكور في كتاب نهج البلاغة-قال أخبرنا يوسف بن كليب المسعودي عن يحيى بن سليمان العبدي عن أبي مريم الأنصاري عن محمد بن علي الباقر ع قال خطب علي ع على منبر الكوفة فقال سيعرض عليكم سبي و ستذبحون عليه- فإن عرض عليكم سبي فسبوني- و إن عرض عليكم البراءة مني فإني على دين محمد ص- و لم يقل فلا تبرءوا مني

و قال أيضا حدثني أحمد بن مفضل قال حدثني الحسن بن صالح عن جعفر بن محمد ع قال قال علي ع و الله لتذبحن على سبي و أشار بيده إلى حلقه ثم قال- فإن أمروكم بسبي فسبوني- و إن أمروكم أن تبرءوا مني فإني على دين محمد ص- و لم ينههم عن إظهار البراءة
و روى شيخنا أبو القاسم البلخي رحمه الله تعالى- عن سلمة بن كهيل عن المسيب بن نجبة قال بينا علي ع يخطب إذ قام أعرابي فصاح وا مظلمتاه- فاستدناه علي ع فلما دنا قال له- إنما لك مظلمة واحدة و أنا قد ظلمت عدد المدر و الوبر

قال و في رواية عباد بن يعقوب إنه دعاه فقال له ويحك- و أنا و الله مظلوم أيضا هات فلندع على من ظلمناو روى سدير الصيرفي عن أبي جعفر محمد بن علي قال اشتكى علي ع شكاة فعاده أبو بكر و عمر و خرجا من عنده- فأتيا النبي ص فسألهما من أين جئتما قالا عدنا عليا- قال كيف رأيتماه قال رأيناه يخاف عليه مما به فقال- كلا إنه لن يموت حتى يوسع غدرا و بغيا- و ليكونن في هذه الأمة عبرة يعتبر به الناس من بعده

و روى عثمان بن سعيد عن عبد الله بن الغنوي أن عليا ع خطب بالرحبة فقال أيها الناس- إنكم قد أبيتم إلا أن أقولها و رب السماء و الأرض- إن من عهد النبي الأمي إلي أن الأمة ستغدر بك بعدي

و روى هيثم بن بشير عن إسماعيل بن سالم: مثله- و قد روى أكثر أهل الحديث هذا الخبر- بهذا اللفظ أو بقريب منه- .

و روى أبو جعفر الإسكافي أيضا أن النبي ص دخل على فاطمة ع فوجد عليا نائما- فذهبت تنبهه فقال دعيه فرب سهر له بعدي طويل- و رب جفوة لأهل بيتي من أجله شديدة- فبكت فقال لا تبكي فإنكما معي- و في موقف الكرامة عندي

و روى الناس كافة أن رسول الله ص قال له- هذا وليي و أنا وليه عاديت من عاداه و سالمت من سالمه- أو نحو هذا اللفظ- .

و روى أيضا محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن زيد بن علي بن الحسين ع قال قال رسول الله ص لعلي ع- عدوك عدوي و عدوي عدو الله عز و جل

و روى يونس بن حباب عن أنس بن مالك قال كنا مع رسول الله ص و علي بن أبي طالب معنا- فمررنا بحديقة فقال علي يا رسول الله- أ لا ترى ما أحسن هذه الحديقة فقال- إن حديقتك في الجنة أحسن منها- حتى مررنا بسبع حدائق يقول علي ما قال- و يجيبه رسول الله ص بما أجابه- ثم إن رسول الله ص وقف فوقفنا- فوضع رأسه على رأس علي و بكى- فقال علي ما يبكيك يا رسول الله قال- ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتى يفقدوني-

فقال يا رسول الله- أ فلا أضع سيفي على عاتقي فأبيد خضراءهم قال بل تصبر- قال فإن صبرت قال تلاقي جهدا- قال أ في سلامة من ديني قال نعم قال فإذا لا أبالي

و روى جابر الجعفي عن محمد بن علي ع قال قال علي ع ما رأيت منذ بعث الله محمدا ص رخاء- لقد أخافتني قريش صغيرا و أنصبتني كبيرا- حتى قبض الله رسوله فكانت الطامة الكبرى- وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى‏ ما تَصِفُونَ‏

و روى صاحب كتاب الغارات عن الأعمش عن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله ص يقول سيظهر على الناس رجل من أمتي- عظيم السرم واسع البلعوم- يأكل و لا يشبع يحمل وزر الثقلين يطلب الإمارة يوما- فإذا أدركتموه فابقروا بطنه- قال و كان في يد رسول الله ص قضيب- قد وضع طرفه في بطن معاوية- . قلت هذا الخبر مرفوع- مناسب لما قاله علي ع في نهج البلاغة- و مؤكد لاختيارنا أن المراد به معاوية- دون ما قاله كثير من الناس إنه زياد و المغيرة- .

و روى جعفر بن سليمان الضبعي عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال ذكر رسول الله ص يوما لعلي ما يلقى بعده من العنت- فأطال فقال له ع أنشدك الله و الرحم يا رسول الله- لما دعوت الله أن يقبضني إليه قبلك- قال كيف أسأله في أجل مؤجل- قال يا رسول الله فعلام أقاتل من أمرتني بقتاله- قال على الحدث في الدين

و روى الأعمش عن عمار الدهني عن أبي صالح الحنفي عن علي ع قال‏قال لنا يوما لقد رأيت الليلة رسول الله ص في المنام- فشكوت إليه ما لقيت حتى بكيت- فقال لي انظر فنظرت فإذا جلاميد- و إذا رجلان مصفدان- قال الأعمش هما معاوية و عمرو بن العاص- قال فجعلت أرضخ رءوسهما ثم تعود- ثم أرضخ ثم تعود حتى انتبهت

و روى نحو هذا الحديث عمرو بن مرة عن أبي عبد الله بن سلمة عن علي ع قال رأيت الليلة رسول الله ص فشكوت إليه فقال- هذه جهنم فانظر من فيها- فإذا معاوية و عمرو بن العاص معلقين بأرجلهما منكسين- ترضخ رءوسهما بالحجارة أو قال تشدخ

و روى قيس بن الربيع عن يحيى بن هانئ المرادي عن رجل من قومه يقال له رياد بن فلان قال كنا في بيت مع علي ع نحن شيعته و خواصه- فالتفت فلم ينكر منا أحدا فقال- إن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم- فيقطعون أيديكم و يسملون أعينكم- فقال رجل منا و أنت حي يا أمير المؤمنين قال- أعاذني الله من ذلك فالتفت فإذا واحد يبكي- فقال له يا ابن الحمقاء- أ تريد اللذات في الدنيا و الدرجات في الآخرة- إنما وعد الله الصابرين

 و روى زرارة بن أعين عن أبيه عن أبي جعفر محمد بن علي ع قال كان علي ع إذا صلى الفجر- لم يزل معقبا إلى أن تطلع الشمس- فإذا طلعت اجتمع إليه الفقراء و المساكين- و غيرهم من الناس فيعلمهم الفقه و القرآن- و كان له وقت يقوم فيه من مجلسه ذلك- فقام يوما فمر برجل فرماه بكلمة هجر قال- لم يسمه محمد بن علي ع- فرجع عوده على بدئه حتى صعد المنبر- و أمر فنودي الصلاة جامعة فحمد الله و أثنى عليه- و صلى على نبيه ثم قال أيها الناس- إنه ليس شي‏ء أحب إلى الله- و لا أعم نفعا من‏حلم إمام و فقهه- و لا شي‏ء أبغض إلى الله و لا أعم ضررا من جهل إمام و خرقه- ألا و إنه من لم يكن له من نفسه واعظ- لم يكن له من الله حافظ- ألا و إنه من أنصف من نفسه لم يزده الله إلا عزا- ألا و إن الذل في طاعة الله أقرب- إلى الله من التعزز في معصيته- ثم قال أين المتكلم آنفا فلم يستطع الإنكار- فقال ها أنا ذا يا أمير المؤمنين فقال- أما إني لو أشاء لقلت فقال- إن تعف و تصفح فأنت أهل ذلك- قال قد عفوت و صفحت- فقيل لمحمد بن علي ع ما أراد أن يقول قال أراد أن ينسبه

و روى زرارة أيضا قال قيل لجعفر بن محمد ع إن قوما هاهنا ينتقصون عليا ع- قال بم ينتقصونه لا أبا لهم و هل فيه موضع نقيصة- و الله ما عرض لعلي أمران قط- كلاهما لله طاعة إلا عمل بأشدهما و أشقهما عليه- و لقد كان يعمل العمل كأنه قائم بين الجنة و النار- ينظر إلى ثواب هؤلاء فيعمل له- و ينظر إلى عقاب هؤلاء فيعمل له- و إن كان ليقوم إلى الصلاة- فإذا قال وجهت وجهي تغير لونه- حتى يعرف ذلك في وجهه- و لقد أعتق ألف عبد من كد يده- كل منهم يعرق فيه جبينه و تحفى فيه كفه- و لقد بشر بعين نبعت في ماله مثل عنق الجزور- فقال بشر الوارث بشر- ثم جعلها صدقة على الفقراء و المساكين و ابن السبيل- إلى أن يرث الله الأرض و من عليها- ليصرف الله النار عن وجهه و يصرف وجهه عن النار

و روى القناد عن أبي مريم الأنصاري عن علي ع لا يحبني كافر و لا ولد زنا- . و روى جعفر بن زياد عن أبي هارون العبدي- عن أبي سعيد الخدري قال- كنا بنور إيماننا نحب علي بن أبي طالب ع- فمن أحبه عرفنا أنه منا

فصل في معنى قول علي فسبوني فإنه لي زكاة

المسألة الثالثة- في معنى قوله ع فسبوني فإنه لي زكاة و لكم نجاة- فنقول إنه أباح لهم سبه عند الإكراه- لأن الله تعالى قد أباح عند الإكراه التلفظ بكلمة الكفر- فقال إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ- و التلفظ بكلمة الكفر أعظم من التلفظ بسب الإمام- . فأما قوله فإنه لي زكاة و لكم نجاة- فمعناه أنكم تنجون من القتل إذا أظهرتم ذلك- و معنى الزكاة يحتمل أمرين- أحدهما ما ورد في الأخبار النبوية- أن سب المؤمن زكاة له و زيادة في حسناته- . و الثاني- أن يريد به أن سبهم لي لا ينقص في الدنيا من قدري- بل أزيد به شرفا و علو قدر و شياع ذكر و هكذا كان- فإن الله تعالى جعل الأسباب التي- حاول أعداؤه بها الغض منه- عللا لانتشار صيته في مشارق الأرض و مغاربها- . و قد لمح هذا المعنى أبو نصر بن نباته- فقال للشريف الجليل محمد بن عمر العلوي-

و أبوك الوصي أول من شاد
منار الهدى و صام و صلى‏

نشرت حبله قريش فأعطته‏
إلى صبحة القيامة فتلا

 و احتذيت أنا حذوه فقلت لأبي المظفر- هبة الله بن موسى الموسوي رحمه الله تعالى- في قصيده أذكر فيها أباه-

أمك الدرة التي أنجبت من
جوهر المجد راضيا مرضيا

و أبوك الإمام موسى كظيم‏
الغيظ حتى يعيده منسيا

و أبوه تاج الهدى جعفر الصادق
وحيا عن الغيوب وحيا

و أبوه محمد باقر العلم‏
مضى لنا هاديا مهديا

و أبوه السجاد أتقى عباد
الله لله مخلصا و وفيا

و الحسين الذي تخير أن‏
يقضي عزيزا و لا يعيش دنيا

و أبوه الوصي أول من
طاف و لبى سبعا و ساق الهديا

طامنت مجده قريش فأعطته‏
إلى سدرة السماء رقيا

أخملت صيته فطار إلى أن
ملأ الأفق ضجة و دويا

و أبو طالب كفيل أبي‏
القاسم كهلا و يافعا و فتيا

و لشيخ البطحاء تاج معد
شيبة الحمد هل علمت سميا

و أبو عمر العلا هاشم الجود
و من مثل هاشم بشريا

و أبوه الهمام عبد مناف
قل تقل صادقا و تبدي بديا

ثم زيد أعني قصي الذي لم‏
يك عن ذروة العلاء قصيا

نسب إن تلفع النسب المحض
لفاعا كان السليب العريا

و إذا أظلمت مناسخة الأحساب‏
يوما كان المنير الجليا

يا له مجدة على قدم الدهر
و قد يفضل العتيق الطريا

 و ذكرنا هاهنا ما قبل المعنى و ما بعده لأن الشعر حديث- و الحديث كما قيل يأخذ بعضه برقاب بعض- و لأن ما قبل المعنى و ما بعده مكمل له و موضح مقصده- . فإن قلت أي مناسبة بين لفظ الزكاة- و انتشار الصيت و السمع- . قلت لأن الزكاة هي النماء و الزيادة- و منه سميت الصدقة المخصوصة زكاة- لأنها تنمي المال المزكى- و انتشار الصيت نماء و زيادة

فصل في اختلاف الرأي في معنى السب و البراءة

المسألة الرابعة- أن يقال كيف قال ع- فأما السب فسبوني فإنه لي زكاة و لكم نجاة- و أما البراءة فلا تبرءوا مني- و أي فرق بين السب و البراءة- و كيف أجاز لهم السب و منعهم عن التبرؤ- و السب أفحش من التبرؤ- . و الجواب أما الذي يقوله أصحابنا في ذلك- فإنه لا فرق عندهم بين سبه و التبرؤ منه- في أنهما حرام و فسق و كبيرة- و أن المكره عليهما يجوز له فعلهما عند خوفه على نفسه- كما يجوز له إظهار كلمة الكفر عند الخوف- . و يجوز ألا يفعلهما و إن قتل- إذا قصد بذلك إعزاز الدين- كما يجوز له أن يسلم نفسه للقتل- و لا يظهر كلمة الكفر إعزازا للدين- و إنما استفحش ع البراءة لأن هذه اللفظة ما وردت في القرآن العزيز- إلا عن المشركين أ لا ترى إلى قوله تعالى- بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ- و قال تعالى أَنَّ اللَّهَ بَرِي‏ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ- فقد صارت بحسب العرف الشرعي مطلقة- على المشركين خاصة- فإذن يحمل هذا النهي على ترجيح تحريم لفظ البراءة- على لفظ السب و إن كان حكمهما واحدا- أ لا ترى إن إلقاء المصحف في القذر أفحش- من إلقاء المصحف في دن الشراب- و إن كانا جميعا محرمين و كان حكمهما واحدا- .
فأما الإمامية فتروي عنه ع أنه قال إذا عرضتم على البراءة منا فمدوا الأعناقو يقولون إنه لا يجوز التبرؤ منه- و إن كان الحالف صادقا و إن عليه الكفارة- .

و يقولون إن حكم البراءة من الله تعالى و من الرسول- و منه ع و من أحد الأئمة ع حكم واحد- . و يقولون إن الإكراه على السب يبيح إظهاره- و لا يجوز الاستسلام للقتل معه- و أما الإكراه على البراءة- فإنه يجوز معه الاستسلام للقتل و يجوز أن يظهر التبرؤ- و الأولى أن يستسلم للقتل

فصل في معنى قول علي إني ولدت على الفطرة

المسألة الخامسة- أن يقال كيف علل نهيه لهم على البراءة منه ع بقوله- فإني ولدت على الفطرة- فإن هذا التعليل لا يختص به ع- لأن كل أحد يولد على الفطرة-قال النبي ص كل مولود يولد على الفطرة- و إنما أبواه يهودانه و ينصرانهو الجواب- أنه ع علل نهيه لهم عن البراءة منه بمجموع أمور و علل- و هي كونه ولد على الفطرة- و كونه سبق إلى الإيمان و الهجرة- و لم يعلل بآحاد هذا المجموع- و مراده هاهنا بالولادة على الفطرة- أنه لم يولد في الجاهلية- لأنه ولد ع لثلاثين عاما مضت من عام الفيل- و النبي ص أرسل لأربعين سنة مضت من عام الفيل- و قد جاء في الأخبار الصحيحة- أنه ص مكث قبل الرسالة سنين عشرا- يسمع الصوت و يرى الضوء و لا يخاطبه أحد- و كان ذلك إرهاصا لرسالته ع- فحكم تلك السنين العشر حكم أيام رسالته ص- فالمولود فيها إذا كان في حجره- و هو المتولي لتربيته مولود في أيام كأيام النبوة- و ليس بمولود في جاهلية محضة- ففارقت حاله حال من- يدعى له من الصحابة مماثلته في الفضل- و قد روي أن السنة التي ولد فيها علي‏

و أبوه تاج الهدى جعفر الصادق
وحيا عن الغيوب وحيا

و أبوه محمد باقر العلم‏
مضى لنا هاديا مهديا

و أبوه السجاد أتقى عباد
الله لله مخلصا و وفيا

و الحسين الذي تخير أن‏
يقضي عزيزا و لا يعيش دنيا

و أبوه الوصي أول من
طاف و لبى سبعا و ساق الهديا

طامنت مجده قريش فأعطته‏
إلى سدرة السماء رقيا

أخملت صيته فطار إلى أن
ملأ الأفق ضجة و دويا

و أبو طالب كفيل أبي‏
القاسم كهلا و يافعا و فتيا

و لشيخ البطحاء تاج معد
شيبة الحمد هل علمت سميا

و أبو عمر العلا هاشم الجود
و من مثل هاشم بشريا

و أبوه الهمام عبد مناف
قل تقل صادقا و تبدي بديا

ثم زيد أعني قصي الذي لم‏
يك عن ذروة العلاء قصيا

نسب إن تلفع النسب المحض
لفاعا كان السليب العريا

و إذا أظلمت مناسخة الأحساب‏
يوما كان المنير الجليا

يا له مجدة على قدم الدهر
و قد يفضل العتيق الطريا

و ذكرنا هاهنا ما قبل المعنى و ما بعده لأن الشعر حديث- و الحديث كما قيل يأخذ بعضه برقاب بعض- و لأن ما قبل المعنى و ما بعده مكمل له و موضح مقصده- . فإن قلت أي مناسبة بين لفظ الزكاة- و انتشار الصيت و السمع- . قلت لأن الزكاة هي النماء و الزيادة- و منه سميت الصدقة المخصوصة زكاة- لأنها تنمي المال المزكى- و انتشار الصيت نماء و زيادة

فصل في اختلاف الرأي في معنى السب و البراءة

المسألة الرابعة- أن يقال كيف قال ع- فأما السب فسبوني فإنه لي زكاة و لكم نجاة- و أما البراءة فلا تبرءوا مني- و أي فرق بين السب و البراءة- و كيف أجاز لهم السب و منعهم عن التبرؤ- و السب أفحش من التبرؤ- . و الجواب أما الذي يقوله أصحابنا في ذلك- فإنه لا فرق عندهم بين سبه و التبرؤ منه- في أنهما حرام و فسق و كبيرة- و أن المكره عليهما يجوز له فعلهما عند خوفه على نفسه- كما يجوز له إظهار كلمة الكفر عند الخوف- . و يجوز ألا يفعلهما و إن قتل- إذا قصد بذلك إعزاز الدين- كما يجوز له أن يسلم نفسه للقتل- و لا يظهر كلمة الكفر إعزازا للدين- و إنما استفحش ع البراءة لأن هذه اللفظة ما وردت في القرآن العزيز- إلا عن المشركين أ لا ترى إلى قوله تعالى- بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ-

و قال تعالى أَنَّ اللَّهَ بَرِي‏ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ- فقد صارت بحسب العرف الشرعي مطلقة- على المشركين خاصة- فإذن يحمل هذا النهي على ترجيح تحريم لفظ البراءة- على لفظ السب و إن كان حكمهما واحدا- أ لا ترى إن إلقاء المصحف في القذر أفحش- من إلقاء المصحف في دن الشراب- و إن كانا جميعا محرمين و كان حكمهما واحدا- .فأما الإمامية فتروي عنه ع أنه قال إذا عرضتم على البراءة منا فمدوا الأعناقو يقولون إنه لا يجوز التبرؤ منه- و إن كان الحالف صادقا و إن عليه الكفارة- .و يقولون إن حكم البراءة من الله تعالى و من الرسول- و منه ع و من أحد الأئمة ع حكم واحد- . و يقولون إن الإكراه على السب يبيح إظهاره- و لا يجوز الاستسلام للقتل معه- و أما الإكراه على البراءة- فإنه يجوز معه الاستسلام للقتل و يجوز أن يظهر التبرؤ- و الأولى أن يستسلم للقتل

فصل في معنى قول علي إني ولدت على الفطرة

المسألة الخامسة- أن يقال كيف علل نهيه لهم على البراءة منه ع بقوله- فإني ولدت على الفطرة- فإن هذا التعليل لا يختص به ع- لأن كل أحد يولد على الفطرة-قال النبي ص كل مولود يولد على الفطرة- و إنما أبواه يهودانه و ينصرانه و الجواب- أنه ع علل نهيه لهم عن البراءة منه بمجموع أمور و علل- و هي كونه ولد على الفطرة- و كونه سبق إلى الإيمان و الهجرة- و لم يعلل بآحاد هذا المجموع- و مراده هاهنا بالولادة على الفطرة- أنه لم يولد في الجاهلية- لأنه ولد ع لثلاثين عاما مضت من عام الفيل- و النبي ص أرسل لأربعين سنة مضت من عام الفيل- و قد جاء في الأخبار الصحيحة- أنه ص مكث قبل الرسالة سنين عشرا- يسمع الصوت و يرى الضوء و لا يخاطبه أحد- و كان ذلك إرهاصا لرسالته ع- فحكم تلك السنين العشر حكم أيام رسالته ص- فالمولود فيها إذا كان في حجره- و هو المتولي لتربيته مولود في أيام كأيام النبوة- و ليس بمولود في جاهلية محضة- ففارقت حاله حال من- يدعى له من الصحابة مماثلته في الفضل- و قد روي أن السنة التي ولد فيها علي‏ ع- هي السنة التي- بدئ فيها برسالة رسول الله ص- فأسمع الهتاف من الأحجار و الأشجار و كشف عن بصره- فشاهد أنوارا و أشخاصا و لم يخاطب فيها بشي‏ء- و هذه السنة هي السنة التي ابتدأ فيها بالتبتل- و الانقطاع و العزلة في جبل حراء- فلم يزل به حتى كوشف بالرسالة و أنزل عليه الوحي- و كان رسول الله ص يتيمن بتلك السنة- و بولادة علي ع فيها و يسميها سنة الخير و سنة البركة-

و قال لأهله ليلة ولادته- و فيها شاهد ما شاهد من الكرامات و القدرة الإلهية- و لم يكن من قبلها شاهد من ذلك شيئا-لقد ولد لنا الليلة مولود- يفتح الله علينا به أبوابا كثيرة من النعمة و الرحمة- و كان كما قال ص فإنه ع كان ناصره- و المحامي عنه و كاشف الغماء عن وجهه- و بسيفه ثبت دين الإسلام و رست دعائمه- و تمهدت قواعده- . و في المسألة تفسير آخر و هو أن يعنيبقوله ع فإني ولدت على الفطرة- أي على الفطرة التي لم تتغير و لم تحل- و ذلك أن معنىقول النبي ص كل مولود يولد على الفطرة- أن كل مولود فإن الله تعالى قد هيأه بالعقل الذي- خلقه فيه و بصحة الحواس و المشاعر- لأن يعلم التوحيد و العدل- و لم يجعل فيه مانعا يمنعه عن ذلك- و لكن التربية و العقيدة في الوالدين- و الإلف لاعتقادهما و حسن الظن فيهما يصده عما فطر عليه- و أمير المؤمنين ع دون غيره- ولد على الفطرة التي لم تحل و لم يصد عن مقتضاها مانع- لا من جانب الأبوين و لا من جهة غيرهما- و غيره ولد على الفطرة- و لكنه حال عن مقتضاها و زال عن موجبها- . و يمكن أن يفسر بأنه ع أراد بالفطرة العصمة- و أنه منذ ولد لم يواقع قبيحاو لا كان كافرا طرفة عين قط- و لا مخطئا و لا غالطا في شي‏ء من الأشياء المتعلقة بالدين- و هذا تفسير الإمامية

فصل فيما قيل من سبق علي إلى الإسلام

المسألة السادسة- أن يقال كيف قال و سبقت إلى الإيمان- و قد قال قوم من الناس إن أبا بكر سبقه- و قال قوم إن زيد بن حارثة سبقه- . و الجواب- أن أكثر أهل الحديث و أكثر المحققين من أهل السيرة- رووا أنه ع أول من أسلم- و نحن نذكر كلام أبي عمر يوسف بن عبد البر- المحدث في كتابه المعروف بالإستيعاب- . قال أبو عمر في ترجمة علي ع- المروي عن سلمان و أبي ذر و المقداد و خباب- و أبي سعيد الخدري و زيد بن أسلم أن عليا ع أول من أسلم- و فضله هؤلاء على غيره- . قال أبو عمر و قال ابن إسحاق- أول من آمن بالله- و بمحمد رسول الله ص علي بن أبي طالب ع- و هو قول ابن شهاب إلا أنه قال من الرجال بعد خديجة- .

قال أبو عمر و حدثنا أحمد بن محمد قال حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا علي بن عبد الله الدهقان قال حدثنا محمد بن صالح عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال لعلي ع أربع خصال ليست‏ لأحد غيره- هو أول عربي و عجمي صلى مع رسول الله ص- و هو الذي كان معه لواؤه في كل زحف- و هو الذي صبر معه يوم فر عنه غيره- و هو الذي غسله و أدخله قبرهقال أبو عمر و روي عن سلمان الفارسي أنه قال أول هذه الأمة ورودا على نبيها ص الحوض أولها إسلاما علي بن أبي طالب-

و قد روي هذا الحديث مرفوعا-عن سلمان عن النبي ص أنه قال أول هذه الأمة ورودا علي الحوض أولها إسلاما- علي بن أبي طالب
– . قال أبو عمر و رفعه أولى لأن مثله لا يدرك بالرأي- . قال أبو عمر فأما إسناد المرفوع-فإن أحمد بن قاسم قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن الحارث بن أبي أسامة قال حدثني يحيى بن هاشم قال حدثنا سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن حنش بن المعتمر عن عليم الكندي عن سلمان الفارسي قال قال رسول الله ص أولكم واردا علي الحوض أولكم إسلاما- علي بن أبي طالب قال أبو عمر و روى أبو داود الطيالسي قال حدثنا أبو عوانة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس أنه قال أول من صلى مع النبي ص بعد خديجة علي بن أبي طالب

قال أبو عمر و حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدثنا الحسن بن حماد قال حدثنا أبو عوانة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس قال كان علي أول من آمن من الناس بعد خديجة- .

قال أبو عمر هذا الإسناد لا مطعن فيه لأحد- لصحته و ثقة نقلته- و قد عارض‏ما ذكرنا في باب أبي بكر الصديق-عن ابن عباس و الصحيح في أمر أبي بكر أنه أول من أظهر إسلامه- كذلك قاله مجاهد و غيره قالوا و منعه قومه- . قال أبو عمر اتفق ابن شهاب و عبد الله بن محمد بن عقيل- و قتادة و ابن إسحاق على أن أول من أسلم من الرجال علي- و اتفقوا على أن خديجة أول من آمن بالله و رسوله- و صدقه فيما جاء به ثم علي بعد- . و روي عن أبي رافع مثل ذلك- .

قال أبو عمر و حدثنا عبد الوارث قال- حدثنا قاسم قال حدثنا أحمد بن زهير قال- حدثنا عبد السلام بن صالح قال- حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي قال- حدثنا عمر مولى غفرة قال- سئل محمد بن كعب القرظي عن أول من أسلم علي أم أبي بكر- فقال سبحان الله علي أولهما إسلاما- و إنما شبه على الناس لأن عليا أخفى إسلامه من أبي طالب- و أسلم أبو بكر فأظهر إسلامه- . قال أبو عمر و لا شك عندنا أن عليا أولهما إسلاما- ذكر عبد الرزاق في جامعه- عن معمر عن قتادة عن الحسن و غيره قالوا- أول من أسلم بعد خديجة علي بن أبي طالب ع- .

و روى معمر عن عثمان الجزري عن مقسم عن ابن عباس قال أول من أسلم علي بن أبي طالب قال أبو عمر و روى ابن فضيل عن الأجلح عن حبة بن جوين العرني قال سمعت عليا ع يقول لقد عبدت الله قبل أن يعبده أحد- من هذه الأمة خمس سنين قال أبو عمر و روى شعبة عن سلمة بن كهيل عن حبة العرني قال سمعت عليا يقول إنا أول من صلى مع رسول الله ص قال أبو عمر و قد روى سالم بن أبي الجعد قال- قلت لابن الحنفية أبو بكر كان أولهما إسلاما قال لا- .

قال أبو عمر و روى مسلم الملائي عن أنس بن مالك قال- استنبئ النبي ص يوم الإثنين و صلى علي يوم الثلاثاء- . قال أبو عمر و قال زيد بن أرقم- أول من آمن بالله بعد رسول الله ص علي بن أبي طالب- . قال و قد روي حديث زيد بن أرقم من وجوه- ذكرها النسائي و أسلم بن موسى و غيرهما- منها ما حدثنا به عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال- حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا علي بن الجعد قال- حدثنا شعبة قال أخبرني عمرو بن مرة قال- سمعت أبا حمزة الأنصاري قال سمعت زيد بن أرقم يقول- أول من صلى مع رسول الله ص علي بن أبي طالب- .

قال أبو عمر و حدثنا عبد الوارث حدثنا قاسم- حدثنا أحمد بن زهير بن حرب حدثنا أبي قال- حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال- حدثنا ابن إسحاق قال حدثنا يحيى بن أبي الأشعث- عن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندي عن أبيه عن جده- قال كنت امرأ تاجرا فقدمت الحج- فأتيت العباس بن عبد المطلب- لأبتاع منه بعض التجارة و كان امرأ تاجرا- فو الله إني لعنده بمنى إذ خرج رجل من خباء قريب منه- فنظر إلى الشمس فلما رآها قد مالت قام يصلي- ثم خرجت امرأة من ذلك الخباء الذي- خرج منه ذلك الرجل فقامت خلفه تصلي- ثم خرج غلام حين راهق الحلم من ذلك الخباء- فقام معه يصلي فقلت للعباس ما هذا يا عباس قال- هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي- قلت من هذه المرأة-

قال امرأته خديجة بنت خويلد- قلت ما هذا الفتى قال علي بن أبي طالب ابن عمه- قلت ما هذا الذي يصنع قال يصلي و هو يزعم أنه نبي- و لم يتبعه على أمره إلا امرأته و ابن عمه هذا الغلام- و هو يزعم أنه سيفتح على أمته كنوز كسرى و قيصر- قال فكان عفيف الكندي يقول- و قد أسلم بعد ذلك و حسن إسلامه- لو كان الله رزقني الإسلام يومئذ كنت أكون ثانيا مع علي- . قال أبو عمر و قد ذكرنا هذا الحديث من طرق- في باب عفيف الكندي من هذا الكتاب- .

قال أبو عمر و لقد قال علي ع صليت مع رسول الله ص كذا و كذا- لا يصلي معه غيري إلا خديجة- . فهذه الروايات و الأخبار كلها- ذكرها أبو عمر يوسف بن عبد البر في الكتاب المذكور- و هي كما تراها تكاد تكون إجماعا- . قال أبو عمر و إنما الاختلاف في كمية سنه ع يوم أسلم- ذكر الحسن بن علي الحلواني في كتاب المعرفة له- قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا الليث بن سعد- عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن- أنه بلغه أن عليا و الزبير أسلما و هما ابنا ثماني سنين- كذا يقول أبو الأسود يتيم عروة- و ذكره أيضا ابن أبي خيثمة عن قتيبة بن سعيد- عن الليث بن سعد عن أبي الأسود و ذكره عمر بن شبة- عن الحزامي عن أبي وهب عن الليث عن أبي الأسود- قال الليث و هاجرا و هما ابنا ثمان عشرة سنة- .

قال أبو عمر و لا أعلم أحدا قال بقول أبي الأسود هذا- . قال أبو عمر و روى الحسن بن علي الحلواني قال- حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا معمر عن قتادة عن الحسن- قال أسلم علي و هو ابن خمس عشرة سنة-قال أبو عمر و أخبرنا أبو القاسم خلف بن قاسم بن سهل- قال حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن إسماعيل الطوسي- قال أخبرنا أبو العباس- محمد بن إسحاق بن إبراهيم السراج قال- حدثنا محمد بن مسعود قال أخبرنا عبد الرزاق قال- أخبرنا معمر عن قتادة عن الحسن قال أسلم علي- و هو أول من أسلم و هو ابن خمس عشرة سنة أو ست عشرة سنة- . قال أبو عمر قال ابن وضاح- و ما رأيت أحدا قط أعلم بالحديث من محمد بن مسعود- و لا بالرأي من سحنون- .

قال أبو عمر قال ابن إسحاق- أول ذكر آمن بالله و رسوله علي بن أبي طالب ع- و هو يومئذ ابن عشر سنين- . قال أبو عمر و الروايات في مبلغ سنه ع مختلفة- قيل أسلم و هو ابن ثلاث عشرة سنة- و قيل ابن اثنتي عشرة سنة و قيل ابن خمس عشرة سنة- و قيل ابن ست عشرة و قيل ابن عشر و قيل ابن ثمان- . قال أبو عمر و ذكر عمر بن شبة عن المدائني- عن ابن جعدة عن نافع عن ابن عمر قال- أسلم علي و هو ابن ثلاث عشرة سنة- . قال و أخبرنا إبراهيم بن المنذر الحرامي قال- حدثنا محمد بن طلحة قال- حدثني جدي إسحاق بن يحيى عن طلحة قال- كان علي بن أبي طالب ع و الزبير بن العوام- و طلحة بن عبيد الله و سعد بن أبي وقاص أعمارا واحدة- . قال و أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال- حدثنا إسماعيل بن علي الخطبي قال- حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال- حدثنا حجين أبو عمر قال- حدثنا حبان عن معروف عن أبي معشر قال- كان علي ع و طلحة و الزبير في سن واحدة- .

قال و روى عبد الرزاق عن الحسن و غيره- أن أول من أسلم بعد خديجة علي بن أبي طالب ع- و هو ابن خمس عشرة سنة أو ست عشرة- . قال أبو عمر و روى أبو زيد عمر بن شبة قال- حدثنا شريح بن النعمان قال حدثنا الفرات بن السائب- عن ميمون بن مهران عن ابن عمر قال- أسلم علي و هو ابن ثلاث عشرة سنة- و توفي و هو ابن ثلاث و ستين سنة- . قال أبو عمر هذا أصح ما قيل في ذلك و الله أعلم- . انتهى حكاية كلام أبي عمر في كتاب الإستيعاب- . و اعلم أن شيوخنا المتكلمين لا يكادون- يختلفون في أن أول الناس إسلاما علي بن أبي طالب ع- إلا من عساه خالف في ذلك من أوائل البصريين- فأما الذي تقررت المقالة عليه الآن- فهو القول بأنه أسبق الناس إلى الإيمان- لا تكاد تجد اليوم في تصانيفهم- و عند متكلميهم و المحققين منهم خلافا في ذلك- . و اعلم أن أمير المؤمنين ع ما زال يدعي ذلك لنفسه- و يفتخر به و يجعله في أفضليته على غيره و يصرح بذلك- و قد قال غير مرة أنا الصديق الأكبر و الفاروق الأول- أسلمت قبل إسلام أبي بكر و صليت قبل صلاته- . و روى عنه هذا الكلام بعينه أبو محمد بن قتيبة- في كتاب المعارف و هو غير متهم في أمره- .و من الشعر المروي عنه ع في هذا المعنى- الأبيات التي أولها

محمد النبي أخي و صهري
و حمزة سيد الشهداء عمي‏

و من جملتها-

سبقتكم إلى الإسلام طرا
غلاما ما بلغت أوان حلمي‏

و الأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة جدا- لا يتسع هذا الكتاب لذكرها فلتطلب من مظانها- . و من تأمل كتب السير و التواريخ- عرف من ذلك ما قلناه- . فأما الذاهبون- إلى أن أبا بكر أقدمهما إسلاما فنفر قليلون- و نحن نذكر ما أورده ابن عبد البر أيضا- في كتاب الإستيعاب في ترجمة أبي بكر- . قال أبو عمر حدثني خالد بن القاسم قال- حدثنا أحمد بن محبوب قال حدثنا محمد بن عبدوس قال- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا شيخ لنا قال- أخبرنا مجالد عن الشعبي قال سألت ابن عباس أو سئل- أي الناس كان أول إسلاما- فقال أ ما سمعت قول حسان بن ثابت-

إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة
فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

خير البرية أتقاها و أعدلها
بعد النبي و أوفاها بما حملا

و الثاني التالي المحمود مشهده
و أول الناس منهم صدق الرسلا

و يروى أن النبي ص قال لحسان- هل قلت في أبي بكر شيئا قال نعم- و أنشده هذه الأبيات و فيها بيت رابع-

و ثاني اثنين في الغار المنيف و قد
طاف العدو به إذ صعدوا الجبلا

فسر بذلك رسول الله ص و قال- أحسنت يا حسان و قد روي فيها بيت خامس

و كان حب رسول الله قد علموا
من البرية لم يعدل به رجلا

و قال أبو عمر و روى شعبة عن عمرو بن مرة- عن إبراهيم النخعي قال أول من أسلم أبو بكر- . قال و روى الجريري عن أبي نصر قال- قال أبو بكر لعلي ع أنا أسلمت قبلك- في حديث ذكره فلم ينكره عليه- . قال أبو عمر و قال فيه أبو محجن الثقفي-

و سميت صديقا و كل مهاجر
سواك يسمى باسمه غير منكر

سبقت إلى الإسلام و الله شاهد
و كنت جليسا بالعريش المشهر

و بالغار إذ سميت خلا و صاحبا
و كنت رفيقا للنبي المطهر

قال أبو عمر و روينا من وجوه عن أبي أمامة الباهلي قال حدثني عمرو بن عبسة قال أتيت رسول الله ص و هو نازل بعكاظ- فقلت يا رسول الله ص من اتبعك على هذا الأمر فقال- حر و عبد أبو بكر و بلال قال فأسلمت عند ذلك- و ذكر الحديث- . هذا مجموع ما ذكره أبو عمر بن عبد البر- في هذا الباب في ترجمة أبي بكر- و معلوم أنه لا نسبة لهذه الروايات إلى الروايات التي- ذكرها في ترجمة علي ع الدالة على سبقه- و لا ريب أن الصحيح ما ذكره أبو عمر- أن عليا ع كان هو السابق- و أن أبا بكر هو أول من أظهر إسلامه فظن أن السبق له- . و أما زيد بن حارثة- فإن أبا عمر بن عبد البر رضي الله تعالى عنه- ذكر في كتاب الإستيعاب أيضا في ترجمة زيد بن حارثة- قال ذكر معمر بن شبة في جامعه عن الزهري أنه قال- ما علمنا أحدا أسلم قبل زيد بن حارثة- .قال عبد الرزاق و ما أعلم أحدا ذكره غير الزهري- . و لم يذكر صاحب الإستيعاب- ما يدل على سبق زيد إلا هذه الرواية و استغربها- فدل مجموع ما ذكرناه أن عليا ع أول الناس إسلاما- و أن المخالف في ذلك شاذ و الشاذ لا يعتد به

فصل فيما ذكر من سبق علي إلى الهجرة

المسألة السابعة- أن يقال كيف قال إنه سبق إلى الهجرة- و معلوم أن جماعة من المسلمين هاجروا قبله- منهم عثمان بن مظعون و غيره- و قد هاجر أبو بكر قبله لأنه هاجر في صحبة النبي ص- و تخلف علي ع عنهما فبات على فراش رسول الله ص- و مكث أياما يرد الودائع التي كانت عنده- ثم هاجر بعد ذلك- . و الجواب أنه ع لم يقل و سبقت كل الناس إلى الهجرة- و إنما قال و سبقت فقط- و لا يدل ذلك على سبقه للناس كافة- و لا شبهة أنه سبق معظم المهاجرين إلى الهجرة- و لم يهاجر قبله أحد إلا نفر يسير جدا- . و أيضا فقد قلنا إنه علل أفضليته- و تحريم البراءة منه مع الإكراه بمجموع أمور- منها ولادته على الفطرة و منها سبقه إلى الإيمان- و منها سبقه إلى الهجرة- و هذه الأمور الثلاثة لم تجتمع لأحد غيره- فكان بمجموعها متميزا عن كل أحد من الناس- .

و أيضا فإن اللام في الهجرة- يجوز ألا تكون للمعهود السابق بل تكون للجنس- و أمير المؤمنين ع سبق أبا بكر و غيره- إلى الهجرة التي قبل هجرة المدينة- فإن النبي ص هاجر عن مكة مرارا- يطوف على أحياء العرب و ينتقل من‏ أرض قوم إلى غيرها- و كان علي ع معه دون غيره- . أما هجرته إلى بني شيبان- فما اختلف أحد من أهل السيرة- أن عليا ع كان معه هو و أبو بكر- و أنهم غابوا عن مكة ثلاثة عشر يوما و عادوا إليها- لما لم يجدوا عند بني شيبان ما أرادوه من النصرة- .

و روى المدائني في كتاب الأمثال عن المفضل الضبي- أن رسول الله ص لما خرج عن مكة- يعرض نفسه على قبائل العرب- خرج إلى ربيعة و معه علي ع و أبو بكر- فدفعوا إلى مجلس من مجالس العرب- فتقدم أبو بكر و كان نسابة فسلم فردوا عليه السلام فقال- ممن القوم قالوا من ربيعة- قال أ من هامتها أم من لهازمها- قالوا من هامتها العظمى- فقال من أي هامتها العظمى أنتم قالوا من ذهل الأكبر- قال أ فمنكم عوف الذي يقال له لا حر بوادي عوف قالوا لا- قال أ فمنكم بسطام ذو اللواء و منتهى الأحياء قالوا لا- قال أ فمنكم جساس حامي الذمار و مانع الجار قالوا لا- قال أ فمنكم الحوفزان- قاتل الملوك و سالبها أنفسها قالوا لا- قال أ فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة قالوا لا- قال أ فأنتم أخوال الملوك من كندة قالوا لا- قال فلستم إذن ذهلا الأكبر أنتم ذهل الأصغر- فقام إليه غلام قد بقل وجهه اسمه دغفل فقال-

إن على سائلنا أن نسأله
و العب‏ء لا تعرفه أو تحمله‏

يا هذا إنك قد سألتنا فأجبناك و لم نكتمك شيئا- فممن الرجل قال من قريش قال بخ بخ- أهل الشرف و الرئاسة فمن أي قريش أنت- قال من تيم بن مرة قال أمكنت و الله الرامي من الثغرة- أ منكم قصي بن كلاب الذي جمع القبائل من فهر- فكان يدعى مجمعا قال لا- قال أ فمنكم هاشم الذي هشم لقومه الثريد قال لا- قال أ فمنكم شيبة الحمد مطعم طير السماء قال لا- قال أ فمن المفيضين بالناس أنت قال لا- قال أ فمن أهل الندوة أنت قال لا- قال أ فمن أهل الرفادة أنت قال لا- قال أ فمن أهل الحجابة أنت قال لا- قال أ فمن أهل السقاية قال لا- قال فاجتذب أبو بكر زمام ناقته- و رجع إلى رسول الله ص هاربا من الغلام فقال دغفل-

صادف درء السيل درء يصدعه‏

أما و الله لو ثبت لأخبرتك أنك من زمعات قريش- فتبسم رسول الله ص-و قال علي ع لأبي بكر لقد وقعت يا أبا بكر من الأعرابي على باقعة- قال أجل إن لكل طامة طامة- و البلاء موكل بالمنطق فذهبت مثلا- . و أما هجرته ص إلى الطائف- فكان معه علي ع و زيد بن‏ 
حارثة- في رواية أبي الحسن المدائني و لم يكن معهم أبو بكر- و أما رواية محمد بن إسحاق فإنه قال- كان معه زيد بن حارثة وحده- و غاب رسول الله ص عن مكة في هذه الهجرة أربعين يوما- و دخل إليها في جوار مطعم بن عدي- .

و أما هجرته ص إلى بني عامر بن صعصعة- و إخوانهم من قيس عيلان فإنه لم يكن معه إلا علي ع وحده- و ذلك عقيب وفاة أبي طالب أوحي إليه ص أخرج منها- فقد مات ناصرك فخرج إلى بني عامر بن صعصعة- و معه علي ع وحده فعرض نفسه عليهم و سألهم النصر- و تلا عليهم القرآن فلم يجيبوه فعادا ع إلى مكة- و كانت مدة غيبته في هذه الهجرة عشرة أيام- و هي أول هجرة هاجرها ص بنفسه- . فأما أول هجرة هاجرها أصحابه- و لم يهاجر بنفسه فهجرة الحبشة- هاجر فيها كثير من أصحابه ع إلى بلاد الحبشة في البحر- منهم جعفر بن أبي طالب ع فغابوا عنه سنين- ثم قدم عليه منهم من سلم و طالت أيامه- و كان قدوم جعفر عليه عام فتح خيبر-
فقال ص ما أدري بأيهما أنا أسر أ بقدوم جعفر أم بفتح خيبر

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 4 

خطبه 55 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

55 و من كلام له ع

وَ لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص- نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَ أَبْنَاءَنَا وَ إِخْوَانَنَا وَ أَعْمَامَنَا- مَا يَزِيدُنَا ذَلِكَ إِلَّا إِيمَاناً وَ تَسْلِيماً- وَ مُضِيّاً عَلَى اللَّقْمِ وَ صَبْراً عَلَى مَضَضِ الْأَلَمِ- وَ جِدّاً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ- وَ لَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَ الآْخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا- يَتَصَاوَلَانِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا- أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ الْمَنُونِ- فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا وَ مَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا- فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ- وَ أَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ- حَتَّى اسْتَقَرَّ الْإِسْلَامُ مُلْقِياً جِرَانَهُ وَ مُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ- وَ لَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ- مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ وَ لَا اخْضَرَّ لِلْإِيمَانِ عُودٌ- وَ ايْمُ اللَّهِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً وَ لَتُتْبِعُنَّهَا نَدَماً لقم الطريق الجادة الواضحة منها- و المضض لذع الألم و برحاؤه- و التصاول أن يحمل كل واحد من القرنين على صاحبه- و التخالس التسالب و الانتهاب- و الكبت الإذلال و جران البعير مقدم عنقه- و تبوأت المنزل نزلته- و يقال لمن أسرف في الأمر لتحتلبن دما- و أصله الناقة يفرط في حلبها فيحلب الحالب الدم- .

و هذه ألفاظ مجازية من باب الاستعارة و هي- . قوله استقر الإسلام ملقيا جرانه أي ثابتا متمكنا- كالبعير يلقي جرانه على الأرض- . و قوله متبوئا أوطانه- جعله كالجسم المستقر في وطنه و مكانه- . و قوله ما قام للدين عمود- جعله كالبيت القائم على العمد- . و قوله و لا اخضر للإيمان عود- جعله كالشجرة ذات الفروع و الأغصان- . فأما قتلهم الأقارب في ذات الله فكثير- قتل علي ع الجم الغفير من بني عبد مناف- و بني عبد الدار في يوم بدر و أحد و هم عشيرته و بنو عمه- و قتل عمر بن الخطاب يوم بدر- خاله العاص بن هشام بن المغيرة- و قتل حمزة بن عبد المطلب شيبة بن ربيعة يوم بدر- و هو ابن عمه لأنهما ابنا عبد مناف- و مثل ذلك كثير مذكور في كتب السيرة- . و أما كون الرجل منهم و قرنه يتصاولان و يتخالسان- فإن الحال كذلك كانت- بارز علي ع الوليد بن عتبة- و بارز طلحة بن أبي طلحة و بارز عمرو بن عبد ود- و قتل هؤلاء الأقران مبارزة- و بارز كثيرا من الأبطال غيرهم و قتلهم- و بارز جماعة من شجعان الصحابة جماعة من المشركين- فمنهم من قتل و منهم من قتل- و كتب المغازي تتضمن تفصيل ذلك

فتنة عبد الله بن الحضرمي بالبصرة

و هذا الكلام قاله أمير المؤمنين ع في قصة ابن الحضرمي- حيث قدم البصرة من قبل معاوية- و استنهض أمير المؤمنين ع أصحابه إلى البصرة- فتقاعدوا- . قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي- في كتاب الغارات‏حدثنا محمد بن يوسف قال- حدثنا الحسن بن علي الزعفراني- عن محمد بن عبد الله بن عثمان عن ابن أبي سيف- عن يزيد بن حارثة الأزدي عن عمرو بن محصن- أن معاوية لما أصاب محمد بن أبي بكر بمصر و ظهر عليها- دعا عبد الله بن عامر الحضرمي فقال له سر إلى البصرة- فإن جل أهلها يرون رأينا في عثمان و يعظمون قتله- و قد قتلوا في الطلب بدمه- فهم موتورون حنقون لما أصابهم- ودوا لو يجدون من يدعوهم و يجمعهم- و ينهض بهم في الطلب بدم عثمان- و احذر ربيعة و انزل في مضر و تودد الأزد- فإن الأزد كلها معك إلا قليلا منهم- و إنهم إن شاء الله غير مخالفيك- .

فقال عبد الله بن الحضرمي له إنا سهم في كنانتك- و أنا من قد جربت و عدو أهل حربك- و ظهيرك على قتلة عثمان فوجهني إليهم متى شئت- فقال اخرج غدا إن شاء الله فودعه و خرج من عنده- . فلما كان الليل جلس معاوية و أصحابه يتحدثون- فقال لهم معاوية في أي منزل ينزل القمر الليلة- فقالوا بسعد الذابح فكره معاوية ذلك- و أرسل إليه ألا تبرح حتى يأتيك أمري فأقام- . و رأى معاوية أن يكتب إلى عمرو بن العاص- و هو يومئذ بمصر عامله عليها- يستطلع رأيه في ذلك فكتب إليه- و قد كان تسمى بإمرة المؤمنين بعد يوم صفين- و بعد تحكيم الحكمين- من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص- سلام عليك أما بعد- فإني قد رأيت رأيا هممت بإمضائه- و لم يخذلني عنه إلا استطلاع رأيك- فإن توافقني أحمد الله و أمضه- و إن تخالفني فإني أستخير الله و أستهديه- إني نظرت في أمر أهل البصرة- فوجدت معظم أهلها لنا وليا و لعلي و شيعته عدوا- و قد أوقع بهم علي الوقعة التي علمت- فأحقاد تلك الدماء ثابتة في صدورهم لا تبرح و لا تريم- و قد علمت أن قتلنا ابن أبي بكر- و وقعتنا بأهل مصر قد أطفأت نيران أصحاب علي في الآفاق- و رفعت رءوس أشياعنا أينما كانوا من البلاد- و قد بلغ من كان بالبصرة- على مثل رأينا من ذلك ما بلغ الناس- و ليس أحد ممن يرى رأينا أكثر عددا- و لا أضر خلافا على علي من أولئك- فقد رأيت أن أبعث إليهم عبد الله بن عامر الحضرمي- فينزل في مضر و يتودد الأزد و يحذر ربيعة- و يبتغي دم ابن عفان و يذكرهم وقعة علي بهم- التي أهلكت صالحي إخوانهم و آبائهم و أبنائهم- فقد رجوت عند ذلك- أن يفسد على علي و شيعته ذلك الفرج من الأرض- و متى يؤتوا من خلفهم و أمامهم يضل سعيهم و يبطل كيدهم- فهذا رأيي فما رأيك- فلا تحبس رسولي إلا قدر مضي الساعة التي- ينتظر فيها جواب كتابي هذا- أرشدنا الله و إياك- و السلام عليك و رحمة الله و بركاته- .

فكتب عمرو بن العاص إلى معاوية- . أما بعد فقد بلغني رسولك و كتابك- فقرأته و فهمت رأيك الذي رأيته فعجبت له- و قلت إن الذي ألقاه في روعك- و جعله في نفسك هو الثائر بابن عفان و الطالب بدمه- و إنه لم يك منك و لا منا- منذ نهضنا في هذه الحروب و بادينا أهلها- و لا رأى الناس رأيا أضر على عدوك- و لا أسر لوليك من هذا الأمر الذي ألهمته- فامض رأيك مسددا- فقد وجهت الصليب الأريب الناصح غير الظنين و السلام- .

فلما جاءه كتاب عمرو دعا ابن الحضرمي- و قد كان ظن حين تركه معاوية أياما لا يأمره بالشخوص- أن معاوية قد رجع عن إشخاصه إلى ذلك الوجه فقال- يا ابن الحضرمي سر على بركة الله إلى أهل البصرة- فانزل في مضر و احذر ربيعة و تودد الأزد و انع ابن عفان- و ذكرهم الوقعة التي أهلكتهم- و من لمن سمع و أطاع دنيا لا تفنى- و أثرة لا يفقدها حتى يفقدنا أو نفقده- . فودعه ثم خرج من عنده و قد دفع إليه كتابا- و أمره إذا قدم أن يقرأه على الناس- . قال عمرو بن محصن فكنت معه حين خرج- فلما خرجنا سرنا ما شاء الله أن نسير- فسنح لنا ظبي أعضب عن شمائلنا فنظرت إليه- فو الله لرأيت الكراهية في وجهه- ثم مضينا حتى نزلنا البصرة في بني تميم- فسمع بقدومنا أهل البصرة- فجاءنا كل من يرى رأي عثمان- فاجتمع إلينا رءوس أهلها- فحمد الله ابن الحضرمي و أثنى عليه ثم قال- أما بعد أيها الناس- فإن إمامكم إمام الهدى عثمان بن عفان- قتله علي بن أبي طالب ظلما- فطلبتم بدمه و قاتلتم من قتله- فجزاكم الله من أهل مصر خيرا- و قد أصيب منكم الملأ الأخيار- و قد جاءكم الله بإخوان لكم- لهم بأس يتقى و عدد لا يحصى- فلقوا عدوكم الذين قتلوكم- فبلغوا الغاية التي أرادوا صابرين- و رجعوا و قد نالوا ما طلبوا فمالئوهم و ساعدوهم- و تذكروا ثاركم لتشفوا صدوركم من عدوكم- . فقام إليه الضحاك بن عبد الله الهلالي فقال- قبح الله ما جئتنا به و ما دعوتنا إليه- جئتنا و الله بمثل ما جاء به صاحباك طلحة و الزبير- أتيانا و قد بايعنا عليا و اجتمعنا له- فكلمتنا واحدة و نحن على سبيل مستقيم- فدعوانا إلى الفرقة و قاما فينا بزخرف القول- حتى ضربنا بعضنا ببعض عدوانا و ظلما- فاقتتلنا على ذلك و ايم الله- ما سلمنا من عظيم وبال‏ ذلك- و نحن الآن مجمعون على بيعة هذا العبد الصالح الذي- أقال العثرة و عفا عن المسي‏ء- و أخذ بيعة غائبنا و شاهدنا- أ فتأمرنا الآن أن نختلع أسيافنا من أغمادها- ثم يضرب بعضنا بعضا- ليكون معاوية أميرا و تكون له وزيرا- و نعدل بهذا الأمر عن علي- و الله ليوم من أيام علي مع رسول الله ص خير- من بلاء معاوية و آل معاوية لو بقوا في الدنيا- ما الدنيا باقية- .

فقام عبد الله بن خازم السلمي فقال للضحاك اسكت- فلست بأهل أن تتكلم في أمر العامة- ثم أقبل على ابن الحضرمي فقال نحن يدك و أنصارك- و القول ما قلت و قد فهمنا عنك فادعنا أنى شئت- فقال الضحاك لابن خازم يا ابن السوداء- و الله لا يعز من نصرت و لا يذل بخذلانك من خذلت فتشاتما- . قال صاحب كتاب الغارات- و الضحاك هذا هو الذي يقول-

يا أيهذا السائلي عن نسبي
بين ثقيف و هلال منصبي‏
أمي أسماء و ضحاك أبي‏

قال و هو القائل في بني العباس-

ما ولدت من ناقة لفحل
في جبل نعلمه و سهل‏

كستة من بطن أم الفضل‏
أكرم بها من كهلة و كهل‏

عم النبي المصطفى ذي الفضل
و خاتم الأنبياء بعد الرسل‏

قال فقام عبد الرحمن بن عمير بن عثمان القرشي- ثم التيمي فقال عباد الله- إنا لم ندعكم إلى الاختلاف و الفرقة- و لا نريد أن تقتتلوا و لا تتنابزوا- و لكنا إنما ندعوكم إلى أن تجمعوا كلمتكم- و توازروا إخوانكم الذين هم على رأيكم- و أن تلموا شعثكم‏ و تصلحوا ذات بينكم- فمهلا مهلا رحمكم الله- استمعوا لهذا الكتاب- و أطيعوا الذي يقرأ عليكم- . ففضوا كتاب معاوية و إذا فيه- من عبد الله معاوية أمير المؤمنين- إلى من قرئ كتاب هذا عليه من المؤمنين- و المسلمين من أهل البصرة- . سلام عليكم أما بعد- فإن سفك الدماء بغير حلها- و قتل النفوس التي حرم الله قتلها- هلاك موبق و خسران مبين- لا يقبل الله ممن سفكها صرفا و لا عدلا- و قد رأيتم رحمكم الله آثار ابن عفان و سيرته- و حبه للعافية و معدلته و سده للثغور- و إعطاءه في الحقوق و إنصافه للمظلوم و حبه الضعيف- حتى توثب عليه المتوثبون و تظاهر عليه الظالمون- فقتلوه مسلما محرما ظمآن صائما لم يسفك فيهم دما- و لم يقتل منهم أحدا و لا يطلبونه بضربة سيف و لا سوط- و إنما ندعوكم أيها المسلمون إلى الطلب بدمه- و إلى قتال من قتله- فإنا و إياكم على أمر هدى واضح و سبيل مستقيم- إنكم إن جامعتمونا طفئت النائرة- و اجتمعت الكلمة و استقام أمر هذه الأمة- و أقر الظالمون المتوثبون الذين قتلوا إمامهم بغير حق- فأخذوا بجرائرهم و ما قدمت أيديهم- إن لكم أن أعمل فيكم بالكتاب- و أن أعطيكم في السنة عطاءين- و لا أحتمل فضلا من فيئكم عنكم أبدا- .

فسارعوا إلى ما تدعون إليه رحمكم الله- و قد بعثت إليكم رجلا من الصالحين- كان من أمناء خليفتكم المظلوم ابن عفان و عماله- و أعوانه على الهدى و الحق- جعلنا الله و إياكم ممن يجيب إلى الحق و يعرفه- و ينكر الباطل و يجحده و السلام عليكم و رحمة الله- .

قال فلما قرئ عليهم الكتاب- قال معظمهم سمعنا و أطعنا- . قال و روى محمد بن عبد الله بن عثمان عن علي- عن أبي زهير عن أبي منقر الشيباني قال- قال الأحنف لما قرئ عليهم كتاب معاوية- أما أنا فلا ناقة لي في هذا و لا جمل و أعتزل أمرهم ذلك- .

و قال عمرو بن مرجوم من عبد القيس- أيها الناس الزموا طاعتكم و لا تنكثوا بيعتكم- فتقع بكم واقعة و تصيبكم قارعة- و لا يكن بعدها لكم بقية- ألا إني قد نصحت لكم و لكن لا تحبون الناصحين- . قال إبراهيم بن هلال و روى محمد بن عبد الله- عن ابن أبي سيف عن الأسود بن قيس عن ثعلبة بن عباد- أن الذي كان سدد لمعاوية رأيه- في تسريح ابن الحضرمي كتاب- كتبه إليه عباس بن ضحاك العبدي- و هو ممن كان يرى رأي عثمان- و يخالف قومه في حبهم عليا ع و نصرتهم إياه- و كان الكتاب- .

أما بعد فقد بلغنا وقعتك بأهل مصر- الذين بغوا على إمامهم و قتلوا خليفتهم طمعا و بغيا- فقرت بذلك العيون و شفيت بذلك النفوس- و بردت أفئدة أقوام كانوا لقتل عثمان كارهين- و لعدوه مفارقين و لكم موالين و بك راضين- فإن رأيت أن تبعث إلينا أميرا طيبا- ذكيا ذا عفاف و دين إلى الطلب بدم عثمان فعلت- فإني لا إخال الناس إلا مجمعين عليك- و إن ابن عباس غائب عن المصر و السلام- . قال فلما قرأ معاوية كتابه قال- لا عزمت رأيا سوى ما كتبت به إلي هذا و كتب إليه جوابه- . أما بعد فقد قرأت كتابك- فعرفت نصيحتك و قبلت مشورتك رحمك الله و سددك- اثبت هداك الله على رأيك الرشيد- فكأنك بالرجل الذي سألت قد أتاك- و كأنك بالجيش قد أطل عليك فسررت و حبيت و السلام- .

قال إبراهيم و حدثنا محمد بن عبد الله قال حدثني علي بن أبي سيف عن أبي زهيرقال- لما نزل ابن الحضرمي في بني تميم- أرسل إلى الرءوس فأتوه- فقال لهم أجيبوني إلى الحق و انصروني على هذا الأمر- . قال و إن الأمير بالبصرة يومئذ زياد بن عبيد- قد استخلفه عبد الله بن عباس- و قدم على علي ع إلى الكوفة يعزيه عن محمد بن أبي بكر- قال فقام إليه ابن ضحاك فقال- إي و الذي له أسعى و إياه أخشى- لننصرنك بأسيافنا و أيدينا- . و قام المثنى بن مخرمة العبدي فقال- لا و الذي لا إله إلا هو- لئن لم ترجع إلى مكانك الذي أقبلت منه- لنجاهدنك بأسيافنا و أيدينا و نبالنا و أسنة رماحنا- نحن ندع ابن عم رسول الله ص و سيد المسلمين- و ندخل في طاعة حزب من الأحزاب طاغ- و الله لا يكون ذلك أبدا حتى نسير كتيبة- و نفلق السيوف بالهام- . فأقبل ابن الحضرمي على صبرة بن شيمان الأزدي فقال- يا صبرة أنت رأس قومك و عظيم من عظماء العرب- و أحد الطلبة بدم عثمان رأينا رأيك و رأيك رأينا- و بلاء القوم عندك في نفسك و عشيرتك ما قد ذقت و رأيت- فانصرني و كن من دوني- فقال له إن أنت أتيتني فنزلت في داري نصرتك و منعتك-

فقال إن أمير المؤمنين معاوية أمرني- أن أنزل في قومه من مضر فقال اتبع ما أمرك به- . و انصرف من عنده و أقبل الناس إلى ابن الحضرمي- و كثر تبعه ففزع لذلك زياد و هاله و هو في دار الإمارة- فبعث إلى الحضين بن المنذر و مالك بن مسمع فدعاهما- فحمد الله و أثنى عليه ثم قال- أما بعد فإنكم أنصار أمير المؤمنين و شيعته و ثقته- و قد جاءكم هذا الرجل بما قد بلغكم- فأجيروني حتى يأتيني أمر أمير المؤمنين و رأيه- .

فأما مالك بن مسمع فقال هذا أمر فيه نظر- أرجع إلى من ورائي و أنظر و أستشير في ذلك- . و أما الحضين بن المنذر فقال نعم- نحن فاعلون و لن نخذلك و لن نسلمك- .فلم ير زياد من القوم ما يطمئن إليه- فبعث إلى صبرة بن شيمان الأزدي فقال- يا ابن شيمان أنت سيد قومك و أحد عظماء هذا المصر- فإن يكن فيه أحد هو أعظم أهله فأنت ذاك- أ فلا تجيرني و تمنعني و تمنع بيت مال المسلمين- فإنما أنا أمين عليه- فقال بلى إن تحملت حتى تنزل في داري منعتك- فقال إني فاعل- . فارتحل ليلا حتى نزل دار صبرة بن شيمان- و كتب إلى عبد الله بن عباس- و لم يكن معاوية ادعى زيادا بعد- لأنه إنما ادعاه بعد وفاة علي ع- . للأمير عبد الله بن عباس من زياد بن عبيد- .

سلام عليك أما بعد- فإن عبد الله بن عامر بن الحضرمي أقبل من قبل معاوية- حتى نزل في بني تميم و نعى ابن عفان و دعا إلى حرب- فبايعه جل أهل البصرة- فلما رأيت ذلك استجرت بالأزد بصبرة بن شيمان- و قومه لنفسي و لبيت مال المسلمين- و رحلت من قصر الإمارة فنزلت فيهم و إن الأزد معي- و شيعة أمير المؤمنين من فرسان القبائل تختلف إلي- و شيعة عثمان تختلف إلى ابن الحضرمي- و القصر خال منا و منهم- فارفع ذلك إلى أمير المؤمنين ليرى فيه رأيه- و أعجل إلي بالذي ترى أن يكون منه فيه- و السلام عليك و رحمة الله و بركاته- . قال فرفع ذلك ابن عباس إلى علي ع- و شاع في الناس بالكوفة ما كان من ذلك- و كانت بنو تميم و قيس و من يرى رأي عثمان- قد أمروا ابن الحضرمي- أن يسير إلى قصر الإمارة حين خلاه زياد- فلما تهيأ لذلك و دعا أصحابه- ركبت الأزد و بعثت إليه و إليهم- إنا و الله لا ندعكم تأتون القصر فتنزلون فيه من لا نرضى- و من نحن له كارهون حتى يأتي رجل لنا و لكم رضا- فأبى أصحاب ابن الحضرمي إلا أن يسيروا إلى القصر- و أبت الأزد إلا أن يمنعوهم- فركب الأحنف فقال لأصحاب ابن الحضرمي- إنكم و الله ما أنتم أحق بقصر الإمارة من القوم- و ما لكم أن تؤمروا عليهم من يكرهونه- فانصرفوا عنهم ففعلوا ثم جاء إلى الأزد فقال- إنه لم يكن ما تكرهون و لا يؤتى إلا ما تحبون- فانصرفوا رحمكم الله ففعلوا- .

قال إبراهيم و حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي سيف- عن الكلبي أن ابن الحضرمي لما أتى البصرة- و دخلها نزل في بني تميم في دار سنبيل- و دعا بني تميم و أخلاط مضر- فقال زياد لأبي الأسود الدؤلي- أ ما ترى ما صغى أهل البصرة إلى معاوية- و ما في الأزد لي مطمع فقال- إن كنت تركتهم لم ينصروك و إن أصبحت فيهم منعوك- .

فخرج زياد من ليلته- فأتى صبرة بن شيمان الحداني الأزدي فأجاره- و قال له حين أصبح يا زياد إنه ليس حسنا بنا- أن تقيم فينا مختفيا أكثر من يومك هذا- فأعد له منبرا و سريرا في مسجد الحدان و جعل له شرطا- و صلى بهم الجمعة في مسجد الحدان- . و غلب ابن الحضرمي على ما يليه من البصرة و جباها- و أجمعت الأزد على زياد- فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال- يا معشر الأزد- إنكم كنتم أعدائي فأصبحتم أوليائي و أولى الناس بي- و إني لو كنت في بني تميم و ابن الحضرمي فيكم- لم أطمع فيه أبدا و أنتم دونه- فلا يطمع ابن الحضرمي في و أنتم دوني- و ليس ابن آكلة الأكباد في بقية الأحزاب- و أولياء الشيطان بأدنى إلى الغلبة- من أمير المؤمنين في المهاجرين و الأنصار- و قد أصبحت فيكم مضمونا و أمانة مؤداة- و قد رأينا وقعتكم يوم الجمل- فاصبروا مع الحق صبركم مع الباطل- فإنكم لا تحمدون إلا على النجدة و لا تعذرون على الجبن- .

فقام شيمان أبو صبرة و لم يكن شهد يوم الجمل و كان غائبا- فقال يا معشر الأزد-ما أبقت عواقب الجمل عليكم إلا سوء الذكر- و قد كنتم أمس على علي ع فكونوا اليوم له- و اعلموا أن إسلامكم له ذل و خذلانكم إياه عار- و أنتم حي مضماركم الصبر و عاقبتكم الوفاء- فإن سار القوم بصاحبهم فسيروا بصاحبكم- و إن استمدوا معاوية فاستمدوا عليا ع- و إن وادعوكم فوادعوهم- . ثم قام صبرة ابنه فقال يا معشر الأزد- إنا قلنا يوم الجمل نمنع مصرنا و نطيع أمنا- نطلب دم خليفتنا المظلوم فجددنا في القتال- و أقمنا بعد انهزام الناس- حتى قتل منا من لا خير فينا بعده- و هذا زياد جاركم اليوم و الجار مضمون- و لسنا نخاف من علي ما نخاف من معاوية- فهبوا لنا أنفسكم و امنعوا جاركم أو فأبلغوه مأمنه- . فقالت الأزد إنما نحن لكم تبع فأجيروه- فضحك زياد و قال يا صبرة أ تخشون ألا تقوموا لبني تميم- فقال صبرة إن جاءونا بالأحنف جئناهم بأبي صبرة- و إن جاءونا بالحباب جئت أنا- و إن كان فيهم شباب كثير- فقال زياد إنما كنت مازحا- .

فلما رأت بنو تميم أن الأزد قد قامت دون زياد- بعثت إليهم أخرجوا صاحبكم و نحن نخرج صاحبنا- فأي الأميرين غلب علي أو معاوية دخلنا في طاعته- و لا نهلك عامتنا- . فبعث إليهم أبو صبرة- إنما كان هذا يرجى عندنا قبل أن نجيره- و لعمري ما قتل زياد و إخراجه إلا سواء- و إنكم لتعلمون أنا لم نجره إلا كرما فالهوا عن هذا- . قال و روى أبو الكنود- أن شبث بن ربعي قال لعلي ع- يا أمير المؤمنين ابعث إلى هذا الحي من تميم- فادعهم إلى طاعتك و لزوم بيعتك- و لا تسلط عليهم أزد عمان البعداء البغضاء- فإن واحدا من قومك خير لك من عشرة من غيرهم- .

فقال له مخنف بن سليم الأزدي- إن البعيد البغيض من عصى الله- و خالف أمير المؤمنين و هم قومك- و إن الحبيب القريب من أطاع الله- و نصر أمير المؤمنين و هم قومي- و أحدهم خير لأمير المؤمنين من عشرة من قومك- .

فقال أمير المؤمنين ع مه تناهوا أيها الناس- و ليردعكم الإسلام و وقاره عن التباغي و التهاذي- و لتجتمع كلمتكم- و الزموا دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره- و كلمة الإخلاص التي هي قوام الدين- و حجة الله على الكافرين- و اذكروا إذ كنتم قليلا مشركين متباغضين متفرقين- فألف بينكم بالإسلام فكثرتم و اجتمعتم و تحاببتم- فلا تفرقوا بعد إذ اجتمعتم- و لا تتباغضوا بعد إذ تحاببتم- و إذا رأيتم الناس بينهم النائرة- و قد تداعوا إلى العشائر و القبائل- فاقصدوا لهامهم و وجوههم بالسيف حتى يفزعوا إلى الله- و إلى كتابه و سنة نبيه- فأما تلك الحمية من خطرات الشياطين فانتهوا عنها- لا أبا لكم تفلحوا و تنجحوا- ثم إنه ع دعا أعين بن ضبيعة المجاشعي- و قال يا أعين أ لم يبلغك أن قومك وثبوا على عاملي- مع ابن الحضرمي بالبصرة- يدعون إلى فراقي و شقاقي- و يساعدون الضلال القاسطين علي- فقال لا تسأ يا أمير المؤمنين- و لا يكن ما تكره ابعثني إليهم- فأنا لك زعيم بطاعتهم و تفريق جماعتهم- و نفي ابن الحضرمي من البصرة أو قتله- قال فاخرج الساعة- . فخرج من عنده و مضى حتى قدم البصرة- .هذه رواية ابن هلال صاحب كتاب الغارات- .

و روى الواقدي أن عليا ع استنفر بني تميم أياما- لينهض منهم إلى البصرة- من يكفيه أمر ابن الحضرمي- و يرد عادية بني تميم الذين أجاروه بها- فلم يجبه أحد فخطبهم و قال- أ ليس من العجب أن ينصرني الأزد و تخذلني مضر- و أعجب من ذلك تقاعد تميم الكوفة بي- و خلاف تميم البصرة علي- و أن أستنجد بطائفة منها- تشخص إلى إخوانها فتدعوهم إلى الرشاد- فإن أجابت و إلا فالمنابذة و الحرب- فكأني أخاطب صما بكما لا يفقهون حوارا و لا يجيبون نداء- كل هذا جبنا عن البأس و حبا للحياة- لقد كنا مع رسول الله ص نقتل آباءنا و أبناءنا- الفصل إلى آخره- .

قال فقام إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي فقال- أنا إن شاء الله أكفيك يا أمير المؤمنين هذا الخطب- و أتكفل لك بقتل ابن الحضرمي أو إخراجه عن البصرة- فأمره بالتهيؤ للشخوص فشخص حتى قدم البصرة- . قال إبراهيم بن هلال- فلما قدمها دخل على زياد و هو بالأزد مقيم- فرحب به و أجلسه إلى جانبه- فأخبره بما قال له علي ع و ما رد عليه و ما الذي عليه رأيه- فإنه إذ يكلمه جاءه كتاب من علي ع فيه-من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى زياد بن عبيد سلام عليك أما بعد- فإني قد بعثت أعين بن ضبيعة- ليفرق قومه عن ابن الحضرمي فارقب ما يكون منه- فإن فعل و بلغ من ذلك ما يظن به- و كان في ذلك تفريق تلك الأوباش فهو ما نحب- و إن ترامت الأمور بالقوم إلى الشقاق و العصيان-فانبذ بمن أطاعك إلى من عصاك فجاهدهم- فإن ظهرت فهو ما ظننت و إلا فطاولهم و ماطلهم- فكان كتائب المسلمين قد أطلت عليك- فقتل الله المفسدين الظالمين- و نصر المؤمنين المحقين و السلام- .

فلما قرأه زياد أقرأه أعين بن ضبيعة فقال له- إني لأرجو أن يكفى هذا الأمر إن شاء الله- ثم خرج من عنده فأتى رحله- فجمع إليه رجالا من قومه فحمد الله و أثنى عليه ثم قال- يا قوم على ما ذا تقتلون أنفسكم- و تهريقون دماءكم على الباطل مع السفهاء الأشرار- و إني و الله ما جئتكم حتى عبيت إليكم الجنود- فإن تنيبوا إلى الحق يقبل منكم و يكف عنكم- و إن أبيتم فهو و الله استئصالكم و بواركم- . فقالوا بل نسمع و نطيع فقال- انهضوا الآن على بركة الله عز و جل- فنهض بهم إلى جماعة ابن الحضرمي- فخرجوا إليه مع ابن الحضرمي فصافوه- و واقفهم عامة يومه يناشدهم الله و يقول- يا قوم لا تنكثوا بيعتكم و لا تخالفوا إمامكم- و لا تجعلوا على أنفسكم سبيلا- فقد رأيتم و جربتم- كيف صنع الله بكم عند نكثكم بيعتكم و خلافكم- . فكفوا عنه و لم يكن بينه و بينهم قتال- و هم في ذلك يشتمونه و ينالون منه- فانصرف عنهم و هو منهم منتصف- فلما أوى إلى رحله تبعه عشرة نفر يظن الناس أنهم خوارج- فضربوه بأسيافهم و هو على فراشه- و لا يظن أن الذي كان يكون فخرج يشتد عريانا- فلحقوه في الطريق فقتلوه- فأراد زياد أن يناهض ابن الحضرمي حين قتل أعين- بجماعة من معه من الأزد و غيرهم من شيعة علي ع- فأرسل بنو تميم إلى الأزد- و الله ما عرضنا لجاركم إذ أجرتموه و لا لمال هو له- و لا لأحد ليس على رأينا- فما تريدون‏ إلى حربنا و إلى جارنا- فكان الأزد عند ذلك كرهت قتالهم- . فكتب زياد إلى علي ع أما بعد يا أمير المؤمنين- فإن أعين بن ضبيعة قدم علينا من قبلك- بجد و مناصحة و صدق و يقين- فجمع إليه من أطاعه من عشيرته- فحثهم على الطاعة و الجماعة و حذرهم الخلاف و الفرقة- ثم نهض بمن أقبل معه إلى من أدبر عنه- فواقفهم عامة النهار فهال أهل الخلاف تقدمه- و تصدع عن ابن الحضرمي كثير ممن كان يريد نصرته- فكان كذلك حتى أمسى- فأتى في رحله فبيته نفر من هذه الخارجة المارقة- فأصيب رحمه الله تعالى- فأردت أن أناهض ابن الحضرمي عند ذلك فحدث أمر- قد أمرت صاحب كتابي هذا أن يذكره لأمير المؤمنين- و قد رأيت إن رأى أمير المؤمنين ما رأيت- أن يبعث إليهم جارية بن قدامة فإنه نافذ البصيرة- و مطاع في العشيرة شديد على عدو أمير المؤمنين- فإن يقدم يفرق بينهم بإذن الله- و السلام على أمير المؤمنين و رحمة الله و بركاته- .

فلما جاء الكتاب دعا جارية بن قدامة- فقال له يا ابن قدامة تمنع الأزد عاملي و بيت مالي- و تشاقني مضر و تنابذني- و بنا ابتدأها الله تعالى بالكرامة و عرفها الهدى- و تداعوا إلى المعشر الذين حادوا الله و رسوله- و أرادوا إطفاء نور الله سبحانه- حتى علت كلمة الله و هلك الكافرون- .

فقال يا أمير المؤمنين- ابعثني إليهم و استعن بالله عليهم- قال قد بعثتك إليهم و استعنت بالله عليهم- . قال إبراهيم فحدثنا محمد بن عبد الله قال- حدثني ابن أبي السيف عن سليمان بن أبي راشد- عن كعب بن قعين قال- خرجت مع جارية من الكوفة إلى البصرة-في خمسين رجلا من بني تميم- ما كان فيهم يماني غيري و كنت شديد التشيع- فقلت لجارية إن شئت كنت معك- و إن شئت ملت إلى قومي- فقال بل معي- فو الله لوددت أن الطير و البهائم تنصرني عليهم- فضلا عن الإنس- .

قال و روى كعب بن قعين أن عليا ع كتب مع جارية كتابا- و قال أقرئه على أصحابك قال فمضينا معه- فلما دخلنا البصرة بدأ بزياد- فرحب به و أجلسه إلى جانبه- و ناجاه ساعة و ساءله- ثم خرج فكان أفضل ما أوصاه به أن قال- احذر على نفسك- و اتق أن تلقى ما لقي صاحبك القادم قبلك- . و خرج جارية من عنده فقام في الأزد فقال- جزاكم الله من حي خيرا- ما أعظم غناءكم و أحسن بلاءكم و أطوعكم لأميركم- لقد عرفتم الحق إذ ضيعه من أنكره- و دعوتم إلى الهدى إذ تركه من لم يعرفه- ثم قرأ عليهم و على من كان معه- من شيعة علي ع و غيرهم كتاب علي ع فإذا فيه-من عبد الله علي أمير المؤمنين- إلى من قرئ عليه كتابي هذا من ساكني البصرة- من المؤمنين و المسلمين- سلام عليكم أما بعد- فإن الله حليم ذو أناة- لا يعجل بالعقوبة قبل البينة- و لا يأخذ المذنب عند أول وهلة- و لكنه يقبل التوبة- و يستديم الأناة و يرضي بالإنابة- ليكون أعظم للحجة و أبلغ في المعذرة- و قد كان من شقاق جلكم- أيها الناس ما استحققتم أن تعاقبوا عليه- فعفوت عن مجرمكم- و رفعت السيف عن مدبركم- و قبلت من مقبلكم و أخذت بيعتكم- فإن تفوا ببيعتي و تقبلوا نصيحتي- و تستقيموا على طاعتي- أعمل‏ فيكم بالكتاب و السنة و قصد الحق- و أقم فيكم سبيل الهدى- فو الله ما أعلم أن واليا بعد محمد ص أعلم بذلك مني- و لا أعمل بقولي أقول قولي هذا صادقا- غير ذام لمن مضى و لا منتقصا لأعمالهم- و إن خبطت بكم الأهواء المردية- و سفه الرأي الجائر إلى منابذتي تريدون خلافي- فها أنا ذا قربت جيادي و رحلت ركابي و ايم الله- لئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعن بكم وقعة- لا يكون يوم الجمل عندها إلا كلعقة لاعق- و إني لظان ألا تجعلوا إن شاء الله على أنفسكم سبيلا- و قد قدمت هذا الكتاب إليكم حجة عليكم- و لن أكتب إليكم من بعده كتابا- إن أنتم استغششتم نصيحتي و نابذتم رسولي- حتى أكون أنا الشاخص نحوكم إن شاء الله تعالى و السلام- .

قال فلما قرئ الكتاب على الناس- قام صبرة بن شيمان فقال سمعنا و أطعنا- و نحن لمن حارب أمير المؤمنين حرب و لمن سالم سلم- إن كفيت يا جارية قومك بقومك فذاك- و إن أحببت أن ننصرك نصرناك- . و قام وجوه الناس فتكلموا بمثل ذلك و نحوه- فلم يأذن لأحد منهم أن يسير معه و مضى نحو بني تميم- . فقام زياد في الأزد فقال- يا معشر الأزد- إن هؤلاء كانوا أمس سلما فأصبحوا اليوم حربا- و إنكم كنتم حربا فأصبحتم سلما- و إني و الله ما اخترتكم إلا على التجربة- و لا أقمت فيكم إلا على الأمل- فما رضيتم أن أجرتموني- حتى نصبتم لي منبرا و سريرا- و جعلتم لي شرطا و أعوانا و مناديا و جمعة- فما فقدت بحضرتكم شيئا إلا هذا الدرهم لا أجبيه اليوم- فإن لم أجبه اليوم أجبه غدا إن شاء الله- و اعلموا أن حربكم اليوم معاوية- أيسر عليكم في الدنيا و الدين من حربكم أمس عليا- و قد قدم عليكم جارية بن قدامة- و إنما أرسله علي‏ ليصدع أمر قومه و الله ما هو بالأمير المطاع- و لو أدرك أمله في قومه لرجع إلى أمير المؤمنين- أو لكان لي تبعا و أنتم الهامة العظمى- و الجمرة الحامية فقدموه إلى قومه- فإن اضطر إلى نصركم فسيروا إليه إن رأيتم ذلك- .

فقام أبو صبرة شيمان فقال يا زياد- إني و الله لو شهدت قومي يوم الجمل- رجوت ألا يقاتلوا عليا و قد مضى الأمر بما فيه- و هو يوم بيوم و أمر بأمر- و الله إلى الجزاء بالإحسان- أسرع منه إلى الجزاء بالسيئ- و التوبة مع الحق و العفو مع الندم- و لو كانت هذه فتنة لدعونا القوم إلى إبطال الدماء- و استئناف الأمور و لكنها جماعة دماؤها حرام- و جروحها قصاص و نحن معك نحب ما أحببت- .

فعجب زياد من كلامه و قال ما أظن في الناس مثل هذا- . ثم قام صبرة ابنه فقال- إنا و الله ما أصبنا بمصيبة في دين و لا دنيا- كما أصبنا أمس يوم الجمل و إنا لنرجو اليوم- أن نمحص ذلك بطاعة الله و طاعة أمير المؤمنين- و أما أنت يا زياد فو الله ما أدركت أملك فينا- و لا أدركنا أملنا فيك دون ردك إلى دارك- و نحن رادوك إليها غدا إن شاء الله تعالى- فإذا فعلنا فلا يكن أحد أولى بك منا- فإنك إلا تفعل لم تأت ما يشبهك- و إنا و الله نخاف من حرب علي في الآخرة- ما لا نخاف من حرب معاوية في الدنيا- فقدم هواك و أخر هوانا فنحن معك و طوعك- . ثم قام خنقر الحماني فقال أيها الأمير- إنك لو رضيت منا بما ترضى به من غيرنا- لم نرض ذلك لأنفسنا سر بنا إلى القوم إن شئت- و ايم الله ما لقينا قوما قط- إلا اكتفينا بعفونا دون جهدنا إلا ما كان أمس- .

قال إبراهيم فأما جارية فإنه كلم قومه فلم يجيبوه- و خرج إليه منهم أوباش- فناوشوه بعد أن شتموه و أسمعوه- فأرسل إلى زياد و الأزد- يستصرخهم و يأمرهم أن يسيروا إليه- فسارت الأزد بزياد و خرج إليهم ابن الحضرمي- و على خيله عبد الله بن خازم السلمي فاقتتلوا ساعة- و أقبل شريك بن الأعور الحارثي- و كان من شيعة علي ع و صديقا لجارية بن قدامة فقال- أ لا أقاتل معك عدوك فقال بلى- فما لبثت بنو تميم أن هزموهم- و اضطروهم إلى دار سنبيل السعدي- فحصروا ابن الحضرمي و حدوه- فأتى رجل من بني تميم و معه عبد الله بن خازم السلمي- فجاءت أمه و هي سوداء حبشية اسمها عجلى فنادته- فأشرف عليها فقالت يا بني انزل إلي- فأبى فكشفت رأسها و أبدت قناعها- و سألته النزول فأبى فقالت و الله لتنزلن أو لأتعرين- و أهوت بيدها إلى ثيابها- فلما رأى ذلك نزل فذهبت به- و أحاط جارية و زياد بالدار و قال جارية علي بالنار- فقالت الأزد لسنا من الحريق بالنار في شي‏ء- و هم قومك و أنت أعلم فحرق جارية الدار عليهم- فهلك ابن الحضرمي في سبعين رجلا- أحدهم عبد الرحمن بن عمير بن عثمان القرشي التيمي- و سمي جارية منذ ذلك اليوم محرقا- و سارت الأزد بزياد حتى أوطنوه قصر الإمارة- و معه بيت المال و قالت له- هل بقي علينا من جوارك شي‏ء قال لا قالوا فبرئنا منه- فقال نعم فانصرفوا عنه- و كتب زياد إلى أمير المؤمنين ع- أما بعد فإن جارية بن قدامة العبد الصالح قدم من عندك- فناهض جمع ابن الحضرمي بمن نصره و أعانه من الأزد- ففضه و اضطره إلى دار من دور البصرة في عدد كثير من أصحابه- فلم يخرج حتى حكم الله تعالى بينهما- فقتل ابن الحضرمي و أصحابه- منهم من أحرق بالنار و منهم من ألقي عليه جدار- و منهم من هدم عليه البيت من أعلاه- و منهم من قتل بالسيف- و سلم‏ منهم نفر أنابوا و تابوا- فصفح عنهم و بعدا لمن عصى و غوى- و السلام على أمير المؤمنين و رحمة الله و بركاته- . فلما وصل كتاب زياد قرأه علي ع على الناس- و كان زياد قد أنفذه مع ظبيان بن عمارة- فسر علي ع بذلك و سر أصحابه- و أثنى على جارية و على الأزد و ذم البصرة-فقال إنها أول القرى خرابا أما غرقا و أما حرقا- حتى يبقى مسجدها كجؤجؤ سفينة- ثم قال لظبيان أين منزلك منها فقال مكان كذا فقال- عليك بضواحيها- . و قال ابن العرندس الأزدي يذكر تحريق ابن الحضرمي- و يعير تميما بذلك-

رددنا زيادا إلى داره
و جار تميم ينادي الشجب‏

لحا الله قوما شووا جارهم‏
لعمري لبئس الشواء الشصب‏

ينادي الخناق و أبناءها
و قد شيطوا رأسها باللهب‏

و الخناق لقب قوم بني تميم

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 4 

خطبه 54 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

54 و من كلام له ع- و قد استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال بصفين

أَمَّا قَوْلُكُمْ أَ كُلَّ ذَلِكَ كَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ- فَوَاللَّهِ مَا أُبَالِي- دَخَلْتُ إِلَى الْمَوْتِ أَوْ خَرَجَ الْمَوْتُ إِلَيَّ- وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ شَكّاً فِي أَهْلِ الشَّامِ- فَوَاللَّهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً- إِلَّا وَ أَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي- وَ تَعْشُوَ إِلَى ضَوْئِي- فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلَالِهَا- وَ إِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا من رواه أ كل ذلك بالنصب- فمفعول فعل مقدر أي تفعل كل ذلك- و كراهية منصوب لأنه مفعول له- و من رواه أ كل ذلك بالرفع- أجاز في كراهية الرفع و النصب- أما الرفع فإنه يجعل كل مبتدأ و كراهية خبره- و أما النصب فيجعلها مفعولا له- كما قلنا في الرواية الأولى- و يجعل خبر المبتدأ محذوفا- و تقديره أ كل هذا مفعول- أو تفعله كراهية للموت- ثم أقسم إنه لا يبالي أ تعرض هو للموت حتى يموت- أم جاءه الموت ابتداء من غير أن يتعرض له- . و عشا إلى النار يعشو- استدل عليها ببصر ضعيف- قال

متى تأته تعشو إلى ضوء ناره
تجد خير نار عندها خير موقد

و هذا الكلام استعارة شبه من عساه- يلحق به من أهل الشام بمن يعشو ليلا إلى النار- و ذلك لأن بصائر أهل الشام ضعيفة- فهم من الاهتداء بهداه ع- كمن يعشو ببصر ضعيف إلى النار في الليل- قال ذاك أحب إلي من أن أقتلهم على ضلالهم- و إن كنت لو قتلتهم على هذه الحالة لباءوا بآثامهم- أي رجعوا قال سبحانه- إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ أي ترجع

من أخبار يوم صفين

لما ملك أمير المؤمنين ع الماء بصفين- ثم سمح لأهل الشام بالمشاركة فيه و المساهمة- رجاء أن يعطفوا إليه و استمالة لقلوبهم- و إظهارا للمعدلة و حسن السيرة فيهم- مكث أياما لا يرسل إلى معاوية- و لا يأتيه من عند معاوية أحد- و استبطأ أهل العراق إذنه لهم في القتال- و قالوا يا أمير المؤمنين- خلفنا ذرارينا و نساءنا بالكوفة- و جئنا إلى أطراف الشام لنتخذها وطنا- ائذن لنا في القتال فإن الناس قد قالوا- قال لهم ع ما قالوا- فقال منهم قائل إن الناس يظنون- أنك تكره الحرب كراهية للموت- و إن من الناس من يظن أنك في شك من قتال أهل الشام-

فقال ع و متى كنت كارها للحرب قط- إن من العجب حبي لها غلاما و يفعا- و كراهيتي لها شيخا بعد نفاد العمر و قرب الوقت- و أما شكي في القوم فلو شككت فيهم- لشككت في أهل البصرة- و الله لقد ضربت هذا الأمر ظهرا و بطنا- فما وجدت يسعني إلا القتال أو أن أعصي الله و رسوله- و لكني أستأني بالقوم- عسى أن يهتدوا أو تهتدي منهم طائفة- فإن‏رسول الله ص قال لي يوم خيبر- لأن يهدي الله بك رجلا واحدا- خير لك مما طلعت عليه الشمس-.

قال نصر بن مزاحم حدثنا محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال فبعث علي ع إلى معاوية بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري- و سعيد بن قيس الهمداني- و شبث بن الربعي التميمي فقال- ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الله عز و جل- و إلى الطاعة و الجماعة و إلى اتباع أمر الله سبحانه- فقال له شبث يا أمير المؤمنين- أ لا تطمعه في سلطان توليه إياه- و منزلة يكون له بها أثره عندك إن هو بايعك- فقال ائتوه الآن و القوه و احتجوا عليه- و انظروا ما رأيه في هذا- . فأتوه فدخلوا عليه- فحمد أبو عمرو بن محصن الله و أثنى عليه و قال- أما بعد يا معاوية فإن الدنيا عنك زائلة- و إنك راجع إلى الآخرة- و إن الله مجازيك بعملك و محاسبك بما قدمت يداك- و إنني أنشدك الله ألا تفرق جماعة هذه الأمة- و ألا تسفك دماءها بينها- فقطع معاوية عليه الكلام و قال فهلا أوصيت صاحبك- فقال سبحان الله إن صاحبي لا يوصى إن صاحبي ليس مثلك- صاحبي أحق الناس بهذا الأمر في الفضل و الدين- و السابقة في الإسلام و القرابة من الرسول- قال معاوية فتقول ما ذا- قال أدعوك إلى تقوى ربك- و إجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق- فإنه أسلم لك في دينك و خير لك في عاقبة أمرك- قال و يطل دم عثمان لا و الرحمن لا أفعل ذلك أبدا- .

فذهب سعيد بن قيس يتكلم- فبدره شبث بن الربعي فحمد الله و أثنى عليه- ثم قال يا معاوية قد فهمت ما رددت على ابن محصن- إنه لا يخفى علينا ما تقر و ما تطلب- إنك لا تجد شيئا تستغوي به الناس- و لا شيئا تستميل به أهواءهم- و تستخلص به طاعتهم إلا أن قلت لهم- قتل إمامكم مظلوما فهلموا نطلب بدمه- فاستجاب لك سفهاء طغام رذال- و قد علمنا أنك أبطأت عنه بالنصر- و أحببت له القتل لهذه المنزلة التي تطلب- و رب مبتغ أمرا و طالب له يحول الله دونه- و ربما أوتي المتمني أمنيته و ربما لم يؤتها- و و الله ما لك في واحدة منهما خير- و الله لئن أخطأك ما ترجو أنك لشر العرب حالا- و لئن أصبت ما تتمناه لا تصيبه حتى تستحق صلى النار- فاتق الله يا معاوية و دع ما أنت عليه- و لا تنازع الأمر أهله- .

فحمد معاوية الله و أثنى عليه و قال- أما بعد فإن أول ما عرفت به سفهك و خفة حلمك- قطعك على هذا الحسيب الشريف سيد قومه منطقه- ثم عتبت بعد فيما لا علم لك به- و لقد كذبت و لؤمت أيها الأعرابي الجلف- الجافي في كل ما وصفت و ذكرت- انصرفوا من عندي فإنه ليس بيني و بينكم إلا السيف- . و غضب فخرج القوم و شبث يقول- أ علينا تهول بالسيف أما و الله لنجعلنه إليك- فأتوا عليا ع فأخبروه بالذي كان من قوله- و ذلك في شهر ربيع الآخر- . قال نصر و خرج قراء أهل العراق- و قراء أهل الشام فعسكروا ناحية صفين ثلاثين ألفا- .

قال و عسكر علي ع على الماء- و عسكر معاوية فوقه على الماء أيضا- و مشت القراء فيما بين علي ع و معاوية- منهم عبيدة السلماني- و علقمة بن قيس النخعي- و عبد الله بن عتبة- و عامر بن عبد القيس و قد كان في بعض تلك السواحل- فانصرف إلى عسكر علي ع فدخلوا على معاوية فقالوا- يا معاوية ما الذي تطلب قال أطلب بدم عثمان- قالوا ممن تطلب بدم عثمان قال أطلبه من علي- قالوا و علي قتله قال نعم هو قتله و آوى قتلته- فانصرفوا من عنده فدخلوا على علي ع- فقالوا إن معاوية يزعم أنك قتلت عثمان- قال اللهم لكذب فيما قال لم أقتله- . فرجعوا إلى معاوية فأخبروه- فقال لهم إنه إن لم يكن قتله بيده فقد أمر و مالأ- فرجعوا إلى علي فقالوا إن معاوية يزعم- أنك إن لم تكن قلت بيدك- فقد أمرت و مالأت على قتل عثمان- فقال اللهم لكذب فيما قال- فرجعوا إلى معاوية فقالوا إن عليا يزعم أنه لم يفعل- فقال معاوية إن كان صادقا فليقدنا من قتلة عثمان- فإنهم في عسكره و جنده و أصحابه و عضده- فرجعوا إلى علي ع- فقالوا إن معاوية يقول لك- إن كنت صادقا فادفع إلينا قتلة عثمان أو مكنا منهم- فقال لهم إن القوم تأولوا عليه القرآن- و وقعت الفرقة فقتلوه في سلطانه- و ليس على ضربهم قود فخصم علي معاوية- .

قلت على ضربهم هاهنا على مثلهم- يقال زيد ضرب عمرو و من ضربه- أي مثله و من صنفه- و لا أدري لم عدل ع عن الحجة بما هو أوضح من هذا الكلام- و هو أن يقول إن الذين باشروا قتله بأيديهم كانوا اثنين- و هما قتيرة بن وهب و سودان بن حمران- و كلاهما قتل يوم الدار قتلهما عبيد عثمان- و الباقون الذين هم جندي و عضدي‏ كما تزعمون- لم يقتلوا بأيديهم و إنما أغروا به- و حصروه و أجلبوا عليه و هجموا على داره- كمحمد بن أبي بكر و الأشتر و عمرو بن الحمق و غيرهم- و ليس على مثل هؤلاء قود- . قال نصر فقال لهم معاوية إن كان الأمر كما تزعمون- فلم ابتز الأمر دوننا على غير مشورة منا- و لا ممن هاهنا معنا- فقال علي ع إن الناس تبع المهاجرين و الأنصار- و هم شهود للمسلمين في البلاد على ولاتهم و أمراء دينهم- فرضوا بي و بايعوني- و لست أستحل أن أدع ضرب معاوية يحكم بيده على الأمة- و يركبهم و يشق عصاهم- . فرجعوا إلى معاوية فأخبروه بذلك-

فقال ليس كما يقول- فما بال من هاهنا من المهاجرين و الأنصار- لم يدخلوا في هذا الأمر و يؤامروا فيه- . فانصرفوا إلى علي ع فأخبروه بقوله فقال ويحكم- هذا للبدريين دون الصحابة- ليس في الأرض بدري إلا و قد بايعني و هو معي- أو قد قام و رضي فلا يغرنكم معاوية من أنفسكم و دينكم- . قال نصر فتراسلوا بذلك ثلاثة أشهر- ربيع الآخر و جماديين- و هم مع ذلك يفزعون الفزعة فيما بينهما- فيزحف بعضهم إلى بعض و تحجز القراء بينهم- . قال فزعوا في ثلاثة أشهر خمسا و ثمانين فزعة- كل فزعة يزحف بعضهم إلى بعض- و تحجز القراء بينهم لا يكون بينهم قتال- .

قال نصر و خرج أبو أمامة الباهلي و أبو الدرداء- فدخلا على معاوية و كانا معه فقالا يا معاوية علام تقاتل هذا الرجل- فو الله لهو أقدم منك إسلاما و أحق بهذاالأمر- و أقرب من رسول الله ص فعلام تقاتله- فقال أقاتله على دم عثمان و إنه آوى قتلته- فقولوا له فليقدنا من قتلته- و أنا أول من بايعه من أهل الشام- . فانطلقوا إلى علي ع فأخبروه بقول معاوية- فقال إنما يطلب الذين ترون- فخرج عشرون ألفا أو أكثر متسربلين الحديد- لا يرى منهم إلا الحدق فقالوا كلنا قتله- فإن شاءوا فليروموا ذلك منا- فرجع أبو أمامة و أبو الدرداء فلم يشهدا شيئا من القتال- . قال نصر حتى إذا كان رجب- و خشي معاوية أن يتابع القراء عليا ع أخذ في المكر- و أخذ يحتال للقراء لكيما يحجموا و يكفوا حتى ينظروا- . قال فكتب في سهم من عبد الله الناصح- إني أخبركم أن معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات- فيغرقكم فخذوا حذركم- ثم رمى بالسهم في عسكر علي ع- فوقع السهم في يد رجل فقرأه ثم أقرأه صاحبه- فلما قرأه و قرأته الناس و أقرأه من أقبل و أدبر- قالوا هذا أخ لنا ناصح- كتب إليكم يخبركم بما أراد معاوية- فلم يزل السهم يقرأ و يرتفع حتى رفع إلى علي ع- و قد بعث معاوية مائتي رجل من العملة إلى عاقول من النهر- بأيديهم المرور و الزبل يحفرون فيها بحيال عسكر علي ع- فقال علي ع ويحكم إن الذي يعالج معاوية لا يستقيم له و لا يقوى عليه- إنما يريد أن يزيلكم عن مكانكم فانتهوا عن ذلك- فقالوا له لا ندعهم و الله يحفرون- فقال علي ع لا تكونوا ضعفى ويحكم لا تغلبوني على رأيي- فقالوا و الله لنرتحلن فإن شئت فارتحل و إن شئت فأقم- فارتحلوا و صعدوا بعسكرهم مليا- و ارتحل علي ع في أخريات الناس- و هو يقول‏

فلو أني أطعت عصمت قومي
إلى ركن اليمامة أو شمام‏

و لكني متى أبرمت أمرا
منيت بخلف آراء الطغام‏

قال و ارتحل معاوية حتى نزل معسكر علي ع الذي كان فيه- فدعا علي ع الأشتر- فقال أ لم تغلبني على رأيي أنت و الأشعث فدونكما- فقال الأشعث أنا أكفيك يا أمير المؤمنين- سأداوي ما أفسدت اليوم من ذلك- فجمع كندة فقال لهم يا معشر كندة- لا تفضحوني اليوم و لا تخزوني- فإني إنما أقارع بكم أهل الشام- فخرجوا معه رجاله يمشون- و بيده رمح له يلقيه على الأرض- و يقول امشوا قيد رمحي هذا فيمشون- فلم يزل يقيس لهم الأرض برمحه و يمشون معه رجاله- حتى لقي معاوية وسط بني سليم واقفا على الماء- و قد جاءه أداني عسكره- فاقتتلوا قتالا شديدا على الماء ساعة- و انتهى أوائل أهل العراق فنزلوا- و أقبل الأشتر في خيل من أهل العراق- فحمل على معاوية و الأشعث يحارب في ناحية أخرى- فانحاز معاوية في بني سليم- فرد وجوه إبله قدر ثلاثة فراسخ- ثم نزل و وضع أهل الشام أثقالهم- و الأشعث يهدر و يقول أرضيتك يا أمير المؤمنين- ثم تمثل بقول طرفة بن العبد-

ففداء لبني سعد على
ما أصاب الناس من خير و شر

ما أقلت قدماي إنهم‏
نعم الساعون في الحي الشطر

و لقد كنت عليكم عاتبا
فعقبتم بذنوب غير مر

كنت فيكم كالمغطى رأسه
فانجلى اليوم قناعي و خمر

سادرا أحسب غيي رشدا
فتناهيت و قد صابت بقر

و قال الأشتر- يا أمير المؤمنين قد غلب الله لك على الماء- فقال علي ع أنتما كما قال الشاعر-

تلاقين قيسا و أشياعه
فيوقد للحرب نارا فنارا

أخو الحرب إن لقحت بازلا
سما للعلا و أجل الخطارا

قال نصر فكان كل واحد من علي و معاوية- يخرج الرجل الشريف في جماعة فيقاتل مثله- و كانوا يكرهون- أن يتزاحفوا بجميع الفيلق مخافة الاستئصال و الهلاك- فاقتتل الناس ذا الحجة كله- فلما انقضى تداعوا إلى أن يكف بعضهم عن بعض- إلى أن ينقضي المحرم- لعل الله أن يجري صلحا أو إجماعا- فكف الناس في المحرم بعضهم عن بعض- .

قال نصر حدثنا عمر بن سعد- عن أبي المجاهد عن المحل بن خليفة قال- لما توادعوا في المحرم- اختلفت الرسل فيما بين الرجلين رجاء الصلح- فأرسل علي ع إلى معاوية عدي بن حاتم الطائي- و شبث بن ربعي التميمي و يزيد بن قيس و زياد بن خصفة- فلما دخلوا عليه- حمد الله تعالى عدي بن حاتم الطائي و أثنى عليه ثم قال- أما بعد فإنا أتيناك لندعوك إلى أمر- يجمع الله فيه كلمتنا و أمتنا و يحقن به دماءالمسلمين- ندعوك إلى أفضل الناس سابقة- و أحسنهم في الإسلام آثارا و قد اجتمع إليه الناس- و قد أرشدهم الله بالذي رأوا و أتوا- فلم يبق أحد غيرك و غير من معك- فانته يا معاوية- من قبل أن يصيبك الله و أصحابك بمثل يوم الجمل- .

فقال له معاوية كأنك إنما جئت مهددا و لم تأت مصلحا- هيهات يا عدي إني لابن حرب ما يقعقع لي بالشنان- أما و الله إنك من المجلبين على عثمان- و إنك لمن قتلته و إني لأرجو أن تكون ممن يقتله الله- . فقال له شبث بن ربعي و زياد بن خصفة- و تنازعا كلاما واحدا أتيناك فيما يصلحنا و إياك- فأقبلت تضرب لنا الأمثال- دع ما لا ينفع من القول و الفعل- و أجبنا فيما يعمنا و إياك نفعه- .

و تكلم يزيد بن قيس الأرحبي- فقال إنا لم نأتك إلا لنبلغك ما بعثنا به إليك- و لنؤدي عنك ما سمعنا منك و لم ندع أن ننصح لك- و أن نذكر ما ظننا أن لنا عليك به حجة- أو أنه راجع بك إلى الألفة و الجماعة- إن صاحبنا من قد عرفت و عرف المسلمون فضله- و لا أظنه يخفى عليك- إن أهل الدين و الفضل لا يعدلونك بعلي- و لا يميلون بينك و بينه- فاتق الله يا معاوية و لا تخالف عليا- فإنا و الله ما رأينا رجلا قط أعمل بالتقوى- و لا أزهد في الدنيا و لا أجمع لخصال الخير كلها منه- . فحمد الله معاوية و أثنى عليه- و قال أما بعد فإنكم دعوتم إلى الجماعة و الطاعة- فأما الجماعة التي دعوتم إليها فنعما هي- و أما الطاعة لصاحبكم فإنا لا نراها- إن صاحبكم قتل خليفتنا- و فرق جماعتنا و آوى ثأرنا و قتلتنا- و صاحبكم يزعم أنه لم يقتله- فنحن‏ لا نرد ذلك عليه أ رأيتم قتلة صاحبنا- أ لستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم- فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به- و نحن نجيبكم إلى الطاعة و الجماعة- .

فقال له شبث بن ربعي أ يسرك بالله يا معاوية- إن أمكنت من عمار بن ياسر فقتلته- قال و ما يمنعني من ذلك- و الله لو أمكنني صاحبكم من ابن سمية ما قتلته بعثمان- و لكني كنت أقتله بنائل مولى عثمان- . فقال شبث و إله السماء ما عدلت معدلا- و لا و الذي لا إله إلا هو- لا تصل إلى قتل ابن ياسر حتى تندر الهام عن كواهل الرجال- و تضيق الأرض الفضاء عليك برحبها- . فقال معاوية إنه إذا كان ذلك كانت عليك أضيق- . ثم رجع القوم عن معاوية- فبعث إلى زياد بن خصفة من بينهم فأدخل عليه- فحمد معاوية الله و أثنى عليه- ثم قال أما بعد يا أخا ربيعة فإن عليا قطع أرحامنا- و قتل إمامنا و آوى قتلة صاحبنا- و إني أسألك النصرة بأسرتك و عشيرتك- و لك علي عهد الله و ميثاقه إذا ظهرت- أن أوليك أي المصرين أحببت- .

قال أبو المجاهد- فسمعت زياد بن خصفة يحدث بهذا الحديث- . قال فلما قضى معاوية كلامه حمدت الله و أثنيت عليه- ثم قلت أما بعد فإني لعلى بينة من ربي و بما أنعم علي- فلن أكون ظهيرا للمجرمين ثم قمت- . فقال معاوية لعمرو بن العاص و كان إلى جانبه- ما لهم عضبهم الله ما قلبهم إلا قلب رجل واحد- . قال نصر و حدثنا سليمان بن أبي راشد- عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود-

قال بعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري- إلى علي بن أبي طالب ع- و بعث معه شرحبيل بن السمط- و معن بن يزيد بن الأخنس السلمي- فدخلوا على علي ع فتكلم حبيب بن مسلمة- فحمد الله و أثنى عليه- و قال أما بعد فإن عثمان بن عفان كان خليفة مهديا- يعمل بكتاب الله و يثيب إلى أمر الله- فاستسقلتم حياته و استبطأتم وفاته- فعدوتم عليه فقتلتموه- فادفع إلينا قتلة عثمان نقتلهم به- فإن قلت إنك لم تقتله فاعتزل أمر الناس- فيكون أمرهم هذا شورى بينهم- يولي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم- . فقال له علي و ما أنت لا أم لك و الولاية- و العزل و الدخول في هذا الأمر- اسكت فإنك لست هناك و لا بأهل لذاك- فقام حبيب بن مسلمة و قال أما و الله لتريني حيث تكره- فقال له ع و ما أنت و لو أجلبت بخيلك و رجلك- اذهب فصوب و صعد ما بدا لك- فلا أبقى الله عليك إن أبقيت- .

فقال شرحبيل بن السمط- إن كلمتك فلعمري ما كلامي لك إلا نحو كلام صاحبي- فهل لي عندك جواب غير الجواب الذي أجبته به- فقال نعم قال فقله-فحمد الله علي ع و أثنى عليه- ثم قال أما بعد- فإن الله سبحانه بعث محمدا ص فأنقذ به من الضلالة- و نعش به من الهلكة و جمع به بعد الفرقة- ثم قبضه الله إليه و قد أدى ما عليه- فاستخلف الناس أبا بكر ثم استخلف أبو بكر عمر- فأحسنا السيرة و عدلا في الأمة- و وجدناعليهما أن توليا الأمر دوننا- و نحن آل الرسول و أحق بالأمر فغفرنا ذلك لهما- ثم ولي أمر الناس عثمان- فعمل بأشياء عابها الناس عليه- فسار إليه ناس فقتلوه- ثم أتاني الناس و أنا معتزل أمرهم- فقالوا لي بايع فأبيت عليهم- فقالوا لي بايع فإن الأمة لا ترضى إلا بك- و إنا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس- فبايعتهم فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعا- و خلاف معاوية إياي الذي لم يجعل الله له سابقة في الدين- و لا سلف صدق في الإسلام طليق ابن طليق و حزب من الأحزاب- لم يزل لله و لرسوله و للمسلمين عدوا هو و أبوه- حتى دخلا في الإسلام كارهين مكرهين- فيا عجبا لكم و لإجلابكم معه و انقيادكم له- و تدعون آل بيت نبيكم- الذين لا ينبغي لكم شقاقهم و لا خلافهم- و لا تعدلوا بهم أحدا من الناس- إني أدعوكم إلى كتاب ربكم و سنة نبيكم- و إماتة الباطل و إحياء معالم الدين أقول قولي هذا- و أستغفر الله لنا و لكل مؤمن و مؤمنة و مسلم و مسلمة.

فقال له شرحبيل و معن بن يزيد- أ تشهد أن عثمان قتل مظلوما- فقال لهما إني لا أقول ذلك- قالا فمن لم يشهد أن عثمان قتل مظلوما فنحن برآء منه- ثم قاما فانصرفا- .

فقال علي ع إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى‏- وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ- وَ ما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ- إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ- ثم أقبل على أصحابه- فقال لا يكن هؤلاء في ضلالتهم بأولى- بالجد منكم في حقكم و طاعة إمامكم- ثم مكث الناس متوادعين إلى انسلاخ المحرم- فلما انسلخ المحرم- و استقبل الناس صفرا من سنة سبع و ثلاثين- بعث علي ع نفرا من أصحابه- حتى إذا كانوامن معسكر معاوية بحيث يسمعونهم الصوت- قام مرثد بن الحارث الجشمي فنادى عند غروب الشمس- يا أهل الشام إن أمير المؤمنين عليا- و أصحاب رسول الله ص يقولون لكم- إنا لم نكف عنكم شكا في أمركم و لا إبقاء عليكم- و إنما كففنا عنكم لخروج المحرم و قد انسلخ- و إنا قد نبذنا إليكم على سواء إن الله لا يحب الخائنين- .

قال فتحاجز الناس و ثاروا إلى أمرائهم- . قال نصر فأما رواية عمرو بن شمر عن جابر عن أبي الزبير- أن نداء مرثد بن الحارث الجشمي كانت صورته- يا أهل الشام ألا إن أمير المؤمنين يقول لكم- إني قد استدمتكم و استأنيت بكم- لتراجعوا الحق و تثوبوا إليه- و احتججت عليكم بكتاب الله و دعوتكم إليه- فلم تتناهوا عن طغيان و لم تجيبوا إلى حق- و إني قد نبذت إليكم على سواء إن الله لا يحب الخائنين- . قال فثار الناس إلى أمرائهم و رؤسائهم- . قال نصر و خرج معاوية و عمرو بن العاص- يكتبان الكتائب و يعبيان العساكر- و أوقدوا النيران و جاءوا بالشموع- و بات علي ع تلك الليلة كلها- يعبئ الناس و يكتب الكتائب- و يدور في الناس و يحرضهم- .

قال نصر حدثنا عمر بن سعد بإسناده عن عبد الله بن جندب عن أبيه أن عليا ع كان يأمرنا في كل موطن لقينا معه عدوه- فيقول‏ لا تقاتلوا القوم حتى يبدءوكم- فهي حجة أخرى لكم عليهم- فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا- و لا تجهزوا على جريح و لا تكشفوا عورة و لا تمثلوا بقتيل- فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا- و لا تدخلوا دارا إلا بإذن- و لا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم- و لا تهيجوا امرأة و إن شتمن أعراضكم- و تناولن أمراءكم و صلحاءكم- فإنهن ضعاف القوى و الأنفس و العقول- و لقد كنا و إنا لنؤمر بالكف عنهن و هن مشركات- و إن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية- بالهراوة أو الحديد فيعير بها عقبه من بعده.

قال نصر و حدثنا عمر بن سعد عن إسماعيل بن يزيد يعني ابن أبي خالد عن أبي صادق أن عليا ع حرض الناس في حروبه- فقال عباد الله اتقوا الله و غضوا أبصاركم- و اخفضوا الأصوات و أقلوا الكلام- و وطنوا أنفسكم على المنازلة- و المجاولة و المبارزة و المعانقة- و فَاثْبُتُوا وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ- وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ- وَ اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ- اللهم ألهمهم الصبر- و أنزل عليهم النصر و أعظم لهم الأجر- .

قال نصر و كان ترتيب عسكر علي ع- بموجب ما رواه لنا عمرو بن شمر عن جابر- عن محمد بن علي و زيد بن حسن و محمد بن عبد المطلب- أنه جعل على الخيل عمار بن ياسر- و على الرجالة عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي- و دفع اللواءإلى هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري- و جعل على الميمنة الأشعث بن قيس- و على الميسرة عبد الله بن العباس- و جعل على رجالة الميمنة سليمان بن صرد الخزاعي- و على رجالة الميسرة الحارث بن مرة العبدي- و جعل القلب مضر الكوفة و البصرة- و جعل على ميمنة القلب اليمن و على ميسرته ربيعة- و عقد ألوية القبائل فأعطاها قوما منهم بأعيانهم- و جعلهم رؤساءهم و أمراءهم- و جعل على قريش و أسد و كنانة عبد الله بن عباس- و على كندة حجر بن عدي الكندي- و على بكر البصرة الحصين بن المنذر الرقاشي- و على تميم البصرة الأحنف بن قيس- و على خزاعة عمرو بن الحمق- و على بكر الكوفة نعيم بن هبيرة- و على سعد البصرة و ربابها جارية بن قدامة السعدي- و على بجيلة رفاعة بن شداد- و على ذهل الكوفة رويما الشيباني أو يزيد بن رويم- و على عمرو البصرة و حنظلتها أعين بن ضبيعة- و على قضاعة و طيئ عدي بن حاتم الطائي- و على لهازم الكوفة عبد الله بن حجل العجلي- و على تميم الكوفة عمير بن عطارد- و على الأزد و اليمن جندب بن زهير- و على ذهل البصرة خالد بن المعمر السدوسي- و على عمرو الكوفة و حنظلتها شبث بن ربعي- و على همدان سعيد بن قيس- و على لهازم البصرة حريث بن جابر الجعفي- و على سعد الكوفة و ربابها الطفيل أبا صريمة- و على مذحج الأشتر بن الحارث النخعي- و على عبد القيس الكوفة صعصعة بن صوحان- و على عبد القيس البصرة عمرو بن حنظلة- و على قيس الكوفة عبد الله بن الطفيل البكائي- و على قريش البصرة الحارث بن نوفل الهاشمي- و على قيس البصرة قبيصة بن شداد الهلالي- و على اللفيف من القواصي القاسم بن حنظلة الجهني- .

و أما معاوية- فاستعمل على الخيل عبيد الله بن عمر بن الخطاب- و على الرجالة مسلم بن عقبة المري- و جعل على الميمنة عبد الله بن عمرو بن العاص- و على الميسرة حبيب‏ بن مسلمة الفهري- و أعطى اللواء عبد الرحمن بن خالد بن الوليد- و جعل على أهل دمشق و هم القلب الضحاك بن قيس الفهري- و على أهل حمص و هم الميمنة ذا الكلاع الحميري- و على أهل قنسرين- و هم في الميمنة أيضا زفر بن الحارث الكلابي- و على أهل الأردن و هم الميسرة سفيان بن عمرو أبا الأعور السلمي- و على أهل فلسطين و هم في الميسرة أيضا مسلمة بن مخلد- و على رجالة أهل دمشق- بسر بن أبي أرطاة العامري بن لؤي بن غالب- و على رجالة أهل حمص حوشبا ذا ظليم- و على رجالة قيس طريف بن حابس الألهاني- و على رجالة الأردن عبد الرحمن بن قيس القيني- و على رجالة أهل فلسطين الحارث بن خالد الأزدي- و على رجالة قيس دمشق همام بن قبيصة- و على قضاعة حمص و إيادها بلال بن أبي هبيرة الأزدي- و حاتم بن المعتمر الباهلي- و على رجالة الميمنة حابس بن سعيد الطائي- و على قضاعة دمشق حسان بن بحدل الكلبي- و على قضاعة عباد بن يزيد الكلبي- و على كندة دمشق حسان بن حوي السكسكي- و على كندة حمص يزيد بن هبيرة السكوني- و على سائر اليمن يزيد بن أسد البجلي- و على حمير و حضرموت اليمان بن غفير- و على قضاعة الأردن حبيش بن دلجة القيني- و على كنانة فلسطين شريكا الكناني- و على مذحج الأردن المخارق بن الحارث الزبيدي- و على جذام فلسطين و لخمها ناتل بن قيس الجذامي- و على همدان الأردن حمزة بن مالك الهمداني- و على الخثعم حمل بن عبد الله الخثعمي- و على غسان الأردن يزيد بن الحارث- و على جميع القواصي القعقاع بن أبرهة الكلاعي- أصيب في المبارزة أول يوم تراءت فيه الفئتان- .

قال نصر فأما رواية الشعبي التي- رواها عنه إسماعيل بن أبي عميرة- فإن علياع بعث على ميمنته- عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي- و على ميسرته عبد الله بن العباس- و على خيل الكوفة الأشتر- و على البصرة سهل بن حنيف- و على رجالة الكوفة عمار بن ياسر- و على رجالة أهل البصرة قيس بن سعد- كان قد أقبل من مصر إلى صفين و جعل معه هاشم بن عتبة- و جعل مسعود بن فدكي التميمي على قراء أهل البصرة- و أما قراء أهل الكوفة- فصاروا إلى عبد الله بن بديل و عمار بن ياسر- .

قال نصر و أما ترتيب عسكر الشام- فيما رواه لنا عمر بن سعد عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر- عن القاسم مولى يزيد بن معاوية- فإن معاوية بعث على ميمنته ذا الكلاع- و على ميسرته حبيب بن مسلمة الفهري- و على مقدمته من يوم أقبل من دمشق أبا الأعور السلمي- و كان على خيل دمشق كلها عمرو بن العاص- و معه خيول أهل الشام بأسرها- و جعل مسلم بن عقبة المري على رجالة دمشق- و الضحاك بن قيس على سائر الرجالة بعد- .

قال نصر و تبايع رجال من أهل الشام على الموت- و تحالفوا عليه و عقلوا أنفسهم بالعمائم- و كانوا صفوفا خمسة معقلين- كانوا يخرجون فيصطفون أحد عشر صفا- و يخرج أهل العراق فيصطفون أحد عشر صفا أيضا- . قال نصر فخرجوا أول يوم من صفر من سنة سبع و ثلاثين- و هو يوم الأربعاء فاقتتلوا- و على من خرج يومئذ من أهل الكوفة الأشتر- و على أهل الشام حبيب بن مسلمة-فاقتتلوا قتالا شديدا جل النهار- ثم تراجعوا و قد انتصف بعضهم من بعض- ثم خرج في اليوم الثاني هاشم بن عتبة في خيل- و رجال حسن عددها و عدتها- فخرج إليه من أهل الشام أبو الأعور السلمي- فاقتتلوا يومهم ذلك- تحمل الخيل على الخيل و الرجال على الرجال- .

ثم انصرفوا و قد صبر القوم بعضهم لبعض- و خرج في اليوم الثالث عمار بن ياسر- و خرج إليه عمرو بن العاص- فاقتتل الناس كأشد قتال كان- و جعل عمار يقول يا أهل الشام- أ تريدون أن تنظروا إلى من عادى الله و رسوله و جاهدهما- و بغى على المسلمين و ظاهر المشركين- فلما أراد الله أن يظهر دينه- و ينصر رسوله أتى إلى النبي ص فأسلم- و هو و الله فيما يرى راهب غير راغب- ثم قبض الله رسوله- و إنا و الله لنعرفه بعداوة المسلم و مودة المجرم- ألا و إنه معاوية فقاتلوه و العنوه- فإنه ممن يطفئ نور الله و يظاهر أعداء الله- .

قال و كان مع عمار زياد بن النضر على الخيل- فأمره أن يحمل في الخيل فحمل فصبروا له- و شد عمار في الرجالة- فأزال عمرو بن العاص عن موقفه- و بارز يومئذ زياد بن النضر أخا له من بني عامر- يعرف بمعاوية بن عمرو العقيلي و أمهما هند الزبيدية- فانصرف كل واحد منهما عن صاحبه بعد المبارزة سالما- و رجع الناس يومهم ذلك- .

قال نصر و حدثني أبو عبد الرحمن المسعودي قال حدثني يونس بن الأرقم عمن حدثه من شيوخ بكر بن وائل قال كنا مع علي ع بصفين- فرفع عمرو بن العاص شقة خميصة سوداء في رأس رمح- فقال ناس هذا لواء عقده له رسول الله ص- فلم يزالوا يتحدثون حتى وصل ذلك إلى علي ع- فقال‏ أ تدرون ما أمر هذا اللواء- إن عدو الله عمرا أخرج له رسول الله ص هذه الشقة- فقال من يأخذها بما فيها- فقال عمرو و ما فيها يا رسول الله قال- فيها ألا تقاتل بها مسلما و لا تقربها من كافر فأخذها- فقد و الله قربها من المشركين- و قاتل بها اليوم المسلمين- و الذي فلق الحبة و برأ النسمة- ما أسلموا و لكنهم استسلموا و أسروا الكفر- فلما وجدوا عليه أعوانا أظهروه.

و روى نصر عن أبي عبد الرحمن المسعودي عن يونس بن الأرقم عن عوف بن عبد الله عن عمرو بن هند البجلي عن أبيه قال لما نظر علي ع إلى رايات معاوية و أهل الشام قال- و الذي فلق الحبة و برأ النسمة- ما أسلموا و لكن استسلموا و أسروا الكفر- فلما وجدوا عليه أعوانا رجعوا إلى عداوتهم لنا- إلا أنهم لم يتركوا الصلاة.

و روى نصر عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت- قال لما كان قتال صفين قال رجل لعمار يا أبا اليقظان- أ لم يقل رسول الله ص قاتلوا الناس حتى يسلموا- فإذا أسلموا عصموا مني دماءهم و أموالهم- قال بلى و لكن و الله ما أسلموا و لكن استسلموا- و أسروا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا- .

و روى نصر عن عبد العزيز عن حبيب بن أبي ثابت- عن منذر الثوري قال قال محمد بن الحنفية- لما أتاهم رسول الله ص من أعلى الوادي و من أسفله-و ملأ الأودية كتائب يعني يوم فتح مكة- استسلموا حتى وجدوا أعوانا- .

و روى نصر عن الحكم بن ظهير عن إسماعيل عن الحسن قال و حدثنا الحكم أيضا عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ص إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطب على منبري- فاضربوا عنقه- فقال الحسن فو الله ما فعلوا و لا أفلحوا

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن‏ أبي ‏الحديد) ج 4 

خطبه 53 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

53 و من كلام له ع في ذكر البيعة- :

فَتَدَاكُّوا عَلَيَّ تَدَاكَّ الْإِبِلِ الْهِيمِ يَوْمَ وِرْدِهَا- وَ قَدْ أَرْسَلَهَا رَاعِيهَا وَ خُلِعَتْ مَثَانِيهَا- حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ أَوْ بَعْضُهُمْ قَاتِلُ بَعْضٍ لَدَيَّ- وَ قَدْ قَلَّبْتُ هَذَا الْأَمْرَ بَطْنَهُ وَ ظَهْرَهُ حَتَّى مَنَعَنِي النَّوْمَ- فَمَا وَجَدْتُنِي يَسَعُنِي إِلَّا قِتَالُهُمْ- أَوِ الْجُحُودُ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ص- فَكَانَتْ مُعَالَجَةُ الْقِتَالِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مُعَالَجَةِ الْعِقَابِ- وَ مَوْتَاتُ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مَوْتَاتِ الآْخِرَةِ تداكوا ازدحموا و الهيم العطاش- و يوم وردها يوم شربها الماء- و المثاني الحبال- جمع مثناة و مثناة بالفتح و الكسر و هو الحبل- . و جهاد البغاة واجب على الإمام إذا وجد أنصارا- فإذا أخل بذلك أخل بواجب و استحق العقاب- . فإن قيل-إنه ع قال لم يسعني إلا قتالهم أو الجحود بما جاء به محمد ص- فكيف يكون تارك الواجب جاحدا لما جاء به النبي ص- . قيل إنه في حكم الجاحد لأنه مخالف و عاص- لا سيما على مذهبنا- في أن تارك الواجب يخلد في النار و إن لم يجحد النبوة

بيعة علي و أمر المتخلفين عنها

اختلف الناس في بيعة أمير المؤمنين ع- فالذي عليه أكثر الناس و جمهور أرباب السير- أن طلحة و الزبير بايعاه طائعين غير مكرهين- ثم تغيرت عزائمهما و فسدت نياتهما و غدرا به- . و قال الزبيريون منهم عبد الله بن مصعب- و الزبير بن بكار و شيعتهم- و من وافق قولهم من بني تيم بن مرة- أرباب العصبية لطلحة إنهما بايعا مكرهين- و إن الزبير كان يقول بايعت و اللج على قفي- و اللج سيف الأشتر و قفي لغة هذلية- إذا أضافوا المقصور إلى أنفسهم قلبوا الألف ياء- و أدغموا إحدى الياءين في الأخرى فيقولون- قد وافق ذلك هوي أي هواي- و هذه عصي أي عصاي- . و ذكر صاحب كتاب الأوائل- أن الأشتر جاء إلى علي ع حين قتل عثمان- فقال قم فبايع الناس فقد اجتمعوا لك و رغبوا فيك- و الله لئن نكلت عنها لتعصرن عليها عينيك مرة رابعة- فجاء حتى دخل بئر سكن و اجتمع الناس- و حضر طلحة و الزبير لا يشكان أن الأمر شورى- فقال الأشتر أ تنتظرون أحدا- قم يا طلحة فبايع فتقاعس- فقال قم يا ابن الصعبة و سل سيفه- فقام طلحة يجر رجله حتى بايع- فقال قائل أول من بايعه أشل لا يتم أمره ثم لا يتم- قال قم يا زبير- و الله لا ينازع أحد إلا و ضربت قرطة بهذا السيف- فقام الزبير فبايع ثم انثال الناس عليه فبايعوا- . و قيل أول من بايعه الأشتر- ألقى خميصة كانت عليه و اخترط سيفه- و جذب يد علي ع فبايعه- و قال للزبير و طلحة قوما فبايعا- و إلا كنتما الليلة عند عثمان- فقاما يعثران في ثيابهما لا يرجوان نجاة- حتى صفقا بأيديهما على يده ثم قام بعدهما البصريون-و أولهم عبد الرحمن بن عديس البلوي فبايعوا- و قال له عبد الرحمن-

خذها إليك و اعلمن أبا حسن
أنا نمر الأمر إمرار الرسن‏

و قد ذكرنا نحن في شرح الفصل الذي فيه- أن الزبير أقر بالبيعة و ادعى الوليجة- أن بيعة أمير المؤمنين لم تقع- إلا عن رضا جميع أهل المدينة- أولهم طلحة و الزبير- و ذكرنا في ذلك ما يبطل رواية الزبير- . و ذكر أبو مخنف في كتاب الجمل- أن الأنصار و المهاجرين اجتمعوا في مسجد رسول الله ص- لينظروا من يولونه أمرهم حتى غص المسجد بأهله- فاتفق رأي عمار و أبي الهيثم بن التيهان- و رفاعة بن رافع و مالك بن عجلان- و أبي أيوب خالد بن يزيد- على إقعاد أمير المؤمنين ع في الخلافة- و كان أشدهم تهالكا عليه عمار- فقال لهم أيها الأنصار- قد سار فيكم عثمان بالأمس بما رأيتموه- و أنتم على شرف من الوقوع في مثله إن لم تنظروا لأنفسكم- و إن عليا أولى الناس بهذا الأمر لفضله و سابقته- فقالوا رضينا به حينئذ- و قالوا بأجمعهم لبقية الناس من الأنصار و المهاجرين- أيها الناس إنا لن نألوكم خيرا و أنفسنا إن شاء الله- و إن عليا من قد علمتم- و ما نعرف مكان أحد أحمل لهذا الأمر منه و لا أولى به- فقال الناس بأجمعهم قد رضينا- و هو عندنا ما ذكرتم و أفضل- .

و قاموا كلهم فأتوا عليا ع- فاستخرجوه من داره و سألوه بسط يده- فقبضها فتداكوا عليه تداك الإبل الهيم على وردها- حتى كاد بعضهم يقتل بعضا- فلما رأى منهم ما رأى- سألهم أن تكون بيعته في المسجد ظاهرة للناس- و قال إن كرهني رجل واحد من الناس لم أدخل في هذا الأمر- . فنهض الناس معه حتى دخل المسجد- فكان أول من بايعه طلحة- فقال قبيصة بن ذؤيب الأسدي تخوفت ألا يتم له أمره- لأن أول يد بايعته شلاء ثم بايعه الزبير-و بايعه المسلمون بالمدينة إلا محمد بن مسلمة و عبد الله بن عمر- و أسامة بن زيد و سعد بن أبي وقاص- و كعب بن مالك و حسان بن ثابت و عبد الله بن سلام- .

فأمر بإحضار عبد الله بن عمر فقال له بايع- قال لا أبايع حتى يبايع جميع الناس- فقال له ع فأعطني حميلا ألا تبرح- قال و لا أعطيك حميلا- فقال الأشتر يا أمير المؤمنين- إن هذا قد أمن سوطك و سيفك فدعني أضرب عنقه- فقال لست أريد ذلك منه على كره خلوا سبيله- فلما انصرف قال أمير المؤمنين- لقد كان صغيرا و هو سيئ الخلق و هو في كبره أسوأ خلقا- . ثم أتي بسعد بن أبي وقاص فقال له بايع- فقال يا أبا الحسن خلني فإذا لم يبق غيري بايعتك- فو الله لا يأتيك من قبلي أمر تكرهه أبدا- فقال صدق خلوا سبيله- . ثم بعث إلى محمد بن مسلمة فلما أتاه قال له بايع- قال إن رسول الله ص أمرني إذا اختلف الناس- و صاروا هكذا و شبك بين أصابعه- أن أخرج بسيفي فأضرب به عرض أحد- فإذا تقطع أتيت منزلي- فكنت فيه لا أبرحه حتى تأتيني يد خاطية أو منية قاضية- فقال له ع فانطلق إذا فكن كما أمرت به- . ثم بعث إلى أسامة بن زيد فلما جاء قال له بايع- فقال إني مولاك و لا خلاف مني عليك- و ستأتيك بيعتي إذا سكن الناس- فأمره بالانصراف و لم يبعث إلى أحد غيره- .و قيل له أ لا تبعث إلى حسان بن ثابت- و كعب بن مالك و عبد الله بن سلام- فقال لا حاجة لنا فيمن لا حاجة له فينا- .

فأما أصحابنا فإنهم يذكرون في كتبهم- أن هؤلاء الرهط إنما اعتذروا بما اعتذروا به-لما ندبهم إلى الشخوص معه لحرب أصحاب الجمل- و أنهم لم يتخلفوا عن البيعة و إنما تخلفوا عن الحرب- .

و روى شيخنا أبو الحسين رحمه الله تعالى في كتاب الغرر أنهم لما اعتذروا إليه بهذه الأعذار- قال لهم ما كل مفتون يعاتب- أ عندكم شك في بيعتي قالوا لا- قال فإذا بايعتم فقد قاتلتم و أعفاهم من حضور الحرب- .

فإن قيل رويتم أنه قال- إن كرهني رجل واحد من الناس لم أدخل في هذا الأمر- ثم رويتم أن جماعة من أعيان المسلمين كرهوا- و لم يقف مع كراهتهم- . قيل إنما مراده ع- أنه متى وقع الاختلاف قبل البيعة- نفضت يدي عن الأمر و لم أدخل فيه- فأما إذا بويع ثم خالف ناس بعد البيعة- فلا يجوز له أن يرجع عن الأمر و يتركه- لأن الإمامة تثبت بالبيعة- و إذا ثبتت لم يجز له تركها- . و روى أبو مخنف عن ابن عباس قال- لما دخل علي ع المسجد- و جاء الناس ليبايعوه- خفت أن يتكلم بعض أهل الشنئان لعلي ع- ممن قتل أباه أو أخاه- أو ذا قرابته في حياة رسول الله ص- فيزهد علي في الأمر و يتركه- فكنت أرصد ذلك و أتخوفه- فلم يتكلم أحد حتى بايعه الناس كلهم- راضين مسلمين غير مكرهين- .

لما بايع الناس عليا ع- و تخلف عبد الله بن عمر- و كلمه علي ع في البيعة فامتنع عليه- أتاه في اليوم الثاني فقال إني لك ناصح- إن بيعتك لم يرض بها كلهم- فلو نظرت لدينك و رددت الأمر شورى بين المسلمين- فقال علي ع ويحك- و هل ما كان عن طلب مني له أ لم يبلغك صنيعهم- قم عني يا أحمق ما أنت و هذا الكلام-فلما خرج أتى عليا في اليوم الثالث آت فقال- إن ابن عمر قد خرج إلى مكة يفسد الناس عليك- فأمر بالبعث في أثره فجاءت أم كلثوم ابنته- فسألته و ضرعت إليه فيه- و قالت يا أمير المؤمنين إنما خرج إلى مكة ليقيم بها- و إنه ليس بصاحب سلطان و لا هو من رجال هذا الشأن- و طلبت إليه أن يقبل شفاعتها في أمره لأنه ابن بعلها- فأجابها و كف عن البعثة إليه و قال دعوه و ما أراده

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 4 

خطبه 52 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

52 و من خطبة له ع

و قد تقدم مختارها برواية- و نذكر ما نذكره هنا برواية أخرى لتغاير الروايتين- : أَلَا وَ إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ وَ آذَنَتْ بِانْقِضَاءٍ- وَ تَنَكَّرَ مَعْرُوفُهَا وَ أَدْبَرَتْ حَذَّاءَ- فَهِيَ تَحْفِزُ بِالْفَنَاءِ سُكَّانَهَا- وَ تَحْدُو بِالْمَوْتِ جِيرَانَهَا- وَ قَدْ أَمَرَّ فِيهَا مَا كَانَ حُلْواً- وَ كَدِرَ مِنْهَا مَا كَانَ صَفْواً- فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الْإِدَاوَةِ- أَوْ جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ الْمَقْلَةِ- لَوْ تَمَزَّزَهَا الصَّدْيَانُ لَمْ يَنْقَعْ- فَأَزْمِعُوا عَبِادَ اللَّهِ- الرَّحِيلَ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ الْمَقْدُورِ عَلَى أَهْلِهَا الزَّوَالُ- وَ لَا يَغْلِبَنَّكُمْ فِيهَا الْأَمَلُ- وَ لَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ فِيهَا الْأَمَدُ- فَوَاللَّهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ الْوُلَّهِ الْعِجَالِ- وَ دَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ الْحَمَامِ- وَ جَأَرْتُمْ جُؤَارَ مُتَبَتِّلِي الرُّهْبَانِ- وَ خَرَجْتُمْ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَ الْأَوْلَادِ- الْتِمَاسَ الْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي ارْتِفَاعِ دَرَجَةٍ عِنْدَهُ- أَوْ غُفْرَانِ سَيِّئَةٍ أَحْصَتْهَا كُتُبُهُ- وَ حَفِظَتْهَا رُسُلُهُ لَكَانَ قَلِيلًا فِيمَا أَرْجُو لَكُمْ مِنْ ثَوَابِهِ- وَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِهِ- وَ بِاللَّهِ لَوِ انْمَاثَتْ قُلُوبُكُمُ انْمِيَاثاً- وَ سَالَتْ عُيُونُكُمْ مِنْ رَغْبَةٍ إِلَيْهِ أَوْ رَهْبَةٍ مِنْهُ دَماً- ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِي الدُّنْيَا- مَا الدُّنْيَا بَاقِيَةٌ مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ- وَ لَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ- أَنْعُمَهُ عَلَيْكُمُ الْعِظَامَ- وَ هُدَاهُ إِيَّاكُمْ لِلْإِيمَانِ‏

تصرمت انقطعت و فنيت- و آذنت بانقضاء أعلمت بذلك- آذنته بكذا أي أعلمته- و تنكر معروفها جهل منها ما كان معروفا- . و الحذاء السريعة الذهاب- و رحم حذاء مقطوعة غير موصولة- و من رواه جذاء بالجيم- أراد منقطعة الدر و الخير- . و تحفر بالفناء سكانها تعجلهم و تسوقهم- و أمر الشي‏ء صار مرا- و كدر الماء بكسر الدال و يجوز كدر بضمها- و المصدر من الأول كدرا و من الثاني كدورة- . و السملة بفتح الميم البقية من الماء تبقى في الإناء- و المقلة بفتح الميم و تسكين القاف- حصاة القسم التي تلقى في الماء- ليعرف قدر ما يسقى كل واحد منهم- و ذلك عند قلة الماء في المفاوز قال-

قذفوا سيدهم في ورطة
قذفك المقلة وسط المعترك‏

و التمزز تمصص الشراب قليلا قليلا- و الصديان العطشان- . و لم ينقع لم يرو و هذا يمكن أن يكون لازما- و يمكن أن يكون متعديا- تقول نقع الرجل بالماء- أي روي و شفى غليله- ينقع و نقع الماء الصدى ينقع أي سكنه- . فأزمعوا الرحيل أي اعزموا عليه- يقال أزمعت الأمر- و لا يجوز أزمعت على الأمر- و أجازه الفراء. قوله المقدور على أهلها الزوال أي المكتوب قال-

و اعلم بأن ذا الجلال قد قدر
في الصحف الأولى الذي كان سطر

أي كتب و الوله العجال- النوق الوالهة الفاقدة أولادها الواحدة عجول- و الوله ذهاب العقل و فقد التمييز- و هديل الحمام صوت نوحه- و الجؤار صوت مرتفع- و المتبتل المنقطع عن الدنيا- و انماث القلب أي ذاب- . و قوله و لو لم تبقوا شيئا من جهدكم اعتراض في الكلام- . و أنعمه منصوب لأنه مفعول جزت- . و في هذا الكلام تلويح- و إشارة إلى مذهب البغداديين من أصحابنا- في أن الثواب على فعل الطاعة غير واجب- لأنه شكر النعمة فلا يقتضي وجوب ثواب آخر- و هو قوله ع لو انماثت قلوبكم انمياثا… إلى آخر الفصل- . و أصحابنا البصريون لا يذهبون إلى ذلك- بل يقولون إن الثواب واجب على الحكيم سبحانه- لأنه قد كلفنا ما يشق علينا- و تكليف المشاق كإنزال المشاق- فكما اقتضت الآلام و المشاق- النازلة بنا من جهته سبحانه أعواضا- مستحقه عليه تعالى عن إنزالها بنا- كذلك تقتضي التكليفات الشاقة ثوابا- مستحقا عليه تعالى عن إلزامه إيانا بها- قالوا فأما ما سلف من نعمه علينا فهو تفضل منه تعالى- و لا يجوز في الحكمة- أن يتفضل الحكيم على غيره بأمر من الأمور- ثم يلزمه أفعالا شاقة و يجعلها بإزاء ذلك التفضل- إلا إذا كان في تلك الأمور منافع عائدة على ذلك الحكيم- فكان ما سلف من المنافع جاريا مجرى الأجرة- كمن يدفع درهما إلى إنسان ليخيط له ثوبا- و البارئ تعالى منزه عن المنافع- و نعمه علينا منزهة- أن تجري مجرى الأجرة على تكليفنا المشاق- . و أيضا فقد يتساوى اثنان من الناس في النعم- المنعم بها عليهما و يختلفان في التكاليف-

فلو كان التكليف لأجل ما مضى من النعم- لوجب أن يقدر بحسبها- فإن قيل فعلى ما ذا يحمل كلام أمير المؤمنين ع- و فيه إشارة إلى مذهب البغداديين- . قيل إنه ع لم يصرح بمذهب البغداديين- و لكنه قال لو عبدتموه بأقصى ما ينتهي الجهد إليه- و ما وفيتم بشكر أنعمه و هذا حق غير مختلف فيه- لأن نعم البارئ تعالى لا تقوم العباد بشكرها- و إن بالغوا في عبادته و الخضوع له و الإخلاص في طاعته- و لا يقتضي صدق هذه القضية- و صحتها صحة مذهب البغداديين- في أن الثواب على الله تعالى غير واجب- لأن التكليف إنما كان باعتبار أنه شكر النعمة السالفة

ما قيل من الأشعار في ذم الدنيا

فأما ما قاله الناس في ذم الدنيا و غرورها- و حوادثها و خطوبها و تنكرها لأهلها- و الشكوى منها و العتاب لها و الموعظة بها- و تصرمها و تقلبها فكثير من ذلك قول بعضهم-

هي الدنيا تقول بمل‏ء فيها
حذار حذار من بطشي و فتكي‏

فلا يغرركم حسن ابتسامي‏
فقولي مضحك و الفعل مبك‏

 و قال آخر-

تنح عن الدنيا و لا تطلبنها
و لا تخطبن قتالة من تناكح‏

فليس يفي مرجوها بمخوفها
و مكروهها إما تأملت راجح‏

لقد قال فيها القائلون فأكثروا
و عندي لها وصف لعمرك صالح‏

سلاف قصاراها ذعاف و مركب‏
شهي إذا استلذذته فهو جامح‏

و شخص جميل يعجب الناس حسنه
و لكن له أفعال سوء قبائح‏

و قال أبو الطيب-

أبدا تسترد ما تهب الدنيا
فيا ليت جودها كان بخلا

و هي معشوقه على الغدر لا تحفظ
عهدا و لا تتم وصلا

كل دمع يسيل منها عليها
و بفك اليدين عنها تخلى‏

شيم الغانيات فيها و لا أدري‏
لذا أنث اسمها الناس أم لا

 و قال آخر-

إنما الدنيا عوار
و العواري مسترده‏

شدة بعد رخاء
و رخاء بعد شده‏

و قال محمد بن هانئ المغربي

و ما الناس إلا ظاعن فمودع
و ثاو قريح الجفن يبكي لراحل‏

فما الدهر إلا كالزمان الذي مضى‏
و لا نحن إلا كالقرون الأوائل

نساق من الدنيا إلى غير دائم
و نبكي من الدنيا على غير طائل‏

فما عاجل نرجوه إلا كآجل‏
و لا آجل نخشاه إلا كعاجل‏

و قال ابن المظفر المغربي

دنياك دار غرور
و نعمة مستعاره‏

و دار أكل و شرب‏
و مكسب و تجاره‏

و رأس مالك نفس
فخف عليها الخساره‏

و لا تبعها بأكل
و طيب عرف و شاره‏

فإن ملك سليمان‏
لا يفي بشراره‏

و قال أبو العتاهية

ألا إنما التقوى هي البر و الكرم
و حبك للدنيا هو الفقر و العدم‏

و ليس على عبد تقي غضاضة
إذا صحح التقوى و إن حاك أو حجم‏

و قال أيضا

تعلقت بآمال
طوال أي آمال‏

و أقبلت على الدنيا
ملحا أي إقبال‏

أيا هذا تجهز لفراق
الأهل و المال‏

فلا بد من الموت‏
على حال من الحال‏

 و قال أيضا

سكن يبقى له سكن
ما بهذا يؤذن الزمن‏

نحن في دار يخبرنا
ببلاها ناطق لسن‏

دار سوء لم يدم فرح
لامرئ فيها و لا حزن‏

في سبيل الله أنفسنا
كلنا بالموت مرتهن‏

كل نفس عند موتتها
حظها من مالها الكفن‏

إن مال المرء ليس له‏
منه إلا ذكره الحسن‏

و قال أيضا

ألا إننا كلنا بائد
و أي بني آدم خالد

و بدؤهم كان من ربهم‏
و كل إلى ربه عائد

فوا عجبا كيف يعصي الإله
أم كيف يجحده الجاحد

و في كل شي‏ء له آية
تدل على أنه الواحد

و قال الرضي الموسوي

يا آمن الأيام بادر صرفها
و اعلم بأن الطالبين حثاث‏

خذ من ثرائك ما استطعت فإنما
شركاؤك الأيام و الوراث‏

لم يقض حق المال إلا معشر
نظروا الزمان يعيث فيه فعاثوا

تحثو على عيب الغني يد الغنى‏
و الفقر عن عيب الفتى بحاث‏

المال مال المرء ما بلغت به
الشهوات أو دفعت به الأحداث‏

ما كان منه فاضلا عن قوته‏
فليعلمن بأنه ميراث‏

ما لي إلى الدنيا الدنية حاجة
فليجن ساحر كيدها النفاث‏

طلقتها ألفا لأحسم داءها
و طلاق من عزم الطلاق ثلاث‏

و ثباتها مرهوبة و عداتها
مكذوبة و حبالها أنكاث‏

أم المصائب لا تزال تروعنا
منها ذكور حوادث و إناث‏

إني لأعجب للذين تمسكوا
بحبائل الدنيا و هن رثاث‏

كنزوا الكنوز و اعقلوا شهواتهم‏
فالأرض تشبع و البطون غراث‏

أ تراهم لم يعلموا أن التقى
أزوادنا و ديارنا الأجداث‏

و قال آخر

هذه الدنيا إذا صرفت
وجهها لم تنفع الحيل‏

و إذا ما أقبلت لعم‏
بصرته كيف يفتعل‏

و إذا ما أدبرت لذكي
غاب عنه السهل و الجبل‏

فهي كالدولاب دائرة
ترتقي طورا و تستفل‏

في زمان صار ثعلبة
أسدا و استذاب الحمل‏

فالذنابى فيه ناصية
و النواصي خشع ذلل‏

فاصبري يا نفس و احتملي
إن نفس الحر تحتمل‏

و قال أبو الطيب

نعد المشرفية و العوالي
و تقتلنا المنون بلا قتال‏

و نرتبط السوابق مقربات‏
و ما ينجين من خبب الليالي‏

و من لم يعشق الدنيا قديما
و لكن لا سبيل إلى الوصال‏

نصيبك في حياتك من حبيب‏
نصيبك في منامك من خيال‏

رماني الدهر بالأرزاء حتى
فؤادي في غشاء من نبال‏

فصرت إذا أصابتني سهام‏
تكسرت النصال على النصال‏

و هان فما أبالي بالرزايا
لأني ما انتفعت بأن أبالي‏

يدفن بعضنا بعضا و يمشي‏
أواخرنا على هام الأوالي‏

و كم عين مقبلة النواحي
كحيل في الجنادل و الرمال‏

و مغض كان لا يغضي لخطب
و بال كان يفكر في الهزال‏

 و قال أبو العتاهية في أرجوزته-

المشهورة في ذم الدنيا و فيها أنواع مختلفة من الحكمة-

ما زالت الدنيا لنا دار أذى
ممزوجة الصفو بألوان القذى‏

الخير و الشر بها أزواج‏
لذا نتاج و لذا نتاج‏

من لك بالمحض و ليس محض
يخبث بعض و يطيب بعض‏

لكل إنسان طبيعتان‏
خير و شر و هما ضدان‏

و الخير و الشر إذا ما عدا
بينهما بون بعيد جدا

إنك لو تستنشق الشحيحا
وجدته أنتن شي‏ء ريحا

حسبك مما تبتغيه القوت
ما أكثر القوت لمن يموت‏

الفقر فيما جاوز الكفافا
من اتقى الله رجا و خافا

هي المقادير فلمني أو فذر
إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر

لكل ما يؤذي و إن قل ألم‏
ما أطول الليل على من لم ينم‏

ما انتفع المرء بمثل عقله
و خير ذخر المرء حسن فعله‏

إن الفساد ضده الصلاح‏
و رب جد جره المزاح‏

من جعل النمام عينا هلكا
مبلغك الشر كباغيه لكا

إن الشباب و الفراغ و الجده‏
مفسدة للمرء أي مفسده‏

يغنيك عن كل قبيح تركه
قد يوهن الرأي الأصيل شكه‏

ما عيش من آفته بقاه‏
نغص عيشا ناعما فناه‏

يا رب من أسخطنا بجهده
قد سرنا الله بغير حمده‏

ما تطلع الشمس و لا تغيب‏
إلا لأمر شأنه عجيب‏

لكل شي‏ء قدر و جوهر
و أوسط و أصغر و أكبر

و كل شي‏ء لاحق بجوهره‏
أصغره متصل بأكبره‏

من لك بالمحض و كل ممتزج
وساوس في الصدر منك تعتلج‏

عجبت و استغرقني السكوت‏
حتى كأني حائر مبهوت‏

إذا قضى الله فكيف أصنع
و الصمت إن ضاق الكلام أوسع‏

و قال أيضا

كل على الدنيا له حرص
و الحادثات لنا بها قرص‏

و كان من واروه في جدث‏
لم يبد منه لناظر شخص‏

يهوى من الدنيا زيادتها
و زيادة الدنيا هي النقص‏

ليد المنية في تلطفها
عن ذخر كل نفيسة فحص‏

و قال أيضا

أبلغ الدهر في مواعظه بل
زاد فيهن لي من الإبلاغ‏

أي عيش يكون أطيب من عيش‏
كفاف قوت بقدر البلاغ‏

غصبتني الأيام أهلي و مالي
و شبابي و صحتي و فراغي‏

صاحب البغي ليس يسلم منه‏
و على نفسه بغي كل باغ‏

رب ذي نعمة تعرض منها
حائل بينه و بين المساغ‏

و قال ابن المعتز

حمدا لربي و ذما للزمان فما
أقل في هذه الدنيا مسراتي‏

كفت يدي أملى عن كل مطلب‏
و أغلقت بابها من دون حاجاتي‏

و له أيضا

أ لست ترى يا صاح ما أعجب الدهرا
فذما له لكن للخالق الشكرا

لقد حبب الموت البقاء الذي أرى‏
فيا حبذا مني لمن سكن القبرا

و سبحان ربي راضيا بقضائه
و كان اتقائي الشر يغري بي الشرا

 و له

قل لدنياك قد تمكنت مني
فافعلي ما أردت أن تفعلي بي‏

و اخرقي كيف شئت خرق جهول‏
إن عندي لك اصطبار لبيب‏

 و قال أبو العلاء المعري-

و الدهر إبرام و نقض و تفريق
و جمع و نهار و ليل‏

لو قال لي صاحبه سمه‏
ما جزت عن ناجية أو بديل‏

و قال آخر

و الدهر لا يبقى على حالة
لا بد أن يدبر أو يقبلا

و قال أبو الطيب

ما لي و للدنيا طلابي نجومها
و مسعاي منها في شدوق الأراقم‏

و قال آخر

لعمرك ما الأيام إلا معارة
فما اسطعت من معروفها فتزود

و قال آخر

لعمرك ما الأيام إلا كما ترى
رزية مال أو فراق حبيب‏

 الوزير المهلبي

أ لا موت يباع فأشتريه
فهذا العيش ما لا خير فيه‏

أ لا رحم المهيمن نفس حر
تصدق بالممات على أخيه‏

 و له

أشكو إلى الله أحداثا من الزمن
يبرينني مثل بري القدح بالسفن‏

لم يبق بالعيش لي إلا مرارته‏
إذا تذوقته و الحلو منه فني‏

لا تحسبن نعما سرتك صحبتها
إلا مفاتيح أبواب من الحزن‏

 عبيد الله بن عبد الله بن طاهر-

ألا أيها الدهر الذي قد مللته
سألتك إلا ما سللت حياتي‏

فقد و جلال الله حببت جاهدا
إلي على كره الممات مماتي‏

 و له

أ لم تر أن الدهر يهدم ما بنى
و يسلب ما أعطى و يفسد ما أسدى‏

فمن سره ألا يرى ما يسوءه‏
فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا

 البحتري

كان الليالي أغريت حادثاتها
بحب الذي نأبى و بغض الذي نهوى‏

و من عرف الأيام لم ير خفضها
نعيما و لم يعدد مضرتها بلوى‏

 أبو بكر الخوارزمي

ما أثقل الدهر على من ركبه
حدثني عنه لسان التجربه‏

لا تشكر الدهر لخير سببه‏
فإنه لم يتعمد بالهبه‏

و إنما أخطأ فيك مذهبه
كالسيل قد يسقي مكانا أخربه‏
و السم يستشفي به من شربه‏

و قال آخر

يسعى الفتى في صلاح العيش مجتهدا
و الدهر ما عاش في إفساده ساعى‏

آخر

يغر الفتى مر الليالي سليمة
و هن به عما قليل عواثر

 آخر

إذا ما الدهر جر على أناس
كلاكله أناخ بآخرينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا
سيلقى الشامتون كما لقينا

آخر

قل لمن أنكر حالا منكره
و رأى من دهره ما حيره‏

ليس بالمنكر ما أنكرته‏
كل من عاش رأى ما لم يره‏

 ابن الرومي

سكن الزمان و تحت سكنته
دفع من الحركات و البطش‏

كالأفعوان تراه منبطحا
بالأرض ثم يثور للنهش‏

أبو الطيب

أنا لفي زمن ترك القبيح به
من أكثر الناس إحسان و إجمال‏

ذكر الفتى عمره الثاني و حاجته‏
ما قاته و فضول العيش أشغال‏

و قال آخر

جار الزمان علينا في تصرفه
و أي حر عليه الدهر لم يجر

عندي من الدهر ما لو أن أيسره‏
يلقى على الفلك الدوار لم يدر

آخر

هذا الزمان الذي كنا نحاذره
فيما يحدث كعب و ابن مسعود

إن دام هذا و لم تعقب له غير
لم يبك ميت و لم يفرح بمولود

 آخر

يا زمانا ألبس
الأحرار ذلا و مهانه‏

لست عندي بزمان‏
إنما أنت زمانه‏

أ جنون ما نراه
منك يبدو أم مجانه‏

 الرضي الموسوي-

تأبى الليالي أن تديما
بؤسا لخلق أو نعيما

و المرء بالإقبال يبلغ‏
وادعا خطرا جسيما

فإذا انقضى إقباله
رجع الشفيع له خصيما

و هو الزمان إذا نبا
سلب الذي أعطى قديما

كالريح ترجع عاصفا
من بعد ما بدأت نسيما

أبو عثمان الخالدي-

ألفت من حادثات الدهر أكبرها
فما أعادي على أحداثها الصغر

تزيدني قسوة الأيام طيب نثا
كأنني المسك بين الفهر و الحجر

 السري الرفاء

تنكد هذا الدهر فيما يرومه
على أنه فيما نحاذره ندب‏

فسير الذي نرجوه سير مقيد
و سير الذي نخشى غوائله وثب‏

ابن الرومي

ألا إن في الدنيا عجائب جمة
و أعجبها ألا يشيب وليدها

إذا ذل في الدنيا الأعزاء و اكتست‏
أذلتها عزا و ساد مسودها

هناك فلا جادت سماء بصوبها
و لا أمرعت أرض و لا اخضر عودها

أرى الناس مخسوفا بهم غير أنهم‏
على الأرض لم يقلب عليهم صعيدها

و ما الخسف أن يلفى أسافل بلدة
أعاليها بل أن يسود عبيدها

السري الرفاء

لنا من الدهر خصم لا نطالبه
فما على الدهر لو كفت نوائبه‏

يرتد عنه جريحا من يسالمه‏
فكيف يسلم منه من يحاربه‏

و لو أمنت الذي تجنى أراقمه
علي هان الذي تجنى عقاربه‏

أبو فراس بن حمدان

تصفحت أحوال الزمان و لم يكن
إلى غير شاك للزمان وصول‏

أ كل خليل هكذا غير منصف‏
و كل زمان بالكرام بخيل‏

ابن الرومي

رأيت الدهر يرفع كل وغد
و يخفض كل ذي شيم شريفه‏

كمثل البحر يغرق فيه حي‏
و لا ينفك تطفو فيه جيفه‏

أو الميزان يخفض كل واف
و يرفع كل ذي زنة خفيفه‏

 ابن نباتة

و أصغر عيب في زمانك أنه
به العلم جهل و العفاف فسوق‏

و كيف يسر الحر فيه بمطلب‏
و ما فيه شي‏ء بالسرور حقيق‏

 أبو العتاهية-

لتجذبني يد الدنيا بقوتها
إلى المنايا و إن نازعتها رسني‏

لله دنيا أناس دائبين لها
قد ارتعوا في غياض الغي و الفتن‏

كسائمات رواع تبتغي سمنا
و حتفها لو درت في ذلك السمن‏

 و له أيضا-

أنساك محياك المماتا
فطلبت في الدنيا الثباتا

و قال يزيد بن مفرغ الحميري-

لا ذعرت السوام في فلق الصبح
مغيرا و لا دعيت يزيدا

يوم أعطى من المخافة ضيما
و المنايا يرصدنني أن أحيدا

و قال آخر-

لا تحسبيني يا أمامة
عاجزا دنسا ثيابه‏

إني إذا خفت الهوان‏
مشيع ذلل ركابه‏

مثله قول عنترة-

ذلل ركابي حيث شئت مشايعي
لبي و أحفزه برأي مبرم‏

 و قال آخر-

أ خشية الموت در دركم
أعطيتم القوم فوق ما سألوا

إنا لعمر الإله نأبى الذي قالوا
و لما تقصف الأسل‏

نقبل ضيما و نحن نعرفه
ما دام منا بظهرها رجل‏

 و قال آخر-

و رب يوم حبست النفس مكرهة
فيه لأكبت أعداء أحاشيها

آبى و آنف من أشياء آخذها
رث القوى و ضعيف القوم يعطيها

مثله للشداخ-

أبينا فلا نعطي مليكا ظلامة
و لا سوقة إلا الوشيج المقوما

تروم الخلد في دار التفاني
و كم قد رام قبلك ما تروم‏

لأمر ما تصرمت الليالي‏
و أمر ما تقلبت النجوم‏

تنام و لم تنم عنك المنايا
تنبه للمنية يا نئوم‏

إلى ديان يوم الدين نمضي‏
و عند الله تجتمع الخصوم‏

حسبنا الله وحده- و صلواته على خيرته من خلقه سيدنا محمد و آله الطاهرين- تم الجزء الثالث و يليه الجزء الرابع- و أوله في ذكر يوم النحر و صفة الأضحية

الجزء الرابع

تتمة الخطب و الأوامر

بسم الله الرحمن الرحيم- الحمد لله الواحد العدل الحكيم- و صلى الله على رسوله الكريم 

تتمة الخطبة الثانية و الخمسين

وَ مِنْهَا فِي ذِكْرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَ صِفَةِ الْأُضْحِيَّةِ: وَ مِنْ تَمَامِ الْأُضْحِيَّةِ اسْتِشْرَافُ أُذُنِهَا وَ سَلَامَةُ عَيْنِهَا- فَإِذَا سَلِمَتِ الْأُذُنُ وَ الْعَيْنُ سَلِمَتِ الْأُضْحِيَّةُ وَ تَمَّتْ- وَ لَوْ كَانَتْ عَضْبَاءَ الْقَرْنِ تَجُرُّ رِجْلَهَا إِلَى الْمَنْسَكِ قال الرضي رحمه الله- و المنسك هاهنا المذبح الأضحية ما يذبح يوم النحر- و ما يجري مجراه أيام التشريق من النعم- و استشراف أذنها انتصابها و ارتفاعها- أذن شرفاء أي منتصبة- . و العضباء المكسورة القرن- و التي تجر رجلها إلى المنسك كناية عن العرجاء- و يجوز المنسك بفتح السين و كسرها

اختلاف الفقهاء في حكم الأضحية

و اختلف الفقهاء في وجوب الأضحية- فقال أبو حنيفة هي واجبة على المقيمين من أهل‏الأمصار- و يعتبر في وجوبها النصاب- و به قال مالك و الثوري إلا أن مالكا لم يعتبر الإقامة- . و قال الشافعي الأضحية سنة مؤكدة- و به قال أبو يوسف و محمد و أحمد- . و اختلفوا في العمياء هل تجزئ أم لا- فأكثر الفقهاء على أنها لا تجزئ- و كلام أمير المؤمنين ع في هذا الفصل يقتضي ذلك- لأنه قال إذا سلمت العين سلمت الأضحية- فيقتضي أنه إذا لم تسلم العين لم تسلم الأضحية- و معنى انتفاء سلامة الأضحية انتفاء أجزائها- . و حكي عن بعض أهل الظاهر أنه قال تجزئ العمياء- .

و قال محمد بن النعمان- المعروف بالمفيد رضي الله تعالى عنه- أحد فقهاء الشيعة في كتابه المعروف بالمقنعة-إن الصادق ع سئل عن الرجل يهدي الهدي أو الأضحية- و هي سمينة فيصيبها مرض- أو تفقأ عينها أو تنكسر- فتبلغ يوم النحر و هي حية أ تجزئ عنه فقال نعم- .

فأما الأذن فقال أحمد لا يجوز التضحية بمقطوعة الأذن- و كلام أمير المؤمنين ع يقتضي ذلك- و قال سائر الفقهاء تجزئ إلا أنه مكروه- . و أما العضباء- فأكثر الفقهاء على أنها تجزئ إلا أنه مكروه- و كلام أمير المؤمنين ع يقتضي ذلك- و كذلك الحكم في الجلحاء- و هي التي لم يخلق لها قرن- و القصماء و هي التي انكسر غلاف قرنها- و الشرفاء و هي التي انثقبت أذنها من الكي- و الخرقاء و هي التي شقت أذنها طولا- . و قال مالك إن كانت العضباء يخرج من قرنها دم لم تجزئ- . و قال أحمد و النخعي لا تجوز التضحية بالعضباء- .

فأما العرجاء التي كنى عنها بقوله- تجر رجلها إلى المنسك- فأكثر الفقهاء على أنها لا تجزئ- و كلام أمير المؤمنين ع يقتضي أنها تجزئ- و قد نقل أصحاب الشافعي عنه في أحد قوليه- أن الأضحية إذا كانت مريضة مرضا يسيرا أجزأت- . و قال الماوردي من الشافعية- في كتابه المعروف بالحاوي- إن عجزت عن أن تجر رجلها خلقة أجزأت- و إن كان ذلك عن مرض لم تجزئ

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن‏ أبي ‏الحديد)، ج 3 -4

خطبه 51 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

51 و من كلام له ع لما غلب أصحاب معاوية أصحابه ع- على شريعة الفرات بصفين و منعوهم من الماء– :

قَدِ اسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ- فَأَقِرُّوا عَلَى مَذَلَّةٍ وَ تَأْخِيرِ مَحَلَّةٍ- أَوْ رَوُّوا السُّيُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ- فَالْمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ- وَ الْحَيَاةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ- أَلَا وَ إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَادَ لُمَةً مِنَ الْغُوَاةِ- وَ عَمَّسَ عَلَيْهِمُ الْخَبَرَ- حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ الْمَنِيَّةِ استطعموكم القتال كلمة مجازية- و معناها طلبوا القتال منكم- كأنه جعل القتال شيئا يستطعم أي يطلب أكله- و في الحديث إذا استطعمكم الإمام فأطعموه- يعني إمام الصلاة أي إذا ارتج فاستفتحكم فافتحوا عليه- و تقول فلان يستطعمني الحديث- أي يستدعيه مني و يطلبه- . و اللممة بالتخفيف جماعة قليلة- . و عمس عليهم الخبر يجوز بالتشديد و يجوز بالتخفيف- و التشديد يعطي الكثرة و يفيدها- و معناه أبهم عليهم الخبر و جعله مظلما- ليل عماس أي مظلم- و قد عمس الليل نفسه‏ بالكسر- إذا أظلم و عمسه غيره- و عمست عليه عمسا- إذا أريته أنك لا تعرف الأمر و أنت به عارف- . و الأغراض جمع غرض و هو الهدف- . و قوله فأقروا على مذلة و تأخير محلة- أي أثبتوا على الذل و تأخر المرتبة و المنزلة- أو فافعلوا كذا و كذا- . و نحو قوله ع فالموت في حياتكم مقهورين- قول أبي نصر بن نباتة- و الحسين الذي رأى الموت في العز حياة- و العيش في الذل قتلا- . و قال التهامي-

و من فاته نيل العلا بعلومه
و أقلامه فليبغها بحسامه‏

فموت الفتى في العز مثل حياته‏
و عيشته في الذل مثل حمامه‏

و الأشعار في الإباء الأنف من احتمال الضيم- و الذل و التحريض على الحرب كثيرة- و نحن نذكر منها هاهنا طرفا- فمن ذلك قول عمرو بن براقة الهمداني-

و كيف ينام الليل من جل ماله
حسام كلون الملح أبيض صارم‏

كذبتم و بيت الله لا تأخذونها
مراغمة ما دام للسيف قائم‏

و من يطلب المال الممنع بالقنا
يعش ماجدا أو تخترمه الخوارم‏

و مثله-

و من يطلب المال الممنع بالقنا
يعش ماجدا أو يؤذ فيما يمارس‏

و قال حرب بن مسعر

عطفت عليه المهر عطفة باسل
كمي و من لا يظلم الناس يظلم‏

فأوجرته لدن الكعوب مثقفا
فخر صريعا لليدين و للفم‏

و قال الحارث بن الأرقم

و ما ضاق صدري يا سليمى بسخطكم
و لكنني في الحادثات صليب‏

تروك لدار الخسف و الضيم منكر
بصير بفعل المكرمات أريب‏

إذا سامني السلطان ذلا أبيته
و لم أعط خسفا ما أقام عسيب‏

و قال العباس بن مرداس السلمي

بأبي فوارس لا يعرى صواهلها
أن يقبلوا الخسف من ملك و إن عظما

لا و السيوف بأيدينا مجردة
لا كان منا غداة الروع منهزما

و قال وهب بن الحارث

لا تحسبني كأقوام عبثت بهم
لن يأنفوا الذل حتى تأنف الحمر

لا تعلقني قذاة لست فاعلها
و احذر شباتي فقدما ينفع الحذر

فقد علمت بأني غير مهتضم
حتى يلوح ببطن الراحة الشعر

و قال المسيب بن علس

أبلغ ضبيعة أن البلاد
فيها لذي قوة مغضب‏

و قد يقعد القوم في دارهم
إذا لم يضاموا و إن أجدبوا

و يرتحل القوم عند الهوان‏
عن دارهم بعد ما أخصبوا

و قد كان سامة في قومه
له مطعم و له مشرب‏

فساموه خسفا فلم يرضه‏
و في الأرض عن ضيمهم مهرب‏

و قال آخر

إن الهوان حمار القوم يعرفه
و الحر ينكره و الرسلة الأجد

و لا يقيم على خسف يراد به‏
إلا الأذلان عير الحي و الوتد

هذا على الخسف مشدود برمته
و ذا يشج فلا يأوي له أحد

فإن أقمتم على ضيم يراد بكم‏
فإن رحلي له وال و معتمد

و في البلاد إذا ما خفت بادرة
مكروهة عن ولاة السوء مفتقد

و قال بعض بني أسد

إني امرؤ من بني خزيمة لا
أطعم خسفا لناعب نعبا

لست بمعط ظلامة أبدا
عجما و لا أتقي بها عربا

دخل مويلك السدوسي إلى البصرة يبيع إبلا- فأخذ عامل الصدقة بعضها- فخرج إلى البادية و قال-

ناق إني أرى المقام على الضيم
عظيما في قبة الإسلام‏

قد أراني و لي من العامل النصف‏
بحد السنان أو بالحسام‏

ترى جماعتها شتاتا
و عزمت ويك على الحياة

و طولها عزما بتاتا

يا من رأى أبويه فيمن
قد رأى كانا فماتا

هل فيهما لك عبرة
أم خلت إن لك انفلاتا

و من الذي طلب التفلت
من منيته ففاتا

كل تصبحه المنية
أو تبيته بياتا

و له

أرى الدنيا لمن هي في يديه
عذابا كلما كثرت لديه‏

تهين المكرمين لها بصغر
و تكرم كل من هانت عليه‏

إذا استغنيت عن شي‏ء فدعه
و خذ ما أنت محتاج إليه‏

و له

أ لم تر ريب الدهر في كل ساعة
له عارض فيه المنية تلمع‏

أيا باني الدنيا لغيرك تبتني‏
و يا جامع الدنيا لغيرك تجمع‏

أرى المرء وثابا على كل فرصة
و للمرء يوما لا محالة مصرع‏

ينازل ما لا يملك الملك غيره‏
متى تنقضي حاجات من ليس يشبع‏

و أي امرئ في غاية ليس نفسه
إلى غاية أخرى سواها تطلع‏

و له

سل الأيام عن أمم تقضت
ستخبرك المعالم و الرسوم‏

و إلا حساما يبهر العين لمحه
كصاعقة في عارض قد تبسما

أباة الضيم و أخبارهم

سيد أهل الإباء- الذي علم الناس الحمية- و الموت تحت ظلال السيوف اختيارا له على الدنية- أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب ع- عرض عليه الأمان و أصحابه فأنف من الذل- و خاف من ابن زياد أن يناله بنوع من الهوان إن لم يقتله- فاختار الموت على ذلك- . و سمعت النقيب أبا زيد يحيى بن زيد العلوي البصري- يقول كان أبيات أبي تمام في محمد بن حميد الطائي- ما قيلت إلا في الحسين ع-

و قد كان فوت الموت سهلا فرده
إليه الحفاظ المر و الخلق الوعر

و نفس تعاف الضيم حتى كأنه‏
هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر

فأثبت في مستنقع الموت رجله
و قال لها من تحت أخمصك الحشر