خطبه 239 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام يذكر فيها آل محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم

هُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ وَ مَوْتُ الْجَهْلِ- يُخْبِرُكُمْ حِلْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ وَ صَمْتُهُمْ عَنْ حِكَمِ مَنْطِقِهِمْ- لَا يُخَالِفُونَ الْحَقَّ وَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ- وَ هُمْ دَعَائِمُ الْإِسْلَامِ وَ وَلَائِجُ الِاعْتِصَامِ- بِهِمْ عَادَ الْحَقُّ إِلَى نِصَابِهِ وَ انْزَاحَ الْبَاطِلُ عَنْ مَقَامِهِ وَ انْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ مَنْبِتِهِ- عَقَلُوا الدِّينَ عَقْلَ وِعَايَةٍ وَ رِعَايَةٍ- لَا عَقْلَ سَمَاعٍ وَ رِوَايَةٍ- فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ وَ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ‏

اللغة

أقول:

الولايج: جمع وليجة فعلية بمعنى مفعولة و هى الموضع يعتصم بدخوله.

و النصاب: الأصل.

المعنى
و ذكر لهم أوصافا.
أحدها: عيش العلم: أى حياته. و قد جعل له حياة ملاحظة لشبهه بالحىّ في وجوده و الانتفاع به ثمّ أطلق عليهم لفظ الحياة مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب.

الثاني: و كذلك كونهم موت الجهل. جعل للجهل موتا استعارة باعتبار عدمه بهم: و أطلق عليهم لفظه مجازا أيضا كالّذي قبله.

الثالث: كونهم يخبر حلمهم عن علمهم لعلمهم بمواقع الحلم، و في ذلك إشارة إلى تلازم فضيلتى الحلم و العلم فيهم فهم لا يحلمون إلّا عن علم بمواقع الحلم.

الرابع: كونهم يخبر صمتهم عن حكم منطقهم إذا تكلّموا لأنّ من علم مواقع السكوت و ما ينبغي أن يسكت عنه يستلزم حكمة نفوسهم في منطقهم إذا تكلّموا لأنّ من علم مواقع السكوت و ما ينبغي أن يسكت عنه علم مواقع المنطق و ما ينبغي أن لا يسكت عنه و لو لم يعلم ذلك لجاز أن يتكلّم بما لا ينبغي، و ذلك هو موضع السكوت فلا يكون عالما بمواضع السكوت و قد فرض كذلك. هذا خلف.

الخامس: كونهم لا يخالفون الحقّ: أى لعلمهم به و بطرقه و ذوقهم له فلا يتجاوزونه إلى رذيلة الإفراط، و لا يقفون دونه في مقام رذيلة التفريط.

السادس: و كذلك لا يختلفون فيه لعلمهم بحقيقته.

السابع: كونهم دعائم الإسلام، و استعار لهم لفظ الدعائم باعتبار حفظهم له بعلمهم و حراسته و قيامه في الوجود بهم كما يحفظ البيت بالدعايم و يقوم بها.

الثامن: استعار لهم لفظ الولايج باعتبار كونهم مرجعا للخلق يعتصمون بعلمهم و هدايتهم و اتّباعهم من الجهل و لواحقه و عذاب اللّه في الآخرة كما يعتصم بالوليجة من دخلها.

التاسع: كونهم بهم عاد الحقّ إلى نصابه: أى بولايته عليه السّلام و خلافته عاد الحقّ إلى أصله و انزاح الباطل عن مقامه، و هو إشارة إلى أنّ الأحكام كانت قبله في أيّام عثمان جارية على غير قانون شرعىّ لما نقل عنه من الأحداث و استيلاء بنى اميّة في زمانه على بيت مال المسلمين و أكلهم له بغير حقّ كما سبق شرحه فعاد بولايته عليه السّلام كلّ حقّ إلى أهله و هو أصله و مستقرّه، و الحقّ إذا كان في غير أهله فهو الباطل و مقامه غير أهله. و بولايته عليه السّلام انزاح الباطل عن مقامه، و انقطع لسانه: أى اللسان الناصر للباطل و الناطق به. و استعار وصف الانقطاع له باعتبار سكوته ملاحظة لشبهه بالمنقطع في عدم القول، و رشّح بقوله: من منبته تأكيدا لذلك الانقطاع.

العاشر: كونهم عقلوا الدين رعاية و وعاية لا عقل سماع و رواية، و ذلك أنّك علمت أن للإدراك ثلاث مراتب أدناها تصوّر الشي‏ء بحسب اسمه، و أعلاها تصوّر الشي‏ء بحسب حقيقته و كنهه، و أوسطها بعقله بحسب صفاته و لوازمه الخاصّة به و بها مع بعض أجزائه. فكان عقلهم للدين و علمهم به على أكمل المراتب و هو معنى الرعاية، و رعايتهم له بدراسته و تذكّره و الاحتياط عليه، و ليس علما به من جهة اسمه و سماع ألفاظه فقط. و قوله: فإنّ رواة العلم كثير. إلى آخره. أى ليس كلّ من روى العلم و سمعه كان عالما به و مراعيا له فإنّ ذلك أعمّ من العالم به و العامّ لا يستلزم الخاصّ، و نبّه بذلك على قلّة مثلهم في رعاية العلم و استجماع الفضايل. و باللّه التوفيق.

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحه‏ى 333

خطبه 238 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام فى شأن الحكمين، و ذم أهل الشام

جُفَاةٌ طَغَامٌ عَبِيدٌ أَقْزَامٌ- جُمِعُوا مِنْ كُلِّ أَوْبٍ وَ تُلُقِّطُوا مِنْ كُلِّ شَوْبٍ- مِمَّنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَقَّهَ وَ يُؤَدَّبَ- وَ يُعَلَّمَ وَ يُدَرَّبَ وَ يُوَلَّى عَلَيْهِ- وَ يُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهِ- لَيْسُوا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ- وَ لَا مِنَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ أَلَا وَ إِنَّ الْقَوْمَ اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ- أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِمَّا يُحِبُّونَ- وَ إِنَّكُمُ اخْتَرْتُمْ‏ لِأَنْفُسِكُمْ- أَقْرَبَ الْقَوْمِ مِمَّا تَكْرَهُونَ- وَ إِنَّمَا عَهْدُكُمْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ بِالْأَمْسِ يَقُولُ- إِنَّهَا فِتْنَةٌ فَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ وَ شِيمُوا سُيُوفَكُمْ- فَإِنْ كَانَ صَادِقاً فَقَدْ أَخْطَأَ بِمَسِيرِهِ غَيْرَ مُسْتَكْرَهٍ- وَ إِنْ كَانَ كَاذِباً فَقَدْ لَزِمَتْهُ التُّهَمَةُ- فَادْفَعُوا فِي صَدْرِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ- بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ- وَ خُذُوا مَهَلَ الْأَيَّامِ وَ حُوطُوا قَوَاصِيَ الْإِسْلَامِ- أَ لَا تَرَوْنَ إِلَى بِلَادِكُمْ تُغْزَى وَ إِلَى صَفَاتِكُمْ تُرْمَى

اللغة
أقول:

جفاة: جمع جافي و هو غليظ الطبع قاسى القلب و الطغام: أوغاد الناس و أراذلهم.

و الأقزام: جمع قزم- بفتح الزاء- و هو الرذل الدنىّ من الناس، و يطلق على الواحد و الجمع و الذكر و الانثى. و يقال: جاءوا من كلّ أوب: أى من كلّ ناحية.

و الشوب: الخلط.

و يدرّب: يعوّد بالعادات الجميلة و يجرّب في الامور: و تبوّؤوا الدار: نزلوا.

و شمت السيف: أغمدته.

المعنى

و صدّر الفصل بذكر مذامّ أهل الشام تنفيرا عنهم، و وصفهم بكونهم عبيدا إمّا لأنّهم عبيد الدنيا و أهلها أو لأنّ منهم عبيدا، و اللفظ مهمل يصدق بالبعض. و المرفوعات الأربعة الاولى أخبار لمبتدأ محذوف: أى هم جفاة. و محلّ قوله: جمّعوا.
الرفع صفة لأقزام. و يحتمل أن يكون خبرا خامسا، و كذلك قوله: ممّن ينبغي. و قوله: يولىّ عليه و يؤخذ على يديه. و قوله: ليسوا. كناية عن كونهم سفهاء لا يصلحون لأنّ يلوا أمرا و يفوّض إليهم بل ينبغي أن تحجر عليهم و يمنعون من التصرّف لغباوتهم و سفههم، و ذكر كونهم ليسوا من المهاجرين و الأنصار في معرض الذمّ لهم لكون ذلك نقصانا لهم من تلك الجهة بالنسبة إلى المهاجرين و الأنصار، و كذلك نفى كونهم من الّذين تبّوؤواالدار. و أراد بالدار مدينة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الّذين تبّوؤوها هم الأنصار من أهلها الّذين أسلموا بها قبل هجرة الرسول إليهم بسنتين و ابتنوا بها المساجد. و إليهم أشار تعالى في كتابه العزيز و أثنى عليهم فقال وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ إلى قوله فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ«» و في نسخة الرضى- رحمه اللّه- تبّوؤوا الدار فقط، و في ساير النسخ و الإيمان، و وصف الإيمان بكونه متبّوءا لهم مستعار ملاحظة لشبهه بالمنزل باعتبار أنّهم ثبتوا عليه و اطمأنّت قلوبهم به، و يحتمل أن يكون نصب الإيمان هنا كما في قوله:
و رأيت زوجك في الوغا متقلّدا سيفا و رمحا

أى لازموا الإيمان كما أراد القايل و معتقلا رمحا. و قوله: ألا و إنّ القوم. إلى قوله: تكرهون. و القوم هم أهل الشام. و الّذي اختاروه لأنفسهم و كان أقرب القوم ممّا يحبّون هو عمرو بن العاص فإنّهم اختاروه للحكومة و عيّنوا عليه من قبلهم. و كونه أقرب القوم ممّا يحبّون لكثرة خداعه و لميله إلى معاوية و عطائه. و الّذي يحبّونه ممّا هو أقرب إليه هو الانتصار على أهل العراق و صيرورة الأمر إلى معاوية و الّذي اختاره أهل العراق للحكومة هو أبو موسى الأشعرى، و كان أقرب القوم ممّا يكرهون من صرف الأمر عنهم. و كونه أقرب إلى ذلك إمّا لغفلته و بلاهته أو لانّه كان منحرفا عن علىّ عليه السّلام، و ذلك أنّه كان في زمن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم واليا من قبله على زبيد من أعمال اليمن ثمّ ولّاه عمر البصرة لمّا عزل المغيرة عنها فلمّا عزله عثمان سكن بالكوفة فلمّا كره أهلها سعيد بن العاص و دفعوه عنها ولّوا أبا موسى و كتبوا إلى عثمان يسألونه أن يولّيه فأقرّه على الكوفة فلمّا قتل عثمان عزله علىّ عليه السّلام فلم يزل واجدا لذلك عليه حتّى كان منه ما كان في الكوفة. و قوله و إنّما عهدكم بعبد اللّه إلى آخره احتجاج عليهم في اختيارهم لعبد اللّه ابن قيس و هو أبو موسى الأشعرى للحكومة. و صورة الاحتجاج: أنّ أبا موسى كان يقول‏ لكم يا أهل الكوفة عند مسيرى إلى أهل البصرة: إنّها فتنة من الفتن الّتي وعدنا بها و امرنا باعتزالها فقطّعوا أوتار قسيّكم و أغمدوا سيوفكم. فلا يخلوا إمّا أن يكون صادقا في ذلك فقد لزمه الخطأ بمسيره معنا غير مستكره إلى فتنة امرنا بالاعتزال عنها و حضوره صفوف أهل العراق و تكثير سوادهم، و إن كان كاذبا فقد لزمته التهمة و صار فاسقا بكذبه، و على التقديرين لا ينبغي أن يعتمد عليه في هذا الأمر الجليل.
و أقول: و ممّا يناسب هذا الاحتجاج ما روى عنه سويد بن غفلة قال: كنت مع أبي- موسى على شاطى‏ء الفرات في خلافة عثمان فروى لي خبرا قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: إنّ بني إسرائيل اختلفوا و لم يزل الاختلاف بينهم حتّى بعثوا حكمين ضالّين ضلّا و أضلّا من اتّبعهما و لا ينفكّ أمر امّتى تختلف حتّى يبعثوا حكمين يضلّان و يضلّان من اتّبعهما. فقلت له: احذر أبا موسى أن تكون أحدهما. قال: فخلع قميصه و قال: أبرء إلى اللّه من ذلك كما أبرء من قميصى هذا. فنقول: لا يخلو إمّا أن يكون صادقا في ذلك الخبر أو كاذبا فإن كان صادقا فقد أخطأ في دخوله في الحكومة و شهد على نفسه بالضلال و الإضلال، و إن كان كاذبا فقد لزمته التهمة فلا ينبغي أن يعتمد عليه في هذا الأمر. و قوله: فادفعوا في صدر عمرو بن العاص بعبد اللّه بن عبّاس. كناية عن جعله مقابلا له في الحكومة دافعا له عمّا يريد. و لمّا قدح في أبي موسى و أشار إلى عدم صلاحيّته لهذا الأمر كان رأيه أن يبعث الحكم من قبله عبد اللّه بن عبّاس فأبى قومه عليه. و روى بعبارة اخرى أنّه قال لهم لما لجّوا في بعث أبي موسى و تعيينه حكما: إنّ معاوية لم يكن ليختار لهذا الأمر أحدا هو أوثق برأيه و نظره إلّا عمرو بن العاص و إنّه لا يصلح للقرشىّ إلّا قرشىّ و هذا عبد اللّه بن عبّاس فارموه به فإن عمروا لا يعقد عقدة إلّا حلّها و لا يبرم أمرا إلّا نقضه و لا ينقض أمرا إلّا أبرمه. فقال الأشعث و من معه: لا و اللّه لا يحكم فيها مضريّان أبدا حتّى تقوم الساعة و لكن يكون رجل من مضر و رجل من اليمن. فقال عليه السّلام: إنّى أخاف أن يخدع يمانيّكم و إنّ عمرو بن العاص ليس و اللّه قرشىّ.

فقال الأشعث: و اللّه‏ لئن يحكمان بما نكره و أحدهما من اليمن أحبّ إلينا أن يكون ما نحبّ و هما مضريّان. فقال عليه السّلام: و إن أبيتم إلّا أبا موسى فاصنعوا ما شئتم. اللّهم إنّى أبرء إليك من صنيعهم. و قوله: و خذوا مهل الأيّام. أمر لهم باغتنام مهل الأيّام عنهم و فسحتها عمّا ينبغي أن يعملوا فيها و يدبّروه في أحوالهم على وفق الآراء الصالحة، و كذلك أمرهم بحياطة قواصى الإسلام و هى أطراف العراق و الحجاز و الجزيرة و ما كان في يده عليه السّلام من البلاد. ثمّ استثار طباعهم و جذبها إلى ذلك بتنبيههم على أنّ بلادهم تغزى و صفاتهم ترمى، و كنّى بصفاتهم عن حوزتهم الّتى استقرّوا عليها من بلاد الإسلام. و أصل الصفات الحجر الأسود الأملس لا ينفذ فيها السهم بل تكسره و تدفعه فأشبهتها الحوزة في منعتها.

فيقال: لا ترمى صفاتهم و لا يقرع صفاتهم. و يكنّى بذلك عن منعتهم و قوّتهم فلذلك كنّى عن رمى صفاتهم بالطمع فيهم و قصد العدوّ لبلادهم و رميها بالكتائب. و باللّه التوفيق.

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن ‏ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحه‏ى 329

 

 

خطبه 237 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام
فَاعْمَلُوا وَ أَنْتُمْ فِي نَفَسِ الْبَقَاءِ- وَ الصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ وَ التَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ- وَ الْمُدْبِرُ يُدْعَى وَ الْمُسِي‏ءُ يُرْجَى- قَبْلَ أَنْ يَخْمُدَ الْعَمَلُ وَ يَنْقَطِعَ الْمَهَلُ- وَ يَنْقَضِيَ الْأَجَلُ وَ يُسَدَّ بَابُ التَّوْبَةِ- وَ تَصْعَدَ الْمَلَائِكَةُ- فَأَخَذَ امْرُؤٌ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَ أَخَذَ مِنْ حَيٍّ لِمَيِّتٍ- وَ مِنْ فَانٍ لِبَاقٍ وَ مِنْ ذَاهِبٍ لِدَائِمٍ- امْرُؤٌ خَافَ اللَّهَ- وَ هُوَ مُعَمَّرٌ إِلَى أَجَلِهِ وَ مَنْظُورٌ إِلَى عَمَلِهِ- امْرُؤٌ أَلْجَمَ نَفْسَهُ بِلِجَامِهَا وَ زَمَّهَا بِزِمَامِهَا- فَأَمْسَكَهَا بِلِجَامِهَا عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ- وَ قَادَهَا بِزِمَامِهَا إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ

اللغة
أقول:

يقال: فلان في نفس من أمره: أى في سعته.

المعنى
و الفصل في غاية الفصاحة. و قد أمرهم بالعمل حال ما هم في مهلته على الأحوال الّتى أشار إليها: أحدها: كونهم في نفس البقاء و سعته فإنّ الموت مستلزم لانقطاع العمل و عدم إمكانه.

الثاني: كون الصحف منشورة: أى صحف الأعمال فإنّها إنّما تطوى بانقطاع الأعمال بالموت. و قد عرفت وجه الإشارة إلى الصحف و نشرها.

الثالث: كون التوبة مبسوطة، و استعار لفظ البسط ملاحظة لشبهها بالبساط في كونها ممدودة القبول غير ممنوع منها في مدّة العمر يطأها من أرادها كالبساط.
و إنّما تطوى بالموت كما قال تعالى: وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفَّارٌ«».

الرابع: كون المدبر يدعى: أى حال كون المدبر عن طاعة اللّه المعرض عنها يدعى إليها من الأنبياء و الرسل و النواميس الشرعيّة، و ذلك منقطع بالموت.

الخامس: حال كون المسي‏ء يرجى: أى يرجى صلاحه و عوده و ذلك حال البقاء في الدنيا. و لمّا ذكر هذه الأحوال للترغيب في العمل عليها و التذكير بكونها أحوالا يمكن العمل معها أردفها بأحوال يمتنع معها العمل تنفيرا عنها و هي جمود العمل. و استعار لفظ الجمود لوقوفه ملاحظة لشبهه بالماء في جموده عن الجريان.
و في نسخة الرضىّ- رحمه اللّه- يخمد- بالخاء المعجمة- من خمد المريض: أى مات. و المعنى ظاهر يقرب معنى يجمد. و كذلك انقطاع المهل و انقضاء المدّة: أى مدّة البقاء و سدّ أبواب التوبة، و لفظ الأبواب مستعار لطرق الاعتبار الّتي يرجع منها إلى اللّه تعالى، و كذلك الملائكة: أى الكرام الكاتبين فإنّ الملائكة الموكّلين تضبط أعمال كلّ شخص يصعدون إلى السماء بعد بطلان الأعمال. و قوله: فأخذ امرء من نفسه. أمر في صورة الخبر: أى فليأخذ المرء من نفسه: أى بعض نفسه بالاجتهاد و النصب في العبادة فإنّهما يهزلان البدن و يأخذان من النفس لذّاتها و مشتهياتها البدنيّة، و يجوز أن يريد بالنفس هنا الشخص. و الأخذ منه ظاهر. و قوله: لنفسه. أى ليكون ذلك كمالا لنفسه و ذخرا لها في معادها. و قوله: و أخذ من حيّ لميّت. إلى قوله: امرء. أمر أيضا في صورة الخبر. و فاعل أخذ هو قوله: امرء. و الحيّ و الميّت هو المرء نفسه: أى فليأخذ امرء من نفسه باعتبار ما هو حيّ لنفسه باعتبار ما يصير إليه من حال الموت. و قوله: من فان لباق. أى فليأخذ من الأمر الفانى و هي دنياه و متاعها للأمر الباقي و هو النعيم الباقى الأبدىّ في الآخرة. و معنى ذلك الأخذ أنّ الإنسان مكتسب من الدنيا و متاعها الفانى كمالا باقيا يوصل إلى نعيم دائم و ذلك بالصدقات و الزكوات و الإنفاق في وجوه البرّ و القربات، و كذلك‏

قوله: و من ذاهب لدايم. ثمّ أخذ في وصف ذلك المرء كأنّه سئل عنه فقال: امرء خاف اللّه في حال ما هو معمّر إلى أجله و منظور إلى عمله. و نبّهه بغاية أجله و كون عمله منظورا إليه أى منظورا للّه و مرئيّا له تخويفا من هجوم الأجل و جذبا إلى صالح الأعمال للّه تذكير اطّلاعه عليها و علمه بها. و قوله: امرء لجّم نفسه. بدل من امرء الأوّل. و استعار لفظ اللجام للزهد الحقيقىّ و العفّة. و وجه المشابهة كونهما مانعين للنفس الأمّارة من جماحها في تيه الهوى و معاصى اللّه كما يمنع اللجام الدابّة عن الجماح. و رشّح بذكر الإلجام، و كنّى به عن ورع النفس بالزهد، و أشار إلى ذلك الوجه من المشابهة بقوله: فأمسكها بلجامها عن معاصى اللّه. و كذلك استعار لفظ الزمام للعبادة باعتبار ما هى قائدة للنفس الأمّارة بالسوء إلى موافقة النفس المطمئنّة في طاعة اللّه كما تقاد الناقة بزمامها إذ علمت أنّ العبادة إنّما وضعت لتطويع النفس الأمّارة للعقل و انقيادها تحت اسره و انجذابها خلفه عند توجّهه في المعارج القدسيّة إلى حضرة ذى الجلال و الإكرام.
و إلى ذلك الوجه من المشابهة أشار بقوله: و قادها بزمامها، و رشّح بذكر الزمام و القود، و كنّى بهما عن إيقاع العبادة و تطويع النفس لها. و باللّه التوفيق.
ْ

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحه‏ى 326

 

خطبه 236 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام
اقتص فيه ذكر ما كان منه بعد هجرة النبي صلّى اللّه عليه و آله، ثم لحاقه به فَجَعَلْتُ أَتْبَعُ مَأْخَذَ رَسُولِ اللَّهِ ص- فَأَطَأُ ذِكْرَهُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْعَرَجِ- فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ قال الشريف: قوله عليه السّلام «فأطأ ذكره» من الكلام الذى رمى به إلى غايتى الإيجاز و الفصاحة، أراد إنى كنت أعطى خبره، صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من بدء خروجى إلى أن انتهيت إلى هذا الموضع، فكنى عن ذلك بهذه الكناية العجيبة.

المعنى

أقول: هذا الفصل من كلام يحكى فيه عليه السّلام ما كان جرى من حاله في خروجه من مكّة إلى المدينة بعد أن هاجر إليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و ذلك أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا عزم على الهجرة أعلم عليّا عليه السّلام بخروجه و أمره أن يبيت على فراشه خدعة للمشركين الّذين كانوا عزموا على قتله في تلك الليلة و ايهاما لهم أنّه لم يبرح فلا- يطلبونه حتّى يبعد مسافته عنهم، و أن يتخلّف بعده بمكّة حتّي يؤدّى عنه الودايع الّتي كانت عنده للناس فإنّ جماعة من أهل مكّة استودعوه ودائع لما رأوا من أمانته.
و كانوا قد أجمعوا على أن يضربوه بأسيافهم من أيدى جماعة من بطون مختلفة ليضيّع دمه بين بطون قريش فلا يطلبه بنو عبد مناف. و كان ممّن أجمع على ذلك النضر بن الحرث من بنى عبد الدار، و أبو البخترى بن هشام، و حكيم بن حزام، و زمعة بن الأسود بن عبد المطّلب- الثلاثة من بنى أسد بن عبد العزّى- و أبو جهل بن هشام، و أخوه الحرث، و خالد بن الوليد بن المغيرة- و الثلاثة من بنى مخزوم- و بنية و منية ابنا الحجّاج، و عمرو بن العاص- و الثلاثة من بنى سهم- و اميّة بن خلف، و أخوه‏ ابّى من بنى جمح. فنما هذا الخبر من اللّيل إلى عتبة بن ربيعة فلقى قوما منهم و نهاهم عن ذلك و قال إنّ بنى عبد مناف لا تسكت عن دمه و لكن صفّدوه في الحديد و احبسوه في دار من دوركم و تربّصوا به أن يصيبه من الموت ما أصاب أمثاله من الشعراء. و كان عتبة بن ربيعة سيّد بنى عبد شمس فأحجم أبو جهل و أصحابه تلك الليلة عن قتله إحجاما ثمّ تسوّروا عليه و هم يظنّونه في الدار فرأوا إنسانا مسجّى بالبرد الحضرمىّ فلم يشكّوا أنّه هو فكانوا يهمّون بقتله ثمّ يحجمون لما يريد اللّه من سلامة عليّ عليه السّلام. ثمّ قال بعضهم لبعض: ارموه بالحجارة. فرموه فجعل علىّ يتصوّر منها و يتأوّه تأوّها خفيّا و لا يعلمهم بحاله خوفا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يطلب فيدرك. فلم يزالوا حتّى الصباح فوجدوه عليّا، ثمّ تخلّف عنه عليه السّلام بمكة لقضاء ما أمره به. ثمّ لحق به فجاء إلى المدينة راجلا قد تورّمت قدماه و تصادف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نازلا بقبا على كلثوم بن المقدم فنزل معه في منزله. ثمّ خرج معه من قبا حتّى نزلا بالمدينة على أبي أيّوب الأنصاري.
قوله: فجعلت أتّبع مأخذ رسول اللّه. أى الجهة و الطريق الّتي أخذ فيها و سار حتّى انتهيت إلى الموضع المعروف بالعرج.
و قوله: فأطأ ذكره. استعار وصف الوطى‏ء لوقوع ذهنه على ذكره صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خبره من الناس في تلك الطريق كوقوع القدم على الأرض، و وجه المشابهة أنّ الخبر عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ذكره طريق حركات قدم عقله إلى معرفة حسّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما أنّ المحسوس طريق لحركات قدمه إلى الوصول إليه. و قيل: أراد بذكره ما ذكره لى و وصفه من حال الطريق.
و الأوّل أسبق إلى الفهم. و باللّه التوفيق.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحه‏ى 324

خطبه 235 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام قاله لعبد اللّه بن عباس

و قد جاءه برسالة من عثمان و هو محصور يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع ليقل هتف الناس باسمه للخلافة بعد أن كان سأله مثل ذلك من قبل، فقال عليه السّلام:

يَا ابْنَ عَبَّاسٍ مَا يُرِيدُ عُثْمَانُ- إِلَّا أَنْ يَجْعَلَنِي جَمَلًا نَاضِحاً بِالْغَرْبِ أَقْبِلْ وَ أَدْبِرْ- بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ ثُمَّ بَعَثَ إِلَيَّ أَنْ أَقْدُمَ- ثُمَّ هُوَ الْآنَ يَبْعَثُ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ- وَ اللَّهِ لَقَدْ دَفَعْتُ عَنْهُ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ آثِماً

اللغة

أقول:

ينبع: قرية صغيرة من أعمال المدينة.

و هتف الناس: صياحهم و دعاؤهم‏ باسمه.

و الناضح: الجمل استقى عليه.

و الغرب: الدلو العظيمة.

المعنى

و سبب الرسالة أنّ القوم الّذين حصروه كانوا يكثرون نداه و الصياح به و توبيخه على أحداثه من تفريق بيت المال على غير مستحقّيه و وضعه في غير مواضعه، و ساير الأحداث الّتي ذكرنا أنّها نسبت إليه، و استعار لفظ الجمل الناضح، و رشّح بذكر الغرب، و أشار إلى وجه المشابهة بقوله اقبل و ادبر. و قوله: بعث إلىّ. إلى قوله: أخرج. شرح لكيفيّة تصريفه في حال حصره و مضايقة الناس له و بعثه إلى الناس في أمره كما أشرنا إليه من قبل. و قد كان قصده بتلك الرسالة من بين سائر الصحابة لأحد أمرين: أحدهما: اعتقاده أنّه كان أشرف الجماعة و الناس له أطوع، و أنّ قلوب الجماعة معه حينئذ. و الثاني: أنّه كان يعتقد أنّ له شركة مع الناس في فعلهم به و كانت بينهما هناة فكان بعثه له من بين الجماعة متعيّنا لأنّهم إن رجعوا بواسطته فهو الغرض و إن لم يرجعوا حصلت بعض المقاصد أيضا و هو تأكّد ما نسبه إليه من المشاركة في أمره، و بقاء ذلك حجّة عليه لمن بعده ممّن يطلب بدمه حتّى كان لسبب هذا الغرض الثاني ما كان من الوقايع بالبصرة و صفّين و غيرهما. و قوله و اللّه. إلى آخره يحتمل وجوها: أحدها: قال بعض الشارحين: إنّى بالغت في الذبّ عنه حتّى خشيت لكثرة أحداثه أن أكون آثما في الذبّ عنه و الاجتهاد في ذلك. و الثاني: يحتمل أن يريد أنّى خشيت الإثم في تغريرى بنفسى لأن دفع الجمع العظيم في هذا الأمر العظيم مظنّة الخوف على النفس فيكون الإقدام عليه مظنّة إثم. الثالث: يحتمل أنّه يريد أنّه خشى الإثم من الإفراط في حقّهم كأن يضرب أحدهم بسوطه و يغلظ له في القول و الشتم. و باللّه التوفيق.

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحه‏ى 323

خطبه 234 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام تسمى القاصعة و من خطبة له عليه السّلام تسمى القاصعة
و هى تتضمن ذم إبليس على استكباره و تركه السجود لآدم عليه السّلام و أنه أول من أظهر العصبية و تبع الحمية، و تحذير الناس من سلوك طريقته و فيها فصول:

الفصل الأوّل:

قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ وَ الْكِبْرِيَاءَ- وَ اخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ- وَ جَعَلَهُمَا حِمًى وَ حَرَماً عَلَى غَيْرِهِ- وَ اصْطَفَاهُمَا لِجَلَالِهِ- وَ جَعَلَ اللَّعْنَةَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا مِنْ عِبَادِهِ- ثُمَّ اخْتَبَرَ بِذَلِكَ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ- لِيَمِيزَ الْمُتَوَاضِعِينَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْتَكْبِرِينَ- فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَ هُوَ الْعَالِمُ بِمُضْمَرَاتِ الْقُلُوبِ‏ وَ مَحْجُوبَاتِ الْغُيُوبِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ- فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ- فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اعْتَرَضَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَافْتَخَرَ عَلَى آدَمَ بِخَلْقِهِ- وَ تَعَصَّبَ عَلَيْهِ لِأَصْلِهِ- فَعَدُوُّ اللَّهِ إِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ وَ سَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ- الَّذِي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ وَ نَازَعَ اللَّهَ رِدَاءَ الْجَبْرِيَّةِ- وَ ادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ وَ خَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ أَ لَا تَرَوْنَ كَيْفَ صَغَّرَهُ اللَّهُ بِتَكَبُّرِهِ- وَ وَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ فَجَعَلَهُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُوراً- وَ أَعَدَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ سَعِيراً وَ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ مِنْ نُورٍ- يَخْطَفُ الْأَبْصَارَ ضِيَاؤُهُ وَ يَبْهَرُ الْعُقُولَ رُوَاؤُهُ- وَ طِيبٍ يَأْخُذُ الْأَنْفَاسَ عَرْفُهُ لَفَعَلَ- وَ لَوْ فَعَلَ لَظَلَّتْ لَهُ الْأَعْنَاقُ خَاضِعَةً- وَ لَخَفَّتِ الْبَلْوَى فِيهِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ- وَ لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ابْتَلَي خَلْقَهُ بِبَعْضِ مَا يَجْهَلُونَ أَصْلَهُ- تَمْيِيزاً بِالِاخْتِبَارِ لَهُمْ وَ نَفْياً لِلِاسْتِكْبَارِ عَنْهُمْ- وَ إِبْعَاداً لِلْخُيَلَاءِ مِنْهُمْ

أقول: نقل في سبب هذه الخطبة: أنّ أهل الكوفة كانوا في آخر خلافته عليه السّلام قد فسدوا و كانوا قبائل متعدّدة فكان الرجل يخرج من منازل قبيلته فيمرّ بمنازل قبيلة اخرى فيقع به أدنى مكروه فيستعدى قبيلته، و ينادى باسمها مثلا يا للنخع أو يا لكنده نداء عاليا يقصد به الفتنه و إثارة الشرّ فيتّألب عليه فتيان القبيلة الّتي قد مرّ بها و ينادون يا لتميم يا لربيعة فيضربونه فيمرّ إلى قبيلته و يستصرخ بها و تسّل بينهم السيوف و تثور الفتنة، و لا يكون لها أصل في الحقيقة و لا سبب يعرف إلّا تعرّض الفتيان بعضهم ببعض، و كثر ذلك منهم فخرج عليه السّلام إليهم على ناقة فخطبهم هذه الخطبة. إذا عرفت ذلك فنقول:

اللغة

القصع: ابتلاع الماء و الجرّة، و قصعت الرجل قصعا: صغّرته و حقّرته، و قصعت هامّته: إذا ضربتها ببسط كفّك، و قصع اللّه شبابه: إذا بقى قميئا. فهو مقصوع لا يزداد.

و أصل هذه الكلمة للتصغير و التحقير.

و الجبريّة و الجبروت: الكبر.

و ادّرعه: لبسه كالدرع.

و الدحر: الطرد.

و خطف بالكسر. يخطف: أخذ البصر بسرعة استلابا.

و تبهر العقول: أى يغلب نوره أنوارها و ينمحق فيه.

و الرواء: المنظر الحسن.

و العرف: الرائحة الطيّبة.

و الخيلاء: الكبر.

و الإحباط: الإبطال.

و الجهد بفتح الجيم: الاجتهاد.

و الهوادة: الصلح.

المعنى

و قد ذكر الشارحون في تسمية هذه الخطبة القاصعة وجوها:
أحدها: و هو أقربها أنّه عليه السّلام كان يخطبها على ناقته و هى تقصع بجرّتها فجاز أن يقال: إنّ هذه الحال لمّا نقلت عنه فى أسناد هذه الخطبة نسبت الخطبة إلى الناقة القاصعة فقيل: خطبة القاصعة ثمّ كثر استعمالها فجعلت من صفات الخطبة نفسها، أو لأنّ الخطبة عرفت بهذه الصفة لملازمة قصع الناقة لإنشائها. و العرب يسمّى الشي‏ء باسم لازمه. الثاني: إنّها سميّت بذلك لأنّ المواعظ و الزواجر فيها متتابعة فأشبهت جرّات الناقة و تتابعها. الثالث: سميّت بذلك لأنّها هاشمة كاسرة لإبليس، و مصغّرة و محقّرة لكلّ جبّار. و هو وجه حسن أيضا. الرابع: لأنّها تسكّن نخوة المتكبّرين و كبرهم فأشبهت الماء الّذى يسكّن العطش فيكون من قولهم: قصع الماء عطشه إذا سكّنه و أذهبه.

و اعلم أنّ مدار هذه الخطبة على النهى عن الكبر و التوبيخ عليه و على ما يلزمه‏

من الحميّة و العصبيّة لغير اللّه تعالى ليكون الناس على ضدّ ذلك من التواضع و الرفق، و قد علمت في المقدّمات أنّ من شأن الخطيب أن يورد في صدر الخطبة ما ينبّه على المطلوب الّذي يورده بقول كلّىّ ليتنبّه السامعون لما يريده إجمالا فلذلك صدّر عليه السّلام الخطبة بنسبة العزّ و الكبرياء و العظمة إلى من هو أولى به و هو اللّه تعالى، و أشار إلى أنّ ذلك خاصّة له و حرام على غيره، و ذكر إبليس و قصّته مع آدم عليه السّلام في معرض الذمّ بتكبّره عليه ليترتّب على ذكره و ذمّه بتلك الرذيلة النهى و التحذير عن ارتكابها و ليحصل التنفير بحاله إذ كان بذلك ملعونا مطرودا على ألسنة الأنبياء بأسرهم. و إذ كان مدار الخطبة ذمّ الكبر و النهى عنه فلنشر إلى حقيقته في الإنسان أوّلا ثمّ إلى ما يلزمه من الآفات و إلى المذامّ الواردة فيه.
فنقول: أمّا حقيقته فهى هيئة نفسانيّة تنشأ عن تصوّر الإنسان نفسه أكمل من غيره و أعلى رتبة و تلك الهيئة تعود إلى ما يحصل للنفس عن ذلك التصوّر من النفخ و الهزّة و التعزّز و التعظّم و الركون إلى ما تصوّرته من كمالاتها و شرفها على الغير، و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أعوذ بك من نفخة الكبر. و هى رذيلة تحت الفجور تقابل فضيلة التواضع. و ما يلزم عن ذلك التصوّر أعنى تصوّر الإنسان فضيلته على الغير إن قطع النظر فيه عن قياسه على متكبّر عليه و عن إضافته إلى اللّه تعالى باعتبار أنّه منه و لم يكن خائفا من فوت تلك الفضيلة بل كان ساكنا إليها مطمئنّا فذلك هو العجب فإذن العجب هيئة تلزم عن تصوّر الكمال في النفس و استقطاعه عن المنعم به و الركون إليه و الفرح به مع الغفلة عن قياس النفس إلى الغير بكونها أفضل منه. و بهذا الفصل الأخير ينفصل عن الكبر. إذ كان لا بدّ في الكبر من أن يرى الإنسان لنفسه مرتبة و للغير مرتبة ثمّ يرى مرتبته فوق مرتبة غيره. و أمّا آفاته و هى ثمراته و ما يلزم عنه من الأعمال و التروك فإنّ هذا الخلق يوجب أعمالا إذا ظهرت على الجوارح قد تسمّى كبرا: فمنها باطنة كتحقير الغير و ازدرائه، و اعتقاد أنّه ليس أهلا للمجالسة و المواكلة و الأنفة عن ذلك. و اعتقاد أنّه يصلح أن يكون ماثلا بين يديه قائما، بل قد يعتقد من هو أشدّ كبرا أنّ ذلك لا يصلح للمثول بين يديه، و كحسده و الحقد عليه، و كنظر العالم المتكبّر إلى الجاهل العامّى بعين الاستخفاف و الاستجهال. و أمّا الظاهرة فكالتقدّم عليه في الطرق و الارتفاع عليه في المجالس، و كإبعاده عن مجالسته و مؤاكلته، و العنف به في النصح، و الغضب عند ردّ قوله، و الغلظة على المتعلّمين و إذلالهم و استخدامهم، و الغيبة و التطاول بالقول. و أمّا التروك: فكترك التواضع و الاستنكاف عن مجالسة من دونه و معاشرته و عدم الرفق بذوى الحاجات و نحو ذلك ممّا لا يحصى من الرذائل.

و أمّا المذامّ الواردة فيه: فهى كثيرة في القرآن الكريم و السنّة النبويّة كقوله تعالى كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ«» و قوله وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ«» و قول الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يقول اللّه عزّ و جلّ الكبرياء ردائى و العظمة إزارى فمن ناز عنى واحدا منهما ألقيته في جهنّم. و قوله عليه السّلام: لا يدخل الجنّة من في قلبه مثقال ذرّة من كبر. و إنّما صار حجابا عن الجنّة لأنّه يحول بين العبد و بين أخلاق المؤمنين الّتي هى أبواب الجنّة. فالكبر و العجب يغلق تلك الأبواب كلّها لأنّها لا تقدر على أنّ يحبّ للمؤمن ما يحبّ لنفسه و فيه شي‏ء من العزّة، و لا يتمكّن من ترك هذه الرذائل و فعل أضدادها من الفضائل كالتواضع و كظم الغيظ و قبول النصح و الرفق في القول و غيرها و فيه شي‏ء من العزّة و الكبرياء. و ما من خلق ذميم إلّا و صاحب العزّة و الكبر مضطرّ إليه ليحفظ به عزّه. و ما من خلق فاضل إلّا و هو عاجز عنه خوفا أن يفوته عزّه فلذلك لم يدخل الجنّة من في قلبه مثقال حبّة من كبر. و بعض الأخلاق الذميمة مستلزم للبعض. و شرّ أنواع الكبر ما منع العلم و استعماله و قبول الحقّ و الانقياد له.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّه عليه السّلام حمد اللّه تعالى باعتبارات:
أحدها: لبسه للعزّ و الكبرياء.
و لمّا علمت أنّ الكبرياء لا بدّ فيه من أمرين: أحدهما: العلم بكمال الذات. و الثاني: اعتبار الشرف و العلوّ على الغير فكان هذان الاعتباران صادقين عليه تعالى أتمّ من صدقهما على كلّ موجود لا جرم كان بالكبرياء و العظمة أحقّ من كلّ موجود أمّا الأوّل: فلأنّه لمّا كان كمالات الذات عبارة عن الوجود و كماله فكان وجوده تعالى أتمّ الوجودات بحيث لم يفته من كماله شي‏ء بل كلّ ما ينبغي له فهو حاصل بالفعل لا جرم صدق عليه هذا الاعتبار أتمّ صدق. و أمّا الثاني: فلأنّ وجوده تعالى هو الوجود الّذي يصدر عنه وجود كلّ موجود عداه، و هو تعالى عالم بجميع المعلومات كلّيّها و جزئيّها فهو إذن عالم بكماله و شرفه على عبيده. و استعار لفظ اللبس باعتبار إحاطة كماله بكلّ اعتبار له كما يحيط القميص و الرداء بجسد لابسه.

الثاني: كونه تعالى اختارهما لنفسه دون خلقه.
و معنى اختياره هنا تفرّده باستحقاقهما لذاته فإنّ المستحقّ للعزّ و الكبرياء بالذات ليس إلّا هو، و دلّ على ذلك المنقول و المعقول. و أمّا المنقول: فقوله تعالى عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ«» و الألف و اللام هنا يفيد حصر الكبرياء و العلوّ فيه، و أمّا المعقول فلأنّه تعالى لمّا استحقّ ذلك الاعتبار لذاته لا بأمر خارج و إلّا لكان مفتقرا إلى الغير. ثمّ ذمّ المتكبّرين و توعّدهم في كتابه العزيز و على لسان نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث قال حكاية عنه: الكبرياء ردائى. الخبر. علمنا أنّه قد اختار الاختصاص بهما دون خلقه.

الثالث: و جعلهما حمى و حرما على غيره.
استعار لفظ الحمى و الحرم باعتبار اختياره لهما و تحريمهما على غيره من خلقه كما يحمى الملك المرعى و الحرم.

الرابع: و اصطفاهما لجلاله
أى لتقدّسه و علوّه عن شبه مخلوقاته استحقّ الانفراد بهذين فتفرّد بهما. و هو معنى اصطفائه لهما.

الخامس: جعله اللعنة على من نازعه فيهما من عباده
إشارة إلى نحو قوله في الخبر المذكور: فمن نازعني فيهما ألقيته في جهنّم. و لا شكّ أنّ الملقى في جهنّم مبعّد مطرود عن الخير و الرحمة. و لفظ المنازعة في الخبر مجاز في محادّة المتكبّرين‏ و مجانبتهم له و مخالفتهم لأمره في الاتّصاف بالكبر فكأنّهم يجاذبونه ما اختص به و من لوازم المجاذبة المنازعة القوليّة فاطلقت هنا إطلاقا لاسم اللازم على ملزومه.

السادس: اختباره بذلك ملائكته المقرّبين. إلى قوله: ساجدين
أى ابتلاهم بالتكبّر و عدمه. و قد علمت معنى ابتلائه و اختباره تعالى لخلقه فيما سبق. و نزيده بيانا. فنقول لمّا كانت حقيقة الاختبار طلب الخبر بالشي‏ء و معرفته لمن لا يكون عارفا به، و كان هو تعالى عالما بمضمرات القلوب و خفيّات القلوب فيميّز المطيعين من عبيده من العصاة لم يكن إطلاق هذا اللفظ في حقّه حقيقة بل على وجه الاستعارة باعتبار أنّه لمّا كان ثوابه و عقابه للخلق موقوفين على تكليفهم بما كلّفهم به فإن أطاعوه فيما أمرهم أثابهم و إن عصوه عاقبهم أشبه ذلك اختبار الإنسان لعبيده و تمييزه لمن أطاعه منهم ممّن عصاه، و أطلق عليه لفظه.

و قوله: ليميز المتواضعين منهم من المتكبّرين.
ترشيح لاستعارة الاختبار لأنّ التميز من لوازمه و عوارضه. و يحتمل أن يريد ليميز المطيعين عن العصاة بإعطاء الثواب لهم دونهم فلا يكون التميز بمعنى العلم بل الانفصال الخارجىّ لكلّ من‏ المطيعين و العصاة بما يستحقّه من ثواب و عقاب.

و قوله: و هو العالم. إلى قوله: العيوب.
 قرينة مخرجة للاختبار عن حقيقته، و هى جملة معترضة بين القول و المقول للملائكة و هو قوله تعالى وَ إِذْ إلى آخره. و المختبر به هو قوله فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ«» و قال بعض الشارحين: إنّما اختبرهم مع علمه بمضمراتهم لأنّ اختباره تعالى ليس ليعلم بل ليعلم غيره من خلقه طاعة من يطيع و عصيان من يعصى قال: و قوله لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ و قوله لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ أى لتعلم أنت و غيرك. و فيه بعد. و قد شرحنا قصّة الملائكة و إبليس‏ و آدم في الخطبة الاولى بقدر الوسع فلا حاجة إلى التطويل بالإعادة غير أنّ هاهنا ألفاظا يحتاج إلى الإيضاح. و افتخار إبليس و تعصّبه و تكبّره على آدم في قوله قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ و قوله: أ أسجد لمن خلقت طينا أ أسجد لبشر خلقته من صلصال من حماء مسنون. فكان تعصّبه عليه و استكباره نظرا إلى أصلهما، و كونه إمام المتعصّبين باعتبار كونه المنشأ لرذيلة العصبيّة في غير الحقّ و المعتدى به فيها. و أمّا العصبيّة في الحقّ فهى محمودة كما جاء في الخبر: العصبيّة في اللّه تورث الجنّة، و العصبيّة في الشيطان تورث النار. و كذلك كونه سلفا للمتكبّرين باعتبار تقدّمه للمتكبّرين بالاستكبار على آدم. و السلف هو التقدّم.

و قوله: الّذى وضع أساس العصبيّة.
 إذ كانت عصبيّته لأصله كالأساس للخلق يبنى عليه الخلق سائر العصبيّات و يقتدى به فيها.

و قوله: و نازع اللّه رداء الجبريّة.
 أى بتجبّره و تكبّره. و قد عرفت وجه الاستعارة في المنازعة في الرداء، و كذلك قوله: و ادّرع لباس التعزّز. لمّا استعار لفظ الادّراع لإبليس من جهة اشتماله و تلبّسه بالتعزّز رشّح بذكر اللباس، و كذلك قوله: و خلع قناع التذلّل. استعارة للفظ الخلع، و ترشيح بلفظ القناع.

و قوله: أ لا ترون. إلى قوله: بترفّعه.
 تنبيه على كيفيّة تصغير اللّه إيّاه و وضعه له بسبب تكبّره و تعظّمه، و ذلك التصغير و الوضع هو جعله في الدنيا مدحورا بعد إخراجه من الجنّة بقوله تعالى اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً«» و إعداده له في الآخرة سعيرا بقوله تعالى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ«» و نحوه.

و قوله: و لو أراد اللّه. إلى قوله: على الملائكة.
 في صورة قياس اقترانىّ مركّب من متّصلين صغراهما قوله: و لو اراد اللّه. إلى قوله: لفعل. و كبراهما: قوله: و لو فعل إلى آخره. و تالى الكبرى مركّب من جملتين عطفت إحداهما على الاخرى. و معنى الصغرى أنّه تعالى لو أراد قبل خلق آدم أن يخلقه من نور شفّاف لطيف يخطف الأبصار، و يبهر العقول حسنه، و طيب يأخذ الأنفاس رائحته و لم يخلقه من طين ظلمانىّ كثيف لفعل لأنّ ذلك أمر ممكن مقدور له، و يحتمل أن يريد بخلقه من النور خلقه روحانيّا مجرّدا عن علاقة الموادّ المظلمة. و قد يوصف المجرّدات بالنور فيقال: أنوار اللّه، و أنوار جلاله، و أنوار حضرته، و قد أضاءنا بنور علمه و يوصف بالرايحة أيضا فيقال: فلان لم يشمّ رائحة العلم. و بالطعم فيقال: فلان لم يذق حلاوة العلم. و كلّ ذلك استعارة لفظ المحسوس للمعقول تقريبا للأفهام. و معنى الكبرى أنّه لو فعل ذلك و خلقه كذلك لظلّت أعناق الملائكة و إبليس خاضعة له. و ذلك لشرف جوهره على الطين و فضل خلقته على ما يخلق منه و لم يكن ممّن يفسد في الأرض و يسفك الدماء حتّى تقول الملائكة: أ تجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء. و لا من طين منتن حتّى يفخر عليه إبليس بأصله يقول: أنا خير منه خلقتنى من نار و خلقته من طين، أ أسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون و لخفّت البلوى فيه على الملائكة. و بيان الخفّة من وجهين: أحدهما: لشرف جوهره فإنّه من العادة أن يستنكف الشريف من الخضوع لمن هو دونه في أصله و يشقّ عليه التكليف بذلك في حقّه فأمّا إذا كان أصله مناسبا لأصله و مقارنا في الشرف فلا شكّ أنّ تكليفه بخدمته يكون عليه أسهل و أخفّ. و الثاني: أنّهم ما كانوا عالمين بالسرّ الّذي خلق له آدم و هو كونه صالحا لخلافة اللّه سبحانه في عمارة الأرض و إصلاح أبناء نوعه و إعدادهم للكمالات و غير ذلك ممّا لا يعلمونه كما قال تعالى في جواب قولهم أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها إلى وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ«» و كما علّمه الأسماء و أمره بعرضها عليهم فقال وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ«» و ظاهر أنّ تكليف النفس بما يطّلع على سرّه و يعلم وجه الحكمة فيه أسهل عليها من تكليفها بما تجهله. فلو خلقه تعالى من نور مناسبا لخلقهم لعلموا نوعيّته و سرّ خلقه فلم يشقّ عليهم التكليف بالسجود له. و يؤيّد هذا الوجه قوله: و لكنّ اللّه سبحانه مبتلى خلقه ببعض ما يجهلون أصله و في هذا الاستثناء تنبيه على عدم إرادة خلق آدم من نور. و ذلك العدم هو نقيض مقدّم نتيجة القياس المذكور اللازم عن استثناء نقيض تاليها. و تقدير النتيجة أنّه لو أراد خلقه من نور لظلّت الأعناق له خاضعة و خفّت البلوى على الملائكة لكن لم يكن الأمر كذلك فاستلزم أنّه لم يرد خلقه من نور.

فكان معنى قوله: و لكنّ اللّه ابتلى خلقه. أنّه لم يرد خلقه من نور بل أراد أن يبتلى خلقه ببعض ما يجهلون أصله و هو تكليفهم بالسجود لآدم مع جهلهم بأصل ذلك التكليف و الغرض منه أو جهلهم بآدم و سرّ خلقته الّذي هو أصل لذلك التكليف. و نصب قوله: تمييزا و نفيا و إبعادا على المفعول له: أى ليميّز بذلك التكليف و بما يستلزم من الذلّة و الانقياد و الخضوع المطيع من العاصى، و لينفى رذيلة الكبر و الخيلاء عنهم و باللّه التوفيق.

الفصل الثاني:

في أمر السامعين بالاعتبار بحال إبليس و ما لزمه من اللعنة و بطلان أعماله الصالحة في المدّة المتطاولة بسبب التكبّر و العصبيّة الفاسدة، و التحذير من سلوك طريقته و اقتفاء أثره في الكبر و لوازمه من الرذائل الّتي عدّدناها.

و ذلك قوله: فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ بِإِبْلِيسَ- إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ وَ جَهْدَهُ الْجَهِيدَ- وَ كَانَ قَدْ عَبَدَ اللَّهَ سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ- لَا يُدْرَى أَ مِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي الْآخِرَةِ- عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ- فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ- كَلَّا مَا كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِيُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَراً- بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِهِ مِنْهَا مَلَكاً- إِنَّ حُكْمَهُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وَ أَهْلِ الْأَرْضِ لَوَاحِدٌ- وَ مَا بَيْنَ اللَّهِ وَ بَيْنَ‏ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ هَوَادَةٌ- فِي إِبَاحَةِ حِمًى حَرَّمَهُ عَلَى الْعَالَمِينَ فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللَّهِ عَدُوَّ اللَّهِ أَنْ يُعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ- وَ أَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ بِنِدَائِهِ وَ أَنْ يُجْلِبَ عَلَيْكُمْ بِخَيْلِهِ وَ رَجْلِهِ- فَلَعَمْرِي لَقَدْ فَوَّقَ لَكُمْ سَهْمَ الْوَعِيدِ- وَ أَغْرَقَ إِلَيْكُمْ بِالنَّزْعِ الشَّدِيدِ- وَ رَمَاكُمْ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ- فَقَالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ- وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ- قَذْفاً بِغَيْبٍ بَعِيدٍ وَ رَجْماً بِظَنٍّ غَيْرِ مُصِيبٍ- صَدَّقَهُ بِهِ أَبْنَاءُ الْحَمِيَّةِ وَ إِخْوَانُ الْعَصَبِيَّةِ- وَ فُرْسَانُ الْكِبْرِ وَ الْجَاهِلِيَّةِ- حَتَّى إِذَا انْقَادَتْ لَهُ الْجَامِحَةُ مِنْكُمْ- وَ اسْتَحْكَمَتِ الطَّمَاعِيَّةُ مِنْهُ فِيكُمْ- فَنَجَمَتِ فِيهِ الْحَالُ مِنَ السِّرِّ الْخَفِيِّ إِلَى الْأَمْرِ الْجَلِيِّ- اسْتَفْحَلَ سُلْطَانُهُ عَلَيْكُمْ- وَ دَلَفَ بِجُنُودِهِ نَحْوَكُمْ- فَأَقْحَمُوكُمْ وَلَجَاتِ الذُّلِّ- وَ أَحَلُّوكُمْ وَرَطَاتِ الْقَتْلِ- وَ أَوْطَئُوكُمْ إِثْخَانَ الْجِرَاحَةِ طَعْناً فِي عُيُونِكُمْ- وَ حَزّاً فِي حُلُوقِكُمْ وَ دَقّاً لِمَنَاخِرِكُمْ- وَ قَصْداً لِمَقَاتِلِكُمْ وَ سَوْقاً بِخَزَائِمِ الْقَهْرِ- إِلَى النَّارِ الْمُعَدَّةِ لَكُمْ- فَأَصْبَحَ أَعْظَمَ فِي دِينِكُمْ حَرْجاً- وَ أَوْرَى فِي دُنْيَاكُمْ قَدْحاً- مِنَ الَّذِينَ أَصْبَحْتُمْ لَهُمْ مُنَاصِبِينَ وَ عَلَيْهِمْ مُتَأَلِّبِينَ- فَاجْعَلُوا عَلَيْهِ حَدَّكُمْ وَ لَهُ جِدَّكُمْ- فَلَعَمْرُ اللَّهِ لَقَدْ فَخَرَ عَلَى أَصْلِكُمْ- وَ وَقَعَ فِي حَسَبِكُمْ وَ دَفَعَ فِي نَسَبِكُمْ- وَ أَجْلَبَ بِخَيْلِهِ عَلَيْكُمْ وَ قَصَدَ بِرَجِلِهِ سَبِيلَكُمْ- يَقْتَنِصُونَكُمْ بِكُلِ‏ مَكَانٍ وَ يَضْرِبُونَ مِنْكُمْ كُلَّ بَنَانٍ- لَا تَمْتَنِعُونَ بِحِيلَةٍ وَ لَا تَدْفَعُونَ بِعَزِيمَةٍ- فِي حَوْمَةِ ذُلٍّ وَ حَلْقَةِ ضِيقٍ- وَ عَرْصَةِ مَوْتٍ وَ جَوْلَةِ بَلَاءٍ- فَأَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُمْ- مِنْ نِيرَانِ الْعَصَبِيَّةِ وَ أَحْقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ- فَإِنَّمَا تِلْكَ الْحَمِيَّةُ تَكُونُ فِي الْمُسْلِمِ- مِنْ خَطَرَاتِ الشَّيْطَانِ وَ نَخَوَاتِهِ وَ نَزَغَاتِهِ وَ نَفَثَاتِهِ- وَ اعْتَمِدُوا وَضْعَ التَّذَلُّلِ عَلَى رُءُوسِكُمْ- وَ إِلْقَاءَ التَّعَزُّزِ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ- وَ خَلْعَ التَّكَبُّرِ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ- وَ اتَّخِذُوا التَّوَاضُعَ- مَسْلَحَةً بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ عَدُوِّكُمْ إِبْلِيسَ وَ جُنُودِهِ- فَإِنَّ لَهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ جُنُوداً وَ أَعْوَاناً- وَ رَجْلًا وَ فُرْسَاناً- وَ لَا تَكُونُوا كَالْمُتَكَبِّرِ عَلَى ابْنِ أُمِّهِ- مِنْ غَيْرِ مَا فَضْلٍ جَعَلَهُ اللَّهُ فِيهِ- سِوَى مَا أَلْحَقَتِ الْعَظَمَةُ بِنَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةِ الْحَسَدِ- وَ قَدَحَتِ الْحَمِيَّةُ فِي قَلْبِهِ مِنْ نَارِ الْغَضَبِ- وَ نَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي أَنْفِهِ مِنْ رِيحِ الْكِبْرِ- الَّذِي أَعْقَبَهُ اللَّهُ بِهِ النَّدَامَةَ- وَ أَلْزَمَهُ آثَامَ الْقَاتِلِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَلَا وَ قَدْ أَمْعَنْتُمْ فِي الْبَغْيِ وَ أَفْسَدْتُمْ فِي الْأَرْضِ- مُصَارَحَةً لِلَّهِ بِالْمُنَاصَبَةِ- وَ مُبَارَزَةً لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْمُحَارَبَةِ- فَاللَّهَ اللَّهَ فِي كِبْرِ الْحَمِيَّةِ وَ فَخْرِ الْجَاهِلِيَّةِ- فَإِنَّهُ مَلَاقِحُ الشَّنَئَانِ وَ مَنَافِخُ الشَّيْطَانِ- الَّتِي خَدَعَ بِهَا الْأُمَمَ الْمَاضِيَةَ وَ الْقُرُونَ الْخَالِيَةَ- حَتَّى أَعْنَقُوا فِي حَنَادِسِ جَهَالَتِهِ وَ مَهَاوِي ضَلَالَتِهِ- ذُلُلًا عَنْ سِيَاقِهِ سُلُساً فِي قِيَادِهِ- أَمْراً تَشَابَهَتِ الْقُلُوبُ فِيهِ وَ تَتَابَعَتِ الْقُرُونُ عَلَيْهِ- وَ كِبْراً تَضَايَقَتِ الصُّدُورُ بِهِ أَلَا فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ طَاعَةِ سَادَاتِكُمْ وَ كُبَرَائِكُمْ- الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ حَسَبِهِمْ وَ تَرَفَّعُوا فَوْقَ نَسَبِهِمْ- وَ أَلْقَوُا الْهَجِينَةَ عَلَى رَبِّهِمْ- وَ جَاحَدُوا اللَّهَ عَلَى مَا صَنَعَ بِهِمْ- مُكَابَرَةً لِقَضَائِهِ وَ مُغَالَبَةً لِآلَائِهِ- فَإِنَّهُمْ قَوَاعِدُ أَسَاسِ الْعَصَبِيَّةِ- وَ دَعَائِمُ أَرْكَانِ الْفِتْنَةِ وَ سُيُوفُ اعْتِزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ لَا تَكُونُوا لِنِعَمِهِ عَلَيْكُمْ أَضْدَاداً- وَ لَا لِفَضْلِهِ عِنْدَكُمْ حُسَّاداً- وَ لَا تُطِيعُوا الْأَدْعِيَاءَ الَّذِينَ شَرِبْتُمْ بِصَفْوِكُمْ كَدَرَهُمْ- وَ خَلَطْتُمْ بِصِحَّتِكُمْ مَرَضَهُمْ وَ أَدْخَلْتُمْ فِي حَقِّكُمْ بَاطِلَهُمْ- وَ هُمْ أَسَاسُ الْفُسُوقِ وَ أَحْلَاسُ الْعُقُوقِ- اتَّخَذَهُمْ إِبْلِيسُ مَطَايَا ضَلَالٍ- وَ جُنْداً بِهِمْ يَصُولُ عَلَى النَّاسِ- وَ تَرَاجِمَةً يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ- اسْتِرَاقاً لِعُقُولِكُمْ وَ دُخُولًا فِي عُيُونِكُمْ- وَ نَفْثاً فِي أَسْمَاعِكُمْ- فَجَعَلَكُمْ مَرْمَى نَبْلِهِ وَ مَوْطِئَ قَدَمِهِ وَ مَأْخَذَ يَدِهِ

اللغة

أقول:

الإحباط: الإبطال.

و الجهد بفتح الجيم: الاجتهاد.

و الهوادة: الصلح.

و استفزّه: استخفّه و أزعجه.

و فوّق السهم: جعل له فوقا و هو موضع الوتر منه.

و نزع القوس نزعا: أى مدّها.

و الإغراق في المدّ: استيفائه و استيعابه.

و القذف: الرمى و الطماعية: الطمع.

و نجمت: ظهرت.

و دلف. مشى و دنا.
و أقحموكم: أدخلوكم قهرا.

و الولجات: جمع و لجة بفتح الجيم و هى الموضع كالكهف و نحوه تستتر به المارّة من المطر و غيره.

و الورطات: جمع ورطة و هى الأرض المطمئنّة لا طريق فيها، و الورطة: الهلاك أيضا.

و الحزّ: القطع.

و الخزائم- جمع خزامة بكسر الخاء- : و هى حلقة من شعر فى أنف البعير يشدّ فيها الزمام.

و أورى: أفعل من الورى و هو إظهار النار.

و المناصبة: المعاداة و المقابلة في الحرب لأنّ كلّا قد نصب نفسه و شرّه للآخرة.

و التألّب: الاجتماع.

و حسب الرجل: ما يعدّه من مفاخر آبائه.

و أجلب عليه: جمع، و أصل الجلبة: الأصوات في الحرب و الغارة.

و حومة الشي‏ء: معظمه، و ما استدار منه على كثرة.

و كذلك الحلقة للقوم. و عرصة موت: أى معرض له، و بصدده. و الجولة: كالحلقة.

و النخوة: الكبر.

و النزع: الإفساد.

و النفث: النفخ و هو أقلّ من التفل.

و المسلحة: قوم ذو سلاح يحفظون الثغور و المراقب، و قد يطلق على تلك الأماكن أنفسها.

و الإمعان في الشي‏ء: التباعد فيه، و الايصال.

و المصارحة: المكاشفة و المجاهرة.

و الملاقح: الفحول- واحدها ملقح بفتح الميم- و يحتمل أن يكون مصدرا.

و الشنئان- بفتح النون و سكونها- : البغضاء.

و أعنق الجمل في السير: مدّ عنقه و أوسع خطوته.

و الحنادس جمع حندس بكسر الحاء و الدال- : الليل شديد الظلمة.

و الذلل: جمع ذليلة فعيلة بمعنى مفعولة.

و السلس: جمع سلس و هى سهلة القياد.

و الهجينة: الفعل القبيح بمعنى مفعولة.

و الاعتزاء: الايتماء، و الانتساب إلى أب أو قبيلة.

و الأدعياء: جمع دعىّ و هو الّذي يدعى إلى غير أبيه و ينسب إليه.

و الحلس: ما يلزم الشي‏ء.

و أصله من حلس البعير و هو كساء رقيق يجعل تحت بردعته وقايه لظهره.

و العقوق: مشاقّة الوالد و ذى الرحم، و منع برّه.

 

المعنى

فقوله: فاعتبروا.
 أمر للسامعين باعتبار حال إبليس في الكبر بعد شرح حاله في طاعة اللّه و طول مدّة عبادته له و ما لزمه بسبب كبر ساعة واحدة من إحباط عمله و لعنته و البعد عن رحمة اللّه ليتنبّهوا للتخلّي عن هذه الرذيلة. وجه الاعتبار أن يقال: إذا كان حال من تكبّر من الملائكة بعد عبادة ستّة آلاف سنة كذلك فكيف بالمتكبّرين من البشر على قصر مدّة عبادتهم و كونهم بشرا. فبطريق الأولى أن يكونوا كذلك. و جهده الجهيد: أى اجتهاده الّذي جهده و شقّ عليه.

و قوله: و كان قد عبد اللّه. إلى قوله: الآخرة.
 فيشبه أن يكون قد أشار بسنى الآخرة إلى سنين موهومة عن مثل اليوم المشار إليه بقوله تعالى: وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ«» و قوله فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ«» و تقريره أنّ الأيّام في الآخرة ممّا لا يمكن حملها على حقائقها لأنّ اليوم المعهود عبارة عن زمان طلوع الشمس إلى مغيبها، و بعد خراب العالم على ما نطقت به الشريعة لا يبقى ذلك الزمان، و على رأى من أثبت بقاء الفلك تكون القيامة عبارة عن مفارقة النفوس لأبدانها أو عن أحوال تعرض لها بعد المفارقة، و المجرّدات المفارقات لا يكون لأحوالها زمان و لا مكان حتّى تجرى في يوم أو سنة فتعيّن حمل اليوم على مجازه و هو الزمان المقدّر بحسب الوهم القايس لأحوال الآخرة إلى أحوال الدنيا و أيّامها إقامة لما بالقوّة مقام ما بالفعل.
و كذلك السنة. و هذه الأزمنة هى الّتي أشار إلى مثلها المتكلّمون بقولهم: إنّ تقدّم البارى تعالى على وجود العالم بتقدير أزمنة لا نهاية لها. إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ قوله تعالى فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ و في موضع مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ إشارة إلى تفاوت تلك الأزمنة الموهومة بشدّة أهوال أحوال أهل الآخرة و ضعفها و طولها و قصرها و سرعة حساب بعضهم و خفّة ظهره و ثقل أوزار قوم آخرين و طول حسابهم كما روى عن ابن عبّاس في قوله كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال: هو يوم القيامة جعله اللّه على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، و أراد أنّ أهل الموقف لشدّة أهوالهم يستطيلون بقاهم فيها و شدّتها عليهم حتّى يكون في قوّة ذلك المقدار. و عن أبي سعيد الخدريّ قال: قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في يوم القيامة كان مقداره خمسين ألف سنة: ما أطول هذا اليوم فقال: و الّذي نفسى بيده إنّه ليخفّ على المؤمن حتّى يكون عليه أخفّ من صلاة مكتوبة يصلّيها في الدنيا. و هذا يدلّ على أنّه يوم موهوم و إلّا لما تفاوت في الطول و القصر إلى هذه الغاية. إذا ثبت هذا فنقول: يحتمل أن يكون مراده عليه السّلام أنّ عبادة إبليس و الملائكة الّذين نقلنا في الخبر في الخطبة الاولى‏ أنّهم اهبطوا إلى الأرض و طردوا الجنّ إلى البحار و رءوس الجبال و عبدو اللّه في الأرض زمانا كانت عبادة روحانيّة لا يستدعى زمانا موجودا بل أحوالا موهومة تشبه الزمان، و أنّ إبليس عبد اللّه في تقدير أزمنة مبلغها ستّة آلاف سنة قبل خلق آدم. و يحتمل أن يقال: إنّها كانت جسمانيّة في زمان من أزمنة الدنيا و لكن يكون في كميّة كمقدار خمسين ألف سنة من سنى الدنيا.

فأمّا قوله: لا يدرى.
 ففى نسخة الرضى بالبناء للفاعل. و في غيرها من النسخ بالبناء للمفعول.

و الرواية الاولى تستلزم أنّه ممّن لا يدرى أنّ تلك السنين من أىّ السنين و الثانية يحتمل فيها كونه ممّن يدرى ذلك. و بالجملة فلمّا كانت مدّة عبادة إبليس قبل آدم يحتمل أن يكون روحانيّة و أن يكون جسمانيّة، و يحتمل أن يكون بحسب ذلك في زمان موهوم أو موجود. و على تقدير أن يكون موجودا يحتمل أن يكون ستّة آلاف سنة من السنين المعهودة المتعارفة لنا، و يحتمل أن يكون من سنين كانت قبل ذلك مصطلحا على تقدير كلّ منها بألف سنة أو بخمسين ألف سنة من سنينا لا جرم لم يمكن الجزم بواحد من هذه الاحتمالات فلذلك قال: لا يدرى. قال بعض الشارحين: و يفهم من تقديره عليه السّلام تلك المدّة بستّة آلاف سنة لا يدرى من أىّ السنين هي أنّه سمع فيه نصّا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مجملا و لم يفسّره له، أو أنّه سمعه و علم تفصيله لكنّه لم يفصّله للناس بل أبهم القول عليهم في تعيينه لعلمه أنّ تعيين سنى الآخرة ممّا يستعظمونه و لا يحتمله أذهانهم. فإنّ عبادته إذا كانت ستّة آلاف سنة و كل يوم منها خمسين ألف سنة من سنى الدنيا كان مبلغ ذلك ممّا يخرج من ضرب ستّة آلاف سنة في ثلاث مائة و ستّين مضروبة في خمسين ألفا و هو مائة و ثمانية ألف ألف ألف- بتكرير لفظ الألف ثلاث مرات- و على تقدير أن يكون مقدار كلّ يوم ألف سنة يكون مبلغها ما يخرج من ضرب ستّة آلاف في ثلاث مائة و ستّين ألفا و هو ألفا ألف ألف سنة- بتكرير الألف ثلاث مرات و تثنية الأوّل- و مائة ألف ألف- بلفظتين- و ستّون ألف ألف- بلفظتين أيضا- و ذلك مما لا يحتمله أذهان السامعين. فلذلك‏ أبهم القول فيه.

و قوله: فمن. إلى قوله: معصية.
 استفهام إنكار لوجود من يسلم من لعنة اللّه و عقوبته ممّن يكون فيه رذيلة الكبر.

و قوله: يسلم على اللّه.
 في معنى يرجع إليه سالما من طرده و لعنته و عذابه. تقول: سلم علىّ هذا الشي‏ء إذا رجع إليك سالما و لم يلحقه تلف. و الباء في قوله: بمثل معصيته. للاستصحاب: أى فمن يرجع إلى اللّه سالما من عذابه و قد استصحب مثل معصية إبليس: أى تكبّر كتكبّره و خالف أمر ربّه.

و قوله: كلّا.
 ردّ لما عساه يدّعى من تلك السلامة الّتى استنكر وقوعها باستفهامه. و فسّر ذلك الردّ بقوله: ما كان اللّه. إلى قوله: ملكا. و الباء في قوله: بأمر للاستصحاب أيضا: أى ما كان ليدخل الجنّة بشرا مستصحبا لأمر أخرج به منها ملكا. و ذلك الأمر هو رذيلة الكبر الّتي يستصحبها الإنسان بعد الموت ملكة و خلقا في جوهر نفسه. و القضيّة سالبة عرفيّة عامّة: أى لا يدخل الجنّة بشر بوصف الكبر ما دام له ذلك الوصف.
فإن كان ذلك الوصف يدوم كما في حقّ الكافر لم يدخل الجنّة أبدا، و إن كان لا يدوم جاز أن يدخل بعد زواله الجنّة. فإذن لا مسكة للرعية به قول القائلين بتخليد الفاسق من أهل القبلة في هذا الكلام. و أمّا حديث الإحباط فيقول: إنّما كان بسبب الكفر كما قال تعالى إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ«».
فإن قلت: الكلام يقتضى أنّ إحباط عمله و إخراجه من الجنّة كان بسبب تكبّره لا بسبب كفره.
قلت: الأصل هو الكبر إلّا أنّ تكبّره كان تكبّرا على اللّه و إباء لطاعته و استصغارا لما امر به حيث قال: أ أسجد لبشر خلقته من صلصال، أ أسجد لمن خلقت طينا و ذلك محادّة للّه و كفر به مصارحة فكان ذلك مستلزما لكفره. و لا شكّ أنّ‏ الكفر يستلزم إحباط العمل و اللعن و الخروج من الجنّة.

و قوله: إنّ حكمه في أهل السماء. إلى قوله: لواحد.
 أى في إفاضته للخير و الشرّ على من يستعدّ لأحدهما فمن استعدّ من أهل السماء أو أهل الأرض لخير أو شرّ فحكمه فيه أن يفيض على ما استعدّ له و ذلك حكم لا يختلف اعتباره من جهته تعالى.

و قوله: و ما بين اللّه. إلى قوله: العالمين.
 أى ليس بينه و بين أحد من خلقه صلح فيخصّصه بإباحة حكم حرّمه على سائر خلقه فيختلف بذلك حكمه فيهم لأنّ الصلح من عوارض الحاجة أو الخوف المحالين عليه تعالى. و قال بعض الشارحين: كلّ ما جاء من الإحباط في القرآن و الأثر فمحمول على أنّ ذلك الفعل المحبط قد أخلّ فاعله ببعض شرائطه اللازمة إذ لم يوقعه على الوجه المأمور به المرضىّ، أو فعله لا على بصيرة و يقين بل على ظنّ و تخمين.

و بالجملة فحيث يقع لا على وجه يستحقّ به ثوابا، لا على أنّه استحقّ به شيئا ثمّ احبط. فإنّ ذلك ممّا قام البرهان على استحالته. ثمّ حذّرهم من إبليس باعتبار كونه عدوّ اللّه بعد أمرهم باعتبار حاله و ما لزمه من الشقاوة بسبب معصية له أن يعديهم بذلك الداء و هو الكبر الّذى بسببه لزمته تلك الشقاوة. و معنى عداوته للّه مجانبته لأوامره و مجاوزته لطاعته إلى معصيته و هو مستعار. و لفظ الداء مستعار للكبر يقرب من الحقيقة فإنّ أدواء النفوس أشدّ من أدواء الأبدان. و محلّ أن يعديكم نصب على البدل من عدوّ، و نقل عن القطب الراوندى- رحمه اللّه- أنّه مفعول ثان عن احذروا. و هو سهو. إذ هذا الفعل لا يتعدّى إلى مفعولين.

و قوله: بخيله و رجله.
 كناية عن أعوانه من الضالّين المضلّين الّذين يستخفّون الناس بالوسوسة و الدعوة إلى طرق الضلال.

و قوله: فلعمرى. إلى قوله: الشديد.
و قوله: فلعمرى. إلى قوله: الشديد. استعار لفظ السهم لوساوسه و تزييناته في الوعيد المحكىّ عنه بقوله تعالى:قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي«» و وجه الاستعارة كونه يرمى بتلك الوساوس وجوه نفوسهم فيكون سببا لهلاكها في الآخرة كما يكون السهم سببا للقتل. و رشّح بذكر التفويق و الإغراق و النزع و الرمى. و أمّا مكانه القريب فكما نطق به الخبر النبوىّ في قوله: إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. و قوله: لو لا أنّ الشياطين يحومون على قلوب بنى آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات. و قرب من كان كذلك ظاهر. و الكلام في قوله: فلعمرى. في معرض الإغراء به. و في الباء و ما يتعلّق به وجوه: أحدها: قال أبو عبيد: معناها القسم. فإن قلت: كيف نسب الإغواء إليه تعالى و كيف يصلح الإغواء مقسما به.
قلت: على الأوّل لمّا كان تعالى خالق أسباب الغواية فيه كالقدرة و العلم و غيرهما كانت له تعالى سببيّة في إيجاد الغواية و إن كانت بعيدة فلذلك صحّ إسناد فعلها إليه تعالى، و على الثاني أنّه يجوز أن يكون ما بمعنى الّذي و العائد من الصلة محذوف و تقديره بالّذي أغويتنى به لازيّننّ لهم و ذلك هو الأمر بالسجود لآدم إذ كان بسببه استكبر و عصى فغوى، و القسم جايز بأمره تعالى و تكليفه. و من جعل ما مصدريّة فله أن يقول: إنّ إبليس أطلق على الأمر و التكليف الّذي حصل له بسببهما الغواية لفظ الإغواء مجازا إطلاقا لاسم المسبّب على السبب. ثمّ أقسم به باعتبار ما هو أمر و تكليف لا باعتبار ما هو غواية.
الثاني: قال غيره: هي للسببيّة: أي بكونى غاويا لازيّننّ كما يقول: بطاعته ليدخلنّ الجنّة و بمعصيته ليدخلنّ النار. و مفعول التزيين محذوف: أى لازيّننّ لهم الباطل حتّى يقعوا فيه. الثالث: قال بعضهم: يجوز أن يكون الباء للسببيّة و يقدّر قسم محذوف.
و المعنى بسبب ما كلّفتنى فاستلزم غوايتى اقسم لازيّننّ لهم. و قوله: قذفا بغيب بعيد.

كقوله تعالى وَ يَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ«» و هو مصدر حذف فعله و سدّ مسدّ الحال. قال المفسّرون: و الغيب هنا بمعنى الظنّ. و فيه نظر لأنّ إطلاق لفظ الغيب على الظنّ مجاز و العدول عن الحقيقة إنّما يكون بعد تعذّر حمل اللفظ عليها و لا تعذّر هاهنا في ذلك لأنّ مفهوم الغيب هو ما غاب عن الخلق فلم يعلموه فكان القذف بكلّ ما لا يعلم و الحكم به قذفا بالغيب و حكما به. و لمّا كان إبليس لا يعلم ما حكم به بأنّه يفعله في الخلق من التزيين و الإغواء و هو بعيد عن علمه ثمّ حكم به كان حاكما بما هو غائب عن علمه و عازب عنه و هو معنى قذفه بالغيب البعيد. و في نسخة الرضىّ- رحمة اللّه عليه- بظنّ مصيب. و في أكثر النسخ غير مصيب و هو المناسب لقوله: بغيب بعيد. لأنّ ما يقال عن غيب بعيد قلّما يصيب ظنّه.
فإن قلت: فلم قال غير مصيب مع أنّ إبليس صدّق ظنّه في إغواء الناس و تمّ له ما ظنّ كما قال تعالى وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ«» الآية.
قلت: الجواب عن وجوه: أحدها: أنّه يريد بالظنّ المصيب العلم لأنّه المصيب الحقّ فكأنّه قال: بظنّ ليس بعلم.

الثاني: قال بعض الشارحين: إنّما كان غير مصيب لأنّه ظنّ أنّ إغوائهم يكون منه فقال: لاغوينّهم. و هذا ظنّ فاسد لأنّ إغواءهم كان منهم اختيارا لأنّهم اختاروا العمى على الهدى فغووا عن طريق اللّه. و تصديق أبناء الحميّة له في ذلك يعود إلى وقوع الغواية منهم وفق ظنّه لأنّه لمّا ظنّ أنّه يغويهم فقد ظنّ أنّ الغواية تلحقهم منه فصدّقوه في الغواية و أخطأ ظنّه في تسبّبها إليه.

الثالث: أنّ الكلام لمّا كان في معرض ذمّ إبليس و إغراء الخلق بعداوته وقف عليه السّلام في الآية على قوله: أجمعين. فيكون المعنى أنّ إبليس ظنّ أنّه يغوى جميع الخلق.
و أمّا استثنائه لعباد اللّه المخلصين فذاك ليس بحسب ظنّه بل تصديقا لقوله تعالى إِنَ‏ إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ«» و معلوم أنّ ذلك الظنّ فاسد و غير مصيب. إذ كان إنّما قدر على إغواء البعض.

الرابع: قال بعض الشارحين: يحتمل أن يكون أراد بالإغواء الّذي ظنّ أنّه يفعله بالخلق هو إغواء الشرك، و بالإخلاص في قوله إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ«» العصمة من المعاصى فيكون الناس إذن في ظنّه إمّا معصوم أو مشرك و هذا ظنّ غير مصيب إذ وجد من ليس بمشرك و لا معصوم.
و قوله: صدّقه به أبناء الحميّة.
و قوله: صدّقه به أبناء الحميّة. فالحميّة لازم من لوازم الكبر لأنّها مأخوذة من قولك: حميت. إذا غضبت. فكانت حقيقتها تعود إلى الغضب عن تصوّر المؤذى مع الترفّع على فاعله و اعتقاد الشرف عليه.
و استعار لفظ الأبناء لأصحاب هذه الرذيلة و أهل الكبر من الناس. و وجه الاستعارة ملازمتهم لها كما يلازم الولد امّه حتّى صاروا كأنّهم خلقوا منها و هى أصل لهم.
و تصديقهم له بذلك الظنّ هو ارتكابهم للرذائل و المعاصى اتّباعا له و غوايتهم لها عن سبيل اللّه قال بعض الشارحين: و الباء في قوله: به. بمعنى في: أى صدّقه فيه.
و صدّقه في موضع الجرّ صفة لظنّ.

و قوله: و إخوان العصبيّة.
 يحتمل أن يريد إخوانها فيكون قد جعل لها إخوانا على سبيل الاستعارة و هم ملازموها كما جعل للحميّة أبناء، و يحتمل أن يريد الإخوان فيها: أى الّذين عقدوا الاخوّة بينهم على العصبيّة الباطلة فيها. و كذلك فرسان الكبر و الجاهليّة، و يحتمل أن يكون قد استعار لفظ الفرسان لمرتكبى الكبر و الأفعال الجاهليّة. و وجه الاستعارة ظاهر، و يحتمل أن يريد فرسان الجاهليّة الموصوفين بالكبر.

و قوله: حتّى. إلى قوله: الجلىّ.
 غاية من قوله: فوّق و أغرق و رماكم. و استعار وصف الجامحة للنفوس الّتي كانت عاصية لإبليس آبية عن الانقياد له.

و قوله: فنجمت الحال.
 أى ظهرت الحال الّتي كان يرومها منكم و يظنّها فيكم و هي الغواية و الضلال من السرّ الخفىّ إلى الأمر الجلىّ. أى من القوّة فيكم إلى الفعل.

و قوله: استفحل.
 جواب الشرط. و استعار لفظ الاستفحال لشدّة سطوته و سلطانه إشارة إلى كمال قدرته على تطويع النفوس و قهرها. و جنوده كناية عن أهل الفساد في الأرض كما علمته فيما سبق. و دلفه بهم دخولهم بالفساد على الناس و تزيينهم لهم رذائل الأخلاق و إغواؤهم إيّاهم. و من لوازم ذلك التحاسد و التباغض و التقاطع و التدابر و تفرّق الكلمة، و من لوازم تفرّق الكلمة أن يقحمهم العدوّ و لجأت الذلّ و يحلّهم و رطات القتل و يوطئهم إثخان الجراحة و يحتمل أن يريد بسلطانه الّذي استفحل عليه هو سلطان عدوّهم و من خالفهم كمعاوية و غيره و قوّتهم عليهم بعد تفرّق كلمتهم و قلّة طاعتهم له عليه السّلام و إضافة ذلك السلطان و جنوده إلى الشيطان ظاهرة لأنّ سلطان الحقّ و جنوده يقال له سلطان اللّه و جنود اللّه، و سلطان الباطل يقال له سلطان الشيطان و جنوده جنود الشيطان و أوليائه و أعوانه. و ظاهر أنّهم عند تفرّق كلمتهم قد استفحل عليهم سلطان إبليس و دلف بجنوده إليهم و هم مخالفوه عليه السّلام. و انتصب إثخان الجراحة على أنّه مفعول ثان لأوطئوكم. و لفظ الولجات و الورطات مستعار ان للأحوال الّتي هى مظانّ الذلّ و القتل كالأماكن الّتي يفرّون إليها من عدوّهم ذلا و المواطن الّتي قتلوا فيها، أو لطاعتهم و الاستسلام لهم. و إقحامهم و إحلالهم إيّاها إلجاؤهم لهم إلى تلك الأحوال و الأماكن و لذلك استعار وصف إيطائهم إثخان الجراحة ملاحظة لمشابهة وقوعها بهم للوطء في استلزامه للأذى. و كنّى بذلك المستعار عن إيقاعهم في حرارات الجراح. و إثخان مصدر قولك: أثخن في الجراح إذا كثر فيه و بالغ حتّى فشا فكأنّه ثخن.

و قوله: طعنا. إلى قوله: لمقاتلكم.
 جعل محلّ الطعن العيون، و الحزّ الحلوق، و الدقّ المناخر، و القصد المقاتل‏ لأنّها محالّها المتعارفة عند إرادة الإذلال و الإهانة و الإهلاك. لأنّ الطعن و إن كان قد يقع في سائر البدن إلّا أنّه أبلغ في العيون و أفحش. و كذلك في باقيها. قال بعض الشارحين: انتصب طعنا و حزّا و دقّا و قصدا و سوقا على المصادر عن أفعالها المقدّرة. و من روى: لإثخان الجراحة.- بوجود اللام- فيحتمل أن يجعل طعنا مفعولا ثانيا لأوطئوكم، و يكون اللام في الإثخان لام الغرض: أى أوطأوكم طعنا و حزّا و دقّا ليثخنوا الجراحة فيكم قال: و يكون قصدا و سوقا خالصين للمصدريّة لبعدهما عن المفعول به. و الأظهر هو الوجه الأوّل أعنى كون كلّ منها مصدرا لفعله.

و لمّا كان الفاعل بهم هذه الأفعال كلّها هو إبليس و جنوده فإن كان المراد بجنوده الساعين بين الناس بالوسوسة و الفساد في الأرض فمعنى فعلهم بهم هذه الأفعال كونهم أسبابا معدّة لهم بالوسوسة المستلزمه لتفريق الكلمة و مخالفة الإمام لوقوع هذه الأفعال بهم من أعدائهم و محاربيهم ثمّ يتبع فعل العدوّ لهم أن يسوقوهم إلى النار بخزائم القهر. و لفظ الخزائم مستعار لما يمكّن في جواهر نفوسهم من الرذائل الموبقة و ملكات السوء الّتي لا محيص لهم من النار بسببها لمشابهتها الخزائم الّتي يقاد بها الإبل في كونها لا مخلص عمّا يقاد إليه بسببها. و لفظ السوق ترشيح للاستعارة. و إن كان المراد بجنوده هم المخالفون له عليه السّلام و المحاربون لأصحابه ففعلهم بهم تلك الأفعال ظاهر. و أمّا السائق لهم إلى النار فيحتمل أن يكون هؤلاء و ذلك بإذلالهم لهم و إدخالهم في باطلهم عن قهر و ذلّة. و لا شكّ أنّ الدخول في باطلهم سبب جاذب إلى النار. و لفظ الخزائم مستعار إذن إمّا لما يتمكّن من باطلهم و عبثهم في النفوس، و إمّا لأوامرهم بالباطل و حملهم على ارتكاب المنكر، و يحتمل أن يكون السائق لهم هو إبليس و جنوده من أهل الوسوسة. ثمّ رجع إلى إفراده بالفعل نظرا إلى قوله: و دلف بجنوده. فقال بعده: فأصبح أعظم في دينكم جرحا. فاستعار لفظ الجرح للفساد المعقول الحاصل بسبب إبليس في دينهم. و وجه المشابهة كون الجرح فسادا في العضو أيضا، و كذلك استعار لفظ القدح لوساوس إبليس المستلزمة لوجود الإحن و التباغض و التحاسد بينهم الموجب لتفريق كلمتهم المستلزم لتشتّت سلطانهم و فساد نظامهم و ما هم عليه من الابّهة و استقامة المعاش في الدنيا. و وجه المشابهة إفساد تلك الوساوس لأحوال معاشهم كإفساد قدح النار ما يقدح فيه. و جعله في حرج دينهم و إفساد دنياهم أشدّ من أعدائهم الّذين هم مناصبون لهم و الحكم ظاهر الصدق.

إذ كانت پپپفتنة إبليس لهم في دينهم و دنياهم أصلا لكلّ فتنة تلحقهم من أعدائهم باعتبار أنّها سبب تفرّقهم كما سبق. ثمّ أمرهم أن يجعلوا عليه حدّهم: أي بأسهم و سطوتهم لأنّ حدّ الرجل بأسه و سطوته، أو منعهم و دفعهم. و أن يجعلوا له جدّهم: أي يجتهدوا للخلاص من فتنته بمقاومته و قهره.

و قوله: فلعمر اللّه. إلى قوله: بلاء.
 عود إلى الإغراء بعداوته يذكر أسباب العداوة المنفّرة، و هى كونه فخر على أصلهم، و ذلك قوله تعالى حكاية عنه قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ«» و وقع في نسبهم. و ذلك قوله قالَ لَم‏ ْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ«» فبيّن بذكر أصلهم و هو الصلصال و الحمأ المسنون المنتن و نسبهم منه أنّه ساقط عن درجة الافتخار به. و خيله و رجله كناية عن جنوده من أهل الباطل، و إجلابه بخليه عليهم جمعه لجنوده على محاربتهم أو على الوسوسة لهم و الإضلال، و قصده لسبيلهم: أى السبيل الحقّ الّذي هم سالكوه إلى اللّه كقوله تعالى حكاية عنه لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ«» و هو كناية عن جذبه لهم إلى طرف الباطل عند توجّههم إلى طرف الحقّ و سبيل الدين، و اقتناصهم لهم بكلّ مكان كقوله ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ«» الآية و هو كناية عن أخذه بوسوسته لهم من كلّ وجه و إغوائه لهم عن كلّ سبيل حقّ، و ضربهم منهم كلّ بنان كناية أيضا عن كونه هو و جنوده أسبابا معدّة لقتلهم و قطعهم بأيدي أعدائهم. و على احتمال أن يريد بجنوده هم مخالفوه عليه السّلام من أهل الضلال فمعنى قصدهم لسبيلهم ابتلائهم بالفتن و القتل و منعهم لهم بذلك عن إقامة حدود اللّه و الاستقامة على سبيله، و اقتناصهم‏ بكلّ مكان و ضربهم منهم كلّ بنان كناية عن استقصائهم و قتلهم و أذاهم، و لفظ الاقتناص مستعار، و ظاهر أنّهم لا يمتنعون من أفعاله بعد استحكام طمعه فيهم و استفحال سلطانه عليهم بحيلة، و لا يدفعون عن الفتهم بعزيمة: أى جدّ و اجتهاد و صرامة في أمر لما سبق منهم من التخاذل و الانفعال، و الحومة و الحلقة و العرصة و الجولة ألفاظ كنّى بها عن الدنيا. إذ كانت محلّ ذلّهم و الضيق عليهم و عرصة موتهم و منصة بلائهم. و الإضافات الأربع بمعنى اللام. ثمّ عاد إلى أمرهم بتطهير قلوبهم من رذيلة العصبيّة و أحقاد الجاهليّة، و استعار لفظ النيران لما يثور من حرارة الغضب و عنه العصبيّة، و قد علمت أنّ مبدء تلك الحرارة القلب، و رشّح بذكر الإطفاء، و لك أن تسمّى تلك النيران حميّة كما سبق فلذلك فسرّها بها فقال: و إنّما تلك الحميّة. و يفهم من الحميّة أنّها خبر المبتدأ، و قوله: تكون. خبر بعد خبر، و يحتمل أن يكون صفة لتلك و الخبر تكون، و ظاهر أنّ الحميّة و العصبيّة الباطلة من خطرات الشيطان الّتي يخطرها للنفوس، و نخواته الّتي يحدثها فيها بتحسينه الغلبة و الانتقام و الترفّع و الترأس على الخلق، و من نزغاته الّتي يفسد بها الناس، و نفثاته الّتي يلقيها إلى أذهانهم لغرض الإفساد و الإضلال، و أراد بإضافتها إلى الشيطان التنفير عنها. ثمّ أردفه بالأمر بالتذلل و أراد به التواضع و أمرهم أن يعتمدوا وضعه على رؤوسهم و هو كناية عن إعزازهم و العناية به لكونه فضيلة، و أن يلقوا التعزّز تحت أقدامهم و هو كناية عن إطراحه و عدم العناية به لكونه رذيلة، و أن يخلعوا التكبّر من أعناقهم. و استعار لفظ الخلع لطرح التكبّر و نسبه إلى الأعناق ملاحظة لشبهه بما يلبس من قميص أو طوق فأمرهم بخلعه إذ ليسوا أهلا له و ليس ممّا ينبغي لهم، و أن يلزموا التواضع. و استعار له لفظ المسلحة، و وجه المشابهة أنّه لمّا كان المتواضعون بسبب تواضعهم و تخلّقهم به حافظين لدينهم و أنفسهم من دخول إبليس و جنوده عليهم برذيلة الكبر و ما يلزمها من سائر الرذائل المعدودة المهلكة أشبه تواضعهم المسلحة الّتي هى محلّ الحفظ بها من غارات العدوّ. و لمّا علمت ما يلزم الكبر من الرذائل فلا يخفى عليك ما يلزم التواضع من أضدادها و نقائضها.

و قوله: فإنّ له من كلّ امّة. إلى قوله: فرسانا.
 بيان لجنوده و إشارة إلى أنّ له من هذه الامّة جنودا و أعوانا و رجلا و فرسانا اتّصفوا بصفته و استشعروا شعاره و هو الكبر فينبغى أن يجتنبوهم و يطرحوا شعارهم.

و قوله: و لا تكونوا كالمتكبّرين على ابن امّه.
 أراد بذلك المتكبّر قابيل حين قتل أخاه هابيل عن كبر و حسد، و هو نهى عن الكبر أيضا من بعضهم على بعض. و إلى قصّة قابيل و هابيل أشار القرآن الكريم بقوله وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً إلى قوله جَزاءُ الظَّالِمِينَ«» و المنقول في السبب أنّ حوّاء كانت تلد في بطن اثنين ذكرا و انثى. فولدت في أوّل بطن قابيل و اخته ثمّ مكثت سنين فولدت هابيل و اخته. فلمّا أدركوا أمر اللّه آدم أن ينكح قابيل اخت هابيل و ينكح هابيل أخت قابيل فرضى هابيل بذلك و لم يرض قابيل لأنّ أخته كانت أحسنهما فقال آدم: قرّ باقربانا فأيّكما تقبّل قربانه زوّجتها منه. و قيل: بل قال آدم لهابيل و قابيل: إنّ ربّى أوحى إلىّ أنّه يكون من ذرّيّتى من يقرّب القربان فقرّبا قربانا حتّى تقرّ عينى إذا تقبّل قربانكما. و كان قابيل صاحب زرع و هابيل صاحب ضرع. فتقرّب قابيل بأردء قمح عنده، و تقرّب هابيل بأجود حمل عنده و وضعا قربانهما على الجبل فدعا آدم فنزلت نار بيضاء من السماء فدفعت قربان هابيل دون قابيل لأنّ نيّته لم تكن خالصة في قربانه.

و قيل: لأنّه كان مصرّا على كبيرة لا يقبل اللّه معها طاعة. فذلك قوله تعالى وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ«» فحسده قابيل و كان أكبر منه سنّا. فقال: لأقتلنّك. قال هابيل: إنّما يتقبّل اللّه من المتّقين لئن بسطت إلىّ يدك. الآية. إلى قوله فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ«» أى لأخيه في الدنيا و للجنّة في الآخرة. و روى أنّه بقى زمانا يحمله على ظهره لا يدرى ما ذا يصنع به حتّى بعث اللّه غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه. و روى أنّه كان غرابان قتل أحدهما الآخر و احتفر له و دفّنه. فقال قابيل: يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب. الأية. إذا عرفت ذلك فنقول: قال الثعلبى: إنّما أضافه إلى الامّ دون الأب لأنّ الولد في الحقيقة من الامّ: أى الولد بالفعل فإنّ النطفة في الحقيقة ليست ولدا بل جزء مادّى له و نسبة الولد إليه في الحكم دون الحقيقة. و قيل: لأنّ قابيل لقتله هابيل فإنّه قطع نسبه عن أبيه كما قال تعالى في ولد نوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ«» و قيل: لأنّ شفقّة الأخ من الامّ أزيد من شفقّة الأخ من الأب لزيادة شفقّة الأمّ. و الأوّل أليق. و قد أشار بهذه الإضافة إلى جهة مساواته له في كونهما من محلّ واحد لتبيّن قبح تكبّره عليه ليتنبّه السامعون لنهى الإنسان عن التكبّر على غيره من أبناء نوعه. و أكّد ذلك بقوله: من غير ما فضل جعله اللّه فيه.

و قوله: سوى ما ألحقت العظمة. إلى قوله: ريح الكبر.
 إشارة إلى تكبّره عليه و أسبابه و هى العداوة عن حسد، و جعل تلك العداوة مسبّبة عن العظمة و هو ظاهر كما علمت فإنّ المتعظّم معتقد لكمال نفسه و أنّه أولى بكلّ كمال يليق به من غيره و أنّه لا ينبغي أن تشاركه فيه أحد، و ذلك يستلزم حسده للغير على ما يعتقده كمالا يصل إليه كاعتقاد قابيل أنّه أولى بالأخت الحسناء من أخيه لكونه أكبر سنّا منه إلى غير ذلك من الأسباب، و عن ذلك الحسد تكون الحميّة و ثوران نار الغضب و العصبيّة، و لفظ النار مستعار كما سبق، و لفظ القدح ترشيح، و كذلك لفظ الريح مستعار لتلك الوساوس و الخطرات الّتى ينفثها إبليس في روع المتكبّر من كونه أولى فأحقّ بذلك الكمال و نحوه، و كذلك لفظ النفخ لإلقاء تلك الخطرات و نفثها.

و قوله: الّذي أعقبه اللّه.
 أى الندامة المشار إليه كما ذكرناه.

و قوله: و ألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة.
إشارة إلى مقتضى قوله تعالى مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً«» أى يكون عقابه في الغلظ و الشدّة و التأبيد كعقاب قاتل الناس جميعا كما قال تعالى وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً«» الآية، و كذلك مقتضى قول الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: من سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها و وزر من يعمل بها إلى يوم القيامة. و قابيل هو من أوّل من سنّ القتل فلا جرم لزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة، و كذلك قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ما من نفس فقتل ظلما إلّا كان على ابن آدم الأوّل كفل منها. ذلك بأنّه أوّل من سنّ القتل. ثمّ شرع في تنبيههم على إمعانهم و تشمّرهم في البغى و الإفساد في الأرض و إعلامهم بذلك من أنفسهم. و الخطاب أشبه أن يكون للبغاة من أصحاب معاوية و هم الّذين كاشفوا اللّه بمحادّة أوليائه و معاداة دينه و بارزوا المؤمنين بالمحاربة. و مصارحة و مبارزة مصدران سدّا مسدّ الحال. ثمّ كرّر التحذير من اللّه تعالى في الكبر و أضافه إلى الحميّة ليتميّز الكبر المحمود، و كذلك إضافة الفخر إلى الجاهليّة فإنّ من التكبّر و الفخر ما هو محمود كتكبّر الفقراء على الأغنياء. ثمّ ذكر في ذكر ما نفرّ عنه من الأوصاف كونه ملاقح الشنئان و هو البغض و العداوة. و لفظ الملاقح مستعار من الفحول للكبر و الفخر، و وجه المشابهة كونهما مظنّة وجود البغضاء بين الناس و سبب له كما أنّ الفحول سبب الإلقاح، و أمّا على تقدير كونه مصدرا فاستعارة لإثمار الفخر للبغضاء للمشابهة المذكورة.
ثمّ إنّه أخبر بذلك المصدر نفسه عن الفخر حيث جعله خبر إنّ فكأنّه قال: فإنّ الفخر لقح الشنئان، و لقح الشنئان نفسه ليس عين الفخر بل من ثماره و لوازمه فكان إطلاقا لاسم السبب على المسبّب و هو في الدرجة الثانية، و إنّما ذكره بلفظ الجمع نظرا إلى تكثّر معنى الفخر في موارده و هى أذهان المتكبّرين. و منافخ الشيطان. جمع منفخ مصدر نفخ، و ظاهر أنّ أفراد مهيّة الفخر المنتشرة في الأدمغة نفخات و نفثات من إبليس. و يقال في العرف للمتكبّر و المترّفع قدره: قد نفخ‏ الشيطان في أنفه. و وصف تلك المنافخ بأنّها اللاتى خدع بها الامم الماضية و القرون الخالية. و صورة الخداع هاهنا كونهم أراهم الباطل في صورة الحقّ كتزيه الكبر و تحسينه للوازمه و تخييل أنّ ذلك هو الأصلح و الأنفع مع أنّه في نفس الأمر ليس بحقّ حتّى كان ذلك سببا لارتكابهم في ظلمات الجهالات و مهاوى الضلالات، و استعار وصف الإعناق لما يتوهّم من شدّة دخولهم في ظلمات الجهالات و قوّة سيرهم فيها، و كذلك لفظ الحنادس مستعار لما يتخيّل من ظلمة الجهل، و لفظ المهاوى مستعار لما يتخيّل من كون الضلالة و طرقها محالّ للهوىّ عن افق الكمال و مدارج السعادة، و أضاف الجهالة و الضلالة إليه إضافة للمسبّب إلى السبب. و ذلل جمع ذليل، و سلس: جمع سلس و هما سهلا الانقياد. و انتصابهما على الحال من الضمير في أعنقوا: أى أسرعوا سهلى الانقياد لسوقه.

و قوله أمرا.
 منصوب بفعل مضمر تقديره فاعتمد أمرا تشابهت قلوبهم فيه و تتابعت القرون الماضية منهم على اعتماده و هو الفخر و نفخ الشيطان و الإعناق في جهالته و ضلالته، و كبرا عطف عليه، و كنّى بتضايق الصدور به من كثرته و عظمته. ثمّ عقّب بالتحذير من طاعة ساداتهم و كبرائهم تذكيرا بما نبّه عليه القرآن الكريم بذمّ المطيعين لساداتهم و كبرائهم على طاعتهم فيما حرّم اللّه عليهم و خروجهم بذلك عن سبيل اللّه، و ذلك قوله تعالى حكاية لما يقولونه يوم القيامة وَ قالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَ الْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً«» و التابعين على متابعة متبوعهم في قوله حكاية عنهم تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ«».

و قوله: الّذين تكبّروا عن حسبهم و ترفّعوا فوق نسبهم.
 فحسبهم و نسبهم إشارة إلى الطين و الصلصال من الحمأ المسنون و الماء المهين الّذى هو أصلهم، و لمّا كان من شأنه أن لا فخر فيه و لا تكبّر لمن هو أصل له ثمّ‏ تكبّروا فقد تكبّروا عن ذلك الأصل و ترفّعوا عليه و تركوا ما ينبغي لهم من النظر إليه و التواضع لحسبه، و إليه أشار القائل: ما بال من أوّله نطفة، و جيفة آخره يفخر لا يملك تقديم ما يرجو و لا تأخير ما يحذر.

و قوله: و ألقوا الهجينة على ربّهم.
 أى نسبوا ما في الإنسان من القبايح بزعمهم إلى ربّهم كما قال بعض الشارحين: كأن يقول أحدهم في الافتخار على غيره: أنا عربىّ و أنت أعجمىّ. فإنّ ذلك عيب و إزراء لخلق اللّه فهو عيب على اللّه و نسبة للقبح إليه، و هم في ذلك مقتفون لأثر إبليس حيث قال: أ أسجد لبشر خلقته من صلصال. إذ كان ذلك عيبا لخلق اللّه و نسبة للفعل القبيح.

و قوله: و جاحدوا اللّه ما صنع بهم.
 و وجه المجاحدة هنا أنّهم لمّا غفلوا عن اللّه تعالى و جحدوا حقّه لم يشكروا على نعمائه و صنيعه بهم. و لمّا كان الشكر يعود إلى الاعتراف بالنعمة كان الجحد و الإنكار منهم عبارة عن عدم ذلك الاعتراف لغفلتهم، و أيضا فإنّ الشكر كما يكون بالاعتراف بالنعمة كذلك يكون بالاتيان بما يوافق ذلك الاعتراف و يدلّ عليه من الأقوال و الأفعال الصالحة المطلوبة للمنعم و الموافقة لأوامره و نواهيه و يسمّيان شكرا أيضا فكان الإصرار على تركهما و عدم الاتيان بهما جحدا لنعمة اللّه، و ذلك هو مجاحدتهم. فأمّا مجاحدة اللّه لهم فيعود إلى ما يتخيّل من إنكاره عليهم جحدهم، و تقريره عليهم صنعه بهم، و تذكيره نعمته في حقّهم. و ما مصدريّة. و يحتمل أن تكون بمعنى الّذي و العائد من الصلة محذوف: أى ما صنعه بهم.

و قوله: مكابرة لقضائه.
 أى مقابلة لحكمه عليهم بوجوب شكره و لزوم طاعته بردّ ذلك الحكم و إنكاره و عدم الانقياد له. و حقيقة المكابرة يعود إلى المقابلة بالقول في الأمر و المنازعة فيه على وجه المغالبة و التكبّر من الطرفين. و هى هنا ترشيح لاستعارة المجاحدة. و كذلك المغالبة لآلائه. و النصب فيهما على المفعول له. و المغالبة هنا لشبه الغاية من المجاحدة و ليست غاية على الحقيقة. و بيان ذلك أنّه لمّا كان من لوازم المجاحدة و كفران النعمة زوالها و انقطاعها كانوا بفعلهم لتلك المجاحدة و ذلك الكفران كالمغالبين للنعم و القاصدين لزوالها و عدمها. إذ كان زوالها لازما لفعلهم.

و قوله: فإنّهم. إلى قوله: الجاهليّة.
 تنبيه على ما يلزم ساداتهم من الرذائل المنفّرة، و استعار لفظ الأساس للكبر.
إذ كان مبدء للعصبيّة و أصلا لها، و لفظ القواعد لهم باعتبار قيام الكبر بهم و ثباته فيهم كما يقوم الأساس بقواعده و هى الصخور العظيمة و نحوها. و كذلك استعار لفظ الأركان لأجزاء الفتنة و أبعاضها، و لفظ الدعائم لهم باعتبار قيام الفتن بهم و اعتمادها عليهم كما يعتمد أركان البيت و جوانبه بدعائمه. و استعار لفظ السيوف لهم باعتبار صرامة عزومهم و مضيّهم عند الاعتزاء فيما يعتزى له كمضىّ السيوف و صرامتها في مضاربها. قال بعض الشارحين: و يحتمل أن يريد و أصحاب سيوف اعتزاء الجاهليّة، و ذلك عند قولهم: يالفلان. كما نقل في سبب الخطبة. و الاعتزاء منهىّ عنه لكونه مبدء للفتن. و روى أنّ ابىّ بن كعب سمع رجلا يقول: يا لفلان فقال: عضضت بهن أبيك. فقيل له: يا أبا المنذر ما كنت فاحشا. قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: من تعزّى بعزاء الجاهليّة فأعضّوه بهن أبيه و لا تكنّوا. و العزاء الاسم من الاعتزاء. ثمّ عاد إلى الأمر بتقوى اللّه. فقوله: و لا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا. نهى لهم عن ارتكاب ما يزيل نعمة اللّه عنهم و تضادّها فلا يجامعها من كفرانها و مقابلتها بسائر المعاصى الّتي يستلزم تبديل النعمة نقمة، و كذلك قوله: و لا لفضله عندكم حسّادا. استعار لفظ الحسّاد هنا باعتبار كفرهم المزيل للنعم. فحسّاد النعمة باعتبار حسدهم المزيل لها.

و قوله: و لا تطيعوا الأدعياء.
 قال بعض الشارحين: مراده بالأدعياء الّذين ينسبون إلى الإسلام ظاهرا و هم منافقون. قلت: و يحتمل أن يريد بهم حقيقة الأدعياء، و هم الّذين ينتسبون إلى غير آبائهم ممّن لا دين له و قد ترأس في قبيلته الّتي انتسب إليها. ثمّ وصفهم فقال:الّذين شربتم بصفوكم كدرهم فاستعار لفظ الصفو و هو خالص الشراب إمّا لخلاص دينهم و إيمانهم أو لخالص دنياهم و صافيها، و لفظ الكدر للنفاق و ساير الرذائل النفسانيّة الّتي تخالط إيمان المرء كالحسد و نحوه فتكدّره و تكدّر بسبب ذلك ما صفا من دنياه لسبب ثوران الفتنة عنها، و رشّح بذكر الشرب. و المعنى أنّكم مزجتم بايمانكم نفاقهم فشربتموه به كما يمزج بالماء الشراب فيساغ به. و إنّما قال: شربتم بصفوكم كدرهم، و لم يقل: بكدرهم صفوكم لأنّ غرضه أن يقرن عليهم شرب الكدر بالقصد الأوّل و لا يتمّ ذلك الغرض إلّا بعبارته عليه السّلام. و الباء هنا للمصاحبة، و كذلك قوله: و خلطتم بصحّتكم مرضهم. و أراد بمرضهم نفاقهم و كبرهم و سائر الرذائل النفسانيّة فيهم، و بالصحّة سلامة نفوس المؤمنين بايمانهم عن شوب تلك الرذائل. و وبّخهم بتخليطهم ايمانهم بها، و كذلك قوله: و أدخلتم في حقّكم باطلهم. و أراد بالحقّ الايمان و الجدّ في العمل الصالح أو ما يستحقّونه من الملك و الخلافة في الأرض، و بباطل اولئك الكذب و النفاق و اللعب و سائر الرذائل أو ما لا يستحقّ لهم من أمر الدنيا، و ذلك الخلط و الإدخال بسبب تخاذلهم عن نصرته عليه السّلام و عدم اجتماعهم على ما ينبغي لهم من طاعته. ثمّ عاد إلى وصف اولئك الكبراء بأوصاف: الأوّل: استعار لهم لفظ الأساس باعتبار

كونهم أصلا للفسوق يقوم بهم كما يقوم البناء بأساسه. الثاني: لفظ الأحلاس باعتبار ملازمتهم للعقوق و قطع الرحم كما يلازم حلس البعير ظهره، و روى: أسئاس- بسكون السين- بوزن أحلاس، و هو جمع أسّ كحمل و أحمال و هو الاسّ. الثالث: كون إبليس اتّخذهم مطايا ضلال. فاستعار لهم لفظ المطايا باعتبار كونهم أسبابا موصلة إلى الضلال لمن اتّبعهم و اعتمد أقوالهم نيابة عن إبليس، و كانوا في ذلك المطايا الّتي يركبها الناس و يقودها في طرق الضلال. الرابع: كونهم جندا بهم يصول على الناس، و ذلك باعتبار كونهم جاذبين للخلق إلى طريقته داعين لهم إلى الهلاك الأبد من جهته.

الخامس: كونهم تراجمة ينطق على ألسنتهم. و لفظ التراجمة مستعار لهم باعتبار نطقهم بما يريده إبليس من الوساوس للناس فأشبهوا التراجمة له. ثمّ أشار إلى كيفيّات اتّخاذهم مطايا و جندا و تراجمة فمنها الاستراق لعقول الناس بالأقوال الكاذبة و الأفعال الباطلة و العادات المضلّة جذبا إلى محبّة الدنيا و باطلها و التفاتا لهم إليها عمّا لأجله خلقوا و إليه دعوا، و منها الدخول في عيونهم بزينة الحياة الدنيا أيضا و سائر ما يجذب إليها من جهة حسّ البصر، و منها النفث في أسماعهم و إلقاء الوساوس بالأقوال الواصفة للدنيا و باطلها و المنفّرة عن الآخرة و سائر ما يجذب عن الافق الأعلى من الجواذب السمعيّة. و انتصب استراقا و دخولا و نفثا على المصدر كلّ عن فعله: أى يسترق عقولكم استراقا. و كذلك الآخران.

و قوله: فجعلكم مرمى نبله
 أى غرضا، و استعار لفظ النبل لجزئيّات وساوسه المردية لكلّ من أصابته إلى مهاوى الهلاك كما يردى النبل من رمى به، و لفظ المرمى باعتبار كونهم مقصد الوساوسة كالهدف، و كذلك استعار لهم لفظ الموطى‏ء باعتبار كونهم مظنّة إذلاله و إهانته. و رشّح بذكر القدم إذ الموطى‏ء يستدعى موطوءا به و هو القدم، و كذلك استعار لفظ المأخذ باعتبار كونهم مقتنصين في حبايل وساوسه، و رشّح بذكر اليد. إذ من شأن المأخوذ أن يكون أخذه باليد.

 

الفصل الثالث:

في أمرهم بالاعتبار بحال الماضين، و ما أصاب الامم المستكبرين منهم من بأس اللّه و صولاته و عقوباته و مصارعهم و بحال الأنبياء على جلاله قدرهم في التواضع لمن ارسلوا إليه من المتكبّرين، و حال اختبار اللّه تعالى خلقه بأحجار نصبها بيتا لعبادته اختبارا للمتواضعين له و تمييزا لهم من المستكبرين عن عبادته.

إلى غير ذلك، و ذلك قوله: فَاعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ الْأُمَمَ الْمُسْتَكْبِرِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ- مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَ صَوْلَاتِهِ وَ وَقَائِعِهِ وَ مَثُلَاتِهِ- وَ اتَّعِظُوا بِمَثَاوِي خُدُودِهِمْ وَ مَصَارِعِ جُنُوبِهِمْ- وَ اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ لَوَاقِحِ الْكِبْرِ- كَمَا تَسْتَعِيذُونَهُ مِنْ طَوَارِقِ الدَّهْرِ فَلَوْ رَخَّصَ اللَّهُ فِي الْكِبْرِ لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ- لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَاصَّةِ أَنْبِيَائِهِ- وَ مَلائِكَتِهِ وَ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّهَ إِلَيْهِمُ التَّكَابُرَ- وَ رَضِيَ لَهُمُ التَّوَاضُعَ- فَأَلْصَقُوا بِالْأَرْضِ خُدُودَهُمْ- وَ عَفَّرُوا فِي التُّرَابِ وُجُوهَهُمْ- وَ خَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ- وَ كَانُوا قَوْماً مُسْتَضْعَفِينَ- قَدِ اخْتَبَرَهُمُ اللَّهُ بِالْمَخْمَصَةِ وَ ابْتَلَاهُمْ بِالْمَجْهَدَةِ- وَ امْتَحَنَهُمْ بِالْمَخَاوِفِ وَ مَحَّصَهُمْ بِالْمَكَارِهِ- فَلَا تَعْتَبِرُوا الرِّضَا وَ السُّخْطَ بِالْمَالِ وَ الْوَلَدِ- جَهْلًا بِمَوَاقِعِ الْفِتْنَةِ- وَ الِاخْتِبَارِ فِي مَوْضِعِ الْغِنَى وَ الِاقْتِدَارِ وَ قَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى- أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ- نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ- بِأَوْلِيَائِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ وَ لَقَدْ دَخَلَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَ مَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ ع- عَلَى فِرْعَوْنَ وَ عَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ- وَ بِأَيْدِيهِمَا الْعِصِيُّ فَشَرَطَا لَهُ إِنْ أَسْلَمَ- بَقَاءَ مُلْكِهِ وَ دَوَامَ عِزِّهِ- فَقَالَ أَ لَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَيْنِ يَشْرِطَانِ لِي دَوَامَ الْعِزِّ- وَ بَقَاءَ الْمُلْكِ- وَ هُمَا بِمَا تَرَوْنَ مِنْ حَالِ الْفَقْرِ وَ الذُّلِّ- فَهَلَّا أُلْقِيَ عَلَيْهِمَا أَسَاوِرُ مِنْ ذَهَبٍ- إِعْظَاماً لِلذَّهَبِ وَ جَمْعِهِ- وَ احْتِقَاراً لِلصُّوفِ وَ لُبْسِهِ- وَ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِأَنْبِيَائِهِ- حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الذِّهْبَانِ- وَ مَعَادِنَ الْعِقْيَانِ وَ مَغَارِسَ الْجِنَانِ- وَ أَنْ يَحْشُرَ مَعَهُمْ طُيُورَ السَّمَاءِ وَ وُحُوشَ الْأَرَضِ لَفَعَلَ- وَ لَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلَاءُ وَ بَطَلَ الْجَزَاءُ وَ اضْمَحَلَّتِ الْأَنْبَاءُ وَ لَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِينَ أُجُورُ الْمُبْتَلَيْنَ- وَ لَا اسْتَحَقَّ الْمُؤْمِنُونَ ثَوَابَ الْمُحْسِنِينَ- وَ لَا لَزِمَتِ الْأَسْمَاءُ مَعَانِيَهَا- وَ لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِهِمْ- وَ ضَعَفَةً فِيمَا تَرَى الْأَعْيُنُ مِنْ حَالَاتِهِمْ- مَعَ قَنَاعَةٍ تَمْلَأُ الْقُلُوبَ وَ الْعُيُونَ غِنًى- وَ خَصَاصَةٍ تَمْلَأُ الْأَبْصَارَ وَ الْأَسْمَاعَ أَذًى وَ لَوْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ أَهْلَ قُوَّةٍ لَا تُرَامُ وَ عِزَّةٍ لَا تُضَامُ- وَ مُلْكٍ تُمَدُّ نَحْوَهُ أَعْنَاقُ الرِّجَالِ وَ تُشَدُّ إِلَيْهِ عُقَدُ الرِّحَالِ- لَكَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ عَلَى الْخَلْقِ فِي الِاعْتِبَارِ- وَ أَبْعَدَ لَهُمْ فِي الِاسْتِكْبَارِ- وَ لَآمَنُوا عَنْ رَهْبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهُمْ أَوْ رَغْبَةٍ مَائِلَةٍ بِهِمْ- فَكَانَتِ النِّيَّاتُ مُشْتَرَكَةً وَ الْحَسَنَاتُ مُقْتَسَمَةً- وَ لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الِاتِّبَاعُ لِرُسُلِهِ- وَ التَّصْدِيقُ بِكُتُبِهِ وَ الْخُشُوعُ لِوَجْهِهِ- وَ الِاسْتِكَانَةُ لِأَمْرِهِ وَ الِاسْتِسْلَامُ لِطَاعَتِهِ- أُمُوراً لَهُ خَاصَّةً لَا يَشُوبُهَا مِنْ غَيْرِهَا شَائِبَةٌ وَ كُلَّمَا كَانَتِ الْبَلْوَى وَ الِاخْتِبَارُ أَعْظَمَ- كَانَتِ الْمَثُوبَةُ وَ الْجَزَاءُ أَجْزَلَ أَ لَا تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ اخْتَبَرَ- الْأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ ص إِلَى الْآخِرِينَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ- بِأَحْجَارٍ لَا تَضُرُّ وَ لَا تَنْفَعُ وَ لَا تَسْمَعُ- وَ لَا تُبْصِرُ فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِيَاماً- ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَجَراً- وَ أَقَلِّ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً- وَ أَضْيَقِ بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ قُطْراً- بَيْنَ جِبَالٍ خَشِنَةٍ وَ رِمَالٍ دَمِثَةٍ- وَ عُيُونٍ وَشِلَةٍ وَ قُرًى مُنْقَطِعَةٍ- لَا يَزْكُو بِهَا خُفٌّ وَ لَا حَافِرٌ وَ لَا ظِلْفٌ- ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ ع وَ وَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ- فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ وَ غَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ- تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الْأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ- وَ مَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ وَ جَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ- حَتَّى يَهُزُّوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلًا- يُهَلِّلُونَ لِلَّهِ حَوْلَهُ وَ يَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ- شُعْثاً غُبْراً لَهُ قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ- وَ شَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمُ- ابْتِلَاءً عَظِيماً وَ امْتِحَاناً شَدِيداً- وَ اخْتِبَاراً مُبِيناً وَ تَمْحِيصاً بَلِيغاً- جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ وَ وُصْلَةً إِلَى جَنَّتِهِ- وَ لَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ- أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ وَ مَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ- بَيْنَ جَنَّاتٍ وَ أَنْهَارٍ وَ سَهْلٍ وَ قَرَارٍ- جَمَّ الْأَشْجَارِ دَانِيَ الثِّمَارِ- مُلْتَفَّ الْبُنَى مُتَّصِلَ الْقُرَى- بَيْنَ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ وَ رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ- وَ أَرْيَافٍ مُحْدِقَةٍ وَ عِرَاصٍ مُغْدِقَةٍ- وَ رِيَاضٍ نَاضِرَةٍ وَ طُرُقٍ عَامِرَةٍ- لَكَانَ‏ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَاءِ عَلَى حَسَبِ ضَعْفِ الْبَلَاءِ- وَ لَوْ كَانَ الْأَسَاسُ الْمَحْمُولُ عَلَيْهَا- وَ الْأَحْجَارُ الْمَرْفُوعُ بِهَا- بَيْنَ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ وَ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ وَ نُورٍ وَ ضِيَاءٍ- لَخَفَّفَ ذَلِكَ مُصَارَعَةَ الشَّكِّ فِي الصُّدُورِ- وَ لَوَضَعَ مُجَاهَدَةَ إِبْلِيسَ عَنِ الْقُلُوبِ- وَ لَنَفَى مُعْتَلَجَ الرَّيْبِ مِنَ النَّاسِ- وَ لَكِنَّ اللَّهَ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ بِأَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ- وَ يَتَعَبَّدُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمَجَاهِدِ- وَ يَبْتَلِيهِمْ بِضُرُوبِ الْمَكَارِهِ- إِخْرَاجاً لِلتَّكَبُّرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ- وَ إِسْكَاناً لِلتَّذَلُّلِ فِي نُفُوسِهِمْ- وَ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ أَبْوَاباً فُتُحاً إِلَى فَضْلِهِ- وَ أَسْبَاباً ذُلُلًا لِعَفْوِهِ فَاللَّهَ اللَّهَ فِي عَاجِلِ الْبَغْيِ- وَ آجِلِ وَخَامَةِ الظُّلْمِ وَ سُوءِ عَاقِبَةِ الْكِبْرِ- فَإِنَّهَا مَصْيَدَةُ إِبْلِيسَ الْعُظْمَى وَ مَكِيدَتُهُ الْكُبْرَى- الَّتِي تُسَاوِرُ قُلُوبَ الرِّجَالِ مُسَاوَرَةَ السُّمُومِ الْقَاتِلَةِ- فَمَا تُكْدِي أَبَداً وَ لَا تُشْوِي أَحَداً- لَا عَالِماً لِعِلْمِهِ وَ لَا مُقِلًّا فِي طِمْرِهِ- وَ عَنْ ذَلِكَ مَا حَرَسَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ- بِالصَّلَوَاتِ وَ الزَّكَوَاتِ- وَ مُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الْأَيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ- تَسْكِيناً لِأَطْرَافِهِمْ وَ تَخْشِيعاً لِأَبْصَارِهِمْ- وَ تَذْلِيلًا لِنُفُوسِهِمْ وَ تَخْفِيضاً لِقُلُوبِهِمْ- وَ إِذْهَاباً لِلْخُيَلَاءِ عَنْهُمْ- وَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ الْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعاً- وَ الْتِصَاقِ كَرَائِمِ الْجَوَارِحِ بِالْأَرْضِ تَصَاغُراً- وَ لُحُوقِ الْبُطُونِ بِالْمُتُونِ مِنَ الصِّيَامِ‏ تَذَلُّلًا- مَعَ مَا فِي الزَّكَاةِ مِنْ صَرْفِ ثَمَرَاتِ الْأَرْضِ- وَ غَيْرِ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ وَ الْفَقْرِ انْظُرُوا إِلَى مَا فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ- مِنْ قَمْعِ نَوَاجِمِ الْفَخْرِ وَ قَدْعِ طَوَالِعِ الْكِبْرِ

اللغة

أقول:

المثلات: العقوبات.

و المثاوى: جمع مثوى و هو المقام.

و التكابر: التعاظم.

و التعفير: إلصاق الخدود بالعفر و هو التراب.

و المخمصة. المجاعة: و المجهدة: المشقّة.

و الإقتار: الفقر.

و الأساورة: جمع أسورة جمع سوار، و يجوز أن يكون جمع أساور، و قال أبو عمرو بن العلاء: هو جمع أسوار، و هو السوار.

و الذهبان: جمع ذهب كحزب لذكر الحبارى و حزبان.

و العقيان: خالص الذهب.

و اضمحلّ: فنى.

و الأنباء: الأخبار.

و الخصاصة: الجوع.

و الشوب: الخلط.

و الوعر بالتسكين: الصعب.

و النتائق: جمع نتيقة فعيلة بمعنى مفعولة، و النتق: الجذب، و سميت المدن و الأماكن المشهورة و المرتفعة نتائق لارتفاع بنائها و شهرتها و علوّها عن غيرها من الأرض كأنّها جذبت و رفعت.

و القطر: الجانب.

و الدمثة: الليّنة.

و الوشلة: قليلة الماء.

و المثابة: المرجع.

و المنتجع: اسم المفعول من الانتجاع و هو طلب الكلاء و الماء. و المفاوز: الفلوات الواسعة.

و القفار: جمع قفر و هى المفازة الّتي لا نبت فيها و لا ماء.

و سحيقة: بعيدة.

و الفجاج: جمع فجّ و هي الطريق الواسع بين الجبلين.

و يهلّلون: يرفعون أصواتهم بالتلبية، و الإهلال: رفع الصوت.

و الرمل بالتحريك: الهرولة: و الأشعث: أغبر الراس متفرّق الحال.

و النبذ: الإلقاء.

و السرابيل: القمصان.

و التشويه: تقبيح الخلقة.

و التمحيض: الابتلاء و الاختبار، و أصله التخليص و التمييز.

و المشاعر: مواضع المناسك.

و القرار: المستقرّ من الأرض.

و الجمّ: الكثير.

و البنى: جمع بنية- بالضمّ- .

و الأرياف: جمع ريف بالكسر، و هى الأرض ذات الزرع و الخصب.

و المحدقة: المحيطة.

و المغدقة: كثيرة الماء و الخصب.

و المعتلج: اسم المفعول من الاعتلاج و هو التغالب و الاضطراب، يقال: اعتلجت الأمواج: أى تلاطمت و اضطربت.

و فتحا: فعل بمعنى مفعولة: أى مفتوحة موسّعة، و كذلك ذللا مسّهلة.

و وخامة الظلم: و باره و سوء عاقبته.

و المصيدة- بكسر الميم- : الشبكة و ما يصاد به.

و المساورة: المواثبة.

و أكدى الحافر: إذا بلغ في حفره إلى موضع صلب لا يمكنه حفره.

و أكدت المطالب: إذا صعبت في وجه طالبها فعجز عنها.

و أشوت الضربة تشوى: إذا لم تصب المقتل، يقال: أشواه يشويه: إذا رماه فلم يصب مقتله.

و الطمر: الثوب الخلق.

و عتائق: جمع عتيقة و هى كرايم الوجوه و حسانها.

و القمع: الردّ.

و النواجم: الطوالع جمع ناجمة.

و القدع: الكفّ.

المعنى

و اعلم أنّه عليه السّلام أمرهم بأوامر:

أحدها: الأمر بالاعتبار بما أصاب المتكبّرين من سابق الامم من عقوبات اللّه
و وجه الاعتبار أن يفكّر العاقل في حال اولئك فيرى ما أصابهم إنّما هو بسبب استعدادهم بالاستكبار عن طاعة اللّه و الرفع على عباده كما أشار إليه تعالى قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ إلى قوله فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ«» و نحوه في القرآن كثير فينتقل ذهنه منه إلى نفسه و يقيس حال استكباره على استكبارهم فيما يلزمه من أمثال العقوبات بهم.

الثاني: أن يتّعظوا بمثاوى خدودهم و مصارع جنوبهم
أى يلحظوا مقاماتهم من التراب و محالّ انصراعهم في القبور ليحصل لهم بذلك الانزجار عن الكبر.
إذ كانت عاقبته و غايته ذلك الهوان و الذلّ في تلك المثاوى و المصارع.

الثالث: أن يستعيذوا باللّه من لواقح الكبر.
و استعار اللواقح لما يستلزم الكبر من أسبابه، و أراد استعاذة كثيرة خالصة كاستعاذتكم من طوارق الدهر و آفاته.
و قوله: فلو رخّص اللّه. إلى قوله: التواضع.
 استدلال على تحريم الكبر مطلقا، و أنّه لا رخصة فيه لأحد من خلق اللّه بقياس شرطىّ متّصل، و وجه الملازمة فيه أنّ الأنبياء خواصّ اللّه و أحبّاؤه و أهل‏ طاعته فلو كان له فيه رخصة لم يجعلها إلّا لهم، و تقدير الاستثناء فيه لنقيض التالى: لكنّه لم يرخّص فيه لهم فينتج أنّه لم يرخّص فيه لأحد من عباده، لكنّه حذف هنا استثناء النقيض و استثنى بعض لوازمه و هو تكريهه التكابر إليهم، و ذلك بوعيده للمستكبرين على الكبر. ثمّ برضى التواضع لهم، و ذلك بأمرهم فيه كما قال تعالى وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ«» و نحوه.

 قوله: فألصقوا. إلى قوله: مستضعفين.
 إشارة إلى امتثالهم لما أمرهم به من التواضع و موافقتهم له فيما رضيه لهم فإلصاق خدودهم بالأرض و تعفير وجوههم إشارة إلى معاملتهم له في عبادته مع أنفسهم و خفض أجنحتهم للمؤمنين، و كونهم أقواما مستضعفين إشارة إلى امتثالهم و معاملتهم له في خلقه، و لفظ الأجنحة مستعار من الطائر ليد الإنسان و جانبه باعتبار ما هو محلّ البطش و النفرة. و خفض الجناح كناية عن لين الجانب. و قال ابن عبّاس في قوله تعالى وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ أى ارفق بهم و لا تغلظ عليهم قال: و العرب تقول لمن كان ساكنا و قورا: إنّه خافض الجناح.

و قوله: قد اختبرهم. إلى قوله: بالمكاره.
 إشارة إلى أنّه أعدّهم بأنواع الشقاوة الدنيويّة من الجوع و المشاقّ و المخاوف و المكاره، و التنفير بها عن الدنيا للإقبال عليه تعالى و محبّة ما عنده من الثواب الجزيل و قد علمت معنى ابتلائه تعالى لعباده و اختباره لهم غير مرّة.

و قوله: فلا تعتبروا الرضا و السخط بالمال و الولد إلى قوله: الاقتدار [الإقتار خ‏].
 أى لا تعتبروا رضاه تعالى عن عباده بإعطائه لهم المال و الولد و سخطه عليهم بمنعه لهم ذلك. و كأنّه جواب اعتراض مقدّر كأنّ قائلا قال: فإذا كانوا هؤلاء خواصّه و أهل طاعته و رضاه فلم امتحنهم بالشدائد و ابتلاهم بالمخاوف و المكاره و لم يعطهم الأموال و الأولاد كما قال فرعون لموسى عليه السّلام: فلو لا القى عليه أساورة من ذهب، و كما قالت كفّار قريش: أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنّة تأكل منها فأجاب عليه السّلام بأنّ ذلك الوهم للجهل بمواقع الفتنة و الاختبار في مواضع الغنى و الإقتار: أى أنّ الاختبار كما يكون بالفقر و المشاقّ و المكاره كذلك يكون بالمال و الولد، و ليس المال و الولد من الخيرات الّتي تعجّل في الدنيا لمن يعطى إيّاهما كما يزعمون، و استشهد على ذلك بقوله تعالى أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ«» أى يحسبون أنّا نعجّل في تقديم ثواب أعمالهم لرضانا عنهم حتّى بسطناهم الرزق و أكثرنا لهم أولادهم بل لا يعلمون أنّ ذلك استدراج لهم من اللّه و محنة و بلاء. و جهلا نصب على المفعول له.

و قوله: فإنّ اللّه سبحانه يختبر عباده المستكبرين. إلى قوله: في أعينهم.
 كلام منقطع يستدعى ابتداء يكون معلّلا به. و قد فصّل الرضىّ- رحمه اللّه- بينه و بين ما قبله بصفر لكنّه بيان لنوع آخر من ابتلاء اللّه تعالى عباده المستكبرين في أنفسهم و اختبارهم بأوليائه المستضعفين و هم الأنبياء في أعينهم: أى في أعين المتكبّرين و هو في معنى ما قبله، و فيه تنبيه على بعض أسراره تعالى في خلقه لسائر أنبيائه و أوليائه المستضعفين، و هو أن يبتلى بهم المستكبرين عن عبادته في أرضه كما سيشير إليه عليه السّلام في الحكمة في خلقهم كذلك. ثمّ ضرب مثل ذلك الابتلاء في موسى و هرون عليهما السّلام حين دخلا على فرعون يدعوانه إلى اللّه تعالى، و ذلك قوله: و لقد دخل. إلى قوله: و لبسه روى الطبرىّ في تاريخه: أنّ موسى و هرون قدما مصر حين بعثهما اللّه إلى فرعون فمكثا سنتين يغدوان على بابه و يروحان يلتمسان الإذن عليه فلا يعلم بهما و لا يجترى أحد أن يخبره بشأنهما و كانا يقولان في الباب: إنّا رسولا ربّ العالمين إلى فرعون حتّى دخل عليه بطّال له يلاعبه و يضحكه فقال: أيّها الملك إنّ ببابك رجلا يقول قولا عجيبا، و يزعم أنّ له إلها غيرك. فقال: أدخلوه. فدخل و بيده عصاه و معه أخوه هرون فقال: أنا رسول ربّ العالمين. و ذكر تمام الخبر و صريح قصّتهما و محاورتهما مستوفى في القرآن الكريم كسورة الشعراء و القصص و غيرهما، و الّذى ذكره عليه السّلام منها واضح بيّن، و قال كعب: كان موسى عليه السّلام من رجال شنوءة، و كان آدم طوالا، و كان أخوه هارون أطول منه و أكثر لحما و أشدّ بياضا و أغلظ ألواحا و أسنّ من موسى بثلاث سنين، و كانت في جبهة هرون شامة و في طرف أرنبة موسى شامة و على طرف لسانه شامة، و لم يعرف أحد قبله و لا بعده كذلك. قال: و هى العقده الّتي ذكرها اللّه تعالى. قال: و فرعون موسى هو فرعون يوسف عليه السّلام عمّر أكثر من أربع مائة سنة. و اسمه الوليد بن مصعب، و أنكر غيره ذلك. و قالوا: هو غيره. و قبض هارون قبل موسى و هو ابن مائة و سبع عشره سنة، و بقى موسى بعده ثلاث سنين، و مات موسى في سنّه يوم مات. فأمّا شرطهما له بقاء ملكه بإسلامه فلما علمته من كون النواميس الشرعيّة و التمسّك بها و العمل بقوانينها ناظما لحال أبناء النوع الإنسانىّ و سببا لصلاح معاشهم و معادهم. و بانتظام شمل مصلحتهم باستعمال تلك القوانين تكون بقاؤهم و ثبات دولهم و ملكهم و دوام عزّهم. فأمّا استبكاره لشرطهما له دوام العزّ و الملك بإسلامه و تعجّبه منهما في ذلك فمستنده اعتقاده الجهل أنّ مبدء التمكّن من ذلك الشرط و القدرة على الوفاء به هو الغنى و جمع المال فلذلك احتقرهما من حيث كانا بزىّ الفقر و الذلّ و لبس الصوف و ليس عليهما آثار الغنى و المال و هو التحلّى بأساورة الذهب. فكان إعظام الذهب و لبسه الّذي هو شعار الغنىّ و احتقار الصوف و لبسه ممّا هو شعار الفقر سببا حاملا له على ذلك الاستكبار و التعجّب.

و قوله: و لو أراد اللّه سبحانه لأنبيائه. إلى قوله: معانيها.
 قياس إقترانىّ من الشكل الأوّل من متّصلتين: إحداهما: قوله: و لو أراد اللّه. إلى قوله: لفعل، و الثانية: قوله: و لو فعل لسقط البلاء. إلى آخره، و النتيجة أنّه لو أراد اللّه بأنبيائه ذلك لزمت المحالات المذكورة. بيان الملازمة في الصغرى أنّ الامور المعدودة و هى فتح كنوز الذهب و معادنه و مغارس الجنان و حشر الطير و الوحش امور ممكنة في أنفسها و اللّه سبحانه قادر على جميع الممكنات‏ و عالم بها فلو حصل مع قدرته عليها إرادة وقوعها عن قدرته كان مجموعها مستلزما لوقوعها عنها، و أمّا الكبرى فإنّه جعل مقدّمتها و هو فعله لتلك الامور ملزوما لامور خمسة: أحدها: أنّه كان يسقط البلاء: أى ذلك البلاء المشار إليه و هو بلاء المتكبّرين بالمستضعفين من أولياء اللّه و هو ظاهر. إذ لا مستضعف يبتلون به إذن، و ذلك أنّ الأنبياء عليه السّلام كانوا ينقطعون إلى الدنيا حينئذ عن جناب اللّه فينقطع عنهم الوحى كما سيشير إليه عليه السّلام و حينئذ ينقطع الابتلاء بهم و بما أتوا به من التكليف، و كذلك يسقط بلاء الأنبياء بالفقر و الصبر على أذى المسكنة من المكذّبين لهم بالضرب و القتل. الثاني: و كان يبطل الجزاء: أى جزاء العبادات و الطاعات إمّا لسقوط البلاء بها أو لأنّ الطاعات إذن تكون عن رهبة أو رغبة فيسقط الجزاء الاخروىّ عليها و كذلك يبطل جزاء الأنبياء الّذي كانوا يسحقّونه بحسب فقرهم و صبرهم عليه. الثالث: و كان تضمحلّ الأنباء: أى الأخبار الواردة من قبل اللّه تعالى على ألسنة رسله و الوحى إليهم، و ذلك أنّك علمت أنّ الدنيا و الآخرة ضرّتان بقدر ما يقرب من إحداهما يبعد من الاخرى، و الأنبياء عليهم السّلام و إن كانوا أكمل الخلق نفوسا و أقواهم استعدادا لقبول الكمالات النفسانيّة كما أشرنا إليه إلّا أنّهم محتاجون أيضا إلى الرياضة التامّة بالإعراض عن الدنيا و طيّباتها و هو الزهد الحقيقىّ، و إلى تطويع نفوسهم الأمّارة بالسوء لنفوسهم المطمئنّة بالعبادة التامّة كما هو المشهور من أحوالهم عليهم السّلام فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يربط على بطنه الحجر من الجوع و يسمّيه المشبع لا لأنّه كان لا يقدر على شي‏ء يأكله، و كان يرقع ثوبه لا لعدم قدرته على ثوب يلبسه، و كان يركب الحمار العارى و يردف خلفه لا لعجزه عن فرس يركبه و غلام يمشى معه، و كيف و قد توفّى و بيده هذه القطعة العظيمة من المعمورة، بل ذلك و أمثاله ممّا سيحكيه عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في آخر هذه الخطبة زهادة في الدنيا و إعراض عن متاعها و زينتها لأنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وجد من الكمالات العقليّة و الموعودة ما هو أشرف و أعلى من هذه الكمالات الحسيّة الفانية، و اعلم أنّ الوصول إلى تلك الكمالات لا يتمّ و لا يتحقّق إلّا بالإعراض عن هذه فرفض به ما هو أخسّ في جنب ما هو أشرف و لذلك قام صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في العبادة حتّى تورّمت قدماه.

فقيل له: يا رسول اللّه أليس قد بشّرك اللّه بالجنّة فلم تفعل ذلك قال: أفلا أكون عبدا شكورا. و ذلك لعلمه أنّ الاستعداد بالشكر يفيد كمالا أعلى و أزيد ممّا اوتى.
و إذا كان حال أشرف الأنبياء و أكملهم كذلك فما ظنّك بسايرهم و حينئذ تعلم أنّ تركهم للدنيا و عدم اشتغالهم بها شرط في بلوغهم درجات الوحى و الرسالة و تلقّى أخبار السماء، و أنّهم لو خلقوا منغمسين في الدنيا و فتحت عليهم أبوابها فاشتغلوا بقيناتها لا نقطعوا إليها عن حضرة جلال اللّه و اضمحلّ بسبب ذلك عنهم الأنباء و انقطع عنهم الوحى و انحطّوا عن مراتب الرسالة، و قال بعض الشارحين: أراد باضمحلال الأنباء سقوط الوعد و الوعيد و الإخبار عن أحوال الجنّة و النار و أحوال القيامة. و هو لازم من لوازم سقوط النبوّة فيكون راجعا إلى ما قلناه. الرابع: و لكان لا يجب للقابلين اجور المبتلين: أى لقابلى كلام الأنبياء لأنّه إذا سقط البلاء عنهم لم يكن لهم أجر المبتلين، و كذلك لا يجب لقابلى النبوّة منهم اجور المبتلين بالتكذيب و الأذى. الخامس: و كان لا يستحقّ المؤمنون ثواب المحسنين إلى أنفسهم بمجاهدة الشيطان عنها و تطهيرها عن الرذائل و تحليتها بالفضائل، و ذلك لأنّ ايمانهم بهم يكون عن رغبة أو رهبة كما علمته لا عن حقيقة و إخلاص للّه. السادس: و لا لزمت الأسماء معانيها. روى بنصب الأسماء على أن تكون هى المفعول و معانيها الفاعل، و المعنى أنّه لم تكن المعاني لازمة الأسماء فيمن سمّى بها، مثلا من سمّى مؤمنا لا يكون معنى الإيمان الحقّ لازما لاسمه فيه. إذ كان إيمانه بلسانه فقط عن رغبة أو رهبة، و كذلك من سمّى مسلما أو زاهدا بل من سمّى نبيّا أو رسولا لا يكون في الحقيقة كذلك لانقطاع النبوّة و الرسالة عنه، و في نسخة الرضىّ- رحمه اللّه- برفع الأسماء، و المراد أنّها كانت تنفكّ عنها فتصدق الأسماء بدون مسمّياتها و هو كالأوّل. و ببيان هذه اللوازم ظهرت كبرى القياس. و النتيجة إذن متّصلة مقدّمها قوله: لو أراد اللّه. إلى قوله: الأرض، و تاليها قوله: لسقط البلاء. إلى قوله: معانيها، و حاصل النتيجة أنّه كان يلزم من إرادته تعالى بأنبيائه تلك الامور وقوع جميع هذه المفاسد. ثمّ يرجع البيان إلى استثناء نقيض تالى هذه النتيجة لاستثناء نقيض مقدّمها و هو أنّ هذه المفاسد لم توجد و ليست ممّا ينبغي أن توجد فلذلك لم يرد بهم تلك الامور.

و قوله: و لكنّ اللّه سبحانه جعل رسله. إلى قوله: أذى.
 كاللازم لنقيض مقدّم النتيجة المذكورة ذكره بعد بيانه. إذ كان اللّه تعالى لمّا لم يرد بعث أنبيائه على ذلك الوجه أراد بعثهم على هذا الوجه، و هو أن جعلهم أصحا ب قوّة في عزائمهم و إجماع على إنفاذ ما امروا به و تبليغ رسالات ربّهم، و لذلك سمّوا أولى العزم لمضاء عزائمهم و قوّتهم في دين اللّه بالقتال و المجاهدة و الصبر على الأذى، و جعلهم مع ذلك ضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم من المسكنة و الذلّ و الفقر و القناعة و الصبر على العرى و الجوع. و استعار وصف الملأ للقناعة باعتبار استلزامها لقوّة غنائهم و قلّة حاجتهم إلى شي‏ء من متاع الدنيا بحيث لا تميل نفوسهم و لا عيونهم إلى شي‏ء من زينتها و قيناتها فكأنّها قد امتلأت فلا- تتّسع لشي‏ء من ذلك فتطلبه، و كذلك للخصاصة باعتبار استلزامها لقوّة الأذى في أسماعهم و أبصارهم. إذ الجوع المفرط مستلزم لأذى هاتين القوّتين لتحلّل الأرواح الحاملة لهما و ضعفهما فكان الأذى حشو أبصارهم و أسماعهم بحيث لا يتّسع لغيره كلّ ذلك طلب لكمال الاستعداد لما علمت أنّ البطنة تذهب الفطنة و تورث القسوة و تزيل الرقّة و تستلزم رذائل كثيرة لا دواء لها إلّا بالخصاصة و القناعة فضيلة تحت العفّة.

و قوله: و لو كانت الأنبياء. إلى قوله: مقتسمة.
 متّصلة اخرى هى كبرى قياس من الشكل الأوّل أيضا من متّصلتين مقدّم الصغرى منهما هو من مقدّم كبرى القياس الأوّل، و هو قوله: و لو فعل. و نبّه‏ على تاليها بمقدّم هذه الكبرى، و تقدير الكلام: و لأنّه تعالى لو فعل بأنبيائه ما ذكرناه لكانوا أهل قوّة لا ترام و عزّة لا تضام و ملك تمتدّ نحوه الأعناق، و لو كانوا كذلك لكان في كونهم كذلك مفاسد اخرى فينتج أنّه لو فعل بأنبيائه ما ذكرناه للزمت مفاسد اخرى: أحدها: أنّه لكان ذلك أى ما حصلوا عليه من العزّ و الملك أهون على الخلق و أسهل من حيث إنّ اعتبارهم لما يدعوهم إليه أسهل و إجابتهم إلى دعوتهم أسرع. إذ كانت الملوك في اعتبار الخلق أهلا لأن يطاعوا فلا تصعب عليهم إجابتهم كما تصعب إجابة الفقراء على من يدعونه من المتكبّرين. الثاني: و أبعد لهم عن الاستكبار، و هو ظاهر لأنّ الملوك أبعد من أن يتكبّر عليهم الناس و يأنفوا من طاعتهم و حينئذ لم يكن للخلق ثواب من ترك رذيلة الكبر عن مجاهدة نفسه في ترك الرذيلة. الثالث: و لآمنوا عن رهبة قاهرة لهم. أى على الايمان أو رغبة مايلة بهم إليه فلم يكن نيّاتهم و لا حسناتهم خالصة للّه بل هى مشتركة و مقتسمة بعضها له و بعضها للرغبة و بعضها للرهبة، و حينئذ لا يكون لهم ثواب من جاهد إبليس فقهره و قمع نواجم وسوسته الجاذبة عن سبيل اللّه، و استعدّ بذلك للخيرات الباقية.

و قوله: و ملك تمتدّ نحوه أعناق الرجال، و تشدّ إليه عقد الرحال.
 كنايتان عن قوّته و عظمته لأنّ الملك إذا كان عظيما قويت الآمال فيه و توجّهت نحوه و امتدّت أعناق الرجال إليه بالرجاء و شدّت عقد الرحال إليه.

و قوله: و لكنّ اللّه سبحانه. إلى قوله: شائبة.
 كالمقدّمة لصغرى في بيان أنّ القسم الأخير من التالى ليس ممّا ينبغي أن يكون و يراد للّه تعالى. كأنّه قال لو جعل اللّه تعالى الأنبياء أهل الملك و العزّ لكان ايمان الخلق بهم إمّا لرغبة أو رهبة فكانت النيّات و الايمان و العبادة منهم مشتركة غير خالصة للّه و ذلك مفسدة ليس ممّا ينبغي أن تكون و لا أن تراد للّه تعالى لأنّه تعالى إنّما أراد أن يكون ايمانهم بالرسل و اتّباعهم و تصديقهم لما جاءوا به من كتبه و امروا به من الخشوع‏ لوجهه و الاستكانة لأمره و الاستسلام لطاعته امورا له خاصّة لا يشوبها من غيرها شائبة رغبة و رهبة. و تقدير الكبرى: و كلّ ما أراد اللّه إخلاصه له فليس ممّا ينبغي أن يكون مشتركا بينه و بين غيره و لا مشوبا بشائبة غيره فينتج أنّ ايمانهم بأقسامه ليس ممّا ينبغي أن يكون مشتركا لشائبة رغبة أو رهبة.

و قوله: و كلّما كانت البلوى. إلى قوله: أجزل.
 يحتمل أن يكون كبرى قياس بيّن به أنّ الأجزاء الثلاثة للتالى و هو قوله: لكان ذلك أهون. إلى آخره ليس ممّا ينبغي أن يكون، و تقدير البيان أنّ ذلك مستلزم كون الاعتبار معه أهون على الخلق و أن يكونوا معه أبعد عن الاستكبار و أن يؤمنوا عن رغبة أو رهبة و هذه الامور ليس ممّا ينبغي أن تكون. و إنّما قلنا ذلك لأن نقايضها و هي مشقّة الاعتبار على الخلق و قربهم من الاستكبار و خلوص إيمانهم للّه ممّا ينبغي أن يكون، و بيان ذلك أنّ مع هذه الامور يكون البلوى و الاختبار عليهم أعظم. و ذلك هو صغرى القياس. ثمّ نقول: و كلّما كانت البلوى و الاختبار لهم أعظم كانت المثوبة و الجزاء على الايمان و الطاعة موافقة لتلك البلوى أجزل فينتج أنّ مع مشقّة الاعتبار و القرب من الاستكبار و إخلاص الايمان تكون المثوبة لهم و الجزاء على الإيمان و الطاعة أجزل، و يحتمل أن يكون من تمام البيان الأوّل كأنّه قال: و لكنّه تعالى أراد أن تكون هذه الامور خالصة له لا يشوبها شائبة، و ذلك الإخلاص و إن كانت فيه مشقّة و كانت البلوى فيه عظيمة إلّا أنّه كلّما كانت البلوى أعظم كان الثواب فيها أجزل. ثمّ أردف ذلك بالتنبيه على صدق هذه المقدّمة بالمثال و ذلك قوله: أ لا ترون. إلى قوله: و وصلة إلى جنّته، و أراد بالأحجار الّتي بنى بها البيت الحرام.

 قوله: جعله للناس قياما.
 أى مقيما لأحوالهم في الآخرة. يقال: فلان قيام أهله و قوام بيته. إذا كانت به استقامة أحوالهم، و كون مكّة أقلّ بقاع الأرض مدرا لأنّ الحجريّة أغلب عليها. و إنّما أتى بالرمال الليّنة في معرض الذمّ لأنّها أيضا ممّا لا يزكو بها الدوابّ‏ لأنّ ذوات الحافر ترسغ فيها و تتعب في المشى بها. قال الشارحون: و أراد بالخفّ و الحافر و الظلف دوابّها و هي الجمال و الخيل و الغنم و البقر مجازا إطلاقا لاسم الجزء على الكلّ أو على تقدير إرادة المضاف و إقامة المضاف إليه مقامه، و أراد بكونها لا تزكو: أى لا تسمن و تزيد للجدب و خشونة الأرض، و الضمير في بها راجع إلى ما دلّ عليه أو عر من الموصوف فإنّه أراد بواد أوعر بقاع الأرض حجرا كما قال: إنّي أسكنت من ذرّيّتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرّم.

و قوله: ثمّ أمر آدم و ولده أن يثنوا أعطافهم نحوه
 قد دلّ كلامه عليه السّلام على أنّ البيت الحرام كان منذ آدم عليه السّلام و التواريخ شاهدة بذلك. و قال الطبرى: روى عن ابن عبّاس أنّ اللّه تعالى أوحى إلى آدم لما اهبط إلى الأرض أنّ لى حرما حيال عرشى فانطلق فابن لى بيتا فيه ثمّ طف به كما رأيت ملائكتى تحفّ بعرشى فهنا لك استجيب دعاك و دعاء من تحفّ به من ذرّيّتك. فقال آدم: إنّي لست أقوى على بنيانه و لا اهتدى إليه. فبعث اللّه تعالى ملكا فانطلق به نحو مكّة فكان آدم كلّما رأى روضة أو مكانا يعجبه سأل الملك أن ينزل به هنالك لتبنى فيه فيقول له الملك: ليس هاهنا. حتّى أقدمه مكّة فبنى البيت من خمسة جبال طور سيناء و طور زيتون و لبنان و الجودىّ، و بنى قواعده من حرّاء. فلمّا فرغ من بنيانه خرج به الملك إلى عرفات و أراه المناسك كلّها الّتى يفعلها الناس اليوم، ثمّ قدم به مكّة و طاف بالبيت اسبوعا، ثمّ رجع إلى أرض الهند. و قيل: إنّه حجّ على رجليه إلى الكعبة أربعين حجّة. و روى عن وهب بن مبنّة أنّ آدم دعا ربّه فقال: يا ربّ أما لأرضك هذه عامر يسّبحك فيها و يقدّسك غيرى فقال له تعالى: إنّى سأجعل فيها من ولدك من يسبّح بحمدى و يقدّسنى، و سأجعل فيها بيوتا ترفع لذكرى يسبّحنى فيها خلقى و يذكر فيها اسمى، و سأجعل من تلك البيوت بيتا اختصّه بكرامتى و اوثره باسمى فاسميّه بيتى و عليه وضعت جلالتى و عظّمته بعظمتى، و أنا مع ذلك في كلّ شي‏ء و مع كلّ شي‏ء، أجعل ذلك البيت حرما آمنا يحرم بحرمته من حوله و ما حوله و من تحته و من فوقه فمن‏ حرّمه بحرمتى استوجب كرامتى و من أخاف أهله فقد أباح حرمتى و استحقّ سخطى، و أجعله بيتا مباركا يأتيه بنوك شعثا غبر اعلى كلّ ضامر من كلّ فجّ عميق يزجّون بالتلبية زجيجا و يعجّون بالتكبير عجيجا، من اعتمده لا يريد غيره و وفد إلىّ و زارنى و استضاف بى أسعفته بحاجته، و حقّ على الكريم أن يكرم و فده و أضيافه. تعمره يا آدم ما دمت حيّا ثمّ تعمره الامم و القرون و الأنبياء من ولدك امّة بعد امّة و قرنا بعد قرن. ثمّ أمر آدم إلى أن يأتي البيت الحرام فيطوف به كما كان يرى الملائكة تطوف حول العرش. و بقى أساسه بعد طوفان نوح فبوّأه اللّه لإبراهيم فبناه. و لنرجع إلى المتن فنقول: إنّه كنّى بثنى أعطافهم نحوه عن التفاتهم إليه و قصدهم له.

و قوله: فصار مثابة لمنتجع أسفارهم.
 أى مرجعا لما تنجع من أسفارهم: أى لطلب منه النجعة و الخصب كما قال تعالى وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً«» و كقوله تعالى لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ«» و ذلك أنّه مجمع الخلق و به يقام الموسم أيّام الحجّ فيكون فيه التجارات و الأرباح كما أشرنا إليه في الخطبة الاولى. و كذلك كونه غاية لملقى رحالهم: أى مقصدا.

و قوله: تهوى إليه ثمار الأفئدة.
 أى تميل و تسقط. و هوى الأفئدة ميولها و محبّتها إلّا أنّه لمّا كان الّذي يميل إلى الشي‏ء و يحبّه كأنّه يسقط إليه و لا يملك نفسه استعير لفظ الهوى للحركة إلى المحبوب و السعي إليه، و أمّا ثمار الأفئدة فقال بعض الشارحين: ثمرة الفؤاد سويد القلب. و لذلك يقال للولد: ثمرة الفؤاد. و أقول: يحتمل أن يكون لفظ الثمار مستعارا للخلق باعتبار أنّ كلّا منهم محبوب لأهله و آبائه فهو كالثمرة الحاصلة لأفئدتهم من حيث هو محبوب لهم كأنّ أفئدتهم و محبّتهم له قد أثمرته من حيث إنّها أفادت تربيته و العناية به حتّى استوى إنسانا كاملا، و يحتمل أن يريد بثمار الأفئدة الأشياء المجبيّة المعجبة من كلّ شي‏ء كما قال تعالى يُجْبى‏ إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ«» و وجه إضافتها إلى الأفئدة أنّها لمّا كانت محبوبة مطلوبة للأفئدة الّتي حصلت عن محبّتها كما تحصل الثمرة عن أصلها اضيفت إليها، و الإضافة يكفى فيها أدنى سبب و نحوه قوله تعالى رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ«» و لمّا استعار لفظ الهوى رشّح بذكر المهاوى إذ من شأن الهوى أن يكون له موضع. و عميقة صفة لفجاج كما قال تعالى يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ«» و وصف العمق له باعتبار طوله و الانحدار فيه من أعالى البلاد إلى مكّة، و وصف الجزائر بالانقطاع لأنّ البحر يقطعها عن سائر الأرض و البحار يحيط بها. و حتّى غاية من قوله: تهوى. بمعنى اللام، و كنّى بهزّ مناكبهم عن حركاتهم في الطواف بالبيت. إذ كان ذلك من شأن المتحرّك بسرعة. و ذللا: جمع ذلول. و النصب على الحال من الضمير في تهزّ. و قال بعضهم: يحتمل أن يكون من مناكبهم و كذلك موضع يهلّلون النصب على الحال و كذلك شعثا و غبرا من الضمير في يرملون. و كنّى بنبذهم للسرابيل وراء ظهورهم عن طرحها و عدم لبسها و تشويههم بإعفاء الشعور محاسن خلقهم لأنّ حلق شعر المحرم أو نتفه و التنظيف منه حرام تجب فيه الفدية. و ظاهر أنّ إعفاء الشعور يستلزم تقبيح الخلقة و تشويهها و تغيير ما هو معتاد من تحسينها بحلقه و إزالته.

و قوله: ابتلاء. و امتحانا. و اختبارا. و تمحيصا.
 منصوبات على المفعول له. و العامل فيه قوله: أمر اللّه آدم، و يحتمل أن يكون على المصدر كلّ من فعله. و عدّد هذه الألفاظ و إن كانت مترادفة على معنى واحد تأكيدا و تقريرا لكون اللّه تعالى شدّد عليهم في البلوى بذلك ليكون استعدادهم بتلك القوى العظيمة للثواب أتمّ و أشدّ فيكون الجزاء لهم أفضل و أجزل فلذلك قال: جعله اللّه سببا لرحمته و وصلة إلى جنّته: أى سببا معدّا لإفاضة رحمة تستلزم الوصول إلى جنّته. و قد تأكّد بهذا المثال صدق قوله: و كلّما كانت البلوى و الاختبار أعظم كان الثواب أجزل. لأنّ اللّه سبحانه لمّا اختبر عباده بأمر الحجّ و مناسكه الّتي يستلزم شقاء الأبدان و احتمال المشاقّ الكثيرة المتعبة في الأسفار من المسافات‏ البعيدة و ترك مفاخر الدنيا عنده و نزع التكبّر حتّى كأنّه لم يوضع إلّا لخلع التكبّر من الأعناق مع ما في جزئيّات مناسكه و مباشرته من المشاقّ المتكلّفة مع كونه كما ذكر أحجارا لا تضرّ و لا تنفع و لا تسمع و لا تبصر لا جرم كان الاستعداد به لقبول آثار اللّه و إفاضة رحمته أتمّ من أكثر وجوه الاستعدادات لسائر العبادات فكان الثواب عليه و الرحمة النازلة بسببه أتمّ و أجزل.

و قوله: و لو أراد اللّه. إلى قوله: ضعف البلاء.

 صغرى قياس ضمير استثنائى حذف استثنائه. و هى نتيجة قياس آخر من متّصلتين تقدير صغراهما: أنّه لو أراد أن يضع بيته الحرام بين هذه المواضع الحسنة المبهجة لفعل، و تقدير الكبرى: و لو فعل لكان يجب منه تصغير قدر الجزاء على قدر ضعف البلاء، و تقدير استثناء هذه المتّصلة: لكنّه لا يجب منه ذلك و لا يجوز لأنّ مراد العناية الإلهيّة مضاعفة الثواب و بلوغ كلّ نفس غاية كمالها و ذلك لا يتمّ إلّا بكمال الاستعداد بالشدائد و الميثاق فلذلك لم يرد أن يجعل بيته الحرام في تلك المواضع لاستلزامها ضعف البلاء. و كنّى بدنوّ الثمار عن سهولة تناولها و حضورها، و بالتفاف البنى عن تقارب بعضه من بعض. و البرّة: واحدة البرّ و قد يقام مقام اسم الجنس فيقال: هذه برّة حسنة، و لا يراد بها الحبّة الواحدة و اعتبار السمرة لها لأنّ وصفها بعد الخضرة السمرة.

و قوله: و لو كان الأساس. إلى قوله: من الناس.
 في تقدير قياس ضمير آخر استثنائى كالّذي قبله، و تلخيصه أنّه تعالى لو جعل الأساس المحمول عليها بيته الحرام بين هذه الأحجار المنيرة المضيئة لخفّف ذلك مسارعة الشكّ في الصدور. و أراد شكّ الخلق في صدق الأنبياء و عدم صدقهم و شكّهم في أنّ البيت بيتا للّه أو ليس. فإنّه على تقدير كون الأنبياء عليهم السّلام بالحال المشهورة من الفقر و الذلّ و كون البيت الحرام من هذه الأحجار المعتادة يقوى الشكّ في كونهم رسلا من عند اللّه و في كون البيت بيتا له، و على تقدير كونهم في الملك و العزّ و كون البيت من الأحجار النفيسة المذكورة ينتفي ذلك الشكّ.

إذ يكون ملكهم و نفاسة تلك الأحجار من الامور الجاذبة إليهم و الداعية إلى محبّتهم و المسارعة إلى تصديقهم و الحكم بكون البيت بيت اللّه لمناسبته في كماله ما ينسبه الأنبياء إلى اللّه سبحانه من الوصف بأكمل طرفي النقيض و لكون الخلق أميل إلى المحسوس، و استعار لفظ المسارعة هنا للمغالبة بين الشكّ و صدق الأنبياء و الشكّ في كذبهم فإنّ كلّا منهما يترجّح على الآخر و كذلك كان وضع مجاهدة إبليس عن القلوب لأنّ الايمان بكونه بيتا للّه ينبغي حجّه و القصد إليه لا يكون عن مجاهدة إبليس في تصديق الأنبياء في ذلك و في وجوب عبادة اللّه بل لعزّة البيت و حسن بنيانه و ميل النفوس إلى شريف جواهره لكن هذه الامور و هى مسارعة الشكّ و مجاهدة إبليس و معتلج الريب لا تخفّف و لا تنتفى لكونها مرادة من الحكمة الإلهيّة لإعداد النفوس بها لتدرك الكمالات الباقية و السعادات الدائمة فلذلك لم- يجعل تعالى بنيان بيته من تلك الأحجار النفيسة.

و قوله: و لكنّ اللّه يختبر عباده. إلى قوله: المكاره.
 استثناء لعلّة النقائض المذكورة فيقوم مقام استثناء مسارعة الشكّ و مجاهدة إيليس من جملة أنواع الشدائد و ألوان المجاهد و المشاقّ و اختباره لعباده بها علّة لوجودها.

و قوله: إخراجا للتكبّر. إلى قوله: لعفوه.
 إشارة إلى كونها أسبابا غائيّة من العناية الإلهيّة لإعداد النفوس لإخراج الكبر منها و إفاضة ضدّه و هو التذلّل و التواضع عليها و إلى كونها أسبابا معدّة لفضله و عفوه، و استعار لفظ الأبواب لها باعتبار الدخول منها إلى رضوان اللّه و ثوابه. و لفظ الذلل لكون الدخول منها إلى ذلك سهلا للمستعدّين لها. ثمّ عاد إلى التحذير من اللّه تعالى في البغى و الظلم و عاقبته. و حاصل الكلام أنّه جعل عاجل البغى و آجل الهلاك عنه و سوء عاقبة الكبر محلّا للحذر من اللّه تعالى و ذلك باعتبار وعيده تعالى عند التلبّس بالبغى و النظر في تلك الحال إلى ما يستلزم من الهلاك في الآخرة و ما يستلزمه التكبّر من سوء العاقبة. و الضمير في قوله: فإنّها قال‏ السيّد فضل اللّه الراوندى- رحمه اللّه- : يعود إلى الجملة من البغى و الظلم و الكبر و إن لم يجر لها ذكر. و قال غيره: الضمير للكبر و إنّما أنّثه باعتبار جعله مصيدة باعتبار أنّه يصير الداخل فيه من حزب إبليس و في قبضته كالشبكة و حبائل الصايد.

و وصفها بالعظم باعتبار قوّته و كثرة ما يستلزمه من الرذائل، و كذلك استعار له لفظ المكيدة الكبرى باعتبار ما هو سبب قوىّ في جذب الخلق إلى الباطل و ضلالهم عن طريق اللّه كالحيلة و الخدعة، و استعار وصف المساورة له باعتبار مواثبته النفوس و مغالبته لها بالكبر و ذلك أنّه تارة يلقى إليها تحسين الكبر و تزيينه فتنفعل عنه و تقبل الكبر و تلك هى الوثبة من جانبه. و تارة تقوى النفس عليه فتردّ وسوسته بقهره و تلك الوثبة من قبلها. ثمّ شبّه مساورته للقلوب بالكبر بمساورة السموم القاتلة للطبيعة البدنيّة، و كنّى عن وجه الشبه بقوله: فما تكدى أبدا و لا تشوى أحدا: أى إنّ مساورته بالكبر لا تكاد يقابلها ما يقاومها من العقول و يمنع تأثيرها في النفوس كما لا يكاد يقاوم مواثبة السموم القاتلة من طبايع الحيوان و لا تكاد تخطى‏ء المقاتل كما لا يخطى‏ء السموم و حركاتها في الأبدان مقاتلها. و يحتمل أن يكون وجه الشبه كون مساورته غالبة قويّة كمشاورة السموم للأبدان، و يكون قوله: لا تكدى أبدا و لا تشوى أحدا استعارتين لوصفى السمّ الّذي لا يكاد يقف دون المقاتل و لا يخطئها لتلك المساورة باعتبار أنّها لا يخطى‏ء رميتها القلوب بسهام الكبر و البغى و ساير ما يلقى من الوساوس المهلكة.

و قوله: لا عالما لعلمه و لا مقلّا في طمره.
 أى أنّ هذه الرذيلة تؤثّر في نفس العالم في علمه و الفقير في فقره فلا يردّها العالم بعلمه أنّها رذيلة و لا المقلّ المفتقر في طمره لمنافاة حاله في قلّته و فقره الكبر.

و قوله: و عن ذلك ما حرس اللّه. إلى قوله: تذلّلا.
 تنبيه على الامور الّتي حرس اللّه تعالى بها عبادة من هذه الرذيلة و جعلها أسبابا للتحرّز من نزغات الشيطان بها، و أشار إلى ثلاثة منها و هى الصلوات و الزكوات و مجاهدة الصيام في الأيّام المفروض صومها. أمّا الصلوات فلكونها بأجزائها و أوضاعها منافية للكبر. إذ كان مدارها على تضرّع و خضوع و خشوع و ركوع.
و كلّ واحد من هذه الأجزاء بكيفيّاته و هيئاته موضوع على المذلّة و التواضع و الاستسلام لعزّة اللّه و عظمته و تصوّر كماله و تذكّر وعده و وعيده و أهوال الموقف بين يديه و كلّ ذلك ينافي التكبّر و التعظّم، و إلى ذلك أشار بقوله: تسكينا لأطرافهم و تخشّعا لأبصارهم. إلى قوله: تصاغرا، و نصب تسكينا و تخشيعا و تذليلا و تخفيضا و إذهابا على المفعول له، و العامل ما دلّ عليه قوله: حرس. من معنى الأمر: أى حرسهم بهذه و أمرهم بكذا و كذا. و انتصب تواضعا و تصاغرا، و العاملان المصدران: تعفير، و التصاق.

فأمّا الزكاة فوجه منفعتها في دفع هذه الرذيلة أمران: أحدهما: أنّها شكر للنعمة الماليّة كما أنّ العبادات البدنيّة شكر للنعمة البدنيّة، و ظاهر أنّ شكر النعمة مناف للتكبّر عن المنعم و الاستنكاف عن عبادته. الثاني: أنّ من أوجبت عليه الزكاة يتصوّر قدرة موجبها و سلطانه و قهره على إخراجها فينفعل عن حكمه و ينقهر تحت أوامره مع تصوّره لغنائه المطلق و ذلك مناف لتكبّره و استنكافه عن عبادته. و أمّا مجاهدة الصيام فلما فيها من المشقّة الشاقّة و مكابدة الجوع و العطش في الأيّام الصيفيّة كما كنّى عنه عليه السّلام بقوله: و إلصاق البطون بالمتون من الصيام. و الإنسان في كلّ تلك الأحوال متصوّر لجلال اللّه و عظمته و أنّه إنّما يفعل ذلك امتثالا لواجب أمره و خضوعا تحت عزّ سلطانه، و ذلك مناف للكبر و الترفّع، و قد علمت ما في الصوم من كسر النفس الأمّارة بالسوء كما قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ الشيطان ليجرى من ابن آدم مجرى الدم فضيّقوا مجاريه بالجوع، و ذلك أنّ وسيلة الشيطان هى الشهوات و مبدء الشهوات و قوّتها مداومة الأكل و الشرب. و بتضييق مجاريه ينقهر و ينكسر نواجم وسوسته بالرذائل عن العبد، و يسكن حركات الأطراف الّتى مبدءها تلك الوساوس، و تخشع الأبصار، و تذلّ النفوس، و تنخفض القلوب.

و قوله: مع ما في الزكاة. إلى قوله: الفقير.
 إشارة إلى سرّ آخر من أسرار الزكاة و هو ظاهر. و قد ذكرنا أسرارها مستقصاة في الفصل الّذي أوّله: إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون.

قوله: انظروا. إلى آخره.
 أمر باعتبار ما في هذه الأفعال: أى الّتي تقع في الصلاة و الزكاة و الصيام من تعفير عتائق الوجوه و إلصاق كرائم الجوارح و هى الأيدى و الأرجل و لحوق البطون بالمتون إلى غير ذلك من الأفعال المستلزمة للتواضع و التذلّل تأكيدا لما قرّره أوّلا من كون هذه العبادات حارسة لعباد اللّه عن رذيلة الكبر. و باللّه التوفيق.

الفصل الرابع:

في توبيخهم على المعصية
من غير سبب يعرف أو حجّة يقبلها عقل، و أمرهم بالتعصّب لمحامد الأخلاق و مكارمها، و تحذيرهم من العقوبات النازلة بمن قبلهم من الامم و النظر في عاقبة أمرهم، و غير ذلك من الامور الواعظة.

و ذلك قوله: وَ لَقَدْ نَظَرْتُ فَمَا وَجَدْتُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ- يَتَعَصَّبُ لِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا عَنْ عِلَّةٍ- تَحْتَمِلُ تَمْوِيهَ الْجُهَلَاءِ- أَوْ حُجَّةٍ تَلِيطُ بِعُقُولِ السُّفَهَاءِ غَيْرَكُمْ- فَإِنَّكُمْ تَتَعَصَّبُونَ لِأَمْرٍ مَا يُعْرَفُ لَهُ سَبَبٌ وَ لَا عِلَّةٌ- أَمَّا إِبْلِيسُ فَتَعَصَّبَ عَلَى آدَمَ لِأَصْلِهِ- وَ طَعَنَ عَلَيْهِ فِي خِلْقَتِهِ- فَقَالَ أَنَا نَارِيٌّ وَ أَنْتَ طِينِيٌّ- وَ أَمَّا الْأَغْنِيَاءُ مِنْ مُتْرَفَةِ الْأُمَمِ- فَتَعَصَّبُوا لِآثَارِ مَوَاقِعِ النِّعَمِ- فَ قالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَ أَوْلاداً- وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ- فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ- فَلْيَكُنْ تَعَصُّبُكُمْ لِمَكَارِمِ الْخِصَالِ- وَ مَحَامِدِ الْأَفْعَالِ وَ مَحَاسِنِ الْأُمُورِ- الَّتِي تَفَاضَلَتْ فِيهَا الْمُجَدَاءُ وَ النُّجَدَاءُ- مِنْ بُيُوتَاتِ الْعَرَبِ‏ وَ يَعَاسِيبِ القَبَائِلِ- بِالْأَخْلَاقِ الرَّغِيبَةِ وَ الْأَحْلَامِ الْعَظِيمَةِ- وَ الْأَخْطَارِ الْجَلِيلَةِ وَ الْآثَارِ الْمَحْمُودَةِ- فَتَعَصَّبُوا لِخِلَالِ الْحَمْدِ مِنَ الْحِفْظِ لِلْجِوَارِ- وَ الْوَفَاءِ بِالذِّمَامِ وَ الطَّاعَةِ لِلْبِرِّ- وَ الْمَعْصِيَةِ لِلْكِبْرِ وَ الْأَخْذِ بِالْفَضْلِ- وَ الْكَفِّ عَنِ الْبَغْيِ وَ الْإِعْظَامِ لِلْقَتْلِ- وَ الْإِنْصَافِ لِلْخَلْقِ وَ الْكَظْمِ لِلْغَيْظِ- وَ اجْتِنَابِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَ احْذَرُوا مَا نَزَلَ بِالْأُمَمِ قَبْلَكُمْ- مِنَ الْمَثُلَاتِ بِسُوءِ الْأَفْعَالِ وَ ذَمِيمِ الْأَعْمَالِ- فَتَذَكَّرُوا فِي الْخَيْرِ وَ الشَّرِّ أَحْوَالَهُمْ- وَ احْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ- فَإِذَا تَفَكَّرْتُمْ فِي تَفَاوُتِ حَالَيْهِمْ- فَالْزَمُوا كُلَّ أَمْرٍ لَزِمَتِ الْعِزَّةُ بِهِ شَأْنَهُمْ- وَ زَاحَتِ الْأَعْدَاءُ لَهُ عَنْهُمْ- وَ مُدَّتِ الْعَافِيَةُ بِهِ عَلَيْهِمْ- وَ انْقَادَتِ النِّعْمَةُ لَهُ مَعَهُمْ وَ وَصَلَتِ الْكَرَامَةُ عَلَيْهِ حَبْلَهُمْ- مِنَ الِاجْتِنَابِ لِلْفُرْقَةِ وَ اللُّزُومِ لِلْأُلْفَةِ- وَ التَّحَاضِّ عَلَيْهَا وَ التَّوَاصِي بِهَا- وَ اجْتَنِبُوا كُلَّ أَمْرٍ كَسَرَ فِقْرَتَهُمْ وَ أَوْهَنَ مُنَّتَهُمْ- مِنْ تَضَاغُنِ الْقُلُوبِ وَ تَشَاحُنِ الصُّدُورِ- وَ تَدَابُرِ النُّفُوسِ وَ تَخَاذُلِ الْأَيْدِي وَ تَدَبَّرُوا أَحْوَالَ الْمَاضِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَكُمْ- كَيْفَ كَانُوا فِي حَالِ التَّمْحِيصِ وَ الْبَلَاءِ- أَ لَمْ يَكُونُوا أَثْقَلَ الْخَلَائِقِ أَعْبَاءً- وَ أَجْهَدَ الْعِبَادِ بَلَاءً وَ أَضْيَقَ أَهْلِ الدُّنْيَا حَالًا- اتَّخَذَتْهُمُ الْفَرَاعِنَةُ عَبِيداً فَسَامُوهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ- وَ جَرَّعُوهُمُ الْمُرَارَ فَلَمْ تَبْرَحِ الْحَالُ بِهِمْ فِي ذُلِّ الْهَلَكَةِ وَ قَهْرِ الْغَلَبَةِ- لَا يَجِدُونَ حِيلَةً فِي امْتِنَاعٍ وَ لَا سَبِيلًا إِلَى دِفَاعٍ- حَتَّى إِذَا رَأَى اللَّهُ جِدَّ الصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى فِي مَحَبَّتِهِ- وَ الِاحْتِمَالَ لِلْمَكْرُوهِ مِنْ خَوْفِهِ- جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَايِقِ الْبَلَاءِ فَرَجاً- فَأَبْدَلَهُمُ الْعِزَّ مَكَانَ الذُّلِّ وَ الْأَمْنَ مَكَانَ الْخَوْفِ- فَصَارُوا مُلُوكاً حُكَّاماً وَ أَئِمَّةً أَعْلَاماً- وَ قَدْ بَلَغَتِ الْكَرَامَةُ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ مَا لَمْ تَذْهَبِ الْآمَالُ إِلَيْهِ بِهِمْ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ الْأَمْلَاءُ مُجْتَمِعَةً- وَ الْأَهْوَاءُ مُتَّفَقَةً وَ الْقُلُوبُ مُعْتَدِلَةً- وَ الْأَيْدِي مُتَرَادِفَةً وَ السُّيُوفُ مُتَنَاصِرَةً- وَ الْبَصَائِرُ نَافِذَةً وَ الْعَزَائِمُ وَاحِدَةً- أَ لَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً فِي أَقْطَارِ الْأَرَضِينَ- وَ مُلُوكاً عَلَى رِقَابِ الْعَالَمِينَ- فَانْظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِمْ- حِينَ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ وَ تَشَتَّتَتِ الْأُلْفَةُ- وَ اخْتَلَفَتِ الْكَلِمَةُ وَ الْأَفْئِدَةُ- وَ تَشَعَّبُوا مُخْتَلِفِينَ وَ تَفَرَّقُوا مُتَحَارِبِينَ- وَ قَدْ خَلَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهِ- وَ سَلَبَهُمْ غَضَارَةَ نِعْمَتِهِ- وَ بَقِيَ قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ فِيكُمْ- عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنْكُمْ فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ- وَ بَنِي إِسْحَاقَ وَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ع- فَمَا أَشَدَّ اعْتِدَالَ الْأَحْوَالِ وَ أَقْرَبَ اشْتِبَاهَ الْأَمْثَالِ- تَأَمَّلُوا أَمْرَهُمْ فِي حَالِ تَشَتُّتِهِمْ وَ تَفَرُّقِهِمْ- لَيَالِيَ كَانَتِ الْأَكَاسِرَةُ وَ الْقَيَاصِرَةُ أَرْبَاباً لَهُمْ- يَحْتَازُونَهُمْ عَنْ رِيفِ الْآفَاقِ وَ بَحْرِ الْعِرَاقِ- وَ خُضْرَةِ الدُّنْيَا إِلَى مَنَابِتِ الشِّيحِ- وَ مَهَافِي الرِّيحِ وَ نَكَدِ الْمَعَاشِ- فَتَرَكُوهُمْ عَالَةً مَسَاكِينَ إِخْوَانَ دَبَرٍ وَ وَبَرٍ- أَذَلَّ الْأُمَمِ دَاراً وَ أَجْدَبَهُمْ قَرَاراً- لَا يَأْوُونَ إِلَى جَنَاحِ دَعْوَةٍ يَعْتَصِمُونَ بِهَا- وَ لَا إِلَى ظِلِّ أُلْفَةٍ يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزِّهَا- فَالْأَحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ وَ الْأَيْدِي مُخْتَلِفَةٌ- وَ الْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ- فِي بَلَاءِ أَزْلٍ وَ أَطْبَاقِ جَهْلٍ- مِنْ بَنَاتٍ مَوْءُودَةٍ وَ أَصْنَامٍ مَعْبُودَةٍ- وَ أَرْحَامٍ مَقْطُوعَةٍ وَ غَارَاتٍ مَشْنُونَةٍ فَانْظُرُوا إِلَى مَوَاقِعِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ- حِينَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا- فَعَقَدَ بِمِلَّتِهِ طَاعَتَهُمْ وَ جَمَعَ عَلَى دَعْوَتِهِ أُلْفَتَهُمْ- كَيْفَ نَشَرَتِ النِّعْمَةُ عَلَيْهِمْ جَنَاحَ كَرَامَتِهَا- وَ أَسَالَتْ لَهُمْ جَدَاوِلَ نَعِيمِهَا- وَ الْتَفَّتِ الْمِلَّةُ بِهِمْ فِي عَوَائِدِ بَرَكَتِهَا- فَأَصْبَحُوا فِي نِعْمَتِهَا غَرِقِينَ- وَ فِي خُضْرَةِ عَيْشِهَا فَكِهِينَ- قَدْ تَرَبَّعَتِ الْأُمُورُ بِهِمْ فِي ظِلِّ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ- وَ آوَتْهُمُ الْحَالُ إِلَى كَنَفِ عِزٍّ غَالِبٍ- وَ تَعَطَّفَتِ الْأُمُورُ عَلَيْهِمْ فِي ذُرَى مُلْكٍ ثَابِتٍ- فَهُمْ حُكَّامٌ عَلَى الْعَالَمِينَ- وَ مُلُوكٌ فِي أَطْرَافِ الْأَرَضِينَ- يَمْلِكُونَ الْأُمُورَ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ- وَ يُمْضُونَ الْأَحْكَامَ فِيمَنْ كَانَ يُمْضِيهَا فِيهِمْ- لَا تُغْمَزُ لَهُمْ قَنَاةٌ وَ لَا تُقْرَعُ لَهُمْ صَفَاةٌ أَلَا وَ إِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ- وَ ثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللَّهِ الْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ بِأَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ- فِيمَا عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هَذِهِ الْأُلْفَةِ- الَّتِي يَنْتَقِلُونَ فِي ظِلِّهَا وَ يَأْوُونَ إِلَى كَنَفِهَا- بِنِعْمَةٍ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لَهَا قِيمَةً- لِأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ وَ أَجَلُّ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ- وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَعْرَاباً- وَ بَعْدَ الْمُوَالَاةِ أَحْزَاباً- مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِاسْمِهِ- وَ لَا تَعْرِفُونَ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا رَسْمَهُ- تَقُولُونَ النَّارَ وَ لَا الْعَارَ- كَأَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُكْفِئُوا الْإِسْلَامَ عَلَى وَجْهِهِ- انْتِهَاكاً لِحَرِيمِهِ وَ نَقْضاً لِمِيثَاقِهِ الَّذِي وَضَعَهُ اللَّهُ لَكُمْ- حَرَماً فِي أَرْضِهِ وَ أَمْناً بَيْنَ خَلْقِهِ- وَ إِنَّكُمْ إِنْ لَجَأْتُمْ إِلَى غَيْرِهِ حَارَبَكُمْ أَهْلُ الْكُفْرِ- ثُمَّ لَا جَبْرَائِيلُ وَ لَا مِيكَائِيلُ- وَ لَا مُهَاجِرُونَ وَ لَا أَنْصَارٌ يَنْصُرُونَكُمْ- إِلَّا الْمُقَارَعَةَ بِالسَّيْفِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكُمْ- وَ إِنَّ عِنْدَكُمُ الْأَمْثَالَ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَ قَوَارِعِهِ- وَ أَيَّامِهِ وَ وَقَائِعِهِ- فَلَا تَسْتَبْطِئُوا وَعِيدَهُ جَهْلًا بِأَخْذِهِ- وَ تَهَاوُناً بِبَطْشِهِ وَ يَأْساً مِنْ بَأْسِهِ- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَلْعَنِ الْقَرْنَ الْمَاضِيَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ- إِلَّا لِتَرْكِهِمُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيَ عَنِ‏ الْمُنْكَرِ- فَلَعَنَ اللَّهُ السُّفَهَاءَ لِرُكُوبِ الْمَعَاصِي وَ الْحُلَمَاءَ لِتَرْكِ التَّنَاهِي أَلَا وَ قَدْ قَطَعْتُمْ قَيْدَ الْإِسْلَامِ- وَ عَطَّلْتُمْ حُدُودَهُ وَ أَمَتُّمْ أَحْكَامَهُ

اللغة

أقول:

التمويه: التلبيس.

و تليط: تلتصق و تختلط.

و السفه: خفّة العقل.

و المجداء: جمع ماجد و هو كريم الآباء و شريفهم.

و النجداء: جمع نجيد، و هو دو النجدة و هى فضيلة تحت الشجاعة.

و يعاسيب القبايل: ساداتها.

و زاحت: بعدت.

و التحاضّ: التحاثّ و الفقرة: الواحدة من خرزات الظهر.

و روى فقرهم: جمع فقرة.

و المنّة: القوّة.

و التضاغن: التحاقد.

و التشاحن: التعادى.

و التدابر: التقاطع.

و التخاذل: عدم التناصر.

و العب‏ء: الحمل.

و أجهد: أشقّ.

و سمته كذا: أوليته إيّاه.

و المرار بضمّ الميم: شجر مرّ إذا أكلت منه الإبل قلصت عنه مشافرها.

و الترادف: التعاضد و التعاون.

و غضارة النعمة: طيبها.

و الاحتياز: الاقتطاع عن الشي‏ء و الأخذ عنه.

و الريف: الأرض ذات الزرع و الخصب.

و مها في الريح: جمع مهفاة و هى محلّ هفو الريح: أى حركتها و هبوبها.

و نكد المعاش: قلّته و شدّته و العالة: جمع عائل و هو دو العيلة و هى الفقر.

و الدبر: الجرح في ظهر البعير.

و الوتر: الحقد.

و في بعض النسخ: دبر و وبر.

و الأزل: الضيق.

و الموءودة: البنت تدفن في التراب حيّة.

و شنّ الغارة: فرّقها من كلّ جانب.

و الفكه: طيّب النفس المسرور، و الفكه: الأشر البطر.

و تربّعت: أقامت.

و أصله الإقامة في الربيع، و يحتمل أن يريد تمكّنت كالمتربّع بجلسته المخصوصة بكونها ذات تمكّن.

و الذرى: جمع ذروة و هى أعلى الجبل.

و عطف عليه و تعطّف: إذا أشفق عليه و التفت إليه بإحسانه.

و الخطر: المنزلة و القدر.

و الأعراب: سكّان البادية.

و إكفاء الإناء: قلبه لوجهه.

و انتهاك الحرمة: أخذها بما لا يحلّ.

و المقارعة: المضاربة.

المعنى

فقوله: و لقد نظرت. إلى قوله: بمعذّبين.
فقوله: و لقد نظرت. إلى قوله: بمعذّبين.

في معرض التوبيخ لهم على تعصّبهم الباطل الّذي تثور به الفتن مع أنّه ليس لأمر يعرف من وجه المنفعة و المصلحة الحاملة عليه. و لفظ إلّا يقتضى حصر وجدانه لمن يتعصّب لشي‏ء في وجدانه له متعصّبا عن علّة تحتمل تشبيه الأمر على أهل الجهل بحيث يظنّ سببا صحيحا للتعصّب أو عن حجّة ملتصق بعقول السفهاء فيقبلها، و هذا هو مقتضى العقل. إذ كان الترجيح من غير مرجّح محال في بداية العقول. و تقدير الكلام: فما وجدت أحدا يتعصّب إلّا وجدته يتعصّب عن علّة.

و قوله: غيركم.
استثناء من معنى الإثبات في الجملة المفيدة للحصر كأنّه قال: وجدت كلّ أحد يتعصّب عن علّة إلّا أنتم.
و قوله: تتعصّبون لأمر ما يعرف له سبب و لا علّة.
 أي سبب يحتمل التموية على الجهلاء و علّة ملتصق بعقول السفهاء و لم يرد نفى مطلق السبب. إذ سبب تعصّبهم و ثوران الفتنة بينهم هو الاعتزاء الّذي كان بينهم و كان يقع من جهّالهم كما ذكرناه في سبب الخطبة لكنّه ترك الوصف هنا لتقدّمه. ثمّ أخذ في تفصيل وجوه العصبيّة و أسبابها فبدء بذكر مبدء العصبيّة لإبليس. و سبب عصبيّته لأصله اعتقاده لطف جوهره و شرفه. إذا لنار أشرف من الطين مع جهله بسرّ البشريّة و وضع آدم على هذه الخلقة و خلقته الّتي وضع عليها خلقه فلذلك فضّل نفسه قياسا للفرع على الأصل في الشرف و الخسّة فقال: أنا نارىّ و أنت طينىّ. و لذلك قيل: إنّ أوّل من قاس إبليس. ثمّ بعصبيّة الأغنياء و الجهّال من مترفة الامم لكونهم تلامذه إبليس في العصبيّة، و أشار إلى علّة تعصّبهم و هى آثار مواقع النعم، و مواقعها هى الأموال و الأولاد و سائر ما ينتفع به كما قال‏ تعالى حكاية عنهم نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَ أَوْلاداً«» و آثار تلك المواقع هى الغنى و الترفّه بها و التنعّم و الالتذاذ، و كان تعصّبهم لذلك و فخرهم به. و يجب أن يعلم أنّ الأموال و الأولاد أنفسها ليست نعما مطلقا لأنّ النعمة من الامور الإضافيّة إنّما يقال بالنسبة إلى منعم و منعم عليه و ليس المال مطلقا كذلك و لا الولد باعتبار ذاته بل إنّما يطلق عليهما لفظ النعمة باعتبار انتفاع الإنسان بهما حتّى لو كانا سببا لهلاكه و أذاه لم يكونا بذلك الاعتبار إلّا نعمة عليه و فتنة له فلذلك جعلها مواقع النعم: أى محالّ قابلة لكونها نعما، و يحتمل أن يريد بالنعم الأموال و الأولاد و بمواقعها وقوعها فإنّه كثيرا ما يريد بمفعل المصدر و آثارها هى الغنى و الترفّه كما قدّمناه.
ثمّ لمّا وبّخهم على التعصّبات الباطلة نبّههم على مواقع العصبيّة و ما ينبغي أن يكون له و هى مكارم الأخلاق و محامد الأفعال و محاسن الامور الّتي تفاضلت فيها أهل المجد و الشرف و النجدة من بيوتات العرب و سادات القبائل. و الباء في قوله: بالأخلاق. متعلّقه بتفاضلت فإنّ المذكورين تفاضلوا في محاسن الامور بالأخلاق الرغيبة: أى المرغوب فيها، و قد علمت فيما سبق اصول الأخلاق الفاضلة و ما تحتها من أنواعها، و الحلم ملكة تحت الشجاعة و هى الإناءة و الرزانة عند الغضب و موجباته و المفاضلة بالأخطار الجليلة مراعاتا للمراتب المحمودة و منازل الشرف بالمحافظة على تلك الأخلاق المحمودة و ملازمتها، و كذلك المفاضلة بالآثار المحمودة يعود إلى ملازمة الأفعال الجميلة الموافقة للأخلاق النفسانيّة كفعل البذل عن السخاء و كقتل القريب مثلا مراعاة للعدل و الوفاء. ثمّ أمرهم بعد التنبيه على تلك المكارم بالعصبيّة لها فقال: فتعصّبوا لخلال الحمد. و أشار إلى تفصيلها: فمنها: حفظ الجوار و هى فضيلة تتشعّب عن فضيلتين لأنّ حفظه يكون بالكفّ عن أذاه و ذلك فضيلة تحت العدل، و يكون بالإحسان إليه و مصادقته و مسامحته و مواساته و تلك امور تحت العفّة. و منها: الوفاء بالذمام و هو تحت العفّة. و منها: الطاعة للبرّ و الأولى أن يريد بالبرّ هنا ما أراد به القرآن الكريم بقوله لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ. إلى قوله لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا و لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏«». فإنّ المراد في هاتين القرينتين بالبرّ كمال الايمان و التقوى و الأعمال الجميلة، و معنى طاعة البرّ التلبّس‏ بهذه الأفعال و ملازمتها و اعتقاد وجوبها، و يحتمل أن يريد و الطاعة للأمر بالبرّ فحذف الأمر للعلم به. و قد يطلق البرّ و يراد به العفّة و بذلك الاعتبار يقابله الفجور، و يحتمل أن يريد هاهنا ما يقابل العقوق و هو الشفقّة على ذوى الرحم و الإحسان إلى الوالدين، و هو داخل تحت العفّة. و منها: المعصية للكبر و المراد بمعصية الكبر مجانبته مجازا إطلاقا لاسم السبب على المسبّب أو معصية الأمر بالكبر و هو كناية عن التواضع و هو فضيلة تحت العفّة، و المعصية هنا في مقابلة الطاعة. و منها: الأخذ بالفضل و أراد استكمال الفضيلة و لزومها، و يحتمل أن يريد بالفضل التفضّل على الغير و الإحسان إليه و الأخذ به فيكون أمرا بالإحسان و الجود و هو فضيلة تحت العفّة. و منها: الكفّ عن البغى و يعود إلى فضيلة العدل. و منها: تعظيم القتل و هو كناية عن تركه لما يستلزمه من رذيلة الظلم ثمّ للوعيد عليه في الآخرة و يعود إلى فضيلة العدل أيضا، و كذلك الانصاف للخلق هو لزوم العدل في معاملاتهم. و منها: كظم الغيظ و هو فضيلة تحت فضيلة الشجاعة. و منها: اجتناب الفساد في الأرض و هو من لوازم فضيلة العدل. ثمّ لمّا أمر بلزوم مكارم الأخلاق و الأعمال الجميلة أردفه بالتنفير عن الكون على ذلك من رذائلها و ذمائمها، و ذلك التنفير بتذكير السامعين حال الامم الماضين و ما أصابهم من عقوبات اللّه بسبب سوء أفعالهم و ذميم أعمالهم، و تحذيرهم أن يرتكبوا تلك الرذائل فيصيبهم ما أصاب اولئك من بأس اللّه. و أمرهم أن يتذكّروا حالهم في الخير أوّلا حين كانوا في طاعة أنبيائهم و الالفة الجامعة بينهم و حالهم في الشرّ الّتي انقلبوا إليها عن تلك الحال حين خالفوا صالح الأعمال و حالفوا ذميم الأفعال، و حذّرهم أن يكونوا أمثالهم: أى في ذلك الانقلاب و استبدال الشرّ بالخير و أن يلزموا عند تفكّرهم في تفاوة حاليهم كلّ أمر لزمت العزّة به حالهم و أزالت الأعداء عنهم و مدّت العافية فيه بهم. و الباء للاستصحاب: أى مدّت مستصحبة لهم. و في نسخة الرضى- رحمه اللّه- و مدّت بالفتح على البناء للفاعل كقولك مدّ الماء: أى جرى و سال. و كذلك انقادت النعم لذلك الأمر معهم: أى بسببه. إذ كان سببا معدّا لإفاضة النعم عليهم، و وصلت الكرامة عليه حبلهم. و استعار لفظ الوصل لاجتماعهم عن كرامة اللّه لهم حال كونهم على ذلك الأمر، و رشّح بذكر الحبل.

و قوله: من الاجتناب. إلى قوله: و التواصى بها.
و قوله: من الاجتناب. إلى قوله: و التواصى بها. و ظاهر أنّ لزوم الالفة سبب للامور الّتي عددّها.
و قوله: و اجتنبوا. إلى قوله: و تخاذل الأيدى.
و قوله: و اجتنبوا. إلى قوله: و تخاذل الأيدى. أى و اجتنبوا كلّ أمر استبدلوا به تلك الامور الّتي أوجبت لهم العزّة و الكرامة و كان سببا لكسر فقرتهم و وهن قوّتهم و هو التضاغن و التشاحن و التقاطع و التخاذل لأنّها امور تضادّ الالفة و تنافيها فكانت مضادّة لما يستلزمه الالفة، و أراد التخاذل المطلق. و إضافته إلى الأيدى كناية لأنّ الأغلب أن يكون التناصر بالأيدي، و هؤلاء الّذين أمر باعتبار حالهم لا يريد بهم امّة معيّنة بل الحال عامّ في كلّ امّة سبقت فإنّ كلّ امّة ترادفت أيديهم و تعاونوا و تناصروا كان ذلك سببا لعزّة حالهم و دفع الأعداء عنهم، و كلّ قوم افترقوا و تقاطعوا استلزم ذلك ذلّهم و قهر الأعداء لهم.

و قوله: و تدبّروا أحوال الماضين من المؤمنين. إلى قوله: إليه بهم.
 أمر لهم باعتبار هذه الأحوال فيمن هو أخصّ و هم المؤمنون من الماضين في أزمان الأنبياء السابقين فإنّهم حيث كانوا مع كلّ نبىّ في مبدء أمرهم في حال التمحيص و الاستخلاص لقلوبهم بالبلاء أثقل أهل الأرض أعباء قد اتّخذتهم الفراعنة عبيدا يسومونهم سوء العذاب و هؤلاء كيوسف عليه السّلام مع فرعون زمانه، و كموسى و هرون و من آمن معهما من بني إسرائيل في مبدء أمرهم فإنّهم كانوا حال التمحيص و البلاء بالصفات الّتي ذكرها عليه السّلام قد اتّخذتهم الفراعنة عبيدا يسومونهم سوء العذاب و يجرّعونهم المرار فلم يزالوا كذلك مقهورين حتّى إذا رأى استعدادهم بالصبر على دينه لإفاضة رحمته عليهم أفاضها عليهم و جعل لهم من مضايق البلاء فرجا فأبدلهم بالعزّ مكان الذلّ و الأمن مكان الخوف كما امتنّ عليهم تعالى في كتابه حيث قال وَ إِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ‏ نِساءَكُمْ وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ وَ إِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ«» الآية. و قبل ذلك ما كان المؤمنون مع نوح عليه السّلام و إبراهيم عليه السّلام و غيرهما. فأمّا كونهم ملوكا و حكّاما و أئمّة أعلاما و بلوغهم الكرامة من اللّه لهم ما لم يذهب آمالهم إليه فإنّ موسى عليه السّلام و هرون عليه السّلام بعد هلاك فرعون ملكا مصر و استقرّ لهما الملك و الدين و كطالوت و داود بعد مجاهدتهما بجالوت و قتله، و ذلك أنّ طالوت لمّا جاوز النهر هو و من معه لقتال جالوت كان معه داود عليه السّلام فرماه من مقلاعه بحجر فقتله و انكسر أصحابه فكان الملك و الغلبة لطالوت و أصحابه و كان الملك بعده لداود عليه السّلام كما قال تعالى وَ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ«» و كذلك لم يزل الملك و النبوّة في سليمان و ولده و أولادهم إلى الأعرج من ولده فطمعت الملوك في بيت المقدس لضعفه و زمنه و أنّه لم يكن نبيّا فسار إليه ملك الجزيرة و كان يسكن بريّة سنجار و كان بخت نصر كاتبه فأرسل اللّه تعالى عليه ريحا فأهلكت جيشه و أفلت هو و كاتبه فقتله ابنه فغضب له بخت نصر فاغترّه حتّى قتله و ملك بعده و كان ذلك أوّل ملك بخت نصر.

و قوله: فانظروا كيف كانوا. إلى قوله: للمعتبرين منكم.
 أمر لهم باعتبار حالهم في الفتهم و اجتماعهم، و إشارة إلى أنّ المستلزم لتلك الخيرات كلّها إنّما كان هو الالفة و الاجتماع و باعتبار ما صاروا إليه في آخر امورهم حين وقعت الفرقة بينهم و تشتّت الفتهم و اختلفت كلمتهم و أفئدتهم فخلع اللّه عنهم لباس كرامته و سلبهم غضارة نعمته و بقى قصص أخبارهم عبرة للمعتبرين، و هو إشارة إلى أنّ المستلزم لتلك الشرور هو ما حصلوا عليه من تفرّق الكلمة و ذلك صادق على كلّ قرن قرن و امّة امّة آمنوا و لحلقتهم المجاهد من الفراعنه و الجبابرة ثمّ صبروا فانتصروا على أعدائهم. و أراد باعتدال‏ القلوب استقامتها على الحقّ.

و قوله: و السيوف متناصرة.
قال بعضهم: أراد أهل السيوف فحذف المضاف، و يحتمل أن يكون قد استعار وصف التناصر لها باعتبار كونها أسبابا يقوّى بعضها بعضا فصارت كالجماعة الّتي ينصر بعضها بعضا. و نفوذ البصاير خرقها حجب الشبهات عن الحقّ واصلة إليه. و اتّحاد العزائم اتّفاق الإرادات الجازمة على طلب الحقّ. و مختلفين و متحاربين منصوبان على الحال، و كذلك موضع قوله: قد خلع، و كذلك عبرتا.
و قوله: فاعتبروا بحال ولد إسماعيل و بنى إسحاق و إسرائيل عليهم السّلام. إلى قوله: صفاة.
و قوله: فاعتبروا بحال ولد إسماعيل و بنى إسحاق و إسرائيل عليهم السّلام. إلى قوله: صفاة. أمر لهم باعتبار أخصّ. و ولد إسماعيل إشارة إلى العرب من آل قحطان و آل معد، و من بنى إسحاق أولاد روم بن عيص بن إسحاق و بنو إسرائيل و هو يعقوب ابن إسحاق. فأمّا حال تشتّتهم و تفرّقهم و استيلاء الأكاسرة و القياصرة عليهم و فعلهم بهم ما ذكر فتفرّق كلمة العرب قبل ظهور محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أمر ظاهر معلوم لكلّ من طالع كتب السير، و بسبب ذلك كانت الأكاسرة أربابا لهم يحتازونهم و يبعّدونهم عن ريف الآفاق و بحر العراق و خضرة الدنيا إلى البادية، و أمّا حال بني إسحاق و إسرائيل في ذلك فنحو ما جرى لأولاد روم بن عيص من اختلاف النسطوريّة و اليعقوبيّة و الملكاتيّه حتّى كان ذلك سببا لضعفهم و استيلاء القياصرة عليهم في الروم و على بني إسرائيل في الشام و إزعاج بخت نصر لهم عن بيت المقدس حتّى غزاهم المرّة الثانية كما أشار إليه القرآن الكريم بقوله فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَ لِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ«» الآية. و قد كان غزاهم مرّة اولى حين أحدثوا و غيّروا فرغبوا إلى اللّه تعالى و تابوا فردّه عنهم و هي المرّة الاولى الّتى حكى اللّه تعالى بقوله فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما«» الآية ثمّ أحدثوا بعد ذلك فبعث اللّه إليهم أرميا فقام فيهم بوحى اللّه فضربوه و قيّدوه و سجنوه فغضب اللّه عليهم فبعث إليهم عند ذلك بخت نصر فقتل منهم و صلب و أحرق و جدع و باع ذراريهم و نسائهم و سارت منهم طايفة إلى مصر و لجئوا إلى ملكها فسار إليه بخت نصر فأسره و أسر بني إسرائيل. و الّذين فرّوا منهم ارتحلوا إلى حدود المدينة كيهود خيبر و بنى قريظة و النضير و وادى قرى و قينقاع. إذا عرفت ذلك فنقول: إنّه عليه السّلام أمر باعتبار حالهم و تأمّل أمرهم في حال تشتّتهم و تفرّقهم قبل بعثة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و فعل أعدائهم ما كانوا يفعلون كيف فرجّ اللّه عنهم من تلك الشدائد بظهور محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لهم نبيّا.
و اعلم أنّ غايته عليه السّلام عن أمره باعتبار حال المؤمنين من الامم الماضية قبلهم اقتدائهم في الصبر على المكاره و لزوم الالفة و الاجتماع مع ذلك و انتظار الفرج به.

و قوله: فما أشدّ اعتدال الأحوال.
 أى تساويها، و أراد أنّ أحوالكم الشبه و المساواة لأحوالهم، و كذلك ما أقرب اشتباه الأمثال: أى إنّ أحوالكم شديدة المماثلة لأحوالهم لأنّكم أمثالهم.
و هو إشارة إلى وجه علّة الاعتبار فإنّهم إذا كانوا أمثالهم و اعتدلت أحوالهم و تشابهت امورهم وجب اعتبار حالهم بحالهم و لذلك أتى بالفاء للتعليل.

و قوله: تأمّلوا أمرهم في حال تشتّتهم. إلى آخر الكلام.
 إشارة إلى حال شدّتهم و رخائهم لتنقل أذهان السامعين إلى إثبات تلك الحال لأنفسهم. فالماضون أصل ذلك الاعتبار، و السامعون فرعه، و حكم الأصل أحوالهم الخيريّة و الشريّة، و علّة ذلك الحكم كونهم أمثالا لهم.

و قوله: ليالى كانت الأكاسرة و القياصرة أربابا لهم.
 أى مالكون لامورهم يحتازونهم: أى كانت القياصرة يحتازون بني إسرائيل و بني إسحاق، و الأكاسرة يحتازون بني إسرائيل و يمنعونهم من أعمال العراق فصار الجميع مطرودا للجميع عن خضرة الآفاق و جنان الشام و بحر العراق. و أراد دجلة و الفرات.

و قوله: إلى منابت الشيح و مها في الريح.
كنايتان عن البريّة و ظاهر أنّها محلّ نكد العيش و ضيقه كما وبّخهم عليه السّلام بوصف معاشهم في الفصول السابقة. و يختصّ الأكاسرة- و هو جمع كسرى- بملوك الفرس و القياصرة بملوك الروم و هو جمع على غير قياس. و كنّى بالدبر و الوبر عن الجمال، و فيه إيماء إلى فقرهم و ضيق معاشهم لأنّ دبر الجمال و استعمال الوبر و أكله بالدم من لوازم الفقر و ضيق الحال، و على الرواية الاخرى فالدبر كناية عن الفقر أيضا، و ظاهر أنّهم أذلّ الأمم دارا لأنّ أهل البادية ليسوا أصحاب حصون و قلاع يعتصم بها و إن كان لبعضهم حصون فعساه يحميهم عن أمثالهم فيما يجرى بينهم من الغارات، و ليس ذلك ممّا يدفع عدوّا ذا قوّة أو يحتمل حصارا.

و قوله: و أجد بهم قرارا.
 أى مستقرّا. إذ كانت البادية لا تقاس إلى المدن في الخصب، و استعار لفظ الجناح لما ينهض به دعوتهم و يقوى إذا دعوا، و كنّى بذلك عن كونهم لا يأوون إلى من يجيب دعوتهم فيعتصمون به، و كذلك استعار لفظ الظلّ لما يستلزمه الالفة من التعاون و التعاضد و التناصر، و وجه المشابهة هو ما يستلزمه هذه الامور من الراحة و السلامة من حرارة نار العدوّ و الحرب كما يستلزمه الظلّ من الراحة من حرّ الشمس.

و قوله: فالأحوال مضطربة.
 شرح لحالهم يومئذ و كونهم على غير نظام، و كنّى باختلاف أيديهم عن عدم اتّفاقهم على التناصر و بتفرّق كلمتهم عن عدم الفتهم و اجتماعهم على مصالحهم.
و إضافة بلاء إلى الأزل بمعنى من. و كذلك إضافة أطباق، و قد علمت أنّ للجهل صفات و دركات متراكم بعضها فوق بعض أولاها عدم العلم بالحقّ، و فوقها الاعتقاد بغير الحقّ، و فوقها اعتقاد شبهة يقوى ذلك و يعضده مع تجويز نقيضه، و فوقها اعتقاد تلك الشبهة جزما. و في نسخه الرضى- رحمه اللّه- و إطباق بكسر الهمزة على أنّه مصدر و المعنى و جهل مطبق عليهم.

و قوله: من بنات.
تفصيل للوازم ذلك الجهل، و ذكر منها أربعة أنواع: أحدها: وءد البنات، و أشار إليه القرآن الكريم وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ‏ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ«» قيل كان ذلك في بنى تميم و قيس و أسد و هذيل و بكر بن وابل.
قالوا: و السبب في ذلك أنّ رسول اللّه دعا عليهم فقال: اللّهمّ اشدد وطأتك على مضر و اجعلها عليهم سنين كسنى يوسف فأجدبوا سبع سنين حتّى أكلوا الوبر بالدم كانوا يسمّونه العلهز فوءدوا البنات لإملاقهم و فقرهم. و يؤيّد ذلك قوله تعالى وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ«» و قال قوم: بل كان وءدهم للبنات أنفة، و ذلك أنّ تميما منعت النعمان الإمارة سنة من السنين فوجّه إليهم أخاه الريّان بن المنذر و جلّ من معه من بكر بن وايل فاستاق النعم و سبا الذرارى فوفدت بنو- تميم إلى النعمان فاستعطفوه فرقّ لهم و أعاد عليهم السبى و قال: كلّ امرأة اختارت أباها ردّت إليه و إن اختارت صاحبها تركت عليه. فكلهنّ اخترن أباهنّ إلّا ابنة قيس بن عاصم فإنّها اختارت من سباها. فنذر قيس بن عاصم التميمىّ أنّه لا تولد له بنت إلّا وءدها. ففعل ذلك، ثمّ اقتدى به كثير من بنى تميم. الثاني: عبادة الأصنام، و قد كان لكلّ قبيلة صنم يعبدونه فكان لهذيل سواع، و لبنى كلب ودّ، و لمذحج يغوث و كان بدومة الجندل، و لذى الكلاع نسر، و لهمدان يعوق، و لثقيف اللات و العزّى، و لقريش و بنى كنانة و الأوس و الخزرج مناة، و كان هبل على الكعبة و إساف و نايلة كانا على الصفا و المروة و من نوادر جهلهم المشهورة أنّ بنى حنيفة اتّخذوا في الجاهليّة صنما من خبش فعبدوه دهرا طويلا ثمّ أصابتهم مجاعة فأكلوه فقال بعضهم في ذلك:
أكلت حنيفة ربّها زمن التقحّم و المجاعة
لم يحذروا من ربّهم‏
سوء العواقب و التباعة

الثالث: قطع أرحامهم و قد كان أحدهم يقتل أباه و أخاه عند الحميّة لأدنى سبب كما هو معلوم من حالهم. الرابع: الغارات و الحروب كيوم ذى قار و كأيّام حرب بكر و تغلب في بنى وابل و كحرب داحس و غير ذلك من الأيّام المشهورة. و مقاماتهم في‏ الحروب و الغارات أكثر من أن تحصر و كلّ ذلك من لوازم الجهل.

و قوله: فانظروا إلى مواقع نعم اللّه عليهم.
 أمر باعتبار حالهم عند مقدم محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بعثته فيهم بعد تلك الأحوال الشريّة.
و الضمير في عقد و جمع راجعان إلى اللّه تعالى لشهادة القرآن الكريم بنسبة الالفة بينهم إليه في قوله لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ«» و معنى عقده لطاعتهم بملّته جمعها بعد الانتشار و نظمها بعد التفرّق. إذ كانت طاعاتهم في الجاهليّة موافقة لأهوائهم المختلفة و منتشرة بحسب اختلافها، و استعار لفظ الجناح لما أسبغت عليهم رحمة اللّه من النعمة و عمّتهم به من الكرامة، و رشّح بذكر النشر، و كنّى به عن عمومهم بها. و كذلك استعار لفظ الجداول و هى الأنهار لأنواع نعيمها و سيول الخيرات الّتي جرت عليهم من الكمالات النفسانيّة و البدنيّة ملاحظة لشبه تلك الطرق و الأسباب بالجداول في جريان الماء بها، و رشّح بذكر الإسالة.

و قوله: و التقت الملّة بهم في عوائد بركتها.
 أى اجتمعت بهم و لقيتهم في منافعها الّتي حصلت ببركتها. يقال: التقيت بفلان في موضع كذا: أى لقيته. و قيل: قوله: في موضع عوايد نصب على الحال: أى الحال كونها كذلك. و لفظ الالتقاء كناية عن ورود الدين عليهم و تلبّسهم به، و لذلك استعار لفظ الغرقى ملاحظة لشبههم بالغرقى في شمول نعمة الدين لهم و غمر نعمة الإسلام إيّاهم حتّى كأنّهم لاستيلائها عليهم كالغرقى فاستلزم ذلك لملاحظة تشبيهها بالبحر الذاخر، و كنّى بخضرة عيشها عن سعة المعاش بسبب الملّة و طيبه. و أراد بالسلطان هنا إمّا الحجّة و البرهان و الاقتداء، أو الغلبة و الدولة. و استعار لفظ الظلّ لما يستلزمه ذلك السلطان من النعمة: أى و تمكّنت بهم الامور و الأسباب الّتي أعدّتهم لنعمة اللّه في ذلك الظلّ و كذلك قوله: و آوتهم الحال: أى ألجأتهم و ضمنتهم الحال الّتي كانوا عليها إلى عزّ غالب، و هو عزّ الإسلام و دولته ملاحظة لشبهه بأعالى الجبل المنيع في علوّه و منعته. و كذلك استعار لفظ التعطّف لإقبال السعادات الدنيويّة و الاخرويّة عليهم بالإسلام و هى الّتي عنى بالامور. و لا حظ في ذلك مشابهة ذلك الإقبال بتعطّف ذى الرحمة و الشفقّة على غيره.

و قوله: فهم حكّام. إلى قوله: يمضيها فيهم.
ظاهر، و كنّى بكونهم لا تغمز قناتهم عن قوّتهم و عدم انقهارهم للغير، و كذلك لا يقرع لهم صفاة. و هما يجريان مجرى المثل. ثمّ عقّب بتوبيخهم على قلّة طاعتهم، و استعار لفظ الحبل لما نظم بينهم من طاعتهم للّه و رسوله، و كنّى بوصف نفض الأيدى عن خروجهم من الطاعة و شدّة إطراحهم لها بكثير من أفعالهم، و كذلك استعار لفظ الحصن للإسلام و وجه المشابهة كونه حافظا لهم من أعدائهم الظاهرة و الباطنة كالحصن المضروب على أهله، و رشّح بذكر المضروب، و كذلك استعار لفظ الثلم لكسرهم الإسلام بأحكامهم الجاهليّة و مخالفتهم لكثير من أحكامه و نفّر عن تلك المخالفة بما يستلزمه من ذلك الثلم.

و قوله: و إنّ اللّه سبحانه قد امتنّ. إلى قوله: كلّ خطر.
. ترغيب في لزوم حبل الالفة و التمسّك به. و النعمة الّتي امتنّ اللّه تعالى بها في عقد حبل الالفة الّتي لا يعرف أحد لها قيمة هى الالفة نفسها باعتبار ما استلزمه من المنافع العظيمة و دفع المضارّ و علّل عدم معرفة الخلق لقيمتها بكونها أرجح من كلّ ثمن و أجلّ من كلّ خطر و هى صغرى قياس ضمير تقدير كبراه: و كلّ ما كان كذلك لم يعرف أحد قيمته، و صدق الصغرى ظاهر. إذ كانت تلك الالفة و الاجتماع على الدين سببا عظيما في استعدادهم لسعادتى الدنيا و الآخرة.

و قوله: و علموا. إلى قوله: بين خلقه.
 توبيخ لهم بانتقالهم عن الأحوال و الأقوال الإسلاميّة إلى الأحوال الجاهليّة: أى قد صرتم بعد كونكم مهاجرين أعرابا، و لمّا كانت الأعراب أنقص رتبة من المهاجرين و أهل المدن لجفاهم و قسوتهم و بعدهم عن الفضائل النفسانيّة و تعلّمها و عن سماع ألفاظ الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و مجالسته و اقتباس الآداب من أهل‏ الحضارة كما قال تعالى الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً«» الآية لا جرم وبّخهم لصيرورتهم كذلك. و ليس كلّ الأعراب بالصفة المذكورة لقوله تعالى وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ«» الآية. و كونهم بعد الموالاة أحزابا فالأحزاب الفرق الّتي ينقسم لمحاربة الرسل و أوصيائهم و يجتمع لمخالفتهم و ظاهر أنّ هؤلاء كذلك لانفسامهم و تشعّبهم إلى ناكثين و مارقين و قاسطين و منافقين و محاربتهم له حتّى ليس لهم إذن جامع في الإسلام يتعلّقون به إلّا اسم الإسلام و لا يعرفون من الايمان إلّا رسمه و أثره و شعاره الظاهر بالشهادتين و حضور الصلاة دون الشرائط الحقّه و ما ينبغي له. و قولهم: النار و لا العار كلمة يقولها أهل الكبر و الأنفة من احتمال الأذى و الضيم لأنفسهم أو لقومهم في الاستنهاض إلى الفتنة. و النار و العار منصوبان بفعلين مضمرين تقديرهما ادخلوا النار و لا تحتملوا العار. ثمّ شبّههم في حالهم و قولهم ذلك بمن يقصد أن يقلّب الإسلام على وجهه، و كنّى بذلك عن إفساده كناية بالمستعار ملاحظة لشبههه بالإناء يقلب فيخرج ما فيه عن الانتفاع به، و وجه التشبّه المذكور أنّ أفعالهم المذكورة كأفعال من يقصد ذلك من أعداء الإسلام لإرادة إفساده.

و قوله: انتهاكا و نقضا.
 منصوبان على المفعول له و العامل قوله: تكفئوا، و يصلحان غايتين عقيب كلّ فعل نسبه إليهم يفسّرهما ذكرهما هاهنا، و ميثاقه ما اخذ عليهم فيه و أسلموا من جزئيّاته و هى الايمان الصادق باللّه و رسوله و ما جاء به من القوانين الشرعيّة. ثمّ وصف ذلك الميثاق بكون اللّه تعالى قد وضعه لهم حرما في أرضه يمنعهم من كلّ عدوّ و أمنا بين خلقه لمن دخله و أراد محلّ أمن فحذف المضاف أو تجوّز بلفظ الأمن في المأمن إطلاقا لاسم الحال على المحلّ.

و قوله: و إنّكم. إلى قوله: بينكم.
 تحذير من الاعتماد على غير الإسلام و اللجأ إليه من شجاعة أو حميّة أو كثرة في قبيلة مع الخروج عن طاعة سلطان الإسلام و التفرّق فيه فإنّ ذلك يستلزم طمع الكفّار فيهم. و عدم نصرة الملائكة و المهاجرين و الأنصار حينئذ لهم إمّا لأنّ النصرة كانت مخصوصة بوجود الرسول و الاجتماع على طاعته و قد زالت بفقده أو لأنّها مشروطة بالاجتماع على الدين و الالفة فيه و الذبّ عنه و إذا التجئوا إلى غيره و حاربهم الكفّار لم يكن ناصر من الملائكة لعدم اجتماعهم على الدين، و لا من المهاجرين و الأنصار لفقدهم و هذا اللازم مخوف ينبغي أن يحذر منه فالملزوم و هو الالتجاء إلى غير الإسلام يجب أن يكون كذلك. و الضمير المضاف إليه في حريمه و ميثاقه يعود إلى الإسلام. و قال بعض الشارحين: الضمير في قوله يعود إلى اللّه و الأوّل أليق بسياق الكلام، و النصب في جبرئيل و ميكائيل على أنّهما اسمان ملاحظا فيهما التنكير و لذلك أتى عقيبهما بعد لا بالنكرتين، و ينصرونكم هو خبرها مفسّرا لمثله عقيب ما يكون منها.

و قوله: إلّا المقارعة بالسيف.
 استثناء منقطع، و حكم اللّه الّذي جعله غاية للمقارعة هو إفاضة لصورة النصر على أحد الفريقين و الانقهار على الآخر.

و قوله: و إنّ عندكم الأمثال. إلى قوله: و وقائعه.
 تذكير لهم بما ضرب اللّه لهم من الأمثال بالقرون الماضية و ما أصابهم من بأس اللّه و قوارعه و هى الدواهى العظام و أيّامه و هى كناية عن الأيّام الّتي أوقع بهم فيها عقوباته و بأسه حين استعدّوا لذلك بمعصيته و تهديد لهم بذلك إن خالفوا أمره.

و قوله: فلا تستبطئوا. إلى قوله: بأسه.
 تهديد لهم أيضا و توعيد بقرب العقوبة على المعصية، و إطلاق لفظ الاستبطاء هنا مجاز لأنّ الاستبطاء للشي‏ء استبعاد لوقوعه مع انتظار وقوعه المستلزم لطلبه و طلب تحقيق الوعيد ليس من مقاصد العقلاء حتّى ينهون عنه لكن لمّا كان الإنسان إذا همّ بالمعصية قد يستبعد تحقيق الوعيد و قربه فيكون ذلك ممّا يقوّى معه‏ داعيته و شهوته لفعلها كان لذلك الاستبعاد سببيّة بوجه ما للمعصية، و لمّا كان ذلك الاستبطاء أطلق عليه إطلاقا لاسم الجزء على الكلّ فيكون التهديد و التوبيخ عليه أبلغ، و لأنّ الّذي يقدم على المعصية مع علمه بما يستلزمه من الإعداد لنزول العذاب يناسب في الحقيقة من يستبطى‏ء العقوبة و يطلب تعجيلها بفعله و كانوا بمعصيتهم كالمستبطئين للوعيد فأطلق في حقّهم لفظة الاستبطاء و نهاهم عنه. و نصب جهلا و تهاونا و بأسا على المفعول له لصلوح الثلاثة عللا غائيّة لاستبطاء الوعيد بمعنى استبعاده لأنّ جهل العبد بكيفيّة أخذه تعالى له بالموت و أهواله و شدائد الآخرة ممّا يستبعد معه وقوع تلك الامور في حقّه كما هى. و كذلك تهاونه ببسطه و إملائه لعدم علمه بما في ذلك البسط من الاستدراج ممّا يحمله على استبعاد وعيده، و بعزمه بالمعصية و كذلك يأسه من بأسه بسبب ذلك الجهل و ذلك البسط ممّا يحمله على ذلك الاستبعاد أيضا.

و قوله: و إنّ اللّه. إلى قوله: التناهى.
 تنبيه لهم على أنّ لعنة اللّه للقرن الماضى بين أيديهم قبل الإسلام كان لازما مساويا لتركهم الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر منحصرا فيه، و كانت لعنته لسفهائهم و ناقصى عقولهم لركوبهم المعاصى المنكرة، و أمّا للحكماء منهم و لذوى العقول فلعدم إنكارهم و تناهيهم عمّا يشاهدونه من ذلك المنكر. و ذلك اللعن في قوله تعالى لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى‏ لِسانِ داوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ«» و كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه. و نبّههم بقوله: ألا و قد قطعتم قيد الإسلام. إلى قوله: أحكامه. على أنّهم من جملة من اتّصف بذلك الملزوم أعنى ترك الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و ركوب المعاصى فلزمهم الدخول في زمرة من لعنه اللّه بذلك الترك، و غاية هذا الشبه الجذب عن ركوب المعاصى إلى الانتهاء و التناهى عنها. و استعار لفظ قيد الإسلام للالفة و الاجتماع عليه و على امتثال أوامر اللّه فيه باعتبار كون ذلك حافظا للإسلام عليهم و مانعا له من التشرّد و الذهاب كما يمنع الجمل قيده من الشرود و التشتّت. و حدود اللّه: أحكامه الّتي حدّها للناس و منعهم من تجاوزها. و تعطيلهم لهم بإطراحها و تجاوزها، و كذلك إماتة أحكامه عدم العمل بها و وصف الإماتة مستعار لتركها و إهمالها لاعتبار أنّهم أخرجوها بذلك الإهمال عن انتفاعهم بها كما أنّ مميت الشي‏ء يخرجه عن حدّ الانتفاع. و باللّه التوفيق.

الفصل الخامس:

في اقتصاصه عليه السّلام لحاله في تكليفه و موافقته لأوامر اللّه
ببلائه الحسن في سبيله، و شرح حاله مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و التنبيه على موضعه منه و كيفيّة تربيته له من أوّل عمره، و الإشارة إلى قوّته في دين اللّه. و ذلك قوله:

أَلَا وَ قَدْ أَمَرَنِيَ اللَّهُ- بِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَ النَّكْثِ وَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ فَأَمَّا النَّاكِثُونَ فَقَدْ قَاتَلْتُ- وَ أَمَّا الْقَاسِطُونَ فَقَدْ جَاهَدْتُ- وَ أَمَّا الْمَارِقَةُ فَقَدْ دَوَّخْتُ- وَ أَمَّا شَيْطَانُ الرَّدْهَةِ فَقَدْ كُفِيتُهُ- بِصَعْقَةٍ سُمِعَتْ لَهَا وَجْبَةُ قَلْبِهِ وَ رَجَّةُ صَدْرِهِ- وَ بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ- وَ لَئِنْ أَذِنَ اللَّهُ فِي الْكَرَّةِ عَلَيْهِمْ- لَأُدِيلَن‏ َّ مِنْهُمْ إِلَّا مَا يَتَشَذَّرُ فِي أَطْرَافِ الْبِلَادِ تَشَذُّراً أَنَا وَضَعْتُ فِي الصِّغَرِ بِكَلَاكِلِ الْعَرَبِ- وَ كَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُونِ رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ- وَ قَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص- بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ وَ الْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ- وَضَعَنِي فِي حَجْرِهِ وَ أَنَا وَلِيدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ- وَ يَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ وَ يُمِسُّنِي جَسَدَهُ- وَ يُشِمُّنِي عَرْفَهُ- وَ كَانَ يَمْضَغُ الشَّيْ‏ءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ- وَ مَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ وَ لَا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ- وَ لَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ ص- مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ- يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ- وَ مَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ- وَ لَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ- يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً- وَ يَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ- وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ- فَأَرَاهُ وَ لَا يَرَاهُ غَيْرِي- وَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ- غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ خَدِيجَةَ وَ أَنَا ثَالِثُهُمَا- أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَ الرِّسَالَةِ وَ أَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ- وَ لَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ ص- فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ- فَقَالَ هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ- إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَ تَرَى مَا أَرَى- إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ وَ لَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ- وَ إِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ وَ لَقَدْ كُنْتُ مَعَهُ ص لَمَّا أَتَاهُ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ- فَقَالُوا لَهُ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ قَدِ ادَّعَيْتَ عَظِيماً- لَمْ يَدَّعِهِ آبَاؤُكَ وَ لَا أَحَدٌ مِنْ بَيْتِكَ- وَ نَحْنُ نَسْأَلُكَ أَمْراً إِنْ أَنْتَ أَجَبْتَنَا إِلَيْهِ وَ أَرَيْتَنَاهُ- عَلِمْنَا أَنَّكَ نَبِيٌّ وَ رَسُولٌ- وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْنَا أَنَّكَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ- فَقَالَ ص وَ مَا تَسْأَلُونَ قَالُوا- تَدْعُو لَنَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى تَنْقَلِعَ بِعُرُوقِهَا- وَ تَقِفَ بَيْنَ‏ يَدَيْكَ فَقَالَ ص- إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ- فَإِنْ فَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ ذَلِكَ أَ تُؤْمِنُونَ وَ تَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ- قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَإِنِّي سَأُرِيكُمْ مَا تَطْلُبُونَ- وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكُمْ لَا تَفِيئُونَ إِلَى خَيْرٍ- وَ إِنَّ فِيكُمْ مَنْ يُطْرَحُ فِي الْقَلِيبِ وَ مَنْ يُحَزِّبُ الْأَحْزَابَ- ثُمَّ قَالَ ص يَا أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ- إِنْ كُنْتِ تُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ- وَ تَعْلَمِينَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَانْقَلِعِي بِعُرُوقِكِ- حَتَّى تَقِفِي بَيْنَ يَدَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ- وَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَانْقَلَعَتْ بِعُرُوقِهَا- وَ جَاءَتْ وَ لَهَا دَوِيٌّ شَدِيدٌ- وَ قَصْفٌ كَقَصْفِ أَجْنِحَةِ الطَّيْرِ- حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ص مُرَفْرِفَةً- وَ أَلْقَتْ بِغُصْنِهَا الْأَعْلَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص- وَ بِبَعْضِ أَغْصَانِهَا عَلَى مَنْكِبِي وَ كُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ ص- فَلَمَّا نَظَرَ الْقَوْمُ إِلَى ذَلِكَ قَالُوا عُلُوّاً وَ اسْتِكْبَاراً- فَمُرْهَا فَلْيَأْتِكَ نِصْفُهَا وَ يَبْقَى نِصْفُهَا- فَأَمَرَهَا بِذَلِكَ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ نِصْفُهَا- كَأَعْجَبِ إِقْبَالٍ وَ أَشَدِّهِ دَوِيّاً- فَكَادَتْ تَلْتَفُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ص- فَقَالُوا كُفْراً وَ عُتُوّاً فَمُرْ هَذَا النِّصْفَ- فَلْيَرْجِعْ إِلَى نِصْفِهِ كَمَا كَانَ- فَأَمَرَهُ ص فَرَجَعَ- فَقُلْتُ أَنَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنِّي أَوَّلُ مُؤْمِنٍ بِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ- وَ أَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ الشَّجَرَةَ فَعَلَتْ مَا فَعَلَتْ‏ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى- تَصْدِيقاً بِنُبُوَّتِكَ وَ إِجْلَالًا لِكَلِمَتِكَ- فَقَالَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ بَلْ ساحِرٌ كَذَّابٌ- عَجِيبُ السِّحْرِ خَفِيفٌ فِيهِ- وَ هَلْ يُصَدِّقُكَ فِي أَمْرِكَ إِلَّا مِثْلُ هَذَا يَعْنُونَنِي- وَ إِنِّي لَمِنْ قَوْمٍ لَا تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ- سِيمَاهُمْ سِيمَا الصِّدِّيقِينَ وَ كَلَامُهُمْ كَلَامُ الْأَبْرَارِ- عُمَّارُ اللَّيْلِ وَ مَنَارُ النَّهَارِ- مُتَمَسِّكُونَ بِحَبْلِ الْقُرْآنِ يُحْيُونَ سُنَنَ اللَّهِ وَ سُنَنَ رَسُولِهِ- لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَ لَا يَعْلُونَ- وَ لَا يَغُلُّونَ وَ لَا يُفْسِدُونَ- قُلُوبُهُمْ فِي الْجِنَانِ وَ أَجْسَادُهُمْ فِي الْعَمَلِ

اللغة

أقول:

النكث: نقض العهد.

و القسوط: الجور.

و دوّخت القوم، غلبتهم و قهرتهم.

و الردهة: نقرة في الجبل يجتمع فيها الماء.

و الصعقة: الغشية من صيحة و نحوها.

و الوجبة: واحدة الوجيب و هو اضطراب القلب.

و الرجّة: واحدة الرجّ: و هى الحركة و الزلزلة.

و الكرّة: الرجعة.

و لاديلنّهم: أى لا قهرنّهم و أكون ذا إدالة منهم و غلبة عليهم.

و التشذّر: التفرّق.

و الكلكل: الصدر.

و النواجم: جمع ناجمة و هو الطالع و الخارج.

و يكنفني في فراشه: أى يحفظني فيه و يحوطني و يلفّنى.

و عرفه: رائحته.

و الخطلة: السيّئة و القبيحة من قول أو فعل.

و الفطيم: المفطوم.

و حراء- بالمدّ و الكسر- : جبل بمكّة يذكّر و يؤنّث و يصرف و لا يصرف.

و الرنّة: صوت يصدر عند حصول المكاره كالحزن و نحوه.

القليب: البئر قبل أن تطوى يذكّر و يؤنّث.

و قال أبو عبيده: هى البئر القديمة العادية.

و الدوىّ: صوت حفيف الريح و النحل.

و القصف: صوت جناح الطير و إصفاقه في الهواء.

و السيما- مقصورا و ممدودا- : العلامة و الأثر في الشي‏ء يعرف به.

و المنار: الأعلام.

و غلّ من المغنم يغلّ بالضمّ: إذا خان فيه. قال أبو عبيد: يقال منه: يغلّ- بالضمّ- و من الحقد:

يغلّ- بالكسر- و من الخيانة المطلقه: أغلّ يغلّ.

المعنى

و اعلم أنّه عليه السّلام نبّه في هذا الفصل على أنّ قتاله لهذه الفرق كان بأمر اللّه على لسان رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و ذلك الأمر إمّا من القرآن الكريم من قوله تعالى وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى‏«» أو من السنّة بأمر خاصّ و هو من أوامر اللّه أيضا. و قد ثبت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: سيقاتل بعدى الناكثين و القاسطين و المارقين. فكان الناكثون أصحاب الجمل لنكثهم بيعته عليه السّلام، و كان القاسطون أهل الشام، و المارقون الخوارج بالنهروان و الفرق الثلاث يصدق عليهم أنّهم أهل البغى و قاسطون لخروجهم عن سواء العدل إلى طرف الظلم و الجور، و تخصيص كلّ فرقة منهم بما سميّت به عرف شرعىّ. فأمّا وصف الخوارج بالمارقين فمستنده قول الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لذي الثدية: يخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية و قد ذكرناه قبل. و الضئضى‏ء: الأصل. و هذا الخبر من أعلام نبوّته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و دلّ قوله عليه السّلام: و أمّا القاسطون فقد جاهدت و أمّا المارقة فقد دوّخت. على أنّ هذه الخطبة في آخر خلافته بعد وقايع صفّين و النهروان. و أمّا شيطان الردهة فالأشبه أنّ المراد به ذو الثدية من الخوارج لما ورد الحديث أنّ النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ذكره فقال: شيطان الردهة يحتذره رجل من بجيلة. فأمّا كونه شيطانا فباعتبار كونه ضالّا مضلّا، و أمّا نسبته إلى الردهة فيشبه أن يكون لما روى أنّه حين طلبه عليه السّلام في القتلى وجده في حفرة دالية فيها خرير الماء فنسبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إليها لما كان يعلم من كيفيّة حاله في مقتله.

و روى عن يزيد بن رويم قال: قال لى على عليه السّلام في ذلك اليوم: يقتل اليوم أربعة ألف من الخوارج أحدهم ذو الثدية فلمّا طحن القوم ورام إخراج ذى الثدية فأتعبه أمرنى أن أقطع أربعة ألف قصبة و ركب بغلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثمّ أمرنى أن أضع على كلّ رجل منهم قصبة فلم أزل كذلك و هو راكب خلفى و الناس حوله حتّى بقيت في يدي واحدة فنظرت إليه و قد اربدّ وجهه و هو يقول و اللّه ما كذبت و لا كذّبت‏ فإذا نحن بخرير الماء في حفرة عند موضع دالية. فقال لى: فتّش هذا. ففتشّته فإذا قتيل قد صار في الماء و إذا رجله في يدي فجذبتها و قلت: هذه رجل إنسان. فنزل عن البغلة مسرعا فجذب الرجل الاخرى و جرّرناه فإذا هو المخدج. فكبّر عليه السّلام ثمّ سجد و كبّر الناس بأجمعهم. و أمّا الصعقة الّتي أشار إليها فهى ما أصاب ذا الثدية من الغشى و الموت بضربته عليه السّلام حتّى استلزم ذلك ما حكاه من سماعه لرجّة صدره و وجيب قلبه. و قال بعضهم المراد بالصعقة هنا الصاعقة و هى صيحة العذاب و ذلك أنّه روى أنّ عليّا عليه السّلام لمّا قابل القوم صاح القوم فكان ذو الثدية ممّن هرب من صيحته حتّى وجد قتيلا في الحفرة المذكورة. و قال بعضهم: يحتمل أن يشير بالشيطان إلى إبليس المتعارف كما أشرنا إليه في الخطبة الاولى و هو القوّة الوهميّة فاستعار لفظ الردهة و هى النقرة في الجبل للبطن الأوسط من الدماغ الّذي هو محلّ هذه القوّة لمكان المشابهة، و قد يعبّر بالجبل عن الدماغ في عرف المجرّدين و عن القوى فيه، و بالجنّ الشياطين تارة و بالملائكة اخرى. و لمّا كانت الأنبياء عليهم السّلام و الأولياء قد يشاهدون الامور المجرّدة و المعاني المقبولة كالملائكة و الجنّ و الشياطين في صورة محسوسة باستعانة من القوّة المحصّلة كما علمت في المقدّمات و كما سنشير إليه عن قرب احتمل أن يقال أنّه عليه السّلام رأى الشيطان المذكور بصورة محسوسة ذات صدر و قلب و أنّه عليه السّلام لمّا كان في مقام العصمة و ملكة للنصر على الشيطان و قهره و إبعاده سمع من الجناب الإلهىّ صيحة العذاب أرسلت على الشيطان فسمع لها وجيب قلبه ورّجة صدره كما سمعت رنّته فيما يحكيه في باقى الكلام. و اللّه أعلم. و أمّا البقيّة من أهل البغى فمعاوية و من بقى من جند الشام حيث وقعت الحرب بينهم و بينه بمكيدة التحكيم. و حكمه عليه السّلام بأنّه إن أذن اللّه سبحانه في الرجوع إليهم ليغلبنّهم و لتكونّن الدايرة عليهم ثقة بعموم توعّده تعالى في قوله و من بغى عليه لينصرنّه اللّه و قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ«» و قوله إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ«» و أمثاله. و كنّى بإذن اللّه عن توفيق أسباب‏ العود إليهم و إتمامها من الفسحة في الأجل و غيرها. و استعمل ما هاهنا بمعنى من إطلاقا لاسم العامّ على الخاصّ أو تكون بمعنى الّذي.

و قوله: أنا وضعت في الصغر بكلكل العرب. إلى آخره.
 تنبيه على فضيلته في الشجاعة و النجدة لغاية أن يخافه أعداؤه و تقوى به قلوب أوليائه لا على سبيل الفخر المجرّد فإن ذلك رذيلة قد بنى الخطبة على النهى عنها، و استعار لفظ الكلكل للجماعة من أكابر العرب الّذين قتلهم في صدر الإسلام و فرّق جمعهم، و وجه المشابهة كونهم محلّ قوّة العرب و مقدّميهم كما أنّ الصدر من الحيوان كذلك. و من روى كلاكل بلفظ الجمع فهو أيضا استعارة لساداتهم و أشرافهم ممّن قاتلهم و قتلهم، و وجه الاستعارة ما ذكرناه. و يحتمل أن يكون مجازا من باب إطلاق اسم الجزء على الكلّ. و الباء في قوله: بكلكل. زائدة. و المراد بوضعهم إذلالهم و إهانتهم. يقال: وضعه فاتّضع: إذا غضّ منه و حطّ منزلته. و يحتمل أن يكون للإلصاق: أى فعلت بهم الوضع و الإهانة. و كذلك استعار لفظ القرون لأكابر ربيعة و مضر ممّن قاتلهم و قتلهم، و وجه الاستعارة كون كلّ واحد منهم لقبيلته كالقرن يظهر فيها فيصول به و يمنع من عدوّها كذى القرن من الحيوان بقرنه. و أراد بالنواجم من علا منهم و ظهر أمره، و رشّح بذكر الكسر، و كنّى به عن قتلهم. و قتله للأكابر من مضر معلوم في بدو الإسلام فأمّا القرون من ربيعة فإشارة إلى من قتله منهم في وقايع الجمل و صفّين بنفسه و جيشه كما يقف على أسمائهم من يقف على تلك الوقايع.

و قوله: و قد علمتم موضعى. إلى آخره.
شرح لتربية الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من أوّل عمره و إعداده بتلك التربية للكمالات النفسانيّة من العلوم و الأخلاق الفاضلة.
و عدّ أحواله الّتي هى وجوه ذلك الاستعداد و أسبابه:

أحدها: القرابة.
و أشار بها إلى نسبته القريب منه و كان عليه السّلام ابن عمّه دنيا و أبواهما أخوان لأب و امّ دون غيرهما من بنى عبد المطلب إلّا الزبير.

الثانية: منزلته الخصيصة به
و أشار بها إلى ما شرحه من فعله به صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو وضعه له في حجره وليدا و ساير ما ذكره. و مبدء ذلك ما روى عن مجاهد قال: كان من نعمة اللّه على علىّ عليه السّلام ما صنعه اللّه له و أراد به من الخير أنّ قريشا أصابتهم أزمّة شديدة و كان أبو طالب ذا عيال كثيرة فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعمّه العبّاس و كان أيسر بنى هاشم: يا عبّاس إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال و قد ترى ما أصاب الناس من هذه الأزمّة فانطلق بنا لنخفّف عنه من عياله فآخذ واحدا من بنيه و تأخذ واحدا فنكفيهم عنه فانطلقا إليه و قالا له. فقال: إن تركتمالى عقيلا فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عليّا عليه السّلام و أخذ العبّاس جعفرا فكفّلاهما. و قد كان أبو طالب كفّل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دون غيره من أعمامه و ربّاه في حجره ثمّ حماه من المشركين في مبدء أمره و نصره عند ظهور دعوته و ذلك ممّا يؤكّد اختصاص منزلة علىّ عليه السّلام عنده. و من منزلته الخصيصة به ما كان بينهما من المصاهرة الّتي أفضت إلى النسل الأطهر دون غيره من الأصهار، و في معنى قوله: فكان يمضغ الشي‏ء ثمّ يلقمنيه ما رواه الحسن بن زيد بن علىّ بن الحسين عليهم السّلام قال: سمعت زيدا أبى يقول: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يمضغ اللحمة أو التمرة حتّى تلين و يجعلها في فم علىّ عليه السّلام و هو صغير في حجره.

الثالثة: أنّه لم يجد له كذبة في قول و لا خطلة في فعل، و ذلك لما استعدّ به من تربيته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ساير متمّمات الرياضة و أعراضها لاستيلاء قوّته العاقلة على قوّتى الشهويّة و الغضبيّة و قهر نفسه الأمّارة الّتي هى مبدء خطأ الأقوال و خطل الأفعال حتّى حصلت له عن ذلك ملكة في ترك الرذائل و اجتناب المئاثم و المعاصى فصار له ذلك خلقا و طبعا. و إذا حقّق معنى العصمة في حقّه عليه السّلام و في حقّ من ادّعيت له العصمة من أولاده يعود إلى هذه الملكة. فليس لاستكبارها [لاستنكارها خ‏] في حقّهم عليه السّلام معنى، و أشار بالملك الّذي قرنه به إلى جبرئيل و هو العقل الفعّال في عرف قوم. و اقترانه به إشارة إلى تولّيه بتربية نفسه القدسيّة بإفاضة العلوم و مكارم الأخلاق و سائر الطرق المؤدّية إلى اللّه سبحانه من حين صغره صلّى اللّه عليه و آله و سلّم‏ بحسب حسن استعداد مزاجه و قوّة عقله الطفولىّ. ثمّ أشار في ذكر معرض أحواله معه إلى تربية الملك له صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليعلم أنّه حصل بتبعيّته له على تلك المكارم، و ممّا روى في حاله مع الملك و عصمته به ما روى الباقر محمّد بن علىّ عليهما السّلام أنّه قال: وكّل اللّه بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ملكا عظيما منذ فصل عن الرضاع يرشده إلى الخيرات و مكارم الأخلاق و يصدّه عن الشرّ و مساوى الأخلاق و هو الّذي كان يناديه السلام عليك يا محمّد يا رسول اللّه و هو شابّ لم يبلغ درجة الرسالة بعد فيظنّ أنّ ذلك من الحجر و الأرض فيتأمّل فلا يرى شيئا. و روى أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: أذكر و أنا ابن سبع سنين و قد بنى ابن جدعان دارا بمكّة فجئت مع الغلمان نأخذ التراب و المدر في حجورنا فننقله فملأت حجرى ترابا فانكشفت عورتى فسمعت نداء من فوق رأسى يا محمّد أرخ إزارك فجعلت أرفع رأسى فلا أرى شيئا إلّا أنّنى أسمع الصوت فتماسكت و لم ارخه فكأنّ إنسانا ضربنى على ظهرى فخررت لوجهى فانحلّ إزارى فسترنى و سقط التراب إلى الأرض فقمت إلى دار عمّى أبي طالب و لم أعد.

الرابعه: أشار إلى اتّباعه له و ملازمته إيّاه
بقوله: و لقد كنت أتبعه اتّباع الفصيل أثر امّة. و وجه الشبه في اتّباعه كونه لا ينفكّ عنه كالفصيل لامّه.

الخامسة: أشار إلى ثمرة ذلك الاتّباع
بقوله: يرفع لى في كلّ يوم علما من أخلاقه و يأمرنى بالاقتداء به. و استعار لفظ العلم لكلّ من أخلاقه باعتبار كونه هاديا إلى سبيل اللّه كما يهدى العلم.

السادسة: أنّه كان يجاور معه في كل سنة بحراء فيراه دون غيره،
و روى في الصحاح: أنّه كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يجاور بحراء في كلّ سنة شهرا و كان يطعم في ذلك الشهر من جاءه من المساكين فإذا قضى جواره انصرف إلى مكّة و طاف بها سبعا قبل أن يدخل بيته حتّى جاءت السنة الّتي أكرمه اللّه فيها بالرسالة فجاء في حراء في شهر رمضان و معه أهله خديجة و علىّ و خادم. و روى الطبرىّ و غيره: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قبل مبعثه كان إذا حضرت الصلاة يخرج إلى شعاب مكّة و يخرج معه علىّ مستخفين عن أبي طالب و من سائر أعمامه و قومه يصلّيان الصلاة فإذا أمسيا رجعا. فمكثا كذلك ما شاء اللّه. ثمّ إنّ أبا طالب عثر عليهما يوما و هما يصلّيان. فقال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يابن أخى ما هذا الّذي أراك تدين به فقال: يا عمّ هذا دين اللّه و دين ملائكته و رسله و دين أبينا إبراهيم بعثنى اللّه رسولا إلى العباد و أنت يا عمّ أحقّ من بذلت له النصيحة و دعوته إلى الهدى و أحقّ من أجابنى إليه و أعاننى عليه. فقال أبو طالب: يابن أخى إنّى لا أستطيع أن افارق دينى و دين آبائى و ما كانوا عليه و لكن و اللّه لا يخلص إليك شي‏ء تكرهه ما بقيت. و روى أنّه قال لعلىّ: يا بنىّ ما هذا الّذي تدين به فقال يا أبه: إنّى آمنت باللّه و رسوله و صدّقته فيما جاء به و صلّيت للّه معه. قال: فقال له: أما إنّه لا يدعو إلّا إلى خير فالزمه.

السابعة: أشار إلى كونه أوّل من أسلم من الذكور
بقوله: لم يجمع بيت واحد. إلى قوله: و أنا ثالثهما. و قد مضى منه عليه السّلام مثل ذلك حيث قال: أكذب على اللّه و أنا أوّل من آمن به و قوله: فلا تتبّروا منّى فإنّى ولدت على الفطرة و سبقت إلى الإسلام و الهجرة. و روي الطبرى في تاريخه عن عباد بن عبد اللّه قال: سمعت عليّا عليه السّلام يقول: أنا عبد اللّه و أخو رسول اللّه و أنا الصدّيق الأكبر لا يقولها بعدى إلّا كاذب مفتر صلّيت قبل الناس لسبع سنين، و في رواية اخرى: أنا الصدّيق و الفاروق الأوّل أسلمت قبل إسلام أبي بكر و صلّيت قبل صلاته لسبع سنين، و روى ذلك أيضا من وجوه: أحدها: عن ابن مسعود قال: قدمت إلى مكّة فانتهيت إلى العبّاس بن عبد- المطّلب و هو يومئذ عطّار جالس إلى زمزم و نحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا عليه ثوبان أبيضان، عليه، وفرة جعدة إلى أنصاف اذنيه، أشم أقنى، أدعج العينين، كثّ اللحية، أبلج برّاق الثنايا، أبيض تعلوه حمرة، و على يمينه غلام مراهق أو محتلم حسن الوجه، تقفوهم امرأة قد سترت محاسنها. فقصدوا نحو الحجر فاستلمه الرجل ثمّ الغلام ثمّ طافوا بالبيت ثمّ استقبلوا الحجر و قام الغلام إلى جانب الرجل و المرأة خلفهما فأتوا بأركان الصلاة مستوفاة فلمّا رأينا ما لا نعرفه بمكّة قلنا للعبّاس: إنّا لا نعرف هذا الدين فيكم. فقال: أجل و اللّه. فسألناه عن هؤلاء فعرّفنا إيّاهم ثمّ‏ قال: و اللّه ما على وجه الأرض أحد يدين بهذا الدين إلّا هؤلاء الثلاثة. و روى مثله عن عفيف بن قيس. الثاني: روى عن معقل بن يسار قال: كنت عند النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال لي: هل لك أن تعود فاطمه فقلت: نعم يا رسول اللّه فقمنا فدخلنا عليها فقال لها صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: كيف تجدينك قالت: و اللّه لقد طال سقمى و اشتدّ حزنى و قال لى النساء: زوّجك أبوك فقيرا لا مال له فقال لها: أما ترضين أنّى زوّجتك أقدم امّتى سلما و أكثرهم علما و أفضلهم حلما قالت: بلى رضيت يا رسول اللّه.
و روى هذا الخبر عن أبي أيّوب الأنصارىّ، و عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام، و السدى، و ابن عبّاس، و جابر بن عبد اللّه الأنصارىّ، و أسماء بنت عميس، و امّ أيمن. الثالث: روى عن أبي رافع قال: أتيت أباذرّ بالربذة اودّعه. فقال لى: ستكون فتنة فاتّقوا اللّه و عليكم بالشيخ علىّ بن أبي طالب فاتّبعوه فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول له: أنت أوّل من آمن بى و أوّل من يصافحني يوم القيامة و أنت الصدّيق الاكبر و أنت الفاروق الّذي يفرّق بين الحق و الباطل و أنت يعسوب المؤمنين. الرابع: عن أبي أيّوب الأنصارىّ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: لقد صلّت الملائكة علىّ و على علىّ سبع سنينّ و ذلك أنّه لم يصلّ معى رجل فيها غيره. و اعلم أنّه ربّما اعترض بعض الجهّال فقال: إنّ إسلامه عليه السّلام لم يكن معتبرا لكونه كان دون البلوغ. فجوابه من وجوه: أحدها: لا نسلّم أنّه كان دون البلوغ. و مستند هذا المنع وجوه: أحدها: رواية شدّاد بن أوس قال سألت خباب بن الأرتّ عن سنّ علىّ يوم أسلم. و قال أسلم و هو ابن خمس عشرة سنة و هو يومئذ بالغ مستحكم البلوغ. الثاني: ما رواه أبو قتادة عن الحسن أنّ أوّل من أسلم عليّ بن أبي طالب و هو ابن خمس عشرة سنة. الثالث: عن حذيفة بن اليمانىّ قال كنّا نعبد الحجارة و نشرب الخمر و علىّ من أبناء أربع عشرة سنة يصلّى مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليلا و نهارا و قريش يومئذ تسافهه ما يذبّ عنه إلّا علىّ. الثاني: أنّ المتبادر إلى الفهم من إطلاق لفظ المسلم و الكافر إنّما هو البالغ دون الصبىّ و المبادرة إلى الّذهن دليل الحقيقة فالواجب إذن أن يرجع إلى إطلاق قولهم أسلم علىّ. فإنّ ذلك يشهد بكونه بالغا عاقلا لما يفعله خصوصا في البلاد الحارّة مثل مكّة فإنّ- العادة في المزاج الصحيح فيها أن يبلغ صاحبه فيما دون خمس عشرة سنه و ربّما احتلم و هو ابن اثنى عشرة سنة. الثالث: و هو الحاسم لمادّة الإشكال أنّه عليه السّلام إمّا أن يكون أسلم و هو بالغ أو لم يكن فإن كان الأوّل فقد حصل الغرض و إن لم يكن فلا معنى للكفر في حقّه إذ كان عليه السّلام مولودا على الفطرة فمعنى الإسلام في حقّه إذن دخوله في طاعة اللّه و رسوله و الاستسلام لأوامرهما فله إذن الإسلام الفطرىّ و الإيمان الخالص الوارد على نفس قدسيّة لم تتدّنس بأدناس الجاهليّة و عبادة الأصنام و الاعتقادات الباطلة المضادّة للحقّ الّتي صارت ملكات في نفس من أسلم بعد علوّ السنّ. فكان ايمانه باللّه و رسوله واردا على نفس صاف لوحها عن كدر الباطل فهي المنتقشة بالحقّ متمثّلة به. و كانت غاية إسلام غيره أن يمحو على طول الرياضة من نفوسهم الآثار الباطلة و ملكات السوء فأين أحدهما من الآخر

الثامنة: كونه عليه السّلام يرى نور الوحى بالرسالة و يشمّ ريح النبوّة، و سماعه لرنّة الشيطان.
و هذه أعلى مراتب الأولياء، و استعار لفظ النور لما يشاهده بعين بصيرته الباقية من أسرار الوحى و الرسالة و علوم التنزيل و دقايق التأويل و إشراقها على لوح نفسه القدسيّة، و وجه الاستعارة كون هذه العلوم و الأسرار هادية في سبيل اللّه إليه من ظلمات الجهل كما يهدى النور من الطرق المحسوسة، و رشّح تلك الاستعارة بذكر الرؤية لأنّ النور حظّ البصر، و كذلك استعار لفظ الريح لما أدركه من مقام النبوّة و أسرارها، و رشّح بذكر الشمّ لأنّ الريح حظّ القوّة الشامّة، و أمّا سماعه لرنّة الشيطان فقد علمت كيفيّة سماع الإنسان لصوت الملك‏ و الشيطان و كيفيّة رؤيته لصورته و أنّ ذلك باستعانة من النفس بالقوّة المتخيّلة في اقتناص المعاني المعقولة و حطّها إلى لوح الخيال مشاهدة للحسّ المشترك مسموعة.

و قد استلزمت هذه الإشارة أنّه عليه السّلام استعدّ لسماع صوت الشيطان في حزنه حين أيس من اتّباع الخلق له و انقيادهم لأمره و هو معنى عبادته إذ أصل العبادة الخضوع.
و كيفيّة ذلك أنّ نفسه القدسيّة أخذت معنى الشيطان مقرونا بمعنى اليأس و الحزن، و كسته المتخيّلة صورة حزين صارخ، و حطّته إلى لوح الخيال فصار مسموع الرنّة له. و يؤيّد ذلك قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين سأله عن ذلك: إنّك تسمع ما أسمع و ترى ما أرى إلّا أنّك لست بنبىّ. فإنّه شهد له في ذلك بالوصول إلى مقام سماع الوحى و كلام الملك و صوت الشيطان و سائر ما يراه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يسمعه ممّا قويت عليه نفسه القدسيّة إلّا كونه نبيّا فإنّ مقام النبوّة لا يتحقّق للإنسان إلّا بالشرط الّذي أشرنا إليه في المقدّمات و فرّقنا بين النبىّ و غيره من سائر النفوس الكاملة، و هو كون الإنسان مخاطبا من السماء بإصلاح أمر أبناء نوعه في معاشهم و معادهم و ذلك مقام أعلى و أكمل من كلّ مقام يبلغه إنسان بقوّته، و روى عن الصادق عليه السّلام أنّه قال: كان علىّ عليه السّلام يرى مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قبل الرسالة الضوء و يسمع الصوت، و قال له الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لولا أنّى خاتم الأنبياء لكنت شريكا في النبوّة فإن لا تكن نبيّا فأنت وصىّ نبىّ و وارثه بل أنت سيّد الأوصياء و إمام الأتقياء. ثمّ لمّا نفى عنه مقام النبوّة جبره [أخبره ح‏] به مقام الوزارة إشارة إلى أنّه الصالح لتدبير أحوال الخلق في معاشهم و معادهم من ورائه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بعده المعين له على ذلك.

ثمّ شهد له بأنّه على خير. و أشار به إلى ما هو عليه من الطريقة المحمودة و استقامة السيرة في خدمته و تربيته. و ذلك خير كثير. و في مسند أحمد بن حنبل عن علىّ قال: كنت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم الليلة الّتي اسري به فيها و هو بالحجر يصلّى فلمّا قضى صلاته و قضيت صلاتى سمعت رنّة شديدة فقلت: يا رسول اللّه ما هذه الرنّة و قال ألا تعلم هذه رنّة الشيطان علم أنّى اسرى اليلة إلى السماء فأيس من أن يعبد في هذه الأرض. و أمّا حديث الوزارة فروى أنّه لمّا نزل قوله وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ‏ الْأَقْرَبِينَ«» دعانى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أمرنى أن أصنع صاعا من طعام و أجعل عليه رجل شاة و أملأ له عسّا من لبن ففعلت ما أمرنى به. ثمّ أمرنى بجمع بنى عبد المطّلب فجمعتهم يومئذ و هم أربعون رجلا فيهم أعمامه أبو طالب و حمزه و العبّاس و أبو لهب فلمّا اجتمعوا دعا بالطعام الّذي صنعه فوضعه ثمّ تناول مضغة من لحم فشقّها بأسنانه ثمّ ألقاها فى نواحى الصحفة و قال: كلوا باسم اللّه فأكلوا حتّى ما بهم إلى شي‏ء من حاجة. و الّذي نفس محمّد بيده كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدّمته لجميعهم. ثمّ قال اسق القوم يا علىّ. فجئتهم بذلك العسّ فشربوا منه حتّى رووا جميعا، و أيم اللّه كان الرجل الواحد ليشرب منه مثله. ثمّ قال لهم: يا بنى عبد المطّلب إنّي و اللّه ما أعلم شابّا في العرب جاء قومه بأفضل ما جئتكم به إنّي قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة و قد أمرنى اللّه أن أدعوكم إليه فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخى و وصيّى و خليفتى فيكم فأحجم القوم عنها جميعا فقلت و إنّى لأحدثهم سنّا و أرمصهم عينا و أعظمهم بطنا و أحمشهم ساقا: أنا يا رسول اللّه أكون وزيرك عليه فأعاد القول. فأمسكوا. و أعدت ما قلت. فأخذ برقبتى ثمّ قال لهم: هذا أخى و وصيّى و خليفتى فيكم فاسمعوا له و أطيعوا. فقام القوم يضحكون يقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع.

التاسعة: كونه معه حين أتاه الملأ من قريش و سألوه ما سألوا من دعوة الشجرة و تصديقه عليه السّلام له في ذلك و ايمانه به. و قد علمت فيما سلف أنّ نفوس الأنبياء عليهم السّلام لها تصرّف في هيولى عالم الكون و الفساد فيستعدّ عن نفوسهم لقبول الامور الخارقة للعادات الخارجة عن وسع غيرهم من أبناء نوعهم. و صورة الحال في سؤالهم و كيفيّة دعوته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للشجرة و إجابتهم و تكذيبهم بذلك و تصديقه عليه السّلام له مستوفي في كلامه، و ذلك من قوله: و لقد كنت. إلى قوله: يعنوني. فأمّا حكمه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأنّهم لا يفيئون إلى خير و أنّ منهم من يطرح في القليب و منهم من يحزّب الأحزاب فمن غيب اللّه الّذي اطّلعه عليه و ارتضاه له فعلمه بحسب قوّته الحدسيّة القدسيّة. و القليب هو قليب بدر، و من طرح فيه كعتبة و شيبة ابنى ربيعة و اميّة بن عبد شمس و أبي جهل و الوليد بن المغيرة و غيرهم طرحوا فيه بعد انقضاء الحرب و كان ذلك الخبر من أعلام نبوّته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و من يحزّب الأحزاب هو أبو سفيان و عمرو بن عبدودّ و صفوان بن اميّة و عكرمة بن أبي جهل و سهل بن عمرو و غيرهم.

و أمّا حديث الشجرة فمشهور مستفاض رواه المحدّثون في كتبهم، و ذكره المتكلّمون في معجزاته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و منهم من روى ذلك مختصرا أنّه دعا شجرة فأقبلت تخدّ الأرض خدّا. و نقله البيهقيّ في كتاب دلايل النبوّة، و أمّا نداؤه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للشجرة.

و قوله لها: إن كنت تؤمنين باللّه. إلى قوله: بإذن اللّه. فقد علمت أنّ الخطاب مخصوص في عرف العقلاء لمن يعقل لكنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا وجّه نفسه القدسيّة من إعداد الشجرة لما يروم منها و علم أنّه واجبة الاستعداد بذلك لقبول أمر اللّه بما أراد منها خاطبها خطاب من يعقل استعارة ملاحظة لشبهها بمن يعقل في إجابة ندائه و إتيانه، و فايدة ذلك الخطاب أن يكون وجود ما رام منها عقيب خطابه أغرب و في نفوس الحاضرين أبلغ و أعجب فإذا كان وقوع تلك الحال بها غريبا كان كونها على تلك الحال وفق خطابه و دعائه لها أغرب لزيادة ايهام كونها سمعت ذلك النداء و عقلت ذلك الخطاب مع أنّها ليس من شأنها ذلك، و أعجب في نفوس السامعين. و لذلك خرج هذا عن كونه سفها و عبثا.
و قال الإمام الوبرىّ- رحمه اللّه- : و نحو ذلك قوله تعالى وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي«».
و اعلم أنّ ذلك على رأى الأشعريّة أمر ظاهر لأنّ البنية المخصوصة ليست شرطا في حصول الحياة و ما يكون مشروطا بها من السمع و الفهم فلذلك جاز أن يكون اللّه تعالى خلق في الشجرة علما و سمعا قبلت بها خطابه عليه السّلام.
و قال الإمام الوبرىّ: الخطاب في الأصل للّه تعالى فكأنّه قال: اللّهم إن كانت هذه الشجرة من آثارك الشاهدة بوجودك و أنت مرسل لى فاجعل ما سألت‏ منها شاهدا على صدق دعواى. و لمّا كانت الشجرة محلّ ما سأل من اللّه خاطبها لذلك. فعلى هذا يكون مجازا من باب إقامة المسبّب مقام السبب. قال: و يحتمل أن يكون الخطاب في الأصل للملائكة الموكّلين بالشجر.

قوله: و إنّى لمن قوم. إلى قوله: لائم.
 كناية عن بلوغه في طاعة اللّه الغاية المطلوبة منه فإنّه عليه السّلام لم يقف دون غاية منها حتّى يلام على النقص فيها.

و قوله: سيماهم سيما الصدّيقين. إلى آخر الصفات.
 فالقوم هم المتّقون الّذين سأله همّام عن صفتهم. و الصفات المذكورة بعض صفاتهم و قد سبقت مستوفاة في خطبة مفردة. و ذكر هاهنا عشرا: إحداها: أنّ علاماتهم علامات الصدّيقين و هم الملازمون للصدق في أقوالهم و أفعالهم طاعة للّه تعالى و قد عرفت علاماتهم في خطبة همّام. الثانية: و كذلك كلامهم كلام الأبرار من الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و الذكر الدائم لمعبودهم الحقّ. الثالثة: كونهم عمّار الليل. و كنّى بعمارتهم له عن قيامهم فيه بالعبادة. روى أنّ أحدهم كان إذا كسل عن العمل علّق نفسه بحبل حتّى يصبح عقوبة لها. الرابعة: استعار لفظ المنار لهم بالنهار باعتبار كونهم يهدون الخلق إلى طريق اللّه كالمنار إلى الطريق المحسوس، و كذلك لفظ الحبل للقرآن باعتبار كونه سببا لمتعلّميه و متدبّريه إلى التروّى من ماء الحياة الباقية كالعلوم و الأخلاق الفاضلة كالحبل الّذي هو سبب الارتواء و الاستقاء من الماء، أو باعتبار كونه عصمة لمن تمسّك به صاعدا من دركات الجهل إلى أقصى درجات العقل كالحبل يصعد فيه من السفل إلى العلوّ. و لفظ القرآن مجرور بعطف البيان. الخامسة: و كذلك استعار وصف إحياء السنن لهم باعتبار إقامتها و إبقاء العمل بها. السادسة: عدم الاستكبار و العلوّ منهم. و لمّا كان الاستكبار في الإنسان‏ رذيلة كان عدمه عنه فضيلة. السابعه: عدم الغلول. و هو فضيلة، لكون الغلول مستلزما لرذائل كالشره و الخيانة و الحرص و الدنائة و غيرها و كان عدمه كمالا. الثامنة: كونهم لا يفسدون. و لمّا كان كلّ فساد مستلزم رذيلة أو رذائل كالزنا المستلزم لرذيلة الفجور و كالقتل المستلزم لرذيلة الظلم و كذلك سائرها كان عدمه كمالا. التاسعة: كون قلوبهم في الجنان. و ذلك أنّك علمت أنّ أعلى غرفات الجنان و درجاتها هو المعارف الإلهيّة و القعود في مقاعد الصدق عند المليك المقتدر و ذلك من مقامات العارفين و أولياء اللّه الصدّيقين. العاشرة: كون أجسادهم في العمل. فالواو في قوله: و أجسادهم. يحتمل أن يكون للحال أى أنّ قلوبهم في الجنان ما يكون أجسادهم مستغرقة الحركات و السكنات في الأعمال الصالحات أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحه‏ى 233

 

خطبه 233 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْفَاشِي فِي الْخَلْقِ حَمْدُهُ- وَ الْغَالِبِ جُنْدُهُ وَ الْمُتَعَالِي جَدُّهُ- أَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ التُّؤَامِ وَ آلَائِهِ الْعِظَامِ- الَّذِي عَظُمَ حِلْمُهُ فَعَفَا وَ عَدَلَ فِي كُلِّ مَا قَضَى- وَ عَلِمَ مَا يَمْضِي وَ مَا مَضَى- مُبْتَدِعِ الْخَلَائِقِ بِعِلْمِهِ وَ مُنْشِئِهِمْ بِحُكْمِهِ- بِلَا اقْتِدَاءٍ وَ لَا تَعْلِيمٍ- وَ لَا احْتِذَاءٍ لِمِثَالِ صَانِعٍ حَكِيمٍ- وَ لَا إِصَابَةِ خَطَإٍ وَ لَا حَضْرَةِ مَلَإٍ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- ابْتَعَثَهُ وَ النَّاسُ يَضْرِبُونَ فِي غَمْرَةٍ- وَ يَمُوجُونَ فِي حَيْرَةٍ قَدْ قَادَتْهُمْ أَزِمَّةُ الْحَيْنِ- وَ اسْتَغْلَقَتْ عَلَى‏ أَفْئِدَتِهِمْ أَقْفَالُ الرَّيْنِ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- فَإِنَّهَا حَقُّ اللَّهِ عَلَيْكُمْ- وَ الْمُوجِبَةُ عَلَى اللَّهِ حَقَّكُمْ وَ أَنْ تَسْتَعِينُوا عَلَيْهَا بِاللَّهِ- وَ تَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى اللَّهِ- فَإِنَّ التَّقْوَى فِي الْيَوْمِ الْحِرْزُ وَ الْجُنَّةُ- وَ فِي غَدٍ الطَّرِيقُ إِلَى الْجَنَّةِ- مَسْلَكُهَا وَاضِحٌ وَ سَالِكُهَا رَابِحٌ وَ مُسْتَوْدَعُهَا حَافِظٌ- لَمْ تَبْرَحْ عَارِضَةً نَفْسَهَا عَلَى الْأُمَمِ الْمَاضِينَ وَ الْغَابِرِينَ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غَداً- إِذَا أَعَادَ اللَّهُ مَا أَبْدَى- وَ أَخَذَ مَا أَعْطَى وَ سَأَلَ عَمَّا أَسْدَى- فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَا وَ حَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا- أُولَئِكَ الْأَقَلُّونَ عَدَداً- وَ هُمْ أَهْلُ صِفَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ- وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ- فَأَهْطِعُوا بِأَسْمَاعِكُمْ إِلَيْهَا وَ أَلِظُّوا بِجِدِّكُمْ عَلَيْهَا- وَ اعْتَاضُوهَا مِنْ كُلِّ سَلَفٍ خَلَفاً- وَ مِنْ كُلِّ مُخَالِفٍ مُوَافِقاً- أَيْقِظُوا بِهَا نَوْمَكُمْ وَ اقْطَعُوا بِهَا يَوْمَكُمْ- وَ أَشْعِرُوهَا قُلُوبَكُمْ وَ ارْحَضُوا بِهَا ذُنُوبَكُمْ- وَ دَاوُوا بِهَا الْأَسْقَامَ وَ بَادِرُوا بِهَا الْحِمَامَ- وَ اعْتَبِرُوا بِمَنْ أَضَاعَهَا وَ لَا يَعْتَبِرَنَّ بِكُمْ مَنْ أَطَاعَهَا- أَلَا وَ صُونُوهَا وَ تَصَوَّنُوا بِهَا- وَ كُونُوا عَنِ الدُّنْيَا نُزَّاهاً- وَ إِلَى الْآخِرَةِ وُلَّاهاً- وَ لَا تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ التَّقْوَى- وَ لَا تَرْفَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ الدُّنْيَا- وَ لَا تَشِيمُوا بَارِقَهَا وَ لَا تَسْمَعُوا نَاطِقَهَا- وَ لَا تُجِيبُوا نَاعِقَهَا وَ لَا تَسْتَضِيئُوا بِإِشْرَاقِهَا- وَ لَا تُفْتَنُوابِأَعْلَاقِهَا- فَإِنَّ بَرْقَهَا خَالِبٌ وَ نُطْقَهَا كَاذِبٌ- وَ أَمْوَالَهَا مَحْرُوبَةٌ وَ أَعْلَاقَهَا مَسْلُوبَةٌ- أَلَا وَ هِيَ الْمُتَصَدِّيَةُ الْعَنُونُ وَ الْجَامِحَةُ الْحَرُونُ- وَ الْمَائِنَةُ الْخَئُونُ وَ الْجَحُودُ الْكَنُودُ- وَ الْعَنُودُ الصَّدُودُ وَ الْحَيُودُ الْمَيُودُ- حَالُهَا انْتِقَالٌ وَ وَطْأَتُهَا زِلْزَالٌ- وَ عِزُّهَا ذُلٌّ وَ جِدُّهَا هَزْلٌ وَ عُلْوُهَا سُفْلٌ- دَارُ حَرْبٍ وَ سَلَبٍ وَ نَهْبٍ وَ عَطَبٍ- أَهْلُهَا عَلَى سَاقٍ وَ سِيَاقٍ وَ لَحَاقٍ وَ فِرَاقٍ- قَدْ تَحَيَّرَتْ مَذَاهِبُهَا وَ أَعْجَزَتْ مَهَارِبُهَا- وَ خَابَتْ مَطَالِبُهَا فَأَسْلَمَتْهُمُ الْمَعَاقِلُ- وَ لَفَظَتْهُمُ الْمَنَازِلُ وَ أَعْيَتْهُمُ الْمَحَاوِلُ- فَمِنْ نَاجٍ مَعْقُورٍ وَ لَحْمٍ مَجْزُورٍ- وَ شِلْوٍ مَذْبُوحٍ وَ دَمٍ مَسْفُوحٍ- وَ عَاضٍّ عَلَى يَدَيْهِ وَ صَافِقٍ بِكَفَّيْهِ- وَ مُرْتَفِقٍ بِخَدَّيْهِ وَ زَارٍ عَلَى رَأْيِهِ- وَ رَاجِعٍ عَنْ عَزْمِهِ- وَ قَدْ أَدْبَرَتِ الْحِيلَةُ وَ أَقْبَلَتِ الْغِيلَةُ- وَ لَاتَ حِينَ مَنَاصٍ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ- قَدْ فَاتَ مَا فَاتَ وَ ذَهَبَ مَا ذَهَبَ- وَ مَضَتِ الدُّنْيَا لِحَالِ بَالِهَا- فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ

اللغة
أقول:

الفاشى: الذايع و المنتشر.

و الجدّ هاهنا: العظمة، و منه حديث أنس: كان أحدنا إذا قرء البقرة و آل عمران جدّ فينا: أى عظم.

و التؤام: جمع توأم، و حقيقته الولد يقارنه ولد آخر في بطن واحد. قال الخليل: أصله ووءم على وزن فوعل فابدلوا من إحدى الواوين تاء كما قالوا: تولج من و ولج.

و الآلاء: النعم‏

واحدتها ألى بالفتح، و قد يكسر كحرف الجرّ.

و الضرب: السير.

و الغمرة: ما يغمر العقل من الجهل، و الغمرة: الشدّة أيضا.

و الحين بالفتح: الهلاك.

و الرين: الطبع و غلبة الذنوب حتّى تتغطّى عن البصيرة.

و الغابر: الباقى و للماضى أيضا.

و أسدى: أرسل معروفه.

و أهطع: أسرع.

و واكظ على كذا: واظب عليه و داوم.

و المواكظة: المداومة.

و روى: كظّوا: أى ألزموا، و لزوم الشي‏ء في معنى المداومة عليه.

و الشعار: مايلى الجسد تحت الدثار، و هو العلامة أيضا.

و الرحض: الغسل.

و النزّاه: جمع نازه و هو المباعد عمّا يوجب الذمّ.

و الولّاه: جمع واله و هو المتحيّر من شدّة الوجد.

و الشيم: النظر إلى البرق أين تمطر سحائبه.

و الناعق: الصائح.

و أعلاقها: نفايسها، جمع علق و هو الشي‏ء النفيس، و برق خالب و خلب: لا مطر معه.

و مال محروب: مأخوذ بكلّيّته.

و المتصدّية: المتعرّضة.

و العنون: كثيرة العنن و هو الاعتراض.

و العنون أيضا: الدابّة المتقدّمة في السير.

و الجموح: الدابة الّتي تغلب الفارس فلا يملكها.

و الحرون: الّذي إذا اشتدّ به السوق وقف و المائنة: الكاذبة.

و الكنود: الكفور للنعمة و العنود: المائلة عن الطريق و عن المرعى.

و الصدود: المعرضة.

و الحيود: أيضا المائلة.

و الميود: المتمايلة.

و الحرب بفتح الحاء: سلب المال.

و السلب: ما يسلب من درع و نحوه في الحرب.

و العطب: الهلاك.

و الساق: الشدّة.

و السياق: نزع الروح، و السياق مصدر ساقه سوقا و سياقا.

و المعاقل: الحصون و ما يلجأ إليه.

و لفظتهم: ألقتهم و المحاول: جمع محاولة و هى الحيلة و معقور: مجروح.

و المجزور: المقطوع.

و الشلو: العضو من اللحم بعد الذبح، و أشلاء الإنسان: أعضاؤه المتفرّقة بعد البلى.

و مسفوح: مسفوك.

و الغيلة: الأخذ على غرّة.

و المناص: مصدر قولك ناص ينوص نوصا، أى فرّ و راغ.

و لات: حرف سلب، قال الأخفش: شبّهوها بليس و أضمروا فيها اسم الفاعل، قال: و لا يكون لات إلّا مع حين و قد تحذف حين كما حذفت في قول مازن بن مالك: حنت و لات حنت. فحذف حين و هو يريده، و قال: قرء بعضهم و لات حين مناص برفع حين و اضمر الخبر. و قال أبو عبيد: هى لا، و التاء إنّما زيدت في حين و إن كتب مفردة كما قال أبو وجرة: العاطفون تحين ما من عاطف. و قال المورّج: زيدت التاء في لات كما زيدت في ثمّت و ربّت.

و البال: الحال و الشأن و الأمر.

و البال أيضا: القلب.

المعنى
و قد حمد اللّه سبحانه باعتبارات لا ينبغي إلّا له:
أحدها: الفاشى حمده
أى في جميع خلقه و مخلوقاته. إذ كان شي‏ء منها لا يخلو من نعمة له أظهرها وجوده فلا يخلو من حمده بلسان الحال أو المقال. و له الحمد في السماوات و الأرض و عشيّا و حين تظهرون.
الثاني: الغالب جنده
و جند اللّه ملائكته و أعوان دينه من أهل الأرض كقوله تعالى وَ لِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ«» و قوله وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها«» و ظاهر كونه غالبا لقوله وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ«» و قوله فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ«» و في هذه القرينة جذب للسامعين إلى نصرة اللّه ليكونوا من جنده و تثبيت لهم على ذلك.
الثالث: المتعالى جدّه
أى علاؤه و عظمته كقوله تعالى وَ أَنَّهُ تَعالى‏ جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَ لا وَلَداً«» و هذه القرينة تناسب ما قبلها لما في تلك من إيهام الحاجة إلى الجند و النصرة، و في الثانية تعاليه و عظمته عن كلّ حال يحكم بها في حقّه الرافع لذلك الإيهام، ثمّ عقّب بذكر سبب الحمد و هو نعمه التؤام و آلاؤه العظام، و معنى كونها توأما ترادفها على العبد و تواترها فإنّه ما من وقت يمرّ عليه إلّا و عنده أنواع من نعمة اللّه تعالى لا تكافؤ بحمد.
الرابع: من الاعتبارات الّذي عظم حلمه فعفا.
فالحلم في الإنسان فضيلة تحت الشجاعة يعسر معها انفعال النفس عن الواردات المكروهة الموذية له، و أمّا في حقّ اللّه تعالى فتعود إلى اعتبار عدم انفعاله عن مخالفة عبيده لأوامره و نواهيه، و كونه لا يستفزّه عند مشاهدة المنكرات منهم غضب و لا يحمله على المسارعة إلى‏ الانتقام منهم مع قدرته التامّة على كلّ مقدور غيظ و لا طيش. و الفرق بينه تعالى و بين العبد في هذا الوصف أنّ سلب الانفعال عنه سلب مطلق و سلبه عن العبد عمّا من شأنه أن يكون له ذلك الشي‏ء فكان عدم الانفعال عنه تعالى أبلغ و أتمّ من عدمه عن العبد، و بذلك الاعتبار كان أعظم، و لمّا كان الحلم يستلزم العفو عن الجرائم و الصفح عنها سمّى إمهاله تعالى للعبد و عدم مؤاخذته بجرائمه عفوا فلذلك أردف وصفه لعظمة الحلم بذكر العفو، و عطفه بالفاء لاستعقاب الملزوم لازمه بلا مهلة.
الخامس: و عدل في كلّ ما قضى
و لمّا كان العدل عبارة عن التوسّط في الأفعال و الأقوال بين طرفي التفريط و الإفراط، و كان كلّ ما قضاه تعالى و حكم عليه بوقوعه أو عدم وقوعه جاريا على وفق الحكمة و النظام الأكمل لما بيّن ذلك في مظانّه من العلم الإلهىّ لا جرم لم يكن أن يقع في الوجود شي‏ء من أفعاله أو أقواله منسوبا إلى أحد طرفي التفريط و الإفراط بل كان على حاقّ الوسط منهما و هو العدل. و قيل: قضى بمعنى أمر كقوله تعالى وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ«» و هو داخل فيما قلناه فإنّ ما أمر بإيجاده أو نهى عنه داخل فيما حكم عليهم بوقوعه أو عدم وقوعه.
السادس: و علم ما يمضى و ما مضى.
إشارة إلى إحاطة علمه بكلّ الامور مستقبلها و ماضيها و كلّيّها و جزئيّها، و قد أشرنا إلى ذلك فيما قبل.
السابع: مبتدع الخلايق بعلمه
ظاهر كلامه عليه السّلام ناطق بأنّ العلم هنا سبب لما ابتدع من خلقه و لا شكّ أنّ السبب له تقدّم على المسبّب من جهة ما هو سبب و هذا هو مذهب جمهور الحكماء، و الخلاف فيه مع المتكلّمين. إذ قالوا: إنّ العلم تابع للمعلوم و التابع يمتنع أن يكون سببا. فالباء على رأيهم إذن للاستصحاب، و على الرأى الأوّل للتسبّب. و نحن إذا حقّقنا القول و قلنا: إنّه لا صفة له تعالى تزيد على ذاته و كانت ذاته و علمه و قدرته و إرادته شيئا واحدا و إنّما تختلف بحسب اعتبارات تحدثها عقولنا الضعيفة بالقياس إلى مخلوقاته كما سبق بيانه‏ في الخطبة الاولى لم يبق تفاوت في أن يستند المخلوقات إلى ذاته أو إلى علمه أو إلى قدرته أو غيرهما. و أمّا بيان أنّ العلم تابع للمعلوم حتّى يمتنع أن يكون سببا له أو متبوعا حتّى لا يمتنع ذلك فممّا حقّق في مظانّه. و المسألة ممّا طال الخبط فيها بينهم، و يحتمل أن يريد بالإبداع إحكام الأشياء و إتقانها بحيث يكون محلّ التعجّب يقال: هذا فعل بديع و منظر بديع: أى معجب حسن. فظاهر أنّ ذلك منسوب إلى العلم و لذلك يستدلّ بإحكام الفعل و إتقانه على علم فاعله.
الثامن: و منشئهم بحكمه
أى بحكمته و هو قريب من الّذي قبله، و يحتمل أن يريد حكم قدرته على الموجودات بالوجود. و هو ظاهر.
و قوله: بلا اقتداء و لا تعليم.
 أى لم يكن إبداعه و إنشاءه للخلق على وجه اقتدائه بغيره ممن سبقه إلى ذلك، و لا على وجه التعلّم منه. و الاقتداء أعمّ من التعلّم.
و قوله: و لا إصابة خطأ.
. أي لم يكن إنشاؤه للخلق أوّلا إتّفاقا على سبيل الاضطراب و الخطأ من غير علم منه ثمّ علمه بعد ذلك فاستدرك فعله و أحكمه فأصاب وجه المصلحة فيه. و الإضافة بمعنى اللام لما أنّ الإصابة من لواحق ذلك الخطأ. و بمثل هذا اعترض المتكلّمون على أنفسهم حيث استدلّوا على كونه تعالى عالما بكلّ معلوم فقالوا: إنّه تعالى علم بعض الأشياء لا من طريق أصلا لا من حسّ و لا نظر و استدلال فوجب أن يعلم سائرها كذلك لأنّه لا تخصيص، ثمّ سألوا أنفسهم فقالوا: لم زعمتم ذلك و لم لا يجوز أن يكون قد فعل أفعاله مضطربة ثمّ أدركها فعلم كيفيّة صنعها بطريق كونه مدركا لها فأحكمها بعد اختلافها و اضطرابها ثمّ أجابوا عن ذلك بأنّه لا بدّ أن يكون قبل ذلك عالما بمفرداتها من غير طريق فوجب أن يعلمها بأسرها كذلك لعدم التخصيص.
و هذا الجواب فاسد لأنّ مفرداتها إن لم تكن من فعله كالأجزاء الّتي لا يتجزّى على رأى المثبتين فليس كلامنا في علمه بها بل فيما كان من فعله و لا يلزم من العلم بمفردات الفعل العلم بالفعل، و إن كانت من فعله فقولكم: لا بدّ أن يكون عالما بمفرداتها قبل فعلها مصادرة على المطلوب. و الجواب الحقّ أنّه لو علمها بعد أن لم يعلمها لكان علمه بها حادثا في ذاته فكان محلّا للحوادث و هو محال لما سبق.
و قوله: و لا حضرة ملأ.
أي و لم يكن خلقه لما خلق بحضرة جماعة من العقلاء بحيث يشير كلّ منهم عليه برأى و يعينه بقول في كيفيّة خلقه حتّى يكون أقرب إلى الصواب لأنّ كلّ جماعة فرضت فهي من خلقه فلا بدّ أن تصدر عنه الامور لا بحضرة أحد، و لأنّ ذلك يستلزم حاجته إلى المعين و الظهير و الحاجة يستلزم الإمكان المنزّه قدسه عنه. و إليه الإشارة بقوله تعالى ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً«» و كلّ ذلك تنزيه لفعله عن كيفيّات أفعال عباده. ثمّ أردف ذلك باقتصاص أحوال الخلق حال انبعاث اللّه رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و الواو في قوله: و الناس. للحال: أي و الناس يسيرون عند مقدمه في جهالة. و هو كناية عن تصرّفاتهم على جهل منهم بما ينبغي لهم من وجوه التصرّف، و يحتمل أن يريد و تسيرون في شدّة و ذلك أنّ العرب كانت حينئذ في شدائد من ضيق المعاش و النهب و الغارات و سفك الدماء كما قال عليه السّلام فيما قبل: إنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نذيرا للعالمين، و أمينا على التنزيل، و أنتم معشر العرب على شرّ دين و في شرّ دار. الفصل. و كذلك قوله: و يموجون في حيرة. كناية عن تردّدهم في حيرة الضلال و الجهل أو في حيرة من الشدائد المذكورة.
و قوله: قد قادتهم أزمّة الحين.
 أي قد تداعوا للموت و الفناء من كثرة الغارات و شدائد سوء المعاش و ظلم بعضهم لبعض لأنّ الناس إذا لم يكن بينهم نظام عدليّ و لم يجر في امورهم قانون شرعيّ أسرع فيهم ظلم بعضهم البعض و استلزم ذلك فناؤهم، و لمّا استعار لفظ الأزمّة رشّح بذكر القود.
و قوله: و استغلقت. إلى قوله: الرين.
 أراد رين الجهل و تغطيته لقلوبهم عن أنوار اللّه تعالى و الاستضاء بأضواء الشريعة. و استعار لفظ الأقفال لغواشى الجهل و الهيئات الرديئة المكتسبة من الإقبال على الدنيا، و وجه المشابهة أنّ تلك مانعة للقلب و حاجبة له عن قبول الحقّ و الاهتداء به كما تمنع الأقفال ما يغلق عليه من التصرّف، و رشّح بذكر الاستغلاق و إنّما أتى بلفظ الاستفعال لأنّ ذلك الرين كان أخذ في الزيادة و منتقلا من حال إلى حال فكأنّ فيه معنى الطلب للتمام. ثمّ عقّب بالوصيّة بتقوى اللّه على جرى عادته لأنّها رأس كلّ مطلوب، و رغّب فيها بكونها حقّ اللّه عليهم: أي الأمر المطلوب له المستحقّ عليهم، و بكونها موجبة على اللّه حقّهم و هو جزاء طاعتهم له الّذي أوجبه على نفسه و لزم عن كمال ذاته الفيّاضة بالخيرات بحسب استعدادهم له بالتقوى. ثمّ أشار إلى ما ينبغي للمتصدّي إلى التقوى و هو أن يستعين على قطع عقباتها باللّه و الانقطاع إليه أن يعينه عليها و يوفّقه بها فإنّ الانقطاع إلى معونته و الالتفات إليه مادّة كلّ مطلوب. ثمّ إلى فائدتها و هي الاستعانة بها على اللّه تعالى. و لمّا كان المطلوب منه الوصول إلى ساحل عزّته و النظر إلى وجهه الكريم و السلامة من غضبه و نقاش حسابه إذ هو تعالى الحاكم الأوّل كانت التقوى أجلّ ما يستعدّ به لحصول تلك المطالب، و كان السعيد من استعان بها على دفع شدائده تعالى في الآخرة من المناقشة فإنّه لاخلاص منها إلّا بها. ثمّ عقّب ذكرها ببيان ما يستلزمه من الامور المرغوب فيها: منها كونها في اليوم: أي في مدّة الحياة حرزا و جنّة: أي من المكاره الدنيويّة لقوله تعالى وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ- من أمره- مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ«» و في غد: أي في يوم القيامة الطريق إلى الجنّة. و هو ظاهر، و منها كون مسلكها واضحا و ظاهر أنّ الشارع صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أوضح طرق التقوى و كشف سبلها حتّى لا يجهلها إلّا جاهل، و منها كون سالكها رابحا. و استعار لفظ الربح لما يحصل عليه المتّقى من ثمرات التقوى في الدنيا و الآخرة، و وجه الاستعارة أنّه بحركاته و تقواه الّتي يشبه رأس ماله يستفيد الثواب كما يستفيد التاجر مكاسبه، و منها كون مستودعها حافظا. و المستودع بالفتح قابل الوديعة و بكسرهافاعلها. و المراد على الرواية بالفتح كون قابلها حافظا لنفسه بها من عذاب اللّه أو يكون حافظ بمعنى محفوظ، و على الثانية فالمستودع لها إمّا اللّه سبحانه. إذ هي الأمانة الّتي عرضها على السماوات و الأرض فأبين أن يحملها و أشفقن منها و حملها الإنسان و ظاهر كونه تعالى حافظا على العبد المستودع أحواله فيها من تفريطه و تقصيره أو أمانته و محافظته عليها، و إمّا الملائكة الّتي هي وسائط بين اللّه تعالى و بين خلقه. و ظاهر كونهم حفظة كما قال تعالى وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً و قوله وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ«».
و قوله لم تبرح عارضة نفسها. إلى قوله الغابرين.
 كلام لطيف، و استعار وصف كونها عارضة نفسها. و وجه الاستعارة كونها مهيّئة لأن تقبل و بصدد أن ينتفع بها كالمرأة الصالحة الّتي تعرض نفسها للتزويج و الانتفاع بها. ثمّ علّل كونها لم تبرح كذلك لحاجة الخلق إليها غدا: أي يوم القيامة ترغيبا فيها بكونها محتاجا إليها، و يحتمل أن يدخل ذلك في وجه الشبه.
و قوله: إذا أعاد. إلى قوله: أسدى.
 كالقرينة المخرجة لغد عن حقيقته إلى مجازه و هو يوم القيامة، و تعيين له بأنّه الوقت الّذي يعيد اللّه فيه ما كان أبداه من الخلق و يأخذ فيه ما كان أعطاهم من الوجود الدنيويّ و لواحقه و يقول: لمن الملك اليوم للّه الواحد القهّار. و في الحديث: إنّ اللّه تعالى يجمع كلّ ما كان في الدنيا من الذهب و الفضّة فيجعله أمثال الجبال ثمّ يقول: هذا فتنة بني آدم. ثمّ يسوقه إلى جهنّم فيجعله مكاوى لجباه المجرمين و يسألهم فيه عمّا أسدى إليهم فيه من نعمه فيسأل من ادّخرها لم ادّخرها و لم ينفقها في وجوهها المطلوبة للّه، و يسأل من أنفقها في غيره وجهها فيقول. أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدنيا و استمتعتم بها. و يجازي الأوّلين بادّخارها كما قال وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى‏ عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ«» الآية، و يجازي الآخرين بصرفها في غير وجهها كما قال فَالْيَوْمَ‏ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
و قوله: فما أقلّ من قبلها.
 تعجّب من قلّة من قبل التقوى بينهم و حملها حقّ حملها: أي أخذها و حفظها بشرائطها و استعدّ بها ليؤدّي أمانة اللّه فيها. إذ هي الأمانة المعروضة. ثمّ حكم بكون قابلها و حاكمها هم أقلّ الناس عددا، و أنّهم أهل صفة اللّه: أي الّذين وصفهم اللّه تعالى بقوله وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.
ثمّ أمرهم فيها بأوامر:
أحدها: أن يهطعوا بأسماعهم إليها
أي يسرعوا إلى سماع وصفها و شرحها ليعرفوها فيعملوا على بصيرة.
الثاني: أن يواكظوا عليها بجدّهم
أي يداوموا عليها و يلازموها باجتهاد منهم، و روى و انقطعوا بأسماعكم إليها: أي انقطعوا عن علائق الدنيا و استصحبوا أسماعكم إلى سماع وصفها. فكأنّ أحد الروايتين تصحيف الاخرى لأنّ النون و القاف إذا تقارنا أشبها الهاء في الكتابة.
الثالث: أن يعتاضوها خلفا عن كلّ محبوب في الدنيا سلف لهم
و نعم الخلف ممّا سلف إذ كانت المطالب الحاصلة بها أنفس المطالب و هي السعادة الأبديّة.
و خلفا مصدر سدّ مسدّ الحال.
الرابع: أن يعتاضوها من كلّ مخالف لهم موافقا.
و المراد أنّ كلّ من كان موافقا لك ثمّ خالفك في أمر من الامور فينبغي أن يكون على طريق الحقّ و التقوى في ذلك الأمر و لا تميل ميل مخالفك فإنّ التقوى نعم العوض ممّن خالفك. و نحوه ما قال أفلاطون الحكيم: سقراط حبيبنا و الحقّ حبيبنا و إذا اختلفا كان الحقّ أحبّ إلينا.
الخامس: أن يوقظوا بها نومهم.
قال بعض الشارحين: أراد أن يوقظوا بها نوّامكم فأقام المصدر مقام اسم الفاعل مجازا لما فيه من التضادّ في القرينة. قلت: و يحتمل أن يريد بقوله: أيقظوا: أي اطردوا بتقوى اللّه و عبادته نومكم في ليلكم و أحيوه بها. فاستعمل لفظ الايقاظ لإفادته ذلك المعنى إذ كان الأمر بإيقاع أحد الضدّين في محلّ يستلزم الأمر بنفى الضدّ الآخر عن ذلك المحلّ مجازا من باب إطلاق اسم الملزوم على لازمه و لما فيه من التضادّ، و يحتمل أن يريد بالنوم نوم الغفلة و الجهل و بإيقاظ النائمين منها بها تنبيههم بها من مراقد الطبيعة و إعدادهم بأجراء العبادة و قوانينها لحصول الكمالات العلميّة و العمليّة على سبيل الاستعارة.
و وجهها ظاهر ممّا سبق.
السادس: و أن يقطعوا بها يومهم
أى يقطعوا بالاشتغال بها نهارهم.
السابع: أن يشعروها قلوبهم
أى يجعلوها شعارا لقلوبهم و يلبسوها إيّاه كما يلبس الشعار. و لفظ الشعار مستعار لها، و وجه الاستعارة كون التقوى الحقيقيّة تلازم النفس و تتّصل بالقلب كما يتّصل الشعار بالجسد، و يحتمل أن يريد اجعلوها لازمة لقلوبكم ليتميّز بها عن قلوب الظالمين، و يحتمل أن يريد أشعروها قلوبكم: أى أعلموها بها و اجعلوها شاعرة بتفاصيلها و لوازمها.
الثامن: أن يرحضوا بها ذنوبهم
أى يغسلوها بالاشتغال بالتقوى. و لفظ الرحض مستعار باعتبار كون التقوى ماحية لدرن الذنوب و الهيآت البدنيّة عن ألواح النفوس كما يمحق الغسل درن الثوب و أوساخه.
التاسع: أن يداووا بها الأسقام
أى أسقام الذنوب و أمراض القلوب كالجهل و الشكّ و النفاق و الرياء و الحسد و الكبر و البخل و جميع رذائل الأخلاق الّتي هى في الحقيقة الأسقام المهلكة، و لاشتمال التقوى على جميع الأعمال الجميلة و الملكات الفاضلة كانت دواء لهذه الأسقام و شفاء لا يعقبه داء.
العاشر: و أن يبادروا بها الحمام
أى يسارعوه و يسابقوه بها. و قد سبق بيانه في الخطبة السابقة.
الحادى عشر: أن يعتبروا بمن أضاعها
أى ينظروا إلى الامم السابقه قبلهم ممّن أضاع التقوى، و يتفكّروا في حاله كيف أضاعها لأمر لم يبق له ففاته ما طلب و لم يدرك ما فيه رغب ثمّ حصل بعد الهلاك على سوء المنقلب فيحصّلوا من ذلك عبرة لأنفسهم فيحملوها على التقوى خوفا ممّا نزل بمن أضاعها من الخيبة و الحرمان‏ و الرجوع إلى دار الهوان.
الثاني عشر: أن لا يجعلوا أنفسهم عبرة لمن أطاعها
أى انقاد للتقوى و دخل فيها أو أطاع موجبها فحذف المضاف، و المراد نهيهم أن يدخلوا في زمرة من أضاعها فيكونوا عبرة لمن أطاعها فنهى عن لازم الإضاعة و هو اعتبار غيرهم بهم. و صورة ذلك النهى و إن كانت متعلّقة بغيرهم إلّا أنّه كناية عن نهيهم عمّا يستلزم عبرة الغير بهم و هو إضاعة التقوى لأنّ النهى عن اللازم يستلزم النهى عن الملزوم، و هذا كما تقول لمن تنصحه: لا يضحك الناس منك: أى لا تفعل ما يستلزم ذلك و يوجبه منهم.
الثالث عشر: أن يصونوها.
و صيانتها شدّة التحفّظ فيها من خلطها برياء أو سمعة و مزجها بشي‏ء من الرذائل و المعاصى.
الرابع عشر: أن يتصوّنوا بها
أى يتحفّظوا بها عن الذنوب و الرذائل و ثمرتها و يتحرّزوا بالاستعداد لها من لحوق العذاب في الآخرة.
الخامس عشر: أن يكونوا عن الدنيا نزّاها
أى متنزّهين عمّا حرّم اللّه عليهم و كرهه ممّا يوجب لهم الذمّ عاجلا و العقاب آجلا و هو أمر بالتقوى أيضا.
السادس عشر: أن يكونوا إلى الآخرة ولّاها
أى متحيّرين من شدّة الشوق إليها و ذلك مستلزم للأمر بالتقوى و الانقطاع عن الدنيا إلى الأعمال الصالحة لأنّها هى السبب في محبّة الآخرة و الرغبة التامّة فيما عند اللّه.
السابع عشر: أن لا يضعوا من رفعته التقوى.
و وضعه إمّا بقول كذمّه و الاستهزاء به، أو بفعل كضربه، أو فعل ما يستلزم إهانته، أو ترك قول، أو ترك فعل يستلزم ذلك. و لمّا كان كلّ ذلك منافيا للتقوى و داخلا في أبواب الرذائل لا جرم نهى عن لازمه و هو وضع من رفعته التقوى لاستلزام رفع اللازم رفع الملزوم.
الثامن عشر: أن لا يرفعوا من رفعته الدنيا
و أراد من ارتفاعه وجاهته عند الخلق بسبب الدنيا و اقتناء شي‏ء منها. و التقدير: من رفعته أهل الدنيا. فحذف المضاف، أو اسند الرفع إلى الدنيا مجازا لأنّ الرافع و المعظم له هم الناس، و لمّا كان من رفعته الدنيا عادلا عن التقوى كان الميل إليه و احترامه و محبّته يستلزم المحبّة للدنيا و الميل إليها و كان منهيّا عنه، و كان الانحراف عنه و عدم توقيره زهدا في الدنيا و أهلها هو من جملة التقوى فكان مامورا به.
التاسع عشر: نهى عن شيم بارقها.
استعار لفظ البارق لما يلوح للناس في الدنيا من مطامعها و مطالبها، و وصف الشيم لتوقّع تلك المطالب و انتظارها و التطّلع إليها على سبيل الكناية عن كونها كالسحابة الّتي يلوح بارقها فيتوقّع منها المطر.
العشرون: و عن سماع ناطقها.
و كنّى بناطقها عن مادحها و ما كشف وصفها و زينها من القول أو فعل أو زينة أو متاع، و بسماعه عن الإصغاء و الميل إليه و تصديق مقاله و تصويب شهادته فإنّها هى الّتي ينبغي أن يقتنى و يدّخر و يعتنى بها إلى غير ذلك فإنّ كلّ ذلك سبب للعدول عن التقوى و طريق الآخرة إلى طرق الهلاك.
الحادى و العشرون: و عن إجابة ناعقها.
و كنّى بناعقها عن الداعى إليها و الجاذب ممّا ذكرنا، و بإجابته عن موافقته و متابعته.
الثاني و العشرون: و الاستضاءة بإشراقها.
و استعار لفظ الإشراق لوجوه المصالح الداعية إليها و الآراء الهادية إلى طرق تحصيلها و كيفيّة السعى فيها، و وصف الاستضاءة للاهتداء بتلك الآراء في طلبها، و وجه المشابهة أنّ تلك الآراء يهتدى بها في تحصيلها كما يهتدى بالإشراق المحسوس. و هذه القرينة قريبة المعنى من القرينتين قبلها، و يحتمل أن يريد بإشراقها ما يبتهج به من زينتها و أنوار جنابها، و بالاستضاءة ذلك الابتهاج و الالتذاذ على سبيل الاستعارة، و وجهها مشاركة زينتها للضياء في كونه سببا ممدّا للأرواح باسطا لها.
الثالث و العشرون: و من الفتنة بأعلاقها.
و أعلاقها ما يعدّ فيها نفيسا من قيناتها و متاعها، و هو مستلزم للنهى لهم عن محبّة الدنيا و الانهماك في لذّاتها لأنّ ذلك هو الفاتن لهم و المضلّ عن سبيل اللّه و هو سبب بلائهم و محنتهم و إليه‏ الإشارة بقوله تعالى أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ«» قال المفسّرون: بلاء و محنة و اشتغال عن الآخرة. و الإنسان بسبب المال و الولد يقع في العظائم و يتناول الحرام إلّا من عصمه اللّه، و عن أبي بريدة قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يخطبنا يوما فجاء الحسن و الحسين عليهما السّلام و عليهما قميصان أحمران يمشيان و يعثران فنزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثمّ قال: صدق اللّه عزّ و جلّ وَ اعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ نظرت إلى هذين الصبيّين يمشيان و يعثران فلم أصبر حتّى نزلت إليهما و رفعتهما. ثمّ أردف ذلك بتعداد معايب و أوصاف لها منفّرة عنها معلّلا بها ما سبق من نواهيه عنها.
فقوله: فإنّ برقها خالب.
 تعليل لنهيه عن شيم بارقها. و استعار وصف الخالب لما لاح من مطامعها، و وجه المشابهة كون مطامعها و آمالها غير مدركة و إن ادرك بعضها ففى معرض الزوال كأن لم يحصل فأشبهت البرق الّذي لا ماء فيه و إن حصل معه ضعيف فغير منتفع به فلذلك لا ينبغي أن يشام بارقها.
و قوله: و نطقها كاذب.
 تعليل لنهيه عن سماع نطقها: أى النطق الحاصل في معناها، و في مدحها، و أنّها ممّا ينبغي أن يطلب و يدّخر، و وصف نفسها و لذّاتها بلسان حالها الّذي تغرّبه الأوهام الفاسدة. و كونه كذبا كناية عن عدم مطابقة ذلك الوصف بحالها في نفس الأمر.
و قوله: و أموالها محروبة.
 كالتعليل لنهيه عن الاستضاءة بإشراقها: أى لا ينبغي أن تستعمل الآراء الحسنة و الحيل في تحصيل أموالها، أو لا ينبغي أن تحبّ زينتها و أموالها و يبتهج بها فإنّها مأخوذة.
و قوله: و أعلاقها مسلوبة.

تعليل لنهيه عن الافتنان بأعلاقها، و يحتمل أن تكون هذه القرينة مع الّتي قبلها تعليل للنهى عن الفتنة بأعلاقها.

ثمّ أردف تلك الأوصاف بالتنبيه على أوصاف اخرى و نقايض لها مستعارة نفّر بها عنها:
أحدها: أنّها المتصدّية العنون
قال بعض الشارحين: هو استعارة وصف المرأة الفاجرة الّتي من شأنها التعرّض للرجال لتخدعهم عن أنفسهم، و يحتمل أن يكون استعارة لوصف الفرس أو الناقة الّتي تمشي في الطريق معترضة خابطا.
و قوله: العنون. استعارة بوصف الدابّة المتقدّمة في السير. كنّى بهما عن لحوق الدنيا بالدابّة تكون كذلك. و وجه المشابهة في الوصف الأوّل أنّ الدنيا في تغيّراتها و أحوالها و حركاتها غير مضبوطة و لا جارية مع الإنسان على حال واحد فأشبهت الناقة الّتي تعترض في طريقها و تمشى على غير استقامة، و وجهها في الثاني أنّ مدّة الحياة الدنيا في غاية الإسراع و شدّة السير بأهلها إلى الآخرة فأشبهت السريعة من الدوابّ المتقدّمة في سيرها.
الثاني: الجامحة الحرون.
استعار وصف الجماح لها باعتبار كونها لا تملك لأهلها و لا ينقاد لهم كما لا ينقاد الحرون لراكبها، و كذلك وصف الحرون باعتبار عدم انقياده لأهلها و عدم قدرتهم على تصريفها و هم أحوج ما يكونون إليها.
الثالث: المائنة الخئون
فاستعار وصف الكاذبة لها باعتبار عدم مطابقة اغترارها للناس بزينتها و متاعها و توهّمهم عن ذلك بقاؤها و نفعها لما عليه الأمر في نفسه.
إذ كان عن قليل ينكشف كذبها فيما غرّتهم به و كذب أوهامهم فيها، و كذلك وصف الخئون باعتبار عدم وفائها لمن غرّته و خدعته عن نفسه بزينتها فكأنّها لذلك أعطته عهدا بدوامها له فخانته بزوالها عنه و لم تف بعهده.
الرابع: الجحود الكنود
و استعار لها هذين الوصفين ملاحظة لشبهها بالمرأة الّتي تكفر نعمة زوجها و تنكر صنيعه، و يكون من شأنها الغدر. و ذلك أنّ الدنيا من شأنها أن تنفر عمّن رغب فيها و سعى لها و اجتهد في عمارتها و إظهارزينتها، و يكون سبب هلاكه ثمّ ينتقل عنه إلى غيره.
الخامس: العنود الصدود
فاستعار وصف العنود لها باعتبار عدولها عن حال استقامتها على الأحوال المطلوبة للناس، و انحرافها عن سنن قصودهم منها كالناقة الّتي ينحرف عن المرعى المعتاد للإبل و ترعى جانبا. و كذلك الصدود باعتبار كثرة إعراضها عمّن طلبها و رغب فيها.
السادس: و الحيود الميود
فاستعارة وصف الحيود ظاهرة، و أمّا وصف الميود فباعتبار تردّدها في ميلها بالنسبة إلى بعض أشخاص الناس من حال إلى آخر فتارة لهم و تارة عليهم. و يحتمل أن لا يكون قد اعتبر قيد التردّد بل أراد مطلق الحركة استعارة لكثرة تغيّرها و انتقالها.
السابع: حالها انتقال.
إخبار عن حالها بأنّها انتقال: أى من شخص إلى آخر و من حال إلى حال. و ظاهر أنّها كذلك. قال بعض الشارحين: يجوز أن يريد به أنّ شيمتها و سجيّتها الانتقال و التغيّر. و يحتمل أن يعنى بالحال الحاضرة من الزمان و هو الآن. و يكون مراده أنّ الّذي يحكم عليه العقلاء بالحضور منها ليس بحاضر بل هو سيّال متغيّر لا ثبوت له في الحقيقة كما لا ثبوت للماضى و المستقبل.
الثامن: و وطأتها زلزال
استعار لفظ الوطأة لإصابتها ببعض شدائدها، و وجه الاستعارة استلزام إصابتها بذلك إهانة من أصابته و الثقل عليه كما يستلزم وطأة الثقيل من الحيوان ذلك، و استعار لفظ الزلزال لاضطراب أحوال من تصيبه بمكروهها كاضطراب الأرض بالزلزال.
التاسع: عزّها ذلّ
أى العزّ الحاصل عنها لأهلها بسبب كثرة قيناتها كعزّة ملوكها و منفعتهم ذلّ في الآخرة، و أطلق عليه لفظ الذلّ إطلاقا لاسم الملزوم على لازمه أو تسمية الشي‏ء باسم ما يؤول إليه. إذ كان العزّ بالدنيا و أموالها مستلزما للانحراف عن الدين و التقوى الحقّة، و ذلك مستلزم للذلّ الأكبر عند لقاء اللّه. و إليه الإشارة بقوله تعالى حكاية عن المنافقين لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ«» و نقل المفسّرون أنّ القائل لذلك عبد اللّه بن ابيّ، و الأعزّ يعنى نفسه و الأذلّ يعنى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فردّ اللّه تعالى عليه بقوله وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ«» الآية.
العاشر: و جدّها هزل.
استعار لفظ الجدّ و هو القيام في الأمر بعناية و اجتهاد لإقبالها على بعض أهلها بخيراتها كالصديق المعتنى بحال صديقه، و لإدبارها عن بعضهم و إصابتها له بمكروهها كالعدوّ القاصد لهلاك عدوّه. و استعار لجدّها لفظ الهزل الّذي هو ضدّه. و وجه الاستعارة كونها عند إقبالها على الإنسان كالمعتنية بحالها أو عند إعراضها عنه و رميه بالمصايب كالقاصدة لذلك ثمّ يسرع انتقالها عن تلك الحال إلى ضدّها فهى في ذلك كالهازل اللاعب. و يحتمل أن يريد جدّ أهلها هزل: أى عنايتهم بها و اجتهادهم في تحصيلها يشبه الهزل و اللعب في سرعة تغيّره و الانتقال عنه بزوالها فاستعار له لفظه.
الحادى عشر: و علوّها سفل
أى العلوّ الحاصل بسببها أو علوّ أهلها على تقدير حذف المضاف، و أخبر عنه بأنّه سفل لاستلزامه السفل و انحطاط المرتبة في الآخرة بين أهلها. و هو كقوله: و عزّها ذلّ.
الثاني عشر: كونها دار حرب
كقوله: أموالها محروبة. و أراد كونها مظنّة أن تسلب قيناتها عن أهلها بالموت و غيره. و استعار لفظ السلب لما فيها من القينات. و وجه المشابهة كون ما فيها يسلب عن أهلها في كلّ زمان و يصير إلى من بعدهم كدار حرب. و كذلك نهب و عطب.
الثالث عشر: كون أهلها على ساق
أى على شدّة. و هو ظاهر. إذ كلّ ما عدّد من أوصافها من الحرب و السلب و العطب شدائد عليها أهلها. و قال قطب الدين الراوندىّ: أراد بكونها على ساق أنّ بعضهم يتبع أثر بعض إلى الآخرة فأشبه ذلك قولهم: ولدت فلانة ثلاثة بنين على ساق: أى ليس بينهم انثى. و أنكره‏ ابن أبي الحديد. و كنّى بالساق عن الأمر الشديد. قال بعض الشارحين: و يحتمل أن يكون مصدر قولك ساقه سياقا: أى أنّهم مساقون إلى الآخرة، و لحاق- بفتح اللام- أى يلحق بعضهم بعضا في الوجود و العدم، و فراق يفارق بعضهم بعضا. و هو كقولهم: الدنيا مولود يولد و مفقود يفقد. و يحتمل أن يريد باللحاق لحاق الأحياء للموتى في العدم.
الرابع عشر: كونها قد تحيّرت مذاهبها،
و لم يرد بمذاهبها طرقها المحسوسة و لا الاعتقادات بل الطرق العقليّة في تحصيل خيرها و دفع شرّها. و أسند الحيرة إلى المذاهب مجازا إقامة للعلّة القابلة مقام العلّة الفاعلة. إذ الأصل تحيّر أهلها في مذاهبها.
الخامس عشر: و أعجزت مهاربها
أى و أعجزت من طلبها. فحذف المفعول لأنّ الغرض ذكر الإعجاز. و مهاربها مواضع الهرب من شرورها.
السادس عشر: و خابت مطالبها
استعار وصف الخيابة للمطالب، و وجه المشابهة عدم حصولها بعد ظهورها للأوهام و تعلّق الآمال بها فأشبهت من وعد بحصول شي‏ء لم يف به. ثمّ عقّب بذكر بعض لوازم خيابة مطالبها، و هى إسلام المعاقل لهم، و استعار لها لفظ الإسلام باعتبار كونها لا تحفظهم من الرزايا و لا تحصنهم من سهام المنايا فأشبهت في ذلك من أسلم الملتجى إليه و خلّى عنه لعدّوه. و لكون ذلك لازما عطفه بالفاء. و كذلك لفظ المنازل لهم مستعار باعتبار خروجهم منها بالموت فهى كاللافظة الملقية لهم.
ثمّ قسّمهم باعتبار لحوق شرّها لأحيائهم و أمواتهم إلى أصناف:
أحدها: ناج معقور
و أراد الباقين فيها، و كنّى بالمعقور عن من رمته بالمصائب فيها المشبهة للمعقور.
الثاني: و لحم مجزور،و أراد منهم من صار لحما مجزورا.
الثالث: و شلو مذبوح.
و أراد ذى شلو مذبوح: أى قد صار بعد الذبح أشلاء متفرّقه، و يحتمل أن يكون مذبوح صفة للشلو، و أراد بالذبح مطلق الشقّ كما هو في أصل اللغة.

الرابع: و دم مسفوح
أى و ذى دم مسفوح.
الخامس: و عاضّ على يديه،
و هو كناية عن ندم الظالمين بعد الموت على التفريط و التقصير. إذ كان من شأن النادم ذلك.
السادس: و صافق بكفّيه
أى ضارب إحداهما على الاخرى ندما.
السابع: و- كذلك- مرتفق لخدّيه
أى جاعل مرفقيه تحت خدّيه فعل النادم.
الثامن: و- كذلك- و زار على رأيه
أى رأيه الّذي اقتضى له السعى في جمع الدنيا و الالتفات إليها بكلّيّته حتّى لزم من ذلك إعراضه عن الآخرة فحاق به سيّى‏ء ما كسب فإذا انكشف له بعد الموت لزوم العقاب و ظهرت له سلاسل الهيئات البدنيّة و أغلالها في عنقه علم أنّ كلّ ذلك ثمرة ذلك الرأى الفاسد فأزرى عليه و عابه و أنكره.
التاسع: و راجع عن عزمه
أى ما كان عزم من عمارة الدنيا و السعى في تحصيلها، و بالموت تنجلى تلك العزوم و يرجع عنها.
و قوله: و قد أدبرت الحيلة.
 الواو للحال من الضمير في راجع: أى و راجع عن عزمه حال ما قد أدبرت حيلته و هذه الحال مفسّرة لمثلها عن الضمائر المرفوعة في عاضّ، و صافق، و مرتفق، و زار.
و قوله: و أقبلت الغيلة.
 أى أخذهم إلى جهنّم و إهلاكهم فيها على غرّة منهم بذلك الأخذ، و قال بعض الشارحين: يحتمل بالغيلة الشرّ بمعنى الغائلة.
و قوله: و لات حين مناص.
 في موضع الحال و العامل أقبلت: أى و أقبل الهلاك و الشرّ حال ما ليس لهم وقت فرار و لا تأخّر عنه كقوله تعالى كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَ لاتَ حِينَ مَناصٍ«» أى فنادوا مستغيثين حال ما ليس الوقت وقت مخلص و مفرّ.

و قوله: هيهات هيهات.
 أى بعد الخلاص و الفرار. و أتى به مكرّرا للتأكيد، و هو في مقابلة قول الكفّار المنكرين لأحوال المعاد هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ و كالجزاء له بعد الموت.
و قوله: و قد فات ما فات. إلى قوله: ذهب.
 أى فات ما كنتم فيه من أحوال الدنيا الّتي يتمنّون الرجعة إليها فلا رجوع لها. و نحوه قوله تعالى حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ«» الآية.
و قوله: و مضت الدنيا لحال بالها.
 كلمة يخبر بها عمّن مضى، أو يأمر بالمضىّ: أى و مضت عنهم الدنيا لحال بالها. و نحوه قوله عليه السّلام: حتّى إذا مضى الأوّل لسبيله. و قوله: امض لشأنك.
و اللام للغرض فكأنّه استعار لها لفظ البال بمعنى القلب ملاحظة لشبهها بمن يمضى لغرض نفسه و ما يهواه قلبه، و يحتمل أن يريد بالبال الحال أيضا و جواز الإضافة لاختلاف اللفظين، و قال بعض الشارحين: أراد بحال بالها ما كانت عليه من رخائها و سهولتها على أهلها.
و قوله: و أقبلت الآخرة.
 أى بشدّتها و صعوبتها. ثمّ ختم بالآية اقتباسا. و المعنى أنّهم لمّا ركنوا إلى الدنيا فعلت بهم ما فعلت، و حصلوا على ما حصلوا عليه من البداهة، و ولّت عنهم لشأنها فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ قال بعض المفسّرين: أراد أهل السماء و هم الملائكة و أهل الأرض فحذف المضاف. و هو كناية عن كونهم لا يستحقّون أن يتأسّف عليهم و لا أن يبكون، و قيل: أراد المبالغة في تحقير شأنهم لأنّ العرب كانت تقول في عظيم القدر يموت: بكته السماء و الأرض. فنفى عنهم ذلك، و أراد ليسوا ممّن يقال فيهم مثل هذا القول.
و عن ابن عبّاس- رضى اللّه عنه- لمّا قيل له: أ تبكي السماء و الأرض على أحد فقال: يبكيه مصلّاه في الأرض و مصعد عمله في السماء.

فيكون نفى البكاء عنهم كناية عن أنّه لم يكن لهم في الأرض موضع عمل صالح حتّى يكون له مصعد في السماء فلم تبك عليهم، و نحوه عن أنس قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ما من مسلم إلّا و له بابان: باب تصعد فيه عمله، و باب ينزل منه رزقه إلى الأرض فإذا مات بكيا عليه. فذلك قوله عزّ و جلّ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ«» و اعلم أنّ إطلاق لفظ البكاء على السماء و الأرض مجاز في فقدهما لما ينبغي أن يكون فيهما من مساجد المؤمنين و مصاعد أعمالهم قياسا في ذلك من فقد شيئا يحبّه و يبكى له فاطلق عليه إطلاقا لاسم الملزوم على لازمه. و باللّه التوفيق.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحه‏ى 212

خطبه ۲۳۲شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام
أَحْمَدُهُ شُكْراً لِإِنْعَامِهِ- وَ أَسْتَعِينُهُ عَلَى وَظَائِفِ حُقُوقِهِ- عَزِيزَ الْجُنْدِ عَظِيمَ الْمَجْدِ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- دَعَا إِلَى طَاعَتِهِ وَ قَاهَرَ أَعْدَاءَهُ جِهَاداً عَلَى‏ دِينِهِ- لَا يَثْنِيهِ عَنْ ذَلِكَ اجْتِمَاعٌ عَلَى تَكْذِيبِهِ- وَ الْتِمَاسٌ لِإِطْفَاءِ نُورِهِ- فَاعْتَصِمُوا بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّ لَهَا حَبْلًا وَثِيقاً عُرْوَتُهُ- وَ مَعْقِلًا مَنِيعاً ذِرْوَتُهُ- وَ بَادِرُوا الْمَوْتَ وَ غَمَرَاتِهِ وَ امْهَدُوا لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ- وَ أَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ فَإِنَّ الْغَايَةَ الْقِيَامَةُ- وَ كَفَى بِذَلِكَ وَاعِظاً لِمَنْ عَقَلَ وَ مُعْتَبَراً لِمَنْ جَهِلَ- وَ قَبْلَ بُلُوغِ الْغَايَةِ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ ضِيقِ الْأَرْمَاسِ- وَ شِدَّةِ الْإِبْلَاسِ وَ هَوْلِ الْمُطَّلَعِ- وَ رَوْعَاتِ الْفَزَعِ وَ اخْتِلَافِ الْأَضْلَاعِ- وَ اسْتِكَاكِ الْأَسْمَاعِ وَ ظُلْمَةِ اللَّحْدِ- وَ خِيفَةِ الْوَعْدِ وَ غَمِّ الضَّرِيحِ وَ رَدْمِ الصَّفِيحِ- فَاللَّهَ اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ- فَإِنَّ الدُّنْيَا مَاضِيَةٌ بِكُمْ عَلَى سَنَنٍ- وَ أَنْتُمْ وَ السَّاعَةُ فِي قَرَنٍ- وَ كَأَنَّهَا قَدْ جَاءَتْ بِأَشْرَاطِهَا وَ أَزِفَتْ بِأَفْرَاطِهَا- وَ وَقَفَتْ بِكُمْ عَلَى صِرَاطِهَا وَ كَأَنَّهَا قَدْ أَشْرَفَتْ بِزَلَازِلِهَا- وَ أَنَاخَتْ بِكَلَاكِلِهَا وَ انْصَرَمَتِ الدُّنْيَا بِأَهْلِهَا- وَ أَخْرَجَتْهُمْ مِنْ حِضْنِهَا- فَكَانَتْ كَيَوْمٍ مَضَى أَوْ شَهْرٍ انْقَضَى- وَ صَارَ جَدِيدُهَا رَثّاً وَ سَمِينُهَا غَثّاً- فِي مَوْقِفٍ ضَنْكِ الْمَقَامِ وَ أُمُورٍ مُشْتَبِهَةٍ عِظَامٍ- وَ نَارٍ شَدِيدٍ كَلَبُهَا عَالٍ لَجَبُهَا- سَاطِعٍ لَهَبُهَا مُتَغَيِّظٍ زَفِيرُهَا- مُتَأَجِّجٍ سَعِيرُهَا بَعِيدٍ خُمُودُهَا- ذَاكٍ وُقُودُهَا مَخُوفٍ وَعِيدُهَا- عَمٍ قَرَارُهَا مُظْلِمَةٍ أَقْطَارُهَا- حَامِيَةٍ قُدُورُهَا فَظِيعَةٍ أُمُورُهَا- وَ سِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً- قَدْ أُمِنَ الْعَذَابُ وَ انْقَطَعَ الْعِتَابُ- وَ زُحْزِحُوا عَنِ النَّارِ وَ اطْمَأَنَّتْ بِهِمُ الدَّارُ- وَ رَضُوا الْمَثْوَى وَ الْقَرَارَ- الَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا زَاكِيَةً- وَ أَعْيُنُهُمْ بَاكِيَةً- وَ كَانَ لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَاراً تَخَشُّعاً وَ اسْتِغْفَارًا- وَ كَانَ نَهَارُهُمْ لَيْلًا تَوَحُّشاً وَ انْقِطَاعاً- فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ الْجَنَّةَ مَآباً وَ الْجَزَاءَ ثَوَاباً- وَ كانُوا أَحَقَّ بِها وَ أَهْلَها- فِي مُلْكٍ دَائِمٍ وَ نَعِيمٍ قَائِمٍ- فَارْعَوْا عِبَادَ اللَّهِ مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُوزُ فَائِزُكُمْ- وَ بِإِضَاعَتِهِ يَخْسَرُ مُبْطِلُكُمْ- وَ بَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ- فَإِنَّكُمْ مُرْتَهَنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ- وَ مَدِينُونَ بِمَا قَدَّمْتُمْ- وَ كَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِكُمُ الْمَخُوفُ- فَلَا رَجْعَةً تُنَالُونَ وَ لَا عَثْرَةً تُقَالُونَ- اسْتَعْمَلَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ بِطَاعَتِهِ وَ طَاعَةِ رَسُولِهِ- وَ عَفَا عَنَّا وَ عَنْكُمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ- الْزَمُوا الْأَرْضَ وَ اصْبِرُوا عَلَى الْبَلَاءِ- وَ لَا تُحَرِّكُوا بِأَيْدِيكُمْ وَ سُيُوفِكُمْ فِي هَوَى أَلْسِنَتِكُمْ- وَ لَا تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلْهُ اللَّهُ لَكُمْ- فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ- وَ هُوَ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِّ رَبِّهِ- وَ حَقِّ رَسُولِهِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ مَاتَ شَهِيداً- وَ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ- وَ اسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا نَوَى مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ- وَ قَامَتِ النِّيَّةُ مَقَامَ إِصْلَاتِهِ لِسَيْفِهِ- فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُدَّةً وَ أَجَلًا

اللغة

أقول:

الوظيفة: ما يقدّر للإنسان في كلّ يوم من طعام أو رزق أو عمل.

 و يثنيه: يصرفه.

و المعقل: الملجأ.

و ذروته: أعلاه.

و مهّدله: أي اتّخذ له مهادا و هو الفراش.

و الأرماس: جمع رمس و هو القبر.

و الإبلاس: الانكسار و الحزن.

و المطّلع: الاطّلاع من إشراف إلى أسفل.

و هوله: خوفه و فزعه.

و الروعة: الفزعة. و استكاك الأسماع: صممها.

و الصفيح: الحجارة العراض.

و ردمها: سدّ القبر بها.

و السنن: الطريقة.

و القرن: الحبل يقرن به البعيران.

و أشراطها: علاماتها.

و أزفت: دنت.

و أفراطها: مقدّماتها.

و منه أفراط الصبح أوائل تباشيره.

و الرثّ: الخلق.

و الغثّ: المهزول.

و الضنك: الضيق.

و الكلب: الشرّ.

و اللجب: الصوت.

و الساطع: المرتفع.

و سعيرها: لهبها.

و تأجّجه: اشتداد حرّه و وقودها بضمّ الواو: ايقادها و هو الحدث.

و ذكاه- مقصورا- : اشتعاله.

و فضاعة الأمر: شدّته و مجاوزته للمقدار.

و الزمر: الجماعات، واحدتها زمرة.

و زحزحوا: بعدوا.

و اطمأنّت: سكنت.

و المثوى: المقام.

و المآب: المرجع.

و المدينون: مجزيّون.

و إصلاته بسيفه. تجرّده به.

المعنى
و اعلم أنّه عليه السّلام أنشأ حمد اللّه على نعمائه. و نصب شكرا على المصدر عن قوله: أحمد. من غير لفظه. إذ المراد بالحمد هنا الشكر بقرينة ذكر الإنعام. ثمّ أردفه بطلب المعونة على ما وظّف عليه من حقوقه: واجباتها و نوافلها كالصلوات و العبادات الّتى ارتضاها منهم شكرا لنعمائه، و إذا اعتبرت كانت نعما تستحقّ الشكر لما يستلزمه المواظبة عليها من السعادة الحقيقيّة الباقية كما سبق بيانه. و قوله عزيز الجند. نصب على الحال و الإضافة غير محضة و العامل أستعينه، و كذلك قوله: عظيم المجد: أى أستعينه على أداء حقوقه حال ما هو بذينك الاعتبارين فإنّه باعتبار ما هو عزيز الجند عظيم المجد يكون مالك الملك قديرا على ما يشاء فكان مبدأ استعانة به على أداء وظايف حقوقه. ثمّ أردفه بشهادته برسالة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ذكر أحواله الّتي كانت مبادئ لظهور الدين الحقّ ليقتدى السامعون به صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في تلك الأحوال.
و هي دعوته إلى الدين و مقاهرته لأعدائه و هم الكفّار على أصنافهم، و نصب جهاداعلى أنّه مصدر سدّ مسدّ الحال، أو نصب المصادر عن قوله: قاهر. من غير لفظه. إذ في قاهر معنى جاهد. و عن دينه متعلّق بجهادا إعمالا للأقرب، و يحتمل التعلّق بقاهر. و قوله: لا يثنيه. أي لا يصرفه عن دعوته و مقاهرته لأعدائه اجتماع الخلق على تكذيبه و التماسهم لإطفاء نوره، و لفظ النور مستعار لما جاء به من الكمالات الهادية إلى سبيل اللّه. ثمّ لمّا نبّههم على تلك الأحوال الّتي مبدؤها تقوى اللّه تعالى أمرهم بالاعتصام بها بقوله: فاعتصموا بتقوى اللّه كما اعتصم نبيّكم بها في إظهار دينه و مواظبته على ذلك، و لا تخافوا من عدوّ مع كثرتكم كما لا يخفّ هو مع وحدته فإنّ للتقوى حبلا وثيقا عروته من تمسّك به و اعتصم لم يضرّه عدوّ، و معقلا منيعا ذروته من لجأ إليه لم يصل إليه سوء. و لفظ الحبل و المعقل مستعاران للتقوى، و قد سبق بيان هذه الاستعارات. ثمّ أكّد ذلك الأمر بالأمر بمبادرة الموت و غمراته و معنى مبادرته مسابقته إلى الاستعداد بالأعمال الصالحة كأنّهم يسابقون الموت و غمراته و ما يلحقهم من العذاب فيه و فيما بعده إلى الاستعداد بالأعمال الصالحة فيحصّلوا بها ملكات صالحة يكون مهادا له قبل حلوله بهم كيلا يقدحهم قدحا، و يجعلونها عدّة لأنفسهم قبل نزوله عليهم يلتقونه بها كيلا يؤثّر في نفوسهم كثير أثر كأنّه يسابقهم إلى أنفسهم لينقطعهم عن ذلك الاستعداد فيكون سببا لوقوع العذاب بهم. و قوله: فإنّ الغاية القيامة. تحذير بذكر الغاية و تذكير بأهوالها الموعودة: أى فإنّ غايتكم القيامة لا بدّ لكم منها.
و لمّا كانت تلك الغاية هي لازم الموت كما قال عليه السّلام: من مات فقد قامت قيامته. كان أمره بالاستعداد للموت أمر بالاستعداد لها، و لذلك أتى بعد الأمر بالاستعداد له بقوله: فإنّ. منبّها على وجوب ذلك الاستعداد بضمير ذكر صغراه، و تقدير الكبرى: و كلّ من كانت غايته القيامة فواجب أن يستعدّ لها. و قوله: و كفى بذلك. أى بذكر الموت و غمراته و القيامة و أحوالها، و خصّص من عقل لكونه‏ المقصود بالخطاب الشرعيّ، و معتبرا: أى محلّا للاعتبار و العلم، و ظاهر كون الموت و نزوله بهذه البنية التامّة الّتي احكم بنيانها و وضعت بالوضع العجيب و الترتيب اللطيف و هدمه لها واعظا بليغا يزجر النفوس عن متابعة هواها و معتبرا تقف منه على أنّ وراء هذا الوجود وجود أعلى و أشرف منه لولاه لما عطّلت هذه البنية المحكمة المتقنة و لكان ذلك بعد إحكامها و إتقانها سفها ينافي الحكمة كما أنّ الإنسان إذا بنى دارا و أحكمها و زيّنها بزينة الألوان المعجبة فلمّا تمّت و حصلت غايتها عمد إليها فهد مها فإنّه يعدّ في العرف سفيها عابثا. أمّا لو كان غرضه من ذلك الوصول إلى غاية يحصل بوجودها وقتا ما ثمّ يستغنى عنها جاز هدمها. فكذلك هذه البنية لمّا كانت الغرض منها استكمال النفوس البشريّة بالكمالات الّتي يستفاد من جهتها و هى العلوم و مكارم الأخلاق ثمّ الانتقال منها إلى عالمها جاز لذلك خرابها و فسادها بعد حصول ذلك الغرض منها. و قوله: قبل بلوغ الغاية ما تعلمون. عطف على قوله: قبل نزوله. و قوله: من ضيق الأرماس. إلى قوله: الصفيح. تفصيل لما يعلمونه من أحوال الموت و أهواله، و ظاهر أنّ القبور ضيّقة بالقياس إلى مواطن الدنيا، و أنّ للنفوس عند مفارقتها غمّا شديدا و حزنا قويّا على ما فارقته و ممّا لاقته من الأهوال التي كانت غافلة عنها، و أنّ لما أشرفت عليه من أحوال الآخرة هولا و فزعا تطير منه الألباب و في المرفوع: و أعوذ بك من هول المطّلع.
و إنّما حسن إضافة روعات إلى الفزع و إن كان الروع هو الفزع باعتبار تعدّدها و هى من حيث هى آحاد مجموع أفراد مهيّة الفزع فجازت إضافتها إليها. و اختلاف الأضلاع كناية عن ضغطة القبر. إذ يحصل بسببها تداخل الأضلاع و اختلافها، و استكاك الأسماع ذهابها بشدّة الأصوات الهايلة و يحتمل أن يريد ذهابها بالموت. و إنّما قال: خيفة الوعد، لأنّ الوعد قد يستعمل في الشرّ و الخير عند ذكرهما قال: و لا تعداني، الخير و الشرّ مقبل. فإذا أسقطوا ذكرهما قالوا في الخير: العدة و الوعد، و في الشرّ الإيعاد و الوعيد. و هاهنا و إن سقط ذكرهما إلّا أنّ قوله: خيفة. تدلّ على وجود الشرّ فكان كالقرينة، و غمّ الضريح: الغمّ الحاصل و الوحشة المتوهّمة فيه. إذ كان للنفوس من الهيئات المتوهّمة كونها مقصورة مضيّقا عليها بعد فسح المنازل الدنيويّة و ساير ما ذكره عليه السّلام من الأهوال، و إنّما عدّد هذه الأهوال لكون الكلام في معرض الوعظ و التخويف و كون هذه الامور مخوفة منفورا عنها طبعا. ثمّ أكّد ذلك التخويف بالتحذير من اللّه و علّل ذلك التحذير بكون الدنيا ماضية على سنن: أى على طريقة واحدة لا يختلف حكمها فكما كان من شأنها أن أهلكت القرون الماضية و فعلت بهم و بآثارهم ما فعلت و صيّرتهم إلى الأحوال الّتى عدّدناها فكذلك فعلها بكم. و قوله: و أنتم و الساعة في قرن. كناية عن قربها القريب منهم حتّى كأنّهم معها في قرن واحد. و قوله: و كأنّها قد جاءت بأشراطها. تشبيه لها في سرعة مجيئها بالّتي جاءت و حضرت. و أكّد ذلك التشبيه بقد المفيدة لتحقيق المجي‏ء.
و علاماتها كظهور الدجّال، و دابّة الأرض، و ظهور المهدىّ و عيسى عليهما السّلام إلى غير ذلك. و كذلك قوله: و أزفت بأفراطها و وقفت بكم على صراطها. إلى قوله: و سمينها غثّا: أى و تحقّق وقوفها بكم على صراطها و هو الصراط المعهود فيها. و قوله: و كأنّها قد أشرفت بزلازلها. أى أشبهت فيما يتوقّع منها من هذه الأحوال في حقّكم حالها في إيقاعها بكم و تحقيقها فيكم، و استعار لفظ الكلاكل لأهوالها الثقيلة. و وصف الإناخة لهجومها بتلك الأهوال عليهم ملاحظا في ذلك تشبّهها بالناقة. و إنّما حسن تعديد الكلاكل لها باعتبار تعدّد أهوالها الثقيلة النازلة بهم. و لمّا كانت الأفعال من قوله: و أناخت.إلى قوله: فصار سمينها غثّا. معطوفا بعضها على بعض دخلت في حكم الشبه: أى و كانت الدنيا قد انصرفت بأهلها و كأنّكم قد أخرجتم من حصنها إلى آخر الأفعال.

و المشبّه الأوّل: هو الدنيا باعتبار حالها الحاضرة و المشبّه به انصرافها بأهلها و زوالهم و وجه الشبه سرعة المضىّ. أى كأنّها من سرعة أحوالها الحاضرة كالّتي وقع انصرافها. و كذلك الوجه في باقى التشبيهات. و استعار لفظ الحضن لها ملاحظة لشبهها بالآم الّتي تحضن ولدها فينتزع من حضنها. و السمين و الغثّ تحتمل أن يريد بهما الحقيقة و يحتمل أن يكنّى به عن ما كثر من لذّاتها و خيراتها و تغيّر ذلك بالموت و زواله. و قوله: في موقف. يتعلّق بصار و الموقف هو موقف القيامة. و ظاهر أنّ كلّ جديد للدنيا يومئذ رثّ. و كلّ سمين كان بها غثّ. و ضيق الموقف إمّا لكثرة الخلق يومئذ و ازدحامهم أو لصعوبة الوقوف به و طولهم مع ما يتوقّع الظالمون لأنفسهم من إنزال المكروه بهم و الامور المشتبهة العظام أهوال الآخرة. و اشتباهها كونها ملبسة يتحيّر في وجه الخلاص منها. و الاعتبار يحكم بكونها عظيمة. و ظاهر كون النار شديدة الشرّ و قد نطق القرآن الكريم بأكثر ممّا وصفها عليه السّلام به ههينا من علوّ أصواتها، و سطوح لهبها، و تغيّظ زفيرها كقوله تعالى إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَ هِيَ تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ«» و قوله سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَ زَفِيراً«» و لفظ التغيّظ مستعار للنار باعتبار حركتها بشدّة و عنف كالغضبان أو باعتبار استلزام حركتها ظاهر للأذى و الشرّ. و قوله: عم قرارها. أسند العمى إلى قرارها مجازا باعتبار أنّه لا يهتدى فيه لظلمته أو لأنّ عمقها لا يوقف عليه لبعده، و لمّا استعار لفظ الحمى رشّح بذكر القدور، و ظاهر فظاعة تلك الامور و شدّتها.
و كلّ تلك الامور عدّدها في معرض التخويف لكونها مخوفة تنفيرا لما يلزم عنه من ترك التقوى و اتّباع الهوى ثمّ ساق الآية اقتباسا و نسق بعدها أحوال المتقيّن في الآخرة اللازمة عن تقويهم و هى أمنهم من العذاب و انقطاع‏ العقاب عنهم و إبعادهم عن النار و اطمينان الدار الّتي هي الجنّة بهم و رضاهم بها مثوى و قرارا ترغيبا في التقوى بذكر لوازمها. ثمّ أردف ذلك بصفات المتقيّن أيضا عمّا عساه لا يعرفها فقال: هم الّذين كانت أعمالهم في الدنيا زاكية: أى طاهرة من الرياء و الشرك الخفيّ، و أعينهم باكية: أى من خشية اللّه و خوف عقابه و حرمانه، و كان ليلهم في دنياهم نهارا في كونه محلّ حركاتهم في عبادة ربّهم و تخشّعهم له و استغفارهم إيّاه فأشبه النهار الّذي هو محلّ حركات الخلق. و لهذا الشبه استعار لفظ النهار للّيل و كذلك استعار لفظ الليل للنهار، و وجه الاستعارة كون النهار محلا لتوحّشهم من الخلق و انقطاعهم عنه و اعتزالهم إيّاهم كالليل الّذي هو محلّ انقطاع الناس بعضهم عن بعض و افتراقهم، و في نسخه الرضىّ- رحمه اللّه- بخطّه: كأنّ. للتشبيه رفع نهارا في القرينة الاولى، و رفع ليلا في الثانية. و وجه التشبيه هو ما ذكرناه. و كأنّه يقول: فلمّا استعدّوا بتلك الصفات للحصول على الفضائل و الكمالات و استوجبوا رضى اللّه تعالى عنهم جعل اللّه لهم الجنّة مرجعا و مآبا أعدّ فيها من جزاء النعيم ثوابا و كانوا أحقّ بها و أهلها. و هو اقتباس. و قوله: في ملك. إلى قوله: قائم. أى مقيم، تفسير للجزاء. ثمّ أكّد الأمر بالتقوى برعايتها في عبارة اخرى نبّه فيها على بعض لوازمها، و ذلك أنّ فوز الفايزين إنّما يكون بالتقوى و لزوم الأعمال الصالحات، و المبطلون هم الّذين لا حقّ معهم فهم الخارجون عن التقوى الحقّة.
و إنّما يلحقهم الخسران بالخروج عنها. و قوله: بادروا آجالكم بأعمالكم. كقوله: بادروا الموت: أى و سابقوا آجالكم بالأعمال الصالحات إلى الاستعداد بها قبل أن يسبقكم إلى أنفسكم فيقطعكم عن الاستعداد بتحصيل الأزواد ليوم المعاد، و نبّههم بقوله: فإنّكم. إلى قوله: قدّمتم. على ارتهانهم بذنوبهم السالفة و الجزاء عليها في القيامة ليسارعوا إلى فكاكها بالأعمال الصالحة و السلامة من الجزاء عليها، و لفظ المرتهن مستعار للنفوس الآثمة باعتبار تقيّدها بالسيّئة و إطلاقها بالحسنة كتقيّد الرهن المتعارف بما عليه من المال و افتكاكه بأدائه و إطلاق لفظ الجزاء على العقاب مجاز إطلاقا لاسم أحد الضدّين على الآخر. و قوله: و كأن قد نزل. هى المخفّفة من كأنّ للتشبيه، و اسمها ضمير الشأن، و المقصود تشبيه حالهم و شأنهم الحاضر بحال نزول المخوف و هو الموت بهم و تحقّقه في حقّهم الّذي يلزمه و يترتّب عليه عدم نيلهم للرجعة و إقالتهم للعثرة. ثمّ عقّب بالدعاء لنفسه و لهم باستعمال اللّه إيّاهم في طاعته و طاعة رسوله، و ذلك الاستعمال بتوفيقهم لأسباب الطاعة و إعدادهم لها و إفاضة صورة الطاعة على قواهم العقليّة و البدنيّة و جوارحهم الّتي بسببها تكون السعادة القصوى، ثمّ بما يلزم ذلك الاستعمال من العفو عن جرائمهم. و إنّما نسبها إلى فضل رحمته لكونه مبدءا للعفو و المسامحة من جهة ما هو رحيم و ذلك من الاعتبارات الّتي تحدثها عقولنا الضعيفة و تجعلها من صفات كماله كما سبق بيانه في الخطبة الاولى. ثمّ عقّب وعظهم و تحذيرهم و الدعاء لهم بأمرهم أن يلزموا الأرض و يصبروا على ما يلحقهم من بلاء أعدائهم و مخالفيهم في العقيدة كالخوارج و البغاة على الإمام بعده من ولده و الخطاب خاصّ بمن يكون بعده بدلالة سياق الكلام و لزوم الأرض كناية عن الصبر في مواطنهم و قعودهم عن النهوض لجهاد الظالمين في زمن عدم قيام الإمام الحقّ بعده عليه السّلام. و قوله: و لا تحرّكوا بأيديكم و سيوفكم في هوى ألسنتكم. نهى عن الجهاد من غير أمر أحد من الأئمّة من ولده بعده، و ذلك عند عدم قيام من يقوم منهم لطلب الأمر فإنّه لا يجوز إجراء هذه الحركات إلّا بإشارة من إمام الوقت. و هوى ألسنتهم ميلها إلى السبّ و الشتم موافقة لهوى النفوس. و الباء في بأيديكم زائدة. و يحتمل أن يكون مفعول تحرّكوا محذوفا تقديره شيئا: اى و لا تتحرّكوا لهوى ألسنتكم و لا تستعجلوا بما لم يعجّله اللّه لكم من ذلك الجهاد. و قوله: فإنّه من مات منكم. إلى قوله: لسيفه. بيان لحكمهم في زمن عدم قيام الإمام الحقّ بعده لطلب الأمر و تنبيه لهم‏ على ثمرة الصبر، و هو أنّ من مات منهم على معرفة حقّ ربّه و حقّ رسوله و أهل بيته و الاعتراف بكونهم أئمّة الحقّ و الاقتداء بهم لحق بدرجة الشهداء و وقع أجره على اللّه بذلك و استحقّ الثواب منه على ما أتى به من الأعمال و الصبر على المكاره من الأعداء، و قامت نيّته أنّه من أنصار الإمام لو قام لطلب الأمر و أنّه معينه مقام تجرّده بسيفه معه في استحقاق الأجر. وقوله: فإنّ لكلّ شي‏ء مدّة و أجلا. تنبيه على أنّ لكلّ من دولة العدوّ الباطلة و دولة الحقّ العادلة مدّة تنقضى بانقضائها و أجل تنتهى به فإذا حضرت مدّة دولة عدوّ فليس ذلك وقت قيامكم في دفعها فلا تستعجلوا به. هذا هو المتبادر إلى الفهم من هذا الكلام. و الخطبة من فصيح خطبه عليه السّلام و قد أخذ ابن نبانة الخطيب كثيرا من ألفاظها في خطبته كقوله: شديد كلبها عال لجبها ساطعا لهبها متغيّظ زفيرها متأجّج سعيرها. إلى قوله: فظيعة امورها، و كقوله: هول المطّلع، و روعات الفزع. إلى قوله: وردم الصفيح.
فانّه أخذ كلّ هذه الألفاظ و رصّع بها كلامه. و باللّه التوفيق و العصمة.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحه‏ى 202

خطبه 23۱ شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام
فَمِنَ الْإِيمَانِ مَا يَكُونُ ثَابِتاً مُسْتَقِرّاً فِي الْقُلُوبِ- وَ مِنْهُ مَا يَكُونُ عَوَارِيَّ بَيْنَ الْقُلُوبِ وَ الصُّدُورِ- إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ- فَإِذَا كَانَتْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ مِنْ أَحَدٍ فَقِفُوهُ- حَتَّى يَحْضُرَهُ الْمَوْتُ- فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقَعُ حَدُّ الْبَرَاءَةِ- وَ الْهِجْرَةُ قَائِمَةٌ عَلَى حَدِّهَا الْأَوَّلِ- مَا كَانَ لِلَّهِ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ حَاجَةٌ- مِنْ مُسْتَسِرِّ الْإِمَّةِ وَ مُعْلِنِهَا- لَا يَقَعُ اسْمُ الْهِجْرَةِ عَلَى أَحَدٍ- إِلَّا بِمَعْرِفَةِ الْحُجَّةِ فِي الْأَرْضِ- فَمَنْ‏ عَرَفَهَا وَ أَقَرَّ بِهَا فَهُوَ مُهَاجِرٌ- وَ لَا يَقَعُ اسْمُ الِاسْتِضْعَافِ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ- فَسَمِعَتْهَا أُذُنُهُ وَ وَعَاهَا قَلْبُهُ إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْمِلُهُ إِلَّا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ- امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ- وَ لَا يَعِي حَدِيثَنَا إِلَّا صُدُورٌ أَمِينَةٌ وَ أَحْلَامٌ رَزِينَةٌ أَيُّهَا النَّاسُ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي- فَلَأَنَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الْأَرْضِ- قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا فِتْنَةٌ تَطَأُ فِي خِطَامِهَا- وَ تَذْهَبُ بِأَحْلَامِ قَوْمِهَا

اللغة
أقول:

العوارىّ بالتشديد: جمع عارية قيل: كأنّها منسوبة إلى العار.إذ في طلبها عار.

و البراءة: التبرّى.

و شغرت البلدة: إذا خلت عن مدبّرها.

و في الفصل مسائل:
الاولى: قوله: فمن الإيمان. إلى قوله: أجل معلوم.
قسمة للإيمان إلى قسمين، و وجه الحصر فيهما أنّ الإيمان لمّا كان عبارة عن التصديق بوجود الصانع سبحانه و ماله من صفات الكمال و نعوت الجلال، و الاعتراف بصدق الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ما جاء به. فتلك الاعتقادات إن بلغت حدّ الملكات في النفوس فهى الإيمان الثابت المستقرّ في القلب، و إن لم يبلغ حدّ الملكة بل كانت بعد حالات في معرض التغيّر و الانتقال فهى العوارىّ المتزلزلة. و استعار لها لفظ العوارىّ باعتبار كونها في معرض الزوال كما أنّ العوارىّ في معرض الاسترجاع و الردّ. و كنّى بكونها بين القلوب و الصدور عن كونها غير مستقرّه في القلوب و لا متمكّنة من جواهر النفوس، و قال بعض الشارحين: أراد أنّ من الإيمان ما يكون على سبيل الإخلاص و منه ما يكون على سبيل النفاق.
و قوله: إلى أجل معلوم. ترشيح لاستعارة العوارىّ. إذ كانت من شأنها أن تستعار إلى وقت معلوم ثمّ ترد فكذلك ما كان بمعرض الزوال و التغيّر من الإيمان. و هذه القسمة إلى هذين القسمين هى الموجودة في نسخة الرضى بخطّه و في نسخ كثير من الشارحين و نسخ كثيرة معتبرة، و نقل الشارح عبد الحميد بن أبي الحديد- رحمه اللّه- في النسخة الّتي شرح الكتاب عليها ثلاثة أقسام هكذا: فمن الإيمان ما يكون ثابتا مستقرّا في القلوب، و منه ما يكون عوارىّ في القلوب، و منه ما يكون عوارىّ بين القلوب و الصدور إلى أجل معلوم. ثمّ قال في بيانها ما هذه خلاصته: إنّ الإيمان إمّا أن يكون ثابتا مستقرّا في القلوب بالبرهان و هو الإيمان الحقيقىّ، أو ليس بثابت بالبرهان بل بالدليل الجدلىّ كإيمان كثير ممّن لم تحقّق العلوم العقليّة و يعتقد ما يعتقده من أقيسة جدليّة لا تبلغ درجة البرهان و قد سمّاه عليه السّلام عوارىّ في القلوب: أى أنّه و إن كان في القلب الّذي هو محلّ الإيمان الحقيقيّ إلّا أنّ حكمه حكم العارية في البيب فإنّها بعرضة الخروج منه، و إمّا أن لا يكون مستندا إلى برهان و لا إلى قياس جدلىّ بل على سبيل التقليد و حسن الظنّ بالأسلاف أو بإمام يحسن الظنّ به و قد جعله عليه السّلام عوارىّ بين القلوب و الصدور لأنّه دون الثاني فلم يجعله حالّا في القلب لكونه أضعف ممّا قبله و أقرب إلى الزوال. ثمّ ردّ قوله: إلى أجل معلوم. إلى القسمين الأخيرين لأنّ من ثبت إيمانه بالقياس الجدلىّ قد يبلغ إلى درجة البرهان إذا أنعم النظر و رتّب المقدّمات اليقينيّة ترتيبا منتجا، و قد يضعف مقدّماته في نظره فينحطّ إلى درجة المقلّد فيكون إيمان كلّ منهما إلى أجل معلوم لكونه في معرض الزوال. و أقول: إن صحّت هذه الرواية فالمعنى يعود إلى ما قلناه من القسمة فإنّ العلم بما يستلزمه البرهان أو غيره من الإيمان إن بلغ إلى حدّ الملكة فهو الثابت المستقرّ، و إلّا فهو العارية و الّذي أراه أنّ القسم الثاني تكرار وقع من قلم الناسخ سهوا. و اللّه أعلم.
الثانية: قوله: فإذا كانت لكم براءة. إلى قوله: حدّ البراءة.
معناه‏ أنّكم إذا أردتم التبرىّ من أحد من أهل الكباير فقفوه: أى اجعلوه موقوفا إلى حال الموت و لا تسارعوا إلى البراءة منه قبل الموت فإنّ أشدّ الكبائر و أعظمها الكفر و جايز من الكافر أن يسلم فإذا بلغ منتهى الحياة و حدّها و لم يقلع عن كبيرته فذلك الحدّ هو حدّ البراءة الّذي يجوز أن يوقعوها معه. إذ ليس بعد الموت حالة ترجى و تنتظر. قال بعض الشارحين: و البراءة الّتي أشار عليه السّلام إليها هي البراءة المطلقه لا كلّ براءة، إذ يجوز لنا أن نبرء من الفاسق و صاحب الكبيرة في حياته براءة مشروطة: أى ما دام مصرّا على كبيرته.
الثالثة: قوله: و الهجرة قائمة على حدّها الأوّل
لمّا كانت حقيقة الهجرة ترك منزل إلى منزل آخر لم تكن تخصيصها عرفا بهجرة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و من تبعه و هاجر إليه من مكّة إلى المدينة مخرجا لها عن حقيقتها و حدّها اللغوىّ. إذ كان أيضا كلّ من ترك منزله إلى منزل آخر مهاجرا إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ مراده عليه السّلام من بقاء الهجرة على حدّها بقاء صدقها على من هاجر إليه و إلى الأئمّة من أهل بيته في طلب دين اللّه و تعرّف كيفيّة السلوك لصراطه المستقيم كصدقها على من هاجر إلى الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و في معناها ترك الباطل إلى الحقّ و بيان هذا الحكم بالمنقول و المعقول: أمّا المنقول فمن وجهين: أحدهما: قوله تعالى وَ مَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَ سَعَةً فقد سمّى من فارق وطنه و عشيرته في طلب دين اللّه و طاعته مهاجرا.
و قد علمت في اصول الفقه أنّ من للعموم فوجب أن يكون كلّ من سافر لطلب دين اللّه من معادنه مهاجرا. الثاني: قول الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: المهاجر من هاجر ما حرّم اللّه عليه. و ظاهر أنّ من هاجر معصية الأئمّة إلى طاعتهم و الاقتداء بهم فقد هاجر ما حرّم اللّه عليه فكان اسم الهجرة صادقا عليه. و أمّا المعقول فلأنّ المفارق لوطنه إلى الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مهاجر فوجب أن يكون المفارق لوطنه إلى من يقوم مقامه من ذريّته الطاهرين مهاجرا لصدق حدّ الهجرة في الموضعين، و لأنّ المقصود من الهجرة ليس إلّا اقتباس الدين و تعرّف كيفيّة سبيل اللّه. و هذا المقصود حاصل ممّن يقوم مقام الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من الأئمّة الطاهرين عليهم السّلام بحيث لا فرق إلّا النبوّة و الإمامة. و لا مدخل لأحد هذين الوصفين في تخصيص مسمّى الهجرة بمن قصد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دون من قصد الأئمّة فوجب عموم صدقه على من قصدهم. فإن قلت: هذا معارض بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لا هجرة بعد الفتح حتّى شفّع عمّه العبّاس في نعيم بن مسعود الأشجعى أن يستثناه فاستثناه. قلت. يحمل ذلك على أنّه لا هجرة من مكّة بعد فتحها إلى المدينة توفيقا بين الدليلين. و سلب الخاصّ لا يستلزم سلب العامّ. فاعلم أنّ فائدة هذا القول الدعوة إلى الدين و اقتباسه منه و من أهل بيته عليهم السّلام بذكر الهجرة، و التنبّه بها و ما يستلزمه من الفضيلة على أنّ التارك لأهله و وطنه إليهم طلبا للدين منهم يلحق بالمهاجرين الأوّلين في مراتبهم و ثوابهم.
الرابعة: قوله: ما كان في الأرض. إلى قوله: و معانيها.
قال قطب الدين الراوندى- رحمه اللّه- : ما هاهنا نافية: أى لم يكن للّه في أهل الأرض ممّن أسرّ دينه أو أعلنه و أظهره حاجة. و من هنا لبيان الجنس. و أنكر الشارح عبد الحميد بن أبي الحديد كون ما نافية. و قال: يلزم منه كون الكلام منقطعا بين كلامين متواصلين و جعلها هو بمعنى المدّة: أى و الهجرة قائمة على حدّها ما دام للّه في أهل الأرض ممّن أسرّ دينه أو اعلنه حاجة: أى ما دامت العبادة مطلوبة للّه تعالى من أهل الأرض بالتكليف و هو كقولك في الدعاء: اللّهمّ أحينى ما كان الحياة خيرا لي.
و يكون لفظ الحاجة مستعارا في حقّه تعالى باعتبار طلبه للعبادة بالأوامر و غيرها كطلب ذي الحاجة لها. و أقول: إنّه غير بعيد أن يكون نافية مع اتّصال الكلام بما قبله، و وجهه أنّه لمّا رغّب الناس في طلب الدين و العبادة فكأنّه أراد أن يرفع حكم الوهم بما عساه يحكم به عند تكرار طلب اللّه للدين و العبادة من حاجته تعالى إليها من خلقه حيث كرّر طلبه منهم بتواتر الرسل و الأوامر الشرعيّة، و يصيرمعنى الكلام أنّ الهجرة باقية على حدّها الأوّل في صدقها على المسافرين لطلب الدين فينبغي للناس أن يهاجروا في طلبه إلى أئمّة الحقّ و ليس ذلك لأنّ للّه تعالى إلى أهل الأرض ممن أسرّ دينه أو أظهره حاجة فإنّه تعالى الغنىّ المطلق الّذي لا حاجة به إلى شي‏ء.
الخامسة: قوله: لا تقع اسم الهجرة. إلى قوله: قلبه
إشارة بالحجّة في الأرض إلى إمام الوقت لأنّه حجّة اللّه في أرضه على عباده يوم القيامة و شاهده عليهم. و هذا الكلام تفسير لمواقع اسم الهجرة و بيان لمن تصدق عليه فشرط صدقها على الإنسان بمعرفته لإمام وقته و ذلك لأنّ الإمام هو الحافظ للدين و معدنه الّذي يجب أخذه عنه فيكون قصده لذلك مشروطا بمعرفته فإذن إطلاق اسم الهجرة عليه مشروط بمعرفة إمام الوقت فلذلك قال: لا يقع اسم الهجرة على أحد إلّا بعد معرفة الحجّة في الأرض. و قوله: فمن عرفها و أقرّ بها فهو مهاجر. يحتمل أن يريد به أنّ شرط إطلاق اسم المهاجرة على الإنسان مشروط بمعرفة إمام الوقت المستلزمة للسفر إليه كما هو الظاهر من لفظ المهاجرة. و يحتمل أن يريد أنّ مجرّد معرفة الإمام و الإقرار بوجوب اتّباعه و الأخذ عنه و إن كان بالإخبار عنه دون المشاهدة كاف في إطلاق اسم الهجرة على من عرفه كذلك دون السفر إليه كما كفى في إطلاقه على ترك ما حرّم اللّه بمقتضى قول الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: و المهاجر من ترك ما حرّم اللّه عليه. و قوله: و لا يصدق [يقع خ‏] اسم الاستضعاف على من بلغته الحجّة. أى أخبار الحجّة فحذف المضاف. و يحتمل أن يريد بالحجّة نفس الأخبار الّتى ينقل عن الإمام و يجب العمل بها قال قطب الدين الراوندى: يمكن أن يشير بهذا الكلام إلى أحد آيتين: إحداهما: قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ«» فيكون مراده عليه السّلام على هذا أنّه لا يصدق اسم الاستضعاف على من عرف الإمام و بلغته أحكامه و وعاها قلبه و إن بقى في وطنه و لم يتجشّم السفر إلى الإمام كما لا يصدق على هؤلاء المذكورين في الآية. و الثانية: قوله تعالى بعد ذلك إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ«» فيكون مراده على هذا أنّ من عرف الإمام و سمع مقالته و وعاها قلبه لا يصدق عليه الاستضعاف كما صدق على هؤلاء. إذ كان المفروض على الموجودين في عصر الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المهاجرة بالأبدان دون من بعدهم بل يقنع منه بمعرفته و العمل بقوله بدون المهاجرة إليه بالبدن: و أقول: يحتمل أن يريد بقوله ذلك أنّه لا عذر لمن بلغته دعوة الحجّة و سمعها في تأخّره عن النهوض و المهاجرة إليه مع قدرته على ذلك و لا يصدق عليه اسم الاستضعاف كما يصدق المستضعفين من الرجال و النساء و الولدان حتّى يكون ذلك عذرا له بل يكون في تأخّره ملوما مستحقّا للعذاب كالّذين قالوا إنّا كنّا مستضعفين في الأرض، و يكون مخصوصا بالقادرين على النهوص كما قلناه دون العاجزين فإنّ اسم الاستضعاف صادق عليهم. و هذا الاحتمال إنّما يكون جايز الإرادة من هذا الكلام على تقدير أن يكون إطلاق اسم المهاجر على الإنسان في الكلام المقدّم مشروطا بمعرفة الإمام بالمشاهدة و السفر إليه. إذ لو جاز عليه أن يطلق عليه المهاجرة مع عدم السفر إلى الإمام لما كان ملوما في تأخّره عنه.
السادسة: قوله: إنّ أمرنا صعب مستصعب.
فأمرهم شأنهم و ما هم عليه من الكمال الخارج عن كمالات من عداهم من الامّة و الأطوار الّتي يختصّ بها عقولهم وراء عقول غيرهم فيكون لهم عن ذلك القدرة على ما لا يقدر عليه غيرهم و الإدراكات الغيبيّة بالنسبة إلى غيرهم و الإخبار عنه كالوقائع الّتي حكى عنها عليه السّلام ثمّ وقعت على وفق قوله و كالأحكام و القضايا الّتى اختصّ بها و نقلت عنه فإنّ هذا الشأن صعب في نفسه لا يقدر عليه إلّا الأنبياء و أوصياء الأنبياء و مستصعب‏ الفهم على الخلق معجوز عن احتمال ما يلقى منه من الإشارات و الإخبارات عمّا سيكون و القدرة على ما يخرج عن وسع مثلهم و لا تحتمله و لا تقبله إلّا نفس عبد امتحنها اللّه للايمان كقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ«» أى أعدّها بالامتحان و الابتلاء بالتكاليف العقليّة و النقليّة لحصول الإيمان الكامل اليقينىّ باللّه و رسوله و كيفيّة سلوك سبيله، و تجلّت بالكمالات العلميّة و الفضايل الخلقيّة حتّى عرفت مبادى كمالاتهم و مقاديرها و كيفيّة صدور مثل هذه الغرايب عنها فلا يستنكر ما يأتون به من قول أو فعل و لا يلقاه بالتكذيب كما كانت جماعة من أصحابه عليه السّلام يفعلون ذلك معه فيما كان يخبر به عن الفتن حتّى فهم ذلك منهم فقال: يقولون: يكذب. قاتلهم اللّه تعالى فعلى من أكذب أعلى اللّه و أنا أوّل من آمن به أو على رسوله و أنا أوّل من صدّقه كما حكينا ذلك فيما سبق، بل يحتمل كلّ ما يأتون به على وجهه و يستنده إلى مبدئه و يفرح بوصول ما يرد عليها من أسرارهم الإلهيّة. فأولئك و أمثالهم هم أصحاب الصدور الآمنة الّتي تعى ما يلقى إليها من تلك الأسرار و يصونها عن الإذاعة إلى من لا ينتفع بها و ليس بأهل لها فهي مأمونة عليها، و أولو الأحلام الرزينة الّتي لا يستفزّها سماع تلك الغرايب و مشاهدتها منهم فيحملهم ذلك على إذاعتها و استنكارها بل يحملها على الصواب ما وجدت لها محملا فإذا عجزت عن معرفتها ثبتت فيها و آمنت بها على سبيل الإجمال و فوّضت علم كنهها إلى اللّه سبحانه. و أراد قلوب صدور أمينة أو أصحاب صدور أمينة و أصحاب أحلام رزينة فحذف المضاف. و يحتمل أن يكون قد أطلق اسم الصدور و الأحلام مجازا عن أهلها إطلاقا لاسم المتعلّق على المتعلّق و نقل عنه عليه السّلام مثل هذا الكلام في غير هذا الموضع من جملة خطبة له: أنّ قريشا طلبت السعادة فشقيت. و طلبت النجاة فهلكت. و طلبت الهدى فضلّت ألم يسمعوا و يحهم قوله تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ«» فأين العدل و النزع عن ذرّيّة الرسول الّذين شيّد اللّه بنيانهم فوق البنيان و أعلى رؤوسهم و اختارهم عليهم. ألا إنّ‏ الذّريّة أفنان أنا شجرتها و دوحة أنا ساقها. و إنّي من أحمد بمنزلة الضوء من الضوء كنّا أظلالا تحت العرش قبل خلق البشر و قبل خلق الطينة الّتي كان منها البشر أشباحا عالية لا أجساما نامية. إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يعرف كنهه إلّا ملك مقرّب أو نبىّ مرسل أو عبد امتحن اللّه قلبه للإيمان فإذا انكشف لكم سرّا و وضح لكم أمر فاقبلوه و إلّا فامسكوا تسلموا و ردّوا علمها إلى اللّه فإنّكم في أوسع ما بين السماء و الأرض. و في قوله: و إنّي من أحمد بمنزلة الضوء من الضوء، و قوله: كنّا أظلالا. إلى قوله: نامية إشارة لطيفة: أمّا الأوّل: فأشار إلى أنّ الكمالات الّتي حصلت لنفسه القدسيّة بواسطة كمالات نفس النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أشبه الأشياء بصدور الضوء عن الضوء كشعلة مصباح اقتبست من شعلة مصباح أكبر و أعلى. و من العادة في عرف المجرّدين و أولياء اللّه و كتابه تمثيل النفوس الشريفة و العلوم بالأنوار و الأضواء لمكان المشابهة بينهما في حصول الهداية عنها مع لطفها و صفائها، و أمّا الثاني فيحمل أن يكون قد أشار بكونهم أظلّة تحت العرش قبل خلق البشر أشباحا بلا أجسام إلى وجودهم في العلم الكلّيّ فإنّه قد يعبّر عنه في بعض المواضع بالعرش.
و استعار لفظ الأضلال لهم باعتبار كونهم مرجعا للخلق و ملجأ كالأظلال، و قد سبقت الإشارة إلى ذلك أو ما قرب منها ببيان أوضح في الخطبة الاولى.
السابعة: أيّه بالناس.
و قال: سلونى قبل أن تفقدونى. إلى قوله: الأرض. و أجمع الناس على أنّه لم يقل أحد من الصحابة و أهل العلم: سلونى. غير علىّ عليه السّلام ذكر ذلك ابن عبد البرّ في كتاب الاستيعاب. و أراد بطرق السماء وجوه الهداية إلى معرفة منازل سكّان السماوات من الملأ الأعلى و مراتبهم من حضرة الربوبيّة و مقامات أنبياء اللّه و خلفائه من حظائر القدس، و انتقاش نفسه القدسيّة عنهم بأحوال الفلك و مدبّراتها و الامور الغيبيّة ممّا يتعلّق بالفتن و الوقايع المستقبلة إذ كان له عليه السّلام الاتّصال التامّ بتلك المبادي‏ء. فبالحرىّ أن يكون علمه بما هناك أتمّ و أكمل من علمه بطرق الأرض إلى منازلها. و قد سبق مثله لقوله: سلونى قبل أن تفقدونى فو اللّه لا تسألوني عن فئة تضلّ مائة و تهدى مائة إلّا أنبأتكم بسائقها وقائدها. و قد حمله قوم على وجه آخر و قالوا: أراد بطرق السماء الأحكام الشرعيّة و الفتاوى الفقهيّة: أى أنا أعلم بها من الامور الدنيويّة فعبّر عن تلك بطرق السماء لكونها أحكاما إلهيّة، و عبّر عن هذه بطرق الأرض لأنّها من الأرضيّة. و نحوه ما نقل عن الإمام الوبرىّ: أنّه قال: أراد أنّ علمه بالدين أوفر من علمه بالدنيا.
و قوله: قبل أن تشغر برجلها فتنة. إلى آخره.
أراد فتنة بني اميّة و أحكامهم العادلة عن العدل و ما يلحق الناس في دولتهم من البلاء. و كنّى بشغر رجلها عن خلوّ تلك الفتنة عن مدبّر يدبّرها و يحفظ الامور و ينتظم الدين حين وقوع الجور.
و قوله: تطأ في خطامها.
استعارة لوصف الناقة الّتي ارسل خطامها و خلت عن القايد في طريقها فهي تخبط في خطامها و تعثر فيه و تطأ من لقيت من الناس على غير نظام عن حالها، و هذا هو وجه الاستعارة. إذ كانت هذه الفتنة تقع في الناس على غير قانون شرعيّ.
و لا طريق مرضىّ. و لا قائد ينتظم امور الخلق فيها. و قوله: و يذهب بأحلام قومها. قال بعض الشارحين: أى تحيّر أهل زمانها و تذهلهم بشدّتها حتّى لا يثبتون فيها بل تطيش ألبابهم فلا يهتدون إلى طريق التخلّص عنها و وجه السلامة فيها.
و يحتمل أن يريد بذلك أنّها يستخفّ أهل زمانها فيأتون إليها سراعا و يجيئون الناعق بها و الداعى إليها رغبة و رهبة فلا يبالون في ذلك و لا يفحّصون عن كونها فتنة لغفلتهم عن وجه الحقّ فيها و شدّة وقوعها على الناس. و باللّه التوفيق.

شرح ‏نهج‏ البلاغة(ابن ‏ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحه‏ى ۱۹۳

 

خطبه 230 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام
أُوصِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِتَقْوَى اللَّهِ- وَ كَثْرَةِ حَمْدِهِ عَلَى آلَائِهِ إِلَيْكُمْ- وَ نَعْمَائِهِ عَلَيْكُمْ وَ بَلَائِهِ لَدَيْكُمْ- فَكَمْ خَصَّكُمْ بِنِعْمَةٍ وَ تَدَارَكَكُمْ بِرَحْمَةٍ- أَعْوَرْتُمْ لَهُ فَسَتَرَكُمْ وَ تَعَرَّضْتُمْ لِأَخْذِهِ فَأَمْهَلَكُمْ- وَ أُوصِيكُمْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَ إِقْلَالِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ- وَ كَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ- وَ طَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ- فَكَفَى وَاعِظاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ- حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبينَ- وَ أُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ- فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِلدُّنْيَا عُمَّاراً- وَ كَأَنَّ الْآخِرَةَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ دَاراً- أَوْحَشُوا مَا كَانُوا يُوطِنُونَ- وَ أَوْطَنُوا مَا كَانُوا يُوحِشُونَ- وَ اشْتَغَلُوا بِمَا فَارَقُوا- وَ أَضَاعُوا مَا إِلَيْهِ انْتَقَلُوا- لَا عَنْ قَبِيحٍ يَسْتَطِيعُونَ انْتِقَالًا- وَ لَا فِي حَسَنٍ يَسْتَطِيعُونَ ازْدِيَاداً- أَنِسُوا بِالدُّنْيَا فَغَرَّتْهُمْ-وَ وَثِقُوا بِهَا فَصَرَعَتْهُمْ فَسَابِقُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ إِلَى مَنَازِلِكُمُ- الَّتِي أُمِرْتُمْ أَنْ تَعْمُرُوهَا- وَ الَّتِي رَغِبْتُمْ فِيهَا وَ دُعِيتُمْ إِلَيْهَا- وَ اسْتَتِمُّوا نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِهِ- وَ الْمُجَانَبَةِ لِمَعْصِيَتِهِ- فَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ- مَا أَسْرَعَ السَّاعَاتِ فِي الْيَوْمِ- وَ أَسْرَعَ الْأَيَّامَ فِي الشَّهْرِ- وَ أَسْرَعَ الشُّهُورَ فِي السَّنَةِ- وَ أَسْرَعَ السِّنِينَ فِي الْعُمُرِ

اللغة

أقول:

أعورتم: أبديتم عوراتكم.

و العورة: السوءة و كلّ ما يستحيى منه.

و الفصل يشتمل على الوصيّة بامور:
أوّلها: تقوى اللّه تعالى
فإنّها العمدة الكبرى فيما يوصى به، ثمّ بكثرة حمده تعالى على آلائه إليهم و نعمائه عليهم و بلائه لديهم. و قد علمت معنى بلائه و أنّه يكون بالخير و الشرّ كما قال تعالى وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً«» و أردف ذلك بتقرير تخصيصهم بنعمته تعالى عليهم و تذكيرهم برحمته. و الرحمة كما يراد بها صفة اللّه تعالى كذلك يراد بها آثاره الحسنة الخيريّة كما هو مراده هنا في حقّ عباده. و أتى بلفظ كم للتكثير. ثمّ أردفه بذكر ضروب الرحمة و النعمة فمنها ستره عليهم حيث مجاهرتهم له بالمعصية الّتي ينبغي أن يستحيوا منها و موافقتهم لها بمرأى منه و مسمع. و منها إمهالهم أن يبادرهم بالنقمة و يعاجلهم بالعقوبة حيث تعرّضوا لأخذه بارتكاب مناهيه و مخالفة أوامره.
الثاني: ممّا أوصاهم به ذكر الموت و إقلال الغفلة عنه.
و ذلك لما يستلزم ذكره من الانزجار عن المعاصى، و ذكر المعاد إلى اللّه سبحانه و وعده و وعيده، و الرغبة عن الدنيا و تنقيص لذّاتها كما قال الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أكثروا من ذكر هادم اللذّات. و إنّما استلزم ذكره ذلك لكونه ممّا يساعد العقل فيه الوهم على‏ ضرورة وقوعه مع مساعدته على ما فيه من المشقّة الشاقّة. ثمّ استفهمهم عن غفلتهم عنه و طمعهم فيه مع كونه لا يغفلهم و لا يمهلهم استفهام توبيخ على ذلك. و لأجل ما فيه من شدّة الاعتبار قال: فكفى واعظا بموتى عاينتموهم. إلى قوله: فصرعتهم. و في هذا القول زيادة موعظة على ذكر الموت و هى شرح أحوال من عاينوه من الموتى. و ذكر منها أحوالا: أحدها: كيفيّة حملهم إلى قبورهم غير راكبين مع كونهم في صورة ركوب منفور عنه. الثانية: إنزالهم إلى القبور على غير عادة النزول المتعارف المقصود فكأنّهم في تلك الحال مع طول مددهم في الدنيا و عمارتهم لها و ركونهم إليها لم يكونوا لها عمّارا و كان الآخرة لم تزل دارا. و وجه التشبيه الأوّل انقطاعهم عنها بالكلّيّة و عدم خيرهم فيها فأشبهوا لذلك من لم يكن فيها. و وجه الثاني كون الآخرة هى مستقرّهم الدائم الثابت الّذي لا معدل عنه فأشبهت في ذلك المنزل الّذي لم يزل له دارا. الثالثة: ايحاشهم ما كانوا يوطنون من منازل الدنيا و مسالكها. الرابعة: ايطانهم ما كانوا يوحشون من القبور الّتي هي أوّل منازل الآخرة. الخامسة: اشتغالهم بما فارقوا. و ذلك أنّ النفوس الراكنة إلى الدنيا العاشقة لها المقبلة على الاشتغال بلذّاتها يتمكّن في جواهرها ذلك العشق لها و تصير محبّتها ملكة و خلقا فيحصل لها بعد المفارقة لما أحبّته من العذاب به و الشقا الأشقى بالنزوع إليه و عدم التمكّن من الحصول عليه أعظم شغل و أقوى شاغل و أصعب بلاء هايل بل تذهل فيه كلّ مرضعة عمّا أرضعت و تضع فيه كلّ ذات حمل حملها و ترى الناس سكارى و ما هم بسكارى و لكنّ عذاب اللّه شديد. السادسة: إضاعتهم ما إليه انتقلوا و هي دار الآخرة. و معنى إضاعتهم لها تركهم الأسباب الموصلة إلى ثوابها و المبعّدة من عقابها. السابعة: كونهم لا يستطيعون الانتقال عمّا حصلوا عليه من الأفعال القبيحة الّتي ألزمتهم العذاب و أكسبت نفوسهم ملكات السوء. و ذلك ظاهر. إذا لانتقال عن ذلك لا يمكن إلّا في دار العمل و هي الدنيا. الثامنة: و كذلك لا من حسن يستطيعون ازديادا: أى من الأعمال الحسنة الموجبة للملكات الخيريّة و الثواب الدائم كما قال تعالى حكاية عنهم حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ«» الآية. التاسعة: أنّهم أنسوا بالدنيا حتّي غرّتهم. العاشرة: كونهم وثقوا بها حتّى صرعتهم. و السبب في الاغترار بها و غرورها هم حصول لذّاتها المحسوسة مع قربهم من المحسوس و هو مستلزم للانس بها المستلزم للغرور بها و الغفلة عمّا وراها و هو مستلزم للوثوق و هو مستلزم لصرعتهم في مهاوى الهلاك حيث لا يقال عثرة و لا ينفع ندامة. و أعلم أنّ ذكر الموت و إن كان يستلزم الاتّعاظ و الانزجار إلّا أنّ شرح الأحوال الّتي تعرض للإنسان في موته أبلغ في ذلك لما أنّ كلّ حال فيها منفور عنها طبعا و إن كانت إنّما تحصل النفرة عنها لكونها حالة تعرض للميّت و المقرون بالمولم و المكروه مكروه و مولم و منفور عنه طبعا.

الثالث: ممّا أمرهم به على طريق الوصيّة أن يسابقوا إلى منازلهم الّتي امروا أن يعمّروها و الّتي رغّبوا فيها و دعوا إليها و هي منازل الجنّة و مراتب الأبرار فيها. و عمارتها بالأعمال الصالحة الموافقة لمقتضى النواميس الإلهيّة و تحصيل الكمالات النفسانيّة عنها. و المعنى ليسابق بعضكم بعضا إلى منازلكم و مراتب درجاتكم من الجنّة و عمارتها بتحصيل الكمالات النفسانيّة و موافقة الشرع الإلهيّة.
و إليه الإشارة بقوله تعالى وَ سارِعُوا إِلى‏ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ«» و الترغيب فيها لقوله تعالى وَ لَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ«» و نحوه.
الرابعة: ممّا أمرهم به الصبر على طاعة اللّه و على مجانبة المعصية.
و رغّب‏ بكونه سببا يستتمّ به نعمة اللّه عليهم. و لمّا كان استلزامه لها كالثمرة له و كانت ثمرة الصبر حلاوة قدّمها ليحلو الصبر بذكرها.

و قوله: فإن غدا من اليوم قريب.
 تخويف من الساعة و قربها. و لم يرد بغد و لا اليوم حقيقتهما بل أراد بغد القيامة و باليوم مدّة الحياة كقوله فيما سبق: ألا و إنّ اليوم المضمار و غدا السباق.
و هو يجري مجري المثل كقولهم: غد ما غدا، قرب اليوم من غد.

و قوله: ما أسرع الساعات في اليوم. إلى آخره.
 بيان لقرب الغد الّذي كنّى به عن القيامة من اليوم فإنّ الساعات سريعة الإتيان و الانقضاء. و سرعتهما مستلزم لسرعة مجي‏ء اليوم و انقضائه. و سرعتهما مستلزم لسرعة مجي‏ء الشهر و انقضائه المستلزمين لسرعة مجي‏ء السنة و انقضائها المستلزمين لسرعة انقضاء عمر العاملين فيه لكنّ انقضاؤه بالقيامة. فإذن الساعات مستلزمة لسرعة انقضاء العمر و قرب غده من يومه. و أتى في الكلّ بلفظ التعجّب تأكيدا لبيان تلك السرعة. و هو كلام شريف بالغ في الفصاحة و الموعظة. و باللّه التوفيق.

شرح ‏نهج‏ البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحه‏ى 193

 

خطبه 229 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام يختص بذكر الملاحم
أَلَا بِأَبِي وَ أُمِّي هُمْ مِنْ عِدَّةٍ- أَسْمَاؤُهُمْ فِي السَّمَاءِ مَعْرُوفَةٌ وَ فِي الْأَرْضِ مَجْهُولَةٌ- أَلَا فَتَوَقَّعُوا مَا يَكُونُ مِنْ إِدْبَارِ أُمُورِكُمْ- وَ انْقِطَاعِ وُصَلِكُمْ وَ اسْتِعْمَالِ صِغَارِكُمْ- ذَاكَ حَيْثُ تَكُونُ ضَرْبَةُ السَّيْفِ عَلَى الْمُؤْمِنِ- أَهْوَنَ مِنَ الدِّرْهَمِ مِنْ حِلِّهِ- ذَاكَ حَيْثُ يَكُونُ الْمُعْطَى أَعْظَمَ أَجْراً مِنَ الْمُعْطِي- ذَاكَ حَيْثُ تَسْكَرُونَ مِنْ غَيْرِ شَرَابٍ- بَلْ مِنَ النِّعْمَةِ وَ النَّعِيمِ- وَ تَحْلِفُونَ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ- وَ تَكْذِبُونَ مِنْ غَيْرِ إِحْرَاجٍ- ذَاكَ إِذَا عَضَّكُمُ الْبَلَاءُ كَمَا يَعَضُّ الْقَتَبُ غَارِبَ الْبَعِيرِ- مَا أَطْوَلَ هَذَا الْعَنَاءَ وَ أَبْعَدَ هَذَا الرَّجَاءَ- أَيُّهَا النَّاسُ أَلْقُوا هَذِهِ الْأَزِمَّةَ- الَّتِي تَحْمِلُ ظُهُورُهَا الْأَثْقَالَ مِنْ أَيْدِيكُمْ- وَ لَا تَصَدَّعُوا عَلَى سُلْطَانِكُمْ فَتَذُمُّوا غِبَّ فِعَالِكُمْ- وَ لَا تَقْتَحِمُوا مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ الْفِتْنَةِ- وَ أَمِيطُوا عَنْ سَنَنِهَا وَ خَلُّوا قَصْدَ السَّبِيلِ لَهَا- فَقَدْ لَعَمْرِي يَهْلِكُ فِي لَهَبِهَا الْمُؤْمِنُ- وَ يَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِ انِّمَا مَثَلِي بَيْنَكُمْ كَمَثَلِ السِّرَاجِ فِي الظُّلْمَةِ- يَسْتَضِي‏ءُ بِهِ مَنْ وَلَجَهَا- فَاسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ- وَ عُوا وَ أَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا

اللغة
أقول:

أحرجه: ألجأه و ضيّق عليه، و تصدّعوا: تفرّقوا.

و غبّ كلّ شي‏ء: عاقبته.

و فور النار: تلهّبا و شدّة حرّها.

و أمطت عن كذا و مطت: تنحّيت عنه.

و السنن: القصد، و الاقتحام: الدخول في الشي‏ء بشدّة.

المعنى
فقوله: بأبى و امّى. تسمّى البأبأة، و الجار و المجرور في تقدير خبر المبتدأ و هو قوله: هم. و قد سبقت الإشارة إلى مثله في قوله مخاطبا للرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عند تولية غسله، و الضمير إشارة إلى أولياء اللّه فيما يستقبل من الزمان بالنسبة إلى زمانه عليه السّلام و قالت الشيعة: إنّه أراد الأئمّة من ولده عليهم السّلام. و قوله: أسماؤهم في السماء معروفة.

إشارة إلى علوّ درجتهم في الملأ الأعلى و إثبات أسمائهم و صفاتهم الفاضلة في ديوان الصدّيقين، و في الأرض مجهولون بين أهل الدنيا الّذين يرون أنّه ليس وراءها كمال. و من سيماء الصالحين بمجرى العادة القشف و الإعراض عن الدنيا و ذلك يستلزم قلّة مخالطة أهلها و مكاثرتهم و هو مستلزم لجهلهم بهم و عدم معرفتهم لهم. ثمّ شرع في التنبيه على الأحوال الرديئة المستقبلة المضادّة لمصالح العالم الّتي يجمعها سوء التدبّر و تفرّق الكلمة و هى إدبار ما أقبل من امورهم و انقطاع ما اتّصل من وصلهم و أسبابهم. و الوصل: جمع وصلة و هى الانتظامات الحاصلة لأسبابهم في المعاش و المعاد بوجود الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تدبيره. ثمّ استعمال صغارهم و أراد لهم فإنّه من جملة أسباب الفساد، و من أسباب صلاح العالم استعمال أهل الشرف و أكابر الناس على الأعمال، و من كلامه عليه السّلام في ذلك قوله لمالك الأشتر في عهده إليه يشير إلى العمّال: و توخّ منهم أهل التجربة و الحياء من أهل البيوتات الصالحة و القدم في الإسلام المتقدّمة فإنّهم أكرم أخلاقا و أصحّ أعراضا و أقلّ في المطامع إشرافا و أبلغ في عواقب الامور نظرا.
و صغار الناس مظنّة أضداد الامور المذكورة و بسببها يكون خراب العالم و فساد نظامه. ثمّ أشار إلى أوقاتها و علامات وقوعها: فمنها: حيث يكون ضربة السيف على المؤمن أهون و أقلّ عنده مشقّة من المشقّة الحاصلة في اكتساب درهم حلال. و ذلك لأنّ المكاسب حينئذ يكون قد اختلطت و غلب الحرام الحلال فيها، و أراد بقوله: من الدرهم: أى من كسب الدرهم فحذف المضاف. و منها: حيث يكون المعطى أعظم أجرا من المعطى، و ذلك لأنّ أكثر من يعطى حينئذ و يتصدّق يكون ماله مشوبا بالحرام فيقلّ أجره، و لأنّ أكثرهم يعطى و يقصد بإعطائه الرئاء و السمعة أو لهوى نفسه أو لخطرة من خطرات وسواسه من غير خلوص للّه سبحانه في ذلك، و أمّا المعطى فقد يكون فقيرا مستحقّا للزكاة ذا عيال لا يلزمه أن يبحث عن أصل ما يعطاه فإذا أخذه‏ لسدّ خلّته كان في ذلك أعظم أجرا ممّن يعطيه، أو لأنّ المعطى قد يكون أكثر ما ينفق ماله في غير طاعة له في الوجوه المحظورة فإذا أخذ الفقير منه على وجه الصدقة فوّت على المعطى صرف ماله في تلك الوجوه فكان للفقير بذلك المنّة عليه. إذ كان سببا في منعه عن صرف ماله فيما لا ينبغي فكان أعظم أجرا منه. و منها: حيث يسكرون من غير شراب. فاستعار وصف السكر لهم باعتبار غفلتهم عمّا ينبغي لهم اللازمة عن استغراقهم في اللذّات الحاضرة كما يلزم السكر الغفلة عن المصالح، و قرينة الاستعارة قوله: من غير شراب بل من النعمة فإنّ السكر حقيقة إنّما يكون عن الشراب. و منها: حيث يحلفون من غير اضطرار إلى اليمين بل غفلة عن عظمة اللّه سبحانه حتّى يتوصّلوا باليمين به إلى أخسّ المطالب.
و منها: حيث يكذبون من غير إخراج: أى من غير أن يلجئهم إلى الكذب ضرورة، بل يصير الكذب ملكة و خلقا. و منها: إذا عضّكم البلاء، و استعار لفظ العضّ لإيلام البلاء الّذي ينزل بقلوبهم و شبّهه بعض- القتب لغارب البعير، و وجه المشابهة هو شدّة الإيلام و هذا الشبه هو وجه استعارة العضّ للبلاء. و قوله: ما أطول هذا العناء و أبعد هذا الرجاء. كلام منقطع عمّا قبله كما هو عادة الرضى- رضى اللّه عنه- في التقاط الوصول و إلحاق بعضها ببعض. و وجدت هذا الفصل بخطّه في حاشية نسخة الأصل. و ظاهره يقتضى أنّه ذكر فيما كان متّصلا بالكلام ما ينال شيعته من البؤس و القنوط و مشقّة انتظار الفرج. و أنّ قوله: ما أطول. إلى قوله: الرجاء. كلام شيعته. فعلى هذا يكون المعنى أنّهم يصابون بالبلاء حتّى يقولوا: ما أطول التعب الّذي نحن فيه و ما أبعد رجاءنا للخلاص منه بقيام القايم المنتظر. و يحتمل أن يكون الكلام متّصلا، و يكون قوله: ما أطول هذا العناء. كلاما مستأنفا في معنى التوبيخ لهم على إعراضهم عنه و إقبالهم على الدنيا و إتعابهم أنفسهم في طلبها. و التنفير لهم عنها بذكر طول العناء في طلبهم و بعد الرجاء لما يرجى منها: أى ما أطول هذا العناء اللاحق لكم في طلب الدنيا و ما أبعد هذا الرجاء الّذي يرجونه منها، و ظاهر أنّ متاعب الدنيا لطالبها أطول المتاعب و مطالبها لراحتها أبعد المطالب كما قال عليه السّلام من قبل: من ساعاها فاتته و كما قال الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: من جعل الدنيا أكبرهمّ فرّق اللّه عليه همّه و جعل فقره بين عينيه و لم يأته منها إلّا ما كتب له.
و هذا الكلام يقتضى أنّ المتجرّد لطلب الدنيا لا يزال ملاحظا لفقره مستحضرا له فهو حامل له على التعب في تحصيلها و الكدح لها، و يحتمل أن يريد بالعناء المشار إليه عناؤه في جذبهم إلى اللّه و دعوته لهم إلى الآخرة في أكثر أوقاته فإنّهم لا يرجعون إلى دعوته و لا يتّفقون على كلمته، و ظاهر أنّه عناء طويل و تعب عظيم. و بالرجاء المشار إليه رجاؤه لصلاحهم و استبعده ثمّ أيّد بهم. و استعار لفظ الأزمّة للآراء الفاسدة المتّبعة و الأهواء القائدة لهم إلى المئاثم. و وجه المشابهة كونها قائدة لهم كما تقود الأزمّة الجمال، و لفظ الإلقاء للأعراض عن تلك الآراء الباطلة و ترك العمل لها. و لفظ الظهور لأنفسهم، و لفظ الأثقال للمعقول من أثقال الذنوب، و وجه المشابهة الاولى كونها حاملة لأثقال الخطايا و الأوزار كما يحمل الظهور الأثقال المحسوسة كما قال تعالى وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى‏ ظُهُورِهِمْ«» و قوله وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ«» و وجه الاستعارة الثانية أنّ الملكات الرديئة الحاصلة من اقتراف المئاثم تثقّل النفوس عن النهوض إلى حظاير القدس و منازل الأبرار كما تثقّل الأثقال المحسوسة الظهور الحاملة لها. و لمّا استعار لفظ الإلقاء و الأزمّة اللذين من شأنهما أن يكونا باليد و في اليد رشّح بذكر الأيدي فقال: من أيديكم. و الحاصل أنّه أمرهم بترك الآراء الفاسدة و نهاهم عن متابعتها، و نبّه على وجوب تركها بأنّهم إذا ألزموها و عملوا على وفقها قادتهم إلى حمل أثقال الخطايا. ثمّ أردف ذلك بالنهى عن التفرّق عنه بعد تقديم النهى عن اتّباع الآراء الفاسدة المستلزمة للهلاك تنبيها على أنّ آراءهم في التصدّع عنه من تلك الآراء غير المحمودة. و قوله: فتذمّوا غبّ فعالكم. تنفير عن التفرّق عنه بذكر ما يلزمه من العاقبة المذمومة، و هى غلبة العدوّ عليهم و استيلاءه على أحوالهم و تعوّضهم عن عزّتهم ذلّا، و رخائهم و نعمتهم بؤسا و نقمة. و الفاء هي الّتي في جواب النهى: أى إن تصدّعتم عن سلطانكم ذممتم غبّ فعالكم. ثمّ أردف النهى عن التفرّق عنه بالنهى عن اقتحام ما استقبلوا من الفتنة المنتظرة تشبيها على أنّ التفرّق عنه سبب للدخول في نار الفتنة، و تنفيرا عن مخالفته بكونها اقتحاما لنار الفتنة و تسرّعا إلى دخولها، و لفظ النار مستعار لأحوال الفتنة من الحروب و القتل و الظلم، و وجه المشابهة كونها مستلزمة للأذى كالنار. و وصف الاقتحام لمخالفته و التفرّق عنه، و وجه الاستعارة إسراع تفرّقهم عنه إلى الوقوع في الفتنة كإسراع المقتحم. و رشّح باستعارة النار بالفور مبالغة في التنفير. ثمّ أمرهم بالنهى عن قصدها و طريقها و تخلية قصد السبيل لها: أى خلوّها لقصد سبيلها و لا تتعرّضوا لها و تقتحموها فكونوا حطبا لنارها. ثمّ أقسم ليهلك في لهبها المؤمن و يسلم فيها غير المسلم. و ذلك ظاهر الصدق، و هو من كراماته عليه السّلام و إخباره عمّا سيكون فإنّ الدائرة في دولة بنى اميّة كانت على من لزم دينه و اشتغل بعبادة ربّه دون من وافقهم على أباطيلهم و أجاب دعوتهم و تقرّب إلى قلوبهم بالكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ظلم العباد كما تقف عليه من أخبارهم في قتل كثير من أولياء اللّه و ذريّة رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و صحابته- رضى اللّه عنهم- و تقريبهم للمنافقين و توليتهم الأعمال. و اعلم أنّه ليس مراده أنّه يهلك فيها كلّ مؤمن و لا يسلم فيها إلّا غير مسلم، بل القضيّتان مهملتان. و الغرض منهما أنّ أكثر من يهلك فيها المؤمنون و أكثر من سلم فيها المنافقون و من ليس له قوّة في الإسلام. و لفظ اللهب ترشيح لاستعارة لفظ النار. ثمّ مثّل نفسه بينهم بالسراج في الظلمة. و أشار إلى وجه مشابهته للسراج بقوله: فيستضي‏ء به من ولجها. و تقديره أنّ الطالبين للهداية منه عليه السّلام و المتّبعين له يستضيئون بنور علومه و هدايته‏ إلى الطريق الأرشد كما يهتدى السالكون في الظلمة بالسراج. و هذا التمثيل يستلزم تشبيه أحوالهم بالظلمة و نسبتهم بالمغمورين فيها لولا وجوده عليه السّلام فيهم.
و قد علمت في المقدّمات حقيقة التمثيل. ثمّ لمّا قدّم فضيلته في التمثيل المذكور أردفه بأمرهم بسماع قوله، و أن يحضروا قلوبهم لفهم ما بلغت إليهم من الحكمة و الموعظة الحسنة كما هو المعلوم من حال الخطيب. و استعار لفظ الآذان هنا للقلوب.
و وجه الاستعارة أنّ الاذن لمّا كانت مدركا للأقوال أشبهتها أفهام القلوب المدركة لأقواله، و طلب إحضارها إذ كان هو المنتفع به دون إحضار الآذان المحسوسة.
و ظاهر أنّ إحضار العقول و توجّهها إلى الفكر في المسموع مستلزم لحصول الفهم.
و باللّه التوفيق.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏ميثم بحرانی )، ج 4 ، صفحه‏ى 183

خطبه 228 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام فى التوحيد، و تجمع هذه الخطبة من أصول العلم ما لا تجمعه خطبة
مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ وَ لَا حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ- وَ لَا إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ- وَ لَا صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَ تَوَهَّمَهُ- كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ وَ كُلُّ قَائِمٍ فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ- فَاعِلٌ لَا بِاضْطِرَابِ آلَةٍ مُقَدِّرٌ لَا بِجَوْلِ فِكْرَةٍ- غَنِيٌّ لَا بِاسْتِفَادَةٍ- لَا تَصْحَبُهُ الْأَوْقَاتُ وَ لَا تَرْفِدُهُ الْأَدَوَاتُ- سَبَقَ الْأَوْقَاتَ كَوْنُهُ- وَ الْعَدَمَ وُجُودُهُ وَ الِابْتِدَاءَ أَزَلُهُ بِتَشْعِيرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لَا مَشْعَرَ لَهُ- وَ بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لَا ضِدَّ لَهُ- وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لَا قَرِينَ لَهُ- ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ وَ الْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ- وَ الْجُمُودَ بِالْبَلَلِ وَ الْحَرُورَ بِالصَّرَدِ مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا مُقَارِنٌ بَيْنَ مُتَبَايِنَاتِهَا- مُقَرِّبٌ بَيْنَ مُتَبَاعِدَاتِهَا مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا- لَا يُشْمَلُ بِحَدٍّ وَ لَا يُحْسَبُ بِعَدٍّ- وَ إِنَّمَا تَحُدُّ الْأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا- وَ تُشِيرُ الْآلَاتُ إِلَى نَظَائِرِهَا مَنَعَتْهَا مُنْذُ الْقِدْمَةَ وَ حَمَتْهَا قَدُ الْأَزَلِيَّةَ- وَ جَنَّبَتْهَا لَوْلَا التَّكْمِلَةَ بِهَا تَجَلَّى‏ صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ- وَ بِهَا امْتَنَعَ عَنْ نَظَرِ الْعُيُونِ- وَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ السُّكُونُ وَ الْحَرَكَةُ- وَ كَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ- وَ يَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ وَ يَحْدُثُ فِيهِ مَا هُوَ أَحْدَثَهُ- إِذاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ وَ لَتَجَزَّأَ كُنْهُهُ- وَ لَامْتَنَعَ مِنَ الْأَزَلِ مَعْنَاهُ- وَ لَكَانَ لَهُ وَرَاءٌ إِذْ وُجِدَ لَهُ أَمَامٌ- وَ لَالْتَمَسَ التَّمَامَ إِذْ لَزِمَهُ النُّقْصَانُ- وَ إِذاً لَقَامَتْ آيَةُ الْمَصْنُوعِ فِيهِ- وَ لَتَحَوَّلَ دَلِيلًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ- وَ خَرَجَ بِسُلْطَانِ الِامْتِنَاعِ- مِنْ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهِ مَا يُؤَثِّرُ فِي غَيْرِهِ الَّذِي لَا يَحُولُ وَ لَا يَزُولُ وَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْأُفُولُ- لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْلُوداً وَ لَمْ يُولَدْ فَيَصِيرَ مَحْدُوداً- جَلَّ عَنِ اتِّخَاذِ الْأَبْنَاءِ وَ طَهُرَ عَنْ مُلَامَسَةِ النِّسَاءِ- لَا تَنَالُهُ الْأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ وَ لَا تَتَوَهَّمُهُ الْفِطَنُ فَتُصَوِّرَهُ- وَ لَا تُدْرِكُهُ الْحَوَاسُّ فَتُحِسَّهُ وَ لَا تَلْمِسُهُ الْأَيْدِي فَتَمَسَّهُ- وَ لَا يَتَغَيَّرُ بِحَالٍ وَ لَا يَتَبَدَّلُ فِي الْأَحْوَالِ- وَ لَا تُبْلِيهِ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامُ وَ لَا يُغَيِّرُهُ الضِّيَاءُ وَ الظَّلَامُ وَ لَا يُوصَفُ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْأَجْزَاءِ- وَ لَا بِالْجَوَارِحِ وَ الْأَعْضَاءِ وَ لَا بِعَرَضٍ مِنَ الْأَعْرَاضِ- وَ لَا بِالْغَيْرِيَّةِ وَ الْأَبْعَاضِ- وَ لَا يُقَالُ لَهُ حَدٌّ وَ لَا نِهَايَةٌ وَ لَا انْقِطَاعٌ وَ لَا غَايَةٌ- وَ لَا أَنَّ الْأَشْيَاءَ تَحْوِيهِ فَتُقِلَّهُ أَوْ تُهْوِيَهُ- أَوْ أَنَّ شَيْئاً يَحْمِلُهُ فَيُمِيلَهُ أَوْ يَعْدِلَهُ- لَيْسَ فِي الْأَشْيَاءِ بِوَالِجٍ وَ لَا عَنْهَا بِخَارِجٍ- يُخْبِرُ لَا بِلِسَانٍ وَ لَهَوَاتٍ- وَ يَسْمَعُ لَا بِخُرُوقٍ وَ أَدَوَاتٍ يَقُولُ وَ لَا يَلْفِظُ- وَ يَحْفَظُ وَ لَا يَتَحَفَّظُ وَ يُرِيدُ وَ لَا يُضْمِرُ- يُحِبُّ وَ يَرْضَى مِنْ غَيْرِ رِقَّةٍ- وَ يُبْغِضُ وَ يَغْضَبُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ- يَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ كَوْنَهُ كُنْ فَيَكُونُ- لَا بِصَوْتٍ يَقْرَعُ وَ لَا بِنِدَاءٍ يُسْمَعُ- وَ إِنَّمَا كَلَامُهُ سُبْحَانَهُ فِعْلٌ مِنْهُ أَنْشَأَهُ وَ مَثَّلَهُ- لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ كَائِناً- وَ لَوْ كَانَ قَدِيماً لَكَانَ إِلَهاً ثَانِياً لَا يُقَالُ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ- فَتَجْرِيَ عَلَيْهِ الصِّفَاتُ الْمُحْدَثَاتُ- وَ لَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَ بَيْنَهُ فَصْلٌ- وَ لَا لَهُ عَلَيْهَا فَضْلٌ فَيَسْتَوِيَ الصَّانِعُ وَ الْمَصْنُوعُ- وَ يَتَكَافَأَ الْمُبْتَدَعُ وَ الْبَدِيعُ- خَلَقَ الْخَلَائِقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ خَلَا مِنْ غَيْرِهِ- وَ لَمْ يَسْتَعِنْ عَلَى خَلْقِهَا بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ- وَ أَنْشَأَ الْأَرْضَ فَأَمْسَكَهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ- وَ أَرْسَاهَا عَلَى غَيْرِ قَرَارٍ وَ أَقَامَهَا بِغَيْرِ قَوَائِمَ- وَ رَفَعَهَا بِغَيْرِ دَعَائِمَ- وَ حَصَّنَهَا مِنَ الْأَوَدِ وَ الِاعْوِجَاجِ- وَ مَنَعَهَا مِنَ التَّهَافُتِ وَ الِانْفِرَاجِ- أَرْسَى أَوْتَادَهَا وَ ضَرَبَ أَسْدَادَهَا- وَ اسْتَفَاضَ عُيُونَهَا وَ خَدَّ أَوْدِيَتَهَا- فَلَمْ يَهِنْ مَا بَنَاهُ وَ لَا ضَعُفَ مَا قَوَّاهُ هُوَ الظَّاهِرُ عَلَيْهَا بِسُلْطَانِهِ وَ عَظَمَتِهِ- وَ هُوَ الْبَاطِنُ لَهَا بِعِلْمِهِ وَ مَعْرِفَتِهِ- وَ الْعَالِي عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ مِنْهَا بِجَلَالِهِ وَ عِزَّتِهِ- لَا يُعْجِزُهُ شَيْ‏ءٌ مِنْهَا طَلَبَهُ- وَ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ‏ فَيَغْلِبَهُ- وَ لَا يَفُوتُهُ السَّرِيعُ مِنْهَا فَيَسْبِقَهُ- وَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِي مَالٍ فَيَرْزُقَهُ- خَضَعَتِ الْأَشْيَاءُ لَهُ وَ ذَلَّتْ مُسْتَكِينَةً لِعَظَمَتِهِ- لَا تَسْتَطِيعُ الْهَرَبَ مِنْ سُلْطَانِهِ إِلَى غَيْرِهِ- فَتَمْتَنِعَ مِنْ نَفْعِهِ وَ ضَرِّهِ- وَ لَا كُفْ‏ءَ لَهُ فَيُكَافِئَهُ- وَ لَا نَظِيرَ لَهُ فَيُسَاوِيَهُ- هُوَ الْمُفْنِي لَهَا بَعْدَ وُجُودِهَا- حَتَّى يَصِيرَ مَوْجُودُهَا كَمَفْقُودِهَا- وَ لَيْسَ فَنَاءُ الدُّنْيَا بَعْدَ ابْتِدَاعِهَا- بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْشَائِهَا وَ اخْتِرَاعِهَا- وَ كَيْفَ وَ لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ حَيَوَانِهَا مِنْ طَيْرِهَا وَ بَهَائِمِهَا- وَ مَا كَانَ مِنْ مُرَاحِهَا وَ سَائِمِهَا- وَ أَصْنَافِ أَسْنَاخِهَا وَ أَجْنَاسِهَا- وَ مُتَبَلِّدَةِ أُمَمِهَا وَ أَكْيَاسِهَا- عَلَى إِحْدَاثِ بَعُوضَةٍ مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا- وَ لَا عَرَفَتْ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى إِيجَادِهَا- وَ لَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا فِي عِلْمِ ذَلِكَ وَ تَاهَتْ- وَ عَجَزَتْ قُوَاهَا وَ تَنَاهَتْ- وَ رَجَعَتْ خَاسِئَةً حَسِيرَةً- عَارِفَةً بِأَنَّهَا مَقْهُورَةٌ مُقِرَّةً بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَائِهَا- مُذْعِنَةً بِالضَّعْفِ عَنْ إِفْنَائِهَا وَ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَعُودُ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ لَا شَيْ‏ءَ مَعَهُ- كَمَا كَانَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا كَذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا- بِلَا وَقْتٍ وَ لَا مَكَانٍ وَ لَا حِينٍ وَ لَا زَمَانٍ- عُدِمَتْ عِنْدَ ذَلِكَ الْآجَالُ وَ الْأَوْقَاتُ- وَ زَالَتِ السِّنُونَ وَ السَّاعَاتُ- فَلَا شَيْ‏ءَ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ- الَّذِي إِلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ الْأُمُورِ- بِلَا قُدْرَةٍ مِنْهَا كَانَ ابْتِدَاءُ خَلْقِهَا- وَ بِغَيْرِ امْتِنَاعٍ مِنْهَا كَانَ فَنَاؤُهَا- وَ لَوْ قَدَرَتْ عَلَى الِامْتِنَاعِ لَدَامَ بَقَاؤُهَا-

لَمْ يَتَكَاءَدْهُ صُنْعُ شَيْ‏ءٍ مِنْهَا إِذْ صَنَعَهُ- وَ لَمْ يَؤُدْهُ مِنْهَا خَلْقُ مَا خَلَقَهُ وَ بَرَأَهُ وَ لَمْ يُكَوِّنْهَا لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ- وَ لَا لِخَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَ نُقْصَانٍ- وَ لَا لِلِاسْتِعَانَةِ بِهَا عَلَى نِدٍّ مُكَاثِرٍ- وَ لَا لِلِاحْتِرَازِ بِهَا مِنْ ضِدٍّ مُثَاوِرٍ- وَ لَا لِلِازْدِيَادِ بِهَا فِي مُلْكِهِ- وَ لَا لِمُكَاثَرَةِ شَرِيكٍ فِي شِرْكِهِ- وَ لَا لِوَحْشَةٍ كَانَتْ مِنْهُ- فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَأْنِسَ إِلَيْهَا- ثُمَّ هُوَ يُفْنِيهَا بَعْدَ تَكْوِينِهَا- لَا لِسَأَمٍ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي تَصْرِيفِهَا وَ تَدْبِيرِهَا- وَ لَا لِرَاحَةٍ وَاصِلَةٍ إِلَيْهِ- وَ لَا لِثِقَلِ شَيْ‏ءٍ مِنْهَا عَلَيْهِ- لَا يُمِلُّهُ طُولُ بَقَائِهَا فَيَدْعُوَهُ إِلَى سُرْعَةِ إِفْنَائِهَا- وَ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ دَبَّرَهَا بِلُطْفِهِ- وَ أَمْسَكَهَا بِأَمْرِهِ وَ أَتْقَنَهَا بِقُدْرَتِهِ- ثُمَّ يُعِيدُهَا بَعْدَ الْفَنَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهَا- وَ لَا اسْتِعَانَةٍ بِشَيْ‏ءٍ مِنْهَا عَلَيْهَا- وَ لَا لِانْصِرَافٍ مِنْ حَالِ وَحْشَةٍ إِلَى حَالِ اسْتِئْنَاسٍ- وَ لَا مِنْ حَالِ جَهْلٍ وَ عَمًى إِلَى حَالِ عِلْمٍ وَ الْتِمَاسٍ- وَ لَا مِنْ فَقْرٍ وَ حَاجَةٍ إِلَى غِنًى وَ كَثْرَةٍ- وَ لَا مِنْ ذُلٍّ وَ ضَعَةٍ إِلَى عِزٍّ وَ قُدْرَةٍ

اللغة

أقول:

صمده: أى قصده.

و ترفده: تعينه.

و الوضوح و الوضح: البياض.

و البهمة: السواد.

و الحرور هنا: الحرارة.

و الصرد: البرد.

و الافول: الغيبة.

و الوالج: الداخل.

و خلا: مضى و سبق.

و الأود: الاعوجاج.

و التهافت: التساقط.

و الأسداد: جمع سدّ- و قد يضمّ- و هو كلّ ما حال و حجز بين شيئين.

و خدّ: شقّ.

و مراحها: ما يراح منها في مرابطها و معاطنها.

و سائمها: ما ارسل منها للرعى.

و أسناخها: اصولها.

و المتبلّدة: ذو البلادة و هى ضدّ الذكاء.

و الأكياس: ذوو الذكاء و الفهم.

و تكاءده الأمر: شقّ عليه و صعب.

و آده: أثقله، و المثاور: المواثب.

و اعلم أنّ مدار هذه الخطبة على التوحيد المطلق و التنزيه المحقّق،و قد أشار إلى توحيده تعالى و تنزيهه باعتبارات من الصفات الإضافيّة و السلبيّة:
فالأوّل: قوله: ما وحّده من كيّفه.
دلّت هذه الكلمة بالمطابقة على سلب التوحيد له تعالى عمّن وصفه بكيفيّة، و بالالتزام على أنّه لا يجوز تكيّفه لمنافاة ذلك التوحيد الواجب له تعالى. و لنشر إلى معنى الكيفيّة ليتبيّن أنّه لا يجوز وصفه بها. فنقول: أمّا رسمها فقيل: إنّها هيئة قارّة في المحلّ لا يوجب اعتبار وجودها فيه نسبة إلى أمر خارج عنه و لا قسمة في ذاته و لا نسبة واقعة في أجزائه.
و بهذه القيود يفارق سائر الأعراض، و أقسامها أربعة: فإنّها إمّا أن تكون مختصّة بالكمّ من جهة ما هو كمّ كالمثلثيّة و المربعيّة و غيرها من الأشكال للسطوح. و كالاستقامة و الانحناء للخطوط و كالفرديّة و الزوجيّة للأعداد، و إمّا أن لا تكون مختصّة به و هي إمّا أن تكون محسوسة كالألوان و الطعوم و الحرارة و البرودة، و هذا ينقسم إلى راسخة كصفرة الذهب و حلاوة العسل، و تسمّى كيفيّات انفعالية إمّا لانفعال الحواسّ عنها و إمّا لانفعالات حصلت في الموضوعات عنها، أو غير راسخة إمّا سريعة الزوال كحمرة الخجل و تسمّى انفعالات لكثرة انفعالات موضوعاتها بسببها بسرعة، و هذا قسم ثاني، و إمّا أن لا يكون محسوسة، و هي إمّا لاستعدادات ما لكمالات كالاستعداد للمقاومة و الدفع، و إمّا لانفعال و يسمّى قوّة طبيعيّة كالمصحاحيّة و الصلابة، أو لنقائص مثل الاستعداد بسرعة الإدغان و الانفعال، و يسمّى ضعفا و لا قوّة طبيعيّة كالممراضيّة، و إمّا أن لا يكون استعداد لكمالات أو نقايص بل يكون في أنفسها كمالات أو نقايص، و هي مع ذلك غير محسوسة بذواتها فما كان منها ثابتا يسمّى ملكة كالعلم و العفّة و الشجاعة، و ما كان سريع الزوال يسمّى حالا كغضب الحليم و مرض الصحاح. فهذه أقسام الكيف. إذا عرفت ذلك فنقول: إنّما قلنا: إنّه يلزم من وصفه بالكيفيّة عدم توحيده لما نبّه في الخطبة الاولى من‏ قوله عليه السّلام في وصف اللّه سبحانه: فقد قرنه و من قرنه فقد ثنّاه. و كما سبق تقريره فينتج أنّ من وصف اللّه سبحانه فقد ثنّاه. و حينئذ تبيّن أنّ من كيّفه لم يوحّده لأنّ توحيده و تثنيته ممّا لا يجتمعان.

الثاني: و لا حقيقته أصاب من مثّله
أى جعل له مثلا، و ذلك أنّ كلّ ماله مثل فليس بواجب الوجود لذاته لأنّ المثليّة إمّا أن يتحقّق من كلّ وجه فلا تعدّد إذن لأنّ التعدّد يقتضى المغايرة بأمر ما و ذلك ينافي الاتّحاد و المثليّة من كلّ وجه هذا خلف، و إمّا أن يتحقّق من بعض الوجوه و حينئذ ما به التماثل إمّا الحقيقة أو جزؤها أو أمر خارج عنها فإن كان الأوّل كان ما به الامتياز عرضيّا للحقيقة لازما أو زائلا لكن ذلك باطل لأنّ المقتضى لذلك العرضيّة إمّا المهيّة فيلزم أن يكون مشتركا بين المثلين لأنّ مقتضى المهيّة الواحدة لا يختلف فما به الامتياز لأحد المثلين عن الآخر حاصل للآخر هذا خلف. أو غيرها فتكون ذات واجب الوجوده مفتقرة في تحصيل ما تميّزها من غيرها إلى غير خارجى هذا محال، و إن كان ما به التماثل و الاتّحاد جزء من المثلين لزم كون كلّ منهما مركّبا فكلّ منهما ممكن هذا خلف. و بقي أن يكون التماثل بأمر خارج عن حقيقتهما مع اختلاف الحقيقتين لكن ذلك باطل أمّا أوّلا فلامتناع وصف واجب الوجود بأمر خارج عن حقيقته لاستلزام إثبات الصفة له تثنيته و تركّبه على ما مرّ، و أمّا ثانيا فلأنّ ذلك الأمر الخارجى المشترك إن كان كمالا لذات واجب الوجود فواجب الوجود لذاته مستفيد للكمال من غيره هذا خلف، و إن لم يكن كمالا كان إثباته له نقصا لأنّ الزيادة على الكمال نقص. فثبت أنّ كلّ ماله مثل فليس بواجب الوجود لذاته فالطالب لمعرفته إذا أصاب ما له مثل فقد أصاب ما ليس بواجب الوجود لذاته فلم يصب صانع العالم، و مقصود الكلمة نفى المثل له تعالى في مقام التوجّه إليه و النظر لطلب معرفته.
الثالث: و لا إيّاه عنى من شبّهه
و معنى هذه القرينة كالّتي قبله.
الرابع: و لا صمده من أشار إليه و توهّمه،
و ذلك لأنّ الإشارة إليه إمّا حسيّة أو عقليّة. و الاولى مستلزمة للوضع و الهيئة و الشكل و التحيّز كما علم في غير هذا الموضع، و ذلك على واجب الوجود محال، و أمّا الثانية فقد علمت أنّ النفس الإنسانيّة ما دامت في عالم الغربة إذا توجّهت لاقتناص أمر معقول من عالم الغيب فلا بدّ أن تستتبع القوّة الخياليّة و الوهميّة للاستعانة بهما على استثبات المعنى المعقول و ضبطه فإذن يستحيل أن يشير العقل الإنسانيّ إلى شي‏ء من المعاني الإلهيّة إلّا بمشاركة من الوهم و الخيال و استثباته حدّا و كيفيّة يكون عليها لكن قد علمت تنزيهه تعالى عن الكيفيّات و الصفات و الحدود و الهيئة فكان المشير إليه و المدّعى لإصابة حقيقته قاصدا في تلك الإشارة إلى ذى كيفيّة و حال ليس هو واجب الوجود فلم يكن قاصدا لواجب الوجود، و قد بيّنا فيما سلف امتناع الإشارة إليه.
الخامس: قوله: كلّ معروف بنفسه مصنوع.
صغرى ضمير من الشكل الأوّل استغنى معها عن ذكر الدعوى لدلالتها عليها، و هى أنّه تعالى ليس معلوما بنفسه: أى ليس معلوم الحقيقة بالكنه. و تقدير الكبرى: و لا شي‏ء ممّا هو مصنوع بإله للعالم واجب الوجود لذاته دائما. ينتج أنّه لا شي‏ء من المعلوم بنفسه بواجب الوجود و إله العالم دائما، و ينعكس لا شي‏ء من واجب الوجود معلوم بنفسه. أو من الشكل الثاني، و يكون تقدير الكبرى: و لا شي‏ء ممّا هو واجب الوجود بمصنوع. و ينتج النتيجة المذكورة، و ينعكس. و يحتمل أن تكون المقدّمة المذكورة هى الكبرى من الشكل الأوّل و لا حاجة إلى العكس المذكورة. و يحتمل أن يبيّن المطلوب المذكور بقياس استثنائى متّصل، و تكون المقدّمة المذكورة تنبيها على ملازمة المتّصلة و بيانا لها و تقديرها: لو كان تعالى معلوما بنفسه لكان مصنوعا لأنّ كلّ معلوم بنفسه مصنوع لكن التالى باطل فالمقّدم كذلك فأمّا بيان أنّ كلّ معلوم بنفسه مصنوع فهو أنّ كلّ معلوم بحقيقته فإنّما يعلم من جهة أجزائه، و كلّ ذى جزء فهو مركّب فكلّ مركّب فمحتاج إلى مركّب يركّبه و صانع يصنعه فإذن كلّ معلوم الحقيقة فهو مصنوع، و أمّا بطلان التالى فلأنّه تعالى لوكان مصنوعا لكان ممكنا مفتقرا إلى الغير فلا يكون واجب الوجود لذاته هذا خلف.
السادس: و كلّ قائم في سواه معلول
كالمقدّمة الّتي قبلها في أنّها يحتمل أن تكون صغرى قياس ضمير من الشكل الأوّل أو الثاني دلّ به على أنّه تعالى ليس بقائم في سواه: أى ليس لعرض فيحتاج إلى محلّ يقوم. تقديره أنّ كلّ قائم سواه فهو معلول، و لا شي‏ء من المعلول بواجب الوجود أولا شي‏ء من واجب الوجود بمعلول فينتج أنّه لا شي‏ء من القائم في سواه بواجب الوجود، و ينعكس كنفسها لا شي‏ء من واجب الوجود بقائم في سواه. و يحتمل أن يكون كبرى القياس و لا حاجة إلى عكس النتيجة، و يحتمل أن يكون ذكرها تنبيها على ملازمة قياس استثنائىّ: أى لو كان قائما في سواه لكان معلولا و لكن التالى باطل فالمقدّم كذلك، و بيان الملازمة أنّ القائم بغيره مفتقر إلى محلّ و كلّ مفتقر إلى غيره ممكن و كلّ ممكن معلول في وجوده و عدمه، و أمّا بطلان التالى فلأنّه لو كان معلولا لما كان واجب الوجود.
السابع: فاعل لا باضطراب آلة.
أمّا أنّه فاعل فلأنّه موجد العالم، و أمّا أنّه منزّه في فاعليّته عن اضطراب الآلة فلتنزّهه عن الآلة الّتي هى من عوارض الأجسام.
و قد سبق بيانه.
الثامن: مقدّر لا بحول فكرة،
و معنى كونه مقدّرا كونه معطيا لكلّ موجود المقدار الّذي تستحقّه من الكمال من الوجود و لواحق الوجود كالأجل و الرزق و نحوهما على وفق القضاء الإلهى، و كون ذلك لا بحول فكرة لأنّ الفكر من لواحق النفوس البشريّة بآلة بدنيّة، و قد تنزّه قدسه تعالى عن ذلك.
التاسع: كونه غنيّا لا باستفادة
و كونه غنيّا يعود إلى عدم حاجته في شي‏ء ما إلى شي‏ء ما. إذ لو حصل له شي‏ء باستفادة من خارج كسائر الأغنياء لزم كونه ناقصا بذاته مفتقرا إلى ذلك المستفاد موقوفا على حصول سببه فكان ممكنا هذا خلف و هو تنزيه له عن الغنى المشهور المتعارف.
العاشر: كونه لا تصحبه الأوقات،
و ذلك أنّ الصحبة الحقيقيّة تستدعى‏ المعيّة و المقارنة اللذين هما من لواحق الزمان الّذي هو من لواحق الحركة الّتي هى من لواحق الجسم المتأخّر وجوده عن وجوده بعض الملائكة المتأخّر وجوده عن وجود الصانع الأوّل- جلّت عظمته- فكان وجود الزمان و الوقت متأخّرا عن وجوده تعالى بمراتب من الوجود فلم تصدق صحبة الأوقات لوجوده و لا كونها ظرفا له و إلّا لكان مفتقرا إلى وجود الزمان فكان يمتنع استغناؤه عنه لكنّه سابق عليه فوجب استغناؤه عنه. نعم قد يحكم الوهم بصحبة الزمان للمجرّدات و معيّته لها حيث تقسمها إلى الزمانيّات. إذ كان لا تعقل المجرّدات إلّا كذلك.
الحادى عشر: كونه لا ترفده الأدوات
و ظاهر أنّ المفتقر إلى المعونة بأداة و غيرها ممكن لذاته فلا يكون واجب الوجود لأنّه تعالى خالق الأدوات فكان سابقا عليها في تأثيره فكان غنيّا عنها فيمتنع عليه الحاجة إلى الاستعانة بها.
الثاني عشر: سبق الأوقات كونه
أى وجوده. و قد مرّ بيانه.
الثالث عشر: و العدم وجوده
أى و سبق وجوده العدم، و بيانه أنّه تعالى مخالف لسائر الموجودات الممكنة فإنّها محدثة فيكون عدمها سابقا على وجودها.
ثمّ إن لم تكن كذلك، وجودها و عدمها بالسبة إلى ذواتها على سواء كما بيّن في مظانّه و لها من ذواتها أنّها لا تستحقّ وجودا و عدما لذواتها و ذلك عدم سابق على وجودها. فعلى كلّ تقدير فوجودها يكون مسبوقا بعدم. بخلاف الموجود الأوّل- جلّت عظمته- فإنّه لمّا كان واجب الوجود لذاته كان لما هو هو موجودا فكان لحوق العدم له محالا فكان وجوده سابقا على العدم المعتبر لغيره من الممكنات، و لأنّ عدم العالم قبل وجوده كان مستندا إلى عدم الداعى إلى إيجاده المستند إلى وجوده فكان وجوده تعالى سابقا على عدم العالم. ثمّ تبيّن.
الرابع عشر. و الابتداء أزله،
و ذلك أنّ الأزل عبارة عن عدم الأوّليّة و الابتداء و ذلك أمر يلحق واجب الوجود لما هو هو بحسب الاعتبار العقلىّ و هو ينافي لحوق الابتداء و الأوّليّة لوجوده تعالى فاستحال أن يكون له مبدء لامتناع اجتماع النقيضين بل سبق في الأزليّة ابتداء ما كان له ابتداء وجود من الممكنات‏ إذ هو مبدأها و مصدرها.
الخامس عشر: بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له
و ذلك أنّه تعالى لمّا خلق المشاعر و أوجدها و هو المراد بتشعيره لها امتنع أن يكون له مشعر و حاسّة و إلّا لكان وجودها له إمّا من غيره و هو محال: أمّا أوّلا فلأنّه مشعّر المشاعر و أمّا ثانيا فلأنّه يكون محتاجا في كماله إلى غيره فهو ناقص بذاته هذا محال، و إمّا منه و هو أيضا محال لأنّها إن كانت من الكمالات الوهميّة كان موجدا لها من حيث هو فاقد كمالا فكان ناقصا بذاته هذا محال، و إن لم يكن كمالا كان إثباتها له نقصا لأنّ الزيادة على الكمال نقصان فكان إيجاده لها مستلزما لنقصانه و هو محال.
السادس عشر: و بمضادّته بين الامور عرف أنّ لا ضدّ له
لأنّه لمّا كان خالق الأضداد فلو كان له ضدّ لكان خالقا لنفسه و لضدّه و ذلك محال، و لأنّك لمّا علمت أنّ المضادّة من باب المضاف و علمت أنّ المضاف ينقسم إلى حقيقىّ و غير حقيقىّ فالحقيقىّ هو الّذي لا تعقل مهيّته إلّا بالقياس إلى غيره، و غير الحقيقىّ هو الّذي له في ذاته مهيّة غير الإضافة تعرض لها الإضافة و كيف ما كان لا بدّ من وجود الغير حتّى يوجد المضاف من حيث هو مضاف فيكون وجود أحد المضافين متعلّقا بوجود الآخر فلو كان لواجب الوجود ضدّ لكان متعلّق الوجود بالغير فلم يكن واجب الوجود لذاته هذا خلف، و لأنّ الضدّين هما الأمران الثبوتيان اللذان يتعاقبان على محلّ واحد، و يمتنع اجتماعهما فيه فلو كان بينه و بين غيره مضادّة لكان محتاجا إلى محلّ يعاقب ضدّه عليه، و قد ثبت أنّه تعالى غنىّ من كلّ شي‏ء.
السابع عشر: و بمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له،
و برهانه أمّا أوّلا فلأنّه تعالى خلق المقترنات و مبدء المقارنة بينها فلو كان تعالى مقارنا لغيره لكان خالقا لنفسه و لقرينه و ذلك محال، و لأنّ المقارنة من باب المضاف و يمتنع أن يلحقه. على ما تقدّم.
الثامن عشر: كونه تعالى مضادّا بين الامور.
المضادّة تأكيد لقوله: ولمضادّته للأشياء. فمنها النور و الظلمة، و في كونهما ضدّين خلاف بين العلماء مبنىّ على كون الظلمة أمرا وجوديّا أو عدميّا و الأقرب أنّها أمر وجوديّ مضادّ للنور، و قال بعضهم: إنّها عبارة عن عدم الضوء عمّا من شأنه أن يضي‏ء و ليست على هذا القول عدما صرفا فجاز أن يطلق عليها أنّها ضدّ مجازا، و منها البياض و السواد و الجمود و البلل: أى اليبوسة و الرطوبة و الحرارة و البرودة. و مضادّته بينها خلقه لها على ما هى عليه من الطبايع المتضادّة.
التاسع عشر: كونه مؤلّفا بين متعادياتها
في أمزجة المركّبات من العناصر الأربعة فإنّه جمع بينها فيها على وجه الامتزاج حتّى حصل بينها كيفيّة متوسّطه على ما مرّ بيانه في الخطبة الاولى.
العشرون:كونه مقارنا بين متبايناتها.
الحادى و العشرون: كونه مقرّبا بين متباعداتها،
و مرّ نظير هاتين الفقرتين في الخطبة الاولى.
الثاني و العشرون: كونه مفرّقا بين متدانياتها
أى بالموت و الفناء لهذه المركّبات في هذا العالم. و أشار إلى استناد فسادها إليه أيضا إذ هو مسبّب الأسباب.
و قد طاوعته عليه السّلام المطابقة في هذه القرائن فالتأليف بإزاء المعاداة، و المقارنة بإزاء المباينة، و القرب بإزاء البعد، و التفريق بإزاء التدانى.
الثالث و العشرون: كونه تعالى لا يشمله حدّ،
و المراد: إمّا الحدّ الاصطلاحى و ظاهر كونه تعالى لا حدّ له، إذ لا أجزاء له فلا تشمل و تحاط حقيقة بحدّ، و إمّا الحدّ اللغوىّ و هى النهاية الّتي تحيط بالجسم مثلا فيقف عندها و ينتهى بها و ذلك من لواحق الكمّ المتّصل و المنفصل و هما من الأعراض و لا شي‏ء من واجب الوجود سبحانه بعرض أو محلّ له فامتنع أن يوصف بالنهاية. و أمّا وصفه باللانهاية فعلى سبيل سلب النهاية عنه مطلقا بسلب معروضها كالمقدار مثلا لا على سبيل العدول بمعنى أنّه معروض النهاية و اللانهاية لكن ليست النهاية حاصلة له.

الرابع و العشرون: كونه لا يحسب بعد
أى لا يلحقه الحساب و العدّ فيدخل في جملة المحسوبات المعدودة، و ذلك أنّ العدّ من لواحق الكمّ المنفصل الّذي هو العدد كما هو معلوم في مظانّه و الكمّ عرض، و قد ثبت أنّه تعالى ليس بعرض و لا محلّ له، و استحال أن يكون معدودا. و قوله: و إنّما تحدّ الأدوات أنفسها. فالأدوات إشارة إلى الآلات البدنيّة و القوى الجسمانيّة، و قد ثبت أنّها لا يتعلّق إدراكها إلّا بما كان جسما أو جسمانيّا على ما علم في موضعه فمعنى قوله: و إنّما تحدّ الأدوات أنفسها. أى إنّما تدرك الأجسام و الجسمانيّات ما هو مثلها من الأجسام و الجسمانيّات، و مثل الشي‏ء هو هو في النوع أو الجنس، و يحتمل أن يدخل في ذلك النوع الفكر لامتناع انفكاكه عن الوهم و الخيال حين توجّهه إلى المعقولات لما بيّناه من حاجته إليهما في التصوير و الشبح فكان لا يتعلّق إلّا بمماثل ممكن، و لا يحيط إلّا بما هو في صورة جسم أو جسمانيّ، و كذلك قوله: و يشير الأشياء إلى نظائرها. و قوله: منعتها منذ القدميّة و حمتها قد الأزليّة و جنّبتها لو لا التكملة. الضمائر المتّصلة بالافعال الثلاثة تعود إلى الآلات و الأدوات و هى مفعولات اولى. و القدميّة و الأزليّة التكملة مفعولات ثانية، و منذ و قد و لولا محلّها الرفع بالفاعليّة، و معنى الكلمة الاولى أنّ إطلاق لفظة- منذ- على الآلات و الأدوات في مثل قولنا: هذه الآلات وجدت منذ كذا يمنع كونها قديمة.
إذ كان وضعها لابتداء الزمان و كانت لإطلاقها عليها متعيّنة الابتداء و لا شي‏ء من القديم بمتعيّن الابتداء فينتج أنّه لا شي‏ء من هذه الأدوات و الآلات بقديم، و كذلك إطلاق لفظة- قد- عليها يحميها و يمنعها من كونها أزليّة إذ كانت- قد- تفيد تقريب الماضى من الحال فإطلاقها عليها كما في قولك: قد وجدت هذه الآلة وقت كذا. يحكم بقربها من الحال و عدم أزليّتها و لا شي‏ء من الأزلىّ بقريب من الحال فلا شي‏ء من هذه الآلات بأزلىّ. و كذلك إطلاق لفظ- لولا- على‏ هذه الآلات تجنّبها التكملة. إذ كان وضع لولا دالّا على امتناع الشي‏ء لوجود غيره فإطلاقها عليها في مثل قولك عند نظرك إلى بعض الآلات المستحسنة و الخلقة العجيبة و الأذهان المتوقّدة: ما أحسنها و أكملها لولا أنّ فيها كذا. فيدلّ بها على امتناع كمالها لوجود نقصان فيها فهى مانعة لها من الكمال المطلق، و إنّما أشار إلى حدوثها و نقصانها ليؤكّد كونها غير متعلّقة بتحديده سبحانه، و أنّها في أبعد بعيد من تقديره و الإشارة إليه. إذ كان القديم الكامل في ذاته التامّ في صفاته أبعد الأشياء عن مناسبته المحدث الناقص في ذاته فكيف يمكن أن يدركه أو يليق أن يطمع في ذلك، و قال بعض الشارحين: المراد بالأدوات و الآلات أهلها. و قد روى برفع القدميّة و الأزليّة و التكملة على الفاعليّة. و الضمائر المتّصلة بالأفعال مفعولات اولى، و منذ و قد و لولا مفعولات ثانية، و يكون المعنى أنّ قدمه تعالى و أزليّته و كماله منعت الأدوات و الآلات من إطلاق منذ و قد و لو لا عليه سبحانه لدلالتها على الحدوث و الابتداء المنافيين لقدمه و أزليّته و كماله. و الرواية الاولى أولى لوجودها في نسخة الرضيّ- رضى اللّه عنه- بخطّه. و قوله: بها تجلّى صانعها للعقول. أى بوجود هذه الآلات ظهور وجوده تعالى للعقول. إذ كان وجودها مستلزما لوجود صانعها بالضرورة، و إحكامها و إتقانها شاهد بعلمه و حكمته شهادة تضطرّ إلى الحكم بها العقول، و كذلك تخصيصها بما تخصّصت به من الكمالات شاهد بإرادته و كمال عنايته فيكون ما شهد به وجودها من وجود صانعها أجلى و أوضح من أن يقع فيه شكّ أو يلحقه شبهة، و يتفاوت ذلك الظهور و التجلّى بحسب تفاوت صقال النفوس و جلائها فمنها من يراه بعد، و منها من يراه مع، و منها من يراه قبل، و منها من يراه لا شي‏ء معه و اولئك عليهم صلوات من ربّهم و رحمة و اولئك هم المهتدون. و قوله: و بها امتنع عن نظر العيون. أى بإيجادها و خلقها بحيث تدرك بحاسّة البصر علم أنّه تعالى يمتنع أن‏ يكون مرئيّا مثلها، و بيانه أنّ تلك الآلات إنّما كانت متعلّقة حسّ البصر باعتبار أنّها ذات وضع و جهة و لون و غيره من شرائط الرؤية، و لمّا كانت هذه الامور ممتنعة في حقّه تعالى لا جرم امتنع أن يكون محلّا لنظر العيون، و قال بعض الشارحين في بيان ذلك: إنّه لمّا كان بالمشاعر و الحواسّ الّتي هى الآلات المشار إليها أكملت عقولنا، و بعقولنا استخرجنا الدليل على أنّه لا يصحّ رؤيته فإذن بخلق هذه الأدوات و الآلات لنا عرفناه عقلا و عرفناه أنّه يستحيل أن يعرف بغير العقل.
الخامس و العشرون: كونه تعالى منزّها أن يجرى عليه السكون و الحركة،
و قد أشار عليه السّلام إلى بيان امتناعهما عليه من أوجه: أحدها: قوله: و كيف يجرى عليه. إلى قوله: أحدثه، و هو استفهام على سبيل الاستنكار لجريان ما أجراه عليه و عود ما أبداه و أنشأه إليه و حدوث ما أحدثه فيه. و بيان بطلان ذلك أنّ الحركة و السكون من آثاره سبحانه في الأجسام و كلّ ما كان من آثاره يستحيل أن يجرى عليه و يكون من صفاته: أمّا المقدّمة الاولى فظاهرة، و أمّا الثانية فلأنّ المؤثّر واجب التقدّم بالوجود على الأثر فذلك الأثر إمّا أن يكون معتبرا في صفات الكمال فيلزم أن يكون تعالى باعتبار ما هو موجد له و مؤثّر فيه ناقصا بذاته مستكملا بذلك الأثر، و النقص عليه تعالى محال، و إن لم يكن معتبرا في صفات كماله فله الكمال المطلق بدون ذلك الأثر فكان إثباته صفة له نقصا في حقّه لأنّ الزيادة على الكمال المطلق نقصان و هو عليه تعالى محال. الثاني: لو كان كذلك للزم التغيّر في ذاته تعالى و لحوق الإمكان له، و دلّ على ذلك بقوله: إذن لتفاوتت ذاته: أى تغيّرت بطريان الحركة عليها تارة و السكون اخرى لأنّ الحركة و السكون من الحوادث المتغيّرة فيكون تعالى بقوله: لتعاقبهما محلّا للحوادث في التغيّرات فكان متغيّرا لكن التغيّر مستلزم للإمكان فالواجب لذاته ممكن لذاته هذا خلف. الثالث: لو كان كذلك للزم حقيقته التجزية و التركيب لكنّ التالى باطل‏ و المقدّم كذلك. أمّا الملازمة فلأنّ الحركة و السكون من عوارض الجسم الخاصّة به فلو يوصف تعالى بها لكان جسما و كلّ جسم فهو مركّب قابل للتجزئة، و أمّا بطلان التالى فلأنّ كلّ مركّب مفتقر إلى أجزائه و ممكن فالواجب ممكن.
هذا خلف. الرابع: أنّه لو كان كذلك للزم أن يبطل من الأزل معناه: أمّا على طريق المتكلّمين فظاهر لأنّ الحركة و السكون من خواصّ الأجسام الحادثة فكان الموصوف بهما حادثا فلو كان تعالى موصوفا بهما لبطل من الأزل معناه و لم يكن أزليّا.
و أمّا على رأى الحكماء فلأنّه تعالى لكونه واجب الوجود لذاته يستحقّ الأزليّة، و لكون الممكن ممكنا لذاته فهو إنّما يستحقّ الأزليّة لالذاته بل لأزليّة علّته و تمامها أزلا حتّى لو توقّفت علّته على أمر ما في مؤثريّتها لزم حدوث الممكن و لم يكن له من ذاته إلّا كونه لا يستحقّ لذاته وجودا و لا عدما و هو معنى الحدوث الذاتىّ عندهم. فعلى هذا لو كان تعالى قابلا للحركة و السكون لكان جسما ممكنا لذاته فكان مستحقّا للحدوث الذاتىّ بذاته فلم يكن مستحقّا للأزليّة بذاته فيبطل من الأزليّة معناه و هو استحقاقه الأزليّة بذاته لكن التالى باطل لما مرّ. الخامس: أنّه لو كان كذلك للزم أن يكون له وراء إذ وجد له أمام، و وجه الملازمة أنّه لو جرت عليه الحركة لكان له أمام يتحرّك إليه و حينئذ يلزم أن يكون له وراء إذ له أمام لأنّهما إضافيّتان لا تنفكّ إحداهما عن الاخرى لكن ذلك محال لأنّ كلّ ذى وجهين فهو منقسم و كلّ منقسم فهو ممكن على ما مرّ. السادس: لو كان كذلك لالتمس التمام إذ لزمه النقصان، و بيان الملازمة أنّ جريان الحركة عليه مستلزم لتوجّهه بها إلى غاية إمّا جلب منفعة أو دفع مضرّة. إذ من لوازم حركات العقلاء ذلك، و على التقديرين فهما كمال مطلوب له لنقصان لازم لذاته لكنّ النقصان بالذات و الاستكمال بالغير مستلزم الإمكان‏ فالواجب ممكن. هذا خلف. السابع: لو كان كذلك لقامت آية المصنوع فيه، و بيان الملازمة أنّه حينئذ يكون قادرا على الحركة و السكون فقدرته عليهما ليست من خلقه و إلّا لافتقر إيجاده لها إلى قدرة اخرى سابقة عليها و لزم التسلسل و كان قادرا قبل أن كان قادرا و هما محالان فهى إذن من غيره فهو إذن مفتقر في كماله إلى غيره فهو مصنوع و فيه آيات الصنع و علامات التأثير فليس هو بواجب الوجود. هذا خلف. الثامن: لو كان كذلك لتحوّل دليلا بعد أن كان مدلولا عليه، و ذلك أن يكون مصنوعا على ما مرّ و كلّ مصنوع فيستدلّ به على صانعه كما هو المشهور في الاستدلال بوجود العالم و حدوثه على وجود صانعه، و لأنّه يكون جسما فيكون مصنوعا فكان دليلا على الصانع لكنّه هو الصانع الأوّل للكلّ و هو المدلول عليه فاستحال أن يكون دليلا من جهة آثار الصنع فيه فاستحال أن يكون قابلا للحركة و السكون فاستحال أن يجريا عليه. فانظر إلى هذه النفس الملكيّة له عليه السّلام كيف يفيض عنها هذه الأسرار الإلهيّة فيضا من غير تقدّم مزاولة الصنائع العقليّة و ممارسة البحث في هذه الدقائق الإلهيّة. و أمّا قوله: و خرج بسلطان الامتناع.
إلى قوله: غيره. فقد يسبق إلى الوهم عطفه على الأدلّة المذكورة، و ظاهر أنّه ليس كذلك، بل هو عطف على قوله: امتنع. أى بها امتنع عن نظر العيون و خرج ذلك الامتناع: أى امتناع أن يكون مثلها في كونها مرئيّة للعيون و محلّا للنظر إليها عن أن يؤثّر فيه ما يؤثّر في غيره من المرئيّات، و هى الأجسام و الجسمانيّات، و ظاهر أنّه تعالى لمّا امتنع عن نظر العيون إذ لم يكن جسما و لا قائما به فخرج بسلطان استحقاق ذلك الامتناع عن أن يؤثّر فيه ما يؤثّر في غيره من الأجسام و الجسمانيّات و عن قبول ذلك. و قال بعض الشارحين: إنّه عطف على قوله: تجلّى: أى بها تجلّى للعقول و خرج بسلطان الامتناع كونه مثلا لها: أى يكون واجب الوجود ممتنع العدم عن أن يكون ممكنا فيقبل أثر غيره كما يقبل الممكنات.
السادس و العشرون: كونه تعالى لا يحول
أى لا ينتقل و يتغيّر من حال‏ إلى حال لما علمت من استلزام التغيّر للإمكان الممتنع عليه.
السابع و العشرون : و كذلك لا يزول.
الثامن و العشرون: و كذلك لا يجوز عليه الافول
و الغيبة بعد الظهور لما يستلزم من التغيّر أيضا.
التاسع و العشرون: كونه لم يلد فيكون مولودا و لم يولد فيكون محدودا.
فالجملة الاولى تشتمل على دعوى و الإشارة إلى البرهان، و هو في صورة قياس استثنائىّ تقديره: لو كان له ولد لكان مولودا و حينئذ يكون الجملة الثانية و هى قوله: و لم يولد. في قوّة استثناء نقيض التالى، و قوله: فيكون محدودا في قوّة قياس استثنائىّ يدلّ على بطلان التالى، و تقديره: لأنّه لو كان مولودا لكان محدودا. و اعلم أنّه يحتمل أن يريد بقوله: مولودا. ما هو المتعارف فيكون قد سلك في ذلك مسلك المعتاد الظاهر في بادى النظر بحسب الاستقراء أنّ كلّ ماله ولد فإنّه يكون مولودا و إن لم يجب ذلك في العقل، و قد علمت أنّ الاستقراء ممّا يستعمل في الخطابة و يحتجّ به فيكون مقنعا. إذ كانت غايتها الاقناع، و يحتمل أن يريد به ما هو أعمّ من المفهوم المتعارف أعنى التولّد عن آخر مثله من نوعه فإنّ ذلك غير واجب كما في اصول أنواع الحيوان الحادثة، و حينئذ يكون بيان الملازمة الاولى على الاحتمال الأوّل ظاهر، و أمّا على تقدير الثاني فنقول في بيانها: إنّ مفهوم الولد هو الّذي يتولّد و ينفصل عن آخر مثله من نوعه لكن أشخاص النوع الواحد لا يتعيّن في الوجود مشخّصا إلّا بواسطة المادّة و علاقتها على ما علم ذلك في مظانّه من الحكمة، و كلّ ما كان ماديّا و له علاقة بالمادّة كان متولّدا عن غيره و هو مادّته و صورته و أسباب وجوده و تركيبه، و أمّا بيان الملازمة الثانية في برهان بطلان التالى فلأنّه لمّا لزم من كونه ذا ولد أن يكون مشاركا في النوع لغيره ثبت أنّه متولّد من مادّة و صورة و مركّب عنهما و عن جزئين بأحدهما يشارك نوعه و بالآخر ينفصل. فهو إذن منته إلى حدود و هي أجزاؤه الّتي يقف عندها و ينتهى في التحليل إليها. فثبت أنّه تعالى لو كان مولودا لكان محدودا لأنّه لو كان مولودا لكان محاطا و محدودا بالمحلّ المتولّد منه لكن كلّ محدود على الاعتبارين مركّب و كلّ مركّب ممكن. هذا خلف. فإذن ليس هو بمحدود فليس هو بمولود فليس هو بذى ولد، و إن شئت أن تجعل المقدّمتين في قوّة قياس حملىّ مركّب من شرطيّتين متّصلتين و الشركة بينهما في جزء تامّ، و تقديره: لو كان تعالى ذا ولد لكان مولودا و لو كان مولودا لكان محدودا، و النتيجة لو كان ذا ولد لكان محدودا. ثمّ يستنتج من استثناء نقيض تالى هذه النتيجة عن المطلوب.
و بيان الملازمتين و نقيض تالى النتيجة ما سبق.
الثلاثون: كونه جلّ عن اتّخاذ الأبناء
أى علا و تقدّس عن ذلك، و هو تأكيد لما سبق. و بيانه أنّه يستلزم لحوق مرتبته بمراتب الأجسام الّتي هى في معرض الزوال و قبول التغيّر و الاضمحلال.
الحادى و الثلاثون: كونه طهر عن ملامسة النساء
و ذلك لما يستلزمه الملامسة من الجسميّة و التركيب الّذي تنزّه قدسه عنه، و طهارته تعود إلى تقدّسه عن الموادّ و علائقها من الملامسة و المماسّة و غيرها.
الثاني و الثلاثون: كونه لا تناله الأوهام فيقدّره
أى لو نالته الأوهام لقدّرته لكنّ التالى باطل فالمقدّم كذلك. بيان الملازمة: أنّك علمت أنّ الوهم إنّما يدرك المعاني المتعلّقة بالمادّة و لا ترتفع إدراكه عن المعاني المتعلّقة بالمحسوسات، و شأنه فيما يدركه أن يستعمل المتخيّلة في تقديره بمقدار مخصوص و كميّة معيّنة و هيئة معيّنة و يحكم بأنّها مبلغه و نهايته. فلو أدركته الأوهام لقدّرته بمقدار معيّن و في محلّ معيّن. فأمّا بطلان التالى فلأنّ المقدار محدود و مركّب و محتاج إلى المادّة و التعلّق بالغير، و قد سبق بيان امتناعه.
الثالث و الثلاثون: و لا يتوهّمه الفطن فتصوّره.
و فطن العقول: سرعة حركتها في تحصيل الوسط في المطالب، و إنّما قال: لا يتوهّمه الفطن لأنّ القوّة العقليّة عند توجّهها في تحصيل المطالب العقليّة المجرّدة لا بدّ لها من استتباع الوهم و المتخيّلة و الاستعانة بها في استثباتها بالشبح و التصوير بصورة يحطّها إلى‏ الخيال على ما علم ذلك في موضعه. و لذلك ما كانت رؤيتها لجبرئيل في صورة دحية الكلبىّ. و كذلك المعاني المدركة للنفوس في النوم من الحوادث فإنّها لا يتمكّن من استثباتها عند اقتناصها من عالم التجريد و بقائها إلى حال اليقظة في صورة خياليّة مشاهدة كما علمت ذلك في صدر الكتاب. فظهر إذن معنى قوله: لا يتوهّمه الفطن فتصوّره: أى لو أدركته لكان ذلك بمشاركة الوهم فكان يلزم أن يصوّره بصورة خياليّة لكنّه تعالى منزّه عن الصورة فكان منزّها عن إدراكها.
الرابع و الثلاثون: لا تدركه الحواسّ فتحسّه.
و أراد لو أدركته الحواسّ لصدق عليه أنّها تحسّه و لزم كونه محسوسا، و بيان ذلك أنّ الإدراك و إن كان أعمّ من الإحساس لكن بإضافته إلى الحواسّ صار مساويا و ملازما له.
فإن قلت: إنّه لا معنى للإحساس إلّا إدراك الحواسّ فيكون كأنّه قال: لا تحسّه الحواسّ فتحسّه. و ذلك تكرار غير مفيد.
قلت: ليس مقصوده أنّه يلزم من معنى الإدراك معنى الإحساس بل مراده أنّ الّذي يصدق عليه أنّه إدراك الحواسّ هو المسمّى بالإحساس فيكون التقدير أنّ الحواس لو أدركته لصدق أنّها أحسّته أى لصدق هذا الاسم و لزم من صدقه عليها أن يصدق عليه كونه محسوسا، و إنّما ألزم ذلك كون الإحساس أشهر و أبين في الاستحالة عليه تعالى من الادراك فجعله كالأوسط في نفى إدراكها عنه لشنعته، و أمّا بيان أنّه تعالى ليس بمحسوس فلأنّه تعالى ليس بجسم و لا جسمانىّ و كلّ محسوس فإمّا جسم أو جسمانىّ فينتج أنّه تعالى ليس بمحسوس.
الخامس و الثلاثون: كونه تعالى لا تلمسه الأيدى فتمسّه
أى لو صدق عليها أنّها تلمسه لصدق أنّها تمسّه و هو ظاهر. إذ كان المسّ أعم من اللمس، و كلاهما ممتنعان عليه لاستلرامهما الجسميّة الممتنعة عليه تعالى.
السادس و الثلاثون: كونه لا يتغيّر بحال
أى أبدا و البتّة و على وجه من الوجوه.
السابع و الثلاثون و لا يتبدّل في الأحوال
أى لا ينتقل من حال إلى حال.و قد سبق بيان ذلك.
الثامن و الثلاثون: كونه لا تبليه الليالى و الأيّام
أمّا أوّلا فلأنّه تعالى ليس بزمانىّ يدخل تحت تصريف الزمان حتّى تبليه، و أمّا ثانيا فلأنّ لحوق الإبلاء له تغيّر في ذاته. و قد علمت امتناع التغيّر عليه، و أمّا ثالثا فلأنّ البالى من الامور الماديّة. و كلّ ذى مادّة فهو مركّب على ما مرّ.
التاسع و الثلاثون: كونه لا يغيّره الضياء و الظلام،
و ذلك لامتناع التغيّر عليه.
الأربعون: كونه لا يوصف بشي‏ء من الأجزاء
لأنّ كلّ ذى جزء مفتقر إلى جزء الّذي هو غيره فكان مفتقرا إلى غيره فكان ممكنا في ذاته. هذا خلف.
الحادى و الأربعون: و لا بالجوارح و الأعضاء
لما يلزم من الجسميّة و التركيب و التجزية.
الثاني و الأربعون: و لا بعرض من الأعراض
أقول: الأعراض تنحصر في تسعة أجناس كما هو معلوم في مظانّه، و ذلك أنّ كلّ الموجودات سوى اللّه تعالى مقسوم بعشرة أقسام واحد منها جوهر و التسعة الباقية أعراض، و يظهر بتقسيم هكذا: كلّ ما عداه سبحانه فوجوده زايد على مهيّته بالبراهين القاطعة فمهيّته إمّا أن تكون بحيث إذا وجدت كان وجودها لا في موضوع. و هذا المعنىّ بالجوهر، أو يكون وجودها في موضوع و هو المعنىّ بالعرض. و نعني بالموضوع المحلّ الّذي لا يتقوّم بما يحلّ فيه بل يبقى حقيقته كما كانت قبل حلوله كالجسم الّذي يحلّه السواد. ثمّ العرض ينقسم إلى أقسامه التسعة و هى الكم و الكيف و المضاف و أين و متى و الوضع و الملك و أن يفعل و أن ينفعل. و تسمّى هذه الأقسام مع القسم العاشر و هو الجوهر المقولات العشر و الأجناس العالية، و لنرسم كلّ واحد منها ليظهر أنّه تعالى منزّه عن الوصف بشي‏ء منها. فنقول، أمّا الجوهر فقد عرفت رسمه، و أمّا الكمّ فرسم بأنّه العرض الّذي يقبل لذاته المساواة و اللامساواة و التجزّى. و يقبل الجوهر بسببه هذه الصفات، و أمّا الكيف فقد عرفته و عرفت‏ أقسامه، و أمّا الإضافة فهى حالة للجوهر تعرض بسبب كون غيره في مقابلته و لا يعقل وجودها إلّا بالقياس إلى ذلك الغير كالابّوة و البنوّة و قد عرفتها و عرفت أيضا أقسامها من قبل، و امّا الأين فهي حالة و هيئة تعرض للجسم بسبب نسبته إلى المكان و كونه فيه و ليس مجرّد النسبة إليه، و أمّا متى فهى حالة تعرض للشي‏ء بسبب نسبته إلى زمانه و كونه فيه أو في طرفه و هو الآن، و أمّا الوضع فهو هيئة يعرض للجسم بسبب نسبة أجزائه بعضها إلى بعض نسبة يختلف الأجزاء لأجلها بالقياس إلى سائر الجهات كالقيام و القعود، و أمّا الملك فقد عرفت بأنّه نسبة إلى ملاصق ينقل بانتقال ما هو منسوب إليه كالتسلّخ و التقمّص، و أمّا أن يفعل فهو كون الشي‏ء بحيث يؤثّر في غيره ما دام مؤثّرا فيه كالتقطيع حالة التأثير، و أمّا أن ينفعل و هو كون الشي‏ء متأثّرا عن غيره ما دام متأثّرا كالقطيع.
إذا عرفت ذلك فنقول: أمّا البرهان الجملىّ على امتناع اتّصافه تعالى بهذه الأعراض و استحالة كونه موضوعا لها فما سبق بيانه عليه السّلام بقوله: فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه و من قرنه فقد ثنّاه، و كذلك ما بيّناه من استلزام وصفه بشي‏ء حصول التغيّر في ذاته و امتناع التغيّر عليه، و أمّا التفصيلىّ فأمّا امتناع وصفه بالكمّ فلأنّه لو صدق عليه الكمّ لصدق عليه قبول المساواة و المقارنة و التجزّى و كلّما قبل التجزية كان متكثّرا و قابلا للكثرة و قد ثبت أنّه تعالى واحد من كلّ وجه فيمتنع عليه الكمّ، و أمّا امتناع وصفه بالكيف فقد علمته في أوّل الخطبة، و كذلك امتناع وصفه بالمضاف، و أمّا وصفه بالأين فلأنّه يستلزم أن يكون متحيّزا محويّا لكن كونه كذلك محال فكونه في المكان محال، و أمّا وصفه بمتى فقد عرفته أنّه تعالى ليس بزمانىّ فاستحال أن يوصف بالنسبة إلى زمان يكون له، و أمّا وصفه بالوضع فلأنّ الوضع من خواصّ المحيّزات فإنّ الجسم المتناهي يحيط به سطح لا محالة أو سطوح ينتهى عندها فيكتنف حدّا و حدودا و نهايات و يكون له شكل و هيئة لكنّه تعالى ليس بمتحيّز فاستحال أن يكون ذا وضع، و أمّا الملك فلأنّه أيضا من خواصّ الأجسام المحاط بها إذ ما ليس بجسم و لا يحاط به بشي‏ء ينتقل بانتقاله و قد تنزّه تعالى عن الجسميّة و أن يحيط به شي‏ء، و أمّا أن يفعل فلأنّ الفعل لا يصدق عليه إلّا بطريق الإبداع و محض الاختراع و الإبداع هو أن يكون للشي‏ء وجود من غيره متعلّق به فقط دون توسّط مادّة أو آلة أو زمان و الفعل أعمّ من الإبداع إذ المفهوم من الفعل هو أن يوجد بسبب وجوده شي‏ء آخر سواء كان ذلك لسبب حركة من الفاعل أو آلة أو مادّة أو زمان أو قصد اختيارىّ فيقال للنجّار: إنّه فاعل و للسرير إنّه فعل، و يقال: لا بتوسط شي‏ء من ذلك بل بطبع و تولّد كالشمس فإنّها فاعلة للنور و النور فعلها فالفعل إذن ينقسم إلى ما يكون بقصد و اختيار و إلى ما لا يكون كذلك بل يصدر عنه لأنّه ذات تفيض عنها ذلك الشي‏ء. ثمّ إن كان عالما بفيضان الشي‏ء عنه سميّت تلك الإفاضة جودا و الفاعل بذلك الاعتبار جوادا و إن لم يكن عالما به تسمّى تلك الإفاضة طبعا و تولّدا كفيضان النور عن الشمس فالفاعل إمّا أن يفعل بالقصد و الغرض أو بالجود المحض أو بالطبع المحض، و البارى تعالى لا يجوز أن يفعل لغرض لأنّ الغرض و القصد إن كان أولى به لذاته كانت ذاته مستكملة بتلك الأوليّة ناقصة بعدمها هذا محال، و إن لم تكن أولى به كان ترجيحا من غير مرجّح. ثمّ لا يجوز أن يكون أولى بالنظر إلى العبد لأنّ تلك الأوليّة و عدمها إن كانا بالنسبة إليه على سواء فلا ترجيح أولا على سواء فيعود حديث النقصان و الكمال فكان تعالى منزّها عن الفعل بهذا الوجه بل إنّما يصدر منه على وجه الإبداع بجوده المحض. و في هذه المسألة بحث طويل ليس هذا موضعه، و أمّا وصفه بأن ينفعل فلأنّ الانفعال يستلزم التغيّر في ذاته المستلزم للإمكان و قد تنزّه قدسه عنه.
الثالث و الأربعون: و لا بالغيريّة و الأبعاض
أى ليس له أبعاض يغاير بعضها بعضا لأنّ ذلك مستلزم للتجزئة و التركيب الممتنعين عليه و امتناع اللازم يستلزم امتناع الملزوم.
الرابع و الأربعون: و لا يقال له حدّ و لا نهاية
لأنّ الحدود و النهايات من عوارض الأجسام ذوات الأوضاع و لواحقها. على ما سبق.

الخامس و الأربعون: و كذلك و لا انقطاع و لا غاية
أى لا انقطاع لوجوده و لا غاية له، و ذلك لأنّ الانقطاع عند الغايات من لواحق الامور الزمانيّة المحدثة الكاينة الفاسدة، و قد بيّنا امتناع كونه تعالى زمانيّا و كونه ماديّا، و لأنّه تعالى واجب الوجود فيستحيل أن يلحقه العدم أو يتناهى وجوده و ينقطع عند غاية.
السادس و الأربعون. و لا أنّ الأشياء تحويه فتقلّه أو تهويه
روي ما بعد الفاء منصوبا و عليه نسخه الرضى- رحمه اللّه- و ذلك بإضمار أن عقيبها في جواب النفى، و روي مرفوعا على العطف. و المعنى أنّه ليس بذى مكان يحويه فيرتفع بارتفاعه و ينخفض بانخفاضه لما أنّ ذلك من لواحق الجسميّة، و كذلك أو أنّ شيئا يحمله فيميله أو يعدله.
السابع و الأربعون: ليس في الأشياء بوالج و لا عنها بخارج
لأنّ الدخول و الخروج من لواحق الأجسام أيضا فما ليس بجسم و لا جسمانىّ فهما مسلوبان عنه سلبا مطلقا لا السلب المقابل للملكة.
الثامن و الأربعون: كونه يخبر بلا لسان و لهوات
لأنّ اللسان و اللهوات من لواحق الأجسام الحيوانيّة المنزّه قدسه عنها، و السلب هاهنا كالّذي قبله. و الأخبار هو النوع الأكثر من الكلام و لذلك خصّه هنا بالذكر، و زعمت الأشعريّة أنّ الخبر هو أصل الكلام كلّه و إليه يرجع أنواعه كالأمر و النهى و الاستفهام و التمنّى و الترجىّ و غيرها. ثمّ اختلف المتكلّمون في حقيقة الكلام فاتّفقت المعتزلة على أنّه المركّب من الحرف و الصوت، و جمهور الأشعريّة على أنّ وراء الكلام اللسانىّ معنى قائم بالنفس يعبّر عنه بالكلام النفسانىّ و لفظ الكلام حقيقة فيه و في اللسانىّ مجاز، و منهم من جعله حقيقة في اللسانىّ مجاز في النفسانىّ، و منهم من جعله مشتركا فيهما فكون اللّه تعالى متكلّما يعود إلى خلقه الكلام في جسم الشي‏ء عند المعتزلة، و عند الأشعريّة أنّه معنى قائم بذاته و

هذه الأصوات و الحروف المسموعة دلالات عليه. و سيفسّر عليه السّلام معنى‏

شرح‏نهج‏البلاغة(ابن‏ميثم)، ج 4 ، صفحه‏ى 170
كلامه تعالى.
التاسع و الأربعون: يسمع بلا خروق و أدوات
أى ليس سمعه بأداة هى الاذن و الصماخات كما يسمع الإنسان لتنزّهه تعالى عن الآلات الجسمانيّة، و قد كان هذا البرهان كافيا في منع إطلاق السميع عليه تعالى لكن لمّا ورد الإذن الشرعىّ بإطلاقه عليه و لم يمكن حمله على ظاهره و حقيقته وجب صرفه إلى مجازه و هو العلم بالمسموعات إطلاقا لاسم السبب على المسبّب. إذ كان السمع من أسباب العلم فإذن كونه تعالى سميعا يعود إلى علمه بالمسموعات.
الخمسون: يقول و لا يلفظ
و إطلاق لفظ القول عليه كإطلاق الكلام.
و أمّا التلفّظ فلمّا كان عبارة عن إخراج الحرف من آلة النطق و هى اللسان و الشفه لا جرم لم يصدق في حقّه لعدم الآلة هنالك و كان الشارع لم يأذن في إطلاقه عليه تعالى لما أنّ دلالته على الآلة المذكورة أقوى من الكلام و القول.
الحادى و الخمسون: كونه يحفظ و لا يتحفّظ.
و حفظه يعود إلى علمه بالأشياء، و لمّا كان المعروف من العادة أنّ الحفظ يكون بسبب التحفّظ و كان ذلك في حقّه تعالى محالا لاستلزامه الآلات الجسمانيّة لا جرم احترز عنه. و قال بعض الشارحين: إنّما يريد بالحفظ أنّه يحفظ عباده و يحرسهم و لا يتحفّظ منهم: أى لا يحتاج إلى حراسة نفسه منهم. و هذا بعيد الإرادة هنا.
الثاني و الخمسون: يريد و لا يضمر
فإرادته تعالى تعود إلى اعتبار كونه تعالى عالما بما في الفعل من الحكمة و المصلحة الّذي هو مبدء فعله، و لا فرق في حقّه تعالى بين الإرادة و الداعى، و لمّا كان المتعارف من الإرادة أنّها ميل القلب نحو ما يتصوّر كونه نافعا و لذيذا و ذلك الميل من المضمرات المستكنّة في القلب لا جرم كان إطلاق الإرادة في حقّه يستلزم تصوّر الإضمار و لمّا تنزّه سبحانه عن الإضمار لا جرم احترز عنه في إطلاق المريد عليه تعالى فكان ذلك الاحتراز كالقرينة الصارفة للّفظ عن حقيقته إلى مجازه و هو الاعتبار المذكور.
الثالث و الخمسون: كونه يحبّ و يرضى من غير رقّة
فالمحبّة منه تعالى‏

شرح‏نهج‏البلاغة(ابن‏ميثم)، ج 4 ، صفحه‏ى 171
إرادة هى مبدء فعل ما فمحبّته للعبد إرادته لثوابه و تكميله و ما هو خير له، و أمّا من العبد فهى إرادة تقوى و تضعف بحسب تصوّر المنفعة و اللذّة و اعتقاد كمالها و نقصانها، و محبّته للّه هى إرادة طاعته، و أمّا الرضا فقريب من المحبّة و يشبه أن يكون أعمّ منها لأنّ كلّ محبّ راض عمّا أحبّه و لا ينعكس. فرضاه تعالى عن العبد يعود إلى علمه تعالى بموافقته لأمره و طاعته له، و المفهوم منه في حقّ العبد هو سكون نفسه بالنسبة إلى موافقة و ملايمة عند تصوّر كونه موافقا و ملايما، و لمّا كان الرضا و المحبّة من الإنسان لغيره يستلزم الرقّة القلبيّة له و الانفعال النفسانىّ عن تصوّر المعنى الّذي لأجله حصلت المحبّة و الميل إليه و الداعى إلى الرضا عنه و كان البارى سبحانه منزّها عن الرقّة و الانفعال لتنزّهه عن قوابلها لا جرم احترز بقوله: من غير رقّة.
الرابع و الخمسون: و يبغض و يغضب من غير مشقّة
فالبغض منه تعالى للعبد يضادّ محبّته له و يعود إلى كراهته لثوابه، و كراهته يعود إلى علمه بعدم استحقاقه للثواب و أنّه لا مصلحة في ثوابه و يلزمها إرادة إهانته و تعذيبه، و البغض من العبد هو كراهته للغير و ميل نفسه عنه لتصوّر كونه مضرّا و مولما و يلزم ذلك النفرة الطبعيّة منه و ثوران القوّة الغضبيّة عليه و إرادة إهانته. و أمّا الغضب فيعود من اللّه تعالى إلى علمه بمخالفة أوامره و عدم طاعته له، و المفهوم منه في حقّ العبد ثوران النفس و حركة قوّتها الغضبيّة عن تصوّر المؤذى و الضارّ لإرادة مقاومته و رفعه. و لمّا كان البغض و الغضب يستلزمان ثوران دم القلب و كان ذى النفس يستلزم مشقّة و كلفة لا جرم احترز عنها في إطلاق لفظ البغض و الغضب عليه فقال: من غير مشقّة. و اعلم أنّ إطلاق لفظ المحبّة و الرضا على ما ذكرناه من الاعتبارات في حقّه مجاز. إذ كانت حقيقة الرضا هى سكون النفس الإنسانيّة و المحبّة ميلها إلى النافع فإطلاقهما على العلم إطلاق لاسم اللازم على الملزوم، و كذلك إطلاق لفظى البغض و الغضب في حقّه تعالى على علمه المخصوص.
الخامس و الخمسون: يقول لما أراد كونه كن فيكون
فإرادته لكونه هو

شرح‏نهج‏البلاغة(ابن‏ميثم)، ج 4 ، صفحه‏ى 172
عمله بما في وجوده من الحكمة، و قوله: كن. إشارة إلى حكم قدرته الأزليّة عليه بالايجاد و وجوب الصدور عن تمام مؤثريّته، و قوله: فيكون. إشارة إلى وجوده. و دلّ على اللزوم و عدم التأخّر و التراخى بالفاء المقتضية للتعقيب بلا مهلة.
السادس و الخمسون: لا بصوت يقرع
أى ليس بذى حاسّة للسمع فيقرعها الصوت، و ذلك أنّ الصوت كيفيّة يحدث في الهواء عن قلع أو قرع وقوعه لما يصل إليه من الصماخ أو جسم آخر هو وقع عليه بشدّة و عنف، و ذلك حال تعرض الأجسام فلو كان له تعالى آلة سمع لكان جسما لكن التالى باطل فالمقدّم كذلك.
السابع و الخمسون: و لا بنداء يسمع
أى لمّا بيّن في القرينة الاولى أنّه لا سمع له يقرع بصوت بيّن في الثانية أنّه لا يخرج منه الصوت لأنّ النداء صوت مخصوص و الصوت مستلزم المصوّت و هو جسم لما مرّ من استلزام الصوت القرع أو القلع المستلزمين الجسميّة. و قوله: و إنّما كلامه تعالى. إلى قوله: كاينا. فاعلم أنّ هذا الكلام ممّا استفادت المعتزلة منه كون كلامه تعالى محدثا، و فيه تصريح بغير ما ذهبوا إليه. فمعنى قوله: فعل منه أنشأه: أى أوجده في لسان النبىّ. فأمّا قوله: و مثله. فأراد صوّره في لسان النبىّ و سوّى مثاله في ذهنه. و قال بعض الشارحين: مثله لجبرئيل في اللوح المحفوظ حتّى بلّغه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ساير الرسل عليهم السّلام و دلّ بقوله: لم يكن من قبل ذلك كائنا. على أنّه محدث مسبوق الوجود بالعدم، و أشار بقوله: و لو كان. إلى قوله: ثانيا، إلى برهان حدوثه و هو قياس استثنائىّ و تقريره: لو كان كلامه تعالى قديما لكان كلامه إلها ثانيا لكن التالى باطل فالمقدّم كذلك. فأمّا بيان الملازمة فلأنّه لو كان قديما لكان إمّا واجب الوجود و إمّا ممكن الوجود. و التالى باطل لأنّه لو كان ممكنا مع أنّه موجود في الأزل لكان وجوده مفتقرا إلى مؤثّر فذلك المؤثّر إن كان غير ذاته فهو محال لوجهين:

شرح‏نهج‏البلاغة(ابن‏ميثم)، ج 4 ، صفحه‏ى 173
أحدهما: أنّه يلزم افتقاره تعالى في تحصيل صفته إلى غيره فهو محال. الثاني: انّه يلزم أن يكون في الأزل مع اللّه غيره يكون مستندا إليه في حصول تلك الصفة فيكون إلها ثانيا بل هو أولى بالإلهيّة هذا محال. و إن كان المؤثّر في كلامه ذاته فهو محال أيضا لأنّ المؤثّر واجب التقدّم بالوجود على الأثر فالكلام إمّا أن يكون من صفات كماله أولا يكون فإن كان الأوّل فتأثيره فيه إن كان- و كلّ كمال له حاصلا له بالفعل- فقد كان وصف الكلام حاصلا له قبل أن كان حاصلا هذا خلف. و إن كان تأثيره في حال ما هو خال عن صفة الكلام فقد كان خاليا عن صفة كماله فكان ناقصا بذاته و هذا محال، و أمّا إن لم يكن الكلام من صفات كماله كان إثباته له في الأزل إثباتا لصفة زائدة على الكمال و الزيادة على الكمال نقصان. فتعيّن أنّه لو كان قديما لكان واجب الوجود لذاته فكان إلها ثانيا، و أمّا بطلان التالى فلمّا بيّنا من كونه تعالى واحدا. فثبت بهذا الدليل الواضح أنّه لا يجوز أن يكون كلامه قديما.
الثامن و الخمسون: لا يقال. إلى قوله: لم يكن.
إشارة إلى أنّه ليس بمحدث لأنّ كون الشي‏ء بعد أن لم يكن هو معنى حدوثه. و قوله: فتجرى عليه الصفات المحدثات. فالفاء في جواب النفى لتقدير الشرط: أى لو صدق عليه أنّه محدث للحقته الصفات المحدثة و إلّا لكانت صفاته قديمة فكان الموصوف بها قديما. هذا خلف. و التقدير لكن لحوق الصفات المحدثه له باطل فكونه محدثا باطل، و أشار إلى بطلان التالى بقوله: و لا يكون بينها و بينه فصل. إلى قوله: و البديع. و التقدير أنّه لو لحقته الصفات المحدثات و جرت عليه على تقدير كونه محدثا لكانت ذاته مساوية لها في الحدوث المستلزم للإمكان المستلزم للحاجة إلى الصانع فلم يكن بينها و بينه فصل في ذلك، و لاله عليها فضل لاشتراكه معها في الحاجة. و قوله: فيستوى. إلى قوله: المبتدع. إشارة إلى ما يلزم تلك المساواة من المحال. إذ كان استواء الصانع و مصنوعه‏

شرح‏نهج‏البلاغة(ابن‏ميثم)، ج 4 ، صفحه‏ى 174
ظاهر الفساد. و أصل البديع من الفعل ما لم يسبق فاعله إلى مثله، و سمّى الفعل الحسن بديعا لمشابهته ما لم يسبق إليه في كونه محلّ التعجب منه، و المبدع هو فاعل البديع، و المصدر الإبداع. و قد عرفت معناه فيما قبل. و في نسخه الرضى المبدع بفتح الدال، و هو البديع بالمعنى الّذي ذكرناه، و يكون مراده بالبديع الصانع و هو فعيل بمعنى فاعل كقوله تعالى بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ«» و إذا ثبت أنّه لا يجرى عليه الامور المحدثة و لواحق الحدوث من سبق العدم و التغيّر و الإمكان و الحاجة إلى المؤثّر و غير ذلك و إلّا يلزم المحال المذكور أوّلا. و النسخة الاولى بخط الرضىّ- رضى اللّه عنه- .
التاسع و الخمسون: كونه تعالى خلق الخلق. إلى قوله: غيره،
و قد سبق بيانه في الخطبة الاولى، و هو تنزيه له عن صفات الصانعين من البشر فإنّ صنايعهم تحذو حذو أمثلة سبقت من غيرهم أو حصلت في أذهانهم.
الستّون: كونه لم يستعن على خلق ما خلق بأحد من خلقه
و إلّا لكان ناقصا بذاته مفتقرا إلى ما كان هو مفتقرا إليه و هو محال.
الحادى و الستّون: كونه أنشأ الأرض فأمسكها
أى أوجدها فقامت في حيّزها بمساك قدرته، و لمّا كان شأن من تمسك شيئا و يحفظه من ساير الفاعلين لا يخلو عن كلفة و مشقّة في حفظه و اشتغال بحفظه عن غيره من الأفعال نزّه حفظه تعالى لها عمّا يلزم حفظ غيره لما يحفظه من تلك الكلفة و الاشتغال بحفظها.
الثاني و الستّون: كونه أرساها
أى أثبتها في حيّزها على غير قرار اعتمدت عليه فأمسكها، و كذلك رفعه لها بغير دعائم، بل بحسب قدرته التامّة.
الثالث و الستّون: كونه حصّنها من الأود و الاعوجاج
أى من الميل إلى أحد جوانب العالم عن المركز الحقيقىّ و ذلك ممّا ثبت في موضعه من الحكمة.
الرابع و الستّون: كونه منعها عن التهافت و الانفراج
أى جعلها كرة واحدة ثابتة في حيّزها، و منعها أن يتساقط قطعا أو ينفرج بعضها عن بعض.

شرح‏نهج‏البلاغة(ابن‏ميثم)، ج 4 ، صفحه‏ى 175
الخامس و الستّون: كونه أرسى أوتادها
أى أنبتها فيها. و أوتادها: جبالها.
و قد بيّنا في الخطبة الاولى معنى كونها أوتادا لها.
السادس و الستّون. كونه ضرب أسدادها
و أراد بأسدادها ما أحاط بها من الجبال أو الّتي يحجز بين بقاعها و بلادها.
السابع و الستّون: كونه استفاض عيونها.
و استفاض بمعنى أفاض كما قال تعالى وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً«» و قد سبقت الإشارة إلى ذلك.
الثامن و الستّون: كونه خدّ أوديتها
أى شقّها و بيّن جبالها و تلالها. و قوله: فلم يهن ما بناه و لا ضعف ما قوّاه. بعد تعديد ما عدّد من الآثار العظيمة إشارة إلى كمال هذه المخلوقات و قوّتها ليبيّن عظمة اللّه سبحانه بالقياس إليها.
التاسع و الستّون: كونه هو الظاهر عليها سلطانه و عظمته
فأشار بقوله: هو. إلى هويّته الّتي هى محض الوجود الحقّ الواجب، و لمّا لم يكن تعريف تلك الهويّة إلّا بالاعتبارات الخارجة عنها أشار إلى تعريفها بكونه ظاهرا عليها: أى غالبا قاهرا لها، و لمّا كان الظهور يحتمل الظهور الحسّيّ لا جرم قيّده بسلطانه و عظمته. إذ كان ظهوره عليها ليس ظهورا مكانيّا حسّيا بل بمجرّد ملكه و استيلاء قدرته و عظمة سلطانه.
السبعون: قوله: و هو الباطن لها
أى الداخل في بواطنها بعلمه، و لمّا كان البطون يحتمل الحسّىّ قيّده بعلمه تنزيها له عن سوء الأفهام و أحكام الأوهام. و الضمائر في قوله: عليها و لها يعود إلى الأرض و ما فيها ممّا بناه و سوّاه.
الحادى و السبعون: كونه عاليا على كلّ شي‏ء
أى من الأرض و ساير مخلوقاته بها بجلاله و عزّته: فجلاله و عزّته بالنسبه إليها هو اعتبار كونه تعالى منزّها عن كلّ مالها من الصفات المحدثة و الكمالات المستفادة من الغير المستلزمة للنقصان الذاتىّ، و لمّا كانت هذه الاعتبارات الّتي تنزّه عنها في حضيض النقصان‏

شرح‏نهج‏البلاغة(ابن‏ميثم)، ج 4 ، صفحه‏ى 176
كان هو باعتبار تنزيهه عنها في أوج الكمال الأعلى فكان عاليا عليها بذلك الاعتبار و لأنّه تعالى خالقها و موجدها فعلوّه عليها بجلال سلطان، و عزّته عن خضوع الحاجة و ذلّتها.
الثاني و السبعون: كونه لا يعجزه شي‏ء منها طلبه. إلى قوله: فيسبقه،
و ذلك لكونه تعالى واجب الوجود تامّ العلم و القدرة لا نقصان فيه باعتبار، و كون كلّ ما عداه مفتقرا في وجوده و جميع أحوال وجوده إليه فلا جرم لم يتصوّر أن يعجزه شي‏ء طلبه أو يمتنع عليه شي‏ء بقوّة فيغلبه، أو يفوته سريع بحركته فيسبقه لما يستلزمه ذلك العجز عن الحاجة و الإمكان الممتنعين عليه.
الثالث و السبعون: و كذلك كونه لا يحتاج إلى ذى المال فيرزقه
لما يستلزمه الحاجة من الإمكان. و كلّ ذلك نفى الأحوال البشريّة عنه.
الرابع و السبعون: قوله: خضعت له الأشياء. إلى قوله. لعظمته
فخضوعها و ذلّها يعود إلى دخولها في ذلّ الإمكان تحت سلطانه و انقيادها في اسر الحاجة إلى كمال قدرته، و بذلك الاعتبار لم يستطع الهرب من سلطانه للزوم الحاجة لذواتها إليه و استناد كمالاتها إلى وجوده. فهو النافع لها بإفاضة كمالاتها و الضارّ لها بمنع ذلك. فإن قلت: إنّ النفع لا يهرب منه و لا يمتنع فكيف ذكره هنا.
قلت: المراد منه سلب قدرته عليها على تقدير امتناعها منه، و هذا كما تقول لمن عجز عنك: إنّ فلانا لا يقدر على نفع و لا ضرّ، و لأنّ النفع جاز أن يمتنع منه لأنفة و استغناء بالغير، و لا شي‏ء من الموجودات يمتنع من سلطانه و نفعه باستغناء عنه و أنفة و نحوها.
الخامس و السبعون: كونه لا كف‏ء له يكافيه
أى ليس له مثل فيقابله و يفعل بإزاء فعله، و قد علمت تنزيهه تعالى عن المثل، و كذلك لا نظير له فيساويه.
السادس و السبعون: هو المفنى لها. إلى قوله: كمفقودها
عرّف هويّته باعتبار كونه معدما للأشياء بعد وجودها، و قد ورد في القرآن الكريم إشارات‏

شرح‏نهج‏البلاغة(ابن‏ميثم)، ج 4 ، صفحه‏ى 177
إلى ذلك كقوله تعالى يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ«» و معلوم أنّ الإعادة إنّما تكون بعد العدم، و قوله إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وَ إِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ«» و أمثالها. و قد أجمعت الأنبياء على ذلك، و علم التصريح من دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بانّه سيكون، و هو الّذي عليه جمهور المتكلّمين و الخلاف في جواز خراب العالم مع الحكماء فإنّهم اتّفقوا على أنّ الأجرام العلويّة و العقول و النفوس الملكيّة، و كذلك هيولى العالم العنصرىّ و أجرام العناصر، و ما ثبت قدمه امتنع عدمه لا لذاته بل لدوام علّة وجوده، و ما عدا ذلك فهو حادث و ليس كلّه ممّا يعاد بالاتّفاق، بل الخلاف في المعاد الإنساني البدنى فأنكره بعضهم. و الإسلاميّون منهم قالوا: ليس للعقل في الحكم بوجوده أولا وجوده محال، بل إنّما يعلم بالسمع. هذا مع اتّفاقهم على القول بامتناع إعادة المعدوم. فإن أمكن الجمع بين القول بجواز المعاد الجسمانىّ مع القول بامتناع إعادة المعدوم فليكن على ما ذهب إليه أبو الحسين البصرىّ من المعتزلة و هو قوله: إنّ الأجزاء يتشذّب و يتفرّق بحيث يخرج عن حدّ الانتفاع بها و لا تدخل في العدم الصرف. لكن في ذلك نظر لأنّ بدن زيد مثلا ليس عبارة عن تلك الأجزاء المتشذّبة و المتفرّقة فقط فإنّ القول بذلك مكابرة للعقل بل عنها مع سائر الأعراض و التأليفات المخصوصة و الأوضاع فإذا شذب البدن و تفرّق فلا بدّ أن يعدم تلك الأعراض و تفنى و حينئذ يلزم فناء البدن من حيث هو ذلك البدن فعند الإعادة إن اعيد بعينه وجب إعادة تلك الأعراض بعينها فلزمت إعادة المعدوم، و إن لم يعد بعينه عاد غيره فيكون الثواب و العقاب على غيره و ذلك مكذّب للقرآن الكريم في قوله قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا«» اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ الإنسان المثاب و المعاقب إنّما هو النفس الناطقة و هذا البدن كالآلة فإذا عدم لم يلزم عوده بعينه بل جاز عود مثله. لكن هذا إنّما يستقيم على مذهب الحكماء القائلين بالنفس الناطقة، و أمّا على رأى أبى الحسين البصرىّ‏

شرح‏نهج‏البلاغة(ابن‏ميثم)، ج 4 ، صفحه‏ى 178
فلا، و مذهب أكثر المحقّقين من علماء الإسلام يؤول إلى هذا القول.
و قوله: و ليس فناء الدنيا. إلى قوله: اختراعها.
و قوله: و ليس فناء الدنيا. إلى قوله: اختراعها. رفع لما يعرض لبعض الأذهان من التعجّب بفناء هذا العالم بعد ابتداعه و خلقه بالتنبيه على حال إنشائه و اختراعه: أى ليس صيرورة ما خلق إلى العدم بقدرته بعد الوجود بأعجب من صيرورته إلى الوجود بعد العدم عنها. إذ كانت كلّها ممكنة قابلة للوجود و العدم لذواتها، بل صيرورتها إلى الوجود المشتمل على أعاجيب الخلقة و أسرار الحكمة الّتي لا يهتدي لها و لا يقدر على شي‏ء منها أعجب و أغرب من عدمها الّذي لا كلفة فيه.
و قوله: و كيف لو اجتمع. إلى قوله: إفنائها.
و قوله: و كيف لو اجتمع. إلى قوله: إفنائها. تأكيد لنفى كون عدمها بعد وجودها أعجب من إيجادها بالتنبيه على عظم مخلوقاته تعالى و مكوّناته و ما اشتملت عليه من أسرار الحكمة المنسوبة إلى قدرته.
و المعنى و كيف يكون عدمها أعجب و في إيجاده أضعف حيوان و أصغره ممّا خلق كالبعوضة من العجائب و الغرائب و الإعجاز ما يعجز عن تكوينه و إحداثه قدرة كلّ من تنسب إليه القدرة، و تقصر عن معرفة الطريق إلى إيجادها ألباب الألبّاء، و يتحيّر في كيفيّة خلقها حكمة الحكماء، و يقف دون علم ذلك و يتناهى عقول العقلاء، و ترجع خاسئة حسيرة مقهورة معترفة بالعجز عن الاطّلاع على كنه صنعه في إنشائها مقرّة بالضعف عن إفنائها. فإن قلت: كيف تقرّ العقول بالضعف عن إفناء البعوضة مع إمكان ذلك و سهولته.
قلت: إنّ العبد إذا نظر إلى نفسه بالنسبة إلى قدرة الصانع الأوّل- جلّت عظمته- وجد نفسه عاجزة عن كلّ شي‏ء إلّا بإذن إلهىّ، و أنّه ليس له إلّا الإعداد لحدوث ما ينسب إليه من الآثار. فأمّا نفس وجود الأثر فمن واهب العقل- عزّ سلطانه- فالعبد العاقل لما قلناه يعترف بالضعف عن إيجاد البعوضة و إعدامها، و ما هو أيسر من ذلك عند مقايسة نفسه إلى موجده و واهب كماله كما عرفت ذلك في‏

شرح‏نهج‏البلاغة(ابن‏ميثم)، ج 4 ، صفحه‏ى 179
موضعه، و أيضا فإنّ اللّه سبحانه كما خلق للعبد قدرة على الفعل و الترك و الإيذاء و الإضرار بغيره كذلك خلق للبعوضة قدرة على الامتناع و الهرب من ضرره بالطيران و غيره بل أن تؤذيه و لا يتمكّن من دفعها عن نفسه فكيف يستسهل العاقل إفناها من غير معونة صانعها له عليه.
و قوله: و إنّه سبحانه يعود. إلى قوله: الامور.
و قوله: و إنّه سبحانه يعود. إلى قوله: الامور. إشارة إلى كونه تعالى باقيا أبدا فيبقى بعد فناء الأشياء وحده لا شي‏ء معه منها كما كان قبل وجوده كذلك بريئا عن لحوق الوقت و المكان و الحيّز و الزمان.
و قوله: يعود بعد.
و قوله: يعود بعد. إشعار بتغيّر من حالة سبقت إلى حالة لحقت، و هما يعودان إلى ما يعتبره أذهاننا له من حالة تقدّمه على وجودها و حالة تأخّره عنها بعد عدمها، و هما اعتباران ذهنيّان يلحقانه بالقياس إلى مخلوقاته.
و قوله: عدمت عند ذلك. إلى قوله: الساعات.
و قوله: عدمت عند ذلك. إلى قوله: الساعات. ظاهر لأنّ كلّ ذلك أجزاء للزمان الّذي هو من لواحق الحركة الّتي هى من لواحق الجسم فيلزم من عدم الأجسام عدم عوارضه.
و قوله: فلا شي‏ء. إلى قوله: الامور.
و قوله: فلا شي‏ء. إلى قوله: الامور. أى لا شي‏ء يبقى بعد فناء العالم إلّا هو، و ذكر الواحد لبقائه كذلك، و القهّار باعتبار كونه قاهرا لها بالعدم و الفناء، و كونه إليه مصير جميع الامور فمعنى مصيرها إليه أخذه لها بعد هبته لوجودها.
و قوله: بلا قدرة. إلى قوله: فناؤها.
و قوله: بلا قدرة. إلى قوله: فناؤها. إشارة إلى أنّه لا قدرة لشي‏ء منها على إيجاده نفسه، و لا على الامتناع من لحوق الفناء له.
و قوله: و لو قدرت. إلى قوله: بقائها.
و قوله: و لو قدرت. إلى قوله: بقائها. استدلال بقياس شرطىّ متّصل على عدم قدرة شي‏ء منها على الامتناع من‏ الفناء، و إنّما خصّ الحكم بالاستدلال دون الأوّل لكون الأوّل ضروريّا. و بيان الملازمة أنّ الفناء مهروب منه لكلّ موجود فإمكان الامتناع منه مستلزم للداعى إلى الامتناع المستلزم للامتناع منه المستلزم للبقاء، و أمّا بطلان التالى فلمّا ثبت أنّه تعالى يفنيها فلزم أن لا يكون لها قدرة على الامتناع.
و قوله: لم يتكاءده. إلى قوله: خلفه.
و قوله: لم يتكاءده. إلى قوله: خلفه. ظاهر لأنّ المشقّة في الفعل و ثقله إنّما يعرض لذى القدرة الضعيفة من الحيوان لنقصانها. و قدرته تعالى بريّة عن أنحاء النقصان لاستلزامه الإمكان و الحاجة إلى الغير.
و قوله: و لم يكوّنها. إلى آخره.
و قوله: و لم يكوّنها. إلى آخره. إشارة إلى تعديد وجوه الأعراض المتعارفة للفاعلين في إيجاد ما يوجدونه و إعدامه. و نفى تلك الأعراض عن فعله في إيجاده ما أوجده و إعدامه ما أعدمه من الأشياء: أمّا الأعراض المتعلّقة بالإيجاد فهو إمّا جلب منفعة كتشديد السلطان و جمع الأموال و القينات و تكثير الجند و العدّة و الازدياد في الملك بأخذ الحصون و القلاع و مكابرة الشريك في الملك كما يكابر الإنسان غيره ممّن يشاركه في الأموال و الأولاد أو رفع مضرّة كالتخوّف من العدم و الزوال فخلقها ليتحصّن بها من ذلك أو خوف النقصان فخلقها ليستكمل بها أو خوف الضعف عن مثل تكاثره فخلقها ليستعين بهما عليه أو خوف ضدّ يقاومه فأوجدها ليختزل منه و يدفع مضرّته أو لوحشة كانت له قبل إيجادها فأوجد ليدفع ضرر استيحاشه بالانس بها، و كذلك الأغراض المتعلّقة بعدمها: إمّا إلى دفع المضرّة كرفع السأم اللاحق له من تصريفها و تدبيرها و الثقل في شي‏ء منها عليه و الملال من طول بقائها فيدعوه ذلك إلى إفنائها، أو جلب المنفعة كالراحة الواصلة إليه. فإنّ جلب المنفعة و دفع المضرّة من لواحق الإمكان الّذي تنزّه قدسه عنه.
و قوله: لكنّه سبحانه. إلى قوله: لقدرته.
و قوله: لكنّه سبحانه. إلى قوله: لقدرته. فتدبيرها بلطفه إشارة إلى إيجاده لها على وجه الحكمه و النظام الأتمّ‏ الأكمل الّذي ليس في الإمكان أن يكون جملتها على أتمّ منه و لا ألطف، و إمساكه لها بأمره قيامها في الوجود بحكم سلطانه، و إتقانها بقدرته إحكامها على وفق منفعتها و إن كان عن قدرته فعلى وفق علمه بوجوه الحكمة. كلّ ذلك بمحض الجود من غير غرض من الأغراض المذكورة تعود إليه.
و قوله: ثمّ يعيدها بعد الفناء.
و قوله: ثمّ يعيدها بعد الفناء. تصريح بإعادة الأشياء بعد فنائها. و فناؤها إمّا عدمها كما هو مذهب من جوّز إعادة المعدوم، أو تشذّبها و تفرّقها و خروجها عن حدّ الانتفاع بها كما هو مذهب أبي الحسين البصرىّ من المعتزلة.
و قوله: من غير حاجة. إلى آخره.
و قوله: من غير حاجة. إلى آخره. ذكر وجوه الأغراض الصالحة في الإعادة، و الإشارة إلى نفيها عنه تعالى، و هو أيضا كالحاجة إليها و الاستعانة ببعضها على بعض، أو لانصراف من حال وحشة إلى حال استيناس، أو انصراف من حال جهل و عمى فيه إلى حال علم و بصيرة، و كذلك من فقر و حاجة إلى غنى و كثرة و من ذلّ وضعة إلى عزّ و قدرة. و قد عرفت أنّ كلّ هذه الأغراض من باب دفع المضرّة المنزّه قدسه تعالى عنها، و قد بيّنا فيما سلف البرهان الإجمالىّ على تنزيهه تعالى في أفعاله من الأغراض بل إيجاده لما يوجد لمحض الجود الإلهىّ الّذي لا بخل فيه و لا منع من جهته. فهو الجواد المطلق و الملك المطلق الّذي يفيد ما ينبغي لا لغرض و يوجد ما يوجد لا لفائدة تعود إليه و لا غرض. و هو مذهب جمهور أهل السنّة و الفلاسفة، و الخلاف فيه مع المعتزلة.
فإن قلت: ظاهر كلامه عليه السّلام مشعر بأنّ الدنيا كما تفنى تعاد، و الّذي وردت به الشريعة، و فيه الخلاف بين جمهور المتكلّمين و الحكماء هو إعادة الأبدان البشريّة.
قلت: الضمير في قوله: تعيدها. سواء كان راجعا إلى الدنيا أو إلى الامور في قوله: مصير جميع الامور. فإنّه مهمل كما يرجع إلى الكلّ جاز أن يرجع إلى البعض و هى الأبدان البشريّة. قال بعضهم: إنّ للسالكين في هذا الكلام تأويلا عقليّا و إن جزموا بكون مراده عليه السّلام هو ما ذكرناه من الظاهر فإنّهم قالوا يحتمل أن يشار بقوله: و إنّه يعود سبحانه. إلى قوله: الامور. إلى حال العارف إذا حقّ له الوصول التامّ حتّى غاب عن نفسه فلحظ جناب الحقّ سبحانه بعد حذف كلّ قيد دنياوىّ أو اخروىّ عن درجة الاعتبار فإنّه صحّ كما يفنى هو عن كلّ شي‏ء كذلك يفنى عنه كلّ شي‏ء حتّى نفسه فلا يبقى بعد فنائها عنه إلّا وجه اللّه ذو الجلال و الإكرام فكما كانت الأشياء عند اعتبار ذواتها غير مستحقّة للوجود و لواحقه كذلك يكون عند حذفها عن درجة الاعتبار و ملاحظة جلال الواحد القهّار ليس إلّا هو.
و قوله: ثمّ يعيدها بعد الفناء.
و قوله: ثمّ يعيدها بعد الفناء. فدلّ عودها إلى اعتبار أذهان العارفين لها عند عوجهم من الجناب المقدّس إلى الجنبة السافلة و اشتغالهم بمصالح أبدانهم. و الكلّ منسوب إلى تصريف قدرته تعالى بحسب استعداد الأذهان لقبولها و حذفها. و قد علمت من بيانها لهذه الخطبة صدق كلام السيّد الرضى- رضى اللّه عنه- في مدحها حيث قال: و تجمع هذه الخطبة من اصول العلم ما لا تجمعه غيرها. فإنّها بالغة في علم التوحيد كاملة في علم التنزيه و التقديس لجلال الواحد الحقّ- جلّت عظمته- و باللّه التوفيق و العصمة.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحه‏ى 146

 

 

 

 

خطبه 227 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام
القسم الأول
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ الشَّوَاهِدُ- وَ لَا تَحْوِيهِ الْمَشَاهِدُ- وَ لَا تَرَاهُ النَّوَاظِرُ- وَ لَا تَحْجُبُهُ السَّوَاتِرُ- الدَّالِّ عَلَى قِدَمِهِ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ- وَ بِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَى وُجُودِهِ- وَ بِاشْتِبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لَا شَبَهَ لَهُ- الَّذِي صَدَقَ فِي مِيعَادِهِ- وَ ارْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ- وَ قَامَ بِالْقِسْطِ فِي خَلْقِهِ- وَ عَدَلَ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِ- مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ- وَ بِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ- وَ بِمَا اضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنَ الْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ- وَاحِدٌ لَا بِعَدَدٍ وَ دَائِمٌ لَا بِأَمَدٍ وَ قَائِمٌ لَا بِعَمَدٍ- تَتَلَقَّاهُ الْأَذْهَانُ لَا بِمُشَاعَرَةٍ- وَ تَشْهَدُ لَهُ الْمَرَائِي لَا بِمُحَاضَرَةٍ- لَمْ تُحِطْ بِهِ الْأَوْهَامُ بَلْ تَجَلَّى لَهَا بِهَا- وَ بِهَا امْتَنَعَ مِنْهَا وَ إِلَيْهَا حَاكَمَهَا- لَيْسَ بِذِي كِبَرٍ امْتَدَّتْ بِهِ النِّهَايَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِيماً- وَ لَا بِذِي عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ الْغَايَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجْسِيداً- بَلْ كَبُرَ شَأْناً وَ عَظُمَ سُلْطَاناً وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ الصَّفِيُّ- وَ أَمِينُهُ الرَّضِيُّ ص أَرْسَلَهُ بِوُجُوبِ الْحُجَجِ وَ ظُهُورِ الْفَلَجِ وَ إِيضَاحِ الْمَنْهَجِ- فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ صَادِعاً بِهَا- وَ حَمَلَ عَلَى الْمَحَجَّةِ دَالًّا عَلَيْهَا- وَ أَقَامَ أَعْلَامَ الِاهْتِدَاءِ وَ مَنَارَ الضِّيَاءِ- وَ جَعَلَ أَمْرَاسَ الْإِسْلَامِ مَتِينَةً- وَ عُرَى الْإِيمَانِ وَثِيقَةً

اللغة
أقول:

المشاهد: المحاضر و المجالس.

و المرائى: جمع مرآة بفتح الميم و هى المنظر يقال: فلان حسن في مرآة العين و في رأى العين: أى في المنظر.

و الفلج: الظفر و أصله بسكون اللام.

و الأمراس: جمع مرس بفتح الراء و هى جمع مرسة و هى الحبل.

المعنى
و قد حمد اللّه تعالى باعتبارات من التنزيه:
الأوّل: كونه لا تدركه الشواهد
و أراد الحواسّ، و سمّاها شواهد لكونها تشهد ما تدركه و تحضر معه، و قد علمت تنزيهه عن إدراك الحواسّ غير مرّة.
الثاني: و لا تحويه المشاهد
و قد علمت تنزيهه تعالى عن الأمكنة و الأحياز.
الثالث: و لا تراه النواظر
أى نواظر الأبصار، و إنّما خصّص البصر بالذكر بعد ذكر الشواهد لظهور تنزيهه تعالى عن ساير الحواسّ و وقوع الشبهة و قوّتها في أذهان كثير من الخلق في جواز إدراكه تعالى بهذه الحاسّة حتّى أنّ مذهب كثير من العوامّ أن تنزيهه تعالى عن ذلك ضلال بل كفر تعالى اللّه عمّا يقول العادلون.
الرابع: و لا تحجبه السواتر
و قد علمت أنّ السواتر الجسمانيّة إنّما تعرض للأجسام و عوارضها، و علمت تنزيهه تعالى عن ذلك.
الخامس: كونه دالّا على قدمه بحدوث خلقه
و اعلم أنّه عليه السّلام جعل حدوث خلقه هنا دالّا على الأمرين: أحدهما: قدمه تعالى. و الثاني: وجوده. و قد سبق تقرير ذلك في قوله عليه السّلام: الحمد للّه الدالّ على وجوده بخلقه و بحدوث خلقه على أزليّته. غير أنّه جعل هناك الدليل على الوجود هو نفس الخلق و جعله هنا هو الحدوث، و لمّا كان مجرّد الوجود للممكنات و خلقها يدلّ على وجود صانع لها فأولى أن يدلّ حدوثها عليه. و قدمه و أزليّته واحد.
السادس
و كذلك مرّ تقرير قوله: و باشتباههم على أن لا شبيه له. في الفصل المذكور.

السابع: الّذي صدق في ميعاده،
و صدقه تعالى يعود إلى مطابقة ما نطقت به كتبه على ألسنه رسله الصادقين عليهم السّلام للواقع في الوجود ممّا وعد به أمّا في الدنيا كما وعد به رسوله و المؤمنين بالنصر أو الاستخلاف في الأرض كقوله تعالى وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها«» الآية و قوله وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ«» و أمّا في الآخرة كما وعد عباده الصالحين بما أعدّ لهم في الجنّة من الثواب الجزيل، و الخلف في الوعد كذب و هو على اللّه سبحانه محال، و هو كقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ«».
الثامن: و ارتفع عن ظلم عباده
و هو تنزيه له عن حال ملوك الأرض الّذين من شأنهم ظلم رعيّتهم إذا رأوا أنّ ذلك أولى بهم، و أنّ فيه منفعة ولدّة أو في تركه ضرر و تألّم، و كلّ ذلك من توابع الأمزجة و عوارض البشريّة المحتاج إلى تحصيل الكمال الحقيقى أو الوهمىّ. و جناب الحقّ تعالى منزّه عن ذلك.
التاسع: و قام بالقسط في خلقه
فقيامه بالقسط و هو العدل فيهم و إجراؤه لأحكامه في مخلوقاته على وفق الحكمة و النظام الأكمل و هو أمر ظاهر و كذلك عدله عليهم في حكمه.
العاشر: كونه يستشهد بحدوث الأشياء على أزليّته.
و الاستشهاد الاستدلال، و كرّره هنا تأكيدا باختلاف العبارة.
الحادى عشر: و بما و سمها به من العجز عن قدرته.
العجز عبارة عن عدم القدرة عمّا من شأنه أن يقدر. إذ لا يقال مثلا للجدار: إنّه عاجز، و قد علمت أنّ كلّ موجود سواه فهو موصوف و موسوم بعدم القدرة على ما يختصّ به قدرته تعالى من الموجودات بل بعدم القدرة على شي‏ء أصلا. إذ كلّ موجود فهو منته في سلسلة الحاجة إليه و هو تعالى مبدء وجوده. و ساير ما يعدّ سببا له فإنّما هو واسطة معدّة كما علم تحقيقه في موضع آخر فإذن لا قدرة في الحقيقة إلّا له و منه. و وجه الاستدلال أنّه لو كان موسوما بالعجز عن شي‏ء لما كان مبدء له لكنّه مبدءلكلّ موجود فهو ثابت القدرة تامّها.
الثاني عشر: و بما اضطرّها إليه من الفناء دوامه.
و اضطراره لها إلى الفناء حكم قدرته القاهرة على ما استعدّ منها للعدم بإفاضة صورة العدم عليه حين استعداده لذلك على وفق قضائه تعالى بذلك، و هو المشار إليه بقوله تعالى وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ«» و وجه الاستدلال أنّه تعالى لو كان مضطرّا إلى الفناء كساير الأشياء لكان جايز الفناء فكان ممكنا لكن التالى باطل فهو واجب الوجود دائما.
الثالث عشر، كونه تعالى واحدا لا بعدد
أى أنّه ليس واحدا بمعنى أنّه مبدء لكثرة يكون عادّا لها و مكيالا، و قد سبق بيان ذلك، و بيان إطلاق وجه الوحدة عليه، و بأىّ معنى هو غير مرّة. فلا معنى لإعادته.
الرابع عشر: كونه دائما لا بأمد
و قد سبق أيضا بيان أنّ كونه دائما بمعنى أنّ وجوده مساوق لوجود الزمان. إذ كان تعالى هو موجد الزمان بعد مراتب من خلقه، و مساوقة الزمان لا يقتضى الكون في الزمان، و لمّا كان الأمد هو الغاية من الزمان و منتهى المدّة المضروبة لذى الزمان من زمانه، و ثبت أنّه تعالى ليس بذى زمان يعرض له الأمد ثبت أنّه دائم لا أمد له.
الخامس عشر: كونه قائما لا بعمد
أى بعمد ثابت الوجود من غير استناد إلى سبب يعتمد عليه و يقيمه في الوجود كساير الموجودات الممكنة، و ذلك هو معنى كونه واجب الوجود، و قد أشرنا إلى برهان ذلك في قوله: الحمد للّه الدالّ على وجوده بخلقه. و كثير من قرائن هذا الفصل موجود هناك.
السادس عشر: كونه تتلقّاه الأذهان لا بمشاعرة،
و تلقّى الأذهان له يعود إلى استقبالها و تقبّلها لما يمكنها أن يتصوّره به من صفاته السلبيّة و الإضافيّة، و كون ذلك لا بمشاعرة: أى ليس تلقّيها لتلك التصوّرات من طريق المشاعرة و هى الحواسّ، و لا على وجه شعورها بما يشعر به منها، بل تتلقّاها على وجه أعلى‏ و أشرف بتعقّل صرف برىّ عن علايق الموادّ مجرّد عن إدراك الحواسّ و توابع إدراكاتها من الوضع و الأين و المقدار و الكون و غير ذلك.
السابع عشر: كونه و تشهد له المرائى لا بمحاضرة.
إشارة إلى كون المرائى و النواظر طرقا للعقول إلى الشهادة بوجوده تعالى في آثار قدرته و لطايف صنعته و ما يدرك بحسّ البصر منها، و لوضوح العلم به تعالى و شهادة العقول بوجوده في المدركات بهذه الآلة صار كأنّه تعالى مشاهد مرئىّ فيها و إن لم تكن هذه الآلة محاضرة له و لا يتعلّق إدراكها به، و يحتمل أن يريد بالمرائى المرئيّات الّتي هى مجال أبصار الناظرين و مواقعها. و ذلك أنّ وجودها و ما اشتملت عليه من الحكمة شاهد بوجود الصانع سبحانه من غير حضور و محاضرة حسيّة كما عليه الصنّاع في صنايعهم من محاضرتها و مباشرتها.
الثامن عشر: كونه تعالى لم تحط به الأوهام.
لمّا كان تعالى غير مركّب لم يمكن الإحاطة به بعقل أو وهم البتّة، و الأوهام أولى بذلك. إذ كانت إنّما يتعلّق بالمعانى الجزئيّة المتعلّقة بالمحسوسات و الموادّ الجسمانيّة فيترتّب في تنزيهه تعالى عن إحاطة الأوهام به قياس هكذا: لا شي‏ء من مسمّى واجب الوجود بمدرك بمادّة و وضع. و كلّ مدرك للوهم فهو متعلّق بذى مادّة و وضع. ينتج لا شي‏ء ممّا هو واجب الوجود بمدرك للأوهام أصلا فضلا أن يحيط به و يطّلع على حقيقته.و قد مرّ ذلك مرارا.
التاسع عشر: كونه تعالى تجلّى لها
و لمّا ثبت أنّها لا تدرك إلّا ما كان معنى جزئيّا في محسوس فمعنى تجلّيه لها هو ظهوره لها في صورة وجود ساير مدركاتها من جهة من هو صانعها و موجدها. إذ كانت الأوهام عند اعتبارها لأحوال أنفسها من وجوداتها و عوارض وجوداتها و التغيّرات اللاحقة لها مشاهدة لحاجتها إلى موجد و مقيم و مغيّر و مساعدة للعقول على ذلك، و أنّ إدراكها لذلك في أنفسها على وجه جزئىّ مخالف لإدراك العقول، و كانت مشاهدة له بحسب ما طبعت عليه و بقدر إمكانها و هو متجلّى لها كذلك. و الباء في- بها- للسببيّة. إذ وجودها هو السبب المادىّ في تجلّيه لها، و يحتمل أن يكون بمعنى في: أى تجلّى لها في وجودها. و بل هنا للإضراب عمّا امتنع منها من الإحاطة به، و الإثبات لما أمكن و وجب في تجلّيه لها.
العشرون: و بها امتنع منها
أى لمّا خلقت قاصرة عن إدراك المعاني الكليّة و عن التعلّق بالمجرّدات كانت بذلك مبدء الامتناعه عن إدراكها له و إن كان لذلك الامتناع أسباب اخر اوليها: كونه بريئا عن أنحاء التراكيب، و يحتمل أن يريد بقوله: بها: أى أنّها لمّا خلقت على ذلك القصور و كان هو تعالى ممتنع الإدراك بالكنه اعترفت عند توجّهها إليه و طلبتها لمعرفته بالعجز عن إدراكه و أنّه ممتنع عنها فيها: أى باعترافها امتنع منها.
الحادى و العشرون: كونه إليها حاكمها
أى جعلها حكما بينها و بينه عند رجوعها من توجّهها في طلبه منجذبة خلف العقول حسرة معترفة بأنّه لا تنال بجود الاعتساف كنه معرفته، و لا يخطر ببال اولى الرويّات خاطر من تقدير جلاله مقرّة بحاجتها و استغنائه و نقصانها و كماله و مخلوقيّتها و خالقيّته. إلى غير ذلك بما لها من صفات المصنوعيّة، و له من صفات الصانعيّة موافقة للعقول في تلك الأحكام.
و استناد المحاكمة إليها مجاز لمناسبته ما ذكرناه، و قال بعض الشارحين: أراد بالأوهام هاهنا العقول، و ظاهر أنّها لا تحيط به لكونه غير مركّب محدود. و تجلّيه لها هو كشف ما يمكن أن يصل إليه العقول من صفاته الإضافيّة و السلبيّة. و قوله: و بها امتنع منها. أى بالعقول و نظرها علم أنّها لا تدركه. و قوله: إليها حاكمها: أى جعل العقول المدّعية أنّها أحاطت به و أدركته كالخصوم له سبحانه. ثمّ حاكمها إلى العقول السليمة الصحيحة. فحكمت له العقول السليمة على المدّعية لما ليست أهلا له. و ما ذكره هذا الفاضل محتمل إلّا أنّ إطلاق لفظ الأوهام على العقول إن صحّ فمجاز بغير قرينة و عدول عن الحقيقة من غير ضرورة، و قال غيره: أراد لم تحط به أهل الأوهام. فحذف المضاف‏ و عند تأمّل ما بيّناه يلوح أنّه هو مراده عليه السّلام أو قريب منه، و هذه الألفاظ اليسيرة من لطائف إشاراته عليه السّلام و إطلاقه على أسرار الحكمة.
الثاني و العشرون: كونه تعالى ليس بذى كبر. إلى قوله: تجسيما.
الكبير يقال لعظيم الحجم و المقدار، و يقال لعالى السنّ من الحيوان، و يقال لعظيم القدر و رفيعه. و مراده نفى الكبر عنه بالمعنى الأوّل. إذ من لوازم ذلك كون الكبر ممتدّا في الجهات الثلاث طولا و عرضا و عمقا فيحصل الكبير الجسمىّ، و قد تقدّس تعالى عن ذلك، و تقدّسه عن الكبر بالمعنى الثاني ظاهر. و تجسيما مصدر في موضع الحال: أى فكبّرته مجسّما له أو مجسّمة، و إنّما أسند الامتداد به إلى النهايات لأنّها غاية الطبيعة بالامتداد يقف عندها و ينتهى بها فكانت من الأسباب الغائية فلذلك أسند إليها، و كذلك إسناد التكبير إليها. إذ كان التكبير من لوازم الامتداد إليها.
الثالث و العشرون: و لا بذى عظم، إلى قوله: تجسيدا،
و العظيم يقال على الكبير بالمعنى الأوّل و الثالث دون الثاني، و مراده سلب العظيم عنه بالمعنى الأوّل لما مرّ، و إسناد التناهى إلى الغايات ظاهر. إذ كانت سببا لوقوفه و بها انقطع و إليها يبلغ، و كذلك إسناد التعظيم إليها كإسناد التكبير و إن أسند التناهى إليه بها جاز.
الرابع و العشرون:كونه كبر شأنا.
الخامس و العشرون: كونه عظم سلطانا.
لمّا سلب الكبر و العظم عنه بالمعنيين الأوّلين أشار إلى أنّ إطلاقهما عليه بالمعنى الثالث. و نصب شأنا و سلطانا على التميز. فهو الكبير شأنا إذ لا شأن أعلى من شأنه، و العظيم سلطانا إذ لا سلطان أرفع من سلطانه، و هو مبدء شأن كلّ ذى شأن، و منتهى سلطان كلّ ذى سلطان لا إله إلّا هو الكبير المتعال ذو الكبرياء و العظمة و الجلال. ثمّ أردف تمجيده تعالى بما هو أهله بالكلمة المتمّمة لكلمة الإخلاص و الشهادة الّتي هى مبدء لكمال القوّة العلميّة من النفوس البشريّة بعد كمال قوّتها النظريّة بالشهادة الاولى.

و ظاهر كونه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صفيّا للّه و أمينا على وحيه و مرتضى لذلك. ثمّ أردف ذلك بالإشارة إلى كونه رسولا، و إلى وجوه ما ارسل به و هو وجوب الحجج، و أراد بها إمّا المعجزات أو ما هو أعمّ من ذلك و هو ما يكون حجّة للّه على خلقه في تكليفهم أن يقولوا لو لا أرسلت إلينا رسولا فنتّبع آياتك. و يدخل في ذلك دلائل الأحكام و طرق الدين التفصيليّة. و كونه ارسل بوجوبها: أى وجوب قبولها على الخلق و وجوب العمل على وفقها، و ظهور الفلج و هو الظهور على سائر الأديان و الظفر بأهلها و بالعادلين باللّه و الجاحدين له، و إيضاح المنهج و هى طريق اللّه و شريعته. و ظاهر كونه موضحا لها و مبيّنا، و إلى ذلك الإشارة بقوله تعالى هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ«» فالهدى هو إيضاح المنهج، و قوله: ليظهره على الدين كلّه إشارة إلى بعض غايات بعثته و هى المراد بظهور الفلج، و روى بضمّ الفاء و اللام و هو بضمّ الفاء و سكون اللام للفوز، و يجوز ضمّ اللام للشاعر و الخطيب.
و قوله: فبلّغ الرسالة. إلى آخره.
و قوله: فبلّغ الرسالة. إلى آخره. إشارة إلى أدائه الأمانة فيما حمّل من الوحى، و صدعه بالرسالة إظهارها و المجاهرة بها، و قد علمت أن أصل الصدع الشقّ فكأنّه شقّ بالمجاهرة بها عصا المشركين و فرّق ما اجتمع من شرّهم، و حمله على المحجّة- و هى طريق اللّه الواضحة و شريعته- دعوته إليها و جذبه للخلق إلى سلوكها بالحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالّتي هى أحسن. ثمّ بالسيف لمن لم تنفعه المجادلة. و أراد بأعلام الاهتداء أدلّته و هى المعجزات و قوانين الدين الكلّيّة، و كذلك منار الضياء و إقامته له إظهارها و إلقاؤها إلى الخلق، و لفظ المحجّة و الأعلام و المنار مستعارة كما سبق غير مرّة. و صادعا و دالّا نصب على الحال. و استعار لفظ الأمراس و العرى لما يتمسّك به من الدين و الإيمان، و رشّح بذكر المتانة و الوثاقة، و أشار بجعله كذلك إلى تثبيت قواعد الإسلام و غرسها في قلوب الخلق واضحة جليّة بحيث تكون عصمة للتمسّك بها في طلب النجاة من مخاوف الدارين، و سببا لا ينقطع دون الغاية القصوى. و باللّه‏ التوفيق.

القسم الثاني منها: فى صفة عجيب خلق أصناف من الحيوانات:
وَ لَوْ فَكَّرُوا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ وَ جَسِيمِ النِّعْمَةِ- لَرَجَعُوا إِلَى الطَّرِيقِ وَ خَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ- وَ لَكِنِ الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ وَ الْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ- أَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ- وَ أَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ وَ فَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ- وَ سَوَّى لَهُ الْعَظْمَ وَ الْبَشَرَ- انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا وَ لَطَافَةِ هَيْئَتِهَا- لَا تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ وَ لَا بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ- كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا وَ صُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا- تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُحْرِهَا وَ تُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا- تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا وَ فِي وِرْدِهَا لِصَدَرِهَا- مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا- لَا يُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ وَ لَا يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ- وَ لَوْ فِي الصَّفَا الْيَابِسِ وَ الْحَجَرِ الْجَامِسِ- وَ لَوْ فَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا- فِي عُلْوِهَا وَ سُفْلِهَا- وَ مَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا- وَ مَا فِي الرَّأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وَ أُذُنِهَا- لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً وَ لَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً- فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا- وَ بَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا- لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ- وَ لَمْ‏ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ- وَ لَوْ ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ- مَا دَلَّتْكَ الدَّلَالَةُ إِلَّا عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَةِ- هُوَ فَاطِرُ النَّخْلَةِ- لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْ‏ءٍ- وَ غَامِضِ اخْتِلَافِ كُلِّ حَيٍّ- وَ مَا الْجَلِيلُ وَ اللَّطِيفُ وَ الثَّقِيلُ وَ الْخَفِيفُ- وَ الْقَوِيُّ وَ الضَّعِيفُ فِي خَلْقِهِ إِلَّا سَوَاءٌ- وَ كَذَلِكَ السَّمَاءُ وَ الْهَوَاءُ وَ الرِّيَاحُ وَ الْمَاءُ- فَانْظُرْ إِلَى الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ النَّبَاتِ وَ الشَّجَرِ- وَ الْمَاءِ وَ الْحَجَرِ وَ اخْتِلَافِ هَذَا اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ- وَ تَفَجُّرِ هَذِهِ الْبِحَارِ وَ كَثْرَةِ هَذِهِ الْجِبَالِ- وَ طُولِ هَذِهِ الْقِلَالِ وَ تَفَرُّقِ هَذِهِ اللُّغَاتِ- وَ الْأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَاتِ- فَالْوَيْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمُقَدِّرَ وَ جَحَدَ الْمُدَبِّرَ- زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ- وَ لَا لِاخْتِلَافِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ- وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى حُجَّةٍ فِيمَا ادَّعَوْا- وَ لَا تَحْقِيقٍ لِمَا- أَوْعَوْا وَ هَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ أَوْ جِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جَانٍ وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي الْجَرَادَةِ- إِذْ خَلَقَ لَهَا عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ- وَ أَسْرَجَ لَهَا حَدَقَتَيْنِ قَمْرَاوَيْنِ- وَ جَعَلَ لَهَا السَّمْعَ الْخَفِيَّ وَ فَتَحَ لَهَا الْفَمَ السَّوِيَّ- وَ جَعَلَ لَهَا الْحِسَّ الْقَوِيَّ وَ نَابَيْنِ بِهِمَا تَقْرِضُ- وَ مِنْجَلَيْنِ بِهِمَا تَقْبِضُ- يَرْهَبُهَا الزُّرَّاعُ فِي زَرْعِهِمْ- وَ لَا يَسْتَطِيعُونَ ذَبَّهَا وَ لَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِمْ- حَتَّى تَرِدَ الْحَرْثَ فِي نَزَوَاتِهَا وَ تَقْضِيَ مِنْهُ شَهَوَاتِهَا- وَ خَلْقُهَا كُلُّهُ لَا يُكَوِّنُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَّةً- فَتَبَارَكَ اللَّهُ الَّذِي يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ- طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ يُعَفِّرُ لَهُ خَدّاً وَ وَجْهاً- وَ يُلْقِي إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ إِلَيْهِ سِلْماً وَ ضَعْفاً- وَ يُعْطِي لَهُ الْقِيَادَ رَهْبَةً وَ خَوْفاً- فَالطَّيْرُ مُسَخَّرَةٌ لِأَمْرِهِ- أَحْصَى عَدَدَ الرِّيشِ مِنْهَا وَ النَّفَسِ- وَ أَرْسَى قَوَائِمَهَا عَلَى النَّدَى وَ الْيَبَسِ- وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهَا وَ أَحْصَى أَجْنَاسَهَا- فَهَذَا غُرَابٌ وَ هَذَا عُقَابٌ- وَ هَذَا حَمَامٌ وَ هَذَا نَعَامٌ- دَعَا كُلَّ طَائِرٍ بِاسْمِهِ وَ كَفَلَ لَهُ بِرِزْقِهِ- وَ أَنْشَأَ السَّحَابَ الثِّقَالَ فَأَهْطَلَ دِيَمَهَا- وَ عَدَّدَ قِسَمَهَا فَبَلَّ الْأَرْضَ بَعْدَ جُفُوفِهَا- وَ أَخْرَجَ نَبْتَهَا بَعْدَ جُدُوبِهَا

اللغة
أقول:

الدخل: العيب.

و البشرة: ظاهر الجلد.

و الجامس: الجامد.

و الشراسيف: أطراف الأضلاع المشرفة على البطن.

و الضرب في الأرض: السياحة فيها.

و الحدقة: سواد العين.

و القمر: بياضها و ضياؤها، يقال: حدقة قمراء: مضيئة.

و أجلبوا: جمعوا. و النزوات: الوثبات.

و التعفير: التمريغ في العفر و هو التراب.

المعنى
و قوله: و لو فكّروا. إلى قوله: مدخولة. وضع حرف لو ليدلّ على امتناع الشي‏ء لامتناع غيره لكن الأغلب عليه أن يستعمل للدلالة على امتناع اللازم لامتناع ملزومه، و ذلك على وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك اللازم مساويا لملزومه إمّا حقيقة أو وضعا.
و الثاني: أن يكون الملزوم علّة لذلك ليلزم من رفع الملزوم رفع اللازم و يمكن الاستدلال به فأمّا إذا لم يكونا كذلك جاز أن يدلّ به على امتناع الملزوم‏ لامتناع لازمه كما في قوله تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا«» و قد استعمله عليه السّلام هنا بالوجه الثاني من الوجهين الأوّلين، و استدلّ على أنّ الخلق لم يرجعوا إلى طريق اللّه عن غيّهم و جهالاتهم و لم يخافوا من وعيده بعذاب الحريق في الآخرة لأنّهم لم يفكّروا فيما عظم من قدرته في خلق مخلوقاته و عجائب مصنوعاته و ما جسم من نعمته على عباده، و يحتمل أن يريد بالقدرة المقدور مجازا إطلاقا لاسم المتعلّق على المتعلّق، و كان ذلك من باب الاستدلال بعدم العلّة على عدم المعلول. إذ كان الفكر في ذلك سببا عظيما في الجذب لهم إلى اتّباع شريعته و سلوك سبيله إليها، و إليه الإشارة بقوله تعالى أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ«» و قوله أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها«» الآية و نحوه. و قوله: و لكنّ القلوب. إلى قوله: مدخولة. بيان لعدم العلّة المذكورة منهم و هو الفكر، و أشار إلى عدمها بوجود ما ينافي وجود شرطها. إذ كان كون القلوب عليلة و كون الأبصار معيبة ينافيان صحّتها و سلامتها الّذين هما شرطان في وجود الفكر الصحيح، و مع وجود المنافى لصحّة قلوبهم و سلامة أبصار بصائرهم لا يحصل الصحّة الّتي هى شرط الفكر فلا يحصل الفكر فلا يحصل معلوله و هو الرجوع إلى اللّه، و علل القلوب و ما يلحق إبصار البصائر من العيوب يعود إلى الجهل و أغشية الهيئات البدنيّة و الأخلاق الرديئة المكتسبة من جواذب الشهوات إلى خسايس اللذّات المغطّية لأنوار البصائر الحاجبة عن إدراك واضح الطريق الحقّ. و قوله: ألا ينظرون. إلى قوله: البشر. تنبيه لهم على بعض مخلوقاته تعالى و مقدوراته الّتي أشار إلى عظمة القدرة فيها. و أحسن بهذه الترتيب و التدريج الحسن فإنّك علمت من آداب الخطيب إذا أراد القول في أمر نبّه عليه أوّلا على سبيل الإجمال بقول كلّىّ ليستعدّ السامعون‏ بذلك لما يريد قوله و بيانه. ثمّ يشرع في تفصيله، و لمّا أراد عليه السّلام أن ينبّه على عظمة اللّه بتفصيل بعض مخلوقاته كالنمل و الجراد و نحوه أشار أوّلا إلى عظيم القدرة، و وبّج السامعين على إغفالهم الفكر فيها ليعلم أنّه يريد أن ينبّه على تفصيل أمر. ثمّ تلاه بالتنبيه على لطيف الصنع في صغير ما خلق و كيف أحكم خلقه و أتقن تركيبه على صغره و فلق له البصر و سوّى له العظم و لم يعيّن إلى أن استعدّت بذلك لتعظيم اللّه القلوب و أقبلت بإفهامها النفوس فتلاه بذكر النملة، و ذلك قوله: انظروا إلى النملة. إلى قوله: تعبا. و هيئتها: كيفيّتها الّتي عليها صورتها و صورة أعضائها، و ظاهر أنّ الإنسان لا يدركها بلحظ البصر إلى أن يعيد إليها بعناية، و لا يكاد عند مراجعة فكره و استدراك أوّله و باديه يعلم حقيقتها و كيفيّة خلقتها و تشريح أعضائها، بل بإمعان فيه و تدقيق لا بدّ أن ينظر في ذلك. و الباء في قوله: بمستدرك يتعلّق بتنال.
و لا ينبغي أن يفهم من قوله: و لا ينال بمستدرك الفكر: أى في صورتها الظاهرة الّتي يدركها البصر فربّما يسبق ذلك إلى بعض الأفهام لمكان العطف بل ما ذكرناه من شرح حقيقتها فإنّه ليس حظّ الفكر أن يدرك صورتها المحسوسة بالبصر بل أن يبحث عن عجائب صنعتها ليستدلّ بذلك على حكمة صانعها- جلّت عظمته- و محلّ قوله: لا تكاد تنال يحتمل أن يكون نصبا على الحال و العامل انظروا، و يحتمل أن يكون مستأنفا، و كيف في محلّ الجرّ بدل من النملة، و يحتمل أن يكون كلاما مستانفا و فيه معنى التعجّب. و كيف صبّت: أى القيت على رزقها و بعثت عليه بهداية و إلهام، و قيل: ذلك على العكس: أى صبّ عليها رزقها، و لفظ الصبّ مستعار لحركتها في طلبه ملاحظا لشبهها بالماء المصبوب.
فإن قلت: كيف جعل دبيبها على الأرض محلّ التعجّب و الفكر مع سهولته و وجوده لسائر الحيوان.

قلت: لم يجعل محلّ التعجّب هو دبيبها من حيث هو دبيب فقط بل مع الاعتبارات الاخر المذكورة فإنّك إذا اعتبرتها من حيث هى في غاية اللطافة ثمّ‏ اعتبرت قوائمها و حركات مفاصلها و خفضها و رفعها و بعد ذلك من استثبات الحسّ له و نسبتها إلى جرمها و إلى أجزاء المسافة الّتي تقطعها بل جزء من حركتها، و كذلك انصبابها على رزقها بهداية تامّة إليه و نقلها إلى جحرها و غير ذلك من الاعتبارات المذكورة فإنّك إذا اعتبرت ذلك منها وجدت لنفسك منه تعجّبا و تفكّرا في لطف جزئيّات صنعتها و حكمة خالقها و مدبّرها. و قوله: تجمع في حرّها لبردها: أى في الصيف للشتاء، و في ورودها لصدرها: أى في أيّام ورودها و تمكّنها من الحركة لأيّام صدورها و رجوعها عن الحركة للعجز فإنّها تعجز في أيّام الشتاء عن ملاقاة البرد فتطلب بطن الأرض لكمون الحرارة فيه. و من العجايب الّتي حكاها أهل التجارب من أفعال النمل و إلهاماتها ما حكاه أبو- عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب «الحيوان» بفصيح عباراته. قال: إنّ النملة تدّخر في الصيف للشتاء فتقدم في أيّام المهملة و لا تضيّع أوقات إمكان الحزم، و تبلغ من تفقّدها و صحّة تميزها و النظر في عواقب امورها أنّها تخاف على الحبوب الّتي ادّخرتها للشتاء أن تعفّن و تسوس في بطن الأرض، فتخرجها إلى ظهرها لتنشرها و تعيد إليها جفافها و يضربها النسيم فينفى عنها العفن و الفساد. قال: و ربّما تختار في الأكثر أن يكون ذلك العمل ليلا ليكون أخفى، و في القمر لأنّها فيه أبصر. فإن كان مكانها نديّا و خافت أن تنبت الحبّة نقرت موضع الطمير من وسطها لعلمها أنّها من ذلك الموضع تنبت، و ربّما فلقت الحبّة بنصفين.
فأمّا إن كان الحبّ من الكزبرة فإنّها تفلقه أرباعا لأنّ أنصاف حبّ الكزبرة ينبت من بين جمع الحبّ. فهى بهذا الاعتبار مجاوزة لفطنة جميع الحيوان. قال: و نقل إلىّ بعض من أثق به أنّه احتفر بيت النمل فوجد الحبوب الّتي جمعتها كلّ نوع وحدة. قال: و وجدنا في بعضها أنّ بعض الحبوب فوق بعض و بينها فواصل حائله من التبن و نحوه. ثمّ إنّ لها مع لطافة شخصها و خفّة حجمها في الشمّ و الاسترواح ما ليس لسائر الحيوان، و ذلك أنّه ربّما سقط من يد الإنسان جرادة أو عضو منها مثلا في موضع ليس بقربه ذرّد و لا عهد لذلك المنزل به فلا يلبث أن يقبل ذرّة قاصدة إلى تلك الجرادة فتروم حملها فإذا أعجزتها بعد أن تبلى عذرا مضت إلى جحرها راجعة فلا يلبث الإنسان أن يجدها و قد أقبلت و خلفها كالخيط الأسود من أخواتها حتّى يتعاونّ عليها ليحملنها فأعجب من صدق شمّها لما يشمّه الإنسان الجائع. ثمّ انظر إلى بعد همّتها في ذلك و جرأتها على محاولة نقل شي‏ء في وزن جسمها مائة مرّة و أضعافها، و ليس من الحيوان ما يحمل أضعاف وزنه مرارا كثيرة كالنملة. قال: و الّذي ينبّه على إعلامها لأخواتها و إشعارها بمثل ما أشرنا إليه قصّة سليمان عليه السّلام مع النمل حيث حكى القرآن الكريم عنها قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها«» فإنّ القول المشار إليه منها و إن لم يحمل على حقيقته فهو محمول على مجازه، و هو إشعارها لأخواتها بالحال المخوّفة للنمل من سليمان و جنوده.
قال: و من عجيب ما يحكى عن النمل ما حكى عن بعض من يعمل الاصطرلاب أنّه أخرج طوقا من صفر من الكير بحرارته فرمى به على الأرض ليبرد فاشتمل على نملة فكانت كلّما طلبت جانبا منه لتخرج منعتها الحرارة فكانت مقتضى هروبها من الجوانب أن استقرّت ثم ماتت فوجدها قد استقرّت في موضع رجل البركار من نقطة المركز و ما ذاك إلّا للطف حسّها و قوّة و همها أنّ ذلك الموضع هو أبعد الأمكنة عن الخطّ المحيط. قال: و من عجائبها إلهامها أنّها لا تعرض لجعل و لا جرادة و لا خنفساء و لا نحوها ما لم يكن بها خبل أو عقر أو قطع يد أو رجل فإذا وجدت شيئا من ذلك و ثبت عليها حتّى لو أنّ حيّة بها ضربة أو خدش ثمّ كانت من ثعابين مصر لو ثبت عليها الذرورة حتّى تأكلها، و لا تكاد الحيّة تسلم من الذرّ إذا كان بها أدنى عقر. و كلّ ذلك من الإلهامات الّتي إذا فكّر اللبيب فيها كاد أن يحكم بكونها أعلم بقوانين معاشها و تدبير أحوال وجودها من كثير من الناس فإنّ الإنسان قد تهمل ذلك التدبير فلا يضبطه، و يستمرّ فيه على قانون واحد.

و قوله: مكفولة و مرزوقة. نصب على الحال.
و قوله: رزقها و وفقها: أى موافق و مطابق لقوّتها و على قدر كفايتها.
و يروى مكفول برزقها مرزوقة لوفقها. ثمّ ذكر نسبة ذلك إلى ربّها. فأشار إلى أنّه لا يغفلها: أى لا يتركها من لطفه و عنايته فإنّه باعتبار ما هو منّان على خلقه لا يجوز في حكمته إهمال بعضها من رزق يقوم به في الوجود، و كذلك لا يحرمها باعتبار كونه ديّانا: أى مجازيا، و وجه ذكر المجازاة هنا أنّها حيث دخلت في الوجود طائعة لأمره و قامت فيه منقادة لتسخيره وجب في الحكمة الإلهيّة جزاؤها و مقابلتها بما يقوم بوجودها فلا يكون محرومة من مادّة بقائها على وفق تدبيره، و لو كانت في الصفاء اليابس و الحجر الجامس، بل يفتح لها أبواب معاشها في كلّ مكان. ثمّ نبّه على محال اخرى للفكر في النملة: فمنها مجارى أكلها ما تأكله و تلك المجارى كالحلق و الأمعاء، و منها علوها و سفلها و علوها بسكون اللام نقيض سفلها و هو رأسها و ما يليه إلى الجزء المتوسّط منها و سفلها هو ما جاوز الجزء من طرفها الآخر، و منها ما اشتمل عليه جوفها من شراسيف بطنها أو ما يقوم مقامه فأطلق عليه أنّه شراسيف بالمجاز، و منها ما في رأسها من عينها و اذنها و هى محلّ القوّة السامعة منها فإنّ كلّ ذلك على غاية صغره و لطافته محلّ العجب و محلّ النظر اللطيف المستلزم للشهادة بحكمة الصانع و لطف تدبيره الّذي يقضى الإنسان من تأمّله عجبا، و القضاء هاهنا بمعنى الأداء: أى لأدّيت عجبا، و يحتمل أن يكون بمعنى الموت: أى لقضيت نحبك من شدّة تعجّبك، و يكون عجبا نصب على المفعول له. ثمّ لمّا نبّه على محال الفكر و وجوه الحكمة فيها أردف ذلك بتنزيه صانعها و تعظيمه تعالى، و قرن ذلك التعظيم و التنزيه بنسبته إلى بعض صنعه بها، و هو إقامته لها على قوائمها و بناها على دعائمها، و أراد بدعائمها ما يقوم به بدنها من الامور الّتي مقام العظام و العصب و الأوتار و نحوها ليحصل التنبيه على عظمته من لطف تلك القوائم و اعتبار ضعف تلك الدعائم مع ما ركّب فيها من لطائف الصنعة و أودعها من عجايب الحكمة من غير أن يشركه في فطر تلك الفطرة فاطر أو يعينه على لطيف خلقها قادر فسبحانه ما أعظم شأنه و أبهر برهانه. و قوله: و لو ضربت. إلى قوله: النخلة. أى لو سارت نفسك في طرق فكرها و مذاهب نظرها، و هى الأدلّة و أجزاء الأدلّة من المقدّمات و أجزائها المستنبطة من عالم الخلق و الأمر لتصل إلى غايات فكرك في الموجودات لم يمكن أن يدلّك دليل إلّا على أنّ خالق النملة على غاية صغرها و خالق النخلة على عظمها و طولها واحد و هو المدبّر الحكيم. و قوله: لدقيق تفصيل كلّ شي‏ء. إلى قوله: حىّ. إشارة إلى أوسط الحجّة على ما ادّعاه من اشتراك النملة و النخلة في الاستناد إلى صانع واحد مدبّر حكيم، و معنى ما ذكر أنّ لكلّ شي‏ء من الموجودات الممكنة تفصيل لطيف دقيق و اختلاف شكل و هيئة و لون و مقدار و وجوه من الحكمة تدلّ على صانع حكيم خصّصه بها دون غيره، و تقرير الحجّة أنّ وجود النملة و النخلة اشتمل كلّ منهما على دقيق تفصيل الخلقة و غامض اختلاف شكل و هيئة و كلّ ما اشتمل على ذلك فله صانع مدبّر حكيم خصّصه بذلك فينتج أنّهما يشتركان في الحاجة إلى صانع مدبّر حكيم خصّ كلّا منهما بما يشتمل عليه، و هذه الحجّة هى المسمّاة في عرف المتكلّمين بالاستدلال بإمكان الصفات كما بيّناه قبل في قوله: الحمد للّه الدالّ على وجوده بخلقه. و قوله: و ما الجليل و اللطيف. إلى قوله: سواء. مؤكّد لما سبق من الدعوى، و كاسر لما عساه يعرض لبعض الأوهام من استبعاد نسبة الخلقة العظيمة و الخلقة اللطيفة الحقيرة كالنملة إلى صانع واحد. فأشار إلى أنّ كلّ المخلوقات و إن تباينت أوصافها و تضادّت صورها و أشكالها فإنّه لا تفاوت بالنظر إلى قدرته و كمالها بين أن يفيض عنه صورة النخلة أو صورة الذرّة، و ليس بعضها بالنسبة إليه أولى و أقرب من بعض، و لا هو أقوى بعضها من بعض و إلّا لكان ناقصا في ذاته، و كان بما هو أولى به مستفيدا كما لا يفوته بعدمه عنه، و قد ثبت تنزيه جنابه المقدّس عن ذلك في مظانّه من الكتب الحكميّة و الكلاميّة بل إن كان فيهما تفاوت و اختلاف فمن جانب القابل و اختلاف استعدادات الموادّ بالشدّة و الضعف و الأقدم و الأحدث على ما أشرنا إليه غير مرّة، و اللطيف كما يراد به صغر الخلقة كذلك قد يراد به دقيق الصفة، و قد يراد به الشفّاف كالهواء، و الأوّل هو مراده و لذلك جعله مقابلا للجليل. و قوله: و كذلك السماء. إلى قوله: و الماء. فالمشبّه به هو الامور المضادّة السابقة و المشبّه هو السماء و الهواء و الرياح و الماء، و وجه الشبه هو حاجتها في خلقها و تركيبها و أحوالها المختلفة و المتّفقة إلى صانع حكيم، و أشار إلى الامور الاولى المتضادّة أوّلا و نسبها إلى قدرته تعالى باعتبار كلّيّتها و من جهة تضادّها لأنّها أدلّ على كمال قدرته، و أشار إلى الثانية و هى السماء و ما عدّده معها لا لاعتبار تضادّها بل باعتبار ما اشتمل عليه كلّ منها من الحكمة و المنفعة و كونها موادّ الأجسام المركّبات، و الهواء أعمّ من الرياح لتخصيص مسمّى الرياح بالحركة دون الهواء. و قوله: فانظروا. إلى قوله: المختلفات. أمر باعتبار حال ما عدّد من المخلوقات و ما اختصّ به كلّ منها من الصفات و الأشكال و المقادير و الأضواء و الألوان و المنافع إلى غير ذلك ممّا يدلّ على حاجة كلّ منها إلى مخصّص حكيم يخصّصه بما هو أليق به و أوفق للحاجة اللازمة له و أنسب إلى استعداده بعد اشتراك جميعها في الجسميّة، و هو أمر بتقرير الحجّة الّتي ذكرناها في كلّ واحد من الامور المذكورة، و لمّا كان حال أكثر هذه الامور المذكورة مفتقرا إلى تقديم النظر البصرىّ لغاية التفكّر و الاعتبار فيها أمر به، و أمّا وجوه الاعتبارات فأكثر من أن يحصر فإنّك إذا اعتبرت حال الشمس و القمر في عظم أجرامهما و الضياء الصادر عنهما و حركاتهما و تنقّلهما في منازلهما، و ما تستلزمه تلك الحركات من التأثيرات و الإعدادات لوجود المركّبات العنصريّة من المعدن و النبات و الحيوان ثمّ اعتبرت ما ينفصل به أحدهما عن الآخر من الجرم و زمان السير و كون القمر مستفيدا للنور من الشمس و غير ذلك ممّا لا يعلم تفصيله إلّا اللّه سبحانه، و كذلك إذا نظرت إلى النبات و الشجر و جواهرهما و أشكالهما و اختلاف أجزائهما في الألوان و المقادير و الثمار و ما يستلزمه من المنفعة لوجود الحيوان و المضرّة لبعضها إلى غير ذلك ممّا علمته فيما سلف، و كذلك الماء في كونه على غاية من الرقّة و اللطافة و كون الحجر بعكس الوصفين مع أنّ أكثر المياه إنّما تنبع من الأحجار ثمّ نظرت إلى المنافع الموجودة فيهما و المضارّ العارضة عنهما، و كذلك النظر إلى هذا الليل و النهار و اختلافهما في هذا العالم و تعاقبهما، و ما يستلزمانه من المنفعة المختصّة بكلّ منهما ممّا امتنّ اللّه تعالى على عباده بها حيث قال هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ«» و قال يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَ الزَّيْتُونَ«» الآية و قال قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ. إلى قوله مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ«» إلى غير ذلك من الآيات و قال أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ«» و قال وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً إلى قوله أَلْفافاً«» و كذلك إذا اعتبرت تفجير هذه البحار و ما تستلزمه من المنفعة كما قال تعالى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ«» و قال يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ«» و كذلك إذا اعتبرت كثرة الجبال و قلالها و عروضها و أطوالها و ما اشتملت عليه من معادن الجواهر و غيرها، و كذلك تفرّق اللغات و اختلاف الألسنة وجدت ذلك النكر و الاختلاف شاهدا بوجود صانع حكيم. و تقريرها كما علمت أن تقول: إنّ هذه الأجسام كلّها مشتركة في الجسميّة و اختصاص كلّ منها بما يميّز به من الصفات المتعدّدة ليس للجسميّة و لوازمها و إلّا وجب لكلّ منها ما وجب للآخر ضرورة اشتراكها في علّة الاختصاص فلا مميّز له. هذا خلف، و لا لشي‏ء من عوارض الجسميّة لأنّ الكلام في اختصاص كلّ منها بذلك العارض كالكلام في الأوّل و يلزم التسلسل فيبقى أن يكون لأمر خارج عنها هو الفاعل الحكيم المخصّص لكلّ منها بحدّ من الحكمة و المصلحة، و قد مرّ تقرير هذه الحجّة مرارا. ثمّ لمّا نبّه على وجود الصانع سبحانه أردف ذلك بالدعاء على من جحده، أو الإخبار عن لحوق الويل له. قال سيبويه: الويل مشترك بين الدعاء و الخبر، و نقل عن عطاء بن يسار أنّ الويل واد في جهنّم لو ارسلت فيه الجبال لماعت من حرّه. و رفعها بالابتداء، و الخبر لمن أنكر. و المدبّر: هو العالم بعاقبة الأمر و ما يشتمل عليه من المصلحة و يعود إلى القضاء، و القدر هو الموجد على وفق ذلك العلم كما سبق بيانه، و تأخير الدعاء على الجاحدين بعد إيضاح الحجّة عليهم هو الترتيب الطبيعى، و الإشارة بالجاحدين إلى صنف من العرب أنكروا الخالق و البعث، و قالوا: بالدهر المفنى. كما حكيناه عنهم في الخطبة الاولى، و هم الّذين أخبر القرآن المجيد عنهم بقوله وَ قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا«». و قوله: زعموا. إلى قوله: صانع. إشارة إلى شبهتهم و هى من باب التمثيل فالأصل فيها هو النبات، و الفرع أنفسهم، و الحكم هو ما تو من كونهم بلا صانع كما أنّ النبات بلا زارع، و لعلّ الجامع في اعتبارهم هو اختلاف الحياة و الموت عليهم كما أشار إليه القرآن الكريم حكاية عنهم نَمُوتُ وَ نَحْيا أو نحوه من الامور المشتركة و إن كانوا لا يلتفتون لفتا إلى هذا الجامع. إذ مراعاة هذه الامور و تحقيق أجزاء التمثيل من صناعة هم عنها بمعزل، و قد علمت أنّ التمثيل بعد تمام أجزائه إنّما يفيد ظنّا يختلف بالشدّة و الضعف، و علمت وجوه‏

الفساد فيه. و قوله: و لم يلجئوا. إلى قوله: جان. إنكار و منع لما ادّعوه و أنّهم لم يأتوا فيه بحجّة و لا تحقيق برهان، ويحتمل أن يكون قوله: و هل يكون. إلى قوله: جان. تنبيها على وجود نقيض الحكم المدّعى، و هو كون خلقهم و خلقة النبات شاهدة بوجود صانع لها، و ذلك التنبيه بالإشارة إلى أوسط قياس من الشكل الأوّل، و كبراه في صورة الاستفهام.
و تقرير القياس: أنّهم صنعة و لا شي‏ء ممّا هو صنعة بلا صانع ينتج فلا شي‏ء منها بلا صانع و هو نقيض المدّعى، و لمّا كانت الكبرى ضروريّة اقتصر على التنبيه عليها بامتناع وجود البناء من غير بان و الجناية من غير جان فإنّ ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر من غير مرجّح محال بالبديهة و ممتنع في فطن الصبيان و البهائم. إذ كان الحمار عند صوت الخشبة يعد و خوفا من الضرب، و ذلك لما تقرّر في فطرته أنّ حصول صوت الخشبة بدونها محال. ثمّ لو سلّم لهم ثبوت الحكم في الأصل و هو كون النبات بلا زارع فلم كان عدم الزارع يدلّ على أنّ النبات لا فاعل له. و إنّما يلزم ذلك أن لو كان الفاعل إنّما هو الزارع و ذلك من الأوهام الظاهرة كذبها بأدنى تأمّل إذا استعقب بالبذر. إذ كان الزارع ليس إلّا إعدادا ما للأرض و البذر: و أمّا وجود الزرع و النبات فمستند إلى مدبّر حكيم متعال عن الحسّ و المحسوس لا تدركه الأبصار و لا تكتنفه الأوهام و الأفكار سبحانه و تعالى عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا. و قوله: إن شئت قلت في الجرادة. إلى قوله: مستدقّة. تنبيه آخر على وجود الصانع الحكيم- جلّت عظمته- في وجود بعض جزئيّات مخلوقاته و صغيرها و هى الجرادة: أى و إن شئت قلت فيها ما قلت في النملة و غيرها قولا بيّنا كاشفا عن وجوه الحكمة فيها بحيث يشهد ذلك بوجود صانع حكيم لها فنبّه على بعض دقايق الحكمة في خلقها و هى خلق العينين الحمراوين مع كون حدقتها قمراوين، و استعار لفظ السراج للحدقتين باعتبار الحمرة النارية و الإضاءة.
ثمّ خلق السمع الخفيّ: أى عن أعين الناظرين، و قيل: أراد بالخفيّ اللطيف السامع لخفىّ الأصوات فوصفه بالخفاء مجازا إطلاقا لاسم المقبول على قابله. ثمّ فتح الفم السوىّ. السوىّ: فعيل بمعنى مفعول: أى المسوىّ. و التسوية: التعديل بحسب‏ المنفعة الخاصّة بها. ثمّ خلق الحسّ القوىّ، و أراد بحسّها قوّتها الوهميّة و بقوّته [بقوّة خ‏] حذقها فيما الهمت إيّاه من وجوه معاشها و تصرّفها. يقال: لفلان حسّ حاذق إذا كان ذكيّا فطنا درّاكا. ثمّ خلق النابين، و استعار لفظ المنجلين ليديها، و وجه المشابهة تعوّجهما و خشونتهما، و قرن بذكر النابين و المنجلين ذكر غايتهما و هما القرض و القبض، و من لطيف حكمته تعالى في الرجلين أن جعل نصفهما الّذين تقع عليها اعتمادها و جلوسها شوكا كالمنشار ليكون لها معينا على الفحص و وقاية لذنبها عند جلوسها و عمدة لها عند الطيران. و قوله: يرهبها الزرّاع. إلى قوله: شهواتها. أى أنّها إذا توجّهت بعساكرها من أبناء نوعها إلى بقعة و هجمت على زرعها و أشجارها أمحته و لم يستطع أحد دفعها حتّى لو أنّ ملكا من الملكوت أجلب عليها بخيله و رجله ليحمى بلاده منها لم يتمكّن من ذلك، و في ذلك تنبيه على عظمة الخالق سبحانه و تدبير حكمته. إذ كان يبعث أضعف خلقه على أقوى خلقه و يهيّى‏ء الضعيف من أسباب الغلبة ما لا يستطاع دفعه معها حتّى ترد ما تريد وروده و تقضى منه شهواته فيحلّ باختيار منه و ترحل باختيار، و من عجايب الخواصّ المودعة في الجراد أنّها تلتمس لبيضها الموضع الصلد و الصخور الملس ثقه بأنّها إذا ضربت فيها بأذنابها انفرجت لها، و معلوم أنّ ذلك ليس بقوّة إذ ليس في ذنب الجرادة من القوّة أن يخرق الحجر الّذي يعجز عنه المعول بمجرّد قوّته لولا خاصيّة لها هناك.
ثمّ إذا ضربت في تلك البقاع و ألقت بيضها و أنضمّت عليها تلك الأخاديد الّتي أحدثتها و صارت لها كالأفاحيص صارت خاضنة لها و مربّية و حافظة و واقية حتّى إذا جاء وقت دبيب الروح خرجت من البيض صهيا إلى البياض. ثمّ تصفرّ و تتلوّن فيه خطوط إلى السواد. ثمّ يصير فيه خطوط سود و بيض، ثمّ يبدو حجم جناحيه. ثمّ يستقلّ فيموج بعضه في بعض، و قيل: إنّ الجراد إذا أراد الخضرة و دونه نهر جار صار بعضه جسر البعض ليعبر إليها فمن الناس من جعل ذلك حيلة لها الهمت إيّاها. و أباه قوم و قالوا: بل الزحف الأوّل من الدبى إذا أراد الخضرة و لا يقدر عليها إلّا بالعبور إليها عبر فإذا صارت تلك القطعة فوق الماء طافية صارت للزحف الثاني الّذي يريد الخضرة كالأرض، و ربّما نقل لها خواصّ اخرى لا تعلّق لها بما نحن بصدده.
و قوله: و خلقها كلّه لا يكون إصبعا مستدقّة. الواو للحال: أى أنّه تعالى خلقها على ما وصفت و أودعها من عجايب الصنع ما ذكرت بحيث يخاف منها الزرّاع مع أنّ خلقها كلّه دون الإصبع المستدقّة، و هذه الكلمة مستلزمة لتمام التعجّب من خلق اللّه فيها الامور الموصوفة حتّى لو قدّرنا أنّها وصفت لمن لم يرها فربّما اعتقد أنّ لها خلقا عظيما تستند إليه هذه الأوصاف و لم يكن عنده تعجّب حتّى نتبيّن مقدار خلقها و صغر صورتها ثمّ لما بيّن بعض مبدعاته و مكوّناته نوّه بزيادة عظمته تعالى و بركته باعتبار كونه معبودا لمن في السماوات و من في الأرض فله يسجدون طوعا و كرها كلّ بعبادة تخصّه و سجود لا يمكن من غيره مع اشتراك الكلّ في الدخول تحت ذلّ الحاجة إلى كمال قدرته و خضوع الإمكان بين يدي رحمته. و إليه الإشارة بقوله تعالى وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً«» و كذلك قوله: و يعفّر له خدّا و وجها. فما كان ذا وجه و خدّ حقيقة فلفظ التعفير صادق عليه حقيقة، و ما لم يكن السجود صادق عليه استعارة لخضوعه الخاصّ به، و لفظ التعفير و الخدّ و الوجه ترشيحات على أنّ موضوع السجود في اللغة هو الخضوع و كذلك إطلاق إعطاء القياد و وصف الرهبة و الخوف، و نصبهما على المفعول له. و قول ه: فالطير مسخّرة لأمره. كقوله تعالى أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ«» و كونها مسخّرة يعود إلى دخولها تحت حكم تصرّفه العامّ فيها قدرة و علما و الخاصّ تخصيصا و تعيينا، و إحصاء الريش منها و النفس باعتبار تسخيرها تحت تصرّفه العامّ بعلمه تعالى.
و إرساؤها: أى تثبّتها على قوائمها في الندى كطيرالماء و اليبس كطير البرّ باعتبار دخولها تحت قدرته و خلقها كذلك، و تقديره لأقواتها و ما يصلح منها و ما يكفيه باعتبار دخولها تحت قدرته و علمه معها. إذ كان التقدير هو إنزال تلك المقادير و إعدادها على وفق العلم الإلهىّ، و إحصاء أجناسها باعتبار علمه تعالى. و قوله: فهذا غراب. إلى قوله: نعام. تفصيل لأنواعها. و لم يرد الجنس بالاصطلاح الخاصّ بل اللغوىّ و هو النوع في المصطلح العلمىّ، و راعى في كلّ قرينتين من الأربع السجع المتوازى. و قوله: دعا كلّ طاير باسمه. فالدعاء استعارة في أمر كلّ نوع بالدخول في الوجود، و قد عرفت أنّ ذلك الأمر يعود إلى حكم القدرة الإلهيّة العظيمة عليه بالدخول في الوجود، و وجه الاستعارة ما يشترك فيه معنى الدعاء، و الأمر من طلب دخول مهية المطلوب بالدعاء و الأمر في الوجود و هو كقوله تعالى فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ«» الآية، و لما استعار لفظ الدعا رشّح بذكر الاسم لأنّ الشي‏ء إنّما يدعى باسمه، و يحتمل أن يريد الاسم اللغوىّ و هو العلامة فإنّ لكلّ نوع من الطير خاصّة و سمة ليست للآخر، و يكون المعنى أنّه تعالى أجرى عليها حكم القدرة بمالها من السمات و الخواصّ في العلم الإلهىّ و اللوح المحفوظ، و قال بعض الشارحين: أراد أسماء الأجناس، و ذلك أنّ اللّه تعالى كتب في اللوح المحفوظ كلّ لغة تواضع عليها العباد في المستقبل، و ذكر الأسماء الّتي يتواضعون عليها، و ذكر لكلّ اسم مسمّاه فعند إرادة خلقها نادى كلّ نوع باسمه فأجاب دعواه و أسرع في إجابته، و اعلم أنّك إذا تأمّلت حكمة الصانع في خلق الطائر شاهدت عجبا. حين اقتضت الحكمة الإلهيّة أن يكون طائرا في الجوّ خفّف جسمه و أدمج خلقه فاقتصر من القوائم على اثنتين و من الأصابع على أربع من منفذين للزبل و البول على منفذ. ثمّ خلقه تعالى على جؤجؤ محدّب‏ ليسهل عليه خرق الهواء كما يجعل صدر السفينة بهذه الهيئة ليشقّ الماء، و خلق في جناحيه و ذنبه ريشات طوال لينهض بها إلى الطيران، و كسى جسمه كلّه ريشا ليتداخله الهواء فيقيله، و لمّا كان طعامه الحبّ أو اللحم يبلعه بلعا من غير مضغ نقص من خلقه الأسنان و خلق له منقارا صلبا، و أعانه بفضل حرارته في جوفه يستغنى بها عن المضغ. ثمّ خلقه تعالى يبيض بيضا و لا يلد لكيلا يثقل بكون الفراخ في جوفه عن الطيران، و جعل عوض استعداد الولد في البطن استعداده في البيضة بحرارة الحضن بمشاركة من الذكر و الانثى في ذلك، و من العناية اللإلهيّة بدوام نسله و بقائه أن ألهمه العطف على فراخه فيلتقط الحبّ فيغذو به فراخه بعد استقراره في حوصلته ليلين، و إذا فكّرت في الحوصلة وجدتها كالمخلاة المعلّقة أمامه فهو يعبّى فيها ما أراد من الطعم بسرعة ثمّ ينفذ إلى القانصة على مهل، و ذلك أنّ مسلك الطعم إلى القانصة ضيّق لا ينفذ فيه الطعم إلّا قليلا فلو كان هذا الطائر لا يلتقط حبّة ثانية حتّى تصير الاولى إلى القانصة لطال ذلك عليه فخلق تعالى له الحوصلة لذلك. ثمّ انظر إلى الريش الّذي تراه في الطواويس و الدراريج و غيرها عن استواء و مقابلة على نحو ما يخطّ بالأقلام، و كذلك انظر إلى العمود الجامع للريشة الّذي يجرى مجرى الجدول الممدّ للريشة و المغذّى لها، و خلق عصبيّ الجوهر صلبا متينا ليحفظ الريش و يمسكه لصلابته. فسبحان الّذي خلق الأزواج كلّها، و أحصى كلّ شي‏ء عددا، و أحاط بكلّ شي‏ء علما.
و قوله: و أنشأ السحاب. إلى آخره. إشارة إلى كمال قدرته باعتبار خلقه السحاب الثقال بالماء، و إرسال ديمها و هي أمطارها، و تعديد قسمها و هو ما يصيب كلّ بلد و أرض منها من القسم.
و ظاهر أنّه تعالى يعدّ الأرض بتلك البلّه بعد الجفاف لأن يخرج منها النبات بعد الجدب و إليه الإشارة بقوله تعالى أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَ أَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ«»و باللّه التوفيق.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحه‏ى 121

خطبه 225 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام
روى ابو محمد اليمانى عن أحمد بن قتيبة عن عبد اللّه بن يزيد عن مالك بن دحية قال: كنا عند أمير المؤمنين عليه السّلام و قد ذكر عنده اختلاف الناس فقال إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمْ مَبَادِئُ طِينِهِمْ- وَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِلْقَةً مِنْ سَبَخِ أَرْضٍ‏ وَ عَذْبِهَا- وَ حَزْنِ تُرْبَةٍ وَ سَهْلِهَا- فَهُمْ عَلَى حَسَبِ قُرْبِ أَرْضِهِمْ يَتَقَارَبُونَ- وَ عَلَى قَدْرِ اخْتِلَافِهَا يَتَفَاوَتُونَ- فَتَامُّ الرُّوَاءِ نَاقِصُ الْعَقْلِ- وَ مَادُّ الْقَامَةِ قَصِيرُ الْهِمَّةِ- وَ زَاكِي الْعَمَلِ قَبِيحُ الْمَنْظَرِ- وَ قَرِيبُ الْقَعْرِ بَعِيدُ السَّبْرِ- وَ مَعْرُوفُ الضَّرِيبَةِ مُنْكَرُ الْجَلِيبَةِ- وَ تَائِهُ الْقَلْبِ مُتَفَرِّقُ اللُّبِّ- وَ طَلِيقُ اللِّسَانِ حَدِيدُ الْجَنَانِ أبو محمّد ذعلب اليمانىّ و أحمد و عبد اللّه و مالك من رجال الشيعة و محدّثيهم.

اللغة
و الفلقة: القطعة، و الشقّ من الشي‏ء.

و الرواء: المنظر الجميل.

و سبرت الرجل أسبره: اختبرت باطنه و غوره.

و الضريبة: الخلق و الطبيعة.

و الجليبة: ما يجلبه الإنسان و يتكلّفه.

و الكلام إشارة إلى السبب المادىّ لاختلاف الناس في الصور و الأخلاق.
فقوله: إنّما فرّق بينهم. إلى قوله: يتفاوتون. فطينهم إشارة إلى التربة الّتي أشار إلى جمع اللّه لها في قوله: في الخطبة الاولى: ثمّ جمع سبحانه من سهل الأرض و حزنها و سبخها و عذبها تربة. إلى قوله: و أصلدها حتّى استمسكت. و المعنى أنّ تقاربهم في الصور و الأخلاق تابع لتقارب طينهم و تقارب مباديه و هى السهل و الحزن و السبخ و العذب، و تفاوتهم فيها تابع لتفاوت طينهم و مباديه المذكورة. قال أهل التأويل: إضافة المبادى هنا إلى الطين إضافة بمعنى اللام: أى المبادى لطينهم، و الإشارة بطينهم إلى اصولهم، و هى الممتزجات المنتقلة في أطوار الخلقة كالنطفة و ما قبلها من موادّها و ما بعدها من العلقة و المضغة و العظم، و المزاج الإنسانىّ القابل للنفس المدبّرة. قالوا: و لمّا كانت مبادى ذلك الطين في ظاهر كلامه عليه السّلام هى السبخ و العذب و السهل و الحزن كان ذلك كناية عن الأجزاء العنصريّة الّتي هى مبادي الممتزجات ذوات الأمزجة كالنبات و الغذاء و النطفة و ما بعدها. إذ كلّ ممتزج منها لا بدّ فيه من أجزاء متفاعل فيحصل بواسطتها استعداداتها، و تفاعلها ذو مزاج هو نطفة و غيرها فتلك الأجزاء المتفاعلة المستعدّة لمزاج مزاج هى مبادى تلك الأمزجة و الممتزجات و لمّا كانت السبخيّة و العذوبة و السهولة و الحزونة امورا تلحق الممتزجات الأرضيّة الّتي هى مبادئ الطين و لها أثر في اختلاف مزاجه و ساير الأمزجة المركّبة منه، و كان اختلاف استعدادات تلك الامور الممتزجة لقبول الأمزجة الّتي هى السبب في اختلاف الأمزجة و استعداداتها لقبول الأخلاق و الصور هو السبب في اختلاف الأخلاق و الصور لا جرم كان السبب في تفرّق الناس في أخلاقهم و خلقهم إنّما هو اختلاف مبادئ طينهم، و قد علمت ممّا سلف في الخطبة الاولى لميّة تخصيصه عليه السّلام بعض الأجزاء العنصريّة بالتركّب عنها، و يحتمل أن يشير بالسبخ و العذب و السهل و الحزن إلى الأجزاء الأرضيّة من حيث هى ذوات أمزجة متعادلة الكيفيّات. فالسبخ كناية عن الحارّ اليابس منها، و العذب كناية عن الحارّ الرطب، و السهل كناية عن البارد الرطب، و الحزن كناية عن البارد اليابس قالوا: و على هذا حمل قول الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ اللّه سبحانه لمّا أراد خلق آدم أمر أن يؤخذ قبضة من كلّ أرض فجاء بنو آدم على قدر طينها الأحمر و الأبيض و السهل و الحزن و الطيّب و الخبيث. فالقبضة من كلّ أرض إشارة إلى الأجزاء الأرضيّة المذكورة، و كون الناس مختلفين عنها بالأبيض و الأحمر إشارة إلى اختلاف خلقهم، و كونهم مختلفين بالسهولة و الحزونة و الطيّب و الخبيث إشارة إلى اختلاف تلك الاستعدادات السابقة على كلّ مزاج في أطوار خلقهم قالوا: و قد بان بذلك معنى قوله: فهم على حسب قرب أرضهم يتقاربون: أى على حسب قرب مبادى طينهم المذكورة و تشابهها في استعداداتها و إعدادها يتقاربون و يتشابهون في الصور و الأخلاق، و على قدر اختلاف تلك المبادي و تباينها في ذلك يتفاوتون و تتضادّ أخلاقهم و تتباين خلقهم. قالوا: و يجب التأويل هنا لأنّا لو حملنا الكلام على ظاهره لاقتضى أنّ كلّا منهم قد خلق من الطين. قوله: فتامّ الرواء. إلى آخره.

تفصيل لهم في تفاوتهم. و ذكر أقساما سبعة فبدء بالأقسام الّتي تضادّ خلقها لأخلاقها أو بعض أخلاقها لبعض و هى خمسة: الأوّل: من استعدّ مزاجه لقبول صورة كاملة حسنة و عقل ناقص فهو داخل في رذيلة الغباوة. الثاني: المستعدّ لامتداد القامة و حسنها أيضا لكنّه ناقص في همّته فهو داخل في رذيلة الجبن، و كلاهما يشتركان في مخالفة ظاهرهما لباطنهما، و يتفاوتان في الاستعداد الباطن. الثالث: المستعدّ لقبح صورته الظاهرة و حسن باطنه باعتدال مزاج ذهنه المستلزم للأعمال الذاكية. الرابع: قريب القعر: أى قصير بعيد السبر: أى داهية ببعد اختيار باطنه و الوقوف على أسراره، و مخالفة ظاهر هذين القسمين لباطنهما ظاهر. الخامس. معروف الضريبة منكر الجليبة: أى يكون له خلق معروف يتكلّف ضدّه فيستنكر منه، و يظهر عليه تكلّفه كأن يكون مستعدّا للجبن فيتكلّف الشجاعة أو بخيلا فيتكلّف السخاوة فيستنكر منه ما لم يكن معروفا منه. فهذه هى الأقسام الخمسة، و القسم الأوّل و الثالث قليلان فإنّ الأغلب على المستعدّ لحسن الصورة و جمالها و اعتدال الخلقة أن يكون فطنا ذكيّا لدلالة تلك العوارض على استواء التركيب و اعتدال المزاج، و الأغلب على المستعدّ لقبح الصورة عكس ذلك، و أما القسم الثاني و الرابع فهو أكثر فإنّ الأغلب على طويل القامة نقصان العقل و البلادة و يتبع ذلك فتور العزم و قصور الهمة، و على القصير الفطنة و الذكاء و حسن الآراء و التدابير، و قد نبّه بعض الحكماء على علّة ذلك فقال حين سئل ما بال القصار من الناس أدهى و أحذق: لقرب قلوبهم من أدمغتهم. و مراده أنّ القلب لمّا كان مبدء للحار الغريزىّ و كان الأعراض النفسانيّة من الفطنة و الفهم و الإقدام و الوقاحة و حسن الظنّ و جودة الرأى و الرجاء و النشاط و رجوليّة الأخلاق و قلّة الكسل و قلّة الانفعال عن الأشياء كلّ ذلك يدلّ على الحرارة و توفّرها، و أضداد هذه الامور يدلّ على البرودة لا جرم كان قرب القلب من الدماغ في القصير لكونه سببا لتوفّر الحرارة في الدماغ وجودة استعداد القوى النفسانيّة فيه للأعراض المذكورة، و كان بعده منه في الطويل سببا لقلّة الحرارة فيه و ضعف استعداد القوى النفسانيّة فيه للأعراض المذكورة، و استعدادها لأضدادها و إن كانت الحرارة ليست هى كمال السبب المادىّ، و القسم الخامس أكثرى و ذلك لمحبّة النفوس للكمالات فترى البخيل يحبّ أن يعدّ كريما فيتكلّف الكرم، و الجبان يحبّ أن يعدّ شجاعا فيتكلّف الشجاعة، و قد راعى في هذه القرائن المطابقة فالتامّ بإزاء الناقص، و مادّ القامة بإزاء القصير، و الذكىّ بإزاء القبيح، و القريب بإزاء البعيد، و المعروف بإزاء المنكر، و أمّا القسمان الباقيان فأحدهما: تائه القلب متفرّق اللبّ، و هم العوامّ. و العامّة أتباع كل ناعق التائهون في تيه الجهل المتفرّقة أهواؤهم بحسب كلّ سانح من المطالب الدنيويّة و الخواطر الشيطانيّة، و الثاني: طليق اللسان حديد الجنان، و هو اللسن الزكىّ، و هذان القسمان مخالفان للأقسام الاولى في مناسبة ظاهرهما لباطنهما، و راعى في كلّ قرينتين من هذين القسمين السجع المتوازى. و باللّه التوفيق.

شرح‏ نهج‏ البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحه‏ى 115

 

خطبه 224 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام
أَلَا وَ إِنَّ اللِّسَانَ بَضْعَةٌ مِنَ الْإِنْسَانِ- فَلَا يُسْعِدُهُ الْقَوْلُ إِذَا امْتَنَعَ- وَ لَا يُمْهِلُهُ النُّطْقُ إِذَا اتَّسَعَ- وَ إِنَّا لَأُمَرَاءُ الْكَلَامِ وَ فِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ- وَ عَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونُهُ وَ اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّكُمْ فِي زَمَانٍ- الْقَائِلُ فِيهِ بِالْحَقِّ قَلِيلٌ- وَ اللِّسَانُ عَنِ‏ الصِّدْقِ كَلِيلٌ- وَ اللَّازِمُ لِلْحَقِّ ذَلِيلٌ- أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَى الْعِصْيَانِ- مُصْطَلِحُونَ عَلَى الْإِدْهَانِ فَتَاهُمْ عَارِمٌ- وَ شَائِبُهُمْ آثِمٌ وَ عَالِمُهُمْ مُنَافِقٌ- وَ فَارِئُهُمْ مُمَاذِقٌ لَا يُعَظِّمُ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ- وَ لَا يَعُولُ غَنِيُّهُمْ فَقِيرَهُمْ

أقول: روى أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قال هذا الكلام في واقعة اقتضت ذلك، و هى أنّه أمر ابن اخته جعدة بن هبيره المخزومى يوما أن يخطب الناس فصعد المنبر فحصر فلم يستطع الكلام فقام عليه السّلام: و تسنّم ذروة المنبر. ثمّ خطب خطبة طويلة. ذكر الرضى- رحمه اللّه- منها هذا الفصل.

اللغة
و البضعة: القطعة.

و نشبّت: تعلّقت.

و تهدّلت: تدلّت.

و العارم: الشرس سىّ‏ء الأخلاق.

و المماذق: الّذي يمزج الودّ و لا يخلصه، و هو نوع من النفاق.

المعنى
و الضمير في يسعده و يمهله للسان، و في امتنع و اتّسع للإنسان.
و المعنى أنّ اللسان لمّا كان آلة للإنسان يتصرّف بتصريفه إيّاه فإذا امتنع الإنسان عن الكلام لشاغل أو صارف لم يسعد اللسان القول و لم يواته، و إذا دعاه الداعى إلى الكلام و حضره و اتّسع الإنسان له لم يمهله النطق بل يسارع إليه، و يحتمل أن يعود الضمير في امتنع إلى القول، و في اتّسع إلى النطق: أى فلا يسعد القول اللسان إذا امتنع القول من الإنسان و لم يحضره لوهم أو نحوه أوجب حصره وعيّه و لم يمهله النطق إذا اتّسع عليه و حضره.

و قوله: و إنّا لامراء الكلام. استعار لفظ الامراء لنفسه و أهل بيته ملاحظة لكونهم مالكين لأزمّة الكلام يتصرّفون فيه تصرّف الامراء في ممالكهم، و استعار لفظ العروق لموادّ الكلام و اصوله و ملكاته المتمكّنة في قلوبهم، و استعار لفظ التنشّب، و كذلك استعار لفظ الغصون لما أمكنهم من تناوله رشّح بذكر التهدّل لأنّ من شأن الغصن ذلك. ثمّ عقّب بذكر الزمان و أهله، و يشبه أن يكون هذا فصلا منقطعا

عمّا قبله، و ذكر أوصافا: أحدها: قلّة القائلين فيه بالحقّ، و ذلك من الشرور اللاحقة لأهل الزمان فيه، و قد علمت ما قلناه في وصف كون الزمان سببا ما للشرّ و الخير عند قوله: أيّها الناس إنّا قد أصبحنا في دهر عنود و زمن كنود. الثاني: كون اللسان فيه كليلا عن الصدق، و السبب القريب للوصفين استيلاء الجهل و الظلم على أكابره و أهل الدنيا فيه. الثالث: ذلّ اللازمين للحقّ فيه، و هو لازم عن قلّتهم و ضعفهم بالنسبة إلى الباقين. الرابع: كون أهله معتكفين على العصيان، و أراد الأكثرين من الناس. الخامس: كونهم مصطلحين على الإدهان: أى المصانعة باللسان دون الإتّفاق بالقلوب، و يحتمل أن يريد بالإدهان الغشّ، و هو لغة قوم. السادس: وصفهم بحسب أصنافهم: فشابهم شرس الأخلاق لنشوه على غير أدب، و شائبهم آثم لجهله و غفلته عمّا يراد به، و عالمهم منافق لاستعماله فطنته في طرف الشرّ و إعراضه عن أوامر اللّه و طريق الآخرة، و قارئهم مماذق يظهر التودّد إلى الناس و ليس به. السابع: كونهم لا يعظّم صغيرهم كبيرهم، و ذلك لنشوهم على قلّة الآداب الشرعيّة و عدم التفاتهم إليها. الثامن: و لا يعول غنيّهم فقيرهم وصف لهم بالجفاوة و البخل. و باللّه التوفيق.

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحه‏ى 113

 

خطبه 223 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام

كلم به عبد اللّه بن زمعة، و هو من شيعته،و ذلك أنه قدم عليه فى خلافته يطلب منه مالا، فقال عليه السّلام:

إِنَّ هَذَا الْمَالَ لَيْسَ لِي وَ لَا لَكَ- وَ إِنَّمَا هُوَ فَيْ‏ءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَ جَلْبُ أَسْيَافِهِمْ- فَإِنْ شَرِكْتَهُمْ فِي حَرْبِهِمْ كَانَ لَكَ مِثْلُ حَظِّهِمْ- وَ إِلَّا فَجَنَاةُ أَيْدِيهِمْ لَا تَكُونُ لِغَيْرِ أَفْوَاهِهِمْ

أقول: هو عبد اللّه ابن زمعة بفتح الميم ابن أسود بن المطّلب بن أسود بن عبد العزّى بن قصّى بن كلاب. و كان من أصحاب علىّ و شيعته.

اللغة
و الجلب: المال المجلوب، و روى بالخا.

و جناة الثمر: ما يجنى منه.
المعنى
و ظاهر الكلام يقتضى أنّه استماحه عليه السّلام مالا فاعتذر إليه، و وجه العذر أنّه لم يكن ليجمع لنفسه مالا يخصّه و إنّما يجمع له معه ما كان لبيت مال المسلمين من فيئهم، و هو جلبة أسيافهم من مال الكفّار غنيمة، و نطق القرآن الكريم بقسمة خمسه بين من ذكر في قوله وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ«» و الأقسام الأربعة الباقية للقائمين الّذين باشروا القتال. فعند الشافعى للفارس ثلاثة أسهم و للراجل سهم، و عند أبى حنيفة للفارس سهمان و للراجل سهم، و هو مذهب أهل البيت عليهم السّلام. و يحمل منعه عليه السّلام له من الخمس على أنّه طلب من مال المقاتلة أو على أنّ الخمس كان قد قسّم أو على أنّه لم يكن من المساكين و هم أهل الفاقة و الفقر و لا ابن السبيل و هو المنقطع في سفره، و أمّا سهم اللّه فأجمع المفسّرون على أنّ ذكر اللّه هنا للتعظيم و إن اختلفوا في قسمة الخمس. فمنهم من قال: يقسّم خمسة أقسام لأنّ سهم اللّه و سهم الرسول للرسول فهو قسم واحد، و هو المرويّ عن ابن عبّاس و قتادة و جماعة من أهل التفسير، و منهم من قال: يقسّم أربعة أقسام، و منهم من قال: ثلاثة أقسام، و المرويّ عن أهل البيت عليه السّلام أنّه ينقسم ستّة أقسام فسهم اللّه و سهم رسوله للرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هما بعده مع سهم ذوى القربى للقائم مقامه ينفقها على نفسه و أهل بيته من بنى هاشم، و الثلاثة الأسهم الباقية لليتامى و المساكين و أبناء السبيل من أهل‏ بيت الرسول لا يشركهم فيها باقى الناس عوضا من الصدقات المحرّمة عليهم. و الأئمّة الأربعة على أنّ سهم الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان تصرف بعد عهده إلى ما أهمّ به من مصالح المسلمين من السلاح و الكراع. فإذن لم يكن أن يعطيه من سهم الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و ظاهر أنّه ليس من اولى القربى و لا اليتامى، و أمّا منعه من الأخماس الأربعة فلأنّها كانت للمقاتلة خاصّة و لم يكن هو منهم، و لذلك قال له: و إنّما هو في‏ء للمسلمين و جلب أسيافهم فإن شركتهم في حربهم كان لك مثل حظّهم، و قد نطق كلامه عليه السّلام هنا بأنّ الفى‏ء و الغنيمة واحد و إن كان قد يختصّ الفى‏ء عند بعضهم بما اخذ من مال الكفّار بغير قتال و هو قول الشافعى و المرويّ في أخبار الإمامية. و قوله: و إلّا: أى و إن لا تكن قد شركتهم، و استعار لفظ الجناة لما اكتسبوه بأيديهم من ذلك المال ملاحظة لمشابهته باقتطاف الثمرة و اجتنائها و هو من أفصح الاستعارات، و يجرى مجرى المثل يضرب لمن يطلب مشاركة غيره في ثمرة فعل فعله ذلك الغير و تعب فيه، و لمّا كان قوله: و إلّا. دالّا على مقدّم شرطيّة متّصلة تقديره و إلّا تكن قد شركتهم في حربهم. و نبّه بقوله: فجناة أيديهم. إلى آخره على تاليها. إذ كان مفهوم هذا القول دالّا على عدم استحقاق غير الجانى نصيبا ممّا جنّته يد الجانى فكأنّه قال: و إلّا شركتهم في حربهم فلا يكون لك نصيب فيما كسبته أيديهم. و الفاء لجواب الشرط المقدّر. و باللّه التوفيق.

شرح ‏نهج‏ البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 4 ، صفحه‏ى 113

 

خطبه 222 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام خطبها بذى‏قار و هو متوجه الى البصره

ذكرها الواقدى فى كتاب الجمل فَصَدَعَ بِمَا أُمِرَ بِهِ وَ بَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ- فَلَمَّ اللَّهُ بِهِ الصَّدْعَ وَ رَتَقَ بِهِ الْفَتْقَ- وَ أَلَّفَ بِهِ الشَّمْلَ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ- بَعْدَ الْعَدَاوَةِ الْوَاغِرَةِ فِي الصُّدُورِ- وَ الضَّغَائِنِ الْقَادِحَةِ فِي الْقُلُوبِ‏

 

اللغة

أقول:

ذوقار: موضع قريب من البصرة، و فيه كانت وقعة العرب مع الفرس قبل الإسلام.

و الصدع: الشقّ.

و الواغرة: ذات الوغرة: و هى شدّة توقّد الحرّ، و في صدره و غر: أى عداوة وضعن توقد من الغيظ. و عداوة واغرة: شديدة.

و الضغائن الأحقاد.

و الإشارة إلى أوصاف الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
فالأوّل: استعار له لفظ الصدع بما امر به من تبليغ الوحى
و وجه المشابهة أنّه شقّ بما جاء به الرسالة عصا الكفر و كلمة أهله، و فرّق ما اتّصل من أغشية الجهل على رءوس الكافرين و حجب الغفلة الّتي رانت على قلوبهم كما يصدع الحجر بالمعول و نحوه.
الثاني: ذكر تبليغه لرسالة ربّه
في معرض مدحه لكونه أداء أمانة عظم تبليغها و قدرها، و ذلك فضيلة تحت ملكة العفّة.
الثالث: كونه قد لمّ اللّه به الصدع، و رتق به الفتق،
و استعار لفظى الصدع و الرتق لما كان بين العرب من الافتراق و تشتّت الأهواء و اختلاف الكلمة و العداوات و الأحقاد حتّى أنّ أحدهم ك