نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 219 شرح میر حبیب الله خوئی

خطبه 221 صبحی صالح

221- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) قاله بعد تلاوته‏

أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ

يَا لَهُ مَرَاماً مَا أَبْعَدَهُ وَ زَوْراً مَا أَغْفَلَهُ وَ خَطَراً مَا أَفْظَعَهُ لَقَدِ اسْتَخْلَوْا مِنْهُمْ أَيَّ مُدَّكِرٍ وَ تَنَاوَشُوهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ

أَ فَبِمَصَارِعِ آبَائِهِمْ يَفْخَرُونَ أَمْ بِعَدِيدِ الْهَلْكَى يَتَكَاثَرُونَ يَرْتَجِعُونَ مِنْهُمْ أَجْسَاداً خَوَتْ وَ حَرَكَاتٍ سَكَنَتْ

وَ لَأَنْ يَكُونُوا عِبَراً أَحَقُّ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مُفْتَخَراً وَ لَأَنْ يَهْبِطُوا بِهِمْ جَنَابَ ذِلَّةٍ أَحْجَى مِنْ أَنْ يَقُومُوا بِهِمْ مَقَامَ عِزَّةٍ لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِأَبْصَارِ الْعَشْوَةِ وَ ضَرَبُوا مِنْهُمْ فِي غَمْرَةِ جَهَالَةٍ

وَ لَوِ اسْتَنْطَقُوا عَنْهُمْ عَرَصَاتِ تِلْكَ الدِّيَارِ الْخَاوِيَةِ وَ الرُّبُوعِ الْخَالِيَةِ لَقَالَتْ ذَهَبُوا فِي الْأَرْضِ ضُلَّالًا وَ ذَهَبْتُمْ فِي أَعْقَابِهِمْ جُهَّالًا

تَطَئُونَ فِي هَامِهِمْ وَ تَسْتَنْبِتُونَ فِي أَجْسَادِهِمْ وَ تَرْتَعُونَ فِيمَا لَفَظُوا وَ تَسْكُنُونَ فِيمَا خَرَّبُوا وَ إِنَّمَا الْأَيَّامُ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ بَوَاكٍ وَ نَوَائِحُ عَلَيْكُمْ

أُولَئِكُمْ سَلَفُ غَايَتِكُمْ وَ فُرَّاطُ مَنَاهِلِكُمْ الَّذِينَ كَانَتْ لَهُمْ مَقَاوِمُ الْعِزِّ وَ حَلَبَاتُ الْفَخْرِ مُلُوكاً وَ سُوَقاً

سَلَكُوا فِي بُطُونِ الْبَرْزَخِ سَبِيلًا سُلِّطَتِ الْأَرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ وَ شَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ

فَأَصْبَحُوا فِي فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً لَا يَنْمُونَ وَ ضِمَاراً لَا يُوجَدُونَ

لَا يُفْزِعُهُمْ وُرُودُ الْأَهْوَالِ وَ لَا يَحْزُنُهُمْ تَنَكُّرُ الْأَحْوَالِ وَ لَا يَحْفِلُونَ بِالرَّوَاجِفِ وَ لَا يَأْذَنُونَ لِلْقَوَاصِفِ غُيَّباً لَا يُنْتَظَرُونَ وَ شُهُوداً لَا يَحْضُرُونَ وَ إِنَّمَا كَانُوا جَمِيعاً فَتَشَتَّتُوا وَ آلَافاً فَافْتَرَقُوا

وَ مَا عَنْ طُولِ عَهْدِهِمْ وَ لَا بُعْدِ مَحَلِّهِمْ عَمِيَتْ أَخْبَارُهُمْ وَ صَمَّتْ دِيَارُهُمْ وَ لَكِنَّهُمْ سُقُوا كَأْساً بَدَّلَتْهُمْ بِالنُّطْقِ خَرَساً وَ بِالسَّمْعِ صَمَماً وَ بِالْحَرَكَاتِ سُكُوناً فَكَأَنَّهُمْ فِي ارْتِجَالِ الصِّفَةِ صَرْعَى سُبَاتٍ

جِيرَانٌ لَا يَتَأَنَّسُونَ وَ أَحِبَّاءُ لَا يَتَزَاوَرُونَ بَلِيَتْ بَيْنَهُمْ عُرَا التَّعَارُفِ وَ انْقَطَعَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ الْإِخَاءِ

فَكُلُّهُمْ وَحِيدٌ وَ هُمْ جَمِيعٌ وَ بِجَانِبِ الْهَجْرِ وَ هُمْ أَخِلَّاءُ لَا يَتَعَارَفُونَ لِلَيْلٍ صَبَاحاً وَ لَا لِنَهَارٍ مَسَاءً أَيُّ الْجَدِيدَيْنِ ظَعَنُوا فِيهِ كَانَ عَلَيْهِمْ سَرْمَداً

شَاهَدُوا مِنْ أَخْطَارِ دَارِهِمْ أَفْظَعَ مِمَّا خَافُوا وَ رَأَوْا مِنْ آيَاتِهَا أَعْظَمَ مِمَّا قَدَّرُوا فَكِلْتَا الْغَايَتَيْنِ مُدَّتْ لَهُمْ إِلَى مَبَاءَةٍ فَاتَتْ مَبَالِغَ الْخَوْفِ وَ الرَّجَاءِ فَلَوْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِهَا لَعَيُّوا بِصِفَةِ مَا شَاهَدُوا وَ مَا عَايَنُوا وَ لَئِنْ عَمِيَتْ آثَارُهُمْ وَ انْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُمْ لَقَدْ رَجَعَتْ فِيهِمْ أَبْصَارُ الْعِبَرِ وَ سَمِعَتْ عَنْهُمْ آذَانُ الْعُقُولِ وَ تَكَلَّمُوا مِنْ غَيْرِ جِهَاتِ النُّطْقِ فَقَالُوا كَلَحَتِ الْوُجُوهُ النَّوَاضِرُ وَ خَوَتِ الْأَجْسَامُ النَّوَاعِمُ

وَ لَبِسْنَا أَهْدَامَ الْبِلَى وَ تَكَاءَدَنَا ضِيقُ الْمَضْجَعِ وَ تَوَارَثْنَا الْوَحْشَةَ

وَ تَهَكَّمَتْ عَلَيْنَا الرُّبُوعُ الصُّمُوتُ فَانْمَحَتْ مَحَاسِنُ أَجْسَادِنَا وَ تَنَكَّرَتْ مَعَارِفُ صُوَرِنَا وَ طَالَتْ فِي مَسَاكِنِ الْوَحْشَةِ إِقَامَتُنَا وَ لَمْ نَجِدْ مِنْ كَرْبٍ فَرَجاً وَ لَا مِنْ ضِيقٍ مُتَّسَعاً

فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ بِعَقْلِكَ أَوْ كُشِفَ عَنْهُمْ مَحْجُوبُ الْغِطَاءِ لَكَ وَ قَدِ ارْتَسَخَتْ أَسْمَاعُهُمْ بِالْهَوَامِّ فَاسْتَكَّتْ وَ اكْتَحَلَتْ أَبْصَارُهُمْ بِالتُّرَاب فَخَسَفَتْ

وَ تَقَطَّعَتِ الْأَلْسِنَةُ فِي أَفْوَاهِهِمْ بَعْدَ ذَلَاقَتِهَا وَ هَمَدَتِ الْقُلُوبُ فِي صُدُورِهِمْ بَعْدَ يَقَظَتِهَا وَ عَاثَ فِي كُلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُمْ جَدِيدُ بِلًى سَمَّجَهَا وَ سَهَّلَ طُرُقَ الْآفَةِ إِلَيْهَا مُسْتَسْلِمَاتٍ فَلَا أَيْدٍ تَدْفَعُ وَ لَا قُلُوبٌ تَجْزَعُ

لَرَأَيْتَ أَشْجَانَ قُلُوبٍ وَ أَقْذَاءَ عُيُونٍ لَهُمْ فِي كُلِّ فَظَاعَةٍ صِفَةُ حَالٍ لَا تَنْتَقِلُ وَ غَمْرَةٌ لَا تَنْجَلِي

فَكَمْ أَكَلَتِ الْأَرْضُ مِنْ عَزِيزِ جَسَدٍ وَ أَنِيقِ لَوْنٍ كَانَ فِي الدُّنْيَا غَذِيَّ تَرَفٍ وَ رَبِيبَ شَرَفٍ يَتَعَلَّلُ بِالسُّرُورِ فِي سَاعَةِ حُزْنِهِ وَ يَفْزَعُ إِلَى السَّلْوَةِ إِنْ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ ضَنّاً بِغَضَارَةِ عَيْشِهِ‏ وَ شَحَاحَةً بِلَهْوِهِ وَ لَعِبِهِ

فَبَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إِلَى الدُّنْيَا وَ تَضْحَكُ إِلَيْهِ فِي ظِلِّ عَيْشٍ غَفُولٍ إِذْ وَطِئَ الدَّهْرُ بِهِ حَسَكَهُ وَ نَقَضَتِ الْأَيَّامُ قُوَاهُ

وَ نَظَرَتْ إِلَيْهِ الْحُتُوفُ مِنْ كَثَبٍ فَخَالَطَهُ بَثٌّ لَا يَعْرِفُهُ وَ نَجِيُّ هَمٍّ مَا كَانَ يَجِدُهُ وَ تَوَلَّدَتْ فِيهِ فَتَرَاتُ عِلَلٍ آنَسَ مَا كَانَ بِصِحَّتِهِ

فَفَزِعَ إِلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ الْأَطِبَّاءُ مِنْ تَسْكِينِ الْحَارِّ بِالْقَارِّ وَ تَحْرِيكِ الْبَارِدِ بِالْحَارِّ فَلَمْ يُطْفِئْ بِبَارِدٍ إِلَّا ثَوَّرَ حَرَارَةً وَ لَا حَرَّكَ بِحَارٍّ إِلَّا هَيَّجَ بُرُودَةً وَ لَا اعْتَدَلَ بِمُمَازِجٍ لِتِلْكَ الطَّبَائِعِ إِلَّا أَمَدَّ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ دَاءٍ

حَتَّى فَتَرَ مُعَلِّلُهُ وَ ذَهَلَ مُمَرِّضُهُ وَ تَعَايَا أَهْلُهُ بِصِفَةِ دَائِهِ وَ خَرِسُوا عَنْ جَوَابِ السَّاِئِلينَ عَنْهُ وَ تَنَازَعُوا دُونَهُ شَجِيَّ خَبَرٍ يَكْتُمُونَهُ

فَقَائِلٌ يَقُولُ هُوَ لِمَا بِهِ وَ مُمَنٍّ لَهُمْ إِيَابَ عَافِيَتِهِ وَ مُصَبِّرٌ لَهُمْ عَلَى فَقْدِهِ يُذَكِّرُهُمْ أُسَى الْمَاضِينَ مِنْ قَبْلِهِ

فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ عَلَى جَنَاحٍ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا وَ تَرْكِ الْأَحِبَّةِ إِذْ عَرَضَ لَهُ عَارِضٌ مِنْ غُصَصِهِ فَتَحَيَّرَتْ نَوَافِذُ فِطْنَتِهِ وَ يَبِسَتْ رُطُوبَةُ لِسَانِهِ

فَكَمْ مِنْ مُهِمٍّ مِنْ جَوَابِهِ عَرَفَهُ فَعَيَّ عَنْ رَدِّهِ وَ دُعَاءٍ مُؤْلِمٍ بِقَلْبِهِ سَمِعَهُ فَتَصَامَّ عَنْهُ مِنْ كَبِيرٍ كَانَ يُعَظِّمُهُ أَوْ صَغِيرٍ كَانَ يَرْحَمُهُ

وَ إِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِيَ أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ أَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ الدُّنْيَا

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج14  

و من كلام له عليه السلام و هو المأتان و التاسع عشر من المختار فى باب الخطب‏

بعد تلاوة ألهيكم التكاثر حتى زرتم المقابر، و رواه في البحار من كتاب عيون الحكم و المواعظ لعلى بن محمد الواسطى مرسلا كما في المتن، و شرحه في فصول:

الفصل الاول‏

يا له مراما ما أبعده، و زورا ما أغفله، و خطرا ما أفظعه، لقد استخلوا منهم أي مذكر، و تناوشوهم من مكان بعيد، أ فبمصارع آبائهم يفخرون، أم بعديد الهلكى يتكاثرون، يرتجعون منهم أجسادا خوت، و حركات سكنت، و لأن يكونوا عبرا أحق من أن يكونوا مفتخرا، و لأن يهبطوا بهم جناب ذلة، أحجى من أن يقوموا بهم مقام عزة، لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة، و ضربوا منهم في غمرة جهالة. و لو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية، و الربوع الخالية، لقالت: ذهبوا في الأرض ضلالا، و ذهبتم في أعقابهم جهالا، تطئون‏

في هامهم، و تستنبتون في أجسادهم، و ترتعون فيما لفظوا، و تسكنون فيما خربوا، و إنما الأيام بينكم و بينهم بواك و نوائح عليكم، أولئكم سلف غايتكم، و فراط مناهلكم، الذين كانت لهم مقاوم العز و حلبات الفخر ملوكا و سوقا سلكوا في بطون البرزخ سبيلا، سلطت الأرض عليهم فيه، فأكلت من لحومهم، و شربت من دمائهم، فأصبحوا في فجوات قبورهم جمادا لا ينمون، و ضمارا لا يوجدون، لا يفزعهم ورود الأهوال، و لا يحزنهم تنكر الأحوال، و لا يحفلون بالرواجف، و لا يأذنون للقواصف، غيبا لا ينتظرون، و شهودا لا يحضرون، و إنما كانوا جميعا فتشتتوا، و آلافا فافترقوا، و ما عن طول عهدهم و بعد محلهم عميت أخبارهم، و صمت ديارهم، و لكنهم سقوا كأسا بدلتهم بالنطق خرسا، و بالسمع صمما، و بالحركات سكونا، فكأنهم في ارتجال الصفة صرعى سبات.

اللغة

(الزور) بفتح الزاء و سكون الواو اسم يطلق على الواحد و الجمع كالضيف فيراد به الزائر و الزائرون و كذلك الزور بضم الزاء و فتح الواو و (الخطر) محركة الأشراف على الهلاك و (أى مذكر) بصيغة اسم الفاعل من‏

التذكير و في بعض النسخ أى مدكر مصدر ميمى من الادكار و أصله مدتكر قلبت تاؤه دالا و ادغم و (خوت) الدار و خويت خيا و خواء و خواية تهدمت و خلت من أهلها، و أرض خاوية خالية من أهلها، و الخوا بالقصر و المد خلو الجوف من الطعام.

و (الجناب) بفتح الجيم الفناء و (الحجى) العقل و الفطنة و هو حجى كفتى أى جدير و (العشوة) كالعشا مقصورة و العشاوة سوء البصر بالليل و (ضرب) في الماء سبح و ضرب في الأرض سار قال تعالى‏ إذا ضربتم في الأرض‏ و (غمرة) الشي‏ء شدته و معظمه و غمر الماء كثر و الغمر معظم البحر و (العرصة) كل بقعة من الدور واسعة ليس فيها بناء و الجمع عرصات و أعراص و عراص و (الربوع) جمع الربع و هي الدار حيث كانت و المحلة و المنزل و (الهام) جمع الهامة و هي الراس.

و (تستنبتون) بالنون من النبات و يروى بالثاء المثلثة بدل النون و (لفظه) رماه من فيه و (السلف) محركة كل من تقدمك من آبائك و أقوامك و غيرهم و الجمع أسلاف و سلاف و (الغاية) الحد الذى ينتهى إليه الشي‏ء و (الفرط) محركة المتقدم إلى الماء يطلق على الواحد و الجمع و (المنهل) المشرب و الموضع الذى فيه المشرب و المنزل يكون بالمفازة.

و (المقاوم) المقامة كالمفاوز و المفازة و هي المجلس و قال الشارح المعتزلي جمع القوم و هى الخشبة التي يمسكها الحراث و (حلبات) جمع حلبة كعرصات و عرصة و هي الخيل تجمع للسباق من كل أوب لا تخرج من اصطبل واحد و (سوق) وزان صرد جمع سوقة بالضم الرعية و (الفجوات) جمع فجوة و هي الفرجة و ساحة الدار و (لا ينمون) بتخفيف الميم من نمى ينمى و ينمو نموا و نميا و نماء زاد و يروى بالتشديد من النميمة و (الضمار) وزان كتاب كل ما لا يرجى رجوعه من المال و الدين و غيره.

و (حقل) القوم حفلا كاحتفل و تحفل اجتمعوا و (اذن) إليه و له من باب علم استمع معجبا و (الاف) جمع آلف مثل زهاد و زاهد و (ارتجل) الكلام تكلم‏ به من غير أن يهيأه و (صرعى) جمع صريع و هو المصروع من الصرع و هو الطرح على الأرض و (السبات) كغراب النوم.

الاعراب‏

قوله عليه السلام: يا له مراما ما أبعده، النداء للتعجب دخل على المتعجب منه فان هذا النداء إنما يستعمل في مقامين:

أحدهما أن يرى المتكلم أمرا عظيما عجيبا فينادى جنسه كقولهم يا للماء و للدواهى إذا تعجبوا من كثرتهما.

و الثاني أن يرى أمرا يستعظمه، فينادى من له نسبة إليه و مكنة فيه نحو يا للعلماء و غلب في المنادى المتعجب منه جره باللام كما في المنادى المستغاث و قد يستغنى عنها بالألف مثل يا عجبا.

و الضمير في له مبهم يفسره التميز بعده، و هذا من جملة المواضع التي جوزوا فيها عود الضمير على المتأخر لفظا و رتبة كما في نعم رجلا زيد، فان فاعل نعم ضمير يفسره رجلا و كذلك قوله تعالى‏ ساء مثلا القوم‏ و كبرت كلمة تخرج‏ و قال الزمخشري في قوله تعالى‏ إن هي إلا حياتنا الدنيا* هذا ضمير لا يعلم ما يعنى به إلا بما يتلوه، و أصله إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، ثم وضع هي موضع الحياة لأن الخبر يدل عليها و يبينها.

و مراما منصوب على التميز كما أشرنا إليه و هو رافع للابهام عن الضمير مقدر في المعنى بمن أى ياله من مرام، و جملة ما أبعده صفة لمراما، و ما فيها للتعجب مبتدأ خبره أبعده كما في قولهم ما أحسن زيدا قال سيبويه: هى نكرة تامة بمعنى شي‏ء لتضمنها معني التعجب و ما بعدها من الجملة الفعلية خبر و قال الفراء إنها استفهامية و هو المنقول عن الكوفيين و هو موافق لقولهم باسمية افعل لأن الاستفهام المشوب بالتعجب لا يليه إلا الأسماء نحو «ما أصحاب اليمين» و «مالى لا أرى الهدهد» قوله: و زورا ما أغفله، مأخوذ من فعل مفتوح العين من باب قعد و لكن بعد نقله إلى فعل مضموم العين لتصريح علماء الأدبية بأن فعل التعجب لا يبنى إلا من‏

فعل مضموم العين في أصل الوضع أو من المنقول إلى فعل إذا كان من غيره نحو ما اضرب و ما اقتل ليدل بذلك على أن التعجب منه صار كالغريزة لأن باب فعل موضوع لهذا المعنى.

و قوله: أى مذكر، بنصب أى لكونها حالا من ضمير منهم كما في قولك مررت بزيد أى رجل أى كاملا في الرجولية استفهام انكارى و قوله: أفى مصارع آبائهم الاستفهام للتوبيخ و الانكار، و قوله: يرتجعون منهم أجسادا الجملة لا محل لها من الاعراب لأنها استيناف بيانى.

و قوله: الذين كانت لهم مقاوم العز، الجملة في محل الرفع صفة لفراط و لهم خبر كانت قدم على الاسم للتوسع و قوله: ملوكا و سوقا منتصبان على الحال من لهم، و جمادا و ضمارا حالان من ضمير أصبحوا إن كانت تامة و إلا فخبران لها و قوله: طول عهدهم، متعلق بقوله: عميت، و قدم عليه للتوسع‏

المعنى‏

اعلم أن هذا الكلام مسوق في مقام الموعظة و النصيحة و ايقاظ المخاطبين من سبات الغفلة، و خصهم على الاعتبار بالماضين من الاباء و الأسلاف و الأقرباء و الالاف و الأوكار بأهل المقابر حيث نزلوا من معاقل العز و ذروة القصور إلى وهدة القبور فعميت عنهم الاثار و انقطعت عنهم الأخبار.

قاله عليه السلام بعد تلاوة قوله تعالى: ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر، أى شغلكم التفاخر في الكثرة و التغالب بها.

و ذكر المفسرون في تفسيره وجهين:

الأول أن المراد به‏ التكاثر بالعدد روى ان بنى عبد مناف و بنى سهم بن عمر و تفاخروا و تعادوا و تكاثروا بالسادات و الأشراف، فقال كل من الفريقين:

نحن أكثر منكم سيدا و أعز عزيزا و أعظم نفرا، فكثرهم بنو عبد مناف فقال بنو سهم:

ان البغى أفنانا في الجاهلية فعدوا مجموع أحيائنا و أمواتنا مع مجموع أحيائكم و أمواتكم، ففعلوا فكثرهم، فنزلت الاية و المعنى أنكم تكاثرتم بالأحياء

حتى إذا استوعبتم عددهم صرتم إلى التفاخر و التكاثر بالأموات فعبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة القبور تهكما بهم، و قيل: كانوا يزورون المقابر فيقولون:

هذا قبر فلان و هذا قبر فلان يفتخرون بذلك.

الوجه الثاني كنايه [ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر] أن المراد به التكاثر بالمال، و المعنى ألهيكم التكاثر بالأموال و طلب تكثيرها و الحرص على جمعها إلى أن متم و قبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا معرضين عما يهمكم من السعى للاخرة فتكون زيارة القبور كناية عن الموت.

و على كلا الوجهين فالاية واردة في مقام التوبيخ و التقريع على التكاثر، و حذف متعلق‏ ألهيكم‏ ليذهب الوهم و الخيال فيه كل مذهب، فيعم جميع ما يحتمله المقام من الالهاء عن ذكر الله و عن الواجبات و المندوبات في المعرفة و الطاعة و التدبر و التفكر، و محصله إلهاء التكاثر بالأمور الدنيوية عن الأمور الدينية و الأخروية.

و ربما ايد الوجه الثاني بما روى عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنه تلا هذه السورة فقال: يقول ابن آدم مالى مالى و مالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت.

و يدل على الأول كلام أمير المؤمنين عليه السلام هنا لانكاره عليهم التكاثر بعديد الهلكى و التفاخر بمصارع الاباء و تعجبه من التكاثر و التفاخر مزيد التعجب بقوله‏ (ياله مراما ما أبعده) و فيه من الدلالة على المبالغة في التعجب ما لا يخفى، حيث أتا بنداء التعجب أولا و بلام التعجب ثانيا، و بالضمير المبهم المفسر بما بعده لوقعه في النفوس ثالثا و بماء التعجب رابعا و بأفعل التعجب خامسا و المعنى يا عجبا من مرام هو من البعد بمكان، و بالغ في التعجب به غايته.

و المراد بالمرام‏ هو ما كان مقصدهم من التفاخر من إثبات الفخر و المنقبة لأنفسهم و لو بعدد الأموات، فبين عليه السلام أن ذلك المرام بعيد جدا، لأن الفخر بالميت كالفخر بالجماد في جنب الانسان فحصوله به غير ممكن و طلبه تحصيل لما يتحصل، و ما شأنه ذلك فهو أحرى بأن يتعجب منه.

و بعد التنزل عن ذلك نقول: إن التفاخر إنما يكون باثبات الانسان نوعا من أنواع الكمال لنفسه و خيال الكمال ثلاثة: أحدها في النفس، و الثاني في البدن و الثالث فيما له ربط بالبدن من خارج أما الذى في النفس فهى العلوم و المعارف و الأخلاق الفاضلة التي بها تنال السعادة الأبدية.

و أما الذى في البدن فهي الصحة و الجمال.

و أما الذى له ربط بالبدن فقسمان: أحدهما ضرورى و هو المال و الجاه، و الاخر غير ضروري و هو القوم و الأقرباء، و هذا الذى عددناه في المرتبة الثالثة إنما يراد كله للبدن بدليل أنه إذا تألم عضو من أعضائه يجعل المال و الجاه فداء له، و أما الكمال البدنى من الصحة و السلامة من الافات فانما يريده العقلا للنيل به إلي الكمال النفساني فانه ما لم يكن صحيح البدن لا يتفرغ لاكتساب الكمال النفساني المحصل للسعادة الدائمة.

إذا عرفت ذلك فنقول: العاقل ينبغي أن يكون دائما نظره إلى الأهم و الأفضل و يقدمه على غيره، فالتفاخر بكثرة العدد و كذا بالمال و الجاه تفاخر بأحسن مراتب الكمال و مانع من تحصيل السعادة النفسانية بالعلم و العمل، فيكون ذلك ترجيحا لأحسن المراتب في الكمال على أشرفها و أفضلها و هو مورد التعجب.

و قوله‏ (و زورا ما أغفله) و الكلام في إفادته للمبالغة كالكلام في سابقه.

و المراد بالزور الزائرون للمقابر المتفاخرون بهم و التعجب من غفلتهم لجعلهم الأموات التي هى محل الاعتبار مناطا للافتخار و موضع العبرة عددا للكثرة غافلين عن الصواب معرضين عما ينفعهم في الماب.

و فيه أيضا من الدلالة على تماديهم في الغفلة ما لا يخفى، لاشتراطهم في فعل التعجب أن لا يبني إلا مما وقع و استمر حتى يستحق أن يتعجب منه، و يضاف إلى ذلك ما قدمناه من اشتراطهم أيضا بنائه من فعل مضموم العين ليدل على أن المتعجب منه صار كالغريزة.

و قوله‏ (و خطرا ما أفظعه) و الكلام فيه كما فى سابقيه.

و المراد بالخطر الهلاك هلاك من في المقابر المشار إليه بقوله تعالى‏ زرتم المقابر و أشار عليه السلام بقوله: ما أفظعه‏ إلى شدة شناعته و غاية قباحته، لأن كل شنيع حقير عند شناعة الموت، فان المرء عند الموت و حالة الاحتضار في سكرة ملهية و غمرة كارثة و أنه موجعة و جذبة مكربة و سوقة متعبة، و هو بين أهله لا ينطق بلسانه و لا يسمع بسمعه يردد طرفه بالنظر في وجوههم يرى حركات ألسنتهم و لا يسمع رجع كلامهم، ثم قبض بصره كما قبض سمعه و بعد ما خرج الروح من جسده صار جيفة بين أهله قد أوحشوا من جانبه و تباعدوا من قربه، ثم حمل إلى دار غربته و منقطع زورته، و ابتلى هنا لك ببهتة السؤال و عثرة الامتحان متقلبا بين أطوار الموتات و عقوبات الساعات و نزل الحميم و تصلية الجحيم، فأى شي‏ء يكون أعظم فظاعة منه.

و لما نبه عليه السلام على عظم فظاعة هلاك المزورين تعريضا به على الزائرين حيث لم يعتبروا بهم مع كونهم محل العبرة أكده بقوله:

(لقد استخلوا منهم أى مذكر) أى استخلوا الديار، فالمفعول محذوف و المعنى أن الزائرين المتفاخرين بالأموات وجدوا الديار خالية منهم أى من المزورين حالكونهم كاملين في التذكير و الادكار و هذا المعنى أقرب و أنسب مما ذكره الشارح المعتزلي حيث قال: أراد باستخلوا ذكر من خلا من آبائهم أى من مضى، و المعنى أنه عليه السلام استعظم ما يوجبه حديثهم عما خلا و عمن خلا من أسلافهم و آثار أسلافهم من التذكير فقال أى مذكر و واعظ في ذلك.

(و تناوشوهم من مكان بعيد) أى تناولوهم‏ من مكان بعيد بينهم و بينهم بعد المشرقين بل يزيد لبقاء المتناوشين في الدنيا و مصير الاخرين إلى الاخرة فكيف يمكن لمن في الدنيا تناول من في الاخرة و تفاخره به و كسب الفخر و الشرف منه لنفسه و قد قال تعالى في عكس ذلك «و أنى لهم التناوش من مكان بعيد» أى كيف يمكن لهم تناول الايمان في الاخرة و قد كفروا به في الدنيا، يعنى ما محله الدنيا لا يمكن أن يتناوله من هو فى الاخرة لغاية بعد الدارين و تباعد النشأتين.

و لما ذكر تناوشهم من مكان بعيد تعريضا به عليهم أردفه بقوله استفهام توبيخى- استفهام انكارى‏ (أ فبمصارع آبائهم يفخرون) تقريعا و توبيخا، و أكد بقوله‏ (أم بعديد الهلكى يتكاثرون) انكارا.

و لما كان هنا مقام أن يسأل عن علة إنكاره للتكاثر الهلكى وجهة تقريعه و توبيخه لهم به أجاب عن ذلك بقوله‏ (يرتجعون منهم أجسادا) يعنى استحقاقهم للتوبيخ و الملام من جهة أنهم يطلبون من الهلكى رجوع أجسادهم إلى الدنيا و هو طلب غير عقلانى لأن تلك الأجساد قد (خوت) أى خلت من الأرواح و ارتفعت عليها الحياة فرجوعها إلى الدنيا محال و طالب المحال يعد في زمرة السفهاء و يستحق الطعن و التعزير و الانكار.

فان قلت: ما معنى ارتجاعهم للأجساد؟

قلت: إنهم حيث تكاثروا بالأموات و تفاخروا بهم فكأنهم طلبوا منهم أن يرجعوا إلى الدنيا و يدخلوا في حزبهم فيكثر بهم عددهم و يتم به فخرهم و شرفهم.

(و) يطلبون أيضا رجوع‏ (حركات سكنت) أى يرتجعون من الأموات حركات أبدانهم ليتحركوا إليهم و يدخلوا في زمرتهم، و هو أيضا طلب للمحال لأن تلك‏ الحركات‏ قد فنت و نفدت و تبدلت بالسكون بطرو الموت عليها و ما هو كذلك فلا يطلبه العاقل.

ثم أكد التوبيخ بقوله‏ (و لأن يكونوا عبرا أحق من أن يكونوا مفتخرا) لأن مقامهم مقام الاعتبار لا مقام الافتخار (و لأن يهبطوا بهم جناب ذلة أحجى) و أجدر (من أن يقوموا بهم مقام عزة) لأنهم بأنفسهم في بيت الوحدة و دار الوحشة على غاية الابتذال و الذلة صار و اعظاما نخرة و أجزاء متفتتة و جيفا منتنة يهرب منها الحيوان و يتنفر منها كل انسان و يكرهها لشدة الانتان بل صاروا أوراثا في أجواف الديدان، و من هذا حاله فينبغي أن يهرب منه و يتنفر لا أن يتعزز به و يفتخر، بل ينبغي أن يدفع قرابته و تنكر لأن النسبة إليه تورث الذلة و تبطل العزة بجلب الابتذال و الانكسار لا الشرف و الافتخار.

(لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة) أى بأبصار مريضة و لذلك خفيت عليهم معايبهم‏ (و ضربوا منهم في غمرة جهالة) أى خاضوا من ذكر هؤلاء الموتى في بحر الجهل و الغفلة و لذلك افتخروا بمصارعهم.

(و لو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار) أى ديارهم‏ (الخاوية) منهم‏ (و الربوع) أى منازلهم‏ (الخالية) عنهم‏ (لقالت) بلسان حالها (ذهبوا في الأرض ضلالا) هالكين‏ (و ذهبتم في أعقابهم جهالا) غافلين‏ (تطئون في هامهم) أى تمشون في رؤوسهم، و تخصيصها بالذكر لأنها أشرف الأعضاء و الوطئ عليها أبلغ في إظهار استهانتهم المنافية للمفاخرة بهم المسوق له الكلام، و قد أخذ أبو العلاء المعري هذا المعنى في نظمه قال:

خفف الوطئ ما أظن اديم‏ الأرض إلا من هذه الأجساد
رب لحد قد صار لحدا مرارا ضاحك من تزاحم الأضداد
و دفين على بقايا دفين‏ من عهوده الاباء و الأجداد
صاح هذا قبورنا تملاء الأرض‏ فأين القبور من عهد عاد
سران استطعت في الهواء رويدا لا اختيالا على رقاب العباد

(و تستنبتون في أجسادهم) أى تنبتون فيها النباتات و تزرعون الزراعات لأن أديم الأرض الظاهر إذا كان من أبدان الأموات يكون الزرع لا محالة في التراب المستحيل من أجزاء الحيوانات، و على رواية تستثبتون بالثاء فالمراد أنكم تنصبون في أجسادهم الأشياء المثبتة من الأوتاد و الدعائم و الأساطين و غيرها.

(و ترتعون فيما لفظوا) أى تأكلون مما تركوا كنايه‏ (و تسكنون فيما خربوا) أى تسكنون في بيوت ارتحلوا عنها و فارقوها، فان البيوت إنما تكون عامرة بأهلها، فالتخريب كناية عن الارتحال أو المراد أنهم لم يعمروها بالعبادة و الطاعات و قد فسرت العمارة في قوله تعالى‏ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله‏ بذلك قالوا: عمارتها شغلها بالعبادة و تجنب أعمال الدنيا و اللهو و إكثار زيارتها.

و قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: قال الله تعالى: «إن بيوتى في الأرض المساجد و إن زوارى فيها عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتى فحق على المزور أن يكرم زائره».

(و إنما الأيام بينكم و بينهم بواك و نوائح عليكم) يعنى الأيام و الليالى التي بينكم و بين الأموات و هى بقية زمان حياتكم و تحدوكم لالتحاقكم بهم تبكى و تنوح عليكم لمفارقتها إياكم.

(اولئكم سلف غايتكم) أى المتقدمون إلى الموت الذى هو غايتكم‏ و غايتهم لانتهاء كل ذى روح إليها (و فراط مناهلكم) أى سابقوكم إلى مشارب الاخرة و منازلها و ردوا إليها فشربوا من كأس الموت المصبرة و تجرعوا من نغب سهام الاخرة و غصص أقداح البرزخ جرعة بعد جرعة.

(الذين كانت لهم مقاوم العز) أى مجالسه استعاره‏ (و حلبات الفخر) أى خيل السباق و الصافنات الجياد التي يفتخر بها، و يحتمل أن تكون حلبات الفخر استعارة عن أسباب الفخر التي توجهت إليهم من كل جهة كما تجمع الحلبات من كل اوب‏ (ملوكا و سوقا) أى بعضهم سلاطين و بعضهم رعايا.

(سلكوا في بطون البرزخ سبيلا) قال الشارح المعتزلي‏ البرزخ‏ الحاجز بين الشيئين و البرزخ‏ ما بين الدنيا و الاخرة من وقت الموت إلى البعث فيجوز أن يكون‏ البرزخ‏ في هذا الموضع القبر لأنه حاجز بين الميت و بين أهل الدنيا، و يجوز أن يريد به الوقت الذى بين حال الموت إلى حال النشور، و الأول أقرب إلى مراده عليه السلام لأنه قال: في بطون البرزخ‏ و لفظة البطون‏ يدل على التفسير الأول، انتهى.

أقول أما أن‏ البرزخ‏ بمعنى الحاجز فعليه قوله تعالى‏ بينهما برزخ لا يبغيان‏ و أما أنه من حين الموت إلى وقت البعث فعليه قوله تعالي‏ و من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون‏.

و أما كونه بمعنى القبر فيدل عليه ما في البحار عن علي بن الحسين عليهما السلام أنه تلا هذه الاية و قال: هو القبر، و ان لهم فيه لمعيشة ضنكا، و الله إن القبر لروضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران، و في مجمع البحرين في حديث الصادق عليه السلام البرزخ القبر و هو الثواب و العقاب و بين الدنيا و الاخرة.

و أما أن المراد بالبرزخ‏ هنا القبر فيؤيده ما روى عن بعض النسخ من بطون القبور بدل بطون البرزخ.

و أما تأييد إرادته بلفظة البطون‏ كما زعمه الشارح فلا، بل دلالتها علي المعنى الثاني أظهر، إذ لو أراد الأول لكان الأنسب أن يقال في بطن البرزخ بصيغة المفرد و إن كان يمكن تصحيحه بجعل اللام في البرزخ للجنس و لعل نظر الشارح إلى أن‏ البرزخ‏ بالمعنى الثاني ليس له بطن بخلاف القبر. و يدفعه أن بطن كل شي‏ء جوفه و ما خفى منه فيراد ببطون البرزخ‏ على المعنى الثاني ما خفى علينا و احتجب عنا نشاته و حالاته.

و كيف كان تشبيه [سلكوا في بطون البرزخ سبيلا] شبه مكثهم في البرزخ إلى حين البعث الذى هو غايتهم بمن سلك طريقا يسلك به إلى منزله، فاستعار عليه السلام له لفظ السلوك.

ثم أشار عليه السلام إلى بعض حالاتهم البرزخية فقال‏ (سلطت الأرض عليهم فيه) أى في البرزخ استعاره‏ (فأكلت لحومهم و شربت من دمائهم) نسبة الأكل و الشرب إلى الأرض من باب المجاز و الاستعارة، فان المأكول و المشروب يصيران جزء من بدن الاكل الشارب، فحيث إن أبدانهم في البرزخ تصير بعد البلى ترابا و تنقلب بالأجزاء الأرضية فكان الأرض كانت لهم آكلة شاربة.

(فأصبحوا في فجوات قبورهم جمادا لا ينمون) أى صاروا في فرج القبور بمنزلة الجماد الذى لا ينمو و لا يزيد لبطلان حياتهم بالموت، و النمو و الزيادة من توابع الحياة كنايه‏ (و ضمارا لا يوجدون) كناية عن كونهم غيبا لا يرجى رجوعهم.

(لا يفزعهم ورود الأهوال) أى لا يخافون من توارد أهاويل الدنيا و أفزاعها عليهم لخروجهم منها و كونهم من أهل العالم الاخر (و لا يحزنهم تنكر الأحوال) أى تقلب الحالات الدنيوية و تغيراتها الموجبة لحزن أهلها.

كنايه‏ (و لا يحفلون بالرواجف) أى لا يجتمعون بالزلازل و لا يبالون بها، و لعله كناية عن عدم مبالاتهم بالدواهى الدنيوية الموقعة في الاضطراب‏ (و لا يأذنون للقواصف) أى لا يصغون إلى الأصوات الشديدة الهايلة كصوت الرعد و الأعاصير و غيرها.

(غيبا لا ينتظرون) أى لا ينتظر الناس عودهم‏ (و شهودا لا يحضرون) أى شاهدين صورة حاضرين بالأبدان غير حاضرين حقيقة لغيابهم بالأرواح‏ (و إنما كانوا جميعا فتشتتوا) و كانوا مجتمعين فتفرقوا (و الافا فافترقوا) أى مؤتلفين‏ فافترقوا بالموت كما قال الشاعر:

و كنا باجتماع كالثريا ففرقنا الزمان بنات نعش‏

(و ما عن طول عهدهم) و زمانهم‏ (و) لا (بعد محلهم) و مكانهم‏ (عميت) أى خفيت‏ (أخبارهم‏ مجاز و صمت ديارهم) إسناد الصمم إلى الديار من التوسع كما فى قولهم: سال الميزاب و جرى النهر.

و المراد أن خفاء أخبارهم عن الأحياء ليس من جهة طول العهد و بعد المكان بين الطرفين، و كذلك صمم ديارهم أي قبورهم و مزارهم حيث لا تجيب داعيا و لا تكلم مناديا ليس من جهة عدم وصول ندائهم و بلوغ أصواتهم إليها ببعد المسافة (و لكنهم سقوا كأسا) اليؤس للتفخيم أى‏ كأسا و بيئة فيها سم ناقع شديد المرارة عظيم التأثير و هي كأس الموت‏ (بدلتهم بالنطق خرسا) فلا يستطيعون أن يجيبوا داعيا و لا أن يخبروا عن حالهم و (بالسمع صمما) فلا يقدرون أن يستمعوا مناديا و يردوا جواب كلامه‏ (و بالحركات سكونا) أى‏ حركات‏ الألسنة و الصماخ و ساير الأعضاء و الجوارح سكونها، فعجزوا عن التكلم و الاصغاء و عن الحركة و السعى إلى الاحياء و عن ايصال أحوالهم إليهم.

تشبيه‏ (فكأنهم في ارتجال الصفة صرعى سبات) يعنى إذا وصفهم واصف مرتجلا بلا سبق تأمل و روية شبههم بمصروعى‏ سبات‏ أى يقول إنهم سقطوا في الأرض للنوم فان النوم و الموت أخوان و لا شي‏ء أشد شباهة من النائم بالميت و لا من‏ الميت بالنائم.

و قد أخذ الماتن الشريف أبو الحسن الرضى معنى الفقرات الأخيرة في نظمه حيث قال:

و لقد حفظت له فأين حفاظه‏ و لقد وفيت له فأين وفاؤه‏
أدعا الدعاء فلم يجبه قطيعة أم ضل عنه من البعاد دعاؤه‏
هيهات أصبح سمعه و عيانه‏ في الترب قد حجبتهما اقذاؤه‏
يمسى و لين مهاده حصباؤه‏ فيه و مونس ليله ظلماؤه‏
قد قلبت أعيانه و تنكرت‏ أعلامه و تكشفت أضواؤه‏
معف و ليس للذة إعفاؤه‏ مغض و ليس لفكرة أغضاؤه‏

و البيت الأخير مأخوذ من آخر كلامه عليه السلام و هو قوله: صرعى سبات‏

الترجمة

از جمله كلام بلاغت و فصاحت نظام آن امام رفيع المقامست بعد از تلاوت آيه مباركه أليهكم التكاثر حتى زرتم المقابر.

مرويست از مقاتل و كلبى كه بنى عبد مناف و بنى سهم بر يكديگر تفاخر كردند بكثرت مردم قبيله و هر يكى گفتند كه مردمان ما بيشترند و سادات و أشراف در ميان ما زيادتر، چون تعداد مردمان يكديگر كردند و همه را شمردند بنى عبد مناف غالب آمدند، بنى سهم گفتند بسيارى از مردمان ما را در زمان جاهليت كشتند بايد مرده و زنده قبيله طرفين را بشماريم، چون بدين نوع شمردند بنى سهم زياد آمد، حق سبحانه و تعالى در مذمت ايشان سوره تكاثر را نازل ساخت، و فرمود ألهاكم التكاثر يعنى مشغول كرد شما را مفاخرت بر يكديگر به بسيارى قبيله‏ حتى زرتم المقابر تا اين كه گورستانها را زيارت كرديد يعنى از زندگان گذشتيد و مردگان را بشمار آورديد حضرت أمير مؤمنان بعد از تلاوة اين آيه فرمودند.

أى بسا تعجب أز مقصودى كه چه قدر دور است آن، و از زيارت كننده‏ قبورى كه چه اندازه با غفلتست آن، و از هلاكتى كه بسيار زشت و شنيع است آن، بتحقيق كه خالى يافتند شهرها را از ايشان در حالتى كه كامل ياد آورنده بودند و تناول كردند ايشان را از مكان دورى، پس آيا به مكانهاى افتادن و مردن پدران خود فخر مى‏كنند، يا بشماره هلاك شدگان اظهار كثرت مى‏نمايند، طلب برگشتن مى‏كنند از ايشان بدنهائى را كه افتاده‏اند بزمين، و حركاتى را كه مبدل شده بسكون، و هر آينه اگر شوند آن هلاك شدگان مايه عبرت ايشان سزاوارتر است از اين كه شوند مايه مفاخرت ايشان، و اگر نزول كنند بسبب ايشان در ناحيه حقارت خردمندانه‏تر است از اين كه بايستند بسبب ايشان در مقام عزت، بتحقيق كه نگاه كردند بسوى ايشان بديدهاى معيوب شب كور، و سير كردند از ايشان در درياى جهالت.

و اگر استنطاق نمايند از حال ايشان عرصه‏ هاى اين شهرهاى خراب شده و منزلهاى خالى از سكنه را هر آينه مى‏گويند آن عرصه‏ها بزبان حال كه رفتند ايشان در زير زمين در حالتى كه گمراهان بودند، و رفتيد شما در عقب ايشان در حالتى كه بوديد كام مى‏ گذاريد در كله‏ هاى سر ايشان، و نباتات مى ‏رويانيد در جسدهاى ايشان، و چرا مى ‏كنيد در چيزى كه ايشان انداختند، و ساكن مى‏ شويد در مكانى كه ايشان خراب كردند، و جز اين نيست كه روزها ميان شما و ميان ايشان گريه كنندگان و نوحه كنندگانند بر شما، ايشان پيش روندگان مقصد شمايند و پيش رفتگان منزلگاه شما آن چنان اشخاصى كه بود از براى ايشان مقامها يا قائمه‏ هاى عزت و اعتبار، و مايه‏هاى مفاخرت و افتخار، در حالتى كه پادشاهان و رعايا بودند.

راه رفتند در شكمهاى عالم برزخ، مسلط كرديده شد زمين بر ايشان در آن برزخ قبر، پس خورد از گوشتهاى ايشان و آشاميد از خونهاى ايشان، پس صباح كردند در شكافهاى قبرهاى خودشان در حالتى كه جمادى بودند كه نمو نمى ‏كردند، و غايبى بودند كه اميد مراجعت ايشان نبود، نمى‏ ترساند ايشان را وارد شدن خوفهاى دنيا، و غمگين نمى ‏سازد ايشان را تغير و انقلاب حالات دنيا، و مجتمع نمى ‏شوند بسبب خوف زلزلها و گوش نمى ‏دهند آوازهاى سخت و مهيب دنيا را، غايبانى باشند كه انتظار كشيده نمى ‏شوند، و حاضرانى باشند كه حاضر نمى ‏شوند.

و جز اين نيست كه بودند مجتمع با يكديگر پس متفرق شدند، و با الفت بودند پس جدا گشتند، و نه از جهت طول عهد و نه از جهت دورى مكان كور و پنهان گرديد خبرهاى ايشان و كر گرديد شهرهاى ايشان و ليكن آشاماندند بايشان جام مرگى را كه تبديل كرد گويائى ايشان را بلالى، و شنوائى ايشان را به كرى، و حركت را بسكون، پس گويا ايشان در ارتجال صفت افتادگان بي هوشيند، يعنى اگر كسى بخواهد بدون فكر و مقدمه بيان حال و صفت ايشان نمايد مى ‏گويد كه افتاده و خوابيده‏اند و بى‏هوشند.

الفصل الثاني‏

جيران لا يتأنسون، و أحباء لا يتزاورون، بليت بينهم عرى التعارف، و انقطعت منهم أسباب الإخاء، فكلهم وحيد و هم جميع، و بجانب الهجر و هم أخلاء، لا يتعارفون لليل صباحا، و لا لنهار مساء، أي الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا، شاهدوا من أخطار دارهم أفظع مما خافوا، و رأو من آياتها أعظم مما قدروا، فكلتا الغايتين مدت لهم إلى مباءة فاتت مبالغ الخوف و الرجاء، فلو كانوا ينطقون بها لعيوا بصفة ما شاهدوا و ما عاينوا، و لئن عميت آثارهم و انقطعت‏

أخبارهم لقد رجعت فيهم أبصار العبر، و سمعت عنهم آذان العقول، و تكلموا من غير جهات النطق، فقالوا: كلحت الوجوه النواضر، و خوت الأجساد النواعم، و لبسنا أهدام البلى، و تكائدنا ضيق المضجع، و توارثنا الوحشة، و تهكمت علينا الربوع الصموت، فانمحت محاسن أجسادنا، و تنكرت معارف صورنا، و طالت في مساكن الوحشة إقامتنا، و لم نجد من كرب فرجا، و لا من ضيق متسعا. فلو مثلتهم بعقلك، أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك، و قد ارتسخت أسماعهم بالهوام فاستكت، و اكتحلت أبصارهم بالتراب فخسفت، و تقطعت الألسنة في أفواههم بعد ذلاقتها، و همدت القلوب في صدورهم بعد يقظتها، و عاث في كل جارحة منهم جديد بلى سمجها، و سهل طرق الافة إليها مستسلمات، فلا أيد تدفع، و لا قلوب تجزع، لرأيت أشجان قلوب، و أقذاء عيون، لهم من كل فظاعة صفة حال لا تنتقل، و غمرة لا تنجلي.

اللغة

(المباءة) بالمد و الفتح المنزل كالبيأة و الباءة و يقال: إن المباءة هو الموضع الذى تبوء أى ترجع إليه الابل ثم جعل عبارة عن المنزل و قوله‏ (لعيوا) بتشديد الياء من عى بالأمر و عن حجته يعيى من باب تعب عيا عجز عنه، و قد يدغم في الماضى و يقال عى و عليه قوله: لعيوا، و في شرح المعتزلي و روى لعيوا بالتخفيف كما تقول حيوا قالوا: ذهب الياء الثانية لالتقاء الساكنين لأن الواو ساكنة و ضمت الياء الاولى لأجل الواو.

و (كلح) يكلح من باب منع كلوحا تكشر في عبوس و (نضر) نضارة حسن و (الأهدام) جمع الهدم بالكسر الثوب البالى و المرقع و (تكاءد) في الأمر و تكادنى من باب تفاعل و تفعل شق على، و عقبة كئود أى صعب و (التهكم) التهدم في البئر و نحوه، و في بعض النسخ تهدمت بدل تهكمت قال الشارح المعتزلي يقال تهدم فلان على فلان غضبا إذا اشتد غضبه، و يجوز أن يكون تهدمت أى تساقطت قال: و روى تهكمت بالكاف و هو كقولك تهدمت بالتفسيرين جميعا، و (رسخ) الغدير يرسخ من باب منع رسوخا نش ماؤه و نضب فذهب، و رسخ المطر نضب نداؤه في الأرض و (الهوام) بتشديد الميم جمع الهامة بالتشديد أيضا مثل دواب و دابة قال الأزهري: ماله سم يقتل كالحية، و قال الفيومى: و قد تطلق الهوام على ما لا يقتل كالحشرات، و لسان (ذلق) ذرب و ذلق السكين حدده و (الهمود) الموت و طفوء النار و ذهاب حرارتها و (عاثه) يعيثه من باب ضرب أفسده.

الاعراب‏

قوله: و هو جميع الجملة في محل النصب على الحال، و كذلك قوله:

و هم أخلاء، و قوله: أى الجديدين مبتدأ خبره كان، و قوله: و لئن عميت الواو للقسم و المقسم به محذوف و اللام موطئة عند سيبويه و زايدة عند غيره، و جواب القسم قوله: لقد رجعت و استغنى به عن جواب الشرط كما في قوله تعالى‏ لئن أخرجوا لا يخرجون معهم و لئن قوتلوا لا ينصرونهم‏ و هذه قاعدة مطردة، فان القسم و الشرط إذا اجتمعا في الكلام فالجواب للمتقدم منهما و يستغنى عن جواب الثاني لقيام جواب الأول مقامه، و القسم المقدر في حكم المقسم الملفوظ كما صرح به ابن الحاجب في الكافية و نجم الأئمة الرضى في شرحه و قوله: و قد ارتسخت، الجملة فى محل النصب على الحال من مفعول مثلتهم، و قوله: مستسلمات‏

حال من ضمير إليها و قوله: لرأيت أشجان قلوب جواب لو مثلتهم.

المعنى‏

اعلم أنه لما افتتح كلامه في الفصل السابق بالتوبيخ و التعريض على المتكاثرين بالأموات، و استطرد بشرح حال الموتى في البرزخ و ابانة فظايعهم اتبعه بهذا الفصل للتنبيه على بقية حالاتهم فقال:

(جيران لا يتأنسون و أحباء لا يتزاورون) يعنى أنهم‏ جيران‏ لقرب قبورهم و لكن لا يقدرون على الاستيناس، لأن الموانسة من صفات الأحياء، و أحباء لقرب أبدانهم فيها أو لمحابتهم في دار الدنيا و لكن لا يستطيعون التزاور لأن الزيارة من حالات المتصفين بالحس و الحياة و هو عبارة اخرى لقوله عليه السلام في بعض كلماته تدانوا في خططهم و قربوا فى مزارهم و بعدوا في لقائهم.

(بليت بينهم عرى التعارف و انقطعت منهم أسباب الاخاء) يعنى أنهم مع ما كانوا عليه في الدنيا من معرفة بعضهم بعضا و المحبة و المودة و الاخوة التي كانت بينهم، فقد بليت عراها يعنى وصلها و اندرست و انقطعت حبالها و انفصمت بحلول الموت و نزول الفناء و الفوت.

(فكلهم وحيدوهم جميع و بجانب الهجر و هم أخلاء) أى كل واحد منهم‏ وحيد حقيقة و هم مع ذلك مجتمعون صورة لاجتماع مقابرهم، و كل منهم في جانب الهجر واقعا مع خلتهم ظاهرا بمقتضى قرب الجوار، أو المراد بالاجتماع و الخلة ما كانوا عليه في الدنيا من المودة و الصداقة و الأول أظهر، و قد أشار إليه الشريف الرضى في قوله:

بادون في صور الجميع و أنهم‏ متفردون تفرد الاحاد

قال الشارح المعتزلي: فان قلت: ما معنى قوله: بجانب الهجر، و أى فايدة في لفظة جانب‏ في هذا الموضع؟

قلت: لأنهم يقولون: فلان في جانب الهجرة و في جانب القطيعة و لا يقولون في جانب الوصل و في جانب المصافاة، و ذلك أن لفظة جنب في الأصل موضوع للمباعدة و منه قولهم: الجار الجنب و هو جارك من قوم غرباء يقال: جنب الرجل‏

و أجنبته و تجنبته و تجانبته كلها بمعنى و رجل أجنبى و أجنب و جانب كله بمعنى‏ (لا يتعارفون لليل صباحا و لا لنهار مساء) أى لا يعرفون‏ لليل‏ نهارا و لا للنهار ليلا، لأن اختلاف الليل و النهار و تبدل أحدهما بالاخر من الأوضاع الدنيوية و لا اختلاف لهما بالنسبة إلى أهل القبور لكونهم في بيت الظلمة و النشأة الاخرة بالنسبة إليهم سيان.

و يحتمل أن يكون المراد أنهم لا يتعارف بعضهم بعضا أى لا يجتمعون و لا يتكلمون في نهارهم للنظر في أمور ليلهم و لا في ليلهم للنظر في أمور نهارهم كما هو عادة أهل الدنيا يجتمعون في النهار لترتيب ما يفعلونه بالليل و في الليل لترتيب ما يفعلونه بالنهار، و الأول أظهر.

و يؤمى إليه قوله عليه السلام‏ (أى الجديدين ظعنوا فيهم كان عليهم سرمدا) أراد بالجديدين‏ الليل و النهار لتجددهما دائما أى أى واحد من‏ الليل و النهار ارتحلوا فيه كان عليهم باقيا أبدا فان من مات ليلا لا يتبدل ليله بالنهار، و من مات نهارا لا ينقلب نهاره إلى ليل لخروجه من الدنيا التي فيها يتعاقب الليل و النهار و يتبدل أحدهما بالاخر.

و الظاهر أن ثبوت هذه الحالة للموتى كساير الحالات المتقدمة بالنسبة إلى أجسادهم المدفونة في القبور، و أما بالنسبة إلي أرواحهم المنتقلة إلى جنة الدنيا و نعيمها كأرواح السعداء أو المنتقلة إلى نار الدنيا و جحيمها كأرواح الأشقياء، فالمستفاد من أخبار أهل البيت عليهم السلام تعاور الليل و النهار عليهم، و يستفاد منها أيضا أن أهل الجنة من المؤمنين يجتمعون و يتزاورون و يتحدثون و يتأنسون.

و يدل عليه صريحا ما في البحار من تفسير على بن إبراهيم القمى في قوله تعالى‏ و لهم رزقهم فيها بكرة و عشيا قال عليه السلام: ذلك في جنات الدنيا قبل القيامة و الدليل على ذلك قوله: بكرة و عشيا فالبكرة و العشا لا تكونان في الاخرة في جنان الخلد و إنما يكون الغدو و العشى في جنان الدنيا التي تنتقل إليها أرواح المؤمنين.

و فيه منه في قوله تعالى‏ النار يعرضون عليها غدوا و عشيا قال عليه السلام:

ذلك في الدنيا قبل القيامة و ذلك إن فى القيامة لا يكون غدوا و لا عشيا، لأن الغدو و العشاء إنما يكونان في الشمس و القمر و ليس في جنان الخلد و نيرانها شمس و لا قمر قال و قال رجل لأبي عبد الله صلوات الله عليه: ما تقول في قول الله عز و جل‏ النار يعرضون عليها غدوا و عشيا فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما يقول الناس فيها؟

فقال: يقولون: إنها في نار الخلد و هم لا يعذبون فيما بين ذلك فقال عليه السلام: فهم من السعداء، فقيل له: جعلت فداك فكيف هذا؟ فقال: هذا في الدنيا فأما في نار الخلد فهو قوله تعالى‏ و يوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب‏.

و فيه منه عن أبيه رفعه قال: سئل الصادق عليه السلام عن جنة آدم على نبينا و عليه السلام أمن جنان الدنيا كانت أم من جنان الاخرة؟ فقال عليه السلام: كانت من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس و القمر، و لو كانت من جنان الاخرة ما خرج منها.

و يدل على تأنسهم و تزاورهم ما قدمنا روايته في تذييلات شرح الفصل السابع من فصول الخطبة الثانية و الثمانين من الكافي باسناده عن حبة العرنى قال:

خرجت مع أمير المؤمنين عليه السلام إلى الظهر- أى ظهر الكوفة- فوقف بوادى السلام كأنه مخاطب لأقوام فقمت بقيامه حتى أعييت، ثم جلست حتى مللت، ثم قمت حتى نالنى مثل ما نالنى أولا، ثم جلست حتى مللت، ثم قمت و جمعت ردائى فقلت: يا أمير المؤمنين إنى قد أشفقت عليك من طول القيام فراحة ساعة، ثم طرحت الرداء ليجلس عليه، فقال عليه السلام لى: يا حبة إن هو إلا محادثة مؤمن أو مؤانسته، قال: قلت: يا أمير المؤمنين و إنهم لكذلك؟ قال عليه السلام: نعم و لو كشف لك لرأيتهم حلقا حلقا محتبين يتحادثون، فقلت: أجساد أم أرواح؟ فقال عليه السلام لى:

أرواح، و ما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض إلا قيل لروحه: ألحقى بوادى السلام، و انها لبقعة من جنة عدن.

و تقدم هناك أيضا في مرفوعة الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام في صفة

أرواح المؤمنين في وادي السلام: إنه عليه السلام قال: كأنى بهم حلق حلق قعود يتحدثون، هذا.

و قوله عليه السلام: (شاهدوا من اخطار دارهم أفظع مما خافوا و رأوا من آياتها أعظم مما قدروا) أى شاهد المجرمون من هلكات الدار الاخرة يعنى نقماتها و عقوباتها أشد مما كانوا يخافون منها و يحذرون في الدنيا، و رأى المتقون من آثار الفضل و الرحمة و علامات الثواب و الكرامة أعظم مما كانوا يقدرونها بحسناتهم و يرجون في الدنيا كما قال عز من قائل «فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون» و قال عليه السلام في الخطبة المأة و الثالثة عشر: انه ليس شي‏ء بشر من الشر إلا عقابه و ليس شي‏ء بخير من الخير إلا ثوابه، و كلشي‏ء عمن الدنيا سماعه أعظم من عيانه، و كل شي‏ء من الاخرة عيانه أعظم من سماعه.

مجاز (فكلتا الغايتين مدت لهم إلى مباءة فأنت مبالغ الخوف و الرجاء) المراد بالغايتين‏ غايتا المجرمين و المتقين و أراد بالغاية الموت كما في الحديث الموت غاية المخلوقين، أو أجلهما كما في قوله عليه السلام في الخطبة الثالثة و الستين: و إن غاية تنقصها اللحظة و تهدمها الساعة لجديرة بقصر المدة، و على أي تقدير فنسبة مدت‏ إلى‏ الغاية من باب المجاز و التوسع، إذ بها يحصل الوصول إلى مباءة، و أراد بالمباءة منزل الفريقين من النار و الجنة.

فيكون محصل المعنى أن موت المجرمين و موت المتقين أو أجلهما استجرهم و جذبهم إلى منزل و مرجع تجاوز و كان هو فوق ما يبلغه خوف الخائف أو رجاء راج، فكنى بفوقه من مبالغ الخوف و الرجاء عن شدة هول النار و عظم خطر الجنة و تجاوزهما عن غاية غايات الخوف و الرجاء.

(فلو كانوا ينطقون بها لعيوا بصفة ما شاهدوا و ما عاينوا) أى لو كانت لهم قدرة النطق و الاخبار عن تلك المباءة لعجزوا عن وصف‏ ما شاهدوا فيها من مولمات العقاب و كلت ألسنتهم عن شرح‏ ما عاينوا فيها من مضاعفات الكرامة و الثواب.

(و لئن عميت آثارهم) أى خفيت عن أبصار الناظرين‏ (و انقطعت أخبارهم)عن آذان المستمعين‏ (لقد رجعت فيهم أبصار العبر و سمعت عنهم آذان العقول) هذا ناظر إلى طرف الأحياء (و تكلموا من غير جهات النطق) هذا ناظر إلى طرف الأموات.

و محصل المراد أن الأحياء و إن لم يمكن لهم إدراك حالات من القبور بطرق المشاعر الظاهرة و استطلاعها بالأبصار و الاذان، لكنهم تمكنوا من معرفتها بأبصار البصائر و العبر و الاطلاع عليها بطريق العقل، و كذلك الموتى و إن لم يكن لهم ايصال أخبارهم إلى الأحياء و إظهار حالاتهم بالنطق و لسان المقال، لكنهم أخبروهم و تكلموا بلسان الحال.

(فقالوا كلحت الوجوه النواضر) أى عبست الوجوه ذات الحسن و البياض و البهجة و النضارة قال تعالى‏ هم فيها كالحون‏ أى عابسون، و قيل: هو من الكلوح الذى قصرت شفته عن أسنانه كما تقلص رءوس الغنم إذا شيطت بالنار.

(و خوت الأجساد النواعم) و في بعض النسخ الأجسام النواعم أى سقطت الأجساد المنعمة بلذايذ الدنيا في وهدة القبور أو خلت الأبدان الناعمة اللينة من الأرواح فصارت جيفة منتنة أو المراد خلوها من الدم و الرطوبة و ذهاب طراوتها.

استعاره مرشحة- استعاره تبعية (و لبسنا أهدام البلى) قال الشارح البحراني استعار لفظ الأهدام للتغير و التقشف و التمزيق العارض لجسم الميت لمشابهتها العظم البالى، و يحتمل أن يريد بها الأكفان، انتهى.

أقول: يجوز أن يكون الكلام من قبيل التشبيه المرشح بأن يقدر تشبيه البلى المحيط بهم بالأهدام و الأثواب الممزقة البالية المحيطة بالبدن، فاضيف المشبه به إلى المشبه ثم قرن بما يلايم المشبه به و يناسبه و هو اللبس ترشيحا للتشبيه، و أن يكون من باب الاستعارة لا الاستعارة الأصلية كما توهمه الشارح لعدم انتظام معنى الكلام على ما ذكره إلا بتكلف، بل من الاستعارة التبعية بأن يستعار اللبس للشمول و الاحاطة فيكون محصل المعنى أحاط بنا و شملنا البلى و التمزيق إحاطة اللباس بالبدن فافهم.

(و تكاءدنا ضيق المضجع) أى شق علينا ضيق القبر استعاره‏ (و توارثنا الوحشة) أى وحشة القبور و استعار لفظ التوارث لكون‏ الوحشة منها لابائهم و أسلافهم قبلهم‏ فحصلت لهم بعدهم مجاز عقلى- كنايه- استعاره‏ (و تهكمت علينا الربوع الصموت) أى تساقطت علينا المنازل الصامتة و أراد بها القبور و وصفها بالصمت من المجاز العقلى و تساقطها كناية عن خرابها و انهدامها، و على كون التهكم بمعنى اشتداد الغضب فيكون استعارة لعذاب القبور و يختص بغير المؤمن لأن المؤمن مأمون منه.

كما يدل عليه ما رواه في الكافي عن يحيى عن محمد بن الحسين عن عبد الرحمن ابن أبي هاشم عن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من موضع قبر إلا و هو ينطق كل يوم ثلاث مرات أنا بيت التراب، أنا بيت البلى، أنا بيت الدود قال عليه السلام: إذا دخله عبد مؤمن قال: مرحبا و أهلا أما و الله لقد كنت أحبك و أنت تمشى على ظهرى فكيف إذا دخلت بطنى فسترى ذلك، قال عليه السلام: فيفسح له مد البصر و يفتح له باب يرى مقعده من الجنة- إلى أن قال- فلا تزل نفحة من الجنة تصيب جسده و يجد لذتها و طيبها حتى يبعث.

قال عليه السلام: و إذا دخل الكافر قالت: لا مرحبا بك و لا أهلا و الله لقد كنت أبغضك و أنت تمشى على ظهرى فكيف إذا دخلت بطنى سترى ذلك، قال عليه السلام: فتضم عليه فتجعله رميما و يعاد كما كان و يفتح له باب إلى النار يرى مقعده من النار- إلى أن قال- ثم لم تزل نفحة من النار تصيب جسده فيجد ألمها و حرها في جسده إلى يوم يبعث الحديث.

و قد مر بتمامه مع أحاديث أخر و مطالب نافعة في التذييل الثالث من تذييلات شرح الفصل السابع من فصول الخطبة الثانية و الثمانين فليراجع هناك.

و يؤيد المعنى الأخير تفريع قوله‏ (فانمحت محاسن أجسادنا) أى ذهب آثار المواضع الحسنة من أبداننا لشدة عذاب القبور و مزيد تاثير آلامها (و تنكرت معارف صورنا) أى تغيرت وجوهنا التي بها كنا نعرف في الدنيا بعظم تأثير أهاويل البرزخ‏ (و طالت في مساكن الوحشة) أى القبور (إقامتنا و لم نجد من كرب) و هو الغم الذى يأخذ بالنفس‏ (فرجا و لا من ضيق متسعا) أى من ضيق‏ المضجع محلا ذا سعة يكون بدلا منه، أو مطلق الضيق أى لم نجد من ضيق الحال و ضنك المعيشة اتساعا أى رفاه حال و رغد عيش قال تعالى‏ و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا أى عيشا ضيقا، قال ابن مسعود و غيره: هو عذاب القبر.

(فلو مثلتهم بعقلك) أى تخيلت صورهم و مثالهم بقوتك المتخيلة (أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك) أى ارتفع‏ عنهم الغطاء الحاجب و تبين حالهم عندك فالمفعول بمعنى الفاعل كما فى حجابا مستورا و قال الشارح البحرانى، أى ما حجب بأغطية التراب و السواتر لأجسادهم عن بصرك، انتهى.

و على قوله: فالمحجوب‏ وصف للميت لا للغطاء و يبعده لفظة عنهم كما لا يخفى.

و كيف كان فالمراد إنه لو شاهدتهم‏ (و) الحال أنه‏ (قد ارتسخت أسماعهم بالهواء فاستكت) أى ذهبت رطوبتها و نضبت نداوتها، بتسلط حشرات الأرض عليها فانسدت‏ (و اكتحلت أبصارهم بالتراب فخسفت) أى فقئت‏ (و تقطعت الألسنة فى أفواههم بعد ذلاقتها) و حدتها كنايه‏ (و همدت القلوب في صدورهم بعد يقظتها) أى سكنت حركتها و ذهبت حرارتها بعد ما كانت متيقظة، و هو كناية عن موتها بعد حياتها (و عاث في كل جارحة منهم جديد بلى سمجها) أى أوقع الفساد في كل جارحة من جوارحهم بلى متجدد أوجب سماجتها و قبحها و سوء منظرها (و سهل طرق الافة إليها) لأن العنصر الترابى إذا استولى على الأعضاء قوى استعدادها للاستحالة من صورتها التي هي عليها إلى غيرها حال كونها (مستسلمات) منقادات غير ممتنعة من قبول الافة و الفساد (فلا أيد) أى قوة و قدرة و سلطان أو كف‏ (تدفع) الالام و الافات عنها (و لا قلوب تجزع) و تحزن لما نزل بها.

(لرأيت) جواب لو أى لو تصورت حالاتهم بخيالك أو شاهدت فظايعهم بعينك على ما فصل لرأيت‏ (أشجان قلوب و أقذاء عيون) أى شاهدت فيهم من الفظايع و الشنائع المفرطة المجاوزة عن الحد ما يورث حزن قلوب الناظرين و أذى عيونهم‏ (لهم من كل فظاعة صفة حال لا تنتقل) قال الشارح المعتزلي أى لا تنتقل إلى حسن و صلاح و ليس يريد لا تنتقل مطلقا لأنها تنتقل إلى فساد و اضمحلال‏

(و) من كل شناعة (غمرة لا تنجلى) أى شدة لا تنكشف و قد مضى في شرح الخطبة الثانية و الثمانين مطالب مناسبة لهذا الفصل من أراد الاطلاع فليراجع ثمة.

الترجمة

فصل ثاني از اين كلام در ذكر شدايد برزخ و حالات أهل آنست مى‏ فرمايد كه ايشان همسايگانى باشند با يكديگر انس نمى ‏كنند، و دوستانى هستند كه زيارت يكديگر نمى ‏نمايند، پوسيده شده در ميان ايشان علاقهاى شناسائى، و بريده شده از ايشان ريسمانهاى اخوت و برادرى، پس همه ايشان تنها باشند و حال آنكه در يكجا هستند، و بكنار هجران و دورى باشند و حال آنكه دوستان هستند، نمى‏ شناسند از براى شب صبحى را، و نه از براى روز شبى را، هر يك از شب و روز را كه رحلت كنند در آن باشد برايشان هميشگى مشاهده كردند از هلاكتهاى خانه آخرت خودشان شديدتر از آن چيزى كه ترسيده بودند، و ديدند از علامتهاى آخرت بزرگتر از آن چيزى كه تصوير كرده بودند، پس هر دو غايب يعنى أجل سعدا و أجل أشقيا كشاند ايشان را بسوى منزلگاهي كه متجاوز شد از منتهاى مرتبه خوف خائفين و رجاء راجين، پس اگر بودند كه ناطق بشوند بان هر آينه عاجز مى‏ شدند در بيان صفت آن چيزى كه مشاهده كردند و بچشم ديدند، و اگر مخفى شده أثرهاى ايشان و منقطع گرديده خبرهاى ايشان.

بتحقيق مراجعت كرده در ايشان ديدهاى عبرتها، و شنيده از ايشان گوشهاى عقلها، و سخن گفتند ايشان به زبان حال از غير جهت نطق بلسان، پس گفتند كه زشت گشت صورتهاى با آب و رنگ، و بخاك افتاد بدنهاى نرم و نازك، و پوشيديم ما لباسهاى پاره پاره كهنه را، و به مشقت انداخت ما را تنگى خوابگاه، و بارث برديم از يكديگر وحشت را، و منهدم شد بر ما منزلهاى خاموش قبرها، پس محو گشت نيكوئيهاى بدنهاى ما، و تغيير يافت معروفهاى صورتهاى ما، و طول يافت در مسكنهاى وحشت اقامت ما، و نيافتيم از شدت محنت فرجى، و از تنگى حالت وسعتى‏ پس اگر تصور نمائى تو حالتهاى ايشان را بعقل خودت، پا برداشته شود از ايشان پرده پوشان از براى تو در حالتى كه فرو رفته باشد رطوبت گوشهاى ايشان بجهت تسلط حشرات الأرض پس كر شده باشد، و سرمه كشيده باشد چشمهاى ايشان بخاك پس فرو رفته باشد در استخوان سر، و پاره پاره گشته زبانها در دهنهاى ايشان بعد از تيزى و بلاغت آنها، و مرده و ساكن شود قلبها در سينهاى ايشان بعد از بيدارى آنها، و فساد كرده باشد در هر عضوى از ايشان پوسيدگى تازه كه زشت گردانيده باشد آنها را، و آسان كرده باشد طريق آفت به آنها در حالتى كه آنها گردن نهاده باشند بان آفتها، پس نباشد دستهائى كه دفع كنند آنها را و نه دلهائى كه جزع كنند از آنها هر آينه بعد از آن تصور عقل و كشف حجاب خواهى ديد اندوههاى قلبها و خونابه چكيدن چشمها را، از براى ايشان است از هر شناعت و رسوائى صفت حالتى كه منتقل نشود، و شدت و سختى كه منكشف نگردد و بر طرف نباشد.

الفصل الثالث‏

و كم أكلت الأرض من عزيز جسد، و أنيق لون، كان في الدنيا غذى ترف، و ربيب شرف، يتعلل بالسرور في ساعة حزنه، و يفزع إلى السلوة إن مصيبة نزلت به، ضنا بغضارة عيشه، و شحاحة بلهوه و لعبه. فبينا هو يضحك إلى الدنيا، و تضحك الدنيا إليه، في ظل عيش غفول، إذ وطئ الدهر به حسكه، و نقضت الأيام قواه، و نظرت إليه الحتوف من كثب، فخالطه بث لا يعرفه، و نجي هم ما كان يجده،

و تولدت فيه فترات علل انس ما كان بصحته. ففزع إلى ما كان عوده الأطباء من تسكين الحار بالقار، و تحريك البارد بالحار، فلم يطفئ ببارد إلا ثور حرارة، و لا حرك بحار إلا هيج برودة، و لا اعتدل بممازج لتلك الطبايع إلا أمد منها كل ذات داء، حتى فتر معلله، و ذهل ممرضه، و تعايا أهله بصفة دائه، و خرسوا عن جواب السائلين عنه، و تنازعوا دونه شجى خبر يكتمونه، فقائل هو لما به، و ممن لهم إياب عافيته، و مصبر لهم على فقده، يذكرهم أسى الماضين من قبله. فبينا هو كذلك على جناح من فراق الدنيا، و ترك الأحبة، إذ عرض له عارض من غصصه، فتحيرت نوافذ فطنته، و يبست رطوبة لسانه، فكم من مهم من جوابه عرفه فعي عن رده، و دعاء مولم لقلبه سمعه فتصام عنه، من كبير كان يعظمه، أو صغير كان يرحمه، و إن للموت لغمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة، أو تعتدل على قلوب أهل الدنيا.

اللغة

(ترف) ترفا من باب منع تنعم و أترفته النعمة أطغته و الترفة بالضم النعمة و الطعام الطيب و (رب) فلان الصبى يربه ربا رباه حتى أدرك و الربيب المربوب‏

قال تعالى‏ و ربائبكم اللاتي في حجوركم‏ و (السلوة) بفتح السين و ضمها اسم من سلى همه سلوا و سليا نسيه و (عيش غفول) و زان صبور كثير الغفلة و (الحسك) محركة نبات تعلق ثمرته بصوف الغنم و عند ورقه شوك ملزز صلب ذو ثلاث شعب.

و (الحتوف) بالضم جمع الحتف بالفتح و هو الموت و (الكثب) محركة القرب و هو يرى من كثب أى قرب و (النجى) فعيل من ناجاه مناجاة أى ساره و (القار) البارد من قر القدر إذا صب فيه ماء باردا و (الثور) الهيجان و (علل) الصبي بطعام و غيره شغله به و تعلل بالأمر تشاغل و (التمريض) حسن القيام على المريض و (عى) بالأمر و عيى و تعايا و استعيا لم يهتد لوجه مراده أو عجز منه و لم يطق احكامه و (خرس) خرسا من باب فرح انعقد لسانه عن الكلام و (الاسى) بالضم جمع الاسوة و هو ما يتأسى به الانسان و يتسلى.

الاعراب‏

قوله عليه السلام: و كم أكلت الأرض من عزيز جسد، لفظة كم خبرية بمعني كثير مبنية على السكون لشباهتها بكم الاستفهامية لفظا و معني من حيث ابهام كلتيهما، و هي منصوبة المحل لكونها مفعول أكلت قدمت عليه لأن لها صدر الكلام، و من عزيز جسد تميز رافع للابهام الذى فيها، أى أكلت الأرض كثيرا من عزيز جسد، و عزيز صفة لموصوف محذوف أى من ميت عزيز الجسد، و إضافة عزيز إلى جسد من إضافة الصفة إلى فاعله كما في قولك: مررت برجل حسن وجه أى حسن وجهه، و هذا القسم من اضافة الصفة المشبهة و إن استقبحه علماء الأدبية لأجل خلو الصفة من ضمير يعود إلى الموصوف لفظا إلا أنه يسوغه كثرة الاستعمال و وجود الضمير تقديرا، و جملة كان في الدنيا، في محل الخفض على أنها صفة لعزيز جسد، و جملة يتعلل، في محل النصب حال من اسم كان.

و قوله: ضنا مفعول لأجله، مجاز و عيش غفول في نسبة غفول إلى عيش توسع كما في عيشة راضية و قوله إذ وطئ الدهر، إذ للمفاجاة لوقوعها بعد بينا نص على‏

ذلك سيبويه، قال: إذا وقعت بعد بينا و بينما فهي للمفاجاة و مثال وقوعها بعد بينما قوله:

استقدر الله خيرا و ارضين به‏ فبينما العسر إذ دارت مياسير
و بينما المرء في الأحياء مغتبط إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير

و الباء في وطي‏ء به للتعدية أى أوطأه.

و قوله: عليه السلام آنس ما كان بصحته، آنس منصوب على الحال من ضمير فيه و العامل فيه تولدت، و ما نكرة موصوفة كما في مررت بما معجب لك، و كان تامة، و بصحته متعلق بانس و محصل المعنى تولدت فيه فترات و الحال أنه آنس شي‏ء وجد أى آنس الأشياء بصحته، و يحتمل أن تكون ما مصدرية زمانية كما في قوله تعالى‏ فاتقوا الله ما استطعتم‏ و قوله‏ ما دمت حيا أى مدة استطاعتكم و مدة دوامى حيا فيكون معناه آنس مدة كونه و وجوده بصحته أى آنس زمان عمره به، و قيل فيه معان اخر و ما قلته أظهر.

قوله: شجي خبر من اضافة الصفة إلى الموصوف أى خبر ذى شجي و غصة، و قوله فقائل، خبر لمبتدأ محذوف و الجملة معطوفة على جملة تنازعوا و تفصيل له، و اللام في قوله: لما به، بمعني على كما في قوله تعالى‏ و يخرون للأذقان‏ و قوله‏ و تله للجبين‏ و ليست بمعناها الأصلى كما توهم.

قوله: و دعاء مولم لقلبه، اللام للتقوية، و في بعض النسخ بقلبه بالباء بدل اللام و عليه فهى زايدة كما في قوله تعالى‏ و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة و يجوز جعلها بمعني في على تضمين مولم معني مؤثر، و بهذا المعني جاء الباء في قوله تعالى‏ و لقد نصركم الله ببدر أى فيها.

المعنى‏

اعلم أنه عليه السلام لما نبه في الفصلين السابقين على أهاويل البرزخ و فظايعه أردفهما بهذا الفصل استطرادا و تنبيها على غمرات الموت و شدايده و حالات الميت عند الاشراف على الموت و الاحتضار فقال:

استعاره بالكنايه- استعارة تبعية (و كم أكلت الأرض من عزيز جسد و أنيق لون) إما استعارة بالكناية تشبيها للأرض بالاكل و اثبات الاكل تخييلا، أو استعارة تبعية كما في نطقت الحال بكذا تشبيها لا فناء الأرض‏ لأجزاء الميت و استحالتها لها بالتراب بأكلها لها، فاستعير الأكل للافناء و دل على الاستعارة بذكر الأرض، و المعني أفنت الأرض و أبلت كثيرا كثيرا من ميت طرى البدن معجب اللون لصفائه و بياضه و اشراقه.

(كان في الدنيا غذى ترف و ربيب شرف) أى غذى و تنعم بالتنعم الموجب لبطره و طغيانه، و ربي في عز و شرف و منعة.

(يتعلل بالسرور في ساعة حزنه) أى يتشاغل بما يسره و يتلهى به عما يحزنه‏ (و يفزع إلى السلوة إن مصيبة نزلت به) أى يلتجى إلى ما يسلى همه و ينسيه إن أصابته مصيبة (ضنا بغضارة عيشه) أى لأجل بخله بسعة عيشه و طيبه‏ (و شحاحة) و بخالة (بلهوه و لعبه) حتى لا يشوب لهما ما يكدرهما.

(فبينا هو يضحك إلى الدنيا) ابتهاجا بها و شعفا بحبها لجريانها على وفق مراده و تهيئتها لمقدمات عيشه و نشاطه‏ (و تضحك الدنيا إليه) ابتهاجا به لكونه من أبنائها و الراغبين إليها و فرط محبتها إياه، و حاصله تضاحك كل منهما و اشتياقه إلى الاخر لمزيد المحابة و المعافاة بينهما (فى ظل عيش غفول) أى في دعة و راحة و سعة عيش متصف بكثرة الغفلة.

و المراد غفلة صاحبه به كما في عيشة راضية، و قال الشارح المعتزلي: عيش غفول‏ قد غفل عن صاحبه، فهو مستغرق في العيش لم يتنبه له الدهر فيكدر عليه وقته قال الشاعر:

كأن المرء في غفلات عيش‏ كأن الدهر عنها في وثاق‏

– انتهى و لعل ما قلته أولى و دلالة الشعر عليه أظهر استعاره‏ (إذ وطي‏ء الدهر به حسكه) أى أوطاه‏ حسكه‏ أى أنشب شوكه فيه و استعار الحسك لالام الدهر و أسقامه و حوادثه الموجبة لأذاه كايجاب الحسك للأذى مجاز (و نقضت الأيام قواه) نسبة النقض إلى الأيام من التوسع و المراد به انحلال قواه النفسانية و ضعف جوارحه‏ (و نظرت إليه الحتوف من كثب)أى من قرب، و تخصيصه بالذكر لأن تأثير النظر فيه أشد يعني أن ملاحظة المنية نحوه دانية، و جمع الحتوف باعتبار تعدد أسباب الموت.

(فخالطه بث لا يعرفه) أى مازج قلبه حزن لا يعرف علته‏ (و نجي هم ما كان يجده) أى هم خفي لم يكن معهودا به‏ (و تولدت فيه فترات علل آنس ما كان بصحته) قال الشارح المعتزلي: الفترات‏ أوائل المرض انتهى و المراد أنه طرئ عليه و ظهر في مزاجه علل موجبة لفتور بدنه و ضعف جسمه، و الحال أنه في غاية الانس بصحته و كمال الركون إلى سلامته في لذات طربه و بدوات اربه لا يحتسب رزية و لا يحتمل بلية.

(ف) لما وجد في نفسه ذلك و أحس به استوحش منه و (فزع إلى ما كان عوده الأطباء) أى التجأ إلى ما جعلوه معتادا له من المداواة و المعالجات‏ (من تسكين الحار بالقار و تحريك البارد بالحار) تخصيص‏ التسكين بالقار و التحريك بالبارد لأن من شأن الحرارة التحريك و التهييج فاستعمل في قهرها بالبارد لفظ التسكين‏ و من شأن البرودة التخدير و التجميد فاستعمل في قهرها بالحار لفظة التحريك.

(فلم يطفى‏ء) الحار (ببارد إلا ثور) و هيج‏ (حرارة) زايدة على حرارة الحار (و لا حرك) البارد (بحار إلا هيج) و ثور (برودة) زايدة على برودة البارد.

و محصله أنه لم ينفعه استعمال المسخن و المبرد إلا عكس المطلوب و أنتج له المسخن برودة و المبرد حرارة.

(و لا اعتدل بممازج لتلك الطبايع إلا أمد منها كل ذات داء) أى لم يقصد الاعتدال بما يمازج تلك الطبايع الحارة و الباردة المفرطة فيردها إلى الاعتدال إلا و أمد ذلك الممازج أو المريض و أعطى مددا و قوة و أعان من هذه الطبايع كل طبيعة ذات داء، أى صار مزج الممازج ممدا و معينا على الطبيعة التي هي منشأ المرض مع ماله من مضادة خاصية لخاصيتها.

و يوضح ما قاله عليه السلام على وجه البسط ما رواه في البحار من علل الشرائع بسنده عن وهب بن منبه أنه وجد في التوراة صفة خلقة آدم على نبينا و عليه السلام‏

حين خلقه الله عز و جل و ابتدعه، قال الله تبارك و تعالى:

اني خلقت و ركبت جسده من أربعة أشياء، ثم جعلتها وراثة في ولده تنمي في أجسادهم و ينمون عليها إلى يوم القيامة، و ركبت جسده حين خلقته من رطب و يابس و سخن و بارد، و ذلك أني خلقته من تراب و ماء ثم جعلت فيه نفسا و روحا فيبوسة كل جسد من قبل التراب، و رطوبته من قبل الماء، و حرارته من قبل النفس، و برودته من قبل الروح.

ثم خلقت فى الجسد بعد هذا الخلق الأول أربعة أنواع، و هن ملاك الجسد و قوامه بادنا لا يقوم الجسد إلا بهن و لا تقوم منهن واحدة إلا بالاخرى: منها المرة السوداء، و المرة الصفراء، و الدم، و البلغم ثم اسكن بعض هذا الخلق فى بعض، فجعل مسكن اليبوسة فى المرة السوداء، و مسكن الرطوبة فى المرة الصفراء، و مسكن الحرارة فى الدم، و مسكن البرودة فى البلغم.

فأيما جسد اعتدلت فيه هذه الأنواع الأربع التى جعلتها ملاكه و قوامه و كانت كل واحدة منهن أربعا لا تزيد و لا تنقص كملت صحته و اعتدل بنيانه، فان زاد منهن واحدة عليهن فقهرتهن و مالت بهن دخل على البدن السقم من ناحيتها بقدر ما زادت و إذا كانت ناقصة تقل عنهن حتى تضعف من طاقتهن و تعجز عن مقارنتهن «مقاومتهن» قال وهب: فالطبيب العالم بالداء و الدواء يعلم من حيث يأتي السقم من قبل زيادة تكون فى احدى هذه الفطرة الأربع أو نقصان منها، و يعلم الدواء الذى به يعالجهن فيزيد فى الناقصة منهن أو ينقص من الزايدة حتى يستقيم الجسد على فطرته و يعتدل الشي‏ء بأقرانه.

إذا عرفت ذلك فنقول: إذا أراد الله أن يشفى المريض و يحصل له البرء من مرضه أصاب المعالج و اهتدى إلى معرفة ما به من الداء و نفع الدواء بالخاصية التى فيه و إذا قضى أجله أخطأ المعالج أو سقط الدواء من التأثير أو أمد ضد خاصيته المكمونة

(حتى) اشتد مرضه و (فتر معلله) أى من يشغله عن التوجه إلى مرضه و يمنيه العافية أو عما يضره من الأطعمة و الأشربة بالأدوية النافعة، و فتوره من جهة طول المرض و حصول اليأس، فان العادة جارية بأن أهل المريض فى أول مرضه يواظبون عليه و يجتمعون حوله و يعللونه حتى إذا طال المرض و اشتد و ظهر مخائل الموت يقل عزمهم و يفتر هممهم و يحصل لهم التوانى و الكسل.

(و ذهل ممرضه) أى من يواظب عليه و يقوم بأمرء فى دوائه و غذائه و غيره، و ذهوله و غفلته من أجل أنه فى بداية المرض يكون له جد أكيد و جهد جهيد فى التعهد و المواظبة بما له من رجاء الصحة و العافية، و بعد اشتداد المرض و ظهور أمارات الموت توانى و فتر، و تسرع اليه الغفلة على ما جرت عليه العادة.

(و تعايا أهله بصفة دائه) أى عجزوا بوصف دائه و شرح مرضه على ما هو عليه للطبيب و غيره، و هذه عادة المريض المثقل.

(و خرسوا عن جواب السائلين عنه) هذه الجملة كالتفسير لسابقتها، و المراد أن‏ أهله‏ إذا سئلوا عنه يجمجمون و لا يفصحون عن بيان حاله كالأخرس الذى ينعقد لسانه عن التكلم، و إنما يخرسون عن جوابهم لأنه بعد ظهور أمارات الموت عليه لا يسعهم الجواب بصحته لكونه خلاف الواقع، و لا يسوغهم الجواب بما هو الواقع من إشرافه على الموت لعدم طيب أنفسهم به و انطلاق لسانهم ببيانه.

(و تنازعوا دونه شجى خبر يكتمونه) أى اختلفوا عنده فى خبر ذى حزن و غصة يخفونه منه و يجيبون السائلين بالتناجى و المسارة كيلا يشعر به، و فصل كيفية التنازع و الاختلاف بقوله:

(فقائل) منهم‏ (هو لما به) أى على الحال الذى كان عليه لا تفاوت فى مرضه و قيل: معناه هو الأمر الذى نزل به، أى قد أشفى على الموت، و ما قلناه أظهر و أولى.

(و) آخر (ممن لهم إياب عافيته) أى يمنيهم و يطمعهم عود عافيته‏ بقوله: قد رأيت مثل هذا المريض و أشد مرضا منه ثم عوفى.

(و) ثالث‏ (مصبر لهم على فقده) أى يحملهم على الصبر و التحمل على فقده و فراقه‏ (يذكرهم اسى الماضين من قبله) بقوله: تلك الرزية مما لا اختصاص لهابكم و لا الموت مخصوصا بهذا المريض بل كل حي سالك سبيل و كل نفس ذائقة الموت، و قد مضى قبل هذا المريض عالم من الناس و بقي بعد الأسلاف الأخلاف فتعزوا بعزاء الله و تسلوا و اصبروا و لم يكن لهم علاج إلا أن قالوا: إنا لله و إنا إليه راجعون، فينبغي لكم التأسي بالماضين، فان لكم فيهم اسوة، و في هذا المعني قال الشاعر و لنعم ما قال:

و إن الاولى بالطف من آل هاشم‏ تأسوا فسنوا للكرام التأسيا

و قالت الخنساء:

و ما يبكون مثل أخي و لكن‏ اسلي النفس عنه بالتأسي‏

و قد قال أمير المؤمنين عليه السلام فى المختار المأتين و الواحد الذى قاله عند دفن الصديقة عليهما السلام: قل يا رسول الله عن صفيتك صبرى إلا أن لى فى التأسى بعظيم فرقتك و فادح مصيبتك موضع تعز.

(فبينا هو كذلك على جناح) أى على حركة سريعة فان الطيران بالجناح سبب سرعة الحركة فتجوز عنها (من فراق الدنيا و ترك الأحبة إذ) دهمته فجعات المنية و (عرض له عارض من غصصه) و اعترض فى حلقه و أخذ بخناقه.

(فتحيرت نوافذ فطنته) أى تاهت إدراكات جودته و ذكائه الثاقبة المتعلقة بمصالح النشأة الدنيوية و الاخروية، و فى بعض النسخ: فطنه، بصيغة الجمع، و المراد تبلد مشاعره و قواه الدراكة و قصورها عن الادراكات النظرية.

(و يبست رطوبة لسانه) و جف حيله- ريقه- و حيل بينه و بين منطقه فصار بين أهله ينظر وجوههم و يسمع رجع كلامهم و يرى حركات ألسنتهم و لا يستطيع التكلم معهم.

(فكم من مهم من جوابه عرفه فعى عن رده) أى جواب سائل سأله عن أمر مهم من وصيه و وصيته و دينه و مصارف ماله و قيم أطفاله و نحو ذلك فعجز عن رده.

(و دعاء مولم لقلبه سمعه فتصام عنه) أى نداء موجع لقلبه سمعه فأظهر الصمم‏ لعدم قدرته على اجابة المنادى‏ (من كبير كان يعظمه) كما إذا كان المنادى له والده و ولى النعمة له‏ (أو صغير كان يرحمه) كما إذا كان المنادى ولده الصغير.

(و ان للموت لغمرات) و أهاويل و سكرات‏ (هى أفظع من أن تستغرق بصفة) أى تستعاب بوصف و بيان‏ (أو تعتدل) و تستقيم‏ (على قلوب أهل الدنيا) لكونها خارجة عن حد الاحصاء متجاوزة عن طور الاستقصاء و كيف لا و هو هادم اللذات و قاطع الامنيات و جذبة من جذباته أهون عندها نشر المناشير و قرض المقاريض.

أعاننا الله عليه، و ثبتنا بالقول الثابت لديه، و وفقنا الله و أيدنا و هدانا الصراط المستقيم بفضله العميم، هذا.

و قد أشار بعض الشعراء إلى إجمال ما قاله عليه السلام فى هذا الفصل و قال:

بينا الفتى مرح الخطا فرحا بما يسعى له إذ قيل قد مرض الفتى‏
إذ قيل بات بليلة ما نامها إذ قيل أصبح مثقلا ما يرتجى‏
إذ قيل أمسى شاخصا و موجها إذ قيل فارقهم و حل به الردى‏

و لله در المؤلف أبى الحسن الرضى قدس سره ما أعجب نظمه فى شرح حال الدنيا و أهلها و الهالكين منهم و وصف مضجعهم و برزخهم و ساير حالاتهم قال:

انظر إلى هذا الأنام بعبرة لا يعجبنك خلقه و رواؤه‏
فتراه كالورق النضير تقصفت‏ أغصانه و تسلبت شجراته‏
انى محاباه المنون و إنما خلقت مراعى للردى خضراؤه‏
أم كيف تأمل فلتة أجساده‏ من ذا الزمان و حشوها اوداؤه‏
لا تعجبن فما العجيب فناؤه‏ بيد المنون بل العجيب بقاؤه‏
إنا لنعجب كيف حم حمامه‏ عن صحة و يغيب عناد آؤه‏
من طاح فى سبل الردى آباؤه‏ فليسلكن طريقهم أبناؤه‏
و مؤمر نزلوا به فى سوقة لا شكله فيهم و لا نظراؤه‏
قد كان يفرق ظله أقرانه‏ و يغض دون جلاله أكفاؤه‏
و محجب ضربت عليه مهابة يغشى العيون بهاؤه و ضياؤه‏
نادته من خلف الحجاب منية امم فكان جوابها حوباؤه‏
شقت إليه سيوفه و رماحه‏ و اميط عنه عبيده و إماؤه‏
لم يغنه من كان ود لو أنه‏ قبل المنون من المنون فداؤه‏
حرم عليه الذل إلا أنه‏ ابدا ليشهد بالجلال بناؤه‏
متخشع بعد الانيس جنائه‏ متضائل بعد القطين فناؤه‏
عريان تطرد كل ريح ترابه‏ و يطيع اول أمرها حصباؤه‏
و لقد مررت ببرزخ فسألته‏ أين الاولى ضممتهم ارجاؤه‏
مثل المطى بواركا أجداثه‏ يسقى على جنباتها بوغاؤه‏
ناديته فخفى على جوابه‏ بالقول إلا ما زقت أصداؤه‏
من ناظر مطروفة ألحاظه‏ أو خاطر مطلوبة سوداؤه‏
أو واجد مكظومة زفراته‏ أو حاقد منسية شحناؤه‏
و مسندين على الجنوب كأنهم‏ شرب تخاذل بالطلى أعضاؤه‏
تحت الصعيد لغير إشفاق إلى‏ يوم المعاد يضمهم أحشاؤه‏
أكلتهم الارض التي ولدتهم‏ أكل الضروس حلت له اواؤه‏

الترجمة

فصل سيم از اين كلام در اشارة بحالات مرض موت و شدايد مرگست مى‏ فرمايد:

چه بسيار خورده زمين از بدن تازه و صاحب آب و رنگ خوش آينده را كه بود در دنيا پرورده نعمت و پرورش يافته شرف و عزت، در حالتى كه تعلل مى ‏ورزيد و بهانه مي كرد بشادى در حالت حزن و پريشانى، و پناه مى ‏برد به تسلى خواطر اگر مصيبتى نازل مى ‏شد باو از جهت بخل ورزيدن و ضايع نساختن خوش گذرانى خود، و از جهت خساست و هدر نكردن لهو و لعب خود.

پس در اين اثنا كه او خنده ميكرد و فرحناك بود بر دنيا و خنده ميكرد و فرحناك بود دنيا بأو در سايه خوش گذرانى كه باعث زيادت غفلت او بود ناگاه‏

لگد كوب كرد او را زمانه خار خود را، و شكاند روزگار قوت او را، و نگاه كرد بسوى او مرگ‏ها از نزديكى، پس آميخت بأو حزن و اندوهى كه نمى‏شناخت او را، و غصه پنهانى كه نيافته بود او را، و متولد شد در او سستيهاى مرضها در حالت غايت انس او بصحت خود.

پس ملتحى شد بسوى آن چيزى كه عادت داده بودند او را بان طبيبها از فرو نشاندن مايه حرارت بدواهاى بارد، و حركت دادن مايه برودت بدواهاى حار، پس فرو ننشاند باستعمال دواى بارد مگر اين كه حركت داد حرارت را، و حركت نداد بدواء حار مگر بهيجان آورد برودت را، و معتدل نساخت بچيزى كه مخلوط نمود بان طبيعتهاى حاره و بارده مگر اين كه مدد نمود از اين كه طبيعتها هر ماده كه منشإ درد بود.

تا اين كه سست شد پرستار او و غافل گرديد مواظب مرض او و درمانده گرديدند اهل و عيال او در صفت ناخوشى او و لال گرديدند از جواب پرسندگان أحوال او، و اختلاف كردند در نزد او در غمناك چيزى كه پنهان مى‏كردند آن را، پس از ايشان يكى مى‏گفت او بهمين حالتست كه هست، و يكى ديگر تطميع مى‏كرد أهل او را برجوع كردن صحت او، و ديگرى تسلى مى‏داد ايشان را بر مرگ او در حالتى كه يادآورى ايشان مى‏كرد پيروى گذشتگان پيش از او را.

پس در اين أثنا كه او بر اين حالت بود بر جناح حركت از دنيا و ترك كردن أحبا ناگاه عارض شد او را عارضه از غصه‏هاى او، پس متحير گرديد زيركيهاى نافذه او، و خشك شد رطوبت زبان او، پس چه بسيار مهمى از جوابش بود كه شناخت او را پس عاجز از رد آن شد، و چه بسيار از ندا كردن درد آوردنده قلب او بود كه شنيد او را پس خود را به كرى زد بجهت عدم قدرت بر جواب، آن ندا از بزرگى بود كه هميشه تعظيم مى‏كرد او را مثل پدر، يا از كوچكى بود كه هميشه مهربانى مى‏كرد بأو مثل أولاد، و بدرستى كه مرگ ر است سختيهائى كه دشوارترند از اين كه استيعاب وصف آنها شود، يا اين كه راست آيد شرح آنها بعقلهاى أهل دنيا

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 218 شرح میر حبیب الله خوئی

خطبه 220 صبحی صالح

220- و من كلام له ( عليه‏السلام  ) في وصف السالك الطريق إلى اللّه سبحانه‏

قَدْ أَحْيَا عَقْلَهُ وَ أَمَاتَ نَفْسَهُ حَتَّى دَقَّ جَلِيلُهُ وَ لَطُفَ غَلِيظُهُ وَ بَرَقَ لَهُ لَامِعٌ كَثِيرُ الْبَرْقِ فَأَبَانَ لَهُ الطَّرِيقَ وَ سَلَكَ بِهِ السَّبِيلَ وَ تَدَافَعَتْهُ الْأَبْوَابُ إِلَى بَابِ السَّلَامَةِ وَ دَارِ الْإِقَامَةِ وَ ثَبَتَتْ رِجْلَاهُ بِطُمَأْنِينَةِ بَدَنِهِ فِي قَرَارِ الْأَمْنِ وَ الرَّاحَةِ بِمَا اسْتَعْمَلَ قَلْبَهُ وَ أَرْضَى رَبَّهُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج14  

و من كلام له عليه السلام و هو المأتان و الثامن عشر من المختار فى باب الخطب‏

قد أحيا عقله و أمات نفسه، حتى دق جليله، و لطف غليظه، و برق له لامع كثير البرق، فأبان له الطريق، و سلك به السبيل، و تدافعته الأبواب إلى باب السلامة، و دار الإقامة، و ثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الأمن و الراحة، بما استعمل قلبه و أرضى ربه‏.

اللغة

(دق) الشي‏ء يدق دقة من باب ضر خلاف غلظ فهو دقيق و غلظ الشي‏ء بالضم غلظا و زان عنب و الاسم الغلظة و هو غليظ و (أبان) و بين و تبين و استبان كلها بمعنى الوضوح و الانكشاف و جميعها يستعمل لازما و متعديا إلا بان الثلاثى فلا يستعمل إلا لازما قاله الفيومى.

الاعراب‏

جليله و غليظه مرفوعان على الفاعل للزوم فعليهما، و الباء فى قوله سلك به للتعدية، و فى قوله بطمأنينة بدنه للمصاحبة، و فى قوله بما استعمل للسببية، و كلتا الأخيرتين متعلقتان بقوله ثبتت.

المعنى‏

اعلم أن هذا الكلام على غاية و جازته جامع لجميع صفات العارف الكامل‏ و لكيفية سلوكه و لمال أمره و لعمرى إنه لا يوجد كلام أوجز من هذا الكلام في أداء هذا المعني، و هو في الحقيقة قطب دائرة العرفان و عليه مدارها، و في الايجاز الذي هو فن نفيس من علم البلاغة تالي كلام الملك الرحمن، مثل قوله: لكيلا تأسوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم‏ الجامع للزهد كله و قوله «خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين» الجامع لمكارم الأخلاق جميعا، و شرحه يحتاج إلى بسط في المقال بتوفيق الرب المتعال فأقول مستعينا بالله و بوليه عليه السلام:

قوله عليه السلام‏ (قد أحيا عقله و أمات نفسه) المراد بعقله العقل النظرى و العملي و بنفسه النفس الأمارة بالسوء و المراد بحياة الأول كونه منشئا للاثار المترتبة عليه مقتدرا على تحصيل الكمالات و المعارف الحقة و مكارم الأخلاق المحصلة للقرب و الزلفي لديه تعالى، و بموت الثاني بطلان تصرفاته و آثاره المبعدة عنه عز و جل بحذافيره، فان الحياة و الموت عبارة اخرى عن الوجود و العدم لا أثر له أصلا.

و أراد باحيائه الأول و إماتته الثاني تقويته و تغليبه له عليه بحيث يكون الأول بمنزلة سلطان قادر قاهر يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد، و الثاني بمنزلة عبد ذليل داخر مقهور لا يريد و لا يصدر إلا باذن مولاه.

و لا يحصل تقوية الأول و تذليل الثاني إلا بملازمة الكمالات العقلانية و المجاهدة و الرياضة النفسانية، و المجاهدة عبارة عن ذبح النفس بسيوف المخالفة كما قال تعالى‏ و أما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى‏ و قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لما بعث سرية و رجعوا: مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر و بقى عليهم الجهاد الأكبر، فقيل: يا رسول الله و ما الجهاد الأكبر؟ قال:جهاد النفس.

و قال بعض أهل العرفان: جاهد نفسك بأسياف الرياضة و الرياضة على أربعة أوجه القوت من الطعام، و الغمض من المنام، و الحاجة من الكلام، و حمل الأذى من جميع الأنام، فيتولد من قلة الطعام موت الشهوات، و من قلة المنام صفو الارادات،

و من قلة الكلام السلامة من الافات، و من احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات و ليس على العبد شي‏ء أشد من الحلم عند الجفا، و الصبر على الأذى، و إذا تحركت من النفس إرادة الشهوات و الاثام و هاجت منها حلاوة فضول الكلام جردت عليهم سيوف قلة الطعام من غمد التهجد و قلة المنام و ضربتها بأيدى الخمول و قلة الكلام حتى تنقطع عن الظلم و الانتقام فتأمن من بوائقها من بين سائر الأناء و تصفيها من ظلة شهواتها فتنجو من غوائل آفاتها فتصير عند ذلك نظيفة و نورية خفيفة روحانية، فتجول في ميدان الخير و تسير في مسالك الطاعات كالفرس الفارة في الميدان و كالمسلك المتنزه في البستان.

و قال أيضا: أعداء الانسان ثلاثة: دنياه، و شيطانه، و نفسه، فاحترس من الدنيا بالزهد فيها، و من الشيطان بمخالفته، و من النفس بترك الشهوات.

و تفصيل ذلك على ما قرر في علم السلوك إن للسالك لطريق الحق المريد للوصول إلى حظيرة القدس شروطا و وظايف لابد من ملازمتها.

أما الشروط التي لابد من تقديمها في الارادة فهي رفع الموانع و الحجب التي بينه و بين الحق، فان حرمان الخلق من الحق سببه تراكم الحجب و وقوع السد على الطريق قال الله تعالى‏ و جعلنا من بين أيديهم سدا و من خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون‏.

و السد بين المريد و بين الحق ثلاثة: المال، و الجاه، و المعصية و رفع حجاب المال إنما يحصل بالخروج منه حتى لا يبقي منه إلا قدر الضرورة فما دام يبقى له درهم ملتفت إليه فهو مقيد به محجوب عن الله عز و جل، و رفع حجاب الجاه إنما يحصل بالبعد من موضع الجاه و الهرب منه و ايثار خمول الذكر، و رفع حجاب المعصية إنما يحصل بالتوبة و الندم على ما مضى من المعاصى و تدارك ما فات من العبادات و رد المظالم و إرضاء الخصوم و إذا قدم هذه الشروط فلا بد له من المواظبة على وظائف السلوك، و هى خمس: الجوع، و الصمت، و السهر، و العزلة، و الذكر.

أما الجوع فانه ينقص دم القلب و يبيضه و يلطفه و فى بياضه و تلطيفه نوره و يذيب شحم الفؤاد و فى ذوبانه رقته و رقته مفتاح انكشاف الحجب كما أن قساوته سبب الحجاب، و مهما نقص دم القلب ضاق مسلك العدو الشيطان فان مجاريه العروق الممتلئة بالشهوات، و لذلك قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم فى العروق فضيقوا مجاريه بالجوع، أو قال بالصوم و فى حديث آخر ألا اخبركم بشى‏ء ان أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم كما تباعد المشرق من المغرب؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال صلى الله عليه و آله و سلم: الصوم يسود وجهه الحديث.

ففائدة الجوع فى كسر شهوات المعاصى كلها و الاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء أمر ظاهر لأن منشأ المعاصى كلها الشهوات و القوى و مادة القوى و الشهوات لا محالة الأطعمة، فتقليلها يضعف كل شهوة و قوة و يكسر سورة النفس الأمارة كالدابة الجموح إذا شبعت شررت و جمحت لا يمكن ضبطها باللجام، و إذا جاعت ذللت و انقادت و بالجملة فالشبع يورث القسوة و الشهوة و السبعية، و الجوع يوجب الرقة و انكسار الشهوة و الصولة، و هو مشاهد بالتجربة، و من هنا قيل: مفتاح الدنيا الشبع و مفتاح الاخرة الجوع، و قال النبى صلى الله عليه و آله و سلم من أجاع بطنه عظم فكرته و فطن قلبه و قال أيضا أحيوا قلوبكم بقلة الضحك و قلة الشبع و طهروها بالجوع تصفو و ترق.

و أما الصمت فينبغى أن لا يتكلم إلا بقدر الضرورة لأن الكلام يشغل القلب و ميل القلوب إلى الكلام عظيم، فانه يستروح اليه و يستثقل التجرد للذكر و الفكر و فى الحديث طوبى لمن أنفق فضول ماله و أمسك عن فضول كلامه، هذا فى الكلام المباح و أما الكلام الغير المباح من الكذب و النميمة و البهت و غيرها فبينه و بين السلوك إلى الحق بون بعيد بعد المشرقين.

و أما السهر فانه يجلو القلب و يصفيه و ينوره و لذلك مدح الله سبحانه المستغفرين بالأسحار لأنها أوقات صفاء الذهن و نزول الرحمة و الألطاف الالهية، فيضاف صفاء السهر إلي الصفاء الحاصل من الجوع فيصير القلب كالكوكب الدرى و المرآة المجلوة مستعدا لافاضة الأنوار الالهية، فيلوح فيه سبحات جمال الحق و يشاهد رفعة الدرجات الاخروية و عظم خطرها و خسة الزخارف الدنيوية و حقارتها، فتتم بذلك رغبته عن الدنيا و شوقه إلى الاخرة، و السهر أيضا من خواص الجوع و بالشبع غير ممكن.

و أما العزلة و الخلوة ففائدتها دفع الشواغل و ضبط السمع و البصر، فانهما دهليز القلب و القلب بمنزلة حوض تنصب إليه مياه كريهة كدرة من مجارى الحواس و المقصود بالرياضة تفريغ الحوض من المياه الردغة و من الطين الحاصل منها فينفجر أصل الحوض فيبغ منه ماء نظيف سائغ صاف و لا يمكن نزح ماء الحوض و الأنهار إليه مفتوحة فيتجدد في كل حال أكثر مما ينقص.

قال الرضا عليه التحية و الثناء إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: طوبى لمن أخلص لله العبادة و لم يشغل قلبه بما تراه عيناه و لم ينس ذكر الله بما تسمع اذناه الحديث.فلا بد من ضبط الحواس إلا عن قدر الضرورة و لا يتم ذلك إلا بالعزلة و الخلوة.

قال بعض السياحين: قلت لبعض الأبدال المنقطعين عن الخلق كيف الطريق إلى الحق؟ قال: أن تكون في الدنيا كأنك عابر طريق، و قلت له مرة: دلنى على عمل أجد قلبى فيه مع الله تعالى على الدوام، فقال لى: لا تنظر إلى الخلق فان النظر إليهم ظلمة، قلت: لا بد لى من ذلك، قال: فلا تسمع كلامهم، فان فى سماع كلامهم قسوة، قلت: لابد لى من ذلك، قال: فلا تعاملهم فان معاملتهم وحشة، قلت: أنا بين أظهرهم لا بد لى من معاملتهم، قال: فلا تسكن إليهم فان السكون إليهم هلكة، قال:

قلت: هذا لعله يكون، قال يا هذا أتنظر إلى الغافلين و تسمع كلام الجاهلين و تعامل البطالين و تريد أن تجد قلبك مع الله تعالى على الدوام، و لا يمكن ذلك إلا بأن يخلو عن غيره و لا يخلو عن غيره إلا بطول المجاهدة، و قد عرفت أن طريق المجاهدة مضادة الشهوات و مخالفة هوى النفس، فاذا حصل للسالك هذه المقدمات اشتغل بذكر الله تعالى بالأذكار الشرعية من الصلاة و تلاوة القرآن و الأدعية المأثورة و التسبيح و التهليل و غير ذلك بلسانه و قلبه، فلا يزال يواظب عليها حتى لا يبقى على قلبه و لسانه‏

غير ذكره تعالى، و لا يكون له منظور غيره أصلا، فعند ذلك يتجلى له من أنوار جماله و سبحات عظمته و جلاله ما لا يحيط به لسان الواصفين، و يقصر عنه نعت الناعتين.

هذا من الشرايط و الوظايف المقررة قد أشار إليها أمير المؤمنين عليه السلام فى مطاوى كلماته و خطبه المتقدمة و غيرها كثيرا.

مثل ما رواه في الوسايل من أمالى ابن الشيخ قال روى ان أمير المؤمنين عليه السلام خرج ذات ليلة من المسجد و كانت ليلة قمراء فأم الجبانة و لحقه جماعة تقفون أثره فوقف عليهم ثم قال عليه السلام: من أنتم؟ قالوا: شيعتك يا أمير المؤمنين، فتفرس في وجوههم قال: فمالى لا أرى عليكم سيماء الشيعة، قالوا: و ما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين؟ قال عليه السلام: صفر الوجوه من السهر عمش العيون من البكاء حدب الظهور من القيام خمص البطون من الصيام ذبل الشفاه من الدعاء عليهم غبرة الخاشعين.

و قال عليه السلام في الخطبة الثانية و الثمانين: فاتقوا الله تقاة ذى لب شغل التفكر قلبه و أنصب الخوف بدنه و أسهر التهجد غرار نومه و أظمأ الرجاء هواجر يومه و أظلف الزهد شهواته و أوجف الذكر بلسانه و قدم الخوف لابانه و تنكب المخالج عن وضح السبيل و سلك أقصد المسالك إلى النهج المطلوب‏.

و غير ذلك مما تقدم في ضمن خطبه المسوقة فى الحث على الزهد و التقوى و وصف حال المتقين و لا حاجة إلى الاعادة.

ثم لا يخفى عليك أن مطلوبية الاعتزال و الخلوة إنما هى للفراغ للذكر و الخلوة و العبادة و كون المعاشرة مانعة منه، و أما إذا لم تكن المعاشرة مانعة بل تبعثه على سلوك الصراط المستقيم كالجمعة و الجماعات و زيارة الاخوان المؤمنين و الاجتماع فى مجالس الذكر و نحوها فهى من أعظم العبادات، و سلوك نهج الحق على ما ذكرنا من الاداب و الوظايف هو المتلقى من صاحب الشرع.

و أما غيرها مما ذكره الصوفية من الاداب و الوظايف فى المجاهدة و الرياضة و كيفية السلوك مثل قولهم بالجلوس فى بيت مظلم و الخلوة أربعين‏

يوما، و اشتراطهم الاعتصام بالشيخ و كون السلوك بارشاده، و قولهم بالمداومة على ذكر مخصوص ألقاه الشيخ إلى المريد من الأذكار الفتحية أو غيرها نحوها من الأذكار المبتدعة أو من الأذكار الشرعية لكن على هيئة مخصوصة و عدد مخصوص لم يرد به نص، و قولهم بأن المريد إذا تم مجاهدته و لم يبق فى قلبه علاقة تشغله يلزم قلبه على الدوام و يمنعه من تكثير الأوراد الظاهرة بل يقتصر على الفرائض و الرواتب و يكون ورده وردا واحدا و هو ملازمة القلب لذكر الله بعد الخلو عن ذكر غيره، فعند ذلك يلزمه الشيخ زاوية ينفرد بها و يلقنه ذكرا من الأذكار حتى يشغل به لسانه و قلبه فيجلس و يقول مثلا: الله الله أو سبحان الله سبحان الله أو ما يراه الشيخ من الكلمات فلا يزال يواظب عليه حتى تسقط حركة اللسان و تكون الكلمة كأنها جارية على اللسان من غير تحريك، ثم لا يزال يواظب عليه حتى يسقط الأثر عن اللسان و تبقى صورة اللفظ فى القلب ثم لا يزال كذلك حتى يمحى عن القلب حروف اللفظ و صورته و تبقى حقيقة معناه لازمة للقلب حاضرة معه غالبة عليه قد فرغ من كل ما سواه و نحو ذلك مما قالوه فشي‏ء منها لم يرد به اذن من الشارع بل هو من بدعاتهم التي أبدعوها اللهم إلا أن يستدل على الأخير أعنى المواظبة على الذكر باللسان و القلب على ما وصل بعمومات أدلة الاكثار من ذكر الله و التفكر فى الله.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى شرح المتن فأقول:قوله عليه السلام‏ (حتى دق جليله و لطف غليظه) غاية لا ماتته لنفسه أولها و لا حيائه لعقله أيضا، و الجملة الثانية إما مؤكدة للاولى فالمعنى أن تكميله لعقله و تركه لشهوات نفسه انتهى إلى مرتبة أوجبت هزال جسمه و نحول بدنه، أو المراد بالجليل أعضاؤه العظام كالرأس و اليدين و الفخذين و الساقين، و بالغليظ غيرها، أو المراد بالأول عظامه و بالثانى جلده و أعصابه، أو بالأول بدنه و بالثاني قلبه.

و على أى معني فالمقصود كونه ناحل الجسم ضعيف البدن إما من خوف الله تعالى و تحمله لمشاق العبادات أو لجوعه و كفه عن الأكل و الشرب و ساير الشهوات.

كما قال عليه السلام فى الخطبة المأة و الثانية و التسعين في وصف المتقين: قد براهم الخوف برى القداح ينظر اليهم الناظر فيحسبهم مرضى و ما بالقوم من مرض‏.

و قال في الخطبة الثانية و الثمانين: فاتقوا الله تقية ذى لب شغل التفكر قلبه و أنصب الخوف بدنه‏، أى أمرضه و أتعبه.

و قال فى الخطبة المأة و التاسعة و الخمسين حكاية عن كليم الله على نبينا و عليه السلام إذ يقول رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير: و الله ما سأله إلا خبزا يأكله لأنه كان يأكل بقلة الأرض و لقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله و تشذب لحمه‏.

و قوله عليه السلام‏ (و برق له لامع كثير البرق) الظاهر أنه عطف على سابقه فيكون هو أيضا غاية لتكميل عقله و جهاد نفسه يعني أنه بلغ من كمال قوته النظرية و العملية إلى مقام شروق الأنوار المعارف الالهية على مرآة سره فصار مشاهدا بعين بصيرته أنوار قدسه و سبحات وجهه عين اليقين.

كما أشار عليه السلام إليه فى الخطبة السادسة و الثمانين فى وصف أحب عباد الله تعالى إليه عز و جل بقوله: فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس‏.

و قال زين العابدين و سيد الساجدين عليه السلام في المناجاة التاسعة من المناجاة الخمس عشرة و هى مناجاة المحبين: يا من أنوار قدسه لأبصار محبيه رائقة[1] و سبحات وجهه لقلوب عارفيه شائفة[2] و قال عليه السلام فى المناجاة الثانية عشر منها و هى مناجاة العارفين: إلهى فاجعلنا من الذين ترسخت أشجار الشوق إليك فى حدائق صدورهم، و أخذت لوعة محبتك بمجامع قلوبهم، فهم إلى أوكار الأفكار يأوون، و فى رياض القرب و المكاشفة يرتعون، و من حياض المحبة بكاس الملاطفة يكرعون، و شرايع المصافات يروون، قد كشف الغطاء عن أبصارهم، و انجلت ظلمة الريب عن عقائدهم فى ضمائرهم‏

و انتفت مخالجة الشك عن قلوبهم و سرائرهم، و انشرحت بتحقيق المعرفة صدورهم، و علت لسبق السعادة فى الزهادة هممهم، و عذب فى معين المعاملة شربهم، و طاب فى مجلس الانس سرهم، و أمن فى موطن المخافة سربهم، و اطمأنت بالرجوع إلى رب الأرباب أنفسهم، و تيقنت بالفوز و الفلاح أرواحهم، و قرت بالنظر إلى محبوبهم أعينهم، و استقر بادراك السؤل و نيل المأمول قرارهم، هذا.

و لأهل السلوك و الصوفية كلام طويل فى البروق اللامعة أسندوها إلى الشهود و المكاشفة.

قال الرئيس أبو على بن سينا فى محكى كلامه من الاشارات فى ذكر السالك إلى مرتبة العرفان ما لفظه:ثم إنه إذا بلغت به الرياضة و الارادة حدا ما عنت له خلسات من اطلاع نور الحق عليه لذيذة كأنها بروق تومض إليه ثم تخمد عنه، و هى التى تسمى عندهم أوقاتا و كل وقت يكتنفه وجد اليه و وجد عليه، ثم إنه ليكثر عليه هذا الغواشى إذا أمعن فى الارتياض، ثم إنه ليتوغل فى ذلك حتى يغشاه فى غير الارتياض فكلما لمح شيئا عاج منه إلى جانب القدس فتذكر من أمره أمرا فغشيه غاش فيكاد يرى الحق في كلشي‏ء و لعله إلى هذا الجد تستولى عليه غواشيه و يزول عن سكينته و يتنبه جليسه لاستنفاره عن قراره، فاذا طالت عليه الرياضة لم يستنفره غاشية و هدى للتأنس بما هو فيه، ثم إنه لتبلغ به الرياضة مبلغا ينقلب له وقته سكينته فيصير المخطوب ما لولا و الوميض شهابا بينا، و يحصل له معارفه مستقرة كأنها صحبة مستمرة و يستمتع فيها ببهجته فاذا انقلب عنها انقلب حيران أسفا.

و قال أبو القاسم القشيرى فى رسالة القشيرية: المحاضرة قبل المكاشفة فاذا حصلت المكاشفة فبعدها المشاهدة و قال: هى أرفع الدرجات، فالمحاضرة حضور القلب و قد تكون بتواترها البرهان و الانسان بعد وراء الستر و إن كان حاضرا باستيلاء سلطان الذكر، و أما المكاشفة فهى الحضور البين غير مفتقر إلى تأمل الدليل و تطلب السبيل، ثم المشاهدة و هى وجود الحق من غير بقاء تهمة و قال أيضا: هى ثلاث‏

مراتب: اللوايح، ثم اللوامع، ثم الطوالع، فاللوايح كالبروق ما ظهرت حتى استترت، ثم اللوامع و هى أظهر من اللوايح و ليس زوالها بتلك السرعة فقد تبقى وقتين و ثلاثة و لكن كما قيل: و العين باكية لم تشبع النظر فأصحاب هذا المقام بين روح و توح لأنهم بين كشف و ستر يلمع ثم يقطع لا يستقر لهم نور النهار حتى تكر عليهم عساكر الليل، ثم الطوالع و هى أبقى وقتا و أقوى سلطانا و أدوم مكثا و أذهب للظلمة و أنقى للتهمة.

و قال عمرو بن عثمان المكى: المشاهدة أن تتوالى أنوار التجلى على القلب من غير أن يتخللها ستر و لا انقطاع كما لو قدر اتصال البروق فى الليله المظلمة فكما أنها تصير بذلك فى ضوء النهار فكذلك القلب إذا دام له التجلى منع النهار فلا ليل و انشدوا شعرا:

ليلي بوجهك مشرق‏
و ظلامه في الناس سار

و الناس فى سدف الظلام‏
و نحن فى ضوء النهار

و قال الشارح البحراني قوله عليه السلام: و برق له لامع كثير البروق‏ أشار باللامع‏ إلى ما يعرض للسالك عند بلوغ الارادة بالرياضة به حد أما من الخلسات إلى الجناب الأعلى فيظهر له أنوار إلهية لذيذة شبيهة بالبرق فى سرعة لمعانه و اختفائه و تلك اللوامع مسماة عند أهل الطريقة أوقاتا و كل وقت فانه محفوف بوجد اليه ما قبله و وجد عليه ما بعده لأنه لما ذاق تلك اللذة ثم فارقها حصل فيه حنين و أنين الي ما فات منها، ثم إن هذه اللوامع في مبدء الأمر تعرض له قليلا فاذا أمعن فى الارتياض كثرت فأشار عليه السلام، باللامع‏ إلى نفس ذلك النور و بكثرة برقه الى كثرة عروضه بعد الامعان في الرياضة، انتهى.

و هو كما ترى محصل ما قدمنا حكايته عن الشيخ الرئيس و مثل هذه المقالات فى كتب المتصوفة كثير لكنها لم يرد بها خبر من الأئمة عليهم السلام، مع أنهم رؤساء السالكين و أقطاب العارفين و نادر فى أخبارهم عليهم السلام مثل هذا الكلام لأمير المؤمنين‏ عليه السلام الذى نحن فى شرحه، فانما هو من المجملات و حملها على ما يوافق مذاق أهل الشرع بأن يراد باللوامع أنوار العلوم الحقة و لوامع المعارف الالهية البالغة إلى مرتبة الكمال و مقام عين اليقين و ببروقها فيضانها عليه من الحضرة الأعلى أولى، و الله العالم بحقايق كلام وليه.

و قوله عليه السلام‏ (فأبان له الطريق و سلك به السبيل) أى أظهر ذلك‏ البرق اللامع‏ و أوضح له الطريق المؤدى إلى رضوانه و سلك به السبيل المبلغ إلى جنانه و هو الطريق المطلوب من الله تعالى الاهتداء إليه فى قوله: اهدنا الصراط المستقيم قال الصادق عليه السلام فى تفسيره: يعنى أرشدنا للزوم الطريق المؤدى إلى محبتك و المبلغ إلى جنتك و المانع من أن نتبع أهواءنا فنعطب أو أن نأخذ بارائنا فنهلك.

و قال أمير المؤمنين عليه السلام يعنى أدم لنا توفيقك الذى أطعناك به فى ماضى أيامنا حتى نطيعك كذلك فى مستقبل أعمارنا قال فى الصافى: لما كان العبد محتاجا إلى الهداية فى جميع أموره آنا فانا و لحظة فلحظه فادامة الهداية هى هداية أخرى بعد الهداية الأولى فتفسير الهداية بادامتها ليس خروجا عن ظاهر اللفظ.

و فيه من معانى الأخبار عن الصادق عليه السلام هى الطريق إلى معرفة الله و هما صراطان صراط فى الدنيا و صراط فى الاخرة فأما الصراط فى الدنيا فهو الامام المفترض الطاعة من عرفه فى الدنيا و اقتدى بهداه مر على الصراط الذى هو جسر جهنم فى الاخرة، و من لم يعرفه فى الدنيا زلت قدمه عن الصراط فى الاخرة فتردى فى نار جهنم.

قال الفاضل الفيض بعد نقله لتلك الأخبار: و مال الكل واحد عند العارفين بأسرارهم، و بيانه على قدر فهمك:أن لكل إنسان من ابتداء حدوثه إلى منتهى عمره انتقالات جبلية باطنية في الكمال و حركات نفسانية و طبيعية تنشؤ من تكرر الأعمال و تنشؤ منها المقامات و الأحوال، فلا يزال ينتقل من صورة إلى صورة و من خلق إلى خلق و من عقيدة إلى عقيدة و من حال إلى حال و من مقام إلى مقام و من كمال إلى كمال حتى يتصل بالعالم العقلي و المقربين و يلحق الملأ الأعلى و السابقين ان ساعده التوفيق و كان من الكاملين، أو بأصحاب اليمين إن كان من المتوسطين أو يحشر مع الشياطين و أصحاب الشمال إن ولاه الشيطان و قارنه الخذلان في المال، و هذا معنى الصراط و المستقيم منه إذا سلكه سالكه وصله إلى الجنة و هو ما يشتمل عليه الشرع كما قال الله عز و جل‏ و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله‏ و هو صراط التوحيد و المعرفة و التوسط بين الأضداد في الأخلاق و التزام صوالح الأعمال، و بالجملة صورة الهدى الذي أنشأه المؤمن لنفسه ما دام في دار الدنيا مقتديا فيه بهدى إمامه و هو أدق من الشعر و أحد من السيف في المعنى مظلم لا يهتدى إلا من جعل الله له نورا كما يمشى به في الناس يسعى عليها على قدر أنوارهم، انتهى.

فان قلت: إن العارف إذا أحيا عقله و أمات نفسه فيكون واقعا قصد على الطريق و سالكا للسبيل البتة فما معنى قوله عليه السلام: فأبان له الطريق‏ آه، فان ظاهره بمقتضى افادة الفاء للترتيب كون وضوحها و ظهورها و سلوكها مترتبا على الاحياء و الاماتة.

قلت: و إن كان المكمل لعقله و المجاهد لنفسه سالكا سبيل الحق، لكن في سلوك هذا السبيل احتمال خلجان الشك و طريان القواطع عن سلوكه بعروض الوساوس الشيطانية كما قال الله تعالى حكاية عنه‏ قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم و من خلفهم و عن أيمانهم و عن شمائلهم و لا تجد أكثرهم شاكرين‏ و أما بعد ما أكمل عقله بعلم اليقين و أمات نفسه و استنار قلبه بأنوار العلم و المعارف و تجلى عليه اللوامع الغيبية و الألطاف الالهية و بلغ في الكمال إلى مرتبة عين اليقين فانه يشاهد حينئذ بعين بصيرته الصراط المستقيم الذى هو سبيل مقيم، و يكون مشيه و سلوكه فيه بذلك النور الذي تجلى له كما قال تعالى‏ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و آمنوابرسوله يؤتكم كفلين من رحمته و يجعل لكم نورا تمشون به‏ و إذا كان سلوكه به فلا يضل و لا يشقى و لحق بالملاء الأعلى.

(و تدافعته الأبواب إلى باب السلامة و دار الاقامة) الظاهر أن المراد بالأبواب‏ مقامات العارفين و درجات السالكين اللاتى بعضها فوق بعض، و أراد بتدافعها إياه ترقيه من مقام إلى مقام و من درجة إلى درجة إلى أن ينتهى ترقياته إلى مرتبة حق اليقين.

فوصل به الصراط الأقوم إلى باب الله الأعظم الذى من دخل منه كان سالما فى الدنيا من المعاطب و المهالك و من الزيغ و الضلال، و سالما في الاخرة من الخزى و النكال، و هو في الحقيقة باب دار السلام الموعود للمذكرين في قوله‏ و هذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون لهم دار السلام عند ربهم و هو وليهم بما كانوا يعملون‏ و المدعو إليه في قوله «و الله يدعوا إلى دار السلام و يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏» أى دار السلامة الدائمة من كل آفة و بلية مما يلقاه أهل النار و العذاب.

و وصل به أيضا إلى دار الاقامة و هي دار المخلصين في التوحيد في الدنيا و المقيمين عليه و هم «الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا و لا تحزنوا و أبشروا بالجنة التى كنتم توعدون» و الجنات المخصوصة في الاخرة و هي‏ جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب و لؤلؤا و لباسهم فيها حرير و قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب و لا يمسنا فيها لغوب‏.

قال في التفسير: جنات عدن أى جنات إقامة و خلد و هى بطنان الجنة أى وسطها، و قيل: هى مدينة في الجنة فيها الرسل و الأنبياء و الشهداء و أئمة الهدى و الناس حولهم و الجنان حولها، و قيل: إن عدن أعلى درجة في الجنة و فيها عين التسنيم و الجنان حولها محدقة بها و هي مغطاة من يوم خلقها الله حتى ينزلها أهلها الأنبياء و الصديقون و الشهداء و الصالحون و من شاء الله.

كنايه‏ (و ثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الأمن و الراحة) يعنى أنه بعد اندفاعه إلى باب السلامة و دار الاقامة التي هي مقر الأمن و الراحة استقر فيها، و ثبوت رجليه كناية عنه و حصل له برد اليقين الموجب للطمأنينة الكاملة و هو منتهى سير السالكين و غاية غايات المريدين و آخر مقامات العارفين، و أعلى درجات المقربين.

و هو الذى أشار إليه سيد الساجدين عليه السلام فيما قدمنا حكايته عنه عليه السلام قريبا بقوله في وصف العارفين: و طاب في مجلس الانس سرهم و أمن فى موطن المخافة سربهم و اطمأنت بالرجوع إلى رب الأرباب أنفسهم و تيقنت بالفوز و الفلاح أرواحهم و قرت بالنظر إلى محبوبهم أعينهم و استقر بادراك السؤل و نيل المأمول قرارهم قال الشارح البحرانى: قوله: و ثبتت رجلاه‏ آه إشارة إلى الطور الثاني للسالك فانه ما دام في مرتبة الوقت يعرض لبدنه عند لمعان تلك البروق في سره اضطراب و قلق، لأن النفس إذا فاجاها أمر عظيم اضطربت و تقلقلت، فاذا كثرت تلك الغواشي ألقتها بحيث لا تنزعج عنها و لا يضطرب لورودها عليها البدن بل يسكن و يطمئن لثبوت قدم عقله في درجة أعلى من درجات الجنة التي هي‏ قرار الأمن و الراحة من عذاب الله. انتهى.

و هو متفرع على ما قدمنا حكايته عن المتصوفة في شرح البروق اللامعة، و كلام السجاد عليه السلام غير خال عن الاشارة إليه.

و يجوز أن يراد بقرار الأمن و الراحة جنة الاخرة كما قال عليه السلام في الخطبة المأة و الثانية و التسعين في وصف المتقين: صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة تجارة مربحة يسرها لهم ربهم‏.

و قال تعالى‏ أولئك يجزون الغرفة بما صبروا و يلقون فيها تحية و سلاما خالدين فيها حسنت مستقرا و مقاما و قال‏ و الملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار و قال‏ إن المتقين في جنات و عيون ادخلوها بسلام آمنين‏ أى يقال لهم: ادخلوا الجنات بسلامة من الافات‏

و براءة من المكاره و المضرات آمنين من الاخراج منها ساكنى النفس إلى انتفاء الضرر فيها قال الزجاج: السلام اسم جامع لكل خير لأنه يتضمن السلامة و قول الملائكة ادخلوها بسلام بشارة لهم بعظيم الثواب.

و ذلك كله‏ (بما استعمل قلبه و أرضى ربه) أى حصول ذلك المقام العالى و نيل تلك الكرامات العظيمة له إنما هو بسبب استعمال قلبه في الذكر و التفكر في الله و إرضائه لربه بالمجاهدة و الرياضات و الملازمة على الطاعات و القربات، بل خلوه عن الارادات و المرادات في جميع الحالات و جعل رضاه تابعا لرضى مولاه لا يشاء شيئا إلا أن يشاء الله.

فينادى من عند رب العزة بنداء يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي‏ و يدخل في حزب من قال تعالى فيهم‏ إن الذين آمنوا و عملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم و رضوا عنه ذلك لمن خشي ربه‏ دعواهم فيها سبحانك اللهم و تحيتهم فيها سلام و آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين‏.

الترجمة

از جمله كلام آن امام عالي مقام است عليه الصلاة و السلام در وصف عارف بحق مى ‏فرمايد:

بتحقيق زنده كرده است او عقل خود را، و كشته است نفس خود را تا اين كه ضعيف و تحيف شده أعضاى بزرك او، و لطافت پيدا نموده اجزاى درشت او، و برق زده بقلب او نور ساطعى كه بغايت براقست، پس ظاهر گردانيده آن نور از براى او راه حق را، و راه رفته بروشنى او در راه حق، و دفع كرده او را درهاى فضل و كرامت بسوى در سلامت و خانه خلود و اقامت، و محكم شده پاهاى او با اطمينان و آرامى بدن او در قرارگاه ايمنى و استراحت بسبب استعمال قلب خود در تفكر و معرفت، و راضى نمودن پروردگار خود را با جهاد نفس و مواظبت‏ طاعت و عبادت.[3]

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

__________________________________________________________

[1] ( 1)- الروق الصافى من الماء و غيره و العجب.

[2] ( 2)- شفته شوفا جلوته و دينار مشوف مجلو.

[3] هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة (خوئى) – تهران، چاپ: چهارم، 1400 ق.

 

 

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 217 شرح میر حبیب الله خوئی

خطبه 219 صبحی صالح

219- و من كلام له ( عليه‏ السلام  ) لما مر بطلحة بن عبد الله و عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد و هما قتيلان يوم الجمل‏

لَقَدْ أَصْبَحَ أَبُو مُحَمَّدٍ بِهَذَا الْمَكَانِ غَرِيباً أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ قُرَيْشٌ قَتْلَى تَحْتَ بُطُونِ الْكَوَاكِبِ أَدْرَكْتُ وَتْرِي مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَ أَفْلَتَتْنِي أَعْيَانُ بَنِي جُمَحَ لَقَدْ أَتْلَعُوا أَعْنَاقَهُمْ إِلَى أَمْرٍ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَهُ فَوُقِصُوا دُونَهُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج14  

و من كلام له عليه السلام و هو الماتان و السابع عشر من المختار فى باب الخطب‏

لما مر بطلحة و عبد الرحمن بن عتاب بن اسيد و هما قتيلان يوم الجمل:

لقد أصبح أبو محمد بهذا المكان غريبا، أما و الله لقد كنت أكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب، أدركت وتري من بني عبد مناف، و أفلتتني أعيان بني جمح، لقد أتلعوا أعناقهم إلى‏ أمر لم يكونوا أهله، فوقصوا دونه.

اللغة

(قريش) قبيلة و أبوهم النضر بن كنانة و من لم يلده فليس بقرشي، و قيل:

قريش هو فهد بن مالك و من لم يلده فليس بقرشي، و أصل القرش الجمع و تقرشوا إذا تجمعوا و بذلك سميت قريش لاجتماعها بعد تفرقها في البلاد، و قيل قريش دابة تسكن البحر و به سمى الرجل قال الشاعر:

و قريش هى التي تسكن البحر
بها سميت قريش قريشا

قالوا: إن النضر بن كنانة ركب في البحر الهند فقالوا قريش كسرت مركبنا فرماها النضر بالحراب فقتلها و حز رأسها و كان لها اذان كالشراع تأكل و لا تؤكل و تعلو و لا تعلى فقدم به مكة فنصبه على أبي قبيس فكان الناس يتعجبون من عظمه فيقولون: قتل النضر قريشا فكسر الاستعمال حتى سموا النضر قريش و قيل في وجه التسمية وجوه اخر لا حاجة إلى ذكرها.

و (القتلى) جمع قتيل كالجرحى و جريح و (الوتر) بكسر الواو الجناية التي يجبيها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبى و (أفلت) الطائر و غيره افلاتا تخلص و أفلته أنا إذا أطلقته و خلصته يستعمل لازما و متعديا و اتفلت و تفلت خرج بسرعة و (الأعيان) بالنون الرؤساء و الأشراف، و في بعض النسخ بالراء المهملة جمع العير بفتح العين و جمع الجمع عيارات و العير الحمار و غلب على الوحشى و يقال أيضا للسيد و الملك.

و (بنى جمح) في نسخة الشارح المعتزلي بضم الجيم و فتح الميم، و في بعض النسخ بسكون الميم و ما ظفرت بعد على ضبطه فيما عندي من كتب اللغة و (التلع) محركة طول العنق و تلع الرجل من باب كرم و فرح طال عنقه فهو اتلع و تليع و تلع الرجل من باب منع أخرج رأسه من كلشي‏ء كان فيه و اتلع مد عنقه متطاولا و (وقص) عنقه كوعد كسرها فوقصت يستعمل لازما و متعديا و وقص الرجل بالبناء على المفعول فهو موقوص‏.

الاعراب‏

الباء في قوله عليه السلام بهذا المكان بمعنى فى، و في قوله أفلتتنى على الحذف و الايصال أى أفلتت منى، و قوله أهله بالنصب على أنه خبر كان و يحتمل الانتصاب بحذف الجار فيكون الجار و المجرور خبرا لها أى لم يكونوا من أهله.

المعنى‏

اعلم أن هذا الكلام‏ حسبما أشار إليه الرضى تكلم به عند تطوافه على القتلى بعد انقضاء الحرب فانه‏ (لما مر بطلحة) بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب ابن سعد بن تيم بن مرة (و عبد الرحمن بن عتاب بن اسيد) بن أبي العيص بن امية ابن عبد شمس‏ (و هما قتيلان يوم الجمل) وقف على جسد طلحة و قال:(لقد أصبح أبو محمد) و هو كنية طلحة (بهذا المكان غريبا) و وقف على جسد عبد الرحمن بن عتاب‏ و قال: لهفى عليك يعسوب قريش هذا فتى الفتيان هذا اللباب المحض من بنى عبد مناف شفيت نفسى و قتلت معشرى إلى الله عجرى و يجرى، فقال له قائل: لشد ما أطريت الفتى يا أمير المؤمنين منذ اليوم قال عليه السلام إنه قام عنى و عنه نسوة لم يقمن عنك، هكذا نقله الشارح المعتزلي، و قال أيضا: و عبد الرحمن هذا هو الذي احتملت العقاب كفه يوم الجمل و فيها خاتمه فألقتها باليمامة فعرفت بخاتمه و عرف أهل اليمامة بالوقعة، و قال أيضا: إنه ليس بصحابى و لكنه من التابعين و أبوه عتاب بن اسيد من مسلمة الفتح، و لما خرج رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم من مكة إلى حنين استعمله عليها فلم يزل أميرها حتى قبض رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم.

ثم أقسم بالقسم البار فقال‏ (أما و الله لقد كنت أكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب) أى مقتولين في معارك القتال مصر و عين تحت السماء في الأودية و الفلوات بحالة الذل و الايتذال لا يكنهم كن و لا يوارى أجسادهم سقف و لا ظلال.

و إنما استكره عليه السلام قتلهم لأن المطلوب الذاتى للأنبياء و الأولياء عليهم السلام‏

جذب الخلق إلى الحق و هدايتهم إلى الصراط المستقيم و استقامة امورهم في المعاش و الماب و حصول هذا المطلوب إنما هو بوجودهم و حياتهم، فاهتداؤهم بنور هدايته يكون أحب إليه من موتهم على الضلال.

و لذلك انه عليه السلام لما استبطأ أصحابه اذنه لهم في القتال بصفين أجاب لهم بقوله المتقدم في الكلام الرابع و الخمسين: و أما قولكم شكا في أهل الشام فو الله ما دفعت الحرب يوما إلا و أنا أطمع أن تلحق بى طائفة فتهتدى بى و تعشو إلى ضوئى و ذلك أحب إلى من أن أقتلها على ضلالها و إن كانت تبوء باثامها.

و تخصيص قريش بالذكر لاقتضاء المقام و لمزيد حبه لاهتدائهم بملاحظة الرحم و القرابة.

و قوله‏ (ادركت و ترى من بنى عبد مناف) قال الراوندي في محكى كلامه:يعنى طلحة و الزبير كانا من بنى عبد مناف‏ و اعترض عليه الشارح المعتزلي بأن طلحة من تيم بن مرة و الزبير من أسد بن عبد العزى بن قصى، و ليس منهما أحد من بنى عبد مناف و ولد عبد مناف أربعة: هاشم، و عبد شمس، و نوفل، و المطلب، فكل من لم يكن من ولد عبد هؤلاء الأربعة، فليس من ولد عبد مناف، و رد بأنهما من بنى عبد مناف من قبل الأم لا من قبل الأب.

و كيف كان فالمراد بقوله عليه السلام‏ ادركت و ترى‏ أدركت جنايتى التي جناها على‏ بنو عبد مناف‏، و المراد بتلك الجناية ما فعلوها بالبصرة من قتل النفوس، و نهب بيت المال و غيرها مما كان راجعا إليه عليه السلام فان الجناية على شيعته و بيت ماله جناية عليه.

استعاره بالكنايه و قوله‏ (و أفلتتنى أعيان بنى جمح) أى ساداتهم و أوتادهم و على كون أعيار جمع عير بمعنى الحمار فهى استعارة بالكناية حيث شبهوا بحمر مستنفرة فرت من قسورة.

قال الشارح المعتزلي: بنو جمح من بنى حصيص بن كعب بن لوى بن غالب و اسم جمح تيم بن عمرو بن حصيص، و قد كان مع عايشة منهم يوم الجمل جماعة هربوا و لم يقتل منهم إلا اثنان فمن هرب و نجا بنفسه منهم عبد الله الطويل ابن صفوان بن امية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، و منهم يحيى بن حكيم بن صفوان بن امية بن خلف، و منهم عامر بن مسعود بن امية بن خلف كان يسمى دحروجة الجعل لقصره و سواده، و منهم أيوب بن حبيب بن علقمة بن ربيعة الأعور ابن اهيب بن حذافة بن جمح، و قتل من بنى جمح مع عايشة عبد الرحمن بن وهب بن اسيد بن خلف بن وهب بن حذافة و عبد الله بن ربيعة بن دراج بن العنبس بن دهيان ابن وهب بن حذافة لا أعرف من بنى جمح انه قتل ذلك اليوم منهم غيرهما.

كنايه‏ (لقد اتلعوا أعناقهم إلى أمر لم يكونوا أهله) أى مدت قريش بالتطاول أعناقهم إلى الخلافة مع عدم استحقاقهم و أهليتهم لها (فوقصوا دونه) أى كسرت أعناقهم و اندقت عند ذلك الأمر و هو كناية عن عدم نيلهم إلى المقصود و قتلهم قبل وصوله، خسروا الدنيا و الاخرة ذلك هو الخسران المبين.

تذييل‏

روى في البحار من الكافية في إبطال توبة الخاطئة قال: روى خالد بن مخلد عن زياد بن المنذر عن أبي جعفر عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: مر أمير المؤمنين عليه السلام على طلحة و هو صريع فقال: أجلسوه، فاجلس، فقال: أم و الله لقد كانت لك صحبة و لقد شهدت و سمعت و رأيت و لكن الشيطان أزاغك و أما لك فأوردك جهنم.

و قد قدمنا هذه الرواية في شرح الكلام الثاني عشر و كررنا هنا باقتضاء المقام و تقدمت أيضا هناك مطالب نفيسة من أراد الاطلاع فليراجع ثمة هذا.

و فى الارشاد و من كلامه عليه السلام عند تطوافه على القتلى: هذه قريش جدعت أنفى و شفيت نفسى لقد تقدمت إليكم احذركم عض السيف و كنتم أحداثا لا علم لكم بما ترون، و لكنه الحين و سوء المصرع و أعوذ بالله من سوء المصرع ثم مر على معيد بن المقداد فقال: رحم الله أبا هذا لو كان حيا لكان رأيه أحسن من رأى هذا، فقال عمار بن ياسر: الحمد لله الذى أوقعه و جعل خده الأسفل‏

أما و الله يا أمير المؤمنين لا نبالى من عند عن الحق من والد و ولد، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: رحمك الله و جزاك عن الحق خيرا.

و مر بعبد الله بن ربيعة بن دراج في القتلي فقال: هذا البائس ما كان أخرجه أدين أخرجه أم نصر لعثمان؟ و الله ما كان رأى عثمان فيه و لا في أبيه بحسن.

ثم مر بمعبد بن زهير بن أبي امية فقال: لو كانت الفتنة برأس الثريا لتناولها هذا الغلام و الله ما كان فيها بذى نخيرة و لقد أخبرني من أدركه و أنه ليولول فرة من السيف.

ثم مر بمسلم بن قرظة فقال: البر أخرج هذا و الله لقد كلمني أن أكلم عثمان في شي‏ء كان يدعيه قبله بمكة فأعطاه عثمان و قال: لولا أنت ما اعطيته ان هذا ما علمت بئس أخو العشيرة ثم جاء المشوم للحين ينصر عثمان.

ثم مر بعبد الله بن حميد بن زهير فقال: هذا أيضا ممن أوضع في قتالنا زعم يطلب الله بذلك و لقد كتب إلى كتبا يؤذى عثمان فيها فأعطاه شيئا فرضى عنه.

ثم مر بعبد الله بن حكيم بن حزام فقال، هذا خالف أباه في الخروج و أبوه حين لم ينصرنا قد أحسن في بيعته لنا و إن كان قد كف و جلس حين شك في القتال ما ألوم اليوم من كف عنا و عن غيرنا، و لكن المليم الذى يقاتلنا ثم مر عليه السلام بعبد الله بن المغيرة بن الأخنس فقال: أما هذا فقتل أبوه يوم قتل عثمان في الدار فخرج مغضبا لقتل أبيه و هو غلام حدث جبن لقتله.

ثم مر عليه السلام بعبد الله بن أبي عثمان بن الأخنس بن شريق فقال: اما هذا فكأني أنظر إليه و قد أخذ القوم السيوف هاربا يعد و من الصف فنهنهت عنه فلم يسمع من نهنهت حتى قتله و كان هذا مما خفى على فتيان قريش اغمار لا علم لهم بالحرب خدعوا و استزلوا فلما وقفوا لججوا فقتلوا ثم مشى قليلا فمر بكعب بن سور فقال: هذا الذى خرج علينا في عنقه المصحف يزعم أنه ناصر امة يدعو الناس إلى ما فيه و هو لا يعلم ما فيه، ثم استفتح فخاب كل جبار عنيد اما أنه دعا الله أن يقتلني فقتله الله، اجلسوا كعب بن سور

فاجلس فقال له أمير المؤمنين: يا كعب لقد وجدت ما وعدنى ربى حقا فهل وجدت ما وعدك ربك حقا؟ ثم قال عليه السلام: اضجعوا كعبا.

و مر على طلحة بن عبيد الله فقال: هذا الناكث بيعتي و المنشي‏ء الفتنة في الأمة و المجلب على و الداعي إلى قتلى و قتل عترتي اجلسوا طلحة بن عبيد الله، فأجلس، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: يا طلحة قد وجدت ما وعدني ربى حقا فهل وجدت ما وعدك ربك حقا؟ ثم قال عليه السلام: اضجعوا طلحة.

و سار فقال له عليه السلام بعض من كان معه: أتكلم كعبا و طلحة بعد قتلهما؟ فقال عليه الصلاة و السلام: و الله لقد سمعوا كلامى كما سمع أهل القليب كلام رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يوم بدر.

ايضاح‏

قوله «جدعت أنفى» أى قطعت و الفاعل راجع إلى قريش و هو كناية عن جنايتهم التي جنوها عليه عليه السلام حسبما عرفت فى شرح المتن، و قال المحدث العلامة المجلسى: جدعت أنفى أى لم أكن احب قتل هؤلاء و هم من قبيلتى و عشيرتى و لكن اضطررت إلى ذلك، انتهى، و على تفسيره فجدعت بصيغة المتكلم و الأظهر أنه بصيغة الغائب كما قلناه و «العض» المسك بالأسنان فاستعير لحد السيف و «الحين» الهلاك.

قوله «ما كان بذى نخيرة» النخير صوت بالأنف أى كان يقيم الفتنة لكن لم يكن بعد قيامها صوت و حركة بل كان يخاف.

قوله «و يولول» يقال و لولت المرأة أعولت و الفرق شدة الفزع قوله «هذا ما علمت» أى فيما علمت و فى علمى قوله «ممن اوضع» على البناء على الفاعل أى ركض دابته و أسرع أو على البناء على المفعول، قال الجوهرى: وضع الرجل فى تجارته و اوضع على ما لم يسم فاعله فيهما أى خسر و «المليم» المذموم قوله «فنهنهت عنه» أى كففت و زجرت.

قوله «و كان هذا مما خفى على آه» قال العلامة المجلسى: أى لم أعلم‏

بوقت قتله فتيان قريش مبتدأ و «الاغمار» جمع غمر بالضم و بضمتين و هو الذين لم يجرب الأمور انتهى.

«و لجج» السيف يلجج لججا من باب تعب أى نشب فلا يخرج و مكان لجج ضيق.

و «كعب بن سور» قاضى البصرة ولاه عمر بن الخطاب على قضائها فلم يزل عليها حتى قتل عثمان فلما كان يوم الجمل خرج مع أهل البصرة و فى عنقه مصحف فقتل هو يومئذ و ثلاثة اخوة له أو أربعة فجاءت أمهم فوجدتهم فى القتلى فحملتهم و جعلت تقول:

أيا عين ابكى بدمع سرب‏
على فتية من خيار العرب

‏فما ضرهم غير جبن النفوس
‏و أى امرء لقريش غلب‏

قوله «ثم استفتح» تلميح إلى قوله تعالى: و استفتحوا فخاب كل جبار عنيد، أى سألوا من الله الفتح على أعدائهم و «اجلب» عليه الناس أى حرضهم و جمعهم و «القليب» البئر التي لم تطو يذكر و يؤنث و كان حفر يوم بدر قليب القى فيه القتلى من الكفار.

الترجمة

از جمله كلام آن امام است عليه و آله السلام وقتى كه مرور كرد به طلحه و عبد الرحمن بن عتاب بن اسيد در حالتى كه كشته شده بودند در روز جنگ جمل مى ‏فرمايد:

هر آينه بتحقيق صباح كرد أبو محمد يعنى طلحه در اين مكان در حالتى كه غريبست آگاه باش قسم بخدا بتحقيق بودم من ناخوش مى‏ گرفتم اين كه شوند طايفه قريش كشته شدگان در زير شكم ستارگان، دريافت نمودم جنايت خود را از پسران عبد مناف و رميدند و گريختند از من اشراف و بزرگان قبيله جمح، بتحقيق دراز كردند ايشان يعنى قريش گردنهاى خودشان را بسوى چيزى كه أهل آن نبودند، يعنى طلب خلافت نمودند بدون استحقاق پس شكسته شد گردنهاى ايشان نزد آن چيز

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

 

 

 

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 216 شرح میر حبیب الله خوئی

خطبه 217 صبحی صالح

217- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) في التظلم و التشكي من قريش‏

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَ مَنْ أَعَانَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي وَ أَكْفَئُوا إِنَائِي وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقّاً كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِي

وَ قَالُوا أَلَا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ وَ فِي الْحَقِّ أَنْ تُمْنَعَهُ فَاصْبِرْ مَغْمُوماً أَوْ مُتْ مُتَأَسِّفاً

فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ وَ لَا ذَابٌّ وَ لَا مُسَاعِدٌ إِلَّا أَهْلَ بَيْتِي

فَضَنَنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَنِيَّةِ فَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى وَ جَرِعْتُ رِيقِي عَلَى الشَّجَا وَ صَبَرْتُ مِنْ كَظْمِ الْغَيْظِ عَلَى أَمَرَّ مِنَ الْعَلْقَمِ وَ آلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ وَخْزِ الشِّفَارِ

قال الشريف رضي الله عنه و قد مضى هذا الكلام في أثناء خطبة متقدمة إلا أني ذكرته هاهنا لاختلاف الروايتين

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج14  

و من كلام له عليه السلام و هو المأتان و السادس عشر من المختار فى باب الخطب‏

و هو ملتقط من كلام طويل قدمنا روايته في شرح الفصل الثالث من الخطبة السادسة و العشرين: اللهم إنى أستعديك على قريش فإنهم قد قطعوا رحمي، و اكفئوا إنائي، و أجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيري، و قالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه و في الحق أن تمنعه،فاصبر مغموما، أو مت متأسفا، فنظرت فإذا ليس لي رافد، و لا ذاب، و لا مساعد إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن المنية، فأغضيت على القذى، و جرعت ريقي على الشجى، و صبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم، و الم للقلب من حز الشفار، و قد مضى هذا الكلام في أثناء خطبة متقدمة إلا أني كررته هاهنا لاختلاف الروايتين.

و منه فى ذكر السائرين الى البصرة لحربه عليه السلام‏ فقدموا على عمالي و خزان بيت مال المسلمين الذي في يدي، و على أهل مصر كلهم في طاعتي، و على بيعتي، فشتتوا كلمتهم، و أفسدوا علي جماعتهم، و وثبوا على شيعتي فقتلوا طائفة منهم غدرا، و طائفة منهم عضوا على أسيافهم، فضاربوا بها حتى لقوا الله صادقين.

اللغة

(الاستعداء) الاستعانة و الاستنصار، و قال الشارح المعتزلي: العدوى طلبك إلى وال أن يعديك على من ظلمك أى ينتقم لك منه يقال استعديت الأمير على فلان فأعداني أى استعنت به عليه فأعانني و (كفاء) الاناء من باب منع قلبته و كبته و (تأخذه) و (تمنعه) بالتاء المثناة فيهما و الأول بصيغة المعلوم و الثاني بصيغة المجهول و في بعض النسخ بالنون بصيغة المتكلم و المروى عن خط الرضي هو الأول.

و (رفده) رفدا من باب ضرب أعانه و أعطاه فهو رافد و (ضن) بالشي‏ء يضن من باب تعب و ضرب بخل به و (أغضيت) على كذا أى صبرت و سكت و (القذى) ما يقع في العين من تراب و غيره و (الشجي) ما اعترض فى الحلق من عظم و نحوه و (العلقم) شجر شديد المرارة و (الحز) القطع و فى بعض النسخ ذخر الشفار و هو الطعن الخفيف‏ بالرمح و غيره و (الشفار) جمع الشفرة و هو السكين العظيم و ما عرض و حد من الحديد و جانب النصل و حد السيف.

الاعراب‏

قوله حقا منصوب بنزع الخافض أى لحق أو في حق و على الأول فمتعلق بأجمعوا و على الثاني بعلى منازعتي، و على في قوله على القذى و على الشجى و على أمر جميعا للاستعلاء المجازى قوله: و طائفة منهم عضوا برفع طائفة على الابتداء، و جملة عضوا خبره، و في نسخة الشارح المعتزلي و طائفة عضوا بالنصب على العطف فتكون جملة عضوا صفة.

المعنى‏

اعلم أنك قد عرفت في شرح الفصل الثالث من الخطبة السادسة و العشرين أن هذا الكلام من جملة فصول‏ كلام‏ طويل له عليه السلام قدمنا روايته هناك، و ظهر لك ثمة أن هذا الفصل منه وارد في اقتصاص مجلس الشورى و التظلم‏ من ازواء الخلافة عنه عليه السلام إلى عثمان‏ و التشكى‏ إلى الله عز و جل في ذلك.

إذا عرفت ذلك فأقول: قوله‏ (اللهم إني أستعديك على قريش) أى أطلب منك الاعانة و النصرة عليهم و الانتقام منهم‏ (فانهم قد قطعوا رحمي) أى قرابتي قال الشارح المعتزلي أى أجروني مجرى الأجانب و يجوز أن يريد أنهم عدوني كالأجنبي من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، و يجوز أن يريد أنهم جعلوني كالأجنبي منهم لا ينصروني و لا يقومون بأمرى.

استعاره‏ (و اكفئوا إنائي) و هو استعارة لابطال حقه فان قلب الاناء بما فيه يوجب إضاعته و كذلك إبطال الحق مستلزم لاضاعته.

(و أجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيرى) أى اتفقوا على النزاع معى في حق أنا أولى به و هو حق الخلافة و الولاية، و المراد بأولويته استحقاقه لها بالنص الجلى من الله و رسوله حسبما عرفت في تضاعيف الشرح لا سيما في مقدمات الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية لا الاستحقاق بمجرد الأفضلية فقط كما توهمه الشارح المعتزلي وفاقا لساير المعتزلة.

(و قالوا الا أن في الحق أن تأخذه و في الحق أن تمنعه) قال القطب الراوندى في خط الرضي بالتاء و معنى ذلك أنك إن وليت أنت كانت ولايتك حقا و إن ولي غيرك كانت حقا على مذهب أهل الاجتهاد و من رواها بالنون فالمعنى ظاهر.

(فاصبر مغموما أومت متأسفا) يحتمل أن يكون هذا القول منهم بلسان القال و أن يكون بلسان الحال يعني إذا كان ممنوعيتك حقا أيضا و لم تكن راضيا به فليس لك إلا الصبر أو الموت متلهفا متحسرا (فنظرت) لما رأيت منازعتهم و سمعت مقالتهم‏ (فاذا ليس لي رافد) أى ناصر و معين‏ (و لا ذاب و لا مساعد) أى دافع و معاون‏ (إلا أهل بيتي فضننت بهم عن المنية) أى بخلت بهم عنها.

و هو صريح في أن تركه لحقه لم يكن عن طوع كما زعمه المعتزلة و انما تركه لما شاهد من أنه إذا نهض بطلب حقه لجعل نفسه و أهل بيته أغراضا للمنايا و يؤكد ذلك قوله‏ (فأغضيت على القذى) لدلالته على شدة تحمله و كذلك قوله‏ (و جرعت) أى ابتلعت‏ (ريقى على الشجى) لدلالته على مزيد غصته.

و هكذا قوله‏ (و صبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم) لافادته غاية غيظه و قوله‏ (و آلم للقلب من حز الشفار) لدلالته على منتهى تألمه و من هذا حاله فكيف يكون سكوته عن قيام غيره بالأمر دليلا على رضاه، و قد تقدم في شرح الفصل الثاني من الخطبة السادسة و العشرين فصل واف في هذا المعنى.

قال الرضي «ره» (و قد مضى هذا الكلام في أثناء خطبة متقدمة) و هى الخطبة المأة و الحادية و السبعون بل هذا الكلام و تلك الخطبة و الخطبة السادسة و العشرون جميعا ملتقطة من كلام طويل له عليه السلام رويته في شرح الفصل الثالث من الخطبة السادسة و العشرين، و الداعي على تكراره ما أشار إليه بقوله‏ (إلا أني كررته ههنا لاختلاف الروايتين) أقول: و مع هذا التكرار ففيه أيضا بعض الاختلاف لما قدمنا روايته كما هو ظاهر لمن راجع هناك، هذا.

و منه‏ أى بعض هذا الكلام، و في نسخة الشارح المعتزلي و البحراني العنوان: و من كلام له عليه السلام‏، و الظاهر أنه اشتباه من الناسخ لأنه مع ما قبله كلاهما من فقرات الكلام الذى تقدم روايته و ليس كل منهما كلاما مستقلا أو ملتقطا من كلامين متغايرين.

و كيف كان فهو (في ذكر السائرين إلى البصرة لحربه عليه السلام) من طلحة و الزبير و عايشة و جنودهم.

(فقدموا على عمالي) و هو عثمان بن حنيف الأنصارى و من تبعه كان عاملا له عليه السلام على البصرة (و خزان بيت مال المسلمين الذى في يدي) و كانوا أربعمائة رجل‏ (و على أهل مصر) يريد به البصرة (كلهم في طاعتي و على بيعتي فشتتوا كلمتهم) أى ألقوا الاختلاف بينهم‏ (و أفسدوا على جماعتهم).

و ذلك لأن عايشة بعد دخول البصرة و التقاء الفئتين أقبلت على جملها و نادت بصوت مرتفع: أيها الناس أقلوا الكلام و اسكتوا، فاسكت الناس لها فقالت في جملة كلام تحرضهم فيه على القتال و الاجلاب على قتلة عثمان:ألا إن عثمان قتل مظلوما فاطلبوا قتلته فاذا ظفرتم بهم فاقتلوهم ثم اجعلوا الأمر شورى بين الرهط الذين اختارهم عمر بن الخطاب و لا يدخل فيهم من شرك في دم عثمان.

قال الراوى فماج الناس و اختلطوا فمن قائل يقول: القول ما قالت، و من قائل يقول: و ما هى و هذا الأمر انما هي امرأة مأمورة بلزوم بيتها، و ارتفعت الأصوات و كثر اللغط حتى تضاربوا بالنعال و تراموا بالحصى، ثم إن الناس تمايزوا فصاروا فريقين فريق مع عثمان بن حنيف و فريق مع عايشة و أصحابها.

و الى هذا أشار عليه السلام بقوله: فشتتوا كلمتهم و أفسدوا جماعتهم (و وثبوا على شيعتي فقتلوا طائفة منهم غدرا) و هم السيابحة حراس بيت المال‏ (و طائفة منهم عضوا على أسيافهم) و هم حكيم بن جبلة العبدى و أتباعه.

قال الشارح المعتزلي: عضهم‏ على أسيافهم‏ كناية عن الصبر في الحرب و ترك الاستسلام، و هي كناية فصيحة شبه قبضهم على السيوف بالعض، انتهى.

يعني أنهم جدوا في الحرب و لزموا سيوفهم‏ (فضاربوا بها حتى لقوا الله صادقين) في ولائهم لأمير المؤمنين عليه السلام و في تمسكهم بحبل بيعته المتين أو صادقين فيما عاهدوا الله عليه كما قال تعالى‏ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا و اعلم أن هذا الكلام الذى نقله الرضي عنه عليه السلام في السايرين إلى البصرة مختلف جدا لما قدمنا روايته عنه في شرح الخطبة السادسة و العشرين، فان الموجود فيه هكذا:

فقدما- يعني طلحة و الزبير- على عاملي و خزان بيت مالى و على أهل مصر في الذين كلهم على بيعتي و فى طاعتي فشتتوا كلمتهم و أفسدوا جماعتهم ثم وثبوا «دئبوا خ» على شيعتي من المسلمين فقتلوا طائفة منهم غدرا و طائفة صبرا و طائفة منهم غضبوا لله فشهروا سيوفهم و ضربوا بها حتى لقوا الله صادقين.

ثم اعلم أنه قد تقدم في شرح الخطبة المأة و الاحدى و السبعين تفصيل قصة السائرين إلى البصرة و ما فعلوا فيها من قتل طائفة صبرا و طائفة غدرا و غيره من الفضائح التي لا يحصى من أراد الاطلاع عليها فليراجع هناك.

تنبيه‏

قال الشارح المعتزلي بعد شرح الفقرات الاول من هذا الكلام أعني قوله اللهم إني أستعديك على قريش إلى قوله من حز الشفار ما عبارته:

و اعلم أن هذا الكلام قد نقل عن أمير المؤمنين عليه السلام ما يناسبه و يجرى مجراه و لم يورخ الوقت الذى قاله فيه و لا الحال التي عناها به، و أصحابنا يحملون ذلك على أنه عليه السلام قاله عقيب الشورى و بيعة عثمان، فانه ليس يرتاب أحد من أصحابنا على أنه تظلم و تألم حينئذ، و يكره أكثر أصحابنا حمل أمثال هذا الكلام على التألم من يوم السقيفة.

و لقائل أن يقول لهم: أ تقولون إن بيعة عثمان لم تكن صحيحة؟

فيقولون: لا.

فيقال لهم: فعلى ما ذا تحملون كلامه عليه السلام مع تعظيمكم له و تصديقكم لأقواله؟

فيقولون: نحمل ذلك على تألمه و تظلمه منهم إذ تركوا الأولى و الأفضل، فانكم لستم تنكرون أنه كان الأفضل و الأحق بالأمر بل تعترفون بذلك و تقولون ساغت إمامة غيره و صحت لمانع كان فيه و هو ما غلب على ظنون العاقدين للأمر من أن العرب لا تطيعه فانه تخاف من فتنة عظيمة تحدث إن ولى الخلافة لأسباب يذكرونها و يعدونها، و قد روى كثير من المحدثين أنه عليه السلام عقيب يوم السقيفة تألم و تظلم و استنجد و استصرخ حيث ساموه الحضور و البيعة و أنه قال و هو يشير إلى القبر: إن القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني، و أنه قال: وا جعفراه و لا جعفر لي اليوم وا حمزتاه و لا حمزة لى اليوم، و قد ذكرنا من هذا المعنى جملة صالحة فيما تقدم و كل ذلك محمول عندنا على أنه طلب الأمر من جهة الفضل و القرابة و ليس بدال عندنا على وجود النص، لأنه لو كان هناك نص لكان أقل كلفة و أسهل طريقا و أيسر لما يريد تناولا أن يقول: يا هؤلاء إن العهد لم يطل و إن رسول الله أمركم بطاعتى و استخلفني عليكم بعده، و لم يقع منه بعد ما علمتموه نص ينسخ ذلك و لا يرفعه فما الموجب لتركى و العدول عني.

فان قالت الامامية: كان خاف القتل لو ذكر ذلك.

قيل لهم: فهلا خاف القتل و هو يقتل و يدفع ليبايع و هو يستصرخ تارة بقبر رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و تارة بعمه جعفر و أخيه حمزة و هما ميتان، و تارة بالأنصار، و تارة ببني عبد مناف و يجمع الجموع في داره و يبث الرسل ليلا و نهارا إلى الناس يذكرهم فضله و قرابته و يقول للمهاجرين خصمتم الأنصار بكونكم أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و أنا اخصمكم بما خصمتم به الأنصار، لأن القرابة إن كانت هي المعتبرة فأنا أقرب منكم و هلا خاف من الامتناع و من هذا الاحتجاج و من الخلوة في داره بأصحابه و من تنفير الناس عن البيعة التي عقدت حينئذ لمن عقدت له.

و كل هذا إذا تأمله المنصف علم أن الشيعة أصابت في أمرو أخطأت في أمر.

أما الأمر الذى أصابت فيه فقولها إنه امتنع و تلكا و أراد الأمر لنفسه و أما الأمر الذى أخطأت فيه فقولها إنه كان منصوصا عليه نصا جليا بالخلافة تعلمها الصحابة كلها أو أكثرها و إن ذلك خولف طلبا للرياسة الدنيوية و ايثارا للعاجلة، و إن حال المخالفين للنص لا تعدو أحد الأمرين إما الكفر أو الفسق فان قرائن الأحوال و أماراتها لا تدل على ذلك و إنما تدل و تشهد بخلافه.

و هذا يقتضي أن أمير المؤمنين عليه السلام كان في مبدء الأمر يظن أن العقد لغيره كان من غير نظر في المصلحة، و أنه لم يقصد به إلا صرف الأمر عنه و الاستيثار عليه فظهر منه ما ظهر من الامتناع و القعود في بيته إلى أن صح عنده و ثبت في نفسه أنهم أصابوا فيما فعلوه و أنهم لم يميلوا إلى الهوى و لا أرادوا الدنيا، و إنما فعلوا الأصلح في ظنونهم، لأنه رأى من بغض الناس له و انحرافهم عنه و ميلهم عليه و ثوران الأحقاد التي كانت في أنفسهم و احتدام النيران التي كانت في قلوبهم، و الترات التي و ترهم فيما قبل بها، و الدماء التي سفكها منهم و أراقها، و تعلل طائفة اخرى منهم للعدول عنه عليه السلام بصغر سنه و استهجانهم تقديم الشاب على الشيوخ و الكهول، و تعلل طائفة اخرى منهم بكراهية الجمع بين النبوة و الخلافة في بيت واحد فيجفخون‏[1] على الناس كما قاله من قاله، و استصعاب قوم شكيمته و خوفهم شدته و علمهم بأنه لا يداجي‏[2] و لا يحابي و لا يراقب و لا يجامل‏[3] في الدين، و ان الخلافة تحتاج إلى من يجتهد برأيه و يعمل بموجب استصلاحه، و انحراف قوم آخرين عنه كان للحسد الذى كان له عندهم في حياة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لشدة اختصاصه له و تعظيمه اياه و ما قال فيه فأكثر من النصوص الدالة على رفعة شأنه و علو مكانه، و ما اختص به من مصاهرته و اخوته و نحو ذلك من أحواله معه‏ و تنكر قوم آخرين له لنسبتهم إليه العجب و التيه كما زعموا و احتقاره العرب و استصغاره الناس كما عددوه عليه و إن كانوا عندنا كاذبين، و لكنه قول قيل، و أمر ذكر، و حال نسبت إليه.

و أعانهم عليها ما كان يصدر عنه من أقوال توهم مثل هذا نحو قوله: فانا صنائع ربنا و الخلق بعد صنائع لنا ما صح به عنده أن الأمر لم يكن ليستتم له يوما واحدا و لا ينتظم و لا يستمر، و أنه لو ولي الأمر لفتقت العرب عليه فتقا يكون فيه استيصال شافة الاسلام و هدم أركانه، فأذعن بالبيعة و سمح إلى الطاعة و أمسك عن طلب الامرة و إن كان على مضض و رمض، و هذا المذهب هو أقصد المذاهب و أصحها، و إليه يذهب أصحابنا المتأخرون من البغداديين و به نقول.

قال: و اعلم أن حال علي عليه السلام في هذا المعني أشهر من أن تحتاج في الدلالة عليها إلى الاسهاب و الاطناب، فقد رأيت انتقاض العرب عليه من أقطارها حين بويع بالخلافة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بخمس و عشرين سنة، و في دون هذه المدة تنسي الأحقاد و تموت الترات و تبرد الأكباد الحامية و تسلوا القلوب الواجدة و يعدم قرن من الناس و يوجد قرن و لا يبقي من أرباب تلك الشحناء و البغضاء إلا الأقل فكانت حاله بعد هذه المدة الطويلة مع قريش كأنها حالة لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمه من إظهار ما في النفوس و هيجان ما في القلوب حتى أن الأخلاف من قريش و الأحداث و الفتيان الذين لم يشهدوا وقايعه و فتكاته في أسلافهم و آبائهم فعلوا به ما لو كانت الأسلاف أحياء لقصرت عن فعله و تقاعست عن بلوغ شأوه، فكيف كانت تكون حاله لو جلس على منبر الخلافة و سيفه بعد يقطر دما من مهج العرب لا سيما من قريش الذين بهم كان ينبغي لو دهمه خطب أن يعتضد، و عليهم كان وجب أن يعتمد إذا كانت تدرس أعلام الملة و تتعفي رسوم الشريعة و تعود الجاهلية الجهلاء إلى حالها و يفسد ما أصلحه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في ثلاث و عشرين في شهر واحد، فكان من عناية الله تعالى بهذا الدين أن ألهم الصحابة ما فعلوه، و الله متم نوره و لو كره المشركون، انتهى كلامه جزاه الله ما يستحقه أقول: و يتوجه عليه:

أولا أن قوله: إن هذا الكلام قد نقل عن أمير المؤمنين عليه السلام ما يناسبه و يجرى مجراه و لم يورخ الوقت الذى قاله فيه و لا الحالة التي عناها.

فيه إن تاريخ هذا الكلام بخصوصه هو أواخر خلافته بعد فتح مصر و شهادة محمد بن أبي بكر، و نظره فيه إلى مجلس الشورى و عدولهم عنه إلى عثمان حسبما ظهر لك ذلك في شرح الخطبة السادسة و العشرين عند ما روينا عنه عليه السلام تمام الخطبة التي هذا الكلام ملتقط منها.

و العجب أن الشارح المعتزلي رواها أيضا في شرح الكلام السابع و الستين من كتاب الغارات كما روينا منه لكنه أسقط صدرها اختصارا أو اقتصارا فلعله نسي ما قدمه فجهل التاريخ.

و أعجب من ذلك أن الشارح البحراني لقصور باعه و قله اطلاعه على الأخبار و السير توهم أنه عليه السلام عني به السايرين إلى البصرة حيث قال: و يشبه أن يكون صدور هذا الكلام منه حين خروج طلحة و الزبير إلى البصرة تظلما عليهما فيكون المفهوم من قوله عليه السلام: و أجمعوا على منازعتى حقا إنكار إجماعهم منازعة ذلك الحق، هذا.

و أما ما يجرى مجرى هذا الكلام و يناسبه فتاريخه بعد يوم السقيفة إلى آخر عمره كما يقف عليه المتتبع الخبير بالأخبار و الناقد البصير بما قدمناه في تضاعيف الشرح في غير موضع.

و ثانيا أن ما حكاه من أكثر أصحابه المعتزلة من كراهتهم حمل أمثال هذا الكلام على التألم من يوم السقيفة و عدم استنكافهم لحملها على التظلم من يوم الشورى.

ففيه أن التفرقة بين اليومين شطط من الكلام كما اعترف به الشارح نفسه أيضا و اعترض به على أصحابه، و ذلك لأن كلماته المتضمنة للتظلم و الشكاية من جميع الثلاثة فوق حد الاحصاء متجاوزة عن طور الاستقصاء، و ليس كلها مجملا قابلا للحمل على يوم الشورى على زعمهم، بل أكثرها نص في التظلم من الشيخين‏

و كثير منها عام لجميع الثلاثة، و قليل منها ناظر إلى الشورى، و المجمل منها إن كان فهو أقل القليل بل لا وجود له أصلا.

و ثالثا أن ما حكاه من أصحابه و هو مذهبه و معتقده أيضا و فاقا لهم من قولهم:بأنه ساغت إمامة غيره عليه السلام و صحت لمانع كان فيه و هو ما غلب على ظنون العاقدين للأمر من أن العرب لا تطيعه.

ففيه أنه بعد اعترافهم و اتفاقهم على أنه عليه السلام الأولى و الأفضل المقتضى لأحقيته بها بحكم العقل و النقل فيكف يجوز العدول إلى غيره بمجرد الظن.

و قد نهى الله صريحا عن اتباع هذا الظن بخصوصه في قوله «أ فمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدى إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون.

و ما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغنى من الحق شيئا إن الله عليهم بما يفعلون» و عموما فى ساير الايات الناهية عن العمل بالظن مثل قوله «و إن تطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن و إن هم إلا يخرصون» و قوله «قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن و إن الظن لا يغنى من الحق شيئا فأعرض عمن تولى عن ذكرنا و لم يرد إلا الحيوة الدنيا. ذلك مبلغهم من العلم إن ربك أعلم بمن ضل عن سبيله و هو أعلم بمن اهتدى» إلى غير هذه مما لا نطيل بذكرها.

و رابعا أن قوله: و كل ذلك محمول عندنا على أنه طلب الأمر من جهة الفضل و القرابة و ليس بدال عندنا على وجود النص لأنه لو كان هناك نص لكان أقل كلفة و أسهل طريقا و أسهل لما يريد تناولا.

فيه أن إنكار النص كإنكار الأعمى للشمس فى رابعة النهار، و نعم ما قيل:

إذا لم يكن للمرء عين صحيحة
فلا غرو أن يرتاب و الصبح مسفر

و قد قدمنا فى مقدمات الخطبة الشقشقية من النصوص المتواترة و الأدلة العقلية و النقلية كتابا و سنة ما فيه كفاية لمن له إنصاف و دراية، و قد احتج عليه السلام و احتج‏

أصحابه أيضا بها على المتخلفين يوم السقيفة و الشورى حسبما مر تفصيلا فى مقدمات الخطبة المذكورة و غيرها من المواقع المناسبة فى تضاعيف الشرح فانظر ما ذا ترى لكنهم خذلهم الله تعالى لم ينفعهم الذكرى لما غلب عليهم من حب الرياسة و اتباع الهوى.

و خامسا أن خوفه عليه السلام من القتل مما لا غبار عليه كما يشهد به ما رواه الشارح نفسه هنا عن كثير من المحدثين أنه عقيب يوم السقيفه تألم و تظلم و استنجد و استصرخ حيث ساموه الحضور و البيعة و قال مشيرا إلى قبر رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: يا ابن ام إن القوم استضعفونى و كادوا أن يقتلونني.

و يشهد به أيضا قوله عليه‏السلام هذا الكلام الذى نحن فى شرحه: فنظرت فاذا ليس لى رافد و لا ذاب و لا مساعد إلا أهل بيتى فضننت بهم عن المنية و نظير ذلك فى كلماته عليه السلام لكثير كما هو غير خفى على الناقد البصير.

و سادسا قوله إن أمير المؤمنين كان في مبتدأ الأمر يظن أن العقد لغيره كان من غير نظر في المصلحة إلى قوله و به نقول.

محصله على طوله إن أمير المؤمنين لم يكن في بدء الأمر عالما بما علم به أبو بكر و عمر من مصلحة الاسلام و ظن أن قيامهما بالخلافة لمحض حب الرياسة و الاستيثار عليه، و لذلك تظلم و تألم و أراد الأمر لنفسه، فلما استبان خلاف ظنه و صح عنده أنهم راعوا مصلحة الاسلام و أنه لو قام به لم يكن ليتم له و لا ينقاد العرب للسخائم التي في صدورهم أو غيرها من علل النفوس بل يستأصل شافة الاسلام و ينهدم أركانه و يذهب عن أصله سكت و أمسك عن الطلب و بايع طوعا و طاب به نفسا.

و فيه أولا أن لازم ذلك أن يكون الأعرابيان الجاهلان الجلفان أعلم بمصالح الاسلام من باب مدينة العلم و الحكمة، و كيف يمكن أن يخفى عليه عليه السلام ما لم يخف على الأعرابى البوال على عقبيه، و قد اعترفت المعتزلة أيضا بكونه أكثرعلما منهم كما هو قول الامامية.

و ثانيا أنه لو كان الأمر على ما زعموا من أنه انكشف له خلاف ظنه و صح حقية غيره فأذعن بالبيعة و انقاد للطاعة لوجب له عليه السلام أن يستعتب و يعتذر و يستحل منهم حيث أساء الظن في حقهم و لوجب أن يترك التظلم و الشكاية و التوجد مع أنه ما زال متظلما إلى آخر عمره الشريف.

ألا ترى إلى الخطبة الشقشقية المتضمنة للتظلم و الشكوى من أولها إلى آخرها و قد خطبها بعد وقعة الخوارج في أواخر عمره كما يشهد به مضمونها.

و إلى ما قاله في سادس المختار من باب الخطب حين عزمه على المسير إلى البصرة لحرب الجمل من قوله: فو الله ما زلت مدفوعا عن حقى مستأثرا على منذ قبض الله نبيه صلى الله عليه و آله و سلم حتى يوم الناس هذا.

و ما قاله فى الخطبة السادسة و العشرين التي خطبها بعد شهادة محمد بن أبي بكر و فتح مصر: فنظرت فاذا ليس لى معين إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت إلى آخر ما مر.

و ما قاله في المختار المأة و الواحد و الستين حين سأله بعض أصحابه كيف دفعكم القوم عن مقامكم و أنتم أحق به فقال: و أما الاستبداد علينا بهذا المقام و نحن الأعلون نسبا و الأشدون بالرسول صلى الله عليه و آله و سلم نوطا فانها كانت أثرة شحت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس آخرين و الحكم الله و المعود إليه القيامة إلى غير هذا مما تقدم في تضاعيف المتن و الشرح.

و الحاصل أن المعلوم من حاله عليه السلام عند المؤالف و المخالف أنه لم يكن طلبه للخلافة من حب الرياسة و السلطنة بل لاحكام أساس الدين و انتظام حال الاسلام و المسلمين فاذا حصل هذا الغرض بقيام غيره فضلا عن كونه أصلح به منه عليه السلام كما زعمه المعتزلة فوجب عليه أن يرضى منهم أشد الرضا و يشكر لهم و يقبل المنة منهم حيث رفعوا عن عاتقه ثقل ما حملوه لا أن يتظلم منهم و يتشكى عنهم و يزري عليهم دائما ليله و نهاره إلى آخر عمره.

و سابعا أن قوله: و اعلم أن حال على عليه السلام في هذا المعنى أشهر من أن تحتاج‏

في الدلالة عليها إلى الاسهاب و الاطناب إلى آخر قوله: و الله متم نوره و لو كره المشركون.

فيه أنه من تسويلات نفوس المعتزلة و تمويهاتهم و تلبيساتهم و مزخرفاتهم التي أوحى بها إليهم أخوهم الشيطان كما قال عز و جل‏ و كذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس و الجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا و سبقهم إلى تلك المزخرفات اللعين بن اللعين ابن آكلة الأكباد معاوية بن أبي سفيان في كتابه الذى كتبه إلى أمير المؤمنين عليه السلام فانه كتب فيه:

و من قبل ذلك ما عيبت خليفتى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أيام حياتهما فقعدت عنهما و ألبت عليهما و امتنعت من بيعتهما و رمت أمرا لم يرك الله تعالى له أهلا و رقيت سلما و عرا و حاولت مقاما دحصا و ادعيت ما لم تجد عليه ناصرا، و لعمرى لو وليتها حينئذ لما ازددت إلا فسادا و اضطرابا، و لا أعقبت و لا يتكها إلا انتشارا و ارتدادا، لأنك الشامخ بأنفه الذاهب بنفسه المستطيل على الناس بلسانه و يده.

فان قوله لعنه الله تعالى: لو وليتها حينئذ لما ازددت إلا فسادا و اضطرابا و لا أعقبت و لا يتكها إلا انتشارا و ارتدادا عين ما يقوله المعتزلة و يدين به و محصل ما زخرفه الشارح ببياناته الطويلة المموهة.

و يبطل جميع ما قاله و قالوه ما أبطل به الشارح نفسه قول معاوية، فانه عند شرح الثاني و الستين من المختار في باب الكتب و الرسائل الذي يأتي عنوانه من السيد بقوله: و من كتاب له عليه السلام إلى معاوية جوابا أما بعد فانا كنا نحن و أنتم على ما ذكرت من الالفة و المحبة و الجماعة آه أورد هناك الكتاب الذي كتبه معاوية إلى أمير المؤمنين عليه السلام المتضمن لما قدمنا ذكره ثم أجاب عن جميع ما أدرجه ذلك الملعون في كتابه بجواب مفصل إلى أن بلغ إلى قوله المتقدم ذكره فقال فيه ما لفظه:

فأما قوله: لو وليتها حينئذ لفسد الأمر و اضطرب الاسلام فهذا علم غيب لا يعلمه إلا الله و لعله عليه السلام لو وليها حينئذ لاستقام الأمر و صلح الاسلام و تمهد

فانه ما وقع الاضطراب عند ولايته بعد عثمان إلا لأن أمره عليه السلام هان عندهم بتأخره عن الخلافة و تقدم غيره عليه، فصغر شأنه في النفوس و قرر من تقدمه في قلوب الناس أنه لا يصلح لها كل الصلاحية، و الناس على ما يحصل في نفوسهم و لو كان وليها ابتدءا و هو على تلك الجلالة التي كان عليها أيام حياة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و تلك المنزلة الرفيعة و الاختصاص الذي كان له لكان الأمر غير الذي رأيناه عند ولايته بعد عثمان، انتهى كلامه.

أقول: فوا عجبا عجبا و مالى لا أعجب من الشارح فانه مع هذا الكلام الذي يبطل مذهب المعتزلة من أصله و يزعزع أركانه و يهدم أساسه و بنيانه كيف لا يرفع يده عن ذيل مذهب الاعتزال أ فيرضى العاقل أن يتدين بدين بناؤه على الظن و التخريص و الحسبان و يذعن بمحض الوهم و الاستحسان بصحة ولاية الجبت و الطاغوت إن مثلهم إلا كمثل العنكبوت اتخذت بيتا و إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت بل كمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم، هذا.

و قد مضى تحقيقات لطيفة في ما يتعلق بهذا المعنى في مقدمات الخطبة الشقشقية.

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن حضرتست در تظلم و شكايت از أهل شورى و غاصبان خلافت كه گفته:

بار إلها بدرستى كه من طلب اعانت و انتقام مي كنم از تو بر منافقان قريش، پس بدرستى كه ايشان بريدند ريسمان قرابت مرا و پشت رو كردند ظرف خلافت مرا، و اتفاق كردند بر منازعت من در حقى كه من سزاوارتر بودم بان از غير من و گفتند كه آگاه باش كه در حق است كه أخذ كنى تو خلافت را و در حق است كه ممنوع بشوى تو از آن، پس صبر كن در حالت اندوه و غم يا بمير در حالت تأسف و حسرت، پس نگاه كردم بكار خود پس آن زمان نبود مرا معينى و نه دفع كننده و نه ناصرى مگر أهل بيت خودم، پس بخل ورزيدم بايشان از اين كه هدف تير مرگ نمايم ايشان را، پس پوشانيدم چشم خود را بالاى چيزى كه اذيت‏ رساننده بود، و بلعيدم آب دهان خود را بالاى غم و غصه كه گلوگير بود، و صبر كردم از نگاه داشتن غيظ خود بر چيزى كه تلخ‏تر بود از طعم درخت علقم و دردناك‏تر بود مر قلب را از بريدن كارد بزرگ بر آن.

گفته است سيد رضى رحمة الله عليه كه گذشت اين كلام در اثناى خطبه كه سابقا گذشته بود ليكن من مكرر نمودم ذكر آن را در اينجا بجهت اختلاف دو روايت.

و از جمله اين كلام است در بيان سير كنندگان بسوى شهر بصره از براى جنگ با آن حضرت كه طلحه و زبير و عايشه و متابعان ايشان بودند مى‏فرمايد:

پس آمدند ايشان بر حاكمان من كه در بصره بود و بر خزينه داران بيت المال مسلمانان كه در دست تصرف من بود و بر اهل شهرى كه همه ايشان در طاعت و بر بيعت من بودند، پس مختلف ساختند كلمه ايشان را، و فاسد نمودند جمعيت آنها را، و برجستند بر شيعيان من، پس كشتند طايفه از ايشان را از راه مكر و حيله، و طايفه ديگر از ايشان سخت گرفتند شمشيران خودشان را، پس محاربه كردند با آنها تا اين كه ملاقات نمودند پروردگار را و بدرجه شهادت رسيدند در حالتى كه صادق الاعتقاد بودند.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

 

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 215 شرح میر حبیب الله خوئی

خطبه 216 صبحی صالح

216- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) خطبها بصفين‏

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً بِوِلَايَةِ أَمْرِكُمْ وَ لَكُمْ عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الْأَشْيَاءِ فِي‏ التَّوَاصُفِ وَ أَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ لَا يَجْرِي لِأَحَدٍ إِلَّا جَرَى عَلَيْهِ وَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ إِلَّا جَرَى لَهُ وَ لَوْ كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَ لَا يَجْرِيَ عَلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ خَالِصاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ وَ لِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ وَ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ وَ جَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلًا مِنْهُ وَ تَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُهُ

حق الوالي و حق الرعية

ثُمَّ جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا وَ يُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً وَ لَا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ.

وَ أَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ وَ حَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِكُلٍّ عَلَى كُلٍّ فَجَعَلَهَا نِظَاماً لِأُلْفَتِهِمْ وَ عِزّاً لِدِينِهِمْ فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِصَلَاحِ الْوُلَاةِ وَ لَا تَصْلُحُ الْوُلَاةُ إِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ

فَإِذَا أَدَّتْ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّهُ وَ أَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ وَ قَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ وَ اعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ وَ جَرَتْ عَلَى أَذْلَالِهَا السُّنَنُ فَصَلَحَ بِذَلِكَ الزَّمَانُ وَ طُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ وَ يَئِسَتْ مَطَامِعُ الْأَعْدَاءِ.

وَ إِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ‏ الْكَلِمَةُ وَ ظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ وَ كَثُرَ الْإِدْغَالُ فِي الدِّينِ وَ تُرِكَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ فَعُمِلَ بِالْهَوَى وَ عُطِّلَتِ الْأَحْكَامُ وَ كَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ فَلَا يُسْتَوْحَشُ لِعَظِيمِ حَقٍّ عُطِّلَ وَ لَا لِعَظِيمِ بَاطِلٍ فُعِلَ فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الْأَبْرَارُ وَ تَعِزُّ الْأَشْرَارُ وَ تَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْعِبَادِ.

فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ وَ حُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ أَحَدٌ وَ إِنِ اشْتَدَّ عَلَى رِضَا اللَّهِ حِرْصُهُ وَ طَالَ فِي الْعَمَلِ اجْتِهَادُهُ بِبَالِغٍ حَقِيقَةَ مَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ وَ لَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ النَّصِيحَةُ بِمَبْلَغِ جُهْدِهِمْ وَ التَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقِّ بَيْنَهُمْ وَ لَيْسَ امْرُؤٌ وَ إِنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ وَ تَقَدَّمَتْ فِي الدِّينِ فَضِيلَتُهُ بِفَوْقِ أَنْ يُعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ اللَّهُ مِنْ حَقِّهِ وَ لَا امْرُؤٌ وَ إِنْ صَغَّرَتْهُ النُّفُوسُ وَ اقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ

فَأَجَابَهُ ( عليه‏ السلام  ) رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِكَلَامٍ طَوِيلٍ يُكْثِرُ فِيهِ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَ يَذْكُرُ سَمْعَهُ وَ طَاعَتَهُ لَهُ

فَقَالَ ( عليه ‏السلام  )إِنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ عَظُمَ جَلَالُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي نَفْسِهِ وَ جَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنْ يَصْغُرَ عِنْدَهُ لِعِظَمِ ذَلِكَ كُلُّ مَا سِوَاهُ

وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ لَطُفَ إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا ازْدَادَ حَقُّ اللَّهِ عَلَيْهِ عِظَماً

وَ إِنَّ مِنْ‏ أَسْخَفِ حَالَاتِ الْوُلَاةِ عِنْدَ صَالِحِ النَّاسِ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ وَ يُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْكِبْرِ

وَ قَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنِّكُمْ أَنِّي أُحِبُّ الْإِطْرَاءَ وَ اسْتِمَاعَ الثَّنَاءِ وَ لَسْتُ بِحَمْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ وَ لَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَ الْكِبْرِيَاءِ

وَ رُبَّمَا اسْتَحْلَى النَّاسُ الثَّنَاءَ بَعْدَ الْبَلَاءِ فَلَا تُثْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاءٍ لِإِخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ إِلَيْكُمْ مِنَ التَّقِيَّةِ فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا وَ فَرَائِضَ لَا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا

فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ وَ لَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ وَ لَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ

وَ لَا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالًا فِي حَقٍّ قِيلَ لِي وَ لَا الْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ

فَلَا تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ وَ لَا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي إِلَّا أَنْ يَكْفِيَ اللَّهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي

فَإِنَّمَا أَنَا وَ أَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لَا رَبَّ غَيْرُهُ يَمْلِكُ مِنَّا مَا لَا نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا وَ أَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى وَ أَعْطَانَا الْبَصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج14  

و من خطبة له عليه السلام خطبها بصفين و هى المأتان و الخامسة عشر من المختار فى باب الخطب‏

و هى مروية في كتاب الروضة من الكافي باختلاف كثير و زيادة و نقصان حسبما تعرفه إنشاء الله تعالى بعد الفراغ من شرح تمام الخطبة في التكملة الاتية، و شرحها في فصلين:

الفصل الاول‏

أما بعد فقد جعل الله لي عليكم حقا بولاية أمركم، و لكم علي من الحق مثل الذي لي عليكم، فالحق أوسع الأشياء في التواصف، و أضيقها في التناصف، لا يجري لأحد إلا جرى عليه، و لا يجري عليه‏ إلا جرى له، و لو كان لأحد أن يجري له و لا يجري عليه لكان ذلك خالصا لله سبحانه دون خلقه، لقدرته على عباده، و لعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه، و لكنه جعل حقه على العباد أن يطيعوه، و جعل جزائهم عليه مضاعفة الثواب تفضلا منه، و توسعا بما هو من المزيد أهله.

ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافوء في وجوهها، و يوجب بعضها بعضا، و لا يستوجب بعضها إلا ببعض. و أعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية و حق الرعية على الوالي، فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل، فجعلها نظاما لالفتهم، و عزا لدينهم، فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة، و لا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية. فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه، و أدى الوالي إليها حقها، عز الحق بينهم، و قامت مناهج الدين، و اعتدلت معالم العدل، و جرت على أذلالها السنن، فصلح بذلك الزمان، و طمع في بقاء الدولة، و يئست مطامع الأعداء.

و إذا غلبت الرعية واليها و أجحف الوالي برعيته، اختلفت هنالك الكلمة، و ظهرت معالم الجور، و كثر الإدغال في الدين، و تركت محاج السنن، فعمل بالهوى، و عطلت الأحكام، و كثرت علل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حق عطل، و لا لعظيم باطل فعل، فهنالك تذل الأبرار، و تعز الأشرار، و تعظم تبعات الله سبحانه عند العباد.

فعليكم بالتناصح في ذلك، و حسن التعاون عليه، فليس أحد و إن اشتد على رضاء الله حرصه، و طال في العمل اجتهاده، ببالغ حقيقة ما الله سبحانه أهله من الطاعة له، و لكن من واجب حقوق الله سبحانه على عباده النصيحة بمبلغ جهدهم، و التعاون على إقامة الحق بينهم، و ليس امرء و إن عظمت في الحق منزلته، و تقدمت في الدين فضيلته، بفوق أن يعان على ما حمله الله من حقه، و لا امرء و إن صغرته النفوس و اقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه.

اللغة

(تواصفوا) الشي‏ء أى وصفه بعضهم على بعض و (تناصف) الناس أنصف بعضهم لبعض و (صروف) الدهر تغيراته و انقلاباته جمع الصرف و (التكافؤ) التساوي و الاستواء و (يستوجب) بالبناء على المفعول و (المنهج) واضح الطريق و (ذل) الطريق بالكسر محجتها و الجمع أذلال كحبر و أخبار و (الادغال)

بالكسر أن يدخل في الشي‏ء ما ليس منه و بالفتح جمع الدغل محركة كأسباب و سبب هو الفساد و (المحاج) بتشديد الجيم جمع المحجة بفتح الميم و هى الجادة.

و (تذل) و (تعز) بالبناء على الفاعل من باب ضرب و في بعض النسخ بالبناء على المفعول و (التبعة) و زان كلمة ما تطلبه من ظلامة و الجمع تبعات و (نصحت) له نصحا و نصيحة و في لغة يتعدى بنفسه فيقال نصحته و هو الاخلاص و الصدق و المشورة و العمل.

و قال الجزرى النصيحة فى اللغة الخلوص يقال: نصحته و نصحت له و معنى نصيحة الله صحة الاعتقاد في وحدانيته و اخلاص النية في عبادته، و النصيحة لكتاب الله هو التصديق به و العمل بما فيه، و نصيحة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم التصديق بنبوته و رسالته و الانقياد لما امر به و نهى عنه، و نصيحة الأئمة أن يطيعهم في الحق، و نصيحة عامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم.

الاعراب‏

قوله: لكان ذلك خالصا لله سبحانه دون خلقه، خالصا خال من ذلك و العامل فيه كان، و على قول بعض النحويين من أن جميع العوامل اللفظية تعمل في الحال إلا كان و اخواتها، فلابد من جعل كان تامة و دون خلقه في محل النصب أيضا على الحال، و هى حال مؤكدة.

و قوله: و توسعا بما هو من المزيد أهله، توسعا منصوب على المفعول لأجله، و ما موصولة و جملة هو أهله مبتدأ و خبر صلة ما و من المزيد بيان لما.

و قوله: فريضة فرضها الله في بعض النسخ بالنصب على الاشتغال أو على الحال كما قاله بعض الشراح، و في بعضها بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف.

و قوله: ببالغ خبر ليس اعترضت بينهما جملة و ان اشتد آه و الباء فيه زايدة، و قوله: أو يعان عليه في بعض النسخ بالواو بدل أو.

المعنى‏

اعلم أن هذه الخطبة الشريفة حسبما أشار اليه الرضي و يأتي في رواية الكافي أيضا في آخر الفصل الثاني من جملة الخطب التي‏ خطبها بصفين‏، و عمدة غرضه عليه السلام في هذا الفصل منها نصيحة المخاطبين و ارشادهم إلى ما هو صلاحهم فى الدنيا و الاخرة من اتباعهم لأمره و اطاعتهم له و إسراعهم فيما يأمر و ينهي و اتفاقهم على التعاون و التناصف و غير ذلك من وجوه مصالح محاربة القاسطين لعنهم الله أجمعين قال عليه السلام‏ (أما بعد) حمد الله عز و جل و الصلاة على رسوله صلى الله عليه و آله و سلم‏ (فقد جعل الله) عز شأنه‏ (لى عليكم حقا بولاية أمركم) أى‏ لى عليكم حق‏ الطاعة لأن الله جعلنى واليا عليكم متوليا لاموركم و أنزلنى منكم منزلة عظيمة هى منزلة الامامة و الولاية و السلطنة و وجوب الطاعة كما قال عز من قائل‏ أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم‏.

(و لكم على من الحق مثل الذى لى عليكم) أراد بالحق الذى‏ لهم عليه ما هو حق الرعية على الوالى، و الحقان متماثلان فى الوجوب، و قد صرح بهما فى الخطبة الرابعة و الثلاثين بقوله:أيها الناس إن لى عليكم حقا و لكم على حق، فأما حقكم على فالنصيحة لكم و توفير فيئكم عليكم و تعليمكم كيلا تجهلوا و تأديبكم كما تعلموا، و أما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة و النصيحة في المشهد و المغيب و الاجابة حين أدعوكم و الطاعة حين آمركم‏.

(فالحق أوسع الأشياء فى التواصف) يعني إذا أخذ الناس في بيان الحق و وصفه بعضهم لبعض كان لهم في ذلك مجال واسع لسهولته على الألسنة (و أضيقها في التناصف) يعني إذا حضر التناصف بينهم أى انصاف بعضهم لبعض فطلب منهم ضاق عليهم المجال لشدة العمل و صعوبة الانصاف.

و محصله سعة الحق في مقام الوصف و القول و ضيقه في مقام الانصاف و العمل.

(لا يجرى لأحد إلا جرى عليه و لا يجرى عليه إلا جرى له) لما ذكر حقه‏ عليهم و حقهم عليه اتبعه بهذه الجملة تأكيدا و ايذانا بأن جريان حقه عليهم إنما هو بجريان حقهم عليه و بالعكس، و فيه توطين لأنفسهم على ما عليهم و تشويق لهم إلى ما لهم.

و انما ساق الكلام مساق العموم تنبيها على أن اللازم على كل أحد أن يقوم في الحقوق بماله و ما عليه بمقتضي العدل و الانصاف، فإن حق الوالي على الرعية و الرعية على الوالي و الوالد على الولد و الولد على الوالد و الزوج على الزوجة و الزوجة على الزوج و المعلم على المتعلم و المتعلم على المعلم و الجار على الجار و غيرهم من ذوى الحقوق حسبما نشير اليهم تفصيلا إنما هو بالتناصف بين الطرفين.

و يوضحه ما في البحار من الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلى عن السكونى عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: حق على المسلم إذا أراد سفرا أن يعلم إخوانه، و حق على إخوانه إذا قدم أن يأتوه.

قال العلامة المجلسى فيه ايماء إلى أنه إذا لم يعلمهم عند الذهاب لا يلزم عليهم اتيانه بعد الاياب.

(و لو كان لأحد أن يجرى له) حق على غيره‏ (و لا يجرى) لغيره‏ (عليه لكان ذلك) الحق الجارى‏ (خالصا لله سبحانه دون خلقه) أى متجاوزا عن حقه و ذلك‏ (لقدرته على عباده) و عجز غيره، فيجوز له أن يجرى حقه عليهم و يطلب منهم الطاعة و ينفذ أمره فيهم الزاما فيطيعوه قهرا بدون امكان تمرد أحد منهم عن طاعته لكونه قاهرا فوق عباده فعالا لما يشاء، لا راد لحكمه و لا دافع لقضائه كما قال تعالى‏ و لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا.

و لما كان هنا مظنة أن يتوهم و يقال إنه إذا جرى حقه عليهم و خرجوا من عهدته و قاموا بوظايف عبوديته و طاعته طوعا أو كرها يكون حينئذ لهم حق عليه و هو جزاء ما أتوا به فلو لم يجزهم لكان ذلك منافيا للعدل دفع ذلك التوهم بقوله:(و لعدله فى كل ما جرت عليه صروف قضائه) و أنواعه المتغيرة المتبدلة، يعني أن الجزاء ليس مقتضي العدل حتى يكون عدمه منافيا له بل هو العادل فى‏ جميع مقضياته و مقدراته لا يسأل عما يفعل و هم يسألون، نعم هو مقتضى التفضل، و التفضل ليس بلازم عليه فلا يثبت لعباده باطاعتهم له حق لهم عليه، هكذا ينبغي أن يفهم المقام.

و قد تاه فيه أفهام الشراح فمنهم من طوى عن تحقيقه كشحا و منهم من خبط فيه خبطة عشواء، فانظر ما ذا ترى.

و قريب مما حققناه ما قاله العلامة المجلسى فى البحار حيث قال فى شرح ذلك: و الحاصل أنه لو كان لأحد أن يجعل الحق على غيره و لم يجعل له على نفسه لكان هو سبحانه أولى بذلك، و استدل على الأولوية بوجهين:الأول القدرة، فان غيره تعالى لو فعل ذلك لم يطعه أحد و الله قادر على جبرهم و قهرهم و الثاني أنه لو لم يجزهم على أعمالهم و كلفهم بها لكان عادلا لأن له من النعم على العباد ما لو عبدوه أبدا الدهر لم يوفوا حق نعمة واحدة هنها، انتهى فقد علم بذلك كله أنه عز و جل ليس بمقتضى عدله لأحد عليه حق.

(و لكنه) عز شأنه مع ذلك قد (جعل) له على عباده حقا و لهم عليه كذلك بمقتضى انعامه و فضله فجعل‏ (حقه على العباد أن يطيعوه) و يوحدوه‏ (و جعل جزاءهم) لم يقل حقهم رعاية للأدب و دفعا لتوهم الاستحقاق أى جعل جزاء طاعتهم‏ (عليه مضاعفة الثواب) كما قال تعالى‏ فأما الذين آمنوا و عملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم و يزيدهم من فضله‏ و قال‏ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة و الله يضاعف لمن يشاء.

(تفضلا منه و توسعا بما هو من المزيد أهله) فيه تنبيه على أن الحق الذى جعل لهم عليه أعظم مما أتوا به مع عدم كونه من جهة الاستحقاق بل لمحض التفضل و الانعام بما هو أهله من الزيادة و التوسعة.

و لما بين حق الله على عباده و هو الحق الذى له لنفسه عقبه ببيان حقوق الناس بعضهم على بعض فقال:(ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض) و جعلها من حقوقه لافتراضها من قبله تعالى و فى القيام بها إطاعة له و امتثال لأمره، فتكون بهذا الاعتبار من حقوقه الواجبة على عباده، و هذه الجملة توطئة و تمهيد لما يريد أن ينبه عليه من كون حقه عليه السلام واجبا عليهم من قبله تعالى و كون القيام به اطاعة له عز و علا فيكون ذلك أدعى لهم على أدائه.

(فجعلها) أى تلك الحقوق التي بين الناس‏ (تتكافؤ) و تتقابل‏ (فى وجوهها) أى جعل كل وجه من تلك الحقوق مقابلا بمثله، فحق الوالى على الرعية مثلا و هو الطاعة مقابل بمثله فهو العدل و حسن السيرة الذى هو حق الرعية على الوالى‏ (و يوجب بعضها بعضا و لا يستوجب) أى لا يستحق‏ (بعضها إلا ببعض) كما أن الوالى إذا لم يعدل لا يستحق الطاعة و الزوجة إذا كانت ناشزة لا يستحق النفقة.

و لما مهد ما مهد تخلص إلى غرضه الأصلي فقال‏ (و أعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق) المتكافئة (حق الوالي على الرعية و حق الرعية على الوالي) و إنما كان من‏ أعظم الحقوق‏ لكون مصلحته عامة لجميع المسلمين و باعثا على انتظام أمر الدين.

و لذلك أكده بقوله‏ (فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل) و أشار إلى وجوه المصلحة فيها بقوله‏ (فجعلها نظاما لألفتهم و عزا لدينهم) لأنها سبب اجتماعهم و بها يقهرون أعداءهم و يعزون أديانهم‏ (فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة) كما هو المشاهد بالعيان و التجربة و شهدت عليه العقول السليمة (و لا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية) في الطاعة إذ بمخالفتهم و عصيانهم يؤل جمعهم إلى الشتات و حبل نظامهم إلى التبات.

(فاذا أدت الرعية إلى الوالي حقه) و أطاعوه‏ (و أدى الوالي إليها حقها) و عدل‏ (عز الحق بينهم) أى يكون عزيزا (و قامت مناهج الدين) و سبله‏ (و اعتدلت معالم العدل) أى مظانه أو العلامات التي نصبت في طريق العدل لسلوكه‏ (و جرت على أذلالها السنن) أى جرت على محاجها و مسالكها بحيث لا تكون فيها اعوجاج‏ و تحريف.

مجاز (فصلح بذلك الزمان) نسبة الصلاح إلى الزمان من باب التوسع و المراد صلاح حال أهله بانتظام امورهم الدنيوية و الاخروية (و طمع في بقاء الدولة) و السلطنة (و يئست مطامع الاعداء) أى أطماعها باتفاق أهل المملكة و قوتهم.

(و) أما (إذا) كان الأمر بخلاف ذلك بأن‏ (غلبت الرعية واليها و أجحف الوالي برعيته) أى تعدى عليهم و ظلمهم ف (اختلفت هنا لك الكلمة) باختلاف الاراء (و ظهرت معالم الجور) أى علاماته، إذ بغلبة الرعية على الوالي و إجحاف الوالي يحصل الهرج و المرج و يختلط الناس بعضهم ببعض و يتسلط الأشرار على الأبرار و يظلم الأقوياء للضعفاء (و كثر الادغال) أى الابداع و التلبيس أو المفاسد (فى الدين) لاختلاف الأهواء و أخذ كل بما يشتهيه نفسه مما هو مخالف للدين و مفسد له‏ (و تركت محاج السنن) أى طرقها الواضحة لاعراض الناس عنها (فعمل بالهوى و عطلت الأحكام) الشرعية و التكاليف الدينية (و كثرت علل النفوس) أى أمراضها بما حصلت لها من الملكات الردية كالحقد و الحسد و العداوة و نحوها و قيل عللها وجوه ارتكاباتها للمنكرات فيأتي كل منكر بوجه و علة و رأى فاسد (فلا يستوحش لعظيم حق عطل) لكثرة تعطيل الحقوق و كونه متداولا متعارفا بينهم‏ (و لا لعظيم باطل فعل) لشيوع الباطل و اعتيادهم عليه مع كونه موافقا لهواهم‏ (فهنا لك تذل الأبرار) لذلة الحق الذى هم أهله‏ (و تعز الاشرار) لعزة الباطل الذى هم أهله‏ (و تعظم تبعات الله عند العباد) إضافة التبعات و هى المظالم إليه تعالى باعتبار أنه المطالب بها و المؤاخذ عليها و إلا فالتبعات فى الحقيقة لبعض الناس عند بعض.

و لما ذكر مصالح قيام كل من الوالى و الرعية بما عليها من الحقوق و مفاسد تركها أمرهم بالمواظبة على الحق و قال:(فعليكم بالتناصح فى ذلك و حسن التعاون) عليه أى بنصيحة بعضكم لبعض و إعانة كل منكم لاخر فى سلوك نهج الحق و إقامة أعلامه.

و أكد الزامهم‏ بالتناصح و التعاون‏ بقوله: (فليس أحد و إن اشتد على رضاء الله حرصه و طال فى العمل اجتهاده) و سعيه‏ (ببالغ حقيقة ما الله أهله من الطاعة له) أى لا يمكن لأحد أن يبلغ مدى عبادة الله و حقيقة طاعته و إن أتعب فيها نفسه و بذل جهده و بلغ كل مبلغ.

(و لكن من واجب حقوق الله على العباد «عباده» النصيحة) أى نصيحة بعضهم لبعضهم‏ (بمبلغ جهدهم و التعاون على إقامة الحق بينهم) بقدر ما يمكنهم لا بقدر ما هو أهله و يستحقه، فان ذلك غير ممكن.

و لما حث على‏ التعاون و التناصح‏ أردفه بقوله: (و ليس امرء و ان عظمت فى الحق منزلته و تقدمت فى الدين فضيلته بفوق أن يعان على ما حمله الله من حقه) و دفع بذلك ما ربما يسبق إلى بعض الأوهام من أن البالغ إلى مرتبة الكمال فى الطاعة و الحايز قصب سبق الفضيلة كمثله عليه السلام و ساير ولاة العدل أى حاجة له إلى المعين.

وجه الدفع أن البالغ إلى مرتبة الكمال أى مرتبة كانت و المتقدم فى الفضيلة أى فضيلة تكون لا استغناء له عن المعين و لا مقامه أرفع من أن يعان على ما حمله الله تعالى و كلفه به من طاعته الذى هو حقه.

و ذلك لأن من جملة التكاليف ما هو من عظائم الامور كالجهاد فى سبيل الله و اقامة الحدود و نشر الشرائع و الأحكام و جباية الصدقات و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و نحو ذلك مما هو وظيفة الامام و نايبه، و معلوم أنه محتاج فى هذه التكاليف و ما ضاهاها إلى إعانة الغير البتة.

ثم أردفه بقوله‏ (و لا امرؤ و إن صغرته النفوس و اقتحمته) أى احتقرته‏ (العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه).

و دفع بذلك ما ربما يسبق إلى بعض الأوهام أيضا من أن بعض الناس من‏ السوقة و السفلة أى حاجة إلى إعانتهم و أى فايدة فى معاونتهم وجه الدفع أن ذلك البعض و ان كان بالغا ما بلغ فى الحقارة و الدناءة و انحطاط الشأن لكنه ليس بأدون و أحقر من أن يكون معينا على الحق و لو فى صغاير الامور و محقراتها مثل أن يكون راعيا لدواب المجاهدين أو سقاء لهم أو حطابا أو خياطا و لا أقل من أن يكون خاصفا لنعلهم، فان فى ذلك كله إعانة الحق و أهله أو معانا عليه و لو بأداء الأخماس و دفع الصدقات إليهم و لا أقل من تعليمه معالم دينه و أمره بالمعروف و نهيه عن المنكر.

و محصل المراد بالجملتين المتعاطفتين من قوله عليه الصلاة و السلام- و ليس امرء- إلى قوله عليه السلام- يعان عليه‏- دفع توهم عدم الحاجة إلى الاعانة فى العظماء لرفعة شأنهم و عدم الاحتياج إلى الضعفاء لحقارتهم و انحطاط درجتهم‏

تذييلان‏ : الاول‏

لما كان هذا الفصل من كلامه عليه السلام مسوقا لبيان حقوق الولاة على الرعية و الرعية على الولاة. أحببت أن أذكر جملة من الأخبار و الاثار الواردة في هذا المعني فأقول:

قال: المحدث الجزائرى في الأنوار النعمانية: في بعض الأخبار ان عدل الحاكم يوما يعادل عبادة العابد خمسين.

و فى الحديث من ولي من امور المسلمين شيئا ثم لم يحطهم بنصحه كما يحوط أهل بيته فليتبوء مقعده من النار و روى أيضا أنه إذا كان يوم القيامة يؤتي بالوالي فيقذف على جسر جهنم فيأمر الله سبحانه الجسر فينتقض به انتقاضة فيزول كل عظم منه عن مكانه ثم يأمر الله تعالى العظام فترجع إلى أماكنها ثم يسايله فان كان لله مطيعا أخذ بيده و أعطاه كفلين من رحمته، و إن كان لله عاصيا أخرق به الجسر فغرق و هوى به في جهنم مقدار سبعين خريفا.

و فى الرواية انه كان في زمن بنى إسرائيل سلطان ظالم فأوحي الله تعالى‏ إلى نبي من أنبيائه أن قل لهذا الظالم: ما جعلتك سلطانا إلا لتكف أصوات المظلومين عن بابي، فو عزتي و جلالي لاطعمن لحمك الكلاب، فسلط عليه سلطانا آخر حتى قتله فأطعم لحمه الكلاب.

و فى كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى حبيب بن المنتجب و الى اليمن: اوصيك بالعدل في رعيتك و الاحسان إلى أهل مملكتك و اعلم أن من ولي على رقاب عشرة من المسلمين و لم يعدل بينهم حشره الله يوم القيامة و يداه مغلولتان إلى عنقه لا يفكها إلا عدله في دار الدنيا و في الأثر بعث قيصر ملك الروم إلى كسرى ملك الفرس بماذا أنتم أطول أعمارا و أدوم ملكا؟

فأجابه كسرى: أما بعد أيها السيد الكريم و الملك الجسيم أما سبب الملك و اعزازه في معززه و رسوخه في مركزه فلامور أنتم عنها غافلون و لستم لأمثالها فاعلون منها أن ليس لنا نواب يرشي و يمنع و لا بواب يروع و يدفع، لم تزل أبوابنا مشرعة و نوابنا لقضاء الحوائج مسرعة، لا أقصينا صغيرا و لا أدنينا أميرا، و لا احتقرنا بذوى الاصول، و لا قدمنا الشبان على الكهول، و لا كذبنا في وعد، و لا صدقنا في ايعاد، و لا تكلمنا بهزل، و لا سمنا وزيرا إلى عزل، موائدنا مبسوطة، و عقولنا مضبوطة، لا نقطع في امل، و لا لجليسنا نمل، خيرنا مضمون، و شرنا مأمون، و عطاؤنا غير ممنون، و لا نحوج أحدا إلى باب، بل نقضي بمجرد الكتاب، و نرق للباكى، و نستقصي قول الحاكى، ما جعلنا همنا بطوننا و لا فروجنا، أما البطون فلقمة، و أما الفروج فأمة، و لا نؤاخذ على قدر غيظنا، بل نؤاخذ على قدر الجناية، و لا نكلف الضعيف المعدم ما يتحمله الشريف المنعم، و لا نؤاخذ البرى‏ء بالسقيم، و لا الكريم باللئيم، النمام عندنا مفقود، و العدل فى جانبنا موجود، الظلم لا نتعاطاه، و الجور انفسنا طاباه، و لا نطمع فى الباطل، و لا نأخذ العشر قبل الحاصل، و لا ننكث العهود، و لا نحنث فى الموعود، الفقير عندنا مدعو، و المفتقر لدينا مقصو، جارنا لا يضام، و عزيزنا لا يرام، رعيتنا مرعية، و حوائجهم لدينا مقضية، صغيرهم عندنا خطير، و ذريهم لدينا كبير، الفقير بيننا لا يوجد، و الغنى بما لديه يسعد، العالم عندنا معظم مكرم، و التقى لدينا موقر مقدم، لا يسد بمملكتنا باب، و لا يوجد عندنا سارق و لا مرتاب، سماؤنا ممطرة، و أشجارنا لم تزل مثمرة، لا نعامل بالشهوات، و لا نجازى بالهفوات، الطير إلينا شاكى، و البعير أتانا متظلم باكى عدلنا قد عم القاصى و الدانى، وجودنا قد عم الطائع و العاصى، عقولنا باهرة، و كنوزنا ظاهرة، و فروجنا عفائف، و زبولنا نظائف، أفهامنا سليمة، و حلومنا جسيمة، كفوفنا سوافح، بحورنا طوافح، نفوسنا أبية، و طوالعنا المعية، إن سئلنا أعطينا، و إن قدرنا عفونا، و إن وعدنا أوفينا، و إن اغضبنا أغضينا فلما وصل الكتاب إلى قيصر قال: يحق لمن كان هذه سياسته أن تدوم رياسته قال انوشيروان: حصن البلاد بالعدل فهو سور لا يغرقه ماء و لا يحرقه نار و لا يهدمه منجنيق.

كان كسرى إذا جلس فى مجلس حكمه أقام رجلين عن يمينه و شماله و كان يقول لهما: إذا زغت فحركونى و نبهونى، فقالا له يوما و الرعية تسمع: أيها الملك انتبه فانك مخلوق لا خالق و عبد لا مولى و ليس بينك و بين الله قرابة أنصف الناس و انظر لنفسك و كان يقال: صنفان متباغضان متنافيان السلطان و الرعية و هما مع ذلك متلازمان إن صلح أحدهما صلح الاخر و ان فسد أحدهما فسد الاخر و كان يقال: محل الملك من الرعية محل الروح من الجسد و محل الرعية منه محل الجسد من الروح، فالروح تألم بألم كل عضو من البدن و ليس كل واحد من الأعضاء يألم بألم غيره، و فساد الروح فساد جميع البدن، و قد يفسد بعض البدن و غيره من ساير البدن صحيح.

و كان يقال: ظلم الرعية استجلاب البلية.

و كان يقال: العجب ممن استفسد رعيته و هو يعلم أن عزه بطاعتهم.

و كان يقال: أيدى الرعية تبع ألسنتها حتى يملك جسومها، و لن يملك‏

جسومها حتى يملك قلوبها فتحبه، و لن تحبه حتى يعدل عليها في أحكامه عدلا يتساوى فيه الخاصة و العامة و حتى يخفف عنها المؤن و الكلف، و حتى يعفيها من رفع أوضاعها و أراذلها عليها، و هذه الثالثة تحقد على الملك العلية من الرعية و تطمع السفلة في الرتب السنية.

و كان يقال: الرعية ثلاثة أصناف: صنف فضلاء مرتاضون بحكم الرياسة و السياسة يعلمون فضيلة الملك و عظيم غنائه و يرثون له من ثقل أعبائه فهؤلاء يحصل الملك موادتهم بالبشر عند اللقاء و يلقى أحاديثهم بحسن الاصغاء، و صنف فيهم خير و شر فصلاحهم يكتسب من معاملتهم بالترغيب و الترهيب، و صنف من السفلة الرعاع أتباع لكل راع لا يمتحنون في أقوالهم و أفعالهم بنقد و لا يرجعون في الموالاة إلى عقد.

و كان يقال: ترك المعاقبة للسفلة على صغاير الجرائم تدعوهم إلى ارتكاب الكباير العظائم ألا ترى أول نشوز المرأة كلمة سومحت بها، و أول حران الدابة حيدة سوعدت عليها.

و كان يقال: إذا لم يعمر الملك ملكه بانصاف الرعية خرب ملكه بعصيان الرعية.

قيل لأنوشيروان: أى الجنن أوقى؟ قال: الدين، قيل: فأى العدو أقوى؟

قال: العدل.

و في شرح المعتزلي جاء رجل من مصر إلى عمر بن الخطاب متظلما فقال يا أمير المؤمنين هذا مكان العائذ بك قال: لو عذت بمكان ما شانك؟ قال: سابقت ولد عمرو بن العاص بمصر فسبقته فجعل يعنفني بسوطه و يقول: أنا ابن الأمير.

و بلغ أباه ذلك فحبسنى خشية أن اقدم عليك، فكتب إلى عمرو: إذا أتاك كتابى هذا فاشهد الموسم أنت و ابنك، فلما قدم و عمرو و ابنه دفع الدرة إلى المصري و قال: اضربه كما ضربك، فجعل يضربه و عمر يقول: اضرب ابن الأمير اضرب ابن الامير يرددها حتى قال يا أمير المؤمنين قد استقدت منه فقال و أشار إلى عمرو:

ضعها على صلعته فقال المصرى يا أمير المؤمنين انما أضرب من ضربني فقال:إنما ضربك بقوة أبيه و سلطانه فاضربه إن شئت فو الله لو فعلت لما منعك احد منه حتى تكون أنت الذى يتبرع بالكف عنه، ثم قال: يا ابن العاص متى تعبدتم الناس و قد ولدتهم امهاتهم أحرارا.

كتب عدى بن ارطاة إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد فان قبلنا قوما لا يؤدون الخراج إلا أن يمسهم نصب من العذاب، فاكتب إلى يا أمير المؤمنين برأيك، فكتب: أما بعد فالعجب كل العجب تكتب إلى تستأذننى في عذاب البشر كان إذني لك جنة من عذاب الله أو كان رضاى ينجيك من سخط الله فمن أعطاك ما عليه عفوا فخذ منه، و من أبي فاستحلفه وكله إلى الله، فلأن يلقوا الله بجرائمهم أحب إلى من أن ألقاه بعذابهم.

التذييل الثاني‏

لما استطرد عليه السلام في هذا الفصل ذكر حق الله تعالى على عباده و ذكر حقوق بعضهم على بعض ينبغي أن نذكر طرفا منها من طريق الأخبار و هى كثيرة جدا لا تستقصى، و نقنع منها بأجمعها لتلك الحقوق، و هي رسالة علي بن الحسين عليهما السلام المعروفة برسالة الحقوق فأقول و بالله التوفيق:

روى في البحار من كتاب تحف العقول تأليف الشيخ أبي محمد الحسن بن علي بن شعبة قال: رسالة علي بن الحسين عليهما السلام المعروفة برسالة الحقوق.

اعلم رحمك الله أن لله عليك حقوقا محيطة بك في كل حركة حركتها أو سكنة سكنتها أو منزلة نزلتها أو جارحة قلبتها و آلة تصرفت بها بعضها أكبر من بعض و أكبر حقوق الله عليك ما أوجبه لنفسه تبارك و تعالى من حقه الذى هو أصل الحقوق و منه تفرع، ثم أوجبه عليك لنفسك من قرنك إلى قدمك على اختلاف جوارحك فجعل لبصرك عليك حقا و لسمعك عليك حقا، و للسانك عليك حقا، و ليدك عليك حقا، و لرجلك عليك حقا، و لبطنك عليك حقا، و لفرجك عليك حقا، فهذه الجوارح السبع التي بها تكون الأفعال، ثم جعل عز و جل لأفعالك عليك حقوقا فجعل لصلاتك عليك حقا، و لصومك عليك حقا، و لصدقتك‏ عليك حقا، و لهديك عليك حقا، و لأفعالك عليك حقا، ثم تخرج الحقوق منك إلى غيرك من ذوى الحقوق الواجبة عليك، و أوجبها عليك حقا أئمتك، ثم حقوق رعيتك، ثم حقوق رحمك، فهذه حقوق يتشعب منها حقوق، فحقوق أئمتك ثلاثة أوجبها عليك حق سائسك بالسلطان، ثم سائسك بالعلم ثم حق سائسك بالملك و كل سائس امام، و حقوق رعيتك ثلاثة أوجبها عليك حق رعيتك بالسلطان، ثم حق رعيتك بالعلم فان الجاهل رعية العالم و حق رعيتك بالملك من الأزواج و ما ملكت من الأيمان، و حقوق رحمك كثيرة متصلة بقدر اتصال الرحم في القرابة، فأوجبها عليك حق امك، ثم حق أبيك، ثم حق ولدك، ثم حق أخيك، ثم الأقرب فالأقرب، و الأول فالأول، ثم حق مولاك المنعم عليك ثم حق مولاك الجارى نعمتك عليه، ثم حق ذى المعروف لديك، ثم حق مؤذنك بالصلاة، ثم حق امامك في صلاتك، ثم حق جليسك، ثم حق جارك، ثم حق صاحبك، ثم حق شريكك، ثم حق مالك، ثم حق غريمك الذى تطالبه، ثم حق غريمك الذى يطالبك، ثم حق خليطك، ثم حق خصمك المدعي عليك، ثم حق خصمك الذى تدعى عليه، ثم حق مستشيرك، ثم حق المشير عليك، ثم حق مستنصحك، ثم حق الناصح لك، ثم حق من هو أكبر منك، ثم حق من هو أصغر منك، ثم حق سائلك، ثم حق من سألته، ثم حق من جرى لك على يديه مساءة بقول أو فعل أو مسرة بذلك بقول أو فعل عن تعمد منه أو عير تعمد منه، ثم حق أهل ملتك عامة، ثم حق أهل الذمة، ثم الحقوق الحادثة بقدر علل الأحوال و تصرف الأسباب، فطوبى لمن أعانه الله على قضاء ما أوجب عليه من حقوقه و وفقه و سدده

1- فأما حق الله الأكبر فانك تعبده لا تشرك به شيئا فاذا فعلت ذلك باخلاص جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا و الاخرة و يحفظ لك ما تحب منها.

2- و أما حق نفسك عليك فأن تستوفيها في طاعة الله فتؤدى إلى لسانك حقه، و إلى سمعك حقه، و إلى بصرك حقه، و إلى يدك حقها، و إلى رجلك حقها، و إلى بطنك حقه، و إلى فرجك حقه، و تستعين بالله على ذلك 3- و أما حق اللسان فإكرامه عن الخنا، و تعويده الخير، و حمله على‏

الأدب و اجمامه إلا لموضع الحاجة و المنفعة للدين و الدنيا، و إعفاؤه عن الفضول الشنعة القليلة الفائدة التي لا يؤمن ضررها مع قلة عائدتها، و بعد شاهد العقل و الدليل عليه و تزين العاقل بعقله حسن سيرته في لسانه، و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.

4- و أما حق السمع فتنزيهه عن أن تجعله طريقا إلى قلبك إلا لفوهة كريمة تحدث في قلبك خيرا أو تكسب خلقا كريما، فانه باب الكلام إلى القلب يؤدى إليه ضروب المعاني على ما فيها من خير أو شر، و لا قوة إلا بالله.

5- و أما حق بصرك فغضه عما لا يحل و ترك ابتذاله إلا لموضع عبرة تستقبل بها بصرا أو يستفيد بها علما، فان البصر باب الاعتبار ..

6- و أما حق رجليك فان لا تمشي بهما إلى ما لا يحل لك، و لا تجعلهما مطيتك في الطريق المستخفة بأهلها فيها فانها حاملتك و سالكة بك مسلك الدين و السبق لك، و لا قوة إلا بالله.

7- و أما حق يدك فأن لا تبسطها إلى ما لا يحل لك فتنال بما تبسطها إليه من الله العقوبة في الاجل و من الناس بلسان اللائمة في العاجل، و لا تقبضها مما افترض الله عليها، و لكن توقرها بقبضها عن كثير مما لا يحل لها و بسطها إلى كثير مما ليس عليها، فاذا هى قد عقلت و شرفت في العاجل وجب لها حسن الثواب من الله في الاجل.

8- و أما حق بطنك فأن لا تجعله وعاء لقليل من الحرام و لا لكثير، و أن تقتصد له في الحلال و لا تخرجه من حد التقوية إلى حد التهوين و ذهاب المروة و ضبطه إذا هم بالجوع و الظماء فان الشبع المنتهى بصاحبه إلى التخم مكسلة و مثبطة و مقطعة عن كل بر و كرم و إن الرى المنتهى بصاحبه إلى السكر مسخفة و مجهلة و مذهبة للمروة.

9- و أما حق فرجك فحفظه مما لا يحل لك، و الاستعانة عليه بغض البصر فانه من أعون الأعوان و كثرة ذكر الموت و التهدد لنفسك بالله و التخويف لها به و بالله العصمة و التأييد، و لا حول و لا قوة إلا به.

ثم حقوق الافعال‏

10- فأما حق الصلاة فأن تعلم أنها وفادة إلى الله و أنك قائم بها بين يدي الله فاذا علمت ذلك كنت خليقا أن تقوم فيها مقام الذليل الراغب الراهب الخائف الراجي المستكين المتضرع المعظم من قام بين يديه بالسكون و الاطراق و خشوع الأطراف و لين الجناح و حسن المناجاة له في نفسه و الطلب إليه في فكاك رقبتك التي أحاطت به خطيئتك و استهلكتها ذنوبك، و لا قوة إلا بالله.

11- و أما حق الصوم فأن تعلم أنه حجاب ضرب الله على لسانك و سمعك و بصرك و فرجك و بطنك ليسترك به من النار و هكذا جاء في الحديث: الصوم جنة من النار، فان سكنت أطرافك في حجبتها رجوت أن تكون محجوبا، و إن أنت تركتها تضطرب في حجابها و ترفع جنبات الحجاب فتطلع إلى ما ليس لها بالنظرة الداعية للشهوة و القوة الخارجة عن حد التقية لله لم تأمن أن تخرق الحجاب و تخرج منه، و لا قوة إلا بالله.

12- و أما حق الصدقة فأن تعلم أنها ذخرك عند ربك و وديعتك التي لا تحتاج إلى الاشهاد فاذا علمت ذلك كنت بما استودعته سرا أوثق بما استودعته علانية، و كنت جديرا أن تكون أسررت إليه أمرا أعلنته و كان الأمر بينك و بينه فيها سرا على كل حال و لم تستظهر عليه فيما استودعته منها اشهاد الاسماع و الابصار عليه بها كأنها أوثق في نفسك لا كأنك لا تثق به في تأدية وديعتك إليك، ثم لم تمتن بها على أحد لأنها لك فاذا امتننت بها لم تأمن أن تكون بها مثل تهجين حالك منها إلى من مننت بها عليه لأن في ذلك دليلا على أنك لم ترد نفسك بها و لو أردت نفسك بها لم تمتن على أحد، و لا قوة إلا بالله.

13- و أما حق الهدى فأن تخلص بها الارادة إلى ربك و التعرض لرحمته و قبوله و لا تريد عيون الناظرين دونه فاذا كنت كذلك لم تكن متكلفا و لا متصنعا و كنت انما تقصد إلى الله و اعلم أن الله يراد باليسير و لا يراد بالعسير كما أراد

بخلقه التيسير و لم يرد بهم التعسير و كذلك التذلل أولى بك من التدهقن لأن الكلفة و المئونة في المدهقنين فأما التذلل و التمسكن فلا كلفة فيهما و لا مئونة عليهما لأنهما الخلقة و هما موجودان في الطبيعة و لا قوة إلا بالله.

ثم حقوق الائمة

14- فأما حق سائسك بالسلطان فأن تعلم أنك جعلت له فتنة و أنه مبتلي فيك بما جعله الله له عليك من السلطان و أن تخلص له في النصيحة و أن لا تماحكه و قد بسطت يده عليك فتكون سبب هلاك نفسك و هلاكه و تذلل و تلطف لاعطائه من الرضا ما يكفه عنك و لا يضر بدينك و تستعين عليه في ذلك بالله و لا تعازه و لا تعانده فانك إن فعلت ذلك عققته و عققت نفسك فعرضتها لمكروهه و عرضته للهلكة فيك و كنت خليقا أن تكون معينا له على نفسك و شريكا له فيما أتى إليك و لا قوة إلا بالله 15- و أما حق سائسك بالعلم فالتعظيم له و التوقير لمجلسه و حسن الاستماع إليه و الاقبال عليه و المعونة له على نفسك فيما لا غنى بك عنه من العلم بأن تفرغ له عقلك و تحضره فهمك و تذكى له و تجلى له بصرك بترك اللذات و نقص الشهوات و أن تعلم أنك فيما القي رسوله إلى من لقاك من أهل الجهل فلزمك حسن التأدية عنه إليهم فلا تخنه في تأدية رسالته و القيام بها عنه إذا تقلدتها و لا حول و لا قوة إلا بالله.

16- و أما حق سائسك بالملك فنحو من سائسك بالسلطان إلا أن هذا يملك ما لا يملكه ذاك تلزمك طاعته فيما دق و جل منك إلا أن تخرجك من وجوب حق الله تعالى و يحول بينك و بين حقه و حقوق الخلق فاذا قضيته رجعت إلى حقه فتشاغلت به و لا قوة إلا بالله.

ثم حقوق الرعية

17- فأما حقوق رعيتك بالسلطان فأن تعلم أنك استرعيتهم بفضل قوتك عليهم فانه إنما أحلهم محل الرعية منك ضعفهم و ذلهم فما أولى من كفاكه ضعفه و ذله حتى صيره لك رعية و صير حكمك عليه نافذا لا يمتنع منك بعزة و لا قوة و لا يستنصر فيما تعاظمه منك إلا بالله بالرحمة و الحياطة و الاناة و ما أولاك‏ إذا عرفت ما أعطاك الله من فضل هذه العزة و القوة التي قهرت بها أن تكون لله شاكرا و من شكر الله أعطاه فيما أنعم عليه و لا قوة إلا بالله

18- و أما حق رعيتك بالعلم فأن تعلم أن الله قد جعلك لهم فيما آتاك من العلم و ولاك من خزانة الحكمة فان أحسنت فيما ولاك الله من ذلك و قمت به لهم مقام الخازن الشفيق الناصح لمولاه في عبيده الصابر المحتسب الذى إذا رأى ذا حاجة اخرج له من الأموال التي في يديه كنت راشدا و كنت لذلك أهلا «آملا» معتقدا و إلا كنت له خائنا و لخلقه ظالما و لسلبه و عزه متعرضا.

19- و أما حق رعيتك بملك النكاح فأن تعلم أن الله جعلها سكنا و مستراحا و انسا و واقية و كذلك كل واحد منكما يجب أن يحمد الله على صاحبه و يعلم أن ذلك نعمة منه عليه و وجب أن يحسن صحبة نعمة الله و يكرمها و يرفق بها و إن كان حقك عليها أغلظ و طاعتك لها ألزم فيما أحببت و كرهت ما لم تكن معصية فان لها حق الرحمة و المؤانسة و موضع السكون إليها قضاء للذة التي لا بد من قضائها و ذلك عظيم و لا قوة إلا بالله.

20- و أما حق رعيتك بملك اليمين فأن تعلم أنه خلق ربك و لحمك و دمك و أنك تملكه لا أنك صنعته دون الله و لا خلقت له سمعا و لا بصرا و لا أجريت له رزقا و لكن الله كفاك ذلك بمن سخره لك و ائتمنك عليه و استودعك إياه لتحفظه فيه و تسير فيه بسيرته فتطعمه مما تأكل و تلبسه مما تلبس و لا تكلفه ما لا يطيق فان كرهت خرجت إلى الله منه و استبدلت به و لم تعذب خلق الله و لا قوة إلا بالله.

و أما حق الرحم‏

21- فحق أمك أن تعلم أنها حملتك حيث لا يحمل أحد أحدا و أطعمتك من ثمرة قلبها ما لا يطعم أحد أحدا و أنها وقتك بسمعها و بصرها و يدها و رجلها و شعرها و بشرها و جميع جوارحها مستبشرة بذلك فرحة موبلة محتملة لما فيه مكروهها و ألمها و ثقلها و غمها حتى دفعتها عنك يد القدرة و أخرجتك إلى الأرض فرضيت أن تشبع و تجوع هى و تكسوك و تعرى و ترويك و تظمأ و تظلك و تضحى و تنعمك ببؤسها و تلذذك بالنوم بأرقها و كان بطنها لك وعاء و حجرها لك حواء و ثديها لك سقاء و نفسها لك وقاء تباشر حر الدنيا و بردها لك و دونك فتشكرها على قدر ذلك و لا تقدر عليه إلا بعون الله و توفيقه.

22- و أما حق أبيك فتعلم أنه أصلك و أنك فرعه و أنك لولاه لم تكن فمهما رأيت في نفسك مما تعجبك فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه و احمد الله و اشكره على قدر ذلك 23- و أما حق ولدك فتعلم أنه منك و مضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره و شره و أنك مسئول عما وليته من حسن الأدب و الدلالة على ربه و المعونة له على طاعته فيك و في نفسه فمثاب على ذلك و معاقب فاعمل في أمره عمل المتزين بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا المعذر إلى ربه فيما بينك و بينه بحسن القيام عليه و الأخذ له منه و لا قوة إلا بالله.

24- و أما حق أخيك فتعلم أنه يدك التي تبسطها و ظهرك الذى تلتجئ إليه و عزك الذى تعتمد عليه و قوتك التي تصول بها فلا تتخذه سلاحا على معصية الله و لا عدة للظلم بخلق الله و لا تدع نصرته على نفسه و معونته على عدوه و الحول بينه و بين شياطينه و تأدية النصيحة إليه و الاقبال عليه في الله فان انقاد لربه و أحسن الاجابة له و إلا فليكن الله آثر عندك و أكرم عليك منه

25- و أما حق المنعم عليك بالولاء فأن تعلم أنه أنفق فيك ماله و أخرجك من ذل الرق و وحشته إلى عز الحرية و أنسها و أطلقك من اسر الملكة وفك عنك حلق العبودية و أوجدك رايحة العز و أخرجك من سجن القهر و دفع عنك العسر و بسط لك لسان الانصاف و أباحك الدنيا كلها فملكك نفسك و حل اسرك و فرغك لعبادة ربك و احتمل بذلك التقصير فيما له فتعلم أنه أولى الخلق بك بعد اولى رحمك فى حياتك و موتك و أحق الخلق بنصرك و معونتك و مكانفتك في ذات الله فلا تؤثر عليه نفسك ما احتاج إليك أحدا أبدا

26- و أما حق مولاك الجارية عليه نعمتك فأن تعلم أن الله جعلك حامية عليه و واقية و ناصرا و معقلا و جعله لك وسيلة و سببا بينك و بينه فبالحرى أن يحجبك عن النار فيكون في ذلك ثوابك منه في الاجل و يحكم له بميراثه فى العاجل إذا لم يكن له رحم مكافاة لما أنفقته من مالك عليه و قمت به من حقه بعد إنفاق مالك فان لم تخفه خيف عليك أن لا يطيب لك ميراثه و لا قوة إلا بالله.

27- و أما حق ذى المعروف عليك فأن تشكره و تذكر معروفه و أن تنشر له المقالة الحسنة و تخلص له الدعاء فيما بينك و بين الله سبحانه فانك إذا فعلت ذلك كنت قد شكرته سرا و علانية ثم إن أمكنك مكافاته بالفعل كافأته و إلا كنت مرصدا له موطنا نفسك عليها.

28- و أما حق المؤذن فأن تعلم أنه مذكرك بربك و داعيك إلى حظك و أفضل أعوانك على قضاء الفريضة التي افترضها الله عليك فتشكره على ذلك شكرك للمحسن اليك و إن كنت فى بيتك متهما لذلك لم تكن لله في أمره متهما و علمت أنه نعمة من الله عليك لا شك فيها فأحسن صحبة نعمة الله بحمد الله عليها على كل حال و لا قوة إلا بالله.

29- و أما حق إمامك في صلاتك فأن تعلم أنه قد تقلد السفارة فيما بينك و بين الله و الوفادة إلى ربك و تكلم عنك و لم تتكلم عنه و دعا لك و لم تدع له و طلب فيك و لم تطلب فيه و كفاك هم المقام بين يدي الله و المسائلة له فيك و لم تكفه ذلك فان كان في شي‏ء من ذلك تقصير كان به دونك و إن كان آثما لم تكن شريكه فيه و لم يكن لك عليه فضل فوقي نفسك بنفسه و وقي صلاتك بصلاته فتشكر له على ذلك و لا حول و لا قوة إلا بالله.

30- و أما حق الجليس فأن تلين له كنفك و تطيب له جانبك و تنصفه في مجاراة اللفظ و لا تغرق في نزع اللحظ إذا الحظت و تقصد في اللفظ إلى إفهامه إذا لفظت و ان كنت الجليس اليه كنت في القيام عنه بالخيار و إن كان الجالس إليك كان بالخيار و لا تقوم إلا باذنه و لا قوة إلا بالله.

31- و أما حق الجار فحفظه غائبا و كرامته شاهدا و نصرته و معونته في‏ الحالين جميعا، لا تتبع له عورة، و لا تبحث له عن سوءة لتعرفها، فان عرفتها منه عن غير إرادة منك و لا تكلف كنت لما علمت حصنا حصينا، و سترا ستيرا لو بحثت الأسنة عنه ضميرا لم تتصل إليه لا نطوائه عليه، لا تستمع عليه من حيث لا يعلم، لا تسلمه عند شديدة، و لا تحسده عند نعمة، تقيل عثرته و تغفر زلته و لا تدخر حلمك عنه إذا جهل عليك، و لا تخرج أن تكون سلما له، ترد عنه الشتيمة، و تبطل فيه كيد حامل النصيحة، و تعاشره معاشرة كريمة، و لا حول و لا قوة إلا بالله.

32- و أما حق الصاحب فأن تصحبه بالفضل ما وجدت إليه سبيلا و إلا فلا أقل من الانصاف و أن تكرمه كما يكرمك و تحفظه كما يحفظك، و لا يسبقك فيما بينك و بينه إلى مكرمة فان سبقك كافأته و لا تقصد به عما يستحق من المودة تلزم نفسك نصيحته و حياطته و معاضدته على طاعة ربه و معاونته على نفسه فيما يهم به من معصية ربه ثم تكون رحمة و لا تكون عليه عذابا، و لا قوة إلا بالله.

33- و أما حق الشريك فإن غاب كفيته و إن حضر ساويته و لا تعزم على حكمك دون حكمه و لا تعمل برأيك دون مناظرته و تحفظ عليه ماله و تنفى عنه خيانته فيما عز أوهان، فانه بلغنا أن يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا، و لا قوة إلا بالله.

34- و أما حق المال فأن لا تأخذه إلا من حله و لا تنفقه إلا في حله و لا تحرفه عن مواضعه و لا تصرفه عن حقايقه و لا تجعله إذا كان من الله إلا إليه و سببا إلى الله و لا تؤثر به على نفسك من لعله لا يحمدك و بالحرى أن لا يحسن خلافتك في تركتك و لا يعمل فيه بطاعة ربك فتكون معينا له على ذلك و بما أحدث فيما لك احسن نظرا لنفسك فيعمل بطاعة ربه فيذهب بالغنيمة و تبوء بالاثم و الحسرة و الندامة مع التبعة و لا قوة إلا بالله.

35- و أما حق الغريم الطالب لك فإن كنت موسرا أوفيته و كفيته و أغنيته و لم تردده و تمطله فإن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال: مطل الغنى ظلم، و إن كنت معسرا أرضيته بحسن القول و طلبت إليه طلبا جميلا و رددته عن نفسك ردا لطيفا و لم تجمع عليه ذهاب ماله و سوء معاملته فان ذلك لؤم، و لا قوة إلا بالله.

36- و أما حق الخليط فان لا تغره و لا تغشه و لا تكذبه و لا تغفله و لا تخدعه و لا تعمل في انتقاضه عمل العدو الذى لا يبقى على صاحبه و إن اطمأن إليك استقصيت له على نفسك و علمت أن غبن المسترسل ربا، و لا قوة إلا بالله.

37- و أما حق الخصم المدعى عليك فان كان ما يدعى عليك حقا لم تنفسخ في حجته و لم تعمل فى إبطال دعوته و كنت خصم نفسك له و الحاكم عليها و الشاهد له بحقه دون شهادة الشهود، فان ذلك حق الله عليك و إن كان ما يدعيه باطلا رفقت به و روعته و ناشدته بدينه و كسرت حدته عنك بذكر الله و ألقيت حشو الكلام و لغطه الذى لا يرد عنك عادية عدوك بل تبوء باثمه و به يشحذ عليك سيف عداوته لأن لفظة السوء تبعث الشر و الخير مقمعة للشر، و لا قوة إلا بالله.

38- و أما حق الخصم المدعى عليه فان كان ما تدعيه حقا أجملت في مقاولته بمخرج الدعوى، فان للدعوى غلظة في سمع المدعى عليه و قصدت قصد حجتك بالرفق و امهل المهلة و أبين البيان و ألطف اللطف و لم تتشاغل عن حجتك بمنازعته بالقيل و القال فتذهب عنك حجتك و لا يكون لك في ذلك درك، و لا قوة إلا بالله.

39- و أما حق المستشير فإن حضرك له وجه رأى جهدت له في النصيحة و أشرت إليه بما تعلم أنك لو كنت مكانه عملت به، و ذلك ليكن منك في رحمة و لين فان اللين يونس الوحشة و إن الغلظ يوحش موضع الانس، و إن لم يحضرك له رأى و عرفت له من تثق برأيه و ترضى به لنفسك دللته عليه و أرشدته إليه فكنت لم تأله خيرا و لم تدخره نصحا، و لا قوة إلا بالله

40- و أما حق المشير عليك فلا تتهمه فيما يوافقك عليه من رأيه إذا أشار عليك فانما هي الاراء و تصرف الناس فيها و اختلافهم فكن عليه في رأيه بالخيار إذا اتهمت رأيه فأما تهمته فلا تجوز لك إذا كان عندك ممن يستحق المشاورة و لا تدع شكره على ما بدا لك من إشخاص رأيه و حسن وجه مشورته فاذا وافقك حمدت الله و قبلت ذلك من أخيك بالشكر و الارصاد بالمكافاة في مثلها إن فزع إليك و لا قوة إلا بالله.

41- و أما حق المستنصح فان حقه أن تؤدى إليه النصيحة على الحق الذي ترى له أنه يحمل و يخرج المخرج الذى يلين على مسامعه، و تكلمه من الكلام بما يطيقه عقله، فان لكل عقل طبقة من الكلام يعرفه و يجتنبه، و ليكن مذهبك الرحمة، و لا قوة إلا بالله.

42- و أما حق الناصح فأن تلين له جناحك ثم تشرئب له قلبك و تفتح له سمعك حتى تفهم عنه نصيحته ثم تنظر فيها فان كان وفق فيها للصواب حمدت الله على ذلك و قبلت منه و عرفت له نصيحته، و إن لم يكن وفق لها فيها رحمته و لم تتهمه و علمت أنه لم يألك نصحا إلا أنه أخطأ إلا أن يكون عندك مستحقا للتهمة فلا تعبأ بشى‏ء من أمره على كل حال، و لا قوة إلا بالله.

43- و أما حق الكبير فإن حقه توقير سنه و إجلال إسلامه إذا كان من أهل الفضل في الاسلام بتقديمه فيه و ترك مقابلته عند الخصام و لا تسبقه إلى طريق و لا تؤمه في طريق و لا تستجهله و إن جهل عليك تحملت و أكرمته بحق إسلامه مع سنه فانما حق السن بقدر الاسلام و لا قوة إلا بالله.

44- و أما حق الصغير فرحمته و تثقيفه و تعليمه و العفو عنه و الستر عليه و الرفق به و المعونة له و الستر على جرائر حداثته فانه سبب للتوبة و المداراة له و ترك مماحكته فان ذلك أولى «أدنى» لرشده.

45- و أما حق السائل فإعطاؤه إذا تهيأت صدقة و قدرت على سد حاجته و الدعاء له فيما نزل به و المعاونة له على طلبته، فان شككت في صدقه و سبقت إليه التهمة له و لم تعزم على ذلك لم تأمن أن يكون من كيد الشيطان أراد أن يصدك عن حظك و يحول بينك و بين التقرب إلى ربك و تركته بستره و رددته ردا جميلا، و إن غلبت نفسك في أمره و أعطيته على ما عرض في نفسك منه فان ذلك من عزم الامور

46- و أما حق المسئول فحقه إن أعطى قبل منه ما أعطي بالشكر له و المعرفة لفضله و طلب وجه العذر في منعه و أحسن به الظن و اعلم أنه إن منع ماله منع و ان‏ ليس التثريب في ماله و إن كان ظالما فان الانسان لظلوم كفار.

47- و أما حق من سرك الله به و على يديه فان كان تعمد هالك حمدت الله أولا ثم شكرته على ذلك بقدره في موضع الجزاء و كافأته على فضل الابتداء و أرصدت له المكافاة، فان لم يكن تعمدها حمدت الله و شكرت له و علمت أنه منه توحدك بها و أحببت هذا إذا كان سببا من أسباب نعم الله عليك و ترجو له بعد ذلك خيرا فان أسباب النعم بركة حيث ما كانت و إن كان لم يتعمد، و لا قوة إلا بالله.

48- و أما حق من ساءك القضاء على يديه بقول أو فعل فان كان تعمدها كان العفو أولى بك لما فيه له من القمع و حسن الأدب مع كثير أمثاله من الخلق فان الله يقول «و لمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل» إلى قوله «من عزم الأمور» و قال عز و جل «و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم لهو خير للصابرين» هذا في العمد فإن لم يكن عمدا لم تظلمه بتعمد الانتصار منه فتكون قد كافأنه في تعمد على خطاء و رفقت به و رددته بألطف ما تقدر عليه، و لا قوة إلا بالله.

49- و أما حق أهل ملتك عامة فاضمار السلامة و نشر جناح الرحمة و الرفق بمسيئهم و تألفهم و استصلاحهم و شكر محسنهم إلى نفسه و إليك فان إحسانه إلى نفسه إحسانه إليك إذا كف عنك أذاه و كفاك مئونته و حبس عنك نفسه فعمهم جميعا بدعوتك، و انصرهم جميعا بنصرتك، و أنزلهم جميعا منك منازلهم كبيرهم بمنزلة الوالد و صغيرهم بمنزلة الولد و أوسطهم بمنزلة الأخ، فمن أتاك تعاهدته بلطف و رحمة وصل أخاك بما يجب للأخ «يحب الأخ» على أخيه.

50- و أما حق أهل الذمة فالحكم فيهم أن تقبل منهم ما قبل الله و كفى بما جعل الله لهم من ذمته و عهده و تكلهم إليه فيما طلبوا من أنفسهم و اجبروا عليه و تحكم فيهم بما حكم الله به على نفسك فيما جرى بينك من معاملة و ليكن بينك و بين ظلمهم من رعاية ذمة الله و الوفاء بعهده و عهد رسوله صلى الله عليه و آله و سلم حايل، فانه بلغنا أنه صلى الله عليه و آله و سلم قال: من ظلم معاهدا كنت خصمه، فاتق الله و لا حول و لا قوة إلا بالله.

فهذه خمسون حقا محيطا بك لا تخرج منها في حال من الأحوال يجب عليك رعايتها و العمل في تأديتها و الاستعانة بالله جل ثناؤه على ذلك، و لا حول و لا قوة إلا بالله و الحمد لله رب العالمين.

قال الشارح عفى الله عنه و وفقه لأداء حقوقه: و انما أوردت الرواية بتمامها مع كون صدرها خارجا عن الغرض لكثرة فوايدها و مزيد عوائدها فضننت بها عن الاسقاط و الاقتصار.

ثم أقول: النسخة التي رويت منها كانت غير خالية عن السقم فرويت كما رأيت، فلعل الله يوفقني على إصلاحها و مقابلتها[1] فيما بعد بتحصيل نسخة صحيحة، و هو الموفق و المعين و به اعتمادى‏

الترجمة

از جمله خطبه هاى شريفه آن امام مبين و سيد الوصيين است كه خطبه خواند آن را در صفين مى ‏فرمايد أما بعد از حمد خدا و نعت رسول خدا پس بتحقيق گردانيده است خدا از براى من بر شما حق بزرگى را بسبب صاحب اختيار بودن من بر امر شما، و از براى شماست بر من از حق مثل آن حقي كه مراست بر شما، پس حق فراترين خيرهاست در مقام وصف كردن بعضي با بعضي أوصاف آن را، و تنگ‏ترين چيزهاست‏

در مقام انصاف كردن بعضي مر بعضي را، جارى نمى ‏شود آن حق از براى منفعت أحدى مگر اين كه جارى شود بر ضرر او، و جارى نمى ‏شود بر ضرر او مگر اين كه جارى شود از براى منفعت او و اگر باشد از براى كسى كه جارى شود حق او بر غير و حق غير بر او جارى نشود هر آينه باشد و مختص بخداوند سبحانه بدون خلق او از جهت قدرت او بر بندگان خود و از جهت عدالت او در هر چيزى كه جارى شد بر آن چيز اقسام قضا و حكم او، و ليكن گردانيد خداى تعالى حق خود را بر بندگان اين كه اطاعت او نمايند، و گردانيد جزاى طاعت ايشان را بر خود اين كه ثواب ايشان را بالمضاعف كند از حيثيت تفضل و احسان و از روى وسعت دادن با چيزى كه خود اهل اوست از زياده كردن جزا پس گردانيد حق سبحانه و تعالى از جمله حقوق خود حقوقى را كه واجب گردانيده است آنها را از براى بعضى از مردمان بر بعضى، پس گردانيد آنها را متساوى و متقابل در جهات آنها و باعث مى ‏شود بعضى از آنها به بعضى و مستحق نمى ‏شود بعضى را مگر بعوض بعضى و بزرگترين چيزى كه واجب گردانيد حق سبحانه و تعالى از اين حقوق حق والى و پادشاهست بر رعيت، و حق رعيت است بر والى و پادشاه فريضه‏ايست كه فرض كرده خداى سبحانه و تعالى آنرا از براى هر يكى از والى و رعيت بر ديگرى، پس گردانيد آن حق را سبب نظم از براى الفت ايشان و مايه عزت از براى دين ايشان، پس صلاح نمى‏ يابد حال رعيت مگر بصلاح حال پادشاهان و صلاح نمى ‏يابد حال پادشاهان مگر بانتظام أمر رعيت.

پس وقتى كه ادا كند رعيت بوالى حق او را كه اطاعت و فرمان برداريست و ادا كند والى برعيت حق او را كه عدالت و دادرسى است عزيز مى ‏شود حق در ميانه ايشان، و مستقيم مى ‏شود راههاى دين، و معتدل مى ‏شود علامتهاى عدالت، و جارى مى‏ شود سنن شرعيه بر راههاى خود پس صلاح مى ‏يابد بسبب اين روزگار، و اميدوارى مى‏ شود در دوام و بقاء سلطنت، و مأيوس مى ‏گردد جايگاه طمع دشمنان.

و وقتى كه غالب گردد و تمرد نمايد رعيت بر پادشاه خود، يا ظلم و تعدى كند پادشاه بر رعيت خود مختلف مى‏ شود در آن وقت سخنان، و آشكار گردد علامتهاى ظلم و ستم، و بسيار گردد دغل و مفاسد در دين، و ترك شود جاده سنن شرعيه، پس عمل كرده مى‏شود بخواهشات نفسانيه، و معطل گردد احكام شرعيه نبويه، و بسيار شود ناخوشيهاى نفسها، پس استيحاش نمى ‏شود يعنى مردم وحشت نمى ‏كنند از بزرگ حقى كه تعطيل افتد، و نه از بزرگ باطلى كه آورده شود، پس در آن وقت ذليل و خار گردند نيكوكاران، و عزيز گردد بدكرداران، و بزرگ مى‏ شود مظالم خدا بر ذمه بندگان.

پس بر شما باد نصيحت كردن يكديگر را در آن حق واجب و معاونت خوب همديگر بالاى آن پس نيست احدى و اگر چه شديد باشد در تحصيل رضاى خدا عرض او، و دراز باشد در عمل سعى و تلاش او كه برسد حقيقت آن چيزى را كه خداى تعالى أهل و سزاوار اوست از اطاعت و عبادت، و ليكن از حقوق واجبه خدا بر بندگان نصيحت كردنست بمقدار طاقت ايشان و اعانت كردن يكديگر است برپا داشتن حق و عدل در ميان خودشان.

و نيست مردى و اگر چه بزرگ شود در حق گذارى مرتبه او و مقدم باشد در دين‏دارى فضيلت او بالاتر از اين كه اعانت كرده شود بر چيزى كه بار كرده است خدا بر او از حق خود، يعنى البته محتاج است بمعين.

و نيست مردى اگر چه كوچك شمرده باشد او را نفسها و حقير ديده باشد او را چشمها پست تر از اين كه اعانت كند بر آن حق يا اعانت كرده شود بر آن‏

الفصل الثاني‏

قال السيد رضي الله عنه: فأجابه عليه السلام رجل من أصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه و يذكر سمعه و طاعته له عليه السلام.

فقال عليه السلام:

إن من حق من عظم جلال الله في نفسه، و جل موضعه من قلبه، أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه، و إن أحق من كان كذلك لمن عظمت نعمة الله عليه، و لطف إحسانه إليه، فإنه لم تعظم نعمة الله على أحد الا ازداد حق الله عليه عظما. و إن من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر، و يوضع أمرهم على الكبر، و قد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب الإطراء، و استماع الثناء، و لست بحمد الله كذلك، و لو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته انحطاطا لله سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة و الكبرياء، و ربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء، فلا تثنوا علي بجميل ثناء لإخراجي نفسي إلى الله و إليكم من البقية في حقوق لم أفرغ من أدائها، و فرائض لا بد من إمضائها.

فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة، و لا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة، و لا تخالطوني بالمصانعة، و لا تظنوا بي [به‏] استثقالا في حق قيل لي، و لا التماس إعظام لنفسي، فإنه من استثقل الحق أن يقال له، أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحق، أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي‏ بفوق أن أخطئ، و لا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني، فإنما أنا و أنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره، يملك منا ما لا نملك من أنفسنا، و أخرجنا مما كنا فيه إلى ما صلحنا عليه، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى، و أعطانا البصيرة بعد العمى.

اللغة

(صغر) الشي‏ء يصغر من باب شرف صغرا و زان عنب إذا صار صغيرا و صغر صغرا من باب تعب إذا ذل و هان قال تعالى: و هم صاغرون، أى داخرون ذليلون و (عظم) الشي‏ء بالضم أيضا عظما كعنب إذ اصار عظيما و (سخف) سخفا و سخافة و زان قرب قربا فهو سخيف و فلان في عقله سخف أى نقص، و قال الخليل: السخف في العقل خاصة و السخافة في كل شي‏ء.

و (اطريت) فلانا مدحته بأحسن ما فيه و قيل: بالغت في مدحه و جاوزت الحد و قال السرقسطي في باب الهمز و الياء أطرأته مدحته و أطريته أثنيت عليه.

و قوله: (من البقية) بالباء الموحدة كما في نسخة الشارح المعتزلي و غيرها من بقي الدين كذا فضل و تأخر، و البقية اسم منه و الجمع بقايا و بقيات مثل عطية و عطايا و عطيات، و المنقول من خط الرضي من التقية بالتاء المثناة و (البادرة) الحدة و الكلام الذى يسبق من الانسان في حالة الغضب و (المصانعة) الرشوة و المداراة و (كفه) عن المكروه أى صرفه فكف هو أى انصرف يستعمل متعديا و لازما.

الاعراب‏

قوله: من حق خبر ان قدم على اسمها و هو قوله ان يصغر، و هو مؤول بالمصدر و الواو في و ان أحق آه حرف قسم حذف المقسم به و جواب القسم قوله: لمن عظمت، و يحتمل أن تكون للعطف فتكون اللام في لمن تأكيدا.

و قوله: و قد كرهت أن يكون جال في ظنكم انى احب، يكون زايدة بعدأن الناصبة جي‏ء بها لمحض اصلاح اللفظ و تصحيح دخول أن الناصبة و إلا فلا حاجة اليها من حيث المعني، و الدليل على زيادتها أنها لم تعمل شيئا أصلا و مثلها في الزيادة قول أم عقيل ابن أبي طالب و هي ترقصه:

أنت تكون ماجد بليل
‏إذا تهب شمال بليل‏

و جملة أن يكون حال في محل النصب مفعول كرهت، و جملة اني احب فاعل جال و قوله: و لست بحمد الله كذلك، الباء فى بحمد الله إما للمصاحبة و الجار و المجرور في موضع الحال أى لست كذلك مصاحبا بحمده أى حامدا له تعالى على حد قوله تعالى‏ فسبح بحمد ربك* أى سبحه حامدا له أى نزهه عما لا يليق به و اثبت له ما يليق و إما للاستعانة على أنه من اقامة المسبب مقام السبب كما قاله بعض علماء الأدبية في سبحانك اللهم و بحمدك، إن المعني و بمعونتك التي هي نعمة توجب على حمدك سبحتك لا بحولي و قوتي، و على هذا فيكون المعني لست كذلك باعانته التي توجب حمده تعالى.

و قوله: انحطاطا لله، مفعول لأجله لتركته، و عن تناول متعلق بانحطاطا و اضافة تناول إلى ما من اضافة المصدر إلى مفعوله، و قوله: لاخراجي علة للمنفي، لا للنفى و قوله: في حقوق، متعلق بالبقية و الفاء في قوله فلا تكلموني، فصيحة.

و قوله فانه من استثقل الحق أن يقال له، الضمير في أنه للشأن و أن يقال له بدل من الحق بدل اشتمال و كذلك ان يعرض عليه بدل من العدل، و الباء في قوله:بفوق، زايدة للتأكيد و زيادتها في خبر ليس مطردة، و الفاء في قوله: فابدلنا آه، عاطفة للتفصيل على الإجمال.

المعنى‏

اعلم أنه عليه السلام لما خطب بما تقدم في الفصل الأول‏ (فأجابه عليه السلام رجل من أصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه و يذكر سمعه و طاعته له) و ستطلع على كلام هذا الرجل في التكملة الاتية انشاء الله تعالى.

قال المحدث العلامة المجلسي في البحار عند رواية هذه الخطبة من الكافي:الظاهر أن هذا الرجل كان الخضر عليه السلام و قد جاء في مواطن كثيرة و كلمه عليه السلام لاتمام الحجة على الحاضرين، و قد أتى بعد وفاته عليه السلام و قام على باب داره و بكى و أبكى و خاطب عليه السلام بأمثال تلك الكلمات و خرج و غاب عن الناس.

أقول: و يؤيده ما يأتي في رواية الكافي من أنه لم يكن رأي في عسكره عليه السلام قبل هذا اليوم و لا بعده، و كيف كان فلما سمع عليه السلام كلامه‏ (فقال عليه السلام) مجيبا له:(إن من حق من عظم جلال الله في نفسه و جل موضعه من قلبه أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه) فان من كمل معرفته بالله و شاهد عظمته و جلاله و كبرياءه لا يبقى لغيره وقع في نظره، لما ظهر من جلاله تعالى كما قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في ما رواه عنه صلى الله عليه و آله و سلم في احياء العلوم: لا يبلغ عبد حقيقة الايمان حتى ينظر الناس كالأباعر في جنب الله ثم يرجع إلى نفسه فيجدها أحقر حقير.

(و ان أحق من كان كذلك لمن عظمت نعمة الله عليه و لطف احسانه اليه) يعني أحق الناس بتعظيم جلال الله و تصغير ما سواهم الأئمة عليهم السلام لعظم نعمة الله عليهم و كمال معرفتهم بجلال ربهم، فحق الله تعالى عليهم أعظم من غيرهم فينبغي أن يصغر عندهم أنفسهم فلا يحبوا الثناء و الاطراء.

أو أن من عظمت نعمه و لطفه و احسانه إليه فهو أحق و أجدر بأن يعظم جلال الله و يجل محله في قلبه، و من كان كذلك فيضمحل عند ملاحظة جلاله و مشاهدة عظمة غيره، فلا يكون له التفات و توجه إلى الخلق في أعماله حتى يطلب رضاءهم و مدحهم و ثناءهم.

و من هنا لما قال الحواريون لعيسى عليه السلام ما الخالص من الأعمال؟ فقال: الذى يعمل لله تعالى لا يحب أن يحمده عليه أحد.

و قال بعضهم: الاخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق فقط، و قال آخر: هو اخراج الخلق عن معاملة الرب.

و يؤيد الثاني تعليله بقوله‏ (فانه لم تعظم نعمة الله على أحد إلا ازداد حق الله عليه عظما) و أعظم حقه هو الاخلاص كما قال «و ما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين‏ له الدين» «فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه أحدا».

(و ان من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس ان يظن بهم حب الفخر).

لظهور مخائل حبه عليهم، و ذلك لضعف عقولهم و حبهم للجاه و المنزلة عند الناس و للثناء و المحمدة منهم.

و النكتة في محبتهم لذلك هو ارتياح النفس و التذاذ القلب به و ميل الطبع اليه بسبب استشعار الكمال من قول المادح، و ذلك لأن الكمال محبوب، و كل محبوب فادراكه لذيذ، فمهما شعرت النفس بكمالها ارتاحت و تلذذت فالمدح يشعر نفس الممدوح بكمالها.

فان الوصف الذى يمدح به إما أن يكون جليا ظاهرا كوصفه بأنه طويل القامة و حسن الوجه، أو خفيا مشكوكا كوصفه بالقدرة و الشجاعة و السخاوة، و الالتذاذ بالأول أقل و بالثاني أعظم، لأن الانسان ربما يكون شاكا في كمال قدرته و شجاعته و سخاوته، و بمدح غيره له بذلك يرتفع شكه و يحصل له الطمأنينة باستشعار ذلك الكمال، فتعظم لذته لا سيما إذا كان المادح من أهل الخبرة فهذا هو النكتة في حب الجاه و الفخر و الثناء.

و أيضا فان المدح يدل على حشمة الممدوح و اضطرار المادح إلى اطلاق اللسان بحمده، و مدحه إما عن طوع أو عن قهر و الحشمة أيضا لذيذة لما فيها من القهر و القدرة و السلطنة، و هذه اللذة تحصل و إن كان المادح في الباطن غير معتقد بما مدح به لأن اضطراره إلى مدحه و وصفه نوع قهر و استيلاء عليه، فيورث ذلك حب الولاة للمحمدة و الثناء.

و إنما جعله من أسخف الحالات، لأن من غلب على قلبه‏ حب‏ الجاه و المنزلة و الفخر صار همته مقصورا على ملاحظة الخلق و مراعاتهم فى أقواله و أفعاله ملتفتا إلى ما يوجب وقعه فى نظرهم و منزلته عندهم و رضائهم منه رجاء لمدحهم و خوفا من ذمهم و هذا من محض ضعف العقل و قصوره.

لأن هذه الصفة التي يحب المدح بها إما أن يكون متصفا بها واقعا أم لا فان كان متصفا بها فهى إما من الكمالات النفسانية كالقدرة و الشجاعة و العدالة، أو ليست من الكمالات النفسانية بل من الأعراض الدنيوية كالثروة و الجلال و الشوكة و نحوها.

أما الأعراض الدنيوية فالفرح بها كالفرح بما أنبتت الأرض من النبات الذى يصير عن قريب هشيما تذروه الرياح، و هذا من قلة عقل العاقل فلا ينبغي أن يفرح بما هو فى معرض الزوال و الفناء، و ان فرح فلا ينبغي أن يفرح بمدح المادح بل بوجوده و المدح ليس سبب وجوده.

و أما الكمالات النفسانية فينبغى أن يكون فرحه فيها بفضل الله تعالى أيضا لا بمدح المادح، فان اللذة في استشعار الكمال و الكمال موجود بفضل الله لا بمدح المادح و المدح تابع له و ان لم يكن متصفا بها واقعا فحب المدح بها غاية الجنون، و مثله كمثل من يهزء به إنسان و يقول له: سبحان الله ما اكثر العطر الذى فى أحشائك و ما أطيب الروائح التي تفوح منك إذا قضيت حاجتك، و هو يعلم ما تشتمل عليه أمعاؤه من الأقذار و الأنتان و مع ذلك فيفرح بمدحه فاذا المادح إن كان صادقا فليكن فرحه بصفته التي هي من فضل الله و إن كان كاذبا فينبغي أن يغمه مدحه حيث إنه يستهزء به و يستسخر منه فكيف يفرح به.

و أما الحشمة التي اضطرت المادح إلى المدح فمرجعها أيضا إلى قدرة عارضة لا ثبات لها، فعلم بذلك أن حب الفخر من أسخف حالات الولاة.

(و) من أسخف حالاتهم أيضا أن‏ (يوضع أمرهم على الكبر) أى يتهموا بالكبر لاستعظامهم لنفسهم و استحقارهم لغيرهم و ترفعهم عليه و انفهم من عباداتهم و هو ايضا من ضعف العقل لأن الكبر و العز و العظمة و الجلال لا يليق إلا بالقادر القاهر مالك الملك و الملكوت فأين يليق به العبد الضعيف المسكين المستكين الذى لا يملك لنفسه موتا و لا حياتا و لا نشورا.

فالوالى المتكبر منازع لله تعالى في صفة لا يليق إلا بجلاله مثل الغلام الذى أخذ قلنسوة الملك فوضعها على رأسه و جلس على سريره فما أعظم استحقاقه للمقت و الخزى و ما أقبح ما تعاطاه و أشد جرأته على مولاه و أفحش سفهه عند أهل البصيرة هذا.

و لما ذكر اجمالا أن المشاهد لجمال الربوبية يصغر في نظره ما سواه و أن أحق الناس بمشاهدة جلاله و استصغار غيره هو من فاز لعظيم نعمة المعرفة و عقبه بذكر حالة الولاة من حبهم للفخر و الكبر و اتهامهم بذلك.

أردف ذلك بالتصريح على براءة نفسه القدسية من هذه الحالات و نزاهته عن حب الاطراء و الثناء بمقتضي مشاهدته لجلال الرب تعالى فقال:(و قد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب الاطراء) أى المجاوزة عن الحد في المدح و المبالغة فيه‏ (و استماع الثناء) قال بعض الشارحين: جولان الظن حصول المعني في النفس من غير إذعان كامل، و كراهته عليه السلام له يدل على كراهته للاذعان التام بطريق أولى.

(و لست بحمد الله كذلك) أى محبا لها (و لو كنت احب أن يقال ذلك) أى لو أحببت الاطراء و الثناء و التعظيم و التبجيل بما فيه من التذاذ النفس‏ (لتركته) قطعا (انحطاطا لله) و تذللا لأجله و تصاغرا (عن تناول ما هو أحق به) مني و من كل أحد (من العظمة و الكبرياء) و يحتمل أن يكون‏ أحق‏ بمعني حقيق غير مراد به التفضيل كما في قولهم العسل أحلي من الخل و هو الأظهر بل أولى لأن‏ العظمة و الكبرياء لا يليق إلا به تعالى كما قال في الحديث القدسى: الكبرياء ردائي و العظمة إزارى فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في جهنم و لا ابالي.

و في كلامه عليه السلام إشارة إلى أن الاطراء و الثناء يجران إلى الكبر و ذلك أن المادح إذا بالغ في المدح و ذكر مناقب الممدوح و محاسنه و اثنى عليه بها يورث ذلك في الممدوح الارتياح و الاهتزاز و استعظامه لنفسه بما فيها من المناقب و المحاسن و استحقاره بغيره لخلوه منها، و ليس الكبر إلا عبارة عن ذلك.

(و ربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء) أى استحلى من أبلى‏ بلاء حسنا من الولاة و غيرهم أن يمدح و يثنى عليه بعد ابتلائه بالشدائد و مكايدته المشاق.

قال الشارح البحراني: هذا يجرى مجرى تمهيد العذر لمن أثنى عليه فكأنه عليه السلام يقول: و أنت معذور حيث رأيتني أجاهد في سبيل الله و أحث الناس على ذلك و من عادة الناس أن يستحلوا الثناء عند أن يبلوا بلاء حسنا في جهاد أو غيره من الطاعات.

ثم أجاب عليه السلام عن هذا العذر بقوله‏ (فلا تثنوا على بجميل ثناء لاخراجي نفسى إلى الله و إليكم من البقية في حقوق لم أفرغ من أدائها و فرائض لا بد من امضائها) أى لا تثنوا على لأجل ما ترونه منى من طاعة الله فان ذلك انما هو لاخراج نفسى إلى الله من حقوقه الباقية على لم افرغ بعد من أدائها، و هى حقوق نعمه و فرائضه التي لا بد من المضي فيها و كذلك إليكم من الحقوق التي أوجبها الله من النصيحة في الدين و الارشاد إلى الطريق الأفضل و التعظيم لكيفية سلوكه.

و في المنقول من خط الرضي من التقية بالتاء و المعنى فان الذى أفعل من طاعة الله إنما هو لاخراج نفسي إلى الله و إليكم من تقية الخلق فيما يجب على من الحقوق إذ كان عليه السلام إنما يعبد الله لله غير ملتفت فى شي‏ء من عبادته و أداء واجب حقه إلى أحد سواه خوفا منه أو رغبة إليه أو المراد بها التقية التي كان يعملها في زمن الخلفاء الثلاثة و تركها في أيام خلافته، و كأنه قال: لم أفعل شيئا إلا و هو أداء حق واجب على و إذا كان كذلك فكيف أستحق أن يثنى على لأجل إتيان الواجب بثناء جميل، و اقابل بهذا التعظيم، و هو من باب التواضع لله و تعظيم كيفية أداء حقه، و كسر للنفس عن محبة الباطل و الميل اليه.

و لما نهاهم عن الثناء عليه أردف بتعليمهم كيفية سلوكهم معه عليه السلام قولا و فعلا فقال عليه السلام.

(فلا تكلمونى بما تكلم به الجبابرة) و الظلمة أى‏ لا تكلمونى‏ بكلام متضمن للتملق لى و التودد الى كما يتكلم به عند أهل الغرور و النخوة من المتجبرين العتاة (و لا تتحفظوا منى بما يتحفظ به عند أهل البادرة) أى‏ لا تحرزوا منى بما يتحرز به عند أهل‏ الهدة من الملوك و السلاطين و الامراء، فان الناس إنما يتحفظون عنهم و يتكلمون عندهم حقا أو بأطلا بما يعجبهم و يوافق مذاقهم من الثناء و الاطراء و الملق، و يحتشمون منهم و يقومون بين أيديهم و يخضعون لهم، كل ذلك خوفا من سطوتهم و توقيا من سورتهم.

(و لا تخالطونى) و عن بعض النسخ لا تخاطبونى بدله‏ (بالمصانعة) أى بالرشوة و المداراة، و قال بعض الشارحين: المصانعة أن تصنع لأحد شيئا ليصنع لك شيئا آخر و الغرض النهى عن المخالطة أو المخاطبة بحسب ما يرونه صلاحا في حصول أغراضهم أو ما يعجبه عليه السلام على زعمهم.

(و لا تظنوا بى استثقالا في حق لى و لا التماس إعظام لنفسى) أي لا يذهب ظنكم إلى أن في توانيا من الحق الذي قيل لى، و انى أعده ثقيلا على، و لا إلى أنى أطلب من الخلق التعظيم لنفسى، و ذلك لأنه مع الحق و الحق معه يدور معه كيف دار و لمعرفته بمن هو أهل للاعزاز و أحق به لاختصاصه بالعظمة و الكبرياء فقط جل جلاله دون غيره حسبما صرح به سابقا، و من هذا شأنه فكيف يستثقل الحق و يلتمس الاعظام.

(فانه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه) يعنى من كان استماع‏ الحق‏ و العدل ثقيلا عليه عند إظهارهما عليه كان عمله بهما أثقل‏ و أشق، لكن شيئا منهما ليس ثقيلا عليه فضلا عن إصغائه إليه، بل المعلوم من حاله عليه السلام مضافا إلى شهادة قوله تعالى‏ و ممن خلقنا أمة يهدون بالحق و به يعدلون‏ النازل فيه و في الأئمة من ذريته عليه و عليهم السلام مواظبته على الحق و العدل في جميع حالاته.

و لما نهاهم عن التحفظ منه و نبههم على عدم ثقل استماع القول الحق‏ و العدل عليه كعدم ثقل عمله بهما فرع عليه قوله‏ (فلا تكفوا عن مقالة بحق) أى لا تمسكوا عنها و فيه تلطف لهم‏ (أو مشورة بعدل) و فيه تطييب لقلوبهم و لهذه النكتة أيضا أمر الله نبيه صلى الله عليه و آله و سلم في قوله «و شاورهم في الأمر» بالتشاور من دون حاجة لأحد منهما إلى استخراج الوجه بالمشاورة لعلمهما بوجوه المصالح جميعا في الحرب و غيرها.

و أما التعليل بقوله‏ (فاني لست في نفسى بفوق ان اخطى و لا آمن ذلك من فعلى إلا أن يكفى الله من نفسى ما هو أملك به منى) فانما هو من الانقطاع إلى الله و التواضع الباعث لهم على الانبساط معه بقول الحق و عد نفسه من المقصرين في مقام العبودية و الاقرار بأن عصمته عليه السلام من نعمه تعالى.

و ليس اعترافا بعدم العصمة كما يتوهم بل ليست العصمة إلا ذلك فانها عبارة عن أن يعصم الله العبد من ارتكاب الخطاء و المعصية و قد أشار إليه بقوله: إلا أن يكفى الله‏، على حد قول يوسف الصديق عليه السلام «و ما أبرء نفسى إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى» و أراد بقوله‏ ما هو أملك به‏ العصمة من الخطاء فانه تعالى أقدر على ذلك للعبد من العبد نفسه ثم اتبعه بمزيد الهضم و سوى بينهم و بينه و قال‏ (فانما أنا و أنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره يملك منا ما لا نملك من أنفسنا) و يعصمنا مما لا نقدر أن نعتصم منه بأنفسنا من مكاره الدنيا و الاخرة (و أخرجنا مما كنا فيه) من الجهالة و عدم العلم و المعرفة (إلى ما صلحنا عليه) من الكمالات التي يسرها لنا ببعثة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم‏ (فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى و أعطانا البصيرة بعد العمى).

قال الشارح المعتزلي: ليس هذا إشارة إلى خاص نفسه لأنه لم يكن كافرا فأسلم، و لكنه كلام يقوله و يشير به إلى القوم الذين يخاطبهم من إفناء الناس فيأتى بصيغة الجمع الداخلة فيها نفسه توسعا، و يجوز أن يكون معناها لولا ألطاف الله تعالى ببعثة محمد صلى الله عليه و آله و سلم لكنت أنا و غيرى على مذهب الأسلاف.

تكملة

هذه الخطبة رواها ثقة الاسلام الكليني في كتاب الروضة من الكافي و السند على بن الحسن المؤدب عن أحمد بن محمد بن خالد و أحمد بن محمد عن علي بن الحسن التميمي «التيمى» جميعا عن إسماعيل بن مهران قال: حدثنى عبد الله بن الحرث عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال خطب أمير المؤمنين عليه السلام الناس بصفين فحمد الله و أثنى عليه و صلى على محمد النبي صلى الله عليه و آله و سلم ثم قال عليه السلام:

أما بعد فقد جعل الله لي عليكم حقا بولاية أمركم و منزلتى التي أنزلني الله عز ذكره بها منكم و لكم علي من الحق مثل الذى لى عليكم، و الحق أجمل الأشياء في التراصف «التواصف» و أوسعها في التناصف لا يجرى لأحد إلا جرى عليه، و لا يجرى عليه إلا جرى له، و لو كان لأحد أن يجرى ذلك له و لا يجرى عليه لكان ذلك لله عز و جل خالصا دون خلقه، لقدرته على عباده، و لعدله في كل ما جرت عليه ضروب قضائه، و لكن جعل حقه على العباد أن يطيعوه، و جعل كفارتهم عليه حسن الثواب تفضلا منه و تطولا بكرمه و توسعا بما هو من المزيد له أهل، ثم جعل من حقوقه حقوقا فرضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافا في وجوهها و يوجب بعضها بعضا، و لا يستوجب بعضها إلا ببعض فأعظم ما افترض الله تبارك و تعالى من تلك الحقوق حق الوالى على الرعية و حق الرعية على الوالى فريضة فرضها الله عز و جل لكل على كل فجعلها نظام الفتهم و عزا لدينهم و قواما لسنن الحق فيهم، فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة، و لا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية.

فاذا أدت الرعية إلى الوالى حقه و أدى إليها الوالى كذلك عز الحق بينهم، فقامت مناهج الدين و اعتدلت معالم العدل، و جرت على اذلالها السنن، و صلح بذلك الزمان و طاب به العيش و طمع في بقاء الدولة و يئست مطامع الأعداء.

و إذا غلبت الرعية و اليهم و علا الوالى الرعية اختلفت هنا لك الكلمة و ظهرت مطامع الجور و كثر الادغال في الدين و تركت معالم السنن، فعمل بالهوى و عطلت الاثار و كثرت علل النفوس و لا يستوحش لجسيم حد عطل و لا لعظيم باطل اثل، فهنا لك تذل الأبرار، و تعز الأشرار، و تخرب البلاد، و تعظم تبعات الله عز و جل عند العباد.

فهلم أيها الناس إلى التعاون على طاعة الله عز و جل و القيام بعد له و الوفاء بعهده و الانصاف له في جميع حقه، فانه ليس العباد إلى شي‏ء أحوج منهم إلى التناصح في ذلك و حسن التعاون عليه، و ليس أحد و إن اشتد على رضاء الله حرصه و طال في العمل اجتهاده ببالغ حقيقة ما أعطى الله من الحق أهله، و لكن من واجب حقوق الله عز و جل على العباد النصيحة له بمبلغ جهدهم، و التعاون على اقامة الحق بينهم.

و ليس امرء و إن عظمت في الحق منزلته و جسمت في الخلق فضيلته بمستغن عن أن يعان على ما حمله الله عز و جل من حقه، و لا لامرؤ مع ذلك خسأت به الأمور و اقتحمته العيون بدون ما أن يعين على ذلك أو يعان عليه و أهل الفضيلة في الحال و أهل النعم العظام أكثر من ذلك حاجة و كل في الحاجة إلى الله عز و جل شرع سواء «فأجابه عليه السلام رجل من عسكره لا يدرى من هو و يقال: إنه لم ير في عسكره قبل ذلك اليوم و لا بعده، فقام و أحسن الثناء على الله عز و جل بما أبلاهم و أعطاهم من واجب حقه عليهم و الاقرار بما ذكر من تصرف الحالات به و بهم ثم قال:

أنت أميرنا و نحن رعيتك بك أخرجنا الله عز و جل من الذل و باعزازك اطلق على عباده من الغل، فاختر علينا فامض اختيارك و ائتمر فامض ائتمارك فانك القائل المصدق و الحاكم الموفق و الملك المخول لا نستحل في شي‏ء من معصيتك و لا نقيس علما بعلمك يعظم عندنا في ذلك خطرك و يجل عنه في أنفسنا فضلك».

فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام: إن من حق من عظم جلال الله في نفسه و عظم موضعه‏ من قلبه أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه، و إن أحق من كان كذلك لمن عظمت نعم الله عليه و لطف إحسانه إليه فانه لم تعظم نعم الله تعالى على أحد إلا ازداد حق الله عليه عظما.

و إن من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر و يوضع أمرهم على الكبر، و قد كرهت أن يكون جال في ظنكم أنى أحب الاطراء، و استماع الثناء، و لست بحمد الله كذلك، و لو كنت احب أن يقال ذلك لتركته انحطاطا لله سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة و الكبرياء، و ربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء، فلا تثنوا على بجميل ثناء لاخراجى نفسى إلى الله و إليكم من البقية في حقوق لم افرغ من أدائها و فرائض لا بد من إمضائها.

فلا تكلمونى بما تكلم به الجبابرة و لا تتحفظوا منى بما يتحفظ به عند أهل البادرة و لا تخالطونى بالمصانعة، و لا تظنوا بى استثقالا في حق قيل لى و لا التماس إعظام لنفسى لما لا يصلح لى فانه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فانى لست في نفسي بفوق أن اخطى و لا آمن ذلك من فعلى إلا أن يكفى الله من نفسى ما هو أملك به منى، فانما أنا و أنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره، يملك منا ما لا نملك من أنفسنا و أخرجنا مما كنا فيه إلى ما صلحنا عليه فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى و أعطانا البصيرة بعد العمى.

«فأجابه الرجل الذى أجابه من قبل فقال: أنت أهل ما قلت و الله فوق ما قلته فبلاؤه عندنا ما لا يكفر، و قد حملك الله تعالى رعايتنا و ولاك سياسة أمورنا فأصبحت علمنا الذى نهتدى به، و إما منا الذى نقتدى به، و أمرك كله رشد، و قولك كله أدب، قد قرت لك في الحياة أعيننا، و امتلأت بك من سرور قلوبنا، و تحيرت من صفة ما فيك من بارع الفضل عقولنا، و لسنا نقول لك أيها الامام الصالح تزكية لك، و لا نجاوز القصد في الثناء عليك، و لم «لن» يكن في أنفسنا طعن على يقينك أو غش في دينك فنتخوف أن يكون أحدثت بنعم الله تبارك و تعالى تجبرا، أو دخلك‏ كبر، و لكنا نقول ما قلنا تقربا إلى الله عز و جل بتوقيرك، و توسعا بتفضيلك و شكرا باعظام أمرك، فانظر لنفسك و لنا و آثر لأمر الله على نفسك و علينا فنحن طوع فيما أمرتنا ننقاد من الامور مع ذلك فيما ينفعنا».

فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام فقال: و أنا استشهدكم عند الله على نفسى، لعلمكم فيما و ليت به من اموركم و عما قليل يجمعني و اياكم الموقف بين يديه و السؤال عما كنا فيه، ثم يشهد بعضنا على بعض، فلا تشهدوا اليوم بخلاف ما أنتم شاهدون غدا، فان الله عز و جل لا تخفى عليه خافية، و لا يجوز عنده إلا مناصحة الصدور في جميع الأمور «فأجابه الرجل و يقال: لم ير الرجل بعد كلامه هذا الأمير المؤمنين عليه السلام فأجابه و قد عال الذى في صدره و البكاء تقطع منطقه، و غصص الشجى تكسر صوته إعظاما لخطر مرزأته و وحشة من كون فجيعته، فحمد الله و أثنى عليه ثم شكى إليه هول ما أشفى عليه من الخطر العظيم و الذل الطويل في فساد زمانه و انقلاب جده و انقطاع ما كان من دولته، ثم نصب المسألة إلى الله عز و جل بالامتنان عليه و المدافعة عنه بالتفجع و حسن الثناء فقال:

يا رباني العباد و يا ساكن البلاد أين يقع قولنا من فضلك، و أين يبلغ وصفنا من فعلك، و أنى نبلغ حقيقة حسن ثنائك أو نحصى جميل بلائك، كيف و بك جرت نعم الله علينا، و على يدك اتصلت أسباب الخير إلينا، ألم تكن لذل الذليل ملاذا، و للعصاة الكفار إخوانا، فبمن إلا بأهل بيتك و بك أخرجنا الله عز و جل من فظاعة تلك الخطرات، أو بمن فرج عنا غمرات الكربات، و بمن إلا بكم أظهر الله معالم ديننا و استصلح ما كان فسد من دنيانا، حتى استبان بعد الجور ذكرنا، و قرت من رخاء العيش أعيننا لما وليتنا بالاحسان جهدك و وفيت لنا بجميع وعدك، و قمت لنا على جميع عهدك، فكنت شاهد من غاب منا، و خلف أهل البيت لنا، و كنت عز ضعفائنا، و ثمال فقرائنا، و عماد عظمائنا، يجمعنا فى الامور عدلك، و يتسع لنا في الحق تأنيك فكنت لنا أنسا إذا رأيناك، و سكنا إذا ذكرناك، فأى الخيرات لم تفعل، و أى‏ الصالحات لم تعمل، و لو أن الأمر الذى نخاف عليك منه يبلغ تحريكه جهدنا، و تقوى لمدافعته طاقتنا أو يجوز الفداء عنك منه بأنفسنا و بمن نفديه بالنفوس من أبنائنا لقدمنا أنفسنا و أبناءنا قبلك، و لأخطرناها و قل خطرها دونك، و لقمنا بجهدنا في محاولة من حاولك، و مدافعة من ناواك، و لكنه سلطان لا يحاول و عز لا يزاول، و رب لا يغالب، فان يمنن علينا بعافيتك، و يترحم علينا ببقائك و يتحنن علينا بتفريج هذا من حالك إلى سلامة منك لنا و بقاء منك بين أظهرنا نحدث الله عز و جل بذلك شكرا نعظمه، و ذكرا نديمه، و نقسم انصاف أموالنا صدقات، و أنصاف رقيقنا عتقاء، و نحدث له تواضعا في أنفسنا، و نخشع في جميع امورنا، و إن يمض بك إلى الجنان و يجرى عليك حتم سبيله، فغير متهم فيك قضاؤه، و لا مدفوع عنك بلاؤه، و لا مختلفة مع ذلك قلوبنا بان اختياره لك ما عنده على ما كنت فيه، و لكنا نبكى من غير اثم لعز هذا السلطان أن يعود ذليلا، و للدين و الدنيا أكيلا، فلا نرى لك خلقا نشكو إليه، و لا نظيرا نأمله و لا نقيمه».

بيان‏

لما يحتاج إلى البيان من موارد الاختلاف التي لم يتقدم شرحها عند شرح المتن:قوله عليه السلام «و الحق أجمل الأشياء في التراصف» أصل التراصف تنضيد الحجارة بعضها ببعض، و المراد أن الحق أحسن الأشياء في إنفاق الامور و أحكامها.

قوله «و أوسعها في التناصف» أى إذا أنصف الناس بعضهم لبعض فالحق يسعه و يحتمله و لا يقع الناس في العمل بالحق ضيق.

قوله «و جعل كفارتهم عليه حسن الثواب» قال في البحار: لعل المراد بالكفارة الجزاء العظيم لستره عملهم حيث لم يكن له في جنبه قدر، فكأنه قد محاه و ستره، و في أكثر النسخ بحسن الثواب فيحتمل أيضا أن يكون المراد بها ما يقع منهم لتدارك سيئاتهم كالتوبة و ساير الكفارات، أى أوجب قبول كفارتهم و توبتهم على نفسه مع حسن الثواب بأن يثيبهم على ذلك أيضا قوله «قواما يسر الحق فيهم» أى بها يقوم جريان الحق فيهم و بينهم.

قوله «اثل» بالثاء المثلثة و البناء على المفعول من باب التفعيل يقال: أثل ماله تأثيلا زكاه و أصله و أثل ملكه عظمه و أثل أهله كساهم أفضل كسوة و الاثال وزان سحاب و غراب المجد و الشرف قوله «فهلم ايها الناس» اسم فعل بمعنى تعال يستوى فيه الواحد و الجمع و التذكير و التأنيث على لغة أهل الحجاز.

قوله «حقيقة ما أعطى الله من الحق أهله» أى جزاء ما أعطى الله أهل الحق من الدين المبين و سائر ما هداهم الله إليه، بأن يكون المراد بالحقيقة الجزاء مجازا أو يكون في الكلام تقدير مضاف أى حقيقة جزاء ما أعطى من الحق، و قيل:المراد بحقيقة ما أعطى الله شكر نعمة هدايته تعالى إلى دين الحق.

قوله «و لا لامرؤ مع ذلك» قال في البحار كأنه راجع إلى ما حمل الله على الوالى أو إلى الوالى الذى اشير إليه سابقا أى لا يجوز أو لا بد لا مرؤ أو لا استغناء لامرء على الوالى أو مع كون و اليه مكلفا بالجهاد و غيره من امور الدين و إن كان ذلك المرء محقرا ضعيفا بدون أن يعين على إقامة الدين أو يعينه الناس أو الوالى عليه قوله «خسأت به الامور» يقال خسأت الكلب خسئا طردته و خسا الكلب يتعدى و لا يتعدى و يجوز أن يكون استعمل هنا غير متعد بنفسه، فعدى بالباء أى طردته الامور، و المراد أنه ليس بحيث يتمشى امر من اموره و لا ينفع سعيه في تحصيل شي‏ء من الامور قوله «بدون ما» لفظة ما زايدة.

قوله «و أهل الفضيلة في الحال» المراد بهم الأئمة عليهم السلام و الولاة و الامراء و العلماء و كذا «أهل النعم العظام».

قوله «و الافرار» عطف على الثناء أى أقر إقرارا حسنا بأشياء ذكرها ذلك الرجل و لم يذكره عليه السلام اختصارا أو تقية من تغير حالاته من استيلاء أئمة الجور و مظلوميته و تغير أحوال رعيته من تقصيرهم في حقه و عدم قيامهم بما يحق من طاعته و القيام بخدمته‏

قوله «من الغل» أى أغلال الشرك و المعاصى.

قوله «و ائتمر» أى أقبل ما أمر الله به فامضه علينا.

قوله «و الملك المخول» أى الملك الذى أعطاك الله الامرة علينا و جعلنا خدمك و تبعك قوله «لا نستحل في شي‏ء من معصيتك» لعل التعدية بفى لتضمين معنى الدخول أو المعنى لا نستحل معصيتك في شي‏ء من الأشياء على أن يكون من زايدة قوله «في ذلك» أى في العلم بأن تكون كلمة في تعليلية، و يحتمل أن يكون اشارة إلى ما دل عليه الكلام من اطاعته عليه الصلاة و السلام.

قوله «خطرك» أى قدرك و منزلتك.

قوله «و يجل عنه» أى عما قلته في وصفك.

قوله «فبلاؤه عندنا ما لا يكفر» أى نعمته عندنا وافرة بحيث لا نستطيع كفرها و سترها، أو لا يجوز كفرانها و ترك شكرها.

قوله «و لم يكن» في بعض النسخ لن يكون و في بعضها لن يكن بالبناء على المفعول من كنت الشي‏ء سترته أو بفتح الياء و كسر الكاف من كن الطائر بيضه حضنه قوله «و توسعا» أى في الفضل و الثواب.

قوله «مع ذلك» أى مع طوعنا فيما امرت، و في البحار أى مع طاعتنا لك، فان نفس الطاعة أمر مرغوب فيه و مع ذلك موجب لحصول ما ينفعنا و ما هو خير لنا في دنيانا و آخرتنا.

قوله «الا مناصحة الصدور» أى خلوصها من غش النفاق بأن يضمر فيها خلاف ما يظهر أو نصح الاخوان نصحا يكون في الصدور لا بمحض اللسان.

قوله «و قد عال الذى في صدره» يقال: عالنى الشي‏ء أى غلبنى و عال أمرهم اشتد قوله «و غصص الشجى» جمع غصه بالضم و هو ما يعترض في الحلق،

و الشجى الحزن.

قوله «لخطر مرزأته» الخطر القدر و الاشراف على الهلاك و المرزأة المصيبة و كذا الفجيعة و الضمير راجع إلى أمير المؤمنين عليه السلام و القائل كان عالما بقرب أو ان شهادته عليه السلام فلذا كان يندب و يتفجع و إرجاعهما إلى القائل بعيد قوله «ثم شكى إليه» أى إلى الله تعالى.

قوله «أشفى عليه» أى أشرف عليه.

قوله «و انقلاب جده» أى بخته.

قوله «بالتفجع» متعلق بقوله نصيب، و التفجع التوجع في المصيبة أى سأل الله دفع هذا البلاء الذى قد ظن وقوعه عنه عليه السلام مع التفجع و التضرع.

قوله «يا رباني العباد» قال الجزرى الرباني منسوب إلى الرب بزيادة الالف و النون، و قيل: هو من الرب بمعني التربية لتربيتهم المتعلمين بصغار العلوم و كبارها، و الرباني العالم الراسخ في العلم و الدين يطلب بعلمه وجه الله، و قيل:العالم العاقل المعلم.

قوله «و يا ساكن البلاد» في بعض النسخ سكن البلاد محركة و هو كلما يسكن إليه.

قوله «و بك جرت نعم الله» أى بمجاهداتك و مساعيك الجميلة في ترويج الدين و تشييد أركان الاسلام في زمن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و بعده.

قوله «و للعصاة الكفار اخوانا» أى كنت تعاشر من يعصيك و يكفر نعمتك بالشفقه و الرأفة معاشرة الاخوان، أو المراد الشفقة على الكفار و العصاة و الاهتمام في هدايتهم، و يحتمل أن يراد بهم المنافقون الذين كانوا في عسكره و كان يلزمه رعايتهم بظاهر الشرع.

قوله «من فظاعة تلك الخطرات» أى قباحتها و شدتها.

قوله «ثمال فقرائنا» أى غياثهم و لجاءهم و قيل: الثمال المطعم في الشدة.

قوله «يجمعنا من الأمور عدلك» أى هو سبب اجتماعنا في جميع الامور أو من‏

بين ساير الامور أو هو سبب لانتظام جميع امورنا و عدلك محيط بجميعنا في جميع الامور.

قوله «و يتسع لنا في الحق تأنيك» أى صار مداراتك و عدم تعجيلك في الحكم علينا بما نستحقه سببا لوسعة الحق علينا و عدم تضيق الامور بنا.

قوله «ليبلغ تحريكه» أى تغييره و صرفه و في النسخة القديمة تحويله.

قوله «و لا خطرناها» لا نجعل لها خطرا أى قدرا و منزلة كما في حديث وصف الأئمة عليهم السلام: ما أجل خطركم أى قدركم و منزلتكم عند الله أو لا نعدها خطيرا أى رفيعا.

قوله «و قل خطرها دونك» أى شرفها أو هلاكها و الخطر أيضا السبق يتراهن عليه و لا يقال إلا في الشي‏ء الذى له قدر و مزية.

قوله «حاولك» أى قصدك.

قوله «من ناواك» أى عاداك.

قوله «و لكنه سلطان» أى الرب تعالى.

قوله «و عز» ذو عز و غلبة.

قوله «لا يزاول» أى لا يحاول و لا يطالب، و هذا إشارة إلى أن هذه الامور بقضاء الله و قدره و المبالغة في دفعها في حكم مغالبة الله فى تقديراته.

قوله «بان اختياره لك ما عنده» ما عنده خبران أو خبره محذوف أى خير لك و المعني أنه لا يختلف قلوبنا بل هي متفقة على أن الله اختار لك بامضائك النعيم و الراحة الدائمة على ما كنت فيه من المشقة و الجهد و العناء.

قوله «نبكى من غير اثم» أى لا نأثم على البكاء عليك فانه من أفضل الطاعات.

قوله «و للدين و الدنيا اكيلا» أى آكلا فالفعيل بمعنى الفاعل لا بمعنى المفعول أى نبكي لتبدل هذا السلطان الحق بسلطنة الجور فيكون آكلا للدين و الدنيا.

قوله «و لا نرى لك خلفا» أى من بين السلاطين لخروج السلطنة من أهل البيت عليهم السلام.

قال الشارح: أكثر ما أوردته هنا التقطته من كلام المحدث العلامة المجلسي‏ قدس سره في البحار.

الترجمة

فصل دويم از آن خطبه است سيد رضي گفته: پس جواب داد آن حضرت را مردى از أصحاب او بسخن درازى كه در آن بسيار ستايش مى ‏كرد او را و ذكر مى ‏نمود در آن شنيدن و اطاعت كردن خود را بان بزرگوار پس فرمود آن حضرت كه:

بتحقيق از حق كسى كه بزرگ است جلال و عظمت خدا در نفس او و أجل است مرتبه او در قلب او اينست كه كوچك و حقير باشد در نزد او بجهت بزرگى آن جلال و عظمت هر چيزى كه غير خداى تعالى است، و بتحقيق سزاوارتر كسى كه باشد بر اين حال كسى است كه بزرگ شده نعمت خدا بر او و لطيف شده احسان و انعام او بسوى او از جهت اين كه بزرگ نمى‏ گردد نعمت خدا بر احدى مگر اين كه زايد گردد بزرگ بودن حق خدا بر او.

و بدرستى كه از سخيف و خفيف‏ترين حالات پادشاهان در نزد مردمان صالح سالم العقل اين است كه گمان برده شود بايشان دوست داشتن افتخار بر مردمان را و حمل شود بناء امر ايشان بتكبر بخلقان.

و بتحقيق كه ناخوش داشتم اين را كه جولان كند در ظن شما اين كه من دوست دارم زيادت تعريف و استماع ستايش را، و نيستم من بحمد الله همچنين و اگر بودم كه دوست مى‏ داشتم اين كه گفته شود مدح و ثنا در باره من البته ترك مى‏كردم آنرا از جهت پستى و تواضع از براى خدا و فروتنى از اخذ كردن چيزى كه خدا سزاوارتر است بان از عظمت و كبريا، و بسا هست كه شيرين مى‏دانند مردمان مدح و ثنا را بعد از زحمت بلا، پس ستايش نكنيد بر من باثناء جميل بسبب خارج كردن من نفس خودم را بسوى خدا و بسوى شما از بقيه حقوقى كه فارغ نگشته ‏ام از أداء آنها، و از واجباتى كه لابد و ناچارم از إمضا و إجراء آنها.

پس تكلم نكنيد با من بسخنانى كه تكلم كرده شود با آن ستمكاران و جباران،و تحفظ نكنيد از من با چيزى كه تحفظ كرده مى‏شود با آن در نزد پادشاهان با حدت و سطوت، و آميزش نكنيد با من به تملق و چاپلوسى، و گمان نبريد در من اين كه گرانى دارم در حقى كه گفته شده بمن، و اين كه خواهش دارم بزرگ شمردن نفس خودم را از جهت اين كه كسى كه گر دارد حق را از اين كه گفته شود مر او را يا عدالت را از اين كه اظهار شود بر او باشد عمل كردن بحق و عدل گرانتر باو پس خوددارى نكنيد از گفتگوى بحق و از مشورت بعدل.

پس بتحقيق كه من نيستم در پيش نفس خود برتر از اين كه خطا بكنم، و أيمن نيستم خطا را از كار خودم مگر اين كه كافى باشد خدا از نفس من چيزى را كه قادرتر است بان چيز از من، پس جز اين نيست كه من و شما بندگان مملوكيم از براى پروردگارى كه غير از او پروردگارى نيست، مالك است از ما چيزى را كه ما مالك آن نيستيم از نفسهاى خود ما، و بيرون آورده است ما را از جهالتى كه در آن بوديم بسوى علم و معرفتى كه صلاح ما بر آن حاصل شد، پس بدل كرد ما را بعد از گمراهى بهدايت، و عطا فرمود بما بعد از نابينائى بصيرت را.[2]

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

_________________________________________________________________

[1] ( 1)- قلت: إن لم يوفق الشارح المصنف« قد» للاصلاح و المقابلة فقد وفقنى الله تعالى و له الحمد لذلك و قابلت النسخة بنفس المصدر كتاب تحف العقول على النسخة المصححة التي نشرها أخيرا الأخ الأعز و الفاضل الفذ على أكبر الغفارى عامله الله بلطفه الخفى و الجلى، فظهر بعد المقابلة أن نسخة المصنف كانت كثيرة السقم كثيرة الخطاء مع ما فيها من الاسقاط، فان الواحد و الثلاثين من الحقوق و هو حق الجار إلى آخره، و كذا الواحد و الأربعين و هو حق المستنصح إلى آخره كانا ساقطين ظاهرا عن نسخة المصنف بتمامهما و لذا لم يذكرا فى الطبعة الأولى، فان كنت فى ريب مما ذكرنا فعليك بتطبيق هذه النسخة مع المطبوعة أولا يظهر لك صحة ما ادعيناه، و صدق ما قلناه و الله الموفق للسداد« المصحح»

[2] هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة (خوئى) – تهران، چاپ: چهارم، 1400 ق.

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 214 شرح میر حبیب الله خوئی

خطبه 215 صبحی صالح

215- و من دعاء له ( عليه‏ السلام  ) كان يدعو به كثيرا

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُصْبِحْ بِي مَيِّتاً وَ لَا سَقِيماً وَ لَا مَضْرُوباً عَلَى عُرُوقِي بِسُوءٍ وَ لَا مَأْخُوذاً بِأَسْوَإِ عَمَلِي وَ لَا مَقْطُوعاً دَابِرِي

وَ لَا مُرْتَدّاً عَنْ دِينِي وَ لَا مُنْكِراً لِرَبِّي وَ لَا مُسْتَوْحِشاً مِنْ إِيمَانِي وَ لَا مُلْتَبِساً عَقْلِي وَ لَا مُعَذَّباً بِعَذَابِ الْأُمَمِ مِنْ قَبْلِي

أَصْبَحْتُ عَبْداً مَمْلُوكاً ظَالِماً لِنَفْسِي لَكَ الْحُجَّةُ عَلَيَّ وَ لَا حُجَّةَ لِي وَ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ إِلَّا مَا أَعْطَيْتَنِي وَ لَا أَتَّقِيَ إِلَّا مَا وَقَيْتَنِي

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَفْتَقِرَ فِي غِنَاكَ أَوْ أَضِلَّ فِي هُدَاكَ أَوْ أُضَامَ فِي سُلْطَانِكَ أَوْ أُضْطَهَدَ وَ الْأَمْرُ لَكَ

اللَّهُمَّ اجْعَلْ نَفْسِي أَوَّلَ كَرِيمَةٍ تَنْتَزِعُهَا مِنْ كَرَائِمِي وَ أَوَّلَ وَدِيعَةٍ تَرْتَجِعُهَا مِنْ وَدَائِعِ نِعَمِكَ عِنْدِي

اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَذْهَبَ عَنْ قَوْلِكَ أَوْ أَنْ نُفْتَتَنَ عَنْ دِينِكَ أَوْ تَتَابَعَ بِنَا أَهْوَاؤُنَا دُونَ الْهُدَى الَّذِي جَاءَ مِنْ عِنْدِكَ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج14  

و من دعاء كان يدعو به عليه السلام كثيرا و هو المأتان و الرابع عشر من المختار فى باب الخطب‏

الحمد لله الذي لم يصبح بي ميتا، و لا سقيما، و لا مضروبا على عروقي بسوء، و لا مأخوذا بأسوء عملي، و لا مقطوعا دابري، و لا مرتدا عن ديني، و لا منكرا لربي، و لا مستوحشا من إيماني، و لا ملتبسا عقلي، و لا معذبا بعذاب الأمم من قبلي، أصبحت عبدا مملوكا ظالما لنفسي، لك الحجة علي، و لا حجة لي، لا أستطيع أن آخذ إلا ما أعطيتني، و لا أتقي إلا ما وقيتني، أللهم إني أعوذ بك أن أفتقر في غناك، أو أضل في هداك، أو أضأم في سلطانك، أو أضطهد و الأمر لك، اللهم اجعل نفسي أول كريمة تنتزعها من كرائمي، و أول وديعة ترتجعها من ودايع نعمك عندي، أللهم إنا نعوذ بك أن نذهب عن قولك، أو نفتتن عن دينك، أو تتابع بنا أهوائنا دون الهدى الذي جاء من عندك.

اللغة

(الدابر) الاخر من دبر إذا أدبر قال تعالى‏ أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين‏ يعني آخرهم أى يستأصلون عن آخرهم، و قال «و يقطع دابر الكافرين» أى باستيصالهم‏ و قتلهم و اسرهم، و قال «فقطع دابر القوم الذين ظلموا» أى آخر من بقي منهم و (الضيم) الذل و (ضهده) كمنعه قهره (نفتتن) بصيغة المتكلم المجهول، و في بعض النسخ بالبناء على الفاعل و قوله‏ (أو تتايع) بالياء المثناة من تحت التهافت و الاسراع في الشر و اللجاج و الاقتحام فيه من غير روية و ركوب الأمر على خلاف الناس و في بعض النسخ تابع بحذف إحدى التائين، و في بعضها تتابع بالباء الموحدة يقال: تتابعوا على الأمر أى توالوا و تبع بعضهم بعضا.

الاعراب‏

كثيرا في كلام الرضي صفة إما لظرف محذوف أو لمصدر محذوف أى حينا كثيرا أو دعاء كثيرا و الأول أظهر، و قوله: ميتا قال الشارح المعتزلي: منصوب على الحال أى لم يفلق الصباح علي ميتا و لا يجوز أن يكون يصبح ناقصة و يكون ميتا خبرها كما يقول الراوندى، لأن خبر كان و اخواتها يجب أن يكون هو الاسم، ألا ترى أنهما مبتدأ و خبر في الحال، و اسم يصبح ضمير الله تعالى و ميتا ليس هو الله سبحانه، انتهى.

أقول: و لقائل أن يقول: إن مراد الراوندى بكون ميتا خبر أصبح أنه في الأصل خبرها و المخبر به ياء المتكلم فان أصبح على كونها ناقصة بمعني صار، فلما عديت بالباء صارت بمعني صير و تكون من أفعال التصيير فيكون المعني لم يصيرني ميتا كما يقال: صيرني الله فداك، و هذا مما لا غبار عليه، و قوله عليه السلام إلا ما أعطيتني استثناء مفرغ.

و قوله: أفتقر فى غناك قال الشارح المعتزلي: موضع الجار و المجرور نصب على الحال و في متعلقة بمحذوف و المعني افتقر و أنت الموصوف بالغنى الفايض على الخلق، و قوله: دون الهدى، ظرف متعلق بقوله: تتايع، و هو إما بمعني عند أو بمعني أمام‏

المعنى‏

اعلم أنه عليه السلام حمد الله عز و جل و أثنى عليه بما أنعم عليه من نعمه العظيمة

و قال‏ (الحمد لله الذى لم يصبح بي ميتا) أى لم يدخلني في الصباح و الحال أني ميت أو لم يصيرني ميتا.

فان قلت: كيف يجتمع حمده عليه السلام على عدم موته مع قوله الذى ما زال عليه السلام يقوله من كونه آنس بالموت من الطفل بثدى امه، فان الأول مشعر بحبه عليه السلام للبقاء و الثاني مفيد للقاء.

قلت: لا تنافي بين الكلامين لانتفاء المنافاة في المقامين.

فان الأول أعنى الحمد على الحياة إنما هو في مقام الرضاء بالقضاء و الشكر على النعماء، فان وظيفة أهل اليقين لا سيما أئمة الدين الذين لا يشاءون إلا أن يشاء الله هو أن يرضى بجميع ما قدره الله في حقه و قضاه من الحياة و المماة و الصحة و السقم و الغنى و الفقر، فقد قال تعالى في الحديث القدسي: من لم يرض بقضائى و لم يصبر على بلائي و لم يشكر على نعمائي و لم يقنع بعطائى فيطلب ربا سوائي و يخرج من تحت أرضى و سمائي، فهم ما لم يقدر في حقهم الموت لا بد أن يكونوا راضين بالحياة محبين لها شاكرين عليها لكونها المقدرة في حقهم، حتى إذا بلغ الكتاب أجله و تم مقاديره يكون الموت أحب إليهم و قرة عينهم فيه.

و يشير إلى ذلك ما رواه المحدث الجزائرى عن الشهيد الثاني أن جابر بن عبد الله الأنصارى ابتلى في آخره عمره بضعف الهرم و العجز فرآه محمد بن علي الباقر عليه الصلاة و السلام فسأله عن حاله فقال: أنا فى حالة أحب فيها الشيخوخة على الشباب و إن جعلني الله شابا أحب الشبوبة و إن أمرضنى أحب المرض و إن شفاني أحب الشفاء و الصحة و إن أماتنى أحب الموت و إن أبقانى أحب البقاء، الحديث و أما الثاني و هو إظهار فرط انسه بالموت فانما هو فى مقام الزهد و النفرة عن الدنيا و زخارفها و لذاتها و شهواتها الفانية و امنياتها الباطلة.

و أيضا فان الدنيا من حيث انها معبد أحباء الله و مسجد أولياء الله و متجر عباد الله و الوصلة إلى الرحمة و الوسيلة إلى الرضوان و الجنة فحياتها مطلوبة و بقاؤها نعمة عظيمة يجب الشكر عليها بل لا نعمة فوقها لكونها المحصلة لجميع النعم.

و قد روى عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: بقية عمر المؤمن لا ثمن لها يدرك بها ما فات و يحيى بها ما مات.

و قال بعضهم: الدنيا أحب إلى من الجنة لأنى فيها مشغول بعبادة ربى و فى الجنة مشغول بلذة نفسى، و بين الأمرين بون بائن، و من حيث إنها حلوة خضرة حفت بالشهوات و تجلبت بالامنيات ضرارة غرارة تزينت بغرورها و غرت بزينتها مهانة على ربها مبغوضة إليه تعالى، و لذلك لم يصفها لأوليائه و لم يضن بها على أعدائه فهى أهون عند أهل المعرفة و أخس و أحقر من عراق خنزير فى يد مجذوم، و الموت أحب إليهم من هذه الجهة لايصاله إلى الدار الاخرة و بما حققنا علم سر ثنائه على سلامته كما أشار إليه بقوله‏ (و لا سقيما) مضافا إلى أن فى حالة المرض احتمال فوات بعض العبادات أو فوات كمالاتها و ان كان المريض معذورا فيها، و أما حالة الصحة ففيها تكميل العبادة و العبودية فهى نعمة عظيمة حرية بأن يحمد عليها.

كنايه‏ (و لا مضروبا على عروقى بسوء) أى على أعضائى بافة توجب سوء المنظر و قبحه كالجذام و البرص و نحوهما و قال الشارح المعتزلي أى و لا أبرص و العرب تكني عن البرص بالسوء، و في أمثالهم: ما انكرك من سوء، أى ليس انكارى لك عن برص حدث بك فغير صورتك، و أراد بعروقه أعضاءه، و يجوز أن يريد و لا مطعونا في نسبي و الأول أظهر انتهى.

(و لا مأخوذا بأسوء عملى) أى معاقبا بأقبح ذنوبي كنايه‏ (و لا مقطوعا دابرى) أى عقبى و آخرى و هو كناية عن انقراض نسله بالاستيصال و محو اسمه و اندراس أثره و رسمه‏ (و لا مرتدا عن ديني و لا منكرا لربى) عطف الثاني على الأول من قبيل ذكر الخاص بعد العام لمزيد الاهتمام و أن الارتداد قد يكون بانكار الضروريات من دون الجحود (و لا مستوحشا من ايماني) أى غير مستأنس به و متنفرا عنه، أو شاكا في كونه مستقرا أو مستودعا لأن الشك في العقيدة يوجب الوحشة،و الأول أظهر (و لا ملتبسا عقلى) أى مختلطا بالجنون‏ (و لا معذبا بعذاب الامم من قبلي) أى بالمسخ و الخسف و الصاعقة و الظلة و نحوها.

و لما حمد الله تعالى على ما أنعم به عليه من ضروب نعمه التي عددها أردفه بالاعتراف بالذل و التقصير و الاستكانة و قال:

(أصبحت عبدا مملوكا) أى صرت داخرا ذليلا في قيد العبودية (ظالما لنفسي) لأجل التقصير في طاعته و عدم التمكن من القيام بوظايف عبادته على ما يليق بحضرته عز و جل و إن كان ما أتى به فوق عبادة جميع البشر ما خلا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و قد قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فيما رواه في الوسائل من الكافى باسناده عن أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر عليه السلام عنه صلى الله عليه و آله و سلم قال الله عز و جل: لا يتكل العاملون لي على أعمالهم التي يعملونها لثوابي فانهم لو اجتهدوا و أتعبوا أنفسهم في عبادتي كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندى من كرامتي و النعيم في جناتى و رفيع الدرجات العلى فى جوارى، و لكن برحمتى فليثقوا، و فضلى فليرجوا، و إلى حسن الظن بى فليطمئنوا، الحديث.

و فى البحار من كتاب فتح الأبواب عن الزهرى قال: دخلت مع على بن الحسين عليهما السلام على عبد الملك بن مروان قال: فاستعظم عبد الملك ما رأى من أثر السجود بين عينى علي بن الحسين عليهما السلام فقال: يا با محمد لقد بين عليك الاجتهاد و لقد سبق لك من الله الحسنى و أنت بضعة من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قريب النسب و كيد السبب و انك لذو فضل عظيم على أهل بيتك و ذوى عصرك و لقد اوتيت من العلم و الفضل و الدين و الورع ما لم يؤته أحد مثلك و لا قبلك إلا من مضى من سلفك- و اقبل يثنى عليه يطريه- قال فقال علي بن الحسين عليه السلام: كلما ذكرته و وصفته من فضل الله سبحانه و تأييده و توفيقه فأين شكره على ما أنعم يا أمير المؤمنين كان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يقف في الصلاة حتى ترم قدماه و يظمأ في الصيام حتي يصعب فوه، فقيل له: يا رسول الله ألم يغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر، فيقول صلى الله عليه و آله و سلم:

أفلا أكون عبدا شكورا، الحمد لله على ما أولى، و أبلى، و له الحمد في الاخرة و الاولى و الله لو تقطعت أعضائي و سالت مقلتاى على صدرى لن أقوم لله جل جلاله بشكر عشر العشير من نعمة واحدة من جميع نعمه التي لا يحصيها العادون و لا يبلغ حد نعمة منها على جميع حمد الحامدين، لا و الله أو يراني الله لا يشغلني شي‏ء عن شكره و ذكره في ليل و لا نهار و لا سر و لا علانية، و لولا أن لأهلي علي حقا و لساير الناس من خاصهم و عامهم على حقوقا لا يسعني إلا القيام بها حسب الوسع و الطاقة حتى اؤديها إليهم لرميت بطرفي إلى السماء و بقلبي إلى الله ثم لم أرددهما حتى يقضى الله على نفسى و هو خير الحاكمين، هذا.

و في ادعية الصحيفة السجادية من اتهام النفس و الاعتراف بالتقصير ما لا يحصى و قد مضى في شرح الخطبة المأة و الثانية و التسعين عند شرح قوله عليه السلام: فهم لأنفسهم متهمون و من أعمالهم مشفقون‏، أخبار نفيسة، و كذلك في التنبيه الثالث من الفصل الثالث عشر من فصول الخطبة الاولى تحقيقات عميقة كثيرة الفائدة في هذا المقام.

(لك الحجة علي) حيث إنك ما كلفتني إلا ما آتيتني و لا حتمتني إلا ما أعلمتني و لا فرضت‏ علي‏ إلا ما أقدرتني عليه و مكنتني منه كما هو حكمه تعالى في حق جميع المكلفين، فقد قال: «لا يكلف الله نفسا إلا ما آتيها» و قال‏ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها و في الدعاء: أزاح العلل في التكليف و سوى التوفيق بين الضعيف و الشريف.

(و لا حجة لي) عليك أو لم يبق لي عذر في ترك تكاليفك كما لساير المكلفين لأنه عز و جل إنما كلف بعد البيان و بعد ما مكن أداء المأمور و سهل سبيل اجتناب المحظور و لم يكلف الطاعة إلا دون الوسع و الطاقة لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل و لا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، فلم تبق عاذرة للمعذرين.

و (لا أستطيع أن آخذ) من نعمتك‏ (إلا ما أعطيتنى و لا) أقدر أن‏ (أتقى) من نقمتك‏ (إلا ما وقيتني) لكوني عبدا داخرا ذليلا مسكينا مستكينا لا يملك‏

لنفسه موتا و لا حياتا و لا نشورا.

(اللهم إني أعوذ بك أن أفتقر في غناك) أى أن أكون محتاجا و الحال أنك الغنى المطلق الباسط بالجود و الكرم يده على العالمين.

(أو أضل في هداك) أى أكون ضالا و الحال أنك نور السماوات و الأرضين هادى أهلها إلى نهج اليقين.

(أو أضأم في سلطانك) أى أكون ذليلا مظلوما و الحال أن السلطنة لك و أنت ذو القوة المتين.

(أو اضطهدوا لأمر لك) أى أكون مغلوبا مقهورا و أنت صاحب الاختيار و القدرة القاصم لظهور الجبابرة و الظالمين.

كنايه‏ (اللهم اجعل نفسي أول كريمة تنتزعها من كرائمي) أى‏ أول‏ كل كريم و عزيز تنزعه من قوائي و أعضائي و إنما كنى عنها بالكرايم لكرامتها و عزتها عنده و المراد بالدعاء طلب عافية الأعضاء النفسانية و البدنية و بقائها إلى حين الممات و أن لا تكون ذهابها سابقا على الموت.

كما قال زين العابدين عليه السلام: اللهم احفظ على سمعى و بصرى إلى انتهاء أجلي و من دعائه عليه السلام إذا سأل العافية: و امنن على بالصحة و الأمن و السلامة في دينى و بدنى و البصيرة في قلبى و النفاق في امورى و الخشية لك و الخوف منك و القوة على ما أمرتنى به من طاعتك و الاجتناب لما نهيتنى عنه من معصيتك.

و من هذا الدعاء يستفاد سر طلب أمير المؤمنين عليه السلام كون نفسه أول الكريم المنتزعة، لأن سبق انتزاعها على نفسه يوجب العجز عن إقامة وظايف الطاعات المربوطة بها و عدم القدرة على تحصيل الضروريات من المعاش و عدم النفاذ في الامور تشبيه و قوله‏ (و أول وديعة ترتجعها من ودائع نعمك عندى) التعبير عن المشاعر و القوى بالنعمة لعظم الانتفاع بها و لذلك من بها على الانسان في قوله تعالى‏ أ لم نجعل له عينين و لسانا و شفتين و هديناه النجدين‏.

و تشبيه ها بالوديعة لكونها في معرض الاسترجاع و الاسترداد كالوديعة و إليه‏ يومى قوله سبحانه‏ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية.

(اللهم انا نعوذ بك أن نذهب عن قولك) أى أوامرك و نواهيك التي نطق بها كتابك الكريم و نفر منها، و الاستعاذة منه من أجل أنه كما قال تعالى‏ ما هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين‏ قال أمين الاسلام الطبرسي فان تعدلون عن القرآن و هو الشفاء و الهدى ما هو إلا تذكرة وعظة للخلق يمكنهم أن يتوصلوا به إلى الحق.

(أو نفتتن عن دينك) أى نضل أو نضل‏ عن دينك‏ على اختلاف النسخ في رواية نفتتن علي ما قدمنا، و المراد على الأول الوقوع في الضلال باضلال الغير، و على الثاني الوقوع فيه من تلقاء النفس‏ (أو تتايع بنا أهواؤنا دون الهدى الذي جاء من عندك) أراد به ايقاع الأهواء له في مهاوى الهلكات و صرفها إياه عن الهدى النازل في محكمات الايات كما قال عز من قائل‏ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين‏ و قال‏ قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه و هدى و بشرى للمؤمنين‏

الترجمة

از جمله دعاى آن حضرتست كه أكثر أوقات دعا مى‏ كرد باين دعا:

حمد و ثنا معبود بحقى را سزاست كه داخل نكرد مرا در صباح در حالتى كه مرده باشم و نه در حالتى كه مريض باشم، و نه در حالتى كه مؤاخذه شده باشم بقبيح‏تر عمل خودم، و نه در حالتى كه مقطوع النسل و بى عقب باشم، و نه در حالتى كه مرتد باشم از دينم، و نه در حالتى كه منكر باشم پروردگار مرا، و نه در حالتى كه وحشت كننده باشم از ايمان خودم، و نه در حالتى كه مخلوط باشد عقل من بجنون، و نه در حالتى كه معذب باشم بعذاب امتان كه پيش از من بودند.

صباح كردم من در حالتى كه بنده مملوكى هستم ظلم كننده مر نفس خود را، از براى تو است حجت بر من و نيست حجتى از براى من استطاعت و قدرت ندارم كه دريافت نمايم مگر چيزى را كه تو عطا كرده مرا، و نه پرهيز نمايم مگر

از چيزى كه تو نگه داشته مرا بار الها بتحقيق كه من پناه مى‏برم بتو از اين كه فقير باشم با وجود غنى بودن تو، يا اين كه گمراه شوم با وجود هادى بودن تو، يا مظلوم شوم با وجود سلطنت تو، يا مقهور و مغلوب باشم و حال آنكه اختيار تو راست.

پروردگارا بگردان روح مرا اول نعمت عزيزى كه انتزاع ميكنى تو آن را از نعمتهاى عزيز بدن من، و اول أمانتى كه پس مى‏گيرى تو آنرا در امانت‏هاى نعمتهاى تو كه در نزد من است، پروردگارا بتحقيق كه پناه مى‏برم بتو از اين كه بدر رويم از امر و فرمايش تو، يا اين كه فريفته شويم از دين تو تا اين كه بشتاباند ما را خواهشات نفسانيه ما در ضلالت، و برگرداند از هدايتى كه آمده است از جانب تو.[4]

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

__________________________________________________________

[1] ( 1)- هكذا فى النسخة و لعله تصحيف و الصحيح تبين عليه او بطين عليه بالباء الجارة و الله العالم منه.

[2] ( 1)- أى استشفع.

[3] ( 2)- أى الزبير.

[4] هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة (خوئى) – تهران، چاپ: چهارم، 1400 ق.

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 213 شرح میر حبیب الله خوئی

خطبه 214 صبحی صالح

214- و من خطبة له ( عليه‏ السلام  ) يصف جوهر الرسول، و يصف العلماء، و يعظ بالتقوى‏

وَ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ عَدَلَ وَ حَكَمٌ فَصَلَ

وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ سَيِّدُ عِبَادِهِ كُلَّمَا نَسَخَ اللَّهُ الْخَلْقَ فِرْقَتَيْنِ جَعَلَهُ فِي خَيْرِهِمَا

لَمْ يُسْهِمْ فِيهِ عَاهِرٌ وَ لَا ضَرَبَ فِيهِ فَاجِرٌ

أَلَا وَ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ لِلْخَيْرِ أَهْلًا وَ لِلْحَقِّ دَعَائِمَ وَ لِلطَّاعَةِ عِصَماً وَ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ كُلِّ طَاعَةٍ عَوْناً مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ يَقُولُ‏ عَلَى الْأَلْسِنَةِ وَ يُثَبِّتُ الْأَفْئِدَةَ فِيهِ كِفَاءٌ لِمُكْتَفٍ وَ شِفَاءٌ لِمُشْتَفٍ

صفة العلماء

وَ اعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُسْتَحْفَظِينَ عِلْمَهُ يَصُونُونَ مَصُونَهُ وَ يُفَجِّرُونَ عُيُونَهُ يَتَوَاصَلُونَ بِالْوِلَايَةِ وَ يَتَلَاقَوْنَ بِالْمَحَبَّةِ وَ يَتَسَاقَوْنَ بِكَأْسٍ رَوِيَّةٍ وَ يَصْدُرُونَ بِرِيَّةٍ

لَا تَشُوبُهُمُ الرِّيبَةُ وَ لَا تُسْرِعُ فِيهِمُ الْغِيبَةُ عَلَى ذَلِكَ عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَ أَخْلَاقَهُمْ فَعَلَيْهِ يَتَحَابُّونَ وَ بِهِ يَتَوَاصَلُونَ فَكَانُوا كَتَفَاضُلِ الْبَذْرِ يُنْتَقَى فَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَ يُلْقَى قَدْ مَيَّزَهُ التَّخْلِيصُ وَ هَذَّبَهُ التَّمْحِيصُ

العظة بالتقوى‏

فَلْيَقْبَلِ امْرُؤٌ كَرَامَةً بِقَبُولِهَا وَ لْيَحْذَرْ قَارِعَةً قَبْلَ حُلُولِهَا وَ لْيَنْظُرِ امْرُؤٌ فِي قَصِيرِ أَيَّامِهِ وَ قَلِيلِ مُقَامِهِ فِي مَنْزِلٍ حَتَّى يَسْتَبْدِلَ بِهِ مَنْزِلًا فَلْيَصْنَعْ لِمُتَحَوَّلِهِ وَ مَعَارِفِ مُنْتَقَلِهِ فَطُوبَى لِذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ أَطَاعَ مَنْ يَهْدِيهِ وَ تَجَنَّبَ مَنْ يُرْدِيهِ وَ أَصَابَ سَبِيلَ السَّلَامَةِ بِبَصَرِ مَنْ بَصَّرَهُ

وَ طَاعَةِ هَادٍ أَمَرَهُ وَ بَادَرَ الْهُدَى قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ أَبْوَابُهُ وَ تُقْطَعَ أَسْبَابُهُ وَ اسْتَفْتَحَ التَّوْبَةَ وَ أَمَاطَ الْحَوْبَةَ

فَقَدْ أُقِيمَ عَلَى الطَّرِيقِ وَ هُدِيَ نَهْجَ السَّبِيلِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج14  

و من خطبة له عليه السلام و هى المأتان و الثالثة عشر من المختار فى باب الخطب‏

و أشهد أنه عدل عدل، و حكم فصل، و أشهد أن محمدا عبده و سيد عباده، كلما نسخ الله الخلق فرقتين جعله في خيرهما، لم يسهم فيه عاهر، و لا ضرب فيه فاجر. ألا و إن الله قد جعل للخير أهلا، و للحق دعائم، و للطاعة عصما، و إن لكم عند كل طاعة عونا من الله يقول على الألسنة، و يثبت الأفئدة، فيه كفاء لمكتف، و شفاء لمشتف. و اعلموا أن عباد الله المستحفظين علمه، يصونون مصونه، و يفجرون عيونه، يتواصلون بالولاية، و يتلاقون بالمحبة، و يتساقون بكأس روية، و يصدرون برية، لا تشوبهم الريبة، و لا تسرع فيهم‏ الغيبة، على ذلك عقد خلقهم و أخلاقهم، فعليه يتحابون، و به يتواصلون، فكانوا كتفاضل البذر ينتقى، فيؤخذ منه و يلقى، قد ميزه التلخيص، و هذبه التمحيص، فليقبل امرء كرامة بقبولها، و ليحذر قارعة قبل حلولها، و لينظر امرء في قصير أيامه، و قليل مقامه، في منزل حتى يستبدل به منزلا، فليصنع لمتحوله، و معارف منتقله، فطوبى لذي قلب سليم أطاع من يهديه، و تجنب من يرديه، و أصاب سبيل السلامة بنصر من بصره، و طاعة هاد أمره، و بادر الهدى قبل أن تغلق أبوابه، و تقطع أسبابه، و استفتح التوبة، و أماط الحوبة، فقد أقيم على الطريق، و هدي نهج السبيل.

اللغة

(نسخت) الكتاب نسخا من باب منع نقلته و انتسخته كذلك، و نسخت الشمس الظل أى أزالته قال ابن فارس: و كل شي‏ء خلف شيئا فقد انتسخه فيقال انتسخت الشمس الظل و الشيب الشباب أى أزاله و كتاب منسوخ و منتسخ منقول، و النسخة الكتاب المنقول و تناسخ الأزمنة و القرون تتابعها و تداولها، لأن كل واحد ينسخ حكم ما قبله و يثبت الحكم لنفسه، و منه تناسخ المواريث لأن الارث لا يقسم على حكم الميت الأول بل على حكم الثاني و كذلك ما بعده.

و (يسهم) بالبناء على المفعول من اسهمت له أعطيته سهما أى نصيبا و (عهر) عهرا من باب تعب زنا و فجر فهو عاهر و عهر عهورا من باب قعد لغة و في الحديث:الولد للفراش و للعاهر الحجر، أى إنما يثبت الولد لصاحب الفراش و هو الزوج‏ و للعاهر الجنبة «الخيبة» و لا يثبت له نسب و هو كما يقال له التراب أى الخيبة لأن بعض العرب كان يثبت النسب من الزنا فأبطله الشرع.

استعاره و (الدعامة) بالكسر ما يستند به الحائط إذا مال يمنعه من السقوط و الجمع دعائم كعمائم، و يستعار بسيد القوم فيقال هود عامة القوم كما يقال: هو عمادهم، و (عصمه) الله من المكروه من باب ضرب حفظه و وقاه، و الاسم العصمة بالكسر و يجمع على عصم وزان عنب و جمع الجمع أعصم و عصمة و جمع جمع الجمع أعصام.

و (كفى) الشي‏ء يكفى كفاية فهو كاف إذا حصل به الاستغناء عن غيره ازدواج قال الشارح المعتزلي: فيه كفاء لمكتف و شفاء لمشتف، الوجه فيه كفاية فان الهمز لا وجه له ههنا لأنه من باب آخر و لكنه أتى بالهمزة للازدواج بين كفاء و شفاء كما قالوا: الغدايا و العشايا، و كما قال عليه السلام، مأزورات غير مأجورات، تأتى بالهمزة و الوجه الواو للازدواج.

و (الولاية) بفتح الواو المحبة و النصرة و (الكأس) بهمزة ساكنة و يجوز تخفيفها القدح المملو من الشراب و لا تسمى كأسا إلا و فيها شراب و هي مؤنثة سماعية و (ريى) من الماء و اللبن كرضى ريا و ريا و تروى و ارتوى و الاسم الرى بالكسر، و ماء روي كغنى و رواء كسماء كثير مرو و (القارعة) الداهية لأنها تقرع الناس بشدتها و منه سمى الموت قارعة و كذلك القيامة لمزيد هو لها و (معارف) الدار ما يعرفها المتوسم بها واحدها معرف مثل معاهد الدار و معالم الدار و (طوبى) مصدر من الطيب قلبت ياؤه واوا لضمة ما قبلها أو اسم شجرة في الجنة.

الاعراب‏

قوله: كلما نسخ الله بنسخ كل على الظرف، و الفاء في قوله فليقبل فصيحة، و قوله: حتى يستبدل، متعلق بقوله و لينظر، و قوله: فطوبى لذي قلب سليم الفاء فصيحة، و طوبى مرفوع على الابتداء خبره لذي قلب و لهج السبيل بالنصب‏ على نزع الخافض.

المعنى‏

اعلم أن هذه الخطبة مسوقة لوصف حال عباد الله الصالحين و أوليائه الذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون، و ختمها بالذكرى و الموعظة و افتتحها بالشهادة بعدل الله عز و جل و فصله ثم بنعت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و تزكية نسبه و أصله فقال:

مجاز (و أشهد أنه عدل عدل) قال الشارح المعتزلي: الضمير في أنه راجع إلى القضاء و القدر المذكور في صدر هذه الخطبة و لم يذكره الرضي رحمه الله، قال:

و نسبة العدل‏ إلى القضاء على طريق المجاز، و هو بالحقيقة منسوب إلى ذي القضاء و القاضى به هو الله تعالى اه، و محصله أنه تعالى عدل مبالغة أو عادل حقيقة في جميع أفعاله و أحكامه لكون الظلم قبيحا عقلا و نقلا فيستحيل في حقه.

قال الشارح البحراني: و الباري تعالى عادل بالنظر إلى حكمه و قضائه أى لا يقضى في ملكه بأمر إلا و هو علي وفق النظام الكلي و الحكمة البالغة، و يدخل في ذلك جميع أفعاله و أقواله، فانه لا يصدر منها شي‏ء إلا و هو كذلك و أما الجزئيات المعدودة شرورا و صورة جور في هذا العالم، فانها إذا اعتبرت شرورا نسبة و مع ذلك فهى من لوازم الخير و العدل لابد منها، و لا يمكن أن يكون الخير و العدل من دونها كما لا يمكن أن يكون الانسان إنسانا إلا و هو ذو غضب و شهوة يلزمهما الفساد و الشر الجزئي، و لما كان الخير أكثر و كان ترك خير الكثير لأجل الشر القليل شرا كثيرا في الجود و الحكمة وجب تلك الشرور الجزئية لوجود ملزوماتها، و أشار بقوله‏ عدل‏ إلى ايجاد العدل بالفعل، انتهى.

(و حكم فصل) أى حاكم بالحق‏ فصل‏ بين الحق و الباطل بما بعث به رسوله من كتابه العزيز، و إنه لقول فصل و ما هو بالهزل، و يفصل أيضا بين عباده يوم القيامة فيما هم فيه يختلفون كما قال عز من قائل «إن يوم الفصل كان ميقاتا» و قال «إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون» أى يقضى فيميز الحق من الباطل تمييز المحق من المبطل و الطيب من الخبيث فيما كانوا يختلفون فيه‏

من أمر الدين، و فى آية أخرى‏ إن الذين آمنوا و الذين هادوا و الصابئين و النصارى و المجوس و الذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة أى بالحكومة بينهم و اظهار الحق من المبطل و جزاء كل بما يليق به.

(و أشهد أن محمدا) صلى الله عليه و آله و سلم‏ (عبده و سيد عباده).

أما أنه‏ عبده‏ فقد شهد به الكتاب العزيز فى مواضع عديدة مقدما على شهادته عليه السلام قال سبحانه «الحمد لله الذى انزل على عبده الكتاب و لم يجعل له عوجا» و قال‏ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا و قال‏ فأوحى إلى عبده ما أوحى‏ و قال‏ هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور إلى غير ذلك مما لا حاجة إلى ذكره و قد تقدم بيان حقيقة العبودية فى شرح الخطبة الحادية و السبعين تفصيلا فليراجع ثمة، و اجمال ما قدمناه هنا أن العبد لا يكون عبدا حقيقة إلا أن لا يرى لنفسه مالا و لا له فى أموره تدبيرا، و يكون أوقاته مستغرقة بخدمة مولاه، و هكذا كان حال سيدنا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و الطيبين من آله سلام الله عليهم فانهم رأوا جميع ما فى أيديهم مال الله فصرفوه فى عيال الله و هم الفقراء و المساكين، و وكلوا جميع امورهم الى الله رضاء بقضائه فشكروا على نعمائه و صبروا على بلائه و كانت أوقاتهم مصروفة إلى عبادته و قيام أوامره و نواهيه و طاعته.

و أما أنه‏ سيد عباده‏ فلا ريب فيه، و الظاهر أن المراد به جميع البشر لا خصوص عباد الله الصالحين الكملين من الأنبياء و الرسل و من دونهم، لدلالة الأدلة على العموم حسبما عرفت تفصيلا فى تضاعيف الشرح و أقول هنا مضافا إلى ما قدمنا:

روى فى البحار من الكافى باسناده عن صالح بن سهل عن أبي عبد الله عليه السلام ان بعض قريش قال: سئل رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بأي شي‏ء سبقت ولد آدم؟ قال: إننى أول من أقر بربى إن الله أخذ ميثاق النبيين و أشهدهم على أنفسهم أ لست بربكم قالوا بلى فكنت أول من أجاب.

و فيه من الخصال فى وصية النبى صلى الله عليه و آله و سلم لعلي عليه السلام يا على إن الله عز و جل‏ أشرف على الدنيا فاختارنى منها على رجال العالمين، ثم اطلع الثانية فاختارك على رجال العالمين بعدى، ثم اطلع الثالثة فاختار الأئمة من ولدك على رجال العالمين بعدك، ثم اطلع الرابعة فاختار فاطمة على نساء العالمين.

و فيه من تفسير فرات بن إبراهيم بسنده عن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لما اسرى بي إلى السماء قال لي العزيز الجبار: يا محمد اني اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها و اشتققت لك اسما من أسمائي لا اذكر في مكان إلا و أنت معي، فأنا محمود و أنت محمد الحديث و فيه من العيون عن الهروى عن الرضا عليه السلام في حديث طويل قال: إن آدم على نبينا و آله و عليه السلام لما أكرم الله تعالى باسجاد ملائكته و بادخال الجنة قال في نفسه: هل خلق الله بشرا أفضل مني، فعلم الله عز و جل ما وقع في نفسه فناداه ارفع رأسك يا آدم فانظر إلى ساق عرشي، فرفع آدم رأسه فنظر إلى ساق العرش فوجد عليه مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين و زوجته فاطمة سيدة نساء العالمين و الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة، فقال آدم:

يا رب من هؤلاء؟ فقال عز و جل: هؤلاء من ذريتك و هم خير منك و من جميع خلقي و لولاهم ما خلقتك و لا خلقت الجنة و النار و لا السماء و الأرض إلى آخر ما تقدم روايته في التذنيب الثاني من شرح الفصل الثاني عشر من الخطبة الاولى.

و فيه أيضا من اكمال الدين عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن موسى عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: أنا سيد من خلق الله و أنا خير من جبرئيل و ميكائيل و حملة العرش و جميع الملائكة المقربين و أنبياء الله المرسلين، و أنا صاحب الشفاعة و الحوض الشريف و أنا و على أبوا هذه الائمة، «الامة» من عرفنا فقد عرف الله، و من أنكرنا فقد أنكر الله عز و جل الحديث.

و فى شرح المعتزلي عنه صلى الله عليه و آله و سلم قال: أنا سيد ولد آدم و لا فخر.

و عنه صلى الله عليه و آله و سلم أيضا: ادعوا لى سيد العرب عليا، فقالت عايشة: أ لست سيد العرب؟ فقال صلى الله عليه و آله و سلم: أنا سيد البشر و علي سيد العرب.

و الأخبار في هذا المعنى فوق حد الاحصاء و لا حاجة إلى الاطالة بروايتها.

قال الصدوق في الهداية: يجب أن يعتقد أن النبوة حق كما اعتقدنا أن التوحيد حق، و أن الأنبياء الذين بعثهم الله مأئة ألف نبي و أربعة و عشرون ألف نبي، جاءوا بالحق من عند الحق، و أن قولهم قول الله و أمرهم أمر الله و طاعتهم طاعة الله و معصيتهم معصية الله، و أنهم لم ينطقوا إلا من الله عز و جل و عن وجهه و أن سادة الأنبياء خمسة الذين عليهم دارة الرحى و هم أصحاب الشرائع و هم أولو العزم:

نوح، و إبراهيم، و موسى، و عيسى، و محمد صلوات الله عليهم و أن محمدا صلوات الله عليه سيدهم و أفضلهم، و أنه جاء بالحق و صدق المرسلين، و أن الذين آمنوا به و عزروه و نصروه و اتبعوا النور الذى انزل معه اولئك هم المفلحون، و يجب أن يعتقد أن الله تبارك و تعالى لم يخلق خلقا أفضل من محمد صلى الله عليه و آله و سلم و من بعده الأئمة صلوات الله عليهم، و أنهم أحب الخلق إلى الله عز و جل و أكرمهم عليه و أولهم اقرارا به لما أخذ الله ميثاق النبيين في الذر إلى آخر ما قال:

(كلما نسخ الله الخلق فرقتين) أى خلفهم حيث نقلهم من البطن الأول إلى البطن الثاني و قسمهم إلى‏ فرقتين‏ فرقة خير و فرقة شر (جعله في خيرهما) حسبما عرفت تفصيلا في شرح الخطبة الثالثة و التسعين قال الشارح المعتزلي: و هذا المعني قد ورد مرفوعا في عدة أحاديث نحو قوله صلى الله عليه و آله و سلم: ما افترقت فرقتان منذ نسل آدم ولده إلا كنت في خيرهما، و نحو قوله صلى الله عليه و آله و سلم: إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل و اصطفى من ولد إسماعيل مضر و اصطفى من مضر كنانة و اصطفى من كنانة قريش و اصطفى من قريش هاشما و اصطفاني من بني هاشم.

(لم يسهم فيه عاهر) أى لم يجعل في نسبه الشريف ذا سهم و نصيب‏ (و لا ضرب فيه فاجر) أى لم يكن‏ لفاجر فيه‏ شرك، يقال: ضرب في كذا بنصيب إذا كان شريكا فيه و المراد طهارة نسبه الشامخ من شوب دنس الجاهلية و نجس السفاح أى تناسخته كرايم الأصلاب إلى مطهرات الأرحام و كان نورا في الأصلاب الشامخة

و الأرحام المطهرة، لم تدنس نسبه الجاهلية بأنجاسها و لم تلبسه من مدلهمات ثيابها و قد عرفت تفصيله أيضا في شرح الخطبة الثالثة و التسعين، هذا.

و لما فرغ عليه السلام من وصف النبي صلى الله عليه و آله و سلم رغب المخاطبين في دخولهم في زمرة أهل الخير و الحق و الطاعة بقوله:(ألا و ان الله قد جعل للخير أهلا) و هم الأبرار المتقون و أهل الزهد و الصلاح من المؤمنين قال سبحانه‏ يا أيها الذين آمنوا اركعوا و اسجدوا و اعبدوا ربكم و افعلوا الخير لعلكم تفلحون‏ أى تحروا ما هو خير و أصلح فيما تأتون و تذرون كنوا فل الطاعات و صلة الأرحام و مكارم الأخلاق.

و قال الصادق عليه السلام جعل الخير كله في بيت و مفتاحه الزهد في الدنيا، و خير الخير هو رضوان الله تعالى، و شر الشر سخطه و النار.

و الخيرات الاخروية إنما تكسب بالخيرات الدنيوية و لذلك أمر الله سبحانه بها في الاية السابقة بقوله «و افعلوا الخير» و في قوله «فاستبقوا الخيرات» أى الأعمال الصالحة و الطاعات المفروضة و المندوبة و رئيس أهل الخير هم الأئمة عليهم الصلاة و السلام كما أشير اليه في زيارتهم الجامعة بقوله: إن ذكر الخير كنتم أوله و أصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه.

(و للحق دعائم) الظاهر أن المراد بالحق‏ ضد الباطل و بدعائمه‏ الأئمة عليهم السلام لأنهم أئمة الحق بهم قوامه و دوامه و ثباته و غيرهم أئمة الباطل كما اشير إلى ذلك في قوله تعالى‏ و ممن خلقنا أمة يهدون بالحق و به يعدلون‏ و قوله‏ أ فمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي‏ و قد قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في الحديث المتفق عليه بين الفريقين: الحق مع علي و هو مع الحق أينما دار و من طرق الخاصة مستفيضا بل متواترا كما قيل عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم و الأئمة عليهم السلام عنه صلى الله عليه و آله و سلم أنه قال: الحق مع الأئمة الاثنى عشر، و في زيارتهم الجامعة: الحق معكم و فيكم و منكم و اليكم و أنتم أهله و معدنه.

و فى رواية الكافى عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: ليس عند أحد من الناس حق و لا صواب و لا أحد من الناس يقضى بقضاء حق إلا ما خرج منا أهل البيت، و إذا تشعبت بهم الأمور كان الخطاء منهم و الصواب من علي عليه السلام و قوله‏ (و للطاعة عصما) يحتمل أن يكون المراد بالعصمة ما يعتصم به كما فسر به قوله تعالى‏ و لا تمسكوا بعصم الكوافر أى بما يعتصم به الكافرات من عقد و سبب أى لا تمسكوا بنكاح الكوافر، و سمى النكاح عصمة لأنها لغة المنع و المرأة بالنكاح ممنوعة من غير زوجها.

و على ذلك فالمراد بعصم الطاعة هم الأئمة عليهم السلام و القرآن إذ بهما يعتصم و يتمسك في الطاعات أما الأئمة عليهم السلام فلاستناد الطاعة و العبادة إليهم لأنهم عليهم السلام نشروا شرايع الأحكام و بموالاتهم علمنا الله معالم ديننا، و بموالاتهم تقبل الطاعة المفترضة كما ورد في فقرات الزيارة الجامعة و في رواية الكافي المتقدمة في شرح الفصل الخامس من الخطبة الثانية عن مروان بن مياح عن الصادق عليه السلام قال: و بعبادتنا عبد الله و لولا نحن ما عبد الله، و فى غير واحد من أخبارهم: بنا عرف الله و بنا عبد الله و سبحنا فسبحت الملائكة و هللنا فهللت الملائكة، و الحاصل أنهم أساس الدين و عماد اليقين و أما القرآن فلكونه مدرك التكاليف و الطاعات كما قال تعالى‏ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم‏ أى طريق الشريعة و الطاعة و لذلك أمر الله بالاعتصام به في قوله: و اعتصموا بحبل الله‏ أى بالقرآن استعير له الحبل لأن الاعتصام و التمسك به سبب النجاة من الردى كما أن التمسك بالحبل سبب النجاة من الردى.

و يحتمل أن يكون المراد بها أى بالعصمة الحفظ و الوقاية كما في قولهم عصمه الله من المكروه أى حفظه و وقاه، و عصمة الله للعبد منعه و حفظه له من المعصية و على ذلك فالمراد بعصم الطاعة الخواص الكامنة لها المانعة له من هلكات الدنيا و عقوبات الاخرة كما قال تعالى: و الذين آمنوا و عملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم و لنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون‏ و الاتيان بصيغة الجمع أعني عصما إما باعتبار تعدد أنواع الطاعة أو تعدد خواصها أو كثرة ما يعصم بها منها من أنواع العقوبات، فان كل طاعة فله عصمة من نوع مخصوص أو أنواع من العذاب، و بقبالها الذنب و المعصية، فان لكل ذنب أثرا خاصا في جلب نوع مخصوص أو أنواع من السخط كما اشير إلى ذلك في الدعاء اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم اللهم اغفر لي الذنوب التي تغير النعم، اللهم اغفر لى الذنوب التى تحبس الدعاء، اللهم اغفر لى الذنوب التى تنزل البلاء، اللهم اغفر لى الذنوب التى تقطع الرجاء، هذا.

و أنت بعد الخبرة بما حققناه فى شرح هذه الفقرة و سابقتيه تعرف أن ما قلناه أولى:مما قاله الشارح البحراني في شرح تلك الفقرات حيث قال: قوله عليه السلام ألا و ان الله- إلى قوله عصما- ترغيب للسامعين أن يكونوا من أهل الجنة و دعائم الحق و عصم الطاعة.

و مما قاله الشارح المعتزلي من أن دعائم الحق الأدلة الموصلة إليه المثبت له في القلوب و عصم الطاعة هى الادمان على فعلها و التمرن على الاتيان بها، لأن المرون على الفعل يكسب الفاعل ملكة تقتضى سهولته عليه.

و مما قاله بعض الشراح من أن المراد بعصم الطاعة العبادات التي توجب التوفيق من الله سبحانه و ترك المعاصى الموجبة لسلبه أو الملائكة العاصمة للعباد عن اتباع الشياطين انتهى، فافهم جيدا.

قوله عليه السلام‏ (و ان لكم عند كل طاعة عونا من الله) الظاهر أن المراد بالعون توفيق الله و لطفه المخصوص في حق المطيعين، فان الاتيان بالطاعات إنما هو بعونه و توفيقه كما أن المعاصى بخذلانه و سلب توفيقه كما اشير إلى ذلك في قوله تعالى‏ و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و اشير إليه أيضا فى أخبارهم عليهم السلام.

روى في البحار من توحيد الصدوق باسناده عن جابر الجعفى عن أبي جعفر عليه السلام‏ قال: سألته عن معنى لا حول و لا قوة إلا بالله، فقال عليه السلام: لا حول لنا عن معصية الله إلا بعون الله، و لا قوة لنا على طاعة الله إلا بتوفيق الله عز و جل.

و فيه من كنز الكراجكى قال الصادق عليه السلام: ما كل من نوى شيئا قدر عليه، و لا كل من قدر على شي‏ء وفق له، و لا كل من وفق لشي‏ء أصاب به فاذا اجتمعت النية و القدرة و التوفيق و الاصابة فهنا لك تمت السعادة.

و فيه أيضا من التوحيد عن الهاشمي قال: سألت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام عن قوله «و ما توفيقى إلا بالله» و قوله «إن ينصركم الله فلا غالب لكم و إن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده» فقال عليه السلام: إذا فعل العبد ما أمره الله عز و جل به من الطاعة كان فعله وفقا لأمر الله عز و جل و سمى العبد به موفقا، و إذا أراد العبد أن يدخل في شي‏ء من معاصى الله فحال الله تبارك و تعالى بينه و بين المعصية كان تركه لها بتوفيق الله تعالى، و متى خلى بينه و بين المعصية فلم يحل بينه و بينها حتي يرتكبها فقد خذله و لم ينصره و لم يوفقه.

فقد ظهر بما ذكرنا أن طاعة الله عز و جل لا يتمكن منها إلا بعونه و توفيقه لأن التوفيق عبارة عن أن يجمع بين جميع الأسباب التي يحتاج إليها في حصول الفعل، و لهذا لا يقال فيمن أعان غيره وفقه لأنه لا يقدر أن يجمع بين جميع الأسباب المحتاجة إليها في حصول الفعل و لانحصار التوفيق فيه تعالى جي‏ء بكلمة الحصر في قوله إياك نستعين أى نستوفق و نطلب المعونة على عبادتك و على امور ما كلها منك و ان غيرك «كذا» إذا لا يقدر عليه أحد سواك، و إذا حصل التوفيق و شمله اللطف و علم أن له في فعل العبادة الثواب العظيم زاد ذلك في نشاطه و رغبته، فيسهل للعبد حينئذ القيام بوظايف الطاعات لأنه يعين عليها و يقوى الأعضاء و الجوارح على الاتيان بها.

مجاز و لتقويته لها قال عليه السلام‏ (يقول على الألسنة) فاسند إليه القول توسعا لكونه ممدا له و لكونه سببا لتثبيت القلوب و اطمينانها قال عليه السلام‏ (و يثبت الأفئدة) فأسند التثبيت إليه مجازا لأنه في الحقيقة فعل الله سبحانه كما قال تعالى‏ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و قال‏ لنثبت به فؤادك‏.

و إلى هذا التثبيت و توضيحه اشير في قوله تعالى‏ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون‏.

روى في البحار من محاسن البرقي عن أبيه عن فضالة عن أبي بصير عن خثيمة بن عبد الرحمن الجعفى قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن القلب ينقلب من لدن موضعه إلى حنجرته ما لم يصب الحق فاذا أصاب الحق قر ثم ضم أصابعه و قرء هذه الاية: فمن يرد الله أن يهديه، الاية.

و فى البحار أيضا من التوحيد و العيون عن ابن عبدوس عن ابن قتيبة عن حمدان بن سليمان قال: سألت أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام عن قول الله عز و جل‏ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام‏ قال عليه السلام: من يرد الله أن يهديه بايمانه في الدنيا إلى جنته و دار كرامته في الاخرة يشرح صدره للتسليم بالله و الثقة به و السكون إلى ما وعده من ثوابه حتى يطمئن، و من يرد أن يضله عن جنته و دار كرامته في الاخرة لكفره به و عصيانه له في الدنيا يجعل صدره ضيقا حرجا حتى يشك في كفره و يضطرب من اعتقاده قلبه حتى يصير كأنما يصعد في السماء، كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون فقد علم بما ذكرنا كله أن لله سبحانه في حق عباده المطيعين المقربين الذين لا يشاءون الا أن يشاء الله و لا يريدون إلا ما أراد الله ألطافا خاصة و عناية مخصوصة يستولى على قلوبهم بلطفه، و يتصرف في جوارحهم بأمره ففى كل آن يحصل منه التوفيق و الافاضات على أرواحهم و التصرف في أبدانهم فيطمئن به قلوبهم و ينظرون بنور الله و يبطشون بقوة الله كما قال تعالى فيهم: فبى يسمع و بى يبصر و بى ينطق و بى يمشى و بى يبطش، و قال عز و جل: كنت سمعه و بصره و يده و رجله و لسانه.

(فيه كفاء لمكتف و شفاء لمشتف) يعنى في عون الله عز و جل غناء لمن استغنى،إذ مع عونه لا يبقى افتقار إلى غيره، و شفاء لمن استشفى لأنه تعالى الكافي الشافي لا كافي سواه كما قال‏ و من يتوكل على الله فهو حسبه‏ و لا شافي غيره كما قال‏ و إذا مرضت فهو يشفين‏ و لا يحصل الغنى و الشفاء إلا بعونه و حوله و قوته و لذلك أمر رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم باكثار الحوقلة عند الفقر و المرض.

كما رواه في الروضة من الكافي عن على بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم من ألح عليه الفقر فليكثر من قول لا حول و لا قوة الا بالله العلى العظيم.

و قال عليه السلام فقد النبى صلى الله عليه و آله و سلم رجلا من الأنصار، فقال: ما غيبك عنا؟، فقال:الفقر يا رسول الله و طول السقم فقال له رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: ألا أعلمك كلاما إذا قلته ذهب عنك الفقر و السقم؟ فقال: بلى يا رسول الله فقال: إذا أصبحت و أمسيت فقل لا حول و لا قوة إلا بالله توكلت على الحى الذى لا يموت و الحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة و لا ولدا و لم يكن له شريك في الملك و لم يكن له ولى من الذل و كبره تكبيرا، فقال الرجل: فو الله ما قلته إلا ثلاثة أيام حتى ذهب عنى الفقر و السقم.

ثم شرع في وصف عباد الله الكملين ترغيبا للمخاطبين إلى اقتفاء آثارهم و اقتباس أنوارهم و سلوك مسالكهم فقال عليه السلام:(و اعلموا أن عباد الله المستحفظين علمه) المستحفظين في أكثر النسخ بصيغة المفعول أى الذين طلب منهم الحفظ، و في بعضها بصيغة الفاعل أى الطالبين للحفظ.

و المراد بهم إما الأئمة عليهم السلام خصوصا أو هم مع خيار شيعتهم لاتصافهم جميعا بالاستحفاظ و بغيره من الأوصاف الاتية و إن كان اتصافهم بها آكد و أقوى لكونهم عليهم السلام حفظة لسره و خزنة لعلمه كما ورد في فقرات الزيارة الجامعة، و فيها أيضا و ائتمنكم على سره، و قد وصفهم عليه السلام بذلك في الفصل الرابع من الخطبة الثانية حيث قال: هم موضع سره و لجاء أمره و عيبة علمه‏، و قدمنا هنا لك مطالب نفيسة، و إلى ذلك الحفظ اشير فى قوله تعالى‏ و تعيها أذن واعية أى‏ تحفظها أذن من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظها بتذكرة و اشاعته و التفكر فيه و العمل بمقتضاه.

روى في الصافى من مجمع البيان عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنه قال لعلى عليه السلام: يا على إن الله تعالى أمرنى أن ادنيك و لا اقصيك و أن اعلمك و تعي و حق على الله أن تعي فنزل: «و تعيها اذن واعية».

و فيه منه و من العيون و الجوامع عنه صلى الله عليه و آله و سلم أنه لما نزلت هذه الاية قال صلى الله عليه و آله و سلم:سألت الله عز و جل أن يجعلها اذنك يا على.

و فى رواية لما نزلت قال: اللهم اجعلها اذن على، قال علي عليه السلام: فما سمعت شيئا من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فنسيته، و زاد في اخرى: و ما كان لى ان انسى و فى الكافى عن الصادق عليه السلام لما نزلت هذه الاية قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: هى أذنك يا على.

و بالجملة فالأئمة سلام الله عليهم خزنة علم الله أمرهم الله بحفظه كما أن خيار شيعتهم أوعية علومهم المتلقاة من الله عز و جل، و هم أيضا طلبوا منهم حفظها عن الضياع و النسيان.

(يصونون مصونه و يفجرون عيونه) أى يحفظون ما يجب حفظه لكونه من الأسرار التي لا يجوز اظهارها أصلا، فان حديثهم صعب مستصعب لا يحتمله ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا مؤمن امتحن الله قلبه للايمان على ما عرفت تحقيقه في شرح الفصل الرابع من الخطبة الثانية.

أو لا يجوز اظهارها إلا للأوحدى من شيعتهم الحافظين لها و إليه أشار على ابن الحسين عليهما السلام بقوله: لو علم أبو ذر ما فى قلب سلمان لقتله.

و يفجرون ينابيعه و يظهرون ما ليس من قبيل الأسرار بل من قبيل التكاليف و الأحكام و نحوها و يعلمونها غيرهم.

استعاره بالكنايه- استعاره تخييلية- استعاره ترشيحية [و يفجرون عيونه‏] و تشبيه العلم بالعين استعارة بالكناية و ذكر العيون تخييل و التفجير ترشيح الجامع أن في العلم حياة الأرواح كما أن في الماء حياة الأبدان، و إنما شبه‏

بماء العين بخصوصه لكونه زلالا صافيا و فيه من العذوبة و الصفاء ما ليس في ساير المياه، فكان أبلغ في التشبيه و قد وقع نظير ذلك التشبيه في قوله تعالى‏ إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين‏ يعنى إن غاب إمامكم فمن يأتيكم بعلم الامام كما فسربه في عدة روايات و لما أشار عليه السلام إلى كمال المستحفظين في الحكمة النظرية عقبه بالتنبيه على كمالهم في الحكمة العملية فقال:

(يتواصلون بالولاية) أى بالمحبة و النصرة أو القرب و الصداقة يعنى أن مواصلتهم عن وجه الصدق و الصفا و الود و الوفا، لا عن وجه النفاق كما هو الغالب في وصل أبناء الزمان، و يحتمل أن يكون المراد ب الولاية القرابة فيكون المراد بالجملة التواصل بالأرحام و صلة الرحم و الأول أظهر.

(و يتلاقون بالمحبة) هذه الجملة كالتفسير للجملة السابقة أى يكون ملاقاتهم عن حب كل منهم لصاحبه.

فقد قال أبو عبد الله في رواية الكافي عن صفوان الجمال عنه عليه السلام: ما التقى مؤمنان قط إلا كان أفضلهما أشد حبا لأخيه.

و فيه أيضا عن شعيب العقرقوفي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول لأصحابه:

اتقوا الله و كونوا اخوة بررة متحابين في الله متواصلين متراحمين تزاوروا و تلاقوا و تذاكروا أمرنا و أحيوه.

(و يتساقون بكأس روية) أى يسقى كل منهم للاخر بكأس‏ العلم و المعرفة التي بها رواء كل غليل.

أما الأئمة فلأن كلا منهم أخذ علمه عن الاخر حتى انتهى إلى أمير المؤمنين و أخذه عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و أخذه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عن الله بوحى أو إلهام.

و يشهد بذلك ما رواه في الكافي عن الحكم بن عتيبة قال لقى رجل الحسين بن على عليهما السلام بالثعلبية و هو يريد كربلا فدخل عليه فسلم فقال له الحسين عليه السلام:

من أى البلاد أنت؟ قال: من أهل الكوفة، قال عليه السلام: أما و الله يا أخا أهل الكوفة لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرئيل من دارنا و نزله بالوحى على جدى، يا أخا أهل الكوفة أ فمستقى الناس العلم من عندنا فعلموا و جهلنا؟ هذا ما لا يكون.

و فيه عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: نزل جبرئيل على محمد صلى الله عليه و آله و سلم برمانتين من الجنة فلقيه علي عليه السلام فقال: ما هاتان الرمانتان اللتان فى يدك؟

فقال: أما هذه فالنبوة ليس لك فيها نصيب، و أما هذه فالعلم، ثم فلقها رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بنصفين فأعطاه نصفها و أخذ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم نصفها ثم قال: أنت شريكى فيه و أنا شريكك فيه قال: فلم يعلم و الله رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم حرفا مما علمه الله عز و جل إلا و قد علمه عليا، ثم انتهى العلم إلينا، ثم وضع يده على صدره.

و فيه عن هشام بن سالم و حماد بن عثمان و غيره قالوا سمعنا أبا عبد الله عليه السلام يقول: حديثى حديث أبي، و حديث أبي حديث جدى، و حديث جدى حديث الحسين عليه السلام، و حديث الحسين عليه السلام حديث الحسن عليه السلام، و حديث الحسن عليه السلام حديث أمير المؤمنين صلوات الله و سلامه عليه، و حديث أمير المؤمنين عليه السلام حديث رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، و حديث رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قول الله عز و جل.

و أما أصحاب الأئمة عليهم السلام فلأنهم قد استقوا من منهل علومهم عليهم السلام و تعلموها منهم و علموها غيرهم بأمرهم عليهم السلام.

كما يشير إليه ما رواه في الكافي عن يزيد بن عبد الملك عن أبى عبد الله عليه السلام قال: تزاوروا فان في زيارتكم إحياء لقلوبكم و ذكرا لأحاديثنا تعطف بعضكم على بعض فان أخذتم بها رشدتم و نجوتم، و إن تركتموها ظللتم و هلكتم فخذوا بها و أنا بنجاتكم زعيم.

و فى الوسائل عن الكافي عن محمد بن حكيم قال: قلت لأبي الحسن موسى عليه السلام: فقهنا فى الدين و أغنانا الله بكم من الناس حتى أن الجماعة منا ليكون في المجلس ما يسأل رجل صاحبه إلا يحضره المسألة و يحضره جوابها فيما من الله علينا بكم.

فقد ظهر بذلك أن المستحفظين علم الله عز و جل من الأئمة عليهم السلام و أصحابهم‏ يأخذون العلوم الحقة و المعارف اليقينية من عين صافية و يستقون بكأس مروية (و يصدرون) عنها (برية) لا ظمأ بعدها.

و أما غيرهم فقد استقوا من سراب بقيعة يحسبه الظمان ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا و وجد الله عنده فوفاه حسابه و الله سريع الحساب.

(لا تشوبهم الريبة) يحتمل أن يكون المراد نفى الشك عنهم لشدة يقينهم و مزيد تقواهم و رسوخهم في الايمان.

قال الرضا عليه السلام فيما رواه في الكافي عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عنه عليه السلام:الايمان فوق الاسلام بدرجة، و التقوى فوق الايمان بدرجة، و اليقين فوق التقوى بدرجة، و لم يقسم بين العباد شي‏ء أقل من اليقين.

و يحتمل أن يكون المراد نفى التهمة و سوء الظن أى لا يتهم بعضهم بعضا لأنه اذا اتهم المؤمن أخاه انماث الايمان من قلبه كما ينماث الملح فى الماء، رواه في الكافي عن إبراهيم بن عمر اليمانى عن أبي عبد الله عليه السلام.

(و لا تسرع فيهم الغيبة) أى إذا أراد أحد غيبتهم فلا يتسرع غيبته إليهم كما يتسرع إلى غيرهم بطهارة نفوسهم من القبايح و المساوى الموجبة لسرعتها بما لهم من ملكة العصمة و العدالة (على ذلك) أى على ما ذكر من الأوصاف الكمالية (عقد) الله‏ (خلقهم و أخلاقهم) يعنى أن اتصافهم بتلك الكمالات ليس بتكلف، بل هي مقتضى سجيتهم و هم مجبولون عليها لأن طينتهم عليهم السلام من أعلا عليين و شيعتهم مخلوقة من فاضل طينتهم عجينة بنور ولايتهم.

كما قال الصادق عليه السلام: شيعتنا منا خلقوا من فاضل طينتنا و عجنوا بنور ولايتنا.

و فى الكافى باسناده عن أبي حمزة الثمالى قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول إن الله عز و جل خلقنا من أعلا عليين و خلق قلوب شيعتنا مما خلقنا منه و خلق أبدانهم من دون ذلك و قلوبهم تهوى إلينا لأنها خلقت مما خلقنا منه، ثم تلى هذه الاية كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين و ما أدراك ما عليون كتاب‏ مرقوم يشهده المقربون‏.

(فعليه) أى على ذلك العقد (يتحابون و به يتواصلون) لأن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف و ما تخالف منها اختلف كما في النبوى صلى الله عليه و آله و سلم.

فقد قيل: إن المراد به ان الأرواح خلقت مجتمعة على قسمين مؤتلفة و مختلفة كالجنود التي يقابل بعضها بعضا ثم فرقت في الأجساد، فإذا كان الايتلاف و المواخات أولا كان التعارف و التوالف بعد الاستقرار في البدن و إذا كان التناكر و التخالف هناك كان التنافر و التناكر هناك.

و لعله إلى ذلك ينظر ما رواه في الكافي عن حمزة بن محمد الطيار عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام قال: لم تتواخوا على هذا الأمر إنما تعارفتم عليه.

و مثله عن ابن مسكان و سماعة جميعا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لم تتواخوا على هذا الأمر و إنما تعارفتم عليه.

يعنى أن المواخاة على الولاية و الاخوة في الايمان كانت ثابتة بينكم في عالم الأرواح و لم تقع هذا اليوم و في هذه النشأة و إنما الواقع في هذه النشأة هو التعارف الكاشف عن مواخاة عالم الأرواح الناشي منه.

تشبيه المعقول بالمعقول- استعاره مرشحة- استعاره مجردة (فكانوا) في تفاضلهم على ساير الناس‏ (كتفاضل البذر) و هو أول ما يعزل من البذر للزراعة من الحبوب‏ (ينتقى) و يزكى‏ (فيؤخذ منه) الردى‏ (و يلقى) فلا يبقى منه إلا الجيد الخالص‏ (قد ميزه) الانتقاء و (التخليص و هذبه التمحيص) و التميز.

و محصله أن تفاضلهم‏ كتفاضل البذر المنتقى جيده و الملقى رديه، و هو من تشبيه المعقول بالمعقول، و تعقيبه بالانتقاء و الالقاء ترشيح لأنهما من خواص المسند به و بالتخليص و التمحيص‏ تجريد لكونهما من ملايمات المشبه، فهو من قبيل التشبيه المرشح المجرد، و قد مر توضيحه في ديباجة الشرح عند ذكر أقسام الاستعارات.

و قد وقع نظير هذا التشبيه في حديث أبي عبد الله عليه السلام المروى في البحار عن العياشى عن الوشا باسناد له يرسله إليه عليه السلام قال: و الله لتمحصن و الله لتميزن و الله لتغربلن حتى لا يبقى منكم إلا الأندر، قلت: و ما الأندر؟ قال: البيدر، و هو أن يدخل الرجل قبة الطعام يطين‏[1] عليه ثم يخرجه و قد تأكل بعضه و لا يزال ينقيه ثم يكن عليه ثم يخرجه حتى يفعل ذلك ثلاث مرات حتى يبقى ما لا يضره شي‏ء.

ثم أصل‏ التمحيص التخليص‏ و كثيرا ما يستعمل في التخليص الحاصل بالاختبار و الامتحان، قال تعالى‏ و ليبتلي الله ما في صدوركم و ليمحص ما في قلوبكم‏ أى ليمتحن الله ما في صدوركم و يظهر سرايرها من الاخلاص و النفاق فيجازى المخلص باخلاصه و المنافق بنفاقه لأن المجازات إنما هي بعد ظهور السراير و إلا فهو سبحانه عالم بالسرائر و الضماير قبل ظهورها كما هو عالم بها بعد ظهورها، و ليمحص أى و ليكشف و يميز ما في قلوبكم من الطيب و الخبيث.

و قال أيضا و ليعلم الله الذين آمنوا و يتخذ منكم شهداء و الله لا يحب الظالمين و ليمحص الله الذين آمنوا و يمحق الكافرين‏ أى و ليبتلى الله الذين آمنوا و ليخلصهم من الذنوب أو ينجيهم من الذنوب بالابتلاء و يهلك الكافرين بالذنوب عند الابتلاء.

و فى الكافي عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ويل لطغاة العرب من أمر قد اقترب، قلت: جعلت فداك كم مع القائم عليه السلام من العرب؟

قال: نفر يسير، قلت: و الله إن من يصف هذا الأمر منهم لكثير، قال عليه السلام لا بد للناس من أن يمحصوا و يميزوا و يغربلوا و يستخرج في الغربال خلق كثير.

و حاصل المرام أن المستحفظين علم الله قد امتازوا عن ساير الناس و تفاضلوا عليهم و خرجوا تام العيار من قالب الامتحان لكونهم المخلصين في توحيد الله‏ و التامين في محبة الله، و إخلاصهم العمل لله، هذا.

و لما فرغ من شرح حال المستحفظين فرع عليه قوله‏ (فليقبل امرء كرامة بقبولها) أى‏ ليقبل كرامة الله و إفضاله و عوائد موائده بقبول هذه المكارم و الصفات الجميلة، يعنى إذا كان المستحفظون متخلقين بهذه المكارم و الأخلاق الحسنة فليتقبلها المؤمن بقبول حسن و ليحتذى حذوهم حتى يدخل في زمرتهم و يفوز بالكرامة العظيمة و النعمة الدائمة المعدة في حق المخلصين المكرمين على ما بشر به في الكتاب الكريم في قوله‏ إنكم لذائقوا العذاب الأليم و ما تجزون إلا ما كنتم تعملون إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم فواكه و هم مكرمون في جنات النعيم على سرر متقابلين يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة الايات هذا و لما لم يمكن تحصيل المكارم و نيل هذه الكرامات إلا بالتجافي عن دار الغرور و الانابة إلى دار الخلود و الاستعداد للموت قبل حلول الفوت، عقبه بقوله:(و ليحذر قارعة) أى داهية الموت‏ (قبل حلولها و لينظر امرء في قصير أيامه و قليل مقامه في منزل) أى ليتفكر في أيامه القصيرة و إقامته القليلة في دار الدنيا (حتى) يتنبه من نوم الغفلة و (يستبدل به منزلا) غيره، و هى دار الخلود التي ليس لأيامه نفاد و لا لاقامته انقطاع‏ (فليصنع لمتحوله) أى ليصنع المعروف و يعمل بالصالحات لمحل انقلابه‏ (و معارف منتقله) أى معالم موضع انتقاله.

ثم رغب عليه السلام إلى متابعته و متابعة الطيبين من أولاده الأئمة الهداة عليه و عليهم السلام بقوله:(فطوبى لذى قلب سليم) من حب الدنيا و شوب الشرك و الريا و كدر المعاصى و هو الذى اشير إليه فى قوله تعالى‏ يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم‏ (أطاع من يهديه) من أئمة الهدى‏ (و تجنب من) يهلكه و (يرديه) من أئمة الضلال و الردى‏ (و أصاب سبيل السلامة) و هى الجادة الوسطى المحفوظة من رذيلتى الافراط و التفريط و الصراط المستقيم المؤدى إلى جنته و المبلغ إلى رضوانه‏

و رحمته‏ (بنصر من بصره) أى بعون امامه الحق الذى جعله بارشاده صاحب بصر و بصيرة فى سلوك سبيل السلامة (و طاعة هاد أمره) بالمعروف و نهاه عن المنكر فاهتدى بأمره إلى الجادة المستقيمة.

(و بادر الهدى قبل أن تغلق أبوابه) عليه‏ (و تقطع أسبابه) عنه بموته، فان الموت إذا حل ارتفع التكاليف المحصلة للسعادة و انسد أبواب الهداية.

(و استفتح) باب‏ (التوبة و أماط الحوبة) أى أزال الاثم و الخطية و نحاها عن لوح نفسه بممحاة استغفاره و توبته‏ (فقد اقيم على الطريق و هدى نهج السبيل) الواضح أى أقامكم الله على ذلك و هداكم الله بما نزل في كتابه على نبيه من محكمات آياته كما أفصح عنه بقوله‏ قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق و إلى طريق مستقيم‏ و قال‏ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم‏ فلم يبق بعد تلك الاقامة و الهداية معذرة للمذنب و لا عتبى للمستعتب.

تذييل‏

قال الشارح المعتزلي فى شرح قوله عليه السلام: لم يسهم فيه عاهر و لا ضرب فيه فاجر:في هذا الكلام رمز إلى جماعة من الصحابة في أنسابهم طعن كما يقال إن آل سعد بن أبي وقاص ليسوا من بنى زهرة بن كلاب و أنهم من بنى عذرة من قحطان، و كما قالوا: إن آل الزبير بن العوام من أرض مصر من القبط و ليسوا من بني اسد بن عبد العزى، و كما يقال في قوم آخرين نرفع هذا الكتاب عن ذكر ما يطعن فى أنسابهم كى لا يظن بنا أنا نحب القالة في الناس إلى أن قال:قال أبو عثمان يعنى الجاحظ: و بلغ عمر بن الخطاب أن اناسا من رواة الأشعار و حملة الاثار يعيبون الناس و يثلبونهم في أسلافهم، فقام على المنبر و قال: إياكم و ذكر العيوب و البحث عن الاصول فلو قلت لا يخرج اليوم من هذه الأبواب من لا وصمة فيه، لم يخرج منكم أحد، فقام رجل من قريش نكره أن نذكره فقال:إذا كنت أنا و أنت يا أمير المؤمنين نخرج، فقال: كذبت بل كان يقال لك: ياقين‏ ابن قين اقعد.

قال الشارح: قلت: الرجل الذى قام هو المهاجر بن خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومى كان عمر يبغضه لبغضه أباه خالدا، و لأن المهاجر كان علوى الرأى جدا و كان أخوه عبد الرحمن بخلافه شهد المهاجر صفين مع علي عليه السلام و شهدها عبد الرحمن مع معاوية و كان مهاجر مع علي عليه السلام يوم الجمل و فقئت ذلك اليوم عينه، و لا الكلام الذي بلغ عمر بلغه عن مهاجر، و كان الوليد بن المغيرة مع جلالته في قريش حدادا يصنع الدروع و غيرها بيده.

قال: و روى أبو الحسن المداينى هذا الخبر في كتاب امهات الخلفاء، و قال:إنه روى عند جعفر بن محمد عليه السلام بالمدينة، فقال عليه السلام: لا تلمه يا ابن أخي إنه أشفق أن يحدج بقضية نفيل بن عبد العزى و صهاك امة الزبير بن عبد المطلب، ثم قال عليه السلام: رحم الله عمر فانه لم يعد السنة و تلا «إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم» انتهى كلام الشارح.

اقول قول الصادق عليه السلام: إنه أشفق أن يحدج بقضية نفيل آه إشارة إلى ما قدمنا في شرح الفصل الثاني من الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية من نسب عمر تفصيلا و عرفت هناك أن نسبه الكثيف أنجس من جميع أنساب أولاد البغايا المدنسة بأنجاس الجاهلية لم يسبقه في ذلك سابق و لم يلحقه لاحق، و أقول هنا مضافا إلى ما سبق:روى الشيخ الكليني في كتاب الروضة من الكافي عن الحسين عن أحمد بن هلال عن زرعة عن سماعة قال:

تعرض رجل من ولد عمر بن الخطاب بجارية رجل عقيلي فقالت له: إن هذا العمري قد أذانى، فقال لها: عديه و ادخليه الدهليز، فأدخلته فشد عليه فقتله و ألقاه في الطريق فاجتمع البكريون و العمريون و العثمانيون و قالوا: ما لصاحبنا كفو أن يقتل به إلا جعفر بن محمد، و ما قتل صاحبنا غيره، و كان أبو عبد الله عليه السلام قد مضى نحو قبا، فلقيته بما اجتمع القوم عليه، فقال عليه السلام: دعهم، فلما جاء و رأوه‏

وثبوا عليه، و قالوا: ما قتل صاحبنا أحد غيرك و ما يقتل به أحد غيرك، فقال عليه السلام:ليكلمنى منكم جماعة فاعتزل قوم منهم فأخذ بأيديهم و أدخلهم المسجد، فخرجوا و هم يقولون: شيخنا أبو عبد الله جعفر بن محمد معاذ الله أن يكون مثله يفعل هذا و لا يأمر به انصرفوا.

قال: فمضيت معه فقلت: جعلت فداك ما كان أقرب رضاهم من سخطهم قال عليه السلام: نعم دعوتهم فقلت: أمسكوا و إلا أخرجت الصحيفة.

فقلت: و ما هذه الصحيفة جعلني الله فداك؟

فقال عليه السلام: إن ام الخطاب كانت أمة للزبير بن عبد المطلب، فسطر بها نفيل فأحبلها، فطلبه الزبير فخرج هاربا إلى الطايف، فخرج الزبير خلفه، فبصرت به ثقيف فقالوا: يا با عبد الله ما تعمل ههنا؟ قال: جاريتي سطر بها نفيلكم، فهرب منه إلى الشام، و خرج الزبير في تجارة له إلى الشام، فدخل على ملك الدومة فقال له: يا با عبد الله لي اليك حاجة، قال: و ما حاجتك أيها الملك؟ فقال:

رجل من أهلك قد أخذت ولده فاحب أن يرده عليه، قال: ليظهر لي حتى أعرفه، فلما أن كان من الغد دخل إلى الملك، فلما رآه الملك ضحك فقال: ما يضحكك أيها الملك؟ قال: ما أظن هذا الرجل ولدته عربية لما رآك قد دخلت لم يملك استه أن جعل يضرط، فقال أيها الملك إذا صرت إلى مكة قضيت حاجتك، فلما قدم الزبير تحمل‏ عليه ببطون قريش كلها أن يدفع اليه ابنه فأبي، ثم تحمل عليه بعبد المطلب فقال: ما بيني و بينه عمل أما علمتم ما فعل في ابني فلان، و لكن امضوا أنتم اليه فكلموه، فقصدوه و كلموه فقال: لهم: إن الشيطان له دولة و إن ابن هذا ابن الشيطان و لست آمن أن يترأس علينا، و لكن ادخلوه من باب المسجد على على أن أحمي له حديدة و أخط فى وجهه خطوطا و أكتب عليه و على ابنه أن لا يتصدر في مجلس و لا يتأمر على أولادنا و لا يضرب معنا بسهم، قال: ففعلوا و خط وجهه بالحديدة و كتب عليه الكتاب عندنا، فقلت لهم: إن أمسكتم و إلا أخرجت الكتاب ففيه فضيحتكم، فأمسكوا.

بيان‏

قول عبد المطلب: أما علمتم ما فعل في ابني فلان أراد به العباس و كني عنه الامام عليه السلام تقية من خلفاء العباسية.و هو إشارة إلى ما رواه في الروضة أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال:إن نثيلة كانت أمة لأم الزبير و أبي طالب و عبد الله فأخذها عبد المطلب فأولدها فلانا فقال له الزبير هذه الجارية ورثناها من امنا و ابنك هذا عبد لنا، فتحمل عليه ببطون قريش، قال: فقال: قد أجبتك على خلة على أن لا يتصدر ابنك هذا معنا في مجلس و لا يضرب معنا بسهم، فكتب عليه كتابا و أشهد عليه.

الترجمة

از جمله خطبه اى بلاغت نظام آن امام عليه السلام است مى ‏فرمايد:

شهادت مى ‏دهم بر اين كه بتحقيق خداوند تعالى عادلى است كه عدالت كرده در احكام و أفعال خود، و حاكمى است كه فصل فرموده ميان حق و باطل، و شهادت مى‏ دهم بر اين كه محمد صلى الله عليه و آله و سلم بنده او و فرستاده اوست و آقاى بندگان اوست، هر وقتى كه نقل كرد خلق را از أصلاب بأرحام و قسمت كرد ايشان را بدو فرقه، گردانيد آن بزرگوار را در بهترين آن دو فرقه، صاحب سهم نشد در نسب شريف آن زناكارى، و شريك و صاحب نصيب نگرديد در اصل آن فاسق فاجرى.

آگاه باشيد كه بتحقيق خداى تعالى قرار داده است از براى عمل خير كه طاعات و قرباتست اهل معينى، و از براى عقايد و أعمال حقه ستونها و پايهائى، و از براى عبادت و اطاعت حافظان و نگاه دارندگانى يا حفظهائى از مهالك دنيا و آخرت و بتحقيق كه شما راست نزد هر طاعتى معينى و ناصرى از جانب خدا كه مى‏گويد بزبانها و برقرار مى‏گرداند دلها را و در آن معين كفايت است از براى اكتفا كننده و شفاست از براى طالب شفا.

و بدانيد كه بتحقيق بندگان خدا كه از ايشان طلب حفظ علم او شده حفظ مي كنند آن علمى را كه لازم الحفظ و از قبيل اسرار است، و جارى مي كنند چشمهاى آن علمى را كه بايد بمردم اظهار نمود از قبيل تكاليف و احكام، وصلت مى‏ كنند ايشان با يكديگر با نصرت و يارى، و ملاقات ميكنند با آشتى و محبت، و سيراب مى‏ كنند يكديگر را با كاسه سيراب كننده علم و معرفت، و باز مى‏ گردند با سيرابى مخلوط نمى‏شود باعتقادات ايشان شك و شبهه، و نشتابد بسوى ايشان غيبت كنندگان بجهت طهارت نفوس ايشان، بر اين أوصاف بسته و عقد كرده است خداى تعالى خلقت و اخلاق ايشان را پس بالاى اين عقد خلقى و خلقتى با همديگر در مقام محابه مى‏باشند و بسبب آن در مقام وصالند، پس هستند ايشان در زيادتي مرتبه و تفاوت درجه نسبت بسايرين مثل زيادتى تخم نسبت ببقيه آن در حالتى كه امتياز داده است او را خالص گردانيدن و پاكيزه كرده او را تميز كردن.

پس بايد قبول نمايد مرد كرامت را بسبب قبول اين صفات، و بايد بپرهيزد از مرگ با شدت پيش از حلول آن، پس بايد نگاه كند مرد در كوتاهى روزگارش و كمى درنگش در منزلى تا آنكه بدل كند بان منزل منزل ديگر را، پس بايد كارى كند از براى مكان رجوع خود، و از براى علامات محل انتقال خود.

پس خوشحالى از براى صاحب قلب با سلامتى است كه اطاعت كرد كسى را كه هدايت كند او را، و بيگانگى كرد از كسى كه هلاك نمايد او را، و رسيده راه سلامت را بسبب نصرت و يارى كسى كه صاحب بصيرت كرد او را، و اطاعت هدايت كننده كه امر كرد او را و مبادرت نمود بهدايت پيش از آنى كه بسته شود درهاى آن، و بريده شود اسباب آن، و طلب نمود گشودن در توبه را، و ازاله نمود گناه را پس بتحقيق كه اقامه شد براه حق و هدايت شد بر راه راست‏

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 212 شرح میر حبیب الله خوئی

خطبه 213 صبحی صالح

213- و من خطبة له ( عليه‏ السلام  ) في تمجيد اللّه و تعظيمه‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ عَنْ شَبَهِ الْمَخْلُوقِينَ الْغَالِبِ لِمَقَالِ الْوَاصِفِينَ الظَّاهِرِ بِعَجَائِبِ تَدْبِيرِهِ لِلنَّاظِرِينَ وَ الْبَاطِنِ بِجَلَالِ عِزَّتِهِ عَنْ فِكْرِالْمُتَوَهِّمِينَ

الْعَالِمِ بِلَا اكْتِسَابٍ وَ لَا ازْدِيَادٍ وَ لَا عِلْمٍ مُسْتَفَادٍ الْمُقَدِّرِ لِجَمِيعِ الْأُمُورِ بِلَا رَوِيَّةٍ وَ لَا ضَمِيرٍالَّذِي لَا تَغْشَاهُ الظُّلَمُ وَ لَا يَسْتَضِي‏ءُ بِالْأَنْوَارِ وَ لَا يَرْهَقُهُ لَيْلٌ وَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ نَهَارٌ لَيْسَ إِدْرَاكُهُ بِالْإِبْصَارِ وَ لَا عِلْمُهُ بِالْإِخْبَارِ

و منها في ذكر النبي ( صلى ‏الله‏ عليه‏ وآله ‏وسلم  )

أَرْسَلَهُ بِالضِّيَاءِ وَ قَدَّمَهُ فِي الِاصْطِفَاءِ فَرَتَقَ بِهِ الْمَفَاتِقَ وَ سَاوَرَ بِهِ الْمُغَالِبَ وَ ذَلَّلَ بِهِ الصُّعُوبَةَ وَ سَهَّلَ بِهِ الْحُزُونَةَ حَتَّى سَرَّحَ الضَّلَالَ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمَالٍ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج14  

و من خطبة له عليه السلام و هى المأتان و الثانية عشر من المختار فى باب الخطب‏

الحمد لله العلي عن شبه المخلوقين، الغالب لمقال الواصفين، الظاهر بعجايب تدبيره للناظرين، و الباطن بجلال عزته عن فكر المتوهمين، العالم بلا اكتساب و لا ازدياد، و لا علم مستفاد، المقدر لجميع الأمور بلا روية و لا ضمير، الذي لا تغشاه الظلم، و لا يستضي‏ء بالأنوار، و لا يرهقه ليل و لا يجري عليه نهار، ليس إدراكه بالأبصار، و لا علمه بالأخبار. منها فى ذكر النبي صلى الله عليه و آله و سلم. أرسله بالضياء، و قدمه في الاصطفاء، فرتق به المفاتق، و ساور به المغالب، و ذلل به الصعوبة، و سهل به الحزونة، حتى سرح الضلال عن يمين و شمال.

اللغة

(الشبه) بالتحريك كالشبه و الشبيه بمعنى المثل و المشابه و شبهت الشي‏ء بالشى‏ء أقمته مقامه بصفة جامعة بينهما و أشبه الولد أباه و شابهه إذا شاركه فى صفة من الصفات و (رهق) الدين رهقا من باب تعب غشيه و رهقت الشي‏ء أدركته و (الاخبار) في أكثر النسخ بالكسر مصدر اخبر و في بعضها بالفتح جمع الخبر و كذلك الابصار.

و (رتقت) الفتن رتقا من باب قال سددته فارتتق و (فتق) الثوب شقه فانفتق و تفتق و الفنق أيضا شق عصا الجماعة و وقوع الحرب بينهم و مفتق الثوب محل شقه و يجمع على مفاتق كمقعد و مقاعد و (ساور) فلانا و اثبه سوارا و مساورة و ساوره اخذه براسه و الوثوب الظفر و (غلبه) غلبا و غلبا و غلبة و مغلبا قهره و المغلب وزان معظم المغلوب مرارا و المحكوم له بالغلبة ضد، و المغلنبي وزان مسلنقى الذى يغلبك و يعلوك و (الحزونة) ضد السهولة و الحزن ما غلظ من الأرض و السهل ما لان منها و (سرحت) المرأة تسريحا طلقتها قال تعالى‏ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان‏ أى تطليق.

الاعراب‏

الباء في قوله بالضياء للمصاحبة كما في دخلت عليه بثياب السفر، و في قوله: به للسببية، و قوله: عن يمين و شمال، ظرف لغو متعلق بسرح على تضمين معنى الطرد و الابعاد.

المعنى‏

اعلم أن هذه الخطبة الشريفة كما ذكره بعض الشراح و أشار إليه السيد «ره» مشتملة على فصلين:

الفصل الاول‏

في تمجيد الله‏ عز و جل و ثنائه بنعوت جلاله و جماله و أثنى عليه تعالى باعتبارات:

أولها قوله‏ (الحمد لله العلى عن شبه المخلوقين) أى المتعالى عن مشابهة مخلوقاته فلا يشابه شيئا منها، و لا يشابهه شي‏ء، فليس له شبه و شبيه و نظير.

و ذلك لما عرفت مرارا في تضاعيف الشرح لا سيما شرح الخطبة المأة و الخامسة و الثمانين و شرح الكلام المأتين و الثامن أن المخلوقات كلها محدودة بالحدود الاصطلاحية المركبة من الجنس و الفصل، و بالحدود اللغوية أى النهاية و الله سبحانه منزه عن الحد اصطلاحيا كان أو لغويا لاستلزام الأول للتركيب و الثاني للافتقار إلى محدد، و كل مركب و مفتقر ممكن، فالواجب تعالى لا يمكن أن يكون له مشابه و مشارك في ذاته و صفاته و أفعاله.

و الحاصل أن الواجب تعالى أجل و أعلى من أن يتصف بالصفات الامكانية، فيشابه المحدثات و يشاركهم في جهة من الجهات.

الثاني انه‏ (الغالب لمقال الواصفين) يعني أنه تعالى شأنه أجل من أن يقدر الواصفون على وصفه و بيان محامده، لعدم وقوف صفاته الكمالية و أوصافه الجمالية و الجلالية إلى حد معين حتى يحيط بها العقول و يصفه الألسنة كيف و قد اعترف سيد البشر صلى الله عليه و آله و سلم بالعجز عن ذلك، و قال: لا احصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، فأنى لغيره بذلك.

و هذه الفقرة مساوقة لقوله عليه السلام فى الخطبة الاولى: الحمد لله الذى لا يبلغ مدحته القائلون‏، فان المدح و الثناء و الوصف كلها بمعنى

‏لا يدرك الواصف المطرى محامده‏
و إن يكن سابقا فى كل ما وصفا

فحيث قصرت ألسنة الواصفين‏ و كلت عن تعداد صفاته الحميدة فهو كالغالب‏ على أقوالهم لعجزها عن البلوغ إلى مدى صفاته.

الثالث أنه‏ (الظاهر بعجايب تدبيره للناظرين) يعنى أنه تعالى‏ ظاهر للناظرين‏ و ليس ظهوره بذاته كما توهمه المجسمة و غيرهم من المجوزين للرؤية، بل باثار قدرته و اعلام عظمته و بدايع صنعه و عجايب تدبيره‏ و حكمته حسبما عرفته تفصيلا فى شرح الخطبة التاسعة و الأربعين و الخطبة الرابعة و الستين و غيرهما.

(و) الرابع أنه‏ (الباطن بجلال عزته عن فكر المتوهمين) يعني أنه محتجب عن الأوهام و العقول، و ليس احتجابه و اختفاؤه بصغر جسمه و حقارته أو

لطافة قوامه كالهواء و الروح و نحوهما، بل باعتبار جلاله و عزته و جبروته و عظمته حسبما عرفت في شرح الخطبتين المذكورتين و الحاصل أنه ظاهر باياته باطن بذاته.

قال الشارح البحراني: و إنما قال: فكر المتوهمين‏، لأن النفس الانسانية حال التفاتها إلى استلاحة الامور العلوية المجردة لا بد أن يستعين بالقوة المتخيلة بباعث الوهم في أن تصور تلك الامور بصور خيالية مناسبة لتشبيهها بها و تحطها إلى الخيال، و قد علمت أن الوهم إنما يدرك ما كان متعلقا بمحسوس أو متخيل من المحسوسات، فكل أمر يتصوره الانسان و هو في هذا العالم سواء كان ذات الله سبحانه أو غير ذلك فلا بد أن يكون مشوبا بصورة خيالية و معلقا بها، و هو تعالى منزه بجلال عزته عن تكيف تلك الفكر له و باطن عنها، انتهى.

و قد تقدم ما يوضح ذلك في شرح الفصل الثاني من الخطبة الاولى و شرح الخطبة المأة و الخامسة و الثمانين فليراجع هناك.

الخامس انه‏ (العالم بلا اكتساب و لا ازدياد و لا علم مستفاد) يعنى أنه عز و جل عالم بذاته و العلم ذاته و ليس علمه باكتساب له بعد الجهل، و لا بازدياد منه بعد النقص، و لا باستفادة و أخذ له عن غيره كما هو شأن علم المخلوقين، إذ لو كان كذلك لكان سبحانه متغيرا و ناقصا فى ذاته مستكملا بغيره و هو باطل.

السادس انه‏ (المقدر لجميع الامور بلا روية و لا ضمير) أى الموجد لمخلوقاته على وفق حكمته و قضائه كلا منها بقدر معلوم و مقدار معين من دون أن يكون ايجادها مستندا إلى الروية و الفكر، و لا إلى ما يضمر فى القلب من الصور كما يحتاج إليها ساير الصناع، لأنه سبحانه منزه من الضمير و القلب، و الروايات لا تليق إلا بذوى الضمائر حسبما عرفت تفصيلا فى شرح الفصل الأول من الخطبة المأة و السابعة.

السابع أنه‏ (الذى لا تغشاه الظلم و لا يستضي‏ء بالأنوار) أى لا يغطيه ظلام كما يغطى ساير الأجسام لكونه منزها عن الجسمية، و لا يستضي‏ء بالأنوار كما يستضي‏ء بها ذوات الابصار لكونه منزها من حاسة البصر و ساير الحواس، مضافا إلى أنه تعالى‏

نور السماوات و الأرض، و الجميع به يستضي‏ء فكيف يستضي‏ء بغيره و الا لزم أن يكون مفتقرا إلى غيره مستكملا به و هو باطل.

(و) الثامن انه‏ (لا يرهقه ليل و لا يجرى عليه نهار) يعنى لا يتعور عليه ليل و نهار لكونه منزها عن الزمان و الحركة فلو تعاورا عليه لتفاوتت ذاته و تغيرت صفاته و امتنع من الأزل معناه.

(و) التاسع انه‏ (ليس إدراكه بالابصار) لتنزهه من الاحتياج فى الادراك إلى الالات و المشاعر و الأدوات.

و العاشر ما أشار إليه بقوله‏ (و لا علمه بالأخبار) أى بأن يخبره غيره بشى‏ء فيحصل له العلم بذلك الشي‏ء بسبب هذا الخبر، لاستلزام ذلك للجهل أولا و الافتقار إلى حاسة السمع ثانيا، و النقص بالذات، و الاستكمال بالغير ثالثا، و هذا كله مناف لوجوب الوجود.

الفصل الثاني‏

(منها فى ذكر النبي صلى الله عليه و آله و سلم) قال عليه السلام‏ (أرسله بالضياء) الساطع و النور اللامع.

و المراد به إما نور الايمان، و به فسر قوله تعالى‏ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور أى ظلمات الكفر إلى نور الايمان‏ و الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات‏ و إما نور العلم يعنى النبوة الذى كان فى قلبه صلى الله عليه و آله و سلم، و به فسر المصباح فى قوله تعالى‏ مثل نوره كمشكاة فيها مصباح‏.

روى فى الصافى من التوحيد عن الصادق عليه السلام فى هذه الاية الله نور السماوات و الأرض‏ قال: كذلك عز و جل‏ مثل نوره‏ قال محمد صلى الله عليه و آله و سلم‏ كمشكاة قال صدر محمد صلى الله عليه و آله و سلم‏ فيها مصباح‏ قال فيه نور العلم يعنى النبوة الحديث.

و إما القرآن كما فى قوله تعالى‏ قد جاءكم من الله نور و كتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام و يخرجهم من الظلمات إلى النور فهو نور عقلى يهتدى به فى سلوك سبيل الجنان و يستضاء به فى الوصول إلى مقام الزلفى و الرضوان‏ (و قدمه فى الاصطفاء) أى‏ قدمه‏ على جميع خلقه فى أن اختاره منهم و فضله عليهم كما قال الشاعر:

لله فى عالمه صفوة و صفوة الخلق بنو هاشم‏
و صفوة الصفوة من هاشم‏ محمد الطهر أبو القاسم‏

و قد مضى أخبار لطيفة فى هذا المعنى فى شرح الخطبة الثالثة و التسعين فليراجع هناك.

و قوله‏ (فرتق به المفاتق) أى أصلح به المفاسد، و هو إشارة إلى ما كانت عليه أهل الجاهلية حين بعثه من سفك الدماء و قطع الأرحام و عبادة الأصنام و اجتراح الاثام قد استهوتهم الأهواء، و استزلتهم الكبرياء، و استخفتهم الجاهلية الجهلاء، تائهين حائرين فى زلزال من الأمر و بلاء من الجهل، فبالغ صلى الله عليه و آله و سلم فى نصحهم و موعظتهم و دعائهم بالحكمة و الموعظة الحسنة إلى سبيل ربهم، و جادلهم بالتى هى أحسن، فأصلح الله بوجوده الشريف ما فسد من امور دنياهم و آخرتهم، و رفع به ضغائن صدورهم، و هداهم به من الضلالة، و أنقذهم بمكانه من الجهالة مجاز (و ساور به المغالب) في إسناد المساورة إلى الله سبحانه توسع، و المراد تسليطه على المشركين و الكفار و المنافقين الذين كان لهم الغلبة على غيرهم كما قال عز من قائل‏ إن الذين يحادون الله و رسوله أولئك في الأذلين كتب الله لأغلبن أنا و رسلي إن الله قوي عزيز و قال‏ هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون*.

قال في مجمع البيان في تفسير الاية الأولى: روى أن المسلمين قالوا لما رأوا ما يفتح الله عليهم من القرى ليفتحن الله علينا الروم و فارس فقال المنافقون أ تظنون أن فارس و الروم كبعض القرى التى غلبتم عليها، فأنزل الله هذه الاية.

و قال في الاية الثانية في تفسير قوله «ليظهره على الدين كله» معناه‏ ليغلب دين الاسلام على جميع الأديان بالحجة و الغلبة و القهر لها حتى لا يبقى علي وجه الأرض دين إلا مغلوب.

(و ذلل به الصعوبة) صعوبة الجاهلية التي أشرنا إليها في شرح قوله: فرتق به المفاتق (و سهل به الحزونة) أى‏ حزونة طريق الحق و تسهيلها بالارشاد إلى معالمه و الهداية إليه.

استعاره‏ (حتى سرح الضلال عن يمين و شمال) غاية للجملات السابقة جميعا أو لخصوص الجملة الأخيرة أى إلى أن طرد و ابعد ظلمات الجهل و الضلال بميامين بعثته و أنوار هدايته عن يمين النفوس و شمالها.

قال الشارح البحراني: و هو إشارة إلى القائه رذيلتى التفريط و الافراط عن ظهور النفوس كتسريح جنبى الحمل عن ظهر الدابة، و هو من ألطف الاستعارات و أبلغها

الترجمة

حمد و ثنا خدائى راست كه برتر است از مشابهت مخلوقات، و غلبه كننده است مر گفتار وصف كنندگان كنه ذات و صفات- يعنى او غالب است بتوصيف هر واصفى و هيچكس قدرت وصف او ندارد- ظاهر است و هويدا با عجايب و غرايب تدبير خود از براى متفكران، و پنهانست بجهت جلال عظمت و شدت نور خود از فكر صاحبان و هم و عقل دانا و عالم است بدون حاجت بكسب علم از ديگرى و بدون احتياج بأفزون كردن علم و بدون علمى كه استفاده شود از خارج، مقدر است جميع امورات را بدون فكر و خطور خاطرى، چنان خدائى كه احاطه نمى ‏كند او را ظلمتها، و طلب روشنى نمى ‏كند بنورها، و درك نمى‏ كند او را شب، و جارى نمى ‏شود بر او روز، نيست ديدن او با ديدن بصر، و نه دانستن او بخبر دادن كسى ديگر.

از جمله فقرات اين خطبه در ذكر أوصاف پيغمبر صلى الله عليه و آله و سلم است مى ‏فرمايد:

فرستاد خداى تعالى او را با نور پر ظهور، و مقدم فرمود او را بجميع مخلوقات‏ در پسند كردن او، پس بست بوجود او گشادگيها را، و سد كرد شكافتگيها را، و شكست داد با قوت او اشخاصى را كه هميشه غلبه داشتند، و ذليل كرد بسبب او سركشى را، و هموار گردانيد با او ناهموار را تا اين كه بر طرف ساخت و دور نمود ضلالت را از راست و چپ طريق حق.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 211 شرح میر حبیب الله خوئی

خطبه 212 صبحی صالح

212- و من خطبة له ( عليه‏ السلام  ) كان يستنهض بها أصحابه إلى جهاد أهل الشام في زمانه‏

اللَّهُمَّ أَيُّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِكَ سَمِعَ مَقَالَتَنَا الْعَادِلَةَ غَيْرَ الْجَائِرَةِ وَ الْمُصْلِحَةَ غَيْرَ الْمُفْسِدَةِ فِي الدِّينِ وَ الدُّنْيَا فَأَبَى بَعْدَ سَمْعِهِ لَهَا إِلَّا النُّكُوصَ عَنْ نُصْرَتِكَ وَ الْإِبْطَاءَ عَنْ إِعْزَازِ دِينِكَ فَإِنَّا نَسْتَشْهِدُكَ عَلَيْهِ يَا أَكْبَرَ الشَّاهِدِينَ شَهَادَةً وَ نَسْتَشْهِدُ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَا أَسْكَنْتَهُ أَرْضَكَ وَ سمَاوَاتِكَ ثُمَّ أَنْتَ بَعْدُ الْمُغْنِي عَنْ نَصْرِهِ وَ الْآخِذُ لَهُ بِذَنْبِهِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج14  

و من خطبة له عليه السلام و هى المأتان و الحادية عشر من المختار فى باب الخطب‏

أللهم أيما عبد من عبادك سمع مقالتنا العادلة غير الجائرة، و المصلحة غير المفسدة، في الدين و الدنيا، فأبى بعد سمعه لها إلا النكوص عن نصرتك، و الإبطاء عن إعزاز دينك، فإنا نستشهدك عليه يا أكبر الشاهدين، و نستشهد عليه جميع من أسكنته أرضك و سماواتك، ثم أنت البعد المغني عن نصره و الاخذ له بذنبه.

اللغة

(المصلحة) بضم الميم اسم فاعل من باب الافعال و كذلك المفسدة و (نكص)عن الأمر نكصا و نكوصا تكاء كأ عنه و جبن و أحجم، و على عقبيه رجع عما كان عليه من خير قال الفيروز آبادى خاص بالرجوع عن الخير، و وهم الجوهرى في اطلاقه أو في الشر نادرا

الاعراب‏

ما في أيما زايدة للتاكيد، و غير منصوب على الحالية أو الوصفية، و قوله:في الدين، متعلق بالمصلحة، و قوله: إلا النكوص، استثناء مفرغ‏

المعنى‏

اعلم أن هذه الخطبة كما نبه عليه الشارح البحراني ملتقطة من خطبة كان يستنهض بها أصحابه إلى جهاد أهل الشام‏.

قال بعد تقاعد أكثرهم عن صوته مناديا لله عز و جل مجاز (اللهم أيما عبد من عبادك سمع مقالتنا العادلة) أي قولنا المتصف بالعدل، و في وصفه به توسع، و قال الشارح البحرانى العادلة المستقيمة التي هي طريق الله العايدة للناس إلى الرشاد في دينهم و دنياهم، و ما قلناه أولى.

و انما وصفه عليه السلام بالعدل، لأن استنهاضه إلى جهاد أهل الشام إنما كان من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مع فيه من الامتثال لنص قوله تعالى «فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفى‏ء إلى أمر الله» و قد كان عليه السلام متصفا بالعدل في جميع أقواله و أفعاله كما يشهد به قوله تعالى‏ و كذلك جعلناكم أمة وسطا أى أئمة عدلا على ما ورد في تفسير أهل البيت عليهم السلام و قوله تعالى‏ و ممن خلقنا أمة يهدون بالحق و به يعدلون‏.

روى في البحار عن العياشي عن حمران عن أبى جعفر عليه السلام فى هذه الاية قال عليه السلام: هم الأئمة عليهم السلام.

و فيه من الكافى عن الحسين بن محمد عن المعلى عن الوشا عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز و جل‏ و ممن خلقنا أمة الاية قال: هم الأئمة صلوات الله عليهم.

و يشهد به أيضا ما فى البحار من تفسير على بن إبراهيم فى قوله «ضرب الله‏ مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شي‏ء و هو كل على مولاه أينما يوجهه لا يات بخير هل يستوى هو و من يأمر بالعدل و هو على صراط مستقيم» قال عليه السلام كيف يستوى هذا و هذا الذى يأمر بالعدل يعنى أمير المؤمنين و الأئمة عليه و عليهم السلام، هذا احتراس و انما عقب بقوله‏ (غير الجائرة) إما تاكيدا أو من باب الاحتراس الذى تقدم فى ديباجة الشرح فى ضمن المحاسن البديعية، فانه لما وصف مقالته بالعدل و كان هنا مظنة أن يتوهم أن عدالتها إنما يتصور فى حق أهل الكوفة و أما فى حق أهل الشام فلا، لأن الاستنهاض إلى حربهم و سفك دمائهم جور فى حقهم و ظلم عليهم فكيف يكون عدلا، فدفع ذلك التوهم بقوله: غير الجائرة، تنبيها على أن محاربتهم من باب النهى عن المنكر و الردع لهم عن متابعة معاوية و منعهم عن الايتمام بالامام الباطل و ردعه عن ظلمه و طغيانه و دعويه الخلافة من غير استحقاق، و هذا فرض شرعا فلا يكون جورا بل عين العدل و اللطف، هذا.

مضافا إلى ما فيه من التعريض على معاوية حيث إن حضه لأهل الشام على حرب أهل الكوفة و حربه عليه السلام محض الجور و العدوان، لأنه من باب الأمر بالمنكر و النهى عن المعروف، و أى جور أعظم من ذلك.

أما فى حق أهل الشام فلأنه يدعوهم بذلك التحضيض إلى النار.

و أما فى حق أهل الكوفة فلردعهم عن الايتمام بالامام الحق و إرادة دفعه عن مقامه الذى يستحقه و ايهام أن الحق معه لمطالبته بدم عثمان المظلوم كما قال تعالى‏ و إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا و الله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أ تقولون على الله ما لا تعلمون‏.

روى فى البحار من كتاب الغيبة للنغمانى عن الكليني باسناده عن محمد بن منصور قال: سألته يعنى أبا عبد الله عليه السلام عن هذه الاية قال عليه السلام فهل رأيت أحدا زعم أن الله أمر بالزنا و شرب الخمر أو شي‏ء من هذه المحارم؟ قلت: لا، قال عليه السلام: فما هذه الفاحشة التي يدعون ان الله أمرهم بها؟ قلت: الله أعلم و وليه، قال عليه السلام: فان هذا فى أولياء أئمة الجور ادعوا أن الله أمرهم بالايتمام بهم فرد الله ذلك عليهم‏

و أخبرهم أنهم قالوا عليه الكذب و سمى ذلك منهم فاحشة و فيه من تفسير على بن إبراهيم بسنده عن طلحة بن زيد عن جعفر بن محمد عليهما السلام عن أبيه قال: الأئمة فى كتاب الله إمامان قال الله‏ و جعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لا بأمر الناس يقدمون أمر الله قبل أمرهم و حكم الله قبل حكمهم، قال: «و جعلناهم أئمة يدعون إلى النار» يقدمون أمرهم قبل أمر الله و حكمهم قبل حكم الله، و يأخذون بأهوائهم خلافا لما فى كتاب الله.

و الحاصل انه عليه السلام بمقتضى ملكة العصمة التي فيه إنما يأمر بالعدل و الاحسان و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغى تبعا لأمر الله، لأنه و الأئمة من صلبه عليهم السلام محال مشية الله و ما يشاءون إلا أن يشاء الله و هم بأمره يعملون.

و قوله عليه السلام‏ (و المصلحة غير المفسدة فى الدين و الدنيا) أى فيها صلاح حال السامعين فى الدارين و انتظام امورهم فى النشأتين.

أما فى الاخرة فلأن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه و هو لباس التقوى و درع الله الحصينة و جنته الوثيقة، حسبما عرفته فى الخطبة السابعة و العشرين، ففى نهوضهم إلى قتال القاسطين عقيب استنهاضه عليه السلام امتثال لأمر الله، إعزاز الدين الله، تحصيل لرضوان الله تعالى شأنه، و فى تقاعدهم عنه سخط عظيم و عذاب أليم.

و أما فى الدنيا فلأن مبارزة الأقران من عادة الأبطال و الشجعان و المنع من الذمار من آثار الفتوة و شعار المروة و المجاهد فى سبيل الله ينتظر من الله إحدى الحسنيين إما الظفر و الغنيمة أو الشهادة الموجبة للذكر الجميل و الثناء الباقى، و النكوص عن الجهاد محصل للخذلان معقب للهوان و عار فى الأعقاب و نار يوم الحساب، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل و شمله البلاء و ديث بالصغار و القماء هذا و تعقيب‏ المصلحة بغير المفسدة إما من باب التأكيد أيضا أو تعريضا على الطرف المقابل أعنى معاوية اللعين الذى كان يستنهضهم إلى حربه، فان نظر ذلك اللعين فى جميع مقالاته و كلماته لم يكن إلا إلى شق عصا الاسلام و إفساد حال المسلمين و هدم‏

أركان الدين، و لذلك قال: عليه الصلاة و السلام فى الخطبة الثانية و التسعين: ألا إن أخوف الفتن عندى عليكم فتنة بنى امية فانها فتنة عمياء مظلمة، إلى آخر ما مر هناك.

و قوله عليه الصلاة و السلام‏ (فأبى بعد سمعه لها إلا النكوص عن نصرتك و الابطاء عن اعزاز دينك) لا يخفى ما فى هذا الكلام من بديع البيان و حسن التقرير و عجيب التعبير، حيث لم يقل‏ فأبى بعد سمعه لها عن قبولها أو اجابتها، بل عدل عنه إلى قوله: إلا النكوص‏ آه للطافة معناه و بعد غوره و غزارة فحواه.

و ذلك لأن في التعبير بهذه من التنبيه على عظيم خطاء الممتنعين المتقاعدين عن قبول أمره عليه السلام و مزيد تقصيرهم و كبير ذنبهم ما لا يخفى على الفطن الخبير بمحسنات البيان.

أما أولا فلما مر من أن‏ النكوص‏ مخصوص بالرجوع عن الخير أو نادر الاستعمال في الرجوع عن الشر و على التقديرين ففيه دلالة على أنهم بتقاعدهم قد فوتوا على أنفسهم الخير الكثير الذى كان لهم عاجلا و آجلا.

و أما ثانيا فإن في قوله: عن نصرتك‏ دلالة على أنهم بقتال القاسطين ناصرون لله سبحانه كما أنهم بترك القتال ناكصون عن نصرته، و الله سبحانه يقول‏ إن تنصروا الله ينصركم و يثبت أقدامكم‏ و قال‏ و لينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز فلم يكن استنصاره من ضعف و ذل بل استنصرهم و له جنود السماوات و الأرض ليبلوهم أيهم أحسن عملا و ليعلم الله من ينصره و رسله بالغيب فيستوجب بالقتال ثواب الامتثال.

ثم في اضافة النصرة إلى كاف الخطاب إشارة إلى أن نصرته عليه السلام هو نصرة الله، لأن إطاعة الرسول و إطاعة ولي الأمر هو إطاعة الله، لكونهم مبلغين عن الله و الامر و الناهى فى الحقيقة هو الله، و لذلك قرن الله طاعتهم بطاعته فى قوله: أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم‏ بل جعل طاعتهم عين طاعته فى قوله‏ من يطع الرسول فقد أطاع الله و من تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا.

روى فى الصافى عن العياشى عن الباقر عليه السلام قال: ذروة الأمر و سنامه و مفتاحه‏ و باب الأشياء و رضى الرحمن الطاعة للامام بعد معرفته، ثم قال: إن الله تبارك و تعالى يقول‏ من يطع الرسول فقد أطاع الله‏.

فان استشهاد الامام عليه السلام لوجوب طاعة الامام بالاية مفيد لكون طاعته طاعة الرسول كما أن طاعته طاعة الله.

و أما ثالثا فان قوله: و الابطاء عن إعزاز دينك‏ تقريع شديد على المتقاعدين لافادته انهم بتقاعدهم مذلون للدين مضيعون لمسالك الشرع المبين، فقد ظهر بما ذكرنا كله أن فى قوله عليه الصلاة و السلام تحذيرا عظيما للمتقاعدين.

و اكد ذلك الغرض بقوله عليه السلام‏ (فانا نستشهدك عليه) حيث خالف أمرك و ترك نصرتك و أهان دينك‏ (يا أكبر الشاهدين) الذى لا يعزب عنه شي‏ء فى السماء و الأرض و هو على كل شي‏ء شهيد.

(و نستشهد عليه جميع من أسكنته أرضك و سماواتك) من الملائكة و الانس و الجن ليشهدوا يوم الدين بأنى ما قصرت و لا فرطت فى تبليغ أمرك إلى المتخاذلين و لكنهم تولوا عنه معرضين‏ (ثم أنت البعد) أى بعد تلك الشهادة (المغنى) لنا (عن نصره) إذ بيدك جنود السماوات و الأرض و أنت لما تشاء قدير و فى هذه الفقرة تعظيم لرب العالمين و استحقار للمتخاذلين‏ (و الاخذ له بذنبه) و فيه تحذير عظيم لهم و تهديد شديد من سخطه و عقابه لكونه عز و جل شديد العقاب و أشد بأسا و أشد تنكيلا، لا يعجزه من طلب، و لا يفوته من هرب، نعوذ بالله من سخطه و غضبه.

الترجمة

از جمله خطب شريفه آن امام أنام عليه السلام است كه گفته.

بار الها هر كدام بنده از بندگان تو كه شنيد گفتار با عدالت ما را كه ظلم كننده نيست و گفتار اصلاح كننده ما را كه افساد كننده نيست در دين و دنيا، پس امتناع كرد بعد از شنيدن او مر آنرا مگر از برگشتن از يارى تو، و تأخير نمودن از اعزاز دين تو، پس بدرستى كه ما شاهد مى ‏گيريم تو را بر آن شخص أى بزرگترين شاهدها و شاهد مى ‏گيريم تو را و جميع كسانى را كه ساكن فرموده ايشان را در زمين خود و آسمانهاى خود، پس تو بعد از آن شهادت غنى كننده از يارى او، و مؤاخذه كننده او را بگناه و معصيت او، و الله الهادي.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 210 شرح میر حبیب الله خوئی

خطبه 211 صبحی صالح

211- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) في عجيب صنعة الكون‏

وَ كَانَ مِنِ اقْتِدَارِ جَبَرُوتِهِ وَ بَدِيعِ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ أَنْ جَعَلَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ الزَّاخِرِ الْمُتَرَاكِمِ الْمُتَقَاصِفِ يَبَساً جَامِداً

ثُمَّ فَطَرَ مِنْهُ أَطْبَاقاً فَفَتَقَهَا سَبْعَ سَمَاوَاتٍ بَعْدَ ارْتِتَاقِهَا فَاسْتَمْسَكَتْ بِأَمْرِهِ وَ قَامَتْ عَلَى حَدِّهِ

وَ أَرْسَى أَرْضاً يَحْمِلُهَا الْأَخْضَرُ الْمُثْعَنْجِرُ وَ الْقَمْقَامُ الْمُسَخَّرُ قَدْ ذَلَّ لِأَمْرِهِ وَ أَذْعَنَ لِهَيْبَتِهِ وَ وَقَفَ الْجَارِي مِنْهُ لِخَشْيَتِهِ

وَ جَبَلَ جَلَامِيدَهَا وَ نُشُوزَ مُتُونِهَا وَ أَطْوَادِهَا فَأَرْسَاهَا فِي مَرَاسِيهَا وَ أَلْزَمَهَا قَرَارَاتِهَا فَمَضَتْ رُءُوسُهَا فِي الْهَوَاءِ وَ رَسَتْ أُصُولُهَا فِي الْمَاءِ

فَأَنْهَدَ جِبَالَهَا عَنْ سُهُولِهَا وَ أَسَاخَ قَوَاعِدَهَا فِي مُتُونِ أَقْطَارِهَا وَ مَوَاضِعِ أَنْصَابِهَا فَأَشْهَقَ قِلَالَهَا وَ أَطَالَ أَنْشَازَهَا وَ جَعَلَهَا لِلْأَرْضِ عِمَاداً وَ أَرَّزَهَا فِيهَا أَوْتَاداً

فَسَكَنَتْ عَلَى حَرَكَتِهَا مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا أَوْ تَسِيخَ بِحِمْلِهَا أَوْ تَزُولَ عَنْ مَوَاضِعِهَا

فَسُبْحَانَ مَنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ مَوَجَانِ‏ مِيَاهِهَا وَ أَجْمَدَهَا بَعْدَ رُطُوبَةِ أَكْنَافِهَا فَجَعَلَهَا لِخَلْقِهِ مِهَاداً وَ بَسَطَهَا لَهُمْ فِرَاشاً فَوْقَ بَحْرٍ لُجِّيٍّ رَاكِدٍ لَا يَجْرِي وَ قَائِمٍ لَا يَسْرِي

تُكَرْكِرُهُ الرِّيَاحُ الْعَوَاصِفُ وَ تَمْخُضُهُ الْغَمَامُ الذَّوَارِفُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى‏

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج14  

و من خطبة له عليه السلام و هى المأتان و العاشرة من المختار فى باب الخطب‏

و كان من اقتدار جبروته، و بديع لطايف صنعته، أن جعل من ماء البحر الزاخر المتراكم المتقاصف يبسا جامدا، ثم فطر منه أطباقا، ففتقها سبع سماوات بعد ارتتاقها، فاستمسكت بأمره، و قامت على حده، يحملها الأخضر المثعنجر، و القمقام المسخر، قد ذل لأمره، و أذعن لهيبته، و وقف الجاري منه لخشيته، و جبل جلاميدها، و نشوز متونها و أطوادها، فأرسيها في مراسيها، و ألزمها قرارتها، فمضت رءوسها في الهواء، و رست أصولها في الماء، فأنهد جبالها عن سهولها، و أساخ قواعدها في متون أقطارها، و مواضع أنصابها، فأشهق قلالها، و أطال أنشازها، و جعلها للأرض عمادا، و أرزها فيها أوتادا، فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها، أو تسيخ بحملها،

أو تزول عن مواضعها. فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها، و أجمدها بعد رطوبة أكنافها، فجعلها لخلقه مهادا، و بسطها لهم فراشا، فوق بحر لجي راكد لا يجري، و قائم لا يسري، تكركره الرياح العواصف، و تمخضه الغمام الذوارف «إن في ذلك لعبرة لمن يخشى».

اللغة

(الجبروت) و زان ملكوت فعلوت من الجبر و هو القهر و الغلبة، و الجبار من جملة الأسماء الحسنى قال الصدوق: معناه القاهر الذى لا ينال، و له التجبر و الجبروت أى التعظم و العظمة و يقال للنخلة التي لا تنال: جبارة و (زخر) البحر كمنع امتد أمواجه و ارتفع و (قصف) الرعد اشتد صوته و تقاصف البحر تزاحم أمواجه.

و (اليبس) قال الشارح المعتزلي بالتحريك المكان يكون رطبا ثم يبس و منه قوله تعالى‏ فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا و اليبس بالسكون اليابس خلقة يقال حطب يبس هكذا يقول أهل اللغة و فيه كلام لأن الحطب ليس يابسا خلقة بل كان رطبا من قبل. فالأصوب أن يقال: لا تكون هذه اللفظة محركة إلا في المكان خاصة، انتهى و قال الفيومى: شي‏ء يبس ساكن الباء بمعنى يابس، و حطب يبس كأنه خلقة و مكان يبس إذا كان فيه ماء فذهب، و قال الفارابى: مكان يبس و يبس و كذلك غير المكان.

و (الأطباق) جمع طبق كأسباب و سبب و هو غطاء كل شي‏ء، و الطبق من كل شي‏ء ما ساواه و (المثعنجر) بصيغة الفاعل كما في النسخ السائل من ماء أو دمع‏ و بفتح الجيم وسط البحر و ليس في البحر ماء يشبهه، هكذا قال الفيروز آبادي، و قال الجزرى في حديث على عليه السلام يحملها الأخضر المثعنجر، هو أكثر موضع في البحر ماء و الميم و النون زايدتان و منه حديث ابن عباس فاذا علمى بالقرآن فى علم على عليه السلام كالقرارة في المثعنجر، و القرارة الغدير الصغير.

و (القمقام) بالفتح كما في النسخ و قد يضم البحر و (المسخر) فى بعض النسخ بالخاء المعجمة و في بعضها بالجيم من سجر النهر ملأه و تسجير الماء تفجيره و (الجلمد) بالفتح الجلمود بالضم الحجر العظيم الصلب و (النشوز) جمع النشز بالفتح المكان المرتفع و (المتن) ما صلب من الأرض و ارتفع و (الطود) بالفتح الجبل أو العظيم منه و (القرارة) موضع القرار و في بعض النسخ قراراتها بصيغة الجمع.

و (رست) أى ثبتت و في بعض النسخ رسبت يقال رسب في الماء كنصر و كرم رسوبا ذهب سفلا و (نهد) ثدى الجارية كمنع و نصر أى كعب و ارتفع و (السهل) من الأرض ضد الحزن و (الأنصاب) جمع النصب بالفتح و يحرك و هو العلم المنصوب و بالضم و بضمتين كل ما جعل علما و كل ما عبد من دون الله و (القلال) بالكسر جمع قلة بالضم و هى أعلى الجبل و (العماد) بالكسر الخشبة التي يقوم عليها البيت و الأبنية الرفيعة العالية و (أرز) يأرز بتقديم المهملة كنصر و ضرب و علم أى ثبت، و أرز بتشديد المعجمة أى أثبت، و في أكثر النسخ بالتخفيف و فتح العين و في بعضها بالتشديد قال في النهاية في كلام على عليه السلام أرزها فيها أوتادا أى أثبتها إن كانت الزاى مخففة، فهى من أرزت الشجرة تأرز إذا أثبت في الأرض، و إن كانت مشددة فهى من أرزت الجرادة إذا أدخلت ذنبها في الأرض لتلقى فيها بيضها، و رززت الشي‏ء في الأرض رزا أثبته فيها و حينئذ تكون الهمزة زايدة، انتهى.

قيل: و روى آرزها بالمد من قولهم شجرة آرزة أى ثابتة في الأرض و (موجان مياهها) صيغة فعلان بالتحريك في المصدر تدل على الاضطراب كالميدان و النزوان‏ و الخفقان، و قد قال عليه السلام في الخطبة الاولى: و وتد بالصخور ميدان أرضه و (المهاد) بالكسر الفراش و الموضع يهيئ للصبى و يوطاء، و (الفراش) البساط و (اللجة) بالضم معظم البحر و (الكركرة) تصريف الرياح السحاب إذا جمعته بعد تفرق و أضله تكرره من التكرر و كركرته عنى أى دفعته و رددته و (مخض) اللبن يمخضه من باب نصر و ضرب و منع استخرج زبده بصب الماء فيه و تحريكه و (الغمام) جمع الغمامة كالسحاب و السحابة لفظا و معنا أو خصوص البيضاء منها و (ذرف عينه) أى سال دمعها و ذرفت العين دمعها أى أسال يتعدى و لا يتعدى‏

الاعراب‏

أطوادها بالنصب عطف على جلاميدها و في بعض النسخ بالجر عطفا على متونها، و أوتادا حال من مفعول أرزها، و على في قوله على حركتها، للاستعلاء المجازى و في بعض النسخ عن حركتها بدل على فهى بمعنى بعد كما في قوله تعالى‏ عما قليل ليصبحن نادمين‏ و الباء في قوله بأهلها بمعنى مع و كذلك في قوله بحملها، و قال الشارح المعتزلي هى للتعدية و الأول أشبه‏

المعنى‏

اعلم أن هذه الخطبة الشريفة مسوقة لاظهار عظمة الله تعالى و كمال قدرته و جلاله و جبروته في خلق السماوات و الأرض و الجبال، و قد مضى فصل و اف في هذا المعنى منه عليه السلام في الفصل الثالث و الثامن من المختار الأول، و في الفصل الرابع و السادس من المختار التسعين، و قال عليه السلام هنا:(و كان من اقتدار جبروته) أى من قدرة عظمته و تجبره و جباريته أى قهاريته و غلابيته، و نسبة الاقتدار إلى‏ جبروته‏ تعالى إما تعظيما و تفخيما كما يقال إذا صدر أمر من السلطان أمر الباب العالى أو الحضرة الشريفة بكذا، أو تنبيها على أنه عز و جل الأعظم المطلق حيث خلق هذه الأجرام القوية العظيمة السماوية و الأرضية (و) نسبته إلى‏ (بديع لطايف صنعته) ملاحظة لما أودع فيها من عجايب الصنع‏ و لطايف التدبير التي يعجز عن إدراك أقل قليلها عقول البشر، ففيه تنبيه على كمال لطفه و تدبيره و حكمته و محصل مراده أنه تعالى كان قدرته و لطفه منشئا (أن جعل) أى خلق‏ (من ماء البحر) و في بعض النسخ اليم بدله و هو بمعناه‏ (الزاخر) المرتفع الممتلى الممتد جدا (المتراكم المتقاصف) أى الذى اجتمع بعضه فوق بعض و تزاحمت أمواجه و اشتد صوته الهايل من كثرة الأمواج‏ (يبسا جامدا) أراد به الأرض، فانه سبحانه خلقها من زبد الماء حسبما عرفته تفصيلا في التذييل الثاني من شرح الفصل الثامن من الخطبة الاولى.

(ثم فطر منه) أى خلق من الماء أى من بخاره و دخانه حسبما عرفته أيضا في شرح الفصل المذكور (أطباقا) أى طبقا بعد «فوق» طبق تلميح‏ (ففتقها سبع سماوات بعد ارتتاقها) يريد أنها كانت طبقات منفصلة في الحقيقة متصلة في الصورة بعضها فوق بعض ففتقها و فرفها و باعد بعضها عن بعض فحصل سبع سماوات متميزات بينها أمكنة الملائكة بعد ما كانت ملتزفة متصلة.

و فيه تلميح إلى قوله تعالى‏ أ و لم ير الذين كفروا أن السماوات و الأرض كانتا رتقا ففتقناهما و جعلنا من الماء كل شي‏ء حي أ فلا يؤمنون‏ قال مجاهد و السدي في تفسير الاية كانت السماوات مرتتقة مطبقة ففتقناها سبع سماوات و كانت الأرض كذلك ففتقناها سبع أرضين و قيل في تفسيرها وجوه اخر تقدمت في شرح الخطبة الأولى و كلامه عليه السلام مؤيد لهذا الوجه.

(فاستمسكت بأمره) أي احتبست و اعتصمت و قامت بأمر الله سبحانه و الغرض عدم تفرقها كأن بعضها معتصم ببعض‏ (و قامت على حده) أى وقفت‏ على‏ ما حد لها من المكان و المقدار و الهيئة و الشكل و الأقطار و النهايات، و لم تجاوز عن حدودها المعينة و الضمير في‏ حده‏ راجع إلى الله سبحانه.

(يحملها الأخضر المثعنجر) أي يحمل الأرض المستفادة من اليبس ماء البحر السائل، و وصف الماء بالخضرة من عادة العرب و التعبير عن البحر بالأخضر لأنه بصفة لون السماء فيري أخضر (و القمقام المسخر) أي البحر الذى سخره الله تعالى أي ذلله‏

لحملها كما أشار إليه بقوله‏ (قد ذل) و انقاد (لأمره) عز و جل‏ (و أذعن) و خضع‏ (لهيبته) و جلاله‏ (و وقف الجارى منه لخشيته) أى وقف السائل بالطبع فوقوفه عدم جريانه طبعا بارادته سبحانه أو السائل منه قبل إرادته.

(و جبل جلاميدها) أى خلق سبحانه صخور الأرض الصلبة العظيمة (و نشوز متونها و أطوادها) أى مرتفعات صلبتها و جبالها (فأرساها في مراسيها) أى أثبت هذه الجلاميد و الأطواد في مواضعها المعينة التي اقتضت الحكمة الالهية إثباتها فيها (و ألزمها قرارتها) أى أمسكها حيث استقرت‏ (فمضت رؤوسها في الهواء و رست) أى رسبت و ثبتت‏ (اصولها في الماء) الذى بين أجزاء الأرض‏ (فانهد جبالها عن سهولها) أى رفع جبال الأرض و أعلاها عن أراضيها المطمئنة (و أساخ قواعدها في متون أقطارها) أى غيب قواعد الجبال في جوانب أقطار الأرض‏ (و) في‏ (مواضع انصابها) و أعلامها (فاشهق قلالها و أطال انشازها) أى جعل قلالها مرتفعة عالية و اطالة الأنشاز مؤكدة لها كما قال تعالى‏ و جعلنا فيها رواسي شامخات‏.

(و جعلها) أى الجبال‏ (للأرض عمادا) قيل المراد جعلها مواضع رفيعة في‏ الأرض‏ و الظاهر أن المراد به ما أوضحه بقوله‏ (و أرزها فيها أوتادا) أى أثبتها في الأرض حال كونها بمنزلة الوتد لها تمنعها من الحركة و الاضطراب كالسفينة إذا القى فيها جسم ثقيل.

(فسكنت على حركتها) التى هى من شأنها لكونها محمولة على سائل متموج أو على أثر حركتها يتموج الماء (من أن تميد) و تضطرب‏ (بأهلها) كما قال تعالى‏ و ألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم* و قال‏ و جعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم‏ أى لئلا تميد أو كراهة أن تميد قيل: إن الأرض كانت تميد و ترجف رجوف السقف بالوطي‏ء فثقلها بالجبال الرواسي ليمنع من رجوفها، و قد تقدم في شرح الفصل الثالث من الخطبة الاولى بيان الاختلاف في كيفية كون الجبال سببا لسكون الأرض فليراجع ثمة.

و من جملة الوجوه التي قيل في ذلك: إن المراد بالأرض‏ قطعاتها و بقاعها لا مجموع كرة الأرض، و يكون الجبال أوتادا لها أنها مانعة لها عن الميدان و الاضطراب بالزلزلة و نحوها إما لحركة البخارات المختنقة في داخلها بإذن الله تعالى أو لغير ذلك من الأسباب التي يعلمها مبدعها و منشئها، قال المحدث العلامة المجلسى قدس سره: و هذا وجه قريب يؤيده ما سيأتي في باب الزلزلة من حديث ذى القرنين.

و قوله‏ (أو تسيخ بحملها) أى تغوص في الماء مع ما عليها (أو تزول عن مواضعها) قال الشارح المعتزلي:فان قلت: ما الفرق بين الثلاثة تميد بأهلها أو تسيخ بحملها أو تزول عن مواضعها؟

قلت: لأنها لو تحركت لكانت إما على مركزها أولا على مركزها، و الأول هو المراد بقوله‏ تميد بأهلها، و الثاني ينقسم إلى أن تنزل إلى تحت أو لا تنزل إلى تحت، فالنزول إلى تحت هو المراد بقوله‏ أو تسيخ بحملها، و الثاني هو المراد بقوله‏ أو تزول عن مواضعها.

و قال المحدث العلامة المجلسي: و يحتمل أن يراد بقوله عليه السلام: تميد بأهلها تحركها و اضطرابها بدون الغوص في الماء كما يكون عند الزلزلة، و بسوخها بحملها حركتها على وجه يغوص أهلها في الماء سواء كانت على المركز أم لا فتكون الباء للتعدية، و بزوالها عن مواضعها خراب قطعاتها بالرياح و السيول أو بتفرق القطعات و انفصال بعضها عن بعض، فان الجبال كالعروق السارية فيها تضبطها عن التفرق، و يؤيده ايراد المواضع بلفظ الجمع، هذا.

و لما نبه عليه السلام على كمال اقتداره تعالى و جلاله و عظمته في خلق الأرض و الجبال مضافا إلى خلق السماء أردفه بتنزيهه على ذلك و قال:

(فسبحان من أمسكها) أى الأرض بقدرته‏ (بعد موجان مياهها) قال في البحار: لعل المراد بهذا الموجان‏ ما كان غامرا للأرض أو أكثرها و امساكها بخلق الجبال التي تقدم في الكلام‏ (و أجمدها بعد رطوبة اكنافها) أى جوانبها لميدانها

قبل خلق الجبال و قول الشارح البحراني: بأنه اشارة إلى أن أصلها من زبد الماء ليس بشي‏ء.

و قوله عليه السلام‏ (فجعلها لخلقه مهادا) كقوله تعالى في سورة النبأ أ لم نجعل الأرض مهادا أى وطاء و قرارا و مهياء للتصرف فيه من غير أذية، و في سورة طه‏ الذي جعل لكم الأرض مهدا و سلك لكم فيها سبلا و في سورة الزخرف‏ الذي جعل لكم الأرض مهدا و جعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون‏ أى كالمهد تتمهدونها و قوله عليه السلام‏ (و بسطها لهم فراشا) كقوله عز و جل في سورة البقرة الذي جعل لكم الأرض فراشا و السماء بناء و في سورة نوح‏ جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا قال بعض المفسرين: الفراش اسم لما يفرش كالبساط لما يبسط و ليس من ضرورات الافتراش أن يكون مسطحا مستويا كالفراش على ما ظن، فسواء كانت كذلك أو على شكل الكرة فالافتراش غير مستنكر و لا مدفوع لعظم جرمها و تباعد أطرافها و لكنه لا يتم الافتراش عليها ما لم تكن ساكنة في حيزها الطبيعي و هو وسط الأفلاك لأن الأثقال بالطبع تميل إلى تحت كما أن الخفاف بالطبع تميل إلى فوق و الفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء و التحت ما يلي المركز، فكما أنه يستبعد حركة الأرض فيما يلينا إلى جهة السماء فكذلك يستبعد هبوطها فى مقابل ذلك، لأن ذلك الهبوط صعود أيضا إلى السماء، فاذا لا حاجة فى سكون الأرض و قرارها فى حيزها إلى علاقة من فوقها، و لا إلى دعامة من تحتها، بل يكفى فى ذلك ما أعطاها خالقها و ركز فيها من الميل الطبيعى إلى الوسط الحقيقى بقدرته و اختياره.

و قوله عليه السلام‏ (فوق بحر لجى) كثير الماء (راكد لا يجرى) اى ساكن‏ لا يجرى‏ إلى أحد الجوانب‏ (و قائم) أى ثابت‏ (لا يسرى) عن مكانه و ذلك لملازمة مركزه على حذو ما عرفت آنفا فى بيان فراشية الأرض‏ (تكركره) أى تردده و تكرره‏ (الرياح العواصف) الشديدة (و تمخضه الغمام الذوارف) أى تحركه السحاب المواطر و ذلك لأن الحر إذا وقع فيه المطر يرتج و يتمخض و يضطرب كثيرا لتحريك‏

انضباب المطر بكثرة و قوة له و لما ذكر عليه السلام عظيم قدرته عز و جل فى خلق السماء و الأرض و الجبال و الماء اتبعه بقوله عليه السلام‏ (ان فى ذلك لعبرة لمن يخشى) أى فيما قدمناه من آثار القدرة و دلائل الجبروت و العظمة اعتبار لمن خشى‏ ربه، و إنما خصه به لأجل أن عدم الخشية يوجب عدم المبالات بالعبر و الالتفات إليها، و المراد بمن يخشى‏ العلماء بمقتضى الحصر الوارد فى قوله تعالى‏ إنما يخشى الله من عباده العلماء و تخصيص الخشية بهم لأن شرطها معرفة المخشى و العلم بصفاته و أفعاله و قدرته و قهره فمن كان أعلم به كان أخشى منه، اللهم ارزقنا هذه المرتبة.

الترجمة

از جمله خطب شريفه آن حضرتست در اشاره بعجايب قدرت مى‏ فرمايد:

و هست از قدرت و توانائى سلطنت آفريدگار و عجايب صنعتهاى لطيفه او اين كه خلق فرمود از آب درياى بسيار موج زننده بر هم نشسته پر صدا زمين خشك بى رطوبت را، پس از آن خلق فرمود از بخار آن آب طبقاتى بر روى هم چيده، پس جدا ساخت آن طبقات را هفت آسمان بعد از جمع بودن و يكجا بودن آنها، پس بايستادند بفرمان او وقايم شدند باندازه مقرره او در حالتى كه بر مى‏ دارد آن زمين را آب كبود سيلان كننده، و درياى مسخر شده در تحت قدرت در حالتى كه ذليل بود از براى امر او، و منقاد بود به هيبت و جلال او، و ايستاد و ساكن گشت جارى از آن آب از ترس حكم او، و خلق فرمود سنگهاى زمين را و بلند پستهاى آنرا، و كوههاى آنرا پس برقرار گردانيد آنها را در قرارگاههاى آنها، و لازم گردانيد آنها را در جاى ثبات آنها پس گذر كرد سرهاى آنها در هوا، و فرو رفت بيخهاى آنها در آب دريا پس بلند گردانيد كوههاى زمين را از هموارى زمين، و فرو برد اساس آنها را در پشتهاى اطراف آن و در مواضع علامتهاى آن، پس بلند كرد سرهاى كوهها را، و دراز گردانيد بلند شدن از زمين آنها را، و گردانيد آن كوهها را از براى زمين ستون، و فرو گرفت آنها را در زمين در حالتى كه ميخهاى زمين بودند، پس ساكن شد زمين از حركت خود از اين كه بلرزاند أهل خود را، يا اين كه فرو برد حمل خود را، يا اين كه زايل گردد از مواضع خود.

پس تنزيه مي كنم تنزيه كردنى كسى را كه نگاه داشت زمين را بعد از موج زدن آبهاى آن، و خشك گردانيد آنرا بعد از تر بودن اطراف آن، پس گردانيد آن را از براى مخلوقات خود آرام گاه و گسترانيد آنرا از براى ايشان فرش و بساط بالاى درياى بزرگ انبوه ساكن غير جارى و قائم غير سارى در حالتى كه بر گرداند و بهم مى‏زند آنها دريا را بادهاى تند وزنده و حركت مى دهد آنرا ابرهاى ريزنده، بتحقيق كه در اين دلائل قدرت و عظمت عبرتيست از براى كسى كه بترسد از خدا.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 209 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 210 صبحی صالح

210- و من كلام له ( عليه‏ السلام  ) و قد سأله سائل عن أحاديث البدع و عما في أيدي الناس من اختلاف الخبر فقال ( عليه‏ السلام  )

إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقّاً وَ بَاطِلًا وَ صِدْقاً وَ كَذِباً وَ نَاسِخاً وَ مَنْسُوخاً وَ عَامّاً وَ خَاصّاً وَ مُحْكَماً وَ مُتَشَابِهاً وَ حِفْظاً وَ وَهْماً وَ لَقَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ( صلى ‏الله ‏عليه‏ وآله‏ وسلم  )عَلَى عَهْدِهِ حَتَّى قَامَ خَطِيباً فَقَالَ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِوَ إِنَّمَا أَتَاكَ بِالْحَدِيثِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ لَيْسَ لَهُمْ خَامِسٌ

المنافقون‏

رَجُلٌ مُنَافِقٌ مُظْهِرٌ لِلْإِيمَانِ مُتَصَنِّعٌ بِالْإِسْلَامِ لَا يَتَأَثَّمُ وَ لَايَتَحَرَّجُ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ( صلى ‏الله ‏عليه‏ وآله‏ وسلم  )مُتَعَمِّداً فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ كَاذِبٌ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَ لَمْ يُصَدِّقُوا قَوْلَهُ وَ لَكِنَّهُمْ قَالُوا صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى ‏الله ‏عليه‏ وآله‏ وسلم  )رَآهُ وَ سَمِعَ مِنْهُ وَ لَقِفَ عَنْهُ فَيَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ وَ قَدْ أَخْبَرَكَ اللَّهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَكَ وَ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ وَ الدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ بِالزُّورِ وَ الْبُهْتَانِ فَوَلَّوْهُمُ الْأَعْمَالَ وَ جَعَلُوهُمْ حُكَّاماً عَلَى رِقَابِ النَّاسِ فَأَكَلُوا بِهِمُ الدُّنْيَا وَ إِنَّمَا النَّاسُ مَعَ الْمُلُوكِ وَ الدُّنْيَا إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ فَهَذَا أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ

الخاطئون‏

وَ رَجُلٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ شَيْئاً لَمْ يَحْفَظْهُ عَلَى وَجْهِهِ فَوَهِمَ فِيهِ وَ لَمْ يَتَعَمَّدْ كَذِباً فَهُوَ فِي يَدَيْهِ وَ يَرْوِيهِ وَ يَعْمَلُ بِهِ وَ يَقُولُ أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى ‏الله‏ عليه‏ وآله‏ وسلم  )فَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ وَهِمَ فِيهِ لَمْ يَقْبَلُوهُ مِنْهُ وَ لَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَرَفَضَهُ

اهل الشبهة

وَ رَجُلٌ ثَالِثٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى ‏الله‏ عليه‏ وآله‏ وسلم  )شَيْئاً يَأْمُرُ بِهِ ثُمَّ إِنَّهُ نَهَى عَنْهُ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ أَوْ سَمِعَهُ يَنْهَى عَنْ‏ شَيْ‏ءٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ فَحَفِظَ الْمَنْسُوخَ وَ لَمْ يَحْفَظِ النَّاسِخَ فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ وَ لَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ إِذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ

الصادقون الحافظون‏

وَ آخَرُ رَابِعٌ لَمْ يَكْذِبْ عَلَى اللَّهِ وَ لَا عَلَى رَسُولِهِ مُبْغِضٌ لِلْكَذِبِ خَوْفاً مِنَ اللَّهِ وَ تَعْظِيماً لِرَسُولِ اللَّهِ ( صلى‏الله‏عليه‏وآله‏وسلم  )وَ لَمْ يَهِمْ بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ فَجَاءَ بِهِ عَلَى مَا سَمِعَهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ فَهُوَ حَفِظَ النَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ وَ حَفِظَ الْمَنْسُوخَ فَجَنَّبَ عَنْهُ وَ عَرَفَ الْخَاصَّ وَ الْعَامَّ وَ الْمُحْكَمَ وَ الْمُتَشَابِهَ فَوَضَعَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ مَوْضِعَهُ وَ قَدْ كَانَ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى ‏الله‏ عليه‏ وآله‏ وسلم  )الْكَلَامُ لَهُ وَجْهَانِ فَكَلَامٌ خَاصٌّ وَ كَلَامٌ عَامٌّ فَيَسْمَعُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَا عَنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ وَ لَا مَا عَنَى رَسُولُ اللَّهِ ( صلى ‏الله‏ عليه‏ وآله‏ وسلم  )فَيَحْمِلُهُ السَّامِعُ وَ يُوَجِّهُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِمَعْنَاهُ وَ مَا قُصِدَ بِهِ وَ مَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ وَ لَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى ‏الله‏ عليه‏ وآله‏ وسلم  )مَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ وَ يَسْتَفْهِمُهُ حَتَّى إِنْ كَانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجِي‏ءَ الْأَعْرَابِيُّ وَ الطَّارِئُ فَيَسْأَلَهُ ( عليه‏السلام  )حَتَّى‏ يَسْمَعُوا وَ كَانَ لَا يَمُرُّ بِي مِنْ ذَلِكَ شَيْ‏ءٌ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ وَ حَفِظْتُهُ فَهَذِهِ وُجُوهُ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي اخْتِلَافِهِمْ وَ عِلَلِهِمْ فِي رِوَايَاتِهِمْ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج14  

و من كلام له عليه السلام و هو المأتان و التاسع من المختار فى باب الخطب‏

و رواه غير واحد من أصحابنا بطرق مختلفة مع بسط و اختلاف كثير حسبما تطلع عليه في التكملة الاتية إنشاء الله.

قال السيد رحمه الله: و قد سأله سائل عن أحاديث البدع و عما في أيدى الناس من اختلاف الخبر فقال عليه السلام:

إن في أيدى الناس حقا و باطلا، و صدقا و كذبا، و ناسخا و منسوخا، و عاما و خاصا، و محكما و متشابها، و حفظا و وهما، و لقد كذب على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم على عهده حتى قام خطيبا فقال: من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.

و إنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس:

رجل منافق مظهر للإيمان متصنع بالإسلام لا يتأثم و لا يتحرج، يكذب على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم متعمدا فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه و لم يصدقوا قوله و لكنهم قالوا صاحب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم راه و سمع منه و لقف عنه فيأخذون بقوله و قد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك، و وصفهم بما وصفهم به لك، ثم بقوا بعده عليه و آله السلام فتقربوا إلى أئمة الضلالة و الدعاة إلى النار بالزور و البهتان، فولوهم الأعمال و جعلوهم حكاما على رقاب الناس، و أكلوا بهم الدنيا و إنما الناس مع الملوك و الدنيا إلا من عصم الله فهو أحد الأربعة.

و رجل سمع من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم شيئا لم يحفظه على وجهه، فوهم فيه، و لم يتعمد كذبا فهو في يديه و يرويه و يعمل به و يقول أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوه منه، و لو علم هو أنه كذلك لرفضه. و رجل ثالث سمع من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم شيئا يأمر به ثم نهى عنه و هو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شي‏ء ثم أمر به و هو لا يعلم، فحفظ المنسوخ و لم يحفظ الناسخ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه، و لو علم‏ المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه. و آخر رابع لم يكذب على الله و لا على رسوله، مبغض للكذب خوفا من الله و تعظيما لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، و لم يهم بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به على سمعه لم يزد فيه و لم ينقص منه، فحفظ الناسخ فعمل به، و حفظ المنسوخ فجنب عنه، و عرف الخاص و العام، فوضع كل شي‏ء موضعه و عرف المتشابه و محكمه. و قد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم الكلام له وجهان: فكلام خاص، و كلام عام، فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله به، و لا ما عنى به رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، فيحمله السامع و يوجهه على غير معرفة بمعناه و ما قصد به و ما خرج من أجله، و ليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم من كان يسئله و يستفهمه، حتى أن كانوا ليحبون أن يجي‏ء الأعرابي أو الطارئ فيسئله عليه السلام حتى يسمعوا، و كان لا يمر بي عن ذلك شي‏ء إلا سئلت عنه و حفظته، فهذا وجوه ما عليه الناس في اختلافهم و عللهم في رواياتهم.

اللغة

(الوهم) من خطرات القلب أو مرجوح طرفي المتردد فيه، و الجمع أوهام و وهم في الحساب كوجل غلط، و وهمت في الشي‏ء من باب وعد أى ذهب و همى إليه و وقع في خلدى و روي و هما بالفتح و السكون كليهما و (بوأه) منزلا و في‏ منزل أنزله فيه، و بوأته دارا اسكنته إياها و تبوء بيتا اتخذه مسكنا و (التصنع) تكلف حسن السمت و التزين و (التأثم) و (التحرج) مجانبة الاثم و الحرج أى الضيق يقال تحرج أى فعل فعلا جانب به الحرج كما يقال تحنث إذا فعل ما يخرج به عن الحنث، قال ابن الاعرابي: للعرب أفعال تخالف معانيها ألفاظها قالوا: تحرج و تحنث و تأثم و تهجد إذا ترك الهجود.

و (لقفه) لقفا من باب سمع و لقفانا بالتحريك تناوله بسرعة قال تعالى:

تلقف ما يأفكون، و (عصمه الله) من المكروه من باب ضرب حفظه و وقاه و (جنبه) و اجتنبه و تجنبه و جانبه و تجانبه بعد عنه، و جنبه إياه أبعده عنه و (طرء) فلان علينا بالهمز يطرأ أى جاء بغتة من بلد آخر فهو طارئ بالهمز.

الاعراب‏

قوله: خطيبا حال من فاعل قام، و قوله: صاحب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بالرفع خبر محذوف المبتدأ أى هو أو هذا صاحب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، و جملة رآه تحتمل الحال و الوصف، و جملة و يرويه عطف على جملة هو في يديه، و فى بعض النسخ بدون الواو فتكون حالا من الضمير في يديه أو استينافيا بيانيا.

و قوله و قد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم الكلام له وجهان: اسم كان ضمير الشأن المستتر و يكون تامة مستغنية عن الخبر، و هى مع اسمها أعنى الكلام خبر كان و له وجهان نعت للكلام، لأنه فى حكم النكرة و يجوز أن يكون حالا منه لأنه في معنى الفاعل، و يحتمل أن يجعل يكون ناقصة فهو حينئذ خبر له و ليس بنعت، و قوله: فكلام خاص آه، الفاء عاطفة للتفريع على قوله: له وجهان.

المعنى‏

اعلم أن هذا الكلام‏ الشريف حسبما أشار اليه السيد (قد) تكلم به حين‏ (سأله سائل) و هو سليم بن قيس الهلالي حسبما تعرفه في التكملة الاتية إنشاء الله تعالى و له كتاب مشهور بين أصحابنا.

قال المحدث العلامة المجلسي ره في ديباجة البحار: و قد طعن في كتابه‏ جماعة و الحق أنه من الاصول المعتبرة.

و قال العلامة في الخلاصة: سليم بن قيس الهلالي بضم السين روى الكشي أحاديث يشهد بشكره و صحة كتابه إلى أن قال: و قال السيد علي بن أحمد العقيقي كان سليم بن قيس من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام طلبه الحجاج ليقتله فهرب واوى إلى أبان بن أبي عياش، فلما حضرته الوفاة قال لأبان: إن لك علي حقا و قد حضرنى الموت يا ابن أخي إنه كان من الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم كيت و كيت، و أعطاه كتابا فلم يروعن سليم بن قيس أحد سوى أبان و ذكر أبان فى حديثه قال: كان شيخا متعبدا له نور يعلوه و قال ابن الغضايرى: سليم بن قيس الهلالى العامرى روى عن أمير المؤمنين و الحسن و الحسين و على بن الحسين عليهم السلام قال العلامة فى آخر كلامه، و الوجه عندى الحكم بتعديل المشار اليه و التوقف فى الفاسد من كتابه انتهى.

و كيف كان‏ فقد سأله‏ عليه السلام سليم بن قيس‏ (عن أحاديث البدع) أى الأحاديث المبتدعة الموضوعة أو المربوطة بالبدعات و الامور المحدثة التى لا أصل لها في الشريعة كما يشعر به ما رواه جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال فى خطبة:

إن أحسن الحديث كتاب الله، و خير الهدى هدى محمد، و شر الامور محدثاتها و كل محدثة بدعة، و كل بدعة ضلالة.

و قوله‏ (و عما فى أيدى الناس من اختلاف الخبر) أراد به الأخبار المختلفة المخالفة لما عندهم عليهم السلام‏ (فقال عليه السلام) فى جواب السائل:

(ان فى أيدى الناس حقا و باطلا و صدقا و كذبا) ذكر الصدق و الكذب بعد الحق و الباطل من قبيل ذكر الخاص بعد العام، لأن الأخيرين من خواص الخبر و الأولان يصدقان على الأفعال أيضا، و قيل: الحق و الباطل هنا من خواص الرأى و الاعتقاد و الصدق و الكذب من خواص النقل و الرواية (و ناسخا و منسوخا و عاما و خاصا و محكما و متشابها) و قد مضى بيان معانى هذه الستة جميعا و تحقيق الكلام فيها فى شرح الفصل السابع عشر من الخطبة الاولى فليراجع هناك‏

(و حفظا و وهما) أى حديثا محفوظا من الزيادة و النقصان مصونا عن الخلل و الغلط حفظه راويه على ما سمعه، و حديثا غير محفوظ من ذلك لسهو الراوى أو غلطه و عدم حفظه له على وجهه.

(و لقد كذب) اى افترى‏ (على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم على عهده) أى فى زمانه.

قال الشارح البحرانى: و ذلك نحو ما روى أن رجلا سرق رداء رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم‏ و خرج إلى قوم و قال: هذا رداء محمد صلى الله عليه و آله و سلم أعطانيه لتمكنونى من تلك المرأة، و استنكروا ذلك، فبعثوا من سأل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم عن ذلك، فقام الرجل الكاذب فشرب ماء فلدغته حية فمات، و كان النبى صلى الله عليه و آله و سلم حين سمع بتلك الحال قال لعلي عليه السلام: خذ السيف و انطلق فان وجدته و قد كفيت فأحرقه بالنار، فجاء عليه السلام و أمر باحراقه.

(حتى) لما سمع صلى الله عليه و آله و سلم ذلك الخبر و غيره مما كذبوا عليه‏ (قام خطيبا فقال) أيها الناس قد كثرت على الكذابة ف (من كذب على متعمدا فليتبوء مقعده من النار) أى لينزل منزله‏ من النار، و هو إنشاء فى معنى الخبر كقوله تعالى: «قل من كان فى الضلالة فليمدد له الرحمن مدا».

و هذا الحديث النبوى صلى الله عليه و آله و سلم مما رواه الكل و ادعى تواتره و استدل به على وجود الأخبار الكاذبة ردا على من أنكر وجودها أو استبعدها، و قد حكى أن علم الهدى تناظر مع علماء العامة و بين لهم أن الأخبار التي رووها فى فضايل مشايخهم كلها موضوعة، فقالوا: من يقدر أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، فقال لهم: قد ورد فى الرواية عنه صلى الله عليه و آله و سلم أنه قال فى حياته: ستكثر على الكذابة بعد موتى فمن كذب على متعمدا فليتبوء مقعده من النار، فهذا الحديث إما صدق أو كذب و على التقديرين يحصل المطلوب.

ثم شرع عليه السلام فى بيان وجه اختلاف الأخبار فقال‏ (و انما أتاك بالحديث أربعة رجال لا خامس لهم) قال الشارح البحرانى: و وجه الحصر فى الأقسام‏ الأربعة أن الناقل للحديث عنه صلى الله عليه و آله و سلم المتسمين بالاسلام إما منافق أولا، و الثاني إما أن‏

يكون قد وهم فيه أولا، و الثاني إما أن لا يكون قد عرف ما يتعلق به من شرايط الرواية أو يكون.

فأشار عليه السلام إلى القسم الأول بقوله‏ (رجل منافق مظهر للايمان) بلسانه منكر له بقلبه‏ (متصنع بالاسلام) أى متكلف بادابه و لوازمه و مراسمه ظاهرا من غير أن يعتقد به باطنا يعنى أنه ليس مسلما فى نفس الأمر و إنما تسمى‏ بالاسلام‏ لتدليس الناس‏ (لا يتأثم و لا يتحرج) أى لا يكف نفسه عن موجب الاثم و لا يتجنب عن الوقوع فى الضيق و الحرج، أولا يعد نفسه آثما بالكذب بل‏ (يكذب على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم متعمدا) لغرضه الدنيوى و داعية هواه النفساني‏ (فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه) حديثه كما قبلوه‏ (و لم يصدقوا قوله) كما صدقوه‏ (و لكنهم) اشتبهوا و (قالوا) هذا (صاحب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم رآه و سمع منه و لقف) أى تنال الحديث‏ (عنه فيأخذون بقوله) غفلة عن كذبه لحسن ظنهم به‏ (و قد أخبرك الله عن المنافقين) فى كتاب المبين‏ (بما أخبرك و وصفهم بما وصفهم به لك) الظاهر أنه عليه السلام أراد به قوله تعالى فى سورة المنافقين‏ و إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم‏ الاية، كما صرح عليه السلام به فى ساير طرق الرواية حسبما تعرفه فى التكملة الاتية، و قد أفصح تعالى عن أحوالهم و أوصافهم بهذه الاية و الايات قبلها فى السورة المذكورة قال‏ و الله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون و إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم و إن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة قال أمين الاسلام الطبرسي قد «و الله يشهد إن المنافقين لكاذبون‏» في قولهم إنهم يعتقدون أنك رسول الله، فكان إكذابهم في اعتقادهم و أنهم يشهدون ذلك بقلوبهم، و لم يكذبوا فيما يرجع إلى ألسنتهم، لأنهم شهدوا بذلك و هم صادقون فيه «اتخذوا ايمانهم جنة» أى سترة يستترون بها من الكفر لئلا يقتلوا و لا يسبوا و لا يؤخذ أموالهم «فصدوا عن سبيل الله» فأعرضوا بذلك عن دين الاسلام، و قيل:

منعوا غيرهم عن اتباع سبيل الحق بأن دعوهم إلى الكفر في الباطن، و هذا من خواص المنافقين، يصدون العوام عن الدين كما تفعل المبتدعة «انهم ساء ما كانوا يعملون» أى بئس الذى يعملونه من اظهار الايمان مع ابطان الكفر و الصد عن السبيل «ذلك بأنهم آمنوا» بألسنتهم، عند الاقرار بلا إله إلا الله محمد رسول الله «ثم كفروا» بقلوبهم لما كذبوا بهذا «فطبع على قلوبهم» أى ختم عليها بسمة تميز الملائكة بينهم و بين المؤمنين على الحقيقة «فهم لا يفقهون» أى لا يعلمون من حيث إنهم لا يتفكرون حتى يميزوا بين الحق و الباطل «و إذا رأيتهم تعجبك اجسامهم» بحسن منظرهم و تمام خلقتهم و جمال بزتهم «و إن يقولوا تسمع لقولهم» لحسن منطقهم و فصاحة لسانهم و بلاغة بيانهم «كأنهم خشب مسندة» أى كأنهم أشباح بلا أرواح، شبههم الله في خلوهم من العقل و الافهام بالخشب المسندة إلى شي‏ء لا أرواح فيها و في الصافي مسندة إلى الحائط في كونهم أشباحا خالية عن العلم و النظر.

(ثم بقوا) أى المنافقون‏ (بعده عليه و آله السلام فتقربوا إلى أئمة الضلالة) كمعاوية و أضرابه من رؤساء بني امية تلميح‏ (و الدعاة إلى النار) فيه تلميح إلى قوله تعالى‏ و جعلناهم أئمة يدعون إلى النار (بالزور) أى الكذب‏ (و البهتان فولوهم الأعمال و جعلوهم حكاما على رقاب الناس) أى أئمة الضلال بسبب وضع الأخبار اعطوا هؤلاء المنافقين الولايات و سلطوهم على الناس، و يحتمل العكس أى بسبب مفتريات هؤلاء المنافقين صاروا و الين على الناس و صنعوا ما شاءوا و ابتدعوا ما أرادوا قال المحدث العلامة المجلسي: و لكنه بعيد.

أقول: و لعل وجه استبعاده أن ظاهر كلامه عليه السلام يفيد كون إمامة أئمة الضلالة متقدمة على وضع الأخبار حيث تقربوا بها إليهم فلا يكون حينئذ ولايتهم و إمامتهم مستندة إلى وضعها و مسببة منها، و لكن يمكن رفع البعد بأن يكون المراد أن ثبات حكومتهم و ولايتهم و استحكامها كان بسبب مفتريات المنافقين و إن لم يكن أصل الولاية بسببها و قوله‏ (و أكلوا بهم الدنيا) أى معهم أو باعانتهم، و الضمير الأول راجع إلى‏

أئمة الضلالة، و الثاني إلى المنافقين المفترين، و يحتمل العكس أيضا.

و أشار إلى علة تقربهم إلى الولاة بمفترياتهم بقوله‏ (و انما الناس) جميعا (مع الملوك و الدنيا) لكون هواهم فيها فهم عبيد لها و لمن فى يديه شي‏ء منها حيثما زالت زالوا إليها و حيثما أقبلت أقبلوا عليها (إلا من عصم) ه‏ (الله) تعالى منها و من أهلها، و هم الدين آمنوا و عملوا الصالحات و قليل ما هم‏ (ف) هذا (هو أحد الأربعة) (و) الثاني منهم‏ (رجل سمع من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم شيئا لم يحفظه على وجهه) الذى صدر من لسانه الشريف‏ (فوهم فيه) أى غلط و سهى‏ (و لم يتعمد كذبا) كتعمد الرجل السابق الذكر (فهو فى يديه) ينقله‏ (و يرويه) لغيره‏ (و يعمل به) فى نفسه‏ (يقول أنا سمعته من رسول الله) يسنده إليه صلى الله عليه و آله و سلم بزعم أنه عين ما قاله صلى الله عليه و آله و سلم‏ (فلو علم المسلمون أنه و هم فيه لم يقبلوه منه و لو علم هو أنه كذلك لرفضه) أى نبذه و تركه و لم يروه أقول: و من ذلك اشترط علماء الدراية الضبط في الراوى يرى ضبطه لما يرويه بمعنى كونه حافظا له متيقظا غير مغفل إن حدث من حفظه ضابطا لكتابه حافظا من الغلط و التصحيف و التحريف ان حدث منه عارفا بما يختل به المعني ان روى به أى بالمعنى على القول بجوازه حسبما تعرفه إنشاء الله تفصيلا.

(و رجل ثالث سمع من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم شيئا يأمر به ثم نهى عنه و هو لا يعلم) بنهيه‏ (أو سمعه ينهى عن شي‏ء ثم أمر به و هو لا يعلم) بأمره‏ (فحفظ المنسوخ و لم يحفظ الناسخ فلو علم أنه منسوخ لرفضه و لو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه) و لكنه لجهله و غفلته عن‏ الناسخ‏ روى‏ المنسوخ‏ لغيره فقبلوه منه بحسن وثوقهم به روى فى الكافى بسند موثق عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ما بال أقوام يروون عن فلان و فلان عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لا يتهمون بالكدب، فيجي‏ء منكم خلافه؟ قال عليه السلام: إن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن.

و فيه بسنده عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: قلت‏ فأخبرنى عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم صدقوا على محمد أم كذبوا؟ قال: بل صدقوا، قال: قلت: فما بالهم قد اختلفوا؟ فقال عليه السلام: أما تعلم أن الرجل كان يأتي رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب، ثم يجيئه بعد ذلك بما ينسخ ذلك الجواب فنسخت الأحاديث بعضها بعضا.

قال الشهيد الثاني فى دراية الحديث عند تعداد أقسام الأحاديث: و سادس عشرها الناسخ و المنسوخ، فان من الأحاديث ما ينسخ بعضها بعضا كالقرآن.

و الأول و هو الناسخ ما أى حديث دل على رفع حكم شرعى سابق، فالحديث المدلول عليه بما بمنزلة الجنس يشمل الناسخ و غيره و مع ذلك خرج به ناسخ القرآن و الحكم المرفوع شامل للوجودى و العدمى و خرج بالشرعى الذى هو صفة الحكم الشرعى المبتدأ بالحديث، فانه يرفع به الاباحة الأصلية لكن لا يسمى شرعيا، و خرج بالسابق الاستثناء و الصفة و الشرط و الغاية الواقعة فى الحديث، فانها قد ترفع حكما شرعيا لكن ليس سابقا.

و الثاني و هو المنسوخ ما رفع حكمه الشرعى بدليل شرعى متأخر عنه و قيوده يعلم بالمقايسة على الأول، و هذا فن صعب مهم حتى أدخل بعض أهل الحديث فيه ما ليس منه لخفاء معناه، و طريق معرفته النص من النبي صلى الله عليه و آله و سلم مثل كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، و نقل الصحابى مثل كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: أنه ترك الوضوء مما مسته النار، أو التاريخ فان المتأخر منهما يكون ناسخا للمتقدم لما روى عن الصحابة كنا نعمل بالأحاديث فالأحاديث أو الاجماع كحديث قتل شارب الخمر فى المرة الرابعة نسخه الاجماع على خلافه حيث لا يتخلل الحد و الاجماع لا ينسخ بنفسه و انما يدل على النسخ، انتهى كلامه رفع مقامه.

و ينبغي أن يعلم أن النسخ إنما يكون فى الأحاديث الواردة عن النبى صلى الله عليه و آله و سلم إذ لا ينسخ بعده.

(و آخر رابع) له عناية بأمر الدين و اهتمام بمدارك الشرع المبين‏ (لم يكذب على الله و لا على رسوله) صلى الله عليه و آله و سلم كالرجل الأول المنافق المتصنع بالاسلام تحرجا

من الكذب و الزور (مبغض للكذب خوفا من الله و تعظيما لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و لم يهم) أى لم يغلط و لم يسه كالرجل الثاني الغير الضابط (بل حفظ) و وعى‏ (ما سمع على وجهه) كما اشير إليه فى قوله عز و جل «و تعيها اذن واعية» (فجاء به على سمعه) أى نقله على الوجه المسموع، و فى بعض النسخ على ما سمعه بزيادة ما و هو أقرب‏ (لم يزد فيه و لم ينقص منه) أى رواه من غير زيادة و لا نقصان فاستحق بذلك البشارة العظيمة من الله تعالى فى قوله «فبشر عبادى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه».

فقد روى فى البحار من الاختصاص باسناده عن أبى بصير عن أحدهما عليهما السلام فى هذه الاية قال عليه السلام: هم المسلمون لال محمد صلى الله عليه و آله و سلم إذا سمعوا الحديث أدوه كما سمعوه لا يزيدون و لا ينقصون.

و فيه عن الكليني بسنده عن أبى بصير قال: قلت لأبى عبد الله عليه السلام قول الله جل ثناؤه «الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه» قال عليه السلام: هو الرجل يستمع الحديث فيحدث به كما سمعه لا يزيد فيه و لا ينقص.

(فحفظ الناسخ فعمل به و حفظ المنسوخ فجنب عنه) لا كالرجل الثالث يحفظ المنسوخ و يرويه و لم يحفظ الناسخ و يغيب عنه‏ (و عرف الخاص و العام فوضع كل شي‏ء موضعه) أى أبقي العمومات الغير المخصصة على عمومها و حمل المخصصات على الخصوص و كذا المطلق و المقيد و ساير أدلة الأحكام (و عرف المتشابه) فوكل علمه إلى الله تعالى و رسوله و الراسخين فى العلم عليهم السلام (و محكمه) فأخذ به و اتبعه ثم أكد كون كلام الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ذا وجوه مختلفة بقوله‏ (و قد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم الكلام له وجهان) ككتاب الله العزيز و كلامه عز شأنه‏ (ف) بعضه‏ (كلام خاص و) بعضه‏ (كلام عام فيسمعه من لا يعرف ما عني الله سبحانه به و لا ما عني به رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم) من العموم و الخصوص‏ (فيحمله السامع) على غير معناه المراد من أجل اشتباهه و عدم معرفته‏ (و يوجهه) أى يؤوله‏ (على غير معرفة بمعناه و ما قصد به و ما خرج من أجله) أي العلة المقتضية لصدور الكلام منه صلى الله عليه و آله و سلم، و كذا الحال‏ و المقام الذي صدر فيه.

(و ليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يسأله و يستفهمه) لمهابته أو اعظاما له‏ (حتى أن كانوا ليحبون أن يجي‏ء الاعرابي) من سكان البادية (أو الطارئ) أى الغريب الذى أتاه عن قريب من غير انس به صلى الله عليه و آله و سلم و بكلامه‏ (فيسأله عليه السلام حتى يسمعوا) و إنما كانوا يحبون قدومهما إما لاستفهامهم و عدم استعظامهم إياه، أو لأنه صلى الله عليه و آله و سلم كان يتكلم على وفق عقولهم فيوضحه حتى يفهم غيرهم.

ثم أشار عليه الصلاة و السلام إلى علو مقامه و رفعة شأنه و بلوغه ما لم يبلغه غيره بقوله‏ (و كان لا يمر بي عن ذلك) أي من كلام رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم‏ (شي‏ء إلا سألت عنه صلى الله عليه و آله و سلم و حفظته) لمزيد اختصاصه عليه الصلاة و السلام به و كونه عيبة علمه و قد كان يجب عليه عليه الصلاة و السلام و السؤال و الحفظ كما كمان يجب عليه صلى الله عليه و آله و سلم التعليم و التفهيم لاقتضاء تكليف الاستخلاف و وظيفة الخلافة ذلك‏ (فهذا وجوه ما عليه الناس في اختلافهم) في الروايات‏ (و) ضروب‏ (عللهم) و أمراضهم‏ (في رواياتهم) المختلفة.

و ينبغي تذييل المقام بامور مهمة

الاول‏

قال الشيخ الشهيد الثاني في كتاب دراية الحديث عند تعداد أصناف الحديث الضعيف:

الثامن الموضوع و هو المكذوب المختلق الموضوع بمعني أن واضعه اختلق وضعه لا مطلق حديث الكذوب، فان الكذوب قد يصدق، و هو أى الموضوع شر أقسام الضعيف، و لا تحل روايته للعالم به إلا مبينا لحاله من كونه موضوعا بخلاف غيره من الضعيف المحتمل للصدق حيث جوزوا روايته فى الترغيب و الترهيب و يعرف الموضوع باقرار واضعه بوضعه فيحكم حينئذ عليه بما يحكم على الموضوع في نفس الأمر لا بمعني القطع بكونه موضوعا، لجواز كذبه في إقراره، و إنما يقطع بحكمه لأن الحكم يتبع الظن الغالب، و هو هنا كذلك و لولاه لما ساغ‏

قتل المقر بالقتل و لا رجم المعترف بالزنا، لاحتمال أن يكونا كاذبين فيما اعترفا به.

و قد يعرف أيضا بركاكة ألفاظه و نحوها، و لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك، و إنما يقوم به منهم من يكون اطلاعه تاما، و ذهنه ثاقبا، و فهمه قويا، و معرفته بالقراين الدالة على ذلك ممكنة، و بالوقوف على غلطه و وضعه من غير تعمد، كما وقع لثابت بن موسى الزاهد فى حديث من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار، فقيل كان شيخ يحدث في جماعة فدخل رجل حسن الوجه فقال الشيخ في أثناء حديثه: من كثرت صلاته بالليل «إلخ» فوقع لثابت ابن موسى أنه من الحديث فرواه.

و الواضعون أصناف:

منهم من قصد التقرب به إلى الملوك و أبناء الدنيا، مثل غياث بن إبراهيم دخل على المهدى بن المنصور و كان تعجبه الحمام الطيارة الواردة من الأماكن البعيدة، روى حديثا عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنه قال: لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل أو جناح، فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما خرج قال المهدى: اشهد أن قفاه قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ما قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم جناح و لكن هذا أراد أن يتقرب إلينا، فأمر بذبحها و قال: أنا حملته على ذلك و منهم قوم من السؤال يضعون على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أحاديث يرتزقون بها كما اتفق لأحمد بن حنبل و يحيى بن معين في مسجد الرصافة.

و أعظم ضررا من انتسب منهم إلى الزهد و الصلاح بغير علم فاحتسب بوضعه أى زعم أنه وضعه حسبة لله تعالى و تقربا إليه ليجذب بها قلوب الناس إلى الله تعالى بالترهيب و الترغيب، فقبل الناس موضوعاتهم فنقلوا منهم و ركنوا إليهم بظهور حالهم بالصلاح و الزهد.

و يظهر ذلك من أحوال الأخبار التي وضعها هؤلاء في الوعظ و الزهد و ضمنوها أخبارا عنهم و نسبوا إليهم أفعالا و أحوالا خارقة للعادة و كرامات لم يتفق مثلها لأولى العزم من الرسل بحيث يقطع العقل بكونها موضوعة و إن كانت كرامات الأولياء ممكنة في نفسها و من ذلك ما روى عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزى أنه قيل له:

من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضايل القرآن سورة سورة و ليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إن الناس قد أعرضوا عن القرآن و اشتغلوا بفقه أبي حنيفة و مغازى محمد بن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة و كان يقال لأبي عصمة هذا:

الجامع فقال: أبو حاتم بن الحيان: جمع كل شي‏ء إلا الصدق و روى ابن حيان عن أبي مهدى قال: قلنا لميسرة بن عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث من قرء بكذا فله كذا، فقال: وضعتها أرغب الناس فيها و هكذا قيل في حديث أبي الطويل في فضايل سور القرآن سورة سورة، فروى عن المؤمل بن إسماعيل قال: حدثنى شيخ به فقلت للشيخ من حدثك؟ فقال حدثنى رجل بالمدائن و هو حى، فصرت إليه و قلت: من حدثك؟ فقال: حدثني شيخ بواسط و هو حي، فصرت إليه و قلت: من حدثك؟ فقال: حدثني شيخ بالبصرة، فصرت إليه فقال: حدثني شيخ بعبادان، فصرت إليه فأخذ بيدى و أدخلني بيتا فاذا فيه قوم من الصوفية و معهم شيخ فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك؟ فقال: لم يحدثني أحد و لكن رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذه الأحاديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن.

و كل من أودع هذه الأحاديث فى تفسيره كالواحدى و الثعلبي و الزمخشرى فقد أخطأ في ذلك و لعلهم لم يطلعوا على وضعه مع أن جماعة من العلماء قد نبهوا عليه، و خطب من ذكره مستندا كالواحدى أسهل.

و وضعت الزنادقة كعبد الكريم بن أبي العوجاء الذى أمر بضرب عنقه محمد بن سليمان بن علي العباسي، و بيان الذى قتله خالد القشيرى «القسرى» و أحرقه بالنار، و الغلاة من فرق الشيعة كأبي الخطاب و يونس بن ظبيان و يزيد الصايغ و أضرابهم جملة من الحديث ليفسدوا بها الاسلام و يبصروا به مذهبهم.

روى العقيلي عن حماد بن يزيد قال: وضعت الزنادقة على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم‏ أربعة عشر ألف حديث.

و روى عن أبي عبد الله «عبد الله خ ل» بن يزيد المقرى أن رجلا من الخوارج رجع عن مذهبه فجعل يقول: انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه كنا إذا رأينا رأيا جعلنا له حديثا.

ثم نهض جهابذة النقاد- جمع جهبذ و هو الناقد البصير- يكشف عوارها- بفتح العين و ضمها و الفتح أشهر و هو العيب- و محوا عارها، فلله الحمد حتى قال بعض العلماء: ما ستر الله أحدا يكذب في الحديث.

و قد ذهب الكرامية- بكسر الكاف و تخفيف الراء و بفتح الكاف و تشديد الراء على اختلاف نقل الضابطين لذلك- و هم الطايفة المنتسبون بمذهبهم إلى محمد ابن كرام و بعض المبتدعة من المتصوفة إلى جواز وضع الحديث للترغيب و الترهيب للناس و ترغيبا في الطاعة و زجرا لهم عن المعصية.

و استذلوا بما روى في بعض طرق الحديث من كذب علي متعمدا ليضل به الناس فليتبوء مقعده من النار، و هذه الزيادة قد أبطلها نقلة الحديث و حمل بعضهم من كذب علي متعمدا، على من قال: إنه ساحر أو مجنون، حتي قال بعض المخذولين إنما قال من كذب علي، و نحن نكذب له و نقوى شرعه نسأل الله السلامة من الخذلان.

و حكى القرطبي في المفهم عن بعض أهل الرأى: إن ما وافق القياس الجلي جاز أن يعزى إلى النبي صلى الله عليه و آله و سلم.

ثم المروى تارة يخترعه الواضع، و تارة يأخذ كلام غيره كبعض السلف الصالح و قدماء الحكماء و الاسرائيليات، أو يأخذ حديثا ضعيف الاسناد فيركب له اسنادا صحيحا ليروج.

و قد صنف جماعة من العلماء كتبا في بيان الموضوعات.

و للصغاني الفاضل الحسين بن محمد في ذلك كتاب الدر الملتقط في تبين الغلط جيد في هذا الباب و لغيره كأبي الفرج ابن الجوزى دونه في الجودة، لأن كتاب‏ ابن الجوزى ذكر فيه كثير من الأحاديث التي ادعي وضعها لا دليل على كونها موضوعة و الحاقها بالضعيف أولى و بعضها قد يلتحق بالصحيح و الحسن عند أهل النقد، بخلاف كتاب الصغاني فانه تام في هذا المعنى يشتمل على انصاف كثير

الثاني‏

اعلم أن اكثر أخبار الموضوعة قد وضعت في زمن بني امية لعنهم الله قاطبة كما ظهر لك تفصيل ذلك في شرح الكلام السابع و التسعين مما رويناه من البحار من كتاب سليم بن قيس الهلالي و نضيف إليه ما ذكره و نقله الشارح المعتزلي هنا لاشتماله على زيادة لم يتقدم ذكرها مع كونه مؤيدا لما قدمنا فأقول:

قال الشارح بعد ما ذكر أنه خالط الحديث كذب كثير صدر عن قوم غير صحيحي العقيدة قصدوا به الاضلال و تخليط القلوب و العقائد، و قصد به بعضهم التنويه بذكر قوم كان لهم فى التنويه بذكرهم غرض دنيوى ما صريح عبارته:

و قد قيل إنه افتعل في أيام معاوية خاصة حديث كثير على هذا الوجه، و لم يسكت المحدثون الراسخون في علم الحديث عن هذا بل ذكروا كثيرا من هذه الأحاديث الموضوعة و بينوا وضعها و أن رواتها غير موثق بهم إلا أن المحدثين إنما يطعنون فيما دون طبقة الصحابة و لا يتجاسرون على الطعن في أحد من الصحابة لأن عليه لفظ الصحبة على أنهم قد طعنوا في قوم لهم الصحبة كثير «كبسر ظ» بن ارطاة و غيره.

فان قلت: من أئمة الضلال‏[1] الذين تقرب إليهم المنافقون الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و صحبوه بالزور و البهتان، و هل هذا إلا تصريح بما تذكره الامامية و تعتقده؟

قلت: ليس الأمر كما ظننت و ظنوا، و إنما يعني معاوية و عمرو بن العاص و من شايعهما على الضلال.

كالخبر رواه من رواه في حق معاوية: اللهم قه العذاب و الحساب و علمه الكتاب‏

و كرواية عمر و بن العاص تقربا إلى قلب معاوية: إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء و إنما وليي الله و صالح المؤمنين و كرواية قوم في أيام معاوية أخبارا كثيرة من فضايل عثمان تقربا إلى معاوية بها و لسنا نجحد فضل عثمان و سابقته، و لكنا نعلم أن بعض الأخبار الواردة فيه موضوع كخبر عمرو بن مرة فيه و هو مشهور و عمرو بن مرة ممن له صحبة و هو شامي.

و ليس يجب من قولنا إن بعض الأخبار الواردة في حق شخص فاضل مفتعلة أن تكون قادحة في فضل ذلك الفاضل، فانا مع اعتقادنا أن عليا عليه السلام أفضل الناس نعتقد أن بعض الأخبار الواردة في فضايله مفتعل و مختلق.

و قد روى أن أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام قال لبعض أصحابه:

يا فلان ما لقينا من ظلم قريش ايانا و تظاهرهم علينا و ما لقي شيعتنا و محبونا من الناس، إن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قبض و قد أخبر أنا أولى الناس بالناس، فتمالئت علينا قريش حتى اخرجت الأمر عن معدنه، و احتجت على الأنصار بحقنا و حجتنا، ثم تداولتها قريش واحد بعد واحد حتى رجعت إلينا فنكثت بيعتنا و نصبت الحرب لنا و لم يزل صاحب الأمر فى صعود كئود حتى قتل.

فبويع الحسن عليه السلام ابنه عوهد ثم غدر به و اسلم و وثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه، و انتهب عسكره و عولجت خلاخيل امهات أولاده فوادع معاوية و حقن دمه و دماء أهل بيته و هم قليل حق قليل.

ثم بايع الحسين عليه السلام من أهل العراق عشرون ألفا ثم غدر به و خرجوا عليه و بيعته في أعناقهم.

ثم لم تزل أهل البيت تستذل و تستضام و نقصي و نمتحن و نحرم و نقتل و نخاف و لا نأمن على دمائنا و دماء أوليائنا و وجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم و جحودهم موضعا يتقربون به إلى أوليائهم، و قضاة السوء و عمال السوء فى كل بلدة، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، و رو واعنا ما لم نقله ليبغضونا إلى الناس.

و كان عظم ذلك و كبره زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السلام فقتلت شيعتنا بكل بلدة، و قطعت الأيدى و الأرجل على الظنة و كان من يذكر بحبنا و الانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره.

ثم لم يزل البلاء يشتد و يزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد لعنه الله قاتل الحسين عليه السلام.

ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتلة و أخذهم بكل ظنة و تهمة حتى أن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال شيعة على عليه السلام، و حتى صار الرجل الذى يذكر بالخير و لعله ورعا صدوقا يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة و لم يخلق الله تعالى شيئا منها و لا كانت و لا وقعت و هو يحسب أنها حق لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب و لا بقلة ورع و روى أبو الحسن على بن محمد بن أبي سيف المدايني في كتاب الأحداث قال كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا في فضل أبي تراب و أهل بيته.

فقامت الخطباء في كل كورة و على كل منبر يلعنون عليا عليه السلام و يبرءون منه و يقعون فيه و في أهل بيته، و كان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة على عليه السلام، فاستعمل عليهم زياد بن سمية و ضم إليه البصرة فكان يتبع الشيعة و هو بهم عارف لأنه كان منهم أيام على عليه السلام فقتلهم تحت كل حجر و مدر، و أخافهم و قطع الأيدى و الأرجل و سمل العيون و صلبهم على جذوع النخل و طردهم و شردهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم.

و كتب معاوية لعنه الله إلى عما له فى جميع الافاق: لا يجيزوا لأحد من شيعة على و أهل بيته شهادة.

و كتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان و محبيه و أهل ولايته و الذين يروون فضايله و مناقبه فادنوا مجالسهم و قربوهم و أكرموهم و اكتبوا إلى بكل ما يروى كل رجل منهم و اسمه و اسم أبيه و عشيرته.

ففعلوا حتى أكثروا في فضايل عثمان و مناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلاة و الكساء و الحباء و القطايع و يفيضه في العرب منهم و الموالى و كثر ذلك في كل مصر و تنافسوا في المنازل و الدنيا، فليس يجزى مردود من الناس عاملا من عمال معاوية فيروى في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه و قربه و شفعه فلبثوا بذلك حينا.

ثم كتب إلى عما له: أن الحديث في عثمان قد كثر و فشا في كل مصر و في كل وجه و ناحية، فاذا جائكم كتابى هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضايل الصحابة و الخلفاء الأولين و لا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا و أتونى بمناقض له في الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها و جد الناس في رواية ما يجرى هذا المجرى حتى أشاروا يذكروا ذلك على المنابر، و ألقى إلى معلمى الكتاب فعلموا صبيانهم و غلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه و تعلموه كما يتعلمون القرآن و حتى علموه بناتهم و خدمهم و حشمهم فلبثوا بذلك ما شاء الله.

ثم كتب نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من أقامت عليه البينة أنه يحب عليا و أهل بيته فامحوه من الديوان، و اسقطوا عطاءه و رزقه.

و شفع ذلك بنسخة اخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به و اهدموا داره.

فلم يكن البلاء أشد و لا أكثر منه بالعراق و لا سيما بالكوفة حتى أن الرجل من شيعة على عليه السلام ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقى إليه سره و يخاف من خادمه و مملوكه و لا يحدثه حتى يأخذ عليه الايمان الغليظة ليكتمن عليه.

فظهر حديث كثير موضوع و بهتان منتشر، و مضى على ذلك الفقهاء و القضاة

و الولاة، و كان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون، و المتصنعون الذين يظهرون الخشوع و النسك، فيفتعلون ذلك ليحظوا بذلك عند ولاتهم و يقربوا مجالسهم و يصيبوا به الأموال و الضياع و المنازل.

حتى انتقلت تلك الأخبار و الأحاديث إلى أيدى الديانين الذين لا يستحلون الكذب و البهتان، فقبلوها و رووها و هم يظنون أنها حق، و لو علموا أنها باطلة لما رووها و لا تدينوا.

فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن على عليه السلام، فازداد البلاء و الفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا و هو خائف على دمه أو طريد في الأرض.

ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين عليه الصلاة و السلام و ولى عبد الملك بن مروان فاشتد على الشيعة.

و ولى عليهم الحجاج بن يوسف فتقرب إليه أهل النسك و الصلاح و الدين ببغض على عليه السلام و موالاة أعدائه و موالاة من يدعى قوم من الناس أنهم أيضا أعداؤه فاكثروا في الرواية في فضلهم و سوابقهم و مناقبهم، و أكثروا من الغض من على عليه السلام و عيبه و الطعن فيه و الشنان له.

حتى أن إنسانا وقف للحجاج و يقال جد الأصمعي عبد الملك بن قريب فصاح به أيها الأمير إن أهلى عقوني فسموني عليا، و إني فقير بائس و أنا إلى صلة الأمير محتاج، فتضاحك له الحجاج و قال: للطف ما توسلت به قد وليتك موضع كذا.

و قد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه و هو من أكابر المحدثين و أعلامهم فى تاريخه ما يناسب هذا الخبر، و قال: إن أكثر الأحاديث الموضوعة فى فضائل الصحابة افتعلت في أيام بنى امية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنف بنى هاشم.

ثم قال الشارح بعد جملة من الكلام:

و اعلم أن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضايل كان من جهة الشيعة: فانهم‏

وضعوا فى مبدء الأمر أحاديث كذا مختلقة في صاحبهم حملهم على وضعها عداوة خصومهم.

نحو حديث السطل، و حديث الرمانة، و حديث غزوة البئر التي كان فيها الشياطين و يعرف كما زعموا بذات العلم، و حديث غسل سلمان الفارسي و طى الأرض، و حديث الجمجمة و نحو ذلك.

فلما رأت البكرية ما صنعت الشيعة وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث.

نحو لو كنت متخذا خليلا، فانهم وضعوه في مقابلة حديث الاخاء.

و نحو سد الأبواب فانه كان لعلى عليه السلام فقلبته البكرية إلى أبي بكر.

و نحو ايتونى بدواة و بياض اكتب فيه لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه اثنان ثم قال: يأبى الله و المسلمون إلا أبا بكر.

فانهم وضعوه في مقابلة الحديث المروى عنه صلى الله عليه و آله و سلم في مرضه: ايتونى بدواة و بياض أكتب لكم ما لا تضلون بعده أبدا، فاختلفوا عنده و قال قوم منهم: لقد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله.

و نحو حديث أنا راض عنك فهل أنت عنى راض و نحو ذلك.

فلما رأت الشيعة ما و قد وضعت البكرية أوسعوا في وضع الأحاديث.

فوضعوا حديث الطوق الحديد الذي زعموا أنه قتله في عنق خالد.

و حديث اللوح الذى زعموا أنه كان في غدائر الحنفية أم محمد و حديث: لا يفعل خالد ما امر به.

و حديث الصحيفة علقت عام الفتح بالكعبة.

و حديث الشيخ الذي صعد المنبر يوم بويع أبو بكر فسبق الناس إلى بيعته و أحاديث مكذوبة كثيرة تقتضى نفاق قوم من أكابر الصحابة و التابعين الأولين و كفرهم و على أدون الطبقات فسقهم.

فقابلتهم البكرية بمطاعن كثيرة في على و في ولديه، و نسبوه تارة إلى ضعف‏ العقل، و تارة إلى ضعف السياسة، و تارة إلى حب الدنيا و الحرص عليها، و لقد كان الفريقان في غنية عما اكتسباه و اجترحاه.

أقول: و لقد أجاد الشارح فيما نقل و أفاد إلا أن ما قاله أخيرا في ذيل قوله:

و اعلم أن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل إلى آخر كلامه غير خال من الوهم و الخبط.

و ذلك أنا لا ننكر صدور بعض المفتريات و الأحاديث الموضوعة من غلاة الشيعة و جهالهم و مما لا مبالاة له في الدين كما صدر أكثر كثير من هذه من علماء العامة و جهالهم و أكابرهم و أصاغرهم حسبما تعرفه في التنبيه الاتى إنشاء الله تعالى.

لكن الأحاديث الخاصية التي أشار إليها بخصوصها من حديث السطل و الرمانة و غزوة الجن و غسل سلمان و الجمجمة و حديث الطوق و اللوح و الصحيفة الملعونة و الشيخ الذى سبق إلى بيعة أبي بكر لا دليل على وضع شي‏ء منها، بل قد روى بعضها المخالف و الموافق جميعا كحديث السطل.

فقد رواه السيد المحدث الناقد البصير السيد هاشم البحراني في كتاب غاية المرام في الباب السابع و التسعين منه بأربعة طرق من طرق العامة، و في الباب الثامن و التسعين منه بأربعة طرق من طرق الخاصة.

و قد روى حديث الرمانة أيضا في الباب السابع عشر و مأئة منه بطريق واحد من طرق العامة، و في الباب الذى يتلوه بطريق واحد أيضا من طرق الخاصة.

و أما حديث غزوة الجن فقد مضى روايته في شرح الفصل الثامن من الخطبة المأة و الاحدى و التسعين، و قد رواه الشيخ المفيد «قد» في الارشاد بنحو آخر.

و لعل زعم الشارح وضعه مبنى على اصول المعتزلة و لقد أبطله المفيد في الارشاد فانه بعد ما قال في عداد ذكر مناقب أمير المؤمنين عليه السلام و من ذلك ما تظاهر به الخبر من بعثه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم إلى وادى‏ الجن و قد أخبره جبرئيل عليه السلام أن طوايف منهم قد اجتمعوا لكيده فاغنى عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و كفى الله المؤمنين به كيدهم و دفعهم عن المسلمين بقوته التي بان بها عن جماعتهم ثم روى الحديث عن محمد بن أبى السرى التميمى عن أحمد بن الفرج عن الحسن بن موسى النهدى عن أبيه عن وبرة بن الحرث عن ابن عباس و ساق الحديث إلى آخره قال بعد روايته ما هذا لفظه:

و هذا الحديث قد روته العامة كما روته الخاصة، و لم يتناكروا شيئا منه و المعتزلة لميلها إلى مذهب البراهمة تدفعه و لبعدها عن معرفة الأخبار تنكره و هي سالكة في ذلك طريق الزنادقة فيما طعنت به في القرآن و ما تضمنه من أخبار الجن و ايمانهم بالله و رسوله و ما قص الله من نبائهم في القرآن في سورة الجن و قولهم‏ إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به‏ إلى آخر ما تضمنه الخبر عنهم في هذه السورة و إذا بطل اعتراض الزنادقة في ذلك بتجويز العقول وجود الجن و إمكان تكليفهم و ثبوت ذلك مع إعجاز القرآن و الاعجوبة الباهرة فيه كان مثل ذلك ظهور بطلان طعون المعتزلة فى الخبر الذى رويناه، لعدم استحالة مضمونه في العقول و في مجيئه من طريقين مختلفين و برواية فريقين في دلالته متباينين برهان صحته و ليس إنكار من عدل عن الانصاف في النظر من المعتزلة و المجبرة قدح فيما ذكرناه من وجوب العمل عليه.

كما أنه ليس في جحد الملاحدة و أصناف الزنادقة و اليهود و النصارى و المجوس و الصابئين ما جاء صحته من الأخبار بمعجزات النبي صلى الله عليه و آله و سلم كانشقاق القمر و حنين الجذع و تسبيح الحصى في كفه و شكوى البعير و كلام الذراع و مجيئ الشجرة و خروج الماء من بين أصابعه فى الميضاة و إطعام الخلق الكثير من الطعام القليل قدح فى صحتها و صدق رواتها و ثبوت الحجة بها.

بل الشبهة لهم فى دفع ذلك و إن ضعفت أقوى من شبهة منكرى معجزات‏

أمير المؤمنين عليه السلام و براهينه لما لا خفاء عليها و على أهل الاعتبار به مما لا حاجة إلى شرح وجوهه فى هذا المكان.

ثم قال قدس الله روحه بعد جملة من الكلام:

و لا زال أجد الجاهل من الناصبة و المعاند يظهر التعجب من الخبر بملاقات أمير المؤمنين عليه السلام الجن و كفه شرهم عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم و أصحابه و يتضاحك لذلك و ينسب الرواية له إلى الخرافات الباطلة، و يضع مثل ذلك فى الأخبار الواردة بسوى ذلك من معجزاته عليه السلام و يقول: إنه من موضوعات الشيعة و تخرص من افتراه منهم للتكسب بذلك أو التعصب.

و هذا بعينه مقال الزنادقة كافة و أعداء الاسلام فيما نطق به القرآن من خبر الجن و إسلامهم فى قوله تعالى‏ إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد و فيما ثبت به الخبر عن ابن مسعود في قصة ليلة الجن و مشاهدته لهم كالزط، و في غير ذلك من معجزات الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، و أنهم يظهرون التعجب من جميع ذلك و يتضاحكون عند سماع الخبر به و الاحتجاج بصحته و يستهزؤن و يلغطون‏[2] فيما يسرفون به من سب الاسلام و أهله و استحماق معتقديه و الناصرين له و نسبتهم إياهم إلى العجز و الجهل، و وضع الأباطيل.

فلينظر القوم ما جنوه على الاسلام بعداوتهم لأمير المؤمنين عليه السلام و اعتمادهم في دفع فضايله و مناقبه و آياته على ما ضاهوا به أصناف الزنادقة و الكفار مما يخرج عن طريق الحجاج إلى أبواب الشغب و المسافهات، انتهى كلامه رفع مقامه.

و بذلك كله ظهر أيضا فساد زعم وضع حديث بيعة الشيطان لأبي بكر و ظهوره بصورة شيخ و صعوده المنبر و سبقته إلى البيعة حسبما عرفت روايته تفصيلا في المقدمة الثانية من مقدمات الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية.

إذ الظاهر أن زعم وضعه أيضا مبني على استبعاد ظهوره بصورة إنسان، و يدفع ذلك ما اجتمع عليه أهل القبلة من ظهوره لأهل دار الندوة بصورة شيخ‏

من أهل نجد و اجتماعه معهم في الرأى على المكر برسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و ظهوره يوم بدر للمشركين في صورة سراقة بن جعثم «جعشم» المدلجى و قوله «لا غالب لكم اليوم من الناس و إنى جار لكم» قال الله عز و جل «فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه و قال إنى برى‏ء منكم إنى أرى ما لا ترون إنى أخاف الله و الله شديد العقاب» و أما ساير الأحاديث فلا استبعاد بشى‏ء منها حتى يزعم وضعها، و قد أتى آصف ابن برخيا الذى عنده علم من الكتاب بعرش بلقيس بطى الأرض من مكان بعيد فى طرفة عين فكيف يستبعد في حق أمير المؤمنين عليه السلام الذى عنده علم الكتاب كله حسبما عرفت فى غير موضع من تضاعيف الشرح حضوره عليه السلام بطى الأرض عند جنازة سلمان مع اختصاصه الخاص به عليه السلام و فوزه درجة السلمان منا أهل البيت.

و قد قال عليه السلام و هو أصدق القائلين فى حال حياته ما رواه عنه المخالف و المؤالف:

يا حار همدان من يمت يرني‏ من مؤمن أو منافق قبلا

و بالجملة فالأخبار المذكورة ليس على وضعها دليل من جهة العقل، و لا من جهة النقل فدعواه مكابرة محضة، فبالله التوفيق و عليه التكلان‏[3].

المجلد السابع من منهاج البراعة فى شرح نهج البلاغة

الثالث‏

في جملة من الأخبار الموضوعة فأقول:

أما الأخبار الخاصية

فقد دس فيها بعض الأخبار الموضوعة وضعها الغلاة و المغيرية و الخطابية و الصوفية و أمثالهم من أهل الفساد في العمل و الاعتقاد، و من ذلك اهتم علماؤنا الأخيار غاية الاهتمام بحفظ الأخبار و ضبطها و نقدها و تميز غثها من سمينها و صحيحها من سقيمها، و قسموها إلى الصحيح و الموثق و الحسن و الضعيف، و صنفوا كتبا في علم الدراية و علم الرجال، و قد أشير إلى ما ذكرنا في مؤلفات أصحابنا و أخبار أئمتنا سلام الله عليهم.

و ارشدك إلى بعض ما رواه في البحار من رجال الكشي عن محمد بن قولويه و الحسين بن الحسن بن بندار معا عن سعد عن اليقطيني عن يونس بن عبد الرحمن ان بعض أصحابنا سأله و أنا حاضر فقال له: يا با محمد ما أشدك في الحديث و أكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا، فما الذى يحملك على رد الأحاديث؟ فقال: حدثني هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا تقبلوا علينا حديثا إلا ما وافق القرآن و السنة أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدمة، فان المغيرة بن سعيد لعنه الله دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي فاتقوا الله و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى و سنة نبينا محمد صلى الله عليه و آله و سلم، فانا إذا حدثنا قلنا: قال الله عز و جل، و قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، قال يونس: وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر عليه السلام و وجدت أصحاب أبي عبد الله عليه السلام متوافرين، فسمعت منهم و أخذت كتبهم فعرضتها بعد على أبى الحسن الرضا عليه السلام فأنكر منها أحاديث كثيرة أن يكون من أحاديث أبي عبد الله عليه السلام، و قال لي: إن أبا الخطاب كذب على أبي عبد الله عليه السلام فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فانا إن حدثنا حدثنا بموافقة القرآن و موافقة السنة إنا عن الله تعالى و عن رسوله صلى الله عليه و آله و سلم نحدث، و لا نقول قال فلان و فلان فيتناقض كلامنا إن كلام آخرنا مثل كلام أولنا و كلام أولنا مصداق لكلام آخرنا، و إذا أتاكم من يحدثكم بخلاف ذلك فردوه عليه و قولوا أنت أعلم و ما جئت به، فان مع كل قول منا حقيقة و عليه نور، فما لا حقيقة معه و لا نور عليه فذلك قول الشيطان.

و فى البحار أيضا عن الكشي بهذا الاسناد عن يونس عن هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبي و يأخذ كتب أصحابه، و كان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدس فيها الكفر و الزندقة و يسندها إلى أبي‏ ثم يدفعها إلى أصحابه فيأمرهم أن يبثوها في الشيعة، فكلما كان في كتب أصحاب أبى من الغلو فذاك مما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم.

و فيه أيضا عن الكشي باسناده عن زرارة قال: قال يعني أبا عبد الله عليه السلام:

إن أهل الكوفة نزل فيهم كذاب، أما المغيرة فانه يكذب على أبي يعنى أبا جعفر قال: حدثه أن نساء آل محمد إذا حضن قضين الصلاة، و ان و الله عليه لعنة الله ما كان من ذلك شي‏ء و لا حدثه، و أما أبو الخطاب فكذب علي و قال: إني أمرته أن لا يصلي هو و أصحابه المغرب حتى يروا كواكب كذا، فقال القنداني: و الله إن ذلك لكوكب لا نعرفه.

و أما الاخبار العامية

فالموضوعة فيها أكثر من أن تحصى، و قد تقدم الاشارة إلى بعضها في التنبيهات السابقة من الشهيد و الشارح المعتزلي و سبق بعضها في شرح الكلام السابق، و وقعت الاشارة إلى جملة منها فيما رواه في الاحتجاج.

قال: و روى أن المأمون بعد ما زوج ابنته أم الفضل أبا جعفر عليه السلام كان في مجلس و عنده أبو جعفر عليه السلام و يحيى بن اكثم و جماعة كثيرة.

فقال له يحيى بن اكثم: ما تقول يا ابن رسول الله في الخبر الذي روي أنه نزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فقال: يا محمد إن الله يقرؤك السلام و يقول لك: سل أبا بكر هل هو عنى راض فاني راض عنه.

فقال أبو جعفر عليه السلام: إنى لست بمنكر فضل أبي بكر و لكن يجب على صاحب هذا الخبر أن يأخذه مثل الخبر الذي قاله رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في حجة الوداع: قد كثرت على الكذابة و استكثر فمن كذب على متعمدا فليتبوء مقعده من النار، فاذا أتاكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله و سنتى فما وافق كتاب الله و سنتى فخذوا به، و ما خالف كتاب الله و سنتى فلا تأخذوا به، و ليس يوافق هذا الحديث كتاب الله قال الله تعالى: و لقد خلقنا الإنسان و نعلم ما توسوس به نفسه و نحن أقرب إليه من حبل الوريد فالله تعالى خفى عليه رضا أبي بكر من سخطه حتى سأل عن مكنون‏ سره هذا مستحيل في العقول.

ثم قال يحيى بن اكثم: و قد روى أن مثل أبي بكر و عمر في الأرض كمثل جبرئيل و ميكائيل في السماء.

فقال عليه السلام: و هذا أيضا يجب أن ينظر فيه، لأن جبرئيل و ميكائيل ملكان مقربان لم يعصيا الله قط و لم يفارقا طاعته لحظة واحدة، و هما قد أشركا بالله عز و جل و إن أسلما بعد الشرك، فكان أكثر أيامهما الشرك بالله فمحال أن يشبها بهما.

قال يحيى: و روى أيضا إنهما سيدا كهول أهل الجنة فما تقول فيه؟

فقال عليه السلام: و هذا الخبر محال أيضا، لأن أهل الجنة كلهم يكونون شابا و لا يكون فيهم كهل، و هذا الخبر وضعه بنو امية لمضادة الخبر الذى قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في الحسن و الحسين عليهما السلام: بأنهما سيدا شباب أهل الجنة فقال يحيى بن اكثم: و روى أن عمر سراج أهل الجنة.

فقال عليه السلام: و هذا أيضا محال لأن في الجنة ملائكة الله المقربين و آدم و محمد صلى الله عليه و آله و سلم، و جميع الأنبياء و المرسلين لا تضى‏ء بأنوار حتى تضى‏ء بنور عمر.

فقال يحيى: و قد روى أن السكينة تنطق على لسان عمر.

فقال عليه السلام: لست بمنكر فضله و لكن أبا بكر أفضل من عمر و قد قال على رأس المنبر إن لى شيطانا يعتريني فاذا ملت فسددونى.

فقال يحيى: قد روى أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال: لو لم ابعث لبعث عمر.

فقال عليه السلام: كتاب الله أصدق من هذا يقول الله في كتابه‏ و إذ أخذنا من النبيين ميثاقهم و منك و من نوح‏ فقد أخذ الله ميثاق النبيين، فكيف يمكن أن يبدل ميثاقه، و كل الأنبياء لم يشركوا بالله طرفة عين فكيف يبعث بالنبوة من أشرك و كان أكثر أيامه مع الشرك بالله، و قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم: نبئت و آدم بين الروح و الجسد.

فقال يحيى بن اكثم: و قد روى أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: ما احتبس الوحي عني‏ قط إلا ظننته قد نزل على آل الخطاب فقال عليه السلام: و هذا أيضا محال لأنه لا يجوز أن يشك النبي صلى الله عليه و آله و سلم في نبوته قال الله تعالى‏ الله يصطفي من الملائكة رسلا و من الناس‏ فكيف يمكن أن تنتقل النبوة ممن اصطفاه الله إلى من أشرك به قال يحيى: و قد روى ان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال: لو نزل العذاب لما نجى منه إلا عمر بن الخطاب.

فقال عليه السلام: و هذا أيضا محال، لأن الله يقول‏ و ما كان الله ليعذبهم و أنت فيهم و ما كان الله معذبهم و هم يستغفرون‏ فأخبر الله تعالى أنه لا يعذب أحدا ما دام فيهم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و ما داموا يستغفرون الله تعالى.

و اشير إلى جملة اخرى أيضا فيما رواه في البحار من عيون الأخبار عن أبيه و ابن الوليد عن محمد العطار و احمد بن ادريس معا عن الأشعري عن صالح بن أبي حماد الرازي عن إسحاق بن حاتم عن إسحاق بن حماد بن زيد قال سمعنا يحيى بن اكثم القاضى قال:

أمرني المأمون باحضار جماعة من أهل الحديث و جماعة من أهل الكلام و النظر، فجمعت له من الصنفين زهاء أربعين رجلا، ثم مضيت بهم فأمرتهم بالكينونة في مجلس الحاجب لا علمه بمكانهم، ففعلوا فأعلمته فأمرنى بادخالهم ففعلت فدخلوا و سلموا فحدثهم ساعة و آنسهم ثم قال: إنى أريد أن أجعلكم بينى و بين الله في هذا اليوم حجة فما أحد تقرب إلى مخلوق بمعصية الخالق إلا سلطه الله عليه فناظرونى بجميع عقولكم انى رجل أزعم أن عليا خير البشر بعد النبي صلى الله عليه و آله و سلم فان كنت مصيبا فصوبوا قولى، و إن كنت مخطئا فردوا على و هلموا فإن شئتم سألتكم و ان شئتم سألتمونى فقال له الذين يقولون بالحديث: بل نسأل فقال: هاتوا و قلدوا كلامكم رجلا منكم فاذا تكلم فان كان عند أحدكم زيادة فليزد و إن أتى بخلل فسددوه.

فقال قائل منهم: أما نحن فنزعم أن خير الناس بعد النبي صلى الله عليه و آله و سلم أبو بكر من قبل أن الرواية المجمع عليها جاءت عن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم قال: اقتدوا باللذين من بعدى أبي بكر و عمر، فلما أمر نبى الرحمة بالاقتداء بهما علمنا أنه لم يأمر إلا بالاقتداء بخير الناس.

فقال المأمون: الروايات كثيرة و لا بد من أن يكون كلها حقا أو كلها باطلا أو بعضها حقا و بعضها باطلا، فلو كانت كلها حقا كانت كلها باطلا من قبل أن بعضها ينقض بعضا، و لو كانت كلها باطلا كان في بطلانها بطلان الدين و دروس الشريعة، فلما بطل الوجهان ثبت الثالث بالاضطرار و هو أن بعضها حق و بعضها باطل فاذا كان كذلك فلابد من دليل على ما يحق منها ليعتقد و ينفى خلافه، فاذا كان دليل الخبر في نفسه حقا كان أولى ما أعتقد و آخذ به و روايتك هذه من الأخبار التي أدلتها باطلة في نفسها، و ذلك إن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أحكم الحكما و أولى الخلق بالصدق و أبعد الناس من الأمر بالمحال و حمل الناس على التدين بالخلاف و ذلك إن هذين الرجلين لا يخلو من أن يكونا متفقين من كل جهة أو مختلفين، فان كانا متفقين من كل جهة كانا واحدا في العدد و الصفة و الصورة و الجسم، و هذا معدوم أن يكون اثنان بمعنى واحد من كل جهة، و إن كانا مختلفين فكيف يجوز الاقتداء بهما، و هذا تكليف ما لا يطاق لأنك إذا اقتديت بواحد خالفت الاخر، و الدليل على اختلافهما إن ابا بكر سبى أهل الردة و ردهم عمر أحرارا، و أشار عمر إلى أبي بكر بعزل خالد و بقتله بمالك بن نويرة فأبى أبو بكر عليه، و حرم عمر المتعة و لم يفعل ذلك أبو بكر، و وضع عمر ديوان العطية و لم يفعله عمر، و استخلف أبو بكر و لم يفعل ذلك عمر، و لهذا نظاير كثيرة.

«قال الصدوق رضى الله عنه في هذا فصل لم يذكره المأمون لخصمه و هو أنهم لا يرووا أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: اقتدوا بالذين من بعدى أبي بكر و عمر، و إنما رووا أبو بكر و عمر و روى أبا بكر و عمر، فلو كانت الرواية صحيحة لكان معنى قوله بالنصب اقتدوا باللذين من بعدى كتاب الله و العترة يا ابا بكر و عمر، و معنى قوله بالرفع اقتدوا أيها الناس و أبو بكر و عمر باللذين من بعدى كتاب الله و العترة» رجعنا إلى حديث المأمون‏

فقال آخر من أصحاب الحديث: فان النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا.

فقال المأمون: هذا مستحيل من قبل أن رواياتكم أنه عليه السلام آخا بين أصحابه و أخر عليا عليه السلام فقال له في ذلك فقال صلى الله عليه و آله و سلم: ما أخرتك إلا لنفسى، فأى الروايتين تثبت بطلت الأخرى.

قال آخر: إن عليا عليه السلام قال على المنبر: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر و عمر.

قال المأمون: هذا مستحيل من قبل أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم لو علم أنهما أفضل ما ولى عليهما مرة عمرو بن العاص، و مرة اسامة بن زيد، و مما يكذب هذه الرواية قول علي عليه السلام: قبض النبي صلى الله عليه و آله و سلم و أنا أولى بمجلسه منى بقميصى و لكنى أشفقت أن يرجع الناس كفارا. و قوله عليه السلام أنى يكونان خيرا منى و قد عبدت الله عز و جل قبلهما و عبدته بعدهما.

قال آخر: فان أبا بكر أغلق بابه فقال هل من مستقيل فاقيله فقال علي عليه السلام:

قدمك رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم فمن ذا يؤخرك.

فقال المأمون: هذا باطل من قبل أن عليا عليه السلام قعد عن بيعة أبي بكر و رويتم أنه عليه السلام قعد عنها حتى قبضت فاطمة عليها السلام و أنها أوصت أن تدفن ليلا لئلا يشهدا جنازتها، و وجه آخر و هو أنه إن كان النبي صلى الله عليه و آله و سلم استخلفه فكيف كان له أن يستقيل و هو يقول للأنصارى: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أبا عبيدة و عمر.

قال آخر: إن عمرو بن العاص قال: يا رسول الله من أحب الناس إليك من النساء؟ فقال: عايشة، فقال: من الرجال؟ فقال: أبوها.

فقال المأمون: هذا باطل من قبل أنكم رويتم أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم وضع بين يديه طائر مشوى فقال صلى الله عليه و آله و سلم اللهم ائتنى بأحب خلقك إليك، فكان علي عليه السلام فأى روايتكم تقبل؟! فقال آخر: فان عليا عليه السلام قال: من فضلني على أبي بكر جلدته حد المفتري.

قال المأمون: كيف يجوز أن يقول علي عليه السلام اجلد الحد من لا يجب عليه‏ الحد، فيكون متعديا لحدود الله عز و جل، عاملا بخلاف أمره، و ليس تفضيل من فضله عليه السلام عليهما فرية، و قد رويتم عن إمامكم أنه قال: وليتكم و لست بخيركم فأى الرجلين أصدق عندكم أبو بكر على نفسه أو علي عليه السلام على أبي بكر مع تناقض الحديث في نفسه، و لا بد له من قوله من أن يكون صادقا أو كاذبا، فان كان صادقا فانى عرف ذلك بالوحي فالوحي منقطع أو بالنظر فالنظر متحير منحت، و إن كان غير صادق فمن المحال أن يلي أمر المسلمين و يقوم بأحكامهم و يقيم حدودهم و هو كذاب.

قال آخر: فقد جاء أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: إن أبا بكر و عمر سيدا كهول أهل الجنة.

قال المأمون: هذا الحديث محال لأنه لا يكون في الجنة كهل، و يروى أن أشجعية كانت عند النبي فقال صلى الله عليه و آله و سلم: لا يدخل الجنة عجوز فبكت، فقال النبي صلى الله عليه و آله و سلم:

إن الله عز و جل يقول‏ إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا فان زعمتم أن أبا بكر ينشأ شابا إذا دخل الجنة فقد رويتم أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال للحسن و الحسين: إنهما سيدا شباب أهل الجنة من الأولين و الاخرين و أبوهما خير منهما.

قال آخر: قد جاء أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: لو لم أبعث فيكم لبعث عمر.

قال المأمون: هذا محال لأن الله عز و جل يقول‏ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح و النبيين من بعده‏ و قال عز و جل‏ و إذ أخذنا من النبيين ميثاقهم و منك و من نوح و إبراهيم و موسى و عيسى ابن مريم‏ فهل يجوز أن يكون من لم يؤخذ «منه خ» ميثاقه على النبوة مبعوثا و من أخذ ميثاقه على النبوة مؤخرا.

قال آخر: إن النبي صلى الله عليه و آله و سلم نظر إلى عمر يوم عرفة فتبسم و قال: إن الله تعالى باهى بعباده عامة و بعمر خاصة.

فقال المأمون: فهذا مستحيل من قبل أن الله تعالى لم يكن ليباهي بعمر و يدع نبيه عليه السلام فيكون عمر فى الخاصة و النبي صلى الله عليه و آله و سلم في العامة، و ليست هذه الرواية بأعجب من روايتكم أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: دخلت الجنة فسمعت خفق نعلين فاذا بلال مولى أبي بكر قد سبقني إلى الجنة، و إنما قالت الشيعة علي عليه السلام خير من أبي بكر فقلتم عبد أبي بكر خير من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لأن السابق أفضل من المسبوق، و كما رويتم أن الشيطان يفر من حس عمر، و ألقي على لسان النبى صلى الله عليه و آله و سلم إنهن الغرانيق العلي ففر من عمر، و ألقي على لسان النبي صلى الله عليه و آله و سلم بزعمكم الكفر.

قال آخر: قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: لو نزل العذاب ما نجي إلا عمر بن الخطاب.

قال المأمون: هذا خلاف الكتاب أيضا، لأن الله عز و جل يقول‏ و ما كان الله ليعذبهم و أنت فيهم‏ فجعلتم عمر مثل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم.

قال آخر: فقد شهد النبي صلى الله عليه و آله و سلم لعمر بالجنة في عشرة من الصحابة.

فقال: لو كان هذا كما زعمت كان عمر لا يقول لحذيفة: نشدتك بالله امن المنافقين أنا، فان كان قال له: أنت من أهل الجنة و لم يصدقه حتى زكاه حذيفة و صدق حذيفة و لم يصدق النبي فهذا على غير الاسلام، و إن كان قد صدق النبي صلى الله عليه و آله و سلم فلم سأل حذيفة؟ و هذان الخبران متناقضان في أنفسهما.

فقال آخر: فقد قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: وضعت امتي في كفة الميزان و وضعت في اخرى فرجحت بهم، ثم مكاني ابو بكر فرجح بهم، ثم عمر فرجح، ثم رفع الميزان.

فقال المأمون: هذا محال من قبل أنه لا يخلو من أن يكون أجسامهما أو أعمالهما، فان كانت الأجسام فلا يخفى على ذى روح أنه محال، لأنه لا يرجح أجسامها بأجسام الأمة، و إن كانت أفعالهما فلم يكن بعد فكيف يرجح بما ليس، و خبروني بما يتفاضل الناس؟

فقال بعضهم: بالأعمال الصالحة قال: فأخبروني فمن فضل صاحبه على عهد النبي صلى الله عليه و آله و سلم ثم إن المفضول عمل بعد وفاة النبي صلى الله عليه و آله و سلم بأكثر من عمل الفاضل على عهد النبي صلى الله عليه و آله و سلم أ يلحق به؟ فان قلتم: نعم أوجدتكم في عصرنا هذا من هو أكثر جهادا و حجا و صوما و صلاة و صدقة من أحدهم.

قالوا: صدقت لا يلحق فاضل دهرنا فاضل عصر النبي صلى الله عليه و آله و سلم.

قال المأمون: فانظروا فيما رويت عن أئمتكم الذين أخذتم عنهم أديانكم فى فضايل علي عليه السلام و قائسوا إليها ما رووا في فضايل تمام العشرة الذين شهدوا لهم بالجنة فان كانت جزء من أجزاء كثيرة فالقول قولكم، و ان كانوا قد رووا في فضايل علي عليه السلام أكثر فخذوا عن أئمتكم ما رووا و لا تعدوه.

قال: فأطرق القوم جميعا.

فقال المأمون: ما لكم سكتم؟

قالوا: استقصينا.

أقول: هذا أنموذج من أحاديثهم الموضوعة التي هي خارجة عن حد الاحصاء

الرابع‏

لا ريب في جواز نقل الحديث بالمعني، و يدل عليه أخبار كثيرة.

و تفصيل القول في ذلك على ما حققه المحدث العلامة المجلسي ره أنه إذا لم يكن المحدث عالما بحقايق الألفاظ و مجازاتها و منطوقها و مفهومها و مقاصدها لم تجز له الرواية بالمعنى بغير خلاف، بل يتعين اللفظ الذى سمعه إذا تحققه و إلا لم تجز له الرواية.

و أما إذا كان عالما بذلك.

فقد قال طايفة من العلماء لا يجوز هي، لأن لكل تركيب معني بحسب الوصل و الفصل و التقديم و التأخير و غير ذلك لو لم يراع ذلك لذهبت مقاصدها، بل لكل كلمة مع صاحبتها خاصية مستقلة كالتخصيص و الاهتمام و غيرهما، و كذا الألفاظ المشتركة و المترادفة، و لو وضع كل موضع الاخر لفات المعني المقصود، و من ثم قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: نصر الله عبدا سمع مقالتي و حفظها و وعاها و أداها فرب حامل فقه غير فقيه و رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. و كفى هذا الحديث شاهدا بصدق ذلك.

و اكثر الأصحاب جوزوا ذلك مطلقا مع حصول الشرائط المذكورة، و قالوا كلما ذكرتم خارج عن موضوع البحث لأنها إنما جوزنا لمن يفهم الألفاظ و يعرف خواصها و مقاصدها و يعلم عدم اختلال المراد بها فيما أداه.

و قد ذهب جمهور السلف و الخلف من الطوايف كلها إلى جواز الرواية بالمعني إذا قطع بأداء المعني بعينه، لأنه من المعلوم أن الصحابة و أصحاب الأئمة عليهم السلام لم يكونوا يكتبون الأحاديث عند سماعها، و يبعد بل يستحيل عادة حفظهم جميع الألفاظ على ما هي عليه، و قد سمعوها مرة واحدة خصوصا في الأحاديث الطويلة مع تطاول الأزمنة و لهذا كثيرا ما يروى عنهم المعني الواحد بألفاظ مختلفة و لم ينكر ذلك عليهم و لا يبقي لمن تتبع الأخبار في هذا شبهة و يدل عليه أيضا ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن ابن أبي عمير عن ابن اذينة عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أسمع الحديث منك فازيد و أنقص؟ فقال عليه السلام: إن كنت تريد معانيه فلا بأس.

نعم لا مرية في أن روايته بلفظه أولى على كل حال لا سيما في هذه الأزمان لبعد العهد و فوت القراين و تغير المصطلحات.

و قد روى الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن منصور بن يونس عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: قول الله جل ثناؤه‏ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه‏ قال: هو الرجل يسمع الحديث فيحدث به كما سمعه لا يزيد فيه و لا ينقص‏

تذنيب‏

قال بعض الأفاضل: نقل المعني إنما جوزوه في غير المصنفات، أما المصنفات فقد قال أكثر الأصحاب: لا يجوز حكايتها و لا نقلها بالمعني و لا تغيير شي‏ء منها على ما هو المتعارف‏

تكملة

هذا الكلام لأمير المؤمنين عليه السلام مروى في البحار من خصال الصدوق «قد» عن‏ أبيه عن على عن أبيه عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليمانى و عمر بن اذينة عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس الهلالي قال:

قلت لأمير المؤمنين عليه السلام: يا أمير المؤمنين إنى سمعت من سلمان و المقداد و أبى ذر شيئا من تفسير القرآن و أحاديث عن نبى الله صلى الله عليه و آله و سلم غير ما فى أيدى الناس ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم و رأيت فى أيدى الناس شيئا كثيرا من تفسير القرآن و أحاديث عن نبى الله صلى الله عليه و آله و سلم أنتم تخالفونهم فيها و تزعمون أن ذلك كله باطل أفترى الناس يكذبون على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم معتمدين و يفسرون القرآن بارائهم؟

قال: فأقبل علي عليه السلام على فقال: قد سألت فافهم الجواب: إن في أيدى الناس حقا و باطلا و صدقا و كذبا و ناسخا و منسوخا و عاما و خاصا و محكما و متشابها و حفظا و وهما، و قد كذب على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم على عهده حتى قام خطيبا فقال:

أيها الناس قد كثرت على الكذابة فمن كذب على متعمدا فليتبوء مقعده من النار، ثم كذب عليه من بعده.

إنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس:

رجل منافق يظهر الإيمان متصنع بالاسلام لا يتأثم و لا يتحرج أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم متعمدا، فلو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه و لم يصدقوه، و لكنهم قالوا هذا قد صحب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و رآه و سمع منه، فأخذوا منه و هم لا يعرفون حاله، و قد أخبر الله عز و جل عن المنافقين بما أخبره و وصفهم بما وصفهم فقال عز و جل‏ و إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم و إن يقولوا تسمع لقولهم‏ ثم بقوا بعده فتقربوا إلى أئمة الضلالة و الدعاة إلى النار بالزور و الكذب و البهتان، فولوهم الأعمال و ولوهم على رقاب الناس و أكلوا بهم الدنيا و إنما الناس مع الملوك و الدنيا إلا من عصم الله، فهذا أحد الأربعة.

و رجل سمع من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم شيئا لم يحفظه على وجهه و وهم فيه و لم يتعمد كذبا، فهو في يده يقول به و يعمل به و يرويه و يقول: أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، فلو علم المسلمون أنه و هم لم يقبلوه، و لو علم هو أنه و هم لرفضه.

و رجل ثالث سمع من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم شيئا أمر به ثم نهى عنه و هو لا يعلم أو سمعه ينهى عن شي‏ء ثم أمر به و هو لا يعلم، فحفظ منسوخه و لم يحفظ الناسخ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه، و لو علم المسلمون أنه منسوخ لرفضوه.

و آخر رابع لم يكذب على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم مبغض للكذب خوفا من الله عز و جل و تعظيما لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، لم يسه بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع لم يزد فيه و لم ينقص منه، و علم الناسخ من المنسوخ فعمل بالناسخ و رفض المنسوخ.

و إن أمر النبي صلى الله عليه و آله و سلم مثل القرآن ناسخ و منسوخ و خاص و عام و محكم و متشابه، و قد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم الكلام له وجهان: كلام عام و كلام خاص، و قال الله عز و جل في كتابه «ما آتيكم الرسول فخذوه و ما نهيكم عنه فانتهوا» فيشتبه على من لم يعرف و لم يدر ما عنى الله به و رسوله، و ليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يسأله عن الشي‏ء فيفهم كان منهم من يسأله و لا يستفهم، حتى كانوا ليحبون أن يجي‏ء الاعرابي الطارئ، فيسأل رسوله الله صلى الله عليه و آله و سلم حتى يسمعوا و كنت أدخل على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم كل يوم دخلة فيخليني فيها أدور معه حيثما دار، و قد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أنه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيرى، و ربما كان ذلك في شي‏ء يأتيني رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أكثر ذلك في بيتي و كنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني و أقام عنى نساءه فلا يبقى عنده غيرى، و إذا أتاني للخلوة معى في بيتي لم تقم عنه فاطمة و لا أحد من بنى و كنت إذا سألته أجابنى، و إذا سكت عنه و فنيت مسائلى ابتدأني.

فما نزلت على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم آية من القرآن إلا أقرأنيها و أملاها على فكتبتها بخطي و علمني تأويلها و تفسيرها و ناسخها و منسوخها و محكمها و متشابهها و خاصها و عامها، و دعا الله لي أن يعطيني فهمها و حفظها، فما نسيت آية من كتاب الله و لا علما أملاه على و كتبته منذ دعا الله لي بما دعاه.

و ما ترك شيئا علمه الله من حلال و لا حرام أمر و لا نهى كان أو يكون و لا كتاب‏ منزل على أحد قبله في أمر بطاعة أو نهى عن معصية إلا علمنيه و حفظنيه «حفظته» فلم أنس حرفا واحدا، ثم وضع يده على صدرى و دعا الله لي أن يملاء قلبي علما و فهما و حكما و نورا، فقلت: يا نبي الله بأبي أنت و أمي إني منذ دعوت الله عز و جل لي بما دعوت لم أنس شيئا و لم يفتني شي‏ء لم أكتبه أفتتخوف على النسيان فيما بعد؟ فقال: لا لست أخاف عليك النسيان و لا الجهل.

و رواه في الكافي أيضا عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس مثله.

و رواه في البحار أيضا من كتاب الغيبة للنعماني عن ابن عقدة و محمد بن همام و عبد العزيز و عبد الواحد ابنا عبد الله بن يونس عن رجالهم عن عبد الرزاق و همام عن معمر بن راشد عن أبان بن أبي عياش عن سليم مثله.

و رواه في الاحتجاج عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال:

خطب أمير المؤمنين عليه السلام فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يقول: كيف أنتم إذا البستم الفتنة ينشؤ فيها الوليد، و يهرم فيها الكبير، و يجرى الناس عليها حتى يتخذوها سنة، فاذا غير منها شي‏ء قيل أتى الناس بمنكر غيرت السنة، ثم تشتد البلية و تنشؤ فيها الذرية و تدقهم الفتن كما تدق النار الحطب و كما تدق الرحى بثفالها، فيومئذ يتفقه الناس لغير الدين و يتعلمون لغير العمل و يطلبون الدنيا بعمل الاخرة ثم أقبل أمير المؤمنين عليه السلام و معه ناس من أهل بيته و خاص من شيعته فصعد المنبر و حمد الله و أثنى عليه و صلى على محمد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ثم قال:

لقد عملت الولاة قبلي بأمور عظيمة خالفوا فيها رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم متعمدين لذلك و لو حملت الناس على تركها و حولتها إلى مواضعها التى كانت عليها على عهد رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لتفرق عنى جندى حتى أبقى وحدى إلا قليلا من شيعتى الذين عرفوا فضلى و امامتى من كتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه و آله و سلم أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم عليه السلام فرددته إلى المكان الذى وضعه فيه‏

رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و رددت فدك إلى ورثة فاطمة عليهما السلام و رددت صاع رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و مده إلى ما كان، و أمضيت قطايع كان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أقطعها للناس مسمين ورددت دار جعفر بن أبي طالب إلى ورثته و هدمتها من المسجد، و رددت الخمس إلى أهله، و رددت قضاء كل من قضى بجور، و رددت سبى ذرارى بنى تغلب، و رددت ما قسم من أرض خيبر، و محوت ديوان العطاء و أعطيت كما كان يعطى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و لم أجعلها دولة بين الأغنياء.

و الله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا «يجمعوا خ» فى شهر رمضان إلا في فريضة فنادى بعض أهل عسكرى ممن يقاتل سيفه معى انعى به الاسلام و أهله: غيرت سنة عمر و نهى أن يصلى فى شهر رمضان فى جماعة حتى خفت أن يثور فى ناحية عسكرى ما لقيت و لقيت هذه الامة من أئمة الضلالة و الدعاة إلى النار.

و أعظم من ذلك سهم ذوى القربى قال الله «و اعلموا أنما غنمتم من شي‏ء فأن لله خمسه و للرسول و لذى القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل- منا خاصة- إن كنتم آمنتم بالله و ما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان» نحن و الله عنى بذوى القربى الذين قرنهم الله بنفسه و نبيه صلى الله عليه و آله و سلم و لم يجعل لنا فى الصدقة نصيبا أكرم الله نبيه صلى الله عليه و آله و سلم و أكرمنا أن يطعمنا أوساخ أيدى الناس.

فقال له عليه السلام رجل: إنى سمعت من سلمان و أبى ذر و المقداد شيئا من تفسير القرآن و الرواية عن النبى صلى الله عليه و آله و سلم و سمعت منك تصديق ما سمعت منهم- ثم ساق الحديث نحوا مما مر إلى قوله- حتى أن كانوا ليحبون أن يجي‏ء الاعرابى أو الطارئ فيسأله حتى يسمعوا، و كان لا يمر بى من ذلك شي‏ء إلا سألته و حفظته، فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم و عللهم في رواياتهم.

الترجمة

از جمله كلام آن إمام متقين است در حالتى كه سؤال كرد از او سؤال كننده از حديثهاى بدعتها و از آن خبرى كه در دست مردمان است از اختلاف أخبار نبويه پس فرمود:

بتحقيق كه در دست مردم حق است و باطل است و راست است و دروغ است و ناسخ است و منسوخ است و محكم است كه معنى آن ظاهر و متشابه است كه معنى آن مشتبه و محفوظ است از تحريف و زياده و نقصان و موهوم است كه غير محفوظ از خطا و خلل و غلط بوده، و بتحقيق كه دروغ بسته شد بر رسول خدا صلى الله عليه و آله و سلم در حال حياة تا اين كه برخاست در حالتي كه خطبه خواند پس فرمود: كسى كه دروغ بندد بر من عمدا پس بايد منزل دهد جاى نشيمن خود را در آتش جهنم، و جز اين نيست آورد بتو حديث را چهار كس كه نيست پنجمى از براى آنها:

اول كسى است كه منافق است كه ظاهر ساخته ايمان را و بخود بسته اسلام را، پرهيز ندارد از گناه و باك نمى ‏كند از تنگى معصيت دروغ مى ‏بندد بر رسول خدا صلى الله عليه و آله و سلم از روى عمد، پس اگر بدانند مردمان كه او منافق و دروغ‏گو است قبول نمى ‏كنند از او، و تصديق نمى ‏كنند قول او را، و ليكن ايشان مى‏ گويند كه اين شخص مصاحب رسول خدا است ديده است او را و شنيده است از او و أخذ نموده از او، پس فرا گيرند قول او را، و بتحقيق كه خبر داده است تو را خداى تعالى در قرآن از حال منافقان به آن چيز كه خبر داده، و وصف فرموده ايشان را بان چيز كه وصف كرده است از براى تو، پس باقى ماندند آن منافقان بعد از رحلت حضرت رسول صلى الله عليه و آله و سلم و تقرب جستند بسوى امامان ضلالت و گمراهى و دعوت كنندگان بسوى آتش جهنم بسبب دروغ و بهتان گفتن بر رسول خدا صلى الله عليه و آله و سلم، پس گردانيدند ايشان را صاحبان اختيار كارها و حاكمان بر مردان، و خوردند با دست يكى بودن ايشان مالها را، و جز اين نيست كه مردمان مايلند بپادشاهان و راغبند بدنيا مگر كسى كه حفظ نمايد او را خدا، پس اين كس يكى از آن چهار كس است.

دويمى كسى است كه شنيد از حضرت رسول صلى الله عليه و آله و سلم چيزى را كه حفظ نكرد آنرا با وجهى كه پيغمبر فرموده بود، پس غلط كرد در آن و عمدا دروغ نگفت پس آن حديث كه شنيده بود در دست او بود و روايت ميكرد آنرا و عمل مى ‏نمود بان و مى ‏گفت كه من شنيده‏ ام آنرا از رسول خدا صلى الله عليه و آله و سلم، پس اگر مى‏ دانستند مسلمانان كه او غلط كرده است در آن قبول نمى ‏كردند آن حديث را از او، و اگر مى‏ دانست آن كس كه آن حديث همچنين است هر آينه ترك مى‏ نمود آنرا.

و شخص سيمى شنيد از حضرت رسالتماب صلى الله عليه و آله و سلم چيزى را كه أمرى نمود بان پس نهى فرمود آن و آن شخص ندانست نهى آنرا، يا اين كه شنيد كه رسول خدا صلى الله عليه و آله و سلم نهي مي كرد از چيزى پس أمر فرمود بان و آن شخص ندانست امر به آن را پس حفظ نمود منسوخ را كه حكم أوليست و حفظ نكرد ناسخ را كه حكم ثانوى بود، پس اگر مى‏دانست كه حكم أولى منسوخ است هر آينه ترك ميكرد آن حكم را، و اگر مسلمانان مى‏ دانستند وقتى كه از او شنيدند آنرا كه آن منسوخ است هر آينه ترك مى‏كردند آنرا.

و شخص ديگر چهارمى است كه دروغ نگفته بر خداى تعالى و نه بر رسول خدا، دشمن دارنده دروغست از جهت ترس خدا و تعظيم رسول خدا، و توهم و غلط نكرده است بلكه حفظ نموده آنچه كه شنيده است بر وجهى كه شنيده است پس آورد آنرا يعنى روايت نمود بهمان قرار شنيده شده بدون زياده و نقصان، پس حفظ كرده ناسخ را و عمل كرده بان، و حفظ كرده منسوخ را و اجتناب نموده از آن، و شناخته است خاص و عام را پس گذاشته هر خبر را در مكان خود، و شناخته متشابه و محكم را و گاهى بود كه صادر مى‏شد از رسول خدا صلى الله عليه و آله و سلم كلاميكه از براى او دو وجه بود پس كلامى كه مخصوص بود و كلامى كه عموم داشت پس مى‏شنيد آنرا كسى كه نمى‏شناخت آنچه را كه قصد كرده بود خدا بان و نه آنچه را قصد كرده بود بان رسول خدا صلى الله عليه و آله و سلم پس حمل مى‏نمود سامع آن كلام را و توجيه مى‏نمود آنرا بدون معرفت بمعناى آن و به آن چه كه قصد شده بان و به آن چه كه صادر شده آن كلام از براى آن.

و نبودند جميع صحابه رسول خدا صلى الله عليه و آله و سلم كه سؤال كنند از او و طلب فهم‏ نمايند از آن تا اين كه دوست مى‏ داشتند اين كه بيايد عرب باديه نشينى يا غريب تازه واردى پس سؤال كند از او عليه السلام تا اين كه بشنوند جواب را، و بود كه نمى‏گذشت بمن در كلام حضرت رسول صلى الله عليه و آله و سلم خبرى مگر اين كه مى‏ پرسيدم رسول خدا را از آن و حفظ مى ‏نمودم آنرا.

پس اين است وجه هاى آن چيزى كه بودند مردمان بر آن در مختلف شدن ايشان و علتهاى ايشان در اختلاف روايات ايشان.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 208 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه ۲۰۹ صبحی صالح

۲۰۹- و من کلام له ( علیه ‏السلام  ) بالبصره و قد دخل على العلاء بن زیاد الحارثی و هو من أصحابه یعوده، فلما رأى سعه داره قال:

مَا کُنْتَ تَصْنَعُ بِسِعَهِ هَذِهِ الدَّارِ فِی الدُّنْیَا وَ أَنْتَ إِلَیْهَا فِی الْآخِرَهِ کُنْتَ أَحْوَجَ وَ بَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَهَ تَقْرِی فِیهَا الضَّیْفَ وَ تَصِلُ فِیهَا الرَّحِمَ وَ تُطْلِعُ مِنْهَا الْحُقُوقَ مَطَالِعَهَا فَإِذاً أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَهَ

فَقَالَ لَهُ الْعَلَاءُ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ أَشْکُو إِلَیْکَ أَخِی عَاصِمَ بْنَ زِیَادٍ قَالَ وَ مَا لَهُ قَالَ لَبِسَ الْعَبَاءَهَ وَ تَخَلَّى عَنِ الدُّنْیَا قَالَ عَلَیَّ بِهِ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ یَا عُدَیَّ نَفْسِهِ لَقَدِ اسْتَهَامَ بِکَ الْخَبِیثُ أَ مَا رَحِمْتَ أَهْلَکَ‏

وَ وَلَدَکَ أَ تَرَى اللَّهَ أَحَلَّ لَکَ الطَّیِّبَاتِ وَ هُوَ یَکْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِکَ

قَالَ یَا أَمِیرَ الْمُؤْمِنِینَ هَذَا أَنْتَ فِی خُشُونَهِ مَلْبَسِکَ وَ جُشُوبَهِ مَأْکَلِکَ قَالَ

وَیْحَکَ إِنِّی لَسْتُ کَأَنْتَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّهِ الْعَدْلِ أَنْ یُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَهِ النَّاسِ کَیْلَا یَتَبَیَّغَ بِالْفَقِیرِ فَقْرُهُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج۱۳  

و من كلام له عليه السلام بالبصرة و هو المأتان و الثامن من المختار فى باب الخطب‏
و هو مروى في شرح المعتزلي باختلاف تعرفه إنشاء الله، و روى بعض فقراته في الكافي أيضا مسندا بسند نذكره في التكملة الاتية.
قال الرضي رضي الله عنه: و قد دخل على العلاء بن زياد الحارثي و هو من أصحابه يعوده فلما رأى سعة داره قال عليه السلام:
ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا، أما أنت إليها في الاخرة
كنت أحوج، و بلى إن شئت بلغت بها الاخرة تقري فيها الضيف، و تصل فيها الرحم، و تطلع منها الحقوق مطالعها، فإذا أنت قد بلغت بها الاخرة. فقال له عليه السلام العلاء يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد قال عليه السلام: و ما له؟ قال: لبس العباء و تخلى من الدنيا، قال عليه السلام: علي به فلما جاء قال:
يا عدي نفسه، لقد استهام بك الخبيث، أ ما رحمت أهلك و ولدك، أ ترى الله أحل لك الطيبات و هو يكره أن تأخذها، أنت أهون على الله من ذلك، قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك و جشوبة مأكلك، قال عليه السلام: ويحك إني لست كأنت، إن الله تعالى فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره.

اللغة

(وسع) المكان القوم و وسع المكان يسع أى اتسع يتعدى و لا يتعدى و المصدر سعة بفتح السين و به قرء السبعة في قوله تعالى‏ و لم يؤت سعة من المال‏ و كسرها لغة و به قرء بعض التابعين قال الفيومي قيل: الأصل في المضارع الكسر و لهذا حذفت الواو لوقوعها بين ياء مفتوحة و كسرة ثم فتحت بعد الحذف لمكان حرف الحلق، و مثله يهب و يقع و يدع و يلغ و يطأ و يضع، و الحذف في يسع و يطأ مما ماضيه مكسور شاذ لأنهم قالوا: فعل بالكسر مضارعه يفعل بالفتح‏ و استثنوا أفعالا ليست هذه منها.

(و قريت) الضعيف أقريه من باب رمى و (عدى نفسه) تصغير عدو و أصله عديو و فحذفت إحدى الواوين و قلبت الثانية ياء تخفيفا ثم ادغمت ياء التصغير فيها و (هام) يهيم خرج على وجهه لا يدرى أين يتوجه فهو هائم و استهام بك أى جعلك هائما، و قال الشارح البحراني: اى أذهبك لوجهك و زين لك الهيام و هو الذهاب في التيه.

و (الملبس) و (المأكل) مصدران بمعنى المفعول، و طعام (جشب) و مجشوب غليظ و قيل الذى لا ادام معه و (أئمة الحق) في بعض النسخ أئمة العدل بدله و (يقدروا) أنفسهم في بعض النسخ بالتخفيف مضارع قدر من باب ضرب و في بعضها بالتثقيل و المعنى واحد مأخوذان من القدر بمعنى التضييق قال تعالى‏ الله يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر* له أو بمعنى قياس الشي‏ء بالشي‏ء و يقال أيضا هذا قدر هذا و قدره أى مماثله و (البيغ) ثوران الدم و تبيغ عليه الأمر اختلط و الدم هاج و غلب.

الاعراب‏

قوله: ما كنت تصنع، كان هنا زايدة كما في قوله تعالى‏ كيف نكلم من كان في المهد صبيا و قوله: أما أنت اه أما حرف استفتاح يبدء بها الكلام و فايدتها المعنوية توكيد مضمون الجملة التي بعدها قال نجم الأئمة: و كأنها مركبة من همزة الانكار و حرف النفى و الانكار نفى و نفى النفى إثبات ركب الحرفان لافادة الاثبات و التحقيق و فايدتها اللفظية كون الكلام بعدها مبتدأ به، و في بعض النسخ ما أنت بدل أما أنت و عليه فتكون ما موصولة بدلا من الدار أو من سعة و الأول أظهر.
و قوله إليها متعلق بقوله أحوج، و كذا قوله: فى الاخرة، و قوله: و بلى استدراك عن الجملة السابقة قال الفراء أصلها بل زيدت عليها الألف للوقف، و قال نجم الأئمة: لفظة بل التي تليها الجمل للانتقال من جملة إلى اخرى أهم من الاولى، قال: و تجى‏ء بعد الاستفهام أيضا كقوله: أ تأتون الذكران‏ إلى قوله‏ بل أنتم قوم عادون‏.
أقول: و يكون بلى هنا بمعنى الاستدراك ادخلت عليها الواو كما تدخل على لكن، و يجوز جعلها عاطفة للجملة على الجملة و لكن جعلها اعتراضية أظهر من حيث المعنى.
و جملة تقرى فيها الضيف يجوز أن تكون حالا من قوله بها، و يجوز أن تكون استينافا بيانيا فانه عليه السلام لما قال له: إن شئت بلغت بها، فكأنه سئل عن كيفية البلاغ فقال: تقرى فيها.

و قوله: على به، اسم فعل أى ايتونى به قال نجم الأئمة: يقال عليك زيدا أى خذه كأن الأصل عليك أخذه و أما علي بمعنى ادلنى فهو مخالف للقياس من وجه آخر إذ هو أمر لكن الضمير المجرور به في معنى المفعول يقال علي زيدا أى قر بنيه و القياس أن يكون المجرور فاعلا، و قوله: يا عدى نفسه يحتمل أن يكون التصغير للتحقير، و أن يكون للتعظيم كما فى قول الشاعر:

و ديهية تصفر منها الأنامل‏

و جملة: لقد استهام بك، جواب قسم مقدر و الباء زايدة، و أما رحمت، حرف تنديم و استفهام توبيخي أ ترى الله استفهام توبيخي، و قوله هذا أنت في خشونة ملبسك الظرف حال من أنت لأنه في المعنى مفعول لمدلول هذا أى اشير إليك حال كونك في خشونة اه و مثل ذلك قوله تعالى‏ هذا بعلي شيخا أى انبه عليه أو اشير إليه شيخا.

المعنى‏

اعلم أن هذا الكلام‏ قاله‏ بالبصرة و قد دخل على العلاء بن زياد الحارثى و هو من أصحابه يعوده‏ و يتفقد حاله لمرضه‏ فلما رأى عليه السلام سعة داره قال: استفهام توبيخي- استفهام انكارى (ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا) استفهام وارد معرض التوبيخ و الانكار لما صنعه لمنافاته الزهد المطلوب و لما نبه على ذلك أردفه بقوله‏ (أما أنت إليها في الاخرة كنت أحوج) تنبيها له على كون السعة محتاجا إليها في الاخرة مزيد الاحتياج، و ذلك لكون الدنيا دار فناء و انقطاع و الاخرة دار قرار و بقاء، و معلوم أن إصلاح المقر أولى من الممر، و الحاجة إليه فيه أزيد و أشد.

ثم استدرك بقوله‏ (و بلى إن شئت بلغت بها الاخرة) يعنى أنك بعد ما فرطت في توسعتها و بنائها يمكن لك تدارك ذلك بأن تجعلها بلاغا و وصلة و وسيلة إلى اتساع الدار الاخرة بأن‏ (تقرى فيها الضيف و تصل فيها الرحم) و القرابة (و تطلع منها الحقوق مطالعها) أى تخرج فيها الحقوق المالية الواجبة و المندوبة من الخمس و الزكاة و الصدقات و صنايع المعروف و الحق المعلوم للسائل و المحروم و ساير وجوه البر المقربة إلى الله سبحانه و تضعها في مواضعها اللايقة و تصرفها في مصارفها المستحقة.

و قال الشارح البحراني: مطالع الحقوق وجوهها الشرعية المتعلقة به كالزكاة و الصدقة و غيرهما، و الأظهر بل الأولى ما ذكرناه.
و كيف كان فالمراد أنك إن أتيت فيها بالقربات و الحسنات و أقمت باخراج الحقوق المفروضات و المندوبات‏ (فاذا أنت قد بلغت بها الاخرة) و احملت «جمعت ظ» بينها و بين الدنيا (فقال له العلاء يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد قال و ما له قال لبس العباء و تخلى من الدنيا).

قيل: المراد بلبس العباء جعلها شعارا أو ترك القطن و نحوه و الاكتفاء بلبسها في الصيف و الشتاء و في وصية النبي صلى الله عليه و آله و سلم لأبي ذر: يكون في آخر الزمان قوم يلبسون الصوف في صيفهم و شتائهم يرون لهم بذلك الفضل على غيرهم اولئك يلعنهم ملائكة السماوات و الأرض، انتهى.
أقول: و الأظهر أن المراد أنه اقتصر بلبس العباء و ترك‏ الدنيا بالمرة و لم يأخذ منها سواها.

(قال عليه السلام على به) أى ائتوني به و احضروه لدى‏ (فلما جاء قال عليه السلام يا عدى نفسه).
قال الشارح البحراني: صغره استصغارا له باعتبار أن شيطانه لم يقده إلى كبيرة بل قاده إلى أمر و إن كان خارجا به عن الشريعة إلا أنه قريب من السلامة و دخل عليه بالخدعة في رأى الصالحين، و قيل: بل صغره من جهة حقارة فعله ذلك‏لكونه عن جهل منه، انتهى.

و الأظهر أن يكون التصغير للتعظيم، و الغرض منه استعظامه لعداوته لها باعتبار ظلمه عليها، و ذلك لأن لنفسه و لكل من جوارحه عليه حقا و قد روينا في شرح الخطبة التاسعة و الثمانين في ضمن أخبار محاسبة النفس من الوسايل من الخصال و معاني الأخبار عن عطا عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم في حديث قال: و على العاقل ما لم يكن مغلوبا أن تكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، و ساعة يحاسب فيها نفسه، و ساعة يتفكر فيها صنع الله إليه، و ساعة يخلو فيها بحظ نفسه من الحلال فان هذه الساعة معينة لتلك الساعات، و استجمام للقلوب و تفريغ لها.

و فى البحار من كتاب تنبيه الخاطر قيل: إن سلمان رضى الله عنه جاء زائرا لأبي الدرداء فوجد ام الدرداء مبتذلة، فقال: ما شأنك؟ قالت: إن أخاك ليست له حاجة في شي‏ء من أمر الدنيا، قال: فلما جاء أبو الدرداء رحب لسلمان و قرب إليه طعاما فقال لسلمان اطعم فقال: إنى صائم، قال: أقسمت عليك إلا ما اطعمت، فقال: ما أنا باكل حتى تأكل، قال: و بات عنده فلما جاء الليل قام أبو الدرداء فحبسه سلمان فقال: يا أبا الدرداء إن لربك عليك حقا، و لجسدك عليك حقا، و لأهلك عليك حقا، فصم و افطر و صل و نم و أعط كل ذى حق حقه، فأتى أبو الدرداء النبي صلى الله عليه و آله و سلم فأخبره بما قال سلمان فقال عليه السلام مثل قول سلمان.

و قوله‏ (لقد استهام بك الخبيث) أى جعلك هائما متحيرا لا تدرى ما تفعل و أين تذهب، و فيه تنبيه على أن تركه للدنيا لم يكن عن خالص العقل، بل كان بمداخلة الشيطان و شوب الهوى، و ذلك بما كان في فعله ذلك من الاخلال بجملة من الحقوق الواجبة شرعا عليه من حق الأهل و الأولاد كما أشار إليه بقوله:
استفهام توبيخي- استفهام انكارى‏ (أما رحمت أهلك و ولدك) استفهام في معرض التوبيخ و الانكار، لاعراضه عنهم و تركه لهم و عدم ترحمه عليهم، و قد جعل الله تعالى عليه حقا.

كما يدل عليه ما رواه في البحار من كتاب تحف العقول في رسالة علي بن‏ الحسين عليه السلام المعروفة برسالة الحقوق قال عليه السلام:
و أما حق أهل بيتك عامة، فاضمار السلامة، و نشر جناح الرحمة، و الرفق بمسيئهم، و شكر محسنهم إلى نفسه و إليك فان إحسانه إلى نفسه إحسانه إليك إذا كف عنك أذاه و كفاه مؤنته و حبس عنك نفسه. فعمهم جميعا بدعوتك و انصرهم جميعا بنصرتك، و أنزلهم جميعا منك منازلهم، كبيرهم بمنزلة الوالد، و صغيرهم بمنزلة الولد، و أوسطهم بمنزلة الأخ.

و فى هذه الرسالة أيضا و أما حق ولدك فتعلم أنه منك و مضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره و شره و انك مسئول عما وليته من حسن الأدب و الدلالة على ربه و المعونة له على طاعته فيك و في نفسه فمثاب على ذلك و معاقب فاعمل في أمره عمل المتزين بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا المعذر إلى ربه فيما بينك و بينه بحسن القيام عليه و الأخذ له منه و لا قوة إلا بالله.
و فى البحار من الفقه الرضوى أروى عن العالم عليه السلام، أنه قال لرجل:
ألك والدان؟ فقال: لا، فقال: أ لك ولد؟ قال: نعم، قال له: بر ولدك يحسب لك بر والديك.
و روى أنه قال: بروا أولادكم و أحسنوا إليهم فانهم يظنون أنكم ترزقونهم و فى الفقيه قال الصادق عليه السلام بر الرجل بولده بره بوالديه.
و فى خبر آخر من كان عنده صبى فليتصاب له.

و فى الوسايل من الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله ليرحم العبد لشدة حبه بولده.
و عن كليب الصيداوى قال قال لى أبو الحسن عليه السلام: اذا وعدتم الصبيان ففوا لهم فانهم يرون أنكم الذين ترزقونهم، إن الله عز و جل ليس يغضب لشي‏ء كغضبه للنساء و الصبيان.
و فى الكافي في كتاب المعيشة في باب الحث على الطلب و التعرض للرزق عن معلى بن خنيس قال: سأل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل و أنا عنده، فقيل: أصابته الحاجة
فقال: ما يصنع اليوم؟ قيل: في البيت يعبد ربه قال: فمن أين قوته؟ قيل: من عند بعض إخوانه فقال أبو عبد الله عليه السلام: و الله الذي يقوته أشد عبادة منه.

و فيه عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: من طلب الدنيا استعفافا عن الناس و سعيا على أهله و تعطفا على جاره لقى الله عز و جل يوم القيامة و وجهه مثل القمر ليلة البدر.
ثم أنكر عليه ثانيا بقوله استفهام انكارى‏ (أ ترى الله أحل لك الطيبات) من الرزق و الفاخرات من اللباس‏ (و هو يكره أن تأخذها) و نبه بهذه الجملة الانكارية على أن التخلية من الدنيا بالكلية ليست مطلوبة للشارع، لأنها توجب اختلال نظام العالم، و فيه نقض لغرض الشارع و مقصوده الذى هو عمارة الأرض و بقاء النوع الانساني حينا من الدهر و مدة من الزمان التي اقتضت الحكمة الالهية و المشية الربانية بقائه إلى تلك المدة ليعبدوه و يوحدوه سبحانه فيها، لأن التعمير و التمدن و بقاء النوع لا يحصل و لا يتم إلا بتعاون أبناء النوع و تشاركهم على القيام بمصالح البقاء و لوازمه و ترك الدنيا و الاعراض عنها مناف لذلك الغرض البتة، هذا.

تلميح و في قوله عليه السلام: أ ترى الله أحل لك الطيبات‏، تلميح إلى قوله عز و جل‏ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة أى من حرم الثياب التي تتزين بها الناس و ساير ما يتجمل به مما أخرجها الله من الأرض لعباده من القطن و الكتان و الابريشم و الصوف و الجواهر و المستلذات من الماكل و المشارب روى في الصافي من الكافي عن الصادق عليه السلام بعث أمير المؤمنين عبد الله بن عباس إلى ابن الكوا و أصحابه و عليه قميص رقيق و حلة، فلما نظروا إليه قالوا:
يا ابن عباس أنت خيرنا في أنفسنا و أنت تلبس هذا اللباس؟ قال: و هذا أول ما اخاصمكم فيه‏ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق‏ و قال الله‏ خذوا زينتكم عند كل مسجد.

و عن الصادق عليه السلام أنه كان متكئا على بعض أصحابه فلقيه عباد بن كثيرو عليه عليه السلام ثياب مروية فقال يا أبا عبد الله إنك من أهل بيت النبوة و كان أبوك‏ و كان‏ فما لهذه الثياب المروية عليك؟ فلو لبست دون هذه الثياب فقال له: ويلك يا عباد من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق إن الله عز و جل إذا أنعم على عبده نعمة أحب أن يراها عليه ليس بها بأس، ويلك يا عباد إنما أنا بضعة من رسول الله فلا تؤذوني و كان عباد يلبس ثوبين من قطن و فى شرح المعتزلي روى ان قوما من المتصوفة دخلوا بخراسان على علي ابن موسى الرضا عليهما السلام فقالوا له إن أمير المؤمنين‏ فكر فيما ولاه الله من الامور فرآكم أهل البيت أولى الناس أن تؤموا الناس و نظر فيكم أهل البيت فرآك أولى الناس بالناس فرأى أن يرد هذا الأمر إليك و الامامة تحتاج إلى من يأكل الجشب و يلبس الخشن و يركب الحمار و يعود المريض، فقال عليه السلام لهم: إن يوسف كان نبيا يلبس أقبية الديباج المزرورة بالذهب، و يجلس على متكئات آل فرعون، و يحكم إنما يراد من الامام قسطه و عدله إذا قال صدق و إذا حكم عدل و إذا وعد أنجز إن الله لم يحرم لبوسا و لا مطعما، ثم قرء قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده‏ الاية.

و قال ابن عباس في قوله‏ قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة يعنى أن المؤمنين يشاركون المشركين في الطيبات في الدنيا فأكلوا من طيبات طعامهم، و لبسوا من جياد ثيابهم، و نكحوا من صالح نسائهم، ثم يخلص الله الطيبات في الاخرة للذين آمنوا و ليس للمشركين فيها شي‏ء.
و في الصافي من الامالي عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث: و اعلموا يا عباد الله إن المتقين حازوا عاجل الخير و آجله، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم، و لم‏ يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، أباحهم الله الدنيا ما كفاهم و أغناهم قال الله عز و جل‏ قل من حرم زينة الله‏ الاية سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، و أكلوها بأفضل ما اكلت، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم فأكلوا معهم من طيبات ما يأكلون، و شربوا من طيبات ما يشربون، و لبسوا من أفضل ما يلبسون، و سكنوا من أفضل ما يسكنون، و تزوجوا من أفضل ما يتزوجون، و ركبوا من أفضل ما يركبون، و أصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا، و هم غدا جيران الله يتمنون عليه فيعطيهم ما يتمنون، لا ترد لهم دعوة، و لا ينقص لهم نصيب من اللذة، فالى هذا يا عباد الله يشتاق إليه من كان له عقل، هذا.

و قوله عليه السلام‏ (أنت أهون على الله من ذلك) يعنى أن أفعال الله سبحانه و أحكامه ليست كأفعال خلقه و أحكامهم، فربما يعطى الواحد منا مالا لاخر مع عدم طيب نفسه به بل على كره منه له أو يأذن له أن يسكن في منزله باقتضاء مصلحة لاحظها فيه من مداراة معه و نحوها مع كراهة له باطنا و أما الله القادر القاهر العزيز ذوا السلطان فأجل و أعلى من أن يكون ما أعطاه و أحله لعباده من باب المصانعة و المجاملة، لأنهم أهون عنده تعالى من ذلك، و أى ملاحظة للخالق من مخلوقه الذليل، و مداهنة للقاهر من مقهوره الضعيف المقيد بقيد الرقية و العبودية.
(قال يا أمير المؤمنين هذا أنت) إمامنا و قد و تنا حال كونك‏ (في خشونة ملبسك) حيث قنعت من اللباس بطمريه‏ (و جشوبة مأكلك) حيث اقتصرت من الطعام بقرصيه فينبغي لنا أن نتأسي و نأتم بك و نحذ و حذوك.

(قال عليه السلام ويحك) كلمة رحمة قالها شفقة و عطوفة (إنى لست كأنت) يعنى أن تكليفى الشرعي غير تكليفك، و أشار إلى وجه المغايرة بقوله:
(إن الله تعالى فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس) أى يضيقوا على‏ أنفسهم‏ في المعاش بضيق الفقراء و الضعفاء أو يقيسوا أنفسهم‏ بهؤلاء و يكونوا شبيها بهم‏(كيلا يتبيغ) و يغلب‏ (بالفقير فقره) فيقل صبره فيعطب، و ذلك فان‏ الفقير إذا رأى إمامه و مقتداه بزى الفقراء و معاشه مثل معاش المساكين كان له تسلية عما يتجرعه من غصص الفقر و نغص المسكنة هذا.

و يؤيد ما ذكره عليه السلام من أن الفرض على أئمة الحق أن‏ يقدروا أنفسهم‏ بالضعفاء:
ما رواه في الصافي عن الصادق عليه السلام أنه قيل له: أصلحك الله ذكرت أن علي بن أبي طالب كان يلبس الخشن يلبس القميص بأربعة دراهم و ما أشبه ذلك و نرى عليك اللباس الجيد، فقال عليه السلام له: إن علي بن أبي طالب كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر، و لو لبس مثل ذلك اليوم لشهر به، فخير لباس كل زمان لباس أهله غير أن قائمنا عليه السلام إذا قام لبس ثياب علي بن أبي طالب عليه السلام و سار بسيرته فانه يستفاد منه أن القائم عند ظهوره يسير سيرة أمير المؤمنين عليه السلام، و يسلك مسلكه في اللباس و غيره، لكونه مطمح نظر العموم كأمير المؤمنين، و أما ساير الأئمة فلا، و ما أجاب الصادق عليه السلام به للسائل فجواب إقناعى لاسكاته و الجواب الحقيقي ما قاله عليه السلام في المتن من أن‏ لا يتبيغ بالفقير فقره‏.

تكملة

قال الشارح المعتزلي: و اعلم أن الذي رويته عن الشيوخ و رأيته بخط أحمد بن عبد الله بن الخشاب:
أن الربيع بن زياد الحارثي أصابه نشابة في جبينه فكانت تنتقض عليه في كل عام، فأتاه علي عليه السلام عائدا فقال: كيف تجدك أبا عبد الله؟ قال: أجدني يا أمير المؤمنين لو كان لا يذهب ما بى إلا بذهاب بصرى لتمنيت ذهابه، قال: و ما قيمة بصرك عندك؟ قال لو كانت الدنيا لفديته بها، قال: لا جرم ليعطينك الله على قدر ذلك إن الله يعطى على قدر الألم و المصيبة و عنده تضعيف كثير، قال الربيع: يا أمير المؤمنين ألا أشكو اليك عاصم بن زياد أخى؟ قال عليه السلام: و ماله؟ قال: لبس العباء و ترك الملاء و غم أهله و حزن ولده، فقال عليه السلام: ادعوا لى عاصما فلما،

أتاه عبس وجهه و قال: ويحك يا عاصم أ ترى الله أباح لك اللذات و هو يكره ما أخذت منها، لأنت أهون على الله من ذلك، أو ما سمعته يقول‏ مرج البحرين يلتقيان‏ ثم قال‏ يخرج منهما اللؤلؤ و المرجان‏ و قال‏ و من كل تأكلون لحما طريا و تستخرجون حلية تلبسونها أما و الله ابتذال نعم الله بالفعال‏ أحب إليه من ابتذالها بالمقال، و قد سمعتم الله يقول‏ و أما بنعمة ربك فحدث‏ و قوله‏ من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق‏ إن الله خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين فقال‏ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم‏ و قال‏ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات و اعملوا صالحا و قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لبعض نسائه:

مالي أراك شعثاء مرهاء سلتاء قال عاصم: فلم اقتصرت يا أمير المؤمنين على لبس الخشن و أكل الجشب؟ قال عليه السلام: إن الله افترض على أئمة العدل أن يقدر ما لأنفسهم بالقوام كيلا يتبيغ بالفقير فقره، فما قام علي عليه السلام حتى نزع عاصم العباء و لبس ملائة.
قال الشارح: و الربيع بن زياد هو الذي افتتح بعض خراسان، و أما العلاء ابن زياد الذى ذكره الرضي رحمه الله فلا أعرفه لعل غيرى يعرفه.
أقول: و يؤيد ما ذكره الشارح رواية الكليني فانه روى في الكافي في باب سيرة الامام عن علي بن محمد عن صالح بن أبي حماد و عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد و غيرهما بأسانيد مختلفة في احتجاج أمير المؤمنين على عاصم بن زياد حين لبس العباء و ترك الملاء و شكاه أخوه الربيع بن الزياد إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنه قد غم أهله و أحزن ولده بذلك فقال أمير المؤمنين: علي بعاصم بن زياد، فجي‏ء به فلما رآه‏

عبس في وجهه فقال له: أما استحييت من أهلك أما رحمت ولدك أ ترى الله أحل لك الطيبات و هو يكره أخذك منها أنت أهون على الله من ذلك أو ليس الله يقول‏ و الأرض وضعها للأنام فيها فاكهة و النخل ذات الأكمام‏ أو ليس الله يقول‏ مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان‏ إلى قوله‏ يخرج منهما اللؤلؤ و المرجان‏ فيا لله لابتذال نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال، و قد قال الله عز و جل‏ و أما بنعمة ربك فحدث‏ فقال عاصم: يا أمير المؤمنين فعلى ما اقتصرت في مطعمك علي الجشوبة و في ملبسك على الخشونة؟ فقال: ويحك إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره، فألقى عاصم بن زياد العباء و لبس الملاء اللهم وفقنا لطاعتك بمحمد و آله.

با عرض سلام وادب خدمت دوستاران وفرهیختگان :
مدیریت سایت علما وعرفا با توجه به محتویات سایت از گذاشتن شرح کامل این خطبه با توجه به نظرات میرزا حبیب الله خویی که نظرات کاملا منتقدانه از جامعه عرفا داردمعذور می باشد علاقه مندان می توانند این شرح را در جلد ۱۳ منهاج ‏البراعة مطالعه نمایند
باسپاس سایت علما عرفا

الترجمة

از جمله كلام هدايت نظام أمير مؤمنان عليه السلام است در بصره در حالتى كه داخل شد بر علاء پسر زياد حارثى و او از أصحاب آن حضرت بود عيادت مى‏ فرمود او را پس وقتى كه ديد وسعت خانه او را فرمود:

چه كار مى ‏كنى با وسعت اين خانه در دنيا آگاه باش كه تو بسوى وسعت خانه در آخرت هستى محتاج‏تر، و بلى اگر بخواهى مى‏ توانى برسى با آن باخرت مهماندارى بكنى در آن مهمانان را و صله أرحام نمائى، و اخراج حقوق الله كنى و در مصارف شرعيه صرف نمائى، پس در اين صورت تو محققا رسيده با او بسوى آخرت.

پس عرض كرد بان حضرت علاء كه يا أمير المؤمنين شكايت مي كنم بسوى تو از برادرم عاصم بن زياد.

فرمود آن حضرت چه خبر است او را عرض نمود كه عبا پوشيده و از دنيا خلوت گزيده.

فرمود: كه حاضر كنيد او را نزد من، پس وقتى كه آمد فرمود أى دشمنك نفس خود بتحقيق كه سرگردان كرده تو را شيطان خبيث آيا رحم نكردى أهل‏ خود را و اولاد خود را، آيا همچنين اعتقاد مي كنى كه خدا حلال كرده از براى تو پاكيزه‏ ها و طيبات دنيوى را و حال آنكه آن خدا كراهت دارد كه تو فراگيرى آنها را، تو خوارترى نزد خدا از اين.

عرض كرد أى أمير مؤمنان اين تو هستى در خشونت و زبرى پوشاك و غلظت و بى‏ مزگى خوراك.

فرمود: واى بر تو بدرستى من نيستم مثل تو، بدرستى خداوند تعالى واجب ساخته بر امامان حق عادل كه تنگ بگيرند بر نفسهاى خود يا قياس نمايند نفسهاى خودشان را بضعفا و فقراى خلق در رفتار و كردار تا اين كه غالب نشود و مضطرب نسازد فقير را فقر و پريشانى او. و بالله التوفيق و منه الاستعانة و عليه التوكل و الاعتماد حتى وفقنا لما يحب و يرضى و هدانا سبيل الرشد و طريق الوصول إليه.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

 

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 207 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 208 صبحی صالح

208- و من كلام له ( عليه‏ السلام  ) قاله لما اضطرب عليه أصحابه في أمر الحكومة

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ أَمْرِي مَعَكُمْ عَلَى مَا أُحِبُّ حَتَّى نَهِكَتْكُمُ‏الْحَرْبُ وَ قَدْ وَ اللَّهِ أَخَذَتْ مِنْكُمْ وَ تَرَكَتْ وَ هِيَ لِعَدُوِّكُمْ أَنْهَكُ.

لَقَدْ كُنْتُ أَمْسِ أَمِيراً فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَأْمُوراً وَ كُنْتُ أَمْسِ نَاهِياً فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَنْهِيّاً وَ قَدْ أَحْبَبْتُمُ الْبَقَاءَ وَ لَيْسَ لِي أَنْ أَحْمِلَكُمْ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج13  

و من كلام له عليه السّلام و هو المأتان و السابع من المختار فى باب الخطب

و قد رويناه في شرح الخطبة الخامسة و الثلاثين من كتاب صفين لنصر بن مزاحم باختلاف يسير عرفته. قاله لمّا اضطرب عليه عليه السّلام أصحابه في أمر الحكومة.

أيّها النّاس إنّه لم يزل أمري معكم على ما أحبّ، حتّى نهكتكم الحرب، و قد و اللّه أخذت منكم و تركت، و هي لعدوّكم أنهك، لقد كنت أمس أميرا، فأصبحت اليوم مأمورا، و كنت أمس ناهيا، فأصبحت اليوم منهيّا، و قد أحببتم البقاء، و ليس لي أن أحملكم على ما تكرهون.

اللغة

(نهكته) الحمّى نهكأ من باب منع و تعب هزلته، و نهكه السلطان عقوبة بالغ فيه، و نهكت الثّوب لبسته حتّى خلق و بلى (و الحرب) مؤنّث سماعيّ و قد تذكر ذهابا إلى معنى القتال فيقال حرب شديد

الاعراب

قوله عليه السّلام: و قد و اللّه أخذت، جملة القسم معترضة بين قد و مدخولها جيئت بها لتأكيد الكلام.

المعنى

اعلم أنّه قد تقدّم في شرح الخطبة الخامسة و الثلاثين تفصيل قصّة الحكومة و عرفت هناك أنّ أهل الشام لمّا ضعفوا عن مقاومة أهل العراق و عجزوا عن مقاتلتهم و رأوا علوّ كلمة الحقّ و أيقنوا بالهلاك و العطب، عدلوا عن القراع إلى الخداع فرفعوا المصاحف على الرّماح بتدبير ابن النابغة عمرو بن العاص اللّعين على وجه الخديعة و المكيدة.

و لمّا رأى أهل العراق منهم ذلك كفّوا أيديهم عن القتال و اجتمعوا عليه عليه السّلام و طالبوه بالكفّ عنهم و كانوا في ذلك على أقسام.

فمنهم من دخلت عليه الشّبهة برفع المصاحف و اعتقدوا أنّهم لم يرفعوها خديعة و حيلة بل حقا و عملا بموجب الكتاب و تسليما للدّين الحقّ فرأى أنّ الاستسلام للحجّة أولى من الاصرار على الحرب.

و منهم من قد كان ملّ من الحرب بطول المدّة، فلمّا رأى شبهة ما يسوغ التعلّق بها فى رفض المحاربة و حبّ العافية أخلد إليها.

و منهم من كان يبغض أمير المؤمنين عليه السّلام بالباطن و يطيعه بالظاهر كما يطيع كثير من النّاس السلطان ظاهرا أو يبغضه باطنا فلمّا وجد طريقا إلى خذلانه و ترك نصرته أسرع إليها.

فاجتمع جمهور عسكره إليه عليه السّلام و طالبوه الكفّ فامتنع امتناع عالم بالمكيدة و عرّفهم أنّها خدعة و حيلة و قال لهم: إنّى أعرف بالقوم منكم و أعلم أنّهم ليسوا بأهل دين و لا قرآن فلا تغترّوا برفعهم للمصاحف و انهدوا إليهم و لم يبق منهم إلّا آخر نفسهم، فأبوا عليه و لجّوا و أصرّوا على القعود و الخذلان و طلبوا أن ينفذ إلى الأشتر و ساير المحاربين أن يكفّوا عن الحرب و يرجعوا.

فأرسل إلى الأشتر و أمره بالرّجوع، فقال الأشتر: و كيف أرجع و قد لاحت‏أمارات الظفر و قال له: ليمهلني ساعة واحدة و لم يكن عالما بصورة الحال، فلمّا عاد إليه الرّسول بذلك غضبوا و شغبوا و قالوا: أنفذت إلى الأشتر سرّا تأمره بالجدّ و تنهاه عن الكفّ و إن لم يعد قتلناك كما قتلنا عثمان.

فرجعت الرّسل إلى الاشتر فقالوا له: أتحبّ أن تظفر بالعدوّ و أمير المؤمنين قد سلّت عليه خمسون ألف سيف، فقال: ما الخبر قالوا: إنّ الجيش بأسره قد أحدقوا به و هو جالس بينهم على الأرض تحته نطع و هو مطرق و البارقة تلمع على رأسه يقولون: لئن لم يرجع الأشتر قتلناك.

فرجع فوجد أمير المؤمنين تحت الخطر قد ردّوه أصحابه بين الأمرين إن لم يكفّ عن الحرب إمّا أن يسلّموه إلى معاوية أو يقتلوه و لا ناصر له منهم إلّا ولداه و ابن عمّه و نفر قليل لا يبلغ عشرة.

فلمّا رآهم الأشتر شتمهم و شتموه و أبوا و قالوا: المصاحف المصاحف و الرّجوع إليها لا نرى غير ذلك، فأجابهم أمير المؤمنين إلى ذلك كرها دفعا للأفسد بالفاسد و قال لهم: (أيّها الناس إنه لم يزل أمرى معكم على ما احبّ) من قتال أهل البغي و العدوان و استيصال القاسطين من حزب الشّيطان (حتّى) عاد طاعتكم لي إلى المخالفة و نصرتكم إلى الخذلان و المنابذة فأبيتم إباء المخالفين الجفاة و المنابذين العصاة بما (نهكتكم) و هزلتكم (الحرب) بطول مدّتها و ثقل أوزارها.

و نبّه على خطائهم في القعود عنها بقوله (و قد و اللّه أخذت منكم) طائفة (و تركت) طائفة فلم تستأصلكم بالمرّة بل بقيت منكم بقيّة (و هي لعدوّكم) أنكى و (أنهك) إذ لم يبق منهم إلّا حشاشة ضعيفة فانّ القتل في أهل الشام كان أشدّ استحرارا و الوهن فيهم أظهر، و لو لا فساد أهل العراق لاستوصل الشّام و خلص إلى معاوية فأخذه بعنقه، و لم يكن قد بقي من قوّة أهل الشام إلّا حركة المذبوح و مثل حركة ذنب الوزغة عند قتلها يضطرب يمينا و شمالا.

ثمّ أخذ في التّشكّي منهم بسوء فعلهم فقال (لقد كنت أمس أميرا فأصبحت‏اليوم مأمورا) لا يخفى حسن المقابلة بين القرينتين و هو من مقابلة الثلاثة بالثلاثة.

و كذا في قوله (و كنت أمس ناهيا فأصبحت اليوم منهيّا) ثمّ ساق الكلام مساق التّعريض و التقريع فقال (و قد أحببتم البقاء و ليس لي أن أحملكم على ما تكرهون) من القتال و القتل، و عدم حمله لهم على ذلك إمّا لعدم القدرة أو لعدم اقتضاء المصلحة ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا.

الترجمة

از جمله كلام معجز نظام آن امام أنام عليه الصلاة و السلام است كه فرموده آن را هنگامى كه مضطرب شدند و اغتشاش نمودند أصحاب او بر او در أمر حكومت حكمين پس فرمود آن بزرگوار بايشان: اى مردمان بدرستي كه ثابت بود أمر من و شما بر چيزى كه دوست مي ‏داشتم تا اين كه لاغر و ضعيف نمود شما را حرب و كارزار و حال آنكه قسم بخدا آن حرب بعض شما را فرا گرفت و بعضى را فرو گذاشت، و از براى دشمن زيادتر موجب لاغرى آنها شد، بتحقيق بودم ديروز أمير شما پس گرديدم امروز مأمور، و بودم ديروز نهى كننده و گرديم امروز نهي شده، و بتحقيق دوست داشتيد زندگاني را و نيست مرا كه الزام نمايم شما را بر چيزى كه مكروه طبع شماست.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 206 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 207 صبحی صالح

207- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) في بعض أيام صفين و قد رأى الحسن ابنه ( عليه ‏السلام  ) يتسرع إلى الحرب‏

امْلِكُوا عَنِّي هَذَا الْغُلَامَ لَا يَهُدَّنِي فَإِنَّنِي أَنْفَسُ بِهَذَيْنِ يَعْنِي الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ ( عليهماالسلام  )عَلَى الْمَوْتِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى ‏الله‏ عليه ‏وآله‏ وسلم  )

قال السيد الشريف قوله ( عليه ‏السلام  ) املكوا عني هذا الغلام من أعلى الكلام و أفصحه

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج13  

و من كلام له عليه السّلام فى بعض ايام صفين و هو المأتان و السادس من المختار فى باب الخطب

و قد رأى الحسن عليه السّلام ابنه يتسرّع إلى الحرب: أملكوا عنّي هذا الغلام لا يهدّني، فإنّي أنفس بهذين-  يعني الحسن و الحسين عليهما السّلام-  على الموت، لئلّا ينقطع بهما نسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. قال الرضى أبو الحسن «ره»: قوله: املكوا عنى هذا الغلام من أعلى الكلام و أفصحه.

اللغة

(ملكه) يملكه من باب ضرب ملكا بتثليث الميم احتواه قادرا على الاستبداد به، فهو مالك و ذاك مملوك و عبد مملكة مثلّثة اللام إذا سبى و ملك و لم يملك أبواه‏و ملك على النّاس أمرهم إذا تولى السلطنة فهو ملك بكسر اللام، و أملكه الشي‏ء و ملّكه من باب الافعال و التفعيل بمعنى واحد، و ملكت العجين ملكا من باب ضرب شددته و قوّيته و أنعمت عجنه، و ملك نفسه منعها من السّقوط في شهواتها و ما تمالك أن فعل أى لم يقدر على حبس نفسه.

و لفظ أملكوا في أكثر النّسخ حسبما صرّح به العلامة المجلسي أيضا بفتح الألف من باب الافعال.

و ضبطه الشّارح المعتزلي بصيغة الثلاثي مجردا قال: الألف في املكوا وصل لأنّ الماضي ثلاثي من ملكت الفرس و الدّار و العبد أملك بالكسر أى احجروا عليه كما يحجر المالك على مملوكه، قال: و عن متعلّقة بمحذوف تقديره استولوا عليه و أبعدوه، و لمّا كان الملك سبب الهجر على مملوكه عبّر بالسّبب عن المسبّب، انتهى.

و على النسخ المشهورة فلا بدّ من جعل المزيد بمعنى المجرّد كما يستعمل المتعدّى مورد اللازم في نحو كبّه فأكبّ.

و قال الرّاوندي في محكي كلامه: املكوا أى أمسكوه لأجلى يقال ما تمالك أن قال، أى ما تماسك و قيل: إنّه من ملكت العجين أى خذوه بالشدّة.

و قال البحراني: أملكوه شدّوه و اضبطوه و (الهدّ) الهدم بشدّة و الكسر و (نفس) به من باب فرح ضنّ و بخل و (انسل) الولد و نسل نسلا من باب ضرب كثر نسله و تناسلوا توالدوا أى ولد بعضهم من بعض.

الاعراب

حرف عن في قوله أملكوا عنّي على قول الشّارح المعتزلي و البحراني بمعناها الأصلي أعني المجاوزة، أو بمعنى من كما في قوله «وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ و على قول الرّاوندى فهى بمعنى اللام للتّعليل كما في قوله تعالى: وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ و الأظهر عندي أنّها بمعنى البدل و العوض‏كما فى قوله تعالى وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً.

و قوله لا يهدّنى فى بعض النّسخ بالنّصب على اضمار أن أى لئلّا يهدّنى، و فى بعضها بالرّفع على الغاء ان المضمرة عن العمل كما فى قولهم: و تسمع بالمعيدى خير من أن تراه على رواية الرّفع، و قد روى بالوجهين أيضا قول طرفة:

 ألا ايّهذا الزّاجرى احضر الوغى            و ان اشهد اللذات هل أنت مخلد

قال علماء الأدب: و انتصاب المضارع فى هذا الشّعر بأن شاذّ لعدم وقوعه فى جواب أحد الأشياء الستّة.

و يحتمل أن يكون انتصاب يهدّنى بلفظة كى مضمرة إن جوّزنا إضمارها كما نصبت مظهرة فى قوله تعالى وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ و قوله لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى‏ ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ و قوله ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ و وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَ و نحوها.

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام حسبما أشار إليه الرّضى قد خاطب به أصحابه فى بعض أيّام صفين و قد رأى الامام الهمام أبا محمّد الحسن عليه السّلام ابنه يتسرّع أى يتعجّل إلى الحرب فقال لهم: (أملكوا عنّى هذا الغلام) أراد به منعهم له من التسرّع إليه و حفظهم إياه بدلا منه.

قال الشارح المعتزلي فى وجه علوّ هذا الكلام و فصاحته على ما أشار إليه السّيد: إنّه لمّا كان فى أملكوا معنى العبد أعقبه بعن، و ذلك أنهم لا يملكونه دون أمير المؤمنين عليه السّلام إلا و قد أبعدوه عنه ألا ترى أنك إذا حجرت علي زيد دون عمرو فقد باعدت زيدا عن عمرو، فلذلك قال: املكوا عنّى، انتهى.

و لا بأس به إلّا انه انما يحسن لو كان الحسن فى تسرّعه إلى الحرب متابعا لأبيه عليه السّلام معاقبا له فيستحسن حينئذ أن يقول عليه السّلام: ابعدوه عنى، و لكن الرّواية لا دلالة فيها على ذلك.

و الأوجه عندى انه عليه السّلام لما شاهد من ابنه مسارعته إلى الحرب و كان بنفسه غير متمكن من حفظه و ممانعته لمكان اشتغاله بكريهة الحرب و القتل و القتال أمر أصحابه بمحافظته عليه السّلام بأحسن تعبير و ألطف عبارة و قال لهم: أملكوا أى أملكوه من التسرّع، فعدل عن التعبير بلفظ المنع و الضبط و الحفظ و المراقبة و الامساك و ما ضاهاها إلى التعبير بلفظ الملك، لما فيه من الدلالة على التسلط و الاستيلاء و التمكّن من التصرف و القدرة على الممانعة و الحفظ بأىّ وجه أمكن و أىّ نحو شاء و أراد المالك ما ليس فى غيره من الألفاظ المذكورة، يعنى امنعوه و احفظوه منع المالك لملكه و حفظه إياه.

ثمّ أكّد ذلك بقوله عنّى يعنى أنى كما لو كان ممكنا لى لكنت أملكه و اراقبه غاية المراقبة، فحيث إنه لا يمكن لى ذلك فكونوا مالكين له مراقبين عليه بدلا منّى و راقبوه مثل مراقبتى غير متوانين و لا مقصّرين.

فقد علم بذلك أنّ فى هذه العبارة من الدّلالة على تأكيد المنع و المحافظة ما ليس في غيرها.

و علل عليه السّلام ذلك بقوله (لا يهدّنى) أى لئلا يكسرني لأنّ التسرّع إلى الحرب مظنة القتل و الهلاك و موت الولد الصالح المعين خصوصا مثل أبى محمّد الحسن عليه السّلام موجب لانك «كذا» ظهر الوالد و ذهاب قوّة قلبه و نور بصره.

ثمّ علل عليه السّلام بعلة ثانية و قال (فانى أنفس) أى أبخل (بهذين-  يعنى الحسن و الحسين عليهما السّلام-  على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

تنبيه

قال الشارح المعتزلي: فان قلت: يجوز أن يقال للحسن و الحسين و ولدهما أبناء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ذرّية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و نسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قلت: نعم لأنّ اللّه تعالى سماهم ابناه فى قوله نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ و انما عنى الحسن و الحسين و لو أوصى لولد فلان بمال دخل فيه أولاد البنات و سمّى اللّه تعالى‏عيسى ذرّية إبراهيم فى قوله تعالى وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إلى أن قال وَ يَحْيى‏ وَ عِيسى‏ و لم يختلف أهل اللغة فى أنّ ولد البنات من نسل الرّجل.

فان قلت: فما تصنع بقوله تعالى ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ قلت: أسألك عن ابوّته لابراهيم بن مارية فكلّ ما تجيب به عن ذلك فهو جوابى عن الحسن و الحسين عليهما السّلام و الجواب الشامل للجميع أنه عنى زيد بن حارثة لأنّ العرب كانت تقول: زيد بن محمّد على عادتهم فى تبنّى العبد، فأبطل اللّه ذلك و نهى عن سنة الجاهلية و قال: إنّ محمّدا ليس أبا لواحد من الرّجال الباغين المعروفين بينكم ليفترى إليه بالنبوّة، و ذلك لا ينفى كونه أبا لأطفال لم يطلق عليهم لفظة الرّجال كابراهيم و حسن و حسين عليهم السّلام.

فان قلت: أتقول إنّ ابن البنت ابن على الحقيقة الأصلية أم على سبيل المجاز قلت: لذاهب أن يذهب إلى أنّه حقيقة أصلية لأنّ الأصل فى الاستعمال الحقيقة، و قد يكون اللفظ مشتركا بين مفهومين و هو فى أحدهما أشهر و لا يلزم من كونه أشهر في أحدهما أن لا يكون حقيقة في الاخر، و لذاهب أن يذهب إلى أنّه حقيقة عرفيّة، و لذاهب إلى كونه مجازا قد استعمله الشّارع، فجاز إطلاقه فى كلّ حال و استعماله كساير المجازات المستعملة.

قال: و ما يدلّ على اختصاص ولد فاطمة عليهما السّلام دون بني هاشم كافة بالنّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه ما كان يحلّ له عليه السّلام أن ينكح بنات الحسن و الحسين عليهما السّلام و لا بنات ذرّيتهما و إن بعدت و طال الزّمان، و يحلّ له نكاح بنات غيرهم من بني هاشم من الطالبيّين و غيرهم و هذا يدلّ على مزيد الأقربيّة و هى كونهم أولاده فان قلت: فقد قال الشّاعر:

بنونا بنو أبنائنا و بناتنا            بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد

و قال حكيم العرب أكثم الصّيفي في البنات يذّمهنّ: إنّهنّ يلدن الأعداء و يورّثن البعداء.

قلت: إنّما قال الشّاعر ما قاله على المفهوم الأشهر، و ليس في قول أكثم‏ ما يدلّ على نفى بنوّتهم و إنّما ذكر أنّهن يلدن الأعداء و قد يكون ولد الرّجل لصلبه عدوّا قال اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ و لا ينفى كونه عدوّا كونه ابنا، انتهى.

اقول: ما حقّقه الشّارح هو الحقّ الموافق للتحقيق، و هو مأخوذ من أخبار أهل بيت العصمة و الطهارة حسبما نشير إلى بعضها و ان شئت مزيدا على ذلك فأقول: لا شكّ إنّ نسبة الابن و البنت إلى الأب و الامّ من حيث التّكوين و الخلقة نسبة واحدة لكونهما مخلوقين من نطفتهما قال تعالى إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ أى أخلاط لأنّ ماء الرّجل يختلط بماء المرأة و دمها يكون مشيجا أربعين ليلة، و قال أيضا فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ. يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ أى صلب الرّجل و ترائب المرأة أى صدرها، لأنّ منيّها يخرج منه و من أجل اتّحاد نسبتهما إليهما في التّكوّن صحّ إضافتهما إلى كلّ منهما في مقام التلفّظ و التعبير من دون تفاوت، فيقال ابن فلان و ابنة فلان و ابن فلانة و ابنة فلانة، و لم يخالف في صحّة هذه الاضافة أحد من أهل العرف و اللغة أصلا و قد قال تعالى في كتابه العزيز وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ و قال وَ مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها.

فاذا صحّ إضافة الابن إلى الامّ و الامّ إلى أبيها و هكذا إضافته إلى الأب و الأب إلى أبيه بلا خلاف فلتصحّ اضافته إلى أب الامّ كما تصحّ إلى أب الأب، لعدم مانع يتصوّر إلّا الشّعر المتقدّم أعني قوله:

  بنونا بنو أبنائنا و بناتنا            بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد

و هو لا يصلح للمانعيّة.

إما لما قاله الشّارح المعتزلي: من ابتنائه على كون اطلاق الأبن على ابن الابن أشهر و أغلب من اطلاقه على ابن البنت، و الشّهرة في الاطلاق لا تدلّ على كونه حقيقة فيه فقط و مجازا في غيره كما برهن في الاصول.

أو لابتنائه على مجرى عادة العرب من إسقاطهم البنات مع كونهنّ أولاداحقيقة من درجة الأولاد من أجل الاستنكاف و الالفة و النّخوة العربيّة و حميّة الجاهليّة كما شرح اللّه حالهم في قوله وَ إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى‏ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ. يَتَوارى‏ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى‏ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ و قد بلغوا في الاستنكاف منهنّ إلى أن جرت عادتهم على الوئد و القتل حتّى نهاهم اللّه عن ذلك و عاتبهم عليه في قوله قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ و قوله وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ حسبما عرفت تفصيل ذلك في شرح الفصل السّادس من الخطبة المأة و الحادية و التّسعين المعروفة بالقاصعة.

أو لما قاله ابن إدريس في محكى كلامه من السّرائر: من أنّ الشاعر انما أراد بقوله بنونا بنو أبنائنا آه الانتساب بمعنى أنّ أولاد البنت لا ينسبون إلى امّهم و انّما ينسبون إلى آبائهم و ليس كلامنا فيه بل في الولادة و هي متحقّقة من جهة الامّ من غير خلاف و الذكر و الانثى فيه سواء.

و قد وافقنا على ذلك غير واحد من الأصحاب منهم المرتضى و ابن إدريس و صاحب الجواهر في غير موضع منه، و قد بسط الكلام في ذلك كلّ البسط في كتاب الخمس منه، و قال بعد اختياره موافقة المرتضي في كونه ابنه حقيقة: إنّه يظهر ذلك من جماعة من الأصحاب في غير المقام، بل قد يظهر من المحكىّ عن ابن إدريس في كتاب المواريث الاجماع عليه كما عن المرتضى فيه أيضا نفى الخلاف فيه، بل و كذا المحكىّ عن خلاف الشيخ في باب الوقف و الميراث، بل ظاهره فيهما اجماع الامّة على ذلك.

ثمّ ساق الأدلة في ذلك، و أجاب عن الشّعر المتقدّم بأنّه مضافا إلى أنّه قول اعرابيّ جاهل لا يعارض الكتاب و السنّة محتمل لارادة المتعارف المعتاد في جلب المنافع الدّنيويّة و المضار بالأولاد و أولادهم دون أولاد البنات، فكانوا كالأباعد بالنّسبة إلى ذلك، بل لعلّ ظهور ارادة هذا الشاعر المجاز و المبالغة في النّفى‏شاهدة على العكس، اذ من البعيد ارادته بيان الوضع و اللغة فتأمّل، انتهى كلامه رفع مقامه.

و الحاصل انا نرى أنهم يستعملون لفظ الابن و الولد في ابن البنت و ولدها كاستعمالهم لهما فى ابن الابن و ولده مع عدم صحة السّلب، فيكونان حقيقة فيهما و لا دليل على المصير إلى المجاز.

و إذا عرفت ذلك فأقول: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد أطلق على الحسنين عليهما السّلام لفظ الابن في غير واحد من الأخبار فيكونان ابنيه حقيقة.

و من جملة هذه الأخبار الحديث المشهور انّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال فيهما: هذان ابناى إمامان.

و فى البحار من المناقب عن فردوس الدّيلمي عن سلمان قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: سمّى هارون ابنيه شبرا و شبيرا، و انّني سمّيت ابنيّ الحسن و الحسين.

و عن الدّار قطني بالاسناد عن ابن عمر قال: قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ابناى هذان سيدا شباب أهل الجنّة و أبوهما خير منهما.

و عن الرّاغب عن أبي هريرة و بريدة رأيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يخطب على المنبر ينظر إلى الناس مرّة و إلى الحسن مرّة و قال: إنّ ابني هذا سيصلح اللّه به بين فئتين من المسلمين.

و عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى قال: كنّا جلوسا عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ أقبل الحسين عليه السّلام فجعل ينزو على ظهر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و على بطنه فبال و قال عليه السّلام دعوه، قال أبو عبيد في غريب الحديث إنّه قال: لا تزرموا ابني أى لا تقطعوا عليه بوله ثمّ دعا بماء فصبّه على بوله.

و عن الطبري عن طاوس اليماني عن ابن عبّاس قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: رأيت في الجنّة قصرا من درّة بيضاء لا صدع فيها و لا وصل، فقلت: حبيبي جبرئيل لمن هذا القصر قال: للحسين ابنك، ثمّ تقدّمت أمامه فاذا أنا بتفّاح فأخذت تفّاحة ففلقتها فخرجت منها حوراء كان مقاريم النّسور أشفار عينيها فقلت: لمن أنت فبكت‏

ثمّ قالت: لابنك الحسين، إلى غير هذه ممّا لا نطيل بروايتها.

فقد ظهر ممّا ذكرنا و اتّضح كلّ الوضوح أنّه لا شكّ في كونهما عليهما السّلام ابنيه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حقيقة فلا يستريب فيه إلّا جاهل متعنّت أو جاحد متعصّب، و قد احتجّ على ذلك الأئمة عليهم السّلام و غيرهم أيضا في مجالس المخالفين و غيرها بأحكم بيّنة و برهان.

فقد روى في البحار من تفسير عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ظريف بن ناصح عن عبد الصمد بن بشير عن أبى الجارود عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قال لي أبو جعفر عليه السّلام: يا أبا الجارود ما يقولون في الحسن و الحسين عليهما السّلام قلت: ينكرون علينا أنّهما ابنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال عليه السّلام: فبأىّ شي‏ء احتججتم عليهم قلت: بقول اللّه عزّ و جلّ في عيسى بن مريم وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إلى قوله وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ فجعل عيسى من ذرّية إبراهيم قال عليه السّلام: فأيّ شي‏ء قالوا لكم قلت: قالوا: قد يكون ولد الابنة من الولد و لا يكون من الصّلب قال عليه السّلام: فأىّ شي‏ء احتججتم عليهم قلت: احتججنا عليهم بقول اللّه عزّ و جلّ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ الاية قال عليه السّلام: فأىّ شي‏ء قالوا لكم قلت: قالوا: قد يكون في كلام العرب ابني رجل واحد فيقول أبنائنا و انّما هما ابن واحد قال: فقال أبو جعفر عليه السّلام: و اللّه يا أبا الجارود لأعطينّكها من كتاب اللّه تسمّى بصلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يردّها إلّا الكافر، قال: قلت: جعلت فداك و أين قال: حيث قال اللّه تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ إلى أن ينتهى إلى قوله تعالى وَ حَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ فسلهم يا أبا الجارود هل حلّ لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نكاح حليلتهما فان قالوا: نعم فكذبوا و اللّه و فجروا، و إن قالوا: لا فهما و اللّه ابناه للصّلب و ما حرمتا عليه إلّا للصلب.

قال المحدّث العلامة المجلسيّ: وجه الاحتجاج بالاية الأخيرة هو اتّفاقهم على دخول ولد البنت في هذه الاية و الأصل في الاستعمال الحقيقة أو أنّهم يستدلّون بهذه الاية على حرمة حليلة الولد و لا يتمّ إلّا بكونه ولدا حقيقة للصّلب‏و هنا قصة لطيفة

و فى البحار وجدت في بعض كتب المناقب مرسلا عن عامر الشّعبي أنّه قال: بعث إلىّ الحجّاج ذات ليلة فخشيت فقمت فتوضأت و أوصيت ثمّ دخلت عليه فنظرت فاذا نطع منشور و السّيف مسلول، فسلّمت عليه فردّ علىّ السّلام فقال: لا تخف فقد امنتك اللّيلة و غدا إلى الظهر، و أجلسني عنده.

ثمّ أشار فاتي برجل مقيّد بالكبول و الأغلال فوضعوه بين يديه فقال: إنّ هذا الشّيخ يقول: إنّ الحسن و الحسين كانا ابني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليأتينىّ بحجّة من القرآن و إلّا لأضربنّ عنقه، فقلت: يجب أن تحلّ قيده فانّه إذا احتجّ فانّه لا محالة يذهب و ان لم يحتج فانّ السّيف لا يقطع هذا الحديد، فخلّوا قيوده و كبوله فنظرت فاذا هو سعيد بن جبير فحزنت بذلك و قلت: كيف يجد حجّة على ذلك من القرآن، فقال له الحجاج: ائتنى بحجّة من القرآن على ما ادّعيت و إلّا أضرب عنقك، فقال له: انتظر، فسكت ساعة ثمّ قال له مثل ذلك، فقال انتظر، فسكت ساعة ثمّ قال له مثل ذلك، فقال: أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ثمّ قال وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ إلى قوله وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ ثمّ سكت، و قال للحجّاج اقرء ما بعده، فقرأ وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى‏ وَ عِيسى‏ فقال سعيد: كيف يليق ههنا عيسى قال: إنّه كان من ذرّيته قال: إن كان عيسى من ذريّة إبراهيم و لم يكن له أب بل كان ابن ابنته فنسب إليه مع بعده فالحسن و الحسين أولى أن ينسبا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مع قربهما منه، فأمر له بعشرة آلاف دينار، و أمر بأن يحملوها معه إلى داره و أذن له في الرّجوع.

قال الشّعبي: فلمّا أصبحت قلت في نفسى قد وجب علىّ أن آتى هذا الشيخ فأتعلّم منه معاني القرآن لأنّي كنت أظنّ أنى أعرفها فأتيته فاذا هو في المسجد و تلك الدّنانير بين يديه يفرّقها عشرا عشرا و يتصدّق بها، ثمّ قال: هذا كلّه ببركة الحسن و الحسين عليهما السّلام لئن كنّا أغممنا واحدا لقد أفرحنا ألفا و أرضينّ‏اللّه و رسوله.

فقد تحصّل ممّا ذكرنا أنّه حصل لهما عليهما السّلام من النّسب ما لم يحصل لغيرهما فانّهما ابنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سبطاه و ولداه و ذرّيتاه و سيّدا شباب أهل الجنّة، فجدّهما رسول ربّ العالمين، و أبوهما أمير المؤمنين، و امّهما سيّدة نساء العالمين و هذا هو النّسب الذي تتضائل عنده الأنساب، و الشّرف الذى اسجل بصحّته الاثر و الكتاب.

نسب كأنّ عليه من شمس الضحى
نورا و من فلق الصباح عمودا

فهما عليهما السّلام دوحتا النّبوة التّي طابت فرعا و أصلا، و شعبتا الفتوّة التي سمت رفعة و نبلا، و إنسانا عيني السّيادة و الفخار، و سليلا الشّرف الذى أظهر الخيلاء في مضر و نزار، قد اكتنفهما العزّ و الشّرف، فما له عنهما منصرف، و أحاط بهما المجد من طرفيهما، و تصوّرا من الجلالة فكادت أن تقطر من عطفيهما، و تكوّنا من الاريحية فهى تلوح على شمائلهما، تبدو كما يبدو النّهار على مخائلهما، وفاقا في طيب الاعراق و طهارة الاخلاق رتبة الأواخر و الأوائل، فعلت سماء فضلهما حتّى قيل: أين الثريا من يد المتناول، نسبهما يتّصل بمحمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من قبل الامّ بغير فصل، و من قبل الأب يجتمع في عبد المطلب فأعجب لطيب فرع و ذكاء أصل.

أنتم ذوو النسب القصير و طولكم
باد على الكبراء و الأشراف‏

الخمر إن قيل ابنة العنب اكتفت‏
بأب من الألقاب و الأوصاف‏

تكميل

قد تقدّم في شرح الخطبة المأة و السادسة و التسعين و بعض الخطب المتضمّنة لذكر النبيّ جملة من مناقبه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و تقدّم في غير موضع من تضاعيف الشرح فصل واف من مناقب أمير المؤمنين عليه السّلام و كراماته و فضائله، و في شرح المختار الواحد و المأتين جملة من مناقب الصدّيقة الكبرى سيدة النساء سلام اللّه عليها فأحببت أن أذكر هنا شطرا من مناقب الامامين الهمامين السبطين الزّكيين أبي محمّد الحسن و أبي عبد اللّه الحسين عليهما السلام تيمّنا بذكر فضايل جميع الخمسة من آل العباء عليهم التحية و الثناء، راجيا بذلك مزيد الأجر و الذخر يوم الجزاء،و إن كان مناقبهم الجميلة لا تعدّ و لا تحصى، و ماثرهم الجليلة لا تحدّ و لا تستقصى، إلّا أن الميسور لا يسقط بالمعسور، و عسى أن يدرك المرجوّ بالمقدور.

رويدك إن أحببت نيل المطالب
فلا تعد عن ترتيل آى المناقب‏

مناقب أصحاب الكساء قدوة الورى‏
بهم يبتغى مطلوبه كلّ طالب‏

مناقب تجلى سافرات وجوهها
و يجلو سناها مدلهما الغياهب‏

عليك بها سرّا وجه را فانها
تحلّل عند اللّه أعلى المراتب‏

وجد عند ما يتلو لسانك آينا
بدعوة قلب حاضر غير غائب‏

لمن قام في تأليفها و اعتني به‏
ليقضى من مفروضهم كلّ واجب‏

عسى دعوة تزكو بها حسناته
فيحظى من الحسنى بأسنى المواهب‏

فأقول: روى فى كشف الغمة من كتاب معالم العترة الطاهرة للجنابذي عن بريدة قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يخطب فأقبل الحسن و الحسين عليهما السلام و عليهما قميصان أحمران يعثران و يقومان، فلما رآهما فنزل فأخذهما ثمّ صعد فوضعهما في حجره ثمّ قال: صدق اللّه وَ اعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ رأيت هذين فلم أصبر حتى أخذتهما.

و عن فاطمة عليهما السلام بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنها أتت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و معها الحسن و الحسين عليهما السّلام فى مرضه الذي توفّى فيه قالت: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّ هذين لم تورّثهما شيئا قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أمّا الحسن فله هيبتى و أمّا الحسين فله جرأتى و جودى.

و عن عبد اللّه بن عباس قال: بينما نحن عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ أقبلت فاطمة تبكى، فقال لها النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. ما يبكيك قالت: يا رسول اللّه إنّ الحسن و الحسين خرجا فو اللّه ما أدرى أين سلكا.

فقال النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا تبكين فداك أبوك فانّ اللّه عزّ و جلّ خلقهما و هو أرحم بهما اللهمّ إن كانا قد أخذا فى برّ فاحفظهما، و إن كانا قد أخذا فى بحر فسلّمهما فهبط جبرئيل عليه السّلام فقال: يا أحمد لا تغتم و لا تحزن هما فاضلان فى الدّنيافاضلان فى الاخرة و أبوهما خير منهما و هما فى حظيرة بنى النجار نائمين، و قد وكّل اللّه بهما ملكا يحفظهما.

قال ابن عباس: فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قمنا معه حتى أتينا معه حظيرة بنى النجار فاذا الحسن معانق الحسين و إذا الملك قد غطاهما بأحد جناحيه.

قال: فحمل النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الحسن و أخذ الحسين الملك و الناس يرون أنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حاملهما فقال أبو بكر و أبو أيوب الأنصارى: يا رسول اللّه ألا نخفّف عنك بأحد الصبيّين فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: دعاهما فانهما فاضلان فى الدّنيا فاضلان فى الاخرة و أبوهما خير منهما ثمّ قال و اللّه لاشرّفنهما اليوم بما شرّفهما اللّه فخطب فقال: يا أيها الناس ألا اخبركم بخير الناس جدّا و جدّة قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: الحسن و الحسين جدّهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و جدّتهما خديجه بنت خويلد.

ألا اخبركم بخير الناس أبا و أما قالوا: بلى يا رسول اللّه قال: الحسن و الحسين أبوهما علىّ بن أبى طالب عليه السّلام و امّهما فاطمة بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

ألا اخبركم أيها الناس بخير الناس عما و عمة قالوا: بلى يا رسول اللّه: قال: الحسن و الحسين عمّهما جعفر بن أبي طالب و عمّتهما امّ هانى بنت أبي طالب.

أيها الناس ألا اخبركم بخير الناس خالا و خالة قالوا: بلى يا رسول اللّه قال: الحسن و الحسين خالهما القاسم بن محمّد و خالتهما زينب بنت محمّد ألا إنّ أباهما في الجنّة و امهما فى الجنّة و جدّهما فى الجنّة و جدّتهما فى الجنّة و خالهما فى الجنّة و خالتهما فى الجنّة و عمّهما فى الجنّة و عمّتهما فى الجنّة و هما فى الجنّة و من أحبّهما فى الجنّة و من أحبّ من أحبّهما فى الجنّة.

و فى البحار من بعض كتب المناقب القديمة عن محمّد بن أحمد بن علىّ بن شاذان باسناده عن ابن عباس قال: كنت جالسا بين يدي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ذات يوم و بين يديه عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام إذ هبط جبرئيل و معه تفّاحة، فحيّا بها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و حيّا بها عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فتحيّا بها علىّ و قبّلها و ردّها إلى رسول اللّه، فتحيّا بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم‏ و حيّا بها الحسن و تحيّا بها الحسن و قبّلها و ردّها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فتحيّا بها رسول اللّه و حيّا بها الحسين و تحيّا بها الحسين و قبّلها و ردّها إلى رسول اللّه فتحيّا بها و حيّا بها فاطمة فتحيّت بها و قبّلتها و ردّتها إلى النبيّ، فتحيّا بها الرابعة و حيّا بها عليّ بن أبي طالب فلما همّ أن يردّها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سقطت التفاحة من بين أنامله فانفلقت بنصفين فسطع منها نور حتى بلغ إلى السماء الدّنيا فاذا عليها سطران مكتوبان: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم تحيّة من اللّه إلى محمّد المصطفى و عليّ المرتضى و فاطمة الزّهراء و الحسن و الحسين سبطى رسول اللّه و أمان لمحبّيهما يوم القيامة من النار.

و عن ابن شاذان عن زاذان عن سلمان قال: أتيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فسلّمت عليه ثمّ دخلت على فاطمة عليهما السّلام فقال يا عبد اللّه هذان الحسن و الحسين جائعان يبكيان فخذ بأيديهما فاخرج بهما إلى جدّهما فأخذت بأيديهما و حملتهما حتى أتيت بهما إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: ما لكما يا حسناى قالا: نشتهى طعاما يا رسول اللّه، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم اللّهم أطعمهما ثلاثا قال: فنظرت فاذا سفرجلة فى يد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم شبيهة بقلّة من حجر أشد بياضا من الثلج و أحلى من العسل و ألين من الزبد، فعركها بابهامه فصيرها نصفين ثمّ دفع إلى الحسن نصفها و إلى الحسين نصفها، فجعلت أنظر إلى النصفين فى أيديهما و أنا أشتهيها قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يا سلمان هذا طعام من الجنّة لا يأكله أحد حتّى ينجو من الحساب.

و باسناده عن الطبرانى باسناده عن سلمان قال: كنا حول النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فجاءت أم أيمن فقالت: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لقد ضلّ الحسن و الحسين و ذلك عند ارتفاع النهار، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: قوموا فاطلبوا ابنىّ، فأخذ كل رجل تجاه وجهه و أخذت نحو النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلم يزل حتى أتى صفح الجبل و إذا الحسن و الحسين عليهما السّلام ملتزق كلّ واحد منهما بصاحبه، و إذا شجاع قائم على ذنبه يخرج من فيه شبه النار فأسرع لى «إليه» رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فالتفت مخاطبا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، ثم انساب فدخل بعض الأجحرة، ثمّ أتاهما فافرق بينهما و مسح‏ وجوههما و قال بأبى و امّى أنتما ما أكرمكما على اللّه، ثمّ حمل أحدهما على عاتقه الأيمن و الاخر على عاتقة الأيسر فقلت: طوبى كما نعم المطية مطيتكما فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: و نعم الراكبان هما و أبوهما خير منهما.

و روى فى المراسيل: أنّ الحسن و الحسين عليهما السّلام كانا يبكيان، فقال الحسن للحسين عليه السّلام: خطّي أحسن، و قال الحسين: لا بل خطّى أحسن من خطّك، فقال لفاطمة عليهما السّلام حكمى بيننا فكرهت فاطمة عليها السّلام أن تؤذى أحدهما، فقالت لهما: سلا أباكما، فسألاه فكره أن يؤذى أحدهما فقال: سلاجدّ كما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لا أحكم بينكما حتّى أسأل جبرئيل فلما جاء جبرئيل قال: لا أحكم بينهما و لكن اسرافيل يحكم بينهما فقال اسرافيل: لا أحكم بينهما و لكن اسأل اللّه أن يحكم بينهما، فسأل اللّه ذلك فقال تعالى: لا أحكم بينهما و لكن امّهما فاطمة تحكم بينهما، فقالت فاطمة: احكم بينهما يا ربّ و كانت لها قلادة فقالت: أنا أنثر بينكما جواهر هذه القلادة فمن أخذ منها أكثر فخطّه أحسن، فنثرها و كان جبرئيل وقتئذ عند قائمة العرش، فأمره اللّه تعالى أن يهبط إلى الأرض و ينصف الجواهر بينهما كيلا يتأذّى أحدهما ففعل ذلك جبرئيل إكراما لهما و تعظيما.

و روى ركن الأئمة عبد الحميد بن ميكائيل عن يوسف بن منصور السّاوى عن عبد اللّه بن محمّد الأزدى عن سهل بن عثمان عن منصور بن محمّد النسفي عن عبد اللّه ابن عمرو عن الحسن موسى عن صعدان عن مالك بن سليمان عن ابن جريح عن عطا عن عايشة قالت: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جايعا لا يقدر على ما يأكل، فقال لي: هاتى ردائى، فقلت أين تريد قال: إلى ابنتى فأنظر إلى الحسن و الحسين فيذهب بعض ما بى من الجوع، فخرج حتّى دخل على فاطمة عليها السّلام فقال: يا فاطمة أين ابناى فقالت:يا رسول اللّه خرجا من الجوع و هما يبكيان، فخرج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في طلبهما فرأى أبا الدّرداء فقال: يا عويمر هل رأيت ابنيّ قال: نعم يا رسول اللّه هما نائمان فى ظلّ حائلى بنى جذعان، فانطلق النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فضمّهما و هما يبكيان و هو يمسح الدّموع عنهما، فقال له أبو الدّرداء: دعنى أحملهما فقال يا أبا الدّرداء دعنى أمسح الدّموع عنهما فو الذى بعثنى بالحقّ نبيا لو قطرت قطرة في الأرض لبقيت المجاعة فى امتى إلى يوم القيامة ثمّ حملهما و هما يبكيان و هو يبكى فجاء جبرئيل عليه السّلام فقال: السلام عليك يا محمّد ربّ العزّة جلّ جلاله يقرؤك السلام و يقول: ما هذا الجزع فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يا جبرئيل ما أبكى جزعا بل أبكى من ذلّ الدّنيا، فقال جبرئيل: إنّ اللّه تعالى يقول: أيسرّك أن أحوّل لك احدا ذهبا و لا ينقص مما عندى شي‏ء قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لا، قال: لم قال: لأنّ اللّه تعالى لم يحبّ الدّنيا و لو أحبّها لما جعلها للكافر أكملها فقال جبرئيل: ادع بالجفنة المنكوبة التي في ناحية البيت، قال: فدعا بها، فلما حملت فاذا فيها ثريد و لحم كثير، فقال: كل يا محمّد و أطعم ابنيك و أهل بيتك، قال: فأكلوا و شبعوا قال: ثمّ أرسل بها إلىّ فأكلوا و شبعوا و هو على حالها، قال ما رأيت جفنة أعظم بركة منها فرفعت عنهم فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: و الذى بعثني بالحقّ لو سكتّ لتداولها فقراء امتي إلى يوم القيامة.

و فى البحار وجدت في بعض مؤلفات أصحابنا أنه روى مرسلا من جماعة من الصحابة قالوا: دخل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دار فاطمة فقال: يا فاطمة إنّ أباك اليوم ضيفك، فقالت يا أبت إن الحسن و الحسين يطالباني بشي‏ء من الزاد فلم أجد لهما شيئا يقتاتان به ثمّ إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دخل و جلس مع عليّ و الحسن و الحسين و فاطمة عليهم السّلام و فاطمة عليها السّلام متحيّرة ما تدرى كيف تصنع، ثمّ إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نظر إلى السماء ساعة و اذا بجبرئيل قد نزل و قال: يا محمّد العليّ الأعلى يقرؤك السلام و يخصّك بالتحيّة و الاكرام و يقول لك: قل لعليّ و فاطمة و الحسن و الحسين أىّ شي‏ء يشتهون من‏فواكه الجنّة فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يا عليّ و يا فاطمة و يا حسن و يا حسين إنّ ربّ العزّة علم أنّكم جياع فأىّ شي‏ء تشتهون من فواكه الجنّة فأمسكوا عن الكلام و لم يردّوا جوابا حياء من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

فقال الحسين: عن إذنك يا أبتا يا أمير المؤمنين و عن إذنك يا أماه يا سيّدة نساء العالمين و عن إذنك يا أخاه الحسن الزّكي أختار لكم شيئا من فواكه الجنّة.

فقالوا جميعا: قل يا حسين ما شئت فقد رضينا بما تختاره لنا، فقال: يا رسول اللّه قل لجبرئيل: إنّا نشتهى رطبا جنيّا فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: قد علم اللّه ذلك ثمّ قال: يا فاطمة قومي و ادخلى البيت و احضرى إلينا ما فيه، فدخلت فرأت فيه طبقا من البلّور مغطى بمنديل من السندس الأخضر و فيه رطب جنيّ في غير أوانه فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يا فاطمة أنّى لك هذا قالت: هو من عند اللّه إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب كما قالت مريم بنت عمران.

فقام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تناوله و قدّمه بين أيديهم ثمّ قال: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ثمّ أخذ رطبة واحدة فوضعها في فم الحسين عليه السّلام فقال هنيئا مريئا لك يا حسين، ثمّ أخذ رطبة فوضعها في فم الحسن عليه السّلام و قال هنيئا مريئا لك يا حسن، ثمّ أخذ رطبة ثالثة فوضعها في فم فاطمة الزّهراء عليها السّلام و قال هنيئا مرئيا لك يا فاطمة الزهراء، ثمّ أخذ رطبة رابعة فوضعها فى فم علىّ عليه السّلام و قال هنيئا مريئا لك يا عليّ، ثمّ ناول عليّا رطبة اخرى ثمّ رطبة اخرى و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول له هنيئا مريئا لك، ثمّ وثب النبيّ قائما ثمّ جلس ثمّ أكلوا جميعا عن ذلك الرّطب.

فلمّا اكتفوا و اشبعوا ارتفعت المائدة إلى السّماء باذن اللّه تعالى.

فقالت فاطمة: يا أبت لقد رأيت اليوم منك عجبا.

فقال: يا فاطمة أمّا الرّطبة الاولى الّتي وضعتها في فم الحسين و قلت له هنيئا يا حسين فانّي سمعت ميكائيل و اسرافيل يقولان هنيئا يا حسين فقلت أيضا موافقا لهما في القول، ثمّ أخذت الثانية فوضعتها في فم الحسن فسمعت جبرئيل و ميكائيل يقولان هنيئا لك يا حسن فقلت أنا موافقا لهما في القول، ثمّ أخذت الثالثة فوضعتهافي فمك يا فاطمة فسمعت الحور العين مسرورين مشرفين علينا من الجنان يقلن هنيئا لك يا فاطمة فقلت موافقا لهنّ بالقول، و لمّا أخذت الرّابعة فوضعتها في فم عليّ عليه السّلام سمعت النّداء من قبل الحقّ يقول هنيئا مريئا لك يا عليّ فقلت موافقا لقول اللّه عزّ و جلّ، ثمّ ناولت عليّا رطبة اخرى ثمّ اخرى و أنا أسمع صوت الحقّ سبحانه يقول هنيئا مريئا لك يا عليّ فقلت موافقا لقول اللّه، ثمّ قمت إجلالا لربّ العزّة جلّ جلاله فسمعته يقول يا محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عزّتي و جلالى لو ناولت عليّا من هذه الساعة إلى يوم القيامة رطبة رطبة لقلت هنيئا مريئا بعد بلا انقطاع و روى في بعض الأخبار: أنّ أعرابيا أتى الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال له: يا رسول اللّه لقد صدت خشفة غزالة و أتيت بها إليك هدية لولديك الحسن و الحسين، فقبلها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و دعا له بالخير فاذا الحسن واقف عند جدّه فرغب إليها فأعطاه إيّاها، فما مضى ساعة إلّا و الحسين قد أقبل فرأى الخشفة عند أخيه يلعب بها فقال: يا أخى من أين لك هذه الخشفة فقال الحسن: أعطانيها جدّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فسار الحسين مسرعا إلى جدّه فقال: يا جدّاه أعطيت أخى خشفة و لم تعطني مثلها و جعل يكرّر القول على جدّه و هو ساكت لكنّه يسلّى خواطره و يلاطفه بشى‏ء من الكلام حتّى أفضى من أمر الحسين عليه السّلام إلى أن همّ يبكى.

فبينما هو كذلك إذ نحن بصياح قد ارتفع من باب المسجد، فنظرنا فاذا ظبية و معها خشفها و من خلفها ذئبة تسوقها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تضربها بأحد أطرافها حتّى أتت بها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

ثمّ نطقت الغزالة بلسان فصيح فقالت: يا رسول اللّه قد كانت لي خشفتان إحداهما صادها الصياد و أتى بها إليك، و بقيت لي هذه الاخرى و أنا بها مسرورة و إنّي كنت الان ارضعها فسمعت قائلا يقول: اسرعى اسرعى يا غزالة بخشفك إلى النبيّ محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و اوصليه سريعا لأنّ الحسين واقف بين يدي جدّه و قد همّ أن يبكى‏ و الملائكة بأجمعهم قد رفعوا رؤوسهم من صوامع العبادة، و لو بكى الحسين لبكت الملائكة المقرّبون لبكائه، و سمعت أيضا قائلا يقول: اسرعى يا غزالة قبل جريان الدموع على خدّ الحسين فان لم تفعلى سلّطت عليك هذه الذئبة تأكلك مع خشفك فأتيت بخشفى إليك يا رسول اللّه و قطعت مسافة بعيدة و لكن طويت لى الأرض حتّى أتيتك سريعة و أنا أحمد اللّه ربّى على أن جئتك قبل جريان دموع الحسين على خدّه، فارتفع التّهليل و التكبير من الأصحاب و دعا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الغزالة بالخير و البركة و أخذ الحسين الخشفة و أتى بها إلى امه الزّهراء فسرّت بذلك سرورا عظيما و روى عن سلمان الفارسي قال: اهدى إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قطف من العنب في غير أوانه فقال لي: يا سلمان ايتني بولدىّ الحسن و الحسين ليأكلا معى من هذا العنب، قال سلمان الفارسي: فذهبت أطرق عليهما منزل امّهما فلم أرهما، فأتيت منزل اختهما امّ كلثوم فلم أرهما.

فخبّرت النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بذلك فاضطرب و وثب قائما و هو يقول: وا ولداه و اقرّة عيناه من يرشدني عليهما فله على اللّه الجنّة، فنزل جبرئيل من السماء و قا