خطبه 199 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

199 و من كلام له ع- و قد سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين

إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ- وَ لَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ وَ ذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ- كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ وَ أَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ- وَ قُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ- اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَنَا وَ دِمَاءَهُمْ- وَ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَ بَيْنِهِمْ وَ اهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ- حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ- وَ يَرْعَوِيَ عَنِ الْغَيِّ وَ الْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ السب الشتم سبه يسبه بالضم و التساب التشاتم- و رجل مسب بكسر الميم كثير السباب- و رجل سبه أي يسبه الناس- و رجل سببه أي يسب الناس- و رجل سب كثير السباب و سبك الذي يسابك قال-لا تسبنني فلست بسبي إن سبي من الرجال الكريم‏و الذي كرهه ع منهم أنهم كانوا يشتمون أهل الشام- و لم يكن يكره منهم لعنهم إياهم و البذاءة منهم- لا كما يتوهمه قوم من الحشوية- فيقولون لا يجوزلعن أحد ممن عليه اسم الإسلام- و ينكرون على من يلعن و منهم من يغالي في ذلك- فيقول لا ألعن الكافر و ألعن إبليس- و إن الله تعالى لا يقول لأحد يوم القيامة- لم لم تلعن و إنما يقول لم لعنت- .

و اعلم أن هذا خلاف نص الكتاب- لأنه تعالى قال- إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً- . و قال أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ- . و قال في إبليس وَ إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى‏ يَوْمِ الدِّينِ- . و قال مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا- . و في الكتاب العزيز من ذلك الكثير الواسع- . و كيف يجوز للمسلم أن ينكر التبرؤ- ممن يجب التبرؤ منه- أ لم يسمع هؤلاء قول الله تعالى- قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَ الَّذِينَ مَعَهُ- إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ- وَ مِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ- كَفَرْنا بِكُمْ وَ بَدا بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَ الْبَغْضاءُ أَبَداً- و إنما يجب النظر فيمن قد اشتبهت حاله- فإن كان قد قارف كبيرة من الذنوب- يستحق بها اللعن و البراءة- فلا ضير على من يلعنه و يبرأ منه- و إن لم يكن قد قارف كبيرة لم يجز لعنه و لا البراءة منه- . و مما يدل على أن من عليه اسم الإسلام- إذا ارتكب الكبيرة يجوز لعنه- بل يجب في وقت قول الله تعالى في قصة اللعان- فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ‏لَمِنَ الصَّادِقِينَ- وَ الْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ- .

و قال تعالى في القاذف- إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ- لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ- . فهاتان الآيتان في المكلفين من أهل القبلة- و الآيات قبلهما في الكافرين و المنافقين- و لهذا قنت أمير المؤمنين ع- على معاوية و جماعة من أصحابه- و لعنهم في أدبار الصلوات- .

فإن قلت- فما صوره السب الذي نهى أمير المؤمنين ع عنه- . قلت كانوا يشتمونهم بالآباء و الأمهات- و منهم من يطعن في نسب قوم منهم- و منهم من يذكرهم باللؤم- و منهم من يعيرهم بالجبن و البخل- و بأنواع الأهاجي التي يتهاجى بها الشعراء- و أساليبها معلومة- فنهاهم ع عن ذلك- و قال إني أكره لكن أن تكونوا سبابين- و لكن الأصوب أن تصفوا لهم أعمالهم و تذكروا حالهم- أي أن تقولوا إنهم فساق و إنهم أهل ضلال و باطل- .

ثم قال اجعلوا عوض سبهم أن تقولوا- اللهم احقن دماءنا و دماءهم- . حقنت الدم أحقنه بالضم منعت أن يسفك- أي ألهمهم الإنابة إلى الحق و العدول عن الباطل- فإن ذلك إذا تم حقنت دماء الفريقين- . فإن قلت كيف يجوز أن يدعو الله تعالى بما لا يفعله- أ ليس من أصولكم- أن الله تعالى لا يضطر المكلف إلى اعتقاد الحق- و إنما يكله إلى نظره- .

قلت الأمر و إن كان كذلك- إلا أن المكلفين قد تعبدوا بأن يدعوا الله تعالى‏بذلك- لأن في دعائهم إياه بذلك لطفا لهم و مصالح في أديانهم- كالدعاء بزيادة الرزق و تأخير الأجل- . قوله و أصلح ذات بيننا و بينهم- يعني أحوالنا و أحوالهم- و لما كانت الأحوال ملابسة للبين قيل لها ذات البين- كما أنه لما كانت الضمائر ملابسة للصدور- قيل ذات الصدور- و كذلك قولهم اسقني ذا إنائك- لما كان ما فيه من الشراب ملابسا له- و يقولون للمتبرز قد وضع ذا بطنه- و للحبلى تضع ألقت ذا بطنها- . و ارعوى عن الغي رجع و كف- . لهج به بالكسر يلهج أغرى به و ثابر عليه

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 11

خطبه 198 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(طلحة و الزبير)

198 و من كلام له ع كلم به طلحة و الزبير- بعد بيعته بالخلافة

و قد عتبا عليه- من ترك مشورتهما و الاستعانة في الأمور بهما: لَقَدْ نَقَمْتُمَا يَسِيراً وَ أَرْجَأْتُمَا كَثِيراً- أَ لَا تُخْبِرَانِي أَيُّ شَيْ‏ءٍ كَانَ لَكُمَا فِيهِ حَقٌّ دَفَعْتُكُمَا عَنْهُ- أَمْ أَيُّ قَسْمٍ اسْتَأْثَرْتُ عَلَيْكُمَا بِهِ- أَوْ أَيُّ حَقٍّ رَفَعَهُ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ- ضَعُفْتُ عَنْهُ أَمْ جَهِلْتُهُ أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ- . وَ اللَّهِ مَا كَانَتْ لِي فِي الْخِلَافَةِ رَغْبَةٌ- وَ لَا فِي الْوَلَايَةِ إِرْبَةٌ- وَ لَكِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَيْهَا وَ حَمَلْتُمُونِي عَلَيْهَا- فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيَّ نَظَرْتُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ مَا وَضَعَ لَنَا- وَ أَمَرَنَا بِالْحُكْمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ- وَ مَا اسْتَنَّ النَّبِيُّ ص فَاقْتَدَيْتُهُ- فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَى رَأْيِكُمَا وَ لَا رَأْيِ غَيْرِكُمَا- وَ لَا وَقَعَ حُكْمٌ جَهِلْتُهُ فَأَسْتَشِيرَكُمَا وَ إِخْوَانِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ- وَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ أَرْغَبْ عَنْكُمَا وَ لَا عَنْ غَيْرِكُمَا- . وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ الْأُسْوَةِ- فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُمْ أَنَا فِيهِ بِرَأْيِي- وَ لَا وَلِيتُهُ هَوًى مِنِّي- بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَ أَنْتُمَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ص قَدْ فُرِغَ مِنْهُ- فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَيْكُمَا فِيمَا قَدْ فَرَغَ اللَّهُ مِنْ قَسْمِهِ- وَ أَمْضَى فِيهِ حُكْمَهُ- فَلَيْسَ لَكُمَا وَ اللَّهِ عِنْدِي وَ لَا لِغَيْرِكُمَا فِي هَذَا عُتْبَى- . أَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَ قُلُوبِكُمْ إِلَى الْحَقِّ- وَ أَلْهَمَنَا وَ إِيَّاكُمُ الصَّبْرَ- .

ثُمَّ قَالَ ع- رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا رَأَى حَقّاً فَأَعَانَ عَلَيْهِ- أَوْ رَأَى جَوْراً فَرَدَّهُ- وَ كَانَ عَوْناً بِالْحَقِّ عَلَى صَاحِبِهِ نقمت عليه بالفتح أنقم هذه اللغة الفصيحة- و جاء نقمت بالكسر أنقم- . و أرجأتما أخرتما أي نقمتما من أحوالي اليسير- و تركتما الكثير الذي ليس لكما- و لا لغيركما فيه مطعن فلم تذكراه- فهلا اغتفرتما اليسير للكثير- . و ليس هذا اعترافا بأن ما نقماه موضع الطعن و العيب- و لكنه على جهة الجدل و الاحتجاج- كما تقول لمن يطعن في بيت من شعر شاعر مشهور- لقد ظلمته إذ تتعلق عليه بهذا البيت- و تنسى ما له من المحاسن الكثيرة في غيره- . ثم ذكر وجوه العتاب و الاسترادة و هي أقسام- إما أن يكون لهما حق يدفعهما عنه- أو استأثر عليهما في قسم أو ضعف عن السياسة- أو جهل حكما من أحكام الشريعة أو أخطأ بابه- . فإن قلت أي فرق بين الأول و الثاني- قلت أما دفعهما عن حقهما فمنعهما عنه- سواء صار إليه ع أو إلى غيره- أو لم يصر إلى أحد بل بقي بحاله في بيت المال- .

و أما القسم الثاني فهو أن يأخذ حقهما لنفسه- و بين القسمين فرق ظاهر و الثاني أفحش من الأول- . فإن قلت فأي فرق بين قوله أم جهلته- أو أخطأت بابه- . قلت جهل الحكم أن يكون الله تعالى قد حكم بحرمة شي‏ء- فأحله الإمام أو المفتي- و كونه يخطئ بابه هو أن يصيب في الحكم- و يخطئ في الاستدلال عليه- .

ثم أقسم أنه لم يكن له في الخلافة رغبة و لا إربة- بكسر الهمزة و هي الحاجة- و صدق ع فهكذا نقل أصحاب التواريخ- و أرباب علم السير كلهم- وروى الطبري في التاريخ و رواه غيره أيضا إن الناس غشوه و تكاثروا عليه يطلبون مبايعته- و هو يأبى ذلك و يقول دعوني و التمسوا غيري- فإنا مستقبلون أمرا له وجوه و ألوان- لا تثبت عليه العقول و لا تقوم له القلوب- قالوا ننشدك الله أ لا ترى الفتنة- أ لا ترى إلى ما حدث في الإسلام أ لا تخاف الله- فقال قد أجبتكم لما أرى منكم- و اعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم- و إن تركتموني فإنما أنا كأحدكم- بل أنا أسمعكم و أطوعكم لمن وليتموه أمركم إليه- فقالوا ما نحن بمفارقيك حتى نبايعك- قال إن كان لا بد من ذلك ففي المسجد- فإن بيعتي لا تكون خفيا و لا تكون إلا عن رضا المسلمين- و في ملإ و جماعة- فقام و الناس حوله فدخل المسجد- و انثال عليه المسلمون فبايعوه و فيهم طلحة و الزبير- . قلت قوله إن بيعتي لا تكون خفيا- و لا تكون إلا في المسجد بمحضر من جمهور الناس- يشابه قوله بعد وفاة رسول الله ص- للعباس لما سامه مد يده للبيعة- إني أحب أن أصحر بها- و أكره أن أبايع من وراء رتاج- .

ثم ذكر ع أنه لما بويع عمل بكتاب الله و سنة رسوله- و لم يحتج إلى رأيهما و لا رأي غيرهما- و لم يقع حكم يجهله فيستشيرهما- و لو وقع ذلك لاستشارهما و غيرهما و لم يأنف من ذلك- . ثم تكلم في معنى التنفيل في العطاء- فقال إني عملت بسنة رسول الله ص في ذلك- و صدق ع فإن رسول الله ص سوى في العطاء بين الناس- و هو مذهب أبي بكر- . و العتبى الرضا- أي لست أرضيكما- بارتكاب ما لا يحل لي في الشرع ارتكابه- و الضمير في صاحبه و هو الهاء المجرورة يرجع إلى الجور- أي و كان عونا بالعمل على صاحب الجور

من أخبار طلحة و الزبير

قد تقدم منا ذكر ما عتب به طلحة و الزبير- على أمير المؤمنين ع- و أنهما قالا ما نراه يستشيرنا في أمر- و لا يفاوضنا في رأي و يقطع الأمر دوننا- و يستبد بالحكم عنا و كانا يرجوان غير ذلك- و أراد طلحة أن يوليه البصرة- و أراد الزبير أن يوليه الكوفة- فلما شاهدا صلابته في الدين و قوته في العزم- و هجره الادهان و المراقبة و رفضه المدالسة و المواربة- و سلوكه في جميع مسالكه منهج الكتاب و السنة- و قد كانا يعلمان ذلك قديما من طبعه و سجيته- و كان عمر قال لهما و لغيرهما- إن الأجلح إن وليها- ليحملنكم على المحجة البيضاء و الصراط المستقيم- وكان رسول الله ص‏من قبل- قال و إن تولوها عليا تجدوه هاديا مهديا- إلا أنه ليس الخبر كالعيان- و لا القول كالفعل و لا الوعد كالإنجاز- و حالا عنه و تنكرا له و وقعا فيه و عاباه و غمصاه- و تطلبا له العلل و التأويلات- و تنقما عليه الاستبداد و ترك المشاورة- و انتقلا من ذلك إلى الوقيعة فيه- بمساواة الناس في قسمة المال- و أثنيا على عمر و حمدا سيرته و صوبا رأيه- و قالا إنه كان يفضل أهل السوابق- و ضللا عليا ع فيما رآه- و قالا إنه أخطأ و إنه خالف سيرة عمر- و هي السيرة المحمودة التي لم تفضحها النبوة- مع قرب عهدنا منها و اتصالها بها- و استنجدا عليه بالرؤساء من المسلمين- كان عمر يفضلهم و ينفلهم في القسم على غيرهم- و الناس أبناء الدنيا و يحبون المال حبا جما- فتنكرت على أمير المؤمنين ع بتنكرهما قلوب كثيرة- و نغلت عليه نيات كانت من قبل سليمة- و لقد كان عمر موفقا حيث منع قريشا و المهاجرين- و ذوي السوابق من الخروج من المدينة- و نهاهم عن مخالطة الناس و نهى الناس عن مخالطتهم- و رأى أن ذلك أس الفساد في الأرض- و أن الفتوح و الغنائم قد أبطرت المسلمين- و متى بعد الرءوس و الكبراء منهم عن دار الهجرة- و انفردوا بأنفسهم و خالطهم الناس في البلاد البعيدة- لم يأمن أن يحسنوا لهم الوثوب- و طلب الإمرة و مفارقة الجماعة و حل نظام الألفة- و لكنه رضي الله عنه نقض هذا الرأي السديد- بما فعله بعد طعن أبي لؤلؤة له من أمر الشورى- فإن ذلك كان سبب كل فتنة وقعت- و تقع إلى أن تنقضي الدنيا- و قد قدمنا ذكر ذلك- و شرحنا ما أدى إليه أمر الشورى من الفساد- بما حصل في نفس كل من الستة من ترشيحه للخلافة- .

و روى أبو جعفر الطبري في تاريخه- قال كان عمر قد حجر على أعلام قريش من المهاجرين- الخروج في البلدان إلا بإذن و أجل فشكوه فبلغه- فقام فخطب فقال ألا إني قد سننت الإسلام سن البعير- يبدأ فيكون جذعا ثم ثنيا- ثم يكون رباعيا ثم سديسا ثم بازلا- ألا فهل ينتظر بالبازل إلا النقصان- ألا و إن الإسلام قد صار بازلا- و إن قريشا يريدون أن يتخذوا مال الله معونات- على ما في أنفسهم- ألا إن في قريش من يضمر الفرقة و يروم خلع الربقة- أما و ابن الخطاب حي فلا إني قائم دون شعب الحرة- آخذ بحلاقيم قريش و حجزها أن يتهافتوا في النار- . و قال أبو جعفر الطبري في التاريخ أيضا- فلما ولي عثمان لم يأخذهم بالذي كان عمر يأخذهم به- فخرجوا إلى البلاد فلما نزلوها و رأوا الدنيا- و رآهم الناس خمل من لم يكن له طول و لا قدم في الإسلام- و نبه أصحاب السوابق و الفضل فانقطع إليهم الناس- و صاروا أوزاعا معهم- و أملوهم و تقربوا إليهم- و قالوا يملكون فيكون لنا في ملكهم حظوة- فكان ذلك أول وهن على الإسلام- و أول فتنة كانت في العامة- .

و روى أبو جعفر الطبري عن الشعبي قال- لم يمت عمر حتى ملته قريش و قد كان حصرهم بالمدينة- و سألوه أن يأذن لهم في الخروج إلى البلاد- فامتنع عليهم و قال- إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة انتشاركم في البلاد- حتى أن الرجل كان يستأذنه في غزو الروم أو الفرس- و هو ممن حبسه بالمدينة من قريش- و لا سيما من المهاجرين فيقول له- إن لك في غزوك مع رسول الله ص ما يكفيك و يبلغك و يحسبك- و هو خير لك من الغزو اليوم- و إن خيرا لك ألا ترى الدنيا و لا تراك- .

فلما مات عمر و ولي عثمان خلى عنهم- فانتشروا في البلاد و اضطربوا- و انقطع إليهم الناس و خالطوهم- فلذلك كان عثمان أحب إلى قريش من عمر- . فقد بان لك حسن رأي عمر في منع المهاجرين- و أهل السابقة من قريش من مخالطة الناس- و الخروج من المدينة- و بان لك أن عثمان أرخى لهم في الطول فخالطهم الناس- و أفسدوهم و حببوا إليهم الملك و الإمرة و الرئاسة- لا سيما مع الثروة العظيمة التي حصلت لهم- و الثراء مفسدة و أي مفسدة- و حصل لطلحة و الزبير من ذلك ما لم يحصل لغيرهما- ثروة و يسارا و قدما في الإسلام- و صار لهما لفيف عظيم من المسلمين يمنونهما الخلافة- و يحسنون لهما طلب الإمرة- لا سيما و قد رشحهما عمر لها- و أقامهما مقام نفسه في تحملها- و أي امرئ منى بها قط نفسه ففارقها حتى يغيب في اللحد- و لا سيما طلحة قد كان يحدث بها نفسه و أبو بكر حي- و يروم أن يجعلها فيه بشبهة أنه ابن عمه- و سخط خلافة عمر و قال لأبي بكر- ما تقول لربك و قد وليت علينا فظا غليظا- و كان له في أيام عمر قوم يجلسون إليه- و يحادثونه سرا في معنى الخلافة و يقولون له- لو مات عمر لبايعناك بغتة جلب الدهر علينا ما جلب- و بلغ ذلك عمر فخطب الناس بالكلام المشهور- أن قوما يقولون إن بيعة أبي بكر كانت فلتة- و إنه لو مات عمر لفعلنا و فعلنا- أما إن بيعة أبي بكر كانت فلتة إلا أن الله وقى شرها- و ليس فيكم من تقطع إليه الرقاب كأبي بكر- فأي امرئ بايع امرأ من غير مشورة من المسلمين- فإنهما بغرة أن يقتلا- فلما صارت إلى عثمان سخطها طلحة- بعد أن كان رضيها و أظهر ما في نفسه- و ألب عليه حتى قتل و لم يشك أن الأمر له- فلما صارت إلى علي ع حدث منه ما حدث- و آخر الدواء الكي- .و أما الزبير فلم يكن إلا علوي الرأي- شديد الولاء جاريا من الرجل مجرى نفسه- .

و يقال إنه ع لما استنجد بالمسلمين- عقيب يوم السقيفة و ما جرى فيه- و كان يحمل فاطمة ع ليلا على حمار- و ابناها بين يدي الحمار و هو ع يسوقه- فيطرق بيوت الأنصار و غيرهم- و يسألهم النصرة و المعونة أجابه أربعون رجلا- فبايعهم على الموت- و أمرهم أن يصبحوا بكرة محلقي رءوسهم و معهم سلاحهم- فأصبح لم يوافه منهم إلا أربعة- الزبير و المقداد و أبو ذر و سلمان- ثم أتاهم من الليل فناشدهم فقالوا نصبحك غدوة- فما جاءه منهم إلا أربعة و كذلك في الليلة الثالثة- و كان الزبير أشدهم له نصرة و أنفذهم في طاعته بصيرة- حلق رأسه و جاء مرارا و في عنقه سيفه و كذلك الثلاثة الباقون- إلا أن الزبير هو كان الرأس فيهم- و قد نقل الناس خبر الزبير لما هجم عليه ببيت فاطمة ع- و كسر سيفه في صخرة ضربت به- و نقلوا اختصاصه بعلي ع و خلواته به- و لم يزل مواليا له متمسكا بحبه و مودته- حتى نشأ ابنه عبد الله و شب- فنزع به عرق من الأم- و مال إلى تلك الجهة و انحرف عن هذه- و محبة الوالد للولد معروفة فانحرف الزبير لانحرافه- على أنه قد كانت جرت بين علي ع و الزبير هنات- في أيام عمر كدرت القلوب بعض التكدير- و كان سببها قصة موالي صفية- و منازعة علي للزبير في الميراث- فقضى عمر للزبير- فأذعن علي ع لقضائه بحكم سلطانه- لا رجوعا عما كان يذهب إليه- من حكم الشرع في هذه المسألة- و بقيت في نفس الزبير- على أن شيخنا أبا جعفر الإسكافي رحمه الله- ذكر في كتاب نقض العثمانية عن الزبير كلاما- إن صح فإنه يدل على انحراف شديد- و رجوع عن موالاة أمير المؤمنين ع- . قال تفاخر علي ع و الزبير- فقال الزبير أسلمت بالغا و أسلمت طفلا- و كنت أول من سل سيفا في سبيل الله بمكة- و أنت مستخف في الشعب يكفلك الرجال-و يمونك الأقارب من بني هاشم- و كنت فارسا و كنت راجلا- و في هيأتي نزلت الملائكة و أنا حواري رسول الله ص- .

قال شيخنا أبو جعفر و هذا الخبر مفتعل مكذوب- و لم يجر بين علي و الزبير شي‏ء من هذا الكلام- و لكنه من وضع العثمانية- و لم يسمع به في أحاديث الحشوية و لا في كتب أصحاب السيرة- . و لعلي ع أن يقول طفل مسلم خير من بالغ كافر- و أما سل السيف بمكة فلم يكن في موضعه- و في ذلك قال الله تعالى- أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ الآية- و أنا على منهاج الرسول في الكف و الإقدام- و ليس كفالة الرجال و الأقارب بالشعب عارا علي- فقد كان رسول الله ص في الشعب يكفله الرجال و الأقارب- و أما حربك فارسا و حربي راجلا- فهلا أغنت فروسيتك يوم عمرو بن عبد ود في الخندق- و هلا أغنت فروسيتك يوم طلحة بن أبي طلحة في أحد- و هلا أغنت فروسيتك يوم مرحب بخيبر- ما كانت فرسك التي تحارب عليها في هذه الأيام- إلا أذل من العنز الجرباء- و من سلمت عليه الملائكة أفضل ممن نزلت في هيأته- و قد نزلت الملائكة في صورة دحية الكلبي- أ فيجب من ذلك أن يكون دحية أفضل مني- و أما كونك حواري رسول الله ص- فلو عددت خصائصي في مقابلة هذه اللفظة الواحدة لك- لاستغرقت الوقت و أفنيت الزمان- و رب صمت أبلغ من نطق- .

ثم نرجع إلى الحديث الأول- فتقول إن طلحة و الزبير لما أيسا من جهة علي ع-و من حصول الدنيا من قبله قلبا له ظهر المجن- فكاشفاه و عاتباه قبل المفارقة عتابا لاذعا- روى شيخنا أبو عثمان قال- أرسل طلحة و الزبير إلى علي ع- قبل خروجهما إلى مكة مع محمد بن طلحة- و قالا لا تقل له يا أمير المؤمنين- و لكن قل له يا أبا الحسن- لقد فال فيك رأينا و خاب ظننا- أصلحنا لك الأمر و وطدنا لك الإمرة- و أجلبنا على عثمان حتى قتل- فلما طلبك الناس لأمرهم- أسرعنا إليك و بايعناك- و قدنا إليك أعناق العرب- و وطئ المهاجرون و الأنصار أعقابنا في بيعتك- حتى إذا ملكت عنانك استبددت برأيك عنا- و رفضتنا رفض التريكة و أذلتنا إذالة الإماء- و ملكت أمرك الأشتر و حكيم بن جبلة و غيرهما- من الأعراب و نزاع الأمصار- فكنا فيما رجوناه منك- و أملناه من ناحيتك كما قال الأول-

فكنت كمهريق الذي في سقائه
لرقراق آل فوق رابية صلد

فلما جاء محمد بن طلحة أبلغه ذاك- فقال اذهب إليهما فقل لهما فما الذي يرضيكما- فذهب و جاءه فقال- إنهما يقولان ول أحدنا البصرة و الآخر الكوفة- فقال لاها الله إذن يحلم الأديم و يستشرى الفساد- و تنتقض على البلاد من أقطارها- و الله إني لا آمنهما و هما عندي بالمدينة- فكيف آمنهما و قد وليتهما العراقين- اذهب إليهما فقل أيها الشيخان- احذرا من سطوة الله و نقمته- و لا تبغيا للمسلمين غائلة و كيدا- و قد سمعتما قول الله تعالى- تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها- لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ- فقام محمد بن طلحة فأتاهما و لم يعد إليه و تأخرا عنه أياما- ثم جاءاه فاستأذناه في الخروج إلى مكة للعمرة- فأذن لهما بعد أن أحلفهماألا ينقضا بيعته- و لا يغدرا به و لا يشقا عصا المسلمين- و لا يوقعا الفرقة بينهم- و أن يعودا بعد العمرة إلى بيوتهما بالمدينة- فحلفا على ذلك كله ثم خرجا ففعلا ما فعلا- . و روى شيخنا أبو عثمان قال- لما خرج طلحة و الزبير إلى مكة- و أوهما الناس أنهما خرجا للعمرة- قال علي ع لأصحابه- و الله ما يريدان العمرة و إنما يريدان الغدرة- فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى‏ نَفْسِهِ- وَ مَنْ أَوْفى‏ بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً- . و روى الطبري في التاريخ قال- لما بايع طلحة و الزبير عليا ع- سألاه أن يؤمرهما على الكوفة و البصرة- فقال بل تكونان عندي أتجمل بكما- فإنني أستوحش لفراقكما- . قال الطبري و قد كان قال لهما قبل بيعتهما له- إن أحببتما أن تبايعاني و إن أحببتما بايعتكما- فقالا لا بل نبايعك ثم قالا بعد ذلك- إنما بايعناه خشية على أنفسنا- و قد عرفنا أنه لم يكن ليبايعنا- ثم ظهرا إلى مكة و ذلك بعد قتل عثمان بأربعة أشهر- .

و روى الطبري أيضا في التاريخ قال- لما بايع الناس عليا و تم له الأمر- قال طلحة للزبير- ما أرى أن لنا من هذا الأمر إلا كحسة أنف الكلب- . و روى الطبري أيضا في التاريخ قال- لما بايع الناس عليا ع بعد قتل عثمان- جاء علي إلى الزبير فاستأذن عليه- قال أبو حبيبه مولى الزبير- فأعلمته به فسل السيف و وضعه تحت فراشه- و قال ائذن له فأذنت له- فدخل فسلم على الزبير و هو واقف ثم خرج- فقال الزبير لقد دخل لأمر ما قضاه- قم مقامه و انظر هل ترى من‏السيف شيئا- فقمت في مقامه فرأيت ذباب السيف فأخبرته و قلت- إن ذباب السيف ليظهر لمن قام في هذا الموضع- فقال ذاك أعجل الرجل و روى شيخنا أبو عثمان قال- كتب مصعب بن الزبير إلى عبد الملك- من مصعب بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان- سلام عليك- فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد-

ستعلم يا فتى الزرقاء أني
سأهتك عن حلائلك الحجابا

و أترك بلدة أصبحت فيها
تهور من جوانبها خرابا

أما إن لله على الوفاء بذلك إلا أن تتراجع أو تتوب- و لعمري ما أنت كعبد الله بن الزبير و لا مروان كالزبير بن العوام- حواري رسول الله ص و ابن عمته- فسلم الأمر إلى أهله- فإن نجاتك بنفسك أعظم الغنيمتين و السلام- . فكتب إليه عبد الملك- من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين- إلى الذلول الذي أخطأ من سماه المصعب- سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو- أما بعد-

أ توعدني و لم أر مثل يومي
خشاش الطير يوعدن العقابا

متى تلق العقاب خشاش طير
يهتك عن مقاتلها الحجابا

أ توعد بالذئاب أسود غاب
و أسد الغاب تلتهم الذئابا

أما ما ذكرت من وفائك- فلعمري لقد وفى أبوك لتيم و عدي بعداء قريش و زعانفها- حتى إذا صارت الأمور إلى صاحبها عثمان- الشريف النسب الكريم الحسب بغاة الغوائل- و أعد له المخاتل حتى نال منه حاجته- ثم دعا الناس إلى علي و بايعه- فلمادانت له أمور الأمة و أجمعت له الكلمة- و أدركه الحسد القديم لبني عبد مناف- فنقض عهده و نكث بيعته بعد توكيدها- ف فَكَّرَ وَ قَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ- و تمزقت لحمه الضباع بوادي السباع- و لعمري إنك تعلم يا أخا بني عبد العزى بن قصي- أنا بنو عبد مناف لم نزل سادتكم- و قادتكم في الجاهلية و الإسلام- و لكن الحسد دعاك إلى ما ذكرت- و لم ترث ذلك عن كلالة بل عن أبيك- و لا أظن حسدك و حسد أخيك يئول بكما- إلا إلى ما آل إليه حسد أبيكما من قبل- وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ- .

و روى أبو عثمان أيضا قال- دخل الحسن بن علي ع على معاوية- و عنده عبد الله بن الزبير- و كان معاوية يحب أن يغري بين قريش- فقال يا أبا محمد أيهما كان أكبر سنا علي أم الزبير- فقال الحسن ما أقرب ما بينهما- و علي أسن من الزبير رحم الله عليا- فقال ابن الزبير رحم الله الزبير- و هناك أبو سعيد بن عقيل بن أبي طالب فقال- يا عبد الله و ما يهيجك من أن يترحم الرجل على أبيه- قال و أنا أيضا ترحمت على أبي- قال أ تظنه ندا له و كفؤا- قال و ما يعدل به عن ذلك كلاهما من قريش- و كلاهما دعا إلى نفسه و لم يتم له- قال دع ذاك عنك يا عبد الله- إن عليا من قريش و من الرسول ص حيث تعلم- و لما دعا إلى نفسه أتبع فيه و كان رأسا- و دعا الزبير إلى أمر و كان الرأس فيه امرأة- و لما تراءت الفئتان نكص على عقبيه- و ولى مدبرا قبل أن يظهر الحق فيأخذه- أو يدحض الباطل فيتركه- فأدركه رجل لو قيس ببعض أعضائه لكان أصغر- فضرب عنقه و أخذ سلبه و جاء برأسه- و مضى علي قدما كعادته مع ابن عمه رحم الله عليافقال ابن الزبير- أما لو أن غيرك تكلم بهذا يا أبا سعيد لعلم- فقال إن الذي تعرض به يرغب عنك- و كفه معاوية فسكتوا- . و أخبرت عائشة بمقالتهم و مر أبو سعيد بفنائها- فنادته يا أبا سعيد أنت القائل لابن أختي كذا- فالتفت أبو سعيد فلم ير شيئا- فقال إن الشيطان يرانا و لا نراه- فضحكت عائشة و قالت لله أبوك ما أذلق لسانك

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 11

خطبه 197 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

197 و من كلام له ع كان كثيرا ما ينادي به أصحابه

تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ- وَ أَقِلُّوا الْعَرْجَةَ عَلَى الدُّنْيَا- وَ انْقَلِبُوا بِصَالِحِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ- فَإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَئُوداً وَ مَنَازِلَ مَخُوفَةً مَهُولَةً- لَا بُدَّ مِنَ الْوُرُودِ عَلَيْهَا وَ الْوُقُوفِ عِنْدَهَا- . وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَلَاحِظَ الْمَنِيَّةِ نَحْوَكُمْ دَائِبَةٌ- وَ كَأَنَّكُمْ بِمَخَالِبِهَا وَ قَدْ نَشِبَتْ فِيكُمْ- وَ قَدْ دَهَمَتْكُمْ مِنْهَا مُفْظِعَاتُ الْأُمُورِ وَ مُضْلِعَاتُ الْمَحْذُورِ- . فَقَطِّعُوا عَلَائِقَ الدُّنْيَا وَ اسْتَظْهِرُوا بِزَادِ التَّقْوَى- و قد مضى شي‏ء من هذا الكلام فيما تقدم- يخالف هذه الرواية تجهزوا لكذا أي تهيئوا له- . و العرجة التعريج و هو الإقامة- تقول ما لي على ربعك عرجة أي إقامة- و عرج فلان على المنزل إذا حبس عليه مطيته- .

و العقبة الكئود الشاقة المصعد و دائبة جادة- و المخلب للسبع بمنزلة الظفر للإنسان- . و أفظع الأمر فهو مفظع إذا جاوز المقدار شدة- . و مضلعات المحذور الخطوب التي تضلع- أي تجعل الإنسان ضليعا أي معوجا- و الماضي ضلع بالكسر يضلع ضلعا- . و من رواها بالظاء- أراد الخطوب التي تجعل الإنسان ظالعا- أي يغمز في مشيه لثقلها عليه- و الماضي ظلع بالفتح يظلع ظلعها فهو ظالع

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 11

خطبه 196 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

الجزء الحادي عشر

تتمة باب الخطب و الأوامر

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد العدل

196 و من كلام له ع

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَجَازٍ وَ الآْخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ- فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ- وَ لَا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ- وَ أَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ- مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ- فَفِيهَا اخْتُبِرْتُمْ وَ لِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ- إِنَّ الْمَرْءَ إِذَا هَلَكَ قَالَ النَّاسُ مَا تَرَكَ- وَ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا قَدَّمَ- لِلَّهِ آبَاؤُكُمْ فَقَدِّمُوا بَعْضاً يَكُنْ لَكُمْ- وَ لَا تُخْلِفُوا كُلًّا فَيَكُونَ فَرْضاً عَلَيْكُمْ ذكر أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في الكامل- عن الأصمعي قال- خطبنا أعرابي بالبادية فحمد الله و استغفره- و وحده و صلى على نبيه ص فأبلغ في إيجاز- ثم قال أيها الناس إن الدنيا دار بلاغ- و الآخرة دار قرار فخذوا لمقركم من ممركم- و لا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم- في الدنيا أنتم‏و لغيرها خلقتم- أقول قولي هذا و أستغفر الله لي و لكم- و المصلى عليه رسول الله و المدعو له الخليفة و الأمير جعفر بن سليمان- .

و ذكر غيره الزيادة التي في كلام أمير المؤمنين ع- و هي أن المرء إذا هلك إلى آخر الكلام- . و أكثر الناس على أن هذا الكلام لأمير المؤمنين ع- . و يجوز أن يكون الأعرابي حفظه- فأورده كما يورد الناس كلام غيرهم- . قوله ع دار مجاز- أي يجاز فيها إلى الآخرة- و منه سمي المجاز في الكلام مجازا- لأن المتكلم قد عبر الحقيقة إلى غيرها- كما يعبر الإنسان من موضع إلى موضع- . و دار القرار دار الاستقرار الذي لا آخر له- .

فخذوا من ممركم أي من الدنيا لمقركم و هو الآخرة- . قوله ع قال الناس ما ترك- يريد أن بني آدم مشغولون بالعاجلة- لا يفكرون في غيرها و لا يتساءلون إلا عنها- فإذا هلك أحدكم فإنما قولهم بعضهم لبعض- ما الذي ترك فلان من المال ما الذي خلف من الولد- و أما الملائكة فإنهم يعرفون الآخرة- و لا تستهويهم شهوات الدنيا- و إنما هم مشغولون بالذكر و التسبيح- فإذا هلك الإنسان قالوا ما قدم- أي أي شي‏ء قدم من الأعمال- . ثم أمرهم ع- بأن يقدموا من أموالهم بعضها صدقة فإنها تبقى لهم- و نهاهم أن يخلفوا أموالهم كلها بعد موتهم- فتكون وبالا عليهم في الآخرة

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 11

خطبه 195 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

195 و من كلام له ع

روي عنه: أَنَّهُ قَالَهُ عِنْدَ دَفْنِ سَيِّدَةِ النِّسَاءِ فَاطِمَةَ ع- كَالْمُنَاجِي بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ص عِنْدَ قَبْرِهِ- السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنِّي- وَ عَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ- وَ السَّرِيعَةِ اللَّحَاقِ بِكَ- قَلَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي وَ رَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِي- إِلَّا أَنَّ فِي التَّأَسِّي لِي بِعَظِيمِ فُرْقَتِكَ- وَ فَادِحِ مُصِيبَتِكَ مَوْضِعَ تَعَزٍّ- فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ- وَ فَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَ صَدْرِي نَفْسُكَ- فَإِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ- فَلَقَدِ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ وَ أُخِذَتِ الرَّهِينَةُ- أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ وَ أَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ- إِلَى أَنْ يَخْتَارَ اللَّهُ لِي دَارَكَ الَّتِي أَنْتَ بِهَا مُقِيمٌ- وَ سَتُنَبِّئُكَ ابْنَتُكَ بِتَضَافُرِ أُمَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا- فَأَحْفِهَا السُّؤَالَ وَ اسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ- هَذَا وَ لَمْ يَطُلِ الْعَهْدُ وَ لَمْ يَخْلُ مِنْكَ الذِّكْرُ- وَ السَّلَامُ عَلَيْكُمَا سَلَامَ مُوَدِّعٍ لَا قَالٍ وَ لَا سَئِمٍ- فَإِنْ أَنْصَرِفْ فَلَا عَنْ مَلَالَةٍ- وَ إِنْ أُقِمْ فَلَا عَنْ سُوءِ ظَنٍّ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ الصَّابِرِينَ أما قول الرضي رحمه الله عند دفن سيدة النساء- فلأنه قد تواتر الخبر عنه ص أنه قال فاطمة سيدة نساء العالمينإما هذا اللفظ بعينه أو لفظ يؤدي هذاالمعنى-روي أنه قال و قد رآها تبكي عند موته- أ لا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمةوروي أنه قال سادات نساء العالمين أربع- خديجة بنت خويلد و فاطمة بنت محمد- و آسية بنت مزاحم و مريم بنت عمران- .

قوله ع و سريعة اللحاق بك-جاء في الحديث أنه رآها تبكي عند موته فأسر إليها- أنت أسرع أهلي لحوقا بي فضحكت- . قوله عن صفيتك أجله ص عن أن يقول عن ابنتك- فقال صفيتك و هذا من لطيف عبارته و محاسن كنايته- يقول ع ضعف جلدي و صبري عن فراقها- لكني أتأسى بفراقي لك فأقول- كل عظيم بعد فراقك جلل- و كل خطب بعد موتك يسير- . ثم ذكر حاله معه وقت انتقاله ص إلى جوار ربه- فقال لقد وسدتك في ملحودة قبرك- أي في الجهة المشقوقة من قبرك- و اللحد الشق في جانب القبر- و جاء بضم اللام في لغة غير مشهورة- .

قال و فاضت بين نحري و صدري نفسك- يروى أنه ص قذف دما يسيرا وقت موته- و من قال بهذا القول زعم أن مرضه كان ذات الجنب- و أن القرحة التي كانت في الغشاء المستبطن للأضلاع- انفجرت في تلك الحال- و كانت فيها نفسه ص- و ذهب قوم إلى أن مرضه إنما كان الحمى و السرسام الحار- و أن أهل داره ظنوا أن به ذات الجنب- فلدوه و هو مغمى عليه- و كانت العرب تداوي باللدود من به ذات الجنب- فلما أفاق علم أنهم قد لدوه فقال- لم يكن الله ليسلطها علي لدوا كل من في الدار- فجعل بعضهم يلد بعضا- .

و احتج الذاهبون إلى أن مرضه كان ذات الجنب- بما روي من انتصابه و تعذر الاضطجاع و النوم عليه-قال سلمان الفارسي دخلت عليه صبيحة يوم قبل اليوم الذي مات فيه- فقال لي يا سلمان- أ لا تسأل عما كابدته الليلة من الألم و السهر أنا و علي- فقلت يا رسول الله أ لا أسهر الليلة معك بدله- فقال لا هو أحق بذلك منك- . و زعم آخرون- أن مرضه كان أثرا لأكلة السم التي أكلها ع- و احتجوابقوله ص ما زالت أكلة خيبر تعاودني- فهذا أوان قطعت أبهري- . و من لم يذهب إلى ذات الجنب فأولوا قول علي ع- فاضت بين نحري و صدري نفسك- فقالوا أراد بذلك آخر الأنفاس التي يخرجها الميت- و لا يستطيع إدخال الهواء إلى الرئة عوضا عنها- و لا بد لكل ميت من نفخة تكون آخر حركاته- . و يقول قوم إنها الروح و عبر علي ع عنها بالنفس- لما كانت العرب لا ترى بين الروح و النفس فرقا- . و اعلم أن الأخبار مختلفة في هذا المعنى- فقدروى كثير من المحدثين عن عائشة أنها قالت توفي رسول الله ص بين سحري و نحري- .

و روى كثير منهم هذا اللفظ عن علي ع أنه قال عن نفسه- وقال في رواية أخرى ففاضت نفسه في يدي فأمررتها على وجهي- .و الله أعلم بحقيقة هذه الحال- و لا يبعد عندي أن يصدق الخبران معا- بأن يكون رسول الله ص وقت الوفاة- مستندا إلى علي و عائشة جميعا- فقد وقع الاتفاق على أنه مات و هو حاضر لموته- و هو الذي كان يقلبه بعد موته- و هو الذي كان يعلله ليالي مرضه- فيجوز أن يكون مستندا إلى زوجته و ابن عمه- و مثل هذا لا يبعد وقوعه في زماننا هذا- فكيف في ذلك الزمان- الذي كان النساء فيه و الرجال مختلطين- لا يستتر البعض عن البعض- . فإن قلت فكيف تعمل بآية الحجاب- و ما صح من استتار أزواج رسول الله ص عن الناس بعد نزولها- .

قلت قد وقع اتفاق المحدثين كلهم- على أن العباس كان ملازما للرسول ص- أيام مرضه في بيت عائشة و هذا لا ينكره أحد- فعلى القاعدة التي كان العباس ملازمه ص- كان علي ع ملازمه- و ذلك يكون بأحد الأمرين- إما بأن نساءه لا يستترن من العباس و علي- لكونهما أهل الرجل و جزءا منه- أو لعل النساء كن يختمرن بأخمرتهن- و يخالطن الرجال فلا يرون وجوههن- و ما كانت عائشة وحدها في البيت عند موته- بل كان نساؤه كلهن في البيت- و كانت ابنته فاطمة عند رأسه ص- .

فأما حديث مرضه ص و وفاته فقد ذكرناه فيما تقدم- . قوله إنا لله إلى آخره أي عبيده- كما تقول هذا الشي‏ء لزيد أي يملكه- . ثم عقب الاعتراف بالملكية بالإقرار بالرجعة و البعث- و هذه الكلمة تقال عند المصيبة- كما أدب الله تعالى خلقه و عباده- . و الوديعة و الرهينة عبارة عن فاطمة- و من هذا الموضع أخذ ابن ثوابة الكاتب قوله- عن قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون- لما حملت من مصر إلى المعتضد أحمد بن‏طلحة بن المتوكل- و قد وصلت الوديعة سالمة و الله المحمود- و كيف يوصي الناظر بنوره- أم كيف يحض القلب على حفظ سروره- . و أخذ الصابي هذه اللفظة أيضا- فكتب عن عز الدولة بختيار بن بويه- إلى عدة الدولة أبي تغلب بن حمدان- و قد نقل إليه ابنته قد وجهت الوديعة يا سيدي- و إنما تقلب من وطن إلى سكن و من مغرس إلى مغرس- و من مأوى بر و انعطاف إلى مثوى كرامة و ألطاف- .

فأما الرهينة فهي المرتهنة- يقال للمذكر هذا رهين عندي على كذا- و للأنثى هذه رهينة عندي على كذا- كأنها ع كانت عنده عوضا من رؤية رسول الله ص- كما تكون الرهينة عوضا عن الأمر الذي أخذت رهينة عليه- . ثم ذكر ع أن حزنه دائم- و أنه يسهر ليله و لا ينام إلى أن يلتحق برسول الله ص- و يجاوره في الدار الآخرة- و هذا من باب المبالغة- كما يبالغ الخطباء و الكتاب و الشعراء في المعاني- لأنه ع ما سهر منذ ماتت فاطمة- و دام سهره إلى أن قتل ع- و إنما سهر ليلة أو شهرا أو سنة- ثم استمر مريره و ارعوى رسنه- فأما الحزن فإنه لم يزل حزينا إذا ذكرت فاطمة- هكذا وردت الرواية عنه- . قوله ع و ستنبئك ابنتك أي ستعلمك- . فأحفها السؤال أي استقص في مسألتها- و استخبرها الحال أحفيت إحفاء في السؤال استقصيت- و كذلك في الحجاج و المنازعة قال الحارث بن حلزة-

إن إخواننا الأراقم يغلون
علينا في قيلهم إحفاء

و رجل حفي أي مستقص في السؤال- .و استخبرها الحال أي عن الحال فحذف الجار- كقولك اخترت الرجال زيدا أي من الرجال- أي سلها عما جرى بعدك من الاستبداد- بعقد الأمر دون مشاورتنا- و لا يدل هذا على وجود النص- لأنه يجوز أن تكون الشكوى و التألم من إطراح هم- و ترك إدخالهم في المشاورة- فإن ذلك مما تكرهه النفوس و تتألم منه- و هجا الشاعر قوما فقال-

و يقضى الأمر حين تغيب تيم
و لا يستأذنون و هم شهود

قوله هذا و لم يطل العهد و لم يخلق الذكر- أي لم ينس- . فإن قلت فما هذا الأمر الذي لم ينس و لم يخلق- إن لم يكن هناك نص- . قلت
قوله ص إني مخلف فيكم الثقلينوقوله اللهم أدر الحق معه حيث دار- و أمثال ذلك من النصوص الدالة- على تعظيمه و تبجيله و منزلته في الإسلام- فهو ع كان يريد أن يؤخر عقد البيعة- إلى أن يحضر و يستشار- و يقع الوفاق بينه و بينهم- على أن يكون العقد لواحد من المسلمين بموجبه- إما له أو لأبي بكر أو لغيرهما- و لم يكن ليليق أن يبرم الأمر و هو غير حاضر له- مع جلالته في الإسلام و عظيم أثره- و ما ورد في حقه من وجوب موالاته- و الرجوع إلى قوله و فعله- فهذا هو الذي كان ينقم ع- و منه كان يتألم و يطيل الشكوى و كان ذلك في موضعه- و ما أنكر إلا منكرا- فأما النص فإنه لم يذكره ع و لا احتج به- و لما طال الزمان صفح عن ذلك الاستبداد الذي وقع منهم- و حضر عندهم فبايعهم و زال ما كان في نفسه- .

فإن قلت فهل كان يسوغ لأبي بكر- و قد رأى وثوب الأنصار على الأمر- أن يؤخره إلى أن يخرج ع و يحضر المشورة- . قلت إنه لم يلم أبا بكر بعينه- و إنما تألم من استبداد الصحابة بالأمر- دون حضوره و مشاورته- و يجوز أن يكون أكثر تألمه و عتابه- مصروفا إلى الأنصار الذين فتحوا باب الاستبداد و التغلب

ما رواه أبو حيان في حديث السقيفة

و روى القاضي أبو حامد أحمد- بن بشير المروروذي العامري- فيما حكاه عنه أبو حيان التوحيدي- قال أبو حيان سمرنا عند القاضي أبي حامد ليلة ببغداد- بدار ابن جيشان في شارع الماذيان- فتصرف الحديث بنا كل متصرف- و كان و الله معنا مزيلا مخلطا عزيز الرواية- لطيف الدراية له في كل جو متنفس- و في كل نار مقتبس فجرى حديث السقيفة- و تنازع القوم الخلافة فركب كل منا فنا- و قال قولا و عرض بشي‏ء و نزع إلى مذهب- فقال أبو حامد هل فيكم من يحفظ رسالة أبي بكر إلى علي- و جواب علي له و مبايعته إياه عقيب تلك الرسالة- فقالت الجماعة لا و الله- فقال هي و الله من درر الحقاق المصونة- و مخبئات الصناديق في الخزائن المحوطة- و منذ حفظتها ما رويتها إلا للمهلبي في وزارته- فكتبها عني في خلوة بيده- و قال لا أعرف في الأرض رسالةأعقل منها و لا أبين- و إنها لتدل على علم و حكم و فصاحة و فقاهة- في دين و دهاء و بعد غور و شدة غوص- .

فقال له واحد من القوم أيها القاضي- فلو أتممت المنة علينا بروايتها سمعناها و رويناه عنك- فنحن أوعى لها من المهلبي و أوجب ذماما عليك- . فقال هذه الرسالة رواها عيسى بن دأب- عن صالح بن كيسان عن هشام بن عروة- عن أبيه عروة بن الزبير عن أبي عبيدة بن الجراح- . قال أبو عبيدة- لما استقامت الخلافة لأبي بكر بين المهاجرين و الأنصار- و لحظ بعين الوقار و الهيبة بعد هنة- كاد الشيطان بها يسر فدفع الله شرها و أدحض عسرها- فركد كيدها و تيسر خيرها- و قصم ظهر النفاق و الفسق بين أهلها- بلغ أبا بكر عن علي ع تلكؤ و شماس و تهمهم و نفاس- فكره أن يتمادى الحال و تبدو له العورة- و تنفرج ذات البين- و يصير ذلك دريئة لجاهل مغرور أو عاقل ذي دهاء- أو صاحب سلامة ضعيف القلب خوار العنان- دعاني في خلوة فحضرته و عنده عمر وحده- و كان عمر قبسا له و ظهيرا معه- يستضي‏ء بناره و يستملي من لسانه- فقال لي يا أبا عبيدة ما أيمن ناصيتك- و أبين الخير بين عارضيك- لقد كنت مع رسول الله ص بالمكان المحوط و المحل المغبوط- ولقد قال فيك في يوم مشهود أبو عبيدة أمين هذه الأمة- و طالما أعز الله الإسلام بك- و أصلح ثلمة على يديك- و لم تزل للدين ناصرا و للمؤمنين روحا و لأهلك ركنا- و لإخوانك مردا قد أردتك‏لأمر له ما بعده- خطره مخوف و صلاحه معروف- و لئن لم يندمل جرحه بمسبارك و رفقك- و لم تجب حيته برقيتك- لقد وقع اليأس و أعضل البأس- و احتيج بعدك إلى ما هو أمر من ذلك و أعلق- و أعسر منه و أغلق و الله أسأل تمامه بك- و نظامه على يدك فتأت له يا أبا عبيدة- و تلطف فيه و انصح لله و لرسوله- و لهذه العصابة غير آل جهدا و لا قال حمدا- و الله كالئك و ناصرك و هاديك و مبصرك- .

امض إلى علي و اخفض جناحك له- و اغضض من صوتك عنده- و اعلم أنه سلالة أبي طالب- و مكانه ممن فقدناه بالأمس مكانه- و قل له البحر مغرقة و البر مفرقة- و الجو أكلف و الليل أغلف و السماء جلواء- و الأرض صلعاء و الصعود متعذر و الهبوط متعسر- و الحق عطوف رءوف و الباطل نسوف عصوف- و العجب مقدحة الشر و الضغن رائد البوار- و التعريض شجار الفتنة و القحة مفتاح العداوة- و الشيطان متكئ على شماله باسط ليمينه- نافج حضنيه لأهله ينتظر الشتات و الفرقة- و يدب بين الأمة بالشحناء و العداوة- عنادا لله و لرسوله و لدينه- يوسوس بالفجور و يدلي بالغرور- و يمني أهل الشرور و يوحي إلى أوليائه بالباطل- دأبا له منذ كان على عهد أبيناآدم- و عادة منه منذ أهانه الله في سالف الدهر- لا ينجى منه إلا بعض الناجذ على الحق- و غض الطرف عن الباطل- و وطء هامة عدو الله و الدين- بالأشد فالأشد و الأجد فالأجد- و إسلام النفس لله فيما حاز رضاه و جنب سخطه- .

و لا بد من قول ينفع- إذ قد أضر السكوت و خيف غبه- و لقد أرشدك من أفاء ضالتك- و صافاك من أحيا مودته لك بعتابك- و أراد الخير بك من آثر البقيا معك- . ما هذا الذي تسول لك نفسك و يدوى به قلبك- و يلتوي عليه رأيك و يتخاوص دونه طرفك- و يستشري به ضغنك و يتراد معه نفسك- و تكثر لأجله صعداؤك- و لا يفيض به لسانك أ عجمة بعد إفصاح- أ لبسا بعد إيضاح أ دينا غير دين الله- أ خلقا غير خلق القرآن أ هديا غير هدي محمد- أ مثلي يمشى له الضراء و يدب له الخمر- أم مثلك يغص عليه الفضاء و يكسف في عينه القمر-

ما هذه القعقعة بالشنان و الوعوعة باللسان- إنك لجد عارف باستجابتنا لله و لرسوله- و خروجنا من أوطاننا و أولادنا و أحبتنا- هجرة إلى الله و نصرة لدينه- في زمان أنت منه في كن الصبا و خدر الغرارة غافل- تشبب و تربب لا تعي ما يشاد و يراد- و لا تحصل ما يساق و يقاد- سوى ما أنت جار عليه من أخلاق الصبيان أمثالك- و سجايا الفتيان أشكالك- حتى بلغت إلى غايتك هذه التي إليها أجريت- و عندها حط رحلك غير مجهول القدرو لا مجحود الفضل-

و نحن في أثناء ذلك نعاني أحوالا تزيل الرواسي- و نقاسي أهوالا تشيب النواصي خائضين غمارها- راكبين تيارها نتجرع صلبها- و نشرج عيابها و نحكم آساسها و نبرم أمراسها- و العيون تحدج بالحسد و الأنوف تعطس بالكبر- و الصدور تستعر بالغيظ- و الأعناق تتطاول بالفخر و الأسنة تشحذ بالمكر- و الأرض تميد بالخوف- لا ننتظر عند المساء صباحا و لا عند الصباح مساء- و لا ندفع في نحر أمر إلا بعد أن نحسو الموت دونه- و لا نبلغ إلى شي‏ء إلا بعد تجرع العذاب قبله- و لا نقوم منآدا إلا بعد اليأس من الحياة عنده- فأدين في كل ذلك رسول الله ص بالأب و الأم- و الخال و العم و المال و النشب و السبد و اللبد- و الهلة و البلة بطيب أنفس و قرة أعين- و رحب أعطان و ثبات عزائم و صحة عقول- و طلاقة أوجه و ذلاقة ألسن-

هذا إلى خبيئات أسرار و مكنونات أخبار- كنت عنها غافلا- و لو لا سنك لم تك عن شي‏ء منها ناكلا- كيف و فؤادك مشهوم- و عودك معجوم و غيبك مخبور- و الخير منك كثير فالآن قد بلغ الله بك- و أرهص الخير لك و جعل مرادك بين يديك- فاسمع ما أقول لك و اقبل ما يعود قبوله عليك- و دع التحبس و التعبسلمن لا يضلع لك إذا خطا- و لا يتزحزح عنك إذا عطا فالأمر غض و في النفوس مض- و أنت أديم هذه الأمة فلا تحلم لجاجا- و سيفها العضب فلا تنب اعوجاجا- و ماؤها العذب فلا تحل أجاجا- و الله لقد سألت رسول الله ص عن هذا لمن هو- فقال هو لمن يرغب عنه لا لمن يجاحش عليه- و لمن يتضاءل له لا لمن يشمخ إليه- و هو لمن يقال له هو لك لا لمن يقول هو لي- .

و لقد شاورني رسول الله ص في الصهر- فذكر فتيانا من قريش- فقلت له أين أنت من علي فقال إني لأكره لفاطمة ميعة شبابه و حدة سنه- فقلت متى كنفته يدك و رعته عينك- حفت بهما البركة و أسبغت عليهما النعمة- مع كلام كثير خطبت به رغبته فيك- و ما كنت عرفت منك في ذلك حوجاء و لا لوجاء- و لكني قلت ما قلت و أنا أرى مكان غيرك- و أجد رائحة سواك و كنت لك إذ ذاك خيرا منك الآن لي- و لئن كان عرض بك رسول الله ص في هذا الأمر- فقد كنى عن غيرك و إن قال فيك- فما سكت عن سواك و إن اختلج في نفسك شي‏ء- فهلم فالحكم مرضي و الصواب مسموع و الحق مطاع- .

و لقد نقل رسول الله ص إلى ما عند الله- و هو عن هذه العصابة راض و عليها حدب يسره ما سرها- و يكيده ما كادها و يرضيه ما أرضاها- و يسخطه‏ما أسخطها- أ لم تعلم أنه لم يدع أحدا من أصحابه و خلطائه- و أقاربه و سجرائه- إلا أبانه بفضيلة و خصه بمزية و أفرده بحالة- لو أصفقت الأمة عليه لأجلها- لكان عنده إيالتها و كفالتها- .

أ تظن أنه ع ترك الأمة سدى- بددا عدا مباهل عباهل طلاحى مفتونة بالباطل- ملوية عن الحق لا ذائد و لا رائد- و لا ضابط و لا خابط و لا رابط- و لا سافي و لا واقي و لا حادي و لا هادي- كلا و الله ما اشتاق إلى ربه- و لا سأله المصير إلى رضوانه إلا بعد أن أقام الصوى- و أوضح الهدى و أمن المهالك- و حمى المطارح و المبارك- و إلا بعد أن شدخ يافوخ الشرك بإذن الله- و شرم وجه النفاق لوجه الله- و جدع أنف الفتنة في دين الله- و تفل في عين الشيطان بعون الله- و صدع بمل‏ء فيه و يده بأمر الله- .

و بعد فهؤلاء المهاجرون و الأنصار عندك- و معك في بقعة جامعة و دار واحدة- إن استقادوا لك و أشاروا بك- فأنا واضع يدي في يدك و صائر إلى رأيهم فيك- و إن تكن الأخرى فادخل في صالح ما دخل فيه المسلمون- و كن العون على مصالحهم و الفاتح لمغالقهم- و المرشد لضالهم و الرادع لغاويهم- فقد أمر الله بالتعاون على البر- و أهاب إلى التناصر على الحق- و دعنا نقض هذه الحياة الدنيا بصدور بريئة من الغل- و نلقى الله بقلوب سليمة من الضغن- .

و إنما الناس ثمامة فارفق بهم- و احن عليهم و لن لهم- و لا تسول لك نفسك فرقتهم و اختلاف كلمتهم- و اترك ناجم الشر حصيدا و طائر الحقد واقعا- و باب الفتنة مغلقا لا قال و لا قيل- و لا لوم و لا تعنيف و لا عتاب و لا تثريب- و الله على ما أقول وكيل و بما نحن عليه بصير- . قال أبو عبيدة فلما تهيأت للنهوض- قال لي عمر كن على الباب هنيهة فلي معك ذرو من الكلام- فوقفت و ما أدري ما كان بعدي- إلا أنه لحقني بوجه يندى تهللا- و قال لي قل لعلي الرقاد محلمة- و اللجاج ملحمة و الهوى مقحمة- و ما منا أحد إلا له مقام معلوم- و حق مشاع أو مقسوم و بناء ظاهر أو مكتوم- و إن أكيس الكيسى من منح الشارد تألفا- و قارب البعيد تلطفا و وزن كل أمر بميزانه- و لم يجعل خبره كعيانه و لا قاس فتره بشبره- دينا كان أو دنيا و ضلالا كان أو هدى- و لا خير في علم معتمل في جهل- و لا في معرفة مشوبة بنكر-

و لسنا كجلدة رفغ البعير
بين العجان و بين الذنب‏

 و كل صال فبناره يصلى و كل سيل فإلى قراره يجرى- و ما كان سكوت هذه العصابة إلى هذه الغاية لعي و حصر- و لا كلامها اليوم لفرق أو حذر- فقد جدع الله بمحمد ع أنف كل متكبر- و قصم به ظهر كل جبار و سل لسان كل كذوب- فما ذا بعد الحق إلا الضلال- . ما هذه الخنزوانة التي في فراش رأسك- و ما هذا الشجا المعترض في مدارج أنفاسك- و ما هذه الوحرة التي أكلت شراسيفك- و القذاة التي أعشت ناظرك- و ما هذا الدحس‏و الدس- اللذان يدلان على ضيق الباع و خور الطباع- و ما هذا الذي لبست بسببه جلد النمر- و اشتملت عليه بالشحناء و النكر- لشد ما استسعيت لها و سريت سرى ابن أنقد إليها- إن العوان لا تعلم الخمرة- ما أحوج الفرعاء إلى فالية- و ما أفقر الصلعاء إلى حالية- و لقد قبض رسول الله ص و الأمر معبد مخيس- ليس لأحد فيه ملمس لم يسير فيك قولا- و لم يستنزل لك قرآنا و لم يجزم في شأنك حكما- لسنا في كسروية كسرى و لا قيصرية قيصر- تأمل إخوان فارس و أبناء الأصفر- قد جعلهم الله جزرا لسيوفنا و دريئة لرماحنا- و مرمى لطعاننا بل نحن في نور نبوة- و ضياء رسالة و ثمرة حكمة و أثر رحمة- و عنوان نعمة و ظل عصمة- بين أمة مهدية بالحق و الصدق- مأمونة على الرتق و الفتق- لها من الله تعالى قلب أبي و ساعد قوي- و يد ناصرة و عين ناظرة- .

أ تظن ظنا أن أبا بكر وثب على هذا الأمر- مفتاتا على الأمة خادعا لها و متسلطا عليها- أ تراه امتلخ أحلامها و أزاغ أبصارها- و حل عقودها و أحال عقولها- و استل من صدورها حميتها و انتكث رشاءها- و انتضب ماءها و أضلها عن هداها و ساقها إلى رداها- و جعل نهارها ليلا و وزنها كيلا- و يقظتها رقادا و صلاحها فسادا- إن كان هكذا إن سحره لمبين و إن كيده لمتين- كلا و الله بأي خيل و رجل و بأي سنان و نصل- و بأي منة و قوة و بأي مال و عدة- و بأي أيد و شدة و بأي عشيرة و أسرة- و بأي قدرة و مكنة و بأي تدرع و بسطة- لقد أصبح بما وسمته منيع الرقبة رفيع العتبة- لا و الله لكن سلا عنها فولهت نحوه- و تطامن لها فالتفت به و مال عنها فمالت إليه- و اشمأز دونها فاشتملت عليه- حبوة حباه الله بها و غاية بلغه الله إليها- و نعمة سربله جمالها و يد لله أوجب عليه شكرها- و أمة نظر الله بهلها- و طالما حلقت فوقه في أيام النبي ص- و هو لا يلتفت لفتها و لا يرتصد وقتها-

و الله أعلم بخلقه و أرأف بعباده- يختار ما كان لهم الخيرة- و إنك بحيث لا يجهل موضعك من بيت النبوة- و معدن الرسالة و كهف الحكمة- و لا يجحد حقك فيما آتاك ربك من العلم- و منحك من الفقه في الدين هذا إلى مزايا خصصت بها- و فضائل اشتملت عليها- و لكن لك من يزاحمك بمنكب أضخم من منكبك- و قربى أمس من قرباك و سن أعلى من سنك- و شيبة أروع من شيبتك- و سيادة معروفة في الإسلام و الجاهلية- و مواقف ليس لك فيها جمل و لا ناقة- و لا تذكر فيها في مقدمة و لا ساقة- و لا تضرب فيها بذراع و لا إصبع- و لا تعد منها ببازل و لا هبع- .

إن أبا بكر كان حبة قلب رسول الله ص و علاقة همه- و عيبة سره و مثوى حزنه و راحة باله و مرمق طرفه- شهرته مغنية عن الدلالة عليه- . و لعمري إنك لأقرب منه إلى رسول الله ص قرابة- و لكنه أقرب منك قربة و القرابة لحم و دم- و القربة روح و نفس و هذا فرق يعرفه المؤمنون- و لذلك صاروا إليه أجمعون- . و مهما شككت فلا تشك في أن يد الله مع الجماعة- و رضوانه لأهل الطاعة- فادخل فيما هو خير لك اليوم و أنفع غدا- و الفظ من فيك ما هو متعلق بلهاتك- و انفث‏سخيمة صدرك- فإن يكن في الأمد طول و في الأجل فسحة- فستأكله مريئا أو غير مري‏ء- و ستشربه هنيئا أو غير هني‏ء- حين لا راد لقولك إلا من كان آيسا منك- و لا تابع لك إلا من كان طامعا فيك- حين يمض إهابك و يفري أديمك و يزري على هديك- هناك تقرع السن من ندم- و تشرب الماء ممزوجا بدم- حين تأسى على ما مضى من عمرك- و انقضى و انقرض من دارج قومك- و تود أن لو سقيت بالكأس التي سقيتها غيرك- و رددت إلى الحال التي كنت تكرهها في أمسك- و لله فينا و فيك أمر هو بالغه- و عاقبة هو المرجو لسرائها و ضرائها- و هو الولي الحميد الغفور الودود- .

قال أبو عبيدة فمشيت إلى علي مثبطا متباطئا- كأنما أخطو على أم رأسي فرقا من الفتنة- و إشفاقا على الأمة و حذرا من الفرقة- حتى وصلت إليه في خلاء فأبثثته بثي كله- و برئت إليه منه و دفعته له فلما سمعها و وعاها- و سرت في أوصاله حمياها- قال حلت معلوطة و ولت مخروطة ثم قال- .

إحدى لياليك فهيسي هيسي
لا تنعمي الليلة بالتعريس‏

يا أبا عبيدة أ هذا كله في أنفس القوم يستنبطونه- و يضطغنون عليه- فقلت لا جواب عندي إنما جئتك قاضيا حق الدين- و راتقا فتق الإسلام و سادا ثلمة الأمة- يعلم الله ذلك من جلجلان قلبي و قرارة نفسي- .

فقال ما كان قعودي في كسر هذا البيت قصدا لخلاف- و لا إنكارا لمعروف و لا زراية على مسلم- بل لما وقذني به رسول الله ص من فراقه- و أودعني من الحزن لفقده- فإني لم أشهد بعده مشهدا إلا جدد علي حزنا- و ذكرني شجنا- و إن الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره- و قد عكفت على عهد الله أنظر فيه- و أجمع ما تفرق منه- رجاء ثواب معد لمن أخلص لله عمله- و سلم لعلمه و مشيئته أمره- على أني أعلم أن التظاهر علي واقع- و لي عن الحق الذي سيق إلي دافع- و إذ قد أفعم الوادي لي و حشد النادي علي- فلا مرحبا بما ساء أحدا من المسلمين- و في النفس كلام لو لا سابق قول و سالف عهد- لشفيت غيظي بخنصري و بنصري- و خضت لجته بأخمصي و مفرقي- و لكني ملجم إلى أن ألقى الله تعالى- عنده أحتسب ما نزل بي و أنا غاد إن شاء الله إلى جماعتكم- و مبايع لصاحبكم و صابر على ما ساءني و سركم- ليقضي الله أمرا كان مفعولا- و كان الله على كل شي‏ء شهيدا- .

قال أبو عبيدة فعدت إلى أبي بكر و عمر- فقصصت القول على غره- و لم أترك شيئا من حلوه و مره- ذكرت غدوة إلى المسجد- فلما كان صباح يومئذ وافى علي- فخرق الجماعة إلى أبي بكر و بايعه- و قال خيرا و وصف جميلا و جلس زمينا- و استأذن للقيام و نهض فتبعه عمر إكراما له- و إجلالا لموضعه و استنباطا لما في نفسه- و قام أبو بكر إليه فأخذ بيده- و قال إن عصابة أنت منها يا أبا الحسن لمعصومة- و إن أمة أنت فيها لمرحومة- و لقد أصبحت عزيزا علينا كريما لدينا- نخاف الله إن سخطت و نرجوه إذا رضيت- و لو لا أني شدهت لما أجبت إلى ما دعيت إليه- و لكني خفت‏الفرقة و استئثار الأنصار بالأمر على قريش- و أعجلت عن حضورك و مشاورتك- و لو كنت حاضرا لبايعتك و لم أعدل بك- و لقد حط الله عن ظهرك ما أثقل كاهلي به- و ما أسعد من ينظر الله إليه بالكفاية- و إنا إليك لمحتاجون و بفضلك عالمون- و إلى رأيك و هديك في جميع الأحوال راغبون- و على حمايتك و حفيظتك معولون- ثم انصرف و تركه مع عمر- .

فالتفت علي إلى عمر فقال يا أبا حفص- و الله ما قعدت عن صاحبك جزعا على ما صار إليه- و لا أتيته خائفا منه و لا أقول ما أقول بعلة- و إني لأعرف مسمى طرفي و مخطي قدمي- و منزع قوسي و موقع سهمي- و لكني تخلفت إعذارا إلى الله- و إلى من يعلم الأمر الذي جعله لي رسول الله- و أتيت فبايعت حفظا للدين- و خوفا من انتشار أمر الله- .

فقال له عمر يا أبا الحسن كفكف من غربك- و نهنه من شرتك و دع العصا بلحائها و الدلو برشائها- فإنا من خلفها و ورائها إن قدحنا أورينا- و إن متحنا أروينا و إن قرحنا أدمينا- و قد سمعت أمثالك التي ألغزت بها صادرة عن صدر دو- و قلب جو- زعمت أنك قعدت في كسر بيتك- لما وقذك به فراق رسول الله- أ فراق رسول الله ص وقذك وحدك و لم يقذ سواك- إن مصابه لأعز و أعظم من ذاك- و إن من حق مصابه ألا تصدع شمل الجماعة- بكلمة لا عصام لها- فإنك لترى الأعراب حول المدينة- لو تداعت علينا في صبح يوم لم نلتق في ممساه- و زعمت أن الشوق إلى اللحاق به كاف عن الطمع في غيره- فمن الشوق إليه نصرة دينه- و موازرة المسلمين عليه و معاونتهم فيه- .

و زعمت أنك مكب على عهد الله تجمع ما تفرق منه- فمن العكوف على عهده النصيحة لعباده- و الرأفة على خلقه- و أن تبذل من نفسك ما يصلحون به و يجتمعون عليه- و زعمت أن التظاهر عليك واقع- أي تظاهر وقع عليك- و أي حق استؤثر به دونك- لقد علمت ما قالت الأنصار أمس سرا و جهرا- و ما تقلبت عليه ظهرا و بطنا فهل ذكرتك أو أشارت بك- أو طلبت رضاها من عندك و هؤلاء المهاجرون- من الذي قال منهم إنك صاحب هذا الأمر- أو أومأ إليك أو همهم بك في نفسه- أ تظن أن الناس ضنوا من أجلك- أو عادوا كفارا زهدا فيك- أو باعوا الله تعالى بهواهم بغضا لك- و لقد جاءني قوم من الأنصار- فقالوا إن عليا ينتظر الإمامة- و يزعم أنه أولى بها من أبي بكر- فأنكرت عليهم و رددت القول في نحورهم- حتى قالوا إنه ينتظر الوحي و يتوكف مناجاة الملك- فقلت ذاك أمر طواه الله بعد محمد ع- . و من أعجب شأنك قولك- لو لا سابق قول لشفيت غيظي بخنصري و بنصري- و هل ترك الدين لأحد أن يشفي غيظه بيده أو لسانه- تلك جاهلية استأصل الله شأفتها- و اقتلع جرثومتها و نور ليلها و غور سيلها- و أبدل منها الروح و الريحان و الهدى و البرهان- .

و زعمت أنك ملجم- فلعمري إن من اتقى الله و آثر رضاه و طلب ما عنده- أمسك لسانه و أطبق فاه و غلب عقله و دينه على هواه- . و أما قولك إني لأعرف منزع قوسي- فإذا عرفت منزع قوسك عرفك غيرك مضرب سيفه و مطعن رمحه- و أما ما تزعمه من الأمر الذي جعله رسول الله ص لك- فتخلفت إعذارا إلى الله و إلى العارفة به من المسلمين- فلو عرفه المسلمون‏لجنحوا إليه و أصفقوا عليه- و ما كان الله ليجمعهم على العمى- و لا ليضربهم بالصبا بعد الهدى- و لو كان لرسول الله ص فيك رأي و عليك عزم- ثم بعثه الله- فرأى اجتماع أمته على أبي بكر لما سفه آراءهم- و لا ضلل أحلامهم و لا آثرك عليهم- و لا أرضاك بسخطهم و لأمرك باتباعهم- و الدخول معهم فيما ارتضوه لدينهم- .

فقال علي مهلا أبا حفص أرشدك الله خفض عليك- ما بذلت ما بذلت و أنا أريد عنه حولا- و إن أخسر الناس صفقة عند الله من استبطن النفاق- و احتضن الشقاق و في الله خلف عن كل فائت- و عوض من كل ذاهب و سلوة عن كل حادث- و عليه التوكل في جميع الحوادث- ارجع أبا حفص إلى مجلسك ناقع القلب مبرود الغليل- فصيح اللسان رحب الصدر متهلل الوجه- فليس وراء ما سمعته مني إلا ما يشد الأزر- و يحبط الوزر و يضع الإصر و يجمع الألفة- و يرفع الكلفة إن شاء الله- فانصرف عمر إلى مجلسه- .

قال أبو عبيدة فلم أسمع و لم أر كلاما- و لا مجلسا كان أصعب من ذلك الكلام و المجلس- . قلت الذي يغلب على ظني- أن هذه المراسلات و المحاورات- و الكلام كله مصنوع موضوع- و أنه من كلام أبي حيان التوحيدي- لأنه بكلامه و مذهبه في الخطابة و البلاغة أشبه- و قد حفظنا كلام عمر و رسائله- و كلام أبي بكر و خطبه- فلم نجدهما يذهبان هذا المذهب- و لا يسلكان هذا السبيل في كلامهما- و هذا كلام عليه أثر التوليد ليس يخفى- و أين أبو بكر و عمر من البديع و صناعة المحدثين- و من تأمل كلام أبي حيان- عرف أن‏هذا الكلام من ذلك المعدن خرج- و يدل عليه أنه أسنده إلى القاضي أبي حامد المروروذي- و هذه عادته في كتاب البصائر يسند إلى القاضي أبي حامد- كل ما يريد أن يقوله هو من تلقاء نفسه- إذا كان كارها لأن ينسب إليه- و إنما ذكرناه نحن في هذا الكتاب- لأنه و إن كان عندنا موضوعا منحولا- فإنه صورة ما جرت عليه حال القوم- فهم و إن لم ينطقوا به بلسان المقال- فقد نطقوا به بلسان الحال- .

و مما يوضح لك أنه مصنوع- أن المتكلمين على اختلاف مقالاتهم- من المعتزلة و الشيعة و الأشعرية و أصحاب الحديث- و كل من صنف في علم الكلام و الإمامة- لم يذكر أحد منهم كلمة واحدة من هذه الحكاية- و لقد كان المرتضى رحمه الله- يلتقط من كلام أمير المؤمنين ع اللفظة الشاذة- و الكلمة المفردة الصادرة عنه ع- في معرض التألم و التظلم- فيحتج بها و يعتمد عليها- نحوقوله ما زلت مظلوما مذ قبض رسول الله حتى يوم الناس هذا

وقوله لقد ظلمت عدد الحجر و المدر
وقوله إن لنا حقا إن نعطه نأخذه- و إن نمنعه نركب أعجاز الإبل و إن طال السرى
وقوله فصبرت و في الحلق شجا و في العين قذى
وقوله اللهم إني أستعديك على قريش- فإنهم ظلموني حقي و غصبوني إرثي- .

و كان المرتضى إذا ظفر بكلمة من هذه- فكأنما ظفر بملك الدنيا و يودعها كتبه و تصانيفه- فأين كان المرتضى عن هذا الحديث- و هلا ذكر في كتاب الشافي في الإمامة-كلام أمير المؤمنين ع هذا- و كذلك من قبله من الإمامية كابن النعمان- و بني نوبخت و بني بابويه و غيرهم- و كذلك من جاء بعده من متأخري متكلمي الشيعة- و أصحاب الأخبار و الحديث منهم إلى وقتنا هذا- و أين كان أصحابنا عن كلام أبي بكر و عمر له ع- و هلا ذكره قاضي القضاة في المغني- مع احتوائه على كل ما جرى بينهم- حتى أنه يمكن أن يجمع منه تاريخ كبير مفرد- في أخبار السقيفة- و هلا ذكره من كان قبل قاضي القضاة من مشايخنا و أصحابنا- و من جاء بعده من متكلمينا و رجالنا- و كذلك القول في متكلمي الأشعرية و أصحاب الحديث كابن الباقلاني و غيره- و كان ابن الباقلاني شديدا على الشيعة- عظيم العصبية على أمير المؤمنين ع- فلو ظفر بكلمة من كلام أبي بكر و عمر في هذا الحديث- لملأ الكتب و التصانيف بها و جعلها هجيراه و دأبه- . و الأمر فيما ذكرناه من وضع هذه القصة- ظاهر لمن عنده أدنى ذوق من علم البيان- و معرفة كلام الرجال- و لمن عنده أدنى معرفة بعلم السير و أقل أنس بالتواريخ- .

قوله ع مودع لا قال و لا مبغض و لا سئم- أي لا ملول سئمت من الشي‏ء أسأم سأما و سآما و سآمة- سئمته إذا مللته و رجل سئوم- . ثم أكد ع هذا المعنى فقال إن انصرفت فلا عن ملالة- و إن أقمت فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين- أي ليست إقامتي على قبرك و جزعي عليك- إنكارا مني لفضيلة الصبر- و التجلد و التعزي و التأسي- و ما وعد الله به الصابرين من الثواب- بل أنا عالم بذلك و لكن يغلبني بالطبع البشري- . و روي أن فاطمة بنت الحسين ع- ضربت فسطاطا على قبر بعلها الحسن‏ بن الحسن ع سنة- فلما انقضت السنة قوضت الفسطاط راجعة إلى بيتها- فسمعت هاتفا يقول هل بلغوا ما طلبوا- فأجابه هاتف آخر بل يئسوا فانصرفوا- . وذكر أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في كتابه الكامل أنه ع تمثل عند قبر فاطمة-

ذكرت أبا أروى فبت كأنني
برد الهموم الماضيات وكيل‏

لكل اجتماع من خليلين فرقة
و كل الذي دون الفراق قليل‏

و إن افتقادي واحدا بعد واحد
دليل على ألا يدوم خليل‏

 و الناس يرونه-

و إن افتقادي فاطما بعد أحمد

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 10

خطبه 194 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

194 و من كلام له ع

أَيُّهَا النَّاسُ- لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِهِ- فَإِنَّ النَّاسَ اجْتَمَعُوا عَلَى مَائِدَةٍ شِبَعُهَا قَصِيرٌ- وَ جُوعُهَا طَوِيلٌ- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا يَجْمَعُ النَّاسَ الرِّضَا وَ السُّخْطُ- وَ إِنَّمَا عَقَرَ نَاقَةَ ثَمُودَ رَجُلٌ وَاحِدٌ- فَعَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ لَمَّا عَمُّوهُ بِالرِّضَا- فَقَالَ سُبْحَانَهُ فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ- فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ خَارَتْ أَرْضُهُمْ بِالْخَسْفَةِ- خُوَارَ السِّكَّةِ الْمُحْمَاةِ فِي الْأَرْضِ الْخَوَّارَةِ- أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوَاضِحَ وَرَدَ الْمَاءَ- وَ مَنْ خَالَفَ وَقَعَ فِي التِّيهِ الاستيحاش ضد الاستئناس- و كثيرا ما يحدثه التوحد و عدم الرفيق- فنهى ع عن الاستيحاش في طريق الهدى- لأجل قلة أهله- فإن المهتدي ينبغي أن يأنس بالهداية- فلا وحشة مع الحق- . و عنى بالمائدة الدنيا لذتها قليلة و نغصتها كثيرة- و الوجود فيها زمان قصير جدا- و العدم عنها زمان طويل جدا- .

ثم قال ليست العقوبة لمن اجترم ذلك الجرم بعينه- بل لمن اجترمه و من رضي به و إن لم يباشره بنفسه- فإن عاقر ناقة صالح إنما كان إنسانا واحدا- فعم الله ثمود بالسخط-لما كانوا راضين بذلك الفعل كلهم- و اسم كان مضمر فيها- أي ما كان الانتقام منهم إلا كذا- . و خارت أرضهم بالخسفة صوتت كما يخور الثور- و شبه ع ذلك بصوت السكة المحماة في الأرض الخوارة- و هي اللينة- و إنما جعلها محماة لتكون أبلغ في ذهابها في الأرض- و من كلامه ع يوم خيبر يقوله لرسول الله ص- و قد بعثه بالراية أكون في أمرك كالسكة المحماة في الأرض- أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب- فقال له بل يرى الشاهد ما لا يرى الغائب – .

و قال له أيضا هذه اللفظة لما بعثه في شأن مارية القبطية- و ما كانت اتهمت به من أمر الأسود القبطي- و لهذا علة في العلم الطبيعي- و ذلك أن السكة المحماة تخرق الأرض بشيئين- أحدهما تحدد رأسها و الثاني حرارته- فإن الجسم المحدد الحار إذا اعتمد عليه في الأرض- اقتضت الحرارة- إعانة ذلك الطرف المحدد على النفوذ بتحليلها- ما تلاقي من صلابة الأرض- لأن شأن الحرارة التحليل- فيكون غوص ذلك الجسم المحدد في الأرض أوحى و أسهل- . و التيه المفازة يتحير سالكها

قصة صالح و ثمود

قال المفسرون- إن عادا لما أهلكت عمرت ثمود بلادها- و خلفوهم في الأرض- و كثروا و عمروا أعمارا طوالا- حتى إن الرجل كان يبني المسكن المحكم فينهدم في حياته- فنحتوا البيوت في الجبال- و كانوا في سعة و رخاء من العيش فعتوا على الله- و أفسدوا في الأرض و عبدوا الأوثان- فبعث الله إليهم صالحا و كانوا قوما عربا- و صالح من أوسطهم‏نسبا- فما آمن به إلا قليل منهم مستضعفون فحذرهم و أنذرهم- فسألوه آية فقال أية آية تريدون- قالوا تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلوم لهم من السنة- فتدعو إلهك و ندعو إلهنا- فإن استجيب لك اتبعناك- و إن استجيب لنا اتبعتنا- . قال نعم فخرج معهم و دعوا أوثانهم- و سألوها الاستجابة فلم تجب- فقال سيدهم جندع بن عمرو- و أشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل يسمونها الكاثبة- أخرج لنا في هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء- و المخترجة التي شاكلت البخت- فإن فعلت صدقناك و أجبناك- .

فأخذ عليهم المواثيق- لئن فعلت ذلك لتؤمنن و لتصدقن قالوا نعم- فصلى و دعا ربه- فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها- فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا- لا يعلم ما بين جنبيها إلا الله و عظماؤهم ينظرون- ثم نتجت ولدا مثلها في العظم- فآمن به جندع و رهط من قومه- و منع أعقابهم ناس من رءوسهم أن يؤمنوا- فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر و تشرب الماء- و كانت ترد غبا- فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر- فما ترفعه حتى تشرب كل ماء فيها ثم تتفجح- فيحتلبون ما شاءوا حتى تمتلئ أوانيهم- فيشربون و يدخرون- فإذا وقع الحر تصيفت بظهر الوادي- فتهرب منها أنعامهم فتهبط إلى بطنه- و إذا وقع البرد تشتت ببطن الوادي- فتهرب مواشيهم إلى ظهره فشق ذلك عليهم- و زينت عقرها لهم امرأتان- عنيزة أم غنم و صدفة بنت المختار- لما أضرت به من مواشيهما- و كانتا كثيرتي المواشي فعقروها- عقرها قدار الأحمر و اقتسموا لحمها و طبخوه- .

فانطلق سقبها حتى رقي جبلا اسمه قارة فرغا ثلاثا- و كان صالح قال لهم- أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب- فلم يقدروا عليه و انفجت الصخرة بعد رغائه فدخلها- فقال لهم صالح تصبحون غدا و وجوهكم مصفرة- و بعد غد وجوهكم محمرة- و اليوم الثالث وجوهكم مسودة ثم يغشاكم العذاب- . فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه- فأنجاه الله سبحانه إلى أرض فلسطين- فلما كان اليوم الرابع و ارتفعت الضحوة- تحنطوا بالصبر و تكفنوا بالأنطاع- فأتتهم صيحة من السماء و خسف شديد و زلزال- فتقطعت قلوبهم فهلكوا- .

و قد جاء في الحديث أن رسول الله ص مر بالحجر في غزوة تبوك- فقال لأصحابه لا يدخلن أحد منكم القرية- و لا تشربوا من مائها و لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين- إلا أن تمروا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم و روى المحدثون أن النبي ص قال لعلي ع- أ تدري من أشقى الأولين قال نعم عاقر ناقة صالح- قال أ فتدري من أشقى الآخرين قال الله و رسوله أعلم- قال من يضربك على هذه حتى تخضب هذه

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 10

خطبه 193 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

193 و من كلام له ع

وَ اللَّهِ مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي وَ لَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَ يَفْجُرُ- وَ لَوْ لَا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ- وَ لَكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ وَ كُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ- وَ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ- وَ اللَّهِ مَا أُسْتَغْفَلُ بِالْمَكِيدَةِ وَ لَا أُسْتَغْمَزُ بِالشَّدِيدَةِ الغدرة على فعلة الكثير الغدر- و الفجرة و الكفرة الكثير الفجور و الكفر- و كل ما كان على هذا البناء فهو للفاعل- فإن سكنت العين فهو للمفعول- تقول رجل ضحكة أي يضحك و ضحكة يضحك منه- و سخرة يسخر و سخرة يسخر به- يقول ع كل غادر فاجر و كل فاجر كافر- و يروى و لكن كل غدرة فجرة و كل فجرة كفرة- على فعلة للمرة الواحدة- . وقوله لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامةحديث صحيح مروي عن النبي ص- . ثم أقسم ع أنه لا يستغفل بالمكيدة- أي لا تجوز المكيدة علي- كما تجوز على ذوي الغفلة- و أنه لا يستغمز بالشديدة- أي لا أهين و ألين للخطب الشديد

سياسة علي و جريها على سياسة الرسول ع

و اعلم أن قوما ممن لم يعرف حقيقة فضل أمير المؤمنين ع- زعموا أن عمر كان أسوس منه- و إن كان هو أعلم من عمر- و صرح الرئيس أبو علي بن سينا بذلك- في الشفاء في الحكمة- و كان شيخنا أبو الحسين يميل إلى هذا- و قد عرض به في كتاب الغرر- ثم زعم أعداؤه و مباغضوه- أن معاوية كان أسوس منه و أصح تدبيرا- و قد سبق لنا بحث قديم في هذا الكتاب- في بيان حسن سياسة أمير المؤمنين ع و صحة تدبيره- و نحن نذكر هاهنا ما لم نذكره هناك- مما يليق بهذا الفصل الذي نحن في شرحه- .

اعلم أن السائس لا يتمكن من السياسة البالغة- إلا إذا كان يعمل برأيه- و بما يرى فيه صلاح ملكه و تمهيد أمره و توطيد قاعدته- سواء وافق الشريعة أو لم يوافقها- و متى لم يعمل في السياسة و التدبير بموجب ما قلناه- فبعيد أن ينتظم أمره أو يستوثق حاله- و أمير المؤمنين كان مقيدا بقيود الشريعة- مدفوعا إلى اتباعها و رفض ما يصلح اعتماده- من آراء الحرب و الكيد و التدبير- إذا لم يكن للشرع موافقا- فلم تكن قاعدته في خلافته قاعدة غيره- ممن لم يلتزم بذلك- و لسنا بهذا القول زارين على عمر بن الخطاب- و لا ناسبين إليه ما هو منزه عنه- و لكنه كان مجتهدا- يعمل بالقياس و الاستحسان و المصالح المرسلة- و يرى تخصيص عمومات النص بالآراء- و بالاستنباط من أصول- تقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النصوص- و يكيد خصمه و يأمر أمراءه بالكيد و الحيلة- و يؤدب بالدرة و السوط- من‏يتغلب على ظنه أنه يستوجب ذلك- و يصفح عن آخرين قد اجترموا ما يستحقون به التأديب- كل ذلك بقوة اجتهاده و ما يؤديه إليه نظره- و لم يكن أمير المؤمنين ع يرى ذلك- و كان يقف مع النصوص و الظواهر- و لا يتعداها إلى الاجتهاد و الأقيسة- و يطبق أمور الدنيا على أمور الدين- و يسوق الكل مساقا واحدا- و لا يضيع و لا يرفع إلا بالكتاب و النص- فاختلفت طريقتاهما في الخلافة و السياسة- و كان عمر مع ذلك شديد الغلظة و السياسة- و كان علي ع كثير الحلم و الصفح و التجاوز- فازدادت خلافة ذاك قوة و خلافة هذا لينا- و لم يمن عمر بما مني به علي ع من فتنة عثمان- التي أحوجته إلى مداراة أصحابه و جنده و مقاربتهم- للاضطراب الواقع بطريق تلك الفتنة- ثم تلا ذلك فتنة الجمل و فتنة صفين ثم فتنة النهروان- و كل هذه الأمور مؤثرة في اضطراب أمر الوالي- و انحلال معاقد ملكه- و لم يتفق لعمر شي‏ء من ذلك- فشتان بين الخلافتين فيما يعود إلى انتظام المملكة- و صحة تدبير الخلافة- .

فإن قلت فما قولك في سياسة رسول الله ص و تدبيره- أ ليس كان منتظما سديدا مع أنه كان لا يعمل إلا بالنصوص- و التوقيف من الوحي- فهلا كان تدبير علي ع و سياسته كذلك- إذا قلتم إنه كان لا يعمل إلا بالنص- قلت أما سياسة رسول الله ص و تدبيره فخارج عما نحن فيه- لأنه معصوم لا تتطرق الغفلة إلى أفعاله- و لا واحد من هذين الرجلين بواجب العصمة عندنا- و أيضا فإن كثيرا من الناس- ذهبوا إلى أن الله تعالى أذن لرسول الله ص- أن يحكم في الشرعيات و غيرها برأيه- و قال له احكم بما تراه فإنك لا تحكم إلا بالحق- و هذا مذهب يونس بن عمران- و على هذا فقد سقط السؤال- لأنه ص يعمل بما يراه من المصلحة و لا ينتظر الوحي- .

و أيضا فبتقدير فساد هذا المذهب- أ ليس قد ذهب خلق كثير من علماء أصول الفقه- إلى أن رسول الله ص كان يجوز له- أن يجتهد في الأحكام و التدبير- كما يجتهدالواحد من العلماء- و إليه ذهب القاضي أبو يوسف رحمه الله- و احتج بقوله تعالى لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ- . و السؤال أيضا ساقط على هذا المذهب- لأن اجتهاد علي ع لا يساوي اجتهاد النبي ص- و بين الاجتهادين كما بين المنزلتين- . و كان أبو جعفر بن أبي زيد الحسني نقيب البصرة رحمه الله- إذا حدثناه في هذا يقول- إنه لا فرق عند من قرأ السيرتين- سيرة النبي ص و سياسة أصحابه أيام حياته- و بين سيرة أمير المؤمنين ع و سياسة أصحابه أيام حياته- فكما أن عليا ع لم يزل أمره مضطربا معهم- بالمخالفة و العصيان و الهرب إلى أعدائه- و كثرة الفتن و الحروب- فكذلك كان النبي ص- لم يزل ممنوا بنفاق المنافقين و أذاهم- و خلاف أصحابه عليه و هرب بعضهم إلى أعدائه- و كثرة الحروب و الفتن- .

و كان يقول أ لست ترى القرآن العزيز- مملوءا بذكر المنافقين و الشكوى منهم- و التألم من أذاهم له- كما أن كلام علي ع مملوء بالشكوى من منافقي أصحابه- و التألم من أذاهم له و التوائهم عليه- و ذلك نحو قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى‏- ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ- وَ يَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ- وَ إِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ- وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ- حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ- . و قوله إِنَّمَا النَّجْوى‏ مِنَ الشَّيْطانِ- لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا الآية- . و قوله تعالى إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ- وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ‏ لَرَسُولُهُ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ- اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ- إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ السورة بأجمعها- .

و قوله تعالى وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ- حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ- قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً- أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ- . و قوله تعالى رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ- يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى‏ لَهُمْ- طاعَةٌ وَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ- فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ- . و قوله تعالى أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ- أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ- وَ لَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ- وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ- . و قوله تعالى سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ- شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَ أَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا- يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ- قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً- إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً- بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً- بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ- وَ الْمُؤْمِنُونَ إِلى‏ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَ زُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ- وَ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً- .

و قوله تعالى سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى‏ مَغانِمَ- لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ- قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ-فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا- بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا- . و قوله إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ- أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ- وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ- وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ- . قال و أصحابه هم الذين نازعوا في الأنفال و طلبوها لأنفسهم- حتى أنزل الله تعالى قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ- وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- . و هم الذين التووا عليه في الحرب يوم بدر- و كرهوا لقاء العدو حتى خيف خذلانهم- و ذلك قبل أن تتراءى الفئتان- و أنزل فيهم يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ- كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ- .

و هم الذين كانوا يتمنون لقاء العير دون لقاء العدو- حتى إنهم ظفروا برجلين في الطريق- فسألوهما عن العير فقالا لا علم لنا بها- و إنما رأينا جيش قريش من وراء ذلك الكثيب- فضربوهما و رسول الله ص قائم يصلي- فلما ذاقا مس الضرب قالا بل العير أمامكم فاطلبوها- فلما رفعوا الضرب عنهما- قالا و الله ما رأينا العير- و لا رأينا إلا الخيل و السلاح و الجيش- فأعادوا الضرب عليهما مرة ثانية- فقالا و هما يضربان العير أمامكم- فخلوا عنا فانصرف رسول الله ص من الصلاة- و قال إذا صدقاكم ضربتموهما- و إذا كذباكم خليتم عنهما دعوهما- فما رأيا إلا جيش أهل مكة و أنزل قوله تعالى- وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ- وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ- وَ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ يَقْطَعَ‏دابِرَ الْكافِرِينَ- قال المفسرون- الطائفتان العير ذات اللطيمة- الواصلة إلى مكة من الشام- صحبة أبي سفيان بن حرب- و إليها كان خروج المسلمين- و الأخرى الجيش ذو الشوكة- و كان ع قد وعدهم بإحدى الطائفتين- فكرهوا الحرب و أحبوا الغنيمة- .

قال و هم الذين فروا عنه ص يوم أحد- و أسلموه و أصعدوا في الجبل- و تركوه حتى شج الأعداء وجهه و كسروا ثنيته- و ضربوه على بيضته حتى دخل جماجمه- و وقع من فرسه إلى الأرض بين القتلى- و هو يستصرخ بهم و يدعوهم- فلا يجيبه أحد منهم إلا من كان جاريا مجرى نفسه- و شديد الاختصاص به و ذلك قوله تعالى- إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى‏ أَحَدٍ- وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ- أي ينادي فيسمع نداءه آخر الهاربين لا أولهم- لأن أولهم أوغلوا في الفرار- و بعدوا عن أن يسمعوا صوته- و كان قصارى الأمر أن يبلغ صوته و استصراخه- من كان على ساقة الهاربين منهم- . قال و منهم الذين عصوا أمره في ذلك اليوم- حيث أقامهم على الشعب في الجبل- و هو الموضع الذي خاف أن تكر عليه منه- خيل العدو من ورائه- و هم أصحاب عبد الله بن جبير- فإنهم خالفوا أمره و عصوه فيما تقدم به إليهم- و رغبوا في الغنيمة ففارقوا مركزهم- حتى دخل الوهن على الإسلام بطريقهم- لأن خالد بن الوليد كر في عصابة من الخيل- فدخل من الشعب الذي كانوا يحرسونه- فما أحس المسلمون بهم إلا و قد غشوهم بالسيوف من خلفهم- فكانت الهزيمة و ذلك قوله تعالى- حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ‏وَ تَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ- وَ عَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ- مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ- .

قال و هم الذين عصوا أمره في غزاة تبوك- بعد أن أكد عليهم الأوامر- و خذلوه و تركوه و لم يشخصوا معه- فأنزل فيهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا- ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ- أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ- فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ- إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً- وَ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَ لا تَضُرُّوهُ شَيْئاً- وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ- و هذه الآية خطاب مع المؤمنين لا مع المنافقين- و فيها أوضح دليل على أن أصحابه و أولياءه- المصدقين لدعوته كانوا يعصونه و يخالفون أمره- و أكد عتابهم و تقريعهم و توبيخهم بقوله تعالى- لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَ سَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ- وَ لكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ- وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ- يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ- .

ثم عاتب رسول الله ص على كونه أذن لهم في التخلف- و إنما أذن لهم لعلمه أنهم لا يجيبونه في الخروج- فرأى أن يجعل المنة له عليهم في الإذن لهم- و إلا قعدوا عنه و لم تصل له المنة- فقال له عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ- حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ تَعْلَمَ الْكاذِبِينَ- أي هلا أمسكت عن الإذن لهم حتى يتبين لك قعود من يقعد- و خروج من يخرج صادقهم من كاذبهم- لأنهم كانوا قد وعدوه بالخروج معه كلهم- و كان بعضهم ينوي الغدر- و بعضهم يعزم على أن يخيس بذلك الوعد- فلو لم يأذن لهم لعلم من يتخلف و من لا يتخلف- فعرف الصادق منهم و الكاذب- .

ثم بين سبحانه و تعالى- أن الذين يستأذنونه في التخلف خارجون من الإيمان- فقال له لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ- أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ- إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ- وَ ارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ- . و لا حاجة إلى التطويل بذكر الآيات المفصلة- فيما يناسب هذا المعنى- فمن تأمل الكتاب العزيز- علم حاله ص مع أصحابه كيف كانت- و لم ينقله الله تعالى إلى جواره- إلا و هو مع المنافقين له- و المظهرين خلاف ما يضمرون من تصديقه في جهاد شديد- حتى لقد كاشفوه مرارا- فقال لهم يوم الحديبية احلقوا و انحروا مرارا- فلم يحلقوا و لم ينحروا- و لم يتحرك أحد منهم عند قوله- و قال له بعضهم و هو يقسم الغنائم- اعدل يا محمد فإنك لم تعدل- .

و قالت الأنصار له مواجهة يوم حنين- أ تأخذ ما أفاء الله علينا بسيوفنا- فتدفعه إلى أقاربك من أهل مكة- حتى أفضى الأمر إلى أنقال لهم في مرض موته- ائتوني بدواة و كتف أكتب لكم ما لا تضلون بعده- فعصوه و لم يأتوه بذلك- و ليتهم اقتصروا على عصيانه- و لم يقولوا له ما قالوا و هو يسمع- . و كان أبو جعفر رحمه الله يقول من هذا ما يطول شرحه- و القليل منه ينبئ عن الكثير- و كان يقول إن الإسلام ما حلا عندهم- و لا ثبت في قلوبهم إلا بعد موته- حين فتحت عليهم الفتوح و جاءتهم الغنائم و الأموال- و كثرت عليهم المكاسب و ذاقوا طعم الحياة- و عرفوا لذة الدنيا و لبسوا الناعم- و أكلوا الطيب و تمتعوا بنساء الروم- و ملكوا خزائن كسرى- و تبدلوا بذلك القشف و الشظف و العيش الخشن- و أكل‏الضباب و القنافذ و اليرابيع- و لبس الصوف و الكرابيس و أكل اللوزينجات و الفالوذجات- و لبس الحرير و الديباج- فاستدلوا بما فتحه الله عليهم- و أتاحه لهم على صحة الدعوة و صدق الرسالة- و قد كان ص وعدهم بأنه سيفتح عليهم كنوز كسرى و قيصر- فلما وجدوا الأمر قد وقع بموجب ما قاله- عظموه و بجلوه و انقلبت تلك الشكوك و ذاك النفاق- و ذلك الاستهزاء إيمانا و يقينا و إخلاصا- و طاب لهم العيش و تمسكوا بالدين- لأنه زادهم طريقا إلى نيل الدنيا- فعظموا ناموسه و بالغوا في إجلاله- و إجلال الرسول الذي جاء به- ثم انقرض الأسلاف و جاء الأخلاف على عقيدة ممهدة- و أمر أخذوه تقليدا من أسلافهم الذين ربوا في حجورهم- ثم انقرض ذلك القرن و جاء من بعدهم كذلك و هلم جرا- .

قال و لو لا الفتوح و النصر و الظفر- الذي منحهم الله تعالى إياه- و الدولة التي ساقها إليهم- لانقرض دين الإسلام بعد وفاة رسول الله ص- و كان يذكر في التواريخ كما تذكر الآن نبوة خالد بن سنان العبسي- حيث ظهر و دعا إلى الدين- و كان الناس يعجبون من ذلك- و يتذاكرونه كما يعجبون- و يتذاكرون أخبار من نبغ من الرؤساء و الملوك- و الدعاة الذين انقرض أمرهم و بقيت أخبارهم- .

و كان يقول من تأمل حال الرجلين- وجدهما متشابهتين في جميع أمورهما أو في أكثرها- و ذلك لأن حرب رسول الله ص مع المشركين كانت سجالا- انتصر يوم بدر و انتصر المشركون عليه يوم أحد- و كان يوم الخندق كفافا خرج هو و هم سواء لا عليه و لا له- لأنهم قتلوا رئيس الأوس و هو سعد بن معاذ- و قتل منهم فارس قريش و هو عمرو بن عبد ود- و انصرفوا عنه بغير حرب بعد تلك الساعة التي كانت- ثم حارب بعدها قريشا يوم الفتح فكان الظفر له- . و هكذا كانت حروب علي ع انتصر يوم الجمل- و خرج الأمر بينه و بين‏ معاوية على سواء- قتل من أصحابه رؤساء و من أصحاب معاوية رؤساء- و انصرف كل واحد من الفريقين عن صاحبه بعد الحرب على مكانه- ثم حارب بعد صفين أهل النهروان فكان الظفر له- .

قال و من العجب أن أول حروب رسول الله ص كانت بدرا- و كان هو المنصور فيها- و أول حروب علي ع الجمل- و كان هو المنصور فيها- ثم كان من صحيفة الصلح و الحكومة يوم صفين- نظير ما كان من صحيفة الصلح و الهدنة يوم الحديبية- ثم دعا معاوية في آخر أيام علي ع إلى نفسه و تسمى بالخلافة- كما أن مسيلمة و الأسود العنسي دعوا إلى أنفسهما- في آخر أيام رسول الله ص و تسميا بالنبوة- و اشتد على علي ع ذلك- كما اشتد على رسول الله ص أمر الأسود و مسيلمة- و أبطل الله أمرهما بعد وفاة النبي ص- و كذلك أبطل أمر معاوية و بني أمية بعد وفاة علي ع- و لم يحارب رسول الله ص أحد من العرب إلا قريش- ما عدا يوم حنين- و لم يحارب عليا ع من العرب أحد- إلا قريش ما عدا يوم النهروان- و مات علي ع شهيدا بالسيف- و مات رسول الله ص شهيدا بالسم- و هذا لم يتزوج على خديجة أم أولاده حتى ماتت- و هذا لم يتزوج على فاطمة أم أشرف أولاده حتى ماتت- و مات رسول الله ص عن ثلاث و ستين سنة- و مات علي ع عن مثلها- .

و كان يقول انظروا إلى أخلاقهما و خصائصهما- هذا شجاع و هذا شجاع و هذا فصيح و هذا فصيح- و هذا سخي جواد و هذا سخي جواد- و هذا عالم بالشرائع و الأمور الإلهية- و هذا عالم بالفقه و الشريعة- و الأمور الإلهية الدقيقة الغامضة- و هذا زاهد في الدنيا غير نهم و لا مستكثر منها- و هذا زاهد في الدنيا تارك لها غير متمتع بلذاتها- و هذا مذيب نفسه في الصلاة و العبادة و هذا مثله- و هذا غير محبب إليه شي‏ء من الأمور العاجلة إلا النساء- و هذا مثله- و هذا ابن عبد المطلب بن هاشم و هذا في قعدده- و أبواهما أخوان لأب و أم دون غيرهما من بني عبد المطلب- و ربي محمد ص في حجر والد هذا و هذا أبو طالب- فكان جاريا عنده مجرى أحد أولاده- ثم لما شب ص و كبر استخلصه من بني أبي طالب و هو غلام- فرباه في حجره مكافأة لصنيع أبي طالب به- فامتزج الخلقان و تماثلت السجيتان- و إذا كان القرين مقتديا بالقرين- فما ظنك بالتربية و التثقيف الدهر الطويل- فواجب أن تكون أخلاق محمد ص كأخلاق أبي طالب- و تكون أخلاق علي ع كأخلاق أبي طالب أبيه- و محمد ع مربيه- و أن يكون الكل شيمة واحدة و سوسا واحدا- و طينة مشتركة و نفسا غير منقسمة و لا متجزئة- و ألا يكون بين بعض هؤلاء و بعض فرق و لا فضل- لو لا أن الله تعالى اختص محمدا ص برسالته و اصطفاه لوحيه- لما يعلمه من مصالح البرية في ذلك- و من أن اللطف به أكمل و النفع بمكانه أتم و أعم- فامتاز رسول الله ص بذلك عمن سواه- و بقي ما عدا الرسالة على أمر الاتحاد- و إلى هذا المعنىأشار ص بقوله أخصمك بالنبوة فلا نبوة بعدي- و تخصم الناس بسبعوقال له أيضا أنت مني بمنزلة هارون من موسى- إلا أنه لا نبي بعديفأبان نفسه منه بالنبوة- و أثبت له ما عداها من جميع الفضائل- و الخصائص مشتركا بينهما- .

و كان النقيب أبو جعفر رحمه الله غزير العلم- صحيح العقل منصفا في الجدال- غير متعصب للمذهب و إن كان علويا- و كان يعترف بفضائل الصحابة و يثني على الشيخين- . و يقول إنهما مهدا دين الإسلام و أرسيا قواعده- و لقد كان شديد الاضطراب في حياة رسول الله ص- و إنما مهداه بما تيسر للعرب من الفتوح- و الغنائم في دولتهما- . و كان يقول في عثمان- إن الدولة في أيامه كانت على إقبالها و علو جدها- بل كانت الفتوح في أيامه أكثر و الغنائم أعظم- لو لا أنه لم يراع ناموس الشيخين- و لم يستطع أن يسلك‏ مسلكهما- و كان مضعفا في أصل القاعدة مغلوبا عليه- و كثير الحب لأهله- و أتيح له من مروان وزير سوء أفسد القلوب عليه- و حمل الناس على خلعه و قتلهكلام أبي جعفر الحسني في الأسباب التي أوجبت محبة الناس لعليو كان أبو جعفر رحمه الله لا يجحد الفاضل فضله- و الحديث شجون- .

قلت له مرة ما سبب حب الناس لعلي بن أبي طالب ع- و عشقهم له و تهالكهم في هواه- و دعني في الجواب من حديث الشجاعة و العلم و الفصاحة- و غير ذلك من الخصائص التي رزقه الله سبحانه- الكثير الطيب منها- . فضحك و قال لي كم تجمع جراميزك علي- . ثم قال هاهنا مقدمة ينبغي أن تعلم- و هي أن أكثر الناس موتورون من الدنيا- أما المستحقون فلا ريب في أن أكثرهم محرومون- نحو عالم يرى أنه لا حظ له في الدنيا- و يرى جاهلا غيره مرزوقا و موسعا عليه- و شجاع قد أبلى في الحرب و انتفع بموضعه- ليس له عطاء يكفيه و يقوم بضروراته- و يرى غيره و هو جبان فشل يفرق من ظله- مالكا لقطر عظيم من الدنيا- و قطعة وافرة من المال و الرزق- و عاقل سديد التدبير صحيح العقل قد قدر عليه رزقه- و هو يرى غيره أحمق مائقا تدر عليه الخيرات- و تتحلب عليه أخلاف الرزق- و ذي دين قويم و عبادة حسنة و إخلاص و توحيد- و هو محروم ضيق الرزق- و يرى غيره يهوديا أو نصرانيا أو زنديقا- كثير المال حسن الحال- حتى إن هذه الطبقات المستحقة- يحتاجون في أكثر الوقت- إلى الطبقات التي لا استحقاق‏لها- و تدعوهم الضرورة إلى الذل لهم و الخضوع بين أيديهم- إما لدفع ضرر أو لاستجلاب نفع- و دون هذه الطبقات من ذوي الاستحقاق أيضا- ما نشاهده عيانا من نجار حاذق أو بناء عالم- أو نقاش بارع أو مصور لطيف- على غاية ما يكون من ضيق رزقهم- و قعود الوقت بهم و قلة الحيلة لهم- و يرى غيرهم ممن ليس يجري مجراهم و لا يلحق طبقتهم- مرزوقا مرغوبا فيه- كثير المكسب طيب العيش واسع الرزق- فهذا حال ذوي الاستحقاق و الاستعداد- و أما الذين ليسوا من أهل الفضائل كحشو العامة- فإنهم أيضا لا يخلون من الحقد على الدنيا و الذم لها- و الحنق و الغيظ منها- لما يلحقهم من حسد أمثالهم و جيرانهم- و لا يرى أحد منهم قانعا بعيشه و لا راضيا بحاله- بل يستزيد و يطلب حالا فوق حاله- .

قال فإذا عرفت هذه المقدمة- فمعلوم أن عليا ع كان مستحقا محروما- بل هو أمير المستحقين المحرومين و سيدهم و كبيرهم- و معلوم أن الذين ينالهم الضيم- و تلحقهم المذلة و الهضيمة- يتعصب بعضهم لبعض و يكونون إلبا و يدا واحدة- على المرزوقين الذين ظفروا بالدنيا- و نالوا مآربهم منها- لاشتراكهم في الأمر الذي آلمهم و ساءهم- و عضهم و مضهم- و اشتراكهم في الأنفة و الحمية و الغضب- و المنافسة لمن علا عليهم و قهرهم- و بلغ من الدنيا ما لم يبلغوه- فإذا كان هؤلاء أعني المحرومين- متساوين في المنزلة و المرتبة- و تعصب بعضهم لبعض- فما ظنك بما إذا كان منهم رجل عظيم القدر- جليل الخطر كامل الشرف- جامع للفضائل محتو على الخصائص و المناقب- و هو مع ذلك محروم محدود و قد جرعته الدنيا علاقمها- و علته عللا بعد نهل من صابها و صبرها- و لقي منها برحا بارحا و جهدا جهيدا- و علا عليه من هو دونه- و حكم فيه و في بنيه و أهله و رهطه- من لم يكن ما ناله من الإمرة و السلطان في حسابه- و لا دائرا في خلده و لا خاطرا بباله- و لا كان أحد من الناس يرتقب ذلك له و لا يراه له- ثم كان في آخر الأمر أن قتل هذا الرجل الجليل في‏ محرابه- و قتل بنوه بعده و سبي حريمه و نساؤه- و تتبع أهله و بنو عمه بالقتل- و الطرد و التشريد و السجون- مع فضلهم و زهدهم و عبادتهم و سخائهم- و انتفاع الخلق بهم- فهل يمكن ألا يتعصب البشر كلهم مع هذا الشخص- و هل تستطيع القلوب ألا تحبه و تهواه- و تذوب فيه و تفنى في عشقه انتصارا له- و حمية من أجله و أنفة مما ناله- و امتعاضا مما جرى عليه- و هذا أمر مركوز في الطبائع و مخلوق في الغرائز- كما يشاهد الناس على الجرف إنسانا قد وقع في الماء العميق- و هو لا يحسن السباحة- فإنهم بالطبع البشري يرقون عليه رقة شديدة- و قد يلقي قوم منهم أنفسهم في الماء نحوه- يطلبون تخليصه- لا يتوقعون على ذلك مجازاة منه بمال أو شكر- و لا ثوابا في الآخرة- فقد يكون منهم من لا يعتقد أمر الآخرة- و لكنها رقة بشرية- و كان الواحد منهم يتخيل في نفسه أنه ذلك الغريق- فكما يطلب خلاص نفسه لو كان هذا الغريق- كذلك يطلب تخليص من هو في تلك الحال الصعبة- للمشاركة الجنسية- و كذلك لو أن ملكا ظلم أهل بلد من بلاده ظلما عنيفا- لكان أهل ذلك البلد يتعصب بعضهم لبعض- في الانتصار من ذلك الملك و الاستعداء عليه- فلو كان من جملتهم رجل عظيم القدر جليل الشأن- قد ظلمه الملك أكثر من ظلمه إياهم- و أخذ أمواله و ضياعه و قتل أولاده و أهله- كان لياذهم به و انضواؤهم إليه- و اجتماعهم و التفافهم به أعظم و أعظم- لأن الطبيعة البشرية تدعو إلى ذلك- على سبيل الإيجاب الاضطراري- و لا يستطيع الإنسان منه امتناعا- .
و هذا محصول قول النقيب أبي جعفر رحمه الله- قد حكيته و الألفاظ لي و المعنى له- لأني لا أحفظ الآن ألفاظه بعينها- إلا أن هذا هو كان معنى قوله و فحواه رحمه الله- و كان لا يعتقد في الصحابة- ما يعتقده أكثر الإمامية فيهم- و يسفه رأي من يذهب فيهم إلى النفاق و التكفير- و كان يقول حكمهم حكم مسلم مؤمن- عصى في بعض الأفعال و خالف الأمر- فحكمه إلى الله إن شاء آخذه و إن شاء غفر له- .

قلت له مرة أ فتقول أنهما من أهل الجنة- فقال إي و الله أعتقد ذلك- لأنهما إما أن يعفو الله تعالى عنهما ابتداء- أو بشفاعة الرسول ص أو بشفاعة علي ع- أو يؤاخذهما بعقاب أو عتاب ثم ينقلهما إلى الجنة- لا أستريب في ذلك أصلا- و لا أشك في إيمانهما برسول الله ص و صحة عقيدتهما- . فقلت له فعثمان قال و كذلك عثمان- ثم قال رحم الله عثمان- و هل كان إلا واحدا منا و غصنا من شجرة عبد مناف- و لكن أهله كدروه علينا- و أوقعوا العداوة و البغضاء بينه و بيننا- . قلت له فيلزمك على ما تراه في أمر هؤلاء- أن تجوز دخول معاوية الجنة- لأنه لم تكن منه إلا المخالفة- و ترك امتثال أمر النبوي- .

فقال كلا إن معاوية من أهل النار- لا لمخالفته عليا و لا بمحاربته إياه- و لكن عقيدته لم تكن صحيحة و لا إيمانه حقا- و كان من رءوس المنافقين هو و أبوه- و لم يسلم قلبه قط و إنما أسلم لسانه- و كان يذكر من حديث معاوية و من فلتات قوله- و ما حفظ عنه من كلام يقتضي فساد العقيدة شيئا كثيرا- ليس هذا موضعه فأذكره- .

و قال لي مرة- حاش لله أن يثبت معاوية في جريدة الشيخين الفاضلين- أبي بكر و عمر و الله ما هما إلا كالذهب الإبريز- و لا معاوية إلا كالدرهم الزائف أو قال كالدرهم القسي- ثم قال لي فما يقول أصحابكم فيهما- قلت أما الذي استقر عليه رأي المعتزلة- بعد اختلاف كثير بين قدمائهم في التفضيل و غيره- أن عليا ع أفضل الجماعة- و أنهم تركوا الأفضل لمصلحة رأوها- و أنه لم يكن هناك نص يقطع العذر- و إنما كانت إشارة و إيماء لا يتضمن شي‏ء منها صريح النص- و إن عليا ع نازع ثم بايع-و جمح ثم استجاب- و لو أقام على الامتناع لم نقل بصحة البيعة و لا بلزومها- و لو جرد السيف كما جرده في آخر الأمر- لقلنا بفسق كل من خالفه على الإطلاق كائنا من كان- و لكنه رضي بالبيعة أخيرا و دخل في الطاعة- .

و بالجملة أصحابنا يقولون- إن الأمر كان له و كان هو المستحق و المتعين- فإن شاء أخذه لنفسه و إن شاء ولاه غيره- فلما رأيناه قد وافق على ولاية غيره- اتبعناه و رضينا بما رضي- فقال قد بقي بيني و بينكم قليل- أنا أذهب إلى النص و أنتم لا تذهبون إليه- . فقلت له إنه لم يثبت النص عندنا بطريق يوجب العلم- و ما تذكرونه أنتم صريحا فأنتم تنفردون بنقله- و ما عدا ذلك من الأخبار التي نشارككم فيها- فلها تأويلات معلومة- . فقال لي و هو ضجر يا فلان- لو فتحنا باب التأويلات لجاز أن يتناول قولنا- لا إله إلا الله محمد رسول الله- دعني من التأويلات الباردة- التي تعلم القلوب و النفوس أنها غير مرادة- و أن المتكلمين تكلفوها و تعسفوها- فإنما أنا و أنت في الدار و لا ثالث لنا- فيستحيي أحدنا من صاحبه أو يخافه- .

فلما بلغنا إلى هذا الموضع- دخل قوم ممن كان يخشاه- فتركنا ذلك الأسلوب من الحديث و خضنا في غيره سياسة علي و معاوية و إيراد كلام للجاحظ في ذلك فأما القول في سياسة معاوية- و أن شنأة علي ع و مبغضيه- زعموا أنها خير من سياسة أمير المؤمنين- فيكفينا في الكلام على ذلك ما قاله شيخنا أبو عثمان- و نحن نحكيه بألفاظه- .

قال أبو عثمان- و ربما رأيت بعض من يظن بنفسه العقل- و التحصيل و الفهم و التمييز و هو من العامة- و يظن أنه من الخاصة- يزعم أن معاوية كان أبعد غورا و أصح فكرا- و أجود روية و أبعد غاية و أدق مسلكا- و ليس الأمر كذلك- و سأرمي إليك بجملة تعرف بها موضع غلطه- و المكان الذي دخل عليه الخطأ من قبله- . كان علي ع لا يستعمل في حربه- إلا ما وافق الكتاب و السنة- و كان معاوية يستعمل خلاف الكتاب و السنة- كما يستعمل الكتاب و السنة- و يستعمل جميع المكايد حلالها و حرامها- و يسير في الحرب بسيرة ملك الهند إذا لاقى كسرى- و خاقان إذا لاقى رتبيل- و علي ع يقول لا تبدءوهم بالقتال حتى يبدءوكم- و لا تتبعوا مدبرا و لا تجهزوا على جريح- و لا تفتحوا بابا مغلقا- هذه سيرته في ذي الكلاع و في أبي الأعور السلمي- و في عمرو بن العاص و حبيب بن مسلمة- و في جميع الرؤساء- كسيرته في الحاشية و الحشو و الأتباع و السفلة- و أصحاب الحروب- إن قدروا على البيات بيتوا- و إن قدروا على رضخ الجميع بالجندل و هم نيام فعلوا- و إن أمكن ذلك في طرفة عين لم يؤخروه إلى ساعة- و إن كان الحرق أعجل من الغرق لم يقتصروا على الغرق- و لم يؤخروا الحرق إلى وقت الغرق- و إن أمكن الهدم لم يتكلفوا الحصار- و لم يدعوا أن ينصبوا المجانيق و العرادات- و النقب و التسريب و الدبابات و الكمين- و لم يدعوا دس السموم- و لا التضريب بين الناس بالكذب- و طرح الكتب في عساكرهم بالسعايات- و توهيم الأمور و إيحاش بعض من بعض- و قتلهم بكل آلة و حيلة- كيف وقع القتل و كيف دارت بهم الحال- فمن اقتصر حفظك الله- من التدبير على ما في الكتاب و السنة- كان قد منع نفسه الطويل العريض من التدبير- و ما لا يتناهى من المكايد- و الكذب حفظك الله أكثر من الصدق- و الحرام أكثر عددا من الحلال- و لو سمى إنسان إنسانا باسمه لكان قد صدق- و ليس له اسم غيره- و لو قال هو شيطان أو كلب أو حمار أو شاة أو بعير- أو كل ما خطر على البال لكان كاذبا في ذلك- و كذلك الإيمان و الكفر- و كذلك الطاعة و المعصية و كذلك الحق و الباطل- و كذلك السقم و الصحة و كذلك الخطأ و الصواب- فعلي ع كان ملجما بالورع عن جميع القول- إلا ما هو لله عز و جل رضا- و ممنوع اليدين من كل بطش إلا ما هو لله رضا- و لا يرى الرضا إلا فيما يرضاه الله و يحبه- و لا يرى الرضا إلا فيما دل عليه الكتاب و السنة- دون ما يعول عليه أصحاب الدهاء و النكراء- و المكايد و الآراء- فلما أبصرت العوام كثرة نوادر معاوية في المكايد- و كثرة غرائبه في الخداع و ما اتفق له و تهيأ على يده- و لم يرو ذلك من علي ع- ظنوا بقصر عقولهم و قلة علومهم- أن ذاك من رجحان عند معاوية و نقصان عند علي ع- فانظر بعد هذا كله هل يعد له من الخدع إلا رفع المصاحف- ثم انظر هل خدع بها إلا من عصى رأي علي ع و خالف أمره- .

فإن زعمت أنه قال ما أراد من الاختلاف فقد صدقت- و ليس في هذا اختلفنا- و لا عن غرارة أصحاب علي ع- و عجلتهم و تسرعهم و تنازعهم دفعنا- و إنما كان قولنا في التميز بينهما في الدهاء و النكراء- و صحة العقل و الرأي و البزلاء- على أنا لا نصف الصالحين‏ بالدهاء و النكراء- لا نقول ما كان أنكر أبا بكر بن أبي قحافة- و ما كان أنكر عمر بن الخطاب- و لا يقول أحد عنده شي‏ء من الخير- كان رسول الله ص أدهى العرب و العجم- و أنكر قريش و أمكر كنانة- لأن هذه الكلمة إنما وضعت في مديح أصحاب الأرب- و من يتعمق في الرأي في توكيد الدنيا- و زبرجها و تشديد أركانها- فأما أصحاب الآخرة الذين يرون الناس- لا يصلحون على تدبير البشر- و إنما يصلحون على تدبير خالق البشر- فإن هؤلاء لا يمدحون بالدهاء و النكراء- و لم يمنعوا هذا إلا ليعطوا أفضل منه- أ لا ترى أن المغيرة بن شعبة- و كان أحد الدهاة- حين رد على عمرو بن العاص قوله في عمر بن الخطاب- و عمرو بن العاص أحد الدهاة أيضا- أ أنت كنت تفعل أو توهم عمر شيئا فيلقنه عنك- ما رأيت عمر مستخليا بأحد- إلا رحمته كائنا من كان ذلك الرجل- كان عمر و الله أعقل من أن يخدع- و أفضل من أن يخدع- و لم يذكره بالدهاء و النكراء- هذا مع عجبه بإضافة الناس ذلك إليه- و لكنه قد علم أنه إذا أطلق على الأئمة الألفاظ- التي لا تصلح في أهل الطهارة- كان ذلك غير مقبول منه فهذا هذا- .

و كذلك كان حكم قول معاوية للجميع- أخرجوا إلينا قتلة عثمان و نحن لكم سلم- فاجهد كل جهدك- و استعن بمن شايعك إلى أن تتخلص- إلى صواب رأي في ذلك الوقت أضله علي- حتى تعلم أن معاوية خادع- و أن عليا ع كان المخدوع- . فإن قلت فقد بلغ ما أراد و نال ما أحب- فهل رأيت كتابنا وضع- إلا على أن عليا كان قد امتحن في أصحابه و في دهره- بما لم يمتحن إمام قبله من الاختلاف و المنازعة- و التشاح من الرئاسة و التسرع و العجلة- و هل أتي ع إلا من هذا المكان- أ و لسنا قد فرغنا من هذا الأمر- و قد علمنا أن ثلاثة نفر تواطئوا على قتل ثلاثة نفر- فانفرد ابن ملجم‏ بالتماس ذلك من علي ع- و انفرد البرك الصريمي- بالتماس ذلك من عمرو بن العاص- و انفرد الآخر و هو عمرو بن بكر التميمي- بالتماس ذلك من معاوية فكان من الاتفاق أو من الامتحان- أن كان علي من بينهم هو المقتول- . و في قياس مذهبكم- أن تزعموا أن سلامة عمرو و معاوية- إنما كانت بحزم منهما- و أن قتل علي ع إنما هو من تضييع منه- فإذ قد تبين لكم أنه من الابتلاء و الامتحان في نفسه- بخلاف الذي قد شاهدتموه في عدوه- فكل شي‏ء سوى ذلك فإنما هو تبع للنفس- .

هذا آخر كلام أبي عثمان في هذا الموضع- و من تأمله بعين الإنصاف- و لم يتبع الهوى علم صحة جميع ما ذكره- و أن أمير المؤمنين دفع من اختلاف أصحابه- و سوء طاعتهم له- و لزومه سنن الشريعة و منهج العدل- و خروج معاوية و عمرو بن العاص عن قاعدة الشرع- في استمالة الناس إليهم بالرغبة و الرهبة- إلى ما لم يدفع إليه غيره- فلو لا أنه ع كان عارفا بوجوه السياسة- و تدبير أمر السلطان و الخلافة حاذقا في ذلك- لم يجتمع عليه إلا القليل من الناس- و هم أهل الآخرة خاصة- الذين لا ميل لهم إلى الدنيا- فلما وجدناه دبر الأمر حين وليه- و اجتمع عليه من العساكر و الأتباع ما يتجاوز العد و الحصر- و قاتل بهم أعداءه الذين حالهم حالهم- فظفر في أكثر حروبه- و وقف الأمر بينه و بين معاوية على سواء- و كان هو الأظهر و الأقرب إلى الانتصار علمنا أنه من معرفة تدبير الدول و السلطان بمكان مكين

ذكر أقوال من طعن في سياسة علي و الرد عليها

و قد تعلق من طعن في سياسته بأمور- منها قولهم لو كان حين بويع له بالخلافة في المدينة- أقر معاوية على الشام إلى أن يستقر الأمر له و يتوطد- و يبايعه معاوية و أهل الشام ثم يعزله بعد ذلك- لكان قد كفي ما جرى بينهما من الحرب- . و الجواب- أن قرائن الأحوال حينئذ قد كان علم أمير المؤمنين ع- منها أن معاوية لا يبايع له و إن أقره على ولاية الشام- بل كان إقراره له على إمرة الشام أقوى لحال معاوية- و آكد في الامتناع من البيعة- لأنه لا يخلو صاحب السؤال إما أن يقول- كان ينبغي أن يطالبه بالبيعة- و يقرن إلى ذلك تقليده بالشام- فيكون الأمران معا- أو يتقدم منه ع المطالبة بالبيعة- أو يتقدم منه إقراره على الشام- و تتأخر المطالبة بالبيعة إلى وقت ثان- فإن كان الأول- فمن الممكن أن يقرأ معاوية على أهل الشام تقليده بالإمرة- فيؤكد حاله عندهم و يقرر في أنفسهم- لو لا أنه أهل لذلك لما اعتمده علي ع معه- ثم يماطله بالبيعة و يحاجزه عنها- و إن كان الثاني فهو الذي فعله أمير المؤمنين ع- و إن كان الثالث فهو كالقسم الأول- بل هو آكد فيما يريده معاوية من الخلاف و العصيان- و كيف يتوهم من يعرف السير أن معاوية كان يبايع له- لو أقره على الشام و بينه و بينه ما لا تبرك الإبل عليه- من الترات القديمة- و الأحقاد و هو الذي قتل حنظلة أخاه و الوليد خاله- و عتبة جده في مقام واحد- ثم ما جرى بينهما في أيام عثمان- حتى أغلظ كل واحد منهما لصاحبه و حتى تهدده معاوية- و قال له إني شاخص إلى الشام- و تارك عندك هذا الشيخ يعني عثمان- و الله لئن‏انحصت منه شعرة واحدة لأضربنك بمائة ألف سيف- و قد ذكرنا شيئا مما جرى بينهما فيما تقدم- .

و أما قول ابن عباس له ع وله شهرا و اعزله دهرا- و ما أشار به المغيرة بن شعبة فإنهما ما توهماه- و ما غلب على ظنونهما و خطر بقلوب هما- و علي ع كان أعلم بحاله مع معاوية- و أنها لا تقبل العلاج و التدبير- و كيف يخطر ببال عارف بحال معاوية و نكره و دهائه- و ما كان في نفسه من علي ع من قتل عثمان- و من قبل قتل عثمان- أنه يقبل إقرار علي ع له على الشام- و ينخدع بذلك و يبايع و يعطي صفقة يمينه- إن معاوية لأدهى من أن يكاد بذلك- و إن عليا ع لأعرف بمعاوية- ممن ظن أنه لو استماله بإقراره لبايع له- و لم يكن عند علي ع دواء لهذا المرض إلا السيف- لأن الحال إليه كانت تئول لا محالة فجعل الآخر أولا- .

و أنا أذكر في هذا الموضع خبرا- رواه الزبير بن بكار في الموفقيات ليعلم من يقف عليه- أن معاوية لم يكن لينجذب إلى طاعة علي ع أبدا- و لا يعطيه البيعة- و أن مضادته له و مباينته إياه كمضادة السواد للبياض- لا يجتمعان أبدا و كمباينة السلب للإيجاب- فإنها مباينة لا يمكن زوالها أصلا- قال الزبير- حدثني محمد بن زكريا بن بسطام- قال حدثني محمد بن يعقوب بن أبي الليث- قال حدثني أحمد بن محمد بن الفضل بن يحيى المكي- عن أبيه عن جده الفضل بن يحيى- عن الحسن بن عبد الصمد- عن قيس بن عرفجة- قال لما حصر عثمان أبرد مروان بن الحكم بخبره بريدين- أحدهما إلى الشام و الآخر إلى اليمن- و بها يومئذ يعلى بن منية و مع كل واحد منهما كتاب- فيه أن بني أمية في الناس كالشامة الحمراء- و أن الناس قد قعدوا لهم برأس كل محجة- و على كل طريق فجعلوهم مرمى العر و العضيهة- و مقذف القشب و الأفيكة- و قد علمتم أنها لم تأت عثمان إلا كرها- تجبذ من ورائها- و إني خائف إن قتل أن تكون من بني أمية بمناط الثريا- إن لم نصر كرصيف الأساس المحكم- و لئن وهى عمود البيت لتتداعين جدرانه- و الذي عيب عليه إطعامكما الشام و اليمن- و لا شك أنكما تابعاه إن لم تحذرا- و أما أنا فمساعف كل مستشير- و معين كل مستصرخ و مجيب كل داع- أتوقع الفرصة فأثب وثبة الفهد أبصر غفلة مقتنصة- و لو لا مخافة عطب البريد و ضياع الكتب- لشرحت لكما من الأمر ما لا تفزعان معه إلى أن يحدث الأمر- فجدا في طلب ما أنتما ولياه- و على ذلك فليكن العمل إن شاء الله- و كتب في آخره-

و ما بلغت عثمان حتى تخطمت
رجال و دانت للصغار رجال‏

لقد رجعت عودا على بدء كونها
و إن لم تجدا فالمصير زوال‏

سيبدي مكنون الضمائر قولهم
و يظهر منهم بعد ذاك فعال‏

فإن تقعدا لا تطلبا ما ورثتما
فليس لنا طول الحياة مقال‏

نعيش بدار الذل في كل بلدة
و تظهر منا كأبة و هزال‏

فلما ورد الكتاب على معاوية- أذن في الناس الصلاة جامعة- ثم خطبهم خطبة المستنصر المستصرخ- . و في أثناء ذلك ورد عليه قبل أن يكتب الجواب- كتاب مروان بقتل عثمان- و كانت نسخته وهب الله لك أبا عبد الرحمن قوة العزم- و صلاح النية و من عليك بمعرفة الحق و اتباعه- فإني كتبت إليك هذا الكتاب- بعد قتل عثمان أمير المؤمنين‏و أي قتلة قتل- نحر كما ينحر البعير الكبير عند اليأس- من أن ينوء بالحمل- بعد أن نقبت صفحته بطي المراحل و سير الهجير- و إني معلمك من خبره غير مقصر و لا مطيل- إن القوم استطالوا مدته و استقلوا ناصره- و استضعفوه في بدنه- و أملوا بقتله بسط أيديهم فيما كان قبضه عنهم- و اعصوصبوا عليه فظل محاصرا- قد منع من صلاة الجماعة و رد المظالم- و النظر في أمور الرعية حتى كأنه هو فاعل لما فعلوه- فلما دام ذلك أشرف عليهم فخوفهم الله و ناشدهم- و ذكرهم مواعيد رسول الله ص له و قوله فيه- فلم يجحدوا فضله و لم ينكروه- ثم رموه بأباطيل اختلقوها ليجعلوا ذلك ذريعة إلى قتله- فوعدهم التوبة مما كرهوا- و وعدهم الرجعة إلى ما أحبوا فلم يقبلوا ذلك- و نهبوا داره و انتهكوا حرمته- و وثبوا عليه فسفكوا دمه- و انقشعوا عنه انقشاع سحابة قد أفرغت ماءها- منكفئين قبل ابن أبي طالب- انكفاء الجراد إذا أبصر المرعى- فأخلق ببني أمية أن يكونوا من هذا الأمر- بمجرى العيوق إن لم يثأره ثائر- فإن شئت أبا عبد الرحمن أن تكونه فكنه و السلام- . فلما ورد الكتاب على معاوية أمر بجمع الناس- ثم خطبهم خطبة أبكى منها العيون- و قلقل القلوب حتى علت الرنة و ارتفع الضجيج- و هم النساء أن يتسلحن- ثم كتب إلى طلحة بن عبيد الله و الزبير بن العوام- و سعيد بن العاص و عبد الله بن عامر بن كريز- و الوليد بن عقبة و يعلى بن منية و هو اسم أمه- و إنما اسم أبيه أمية- .

فكان كتاب طلحة- أما بعد فإنك أقل قريش في قريش وترا- مع صباحة وجهك و سماحة كفك و فصاحة لسانك- فأنت بإزاء من تقدمك في السابقة- و خامس المبشرين بالجنة و لك يوم أحد و شرفه و فضله- فسارع رحمك الله إلى ما تقلدك الرعية من أمرها- مما لا يسعك التخلف عنه- و لا يرضى الله منك إلا بالقيام به- فقد أحكمت لك الأمرقبلي- و الزبير فغير متقدم عليك بفضل- و أيكما قدم صاحبه فالمقدم الإمام- و الأمر من بعده للمقدم له- سلك الله بك قصد المهتدين- و وهب لك رشد الموفقين و السلام- . و كتب إلى الزبير أما بعد- فإنك الزبير بن العوام بن أبي خديجة- و ابن عمة رسول الله ص و حواريه و سلفه- و صهر أبي بكر و فارس المسلمين- و أنت الباذل في الله مهجته بمكة عند صيحة الشيطان- بعثك المنبعث فخرجت كالثعبان المنسلخ- بالسيف المنصلت تخبط خبط الجمل الرديع- كل ذلك قوة إيمان و صدق يقين- و سبقت لك من رسول الله ص البشارة بالجنة- و جعلك عمر أحد المستخلفين على الأمة- و اعلم يا أبا عبد الله- أن الرعية أصبحت كالغنم المتفرقة لغيبة الراعي- فسارع رحمك الله إلى حقن الدماء و لم الشعث- و جمع الكلمة و صلاح ذات البين قبل تفاقم الأمر و انتشار الأمة- فقد أصبح الناس على شفا جرف هار عما قليل ينهار- إن لم يرأب- فشمر لتأليف الأمة و ابتغ إلى ربك سبيلا- فقد أحكمت الأمر على من قبلي لك و لصاحبك- على أن الأمر للمقدم ثم لصاحبه من بعده- و جعلك الله من أئمة الهدى و بغاة الخير و التقوى و السلام- .

و كتب إلى مروان بن الحكم- أما بعد فقد وصل إلي كتابك بشرح خبر أمير المؤمنين- و ما ركبوه به و نالوه منه جهلا بالله و جراءة عليه- و استخفافا بحقه- و لأماني لوح الشيطان بها في شرك الباطل- ليدهدههم في أهويات الفتن و وهدات الضلال- و لعمري لقد صدق عليهم ظنه و لقد اقتنصهم بأنشوطة فخه- فعلى رسلك أبا عبد الله يمشى الهوينى و يكون أولا- فإذا قرأت كتابي هذا فكن كالفهد لا يصطاد إلا غيلة- و لا يتشازر إلا عن حيلة-و كالثعلب لا يفلت إلا روغانا- و أخف نفسك منهم إخفاء القنفذ رأسه عند لمس الأكف- و امتهن نفسك امتهان من ييأس القوم- من نصره و انتصاره- و ابحث عن أمورهم بحث الدجاجة عن حب الدخن عند فقاسها- و أنغل الحجاز فإني منغل الشام و السلام- .

و كتب إلى سعيد بن العاص- أما بعد فإن كتاب مروان ورد علي من ساعة وقعت النازلة- تقبل به البرد بسير المطي الوجيف- تتوجس توجس الحية الذكر خوف ضربة الفأس- و قبضة الحاوي- و مروان الرائد لا يكذب أهله- فعلام الإفكاك يا ابن العاص و لات حين مناص- ذلك أنكم يا بني أمية- عما قليل تسألون أدنى العيش من أبعد المسافة- فينكركم من كان منكم عارفا- و يصد عنكم من كان لكم واصلا- متفرقين في الشعاب تتمنون لمظة المعاش- إن أمير المؤمنين عتب عليه فيكم و قتل في سبيلكم- ففيم القعود عن نصرته و الطلب بدمه و أنتم بنو أبيه- ذوو رحمه و أقربوه و طلاب ثأره- أصبحتم متمسكين بشظف معاش زهيد- عما قليل ينزع منكم عند التخاذل و ضعف القوى- فإذا قرأت كتابي هذا فدب دبيب البرء في الجسد النحيف- و سر سير النجوم تحت الغمام- و احشد حشد الذرة في الصيف لانجحارها في الصرد- فقد أيدتكم بأسد و تيم و كتب في الكتاب-

تالله لا يذهب شيخي باطلا
حتى أبير مالكا و كاهلا

القاتلين الملك الحلاحلا
خير معد حسبا و نائلا

و كتب إلى عبد الله بن عامر أما بعد فإن المنبر مركب ذلول سهل الرياضة- لا ينازعك اللجام- و هيهات ذلك إلا بعد ركوب أثباج المهالك- و اقتحام أمواج المعاطب- و كأني بكم يا بني أمية شعارير كالأوارك تقودها الحداة- أو كرخم الخندمة تذرق خوف العقاب- فثب الآن رحمك الله قبل أن يستشري الفساد- و ندب السوط جديد و الجرح لما يندمل- و من قبل استضراء الأسد و التقاء لحييه على فريسته- و ساور الأمر مساورة الذئب الأطلس كسيرة القطيع- و نازل الرأي و انصب الشرك و ارم عن تمكن- و ضع الهناء مواضع النقب- و اجعل أكبر عدتك الحذر و أحد سلاحك التحريض- و اغض عن العوراء و سامح اللجوج- و استعطف الشارد و لاين الأشوس- و قو عزم المريد و بادر العقبة و ازحف زحف الحية- و اسبق قبل أن تسبق و قم قبل أن يقام لك- و اعلم أنك غير متروك و لا مهمل- فإني لكم ناصح أمين و السلام- . و كتب في أسفل الكتاب-

عليك سلام الله قيس بن عاصم
و رحمته ما شاء أن يترحما

تحية من أهدى السلام لأهله‏
إذا شط دارا عن مزارك سلما

فما كان قيس هلكه هلك واحد
و لكنه بنيان قوم تهدما

و كتب إلى الوليد بن عقبة- يا ابن عقبة كن الجيش- و طيب العيش أطيب من سفع سموم الجوزاء- عند اعتدال الشمس في أفقها- إن عثمان أخاك أصبح بعيدا منك- فاطلب لنفسك ظلا تستكن به- إني أراك على التراب رقودا- و كيف بالرقاد بك لا رقاد لك- فلو قد استتب هذا الأمر لمريده ألفيت كشريد النعام- يفزع من ظل الطائر- و عن قليل تشرب الرنق و تستشعر الخوف- أراك فسيح الصدر مسترخي اللبب- رخو الحزام قليل الاكتراث- و عن قليل يجتث أصلك و السلام- . و كتب في آخر الكتاب-

اخترت نومك أن هبت شآمية
عند الهجير و شربا بالعشيات‏

على طلابك ثأرا من بني حكم‏
هيهات من راقد طلاب ثارات‏

و كتب إلى يعلى بن أمية- حاطك الله بكلاءته و أيدك بتوفيقه- كتبت إليك صبيحة ورد علي كتاب مروان- بخبر قتل أمير المؤمنين و شرح الحال فيه- و إن أمير المؤمنين طال به العمر حتى نقصت قواه- و ثقلت نهضته و ظهرت الرعشة في أعضائه- فلما رأى ذلك أقوام- لم يكونوا عنده موضعا للإمامة و الأمانة و تقليد الولاية- وثبوا به و ألبوا عليه- فكان أعظم ما نقموا عليه و عابوه به- ولايتك اليمن و طول مدتك عليها- ثم ترامى بهم الأمر حالا بعد حال-حتى ذبحوه ذبح النطيحة مبادرا بها الفوت- و هو مع ذلك صائم معانق المصحف يتلو كتاب الله- فيه عظمت مصيبة الإسلام بصهر الرسول و الإمام المقتول- على غير جرم سفكوا دمه و انتهكوا حرمته- و أنت تعلم أن بيعته في أعناقنا و طلب ثأره لازم لنا- فلا خير في دنيا تعدل بنا عن الحق- و لا في إمرة توردنا النار- و إن الله جل ثناؤه لا يرضى بالتعذير في دينه- فشمر لدخول العراق- .

فأما الشام فقد كفيتك أهلها و أحكمت أمرها- و قد كتبت إلى طلحة بن عبيد الله أن يلقاك بمكة- حتى يجتمع رأيكما على إظهار الدعوة- و الطلب بدم عثمان أمير المؤمنين المظلوم- و كتبت إلى عبد الله بن عامر يمهد لكم العراق- و يسهل لكم حزونة عقابها- . و اعلم يا ابن أمية أن القوم قاصدوك بادئ بدء- لاستنطاف ما حوته يداك من المال- فاعلم ذلك و اعمل على حسبه إن شاء الله- . و كتب في أسفل الكتاب-

ظل الخليفة محصورا يناشدهم
بالله طورا و بالقرآن أحيانا

و قد تألف أقوام على حنق‏
عن غير جرم و قالوا فيه بهتانا

فقام يذكرهم وعد الرسول له
و قوله فيه إسرارا و إعلانا

فقال كفوا فإني معتب لكم‏
و صارف عنكم يعلى و مروانا

فكذبوا ذاك منه ثم ساوره
من حاض لبته ظلما و عدوانا

قال فكتب إليه مروان جوابا عن كتابه- أما بعد فقد وصل كتابك- فنعم كتاب زعيم العشيرة و حامي الذمار- و أخبرك‏أن القوم على سنن استقامة إلا شظايا شعب- شتت بينهم مقولي على غير مجابهة- حسب ما تقدم من أمرك- و إنما كان ذلك رسيس العصاة- و رمي أخدر من أغصان الدوحة- و لقد طويت أديمهم على نغل يحلم منه الجلد- كذبت نفس الظان بنا ترك المظلمة و حب الهجوع- إلا تهويمة الراكب العجل حتى تجذ جماجم و جماجم- جذ العراجين المهدلة حين إيناعها و أنا على صحة نيتي- و قوة عزيمتي و تحريك الرحم لي و غليان الدم مني- غير سابقك بقول و لا متقدمك بفعل- و أنت ابن حرب طلاب الترات و آبي الضيم- . و كتابي إليك و أنا كحرباء السبسب في الهجير- ترقب عين الغزالة- و كالسبع المفلت من الشرك يفرق من صوت نفسه- منتظرا لما تصح به عزيمتك و يرد به أمرك- فيكون العمل به و المحتذى عليه- . و كتب في أسفل الكتاب-

أ يقتل عثمان و ترقا دموعنا
و نرقد هذا الليل لا نتفزع‏

و نشرب برد الماء ريا و قد مضى‏
على ظمأ يتلو القرآن و يركع‏

فإني و من حج الملبون بيته
و طافوا به سعيا و ذو العرش يسمع‏

سأمنع نفسي كل ما فيه لذة
من العيش حتى لا يرى فيه مطمع‏

و أقتل بالمظلوم من كان ظالما
و ذلك حكم الله ما عنه مدفع‏

و كتب إليه عبد الله بن عامر-أما بعد فإن أمير المؤمنين كان لنا الجناح الحاضنة- تأوي إليها فراخها تحتها- فلما أقصده السهم صرنا كالنعام الشارد- و لقد كنت مشترك الفكر ضال الفهم- ألتمس دريئة أستجن بها من خطأ الحوادث- حتى وقع إلي كتابك- فانتبهت من غفلة طال فيها رقادي- فأنا كواجد المحجة كان إلى جانبها حائرا- و كأني أعاين ما وصفت من تصرف الأحوال- . و الذي أخبرك به أن الناس في هذا الأمر- تسعة لك و واحد عليك- و و الله للموت في طلب العز أحسن من الحياة في الذلة- و أنت ابن حرب فتى الحروب- و نضار بني عبد شمس- و الهمم بك منوطة و أنت منهضها- فإذا نهضت فليس حين قعود- و أنا اليوم على خلاف ما كانت عليه عزيمتي من طلب العافية و حب السلامة- قبل قرعك سويداء القلب بسوط الملام- و لنعم مؤدب العشيرة أنت- و إنا لنرجوك بعد عثمان- و ها أنا متوقع ما يكون منك لأمتثله- و أعمل عليه إن شاء الله- . و كتب في أسفل الكتاب-

لا خير في العيش في ذل و منقصة
و الموت أحسن من ضيم و من عار

إنا بنو عبد شمس معشر أنف‏
غر جحاجحة طلاب أوتار

و الله لو كان ذميا مجاورنا
ليطلب العز لم نقعد عن الجار

فكيف عثمان لم يدفن بمزبلة
على القمامة مطروحا بها عار

فازحف إلي فإني زاحف لهم
بكل أبيض ماضي الحد بتار

و كتب إليه الوليد بن عقبة- أما بعد فإنك أسد قريش عقلا- و أحسنهم فهما و أصوبهم رأيا- معك حسن‏السياسة و أنت موضع الرئاسة- تورد بمعرفة و تصدر عن منهل روي- مناوئك كالمنقلب من العيوق- يهوي به عاصف الشمال إلى لجة البحر- . كتبت إلي تذكر طيب الخيش و لين العيش- فمل‏ء بطني علي حرام إلا مسكة الرمق- حتى أفري أوداج قتلة عثمان فري الأهب بشباة الشفار- و أما اللين فهيهات إلا خيفة المرتقب يرتقب غفلة الطالب- إنا على مداجاة و لما تبد صفحاتنا بعد- و ليس دون الدم بالدم مزحل- إن العار منقصة و الضعف ذل- أ يخبط قتلة عثمان زهرة الحياة الدنيا- و يسقون برد المعين- و لما يمتطوا الخوف و يستحلسوا الحذر- بعد مسافة الطرد و امتطاء العقبة الكئود في الرحلة- لا دعيت لعقبة إن كان ذلك حتى أنصب لهم حربا- تضع الحوامل لها أطفالها- قد ألوت بنا المسافة و وردنا حياض المنايا- و قد عقلت نفسي على الموت عقل البعير- و احتسبت أني ثاني عثمان أو أقتل قاتله- فعجل علي ما يكون من رأيك- فإنا منوطون بك متبعون عقبك- و لم أحسب الحال تتراخى بك إلى هذه الغاية- لما أخافه من إحكام القوم أمرهم- و كتب في أسفل الكتاب-

نومي علي محرم إن لم أقم
بدم ابن أمي من بني العلات‏

قامت علي إذا قعدت و لم أقم‏
بطلاب ذاك مناحة الأموات‏

عذبت حياض الموت عندي بعد ما
كانت كريهة مورد النهلات‏

و كتب إليه يعلى بن أمية-إنا و أنتم يا بني أمية كالحجر لا يبنى بغير مدر- و كالسيف لا يقطع إلا بضاربه- . وصل كتابك بخبر القوم و حالهم- فلئن كانوا ذبحوه ذبح النطيحة بودر بها الموت- لينحرن ذابحه نحر البدنة وافى بها الهدي الأجل- ثكلتني من أنا ابنها إن نمت عن طلب وتر عثمان- أو يقال لم يبق فيه رمق- إني أرى العيش بعد قتل عثمان مرا- إن أدلج القوم فإني مدلج- و أما قصدهم ما حوته يدي من المال- فالمال أيسر مفقود إن دفعوا إلينا قتلة عثمان- و إن أبوا ذلك أنفقنا المال على قتالهم- و إن لنا و لهم لمعركة نتناحر فيها نحر القدار النقائع- عن قليل تصل لحومها- . و كتب في أسفل الكتاب-

لمثل هذا اليوم أوصى الناس
لا تعط ضيما أو يخر الراس‏

قال فكل هؤلاء كتبوا إلى معاوية يحرضونه- و يغرونه و يحركونه و يهيجونه- إلا سعيد بن العاص- فإنه كتب بخلاف ما كتب به هؤلاء- كان كتابه أما بعد فإن الحزم في التثبت- و الخطأ في العجلة و الشؤم في البدار- و السهم سهمك ما لم ينبض به الوتر- و لن يرد الحالب في الضرع اللبن- ذكرت حق أمير المؤمنين علينا و قرابتنا منه- و أنه قتل فينا- فخصلتان ذكرهما نقص و الثالثة تكذب- و أمرتنا بطلب دم عثمان- فأي جهة تسلك فيها أبا عبد الرحمن- ردمت الفجاج و أحكم الأمر عليك و ولي زمامه غيرك- فدع مناوأة من لو كان افترش فراشه صدر الأمر- لم يعدل به غيره- و قلت كأنا عن قليل لا نتعارف- فهل نحن إلا حي من قريش- إن لم تنلنا الولاية لم يضق عنا الحق- إنها خلافة منافية و بالله أقسم قسما مبرورا- لئن صحت عزيمتك على‏ ما ورد به كتابك- لألفينك بين الحالين طليحا- و هبني إخالك بعد خوض الدماء تنال الظفر- هل في ذلك عوض من ركوب المأثم و نقص الدين- .

أما أنا فلا على بني أمية و لا لهم- أجعل الحزم داري و البيت سجني- و أتوسد الإسلام و أستشعر العافية- فاعدل أبا عبد الرحمن زمام راحلتك إلى محجة الحق- و استوهب العافية لأهلك- و استعطف الناس على قومك- و هيهات من قبولك ما أقول- حتى يفجر مروان ينابيع الفتن تأجج في البلاد- و كأني بكما عند ملاقاة الأبطال تعتذران بالقدر- و لبئس العاقبة الندامة- و عما قليل يضح لك الأمر و السلام- . هذا آخر ما تكاتب القوم به- و من وقف عليه علم- أن الحال لم يكن حالا يقبل العلاج و التدبير- و أنه لم يكن بد من السيف- و أن عليا ع كان أعرف بما عمل- .

و قد أجاب ابن سنان- في كتابه الذي سماه العادل عن هذا السؤال- فقال قد علم الناس كافة أنه ع في قصة الشورى- عرض عليه عبد الرحمن بن عوف- أن يعقد له الخلافة على أن يعمل بكتاب الله و سنة رسوله- و سيرة أبي بكر و عمر- فلم يستجب إلى ذلك- و قال بل على أن أعمل بكتاب الله و سنة رسوله- و أجتهد رأيي- . و قد اختلف الناس في ذلك- فقالت الشيعة إنما لم يدخل تحت الشرط- لأنه لم يستصوب سيرتهما- و قال غيرهم إنما امتنع لأنه مجتهد- و المجتهد لا يقلد المجتهد- فأيهما أقرب على القولين جميعا إثما و أيسر وزرا- أن يقر معاوية على ولاية الشام مدة- إلى أن تتوطد خلافته- مع ما ظهر من جور معاوية و عداوته- و مد يده إلى الأموال و الدماء أيام سلطانه- أو أن يعاهد عبد الرحمن على العمل بسيرة أبي بكر و عمر- ثم يخالف بعض أحكامها إذا استقر الأمر له و وقع العقد- و لا ريب أن أحدا لا يخفى عليه فضل ما بين‏الموضعين- و فضل ما بين الإثمين- فمن لا يجيب إلى الخلافة- و الاستيلاء على جميع بلاد الإسلام- إذا تسمح بلفظة يتلفظ بها- يجوز أن يتأولها أو يوري فيها- كيف يستجيب إلى إقرار الجائر- و تقوية يده مع تمكينه في سلطانه- لتحصل له طاعة أهل الشام و استضافة طرف من الأطراف- و كأن معنى قول القائل هلا أقر معاوية على الشام- هو هلا كان ع متهاونا بأمر الدين- راغبا في تشديد أمر الدنيا- .

و الجواب عن هذا ظاهر و جهل السائل عنه واضح- . و اعلم أن حقيقة الجواب هو أن عليا ع- كان لا يرى مخالفة الشرع لأجل السياسة- سواء أ كانت تلك السياسة دينية أو دنيوية- أما الدنيوية فنحو أن يتوهم الإمام في إنسان- أنه يروم فساد خلافته- من غير أن يثبت ذلك عليه يقينا- فإن عليا ع لم يكن يستحل قتله و لا حبسه- و لا يعمل بالتوهم و بالقول غير المحقق- و أما الدينية فنحو ضرب المتهم بالسرقة- فإنه أيضا لم يكن يعمل به- بل يقول إن يثبت عليه بإقرار أو بينة أقمت عليه الحد و إلا لم أعترضه- و غير علي ع قد كان منهم من يرى خلاف هذا الرأي- و مذهب مالك بن أنس العمل على المصالح المرسلة- و أنه يجوز للإمام أن يقتل ثلث الأمة لإصلاح الثلثين- و مذهب أكثر الناس أنه يجوز العمل بالرأي و بغالب الظن- و إذا كان مذهبه ع ما قلناه و كان معاوية عنده فاسقا- و قد سبق عنده مقدمة أخرى يقينية- هي أن استعمال الفاسق لا يجوز- و لم يكن ممن يرى تمهيد قاعدة الخلافة- بمخالفة الشريعة- فقد تعين مجاهرته بالعزل و إن أفضى ذلك إلى الحرب- .

فهذا هو الجواب الحقيقي- و لو لم يكن هذا هو الجواب الحقيقي- لكان لقائل أن‏يقول لابن سنان- القول في عدوله عن الدخول تحت شرط عبد الرحمن- كالقول في عدوله عن إقرار معاوية على الشام فإن من ذهب إلى تغليطه في أحد الموضعين- له أن يذهب إلى تغليطه في الموضع الآخر- . قال ابن سنان و جواب آخر- و هو أنا قد علمنا أن أحد الأحداث- التي نقمت على عثمان- و أفضت بالمسلمين إلى حصاره و قتله- تولية معاوية الشام مع ما ظهر من جوره و عدوانه و مخالفة أحكام الدين في سلطانه- و قد خوطب عثمان في ذلك- فاعتذر بأن عمر ولاه قبله فلم يقبل المسلمون عذره- و لا قنعوا منه إلا بعزله حتى أفضى الأمر إلى ما أفضى- و كان علي ع من أكثر المسلمين لذلك كراهية- و أعرفهم بما فيه من الفساد في الدين- . فلو أنه ع افتتح عقد الخلافة له- بتوليته معاوية الشام و إقراره فيه- أ ليس كان يبتدئ في أول أمره- بما انتهى إليه عثمان في آخره- فأفضى إلى خلعه و قتله- و لو كان ذلك في حكم الشريعة سائغا و الوزر فيه مأمونا- لكان غلطا قبيحا في السياسة- و سببا قويا للعصيان و المخالفة- و لم يكن يمكنه ع أن يقول للمسلمين- إن حقيقة رأيي عزل معاوية عند استقرار الأمر- و طاعة الجمهور لي- و إن قصدي بإقراره على الولاية مخادعته و تعجيل طاعته- و مبايعة الأجناد الذين قبله- ثم أستأنف بعد ذلك فيه ما يستحقه من العزل- و أعمل فيه بموجب العدل- لأن إظهاره ع لهذا العزم كان يتصل خبره بمعاوية- فيفسد التدبير الذي شرع فيه- و ينتقض الرأي الذي عول عليه- .

و منها قولهم- إنه ترك طلحة و الزبير حتى خرجا إلى مكة- و أذن لهما في العمرة و ذهب عنه الرأي في ارتباطهما قبله- و منعهما من البعد عنه- .

و الجواب عنه- أنه قد اختلف الرواة- في خروج طلحة و الزبير من المدينة- هل كان بإذن علي ع أم لا- فمن قال إنهما خرجا عن غير إذنه و لا علمه فسؤاله ساقط- و من قال إنهما استأذناه في العمرة و أذن لهما- فقد روي أنه قال و الله ما تريدان العمرة- و إنما تريدان الغدرة- و خوفهما بالله من التسرع إلى الفتنة- و ما كان يجوز له في الشرع أن يحبسهما و لا في السياسة- أما في الشرع فلأنه محظور أن يعاقب الإنسان بما لم يفعل- و على ما يظن منه و يجوز ألا يقع- و أما في السياسة فلأنه لو أظهر التهمة لهما- و هما من أفاضل السابقين و جلة المهاجرين- لكان في ذلك من التنفير عنه ما لا يخفى- و من الطعن عليه ما هو معلوم- بأن يقال إنه ليس من إمامته على ثقة- فلذلك يتهم الرؤساء و لا يأمن الفضلاء- لا سيما و طلحة كان أول من بايعه- و الزبير لم يزل مشتهرا بنصرته- فلو حبسهما و أظهر الشك فيهما لم يسكن أحد إلى جهته- و لنفر الناس كلهم عن طاعته- .

فإن قالوا فهلا استصلحهما و ولاهما- و ارتبطهما بالإجابة إلى أغراضهما- . قيل لهم فحوى هذا أنكم تطلبون من أمير المؤمنين ع- أن يكون في الإمامة مغلوبا على رأيه- مفتاتا عليه في تدبيره- فيقر معاوية على ولاية الشام غصبا- و يولي طلحة و الزبير مصر و العراق كرها- و هذا شي‏ء ما دخل تحته أحد ممن قبله- و لا رضوا أن يكون لهم من الإمامة الاسم و من الخلافة اللفظ- و لقد حورب عثمان و حصر على أن يعزل بعض ولاته- فلم يجب إلى ذلك- فكيف تسومون عليا ع أن يفتتح أمره بهذه الدنية- و يرضى بالدخول تحت هذه الخطة و هذا ظاهر- .

و منها تعلقهم بتولية أمير المؤمنين ع- محمد بن أبي بكر مصر- و عزله قيس بن سعد عنها- حتى قتل محمد بها و استولى معاوية عليها- .

و الجواب أنه ليس يمكن أن يقال- إن محمدا رحمه الله لم يكن بأهل لولاية مصر- لأنه كان شجاعا زاهدا فاضلا صحيح العقل و الرأي- و كان مع ذلك من المخلصين في محبة أمير المؤمنين ع- و المجتهدين في طاعته- و ممن لا يتهم عليه و لا يرتاب بنصحه و هو ربيبه و خريجه- و يجري مجرى أحد أولاده ع لتربيته له و إشفاقه عليه- . ثم كان المصريون على غاية المحبة له و الإيثار لولايته- و لما حاصروا عثمان- و طالبوه بعزل عبد الله بن سعد بن أبي سرح عنهم- اقترحوا تأمير محمد بن أبي بكر عليهم- فكتب له عثمان بالعهد على مصر و صار مع المصريين- حتى تعقبه كتاب عثمان إلى عبد الله بن سعد في أمره- و أمر المصريين بما هو معروف فعادوا جميعا- و كان من قتل عثمان ما كان- فلم يكن ظاهر الرأي و وجه التدبير- إلا تولية محمد بن أبي بكر على مصر- لما ظهر من ميل المصريين إليه و إيثارهم له- و استحقاقه لذلك بتكامل خصال الفضل فيه- فكان الظن قويا باتفاق الرعية على طاعته- و انقيادهم إلى نصرته و اجتماعهم على محبته- فكان من فساد الأمر و اضطرابه عليه حتى كان ما كان- و ليس ذلك يعيب على أمير المؤمنين ع- فإن الأمور إنما يعتمدها الإمام- على حسب ما يظن فيها من المصلحة- و لا يعلم الغيب إلا الله تعالى- . و قد ولى رسول الله ص في مؤتة جعفرا فقتل- و ولى زيدا فقتل و ولى عبد الله بن رواحة فقتل- و هزم الجيش و عاد من عاد منهم إلى المدينة بأسوإ حال- فهل لأحد أن يعيب رسول الله ص بهذا- و يطعن في تدبيره- .

و منها قولهم- إن جماعة من أصحابه ع فارقوه و صاروا إلى معاوية- كعقيل بن أبي طالب أخيه و النجاشي شاعره- و رقبة بن مصقلة أحد الوجوه من أصحابه- و لو لا أنه‏كان يوحشهم و لا يستميلهم- لم يفارقوه و يصيروا إلى عدوه- و هذا يخالف حكم السياسة- و ما يجب من تألف قلوب الأصحاب و الرعية- . و الجواب أنا أولا لا ننكر- أن يكون كل من رغب في حطام الدنيا و زخرفها- و أحب العاجل من ملاذها و زينتها- يميل إلى معاوية الذي يبذل منها كل مطلوب- و يسمح بكل مأمول و يطعم خراج مصر عمرو بن العاص- و يضمن لذي الكلاع و حبيب بن مسلمة- ما يوفي على الرجاء و الاقتراح- و علي ع لا يعدل فيما هو أمين عليه من مال المسلمين- عن قضية الشريعة و حكم الملة- حتى يقول خالد بن معمر السدوسي لعلباء بن الهيثم- و هو يحمله على مفارقة علي ع و اللحاق بمعاوية- اتق الله يا علباء في عشيرتك- و انظر لنفسك و لرحمك- ما ذا تؤمل عند رجل أردته- على أن يزيد في عطاء الحسن و الحسين- دريهمات يسيرة ريثما يرأبان بها ظلف عيشهما- فأبى و غضب فلم يفعل- .

فأما عقيل فالصحيح الذي اجتمع ثقات الرواة عليه- أنه لم يجتمع مع معاوية إلا بعد وفاة أمير المؤمنين ع- و لكنه لازم المدينة و لم يحضر حرب الجمل و صفين- و كان ذلك بإذن أمير المؤمنين ع- و قد كتب عقيل إليه بعد الحكمين- يستأذنه في القدوم عليه الكوفة بولده و بقية أهله- فأمره ع بالمقام- و قد روي في خبر مشهور- أن معاوية وبخ سعيد بن العاص على تأخيره عنه في صفين- فقال سعيد لو دعوتني لوجدتني قريبا- و لكني جلست مجلس عقيل و غيره من بني هاشم- و لو أوعبنا لأوعبوا- .

و أما النجاشي فإنه شرب الخمر في شهر رمضان- فأقام علي ع الحد عليه‏و زاده عشرين جلدة- فقال النجاشي ما هذه العلاوة- قال لجرأتك على الله في شهر رمضان- فهرب النجاشي إلى معاوية- . و أما رقبة بن مصقلة- فإنه ابتاع سبي بني ناجية و أعتقهم- و ألط بالمال و هرب إلى معاوية- فقال ع فعل فعل السادة و أبق إباق العبيد- و ليس تعطيل الحدود و إباحة حكم الدين- و إضاعة مال المسلمين من التألف و السياسة- لمن يريد وجه الله تعالى و التلزم بالدين- و لا يظن بعلي ع التساهل و التسامح في صغير من ذلك و لا كبير- . و منها شبهة الخوارج و هي التحكيم- و قد يحتج به على أنه اعتمد ما لا يجوز في الشرع- و قد يحتج به على أنه اعتمد ما ليس بصواب في تدبير الأمر- أما الأول فقولهم إنه حكم الرجال في دين الله- و الله سبحانه يقول إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ- و أما الثاني فقولهم إنه كان قد لاح له النصر- و ظهرت أمارات الظفر بمعاوية- و لم يبق إلا أن يأخذ برقبته فترك التصميم على ذلك- و أخلد إلى التحكيم- و ربما قالوا إن تحكيمه يدل على شك منه في أمره- و ربما قالوا كيف رضي بحكومة أبي موسى و هو فاسق عنده- بتثبيطه أهل الكوفة عنه في حرب البصرة- و كيف رضي بتحكيم عمرو بن العاص و هو أفسق الفاسقين- .

و الجواب أما تحكيم الرجال في الدين فليس بمحظور- فقد أمر الله تعالى بالتحكيم بين المرأة و زوجها- فقال وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما- فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماًمِنْ أَهْلِها – و قال في جزاء الصيد يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ- . و أما قولهم كيف ترك التصميم بعد ظهور أمارات النصر- فقد تواتر الخبر بأن أصحابه لما رفع أهل الشام المصاحف- عند ظهور أهل العراق عليهم و مشارفة هلاك معاوية و أصحابه- انخدعوا برفع المصاحف- و قالوا لا يحل لنا التصميم على حربهم- و لا يجوز لنا إلا وضع السلاح و رفع الحرب- و الرجوع إلى المصاحف و حكمها- فقال لهم إنها خديعة و إنها كلمة حق يراد بها باطل- و أمرهم بالصبر و لو ساعة واحدة فأبوا ذلك- و قالوا أرسل إلى الأشتر فليعد فأرسل إليه- فقال كيف أعود و قد لاحت أمارات النصر و الظفر- فقالوا له ابعث إليه مرة أخرى فبعث إليه- فأعاد الجواب بنحو قوله الأول- و سأل أن يمهل ساعة من النهار- فقالوا إن بينك و بينه وصية ألا يقبل- فإن لم تبعث إليه من يعيده- و إلا قتلناك بسيوفنا كما قتلنا عثمان- أو قبضنا عليك و أسلمناك إلى معاوية- فعاد الرسول إلى الأشتر- فقال أ تحب أن تظفر أنت هاهنا و تكسر جنود الشام- و يقتل أمير المؤمنين ع في مضربه- قال أ و قد فعلوها لا بارك الله فيهم- أ بعد أن أخذت بمخنق معاوية و رأى الموت عيانا أرجع- ثم عاد فشتم أهل العراق و سبهم و قال لهم و قالوا له- ما هو منقول مشهور و قد ذكرنا الكثير منه فيما تقدم- . فإذا كانت الحال وقعت هكذا- فأي تقصير وقع من أمير المؤمنين ع- و هل ينسب المغلوب على أمره- المقهور على رأيه إلى تقصير أو فساد تدبير- .

و بهذا نجيب عن قولهم- إن التحكيم يدل على الشك في أمره- لأنه إنما يدل على ذلك لو ابتدأ هو به- فأما إذا دعاه إلى ذلك غيره و استجاب إليه أصحابه- فمنعهم و أمرهمأن يمروا على وتيرتهم و شأنهم فلم يفعلوا- و بين لهم أنها مكيدة فلم يتبينوا- و خاف أن يقتل أو يسلم إلى عدوه- فإنه لا يدل تحكيمه على شكه- بل يدل على أنه قد دفع بذلك ضررا عظيما عن نفسه- و رجا أن يحكم الحكمان بالكتاب- فتزول الشبهة عمن طلب التحكيم من أصحابه- .

و أما تحكيمه عمرا مع ظهور فسقه فإنه لم يرض به- و إنما رضي به مخالفه و كرهه هو فلم يقبل منه- و قد قيل إنه أجاب ابن عباس رحمه الله عن هذا- فقال للخوارج أ ليس قد قال الله تعالى- فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها- أ رأيتم لو كانت المرأة يهودية فبعثت حكما من أهلها- أ كنا نسخط ذلك- . و أما أبو موسى فقد كرهه أمير المؤمنين ع- و أراد أن يجعل بدله عبد الله بن عباس- فقال أصحابه لا يكون الحكمان من مضر- فقال فالأشتر فقالوا و هل أضرم النار إلا الأشتر- و هل جر ما ترى إلا حكومة الأشتر- و لكن أبا موسى فأباه فلم يقبلوا منه و أثنوا عليه- و قالوا لا نرضى إلا به فحكمه على مضض- .

و منها قولهم ترك الرأي لما دعاه العباس- وقت وفاة الرسول ص إلى البيعة- و قال له امدد يدك أبايعك- فيقول الناس عم رسول الله ص بايع ابن عمه- فلا يختلف عليك اثنان فلم يفعل- و قال و هل يطمع فيها طامع غيري- فما راعه إلا الضوضاء و اللغط في باب الدار- يقولون قد بويع أبو بكر بن أبي قحافة- .

الجواب أن صواب الرأي و فساده- فيما يرجع إلى مثل هذه الواقعة- يستندان إلى ما قد كان غلب على الظن- و لا ريب أنه ع لم يغلب على ظنه- أن أحدا يستأثر عليه بالخلافة- لأحوال قد كان مهدها له رسول الله ص- و ما توهم إلا أنه ينتظر- و يرتقب خروجه من البيت و حضوره- و لعله قد كان يخطر له أنه إما أن يكون هو الخليفة- أو يشاور في الخلافة إلى من يفوض- و ما كان يتوهم أنه يجري الأمر على ما جرى من الفلتة- عند ثوران تلك الفتنة- و لا يشاور هو و لا العباس و لا أحد من بني هاشم- و إنما كان يكون تدبيره فاسدا- لو كان يحاذر خروج الأمر عنه و يتوهم ذلك و يغلب على ظنه- إن لم يبادر تحصيله بالبيعة المعجلة- في الدار من وراء الأبواب و الأغلاق و إلا فاته- ثم يهمل ذلك و لا يفعله و قد صرح هو بما عنده- فقال و هل يطمع فيها طامع غيري- ثم قال إني أكره البيعة هاهنا و أحب أن أصحر بها- فبين أنه يستهجن أن يبايع سرا خلف الحجب و الجدران- و يحب أن يبايع جهرة بمحضر من الناس كما قال- حيث طلبوا منه بعد قتل عثمان أن يبايعهم في داره- فقال لا بل في المسجد- و لا يعلم و لا خطر له ما في ضمير الأيام- و ما يحدث الوقت من وقوع ما لا يتوهم العقلاء- و أرباب الأفكار وقوعه- .

و منها قولهم- إنه قصر في طلب الخلافة عند بيعة أبي بكر- و قد كان اجتمع له من بني هاشم و بني أمية- و غيرهم من أفناء الناس- من يتمكن بهم من المنازعة و طلب الخلافة- فقصر عن ذلك لا جبنا لأنه كان أشجع البشر- و لكن قصور تدبير و ضعف رأي- و لهذا أكفرته الكاملية و أكفرت الصحابة- فقالوا كفرت الصحابة لتركهم بيعته- و كفر هو بترك المنازعة لهم- .

و الجواب أما على مذهبنا فإنه لم يكن ع منصوصا عليه- و إنما كان يدعيها بالأفضلية و القرابة و السابقة- و الجهاد و نحو ذلك من الخصائص- فلما وقعت بيعة أبي بكر- رأى هو علي ع أن الأصلح للإسلام ترك النزاع- و أنه يخاف من النزاع حدوث فتنة تحل معاقد الملة- و تزعزع أركانها- فحضر و بايع طوعا و وجب علينا بعد مبايعته- و رضاه أن نرضى بمن رضي هو ع و نطيع من أطاعه- لأنه القدوة و أفضل من تركه ص بعده- . و أما الإمامية- فلهم عن ذلك جواب آخر معروف من قواعدهم- .

و منها قولهم- إنه قصر في الرأي حيث دخل في الشورى- لأنه جعل نفسه بدخوله فيها نظيرا لعثمان و غيره من الخمسة- و قد كان الله تعالى رفعه عنهم و على من كان قبلهم- فوهن بذلك قدره و طأطأ من جلالته- أ لا ترى أنه يستهجن و يقبح- من أبي حنيفة و الشافعي رحمهما الله- أن يجعلا أنفسهما نظراء لبعض من بدأ طرفا من الفقه- و يستهجن و يقبح من سيبويه و الأخفش- أن يوازيا أنفسهما بمن يعلم أبوابا يسيرة من النحو- .

الجواب أنه ع و إن كان أفضل من أصحاب الشورى- فإنه كان يظن أن ولي الأمر أحدهم بعد عمر- لا يسير سيرة صالحة و أن تضطرب بعض أمور الإسلام- و قد كان يثني على سيرة عمر و يحمدها- فواجب عليه بمقتضى ظنه أن يدخل معهم فيما أدخله عمر فيه- توقعا لأن يفضي الأمر إليه فيعمل بالكتاب و السنة- و يحيي معالم رسول الله ص- و ليس اعتماد ما يقتضيه الشرع مما يوجب نقصا في الرأي- فلا تدبير أصح و لا أسد من تدبير الشرع- .

و منها قولهم- إنه ما أصاب حيث أقام بالمدينة و عثمان محصور- و قد كان يجب في الرأي أن يخرج عنها- بحيث لا تنوط بنو أمية به دم عثمان- فإنه لو كان بعيدا عن المدينة- لكان من قذفهم إياه بذلك أبعد و عنه أنزه- . و الجواب أنه لم يكن يخطر له مع براءته من دم عثمان- أن أهل الفساد من بني أمية يرمونه بأمره- و الغيب لا يعلمه إلا الله- و كان يرى مقامه بالمدينة- أدعى إلى انتصار عثمان على المحاصرين له- فقد حضر هو بنفسه مرارا و طرد الناس عنه- و أنفذ إليه ولديه و ابن أخيه عبد الله- و لو لا حضور علي ع بالمدينة لقتل عثمان- قبل أن يقتل بمدة- و ما تراخي أمره و تأخر قتله- إلا لمراقبة الناس له حيث شاهدوه ينتصر له و يحامي عنه- . و منها قولهم كان يجب في مقتضى الرأي حيث قتل عثمان- أن يغلق بابه و يمنع الناس من الدخول إليه- فإن العرب كانت تضطرب اضطرابة ثم تئول إليه- لأنه تعين للأمر بحكم الحال الحاضرة فلم يفعل- و فتح بابه و ترشح للأمر و بسط له يده- فلذلك انتقضت عليه العرب من أقطارها- .

و الجواب أنه ع كان يرى- أن القيام بالأمر يومئذ فرض عليه لا يجوز له الإخلال به- لعدم من يصلح في ظنه للخلافة- فما كان يجوز له أن يغلق بابه و يمتنع- و ما الذي كان يومئذ أن يبايع الناس طلحة أو الزبير- أو غيرهما ممن لا يراه أهلا للأمر- فقد كان عبد الله بن الزبير- يومئذ يزعم أن عثمان عهد إليه بالخلافة و هو محصور- و كان مروان يطمع أن ينحاز إلى طرف من الأطراف- فيخطب لنفسه بالخلافة- و له من بني أمية شيعة و أصحاب- بشبهة أنه ابن عم عثمان- و أنه كان يدبر أمر الخلافة على عهده- و كان معاوية يرجو أن ينال الخلافة- لأنه من بني أمية و ابن عم عثمان- و أمير الشام عشرين سنة- و قد كان قوم من بني أمية يتعصبون لأولاد عثمان المقتول- و يرومون إعادة الخلافة فيهم-و ما كان يسوغ لعلي ع في الدين- إذا طلبه المسلمون للخلافة أن يمتنع عنها- و يعلم أنها ستصير إذا امتنع إلى هؤلاء فلذلك فتح بابه- و امتنع امتناع من يحاول أن يعلم ما في قلوب الناس- هل لرغبتهم إليه حقيقة أم لا- فلما رأى منهم التصميم وافق لوجوب الموافقة عليه- وقد قال في خطبته لو لا حضور الحاضر و وجوب الحجة بوجود الناصر- … لألقيت حبلها على غاربها و لسقيت آخرها بكأس أولها- و هذا تصريح بما قلناه- .

و منها قولهم هلا إذ ملك شريعة الفرات على معاوية- بعد أن كان معاوية ملكها عليه و منعه و أهل العراق منها- منع معاوية و أهل الشام منها فكان يأخذهم قبضا بالأيدي- فإنه لم يصبر على منعهم عن الماء بل فسح لهم في الورود- و هذا يخالف ما يقتضيه تدبير الحرب- . الجواب أنه ع لم يكن يستحل ما استحله معاوية- من تعذيب البشر بالعطش- فإن الله تعالى ما أمر في أحد من العصاة- الذين أباح دماءهم بذلك- و لا فسح فيه في نحو القصاص أو حد الزاني المحصن- أو قتل قاطع الطريق أو قتال البغاة و الخوارج- و ما كان أمير المؤمنين ممن يترك حكم الله و شريعته- و يعتمد ما هو محرم فيها- لأجل الغلبة و القهر و الظفر بالعدو- و لذلك لم يكن يستحل البيات و لا الغدر و لا النكث- و أيضا فمن الجائز أن يكون ع غلب على ظنه- أن أهل الشام إن منعوا من الماء- كان ذلك أدعى لهم إلى الحملات الشديدة- المنكرة على عسكره و أن يضعوا فيهم السيوف- فيأتوا عليهم و يكسروهم بشدة حنقهم- و قوة داعيهم إلى ورود الماء- فإن ذلك من أشد الدواعي- إلى أن يستميت القوم و يستقتلوا- و من الذي يقف بين يدي جيش عظيم- عرمرم قد اشتد بهم العطش- و هم يرون الماء كبطون الحيات- لا يحول بينهم و بينه‏ إلا قوم مثلهم- بل أقل منهم عدة و أضعف عدة- و لذلك لما حال معاوية بين أهل العراق و بين الماء- و قال لأمنعنهم وروده فأقتلهم بشفار الظمأ-

قال له عمرو بن العاص خل بين القوم و بين الماء- فليسوا ممن يرى الماء و يصبر عنه- فقال لا و الله لا أخلي لهم عنه فسفه رأيه و قال- أ تظن أن ابن أبي طالب و أهل العراق- يموتون بإزائك عطشا- و الماء بمقعد الأزر و سيوفهم في أيديهم- فلج معاوية و قال لا أسقيهم قطرة كما قتلوا عثمان عطشا- فلما مس أهل العراق العطش- أشار علي ع إلى الأشعث أن احمل- و إلى الأشتر أن احمل- فحملا بمن معهما فضربا أهل الشام ضربا أشاب الوليد- و فر معاوية و من رأى رأيه و تابعه على قوله عن الماء- كما تفر الغنم خالطتها السباع- و كان قصارى أمره- و منتهى همته أن يحفظ رأسه و ينجو بنفسه- و ملك أهل العراق عليهم الماء و دفعوهم عنه- فصاروا في البر القفر- و صار علي ع و أصحابه على شريعة الفرات مالكين لها- فما الذي كان يؤمن عليا ع لو أعطش القوم- أن يذوق هو و أصحابه منهم مثل ما أذاقهم- و هل بعد الموت بالعطش أمر يخافه الإنسان- و هل يبقى له ملجأ إلا السيف يحمل به- فيضرب خصمه إلى أن يقتل أحدهما- .

و منها قولهم- أخطأ حيث محا اسمه بالخلافة من صحيفة الحكومة- فإن ذلك مما وهنه عند أهل العراق- و قوى الشبهة في نفوس أهل الشام- . و الجواب أنه ع احتذى في ذلك لما دعي إليه- و اقترحه الخصم عليه فعل رسول الله ص في صحيفة الحديبية- حيث محا اسمه من النبوة لما قال له سهيل بن عمرو- لو علمنا أنك رسول الله لما حاربناك- و لا منعناك عن البيت- و قد قال له ص و هو يومئذ كاتب تلك الصحيفة- ستدعى إلى مثلها فتجيب- و هذا من أعلام نبوته ص و من دلائل صدقه- و مثله جرى له حذو القذة بالقذة- .

و منها قولهم- إنه كان غير مصيب في ترك الاحتراس- فقد كان يعلم كثرة أعدائه و لم يكن يحترس منهم- و كان يخرج ليلا في قميص و رداء وحده- حتى كمن له ابن ملجم في المسجد فقتله- و لو كان احترس و حفظ نفسه و لم يخرج إلا في جماعة- و لو خرج ليلا كانت معه أضواء و شرطة لم يوصل إليه- . و الجواب أن هذا إن كان قادحا في السياسة و التدبير- فليكن قادحا في تدبير عمر و سياسته- و هو عند الناس في الطبقة العليا في السياسة- و صحة التدبير- و ليكن قادحا في تدبير معاوية- فقد ضربه الخارجي بالسيف ليلة ضرب أمير المؤمنين ع- فجرحه و لم يأت على نفسه- و معاوية عند هؤلاء سديد التدبير- و ليكن قادحا في صحة تدبير رسول الله ص- فقد كان يخرج وحده في المدينة ليلا و نهارا- مع كثرة أعدائه- و قد كان يأكل ما دعي إليه و لا يحترس- حتى أكل من يهودية شاة مشوية قد سمته فيها فمرض- و خيف عليه التلف- و لما برأ لم تزل تنتقض عليه حتى مات منها- وقال عند موته إني ميت من تلك الأكلة
– و لم تكن العرب في ذلك الزمان تحترس- و لا تعرف الغيلة و الفتك-

و كان ذلك عندهم قبيحا يعير به فاعله- لأن الشجاعة غير ذلك و الغيلة فعل العجزة من الرجال- و لأن عليا ع كانت هيبته قد تمكنت في صدور الناس- فلم يكن يظن أن أحدا يقدم عليه غيلة- أو مبارزة في حرب- فقد كان بلغ من الذكر بالشجاعة مبلغا عظيما- لم يبلغه أحد من الناس- لا من تقدم و لا من تأخر- حتى كانت أبطال العرب تفزع باسمه- أ لا ترى إلى عمرو بن معديكرب و هو شجاع العرب- الذي تضرب به الأمثال-

كتب إليه عمر بن الخطاب في أمر أنكره عليه- و غدر تخوفه منه- أما و الله لئن أقمت على ما أنت عليه- لأبعثن إليك رجلا تستصغر معه نفسك يضع سيفه على هامتك فيخرجه من بين فخذيك- فقال عمرو لما وقف على الكتاب هددني بعلي و الله- و لهذا قال شبيب بن بجرة لابن ملجم- لما رآه يشد الحرير على بطنه و صدره- ويلك ما تريدأن تصنع قال أقتل عليا- قال هبلتك الهبول لقد جئت شيئا إدا- كيف تقدر على ذلك- فاستبعد أن يتم لابن ملجم ما عزم عليه- و رآه مراما وعرا- و الأمر في هذا و أمثاله مسند إلى غلبات الظنون- فمن غلبت على ظنه السلامة مع الاسترسال- لم يجب عليه الاحتراس- و إنما يجب الاحتراس على من يغلب على ظنه العطب- إن لم يحترس- . فقد بان بما أوضحناه فساد قول من قال- إن تدبيره ع و سياسته لم تكن صالحة- و بان أنه أصح الناس تدبيرا و أحسنهم سياسة- و إنما الهوى و العصبية لا حيلة فيهما

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 10

خطبه 192 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

192 و من كلام له ع كان يوصي به أصحابه

تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلَاةِ وَ حَافِظُوا عَلَيْهَا- وَ اسْتَكْثِرُوا مِنْهَا وَ تَقَرَّبُوا بِهَا- فَإِنَّهَا كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً- أَ لَا تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ النَّارِ حِينَ سُئِلُوا- ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ- قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ- وَ إِنَّهَا لَتَحُتُّ الذُّنُوبَ حَتَّ الْوَرَقِ- وَ تُطْلِقُهَا إِطْلَاقَ الرِّبَقِ- وَ شَبَّهَهَا رَسُولُ اللَّهِ ص بِالْحَمَّةِ تَكُونُ عَلَى بَابِ الرَّجُلِ- فَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ وَ اللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ- فَمَا عَسَى أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَنِ- وَ قَدْ عَرَفَ حَقَّهَا رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- الَّذِينَ لَا تَشْغَلُهُمْ عَنْهَا زِينَةُ مَتَاعٍ وَ لَا قُرَّةُ عَيْنٍ- مِنْ وَلَدٍ وَ لَا مَالٍ- يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ- رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ- وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ- وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص نَصِباً بِالصَّلَاةِ- بَعْدَ التَّبْشِيرِ لَهُ بِالْجَنَّةِ- لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها- فَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ وَ يُصْبِرُ نَفْسَهُ-ثُمَّ إِنَّ الزَّكَاةَ جُعِلَتْ مَعَ الصَّلَاةِ قُرْبَاناً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ- فَمَنْ أَعْطَاهَا طَيِّبَ النَّفْسِ بِهَا- فَإِنَّهَا تُجْعَلُ لَهُ كَفَّارَةً وَ مِنَ النَّارِ حِجَازاً وَ وِقَايَةً- فَلَا يُتْبِعَنَّهَا أَحَدٌ نَفْسَهُ وَ لَا يُكْثِرَنَّ عَلَيْهَا لَهَفَهُ- فَإِنَّ مَنْ أَعْطَاهَا غَيْرَ طَيِّبِ النَّفْسِ بِهَا- يَرْجُو بِهَا مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا فَهُوَ جَاهِلٌ بِالسُّنَّةِ- مَغْبُونُ الْأَجْرِ ضَالُّ الْعَمَلِ- طَوِيلُ النَّدَمِ ثُمَّ أَدَاءَ الْأَمَانَةِ- فَقَدْ خَابَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا- إِنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى السَّمَاوَاتِ الْمَبْنِيَّةِ- وَ الْأَرَضِينَ الْمَدْحُوَّةِ وَ الْجِبَالِ ذَاتِ الطُّولِ الْمَنْصُوبَةِ- فَلَا أَطْوَلَ وَ لَا أَعْرَضَ وَ لَا أَعْلَى وَ لَا أَعْظَمَ مِنْهَا- وَ لَوِ امْتَنَعَ شَيْ‏ءٌ بِطُولٍ أَوْ عَرْضٍ- أَوْ قُوَّةٍ أَوْ عِزٍّ لَامْتَنَعْنَ- وَ لَكِنْ أَشْفَقْنَ مِنَ الْعُقُوبَةِ- وَ عَقَلْنَ مَا جَهِلَ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُنَّ وَ هُوَ الْإِنْسَانُ- إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا- إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ- مَا الْعِبَادُ مُقْتَرِفُونَ فِي لَيْلِهِمْ وَ نَهَارِهِمْ- لَطُفَ بِهِ خُبْراً وَ أَحَاطَ بِهِ عِلْماً أَعْضَاؤُكُمْ شُهُودُهُ- وَ جَوَارِحُكُمْ جُنُودُهُ وَ ضَمَائِرُكُمْ عُيُونُهُ وَ خَلَوَاتُكُمْ عِيَانُهُ هذه الآية يستدل بها الأصوليون من أصحابنا- على أن الكفار يعاقبون في الآخرة- على ترك الواجبات الشرعية- و على فعل القبائح لأنها في الكفار وردت- أ لا ترى إلى قوله- فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ- فليس يجوز أن يعني بالمجرمين- هاهنا الفاسقين من أهل القبلة لأنه قال- قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ-وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ- وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ- وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ- .

قالوا و ليس لقائل أن يقول- معنى قوله لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ- لم نكن من القائلين بوجوب الصلاة- لأنه قد أغنى عن هذا التعليل قوله- وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ- لأن أحد الأمرين هو الآخر- و حمل الكلام على ما يفيد فائدة جديدة- أولى من حمله على التكرار و الإعادة- فقد ثبت بهذا التقرير- صحة احتجاج أمير المؤمنين ع على تأكيد أمر الصلاة- و أنها من العبادات المهمة في نظر الشارع- . قوله ع و إنها لتحت الذنوب- الحت نثر الورق من الغصن و انحات أي تناثر- و قد جاء هذا اللفظ في الخبر النبوي بعينه- . و الربق جمع ربقة و هي الحبل- أي تطلق الصلاة الذنوب كما تطلق الحبال المعقدة- أي تحل ما انعقد على المكلف من ذنوبه- و هذا من باب الاستعارة- . و يروى تعهدوا أمر الصلاة بالتضعيف و هو لغة- يقال تعاهدت ضيعتي و تعهدتها و هو القيام عليها- و أصله من تجديد العهد بالشي‏ء- و المراد المحافظة عليه- و قوله تعالى إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً- أي واجبا- و قيل موقوتا أي منجما كل وقت لصلاة معينة- و تؤدى هذه الصلاة في نجومها- .

و قوله كتابا أي فرضا واجبا- كقوله تعالى كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي أوجب- . و الحمة الحفيرة فيها الحميم و هو الماء الحار- و هذا الخبر من الأحاديث الصحاح-قال ص أ يسر أحدكم أن تكون على بابه حمة- يغتسل منها كل يوم خمس‏مرات- فلا يبقى عليه من درنه شي‏ء قالوا نعم- قال فإنها الصلوات الخمس- و الدرن الوسخ- . و التجارة في الآية إما أن يراد بها- لا يشغلهم نوع من هذه الصناعة عن ذكر الله- ثم أفرد البيع بالذكر- و خصه و عطفه على التجارة العامة- لأنه أدخل في الإلهاء- لأن الربح في البيع بالكسب معلوم- و الربح في الشراء مظنون- و إما أن يريد بالتجارة الشراء خاصة- إطلاقا لاسم الجنس الأعم على النوع الأخص- كما تقول رزق فلان تجارة رابحة- إذا اتجه له شراء صالح- فأما إقام الصلاة- فإن التاء في إقامة عوض من العين الساقطة للإعلال- فإن أصله إقوام مصدر أقام كقولك أعرض إعراضا- فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض- فأسقطت التاء- . قوله ع و كان رسول الله ص نصبا بالصلاة أي تعبا- قال تعالى ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏- .

وروي أنه ع قام حتى تورمت قدماه- مع التبشير له بالجنةوروي أنه قيل له في ذلك فقال- أ فلا أكون عبدا شكورا- . و يصبر نفسه من الصبر- و يروى و يصبر عليها نفسه أي يحبس- قال سبحانه وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ- و قال عنترة يذكر حربا كان فيها-

فصبرت عارفة لذلك حرة
ترسو إذا نفس الجبان تطلع‏

فصل في ذكر الآثار الواردة في الصلاة و فضلها

و اعلم أن الصلاة قد جاء في فضلها الكثير- الذي يعجزنا حصره- و لو لم يكن‏إلا ما ورد في الكتاب العزيز- من تكرار ذكرها و تأكيد الوصاة بها و المحافظة عليها- لكان بعضه كافيا- .

وقال النبي ص الصلاة عمود الدين- فمن تركها فقد هدم الدين
وقال أيضا ع علم الإيمان الصلاة- فمن فرغ لها قلبه و قام بحدودها فهو المؤمن
وقالت أم سلمة كان رسول الله ص يحدثنا و نحدثه- فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا و لم نعرفه
وقيل للحسن رحمه الله- ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوها- قال لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره
وقال عمر إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام- ما أكمل الله له صلاة قيل له و كيف ذلك- قال لا يتم خشوعها و تواضعها و إقباله على ربه فيها- .

و قال بعض الصالحين- إن العبد ليسجد السجدة عنده أنه متقرب بها إلى الله- و لو قسم ذنبه في تلك السجدة على أهل مدينة لهلكوا- قيل و كيف ذلك قال يكون ساجدا و قلبه عند غير الله- إنما هو مصغ إلى هوى أو دنيا- . صلى أعرابي في المسجد صلاة خفيفة- و عمر بن الخطاب يراه- فلما قضاها قال اللهم زوجني الحور العين- فقال عمر يا هذا لقد أسأت النقد و أعظمت الخطبة- .

وقال علي ع لا يزال الشيطان ذعرا من المؤمن ما حافظ على الخمس- فإذا ضيعهن تجرأ عليه و أوقعه في العظائموروي عن النبي ص أنه قال الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما- ما اجتنبت الكبائروجاء في الخبر أن رسول الله ص كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة- . و قال هشام بن عروة- كان أبي يطيل المكتوبة و يقول هي رأس المال- .

قال يونس بن عبيد- ما استخف أحد بالنوافل إلا استخف بالفرائض- . يقال إن محمد بن المنكدر جزأ الليل عليه- و على أمه و أخته أثلاثا فماتت أخته- فجزأه عليه و على أمه نصفين- فماتت أمه فقام الليل كله- . كان مسلم بن يسار لا يسمع الحديث إذا قام يصلي و لا يفهمه- و كان إذا دخل بيته سكت أهله- فلا يسمع لهم كلام حتى يقوم إلى الصلاة- فيتحدثون و يلغطون فهو لا يشعر بهم- . و وقع حريق إلى جنبه و هو في الصلاة- فلم يشعر به حتى حرق- . كان خلف بن أيوب لا يطرد الذباب- إذا وقع على وجهه و هو في الصلاة في بلاد كثيرة الذبان- فقيل له كيف تصبر- فقال بلغني أن الشطار يصبرون تحت السياط- ليقال فلان صبور- أ فلا أصبر و أنا بين يدي ربي على أذى ذباب يقع علي- .

قال ابن مسعود الصلاة مكيال فمن وفى وفي له- و من طفف ف وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ‏ قال رجل لرسول الله ص- يا رسول الله ادع لي أن يرزقني الله مرافقتك في الجنة- فقال أعني على إجابة الدعوة بكثرة السجود- . قوله ع قربانا لأهل الإسلام- القربان اسم لما يتقرب به من نسيكة أو صدقة- . و روي و من النار حجازا بالزاي أي مانعا- و اللهف الحسرة- ينهى ع‏عن إخراج الزكاة مع التسخط لإخراجها- و التلهف و التحسر على دفعها إلى أربابها و يقول- إن من يفعل ذلك يرجو بها نيل الثواب ضال مضيع لماله- غير ظافر بما رجاه من المثوبة

ذكر الآثار الواردة في فضل الزكاة و التصدق

و قد جاء في فضل الزكاة الواجبة- و فضل صدقة التطوع الكثير جدا- و لو لم يكن إلا أن الله تعالى قرنها بالصلاة- في أكثر المواضع التي ذكر فيها الصلاة لكفى- . وروى بريدة الأسلمي أن رسول الله ص قال ما حبس قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر- . و جاء في الذين يكنزون الذهب و الفضة- و لا ينفقونهما في سبيل الله ما جاء في الذكر الحكيم- و هو قوله تعالى- يَوْمَ يُحْمى‏ عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى‏ بِها جِباهُهُمْ الآية- قال المفسرون إنفاقها في سبيل الله إخراج الزكاة منها- .

و روى الأحنف قال قدمت المدينة- فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش- إذ جاء رجل خشن الجسد خشن الثياب- فقام عليهم فقال بشر الكانزين- برضف يحمى عليها في نار جهنم- فتوضع على حلمة ثدي الرجل حتى تخرج من نغض كتفه- ثم توضع على نغض كتفه حتى تخرج من حلمة ثديه- فسألت عنه فقيل هذا أبو ذر الغفاري و كان يذكره و يرفعه- .ابن عباس يرفعه من كان عنده ما يزكي فلم يزك- و كان عنده ما يحج فلم يحج سأل الرجعةيعني قوله رَبِّ ارْجِعُونِ- .

أبو هريرة سئل رسول الله ص أي الصدقة أفضل- فقال أن تعطي و أنت صحيح شحيح- تأمل البقاء و تخشى الفقر و لا تمهل- حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا و لفلان كذا- . و قيل للشبلي ما يجب في مائتي درهم- قال أما من جهة الشرع فخمسه- و أما من جهة الإخلاص فالكل- .أمر رسول الله ص بعض نسائه- أن تقسم شاة على الفقراء- فقالت يا رسول الله لم يبق منها غير عنقها- فقال ع كلها بقي غير عنقها- أخذ شاعر هذا المعنى فقال-

يبكي على الذاهب من ماله
و إنما يبقى الذي يذهب‏

السائب كان الرجل من السلف يضع الصدقة- و يمثل قائما بين يدي السائل الفقير و يسأله قبولها- حتى يصير هو في صورة السائل- . و كان بعضهم يبسط كفه و يجعلها تحت يد الفقير- لتكون يد الفقير العليا- .

وعن النبي ص ما أحسن عبد الصدقة- إلا أحسن الله إليه في مخلفيهوعنه ص الصدقة تسد سبعين بابا من الشروعنه ص أذهبوا مذمة السائل- و لو بمثل رأس الطائر من الطعام-.كان النبي ص لا يكل خصلتين إلى غيره- لا يوضئه أحد و لا يعطي السائل إلا بيده- . بعض الصالحين- الصلاة تبلغك نصف الطريق- و الصوم يبلغك باب الملك- و الصدقة تدخلك عليه بغير إذن- . الشعبي- من لم ير نفسه أحوج إلى ثواب الصدقة- من الفقير إلى صدقته- فقد أبطل صدقته و ضرب بها وجهه- .

كان الحسن بن صالح إذا جاءه سائل- فإن كان عنده ذهب أو فضة أو طعام أعطاه- فإن لم يكن أعطاه زيتا أو سمنا أو نحوهما مما ينتفع به- فإن لم يكن أعطاه كحلا- أو خرج بإبرة و خاط بها ثوب السائل- أو بخرقة يرقع بها ما تخرق من ثوبه- . و وقف مرة على بابه سائل ليلا- و لم يكن عنده ما يدفعه إليه- فخرج إليه بقصبة في رأسها شعلة و قال- خذ هذه و تبلغ بها إلى أبواب ناس لعلهم يعطونك- .

قوله ع ثم أداء الأمانة- هي العقد الذي يلزم الوفاء به- و أصح ما قيل في تفسير الآية أن الأمانة ثقيلة المحمل- لأن حاملها معرض لخطر عظيم- فهي بالغة من الثقل و صعوبة المحمل- ما لو أنها عرضت على السماوات و الأرض و الجبال- لامتنعت من حملها- . فأما الإنسان فإنه حملها و ألزم القيام بها- و ليس المراد بقولنا إنها عرضت على السماوات و الأرض- أي لو عرضت عليها و هي جمادات- بل المراد تعظيم شأن الأمانة- كما تقول هذا الكلام لا يحمله الجبال- و قولهامتلأ الحوض و قال قطني‏- . و قوله تعالى قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ- و مذهب العرب في هذا الباب- و توسعها و مجازاتها مشهور شائع

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 10

خطبه 191 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

191 و من خطبة له ع

يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي الْفَلَوَاتِ- وَ مَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ- وَ اخْتِلَافِ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ- وَ تَلَاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّيَاحِ الْعَاصِفَاتِ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً نَجِيبُ اللَّهِ- وَ سَفِيرُ وَحْيِهِ وَ رَسُولُ رَحْمَتِهِ- أَمَّا بَعْدُ- فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ- وَ إِلَيْهِ يَكُونُ مَعَادُكُمْ وَ بِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ- وَ إِلَيْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِكُمْ وَ نَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُمْ- وَ إِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُمْ- فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ- وَ بَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ وَ شِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ- وَ صَلَاحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ- وَ طُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ وَ جِلَاءُ غِشَاءِ أَبْصَارِكُمْ- وَ أَمْنُ فَزَعِ جَأْشِكُمْ وَ ضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ العجيج رفع الصوت و كذلك العج- وفي الحديث أفضل الحج العج و الثج- أي التلبية و إراقة الدم و عجيج أي صوت- و مضاعفة اللفظ دليل على تكرير التصويت- . و النينان جمع نون و هو الحوت- و اختلافها هاهنا هو إصعادها و انحدارها- . و نجيب الله منتجبه و مختاره- . و سفير وحيه رسول وحيه و الجمع سفراء مثل فقيه و فقهاء- .

و إليه مرامي مفزعكم إليه تفزعون و تلجئون- و يقال فلان مرمى قصدي أي هو الموضع الذي أنحوه و أقصده- . و يروى و جلاء عشى أبصاركم- بالعين المهملة و الألف المقصورة- و الجأش القلب- و تقدير الكلام و ضياء سواد ظلمة عقائدكم- و لكنه حذف المضاف للعلم به: فَاجْعَلُوا طَاعَةَ اللَّهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِكُمْ- وَ دَخِيلًا دُونَ شِعَارِكُمْ وَ لَطِيفاً بَيْنَ أَضْلَاعِكُمْ- وَ أَمِيراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ وَ مَنْهَلًا لِحِينِ وُرُودِكُمْ- وَ شَفِيعاً لِدَرَكِ طَلِبَتِكُمْ وَ جُنَّةً لِيَوْمِ فَزَعِكُمْ- وَ مَصَابِيحَ لِبُطُونِ قُبُورِكُمْ- وَ سَكَناً لِطُولِ وَحْشَتِكُمْ وَ نَفَساً لِكَرْبِ مَوَاطِنِكُمْ- فَإِنَّ طَاعَةَ اللَّهِ حِرْزٌ مِنْ مَتَالِفَ مُكْتَنِفَةٍ- وَ مَخَاوِفَ مُتَوَقَّعَةٍ وَ أُوَارِ نِيرَانٍ مُوقَدَةٍ- فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوِّهَا- وَ احْلَوْلَتْ لَهُ الْأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا- وَ انْفَرَجَتْ عَنْهُ الْأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاكُمِهَا- وَ أَسْهَلَتْ لَهُ الصِّعَابُ بَعْدَ إِنْصَابِهَا- وَ هَطَلَتْ عَلَيْهِ الْكَرَامَةُ بَعْدَ قُحُوطِهَا- . وَ تَحَدَّبَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورِهَا- وَ تَفَجَّرَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا- وَ وَبَلَتْ عَلَيْهِ الْبَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا- فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي نَفَعَكُمْ بِمَوْعِظَتِهِ- وَ وَعَظَكُمْ بِرِسَالَتِهِ وَ امْتَنَّ عَلَيْكُمْ بِنِعْمَتِهِ- فَعَبِّدُوا أَنْفُسَكُمْ لِعِبَادَتِهِ- وَ اخْرُجُوا إِلَيْهِ مِنْ حَقِّ طَاعَتِهِ‏

الشعار أقرب إلى الجسد من الدثار- و الدخيل ما خالط باطن الجسد و هو أقرب من الشعار- . ثم لم يقتصر على ذلك- حتى أمر بأن يجعل التقوى لطيفا بين الأضلاع- أي في القلب- و ذلك أمس بالإنسان من الدخيل- فقد يكون الدخيل في الجسد و إن لم يخامر القلب- . ثم قال و أميرا فوق أموركم- أي يحكم على أموركم كما يحكم الأمير في رعيته- . و المنهل الماء يرده الوارد من الناس و غيرهم- . و قوله لحين ورودكم أي لوقت ورودكم- . و الطلبة بكسر اللام ما طلبته من شي‏ء- . قوله و مصابيح لبطون قبوركم-جاء في الخبر أن العمل الصالح يضي‏ء قبر صاحبه- كما يضي‏ء المصباح الظلمة- .

و السكن ما يسكن إليه- . قوله و نفسا لكرب مواطنكم أي سعة و روحا- . و مكتنفة محيطة و الأوار حر النار و الشمس- . و عزبت بعدت و احلولت صارت حلوة- و تراكمها اجتماعها و تكاثفها- . و أسهلت صارت سهلة بعد إنصابها أي بعد إتعابها لكم- أنصبته أتعبته- . و هطلت سالت و قحوطها قلتها و وتاحتها- . و تحدبت عليه عطفت و حنت- . نضوبها انقطاعها كنضوب الماء ذهابه- .

و وبل المطر صار وابلا و هو أشد المطر و أكثره- و إرذاذها إتيانها بالرذاذ و هو ضعيف المطر- . قوله فعبدوا أنفسكم أي ذللوها و منه طريق معبد- . و اخرجوا إليه من حق طاعته- أي أدوا المفترض عليكم من العبادة- يقال خرجت إلى فلان من دينه أي قضيته إياه: ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْإِسْلَامَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ- وَ اصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ وَ أَصْفَاهُ خِيَرَةَ خَلْقِهِ- وَ أَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ- أَذَلَّ الْأَدْيَانَ بِعِزَّتِهِ وَ وَضَعَ الْمِلَلَ بِرَفْعِهِ- وَ أَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِكَرَامَتِهِ وَ خَذَلَ مُحَادِّيهِ بِنَصْرِهِ- وَ هَدَمَ أَرْكَانَ الضَّلَالَةِ بِرُكْنِهِ- وَ سَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِيَاضِهِ- وَ أَتْأَقَ الْحِيَاضَ بِمَوَاتِحِهِ- ثُمَّ جَعَلَهُ لَا انْفِصَامَ لِعُرْوَتِهِ وَ لَا فَكَّ لِحَلْقَتِهِ- وَ لَا انْهِدَامَ لِأَسَاسِهِ وَ لَا زَوَالَ لِدَعَائِمِهِ- وَ لَا انْقِلَاعَ لِشَجَرَتِهِ وَ لَا انْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ- وَ لَا عَفَاءَ لِشَرَائِعِهِ وَ لَا جَذَّ لِفُرُوعِهِ وَ لَا ضَنْكَ لِطُرُقِهِ- وَ لَا وُعُوثَةَ لِسُهُولَتِهِ وَ لَا سَوَادَ لِوَضَحِهِ- وَ لَا عِوَجَ لِانْتِصَابِهِ وَ لَا عَصَلَ فِي عُودِهِ- وَ لَا وَعَثَ لِفَجِّهِ وَ لَا انْطِفَاءَ لِمَصَابِيحِهِ- وَ لَا مَرَارَةَ لِحَلَاوَتِهِ- فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاخَ فِي الْحَقِّ أَسْنَاخَهَا- وَ ثَبَّتَ لَهَا آسَاسَهَا وَ يَنَابِيعُ غَزُرَتْ عُيُونُهَا- وَ مَصَابِيحُ شَبَّتْ نِيرَانُهَا- وَ مَنَارٌ اقْتَدَى بِهَا سُفَّارُهَا وَ أَعْلَامٌ قُصِدَ بِهَا فِجَاجُهَا- وَ مَنَاهِلُ رَوِيَ بِهَا وُرَّادُهَا- .

جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مُنْتَهَى رِضْوَانِهِ- وَ ذِرْوَةَ دَعَائِمِهِ وَ سَنَامَ طَاعَتِهِ- فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ وَثِيقُ الْأَرْكَانِ رَفِيعُ الْبُنْيَانِ- مُنِيرُ الْبُرْهَانِ مُضِي‏ءُ النِّيرَانِ- عَزِيزُ السُّلْطَانِ مُشْرِفُ الْمَنَارِ مُعْوِذُ الْمَثَارِ- فَشَرِّفُوهُ وَ اتَّبِعُوهُ وَ أَدُّوا إِلَيْهِ حَقَّهُ وَ ضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ اصطنعه على عينه كلمة تقال لما يشتد الاهتمام به- تقول للصانع اصنع لي كذا على عيني- أي اصنعه صنعة كاملة كالصنعة التي تصنعها- و أنا حاضر أشاهدها بعيني- قال تعالى وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ عَيْنِي- . و أصفاه خيرة خلقه أي آثر به خيرة خلقه و هم المسلمون- و ياء خيرة مفتوحة- . قال و أقام الله دعائم الإسلام على حب الله و طاعته- . و المحاد المخالف قال تعالى مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ- أي من يعاد الله كأنه يكون في حد و جهة- و ذلك الإنسان في حد آخر و جهة أخرى- و كذلك المشاق يكون في شق و الآخر في شق آخر- . و أتأق الحياض ملأها و تئق السقاء نفسه يتأق تأقا- و كذلك الرجل إذا امتلأ غضبا- . قوله بمواتحه و هي الدلاء يمتح بها أي يسقى بها- . و الانفصام الانكسار و العفاء الدروس- . و الجذ القطع و يروى بالدال المهملة و هو القطع أيضا- . و الضنك الضيق- .

و الوعوثة كثرة في السهولة توجب صعوبة المشي- لأن الأقدام تعيث في الأرض- . و الوضح البياض- . و العوج بفتح العين فيما ينتصب كالنخلة و الرمح- و العوج بكسرها فيما لا ينتصب كالأرض و الرأي و الدين- . و العصل الالتواء و الاعوجاج- ناب أعصل و شجرة عصلة و سهام عصل- . و الفج الطريق الواسع بين الجبلين- يقول لا وعث فيه أي ليس طريق الإسلام بوعث- و قد ذكرنا أن الوعوثة ما هي- . قوله فهو دعائم أساخ في الحق أسناخها- الأسناخ جمع سنخ و هو الأصل- و أساخها في الأرض أدخلها فيها- و ساخت قوائم فرسه في الأرض تسوخ و تسيخ دخلت و غابت- . و الآساس بالمد جمع أسس مثل سبب و أسباب- و الأسس و الأس و الأساس واحد و هو أصل البناء- . و غزرت عيونها بضم الزاي كثرت- و شبت نيرانها بضم الشين أوقدت- و المنار الأعلام في الفلاة- . قوله قصد بها فجاجها- أي قصد بنصب تلك الأعلام- اهتداء المسافرين في تلك الفجاج- فأضاف القصد إلى الفجاج- . و روي روادها جمع رائد- و هو الذي يسبق القوم فيرتاد لهم الكلأ و الماء- . و الذروة أعلى السنام و الرأس و غيرهما- . قوله معوذ المثار- أي يعجز الناس إثارته و إزعاجه لقوته و متانته‏:

ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً ص بِالْحَقِّ- حِينَ دَنَا مِنَ الدُّنْيَا الِانْقِطَاعُ وَ أَقْبَلَ مِنَ الآْخِرَةِ الِاطِّلَاعُ- وَ أَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقٍ وَ قَامَتْ بِأَهْلِهَا عَلَى سَاقٍ- وَ خَشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ وَ أَزِفَ مِنْهَا قِيَادٌ- فِي انْقِطَاعٍ مِنْ مُدَّتِهَا وَ اقْتِرَابٍ مِنْ أَشْرَاطِهَا- وَ تَصَرُّمٍ مِنْ أَهْلِهَا وَ انْفِصَامٍ مِنْ حَلْقَتِهَا- وَ انْتِشَارٍ مِنْ سَبَبِهَا وَ عَفَاءٍ مِنْ أَعْلَامِهَا- وَ تَكَشُّفٍ مِنْ عَوْرَاتِهَا وَ قِصَرٍ مِنْ طُولِهَا- جَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَلَاغاً لِرِسَالَتِهِ وَ كَرَامَةً لِأُمَّتِهِ- وَ رَبِيعاً لِأَهْلِ زَمَانِهِ وَ رِفْعَةً لِأَعْوَانِهِ وَ شَرَفاً لِأَنْصَارِهِ- ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ نُوراً لَا تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ- وَ سِرَاجاً لَا يَخْبُو تَوَقُّدُهُ وَ بَحْراً لَا يُدْرَكُ قَعْرُهُ- وَ مِنْهَاجاً لَا يُضِلُّ نَهْجُهُ وَ شُعَاعاً لَا يُظْلِمُ ضَوْءُهُ- وَ فُرْقَاناً لَا يُخْمَدُ بُرْهَانُهُ وَ تِبْيَاناً لَا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ- وَ شِفَاءً لَا تُخْشَى أَسْقَامُهُ- وَ عِزّاً لَا تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ وَ حَقّاً لَا تُخْذَلُ أَعْوَانُهُ- فَهُوَ مَعْدِنُ الْإِيمَانِ وَ بُحْبُوحَتُهُ وَ يَنَابِيعُ الْعِلْمِ وَ بُحُورُهُ- وَ رِيَاضُ الْعَدْلِ وَ غُدْرَانُهُ وَ أَثَافِيُّ الْإِسْلَامِ وَ بُنْيَانُهُ- وَ أَوْدِيَةُ الْحَقِّ وَ غِيطَانُهُ وَ بَحْرٌ لَا يَنْزِفُهُ الْمُسْتَنْزِفُونَ- وَ عُيُونٌ لَا يُنْضِبُهَا الْمَاتِحُونَ- وَ مَنَاهِلُ لَا يَغِيضُهَا الْوَارِدُونَ- وَ مَنَازِلُ لَا يَضِلُّ نَهْجَهَا الْمُسَافِرُونَ- وَ أَعْلَامٌ لَا يَعْمَى عَنْهَا السَّائِرُونَ- وَ إِكَامٌ لَا يَجُوزُ عَنْهَا الْقَاصِدُونَ

اختلاف الأقوال في عمر الدنيا

قوله ع حين دنا من الدنيا الانقطاع- أي أزفت الآخرة و قرب وقتها- و قد اختلف الناس في ذلك اختلافا شديدا- فذهب قوم إلى أن عمر الدنيا خمسون ألف سنة- قد ذهب بعضها و بقي بعضها- . و اختلفوا في مقدار الذاهب و الباقي- و احتجوا لقولهم بقوله تعالى- تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ- فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ- قالوا اليوم هو إشارة إلى الدنيا- و فيها يكون عروج الملائكة و الروح إليه- و اختلافهم بالأمر من عنده إلى خلقه و إلى رسله- قالوا و ليس قول بعض المفسرين- أنه عنى يوم القيامة بمستحسن- لأن يوم القيامة لا يكون للملائكة و الروح عروج إليه سبحانه- لانقطاع التكليف- و لأن المؤمنين إما أن يطول عليهم ذلك اليوم- بمقدار خمسين ألف سنة- أو يكون هذا مختصا بالكافرين فقط- و يكون قصيرا على المؤمنين و الأول باطل- لأنه أشد من عذاب جهنم- و لا يجوز أن يلقى المؤمن هذه المشقة و الثاني باطل- لأنه لا يجوز أن يكون الزمان الواحد- طويلا قصيرا بالنسبة إلى شخصين-

اللهم إلا أن يكون أحدهما نائما- أو ممنوا بعلة تجري مجرى النوم فلا يحس بالحركة- و معلوم أن حال المؤمنين بعد بعثهم- ليست هذه الحال- . قالوا و ليست هذه الآية مناقضة للآية الأخرى- و هي قوله تعالى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ- ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ- كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ- و ذلك لأن سياق الكلام- يدل على أنه أراد به الدنيا- و ذلك لأنه قد ورد في الخبر- أن‏ بين الأرض و السماء مسيرة خمسمائة عام- فإذا نزل الملك إلى الأرض ثم عاد إلى السماء- فقد قطع في ذلك اليوم مسيرة ألف عام- أ لا ترى إلى قوله- يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ- أي ينزل الملك بالوحي و الأمر- و الحكم من السماء إلى الأرض- ثم يعود راجعا إليه و عارجا صاعدا إلى السماء- فيجتمع من نزوله و صعوده مقدار مسير ألف سنة- .

و ذكر حمزة بن الحسن الأصفهاني- في كتابه المسمى تواريخ الأمم- أن اليهود تذهب إلى أن عدد السنين- من ابتداء التناسل إلى سنة الهجرة لمحمد ص- أربعة آلاف و اثنتان و أربعون سنة و ثلاثة أشهر- . و النصارى تذهب إلى أن عدد ذلك خمسة آلاف- و تسعمائة و تسعون سنة و ثلاثة أشهر- . و أن الفرس تذهب إلى أن من عهد كيومرث- والد البشر عندهم إلى هلاك يزدجرد بن شهريار الملك- أربعة آلاف و مائة و اثنتين و ثمانين سنة- و عشرة أشهر و تسعة عشر يوما- و يسندون ذلك إلى كتابهم الذي جاء به زردشت- و هو الكتاب المعروف بأبستا- . فأما اليهود و النصارى- فيسندون ذلك إلى التوراة- و يختلفون في كيفية استنباط المدة- . و تزعم النصارى و اليهود- أن مدة الدنيا كلها سبعة آلاف سنة- قد ذهب منها ما ذهب و بقي ما بقي- . و قيل إن اليهود إنما قصرت المدة- لأنهم يزعمون أن شيخهم الذي هو منتظرهم- يخرج في أول الألف السابع- فلو لا تنقيصهم المدة- و تقصيرهم أيامها لتعجل افتضاحهم- و لكن سيفتضحون فيما بعد- عند من يأتي بعدنا من البشر- .

قال حمزة و أما المنجمون فقد أتوا بما يغمز هذا كله- فزعموا أنه قد مضى من الدنيا- منذ أول يوم سارت فيه الكواكب- من رأس الحمل إلى اليوم- الذي خرج فيه المتوكل بن معتصم بن الرشيد- من سامراء إلى دمشق- ليجعلها دار الملك و هو أول يوم من المحرم- سنة أربع و أربعين و مائتين للهجرة المحمدية- أربعة آلاف ألف ألف ألف ثلاث لفظات- و ثلاثمائة ألف و عشرون ألف سنة بسني الشمس- . قالوا و الذي مضى من الطوفان إلى صبيحة اليوم- الذي خرج فيه المتوكل إلى دمشق- ثلاث آلاف و سبعمائة و خمس و ثلاثون سنة- و عشرة أشهر و اثنان و عشرون يوما- .

و ذكر أبو الريحان البيروني- في كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية- أن الفرس و المجوس يزعمون- أن عمر الدنيا اثنا عشر ألف سنة- على عدد البروج و عدد الشهور- و أن الماضي منها إلى وقت ظهور زردشت- صاحب شريعتهم ثلاثة آلاف سنة- و بين ابتداء ظهور زردشت- و بين أول تاريخ الإسكندر- مائتان و ثمان و خمسون سنة- و بين تاريخ الإسكندر و بين سنته- التي كتبنا فيها شرح هذا الفصل- و هي سنة سبع و أربعين و ستمائة للهجرة النبوية- ألف و خمسمائة و سبعون سنة- فعلى هذا يكون الماضي إلى يومنا هذا- من أصل اثني عشر ألف سنة أربعة آلاف- و ثمانمائة و ثماني عشرة سنة- فيكون الباقي من الدنيا على قولهم أكثر من الماضي- .

و حكى أبو الريحان عن الهند في بعض كتبه- أن مدة عمر الدنيا مقدار تضعيف الواحد- من أول بيت في رقعة الشطرنج إلى آخر البيوت- . فأما الأخباريون من المسلمين فأكثرهم يقولون- إن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة-و يقولون إننا في السابع- و الحق أنه لا يعلم أحد هذا إلا الله تعالى وحده- كما قال سبحانه يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها- فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إِلى‏ رَبِّكَ مُنْتَهاها- و قال لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ- لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها- قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ- . و نقول مع ذلك كما ورد به الكتاب العزيز- اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ- و اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ- و أَتى‏ أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ- . و لا نعلم كمية الماضي و لا كمية الباقي- و لكنا نقول كما أمرنا و نسمع و نطيع كما أدبنا- و من الممكن أن يكون ما بقي قريبا عند الله- و غير قريب عندنا كما قال سبحانه- إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَ نَراهُ قَرِيباً- . و بالجملة هذا موضع غامض يجب السكوت عنه- .

قوله ع و قامت بأهلها على ساق الضمير للدنيا- و الساق الشدة أي انكشفت عن شدة عظيمة- . و قوله تعالى وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ- أي التفت آخر شدة الدنيا بأول شدة الآخرة- . و المهاد الفراش و أزف منها قياد- أي قرب انقيادها إلى التقضي و الزوال- . و أشراط الساعة علاماتها- و إضافتها إلى الدنيا لأنها في الدنيا تحدث- و إن كانت علامات للأخرى و العفاء الدروس- .

و روي من طولها و الطول الحبل- . ثم عاد إلى ذكر النبي ص فقال- جعله الله سبحانه بلاغا لرسالته- أي ذا بلاغ و البلاغ التبليغ فحذف المضاف- . و لا تخبو لا تنطفئ- و الفرقان ما يفرق به بين الحق و الباطل- . و أثافي الإسلام جمع أثفية- و هي الأحجار توضع عليها القدر شكل مثلث- . و الغيطان جمع غائط و هو المطمئن من الأرض- . و لا يغيضها بفتح حرف المضارعة- غاض الماء و غضته أنا يتعدى و لا يتعدى- و روي لا يغيضها بالضم على قول من قال أغضت الماء- و هي لغة ليست بالمشهورة- . و الآكام جمع أكم مثل جبال جمع جبل- و الأكم جمع أكمة مثل عنب جمع عنبة- و الأكمة ما علا من الأرض و هي دون الكثيب:

جَعَلَهُ اللَّهُ رِيّاً لِعَطَشِ الْعُلَمَاءِ وَ رَبِيعاً لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ- وَ مَحَاجَّ لِطُرُقِ الصُّلَحَاءِ وَ دَوَاءً لَيْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ- وَ نُوراً لَيْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ وَ حَبْلًا وَثِيقاً عُرْوَتُهُ- وَ مَعْقِلًا مَنِيعاً ذِرْوَتُهُ وَ عِزّاً لِمَنْ تَوَلَّاهُ- وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَ هُدًى لِمَنِ ائْتَمَّ بِهِ- وَ عُذْراً لِمَنِ انْتَحَلَهُ وَ بُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ- وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ وَ فَلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ- وَ حَامِلًا لِمَنْ حَمَلَهُ وَ مَطِيَّةً لِمَنْ أَعْمَلَهُ- وَ آيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَ جُنَّةً لِمَنِ اسْتَلْأَمَ- وَ عِلْماً لِمَنْ وَعَى وَ حَدِيثاً لِمَنْ رَوَى وَ حُكْماً لِمَنْ قَضَى‏الضمير يرجع إلى القرآن جعله الله ريا لعطش العلماء- إذا ضل العلماء في أمر و التبس عليهم رجعوا إليه- فسقاهم كما يسقي الماء العطش- و كذا القول في ربيعا لقلوب الفقهاء- و الربيع هاهنا الجدول- و يجوز أن يريد المطر في الربيع- يقال ربعت الأرض فهي مربوعة- . و المحاج جمع محجة و هي جادة الطريق- و المعقل الملجأ- . و سلما لمن دخله أي مأمنا- و انتحله دان به و جعله نحلته- . و البرهان الحجة و الفلج الظفر و الفوز- و حاج به خاصم- .

قوله ع و حاملا لمن حمله- أي أن القرآن ينجي يوم القيامة- من كان حافظا له في الدنيا بشرط أن يعمل به- . قوله ع و مطية لمن أعمله استعارة- يقول كما أن المطية تنجي صاحبها إذا أعملها و بعثها على النجاء- فكذلك القرآن إذا أعمله صاحبه أنجاه- و معنى إعماله اتباع قوانينه و الوقوف عند حدوده- . قوله و آية لمن توسم أي لمن تفرس- قال تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ- . و الجنة ما يستتر به و استلأم لبس لأمة الحرب و هي الدرع- . و وعى حفظ- . قوله و حديثا لمن روى- قد سماه الله تعالى حديثا فقال- اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ‏الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً- و أصحابنا يحتجون بهذه اللفظة- على أن القرآن ليس بقديم- لأن الحديث ضد القديم- .

و ليس للمخالف أن يقول- ليس المراد بقوله أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ما ذكرتم- بل المراد أحسن القول و أحسن الكلام- لأن العرب تسمي الكلام و القول حديثا- لأنا نقول لعمري إنه هكذا- و لكن العرب ما سمت القول و الكلام حديثا- إلا أنه مستحدث متجدد حالا فحالا- أ لا ترى إلى قول عمرو لمعاوية- قد مللت كل شي‏ء إلا الحديث- فقال إنما يمل العتيق- فدل ذلك على أنه فهم معنى تسميتهم الكلام و القول حديثا- و فطن لمغزاهم و مقصدهم في هذه التسمية- و إذا كنا قد كلفنا أن نجري على ذاته و صفاته- و أفعاله ما أجراه سبحانه في كتابه- و نطلق ما أطلقه على سبيل الوضع و الكيفية التي أطلقها- و كان قد وصف كلامه بأنه حديث- و كان القرآن في عرف اللغة- إنما سمي حديثا لحدوثه و تجدده- فقد ساغ لنا أن نطلق على كلامه أنه محدث و متجدد- و هذا هو المقصود

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 10

خطبه 190 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

190 و من خطبة له ع

وَ لَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفِظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ص- أَنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَى اللَّهِ وَ لَا عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ- وَ لَقَدْ وَاسَيْتُهُ بِنَفْسِي فِي الْمَوَاطِنِ- الَّتِي تَنْكُصُ فِيهَا الْأَبْطَالُ- وَ تَتَأَخَّرُ الْأَقْدَامُ نَجْدَةً أَكْرَمَنِيَ اللَّهُ بِهَا- وَ لَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ إِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِي- وَ لَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِي كَفِّي فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِي- وَ لَقَدْ وُلِّيتُ غُسْلَهُ ص وَ الْمَلَائِكَةُ أَعْوَانِي- فَضَجَّتِ الدَّارُ وَ الْأَفْنِيَةُ- مَلٌا يَهْبِطُ وَ مَلٌا يَعْرُجُ- وَ مَا فَارَقَتْ سَمْعِي هَيْنَمَةٌ مِنْهُمْ- يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَارَيْنَاهُ فِي ضَرِيحِهِ- فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّي حَيّاً وَ مَيِّتاً- فَانْفُذُوا عَلَى بَصَائِرِكُمْ- وَ لْتَصْدُقْ نِيَّاتُكُمْ فِي جِهَادِ عَدُوِّكُمْ- فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّي لَعَلَى جَادَّةِ الْحَقِّ- وَ إِنَّهُمْ لَعَلَى مَزَلَّةِ الْبَاطِلِ- أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَ لَكُمْ يمكن أن يعني بالمستحفظين الخلفاء الذين تقدموا- لأنهم الذين استحفظوا الإسلام- أي جعلوا حافظين له و حارسين لشريعته و لحوزته- و يجوز أن يعني به العلماء و الفضلاء من الصحابة- لأنهم استحفظوا الكتاب- أي كلفوا حفظه و حراسته- .

و الظاهر أنه يرمز في قوله ع- لم أرد على الله و لا على رسوله ساعة قط- إلى أمور وقعت من غيره-كما جرى يوم الحديبية عند سطر كتاب الصلح- فإن بعض الصحابة أنكر ذلك- و قال يا رسول الله أ لسنا المسلمين قال بلى- قال أ و ليسوا الكافرين قال بلى- قال فكيف نعطي الدنية في ديننا- فقال ص إنما أعمل بما أومر به- فقال قوم من الصحابة أ لم يكن قد وعدنا بدخول مكة- و ها نحن قد صددنا عنها- ثم ننصرف بعد أن أعطينا الدنية في ديننا- و الله لو أجد أعوانا لم أعط الدنية أبدا- فقال أبو بكر لهذا القائل ويحك الزم غرزه- فو الله إنه لرسول الله ص و إن الله لا يضيعه- . ثم قال له أ قال لك إنه سيدخلها هذا العام قال لا- قال فسيدخلها فلما فتح النبي ص مكة- و أخذ مفاتيح الكعبة دعاه فقال هذا الذي وعدتم به- .

و اعلم أن هذا الخبر صحيح لا ريب فيه- و الناس كلهم رووه و ليس عندي بقبيح- و لا مستهجن أن يكون سؤال هذا الشخص لرسول الله ص- عما سأله عنه على سبيل الاسترشاد- و التماسا لطمأنينة النفس- فقد قال الله تعالى لخليله إبراهيم- أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي- و قد كانت الصحابة تراجع رسول الله ص في الأمور- و تسأله عما يستبهم عليها و تقول له- أ هذا منك أم من الله- و قال له السعدان رحمهما الله يوم الخندق- و قد عزم على مصالحة الأحزاب ببعض تمر المدينة- أ هذا من الله أم رأي رأيته من نفسك قال بل من نفسي- قالا لا و الله لا نعطيهم منها تمرة واحدة- و أيدينا في مقابض سيوفنا- .

و قالت الأنصار له يوم بدر- و قد نزل بمنزل لم يستصلحوه- أ نزلت هذا المنزل عن رأي رأيت أم بوحي أوحي إليك- قال بل عن رأي رأيته قالوا إنه ليس لنا بمنزل- ارحل عنه فانزل بموضع كذا- . و أما قول أبي بكر له الزم غرزه- فو الله إنه لرسول الله ص- فإنما هو تأكيد و تثبيت على عقيدته التي في قلبه- و لا يدل ذلك على الشك- فقد قال الله تعالى لنبيه- وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا- و كل أحد لا يستغني عن زيادة اليقين و الطمأنينة- و قد كانت وقعت من هذا القائل أمور دون هذه القصة- كقوله دعني أضرب عنق أبي سفيان- و قوله دعني أضرب عنق عبد الله بن أبي- و قوله دعني أضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة- و نهي النبي ص له عن التسرع إلى ذلك- و جذبه ثوب رسول الله ص- حين قام على جنازة ابن سلول يصلي- و قوله كيف تستغفر لرأس المنافقين- و ليس في ذلك جميعه ما يدل على وقوع القبيح منه- و إنما الرجل كان مطبوعا على الشدة و الشراسة و الخشونة- و كان يقول ما يقول على مقتضى السجية التي طبع عليها- و على أي حال كان- فلقد نال الإسلام بولايته و خلافته خيرا كثيرا- . قوله ع و لقد واسيته بنفسي- يقال واسيته و آسيته و بالهمزة أفصح- و هذا مما اختص ع بفضيلته غير مدافع- ثبت معه يوم أحد و فر الناس- و ثبت معه يوم حنين و فر الناس- و ثبت تحت رايته يوم خيبر حتى فتحها- و فر من كان بعث بها من قبله- .

و روى المحدثون أن رسول الله ص لما ارتث يوم أحد- قال الناس قتل محمد- رأته كتيبة من المشركين و هو صريع بين القتلى- إلا أنه حي فصمدت له- فقال لعلي ع اكفني هذه- فحمل عليها ع و قتل رئيسها- ثم صمدت له كتيبة أخرى- فقال يا علي اكفني هذه فحمل عليها فهزمها- و قتل رئيسها ثم صمدت له كتيبة ثالثة- فكذلك فكان رسول الله ص بعد ذلك يقول- قال لي جبريل يا محمد إن هذه للمواساة- فقلت و ما يمنعه و هو مني و أنا منه فقال جبريل و أنا منكماوروى المحدثون أيضا أن المسلمين سمعوا ذلك اليوم صائحا- من جهة السماء ينادي- لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي- فقال رسول الله ص لمن حضره- أ لا تسمعون هذا صوت جبريل- . و أما يوم حنين فثبت معه في نفر يسير من بني هاشم- بعد أن ولى المسلمون الأدبار و حامى عنه- و قتل قوما من هوازن بين يديه- حتى ثابت إليه الأنصار- و انهزمت هوازن و غنمت أموالها- . و أما يوم خيبر فقصته مشهورة- . قوله ع نجدة أكرمني الله سبحانه بها- النجدة الشجاعة و انتصابها هاهنا على أنها مصدر- و العامل فيه محذوف- .

ثم ذكر ع وفاة رسول الله ص فقال- لقد قبض و إن رأسه لعلى صدري- و لقد سالت نفسه في كفي فأمررتها على وجهي- يقال إن رسول الله‏ ص قاء دما يسيرا وقت موته- و إن عليا ع مسح بذلك الدم وجهه- . و قد روي أن أبا طيبة الحجام شرب دمه ع و هو حي- فقال له إذن لا يجع بطنك- . قوله ع فضجت الدار و الأفنية- أي النازلون في الدار من الملائكة- أي ارتفع ضجيجهم و لجبهم- يعني أني سمعت ذلك و لم يسمعه غيري من أهل الدار- .

و الملأ الجماعة يهبط قوم من الملائكة و يصعد قوم- و العروج الصعود و الهينمة- الصوت الخفي و الضريح الشق في القبرذكر خبر موت الرسول عو قدروي من قصة وفاة رسول الله ص أنه عرضت له الشكاة التي عرضت- في أواخر صفر من سنة إحدى عشرة للهجرة- فجهز جيش أسامة بن زيد- فأمرهم بالمسير إلى البلقاء- حيث أصيب زيد و جعفر ع من الروم- و خرج في تلك الليلة إلى البقيع- و قال إني قد أمرت بالاستغفار عليهم- فقال ع السلام عليكم يا أهل القبور- ليهنكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه- أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم- يتبع أولها آخرها ثم استغفر لأهل البقيع طويلا- ثم قال لأصحابه إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل عام مرة- و قد عارضني به العام مرتين- فلا أراه إلا لحضور أجلي- ثم انصرف إلى بيته فخطب الناس في غده- فقال معاشر الناس قد حان مني خفوق من بين أظهركم- فمن كان له عندي عدة فليأتني أعطه إياها- و من كان علي دين فليأتني أقضه- أيها الناس إنه ليس بين الله و بين أحد نسب- و لا أمر يؤتيه به خيرا-أو يصرف عنه شرا إلا العمل- ألا لا يدعين مدع و لا يتمنين متمن- و الذي بعثني بالحق لا ينجي إلا عمل مع رحمة- و لو عصيت لهويت اللهم قد بلغت- .

ثم نزل فصلى بالناس صلاة خفيفة ثم دخل بيت أم سلمة- ثم انتقل إلى بيت عائشة يعلله النساء و الرجال- أما النساء فأزواجه و بنته ع- و أما الرجال فعلي ع و العباس و الحسن و الحسين ع- و كانا غلامين يومئذ- و كان الفضل بن العباس يدخل أحيانا إليهم- ثم حدث الاختلاف بين المسلمين أيام مرضه- فأول ذلك التنازع الواقع يوم- قال ص ائتوني بدواة و قرطاس- و تلا ذلك حديث التخلف عن جيش أسامة- و قول عياش بن أبي ربيعة- أ يولى هذا الغلام على جلة المهاجرين و الأنصار- .

ثم اشتد به المرض- و كان عند خفة مرضه يصلي بالناس بنفسه- فلما اشتد به المرض أمر أبا بكر أن يصلي بالناس- . و قد اختلف في صلاته بهم- فالشيعة تزعم أنه لم يصل بهم إلا صلاة واحدة- و هي الصلاة التي خرج رسول الله ص فيها- يتهادى بين علي ع و الفضل- فقام في المحراب مقامه و تأخر أبو بكر- . و الصحيح عندي و هو الأكثر الأشهر- أنها لم تكن آخر صلاة في حياته ص بالناس جماعة- و أن أبا بكر صلى بالناس بعد ذلك يومين ثم مات ص- فمن قائل يقول إنه توفي لليلتين بقيتا من صفر- و هو القول الذي تقوله الشيعة- و الأكثرون أنه توفي في شهر ربيع الأول- بعد مضي أيام منه- . و قد اختلفت الرواية في موته- فأنكر عمر ذلك و قال إنه لم يمت- و إنه غاب و سيعود فثناه أبو بكر عن هذا القول- و تلا عليه الآيات المتضمنة أنه سيموت- فرجع إلى قوله- .

ثم اختلفوا في موضع دفنه- فرأى قوم أن يدفنوه بمكة لأنها مسقط رأسه- و قال من قال بل بالمدينة ندفنه بالبقيع عند شهداء أحد- ثم اتفقوا على دفنه في البيت الذي قبض فيه- و صلوا عليه إرسالا لا يؤمهم أحد- . و قيل إن عليا ع أشار بذلك فقبلوه- . و أنا أعجب من ذلك- لأن الصلاة عليه كانت بعد بيعة أبي بكر- فما الذي منع من أن يتقدم أبو بكر فيصلي عليه إماما- . و تنازعوا في تلحيده و تضريحه- فأرسل العباس عمه إلى أبي عبيدة بن الجراح- و كان يحفر لأهل مكة و يضرح على عادتهم رجلا- و أرسل علي رجلا إلى أبي طلحة الأنصاري- و كان يلحد لأهل المدينة على عادتهم و قال- اللهم اختر لنبيك- فجاء أبو طلحة فلحد له و أدخل في اللحد- . و تنازعوا فيمن ينزل معه القبر- فمنع علي ع الناس أن ينزلوا معه- و قال لا ينزل قبره غيري و غير العباس- ثم أذن في نزول الفضل و أسامة بن زيد مولاهم- ثم ضجت الأنصار- و سألت أن ينزل منها رجل في قبره- فأنزلوا أوس بن خولي و كان بدريا- . فأما الغسل فإن عليا ع تولاه بيده- و كان الفضل بن العباس يصب عليه الماء- .

وروى المحدثون عن علي ع أنه قال ما قلبت منه عضوا إلا و انقلب لا أجد له ثقلا- كان معي من يساعدني عليه و ما ذلك إلا الملائكة
– . و أما حديث الهينمة و سماع الصوت- فقد رواه خلق كثير من المحدثين عن علي‏ع- و تروي الشيعة أن عليا ع عصب عيني الفضل بن العباس- حين صب عليه الماء- و أن رسول الله ص أوصاه بذلك و قال- إنه لا يبصر عورتي أحد غيرك إلا عمي- .

قوله ع فمن ذا أحق به مني حيا و ميتا- انتصابهما على الحال من الضمير المجرور في به- أي أي شخص أحق برسول الله ص حال حياته و حال وفاته مني- و مراده من هذا الكلام- أنه أحق بالخلافة بعده و أحق الناس بالمنزلة منه- حيث كان بتلك المنزلة منه في الدنيا- و ليس يجوز أن يكونا حالين من الضمير المجرور في مني- لأنه لا يحسن أن يقول- أنا أحق به إذا كنت حيا من كل أحد- و أحق به إذا كنت ميتا من كل أحد- لأن الميت لا يوصف بمثل ذلك- و لأنه لا حال ثبتت له من الأحقية إذا كان حيا- إلا و هي ثابتة له إذا كان ميتا- و إن كان الميت يوصف بالأحقية- فلا فائدة في قوله و ميتا على هذا الفرض- و لا يبقى في تقسيم الكلام إلى قسمين فائدة- و أما إذا كان حالا من الضمير في به- فإنه لا يلزم من كونه أحق بالمنزلة الرفيعة من رسول الله ص- و هو حي أن يكون أحق بالخلافة بعد وفاته- أي ليس أحدهما يلزم الآخر- فاحتاج إلى أن يبين أنه أحق برسول الله ص- من كل أحد إن كان الرسول حيا و إن كان ميتا- و لم يستهجن أن يقسم الكلام إلى القسمين المذكورين- .

قوله ع فانفذوا إلى بصائركم- أي أسرعوا إلى الجهاد على عقائدكم التي أنتم عليها- و لا يدخلن الشك و الريب في قلوبكم- . قوله ع إني لعلى جادة الحق و إنهم لعلى مزلة الباطل- كلام عجيب‏ على قاعدة الصناعة المعنوية- لأنه لا يحسن أن يقول و إنهم لعلى جادة الباطل- لأن الباطل لا يوصف بالجادة- و لهذا يقال لمن ضل وقع في بنيات الطريق- فتعوض عنها بلفظ المزلة- و هي الموضع الذي يزل فيه الإنسان- كالمزلقة موضع الزلق- و المغرقة موضع الغرق و المهلكة موضع الهلاك

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 10

خطبه 189 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

189 و من خطبة له ع

بَعَثَهُ حِينَ لَا عَلَمٌ قَائِمٌ- وَ لَا مَنَارٌ سَاطِعٌ وَ لَا مَنْهَجٌ وَاضِحٌ- أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- وَ أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا دَارُ شُخُوصٍ- وَ مَحَلَّةُ تَنْغِيصٍ سَاكِنُهَا ظَاعِنٌ وَ قَاطِنُهَا بَائِنٌ- تَمِيدُ بِأَهْلِهَا مَيَدَانَ السَّفِينَةِ- تَقْصِفُهَا الْعَوَاصِفُ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ- فَمِنْهُمُ الْغَرِقُ الْوَبِقُ وَ مِنْهُمُ النَّاجِي عَلَى بُطُونِ الْأَمْوَاجِ- تَحْفِزُهُ الرِّيَاحُ بِأَذْيَالِهَا وَ تَحْمِلُهُ عَلَى أَهْوَالِهَا- فَمَا غَرِقَ مِنْهَا فَلَيْسَ بِمُسْتَدْرَكٍ وَ مَا نَجَا مِنْهَا فَإِلَى مَهْلَكٍ- عِبَادَ اللَّهِ الآْنَ فَاعْلَمُوا وَ الْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ- وَ الْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ وَ الْأَعْضَاءُ لَدْنَةٌ- وَ الْمُنْقَلَبُ فَسِيحٌ وَ الْمَجَالُ عَرِيضٌ- قَبْلَ إِرْهَاقِ الْفَوْتِ وَ حُلُولِ الْمَوْتِ- فَحَقِّقُوا عَلَيْكُمْ نُزُولَهُ وَ لَا تَنْتَظِرُوا قُدُومَهُ يقول بعث الله سبحانه محمدا ص لما لم يبق علم- يهتدي به المكلفون- لأنه كان زمان الفترة و تبدل المصلحة- و اقتضاء وجوب اللطف عليه سبحانه تجديدا لبعثته- ليعرف المبعوث المكلفين الأفعال- التي تقربهم من فعل الواجبات العقلية- و تبعدهم عن المقبحات الفعلية- .

و المنار الساطع المرتفع سطع الصبح سطوعا ارتفع- . و دار شخوص دار رحلة شخص عن البلد رحل عنه- . و الظاعن المسافر و القاطن المقيم و البائن البعيد- يقول ساكن الدنيا ليس بساكن على الحقيقة- بل هو ظاعن في المعنى و إن كان في الصورة ساكنا- و المقيم بها مفارق و إن ظن أنه مقيم- . و تميد بأهلها تتحرك و تميل- و الميدان حركة و اضطراب- . و تصفقها العواصف- تضربها بشدة ضربا بعد ضرب- و العواصف الرياح القوية- اللجج جمع لجة و هي معظم البحر- . الوبق الهالك وبق الرجل بالفتح يبق وبوقا هلك- و الموبق منه كالموعد مفعل من وعد يعد- و منه قوله تعالى وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً- و فيه لغة أخرى وبق الرجل يوبق وبقا- و فيه لغة ثالثة وبق الرجل بالكسر يبق بالكسر أيضا- و أوبقه الله أي أهلكه- .

و تحفزه الرياح تدفعه- ضرب ع لأهل الدنيا مثلا براكبي السفينة في البحر- و قد مادت بهم فمنهم الهالك على الفور- و منهم من لا يتعجل هلاكه- و تحمله الرياح ساعة أو ساعات- ثم مآله إلى الهلاك أيضا- . ثم أمر ع بالعمل وقت الإمكان قبل ألا يمكن العمل- فكنى عن ذلك بقوله و الألسن منطلقة- لأن المحتضر يعتقل لسانه و الأبدان صحيحة- لأن المحتضر سقيم البدن و الأعضاء لدنة أي لينة- أي قبل الشيخوخة و الهرم و يبس‏الأعضاء و الأعصاب- و المنقلب فسيح و المجال عريض أي أيام الشبيبة- و في الوقت و الأجل مهلة قبل أن يضيق الوقت عليكم- . قبل إرهاق الفوت- أي قبل أن يجعلكم الفوت- و هو فوات الأمر و تعذر استدراكه عليكم- مرهقين و المرهق الذي أدرك ليقتل- قال الكميت-

تندى أكفهم و في أبياتهم
ثقة المجاور و المضاف المرهق‏

قوله فحققوا عليكم نزوله و لا تنتظروا قدومه- أي اعملوا عمل من يشاهد الموت حقيقة- لا عمل من ينتظره انتظارا و يطاول الأوقات مطاولة- فإن التسويف داعية التقصير

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 10 

خطبه 188 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

188 و من خطبة له ع

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْهَرَ مِنْ آثَارِ سُلْطَانِهِ وَ جَلَالِ كِبْرِيَائِهِ- مَا حَيَّرَ مُقَلَ الْعُقُولِ مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَتِهِ- وَ رَدَعَ خَطَرَاتِ هَمَاهِمِ النُّفُوسِ عَنْ عِرْفَانَ كُنْهِ صِفَتِهِ- وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- شَهَادَةَ إِيمَانٍ وَ إِيقَانٍ وَ إِخْلَاصٍ وَ إِذْعَانٍ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ وَ أَعْلَامُ الْهُدَى دَارِسَةٌ- وَ مَنَاهِجُ الدِّينِ طَامِسَةٌ فَصَدَعَ بِالْحَقِّ- وَ نَصَحَ لِلْخَلْقِ وَ هَدَى إِلَى الرُّشْدِ وَ أَمَرَ بِالْقَصْدِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ- وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ- أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً وَ لَمْ يُرْسِلْكُمْ هَمَلًا- عَلِمَ مَبْلَغَ نِعَمِهِ عَلَيْكُمْ وَ أَحْصَى إِحْسَانَهُ إِلَيْكُمْ- فَاسْتَفْتِحُوهُ وَ اسْتَنْجِحُوهُ وَ اطْلُبُوا إِلَيْهِ وَ اسْتَمْنِحُوهُ- فَمَا قَطَعَكُمْ عَنْهُ حِجَابٌ وَ لَا أُغْلِقَ عَنْكُمْ دُونَهُ بَابٌ- وَ إِنَّهُ لَبِكُلِّ مَكَانٍ وَ فِي كُلِّ حِينٍ وَ أَوَانٍ- وَ مَعَ كُلِّ إِنْسٍ وَ جَانٍّ- لَا يَثْلِمُهُ الْعَطَاءُ وَ لَا يَنْقُصُهُ الْحِبَاءُ- وَ لَا يَسْتَنْفِدُهُ سَائِلٌ وَ لَا يَسْتَقْصِيهِ نَائِلٌ- وَ لَا يَلْوِيهِ شَخْصٌ عَنْ شَخْصٍ وَ لَا يُلْهِيهِ صَوْتٌ عَنْ صَوْتٍ- وَ لَا تَحْجُزُهُ هِبَةٌ عَنْ سَلْبٍ وَ لَا يَشْغَلُهُ غَضَبٌ عَنْ رَحْمَةٍ- وَ لَا تُولِهُهُ رَحْمَةٌ عَنْ عِقَابٍ وَ لَا يُجِنُّهُ الْبُطُونُ عَنِ الظُّهُورِ- وَ لَا يَقْطَعُهُ الظُّهُورُ عَنِ الْبُطُونِ- قَرُبَ فَنَأَى وَ عَلَا فَدَنَا وَ ظَهَرَ فَبَطَنَ- وَ بَطَنَ فَعَلَنَ وَ دَانَ وَ لَمْ يُدَنْ- لَمْ يَذْرَإِ الْخَلْقَ بِاحْتِيَالٍ وَ لَا اسْتَعَانَ بِهِمْ لِكَلَالٍ-أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- فَإِنَّهَا الزِّمَامُ وَ الْقِوَامُ فَتَمَسَّكُوا بِوَثَائِقِهَا- وَ اعْتَصِمُوا بِحَقَائِقِهَا تَؤُلْ بِكُمْ إِلَى أَكْنَانِ الدَّعَةِ- وَ أَوْطَانِ السَّعَةِ وَ مَعَاقِلِ الْحِرْزِ وَ مَنَازِلِ الْعِزِّ- فِي يَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ وَ تُظْلِمُ لَهُ الْأَقْطَارُ- وَ تُعَطَّلُ فِيهِ صُرُومُ الْعِشَارِ وَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ- فَتَزْهَقُ كُلُّ مُهْجَةٍ وَ تَبْكُمُ كُلُّ لَهْجَةٍ- وَ تَذِلُّ الشُّمُّ الشَّوَامِخُ وَ الصُّمُّ الرَّوَاسِخُ- فَيَصِيرُ صَلْدُهَا سَرَاباً رَقْرَاقاً وَ مَعْهَدُهَا قَاعاً سَمْلَقاً- فَلَا شَفِيعٌ يَشْفَعُ وَ لَا حَمِيمٌ يَنْفَعُ وَ لَا مَعْذِرَةٌ تَدْفَعُ أظهر سبحانه من آثار سلطانه- نحو خلق الأفلاك و دخول بعضها في بعض- كالمميل الذي يشتمل على المائل و فلك التدوير و غيرهما- و نحو خلق الإنسان- و ما تدل كتب التشريح من عجيب الحكمة فيه- و نحو خلق النبات و المعادن- و ترتيب العناصر و علاماتها و الآثار العلوية المتجددة- حسب تجدد أسبابها ما حير عقول هؤلاء- و أشعر بأنها إذا لم يحط بتفاصيل تلك الحكم- مع أنها مصنوعة- فالأولى ألا تحيط بالصانع- الذي هو بري‏ء عن المادة و علائق الحس- .

و المقل جمع مقلة- و هي شحمة العين التي تجمع السواد و البياض- و مقلت الشي‏ء نظرت إليه بمقلتي- و أضاف المقل إلى العقول مجازا و مراده البصائر- . و ردع زجر و دفع- و هماهم النفوس- أفكارها و ما يهمهم به عند التمثيل و الروية في الأمر- و أصل الهمهمة صويت يسمع لا يفهم محصوله- .

و العرفان المعرفة و كنه الشي‏ء نهايته و أقصاه- و الإيقان العلم القطعي- و الإذعان الانقياد- و الأعلام المنار و الجبال يستدل بها في الطرقات- . و المناهج السبل الواضحة و الطامسة كالدارسة- و صدع بالحق بين و أصله الشق يظهر ما تحته- و يقال نصحت لزيد و هو أفصح من قولك نصحت زيدا- . و القصد العدل- . و العبث ما لا غرض فيه أو ما ليس فيه غرض مثله- و الهمل الإبل بلا راع- و قد أهملت الإبل أرسلتها سدى- . قوله علم مبلغ نعمه عليكم و أحصى إحسانه إليكم- أي هو عالم بكمية إنعامه عليكم علما مفصلا- و كل من علم قدر نعمته على غيره- كان أحرى أن تشتد نقمته عليه عند عصيانه له و جرأته عليه- بخلاف من يجهل قدر نعمته على الغير- فإنه لا يشد غضبه لأنه لا يعلم قدر نعمته المكفورة- .

قوله فاستفتحوه- أي اطلبوا منه الفتح عليكم و النصر لكم- . و استنجحوه اطلبوا منه النجاح و الظفر- . و اطلبوا إليه أي اسألوه- يقال طلبت إلى زيد كذا و في كذا- . و استمنحوه بكسر النون اطلبوا منه المنحة و هي العطية- و يروى و استميحوه بالياء- استمحت الرجل طلبت عطاءه- و محت بالرجل أعطيته- . ثم ذكر ع أنه لا حجاب يمنع عنه و لا دونه باب يغلق- و أنه بكل مكان موجود و في كل حين و أوان- و المراد بوجوده في كل مكان إحاطة علمه- و هو معنى قوله تعالى- ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ- و قوله سبحانه وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ- .

قوله لا يثلمه العطاء بالكسر لا ينقص قدرته- . و الحباء النوال و لا يستنفده أي لا يفنيه- . و لا يستقصيه- لا يبلغ الجود أقصى مقدوره و إن عظم الجود- لأنه قادر على ما لا نهاية له- . و لا يلويه شخص عن شخص- لا يوجب ما يفعله لشخص أو مع شخص إعراضا- و ذهولا عن شخص آخر بل هو عالم بالجميع- لا يشغله شأن عن شأن لوى الرجل وجهه- أي أعرض و انحرف و مثل هذا أراد بقوله- و لا يلهيه صوت عن صوت ألهاه كذا أي شغله- . و لا تحجزه بالضم هبة عن سلب أي لا تمنعه- أي ليس كالقادرين بالقدرة مثلنا- فإن الواحد منا يصرفه اهتمامه- بعطية زيد عن سلب مال عمرو- حالما يكون مهتما بتلك العطية- لأن اشتغال القلب بأحد الأمرين يشغله عن الآخر- .

و مثل هذا قوله و لا يشغله غضب عن رحمة- و لا تولهه رحمة عن عقاب- أي لا تحدث الرحمة لمستحقها عنده ولها- و هو التحير و التردد و تصرفه عن عقاب المستحق- و ذلك لأن الواحد منا إذا رحم إنسانا حدث عنده رقة- خصوصا إذا توالت منه الرحمة لقوم متعددين- فإنه تصير الرحمة كالملكة عنده- فلا يطيق مع تلك الحال أن ينتقم- و البارئ تعالى بخلاف ذلك لأنه ليس بذي مزاج سبحانه- . و لا يجنه البطون عن الظهور- و لا يقطعه الظهور عن البطون هذه كلها مصادر- بطن‏ بطونا أي خفي و ظهر ظهورا أي تجلى- يقول لا يمنعه خفاؤه عن العقول أن تدركه عند ظهوره بأفعاله- و إن لم يكن ظاهرا بذاته- و كذلك لا يقطعه ظهوره بأفعاله عن أن يخفى كنهه- عن إبصار العقول و إدراكها له- و يقال اجتننت كذا أي سترته و منه الجنين و الجنة للترس- و سمي الجن جنا لاستتارهم- . ثم زاد المعنى تأكيدا فقال قرب فنأى- أي قرب فعلا فنأى ذاتا أي أفعاله قد تعلم- و لكن ذاته لا تعلم- .

ثم قال و علا فدنا- أي لما علا عن أن تحيط به العقول عرفته العقول- لا أنها عرفت ذاته- لكن عرفت أنه شي‏ء لا يصح أن يعرف- و ذلك خاصته سبحانه- فإن ماهيته يستحيل أن تتصور للعقل- لا في الدنيا و لا في الآخرة- بخلاف غيره من الممكنات- . ثم أكد المعنى بعبارة أخرى قال- و ظهر فبطن و بطن فعلن و هذا مثل الأول- و دان غلب و قهر و لم يدن لم يقهر و لم يغلب- . ثم قال لم يذرأ الخلق باحتيال- أي لم يخلقهم بحيلة توصل بها إلى إيجادهم- بل أوجدهم على حسب علمه بالمصلحة- خلقا مخترعا من غير سبب و لا واسطة- . قال و لا استعان بهم لكلال أي لإعياء- أي لم يأمر المكلفين بالجهاد لحاجته في قهر أعدائه- و جاحدي نعمته إليهم- و ليس بكال و لا عاجز عن إهلاكهم- و لكن الحكمة اقتضت ذلك- قال سبحانه- وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ- أي لبطل التكليف- .

ثم ذكر أن التقوى قوام الطاعات التي تقوم بها- و زمام العبادات لأنها تمسك و تحصن- كزمام الناقة المانع لها من الخبط- .و الوثائق جمع وثيقة و هي ما يوثق به- و حقائقها جمع حقيقة و هي الراية- يقال فلان حامي الحقيقة- . قوله تؤل بالجزم لأنه جواب الأمر أي ترجع- . و الأكنان جمع كن و هو الستر- و الدعة الراحة السعة الجدة- و المعاقل جمع معقل و هو الملجأ- و الحرز الحفظ- و تشخص الأبصار تبقى مفتوحة لا تطرف- .

و الأقطار الجوانب- و الصروم جمع صرم و صرمة- و هي القطعة من الإبل نحو الثلاثين- . و العشار- النوق أتى عليها من يوم أرسل الفحل فيها عشرة أشهر- فزال عنها اسم المخاض و لا يزال ذلك اسمها حتى تضع- و الواحدة عشراء- و هذا من قوله تعالى وَ إِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ- أي تركت مسيبة مهملة لا يلتفت إليها أربابها- و لا يحلبونها لاشتغالهم بأنفسهم- . و تزهق كل مهجة تهلك- و تبكم كل لهجة أي تخرس رجل أبكم و بكيم- و الماضي بكم بالكسر- . و الشم الشوامخ الجبال العالية- و ذلها تدكدكها و هي أيضا الصم الرواسخ- . فيصير صلدها و هو الصلب الشديد انصلابه سرابا- و هو ما يتراءى في النهار فيظن ماء- . و الرقراق الخفيف- و معهدها ما جعل منها منزلا للناس- قاعا أرضا خالية- و السملق الصفصف المستوي- ليس بعضه أرفع و بعضه أخفض

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 10

خطبه 187 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)( يصف فيها المنافقين)

187 و من خطبة له ع يصف فيها المنافقين

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا وَفَّقَ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ- وَ ذَادَ عَنْهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَ نَسْأَلُهُ لِمِنَّتِهِ تَمَاماً- وَ لِحَبْلِهِ اعْتِصَاماً- وَ نَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- خَاضَ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ كُلَّ غَمْرَةٍ وَ تَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّةٍ- وَ قَدْ تَلَوَّنَ لَهُ الْأَدْنَوْنَ وَ تَأَلَّبَ عَلَيْهِ الْأَقْصَوْنَ- وَ خَلَعَتْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ أَعِنَّتَهَا- وَ ضَرَبَتْ إِلَى مُحَارَبَتِهِ بُطُونَ رَوَاحِلِهَا- حَتَّى أَنْزَلَتْ بِسَاحَتِهِ عَدَاوَتَهَا مِنْ أَبْعَدِ الدَّارِ وَ أَسْحَقِ الْمَزَارِ- أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ أُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ النِّفَاقِ- فَإِنَّهُمُ الضَّالُّونَ الْمُضِلُّونَ وَ الزَّالُّونَ الْمُزِلُّونَ- يَتَلَوَّنُونَ أَلْوَاناً وَ يَفْتَنُّونَ افْتِنَاناً- وَ يَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَادٍ وَ يَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادٍ- قُلُوبُهُمْ دَوِيَّةٌ وَ صِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ- يَمْشُونَ الْخَفَاءَ وَ يَدِبُّونَ الضَّراءَ- وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ وَ قَوْلُهُمْ شِفَاءٌ وَ فِعْلُهُمُ الدَّاءُ الْعَيَاءُ- حَسَدَةُ الرَّخَاءِ وَ مُؤَكِّدُو الْبَلَاءِ وَ مُقْنِطُو الرَّجَاءِ- لَهُمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ صَرِيعٌ- وَ إِلَى كُلِّ قَلْبٍ شَفِيعٌ وَ لِكُلِّ شَجْوٍ دُمُوعٌ- يَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءَ وَ يَتَرَاقَبُونَ الْجَزَاءَ- إِنْ سَأَلُوا أَلْحَفُوا وَ إِنْ عَذَلُوا كَشَفُوا وَ إِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا-قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٍّ بَاطِلًا وَ لِكُلِّ قَائِمٍ مَائِلًا- وَ لِكُلِّ حَيٍّ قَاتِلًا وَ لِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحاً- وَ لِكُلِّ لَيْلٍ مِصْبَاحاً- يَتَوَصَّلُونَ إِلَى الطَّمَعِ بِالْيَأْسِ لِيُقِيمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ- وَ يُنْفِقُوا بِهِ أَعْلَاقَهُمْ يَقُولُونَ فَيُشَبِّهُونَ- وَ يَصِفُونَ فَيُمَوِّهُونَ قَدْ هَوَّنُوا الطَّرِيقَ- وَ أَضْلَعُوا الْمَضِيقَ فَهُمْ لُمَةُ الشَّيْطَانِ وَ حُمَةُ النِّيرَانِ- أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ- أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ الضمير في له و هو الهاء راجع إلى ما التي بمعنى الذي- و قيل بل هو راجع إلى الله سبحانه- كأنه قال نحمده على ما وفق من طاعته- و الصحيح هو الأول- لأن له في الفقرة الأولى بإزاء عنه في الفقرة الثانية- و الهاء في عنه ليست عائدة إلى الله- و ذاد طرد و المصدر الذياد- .

و خاض كل غمرة- مثل قولك ارتكب كل مهلكة و تقحم كل هول- و الغمرة ما ازدحم و كثر من الماء- و كذلك من الناس و الجمع غمار- . و الغصة الشجا و الجمع غصص- . و تلون له الأدنون تغير عليه أقاربه ألوانا- . و تألب عليه الأقصون- تجمع عليه الأبعدون عنه نسبا- . و خلعت إليه العرب أعنتها مثل- معناه أوجفوا إليه مسرعين لمحاربته- لأن الخيل إذا خلعت أعنتها كان أسرع لجريها- . و ضربت إلى محاربته بطون رواحلها- كناية عن إسراع العرب نحوه للحرب-لأن الرواحل إذا ضربت بطونها لتساق كان أوحى لها- و مراده أنهم كانوا فرسانا و ركبانا- . قوله حتى أنزلت بساحته عداوتها أي حربها- فعبر عنها بالعداوة لأن العداوة سبب الحرب- فعبر بالسبب عن المسبب- ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناك يعنون الماء- لما كان اعتقادهم أن السماء سبب الماء- .

و أسحق المزار أبعده مكان سحيق أي بعيد- و السحق بضم السين البعد يقال سحقا له- و يجوز ضم الحاء كما قالوا عسر و عسر- و سحق الشي‏ء بالضم أي بعد و أسحقه الله أبعده- و المزار المكان الذي يزار منه- أو المكان الذي يزار فيه و المراد هاهنا هو الأول- و من قرأ كتب السيرة- علم ما لاقى رسول الله ص في ذات الله سبحانه من المشقة- و استهزاء قريش به في أول الدعوة- و رميهم إياه بالحجارة حتى أدموا عقبيه- و صياح الصبيان به و فرث الكرش على رأسه- و فتل الثوب في عنقه و حصره- و حصر أهله في شعب بني هاشم سنين عدة- محرمة معاملتهم و مبايعتهم و مناكحتهم و كلامهم- حتى كادوا يموتون جوعا- لو لا أن بعض من كان يحنو لرحم أو لسبب غيره- فهو يسرق الشي‏ء القليل من الدقيق أو التمر- فيلقيه إليهم ليلا- ثم ضربهم أصحابه و تعذيبهم بالجوع و الوثاق في الشمس- و طردهم إياهم عن شعاب مكة- حتى خرج من خرج منهم إلى الحبشة- و خرج ع مستجيرا منهم تارة بثقيف و تارة ببني عامر- و تارة بربيعة الفرس و بغيرهم- ثم أجمعوا على قتله و الفتك به ليلا- حتى هرب منهم لائذا بالأوس و الخزرج- تاركا أهله و أولاده و ما حوته يده- ناجيا بحشاشة نفسه حتى وصل إلى المدينة- فناصبوه الحرب و رموه بالمناسر و الكتائب- و ضربوا إليه آباط الإبل-و لم يزل منهم في عناء شديد و حروب متصلة- حتى أكرمه الله تعالى و نصره و أيد دينه و أظهره- و من له أنس بالتواريخ- يعلم من تفاصيل هذه الأحوال ما يطول شرحه- .

سمي النفاق نفاقا من النافقاء- و هي بيت اليربوع له بابان يدخل من أحدهما- و يخرج من الآخر- و كذلك الذي يظهر دينا و يبطن غيره- . و الضالون المضلون- الذين يضلون أنفسهم و يضلون غيرهم- و كذلك الزالون المزلون- زل فلان عن الأمر أي أخطأ و أزله غيره- . قوله يفتنون يتشعبون فنونا أي ضروبا- . و يعمدونكم أي يهدونكم و يفدحونكم- يقال عمده المرض يعمده أي هده- و منه قولهم للعاشق عميد القلب- . قوله بعماد أي بأمر فادح و خطب مؤلم- و أصل العمد انشداخ سنام البعير- و ماضيه عمد السنام بالكسر عمدا فهو عمد- . و يرصدونكم يعدون المكايد لكم أرصدت أعددت- و منهفي الحديث إلا أن أرصده لدين علي- .

و قلب دو بالتخفيف أي فاسد من داء أصابه و امرأة دوية- فإذا قلت رجل دوي بالفتح- استوى فيه المذكر و المؤنث و الجماعة- لأنه مصدر في الأصل- و من روى دوية بالتشديد على بعده- فإنما شدده ليقابل نقية- . و الصفاح جمع صفحة الوجه و هي ظاهره- يقول باطنهم عليل و ظاهرهم صحيح- يمشون الخفاء أي في الخفاء ثم حذف الجار فنصب- و كذلك يدبون الضراء-و الضراء شجر الوادي الملتف- و هذا مثل يضرب لمن يختل صاحبه- يقال هو يدب له الضراء و يمشي له الخمر- و هو جرف الوادي- ثم قال وصفهم داء و قولهم شفاء- و فعلهم الداء العياء- أي أقوالهم أقوال الزاهدين العابدين- و أفعالهم أفعال الفاسقين الفاجرين- و الداء العياء الذي يعيي الأساة- .

ثم قال حسدة الرخاء يحسدون على النعم- و مؤكدو البلاء إذا وقع واحد من الناس في بلاء- أكدوه عليه بالسعايات و النمائم- و إغراء السلطان به- و لقد أحسن أبو الطيب في قوله يذم البشر-

و كأنا لم يرض فينا بريب الدهر
حتى أعانه من أعانا

كلما أنبت الزمان قناة
ركب المرء في القناة سنانا

و مقنطو الرجاء أي أهل الرجاء- أي يبدلون بشرورهم و أذاهم رجاء الراجي قنوطا- . قوله و إلى كل قلب شفيع- يصف خلابة ألسنتهم و شدة ملقهم- فقد استحوذوا على قلوب الناس بالرياء و التصنع- . قوله و لكل شجو دموع- الشجو الحزن أي يبكون تباكيا و تعملا لا حقا- عند أهل كل حزن و مصاب- . يتقارضون الثناء أي يثني زيد على عمرو- ليثني عمرو عليه في ذلك المجلس- أو يبلغه فيثني عليه في مجلس آخر مأخوذ من القرض- . و يتراقبون الجزاء- يرتقب كل واحد منهم على ثنائه و مدحه- لصاحبه جزاء منه‏إما بالمال أو بأمر آخر- نحو ثناء يثني عليه أو شفاعة يشفع له أو نحو ذلك- . و الإلحاف في السؤال الاستقصاء فيه و هو مذموم- قال الله تعالى لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً- .

قوله و إن عذلوا كشفوا- أي إذا عذلك أحدهم- كشف عيوبك في ذلك اللوم و العذل و جبهك بها- و ربما لا يستحي أن يذكرها لك- بمحضر ممن لا تحب ذكرها بحضرته- و ليسوا كالناصحين على الحقيقة- الذين يعرضون عند العتاب بالذنب تعريضا لطيفا- ليقلع الإنسان عنه- . و إن حكموا أسرفوا- إذا سألك أحدهم ففوضته في مالك أسرف و لم يقنع بشي‏ء- و أحب الاستئصال- .

قد أعدوا لكل حق باطلا- يقيمون الباطل في معارضة الحق- و الشبهة في مصادمة الحجة- و لكل دليل قائم و قول صحيح ثابت- احتجاجا مائلا مضادا لذلك الدليل- و كلاما مضطربا لذلك القول- . و لكل باب مفتاحا- أي ألسنتهم ذلقة قادرة على فتح المغلقات- للطف توصلهم و ظرف منطقهم- . و لكل ليل مصباحا- أي كل أمر مظلم فقد أعدوا له كلاما ينيره و يضيئه- و يجعله كالمصباح الطارد لليل- .و يتوصلون إلى مطامعهم- بإظهار اليأس عما في أيدي الناس- و بالزهد في الدنيا- و في الأثر شركم من أخذ الدنيا بالدين- . ثم قال إنما فعلوا ذلك ليقيموا به أسواقهم- أي لتنفق سلعتهم- .

و الأعلاق جمع علق و هو السلعة الثمينة- . يقولون فيشبهون يوقعون الشبه في القلوب- . و يصفون فيموهون التمويه التزيين- و أصله أن تطلي الحديدة بذهب يحسنها- . قد هيئوا الطريق- أي الطريق الباطل قد هيئوها لتسلك بتمويهاتهم- . و أضلعوا المضيق أمالوه و جعلوه ضلعا أي معوجا- أي جعلوا المسلك الضيق معوجا بكلامهم و تلبيسهم- فإذا أسلكوه إنسانا اعوج لاعوجاجه- . و اللمة بالتخفيف الجماعة- و الحمة بالتخفيف أيضا السم- و كنى عن إحراق النار بالحمة للمشابهة في المضرة

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 10

خطبه 186 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)( هَمَّام)

186 و من خطبة له ع

رُوِيَ أَنَّ صَاحِباً لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع يُقَالُ لَهُ هَمَّامٌ- كَانَ رَجُلًا عَابِداً فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- صِفْ لِيَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ- فَتَثَاقَلَ ع عَنْ جَوَابِهِ- ثُمَّ قَالَ يَا هَمَّامُ اتَّقِ اللَّهَ وَ أَحْسِنْ- فَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ- فَلَمْ يَقْنَعْ هَمَّامٌ بِهَذَا الْقَوْلِ حَتَّى عَزَمَ عَلَيْهِ- فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ص- ثُمَّ قَالَ ع- أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حَيْثُ خَلَقَهُمْ- غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ- لِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ- وَ لَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ- وَ وَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ- فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ- مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ وَ مَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ وَ مَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ- غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ- وَ وَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ- نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ- كَالَّذِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ- لَوْ لَا الْأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ- لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ- شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ-عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ- فَهُمْ وَ الْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ- وَ هُمْ وَ النَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ- قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ- وَ أَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ وَ حَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ وَ أَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ- صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً- تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ- أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا- وَ أَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا- أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ- تَالِينَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا- يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ يَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ- فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً- وَ تَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ- وَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ- أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ- وَ ظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَ شَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ- فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ- مُفْتَرِشُونَ لِجَبَاهِهِمْ وَ أَكُفِّهِمْ وَ رُكَبِهِمْ وَ أَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ- يَطْلُبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ- وَ أَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ- قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ- يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى- وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ وَ يَقُولُ لَقَدْ خُولِطُوا- وَ لَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ- لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ- وَ لَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ- فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ- إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ- أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي وَ رَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي- اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ- وَ اجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ وَ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ

همام المذكور في هذه الخطبة- هو همام بن شريح بن يزيد بن مرة بن عمرو- بن جابر بن يحيى بن الأصهب بن كعب- بن الحارث بن سعد بن عمرو بن ذهل- بن مران بن صيفي بن سعد العشيرة- . و كان همام هذا من شيعة أمير المؤمنين ع و أوليائه- و كان ناسكا عابدا- قال له يا أمير المؤمنين- صف لي المتقين حتى أصير بوصفك إياهم كالناظر إليهم- . فتثاقل عن جوابه أي أبطأ- . فعزم عليه أي أقسم عليه- و تقول لمن يكرر عليك الطلب و السؤال- قد عزم علي أي أصر و قطع- و كذلك تقول في الأمر تريد فعله و تقطع عليه- عزمت عزما و عزمانا و عزيمة و عزيما- . فإن قلت- كيف جاز له ع أن يتثاقل عن جواب المسترشد- .

قلت يجوز أن يكون تثاقل عن جوابه- لأنه علم أن المصلحة في تأخير الجواب- و لعله كان حضر المجلس من لا يحب أن يجيب و هو حاضر- فلما انصرف أجاب- و لعله رأى أن تثاقله عن الجواب- يشد تشوق همام إلى سماعه فيكون أنجع في موعظته- و لعله كان من باب تأخير البيان إلى وقت الحاجة- لا من باب تأخير البيان عن وقت الحاجة- و لعله تثاقل عن الجواب- ليرتب المعاني التي خطرت له في ألفاظ مناسبة لها- ثم ينطق بها كما يفعله المتروي في الخطبة و القريض- . فإن قلت فما معنى إجابته له أولا بقوله- يا همام اتق الله و أحسن- ف إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ- و أي جواب في هذا عن سؤال همام- .

قلت كأنه لم ير في بادئ الحال- شرح صفات المتقين على التفصيل- فقال لهمام ماهية التقوى معلومة في الجملة- فاتق الله و أحسن- فإن الله قد وعد في كتابه أن يكون وليا- و ناصرا لأهل التقوى و الإحسان- و هذا كما يقول لك قائل- ما صفات الله الذي أعبده أنا و الناس- فتقول له لا عليك ألا تعرف صفاته مفصلة- بعد أن تعلم أنه خالق العالم- و أنه واحد لا شريك له- فلما أبى همام إلا الخوض فيما سأله على وجه التفصيل- قال له إن الله تعالى خلق الخلق حين خلقهم- و يروى حيث خلقهم و هو غني عن طاعتهم- لأنه ليس بجسم فيستضر بأمر أو ينتفع به- .

و قسم بين الخلق معايشهم كما قال سبحانه- نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا- . و في قوله وضعهم مواضعهم- معنى قوله وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ- لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا- فكأنه ع أخذ الألفاظ فألغاها و أتى بمعناها- . فلما فرغ من هذه المقدمة شرع في ذكر صفات المتقين- فقال إنهم أهل الفضائل ثم بين ما هذه الفضائل- فقال منطقهم الصواب- . فإن قلت أي فائدة في تقديم تلك المقدمة- و هي كون البارئ سبحانه غنيا لا تضره المعصية- و لا تنفعه الطاعة- . قلت لأنه لما تضمنت الخطبة مدح الله تعالى للمتقين- و ما أعده لهم من الثواب- و ذمه للعاصين و ما أعده لهم من العقاب العظيم- فربما يتوهم متوهم- أن الله تعالى ما رغب في الطاعةهذا الترغيب البالغ- و خوف من المعصية هذا التخويف البالغ- إلا و هو منتفع بالأولى مستضر بالثانية- فقدم ع تلك المقدمة نفيا لهذا الوهم

فصل في فضل الصمت و الاقتصاد في المنطق

و اعلم أن القول في خطر الكلام و فضل الصمت- و فضل الاقتصار في المنطق وسيع جدا- و قد ذكرنا منه طرفا فيما تقدم- و نذكر الآن منه طرفا آخر- .
قال النبي ص من صمت نجا
وقال أيضا الصمت حكم و قليل فاعله
وقال له ص بعض أصحابه- أخبرني عن الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحدا بعدك- فقال قل آمنت بالله ثم استقم- قال فما أتقي فأومأ بيده إلى لسانه
وقال له ع عقبة بن عامر- يا رسول الله ما النجاة قال املك عليك لسانك- و ابك على خطيئتك و ليسعك بيتك
وروى سهل بن سعد الساعدي عنه ص من يتوكل لي بما بين لحييه و رجليه أتوكل له بالجنة
وقال من وقي شر قبقبه و ذبذبه و لقلقه فقد وقي
وروى سعيد بن جبير مرفوعا إذا أصبح ابن آدم- أصبحت الأعضاء كلها تشكواللسان- تقول أي بني آدم اتق الله فينا- فإنك إن استقمت استقمنا و إن اعوججت اعوججنا- .

و قد روي أن عمر رأى أبا بكر و هو يمد لسانه- فقال ما تصنع قال هذا الذي أوردني الموارد-إن رسول الله ص قال ليس شي‏ء في الجسد- إلا يشكو إلى الله تعالى اللسان على حدتهو سمع ابن مسعود يلبي على الصفا و يقول- يا لسان قل خيرا تغنم- أو اصمت تسلم من قبل أن تندم- فقيل له يا أبا عبد الرحمن أ هذا شي‏ء سمعته- أم تقوله من تلقاء نفسك- قال بلسمعت رسول الله ص يقول أكثر خطايا ابن آدم من لسانه
وروى الحسن مرفوعا رحم الله عبدا تكلم فغنم أو سكت فسلم
وقالت التلامذة لعيسى ع- دلنا على عمل ندخل به الجنة- قال لا تنطقوا أبدا قالوا لا نستطيع ذلك- قال فلا تنطقوا إلا بخير
وقال النبي ص إن الله عند لسان كل قائل- فاتقى الله امرؤ علم ما يقول
وكان يقول لا شي‏ء أحق بطول سجن من لسان
وكان يقال لسانك سبع إن أطلقته أكلك- . في حكمة آل داود- حقيق على العاقل أن يكون عارفا بزمانه- حافظا للسانه مقبلا على شانه- . و كان يقال- من علم أن كلامه من عمله أقل كلامه فيما لا ينفعه- . و قال محمد بن واسع حفظ اللسان أشد على الناس من حفظ الدينار و الدرهم- .

اجتمع أربعة حكماء من الروم و الفرس و الهند و الصين- فقال أحدهم أنا أندم على ما قلت و لا أندم على ما لم أقل- و قال الآخر إذا تكلمت بالكلمة ملكتني و لم أملكها- و إذا لم أتكلم ملكتها و لم تملكني- و قال الآخر عجبت للمتكلم- إن رجعت عليه كلمته ضرته و إن لم ترجع لم تنفعه- و قال الرابع أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت.

ذكر الآثار الواردة في آفات اللسان

و اعلم أن آفات اللسان كثيرة- فمنها الكلام فيما لا يعنيك- و هو أهون آفات اللسان و مع ذلك فهو عيب-قال النبي ص من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيهوروي أنه ع مر بشهيد يوم أحد- فقال أصحابه هنيئا له الجنة- قال و ما يدريكم لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه
وقال ابن عباس خمس هي أحسن و أنفع من حمر النعم- لا تتكلم فيما لا يعنيك فإنه فضل لا آمن عليه الوزر- و لا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعا- فرب متكلم في أمر يعنيه قد وضعه في غير موضعه فأساء- و لا تمار حليما و لا سفيها- فإن الحليم يقليك و السفيه يؤذيك- و اذكر أخاك إذا تغيب عنك- بما تحب أن يذكرك به- و أعفه عما تحب أن يعفيك عنه- و اعمل عمل رجل يرى أنه مجازى بالإحسان- مأخوذ بالجرائم- . و منها فضول الكلام و كثرته و ترك الاقتصار- و كان يقال فضول المنطق و زيادته نقص في العقل- و هما ضدان متنافيان كلما زاد أحدهما نقص الآخر- .

وقال عبد الله بن مسعود إياكم و فضول الكلام حسب امرئ ما بلغ به حاجتهو كان يقال من كثر كلامه كثر سقطه- . و قال الحسن فضول الكلام كفضول المال كلاهما مهلك- . و منها الخوض في الباطل و الحديث فيما لا يحل- كحديث النساء و مجالس الخمر و مقامات الفساق- و إليه الإشارة بقوله تعالى- وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ- . و منها المراء و الجدال-قال ع دع المراء و إن كنت محقاوقال مالك بن أنس المراء يقسي القلب و يورث الضغائن- .

و قال سفيان الثوري- لو خالفت أخي في رمانة فقال حلوة و قلت حامضة- لسعي بي إلى السلطان- . و كان يقال صاف من شئت ثم أغضبه بالجدال و المراء- فليرمينك بداهية تمنعك العيش- . و قيل لميمون بن مهران- ما لك لا تفارق أخا لك عن قلى- قال لأني لا أشاريه و لا أماريه- . و منها التقعر في الكلام بالتشدد و التكلف في الألفاظ-قال النبي ص‏أبغضكم إلي و أبعدكم مني مجالس يوم القيامة- الثرثارون المتفيهقون المتشدقونوقال ع هلك المتنطعون… ثلاث مرات- و التنطع هو التعمق و الاستقصاء و قال عمر إن شقاشق الكلام من شقاشق الشيطان- .

و منها الفحش و السب و البذاء-قال النبي ص إياكم و الفحش- فإن الله لا يحب الفحش و لا يرضى الفحشوقال ع ليس المؤمن بالطعان- و لا باللعان و لا بالسباب و لا البذي‏ءوقال ع لو كان الفحش رجلا لكان رجل سوءو منها المزاح الخارج عن قانون الشريعة- و كان يقال من مزح استخف به- و كان يقال المزاح فحل لا ينتج إلا الشر- . و منها الوعد الكاذب- وقد قال النبي ص العدة دين و قد أثنى الله سبحانه على إسماعيل- فقال إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ- و قال سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ- .
و منها الكذب في القول و اليمين- و الأمر فيهما مشهور- . و منها الغيبة و قد تقدم القول فيها- .قوله ع و ملبسهم الاقتصاد- أي ليس بالثمين جدا و لا بالحقير جدا- كالخرق التي تؤخذ من على المزابل- و لكنه أمر بين أمرين- و كان ع يلبس الكرابيس و هو الخام الغليظ- و كذلك كان عمر رضي الله عنه- و كان رسول الله ص يلبس اللين تارة و الخشن أخرى- . قوله ع و مشيهم التواضع- تقديره و صفة مشيهم التواضع فحذف المضاف- و هذا مأخوذ من قوله تعالى- وَ اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ- .

رأى محمد بن واسع ابنا له يمشي- و هو يتبختر و يميس في مشيته فصاح به فأقبل- فقال له ويلك لو عرفت نفسك لقصدت في مشيك- أما أمك فأمة ابتعتها بمائة درهم و أما أبوك فلا أكثر الله في الناس من أمثاله- . و الأصل في هذا الباب قوله تعالى- وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً- إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا- . و قوله غضوا أبصارهم- أي خفضوها و غمضوها- و غضضت طرفي عن كذا احتملت مكروهه- . و قوله وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم- أي لم يشغلوا سمعهم بشي‏ء غير العلوم النافعة- أي لم يشتغلوا بسماع شعر و لا غناء- و لا أحاديث أهل الدنيا- .

قوله نزلت أنفسهم منهم في البلاء- كالذي نزلت في الرخاء- يعني أنهم قد طابوا نفسا في البلاء و الشدة- كطيب أنفسهم بأحوالهم في الرخاء و النعمة- و ذلك لقلة مبالاتهم بشدائد الدنيا و مصائبها- و تقدير الكلام من جهة الإعراب- نزلت أنفسهم منهم في حال البلاء نزولا- كالنزول الذي نزلته منهم في حال الرخاء- فموضع كالذي نصب لأنه صفة مصدر محذوف- و الموصول قد حذف العائد إليه و هو الهاء في نزلته- كقولك ضربت الذي ضربت أي ضربت الذي ضربته- .

ثم قال ع إنهم من شدة شوقهم إلى الجنة- و من شدة خوفهم من النار- تكاد أرواحهم أن تفارق أجسادهم- لو لا أن الله تعالى ضرب لهم آجالا ينتهون إليها- . ثم ذكر أن الخالق لما عظم في أعينهم- استصغروا كل شي‏ء دونه- و صاروا لشدة يقينهم و مكاشفتهم- كمن رأى الجنة فهو يتنعم فيها- و كمن رأى النار و هو يعذب فيها- و لا ريب أن من يشاهد هاتين الحالتين- يكون على قدم عظيمة من العبادة و الخوف و الرجاء- و هذا مقام جليل- و مثلهقوله ع في حق نفسه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا- و الواو في و الجنة واو مع- و قد روي بالعطف بالرفع على أنه معطوف على هم- و الأول أحسن- .

ثم وصفهم بحزن القلوب و نحافة الأجسام- و عفة الأنفس و خفة الحوائج- و أن شرورهم مأمونة على الناس- و أنهم صبروا صبرا يسيرا أعقبهم نعيما طويلا- . ثم ابتدأهم فقال تجارة مربحة أي تجارتهم تجارة مربحة- فحذف المبتدأ- و روي تجارة مربحة بالنصب على أنه مصدر محذوف الفعل- . قوله أما الليل بالنصب على الظرفية- و روي أما الليل على الابتداء- . قوله تالين منصوب على أنه حال- إما من الضمير المرفوع بالفاعلية في صافون- أو من الضمير المجرور بالإضافة في أقدامهم- .

و الترتيل التبيين و الإيضاح- و هو ضد الإسراع و العجل- و يروى يرتلونه على أن الضمير يعود إلى القرآن- و الرواية الأولى يعود الضمير فيها إلى أجزاء القرآن- . قوله يحزنون به أنفسهم- أي يستجلبون لها الحزن به- و يستثيرون به دواء دائهم- إشارة إلى البكاء- فإنه دواء داء الحزين قال الشاعر-

فقلت لها إن البكاء لراحة
به يشتفي من ظن أن لا تلاقيا

 و قال آخر-

شجاك من ليلتك الطول
فالدمع من عينيك مسدول‏

و هو إذا أنت تأملته‏
حزن على الخدين محلول‏

 ثم ذكر أنهم إذا مروا بآية فيها ذكر الثواب مالوا إليها- و اطمأنوا بها طمعا في نيله- و تطلعت أنفسهم إليها شوقا أي اشرأبت- . و نصب أعينهم منصوب على الظرفية- و روي بالرفع على أنه خبر أن- و الظن هاهنا يمكن أن يكون على حقيقته- و يمكن أن يكون بمعنى العلم- كقوله تعالى أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ- و أصغى إلى الكلام مال إليه بسمعه- و زفير النار صوتها- . و قد جاء في فضل قراءة القرآن شي‏ء كثير-
روي عن النبي ص أنه قال من قرأ القرآن- ثم رأى أن أحدا أوتي أفضل مما أوتي- فقد استصغر ما عظمه الله
وقال ص لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار
وقال أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن

وقال أهل القرآن أهل الله و خاصته
وقال إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد- قيل فما جلاؤها قال تلاوة القرآن و ذكر الموت
وقال ع إن الله سبحانه لأشد أذنا- إلى قارئ القرآن من صاحب القينة إلى قينته
وقال الحسن رحمه الله ما دون القرآن من غنى و لا بعد القرآن من فاقة- .

ثم ذكر ع صورة صلاتهم و ركوعهم- فقال حانون على أوساطهم- حنيت العود عطفته- يصف هيئة ركوعهم و انحنائهم في الصلاة- . مفترشون لجباههم باسطون لها على الأرض- . ثم ذكر الأعضاء السبعة- التي مباشرتها بالأرض فروض في الصلاة- و هي الجبهة و الكفان و الركبتان و القدمان- . قوله ع يطلبون إلى الله أي يسألونه- يقال طلبت إليك في كذا أي سألتك- و الكلام على الحقيقة- مقدر فيه حال محذوفة يتعلق بها حرف الجر- أي يطلبون سائلين إلى الله في فكاك رقابهم- لأن طلب لا يتعدى بحرف الجر- .

ثم لما فرغ من ذكر الليل قال- و أما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء- هذه الصفات هي التي يطلع عليها الناظرون لهم نهارا- و تلك الصفات المتقدمة من وظائف الليل- . ثم ذكر ما هم عليه من الخوف- فقال ع إن خوفهم قد براهم بري‏القداح و هي السهام- واحدها قدح- فينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى و ما بهم من مرض- نظير هذا قول الشاعر-

و مخرق عنه القميص تخاله
بين البيوت من الحياء سقيما

حتى إذا رفع اللواء رأيته‏
تحت اللواء على الخميس زعيما

و يقال للمتقين لشدة خوفهم- كأنهم مرضى و لا مرض بهم- و تقول العرب للكرام من الناس القليلي المأكل و المشرب- رافضي اللباس الرفيع ذوي الأجسام النحيفة- مراض من غير مرض- و يقولون أيضا للمرأة ذات الطرف الغضيض الفاتر- ذات الكسل مريضة من غير مرض قال الشاعر-

ضعيفة كر الطرف تحسب أنها
حديثة عهد بالإفاقة من سقم‏

ذكر الخوف و ما ورد فيه من الآثار

و اعلم أن الخوف مقام جليل من مقامات العارفين- و هو أحد الأركان التي هي أصول هذا الفن- و هو التقوى التي حث الله تعالى عليها- و قال إن أكرم الناس عنده أشدهم خوفا له- و في هذه الآية وحدها كفاية- و إذا نظرت القرآن العزيز- وجدت أكثره ذكر المتقين و هم الخائفون-

وقال النبي ص من خاف الله خافه كل شي‏ء- و من خاف غير الله خوفه الله من كل شي‏ء
وقال ع أتمكم عقلا أشدكم لله خوفا- و أحسنكم فيما أمر به و نهى عنه نظرا
و قال يحيى بن معاذ مسكين ابن آدم- لو خاف النار كما يخاف الفقر دخل الجنة- .

و قال ذو النون المصري- ينبغي أن يكون الخوف أغلب من الرجاء- فإن الرجاء إذا غلب تشوش القلب- . و قيل لبعض الصالحين- من آمن الخلق غدا قال أشدهم خوفا اليوم- . و قيل للحسن يا أبا سعيد- كيف نصنع بمجالسة أقوام من أصحابك- يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير- فقال إنك و الله لأن تصحب قوما يخوفونك- حتى تدرك الأمن- خير لك من أن تصحب قوما يؤمنونك- حتى يدركك الخوف- .

و قيل للنبي ص في قوله تعالى- وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ- هم الذين يعصون و يخافون المعصية- قال لا بل الرجل يصوم و يتصدق- و يخاف ألا يقبل منه-وقال ص ما من قطرة أحب إلى الله تعالى- من قطرة دمع من خشية الله- أو قطرة دم أريقت في سبيل الله
وقال ع سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله- و ذكر منهم رجلا ذكر الله في خلوة ففاضت عيناه- .

قوله ع و يقول قد خولطوا أي أصابتهم جنة- . ثم قال و لقد خالطهم أمر عظيم- أي مازجهم خوف عظيم تولهوا لأجله فصاروا كالمجانين- . ثم ذكر أنهم لا يستكثرون في كثير من أعمالهم- و لا يرضيهم اجتهادهم و أنهم يتهمون أنفسهم- و ينسبونها إلى التقصير في العبادة- و إلى هذا نظر المتنبي فقال-

يستصغر الخطر الكبير لنفسه
و يظن دجلة ليس تكفي شاربا

قال و من أعمالهم مشفقون- أي مشفقون من عباداتهم ألا تقبل- و إلى هذا نظر أبو تمام فقال-

يتجنب الآثام ثم يخافها
فكأنما حسناته آثام‏

و مثل قوله أنا أعلم بنفسي من غيري- قوله ع لمن زكاه نفاقا- أنا دون ما تقول و فوق ما في نفسك- . و قوله اللهم لا تؤاخذني بما يقولون- إلى آخر الكلام مفرد مستقل بنفسه منقول عنه ع- أنه قال لقوم مر عليهم و هم مختلفون في أمره- فمنهم الحامد له و منهم الذام فقال اللهم لا تؤاخذني- الكلمات إلى آخرها-

و معناه اللهم‏إن كان ما ينسبه الذامون إلي- من الأفعال الموجبة الذم حقا- فلا تؤاخذني بذلك- و اغفر لي ما لا يعلمونه من أفعالي- و إن كان ما يقوله الحامدون حقا- فاجعلني أفضل مما يظنونه في: فَمِنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينٍ- وَ حَزْماً فِي لِينٍ وَ إِيمَاناً فِي يَقِينٍ وَ حِرْصاً فِي عِلْمٍ- وَ عِلْماً فِي حِلْمٍ وَ قَصْداً فِي غِنًى وَ خُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ- وَ تَجَمُّلًا فِي فَاقَةٍ وَ صَبْراً فِي شِدَّةٍ وَ طَلَباً فِي حَلَالٍ- وَ نَشَاطاً فِي هُدًى وَ تَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ- يَعْمَلُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَ هُوَ عَلَى وَجَلٍ- يُمْسِي وَ هَمُّهُ الشُّكْرُ وَ يُصْبِحُ وَ هَمُّهُ الذِّكْرُ- يَبِيتُ حَذِراً وَ يُصْبِحُ فَرِحاً- حَذِراً لَمَّا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ- وَ فَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَ الرَّحْمَةِ- إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ- لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا تُحِبُّ- قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لَا يَزُولُ وَ زَهَادَتُهُ فِيمَا لَا يَبْقَى- يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَ الْقَوْلَ بِالْعَمَلِ- تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلًا زَلَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ- قَانِعَةً نَفْسُهُ مَنْزُوراً أَكْلُهُ سَهْلًا أَمْرُهُ- حَرِيزاً دِينُهُ مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ مَكْظُوماً غَيْظُهُ- الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ- إِنْ كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ- وَ إِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ-يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَ يُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ- وَ يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ بَعِيداً فُحْشُهُ- لَيِّناً قَوْلُهُ غَائِباً مُنْكَرُهُ حَاضِراً مَعْرُوفُهُ- مُقْبِلًا خَيْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ- فِي الزَّلَازِلِ وَقُورٌ وَ فِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ- وَ فِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ- وَ لَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ- يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ- لَا يُضِيعُ مَا اسْتُحْفِظَ وَ لَا يَنْسَى مَا ذُكِّرَ- وَ لَا يُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ وَ لَا يُضَارُّ بِالْجَارِ- وَ لَا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ وَ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ- وَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ- إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ وَ إِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ- وَ إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ- نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ- أَتْعَبَ نَفْسَهُ لآِخِرَتِهِ وَ أَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ- بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَ نَزَاهَةٌ- وَ دُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَ رَحْمَةٌ- لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَ عَظَمَةٍ وَ لَا دُنُوُّهُ بِمَكْرٍ وَ خَدِيعَةٍ- قَالَ فَصَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً كَانَتْ نَفْسُهُ فِيهَا- فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ- ثُمَّ قَالَ هَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا- فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ فَمَا بَالُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- فَقَالَ ع وَيْحَكَ إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ وَقْتاً لَا يَعْدُوهُ- وَ سَبَباً لَا يَتَجَاوَزُهُ فَمَهْلًا لَا تَعُدْ لِمِثْلِهَا- فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ

هذه الألفاظ التي أولها قوة في دين- بعضها يتعلق حرف الجر فيه بالظاهر- فيكون موضعه نصبا بالمفعولية و بعضها يتعلق بمحذوف- فيكون موضعه نصبا أيضا على الصفة و نحن نفصلها- . فقوله قوة في دين حرف الجر هاهنا متعلق بالظاهر- و هو قوة تقول فلان قوي في كذا و على كذا- كما تقول مررت بكذا و بلغت إلى كذا- . و و حزما في لين هاهنا لا يتعلق حرف الجر بالظاهر- لأنه لا معنى له- أ لا ترى أنك لا تقول فلان حازم في اللين- لأن اللين ليس أمرا يحزم الإنسان فيه- و ليس كما تقول فلان حازم في رأيه أو في تدبيره- فوجب أن يكون حرف الجر متعلقا بمحذوف- تقديره و حزما كائنا في لين- . و كذلك قوله و إيمانا في يقين- حرف الجر متعلق بمحذوف أي كائنا في يقين أي مع يقين- . فإن قلت الإيمان هو اليقين فكيف قال و إيمانا في يقين- قلت الإيمان هو الاعتقاد مضافا إلى العمل- و اليقين هو سكون القلب فقط فأحدهما غير الآخر- .

قوله و حرصا في علم حرف الجر هاهنا يتعلق بالظاهر- و في بمعنى على- كقوله تعالى لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ- . قوله و قصدا في غنى حرف الجر متعلق بمحذوف- أي هو مقتصد مع كونه غنيا- و ليس يجوز أن يكون متعلقا بالظاهر- لأنه لا معنى لقولك اقتصد في الغنى- إنما يقال اقتصد في النفقة- و ذلك الاقتصاد موصوف بأنه مقارن للغنى و مجامع له- .

قوله و خشوعا في عبادة- حرف الجر هاهنا يحتمل الأمرين معا- . قوله و تجملا في فاقة- حرف الجر هاهنا متعلق بمحذوف- و لا يصح تعلقه بالظاهر- لأنه إنما يقال فلان يتجمل في لباسه و مروءته- مع كونه ذا فاقة- و لا يقال يتجمل في الفاقة- على أن يكون التجمل متعديا إلى الفاقة- . قوله و صبرا في شدة حرف الجر هاهنا يحتمل الأمرين- . قوله و طلبا في حلال حرف الجر هاهنا يتعلق بالظاهر- و في بمعنى اللام- . قوله و نشاطا في هدى حرف الجر هاهنا يحتمل الأمرين- .

قوله و تحرجا عن طمع- حرف الجر هاهنا يتعلق بالظاهر لا غير- . قوله يعمل الأعمال الصالحة و هو على وجل- قد تقدم مثله- . قوله يمسي و همه الشكر- هذه درجة عظيمة من درجات العارفين- و قد أثنى الله تعالى على الشكر و الشاكرين- في كتابه في مواضع كثيرة- نحو قوله فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ- فقرن الشكر بالذكر- . و قال تعالى- ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ- . و قال تعالى وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ- . و لعلو مرتبة الشكر طعن إبليس في بني آدم- فقال وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ- و قد صدقه الله تعالى في هذا القول فقال- وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ- .

و قال بعض أصحاب المعاني- قد قطع الله تعالى بالمزيد مع الشكر و لم يستثن- فقال لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ- . و استثنى في خمسة أمور- و هي الإغناء و الإجابة و الرزق و المغفرة و التوبة- . فقال فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ- . و قال بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ- . و قال يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ- . و قال وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ- .

و قال وَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ- . و قال بعضهم كيف لا يكون الشكر مقاما جليلا- و هو خلق من أخلاق الربوبية- قال تعالى في صفة نفسه وَ اللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ- . و قد جعل الله تعالى مفتاح كلام أهل الجنة- فقال وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ- و جعله خاتمة كلامهم أيضا فقال- وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ- .و قيل للنبي ص- قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر- فلم تقوم الليل و تتعب نفسك قال أ فلا أكون عبدا شكورا- .

قوله ع و يصبح و همه الذكر- هذه أيضا درجة كبيرة عظيمة من درجات العارفين- قال تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ- قال بعض العارفين لأصحابه- أنا أعلم متى يذكرني ربي ففزعوا منه- فقال إذا ذكرته ذكرني و تلا الآية فسكتوا- . و قال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً- . و قال فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ- . و قال فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً- . و قال فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ- فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِكُمْ- . و قال الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ- . و قال في ذم المنافقين- وَ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا- . و قال وَ اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً- . و قال وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ- . 

وقال النبي ص ذاكر الله في الغافلين- كالشجرة الخضراء في وسط الهشيم
وقال ص من أحب أن يرتع في رياض الجنة- فليكثر من ذكر الله

وسئل ع أي الأعمال أفضل- قال أن تموت و لسانك رطب بذكر الله
وقال ص حكاية عن الله تعالى إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي- و إذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه- و إذا تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا- و إذا تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا- و إذا مشى إلي هرولت إليه
وقال ص ما جلس قوم مجلسا يذكرون الله تعالى- إلا حفت بهم الملائكة و غشيتهم الرحمة- و ذكرهم الله فيمن عنده– .

قوله ع يبيت حذرا و يصبح فرحا- حذرا لما حذر من الغفلة- و فرحا بما أصاب من الفضل و الرحمة- . و قد تقدم ذكر الخوف- . و قد عرض ع هاهنا بالرجاء المقابل للخوف- فإن فرح العارف بما أصاب من الفضل و الرحمة- يمكن أن يحمل على أنه فرح- بمجرد ما أصاب من فضل الله و رحمته- . و يمكن أن يحمل على أنه فرح- بما يرجوه من ثواب الله و نعيمه- لذا استدل على وصوله إليه و قوي ظنه بظفره به- بما عجل الله تعالى له من الفضل و الرحمة في الدنيا- و مقام الرجاء للعارفين مقام شريف- و هو في مقابلة مقام الخوف- و هو المقام الذي يوجد العارف فيه فرحا- قال الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ- وَ أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً- يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ-.

 وقال النبي ص حكاية عن الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاءدخل ص على رجل من أصحابه و هو يجود بنفسه- فقال كيف تجدك- قال أجدني أخاف ذنوبي و أرجو رحمة ربي- فقال ص ما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن- إلا أعطاه الله ما رجاه و أمنه مما خافه- . قوله ع إن استصعبت عليه نفسه- أي صارت صعبة غير منقادة- يقول إذا لم تطاوعه نفسه إلى ما هي كارهة له- لم يعطها مرادها فيما تحبه- .

قوله ع قرة عينه فيما لا يزول و زهادته فيما لا يبقى- يقال للفرح المسرور إنه لقرير العين- و قرت عينه تقر و المراد بردها- لأن دمعة السرور باردة و دمعة الحزن حارة- . و هذا الكلام يحتمل أمرين- أحدهما أن يعني بما لا يزول البارئ سبحانه- و هذا مقام شريف جدا أعظم من سائر المقامات- و هو حب العارف لله سبحانه و قد أنكره قوم- فقالوا لا معنى لمحبة البارئ إلا المواظبة على طاعته- و نحوه قول أصحابنا المتكلمين- إن محبة الله تعالى للعبد هي إرادته لثوابه- و محبة العبد للبارئ هي إرادته لطاعته- فليست المحبة عندهم شيئا زائدا على الإرادة- و لا يجوز أن تتعلق بذات الله سبحانه- لأن الإرادة لا تتعلق إلا بالحدوث- و خالفهم شيخنا أبو الحسن- فقال إن الإرادة يمكن أن تتعلق بالباقي- ذكر ذلك في الكلام في الأكوان في أول التصفح- فأما إثبات الحب في الجملة فقد نطق به القرآن-

قال سبحانه يُحِبُّهُمْ‏وَ يُحِبُّونَهُ- و قال أيضا وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ- و قال إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وفي الحديث أن النبي ص نظر إلى مصعب بن عمير مقبلا- و عليه إهاب كبش قد تمنطق به- فقال انظروا إلى الرجل الذي قد نور الله قلبه- لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيب الطعام و الشراب- فدعاه حب الله و رسوله إلى ما ترونويقال إن عيسى ع مر بثلاثة نفر قد نحلت أبدانهم- و تغيرت ألوانهم- فقال ما الذي بلغ بكم ما أرى قالوا الخوف من النار- قال حق على الله أن يؤمن من يخافه- ثم جاوزهم إلى ثلاثة آخرين- فإذا هم أشد نحولا و تغيرا فقال ما الذي بلغ بكم ما أرى- قالوا الشوق إلى الجنة فقال حق على الله أن يعطي من رجاه- ثم مر إلى ثلاثة آخرين فإذا هم أشد نحولا- و على وجوههم مثل المرائي من النور- فقال ما الذي بلغ بكم ما أرى قالوا حب الله عز و جل- فقال أنتم المقربون ثلاثا- . و قال بعض العارفين-

أحبك حبين حب الهوى
و حبا لأنك أهل لذاكا

فأما الذي هو حب الهوى‏
فشغلي بذكرك عمن سواكا

و أما الذي أنت أهل له
فكشفك لي الحجب حتى أراكا

فلا الحمد من ذا و لا ذاك لي‏
و لكن لك الحمد في ذا و ذاكا

ليس يريد بكشف الحجب و الرؤية- ما يظنه الظاهريون من أنها الإبصار بالعين- بل المعرفة التامة- و ذلك لأن المعارف النظرية- يصح أن تصير ضرورية عند جمهور أصحابنا- فهذا أحد محملي الكلام- . و ثانيهما أن يريد بما لا يزول نعيم الجنة- و هذا أدون المقامين- لأن الخلص من العارفين يحبونه و يعشقونه سبحانه لذاته- لا خوفا من النار و لا شوقا إلى الجنة- و قد قال بعضهم- لست أرضى لنفسي أن أكون كأجير السوء- إن دفعت إليه الأجرة رضي و فرح- و إن منعها سخط و حزن إنما أحبه لذاته- . و قال بعض شعرائهم شعرا من جملته-

فهجره أعظم من ناره
و وصله أطيب من جنته‏

و قد جاء في كلام أمير المؤمنين ع من هذا الكثير- نحوقوله لم أعبده خوفا و لا طمعا- لكني وجدته أهلا للعبادة فعبدته- . قوله ع يمزج الحلم بالعلم- أي لا يحلم إلا عن علم بفضل الحلم ليس كما يحلم الجاهلون- . قوله و القول بالعمل أي لا يقتصر على القول- و مثل هذا قول الأحوص-

و أراك تفعل ما تقول و بعضهم
مذق اللسان يقول ما لا يفعل‏

 قوله ع تراه قريبا أمله- أي ليست نفسه متعلقة بما عظم من آمال الدنيا- و إنما قصارى أمره أن يؤمل القوت و الملبس- قليلا زلله أي خطؤه- . قوله منزورا أكله أي قليلا- و يحمد من الإنسان الأكل النزر- قال أعشى باهلة-

تكفيه حزة فلذ إن ألم بها
من الشواء و يكفي شربه الغمر

 و قال متمم بن نويرة

لقد كفن المنهال تحت ردائه
فتى غير مبطان العشيات أروعا

 قوله ع مكظوما غيظه- كظم الغيظ من الأخلاق الشريفة-قال زيد بن علي ع ما سرني بجرعة غيظ أتجرعها- و أصبر عليها حمر النعم
– . و جاء رجل إلى الربيع بن زياد الحارثي- فقال يا أبا عبد الرحمن إن فلانا يغتابك و ينال منك- فقال و الله لأغيظن من أمره بذلك- قال الرجل و من أمره قال الشيطان عدو الله- استغواه ليؤثمه و أراد أن يغضبني عليه فأكافئه- و الله لا أعطيه ما أحب من ذلك غفر الله لنا و له- . و جهل إنسان على عمر بن عبد العزيز- فقال أظنك أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان- فأنال منك اليوم ما تناله مني غدا- انصرف عافاك الله- . وقال النبي ص الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسلوقال إنسان لرسول الله ص أوصني- فقال لا تغضب فأعاد عليه السؤال فقال لا تغضب- فقال زدني فقال لا أجد مزيدا- .

و من كلام بعض الحكماء لا يفي عز الغضب بذلة الاعتذار- .قوله إن كان في الغافلين- معناه أنه لا يزال ذاكر الله تعالى- سواء كان جالسا مع الغافلين أو مع الذاكرين- أما إذا كان مع الغافلين فإنه يذكر الله بقلبه- و أما إذا كان مع الذاكرين فإنه يذكر بقلبه و لسانه- . قوله ع- يعفو عمن ظلمه و يعطي من حرمه و يصل من قطعه- منكلام المسيح ع في الإنجيل أحبوا أعداءكم و صلوا قاطعيكم- و اعفوا عن ظالميكم و باركوا على لاعنيكم- لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء- الذي تشرق شمسه على الصالحين و الفجرة- و ينزل مطره على المطيعين و الأثمة- .

قوله ع بعيدا فحشه- ليس يعني به أنه قد يفحش تارة- و يترك الفحش تارات بل لا فحش له أصلا- فكنى عن العدم بالبعد لأنه قريب منه- . قوله لينا قوله العارف بسام طلق الوجه لين القول- و في صفات النبي ص ليس بفظ و لا صخاب- . قوله في الزلازل وقور- أي لا تحركه الخطوب الطارقة- و يقال إن علي بن الحسين ع كان يصلي- فوقعت عليه حية فلم يتحرك لها- ثم انسابت بين قدميه فما حرك إحداهما عن مكانه- و لا تغير لونه- .

قوله لا يحيف على من يبغض- هذا من الأخلاق الشريفة النبوية- و في كلام أبي بكر في صفات من يصلح للإمامة- إن رضي لم يدخله رضاه في باطل- و إن غضب لم يخرجه غضبه عن الحق- . قوله يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه- لأنه إن أنكر ثم شهد عليه فقد ثبت كذبه- و إن سكت ثم شهد عليه فقد أقام نفسه في مقام الريبة- .

قوله و لا ينابز بالألقاب- هذا من قوله تعالى وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ- . قوله و لا يضار بالجار-في الحديث المرفوع أوصاني ربي بالجار حتى ظننت أن يورثهقوله و لا يشمت بالمصائب- نظير قول الشاعر-

فلست تراه شامتا بمصيبة
و لا جزعا من طارق الحدثان‏

قوله إن صمت لم يغمه صمته- أي لا يحزن لفوات الكلام- لأنه يرى الصمت مغنما لا مغرما- . قوله و إن ضحك لم يعل صوته- هكذا كان ضحك رسول الله ص أكثره التبسم- و قد يفر أحيانا- و لم يكن من أهل القهقهة و الكركرة- . قوله و إن بغي عليه صبر- هذا من قول الله تعالى ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ- . قوله نفسه منه في عناء لأنه يتعبها بالعبادة- و الناس لا يلقون منه عنتا و لا أذى- فحالهم بالنسبة إليه خلاف حال نفسه بالنسبة إليه- . قوله فصعق همام أغمي عليه و مات- قال الله تعالى فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ‏

ذكر بعض أحوال العارفين

و اعلم أن الوجد أمر شريف- قد اختلف الناس فيه فقالت الحكماء فيه أقوالا- و قالت الصوفية فيه أقوالا- أما الحكماء فقالوا الوجد هو حالة تحدث للنفس- عند انقطاع علائقها عن المحسوسات بغتة- إذا كان قد ورد عليها وارد مشوق- و قال بعضهم الوجد هو اتصال النفس بمبادئها المجردة- عند سماع ما يقتضي ذلك الاتصال- . و أما الصوفية فقد قال بعضهم- الوجد رفع الحجاب و مشاهدة المحبوب- و حضور الفهم و ملاحظة الغيب و محادثة السر- و هو فناؤك من حيث أنت أنت- و قال بعضهم الوجد سر الله عند العارفين- و مكاشفة من الحق توجب الفناء عن الحق- . و الأقوال فيه متقاربة في المعنى و إن اختلفت العبارة- و قد مات كثير من الناس بالوجد عند سماع وعظ- أو صفقة مطرب- و الأخبار في هذا الباب كثيرة جدا- و قد رأينا نحن في زماننا من مات بذلك فجأة- .

قوله كانت نفسه فيها أي مات- و نفث الشيطان على لسانك أي تكلم بلسانك- و أصله النفخ بالفم و هو أقل من التفل- و إنما نهى أمير المؤمنين القائل- فهلا أنت يا أمير المؤمنين- لأنه اعترض في غير موضع الاعتراض- و ذلك أنه لا يلزم من موت العامي عند وعظ العارف- أن يموت العارف عند وعظ نفسه- لأن انفعال العامي ذي الاستعداد التام للموت- عند سماع المواعظ البالغة- أتم من استعداد العارف عند سماع كلام‏نفسه- أو الفكر في كلام نفسه- لأن نفس العارف قوية جدا- و الآلة التي يحفر بها الطين قد لا يحفر بها الحجر- .

فإن قلت فإن جواب أمير المؤمنين ع للسائل غير هذا الجواب- قلت صدقت إنما أجابه من حيث يعلم هو و السامعون- و تصل أفهامهم إليه فخرج معه إلى حديث الآجال- و أنها أوقات مقدرة لا تتعداها- و ما كان يمكنه ع أن يذكر الفرق بين نفسه و نفوسهم- و لا كانت الحال تقتضيه فأجابه بجواب مسكت- و هو مع إسكاته الخصم حق- و عدل عن جواب يحصل منه اضطراب- و يقع فيه تشويش و هذا نهاية السداد و صحة القول

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 10

خطبه 185 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

185 و من كلام له ع قاله للبرج بن مسهر الطائي

و قد قال له بحيث يسمعه- لا حكم إلا الله و كان من الخوارج: اسْكُتْ قَبَحَكَ اللَّهُ يَا أَثْرَمُ- فَوَاللَّهِ لَقَدْ ظَهَرَ الْحَقُّ فَكُنْتَ فِيهِ ضَئِيلًا شَخْصُكَ- خَفِيّاً صَوْتُكَ حَتَّى إِذَا نَعَرَ الْبَاطِلُ نَجَمْتَ نُجُومَ قَرْنِ الْمَاعِزِ البرج بن مسهر بضم الميم و كسر الهاء- بن الجلاس بن وهب بن قيس بن عبيد- بن طريف بن مالك بن جدعاء بن ذهل- بن رومان بن جندب بن خارجة بن سعد- بن قطرة بن طي بن داود بن زيد بن يشجب- بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب- بن يعرب بن قحطان- شاعر مشهور من شعراء الخوارج- نادى بشعارهم بحيث يسمعه أمير المؤمنين ع فزجره- . و قبحك الله لفظة معناها كسرك- يقال قبحت الجوزة أي كسرتها و قيل قبحه نحاه عن الخير- و كان البرج ساقط الثنية فأهانه بأن دعاه به- كما يهان الأعور بأن يقال له يا أعور- . و الضئيل الدقيق الخفي ضؤل الرجل بالضم- ضآلة نحف و ضؤل رأيه صغر- و رجل متضائل أي شخت و كذلك ضؤلة- .

و نعر الباطل صاح و المراد أهل الباطل- و نعر فلان في الفتنة نهض فيها- . و نجم طلع- أي طلع بلا شرف و لا شجاعة و لا قدم بل على غفلة- كما ينبت قرن الماعز و هذا من باب البديع- و هو أن يشبه الأمر يراد إهانته بالمهين- و يشبه الأمر يراد إعظامه بالعظيم- و لو كان قد تكلم في شأن ناجم يريد تعظيمه- لقال نجم نجوم الكوكب من تحت الغمام- نجوم نور الربيع من الأكمام و نحو ذلك

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 10

 

خطبه 184 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

184 من خطبة له ع

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ- الْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ مَنْصَبَةٍ خَلَقَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ- وَ اسْتَعْبَدَ الْأَرْبَابَ بِعِزَّتِهِ وَ سَادَ الْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ- وَ هُوَ الَّذِي أَسْكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ- وَ بَعَثَ إِلَى الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ رُسُلَهُ- لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا وَ لِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا- وَ لْيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا وَ لِيُبَصِّرُوهُمْ عُيُوبَهَا- وَ لِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وَ أَسْقَامِهَا- وَ حَلَالِهَا وَ حَرَامِهَا- وَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ وَ الْعُصَاةِ- مِنْ جَنَّةٍ وَ نَارٍ وَ كَرَامَةٍ وَ هَوَانٍ- أَحْمَدُهُ إِلَى نَفْسِهِ كَمَا اسْتَحْمَدَ إِلَى خَلْقِهِ- جَعَلَ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً- وَ لِكُلِّ قَدْرٍ أَجَلًا وَ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَاباً المنصبة بالفتح و النصب التعب- و الماضي نصب بالكسرة و هم ناصب في قول النابغة-كليني لهم يا أميمة ناصب‏- . ذو نصب مثل رجل تامر و لابن- و يقال هو فاعل بمعنى مفعول فيه- لأنه ينصب‏ فيه و يتعب- كقولهم ليل نائم أي ينام فيه- و يوم عاصف أي تعصف فيه الريح- و استعبدت فلانا اتخذته عبدا و الضراء الشدة- .

و معتبر مصدر بمعنى الاعتبار- و مصاحها جمع مصحة مفعلة من الصحة- كمضار جمع مضرة- وصفه سبحانه بأنه معروف بالأدلة- لا من طريق الرؤية كما تعرف المرئيات- و بأنه يخلق الأشياء و لا يتعب كما يتعب الواحد منا- فيما يزاوله و يباشر من أفعاله- خلق الخلائق بقدرته على خلقهم لا بحركة و اعتماد- و أسبغ النعمة عليهم أوسعها- و استعبد الذين يدعون في الدنيا أربابا بعزه و قهره- . و ساد كل عظيم بسعة جوده و أسكن الدنيا خلقه- كما ورد في الكتاب العزيز- إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً- .

و بعث رسله إلى الجن و الإنس- كما ورد في الكتاب العزيز- يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ- أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي- وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا- . قال ليكشفوا لهم عن غطاء الدنيا- أي عن عوراتها و عيوبها المستورة- و ليخوفوهم من مضرتها- و غرورها المفضي إلى عذاب الأبد- . و ليضربوا لهم أمثالها- كالأمثال الواردة في الكتاب العزيز- نحو قوله تعالى إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ- فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ… الآية- . قوله و ليهجموا عليهم- هجمت على الرجل دخلت عليه بغتة- يقول ليدخلوا عليهم بما في تصاريف الدنيا- من الصحة و السقم- و ما أحل و ما حرم على طريق الابتلاء- .

ثم قال و ما أعد الله سبحانه للمطيعين منهم و العصاة- يجوز أن تكون ما معطوفة على عيوبها- فيكون موضعها نصبا و يجوز أن يكون موضعها جرا- و يكون من تتمة أقسام ما يعتبر به و الأول أحسن- . ثم قال ع إني أحمد الله كما استحمد إلى خلقه- استحمد إليهم فعل ما يوجب عليهم حمده- . ثم قال إنه سبحانه جعل لكل شي‏ء من أفعاله قدرا- أي فعله مقدرا محدود الغرض- اقتضى ذلك القدر و تلك الكيفية- كما قال سبحانه وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ- .

و جعل لكل شي‏ء مقدر وقتا ينتهي إليه و ينقطع عنده- و هو الأجل- . و لكل أجل كتابا أي رقوما تعرفها الملائكة- فتعلم انقضاء عمر من ينقضي عمره- و عدم ما ألطافهم في معرفة عدمه: مِنْهَا فِي ذِكْرِ الْقُرْآنِ فَالْقُرْآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ- حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ أَخَذَ عَلَيْهِ مِيثَاقَهُمْ- وَ ارْتَهَنَ عَلَيْهِمْ أَنْفُسَهُمْ أَتَمَّ نُورَهُ- وَ أَكْرَمَ بِهِ دِينَهُ وَ قَبَضَ نَبِيَّهُ ص- وَ قَدْ فَرَغَ إِلَى الْخَلْقِ مِنْ أَحْكَامِ الْهُدَى بِهِ- فَعَظِّمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَظَّمَ مِنْ نَفْسِهِ- فَإِنَّهُ لَمْ يُخْفِ عَنْكُمْ شَيْئاً مِنْ دِينِهِ- وَ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً رَضِيَهُ أَوْ كَرِهَهُ إِلَّا وَ جَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِياً- وَ آيَةً مُحْكَمَةً تَزْجُرُ عَنْهُ أَوْ تَدْعُو إِلَيْهِ- فَرِضَاهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ وَ سَخَطُهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ-وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرْضَى عَنْكُمْ بِشَيْ‏ءٍ سَخِطَهُ- عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ- وَ لَنْ يَسْخَطَ عَلَيْكُمْ بِشَيْ‏ءٍ رَضِيَهُ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ- وَ إِنَّمَا تَسِيرُونَ فِي أَثَرٍ بَيِّنٍ- وَ تَتَكَلِّمُونَ بِرَجْعِ قَوْلٍ قَدْ قَالَهُ الرِّجَالُ مِنْ قَبْلِكُمْ- قَدْ كَفَاكُمْ مَئُونَةَ دُنْيَاكُمْ وَ حَثَّكُمْ عَلَى الشُّكْرِ- وَ افْتَرَضَ مِنْ أَلْسِنَتِكُمُ الذِّكْرَ وَ أَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوَى- وَ جَعَلَهَا مُنْتَهَى رِضَاهُ وَ حَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِعَيْنِهِ وَ نَوَاصِيكُمْ بِيَدِهِ- وَ تَقَلُّبُكُمْ فِي قَبْضَتِهِ- إِنْ أَسْرَرْتُمْ عَلِمَهُ وَ إِنْ أَعْلَنْتُمْ كَتَبَهُ- قَدْ وَكَّلَ بِذَلِكَ حَفَظَةً كِرَاماً لَا يُسْقِطُونَ حَقّاً وَ لَا يُثْبِتُونَ بَاطِلًا- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ الْفِتَنِ- وَ نُوراً مِنَ الظُّلَمِ وَ يُخَلِّدْهُ فِيمَا اشْتَهَتْ نَفْسُهُ- وَ يُنْزِلْهُ مَنْزِلَ الْكَرَامَةِ عِنْدَهُ فِي دَارٍ اصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ- ظِلُّهَا عَرْشُهُ وَ نُورُهَا بَهْجَتُهُ- وَ زُوَّارُهَا مَلَائِكَتُهُ وَ رُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ- فَبَادِرُوا الْمَعَادَ وَ سَابِقُوا الآْجَالَ- فَإِنَّ النَّاسَ يُوشِكُ أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ الْأَمَلُ وَ يَرْهَقَهُمُ الْأَجَلُ- وَ يُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ التَّوْبَةِ- فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَيْهِ الرَّجْعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ- وَ أَنْتُمْ بَنُو سَبِيلٍ عَلَى سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ- وَ قَدْ أُوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالِارْتِحَالِ وَ أُمِرْتُمْ فِيهَا بِالزَّادِ جعل القرآن آمرا و زاجر- لما كان خالقه و هو الله سبحانه آمرا زاجرا به- فأسند الأمر و الزجر إليه كما تقول سيف قاتل- و إنما القاتل الضارب به و جعله صامتا ناطقا- لأنه من حيث هو حروف و أصوات صامت- إذ كان العرض يستحيل أن يكون ناطقا-لأن النطق حركة الأداة بالكلام- و الكلام يستحيل أن يكون ذا أداة ينطق بالكلام بها- و هو من حيث يتضمن الإخبار و الأمر و النهي و النداء- و غير ذلك من أقسام الكلام كالناطق- لأن الفهم يقع عنده- و هذا من باب المجاز كما تقول هذه الربوع الناطقة- و أخبرتني الديار بعد رحيلهم بكذا- .

ثم وصفه بأنه حجة الله على خلقه- لأنه المعجزة الأصلية- . أخذ سبحانه على الخلائق ميثاقه- و ارتهن عليه أنفسهم- لما كان سبحانه قد قرر في عقول المكلفين أدلة التوحيد و العدل- و من جملة مسائل العدل النبوة و يثبت نبوة محمد ص عقلا- كان سبحانه بذلك كالآخذ ميثاق المكلفين بتصديق دعوته- و قبول القرآن الذي جاء- و جعل به نفسهم رهنا على الوفاء بذلك- فمن خالف خسر نفسه و هلك هلاك الأبد- . هذا تفسير المحققين و من الناس من يقول- المراد بذلك قصة الذرية قبل خلق آدم ع- كما ورد في الأخبار و كما فسر قوم عليه الآية- . ثم ذكر ع أن الله تعالى قبض رسوله ص- و قد فرغ إلى الخلق بالقرآن من الإكمال و الإتمام- كقوله تعالى- الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي- و إذا كان قد أكمله لم يبق فيه نقص ينتظر إتمامه- . قال فعظموا من الله ما عظم من نفسه- لأنه سبحانه وصف نفسه بالعظمة و الجلال في أكثر القرآن- فالواجب علينا أن نعظمه على حسب ما عظم نفسه سبحانه- .

ثم علل وجوب تعظيمه- و حسن أمره لنا بتعظيمه سبحانه- بكونه لم يخف عنا شيئا من أمر ديننا- و ذلك لأن الشرعيات مصالح المكلفين- و إذا فعل الحكيم سبحانه بناما فيه صلاحنا- فقد أحسن إلينا- و من جملة صلاحنا تعريفنا من الشرعيات ما فعله لطف- و مفض بنا إلى الثواب- و هذا أبلغ ما يكون من الإحسان- و المحسن يجب تعظيمه و شكره- . قال لم يترك شيئا إلا و جعل له نصا ظاهرا يدل عليه- أو علما يستدل به عليه أي إما منصوص عليه صريحا- أو يمكن أن يستنبط حكمه من القرآن إما بذكره أو بتركه- فيبقى على البراءة الأصلية و حكم العقل- .

قوله فرضاه فيما بقي واحد- معناه أن ما لم ينص عليه صريحا بل هو في محل النظر- ليس يجوز للعلماء أن يجتهدوا فيه- فيحله بعضهم و يحرمه بعضهم- بل رضا الله سبحانه أمر واحد و كذلك سخطه- فليس يجوز أن يكون شي‏ء من الأشياء- يفتي فيه قوم بالحل و قوم بالحرمة- و هذا قول منه ع بتحريم الاجتهاد- و قد سبق منه ع مثل هذا الكلام مرارا- . قوله و اعلموا أنه ليس يرضى عنكم- الكلام إلى منتهاه- معناه أنه ليس يرضى عنكم بالاختلاف في الفتاوي و الأحكام- كما اختلف الأمم من قبلكم فسخط اختلافهم- قال سبحانه- إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ‏ءٍ- . و كذلك ليس يسخط عليكم بالاتفاق- و الاجتماع الذي رضيه ممن كان قبلكم من القرون- . و يجوز أن يفسر هذا الكلام- بأنه لا يرضى عنكم بما سخطه على الذين من قبلكم- من الاعتقادات الفاسدة في التوحيد و العدل- و لا يسخط عليكم بما تعتقدونه من الاعتقادات الصحيحة- التي رضيها ممن كان قبلكم في التوحيد و العدل- فيكون الكلام مصروفا إلى الأصول لا إلى الفروع- .

قال و إنما تسيرون في أثر بين- أي إن الأدلة واضحة و ليس مراده الأمر بالتقليد- و كذلك قوله و تتكلمون برجع قول قد قاله الرجال من قبلكم- يعني كلمة التوحيد لا إله إلا الله- قد قالها الموحدون من قبل هذه الملة لا تقليدا- بل بالنظر و الدليل فقولوها أنتم كذلك- .
ثم ذكر أنه سبحانه قد كفى الخلق مئونة دنياهم- قال الحسن البصري إن الله تعالى كفانا مئونة دنيانا- و حثنا على القيام بوظائف ديننا- فليته كفانا مئونة ديننا- و حثنا على القيام بوظائف دنيانا- .

قوله و افترض من ألسنتكم الذكر- افترض عليكم أن تذكروه و تشكروه بألسنتكم- و من متعلقة بمحذوف دل عليه المصدر المتأخر- تقديره و افترض عليكم الذكر من ألسنتكم الذكر- . ثم ذكر أن التقوى المفترضة هي رضا الله و حاجته من خلقه- لفظة حاجته مجاز لأن الله تعالى غني غير محتاج- و لكنه لما بالغ في الحث و الحض عليها- و توعد على تركها جعله كالمحتاج إلى الشي‏ء- و وجه المشاركة أن المحتاج يحث و يحض على حاجته- و كذلك الآمر المكلف إذا أكد الأمر- .

قوله أنتم بعينه أي يعلم أحوالكم و نواصيكم بيده- الناصية مقدم شعر الرأس أي هو قادر عليكم قاهر لكم- متمكن من التصرف فيكم- كالإنسان القابض على ناصية غيره- . و تقلبكم في قبضته أي تصرفكم تحت حكمه- لو شاء أن يمنعكم منعكم فهو كالشي‏ء في قبضة الإنسان- إن شاء استدام القبض عليه و إن شاء تركه- . ثم قال إن أسررتم أمرا علمه- و إن أظهرتموه كتبه- ليس على أن الكتابة غير العلم بل هما شي‏ء واحد- و لكن اللفظ مختلف- .

ثم ذكر أن الملائكة موكلة بالمكلف- و هذا هو نص الكتاب العزيز و قد تقدم القول في ذلك- . ثم انتقل إلى ذكر الجنة- و الكلام يدل على أنها في السماء و أن العرش فوقها- . و معنى قوله اصطنعها لنفسه إعظامها و إجلالها- كما قال لموسى وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي- و لأنه لما تعارف الناس في تعظيم ما يصنعونه- أن يقول الواحد منهم لصاحبه- قد وهبتك هذه الدار التي اصطنعتها لنفسي أي أحكمتها- و لم أكن في بنائها متكلفا بأن أبنيها لغيري- صح و حسن من البليغ الفصيح أن يستعير مثل ذلك- فيما لم يصطنعه في الحقيقة لنفسه- و إنما هو عظيم جليل عنده- .

قوله و نورها بهجته هذا أيضا مستعار- كأنه لما كان إشراق نورها عظيما جدا نسبه إلى بهجة البارئ- و ليس هناك بهجة على الحقيقة لأن البهجة حسن الخلقة- قال تعالى وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ أي من كل صنف حسن- . قوله و زوارها ملائكته- قد ورد في هذا من الأخبار كثير جدا- و رفقاؤها رسله- من قوله تعالى وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً- . و يوشك بكسر الشين فعل مستقبل ماضيه أوشك أي أسرع- . و رهقه الأمر بالكسر فاجأه- . و يسد عنهم باب التوبة- لأنه لا تقبل عند نزول الموت بالإنسان- من حيث كان يفعلها خوفا فقط- لا لقبح القبيح- قال تعالى وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ- حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ- .

و إنما قال في مثل ما سأل إليه الرجعة من كان قبلكم- كقوله سبحانه حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ- لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ- كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها- وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ- . و بنو سبيل أرباب طريق مسافرون- . و أوذن فلان بكذا أعلم و آذنته أعلمته- . و قد تقدم لنا كلام بالغ في التقوى- و ماهيتها و تأكيد وصاة الخالق سبحانه- و الرسول ع بهانبذ و أقاويل في التقوىروى المبرد في الكامل أن رجلا قال لعمر بن الخطاب- اتق الله يا أمير المؤمنين- فقال له رجل أ تألت على أمير المؤمنين أي أ تنتقصه- فقال عمر دعه فلا خير فيهم إذا لم يقولوها- و لا خير فينا إذا لم تقل لنا- .

و كتب أبو العتاهية إلى سهل بن صالح و كان مقيما بمكة- أما بعد فأنا أوصيك بتقوى الله الذي لا غناء بك عن تقاته- و أتقدم إليك عن الله- و نذكرك مكر الله فيما دبت به إليك ساعات الليل و النهار- فلا تخدعن عن دينك- فإن ساعاتك أوقاتك إن ظفرت بذلك منك- وجدت الله فيك أسرع مكرا و أنفذ فيك أمرا- و وجدت ما مكرت به في غير ذات الله- غير راد عنك يد الله و لا مانع لك من أمر الله- و لعمري لقد ملأت عينك الفكر- و اضطربت في سمعك أصوات العبر- و رأيت آثار نعم الله- نسختها آثار نقمه حين استهزئ بأمره و جوهر بمعاندته- ألا إن في حكم الله‏ أنه من أكرمه الله- فاستهان بأمره أهانه الله- السعيد من وعظ بغيره لا وعظك الله في نفسك- و جعل عظتك في غيرك- و لا جعل الدنيا عليك حسرة و ندامة برحمته- .

ومن كلام رسول الله ص لا كرم كالتقوى- و لا مال أعود من العقل و لا وحدة أوحش من العجب- و لا عقل كالتدبير و لا قرين كحسن الخلق- و لا ميراث كالأدب و لا فائدة كالتوفيق- و لا تجارة كالعمل الصالح و لا ربح كثواب الله- و لا ورع كالوقوف عند الشبهة- و لا زهد كالزهد في الحرام و لا علم كالتفكر- و لا عبادة كأداء الفرائض و لا إيمان كالحياء و الصبر- و لا حسب كالتواضع و لا شرف كالعلم- و لا مظاهرة أوفق من المشورة- فاحفظ الرأس و ما حوى و البطن و ما وعى- و اذكر الموت و طول البلى

وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا الْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ- فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ- فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا- فَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ- وَ الْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ وَ الرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ- فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ- ضَجِيعَ حَجَرٍ وَ قَرِينَ شَيْطَانٍ- أَ عَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ- حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ- وَ إِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ- أَيُّهَا الْيَفَنُ الْكَبِيرُ الَّذِي قَدْ لَهَزَهُ الْقَتِيرُ- كَيْفَ أَنْتَ إِذَا الْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ النَّارِ بِعِظَامِ الْأَعْنَاقِ- وَ نَشِبَتِ الْجَوَامِعُ حَتَّى أَكَلَتْ لُحُومَ السَّوَاعِدِ- فَاللَّهَ اللَّهَ مَعْشَرَ الْعِبَادِ- وَ أَنْتُمْ سَالِمُونَ فِي الصِّحَّةِ قَبْلَ السُّقْمِ- وَ فِي الْفُسْحَةِ قَبْلَ الضِّيقِ- فَاسْعَوْا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا-أَسْهِرُوا عُيُونَكُمْ وَ أَضْمِرُوا بُطُونَكُمْ- وَ اسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ وَ أَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ- وَ خُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ فَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ- وَ لَا تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ- إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ- وَ قَالَ تَعَالَى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً- فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ- فَلَمْ يَسْتَنْصِرْكُمْ مِنْ ذُلٍّ- وَ لَمْ يَسْتَقْرِضْكُمْ مِنْ قُلٍّ- اسْتَنْصَرَكُمْ وَ لَهُ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ- وَ اسْتَقْرَضَكُمْ وَ لَهُ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ- وَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ- وَ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا- فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ جِيرَانِ اللَّهِ فِي دَارِهِ- رَافَقَ بِهِمْ رُسُلَهُ وَ أَزَارَهُمْ مَلَائِكَتَهُ- وَ أَكْرَمَ أَسْمَاعَهُمْ أَنْ تَسْمَعَ حَسِيسَ نَارٍ أَبَداً- وَ صَانَ أَجْسَادَهُمْ أَنْ تَلْقَى لُغُوباً وَ نَصَباً- ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ- أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى نَفْسِي وَ أَنْفُسِكُمْ- وَ هُوَ سْبُنَا وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ الرمضاء الأرض الشديدة الحرارة- و الرمض بالتحريك شدة وقع الشمس على الرمل و غيره- و قد رمض يومنا بالكسر يرمض رمضا- اشتد حره و أرض رمضة الحجارة- و رمضت قدمه من الرمضاء احترقت- .

و الطابق بالفتح الآجرة الكبيرة و هو فارسي معرب- . و ضجيع حجر يومئ فيه إلى قوله تعالى- وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ قيل إنها حجارة الكبريت- . و قرين شيطان يومئ فيه إلى قوله تعالى- قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ- . و حطم بعضها بعضا كسره أو أكله- و الحطمة من أسماء النار لأنها تحطم ما تلقى- و منه سمي الرجل الكثير الأكل حطمة- . و اليفن الشيخ الكبير و لهزه خالطه- و يقال له حينئذ ملهوز ثم أشمط ثم أشيب- و لهزت القوم خالطتهم و دخلت بينهم- . و القتير الشيب و أصله رءوس المسامير في الدروع تسمى قتيرا- . و التحمت أطواق النار بالعظام التفت عليها- و انضمت إليها و التصقت بها- . و الجوامع جمع جامعة- و هي الغل لأنها تجمع اليدين إلى العنق- . و نشبت علقت و السواعد جمع ساعد و هو الذراع- . و في من قوله في الصحة قبل السقم- متعلقة بالمحذوف الناصب لله و هو اتقوا- أي اتقوه سبحانه في زمان صحتكم- قبل أن ينزل بكم السقم- و في فسحة أعماركم قبل أن تبدل بالضيق- . و فكاك الرقاب بفتح الفاء عتقها قبل أن تغلق رهائنها- يقال غلق الرهن بالكسر- إذا استحقه المرتهن بألا يفكه الراهن في الوقت المشروط- و كان ذلك من شرع الجاهلية- فنهى عنه النبي ص و قال لا يغلق الرهن- .

و خذوا من أجسادكم أي أتعبوها بالعبادة حتى تنحل- . و القل القلة و الذل الذلة- . و حسيس النار صوتها و اللغوب النصبطرف و أخبار
و نظير قوله ع- استقرضكم و له خزائن السماوات و الأرض- ما رواه المبرد في الكامل عن أبي عثمان المازني- عن أبي زيد الأنصاري- قال وقف علينا أعرابي في حلقة يونس النحوي- فقال الحمد لله كما هو أهله- و أعوذ بالله أن أذكر به و أنساه- خرجنا من المدينة مدينة الرسول ص- ثلاثين رجلا ممن أخرجته الحاجة و حمل على المكروه- و لا يمرضون مرضاهم و لا يدفنون ميتهم- و لا ينتقلون من منزل إلى منزل و إن كرهوه- و الله يا قوم لقد جعت حتى أكلت النوى المحرق- و لقد مشيت حتى انتعلت الدم- و حتى خرج من قدمي بخص و لحم كثير- أ فلا رجل يرحم ابن سبيل و فل طريق و نضو سفر- فإنه لا قليل من الأجر- و لا غنى عن ثواب الله و لا عمل بعد الموت- و هو سبحانه يقول مَنْ ذَا الَّذِي‏يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً- ملي وفي ماجد واجد جواد لا يستقرض من عوز- و لكنه يبلو الأخيار- . قال المازني- فبلغني أنه لم يبرح حتى أخذ ستين دينارا- .

و من كلام علي بن عبيدة الريحاني- الأيام مستودعات الأعمال- و نعم الأرضون هي لمن بذر فيها الخير و العمل الصالح- . و خطب الحجاج فقال أيها الناس- إنكم أغراض حمام و فرص هلكة قد أنذركم القرآن و نادى برحيلكم الجديدان- ها إن لكم موعدا لا تؤخر ساعته و لا تدفع هجمته- و كان قد دلفت إليكم نازلته- فتعلق بكم ريب المنون و علقت بكم أم اللهيم الحيزبون- فما ذا هيأتم للرحيل و ما ذا أعددتم للنزيل- من لم يأخذ أهبة الحذر نزل به مرهوب القدر

خطبة لأبي الشخباء العسقلاني

قلت و قد شغف الناس في المواعظ بكلام كاتب محدث- يعرف بابن أبي الشخباءالعسقلاني و أنا أورد هاهنا خطبة من مواعظه- هي أحسن ما وجدته له ليعلم الفرق بين الكلام الأصيل و المولد- . أيها الناس- فكوا أنفسكم من حلقات الآمال المتعبة- و خففوا ظهوركم من الآصار المستحقبة- و لا تسيموا أطماعكم في رياض الأماني المتشعبة- و لا تميلوا صغواكم إلى زبارج الدنيا المحببة- فتظل أجسامكم في هشائمها عاملة نصبة- أ ما علمتم أن طباعها على الغدر مركبة- و أنها لأعمار أهلها منتهبة- و لما ساءهم منتظرة مرتقبة- في هبتها راجعة متعقبة- فانضوا رحمكم الله ركائب الاعتبار مشرقة و مغربة- و أجروا خيول التفكر مصعدة و مصوبة- هل تجدون إلا قصورا على عروشها خربة- و ديارا معطشة من أهلها مجدبة- أين الأمم السالفة المتشعبة- و الجبابرة الماضية المتغلبة- و الملوك المعظمة المرجبة- أولو الحفدة و الحجبة و الزخارف المعجبة- و الجيوش الحرارة اللجبة و الخيام الفضفاضة المطنبة- و الجياد الأعوجية المجنبة- و المصاعب الشدقمية المصحبة- و اللدان المثقفة المدربة و الماذية الحصينة المنتخبة- طرقت و الله خيامهم غير منتهبة- و أزارتهم من الأسقام سيوفا معطبة- و سيرت إليهم الأيام من نوبها كتائب مكتبة- فأصبحت أظفار المنية من مهجهم قانية مختضبة- و غدت أصوات النادبات عليهم مجلبة- و أكلت لحومهم هوام الأرض السغبة- ثم إنهم مجموعون ليوم لا يقبل فيه عذر و لا معتبة- و تجازى كل نفس بما كانت مكتسبة- فسعيدة مقربة تجري من تحتها الأنهار مثوبة- و شقية معذبة في النار مكبكبة- . هذه أحسن خطبة خطبها هذا الكاتب- و هي كما تراها ظاهرة التكلف- بينة التوليد تخطب على نفسها- و إنما ذكرت هذا لأن كثيرا من أرباب الهوى يقولون- إن كثيرا من نهج البلاغة كلام محدث- صنعه قوم من فصحاء الشيعة- و ربما عزوا بعضه إلى الرضي أبي الحسن و غيره- و هؤلاء قوم أعمت العصبية أعينهم- فضلوا عن النهج الواضح‏
و ركبوا بنيات الطريق- ضلالا و قلة معرفة بأساليب الكلام- و أنا أوضح لك بكلام مختصر ما في هذا الخاطر من الغلط فأقول

رأي للمؤلف في كتاب نهج البلاغة

لا يخلو إما أن يكون كل نهج البلاغة مصنوعا منحولا أو بعضه- و الأول باطل بالضرورة- لأنا نعلم بالتواتر- صحة إسناد بعضه إلى أمير المؤمنين ع- و قد نقل المحدثون كلهم أو جلهم- و المؤرخون كثيرا منه- و ليسوا من الشيعة لينسبوا إلى غرض في ذلك- و الثاني يدل على ما قلناه- لأن من قد أنس بالكلام و الخطابة- و شدا طرفا من علم البيان- و صار له ذوق في هذا الباب- لا بد أن يفرق بين الكلام الركيك و الفصيح- و بين الفصيح و الأفصح و بين الأصيل و المولد- و إذا وقف على كراس واحد يتضمن كلاما لجماعة من الخطباء- أو لاثنين منهم فقط- فلا بد أن يفرق بين الكلامين و يميز بين الطريقتين- أ لا ترى أنا مع معرفتنا بالشعر و نقده- لو تصفحنا ديوان أبي تمام- فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد- أو قصيدة واحدة لغيره- لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبي تمام و نفسه- و طريقته و مذهبه في القريض- أ لا ترى أن العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره- قصائد كثيرة منحولة إليه- لمباينتها لمذهبه في الشعر- و كذلك حذفوا من شعر أبي نواس شيئا كثيرا- لما ظهر لهم أنه ليس من ألفاظه- و لا من شعره و كذلك غيرهما من الشعراء- و لم يعتمدوا في ذلك إلا على الذوق خاصة- .

و أنت إذا تأملت نهج البلاغة وجدته كله ماء واحدا- و نفسا واحدا و أسلوبا واحدا- كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه- مخالفا لباقي الأبعاض في الماهية- و كالقرآن العزيز أوله كأوسطه و أوسطه كآخره- و كل سورة منه- و كل آية مماثلة في‏المأخذ و المذهب و الفن و الطريق- و النظم لباقي الآيات و السور- و لو كان بعض نهج البلاغة منحولا و بعضه صحيحا- لم يكن ذلك كذلك- فقد ظهر لك بهذا البرهان الواضح ضلال من زعم أن هذا الكتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين ع- .

و اعلم أن قائل هذا القول- يطرق على نفسه ما لا قبل له به- لأنا متى فتحنا هذا الباب- و سلطنا الشكوك على أنفسنا في هذا النحو- لم نثق بصحة كلام منقول عن رسول الله ص أبدا- و ساغ لطاعن أن يطعن و يقول- هذا الخبر منحول و هذا الكلام مصنوع- و كذلك ما نقل عن أبي بكر و عمر- من الكلام و الخطب و المواعظ و الأدب و غير ذلك- و كل أمر جعله هذا الطاعن مستندا له- فيما يرويه عن النبي ص و الأئمة الراشدين- و الصحابة و التابعين و الشعراء و المترسلين و الخطباء- فلناصري أمير المؤمنين ع أن يستندوا إلى مثله- فيما يروونه عنه من نهج البلاغة و غيره- و هذا واضح

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 10

خطبه 183 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

183 و من خطبة له ع

رُوِيَ عَنْ نَوْفٍ الْبَكَالِيِّ- قَالَ خَطَبَنَا بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ع بِالْكُوفَةِ- وَ هُوَ قَائِمٌ عَلَى حِجَارَةٍ- نَصَبَهَا لَهُ جَعْدَةُ بْنُ هُبَيْرَةَ الْمَخْزُومِيُّ- وَ عَلَيْهِ مِدْرَعَةٌ مِنْ صُوفٍ وَ حَمَائِلُ سَيْفِهِ لِيفٌ- وَ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ مِنْ لِيفٍ- وَ كَأَنَّ جَبِينَهُ ثَفِنَةُ بَعِيرٍ فَقَالَ ع- الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي إِلَيْهِ مَصَائِرُ الْخَلْقِ- وَ عَوَاقِبُ الْأَمْرِ نَحْمَدُهُ عَلَى عَظِيمِ إِحْسَانِهِ- وَ نَيِّرِ بُرْهَانِهِ وَ نَوَامِي فَضْلِهِ وَ امْتِنَانِهِ- حَمْداً يَكُونُ لِحَقِّهِ قَضَاءً وَ لِشُكْرِهِ أَدَاءً- وَ إِلَى ثَوَابِهِ مُقَرِّباً وَ لِحُسْنِ مَزِيدِهِ مُوجِباً- وَ نَسْتَعِينُ بِهِ اسْتِعَانَةً رَاجٍ لِفَضْلِهِ مُؤَمِّلٍ لِنَفْعِهِ وَاثِقٍ بِدَفْعِهِ- مُعْتَرِفٍ لَهُ بِالطَّوْلِ مُذْعِنٍ لَهُ بِالْعَمَلِ وَ الْقَوْلِ- وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِناً- وَ أَنَابَ إِلَيْهِ مُؤْمِناً وَ خَنَعَ لَهُ مُذْعِناً- وَ أَخْلَصَ لَهُ مُوَحِّداً وَ عَظَّمَهُ مُمَجِّداً وَ لَاذَ بِهِ رَاغِباً مُجْتَهِداً
نوف البكاليقال الجوهري في الصحاح- نوف البكالي بفتح الباء كان حاجب علي ع- ثم قال و قال ثعلب هو منسوب إلى بكالة قبيلة- .

و قال القطب الراوندي في شرح نهج البلاغة- بكال و بكيل شي‏ء واحد- و هو اسم حي من همدان و بكيل أكثر- قال الكميت-فقد شركت فيه بكيل و أرحب‏- . و الصواب غير ما قالاه و إنما بنو بكال- بكسر الباء حي من حمير منهم هذا الشخص- هو نوف بن فضالة صاحب علي ع- و الرواية الصحيحة الكسر- لأن نوف بن فضالة بكالي بالكسر من حمير- و قد ذكر ابن الكلبي نسب بني بكال الحميريين- فقال هو بكال بن دعمي بن غوث بن سعد- بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو- بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس- بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير- بن أيمن بن الهميسع بن حمير

نسب جعدة بن هبيرة

و أما جعدة بن هبيرة فهو ابن أخت أمير المؤمنين ع- أمه أم هانئ بنت أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم- و أبوه هبيرة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ- بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة- بن كعب بن لؤي بن غالب- و كان جعدة فارسا شجاعا فقيها و ولي خراسان لأمير المؤمنين ع- و هو من الصحابة الذين أدركوا رسول الله ص يوم الفتح- مع أمه أم هانئ بنت أبي طالب- و هرب أبو هبيرة بن أبي وهب ذلك اليوم- هو و عبد الله بن الزبعرى إلى نجران- .

و روى أهل الحديث- أن أم هانئ كانت يوم الفتح في بيتها- فدخل عليها هبيرة بن أبي وهب بعلها- و رجل من بني عمه هاربين من علي ع- و هو يتبعهما و بيده السيف- فقامت أم هانئ في وجهه دونهما و قالت ما تريده منهما- و لم تكن رأته من ثماني سنين فدفع في صدرها- فلم تزل عن موضعها و قالت أ تدخل يا علي بيتي- و تهتك حرمتي و تقتل بعلي و لا تستحيي مني بعد ثماني سنين- فقال إن رسول الله ص أهدر دمهما فلا بد أن أقتلهما- فقبضت على يده التي فيها السيف- فدخلا بيتا ثم خرجا منه إلى غيره ففاتاه-و جاءت أم هانئ إلى رسول الله ص- فوجدته يغتسل من جفنة فيها أثر العجين- و فاطمة ابنته تستره بثوبها- فوقفت حتى أخذ ثوبه فتوشح به- ثم صلى ثماني ركعات من الضحى ثم انصرف- فقال مرحبا و أهلا بأم هانئ ما جاء- بك فأخبرته خبر بعلها و ابن عمه- و دخول علي ع بيتها بالسيف- فجاء علي ع و رسول الله ص يضحك- فقال له ما صنعت بأم هانئ فقال سلها يا رسول الله ما صنعت بي- و الذي بعثك بالحق لقد قبضت على يدي و فيها السيف- فما استطعت أن أخلصها إلا بعد لأي و فاتني الرجلان- فقال ص لو ولد أبو طالب الناس كلهم لكانوا شجعانا- قد أجرنا من أجارت أم هانئ- و أمنا من أمنت فلا سبيل لك عليهما- . فأما هبيرة فلم يرجع- و أما الرجل الآخر فرجع فلم يعرض له- . قالوا و أقام هبيرة بن أبي وهب بنجران- حتى مات بها كافرا- و روى له محمد بن إسحاق في كتاب المغازي شعرا أوله-

أ شاقتك هند أم أتاك سؤالها
كذاك النوى أسبابها و انفتالها

يذكر فيه أم هانئ و إسلامها- و أنه مهاجر لها إذ صبت إلى الإسلام و من جملته-

فإن كنت قد تابعت دين محمد
و قطعت الأرحام منك حبالها

فكوني على أعلى سحوق بهضبة
ململمة غبراء يبس قلالها

 و قال ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب- ولدت أم هانئ لهبيرة بن أبي وهب بنين أربعة- جعدة و عمرا و هانئا و يوسف- و قال و جعدة الذي يقول-

أبي من بني مخزوم إن كنت سائلا
و من هاشم أمي لخير قبيل‏

فمن ذا الذي ينأى علي بخاله‏
كخالي علي ذي الندى و عقيل‏

المدرعة الجبة و تدرع لبسها و ربما قالوا تمدرع- . و ثفنة البعير واحدة ثفناته- و هو ما يقع على الأرض من أعضائه إذا استناخ فيغلظ و يكثف- كالركبتين و غيرهما و يقال- ذو الثفنات الثلاثة لعلي بن الحسين- و علي بن عبد الله بن العباس ع و لعبد الله بن وهب الراسبي رئيس الخوارج- لأن طول السجود كان قد أثر في ثفناتهم قال دعبل-

ديار علي و الحسين و جعفر
و حمزة و السجاد ذي الثفنات‏

 و مصائر الأمور جمع مصير- و هو مصدر صار إلى كذا و معناه المرجع- قال تعالى وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ- فأما المصدر من صار الشي‏ء كذا فمصير و صيرورة- و القياس في مصدر صار إليه أي رجع مصارا كمعاش- و إنما جمع المصدر هاهنا- لأن الخلائق يرجعون إلى الله تعالى- في أحوال مختلفة في الدنيا و في الدار الآخرة- فجمع المصدر- و إن كان يقع بلفظه على القليل و الكثير لاختلاف وجوهه- كقوله تعالى وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا- . و عواقب الأمر جمع عاقبة و هي آخر الشي‏ء- .

ثم قسم الحمد فجعله على ثلاثة أقسام- أحدها الحمد على عظيم إحسانه و هو أصول نعمه تعالى- كالحياة و القدرة و الشهوة- و غيرها مما لا يدخل جنسه تحت مقدور القادر- . و ثانيها الحمد على نير برهانه- و هو ما نصبه في العقول من العلوم البديهية المفضية- إلى العلوم النظرية بتوحيده و عدله- . و ثالثها الحمد على أرزاقه النامية- أي الزائدة و ما يجري مجراها من إطالة الأعمار- و كثرة الأرزاق- و سائر ضروب الإحسان الداخلة في هذا القسم- .

ثم بالغ في الحمد حمدا يكون لحقه قضاء و لشكره أداء- و ذلك لأن الحمد و الشكر و لو بلغ‏ أقصى غاياته- لم يصل إلى أن يكون قاضيا لحق الله تعالى- و لا مؤديا لشكره و لكنه قال ذلك على سبيل المبالغة- . ثم قال و إلى ثوابه مقربا و لحسن مزيده موجبا- و ذلك لأن الشكر يوجب الثواب و المزيد- قال الله تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ أي أثبكم- و قال لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ- . ثم شرع في الاستعانة بالله ففصلها أحسن تفصيل- فذكر أنه يستعين به استعانة راج لفضله في الآخرة- مؤمل لنفعه في الدنيا واثق بدفعه المضار عنه- و ذلك لأنه أراد- أن يحتوي على وجوه ما يستعان به تعالى لأجله- فذكر الأمور الإيجابية و أعقبها بالأمور السلبية- فالأولى جلب المنافع و الثانية دفع المضار- . و الطول الإفضال و الإذعان الانقياد و الطاعة- .

و أناب إليه أقبل و تاب- و خنع خضع و المصدر الخنوع و لاذ به لجأ إليه: لَمْ يُولَدْ سُبْحَانَهُ فَيَكُونَ فِي الْعِزِّ مُشَارَكاً- وَ لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْرُوثاً هَالِكاً- وَ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَقْتٌ وَ لَا زَمَانٌ- وَ لَمْ يَتَعَاوَرْهُ زِيَادَةٌ وَ لَا نُقْصَانٌ- بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلَامَاتِ التَّدْبِيرِ الْمُتْقَنِ- وَ الْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ- فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بِلَا عَمَدٍ- قَائِمَاتٍ بِلَا سَنَدٍ دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ- غَيْرَ مُتَلَكِّئَاتٍ وَ لَا مُبْطِئَاتٍ- وَ لَوْ لَا إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ- وَ إِذْعَانُهُنَّ لَهُ بِالطَّوَاعِيَةِ- لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ‏وَ لَا مَسْكَناً لِمَلَائِكَتِهِ- وَ لَا مَصْعَداً لِلْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ نفى ع أن يكون البارئ سبحانه مولودا- فيكون له شريك في العز و الإلهية- و هو أبوه الذي ولده- و إنما قال ذلك جريا على عادة ملوك البشر- فإن الأكثر أن الملك يكون ابن ملك قبله- و نفى أن يكون له ولد جريا أيضا على عادة البشر- في أن كل والد في الأكثر- فإنه يهلك قبل هلاك الولد و يرثه الولد- و هذا النمط من الاحتجاج يسمى خطابة- و هو نافع في مواجهة العرب به- و أراد من الاحتجاج إثبات العقيدة- فتارة تثبت في نفوس العلماء بالبرهان- و تارة تثبت في نفوس العوام بالخطابة و الجدل- .

ثم نفى أن يتقدمه وقت أو زمان و الوقت هو الزمان- و إنما خالف بين اللفظين و أتى بحرف العطف- كقوله تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً- . و نفى أن يتعاوره أي تختلف عليه زيادة أو نقصان- يقال عاورت زيدا الضرب- أي فعلت به من الضرب مثل ما فعل بي- و اعتوروا الشي‏ء أي تداولوه فيما بينهم- و كذلك تعوروه و تعاوروه- و إنما ظهرت الواو في اعتوروا- لأنه في معنى تعاوروا- فبني عليه و لو لم يكن في معناه لاعتلت- كما قالوا اجتوروا لما كان في معنى تجاوروا- التي لا بد من صحة الواو فيها لسكون الألف قبلها- و اعتورت الرياح رسم الدار اختلفت عليه- . فإن قلت هذا يقتضي أن يقول و لم يتعاوره زيادة و نقصان- لأن التعاور يستدعي الضدين معا- و لا ينبغي أن يقول و لا نقصان- كما لا يجوز أن تقول لم يختلف زيد و لا عمرو-قلت لما كانت مراتب الزيادة مختلفة- جاز أن يقال لا يعتوره الزيادة- فكذلك القول في جانب النقصان- و جرى كل واحد من النوعين مجرى أشياء متنافية- تختلف على الموضع الموصوف بها- . قوله ع موطدات أي ممهدات مثبتات- .

و العمد جمع عماد نحو إهاب و أهب و إدام و أدم- و هو على خلاف القياس- و منه قوله تعالى فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ- و قوله تعالى خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها- و السند ما يستند إليه- . ثم قال دعاهن فأجبن طائعات- هذا من باب المجاز و التوسع لأن الجماد لا يدعى- و أما من قال إن السماوات أحياء ناطقة- فإنه لم يجعلهن مكلفات ليقال- و لو لا إقرارهن له بالربوبية لما فعل كذا- بل يقول ذلك على وجه آخر- و لكن لغة العرب تنطق بمثل هذا المجاز نحو قول الراجز-

امتلأ الحوض و قال قطني
مهلا رويدا قد ملأت بطني‏

و منه قوله تعالى ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ- . و منه قول مكاتب لبني منقر التميميين- كان قد ظلع بمكاتبته- فأتى قبر غالب بن صعصعة فاستجار به- و أخذ منه حصيات فشدهن في عمامته- ثم أتى الفرزدق فأخبره خبره و قال- إني قد قلت شعرا قال هاته فأنشده-

بقبر ابن ليلى غالب عذت بعد ما
خشيت الردى أو أن أرد على قسر

بقبر امرئ يقري المئين عظامه‏
و لم يك إلا غالبا ميت يقري‏

فقال لي استقدم أمامك إنما
فكاكك أن تلقى الفرزدق بالمصر

فقال ما اسمك فقال لهذم قال يا لهذم حكمك مسمطا- قال ناقة كوماء سوداء الحدقة قال يا جارية اطرحي لنا حبلا- ثم قال يا لهذم اخرج بنا إلى المربد فألقه في عنق ما شئت من إبل الناس- فتخير لهذم على عينه ناقة- و رمى بالحبل في عنقها و جاء صاحبها- فقال له الفرزدق اغد علي أوفك ثمنها فجعل لهذم يقودها- و الفرزدق يسوقها حتى أخرجها من البيوت إلى الصحراء- فصاح به الفرزدق يا لهذم قبح الله أخسرنا- فخبر الشاعر عن القبر بقوله فقال لي استقدم أمامك- و القبر و الميت الذي فيه لا يخبران- و لكن العرب و أهل الحكمة من العجم- يجعلون كل دليل قولا و جوابا- أ لا ترى إلى قول زهير-

أ من أم أوفى دمنة لم تكلم‏

و إنما كلامها عنده أن تبين ما يرى من الآثار فيها- عن قدم العهد بأهلها- . و من كلام بعض الحكماء- هلا وقفت على تلك الجنان و الحيطان- فقلت أيتها الجنان أين من شق أنهارك- و غرس أشجارك و جنى ثمارك- فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا- . و قال النعمان بن المنذر و معه عدي بن زيد- في ظل شجرات مونقات يشرب-فقال عدي أبيت اللعن و أراد أن يعظه- أ تدري ما تقول هذه الشجرات قال ما تقول قال-

رب ركب قد أناخوا حولنا
يشربون الخمر بالماء الزلال‏

ثم أضحوا عصف الدهر بهم‏
و كذاك الدهر يودي بالرجال‏

 فتنغص النعمان يومه ذلك- . و المذعن المنقاد المطيع و المتلكئ المتوقف- و الكلم الطيب شهادة أن لا إله إلا الله- و أن محمدا ص رسوله- و العمل الصالح أداء الواجبات و النوافل- و اللفظات من القرآن العزيز- . و المصعد موضع الصعود- و لا شبهة أن السماء أشرف من الأرض- على رأي المليين و على رأي الحكماء- أما أهل الملة فلأن السماء مصعد الأعمال الصالحة- و محل الأنوار و مكان الملائكة و فيها العرش و الكرسي- و الكواكب المدبرات أمرا- و أما الحكماء فلأمور أخرى تقتضيها أصولهم: جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلَاماً يَسْتَدِلُّ بِهَا الْحَيْرَانُ- فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الْأَقْطَارِ- لَمْ يَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا ادْلِهْمَامُ سُجُفِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ- وَ لَا اسْتَطَاعَتْ جَلَابِيبُ سَوَادِ الْحَنَادِسِ- أَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ تَلَأْلُؤِ نُورِ الْقَمَرِ- فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ سَوَادُغَسَقٍ دَاجٍ- وَ لَا لَيْلٍ سَاجٍ فِي بِقَاعِ الْأَرَضِينَ الْمُتَطَأْطِئَاتِ- وَ لَا فِي يَفَاعِ السُّفْعِ الْمُتَجَاوِرَاتِ- وَ مَا يَتَجَلْجَلُ بِهِ الرَّعْدُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ- وَ مَا تَلَاشَتْ عَنْهُ بُرُوقُ الْغَمَامِ- وَ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ تُزِيلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ الْأَنْوَاءِ- وَ انْهِطَالُ السَّمَاءِ- وَ يَعْلَمُ مَسْقَطَ الْقَطْرَةِ وَ مَقَرَّهَا وَ مَسْحَبَ الذَّرَّةِ وَ مَجَرَّهَا- وَ مَا يَكْفِي الْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِهَا وَ مَا تَحْمِلُ مِنَ الْأُنْثَى فِي بَطْنِهَا أعلاما أي يستدل بها- و الفجاج جمع فج و هو الطريق في الجبل- .

ثم قال إن ادلهمام سواد الليل أي شدة ظلمته- لم يمنع الكواكب من الإضاءة- و كذلك أيضا لم يمنع ظلام الليل القمر من تلألؤ نوره- و إنما خص القمر بالذكر و إن كان من جملة الكواكب- لشرفه بما يظهر للأبصار من عظم حجمه و شدة إضاءته- فصار كقوله تعالى فِيهِما فاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمَّانٌ- و قد روى بعض الرواة ادلهمام بالنصب- و جعله مفعولا و ضوء نورها بالرفع و جعله فاعلا- و هذه الرواية أحسن في صناعة الكتابة لمكان الازدواج- أي لا القمر و لا الكواكب تمنع الليل من الظلمة- و لا الليل يمنع الكواكب و القمر من الإضاءة- . و السجف جمع سجف و هو الستر و يجوز فتح السين- . و شاع تفرق و التلألؤ اللمعان- و الجلابيب الثياب و الغسق الظلمة- و الساجي الساكن و الداجي المظلم- و المتطأطئ المنخفض- و السفع المتجاورات هاهنا الجبال- و سماها سفعا لأن السفعة سواد مشرب بحمرة- و كذلك لونها في الأكثر- .

و اليفاع الأرض المرتفعة و التجلجل صوت الرعد- و ما تلاشت عنه بروق الغمام- هذه الكلمة أهمل بناءها كثير من أئمة اللغة- و هي صحيحة و قد جاءت و وردت- قال ابن الأعرابي لشا الرجل- إذا اتضع و خس بعد رفعة- و إذا صح أصلها صح استعمال الناس- تلاشى الشي‏ء بمعنى اضمحل- .

و قال القطب الراوندي- تلاشى مركب من لا شي‏ء و لم يقف على أصل الكلمة- و قد ظهر الآن أن معنى كلامه ع- أنه سبحانه يعلم ما يصوت به الرعد- و يعلم ما يضمحل عنه البرق- . فإن قلت و هل يقصد الرعد بجلجلته معنى معقولا ليقال- إن البارئ يعلمه ثم ما المراد بكونه عالما بما يضمحل البرق عنه- . قلت قد يكون تعالى يحدث في الرعد جلجلة- أي صوتا ليهلك به قوما أو لينفع به قوما- فعلمه بما تتضمنه تلك الجلجلة هو معنى قولنا- يعلم ما يصوت به الرعد- و لا ريب أن البرق يلمع فيضي‏ء أقطارا مخصوصة- ثم يتلاشى عنها- فالبارئ سبحانه عالم بتلك الأقطار التي يتلاشى البرق عنها- . فإن قلت هو سبحانه عالم بما يضيئه البرق و بما لا يضيئه- فلما ذا خص بالعالمية ما يتلاشى عنه البرق- .

قلت لأن علمه بما ليس بمضي‏ء بالبرق أعجب و أغرب- لأن ما يضيئه البرق يمكن أن يعلمه أولو الأبصار الصحيحة- فأراد ع أن يشرح من صفاته سبحانه- ما هو بخلاف المعتاد بين البشر- ليكون إعظام السامعين له سبحانه أتم و أكمل- . و العواصف الرياح الشديدة و أضافها إلى الأنواء- لأن أكثر ما يكون عصفانها في الأنواء و هي جمع نوء- و هو سقوط النجم- من منازل القمر الثمانية و العشرين في المغرب‏ مع الفجر- و طلوع رقيبه من المشرق مقابلا له من ساعته- و مدة النوء ثلاثة عشر يوما- إلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوما- .

قال أبو عبيد- و لم يسمع في النوء أنه المسقوط إلا في هذا الموضع- و كانت العرب تضيف الرياح و الأمطار- و الحر و البرد إلى الساقط منها- . و قال الأصمعي بل إلى الطالع في سلطانه- فتقول مطرنا بنوء كذا و كذا- و نهى النبي ص عن ذلك- و الجمع أنواء و نوءان أيضا- مثل بطن و بطنان و عبد و عبدان- قال حسان بن ثابت-

و يثرب تعلم أنا بها
إذا قحط القطر نوءانها

و الانهطال الانصباب- و مسقط القطرة من المطر موضع سقوطها- و مقرها موضع قرارها- و مسحب الذرة الصغيرة من النمل و مجرها- موضع سحبها و جرها- . و هذا الفصل من فصيح الكلام و نادره- و يتضمن من توحيد الله تعالى و تمجيده- و الثناء عليه ما يشهد لنفسه: وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَائِنِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كُرْسِيٌّ أَوْ عَرْشٌ- أَوْ سَمَاءٌ أَوْ أَرْضٌ أَوْ جَانٌّ أَوْ إِنْسٌ- لَا يُدْرَكُ بِوَهْمٍ وَ لَا يُقَدَّرُ بِفَهْمٍ- وَ لَا يَشْغَلُهُ سَائِلٌ وَ لَا يَنْقُصُهُ نَائِلٌ- وَ لَا يَنْظُرُ بِعَيْنٍ وَ لَا يُحَدُّ بِأَيْنٍ وَ لَا يُوصَفُ بِالْأَزْوَاجِ- وَ لَا يُخْلَقُ بِعِلَاجٍ وَ لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ وَ لَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ- الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً وَ أَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظِيماً- بِلَا جَوَارِحَ وَ لَا أَدَوَاتٍ وَ لَا نُطْقٍ وَ لَا لَهَوَاتٍ- بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَيُّهَا الْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ- فَصِفْ‏جِبْرِيلَ وَ مِيكَائِيلَ وَ جُنُودَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ فِي حُجُرَاتِ الْقُدُسِ مُرْجَحِنِّينَ- مُتَوَلِّهَةً عُقُولُهُمْ أَنْ يَحُدُّوا أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ- وَ إِنَّمَا يُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ ذَوُو الْهَيْئَاتِ وَ الْأَدَوَاتِ- وَ مَنْ يَنْقَضِي إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ- فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلَامٍ- وَ أَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُورٍ ليس يعني بالكائن هاهنا ما يعنيه الحكماء و المتكلمون- بل مراده الموجود- أي هو الموجود قبل أن يكون الكرسي و العرش و غيرهما- و الأوائل يزعمون- أن فوق السماوات السبع سماء ثامنة و سماء تاسعة- و يقولون إن الثامنة هي الكرسي و إن التاسعة هي العرش- .

قوله ع لا يدرك بوهم- الوهم هاهنا الفكرة و التوهم- . و لا يقدر بفهم أي لا تستطيع الأفهام أن تقدره و تحده- . و لا يشغله سائل كما يشغل السؤال منا من يسألونه- . و لا ينقصه العطاء كما ينقص العطاء خزائن الملوك- . و لا يبصر بجارحة و لا يحد بأين- و لفظة أين في الأصل مبنية على الفتح- فإذا نكرتها صارت اسما متمكنا كما قال الشاعر-

ليت شعري و أين مني ليت
إن ليتا و إن لوا عناء

و إن شئت قلت إنه تكلم بالاصطلاح الحكمي- و الأين عندهم حصول الجسم في المكان- و هو أحد المقولات العشر- .قوله ع و لا يوصف بالأزواج- أي صفات الأزواج و هي الأصناف- قال سبحانه وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ- . قوله و لا يخلق بعلاج- أي لا يحتاج في إيجاد المخلوقات إلى معالجة و مزاولة- . قوله و كلم موسى تكليما من الألفاظ القرآنية- و المراد هاهنا من ذكر المصدر تأكيد الأمر- و إزالة لبس عساه يصلح للسامع- فيعتقد أنه أراد المجاز و أنه لم يكن كلام على الحقيقة- .

قوله و أراه من آياته عظيما- ليس يريد به الآيات الخارجة عن التكليم- كانشقاق البحر و قلب العصا- لأنه يكون بإدخال ذلك بين قوله تكليما- و قوله بلا جوارح و لا أدوات- و لا نطق و لا لهوات مستهجنا- و إنما يريد أنه أراد بتكليمه إياه عظيما من آياته- و ذلك أنه كان يسمع الصوت من جهاته الست- ليس على حد سماع كلام البشر من جهة مخصوصة- و له دوي و صلصلة كوقع السلاسل العظيمة على الحصى الأصم- . فإن قلت- أ تقول إن الكلام حل أجساما مختلفة من الجهات الست- .

قلت لا و إنما حل الشجرة فقط- و كان يسمع من كل جهة و الدليل على حلوله في الشجرة قوله تعالى- فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ- فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى‏- فلا يخلو إما أن يكون النداء حل الشجرة- أو المنادي حلها و الثاني باطل فثبت الأول- . ثم قال ع لمن يتكلف أن يصف ربه- إن كنت صادقا أنك قد وصلت إلى‏معرفة صفته- فصف لنا الملائكة- فإن معرفة ذات الملك أهون من معرفة ذات الأول سبحانه- . و حجرات القدس جمع حجرة- و مرجحنين مائلين إلى جهة تحت- خضوعا لجلال البارئ سبحانه- ارجحن الحجر إذا مال هاويا- متولهة عقولهم أي حائرة- ثم قال إنما يدرك بالصفات- و يعرف كنه ما كان ذا هيئة و أداة و جارحة- و ما ينقضي و يفنى و يتطرق إليه العدم- و واجب الوجود سبحانه بخلاف ذلك- .

و تحت قوله أضاء بنوره كل ظلام إلى آخر الفصل- معنى دقيق و سر خفي- و هو أن كل رذيلة في الخلق البشري- مع معرفته بالأدلة البرهانية غير مؤثرة- و لا قادحة في جلالة المقام الذي قد بلغ إليه- و ذلك نحو أن يكون العارف بخيلا أو جبانا- أو حريصا أو نحو ذلك- و كل فضيلة في الخلق البشري مع الجهل به سبحانه- فليست بفضيلة في الحقيقة و لا معتد بها- لأن نقيصة الجهل به تكسف تلك الأنوار و تمحق فضلها- و ذلك نحو أن يكون الجاهل به سبحانه جوادا- أو شجاعا أو عفيفا أو نحو ذلك- و هذا يطابق ما يقوله الأوائل- من أن العارف المذنب يشقى بعد الموت قليلا- ثم يعود إلى النعيم السرمدي- و أن الجاهل ذا العبادة و الإحسان- يشقى بعد الموت شقاء مؤبدا- و مذهب الخلص من مرجئة الإسلام يناقض هذه اللفظات- و يقال إنه مذهب أبي حنيفة رحمه الله- و يمكن تأويلها على مذهب أصحابنا بأن يقال- كل ظلام من المعاصي الصغائر- فإنه ينجلي بضياء معرفته و طاعته- و كل طاعة يفعلها المكلف مع الكفر به سبحانه- فإنها غير نافعة و لا موجبة ثوابا- و يكون هذا التأويل من باب صرف اللفظ- عن عمومه إلى خصوصه‏:

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- الَّذِي أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمُ الْمَعَاشَ- فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سِلْماً أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلًا- لَكَانَ ذَلِكَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ع الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ- مَعَ النُّبُوَّةِ وَ عَظِيمِ الزُّلْفَةِ- فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ وَ اسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ- رَمَتْهُ قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنَبَالِ الْمَوْتِ- وَ أَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً- وَ الْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً وَ وَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ- وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً- أَيْنَ الْعَمَالِقَةُ وَ أَبْنَاءُ الْعَمَالِقَةِ- أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ وَ أَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَةِ- أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسِّ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ- وَ أَطْفَئُوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ وَ أَحْيَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِينَ- أَيْنَ الَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ وَ هَزَمُوا الْأُلُوفَ- وَ عَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ وَ مَدَّنُوا الْمَدَائِنَ الرياش اللباس و أسبغ أوسع- و إنما ضرب المثل بسليمان ع لأنه كان ملك الإنس و الجن- و لم يحصل لغيره ذلك- و من الناس من أنكر هذا لأن اليهود و النصارى يقولون- إنه لم يتعد ملكه حدود الشام بل بعض الشام- و ينكرون حديث الجن و الطير و الريح- و يحملون ما ورد من ذلك على وجوه- و تأويلات عقلية معنوية ليس هذا موضع ذكرها- .

و الزلفة القرب و الطعمة بضم الطاء المأكلة- يقال قد جعلت هذه الضيعة طعمة لزيد- . و القسي جمع قوس و أصلها قووس على فعول كضرب و ضروب- إلا أنهم قدموااللام- فقالوا قسو على فلوع ثم قلبت الواو ياء- و كسروا القاف كما كسروا عين عصي فصارت قسي

نسب العمالقة

و العمالقة أولاد لاوذ إرم بن سام بن نوح- كان الملك باليمن و الحجاز و ما تاخم ذلك من الأقاليم- فمنهم عملاق بن لاوذ بن سام- و منهم طسم بن لاوذ أخوه- . و منهم جديس بن لاوذ أخوهما- و كان العز و الملك بعد عملاق بن لاوذ في طسم- فلما ملكهم عملاق بن طسم بغى و أكثر الفساد في الأرض- حتى كان يطأ العروس ليلة إهدائها إلى بعلها- و إن كانت بكرا افتضها قبل وصولها إلى البعل- ففعل ذلك بامرأة من جديس- يقال لها غفيرة بنت غفار- فخرجت إلى قومها و هي تقول-

لا أحد أذل من جديس
أ هكذا يفعل بالعروس‏

 فغضب لها أخوها الأسود بن غفار- و تابعه قومه على الفتك بعملاق بن طسم و أهل بيته- فصنع الأسود طعاما و دعا عملاق الملك إليه- ثم وثب به و بطسم- فأتى على رؤسائهم و نجا منهم رياح بن مر- فصار إلى ذي جيشان بن تبع الحميري ملك اليمن- فاستغاث به و استنجده على جديس- فسار ذو جيشان في حمير فأتى بلاد جو- و هي قصبة اليمامة فاستأصل جديسا كلها- و أخرب اليمامة فلم يبق لجديس باقية- و لا لطسم إلا اليسير منهم- . ثم ملك بعد طسم و جديس وبار بن أميم بن لاوذ بن إرم- فسار بولده و أهله فنزل بأرض وبار- و هي المعروفة الآن برمل عالج- فبغوا في الأرض حينا حتى أفناهم الله-ثم ملك الأرض بعد وبار عبد ضخم بن أثيف بن لاوذ- فنزلوا بالطائف حينا ثم بادوا

نسب عاد و ثمود

و ممن يعد مع العمالقة عاد و ثمود- فأما عاد فهو عاد بن عويص بن إرم بن سام بن نوح- كان يعبد القمر- و يقال إنه رأى من صلبه أولاد أولاد أولاده أربعة آلاف- و إنه نكح ألف جارية- و كانت بلاده الأحقاف المذكورة في القرآن و هي من شحر عمان إلى حضرموت و من أولاده شداد بن عاد صاحب المدينة المذكورة- . و أما ثمود فهو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح- و كانت دياره بين الشام و الحجاز إلى ساحل نهر الحبشة

نسب الفراعنة

قوله ع أين الفراعنة و أبناء الفراعنة جمع فرعون- و هم ملوك مصر- فمنهم الوليد بن الريان فرعون يوسف- و منهم الوليد بن مصعب فرعون موسى- و منهم فرعون بن الأعرج الذي غزا بني إسرائيل- و أخرب بيت المقدس

نسب أصحاب الرس

قوله ع أين أصحاب مدائن الرس- قيل إنهم أصحاب شعيب‏النبي ص و كانوا عبدة أصنام- و لهم مواش و آبار يسقون منها- . و الرس بئر عظيمة جدا انخسفت بهم و هم حولها- فهلكوا و خسفت بأرضهم كلها و ديارهم- و قيل الرس قرية بفلج اليمامة- كان بها قوم من بقايا ثمود بغوا فأهلكوا- . و قيل قوم من العرب القديمة بين الشام و الحجاز- و كانت العنقاء تختطف صبيانهم فتقتلهم- فدعوا الله أن ينقذهم منها- فبعث إليهم حنظلة بن صفوان- فدعاهم إلى الدين على أن يقتل العنقاء- فشارطوه على ذلك فدعا عليها- فأصابتها الصاعقة فلم يفوا له و قتلوه فأهلكوا- . و قيل هم أصحاب الأخدود و الرس هو الأخدود- و قيل الرس أرض بأنطاكية قتل فيها حبيب النجار- . و قيل بل كذب أهلها نبيهم و رسوه في بئر- أي رموه فيها- .

و قيل إن الرس نهر في إقليم الباب- و الأبواب مبدؤه من مدينة طراز و ينتهي إلى نهر الكر- فيختلط به حتى يصب في بحر الخزر- كان هناك ملوك أولو بأس و قدرة فأهلكهم الله ببغيهم مِنْهَا- قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا- وَ أَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا مِنَ الْإِقْبَالِ عَلَيْهَا- وَ الْمَعْرِفَةِ بِهَا وَ التَّفَرُّغِ لَهَا- فَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُهَا- وَ حَاجَتُهُ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا- فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الْإِسْلَامُ- وَ ضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنَبِهِ- وَ أَلْصَقَ الْأَرْضَ بِجِرَانِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ- خَلِيفَةٌ نْ خَلَائِفِ أَنْبِيَائِهِ‏

هذا الكلام فسره كل طائفة على حسب اعتقادها- فالشيعة الإمامية تزعم أن المراد به المهدي المنتظر عندهم- و الصوفية يزعمون أنه يعني به ولي الله في الأرض- و عندهم أن الدنيا لا تخلو عن الأبدال و هم الأربعون- و عن الأوتاد و هم سبعة و عن القطب و هو واحد- فإذا مات القطب صار أحد السبعة قطبا عوضه- و صار أحد الأربعين وتدا عوض الوتد- و صار بعض الأولياء الذين يصطفيهم الله تعالى- أبدالا عوض ذلك البدل- . و أصحابنا يزعمون أن الله تعالى لا يخلي الأمة- من جماعة من المؤمنين العلماء بالعدل و التوحيد- و أن الإجماع إنما يكون حجة- باعتبار أقوال أولئك العلماء- لكنه لما تعذرت معرفتهم بأعيانهم- اعتبر إجماع سائر العلماء- و إنما الأصل قول أولئك- . قالوا و كلام أمير المؤمنين ع- ليس يشير فيه إلى جماعة أولئك العلماء من حيث هم جماعة- و لكنه يصف حال كل واحد منهم- فيقول من صفته كذا و من صفته كذا- . و الفلاسفة يزعمون أن مراده ع بهذا الكلام العارف- و لهم في العرفان و صفات أربابه- كلام يعرفه من له أنس بأقوالهم- و ليس يبعد عندي أن يريد به القائم من آل محمد ص في آخر الوقت- إذا خلقه الله تعالى- و إن لم يكن الآن موجودا- فليس في الكلام ما يدل على وجوده الآن- و قد وقع اتفاق الفرق من المسلمين أجمعين- على أن الدنيا و التكليف لا ينقضي إلا عليه- . قوله ع قد لبس للحكمة جنتها- الجنة ما يستتر به من السلاح كالدرع و نحوها- و لبس جنة الحكمة قمع النفس عن المشتهيات- و قطع علائق النفس عن‏المحسوسات- فإن ذلك مانع للنفس عن أن يصيبها سهام الهوى- كما تمنع الدرع الدارع عن أن يصيبه سهام الرماية- .

ثم عاد إلى صفة هذا الشخص فقال- و أخذ بجميع أدبها من الإقبال عليها- أي شدة الحرص و الهمة- . ثم قال و المعرفة بها أي و المعرفة بشرفها و نفاستها- . ثم قال و التفرغ لها- لأن الذهن متى وجهته نحو معلومين تخبط و فسد- و إنما يدرك الحكمة بتخلية السر من كل ما مر سواها- . قال فهي عند نفسه ضالته التي يطلبها- هذا مثل قوله ع الحكمة ضالة المؤمن- و من كلام الحكماء- لا يمنعك من الانتفاع بالحكمة- حقارة من وجدتها عنده- كما لا يمنعك خبث تراب المعدن من التقاط الذهب- . و وجدت بخط أبي محمد عبد الله بن أحمد الخشاب رحمه الله- في تعاليق مسودة أبياتا للعطوي و هي-

قد رأينا الغزال و الغصن و النجمين
شمس الضحى و بدر التمام‏

فو حق البيان يعضده البرهان‏
في مأقط شديد الخصام‏

ما رأينا سوى المليحة شيئا
جمع الحسن كله في نظام‏

هي تجري مجرى الأصالة في الرأي‏
و مجرى الأرواح في الأجسام‏

 و قد كتب ابن الخشاب بخطه تحت المليحة- ما أصدقه إن أراد بالمليحة الحكمة- قوله ع و حاجته التي يسأل عنها- هو مثل قوله ضالته التي يطلبها- . ثم قال هو مغترب إذا اغترب الإسلام- يقول هذا الشخص يخفي نفسه و يحملهاإذا اغترب الإسلام- و اغتراب الإسلام- أن يظهر الفسق و الجور على الصلاح و العدل-قال ع بدأ الإسلام غريبا و سيعود كما بدأ- .

قال و ضرب بعسيب ذنبه و ألصق الأرض بجرانه- هذا من تمام قوله إذا اغترب الإسلام- أي إذا صار الإسلام غريبا مقهورا- و صار الإسلام كالبعير البارك يضرب الأرض بعسيبه- و هو أصل الذنب و يلصق جرانه و هو صدره في الأرض- فلا يكون له تصرف و لا نهوض- . ثم عاد إلى صفة الشخص المذكور- .

و قال بقية من بقايا حججه خليفة من خلائف أنبيائه- الضمير هاهنا يرجع إلى الله سبحانه و إن لم يجر ذكره- للعلم به- كما قال حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ- و يمكن أن يقال- إن الضمير راجع إلى مذكور و هو الإسلام- أي من بقايا حجج الإسلام- و خليفة من خلائف أنبياء الإسلام- . فإن قلت ليس للإسلام إلا نبي واحد- . قلت بل له أنبياء كثير- قال تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ- و قال سبحانه ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً- و كل الأنبياء دعوا إلى ما دعا إليه محمد ص من التوحيد و العدل- فكلهم أنبياء للإسلام- . فإن قلت أ ليس لفظ الحجة- و لفظ الخليفة مشعرا بما تقوله الإمامية- . قلت لا فإن أهل التصوف يسمون صاحبهم حجة و خليفة- و كذلك الفلاسفة-و أصحابنا لا يمتنعون من إطلاق هذه الألفاظ- على العلماء المؤمنين في كل عصر- لأنهم حجج الله أي إجماعهم حجة- و قد استخلفهم الله في أرضه ليحكموا بحكمه- .

و على ما اخترناه نحن فالجواب ظاهر: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ- الَّتِي وَعَظَ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ أُمَمَهُمْ- وَ أَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ الْأَوْصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ- وَ أَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا- وَ حَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا- لِلَّهِ أَنْتُمْ- أَ تَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطَأُ بِكُمُ الطَّرِيقَ- وَ يُرْشِدُكُمُ السَّبِيلَ- أَلَا إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ الدُّنْيَا مَا كَانَ مُقْبِلًا- وَ أَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً- وَ أَزْمَعَ التَّرْحَالَ عِبَادُ اللَّهِ الْأَخْيَارُ- وَ بَاعُوا قَلِيلًا مِنَ الدُّنْيَا لَا يَبْقَى- بِكَثِيرٍ مِنَ الآْخِرَةِ لَا يَفْنَى- مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ بِصِفِّينَ- أَلَّا يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاءً يُسِيغُونَ الْغُصَصَ- وَ يَشْرَبُونَ الرَّنْقَ قَدْ وَ اللَّهِ لَقُوا اللَّهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ- وَ أَحَلَّهُمْ دَارَ الْأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ- أَيْنَ إِخْوَانِيَ الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ- وَ مَضَوْا عَلَى الْحَقِّ أَيْنَ عَمَّارٌ وَ أَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ- وَ أَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ- وَ أَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ- وَ أُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ- قَالَ ثُمَّ ضَرَبَ ع بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَتِهِ الشَّرِيفَةِ الْكَرِيمَةِ- فَأَطَالَ الْبُكَاءَ ثُمَّ قَالَ ع- أَوْهِ عَلَى إِخْوَانِيَ الَّذِينَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ- وَ تَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ-أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَ أَمَاتُوا الْبِدْعَةَ- دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا وَ وَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ- ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ- الْجِهَادَ الْجِهَادَ عِبَادَ اللَّهِ- أَلَا وَ إِنِّي مُعَسْكِرٌ فِي يَومِي هَذَا- فَمَنْ أَرَادَ الرَّوَاحَ إِلَى اللَّهِ فَلْيَخْرُجْ- قَالَ نَوْفٌ وَ عَقَدَ لِلْحُسَيْنِ ع فِي عَشَرَةِ آلَافٍ- وَ لِقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ- وَ لِأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ- وَ لِغَيْرِهِمْ عَلَى أَعْدَادٍ أُخْرَ- وَ هُوَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ إِلَى صِفِّينَ- فَمَا دَارَتِ الْجُمُعَةُ حَتَّى ضَرَبَهُ الْمَلْعُونُ ابْنُ الْمُلْجَمِ لَعَنَهُ اللَّهُ- فَتَرَاجَعَتِ الْعَسَاكِرُ فَكُنَّا كَأَغْنَامٍ فَقَدَتْ رَاعِيهَا- تَخْتَطِفُهَا الذِّئَابُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ بثثت لكم المواعظ فرقتها و نشرتها- و الأوصياء الذين يأتمنهم الأنبياء على الأسرار الإلهية- و قد يمكن ألا يكونوا خلفاء بمعنى الإمرة و الولاية- فإن مرتبتهم أعلى من مراتب الخلفاء- . و حدوتكم سقتكم كما تحدى الإبل- فلم تستوسقوا أي لم تجتمعوا- قال

مستوسقات لم يجدن سائقا

قوله يطأ بكم الطريق- أي يحملكم على المنهاج الشرعي- و يسلك بكم مسلك الحق- كأنه جعلهم ضالين عن الطريق التي يطلبونها- .و قال أ تريدون إماما غيري يوقفكم على الطريق- التي تطلبونها حتى تطئوها و تسلكوها- . ثم ذكر أنه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا- و هو الهدى و الرشاد- فإنه كان في أيام رسول الله ص و خلفائه مقبلا- ثم أدبر عند استيلاء معاوية و أتباعه- و أقبل منها ما كان مدبرا و هو الضلال و الفساد- و معاوية عند أصحابنا مطعون في دينه- منسوب إلى الإلحاد قد طعن فيه ص- و روى فيه شيخنا أبو عبد الله البصري- في كتاب نقض السفيانية على الجاحظ- و روى عنه أخبارا كثيرة تدل على ذلك- و قد ذكرناها في كتابنا في مناقضة السفيانية- .

و روى أحمد بن أبي طاهر في كتاب أخبار الملوك- أن معاوية سمع المؤذن يقول- أشهد أن لا إله إلا الله فقالها ثلاثا- فقال أشهد أن محمدا رسول الله- فقال لله أبوك يا ابن عبد الله لقد كنت عالي الهمة- ما رضيت لنفسك إلا أن يقرن اسمك باسم رب العالمين- . قوله ع و أزمع الترحال أي ثبت عزمهم عليه- يقال أزمعت الأمر و لا يقال أزمعت على الأمر- هكذا يقول الكسائي و أجازه الخليل و الفراء- . ثم قال ع إنه لم يضر إخواننا القتلى بصفين- كونهم اليوم ليسوا بأحياء حياتنا المشوبة بالنغص و الغصص- . و يقال ماء رنق بالتسكين أي كدر- رنق الماء بالكسر يرنق رنقا فهو رنق- و أرنقته أي كدرته و عيش رنق بالكسر أي كدر- . ثم أقسم أنهم لقوا الله فوفاهم أجورهم- و هذا يدل على ما يذهب إليه جمهور أصحابنا- من نعيم القبر و عذابه- .ثم قال ع أين إخواني ثم عددهم فقال أين عمار

عمار بن ياسر و نسبه و نبذ من أخباره

و هو عمار بن ياسر بن عامر بن كنانة- بن قيس العنسي بالنون المذحجي- يكنى أبا اليقظان حليف بني مخزوم- . و نحن نذكر طرفا من أمره- من كتاب الإستيعاب لأبي عمر بن عبد البر المحدث- قال أبو عمر كان ياسر والد عمار عربيا قحطانيا- من عنس في مذحج- إلا أن ابنه عمارا كان مولى لبني مخزوم- لأن أباه ياسرا قدم مكة مع أخوين له- يقال لهما مالك و الحارث في طلب أخ لهم رابع- فرجع الحارث و مالك إلى اليمن و أقام ياسر بمكة- فحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم- فزوجه أبو حذيفة أمة يقال لها سمية- فأولدها عمارا فأعتقه أبو حذيفة- فمن هاهنا كان عمار مولى بني مخزوم و أبوه عربي- لا يختلفون في ذلك- و للحلف و الولاء الذي بين بني مخزوم و عمار- و أبيه ياسر كان احتمال بني مخزوم على عثمان- حين نال من عمار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب- حتى انفتق له فتق في بطنه زعموا- و كسروا ضلعا من أضلاعه- فاجتمعت بنو مخزوم- فقالوا و الله لئن مات لا قتلنا به أحدا غير عثمان- . قال أبو عمر- كان عمار بن ياسر ممن عذب في الله- ثم أعطاهم عمار ما أرادوا بلسانه- و اطمأن الإيمان بقلبه فنزل فيه- إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ- و هذا مما أجمع عليه أهل التفسير- .

و هاجر إلى أرض الحبشة و صلى إلى القبلتين- و هو من المهاجرين الأولين- ثم شهد بدرا و المشاهد كلها و أبلى بلاء حسنا- ثم شهد اليمامة فأبلى فيها أيضا يومئذ و قطعت أذنه- . قال أبو عمر و قد روى الواقدي عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال رأيت عمارا يوم اليمامة على صخرة- و قد أشرف عليها يصيح- يا معشر المسلمين أ من الجنة تفرون- أنا عمار بن ياسر هلموا إلي- و أنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهي تذبذب- و هو يقاتل أشد القتال- . قال أبو عمر- و كان عمار آدم طوالا مضطربا أشهل العينين- بعيد ما بين المنكبين لا يغير شيبة- . قال و بلغنا أن عمارا قال- كنت تربا لرسول الله ص في سنه- لم يكن أحد أقرب إليه مني سنا- . وقال ابن عباس في قوله تعالى- أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ- وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ- إنه عمار بن ياسر- كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها- إنه أبو جهل بن هشامقال و قال رسول الله ص إن عمارا ملئ إيمانا إلى مشاشه- و يروى إلى أخمص قدميهوروى أبو عمر عن عائشة أنها قالت ما من أحد من أصحاب رسول الله ص-أشاء أن أقول فيه إلا قلت إلا عمار بن ياسر- فإني سمعت رسول الله ص يقول- إنه ملئ إيمانا إلى أخمص قدميه- .

قال أبو عمر و قال عبد الرحمن بن أبزى- شهدنا مع علي ع صفين ثمانمائة ممن بايع بيعة الرضوان- قتل منا ثلاثة و ستون منهم عمار بن ياسر- .قال أبو عمر و من حديث خالد بن الوليد أن رسول الله ص قال من أبغض عمارا أبغضه اللهفما زلت أحبه من يومئذ- .قال أبو عمر و من حديث علي بن أبي طالب ع أن عمارا جاء يستأذن على رسول الله ص يوما- فعرف صوته فقال مرحبا بالطيب المطيب- يعني عمارا ائذنوا لهقال أبو عمر و من حديث أنس عن النبي ص اشتاقت الجنة إلى أربعة علي و عمار و سلمان و بلال- .

قال أبو عمر و فضائل عمار كثيرة جدا يطول ذكرها- . قال و روى الأعمش عن أبي عبد الرحمن السلمي- قال شهدنا مع علي ع صفين- فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية- و لا واد من أودية صفين- إلا رأيت أصحاب محمد ص يتبعونه كأنه علم لهم- و سمعته يقول يومئذ لهاشم بن عتبة- يا هاشم تقدم الجنة تحت البارقة-

اليوم ألقى الأحبة
محمدا و حزبه‏

و الله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر- لعلمنا أنا على الحق و أنهم على الباطل ثم قال-

نحن ضربناكم على تنزيله
فاليوم نضربكم على تأويله‏

ضربا يزيل الهام عن مقيله
و يذهل الخليل عن خليله‏
أو يرجع الحق على سبيله‏

فلم أر أصحاب محمد ص قتلوا في موطن ما قتلوا يومئذ- . قال و قد قال أبو مسعود البدري و طائفة لحذيفة حين احتضر- و قد ذكر الفتنة إذا اختلف الناس فبمن تأمرنا- قال عليكم بابن سمية- فإنه لن يفارق الحق حتى يموت- أو قال فإنه يزول مع الحق حيث زال- . قال أبو عمر- و بعضهم يجعل هذا الحديث عن حذيفة مرفوعا- . قال أبو عمر و روى الشعبي عن الأحنف- أن عمارا حمل يوم صفين فحمل عليه ابن جزء السكسكي و أبو الغادية الفزاري- فأما أبو الغادية فطعنه و أما ابن جزء فاحتز رأسه- . قلت هذا الموضع مما اختلف فيه قول أبي عمر رحمه الله- فإنه ذكر في كتاب الكنى من الإستيعاب- أبا الغادية بالغين المعجمة- و قال إنه جهني من جهينة و جهينة من قضاعة- و قد نسبه هاهنا فزاريا- .

و قال في كتاب الكنى- إن اسم أبي الغادية يسار و قيل مسلم- . و قد ذكر ابن قتيبة في كتاب المعارف- عن أبي الغادية أنه كان يحدث عن نفسه بقتل عمار- و يقول إن رجلا طعنه فانكشف المغفر عن رأسه- فضربت رأسه فإذا رأس عمار قد ندر- . و كيفية هذا القتل تخالف الكيفية- التي رواها ابن عبد البر- .

قال أبو عمر و قد روى وكيع عن شعبة- عن عبد بن مرة عن عبد الله بن سلمة-قال لكأني أنظر إلى عمار يوم صفين و هو صريع- فاستسقى فأتي بشربة من لبن فشرب فقال-اليوم ألقى الأحبة- . إن رسول الله ص عهد إلي- أن آخر شربة أشربها في الدنيا شربة من لبن- ثم استسقى ثانية فأتته امرأة طويلة اليدين بإناء- فيه ضياح من لبن فقال حين شربه الحمد لله- الجنة تحت الأسنة- و الله لو ضربونا حتى يبلغونا سعفات هجر- لعلمنا أنا على الحق- و أنهم على الباطل ثم قاتل حتى قتل- .

قال أبو عمر و قد روى حارثة بن المضراب قرأت كتاب عمر إلى أهل الكوفة- أما بعد فإني بعثت إليكم عمارا أميرا- و عبد الله بن مسعود معلما و وزيرا- و هما من النجباء من أصحاب محمد- فاسمعوا لهما و اقتدوا بهما- فإني قد آثرتكم بعبد الله على نفسي أثرة- . قال أبو عمر و إنما قال عمر هما من النجباء-لقول رسول الله ص إنه لم يكن نبي- إلا أعطي سبعة من أصحابه نجباء وزراء فقهاء- و إني قد أعطيت أربعة عشر- حمزة و جعفرا و عليا و حسنا و حسينا- و أبا بكر و عمر و عبد الله بن مسعود- و سلمان و عمارا و أبا ذر- و حذيفة و المقداد و بلالاقال أبو عمر و تواترت الأخبار عن رسول الله ص أنه قال تقتل عمارا الفئة الباغية- و هذا من إخباره بالغيب و أعلام نبوته ص- و هو من أصح الأحاديث- . و كانت صفين في ربيع الآخر سنة سبع و ثلاثين- و دفنه علي ع في ثيابه و لم يغسله- .

و روى أهل الكوفة أنه صلى عليه- و هو مذهبهم في الشهداء أنهم لا يغسلون و لكن يصلى عليهم- . قال أبو عمر- و كانت سن عمار يوم قتل نيفا و تسعين سنة- و قيل إحدى و تسعين- و قيل اثنتين و تسعين و قيل ثلاثا و تسعينذكر أبي الهيثم بن التيهان و طرف من أخباره
ثم قال ع و أين ابن التيهان- هو أبو الهيثم بن التيهان بالياء المنقوطة- باثنتين تحتها المشددة المكسورة- و قبلها تاء منقوطة باثنتين فوقها- و اسمه مالك و اسم أبيه مالك أيضا- ابن عبيد بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر الأنصاري- أحد النقباء ليلة العقبة- و قيل إنه لم يكن من أنفسهم- و إنه من بلي بن أبي الحارث بن قضاعة- و إنه حليف لبني عبد الأشهل- كان أحد النقباء ليلة العقبة و شهد بدرا- .

قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإستيعاب- اختلف في وقت وفاته- فذكر خليفة عن الأصمعي قال سألت قومه- فقالوا مات في حياة رسول الله ص- . قال أبو عمر و هذا لم يتابع عليه قائله- . و قيل إنه توفي سنة عشرين أو إحدى و عشرين- . و قيل إنه أدرك صفين- و شهدها مع علي ع و هو الأكثر- . و قيل إنه قتل بها- .

ثم قال أبو عمر حدثنا خلف بن قاسم- قال حدثنا الحسن بن رشيق قال‏ حدثنا الدولابي- قال حدثنا أبو بكر الوجيهي عن أبيه عن صالح بن الوجيه- قال و ممن قتل بصفين عمار- و أبو الهيثم بن التيهان- و عبد الله بن بديل و جماعة من البدريين رحمهم الله- . ثم روى أبو عمر رواية أخرى- فقال حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن- قال حدثنا عثمان بن أحمد بن السماك- قال حدثنا حنبل بن إسحاق بن علي قال قال أبو نعيم أبو الهيثم بن التيهان- اسمه مالك و اسم التيهان عمرو بن الحارث- أصيب أبو الهيثم مع علي يوم صفين- . قال أبو عمر هذا قول أبي نعيم و غيره- .

قلت و هذه الرواية أصح من قول ابن قتيبة- في كتاب المعارف- و ذكر قوم أن أبا الهيثم شهد صفين مع علي ع- و لا يعرف ذلك أهل العلم و لا يثبتونه- فإن تعصب ابن قتيبة معلوم- و كيف يقول لا يعرفه أهل العلم و قد قاله أبو نعيم- و قاله صالح بن الوجيه- و رواه ابن عبد البر و هؤلاء شيوخ المحدثين

ذكر ذي الشهادتين خزيمة بن ثابت و طرف من أخباره

ثم قال ع و أين ذو الشهادتين- هو خزيمة بن ثابت بن الفاكه- بن ثعلبة الخطمي الأنصاري من بني خطمة- من الأوس جعل رسول الله ص‏ شهادته كشهادة رجلين- لقصة مشهورة يكنى أبا عمارة شهد بدرا و ما بعدها من المشاهد- و كانت راية بني خطمة بيده يوم الفتح- . قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإستيعاب- و شهد صفين مع علي بن أبي طالب ع- فلما قتل عمار قاتل حتى قتل- . قال أبو عمر- و قد روي حديث مقتله بصفين من وجوه كثيرة- ذكرناها في كتاب الإستيعاب عن ولد ولده- و هو محمد بن عمارة بن خزيمة ذي الشهادة- و أنه كان يقول في صفين-سمعت رسول الله ص يقول تقتل عمارا الفئة الباغيةثم قاتل حتى قتل- .

قلت و من غريب ما وقعت عليه من العصبية القبيحة- أن أبا حيان التوحيدي قال في كتاب البصائر- إن خزيمة بن ثابت المقتول مع علي ع بصفين- ليس هو خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين- بل آخر من الأنصار صحابي اسمه خزيمة بن ثابت- و هذا خطأ- لأن كتب الحديث و النسب- تنطق بأنه لم يكن في الصحابة من الأنصار- و لا من غير الأنصار خزيمة بن ثابت إلا ذو الشهادتين- و إنما الهوى لا دواء له- على أن الطبري صاحب التاريخ- قد سبق أبا حيان بهذا القول- و من كتابه نقل أبو حيان و الكتب الموضوعة لأسماء الصحابة- تشهد بخلاف ما ذكراه- ثم أي حاجة لناصري أمير المؤمنين أن يتكثروا بخزيمة- و أبي الهيثم و عمار و غيرهم- لو أنصف‏الناس هذا الرجل و رأوه بالعين الصحيحة- لعلموا أنه لو كان وحده و حاربه الناس كلهم أجمعون- لكان على الحق و كانوا على الباطل- .

ثم قال ع و أين نظراؤهم من إخوانهم- يعني الذين قتلوا بصفين معه من الصحابة- كابن بديل و هاشم بن عتبة- و غيرهما ممن ذكرناه في أخبار صفين- . و تعاقدوا على المنية جعلوا بينهم عقدا- و روي تعاهدوا- . و أبرد برءوسهم إلى الفجرة- حملت رءوسهم مع البريد إلى الفسقة للبشارة بها- و الفجرة هاهنا أمراء عسكر الشام- تقول قد أبردت إلى الأمير فأنا مبرد و الرسول بريد- و يقال للفرانق البريد لأنه ينذر قدام الأسد- . قوله أوه على إخواني ساكنة الواو مكسورة الهاء- كلمة شكوى و توجع و قال الشاعر-

فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها
و من بعد أرض دونها و سماء

و ربما قلبوا الواو ألفا فقالوا آه من كذا آه على كذا- و ربما شددوا الواو و كسروها و سكنوا الهاء- فقالوا أوه من كذا و ربما حذفوا الهاء مع التشديد- و كسروا الواو فقالوا أو من كذا بلا مد- و قد يقولون آوه- بالمد و التشديد و فتح الألف و سكون الهاء- لتطويل الصوت بالشكاية- و ربما أدخلوا فيه الياء تارة يمدونه و تارة لا يمدونه- فيقولون أوياه و آوياه- و قد أوه الرجل تأويها و تأوه تأوها- إذا قال أوه و الاسم منه الآهة بالمد- قال المثقب العبدي-

إذا ما قمت أرحلها بليل
تأوه آهة الرجل الحزين‏

قوله ع و وثقوا بالقائد فاتبعوه- يعني نفسه أي وثقوا بأني على الحق و تيقنوا ذلك- فاتبعوني في حرب من حاربت و سلم من سالمت- . قوله الجهاد الجهاد منصوب بفعل مقدر- . و إني معسكر في يومي- أي خارج بالعسكر إلى منزل يكون لهم معسكرا

ذكر سعد بن عبادة و نسبه

و قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الخزرجي صحابي- يكنى أبا عبد الملك- روى عن رسول الله ص أحاديث- و كان طوالا جدا سبطا شجاعا جوادا- و أبوه سعد رئيس الخزرج- و هو الذي حاولت الأنصار إقامته- في الخلافة بعد رسول الله ص- و لم يبايع أبا بكر حين بويع- و خرج إلى حوران فمات بها- قيل قتلته الجن لأنه بال قائما في الصحراء ليلا- و رووا بيتين من شعر- قيل إنهما سمعا ليلة قتله و لم ير قائلهما-

نحن قتلنا سيد الخزرج
سعد بن عبادة

و رميناه بسهمين‏
فلم نخطئ فؤاده‏

و يقول قوم- إن أمير الشام يومئذ كمن له من رماه ليلا- و هو خارج إلى الصحراء بسهمين- فقتله لخروجه عن طاعة الإمام- و قد قال بعض المتأخرين في ذلك-

يقولون سعد شكت الجن قلبه
ألا ربما صححت دينك بالغدر

و ما ذنب سعد أنه بال قائما
و لكن سعدا لم يبايع أبا بكر

و قد صبرت من لذة العيش أنفس
و ما صبرت عن لذة النهي و الأمر

و كان قيس بن سعد من كبار شيعة أمير المؤمنين ع- و قائل بمحبته و ولائه و شهد معه حروبه كلها- و كان مع الحسن ع و نقم عليه صلحه معاوية- و كان طالبي الرأي مخلصا في اعتقاده و وده- و أكد ذلك عنده فوات الأمر أباه و ما نيل يوم السقيفة و بعده منه- فوجد من ذلك في نفسه و أضمره- حتى تمكن من إظهاره في خلافة أمير المؤمنين- و كما قيل عدو عدوك صديق لك

ذكر أبي أيوب الأنصاري و نسبه

و أما أبو أيوب الأنصاري- فهو خالد بن يزيد بن كعب بن ثعلبة الخزرجي- من بني النجار- شهد العقبة و بدرا و سائر المشاهد- و عليه نزل رسول الله ص لما خرج عن بني عمرو بن عوف- حين قدم المدينة مهاجرا من مكة- فلم يزل عنده حتى بنى مسجده و مساكنه- ثم انتقل إليها- و يوم المؤاخاة آخى رسول الله ص بينه و بين مصعب بن عمير- .

و قال أبو عمر في كتاب الإستيعاب- إن أبا أيوب شهد مع علي ع مشاهده كلها- و روي ذلك عن الكلبي و ابن إسحاق- قالا شهد معه يوم الجمل و صفين- و كان مقدمته يوم النهروان- . قوله تختطفها الذئاب- الاختطاف أخذك الشي‏ء بسرعة و يروى تتخطفها- قال تعالى تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ- . و يقال إن هذه الخطبة آخر خطبة أمير المؤمنين ع قائما

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 10

خطبه 182 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

182 و من كلام له ع

وَ قَدْ أَرْسَلَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ- يَعْلَمُ لَهُ عِلْمَ أَحْوَالِ قَوْمٍ مِنْ جُنْدِ الْكُوفَةِ- قَدْ هَمُّوا بِاللِّحَاقِ بِالْخَوَارِجِ- وَ كَانُوا عَلَى خَوْفٍ مِنْهُ ع- فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ- قَالَ لَهُ أَ أَمِنُوا فَقَطَنُوا أَمْ جَبَنُوا فَظَعَنُوا- فَقَالَ الرَّجُلُ بَلْ ظَعَنُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- فَقَالَ ع بُعْداً لَهُمْ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ- أَمَا لَوْ أُشْرِعَتِ الْأَسِنَّةُ إِلَيْهِمْ- وَ صُبَّتِ السُّيُوفُ عَلَى هَامَاتِهِمْ- لَقَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ- إِنَّ الشَّيْطَانَ الْيَوْمَ قَدِ اسْتَفَلَّهُمْ- وَ هُوَ غَداً مُتَبَرِّئٌ مِنْهُمْ وَ مُتَخَلٍّ عَنْهُمْ- فَحَسْبُهُمْ مِنَ الْهُدَى وَ ارْتِكَاسِهِمْ فِي الضَّلَالِ وَ الْعَمَى- وَ صَدِّهِمْ عَنِ الْحَقِّ وَ جِمَاحِهِمْ فِي التِّيهِ قد ذكرنا قصة هؤلاء القوم فيما تقدم عند شرحنا- قصة مصقلة بن هبيرة الشيباني- و قطن الرجل بالمكان- يقطن بالضم أقام به و توطنه فهو قاطن- و الجمع قطان و قاطنة و قطين أيضا مثل غاز و غزي- و عازب للكلأ البعيد و عزيب- . و ظعن صار الرجل ظعنا و ظعنا و قرئ بهما يَوْمَ ظَعْنِكُمْ- و أظعنه سيره و انتصب بعدا على المصدر- .

و ثمود إذا أردت القبيلة غير مصروف- و إذا أردت الحي أو اسم الأب مصروف- و يقال إنه ثمود بن عابر بن آدم بن سام بن نوح- قيل سميت ثمود لقلة مائها من الثمد و هو الماء القليل- و كانت مساكنهم الحجر- بين الحجاز و الشام إلى وادي القرى- . و أشرعت الرمح إلى زيد أي سددته نحوه- و شرع الرمح نفسه و صبت السيوف على هاماتهم- استعارة من صببت الماء- شبه وقع السيوف و سرعة اعتوارها الرءوس بصب الماء- . و استفلهم الشيطان وجدهم مفلولين فاستزلهم- هكذا فسروه- . و يمكن عندي أن يريد أنه وجدهم فلا لا خير فيهم- و الفل في الأصل الأرض لا نبات بها لأنها لم تمطر- قال حسان يصف العزى-

و إن التي بالجذع من بطن نخلة
و من دانها فل من الخير معزل‏

 أي خال من الخير- . و يروى استفزهم أي استخفهم- . و الارتكاس في الضلال الرجوع- كأنه جعلهم في ترددهم في طبقات الضلال- كالمرتكس الراجع إلى أمر قد كان تخلص منه- . و الجماح في التيه الغلو و الإفراط- مستعار من جماح الفرس و هو أن يعتز صاحبه و يغلبه جمح فهو جموح

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 10

خطبه 181 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)( ذم أصحابه)

181 و من كلام له ع في ذم أصحابه

أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى مَا قَضَى مِنْ أَمْرٍ وَ قَدَّرَ مِنْ فِعْلٍ- وَ عَلَى ابْتِلَائِي بِكُمْ أَيَّتُهَا الْفِرْقَةُ الَّتِي إِذَا أَمَرْتُ لَمْ تُطِعْ- وَ إِذَا دَعَوْتُ لَمْ تُجِبْ- إِنْ أُهْمِلْتُمْ خُضْتُمْ وَ إِنْ حُورِبْتُمْ خُرْتُمْ- وَ إِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ طَعَنْتُمْ- وَ إِنْ أُجِئْتُمْ إِلَى مُشَاقَّةٍ نَكَصْتُمْ- . لَا أَبَا لِغَيْرِكُمْ مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ- وَ الْجِهَادِ عَلَى حَقِّكُمْ- الْمَوْتَ أَوِ الذُّلَّ لَكُمْ- فَوَاللَّهِ لَئِنْ جَاءَ يَومِي وَ لَيَأْتِيَنِّي لَيُفَرِّقَنَّ بَيْنِي وَ بَيْنِكُمْ- وَ أَنَا لِصُحْبَتِكُمْ قَالٍ وَ بِكُمْ غَيْرُ كَثِيرٍ- لِلَّهِ أَنْتُمْ أَ مَا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ وَ لَا حَمِيَّةٌ تَشْحَذُكُمْ- أَ وَ لَيْسَ عَجَباً أَنَّ مُعَاوِيَةَ يَدْعُو الْجُفَاةَ الطَّغَامَ- فَيَتَّبِعُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَعُونَةٍ وَ لَا عَطَاءٍ- وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ وَ أَنْتُمْ تَرِيكَةُ الْإِسْلَامِ- وَ بَقِيَّةُ النَّاسِ إِلَى الْمَعُونَةِ أَوْ طَائِفَةٍ مِنَ الْعَطَاءِ- فَتَتَفَرَّقُونَ عَنِّي وَ تَخْتَلِفُونَ عَلَيَّ- إِنَّهُ لَا يَخْرُجُ إِلَيْكُمْ مِنْ أَمْرِي رِضًا فَتَرْضَوْنَهُ- وَ لَا سُخْطٌ فَتَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ- وَ إِنَّ أَحَبَّ مَا أَنَا لَاقٍ إِلَيَّ الْمَوْتُ- قَدْ دَارَسْتُكُمُ الْكِتَابَ وَ فَاتَحْتُكُمُ الْحِجَاجَ- وَ عَرَّفْتُكُمْ مَا أَنْكَرْتُمْ وَ سَوَّغْتُكُمْ مَا مَجَجْتُمْ- لَوْ كَانَ الْأَعْمَى يَلْحَظُ أَوِ النَّائِمُ يَسْتَيْقِظُ-وَ أَقْرِبْ بِقَوْمٍ مِنَ الْجَهْلِ بِاللَّهِ قَائِدُهُمْ مُعَاوِيَةُ- وَ مُؤَدِّبُهُمُ ابْنُ النَّابِغَةِ قضى و قدر في هذا الموضع واحد- . و يروى على ما ابتلاني- .

و أهملتم خليتم و تركتم- و يروى أمهلتم أي أخرتم- . و خرتم ضعفتم و الخور الضعف- رجل خوار و رمح خوار و أرض خوارة و الجمع خور- و يجوز أن يكون خرتم أي صحتم كما يخور الثور- و منه قوله تعالى عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ- و يروى جرتم أي عدلتم عن الحرب فرارا- . و أجئتم ألجئتم- قال تعالى فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى‏ جِذْعِ النَّخْلَةِ- . و المشاقة المقاطعة و المصارمة- . و نكصتم أحجمتم- قال تعالى فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى‏ عَقِبَيْهِ أي رجع محجما- أي دعيتم إلى كشف القناع مع العدو و جبنتم و هبتموه- . قوله لا أبا لغيركم- الأفصح لا أب بحذف الألف كما قال الشاعر-

أبي الإسلام لا أب لي سواه
إذا افتخروا بقيس أو تميم‏

 و أما قولهم لا أبا لك بإثباته فدون الأول في الفصاحة- كأنهم قصدوا الإضافة و أقحموا اللام مزيدة مؤكدة- كما قالوا يا تيم تيم عدي و هو غريب- لأن حكم‏ لا أن تعمل في النكرة فقط- و حكم الألف أن تثبت مع الإضافة و الإضافة تعرف- فاجتمع فيها حكمان متنافيان- فصار من الشواذ كالملامح و المذاكير و لدن غدوة- . و قال الشيخ أبو البقاء رحمه الله- يجوز فيها وجهان آخران- . أحدهما أنه أشبع فتحة الباء- فنشأت الألف و الاسم باق على تنكيره- و الثاني أن يكون استعمل أبا- على لغة من قالها أبا في جميع أحوالها مثل عصا- و منهإن أباها و أبا أباها- .

قوله الموت أو الذل لكم- دعاء عليهم بأن يصيبهم أحد الأمرين- كأنه شرع داعيا عليهم بالفناء الكلي و هو الموت- ثم استدرك فقال أو الذل لأنه نظير الموت في المعنى- و لكنه في الصورة دونه- و لقد أجيب دعاؤه ع بالدعوة الثانية- فإن شيعته ذلوا بعد في الأيام الأموية- حتى كانوا كفقع قرقر- . ثم أقسم أنه إذا جاء يومه لتكونن مفارقته لهم عن قلى- و هو البغض- و أدخل حشوة بين أثناء الكلام- و هي ليأتيني و هي حشوة لطيفة- لأن لفظة إن أكثر ما تستعمل لما لا يعلم حصوله- و لفظة إذا لما يعلم أو يغلب على الظن حصوله- تقول إذا طلعت الشمس جئت إليك- و لا تقول إن طلعت الشمس جئت إليك- و تقول إذا احمر البسر جئتك- و لا تقول إن احمر البسر جئتك- فلما قال لئن جاء يومي- أتى بلفظة دالة على أن الموضع موضع إذا لا موضع إن- فقال و ليأتيني- .و الواو في قوله و أنا لصحبتكم واو الحال- و كذلك الواو في قوله و بكم غير كثير- و قوله غير كثير لفظ فصيح و قال الشاعر-

لي خمسون صديقا
بين قاض و أمير

لبسوا الوفر فلم‏
أخلع بهم ثوب النفير

لكثير هم و لكني
بهم غير كثير

قوله لله أنتم لله في موضع رفع- لأنه خبر عن المبتدإ الذي هو أنتم- و مثله لله در فلان و لله بلاد فلان و لله أبوك- و اللام هاهنا فيها معنى التعجب- و المراد بقوله لله أنتم لله سعيكم أو لله عملكم- كما قالوا لله درك أي عملك- فحذف المضاف و أقيم الضمير المنفصل المضاف إليه مقامه- . فإن قلت- أ فجاءت هذه اللام بمعنى التعجب في غير لفظ لله- قلت لا كما أن تاء القسم لم تأت إلا في اسم الله تعالى- . قوله ع أ ما دين يجمعكم- ارتفاع دين على أنه فاعل فعل مقدر له- أي أ ما يجمعكم دين يجمعكم- اللفظ الثاني مفسر للأول كما قدرناه بعد إذا- في قوله سبحانه إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ- و يجوز أن يكون حمية مبتدأ و الخبر محذوف- تقديره أ ما لكم حمية و الحمية الأنفة- . و شحذت النصل أحددته- .

فإن قلت كيف قال- إن معاوية لم يكن يعطي جنده و إنه هو ع كان يعطيهم- و المشهور أن معاوية كان يمد أصحابه بالأموال و الرغائب- قلت إن معاوية لم يكن يعطي جنده على وجه المعونة و العطاء- و إنما كان يعطي رؤساء القبائل من اليمن- و ساكني الشام الأموال الجليلة يستعبدهم بها- و يدعو أولئك‏ الرؤساء أتباعهم من العرب فيطيعونهم- فمنهم من يطيعهم حمية- و منهم من يطيعهم لأياد و عوارف من أولئك الرؤساء عندهم- و منهم من يطيعهم دينا زعموا للطلب بدم عثمان- و لم يكن يصل إلى هؤلاء الأتباع- من أموال معاوية قليل و لا كثير- .

و أما أمير المؤمنين ع- فإنه كان يقسم بين الرؤساء و الأتباع على وجه العطاء و الرزق- و لا يرى لشريف على مشروف فضلا- فكان من يقعد عنه بهذا الطريق- أكثر ممن ينصره و يقوم بأمره- و ذلك لأن الرؤساء من أصحابه كانوا يجدون في أنفسهم من ذلك- أعني المساواة بينهم و بين الأتباع- فيخذلونه ع باطنا و إن أظهروا له النصر- و إذا أحس أتباعهم بتخاذلهم و تواكلهم- تخاذلوا أيضا و تواكلوا أيضا- و لم يجد عليه ص ما أعطى الأتباع من الرزق- لأن انتصار الأتباع له و قتالهم دونه لا يتصور وقوعه- و الرؤساء متخاذلون فكان يذهب ما يرزقهم ضياعا- . فإن قلت فأي فرق بين المعونة و العطاء- .

قلت المعونة إلى الجند شي‏ء يسير من المال- برسم ترميم أسلحتهم و إصلاح دوابهم- و يكون ذلك خارجا عن العطاء المفروض شهرا فشهرا- و العطاء المفروض شهرا فشهرا- يكون شيئا له مقدار يصرف في أثمان الأقوات- و مئونة العيال و قضاء الديون- . و التريكة بيضة النعام تتركها في مجثمها- يقول أنتم خلف الإسلام و بقيته كالبيضة التي تتركها النعامة- . فإن قلت ما معنى قوله- لا يخرج إليكم من أمري رضا فترضونه- و لا سخط فتجتمعون عليه- قلت معناه أنكم لا تقبلون مما أقول لكم شيئا- سواء كان مما يرضيكم أو مما يسخطكم- بل لا بد لكم من المخالفة و الافتراق عنه-ثم ذكر أن أحب الأشياء إليه أن يلقى الموت- و هذه الحال التي ذكرها أبو الطيب فقال-

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا
و حسب المنايا أن تكن أمانيا

تمنيتها لما تمنيت أن ترى‏
صديقا فأعيا أو عدوا مداجيا

قوله قد دارستكم الكتاب أي درسته عليكم- دارست الكتب و تدارستها و أدرستها- و درستها بمعنى و هي من الألفاظ القرآنية- . و فاتحتكم الحجاج- أي حاكمتكم بالمحاجة و المجادلة- و قوله تعالى رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا أي احكم- و الفتاح الحاكم- . و عرفتكم ما أنكرتم بصرتكم ما عمي عنكم- . و سوغتكم ما مججتم- يقال مججت الشراب من فمي أي رميت به- و شيخ ماج يمج ريقه و لا يستطيع حبسه من كبره- و أحمق ماج أي يسيل لعابه- يقول ما كانت عقولكم و أذهانكم- تنفر عنه من الأمور الدينية أوضحته لكم- حتى عرفتموه و اعتقدتموه و انطوت قلوبكم عليه- و لم يجزم ع بحصول ذلك لهم- لأنه قال لو كان الأعمى يلحظ و النائم يستيقظ- أي إني قد فعلت معكم- ما يقتضي حصول الاعتقادات الحقيقية في أذهانكم- لو أزلتم عن قلوبكم ما يمنع من حصولها لكم- و المانع المشار إليه هو الهوى و العصبية- و الإصرار على اللجاج- و محبة نصرة عقيدة قد سبقت إلى القلب و زرعها التعصب-و مشقة مفارقة الأسلاف- الذين قد انغرس في النفس تعظيمهم- و مالت القلوب إلى تقليدهم لحسن الظن بهم- .

ثم قال أقرب بقوم أي ما أقربهم من الجهل- كما قال تعالى أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ أي ما أسمعهم و أبصرهم- . فإن قلت قد كان يجب أن يقول- و أقرب بقوم قائدهم معاوية- و مؤدبهم ابن النابغة من الجهل- فلا يحول بين النكرة الموصوفة- و صفتها بفاصل غريب و لم يقل ذلك- بل فصل بين الصفة و الموصوف بأجنبي منهما- . قلت قد جاء كثير من ذلك نحو قوله تعالى وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ- وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ- في قول من لم يجعل مردوا صفة أقيمت مقام الموصوف- لأنه يجعل مردوا صفة القوم- المحذوفين المقدرين بعد الأعراب- و قد حال بين ذلك و بين مردوا قوله وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ- .

و نحوه قوله أَنْزَلَ عَلى‏ عَبْدِهِ الْكِتابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً- . فإن قيما حال من الكتاب- و قد توسط بين الحال و ذي الحال وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً و الحال كالصفة- و لأنهم قد أجازوا مررت برجل أيها الناس طويل- و النداء أجنبي على أنا لا نسلم أن قوله من الجهل أجنبي- لأنه متعلق بأقرب و الأجنبي ما لا تعلق له بالكلام

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 10

خطبه 180 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

180 و من كلام له ع

وَ قَدْ سَأَلَهُ ذِعْلِبُ الْيَمَانِيُّ فَقَالَ- هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ ع- أَ فَأَعْبُدُ مَا لَا أَرَى فَقَالَ وَ كَيْفَ تَرَاهُ قَالَ- لَا تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ- وَ لَكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ- قَرِيبٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرَ مُلَامِسٍ بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرَ مُبَايِنٍ- مُتَكَلِّمٌ بِلَا رَوِيَّةٍ مَرِيدٌ لَا بِهِمَّةٍ صَانِعٌ لَا بِجَارِحَةٍ- لَطِيفٌ لَا يُوصَفُ بِالْخَفَاءِ كَبِيرٌ لَا يُوصَفُ بِالْجَفَاءِ- بَصِيرٌ لَا يُوصَفُ بِالْحَاسَّةِ رَحِيمٌ لَا يُوصَفُ بِالرِّقَّةِ- تَعْنُو الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ وَ تَجِبُ الْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِهِ الذعلب في الأصل الناقة السريعة- و كذلك الذعلبة ثم نقل فسمي به إنسان و صار علما- كما نقلوا بكرا عن فتى الإبل إلى بكر بن وائل- . و اليماني مخفف الياء و لا يجوز تشديدها- جعلوا الألف عوضا عن الياء الثانية- و كذلك فعلوا في الشامي و الأصل يمني و شامي- . و قوله ع أ فأعبد ما لا أرى- مقام رفيع جدا لا يصلح أن يقوله غيره ع- .

ثم ذكر ماهية هذه الرؤية- قال إنها رؤية البصيرة لا رؤية البصر- . ثم شرح ذلك فقال إنه تعالى قريب من الأشياء- غير ملامس لها لأنه ليس بجسم- و إنما قربه منها علمه بها كما قال تعالى- ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ- . قوله بعيد منها غير مباين- لأنه أيضا ليس بجسم فلا يطلق عليه البينونة- و بعده منها هو عبارة عن انتفاء اجتماعه معها- و ذلك كما يصدق على البعيد بالوضع- يصدق أفضل الصدق على البعيد بالذات- الذي لا يصح الوضع و الأين أصلا عليه- .

قوله متكلم بلا روية- الروية الفكرة يرتئي الإنسان بها- ليصدر عنه ألفاظ سديدة دالة على مقصده- و البارئ تعالى متكلم لا بهذا الاعتبار- بل لأنه إذا أراد تعريف خلقه من جهة الحروف و الأصوات- و كان في ذلك مصلحة و لطف لهم- خلق الأصوات و الحروف في جسم جمادي- فيسمعها من يسمعها و يكون ذلك كلامه- لأن المتكلم في اللغة العربية فاعل الكلام- لا من حله الكلام- و قد شرحنا هذا في كتبنا الكلامية- .

قوله مريد بلا همة أي بلا عزم- فالعزم عبارة عن إرادة متقدمة للفعل- تفعل توطينا للنفس على الفعل- و تمهيدا للإرادة المقارنة له- و إنما يصح ذلك على الجسم الذي يتردد فيها- تدعوه إليه الدواعي- فأما العالم لذاته فلا يصح ذلك فيه- . قوله صانع لا بجارحة أي لا بعضو لأنه ليس بجسم- . قوله لطيف لا يوصف بالخفاء- لأن العرب إذا قالوا لشي‏ء إنه لطيف- أرادوا أنه صغير الحجم- و البارئ تعالى لطيف لا بهذا الاعتبار- بل يطلق باعتبارين-أحدهما أنه لا يرى لعدم صحة رؤية ذاته- فلما شابه اللطيف من الأجسام في استحالة رؤيته- أطلق عليه لفظ اللطيف- إطلاقا للفظ السبب على المسبب- .

و ثانيهما أنه لطيف بعباده كما قال في الكتاب العزيز- أي يفعل الألطاف المقربة لهم من الطاعة- المبعدة لهم من القبيح- أو لطيف بهم بمعنى أنه يرحمهم و يرفق بهم- . قوله كبير لا يوصف بالجفاء- لما كان لفظ كبير إذا استعمل في الجسم- أفاد تباعد أقطاره- ثم لما وصف البارئ بأنه كبير- أراد أن ينزهه عما يدل لفظ كبير عليه- إذا استعمل في الأجسام- و المراد من وصفه تعالى بأنه كبير- عظمة شأنه و جلالة سلطانه- . قوله بصير لا يوصف بالحاسة- لأنه تعالى يدرك إما لأنه حي لذاته- أو أن يكون إدراكه هو علمه- و لا جارحة له و لا حاسة على كل واحد من القولين- . قوله رحيم لا يوصف بالرقة- لأن لفظة الرحمة في صفاته تعالى- تطلق مجازا على إنعامه على عباده- لأن الملك إذا رق على رعيته و عطف- أصابهم بإنعامه و معروفه- .

قوله تعنو الوجوه أي تخضع- قال تعالى وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ- .قوله و تجب القلوب أي تخفق- و أصله من وجب الحائط سقط- و يروى توجل القلوب أي تخاف وجل خاف- . و روي صانع لا بحاسة- و روي لا تراه العيون بمشاهدة العيان عوضا عن لا تدركه

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 10