نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 40 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 40 صبحی صالح

40- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) في الخوارج لما سمع قولهم «لا حكم إلا لله»

قَالَ ( عليه ‏السلام  )كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ

نَعَمْ إِنَّهُ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ

وَ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ لَا إِمْرَةَ إِلَّا لِلَّهِ

وَ إِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ

يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ

وَ يَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ

وَ يُبَلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الْأَجَلَ

وَ يُجْمَعُ بِهِ الْفَيْ‏ءُ

وَ يُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ

وَ تَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ

وَ يُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ

حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ

وَ يُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ

وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ ( عليه‏ السلام  )لَمَّا سَمِعَ تَحْكِيمَهُمْ قَالَ حُكْمَ اللَّهِ أَنْتَظِرُ فِيكُمْ

وَ قَالَ أَمَّا الْإِمْرَةُ الْبَرَّةُ فَيَعْمَلُ فِيهَا التَّقِيُّ

وَ أَمَّا الْإِمْرَةُ الْفَاجِرَةُ فَيَتَمَتَّعُ فِيهَا الشَّقِيُّ

إِلَى أَنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ

وَ تُدْرِكَهُ مَنِيَّتُهُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج 

و من كلام له عليه السّلام في الخوارجو هو الاربعون من المختار في باب الخطب

لمّا سمع قولهم لا حكم إلّا للّه قال عليه السّلام: كلمة حقّ يراد بها الباطل‏ نعم إنّه لا حكم إلّا للّه و لكن هؤلاء يقولون: لا إمرة و إنّه لا بدّ للنّاس من أمير برّ أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، و يستمتع فيها الكافر، و يبلّغ اللّه فيها الأجل، و يجمع به الفي‏ء، و يقاتل به العدوّ، و تأمن به السّبل، و يؤخذ به للضّعيف من القويّ حتّى يستريح برّ، و يستراح من فاجر. و في رواية أخرى أنّه لمّا سمع تحكيمهم قال: حكم اللّه أنتظر فيكم، و قال عليه السّلام: أمّا الامرة البرّة فيعمل فيها التّقيّ، و أمّا الامرة الفاجرة فيتمتّع فيها الشّقيّ، إلى أن تنقطع مدّته و تدركه منيّته.

اللغة

(نعم) بفتحتين حرف جواب لتصديق المخبر إذا وقعت بعد الخبر و (الامرة) بالكسر الولاية اسم مصدر من امر علينا مثلثة اذا ولى و (البرّ) بفتح الباء كالبارّ الكثير البرّ و الجمع أبرار و (الفى‏ء) الغنيمة و لفظ (التّحكيم) في قول الرّضى (ره) من المصادر المولّدة من قولهم لا حكم إلّا للّه مثل التسبيح و التهليل من قول سبحان اللّه و لا إله إلّا اللّه.

الاعراب

لكن مخففّة من الثقيلة و هي حرف ابتداء غير عاملة لدخولها على الجملتين و معناها الاستدراك و فسّر بأن ينسب لما بعدها حكما مخالفا لما قبلها، و لذلك لا بدّ أن يتقدّمها كلام مناقض لما بعدها، نحو ما هذا ساكنا و لكن متحرّك، أو ضدّ له نحو ما هذا أبيض و لكن أسود، قيل أو خلاف نحو ما زيد قائما و لكن شارب، و قيل لا يجوز ذلك و كلامه عليه السّلام دليل على الجواز.

و جملة و أنّه لا بدّ للنّاس اه حاليّة، و الضّمير في أنّه للشّأن: و جملة يعمل في امرته كالتّالية لها مجرورة المحلّ على الوصفيّة، و قوله حتّي يستريح كلمة حتّى إمّا بمعنى إلى على حدّ قوله سبحانه: حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى‏ أو بمعني كي التعليليّة على حدّ قوله: وَ لا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ و قوله: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى‏ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا.

المعنى

قد مضى في شرح الخطبة السادسة و الثّلاثين كيفيّة قتال الخوارج، و مرّ هناك أنّهم اتّخذوا قول لا حكم إلّا للّه شعارا لهم و أنّه عليه السّلام لمّا دخل الكوفة جاء اليه زرعة بن البرج الطائي و حرقوص بن زهير التّميمي ذو الثّدية فقال: لا حكم إلا للّه و مرّ أيضا أنّه خرج يخطب النّاس فصاحوا به من جوانب المسجد لا حكم إلّا للّه و صاح به رجل: وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ فقال عليه السّلام: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ و لما سمع قولهم لا حكم إلّا للّه قال عليه السّلام إنّها (كلمة حقّ يراد بها الباطل) أمّا انّها كلمة حقّ فلكونها مطابقة لنفس الأمر إذ هو سبحانه أحكم الحاكمين لارادّ لحكمه و لا دافع لقضائه كما قال تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ.

يعنى أنّه إذا أراد شيئا لا بدّ من وقوعه و يحتمل أن يكون الحكم لحقيّتها نظرا إلى كون‏ جميع الأحكام مستندا إليه سبحانه بملاحظة أنّه سبحانه جاعلها و شارعها كما قال: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً.

و لأجل مطابقتها لنفس الأمر صدّقهم بقوله (نعم لا حكم إلّا للّه) و أما أنّهم أرادوا بها الباطل فلأنّ مقصودهم بذلك إنّما كان إبطال جعل الحكمين و إنكار صحّة تفويض الأمر إليهما بزعم أنّ الأحكام كلّها للّه سبحانه، و هو الحاكم لا غير، فلا يجوز لأحد الحكم في شي‏ء من الأشياء إلّا بنصّ به في القرآن، فلا يصح التّحكيم و إناطة الأمر برأى الحكمين، لعدم ورود نصّ فيه بصحّته، و هو معنى قولهم بعد ما سمعوا صحيفة الصّلح في صفّين على ما مرّ: الحكم للّه يا علىّ لا لك فلا نرضى بأن يحكم الرّجال في دين اللّه، و قولهم لابن عبّاس لما احتجّ معهم بأمره: و الرّابعة أنّه حكم الرجال في دين اللّه و لم يكن ذلك إليه.

و وجه بطلان ذلك أوّلا أنّ كون الأحكام للّه لا يستلزم كون جميع الأحكام منصوصا به في القرآن إذربّ حكم مستنبط من السنة و من ساير الأدلّة الشرعية، و هو لا يخرج بذلك عن كونه حكم اللّه و ثانيا منع عدم ورود النصّ بالتحكيم في القرآن و قد امر بالتّحكيم في شقاق بين الرّجل و امرئته فقال سبحانه: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها و حكم الرّجال في طاير فقال: وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فدماء المسلمين أعظم من دم طاير، و الشّقاق بينهم أشدّ من الشقاق بين الرّجل و المرأة.

و ثالثا أنّ مقتضى نفيهم الحكم لغير اللّه هو نفى الامارة للملازمة التي بينهما كما أشار إليه بقوله (و لكن هؤلاء يقولون لا امرة) إلّا أنّ التّالى باطل فالمقدّم مثله بيان الملازمة أنّ الأمير لا بدّ أن يكون حاكما و ناظرا إلى وجوه المصلحة فاذا لم يجر له حكم و لم ينفذ له امر و لم يمض له رأى فلا يكون له امارة البتة (و) أمّا بطلان التّالى فلأنّه (لا بدّ للنّاس من أمير برّ أو فاجر) و ذلك لأنّ النوع‏ الانساني بمقتضى النّفس الأمّارة المودعة فيه مايل إلى الشّرور و المفاسد، فلا بدّ في بقاء نظامهم و انتظام أمر معاشهم و معادهم من مانع يمنعه من ظلمه، و رادع يردعه عن شرّه.

و العلّة المانعة عند الاستقراء مرجعها إلى أحد أمور أربعة إمّا عقل زاجر أو دين حاجز أو عجز مانع أو سلطان رادع، و السّلطان القاهر أبلغها نفعا لأنّ العقل و الدّين ربّما كانا مغلوبين بدواعي الهوى فيكون رهبة السّلطان أقوى ردعا و أعمّ نفعا و إن كان جائرا و لهذا اشتهر أنّ ما نزع السّلطان أكثر ممّا نزع القرآن، و ما يلتئم بالسّنان لا ينتظم بالبرهان.

و كفاك شاهدا ما يشاهد من استيلاء الفتن و الابتلاء بالمحن بمجرّد هلاك من يقوم بامارة الحوزة و رعاية البيضة و إن لم يكن على ما ينبغي من الصّلاح و السّداد، و لم يخل من شائبة شرّ و فساد و لهذا لا ينتظم أمر أدنى اجتماع كرفقة طريق بدون رئيس يصدرون عن رأيه و مقتضى أمره و نهيه.

بل ربّما يجرى مثل هذا فيما بين الحيوانات العجم كالنّحل لها يعسوب يقوم مقام الرئيس ينتظم أمرها ما دام فيها، فاذا هلك انتشر الأفراد انتشار الجراد و شاع فيما بينها الهلاك و الفساد.

و بالجملة فقد تلخّص ممّا ذكرنا أنّ وجود السّلطان و إن كان جائرا خير من عدمه المستلزم لوجود الفتنة و وقوع الهرج و المرج بين الخلق إذ كان بوجوده صلاح بعض الامور، على أنّه و ان كان لا خير فيه أيضا من جهة جايريّته إلّا أنّ هيبته و وجوده بين الخلق ممّا يوجب الانزجار عن إثارة الفتن و يكون ذلك خيرا وقع في الوجود بوجوده لا يحصل مع عدمه، فوجوده مطلقا واجب.

و هذا معنى قوله و لا بدّ للنّاس من أمير برّ أو فاجر و قوله (يعمل في امرته المؤمن) روي في شرح المعتزلي عن بعض شارحي كلامه عليه السّلام أنّ النّظر فيه إلى أمارة الفاجر و هكذا الألفاظ التي بعد ذلك كلّها راجعة إليها و أنّ المقصود بذلك أنّ أمارة الفاجر ليست بمانعة للمؤمن من العمل لأنّه يمكنه أن يصلّي و يصوم و يتصدّق‏ و إن كان الأمير فاجرا في نفسه«» و بقوله (و يستمتع فيها الكافر) أنّه يتمتّع بمدّته كما قال سبحانه للكافرين: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ.

و قال الشّارح البحراني: الضّمير في امرته راجع إلى الأمير، و لمّا كان لفظ الأمير محتملا للبرّ و الفاجر كان المراد بالامرة التي يعمل فيها المؤمن امرة الأمير من حيث هو برّ و بالتي يستمتع فيها الكافر امرته من حيث هو فاجر قال: و هذا أولى من قول بعض الشّارحين إنّ الضّمير يعود إلى الفاجر فانّ إمرة الفاجر ليست مظنة تمكن المؤمن من عمله.

و المراد بعمل المؤمن في امرة البرّ عمله على وفق أو امر اللّه و نواهيه إذ ذلك وقت تمكنه منه و المراد باستمتاع الكافر في إمرة الفاجر انهماكه في اللذات الحاضرة التي يخالف فيها أوامر اللّه و نواهيه و ذلك وقت تمكّنه من مخالفة الدّين.

أقول و يؤيّد هذا الوجه الرّواية الاخرى الآتية، و يمكن أن يكون المعنى أنّه لا بدّ من انتظام امور المعاش من أمير برّ أو فاجر ليعمل المؤمن بما يستوجب به جنّات النعيم، و يتمتّع فيها الكافر ليكون حجّة عليه (و يبلغ اللّه فيها الاجل) أى في أمارة الأمير برّا كان أو فاجرا و فايدة هذه الكلمة تذكير العصاة ببلوغ الأجل و تخويفهم به (و يجمع به) أى بالأمير مطلقا (الفي‏ء و يقاتل ب) وجود (ه العدوّ و تأمن ب) سطوت) ه السّبل و يؤخذ ب) عد ل (ه) الحقّ (للضّعيف من القويّ) و هذه الامور كلّها ممكنة الحصول في أمارة الفاجر كحصولها في أمارة البرّ.

ألا ترى أنّ امراء بني اميّة مع كونهم فسّاقا كان الفي‏ء يجمع بهم و البلاد تفتح في أيامهم، و الثغور الاسلامية محروسة و السّبل آمنة، و القويّ مأخوذ بالضّعيف، و لم يضرّ جورهم شيئا في تلك الامور.

و قوله (حتّى يستريح برّ و يستراح من فاجر) يعنى أنّ هذه الامور لا تزال‏ تحصل بوجود الامير برّا كان أو فاجرا إلى أن يستريح البرّ من الامراء أو مطلق النّاس و يستريح النّاس من الأمير الفاجر أو مطلق الفاجر بالموت أو العزل، و فيهما راحة للبرّ لأنّ الآخرة خير من الاولى و لا يجري الامور غالبا على مراده و لا يستلذّ كالفاجر بالانهماك في الشّهوات، و راحة للناس من الفاجر لخلاصهم من جوره و إن انتظم به نظام الكلّ في المعاش.

و على كون حتّى مرادفة كي التّعليلية فالمعنى أنّ غاية صدور هذه الامور أن يستريح البرّ من النّاس في دولة البرّ من الامراء، و يستريح الناس مطلقا من بغى الفجار و من الشرور و المكاره في دولة الأمير مطلقا، و لا ينافي ذلك اصابة المكروه من فاجر احيانا هذا.

و قال السّيد ره (و فى رواية اخرى انّه) عليه السّلام (لما سمع تحكيمهم قال حكم اللّه انتظر فيكم) اى جريان القضاء بقتلهم و حلول وقت القتل و قد مرّت هذه الرّواية في شرح الخطبة الخامسة و الثلاثين عن ابن و يزيل في كتاب صفّين و لا حاجة إلى الاعادة.

و قال (أما الامرة البرّة فيعمل فيها التّقيّ) و يقوم بمقتضا تقواه (و أما الامرة الفاجرة فيتمتّع فيها الشّقىّ) بمقتضى شقاوته (إلى أن تنقطع مدّته) اي مدّة دولته أو حياته (و تدركه منيته)

تنبيه

قال الشّارح المعتزلي في شرح المقام: إنّ هذا الكلام نصّ صريح منه عليه السّلام بانّ الامامة واجبة، فأمّا طريق وجوب الامامة ماهي فانّ مشايخنا البصريّين يقولون طريق وجوبها الشّرع و ليس في العقل ما يدلّ على وجوبها، و قال البغداديّون و أبو عثمان الجاحظ من البصريّين و شيخنا أبو الحسين إنّ العقل يدلّ على وجوب الرّياسة و هو قول الاماميّة إلّا أنّ الوجه الذي يوجب أصحابنا الرّياسة غير الوجه الذّي توجب الاماميّة منه الرّياسة.

و ذاك إنّ أصحابنا يوجبون الرّياسة على المكلّفين من حيث كان في الرياسة مصالح دنيويّة و دفع مضار دنيويّة، و الاماميّة يوجبون الرّياسة على اللّه من حيث كان في الرّياسة لطفا به و بعدا للمكلّفين عن مواقعة القبايح العقليّة، و الظاهر من كلام أمير المؤمنين يطابق ما يقوله أصحابنا ألا تراه كيف علّل قوله: لا بدّ للنّاس من أمير فقال في تعليله يجمع بها الفي‏ء و يقاتل بها العدوّ و يؤمن به السّبل و يؤخذ الضّعيف من القوي، و هذه كلّها مصالح الدّنيا انتهى.

أقول: و أنت خبير بما فيه، لأنّ كلامه عليه السّلام نصّ صريح في وجوب الامارة، و الامارة غير الامامة، لامكان حصولها من البرّ و الفاجر كما هو صريح كلامه بل من الكافر أيضا، بخلاف الامامة فانّها نيابة عن الرّسول و الغرض العمدة فيها هو مصلحة الدّين و اللّطف في حقّ المكلّفين كما أنّ المقصود من بعث النّبيّ أيضا كان ذلك، فلا يمكن حصولها من الفاجر و إن كان يترتّب عليها مصلحة دنيويّة أيضا إلّا أنّ المصالح الدّنيوية زايدة في جنب المصالح الاخرويّة لا صلاحيّة فيها للعلّية للامامة و إنّما يصلح علّة لوجوب الامارة و يكتفى فيها بذي شوكة له الرّياسة العامة إماما كان أو غير إمام، فانّ انتظام الأمر يحصل بذلك كما في عهد فجّار بني اميّة حيثما ذكرنا سابقا، و لأجل كون نظره عليه السّلام إلى وجوب الامارة علّل الوجوب بامور راجعة إلى المصالح الدّنيويّة، و لو كان نظره إلى الامامة لعللها بامور راجعة إلى مصالح الدّين و الدّنيا.

و بالجملة فلا دلالة في كلامه عليه السّلام على مذهب الشّارع تبعا للبغداديّين من كون وجوب الامامة مستندا إلى أنّ فيها جلب منافع دنيويّة و دفع مضارّ دنيويّة، و ليس مقصوده الاشارة إلى وجوب الامامة فضلا عن كونه نصّا صريحا فيه، و إنّما كان مقصوده بذلك ردّ الخوارج المنكرين لوجوب الامارة، فأثبت وجوبها لاحتياج النّاس إليها فافهم جيّدا.

الترجمة

أز جمله كلام آن عاليمقام است در شأن خوارج نهروان وقتى كه شنيد گفتار ايشان را كه لا حكم إلا للّه مى‏ گفتند يعنى هيچ حكم نيست مگر خداوند راآن حضرت فرمود: كه اين سخن سخن حقى است كه اراده شده به آن أمر باطل بلى بدرستى كه هيچ حكمى نيست مگر خداى را و لكن اين جماعت مقصودشان از اين سخن اين است كه هيچ امارت نيست در ميان مردمان و حال آنكه اين حرف بى وجه است از جهت اين كه ناچار است مردم را از اميرى نيكوكار يابد كار تا اين كه عمل كند در زمان امارت أمير نيكوكار مؤمن پرهيزكار به أو امر و نواهي پروردگار، و لذت بر دارد در زمان أمير فاجر منافق و كافر، و تا برساند خداى تعالى در امارت آن امير مردمان را بمنتهاى زمان و جمع شود به وجود آن أمير غنيمت، و قتال كرده شود بواسطه او با دشمنان، و آسوده شود بسبب او راههاى بيابان، و گرفته شود به عدالت او حق ضعيف بيچاره أز صاحب قوة با شوكت تا آسوده و راحت شود نيكوكار و راحتى يافته شود از شرير روزگار.

سيد مرحوم گفته در روايت ديگر وارد شده كه آن حضرت زمانى كه شنيد لا حكم إلا للّه گفتن خارجيان را فرمود: كه حكم خداوند را انتظار مى ‏كشم در حق شما كه حلول وقت قتل ايشان بود و فرمود آن حضرت كه أما أمارت نيكو پس عمل مى ‏كند در آن پرهيزكار و أما أمارت بد پس تمتع يابد در آن تبه كار تا آنكه منقطع شود و بنهايت برسد مدت عمر او در زمان، و در يابد و اداراك نمايد او را مرگ ناگهان، و اللّه أعلم بسرّ كلامه عليه السّلام.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 39 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 39 صبحی صالح

39- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) خطبها عند علمه بغزوة النعمان بن بشير صاحب معاوية لعين التمر

و فيها يبدي عذره،

و يستنهض الناس لنصرته

مُنِيتُ بِمَنْ لَا يُطِيعُ إِذَا أَمَرْتُ

وَ لَا يُجِيبُ إِذَا دَعَوْتُ

لَا أَبَالَكُمْ

مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ رَبَّكُمْ

أَ مَا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ

وَ لَا حَمِيَّةَ تُحْمِشُكُمْ

أَقُومُ فِيكُمْ مُسْتَصْرِخاً

وَ أُنَادِيكُمْ مُتَغَوِّثاً

فَلَا تَسْمَعُونَ لِي قَوْلًا

وَ لَا تُطِيعُونَ لِي أَمْراً

حَتَّى تَكَشَّفَ الْأُمُورُ عَنْ عَوَاقِبِ الْمَسَاءَةِ

فَمَا يُدْرَكُ بِكُمْ ثَارٌ

وَ لَا يُبْلَغُ بِكُمْ مَرَامٌ

دَعَوْتُكُمْ إِلَى نَصْرِ إِخْوَانِكُمْ فَجَرْجَرْتُمْ جَرْجَرَةَ الْجَمَلِ الْأَسَرِّ

وَ تَثَاقَلْتُمْ تَثَاقُلَ النِّضْوِ الْأَدْبَرِ

ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ مِنْكُمْ جُنَيْدٌ مُتَذَائِبٌ ضَعِيفٌ

كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ

قال السيد الشريف أقول قوله ( عليه‏السلام  ) متذائب أي مضطرب

من قولهم تذاءبت الريح أي اضطرب هبوبها

و منه سمي الذئب ذئبا لاضطراب مشيته

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج 

و من خطبة له عليه السّلام و هى التاسعة و الثلاثون من المختار في باب الخطب

خطب بها في غزاة النّعمان بن بشير بعين التّمر على ما تعرفها إن شاء اللّه قال:

منيت بمن لا يطيع إذا أمرت، و لا يجيب إذا دعوت، لا أبا لكم ما تنتظرون بنصركم ربّكم، أما دين يجمعكم، و لا حميّة تحمشكم أقوم فيكم مستصرخا، و أناديكم متغوّثا، فلا تسمعون لي قولا، و لا تطيعون لي أمرا، حتّى تكشف الامور عن عواقب المساءة، فما يدرك بكم ثار، و لا يبلغ بكم مرام، دعوتكم إلى نصرة إخوانكم فجرجرتم جرجرة الجمل الأسرّ، و تثاقلتم تثاقل النّضو الأدبر، ثمّ خرج إليّ منكم جنيد متذائب ضعيف، كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ. قال السّيد (ره) أقول قوله عليه السّلام: متذائب أى مضطرب من قولهم تذائبت الرّيح اى اضطرب هبوبها، و منه سمى الذّئب ذئبا لاضطراب مشيته.

اللغة

(منيت) على البناء للمفعول اى ابتليت و (حمشه) جمعه كحمشه و أغضبه كأحمشه و حمش القوم ساقهم بغضب و (المستصرخ) المستنصر مأخوذ من الصّراخ و هو الصّياح باستغاثة و (المتغوث) القائل و اغوثاه و (تكشف) بصيغة المضارع من باب ضرب أي تظهر و في بعض النّسخ تنكشف و في بعضها تكشف بصيغة الماضى من باب التّفعل يقال تكشف الامر و انكشف أى ظهر.

و (الثّار) الدّم و الطلب به و قاتل حميمك قاله في القاموس و (الجرجرة) صوت يردّده الابل في حنجرته و أكثر ما يكون ذلك عند الاعياء و التّعب و (السرر)داء يأخذ البعير في سرّته يقال: منه جمل السّر و (النّضو) البعير المهزول و (الأدبر) الذي به دبر و هي القروح في ظهره و (الجنيد) تصغير الجند للتحقير.

الاعراب

ما تنتظرون استفهام على سبيل الانكار التّوبيخي، و أما دين يجمعكم استفهام على سبيل التّقرير أو للتّوبيخ، و مستصرخا و متغوثا منصوبان على الحال من فاعل أقوم و أنادي، و قوله: حتّى تكشف الامور الغاية داخل في حكم المغيّى، و على ما في بعض النّسخ من تكشف بصيغة الماضى فحتّى ابتدائية على حدّ قوله سبحانه: ثمّ بدلنا مكان السّيئة الحسنة حتّى عفوا، و إضافة العواقب إلى المسائة بيانيّة، و جملة و هم ينظرون منصوبة المحلّ على الحال من فاعل يساقون.

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة خطب بها في غزاة النعمان بن بشير الأنصاري على عين التّمر، و هو عين ماء قرب الكوفة، و كيفية تلك الغزوة على ما ذكره في شرح المعتزلي من كتاب الغارات هي أنّ النّعمان قدم هو و أبو هريرة على عليّ من عند معاوية بعد أبي مسلم الخولاني يسألانه أن يدفع قتلة عثمان إلى معاوية ليقدهم بعثمان لعلّ الحرب أن يطفأ و يصطلح النّاس.

و إنّما أراد معاوية أن يرجع مثل النّعمان و أبي هريرة من عند عليّ عليه السّلام و هم لمعاوية عاذرون و لعليّ لايمون و قد علم معاوية أنّ عليا لا يدفع قتلة عثمان اليه، فأراد أن يكون هذان يشهدان له عند أهل الشّام بذلك و أن يظهرا عذره، فقال لهما ائتيا عليّا فانشداه اللّه و سلاه باللّه لما دفع الينا قتلة عثمان فانّه قد آواهم و منعهم ثمّ لا حرب بيننا و بينه، فان أبى فكونوا شهداء للّه عليه و أقبلا على النّاس فاعلماهم ذلك، فأتيا إلى عليّ عليه السّلام فدخلا عليه.

فقال له أبو هريرة: يا أبا الحسن انّ اللّه قد جعل لك في الاسلام فضلا و شرفا أنت ابن عمّ محمّد رسول اللّه، و قد بعثنا اليك ابن عمّك معاوية يسألك أمرا يسكن به هذه الحرب و يصلح اللّه تعالى به ذات البين أن تدفع إليه قتلة عثمان ابن عمّه فيقتلهم به، و يجمع اللّه تعالى أمرك و أمره و يصلح بينكم و تسلم هذه الأمّة من الفتنة و الفرقة.

ثمّ تكلّم النّعمان بنحو من هذا.

فقال عليه السّلام لهما دعا الكلام في هذا حدّثني عنك يا نعمان أنت أهدى قومك سبيلا يعنى الأنصار قال: لا قال: فكل قومك تبعنى إلا شذاذ منهم ثلاثة أو أربعة أ فتكون أنت من الشّذاذ فقال النّعمان: أصلحك اللّه إنّما جئت لأكون معك و ألزمك و قد كان معاوية سألني أن أؤدّى هذا الكلام و رجوت أن يكون لي موقف اجتمع فيه معك و طمعت أن يجري اللّه بينكما صلحا، فاذا كان غير ذلك رأيك فأنا ملازم و كاين معك فأما أبو هريرة فلحق بالشّام و أقام النّعمان عند عليّ عليه السّلام فأخبر أبو هريرة معاوية بالخبر فأمره أن يعلم الناس ففعل.

و أقام النّعمان بعده ثمّ خرج فارّا من عليّ حتّى إذا مرّ بعين التمر أخذه مالك بن كعب الأرحبى و كان عامل عليّ عليها فأراد حبسه و قال له: ما مرّبك ههنا قال إنّما أنا رسول بلّغت رسالة صاحبي ثمّ انصرفت فحبسه، و قال كما أنت حتى اكتب إلى عليّ فيك فناشده و عظم عليه أن يكتب إلى عليّ فيه فأرسل النّعمان إلى قرطة بن كعب الانصاري و هو كاتب عين التّمر يجبى خراجها لعليّ عليه السّلام فجائه مسرعا فقال لمالك بن كعب: خلّ سبيل ابن عمّي يرحمك اللّه، فقال يا قرطة اتّق اللّه و لا تتكلّم في هذا فانّه لو كان من عبّاد الانصار و نسّاكهم لم يهرب من أمير المؤمنين عليه السّلام إلى أمير المنافقين فلم يزل به يقسم عليه حتّى خلا سبيله و قال له يا هذا لك الأمان اليوم و الليلة و غدا و اللّه لان أدركتك بعدها لأضربنّ عنقك.

فخرج مسرعا لا يلوى على شي‏ء و ذهبت به راحلته فلم يدر اين يتأكع من الارض ثلاثة إيام لا يعلم أين هو ثمّ قدم الى معاوية فخبره بما لقى و لم يزل معه مصاحبا له يجاهد عليّا و يتبع قتلة عثمان حتّى غزا الضّحاك بن قيس أرض العراق، ثمّ انصرف إلى معاوية فقال معاوية: أما من رجل أبعث معه بجريدة خيل حتى يغير على شاطي الفرات فانّ اللّه يرغب بها أهل العراق فقال له النّعمان: فابعثنى فانّ لي في قتالهم نيّة و هوى، و كان النّعمان عثمانيّا، قال فانتدب على اسم اللّه فانتدب و ندب‏ معه ألفي رجل و أوصاه أن يتجنّب المدن و الجماعات، و أن لا يغير إلّا على مسلحة و أنّ يعجّل الرّجوع.

فأقبل النّعمان حتّى دنى من عين التّمر و بها مالك بن كعب الارحبى الّذي جرى له معه ما ذكرناه و مع مالك ألف رجل و قد أذن لهم فقد رجعوا إلى الكوفة فلم يبق معه إلّا مأئة أو نحوها.

فكتب مالك إلى عليّ عليه السّلام أمّا بعد فانّ النّعمان بن بشير قد نزل بى في جمع كثيف فمر رأيك سدّدك اللّه تعالى و ثبّتك و السّلام.

فوصل الكتاب إلى عليّ عليه السّلام فصعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: اخرجوا هداكم اللّه إلى مالك بن كعب أخيكم، فانّ النّعمان بن بشير قد نزل به في جمع من أهل الشّام ليس بالكثير فانهضوا إلى إخوانكم لعلّ اللّه يقطع بكم من الكافرين طرفا ثمّ نزل.

فلم يخرجوا فأرسل عليه السّلام إلى وجوههم و كبرائهم فأمر أن ينهضوا و يحثّوا النّاس على المسير فلم يصنعوا شيئا و اجتمع منهم نفر يسير نحو ثلاثمائة فارس أو دونها فقام عليه السّلام.

فقال: ألا إنّى (منيت بمن لا يطيع) نى (إذا أمرت و لا يجيب) دعوتي (اذا دعوت) و هو اظهار لعذر نفسه على أصحابه لينسب التّقصير اليهم دونه و يقع عليهم لائمة غيرهم (لا ابالكم ما تنتظرون بنصركم ربّكم) و هو توبيخ لهم على التّثاقل و التقاعد و الانتظار و استنهاض بهم على نصرة اللّه (أما دين يجمعكم و لا حمية تحمشكم) و هو إمّا تقرير لهم بما بعد النفى ليقرّوا بذلك و يعترفوا بكونهم صاحب دين و حمية فيلزم عليهم الحجة و يتوجّه عليهم اللّوم و المذمّة، و إمّا توبيخ بعدم اتّصافهم بدين جامع و حمية مغضبة.

و نظيره في الاحتمالين قوله سبحانه: أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ‏ و على التّقديرين فالمقصود به حثّهم و ترغيبهم على الجهاد تهيجا و إلهابا بأنّ صاحب الدّين و الحميّة لا يتحمّل أن ينزل على إخوانه المؤمنين داهية فلا تنصرهم مع قدرته على الذّبّ عنهم و تمكّنه من حماية دمارهم و معاونتهم.

(أقوم فيكم مستصرخا، و أناديكم متغوّثا، فلا تسمعون لى قولا، و لا تطيعون لى امرا حتّى تكشف الامور عن عواقب المسائة) أراد أنّ عدم طاعتهم له مستمرّ إلى أن تظهر الامور«» أى الامور الصّادرة عنهم عن عواقب السّوء و ترجع مآلها إلى النّدامة و ملامة النّفس اللّوامة، أو المراد انه ظهر«» الامور الفظيعة اى الامور الصّادرة عن عدوّهم بالنّسبة اليهم كالقتل و الغارة و انتقاص الاطراف.

(فما يدرك بكم ثار و لا يبلغ بكم مرام) تهييج لهم على التألف في النّصرة إذ من شأن العرب ثوران طباعهم بمثل هذه الأقوال (دعوتكم إلى نصر إخوانكم فجرجرتم جرجرة الجمل الاسرّ) قال الشّارح البحراني استعار لفظ الجرجرة لكثرة تملّلهم و قوّة تضجّرهم من ثقل ما يدعوهم إليه، و لمّا كانت جرجرة الجمل الأسرّ أشدّ من جرجرة غيرها لاحظ شبه ما نسبه إليهم من التضجّر بها، و كذلك التشبيه في قوله (و تثاقلتم تثاقل النّضو الأدبر).

و قوله (ثمّ خرج إلىّ منكم جنيد متذائب) مضطرب (ضعيف) اشارة إلى حقارة شأنهم و قلّة عددهم و قد ذكرنا أنهم كانوا نحوا من ثلاثمائة أو دونها و قوله (كأنّما يساقون إلى الموت و هم ينظرون) اشارة إلى شدّة خوفهم و جبنهم و اضطرابهم فيما يساقون إليه مثل اضطراب من يساق إلى الموت و خوفه منه هذا.

و قال صاحب الغارات: إنّه بعد ما خطب هذه الخطبة نزل من المنبر فدخل منزله، فقام عديّ بن حاتم فقال: هذا و اللّه الخذلان ما على هذا بايعنا أمير المؤمنين، ثمّ دخل إليه فقال: يا أمير المؤمنين انّ معي من طىّ ألف رجل لا يعصوني فان شئت أن أسير بهم سرت، قال: ما كنت لأعرض قبيلة واحدة من قبايل العرب للنّاس و لكن اخرج‏إلى النخيلة و عسكر بهم، فخرج و عسكر و فرض عليّ عليه السّلام لكلّ رجل منهم سبعمائة فاجتمع إليه ألف فارس عداطيا أصحاب عديّ و ورد عليه الخبر بهزيمة النعمان.

و روى عبد اللّه بن جوزة الأزدي قال: كنت مع مالك بن كعب حين نزل بنا النّعمان و هو في ألفين و ما نحن إلّا مأئة، فقال لنا: قاتلوهم في القربة و اجعلوا الجدر في ظهوركم و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، و اعلموا أنّ اللّه ينصر العشرة على المأة و المأة على الألف و القليل على الكثير.

ثمّ قال انّ اقرب من ههنا إلينا من شيعة أمير المؤمنين قرطة بن كعب و مخنف ابن سليم فاركض إليهما فاعلمهما حالنا و قل لهما فلينصرانا فمررت بقرطة فاستصرخته فقال إنّما أنا صاحب خراج و ليس عندي من اغيثه به، فمضيت إلى مخنف فسرح معي عبد الرّحمن بن مخنف في خمسين رجلا.

و قاتل مالك و أصحابه النّعمان و أصحابه إلى العصر فأتيناه و قد كسر هو و أصحابه جفون سيوفهم و استقبلوا الموت، فلو أبطانا منهم هلكوا، فما هو إلّا ان رآنا أهل الشام و قد أقبلنا عليهم أخذوا ينكصون عنهم و يرتفعون و رائنا مالك و أصحابه فشدّوا عليهم حتّى دفعوهم عن القرية، فاستعرضناهم فصرعنا منهم رجالا ثلاثة فظنّ القوم أنّ لنا مددا و حال الليل بيننا و بينهم فانصرفوا إلى أرضهم.

و كتب مالك إلى عليّ عليه السّلام أمّا بعد: فانّه نزل بنا النّعمان بن بشير في جمع من أهل الشّام كالظاهر علينا و كان أعظم أصحابي متفرّقين و كنا للّذي كان منهم آمنين فخرجنا رجالا مصلتين فقاتلناهم حتّى المساء و استصرخنا مخنف بن سليم فبعث لنا رجالا من شيعة أمير المؤمنين و ولده، فنعم الفتى و نعم الأنصار كانوا فحملنا على عدوّنا و شددنا عليهم، فأنزل اللّه علينا نصره و هزم عدوّه و أعزّ جنده و الحمد للّه ربّ العالمين و السّلام على أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته.

الترجمة

از جمله خطب آن حضرتست در وقتى كه نعمان بن بشير بأمر معاوية بد ضمير با دو هزار سوار بجهت تخويف أهل عراق از شام حركت نموده چون بعين التمر رسيد با مالك بن كعب ارحبى كه عامل أمير المؤمنين بود جنك نموده مالك‏ آن حضرت را از ما وقع اخبار نموده آن حضرت هر چند ترغيب فرمود أصحاب خود را بنصرت مالك و كارزار دشمنان ايشان تكاهل ورزيدند پس حضرت اين خطبه را خواند كه: مبتلا شدم بكسى كه اطاعت نمى ‏كند مرا در قتال أهل ضلال هرگاه أمر نمايم او را به آن، و اجابت نمى ‏نمايد قول مرا در جدال هر گاه دعوت ميكنم او را به آن، پدر مباد شما را چه انتظار مى ‏كشيد بيارى دادن پروردگار خود آيا نيست شما را دينى كه جمع نمايد شما را از اين تفرّق و اختلاف آراء، و نيست غيرتى كه بخشم آورد شما را أز اين حركت و كردار أعداء، ايستاده‏ ام در ميان شما فرياد كننده بجهت دفع أشرار، و مى‏ خوانم شما را بفرياد رسى در قتل دشمنان جفا كار.

پس گوش نمى ‏دهيد به گفتار من، و اطاعت نمى‏ كنيد بأمر و فرمان من تا اين كه اظهار ميكند اين كارهاى ناشايسته شما از عاقبت‏هاى بدى، يا اين كه ظاهر مى ‏شود كارهاى دشوار از عاقبت‏هاى بد، پس ادراك نمى ‏شود با عانت شما كينه جوئى و خون خواهى از اعداء، و رسيده نمى‏ شود بيارى و حمايت شما مقصودي از مقصودها.

دعوت كردم شما را بيارى برادران خودتان پس آواز گردانيديد در حنجره بجهت دلتنگى از دعوت من چون آواز گردانيدن شترى كه درد ناف داشته باشد و ناله كند از آن، و گرانى نموديد در كار زار چون گرانى شتر لاغر ريش پشت در رفتار، پس بيرون آمد بسوى شما از جانب شما لشكركى مضطرب و ناتوان گويا كه رانده ميشوند با جبر و اكراه بسوى مرگ در حالتى كه نظر ميكند بشدايد مرگ و أهاويل آن.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 38 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 38 صبحی صالح

38- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) و فيها علة تسمية الشبهة شبهة ثم بيان حال الناس فيها

وَ إِنَّمَا سُمِّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةً لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْحَقَّ

فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ فَضِيَاؤُهُمْ فِيهَا الْيَقِينُ

وَ دَلِيلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى

وَ أَمَّا أَعْدَاءُ اللَّهِ فَدُعَاؤُهُمْ فِيهَا الضَّلَالُ

وَ دَلِيلُهُمُ الْعَمَى

فَمَا يَنْجُو مِنَ الْمَوْتِ مَنْ خَافَهُ

وَ لَا يُعْطَى الْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّه‏

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج4  

و من خطبة له عليه السّلام و هى الثامنة و الثلاثون من المختار في باب الخطب و إنّما سمّيت الشّبهة شبهة لأنّها تشبه الحقّ، فأمّا أولياء اللّه‏ فضياءهم فيها اليقين، و دليلهم سمت الهدى، و أمّا أعداء اللّه فدعائهم فيها الضّلال، و دليلهم العمى، فما ينجو من الموت من خافه، و لا يعطى البقاء من أحبّه.

اللغة

(السّمت) بالفتح فالسكون الطريق و هيئة أهل الخير، و السّير على الطريق بالظنّ و حسن النّحو و قصد الشي‏ء و السّكينة و الوقار.

الاعراب

البقاء إمّا بالرّفع كما في اكثر النّسخ، و هو الأظهر«» على قراءة يعطى بصيغة المجهول أو منصوب كما في بعضها على كون يعطي مبنيّا على الفاعل فيكون مفعولا ثانيا قدّم على الأوّل.

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام له فصلان غير ملتئمين: فإما أنّ السّيد «ره» جمعهما من كلام طويل على ما هو دابه في هذا الكتاب، و إمّا أن يكون الفصل الثاني مربوطا على كلام مذكور قبل الفصل الأوّل حسن ارتباطه به فيكون الفصل الأوّل اعتراضا بينهما و كيف كان.

فالفصل الاول

وارد في بيان وجه تسمية الشّبهة و بيان حال النّاس فيها، أمّا وجه التسميةفأشار إليه بقوله: (و انّما سمّيت الشّبهة شبهة لانّها تشبه الحقّ) اعلم أنّ الشّبهة هو الالتباس مأخوذة من التشابه و هو كون أحد الشيئين مشابها للآخر بحيث يعجز الذهن عن التّمييز بينهما قال اللّه تعالى: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك ثمّ لما كان من شأن المتشابهين عجز الانسان عن التّمييز بينهما سمّي كلّ ما لا يهتدى الانسان إليه بالمتشابه، و نظيره المشكل سمّى بذلك لأنّه أشكل أى دخل في شكل غيره فأشبهه و شابهه.

قال الصّادق عليه السّلام: أمر بيّن رشده فيتبع، و أمر بيّن غيّه فيجتنب، و أمر مشكل يردّ علمه إلى اللّه و رسوله، ثمّ يقال لكلّ ما غمض و إن لم يكن غموضه من هذه الجهة إنّه مشكل إذا عرفت ذلك فأقول: إنّ في قوله إشارة إلى أنّ الامور على ثلاثة: حقّ بيّن رشده، و باطل بيّن غيّه، و شبهة بين ذلك سمّيت بها لأنها تشبه الحقّ، و اللازم فيها الرّجوع إلى الرّاسخين في العلم الذّين تثبتوا و تمكنوا فيه، و لهم حسن التدبر وجودة الذّهن لتجرّد عقولهم عن غواشى الحسّ لكون نفوسهم مشرقة بنور اليقين مستضيئة بنور النبوّة في سلوك الصّراط المستقيم، فبهم يكشف النقاب عن وجه الشّبهة و يرتفع الحجاب و يهتدى إلى صوب الصّواب كما قال عليه السّلام.

(فأما أولياء اللّه فضياؤهم فيها اليقين و دليلهم سمت الهدى) فيخرجون تابعيهم و المهتدين بهم من الرّدى و يدلّونهم على الهدى و هو هدى اللّه سبحانه و تعالى و قد قال: قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا في البحار من كنز جامع الفوايد و تأويل الآيات باسناده عن داود النجّار عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السّلام أنّه سأل أباه عن قول اللّه:قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يا أيها النّاس اتّبعوا هدى اللّه تهتدوا و ترشدوا و هو هداى هداى عليّ بن أبي طالب فمن اتّبع هداه في حياتي و بعد موتى فقد اتّبع هداى و من اتّبع هداى فقد اتّبع هدى اللّه و من اتّبع هدى اللّه فلا يضلّ و لا يشقى.

(و أمّا أعداء اللّه) الذين في قلوبهم زيغ و عدول عن الحقّ (فدعاؤهم فيها الضّلال) و الغوى (و دليلهم العمى) فيهدون المهتدين بهم إلى طريق الرّدى و يخرجونهم عن قصد الهدى و هم الأئمة الهادون إلى النّار الموقفون لتابعيهم كأنفسهم في غضب الجبّار كما قال تعالى: وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى‏ قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى‏ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى‏.

روي في الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قول اللّه عزّ و جلّ: وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً قال: يعنى به ولاية أمير المؤمنين قلت: وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى‏ قال يعنى أعمى البصر في الآخرة أعمى القلب في الدّنيا عن ولاية أمير المؤمنين قال و هو سيحشر يوم القيامة يقول: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى‏ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا قال الآيات الأئمة عليهم السّلام فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى‏ يعنى تركتها فكذلك تترك في النّار كما تركت الأئمة فلم تطع قولهم و لم تسمع أمرهم.

و قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ مقصوده بذلك الاشارة إلى وجوب الرّجوع في الوقايع المشتبهة و الامور الملتبسة إلى أئمة الحقّ الّذينهم أولياء اللّه سبحانه و تعالى، لأنّهم من حيث كمال نفوسهم القدسيّة بنور اليقين قادرون على رفع الشكوكات و دفع الشّبهات، و من حيث أنّ دليلهم سمت الهدى يهدون الرّاجعين إليهم إلى طريق النّجاة.

و أما أئمة الجور الّذينهم أعداء اللّه عزّ و علا فلا يمكن الرّجوع فيها إليهم لأنّهم من حيث اتّصافهم بالجهل و العمى عاجزون عن رفع النّقاب و كشف الحجاب في الامور المشتبهة و الوقايع المشكلة، و من حيث إنهم معزولون عن الحقّ يدعون الراجعين إليهم و التابعين لهم الى طريق الضّلال.

و قد قال لكميل بن زياد: النّاس ثلاثة: عالم ربّاني، و متعلّم على طريق النجاة، و همج رعاع أتباع كلّ ناعق يميلون مع كلّ ريح لم يستضيئوا بنور العلم و لم يلجئوا إلى ركن وثيق هذا.

و يحتمل أن يكون غرضه بذلك الكلام الاشارة إلى خصوص أمر الخلافة الذي اشتبه على الناس و صاروا منه في شبهة فمنهم من رآه أهلالها و اقتدى فسعد و نجى و صار من أصحاب الصراط السويّ و اهدى، فتنوّر قلبه بنوره عليه السّلام و يهدي اللّه لنوره من يشاء من عباده، و منهم من قدّم غيره عليه و ائتمّ به فضلّ و هلك و خاب و غوى و يحشر يوم القيمة أعمى.«»و إلى الفريقين أشير في قوله عزّ و جلّ: أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ قال عليّ بن ابراهيم في تفسيره: جاهلا عن الحقّ و الولاية فهديناه اليها.

وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ قال النّور الولاية كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها يعني في ولاية غير الأئمّة (ع) كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ و روى العياشي عن بريد العجلي قال: قال: أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ قال الميت الّذي لا يعرف هذا الشأن قال أ تدري ما يعني ميتا قال قلت: جعلت فداك لا، قال الميت الذي لا يعرف شيئا فأحييناه بهذا الأمر و جعلنا له نورا يمشى به في الناس قال إماما فأتمّ به قال: كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها قال كمثل هذا الخلق الّذين لا يعرفون الامام.

و في قوله: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ قال الصادق عليه السّلام في رواية الكافى عن ابن أبي يعفور عنه عليه السّلام من ظلمات الذّنوب إلى نور التّوبة أو المغفرة لولايتهم كل امام عادل من اللّه قال: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ فأىّ نور يكون للكافر فيخرج منه إنّما عنى بهذا أنّهم كانوا على نور الاسلام فلمّا تولّوا كلّ امام جاير ليس من اللّه خرجوا بولايتهم إيّاهم من نور الاسلام إلى ظلمات الكفر فأوجب اللّه لهم النّار مع الكفّار و قال: أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ والى الفرقة الاولى خاصّة وقعت الاشارة في قوله سبحانه: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا قال أبو خالد سألت أبا جعفر عليه السّلام عن هذه الآية فقال عليه السّلام: يا أبا خالد النّور و اللّه الأئمة إلى يوم القيامة هم و اللّه نور اللّه الذي انزل، و هم و اللّه نور اللّه في السّموات و الأرض و اللّه يا أبا خالد لنور الامام في قلوب المؤمنين أنور من الشّمس المضيئة بالنّهار، و هم و اللّه ينوّرون قلوب المؤمنين و يحجب اللّه نورهم عمّن يشاء فتظلم قلوبهم، و اللّه يا أبا خالد لا يحبّنا عبد و يتولّانا حتّى يطهر اللّه قلبه، و لا يطهر اللّه قلب عبد حتّى يسلم و يكون سلما لنا، فاذا كان سلما لنا سلّمه اللّه من شديد الحساب و آمنه من فزع يوم القيامة الاكبر.

والى الفرقة الثّانية خاصّة اشيرت في قوله سبحانه: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ فقد روى في الكافي باسناده عن عبد الرّحمن بن كثير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في قوله عزّ و جلّ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ قال أمير المؤمنين و الأئمّة عليهم السّلام وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ قال فلان و فلان‏و فلان فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ و هم أمير المؤمنين و الأئمّة عليهم السّلام هذا.

و غير خفيّ على النّاقد البصير المجدّ الخبير أنّ التّأويل الذي ذكرته في شرح كلامه عليه السّلام ممّا لم يسبقني أحد من الشّراح، و إنّما حاموا حول القيل و القال و أخذوا بشرح ظاهر المقال و قد هداني إلى هذا التحقيق نور التوفيق، و قد اهتديت إليه بميامن التمسك بولاية أئمّة الهدى و الاعتصام بعراهم الوثقى، رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَ هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.

و الفصل الثاني

وارد في مقام التذكير بالموت الذي هو هادم اللذات كما قال عليه السّلام (فما ينجو من الموت من خافه) يعنى: إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى‏ عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ و قوله عليه السّلام (و لا يعطى البقاء من أحبّه) يعنى أنّ حبّ البقاء في الدّنيا لا يثمر البقاء فيها و في معنى هذا الفصل قال في الدّيوان المنسوب إليه:

أرى الدّنيا ستؤذن بانطلاق
مشمّرة على قدم و ساق‏

فلا الدّنيا بباقية لحىّ‏
و لا حىّ على الدّنيا بباق‏

و قال ايضا

حياتك انفاس تعدّ فكلّما
مضى نفس منها انتقضت به جزءا

و يحييك ما يفنيك في كلّ حالة
و يحدوك حاد ما يريد بك الهزءا

فتصبح في نفس و تمسى بغيرها
و مالك من عقل تحسّ به رزءا

و قال ايضا

الموت لا والدا يبقى و لا ولدا
هذا السبيل الى أن لا ترى أحدا

كان النّبيّ و لم يخلد لامّته‏
لو خلّد اللّه خلقا قبله خلدا

للموت فينا سهام غير خاطئة
من فاته اليوم سهم لم يفته غدا

الترجمة

از جمله خطب آن حضرت است كه مشتمل است بدو فصل يكي در بيان وجه تسميه شبهه مى‏فرمايد كه: بدرستى نام نهاده شد شبهه بشبهه بجهة آنكه آن شباهت دارد بحق پس أما دوستان خدا پس روشنى ايشان در آن شبهه نور يقين است، و راه نمائى ايشان قصد راه راست است، و أما دشمنان خدا پس خواندن ايشان در امور مشتبه گمراهى است و ضلالت، و دليل ايشان كورى است و عدم بصيرت فصل دوم در تذكير موت مى‏فرمايد: پس نجات نيافت از مرگ كسى كه ترسيد از او، و عطا نشد بقا بر كسى كه دوست داشت آنرا، بلكه مآل هر دو أجل است پس هر كه راه خدا گزيد به بهشت و نعيم رسيد، و هر كه راه دشمنان خدا اختيار نمود گرفتار عقوبت و جهنم گرديد.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 37 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)وصف حضرت امیر از خودشان

 خطبه 37 صبحی صالح

37- و من كلام له ( عليه‏ السلام  ) يجري مجرى الخطبة و فيه يذكر فضائله ( عليه‏ السلام  ) قاله بعد وقعة النهروان‏

فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا

وَ تَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا

وَ نَطَقْتُ‏

 

حِينَ تَعْتَعُوا

وَ مَضَيْتُ بِنُورِ اللَّهِ حِينَ وَقَفُوا

وَ كُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً

وَ أَعْلَاهُمْ فَوْتاً

فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا

وَ اسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا

كَالْجَبَلِ لَا تُحَرِّكُهُ الْقَوَاصِفُ

وَ لَا تُزِيلُهُ الْعَوَاصِفُ

لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فِيَّ مَهْمَزٌ

وَ لَا لِقَائِلٍ فِيَّ مَغْمَزٌ

الذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ لَهُ

وَ الْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ

رَضِينَا عَنِ اللَّهِ قَضَاءَهُ

وَ سَلَّمْنَا لِلَّهِ أَمْرَهُ

أَ تَرَانِي أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ( صلى‏ الله ‏عليه ‏وسلم  )

وَ اللَّهِ لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ

فَلَا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ

فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِي

فَإِذَا طَاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيْعَتِي

وَ إِذَا الْمِيثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَيْرِي

38- و من كلام له ( عليه‏السلام  ) و فيها علة تسمية الشبهة شبهة ثم بيان حال الناس فيها

وَ إِنَّمَا سُمِّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةً لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الْحَقَّ

فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ فَضِيَاؤُهُمْ فِيهَا الْيَقِينُ

وَ دَلِيلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى

وَ أَمَّا أَعْدَاءُ اللَّهِ فَدُعَاؤُهُمْ فِيهَا الضَّلَالُ

وَ دَلِيلُهُمُ الْعَمَى

فَمَا يَنْجُو مِنَ الْمَوْتِ مَنْ خَافَهُ

 شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج4  

و من كلام له عليه السلام يجرى مجرى الخطبة و هو السابع و الثلاثون من المختار فى باب الخطب

فقمت بالأمر حين فشلوا، و تطلّعت حين تقبّعوا، و نطقت حين تعتعوا، و مضيت بنور اللّه حين وقفوا، و كنت أخفضهم صوتا، و أعلاهم فوتا، فطرت بعنانها، و استبددت برهانها، كالجبل لا تحرّكه القواصف، و لا تزيله العواصف، لم يكن لأحد فيّ مهمز، و لا لقائل فيّ مغمز، الذّليل عندي عزيز حتّى آخذ الحقّ له، و القويّ عندي ضعيف حتّى آخذ الحقّ منه، رضينا عن اللّه قضاءه، و سلّمنا للّه أمره، أ تراني أكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و اللّه لأنا أوّل من صدّقه، فلا أكون أوّل من كذب عليه، فنظرت في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي، و إذا الميثاق في عنقي لغيري.

اللغة

(فشل) كفرح فهو فشل ضعف و كسل و تراخى و جبن و (التّطلع) هو الاشراف من عال و تطلعه أشرف عليه و علم به و (التّقبع) التّقبض يقال قبع القنفذ أدخل رأسه في جلده، و قبع الرّجل في قميصه دخل و تخلّف عن أصحابه و (التّعتعة) في الكلام التّردّد و الاضطراب فيه من حصر أوعىّ و (الفوت) السّبقة يقال فاته فلان بذراع سبقه بها و منه يقال افتات فلان افتياتا اذا سبق بفعل شي‏ء و (استبدّ) برأيه و استبدّ بالشّي‏ء استقلّ به و انفرد.

و (الرّهان) إما جمع الرّهن كالرّهون و الرّهن و هو ما يوضع عندك لينوب مناب ما يؤخذ منك، او مصدر كالمراهنة يقال راهنت فلانا على كذا رهانا و تراهن القوم اخرج كلّ واحد رهنا ليفوز السّابق بالجميع اذا غلب، و الثاني هو الأظهر و عليه فالمراد به ما يرهن و يستبق عليه.

و (القواصف) جمع القاصف يقال قصفت الرّيح العود قصفا فانقصف مثل كسرته فانكسر و زنا و معنا و (العواصف) جمع العاصف يقال عصفت الرّيح عصفا اشتدّت فهي عاصف و عاصفة، و الاولى يجمع على العواصف و الثّانية على العاصفات صرّح به الفيومى في المصباح و (المهمز) و (المغمز) المطعن اسم مكان من الهمز و الغمز يقال همزه همزا اعتابه في غيبته و غمزه غمزا اشار إليه بعين أو حاجب، و ليس فيه مغمزة و لا غميزة أى عيب.

الاعراب

صوتا و فوتا منصوبان على التّميز، و الباء في بعنانها للاستعانة و في قوله برهانها للصّلة، و يحتمل كونها بمعنى في فلا بدّ حينئذ من ابقاء الرّهان على معناه المصدري فيكون المعنى انفردت من الأقران في مقام المراهنة و الرّهان، و جملة لا تحرّكه القواصف كالجملات التي بعدها منصوبة المحلّ على الحاليّة، و قوله: حتّي اخذ بنصب المضارع بنفس حتّى كما يقوله الكوفيّون، أو بأن مضمرة نظرا إلى أن حتّى خافضة للأسماء و ما تعمل في الأسماء لا تعمل في الأفعال، و كذا العكس.

المعنى

اعلم انّ المستفاد من شرح المعتزلي هو أنّ هذا الكلام له فصول أربعة يلتقطه من كلام طويل له قاله بعد وقعة النهّروان مشتمل على وصف حاله منذ توفّى‏ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الى آخر وقته، فجعل السيّد (ره) ما التقطه سردا فصار عند السّامع كانّه يقصد به مقصدا و احدا.

فالفصل الاول مشتمل على ذكر مناقبه الجميلة الممتاز بها عن غيره

و هو قوله: (فقمت بالأمر حين فشلوا) و المراد به قيامه عليه السّلام بتشييد أمر الدّين و تأسيس أساس اليقين و ترويج سنّة سيد المرسلين في الحروب و الخطوب حين ضعف عنه ساير أصحابه صلوات اللّه عليه، و فشلوا و جبنوا و كسلوا و كان ذلك دأبه و ديدنه في زمن الرّسول و بعده.

و قال الشّارح المعتزلي: الاشارة بذلك الفصل إلى قيامه بالأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر أيّام أحداث عثمان و كون المهاجرين كلّهم لم ينكروا و لم يواجهوا عثمان بما كان يواجهه به و ينهاه عنه، فمعنى قمت بالأمر قيامه عليه السّلام بالنّهى عن المنكر حين فشل أصحاب محمّد انتهى.

و الأظهر هو ما ذكرنا إلّا أن يكون في بيان الذي أسقطه السّيد (ره) من كلامه قرينة على ما ذكره الشّارح عثر عليه هو و لم يعثر عليه بعد (و تطلّعت حين تقبّعوا) اى اشرفت على حقايق المعقولات و دقايق المحسوسات و اطلعت عليها حين قصر عنه ساير الأصحاب فحصل لي التّطاول فيها و لهم القصور (و نطقت حين تعتعوا) أراد به تكلّمه في الأحكام المشكلة و المسائل المفصلة و غيرها بكلام واف بالمراد كاف في أداء المقصود مطابق لمقتضى الحال و المقام على ما كان يقتضيه ملكة الفصاحة و البلاغة التي كانت فيه، و أمّا غيره عليه السّلام فقد عييوا به و عجزوا من أدائه و اضطربوا فيه و لم يهتد و الوجهه و طرقه.

(و مضيت بنور اللّه حين وقفوا) حايرين بايرين جاهلين مفتونين، و المراد بنور اللّه هو علم الامامة المتلقّى من منبع النّبوة و الرسالة و إليه الاشارة بآية النور على ما رواه في البحار من جامع الأخبار باسناده عن فضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبد اللّه الصّادق عليه السّلام: «اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» قال عليه السّلام‏ كذلك قال اللّه عزّ و جلّ قلت «مَثَلُ نُورِهِ» قال لي محمّد صلّى اللّه عليه و آله قلت «كَمِشْكاةٍ» قال صدر محمّد قلت «فِيها مِصْباحٌ» قال فيه نور العلم يعني النّبوة قلت «الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ» قال علم رسول اللّه صدر إلى قلب عليّ قلت «كَأَنَّها» قال لأيّ شي‏ء تقرء كانّها قلت فكيف جعلت فداك قال كانّه «كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ» قلت «يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ» قال ذاك أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب لا يهوديّ و لا نصراني قلت «يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ» قال يكاد العلم يخرج من فم آل محمّد من قبل أن ينطق به قلت «نُورٌ عَلى‏ نُورٍ» قال الامام على أثر الامام.

(و كنت أخفضهم صوتا) لأنّ خفض الصوت دليل الدّعة و الاستكانة و التّواضع و رفع الصّوت علامة الجلافة و التّكبر و التجبّر و قد كان مشركو العرب يتفاخرون بالأصوات الرافعة فوبّخهم اللّه بما حكاه من وصيّة لقمان لابنه بقوله: «وَ اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ».

هذا كلّه مضافا إلى أنّ السكوت و خفض الصّوت في الحروب دليل العزم و الثّبات و القوة و رفعه علامة الضّعف و الجبن كما قال عليه السّلام في بعض كلماته السابقة: و قد أرعدوا و أبرقوا و مع هذين الأمرين الفشل و لسنا نرعد حتّى نوقع، و لا نسيل‏ حتّى نمطر.

و لما كان الخفض علامة القوّة و عدم المبالات حسن إردافه بقوله (و أعلاهم فوتا) إذ لا شكّ أنّ من كان أشدّ ثباتا و قوّة كان أشدّ تقدّما و سبقة إلى مراتب الكمال و السّعادة حائزا قصب السّبق في مضمار البراعة (فطرت بعنانها و استبددت برهانها) الضّميران راجعان إلى الفضايل النّفسانية و الكمالات المعنوّية و ان لم يجر لها ذكر لفظىّ في الكتاب.

قال الشّارح البحراني: استعار ههنا لفظ الطيران للسّبق العقلى لما يشتركان فيه من معنى السّرعة و استعار لفظي العنان و الرّهان الّذين هما من متعلّقات الخيل للفضيلة التي استكملها نفسه تشبيها لها مع فضايل نفوسهم بخيل الجلبة و وجه المشابهة أن الصّحابة لما كانوا يقتنون الفضايل و يستبقون بها إلى رضوان اللّه و سعادات الآخرة كانت فضايلهم التّي عليها يستبقون كخيل الرّهان، و لما كانت فضيلته أكمل فضايلهم و أتمّها كانت بالنّسبة إلى فضايلهم كالفرس لا يشقّ غباره فحسن منه أن يستعير لسبقه بها لفظ الطيران و يجرى عليها لفظ العنان و الرّهان

و الفصل الثاني مشتمل على ذكر حاله في زمن الخلافة

و حين انتهائها إليه عليه السّلام يقول كنت لما وليت الأمر (كالجبل) العظيم في الثّبات على الحقّ و الوقوف على القانون العدل فكما (لا تحرّكه) الرّياح (القواصف) عن مكانه (و لا تزيله) الزّعازع (العواصف) عن مقامه فكذلك أنا لا يحرّكني عن سواء السّبيل و عن الصّراط المستقيم مراعاة هوى النّاس و متابعة طباعهم المايلة إلى خلاف ما يقتضيه السّنة النّبويّة و الأوامر الالهيّة.

و حاصله أنّه لا يأخذني في اللّه لومة لايم (ليس لأحد في مهمز و لا لقائل في مغمز) أى لا يسع لأحد أن يعيب علىّ و يطعن فيّ في الغيبة و الحضور في شي‏ء من الحلال و الحرام و الحدود و الأحكام كما عابوا على من كان قبلى من المتخلّفين لأحداث‏ وقعت منهم و جراير صدرت عنهم (الذّليل عندي عزيز حتّى آخذ الحقّ له) ممّن ظلم في حقّه (و القويّ عندي ضعيف حتّى آخذ الحقّ منه) و أنتصفه للمظلوم.

و الفصل الثالث

مشتمل على الرّضا بالقضا و تسليم الأمر للّه سبحانه و تعالى، لمّا تفرّس في طائفة من قومه أنّهم يتّهمونه بالكذب فيما يخبرهم به من الغيوبات و الملاحم الواقعة في القرون المستقبلة كما يأتي شطر منها في شرح كلامه السّادس و الخمسين، و يأتي في تلك الأخبار أنّ بعضهم واجهه بالشّك و التّهمة فعند ذلك قال: (رضينا عن اللّه قضائه و سلّمنا له أمره) و ذلك لأنّه لمّا كان القضاء الالهي قد جري على قوم بالتّكذيب له و التّهمة فيما يقول لاجرم كان أولى بلزوم باب الرّضا و التّسليم إلى اللّه فيما جرى عليه قلم القضاء، ثمّ ابطل أوهامهم على سبيل الاستفهام الانكارىّ الابطالي و قال: (أ ترانى) الخطاب لكلّ من أساء الظنّ في حقّه (أكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله) و كيف لي بذلك (فو اللّه لأنا أوّل من صدّقه فلا أكون أوّل من كذب عليه)

الفصل الرابع

يذكر فيه حاله بعد وفات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أنّه قد عهده النّبيّ بعدم المنازعة في الأمر و أوصى له بطلبه بالرفق و المداراة فان حصل له و إلّا فليمسك عنه و ليحقن دمه كما قال: (فنظرت في أمرى) اى أمر الخلافة التي هى حقّ لى (فاذا طاعتى قد سبقت بيعتى) أى وجوب طاعتى لرسول اللّه فيما أمرني به من ترك القتال عند عدم الأعوان قد سبق على بيعتى للقوم فلا سبيل لي إلى الامتناع (و إذا الميثاق في عنقى لغيرى) اى ميثاق الرّسول و عهده إلىّ بترك الشّقاق و المنازعة فلم يحلّ لي أن أتعدّى أمره، أو أخالف نهيه.

و ينبغي التنبيه على أمرين

الاول

قال الشّارح المعتزلي بعد شرح الفصل الأخير من كلامه عليه السّلام على نحو ما شرحناه: فان قيل: فهذا تصريح بمذهب الاماميّة.

 

قيل: ليس الأمر كذلك بل هذا تصريح بمذهب أصحابنا من البغداديّين لأنّهم يزعمون أنّه الأفضل و الأحقّ بالامامة و أنّه لو لا ما يعلمه اللّه و رسوله من الأصلح للمكلّفين من تقديم المفضول عليه لكان من تقدّم عليه هالكا، فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أعلمه أنّ الامامة حقه و أنّه أولى بها من النّاس أجمعين و أعلمه أنّ في تقديم غيره و صبره على التأخّر عنها مصلحة للدّين راجعة إلى المكلّفين، و أنّه يجب عليه أن يمسك عن طلبها و يغضي عنها لمن هو دون مرتبته، فامتثل أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و لم يحرجه تقدّم من تقدّم عليه من كونه الأفضل و الأولى و الأحقّ.

ثمّ قال: و قد صرّح شيخنا أبو القاسم البلخي بهذا و صرّح به تلامذته و قالوا: لو نازع عقيب وفات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سلّ سيفه لحكمنا بهلاك كلّ من خالفه و تقدّم عليه كما حكمنا بهلاك من نازعه حين أظهر نفسه، و لكنّه مالك الأمر و صاحب الخلافة إذا طلبها وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها، و إذا أمسك عنها وجب علينا القول بعدالة من اغضى له عليها و حكمه في ذلك حكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لأنّه قد ثبت عنه في الأخبار الصّحيحة أنّه قال عليّ مع الحقّ و الحقّ مع علىّ يدور حيثما دار، و قال صلّى اللّه عليه و آله له غيره مرّة: حربك حربي و سلمك سلمي و هذا المذهب هو أعدل المذاهب عندي و به أقول انتهى كلامه.

أقول: ما ذكره هنا ملخّص ما ذكره في شرح الخطبة الشّقشقيّة و قد نقلنا كلامه في المقدّمة الثّانية من مقدّمات تلك الخطبة، و ذكرنا هنالك ما يتوجّه عليه من وجوه الكلام و ضروب الملام.

و نقول ههنا مضافا إلى ما سبق هناك: أن تقدّم غيره عليه إمّا أن يكون بفعل اللّه سبحانه و فعل رسوله، و إمّا أن لا يكون بفعلهما بل تقدّم الغير بنفسه لاعتقاده أنّه أحقّ بها منه عليه السّلام، أو قدّمه من ساير الصّحابة و المكلّفين إمّا بهوى أنفسهم أو رعاية المصلحة العامّة.

أمّا الأوّل ففيه أولا أنّهم لا يقولون به، لاتّفاقهم على عدم النّصّ من اللّه‏ و من رسول له في باب الامامة و ثانيا أنّه لو كان ذلك بفعلهما لم يكن لتشكّيه من القوم وجه و لما نسبهم إلى التّظليم و لما كان يقول مدّة عمره و اللّه ما زلت مظلوما مدفوعا عن حقّي مستأثرا علىّ منذ قبض اللّه رسوله و لكان الواجب أن يعذرهم في ذلك و ثالثا أنّ تقديم المفضول على الفاضل و الأفضل قبيح عقلا و بنصّ القرآن قال سبحانه: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ الآية و قال أيضا: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً.

و مع كونه قبيحا كيف يمكن صدوره من اللّه سبحانه أو من رسوله.

فان قلت: تقديم المفضول إذا كان لمصلحة الدّين راجعة إلى المكلّفين فلا نسلّم قبحه قلت: بعد تسليم الصّغرى أوّلا و تسليم كون الحسن و القبح في الأشياء مختلفا بالوجوه و الاعتبارات ثانيا إنّ أمير المؤمنين إذا كان عالما بالمصلحة في تقدّم الغير على ما صرّح به من أنّ رسول اللّه أعلمه به، كان اللازم حينئذ له السّكوت، إذ المعلوم بالضّرورة من حاله أنّ طلبه للخلافة لم يكن للدّنيا و حرصا على الملك، بل إنّما كان غرضه بذلك حصول نظام الدّين و انتظام أمر المكلّفين و إقامة الحقّ و إزاحة الباطل، كما صرّح عليه السّلام به في قوله في الخطبة الثّالثة و الثّلاثين، و اللّه لهى أحبّ إلىّ من أمارتكم هذه إلّا أن اقيم حقّا أو أدفع باطلا، فاذا كان حصول هذا النّظام و الانتظام و صلاح المكلّفين بتقدّم الغير لا بدّ و أن يكون مشعوفا به و راضيا بذلك أشدّ الرّضا لا شاكيا و مظهرا للتظلّم و الشّكوى كما مرّ في الخطبة الشّقشقيّة، و في قوله في الخطبة السّادسة و العشرين فنظرت فاذا ليس لي معين اه.

و أمّا الثّاني و هو أنّ تقدّم الغير عليه إنّما كان لزعم الغير أنّه أحقّ بها منه عليه السّلام ففيه أنّ الأمر إذا دار بين متابعة راى الأفضل و متابعة رأى المفضول كان اللّازم ترجيح الأوّل على الثّاني دون العكس و هو واضح.

و أمّا الثّالث و هو أنّ التّقدّم كان بتقديم المكلّفين بمقتضا هوى أنفسهم الأمارة بالسّوء و لما كان في صدورهم من الحسد و السّخايم فهو الحقّ و الصّواب من دون شكّ فيه و ارتياب.

و لنعم ما قال أبو زيد النّحوي الخليل بن أحمد حين سئل عنه ما بال أصحاب رسول اللّه كأنّهم بنو أمّ واحدة و عليّ عليه السّلام كأنّه ابن علة«» قال تقدّمهم إسلاما و بذّهم شرفا وفاقهم علما و رجهم حلما و كثرهم هدى فحسدوه و النّاس إلى أمثالهم و أشكالهم أميل.

و قال ابن عمر لعليّ عليه السّلام كيف تحبّك قريش و قد قتلت في يوم بدر و احد من ساداتهم سبعين سيدا تشرب انوفهم الماء قبل شفاههم فقال أمير المؤمنين عليه السّلام ما تركت بدر لنا مذيقا«» و لا لنا من خلفنا طريقا.

و سئل زين العابدين عليه السّلام و ابن عباس أيضا لم أبغضت قريش عليّا قال: لأنّه أورد أوّلهم النّار و آخرهم العار.

و قال أبو زيد النّحوي: سألت الخليل بن أحمد العروضي لم هجر النّاس عليّا و قرباه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قرباه و موضعه من المسلمين موضعه و عناؤه في الاسلام عناؤه، فقال: بهر و اللّه نوره أنوارهم و غلبهم على صفو كلّ منهل، و النّاس إلى أشكالهم أميل أما سمعت الأوّل حيث يقول:

و كلّ شكل لشكله ألف
أما ترى الفيل يألف الفيلا

قال: و أنشد الريّاشي في معناه عن العباس بن الأحنف:

و قائل كيف تهاجرتما
فقلت قولا فيه إنصاف‏

لم يك من شكلي فهاجرته‏
و النّاس أشكال و آلاف‏

 

و أمّا الرّابع ففيه أنّ التّقديم إمّا أنّه كان بفعل جميع المكلّفين أو بفعل البعض و الاول ممنوع لما قد عرفت في شرح الخطبة الشّقشقية من تخلّف وجوه الصّحابة عن البيعة و عرفت هناك أيضا قول الشّارح بأنّه لو لا عمر لم يثبت لأبي بكر أمر و لا قامت له قائمة و الثاني لا حجيّة فيه، هذا مضافا إلى أنّه كيف يمكن أن يخفى عليه عليه السّلام ما لم يخف على غيره من وجوه المصلحة التّي لا حظوها في التّقديم على زعمك، إذ قد ذكرنا أنّه لو علم المصلحة في ذلك لسكت و لم يتظلّم.

فان قيل: انّ هذا يجري مجرى امرأة لها اخوة كبار و صغار فتولّى أمرها الصغار في التزويج فانّه لا بدّ أن يستوحش الكبار و يتشكّوا من ذلك.

قيل: إنّ الكبير متى كان دّينا خائفا من اللّه فانّ استيحاشه و ثقل ما يجري على طبعه لا يجوز أن يبلغ به إلى إظهار الكراهة للعقد و الخلاف فيه و ايهام أنّه غير ممضى و لا صواب، و كلّ هذا جرى من أمير المؤمنين فيكشف ذلك كلّه عن عدم المصلحة في تقدّم الغير عليه بوجه من الوجوه.

ثمّ إنّ ما حكاه من شيخه أبي القاسم البلخى و بنا عليه مذهبه من أنّه صاحب الخلافة و مالك الأمر إذا طلبها وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها و إذا أمسك عنها وجب القول بعدالة من غضي لها: فيه أنّ الشرطية الاولى مسلّمة و المقدّم فيها حقّ فوجب القول بتفسيق المنازعين و الدّليل على طلبه عليه السّلام لها واضح لمن له أدنى تتبّع في الأخبار، و يكفى في ذلك قوله في الخطبة التي رواها الشّارح المعتزلي في شرح كلامه لما قلّد محمّد بن أبي بكر المصر، و قد مضت روايتها منّا في شرح الخطبة السّادسة و العشرين و هو قوله عليه السّلام: ثمّ قالوا هلمّ فبايع و إلّا جاهدناك، فبايعت مستكرها و صبرت محتسبا، فقال قائلهم: يابن أبي طالب انك على هذا الأمر لحريص، فقلت أنتم أحرص منّي و أبعد أيّنا أحرص أنا الذي طلبت تراثي و حقّي الذي جعلني اللّه و رسوله أولى به، ام أنتم تضربون وجهي دونه و تحولون بيني و بينه، فبهتوا و اللّه لا يهدي القوم الظالمين إلى آخر ما مرّ.

 

و يشهد بذلك ما رواه الشّارح أيضا في شرح الخطبة المذكورة من أنّ قوله عليه السّلام: فنظرت فاذا ليس لي معين إلّا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت فتقول ما زال يقوله و لقد قاله عقيب وفات رسول اللّه و قال لو وجدت أربعين ذوى عزم.

و يدلّ عليه ما رواه أيضا في شرح الخطبة المذكورة حيث قال: و من كتاب معاوية المشهور، و عهدك أمس تحمل قعيدة. بيتك ليلا على حمار و يداك في يدي ابنيك الحسن و الحسين يوم بويع أبو بكر الصّديق، فلم تدع أحدا من أهل بدر و السّوابق إلّا دعوتهم إلى نفسك و مشيت إليهم بامرئتك و أوليت إليهم بابنيك و استنصرتهم على صاحب رسول اللّه، فلم يجبك منهم إلّا أربعة أو خمسة، إلى غير ذلك ممّا مضى و يأتي في تضاعيف الكتاب، و بالجملة فمطالبته لها واضح لاولى الأبصار كالشّمس في رابعة النّهار.

و يعجبني أن اورد هنا حكاية مناسبة للمقام، و هو ما نقله شيخنا البهائى في الكشكول قال: كتب عليّ بن صلاح الدّين يوسف ملك الشّام إلى الامام الناصر لدين اللّه يشكو أخويه أبا بكر و عثمان لما خالفا وصية أبيهم له:

مولاى إنّ أبا بكر و صاحبه
عثمان قد غصبا بالسّيف حق علي‏

و كان بالأمس قد ولّاه والده‏
في عهده فأضاعا الأمر حقد ولى‏

فانظر إلى حظ هذا الاسم كيف لقى
من الأواخر مالاقا من الاول‏

إذ خالفاه و حلّا عقد بيعته‏
و ابينهما و النّصّ فيه جلى‏

فوقّع الخليفة النّاصر على ظهر كتابه:

و افا كتابك يا بن يوسف منطقا
بالخير يخبر انّ أصلك طاهر

منعوا عليّا إرثه إذ لم يكن‏
بعد النّبيّ له بيثرب ناصر

فاصبر فانّ غدا علىّ حسابهم
و ابشر فناصرك الامام النّاصر

 و أمّا الشّرطية الثّانية فممنوعة إذ الامساك عنها لا دلالة فيه على عدالة من غضى لها، نعم إنّما يدلّ عليها إذا لم يكن للامساك وجه إلّا الرّضا و طيب النّفس و أمّا إذا كان هناك احتمال أن يكون وجهه هو الخوف و التّقية فلا.

 

و قال المرتضى «ره» و ليس لأحد أن يقول: كيف يجوز على شجاعته و ما خصّه اللّه به من القوّة الخارجة للعادة أن يخاف منهم و لا يقدم على قتالهم لو لا أنّهم كانوا محقّين و ذلك إنّ شجاعته و إن كانت على ما ذكرت و أفضل فلا يبلغ أن يغلب جميع الخلق و يحارب ساير النّاس و هو مع الشّجاعة بشر يقوي و يضعف و يخاف و يأمن و التّقية جايزة على البشر الذين يضعفون عن دفع المكروه عنهم هذا.

و أمّا الحديث الذي رواه من قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عليّ مع الحقّ و الحقّ مع عليّ فمن الأحاديث المعروفة المعتبرة المستفيضة بل لا يبعد دعوى تواتره، و قد رواه السّيد المحدّث البحراني في كتاب غاية المرام بخمسة عشر طريقا من طرق العامة و أحد عشر طريقا من طرق الخاصّة.

ففي بعض الطرق العاميّة عن شهر بن حوشب قال: كنت عند أمّ سلمة (رض) إذا استاذن رجل فقالت من أنت فقال: أنا أبو ثابت مولى عليّ عليه السّلام، فقالت أمّ سلمة: مرحبا بك يا أبا ثابت ادخل. فدخل فرحّبت به ثمّ قالت: يا أبا ثابت أين طار قلبك حين طارت القلوب مطايرها قال: تبع عليّ عليه السّلام قالت: وفّقت و الذي نفسي بيده لقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: علىّ مع الحقّ و القرآن، و الحقّ و القرآن مع عليّ و لن يغترقا حتى يردا علىّ الحوض.

و في بعضها عن عايشة قالت: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول عليّ مع الحقّ و الحقّ مع عليّ لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض.

و في رواية موفق بن أحمد باسناده عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة و الاسود قالا: سمعنا أبا أيوّب الأنصاري قال: سمعت النبّي صلّى اللّه عليه و آله يقول لعمار ابن ياسر، يا عمّار تقتلك الفئة الباغية و أنت مع الحقّ و الحق معك، يا عمّار إذا رأيت عليّا سلك واديا و سلك واديا غيره فاسلك مع عليّ ودع النّاس، إنّه لن يدلّك على ردى و لن يخرجك عن الهدى، يا عمّار إنّه من تقلّد سيفا أعان به عليّا على عدوّه قلّده اللّه يوم القيامة و شاحا«» من درّ، و من تقلّد سيفا أعان به عدوّ عليّ قلّده يوم‏ القيامة وشاحا من نار قال قلت: حسبك.

أقول: لا خفاء في دلالة هذا الخبر على عصمته و إمامته، و بطلان خلافة الثلاثة غير خفيّة من وجوه عديدة: الأوّل أنّه أخبر بكون الحقّ معه عليه السّلام و هو يقتضى عصمته إذ لا يجوز أن يخبر على الاطلاق بأنّ الحقّ مع عليّ مع جواز وقوع القبيح عنه عليه السّلام، لأنّه إذا وقع كان اخباره بذلك كذبا و هو محال فلا بدّ أن يكون معصوما.

الثّاني أنّ لن إمّا لنفى التّابيد أو لنفى المستقبل فتدلّ على التّقديرين على عدم انفكاك الحقّ منه، فاذا كان الحقّ لا ينفكّ عنه أبدا ثبت إمامته و بطل خلافة من خالفه.

الثّالث أنّ قوله: لعمّار إذا رأيت عليّا سلك واديا و سلك واديا غيره فاسلك مع علىّ نصّ صريح في وجوب الاقتداء به و عدم جواز الاقتداء بغيره و لا سيّما بملاحظة تعليله بأنّه لن يدلّك على ردى و لن يخرجك عن الهدى، فانّه يدلّ على أنّه إن سلك سبيل الغير يكون خارجا من الهدى إلى الرّدى، و لذلك إنّ عمّار لازم عليّا و أنكر على الأوّل و تخلّف عن البيعه حتّى أكرهوه على البيعة فبايع بعد بيعة مولاه عليه السّلام بكره و اجبار هذا.

و من العجب العجاب أنّ بعض النّاصبين«» قال: إن صحّ الخبر دلّ على أنّ عليّا كان مع الحقّ أينما دار و هذا شي‏ء لا يرتاب فيه حتّى يحتاج إلى دليل، بل هذا دليل على حقيّة الخلفاء، لأنّ الحقّ كان مع عليّ و عليّ كان مع الخلفاء حيث تابعهم و ناصحهم، فثبت من هذا خلافة الخلفاء و أنّها كانت حقّا صريحا، و أمّا من خالف عليّا من البغاة فمذهب أهل السّنة و الجماعة أنّ الحقّ كان مع عليّ و هم كانوا على الباطل، و لا شكّ في هذا انتهى.

 

و يتوجّه عليه اولا أنّ صحّة الخبر ممّا لا مجال للكلام فيها و ثانيا أنّ كونه مع الخلفاء و تابعهم ممنوع إلّا بمعنى كونه معهم في سكون المدينة و بمعنى التّابعة الاجباريّة و المماشاة في الظاهر، و إلّا فما وقع بينهم من المخالفات و التنازع و المشاجرات قد بلغ في الظهور إلى حدّ لا مجال للاخفاء و في الشناعة إلى مرتبة لا تشتبه على الآراء كما مضى و سيجي‏ء أيضا إنشاء اللّه تعالى، و أمّا نصحه لهم فمسلّم لكن لامور الدّين و انتظام شرع سيّد المرسلين، لا لأجل ترويج خلافتهم و نظم أسباب شوكتهم و جلالتهم.

و ثالثا أنّ التّفرقة بين الخلفاء و بين البغاة بكون الآخرين على الباطل دون الأوّلين لا وجه له، إذ كلّ من الفرقتين كان مريدا لقتله عليه السّلام غاية الأمر أنّه وجد هناك أعوانا فقاتلهم ذويهم عن نفسه و لم يجد ههنا ناصرا فبايعهم اجبارا و كفّ عن القتال و حقن دمه، فلو أنّه وجد أعوانا له يومئذ لشهر عليهم سيفه و جاهدهم و يشهرون سيفهم عليه و يقاتلونه، كما أنّه لو يجد أعوانا مع البغاة و كفّ عنهم و تابع آرائهم لم يكونوا مقاتلين له و لم يجادلوا معه عليه السّلام.

هذا كلّه مضافا إلى أنّ بغى البغاة و خروجهم عليه عليه السّلام من بركة البرامكة و من ثمرة هذه الشجّرة الملعونة عذبهم اللّه عذابا اليما.

الثاني

قد عرفت أنّ سبب تقاعده عليه السّلام عن جهاد من تقدّم عليه هو عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إليه بالكفّ عنهم، حيث لم يجد أعوانا و فيه مصالح اخر قد أشير إليها في أخبار الأئمة الأطهار، و لا بأس بالاشارة إلى تلك الأخبار و الأخبار التي اشير فيها إلى معاهدة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إليه حتّى يتّضح الأمر و يظهر لك بطلان ما زعمه العامة من إنّ سكوته و عدم نهوضه إليهم دليل على رضاه بتقدّمهم و على كونهم محقّين فأقول و باللّه التّوفيق: روى الشّيخ السّعيد عزّ الدّين أبو المنصور أحمد بن عليّ بن أبي طالب الّطبرسي (ره) في الاحتجاج، قال: روى أنّ أمير المؤمنين كان جالسا في بعض مجالسه بعد رجوعه من نهروان فجرى الكلام حتّى قيل له لم لا حاربت أبا بكر و عمر كما حاربت الطلحة و الزّبير و معاوية فقال إنّي كنت لم أزل مظلوما مستأثرا علىّ حقّي، فقام إليه أشعث بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين لم لم تضرب بسيفك و لم تطلب بحقّك فقال: يا أشعث قد قلت قولا فاسمع الجواب وعه و استشعر الحجّة إنّ لى اسوة بستّة من الأنبياء عليهم السّلام.

أوّلهم نوح عليه السّلام حيث قال: رَبِّ إنّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فان قال قائل إنّه قال هذا لغير خوف فقد كفر، و إلّا فالوصيّ أعذر.

و ثانيهم لوط عليه السّلام حيث قال: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ فان قال قائل إنّه قال هذا لغير خوف فقد كفر، و إلّا فالوصيّ أعذر.

و ثالثهم إبراهيم خليل اللّه عليه السّلام حيث قال: وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فان قال قائل إنّه قال هذا لغير خوف فقد كفر، و إلّا فالوصيّ أعذر.

و رابعهم موسى عليه السّلام حيث قال: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فان قال قائل إنّه قال هذا لغير خوف فقد كفر، و إلّا فالوصيّ أعذر.

و خامسهم أخوه هارون عليه السّلام حيث قال: يَا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي‏ فان قال قائل إنّه قال هذا لغير خوف فقد كفر، و إلا فالوصيّ أعذر.

و سادسهم أخي محمّد صلّى اللّه عليه و آله خير البشر حيث ذهب إلى الغار و نوّمني على فراشه، فان قال قائل إنّه ذهب إلى الغار لغير خوف فقد كفر و إلّا فالوصيّ أعذر فقام إليه النّاس بأجمعهم فقالوا: يا أمير المؤمنين قد علمنا أنّ القول قولك و نحن المذنبون التّائبون و قد عذرك اللّه.

و فيه أيضا عن أحمد بن همام قال: أتيت عبادة بن الصّامت في ولاية أبي بكر فقلت: يا عبادة أ كان النّاس على تفضيل أبي بكر قبل ان يستخلف فقال: يا أبا ثعلبة إذا سكتنا عنكم فاسكتوا عنّا و لا تبحثونا، فو اللّه لعليّ بن أبي طالب أحقّ بالخلافة من أبي بكر كما كان رسول اللّه أحقّ بالنبّوة من أبي جهل.

قال: و ازيدكم انّا كنّا ذات يوم عند رسول اللّه فجاء عليّ و أبو بكر و عمر إلى باب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فدخل أبو بكر ثمّ دخل عمر ثمّ دخل عليّ عليه السّلام على اثرهما، فكانّما سفى«» وجه رسول اللّه الرّماد، ثمّ قال: يا علىّ أيتقدّمك هذان و قد أمّرك اللّه عليهما فقال أبو بكر: نسيت يا رسول اللّه، و قال عمر: سهوت يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما نسيتما و لا سهوتما و كأني بكما قد أ سلبتماه ملكه و تحاربتما عليه و أعانكما على ذلك أعداؤه و أعداء رسول اللّه و كأني بكما قد تركتما المهاجرين و الأنصار يضرب بعضهم وجوه بعض بالسّيف على الدّنيا، و كأنّي بأهل بيتى و هم المقهورون المشتتون«» في أقطارها، و ذلك لأمر قد قضى.

ثمّ بكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حتّى سالت دموعه، ثمّ قال: يا علي الصّبر الصّبر حتّى ينزل الأمر، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم، فانّ لك من الأجر في كلّ يوم ما لا يحصيه كاتباك، فاذا أمكنك الأمر فالسّيف السّيف فالقتل القتل حتّى يفيئوا إلى أمر اللّه و أمر رسوله، فانّك على الحقّ و من ناواك على الباطل، و كذلك‏ ذريّتك من بعدك إلى يوم القيامة.

و في تفسير عليّ بن إبراهيم القميّ عن أحمد بن علي قال: حدّثنا الحسين بن عبد اللّه السّعدي، قال: حدّثنا الحسن بن موسى الخشاب، عن عبد اللّه بن الحسين، عن بعض أصحابه عن فلان«» الكرخي قال: قال رجل لأبي عبد اللّه عليه السّلام: ألم يكن عليّ قوّيا في بدنه قويا في أمر اللّه قال له أبو عبد اللّه عليه السّلام بلى، قال فما منعه أن يدفع أو يمتنع قال: قد سألت فافهم الجواب، منع عليّا من ذلك آية من كتاب اللّه، قال: و أىّ آية قال: فاقرء: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً.

إنّه كان للّه و دايع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين و منافقين، فلم يكن عليّ ليقتل الآباء حتّى يخرج الودايع، فلمّا خرج ظهر على من ظهر و قتله، و كذلك قائمنا أهل البيت لم يظهر حتّى يخرج ودايع اللّه، فاذا خرجت يظهر على من يظهر فيقتله.

أقول: هذا هو التّأويل، و تنزيله أنّه لو تميّز هؤلاء الّذين كانوا بمكة من المؤمنين و المؤمنات و زالوا من الكفّار لعذّبنا الذين كفروا، بالسّيف و القتل بأيديكم.

و في البحار من أمالى المفيد «ره» باسناده عن جندب بن عبد اللّه، قال: دخلت على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، و قد بويع بعثمان بن عفان، فوجدته مطرقا كئيبا، فقلت له: ما أصابك جعلت فداك من قومك فقال: صبر جميل، فقلت: سبحان اللّه، و اللّه انّك لصبور، قال: فأصنع ما ذا قلت: تقوم في النّأس و تدعوهم و تخبرهم أنّك أولى بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و بالفضل و السّابقة و تسألهم النّصر على هؤلاء المتظاهرين عليك، فان أجابك عشرة من مائة شددت بالعشرة على المأة، فان دانوا لك كان ذلك ما أحببت، و إن أبوا قاتلتهم، فان ظهرت عليهم فهو سلطان اللّه الذي أتاه نبيّه و كنت أولى به منهم، و إن قتلت في طلبه قتلت إنشاء اللّه شهيداو كنت بالعذر عند اللّه، لأنّك أحقّ بميراث رسول اللّه.

فقال أمير المؤمنين عليه السّلام أ تراه يا جندب كان يبايعني عشرة من مائة: فقلت أرجو ذلك، فقال: لكنّي لا أرجو و لا من كلّ مأئة اثنان، و ساخبرك من أين ذلك إنّما ينظر النّاس إلى قريش و إنّ قريشا يقول: إنّ آل محمّد يرون لهم فضلا على ساير قريش و إنّهم أولياء هذا الأمردون غيرهم من قريش، و إنّهم إن ولوه لم يخرج منهم هذا السّلطان إلى احد أبدا، و متى كان في غيرهم تداولوه بينهم، و لا و اللّه لا تدفع إلينا هذا السّلطان قريش أبدا طائعين.

فقلت له: أفلا أرجع فاخبر النّاس بمقالتك هذه و أدعوهم إلى نصرك فقال: يا جندب ليس ذا زمان ذاك، قال جندب: فرجعت بعد ذلك إلى العراق فكنت كلّما ذكرت من فضل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب شيئا زبرونى و نهروني حتّى رفع ذلك من قولي إلى الوليد بن عقبة فبعث إلىّ فحبسني حتّى كلّم فيّ فخلّى سبيلى.

و من العيون و علل الشرائع عن الطالقانى عن الحسن بن عليّ العددي، عن الهثيم بن عبد اللّه الرّمانى قال: سألت الرّضا عليه السّلام فقلت له: يابن رسول اللّه أخبرني عن عليّ عليه السّلام لم لم يجاهد أعدائه خمسة و عشرين سنة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ثمّ جاهد في أيّام ولايته فقال: لأنّه اقتدى برسول اللّه في تركه جهاد المشركين بمكّة بعد النّبوة ثلاث عشرة سنة و بالمدينة تسعة عشر شهرا، و ذلك لقلّة أعوانه، و كذلك عليّ عليه السّلام ترك مجاهدة أعدائه لقلّة أعوانه عليهم، فلما لم تبطل نبوّة رسول اللّه مع تركه الجهاد ثلاث عشرة سنة و تسعة عشر شهرا فكذلك لم تبطل إمامة عليّ مع ترك الجهاد خمسة و عشرين سنة إذا كانت العلّة المانعة لهما عن الجهاد واحدة.

و من كتاب الغيبة للشّيخ باسناده عن سليم بن قيس الهلاليّ، عن جابر بن عبد اللّه و عبد اللّه بن العبّاس قالا، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في وصيته لأمير المؤمنين عليه السّلام: يا عليّ انّ قريشا ستظاهر عليك و يجتمع كلّهم على ظلمك و قهرك، فان وجدت أعوانا فجاهدهم، و إن لم تجدأ عوانا فكفّ يدك و احقن دمك، فانّ الشهادة من ورائك لعن اللّه قاتلك.

و من كتاب سليم بن قيس الهلالي قال: كنّا جلوسا حول أمير المؤمنين عليّ‏ابن أبي طالب عليه السّلام و حوله جماعة من أصحابه، فقال له قائل: يا أمير المؤمنين لو استنفرت النّاس فقام و خطب و قال: اما إنى قد استنفرتكم فلم تنفروا، و دعوتكم فلم تسمعوا، فأنتم شهود كغيّاب، و أحياء كأموات، و صمّ ذو و أسماع، أتلو عليكم الحكمة و أعظكم بالموعظة الشّافية الكافية و أحثكم على جهاد أهل الجور فما أتى على آخر كلامي حتّى أراكم متفرّقين حلقا شتّى، تناشدون الأشعار، و تضربون الأمثال، و تسألون عن سعر التّمر و اللبن.

تبّت أيديكم لقد دعوتكم إلى الحرب و الاستعداد لها، و اصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها، شغلتموها بالأباطيل و الأضاليل اغزوهم«» قبل أن يغزوكم، فو اللّه ما غزي قوم قطّ في عقر دارهم الّا ذلّوا، و أيم اللّه ما أظنّ أن تفعلوا حتّى يفعلوا.

ثمّ وددت أنّي قد رأيتهم فلقيت اللّه على بصيرتى و يقيني و استرحت من مقاساتكم و ممارستكم، فما أنتم إلّا كابل جمّة ضلّ راعيها، فكلّما ضمّت من جانب انتشرت من جانب، كأنى بكم و اللّه فيما أرى أن لو حمس الوغا، و احمر الموت قد انفرجتم عن عليّ بن أبي طالب انفراج الرّأس و انفراج المرأة عن قبلها لا تمنع منها.

قال الأشعث بن قيس: فهلّا فعلت كما فعل ابن عفّان فقال عليه السّلام أو كما فعل ابن عفّان رأيتموني فعلت أنا عائذ باللّه من شرّ ما تقول يا بن قيس، و اللّه إنّ الّتي فعل بن عفان لمخزاة لمن لا دين له و لا وثيقة معه، فكيف أفعل ذلك و أنا على بيّنة من ربّى، و الحجة في يدي و الحقّ معي، و اللّه إنّ امرء أمكن عدوّه من نفسه يجزّ لحمه و يفرى جلده و يهشّم عظمه و يسفك دمه و هو يقدر على أن يمنعه لعظيم و زره ضعيف ما ضمّت عليه جوانح صدره، فكن أنت ذاك يابن قيس.

فأمّا أنا فو اللّه دون أن أعطي بيده ضرب بالمشرفي تطير له فراش الهام و تطيح منه الأكفّ و المعاصم، و يفعل اللّه ما يشاء، ويلك يابن قيس انّ المؤمن يموت‏ كلّ ميتة غير أنّه لا يقتل نفسه فمن قدر على حقن دمه ثمّ خلّى عمّن يقتله فهو قاتل نفسه.

يابن قيس إنّ هذه الامّة تفترق على ثلاث و سبعين فرقة، واحدة في الجنّة و اثنتان و سبعون في النّار، و لشرّها و أبغضها و أبعدها منه السّامرة الذين يقولون لاقتال و كذبوا قد أمر اللّه بقتال الباغين في كتابه و سنّة نبيّه و كذلك المارقة.

فقال ابن قيس لعنه اللّه و غضب من قوله: فما منعك يابن أبي طالب حين بويع أبو بكر أخو بني تيم و أخو بني عديّ بن كعب و أخو بني اميّة بعدهم، أن تقاتل و تضرب بسيفك و أنت لم تخطبنا خطبة منذ قدمت العراق إلّا قلت فيها قبل أن تنزل عن المنبر و اللّه إنّي لأولى النّاس بالنّاس، و ما زلت مظلوما منذ قبض رسول اللّه، فما يمنعك أن تضرب بسيفك دون مظلمتك.

قال: يابن قيس اسمع الجواب، لم يمنعني من ذلك الجبن و لا كراهة للقاء ربّي و أن لا أكون أعلم، إنّ ما عند اللّه خير لى من الدّنيا و البقاء فيها، و لكن منعني من ذلك أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عهده إلىّ أخبرنى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بما الامّة صانعة بعده، فلم أك بما صنعوا حين عاينته بأعلم به و لا أشدّ استيقانا منّي به قبل ذلك.

بل أنا بقول رسول اللّه أشدّ يقينا منّي بما عاينت و شهدت، فقلت يا رسول اللّه فما تعهد إلىّ إذا كان ذلك قال صلّى اللّه عليه و آله: إن وجدت أعوانا فانبذ إليهم و جاهدهم و إن لم تجد أعوانا فكفّ يدك و احقن دمك حتّى تجد على إقامة الدّين و كتاب اللّه و سنّتي أعوانا.

و أخبرني أنّ الامّة ستخذلني و تبايع غيري و أخبرني أنّي منه بمنزلة هارون من موسى، و أنّ الامّة بعده سيصيرون بمنزلة هارون و من تبعه، و العجل و من تبعه إذ قال له موسى: يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي،قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي.

و إنّما يعنى أنّ موسى أمر هارون حين استخلفه عليهم إن ضلّوا فوجد أعوانا أن يجاهدهم و إن لم يجد أعوانا أن يكفّ يده و يحقن دمه و لا يفرّق بينهم و إنّي خشيت أن يقول ذلك أخي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم فرّقت بين الأمّة و لم ترقب قولي و قد عهدت إليك أنّك إن لم تجد أعوانا أن تكفّ يديك و تحقن دمك و دم أهلك و شيعتك.

فلمّا قبض رسول اللّه مال النّاس إلى أبي بكر فبايعوه و أنّا مشغول برسول اللّه نغسله، ثمّ شغلت بالقرآن فآليت يمينا بالقرآن أن لا أرتدي إلّا للصّلاة حتّى أجمعه في كتاب ففعلت، ثمّ حملت فاطمة و أخذت بيد الحسن و الحسين فلم أدع أحدا من أهل بدر و أهل السّابقة من المهاجرين و الأنصار إلّا ما نشدتهم اللّه و حقّي و دعوتهم إلى نصرتي فلم يستجب من جميع النّاس إلّا أربعة رهط: الزّبير، و سلمان، و أبو ذر، و المقداد و لم يكن معى أحد من أهل بيتي أصول به و لا اقوى به.

أمّا حمرة فقتل يوم احد، و أمّا جعفر فقتل يوم موتة و بقيت بين جلفين خائفين ذليلين حقيرين: العباس و عقيل و كانا قريبي عهد بكفر، فأكرهوني و قهروني فقلت كما قال هارون لأخيه: يا وَ لَمَّا رَجَعَ مُوسى‏ إِلى‏ قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً فلي بهارون أسوة حسنة ولي بعهد رسول اللّه حجّة قوّية.

قال الاشعث: كذلك صنع عثمان استغاث بالنّاس و دعاهم إلى نصرته فلم يجد اعوانا فكفّ يده حتّى قتل مظلوما، قال عليه السّلام. ويلك يابن قيس إنّ القوم حين قهروني و استضعفوني و كادوا يقتلونني فلو قالوا نقتلك البّتة لامتنعت من قتلهم إياى و لو لم أجد غير نفسي وحدي، و لكن قالوا إن بايعت كففنا عنك و أكرمناك و قرّبناك‏ و فضّلناك، و إن لم تفعل قتلناك، فلما لم أجد أحدا بايعتهم و بيعتي لهم لما لا حقّ لهم فيه لا يوجب لهم حقّا و لا يلزمني رضا.

و لو انّ عثمان لما قال له النّاس: اخلعها و نكفّ عنك، خلعها لم يقتلوه، و لكنّه قال: لا أخلعها، قالوا: فانّا قاتلوك فكفّ يده عنهم حتّى قتلوه، و لعمري لخلعه إيّاها كان خيرا له، لأنّه أخذها بغير حقّ و لم يكن له فيها نصيب و ادّعى ما ليس له و تناول حقّ غيره.

ويلك يابن قيس إنّ عثمان لا يعد و أن يكون أحد الرّجلين إمّا أن يكون دعا النّاس إلى نصرته فلم ينصروه، و إمّا أن يكون القوم دعوه إلى أن ينصروه فنهاهم عن نصرته، فلم يكن يحلّ له ان ينهى المسلمين عن أن ينصروا إماما هاديا مهتديا لم يحدث حدثا و لم يؤد محدثا، و بئس ما صنع حين نهاهم و بئس ما صنعوا حين أطاعوه، فاما أن يكونوا لم يروه أهلا لنصرته لجوره و حكمه بخلاف الكتاب و السّنة و قد كان مع عثمان من أهل بيته و مواليه و أصحابه أكثر من أربعة آلاف رجل، و لو شاء اللّه أن يمتنع بهم لفعل و لم ينههم عن نصرته، و لو كنت وجدت يوم بويع أخو تيم أربعين رجلا مطيعين لجاهدتهم، أمّا يوم بويع عمر و عثمان فلا لأنّى كنت بايعت و مثلي لا ينكث بيعته.

ويلك يابن قيس كيف رأيتني صنعت حين قتل عثمان و وجدت أعوانا هل رأيت منّي فشلا أوجبنا أو تقصيرا في وقعتى يوم البصرة و هي حول جملهم الملعون من بيعة الملعون و من قتل حوله الملعون و من ركبه الملعون و من بقى بعده لا تائبا و لا مستغفرا، فانّهم قتلوا أنصاري و نكثوا بيعتي و مثّلوا بعاملي و بغوا عليّ دمرت إليهم في اثنى عشر ألفا، و في رواية أخرى أقلّ من عشرة آلاف و هم نيف على عشرين و مائة ألف، و في رواية زيادة على خمسين ألفا فنصرني اللّه عليهم و قتلهم بأيدينا و شفى صدور قوم مؤمنين.

و كيف رأيت يابن قيس وقعتنا بصفّين قتل اللّه منهم بأيدينا خمسين ألفا في صعيد واحد إلى النار، و في رواية اخرى زيادة على سبعين ألفا.

 

و كيف رأيتنا يوم النهروان إذ لقيت المارقين و هم مستبصرون و متدّينون قد ضلّ سعيهم في الحياة الدّنيا و هم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا، فقتلهم اللّه في صعيد واحد إلى النّار، و لم يبق منهم عشرة و لم يقتلوا من المؤمنين عشرة.

ويلك يا بن قيس هل رأيت لى لواء ردّ وراية ردت إياى تعيّر يابن قيس و أنا صاحب رسول اللّه في جميع مواطنه و مشاهده و المتقدّم إلى الشّدايد بين يديه لا أفرّ و لا ألوذ و لا أعتلّ و لا أمنح اليهود و يراى (أرى ظ) انّه لا ينبغي للنبيّ و لا للوصيّ إذا لبس لامته و قصد لعدوّه أن يرجع أو ينشى حتّى يقتل أو يفتح اللّه له.

يا بن قيس هل سمعت لى بفرار قط أو بنوة «كذا»، يابن قيس أما و الذي فلق الحبّة و برء النّسمة لو وجدت يوم بويع أبو بكر الذي عيّرتني بدخولى في بيعته رجلا كلّهم على مثل بصيرة الأربعة الذين وجدت، لما كففت يدي و لنا هضت القوم و لكن لم أجد خامسا.

قال الأشعث: و من الأربعة يا أمير المؤمنين قال: سلمان، و أبو ذر، و المقداد، و الزّبير بن صفيّة قبل نكثه بيعتي فانّه بايعني مرّتين أمّا بيعته الاولى الّتي و في بها فانّه لما بويع أبو بكر أتاني أربعون رجلا من المهاجرين و الأنصار فبايعوني فأمرتهم أن يصبحوا عند بابى محلّقين رؤوسهم عليهم السّلاح فما وافى منهم أحد و لا صبحنى منهم غير أربعة: سلمان، و أبو ذر، و المقداد، و الزّبير، و أمّا بيعته الاخرى فانّه أتاني هو و صاحبه طلحة بعد قتل عثمان فبايعاني طائعين غير مكرهين، ثمّ رجعا عن دينهما مرتدّين ناكثين مكابرين معاندين حاسدين فقتلهما اللّه إلى النّار، و أما الثلاثة: سلمان: و أبو ذر، و المقداد، فثبتوا على دين محمّد و ملّة ابراهيم حتّى لقوا اللّه يرحمهم اللّه.

يابن قيس فو اللّه لو أنّ أولئك الأربعين الذين بايعوني و فوالى و اصبحوا على بابي محلّقين قبل أن تجب لعتيق في عنقى بيعة، لناهضته و حاكمته إلى اللّه عز و جل و لو وجدت قبل بيعة عثمان أعوانا لناهضتهم و حاكمتهم إلى اللّه، فانّ ابن عوف جعلها لعثمان و اشترط عليه فيما بينه و بينه أن يردّها عليه عند موته، فأمّا بعد بيعتى إيّاهم فليس إلى مجاهدتهم سبيل.

 

فقال الأشعث: و اللّه لان كان الأمر كما تقول: لقد هلكت الامة غيرك و غير شيعتك فقال عليه السّلام إنّ الحقّ و اللّه معي يابن قيس كما أقول، و ما هلك من الامّة إلّا النّاصبين«» و المكاثرين و الجاهدين و المعاندين، فأمّا من تمسّك بالتّوحيد و الاقرار بمحمّد و الاسلام و لم يخرج من الملّة و لم يظاهر علينا الظلمة و لم ينصب لنا العداوة و شكّ في الخلافة و لم يعرف أهلها و لم يعرف ولاية و لم ينصب لنا عداوة، فانّ ذلك مسلم مستضعف يرجى له رحمة اللّه و يتخوّف عليه ذنوبه.

قال أبان: قال سليم بن قيس: فلم يبق يومئذ من شيعة عليّ أحد إلّا تهلّل وجهه و فرح بمقالته إذ شرح أمير المؤمنين عليه السّلام الأمر و باح به و كشف الغطاء و ترك التقيّة، و لم يبق أحد من القرّاء ممن كان يشكّ في الماضين و يكفّ عنهم و يدع البراءة منهم و دعا و تأثما إلّا استيقن و استبصر و حسن و ترك الشّك و الوقوف و لم يبق أحد حوله أتى ببيعته على وجه ما بويع عثمان و الماضون قبله إلّا رأى ذلك في وجهه و ضاق به أمره و كره مقالته ثمّ انّهم استبصر عامّتهم و ذهب شكّهم.

قال أبان عن سليم: فما شهدت يوما قط على رءوس العامة أقرّ لأعيننا من ذلك اليوم لما كشف للناس من الغطاء و أظهر فيه من الحقّ و شرح فيه الأمر و القى فيه التّقيّة و الكتمان، و كثرت الشيعة بعد ذلك المجلس مذ ذلك اليوم و تكلموا و قد كانوا اقل اهل عسكره و صار النّاس يقاتلون معه على علم بمكانه من اللّه و رسوله، و صار الشّيعة بعد ذلك المجلس أجلّ النّاس و أعظمهم.

و في رواية اخرى جل الناس و عظمهم، و ذلك بعد وقعة النّهروان و هو يأمر بالتّهية و المسير إلى معاوية، ثمّ لم يلبث ان قتل قتله ابن ملجم لعنه اللّه غيلة و فنكا، و قد كان سيفه مسموما قبل ذلك.

اقول: و لا حاجة لنا بعد هذه الرّواية الشّريفة إلى ذكر ساير ما روي في هذا المعنى، لأنها قاطعة للعذر كافية في توضيح ما اوردناه و تثبيت ما قصدناه من انّ قعوده عن جهاد المتخلّفين كان بعهد من النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله إليه مضافا إلى ساير المصالح التي فيه، فلا يمكن مع ذلك كلّه دعوى كون ترك الجهاد دليلا على حقيّة خلافة الثلاثة، و كاشفا عن رضاه عليه السّلام بذلك، و في هذا المعنى روايات عامية لعلّنا نشير اليها في شرح بعض الخطب الآتية في المقام المناسب إن ساعدنا التوفيق و المجال إنشاء اللّه تعالى.

الترجمة

از جمله كلام هدايت فرجام آن امام عاليمقام است كه جارى مجراى خطبه است، و آن جمع شده است از كلام طويلى كه آن حضرت بعد از وقعه نهروان ادا فرموده ‏اند و مدار آنچه كه سيد اينجا ذكر نموده است بچهار فصل است.

فصل اول

مشتمل است بذكر مناقب جميله و فضايل جليله خود كه مى‏ فرمايد: پس بر خواستم بأمر خدا و امر حضرت خاتم الأنبياء عليه آلاف التحية و الثناء در زمانى كه ضعيف شدند و ترسيدند مردمان، و مطلع شدم بر حقايق اشياء و احكام خدا هنگامى كه سر فرو بردند مردمان و عاجز گرديدند، و گويا شدم در احكام مشكله و مسائل معضله در وقتى كه درمانده بودند، و گذشتم بنور خداوند در حينى كه ايستاده و سر گردان شدند، و بودم من پست‏تر ايشان از حيث آواز و بلندتر ايشان از حيث سبقت بمراتب كمالات و درجات سعادات، پس پرواز نمودم بدوال لجام فضيلت و بتنهائى قيام نمودم ببردن كر و منقبت.

فصل دويم

مشتملست به بيان حال بهجت منوال خود در زمان نشستن در مسند خلافت و استقرار در سرير ولايت كه مى‏ فرمايد: بودم من در آن هنگام مثل كوه با شكوه كه نجنباند او را بادهاى شكننده، و زايل نگرداند او را بادهاى تند و زنده، در حالتى كه نبود هيچ احدى را در شان من جاى عيب و عار و نه هيچ گوينده را درحق من جاى طعن بكردار و گفتار، ذليل و خوار در نزد من عزيز است و با مقدار تا اين كه بازيافت بكنم حق او را از جابر و ستمكار، و صاحب قوة و اقتدار در نزد من ضعيف است و بى‏مقدار تا اين كه اخذ بكنم از او حق ستم كشيدگان را در روزگار.

فصل سيم

مشتملست برضاى بقضاى خدا و دفع توهم كذب و افترا در حق آن سرور اوصيا كه مى‏ فرمايد: راضى شديم از خدا حكم او را و گردن نهاديم مر خداوند را امر او را، آيا گمان مى‏ بريد مرا كه دروغ بگويم بر پيغمبر خدا پس قسم بخداوند هر آينه من اول كسى هستم كه تصديق نمودم او را پس نباشم اول كسى كه تكذيب نمايد او را.

فصل چهارم

مشتملست باعتذار از ترك جهاد و خصومت با غاصبين خلافت كه سبب آن اطاعت و امتثال بود بعهد و وصيت حضرت خاتم رسالت صلوات اللّه و سلامه عليه كه مى‏ فرمايد: پس نظر كردم در امر خود پس ناگاه فرمان بردن من امر پيغمبر را به ترك قتال پيشى گرفته بود بر بيعت من باين گروه بدفعال، و ناگاه پيمان در گردن من بوده از براى غير من يعنى در ذمه من بود پيمان پيغمبر خدا بطلب خلافت با رفق و مدارا و در صورت عدم حصول آن ترك نمايم جهاد و قتال را، و صبر و رزم و اختيار كنم زاويه خمول و اعتزال را.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 36 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 36 صبحی صالح

36- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) في تخويف أهل النهروان‏

فَأَنَا نَذِيرٌ لَكُمْ أَنْ تُصْبِحُوا صَرْعَى بِأَثْنَاءِ هَذَا النَّهَرِ وَ بِأَهْضَامِ هَذَا الْغَائِطِ

عَلَى غَيْرِ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ

وَ لَا سُلْطَانٍ مُبِينٍ مَعَكُمْ

قَدْ طَوَّحَتْ بِكُمُ الدَّارُ

وَ احْتَبَلَكُمُ الْمِقْدَارُ

وَ قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ هَذِهِ الْحُكُومَةِ

فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُنَابِذِينَ

حَتَّى صَرَفْتُ رَأْيِي إِلَى هَوَاكُمْ

وَ أَنْتُمْ مَعَاشِرُ أَخِفَّاءُ الْهَامِ

سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ

وَ لَمْ آتِ لَا أَبَا لَكُمْ بُجْراً

وَ لَا أَرَدْتُ لَكُمْ ضُرّاً

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج4  

و من خطبة له عليه السلام فى تخويف اهل النهروان و هى السادسة و الثلاثون من المختار فى باب الخطب

فأنا لكم نذير أن تصبحوا صرعى بأثناء هذا النّهر، و بأهضام هذا الغايط، على غير بيّنة من ربّكم، و لا سلطان مبين معكم، قد طوّحت بكم الدّار، و احتبلكم المقدار، و قد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة فأبيتم عليّ اباء المخالفين المنابذين، حتّي صرّفت رأيي إلى هواكّم، و أنتم معاشر أخفّاء الهام، سفهاء الأحلام لم آت لا أبا لكم بجرا و لا أردت بكم ضرّا.

اللغة

(النّهروان) بفتح النّون و تثليث الرّاء و من العرب من يضمّ النّون أيضاثلاث قرى أعلا و أوسط و أسفلهنّ بين واسط و بغداد، و في المصباح بلدة يقرب من بغداد أربعة فراسخ و (صرعى) جمع صريع و (ثنى) الوادى بكسر الثّاء المثلّثة منعطفه و الجمع أثناء و في بعض النّسخ بأكناف هذا النّهر و هو جمع كنف كسبب و أسباب بمعنى الجانب و (الأهضام) جمع هضم بفتح الهاء و قد يكسر بطن الوادى و المطمئنّ من الأرض و (الغايط) ما سفل من الأرض.

و (طاح) يطوح و يطيح هلك و سقط، و طوحه فتطوح توهيه فرمى هو بنفسه ههنا و ههنا، و طوحته الطوايح قذفته القواذف و (احتبل) الصّيد أوقعه في الحبالة و (المقدار) هو القدر و الفضاء و (الهامة) الرّأس و الجمع الهام.

و (البجر) بضمّ الباء و سكون الجيم المعجمة الدّاهية و الشرّ، و في بعض النّسخ هجرا و هو السّاقط من القول، و في نسخة ثالثة نكرا و هو الأمر المنكر و في رابعة عرّا و العر و المعرّة إلا ثم و العرّ أيضا داء يأخذ الابل في مشافرها و يستعار للداهية.

الاعراب

نسبة طوحت إلى الدّار و احتبل إلى المقدار من التوسّع، و جملة و أنتم معاشراه حاليّة و العامل صرفت، و بجرا مفعول لم آت و جملة لا ابا لكم معترضة بينهما و هي تستعمل في المدح كثيرا و في الذمّ أيضا و في مقام التّعجب و الظاهر هنا الذّم أو التعجب.

المعنى

روى في شرح المعتزلي عن محمّد بن حبيب قال: خطب عليّ عليه السّلام الخوارج يوم النّهر فقال لهم: نحن أهل بيت النّبوة و موضع الرّسالة و مختلف الملائكة و عنصر الرّحمة و معدن العلم و الحكمة، نحن افق الحجاز بنا يلحق البطي‏ء و الينا يرجع التّائب أيّها القوم (فأنا نذير لكم أن تصبحوا صرعى) أى مصر و عين مطرّحين على الارض (بأثناء هذا النهّر و بأهضام هذا الغايط على غير بيّنة) و حجّة شرعيّة (من ربكم و لا سلطان مبين) و برهان عقلى (معكم) تتمسّكون به في خروجكم (قد طوحت‏ بكم الدّار) و رمت بكم المرامي و هلكتكم (و احتبلكم المقدار) أى أوقعكم القدر النازل بكم في حبالته كالصّيد لا يستطيع الخروج منها (و قد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة) التي ندمتم عليها و ما كنت راضيا بها و راغبا إليها (فأبيتم عليّ إباء المخالفين) الجفاة (و المنابذين) العصاة (حتى صرفت رايى إلى هواكم) و أقدمت على التحكيم برضاكم من دون أن يكون لي رضا في ذلك و (أنتم معاشر اخفاء الهام) لعدم ثباتكم في الرّاى و (سفهاء الأحلام) لعدم كما لكم في العقل انكم أمس كنتم معتقدين وجوب التحكيم و اليوم تزعمونه كفرا و تجعلونه ضرارا و (لم آت لا أبا لكم بجرا و لا اردت بكم ضرّا) و إنّما ورد عليكم ذلك الضّرر و نزلت بكم تلك الداهية بسوء تدبيركم و قلّة عقلكم و انّ إرادتى من التحكيم و غرضي منه بعد اكراهكم إيّاى عليه لم يكن إلا الخير و المنفعة فانعكست القضية و انجرّت إلى المضرّة.

و ينبغي تذييل المقام بامرين

الاول في ذكر ما ورد من إخبار النبّي صلّى اللّه عليه و آله لقتال الخوارج و كفرهم من طريق الخاصة و العامة

فأقول: في البحار من كتاب كشف الغمة قال: ذكر الامام أبو داود سليمان بن الأشعث في مسنده المسمّي بالسّنن يرفعه إلى أبي سعيد الخدرى و أنس بن مالك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: سيكون في امّتى اختلاف و فرقة، قوم يحسنون القيل و يسيئون الفعل يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّمية، هم شرّ الخلق طوبى لمن قتلهم و قتلوه يدعون إلى كتاب اللّه و ليسوا منه في شي‏ء من قاتلهم كان أولى باللّه منهم.

و نقل مسلم بن حجّاج في صحيحه و وافقه أبو داود و سندهما عن زيد بن وهب أنّه كان في الجيش الذين كانوا مع عليّ عليه السّلام قال عليّ أيّها النّاس إنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: يخرج قوم من امّتي يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشي‏ء و لا صلاتكم إلى صلاتهم بشي‏ء و لا صيامكم إلى صيامهم بشي‏ء يقرءون القرآن يحسبون أنّه لهم و هو عليهم لا يجاوز قراءتهم تراقيهم يمرقون من الدّين كما يمرق‏السهم من الرّمية«» لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيّهم لنكلوا عن العمل، و آية ذلك أنّ فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع على عضده مثل حلمة الثدى عليه شعرات البيض فتذهبون إلى معاوية و أهل الشّام و تتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم و أموالكم و اللّه إنّي لأرجو أن يكون هولاء القوم فانّهم قد سفكوا الدّم الحرام و أغاروا على سرح النّاس فتسيروا.

و من كتاب الأمالى للشيخ باسناده عن عبد اللّه بن أبي أوفي قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: الخوارج كلاب أهل النّار.

و من كتاب المناقب لابن شهر آشوب من تفسير القشيرى و ابانة العكبرى عن سفيان عن الأعمش عن سلمة عن كهيل عن أبي الطفيل أنّه سأل ابن الكوا أمير المؤمنين عليه السّلام عن قوله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا فقال عليه السّلام إنّهم أهل حرورا ثمّ قال: «الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» في قتال علي بن أبي طالب «أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَ لِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ» بما كفروا بولاية علي «و اتّخذوا آيات-  القرآن-  و رسلي» يعني محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «هزوا» استهزءوا بقوله: ألا من كنت مولاه فعلىّ مولاه، و انزل في اصحابه: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ» الآية.

فقال ابن عباس: نزلت في أصحاب جمل.و من تفسير الفلكي عن أبي امامة قال النبّي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ الآية هم الخوارج.

و في شرح المعتزلي قد تظاهرت الاخبار حتّى بلغت حد التّواتر بما وعد اللّه قاتلي الخوارج من الثّواب على لسان نبيّه.

و في الصّحاح المتفق عليها أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بينا هو يقسم قسما جاءه رجل يدعا ذا الحو يضرة فقال: أعدل يا محمّد فقال: قد عدلت فقال له ثانية: اعدل يا محمّد فانّك لم تعدل فقال: ويلك و من يعدل إذا لم أكن أعدل.

فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول اللّه ائذن لي أضرب عنقه فقال: دعه فانّه يخرج من ضئضئ«» هذا قوم يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّمية ينظر أحدكم إلى نضيه فلا يجد شيئا فينظر إلى نضيه«» ثمّ ينظر إلى القذذ فكذلك سبق الفرث و الدّم يخرجون على خير فرقة من النّاس يحتقر صلاتكم في جنب صلاتهم و صومكم عند صومهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم آيتهم رجل أسود أو قال صلّى اللّه عليه و آله اوعج مخدج إليه احدى يديه كانّها ثدى امرأة أو بضعة تدردر«».

و في بعض الصّحاح أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لأبي بكر و قد غاب الرّجل عن عينه: قم فاقتله، فقام ثمّ عاد و قال: وجدته يصلّي فقال لعمر: مثل ذلك فعاد و قال وجدته يصلّي فقال لعليّ عليه السّلام: مثل ذلك فعاد و قال: لم أجده فقال رسول اللّه: لو قتل هذالكان أوّل فتنة و آخرها أما أنّه سيخرج من ضئضئ هذا الحديث.

و في مسند أحمد بن حنبل عن مسروق قال: قالت عايشة إنّك من ولدى و من أحبّهم إلىّ فهل عندك علم من المخدج فقلت قتله عليّ بن أبي طالب على نهر يقال لأعلاه تأمر و لأسفله نهروان بين لخاقين و طرفاء، قالت ابغني على ذلك بينة فأقمت رجالا شهدوا عندها بذلك، قال: فقلت لها سألتك بصاحب القبر ما الذى سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيهم قالت نعم: سمعته يقول إنّهم شرّ الخلق و الخليقة يقتلهم خير الخلق و الخليقة أقربهم عند اللّه وسيلة.

الثاني في كيفية قتال الخوارج و بعض احتجاجاته صلوات اللّه عليه و آله معهم

فأقول: قال في شرح المعتزلي روى ابن و يزيل في كتاب صفّين عن عبدّ الرحمن بن زياد، عن خالد بن حميد، عن عمر مولى غفرة، قال: لما رجع عليّ من صفين إلى الكوفة أقام الخوارج حتّي جموا ثمّ خرجوا إلى صحراء بالكوفة يسمّى حروراء، فتنادوا لا حكم إلّا للّه و لو كره المشركون ألا إنّ عليّا و معاوية أشركا في حكم اللّه.

فأرسل عليّ عليه السّلام إليهم عبد اللّه بن العباس فنظر في أمرهم و كلّمهم ثمّ رجع إلى عليّ عليه السّلام فقال له ما رأيت فقال ابن عباس: و اللّه ما أدرى ما هم فقال: أرأيتهم منافقين فقال: و اللّه ما سيماهم سيماء منافقين انّ بين أعينهم لأثر السّجود يتأوّلون القرآن فقال دعوهم ما لم يسفكوا دما أو يغصبوا مالا.

و أرسل اليهم ما هذا الذى أحدثتم و ما تريدون قالوا نريد أن نخرج نحن و أنت و من كان معنا بصفين ثلاث ليال و نتوب إلى اللّه من أمر الحكمين ثمّ نسير إلى معاوية فنقاتله حتّى يحكم اللّه بيننا و بينه، فقال عليّ عليه السّلام فهلّا قلتم حين بعثنا الحكمين و أخذنا منهم العهد و أعطينا هموه الا قلتم هذا حينئذ قالوا: كنا قد طالت الحرب علينا و اشتدّ الباس و كثر الجراح و كلّ الكراع«»و السّلاح.

فقال لهم أ فحين اشتدّ البأس عليكم عاهدتم فلما وجدتم الجمام«» قلتم ننقض العهد إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان يفي للمشركين أ فتأمرونني بنقضه، فمكثوا مكانهم لا يزال الواحد منهم يرجع إلى عليّ و لا يزال الآخر منهم يخرج من عند عليّ عليه السّلام.

فدخل الواحد منهم على عليّ عليه السّلام بالمسجد و الناس حوله فصاح لا حكم إلّا للّه و لو كره المشركون فتلفت«» الناس فقال: لا حكم إلّا للّه و لو كره المتلفتون فرفع عليّ عليه السّلام رأسه إليه فقال: لا حكم إلّا للّه و لو كره أبو حسن فقال عليه السّلام إنّ أبا حسن لا يكره أن يكون الحكم للّه، ثمّ قال حكم اللّه انتظر فيكم، فقال النّاس هلّاملت يا أمير المؤمنين على هولاء النّاس فأفنيتهم فقال: إنهم لا يفنون إنّهم لفى أصلاب الرّجال و أرحام النّساء إلى يوم القيامة.

و روى أنس بن عياض المدني، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه عليهم السلام أنّ عليّا كان يوما يؤمّ النّاس و هو يجهر بالقرائة فجهر ابن الكوا من خلفه: «وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» فلما جهر ابن الكوا من خلفه بها سكت عليّ عليه السّلام فلما أنهاها ابن الكوا أعاد عليّ عليه السّلام فأتمّ قراءته، فلما شرع عليّ عليه السّلام في القرائة أعاد ابن الكوا الجهر بتلك الآية فسكت عليّ عليه السّلام فلم يزالا كذلك يسكت هذا و يقرأ هذا مرارا حتّى قرء عليّ عليه السّلام: «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ»فسكت ابن الكوا و عاد عليّ عليه السّلام إلى قراءته.

و ذكر الطبرى صاحب التّاريخ أنّ عليّا عليه السّلام لما دخل الكوفة دخل معه كثير من الخوارج و تخلّف منهم بالنخيلة و غيرها خلق كثير لم يدخلوها، فدخل حرقوص بن زهير السعدى و زرعة البرج الطائي و هما من رءوس الخوارج على عليّ عليه السّلام فقال له حرقوص: تب من خطيئتك و اخرج بنا إلى معاوية نجاهده، فقال عليه السّلام إنّي كنت نهيت عن الحكومة فأبيتم ثمّ الآن تجعلونها ذنبا أما أنّها ليست بمعصية و لكنّها عجز من الرّأى و ضعف في التّدبير و قد نهيتكم عنه.

فقال زرعة: أما و اللّه لئن لم تتب من تحكيمك الرّجال لأقتلنك اطلب بذلك وجه اللّه و رضوانه، فقال له عليّ عليه السّلام: بوسا لك ما أشقاك كأني بك قتيلا يسفي عليك الرّياح، قال زرعة: وددت أنّه كان ذلك قال: و خرج عليّ عليه السّلام يخطب فصاحوا به من جوانب المسجد لا حكم إلّا للّه و صاح به رجل: «وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» فقال عليّ عليه السّلام: «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ».

قال أبو العباس المبرّد: و يقال أوّل من حكم عروة بن اوّية، و اويّة جدّة له جاهلية و هو عروة جدير أحد بني ربيعة، و قال قوم أوّل من حكم رجل من بني محارب يقال له سعيد و لم يختلفوا في اجتماعهم على عبد اللّه بن وهب الرّاسبي و أنّه امتنع عليهم و اومأ إلى غيره فلم يقنعوا إلّا به، فكان امام القوم و كان يوصف برأى.

فامّا اوّل سيف سلّ من الخوارج فسيف عروة بن اوّية، و ذاك أنّه أقبل على الأشعث فقال: ما هذه الدنية يا أشعث و ما هذا التّحكيم أشرط أوثق من شرط اللّه عزّ و جل، ثمّ شهر عليه السّيف و الأشعث مولّ فضرب به عجز بغلته.

قال أبو العباس: و عروة هذا من النّفر الذين نجوا من حرب النّهروان فلم يزل باقيا مدّة من ايّام معاوية ثمّ أتى به زياد و معه مولى له فسأله عن أبي بكر و عمر فقال خيرا، فقال له: فما تقول في أمير المؤمنين عثمان و في أبي تراب «قال ظ» فتولى عثمان ستّ سنين من خلافته ثمّ شهد عليه بالكفر و فعل في أمر عليّ عليه السّلام مثل ذلك إلى أن حكم ثمّ شهد عليه بالكفر ثمّ سأله عن معاوية فسبه سبّا قبيحا ثمّ سأله عن نفسه فقال أوّلك لزينة و آخرك لدعوة و أنت بعد عاص لربّك فأمر به فضربت عنقه.

ثمّ دعا مولاه فقال: صف لى اموره قال: اطنب أم اختصر، قال: بل اختصر، قال: ما أتيته بطعام بنهار قط و لا فرشت له فراشا بليل قط.

قال المبرّد: و سبب تسميتهم الحروري انّ عليّا لما ناظرهم بعد مناظرة ابن عباس إياهم كان فيما قال لهم: ألا تعلمون أنّ هؤلاء القوم لما رفعوا المصاحف قلت لكم إنّ هذه مكيدة و وهن و لو أنّهم قصدوا إلى حكم المصاحف لآتوني و سألوني التّحكيم أ فتعلمون أنّ أحدا أكره على التحكيم منّي قالوا صدقت.

قال فهل تعلمون أنّكم استكر هتموني على ذلك حتّى أجبتكم فاشرطت أنّ حكمهما نافذ ما حكما بحكم اللّه فمتى خالفاه فأنا و أنتم من ذلك براء. و أنتم تعلمون أنّ حكم اللّه لا يعدوني، قالوا: اللهمّ نعم، قال: و كان معهم في ذلك الوقت ابن الكوا و هذا من قبل أن يذبحوا عبد اللّه بن خباب و إنّما ذبحوه في الفرقة الثانية بكسكر فقالوا له: حكمت في دين اللّه برأينا و نحن مقرونّ بأنّا كنّا كفرنا و لكن الآن تائبون فاقرّ بمثل ما اقررنا به و تب ننهض معك إلى الشام.

فقال: أما تعلمون أنّ اللّه قد أمر بالتّحكيم في شقاق بين الرّجل و امرأته فقال سبحانه: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها و في صيد اصيب كارنب يساوى نصف درهم فقال:

يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فقالوا له: فانّ عمرا لما أبى عليك أن تقول في كتابك هذا ما كتبه عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين محوت اسمك من الخلافة و كتبت عليّ بن أبي طالب فقد خلعت نفسك فقال عليه السّلام: لى اسوة برسول اللّه حين أبى عليه سهل بن عمرو أن يكتب هذا ما كتبه محمّد رسول اللّه و سهيل بن عمرو، و قال لو أقررت بأنك رسول اللّه ما خالفتك و لكني اقدّمك لفضلك فاكتب محمّد بن عبد اللّه فقال لي: يا علي امح رسول اللّه فقلت يا رسول اللّه لا تشجعنى نفسي علي محو اسمك من النّبوة قال: فقفنى عليه فمحاه بيده، ثمّ قال اكتب محمّد بن عبد اللّه، ثمّ تبسّم إلىّ و قال: إنك ستسام (أى تعامل) مثلها فتعطى.

فرجع معه عليه السّلام منهم الفان من الحر وراء، و قد كانوا تجمعوا بها فقال لهم على ما نسمّيكم ثمّ قال: أنتم الحرورّية لاجتماعكم بحروراء.

قال المبرّد: إنّ عليّا في أوّل خروج القوم عليه دعا صعصعة بن صوحان العبدي و قد كان وجّهه إليهم و زياد بن نضر الحارثي مع عبد اللّه بن العباس فقال لصعصعة: بأىّ القوم رأيتم أشدّ إطاعة، فقال: بيزيد بن قيس الأرحبى، فركب إلى حروراء فجعل يتخلّلهم حتّى صار إلى مضرب يزيد بن قيس فصلّى فيه ركعتين ثمّ خرج فاتكاء على قوسه و اقبل على النّاس.

فقال هذا مقام من فلج فيه فلج إلى يوم القيامة ثمّ كلّمهم و ناشدهم، فقالوا إنّا أذنبنا ذنبا عظيما بالتّحكيم و قد تبنافتب إلى اللّه كما تننا نعدلك، فقال عليّ عليه السّلام: أنا استغفر اللّه من كلّ ذنب فرجعوا معه و هم ستّة ألف فلما استقرّوا بالكوفة أشاعوا أنّ عليّا رجع عن التّحكيم و رآه ضلالا، و قالوا: إنّما ينتظر أن يسمن الكراع و يجي‏ء المال ثمّ ينهض بنا إلى الشّام.

فأتى الأشعث عليّا فقال: يا أمير المؤمنين إنّ النّاس قد تحدّثوا أنك رأيت الحكومة ضلالا، و الاقامة عليها كفرا فقام عليّ عليه السّلام فخطب فقال: من زعم أنّى‏ رجعت عن الحكومة فقد كذب و من رآها ضلالا فقد ضلّ فخرجت حينئذ الخوارج من المسجد فحكمت.

قال الشّارح المعتزلي: قلت كلّ فساد كان في خلافة عليّ عليه السّلام و كلّ اضطراب حدث فأصله الأشعث و لو لا محاقته أمير المؤمنين في معنى الحكومة في هذه المرّة لم يكن حرب النهروان، و لكان أمير المؤمنين ينهض بهم إلى معاوية و يملك الشّام فانّه عليه السّلام حاول أنّ يسلك معهم مسلك التّعريض و الموارية و في المثل النبويّ صلوات اللّه على قائله: الحرب خدعة.

و ذلك انّهم قالوا له: تب إلى اللّه مما فعلت كما تبنا ننهض معك إلى حرب الشام، فقال لهم كلمة مجملة مرسلة يقولها الأنبياء و المرسلون و المعصومون، و هي قوله: استغفر اللّه من كل ذنب فرضوا بها و عدوها اجابة لهم إلى سؤالهم، وصفت لهم نياتهم، و استخلصت بها ضمايرهم من غير أن يتضمّن تلك الكلمة اعترافا بكفر أو ذنب.

فلم يتركه الأشعث و جاء إليه مستفسرا و كاشفا عن الحال و هاتكا ستر التورية و الكناية و مخرجا لها من مشكلة الاجمال إلى تفسيرها بما يفسد التّدبير و يوعر الصّدور، و يعيد الفتنة، فخطب بما صدع به عن صورة ما عنده مجاهرة فانتقض ما دبّره و عادت الخوارج إلى شبهها الاولى و راجعوا التّحكيم و هكذا الاوّل التي يظهر فيها أمارات الزّوال و الانقضاء يتاح لها مثال الأشعث اولى الفساد في الأرض.

سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ثمّ قال: قال المبرّد: ثمّ مضى القوم إلى النهروان و قد كانوا أرادوا المضيّ إلى المداين فمن طريق أخبارهم أنّهم أصابوا في طريقهم مسلما و نصرانيا فقتلوا المسلم لأنّه عندهم كافر إذا كان على خلاف معتقدهم، و استوصوا بالنّصرانى و قالوا احفظوا ذمة نبيّكم.

قال: و لقاهم عبد اللّه بن خباب في عنقه مصحف على حمار و معه امرأة و هي حامل فقالوا له: إنّ هذا الذى في عنقك ليأمرنا بقتلك فقال لهم: ما أحياه القرآن فأحيوه‏ و ما اماته فأميتوه، فوثب رجل منهم على رطبة سقطت من نخلة فوضعها في فيه فصاحوا به، فلفظها تورّعا و عرض لرجل منهم خنزير فضربه و قتله، فقالوا: هذا فساد في الأرض و أنكروا قتل الخنزير.

ثمّ قالوا لابن خباب: حدّثنا عن أبيك، فقال سمعت أبى يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ستكون بعدي فتنة يموت فيها قلب الرّجل كما يموت بدنه يمسي مؤمنا و يصبح كافرا فكن عند اللّه المقتول و لا تكن القاتل، قالوا: فما تقول في أبي بكر و عمر فأثنى خيرا، قالوا. فما تقول في علىّ قبل التّحكيم و في عثمان في السّنين الستّ الأخيرة فأثنى خيرا قالوا: فما تقول في عليّ بعد التّحكيم و الحكومة قال: إنّ عليّا أعلم باللّه و أشد توقيا على دينه و أنفذ بصيرة، فقالوا: إنّك لست تتّبع الهدى انما تتّبع الرّجال على أسمائهم ثمّ قرّبوه إلى شاطى‏ء النهر فأضجعوه فذبحوه.

قال المبرّد: و ساوموا رجلا نصرانّيا بنخلة له فقال هي لكم، فقالوا: ما كنا لنأخذها إلّا بثمن، فقال: و اعجباه أ تقتلون مثل عبد اللّه بن خباب و لا تقبلون خبا نخلة إلّا بثمن.

قال أبو عبيدة: و استنطقهم عليّ عليه السّلام بقتل ابن خباب فأقرّوا به، فقال، انفردوا كتائب لأسمع قولكم كتيبة كتيبة، فتكتبوا كتائب و أقرّت كلّ كتيبة بما أقرّت به الاخرى من قتل ابن خباب، و قالوا: لنقتلنك كما قتلناه، فقال: و اللّه لو أقرّ أهل الدّنيا كلّهم بقتله هكذا و أنا أقدر على قتلهم به لقتلهم، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال: شدّوا عليهم فأنا أوّل من يشدّ عليهم فحمل بذى الفقار حملة منكرة ثلات مرّات كلّ حملة يضرب به حتّى يعوج متنه، ثمّ يخرج فيسوّيه بركبتيه ثمّ يحمل به حتّى أفناهم.

و روى قيس بن سعد بن عبادة أنّ عليّا عليه السّلام لما انتهى إليهم قال لهم: اقيدونا بدم عبد اللّه بن خباب، فقالوا: كلّنا قتله فقال عليه السّلام: احملوا عليهم.

و روى مسلم الضّبي أيضا عن حبة العرني: قال لما انتهينا إليهم رمونا،فقلنا لعليّ: يا أمير المؤمنين قدرمونا، فقال: كفوا ثمّ رمونا فقال: كفوا، ثمّ الثالثة فقال: الآن طاب القتال احملوا عليهم.

و روى المحدّث العلامة المجلسي في البحار من كتاب الخرائج قال: روى عن جندب بن زهير الأزدي، قال: لما فارقت الخوارج عليّا خرج عليه السّلام إليهم و خرجنا معه فانتهينا إلى عسكرهم فاذا لهم دويّ كدويّ النّحل في قراءة القرآن و فيهم أصحاب البرانس و ذوو الثّفنات.«» فلما رأيت ذلك دخلني شكّ و نزلت عن فرسي و ركزت رمحي و وضعت ترسي و نثرت عليه درعي و قمت أصلّى و أنا أقول في دعائي: اللّهمّ إن كان قتال هؤلاء القوم رضا لك فأرنى من ذلك ما أعرف به أنّه الحقّ، و إن كان لك سخطا فاصرف عنّى إذ أقبل عليّ فنزل عن بغلة رسول اللّه و قام يصلّي إذ جاءه رجل فقال: قطعوا النّهر، ثمّ جاء آخر يشدّ دابته فقال: قطعوه و ذهبوا، فقال أمير المؤمنين ما قطعوه و لا يقطعونه و ليقتلنّ دون النّطفة عهد من اللّه و رسوله.

و قال لي يا جندب ترى الشّك قلت: نعم قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: حدّثني أنّهم يقتلون عنده، ثمّ قال انا نبعث إليهم رسولا يدعوهم إلي كتاب اللّه و سنّة نبيّه فيرشقون وجهه بالنّبل و هو مقتول، قال: فانتهينا إلى القوم فاذا هم في معسكرهم لم يبرحوا و لم يترحّلوا، فنادى النّاس و ضمّهم.

ثمّ أتى الصّف و هو يقول من يأخذ هذا المصحف و يمشى به إلى هؤلاء القوم فيدعوهم إلى كتاب اللّه و سنّة نبيّه و هو مقتول و له الجنّة فما أجابه احد إلّا شابّ من بنى عامر بن صعصعة، فلما رأى عليه السّلام حداثة سنّه قال له: ارجع إلى موقفك، ثمّ أعاد فما أجابه إلّا ذلك الشّاب.

قال خذه أما أنّك مقتول فمشى به حتّى إذا دنى من القوم حيث يسمعهم ناداهم إذ رموا وجهه بالنّبل، فأقبل علينا و وجهه كالقنفذ، فقال عليّ عليه السّلام دونكم القوم فحملنا عليهم، قال جندب ذهب الشّك عنّي و قتلت بكفّي ثمانية.

و من كتاب المناقب لابن شهر آشوب لما دخل عليّ عليه السّلام الكوفة جاء إليه زرعة بن البرج الطائي، و حرقوص بن زهير التّميمي ذو الثدية، فقال لا حكم إلا للّه فقال عليّ عليه السّلام كلمة حقّ يراد بها باطل، قال حرقوص: فتب من خطيئتك و ارجع عن قصتك و اخرج بنا إلى عدوّنا نقاتلهم حتّى نلقى ربّنا، فقال عليّ عليه السّلام قد أردتكم على ذلك فعصيتموني، و قد كتبنا بيننا و بين القوم كتابا و شروطا و أعطينا عليها عهودا و مواثيق، و قد قال اللّه تعالى: وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ فقال حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن نتوب عنه فقال عليّ عليه السّلام ما هو بذنب و لكنّه عجز من الرّأى و ضعف في القعل، و قد تقدّمت فنهيتكم عنه، فقال ابن الكواء: الآن صحّ عندنا أنّك لست بامام، و لو كنت إماما لما رجعت، فقال عليّ عليه السّلام: ويلكم قد رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عام الحديبيّة عن قتال أهل مكّة.

ففارقوا أمير المؤمنين و قالوا: لا حكم إلّا للّه و لا طاعة المخلوق في معصية الخالق، و كانوا إثنا عشر ألفا من أهل الكوفة و البصرة و غيرهما، و نادى مناديهم أنّ أمير القتال شيث بن ربعي و أمير الصّلاة عبد اللّه بن الكوّا، و الأمر شورى بعد الفتح، و البيعة للّه على الأمر بالمعروف و النّهى عن المنكر، و استعرضوا النّاس و قتلوا عبد اللّه بن خباب و كان عامله عليه السّلام على النهروان.

فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: يابن عبّاس امض إلى هؤلاء القوم فانظر ما هم عليه و لما ذا اجتمعوا، فلما وصل إليهم قالوا: ويلك يا بن عباس أكفرت برّبك كما كفر صاحبك عليّ بن أبي طالب. و خرج خطيبهم عتاب بن الأعور الثّعلبي.

فقال ابن عبّاس: من بنا الاسلام فقال: اللّه و رسوله، فقال النّبيّ أحكم اموره و بيّن حدوده أم لا قال بلى، قال: فالنّبيّ بقى في دار الاسلام أم ارتحل قال: بل ارتحل، قال: فامور الشرع ارتحلت معه أم بقى بعده قال: بل بقيت، قال: فهل قام أحد بعده بعمارة ما بناه قال: نعم الذّرية و الصّحابة، قال: أ فعمروها او خربوها

قال: بل عمروها قال: فالآن هي معمورة أم خراب قال: بل خراب، قال: خربها ذريته أم امّته قال: بل أمّته، قال: أنت من الذرّية أو من الامة قال: من الأمة، قال: أنت من الأمّة و خربت دار الاسلام فكيف ترجو الجنّة، و جرى بينهم كلام كثير.

فحضر أمير المؤمنين في مأئة رجل، فلما قابلهم خرج إليه ابن الكوا في مأئة رجل، فقال: انشدكم اللّه هل تعلمون حيث رفعوا المصاحف فقلتم نجيبهم إلى كتاب اللّه فقلت لكم إنّى أعلم بالقوم منكم و ذكر مقالة إلى أن قال فلّما أبيتم إلّا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن و أن يميتا ما أمات القرآن فان حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكمه، و إن أبيا فنحن منه براء.

فقالوا له: اخبرنا أ ترى عدلاتحكيم الرّجال في الدّماء فقال: إنا لسنا الرّجال حكمنا و إنما حكمنا القرآن، و القرآن إنّما هو خط مستور بين دفتين لا ينطق إنّما يتكلّم به الرّجال.

قالوا: فأخبرنا عن الأجل لم جعلته فيما بينك و بينهم قال ليعلم الجاهل و يثبت العالم، و لعلّ اللّه يصلح في هذه المدّة هذه الامة، و جرت بينهم مخاطبات فجعل بعضهم يرجع، فأعطى أمير المؤمنين عليه السّلام راية أمان مع أبي ايّوب الأنصاري فناداهم أبو أيوب: من جار إلى هذه الرّاية أو خرج من بين الجماعة فهو آمن، فرجع منهم ثمانية الآف، فأمرهم أمير المؤمنين أن يتميّزوا منهم، و أقام الباقون على الخلاف و قصدوا إلى نهروان، فخطب أمير المؤمنين و استفزّهم«» فلم يجيبوه فتمثّل بقوله:

امرتكم امرى بمنعرج اللّوى
فلم تستبينوا النّصح إلّا ضحى الغد

ثمّ استنفرهم فنفر ألفا رجل يقدمهم عديّ بن حاتم و هو يقول:

إلى شرّ خلق من شراة تخرّبوا
و عادوا إله النّاس ربّ المشارق‏

فوجّه أمير المؤمنين نحوهم و كتب إليهم على يدي عبد اللّه بن أبي عقب و فيها:

و السّعيد من سعدت به رغبته، و الشّقي من شقيت به رغبته، و خير النّاس خيرهم لنفسه، و شرّ النّاس شرّهم لنفسه، ليس بين اللّه و بين أحد قرابة «و كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ» فلما أتاهم أمير المؤمنين عليه السّلام فاستعطفهم فأبوا إلّا قتاله و تنادوا أن دعوا مخاطبة عليّ عليه السّلام و أصحابه، و بادروا الجنّة و صاحوا: الرّواح الرّواح إلى الجنّة و أمير المؤمنين يؤبى أصحابه و نهاهم أن يتقدّم إليهم أحد، فكان أوّل من خرج أخنس من العزيز الطائي و جعل يقول:

ثمانون من حىّ جديلة«» اقتلوا
على النهر كانوا يخصبون العواليا

ينادون لا لاحكم إلّا لرّبنا
حنانيك فاغفر حوبنا و المسائيا

هم فارقوا من جاز في اللّه حكمه
فكلّ على الرحمن أصبح ثاويا

فقتله أمير المؤمنين عليه السّلام و خرج عبد اللّه بن وهب الرّاسبى يقول:

انا ابن وهب الرّاسبى الشّارى
أضرب في القوم لأخذ الثّار

حتّى تزول دولة الأشرار
و يرجع الحقّ إلى الأخيار

و خرج مالك بن الوضّاح و قال:

انّى لبايع ما يفنى بباقيه
و لا اريد لدى الهيجاء تربيصا«»

و خرج أمير المؤمنين و الوضاح بن الوضاح من جانب، و ابن عمه حرقوص من جانب فقتل الوضاح و ضرب ضربة على رأس الحرقوص فقطعه و وقع رأس سيفه على الفرس فشرد و رجله في الرّكاب حتّى أوقعه في دولاب خراب فصارت الحرورّية: «كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ» فكان«» المقتولون من أصحاب عليّ روبة بن وبر البجلي، و رفاعة بن وابل الأرجي و الفياض بن خليل الازدي، و كيسوم بن سلمة الجهني و حبيب بن عاصم الأزدي إلى تمام تسعة و انفلت من الخوارج تسعة و كان ذلك لتسع خلون من صفر سنة ثمان و ثلاثين.«» و من كتاب كشف الغمّة قال: قال ابن طلحة لمّا عاد أمير المؤمنين من صفين إلى الكوفة بعد إقامة الحكمين أقام ينتظر انقضاء المدّة التي بينه و بين معاوية ليرجع إلى المقاتلة و المحاربة إذا انخزلت طائفة من خاصّة أصحابه في أربعة آلاف فارس و هم العباد و النساك، فخرجوا من الكوفة و خالفوا عليّا عليه السّلام، و قالوا: لا حكم إلّا اللّه و لا طاعة لمن عصى اللّه، و انحاز نيف عن ثمانية آلاف ممّن يرى رأيهم فصاروا اثنا عشر ألفا، و ساروا لى أن نزلوا الحروراء، و أمّروا عليهم عبد اللّه ابن الكوا.

فدعا عليّ عليه السّلام عبد اللّه بن عبّاس فأرسله إليهم فحاثّهم فلم يرتدعوا، و قالوا: ليخرج الينا عليّ عليه السّلام بنفسه لنسمع كلامه عسى أن يزول ما بأنفسنا إذا سمعناه، فرجع ابن عبّاس فأخبره فركب في جماعة ومضى إليهم فركب ابن الكوّا في جماعة منهم، فوافقه.

فقال له عليّ عليه السّلام: يابن الكواّ إنّ الكلام كثير فابرز إليّ من أصحابك‏ لاكلمك فقال: و أنا آمن من سيفك، فقال: نعم فخرج إليه في عشرة من أصحابه فقال له: عن الحرب مع معاوية و ذكر له رفع المصاحف على الرّماح و أمر الحكمين، فقال: ألم أقل لكم إن أهل الشّام يخدعونكم بها، فانّ الحرب قد عضّتهم فذرونى أناجزهم فأبيتم، ألم أرد نصب ابن عمّى و قلت إنّه لا ينخدع فأبيتم إلّا أبا موسى و قلتم رضينا به حكما، فأجبتكم كارها، و لو وجدت في ذلك الوقت أعوانا غيركم لما أجبتكم، و شرطت على الحكمين بحضوركم أن يحكما بما أنزل اللّه من فاتحته إلى خاتمته و السّنة الجامعة و أنّهما إن لم يفعلا فلا طاعة لهما عليّ كان ذلك، أو لم يكن قال ابن الكوّا: صدقت كان هذا كلّه فلم لا ترجع الآن إلى حرب القوم فقال: حتّى ينقضي المدّة التي بيننا و بينهم، قال ابن الكوّا: و أنت مجمع على ذلك، قال: نعم لا يسعني غيره، فعاد ابن الكوا و العشرة الذين معه إلى أصحاب عليّ عليه السّلام راجعين عن دين الخوارج و تفرّق الباقون و هم يقولون، لا حكم إلّا للّه و أمّروا عليهم عبد اللّه بن واهب الرّاسبي و حرقوص بن زهير البجلي المعروف بذي الثّدية و عسكروا بالنّهروان.

و خرج عليّ حتّى بقي على فرسخين منهم و كاتبهم و راسلهم فلم يرتدعوا فاركب إليهم ابن عبّاس و قال: سلهم ما الذي نقموه و أنا ردفك فلا تخفف منهم، فلما جاءهم ابن عبّاس قال: ما الذي نقمتم من أمير المؤمنين عليه السّلام قالوا: نقمنا أشياء لو كان حاضرا لكفرناه بها، و عليّ عليه السّلام ورائه يسمع ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين قد سمعت كلامهم و أنت أحقّ بالجواب.

فتقدّم و قال: أيّها النّاس أنا عليّ بن أبي طالب فتكلّموا بما نقمتم عليّ.

قالوا: نقمنا عليك أوّلا إنّا قاتلنا بين يديك بالبصرة فلمّا أظفرك اللّه بهم أبحتنا ما في عسكرهم و منعتنا النّساء و الذرّية فكيف حلّ لنا ما في العسكر و لم يحلّ لنا النّساء فقال لهم: يا هؤلاء إنّ أهل البصرة قاتلونا و بدءونا بالقتال فلمّا ظفرتم أقسمتم‏سلب من قاتلكم و منعتكم من النّساء و الذرّية فانّ النساء لم يقاتلن و الذرّية و لدوا على الفطرة و لم ينكثوا و لا ذنب لهم، و لقد رأيت رسول اللّه منّ على المشركين فلا تعجبوا أن مننت على المسلمين فلم أسب نسائهم و لا ذرّيتهم.

و قالوا: نقمنا عليك يوم صفّين كونك محوت اسمك من امرة المؤمنين فاذن لم تكن أميرنا فلا نطعيك و لست أميرا لنا.

قال: يا هؤلاء إنّما اقتديت برسول اللّه حين صالح سهيل بن عمرو و قد تقدّمت.«» قالوا: فانّا نقمنا عليك أنّك قلت للحكمين: انظرا كتاب اللّه فان كنت أفضل من معاوية فاثبتانى في الخلافة فاذا كنت شاكّا في نفسك فنحن فيك أشدّ و أعظم شكّا.

فقال: إنّما أردت بذلك النّصفة فانّى لو قلت: احكما لي دون معاوية لم يرض و لم يقبل، و لو قال النّبيّ لنصارى نجران لما قدموا عليه تعالوا نبتهل ثمّ اجعل لعنة اللّه عليكم لم يرضوا، و لكن انصفهم من نفسه كما أمره اللّه فقال: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ فأنصفهم من نفسه فكذلك فعلت أنا و لم أعلم بما أراد عمرو بن العاص من خدعة أبى موسى.

قالوا: فانّا نقمنا عليك أنك حكمت حكما في حقّ هو لك فقال: إنّ رسول اللّه حكم سعد بن معاذ في بني قريظة و لو شاء لم يفعل، و أنا اقتديت به فهل بقي عندكم شي‏ء فسكتوا و صاح جماعة منهم من كلّ جانب: التّوبة التّوبة يا أمير المؤمنين و استأمن إليه ثمانية آلاف و بقي على حربه أربعة آلاف، فأمر المستأمنين بالاعتزال عنهم في ذلك الوقت، و تقدّم بأصحابه حتّى دنى منهم.

و تقدّم عبد اللّه بن وهب و ذو الثّدية حرقوص و قالا ما نريد بقتالنا إيّاك‏ إلّا وجه اللّه و الدّار الآخرة، فقال عليه السّلام: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ» ثمّ التحم القتال بين الفريقين، و استعرّ الحرب بلظاها و اسفرت عن زرقة صبحها و حمرة ضحاها، فتجادلوا و تجالدوا بالسنة رماحها و حداد ظباها«» فحمل فارس من الخوارج يقال له الأخنس الطائي و كان شهد صفّين مع عليّ عليه السّلام فحمل و شقّ الصّفوف يطلبه عليه السّلام فبدره عليّ بضربة فقتله.

فحمل ذو الثّدية ليضرب عليّا فسبقه عليّ عليه السّلام و ضربه ففلق البيضة و رأسه فحمله فرسه و هو لما به فألقاه في آخر المعركة في جرف دالية على شط النهّروان، و خرج من بعده عمّه مالك بن الوضاح و حمل على عليّ فضربه فقتله.

و تقدّم عبد اللّه بن وهب الرّاسبي فصاح يابن أبي طالب و اللّه لا نبرح من هذه المعركة حتّى تأتي على أنفسنا أو ناتى على نفسك فابرز إليّ و أبرز إليك و ذر الناس جانبا، فلما سمع عليّ عليه السّلام كلامه تبسّم و قال: قاتله اللّه من رجل ما أقلّ حياؤه أما أنّه ليعلم أنه لحليف السّيف و خدين«» الرّمح و لكنّه قد يئس من الحياة، و أنّه ليطمع طمعا كاذبا ثمّ حمل على عليّ، فحمله عليّ عليه السّلام فضربه و قتله و ألحقه بأصحابه القتلى.

و اختلطوا فلم تكن إلّا ساعة حتّى قتلوا بأجمعهم و كانوا أربعة آلاف، فما أفلت منهم إلّا تسعة أنفس: رجلان هربا إلى خراسان إلى أرض سجستان و بها نسلهما و رجلان صارا إلى بلاد عمّان و فيها نسلهما و رجلان صارا إلى اليمن فبها نسلهما، و هم الاباضية، و رجلان‏ صارا إلى بلاد الجزيرة إلى موضع يعرف بالسن«» و البوازيخ و إلى شاطي الفرات و صار آخر إلى تلّ موزون.

و غنم أصحاب علىّ غنايم كثيرة، و قتل من أصحاب عليّ تسعة بعدد من سلم من الخوارج، و هي من جملة كرامات عليّ عليه السّلام فانّه قال نقتلهم و لا يقتل منّا عشرة و لا يسلم منهم عشرة، فلما قتلوا قال عليّ عليه السّلام التمسوا المخدج«» فالتمسوه فلم يجدوه فقام عليّ عليه السّلام بنفسه حتّى أتى ناساقد قتل بعضهم على بعض فقال أخّروهم فوجدوه ممّا يلي الأرض فكبّر عليّ عليه السّلام و قال صدق اللّه و بلغ رسوله.

قال أبو الوضيئى فكانّى أنظر إليه حبشى عليه قريطق إحدى يديه مثل ثدى المرأة عليها شعرات مثل شعر ذنب اليربوع، و هذا أبو الوضيئى هو عباد بن نسيب القيسى تابعي يروي عنه هذا القول أبو داود.

و في كتاب المناقب لابن شهر آشوب عن أبي نعيم الاصفهاني عن سفيان الثوري إنّ أمير المؤمنين أمر أن يفتش على المخدج بين القتلى فلم يجدوه فقال رجل: و اللّه ما هو فيهم فقال عليّ عليه السّلام ما كذبت و لا كذبت.

و عن تاريخ الطبري و ابانة بن بطة و مسند أحمد عن عبد اللّه بن أبي رافع و أبي موسى الوابلي و جندب و أبي الوضيئي و اللفظ له قال عليّ عليه السّلام اطلبوا المخدج فقالوا: لم نجده فقال و اللّه ما كذبت و لا كذبت يا عجلان ايتيني ببغلة رسول اللّه، فأتاه بالبغلة فركبها و جال في القتلى ثمّ قال: اطلبوه ههنا، قال: فاستخرجوه من تحت القتلي في نهر و طين.

و عن تاريخ القمي أنّه رجلا أسود عليه شعرات عليه قريطق«» مخدج اليد أحد ثدييه كثدى المرأة عليه شعيرات مثل ما يكون على ذنب اليربوع.

و عن أبي داود بن بطة انّه قال عليّ من يعرف هذا فلم يعرفه أحد قال رجل أنا رأيت هذا بالحيرة فقلت: إلى أين تريد فقال إلى هذه و أشار إلى الكوفة و ما لى بهذا معرفة فقال عليّ عليه السّلام: صدق هو من الجانّ و في رواية هو من الجنّ.

و في رواية أحمد قال أبو الوضى: لا يأتينّكم أحد يخبركم من أبوه، قال: فجعل النّاس يقول: هذا ملك هذا ملك و يقول علي: ابن من.

و في مسند الموصلي في حديث: من قال من النّاس أنّه رآه قبل مصرعه فهو كاذب.

و في مسند أحمد عن أبي الوضي أنّه قال عليّ عليه السّلام: أما ان خليلى أخبرنى بثلاثة اخوة من الجنّ هذا أكبرهم، و الثّاني له جمع كثير و الثالث فيه ضعف.

و في شرح المعتزلي عن ابن و يزيل عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: لمّا شجرهم عليّ عليه السّلام بالرّماح قال: اطلبوا اذا الثّدية فطلبوه طلبا شديدا حتّى وجدوه في وهدة من الأرض تحت ناس من القتلى، فاتى به و إذا رجل على يديه مثل سبلات السّنور، فكبّر عليّ عليه السّلام و كبّر النّاس معه سرورا بذلك.

و عن ابن و يزيل أيضا عن مسلم الضبي عن حبة العرني قال: كان رجلا أسود منتن الرّيح له يد كثدي المراة إذا مدّت كانت بطول اليد الاخرى، و إذا تركت اجتمعت و تقلّصت و صارت كثدى المرأة عليه شعرات مثل شوارب الهرّة، فلما وجدوه قطعوا يده و نصبوها على رمح، ثمّ جعل عليّ يقول صدق اللّه و بلغ رسوله، و لم يزل يقول ذلك هو و أصحابه بعد العصر الى أن غربت الشّمس أو كادت.

و عن العوام بن الحوشب، عن أبيه، عن جدّه يزيد بن رويم، قال: قال عليّ عليه السّلام يقتل اليوم أربعة آلاف من الخوارج أحدهم ذو الثّدية، فلما طحن القوم و رام استخراج ذى الثّدية فأتعبه، أمرنى أن أقطع له أربعة آلاف قصبة، فركب بغلة رسول اللّه و قال اطرح على كلّ قتيل منهم قصبة، فلم يزل كذلك و أنا بين يديه و هو راكب خلفي و النّاس يتّبعونه حتّى بقيت في يدي واحدة فنظرت و إذا وجهه أربد، و إذا هو يقول: و اللّه ما كذبت و لا كذبت فاذا حزير«» ماء عند موضع دالبة، فقال: فتّش هذا، ففتشته فاذا قتيل قد صار في الماء و اذا رجله في يدي فجذ بتها، و قلت هذه رجل انسان فنزل عن البغلة مسرعا فجذب الرجل الاخرى و جررناه حتّى صار على التّراب، فاذا هو المخدج فكبرّ عليّ بأعلى صوته ثمّ سجد فكبّر النّاس كلّهم هذا.

و بقيّة الكلام في اقتصاص وقعة الخوارج تأتى إن شاء اللّه عند شرح بعض الخطب الآتية المسوقة لهذا الغرض و اللّه الموفق و المعين.

الترجمة

از جمله خطب شريفة آن سرور أولياء عليه و آله آلاف التّحية و الثّناست در ترسانيدن أهل نهروان كه مى‏ فرمايد: پس من ترساننده شما هستم از اين كه صباح نمائيد جان داده و افتاده در اثناى اين جوى و در زمينهاى هموار اين كودال در حالتى كه هيچ حجة شرعيّه نبوده باشد شما را از جانب پروردگار خود در خروج و نه برهان عقلى باشد با شما در ارتكاب اين امر، بتحقيق كه متحير و سرگشته ساخت يا اين كه بورطه هلاكت انداخت شما را دنياى فانى و در حباله و دام واقع نمود شما را قضا و قدر ربانى و بتحقيق كه بودم نهى كردم شما را از اين حكومت حكمين پس ابا و امتناع كرديد بر من مثل ابا كردن مخالفان و شكنندگان پيمان تا اين كه صرف نمودم راى خود را بميل و خواهش شما و حال آنكه شما جماعتى هستيد سبك مغز و شوريده عقل نياوردم من بشما حادثه و داهيه را پدر مباد شما را، و اراده نكردم در حقّ شما شر و ضرر را بلكه جزاى سوء تدبير خودتان است كه مى ‏بريد.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

 

 

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 35 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 35 صبحی صالح

35- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) بعد التحكيم و ما بلغه من أمر الحكمين و فيها حمد اللّه على بلائه، ثم بيان سبب البلوى‏

الحمد على البلاء

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ إِنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْفَادِحِ وَ الْحَدَثِ الْجَلِيلِ

وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَيْسَ مَعَهُ إِلَهٌ غَيْرُهُ

وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ ( صلى‏ الله‏ عليه ‏وآله  )

سبب البلوى‏

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ الْعَالِمِ الْمُجَرِّبِ تُورِثُ الْحَسْرَةَ وَ تُعْقِبُ النَّدَامَةَ

وَ قَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ فِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ أَمْرِي

وَ نَخَلْتُ لَكُمْ مَخْزُونَ رَأْيِي

لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرٌ

فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ الْجُفَاةِ وَ الْمُنَابِذِينَ الْعُصَاةِ

حَتَّى ارْتَابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِهِ

وَ ضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ

فَكُنْتُ أَنَا وَ إِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ أَخُو هَوَازِنَ

أَمَرْتُكُمْ أَمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى            فَلَمْ تَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إِلَّا ضُحَى الْغَد

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج4  

و من خطبة له عليه السلام بعد التحكيم

و هى الخامسة و الثلاثون من المختار في باب الخطب الحمد للّه و إن أتى الدّهر بالخطب الفادح و الحدث الجايل، و أشهد أن لا إله إلّا اللّه ليس معه إله غيره، و أنّ محمّدا عبده و رسوله صلّى اللّه عليه و آله. أمّا بعد فانّ معصية النّاصح الشّفيق العالم المجرّب تورث الحسرة، و تعقّب النّدامة، و قد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، و نخلت لكم مخزون رأيى، لو كان يطاع لقصير أمر، فأبيتم عليّ إباءالمخالفين الجفاة، و المنابذين العصاة، حتّى ارتاب النّاصح بنصحه، و ضنّ الزّند بقدحه، فكنت و إيّاكم كما قال أخو هوازن:

أمرتكم أمري بمنعرج الّلوى            فلم تستبينوا النّصح إلّا ضحى الغد

 اللغة

(الخطب) الأمر العظيم و (الفادح) الثّقيل من فدحه الدّين إذا أثقله و (المجرّب) قال الجوهري: الذي قد جرّبته الأمور و أحكمته، فان كسرت الرّاء جعلته فاعلا إلّا أنّ العرب تكلّمت به بالفتح و (نخل) الشي‏ء إذا صفّاه، و منه نخل الدقيق بالمنخل و (الجفاة) جمع الجافي و هو الذى خشن طبعه و (النبذ) طرحك الشي‏ء أمامك و ورائك أو عام و منه قوله سبحانه: «وَ لَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ» و (الزّند) العود الذى يقدح به النّار و هو الأعلى و السّفلى الزّندة بالهاء و الجمع زناد مثل سهم و سهام و (هوازن) قبيلة و (منعرج) الوادى اسم فاعل حيث يميل يمنة و يسرة من انعرج الشي‏ء انعطف و (اللوى) كالى ما التوى من الرّمل.

الاعراب

اضافة المخزون إلى رائي من قبيل اضافة الصّفة إلى الموصوف، قوله: لو كان يطاع لقصير أمر كلمة لو إما للتّمنّى على ما ذهب إليه بعضهم في قوله: سبحانه: «لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً» و لا تحتاج حينئذ إلى الجواب أو حرف شرط و الجواب محذوف بقرينة المقام، و القصيراسم رجل يضرب به المثل لكلّ ناصح عصي لقصّته التي يأتي إليه الاشارة، و تقدير الكلام لو كان يطاع لى أمر أى لو أطعتموني لما اصابتكم حسرة و ندامة إلّا أنّكم أبيتم عليّ إباء المخالفين فحلّت بكم النّدامة و صرت و إيّاكم كما قال اخو هوازن اه هذا.

و تقدير الجواب بما ذكرناه أولى ممّا قدّره الشّارح البحراني حيث قال: و التّقدير إنّى أمرتكم أمرى في هذه الحكومة و نصحت لكم فلو أطعتموني لفعلتم ما أمرتكم به و محضت لكم النّصيحة فيه فافهم جيّدا، و قوله: أخو هوازن الاضافة لأدنى المناسبة من حيث انتساب الشّاعر إلى تلك القبيلة، و هذه الاضافة شايعة في كلام العرب قال سبحانه: «وَ اذْكُرْ أَخا عادٍ، و قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ» إلى غير ذلك.

المعنى

اعلم أنّه قد روى إنّ عمرو بن العاص و أبا موسى الأشعرى لما التقيا بدومة الجندل و قد حكما في أمر النّاس كان أمير المؤمنين يومئذ قد دخل الكوفة ينتظر ما يحكمان به فلما تمّت خدعة عمرو لأبي موسى و بلغه عليه السّلام ذلك اغتمّ له غمّا شديدا و وجم منه و قام فخطب النّاس فقال: (الحمد للّه و إن أتى الدهر بالخطاب الفادح) الثّقيل (و الحدث) العظيم (الجليل) نسبة الاتيان بالخطب و الحدث إلى الدّهر من قبيل نسبة الشّر إليه على ما تقدّم بيانه في شرح الخطبة الحادية و الثلاثين، و في الاتيان بان الوصلية إشارة إلى أنّه سبحانه لا يختص حمده بحال دون حال بل لا بدّ ان يحمده العبد على كلّ حال من النّعمة و البلاء و الشدة و الرضاء و السّرآء و الضراء.

(و أشهد أن لا إله إلّا اللّه ليس معه إله غيره) تأكيد لمعنى كلمة التّوحيد و تقرير لمقتضاها (و أنّ محمّدا عبده و رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أما بعد فانّ معصية النّاصح) الذي يصدّق فكره و يمحض رأيه و (الشّفيق) الذي يبعثه شفقته على النّصح و على‏الترّوي في الامر و ايقاع الرأى فيه من جدّ و اجتهاد و (العالم) الذي يعلم وجه المصلحة في الامور و يكون فيها على بصيرة و (المجرّب) الذي حصلت له التّجارب فكان رأيه و قوله أغلب الاصابة للواقع (تورث الحسرة و تعقب النّدامة).

إذا المشير الموصوف بالصفات الاربع المذكورة يكون رأيه أغلب المطابقة مع الواقع فاطاعة المستشير له موجبة لظفره على المقصود و وصوله إلى مطلوبه و مخالفته مفوّتة للغرض معقّبة للحسرة خصوصا إذا كان المشير مثله عليه السّلام المتّصف بالعلم اللدنى المطابق رأيه للواقع دائما يكون معصية معقّبة للنّدامة ألبتّة و موقعة في الضّلالة لا محالة.

و لذلك أردف عليه السّلام كلامه بالاشارة إلى خطائهم في أمر الحكومة النّاشي من مخالفتهم له و إبائهم عن امتثال أمره فقال: (و قد كنت أمرتكم في هذه الحكومة امرى) الصّواب (و نخلت لكم مخزون رأيي) المصاب (لو كان يطاع لقصير أمر) لما حصلت الحسرة و النّدامة و قصير هذا هو قصير بن سعد مولى جزيمة الابرش من ملوك العرب.

روى انّ جزيمة قتل أبا الزّباء ملكة الجزيرة، فبعث إليه عن حين ليتزوّج بها خدعة و سألته القدوم عليها فأجابها إلى ذلك و خرج فى ألف فارس و خلف باقي جنوده مع ابن اخته عمرو بن عدي، و أشار قصير الى جزيمة أن لا يتوجه إليها فلم يقبل رأيه فلما قرب جزيمة من الجزيرة استقبله جنود الزباء بالعدة و لم ير منهم إكراما له فأشار قصير إليه بالرّجوع عنها و قال إنّها امرأة و من شان النسّاء الغدر فلم يقبل فلما دخل عليها غدرت به و قتلته فعند ذلك قال قصير: لا يطاع لقصير أمر فيضرب به المثل لكلّ ناصح عصي و هو مصيب في رأيه.

(فأبيتم علىّ اباء المخالفين الجفاة و المنابذين العصاة حتّى ارتاب الناصح بنصحه) هذا محمول على المبالغة لما ذكرنا من أنّه عليه السّلام متّصف بالعلم اللدنّي فلا يمكن شكه فيما رآه صوابا، و يشهد بذلك قوله عليه السّلام في الخطبة الرابعة ما شككت في الحقّ مذ رأيته، و قوله عليه السّلام في الخطبة العاشرة: و إنّ معي لبصيرتي ما لبّست على نفسي‏ و لا لبّس على.

فالمقصود بذلك الاشارة إلى شدّة اتفاقهم على الخلاف، فانّ المشير النّاصح إذا كثر مخالفوه إنّما يشكّ في أنّ نصحه هل هو صواب إذ استخراج وجوه الصّلاح في الأمر أمر اجتهاديّ منوط على الامارات الظنّية و مع اطباق آراء جمع كثير على خلاف ما رآه المشير و اتّفاق ظنونهم على أنّ الصّواب في خلافه يجوز له أن يتشكك فيما رآه أنّه هل هو صواب أم لا.

(و) قوله: (ضنّ الزند بقدحه) مثل يضرب لمن يبخل بفوايده من أجل عدم وجدانه القابل لها و الاهل لاستفادتها، و الزند كناية عن القلب و القدح عن الآراء الصّادرة منه صدور النّار من الزّناد، و هو أيضا جار على المبالغة، و المقصود به أنّه عليه السّلام لشدّة ما لقى منهم من الاباء و الخلاف و العصيان لم يقدح له رأى صالح (فكنت و إيّاكم) أى كان حالى معكم في نصحي و مخالفتكم على مع حلول النّدامة بكم (كما قال) وريد بن الصمة (اخو هوازن) في جملة أبيات له:

أمرتهم امرى بمنعرج اللوى
فلم يستبينوا النّصح الأضحى الغد

و قبله

نصحت لعارض و اصحاب عارض
و رهط بني السّوداء و القوم تمهدى‏

فقلت لهم ظنوا بالفى مذحج‏
سراتهم في الفارسي المسرّد

و بعده

فلما عصوني كنت منهم و قد أرى
غوايتهم و انّنى غير مهتد

و ما أنا إلا من غزية إن غوت‏
غوت و إن ترشد غزية ارشد

و قصة وريد في هذه القصيدة أنّ أخاه عبد اللّه بن صمة من بني جشم بن معاوية بن بكر ابن هوازن غزا بني بكر بن هوازن فغنم منهم و استاق إبلهم فلما كان بمنعرج اللوى قال: لا و اللّه لا أبرح حتّى أنحر النقيعة و هي ما ينحر من النّهب قبل القسمة و اجيل السهام، فقال له أخوه وريد: لا تفعل فانّ القوم في طلبك فأبي عليه و نحر النقيعة و بات، فلما أصبح هجم القوم عليهم و طعن عبد اللّه بن الصمة فاستغاث باخيه وريدفنهنه عنه القوم حتى طعن هو أيضا و صرع و قتل عبد اللّه و حال الليل بين القوم فنجا وريد بعد طعنات و جراح حصل له فقال القصيدة هذا.

و عن نصر بن مزاحم في كتاب الصّفين أنّه بعد روايته هذه الخطبة مثل ما رواه السّيد زاد في آخرها: ألا إنّ هذين الرّجلين الذين اختر تموهما قد نبذا حكم الكتاب، و أحيياما أمات و اتّبع كلّ منهما هواه و حكم بغير حجّة و لا بيّنة و لا سنة ماضية و اختلفا فيما حكما فكليهما لم يرشد اللّه، فاستعدّوا للجهاد و تأهّبوا للمسير و أصبحوا في معسكر كم يوم كذا.

و ينبغي أن نذكر في المقام كيفيّة التّحكيم، و قد رواه أرباب السّير و التواريخ و نقله في شرح المعتزلي عن نصر بن مزاحم و إبراهيم بن و يزيل و غيرهما مع إطناب مملّ و نحن نرويه على ما في الشّرح مع تلخيص منّا فأقول: قال الشّارح: الذى دعا إلى التحكيم طلب أهل الشّام و اعتصامهم به من سيوف أهل العراق فقد كانت أمارات القهر و الغلبة لاحت و دلائل النصر و الظفر و ضحت، فعدل أهل الشّام عن القراع إلى الخداع و كان ذلك برأى عمرو بن العاص، و هذه الحال وقعت عقيب ليلة الهرير التي يضرب بها المثل.

قال نصر بن مزاحم في كتاب الصّفين و هو ثقة ثبت صحيح النقل غير منسوب إلى هوى و لا إدغال، و هو من رجال أصحاب الحديث: حدّثنا عمرو بن شمر قال: حدّثنى أبو ضرار قال: حدّثني عمّار بن ربيعة قال: غلس عليّ عليه السّلام بالنّاس صلاة الغداة يوم الثّلثاء عاشر شهر ربيع الأول سنة سبع و ثلاثين، و قيل عاشر شهر صفر ثمّ زحف إلى أهل الشّام بعسكر العراق و النّاس على راياتهم، و زحف إليهم أهل الشّام و قد كانت الحرب أكلت الفريقين و لكنّها في أهل الشّام أشدّ نكاية و أعظم وقعا فقدملوا الحرب و كرهوا القتال و تضعضعت أركانهم.

قال: فخرج رجل من أهل العراق على فرس كميت ذنوب عليه السّلاح لا يرى منه إلّا عيناه و بيده الرمح فجعل يضرب رءوس أهل العراق بالقناة، و يقول: سوّوا صفوفكم رحمكم اللّه حتّى إذا عدل الصّفوف و الرّايات استقبلهم بوجهه و ولي أهل‏ الشّام ظهره ثمّ حمد اللّه و أثنى عليه و قال: الحمد للّه الذى جعل فينا ابن عمّ نبيّه أقدمهم هجرة و أوّلهم اسلاما سيف من سيوف اللّه صبّه اللّه على أعدائه فانظروا إذا حمى الوطيس«» و ثار القتام و تكسر المرءان و جالت الخيل بالابطال فلا اسمع إلّا غمغمة أو همهمة فاتّبعونى و كونوا في اثرى، ثمّ حمل على أهل الشام فكسر فيهم رمحه ثمّ رجع فاذا هو الاشتر.

قال: و خرج رجل من أهل الشام فنادى بين الصّفين يا أبا الحسن يا عليّ ابرز اليّ فخرج إليه عليّ عليه السّلام حتى اختلف أعناق دابتيهما بين الصّفين، فقال انّ لك يا علي تقدما في الاسلام و الهجرة هل لك في أمر اعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء و تأخر هذه الحروب حتى ترى رايك قال عليّ عليه السّلام: و ما هو قال: ترجع إلى عراقك فنخلّي بينك و بين العراق و نرجع نحن إلى شامنا فتخلّي بيننا و بين الشّام فقال عليّ عليه السّلام قد عرفت ما عرضت إنّ هذه لنصيحة و شفقة و أهمّنى هذا الامر و أسهرني و ضربت أنفه و عينه فلم أجد إلّا القتال أو الكفر بما أنزل اللّه على محمّد صلّى اللّه عليه و آله إنّ اللّه تعالى ذكره لم يرض من أوليائه أن يعصى في الارض و هم سكوت مذعنون لا يأمرون بمعروف و لا ينهون عن منكر، فوجدت القتال أهون عليّ من معالجة الأغلال في جهنّم.

قال فرجع الرّجل و هو يسترجع و زحف النّاس بعضهم إلى بعض فارتموا بالنّبل و الحجارة حتّى فنا، ثمّ تطاعنوا بالرّماح حتّى تكسرت و اندقت، ثمّ مشى القوم بعضهم إلى بعض بالسّيوف و عمد الحديد فلم يسمع السّامعون إلّا وقع الحديد بعضه على بعض لهو أشد هولا في صدور الرّجال من الصّواعق و من جبال تهامة يدك بعضه بعضا و انكسف الشّمس بالنّقع و ثار القتام و القسطل«» و ضلّت الألوية و الرّايات‏ و أخذ الأشتر يسير فيما بين الميمنة و الميسرة فيأمر كلّ قبيلة أو كتيبة من القراء بالاقلام على التي يليها، فاجتلدوا بالسّيوف و عمد الحديد من صلاة الغداة من اليوم المذكور إلى نصف الليل لم يصلّو اللّه صلاة، فلم يزل الاشتر يفعل ذلك حتّى أصبح و المعركة خلف ظهره و افترقوا على سبعين ألف قتيل في ذلك اليوم و تلك الليلة.

و هي ليلة الهرير المشهورة، و كان الأشتر في ميمنة النّاس و ابن عبّاس في الميسرة و عليّ في القلب و النّاس يقتتلون، ثمّ استمرّ القتال من نصف الليل الثاني إلى ارتفاع الضّحى و الاشتر يقول لأصحابه و هو يزحف بهم نحو أهل الشّام: ازحفوا قيد«» رمحي هذا و يلقي رمحه فاذا فعلوا ذلك قال ارجفوا قاب هذا القوس فاذا فعلوا ذلك سألهم مثل ذلك حتّى ملّ أكثر النّاس من الاقدام فلمّا رأى ذلك قال: اعيذكم باللّه ان ترضعوا الغنم ساير اليوم، ثمّ دعا بفرسه و ركز رايته و كانت مع حيّان بن هوذة النّخعي و سار بين الكتائب و هو يقول: ألا من يشرى نفسه للّه و يقاتل مع الأشتر حتّى يظهر أو يلحق باللّه فلا يزال الرّجل من النّاس يخرج إليه فيقاتل معه قال نصر: و حدّثنى عمرو قال: حدّثني أبو ضرار قال حدّثني عمّار بن ربيعة قال: مرّبي الأشتر فأقبلت معه حتّى رجع إلى المكان الذي كان به، فقام في أصحابه فقال: شدّ و افداء لكم عمّي و خالي شدّة ترضون بها اللّه و تغزون بها الدين إذا أنا حملت فاحملوا، ثمّ نزل و ضرب وجه دابّته و قال لصاحب رايته: تقدّم فتقدّم بها ثمّ شدّ على القوم و شدّ معه أصحابه فضرب أهل الشام حتّى انتهى بهم إلى معسكرهم فقاتلوا عند العسكر قتالا شديدا و قتل صاحب رايتهم و أخذ عليّ عليه السّلام لما راى الظفر قد جاء من قبله يمدّه بالرّجال.

و روى نصر عن رجاله قال: لمّا بلغ القوم إلى ما بلغوا إليه قام عليّ عليه السّلام خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه و قال:

أيّها النّاس قد بلغ بكم الامر و بعدوّكم ما قد رأيتم و لم يبق منهم إلّا آخر نفس و إنّ الامور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأوّلها، و قد صبر لكم القوم على غير دين حتّى بلغنا منهم ما بلغنا، و أنا غاد عليهم بالغداة احاكمهم إلى اللّه قال فبلغ ذلك معاوية، فدعا عمرو بن العاص و قال: يا عمرو إنّماهى الليلة حتّى يغد و عليّ علينا بالفضل فما ترى قال: إنّ رجالك لا يقومون لرجاله و لست مثله هو يقاتلك على امر و أنت تقاتله على غيره، أنت تريد البقاء و هو يريد الفناء و أهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم، و أهل الشّام لا يخافون عليّا إن ظفر بهم و لكن ألق إلى القوم أمرا إن قبلوه اختلفوا و إن ردّوه اختلفوا ادعهم إلى كتاب اللّه حكما فيما بينك و بينهم، فانّك بالغ به حاجتك في القوم و إنّى لم أزل ادّخر هذا الأمر لوقت حاجتك إليه، فعرف معاوية ذلك و قال له صدقت قال نصر: و حدّثنا عمرو بن شمر عن جابر بن نمير الانصاري قال: و اللّه لكأنّي أسمع عليّا يوم الهرير و ذلك بعد ما طحنت رحى مدحج فيما بينها و بين عك و لخم و جذام و الأشعريين بأمر عظيم تشيب منه النواصى حتّى استقامت الشّمس و قام قائم الظهر و عليّ عليه السّلام يقول لأصحابه: حتّى متى نخلّى بين هذين الحيّين قد فنيا و أنتم وقوف تنظرون أما تخافون مقت اللّه ثمّ استقبل القبلة و رفع يديه إلى اللّه عزّ و جل و نادى: يا اللّه يا رحمن يا رحيم يا واحد يا أحد يا صمد يا اللّه يا اله محمّد اللهمّ إليك نقلت الأقدام و أفضت القلوب و رفعت الأيدى و مدّت الأعناق و شخصت الأبصار و طلبت الحوائج، اللهمّ إنّا نشكو إليك غيبة نبيّنا و كثرة عدوّنا و تشتّت أهوائنا، ربّنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الفاتحين، سيروا على بركة اللّه، ثمّ نادى لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر قال: فلا و الذي بعث محمّدا بالحقّ نبيّا ما سمعنا رئيس قوم منذ خلق اللّه السّماوات و الأرض أصاب بيده في يوم واحد مثل ما أصاب عليه السّلام إنّه قتل فيما ذكره العادون زيادة على خمسمائة من أعلام العرب يخرج بسيفه منحنيا فيقول معذرة إلى اللّه و إليكم من هذا لقد هممت أن افلقه«» و لكن يحجزني عنه إنّي سمعت رسول اللّه يقول: لا سيف إلّا ذو الفقار و لا فتى إلّا عليّ و أنا قاتل به دونه.«» قال فكنّا نأخذه فنقوّمه ثمّ يتناوله من أيدينا فينقحم به في عرض الصّف فلا و اللّه ما ليت بأشدّ نكاية منه في عدوه و لنعم ما قال في كشف الغمة في وصف حاله عليه السّلام في ليلة هذا اليوم و هي ليلة الهرير: فما لقى عليه السّلام شجاعا إلّا أراق دمه، و لا بطلا إلّا زلزل قدمه، و لا مريدا إلّا أعدمه، و لا قاسطا إلّا قصر عمره و أطال ندمه، و لا جمع نفاق إلّا فرّقه، و لا بناء ضلال إلّا هدمه، و كان كلّما قتل فارسا أعلى بالتكبير فاحصيت تكبيراته ليلة الهرير فكانت خمسمائة و ثلاثا و عشرين تكبيرة بخمسمائة و ثلاثة و عشرين قتيلا من أصحاب السّعير.

و قيل إنّه فتق نيفق«» درعه لثقل ما كان يسيل من الدّم على ذراعه و قيل إنّ قتلاه عرفوا بالنّهار فانّ ضرباته كانت على و تيرة واحدة إن ضرب طولا قدّ أو عرضا قطّ، و كانت كأنها مكوّاة بالنّار قال نصر: فحدّثنا عمرو بن شمر عن جابر قال: سمعت تميم بن جزيم يقول: لمّا أصبحنا من ليلة الهرير نظرنا فاذا أشباه الرّاياة أمام أهل الشّام في وسط الفليق«» حيال موقف عليّ و معاوية، فلمّا أسفرنا إذا هي المصاحف قد ربطت في أطراف الرّماح و هي عظام مصاحف العسكر، و قد شدّوا ثلاثة رماح جميعا و ربط عليها مصحف المسجد الأعظم يمسكه عشرة رهط قال نصر: و قال أبو جعفر و أبو الطّفيل: استقبلوا عليّا عليه السّلام بمأة مصحف و وضعوا في كلّ مخبية«» مأتي مصحف فكان جميعها خمسمائة مصحف، قال أبو جعفرثمّ قال الطفيل بن أدهم حيال عليّ عليه السّلام، و قام أبو شريح حيال الميمنة، و ورقا بن المعتمر حيال الميسرة ثمّ نادوايا معشر العرب اللّه اللّه في النساء و البنات و الأبناء من الرّوم و الأتراك و أهل الفارس غدا إذا فنيتم اللّه اللّه في دينكم هذا كتاب اللّه بيننا و بينكم.

فقال عليّ عليه السّلام: اللهمّ إنّك تعلم أنهم ما الكتاب يريدون، فاحكم بيننا و بينهم إنّك أنت الحقّ المبين فطائفة قالت القتال و طائفة قالت المحاكمة إلى الكتاب و لا يحلّ لنا الحرب، و قد وعينا إلى حكم الكتاب فعند ذلك بطلت الحرب و وضعت أو زارها.

قال نصر: و حدّثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام قال: لما كان اليوم الأعظم قال أصحاب معاوية: و اللّه لا نبرح اليوم العرصة حتّى نموت أو يفتح لنا، و قال أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام: مثل ذلك فباكروا القتال غدوة في يوم من إيّام الشعرى طويل شديد الحرّ، فتراموا حتّى فنيت النّبال و تطاعنوا حتّى تقصفصت الرّماح.

ثمّ نزل القوم عن خيولهم و مشى بعضهم إلى بعض بالسّيوف حتّى تكسرت جفونها، و قام الفرسان في الركب، ثمّ اضطربوا بالسيّوف و عمد الحديد، فلم يسمع السّامعون إلّا تغمغم القوم و صليل«» الحديد في الهام و تكادم«» الافواه و كسفت الشّمس و ثار القتام و صلت الالوية و الرّايات و مرّت مواقيت أربع صلاة ما يسجد فيهنّ للّه الّا تكبيرا و نادت المشيخة«» في تلك الغمرات: يا معشر العرب اللّه اللّه في الحربات من النساء و البنات، قال جابر فبكى أبو جعفر عليه السّلام و هو يحدّثنا بهذا الحديث.

قال نصر و أقبل الاشتر على فرس كميت محذوف و قد وضع مغفره على قربوس‏ السّرج و هو يقول: اصبروا يا معشر المؤمنين فقد حمى الوطيس و رجعت الشّمس من الكسوف و اشتدّ القتال و اخذت السباع بعضها بعضا.

فقال رجل في تلك الحال: اى رجل هذا لو كانت له نيّة، فقال له صاحبه: و اىّ نية أعظم من هذه ثكتك امّك و هبلتك انّ رجلا كما ترى قد سبح في الدّم و ما اضجرته الحرب و قد غلت هام الكماة من الحرب و بلغت القلوب الحناجر و هو كما ترى جزع يقول هذه المقالة اللهمّ لا تبقنا بعد هذا.

قال نصر: و روى الشّعبي عن صعصعة انّه بدر من الأشعث بن قيس لعنه اللّه ليلة الهرير قول نقله الناقلون إلى معاوية فاغتنمه و بنا عليه تدبيره.

و ذلك انّه خطب أصحابه من كنده تلك الليلة و قال في خطبته: قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي و ما قد فني فيه من العرب فو اللّه لقد بلغت من السنّ ما شاء اللّه ان ابلغ فما رأيت مثل هذا اليوم قط، الا فليبلغ الشاهد الغايب إنّا ان نحن تواقفنا غدا انّه لفنت العرب وضيّعت الحرمات أما و اللّه ما أقول هذه المقالة جزعا عن الحرب و لكني رجل مسنّ أخاف على النّساء و الذّراري غدا إذا فنينا و نحو ذلك ممّا يخذلهم عن القتال فلمّا بلغ ذلك معاوية قال: أصاب و ربّ الكعبة فدبّر تلك الليلة ما دبّر من رفع المصاحف على الرّماح، فأقبلوا بالمصاحف و رفعوها في رءوس الرّماح و قد قلدوها الخيل و مصحف دمشق الأعظم يحمله عشرة رجال على رءوس الرّماح و هم ينادون كتاب اللّه بيننا و بينكم قال: فجاء عدىّ بن حاتم فقال: يا أمير المؤمنين إنّه لم يصب منّا عصبة إلّا و قد اصيب منهم مثلها، و كلّ مقروح و لكنّا أمثل بقيّة منهم و قد جزع القوم و ليس بعد الجزع إلّا ما نحبّ فناجزهم و قام الأشتر فقال يا أمير المؤمنين إنّا و اللّه ما أجبناك و لا نصرناك على الباطل و لا أجبنا إلّا اللّه و لا طلبنا إلّا الحقّ، و لو دعانا غيرك إلى ما دعوتنا إليه‏ لاستشرى«» فيه اللّجاج و طال فيه النّجوى و قد بلغ الحقّ مفطمه و ليس لنا معك رأى.

فقام الاشعث بن قيس مغضبا و قال: يا أمير المؤمنين انالك اليوم على ما كنّا عليه أمس و ليس آخر أمرنا كأوّله و ما من القوم أحد أحنى على أهل العراق و لا أوتر لأهل الشّام منّى فأجب القوم إلى كتاب اللّه عزّ و جل فانّك أحقّ به منهم و قد أحبّ النّاس البقاء و كرهوا القتال فقال عليّ عليه السّلام هذا أمر ننظر فيه فنادى النّاس من كلّ جانب الموادعة، فقال عليّ عليه السّلام أيّها النّاس إنّي أحقّ من أجاب إلى كتاب اللّه و لكن معاوية و عمرو بن العاص و ابن أبي معيط و ابن أبي سرج و ابن مسلة ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن إني أعرف بهم منكم صحبتهم صغارا و رجالا فكانوا شرّ صغار و شرّ رجال و يحكم إنها كلمة حقّ يراد بها باطل إنهم ما رفعوها إنهم يعرفونها و لا يعملون و لكنها الخديعة و الوهن و المكيدة أعيروني سواعدكم و جماجمكم ساعة واحدة فقد بلغ الحقّ مقطعه و لم يبق إلّا ان يقطع دابر الذين ظلموا فجائه من أصحابه زهاء عشرين ألفا مقنعين في الحديد شاكي سيوفهم على عواتقهم و قد اسودت جباههم من السجود يتقدّمهم مسعر بن فدكى و زيد بن حصين و عصابة من القراء الذين صاروا خوارج من بعد فنادوه باسمه لا بامرة المؤمنين: يا عليّ أجب القوم إلى كتاب اللّه اذ دعيت إليه و إلّا قتلناك كما قتلنا ابن عفان فو اللّه لنفعلنّها إن لم تجبه فقال لهم و يحكم أنا أوّل من دعا إلى كتاب اللّه و أوّل من أجاب إليه و ليس يحلّ لي و لا يسعني في ديني أن ادعى إلى كتاب اللّه فلا أقبله إنّي إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن فانهم قد عصوا اللّه فيما أمرهم و نقضوا عهده و نبذوا كتابه، و لكني قداعلمتكم أنّهم قد كادوكم و أنّهم ليس العمل بالقرآن يريدون.

قالوا: فابعث إلى الاشتر ليأتينك و قد كان الاشتر صبيحة ليلة الهرير قد اشرف على عسكر معاوية ليدخله.

قال نصر: فحدثني فضيل بن خديج قال سأل مصعب إبراهيم بن الاشتر عن الحال كيف كانت، فقال كنت عند عليّ حين بعث إلى الاشتر ليأتيه و قد كان الأشتر أشرف على عسكر معاوية ليدخله فأرسل إليه عليّ عليه السّلام يزيد بن هاني أن ائتني به، فأتاه فأبلغه فقال له الاشتر: آتيه فقل له ليس هذه السّاعة التي ينبغي لك أن تزيلني عن موقفي إنّي قد رجوت الفتخ فلا تعجلني.

فرجع يزيد إليه عليه السّلام فأخبره فما هو إلّا أن انتهى حتّى ارتفع الرّهج«» و علت الأصوات من قبل الأشتر و ظهرت دلايل الفتح و النّصر لأهل العراق و دلائل الخذلان و الادبار لأهل الشّام فقال القوم لعليّ عليه السّلام و اللّه ما نراك أمرته إلّا بالقتال قال: أرايتموني شاورت رسولي إليه أليس إلّا كلّمته على رؤوسكم علانية و أنتم تسمعون قالوا: فابعث إليه فليأتك و إلّا و اللّه اعتزلناك.

فقال عليه السّلام ويحك يا يزيد قل له: أقبل إليّ فانّ الفتنه قد وقعت فأتاه فأخبره فقال الأشتر: أ برفع هذه المصاحف قال: نعم قال: أما و اللّه لقد ظننت أنّها حين رفعت سيوقع اختلافا و فرقة إنّها مشورة ابن النّابغة، ثمّ قال ليزيد بن هانى ويحك ألا ترى إلى الفتح ألا ترى إلى ما يلقون ألا ترى إلى الذي يصنع اللّه لنا أ ينبغي أن ندع هذا و ننصرف عنه.

فقال له يزيد: أتحبّ أنك ظفرت ههنا و أن أمير المؤمنين بمكانه الذي هو يفرج عنه و يسلم إلى عدّوه، فقال: سبحان اللّه لا و اللّه لا أحبّ ذلك، قال: فانّهم قد قالوا له و حلفوا عليه: لترسلنّ الى الأشتر فليأتينّك أو لنقتلنّك بأسيافنا كما قتلنا عثمان، أو لنسلّمنك إلى عدوّك.

فأقبل الاشتر حتّى انتهى إليهم فصاح يا أهل الذلّ و الوهن أحين علوتم القوم و ظنواأنّكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم الى ما فيها و قدو اللّه تركوا ما أمر اللّه فيها، و تركوا سنّة من انزلت اليه فلا تجيبوهم أمهلوني فواقا، فانّي قد احسست بالفتح، قالوا: لا نمهلك، قال: فامهلوني عدوة الفرس فانّي قد طمعت النّصر، قالوا: إذن ندخل معك في خطيئتك.

قال: فحدّثوني عنكم و قد قتل أماثلكم و بقى أراذلكم متى كنتم محقّين أحين كنتم تقتلون أهل الشّام فأنتم الآن حين أمسكتم عن قتالهم مبطلون، أم أنتم الآن في إمساككم عن القتال محقّون فقتلاكم إذن الذين لا تنكرون فضلهم و أنّهم خير منكم في النّار.

قالوا: دعنا منك يا أشتر قاتلناهم في اللّه و ندع قتالهم في اللّه إنّا لسنا نطيعك فاجتنبا«» فقال: خدعتم و اللّه فانخدعتم، و دعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم يا أصحاب الجباه السّود كنا نظنّ صلاتكم زهادة في الدّنيا و شوقا إلى لقاء اللّه فلا أرى فراركم إلّا إلى الدّنيا و من الموت ألا فقبحا يا اشباه النيب«» الجلالة ما أنتم برائين بعدها عزّا أبدا فابعدوا كما بعد القوم الظالمين، فسبّوه و سبّهم و ضربوا بسياطهم وجه دابته و ضرب بسوطه وجوه دوابّهم و صاح بهم عليّ عليه السّلام فكفّوا.

و قال الاشتر: يا أمير المؤمنين أحمل الصّف علي الصف نصرع القوم فتصايحوا أن أمير المؤمنين قد قبل الحكومة و رضي بحكم القرآن، فقال الأشتر: إن كان أمير المؤمنين، قد قبل و رضي فقد رضيت بما يرضى به أمير المؤمنين، فأقبل النّاس يقولون قد قبل أمير المؤمنين قد رضي أمير المؤمنين و هو عليه السّلام ساكت لا يفيض بكلمة مطرق إلى الأرض ثمّ قام فسكت النّاس كلّهم.

فقال عليه السّلام: أيّها النّاس إنّ أمرى لم يزل معكم على ما أحبّ إلى أن أخذت منكم الحرب، و قدو اللّه أخذت منكم و تركت و أخذت من عدوّكم فلم تترك و إنها فيهم أنكى و أنهك إلّا أنّى كنت أمس أمير المؤمنين فأصبحت اليوم مأمورا، و كنت ناهيا فأصبحت منهيا، و قد أحببتم البقاء و ليس لى أن أحملكم على ما تكرهون، ثمّ قعد،ثمّ تكلّم رءوس القبايل فكلّ قال ما يراه و يهواه إمّا من الحرب أو من السّلم.

قال نصر: ثمّ إنّ أهل الشّام لما أبطأ عنهم علم حال أهل العراق هل أجابوا إلى الموادعة أم لا جزعوا فقالوا: يا معاوية ما نرى أهل العراق أجابوا إلى ما دعوناهم إليه فأعدها خدعة فانك قد غمرت بدعائك القوم و أطمعتهم فيك.

فدعا معاوية عبد اللّه بن عمرو بن العاص فأمره أن يكلّم أهل العراق و يستعلم له ما عندهم، فأقبل حتّى إذا كان بين الصّفين نادى يا أهل العراق أنا عبد اللّه بن عمرو بن العاص إنّه قد كان بيننا و بينكم أمور للدّين و الدّنيا، فان يكن للدّين فقد و اللّه أعذرنا و أعذرتم، و إن يكن للدّنيا فقد و اللّه أسرفنا و أسرفتم، و قد دعوناكم إلى أمر لو دعوتمونا إليه لأجبناكم، فان يجمعنا و إيّاكم الرضا فذاك من اللّه فاغتنموا هذه الفرجة عسى أن يعيش فيها المحترق و ينسى فيها القتيل، فانّ بقاء المهلك بعد الهالك قليل فأجابه سعد بن قيس الهمداني فقال: أمّا بعد يا أهل الشّام إنّه قد كانت بيننا و بينكم امور حاسبنا فيها على الدّين و سمّيتموها عذرا و إسرافا و قد دعوتمونا اليوم على ما قتلناكم عليه أمس و لم يكن ليرجع أهل العراق إلى عراقهم و أهل الشام إلى شامهم بأمر أجمل من أن يحكم بما أنزل اللّه سبحانه فقام النّاس الى عليّ عليه السّلام فقالوا له أجب القوم إلى المحاكمة.

قال نصر: فجاء الأشعث إلى عليّ فقال يا أمير المؤمنين ما أرى النّاس إلّا و قد رضوا و سرّهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم اليه من حكم القرآن، فان شئت اتيت معاوية فسألته ما يريد و نظرت ما الذى يسأل.

قال عليه السّلام: آتيه ان شئت فأتاه فسأله يا معاوية لأىّ شي‏ء رفعتم هذه المصاحف قال: لنرجع نحن و أنتم الى ما أمر اللّه به فيها فابعثوا رجلا منكم ترضون به و نبعث منّا رجلا و نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب اللّه و لا يعد و انه ثمّ نتبع ما اتفقا عليه.

فقال الأشعث: هذا هو الحقّ و انصرف الى عليّ فأخبره، فبعث عليّ عليه السّلام‏ قرّاء من أهل العراق و بعث معاوية قرّاء من أهل الشّام فاجتمعوا بين الصّفين و معهم المصحف فنظروا فيه و تدارسوا و اجتمعوا على أن يحيوا ما أحيى القرآن و يميتوا ما أمات القرآن و رجع كلّ فريق إلى أصحابه.

فقال أهل الشّام: إنّا قد رضينا و اخترنا عمرو بن العاص، و قال الأشعث و القراء الذين صاروا خوارج بعد ذلك: و قد رضينا نحن و اخترنا أبا موسى الأشعرى فقال لهم عليّ عليه السّلام فانّي لا أرضى بأبي موسى و لا أرى ان اوليه فقال الأشعث و زيد ابن حصين و مسعر بن فدكى في عصابة من القراء: إنّا لا نرضى إلّا به فانّه قد كان حذّرنا ما وقعنا فيه.

فقال عليّ عليه السّلام: فانّه ليس لى برضا و قد فارقني و خذل النّاس عنّي و هرب منّي حتّى امنته بعد أشهر و لكن هذا ابن عباس اوليه ذلك، قالوا: و اللّه مانبا لى اكنت أنت أو ابن عباس و لا نريد إلّا رجلا و هو منك و من معاوية على حدّ سواء ليس إلى واحد منكما أدنى من الآخر قال عليّ عليه السّلام: فاني أجعل الأشتر، فقال: الاشعث: و هل سعّر الأرض علينا إلّا الأشتر و هل نحن إلّا في حكم الأشتر، قال عليّ عليه السّلام و ما حكمه قال: حكمه أن يضرب بعضنا بعضا بالسّيف حتّى يكون ما أردت و ما أراد.

قال نصر: و حدّثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر محمّد بن عليّ عليه السّلام قال لما أراد النّاس عليّا أن يضع الحكمين قال لهم: إنّ معاوية لم يكن ليضع لهذا الامر أحدا هو أوثق برأيه و نظره من عمرو بن العاص، و إنّه لا يصلح للقرشي إلّا مثله فعليكم بعبد اللّه بن عباس فارموه به فانّ عمرا لا يعقد عقدة إلّا حلّها عبد اللّه و لا يحلّ عقدة الّا عقده و لا يبرم أمرا الّا نقضه و لا ينقض أمرا إلّا أبرمه.

فقال الأشعث لا و اللّه لا يحكم فينا مضريان حتّى تقوم السّاعة، و لكن اجعل رجلا من أهل اليمن إذا جعلوا رجلا من مضر، فقال عليّ عليه السّلام إنّي أخاف أن يخدع يمنّيكم فانّ عمرا ليس من اللّه في شي‏ء إذا كان له في أمر هوى، فقال الأشعث و اللّه لان يحكما ببعض ما نكره و أحدهما من أهل اليمن أحبّ إلينا من أن يكون‏ بعض ما نحبّ في حكمهما و هما مضريّان.

قال نصر: فقال عليّ عليه السّلام قد أبيتم إلّا أبا موسى، قالوا: نعم قال: فاصنعوا ما شئتم، فبعثوا إلى أبي موسى و هو بأرض من أرض الشّام يقال لها عرض قد اعتزل القتال فأتاه مولى له فقال: إنّ النّاس قد اصطلحوا فقال: الحمد للّه ربّ العالمين قال: فقد جعلوك حكما قال: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون.

فجاء أبو موسى حتّى دخل عسكر عليّ عليه السّلام و جاء الأشتر عليّا عليه السّلام فقال: يا أمير المؤمنين ألزّنى«» بعمرو بن العاص فو اللّه الذى لا إله غيره لئن ملأت عينى منه لأقتلنّه.

و جاء الأحنف بن قيس عليّا فقال يا أمير المؤمنين إنّك قد رميت بحجر الأرض و من حارب اللّه و رسوله انف الاسلام و إنّي قد عجمت«» بهذا الرّجل يعنى أبا موسى و حلبت اشطره«» فوجدته كليل الشّفرة«» قريب القعر و أنّه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتّى يكون في أكفّهم و يتباعد منهم حتّى يكون بمنزلة النّجم منهم فان شئت أن تجعلني حكما فاجعلني به و إن شئت أن تجعلني ثانيا أو ثالثا فان عمرا لا يعقد عقدا إلّا حللتها، و لا يحلّ عقدة إلّا عقدت لك أشدّ منها فعرض عليّ عليه السّلام ذلك على النّاس فأبوه و قالوا: لا يكون إلّا أبا موسى.

قال نصر: فبعث أيمن بن حزيم الاسدى و كان معتزلا لمعاوية بهذه الأبيات و كان هواه أن يكون الأمر لأهل العراق.

لو كان للقوم رأى يعصمون به
من الضّلال رموكم بابن عباس‏

للّه درّ أبيه أيّما رجل‏
ما مثله لفصال الخطب في النّاس‏

لكن رموكم بشيخ من ذوى يمن
لا يهتدى ضرب أخماس من أسداس‏

ان يخل عمرو به يقذفه في لجج‏
يهوى به النجم ينشأ بين أتياس«»

ابلغ لديك عليّا غير عايبه
قول امرء لا يرى بالحقّ من ناس‏

ما الاشعري بمأمون أبا حسن‏
فاعلم هديت و ليس العجز كالرّاس‏

فاصدم بصاحبك الادني زعيمهم
إنّ ابن عمّك عبّاس هو الاسى‏

فلما بلغ الناس هذا الشّعر طارت هواء أقوام من أولياء عليّ عليه السّلام و شيعته إلى ابن عباس و أبت القراء أإلّا أبا موسى.

قال نصر: فلما رضى أهل الشّام بعمرو و أهل العراق بأبي موسى أخذوا في سطر كتاب الموادعة و كان صورته: هذا ما تقاضى عليه عليّ أمير المؤمنين و معاوية ابن أبي سفيان فقال معاوية بئس الرّجل أنا إن أقررت أنّه أمير المؤمنين ثمّ قاتلته و قال عمرو: بل نكتب اسمه واسم أبيه إنّما هو أميركم فأمّا أميرنا فلا فلما اعيد عليه الكتاب أمر بمحوه.

فقال الأحنف: لا تمح اسم أمير المؤمنين عنك فانّي أتخوّف إن محوتها ألّا ترجع إليك أبدا فلما تمحها.

فقال عليّ عليه السّلام إنّ هذا اليوم كيوم الحديبيّة حين كتب الكتاب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله هذا ما تصالح عليه محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سهيل بن عمرو، فقال سهيل لو أعلم أنك رسول اللّه لم أخالفك و لم أقاتلك إنّى إذن لظالم لك إن منعتك أن تطوف بيت اللّه الحرام و أنت رسوله، و لكن اكتب: من محمّد بن عبد اللّه فقال لي رسول اللّه يا علي إنّى لرسول اللّه و أنا محمّد بن عبد اللّه و لن يمحو عنّى الرّسالة كتابي لهم من محمّدابن عبد اللّه فاكتبها و امح ما أراد محوه أما أنّ لك مثلها«» ستعطيها مضطهدا«».

قال نصر: و قد روى إنّ عمرو بن العاص أعاد بالكتاب إلى عليّ عليه السّلام فطلب منه أن يمحو اسمه من إمرة المؤمنين فقصّ عليه و على من حضر قصّة صلح الحديبية قال: إنّ ذلك الكتاب انا كتبته بيننا و بين المشركين و اليوم اكتبه الى أبنائهم كما كان رسول اللّه كتبه إلى آبائهم شبها و مثلا.

فقال عمرو: سبحان اللّه أتشبّهنا بالكفّار و نحن مسلمون، فقال عليّ عليه السّلام: يابن النابغة و متى لم تكن للكافرين وليّا و للمسلمين عدوّا، فقام عمرو و قال: و اللّه لا يجمع بيني و بينك بعد هذا اليوم مجلس، فقال: عليّ عليه السّلام أما و اللّه إنّي لأرجو أن يظهر اللّه عليك و على أصحابك، و جاءت عصابة قد وضعت سيوفها على عواتقها فقالوا يا أمير المؤمنين مرنا بم شئت فقال لهم سهل بن حنيف أيّها النّاس اتهموا«» رأيكم فلقد شهدنا صلح رسول اللّه يوم الحديبيّة و لو نرى قتالا لقاتلنا.

قال نصر: و قد روى أبو إسحاق الشّيباني قال قرئت كتاب الصّلح عند سعيد بن أبي بردة في صحيفة صفراء عليها خاتمان خاتم من أسفلها و خاتم من أعلاها علي خاتم عليّ عليه السّلام محمّد رسول اللّه و على خاتم معاوية محمّد رسول اللّه، و قيل لعليّ عليه السّلام حين أراد أن يكتب الكتاب بينه و بين معاوية و أهل الشّام أتقرّ أنّهم مؤمنون مسلمون فقال عليّ عليه السّلام: ما اقرّ لمعاوية و لا لأصحابه انهم مؤمنون مسلمون و لكن يكتب معاوية ما شاء و يقرأ بما شاء لنفسه و لأصحابه و يسمّى نفسه بما شاء و أصحابه فكتبوا: هذا ما تقاضى عليه عليّ بن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان قاضى عليّ بن ابي طالب على اهل العراق و من كان معه من شيعته من المؤمنين و المسلمين، و قاضى معاوية بن ابي سفيان على أهل الشّام و من كان معه من شيعته من المؤمنين و المسلمين.

انّنا ننزل عند حكم اللّه تعالى و كتابه و لا يجمع بيننا إلّا إياه و انّ كتاب اللّه‏ سبحانه بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما احيى القرآن، و نميت ما أمات القرآن فان وجد الحكمان ذلك في كتاب اللّه ابتغاه، و إن لم تجداه أخذا بالسّنة العادلة غير المفرقة و الحكمان عبد اللّه بن قيس و عمرو بن العاص.

و قد أخذ الحكمان من عليّ و معاوية و من الجندين أنّهما أمينان على أنفسهما و أموالهما و أهلهما، و الامّة لهما أنصار و على الذي يقضيان عليه و على المؤمنين و المسلمين من الطائفتين عهد اللّه ان يعمل بما يقضيان عليه ممّا وافق الكتاب و السّنة و أنّ الأمن و الموادعة و وضع السّلاح متّفق عليه بين الطائفتين إلى أن يقع الحكم و على كلّ واحد من الحكمين عهد اللّه ليحكمنّ بين الامّة بالحقّ لا بالهوى.

و أجل الموادعة سنة كاملة فان أحبّ الحكمان أن يعجّلا الحكم عجّلاه، و أن توفي أحدهما فلأمير شيعته أن يختار مكانه رجلا لا يألو الحقّ و العدل، و إن توفى أحد الأميرين كان نصب غيره إلى أصحابه ممّن يرضون أميره و يحمدون طريقته اللّهمّ إنّا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصّحيفة و أراد فيها الحادا و ظلما.

قال نصر: هذه رواية محمّد بن عليّ بن الحسين عليه السّلام و الشّعبي، و روى جابر عن زيد بن الحسن بن الحسن زيادات على هذه النّسخة.

أقول: و ذكر تلك الرّواية و ساقها إلى أن قال: و شهد فيه من أصحاب عليّ عليه السّلام عشرة و من أصحاب معاوية عشرة و تاريخ كتابته لليلة بقيت من صفر سنة تسع و ثلاثين.

قال نصر: و حدّثنا عمرو بن سعيد قال: حدّثنى أبو حباب عن عمّارة بن ربيعة الحرمي قال: لما كتبت الصّحيفة دعا لها الأشتر ليشهد الشهود عليه فقال: لا صبحتني يميني و لا نفعتنى بعدها الشّمال إن كتب لى في هذه الصّحيفة اسم الصّلح أو الموادعة، أو لست على بيّنة من أمري و يقين من ضلال عدوّي أو لستم قد رأيتم الظفر إن لم تجمعوا على‏ الخور«» فقال له رجل: و اللّه ما رأيت ظفرا و لا خورا هلمّ فاشهد على نفسك و اقرر بما كتب في هذه الصّحيفة فانّه لارغبة لك عن النّاس فقال: بلى و اللّه إنّ لى لرغبة عنك في الدّنيا للدّنيا و في الآخرة للآخرة و لقد سفك اللّه بسيفي هذا دماء رجال ما أنت عندي بخير منهم و لا أحزم دما.

قال نصر: و كان الرّجل هو الأشعث فكأنّما قصع على أنفه الحمم ثمّ قال الأشتر: و لكني قد رضيت بما يرضى به أمير المؤمنين و دخلت فيما دخل فيه و خرجت مما خرج منه فانّه لا يدخل إلّا في الهدى و الصّواب.

قال نصر: فحدّثنا عمر بن سعد عن أبي حباب الكلبي عن اسماعيل بن شفيع عن سفيان بن مسلمة قال: فلما تمّ الكتاب و شهدت فيه الشّهود و تراضى النّاس خرج الأشعث و معه ناس بنسخة الكتاب يقرؤها على النّاس و يعرضها عليهم.

فمرّ به على صفوف من أهل الشام و هم على راياتهم فأسمعهم إيّاه فرضوا به ثمّ مرّ به على صفوف من أهل العراق و هم على راياتهم فأسمعهم إيّاه فرضوا به حتّى مرّ برايات غنرة و كان معه عليه السّلام منهم أربعة ألف فلما مرّ بهم الأشعث يقرأ عليهم قال فتيان منهم: لا حكم إلّا للّه ثمّ حملا على أهل الشّام بسيوفهما حتّى قتلا على باب رواق معاوية.

ثمّ مرّ بها على مراد فقال صالح بن شقيق و كان من رؤوسهم: لا حكم إلّا للّه و لو كره المشركون، ثمّ مرّ على رايات بنى راسب فقرأها عليهم فقال رجل منهم: لا حكم إلّا للّه لا نرضى و لا يحكم الرّجال في دين اللّه، ثمّ مرّ على رايات تميم فقرأها عليهم فقال رجل منهم: لا حكم إلّا للّه يقضي الحقّ و هو خير الفاصلين و خرج عروة التّميمى فقال أ تحكمون الرّجال في أمر اللّه لا حكم إلّا للّه فأين قتلانا يا أشعث ثمّ شدّ بسيفه على الأشعث ليضربه فأخطأه و ضرب عجز دابته ضربة خفيفة.

فانطلق الأشعث إلى عليّ فقال يا امير المؤمنين انّى عرضت الحكومة على صفوف أهل الشّام و أهل العراق فقالوا جميعا رضينا و مررت برايات بني راسب و نبذ من النّاس سواهم فقالوا لا نرضى لا حكم إلّا للّه فمر بأهل العراق و أهل الشّام عليهم حتى يقتلهم. فقال هل هي غير راية او رايتين و نبذ من النّاس قال: لا قال: فدعهم.

قال نصر: فظن عليّ عليه السّلام انّهم قليلون لايعباء بهم فما راعه إلّا نداء النّاس من كلّ جهة لا حكم إلا اللّه، الحكم للّه يا على لا لك لا نرضى بأن يحكم الرّجال في دين اللّه إنّ اللّه قد أمضى حكمه في معاوية و أصحابه أن يقتلوا و يدخلوا تحت حكمنا عليهم، و قد كنا زللنا و أخطانا حين رضينا بالحكمين و قد بان لنا زللنا و خطاؤنا فرجعنا اللّه و تبنا فارجع أنت يا علي كما رجعنا و تب إلى اللّه كما تبنا و إلّا برئنا منك.

فقال عليّ عليه السّلام: و يحكم أبعد الرضا و الميثاق و العهد نرجع أليس اللّه تعالى قد قال: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و قال: أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا.

فابى عليّ عليه السّلام أن يرجع و أبت الخوارج إلّا تضليل التّحكيم و الطعن فيه، فبرءوا من عليّ و برء عليّ منهم.

قال نصر: و حدّثني عمرو بن نمير عن أبي الوارك قال: لما تداعى النّاس إلى المصاحف و كتبت صحيفة الصّلح و التّحكيم قال عليّ إنّما فعلت ما فعلت لما بدء فيكم من الخور و الفشل عن الحرب، فجاءت اليه همدان كانّها ركن حصين فيهم سعيد بن قيس و ابنه عبد الرّحمن غلام له ذوابة، فقال سعيد: ها اناذ او قومي لا نردّ أمرك فقل ما شئت نعمله، فقال: أمّا لو كان هذا قبل سطر الصّحيفة لأزلتهم عن عسكرهم أو تنفرد سالفتى«» و لكن انصرفوا راشدين.

قال نصر: و روى الشّعبي أن عليّا قال يوم صفّين حين اقرّ النّاس بالصّلح: انّ هولاء القوم لم يكونوا لينيبوا إلى الحقّ و لا ليجيبوا إلّا لكلمة سواء حتّى يرموا بالمناسر«» تتبعها العساكر و حتّى يرجموا بالكتائب تقفوها الجلايب«»، و حتّى يجرّ ببلادهم الحميس«» يتلوه الحميس، و حتّى يدعق«» الخيول في نواحى أرضهم و باحناء مشاربهم و مسارحهم، و حتّى يشنّ عليهم الغارات من كلّ فجّ و حتى تتلقّاهم قوم صدق صبر لا يزيدهم هلاك من هلك من قتلاهم و موتاهم في سبيل اللّه إلّا جدّا في طاعة اللّه و حرصا على لقاء اللّه.

و لقد كنّا مع رسول اللّه يقتل آبائنا و اخواننا و اخوالنا و اعمامنا لا يزيدنا ذلك إلّا ايمانا و تسليما و مضيّا على أمض الألم وجدّا على جهاد العدوّ و الاستقلال بمبارزة الاقران.

و لقد كان الرّجل منّا و الآخر من عدوّنا يتصاولان تصاول الفحلين، و يتخالسان أنفسهما أيّهما يسقى صاحبه كأس المنون فمرّة لنا من عدّونا و مرّة لعدوّنا منّا فلما رآنا اللّه صدقا صبرا أنزل بعدوّنا الكبت و أنزل علينا النصر و لعمري لو كنا في مثل الذى اتيتم ما قام الدّين و لاعزّ الاسلام.

و روى نصر: عن عمرو بن شمر عن فضيل بن جديح قال: قيل لعليّ عليه السّلام لما كتبت الصّحيفة: انّ الاشتر لم يرض بما في الصّحيفة و لا يرى الّا قتال القوم، فقال عليّ عليه السّلام بلى انّ الاشتر ليرضى اذا رضيت و قد رضيت و رضيتم و لا يصلح الرّجوع بعد الرّضا و لا التّبديل بعد الاقرار إلّا أن يعصى اللّه أو يتعدّى ما في كتابه، و أمّا الذى ذكرتم من تركه أمرى و ما أنا عليه فليس من أولئك و لا أعرفه على ذلك، و ليت‏ فيكم مثله اثنان، بل ليت فيكم مثله واحد يرى في عدوّي مثل رأيه إذن لخفّت مؤنتكم عليّ و رجوت أن يستقيم لي بعض اودكم.

قال نصر: ثمّ انّ النّاس أقبلوا على قتلاهم فدفنوهم، و روى الشّعبي عن زياد بن النّصر انّ عليّا بعث أربعمائة عليهم شريح بن هاني و معه عبد اللّه بن العباس يصلّي بهم و معهم أبو موسى الأشعري و بعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة، ثمّ إنّهم خلوا بين الحكمين فكان رأى عبد اللّه بن قيس في عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، و كان يقول و اللّه ان استطعت لأحيينّ سنّة عمر.

قال نصر: و في حديث محمّد بن عبيد اللّه الجرجاني قال: لما أراد أبو موسى المسير قام اليه شريح بن هانى فأخذ بيده و قال: يا أبا موسى قد نصب لأمر عظيم لا يجبر صدعه و لا يستقال فتنته، و مهما نقل من شي‏ء عليك أو لك تثبت حقّه و ترى صحّته و ان كان باطلا، و أنّه لا بقاء لأهل العراق إن ملكهم معاوية، و لا بأس لأهل الشّام إن ملكهم عليّ عليه السّلام.

و قد كان منك تثبيطة أيام الكوفة و الجمل فان تشفعها بمثلها يكن الظنّ بك يقينا والرّجاء منك يأسا فقال أبو موسى: ما ينبغي لقوم اتّهموني إن يرسلوني لا دفع عنهم باطلا أو أجرى إليهم حقّا.

و روى المداينى في كتاب صفّين قال: لما اجتمع أهل العراق على طلب أبى موسى و احضروه للتّحكيم على كره من عليّ عليه السّلام أتاه عبد اللّه بن عباس و عنده وجوه النّاس و الاشراف فقال له: يا أبا موسى إنّ النّاس لم يجتمعوا عليك و يرضوا بك لفضل لا تشارك فيه و ما أكثر أشباهك من المهاجرين و الأنصار المتقدّمين قبلك، و لكن أهل العراق أبوا إلّا أن يكون الحكم يمانيّا و رأوا أنّ معظم أهل الشّام يمان و أيم اللّه انى لأظنّ ذلك شرا لك و لنا، فانه قد ضمّ اليك داهية«» العرب، و ليس في معاوية خلة يستحقّ بها الخلافة، فان تقذف بحقك على باطله تدرك حاجتك منه، و ان‏ يطمع باطله في حقّك يدرك حاجته منك.

و اعلم يا أبا موسى أنّ معاوية طليق الاسلام و أنّ أباه رأس الأحزاب يدعي الخلافة من غير مشورة و لا بيعة فان زعم لك أنّ عمر و عثمان استعملاه فلقد صدق استعمله عمر و هو الوالي عليه بمنزلة الطبيب يحميه ما يشتهي و يوجره ما يكره، ثمّ استعمله عثمان برأى عمر و ما أكثر ما استعملا ممّن لم يدّع الخلافة.

و اعلم أنّ لعمر و مع كلّ شي‏ء يسرّك خبيئا يسوءك و مهما نسيت فلا تنس انّ عليّا بايعه القوم الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان، و أنّها بيعة هدى و أنّه لم يقاتل إلّا العاصين و النّاكثين.

فقال أبو موسى: رحمك اللّه و اللّه مالى إمام غير عليّ عليه السّلام و إنّي لواقف عند ما راى و انّ حقّ اللّه أحبّ إلىّ من رضا معاوية و أهل الشّام و ما أنا و أنت إلّا باللّه.

قال نصر: و كان النّجاشي الشّاعر صديقا لأبي موسى فكتب اليه يحذّره من عمرو بن العاص:

يؤمّل أهل الشّام عمرا و انّنى
لامل عبد اللّه عند الحقائق‏

و انّ أبا موسى سيدرك حقّنا
إذا مارمى عمرا باحدى البوائق‏

و للّه ما يرمى العراق و أهله
به منه إن لم يرمه بالصّواعق‏

فكتب اليه ابو موسى إنى لأرجو أن تنجلى هذا الأمر و أنا فيه على رضا اللّه سبحانه.

قال نصر: ثمّ إنّ شريح بن هاني جهزّ أبا موسى جهازا حسنا و عظم أمره في النّاس ليشرف في قومه فقال الأعور الشّني في ذلك يخاطب شريحا:

زففت ابن قيس زفاف العروس
شريح الى دومة الجندل‏

و في زفّك الأشعرى البلاء
و ما يقض من حادث ينزل‏

و ما الأشعريّ بذي اربة
و لا صاحب الخطة الفيصل‏

و لا آخذا حظّ أهل العراق‏
و لو قيلها خذه لم يفعل‏

يحاول عمرا و عمرو له
خدايع يأتي بها من عل‏

فان يحكما بالهدى يتبعا
و إن يحكما بالهوى الأميل‏

يكونا كتيسين في فقره‏
اكيلى نقيف من الحنظل‏

فقال شريح: و اللّه لقد تعجّلت رجال مسائتنا في أبي موسى و طعنوا عليه بأسواء الظنّ و ظنّوا فيه ما اللّه عصمه منه إنشاء اللّه.

قال نصر: و كان آخر من ودّع أبا موسى الأحنف بن قيس أخذ بيده، ثمّ قال له: با أبا موسى اعرف خطب هذا الأمر و اعلم أنّه له ما بعده و انّك إن أضعت العراق فلا عراق، اتّق اللّه فانّها تجمع لك دنياك و آخرتك و إذا لقيت غدا عمرا فلا تبدءه بالسّلام فانّها و إن كانت سنّة إلّا أنّه ليس من أهلها، و لا تعطه يدك فانّها أمانة و ايّاك أن يقعدك على صدر الفراش فانّها خدعة، و لا تلقه إلّا وحده، و حذر أن يكلّمك في بيت فيه مخدع تخباء لك فيه الرّجال و الشّهود.

ثمّ أراد أن يبوء«» ما في نفسه لعليّ عليه السّلام فقال له: فان لم يستقم لك فيه الرضا بعليّ فليتخير أهل العراق من قريش الشام من شاءوا أو فليتخير أهل الشام العراق من شاءوا، فقال أبو موسى: قد سمعت ما قلت و لم ينكر ما قاله من زوال الأمر عن عليّ فرجع الأحنف إلى عليّ فقال له: أخرج أبو موسى زبدة سقائه في أوّل مخضه لا أرانا إلا بعثنا رجلا لا ينكر خلعك فقالا عليّ عليه السّلام: اللّه غالب على أمره.

قال نصر: و شاع و فشا أمر الأحنف و أبي موسى في النّاس فبعث الصّلتان العبدي و هو بالكوفة الى دومة الجندل بهذه الأبيات:

لعمرك لا ألقى مدا الدهر خالعا
عليّا بقول الأشعريّ و لا عمرو

فان يحكما بالحقّ نقبله منهما
و إلّا اثرناها كراعية البكر

و لسنا نقول الدّهر ذاك إليهما
و في ذاك لو قلناه قاصمة الظهر

و لكن نقول الأمر و النهى كلّه‏
إليه و في كفّيه عاقبة الأمر

و ما اليوم الأمثل أمس و إنّما
لفي وشل الضحضاح«» أو لجّة البحر

فلّما سمع النّاس ذلك أعنى قول الصّلتان شحذهم ذلك على أبي موسى و استبطائه القوم و ظنوا به الظنون و مكث الرّجلان بدومة الجندل لا يقولان شيئا، و قد كان الأخبار أبطات على معاوية، فبعث إلى رجال من قريش كانوا ان يعينوه في حربه إنّ الحرب قد وضعت أوزارها، و التقى هذان الرّجلان في دومة الجندل فاقد مواعلّى فأتاه جمع منهم عبد اللّه بن الزبير و عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب و المغيرة بن شعبه فقال له يا مغيرة ما ترى قال: يا معاوية لو و سعنى أن أنصرك لنصرتك و لكن على ان آتيك بأمر الرجلين فرحل حتّى أتى دومة الجندل، فدخل على أبي موسى، فقال يا أبا موسى ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر و كره هذه الدّماه قال، اولئك خير النّاس خفّت ظهورهم من دمائهم و خصمت بطونهم من أموالهم.

ثمّ أتى عمرا فقال: يا أبا عبد اللّه ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر و كره الدّماء قال: شرار الناس لم يعرفوا حقّا و لم ينكروا باطلا، فرجع مغيرة إلى معاوية فقال له: قد ذقت الرّجلين أما عبد اللّه بن قيس فخالع صاحبه و هواه في عبد اللّه بن عمر، و أمّا عمرو فهو صاحبك الذى تعرف، و قد ظنّ الناس أنّه يرومها لنفسه و أنّه لا يرى أنّك أحقّ بهذا الأمر منه.

قال نصر: و في حديث عمرو بن شمر قال أقبل أبو موسى إلى عمرو فقال: يا عمرو هل لك في أمر هو للامّة صلاح و لصلحاء النّاس رضا نولّي هذا الأمر عبد اللّه بن عمر بن الخطاب الذي لم يدخل في شي‏ء من هذه الفتنة و لا هذه الفرقة قال: و كان عبد اللّه بن عمرو بن العاص و عبد اللّه بن الزّبير قريبا يسمعان هذا الكلام.

فقال عمرو: فأين أنت يا أبا موسى من معاوية، فابي عليه أبو موسى فقال عمرو: أ لست تعلم أنّ عثمان قتل مظلوما قال: بلى أشهد، ثمّ قال: فما يمنعك من معاوية و هو وليّ دم عثمان و قد قال تعالى: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً ثمّ انّ بيت معاوية من قريش ما قد علمت فان خشيت أن يقول الناس ولى معاوية و ليست له سابقة فانّ لك أن تقول وجدته ولىّ العثمان الخليفة المظلوم و الطالب بدمه الحسن السّياسة الحسن التّدبير و هو أخوامّ حبيبة أمّ المؤمنين و زوج النبيّ و قد صحبه و هو أحد الصّحابة.

ثمّ عرض له بالسّلطان فقال له: إن هو ولى الأمر أكرمك كرامة لم يكرمك أحد قطّ مثلها.

فقال أبو موسى: اتّق اللّه يا عمرو أمّا ما ذكرت من شرف معاوية فانّ هذا الأمر ليس على الشّرف إنّما هو لأهل الدّين و الفضل مع أنى لو كنت أعطيته أفضل قريش شرفا أعطيته علىّ بن أبي طالب، و أمّا قولك إنّه وليّ عثمان فاني لم أكن أوليه إيّاه لنسبه من عثمان، وادع المهاجرين الأوّلين، و أمّا تعريضك لى بالامرة و السّلطان فو اللّه لو خرج لي من سلطانه ما وليته و لا كنت أرتشي في اللّه و لكنك إن شئت أحيينا سنة عمر بن الخطاب.

قال نصر: و حدّثني عمر بن سعد عن أبي حباب انّ أبا موسى قال غير مرّة: و اللّه إن استطعت لا حيينّ اسم عمر بن الخطاب، فقال عمرو بن العاص: إن كنت إنما تبايع ابن عمر لدينه فما يمنعك من ابني عبد اللّه، و أنت تعرف فضله و صلاحه، فقال: إنّ ابنك لرجل صدق و لكنك قد غمسته في هذه الفتنة قال نصر: و روى عن النضر بن صالح قال: كنت من شريح بن هاني في غزوة سجستان فحدّثني أنّ عليّا أو صاه بكلمات إلى عمرو بن العاص و قال له قل لعمرو: إذ القيته إنّ عليّا يقول لك: إنّ أفضل الخلق من كان العمل بالحقّ أحبّ إليه و إن نقصه و إنّ أبعد الخلق من اللّه من كان العمل بالباطل أحبّ إليه و إن زاده، و اللّه يا عمرو إنك لتعلم اين موضع الحقّ فلم تتجاهل أبأن اوتيت طمعا يسيرا صرت للّه و لأوليائه عدوّا فكأن ما قد اوتيت قد زال عنك، فلا تكن للخائنين خصيما، و للظالمين ظهيرا، اما اني اعلم انّ يومك الذى أنت فيه نادم هو يوم وفاتك و سوف تتمنّى أنك لم تظهر لى عداوة و لم‏ تأخذ على حكم اللّه رشوة.

قال شريح: فأبلغته ذلك يوم لقيته فمغر وجهه قال: و متى كنت قابلا مشورة عليّ أو منيبا إلى رأيه أو معتمدا بأمره، فقلت و ما يمنعك يابن النابغة أن تقبل من مولاك و سيّد المسلمين بعد نبيّهم مشورته، لقد كان من هو خير منك أبو بكر و عمر يستشير انه و يعملان برأيه فقال إنّ مثلي لا يكلّم مثلك، فقلت: بأىّ أبوبك ترغب عن كلامي بأبيك الوشيظ«» أو بامك النّابغة، فقام من مكانه و قمت.

قال نصر: و روى أبو حباب الكلبي انّ عمرا و أبا موسى لما التقيا بدومة الجندل أخذ عمرو يقدّم أبا موسى في الكلام و يقول: إنّك صحبت رسول اللّه قبلي و انت أكبر مني سنّا فتكلّم أنت ثمّ أتكلّم أنا فجعل ذلك سنّة و عادة بينهما، و إنّما كان مكرا و خديعة و اغترارا له أن يقدّمه فيبدأ بخلع عليّ عليه السّلام ثمّ يرى رأيه.

و قال ابن و يزيل في كتاب صفّين أعطاه عمرو صدر المجلس و كان يتكلّم قبله، و أعطاه التّقدّم في الصّلاة و في الطعام لا يأكل حتّى يأكل و إذا خاطبه فانّما يخاطبه بأجلّ الأسماء و يقول له: يا صاحب رسول اللّه حتّى اطمأنّ إليه وظنّ أنّه لا يغشيه.

قال نصر فلّما انمخضت الزبدة بينهما قال له عمرو: أخبرنى ما رأيك يا أبا موسى قال: أرى أن أخلع هذين الرّجلين و نجعل الأمر شورى بين المسلمين يختارون من شاءوا، فقال عمرو: الرّأى و اللّه ما رأيت، فأقبلا إلى النّاس و هم مجتمعون فتكلّم أبو موسى فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: رأيي و رأى عمرو قد اتّفق على أمر نرجو أن يصلح اللّه به شأن هذه الامة فقال عمرو صدق.

ثمّ قال له: تقدّم يا أبا موسى فتكلّم، فقام ليتكلّم فدعاه ابن عباس فقال ويحك إنّى لأظنه خدعك إن كنتما قد اتّفقتما على رأى فقدّمه قبلك ليتكلّم ثمّ تكلّم أنت بعده فانّه رجل غدّار و لا آمن أن يكون أعطاك الرّضا فيما بينك و بينه فاذا قمت به في النّاس خالفك، و كان أبو موسى رجلا مغفّلا، فقال: ايها عنك إنّاقد اتّفقنا فتقدّم أبو موسى فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: أيها النّاس إنّا قد نظرنا في أمر هذه الامة فلم نر شيئا هو أصلح لأمرها و لا ألم لشعثها من أن لا يبتز«» امورها و قد اجتمع رأيي و رأى صاحبي على خلع عليّ و معاوية و ان يستقبل هذا الأمر فيكون شورى بين المسلمين يولّون امورهم من أحبّوا، و إنّي قد خلعت عليّا و معاوية فاستقبلوا أموركم و ولّوا من رأيتموه لهذا الأمر أهلا ثمّ تنحّى.

فقام عمرو بن العاص في مقامه فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: انّ هذا قد قال ما سمعتم و خلع صاحبه و أنا أخلع صاحبه كما خلعه و اثبت صاحبي في الخلافة فانّه وليّ عثمان و الطالب بدمه و أحقّ النّاس بمقامه.

فقال له أبو موسى: ما لك لا وفّقك اللّه قد غدرت و فجرت، إنّما مثلك كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ.

فقال له عمرو: إنّما مثلك كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً، و حمل شريح بن هانى على عمرو، فقنعه بالسّوط و حمل ابن عمرو على شريح فقنعه بالسّوط، و قام النّاس فحجزوا بينهما، فكان شريح يقول بعد ذلك ما ندمت على شي‏ء ندامتي أن لا أكون ضربت عمرا بالسيّف بدل السّوط لكن أتى الدّهر بما أتى به و التمس أصحاب عليّ أبا موسى فركب ناقته و لحق بمكّة، و كان ابن عباس يقول: قبّح اللّه أبا موسى لقد حذرته و هديته إلى الرّأى فما عقل، و كان أبو موسى يقول: لقد حذّرني ابن عبّاس غدرة الفاسق و لكني اطمأننت إليه و ظننت أنّه لا يؤثر شيئا على نصيحة الامة.

قال نصر: و رجع عمرو إلى منزله من دومة الجندل فكتب إلى معاوية بهذه الأبيات:

أتتك الخلافة من فوقه
هنيئا مريئا تقرّ العيونا

تزّف إليك زفاف العروس
بأهون من طعنك الدّارعينا

و ما الأشعرىّ بصلد الزّناد
و لا خامل الدّار في الأشعرينا

و لكن اتيحت له حيّة
يظلّ الشّجاع له مستكينا

فقالوا و قلت و كنت امرء
أجهجه بالخصم حتّى يلينا

فخذها ابن هند على بعدها
فقد واقع اللّه ما تحذرونا

و قد صرّف اللّه عن شأنكم‏
عدوّا مبينا و حزبا زبونا

قال نصر: فقام سعيد بن قيس الهمداني فقال: و اللّه لو اجتمعنا على الهدى ما زدتما بأعلى ما نحن الآن عليه، و ما ضلالكما بلازم لنا و ما رجعتما إلّا بما بدأتما به، و إنّا اليوم لعلي ما كنا عليه أمس، و قام كردوس بن هاني مغضبا فقال:

الا ليت من يرضى من النّاس كلّهم
بعمرو و عبد اللّه في لجّة البحر

رضينا بحكم اللّه لا حكم غيره‏
و باللّه ربّا و النّبيّ و بالذّكر

و بالأصلع الهادي عليّ إمامنا
رضينا بذاك الشيخ في العسر و اليسر

رضينا به حيّا و ميتا و انّه‏
إمام هدى في الحكم و النهى و الأمر

فما قال لا قلنا بلى إنّ أمره
لأفضل ما نعطاه في ليلة القدر

و ما لابن هند بيعة في رقابنا
و ما بيننا غير المثقفة«» السّمر

و ضرب يزيل الهام عن مستقرّه
و هيهات هيهات الرّضا آخر الدّهر

أتت لي أشياخ الأراقم سبّة
أبت بها حتّى اغيّب في القبر

و تكلّم جماعة اخرى بمثل كلامه في الرّضا بخلافة عليّ عليه السّلام و إنكار خلافة معاوية و حكم الحكمين قال نصر: و كان عليّ عليه السّلام لما سمع ما خدع به عمرو أبا موسى غمّه ذلك و سائه و خطب النّاس فقال: الحمد للّه و إن أتى الدّهر بالخطب الفادح إلى آخر ما مرّ في الكتاب مع الزّيادة التي ذكرناها.«»

قال نصر: فكان عليّ عليه السّلام بعد الحكومة إذا صلّى الغداة و المغرب و فرغ من الصلاة قال: اللهمّ العن معاوية و عمرا و أبا موسى و حبيب بن مسلمة و عبد الرّحمن بن خالد و الضّحاك بن قيس و الوليد بن عقبه.

و روى ابن و يزيل إنّ أبا موسى كتب من مكّة إلى عليّ عليه السّلام أمّا بعد فقد بلغني أنك تلغني في الصّلاة و يؤمّن خلفك الجاهلون و إنّى أقول كما قال موسى: «رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ»

الترجمة

از جمله خطب آن حضرتست بعد از حكم قرار دادن مردم أبو موسى اشعرى و عمرو عاص عليهما اللعنة و العذاب را و اختيار كردن عمرو عاص ملعون امارة معاويه بدبنياد را، و خيانت كردن ابو موسى بدنهاد در حق آن امام انس و جان و سرور عالميان كه مى ‏فرمايد: حمد بى قياس خداوند را سزاست و اگر چه آورد روزگار غدار بكار بزرگ و ثقيل و حادثه عظيم و جليل، و شهادت مى ‏دهم بر اين كه هيچ مستحق معبودية نيست مگر معبود بحق و خداوند مطلق در حالتى كه نيست با او خدائى كه بوده باشد با او، و شهادت مى ‏دهم باين كه محمّد بن عبد اللّه صلوات اللّه و سلامه عليه بنده بر گزيده و فرستاده پسنديده اوست، پس از ستايش الهى و درود حضرت رسالت پناهي.

پس مخالفت كردن و عصيان نمودن نصيحت كننده مهربان و داناى تجربه كار باعث مى‏ شود بحسرت و از پى در مى‏ آورد افسوس و ندامت را، و بتحقيق كه بودم امر نمودم شما را در باب اين حكومة حكمين به امر خود و خالص نمودم از براى شما در اين باب راى صواب خود را كه در گنجينه ضمير بور اگر مى‏ بود كه اطاعت مى‏ شد مر قصير بن سعد را امرى پشيمان نمى ‏شديد و بورطه حسرت نمى ‏افتاديد، پس إبا و امتناع نموديد بر من مثل امتناع اختلاف كنندگان جفا كار و عهد شكنندگان نا فرمان بردار تا اين كه بشك افتاد پند دهنده به پند خود و بخل ورزيد آتش زنه به‏ بيرون دادن آتش خود.

پس بود حال من و شما در نصيحت دادن من و مخالفت كردن شما مثل آنچه كه گفت برادر هوازن در شعر خود كه فرمودم شما را بامر خود و پند دادم شما را در منزل منعرج اللوى پس ندانستيد ثمره نصيحت مگر در چاشتكاه روز ديگر كه در ديار زخار خونخوار گرفتار شديد، يعنى همچنان كه قوم وريد شاعر نصيحت او را گوش ندادند و بورطه هلاكت افتادند همچنين شما از فرمان من معصيت ورزيدند كه مستعقب حسرت و ندامت گرديده دچار بلا و محنت شديد.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 34 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 34 صبحی صالح

 34- و من خطبة له ( عليه‏ السلام  ) في استنفار الناس إلى أهل الشام بعد فراغه من أمر الخوارج‏

و فيها يتأفف بالناس، و ينصح لهم بطريق السداد

أُفٍّ لَكُمْ لَقَدْ سَئِمْتُ عِتَابَكُمْ

 أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِعِوَضاً

وَ بِالذُّلِّ مِنَ الْعِزِّ خَلَفاً

إِذَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمْ دَارَتْ أَعْيُنُكُمْ

كَأَنَّكُمْ مِنَ الْمَوْتِ فِي غَمْرَةٍ

وَ مِنَ الذُّهُولِ فِي سَكْرَةٍ

يُرْتَجُ عَلَيْكُمْ حَوَارِي فَتَعْمَهُونَ

وَ كَأَنَّ قُلُوبَكُمْ مَأْلُوسَةٌ فَأَنْتُمْ لَا تَعْقِلُونَ

مَا أَنْتُمْ لِي بِثِقَةٍ سَجِيسَ اللَّيَالِي

وَ مَا أَنْتُمْ بِرُكْنٍ يُمَالُ بِكُمْ

وَ لَا زَوَافِرُ عِزٍّ يُفْتَقَرُ إِلَيْكُمْ

مَا أَنْتُمْ إِلَّا كَإِبِلٍ ضَلَّ رُعَاتُهَا فَكُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ انْتَشَرَتْ مِنْ آخَرَ

لَبِئْسَ لَعَمْرُ اللَّهِ سُعْرُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ

تُكَادُونَ وَ لَا تَكِيدُونَ

وَ تُنْتَقَصُ أَطْرَافُكُمْ فَلَا تَمْتَعِضُونَ

لَا يُنَامُ عَنْكُمْ وَ أَنْتُمْ فِي غَفْلَةٍ سَاهُونَ

غُلِبَ وَ اللَّهِ الْمُتَخَاذِلُونَ

وَ ايْمُ اللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّ بِكُمْ أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى

وَ اسْتَحَرَّ الْمَوْتُ

قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ انْفِرَاجَ الرَّأْسِ

وَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأً يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ

يَعْرُقُ لَحْمَهُ وَ يَهْشِمُ عَظْمَهُ وَ يَفْرِي جِلْدَهُ

لَعَظِيمٌ عَجْزُهُ

ضَعِيفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ

أَنْتَ فَكُنْ ذَاكَ إِنْ شِئْتَ

فَأَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ دُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذَلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيَّةِ

تَطِيرُ مِنْهُ فَرَاشُ‏الْهَامِ

وَ تَطِيحُ السَّوَاعِدُ وَ الْأَقْدَامُ

وَ يَفْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَشاءُ

طريق السداد

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً

وَ لَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ

فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَيَّ فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ

وَ تَوْفِيرُ فَيْئِكُمْ عَلَيْكُمْ

وَ تَعْلِيمُكُمْ كَيْلَا تَجْهَلُوا

وَ تَأْدِيبُكُمْ كَيْمَا تَعْلَمُوا

وَ أَمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ فَالْوَفَاءُ بِالْبَيْعَةِ

وَ النَّصِيحَةُ فِي الْمَشْهَدِ وَ الْمَغِيبِ

وَ الْإِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ

وَ الطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ

 شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج4  

و من خطبة له عليه السلام في استنفار الناس الى اهل الشام

و هى الرابعة و الثلاثون من المختار في باب الخطب خطب بها بعد فراغه من قتال الخوارج على ما تعرفه تفصيلا إن شاء اللّه أفّ لكم لقد سئمت عتابكم، أرضيتم بالحياة الدّنيا من الآخرة عوضا، و بالذّلّ من العزّ خلفا، إذا دعوتكم إلى جهاد عدوّكم دارت‏أعينكم كأنّكم من الموت في غمرة، و من الذّهول في سكرة، يرتج عليكم حواري فتعمهون، فكأنّ قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون، ما أنتم لي بثقة سجيس اللّيالي و ما أنتم بركن يمال بكم، و لا زوافر عزّ يفتقر إليكم، ما أنتم إلّا كابل ضلّ رعاتها فكلّما جمعت من جانب انتشرت من آخر، لبئس لعمر اللّه سعر نار الحرب أنتم تكادون و لا تكيدون، و تنتقص أطرافكم فلا تمتعضون، لا ينام عنكم و أنتم في غفلة ساهون، غلب و اللّه المتخاذلون. و أيم اللّه إنّي لأظنّ بكم أن لو حمس الوغا و استحرّ الموت قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج الرّأس، و اللّه إنّ امرء يمكّن عدوّه من نفسه يعرق لحمه و يهشم عظمه و يفري جلده، لعظيم عجزه، ضعيف ما ضمّت عليه جوانح صدره، أنت فكن ذاك إن شئت، فأمّا أنا فو اللّه دون أن أعطى ذلك ضرب بالمشرفيّة تطير منه فراش الهام، و تطيح السّواعد و الأقدام، و يفعل اللّه بعد ذلك ما يشاء. أيّها النّاس إنّ لي عليكم حقّا، و لكم عليّ حقّ، فأمّا حقّكم عليّ فالنّصيحة لكم، و توفير فيئكم عليكم، و تعليمكم، كيلا تجهلوا، و تأديبكم كيما تعلموا، و أمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة و النّصيحةفي المشهد و المغيب، و الاجابة حين أدعوكم، و الطّاعة حين آمركم.

اللغة

(افّ) بالضّم و التّشديد و التّنوين كلمة تضجّر، و لغاتها أربعون و (سئم) الشّي‏ء يسام كفرح ساما و سامة ملّ و (الغمرة) الشّدة، و غمرات الموت سكراته التي يغمر فيها العقل و (السّكر) بالفتح ضدّ الصّحو و الاسم بالضّم، و سكرة الموت شدّته و غشيته و (رتج) كفرح استغلق عليه الكلام كارتج عليه بالبناء للمفعول (و الحوار) بالكسر المحاورة و المخاطبة.

و (عمه) الرّجل كعلم إذا تحيّر في الضّلال و تردّد في المنازعة و (الالس) بسكون اللّام الجنون و اختلاط العقل و (سجيس اللّيالى) كلمة يقال للأبد تقول لا أفعله سجيس الليالي أى أبدا و مثلها سجيس الأوجس و سجيس عجيس و (الزّوافر) جمع زافرة و زافرة الرّجل أنصاره و عشيرته و (الابل) اسم جمع و (سعر نار الحرب) جمع ساعر و اسعار النّار و سعرها ايقادها و (الامتعاض) الغضب و (حمس) كفرح اشتد.

و أصل (الوغا) الصّوت و الجلبة و اطلق على الحرب لما فيها من الاصوات و الجلبة و (عرق اللحم) كنصر اكله و لم يبق منه على العظم شيئا و (هشم) العظم كضرب كسره و (فريت) الشي‏ء قطعته و (الجوانح) الاضلاع التي تحت الترائب و هي مما يلي الصّدر كالضّلوع مما يلي الظهر.

و (ما ضمت عليه) هو القلب و (المشرفيّة) بفتح الميم و الرّاء سيوف منسوبة إلى مشارف اليمن و (فراش الهام) بالفتح العظام الرّقيقة التي تلي القحف و (طاح) يطيح اى سقط.

الاعراب

عوضا و خلفا نصبهما على التّميز، و جملة يرتج عليكم حاليّة، و سجيس الليالى منصوب على الظرفية و زوافر في اكثر النّسخ بالجرّ عطفا على المجرور، و في بعضها بالنّصب عطفا على الظرف أعنى بركن، و قوله لبئس لعمر اللّه اللّام جواب القسم و التكرير للتّاكيد، و العمر بالفتح العمر و هو قسم ببقاء اللّه سبحانه، و أيم‏مخفّف أيمن و هو جمع يمين أي أيم اللّه قسمى.

و قوله: ان لو حمس الوغا أن بفتح الهمزة مخففة من الثقيلة اسمها ضمير شأن، و جملة لو حمس آه خبرها، و هى مع اسمها و خبرها قائمة مقام مفعولى أظن و لعظيم عجزه خبر إن و اللّام للتّأكيد، و الجملات بين الاسم و الخبر منصوب المحلّ إلّا أنّ انتصاب الأولى على الوصفيّة و الثلاث الأخيرة على الحاليّة من مفعول يمكّن.

و قوله: فامّا أنا مبتدأ، و ضرب بالمشرفية خبره من باب زيد عدل و قوله: كيلا نجهلوا كي إمّا تعليليّة و ان مضمرة بعدها، أو مصدريّة و اللّام مقدّرة قبلها، و مثله في الاحتمالين قوله سبحانه: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏» و قوله: كيما تعلموا كي تعليليّة و ما إمّا مصدريّة أو كافة و مثله في الاحتمالين قوله:

         اذا أنت لم تنفع فضرّ فانّما            يرجّى الفتى كيما يضرّ و ينفع‏

المعنى

اعلم أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام، خطب بهذه الخطبة بعد فراغه من أمر الخوارج روى أنّه قام بالنّهروان فحمد اللّه و أثنى عليه و قال: أمّا بعد فانّ اللّه قد أحسن نصركم فتوجّهوا من فوركم هذا إلى عدّوكم من أهل الشّام، فقاموا إليه و قالوا له: يا أمير المؤمنين قد نفدت نبالنا و كلّت سيوفنا ارجع بنا الى مصرنا لنصلح عدتنا، و لعلّ أمير المؤمنين يزيد في عددنا مثل من هلك منّا لنستعين به فأجابهم.

 «يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ لا تَرْتَدُّوا عَلى‏ أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ».

فتلكّأوا عليه و قالوا: إنّ البرد شديد فقال: إنّهم يجدون البرد كما تجدون فتلكّأوا و أبوا، فقال: أفّ لكم انها سنّة جرت ثمّ تلى قوله تعالى: «قالُوا يا مُوسى‏ إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ».

 

« قالُوا يا مُوسى‏ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ خ ل» فقام ناس منهم و اعتذروا بكثرة الجراح فى النّاس و طلبوا أن يرجع بهم إلى الكوفة أيّاما ثمّ يخرج، فرجع بهم غير راض و أنزلهم النّخيلة و أمر النّاس أن يلزموا معسكرهم و يقلوا زيارة أهلهم و أبنائهم حتّى يسير بهم الى عدوّهم.

فلم يقبلوا و دخلوا الكوفة حتّى لم يبق معه من النّاس إلا رجال من وجوههم قليل، و بقى المعسكر خاليا فلا من دخل الكوفة رجع إليه، و لا من أقام معه صبر، فلما رأى ذلك دخل الكوفة فخطب النّاس فقال: أيّها النّاس استعدّوا لقتال عدوّ في جهادهم القربة إلى اللّه و درك الوسيلة عنده قوم حيارى عن الحقّ لا ينصرونه مورغين«» بالجور و الظلم لا يعدلون به و جفاة عن الكتاب نكب عن الدين يعمهون في الطغيان و يتمكعون«» في غمرة الضّلالة، ف أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ، و توكّلوا على اللّه و كفى باللّه و كيلا فلم ينفروا فتركهم أيّاما ثمّ خطبهم فقال: (افّ لكم لقد سئمت) و مللت (من عتابكم) بمالا ارتضيه من أفعالكم و أقوالكم و كثرة تثاقلكم عن قتال خصومكم (ارضيتم بالحياة الدّنيا من الآخرة عوضا) حيث تركتم الجهاد حبّا للبقاء و رغبة إلى الحياة، و رغبتم عمّا يترتّب عليه من الثّمرات الاخروية من الدّرجات الرّفيعة و الرّحمة و المغفرة.

مضافة إلى ما فيه من فضله على الأعمال و فضل عامله على العمّال، إذ به يدفع عن الدّين، و يستقام شرع سيّد المرسلين، و به اشترى اللّه من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بالجنّة مفلحا منجحا (و بالذلّ من العزّ خلفا) حيث إنّ قعودكم عن الجهاد مستلزم‏ لطمع العدوّ فيكم و قصد بلادكم و الاستيلاء عليكم و استباحة دمائكم و أموالكم و سبى ذراريكم، و قد مضى في شرح الخطبة السابعة و العشرين ما يوجب زيادة توضيح المقام.

ثمّ انّه عليه السّلام بعد توبيخهم و تبكيتهم على سوء أفعالهم أشار إلى حالتهم التي كانوا عليها حين دعوتهم إلى الجهاد بقوله: (اذا دعوتكم الى جهاد عدوّكم) تحيرتم و تردّدتم بين النّهوض الى العدوّ و القعود عنه جبنا و خوفا ف (دارت أعينكم) من شدّة الخوف (كأنكم من الموت في غمرة و) شخصت أبصاركم كأنكم (من الذّهول) و الغفلة (في سكرة) كما قال سبحانه: «فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى‏ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ» و هو الذى قرب من حال الموت و غشيته أسبابه فيذهل و يذهب عقله و يشخص بصره فلا يطرف، و كذلك هؤلاء تشخص أبصارهم و تحار أعينهم من شدّة الخوف (يرتج عليكم حوارى) و يغلق عليكم خطابى (فتعمهون) في الضلال و تردّدون في الشّخوص إلى القتال (فكان قلوبكم مألوسة) و افئدتكم مجنونة (فأنتم لا تعقلون) ما أقول و لا تفقهون صلاح الأمر (ما أنتم لى بثقة) أثق بكم و أعتمد عليكم و أتقوّى بكم على اعدائي.

(سجيس الليالى) لكثرة ما شاهدت فيكم من كذب الوعد و خلف العهد (و ما أنتم بركن يمال بكم) و يستند اليكم (و لا زوافر عزّ) يعتصم بكم و (يفتقر اليكم) لما فيكم من الذّلّ و الفشل و العجز و الرذالة (ما أنتم الا ك) عجاجة (ابل) او قطيعة غنم (ضلّ رعاتها فكلّما جمعت من جانب انتشرت من) جانب (آخر) و ذلك من أجل ما فيكم من اختلاف الأهواء و تستّت الآراء المانع من اجتماعكم على ما فيه نظم أمر المعاش و صلاح حال المعاد (لبئس لعمر اللّه سعرنار الحرب أنتم) مع ما فيكم من الفشل و الخوف مضافا إلى سوء الرأى و ضعف التّدبير و بذلك‏ أنتم (تكادون و لا تكيدون) و يمكر بكم عدوّكم و لا تمكرون.

(و تنتقص اطرافكم) و نواحى بلادكم باغارة العدوّ عليها و قتل خيار أهلها و إحداث الخراب فيها (فلا) تغضبون و لا (تمتعضون لا ينام عنكم) العيون (و أنتم في غفلة ساهون غلب و اللّه المتخاذلون) المتثاقلون و أنتم منهم فستغلبون و تقهرون (و ايم اللّه إنّى لأظنّ بكم أن لو حمس الوغا و) اشتدّ الهيجا (استحر الموت) و استعر القتل (قد انفرجتم عن ابن ابى طالب انفراج الرّاس) و تفرّقتم عنه تفرّقا لا رجوع بعده أبدا.

و انفراج الراس مثل أوّل من تكلّم به على ما قيل أكثم بن صيفي في وصية له: يا بنىّ لا تنفرجوا عند الشدائد انفراج الرّاس فانّكم بعد ذلك لا تجتمعون على عزّ و في معناه أقوال:

الأوّل ما عن ابن دريد و هو إنّ الرّاس إذا انفرج عن البدن لا يعود.

الثّانى ما عن المفضل أنّ الرّاس اسم رجل ينسب إليه قرية من قرى الشّام يقال لها بيت الرأس تباع فيها الخمر، و هذا الرّجل قد انفرج عن قومه و مكانه فلم يعد فضرب به المثل.

الثّالث أنّ الرّاس إذا انفرج بعض عظامه من بعض كان بعيدا عن الالتيام و العود إلى الصّحة.

الرابع ما عن القطب الرّاوندي و هو أنّه أراد به انفرجتم عني رأسا أى قطعا، وردّه الشّارح المعتزلي بأنّ رأسا لا يعرف.

الخامس ما عنه أيضا من أنّ المعنى انفراج رأس من ادنى رأسه إلى غيره ثمّ حرف راسه عنه، وردّه الشّارح أيضا بأنه لا خصوصية في الرّاس في ذلك فانّ اليد و الرّجل إذا ادنيتهما من شخص ثمّ حرفتهما عنه فقد تفرّج ما بين ذلك العضو و بينه، فاىّ معنى لتخصيص الرّاس بالذّكر.

السّادس أنّ المعنى انفراج من يريد أن ينجو برأسه.

السابع انّ المراد انفراج المرأة عن راس ولدها حالة الوضع، فانّه حينئذيكون«» في غاية الشدّة نظير قوله عليه السّلام في موضع آخر: انفراج المرأة عن قبلها.

الثّامن أنّ الرّاس الرّجل العزيز، لأنّ الاعزّاء لا يبالون بمفارقة أحد، و على أىّ تقدير فالمقصود شدّة تفرّقهم عنه عليه السّلام (و اللّه انّ امرء يمكّن عدوّه من نفسه) حال كونه (يعرق لحمه) و يأكله (و يهشّم عظمه) و يكسّره (و يفرى جلده) و يقطعه أى يسلّط عدوه عليه بالنّهب و الاسر و الاستيصال (لعظيم عجزه) و (ضعيف ما) يعنى قلبه الذي (ضمّت عليه جوانح صدره) ثمّ خاطبهم بخطاب مجمل من غير تعيين للمخاطب تقريعا و تنفيرا لهم عمّا يلزمهم من الأحوال الرّدية بتمكينهم العدوّ من أنفسهم فقال: (أنت فكن ذاك ان شئت) أى أنت أيّها الممكّن من نفسه و المسّلط له عليه كن ذاك المرء الموصوف بالعجز و الجبن و الضّعف.

و يأتي في رواية الأمالى و كتاب الغارات أنّ المخاطب بذلك هو الأشعث و لا باس بأن يكون الخطاب له و المقصود عمومه لكلّ من أمكن العد و تنفيرا و توبيخا و تبكيتا (فامّا أنا فو اللّه) لا اتحمّل ذلك التّخاذل و لا احتمل أن امكّن عدوّي من نفسي و اسلّطه علىّ يفعل ما يشاء و يريد و (دون ان اعطى ذلك ضرب ب) السّيوف (المشرفيّة) الذى (تطير منه فراش الهام و تطيح) به (السّواعد و الأقدام و يفعل اللّه بعد ذلك) الجهاد و المناجزة (ما يشاء) من جعل الغلبة لى أو للعدوّ على ما يقتضيه الحكمة البالغة و المصلحة الكاملة.

(أيّها النّاس إنّ لي عليكم حقا) يجب عليكم القيام به (و لكم علىّ حقّ) مثله (فأمّا حقّكم) الذى (علىّ ف) أمور أربعة.

الأوّل (النّصيحة لكم) في السّر و العلانية و حثكم على محاسن الاخلاق و مكارم الآداب و ترغيبكم على ما فيه حسن الثواب في المعاش و المآب (و) الثاني (توفير فيئكم عليكم) و تفريقه فيكم بالقسط و العدل من دون حيف فيه و ميل (و)الثّالث (تعليمكم) ما فيه صلاح حالكم في المعاش و المعاد (كيلا تجهلوا و) الرابع (تأديبكم) بالآداب الشّرعية (كيما تعلموا) و تعملوا.

(و أما حقى) الذى (عليكم ف) أربعة أيضا الأوّل (الوفاء بالبيعة) الذى هو أهمّ الامور و به حصول النّظام الكلّي (و) الثاني (النصيحة) لى (في المشهد و المغيب) و الذبّ عنى في الغيبة و الحضور (و) الثّالث (الاجابة) لدعائي (حين أدعوكم) من غير تثاقل فيه و توان و فتور (و) الرّابع (الطاعة) لامرى (حين امركم) و الانتهاء عن نهيى حين انهيكم.

و غير خفىّ أنّ منفعة هذه الامور ايضا عايدة اليهم في الحقيقة إمّا في الدّنيا و إمّا في الآخرة إذ قيامهم بها يوجب انتظام الحال و حسن المآل، و مخالفتهم فيها يوجب خذلان الدّنيا و حرمان الآخرة و اختلال الحال مع شدّة النّكال.

تنبيه

قيل آكد الاسباب في تقاعد النّاس عن أمير المؤمنين أمر المال فانّه عليه السّلام لم يكن يفضل شريفا على مشروف، و لا عربيّا على عجميّ و لا يصانع الرّؤساء و امراء القبايل كما يصنع الملوك و لا يستميل أحدا إلى نفسه، و كان معاوية بخلاف ذلك فترك النّاس عليّا و التحقوا بمعاوية، فشكى عليّ عليه السّلام إلى الاشتر تخاذل اصحابه و فرار بعضهم إلى معاوية.

فقال الاشتر: يا أمير المؤمنين إنا قاتلنا أهل البصرة و أهل الكوفة و رأى النّاس واحدة، و قد اختلفوا بعد و تعادوا و ضعفت النيّة و قلّ العدد و أنت تأخذهم بالعدل و تعمل فيهم بالحقّ و تنصف الوضيع من الشّريف، فليس للشّريف عندك فضل منزلة على الوضيع، فضجّت طائفة ممّن معك إذ عموا به و اغتمّوا من العدل إذ صاروا فيه.

و رأوا صنايع معاوية عند أهل الغناء و الشّرف فتاقت أنفس النّاس إلى الدّنيا و قلّ من ليس للدّنيا بصاحب و أكثرهم يحتوي الحقّ و يشترى الباطل و يؤثر الدّنيا، فان تبذل المال يا امير المؤمنين يميل إليك أعناق الرّجال و تصفو نصيحتهم لك،و يستخلص ودّهم صنع اللّه لك يا امير المؤمنين و كبت أعدائك و فرق جمعهم و اوهن كيدهم و شتت امورهم وَ إِنَّ كُلًّا لَمَّا فقال عليّ عليه السّلام أمّا ما ذكرت من عملنا و سيرتنا بالعدل فانّ اللّه يقول: «مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» و أنا من أن أكون مقصّرا فيما ذكرت أخوف.

و أمّا ما ذكرت من أنّ الحقّ ثقل عليهم ففارقونا لذلك فقد علم اللّه انّهم لم يفارقونا من جور و لا لجئوا إذا فارقونا إلى عدل و لم يلتمسوا إلّا دنيا زايلة عنهم كان قد فارقوها و ليسألن يوم القيامة: الدّنيا أرادوا، أم للّه عملوا.

و أمّا ما ذكرت من بذل الأموال و اصطناع الرّجال فانّه لا يسعنا أن نؤتي امرأ من الفى‏ء اكثر من حقّه و قد قال اللّه سبحانه و قوله الحقّ: «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» و قد بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فكثّره بعد القلّة، و أعزّ فئته بعد الذّلة و إن يرد اللّه أن يولينا هذا الأمر يذلل لنا صعبه و يسهل لنا حزنه و أنا قايل من رأيك ما كان للّه عزّ و جلّ رضا و أنت من امن النّاس عندى و انصحهم لي و أوثقهم في نفسي إن شاء اللّه.

أقول: و يؤيد ذلك ما رواه الكليني في كتاب الرّوضة من الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن محمّد بن عيسى عن يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال انّ مولى لأمير المؤمنين سأله مالا فقال يخرج عطائى فاقاسمك هو «عطائى خ ل» فقال: لا اكتفى و خرج إلى معاوية فوصله، فكتب إلى امير المؤمنين عليه السّلام يخبره بما أصاب من المال، فكتب إليه أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه: أمّا بعد فانّ ما في يدك من المال قد كان له أهل قبلك و هو صائر إلى أهل بعدك و إنّما لك منه ما مهّدت لنفسك فاثر نفسك على صلاح ولدك، فانّما أنت جامع لاحد رجلين إمّا رجل عمل فيه بطاعة اللّه فسعد بما شقيت، و إمّا رجل عمل‏فيه بمعصية اللّه فشقى بما جمعت له، و ليس من هذين أحد بأهل أن تؤثره على نفسك و لا تبرد«» له على ظهرك، فارج لمن مضى برحمة اللّه، وثق لمن بقى برزق اللّه.

و في الرّوضة أيضا عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن يعقوب بن يزيد عن محمّد بن جعفر العقبىّ رفعه قال: خطب أمير المؤمنين عليه السّلام فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: ايّها النّاس إنّ آدم لم يلد عبدا و لا أمة، و إنّ النّاس كلّهم أحرار و لكن اللّه خوّل«» بعضكم فمن كان له بلاء فصبر في الخير فلا يمنّ به على اللّه جلّ و عزّ الا و حضر شي‏ء و نحن مسوّون فيه بين الأسود و الأحمر.

فقال مروان لطلحة و الزّبير: أراد بهذا غير كما، قال فأعطى كلّ واحد ثلاثة دنانير و أعطى رجلا من الأنصار ثلاثة دنانير، و جاء بعد غلام اسود فأعطاه ثلاثة دنانير، فقال الأنصارى يا أمير المؤمنين هذا غلام اعتقته بالامس تجعلنى و إياه سواء فقال إنّى نظرت في كتاب اللّه فلم أجد لولد إسماعيل على ولد اسحاق فضلا.

و في شرح المعتزلي عن هارون بن سعد قال قال عبد اللّه بن جعفر بن ابي طالب لعليّ عليه السّلام يا أمير المؤمنين لو أمرت لي بمعونة أو نفقة فو اللّه مالي نفقة إلّا أن أبيع دابّتي، فقال عليه السّلام: لا و اللّه ما أجد لك شيئا إلّا أن تأمر عمّك يسرق فيعطيك.

و عن عليّ بن يوسف المدايني إنّ طايفة من أصحاب علىّ مشوا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين اعط هذه الأموال و فضّل هؤلاء الأشراف من العرب و قريش على الموالى و العجم، و استمل من تخاف خلافه من النّاس و فراره، و إنّما قالوا له ذلك لما كان معاوية يصنع في المال.

فقال لهم أ تامرونني أن أطلب النّصر بالجور، لا و اللّه لا افعل ما طلعت شمس‏ و ما لاح في السّماء نجم، و اللّه لو كان المال لي لواسيت بينهم فكيف و إنّما هي اموالهم، ثمّ سكت طويلا و اجما، ثمّ قال: الأمر أسرع من ذلك قالها ثلاثا.

و يأتي رواية هذا الكلام في الكتاب إنشاء اللّه من السّيد بنحو آخر و هو المأة و السادس و العشرون من المختار في باب الخطب.

تكملة

اعلم انّ هذه الخطبة رواها المحدّث المجلسي في المجلد السّابع عشر من البحار من كتاب مطالب السؤول لمحمّد بن طلحة إلى قوله و يفعل اللّه بعد ذلك ما يشاء، و روى فقراتها الأخيرة السّيد المحدّث البحراني في كتاب غاية المرام من كتاب سليم بن قيس الهلالي في ضمن حديث طويل، و رواها المحدّث المجلسي ايضا في المجلد الثامن من البحار من كتاب سليم بن قيس الهلالي ايضا، و سيأتى نقل تلك الرّواية في التذييل الثّاني من تذييلي الكلام السّابع و الثلاثين، و رواها فيه ايضا من كتاب الغارات بزيادة و نقصان احببت روايتها هنا على ما هو دأبنا في هذا الشّرح.

فأقول في البحار من كتاب الغارات باسناده عن جندب، و من مجالس المفيد عن الكاتب عن الزّعفراني عن الثقفي عن محمّد بن إسماعيل عن زيد بن المعدّل عن يحيى بن صالح عن الحرث بن حصيرة عن أبي صادق عن جندب بن عبد اللّه الازدي قال سمعت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام يقول لأصحابه و قد استنفرهم أياما إلى الجهاد فلم ينفروا: أيّها النّاس انّى قد استنفرتكم فلم تنفروا، و نصحت لكم فلم تقبلوا، فأنتم شهود كأغياب، و صمّ ذووا أسماع، أتلو عليكم الحكمة، و أعظكم بالموعظة الحسنة، و أحثكم على جهاد عدّوكم الباغين، فما اتى على آخر منطقى حتّى أراكم متفرّقين أيادي سبا، فاذا أنا كففت عنكم عدتم إلى مجالسكم حلقا«» عزين‏تضربون الامثال و تتاشدون الاشعار، و تسألون الاخبار، قد نسيتم الاستعداد للحرب، و شغلتم قلوبكم بالاباطيل تربّت أيديكم، اغزوا القوم من قبل أن يغزوكم فو اللّه ما غزى قوم قط في عقر ديارهم إلّا ذلوا.

و ايم اللّه ما اريكم تفعلون حتّى يفعلون، و لوددت أنّى لقيتهم على نيّتي و بصيرتي فاسترحت من مقاساتكم فما أنتم إلّا كابل جمة ضلّ«» راعيها، فكلّما ضمّت من جانب انتشرت من جانب آخر، و اللّه لكأني بكم لو حمس الوغا و احم«» الباس قد انفرجتم عن عليّ بن ابي طالب انفراج الرّاس و انفراج المرأة عن قبلها.

فقام إليه أشعث بن قيس الكندى فقال له: يا أمير المؤمنين فهلّا فعلت كما فعل ابن عفان فقال عليه السّلام له: يا عرف النّار و يلك إنّ فعل ابن عفّان لمخزاة على من لا دين له و لا حجّة معه فكيف و أنا على بيّنة من ربى، الحقّ في يدي و اللّه انّ امرأ يمكّن عدوّه من نفسه يخذع«» لحمه و يهشم عظمه و يفري جلده و يسفك دمه لضعيف ما ضمّت عليه جوانح صدره أنت فكن كذلك إن أحببت فأما أنا فدون أن أعطى ذلك ضرب بالمشر في يطير منه فراش الهام و تطيح منه الأكفّ و المعاصم و يفعل اللّه بعد ما يشاء.

فقام أبو أيوّب الأنصارى خالد بن زيد صاحب منزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال:

 

أيّها الناس إنّ أمير المؤمنين قد أسمع من كانت له اذن واعية و قلب حفيظ، إنّ اللّه قد اكرمكم بكرامة لم تقبلوها حقّ قبولها، إنّه نزل بين أظهركم ابن عمّ نبيّكم و سيّد المسلمين من بعده يفقهكم في الدّين و يدعوكم إلى جهاد المحلسين.«» فكانّكم صمّ لا يسمعون أو على قلوبكم غلف مطبوع عليها فانتم لا تعقلون، أفلا نستحيون عباد اللّه أ ليس انما عهدكم بالجور و العدوان أمس قد شمل البلاء و شاع في البلاد قد دحق محروم و ملطوم وجهه و موطاء بطنه و يلقى بالعراء تسفى عليه الأعاصير لا يكنه من الحرّ و القرّ و صهر«» الشّمس و الضّح إلا الأثواب الهامدة و بيوت الشّعر البالية.

حتّى جائكم اللّه بأمير المؤمنين عليه السّلام فصدع بالحق و نشر العدل و عمل بما في الكتاب، يا قوم فاشكروا نعمة اللّه عليكم و لا تولّوا مدبرين، و لا تكونوا كالذين قالوا سمعنا و هم لا يسمعون، اشحذوا السّيوف، و استعدّوا لجهاد عدوّكم، فاذا دعيتم فأجيبوا، و إذا امرتم فاسمعوا و أطيعوا، و ما قلتم فليكن ما اضمرتم عليه تكونوا بذلك من الصّادقين.

الترجمة

از جمله خطب آن حضرتست در طلب خروج مردمان بمحاربه اهل شام كه مى‏ فرمايد: اف و پريشانى باد مر شما را بتحقيق كه من ملول شدم از عتاب كردن شما آيا راضى شديد بزندگانى دنيا از حيثيت عوض شدن در آخرت، و بذلت از حيثيت بدل بودن از عزت، هر وقت كه شما را دعوت ميكنم بجنگ دشمنان خودتان چشمهاى شما مى‏ گردد بمنزله اين كه شما از شدّت مرگ در گرداب سخت افتاده ‏ايدو در غفلت و مدهوشى فرو رفته‏ ايد، در حالتى كه بسته مى ‏شود بر شما خطاب كردن با من.

پس متحير و سرگردان مى‏ مانيد در سخن گفتن و گويا قلبهاى شما مجنونست و ديوانگى عارض او شده پس شما عقل نداريد و نمى‏ فهميد و نيستيد شما از براى من معتمد و محل وثوق ابدا، و نيستيد شما ركنى كه ميل شده باشد بشما در دفع اعداء، و نيستيد يارى دهندگان عزت كه احتياج پيدا شود بشما، نيستيد مگر بمنزله شترانى كه گمشده باشد راعيان ايشان پس هر گاه جمع كرده شوند آن شترها از طرفى پراكنده ميشوند بطرف ديگر.

قسم ببقاى خدا كه بزبانهاى آتش حزبيد شما، مكر ميكنند بشما دشمنان و شما مكر نمى‏ كنيد بايشان، و نقصان مى ‏پذيرد اطراف بلاد شما بجهت قتل و غارت أعداء و شما غضب و خشم نمى‏ گيريد از بى غيرتى و بى ‏حميتى، خواب كرده نمى شود از شما يعنى دشمنها جهت كشتن شما چشم بالاى هم نمى‏ گذارند و شما در خواب غفلت حيرانيد، و مغلوب شدند بخدا سوگند فرو گذارندگان حرب با دشمنان.

و سوگند بحق خدا بدرستى كه گمان مى‏ برم بشما آنكه سخت شود كار جنگ و گرم گردد معركه مرگ جدا مى ‏شويد از پسر أبي طالب جدا شدن سر از بدن، قسم بذات خدا بدرستى مردى كه متمكن سازد دشمن خود را از نفس خود در حالتى كه بخورد آن دشمن گوشت او را. و بشكند استخوان او را، و پاره پاره كند پوست او را، هر آينه بزرگست عجز آن مرد و سست است آن چيزى كه فراهم آورده شده است بر آن چيز جوانب سينه او.

يعنى ضعيف القلب و جبانست پس تو باش مثل اين عاجز كاهل اگر خواهى متصف باشى باين صفات، پس أما من بحق خدا كه متحمل اين نمى‏ شوم و نزد اين حال كه بدهم بدشمن تمكين و تسلط را، پس زد نيست بشمشير مشرفى كه به پرد از و كاسه سر و تباه شود از او ساعدها و قدمها، و ميكند خداوند بعد از اين حال‏آن چيزى را كه بخواهد بمقتضاى حكمت بالغه خود.

اى مردمان بدرستى كه مرا بر شما حقى است و شما راست بر من حقى، پس أما حق شما بر من پس نصيحت كردن من است بر شما در نهان و آشكار و تمام كردن غنيمت شماست بر شما و تعليم دادنست بر شما تا اين كه جاهل نشويد و ادب دادنست بر شما تا اين كه عالم شويد و عمل نمائيد، و أما حق من بر شما پس وفا كردن شماست بر بيعت، و اخذ نصيحت است در حضور و غيبت و جواب دادنست در زمانى كه خوانم شما را و فرمان بردارى نمودنست در زمانى كه فرمايم شما را و اللّه اعلم بالصواب.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 33 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

 خطبه 33 صبحی صالح

33- و من خطبة له ( عليه‏ السلام  ) عند خروجه لقتال أهل البصرة

و فيها حكمة مبعث الرسل،

ثم يذكر فضله و يذم الخارجين

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ( عليه‏السلام  )بِذِي قَارٍ وَ هُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ

فَقَالَ لِي مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ

فَقُلْتُ لَا قِيمَةَ لَهَا

فَقَالَ ( عليه ‏السلام  )وَ اللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا

ثُمَّ خَرَجَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ

 

حكمة بعثة النبي‏

إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّداً ( صلى ‏الله ‏عليه ‏وآله  )

وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً

وَ لَا يَدَّعِي نُبُوَّةً

فَسَاقَ النَّاسَ حَتَّى بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ

وَ بَلَّغَهُمْ مَنْجَاتَهُمْ

فَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ

وَ اطْمَأَنَّتْ صَفَاتُهُمْ

فضل علي‏

أَمَا وَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَفِي سَاقَتِهَا

حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا

مَا عَجَزْتُ وَ لَا جَبُنْتُ

وَ إِنَّ مَسِيرِي هَذَا لِمِثْلِهَا

فَلَأَنْقُبَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى يَخْرُجَ الْحَقُّ مِنْ جَنْبِهِ

توبيخ الخارجين عليه‏

مَا لِي وَ لِقُرَيْشٍ

وَ اللَّهِ لَقَدْ قَاتَلْتُهُمْ كَافِرِينَ وَ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ مَفْتُونِينَ

وَ إِنِّي لَصَاحِبُهُمْ بِالْأَمْسِ كَمَا أَنَا صَاحِبُهُمُ الْيَوْمَ

وَ اللَّهِ مَا تَنْقِمُ مِنَّا قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ اخْتَارَنَا عَلَيْهِمْ

فَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي حَيِّزِنَا

فَكَانُوا كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ

 أَدَمْتَ لَعَمْرِي شُرْبَكَ الْمَحْضَ صَابِحاً
وَ أَكْلَكَ بِالزُّبْدِ الْمُقَشَّرَةَ الْبُجْرَا

وَ نَحْنُ وَهَبْنَاكَ الْعَلَاءَ وَ لَمْ تَكُنْ‏
عَلِيّاً وَ حُطْنَا حَوْلَكَ الْجُرْدَ وَ السُّمْرَا

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج4  

 

 و من خطبة له عليه السّلام

عند خروجه لقتال اهل البصرة و هى الثالثة و الثلاثون من المختار في باب الخطب قال ابن عباس دخلت على أمير المؤمنين عليه السّلام بذي قار و هو يخصف نعله فقال لي: ما قيمة هذا النعل فقلت: لا قيمة لها: فقال عليه السّلام: و اللّه لهي أحبّ إليّ من إمرتكم إلّا أن أقيم حقّا أو ادفع باطلا ثمّ خرج فخطب النّاس فقال: إنّ اللّه سبحانه بعث محمّدا و ليس أحد من العرب يقرأ كتابا و لا يدّعي نبوّة، فساق النّاس حتّى بوّاهم محلّتهم، و بلّغهم منجاتهم، فاستقامت قناتهم، و اطمأنّت صفاتهم، أما و اللّه إن كنت لفي ساقتها حتّى تولّت بحذافيرها ما عجزت، و لا جبنت، و إنّ مسيري هذا لمثلها، و لأنقبنّ (و لأبقرّن خ) الباطل حتّى يخرج الحقّ من خاصرته (جنبه خ ل)، ما لي و لقريش و اللّه لقد قاتلتهم كافرين، و لاقاتلنّهم‏مفتونين، و إنّي لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم.

اللغة

(ذو قار) موضع قرب البصرة، و هو المكان الذي كان فيه الحرب بين العرب و الفرس و نصرت العرب على الفرس و فيه عين يشبه لون مائه القير و (خصف النعل) خرزها و هي مؤنثة سماعيّة و (بواه) المكان أسكنه فيه و (المنجاة) موضع النّجاة و (القناة) الرّمح و هو إذا كانت معوجا لا يترتّب عليه الأثر و (الصّفاة) بفتح الصاد الحجر الصّلبة الضّخم لا ينبت و (السّاقة) جمع سائق كالحاكة و الحائك ثمّ استعملت للأخير لأن السّائق إنّما يكون في آخر الرّكب أو الجيش (تولّت) و في نسخة الشّارح المعتزلي ولت بالواو و كليهما بمعنى واحد أى أدبرت هاربا و (الحذافير) جمع الحذ فار بكسر الحاء و هو الجانب و الشّريف و الجمع الكثير يقال أخذه بحذافيره بأسره أو بجوانبه أو بأعاليه و (ضعف و جبن) بضمّ العين من باب كرم و (النّقب) الثّقب و في بعض النسّخ بدل لأنقبنّ لأبقرنّ من البقر و هو الشّق.

الاعراب

جملة و ليس احد، اه حاليّة و ان كنت لفى ساقتها ان بالكسر مخفّفة من الثّقيلة و اسمها محذوف، و اللام في قوله لفى ساقتها عوض عن المحذوف على حدّ قوله سبحانه: «وَ إِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً» و قيل فصل باللّام بين ان المخفّفة و بين غيرها من أقسام ان.

و عن الكوفيّين أنّ إنّ المشدّدة لا تخفّف و أنّ إن في هذه الموارد بمعنى ما النّافية، و اللّام بمعنى إلّا فاذا قلت: إن زيد لمنطلق فمعناه ما زيد إلّا منطلق و ردّ اوّلا بانّ وقوع اللّام بمعنى إلّا لم يثبت سماعا و لا قياسا، و ثانيا بأنّ هذا ينافي اعمالها مع التّخفيف و قد حكى عن سيبويه إن عمروا لمنطلق بالنصب و قرء الحرميان و أبو بكر:

 

 «وَ إِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ» و جملة ما عجزت حالية، و لمثلها بكسر اللّام على ما في أكثر النسخ أو بفتحها على أنّها للتّوكيد على ما في بعضها، و مالي و لقريش استفهام على سبيل إنكار معاندتهم له و جحودهم لفضله، و كافرين و مفتونين منصوبتان على الحال

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة مسوقة لاظهار انّ غرضه من حرب أهل الجمل كان إقامة الحقّ و إزاحة الباطل و أنّ حربه معهم جارى مجرى حربه مع الكفار و أهل الجاهلية في زمن الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و لذلك أشار أولا إلى بعثة الرّسول ثمّ رتّب عليها مقصوده فقال: (إنّ اللّه سبحانه بعث محمّدا) صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (و ليس أحد من العرب) في زمان بعثه (يقرأ كتابا و لا يدّعى نبوّة).

يحتمل أن يكون المراد بالعرب أقلّهم، فانّ أكثرهم لم يكن لهم يومئذ دين و لا كتاب كما مرّ تفصيلا في الفصل السّادس عشر من فصول الخطبة الاولى عند شرح قوله عليه السّلام: و أهل الارض يومئذ ملل متفرّقة اه.

و امّا على إرادة العموم كما هو ظاهر العبارة فيمكن الجواب بانّ الكتاب الذى كان بأيدى اليهود و النّصارى حين بعثه لم يكن بالتّوراة و الانجيل المنزل من السماء، لمكان التّحريف و التّغيير الذي وقع فيهما كما يشهد به قوله تعالى: «وَ إِنَّ مِنْهُمْ«» لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَ ما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ ما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ».

قال أبو على الطبرسي في مجمع البيان قيل: نزلت في جماعة من أخبار اليهودكتبوا بأيديهم ما ليس في كتاب اللّه من بعث النّبيّ و غيره و أضافوه إلى كتاب اللّه، و قيل: نزلت في اليهود و النّصارى حرّفوا التّوراة و الانجيل و ضربوا كتاب اللّه بعضه ببعض و الحقوا به ما ليس منه و أسقطوا منه الدّين الحنيف.

قال ابن عباس و كيف كان فالمقصود أنّ النّاس يوم بعث النبيّ كانوا أهل جاهلية غافلين عن الكتاب و السنّة (فساق) صلوات اللّه و سلامه عليه و آله (النّاس حتى بوّاهم محلّتهم) يعنى أنّه ضرب النّاس بسيفه حتى أسكنهم منزلتهم و مرتبتهم التي خلقوا لاجلها (و بلغهم منجاتهم) التي لا خوف على من كان بها و لا سلامة للمنحرف عنها.

و المراد بهما هو الاسلام و الدّين و بذلك يحصل النّجاة من النّار و يتقى من غضب الجبار و يسكن دار القرار، و ذلك هو المراد من خلقة الانسان و به يحصل مزّيته على ساير أنواع الحيوان (فاستقامت به قناتهم) التي كانت معوّجة (و اطمأنّت صفاتهم) التي كانت متزلزلة مضطربة.

قال الشّارح البحراني: و المراد بالقناة القوّة و الغلبة و الدّولة التي حصلت لهم مجازا من باب اطلاق السبب على المسبب، فانّ الرّمح سبب للقوّة و الشدّة، و معنى إسناد الاستقامة إليها انتظام قهرهم و دولتهم، و لفظ الصفات استعارة لحالهم التي كانوا عليها.

و وجه المشابهة أنّهم كانوا قبل الاسلام في مواطنهم و على أحوالهم متزلزلين لا يقرّ بعضهم بعضا في موطن و لا على حال بل كانوا أبدا في النّهب و الغارة و الجلاء، فكانوا كالواقف على حجر أملس متزلزل مضطرب فاطمأنّت أحوالهم و سكنوا في مواطنهم (أما و اللّه ان كنت لفي ساقتها) شبّه أمر الجاهلية إمّا بعجاجة ثائرة«» أو بكتيبة مقبلة للحرب.

فقال إنّى طردتها فولّت بين يدي و لم أزل في ساقتها أنا أطردها و هي تنفر أمامى (حتّى تولّت) هاربة (بحذافيرها) و لم يبق منها شي‏ء (ما عجزت) من سوقها(و لا جبنت) من طردها (و أنّ مسيرى هذا لمثلها) أى لمثل تلك الحال التي كنت عليها معهم في زمن الرّسول صلّى اللّه عليه و آله من سوق كتائبهم و طردها من غير ضعف و لاجبن.

(و لأبقرّن الباطل حتّى يخرج الحقّ من خاصرته) شبّه الباطل بحيوان ابتلع جوهرا ثمنيا أعزّ منه قيمة فاحتيج إلى شقّ بطنه في استخلاص ما ابتلع، و أراد بذلك تميز الحقّ من الباطل و تشخيص الصلاح من الفساد (مالي و لقريش) يجحدون فضيلتي و يستحلّون محاربتي و ينقضون بيعتي (و اللّه لقد قاتلتهم كافرين) بالكفر و الجحود (و لاقاتلنّهم مفتونين) بالافتنان و البغى ليرجعوا من الباطل إلى الحقّ و يفيئوا إليه.

روى في الوسائل عن الحسن بن محمّد الطوسي في مجالسه عن أبيه عن المفيد معنعنا عن محمّد بن عمر بن على عن أبيه عن جدّه أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال له: يا عليّ إنّ اللّه قد كتب على المؤمنين الجهاد في الفتنة من بعدي كما كتب عليهم الجهاد مع المشركين معي، فقلت: يا رسول اللّه و ما الفتنة التي كتب علينا فيها الجهاد قال: فتنة قوم يشهدون أن لا إله إلّا اللّه، و أنّى رسول اللّه، و هم مخالفون لسنّتي و طاعنون في ديني، فقلت فعلى م نقاتلهم يا رسول اللّه و هم يشهدون أن لا اله إلّا اللّه و أنّك رسول اللّه فقال على إحداثهم في دينهم و فراقهم لأمرى و استحلالهم دماء عترتي هذا.

قال الشّارح المعتزلي في شرح قوله و لاقاتلهم مفتونين: أنّ الباغي على الامام مفتون فاسق، و هذا الكلام يؤكد قول أصحابنا أنّ أصحاب صفّين و الجمل ليسوا بكفّار خلافا للاماميّة.

و ردّ بأن المفتون من أصابه الفتنة و هي تطلق على الامتحان و الضّلال و الكفر و الاثم و الفضيحة و العذاب و غير ذلك، و المراد بالمفتون ما يقابل الكافر الأصلي الذي لم يدخل في الاسلام أصلا و لم يظهره إذ لا شك في أنّ من حاربه عليه السّلام كافر لقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم حربك حربى و غير ذلك من الأخبار و الادلّة.

أقول: المستفاد من كلام الشّارح أنّ الامامية يقولون بكون البغاة كفارا كساير الكفّار من المشركين و منكري الرّسالة و ساير ما ثبت ضرورة من دين الاسلام و ليس كذلك و إلّا لحكموا بجواز سبى ذراريهم و تملّك نسائهم و أموالهم الغير المنقولة كساير الكفار من أهل الحرب مع أنّهم قد اجمعوا على عدم جواز شي‏ء من ذلك.

كيف و لو كان بناؤهم على ذلك لم يفصلوا في البغاة بين ذوى الفتنة كأصحاب الجمل و معاوية، و بين غيرهم كالخوارج حيث قالوا: في الأوّلين باجهاز جريحهم و اتباع مدبرهم و قتل أسيرهم، و في الآخرين بوجوب الاكتفاء بتفريقهم من غير أن يتّبع لهم مدبر أو يقتل لهم أسير أو يجهز على جريح، و لم يختلفوا أيضا في قسمة أموالهم التي حواها العسكر، بل حكموا في كل ذلك بحكم الكافر الحربي.

و ممّا ذكرنا ظهر ما في كلام المورد أيضا مضافا إلى ما فيه من أنّه لو كان المراد بالمفتون في كلامه عليه السّلام هو المرتدّ عن دين الاسلام على ما فهمه المورد لزم الحكم بعدم قبول توبة أكثر البغاة لو تابوا و بقسمة أموالهم و باعتداد زوجتهم عدّة الوفاة، لأنّ اكثر أهل البغى قد ولدوا على الفطرة مع أنّه لم يحكم أحد بذلك.

و تحقيق الكلام في المقام على ما يستفاد من كلام بعض علمائنا الأبرار و أخبار أئمتنا الاطهار سلام اللّه عليهم ما تعاقب اللّيل و النّهار هو: أنّ البغاة محكوم بكفرهم باطنا إلّا أنّه يعامل معهم في هذا الزّمان المسمّى بزمان الهدنة معاملة المسلم الحقيقي فيحكم بطهارتهم و جواز ملاقاتهم بالرّطوبة و بحلّ أكل ذبايحهم و حرمة أموالهم و صحة مناكحاتهم إلى غير ذلك من أحكام الاسلام حتّى يظهر الدّولة الحقّة عجّل اللّه تعالى ظهورها فيجري عليهم حينئذ حكم الكفّار الحربيين.

و يشهد بذلك ما رواه في الوسايل باسناده عن عبد اللّه بن سليمان قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: إنّ النّاس يروون أنّ عليّا عليه السّلام قتل أهل البصرة و ترك أموالهم فقال: إنّ دار الشرّك يحلّ ما فيها و انّ دار الاسلام لا يحلّ ما فيها فقال إنّ عليّا إنّما منّ عليهم كما منّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على أهل مكّة و إنّما ترك عليّ عليه السّلام لأنّه كان‏ يعلم انّه سيكون له شيعة و انّ دولة الباطل ستظهر عليهم، فأراد أن يقتدى به في شيعته و قد رأيتم آثار ذلك هو ذا يسار في النّاس بسيرة علي و لو قتل عليّ عليه السّلام أهل البصرة جميعا و اتّخذ أموالهم لكان ذلك له حلالا لكنّه منّ عليهم ليمنّ على شيعته من بعده.

و عن اسحاق بن عمّار قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: مال النّاصب و كلّ شي‏ء يملكه حلال إلّا امرأته، فانّ نكاح أهل الشرّك جايز، و ذلك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: لا تسبّوا أهل الشّرك فانّ لكل قوم نكاحا و لو لا أنا نخاف عليكم أن يقتل رجل منكم برجل منهم و رجل منكم خير من ألف رجل منهم لأمرناكم بالقتل لهم و لكن ذلك إلى الامام.

و عن أبي بكر الحضرمي قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: لسيرة عليّ في أهل البصرة كانت خيرا لشيعته ممّا طلعت عليه الشّمس إنّه علم أنّ للقوم دولة فلو سباهم لسبيت شيعته، قلت: فأخبرني عن القائم يسير بسيرته قال: لا إنّ عليّا سار فيهم بالمنّ لما علم من دولتهم و إنّ القائم يسير فيهم بخلاف تلك السّيرة لأنّه لا دولة لهم.

و عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السّلام عن القائم إذا قام بأىّ سيرة يسير في النّاس فقال: بسيرة ما سار به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حتّى يظهر الاسلام، قلت و ما كانت سيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: أبطل ما كان في الجاهليّة و استقبل النّاس بالعدل، و كذلك القائم إذا قام يبطل ما كان في الهدنة ممّا كان في أيدي النّاس و يستقبل بهم العدل.

و روى عن الدّعائم عن عليّ عليه السّلام أنّه سئل عن الذين قاتلهم من أهل القبلة أ كافرون هم قال عليه السّلام: كفروا بالأحكام و كفروا بالنّعم ليس كفر المشركين الذين دفعوا النبوّة و لم يقرّوا بالاسلام، و لو كانوا كذلك ما حلّت لنا مناكحهم و لا ذبايحهم و لا مواريثهم.

إلى غير ذلك من النّصوص الدالّة على جريان حكم المسلمين على البغاةمن حيث البغي في زمن الهدنة فضلا عمّا هو المعلوم من تتبّع كتب السّير و التّواريخ من مخالطة الأئمة عليهم السّلام معهم و عدم التجنّب من أسآرهم و غير ذلك من أحكام المسلمين و إن وجب قتالهم إذا ندب عليه الامام عموما او خصوصا أو ندب عليه المنصوب من قبله عليه السّلام لكن ذلك أعمّ من الكفر و يأتي تمام الكلام إنشاء اللّه تعالى في شرح الكلام المأة و الخامسة و الخمسين.

نعم الخوارج منهم قد اتّخذوا بعد ذلك دينا و اعتقدوا اعتقادات صاروا بها كفّارا لا من حيث كونهم بغاة فافهم جيّدا و قوله عليه السّلام: (إنّى لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم) إشارة إلى عدم تغيّر حالته عن التي بها قاتلهم كافرين، و فيه تهديد لهم و تذكير لشدّة بأسه و سطوته و شجاعته هذا.

و في نسخة الشّارح المعتزلي بعد قوله صاحبهم اليوم: و اللّه ما تنقم منّا قريش إلّا أنّ اللّه اختارنا عليهم فأدخلناهم في خيرنا فكانوا كما قال الأوّل:

ادمت لعمري شربك المحض صابحا
و اكلك بالزّبد المقشّرة البجرا

و نحن وهبناك العلاء و لم تكن‏
عليا و حطنا حولك الجرد و السمرا

 أقول: (المحض) اللبن الخالص، و (الصّابح) و الصّبوح ما صلب من اللّبن بالغداة و ما أصبح عندهم من شراب و (المقشّرة) التّمرة التي اخرج منها نواتها و (البجر) بالضّم الأمر العظيم و العجب و لعلّه هنا كناية عن الكثرة أو الحسن أو اللطافة، و يحتمل أن يكون مكان المفعول المطلق يقال بجر كفرح فهو بجر امتلأ بطنه من اللبن و لم يروّ، و تبجر النّبيذ ألحّ في شربه و (الجرد) بالضّم جمع الأجرد و هو الفرس الذى دقت شعرته و قصرت و هو مدح و (السّمر) جمع الاسمر و هو الرّمح

تكملة

يأتي إنشاء اللّه رواية هذه الخطبة في الكتاب بطريق آخر و هي الخطبة المأة و الثّالثة، و نوردها بطريق ثالث في الشّرح ثمّة فانتظر.

 

تبصرة

روى الشّارح المعتزلي عن أبي مخنف عن الكلبي عن أبي صالح عن زيد بن عليّ عن ابن عباس قال: لما نزلنا مع عليّ عليه السّلام ذاقار قلت: يا أمير المؤمنين ما أقلّ من يأتيك من أهل الكوفة فيما أظنّ فقال: و اللّه ليأتيني منهم ستّة ألف و خمسمائة و ستّون رجلا لا يزيدون و لا ينقصون قال ابن عبّاس فدخلنى و اللّه من ذلك شكّ شديد في قوله و قلت في نفسي و اللّه إن قدموا لأعدّنهم.

قال أبو مخنف فحدّث ابن اسحاق عن عمّه عبد الرّحمن بن يسار قال: نفر إلى عليّ إلى ذى قار من الكوفة في البرّ و البحر ستّة ألف و خمسمائة و ستّون رجلا و أقام عليّ عليه السّلام بذى قار خمسة عشر يوما حتّى سمع صهيل الخيل و شجيج البغال حوله قال: فلما سار منقلة قال ابن عباس، و اللّه لأعدّنهم فان كانوا كما قال و إلّا أتممتهم من غيرهم فانّ النّاس قد كانوا سمعوا قوله، قال: فعرضهم فو اللّه ما وجدتهم يزيدون رجلا و لا ينقصون رجلا فقلت: اللّه أكبر صدق اللّه و رسوله ثمّ سرنا.

الترجمة

از جمله خطب آن حضرتست كه فرموده هنگام رفتن او بمحاربه أهل بصره گفت عبد اللّه بن عباس كه داخل شدم بر امير المؤمنين در منزل ذى قار و آن حضرت مى‏ دوخت نعلين خود را پس گفت بمن كه اى ابن عباس چيست قيمت اين نعل من عرض كردم كه قيمت ندارد و بچيزى نمى ‏ارزد، فرمود بخدا سوگند كه اين نعل محبوب‏تر است به سوى من از امارة من در ميان شما مگر اين كه اقامه نمايم حقى را يا بر طرف سازم باطلى را پس آن حضرت بيرون تشريف آورد پس خطبه خواند از براى مردم پس فرمود: بدرستى كه خداوند تعالى مبعوث فرمود محمّد بن عبد اللّه صلوات اللّه و سلامه عليه را در حالتى كه نبود هيچ احدى از عرب كه كتاب بخواند و نه شخصى كه دعوى نبوت نمايد، پس راند حضرت رسالت مردم را تا اين كه ساكن فرمود ايشان را در منزل ايشان و رسانيد ايشان را در محل رستگارى ايشان، پس راست شد نيزهاى ايشان و آرام گرفت سنك هموار ايشان.

مقصود انتظام دولت ايشانست و آسودگى بلاد ايشان بخدا سوگند بدرستى كه بودم در ميان مردمانى كه رانندگان عساكر خصم بودند تا اين كه پشت برگرداند لشكر خصم و رو بر فرار نهادند تماما در حالتى كه عاجز نشدم و ترسناك نگشتم، و بدرستى كه اين سير و حركت من بقتال اهل بصره هر آينه مثل آن حالت سابقه است كه بودم بر آن از دليرى و شجاعت.

پس هر آينه مى‏ شكافم باطل را تا اين كه بيرون آيد حق از شكم او چيست مرا و قريش را كه بيعت مرا شكستند و فضيلت مرا انكار كردند بخدا سوگند كه مقاتله كردم با ايشان در حالتى كه كافر بودند، و مقاتله ميكنم با ايشان در حالتى كه مفتون هستند، و بدرستى كه من مصاحب ايشان بودم ديروز، همچنان كه مصاحب ايشانم امروز و تفاوت در حالت من نبوده‏

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 32 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 32 صبحی صالح

32- و من خطبة له ( عليه‏ السلام  ) و فيها يصف زمانه بالجور،

و يقسم الناس فيه خمسة أصناف، ثم يزهد في الدنيا

معنى جور الزمان‏

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِي دَهْرٍ عَنُودٍ وَ زَمَنٍ كَنُودٍ

يُعَدُّ فِيهِ الْمُحْسِنُ مُسِيئاً

وَ يَزْدَادُ الظَّالِمُ فِيهِ عُتُوّاً

لَا نَنْتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا

وَ لَا نَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا

وَ لَا نَتَخَوَّفُ قَارِعَةً حَتَّى تَحُلَّ بِنَا

أصناف المسيئين‏

وَ النَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ

مِنْهُمْ مَنْ لَا يَمْنَعُهُ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَهَانَةُ نَفْسِهِ وَ كَلَالَةُ حَدِّهِ وَ نَضِيضُ وَفْرِهِ

وَ مِنْهُمْ الْمُصْلِتُ‏ لِسَيْفِهِ وَ الْمُعْلِنُ بِشَرِّهِ وَ الْمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ وَ رَجِلِهِ

قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ وَ أَوْبَقَ دِينَهُ لِحُطَامٍ يَنْتَهِزُهُ أَوْ مِقْنَبٍ يَقُودُهُ أَوْ مِنْبَرٍ يَفْرَعُهُ

وَ لَبِئْسَ الْمَتْجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً

وَ مِمَّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ عِوَضاً

وَ مِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ وَ لَا يَطْلُبُ الْآخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا

قَدْ طَامَنَ مِنْ شَخْصِهِ

وَ قَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ

وَ شَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ

وَ زَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلْأَمَانَةِ

وَ اتَّخَذَ سِتْرَ اللَّهِ ذَرِيعَةً إِلَى الْمَعْصِيَةِ

وَ مِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ ضُئُولَةُ نَفْسِهِ

وَ انْقِطَاعُ سَبَبِهِ فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ عَلَى حَالِهِ

فَتَحَلَّى بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ

وَ تَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ

وَ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَاحٍ وَ لَا مَغْدًى

الراغبون في اللّه‏

وَ بَقِيَ رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِعِ

وَ أَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ

فَهُمْ بَيْنَ شَرِيدٍ نَادٍّ

وَ خَائِفٍ مَقْمُوعٍ

وَ سَاكِتٍ مَكْعُومٍ

وَ دَاعٍ مُخْلِصٍ

وَ ثَكْلَانَ مُوجَعٍ

قَدْ أَخْمَلَتْهُمُ التَّقِيَّةُ

وَ شَمِلَتْهُمُ الذِّلَّةُ

فَهُمْ فِي بَحْرٍ أُجَاجٍ

أَفْوَاهُهُمْ ضَامِزَةٌ

وَ قُلُوبُهُمْ قَرِحَةٌ

قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُّوا

وَ قُهِرُوا حَتَّى ذَلُّوا

وَ قُتِلُوا حَتَّى قَلُّوا

 

التزهيد في الدنيا

فَلْتَكُنِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِكُمْ أَصْغَرَ مِنْ حُثَالَةِ الْقَرَظِ

وَ قُرَاضَةِ الْجَلَمِ

وَ اتَّعِظُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَّعِظَ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ

وَ ارْفُضُوهَا ذَمِيمَةً

فَإِنَّهَا قَدْ رَفَضَتْ مَنْ كَانَ أَشْغَفَ بِهَا مِنْكُمْ

قال الشريف رضي الله عنه أقول و هذه الخطبة ربما نسبها من لا علم له إلى معاوية

و هي من كلام أمير المؤمنين ( عليه‏السلام  ) الذي لا يشك فيه

و أين الذهب من الرغام

و أين العذب من الأجاج

و قد دل على ذلك الدليل الخريت

و نقده الناقد البصير عمرو بن بحر الجاحظ

فإنه ذكر هذه الخطبة في كتاب البيان و التبيين

و ذكر من نسبها إلى معاوية

ثم تكلم من بعدها بكلام في معناها

جملته أنه قال و هذا الكلام بكلام علي ( عليه ‏السلام  ) أشبه و بمذهبه في تصنيف الناس و في الإخبار عما هم عليه من القهر و الإذلال و من التقية و الخوف أليق

قال و متى وجدنا معاوية في حال من الأحوال يسلك في كلامه مسلك الزهاد و مذاهب العباد

 شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج4  

و من خطبة له عليه السلام

و هى الثانية و الثلاثون من المختار في باب الخطب و رواها المحدّث العلامة المجلسي (ره) في البحار من كتاب مطالب السؤول لمحمد بن طلحة، قال قال عليه السّلام يوما في مسجد الكوفة و عنده وجوه النّاس: أيّها النّاس إنّا قد أصبحنا في دهر عنود، و زمن شديد (كنود خ)، يعدّ فيه المحسن مسيئا، و يزداد الظّالم فيه عتوّا، لا ننتفع بما علمنا، و لا نسئل عمّا جهلنا، و لا نتخوّف قارعة حتّى تحلّ بنا، فالنّاس على أربعة أصناف: منهم من لا يمنعه الفساد في الأرض إلّا مهانة نفسه، و كلالة حدّه، او نضيض و فره. و منهم المصلت بسيفه، و المعلن بشرّه، و المجلب بخيله و رجله، قد أشرط نفسه و أوبق دينه، لحطام ينتهزه، أو مقنب يقوده، أو منبر يفرعه، و لبئس المتجر أن ترى الدّنيا لنفسك ثمنا، و ممّا لك عند اللّه عوضا. و منهم من يطلب الدّنيا بعمل الآخرة و لا يطلب الآخرة بعمل الدّنيا، قد طامن بشخصه، و قارب من خطوه، و شمّر من ثوبه، و زخرف من نفسه للأمانة، و اتّخذ ستر اللّه ذريعة إلى المعصية.

 

و منهم من أقعده عن طلب الملك ضئولة نفسه، و انقطاع سببه فقصّرته الحال على حاله، فتحلّى باسم القناعة، و تزيّن بلباس أهل الزّهادة، و ليس من ذلك في مراح و لا مغدى. و بقى رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع، و أراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد نادّ، و خائف مقموع، و ساكت مكعوم، وداع مخلص، و ثكلان موجع، قد أخملتهم التّقيّة، و شملتهم الذّلّة، فهم في بحر أجاج، أفواهم ضامزة، و قلوبهم قرحة، قد و عظوا حتّى ملّوا، و قهروا حتّى ذلّوا، و قتلوا حتّى قلّوا، فلتكن الدّنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ، و قراضة الجلم، و اتّعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتّعظ بكم من بعدكم، و ارفضوها ذميمة، فإنّها قد رفضت من كان أشعف بها منكم. قال السّيد (ره) أقول هذه الخطبة ربّما نسبها من لا علم لها إلى معاوية و هي من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام الذى لا شك فيه، و أين الذّهب من الرّغام و العذب من الاجاج، و قد دلّ على ذلك الدّليل الخرّيت و نقده النّاقد البصير: عمرو بن بحر الجاحظ، فانّه ذكر هذه الخطبة في كتاب البيان و التّبيين، و ذكر من نسبها إلى معاوية، ثمّ قال: هي بكلام عليّ عليه السّلام أشبه و بمذهبه في تصنيف النّاس و في الاخبار عمّا هم عليه من القهر و الاذلال و من التقية و الخوف أليق، قال: و متى وجدنا معاوية في حال من الأحوال سلك في كلامه مسلك الزّهاد و مذاهب العبّاد.

 

اللغة

(عنود) على وزن صبور من عند القصد عنودا من باب قعد مال، و في بعض النسخ بدل الشديد (الكنود) و هو ككفور لفظا و معنى قال سبحانه: «إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ» قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله في تفسيره: الكنود الذى يأكل وحده و يمنع رفده و يضرب عبده (و العتوّ) مصدر من عتا الرّجل يعتو من باب قعد إذا استكبر و تجاوز عن الحدّ (و القارعة) الدّاهية و (مهانة) النّفس بالفتح ذلّها و (كلّ) السّيف كلّا و كلالة لم يقطع و (نضيض و فره) اى قلّة ماله من نضّ الماء نضّا و نضيضا سال قليلا قليلا و خرج رشحا.

و (المصلت) من أصلت سيفه إذا جرّده عن غمده و (المجلب) اسم فاعل من أجلب عليهم اى أعال عليهم و (الرّجل) جمع راجل كالركب و راكب قال سبحانه: «وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ» و (اشرط) نفسه أعدّها للفساد في الارض و (حطام) الدنيا متاعها و أصله ما تكسر من اليبس و (الانتهاز) بالزاء المعجمه الاغتنام و (المقنب) بالكسر ما بين الثلاثين و الأربعين من الخيل و (يفرعه) يعلوه و (طامن) ظهره حناه و خفضه و (شمر) ثوبه قصّره و رفعه و (زخرف) نفسه زيّنها و (ضئولة) النّفس بفتح الضّاد حقارتها و (المراح) بضمّ الميم حيث تاوى الماشية بالليل و المناخ و المأوى مثله.

و في بعض النسخ بفتح الميم و هو الموضع الذي يروح منه القوم أو يرجعون اليه يقال ما ترك فلان من ابيه مغدى و لا مراحا و مغداة و لا مراحة و (الشريد) من شرد البعير اذا نفر و (الناد) المنفرد و (المقموع) المغلوب و (كعم) البعير من باب منع فهو مكعوم و كعيم شدّ فاه لئلا يأكل أو يقضّ، و منه الكعام، و هو ما يجعل في فم البعير عند الهياج.

و (الضامزة) بالزاء المعجمة الساكنة و (القرظ) محرّكة ورق السّلم يدبغ به و (الجلم) بالتحريك أيضا المقصّ يجزّبه أو بارا لابل، و قراضته ما يقع من قرضه و قطعه و (الرّغام) تراب لين او رمل مختلط بتراب و (الخريت) بالكسر و تشديد الرّاء الدّليل الحاذق و (صنّف) النّاس تصنيفا جعلهم صنفا صنفا.

 

الاعراب

نسبة العنود و الكنود إلى الدّهر من باب التّوسع، و اضافة النّضيض إلى الموفر من باب اضافة الصّفة إلى الموصوف، و الباء في بسيفه و بشره و بخيله زايدة، و لبئس المتجر بئس فعل ذمّ و المتجر فاعله، و ان ترى الدّنيا مؤل بالمصدر مخصوص بالذمّ و هو في محلّ الرّفع على كونه مبتداء و بئس فاعله خبر اله أو على أنه خبر حذف مبتدؤه، و قوله بعمل الدنيا الباء للآلة، و من في قوله من شخصه للزّيادة كالثلاث بعدها، لأنّ الافعال الأربعة متعدّية بنفسها.

المعنى

اعلم أنّ الزّمان لما كان من الاسباب المعدّة لحصول ما يحصل في عالم الكون و الفساد من الشّرور و الخيرات صحّ بذلك توصيف بعض الازمنة بالخير فيقال: زمان خير و زمان عدل لكثرة ما يكون فيه بشهادة الاستقراء من الخير و انتظام حال الخلق و مواظبتهم على القوانين الشّرعية و السّنن النبوية، و توصيف بعضها بالشرّ فيقال زمان جائر و زمان صعب شديد لكثرة ما يقع فيه من الشرور و المفاسد و عدم انتظام أمر الخلق فيه من حيث المعاش أو المعاد، إذا عرفت ذلك فأقول: قوله عليه السّلام: (أيّها النّاس انا قد أصبحنا في دهر عنود و زمن شديد) ذمّ لزمانه عليه السّلام بالجور و العدوان و الشّدة و الكفران من حيث غلبة الضّلال و دولة الجهّال و اضمحلال الحق و استيلاء الباطل و رجوع أغلب النّاس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى أعقابهم القهقرى و ارتدادهم عن الامام الحق و اقتدائهم بالامام الباطل، و عدم تمكنه عليه السّلام من اقامة المعروف و إزاحة المنكر و من ذلك نشأ الشّرور و المفاسد التي عدوها و هي امور.

الاول انّه (يعدّ فيه المحسن مسيئا) و ذلك لغلبة الاساءة من حيث كثرة المسيئين و قلّة الاحسان لقلّة المحسنين، فيعدّ المسي‏ء إحسان المحسن إساءة كما أنّه يعدّ إساءة نفسه إحسانا، لكون السّنة في نظره بدعة و البدعة سنّة، أو أنّه يحمل احسان المحسن على الاسائة كحمله عبادته على الرّياء و السّمعة، و انفاقه‏ على الخوف او الرّغبة في المجازاة و نحو ذلك من الامور الناشئة من سوء الظنّ من أجل تنزيله حال الغير منزلة نفسه.

(و) الثاني انّه (يزداد الظالم فيه عتوا) و ذلك لقيام المقتضى لظلمه و عدم رادع له عن ذلك فيزداد فيه شيئا فشيئا و حينا فحينا.

بيان ذلك أنّ المقتضى لظلم الظالم هو نفسه الأمارة بالسّوء، فلو كانت في زمان العدل تكون مقهورة تحت حكم الحاكم العادل غير متمكّنة من القيام و الاقدام على الظلم و الجور، و لما لم يتمكّن عليه السّلام في زمانه من قمع الباطل حقّ التّمكن، لا جرم ازداد الظالم فيه على ظلمه و بلغ الغاية في استكباره و عتوّه باقتضاء دواعي نفسه.

و الثالث انّه (لا ننتفع بما علمنا) و الاتيان بصيغة المتكلّم من قبيل ايّاك أعنى و اسمعي يا جارة، و المقصود به توبيخ العالمين لتقصيرهم عن القيام بوظايف العلم إذ الانتفاع بالعلم إنّما يكون إذا وافقه العمل، لأنّ العلم و العمل كالرّوح و الجسد يتصاحبان و يتكاملان معا و كلّ مرتبة من العلم يقتضي عملا معينا بحسبه و كلّ عمل يتهيأ به لضرب من العلم.

و إلى ذلك أشار في رواية الكافي عن اسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: العلم مقرون إلى العمل فمن علم عمل، و من عمل علم، و العلم يهتف بالعمل فان أجابه و الّا ارتحل عنه: فان المراد بهتفه للعمل هو اقتضاؤه العمل و استدعاؤه له و من ارتحاله عدم الانتفاع به أو زواله بالمرّة.

و فيه عن عليّ بن هاشم بن البريد عن أبيه قال: جاء رجل إلى عليّ بن الحسين عليه السّلام فسأله عن مسائل فأجاب ثم عاد ليسأل عن مثلها فقال عليّ بن الحسين عليه السّلام: مكتوب في الانجيل لا تطلبوا علم ما لا تعلمون و لما تعملوا بما علمتم، فانّ العلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلّا كفرا، و لم يزدد من اللّه إلّا بعدا.

(و) الرابع انّه (لا نسأل عمّا جهلنا) و هو توبيخ للجاهلين المقصّرين في‏طلب العلم و سؤال العلماء لعدم معرفتهم فضل العلم و عدم رغبتهم في العمل و لذلك قال الصادق عليه السّلام لحمران بن أعين في شي‏ء سأله إنّما هلك النّاس لأنّهم لا يسألون رواه في الكافي.

و فيه أيضا عن عليّ بن إبراهيم عن محمّد بن عيسى عن يونس عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: افّ لرجل لا يفرغ نفسه في كلّ جمعة لأمر دينه فيتعاهده و يسأل عن دينه.

و عن الحسين بن محمّد عن عليّ بن محمّد بن سعد رفعه عن أبى حمزة عن عليّ ابن الحسين عليهما السّلام قال: لو يعلم النّاس ما في طلب العلم لطلبوه و لو بسفك المهج و خوض اللّجج إنّ اللّه تعالى أوحى إلى دانيال انّ أمقت عبيدى إلىّ الجاهل المستخفّ بحقّ أهل العلم التّارك للاقتداء بهم، و انّ أحبّ عبيدي إلىّ التّقىّ الطالب للثواب الجزيل اللّازم للعلماء التّابع للحكماء القايل عن الحكماء.

(و) الخامس انّه (لا نتخوف قارعة) و داهية (حتّى تحلّ بنا) و هو توبيخ للغافلين و المشغولين بلذايذ الدّنيا الحاضرة الغير الملتفتين إلى البليات و الدّواهي النّازلة.

ثمّ إنّه عليه السّلام بعد شكايته من زمانه قسّم أهل الزّمان إلى أقسام خمسة، و وجه القسمة أنّ النّاس إمّا مريدون للآخرة و هم الذين أفردهم بالذّكر في مقابل الأقسام الاربعة و أشار إليهم بقوله و بقى رجال غضّ أبصارهم (إلخ) و إمّا مريدون للدنيا و هؤلاء إمّا قادرون عليها بالسّلطنة و الاستيلاء، و إمّا عاجزون عنها، و هؤلاء إمّا غير محتالين للدّنيا، أو محتالون لها، و المحتالون إمّا مقصودهم من الاحتيال هو خصوص ملك الدّنيا و مالها، أو الأعمّ من ذلك فهذه أقسام خمسة أربعة منهم أهل الدّنيا و واحد أهل الآخرة.

و أشار إلى الأوّلين بقوله (فالنّاس على أربعة أصناف) الأول (منهم) العاجز عن الدّنيا غير المحتال لها و هو (من لا يمنعه) من العلوّ و (الفساد في الأرض إلّا مهانة نفسه) و حقارتها (و كلالة حدّ) سيف (ه) و وقوعه عن القطع و عدم الحقيقةللمنظور إليه (و نضيض و فره) اى قلّة ماله، و هذه كلّها إشارة إلى عدم تمكن هذا الرّجل من الوصول إلى مطلوبه و عدم قدرته على تحصيل مقصوده لانقطاع الاسباب دونه مضافا إلى ضعف نفسه.

(و) الثّاني (منهم) القادر على الدّنيا بالسّلطنة و الاستيلاء و هو (المصلت بسيفه) الشّاهر له (و المعلن بشره و المجلب بخيله و رجله) و هو كناية عن جمعه أسباب الظلم و الغلبة و الاستعلاء (قد اشرط نفسه) و اهلها للفساد في الأرض (و اوبق دينه لحطام ينتهزه) و يغتنمه، و تشبيه مال الدّنيا بالحطام لكونه قليل النّفع بالنّسبة إلى الأعمال الصالحة الباقي نفعها في الآخرة، كما أنّ اليبس من النّبات قليل المنفعة بالقياس إلى ما تبقى خضرته (او مقنب) اى خيل (يقوده او منبر يفرعه) و يعلوه.

و هذه الأوصاف المذكورة لهذا القسم مطابق المصداق مع خلفاء بني اميّة و بني العباس لعنهم اللّه و أشار إلى خسران هؤلاء في أفعالهم بقوله: (و ليئس المتجر أن ترى الدّنيا لنفسك ثمنا و ممّا لك عند اللّه عوضا) كما قال تعالى: «مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً، وَ مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَ سَعى‏ لَها سَعْيَها وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً».

(و) الثّالث (منهم) العاجز عن الوصول إلى الدّنيا المحتال لها بالسّمعة و الرّياء و يرائي بالزّيّ و الهيئة و هو (من يطلب الدّنيا بعمل الآخرة) لكون همّه فيها (و لا يطلب الآخرة بعمل الدّنيا) لعدم رغبته إليها أصلا، و المراد بعمل الدّنيا ما يفعله المكلف فيها أو ما يصير بانضمام القربة و التّوصل إلى الطاعة طاعة (قد طامن من شخصه) اظهارا للتّواضع (و قارب من خطوه) اظهارا للوقار (و شمّر من ثوبه) اظهارا للطهارة و التنزه من النّجاسة (و زخرف من نفسه) اي زيّنها للنّاس بزينة الصّلحاء و الاتقياء.

 

و مقصوده من ذلك كلّه أن يفتتن به النّاس و يرغب إليه قلوبهم و يعظم قدره عندهم و يروه أهلا (للأمانة) و يسكنوا إليه في أماناتهم و يثقوا به في اموراتهم، فويل لهذا الرّجل تحبّب إلى العباد بالتّبغض إلى اللّه و تزيّن لهم بالشّين عند اللّه و تحمّد إليهم بالتذمّم عند اللّه (و اتّخذ ستر اللّه) الذي حمى به أهل التّقوى أن يردوا موارد الهلكة (ذريعة إلى المعصية) و وسيلة إلى ما اتيه من الدّنيا الفانية.

قال في البحار: قال الكيدرى: في كتاب المضاف و المنسوب ستر اللّه الاسلام و الشيب و الكعبة و ضماير صدور الناس يعنى جعل ظاهر الاسلام و ما يجنّه صدره بحيث لا يطلع عليه مخلوق وسيلة و طريقا إلى معصية اللّه.

و أقول: يحتمل أن يكون المراد أنّه اتخذ ستر اللّه على عيوبه حيث لم يفضحه و لم يطلع الناس على بواطنه ذريعة إلى أن يخدع النّاس.

(و) الرّابع (منهم) العاجز المحتال الذي رغبته في الملك و المال و هو (من أقعده) في بيته (عن طلب الملك ضئولة نفسه) و حقارتها (و انقطاع سببه) من عدم البضاعة و نحوها من الاسباب المحصلة لمطلوبه، (ف) لأجل ذلك (قصرته الحال على حاله) اى وقفت به حال القدر على حاله التي لم يبلغ معها ما أراد و قصرته عليها، (ف) لذلك عدل إلى الحيلة الجاذبة لرغبات الخلق إليه (قتحلّى باسم القناعة و تزيّن بلباس أهل الزّهادة) و قام بالطاعات و واظب على العبادات (و) الحال انّه (ليس من ذلك) اى من القناعة و الزهد (في مراح و لا مغدى).

يعنى إنّه ليس منهما في شي‏ء و إنّما اتّصافه بهما ظاهريّ و صوريّ لا حقيقيّ و واقعيّ، و يحتمل أن يكون الاشارة بذلك إلى أهل الزّهادة و يكون المعنى أنّه ليس يومه كيومهم في الصّوم و غيره، و لا ليله كليلهم في العبادات هذا.

و لما فرغ من أصناف أهل الدّنيا الأربعة و أوصافها أشار إلى أهل الآخرة المقابل لهم بقوله: (و بقى رجال) و ميّزهم بأوصاف مخصوصة بهم متميّزين بها عن غيرهم و هى انّه (قد غض أبصارهم ذكر المرجع) عن النظر إلى محارم اللّه أو عن الالتفات إلى مطلق ما سوى اللّه.

و ذلك لانّ القلب إذا كان مشغولا بذكر اللّه مستغرقا في شهود جمال الحقّ‏و ملاحظة جلاله عارفا بأنّ المسير و المنقلب إليه سبحانه، يكون الحسّ تابعا له لا محالة لكونه رئيس الأعضاء و الحواسّ، فلا يكون له حينئذ التفات إلى الغير و توجه من طريقه إلى أمر آخر (و أراق دموعهم خوف المحشر) و هول المطلع فانّ بين الجنّة و النّار عقبة لا يجوزها إلّا البكاءون من خشية اللّه كما رواه في عدّة الدّاعي و فيه أيضا عن الصادق عليه السّلام كلّ عين باكية يوم القيامة إلّا ثلاث عيون: عين غضّت عن محارم اللّه، و عين سهرت في طاعة اللّه، و عين بكت في جوف الليل من خشية اللّه.

و عنه عليه السّلام ما من شي‏ء إلّا و له كيل أو وزن إلّا الدّموع فانّ القطرة يطفي بحارا من النّار، فاذا اغرورقت العين بمائها لم يرهق«» قتر و لا ذلّة، فاذا فاضت حرّمه اللّه على النّار و لو أنّ باكيابكى في امّة لرحموا.

و عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذا أحبّ اللّه عبدا نصب في قلبه نائحة من الحزن فانّ اللّه يحبّ كلّ قلب حزين و أنّه لا يدخل النّار من بكى من خشية اللّه تعالى حتّى يعود اللّبن إلى الضّرع، و أنّه لا يجتمع غبار في سبيل اللّه و دخان جهنّم في منخري مؤمن أبدا و إذا أبغض اللّه عبدا جعل قلبه مزارا «مزمارا» من الضّحك و إنّ الضّحك يميت القلب و اللّه لا يحبّ الفرحين.

و كيف كان (فهم بين شريد نادّ) أى نافر عن الخلق و منفرد عنهم و متوّحش منهم إمّا لكثرة أذى الظالمين في الأوطان، لانكاره المنكر أو لقلّة صبره على مشاهدة المنكرات (و خائف مقموع و ساكت مكعوم) كان التّقية سدّت فاه من الكلام (وداع مخلص) للّه في دعائه (و ثكلان موجع) إمّا لمصابه في الدّين أو من كثرة أذى الظالمين.

و في البحار و لعلّ المعنى أنّ بعضهم ترك الأوطان أو مجامع النّاس لما ذكر، و بعضهم لم يترك ذلك و ينكر منكرا، ثمّ يخاف ممّا يجرى عليه بعد ذلك و منهم من هو بينهم و لا ينهاهم تقيّة و معرض عنهم و مشتغل بالدّعاء، و منهم من هوبينهم بالضّرورة و يرى أعمالهم و لا يؤثر نهيه فيهم فهو كالثّكلان الموجع (قد أخملتهم التّقيه) من الظالمين (و شملتهم الذّلة) بسبب التّقية منهم (فهم في بحر اجاج).

يعنى أنّ حالهم في الدّنيا كحال العطشان في البحر الاجاج يريد عدم انتفاعهم بها و عدم استمتاعهم فيها كما لا يستغنى ذو العطاش بالماء المالح (أفواههم ضامزة) اى ساكتة و ساكنة من الكلام (و قلوبهم قرحة) من خشية الرّب تعالى أو لكثرة مشاهدة المنكرات مع عدم التمكن من دفعها و رفعها (قد وعظوا حتّى ملّوا) من الوعظ لعدم التفات الخلق اليهم و عدم تأثير موعظتهم فيهم.

(و قهروا حتّى ذلّوا) بين النّاس (و قتلوا حتّى قلّوا) نسبة القتل إلى الجميع مع بقاء البعض من باب اسناد حكم البعض إلى الكلّ، و هو شايع يقال: بنو فلان قتلوا فلانا، و إنّما قتله بعضهم و إذا كان حال كرام النّاس الزّاهدين في الدّنيا ذلك (فلتكن) لكم بهم أسوة حسنة و لتكن (الدّنيا) الدّنية (في أعينكم اصغر) و احقر (من حثالة القرظ و قراضة الجلم) و هو أمر للسّامعين باستصغار الدّنيا و استحقارها إلى حدّ لا يكون في نظرهم أحقر منها، و الغرض من ذلك تركهم لها و اعراضهم عنها.

قيل: أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مرّ على سخلة منبوذة على ظهر الطريق فقال صلّى اللّه عليه و آله اترون هذه هينة على أهلها فو اللّه الدّنيا أهون على اللّه من هذه على أهلها، ثمّ قال: الدّنيا دار من لا دار له، و مال من لا مال له، و لها يجمع من لا عقل له، و شهواتها يطلب من لا فهم له، و عليها يعادى من لا علم له، و عليها يحسد من لا فقه له، و لها يسعى من لا يقين له.

(و اتّعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتّعظ بكم من بعدكم) و هو أمر بالاتّعاظ بالامم السّالفة و تنبيه على أنّهم مفارقون للدّنيا لا محالة و كاينون عبرة لغيرهم، كما أنّ السّابقين عليهم صاروا عبرة لهم (و ارفضوها ذميمة) أى فارقوا عنها و اتركوها حال كونها مذمومة عند العقلا و أولى البصيرة.

و ذلك لزوال نعيمها و فناء سرورها و نفاد صحبتها و انقطاع لذّتها (فانّها)لو دام سرورها و بهجتها لأحد لدامت في حقّ أحبّ الخلق إليها مع أنّها لم تدم في حقّهم بل (قد رفضت من كان أشعف بها منكم) و تركت من كان أشدّ حرصا إليها، و إذا كان طباعها رفض كلّ محبّ فالأولى للعاقل رفضه لها قبل رفضها له.

روى انّ عيسى عليه السّلام كوشف بالدّنيا فرآها في صورة عجوزة هتماء عليها من كلّ زينة فقال لها كم تزوّجت قال: لا احصيهم، قال: فكلّهم مات عنك أو طلّقوك قال: بل كلّهم قتلت قال عيسى عليه السّلام: بؤسا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين، كيف أهلكتهم واحدا واحدا و لا يكونون منك على حذر، و لنعم ما قيل:

  يا طالب الدّنيا يغرّك وجهها
و لتندمنّ إذا رأيت قفاها

 الترجمة

از جمله خطب آن حضرتست كه شكايت ميكند در آن از اهل زمان خود و مى‏ فرمايد: اى مردمان بدرستى كه ما صباح كرده‏ايم در روزگار بسيار ستيزه كننده و ستمكار و در زمان بسيار ناسپاس در نعمت آفريدكار كه شمرده مى‏شود در او نيكو كار بد كردار و زياده مى‏ كند در آن ستمكار سركشى و افتخار را و منتفع نمى‏ شويم به آنچه دانسته‏ ايم، و سؤال نمى ‏كنيم از آنچه ندانسته ‏ايم و نمى‏ ترسيم از بلاهاى خطرناك كه كوبنده دلهاست تا اين كه نازل شود آن بلاها بما.

پس مردمان دنيا چهار صنفند: يكى از ايشان كسى است كه باز نمى‏ دارد او را از فتنه و فساد مگر رذالت و خارى نفس او و كند بودن تيزى شمشير او و كمى مال و ثروت او.

دوّمى از ايشان كسيست كه كشنده است شمشير خود را و آشكار كننده است شرّ خود را و كشنده است سواره و پياده خود را، يعنى اسباب سلطنت و ظلم در حق او مهياست بتحقيق اين مرد مهيا نموده از براى شرارت نفس خود را و تباه ساخته دين خود را از براى متاع دنيا كه غنيمت مى‏ شمارد آنرا يا از براى سوارانى كه‏ از براى نفس خودت ثمن و بها و از آنچه مر تو راست در نزد خداى تعالى از نعم آن سرا عوض و سزا.

و سيّمى از ايشان كسى است كه طلب كند دنيا را بعمل آخرت و طلب نمى كند آخرت را بعمل دنيا، بتحقيق كه اين شخص پست كرد تن خود را بجهت اظهار تواضع، و نزديك نهاد كام خود را بجهت اظهار وقار و برچيد دامن جامه خود را بجهت اظهار احتياط از نجاست، و زينت داد نفس خود را براى امانت و ديانت، و فرا گرفته طريقه خدا را وسيله رفتن بسوى معصيت.

و چهارمى از ايشان كسى است كه نشانده او را از طلب ملك و مال حقارت نفس او و بريده شدن علاج او، پس كوتاه ساخته او را حال تنكى او بر حالتى كه اراده نموده از رفعت و مرتبت پس آراسته است خود را باسم قناعت و پيراسته بلباس اهل زهد و طاعت، و حال آنكه نيست از اهل قناعت و زهد نه در محل شب و نه در محل روز يعنى در هيچ وقت در سلك زاهدان حقيقى نيست بلكه زهد و قناعت او صورى و ظاهريست.

و باقيماند مردمانى كه اهل آخرت هستند كه پوشانيد چشمهاى ايشان را از محارم يا از مطلق ما سوى اللّه ياد كردن بازگشت او نزد خداوند سبحانه و ريخت اشكهاى ايشان را ترس روز محشر پس آنها ميان رميده هستند و مطرود شده و ترسنده و مقهور گرديده و خاموش شونده و ممنوع از كلام و دعا كننده با اخلاص و فرياد كننده و رنجور شده.

بتحقيق كه افكنده است ايشان را بگوشه خمول تقيه و پرهيزكارى و شامل شده ايشان را ذلت و خارى، دهنهاى ايشان خاموش است از سخن، و قلبهاى ايشان مجروحست از خشية خداوند ذو المنن، بتحقيق كه موعظه فرمودند تا اين كه ملول شدند، و مقهور گشتند تا اين كه ذليل گرديدند، و كشته شدند تا اين كه اندك ماندند.

 

چون حال روزگار غدار در حق اين طايفه عاليمقدار بر اين منوالست، پس بايد كه باشد دنياى فانى در نظر شما خارتر از دردى برك سلم كه بآن دباغى مى‏كنند و از ريزهاى پشم بزكه از مقراض مى‏افتد، و نصيحت بپذيريد با كسانى كه بودند پيش از شما پيش از آنكه پند گيرند با شما آن كسانيكه مى‏ آيند بعد از شما و بگذاريد و ترك نمائيد متاع دنيا را در حالتى كه مذموم است و معيوب نزد اهل دانش و بينش، پس بتحقيق كه ترك كرده است دنيا كسى را كه حريص‏تر بود و مايل‏تر بآن از شما.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 31 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 31 صبحی صالح

31- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) لما أنفذ عبد الله بن عباس إلى الزبير يستفيئه إلى طاعته قبل حرب الجمل‏

لَا تَلْقَيَنَّ طَلْحَةَ

فَإِنَّكَ إِنْ تَلْقَهُ تَجِدْهُ كَالثَّوْرِ عَاقِصاً قَرْنَهُ

يَرْكَبُ الصَّعْبَ وَ يَقُولُ هُوَ الذَّلُولُ

وَ لَكِنِ الْقَ الزُّبَيْرَ

فَإِنَّهُ أَلْيَنُ عَرِيكَةً

فَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ ابْنُ خَالِكَ عَرَفْتَنِي بِالْحِجَازِ وَ أَنْكَرْتَنِي بِالْعِرَاقِ

فَمَا عَدَا مِمَّا بَدَا

قال السيد الشريف و هو ( عليه‏ السلام  ) أول من سمعت منه هذه الكلمة أعني فما عدا مما بدا

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج4  

و من كلام له عليه السّلام

قاله لابن عباس لما انفذه الى الزبير يستفيئه الى طاعته قبل حرب الجمل و هو الاحد و الثلاثون من المختار في باب الخطب لا تلقين طلحة فإنّك إن تلقه تجده كالثّور عاقصا قرنه يركب الصّعب، و يقول هو الذّلول، و لكن ألق الزّبير، فإنّه ألين عريكة،فقل له يقول لك ابن خالك عرفتني بالحجاز، و أنكرتني بالعراق، فما عدا ممّا بدا. أقول: و هو عليه السّلام أوّل من سمعت منه هذه اللّفظة أعنى فما عدا ممّا بدا.

اللغة

(يستفيئه) أى يسترجعه من فاء يفي‏ء إذا رجع و (تلقه) في بعض النّسخ بالفاء أى تجده (عقص) الثّور قرنه بالفتح متعدّ و عقص بالكسر لازم و الأعقص من التّيوس ما التوى قرناه على اذنيه من خلفه و المعقاص الشاة المعوّجة القرن (و الصعب) نقيض الذلول و هى المنقادة من الدّواب، و الجمع ذلل كرسول و رسل و (العريكة) الطبيعة يقال فلان ليّن العريكة إذا كان سلسا و (عداه) عن الأمر عدوا و عدوانا صرفه و شغله، و عدا الأمر دعته جاوزه و (بدا) ظهر.

الاعراب

عاقصا إمّا مفعول ثان لتجده أو حال عن الثور، كلمة ما للاستفهام، و مفعول عدا محذوف أى ما عداك على حدّ قوله سبحانه: «وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا» أى أرسلناه، و كلمة من فى قوله ممّا بدا بمعنى عن على حدّ قوله سبحانه: «فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» و قال الشّارح البحراني: إنّها لتبيين الجنس، و الأوّل أظهر.

المعنى

قوله (لا تلقينّ طلحة) نهى لابن عباس عن لقاء طلحة من أجل يأسه عنه لمكان الغرور و الكبر الذي كان فيه على ما أشار اليه بقوله (فانّك إن تلقه تجده كالثور عاقصا) أى عاطفا (قرنه) على اذنه.

قال الشّارح البحراني: شبهه بالثّور في عقص قرنه و كنّى بلفظ القرن عن شجاعته، لأنّ القرن آلة القوّة للثّور، و منع ما يراد به عن نفسه، و كذلك الشّجاعة يلزمها الغلبة و القوّة و منع الجانب، و كنّى بلفظ العقص لما يتبع تعاطيه‏ بالقوّة و الشجاعة من منع الجانب و عدم الانقياد تحت طاعة الغير اللازم عن الكبر و العجب الذى قد يعرض للشجاع.

و ذلك لأنّ الثّور عند ارادة الخصام يعقص قرنيه أى يرخى رأسه و يعطف قرنيه ليصوبهما إلى جهة خصمه و يقارن ذلك منه نفخ صادر عن توهم غلبته لمقاومه و انّه لا قدر له عنده.

و كذلك الشّبه ههنا علم منه عليه السّلام أنّه عند لقاء ابن عباس له يكون مانعا جانبه متهيّئا للقتال مقابلا للخشونة و عدم الانقياد له الصّادر عن عجبه بنفسه و غروره لشجاعته فلذلك حسن التشبيه.

و قوله: (يركب الصّعب و يقول هو الذّلول) يعني أنّه يستهين بالمستصعب من الامور ثمّ إنّه لمّا نهاه عن لقاء طلحة أمره بلقاء الزّبير بقوله: (و لكن ألق الزّبير) معلّلا بقوله: (فانّه ألين عريكة) أى احسن طبيعة و أسهل جانبا (فقل له يقول لك ابن خالك).

التّعبير بابن الخال للاستمالة و الملاطفة و الاذكار بالنسب و الرّحم على حدّ قوله: «وَ لَمَّا رَجَعَ مُوسى‏ إِلى‏ قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ» فانّ هارون لما رأى غضب موسى خاطبه بقوله يا بن أمّ، لكونه أدعى إلى عطفه عليه من أن يقول يا موسى أو يا أيها النّبيّ و نحو ذلك.

و كذلك لقوله: يقول لك ابن خالك في القلب موقع ليس لقوله يقول لك أمير المؤمنين، و أما كونه عليه السّلام ابن خال الزّبير فلأنّ صفيّة أمّ الزّبير كانت اختا لأبي طالب بنت عبد المطلب.

و قوله: (عرفتنى بالحجاز و أنكرتنى بالعراق) يعنى أنّك بايعتني بالمدينة و كنت أشدّ النّاس حماية لى يوم الشّورى و السّقيفة، و أنكرتني بالبصرة حيث نكثت بيعتى و بارزتني بالمحاربة (فما عدا ممّا بدا) أى أيّ شي‏ء صرفك عمّا ظهر منك أولا و ما الذي صدّك عن طاعتى بعد اظهارك لها.

و قال الشّارح البحراني: عدا بمعنى جاوز و من لبيان الجنس، و المرادما لذى جاوز بك عن بيعتى ممّا بدا لك بعدها من الامور التي ظهر لك و الأظهر ما ذكرناه هذا.

و روى في شرح المعتزلي عن الصّادق جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه عليهم السلام قال: سألت ابن عباس رضى اللّه عنه عن ذلك فقال: انّى أتيت الزّبير فقلت له: فقال: قال له انى اريد ما تريد كأنّه يقول الملك لم يزدني على ذلك فرجعت إلى عليّ فأخبرته و روى عن محمّد بن إسحاق الكلبي عن ابن عباس قال قلت الكلمة للزّبير فلم يزدني على أن قال: قل له أنا مع الخوف الشديد لنطمع، و سئل ابن عباس عمّا يعني بقوله هذا، فقال: أنا على الخوف لنطمع أن نلى من الأمر ما وليتم.

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن حضرتست در حينى كه فرستاد عبد اللّه بن عباس را بسوى زبير پيش از واقع شدن جنك در روز جمل تا باز گرداند او را بسوى طاعت او، فرمود ابن عباس را كه: البته ملاقات مكن با طلحة پس بدرستي كه اگر تو ملاقات كنى با او يا بى او را مثل گاو عاصي در حالتى كه پيچيده باشد شاخ خود را بر گرداگرد گوش خود، سوار مى‏شود بر دابه سركش و بى آرام و با وجود اين مى‏گويد كه رام است، و ملاقات كن با زبير پس بتحقيق كه او نرمتر است از روى طبيعت، پس بگوى او را كه مى‏گويد تو را پسر خال تو شناختى تو مرا در حجاز و بيعت كردى و انكار كردى مرا در عراق و تمرّد از طاعت نمودى پس چه چيز منع نمود و بگردانيد تو را از آنچه ظاهر شد از اطاعت من.

تمّ الجزء الأوّل من شرح نهج البلاغة بحمد اللّه و حسن توفيقه، و نسأل اللّه سبحانه التوفيق لشرح ما يتلو ذلك من خطبه المختارة و من كلامه المختار في باب الخطب الجارى مجرى الخطبة، و كان الفراغ من ذلك ليلة عيد الغدير من أعيادألف و ثلاثمأة سنة، و الحمد للّه أوّلا و آخرا و ظاهرا و باطنا سنة 1300«» بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الذى أرانا آيات قدرته و جبروته في الانفس و الآفاق، و هدانا إلى مشاهد سلطنته و عظموته بما رقم في صفحات السّبع الطباق، و دلّنا على مشاهدة انوار جماله في ملكوت السّموات و الارض، و مطالعة اسرار جلاله في الحجب و السّرادقات ذات الطول و العرض، فأشهد أنّه الواحد الأحد الفرد الصّمد الذي دلّ على وحدانيته بوجوب وجوده، و على قدرته و حكمته ببدايع خلقه وجوده، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله المنتجب، و صفيّه و أمينه المنتخب، أرسله لايضاح النهج و ابلاغ المنهج، و شرع الدّين و اتمام الحجج، فأوضح المحجّة و أتمّ الحجّة، و أقام أعلام الاهتدآء و أنار منار الضياء، و جعل قوائم الاسلام قويمة بعد اعوجاجه، و دعائم الايمان متينة بعد انفراجه:

رأيتك يا خير البريّة كلّها
نشرت كتابا جاء بالحقّ معلما

سننت لنا فيه الهدى بعد جورنا
عن الحقّ لما أصبح الحقّ مظلما

و نوّرت بالبرهان أمرا مدمسا«»
و أطفات بالبرهان جمرا تضرّما

اقمت سبيل الحقّ بعد اعوجاجها
و دانت قديما وجهها قد تهدّما

صلى اللّه عليه و آله الذينهم مرابيع النعم، و مصابيح الظلم لا تفتح الخيرات الّا بمفاتحهم، و لا تكشف الظلمات الّا بمصابيحهم، قوّام اللّه على خلقه و عرفاؤه على عباده، لا يدخل الجنّة إلّا من عرفهم و عرفوه، و لا يدخل النّار إلّا من أنكرهم و أنكروه.

فمن لم يكن يعرف امام زمانه
و مات فقد لاقى المنيّة بالجهل‏

لا سيّما من أخذ بضبعيه في الغدير و قد شهد هذا المشهد الجمّ الغفير فأقامه للنّاس علما و اماما، و للدّين قيما و قواما، و نادى بصوت جهورى يقرع الاسماع، و يملاء القلوب و الصّماخ، من كنت مولاه فعليّ مولاه، فسلّم قوم ففازوا، و تولّى آخرون و غاظوا فخاضوا، ثمّ فتح أبواب العلم، و أورثه جوامع الكلم، و علمه تبليغ الرّسالات، و تأويل الآيات، و تمام الكلمات، فاجتهد سلام اللّه عليه و آله في تاسيس قواعد الكلم، و تشييد ضوابط الحكم، و هدانا إلى نهج البلاغة ببديع بيانه، و سلك بنا منهاج البراعة بعذب لسانه، و أرشدنا إلى شرايع الدّين بأنواره، و أوضح لنا سبل اليقين بآثاره:

عليم بما قد كان أو هو كائن
و ما هو دقّ في الشرائع أو جل‏

مسمّى مجلا في الصّحايف كلّها
فسل أهلها و اسمع تلاوة من يتلو

و لو لا قضاياه التي شاع ذكرها
لعطّلت الأحكام و الفرض و النّفل‏

و بعد فهذا هو المجلّد الثّاني من مجلّدات منهاج البراعة إملاء راجى عفو ربّه الغنى حبيب اللّه بن محمد بن هاشم العلوى الموسوى غفر اللّه له و لوالديه، و احسن إليهما و إليه، فانّه تعالى ولىّ الاحسان، و الغفور المنان، فأقول و به التّكلان: قال السيد «ره»:

 

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 30 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 30 صبحی صالح

30- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) في معنى قتل عثمان

و هو حكم له على عثمان و عليه و على الناس بما فعلوا و براءة له من دمه

لَوْ أَمَرْتُ بِهِ لَكُنْتُ قَاتِلًا

أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ لَكُنْتُ نَاصِراً

غَيْرَ أَنَّ مَنْ نَصَرَهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ خَذَلَهُ مَنْ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ

وَ مَنْ خَذَلَهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي

وَ أَنَا جَامِعٌ لَكُمْ أَمْرَهُ

اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ الْأَثَرَةَ

وَ جَزِعْتُمْ فَأَسَأْتُمُ الْجَزَعَ

وَ لِلَّهِ حُكْمٌ وَاقِعٌ فِي الْمُسْتَأْثِرِ وَ الْجَازِعِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج4  

و من كلام له عليه السّلام في معنى قتل عثمان

و هو الثلاثون من المختار في باب الخطب لو أمرت به لكنت قاتلا، أو نهيت عنه لكنت ناصرا، غير أنّ من نصره لا يستطيع أن يقول خذله من أنا خير منه، و من خذله لا يستطيع أن يقول نصره من هو خير مني، و أنا جامع لكم أمره، استأثر فأساء الأثرة، و جزعتم فأسأتم الجزع، و للّه حكم واقع في المستأثر و الجازع.

اللغة

(الاستيثار) بالشّي‏ء الانفراد به و الاسم الاثرة بالتّحريك (و الجزع) الاضطراب و عدم الصّبر.

 

الاعراب

قوله: غير أنّ من نصره اه كلمة غير هنا للاستثناء فيفيد مفاد إلّا الاستثنائية، لكن لا بطريق الاصالة بل بطريق الحمل على إلّا، و تقريره على ما ذكره نجم الأئمة الرّضى هو أنّ أصل غير الصّفة المفيدة لمغايرة مجرورها لموصوفها إمّا بالذّات نحو مررت برجل غير زيد، و إمّا بالصّفات نحو قولك: دخلت بوجه غير الوجه الذي خرجت به، فانّ الوجه الذي تبين فيه أثر الغضب كانّه غير الوجه الذي لا يكون فيه ذلك بالذّات.

و ماهية المستثنى كما ذكر في حدّه هو المغاير لما قبل أداة الاستثناء نفيا و اثباتا فلما اجتمع ما بعد غير و ما بعد أداة الاستثناء في معني المغاير لما قبلهما حملت أم أدواة الاستثنا أى إلّا على غير في الصّفة و حملت غير على إلّا في الاستثناء في بعض المواضع.

و معنى الحمل أنّه صار ما بعد إلّا مغايرا لما قبلها ذاتا أو صفة كما بعد غير، و لا يعتبر مغايرته له نفيا و إثباتا كما كانت في أصلها و صار ما بعد غير مغايرا لما قبلها نفيا و إثباتا كما بعد إلّا و لا يعتبر مغايرته له ذاتا أو صفة كما كانت في الأصل إلّا أنّ حمل غير على إلّا أكثر من العكس، لأنّ غير اسم و التّصرف في الأسماء أكثر منه في الحروف، فوقع في جميع مواقع إلّا إلّا أنّه لا يدخل على الجملة كإلّا لتعذّر الاضافة إليها هنا.

و امّا إعرابه في الكلام الذي يقع فيه فهو إعراب الاسم التّالى إلّا في ذلك الكلام فتقول: جاء القوم غير زيد بالنّصب كما تقول: إلّا زيدا، و ما جائنى أحد غير زيد بالنّصب و الرّفع.

و سرّ ذلك على ما ذكره الرّضيّ هو أنّ أصل غير من حيث كونه اسما جواز تحمل الاعراب و ما بعده الذي صار مستثنى بتطفل غير على إلّا مشغول بالجرّ لكونه مضافا إليه في الأصل فجعل اعرابه الذي كان يستحقّه لو لا المانع المذكور أعنى اشتغاله بالجرّ على نفس غير عارية لا بطريق الأصالة.

 

و إعرابه في كلام الامام هو النصب لكونه استثناء منقطعا، و يجوز بنائه على الفتح لعدم الخلاف بين علماء الأدبيّة في جواز بنائه على الفتح إذا اضيف إلى ان، و نظيره فيه ما وقع في قوله غير أنّى قد استعين«» على الهمّ اذا خفّ بالثّوى النجاء، و قد صرّح الرّضيّ فيه بجواز الوجهين حسبما ذكرناه.

المعنى

قوله: (لو أمرت به) اى بقتل عثمان (لكنت قاتلا) لأنّ القاتل و ان كان موضوعا في اللغة للمباشر للقتل إلّا أنّه يطلق في العرف على الأعمّ من السبب و المباشر فيستلزم الأمر به له عرفا (أو نهيت عنه لكنت ناصرا) لاستلزام النّهى عنه النّصرة له و هو ظاهر.

و هاتان القضيّتان منتجتان لعدم مداخلته عليه السّلام في قتله بالأمر و النهى. إذ باستثناء نقيض تا لييهما يثبت نقيض المقدمين، و المقصود بهذا الكلام إظهار التبرّي من دم عثمان وردّ ما نسبه إليه معاوية و أتباعه من كونه دخيلا فيه، حيث إنّهم لم يستندوا في الخروج عليه و المحاربة معه إلّا بما شهروه بين النّاس من أنّه أمر بقتل عثمان هذا.

و ما ذكره الشّارح المعتزلي من أنّ هذا الكلام بظاهره يقتضى أنّه ما امر بقتله و لا نهى عنه، فيكون دمه عنده في حكم الأمور المباحة التي لا يؤمر بها و لا ينهى عنها.

فيه أنّ غاية ما يستفاد من كلامه هو عدم مدخليته فيه و أما أنّ جهة عدم المدخلية هل هي استباحة دمه أو ساير الجهات فلا دلالة في الكلام عليه.

لا يقال انّ قتله إمّا أن يكون واجبا عنده عليه السّلام، أو محرّما أو مباحا لا سبيل إلى الأوّلين إذ لو كان واجبا لكان آمرا به من باب الأمر بالمعروف، و لو كان محرّما لنهى عنه من باب النهى عن المنكر فحيث لم يأمر به و لم ينه عنه ثبت كونه مباحا عنده لأنا نقول أولا إنّ عدم الأمر به أعمّ من عدم الوجوب، لاحتمال أنّه لم يأمرلعلمه بما يترتب عليه من المفاسد، و يؤيّده ما سنحكيه من البحار و ما روى عنه عليه السّلام اللّه قتله و أنا معه.

و ثانيا انّ عدم نهيه عنه أعمّ من عدم كونه منكرا عنده، لاحتمال أنّه ترك النّهى لعلمه بأنّه لا يترتب على ذلك ثمرة، و وجوب إنكار المنكر إنّما هو إذا علم المنكر أو غلب على ظنّه تأثير إنكاره، و أما إذا علم أو غلب على ظنّه أنّ أنكاره لا يؤثّر و نهيه لا يثمر فيقبح حينئذ النّهى و الانكار، لأنه إن كان الغرض تعريف الفاعل قبح فعله، فذلك حاصل من دون الانكار و إن كان الغرض أن لا يقع المنكر فذلك غير حاصل.

و يؤيّد ذلك ما في البحار من أنّه جمع النّاس و وعظهم ثمّ قال: لتقم قتلة عثمان، فقام النّاس بأسرهم إلّا قليل و كان ذلك الفعل استشهادا منه عليه السّلام على عدم تمكنّه من دفعهم و يدلّ على ذلك بعض كلماته الآتية أيضا.«» و ثالثا لا نسلم أنّه لم ينه عنه فقد روى في البحار من الأمالي باسناده عن مجاهد عن ابن اعباس عنه قال: إن شاء النّاس قمت لهم خلف مقام إبراهيم فحلفت لهم باللّه ما قتلت عثمان و لا أمرت بقتله و لقد نهيتم فعصونى.

فان قلت: كيف الجمع بين هذه الرّواية و بين قوله عليه السّلام: أو نهيت عنه لكنت ناصرا.

قلت: يمكن الجمع بأن يكون المراد به استثناء عين المقدم فينتج عين التّالى أى لكنى نهيت عنه فكنت ناصرا و كيف كان، فقد تحصّل ممّا ذكرنا أنّ كلامه عليه السّلام مجمل متشابه المراد كإجمال ساير ما روى عنه في المقام و السرّ في الاجمال هو ابهام المقصود على السامعين.

و ذلك لما رواه في البحار من المناقب من أنّ أصحاب أمير المؤمنين كانوا فرقتين احداهما اعتقدوا أنّ عثمان قتل مظلوما و يتولّاه و يتبرّء من أعدائه، و الاخرى و هم جمهور أهل الحرب و أهل العناء و البأس اعتقدوا أنّ عثمان قتل لأحداث أوجبت عليه القتل، و منهم من يصرّح بتكفيره و كلّ من هاتين الفرقتين تزعمّ أنّ عليّا موافق له على رأيه و كان عليه السّلام يعلم أنّه متى وافق إحدى الطائفتين باينته الاخرى و أسلمته و تولّت عنه و خذلته فكان يستعمل في كلامه ما يوافق كلّ واحدة من الطائفتين.

أقول: و لأجل اشتباه كلامه على السّامعين قال شاعر الشّام الأبيات التي منها:

أرى الشّام تكره اهل العراق
و أهل العراق لهم كارهونا

و كلّ لصاحبه مبغض‏
يرى كلّ ما كان من ذاك دينا

إذا ما رمونا رميناهم
و دنّاهم مثل ما يقرضونا

و قالوا عليّ إمام لنا
و قلنا رضينا ابن هند رضينا

و قالوا نرى أن تدينوا لنا
فقلنا ألا لا نرى أن تدينا

و من دون ذلك خرط القتاد
و طعن و ضرب يقرّ العيونا

و كلّ يسرّ بما عنده
يرى غثّ ما في يديه سمينا

و ما في علىّ لمستعتب‏
يقال سوى ضمّه المحدثينا

و ايثاره اليوم أهل الذّنوب
و رفع القصاص عن القاتلينا

اذا سئل عنه حذا شبهة
و عمى الجواب على السّائلينا

فليس براض و لا ساخط
و لا في النّهات و لا الآمرينا

و لا هو ساء و لا سرّه‏
و لا بدّ من بعض ذا أن يكونا

هذا و قد تلخّص ممّا ذكرنا أنّه عليه السّلام كان بنائه على ابهام المرام فيّ تلك الواقعة للمصالح المترتّبة على ذلك إلّا أنّه غير خفى على أهل البصيرة و الحجى أنّ و جنات حاله عليه السّلام مع أفعاله و أقواله في تلك الواقعة يدلّ على أنّه كان منكرا لأفعاله و خلافته راضيا بدفعه.

 

قال المجلسي: و لم يأمر بقتله صريحا لعلمه بما يترتّب عليه من المفاسد أو تقيّة و لم ينه القاتلين أيضا لأنّهم كانوا محقّين، و كان يتكلّم في الاحتجاج على الخصوم على وجه لا يخالف الواقع و لا يكون للجهّال و أهل الضّلال ايضا عليه حجّة، و كان هذا ممّا يخصّه من فصل الخطاب و ممّا يدلّ على و فور علمه في كلّ باب، و يمكن استشمام ذلك من ترجيحه الخاذلين على الناصرين بقوله: (غير أنّ من نصره لا يستطيع أن يقول خذله من أنا خير منه، و من خذله لا يستطيع ان يقول نصره من هو خير منّى).

قال الشّارح المعتزلي معناه إنّ خاذليه كانوا خيرا من ناصريه لأنّ الذين نصروه كانوا فسّاقا كمروان بن الحكم و احزابه و خذله المهاجرون و الانصار.

أقول: كون ناصرى الرّجل منحصرا في مروان الفاسق و نظرائه و خاذليه وجوه الصّحابة من المهاجر و الأنصار غير خفىّ على العارف الأريب ما فيه من الاشارة الى حاله و رتبته، و إلى كون المنصور مثل النّاصر و العاقل يكفيه الاشارة (و أنا جامع لكم أمره) اى مبيّن له بلفظ و جيز.

قال الفيومى: و كان عليه السّلام: يتكلّم بجوامع الكلم أي كان كلامه قليل الألفاظ كثير المعاني (استأثر فأساء الأثرة) اي استبدّ برأيه في الخلافة و إحداث ما أحدث في الاستبداد و الاستقلال حيث ادّى إلى فساد نظم الخلافة حتّى انجرّ الأمر إلى قتله (و جزعتم) من افعاله (فأساتم الجزع) حيث قتلتموه و قد كان ينبغي عليكم التثبّت و إصلاح الأمر بينكم و بينه بدون القتل و بخلعه من الخلافة و إقامة غيره مقامه.

و قيل: أراد أنكم أسأتم الجزع عليه بعد القتل و قد كان ينبغي منكم ذلك الجزع قبل القتل (و للّه حكم واقع) اي ثابت محقّق في علمه تعالى يحكم به في الآخرة أو الاولى، أو سيقع أو يتحقّق خارجا في الآخرة أو الدّنيا لأنّ مجموعه لم يتحقّق بعد و إن تحقّق بعضه (في المستأثر و الجازع) و الأظهر انّ المراد خصوص الحكم الاخروي‏يعنى أنّ له سبحانه حكما واقعا فيهما يحكم به يوم القيامة بمقتضى عدله فيعاقب المذنب و يثيب المصيب.

تذييل

في الاشارة إلى كيفيّة قتل عثمان إجمالا على ما رواه في شرح المعتزلي من الواقدي و الطبري و هو أنّه أحدث أحداثا مشهورة نقمها النّاس عليه من تأمير بني اميّة و لا سيّما الفسّاق و أرباب السّفه و قلّة الدّين، و إخراج مال الفي‏ء إليهم و ما جرى في أمر عمّار و أبى ذر و عبد اللّه بن مسعود و غير ذلك من الامور التي جرت في أواخر خلافته، فلما دخلت سنة خمس و ثلاثين كاتب أعداء عثمان و بني اميّة في البلاد و حرّض بعضهم بعضا على خلعه من الخلافة و عزل عمّا له من الأمصار فخرج ناس من مصر و كانوا في ألفين، و خرج ناس من أهل الكوفة في ألفين، و خرج ناس من أهل البصرة و أظهروا انّهم يريدون الحجّ، فلما كانوا من المدينة على ثلث تقدّم أهل البصرة فنزلوا ذا خشب و كان هواهم في طلحة، و تقدّم أهل الكوفة فنزلوا الأعوص و كان هواهم في الزّبير، و جاء أهل مصر فنزلوا ذا المروة و كان هواهم في عليّ، و دخل ناس منهم المدينة يخبرون ما في قلوب النّاس لعثمان فلقوا جماعة من المهاجرين و الأنصار و لقوا أزواج النّبيّ و قالوا: إنّما نريد الحجّ و نستعفي من عما لنا.

ثم لقى جماعة من المصرّيين عليّا و هو متقلّد سيفه عند أحجار الزّيت فسلّموا عليه و عرضوا عليه أمرهم فصاح و طردهم و قال: لقد علم الصّالحون أنّ جيش ذي المروة و ذي خشب و الأعوص ملعونون على لسان محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فانصرفوا عنه، و أتى البصريّون طلحة فقال لهم مثل ذلك، و أتى الكوفيّون الزّبير فقال لهم مثل ذلك فتفرّقوا و خرجوا من المدينة إلى أصحابهم.

فلما أمن أهل المدينة منهم و اطمأنّوا إلى رجوعهم لم يشعروا إلّا و التّكبير في نواحي المدينة و قد نزلوها و أحاطوا بعثمان و نادى مناديهم: يا أهل المدينة من كفّ يده عن الحرب فهو آمن.

 

فحصروه في منزله إلّا أنّهم لم يمنعوا النّاس من كلامه و لقائه، فجاءهم جماعة من رؤساء المهاجرين و سألوهم ما شأنهم فقالوا: لا حاجة لنافي هذا الرّجل ليعتزلنا لنولّى غيره لم يزيد و هم على ذلك.

و خرج عثمان يوم الجمعة فصلّى بالنّاس و قام على المنبر فقال: يا هؤلاء اللّه اللّه فو اللّه إنّ أهل المدينة يعلمون أنّكم ملعونون على لسان محمّد صلّى اللّه عليه و آله فامحوا الخطاء بالصّواب، فقام محمّد بن مسلمة الأنصاري فقال: نعم أنا أعلم ذلك فاقعده حكيم بن جبلة البصري، و قام زيد بن ثابت فأقعده قنيرة بن وهب المصري.

و ثار القوم فحصبوا النّاس حتّى أخرجوهم من المسجد و حصبوا عثمان حتّى صرع عن المنبر مغشيّا عليه فادخل داره و أقبل عليّ و طلحة و الزّبير فدخلوا على عثمان يعودونه من صرعته و عند عثمان نفر من بني اميّة منهم مروان بن الحكم فقالوا لعليّ أهلكتنا و صنعت هذا الذى صنعت و اللّه إن بلغت هذا الأمر الذى تريده ليمرن عليك الدّنيا فقام مغضبا و خرج جماعة الذين معه إلى منازلهم.

ثمّ إنّ أهل المدينة تفرّقوا عنه و لزموا بيوتهم لا يخرج أحد منهم إلّا بسيفه يمتنع به فكان حصاره أربعين يوما.

و في رواية الطبرى فما نزل القوم ذا خشب يريدون قتل عثمان إن لم ينزع عمّا يكرهون و علم عثمان ذلك جاء إلى منزل عليّ فدخل و قال: يابن عمّ إنّ قرابتي قريبة و قد جاء ما ترى من القوم و هم مصبحى و لك عند النّاس قدروهم يسمعون منك و أحبّ أن تركب إليهم و تردّهم عنّى فانّ في دخولهم علىّ و هنا لأمري و جرئة علىّ.

فقال عليه السّلام: على أىّ شي‏ء أردّهم قال: على أن أصير إلى ما أمرت به و رأيت فيّ، فقال عليّ إنّى قد كلّمتك مرّة بعد اخرى فكلّ ذلك تخرج و تقول و تعد ثمّ ترجع و هذا من فعل مروان و معاوية و ابن عامر و عبد اللّه بن سعد فانك أطعتهم و عصيتنى.

قال عثمان فانى أعصيهم و اطيعك، فأمر عليّ عليه السّلام النّاس أن يركبوا معه فركب معه ثلاثور رجلا من المهاجر و الأنصار فأتوا المصريّين فكلّموهم فكان الذي يكلّمهم عليّ عليه السّلام و محمّد بن مسلمة فسمعوا منهما و رجعوا بأصحابهم يطلبون مصر.

و رجع عليّ حتّى دخل على عثمان فأشار عليه أن يتكلّم بكلام يسمعه النّاس منه ليسكنوا إلى ما يعدهم به من النّزوع، و قال: إنّ البلاد قد تمحّصت عليك و لا امن أنّه يجي‏ء ركب من جهة اخرى فتقول لي يا على اركب إليهم فان لم أفعل رأيتنى قد قطعت رحمك و استخففت بحقّك.

فخرج عثمان فخطب الخطبة التي ينزع فيها و أعطى النّاس من نفسه التّوبة و قال لهم: أنا أوّل من اتعظ و استغفر اللّه و أتوب إليه فمثلى نزع و تاب فاذا نزلت فليأتني أشرافكم فليرون رأيهم، و ليذكر كلّ واحد ظلامته لأكشفها و حاجته لأقضيها فو اللّه لان ردّني الحق عبد الأسننّ سنّة العبيد، و لا ذلنّ ذلّ العبيد، و ما عن اللّه مذهب إلا إليه و اللّه لأعطينكم الرّضا و لا يحننّ مروان و ذريه و لا أحتجب عنكم.

فلما نزل وجد مروان و سعدا و نفرا من بني اميّة في منزله قعودا لم يكونوا شهدوا خطبته و لكنها بلغهم.

فلما جلس قال مروان: يا أمير المؤمنين أ أتكلم فقالت نائلة: امرأة عثمان: لابل تسكت، فأنتم و اللّه قاتلوه و موتموا أطفاله إنّه قد قال مقالة لا ينبغي أن ينزع عنها، فقال لها مروان: و ما أنت و ذلك و اللّه لقد مات أبوك و ما يحسن أن يتوضّأ، فقالت: مهلا يا مروان عن ذكر أبي إلّا بخير و اللّه لو لا أنّ أباك عمّ عثمان و أنّه يناله غمّه و عيبه لأخبرتك بما لا أكذب فيه عليه، فأعرض عنه عثمان.

ثمّ عاد فقال: ءأتكلّم أم أسكت فقال: تكلّم، فقال و اللّه لوددت أنّ مقالتك هذه كانت و أنت ممتنع أوّل من رضى بها و أعان عليها، و لكنك قلت و قد بلغ الحزام الطبيين و جاوز السّيل الزّبى، و اللّه لاقامة على خطيئة تستغفر اللّه منها أجمل من توبة تخوف عليها ما زدت على أن جرئت عليك النّاس.

فقال عثمان قد كان من قولي ما كان، و إنّ الفايت لا يردّ و لم آل خيرا فقال مروان: إنّ النّاس قد اجتمعوا ببابك أمثال الجبال قال: ما شأنهم قال: أنت دعوتهم‏ إلى نفسك، فهذا يذكر مظلمة و هذا يطلب مالا و هذا سأل نزع عامل من عمّا لك و هذا ما جنيت على خلافتك.

و لو استمسكت و صبرت كان خيرا لك، قال: فاخرج أنت إلى النّاس فكلّمهم فانّى أستحى أن أكلّمهم و ردّهم فخرج مروان إلى النّاس و قد ركب بعضهم بعضا، فقال: ما شأنكم قد اجتمعتم كانّكم جئتم لنهب، شاهت الوجوه أ تريدون ان تنزعوا ملكنا من أيدينا، أعزبوا عنّا و اللّه ان رمتمونا لنمرّن عليكم ما حلا و لنحلن بكم ما لا يسركم و لا تحمدوا فيه رأيكم، ارجعوا إلى منازلكم، فانّا و اللّه غير مغلوبين على ما في أيدينا.

فرجع النّاس خايبين يشتمون عثمان و مروان و أتى بعضهم عليّا فأخبره الخبر، فأقبل عليّ على عبد الرّحمن بن الاسود بن عبد يغوث الزّهرى، فقال أحضرت خطبة عثمان قال: نعم قال أ فحضرت مقالة مروان للنّاس قال: نعم.

فقال عليه السّلام: اى عباد اللّه، ياللّه للمسلمين إنّى قعدت في بيتي، قال لي تركتنى و خذلتنى و إن تكلمت فبلغت له ما يريد جاء مروان و يلعب به حتّى قد صار سيقة له يسوقه حيث يشاء بعد كبر السّنّ و قام مغضبا من فوره حتى دخل على عثمان، فقال عليه السّلام له أما يرضى مروان منك إلّا أن يحرّفك عن دينك و عقلك فانت معه كجمل الظعينة يقاد حيث يسار به، و اللّه ما مروان بذى رأى في دينه و لا عقله، و انى لأراه يوردك ثمّ لا يصدرك و ما أنا عايد بعد مقامى هذا لمعا تبتك أفسدت شرفك و غلبت على رأيك ثمّ نهض.

فدخلت نائلة فقالت قد سمعت قول عليّ لك و أنّه ليس براجع إليك و لا معاود لك و قد أطعت مروان يقودك حيث يشاء قال فما أصنع قالت تتقى اللّه و تتبع سنّة صاحبيك، فانك متى أطعت مروان قتلك، و ليس لمروان عند النّاس قدر و لا هيبة و لا محبّة و إنّما تركك النّاس لمكانه، و إنّما رجع عنك أهل مصر لقول عليّ عليه السّلام، فأرسل إليه فاستصلحه، فانّ له عند النّاس قدما و أنّه لا يعص فأرسل إلى عليّ فلم يأته و قال: قد أعلمته أنّي غير عايد.

 

و في البحار من الامالى عن أحمد بن محمّد بن الصّلت عن ابن عقدة الحافظ عن جعفر بن عبد اللّه العلوىّ عن عمه القاسم بن جعفر بن عبد اللّه عن عبد اللّه بن محمّد بن عبد اللّه عن ابيه عن عبد اللّه بن أبي بكر عن ابي جعفر عليه السّلام قال حدثنى عبد الرّحمن بن أبي عمرة الانصارى: قال لمّا نزل المصريّون بعثمان بن عفّان في مرّتهم الثّانية، دعى مروان بن الحكم فاستشاره، فقال له: انّ القوم ليس هم لأحد أطوع منهم لعليّ بن أبي طالب عليه السّلام، و هو أطوع النّاس في النّاس، فابعثه إليهم فليعطهم الرضا و ليأخذ لك عليهم الطاعة و يحذّرهم الفتنة.

فكتب عثمان إلى عليّ بن أبي طالب: سلام عليك، أمّا بعد قد جاز السّيل الزّبى«»، و بلغ الحزام الطبيين، و ارتفع امر النّاس بي فوق قدر، و طمع فيّ من كان يعجز عن نفسه، فاقبل عليّ و تمثل:

  فان كنت ماكولا فكن خير آكل
و إلّا فأدركني و لمّا امزّق و السّلام.

 فجائه عليّ فقال: يا أبا الحسن ائت هؤلاء القوم فادعهم إلى كتاب اللّه و سنّة نبيّه فقال: نعم إن أعطيتني عهد اللّه و ميثاقه على أن تفى لهم بكلّ شي‏ء أعطيته عنك، فقال: نعم فأخذ عليه عهدا غليظا و مشى إلى القوم فلما دنى منهم قالوا وراءك قال: لا، قالوا: وراءك، قال: لا.

 

فجاء بعضهم ليدفع في صدره فقال القوم بعضهم لبعض: سبحان اللّه أتاكم ابن عمّ رسول اللّه يعرض كتاب اللّه، اسمعوا منه و اقبلوا، قالوا تضمن لنا كذلك، قال: نعم فأقبل معه أشرافهم و وجوههم حتّى دخلوا على عثمان فعاتبوه فأجابهم إلى ما أحبّوا فقالوا اكتب لنا على هذا كتابا و ليضمن علىّ عنك ما في الكتاب قال اكتبوا أنى شئتم فكتبوا بينهم: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذا ما كتب عبد اللّه عثمان أمير المؤمنين لمن نقم عليه من المؤمنين و المسلمين إنّ لكم عليّ أن أعمل بكتاب اللّه و سنّة نبيّه، و أنّ المحروم يعطى، و أنّ الخائف يؤمن، و أنّ المنفيّ يردّ، و أنّ المبعوث لا يجمر، و أنّ الفي‏ء لا يكون دولة بين الأغنياء، و عليّ بن أبي طالب ضامن للمؤمنين و المسلمين على عثمان الوفاء لهم على ما في الكتاب شهد الزّبير بن العوام و طلحة بن عبيد اللّه و سعد ابن مالك و عبد اللّه بن عمر و أبو أيوب بن زيد، و كتب في ذى القعدة سنة خمس و عشرين.

فأخذوا الكتاب ثمّ انصرفوا فلما نزلوا ايلة، إذا هم براكب فأخذوه فقالوا من أنت قال: أنا رسول عثمان إلى عبد اللّه بن سعد قال بعضهم لبعض: لو فتّشناه لئلّا يكون قد كتب فينا، ففتّشوه فلم يجدوا معه شيئا.

فقال كنانة بن بشر النجيبى: انظروا إلى أدواته فان للنّاس حيلا، فاذا قارورة مختومة بموم فاذا فيها كتاب إلى عبد اللّه بن سعد إذا جاءك كتابي هذا فاقطع أيدى الثلاثة مع أرجلهم فلما قرءوا الكتاب رجعوا حتّى أتوا عليّا، فأتاه فدخل عليه، فقال استعتبك القوم فاعتبتهم ثمّ كتبت هذا كتابك نعرفه الخط الخط و الخاتم الخاتم فخرج عليّ مغضبا و أقبل النّاس عليه فخرج سعد من المدينة فلقاه رجل فقال: يا أبا إسحاق أين تريد قال: إنى فررت بدينى من مكّة إلى المدينة و أنا اليوم أهرب بديني من المدينة إلى مكّة.

و قال الحسن بن عليّ لعليّ عليه السّلام حين أحاط النّاس بعثمان: اخرج من المدينة و اعتزل فانّ النّاس لا بدّ لهم منك و انّهم ليأتونك و لو كنت بصنعاء، و أخاف أن يقتل هذا الرّجل و أنت حاضره.

فقال يا بنىّ أخرج عن دار هجرتي و ما أظنّ يجترى على هذا القول كلمة، و قام كنانة بن بشر فقال: يا عبد اللّه أقم لنا كتاب اللّه فانا لا نرضى بالقول دون الفعل قد كتبت و اشهدت لنا شهودا و أعطيتنا عهد اللّه و ميثاقه، فقال ما كتبت بينكم كتابا.

فقام إليه المغيرة بن الأخنس و ضرب بكتابه وجهه و خرج إليهم عثمان ليكلّمهم فصعد المنبر و رفعت عايشة قميص رسول اللّه و نادت ايّها النّاس هذا قميص رسول اللّه لم يبل و قد غيّرت سنّته، فنهض النّاس و كسر اللغظ و حصبوا عثمان حتى نزل من المنبر، و دخل بيته.

فكتب نسخة واحدة إلى معاوية و عبد اللّه بن عامر: أمّا بعد فانّ أهل السّفه و البغى و العدوان من أهل العراق و مصر و المدينة أحاطوا بدارى و لن يرضيهم منّي دون خلعى أو قتلي، و أنا ملاقى اللّه قبل أن اتابعهم على شي‏ء من ذلك فأعينوني.

فلما بلغ كتابه ابن عامر قام و قال: أيّها النّاس إنّ امير المؤمنين عثمان ذكر أنّ شر ذمة من أهل مصر و العراق نزلوا بساحته فدعاهم إلى الحقّ فلم يجيبوا فكتب إلىّ أن ابعث إليه منكم ذوي الدّين و الرّأى و الصّلاح، لعلّ اللّه أن يدفع عنه ظلم الظالم و عدوان المعتدي فلم يجيبوه إلى الخروج.

ثم انّه قيل لعليّ إنّ عثمان قد منع الماء فأمر بالرّوايا فعكمت و جاء النّاس إلى عليّ عليه السّلام فصاح بهم صيحة انفرجوا فدخلت الرّوايا فلما رأى عليّ اجتماع النّاس دخل على طلحة بن عبد اللّه و هو متكى على و سائد، فقال: إنّ الرّجل مقتول فامنعوه فقال: أم و اللّه دون أن تعطى بنو أميّة الحقّ من أنفسها.

و في شرح المعتزلي عن الطبري عن عبد اللّه بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال: دخلت على عثمان فأخذ بيدى فأسمعني كلام من على بابه من النّاس فمنهم من يقول: ما تنتظرون به، و منهم من يقول: لا تعجلوا به فعساه ينزع و يراجع‏فبينا نحن إذ مرّ طلحة فقام إليه ابن عديس البلوى فناجاه ثمّ رجع ابن عديس فقال لأصحابه: لاتتركوا احدا يدخل إلى عثمان و لا يخرج من عنده، قال لي عثمان هذا ما امره به طلحة.

اللّهمّ اكفني طلحة فانّه حمل هؤلاء القوم و اكبّهم عليّ، و اللّه لأرجو ان يكون منها صفرا و ان يسفك دمه قال فأردت ان اخرج فمنعوني حتّى امرهم محمّد بن ابي بكر فتركوني اخرج.

قال الطبري: فلما طال الأمر و علم المصريّون انهم قد اجرموا إليه جرما كجرم القتل و أنّه لا فرق بين قتله و بين ما اتوا إليه و خافوا على نفوسهم من تركه حيّا راموا الدخول عليه من باب داره، فاغلقت الباب، و قام رجل من اسلم يقال له: نيار بن عياض و كان من الصّحابة فنادى عثمان و أمره أن يخلع نفسه، فبينا هو يناشده و يسوّمه خلع نفسه رماه كثير بن الصّلت الكندي و كان من أصحاب عثمان من أهل الدار نسبهم فقتله.

فصاح المصريّون و غيرهم عند ذلك: ادفعوا إلينا قاتل ابن عياض لنقتله به، فقال عثمان: لم اكن لأدفع إليكم رجلا نصرني و أنتم تريدون قتلي فثاروا إلى الباب فاغلق دونهم فجاءوا بنار فأحرقوه و أحرقوا السقيفة التي عليه.

و خرج مروان بسيفه يحاله النّاس فضربه رجل من بني ليث على رقبته فأثبته و قطع احد عيباوته فعاش مروان بعد ذلك اوقص، و قتل المغيرة بن الاخنس و هو يحامى عن عثمان بالسّيف.

و اقتحم القوم الدار و دخل كثير منهم الدّور المجاورة لها و تسوّروا من دار عمرو بن حزم اليها حتّى ملئوها و غلب النّاس على عثمان و ندبوا رجلا لقتله، فدخل إليه البيت فقال له: اخلعها و ندعك، فقال: و يحك و اللّه ما كشفت عن امرئة في جاهلية و لا اسلام و لا تغنيت و لا تمنيت و لا وضعت يميني على عورتى منذ بايعت رسول اللّه و لست بخالع قميصا كسانيه اللّه حتى يكرم اهل السّعادة و يهين اهل الشقاوة.

فخرج عنه فقالوا له ما صنعت قال: إنى لم استحلّ قتله فادخلو إليه رجلا من الصحابة فقال له: لست بصاحبي إنّ النبيّ دعا لك أن يحفظك يوم كذا و لن تصنع فرجع عنه، فادخلوا إليه رجلا من قريش فقال له: ان رسول اللّه استغفر لك يوم كذا فلن يقارف دما حراما فرجع.

فدخل عليه محمّد بن أبي بكر و في رواية الواقدي انّه أوّل من دخل عليه فقال له عثمان: و يحك أعلى اللّه تغضب هل لى إليك جرم إلّا أنّى أخذت حقّ اللّه منك، فأخذ محمّد بلحيته و قال: أخزاك اللّه يا نعثل، قال: لست بنعثل، و لكنّي عثمان و أمير المؤمنين فقال: ما أغنى عنك معاوية و فلان و فلان، فقال عثمان: يابن أخي دعها من يدك فما كان أبوك ليقبض عليها، فقال: لو عملت ما عملت في حياة أبى لقبض عليها و الذى اريد بك أشدّ من قبضي عليها، فقال: استنصر اللّه عليك و استعين بك فتركه و خرج.

و قيل: بل طعن جنبه بمشقص كان في يده فثار سودان بن حمران، و ابو حرب الغانقى و قنبرة بن وهب السكسكى فضربه الغانقى بعمود كان في يده و ضرب المصحف برجله و كان في حجره فنزل بين يديه و سال عليه الدّم، و جاء سودان ليضربه بالسّيف فاكبّت عليه امرأته نائلة و ألقت السّيف بيدها و هى تصرخ فنفح أصابعها فأطنها فولت فغمرت بعضهم إوراكها و قال إنّها لكبيرة العجز و ضرب سودان عثمان فقتله.

و قيل: بل قتله كنانة بن بشير النّجيبى، و قيل: بل قنبرة بن وهب، و دخل غلمان عثمان و مواليه فضرب أحدهم عنق سودان فقتله، فوثب قنبرة بن وهب على ذلك الغلام فقتله، فوثب غلام آخر على قنبرة فقتله، و نهب دار عثمان و اخذ ما على نسائه و ما كان في بيت المال.

و كان فيه غزارتان دراهم و وثب عمرو بن الحمق على صدر عثمان و به رمق فطعنه تسع طعنات و قال: أما ثلاث منها فانى طعنتهن للّه و أما ستّ منها فلما كان في صدرى عليه و أرادوا قطع رأسه فوقع عليه زوجتاه فضجن و ضربن الوجوه فقال ابن عديس: اتركوه.

و اقبل عمير بن الصّابى فوثب عليه فكسر ضلعين من أضلاعه و قال له سجنت أبي حتّى مات في السّجن.

 

و كان قتله يوم الثامن عشر من ذى الحجة سنة خمس و ثلاثين، و كان عمره ستّا و ثمانين سنة و دفن في حشّ كوكب«» بعد ثلاثة ايّام باذن عليّ على ما مرّ في شرح الخطبة الشّقشقّية.

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن امام عالي مقامست در معنى قتل عثمان و اظهار تبرى خود از مداخله آن مى‏ فرمايد.

اگر امر مى ‏كردم بقتل او هر آينه قاتل او مى‏ شدم، و اگر نهى مى‏ كردم از قتل او هر آينه ناصر مى‏ شدم إلّا اين كه كسى كه نصرة نمود او را نمى‏ تواند كه گويد خار نمود او را كسى كه من بهترم از او، و كسى كه خار نمود او را نمى ‏تواند كه گويد يارى نمود او را كسى كه او بهتر است از من، و من بيان كننده‏ ام به لفظ مختصر كار او را، سر خود نمود او امور عظيمه را بى مشاورت ديگران، پس بد نمود آن استقلال برأى را، و بيصبرى كرديد پس بد كرديد شما در بى صبرى، و مر خداوند راست حكم عدلى كه واقع مى‏شود در روز قيامت در حق مستقل برأى و در حق بى صبرى كننده، يعنى جزاى عملي كه شد از خطا يا صواب بصاحب عمل خواهد رسيد.

و من كلام له عليه السّلام

قاله لابن عباس لما انفذه الى الزبير يستفيئه الى طاعته قبل حرب الجمل و هو الاحد و الثلاثون من المختار في باب الخطب لا تلقين طلحة فإنّك إن تلقه تجده كالثّور عاقصا قرنه يركب الصّعب، و يقول هو الذّلول، و لكن ألق الزّبير، فإنّه ألين عريكة،فقل له يقول لك ابن خالك عرفتني بالحجاز، و أنكرتني بالعراق، فما عدا ممّا بدا. أقول: و هو عليه السّلام أوّل من سمعت منه هذه اللّفظة أعنى فما عدا ممّا بدا.

اللغة

(يستفيئه) أى يسترجعه من فاء يفي‏ء إذا رجع و (تلقه) في بعض النّسخ بالفاء أى تجده (عقص) الثّور قرنه بالفتح متعدّ و عقص بالكسر لازم و الأعقص من التّيوس ما التوى قرناه على اذنيه من خلفه و المعقاص الشاة المعوّجة القرن (و الصعب) نقيض الذلول و هى المنقادة من الدّواب، و الجمع ذلل كرسول و رسل و (العريكة) الطبيعة يقال فلان ليّن العريكة إذا كان سلسا و (عداه) عن الأمر عدوا و عدوانا صرفه و شغله، و عدا الأمر دعته جاوزه و (بدا) ظهر.

الاعراب

عاقصا إمّا مفعول ثان لتجده أو حال عن الثور، كلمة ما للاستفهام، و مفعول عدا محذوف أى ما عداك على حدّ قوله سبحانه: «وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا» أى أرسلناه، و كلمة من فى قوله ممّا بدا بمعنى عن على حدّ قوله سبحانه: «فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» و قال الشّارح البحراني: إنّها لتبيين الجنس، و الأوّل أظهر.

المعنى

قوله (لا تلقينّ طلحة) نهى لابن عباس عن لقاء طلحة من أجل يأسه عنه لمكان الغرور و الكبر الذي كان فيه على ما أشار اليه بقوله (فانّك إن تلقه تجده كالثور عاقصا) أى عاطفا (قرنه) على اذنه.

قال الشّارح البحراني: شبهه بالثّور في عقص قرنه و كنّى بلفظ القرن عن شجاعته، لأنّ القرن آلة القوّة للثّور، و منع ما يراد به عن نفسه، و كذلك الشّجاعة يلزمها الغلبة و القوّة و منع الجانب، و كنّى بلفظ العقص لما يتبع تعاطيه‏بالقوّة و الشجاعة من منع الجانب و عدم الانقياد تحت طاعة الغير اللازم عن الكبر و العجب الذى قد يعرض للشجاع.

و ذلك لأنّ الثّور عند ارادة الخصام يعقص قرنيه أى يرخى رأسه و يعطف قرنيه ليصوبهما إلى جهة خصمه و يقارن ذلك منه نفخ صادر عن توهم غلبته لمقاومه و انّه لا قدر له عنده.

و كذلك الشّبه ههنا علم منه عليه السّلام أنّه عند لقاء ابن عباس له يكون مانعا جانبه متهيّئا للقتال مقابلا للخشونة و عدم الانقياد له الصّادر عن عجبه بنفسه و غروره لشجاعته فلذلك حسن التشبيه.

و قوله: (يركب الصّعب و يقول هو الذّلول) يعني أنّه يستهين بالمستصعب من الامور ثمّ إنّه لمّا نهاه عن لقاء طلحة أمره بلقاء الزّبير بقوله: (و لكن ألق الزّبير) معلّلا بقوله: (فانّه ألين عريكة) أى احسن طبيعة و أسهل جانبا (فقل له يقول لك ابن خالك).

التّعبير بابن الخال للاستمالة و الملاطفة و الاذكار بالنسب و الرّحم على حدّ قوله: «وَ لَمَّا رَجَعَ مُوسى‏ إِلى‏ قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ» فانّ هارون لما رأى غضب موسى خاطبه بقوله يا بن أمّ، لكونه أدعى إلى عطفه عليه من أن يقول يا موسى أو يا أيها النّبيّ و نحو ذلك.

و كذلك لقوله: يقول لك ابن خالك في القلب موقع ليس لقوله يقول لك أمير المؤمنين، و أما كونه عليه السّلام ابن خال الزّبير فلأنّ صفيّة أمّ الزّبير كانت اختا لأبي طالب بنت عبد المطلب.

و قوله: (عرفتنى بالحجاز و أنكرتنى بالعراق) يعنى أنّك بايعتني بالمدينة و كنت أشدّ النّاس حماية لى يوم الشّورى و السّقيفة، و أنكرتني بالبصرة حيث نكثت بيعتى و بارزتني بالمحاربة (فما عدا ممّا بدا) أى أيّ شي‏ء صرفك عمّا ظهر منك أولا و ما الذي صدّك عن طاعتى بعد اظهارك لها.

و قال الشّارح البحراني: عدا بمعنى جاوز و من لبيان الجنس، و المراد ما لذى جاوز بك عن بيعتى ممّا بدا لك بعدها من الامور التي ظهر لك و الأظهر ما ذكرناه هذا.

و روى في شرح المعتزلي عن الصّادق جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه عليهم السلام قال: سألت ابن عباس رضى اللّه عنه عن ذلك فقال: انّى أتيت الزّبير فقلت له: فقال: قال له انى اريد ما تريد كأنّه يقول الملك لم يزدني على ذلك فرجعت إلى عليّ فأخبرته و روى عن محمّد بن إسحاق الكلبي عن ابن عباس قال قلت الكلمة للزّبير فلم يزدني على أن قال: قل له أنا مع الخوف الشديد لنطمع، و سئل ابن عباس عمّا يعني بقوله هذا، فقال: أنا على الخوف لنطمع أن نلى من الأمر ما وليتم.

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن حضرتست در حينى كه فرستاد عبد اللّه بن عباس را بسوى زبير پيش از واقع شدن جنك در روز جمل تا باز گرداند او را بسوى طاعت او، فرمود ابن عباس را كه: البته ملاقات مكن با طلحة پس بدرستي كه اگر تو ملاقات كنى با او يا بى او را مثل گاو عاصي در حالتى كه پيچيده باشد شاخ خود را بر گرداگرد گوش خود، سوار مى‏ شود بر دابه سركش و بى آرام و با وجود اين مى گويد كه رام است، و ملاقات كن با زبير پس بتحقيق كه او نرمتر است از روى طبيعت، پس بگوى او را كه مى‏ گويد تو را پسر خال تو شناختى تو مرا در حجاز و بيعت كردى و انكار كردى مرا در عراق و تمرّد از طاعت نمودى پس چه چيز منع نمود و بگردانيد تو را از آنچه ظاهر شد از اطاعت من.

تمّ الجزء الأوّل من شرح نهج البلاغة بحمد اللّه و حسن توفيقه، و نسأل اللّه سبحانه التوفيق لشرح ما يتلو ذلك من خطبه المختارة و من كلامه المختار في باب الخطب الجارى مجرى الخطبة، و كان الفراغ من ذلك ليلة عيد الغدير من أعيادألف و ثلاثمأة سنة، و الحمد للّه أوّلا و آخرا و ظاهرا و باطنا سنة 1300«» بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الذى أرانا آيات قدرته و جبروته في الانفس و الآفاق، و هدانا إلى مشاهد سلطنته و عظموته بما رقم في صفحات السّبع الطباق، و دلّنا على مشاهدة انوار جماله في ملكوت السّموات و الارض، و مطالعة اسرار جلاله في الحجب و السّرادقات ذات الطول و العرض، فأشهد أنّه الواحد الأحد الفرد الصّمد الذي دلّ على وحدانيته بوجوب وجوده، و على قدرته و حكمته ببدايع خلقه وجوده، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله المنتجب، و صفيّه و أمينه المنتخب، أرسله لايضاح النهج و ابلاغ المنهج، و شرع الدّين و اتمام الحجج، فأوضح المحجّة و أتمّ الحجّة، و أقام أعلام الاهتدآء و أنار منار الضياء، و جعل قوائم الاسلام قويمة بعد اعوجاجه، و دعائم الايمان متينة بعد انفراجه:

رأيتك يا خير البريّة كلّها
نشرت كتابا جاء بالحقّ معلما

سننت لنا فيه الهدى بعد جورنا
عن الحقّ لما أصبح الحقّ مظلما

و نوّرت بالبرهان أمرا مدمسا«»
و أطفات بالبرهان جمرا تضرّما

اقمت سبيل الحقّ بعد اعوجاجها
و دانت قديما وجهها قد تهدّما

صلى اللّه عليه و آله الذينهم مرابيع النعم، و مصابيح الظلم لا تفتح الخيرات الّا بمفاتحهم، و لا تكشف الظلمات الّا بمصابيحهم، قوّام اللّه على خلقه و عرفاؤه على عباده، لا يدخل الجنّة إلّا من عرفهم و عرفوه، و لا يدخل النّار إلّا من أنكرهم و أنكروه.

  فمن لم يكن يعرف امام زمانه
و مات فقد لاقى المنيّة بالجهل‏

لا سيّما من أخذ بضبعيه في الغدير و قد شهد هذا المشهد الجمّ الغفير فأقامه للنّاس علما و اماما، و للدّين قيما و قواما، و نادى بصوت جهورى يقرع الاسماع، و يملاء القلوب و الصّماخ، من كنت مولاه فعليّ مولاه، فسلّم قوم ففازوا، و تولّى آخرون و غاظوا فخاضوا، ثمّ فتح أبواب العلم، و أورثه جوامع الكلم، و علمه تبليغ الرّسالات، و تأويل الآيات، و تمام الكلمات، فاجتهد سلام اللّه عليه و آله في تاسيس قواعد الكلم، و تشييد ضوابط الحكم، و هدانا إلى نهج البلاغة ببديع بيانه، و سلك بنا منهاج البراعة بعذب لسانه، و أرشدنا إلى شرايع الدّين بأنواره، و أوضح لنا سبل اليقين بآثاره:

عليم بما قد كان أو هو كائن
و ما هو دقّ في الشرائع أو جل‏

مسمّى مجلا في الصّحايف كلّها
فسل أهلها و اسمع تلاوة من يتلو

و لو لا قضاياه التي شاع ذكرها
لعطّلت الأحكام و الفرض و النّفل‏

و بعد فهذا هو المجلّد الثّاني من مجلّدات منهاج البراعة إملاء راجى عفو ربّه الغنى حبيب اللّه بن محمد بن هاشم العلوى الموسوى غفر اللّه له و لوالديه، و احسن إليهما و إليه، فانّه تعالى ولىّ الاحسان، و الغفور المنان، فأقول و به التّكلان: قال السيد «ره»:

 

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 29 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 29 صبحی صالح

29- و من خطبة له ( عليه السلام  ) بعد غارة الضحاك بن قيس صاحب معاوية على الحاجّ بعد قصة الحكمين

و فيها يستنهض أصحابه لما حدث في الأطراف

أَيُّهَا النَّاسُ الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ

كَلَامُكُمْ يُوهِي الصُّمَّ الصِّلَابَ

وَ فِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ الْأَعْدَاءَ

تَقُولُونَ‏ فِي الْمَجَالِسِ كَيْتَ وَ كَيْتَ

فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ حِيدِي حَيَادِ

مَا عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ

وَ لَا اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ

أَعَالِيلُ بِأَضَالِيلَ

وَ سَأَلْتُمُونِي التَّطْوِيلَ

دِفَاعَ ذِي الدَّيْنِ الْمَطُولِ

لَا يَمْنَعُ الضَّيْمَ الذَّلِيلُ

وَ لَا يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلَّا بِالْجِدِّ

أَيَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ

وَ مَعَ أَيِّ إِمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ

الْمَغْرُورُ وَ اللَّهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ

وَ مَنْ فَازَ بِكُمْ فَقَدْ فَازَ وَ اللَّهِ بِالسَّهْمِ الْأَخْيَبِ

وَ مَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ

أَصْبَحْتُ وَ اللَّهِ لَا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ

وَ لَا أَطْمَعُ فِي نَصْرِكُمْ

وَ لَا أُوعِدُ الْعَدُوَّ بِكُمْ

مَا بَالُكُمْ

مَا دَوَاؤُكُمْ مَا طِبُّكُمْ

الْقَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ

أَ قَوْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ

وَ غَفْلةً مِنْ غَيْرِ وَرَعٍ

وَ طَمَعاً فِي غَيْرِ حَقٍّ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج4  

و من خطبة له عليه السّلام

و هى التاسعة و العشرون من المختار فى باب الخطب

خطب بها في غارة الضّحاك بن قيس على ما تعرفها تفصيلا و قد رواها في شرح المعتزلي من ثقة الاسلام محمّد بن يعقوب الكليني و العلامة المجلسي في البحار من امالى الشّيخ و ارشاد المفيد، و الشيخ السعيد أبو المنصور احمد بن علي الطبرسي في كتاب الاحتجاج باختلاف كثير تطلع عليه بعد الفراغ من شرح ما اورده السّيد في الكتاب و هو قوله أيّها النّاس المجتمعة أبدانهم المختلفة أهوائهم، كلامكم يوهي الصّم الصّلاب، و فعلكم يطمع فيكم الأعداء، تقولون في المجالس كيت و كيت، فإذا جاء الجهاد قلتم حيدي حياد، ما عزّت دعوة من دعاكم و لا استراح قلب من قاساكم، أعاليل بأضاليل، و سألتموني التّطويل، دفاع ذي الدّين المطول لا يمنع الضّيم الذّليل، و لا يدرك الحقّ إلّا بالجدّ أىّ دار بعد داركم تمنعون، و مع أىّ إمام بعدي تقاتلون، المغرور و اللّه من غررتموه، و من فاز بكم فقد فاز بالسّهم الأخيب، و من رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل أصبحت، و اللّه لا أصدّق قولكم، و لا أطمع في نصركم، و لا أوعد العدوّ بكم، ما بالكم ما دوائكم ما طبّكم، القوم رجال أمثالكم، أقولا بغير علم، و غفلة «و عفّة خ» من غير ورع، و طمعا في غير حقّ.

اللغة

(الوهي) الضّعف و وهى الحجر و السقاء كوقي انشقّ و اوهاه شقّه و (الصمّ) و (الصّلاب) من أوصاف الحجر و الصخرة الصماء التي ليس فيها صدع و لا خرق (و كيت و كيت) كناية عن القول و (حيدي حياد) قال الشّارح المعتزلي كلمة يقولها الهارب الفارّ و هي نظير قولهم: فيحى فياح اي اتّسعى، و أصلها من حاد الشي‏ء أي انحرف و قال الشّارح البحراني حياد اسم للمغارة و المعنى اعدلى عنا أيتها الحرب، و يحتمل أن يكون من اسماء الأفعال كنزال فيكون قد امر بالتنحّى مرّتين بلفظين مختلفين.

أقول: قال نجم الأئمة الرّضيّ فعال المبنى على أربعة أضرب: الاول اسم فعل كنزال الثاني المصدر نحو لا مساس أي لامس الثالث الصّفة المؤنثة و لم يجي‏ء في المذكر و جميعها يستعمل من دون الموصوف و هي بعد ذلك على ضربين: إما لازمة للنّداء سماعا نحو يا لكاع اي لكعاء و يا فساق و يا خباث اي يا فاسقة و يا خبيثة و أما غير لازمة للنّداء و هي على ضربين.

أحدهما ما صار بالغلبة علما جنسيّا كاسامة و جعل من هذا القسم حلاق و جباذ للمنية كانت في الأصل صفة لكل ما تحلق عامة و تجبذأى تجذب ثمّ اختصّت بجنس المنايا و فشاش و صمام و حياد للداهية لأنّها تفش اي تخرج ريح الكبر و تحيداي تميل سمّيت بها تفولا و تصم اي تشتدّه يقال فشاش فشيه من استه الى فيه اي اخرجى ريح الكبر منه من استه مع فيه و يقال حيدي حياد أي ارجعى يا راجعة و يقال صمّى صمام اي اشتدّي يا شديدة اي زيدي في الشّدّة و أبقى على شدّتك و فياح للغارة يقولون فيحى فياح اي اتّسعى يا متّسعة على تأويل صمّى صمام.

قال فهذه و امثالها أعلام للجنس بدليل وصفها بالمعرفة نحو حناذ الطالعة و لو لم يكن معارف لم يجز حذف حرف النّداء معها في نحو فشاش فشيه و حيدي حياد.

و الضّرب الثّاني من غير اللّازمة للنّداء ما بقى على وصفيّتها نحو قطاط اي قاطة، و لزام اي لازمة، و بداد اي متبدّدة متفرّقة و الرابع الأعلام الشّخصية و جميع ألفاظها مؤّنثة و إن كان المسمّى بها مذكرا ايضا نحو لصاف منزل من منازل بني‏تميم و خصاف فحل و حضار كوكب و ظفار مدينة و قطام اسم امرأة إلى آخر ما ذكره.

و قد لخّصناه بطوله لعدم اقتضاء المجال إلّا ذكر هذا القدر و قد تحصل منه أنّ حياد علم جنس للداهية فعلى ما ذكره بطل ما توّهمه الشّارح البحراني من جعلها علما للغارة او اسم فعل كنزال.

و (عز) فلان بالزّاء المعجمة المشدّدة قوى بعد ذلة و (قاساه) كابده و (اعاليل) و (اضاليل) قال البحراني: جمع أعلال و أضلال و هما جمع علّة اسم لما يتعلل به من مرض و غيره و ضلة اسم من الضّلال و (المطول) كصبور كثير المطال، و هو تطويل الوعد و تسويفه و (الضيّم) الظلم، و في بعض النّسخ بدل تمنعون تمتّعون على التّفعل بحذف إحدى التّائين أى تنتفعون و (الاخيب) أشدّ خيبة و هي الحرمان و (الافوق) السّهم المكسور الفوق و هو موضع الوتر منه و (النّاصل) الذي لا نصل فيه و (غفلة) في بعض النّسخ عفّة بدله.

الاعراب

كلمة كيت لا تستعمل إلا مكررة بواو العطف، و هي مبنيّة لوقوعها موقع الجملة الغير المستحقة للاعراب.

فان قيل: و كان يجب أن لا تكون مبنيّة كالجمل.

قيل: يجوز خلوّ الجمل عن الاعراب و البناء لأنهما من صفات المفردات و لا يجوز خلوّ المفرد عنهما فلما وقع المفرد ما لا إعراب له في الأصل و لا بناء و لم يجز أن يخلو أيضا عنهما مثله بقى على الأصل الذى ينبغي أن تكون الكلمات عليه و هو البناء إذ بعض المبنيّات و هو الخالى عن التركيب يكفيه عريه عن سبب الأعراب فعريه عن سبب الاعراب سبب البناء كما قيل عدم العلّة علّة العدم.

فان قلت: إنّها وضعت لتكون كناية عن جملة لها محلّ من الاعراب نحو قال فلان كيت و كيت أى زيد قائم مثلا و هي في موضع النّصب.

قيل: إنّ الاعراب المحلى في الجملة عارض فلم يعتد به و كيف كان فبنائها على الفتح أكثر لثقل الياء كما في أين و كيف و لكونها في الأغلب كناية عن الجملة المنصوبة المحل، و يجوز بنائها على الضمّ و الكسر أيضا تشبيها بحيث و جير و حياد و امثالها مبنيّة على الكسر.

قال نجم الأئمة الرّضىّ: و أمّا الأعلام الجنسية فكان حقّها الاعراب لأنّ الكلمة المبنيّة إذا سمى بها غير ذلك اللفظ وجب إعرابها كما يسمّى باين شخص لكنّها بنيت لأنّ الأعلام الجنسيّة أعلام لفظية، فمعنى الوصف باق في جميعها إذ هي أوصاف غالبة انتهى.

و في اسناد عزت إلى الدّعوة توسع، و أعاليل خبر مبتدأ محذوف، و بأضاليل متعلقة بأعاليل نفسها أى إذا دعوتكم إلى القتال تعللتم و هي أعاليل بالأضاليل التي لا جدوى لها.

و دفاع إمّا منصوب بحذف الجار تشبيها لدفاعهم بدفاع ذى الدّين، أو مرفوع استعارة لدفاعهم، و المغرور مبتدأ و من خبره، و هو أولى من جعله خبرا مقدّما و من مبتدأ لكونه أبلغ في إثبات الغرور لمن اغترّبهم من حيث إفادته الحصر دون العكس، و قولا و غفلة و طمعا منصوبات بالأفعال المقدّرة

المعنى

قد أشرنا أنّ السّبب في هذه الخطبة هو غارة الضّحاك بن قيس بعد قصّة الحكمين و عزمه على المسير الى الشام و ذلك على ما روى في شرح المعتزلي و غيره من كتاب الغارات لابراهيم بن محمّد الثّقفى باختصار منّا هو: أنّ معاوية لما بلغه أنّ عليّا بعد واقعة الحكمين تحمل إليه مقبلاها له ذلك فخرج من دمشق معسكرا و بعث إلى كور الشّام فصاح فيها أنّ عليّا قد ساء إليكم فاجتمع إليه النّاس من كلّ كورة و أرادوا المسير إلى صفّين.

فمكثوا يجيلون الرّأى يومين أو ثلاثة حتّى قدمت عليهم عيونهم أنّ عليّا اختلف عليه أصحابه ففارقته منهم فرقة انكرت أمر الحكومة و أنّه قد رجع عنكم‏إليهم فكبر النّاس سرورا لانصرافه عنهم و ما ألقى اللّه عزّ و جلّ من الخلاف بينهم.

فلم يزل معاوية معسكرا في مكانه منتظرا لما يكون من عليّ و أصحابه و هل يقبل بالنّاس أم لا، فما برح حتّى جاء الخبر أنّ عليّا قد قتل اولئك الخوارج و أنّه أراد بعد قتلهم أن يقبل بالنّاس و أنّهم استنظروه و دافعوه فسرّ بذلك هو و من قبله من النّاس.

فعند ذلك دعى معاوية الضّحاك بن قيس الفهري و قال له: سر حتّى تمر بناحية الكوفة و ترتفع عنها ما استطعت، فمن وجدته من الأعراب في طاعة عليّ فأغر عليه و إن وجدت له مسلحة أو خيلا فاغر عليها و إذا أصبحت في بلدة فامس في اخرى و لا تقيمنّ لخيل بلغك أنّها قد سرحت إليك لتلقاها فتقاتلها.

فسرّحه فيما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف، فأقبل الضّحاك فنهب الأموال و قتل من لقى من الأعراب حتّى مرّ بالثّعلبية فأغار على الحاج فأخذ أمتعتهم، ثمّ أقبل فلقى عمرو بن عميس بن مسعود الذّهلي و هو ابن أخى عبد اللّه بن مسعود صاحب رسول اللّه فقتله في طريق الحاج عند القطقطانة و قتل معه ناسا من أصحابه فخرج عليّ عليه السّلام إلى النّاس و هو يقول على المنبر: يا أهل الكوفة اخرجوا إلى العبد الصالح عمرو بن عميس و إلى جيوش لكم قد اصيب منهم طرف آخر اخرجوا فقاتلوا عدوّكم و امنعوا حريمكم إن كنتم فاعلين.

فردّوا عليه ردّا ضعيفا و رأى منهم عجزا و فشلا فقال: و اللّه لوددت إنّ لى بكلّ ثمانية منكم رجلا منهم و يحكم اخرجوا معي ثمّ فرّوا عني ما بدا لكم فو اللّه ما أكره لقاء ربّى على نيتي و بصيرتي و في ذلك لي روح عظيم و فرج من مناجاتكم و لمّا رأى تثاقل أصحابه و تقاعدهم عنه خطبهم بهذه الخطبة فقال: (أيّها النّاس المجتمعة أبدانهم المختلفة أهوائهم) و المتفرّقة آرائهم (كلامكم يوهي) الجبال (الصّم الصّلاب) أى الضعيف القلوب الصّلبة التي هي كالحجارة أو أشدّ قسوة، و يظنّ السّامعون أنّ ورائه بأسا و نجدة (و فعلكم يطمع فيكم الأعداء) أراد به تخاذلهم عن الجدال و تقاعدهم عن‏القتال (تقولون في المجالس) إذا حنيتم و أنفسكم (كيت و كيت) اى سنغلب عدوّنا و نقتل خصومنا و لا محلّ لهم منّا و نحو ذلك (و إذا جاء الجهاد) و شاهدتم الانجاد (قلتم حيدى حياد) و كنتم كالحمرة المستنفرة فرّت من قسورة.

(ما عزّت دعوة من دعاكم و لا استراح قلب من قاساكم) يعنى من دعاكم لم يعز بدعوته من ذلته، و من قاساكم لم يسترح قلبه من تعبه و إذا دعوتكم إلى الجهاد و القتال تعللتم بامور و هي (أعاليل) باطلة (بأضاليل) لا جدوى لها و لا طائل تحتها (و سألتموني) التّأخير (و التطويل) كلّ ذلك ذّبا عنكم و دفاعا عن أنفسكم (كدفاع ذي الدّين المطول) عن نفسه المماطل لدينه اللازم له (لا يمنع الضيم الذّليل) الحقير (و لا يدرك الحقّ الّا بالجدّ) و الاجتهاد و التّشمير في (اىّ دار) أو عن اىّ دار (بعد داركم) التي أنتم عليها و هو العراق أو دار الاسلام التي لا نسبة لغيرها إليها (تمنعون) عدوّكم إذا أخرجوكم عن دياركم و مساكنكم (و مع أىّ امام بعدى تقاتلون) خصومكم إذ تركتم القتال و نئيتم عنه بجانبكم.

ليس (المغرور و اللّه) إلّا (من غرر تموه) حيث اغترّبكم مع كثرة ما يشاهد منكم من خلف المواعيد و التّثاقل عن الجهاد و ما يصدر عنكم من أفعال الرذول الاوغاد (و من فاز بكم فقد فاز بالسهم الاخيب) إخبار عن سوء حال من كانوا حزبه و من يقاتل بهم و التّعبير عن الابتلاء بهم بالفوز على التهكم و السّهم الأخيب التي لا غنم لها في المسير كالثلاثة المسمّاة بالاوغاد أو التي فيها غرم كالتي لم تخرج حتّى استوفيت أجزاء الجزور فحصل لصاحبها غرم و خيبة.

و قد شبّه نفسه و خصومه باللاعبين بالميسر و شبّه فوزه بهم بالفوز بأحد السّهام الخايبة فلأجل ملاحظة هذا الشّبه استعار لهم لفظ السّهم بصفة الاخيب و اطلاق الفوز هنا مجاز من باب اطلاق أحد الضّدّين على الآخر مثل تسمية السّيئة جزاء(و من رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل) شبّه إرسالهم في الحرب بالرّمى بالسّهام و استعار لهم أوصاف السّهم من الأفوق و استعار لفظ الرّمى لمقاتلته بهم ثم خصّصهم بأرده الاوصاف للسّهم التي يبطل معها فايدته لمشابهتهم ذلك السّهم في عدم الانتفاع بهم في الحرب و عدم الظفر معهم بالمقصود.

(اصبحت و اللّه لا اصدّق قولكم) لكثرة ما شاهدت منكم من العدات الباطلة و الأقوال الكاذبة (و لا أطمع في نصركم) مع تثاقلكم عن الجهاد و تقاعدكم عن القتال غير مرّة (و لا او عد بكم العدوّ) اذ الوعيد بهم مع طول تخلّفهم و شعور العدوّ بذلك ممّا يوجب جرئة العدوّ و تسلّطه و جسارته.

(ما بالكم) و ما شأنكم الذي اوجب لكم التخاول و التّصامم عن ندائى و (ما دوائكم) و (ما طبكم) كى اداوى و اعالج للمرض الذي اضعفكم عن استماع دعائى.

و قيل انّ الطبّ بمعنى العادة على حدّ قوله:

فما ان طبّنا جبن و لكن
منايانا و دولة آخرينا

و الأوّل هو الأظهر (القوم رجال أمثالكم) فما أخوفكم منهم.

قال الشّاعر:

قاتلوا القوم يا خزاع و لا
يدخلكم من قتالهم فشل‏

القوم أمثالكم لهم شعر
في الرّأس لا ينشرون ان قتلوا

ثمّ عيّرهم على امور مستقبحة شرعا منفور عنها عادة.

احدها ما أشار إليه بقوله: (أقولا بغير علم) أراد به قولهم إنّا نفعل بالخصوم كذا و كذا مع أنّه لم يكن في قلوبهم إرادة الحرب أو دعويهم الايمان و الطاعة مع عدم الاطاعة فكأنّهم لا يذعنون بما يقولون، و على الرّواية الاخرى و هي أقولا بغير عمل كما هو الأظهر فيكون إشارة إلى ما يعدونه به من النّهوض إلى الحرب مع عدم وفائهم بالوعد و عدم قيامهم بما قالوا تذكيرا لهم بما في ذلك من المقت الشديد و الخزى الأكيد، قال سبحانه: «لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ‏ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ» الثّاني ما أشار إليه بقوله (و غفلة من غير ورع) أراد به غفلتهم عمّا يصلحهم من غير ورع يحجزهم عن المحارم و ينبّه هم عن نوم الغفلة.

الثّالث ما أشار إليه بقوله (و طمعا في غير حقّ) لعله أراد به طمعهم في أن يوفر عطياتهم و يمنحهم زيادة على ما كان يؤتيهم، و كأنّه عقل من بعضهم أنّ سبب تسويفهم و تخلّفهم عن ندائه هو الطمع في التّوفير كما فعل معاوية و الخلفاء قبله خذلهم اللّه، فردعهم عن ذلك بأنّه طمع من غير استحقاق هذا.

و روى في شرح المعتزلي من كتاب الغارات لابراهيم الثّقفى أنّ عليّا دعا حجر بن عدىّ الكندي بعد غارة الضحاك فعقد له على أربعة ألف فخرج حجر حتّى مرّ بالسّماوة و هي أرض كلب فلقى بها امرء القيس بن عديّ بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم الكلبي و هم أصهار الحسين بن عليّ بن أبي طالب فكانوا ولاءه في الطريق و على المياه فلم يزل في أثر الضّحاك حتى لقاه بناحية ترمد فواقعه فاقتتلوا ساعة فقتل من أصحاب الضّحاك تسعة عشر رجلا، و قتل من أصحاب حجر رجلان و حجز الليل بينهما، فمضى الضّحاك فلما أصبحوا لم يجدوا له و لا لأصحابه أثرا، و كان الضّحاك يقول بعد، انا ابن قيس انا ابوانيس انا قاتل عمرو بن عميس.

تكملة

قد اشرنا سابقا إلى انّ هذه الخطبة مرويّة بطرق متعدّدة، و المستفاد من رواية الاحتجاج و البحار من الارشاد انّها من الخطبة السّابعة و العشرين ملتقطة من خطبة طويلة له عليه السّلام و لا بأس بذكر تلك الرّواية زيادة للبصيرة.

فأقول: قال في الاحتجاج و الارشاد على ما رواه من الأخير في البحار: و من كلام له عليه السّلام يجرى مجرى الاحتجاج مشتملا على التّوبيخ لأصحابه على تثاقلهم عن قتال معاوية و التنفيذ متضمّنا للوم و الوعيد.

أيّها النّاس انّى استنفرتكم لجهاد هؤلاء القوم فلم تنفروا، و أسمعتكم فلم تجيبوا، و نصحت لكم فلم تقبلوا شهودا بالغيب، أتلو عليكم الحكمة فتعرضون عنها،و أعظكم بالموعظة البالغة فتفرقون عنها، كأنكم حمر مستنفرة فرّت من قسورة، و أحثكم على جهاد أهل الجور، فما اتى علىّ آخر قولي حتى اراكم متفرّقين أيادي سبا، ترجعون إلى مجالسكم، تتربعون حلقا، تضربون الأمثال، و تنشدون الأشعار، و تجسّسون الأخبار.

حتّى إذا تفرّقتم تسئلون عن الأشعار جهلة من غير علم، و غفلة من غير ورع و تتبّعا من غير خوف، و نسيتم الحرب و الاستعداد لها، فأصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها، شغلتموها بالأعاليل و الأضاليل، فالعجب كلّ العجب و كيف لا اعجب من اجتماع قوم على باطلهم و تخاذلكم عن حقّكم.

يا اهل الكوفة أنتم كامّ مجالد حملت فاملصت«» فمات قيّمها، و طال ايّمها، و ورثها ابعدها و الذى فلق الحبّة و برء النّسمة إنّ من ورائكم الأعور الأدبر جهنّم الدّنيا لا تبقى و لا تذر، و من بعده النهّاس«» الفراس الجموع المنوع.

ثمّ ليتوارثنكم من بني اميّة عدّة ما لآخر بأرأف بكم من الأوّل ما خلا رجلا واحدا«»، بلاء قضاه اللّه على هذه الامة لا محالة كاين، يقتلون أخياركم، و يستعبدون أراذلكم، و يستخرجون كنوزكم و ذخايركم من جوف حجالكم نقمة بما ضيّعتم من اموركم، و صلاح انفسكم و دينكم.

يا اهل الكوفة اخبركم بما يكون قبل ان يكون لتكونوا منه على حذر، و لتنذروا به من اتّعظ و اعتبر، كأنّى بكم تقولون: إنّ عليّا يكذب كما قالت قريش لنبيّها و سيّدها نبيّ الرّحمة محمّد بن عبد اللّه حبيب اللّه.

فيا ويلكم فعلى من اكذب أعلى اللّه فأنا أوّل من عبد اللّه و وحّده، أم على‏ رسول اللّه فأنا أوّل من آمن به و صدّقه و نصره، كلّا و لكنّها لهجة«» خدعة كنتم عنها أغنياء.

و الذى فلق الحبّة و برء النّسمة لتعلمنّ نبأها بعد حين، و ذلك إذا صيّرها، اليكم جهلكم لا ينفعكم عندها علمكم، فقبحا لكم يا أشباح الرّجال و لا رجال و حلوم الأطفال و عقول ربّات الحجال، أما و اللّه أيّها الشّاهدة أبدانهم، الغائبة عنهم عقولهم، المختلفة أهوائهم، ما أعزّ اللّه نصر من دعاكم، و لا استراح قلب من قاساكم، و لا قرّت عين من أراكم، كلامكم يوهن الصمّ الصّلاب، و فعلكم يطمع فيكم عدوّكم المرتاب.

يا ويحكم أىّ دار بعد داركم تمنعون، و مع أىّ إمام بعدي تقاتلون، المغرور و اللّه من غرر تموه، و من فاز بكم فاز بالسّهم الأخيب، أصبحت لا أطمع في نصرتكم و لا اصدّق قولكم، فرّق اللّه بيني و بينكم، و أعقبني ربّكم من هو خير لي منكم، و أعقبكم من هو شرّ لكم منّي.

إمامكم يطيع اللّه و أنتم تعصونه، و إمام أهل الشّام يعصى اللّه و هم يطيعونه، و اللّه لوددت إنّ معاوية صارفنى بكم صرف الدّينار بالدّرهم فأخذ منّي عشرة منكم و أعطانى واحدا منهم، و اللّه لوددت انّى لم أعرفكم و لم تعرفونى، فانّه معرفة جرّت ندما، لقد وريتم«» صدرى غيظا و أفسدتم علىّ أمرى بالخذلان و العصيان، حتى لقد قالت قريش إنّ عليّا رجل شجاع لكن لا علم له بالحرب.

للّه درّهم هل كان فيهم أطول لها مراسا منّى، و أشدّ لها مقاساة، لقد نهضت فيها و ما بلغت العشرين ثمّ ها أنا ذا قد ذرفت على السّتين و لكن لا أمرلمن لا يطاع.

أما و اللّه لوددت أنّ ربى أخرجنى من بين أظهركم إلى رضوانه، فانّ المنية لترصدنى«» فما يمنع أشقاها أن يخضبها، و ترك يده على رأسه و لحيته، عهدا عهده إلىّ النّبيّ الاميّ، و قد خاب من افترى، و نجى من اتّقى و صدّق بالحسنى.

يا اهل الكوفة دعوتكم إلى جهاد هؤلاء القوم ليلا و نهارا و سرّا و إعلانا و قلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم فانّه ما غزى قوم في عقر دارهم إلّا ذلّوا، فتواكلتم و تخاذلتم و ثقل عليكم قولى، و استصعب عليكم أمرى و اتّخذتموه ورائكم ظهرّيا، حتّى شنّت عليكم الغارات، و ظهرت فيكم الفواحش و المنكرات، تمسيكم«» و تصبحكم كما فعل بأهل المثلات من قبلكم حيث أخير اللّه عن الجبابرة العتاة الطغاة و المستضعفين الغواة في قوله تعالى: «يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ» أما و الذى فلق الحبّة و برء النّسمة لقد حلّ بكم الذى توعدون، عاتبتكم يا أهل الكوفة بمواعظ القرآن فلم انتفع بكم و أعطيتكم بالدّرة فلم تستقيموا لى، و عاقبتكم بالسّوط الذى يقام به الحدود فلم ترعووا، و لقد علمت أنّ الذى يصلحكم هو السّيف، و ما كنت متحرّيا صلاحكم بفساد نفسى، و لكن سيسلّط عليكم سلطان صعب لا يوقّر كبيركم، و لا يرحم صغيركم، و لا يكرم عالمكم، و لا يقسم الفي‏ء بالسّوية بينكم، و ليضربنكم و ليذلّنكم و ليجهزنكم في المغازي و يقطعنّ سبلكم‏ و ليحجبنّكم«» على بابه حتّى يأكل قويّكم ضعيفكم ثمّ لا يبعد اللّه إلّا من ظلم و لقلّ ما أدبر شي‏ء فأقبل و انّى لأظنكم على فترة و ما علىّ إلّا النّصح لكم.

يا أهل الكوفة منيت منكم بثلاث و اثنتين صمّ و ذو أسماع، و بكم و ذو ألسن و عمى و ذو أبصار لا إخوان صدق عند اللّقاء و لا إخوان ثقة عند البلاء.

اللّهمّ قد مللتهم و ملّونى، و سئمتهم و سئموني، اللّهمّ لا ترض عنهم أميرا، و لا ترضيهم عن أمير، و أمث قلوبهم كما يماث الملح في الماء، أما و اللّه لو أجد بدّا من كلامكم و مراسلتكم ما فعلت، و لقد عاتبتكم في رشدكم حتى لقد سئمت الحياة كلّ ذلك ترجعون بالهزو من القول، فرارا من الحقّ، و الحادا إلى الباطل الذى لا يغر اللّه بأهله الدّين.

و إنّى لأعلم بكم أنكم لا تزيدوننى غير تخسير كلّما أمرتكم بجهاد عدوّكم اثّاقلتم إلى الأرض، و سألتموني التّأخير دفاع ذي الدّين المطول، إن قلت لكم في القيظ: سيروا، قلتم: الحرّ شديد، و إن قلت لكم في البرد: سيروا، قلتم: القرّ شديد، كلّ ذلك فرارا عن الحرب، إذا كنتم من الحرّ و البرد تعجزون فأنتم من حرارة السّيف أعجز و أعجز، فانا للّه و إنا إليه راجعون.

يا أهل الكوفة قد أتانى الصّريح«» يخبر في أنّ ابن غامد قد نزل بالأنبار على اهلها ليلا في أربعة آلاف، فأغار عليهم كما يغار على الرّوم و الخزر«» فقتل بها عاملى ابن حسان و قتل معه رجالا صالحين ذوى فضل و عبادة و نجدة، بوّء اللّه لهم جنات النعيم و أنّه أباحها.

و لقد بلغنى أنّ العصبة«» من أهل الشّام كانوا يدخلون على المرأة المسلمة،و الاخرى المعاهدة فيهتكون سترها، و يأخذون القناع من رأسها، و الخرص من اذنها، و الأوضاح«» من يديها و رجليها و عضديها، و الخلخال و الميزر عن سوقها، فما تمتنع ألّا بالاسترجاع و النّداء يا للمسلمين فلا يغيثها مغيث، و لا ينصرها ناصر فلو أنّ مؤمنا مات من دون هذا ما كان عندى ملوما بل كان عندى بارّا محسنا.

و اعجبا كلّ العجب من تظافر هؤلاء القوم على باطلهم و فشلكم عن حقكم قد صرتم غرضا يرمى و لا ترمون، و تغزون و لا تغزون، و يعصى اللّه و ترضون فترتب أيديكم، يا أشباه الابل غاب عنها رعاتها، كلّما اجتمعت من جانب تفرّقت من جانب.

الترجمة

از جمله خطب آن حضرتست كه توبيخ مى‏فرمايد در آن اصحاب خود را بسوء افعال و اعمال از جهت تسامح ايشان در جدال و قتال باين نحو كه مى‏ فرمايد.

اى مردمانى كه مجتمع است بدن‏هاى ايشان و مختلفست خواهشات ايشان قولهاى شما ضعيف مى ‏نمايد سنگهاى سخت را، و فعلهاى شما بطمع مى ‏اندازد در شما دشمنان را مى ‏گوئيد در مجلسها چنين و چنان پس چون مى ‏آيد وقت محاربه و مجادله مى‏ گوئيد: حيدى حياد يعنى برگرد اى داهيه«» عزيز نشد دعوت آن كسى كه دعوت نمود شما را، و راحت نگرديد قلب آن كسى كه كشيد رنج شما را، زمانى كه دعوت كنم شما را بجهاد عذر مى ‏آوريد و آن عذرهاى شما عذرهائيست با گمراهيها، و مدافعه شما محاربه را از خودتان مثل مدافعه كردن صاحب دين بسيار مماطله كننده است غريم خود را.

منع نمى ‏نمايد مرد ذليل ظلم را از خود و ادراك نمى‏ شود حق مگر بجهد و كوشش، از كدام خانه بعد از خانه خودتان كه دار اسلامست مانع مى‏ شويد، و با كدام امام بعد از من مقاتله مى‏ كنيد، فريب داده شده بخدا سوگند آن كس است كه شما فريب داديد او را و كسى كه فايز شود بشما فايز مى‏ شود بسهمى كه نوميدتر باشد از سهم هاى قمار و كسى كه تير اندازد با شما بدشمنان پس بتحقيق كه تير انداخته به تير شكسته بى پيكان.

قسم بخداوند كه گرديدم بمرتبه كه باور ندارم گفتار شما را، و طمع ندارم در يارى دادن شما، و نمى‏ترسانم دشمن را با شما، چيست حال شما چيست دواى شما علاج ناخوشى شما، گروهى كه طرف مقابل شمايند مردانند مانند شما، آيا مى‏گوئيد گفتار بى اعتقاد، و غفلت مى‏ورزيد بدون ورع، و طمع تفضيل داريد بدون استحقاق.

 

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 28 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

 خطبه 28 صبحی صالح

28- و من خطبة له ( عليه‏ السلام  ) و هو فصل من الخطبة التي أولها «الحمد للّه غير مقنوط من رحمته» و فيه أحد عشر تنبيها

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا أَدْبَرَتْ

وَ آذَنَتْ بِوَدَاعٍ

وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَ أَشْرَفَتْ بِاطِّلَاعٍ

أَلَا وَ إِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارَ

وَ غَداً السِّبَاقَ

وَ السَّبَقَةُ الْجَنَّةُ

وَ الْغَايَةُ النَّارُ

أَ فَلَا تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ

أَ لَا عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ

أَلَا وَ إِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ

فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ

فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ

وَ لَمْ يَضْرُرْهُ أَجَلُهُ

وَ مَنْ قَصَّرَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ

فَقَدْ خَسِرَ عَمَلُهُ

وَ ضَرَّهُ أَجَلُهُ

أَلَا فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ

كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ

أَلَا وَ إِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا

وَ لَا كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا

أَلَا وَ إِنَّهُ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ الْحَقُّ يَضُرُّهُ الْبَاطِلُ

وَ مَنْ لَا يَسْتَقِيمُ بِهِ الْهُدَى

يَجُرُّ بِهِ الضَّلَالُ إِلَى الرَّدَى

أَلَا وَ إِنَّكُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ

وَ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ

وَ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ‏

عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ

اتِّبَاعُ الْهَوَى

وَ طُولُ الْأَمَلِ

فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً

قال السيد الشريف رضي الله عنه و أقول

إنه لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الزهد في الدنيا

و يضطر إلى عمل الآخرة

لكان هذا الكلام

و كفى به قاطعا لعلائق الآمال

و قادحا زناد الاتعاظ و الازدجار

و من أعجبه قوله ( عليه‏السلام  )

ألا و إن اليوم المضمار و غدا السباق

و السبقة الجنة و الغاية النار

فإن فيه مع فخامة اللفظ

و عظم قدر المعنى

و صادق التمثيل

و واقع التشبيه

سرا عجيبا

و معنى لطيفا

و هو قوله ( عليه‏ السلام  ) و السبقة الجنة و الغاية النار

فخالف بين اللفظين لاختلاف المعنيين

و لم يقل السبقة النار

كما قال السبقة الجنة

لأن الاستباق إنما يكون إلى أمر محبوب

و غرض مطلوب

و هذه صفة الجنة و ليس هذا المعنى موجودا في النار

نعوذ بالله منها

فلم يجز أن يقول و السبقة النار

بل قال و الغاية النار

لأن الغاية قد ينتهي إليها من لا يسره الانتهاء إليها

و من يسره ذلك فصلح أن يعبر بها عن الأمرين معا

فهي في هذا الموضع كالمصير و المآل

قال الله تعالى قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ

و لا يجوز في هذا الموضع أن يقال سبْقتكم بسكون الباء إلى النار

فتأمل ذلك

فباطنه عجيب

و غوره بعيد لطيف

و كذلك أكثر كلامه ( عليه‏السلام  )

و في بعض النسخ و قد جاء في رواية أخرى و السُّبْقة الجنة بضم السين

و السبقة عندهم اسم لما يجعل للسابق

إذا سبق من مال أو عرض

و المعنيان متقاربان

لأن ذلك لا يكون جزاء على فعل الأمر المذموم

و إنما يكون جزاء على فعل الأمر المحمود

 شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج4  

الجزء الرابع

تتمة باب المختار من خطب أمير المؤمنين ع و أوامره

بسم اللّه الرحمن الرحيم

و من خطبة له عليه السّلام

و هى الثامنة و العشرون من المختار في باب الخطب و رواها في البحار من كتاب مطالب السؤول لمحمّد بن طلحة، و من إرشاد الدّيلمي بتغيير تطلع عليه.

أمّا بعد فإنّ الدّنيا قد أدبرت و آذنت بوداع، و إنّ الآخره قد أقبلت و أشرفت باطّلاع، ألا و إنّ اليوم المضمار و غدا السّباق، و السّبقة الجنّة، و الغاية النّار، أفلا تائب من خطيئته قبل منيّته ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه ألا و إنّكم في أيّام أمل من ورائه أجل، فمن عمل في أيّام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله و لم يضرّه أجله، و من قصّرفي أيّام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله و ضرّه أجله، ألا فاعملوا في الرّغبة كما تعملون في الرّهبة، ألا و إنّي لم أر كالجنّة نام طالبها، و لا كالنّار نام هاربها، ألا و أنّه من لا ينفعه الحقّ يضرّه الباطل، و من لا يستقيم به الهدى يجرّ به الضّلال إلى الرّدى، ألا و إنّكم قد أمرتم بالظّعن و دلّلتم على الزاد، و إنّ أخوف ما أخاف عليكم اتّباع الهوى و طول الأمل، فتزوّدوا في الدّنيا من الدّنيا ما تجهزون «تحرزون خ» به أنفسكم غدا. قال الرضيّ «قد» أقول: لو كان كلام يأخذ بالأعناق إلى الرّهد في الدّنيا و يضطرّ إلى عمل الآخرة، لكان هذا الكلام، و كفى به قاطعا لعلايق الآمال، و قادحا زناد الاتعاظ و الازدجار، و من أعجبه قوله عليه السّلام: ألا و إنّ اليوم المضمار و غدا السّباق و السّبقة الجنّة و الغاية النّار، فانّ فيه مع فخامة اللّفظ و عظم قدر المعنى و صادق التمثيل و واقع التّشبيه، سرّا عجيبا و معنى لطيفا، و هو قوله عليه السّلام: و السّبقة الجنّة و الغاية النّار، فخالف بين اللّفظين لاختلاف المعنيين، و لم يقل: السّبقة النّار كما قال: و السّبقة الجنّة. لأنّ الاستباق إنّما يكون إلى أمر محبوب و غرض مطلوب، و هذه صفة الجنّة، و ليس هذا المعنى موجودا في النّار نعوذ باللّه منها فلم يجز أن يقول: و السّبقة النّار، بل قال: و الغاية النار، لأنّ الغاية قد ينتهى إليها من لا يسرّه الانتهاء و من يسرّه ذلك، فصلح أن يعبرّ بها عن الأمرين معا. فهي في هذا الموضع كالمصير و المآل قال اللّه تعالى: «وَ جَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ» و لا يجوز في هذا الموضع أن يقال: سبقتكم بسكون الباء إلى النّار فتأمّل ذلك، فباطنه عجيب و غوره بعيد لطيف، و كذلك أكثر كلامه عليه السّلام.

و قد جاء في رواية اخرى و السّبقة الجنّة بضمّ السّين، و السبقة عندهم اسم لما يجعل للسّابق إذا سبق من مال أو عرض، و المعنيان متقاربان لأنّ ذلك لا يكون جزاء على فعل الأمر المذموم، و إنما يكون جزاء على فعل الأمر المحمود.

اللغة

(آذنت) بالمدّ أى أعلمت من الأذان بمعنى الاعلام قال سبحانه: «و أذان من اللّه و رسوله» و (أشرف) عليه اطلع من فوق و (الاطلاع) هو العلم يقال طلع على الأمر طلوعا علمه كاطلعه على افتعل و ضمّر الخيل تضميرا علفها القوت بعد السّمن كأضمرها و (المضمار) الموضع يضمر فيه الخيل، و غاية الفرس في السّياق و (السّباق) هو المسابقة و (السّبقة) بالضمّ الخطر يوضع بين أهل السّباق كما ذكره السيّد «ره» و (البؤس) الشدّة و (ظعن) ظعنا و ظعنا بالسّكون و التّحريك من باب نفع سار و ارتحل و (تجهزّت) الأمر كذا تهيّأت له و جهاز الميّت و العروس و المسافر بالكسر و الفتح ما يحتاجون إليه.

الاعراب

المضمار و السّباق وردا بالرّفع و النّصب أمّا رفع المضمار فعلى كونه خبر انّ و اليوم اسمها، و أمّا نصبه فعلى كونه اسما و اليوم خبرا.

و أورد بأنّه يلزم الاخبار عن الزّمان بالزّمان، إذا المضمار زمان و اليوم كذلك فلو اخبر عنه باليوم فكان ذلك اخبارا بوقوع الزّمان في الزّمان، فيكون الزّمان محتاجا إلى زمان آخر و هو محال.

و اجيب بمنع استلزام الاخبار بالزمان عن الزّمان كون الزّمان محتاجا إلى زمان آخر إذ ربّما يخبر عن بعض أجزاء الزّمان بالزّمان لافادة الجزئيّة لا بمعنى حصوله فيه و المضمار لمّا كان عبارة عن الزّمان الذي يضمر فيه الخيل، و هو زمان مخصوص لتقيّده بوصف مخصوص صحّ الاخبار عنه باليوم.

و أمّا رفع السّباق فامّا على كونه مبتدأ مؤخرا و غدا خبره و اسم انّ ضمير شأن مستتر، أو علي جعله خبر انّ و يحتاج حينئذ إلى تقدير المضاف أى غدا وقت‏ السّباق، و أمّا نصبه فعلى كونه اسم انّ و غدا خبرها، و هو واضح.

المعنى

اعلم أنّ المستفاد من شرح البحرانى أنّ هذه الخطبة من فقرات خطبة طويلة خطب بها يوم الفطر و سيجي‏ء أوّلها في الكتاب، و هي الخطبة الرّابعة و الأربعون المصدّرة بقوله: الحمد للّه غير مقنوط من رحمته، و نذكر تمامها هناك إنشاء اللّه برواية الصّدوق فانتظر.

و إنّما قدّمها الرّضيّ عليها مع كونها بعدها، لما سبق من اعتذاره في خطبة الكتاب من أنّه لا يراعى التّتالي و النّسق و انّما يراعى النّكت و اللمع، و كيف كان فمدار ما ذكره هنا على التّزهيد في الدّنيا و التّرغيب في الآخرة فأشار أوّلا إلى عدم جواز الرّكون و الاعتماد على الدّنيا بقوله: (أمّا بعد فانّ الدّنيا قد أدبرت و آذنت بوداع) و أشار بادبارها إلى تقضّى أحوالها الحاضرة و شهواتها الموجودة لكلّ أحد أحد شيئا فشيئا كما قال عليه الصّلاة و السّلام في الدّيوان المنسوب إليه:

رأيت الدّهر مختلفا يدور
فلا حزن يدوم و لا سرور

و قد بنت الملوك به قصورا
فما بقى الملوك و لا القصور

 و إنّما اطلق اسم الادبار على هذا التقضّي باعتبار أنّ اللذات الدّنيويّة لما كانت دائما في التّغيّر و التقضّي المقتضى لمفارقة الانسان لها و بعدها عنه، لاجرم حسن اطلاق اسم الادبار عليه تشبيها لها بالحيوان المدبر، و لما كانت مفارقة الانسان عنها مستلزمة لأسفه عليها و وجده بها، أشبه ذلك ما يفعله الانسان في حقّ محبوبه المرتحل عنه في وداعه له من الحزن و الكابة، فاستعير اسم الوداع له و كنى باعلامها بذلك عن الشّعور الحاصل بمفارقتها من تقضّيها شيئا فشيئا و هو اعلام بلسان الحال.

ثمّ نبّه على وجوب الاستعداد للآخرة بدنوّها من الانسان بقوله: (و انّ الآخرة قد أقبلت و أشرفت باطلاع) و مثله قال لقمان لابنه و هو يعظه: يا بنىّ إنك منذ سقطت إلى الدّنيا استدبرتها و استقبلت الآخرة، فدار أنت إليها تسير أقرب إليك‏ من دار أنت عنها متباعد.

و قال الشّارح البحراني: و لمّا كانت الآخرة عبارة عن الدّار الجامعة للأحوال التي يكون الانسان عليها بعد الموت من سعادة و شقاوة و لذّة و ألم، و كان تقضّي العمر مقرّبا للوصول إلى تلك الدّار و الحصول فيما يشتمل عليه من خير أو شرّ، حسن إطلاق لفظ الاقبال عليها مجازا ثمّ نزّلها لشرفها على الدّنيا في حال إقبالها منزلة عال عند سافل فأسند إليها لفظ الاشراف، و لأجل إحصاء الأعمال الدّنيوية فيها منزلة عالم مطلع فاطلق عليها لفظ الاطلاع.

أقول: و الى هذا المعنى اشير في الحديث القدسي: يابن آدم الموت يكشف أسرارك و القيامة يتلو أخبارك، و الكتاب يهتك استارك الحديث.

ثمّ نبّه على وجوب التهيّأ بذكر ما يسير إليه و هو الجنّة و ما يصار إليه و هو النّار بقوله: (ألا و إنّ اليوم المضمار و غدا السّباق) أراد باليوم مدّة العمر الباقية و أطلق اسم المضمار عليها باعتبار أنّ الانسان في تلك المدّة يستعدّ بالتّقوى و العمل الصالح للسّبقة إلى لقاء اللّه و التّقرّب إلى حضرته كما أنّ الفرس يستعدّ بالتّضمير إلى سبق مثله.

و كنى بالغد عمّا بعد الموت و أطلق اسم السباق عليه باعتبار أنّ أفراد النّاس لمّا كانت متفاوتة في حبّ الدّنيا و الاعراض عنها، و ذلك التّفاوت كان موجبا للقرب و البعد و السّبق و اللحوق في الدار الآخرة، فكان السّباق هناك.

بيان ذلك أنّ من كان أكثر استعدادا و أقطع لعلايق الدّنيا عن قلبه لم يكن له بعد الموت عايق عن الوصول إلى اللّه و مانع عن إدراك رضوان اللّه.

و من اشرب قلبه حب الدّنيا و افتتنت بها لا يمكن له الوصول الى درجات السّابقين الأوّلين و النيل الى مراتب المقرّبين، و من كان أقلّ استعدادا من هؤلاء و أشدّ علاقة للدنيا، كان من التّالين المقصّرين كما قال عليه السّلام في بعض كلماته السّالفة: ساع سريع نجى و طالب بطى‏ء رجى و مقصّر في النّار هوى و السّبقة الجنّة يستبق اليها السّاع السّريع و الغاية النّار يصير اليها التّالى الوضيع.

ثمّ أمر بالتّوبة قبل الموت و إدراك الفوت بقوله: (أفلا تائب من خطيئته قبل منيّته) إذ بالتّوبة يتخلى النّفس عن الرذائل و تستعدّ للتّحلية بالفضايل، فلا تنتظروا بالتّوبة غدا فانّ دون غديو ما و ليلة قضاء اللّه فيها يغدو و يروح.

و إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً، وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً.

(ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه) عملا ينجيه من البأس و العذاب و يفضيه إلى الرّاحة و حسن الثّواب، و هو الاتيان بالطاعات و الانتهاء عن المنهيّات.

(ألا و إنكم في أيّام أمل من ورائه أجل فمن عمل) لنفسه (في ايّام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله) الذي اكتسبه (و لم يضرّه أجله) الذي حلّ به، و يكون حاله بعد موته حال الغايب الذي قدم على وطنه و أهله (و من قصر في أيام أمله قبل حضور أجله) و فرط في طاعة ربه و التّزود لآخرته (فقد خسر عمله) الذي عمله (و ضرّه أجله) الذي حلّه و يكون حاله بعد موته حال الآبق الذي قدم به على مولاه.

و قريب من هذا المضمون كلامه عليه السّلام المرويّ في البحار عن كتاب اعلام الدّين قال: النّاس في الدّنيا عامل في الدّنيا للدّنيا قد شغلته دنياه عن آخرته، يخشى على من يخلفه الفقر و يأمنه على نفسه، فيفنى عمره في منفعة غيره، و آخر عمل في الدّنيا لما بعدها، فجائه له من الدّنيا بغير عمله فأصبح ملكا لا يسال اللّه شيئا فيمنعه.

(ألا فاعملوا في الرّغبة كما تعملون في الرّهبة) و هو تنبيه على وجوب التّسوية في العمل بين حال الأمن و الخوف و حالة الرّخاء و الشدّة، و لا يكون ذلك إلّا عن نيّة صادقة و عبودّية خالصة و فيه إشعار بالتّوبة على الغفلة عن ذكر اللّه و الاعراض عن عبادته في حال اللذات الحاضرة و الخيرات الواصله و اللجأ إليه و الفزع‏منه عند الحوادث الهايلة و المصايب النازلة.

قال سبحانه: «وَ إِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَ نَأى‏ بِجانِبِهِ وَ إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ» (ألا و انّى لم أر) نعمة (كالجنّة نام طالبها و لا) نقمة (كالنّار نام هاربها) و فيه تنبيه للموقنين بالجنّة و النّار على كونهم نائمين في مراقد الطبيعة ليتنبهوا منها و يستعدّوا بالعمل لما ورائهم من النّعم و النّقم.

و فيه شميمة التعجب من جمع الموقن بالجنّة و بين عمله بما في الجنّة من تمام النّعمة و بين تقصيره عن طلبها بما يؤدّى إليها من صالح الأعمال و كريم الأفعال و من جمع الموقن بالنّار بين علمه بما فيها من تمام النّقمة و بين الغفلة عن الهرب منها إلى ما يخلص عنها.

(ألا) و إنّ الحقّ كاسب للمنفعة و الباطل جالب للمضرّة (و إنّه من لم ينفعه الحقّ) لاعراضه عنه و عدم سلوكه سبيله (يضرّه الباطل) الذي وقع فيه و يستنصر به لا محالة (و من لا يستقم به الهدى) و نور العلم و العرفان (يجرّبه الضّلال) و ظلمة الجهل (الى الرّدى) و الخذلان.

يعنى أنّ من لم يكن الهدى دليله القائد له بزمام عقله في سبيل اللّه و يستقم به في سلوك صراطه المستقيم، فلا بدّ و أن ينحرف به الضّلال عن سواء الصراط إلى أحد جانبي التّفريط و الافراط.

(ألا و إنكم قد امرتم بالظعن) و الرّحيل و السّلوك إلى اللّه و السّعى الى رضوان اللّه (و دللتم على الزّاد) المقوّى على السّير و السّلوك و المهيّي‏ء للوصول الى حظيرة القدس، و هو التّقوى الذي هو مفتاح السّداد و ذخيرة المعاد كما قال سبحانه و تعالى: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ» (و إنّ أخوف ما أخاف عليكم) من امور الدّنيا اثنتان، احداهما (اتّباع الهوى) القائد إلى الرّدي (و) الثانية (طول الأمل) الشّاغل عن الآخرة (فتزوّدوا في الدّنيا من الدّنيا) بالعلم و العمل.

أمّا العلم فلأنّ الاستكمال به إنّما يحصل بواسطة هذا البدن إما بوساطة الحواسّ الظاهرة أو الباطنة و تفطن النفس لمشاركات بين المحسوسات و مبايناتها و ظاهر أنّ هذا من الدّنيا في الدّنيا.

و أما العمل فلأنّه عبارة عن حركات و سكنات مستلزمة لهيئات مخصوصة و هي إنّما تحصل بواسطة هذا البدن أيضا، و كلّ ذلك من الدّنيا في الدّنيا، و كيف كان فهما زادان موصلان إلى اللّه سبحانه فليتزوّد منهما (ما تحرزون به أنفسكم غدا) و تحفظونها من عذاب النّار و من غضب الجبار.

تكملة

قد أشرنا إلى أنّ هذه الخطبة مروية في البحار من كتاب مطالب السّؤول و من إرشاد المفيد، و لمّا كان رواية الارشاد مختلفة لرواية السّيد أحببنا ذكرها.

فأقول: قال في الارشاد: من كلام أمير المؤمنين ما اشتهر بين العلماء و حفظه ذووا الفهم و الحكماء: أما بعد فانّ الدّنيا قد ادبرت و آذنت بوداع، و إنّ الآخرة قد أقبلت و أشرفت باطلاع ألا و إنّ المضمار اليوم و غدا السّباق، و السّبقة الجنة و الغاية النار ألا و إنكم في أيّام مهل من ورائه أجل يحثّه عجل فمن أخلص للّه عمله لم يضرّه امله، و من أبطأ به عمله في أيام مهله قبل حضور أجله فقد خسر عمله و ضرّه أمله.

ألا فاعملوا في الرّغبة و الرّهبة فان نزلت بكم رغبة فاشكروا للّه و اجمعوا معها رهبة، و إن نزلت بكم رهبة فاذكرو اللّه و اجمعوا معها رغبة، فانّ اللّه قد تأذن للمحسنين بالحسنى و لمن شكر بالزّيادة و لا كسب خير من كسبه ليوم تدّخر فيه الذخائر و يجمع فيه الكباير و تبلى فيه السّرائر.

و إنّى لم أركالجنّة نام طالبها و لا مثل النّار نام هاربها، ألا و إنّه من لا ينفعه اليقين لضرّه الشّك، و من لا ينفعه حاضر لبّه و رأيه فغائله عنه أعجز، ألا و إنكم قد أمرتم بالظّعن و دللتم على الزّاد و إنّ أخوف ما أخاف عليكم اثنان: اتباع الهوى و طول الأمل، لأن اتباع الهوى يضدّ عن الحقّ و طول الأمل ينسى الآخرة.

و إنّ الدّنيا قد ترحلت مدبرة و انّ الآخرة قد ترحلت مقبلة و لكلّ واحد منهما بنون‏فكونوا ان استطعتم من أبناء الآخرة و لا تكونوا من أبناء الدّنيا، فانّ اليوم عمل و لا حساب و غدا حساب و لا عمل

تزهيد و ترغيب

في ذكر طايفة من الأحاديث المنبّهة عن نوم الغفلة و المزهّدة عن الدّنيا المرّغبة في الآخرة.

مثل ما رواه محمّد بن يعقوب الكليني عطر اللّه مرقده باسناده عن محمّد بن مسلم بن عبيد اللّه قال: سئل عليّ بن الحسين عليهما السّلام أىّ الأعمال أفضل عند اللّه عزّ و جلّ قال: ما من عمل بعد معرفة اللّه تعالى و معرفة رسول اللّه أفضل من بغض الدّنيا، فانّ لذلك شعبا كثيرة و للمعاصى شعب فأوّل ما عصى اللّه عزّ و جلّ به الكبر معصية ابليس لعنه اللّه حين أبى و استكبر و كان من الكافرين.

ثمّ الحرص و هى معصية آدم و حوّاء حين قال اللّه لهما: «فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ» فأخذا ما لا حاجة بهما إليه فدخل ذلك على ذرّيتهما إلى يوم القيامة فلذلك ان أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه.

ثمّ الحسد و هي معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله فتشعّب من ذلك حبّ النساء و حبّ الدنيا «الدينار خ ل» و حبّ الرّياسة و حبّ الرّاحة و حبّ الكلام و حبّ العلوّ و حبّ الثروة فصرن سبع خصال فاجتمعن كلّهنّ في حبّ الدّنيا فقالت الأنبياء و العلماء بعد معرفة ذلك: حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة و الدّنيا دنيا آن: دنيا بلاغ و دنيا ملعونة.

و بهذا الاسناد عن المنقرى عن حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال في مناجاة موسى عليه السّلام: يا موسى إنّ الدّنيا دار عقوبة عاقبت فيها آدم عند خطيئته و جعلتها ملعونة ملعون ما فيها إلّا ما كان فيها لي، يا موسى إنّ عبادى الصّالحين زهد و افي الدّنيا بقدر علمهم و ساير الخلق رغبوا فيها بقدر جهلهم، و ما من أحد عظّمهافقرّت عينه فيها و لم يحقّرها احد الّا انتفع بها.

و باسناده عن مهاجر الأسدي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: مرّ عيسى بن مريم على قرية قد مات أهلها و طيرها و دوابّها، فقال: أما انّهم لم يموتوا إلّا بسخطة و لو ماتوا متفرقين لتدافنوا.

فقال الحوارّيون: يا روح اللّه و كلمته ادع اللّه أن يجيبهم لنا فيخبرونا ما كانت أعمالهم فنتجنبها فدعى عيسى ربّه، فنودي من الجوّ: نادهم.

فقال عيسى بالليل على شرف من الأرض فقال: يا أهل هذه القرية، فأجابه منهم مجيب: لبيك يا روح اللّه و كلمته فقال: و يحكم ما كانت أعمالكم قال: عبادة الطاغوت و حبّ الدّنيا مع خوف قليل و أمل بعيد و غفلة في لهو و لعب.

فقال: كيف كان حبّكم للدّنيا قال: كحبّ الصّبىّ لامّه إذا اقبلت علينا فرحنا و سررنا، و إذا أدبرت عنّا بكينا و حزنّا قال: كيف كان عبادتكم الطاغوت قال: الطاعة لأهل المعاصى، قال: كيف كان عاقبة أمركم قال: بتنا ليلة في عافية و أصبحنا في الهاوية.

قال: و ما الهاوية قال: سجّين، قال: و ما سجّين: قال: جبال من جمر توقد علينا إلى يوم القيامة، قال، فما قلتم و ما قيل لكم قال: قلنا: ردّنا إلى الدّنيا فنزهد فيها قيل: لنا كذبتم قال: ويحك كيف لم يكلّمني غيرك من بينهم قال: يا روح اللّه و كلمته انّهم ملجمون بلجام من نار بأيدى ملائكة غلاظ شداد، و إنّى كنت فيهم و لم أكن منهم، فلما نزل العذاب عمّنى معهم، فأنا معلّق بشعرة على شفير جهنّم لا أدرى اكبكب فيها أم أنجو منها.

فالتفت عيسى إلى الحواريّين فقال: يا أولياء اللّه أكل الخبز اليابس بالملح الجريش و النّوم على المزابل خير كثير مع عافية الدّنيا و الآخرة.

و عن ابن أبي يعفور قال سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام: يقول: من تعلّق قلبه بالدّنيا تعلّق بثلاث خصال: همّ لا يفنى و أمل لا يدرك و رجاء لا ينال.

و عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قال عليّ بن الحسين عليه السّلام: إنّ الدّنيا قد ارتحلت مدبرة و إنّ الآخرة قد ارتحلت مقبلة، و لكلّ واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة و لا تكونوا من أبناء الدّنيا.

ألا و كونوا من الزّاهدين في الدّنيا الرّاغبين في الآخرة، ألا إنّ الزّاهدين في الدّنيا اتّخذوا الأرض بساطا و التراب فراشا و الماء طيبا، و قرضوا من الدّنيا تقريضا.

ألا و من اشتاق إلى الجنّة سلا من الشّهوات، و من أشفق من النّار رجع عن المحرّمات، و من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب، ألا إنّ للّه عبادا كمن رأى أهل الجنّة في الجنة مخلّدين، و كمن رأى أهل النّار في النار معذّبين، شرورهم مأمونة و قلوبهم محزونة، أنفسهم عفيفة و حوائجهم خفيفة، صبروا أياما قليلة، فصاروا بعقبى راحة طويلة.

أمّا الليل فصافّون أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى ربّهم يسعون في فكاك رقابهم و أمّا النّهار فحكماء علماء بررة أتقياء، كأنّهم القداح قد بريهم الخوف من العبادة ينظر إليهم النّاظر فيقول: مرضى و ما بالقوم من مرض أم خولطوا فقد خالط القوم أمر عظيم من ذكر النّار و ما فيها.

و من عيون أخبار الرّضا عن أبيه عن سعد عن ابن هاشم عن ابن المغيرة قال: سمعت الرّضا عليه السّلام يقول

انك في دار لها مدّة
يقبل فيها عمل العامل‏

الاترى الموت محيط بها
يكذب فيها امل الآمل‏

تعجل الذنب بما تشتهى
و تأمل التوبة في قابل‏

و الموت يأتي اهله بغتة
ما ذاك فعل الحازم العاقل‏

 الترجمة

از جمله خطب شريفه آن حضرتست كه تزهيد مى‏ فرمايد در آن بندگان را از دنيا و ترغيب مى‏ نمايد ايشان را در اخرى و مى‏فرمايد: پس از حمد خدا و درود بر خاتم انبيا پس بتحقيق كه دنيا رو گردانيده و اعلام كرده بوداع و فراق، و بدرستى كه آخرت رو آورده و مشرف شده است بظهور و اطلاع، آگاه باشيد كه امروز كه زمان مدت عمر است وقت گداختن بدنست و رياضات نفسانيه بأعمال صالحه، و فردا كه روز قيامت است پيشى جستن است و ترقى نمودن در درجات عاليه، و پيش برد اهل آن سرا بهشت جاويدانست، و منتهاى كار اين سرا آتش سوزان.

پس آيا هيچ توبه كننده نيست از گناهان خود پيش از رسيدن مرگ و آيا هيچ عمل كننده نيست پيش از روز سختى و شدت آگاه باشيد بدرستى كه شما هستيد در روزگار اميدوارى كه از عقب اوست مرگ و گرفتارى، پس هر كه عمل كند در روزهاي اميد خود پيش از حضور اجل او پس بتحقيق كه زيان نبخشد او را عمل او و ضرر نرساند او را اجل او.

آگاه باشيد پس عمل نمائيد در زمان فراغت و رغبت همچنان كه عمل مى ‏كنيد در زمان خوف و خشيت، بدانيد و آگاه باشيد بدرستى كه من نديدم نعمتى همچو بهشت كه بخوابد طالب او، و نه نقمتى مانند آتش سوزنده كه بخوابد گريزنده او، بدانيد بتحقيق كسى كه سود نرساند او را حق و راستى زيان رساند او را باطل و ناراستى، و هر كه براه راست نيارد او را هدايت بكشد او را گمراهى بچاه هلاكت.

آگاه باشيد بدرستى كه شما امر كرده شده ‏ايد برفتن جانب خداوند احديت و دلالت كرده شده ‏ايد بر ذخيره و توشه اين طريقت، و بدرستى كه ترسناك‏ترين چيزى كه مى ‏ترسم بر شما متابعت خواهشات نفسانيه است، و درازى اميد بزخارف دنيويه، توشه بر داريد در دنيا از دنيا آن مقدارى كه با آن چيزى كه بتوانيد نگه بداريد با آن نفسهاى خود را فردا.

 منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 27 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

 خطبه 27 صبحی صالح

27- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) و قد قالها يستنهض بها الناس حين ورد خبر غزو الأنبار بجيش معاوية فلم ينهضوا.

و فيها يذكر فضل الجهاد،

و يستنهض الناس، و يذكر علمه بالحرب،

و يلقي عليهم التبعة لعدم طاعته‏

فضل الجهاد

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ

فَتَحَهُ اللَّهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ

وَ هُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى وَ دِرْعُ اللَّهِ الْحَصِينَةُ

وَ جُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ

فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ

أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ

وَ شَمِلَهُ الْبَلَاءُ

وَ دُيِّثَ بِالصَّغَارِ وَ الْقَمَاءَةِ

وَ ضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ بِالْإِسْهَابِ

وَ أُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ

بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ وَ سِيمَ الْخَسْفَ وَ مُنِعَ النَّصَفَ

استنهاض الناس‏

أَلَا وَ إِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَيْلًا وَ نَهَاراً وَ سِرّاً وَ إِعْلَاناً

وَ قُلْتُ لَكُمُ اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ

فَوَاللَّهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا

فَتَوَاكَلْتُمْ وَ تَخَاذَلْتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ وَ مُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الْأَوْطَانُ

وَ هَذَا أَخُو غَامِدٍ (وَ) قَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الْأَنْبَارَ

وَ قَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَكْرِيَّ وَ أَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا

وَ لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَ الْأُخْرَى الْمُعَاهِدَةِ

فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَ قُلُبَهَا

وَ قَلَائِدَهَا وَ رُعُثَهَا

مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا بِالِاسْتِرْجَاعِ وَ الِاسْتِرْحَامِ

ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ

مَا نَالَ رَجُلًا مِنْهُمْ كَلْمٌ وَ لَا أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ

فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً

بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً

فَيَا عَجَباً عَجَباً وَ اللَّهِ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَ يَجْلِبُ الْهَمَّ مِنَ اجْتِمَاعِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَ تَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ

فَقُبْحاً لَكُمْ وَ تَرَحاً

حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمَى

يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَ لَا تُغِيرُونَ

وَ تُغْزَوْنَ وَ لَا تَغْزُونَ

وَ يُعْصَى اللَّهُ وَ تَرْضَوْنَ

فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ

قُلْتُمْ هَذِهِ حَمَارَّةُ الْقَيْظِ أَمْهِلْنَا يُسَبَّخْ عَنَّا الْحَرُّ

وَ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ قُلْتُمْ هَذِهِ صَبَارَّةُ الْقُرِّ

أَمْهِلْنَا يَنْسَلِخْ عَنَّا الْبَرْدُ

كُلُّ هَذَا فِرَاراً مِنَ الْحَرِّ وَ الْقُرِّ

فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ وَ الْقُرِّ تَفِرُّونَ

فَأَنْتُمْ وَ اللَّهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ

البرم بالناس‏

يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَ لَا رِجَالَ

حُلُومُ الْأَطْفَالِ

وَ عُقُولُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ

لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَرَكُمْ وَ لَمْ أَعْرِفْكُمْ

مَعْرِفَةً وَ اللَّهِ جَرَّتْ نَدَماً وَ أَعْقَبَتْ سَدَماً

قَاتَلَكُمُ اللَّهُ لَقَدْ مَلَأْتُمْ قَلْبِي قَيْحاً

وَ شَحَنْتُمْ صَدْرِي غَيْظاً

وَ جَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ التَّهْمَامِ أَنْفَاساً

وَ أَفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالْعِصْيَانِ وَ الْخِذْلَانِ

حَتَّى لَقَدْ قَالَتْ قُرَيْشٌ إِنَّ ابْنَ أَبِي‏

طَالِبٍ رَجُلٌ شُجَاعٌ

وَ لَكِنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ

لِلَّهِ أَبُوهُمْ

وَ هَلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَشَدُّ لَهَا مِرَاساً

وَ أَقْدَمُ فِيهَا مَقَاماً مِنِّي

لَقَدْ نَهَضْتُ فِيهَا وَ مَا بَلَغْتُ الْعِشْرِينَ

وَ هَا أَنَا ذَا قَدْ ذَرَّفْتُ عَلَى السِّتِّينَ

وَ لَكِنْ لَا رَأْيَ لِمَنْ لَا يُطَاع‏

 شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج3  

و من خطبة له عليه السّلام و هى السابعة و العشرون من المختار فى باب الخطب

و هذه من مشاهير خطبه و صدرها مروية في الوسائل من الكافي عن أحمد بن محمّد بن سعيد عن جعفر بن عبد اللّه العلوي و عن أحمد بن محمّد الكوفي عن عليّ بن العبّاس عن إسماعيل بن إسحاق جميعا عن أبي روح فرخ بن فروة عن مسعدة بن صدقة عن ابن أبي ليلى عن أبي عبد الرّحمان السّلمي عنه عليه السّلام.

و رواها المبرّد في أوائل الكامل و العلّامة المجلسي في البحار من معاني الأخبار للصّدوق بزيادة و نقصان ليطلع عليها بعد الفراغ من شرح ما أورده السّيد في الكتاب و هو قوله: أمّا بعد، فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة، فتحه اللّه لخاصّة أوليائه و هو لباس التّقوى و درع اللّه الحصينة و جنّته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه اللّه ثوب الذّلّ و شمله البلاء، و ديّث بالصّغار و القماء، و ضرب على قلبه بالأسداد، و أديل الحقّ منه بتضييع الجهاد، و سيم الخسف و منع النّصف. ألا و إنّي قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا و نهارا و سرّا و إعلانا، و قلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فو اللّه ما غزي قوم قطّ في عقر دارهم إلّا ذلّوا، فتواكلتم و تخاذلتم حتّى شنّت عليكم الغارات، و ملكت عليكم الأوطان، و هذا أخو غامد قد وردت خيه الأنبار، و قد قتل حسّان بن حسّان البكري و أزال خيلكم عن مسالحها، و لقد بلغني أنّ الرّجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، و الاخرى المعاهدة فينتزع حجلها و قلبها و قلائدها و رعاثها، ما تمتنع منه إلّا بالاسترجاع و الإسترحام، ثمّ انصرفوا وافرين ما نال رجلا منهم كلم، و لا أريق له دم. فلو أنّ امرء مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما، بل كان به عندي جديرا، فيا عجبا عجبا و اللّه يميت القلب و يجلب الهمّ من اجتماع هؤلاء على باطلهم، و تفرّقكم عن حقّكم، فقبحا لكم و ترحا، حين صرتم غرضا يرمى، يغار عليكم و لا تغيرون، و تغزون و لا تغزون، و يعصى اللّه و ترضون، فإذا أمرتكم بالسّير في أيّام الحرّ قلتم هذه حمارّة القيظ أمهلنا يسبخ عنّا الحرّ، و إذا أمرتكم بالسّير إليهم في الشّتاء قلتم هذه صبّارة القرّ أمهلنا ينسلخ عنّا البرد، كلّ هذا فرارا من الحرّ و القرّ، فإذا كنتم من الحرّ و القرّ تفرّون فأنتم و اللّه من السّيف أفرّ.

يا أشباه الرّجال و لا رجال، حلوم الأطفال، و عقول ربّات الحجال، لوددت أنّي لم أركم و لم أعرفكم، معرفة و اللّه جرّت ندما و أعقبت سدما، قاتلكم اللّه لقد ملئتم قلبي قيحا، و شحنتم صدري غيظا، و جرّعتموني نغب التّهمام أنفاسا، و أفسدتم علىّ رأيي بالعصيان و الخذلان، حتّى قالت قريش: إنّ ابن أبي طالب رجل شجاع، و لكن لا علم له بالحرب للّه أبوهم، و هل أحد منهم أشدّ لها مراسا، و أقدم فيها مقاما منّي، لقد نهضت فيها و ما بلغت العشرين، و ها أنا ذا قد ذرّفت على السّتين و لكن لا رأي لمن لا يطاع.

اللغة

(درع) الحديد مؤنث سماعي و قد يذكّر و (الجنّة) بالضمّ كلّ ما وقى و (شمله) ربّما يفرء بالتّاء و هي كساء تغطى به و الفعل أظهر كما هو المضبوط و (ديثه) ذلله و منه الدّيوث الذي لا غيرة له و (الصّغار) الذّل و الضّيم و (القماء) بالمد الصّغار و عن الرّاوندي القما بالقصر و هو غير معروف، و في رواية الكافي القمائة قال في القاموس: قمأ كجمع و كرم قمائة و قمائة و قماء بالضمّ و الكسر ذلّ و صغر و (الاسداد) بفتح الهمزة جمع السدّ و هو الحاجز يقال: ضربت عليه الارض بالاسداد سدت عليه الطرق و عميت عليه مذاهبه و في بعض النّسخ بالاسهاب يقال اسهب الرّجل بالبناء للمفعول إذا ذهب عقله من اذى يلحقه و (اديل الحقّ منه) أى يغلب الحقّ عليه فيصيبه الوبال كقول سيّد العابدين عليه السّلام في الصّحيفة ادل لنا و لا تدل منّا، و الا دالة الغلبة و (سيم) بالبناء للمفعول من سامه خسفا أى كلفه ذلا و (النصف) بكسر النّون الانصاف و (عقر) الشي‏ء بالضّم أصله و وسطه و (التّواكل) أن يكل الأمر كلّ واحد منهم إلى صاحبه يقال تواكل القوم اتكل بعضهم على بعض و تخاذلوا و منه رجل و كل اى عاجز يكل أمره إلى غيره و (شنّت) أى مزقت قال الشّارح المعتزلي: و ما كان من ذلك متفرّقا نحو إرسال الماء على الوجه دفعة بعد دفعة فهو بالشين، و ما كان ارسالا غير متفرّق فهو بالسّين المهملة و (اخو غامد) هو سفيان بن عوف الغامدى منسوب إلى الغامد قبيلة من اليمن و (الانبار) بلد قديم من بلاد العراق على الفرات من الجانب الشّرقى و (المسالح) جمع مسلحة و هى الحدود التي رتب فيها ذو الأسلحة لدفع العدو كالثغر و (المعاهدة) بصيغة اسم الفاعل ذات العهد و هى الذمية و (الحجل) بفتح الحاء و كسرها الخلخال و (القلب) بالضمّ سوار المرأة و (الرّعاث) جمع رعثة بفتح الرّاء و سكون العين و فتحها و هي القرط، و الرّعاث أيضا ضرب من الحلىّ.

و (الاسترجاع) قول إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، و قيل ترديد الصّوت بالبكاء و (الاسترحام) مناشدة الرّحم أى قول انشدك اللّه و الرّحم، و قيل طلب الرّحم و هو بعيد و (انصرفوا وافرين) اى تامين يقال و فر الشي‏ء أى تمّ و وفرت الشي‏ء أى أتممته.

و في رواية المبرد و الصّدوق موفورين، و هو بمعناه و (الكلم) الجرح و (التّرح) محركة ضدّ الفرح و (الغرض) الهدف و (خمارة القيظ) بتشديد الرّاء شدّة حرّه و (تسبخ الحرّ) بالسّين و الباء و الخاء المعجمة سكن و فتر كسبخ تسبيخا و (صبّارة) الشّتاء بالتّشديد شدّة برده و (القرّ) بضمّ القاف البرد أو يخصّ بالشّتاء و (ربّات الحجال) النّساء أى صواحبها أو اللّاتي ربّين فيها، و هي جمع حجلة و هي بيت يزيّن فيها.

و (السّدم) الحزن و (قاتلكم اللّه) كناية عن اللّعن و الابعاد و (القيح) الصّديد بلادم و (النّغب) جمع نغبة كالجرعة لفظا و معنى و (التّهمام) بفتح التاءالهمّ و (انفاسا) أى جرعة بعد جرعة و (للّه أبوهم) كلمة مدح و لعلّها استعملت هنا للتّعجب و (المراس) مصدر مارسه أى زاوله و عالجه و (ذرّفت على الستين) بتشديد الرّاء أى زدت.

الاعراب

لباس التّقوى بحذف المضاف أى لباس أهل التّقوى، و يمكن عدم الحذف بالتأويل الآتي و إضافة الثّوب إلى الذّلّ بيانيّة، و الباء في قوله بتضييع الجهاد للسّببيّة و سيم الخسف النّائب عن الفاعل ضمير من، و الخسف بالنّصب مفعول اى كلّف بالخسف و الزم اه، و كلمة على في قوله و ملكت عليكم تفيد الاستعلاء بالقهر و الغلبة و الضمير في قوله ما كان به راجع إلى الموت المستفاد من مات.

و قوله: فيا عجبا منصوب على النّداء اصله يا عجبي اى احضر هذا أوانك، و عجبا الثّاني إمّا توكيد له أو منصوب بالمصدرية أى أيّها النّاس تعجبوا منهم عجبا، و القسم معترض بين الصفة و الموصوف.

و قبحا و ترحا منصوبان على المصدريّة، و لا رجال خبره محذوف، و حلوم الاطفال و عقول ربّات الحجال إمّا بالنّصب على حذف حرف النّداء أى يا ذوى حلوم الأطفال و ذوى عقول النّساء، و في بعض النّسخ بالرّفع أى حلومكم حلوم الأطفال و عقولكم عقول النّساء، و معرفة يمكن أن يكون فعله محذوفا أى عرفتكم معرفة جرت ندما، و أنفاسا مفعول مطلق لجرعتموني على غير لفظه، و الضّماير الثّلاثة للحرب و هى مؤنّثة و قد يذكّر.

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشّريفة ممّا خطب بها في أواخر عمره الشّريف، و ذلك بعد ما انقضى وقعة صفّين و استولى معاوية على البلاد و أكثر القتل و الغارة في الأطراف و أمر سفيان بن عوف الغامدى بالمسير إلى الأنبار و قتل أهلها.

و تفصيله هو ما رواه الشّارح المعتزلي من كتاب الغارات لابراهيم بن محمّد الثّقفي عن ابن الكنود.

قال: حدّثني سفيان بن عوف الغامدى، قال دعانى معاوية فقال: إنّي باعثك في جيش كثيف ذى اداة و جلادة فالزم لى جانب الفرات حتّى تمرّ بهيت فتقطعها فان وجدت بها جندا فاغر عليهم و إلّا فامض حتّى تغير على الأنبار فان لم تجد بها جندا فامض حتّى توغل المداين، ثمّ اقبل إلى و اتّق أن تقرب الكوفة و اعلم أنّك إن أغرت على الأنبار و أهل المداين فكأنّك أغرت على الكوفة، إنّ هذه الغارات يا سفيان على أهل العراق ترعب قلوبهم، و تفرح كلّ من له فينا هوى منهم، و تدعو الينا كل من خاف الدّوائر، فاقتل من لقيت ممّن ليس هو على مثل رأيك، و اخرب كلّ ما مررت به من القرى، و احرب الأموال فانّ حرب الأموال شبيه بالقتل، و هو أوجع للقلب.

قال: فخرجت من عنده فعسكرت و قام معاوية في النّاس خطبهم فقال: أيّها النّاس انتدبوا مع سفيان بن عوف فانّه وجه عظيم فيه اجر سريعة فيه ادبتكم إن شاء اللّه ثمّ نزل.

قال: فو الّذي لا إله غيره ما مرّت ثالثة حتّى خرجت في ستة آلاف، ثمّ لزمت شاطي‏ء الفرات فاغذذت السّير حتّى أمرّ بهيت فبلغهم أنّى قد غشيتهم فقطعوا الفرات فمررت بها و ما بها غريب كأنّها لم تحلّل قط، فوطيتها حتّى أمرّ بصدوراء ففرّوا فلم ألق بها أحدا فامضى حتّى افتتح الأنبار و قد انزر و ابي فخرج صاحب المسلحة فوقف الى فلم اقدم عليه حتى أخذت غلمانا من أهل القرية فقلت لهم: أخبروني كم بالانبار من أصحاب عليّ قالوا: عدة رجال المسلحة خمسمائة و لكنّهم قد تبدّدوا و رجعوا إلى الكوفة و لا ندرى بالذي يكون فيها قد يكون مأتي رجل.

فنزلت فكتبت أصحابي كتائب ثمّ أخذت أبعثهم إليه كتيبة بعد كتيبة فيقاتلهم و اللّه و يصير لهم و يطاردهم و يطاردون في الأزقة فلما رأيت ذلك انزلت إليهم نحوا من مأتين و أتبعتهم الخيل، فلمّا حملت عليهم الخيل و أمامها الرّجال تمشي لم يكن شي‏ء حتّى تفرّقوا، و قتل صاحبهم في نحو من ثلاثين رجلا، و حملنا ما كان في الأنبار من الأموال ثمّ انصرفت.

فو اللّه ما غزوت غزاة كانت أسلم و لا أقرّ للعيون و لا أسرّ للنّفوس منها و بلغني‏أنّها رعبت النّاس فلمّا عدت إلى معاوية حدّثته الحديث على وجهه فقال: كنت عند ظني بك لا تنزل في بلد من بلداني إلّا قضيت فيه مثل ما يقضى فيه أميره و إن أحببت توليته وليتك، و ليس لأحد من خلق اللّه عليك أمر دوني قال: فو اللّه ما لبثنا إلّا يسيرا حتّى رأيت رجال أهل العراق يأتوننا على الابل هرّابا من عسكر عليّ عليه السّلام.

قال إبراهيم و قدم علج من أهل الأنبار على عليّ فأخبره الخبر قصد المنبر فخطب النّاس و قال: إنّ أخاكم البكرى قد أصيب بالانبار و هو معتزل لا يخاف ما كان و اختار ما عند اللّه على الدّنيا، فانتدبوا إليهم حتّى تلاقوهم فان أصبتم منهم طرفا انكلتموهم عن العراق ابدا ما بقوا.

ثمّ سكت عنهم رجاء أن يجيبوه أو يتكلّم متكلّم منهم بكلمة، فلم ينفس أحد منهم بكلمة فلما رأى صمتهم نزل و خرج يمشي راجلا حتّى اتى النّخيلة و النّاس يمشون خلفه حتّى أحاط به قوم من أشرافهم فقالوا: ارجع يا أمير المؤمنين نحن نكفيك، فقال: ما تكفونني و لا تكفون أنفسكم، فلم يزالوا به حتّى صرفوه إلى منزله، و هو واجم كئيب.

و دعى سعيد بن قيس الهمداني فبعثه من النّخيلة في ثمانية آلاف، و ذلك إنّه اخبر أنّ القوم جاءوا في جمع كثيف، فخرج سعيد بن قيس على شاطي‏ء الفرات في طلب سفيان بن عوف حتّى إذا بلغ عامات، سرح أمامه هانى بن الخطاب الهمداني فاتبع آثارهم حتّى دخل أدنى أرض قنسرين، و قد فاتوه فانصرف.

قال: و لبث عليّ عليه السّلام حتّى ترى فيه الكأبة و الحزن حتّى قدم عليه سعيد بن قيس و كان تلك الأيام عليلا فلم يقو على القيام في النّاس بما يريده من القول، فجلس بباب السّدة التي تصل إلى المسجد و معه ابناه حسن و حسين عليهما السّلام و عبد اللّه بن جعفر.

و دعا سعدا مولاه، فدفع إليه الكتاب و أمره أن يقرأه على النّاس، فقام سعد بحيث يسمع عليّ عليه السّلام صوته و يسمع ما يرد النّاس عليه ثمّ قرء الخطبة هذه (أمّا يعد فانّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه اللّه لخاصّة أوليائه) كما رواه فى الكافى‏ عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن النّوفلى عن السّكونى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: للجنّة باب يقال باب المجاهدين يمضون إليه فاذا هو مفتوح و هم متقلّدون بسيوفهم و الجمع في الموقف و الملائكة ترحّب بهم.

و المراد بخواص الأولياء المخلصون له في المحبّة و العبادة، و من المعلوم أنّ الجهاد في سبيل اللّه لوجه اللّه لا لغرض آخر من خواصّ الكاملين في العبادة و الخالصين في المحبّة.

و ذلك لأنّ المرء المسلم إذا فارق أهله و أولاده و سلك إلى الجهاد مع علمه بأنّ العدوّ لو قهره قتله و يتملّك أمواله و يستبيح ذرّيته و مع هذه كلّها يوطن نفسه على الصّبر و الثّبات امتثالا لأمر اللّه و طلبا لمرضاته سبحانه فذلك الوليّ الكامل و المؤمن الخالص في مقام الايمان و العبوديّة، و حقيق بأن يدخل في زمرة: «أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ» و أن يستبشر بشارة: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفى‏ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» (و هو لباس التّقوى) أى به يتّقى في الدّنيا من غلبة الأعادى، و في الآخرة من حرّ النّار كما يتّقى بالثّوب من الحرّ و البرد، أو هو يدفع المضارّ عن التّقوى و يحرسها، أو عن أهل التّقوى بحذف المضاف (و درع اللّه الحصينة) الواقية (و جنّته الوثيقة) المحكمة بها يحفظ النّفس من المضارّ و يحترز من ذوى الأشرار (فمن تركه) كراهة له و (رغبة عنه ألبسه اللّه ثوب الذّل) في الآخرة و الاولى (و شمله البلاء) و فتنة الأعداء (و ديث بالصغار و القماء).

كما قال صلوات اللّه و سلامه عليه و آله:«» فمن ترك الجهاد ألبسه اللّه ذلا و فقرا في معيشته، و محقا في دينه إنّ اللّه أغنى أمّتي بسنابك خيلها و مراكز رماحها (و ضرب على قلبه بالاسداد) فعجز عن تدبير مصالحه و عميت عليه مذاهبه و ضاقت له مسالكه (و اديل الحقّ منه بتضييع الجهاد) فتورّط في الضّلال و لحقه الوبال (و سيم الخسف) و الذّلة (و منع النّصف) و العدالة.

و قد تحصّل ممّا ذكره عليه السّلام منافع الجهاد و مصالحه و مفاسد تركه و معايبه، و فيه تحضيض على القيام به، و ترهيب عن القعود عنه، فانه و إن كان شاقّا على النّفس في بادى الأمر من حيث كون أعظم ما يميل إليه الطبع الحياة و كون بقاء النفس للنّفس مطلوبا إلّا أنّه بعد ملاحظة ما يترتّب على القيام به من المنافع و الثّمرات و على القعود عنه من المضارّ و العيوبات يسهل عليه القيام به، و يشرى نفسه ابتغاء مرضات اللّه كما قال تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» يعنى أنّ الشّي‏ء ربما كان شاقّا عليكم في الحال و هو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل و بالعكس، و لأجله حسن شرب الدّواء المرّ في الحال لتوقّع حصول الصّحة في المستقبل، و حسن تحمّل الأخطار في الأسفار بتوقّع حصول الرّبح و الجهاد كذلك لأنّ تركه و إن كان يفيد في الحال صون النّفس عن خطر القتل و صون المال عن الانفاق، و لكن فيه أنواع من المضارّ الدّنيوية و الاخروية، كالذّلّ و الفقر و حرمان بالغنيمة و محق الدّين و طمع الأعداء، حيث إنّ العدوّ إذا علم ميل نظرائه إلى الدّعة و السّكون قصد بلادهم و حاول قتلهم فامّا أن يأخذهم‏ و يستبيح دمائهم و أموالهم و يسبى ذراريهم، و إمّا أن يحتاجوا إلى قتاله من غير اعداد آلة و سلاح.

و هذا يكون كترك مداواة المريض مرضه في أوّل ظهوره بسبب مرارة الدّواء، ثمّ يصير في آخر الأمر مضطرّا إلى تحمّل أضعاف تلك النّفرة و المشقّة، مضافا إلى ما يفوته من الثّمرات الجليلة في الدّنيا و الآخرة من الأمن و سلامة الوقت و الفوز بالغنيمة و حلاوة الاستيلاء على الأعداء، و الدّرجات التي وعدها اللّه بقوله: «لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ الْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ، وَ أَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ، عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى‏ وَ فَضَّلَ اللَّهُ.» و البشرى التي بشّر بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للشّهداء منهم بقوله: للشّهيد سبع خصال«» من اللّه أول قطرة منه مغفور له كلّ ذنب، و الثانية يقع رأسه في حجر زوجتيه من الحور العين و تمسحان الغبار عن وجهه و تقولان مرحبا بك و يقول هو مثل ذلك لهما، و الثّالثة يكسى من كسوة الجنّة، و الرّابعة تبتدره خزنة الجنّة بكلّ ريح طيّبة أيّهم يأخذه معه، و الخامسة أن يرى منزله، و السّادسة يقال لروحه اسرح في الجنّة حيث شئت، و السّابعة أن ينظر في وجه اللّه و أنّها لراحة لكلّ نبيّ و شهيد.

و كيف كان فانّه عليه السّلام لمّا صدّر خطبته بذكر منافع الجهاد و مضارّه فعلا و تركا أشار إلى مقصوده الذى مهّد له تلك المقدّمة و هو حثّهم على جهاد معاوية و أصحابه فقال: (الأواني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم) القاسطين الفاسقين (ليلا و نهارا و سرّا و إعلانا و قلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم فو اللّه ما غزى قوم قط في عقر دارهم الّا ذلّوا).

و سرّ ذلك ما أشار اليه الشّارح البحراني، و هو أنّ للأوهام أفعال عجيبةفي الأبدان تارة بزيادة القوّة و تارة بنقصانها حتّى أنّ الوهم ربّما كان سببا لمرض الصّحيح لتوهّمه المرض و بالعكس، فكان السّبب في ذلّ من غزى في عقر داره و إن كان معروفا بالشّجاعة هو الأوهام.

أمّا أوهامهم فلأنّها تحكم بأنّها لم تقدم على غزوهم إلّا لقوّة غازيهم و اعتقادهم فيهم الضّعف بالنّسبة إليه، فينفعل إذن نفوسهم عن ذلك الأوهام، و تنقهر عن المقاومة و تضعف عن الانبعاث و تزول غيرتها و حميّتها فتحصل على طرف رذيلة الذّلّ.

و أمّا أوهام غيرهم فلأنّ الغزو الذي يلحقهم يكون باعثا لكثير الأوهام على الحكم بضعفهم و محرّكا لطمع كلّ طامع فيهم، فيثير ذلك لهم أحكاما و حميّة يعجزهم عن المقاومة.

ثمّ إنّه أشار إلى ما قابلوا به نصحه بقوله (فتواكلتم) أى وكل كلّ واحد منكم أمره إلى غيره (و تخاذلتم) أى خذل بعضكم بعضا (حتّى شنّت عليكم الغارات) و صبّت من كلّ جانب دفعة بعد دفعة (و ملكت عليكم الأوطان) بالقهر و الغلبة و العدوان (و هذا أخو غامد) سفيان بن عوف الغامدى (قد وردت خيله الانبار) بأمر معاوية اللّعين الجبّار (و قد قتل حسّان بن حسّان البكرى) و كان من اصحابه واليا على الأنبار.

روى إبراهيم بن محمّد الثّقفي في كتاب الغارات عن عبد اللّه بن قيس عن حبيب ابن عفيف قال: كنت مع حسّان بالانبار على مسلحها إذ صبحنا سفيان بن عوف في كتائب تلمع الأبصار منها فها لونا و اللّه و علمنا إذ رأيناهم أنّه ليس لنا طاقة بهم و لا يد، فخرج إليهم صاحبنا و قد تفرّقنا فلم يلقهم نصفنا، و أيم اللّه لقد قاتلناهم فأحسّنا قتالهم حتّى كرهونا، ثمّ نزل صاحبنا و هو يتلو قوله تعالى: «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا» ثمّ قال لنا: من كان لا يريد لقاء اللّه و لا يطيب نفسا بالموت فليخرج عن القرية ما دمنا نقاتلهم فانّ قتالنا إيّاهم شاغل لهم عن طلب هارب، و من أراد ما عند اللّه فما عند اللّه خير للأبرار، ثمّ نزل في ثلاثين رجلا، فهممت بالنزول معه ثمّ أبت نفسى فتقدّم هو و أصحابه فقاتلوا حتّى قتلوا رحمهم اللّه.

(و أزال خيلكم عن مسالحها) و حدودها المعدّة لها (و لقد بلغنى أنّ الرّجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة و) المرأة (الاخرى المعاهدة ف) كان (ينتزع) منها (حجلها) و خلخالها (و قلبها) و سوارها (و قلائدها) من نحرها (و رعاثها) من آذانها (ما) يمكن ان (تمتنع منه إلّا) بالتّذلل و (بالاسترجاع) و الخضوع (و الاسترحام ثمّ انصرفوا) بعد القتل و الغارة (وافرين) تامين غير مرزوئين (ما نال رجل منهم كلم و لا اريق له دم فلو أنّ امرء مسلما) ذا غيرة و حميّة (مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما بل كان به عندي جديرا) و حقيقا.

(فيا عجبا عجبا) أىّ عجب (و اللّه يميت) ذلك العجب (القلب و يجلب الهمّ من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم) مع علمهم بأنّهم على الباطل (و تفرّقكم عن حقّكم) مع معرفتكم بأنّكم على الحقّ (فقبحا لكم و ترحا) و همّا (حين) تثاقلتم عن الجهاد حتّى (صرتم غرضا يرمى) بالنّبال ألا تستحيون من سوء عملكم و لا تخجلون من قبح فعلكم (يغار عليكم و لا تغيرون و تغزون و لا تغزون و يعصى اللّه) بقتل الأنفس و نهب الأموال و هتك العرض و تخريب البلاد (و) أنتم (ترضون) بذلك إذ لو لا رضاكم لما تمكّن العدوّ منكم و لما هجم عليكم (فاذا أمرتكم بالسّير إليهم في أيّام الحرّ) تخلّفتم عن أمري و اعتذرتم و (قلتم هذه حمارة القيظ) و هجمة الصيف (أمهلنا حتّى يسبخ عنّا الحرّ) و يفتر عنّا الهجر (و إذا أمرتكم بالسّير إليهم في) أيّام (الشّتاء) عصيتم أمري و (قلتم هذه صبارة القرّ أمهلنا ينسلخ عنّا البرد) و ينقضي القرّ و (كلّ هذا) الاستمهال و إلاعتذار (فرارا من الحرّ و القرّ فاذا كنتم من الحرّ و القرّ تفرّون) مع هوانهما (فأنتم و اللّه من السّيف أفرّ) على شدّته إذ لا مناسبة بين شدّة الحرّ و القرّ و بين القتل بالسّيف و المجاهدة مع الأبطال.

(يا أشباه الرّجال) خلقة و صورة (و لا رجال) غيرة و حميّة حلومكم (حلوم الأطفال و) عقولكم (عقول ربّات الحجال).

أمّا وصفهم بحلوم الأطفال فلأنّ ملكة الحلم ليس بحاصل للطفل و إن كانت قوّة الحلم حاصلة له لكن قد يحصل له ما يتصوّر بصورة الحلم كعدم التّسرّع إلى الغضب عن خيال يرضيه و أغلب أحواله أن يكون ذلك في غير موضعه و ليس له ملكة تكسب نفسه طمأنينة كما في حقّ الكاملين فهو إذن نقصان، و لمّا كان تاركوا أمره عليه السّلام قد تركوا المقاولة حلما عن أدنى خيال كتركهم الحرب بصفّين عن خدعة أهل الشّام لهم بالمسالمة و طلب المحاكمة و رفع المصاحف، فقالوا إخواننا في الدّين لا يجوز لنا قتالهم، كان ذلك حلما في غير موضعه حتّى كان من أمرهم ما كان بأشبه رضى الصّبيان.

و أمّا إلحاق عقولهم بعقول النّساء فللاشتراك في القصور و النّقصان و قلّة المعرفة بوجوه المصالح المخصوصة بتدبير الحرب و المدن ثمّ إنّه عرفهم محبّته لعدم رؤيتهم و معرفتهم بقوله (لوددت أنّي لم أركم) رؤية أبدا (و لم أعرفكم معرفة) أصلا (و اللّه لقد جرّت) معرفتكم علىّ (ندما) و سئما (و أعقبت) حزنا و (سدما) ثمّ دعا عليهم بقوله (قاتلكم اللّه) أي لعنكم.

قال ابن الأنباري: المقاتلة من القتل فاذا أخبر اللّه بها كان معناها اللعنة منه، لأنّ من لعنه اللّه فهو بمنزلة المقتول الهالك، يعني أنّ المقاتلة لمّا كان غير ممكن بحسب الحقيقة في حقّ اللّه سبحانه فاذا اسند اللّه سبحانه لا بدّ و أن يراد بها لوازمها، كاللعن و الطرد و البعد و منع اللطف و نحوها.

(لقد ملأتم قلبي) لسوء أعمالكم سديدا و (قيحا و شحنتم صدري) بقبح فعالكم غضبا و (غيظا و جرعتموني نغب التّهمام) و جرع الهموم (أنفاسا) أي جرعة بعد جرعة (و أفسدتم علىّ رأيي بالعصيان و الخذلان) و معنى إفسادهم له خروجه بسبب عدم التفاتهم إليه عن أن يكون منتفعا به لغيرهم (حتّى لقد قالت‏قريش: إنّ ابن أبي طالب رجل شجاع و لكن لا علم له بالحرب).

و ذلك لأنّ النّاس إذا رؤا من قوم سوء تدبير أو مقتضى رأي فاسد كان الغالب أن ينسبوه إلى رئيسهم و مقدّمهم، و لا يعلمون أنّه من تقصير القوم لا من قصور الرّئيس، و لذلك تعجّب منهم و ردّ توهّمهم بقوله: (للّه أبوهم و هل أحد أشدّ لها) للحراب (مراسا) و معالجة (و أقدم فيها مقاما) و ممارسة (منّي و لقد) صرفت فيها تمام عمري و (نهضت فيها و ما بلغت العشرين و ها أنا قد ذرّفت على السّتين).

ثمّ بيّن أنّ السّبب في فساد حال أصحابه ليس ما تخيّله قريش فيه من ضعف الرّأي في الحرب و قلة التّدبير، بل عدم طاعتهم له فيما يراه و يشير إليه و ذلك قوله (و لكن لا رأى لمن لا يطاع) فانّ الرّأى الذي لا يقبل بمنزلة الفاسد و إن كان صوابا، و المثل له.

قيل: و إنّما قال أعداؤه لا رأى له، لأنّه كان متقيّدا بالشّريعة لا يرى خلافها و لا يعمل بما يقتضى الدّين تحريمه، و قد قال هو عليه السّلام: لو لا الدّين و التقى لكنت أدهى العرب، و غيره من الخلفا كان يعمل بمقتضى ما يستصلحه و يستوقفه سواء كان مطابقا للشّرع أو لم يكن هذا.

روى في البحار من كتاب إرشاد القلوب باسناده إلى أبي جعفر الباقر عليهما السّلام قال: بينما أمير المؤمنين يتجهّز إلى معاوية و يحرّض النّاس على قتاله إذا اختصم إليه رجلان في فعل فعجل أحدهما في الكلام و زاد فيه، فالتفت إليه أمير المؤمنين عليه السّلام و قال له: اخسأ، فاذا رأسه رأس الكلب، فبهت من حوله و أقبل الرّجل بإصبعه المسبحة يتضرّع إلى أمير المؤمنين عليه السّلام و يسأله الاقالة فنظر إليه و حرّك شفتيه فعاد كما كان خلقا سويّا.

فوثب إليه بعض أصحابه فقال له: يا أمير المؤمنين هذه القدرة لك كما رأينا و أنت تجهز إلى معاوية فما لك لا تكفيناه ببعض ما أعطاك اللّه من هذه القدرة فأطرق قليلا و رفع رأسه إليهم و قال: و الذي فلق الحبّة و برئ النّسمة لو شئت أن أضرب برجلي هذه القصيرة في‏ طول هذه الفيافي و الفلوات و الجبال و الأودية حتّى أضرب بها صدر معاوية على سريره فاقلبه على أمّ رأسه لفعلت، و لو أقسمت على اللّه عزّ و جلّ أن اوتى به قبل أن أقوم من مجلسي هذا و قبل أن يرتدّ إليّ أحد منكم طرفه لفعلت، و لكنّا كما وصف اللّه في كتابه: عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون.

ثمّ روى في البحار من الارشاد باسناده إلى ميثم التمّار قال: خطب بنا أمير المؤمنين عليه السّلام في جامع الكوفة فأطال في خطبته و أعجب النّاس تطويلها و حسن وعظها و ترغيبها و ترهيبها، إذ دخل نذير من ناحية الأنبار مستغيثا يقول: اللّه اللّه يا أمير المؤمنين في رعيّتك و شيعتك، هذه خيل معاوية قد شنّت علينا الغارة في سواد الفرات ما بين هميت و الأنبار.

فقطع أمير المؤمنين عليه السّلام الخطبة و قال: ويحك بعض خيل معاوية قد دخل الدّسكرة التي تلى جدران الأنبار فقتلوا فيها سبع نسوة و سبعة من الأطفال ذكرانا و سبعة إناثا و شهروا بهم و وطئوهم بحوافر الخيل و قالوا هذه مراغمة لأبي تراب.

فقام إبراهيم بن الحسن الأزدي بين يدي المنبر فقال يا أمير المؤمنين هذه القدرة التي رأيت بها و أنت على منبرك إنّ في دارك خيل معاوية ابن آكلة الأكباد و ما فعل بشيعتك و لم يعلم بها هذا فلم تغضى عن معاوية.

فقال له: ويحك يا إبراهيم ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حيّ عن بيّنة، فصاح النّاس من جوانب المسجد يا أمير المؤمنين فالى متى يهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حىّ عن بيّنة و شيعتك تهلك، فقال لهم: ليقضى اللّه أمرا كان مفعولا.

فصاح زيد بن كثير المرادي و قال: يا أمير المؤمنين تقول بالأمس و أنت تجهز إلى معاوية و تحرّضنا على قتاله و يحتكم إليك الرّجلان في الفعل فتعمل «فيعجل ظ» عليك أحدهما في الكلام فتجعل رأسه رأس الكلب فتستجير بك فتردّه بشرا سويّا.

و نقول لك ما بال هذه القدرة لا تبلغ معاوية فتكفينا شرّه فتقول لنا:

و فالق الحبّة و بارئ النّسمة لو شئت أن أضرب برجلي هذه القصيرة صدر معاوية لفعلت، فما بالك لا تفعل ما تريد إلّا أن تضعف نفوسنا فنشكّ فيك فندخل النّار.

فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: لأفعلنّ ذلك و لأعجلنّه على ابن هند، فمدّ رجله على منبره فخرجت عن أبواب المسجد و ردّها إلى فخذه و قال: معاشر النّاس أقيموا تاريخ الوقت و أعلموه فقد ضربت برجلى هذه السّاعة صدر معاوية فقلبته عن سريره على أمّ رأسه فظنّ أنّه قد احيط به، فصاح يا أمير المؤمنين فأين النّظرة فرددت رجلي عنه.

و توقّع النّاس ورود الخبر من الشّام و علموا أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام لا يقول إلّا حقّا، فوردت الأخبار و الكتب بتاريخ تلك السّاعة بعينها من ذلك اليوم بعينه أنّ رجلا جاءت من ناحية الكوفة ممدودة متّصلة فدخلت من أيوان معاوية و النّاس ينظرون حتّى ضربت صدره، فقلبته عن سريره على أمّ رأسه فصاح يا أمير المؤمنين و أين النّظرة و ردّت تلك الرّجل عنه، و علم النّاس ما قال أمير المؤمنين إلّا حقّا.

تكملة

قد أشرنا سابقا إلى أنّ هذه الخطبة من خطبه المشهورة، و أنّها ممّا رواها جماعة من العامّة و الخاصّة، و لمّا كانت رواية الصّدوق مخالفة لرواية السّيّد في بعض فقراتها أحببنا ايرادها بسند الصّدوق أيضا ازديادا للبصيرة فأقول: روى في البحار و الوسايل من كتاب معاني الأخبار للصّدوق عن محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني عن عبد العزيز بن يحيى الجلودي عن هشام بن عليّ و محمّد بن زكريّا الجوهري، عن ابن عايشة باسناد ذكره أنّ عليّا انتهى إليه أنّ خيلا لمعاوية ورد الأنبار فقتلوا عاملا له يقال له: حسّان بن حسّان، فخرج مغضبا يجرّ ثوبه حتّى أتى النّخيلة و اتبعه النّاس فرقى رباوة من الأرض فحمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على نبيّه ثمّ قال: أمّا بعد فانّ الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه اللّه لخاصّة أوليائه و هولباس التّقوى و درع اللّه الحصينة و جنّته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه اللّه ثوب الذّلّ و سيماء الخسف«» و ديث بالصغار، و قد دعوتكم إلى حرب هؤلاء القوم ليلا و نهارا و سرّا و إعلانا و قلت لكم: اغزوهم من قبل أن يغزوكم فو الذي نفسي بيده ما غزى قوم قط في عقر ديارهم إلّا ذلّوا.

فتواكلتم و تخاذلتم و ثقل عليكم قولي و اتّخذتموه ورائكم ظهريّا«» حتّى شنّت عليكم الغارات، هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار و قتلوا حسّان بن حسّان و رجالا منهم كثيرا و نساء.

و الذي نفسي بيده لقد بلغني انّه كان يدخل على المرأة المسلمة و المعاهدة فينتزع أحجالهما و رعثهما«» ثمّ انصرفوا موفورين لم يكلم أحد منهم كلما فلو أنّ امرء مسلما مات من دون هذا أسفا ما كان عندي فيه ملوما بل كان عندي به جديرا.

يا عجبا كلّ العجب من تظافر هؤلاء القوم على باطلهم، و فشلكم عن حقّكم إذا قلت لكم اغزوهم في الشّتاء قلتم هذا أوان قرّ و صرّ، و إن قلت لكم اغزوهم في الصّيف قلتم هذا حمارة القيظ انظرنا ينصرم الحرّ عنّا، فاذا كنتم من الحرّ و البرد تفرّون فأنتم و اللّه من السّيف أفرّ.

يا أشباه الرّجال و لا رجال، و يا طعام الأحلام، و يا عقول ربّات الحجال و اللّه لقد أفسدتم عليّ رأيي بالعصيان و لقد ملئتم جوفى غيظا حتّى قالت قريش إنّ ابن أبي طالب شجاع و لكن لا رأى له في الحرب، للّه درّهم و من ذا يكون أعلم بها و أشدّ لها مراسا منّي، فو اللّه لقد نهضت فيها و ما بلغت العشرين، و لقد نيفت اليوم على السّتّين، و لكن لا رأى لمن لا يطاع يقولها ثلاثا.

فقام إليه رجل و معه أخوه فقال: يا أمير المؤمنين أنا و أخي هذا كما قال‏ اللّه عز و جلّ حكاية عن موسى: ربّ إنّي لا أملك إلّا نفسي و أخي، فمرنا بأمرك فو اللّه لننهتنّ «كذا» إليه و لو حال بيننا و بينه جمر الغضا و شوك القتاد، فدعا له بخير ثمّ قال عليه السّلام و أين تقعان ممّا أريد، ثمّ نزل.

قال إبراهيم في كتاب الغارات، إنّ القائم إليه العارض عليه جندب بن عفيف الأزدي هو، و ابن أخ له يقال له عبد الرّحمان «بن ظ» عبد اللّه بن عفيف، و اللّه أعلم بحقايق الوقايع.

الترجمة

از جمله خطب شريفه آن حضرتست در توبيخ أصحاب خود بجهة تثاقل ايشان از قتال و جدال و تحضيض ايشان بجهاد معاويه رئيس بدعت و ضلال مى ‏فرمايد بعد از حمد إلهى و درود نامتناهى بر حضرت رسالت پناهى: پس بدرستى كه جهاد درى است از درهاى بهشت عنبر سرشت، گشاده است آن را خداوند ودود بجهة دوستان خاصّه خود، و اوست لباس پرهيزكارى و تقوى و زره استوار خدا و سپر محكم حق سبحانه و تعالى، پس هر كه ترك نمايد آن را بپوشاند خدا او را جامه خوارى، و شامل شود او را بلا و گرفتارى، و خار گردانيده شود بمذلت و بى‏ اعتبارى، و زده شود بر دل او بذهاب عقل و بيخردى، و گردانيده شود حق از او، و مغلوب مى‏ شود بجهة تضييع كارزار، و الزام مى‏ شود بذلت و خوارى، و ممنوع مى‏ شود از انصاف و دادگرى.

آگاه باشيد كه بتحقيق خواندم شما را به محاربه اين فرقه طاغيه شب و روز و در نهان و آشكار، و گفتم بشما كه جنگ كنيد با ايشان پيش از آنكه ايشان با شما جنگ نمايند پس بخدا قسم كه هيچ غزا كرده نشد قومى هرگز در اصل خانه خودشان مگر اين كه خوار و ذليل شدند پس موكول كرديد شما كار خود را بيكديگر، و خوار نموديد شما يكديگر را، تا اين كه ريخته شد غارتها پياپى بر شما، و گرفته شد از شما وطن‏ها با غلبه و استيلا.

و اين مرد كه برادر غامد و سفيان بن عوف غامدى است بتحقيق كه وارد شده لشكريان او بشهر انبار، و بيقين كه كشته است حسّان بن حسّان بكرى را و زايل نموده سواران شما را از سرحدهاى آنها، و بتحقيق كه رسيد بمن آنكه مردان قبيله داخل شده بر زن مسلمه و بر كافر ذميّه پس بر مى‏كنده خلخال و دست برنجهاى او را، و گردن بندها و گوشواره‏هاى آن را، امتناع نتوانسته است آن زن از آن مرد مگر با گريه و زارى و با قسم دادن بقرابت و خويشى.

پس آن قوم بد نهاد بعد از غارت كردن مراجعت نموده‏اند در حالتى كه تمام بوده‏اند در حين مراجعت با غنيمت، نرسيده بمردى از ايشان هيچ زخمى و ريخته نشده او را خونى، پس اگر بميرد مرد مسلمان پس از اين ظلم دل‏سوز از روى غم و اندوه نباشد بمردن ملامت كرده شده، بلكه هست نزد من بآن لايق گرديده.

اى بسا تعجب اى قوم تعجب كنيد چه تعجبى بخداى لا يزال كه مى‏ميراند دل را، و مى‏ كشد اندوه را از انفاق آن گروه بر باطل خود، و از تفرقه شما از حق خود، پس زشت باد روى شما و حزن باد بر شما هنگامى كه گشتيد هدف تيرانداخته شده، غارت ميكنند بر شما و غارت نمى‏كنيد و جنگ ميكنند با شما و جنگ نمى ‏نمائيد، و نافرمانى كرده مى‏ شود خدا و شما خوشنود مى ‏باشيد.

پس هرگاه امر ميكنم شما را برفتن سوى دشمنان در ايام تابستان مى‏گوئيد كه اين شدت گرماست مهلت ده ما را تا سبك شود از ما گرما، و هر وقتى كه امر ميكنم شما را بسير نمودن بطرف خصمان در وقت زمستان مى‏گوئيد كه اين شدت سرماست ما را بگذار تا برطرف شود از ما سرما.

اين همه عذرها از براى گريختن است از گرما و سرما پس چون بوديد از گرما و سرما مى‏ گريزيد پس شما بخدا سوگند از شمشير گريزانتر هستيد.

اى جماعت شبيه بمردان بحسب شكل و صورت و نيستيد مردان از روى معنى و حقيقت، حلمهاى شما مانند حلمهاى بچگانست، و عقلهاى شما مانند عقلهاى زنان، هر آينه دوست مى‏ داشتم آنكه نمى‏ديدم شما را و نمى ‏شناختم شما را شناختنى كه بخدا سوگند كه كشيده است ندامت و پشيمانى را و متعقّب شده است‏اندوه و پريشانى را.

لعنت كند خدا شما را هر آينه پر كرديد دل مرا از ريم و زرداب، و پر ساختيد سينه مرا از خشم و التهاب، و نوشانيديد مرا جرعه‏هاى غم و اندوه را نفس نفس، و فاسد ساختيد رأى مرا بر من با معصيت و خذلان تا آنكه گفتند قريش بدرستى كه پسر أبي طالب مردى است شجاع و لكن مهارت در حرب ندارد.

خدا نگه دار باد پدران ايشان را آيا هيچيك از ايشان سخت‏تر است مر حرب را از روى علاج و مقدّم‏تر است در حرب از روى ايستادن از من، هر آينه قيام نمودم در معارك قتال با شجاعان و أبطال در حالتى كه نرسيده بودم بيست سالگى، و اكنون كه سن من افزون گشته بر شصت سال، يعنى در عرض اين مدت غالبا مشغول بوده‏ام بر جنگ و جدال، و لكن هيچ رأى نيست كسى را كه فرمانبردار نشود و اطاعت او را نكنند.

الى هنا انتهى الجزء الثالث من هذه الطبعة النفيسة و قد تصدى لتصحيحه و تهذيبه العبد: «السيد ابراهيم الميانجى» و وقع الفراغ فى شهر ذى القعدة الحرام سنة 1378 و يليه الجزء الرابع انشاء اللّه و أوله أول المختار الثامن و العشرين و الحمد لله كما هو أهله.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 26 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 26 صبحی صالح

26- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) و فيها يصف العرب قبل البعثة ثم يصف حاله قبل البيعة له‏

العرب قبل البعثة

إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّداً ( صلى‏ الله ‏عليه ‏وآله‏ وسلم  )نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ

وَ أَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ

وَ أَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينٍ وَ فِي شَرِّ دَارٍ

مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَةٍ خُشْنٍ

وَ حَيَّاتٍ صُمٍّ

تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ

وَ تَأْكُلُونَ الْجَشِبَ

وَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ

وَ تَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ

الْأَصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ

وَ الْآثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ

و منها صفته قبل البيعة له‏

فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِي

فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَوْتِ

وَ أَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى

وَ شَرِبْتُ عَلَى الشَّجَا

وَ صَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ الْكَظَمِ

وَ عَلَى أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ الْعَلْقَمِ

و منهاوَ لَمْ يُبَايِعْ حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُؤْتِيَهُ عَلَى الْبَيْعَةِ ثَمَناً

فَلَا ظَفِرَتْ يَدُ الْبَائِعِ

وَ خَزِيَتْ أَمَانَةُ الْمُبْتَاعِ

فَخُذُوا لِلْحَرْبِ أُهْبَتَهَا

وَ أَعِدُّوا لَهَا عُدَّتَهَا

فَقَدْ شَبَّ لَظَاهَا

وَ عَلَا سَنَاهَا

وَ اسْتَشْعِرُوا الصَّبْرَ

فَإِنَّهُ أَدْعَى إِلَى النَّصْرِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج3  

و من خطبة له عليه السّلام و هى السادسة و العشرون من المختار في باب الخطب

و هى ملتقطة من خطبة طويلة خطب بها قبل مسيره إلى النّهروان حسبما تطلع عليه و شرحها في ضمن فصول ثلاثة

الفصل الاول

إنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نذيرا للعالمين، و أمينا على التّنزيل، و أنتم معشر العرب على شرّ دين و في شرّ دار، منيخون بين حجارة خشن و حيّات صمّ، تشربون الكدر، و تأكلون الجشب، و تسفكون دمائكم، و تقطعون أرحامكم، الأصنام فيكم منصوبة، و الآثام بكم معصوبة.

اللغة

(أناخ) النّاقة أبركها و (الصّم) بالضّم إمّا جمع صمّاء و هى الأرض الغليظة أو جمع أصمّ و هى الحيّة التي لا تقبل الرّقى، و الرّجل الأصم لا يطمع فيه، و لا يردّ عن هواه، و أصمّه اللّه فهو أصمّ أى به انسداد السّمع و ثقل الاذن و (كدر) كدرا و تكدّر نقيض صفا فهو كدر و كدر كفخذ و فخذ بكسر العين و سكونهاو (جشب) الطعام فهو جشب و جشب أى غليظ أو بلا ادم و (المعصوبة) المشدودة

الاعراب

و أنتم معشر العرب اه جملة حالية، منيخون خبر بعد خبر، و حيّات صمّ ان كان الصّم جمع صمّاه فالحيّات مضافة إليها و إن كان جمع أصمّ فهي صفة لها، و جملة تشربون و تاليها حالية أيضا.

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من الخطبة وارد في بيان حال العرب في أيّام الجاهليّة و ما كانوا عليه يومئذ من الضّنك و الضّيق، و من سوء الحال في أمر المعاش و المعاد و تذكرة بما منّ اللّه سبحانه به عليهم من بعث الرّسول فيهم و تبديله سبحانه بوجوده الشّريف سوء حالهم بحسن الحال في الدنيا و الآخرة حيث جعلوا ذا رفاهيّة و سعة و نعمة، و فتحوا البلاد و غنموا الأموال و كسروا الجيوش و فاقوا الملوك و كان لهم الذكر الباقي و الشّرف الثّابت و اهتدوا إلى دين الاسلام الذي هو طريق دار السلام فاكتسبوا السّعادة الباقية و فازوا المقامات العالية.

إذا عرفت ذلك فلنعد إلى شرح كلامه عليه السّلام فأقول: قوله: (انّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نذيرا للعالمين) خصّ النّذارة بالذّكر و اختارها على البشارة إذا لمقصود في هذا المقام التّوبيخ للعرب و ترقيق قلوبهم المشتملة على الغلظة و الفظاظة، و لا ريب أنّ الانذار أقوى في التّرقيق و الرّدع، و ذلك لأنّ عامّة الخلق إلّا قليلا منهم أنظارهم مقصورة على زخارف الدّنيا و شهواتها غافلون عن نعم الآخرة و لذّاتها، فلا يرغبون عن النّعم الحاضرة بما يبشّرون بها من النّعم الغايبة، و لا يقابلون اللّذايذ الموجودة بلذايذ الموعودة، لكون هذه عندهم نقدا و تلك نسيئة و كان السّبب الأقوى في الرّدع و الالتفاف إلى اللّه إنّما هو الانذار و التّخويف فاختار كونه نذيرا على كونه بشيرا (و) اردفه بكونه (أمينا على التّنزيل) غير خائن و لا مقصّر في تبليغ آياته و لا مبدّل لكلماته (و أنتم معشر العرب على شرّ دين) حيث عبدتم الأصنام و الأوثان‏ و اتّخذتم للّه الأنداد و الشّركاء (و في شرّ دار) أراد بها تهامة أو نجد أو البوادي التي كانوا يسكنونها، ثمّ فتح اللّه عليهم البلاد.

و وصفها بالشّرّ من حيث فساد أمر معاشهم فيها كما فسّره بقوله: (منيخون) أي مقيمون (بين حجارة خشن) صلب لا نداوة فيها و لا نبات (و حيّات صمّ) لأنّ أرض العرب على غلظتها و خشونتها ذات حيّات كثيرة، و على التّركيب الوصفي فالمراد بها الحيّات التي لا تقبل العوذة و لا تنزجر بالصّوت لشدّة قوّتها.

قال البحراني: و وصفها بالصمّ لأنّ حيّات تلك الأرض على غاية من القوّة و حدّة السّموم لاستيلاء الحرارة و اليبس عليها.

و قال الشّارح المعتزلي: و يجوز أن يعنى به المجاز و هو الأحسن يقال للاعداء حيّات، و الحيّة الصّماء أدهى من التي ليست بصمّاء لأنّها لا تنزجر بالصّوت و يقال للعدوّ أيضا إنّه لحجر خشن المسّ إذا كان ألدّ الخصام (تشربون الكدر) لأنّ غالب مياه العرب هو الغدران و الآبار أمّا الغدران فأصلها ماء المطر ينزل على الأودية السّبخة و القفار الملحة فيسيل حتّى يقع في تلك الغدران فيكون مرّا ملحا اجاجا ثمّ يتكدّر و يتعفّن من طول الزّمان و وقوع الشّمس عليها و تأثّره بها و أمّا الآبار فمضافا إلى وقوع ماء المطر الموصوف فيها ربّما تنزل العشاير حولها و ينيخون أباعرهم هنالك فيثور الرّياح البار «أبوال ظ» الأباعر و أرواثها و ساير كثافات القوم بعد ارتحالهم من ذلك المكان حتّى تقع على تلك الآبار فيكون مياهها كثيفا كدرا.

و ربما امسكنا عن شرب الماء و صبرنا على العطش يوما أو يومين في مسافرتنا إلى مكّة زادها اللّه شرفا لما شاهدناه من كثافة تلك المياه بما يتنفّر عنه الطبع مع كون سفرنا في أيّام الشّتاء و ربّما كنّا نشرب عوض الماء السّكنجبين و ساير الأشربة التي كانت معنا (و تأكلون الجشب) فانّك تجد عامّتهم يأكل ما ذبّ من حيوان، و بعضهم يخلط الشّعير بنوى التّمر و يطحنها و يتّخذ منها خبزا

قيل: كانت العرب لم تعرف طيّبات الأطعمة إنّما كان طعامهم اللحم يطبخ بالماء و الملح حتّى أدرك معاوية فاتّخذ ألوان الأطعمة قال أبو بردة: كانوا يقولون: من أكل الخبز سمن، فلمّا فتحنا خيبرا جهضناهم عن خبزهم فقعدت عليه آكل و أنظر في اعطافي هل سمنت.

و قال خالد بن عمير العددي: شهدت فتح الاملة فاصبنا سفينة مملوّة جوزا فقال رجل، ما هذه الحجارة ثمّ كسر واحدة فقال: طعام طيّب و قال بعضهم: أصابوا جربا من الكافور فخالوها الملح فذاقوه فقالوا لا ملوحة لهذا الملح ففطن ناس من أهل الخبرة فجعلوا يعطونهم جرابا من ملح و يأخذون جرابا من الكافور و قدم إلى أعرابيّ خبز عليه لحم فأكل اللحم و ترك الخبز و قال: خذ الطبق و كان بنو أسد يأكلون الكلاب و لذلك قال الفرزدق:

 إذا اسديّ جاع يوما ببلدة            و كان سمينا كلبه فهو آكله‏

 و قال بعضهم نزلت برجل فأضافني فأتى بحيّة مشوية شوّاها فأطعمنيها ثمّ أتى بماء منتن فسقانيه فلمّا أردت الارتحال قال: ألا قمت لطعام طيّب و ماء نمير و كان أحدهم يتناول الشّعر المحلوق فيجعله في جفنة من الدّقيق ثمّ يأكله مع ما فيه من القمل قال شاعرهم:

 بني أسد جاءت بكم قملية            بها باطن من داء سوء و ظاهره‏

و من طعامهم الفظ و هو ماء الكرش و قيل لأعرابي: ما تأكلون فقال: نأكل ما دبّ و درج إلا أمّ جبين فقال: لتهنّ ام جبين العافية و قال أبو نواس:

و لا تأخذ عن الاعراب طعما            و لا عيشا فعيشهم جديب‏

 و كان روبة يأكل الفار فقيل: لم لا تستقذره فقال: هو و اللّه لا يأكل إلّا فاخرات متاعنا.

و بنو تميم يعيّرون بأكل الضب قال أبو نواس في هجوهم.

إذا ما تميمي أتاك مفاخرا            فقل عدّ عن ذا كيف أكلك للضبّ‏

قال الاصمعي دنوت من بعض الأخبية في البادية فسقيت لبنا في إناء فلمّا شربته قلت هل كان هذا إلّا إناء «الاناء» نظيفا فقيل: نعم نأكل منه في النّهار و نبول فيه باللّيالي فاذا أصبحنا سقينا فيه الكلب فلحسه و نقاه، فقلت: لعنك اللّه و لعن هذه النظافة (و تسفكون دمائكم و تقطعون أرحامكم) فانّ القتل و الغارة كان شعار العرب في أيّام الجاهليّة حتّى أنّ الوالد ربّما كان يقتل ولده و بالعكس قال سبحانه: «و إذا الموؤدة سئلت بأيّ ذنب قتلت» قال ابن عبّاس المرأة إذا حان وقت ولادتها حفرت حفرة و قعدت على رأسها فان ولدت بنتا رمت بها في الحفرة و إن ولدت غلاما حبسته (الأصنام فيكم منصوبة و الآثام بكم معصوبة) استعار لفظ العصب للزوم الآثام لهم في تلك الحال

الترجمة

از جمله خطب آن حضرت است در بيان حال عرب در أيّام جاهليت مى‏ فرمايد بدرستى كه خداوند سبحانه و تعالى مبعوث فرمود محمّد بن عبد اللّه را در حالتى كه ترساننده بود عالميان را از بدى افعال ايشان، و امين بود بر آنچه نازل مى ‏شد بر او مى ‏رسانيد آن را بدون زياده و نقصان و حال آنكه شما جماعت عرب بر بدترين دين بوديد و در بدترين خانها مقيم بوديد، در ميان سنگهاى درشت و مارهاى با شدت و صلابت در حالتى كه مى ‏آشاميديد آبهاى ناصاف را و مى‏ خورديد طعام غليظ و بي ادام را و مى‏ ريختيد خونهاى يكديگر را و قطع مى ‏كرديد خويشان خودتان را، بتان در ميان شما نصب كرده شده بودند و گناهان بر شما بسته گرديده.

الفصل الثاني منها

فنظرت فإذا ليس لي معين إلّا أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، و أغضيت على القذى، و شربت على الشّجى، و صبرت على أخذ الكظم، و على أمّر من طعم العلقم.

اللغة

(ضننت) بكسر النّون و يروى بالفتح أيضا من الضّنة و هو البخل و (اغضيت) على كذا اطبقت عليه جفنى و (القذى) ما يقع في العين من تبن و نحوه يوجب اذيتها و (الشّجى) ما اعترض في الحلق من نشب و عظم و قد مرّ هذان اللفظان في الخطبة الشّقشقيّة و (أخذ بكظمه) محرّكة و هو مجرى نفسه و (العلقم) شجر بالغ المرارة و يقال في العرب على كلّ مرّ.

الاعراب

كلمة إذا في قوله: فاذا ليس لي معين، للظرف، و التّنوين عوض عن الجملة المضاف إليها اى فنظرت فاذ غصبوني حقّى ليس لي معين، و كلمة على في الموارد الأربعة إمّا للاستعلاء المجازي أو بمعنى مع على حدّ قوله: «وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى‏ ظُلْمِهِمْ» و أمرّ صفة لموصوف محذوف.

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه حكاية لحاله الذي كان هو عليه بعد ارتحال الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ما جرى عليه من الظلم و الجور في اغتصاب الحقّ الذي كان له عليه السّلام فكأنّه يقول: إنّهم بعد غصبهم للخلافة تفكّرت في أمر المقاومة و الدّفاع عن هذا الأمر الذي كنت أولى به (فنظرت فاذا ليس لي معين) يعينني (إلّا أهل بيتي) و هم كانوا قليلين غير مقاومين للمخالفين (فضننت بهم عن الموت) لعلمي بأنّهم لو قاتلوا لقتلوا (و) لمّا علمت عدم حصول المقصود بهؤلاء النّفر (أغضيت) و أطبقت جفوني (على القذى و شربت على الشجى) و كنّى الاغضاء و الشّرب على القذى و الشّجى عن تحمله على الامور التي يصعب التّحمل عليها لصعوبتها و شدّتها و ألمها و أذيّتها كما يشهد به قوله: (و صبرت على أخذ الكظم و على) امور (امرّ من طعم العلقم) لشدّة مرارتها من حيث إنّ فيها الألم النّفساني و في العلقم الألم البدني‏

و اعلم أنّ هذا الكلام منه صريح في اغتصاب الخلافة و نصّ على أنّ تركه مطالبتها لم يكن من رغبة و اختيار، و إنّما كان جبرا و اضطرارا، و قد اشرنا إلى ذلك في مقدّمات الخطبة الشّقشقيّة و ذكر ناثمّة أخبار السّقيفة الدّالة على انتحال الخلافة من طرق الخاصّة، و المقصود الآن ذكر بعض الأخبار العاميّة الصّريحة في ذلك ممّا رواها الشّارح المعتزلي عن رواتهم، لأنّه أثبت حجّة و أقوى استنادا فأقول: قال الشّارح: اختلفت الرّوايات في قصّة السّقيفة فالذي تقول الشّيعة و قد قال قوم من المحدّثين بعضه ورود كثير منه أنّ عليّا عليه السّلام امتنع من البيعة حتّى اخرج كرها، و أنّ الزّبير بن العوام امتنع من البيعة و قال: لا ابايع إلّا عليّا، و كذلك أبو سفيان بن حرب و خالد بن سعيد بن العاص بن اميّة بن عبد شمس و عباس بن عبد المطلب و بنوه و أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب و جميع بني هاشم و قالوا: إنّ الزّبير شهر سيفه فلمّا جاء عمر و معه جماعة من الانصار و غيرهم قال فى جملة ما قال: خذوا سيف هذا فاضربوا به الحجر و يقال: إنّه اخذ السّيف من يد الزّبير فضرب به حجرا فكسره و ساقهم كلّهم بين يديه إلى أبي بكر فحملهم على بيعته و لم يتخلف إلّا عليّ وحده فإنّه اعتصم ببيت فاطمة فتحاموا إخراجه منه قسرا و قامت فاطمة عليها السلام إلى باب البيت فاسمعت من جاء يطلبه فتفرّقوا و علموا أنّه بمفرده لا يضرّ شيئا فتركوه و قيل: إنّهم أخرجوه فيمن اخرج و حمل إلى أبي بكر فبايعه، و قد روى أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري كثيرا من هذا فأمّا حديث التّحريق و ما جرى مجراه من الامور الفظيعة و قول من قال: إنّهم اخذوا عليّا يقاد بعمامته و النّاس حوله فأمر بعيد، و الشّيعة منفرد به على أنّ جماعة من أهل الحديث قد رووا نحوه و سنذكر ذلك.

و قال أبو جعفر إنّ الأنصار لمّا فاتها ما فاتها ما طلبت من الخلافة قالت أو قال بعضهالا نبايع إلّا عليّا، و ذكر نحو هذا عليّ بن عبد الكريم المعروف بابن الاثير الموصلي في تاريخه.

فامّا قوله: لم يكن لي معين إلّا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت، فقول ما زال عليه السّلام يقوله: و لقد قاله عقيب وفات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: لو وجدت أربعين ذوي عزم ذكر ذلك نصر بن مزاحم في كتاب صفّين و ذكره كثير من أرباب السّيرة.

و أمّا الذي يقوله جمهور المحدّثين و أعيانهم فانّه امتنع من البيعة ستّة اشهر و لزم بيته فلم يبايع حتّى ماتت فاطمة فلمّا ماتت بايع طوعا و في صحيحي مسلم و بخاري كانت وجوه النّاس إليه و فاطمة عليها السلام لما تمت «ماتت ظ» بعد فلمّا ماتت فاطمة عليها السلام انصرفت وجوه الناس عنه و خرج من بيته فبايع أبا بكر و كانت مدّة بقائها بعد أبيها عليه الصّلاة و السّلام ستّة أشهر قال: و روى أحمد بن عبد العزيز قال: لمّا بويع لأبي بكر كان الزّبير و المقداد يختلفان في جماعة من النّاس إلى عليّ عليه السّلام و هو في بيت فاطمة فيتشاورون و يتراجعون امورهم فخرج عمر حتّى دخل على فاطمة عليها السّلام و قال: يا بنت رسول اللّه ما من أحد من الخلق أحبّ إلينا من أبيك، و ما من أحد أحبّ إلينا منك بعد أبيك، و أيم اللّه ما ذاك بما نعي ان اجتمع هؤلاء النّفر عندك ان امر بتحريق البيت عليهم فلمّا خرج عمر جاؤها فقالت تعلمون أنّ عمر جائني و حلف لي باللّه إن عدتم ليحرقن عليكم البيت و أيم اللّه ليمضين لما حلف له فانصرفوا عنّا راشدين فلم يرجعوا إلى بيتها و ذهبوا و بايعوا لأبي بكر قال: و من كتاب معاوية المشهور إلى عليّ عليه السّلام: و عهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار و يداك في يدي ابنيك الحسن و الحسين يوم بويع أبو بكر فلم تدع أحدا من أهل بدر و السّوابق إلّا دعوتهم إلى نفسك و مشيت إليهم بامرئتك و أوليت إليهم بابنيك و استنصرتهم على صاحب رسول اللّه فلم يجبك منهم إلّا أربعة أو خمسة، و لعمري لو كنت محقّا لأجابوك، و لكنّك ادّعيت باطلا و قلت ما لا يعرف و رمت ما لا يدرك، و مهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لمّا حرّ كك‏و هيّجك: لو وجدت أربعين ذوي عزم لنا هضت القوم فما يوم المسلمين منك بواحد و روى أيضا من كتاب أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن حباب بن يزيد عن جرير بن المغيرة أن سلمان و الزّبير و الأنصار كان هواهم أن يبايعوا عليّا بعد النّبيّ فلمّا بويع أبو بكر قال سلمان: أصبتم الحيرة و أخطأتم المعدن.

و عن حبيب بن أبي ثابت قال: قال سلمان يومئذ: أصبتم ذا ألسن منكم و خالفتم أهل بيت نبيّكم لو جعلوها فيهم ما اختلف عليكم اثنان و لأكلتموها رغدا و روى أيضا عن غسان بن عبد الحميد قال: لمّا اكثر في تخلّف عليّ عليه السّلام عن بيعة أبي بكر و اشتدّ عمر و أبو بكر عليه في ذلك خرجت أمّ مسطح بن اثاثة فوقفت عند القبر و قالت:

كانت امور و انباء و انبثة «هنبثة»
لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب‏

إنّا فقدناك فقد الارض و ابلها
و اختلّ قومك فاشهدهم و لا تغب‏

و من كتاب الجوهري أيضا عن أبي الاسود قال: غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر بغير مشورة و غضب عليّ و الزّبير فدخلا بيت فاطمة معهما السّلاح فجاء عمر في عصابة منهم اسيد بن حصين و سلمة بن سلامة بن وقش و هما من بني عبد الأشهل فصاحت فاطمة و ناشدتهم فأخذوا سيفي عليّ و الزّبير فضربوا بهما الجدار حتّى كسروهما ثمّ أخرجهما عمر يسوقهما حتّى بايعا ثمّ قام أبو بكر فخطب النّاس و اعتذر إليهم و قال: إنّ بيعتى كانت فلتة وقى اللّه شرّها و خشيت الفتنة و أيم اللّه ما حرصت يوما قط و لقد قلدت أمرا عظيما ما لى به طاقة و لا يدان و لوددت انّ اقوى النّاس عليه مكاني، و جعل يعتذر إليهم فقبل المهاجرون عذره، إلى آخر ما رواه.

و قد روى باسناد آخر ذكره أنّ ثابت بن قيس بن شماس كان مع الجماعة الذين حضروا مع عمر في بيت فاطمة عليها السّلام، و ثابت هذا أخو بني الحرث ابن الخزرج.

و روى أيضا أنّ محمّد بن مسلمة كان معهم و أنّ محمّدا هو الذي كسر سيف الزّبير و عن سلمة بن عبد الرّحمن قال: لمّا جلس أبو بكر على المنبر كان عليّ و الزّبيرو ناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم فقال: و الذي نفسي بيده لتخرجنّ إلى البيت أو لتحرقنّ البيت عليكم، فخرج الزّبير مصلتا سيفه فاعتنقه رجل من الأنصار و زياد بن لبيد فدقّ به فبدو (فبدر) السّيف فصاح به أبو بكر و هو على المنبر: اضرب به الحجر قال أبو عمرو: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضّربة و يقال هذه ضربة سيف الزّبير ثمّ قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي اللّه بهم قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه.

و قد روى الجوهرى في رواية اخرى أنّ سعد بن أبي وقاص كان معهم في بيت فاطمة عليها السّلام و المقداد بن الاسود أيضا و أنّهم اجتمعوا إلى أن يبايعوا عليّا فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت فخرج إليه الزّبير بالسّيف و خرجت فاطمة تبكى و تصيح فنهنهت من الناس و قالوا ليس عندنا معصية و لا خلاف في خير اجتمع عليه النّاس، و إنّما اجتمعنا لنؤلّف القرآن في مصحف واحد ثمّ بايعوا ابا بكر فاستمرّ الأمر و اطمئنّ النّاس.

و قد روى الجوهري أيضا عن داود بن المبارك قال: أتانا عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب و نحن راجعون من الحجّ في جماعة فسألناه عن مسائل و كنت احد من سأل فسألته عن أبي بكر و عمر فقال: اجيبك بما أجاب به عبد اللّه بن الحسن فإنّه سئل عنهما فقال: كانت فاطمة صدّيقة ابنة نبيّ مرسل فماتت و هي غضباء على قوم فنحن غضاب لغضبها.

و روى أيضا بإسناده عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهما السّلام عن ابن عبّاس قال: قال لي عمر: أمّا و اللّه أن كان صاحبك أولى النّاس بالأمر بعد وفات رسول اللّه إلا أنّا خفناه على اثنتين، قلت: ما هما قال: خشيناه على حداثة سنّه و حبّه بني عبد المطّلب.

و عن الشّعبي قال: سأل أبو بكر و قال اين الزّبير فقيل: عند عليّ عليه السّلام و قد تقلّد سيفه فقال: قم يا عمر يا خالد بن الوليد انطلقا حتّى تأتياني بهما فانطلقا فدخل عمر و قام خالد على باب البيت من خارج فقال عمر للزّبير: ما هذا السّيف‏ فقال: نبايع عليّا، فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره ثمّ أخذ بيد الزّبير فأقامه ثمّ دفعه و قال: يا خالد دونكه فامسكه ثمّ قال لعليّ: قم فبايع لأبي بكر فتلكأ و احتبس فأخذ بيده و قال: قم فأبى أن يقوم فحمله و دفعه كما دفع الزّبير فاخرجه و رأت فاطمة ما صنع بهما فقامت على باب الحجرة و قالت: يا ابا بكر ما أسرع ما اغرتم على أهل بيت رسول اللّه، و اللّه لا أتكلّم عمر حتّى ألقى اللّه، إلى آخر ما رواه ثم قال الشارح و اعلم أنّ الآثار و الأخبار في هذا الباب كثيرة و من تأمّلها و أنصف علم أنّه لم يكن هناك نصّ صريح مقطوع به لا تختلجه الشّكوك و لا يتطرّق إليه الاحتمالات كما تزعم الاماميّة، فانّهم يقولون: إنّ الرّسول نصّ نصا صريحا جليّا ليس بنصّ الغدير و لا خبر المنزلة و لا ما شابههما من الأخبار الواردة من طرق العامّة و غيرها، بل نصّ عليه بالخلافة و بامرة المؤمنين و أمر المسلمين أن يسلّموا عليه بذلك فسلموا عليه بها، و صرّح لهم في كثير من المقامات بأنّه خليفة عليهم من بعده و أمرهم بالسّمع و الطاعة له.

و لا ريب أنّ المنصف إذا سمع ما جرى لهم بعد وفات رسول اللّه يعلم قطعا أنّه لم يكن هذا النصّ، و لكن قد يسبق إلى النّفوس و العقول أنّه قد كان هناك تعريض و تلويح و كناية و قول غير صريح و حكم غير مثبوت، و لعلّه كان يصدّه عن التّصريح بذلك أمر يعلمه و مصلحة يراعيها و وقوف مع إذن اللّه تعالى في ذلك.

فامّا امتناع علىّ من البيعة حتّى اخرج على الوجه الذي اخرج عليه فقد ذكره المحدّثون و رواه السّير و قد ذكرنا ما قاله الجوهري في هذا الباب و هو من رجال الحديث و من الثقات المأمونين، و قد ذكر غيره من هذا النّحو ما لا يحصى كثرة فأمّا الامور الشنيعة المستهجنة التي يذكرها الشّيعة من إرسال قنفذ إلى بيت فاطمة و انّه ضربها بالسّوط فصار في عضدها كالدملج و بقى اثره إلى ان ماتت، و ان عمر ضغطها بين الباب و الجدار فصاحت يا ابتاه يا رسول اللّه و القت جنينا ميتا، و جعل في عنق عليّ حبل يقاد به و هو يعتلّ و فاطمة خلفه تصرخ بالويل و الثّبور،و ابناه حسن و حسين معهما يبكيان و أنّ عليّا لمّا احضر سألوه البيعة فامتنع فهدّد بالقتل فقال: إذن تقتلون عبدا للّه و أخا رسول اللّه فقالوا أمّا عبد اللّه فنعم و أمّا أخو رسول اللّه فلا، و أنّه طعن في أوجههم بالنّفاق و سطر صحيفة الغدر التي اجتمعوا عليها، و بأنّهم أرادوا أن ينفروا ناقة رسول اللّه ليلة العقبة، فكلّه لا أصل له عند أصحابنا و لا يثبته أحد منهم و لا رواه أهل الحديث و لا يعرفونه و إنّما هو شي‏ء تنفرد الشّيعة بنقله انتهى.

أقول و العجب كلّ العجب من الشّارح كيف ينكر وجود النّص الصّريح الذي لا يحتمل التّأويل مع وجود النّصوص التي رواها هو و غيره من رسول اللّه في حقّ أمير المؤمنين بأنّه الامام و الخليفة و الوصيّ و الوليّ و ما شابهها من الألفاظ الصّريحة في الخلافة، و قد مضت شطر منها في مقدّمات الخطبة الشقشقيّة و يأتي كثير منها في مواقعها بعد ذلك انشاء اللّه.

و أمّا عدم إفادتها للقطع عند من استحوذ عليه الشّيطان و أنساه ذكر ربّه، و كان قلبه مشوبا بالشّبهات و الشّكوك فلا غرو فيه

 إذا لم يكن للمرء عين صحيحة            فلا غرو أن يرتاب و الصّبح مسفر

و أعجب من ذلك أنّه مع روايته لتلك الأخبار و تصحيحه لها و حكمه بوثاقة روانها يقول: إنّ أمير المؤمنين ترك الأمر إليهم اختيارا و طوعا، مع أنّ هذه الأخبار كما ترى صريحة في أنّ خروجه من بيته و بيعته لأبي الفصيل لم يكن إلّا كرها و إجبارا و ترك المقاومة لهم لم يكن إلّا عجزا لا اختيارا.

ثمّ لا أدرى أنّه كيف ينكر حديث التّحريق و يزعم أنّه ممّا انفردت به الشّيعة مع رواية الجوهري له و كونه من الثّقات المأمونين عنده.

و قد رواه غير واحد من رواتهم أيضا مطابقا لما روته الشّيعة منهم إبراهيم ابن سعيد الثقفي قال: حدّثنا أحمد بن عمرو البجلي قال: حدّثنا أحمد بن حبيب العاملي عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد الصّادق عليه السّلام قال: و اللّه ما بايع عليّ عليه السّلام حتّى راى الدّخان قد دخل عليه بيته، رواه المرتضى في الشّافي.

و فيه أيضا عن البلادري عن مسلمة بن محارب عن سليمان التّميمي عن أبي عون أن أبا بكر ارسل إلى عليّ فلم يبايع فجاء عمر و معه قبس فتلقاه فاطمة على الباب فقال: يابن الخطاب أتراك محرقا قال: نعم و ذلك أقوى فيما جاء به أبوك و جاء عليّ عليه السّلام فبايع.

قال السّيد (ره) عقيب هذا الحديث: و هذا الخبر قد روته الشّيعة من طرق كثيرة و إنّما الطريق أن يرويه شيوخ محدّثي العامّة لكنّهم كانوا يروون ما سمعوا بالسّلامة و ربّما تنبهوا على ما يروونه عليهم فكفّوا عنه، و أىّ اختيار لمن يحرق عليه بابه حتى يبايع.

الترجمة

بعض ديگر از فقرات اين خطبه است كه بيان مى ‏فرمايد در او حال خود را بعد از ارتحال حضرت رسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و شكاية مى‏ نمايد از أهل جلافة كه غصب خلافة كردند، و مى‏ گويد كه چون أهل عناد حقّ مرا غصب نمودند پس نظر كردم من در تدبير امور خود پس آن زمان كه غصب خلافت كردند نبود مرا يارى دهنده مگر أهل بيت خود كه معدود قليلى بود نسبت بمخالفين، پس بخل ورزيدم بايشان از مرگ يعني ايشان را از معارك مهالك نگاه‏داشتم و بپوشانيدم چشم خود را بر چيزى كه اذيّت مى‏ كشيد از او ديده من، و آشاميدم زهر آب ستم مخالفان را در حينى كه بودم گلوگير از غصّه و غم، و صبر كردم بر خشم فرو خوردن بر چيزى كه تلخ‏تر بود از چشيدن درخت علقم با وجود آنكه درختى است در غايت تلخي و مرارة.

الفصل الثالث منها

و لم يبايع حتّى شرط أن يؤتيه على البيعة ثمنا، فلا ظفرت يد البايع «المبايع خ ل» و خزيت أمانة المبتاع، فخذوا للحرب أهبتها،و أعدّوا لها عدّتها، فقد شبّ لظاها، و علا سناها، و استشعروا الصّبر، فإنّه أدعى للنّصر.

اللغة

(خزيت) من الخزى و هو الذّلّ و الاهانة و (الاهبة) كالمعدة بضمّ الفاء فيهما ما يعدّ للحرب من السّلاح و الآلات و (شبّ لظاها) بالبناء على الفاعل اى ارتفع لهبها، أو بالبناء على المفعول اى اوقدت نارها و (السّناء) الضّوء (أدعى للنّصر) و في بعض النّسخ أحزم للنصر من حزمت الشّي‏ء إذا شددته كانّه يشد النّصر

الاعراب

فاعل يبايع عايد إلى عمرو بن العاص، و جملة فلا ظفرت دعائية لا محلّ لها من الاعراب، و اسناده إلى الامانة من باب التّوسع، و الحرب مؤنّث سماعيّ و لذلك اعيد الضّماير الخمسة بعدها إليها مؤنّثة.

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من كلامه بيان لحال عمرو بن العاص مع معاوية (و) يقول إنّ عمروا (لم يبايع) لمعاوية (حتّى شرط أن يؤتيه) معاوية (على البيعة) مصر طعمة و (ثمنا فلا ظفرت) و لا فازت (يد البايع) و هو عمرو في بيعته بالثّمن او بما يأمله (و خزيت امانة المبتاع) و هو معاوية و قال الشّارح المعتزلي: البايع معاوية و المبتاع هو عمرو، و لعلّه نظر إلى أنّ معاوية باع مصر له ببيعته و لكنّه خلاف ظاهر الكلام حيث إنّه عليه السّلام جعل البيعة مثمنا فيكون مصر ثمنا فالأظهر ما ذكرناه.

ثمّ أمر عليه السّلام بتهيّة أسباب الجهاد مع القاسطين بقوله: (فخذوا للحرب اهبتها) اى سلاحها (و أعدوا لها عدّتها فقد شبّ لظاها) و لهبها (و علا سناها) و ضوؤها، استعار لفظ اللظا و السّنا عن أمارات الحرب لكون كلّ منهما علامة لما فيه مظنّةالهلاك، ثمّ أمر بالصّبر في الحرب بقوله: (و استشعروا الصّبر) اى اجعلوه شعارا لكم كالثّوب الملازم للجسد (فانّه) أى الصّبر (ادعى للنّصر) و من أقوى أسبابه و اعلم أنّ كيفيّة تلك المبايعة على ما رواه المحدّث العلّامة المجلسي و الشّارح المعتزلي جميعا من كتاب الصّفّين لنصر بن مزاحم مع إسقاط الزّوايد منّا هو أنّه عليه السّلام حين قدم الكوفة بعد فراغه من قتال النّاكثين كتب إلى معاوية كتابا على ما يأتي ذكره في الكتاب في باب المختار من كتبه إنشاء اللّه يدعوه فيه إلى البيعة و أرسل جرير بن عبد اللّه البجلي رسولا إليه مع كتابه فقدم عليه به الشّام فقرأه و اغتم بما فيه و ذهبت به أفكاره كلّ مذهب و طاول جريرا بالجواب عن الكتاب حسبما تطلع على تفصيله في شرح كلامه الثّالث و الأربعين في باب المختار من الكتب حتّى كلّم قوما من أهل الشّام في الطّلب بدم عثمان فأجابوه و بايعوه على ذلك و أوثقوا له على أن يبذلوا انفسهم و أموالهم أو يدركوا ثاره أو يفنى اللّه أرواحهم فلمّا أمسى معاوية اغتمّ بما هو فيه و استحثّه جرير بالبيعة فقال: يا جرير إنّها ليست بخلسة و إنّه أمر له ما بعده فابلغني ريقي حتّى أنظر، و دعا ثقاته فقال له أخوه عتبة بن أبي سفيان: استغن بعمرو بن العاص فانّه من قد علمت في دهائه و رأيه و قد اعتزل أمر عثمان في حياته و هو لامرك أشدّ اعتزالا إلّا أن يثمن له دينه فسيبيعك فانّه صاحب دنيا.

فكتب معاوية إلى عمرو: أمّا بعد فانّه قد كان من أمر عليّ و طلحة و الزّبير ما قد بلغك و قد سقط إلينا مروان بن الحكم في نفر من أهل البصرة و قدم علينا جرير بن عبد اللّه في بيعة عليّ و قد حبست نفسى عليك حتّى تأتيني فاقبل اذا كرك امورا لا تعدم مغتبها إنشاء اللّه.

فلمّا قدم الكتاب على عمر و استشار ابنيه عبد اللّه و محمّدا فقال: ما تريان فقال عبد اللّه: أرى أنّ نبيّ اللّه قبض و هو عنك راض و الخليفتان من بعده، و قتل عثمان و أنت عنه غايب فقرّ في منزلك فلست مجعولا خليفة و لا تريد على أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة أو شكتما أن تهلكا فتستويا (فتسويا خ ل) في عقابها و قال محمّد: أرى أنّك شيخ قريش و صاحب أمرها و أن تصرم هذا الأمر و أنت فيه غافل تصاغر أمرك فالحق بجماعة أهل الشّام و كن يدا من أيديها و اطلب بدم عثمان فانّه سيقوم بذلك بنو اميّة.

فقال عمر و أمّا أنت يا عبد اللّه فأمرتني بما هو خير لي في ديني، و أمّا أنت يا محمّد فأمرتني بما هو خير لي في دنياي و أنا ناظر فيه فلمّا جنّه اللّيل رفع صوته ينشد أبياتا«» في ذلك ردّدها فقال عبد اللّه: ترحل الشّيخ.

و دعى غلاما له يقال له وردان: و كان داهيا ماردا فقال: ارحل يا وردان ثمّ قال: احطط يا وردان ثمّ قال: ارحل يا وردان احطط يا وردان فقال له: وردان خلطت أبا عبد اللّه أمّا انّك إن شئت أنبأتك بما في نفسك قال: هات و يحك قال: اعتركت الدّنيا و الآخرة على قلبك فقلت: عليّ معه الآخرة في غير الدّنيا و في الآخرة عوض من الدّنيا، و معاوية معه الدّنيا بغير آخرة و ليس في الدّنيا عوض من الآخرة فانت واقف بينهما قال: فانّك و اللّه ما أخطات فما ترى يا وردان قال: أرى أن تقيم في بيتك فان ظهر أهل الدّين عشت في عفو دينهم، و إن ظهر أهل الدّنيا لم يستغنوا عنك قال الآن لما شهدت (شهرت خ ل) العرب مسيرى إلى معاوية.

فارتحل و صار حتّى قدم على معاوية و عرف حاجة معاوية إليه فباعده من نفسه و كايد كلّ واحد منهما صاحبه فقال له معاوية يوم دخل عليه: أبا عبد اللّه طرقتنا في ليلتنا هذا ثلاثة أخبار ليس فيها ورد و لا صدر قال: و ما ذاك قال: منها أنّ محمّد بن أبي حذيفة كسر سجن مصر فخرج هو و أصحابه و هو من آفات هذا الدّين، و منها أنّ قيصر زحف بجماعة الرّوم ليغلب على الشّام، و منها أنّ عليّا نزل الكوفة متهيّئا للمسير إلينا.

فقال عمرو: كلّ ما ذكرت عظيما أمّا امر ابن أبي حذيفة فما يعظمك من‏رجل خرج في اشباهه ان تبعث إليه رجلا يقتله أو يأتيك به و إن قاتل لم يضرّك و أمّا قيصر فاهد له الوصايف و آنية الذّهب و الفضّة و سله الموادعة فانّه اليها سريع، و أمّا عليّ فلا و اللّه يا معاوية ما يسوى العرب بينك و بينه في شي‏ء من الأشياء و انّ له في الحرب لحظا ما هو لأحد من قريش و انّه لصاحب ما هو فيه إلّا أن تظلمه قال نصر و روى عمر بن سعد بإسناده قال: قال معاوية لعمرو: يا أبا عبد اللّه إنّى أدعوك إلى جهاد هذا الرّجل الذى عصى ربّه و شقّ عصا المسلمين و قتل الخليفة و أظهر الفتنة و فرّق الجماعة و قطع الرّحم، قال عمرو: من هو قال: عليّ قال عمرو: و اللّه يا معاوية ما أنت و عليّ حملى بعير مالك هجرته و لا سابقته و لا صحبته و لا فقهه و لا علمه، و و اللّه إنّ له مع ذلك جدّا و جدودا و خطئا و خطوة و بلاء من اللّه حسنا فما تجعل لي على أن شايعتك على ما تريد قال: حكمك قال: مصر طعمة قال: فتلكأ«» عليه معاوية قال له: أبا عبد اللّه أما تعلم أنّ مصر مثل العراق قال: بلى و لكنّها إنّما تكون لي إذا كانت لك و إنّما تكون لك إذا غلبت عليّا على العراق.

قال: فدخل عليه عتبة بن أبي سفيان فقال: أ ما ترضى أن تشتري عمروا بمصر إن هى صفت لك ليتك لا تغلب على الشّام فقال معاوية: يا عتبة بت عندنا اللّيلة قال فلمّا جنّ الليل على عتبة رفع صوته يسمع معاوية بأبيات«» يحثّه فيها على ارضاء عمرو فلمّا سمع معاوية ذلك أرسل إلى عمرو و أعطاها إيّاه، فقال عمرو: ولى اللّه عليك بذلك شاهد قال له معاوية: نعم لك اللّه عليّ بذلك إن فتح اللّه علينا الكوفة فقال عمرو: و اللّه على ما نقول و كيل فخرج عمرو من عنده فقال له ابناه: ما صنعت قال: أعطانا مصر طعمة قالا: و ما مصر في ملك قال: لا أشبع اللّه بطونكما إن لم يشبعكما مصر.

قال: و كتب له معاوية بمصر كتابا و كتب على أن لا ينقض شرط طاعته فكتب عمرو أن لا ينقض طاعته شرطا و كايد كلّ منهما صاحبه.

قال و كان مع عمرو ابن عمّ له فتى شابّ و كان داهيا فلمّا جاء عمرو بالكتاب مسرورا عجب الفتى و قال: لا تخبرني يا عمرو بأيّ رأى تعيش في قريش أعطيت دينك و منيت دنيا غيرك، أ ترى أهل مصر و هم قتلة عثمان يدفعونها إلى معاوية و عليّ حيّ و أ تراها إن صارت لمعاوية لا يأخذها بالحرف الذي قدّمه في الكتاب فقال عمرو: يابن أخى إنّ الأمر للّه دون عليّ و معاوية و أنشد الفتى في ذلك شعرا«» فقال له عمرو: يابن عمّ لو كنت مع عليّ وسعني بيتي و لكنّي مع معاوية فقال له الفتى: إنّك إن لم ترد معاوية لم تردك و لكنك تريد دنياه و يريد دينك.

و بلغ معاوية قول الفتى فطلبه فهرب و لحق بعليّ فحدّثه بأمر عمرو و معاوية، قال: فسرّ ذلك عليّا و قرّبه قال: و غضب مروان و قال: ما بالي لا اشتري كما اشترى عمر و فقال له معاوية: انما نبتاع لك قال نصر فلمّا كتب الكتاب قال معاوية لعمرو ما ترى قال: امض الرّاى الأوّل فبعث مالك بن هبيرة الكندى في طلب محمّد بن أبي حذيفة فأدركه و قتله، و بعث إلى قيصر بالهدايا فوادعه، ثمّ قال: ما ترى في عليّ قال: إنّه قد أتاك في طلب البيعة خير أهل العراق و من عند النّاس في أنفس النّاس و دعواك أهل الشّام إلى ردّ هذا البيعة خطر شديد، و رأس أهل الشّام شرجيل بن السّمط الكندي و هو عدوّ لجرير المرسل إليك فابعث إليه و وطئ له ثقاتك فليفشوا في النّاس أنّ عليّا قتل عثمان و ليكونوا أهل الرّضا عند شرجيل فإنّها كلمة جامعة لك أهل الشّام على ما تحبّ و إن تعلقت بقلب شرجيل لن تخرج منه بشي‏ء أبدا.

فكتب إلى شرجيل أن جرير بن عبد اللّه قدم علينا من عند عليّ بن أبي طالب بأمر مفظع فاقدم، فدعى معاوية بريد بن لبيد و بسر بن أرطاة و عمرو بن سفيان و مخارق ابن الحرث الزّبيدي و حمزة بن مالك و عابس بن سعيد الطائي و هؤلاء رؤساء قحطان و اليمن و كانوا ثقات معاوية و خاصّته و بني عمّ شرجيل بن السّمط فأمرهم أن يلقوه‏و خبروه أنّ عليّا قتل عثمان.

فلمّا قدم كتاب معاوية على شرجيل و هو بحمّص استشار بأهل اليمن فاختلفوا عليه، فقام إليه عبد الرّحمن بن غنم و هو صاحب معاذ بن جبل و ختنه و كان أفقه أهل الشّام، فنهاه عن المسير إلى معاوية و وعظه و نهاه أيضا عياض اليماني و كان ناسكا فأبى شرجيل إلّا أن يسير إلى معاوية فلمّا قدم تلقاه النّاس فاعظموه و دخل على معاوية.

فقال له معاوية: يا شرجيل إنّ جرير بن عبد اللّه يدعونا إلى بيعة عليّ و عليّ خير النّاس لو لا أنّه قتل عثمان و حبست نفسي عليك و إنّما أنا رجل من أهل الشّام أرضى ما رضوا و أكره ما كرهوا فقال شرجيل: أخرج و أنظر، فلقاه هؤلاء النّفر الموطئون له فكلّهم أخبره أنّ عليّا قتل عثمان، فرجع مغضبا إلى معاوية فقال: يا معاوية أبى النّاس إلّا أنّ عليّا قتل عثمان، و اللّه إن بايعت له لنخرجك من شامنا أو لنقتلنّك.

فقال معاوية: ما كنت لا خالف عليكم ما أنا إلّا رجل من أهل الشّام قال: فردّ هذا الرّجل إلى صاحبه فعرف معاوية أنّ شرجيل قد نفذت بصيرته فى حرب أهل العراق و أنّ الشّام كلّه مع شرجيل و عند ذلك استعدّ للقتال و كتب إلى عليّ عليه السّلام ما ستعرفه في شرح الكلام الثّالث و الأربعين إنشاء اللّه.

تكملة

قد اشرنا سابقا إلى أنّ هذا الفصل من كلامه عليه السّلام كالفصلين السابقين ملتقط من كلام طويل له عليه السّلام و لكونه مشتملا على مطالب نفيسة أحببنا أن نورده هنا بتمامه فأقول: روى العلامة المجلسي في البحار و الشّارح المعتزلي في شرح الكلام السّابع و السّتين جميعا من كتاب الغارات لإبراهيم بن مسعود الثقفي عن رجاله عن عبد الرّحمان بن جندب عن أبيه قال دخل عمرو بن الحمق و حجر بن عديّ و حبّة العرني و الحارث الأعور و عبد اللّه بن سبا على أمير المؤمنين بعد ما افتتحت مصر و هو مغموم حزين فقالوا له: بين لنا ما قولك في أبى بكر و عمر فقال لهم عليّ عليه السّلام:

هل فرغتم لهذا و هذه مصر قد افتتحت و شيعتي قد قلت أنا مخرج إليكم كتابا اخبركم فيه عمّا سألتم و أسألكم أن تحفظوا من حقّي ما ضيّعتم فاقرءوه على شيعتي و كونوا على الحقّ و هذه نسخة الكتاب: من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى قرّاء كتابي هذا من المؤمنين و المسلمين السّلام عليكم فانّي أحمد إليكم اللّه الذى لا إله إلّا هو أمّا بعد فانّ اللّه بعث محمّدا نذيرا للعالمين أمينا على التّنزيل و شهيدا على هذه الأمّة و أنتم معاشر العرب يومئذ على شرّ دين و في شرّ دار منيخون على حجارة خشن و جنادل صمّ و شوك مبثوث في البلاد، تشربون الماء الخبيث و تأكلون الطعام الجشب و تسفكون دمائكم و تقتلون أولادكم و تقطعون أرحامكم و تأكلون أموالكم بينكم بالباطل، سبلكم خائفة و الأصنام فيكم منصوبة، و لا يؤمن أكثركم باللّه إلّا و هم مشركون.

فمنّ اللّه عزّ و جلّ عليكم بمحمّد فبعثه إليكم رسولا من أنفسكم و قال فيما انزل من كتابه: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» و قال: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» و قال: «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ» و قال: «ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» فكان الرّسول إليكم من أنفسكم بلسانكم، فعلّمكم الكتاب و الحكمة و الفرائض و السّنة، و أمركم بصلة أرحامكم و حقن دمائكم و صلاح ذات البين، و أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها، و أن توفوا بالعهد و لا تنقضوا الايمان بعد توكيدها.

و أمركم أن تعاطفوا و تبارّوا و تباشروا و تباذلوا و تراحموا، و نهاكم عن التّناهب و التّظالم و التّحاسد و التباغي و التقاذف و عن شرب‏ الحرام و بخس المكيال و نقص الميزان، و تقدّم اليكم فيما تلى عليكم أن لا تزنوا و لا تربوا و لا تأكلوا أموال اليتامى، و أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها و أن لا تعثوا في الأرض مفسدين، و لا تعتدوا إنّ اللّه لا يحبّ المعتدين.

فكلّ خير يدنى إلى الجنّة و يباعد من النّار أمركم به، و كلّ شرّ يدني إلى النّار و يباعد من الجنّة نهاكم عنه.

فلمّا استكمل مدّته من الدّنيا توفّاه اللّه إليه سعيدا حميدا فيا لها مصيبة خصّت الأقربين و عمّت جميع المسلمين، ما اصيبوا قبلها بمثلها و لن يعاينوا بعدها اختها فلمّا مضى لسبيله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تنازع المسلمون الأمر من بعده، فو اللّه ما كان يلقى في روعى و لا يخطر على بالى أنّ العرب تعدل هذا الأمر بعد محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن أهل بيته و لا أنّهم تنحّوه عنّي من بعده.

فما راعني إلا انثيال النّاس على أبي بكر و اجفالهم«» إليه ليبايعوه، فأمسكت يدي و رأيت أنّي أحقّ بمقام محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ملّة محمّد في النّاس ممّن تولى الأمر بعده.

فلبثت بذلك ما شاء اللّه حتّى رأيت راجعة من النّاس رجعت عن الاسلام تدعو إلى محق دين اللّه و ملّة محمّد، فخشيت إن لم أنصر الاسلام و أهله أن أرى فيه ثلما و هدما تكون المصيبة (المصاب خ ل) بهما أعظم من فوات ولاية اموركم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل ثمّ يزول ما كان منها كما يزول السّراب و كما يتقشع السحاب فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته و نهضت في تلك الأحداث حتّى زاغ الباطل و زهق و كانت كلمة اللّه هى العليا و لو كره الكافرون، فتولى أبو بكر تلك الامور و سدّد و ليس و قارب و اقتصد، فصحبته مناصحا، و أطعته فيما أطاع اللّه فيه جاهدا.

و ما طمعت أن لو حدث به حدث و أنا حيّ أن يردّ إلىّ الأمر الذي بايعته فيه طمع مستيقن و لا يئست منه يائس من لا يرجوه، و لو لا خاصة ما كان بينه و بين عمر لظننت أنّه لا يدفعها عنّي‏ فلمّا احتضر بعث إلىّ عمر فولاه فسمعنا و أطعنا و ناصحنا و تولى عمر الأمر فكان مرضىّ«» السّيرة ميمون النقيبة حتّى إذا احتضر قلت في نفسي لن يعتدلها عنّي ليس يدافعها عنّي فجعلني سادس ستّة فما كانوا لولاية أحد أشدّ كراهيّة منهم لولايتي عليهم، فكانوا يسمعوني عند وفات الرّسول احاجّ أبا بكر و أقول يا معشر قريش إنا أهل البيت أحقّ بهذا الأمر منكم، أما كان فينا من يقرأ القرآن و يعرف السّنة و يدين بدين الحقّ فخشى القوم إن أنا وليت عليهم أن لا يكون لهم من الأمر نصيب ما بقوا فأجمعوا إجماعا واحدا فصرفوا الولاية إلى عثمان و أخرجوني منها رجاء أن ينالوها و يتداولوها إذ يئسوا أن ينالوها من قبلي ثمّ قالوا هلمّ فبايع و إلّا جاهدناك فبايعت مستكرها و صبرت محتسبا فقال قائلهم: يابن ابي طالب إنّك على هذا الأمر لحريص فقلت: إنّهم أحرص منّى و أبعد، أيّنا أحرص أنا الذي طلبت تراثي و حقّي الذي جعلنى اللّه و رسوله أولى به أم أنتم إذ تضربون وجهي دونه و تحولون بيني و بينه فبهتوا و اللّه لا يهدي القوم الظّالمين.

اللهمّ إنّي استعديك على قريش فانّهم قطعوا رحمي و أضاعوا اناتي و صغروا عظيم منزلتي و أجمعوا على منازعتى حقّا كنت أولى به منهم فسلبونيه ثمّ قالوا: ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه و في الحقّ أن تمنعه فاصبر كمدا«» أو مت أسفا و حنقا فنظرت فاذا ليس معى رافد و لا ذابّ و لا ناصر و لا مساعد إلّا أهل بيتي فضننت بهم عن المنية فاغضيت على القذى و تجرّعت ريقي على الشّجى و صبرت من كظم الغيظ على أمرّ من العلقم و آلم للقلب من خرالشّفار.

حتّى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه ثمّ جئتموني لتبايعوني فأبيت‏ عليكم و امسكت يدي فنازعتموني و دافعتموني و بسطتم يدي فكففتها، و مددتموها فقبضتها، و ازدحمتم علىّ حتّى ظننت أنّ بعضكم قاتل بعضكم و أنّكم قاتلي فقلتم بايعنا لا نجد غيرك و لا نرضي إلّا بك بايعنا لا نفترق و لا تختلف كلمتنا فبايعتكم و دعوت الناس إلى بيعتي، فمن بايع طوعا قبلته منه و من أبى لم اكرهه و تركته فبايعني فيمن بايعني طلحة و الزبير و لو أبيا ما أكرهتهما كما لم أكره غيرهما.

فما لبثنا إلّا يسيرا حتّى بلغني أنّهما قد خرجا من مكّة متوجّهين إلى البصرة في جيش ما منهم رجل إلّا قد أعطاني الطاعة و سمح لى بالبيعة، فقد ما على عاملي و خزّان بيت مالى و على أهل مصر في الذين كلّهم على بيعتي و في طاعتي، فشتّتوا كلمتهم و أفسد و اجماعتهم، ثمّ دئبوا على شيعتى من المسلمين فقتلوا طائفة منهم غدرا، و طائفة صبرا، و طائفة منهم غضبوا للّه فشهروا سيوفهم و ضربوا بها حتّى لقوا اللّه صادقين.

فو اللّه لو لم يصيبوا منهم إلّا رجلا واحدا متعمّدين لقتله لحلّ لى به قتل ذلك الجيش بأسره فدع ما أنّهم قد قتلوا من المسلمين أكثر من العدة الّتي دخلوا بها عليهم، و قد أدال اللّه منهم فبعدا للقوم الظالمين.

ثمّ إنّى نظرت في أمر أهل الشّام فاذا أعراب أحزاب و أهل طمع جفاة طغاة يجتمعون من كلّ أوب من كان ينبغي أن يؤدّب أو يولى عليه و يؤخذ على يديه ليسوا من المهاجرين و لا الأنصار و لا التّابعين باحسان، فسرت إليهم فدعوتهم إلى الطاعة و الجماعة فأبوا إلّا شقاقا و فراقا و نهضوا في وجوه المسلمين ينظمونهم بالنّبل و يشجرونهم بالرّماح فهناك نهدت إليهم بالمسلمين فقاتلتهم.

فلمّا عضّهم السّلاح و وجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها فأنبأتكم أنّهم ليسوا بأهل دين و لا قرآن و أنّهم رفعوها غدرا و مكيدة و خديعة و وهنا و ضعفا فامضوا على حقّكم و قتالكم، فأبيتم علىّ و قلتم اقبل منهم فان أصابوا إلى ما في الكتاب جامعونا على ما نحن عليه من الحقّ، و إن أبوا كان أعظم لحجّتناعليهم فقبلت منهم و كففت عنهم إذ دنيتم و أبيتم و كان الصّلح بينكم و بينهم على رجلين يحييان ما أحيى القرآن و يميتان ما أمات القرآن، فاختلف رأيهما و تفرّق حكمهما و نبذا حكم القرآن و خالفا ما في الكتاب فجنّبهما اللّه السّداد و ولّاهما في الضّلالة، فنبذا حكمهما و كانا أهله فانخزلت فرقة منّا فتركناهم ما تركونا حتّى إذا عثوا في الأرض يقتلون و يفسدون أتيناهم فقلنا ادفعوا إلينا قتلة إخواننا ثمّ كتاب اللّه بيننا و بينكم قالوا: كلّنا قتلهم و كلّنا استحلّ دمائهم و دمائكم و شدّت علينا خيلهم و رجالهم فصرعهم اللّه مصارع الظالمين.

فلمّا كان ذلك من شأنهم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوّكم فقلتم: كلّت سيوفنا و نفدت نبالنا و نصلت«» سنة رماحنا، و عاد اكثرها قصدا فارجع بنا إلى مصرنا لنستعدّ بأحسن عدّتنا فاذا رجعت زدت في مقاتلتنا عدّة من هلك منّا و فارقنا فانّ ذلك أقوى لنا على عدوّنا.

فأقبلت بكم حتّى إذا ظللتم«» على الكوفة أمرتكم أن تنزلوا بالنخيلة و أن تلزموا معسكركم و أن تضمّوا قواضيكم و أن توطنوا على الجهاد أنفسكم و لا تكثروا زيارة أبنائكم و نسائكم فانّ أهل الحرب لمصابروها، و أهل القشيم فيها غاصية فلا من بقى منكم صبر و ثبت، و لا من دخل المصر عاد إلىّ و رجع، فنظرت إلى معسكري و ليس فيه خمسون رجلا: فلمّا رأيت ما أتيتم دخلت إليكم فلم أقدر إلى أن تخرجوا إلى يومنا هذا فما تنتظرون أ ما ترون أطرافكم قد انتقصت، و إلى مصركم قد فتحت، و إلى شيعتي بها قد قتلت، و إلى مسالحكم«» تغرى«»، و إلى بلادكم، تغزى، و أنتم ذوو عدد كثير، و شوكة و بأس شديد.

فما بالكم للّه أنتم من أين تؤتون، و مالكم تسحرون، و أنّى تؤفكون، و لو عزمتم و أجمعتم لم تراموا إلّا أنّ القوم قد اجتمعوا و تناشبوا و تناصحوا و أنتم قد دنيتم و تغاششتم و افترقتم ما أنتم إن اتممتم عندى على هذا بمنقذين فانتهوا عمّا نهيتم و اجمعوا على حقّكم و تجرّدوا لحرب عدوّكم قد أبدت الرّغوة من التّصريخ«» و بين الصّبح لذي عينين.

انّما تقاتلون الطلقاء و أبناء الطّلقاء و اولى الجفاء و من أسلم كرها فكان لرسول اللّه انف«» الاسلام كلّه حربا أعداء اللّه و السّنة و القرآن و أهل البدع و الأحداث و من كانت بوايقه تتقى و كان على الاسلام و أهله مخوفا آكلة الرّشا و عبدة الدّنيا.

لقد انهى إلىّ أنّ ابن النّابغة لم يبايع معاوية حتّى اعطاه و شرط له أن يؤتيه اتية هى أعظم ممّا في يده من سلطانه الا صفرت يد هذا البايع دينه بالدّنيا، و خزيت أمانة هذا المشتري بنصرة فاسق غادر بأموال المسلمين و أنّ فيهم من قد شرب فيكم الخمر و جلد الجلد (الحد خ) يعرف بالفساد في الدّين و في الفعل السّيئ و أنّ فيهم من لم يسلم حتّى رضخ له رضيخة (رضخة خ) فهؤلاء قادة القوم و من تركت ذكر مساويه من قادتهم مثل من ذكرت منهم بل هو شرّ و يودّ هؤلاء الذين ذكرت لو ولوا عليكم فأظهروا فيكم الكفر و الفساد و الفجور و التّسلّط بالجبريّة و اتّبعوا الهوى و حكموا بغير الحقّ، و لأنتم على ما كان فيكم من تواكل و تخاذل خير منهم و أهدى سبيلا فيكم العلماء و الفقهاء و النّجباء و الحكماء و حملة الكتاب و المتهجّدون بالأسحار و عمّار المساجد بتلاوة القرآن.

أفلا تسخطون و تهتمون أن ينازعكم الولاية عليكم سفهاؤكم و الأشرار الأرازل منكم فاسمعوا قولي و أطيعوا أمري إذا أمرت فو اللّه لئن أطعتموه لا تغورون، و إن عصيتموه لا ترشدون.

خذوا للحرب اهبتها و أعدّوا عدّتها فقد شبت نارها و علا سناؤها و تجرّد لكم فيها الفاسقون كى يعذّبوا عباد اللّه و يطفئوا نور اللّه ألا إنّه ليس أولياء الشّيطان من أهل الطّمع و المكر و الجفاء بأولى في الجدّ في غيّهم و ضلالهم من أولياء اللّه أهل البرّ و الزّهادة و الاخبات بالجدّ في حقهم و طاعة ربّهم و مناصحة إمامهم.

اي و اللّه لو لقيتهم فردا و هم ملاء الأرض ما باليت و لا استوحشت و انّى من ضلالتهم التي هم فيها و الهدى الذي نحن عليه لعلى ثقة و بيّنة و يقين و بصيرة، و إنّي إلى لقاء ربّي لمشتاق و لحسن ثوابي لمنتظر و لكن أسفا يعتريني و حزنا يخامرني أن يلي أمر هذه الامة سفهاؤها و فجّارها، فيتّخذوا مال اللّه دولا و عباد اللّه خولا و الفاسقين حزبا.

و أيم اللّه لو لا ذلك لما أكثرت تأنيبكم و تحريضكم، و لتركتكم إذا دنيتم و أبيتم حتّى ألقاهم بنفسى متى حمّ«» لى لقائهم، فو اللّه إنّي لعلى الحقّ، و إنّي للشّهادة لمحبّ.

ف انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا وَ جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، و لا تثاقلوا إلى الأرض فتقرّوا بالخسف و تبوءوا بالذّلّ و يكن نصيبكم الآخر إنّ أخا الحرب ليقظان و من ضعف أودى«» و من ترك الجهاد كان كالمغبون المهين.

اللهمّ اجمعنا و إيّاهم على الهدى، و زهّدنا و إيّاهم في الدّنيا، و اجعل الآخرة خيرا لنا و لهم من الاولى، و السّلام.

الترجمة

بعض ديگر از اين خطبه اشاره است بر قصّه بيعت عمرو عاص بر معاويه ملعون مى ‏فرمايد كه بيعت نكرد عمرو عاص حتّى اين كه شرط نمود آنكه بدهد معاويه باو بر بيعت او ثمن و بهائي كه عبارت بود از حكومت مصر، پس مظفّر مباد دست بيعت كننده‏ و خوار و ذليل باد عهد و پيمان بيعت نموده شده، پس اخذ نمائيد از براى جنك اسلحه جنك را و مهيّا سازيد از براى او ساز و يراق آن را، و بتحقيق كه افروخته شد آتش حرب و بلند شد شعله او و شعار خود نمائيد صبر و شكيبائى را در معركه قتال پس بدرستى كه استشعار صبر اقوى داعى است از براى انتصار و ظفر و اللّه اعلم.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 25 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 25 صبحی صالح

25- و من خطبة له ( عليه‏ السلام  ) و قد تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد

و قدم عليه عاملاه على اليمن

و هما عبيد الله بن عباس و سعيد بن نمران لما غلب عليهما بسر بن أبي أرطاة

فقام ( عليه‏السلام  ) على المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد

و مخالفتهم له في الرأي

فقال‏

مَا هِيَ إِلَّا الْكُوفَةُ أَقْبِضُهَا وَ أَبْسُطُهَا

إِنْ لَمْ تَكُونِي إِلَّا أَنْتِ تَهُبُّ أَعَاصِيرُكِ فَقَبَّحَكِ اللَّهُوَ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ

لَعَمْرُ أَبِيكَ الْخَيْرِ يَا عَمْرُو إِنَّنِي            عَلَى وَضَرٍ مِنْ ذَا الْإِنَاءِ قَلِيلِ‏

ثُمَّ قَالَ ( عليه‏ السلام  )أُنْبِئْتُ بُسْراً قَدِ اطَّلَعَ الْيَمَنَ

وَ إِنِّي وَ اللَّهِ لَأَظُنُّ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ سَيُدَالُونَ مِنْكُمْ

بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ

وَ تَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ

وَ بِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ فِي الْحَقِّ

وَ طَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِي الْبَاطِلِ

وَ بِأَدَائِهِمُ الْأَمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وَ خِيَانَتِكُمْ

وَ بِصَلَاحِهِمْ فِي بِلَادِهِمْ وَ فَسَادِكُمْ

فَلَوِ ائْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْبٍ

لَخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلَاقَتِهِ

اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَ مَلُّونِي

وَ سَئِمْتُهُمْ وَ سَئِمُونِي

فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ

وَ أَبْدِلْهُمْ بِي شَرّاً مِنِّي

اللَّهُمَّ مِثْ قُلُوبَهُمْ كَمَا يُمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ

أَمَا وَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِكُمْ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ

هُنَالِكَ لَوْ دَعَوْتَ أَتَاكَ مِنْهُمْ            فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِيَةِ الْحَمِيمِ‏

ثُمَّ نَزَلَ ( عليه ‏السلام  )مِنَ الْمِنْبَرِ

قال السيد الشريف أقول الأرمية جمع رميّ و هو السحاب

و الحميم هاهنا وقت الصيف

و إنما خص الشاعر سحاب الصيف بالذكر

لأنه أشد جفولا و أسرع خفوفا لأنه لا ماء فيه

و إنما يكون السحاب ثقيل السير لامتلائه بالماء

و ذلك لا يكون في الأكثر إلا زمان الشتاء

و إنما أراد الشاعر وصفهم بالسرعة إذا دعوا و الإغاثة إذا استغيثوا

و الدليل على ذلك قوله

 هنالك لو دعوت أتاك منهم.

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج3  

و من خطبة له عليه السّلام و هى الخامسة و العشرون من المختار في باب الخطب

و هي من أواخر خطبة خطب بها بعد فراغه من صفّين و انقضاء أمر الحكمين و الخوارج، و قد تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد و قدم عليه عاملاه على اليمن و هما عبيد اللّه بن العبّاس و سعيد بن نمران لما غلب عليهما بسر بن أرطاةفقام عليه السّلام إلى المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد و مخالفتهم له في الرّأى فقال عليه السّلام: ما هي إلّا الكوفة أقبضها و أبسطها إن لم تكوني إلّا أنت تهبّ أعاصيرك فقبّحك اللّه ثمّ تمّثّل بقول الشّاعر:

 لعمر أبيك الخير يا عمرو إنّني            على و ضر من ذا الإناء قليل‏

 ثمّ قال: أنبئت بسرا قد اطّلع على اليمن و إنّي و اللّه لأظنّ هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم، و تفرّقكم عن حقّكم، و بمعصيتكم إمامكم في الحقّ، و طاعتهم إمامهم في الباطل، و بأدائهم الأمانة إلى صاحبهم، و خيانتكم صاحبكم، و بصلاحهم في بلادهم، و فسادكم، فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته، أللّهمّ إنّي قد مللتهم و ملّوني، و سئمتهم و سئموني فأبدلني بهم خيرا منهم، و أبدلهم بي شرّا منّي، أللّهمّ مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء أما و اللّه لوددت أنّ لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم:

         هنا لك لو دعوت أتاك منهم            فوارس مثل أرمية الحميم‏

 ثمّ نزل عليه السّلام من المنبر

 

قال السّيد: الارمية جمع رمى و هو السّحاب، و الحميم في هذا الموضع وقت الصّيف و إنّما خصّ الشّاعر سحاب الصّيف بالذّكر لأنّه أشدّ جفولا و أسرع خفوقا، لأنّه لا ماء فيه، و ذلك لا يكون في الأكثر إلّا في الشّتاء و أراد الشاعر وصفهم بالسّرعة إذا دعوا و الاغاثة إذا استغيثوا.

اللغة

(قبض) من باب ضرب و (بسط) من باب نصر و (هبّت) الرّيح من باب نصر هاجت و (الأعاصير) جمع إعصار و هي الرّيح المستديرة على نفسها قال تعالى «فأصابها إعصار فيه نار» و (الوضر) بقيّة الاسم «الدسم ظ» في الاناء و يستعار لكلّ بقيّة من شي‏ء يقلّ الانتفاع بها و (اطلع) فلان علينا إذا ظهر و (أدالنا) اللّه من عدوّنا اى جعل الدّولة و الغلبة لنا عليهم و (القعب) قدح من خشب مقعّر و (علاقته) ما يتعلّق به عليه و (ماث) زيد الملح في الماء إذا أذابه، و بنو فراس بن غنم بفتح الغين و سكون النّون حىّ معروف بالشّجاعة من بني كنانة و هم بنو فراس بن غنم بن ثعلبة ابن مالك بن كنانة و (الجفول) في كلام الرّضيّ الاسراع و (الخفوق) الطيران

الاعراب

كلمة ما نافية و هى مبتدأ و إلّا الكوفة خبر، و أقبضها خبر ثان أو خبر لمبتدأ محذوف أى أنا أقبضها، و المرجع لكلمة هي هو المملكة نزل حضورها في ذهنه عليه السّلام منزلة الذّكر السّابق أى ما مملكتى إلّا الكوفة، و يحتمل أن يكون هي ضمير شأن و الكوفة مبتدأ و أقبضها خبرا عنه و نظيره في احتمال الضّمير للأمرين قوله: «كلّا إنّها لظى».

و قوله: إن لم تكوني إلّا أنت كلمة أنت تأكيد للضمير المستتر و هو اسم تكون و الخبر محذوف، و جملة تهبّ أعاصيرك في موضع الحال، و تقدير الكلام إن لم تكوني إلّا أنت عدّة لي و جنّة اتّقى بها العدوّ و حظّا من الملك و الخلافة مع ما عليه حالك من المذام فقبحا لك، و يمكن أن يقدّم المستثنى منه حالا أى إن لم‏تكوني على حال إلّا أن تهبّ فيك الأعاصير دون أن يكون فيك من يستعان به على العدوّ فقبّحك اللّه، و الخير بالجرّ صفة لابيك، و قليل صفة لو ضر، و الضمير المستتر في قوله: أن يذهب بعلاقته، راجع إلى الأحد، و الباء للتّعدية أو إلى القعب و الباء بمعنى مع و الباء في قوله إنّ لي بكم للعوض.

المعنى

اعلم أنّه ينبغي لنا أن نذكر نسب معاوية عليه اللعنة و الهاوية في هذا المقام أوّلا، ثمّ نشير إلى اطلاع بسر على اليمن اجمالا و ما جرى من جوره و ظلمه على شيعة أمير المؤمنين في اليمن و غيرها، ثمّ نرجع إلى شرح الخطبة فأقول: قال العلامة الحلّي قدّس سرّه في كشف الحقّ روى أبو المنذر هشام بن محمّد السّائب الكلبي في كتاب المثالب كان معاوية لعمارة بن الوليد المخزومي، و لمسافر ابن أبي عمرو، و لأبي سفيان، و لرجل آخر سمّاه، و كانت هند امّه من المعلمات و كان أحبّ الرّجال إليها السّودان، و كانت إذا ولدت اسود دفنته، و كانت حمامة إحدى جدّات معاوية لها راية في ذي المجاز.

و ذكر أبو سعيد إسماعيل بن عليّ السّمعاني الحنفي من علماء العامة في مثالب بني اميّة، و الشّيخ أبو الفتوح جعفر بن محمّد الهمداني من علمائهم في كتاب البهجة المستفيد أنّ مسافر بن عمرو بن اميّة بن عبد شمس كان ذا جمال و سخاء، فعشق هندا و جامعها سفاحا و اشتهر ذلك في قريش، فلما حملت و ظهر السّفاح هرب مسافرا من أبيها إلى الحيرة، و كان فيها سلطان العرب عمرو بن هند و طلب أبوها عتبة أبا سفيان و وعده بمال جزيل و زوّجه هندا فوضعت بعد ثلاثة أشهر معاوية ثمّ و رد أبو سفيان على عمرو بن هند فسأله مسافر عن حال هند فقال: إنّي تزوّجتها فمرض و مات.

و في البحار من كتاب الغارات لإبراهيم بن محمّد الثّقفي عن يوسف بن كليب المسعودي عن الحسن بن حماد الطائي عن عبد الصّمد البارقي قال: قدم عقيل على‏عليّ عليه السّلام و هو جالس في صحن مسجد الكوفة فقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته قال: و عليك السّلام يا أبا يزيد ثمّ التفت إلى الحسن بن عليّ فقال: قم و انزل عمّك، فذهب به و أنزله و عاد إليه فقال عليه السّلام له: اشتر له قميصا جديدا و رداء جديدا و ازارا جديدا و نعلا جديدا فغدا على عليّ عليه السّلام في الثّياب فقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين قال: و عليك السّلام يا أبا يزيد قال: يا أمير المؤمنين ما أراك أصبت من الدّنيا شيئا إلّا هذه و إنّي لا ترضى نفسى من خلافتك بما رضيت به لنفسك فقال: يا أبا يزيد يخرج عطائي فادفعه إليك.

فارتحل عن عليّ إلى معاوية فلمّا سمع به معاوية نصب كراسيّه و أجلس جلسائه فورد عليه فأمر له بمأة ألف درهم فقبضها فقال له معاوية: أخبرني عن العسكرين فقال: مررت بعسكر عليّ بن أبي طالب فاذا ليل كليل النّبيّ و نهار كنهار النّبيّ إلّا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليس في القوم، و مررت بعسكرك فاستقبلني قوم من المنافقين ممّن نفر برسول اللّه ليلة العقبة.

فقال: من هذا الذي عن يمينك يا معاوية قال: هذا عمرو بن العاص قال: هذا الذي اختصم فيه ستّة نفر فغلب عليه جرارها فمن الآخر قال: الضّحاك بن قيس الفهري قال: أما و اللّه لقد كان أبوه جيّد الاخذ لعسب«» التيؤس خسيس النّفس.

فمن هذا الآخر قال: أبو موسى الأشعري قال: هذا ابن المراقة السّراقة.

فلمّا رأى معاوية أنّه قد أغضب جلسائه قال: يا أبا يزيد ما تقول فيّ قال: دع عنك قال: لتقولنّ قال: أتعرف حمامة قال: و من حمامة قال: أخبرتك، و مضى عقيل فأرسل معاوية إلى النّسابة فقال: أخبرني من حمامة قال: أعطنمي الأمان على نفسي و أهلي فأعطاه قال: حمامة جدّتك و كانت بغيّة في الجاهلية لها راية تؤتى قال الشّيخ: قال أبو بكر بن رنين هي أمّ امّ أبي سفيان و في شرح المعتزلي معاوية هو أبو عبد الرّحمان معاوية بن أبي سفيان صخر بن‏ حرب بن اميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، و امّه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، و هو الذي قاد قريشا في حروبها إلى النّبيّ و كانت هند تذكر في مكّة بفجور و عهر و قال الزّمخشري في كتاب ربيع الأبرار: كان معاوية يغرى إلى أربعة: إلى مسافر بن أبي عمرو، و إلى عمارة بن الوليد بن المغيرة، و إلى العبّاس عبد المطلب، و إلى الصّباح مغنّ كان لعمارة بن الوليد.

قال: و قد كان أبو سفيان ذميما قصيرا و كان الصّباح عسيفا«» لأبي سفيان شابّا و سيما، فدعته هند إلى نفسها فغشبها و قالوا إنّ عتبة بن أبي سفيان من الصّباح أيضا و قالوا انّها كرهت أن تضعه في منزلها فخرجت إلى أجياد فوضعته هناك، و في هذا المعنى يقول حسّان بن ثابت أيّام المهاجاة بين المشركين و المسلمين في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قبل عام الفتح:

لمن الصّبى بجانب البطحاء
في التّرب ملقى غير ذي مهد

بخلت به بيضاء انسة
من عبد شمس صلته الخدّ

 قال الشّارح: ولى معاوية اثنتى و أربعين سنة منها اثنتا و عشرون سنة ولى فيها امارة الشّام منذ مات أخوه يزيد بن أبي سفيان بعد خمس سنين من خلافة عمر إلى أن قتل أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام في سنة أربعين، و منها عشرون سنة خليفة إلى أن مات في سنة ستّين.

قال: و كان معاوية على اس الدّهر مبغضا لعليّ عليه السّلام شديد الانحراف عنه و كيف لا يبغضه و قد قتل أخاه يوم بدر و خاله الوليد بن عتبة و شرك اتا في جده و هو عتبة أو في عمّه و هو شيبة على اختلاف الرّواية و قتل من بني عبد شمس نفرا كثيرا من أعيانهم و أماثلهم، ثمّ جاءت الطّامّة الكبرى واقعة عثمان فنسبها كلّها إليه بشبهة إمساكه‏عنه و انضواء كثير من قتلته إليه عليه السّلام فتأكدت البغضة و ثارت الأحقاد و تذكرت تلك التراث الاولى حتّى أفضى الأمر إلى ما افضى إليه.

قال: و قد كان معاوية مع عظم قدر عليّ عليه السّلام في النّفوس و اعتراف العرب بشجاعته و أنّه البطل الذي لا يقام له يتهدّده و عثمان بعد حيّ بالحرب و المنابذة و يراسله من الشام رسائل خشنة ثمّ قال: و معاوية مطعون في دينه عند شيوخنا يرمى بالزندقة و قد ذكرنا في نقض السّفيانية على شيخنا أبي عثمان الجاحظ ما رواه أصحابنا في كتبهم الكلاميّة عنه من الالحاد و التّعرّض لرسول اللّه و ما تظاهر به من الجبر و الارجاء، و لو لم يكن شي‏ء من ذلك لكان في محاربته الامام عليه السّلام ما يكفي في فساد حاله لا سيّما على قواعد أصحابنا و كونهم بالكبيرة الواحدة يقطعون على المصير إلى النّار و الخلود فيها إن لم يكفّرها التّوبة.

و أما بسر بن ارطاة و قيل ابن أبي ارطاة و كيفيّة خروجه و ظهوره على البلاد فهو أنّ قوما بصنعاء كانوا من شيعة عثمان يغطمون قتله لم يكن لهم نظام و لا رأس فبايعوا لعليّ عليه السّلام على ما في أنفسهم و عامل عليّ على صنعاء يومئذ عبيد اللّه بن العبّاس ابن عبد المطلب و عامله على الجند سعيد بن نمران.

فلمّا اختلف النّاس على عليّ بالعراق و قتل محمّد بن أبي بكر بمصر و كثرت غارات أهل الشّام تكلّموا و دعوا إلى الطلب بدم عثمان فبلغ ذلك عبيد اللّه بن عبّاس فأرسل إلى اناس من وجوههم فقال ما هذا الذي بلغني عنكم قالوا: انّا لم نزل ننكر قتل عثمان و نرى مجاهدة من سعى عليه فحبسهم فكتبوا إلى من في الجند من أصحابهم فثاروا بسعيد بن نمران فأخرجوه من الجند و أظهروا أمرهم و خرج إليهم من كان بصنعاء و انضمّ إليهم كلّ من كان على رايهم و لحق بهم قوم لم يكونوا على رأيهم إرادة أن يمنعوا الصّدقة.

و التقى عبيد اللّه بن عبّاس و سعيد بن نمران و معهما شيعة عليّ فقال ابن عبّاس لابن نمران: و اللّه لقد اجتمع هؤلاء و إنّهم لنا لمقاربون و إن قاتلناهم لا نعلم على‏من تكون الدّبرة فهلمّ لنكتب إلى أمير المؤمنين نخبرهم فكتبا إليه عليه السّلام يخبر انه الخبر، فلمّا دخل كتابهما ساء عليا عليه السّلام و أغضبه فكتب إليهما كتابا يوبّخهما على سوء تدبيرهما في ترك قتال أهل اليمن، و كتب إلى اهل الجند و صنعاء كتابا يهدّدهم فيه و يذكرهم اللّه سبحانه فأجابوه بأنّا سامعون مطيعون إن عزلت عنّا هذين الرّجلين عبيد اللّه و سعيدا، قالوا: و كتبت تلك العصابة حين جاءها كتاب عليّ عليه السّلام إلى معاوية يخبرونه و كتبوا في كتابهم:

 معاوي الّا تشرع السير نحونا            نبايع عليّا أو يزيد اليمانيا

 فلمّا قدم كتابهم إلى معاوية دعى بسر بن أبي أرطاة و كان قاسي القلب فظا سفّاكا للدّماء، لا رأفة عنده و لا رحمة فأمره أن يأخذ طريق الحجاز و المدينة و مكّة حتّى ينتهى إلى اليمن و قال له: لا تنزل على بلد أهله على طاعة عليّ إلّا بسطت عليهم لسانك حتّى يروا انّهم لا نجاة لهم و انك محيط بهم ثمّ اكفف عنهم و ادعهم إلى البيعة لي فمن أبى فاقتله و اقتل شيعة عليّ حيث كانوا.

فتوجّه بسر نحو اليمن و لمّا قرب المدينة كان عامل علىّ عليها أبو أيوب الأنصاري فخرج عنها هاربا فدخل بسر المدينة فخطب النّاس و شتمهم و تهدّدهم ثمّ شتم الانصار و تهددهم حتّى خاف النّاس أن يوقع بهم و دعى النّاس إلى بيعة معاوية فبايعوه و نزل فأحرق دورا كثيرة و أقام بالمدينة أيّاما ثمّ قال لهم إنّي قد عفوت عنكم و إن لم تكونوا لذلك بأهل و قد استخلفت عليكم أبا هريرة فايّاكم و خلافه.

ثمّ خرج إلى مكّة و قتل في طريقه رجالا و أخذ أموالا و بلغ أهل مكّة خبره فتنحّى عنها عامة أهلها و خافوا و هربوا فخرج ابنا عبيد اللّه بن العبّاس و هما سليمان و داود و امّهما حورية و تكنّى امّ حكيم مع أهل مكة فاضلوهما عند بئر ميمون ابن الحضرمي و هجم عليهما بسر فأخذهما و ذبحهما فقالت امّهما:

ها من احسّ بابنيّ اللذين هما
كالدّرّتين تشظّى عنهما الصّدف‏

ها من احسّ با بنيّ اللذين هما
سمعى و قلبي فقلبي اليوم مختطف‏

ها من احسّ با بنيّ اللذين هما
مخّ العظام فمخّي اليوم مزدهف‏

نبّئت بسرا و ما صدّقت ما زعموا
من قتلهم و من الافك الذي افترقوا

 الابيات و لمّا قرب بسر من مكة هرب قثم بن العبّاس و كان عامل عليّ و دخلها بسر فشتم أهل مكة و أنّبهم ثمّ خرج و استعمل عليها شيبة بن عثمان و دخل الطايف و بات بها و خرج منها فأتى نجران فقتل عبد اللّه بن عبد المدان و ابنه مالكا و كان عبد اللّه هذا صهرا لعبيد اللّه بن العبّاس، ثمّ جمعهم و قام فيهم و قال: يا أهل نجران يا معشر النّصارى و إخوان القرود أما و اللّه إن بلغنى عنكم ما أكره لأعودنّ عليكم بالتي تقطع النّسل و تهلك الحرث و تخرب الدّيار، و تهدّدهم طويلا.

ثمّ سار حتّى أتى ارحب فقتل أبا كرب و كان يتشيّع و يقال: إنّه سيّد من كان بالبادية من همدان فقدّمه فقتله، و أتى صنعاء و قد خرج عنها عبيد اللّه بن العبّاس و سعيد بن نمران و قد استخلف عبيد اللّه عليها عمر بن اراكة الثّقفي فمنع بسرا من دخولها و قاتله فقتله بسر و دخل صنعاء فقتل منها قوما، و أتاه وفد مارب فقتلهم و لم ينج منهم إلّا رجل واحد.

ثمّ خرج من صنعاء و أتى أهل حيان و هم شيعة لعليّ فقاتلهم و قاتلوه فهزمهم و قتلهم قتلا وزيعا ثمّ رجع إلى صنعاء و قتل بها مأئة شيخ من أبناء فارس.

و روى أبي و داك قال: كنت عند عليّ عليه السّلام لما قدم عليه سعيد بن نمران الكوفة فعتب عليه السّلام عليه و على عبيد اللّه أن لا يكونا قاتلا بسرا، فقال سعيد قد و اللّه قاتلت و لكن ابن عبّاس خذلني و أبى أن يقاتل، و لقد خلوت به حين دنا منّا بسر فقلت: إنّ ابن عمّك لا يرضى منّي و منك بدون الجدّ في قتالهم قال: لا و اللّه ما لنا بهم طاقة و لا يدان فقمت في النّاس فحمدت اللّه ثمّ قلت: يا أهل اليمن من كان في طاعتنا و على بيعة أمير المؤمنين فاليّ إلىّ، فأجابني منهم عصابة فاستقدمت بهم فقاتلت قتالا ضعيفا و تفرّق النّاس عنّى و انصرفت.

قال أبو مخنف فندب عليّ عليه السّلام أصحابه لبعث سرية في أثر بسر فتثاقلوا فقام عليه السّلام إلى المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد و مخالفتهم له في الرّأى فقال عليه السّلام:(ما هي إلا الكوفة أقبضها و أبسطها) أى أتصرّف فيها كما يتصرّف الانسان في ثوبه بقبضه و بسطه.

و الكلام في معرض التحقير أي ما أصنع بتصرّفي فيها مع حقارتها، و يحتمل أن يكون المراد عدم التّمكن التّامّ من التّصرّف فيها لنفاق أهلها كمن لا يقدر على لبس ثوب بل على قبضه و بسطه، أو المراد بالبسط بثّ أهلها للقتال عند طاعتهم و بالقبض الاقتصار على ضبطهم عند المخالفة.

قال الشّارح البحراني: أقبضها و أبسطها كنايتان عن وجوه التّصرّف فيها، أى إنّ الكوفة و التّصرّف فيها بوجوه التّصرّف حقير بالنّسبة إلى ساير البلاد التي عليها الخصم فما عسى أصنع بتصرّفي فيها و ما الذي أبلغ به من دفع الخصم و مقاومته و هذا كما يقول الرّجل في تحقير ما في يده من المال القليل إذا رام به أمرا كثيرا: إنّما هو هذا الدّنيا فما عسى أبلغ به من الغرض.

ثمّ قال عليه السّلام على طريق صرف الخطاب (فان لم تكوني إلّا أنت) عد و لا من الغيبة إلى الخطاب على حدّ قوله: إيّاك نعبد و إيّاك نستعين، يعني إن لم تكن مملكتى من الدّنيا إلّا أنت حال كونك (تهبّ أعاصيرك) و تنبعث منك الآراء المختلفة و الفتن المضلّه و يثور الشقاق و النّفاق (فقبّحك اللّه ثمّ تمثّل) لأجل استصغاره أمرها (بقول الشّاعر:

لعمر ابيك الخير يا عمرو انني            على و ضر من ذا الاناء قليل)

 تشبيها للكوفة بالوضر الباقي في الاناء في حقارتها بالنسبة إلى ما استولى عليها خصمه من الدّنيا كحقارة الوضر بالنّسبة إلى ما يشتمل عليه الاناء من الطعام، فاستعار لفظ الاناء للدّنيا و لفظ الوضر القليل للكوفة يعني إنّي على بقيّة من هذا الأمر كالوضر القليل في الاناء.

(ثمّ) شرع في استنفارهم إلى الجهاد ف (قال: أنبئت بسرا قد اطلع على اليمن و ظهر على أهلها و إنّي و اللّه لأظنّ هؤلاء القوم) المنافقين القاسطين (سيد الون منكم) و يغلبون عليكم (ب) الأسباب التي توجب دولتهم و غلبتهم عليكم و هو (اجتماعهم على‏باطلهم) و هو التّصرّف الغير الحقّ في البلاد (و تفرّقكم عن حقّكم) و هو التّصرّف المستحق باذن وليّ الامر (و بمعصيتكم امامكم في الحقّ و طاعتهم امامهم في الباطل) في أوامره الباطلة و أحكامه الضّالة (و بأدائهم الامانة إلى صاحبهم) حيث لزموا بعهده و وفوا ببيعته (و خيانتكم صاحبكم) حيث تركتم لموارزته في القتال و نقضتم عهده و غدرتم له (و بصلاحهم في بلادهم) حيث راقبوا انتظام امورهم (و فسادكم) و السّرّ في جميع ذلك ما قاله الجاحظ من أنّ أهل العراق أهل نظر و ذوو فطن ثاقبة و مع الفطنة و النّظر يكون التنقيب«» و البحث، و مع التنقيب و البحث يكون القدح و الطّعن و التّرجيح بين الرّجال و التّمييز بين الرّؤساء و اظهار عيوب الامراء و أهل الشّام ذوو بلادة و تقليد و جمود على رأى واحد لا يرون النّظر و لا يسألون عن مغيب الأحوال و هذا هو العلّة في عصيان أهل العراق على الامراء و طاعة أهل الشّام لهم ثمّ بالغ عليه السّلام في ذمّهم بالخيانة على سبيل الكناية و قال: (فلو ائتمنت أحدكم على قعب خشب لخشب أن يذهب) ذلك القعب (بعلاقته) ثمّ شكى إلى اللّه سبحانه منهم بقوله: (اللهمّ إنّي قد مللتهم) لكثرة ما تكرّر منّي الأمر لهم بالجهاد و الذّبّ عن دين اللّه المنافي لطبايعهم و المنافر عنه قلوبهم المشغولة بالدّنيا و زخارفها و البقاء فيها (و ملّوني) لأنّي دعوتهم إلى اللّه سبحانه و إلى تحصيل مرضاته ليلا و نهارا فلم يزدهم دعوتي إلّا فرارا (و سئمتهم و سئموني).

ثمّ أردف تلك الشّكاية بالتّضرّع إلى اللّه في الخلاص منهم ثمّ بالدّعاء عليهم بقوله: (فأبدلني بهم خيرا منهم) كلمة الخير هنا بمنزلتها في قوله سبحانه: «اولئك خير أم جنّة الخلد» على سبيل التّنزّل أو التحكّم أو اريد بها المعنى الوصفى بدون تفضيل و لعلّ المراد بذلك قوم صالحون ينصرونه و يوفقون لطاعته، أو ما بعد الموت من مرافقة النّبيّ و آله و غيره من الأنبياء و الصدّيقين و الشّهداء و الصّالحين و حسن اولئك رفيقا، و تمنّيه لفوارس فراس بن غنم ربما يؤيّد الأوّل.

 

و أمّا قوله: (و أبدلهم بي شرّا منّي) فربّما استشكل صدور مثل هذا الدّعاء عنه عليه السّلام من وجهين: أحدهما أنّه يقتضى أن يكون هو ذا شرّ و قد ثبت أنّه كان منزّها عن الشّرور الثّاني أنّه كيف يجوز أن يدعو بوجود الشّرور و وجود الأشرار و اجيب عن الأوّل بوجهين أحدهما أنّ صيغة افعل لم يرد بها التّفضيل و إنّما اريد بها أصل الوصف فالمعنى أبد لهم بمن فيه شرّ غيري الثاني أن يكون شرّا منّي بحسب عقايد أهل الكوفة إنّ فيّ شرّا عليهم و اعتقادهم أنّه ذو شرّ لا يوجب كونه كذلك.

و عن الثّاني بوجهين أيضا أحدهما أنّ دعائه عليه السّلام بما يبدلهم بمن هو شرّ منه مشتملة على مصلحة مقتضية لحسنه و هو أنّ هذا الدّعاء ربما يكون مخوفا لهم جاذبا لاكثرهم إلى اللّه سبحانه مع ما فيه مضافا إلى ما ذكر من أنّ نزول الأمر المدعوّ به عليهم بعده ممّا ينبّههم على فضله و يذكرهم أنّ ابتلائهم بذلك إنّما هو لتركهم أوامر اللّه و خروجهم عن طاعته و طاعة وليّه الثاني لعلّه إنّما دعى عليهم لعلمه أنّه لا يرجى صلاحهم فيما خلقوا لأجله و من لا يرجى صلاحه بل يكون وجوده سببا لفساد النّظام فعدمه أولى فيكون الدّعاء عليهم مندوبا إليه.

و على ذلك يحمل أيضا دعاؤه بقوله: (اللّهمّ مث قلوبهم) بتوارد الهمّ و الغمّ و الخوف عليهم (كما يماث الملح في الماء) و ذلك الدّعاء تأسّ منه عليه السّلام بالسّابقين من الأنبياء في الشّكاية من قومهم إلى اللّه و الدّعاء عليهم كنوح عليه السّلام إذ قال ربّ إنّي دعوت قومي ليلا و نهارا فلم يزدهم دعائي إلّا فرارا، ثمّ ختم بالدّعاء على من لم يرج صلاحهم بقوله: ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا.

روى إنّ اليوم الذي دعا عليهم فيه بهذا الدعاء ولد فيه الحجّاج بن يوسف، و روى أنّه ولد بعد ذلك اليوم بأوقات يسيرة و فعله بأهل الكوفة مشهور حتّى قيل لو جاءت كلّ امّة بخبيثها و فاسقها و فاجرها و جئنا بالحجّاج وحده لزدنا عليهم.

و عن مروج الذّهب للمسعودي أنّ امّ الحجّاج ولدته لا دبر له فثقب له دبر و أبي‏أن يقبل الشّدى.

و في الحديث أن ابليس تصوّر لهم بصورة الحارث بن كلدة فقال: اذبحوا له تيساو العقوه من دمه و اطلوا به وجهه و بدنه ففعلوا به ذلك فقبل الثدى فلأجل ذلك كان لا يصبر عن سفك الدّماء و كان يخبر عن نفسه أنّ أكبر لذّاته في سفك الدّماء و ارتكاب امور لا يقدر عليها غيره.

و احصى من قتل بأمره سوى من قتل في حروبه فكانوا مأئة ألف و عشرين ألفا و وجد في سجنه خمسون ألف رجل و ثلاثون ألف امرئة و لم يجب على أحد منهم قتل و لا قطع و كان يحبس الرّجال و النّساء في موضع واحد لا سقف له، فاذا أوى المسجونون إلى الجدران يستظلّون بها من حرّ الشّمس رمتهم الحرّس بالحجارة، و كان طعامهم خبز الشّعير مخلوطا بالملح و الرّماد.

و من أعجب ما روى أنّه وجد على منبره مكتوبا «قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ» فكتب تحته «قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» ثمّ قال عليه السّلام (أما و اللّه لوددت أن لى بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم) و هو حىّ معروف بالشّجاعة حسبما اشير إليه و تمثّل بقول أبي جندب الهذلي.

(هنالك لو دعوت أتاك منهم            فوارس مثل ارمية الحميم)

 و الخطاب لامّ زيناغ و ضمير منهم راجع إلى بني تميم بقرينة الذي قبله و هو قوله:

ألا يا أمّ زيناغ اقيمي            صدور العيس نحو بني تميم‏

 و معنى البيت واضح ممّا ذكره السّيد و مقصوده عليه السّلام بالتّمثل تمنّى كون القوم الذين ودّ كونهم عوضا عن قومه بصفة الفوارس الذين اشار إليهم الشّاعر في سرعة الاجابة و المبادرة إلى الاغاثة، و مقصوده في جميع ذلك توبيخ أهل الكوفة و تحقيرهم بتثاقلهم عن الجهاد.

قال الكلبي و أبو مخنف و لمّا تثاقل أصحابه عن الخروج في اثر بسر بن ارطاة فأجابه إلى ذلك جارية بن قدامة السّعدي فبعثه في ألفين فشخص إلى البصرة ثمّ أخذ طريق الحجاز حتّى قدم اليمن و سأل عن بسر فقيل: اخذ في بلاد بني تميم فقال:أخذ في ديار قوم يمنعون أنفسهم.

و بلغ بسرا مسير جارية فانحدر إلى اليمامة و أخذ جارية بن قدامة السير ما يلتفت إلى مدينة مرّ بها فلا أهل حصن و لا يعرج على شي‏ء الّا أن يرمل بعض أصحابه من الزّاد فيأمر أصحابه بمواساته أو يسقط بعير رجل أو تحفى دابته فيامر أصحابه بأن يعقّبوه حتّى انتهوا إلى أرض اليمن فهربت شيعة عثمان حتّى لحقوا بالجبال و اتبعهم شيعة عليّ و تداغت عليهم من كلّ جانب و أصابوا منهم و صمد نحو بسر و بسر بين يديه يفرّ من جهة إلى جهة اخرى حتّى أخرجه من أعمال عليّ عليه السّلام كلّها فلمّا فعل به ذلك أقام جارية بحرس نحوا من شهر حتّى استراح و أراح أصحابه و وثب النّاس ببسر في طريقه لمّا انصرف من بين يدي جارية لسوء سيرته و فظاظته و ظلمه و غشمه و أصاب بنو تميم ثقلا من ثقله في بلاده.

فلمّا وصل بسر معاوية قال: احمد اللّه يا أمير المؤمنين إنّي سرت في هذا الجيش أقتل عدوّك ذاهبا جائيا لم ينكب رجل منهم نكبة فقال معاوية: اللّه قد فعل ذلك لا أنت و كان الذي قتل بسر في وجهه ذلك ثلاثين الفا و حرق قوما بالنّار روى أنّه دعا عليّ عليه السّلام على بسر فقال: اللهمّ إنّ بسرا باع دينه بالدّنيا و انتهك محارمك و كانت طاعة مخلوق فاجر آثر عنده من عندك اللهمّ فلا تمته حتّى تسلبه عقله و لا توجب له رحمتك و لا ساعة من نهار، اللهمّ العن بسرا و عمروا و معاوية و ليحلّ عليهم غضبك و لتنزل بهم نقمتك و ليصبهم بأسك و زجرك لا تردّه عن القوم المجرمين.

فلم يلبث بسر بعد ذلك إلّا يسرا حتّى وسوس و ذهب عقله فكان يهذي بالسّيف و يقول: اعطوني سيفا اقتل به لا يزال يردّد ذلك حتّى اتّخذ له سيف من خشب و كانوا يدنون منه المرفقة فلا يزال يضربها حتّى يغشى عليه فلبث كذلك إلى أن مات عليه لعنة اللّه و الملائكة و النّاس أجمعين.

الترجمة

از جمله خطب آن حضرت است كه فرمود در حالتي كه بتواتر رسيد خبرها بغالب شدن أصحاب معاوية عليه اللّعنة بر شهرها و آمدند بسوى آن حضرت عاملان او كه حاكم بودند بر يمن عبد اللّه بن عبّاس و سعيد بن نمران وقتى كه غالب شده بود بر ايشان بسر بن أبي أرطاة ولد الزّنا، پس برخواست آن حضرت بطرف منبر در حالتي كه تنگدل بود بجهة گرانى أصحاب خود از جهاد و بجهة مخالفت كردن ايشان با او در رأى پس فرمود: نيست مملكت من مگر كوفه در حالتى كه قبض ميكنم آن را و بسط ميكنم آن را: يعني همين كوفه است كه محلّ تصرّف من است بحل و عقد و