خطبه 179 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

179 و من خطبة له ع

لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ وَ لَا يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ- وَ لَا يَحْوِيهِ مَكَانٌ وَ لَا يَصِفُهُ لِسَانٌ- لَا يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ وَ لَا نُجُومِ السَّمَاءِ- وَ لَا سَوَافِي الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ- وَ لَا دَبِيبُ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا- وَ لَا مَقِيلُ الذَّرِّ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ- يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الْأَوْرَاقِ وَ خَفِيِّ طَرْفِ الْأَحْدَاقِ- وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ غَيْرَ مَعْدُولٍ بِهِ- وَ لَا مَشْكُوكٍ فِيهِ وَ لَا مَكْفُورٍ دِينُهُ- وَ لَا مَجْحُودٍ تَكْوِينُهُ شَهَادَةَ مَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ- وَ صَفَتْ دِخْلَتُهُ وَ خَلَصَ يَقِينُهُ وَ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ الَمْجُتْبَىَ مِنْ خَلَائِقِهِ- وَ الْمُعْتَامُ لِشَرْحِ حَقَائِقِهِ وَ الْمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ كَرَامَاتِهِ- وَ الْمُصْطَفَى لِكَرَائِمِ رِسَالَاتِهِ- وَ الْمُوَضَّحَةُ بِهِ أَشْرَاطُ الْهُدَى وَ الْمَجْلُوُّ بِهِ غِرْبِيبُ الْعَمَى لا يشغله أمر- لأن الحي الذي تشغله الأشياء- هو الحي العالم بالبعض دون البعض- و القادر على البعض دون البعض- فأما من لا يغيب عنه شي‏ء أصلا- و لا يعجز عن شي‏ء أصلا- و لا يمنعه من إيجاد مقدوره إذا أراد مانع أصلا- فكيف يشغله شأن- .

و كذلك لا يغيره زمان لأنه واجب الوجود- و لا يحويه مكان لأنه ليس بجسم-و لا يصفه لسان لأن كنه ذاته غير معلوم- و إنما المعلوم منه إضافات أو سلوب- . و لا يعزب عنه أمر من الأمور أي لا يفوته علم شي‏ء أصلا- . و السوافي التي تسفي التراب أي تذروه- . و الصفا مقصور الصخر الأملس- و لا وقف عليها هاهنا لأن المقصور لا يكون في مقابلة الممدود- و إنما الفقرة المقابلة للهواء هي الظلماء- و يكون الصفا في أدراج الكلام أسوة بكلمة من الكلمات- و الذر صغار النمل- . و يعلم مساقط الأوراق من قوله تعالى- وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها- . و طرف الأحداق مصدر طرف البصر يطرف طرفا- إذا انطبق أحد الجفنين على الآخر- و لكونه مصدرا وقع على الجماعة كما وقع على الواحد- فقال ع طرف الأحداق- كما قال سبحانه لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ- . و غير معدول به غير مسوى بينه و بين أحد- . و الدخلة بكسر الدال باطن الأمر و يجوز الدخلة بالضم- .

و المعتام المختار و العيمة بالكسر خيار المال- اعتام الرجل إذا أخذ العيمة- . فإن قلت لفظة معتام و مختار تصلح للفاعل و المفعول- فما ذا يفصل بينهما- . قلت بما يقترن باللفظ من الكلام قبله و بعده- . فإن قلت فهل يختلفان في التقدير في صناعة النحو- و إن اتفقا في اللفظ- . قلت نعم فإن عين الكلمة ياء مفتوح ما قبلها- فإن أردت الفاعل فهي مكسورة- و تقديره مختير مثل مخترع- و إن كان مفعولا فهي مفتوحة-و تقديره مختير مثل مخترع- و على كلا التقديرين لا بد من انقلاب الياء ألفا- و اللفظ واحد- و لكن يقدر على الألف كسرة للفاعل و فتحة للمفعول- و كذلك القول في معتام و مضطر و نحوهما- .

و حكي أن بعض المتكلمين من المجبرة قال- أسمي العبد مضطرا إلى الفعل إذا فعله- و لا أسمي الله تعالى مضطرا إليه- . قيل فكيف تقول قال مضطر بكسر الطاء- فضحك أهل المجلس منه- . و العقائل جمع عقيلة- و هي كريمة كل شي‏ء من الناس و الإبل و غير ذلك- و يقال للذرة عقيلة البحر- . و أشراط الهدى علاماته و منه أشراط الساعة- قال تعالى فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها- . و الغربيب الأسود الشديد السواد- و يجلى به غربيب العمى- تكشف به ظلم الضلال و تستنير بهدايته- و قوله تعالى وَ غَرابِيبُ سُودٌ- ليس على أن الصفة قد تقدمت على الموصوف- بل يجعل السود بدلا من الغرابيب- .

فإن قلت الهاء في حقائقه إلى ما ذا ترجع- . قلت إلى البارئ سبحانه- و حقائقه حقائق توحيده و عدله فالمضاف محذوف- و معنى حقائق توحيده الأمور المحققة اليقينية- التي لا تعتريها الشكوك و لا تتخالجها الشبه- و هي أدلة أصحابنا المعتزلة- التي استنبطوها بعقولهم بعد أن دلهم إليها- و نبههم على طرق استنباطها رسول الله ص- بواسطة أمير المؤمنين ع- لأنه إمام المتكلمين- الذي لم يعرف علم الكلام من أحد قبله‏:

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الدُّنْيَا تَغُرُّ الْمُؤَمِّلَ لَهَا وَ الْمُخْلِدَ إِلَيْهَا- وَ لَا تَنْفَسُ بِمَنْ نَافَسَ فِيهَا وَ تَغْلِبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا- وَ ايْمُ اللَّهِ مَا كَانَ قَوْمٌ قَطُّ فِي غَضِّ نِعْمَةٍ مِنْ عَيْشٍ- فَزَالَ عَنْهُمْ إِلَّا بِذُنُوبٍ اجْتَرَحُوهَا- لِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ- وَ لَوْ أَنَّ النَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ وَ تَزُولَ عَنْهُمُ النِّعَمُ- فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْقٍ مِنْ نِيَّاتِهِمْ وَ وَلَهٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ- لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ وَ أَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِدٍ- وَ إِنِّي لَأَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَةٍ- وَ قَدْ كَانَتْ أُمُورٌ مَضَتْ مِلْتُمْ فِيهَا مَيْلَةً- كُنْتُمْ فِيهَا عِنْدِي غَيْرَ مَحْمُودِينَ- وَ لَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ إِنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ- وَ مَا عَلَيَّ إِلَّا الْجُهْدُ- وَ لَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ المخلدالمائل إليها- قال تعالى وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ- . و لا تنفس بمن نافس فيها لا تضن به- أي من نافس في الدنيا فإن الدنيا تهينه و لا تضن به- كما يضن بالعلق النفيس- . ثم قال و تغلب من غلب عليها- أي من غلب على الدنيا مقاهرة- فسوف تغلبه الدنيا و تهلكه- .

ثم أقسم أنه ما كان قوم في غض نعمة أي في نعمة غضة- أي طرية ناضرة- فزالت عنهم‏ إلا بذنوب اجترحوها أي اكتسبوها- و هذا يكاد يشعر بمذهب أهل التناسخ- و من قال إن الألم لا يحسن أن يفعله الحكيم سبحانه و تعالى- بالحيوانات إلا مستحقا فأما مذهب أصحابنا فلا يتخرج هذا الكلام عليه- لأنه يجوز عندهم أن تزول النعم عن الناس- لضرب من اللطف مضاف إلى عوض- يعوضهم الله تعالى به في الآخرة- فيجب أن يحمل هذا الكلام لا على عمومه- بل على الأكثر و الأغلب- . ثم قال ع- لو أن الناس عند حلول النقم بهم- و زوال النعم عنهم يلتجئون إلى الله تعالى تائبين من ذنوبهم- لرفع عنهم النقمة و أعاد إليهم النعمة- . و الوله كالتحير يحدث عند الخوف أو الوجد- و الشارد الذاهب- .

قوله و إني لأخشى عليكم أن تكونوا في فترة- أي في أمر جاهلية- لغلبة الضلال و الجهل على الأكثرين منهم- . و هذه خطبة خطب بها ع بعد قتل عثمان- في أول خلافته ع- و قد تقدم ذكر بعضها و الأمور التي مالوا فيها عليه- اختيارهم عثمان و عدولهم عنه يوم الشورى- . و قال لئن رد عليكم أمركم- أي أحوالكم التي كانت أيام رسول الله ص- من صلاح القلوب و النيات إنكم سعداء- . و الجهد بالضم الطاقة- . ثم قال لو أشاء أن أقول لقلت- أي لو شئت لذكرت سبب التحامل علي و تأخري عن غيري- و لكني لا أشاء ذلك و لا أستصلح ذكره- .

ثم قال عفا الله عما سلف- لفظ مأخوذ من الكتاب العزيز- عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَ مَنْ عادَ- فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ- . و هذا الكلام يدل على مذهب أصحابنا- في أن ما جرى من عبد الرحمن و غيره في يوم الشورى- و إن كان لم يقع على الوجه الأفضل- فإنه معفو عنه مغفور لفاعله- لأنه لو كان فسقا غير مغفور- لم يقل أمير المؤمنين ع عفا الله عما سلف

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 10

خطبه 178 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(معنى الحكمين)

178 و من كلام له ع في معنى الحكمين

فَأَجْمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى أَنِ اخْتَارُوا رَجُلَيْنِ- فَأَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَنْ يُجَعْجِعَا عِنْدَ الْقُرْآنِ وَ لَا يُجَاوِزَاهُ- وَ تَكُونُ أَلْسِنَتُهُمَا مَعَهُ وَ قُلُوبُهُمَا تَبَعَهُ فَتَاهَا عَنْهُ- وَ تَرَكَا الْحَقَّ وَ هُمَا يُبْصِرَانِهِ- وَ كَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا وَ الِاعْوِجَاجُ دَأْبَهُمَا- وَ قَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي الْحُكْمِ بِالْعَدْلِ- وَ الْعَمَلِ بِالْحَقِّ سُوءَ رَأْيِهِمَا وَ جَوْرَ حُكْمِهِمَا- وَ الثِّقَةُ فِي أَيْدِينَا لِأَنْفُسِنَا حِينَ خَالَفَا سَبِيلَ الْحَقِّ- وَ أَتَيَا بِمَا لَا يُعْرَفُ مِنْ مَعْكُوسِ الْحُكْمِ الملأ الجماعة- و يجعجعا يحبسا نفوسهما و آراءهما عند القرآن- جعجعت أي حبست- أخذت عليهما العهد و الميثاق أن يعملا بما في القرآن- و لا يتجاوزاه- . فتاها عنه أي عدلا و تركا الحق على علم منهما به- . و الدأب العادة و سوء رأيهما منصوب- لأنه مفعول سبق و الفاعل استثناؤنا- . ثم قال و الثقة في أيدينا- أي نحن على برهان و ثقة من أمرنا- و ليس بضائر لنا ما فعلاه لأنهما خالفا الحق- و عدلا عن الشرط و عكسا الحكم- .

و روى الثوري عن أبي عبيدة قال- أمر بلال بن أبي بردة- و كان قاضيا بتفريق بين رجل و امرأته- فقال الرجل يا آل أبي موسى إنما خلقكم الله للتفريق بين المسلمين

كتاب معاوية إلى عمرو بن العاص و هو على مصر

كتب معاوية إلى عمرو بن العاص و هو على مصر- قد قبضها بالشرط الذي اشترط على معاوية- أما بعد فإن سؤال أهل الحجاز و زوار أهل العراق كثروا علي- و ليس عندي فضل عن أعطيات الحجاز- فأعني بخراج مصر هذه السنة- فكتب عمرو إليه-

معاوي إن تدركك نفس شحيحة
فما مصر إلا كالهباءة في الترب‏

و ما نلتها عفوا و لكن شرطتها
و قد دارت الحرب العوان على قطب‏

و لو لا دفاعي الأشعري و رهطه
لألفيتها ترغو كراغية السقب‏

 ثم كتب في ظاهر الكتاب- و رأيت أنا هذه الأبيات- بخط أبي زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي رحمه الله-

معاوي حظي لا تغفل
و عن سنن الحق لا تعدل‏

أ تنسى مخادعتي الأشعري‏
و ما كان في دومة الجندل‏

ألين فيطمع في غرتي
و سهمي قد خاض في المقتل‏

فألمظه عسلا باردا
و أخبأ من تحته حنظلي‏

و أعليته المنبر المشمخر
كرجع الحسام إلى المفصل‏

فأضحي لصاحبه خالعا
كخلع النعال من الأرجل‏

و أثبتها فيك موروثة
ثبوت الخواتم في الأنمل‏

وهبت لغيري وزن الجبال
و أعطيتني زنة الخردل‏

و إن عليا غدا خصمنا
سيحتج بالله و المرسل‏

و ما دم عثمان منج لنا
فليس عن الحق من مزحل‏

 فلما بلغ الجواب إلى معاوية- لم يعاوده في شي‏ء من أمر مصر بعدها- . بعث عبد الملك روح بن زنباع- و بلال بن أبي بردة بن أبي موسى- إلى زفر بن الحارث الكلابي بكلام- و حذرهما من كيده و خص بالتحذير روحا- فقال يا أمير المؤمنين إن أباه كان المخدوع يوم دومة الجندل لا أبي- فعلام تخوفني الخداع و الكيد- فغضب بلال و ضحك عبد الملك

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 10

خطبه 177 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

177 و من خطبة له ع

انْتَفِعُوا بِبَيَانِ اللَّهِ وَ اتَّعِظُوا بِمَوَاعِظِ اللَّهِ- وَ اقْبَلُوا نَصِيحَةَ اللَّهِ- فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْذَرَ إِلَيْكُمْ بِالْجَلِيَّةِ وَ أَخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ- وَ بَيَّنَ لَكُمْ مَحَابَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَ مَكَارِهَهُ مِنْهَا- لِتَتَّبِعُوا هَذِهِ وَ تَجْتَنِبُوا هَذِهِ- فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ يَقُولُ- إِنَّ الْجَنَّةَ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ- وَ إِنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ شَيْ‏ءٌ إِلَّا يَأْتِي فِي كُرْهٍ- وَ مَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ شَيْ‏ءٌ إِلَّا يَأْتِي فِي شَهْوَةٍ- فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً نَزَعَ عَنْ شَهْوَتِهِ وَ قَمَعَ هَوَى نَفْسِهِ- فَإِنَّ هَذِهِ النَّفْسَ أَبْعَدُ شَيْ‏ءٍ مَنْزِعاً- وَ إِنَّهَا لَا تَزَالُ تَنْزِعُ إِلَى مَعْصِيَةٍ فِي هَوًى- وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُمْسِي وَ لَا يُصْبِحُ- إِلَّا وَ نَفْسُهُ ظَنُونٌ عِنْدَهُ- فَلَا يَزَالُ زَارِياً عَلَيْهَا وَ مُسْتَزِيداً لَهَا- فَكُونُوا كَالسَّابِقِينَ قَبْلَكُمْ وَ الْمَاضِينَ أَمَامَكُمْ- قَوَّضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَقْوِيضَ الرَّاحِلِ وَ طَوَوْهَا طَيَّ الْمَنَازِلِ أعذر إليكم- أوضح عذره في عقابكم إذا خالفتم أوامره- و الجلية اليقين- و إنما أعذر إليهم بذلك- لأنه مكنهم من العلم اليقيني بتوحيده و عدله- و أوجب عليهم ذلك في‏ عقولهم- فإذا تركوه ساغ في الحكمة تعذيبهم و عقوبتهم- فكأنه قد أبان لهم عذره أن لو قالوا لم تعاقبنا- . و محابه من الأعمال هي الطاعات التي يحبها- و حبه لها إرادة وقوعها من المكلفين- و مكارهه من الأعمال القبائح التي يكرهها منهم- و هذا الكلام حجة لأصحابنا على المجبرة- و الخبر الذي رواه ع مروي في كتب المحدثين- و هو قول رسول الله ص حجبت الجنة بالمكاره و حفت النار بالشهوات- و من المحدثين من يرويه حفت فيهما- و ليس منهم من يرويه حجبت في النار- و ذلك لأن لفظ الحجاب- إنما يستعمل فيما يرام دخوله- و ولوجه لمكان النفع فيه- و يقال حجب زيد عن مأدبة الأمير- و لا يقال حجب زيد عن الحبس- .

ثم ذكر ع أنه لا طاعة إلا في أمر تكرهه النفس- و لا معصية إلا بمواقعة أمر تحبه النفس و هذا حق- لأن الإنسان ما لم يكن متردد الدواعي لا يصح التكليف- و إنما تتردد الدواعي إذا أمر بما فيه مشقة- أو نهي عما فيه لذة و منفعة- . فإن قلت أ ليس قد أمر الإنسان بالنكاح و هو لذة- قلت ما فيه من ضرر الإنفاق- و معالجة أخلاق النساء يربي على اللذة الحاصلة فيه مرارا- . ثم قال ع رحم الله امرأ نزع عن شهوته أي أقلع- . و قمع هوى نفسه أي قهره- . ثم قال فإن هذه النفس أبعد شي‏ء منزعا أي مذهبا- قال أبو ذؤيب

و النفس راغبة إذا رغبتها
و إذا ترد إلى قليل تقنع‏

و من الكلامالمروي عنه ع و يروى أيضا عن غيره أيها الناس إن هذه النفوس طلعة- فإلا تقدعوها تنزع بكم إلى شر غاية- . و قال الشاعر-

و ما النفس إلا حيث يجعلها الفتى
فإن أطمعت تاقت و إلا تسلت‏

ثم قال ع نفس المؤمن ظنون عنده- الظنون البئر التي لا يدرى أ فيها ماء أم لا- فالمؤمن لا يصبح و لا يمسي إلا و هو على حذر من نفسه- معتقدا فيها التقصير و التضجيع في الطاعة- غير قاطع على صلاحها و سلامة عاقبتها- . و زاريا عليها عائبا زريت عليه عبت- . ثم أمرهم بالتأسي بمن كان قبلهم- و هم الذين قوضوا من الدنيا خيامهم أي نقضوها- و طووا أيام العمر كما يطوي المسافر منازل طريقه: وَ اعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لَا يَغُشُّ- وَ الْهَادِي الَّذِي لَا يُضِلُّ وَ الْمُحَدِّثُ الَّذِي لَا يَكْذِبُ- وَ مَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ- زِيَادَةٍ فِي هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ- وَ لَا لِأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ‏غِنًى- فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ- وَ اسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لَأْوَائِكُمْ- فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ- وَ هُوَ الْكُفْرُ وَ النِّفَاقُ وَ الْغَيُّ وَ الضَّلَالُ- فَاسْأَلُوا اللَّهَ بِهِ وَ تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ- وَ لَا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ- إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَ قَائِلٌ مُصَدَّقٌ- وَ أَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعَ فِيهِ- وَ مَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ- فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ- أَلَا إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِي حَرْثِهِ وَ عَاقِبَةِ عَمَلِهِ- غَيْرَ حَرَثِةِ الْقُرْآنِ- فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَ أَتْبَاعِهِ- وَ اسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ وَ اسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ- وَ اتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ وَ اسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ غشه يغشه بالضم غشا خلاف نصحه- و اللأواء الشدة- . و شفع له القرآن شفاعة بالفتح- و هو مما يغلط فيه العامة فيكسرونه- و كذلك تبعت كذا بكذا أتبعته مفتوح أيضا- .

و محل به إلى السلطان قال عنه ما يضره- كأنه جعل القرآن يمحل يوم القيامة عند الله بقوم- أي يقول عنهم شرا و يشفع عند الله لقوم- أي يثني عليهم خيرا- . و الحارث المكتسب و الحرث الكسب- و حرثة القرآن المتاجرون به الله- . و استنصحوه على أنفسكم- أي إذا أشار عليكم بأمر- و أشارت عليكم أنفسكم بأمر يخالفه- .فاقبلوا مشورة القرآن دون مشورة أنفسكم- و كذلك معنى قوله- و اتهموا عليه آراءكم و استغشوا فيه أهواءكم
فصل في القرآن و ذكر الآثار التي وردت بفضله

و اعلم أن هذا الفصل- من أحسن ما ورد في تعظيم القرآن و إجلاله- و قد قال الناس في هذا الباب فأكثروا- . و من الكلام المروي عن أمير المؤمنين ع في ذكر القرآن أيضا مارواه ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار عنه ع أيضا و هو مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة- ريحها طيب و طعمها طيب- و مثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن- كمثل التمرة طعمها طيب و لا ريح لها- و مثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة- ريحها طيب و طعمها مر- و مثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر- و ريحها منتنةو قال الحسن رحمه الله قراء القرآن ثلاثة- رجل اتخذه بضاعة فنقله من مصر إلى مصر- يطلب به ما عند الناس- و رجل حفظ حروفه و ضيع حدوده- و استدر به الولاة و استطال به على أهل بلاده- و قد كثر الله هذا الضرب من حملة القرآن- لا كثرهم الله- و رجل قرأ القرآن فبدأ بما يعلم من دواء القرآن- فوضعه على داء قلبه فسهر ليله- و انهملت عيناه و تسربل بالخشوع و ارتدى بالحزن- فبذاك و أمثاله يسقى الناس الغيث- و ينزل النصر و يدفع البلاء- و الله لهذا الضرب من حملة القرآن أعز- و أقل من الكبريت الأحمروفي الحديث المرفوع إن من تعظيم جلال الله إكرام ذي الشيبة في الإسلام- و إكرام الإمام العادل و إكرام حملة القرآنوفي الخبر المرفوع أيضا لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو- فإني أخاف أن يناله العدو- . و كانت الصحابة تكره بيع المصاحف و تراه عظيما- و كانوا يكرهون أن يأخذ المعلم على تعليم القرآن أجرا- . وكان ابن عباس يقول إذا وقعت في آل حم- وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهنو قال ابن مسعود لكل شي‏ء ديباجة و ديباجة القرآن آل حمقيل لابن عباس أ يجوز أن يحلى المصحف بالذهب و الفضة- فقال حليته في جوفهوقال النبي ص أصفر البيوت جوف صفر من كتاب الله
– و قال الشعبي إياكم و تفسير القرآن- فإن الذي يفسره إنما يحدث عن الله- .

الحسن رحمه الله رحم الله امرأ عرض نفسه و عمله على كتاب الله فإن وافق حمد الله و سأله الزيادة- و إن خالف أعتب و راجع من قريب- . حفظ عمر بن الخطاب سورة البقرة فنحر و أطعم- .وفد غالب بن صعصعة على علي ع و معه ابنه الفرزدق- فقال له من أنت فقال غالب بن صعصعة المجاشعي- قال ذو الإبل الكثيرة قال نعم- قال ما فعلت إبلك- قال أذهبتها النوائب و ذعذعتها الحقوق- قال ذاك خير سبلها-
ثم قال يا أبا الأخطل من هذا الغلام معك- قال ابني و هو شاعر- قال علمه القرآن فهو خير له من الشعر- فكان ذلك في نفس الفرزدق حتى قيد نفسه- و آلى ألا يحل قيده حتى يحفظ القرآن- فما حله حتى حفظه و ذلك قوله-

و ما صب رجلي في حديد مجاشع
مع القد إلا حاجة لي أريدها

قلت تحت قوله ع يا أبا الأخطل- قبل أن يعلم أن ذلك الغلام ولده و أنه شاعر سر غامض- و يكاد يكون إخبارا عن غيب فليلمح- . الفضيل بن عياض- بلغني أن صاحب القرآن إذا وقف على معصية- خرج القرآن من جوفه فاعتزل ناحية و قال أ لهذا حملتني- . قلت و هذا القول على سبيل المثل- و التخويف من مواقعة المعاصي لمن يحفظ القرآن- .أنس قال قال لي رسول الله ص يا ابن أم سليم- لا تغفل عن قراءة القرآن صباحا و مساء- فإن القرآن يحيي القلب الميت- و ينهى عن الفحشاء و المنكر- .

كان سفيان الثوري إذا دخل شهر رمضان ترك جميع العبادة- و أقبل على قراءة القرآن من المصحف- .كعب الأحبار قال الله تعالى لموسى ع- مثل كتاب محمد في الكتب مثل سقاء فيه لبن- كلما مخضته استخرجت منه زبدا- . أسلم الخواص كنت أقرأ القرآن- فلا أجد له حلاوة فقلت لنفسي يا أسلم- اقرأ القرآن كأنك تسمعه من رسول الله ص- فجاءت حلاوة قليلة- فقلت اقرأه كأنك تسمعه من جبرئيل ع فازدادت الحلاوة- فقلت اقرأه كأنك تسمعه من الله عز و جل حين تكلم به- فجاءت الحلاوة كلها- .

بعض أرباب القلوب- إن الناس يجمزون في قراءة القرآن ما خلا المحبين- فإن لهم خان إشارات إذا مروا به نزلوا- يريد آيات من القرآن يقفون عندها فيفكرون فيها- .في الحديث المرفوع ما من شفيع من ملك و لا نبي و لا غيرهما- أفضل من القرآنوفي الحديث المرفوع أيضا من قرأ القرآن ثم رأى أن أحدا أوتي أفضل مما أوتي- فقد استصغر عظمة اللهوجاء في بعض الآثار إن الله تعالى خلق بعض القرآن قبل أن يخلق آدم- و قرأه على الملائكة- فقالوا طوبى لأمة ينزل عليها هذا- و طوبى لأجواف تحمل هذا- و طوبى لألسنة تنطق بهذا
وقال النبي ص إن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد- قيل يا رسول الله و ما جلاؤها- قال قراءة القرآن و ذكر الموت
وعنه ع ما أذن الله لشي‏ء أذنه لنبي حسن الترنم بالقرآنوعنه ع إن ربكم لأشد أذنا إلى قارئ القرآن- من صاحب القينة إلى قينته
وعنه ع أنت تقرأ القرآن ما نهاك- فإذا لم ينهك فلست تقرؤهابن مسعود رحمه الله ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون- و بنهاره إذ الناس مفطرون- و بحزنه إذ الناس يفرحون- و ببكائه إذ الناس يضحكون- و بخشوعه إذ الناس يختالون- و ينبغي لحامل القرآن أن يكون سكيتا زميتا لينا- و لا ينبغي أن يكون جافيا و لا مماريا- و لا صياحا و لا حديدا و لا صخابا- .

بعض السلف- إن العبد ليفتتح سورة فتصلي عليه حتى يفرغ منها- و إن العبد ليفتتح سورة فتلعنه حتى يفرغ منها- قيل كيف ذاك قال إذا أحل حلالها- و حرم حرامها صلت عليه و إلا لعنته- .ابن مسعود أنزل الله عليهم القرآن ليعملوا به- فاتخذوا دراسته عملا- إن أحدهم ليقرأ القرآن من فاتحته- إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا- و قد أسقط العمل بهابن عباس لأن أقرأ البقرة و آل عمران أرتلهما و أتدبرهما- أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله هذرمة- .

ثابت البناني كابدت في القرآن عشرين سنة- و تنعمت به عشرين سنةالْعَمَلَ الْعَمَلَ ثُمَّ النِّهَايَةَ النِّهَايَةَ- وَ الِاسْتِقَامَةَ الِاسْتِقَامَةَ ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ وَ الْوَرَعَ الْوَرَعَ- إِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ- وَ إِنَّ لَكُمْ عَلَماً فَاهْتَدُوا بِعَلَمِكُمْ- وَ إِنَّ لِلْإِسْلَامِ غَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى غَايَتِهِ- وَ اخْرُجُوا إِلَى اللَّهِ مِمَّا افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّهِ- وَ بَيَّنَ لَكُمْ مِنْ وَظَائِفِهِ- أَنَا شَاهِدٌ لَكُمْ وَ حَجِيجٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْكُمْ- أَلَا وَ إِنَّ الْقَدَرَ السَّابِقَ قَدْ وَقَعَ- وَ الْقَضَاءَ الْمَاضِيَ قَدْ تَوَرَّدَ- وَ إِنِّي مُتَكَلِّمٌ بِعِدَةِ اللَّهِ وَ حُجَّتِهِ- قَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ- إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا- تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا- وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِالَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ- وَ قَدْ قُلْتُمْ رَبُّنَا اللَّهُ فَاسْتَقِيمُوا عَلَى كِتَابِهِ- وَ عَلَى مِنْهَاجِ أَمْرِهِ وَ عَلَى الطَّرِيقَةِ الصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادَتِهِ- ثُمَّ لَا تَمْرُقُوا مِنْهَا وَ لَا تَبْتَدِعُوا فِيهَا- وَ لَا تُخَالِفُوا عَنْهَا- فَإِنَّ أَهْلَ الْمُرُوقِ مُنْقَطَعٌ بِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ النصب على الإغراء- و حقيقته فعل مقدر أي الزموا العمل- و كرر الاسم لينوب أحد اللفظين عن الفعل المقدر- و الأشبه أن يكون اللفظ الأول هو القائم مقام الفعل- لأنه في رتبته- أمرهم بلزوم العمل ثم أمرهم بمراعاة العاقبة و الخاتمة- و عبر عنها بالنهاية- و هي آخر أحوال المكلف التي يفارق الدنيا عليها- إما مؤمنا أو كافرا أو فاسقا- و الفعل المقدر هاهنا راعوا- و أحسنوا و أصلحوا و نحو ذلك- . ثم أمرهم بالاستقامة و أن يلزموها و هي أداء الفرائض- .

ثم أمرهم بالصبر عليها و ملازمته و بملازمة الورع- . ثم شرع بعد هذا الكلام المجمل في تفصيله فقال- إن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم- و هذالفظ رسول الله ص أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم- و إن لكم غاية فانتهوا إلى غايتكم- و المراد بالنهاية و الغاية- أن يموت الإنسان على توبة من فعل القبيح- و الإخلال بالواجب- . ثم أمرهم بالاهتداء بالعلم المنصوب لهم- و إنما يعني نفسه ع- . ثم ذكر أن للإسلام غاية و أمرهم بالانتهاء إليها- و هي أداء الواجبات و اجتناب المقبحات- .

ثم أوضح ذلك بقوله- و اخرجوا إلى الله مما افترض عليكم من حقه- و بين لكم‏من وظائفه- فكشف بهذا الكلام معنى الغاية التي أجملها أولا- ثم ذكر أنه شاهد لهم و محاج يوم القيامة عنهم- و هذا إشارة إلى قوله تعالى- يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ- . و حجيج فعيل بمعنى فاعل و إنما سمى نفسه حجيجا عنهم- و إن لم يكن ذلك الموقف موقف مخاصمة لأنه إذا شهد لهم- فكأنه أثبت لهم الحجة فصار محاجا عنهم- . قوله ع ألا و إن القدر السابق قد وقع- يشير به إلى خلافته- . و هذه الخطبة من أوائل الخطب- التي خطب بها أيام بويع بعد قتل عثمان- و في هذا إشارة إلى أن رسول الله ص قد أخبره- أن الأمر سيفضى إليه منتهى عمره و عند انقضاء أجله- .

ثم أخبرهم أنه سيتكلم بوعد الله تعالى- و محجته على عباده في قوله- إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا… الآية- و معنى الآية أن الله تعالى وعد الذين أقروا بالربوبية- و لم يقتصروا على الإقرار- بل عقبوا ذلك بالاستقامة أن ينزل عليهم الملائكة- عند موتهم بالبشرى- و لفظة ثم للتراخي- و الاستقامة مفضلة على الإقرار باللسان- لأن الشأن كله في الاستقامة و نحوها قوله تعالى- إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ- ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا- أي ثم ثبتوا على الإقرار و مقتضياته- و الاستقامة هاهنا- هي الاستقامة الفعلية شافعة للاستقامة القولية- و قد اختلف فيه قول أمير المؤمنين ع و أبي بكر- فقال أمير المؤمنين ع أدوا الفرائض- و قال أبو بكر استمروا على التوحيد- .

و روي أن أبا بكر تلاها و قال ما تقولون فيها- فقالوا لم يذنبوا فقال حملتم الأمر على أشده- فقالوا قل قال لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان- و رأي أبي بكر في هذا الموضع إن ثبت عنه- يؤكد مذهب الإرجاء- و قول أمير المؤمنين ع يؤكد مذهب أصحابنا- . وروى سفيان بن عبد الله الثقفي قال قلت يا رسول الله أخبرني بأمر أعتصم به- فقال قل لا إله إلا الله ثم استقم- فقلت ما أخوف ما تخافه علي فقال هذا- و أخذ بلسان نفسه صو تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ عند الموت- أو في القبر أو عند النشور- . و أَلَّا تَخافُوا أن بمعنى أي- أو تكون خفيفة من الثقيلة- و أصله أنه لا تخافوا و الهاء ضمير الشأن- .

و قد فسر أمير المؤمنين الاستقامة المشترطة في الآية- فقال قد أقررتم بأن الله ربكم استقيموا على كتابه- و على منهاج أمره و على الطريقة الصالحة من عبادته- . لا تمرقوا منها مرق السهم إذا خرج من الرمية مروقا- . و لا تبتدعوا لا تحدثوا ما لم يأت به الكتاب و السنة- . و لا تخالفوا عنها تقول خالفت عن الطريق أي عدلت عنها- . قال فإن أهل المروق منقطع بهم بفتح الطاء- انقطع بزيد بضم الهمزة فهو منقطع به- إذا لم يجد بلاغا و وصولا إلى المقصد:

ثُمَّ إِيَّاكُمْ وَ تَهْزِيعَ الْأَخْلَاقِ وَ تَصْرِيفَهَا- وَ اجْعَلُوا اللِّسَانَ وَاحِداً وَ لْيَخْزُنِ الرَّجُلُ لِسَانَهُ- فَإِنَّ هَذَا اللِّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ- وَ اللَّهِ مَا أَرَى عَبْداً يَتَّقِي تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْتَزِنَ لِسَانَهُ- وَ إِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ- وَ إِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ- لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ- فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ وَ إِنْ كَانَ شَرّاً وَارَاهُ- وَ إِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ- لَا يَدْرِي مَا ذَا لَهُ وَ مَا ذَا عَلَيْهِ- وَ لَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص- لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ- وَ لَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ- فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ سُبْحَانَهُ- وَ هُوَ نَقِيُّ الرَّاحَةِ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَ أَمْوَالِهِمْ- سَلِيمُ اللِّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ فَلْيَفْعَلْ تهزيع الأخلاق تغييرها- و أصل الهزع الكسر- أسد مهزع يكسر الأعناق و يرض العظام- و لما كان المتصرف بخلقه- الناقل له من حال قد أعدم سمته الأولى- كما يعدم الكاسر صورة المكسور- اشتركا في مسمى شامل لهما- فاستعمل التهزيع في الخلق للتغيير و التبديل مجازا- . قوله و اجعلوا اللسان واحدا- نهى عن النفاق و استعمال الوجهين- . قال و ليخزن الرجل لسانه أي ليحبسه- فإن اللسان يجمح بصاحبه فيلقيه في الهلكة- .

ثم ذكر أنه لا يرى التقوى نافعة إلا مع حبس اللسان- قال فإن لسان المؤمن وراء قلبه- و قلب الأحمق وراء لسانه و شرح ذلك و بينه- . فإن قلت المسموع المعروف- لسان العاقل من وراء قلبه- و قلب الأحمق وراء لسانه- كيف نقله إلى المؤمن و المنافق- . قلت لأنه قل أن يكون المنافق إلا أحمق- و قل أن يكون العاقل إلا مؤمنا- فلأكثرية ذلك استعمل لفظ المؤمن و أراد العاقل- و لفظ المنافق و أراد الأحمق- . ثم روى الخبر المذكور عن النبي ص و هو مشهور- .

ثم أمرهم بالاجتهاد في أن يلقوا الله تعالى- و كل منهم نقي الراحة من دماء المسلمين و أموالهم- سليم اللسان من أعراضهم- وقد قال النبي ص إنما المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده- فسلامتهم من لسانه سلامة أعراضهم- و سلامتهم من يده سلامة دمائهم و أموالهم- و انتصاب تهزيع على التحذير- و حقيقته تقدير فعل- و صورته جنبوا أنفسكم تهزيع الأخلاق- فإياكم قائم مقام أنفسكم- و الواو عوض عن الفعل المقدر- و أكثر ما يجي‏ء بالواو و قد جاء بغير واو في قول الشاعر-

إياك إياك المراء فإنه
إلى الشر دعاء و للشر جالب‏

و كان يقال ينبغي للعاقل أن يتمسك بست خصال- فإنها من المروءة- أن يحفظ دينه و يصون عرضه و يصل رحمه و يحمي جاره- و يرعى حقوق إخوانه و يخزن عن البذاء لسانه- وفي الخبر المرفوع من كفي شر قبقبه و ذبذبه و لقلقه دخل الجنة- .فالقبقب البطن و الذبذب الفرج و اللقلق اللسان- .

و قال بعض الحكماء- من علم أن لسانه جارحة من جوارحه أقل من اعتمالها- و استقبح تحريكها- كما يستقبح تحريك رأسه أو منكبه دائما: وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَحِلُّ الْعَامَ- مَا اسْتَحَلَّ عَاماً أَوَّلَ وَ يُحَرِّمُ الْعَامَ مَا حَرَّمَ عَاماً أَوَّلَ- وَ أَنَّ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ لَا يُحِلُّ لَكُمْ شَيْئاً- مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ- وَ لَكِنَّ الْحَلَالَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَ الْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ- فَقَدْ جَرَّبْتُمُ الْأُمُورَ وَ ضَرَّسْتُمُوهَا- وَ وُعِظْتُمْ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ ضُرِبَتِ الْأَمْثَالُ لَكُمْ- وَ دُعِيتُمْ إِلَى الْأَمْرِ الْوَاضِحِ فَلَا يَصَمُّ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا أَصَمُّ- وَ لَا يَعْمَى عَنْهُ إِلَّا أَعْمَى- وَ مَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِالْبَلَاءِ وَ التَّجَارِبِ- لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْعِظَةِ وَ أَتَاهُ التَّقْصِيرُ مِنْ أَمَامِهِ- حَتَّى يَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ وَ يُنْكِرَ مَا عَرَفَ- فَإِنَّ النَّاسَ رَجُلَانِ مُتَّبِعٌ شِرْعَةً وَ مُبْتَدِعٌ بِدْعَةً- لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّةٍ وَ لَا ضِيَاءُ حُجَّةٍ يقول إن الأحكام الشرعية- لا يجوز بعد ثبوت الأدلة عليها من طريق النص- أن تنقض باجتهاد و قياس- بل كل ما ورد به النص تتبع مورد النص فيه- فما استحللته عاما أول فهو في هذا العام حلال لك- و كذلك القول في التحريم- و هذا هو مذهب أكثر أصحابنا- أن النص مقدم على القياس- و قد ذكرناه في كتبنا في أصول الفقه- . و أول هاهنا لا ينصرف لأنه صفة على وزن أفعل- .

و قال إن ما أحدث الناس لا يحل لكم شيئا مما حرم عليكم- أي ما أحدثوه من القياس و الاجتهاد- و ليس هذا بقادح في القياس- و لكنه مانع من تقديمه على النص و هكذا يقول أصحابنا- . قوله و ضرستموها بالتشديد- أي أحكمتموها تجربة و ممارسة- يقال قد ضرسته الحرب و رجل مضرس- . قوله فلا يصم عن ذلك إلا أصم- أي لا يصم عنه إلا من هو حقيق أن يقال عنه إنه أصم- كما تقول ما يجهل هذا الأمر إلا جاهل- أي بالغ في الجهل- .

ثم قال من لم ينفعه الله بالبلاء- أي بالامتحان و التجربة لم تنفعه المواعظ- و جاءه النقص من بين يديه- حتى يتخيل فيما أنكره أنه قد عرفه- و ينكر ما قد كان عارفا به- و سمى اعتقاد العرفان و تخيله عرفانا على المجاز- . ثم قسم الناس إلى رجلين- إما متبع طريقة و منهاجا أو مبتدع ما لا يعرف- و ليس بيده حجة فالأول المحق و الثاني المبطل- . و الشرعة المنهاج و البرهان الحجة: فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِظْ أَحَداً بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ- فَإِنَّهُ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَ سَبَبُهُ الْأَمِينُ- وَ فِيهِ رَبِيعُ الْقَلْبِ وَ يَنَابِيعُ الْعِلْمِ- وَ مَا لِلْقَلْبِ جَلَاءٌ غَيْرُهُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْمُتَذَكِّرُونَ- وَ بَقِيَ النَّاسُونَ أَوِ الْمُتَنَاسُونَ- فَإِذَا رَأَيْتُمْ خَيْراً فَأَعِينُوا عَلَيْهِ- وَ إِذَا رَأَيْتُمْ شَرّاً فَاذْهَبُوا عَنْهُ- فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ يَقُولُ- يَا ابْنَ آدَمَ اعْمَلِ الْخَيْرَ وَ دَعِ الشَّرَّ- فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ قَاصِدٌ

إنما جعله حبل الله- لأن الحبل ينجو من تعلق به من هوة- و القرآن ينجو من الضلال من يتعلق به- . و جعله متينا أي قويا لأنه لا انقطاع له أبدا- و هذه غاية المتانة و القوة- . و متن الشي‏ء بالضم أي صلب و قوي- و سببه الأمين مثل حبله المتين- و إنما خالف بين اللفظين على قاعدة الخطابة- . و فيه ربيع القلب- لأن القلب يحيا به كما تحيا الأنعام برعي الربيع- . و ينابيع العلم- لأن العلم منه يتفرع كما يخرج الماء من الينبوع- و يتفرع إلى الجداول- و الجلاء بالكسر مصدر جلوت السيف- يقول- لا جلاء لصدأ القلوب من الشبهات و الغفلات إلا القرآن- . ثم قال إن المتذكرين قد ذهبوا و ماتوا- و بقي الناسون الذين لا علوم لهم- أو المتناسون الذين عندهم العلوم- و يتكلفون إظهار الجهل لأغراض دنيوية تعرض لهم- و روي و المتناسون بالواو- .

ثم قال أعينوا على الخير إذا رأيتموه- بتحسينه عند فاعله و بدفع الأمور المانعة عنه- و بتسهيل أسبابه و تسنية سبله- و إذا رأيتم الشر فاذهبوا عنه- و لا تقاربوه و لا تقيموا أنفسكم في مقام الراضي به- الموافق على فعله ثم روى لهم الخبر- . و الجواد القاصد السهل السير- لا سريع يتعب بسرعته و لا بطي‏ء يفوت الغرض ببطئه‏: أَلَا وَ إِنَّ الظُّلْمَ ثَلَاثَةٌ- فَظُلْمٌ لَا يُغْفَرُ وَ ظُلْمٌ لَا يُتْرَكُ- وَ ظُلْمٌ مَغْفُورٌ لَا يُطْلَبُ- فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يُغْفَرُ فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ- قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ- وَ أَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يُغْفَرُ- فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْهَنَاتِ- وَ أَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يُتْرَكُ- فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً- الْقِصَاصُ هُنَاكَ شَدِيدٌ لَيْسَ هُوَ جَرْحاً بِاْلمُدَى- وَ لَا ضَرْباً بِالسِّيَاطِ وَ لَكِنَّهُ مَا يُسْتَصْغَرُ ذَلِكَ مَعَهُ- فَإِيَّاكُمْ وَ التَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللَّهِ- فَإِنَّ جَمَاعَةً فِيمَا تَكْرَهُونَ مِنَ الْحَقِّ- خَيْرٌ مِنْ فُرْقَةٍ فِيمَا تُحِبُّونَ مِنَ الْبَاطِلِ- وَ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَةٍ خَيْراً مِمَّنْ مَضَى- وَ لَا مِمَّنْ بَقِيَ- يَا أَيُّهَا النَّاسُ- طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ- وَ طُوبَى لِمَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ وَ أَكَلَ قُوتَهُ- وَ اشْتَغَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ وَ بَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ- فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شُغُلٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ قسمع الظلم ثلاثة أقسام- أحدها ظلم لا يغفر و هو الشرك بالله- أي أن يموت الإنسان مصرا على الشرك- و يجب عند أصحابنا أن يكون أراد الكبائر- و إن لم يذكرها لأن حكمها حكم الشرك عندهم- .

و ثانيها الهنات المغفورة و هي صغائر الذنوب- هكذا يفسر أصحابنا كلامه ع- . و ثالثها ما يتعلق بحقوق البشر بعضهم على بعض- فإن ذلك لا يتركه الله هملا- بل لا بد من عقاب فاعله- و إنما أفرد هذا القسم مع دخوله في القسم الأول- لتميزه بكونه متعلقا بحقوق بني آدم بعضهم على بعض- و ليس الأول كذلك- . فإن قلت لفظه ع مطابق للآية- و هي قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ- وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ- و الآية و لفظه ع صريحان في مذهب المرجئة- لأنكم إذا فسرتم قوله لمن يشاء- بأن المراد به أرباب التوبة قيل لكم- فالمشركون هكذا حالهم يقبل الله توبتهم- و يسقط عقاب شركهم بها- فلأي معنى خصص المشيئة بالقسم الثاني و هو ما دون الشرك- و هل هذا إلا تصريح بأن الشرك لا يغفر لمن مات عليه- و ما دونه من المعاصي إذا مات الإنسان عليه- لا يقطع له بالعقاب و لا لغيره بل أمره إلى الله- .

قلت الأصوب في هذا الموضع- ألا يجعل قوله لمن يشاء معنيا به التائبون- بل نقول- المراد أن الله لا يستر في موقف القيامة من مات مشركا- بل يفضحه على رءوس الأشهاد كما قال تعالى- وَ يَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى‏ رَبِّهِمْ- . و أما من مات على كبيرة من أهل الإسلام- فإن الله تعالى يستره في الموقف و لا يفضحه بين الخلائق- و إن كان من أهل النار- و يكون معنى المغفرة في هذه الآية الستر- و تغطية حال العاصي في موقف الحشر- و قد يكون من أهل الكبائر- ممن يقر بالإسلام‏لعظيم كبائره جدا- فيفضحه الله تعالى في الموقف كما يفضح المشرك- فهذا معنى قوله وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ- . فأما الكلام المطول في تأويلات هذه الآية- فمذكور في كتبنا الكلامية- .

و اعلم أنه لا تعلق للمرجئة و لا جدوى عليهم من عموم لفظ الآية- لأنهم قد وافقونا على أن الفلسفي غير مغفور له و ليس بمشرك- فإذا أراد بقوله تعالى- إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ- و من جرى مجرى المشركين قيل لهم و نحن نقول- إن الزاني و القاتل يجريان مجرى المشركين- كما أجريتم الفلاسفة مجرى المشركين- فلا تنكروا علينا ما لم تنكروه على أنفسكم- . ثم ذكر ع أن القصاص في الآخرة شديد- ليس كما يعهده الناس من عقاب الدنيا الذي هو ضرب السوط- و غايته أن يذوق الإنسان طعم الحديد- و هو معنى قوله جرحا بالمدى جمع مدية و هي السكين- بل هو شي‏ء آخر عظيم لا يعبر النطق عن كنهه و شدة نكاله و ألمه

فصل في الآثار الواردة في شديد عذاب جهنم

قال الأوزاعي في مواعظه للمنصور

روي لي عن رسول الله ص لو أن ثوبا من ثياب أهل النار- علق بين السماء و الأرض لأحرق أهل الأرض قاطبة- فكيف بمن يتقمصه- و لو أن ذنوبا من حميم جهنم صب على ماء الأرض كله- لأجنه حتى لا يستطيع مخلوق شربه- فكيف بمن يتجرعه- و لو أن حلقة من سلاسل النار وضعت على جبل- لذاب كما يذوب الرصاص- فكيف بمن يسلك فيها و يرد فضلها على عاتقه وروى أبو هريرة عن النبي ص لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون- و أخرج إليهم رجل من النار فتنفس و أصابهم نفسه- لأحرق المسجد و من فيه وروي أن رسول الله ص قال لجبريل- ما لي لا أرى ميكائيل ضاحكا- قال إن ميكائيل لم يضحك منذ خلقت النار و رآهاوعنه ص لما أسري بي سمعت هدة- فسألت جبريل عنها فقال حجر أرسله الله من شفير جهنم- فهو يهوي منذ سبعين خريفا حتى بلغ الآن فيهوروي عن النبي ص في قوله تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَ هُمْ فِيها كالِحُونَ- قال تتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه- و تسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرتهوروى عبيد بن عمير الليثي عنه ع لتزفرن جهنم زفرة لا يبقى ملك و لا نبي- إلا خر مرتعدة فرائصه- حتى إن إبراهيم الخليل ليجثو على ركبتيه فيقول- يا رب إني لا أسألك إلا نفسيأبو سعيد الخدري مرفوعا لو ضربت جبال الدنيا بمقمع من تلك المقامع الحديد- لصارت غبارا- .

الحسن البصري قال- الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النار- لأنهم أعجزوا الرب- و لكن إذا أصابهم اللهب أرسبتهم في النار- ثم خر الحسن صعقا و قال و دموعه تتحادر- يا ابن آدم نفسك نفسك- فإنما هي نفس واحدة إن نجت نجوت- و إن هلكت لم ينفعك من نجا- . طاوس أيها الناس- إن النار لما خلقت طارت أفئدة الملائكة- فلما خلقتم سكنت- .

مطرف بن الشخير- إنكم لتذكرون الجنة- و إن ذكر النار قد حال بيني و بين أن أسأل الله الجنة- . منصور بن عمار يا من البعوضة تقلقه و البقة تسهره- أ مثلك يقوى على وهج السعير- أو تطيق صفحة خده لفح سمومها- و رقة أحشائه خشونة ضريعها- و رطوبة كبده تجرع غساقها- . قيل لعطاء السلمي- أ يسرك أن يقال لك- قع في جهنم فتحرق فتذهب- فلا تبعث أبدا لا إليها و لا إلى غيرها- فقال و الله الذي لا إله إلا هو لو سمعت أن يقال لي- لظننت أني أموت فرحا قبل أن يقال لي ذلك- . الحسن و الله ما يقدر العباد قدر حرها- روينا لو أن رجلا كان بالمشرق و جهنم بالمغرب- ثم كشف عن غطاء واحد منها لغلت جمجمته- و لو أن دلوا من صديدها صب في الأرض- ما بقي على وجهها شي‏ء فيه روح إلا مات- . كان الأحنف يصلي صلاة الليل و يضع المصباح قريبا منه- فيضع إصبعه عليه و يقول يا حنيف- ما حملك على ما صنعت يوم كذا حتى يصبح

فصل في العزلة و الاجتماع و ما قيل فيهما

ثم نهاهم ع عن التفرق في دين الله- و هو الاختلاف و الفرقة- ثم أمرهم باجتماع الكلمة و قال- إن الجماعة في الحق المكروه إليكم- خير لكم من الفرقة في الباطل المحبوب عندكم- فإن الله لم يعط أحدا خيرا بالفرقة- لا ممن مضى و لا ممن بقي- .و قد تقدم ذكر ما ورد عن النبي ص في الأمر بلزوم الجماعة- و النهي عن الاختلاف و الفرقة- . ثم أمر ع بالعزلة و لزوم البيت و الاشتغال بالعبادة- و مجانبة الناس و متاركتهم- و اشتغال الإنسان بعيب نفسه عن عيوبهم- .

و قد ورد في العزلة أخبار و آثار كثيرة- و اختلف الناس قديما و حديثا فيها- ففضلها قوم على المخالطة و فضل قوم المخالطة عليها- . فممن فضل العزلة سفيان الثوري- و إبراهيم بن أدهم و داود الطائي- و الفضيل بن عياض و سليمان الخواص و يوسف بن أسباط- و بشر الحافي و حذيفة المرعشي- و جمع كثير من الصوفية- و هو مذهب أكثر العارفين- و قول المتألهين من الفلاسفة- . و ممن فضل المخالطة على العزلة ابن المسيب و الشعبي- و ابن أبي ليلى و هشام بن عروة و ابن شبرمة- و القاضي شريح و شريك بن عبد الله و ابن عيينة و ابن المبارك- .

فأما كلام أمير المؤمنين ع- فيقتضي عند إمعان النظر فيه أن العزلة خير لقوم- و أن المخالطة خير لقوم آخرين- على حسب أحوال الناس و اختلافهم- . و قد احتج أرباب المخالطة يقول الله تعالى- فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً- و بقوله وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا و هذا ضعيف لأن المراد بالآية- تفرق الآراء و اختلاف المذاهب في أصول الدين- و المرادبتأليف القلوب- و بالأخوة عدم الإحن و الأحقاد بينهم- بعد استعار نارها في الجاهلية- و هذا أمر خارج عن حديث العزلة- . و احتجوابقول النبي ص المؤمن إلف مألوف و لا خير فيمن لا يألف و لا يؤلف- و هذا أيضا ضعيف- لأن المراد منه ذم سوء الخلق و الأمر بالرفق و البشر- فلا يدخل تحته الإنسان الحسن الخلق- الذي لو خولط لألف و ألف- و إنما يمنعه من المخالطة طلب السلامة من الناس- .

و احتجوا بقوله- من شق عصا المسلمين فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه- و هذا ضعيف أيضا لأنه مختص بالبغاة- و المارقين عن طاعة الإمام- فلا يتناول أهل العزلة الذين هم أهل طاعة للأئمة- إلا أنهم لا يخالطون الناس- . و احتجوا بنهيه ص عن هجر الإنسان أخاه فوق ثلاث- و هذا ضعيف لأن المراد منه النهي عن الغضب و اللجاج- و قطع الكلام و السلام لثوران الغيظ- فهذا أمر خارج عن الباب الذي نحن فيه- . و احتجوابأن رجلا أتى جبلا يعبد فيه- فجاء أهله إلى رسول الله ص فنهاه و قال له- إن صبر المسلم في بعض مواطن الجهاد يوما واحدا- خير له من عبادة أربعين سنة- .

و هذا ضعيف لأنه إنما كان ذلك في ابتداء الإسلام- و الحث على جهاد المشركين- . و احتجوا بماروي عنه ص أنه قال الشيطان ذئب- و الناس كالغنم يأخذ القاصية و الشاذة- إياكم و الشعاب و عليكم بالعامة و الجماعة و المساجد- و هذا ضعيف لأن المراد به من اعتزل الجماعة و خالفها- .

و احتج من رجح العزلة و آثرها على المخالطة- بالآثار الكثيرة الواردة في ذلك- نحو قول عمر خذوا بحظكم من العزلة- . و قول ابن سيرين العزلة عبادة- . و قول الفضيل كفى بالله محبوبا و بالقرآن مؤنسا- و بالموت واعظا اتخذ الله صاحبا و دع الناس جانبا- . و قال ابن الربيع الزاهد لداود الطائي عظني- فقال صم عن الدنيا و اجعل فطرك للآخرة- و فر من الناس فرارك من الأسد- . و قال الحسن كلمات أحفظهن من التوراة قنع ابن آدم فاستغنى و اعتزل الناس فسلم- ترك الشهوات فصار حرا ترك الحسد فظهرت مروءته- صبر قليلا فتمتع طويلا- . و قال وهب بن الورد بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء- تسعة منها الصمت و العاشر في العزلة عن الناس- . و قال يوسف بن مسلم لعلي بن بكار- ما أصبرك على الوحدة و كان قد لزم البيت- فقال كنت و أنا شاب أصبر على أشد من هذا- كنت أجالس الناس و لا أكلمهم- . و قال الثوري هذا وقت السكوت و ملازمة البيوت- . و قال بعضهم- كنت في سفينة و معنا شاب علوي- فمكث معنا سبعا لا نسمع له كلاما- فقلنا له قد جمعنا الله و إياك منذ سبع- و لا نراك تخالطنا و لا تكلمنا- فأنشد

قليل الهم لا ولد يموت
و ليس بخائف أمرا يفوت‏

قضى وطر الصبا و أفاد علما
فغايته التفرد و السكوت‏

و أكبر همه مما عليه
تناجز من ترى خلق و قوت‏

قال النخعي لصاحب له تفقه ثم اعتزل- . و كان مالك بن أنس الفقيه يشهد الجنائز- و يعود المرضى و يعطي الإخوان حقوقهم- ثم ترك واحدا واحدا من ذلك إلى أن ترك الجميع- و قال ليس يتهيأ للإنسان أن يخبر بكل عذر له- . و قيل لعمر بن عبد العزيز- لو تفرغت لنا- فقال ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند الله تعالى- .

و قال الفضيل بن عياض- إني لأجد للرجل عندي يدا- إذا لقيني ألا يسلم علي و إذا مرضت ألا يعودني- . و قال الداراني- بينا ابن خثيم جالس على باب داره- إذ جاء حجر فصك وجهه فسجد و جعل يمسح الدم و يقول- لقد وعظت يا ربيع ثم قام فدخل الدار- فما جلس بعد ذلك على بابه حتى مات- . و كان سعد بن أبي وقاص و سعيد بن زيد- قد لزما بيوتهما بالعقيق- فلم يكونا يأتيان المدينة لا لحاجة لهما و لا لغيرهما- حتى ماتا بالعقيق- .

قال بشر أقلل من معرفة الناس- فإنك لا تدري ما تكون يوم القيامة- فإن تكن فضيحة كان من يعرفك أقل- . و أحضر بعض الأمراء حاتما الأصم فكلمه- ثم قال له أ لك حاجة قال نعم ألا تراني و لا أراك- . و قيل للفضيل إن ابنك يقول- لوددت أني في مكان أرى الناس و لا يرونني- فبكى الفضيل و قال يا ويح علي أ لا أتمها- فقال و لا أراهم- .

و من كلام الفضيل أيضا- من سخافة عقل الرجل كثرة معارفه- . و قد جاء في الأحاديث المرفوعة ذكر العزلة و فضلها-نحو قوله ع لعبد الله بن عامر الجهني- لما سأله عن طريق النجاة- فقال له ليسعك بيتك أمسك عليك دينك- و ابك على خطيئتكو قيل له ص أي الناس أفضل- فقال رجل معتزل في شعب من الشعاب- يعبد ربه و يدع الناس من شرهوقال ع إن الله يحب التقي النقي الخفي

ذكر فوائد العزلة

و في العزلة فوائد منها الفراغ للعبادة- و الذكر و الاستئناس بمناجاة الله عن مناجاة الخلق- فيتفرغ لاستكشاف أسرار الله تعالى- في أمر الدنيا و الآخرة و ملكوت السماوات و الأرض- لأن ذلك لا يمكن إلا بفراغ و لا فراغ مع المخالطة- و لذلك كان رسول الله ص في ابتداء أمره- يتبتل في جبل حراء و يعتزل فيه حتى أتته النبوة- . و قيل لبعض الحكماء- ما الذي أرادوا بالخلوة و العزلة- فقال دوام الفكر و ثبات العلوم في قلوبهم- ليحيوا حياة طيبة و يموتوا موتا طيبا- . و قيل لبعضهم- ما أصبرك على الوحدة فقال لست وحدي- أنا جليس ربي إذا شئت أن يناجيني قرأت كتابه- و إذا شئت أن أناجيه صليت- .

و قال سفيان بن عيينة- لقيت إبراهيم بن أدهم في بلاد الشام- فقلت له يا إبراهيم‏تركت خراسان- فقال ما تهنأت بالعيش إلا هاهنا- أفر بديني من شاهق إلى شاهق- فمن رآني قال موسوس أو حمال- . و قيل للحسن يا أبا سعيد- هاهنا رجل لم نره قط جالسا إلا وحده خلف سارية- فقال الحسن إذا رأيتموه فأخبروني- فنظروا إليه ذات يوم- فقالوا للحسن و أشاروا إليه- فمضى نحوه و قال له- يا عبد الله لقد حببت إليك العزلة- فما يمنعك من مجالسة الناس- قال أمر شغلني عنهم- قال فما يمنعك أن تأتي هذا الرجل الذي يقال له الحسن- فتجلس إليه قال أمر شغلني عن الناس و عن الحسن- قال و ما ذلك الشغل يرحمك الله- قال إني أمسي و أصبح بين نعمة و ذنب- فأشغل نفسي بشكر الله على نعمه- و الاستغفار من الذنب- فقال الحسن أنت أفقه عندي يا عبد الله من الحسن- فالزم ما أنت عليه- .

و جاء هرم بن حيان إلى أويس فقال له ما حاجتك- قال جئت لآنس بك- قال ما كنت أعرف أحدا يعرف ربه فيأنس بغيره- . و قال الفضيل إذا رأيت الليل مقبلا فرحت به- و قلت أخلو بربي و إذا رأيت الصبح أدركني- استرجعت كراهية لقاء الناس- و أن يجي‏ء إلي من يشغلني عن ربي- . و قال مالك بن دينار- من لم يأنس بمحادثة الله عن محادثة المخلوقين- فقد قل علمه و عمي قلبه و ضاع عمره- . و قال بعض الصالحين- بينا أنا أسير في بعض بلاد الشام- إذا أنا بعابد خارج من بعض تلك الجبال- فلما نظر إلي تنحى إلى أصل شجرة و تستر بها- فقلت سبحان الله أ تبخل علي بالنظر إليك- فقال يا هذا إني أقمت في هذا الجبل دهرا طويلا- أعالج قلبي في الصبر عن الدنيا و أهلها- فطال في ذلك تعبي و فني عمري- ثم سألت الله تعالى-ألا يجعل حظي من أيامي في مجاهدة قلبي فقط- فسكنه الله عن الاضطراب و آلفه الوحدة و الانفراد- فلما نظرت إليك و تريدني- خفت أن أقع في الأمر الأول فأعود إلى ألف المخلوقين- فإليك عني فإني أعوذ من شرك برب العارفين- و حبيب التائبين ثم صاح وا غماه من طول المكث في الدنيا ثم حول وجهه عني- ثم نفض يده و قال إليك عني يا دنيا- لغيري فتزيني و أهلك فغري ثم قال سبحان من أذاق العارفين من لذة الخدمة- و حلاوة الانقطاع إليه ما ألهى قلوبهم عن ذكر الجنان- و الحور الحسان فإني في الخلوة آنس بذكر الله- و أستلذ بالانقطاع إلى الله ثم أنشد-

و إني لأستغشي و ما بي نعسة
لعل خيالا منك يلقى خياليا

و أخرج من بين البيوت لعلني‏
أحدث عنك النفس في السر خاليا

و قال بعض العلماء- إنما يستوحش الإنسان من نفسه- لخلو ذاته عن الفضيلة- فيتكثر حينئذ بملاقاة الناس- و يطرد الوحشة عن نفسه بهم- فإذا كانت ذاته فاضلة طلب الوحدة- ليستعين بها على الفكرة و يستخرج العلم و الحكمة- و كان يقال الاستئناس بالناس من علامات الإفلاس- . و منها التخلص بالعزلة عن المعاصي- التي يتعرض الإنسان لها غالبا بالمخالطة- و هي الغيبة و الرياء و ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر- و سرقة الطبع بعض الأخلاق الرديئة- و الأعمال الخبيثة من الغير- .

أما الغيبة فإن التحرز منها مع مخالطة الناس- صعب شديد لا ينجو من ذلك إلا الصديقون- فإن عادة أكثر الناس التمضمض بأعراض من يعرفونه- و التنقل بلذةذلك- فهي أنسهم الذي يستريحون إليه في الجلوة و المفاوضة- فإن خالطتهم و وافقت أثمت- و إن سكت كنت شريكا فالمستمع أحد المغتابين- و إن أنكرت تركوا ذلك المغتاب و اغتابوك- فازدادوا إثما على إثمهم- . فأما الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر- فإن من خالط الناس لا يخلو عن مشاهدة المنكرات- فإن سكت عصى الله- و إن أنكر تعرض بأنواع من الضرر- و في العزلة خلاص عن ذلك- و في الأمر بالمعروف إثارة للخصام- و تحريك لكوامن ما في الصدور- و قال الشاعر-

و كم سقت في آثاركم من نصيحة
و قد يستفيد الظنة المتنصح‏

و من تجرد للأمر بالمعروف ندم عليه في الأكثر- كجدار مائل يريد الإنسان أن يقيمه وحده- فيوشك أن يقع عليه- فإذا سقط قال يا ليتني تركته مائلا- نعم لو وجد الأعوان حتى يحكم ذلك الحائط و يدعمه استقام- و لكنك لا تجد القوم أعوانا- على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر- فدع الناس و انج بنفسك- . و أما الرياء فلا شبهة أن من خالط الناس داراهم- و من داراهم راءاهم و من راءاهم كان منافقا- و أنت تعلم أنك إذا خالطت متعاديين- و لم تلق كل واحد منهما بوجه يوافقه- صرت بغيضا إليهما جميعا- و إن جاملتهما كنت من شرار الناس و صرت ذا وجهين- و أقل ما يجب في مخالطة الناس- إظهار الشوق و المبالغة فيه- و ليس يخلو ذلك عن كذب- إما في الأصل- و إما في الزيادة بإظهار الشفقة بالسؤال عن الأحوال- فقولك كيف أنت و كيف أهلك- و أنت في الباطن فارغ القلب عن همومه نفاق محض- . قال السري السقطي- لو دخل علي أخ فسويت لحيتي بيدي لدخوله- خشيت أن أكتب في جريدة المنافقين- .

كان الفضيل جالسا وحده في المسجد- فجاء إليه أخ له فقال ما جاء بك قال المؤانسة- قال هي و الله بالمواحشة أشبه- هل تريد إلا أن تتزين لي و أتزين لك- و تكذب لي و أكذب لك- إما أن تقوم عني و إما أن أقوم عنك- . و قال بعض العلماء- ما أحب الله عبدا إلا أحب ألا يشعر به خلقه- .

و دخل طاوس على هشام بن عبد الملك- فقال كيف أنت يا هشام فغضب و قال- لم لم تخاطبني بإمرة المؤمنين- قال لأن جميع الناس ما اتفقوا على خلافتك- فخشيت أن أكون كاذبا- . فمن أمكنه أن يحترز هذا الاحتراز فليخالط الناس- و إلا فليرض بإثبات اسمه في جريدة المنافقين إن خالطهم- و لا نجاة من ذلك إلا بالعزلة- . و أما سرقة الطبع من الغير فالتجربة تشهد بذلك- لأن من خالط الأشرار اكتسب من شرهم- و كلما طالت صحبة الإنسان لأصحاب الكبائر- هانت الكبائر عنده- و في المثل فإن القرين بالمقارن يقتدي- . و منها الخلاص من الفتن- و الحروب بين الملوك و الأمراء على الدنيا- .

روى أبو سعيد الخدري عن النبي ص أنه قال يوشك أن يكون خير مال المسلم غنيمات- يتبع بها شعاف الجبال و مواضع القطر- يفر بدينه من الفتنوروى عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ص ذكر الفتن فقال- إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم و خفت أمانتهم- و كانوا هكذا و شبك‏ بأصابعه فقلت ما تأمرني- فقال الزم بيتك و املك عليك لسانك- و خذ ما تعرف و دع ما تنكر- و عليك بأمر الخاصة و دع عنك أمر العامة

وروى ابن مسعود عنه ص أنه قال سيأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه- إلا من فر من قرية إلى قرية- و من شاهق إلى شاهق كالثعلب الرواغ- قيل و متى ذلك يا رسول الله- قال إذا لم تنل المعيشة إلا بمعاصي الله سبحانه- فإذا كان ذلك الزمان- كان هلاك الرجل على يد أبويه- فإن لم يكن له أبوان فعلى يد زوجته و ولده- و إن لم يكن فعلى يد قرابته- قالوا كيف ذلك يا رسول الله- قال يعيرونه بالفقر و ضيق اليد- فيكلفونه ما لا يطيقه- حتى يورده ذلك موارد الهلكة

وروى ابن مسعود أيضا أنه ص ذكر الفتنة فقال الهرج- فقلت و ما الهرج يا رسول الله- قال حين لا يأمن المرء جليسه- قلت فبم تأمرني يا رسول الله إن أدركت ذلك الزمان- قال كف نفسك و يدك و ادخل دارك- قلت أ رأيت إن دخل علي داري قال ادخل بيتك- قلت إن دخل علي البيت قال ادخل مسجدك و اصنع هكذا- و قبض على الكوع و قل ربي الله حتى تموت- .

و منها الخلاص من شر الناس- فإنهم يؤذونك تارة بالغيبة- و تارة بسوء الظن و التهمة- و تارة بالاقتراحات و الأطماع الكاذبة- التي يعسر الوفاء بها- و تارة بالنميمة و الكذب مما يرونه منك من الأعمال- و الأقوال مما لا تبلغ عقولهم كنهه- فيدخرون ذلك في نفوسهم عدة- لوقت ينتهزون فيه فرصة الشر- و من يعتزلهم يستغن عن التحفظ لذلك- . و قال بعض الحكماء لصاحبه- أعلمك شعرا هو خير لك من عشرة آلاف درهم و هو-

اخفض الصوت إن نطقت بليل
و التفت بالنار قبل المقال‏

ليس للقول رجعة حين يبدو
بقبيح يكون أو بجمال‏

و من خالط الناس لا ينفك من حاسد و طاعن- و من جرب ذلك عرف- . ومن الكلام المأثور عن علي ع اخبر تقلهقال الشاعر-

من حمد الناس و لم يبلهم
ثم بلاهم ذم من يحمد

و صار بالوحدة مستأنسا
يوحشه الأقرب و الأبعد

و قيل لسعد بن أبي وقاص أ لا تأتي المدينة- قال ما بقي فيها إلا حاسد نعمة أو فرح بنقمة- . و قال ابن السماك- كتب إلينا صاحب لنا أما بعد- فإن الناس كانوا دواء يتداوى به- فصاروا داء لا دواء لهم ففر منهم فرارك من الأسد- . و كان بعض الأعراب يلازم شجرة و يقول- هذه نديمي و هو نديم فيه ثلاث خصال- إن سمع لم ينم علي و إن تفلت في وجهه احتمل- و إن عربدت عليه لم يغضب فسمع الرشيد هذا الخبر- فقال قد زهدني سماعه في الندماء- .

و كان بعضهم يلازم الدفاتر و المقابر- فقيل له في ذلك- قال لم أر أسلم من الوحدة و لا أوعظ من قبر- و لا أمتع من دفتر- . و قال الحسن مرة- إني أريد الحج فجاء إلي ثابت البناني- و قال بلغني أنك تريد الحج فأحببت أن نصطحب- فقال الحسن دعنا نتعاشر بستر الله- إني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه- . و قال بعض الصالحين- كان الناس ورقا لا شوك فيه- فالناس اليوم شوك لا ورق فيه- . و قال سفيان بن عيينة- قال لي سفيان الثوري- في اليقظة في حياته و في المنام بعد وفاته- أقلل معرفة الناس فإن التخلص منهم شديد- و لا أحسبني رأيت ما أكره إلا ممن عرفت- .

و قال بعضهم جئت إلى مالك بن دينار- و هو قاعد وحده و عنده كلب رابض قريبا منه- فذهبت أطرده فقال دعه فإنه لا يضر و لا يؤذي- و هو خير من الجليس السوء- . و قال أبو الدرداء- اتقوا الله و احذروا الناس- فإنهم ما ركبوا ظهر بعير إلا أدبروه- و لا ظهر جواد إلا عقروه- و لا قلب مؤمن إلا أخربوه- . و قال بعضهم أقلل المعارف- فإنه أسلم لدينك و قلبك و أخف لظهرك- و أدعى إلى سقوط الحقوق عنك- لأنه كلما كثرت المعارف كثرت الحقوق- و عسر القيام بالجميع- . و قال بعضهم إذا أردت النجاة فأنكر من تعرف- و لا تتعرف إلى من لا تعرف- . و منها أن في العزلة بقاء الستر على المروءة- و الخلق و الفقر و سائر العورات- و قد مدح الله تعالى المستترين فقال- يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ- . و قال الشاعر-

و لا عار أن زالت عن الحر نعمة
و لكن عارا أن يزول التجمل‏

 و ليس يخلو الإنسان في دينه و دنياه- و أفعاله عن عورات يتقين و يجب سترها- و لا تبقى السلامة مع انكشافها- و لا سبيل إلى ذلك إلا بترك المخالطة- . و منها أن ينقطع طمع الناس عنك- و ينقطع طمعك عن الناس- أما انقطاع طمع الناس عنك ففيه نفع عظيم- فإن رضا الخلق غاية لا تدرك- لأن أهون حقوق الناس‏ و أيسرها حضور الجنازة- و عيادة المريض و حضور الولائم و الإملاكات- و في ذلك تضييع الأوقات و التعرض للآفات- ثم يعوق عن بعضها العوائق و تستثقل فيها المعاذير- و لا يمكن إظهار كل الأعذار- فيقول لك قائل إنك قمت بحق فلان- و قصرت في حقي و يصير ذلك سبب عداوة- فقد قيل إن من لم يعد مريضا في وقت العيادة- يشتهي موته خيفة من تخجيله إياه إذا برأ من تقصيره- فأما من يعم الناس كلهم بالحرمان فإنهم يرضون كلهم عنه- و متى خصص وقع الاستيحاش و العتاب- و تعميمهم بالقيام بجميع الحقوق- مما لا قدرة عليه للمتجرد ليله و نهاره- فكيف من له مهم يشغله ديني أو دنيوي- . و من كلام بعضهم كثرة الأصدقاء زيادة الغرماء- . و قال الشاعر-

عدوك من صديقك مستفاد
فلا تستكثرن من الصحاب‏

فإن الداء أكثر ما تراه‏
يكون من الطعام أو الشراب‏

و أما انقطاع طمعك عنهم ففيه أيضا فائدة جزيلة- فإن من نظر إلى زهرة الدنيا و زخرفها تحرك حرصه- و انبعث بقوة الحرص طمعه- و أكثر الأطماع يتعقبها الخيبة فيتأذى الإنسان بذلك- و إذا اعتزل لم يشاهد- و إذا لم يشاهد لم يشته و لم يطمع- و لذلك قال الله تعالى لنبيه ص- وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً- مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وقال ع انظروا إلى من دونكم- و لا تنظروا إلى من هو فوقكم- فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم- .

و قال عون بن عبد الله كنت أجالس الأغنياء- فلا أزال مغموما أرى ثوبا أحسن من ثوبي- و دابة أفره من دابتي- فجالست الفقراء فاسترحت – . و خرج المزني صاحب الشافعي- من باب جامع الفسطاط بمصر و كان فقيرا مقلا- فصادف ابن عبد الحكم قد أقبل في موكبه- فبهره ما رأى من حاله و حسن هيأته فتلا قوله تعالى- وَ جَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ- ثم قال نعم أصبر و أرضى- . المعتزل عن الناس في بيته لا يبتلى بمثل هذه الفتن- فإن من شاهد زينة الدنيا- إما أن يقوى دينه و يقينه فيصبر- فيحتاج إلى أن يتجرع مرارة الصبر- و هو أمر من الصبر- أو تنبعث رغبته فيحتال في طلب الدنيا- فيهلك دنيا و آخرة- أما في الدنيا فبالطمع الذي في أكثر الأوقات- يتضمن الذل المعجل- و أما في الآخرة فلإيثاره متاع الدنيا على ذكر الله- و التقرب إليه و لذلك قال الشاعر-

إذا كان باب الذل من جانب الغنى
سموت إلى العلياء من جانب الفقر

 أشار إلى أن الطمع يوجب في الحال ذلا- . و منها الخلاص من مشاهدة الثقلاء- و الحمقى و معاناة أخلاقهم- فإن رؤية الثقيل هي العمى الأصغر- قيل للأعمش بم عمشت عيناك قال بالنظر إلى الثقلاء- . و دخل على أبي حنيفة رحمه الله فقال له- روينا في الخبر أن من سلب كريمتيه عوضه الله ما هو خير منهما- فما الذي عوضك- قال كفاني رؤية ثقيل مثلك يمازحه- . و قال الشافعي رحمه الله- ما جالست ثقيلا إلا وجدت الجانب الذي يليه من بدني- كأنه أثقل علي من الجانب الآخر- . و هذه المقاصد و إن كان بعضها دنيويا- إلا أنها تضرب في الدين بنصيب- و ذلك لأن‏من تأذى برؤية ثقيل لم يلبث أن يغتابه و يثلبه- و ذلك فساد في الدين و في العزلة السلامة عن جميع ذلك- .

و اعلم أن كلام أمير المؤمنين ع تختلف مناهجه- فقد رجح العزلة في هذا الفصل على المخالطة- و نهى عن العزلة في موضع آخر- سيأتي ذكره في الفصل الذي أوله- أنه دخل على العلاء بن زياد الحارثي عائدا- و يجب أن يحمل ذلك- على أن من الناس من العزلة خير له من المخالطة- و منهم من هو بالضد من ذلك- و قد قال الشافعي قريبا من ذلك- قال ليونس بن عبد الأعلى صاحبه- يا يونس الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة- و الانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء- فكن بين المنقبض و المنبسط- .

فإذا أردت العزلة- فينبغي للمعتزل أن ينوي بعزلته- كف شره عن الناس أولا- ثم طلب السلامة من شر الأشرار ثانيا- ثم الخلاص من آفة القصور عن القيام بحقوق المسلمين ثالثا- ثم التجرد بكنه الهمة بعبادة الله تعالى رابعا- فهذه آداب نيته- ثم ليكن في خلوته مواظبا على العلم و العمل- و الذكر و الفكر ليجتني ثمرة العزلة- و يجب أن يمنع الناس عن أن يكثروا غشيانه و زيارته- فيتشوش وقته- و أن يكف نفسه عن السؤال عن أخبارهم و أحوالهم- و عن الإصغاء إلى أراجيف الناس و ما الناس مشغولون به- فإن كل ذلك ينغرس في القلب حتى ينبعث على الخاطر و البال- وقت الصلاة و وقت الحاجة إلى إحضار القلب- فإن وقوع الأخبار في السمع كوقوع البذر في الأرض- لا بد أن ينبت و تتفرع عروقه و أغصانه- و إحدى مهمات المعتزل- قطع الوساوس الصارفة عن ذكر الله- و لا ريب أن الأخبار ينابيع الوساوس و أصولها- . و يجب أن يقنع باليسير من المعيشة- و إلا اضطره التوسع إلى الناس و احتاج إلى مخالطتهم- .

و ليكن صبورا على ما يلقاه من أذى الجيران- إذ يسد سمعه عن الإصغاء- إلى ما يقول فيه من أثنى عليه بالعزلة- و قدح فيه بترك المخالطة- فإن ذلك لا بد أن يؤثر في القلب و لو مدة يسيرة- و حال اشتغال القلب به- لا بد أن يكون واقفا عن سيره في طريق الآخرة- فإن السير فيها إما يكون بالمواظبة على ورد- أو ذكر مع حضور قلب- و إما بالفكر في جلال الله و صفاته- و أفعاله و ملكوت سماواته- و إما بالتأمل في دقائق الأعمال و مفسدات القلب- و طلب طرق التخلص منها- و كل ذلك يستدعي الفراغ- و لا ريب أن الإصغاء إلى ما ذكرناه يشوش القلب- .

و يجب أن يكون للمعتزل أهل صالح أو جليس صالح- لتستريح نفسه إليه ساعة عن كد المواظبة- ففي ذلك عون له على بقية الساعات- و ليس يتم للإنسان الصبر على العزلة- إلا بقطع الطمع عن الدنيا- و ما الناس منهمكون فيه- و لا ينقطع طمعه إلا بقصر الأمل- و ألا يقدر لنفسه عمرا طويلا- بل يصبح على أنه لا يمسي و يمسي على أنه لا يصبح- فيسهل عليه صبر يوم- و لا يسهل عليه العزم على صبر عشرين سنة- لو قدر تراخي أجله- و ليكن كثير الذكر للموت و وحدة القبر- مهما ضاق قلبه من الوحدة- و ليتحقق أن من لم يحصل في قلبه من ذكر الله- و معرفته ما يأنس به- فإنه لا يطيق وحشة الوحدة بعد الموت- و أن من أنس بذكر الله و معرفته فإن الموت لا يزيل أنسه- لأن الموت ليس يهدم محل الأنس و المعرفة- بل يبقى حيا بمعرفته و أنسه فرحا بفضل الله عليه- قال سبحانه وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً- بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ- فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ- . و كل من يجرد نفسه في ذات الله- فهو شهيد مهما أدركه الموت- فالمجاهد من‏ جاهد نفسه و هواه كما صرح به ع- وقال لأصحابه رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر- فالجهاد الأصغر محاربة المشركين- و الجهاد الأكبر جهاد النفس- . و هذا الفصل في العزلة- نقلناه على طوله من كلام أبي حامد الغزالي- في إحياء علوم الدين- و هذبنا منه ما اقتضت الحال تهذيبه

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 10

خطبه 176 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

176 من خطبة له ع

أَيُّهَا النَّاسُ غَيْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ- وَ التَّارِكُونَ وَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ- مَا لِي أَرَاكُمْ عَنِ اللَّهِ ذَاهِبِينَ وَ إِلَى غَيْرِهِ رَاغِبِينَ- كَأَنَّكُمْ نَعَمٌ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إِلَى مَرْعًى وَبِيٍّ وَ مَشْرَبٍ دَوِيٍّ- وَ إِنَّمَا هِيَ كَالْمَعْلُوفَةِ لِلْمُدَى لَا تَعْرِفُ مَا ذَا يُرَادُ بِهَا- إِذَا أُحْسِنَ إِلَيْهَا تَحْسَبُ يَوْمَهَا دَهْرَهَا وَ شِبَعَهَا أَمْرَهَا- وَ اللَّهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ- بِمَخْرَجِهِ وَ مَوْلِجِهِ وَ جَمِيعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ- وَ لَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فِيَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ص- أَلَا وَ إِنِّي مُفْضِيهِ إِلَى الْخَاصَّةِ مِمَّنْ يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ- وَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ وَ اصْطَفَاهُ عَلَى الْخَلْقِ- مَا أَنْطِقُ إِلَّا صَادِقاً- وَ لَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَ بِمَهْلِكِ مَنْ يَهْلِكُ- وَ مَنْجَى مَنْ يَنْجُو وَ مَآلِ هَذَا الْأَمْرِ- وَ مَا أَبْقَى شَيْئاً يَمُرُّ عَلَى رَأْسِي إِلَّا أَفْرَغَهُ فِي أُذُنِي- وَ أَفْضَى بِهِ إِلَيَّ- أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي وَ اللَّهِ مَا أَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ- إِلَّا وَ أَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا- وَ لَا أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلَّا وَ أَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا خاطب المكلفين كافة و قال- إنهم غافلون عما يراد بهم و منهم- و ليسوا بمغفول عنهم بل أعمالهم محفوظة مكتوبة- .

ثم قال و التاركون أي يتركون الواجبات- . ثم قابل ذلك بقوله و المأخوذ منهم- لأن الأخذ في مقابلة الترك- و معنى الأخذ منهم انتقاص أعمارهم و انتقاض قواهم- و استلاب أحبابهم و أموالهم- . ثم شبههم بالنعم التي تتبع نعما أخرى- . سائمة أي راعية- و إنما قال ذلك لأنها إذا اتبعت أمثالها- كان أبلغ في ضرب المثل بجهلها- من الإبل التي يسيمها راعيها و المرعى الوبي- ذو الوباء و المرض و المشرب الدوي ذو الداء- و أصل الوبي اللين الوبي‏ء المهموز و لكنه لينه- يقال أرض وبيئة على فعيلة و وبئة على فعلة- و يجوز أوبأت فهي موبئة- .و الأصل في الدوي دو بالتخفيف- و لكنه شدده للازدواج- .

ثم ذكر أن هذه النعم الجاهلة- التي أوقعت أنفسها في هذا المرتع- و المشرب المذمومين كالغنم و غيرها من النعم المعلوفة- . للمدى جمع مدية و هي السكين لا تعرف ما ذا يراد بها- و تظن أن ذلك العلف إحسان إليها على الحقيقة- . و معنى قوله تحسب يومها دهرها- أي تظن أن ذلك العلف و الإطعام- كما هو حاصل لها ذلك اليوم يكون حاصلا لها أبدا- . و شبعها أمرها مثل ذلك- أي تظن أنه ليس أمرها و شأنها- إلا أن يطعمها أربابها لتشبع و تحسن و تسمن- ليس يريدون بها غير ذلك- . ثم خرج ع من هذا الفن إلى فن آخر- فأقسم أنه لو شاء أن يخبر كل واحد منهم من أين خرج- و كيفية خروجه من منزله و أين يلج و كيفية ولوجه- و جميع شأنه من مطعمه و مشربه- و ما عزم عليه من أفعاله و ما أكله- و ما ادخره في بيته- و غير ذلك من شئونه و أحواله لفعل- .

و هذا كقول المسيح ع- وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ- . قال إلا أني أخاف أن تكفروا في برسول الله ص- أي أخاف عليكم الغلو في أمري- و أن تفضلوني على رسول الله ص- بل أخاف عليكم أن تدعوا في الإلهية- كما ادعت النصارى ذلك في المسيح- لما أخبرهم بالأمور الغائبة- . ثم قال ألا و إني مفضيه إلى الخاصة- أي مفض به و مودع إياه خواص أصحابي- و ثقاتي الذين آمن منهم الغلو- و أعلم أنهم لا يكفرون في بالرسول ص لعلمهم- أن ذلك من إعلام نبوته إذ يكون تابع من أتباعه- و صاحب من أصحابه بلغ إلى هذه المنزلة الجليلة- .

ثم أقسم قسما ثانيا أنه ما ينطق إلا صادقا- و أن رسول الله ص عهد بذلك كله إليه- و أخبره بمهلك من يهلك من الصحابة و غيرهم من الناس- و بنجاة من ينجو و بمآل هذا الأمر- يعني ما يفضي إليه أمر الإسلام و أمر الدولة و الخلافة- و أنه ما ترك شيئا يمر على رأسه ع- إلا و أخبره به و أسره إليه

فصل في ذكر بعض أقوال الغلاة في علي

و اعلم أنه غير مستحيل أن تكون بعض الأنفس- مختصة بخاصية تدرك بها المغيبات- و قد تقدم من الكلام في ذلك ما فيه كفاية- و لكن لا يمكن أن تكون نفس تدرك كل المغيبات- لأن القوة المتناهية لا تحيط بأمور غير متناهية- و كل قوة في نفس حادثة فهي متناهية- فوجب أن يحمل كلام أمير المؤمنين ع- لا على أن يريد به عموم العالمية-بل بعلم أمورا محدودة من المغيبات- مما اقتضت حكمة البارئ سبحانه أن يؤهله لعلمه- و كذلك القول في رسول الله ص- إنه إنما كان يعلم أمورا معدودة لا أمورا غير متناهية- و مع أنه ع قد كتم ما علمه حذرا من أن يكفروا فيه برسول الله ص- فقد كفر كثير منهم و ادعوا فيه النبوة- و ادعوا فيه أنه شريك الرسول في الرسالة- و ادعوا فيه أنه هو كان الرسول- و لكن الملك غلط فيه- و ادعوا أنه هو الذي بعث محمدا ص إلى الناس- و ادعوا فيه الحلول و ادعوا فيه الاتحاد- و لم يتركوا نوعا من أنواع الضلالة فيه- إلا و قالوه و اعتقدوه- و قال شاعرهم فيه من أبيات-

و من أهلك عادا و
ثمودا بدواهيه‏

و من كلم موسى فوق‏
طور إذ يناديه‏

و من قال على المنبر
يوما و هو راقيه‏

سلوني أيها الناس‏
فحاروا في معانيه‏

و قال بعض شعرائهم-

إنما خالق الخلائق من زعزع
أركان حصن خيبر جذبا

قد رضينا به إماما و مولى‏
و سجدنا له إلها و ربا

جملة من إخبار علي بالأمور الغيبية

و قد ذكرنا فيما تقدم من إخباره ع- عن الغيوب طرفا صالحا- و من عجيب ما وقفت عليه من ذلك- قوله في الخطبة التي يذكر فيها الملاحم- و هو يشير إلى القرامطة-ينتحلون لنا الحب و الهوى و يضمرون لنا البغض و القلى- و آية ذلك قتلهم وراثنا و هجرهم أحداثنا- . و صح ما أخبر به- لأن القرامطة قتلت من آل أبي طالب ع خلقا كثيرا- و أسماؤهم مذكورة في كتاب مقاتل الطالبيين- لأبي الفرج الأصفهاني- .

و مر أبو طاهر سليمان بن الحسن الجنابي في جيشه بالغري و بالحائر- فلم يعرج على واحد منهما و لا دخل و لا وقف- . و في هذه الخطبة قال و هو يشير إلى السارية- التي كان يستند إليها في مسجد الكوفة- كأني بالحجر الأسود منصوبا هاهنا ويحهم- إن فضيلته ليست في نفسه بل في موضعه و أسسه- يمكث هاهنا برهة ثم هاهنا برهة- و أشار إلى البحرين ثم يعود إلى مأواه و أم مثواه- . و وقع الأمر في الحجر الأسود بموجب ما أخبر به ع- .

و قد وقفت له على خطب مختلفة فيها ذكر الملاحم- فوجدتها تشتمل على ما يجوز أن ينسب إليه- و ما لا يجوز أن ينسب إليه- و وجدت في كثير منها اختلالا ظاهرا- و هذه المواضع التي أنقلها ليست من تلك الخطب المضطربة- بل من كلام له وجدته متفرقا في كتب مختلفة- و من ذلكأن تميم بن أسامة بن زهير بن دريد التميمي اعترضه- و هو يخطب على المنبر و يقول- سلوني قبل أن تفقدوني- فو الله لا تسألوني عن فئة تضل مائة- أو تهدي مائة إلا نبأتكم بناعقها و سائقها- و لو شئت لأخبرت كل واحد منكم- بمخرجه و مدخله و جمع شأنه- فقال فكم في رأسي طاقة شعر- فقال له أما و الله إني لأعلم ذلك- و لكن أين برهانه لو أخبرتك به- و لقد أخبرتك بقيامك و مقالك- و قيل لي إن على كل‏شعرة من شعر رأسك- ملكا يلعنك و شيطانا يستفزك- و آية ذلك أن في بيتك سخلا يقتل ابن رسول الله ص و يحض على قتله- .

فكان الأمر بموجب ما أخبر به ع- كان ابنه حصين بالصاد المهملة يومئذ طفلا صغيرا يرضع اللبن- ثم عاش إلى أن صار على شرطة عبيد الله بن زياد- و أخرجه عبيد الله إلى عمر بن سعد- يأمره بمناجزة الحسين ع و يتوعده على لسانه إن أرجأ ذلك- فقتل ع صبيحة اليوم- الذي ورد فيه الحصين بالرسالة في ليلته- . و من ذلكقوله ع للبراء بن عازب يوما- يا براء أ يقتل الحسين و أنت حي فلا تنصره- فقال البراء لا كان ذلك يا أمير المؤمنين- . فلما قتل الحسين ع كان البراء يذكر ذلك- و يقول أعظم بها حسرة إذ لم أشهده و أقتل دونه- . و سنذكر من هذا النمط- فيما بعد إذا مررنا بما يقتضي ذكره- ما يحضرنا إن شاء الله

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 9

خطبه 175 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

الجزء العاشر

تتمة باب الخطب و الأوامر

بسم الله الرحمن الرحيم- الحمد لله الواحد العدل

175 و من كلام له ع في معنى طلحة بن عبيد الله

قَدْ كُنْتُ وَ مَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ- وَ لَا أُرَهَّبُ بِالضَّرْبِ- وَ أَنَا عَلَى مَا وَعَدَنِي رَبِّي مِنَ النَّصْرِ- وَ اللَّهِ مَا اسْتَعْجَلَ مُتَجَرِّداً لِلطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ- إِلَّا خَوْفاً مِنْ أَنْ يُطَالَبَ بِدَمِهِ لِأَنَّهُ مَظِنَّتُهُ- وَ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْمِ أَحْرَصُ عَلَيْهِ مِنْهُ- فَأَرَادَ أَنْ يُغَالِطَ بِمَا أَجْلَبَ فِيهِ- لِيَلْتَبِسَ الْأَمْرُ وَ يَقَعَ الشَّكُّ- . وَ وَ اللَّهِ مَا صَنَعَ فِي أَمْرِ عُثْمَانَ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ- لَئِنْ كَانَ ابْنُ عَفَّانَ ظَالِماً كَمَا كَانَ يَزْعُمُ- لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤازِرَ قَاتِلِيهِ- وَ أَنْ يُنَابِذَ نَاصِرِيهِ- . وَ لَئِنْ كَانَ مَظْلُوماً- لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُنَهْنِهِينَ عَنْهُ- وَ الْمُعَذِّرِينَ فِيهِ- وَ لَئِنْ كَانَ فِي شَكٍّ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ- لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَزِلَهُ- وَ يَرْكُدَ جَانِباً وَ يَدَعَ النَّاسَ مَعَهُ- فَمَا فَعَلَ وَاحِدَةً مِنَ الثَّلَاثِ- وَ جَاءَ بِأَمْرٍ لَمْ يُعْرَفْ بَابُهُ وَ لَمْ تَسْلَمْ مَعَاذِيرُهُ‏ كان هاهنا تامة و الواو واو الحال- أي خلقت و وجدت و أنا بهذه الصفة- كما تقول خلقني الله و أنا شجاع- .

و يجوز أن تكون الواو زائدة- و تكون كان ناقصة و خبرها ما أهدد- كما في المثل لقد كنت و ما أخشى بالذئب- . فإن قلت إذا كانت ناقصة- لزم أن تكون الآن بخلاف ما مضى- فيكون الآن يهدد و يرهب- . قلت لا يلزم ذلك- لأن كان الناقصة للماضي من حيث هو ماض- و ليس يشترط في ذلك أن يكون منقطعا بل قد يكون دائما- كقوله تعالى وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً- .

ثم ذكر ع أنه على ما وعده ربه من النصر- و أنه واثق بالظفر و الغلبة الآن- كما كانت عادته فيما سبق- . ثم شرح حال طلحة و قال- إنه تجرد للطلب بدم عثمان مغالطة للناس- و إيهاما لهم أنه بري‏ء من دمه- فيلتبس الأمر و يقع الشك- . و قد كان طلحة أجهد نفسه في أمر عثمان- و الإجلاب عليه و الحصر له و الإغراء به- و منته نفسه الخلافة بل تلبس بها- و تسلم بيوت الأموال و أخذ مفاتيحها- و قاتل الناس و أحدقوا به- و لم يبق إلا أن يصفق بالخلافة على يده‏

ذكر ما كان من أمر طلحة مع عثمان

ذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتاب التاريخ قال حدثني عمر بن شبة عن علي بن محمد عن عبد ربه عن نافع عن إسماعيل بن أبي خالد عن حكيم بن جابر قال قال علي ع لطلحة و عثمان محصور- أنشدك الله إلا رددت الناس عن عثمان- قال لا و الله حتى تعطي بنو أمية الحق من أنفسها- .

و روى الطبري أن عثمان كان له على طلحة خمسون ألفا- فخرج عثمان يوما إلى المسجد- فقال له طلحة قد تهيأ مالك فاقبضه- فقال هو لك يا أبا محمد معونة لك على مروءتك- . قال فكان عثمان يقول و هو محصور جزاء سنمار- . و روى الطبري أيضا- أن طلحة باع أرضا له من عثمان بسبعمائة ألف فحملها إليه- فقال طلحة إن رجلا يبيت و هذه عنده و في بيته- لا يدري ما يطرقه من أمر الله لغرير بالله- فبات و رسله تختلف بها في سكك المدينة يقسمها- حتى أصبح و ما عنده منها درهم واحد- . قال الطبري روى ذلك الحسن البصري- و كان إذا روى ذلك يقول- ثم جاء إلينا يطلب الدينار و الدرهم- أو قال و الصفراء و البيضاء- .

و روى الطبري أيضا قال قال ابن عباس رحمه الله لما حججت بالناس نيابة عن عثمان و هو محصور- مررت بعائشة بالصلصل- فقالت يا ابن عباس أنشدك الله فإنك قد أعطيت لسانا و عقلا- أن تخذل الناس عن طلحة- فقد بانت لهم بصائرهم في عثمان و أنهجت- و رفعت لهم المنار و تحلبوا من البلدان لأمر قد حم- و إن طلحة فيما بلغني قد اتخذ رجالا على بيوت الأموال- و أخذ مفاتيح الخزائن- و أظنه يسير إن شاء الله بسيرة ابن عمه أبي بكر- فقال يا أمه لو حدث بالرجل حدث- ما فزع الناس إلا إلى صاحبنا- فقالت إيها عنك يا ابن عباس- إني لست أريد مكابرتك و لا مجادلتك- .

و روى المدائني في كتاب مقتل عثمان- أن طلحة منع من دفنه ثلاثة أيام- و أن عليا ع لم يبايع الناس- إلا بعد قتل عثمان- بخمسة أيام- و أن حكيم بن حزام أحد بني أسد بن عبد العزى- و جبير بن مطعم بن الحارث بن نوفل- استنجدا بعلي ع على دفنه- فأقعد طلحة لهم في الطريق ناسا بالحجارة- فخرج به نفر يسير من أهله- و هم يريدون به حائطا بالمدينة يعرف بحش كوكب- كانت اليهود تدفن فيه موتاهم- فلما صار هناك رجم سريره و هموا بطرحه- فأرسل علي ع إلى الناس يعزم عليهم ليكفوا عنه فكفوا- فانطلقوا به حتى دفنوه في حش كوكب- .

و روى الطبري نحو ذلك إلا أنه لم يذكر طلحة بعينه- و زاد فيه أن معاوية لما ظهر على الناس- أمر بذلك الحائط فهدم حتى أفضى به إلى البقيع- و أمر الناس أن يدفنوا موتاهم حول قبره- حتى اتصل ذلك بمقابر المسلمين- . و روى المدائني في هذا الكتاب قال- دفن عثمان بين المغرب و العتمة- و لم يشهد جنازته إلا مروان بن الحكم- و ابنة عثمان و ثلاثة من مواليه- فرفعت ابنته صوتها تندبه- و قد جعل طلحة ناسا هناك أكمنهم كمينا- فأخذتهم الحجارة و صاحوا نعثل نعثل- فقالوا الحائط الحائط فدفن في حائط هناك- . و روى الواقدي قال لما قتل عثمان تكلموا في دفنه- فقال طلحة يدفن بدير سلع يعني مقابر اليهود- .

و ذكر الطبري في تاريخه هذا- إلا أنه روى عن طلحة فقال قال رجل- يدفن بدير سلع- فقال حكيم بن حزام و الله لا يكون هذا أبدا- و أحد من ولد قصي حي حتى كاد الشر يلتحم- فقال ابن عديس البلوي أيها الشيخ- و ما يضرك أين دفن قال لا يدفن إلا ببقيع الغرقد- حيث دفن سلفه و رهطه- فخرج به حكيم بن حزام في اثني عشر رجلا- منهم الزبير بن العوام فمنعهم الناس عن البقيع- فدفنوه بحش كوكب- .

و روى الطبري في التاريخ أن عثمان لما حصر- كان علي ع بخيبر في أمواله- فلما قدم أرسل إليه يدعوه- فلما دخل عليه قال له إن لي عليك حقوقا- حق الإسلام و حق النسب- و حق ما لي عليك من العهد و الميثاق- و و الله أن لو لم يكن من هذا كله شي‏ء و كنا في جاهلية- لكان عارا على بني عبد مناف أن يبتزهم أخو تيم ملكهم- يعني طلحة- فقال له ع سيأتيك الخبر- ثم قام فدخل المسجد فرأى أسامة بن زيد جالسا- فدعاه فاعتمد على يده و خرج يمشي إلى طلحة- فدخل داره و هي دحاس من الناس- فقام ع فقال يا طلحة ما هذا الأمر الذي وقعت فيه- فقال يا أبا أحسن أ بعد ما مس الحزام الطبيين- فانصرف علي ع و لم يحر إليه شيئا حتى أتى بيت المال- فنادى افتحوا هذا الباب فلم يقدروا على فتحه- فقال اكسروه فكسر فقال أخرجوا هذا المال- فجعلوا يخرجونه و هو يعطي الناس- و بلغ الذين في دار طلحة ما صنع علي ع- فجعلوا يتسللون إليه حتى بقي طلحة وحده و بلغ الخبر عثمان- فسر بذلك ثم أقبل طلحة يمشي عامدا إلى دار عثمان فاستأذن عليه- فلما دخل قال يا أمير المؤمنين أستغفر الله و أتوب إليه- لقد رمت أمرا حال الله بيني و بينه- فقال عثمان إنك و الله ما جئت تائبا- و لكن جئت مغلوبا و الله حسيبك يا طلحة- . ثم قسم ع حال طلحة فقال- لا يخلو إما أن يكون معتقدا حل دم عثمان أو حرمته- أو يكون شاكا في الأمرين- فإن كان يعتقد حله لم يجز له أن ينقض البيعة- لنصرة إنسان حلال الدم- و إن كان يعتقد حرمته- فقد كان يجب عليه أن ينهنه عنه الناس أي يكفهم- .

و أن يعذر فيه بالتشديد أي يقصر و لم يفعل ذلك- و إن كان شاكا- فقد كان يجب عليه أن يعتزل الأمر و يركد جانبا- و لم يعتزل و إنما صلي بنار الفتنة و أصلاها غيره- . فإن قلت يمكن أن يكون طلحة- اعتقد إباحة دم عثمان أولا- ثم تبدل ذلك الاعتقاد بعد قتله- فاعتقد أن قتله حرام- و أنه يجب أن يقتص من قاتليه- . قلت لو اعترف بذلك لم يقسم علي ع هذا التقسيم- و إنما قسمه لبقائه على اعتقاد واحد- و هذا التقسيم مع فرض بقائه- على اعتقاد واحد صحيح لا مطعن فيه- و كذا كان حال طلحة فإنه لم ينقل عنه- أنه قال ندمت على ما فعلت بعثمان- فإن قلت كيف قال أمير المؤمنين ع- فما فعل واحدة من الثلاث و قد فعل واحدة منها- لأنه وازر قاتليه حيث كان محصورا- . قلت مراده ع أنه إن كان عثمان ظالما- وجب أن يؤازر قاتليه بعد قتله- يحامي عنهم و يمنعهم ممن يروم دماءهم- و معلوم أنه لم يفعل ذلك و إنما وازرهم و عثمان حي- و ذلك غير داخل في التقسيم

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 9

خطبه 174 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

174 و من خطبة له ع

أَمِينُ وَحْيِهِ وَ خَاتَمُ رُسُلِهِ- وَ بَشِيرُ رَحْمَتِهِ وَ نَذِيرُ نِقْمَتِهِ- أَيُّهَا النَّاسُ- إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَيْهِ- وَ أَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ فِيهِ- فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبٌ اسْتُعْتِبَ فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ- وَ لَعَمْرِي لَئِنْ كَانَتِ الْإِمَامَةُ لَا تَنْعَقِدُ- حَتَّى تَحْضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ مَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ- وَ لَكِنْ أَهْلُهَا يَحْكُمُونَ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهَا- ثُمَّ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ وَ لَا لِلْغَائِبِ أَنْ يَخْتَارَ- أَلَا وَ إِنِّي أُقَاتِلُ رَجُلَيْنِ- رَجُلًا ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ وَ آخَرَ مَنَعَ الَّذِي عَلَيْهِ صدر الكلام في ذكر رسول الله ص و يتلوه فصول- .

أولها أن أحق الناس بالإمامة أقواهم عليها- و أعلمهم بحكم الله فيها- و هذا لا ينافي مذهب أصحابنا البغداديين- في صحة إمامة المفضول- لأنه ما قال إن إمامة غير الأقوى فاسدة- و لكنه قال إن الأقوى أحق- و أصحابنا لا ينكرون أنه ع أحق ممن تقدمه بالإمامة- مع قولهم بصحة إمامة المتقدمين- لأنه لا منافاة بين كونه أحق و بين صحة إمامة غيره- .

فإن قلت- أي فرق بين أقواهم عليه و أعلمهم بأمر الله فيه- قلت أقواهم أحسنهم سياسة- و أعلمهم بأمر الله أكثرهم علما- و إجراء للتدبير بمقتضى العلم- و بين الأمرين فرق واضح- فقد يكون سائسا حاذقا و لا يكون عالما بالفقه- و قد يكون سائسا فقيها- و لا يجري التدبير على مقتضى علمه و فقهه- .

و ثانيها أن الإمامة لا يشترط في صحة انعقادها- أن يحضرها الناس كافة- لأنه لو كان ذلك مشترطا- لأدى إلى ألا تنعقد إمامة أبدا- لتعذر اجتماع المسلمين من أطراف الأرض- و لكنها تنعقد بعقد العلماء- و أهل الحل و العقد الحاضرين- ثم لا يجوز بعد عقدها لحاضريها- أن يرجعوا من غير سبب يقتضي رجوعهم- و لا يجوز لمن غاب عنها أن يختار غير من عقد له- بل يكون محجوجا بعقد الحاضرين- مكلفا طاعة الإمامة المعقود له- و على هذا جرت الحال في خلافة أبي بكر و عمر و عثمان- و انعقد إجماع المسلمين عليه- و هذا الكلام تصريح بصحة مذهب أصحابنا- في أن الاختيار طريق إلى الإمامة- و مبطل لما تقوله الإمامية من دعوى النص عليه- و من قولهم لا طريق إلى الإمامة سوى النص أو المعجز- .

و ثالثها- أن الخارج على الإمام يستعتب أولا بالكلام و المراسلة- فإن أبى قوتل و هذا هو نص الكتاب العزيز- وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما- فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى‏- فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ أَمْرِ اللَّهِ- .

و رابعها أنه يقاتل أحد رجلين- إما رجلا ادعى ما ليس له- نحو أن يخرج على الإمام من يدعي الخلافة لنفسه- و إما رجلا منع ما عليه- نحو أن يخرج على الإمام رجل لا يدعي الخلافة- و لكنه يمتنع من الطاعة فقط- . فإن قلت الخارج على الإمام مدع الخلافة لنفسه- مانع ما عليه أيضا لأنه قد امتنع من الطاعة- فقد دخل أحد القسمين في الآخر- .

قلت لما كان مدعي الخلافة قد اجتمع له أمران- إيجابي و سلبي فالإيجابي دعواه الخلافة- و السلبي امتناعه من الطاعة- كان متميزا ممن لم يحصل له إلا القسم السلبي فقط- و هو مانع الطاعة لا غير- فكان الأحسن في فن علم البيان- أن يشتمل اللفظ على التقسيم الحاضر للإيجاب و السلب- فلذلك قال إما مدعيا ما ليس له أو مانعا ما هو عليه:

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ- فَإِنَّهَا خَيْرُ مَا تَوَاصَى الْعِبَادُ بِهِ- وَ خَيْرُ عَوَاقِبِ الْأُمُورِ عِنْدَ اللَّهِ- وَ قَدْ فُتِحَ بَابُ الْحَرْبِ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ- وَ لَا يَحْمِلُ هَذَا الْعَلَمَ إِلَّا أَهْلُ الْبَصَرِ وَ الصَّبْرِ- وَ الْعِلْمِ بِمَوَاقِعِ الْحَقِّ- فَامْضُوا لِمَا تُؤْمَرُونَ بِهِ وَ قِفُوا عِنْدَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ- وَ لَا تَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ حَتَّى تَتَبَيَّنُوا- فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِيَراً- أَلَا وَ إِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّوْنَهَا- وَ تَرْغَبُونَ فِيهَا وَ أَصْبَحَتْ تُغْضِبُكُمْ وَ تُرْضِيكُمْ- لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ وَ لَا مَنْزِلِكُمُ الَّذِي خُلِقْتُمْ لَهُ- وَ لَا الَّذِي دُعِيتُمْ إِلَيْهِ- أَلَا وَ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاقِيَةٍ لَكُمْ وَ لَا تَبْقَوْنَ عَلَيْهَا- وَ هِيَ وَ إِنْ غَرَّتْكُمْ مِنْهَا فَقَدْ حَذَّرَتْكُمْ شَرَّهَا- فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِيرِهَا وَ أَطْمَاعَهَا لِتَخْوِيفِهَا- وَ سَابِقُوا فِيهَا إِلَى الدَّارِ الَّتِي دُعِيتُمْ إِلَيْهَا- وَ انْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا- وَ لَا يَخِنَّنَّ أَحَدُكُمْ خَنِينَ الْأَمَةِ عَلَى مَا زُوِيَ عَنْهُ مِنْهَا- وَ اسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ- وَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ- أَلَا وَ إِنَّهُ لَا يَضُرُّكُمْ تَضْيِيعُ شَيْ‏ءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ- بَعْدَ حِفْظِكُمْ قَائِمَةَ دِينِكُمْ-أَلَا وَ إِنَّهُ لَا يَنْفَعُكُمْ بَعْدَ تَضْيِيعِ دِينِكُمْ شَيْ‏ءٌ- حَافَظْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ- أَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَ قُلُوبِكُمْ إِلَى الْحَقِّ- وَ أَلْهَمَنَا وَ إِيَّاكُمُ الصَّبْرَ لم يكن المسلمون قبل حرب الجمل- يعرفون كيفية قتال أهل القبلة- و إنما تعلموا فقه ذلك من أمير المؤمنين ع- .

و قال الشافعي- لو لا علي لما عرف شي‏ء من أحكام أهل البغي- . قوله ع و لا يحمل هذا العلم إلا أهل البصر و الصبر- و ذلك لأن المسلمين عظم عندهم حرب أهل القبلة و أكبروه- و من أقدم عندهم عليه أقدم على خوف و حذر- فقال ع إن هذا العلم ليس يدركه كل أحد- و إنما له قوم مخصوصون- . ثم أمرهم بالمضي عند ما يأمرهم به- و بالانتهاء عما ينهاهم عنه- و نهاهم عن أن يعجلوا بالحكم على أمر ملتبس- حتى يتبين و يتضح- . ثم قال إن عندنا تغييرا لكل ما تنكرونه من الأمور- حتى يثبت أنه يجب إنكارها و تغييرها- أي لست كعثمان أصر على ارتكاب ما أنهى عنه- بل أغير كل ما ينكره المسلمون- و يقتضي الحال و الشرع تغييره- .

ثم ذكر أن الدنيا التي تغضب الناس و ترضيهم- و هي منتهى أمانيهم و رغبتهم ليست دارهم- و إنما هي طريق إلى الدار الآخرة- و مدة اللبث في ذلك الطريق يسيرة جدا- . و قال إنها و إن كانت غرارة- فإنها منذرة و محذرة لأبنائها بما رأوه- من آثارها في‏سلفهم و إخوتهم و أحبائهم- و مناداتها على نفسها بأنها فاعلة بهم- ما فعلت بأولئك من الفناء و فراق المألوف- . قال فدعوا غرورها لتحذيرها- و ذلك لأن جانب تحذيرها- أولى بأن يعمل عليه من جانب غرورها- لأن غرورها إنما هو بأمر سريع مع التصرم و الانقضاء- و تحذيرها إنما هو لأمر جليل عظيم- فإن الفناء المعجل محسوس- و قد دل العقل و الشرائع كافة- على أن بعد ذلك الفناء سعادة و شقاوة- فينبغي للعاقل أن يحذر من تلك الشقاوة- و يرغب في تلك السعادة- و لا سبيل إلى ذلك إلا برفض غرور الدنيا- على أنه لو لم يكن ذلك- لكان الواجب على أهل اللب و البصيرة رفضها- لأن الموجود منها خيال فإنه أشبه شي‏ء بأحلام المنام- فالتمسك به و الإخلاد إليه حمق- .و الخنين صوت يخرج من الأنف عند البكاء- و أضافه إلى الأمة- لأن الإماء كثيرا ما يضربن فيبكين و يسمع الخنين منهن- و لأن الحرة تأنف من البكاء و الخنين- و زوي قبض- .

ثم ذكر أنه لا يضر المكلف فوات قسط من الدنيا- إذا حفظ قائمة دينه- يعني القيام بالواجبات و الانتهاء عن المحظورات- و لا ينفعه حصول الدنيا كلها بعد تضييعه دينه- لأن ابتياع لذة متناهية بلذة غير متناهية- يخرج اللذة المتناهية من باب كونها نفعا- و يدخلها في باب المضار- فكيف إذا انضاف إلى عدم اللذة غير المتناهية- حصول مضار و عقوبات غير متناهية أعاذنا الله منها

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 9

خطبه 173 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

173 و من خطبة له ع

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا تُوَارِي عَنْهُ سَمَاءٌ سَمَاءً- وَ لَا أَرْضٌ أَرْضاً هذا الكلام يدل على إثبات أرضين بعضها فوق بعض- كما أن السماوات كذلك- و لم يأت في الكتاب العزيز ما يدل على هذا إلا قوله تعالى- اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ- و هو قول كثير من المسلمين- . و قد تأول ذلك أرباب المذهب الآخر- القائلون بأنها أرض واحدة- فقالوا إنها سبعة أقاليم- فالمثلية هي من هذا الوجه- لا من تعدد الأرضين في ذاتها- . و يمكن أن يتأول مثل ذلك كلام أمير المؤمنين ع- فيقال إنها و إن كانت أرضا واحدة- لكنها أقاليم و أقطار مختلفة و هي كرية الشكل- فمن على حدبة الكرة لا يرى من تحته و من تحته لا يراه- و من على أحد جانبيها لا يرى من على الجانب الآخر- و الله تعالى يدرك ذلك كله أجمع- و لا يحجب عنه شي‏ء منها بشي‏ء منها- .

فأما قوله ع لا تواري عنه سماء سماء- فلقائل أن يقول- و لا يتوارى شي‏ء من السماوات عن المدركين منا- لأنها شفافة فأي خصيصة للباري تعالى في ذلك- فينبغي أن يقال هذا الكلام على قاعدة غير القاعدة الفلسفية- بل هو على قاعدة الشريعة الإسلامية- التي تقتضي أن السماوات تحجب ما وراءها- عن المدركين بالحاسة- و أنها ليست طباقا متراصة- بل بينها خلق من خلق الله تعالى لا يعلمهم غيره- و اتباع هذا القول و اعتقاده أولى منها- :

وَ قَدْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ لَحَرِيصٌ- فَقُلْتُ بَلْ أَنْتُمْ وَ اللَّهِ لَأَحْرَصُ وَ أَبْعَدُ وَ أَنَا أَخَصُّ وَ أَقْرَبُ- وَ إِنَّمَا طَلَبْتُ حَقّاً لِي وَ أَنْتُمْ تَحُولُونَ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ- وَ تَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ- فَلَمَّا قَرَّعْتُهُ بِالْحُجَّةِ فِي الْمَلَإِ الْحَاضِرِينَ- هَبَّ كَأَنَّهُ بُهِتَ لَا يَدْرِي مَا يُجِيبُنِي بِهِ- اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَ مَنْ أَعَانَهُمْ- فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي وَ صَغَّرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِيَ- وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي أَمْراً هُوَ لِي- ثُمَّ قَالُوا أَلَا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ وَ فِي الْحَقِّ أَنْ تَتْرُكَهُ هذا من خطبة يذكر فيها ع ما جرى يوم الشورى- بعد مقتل عمر- و الذي قال له إنك على هذا الأمر لحريص- سعد بن أبي وقاص مع روايته فيه- أنت مني بمنزلة هارون من موسى و هذا عجب فقال لهم- بل أنتم و الله أحرص و أبعد… الكلام المذكور- و قد رواه الناس كافة- . و قالت الإمامية هذا الكلام يوم السقيفة- و الذي قال له إنك على هذا الأمر لحريص أبو عبيدة بن الجراح- و الرواية الأولى أظهر و أشهر- .

و روي فلما قرعته بالتخفيف أي صدمته بها- . و روي هب لا يدري ما يجيبني- كما تقول استيقظ و انتبه- كأنه كان غافلا ذاهلا عن الحجة فهب لما ذكرتها- . أستعديك- أطلب أن تعديني عليهم و أن تنتصف لي منهم- . قطعوا رحمي لم يرعوا قربه من رسول الله ص- . و صغروا عظيم منزلتي- لم يقفوا مع النصوص الواردة فيه- . و أجمعوا على منازعتي أمرا هو لي- أي بالأفضلية أنا أحق به منهم- هكذا ينبغي أن يتأول كلامه- . و كذلك قوله إنما أطلب حقا لي و أنتم تحولون بيني و بينه- و تضربون وجهي دونه- . قال ثم قالوا ألا إن في الحق أن تأخذه- و في الحق أن تتركه- قال لم يقتصروا على أخذ حقي ساكتين عن الدعوى- و لكنهم أخذوه و ادعوا أن الحق لهم- و أنه يجب علي أن أترك المنازعة فيه- فليتهم أخذوه معترفين بأنه حقي- فكانت المصيبة به أخف و أهون- . و اعلم أنه قد تواترت الأخبار عنه ع بنحو من هذا القول- نحو

قوله ما زلت مظلوما منذ قبض الله رسوله- حتى يوم الناس هذا

وقوله اللهم أخز قريشا- فإنها منعتني حقي و غصبتني أمري

وقوله فجزى قريشا عني الجوازي- فإنهم ظلموني حقي و اغتصبوني سلطان ابن أمي

وقوله و قد سمع صارخا ينادي أنا مظلوم- فقال هلم فلنصرخ معا فإني ما زلت مظلوما

وقوله و إنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى

وقوله أرى تراثي نهبا

وقوله أصغيا بإنائنا و حملا الناس على رقابنا

وقوله إن لنا حقا إن نعطه نأخذه- و إن نمنعه نركب أعجاز الإبل و إن طال السرى

وقوله ما زلت مستأثرا علي- مدفوعا عما أستحقه و أستوجبه

و أصحابنا يحملون ذلك كله على ادعائه الأمر- بالأفضلية و الأحقية و هو الحق و الصواب- فإن حمله على الاستحقاق بالنص تكفير أو تفسيق- لوجوه المهاجرين و الأنصار- و لكن الإمامية و الزيدية حملوا هذه الأقوال على ظواهرها- و ارتكبوا بها مركبا صعبا- و لعمري إن هذه الألفاظ- موهمة مغلبة على الظن ما يقوله القوم- و لكن تصفح الأحوال يبطل ذلك الظن- و يدرأ ذلك الوهم- فوجب أن يجري مجرى الآيات المتشابهات الموهمة- ما لا يجوز على البارئ فإنه لا نعمل بها- و لا نعول على ظواهرها- لأنا لما تصفحنا أدلة العقول- اقتضت العدول عن ظاهر اللفظ- و أن تحمل على التأويلات المذكورة في الكتب- .

و حدثني يحيى بن سعيد بن علي الحنبلي المعروف بابن عالية- من ساكني قطفتا بالجانب الغربي من بغداد- و أجد الشهود المعدلين بها- قال كنت حاضرا مجلس الفخر إسماعيل بن علي الحنبلي- الفقيه المعروف بغلام بن المنى- و كان الفخر إسماعيل بن علي هذا- مقدم‏ الحنابلة ببغداد في الفقه و الخلاف- و يشتغل بشي‏ء في علم المنطق و كان حلو العبارة- و قد رأيته أنا و حضرت عنده و سمعت كلامه- و توفي سنة عشر و ستمائة- . قال ابن عالية و نحن عنده نتحدث- إذ دخل شخص من الحنابلة- قد كان له دين على بعض أهل الكوفة- فانحدر إليه يطالبه به- و اتفق أن حضرت زيارة يوم الغدير- و الحنبلي المذكور بالكوفة- و هذه الزيارة هي اليوم الثامن عشر من ذي الحجة- و يجتمع بمشهد أمير المؤمنين ع- من الخلائق جموع عظيمة- تتجاوز حد الإحصاء- .

قال ابن عالية فجعل الشيخ الفخر يسأل ذلك الشخص- ما فعلت ما رأيت هل وصل مالك إليك- هل بقي لك منه بقية عند غريمك و ذلك يجاوبه- حتى قال له يا سيدي لو شاهدت يوم الزيارة يوم الغدير- و ما يجري عند قبر علي بن أبي طالب- من الفضائح و الأقوال الشنيعة- و سب الصحابة جهارا بأصوات مرتفعة- من غير مراقبة و لا خيفة- فقال إسماعيل أي ذنب لهم و الله ما جراهم على ذلك- و لا فتح لهم هذا الباب إلا صاحب ذلك القبر- فقال ذلك الشخص و من صاحب القبر- قال علي بن أبي طالب- قال يا سيدي هو الذي سن لهم ذلك- و علمهم إياه و طرقهم إليه قال نعم و الله- قال يا سيدي فإن كان محقا فما لنا أن نتولى فلانا و فلانا- و إن كان مبطلا فما لنا نتولاه- ينبغي أن نبرأ إما منه أو منهما- .

قال ابن عالية فقام إسماعيل مسرعا فلبس نعليه- و قال لعن الله إسماعيل الفاعل- إن كان يعرف جواب هذه المسألة- و دخل دار حرمه و قمنا نحن و انصرفنا: مِنْهَا فِي ذِكْرِ أَصْحَابِ الْجَمَلِ- فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ص- كَمَا تُجَرُّ الْأَمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا-مُتَوَجِّهِينَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ- فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا- وَ أَبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ اللَّهِ ص لَهُمَا وَ لِغَيْرِهِمَا- فِي جَيْشٍ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَ قَدْ أَعْطَانِيَ الطَّاعَةَ- وَ سَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَهٍ- فَقَدِمُوا عَلَى عَامِلِي بِهَا- وَ خُزَّانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا- فَقَتَلُوا طَائِفَةً صَبْراً وَ طَائِفَةً غَدْراً- فَوَاللَّهِ إِنْ لَوْ لَمْ يُصِيبُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ- إِلَّا رَجُلًا وَاحِداً مُعْتَمِدِينَ لِقَتْلِهِ- بِلَا جُرْمٍ جَرَّهُ لَحَلَّ لِي قَتْلُ ذَلِكَ الْجَيْشِ كُلِّهِ- إِذْ حَضَرُوهُ فَلَمْ يُنْكِرُوا- وَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ بِلِسَانٍ وَ لَا بِيَدٍ- دَعْ مَا إِنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ- مِثْلَ الْعِدَّةِ الَّتِي دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِمْ حرمة رسول الله ص كناية عن الزوجة- و أصله الأهل و الحرم- و كذلك حبيس رسول الله ص كناية عنها- . و قتلوهم صبرا أي بعد الأسر- و قوله فو الله إن لو لم يصيبوا إن هاهنا زائدة- و يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة- .

و يسأل عن قوله ع- لو لم يصيبوا إلا رجلا واحدا- لحل لي قتل ذلك الجيش بأسره- لأنهم حضروه فلم ينكروا- فيقال أ يجوز قتل من لم ينكر المنكر مع تمكنه من إنكاره- . و الجواب أنه يجوز قتلهم- لأنهم اعتقدوا ذلك القتل مباحا- فإنهم إذا اعتقدوا إباحته- فقد اعتقدوا إباحة ما حرم الله- فيكون حالهم حال من اعتقد أن الزنا مباح- أو أن شرب الخمر مباح- .

و قال القطب الراوندي- يريد أنهم داخلون في عموم قوله تعالى- إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ- وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا- . و لقائل أن يقول الإشكال إنما وقع في قوله- لو لم يصيبوا من المسلمين إلا رجلا واحدا- لحل لي قتل ذلك الجيش بأسره- لأنهم حضروا المنكر و لم يدفعوه بلسان و لا يد- فهو علل استحلاله قتلهم بأنهم لم ينكروا المنكر- و لم يعلل ذلك بعموم الآية- . و أما معنى قوله دع ما إنهم قد قتلوا من المسلمين- مثل العدة التي دخلوا بها عليهم- فهو أنه لو كان المقتول واحدا لحل لي قتلهم كلهم- فكيف و قد قتلوا من المسلمين عدة مثل عدتهم- التي دخلوا بها البصرة و ما هاهنا زائدة- . و صدق ع فإنهم قتلوا من أوليائه- و خزان بيت المال بالبصرة خلقا كثيرا- بعضهم غدرا و بعضهم صبرا كما خطب به ع

ذكر يوم الجمل و مسير عائشة إلى القتال

و روى أبو مخنف قال حدثنا إسماعيل بن خالد- عن قيس بن أبي حازم و روى الكلبي- عن أبي صالح عن ابن عباس- و روى جرين بن يزيد عن عامر الشعبي- و روى محمد بن إسحاق عن حبيب بن عمير قالوا جميعا- لما خرجت عائشة و طلحة و الزبير من مكة إلى البصرة- طرقت ماء الحوأب و هو ماء لبني عامر بن صعصعة- فنبحتهم الكلاب فنفرت صعاب إبلهم- فقال قائل منهم- لعن الله الحوأب فما أكثر كلابها- فلما سمعت عائشة ذكر الحوأب- قالت أ هذا ماء الحوأب قالوا نعم- فقالت ردوني ردوني- فسألوها ما شأنها ما بدا لها-فقالت إني سمعت رسول الله ص يقول كأني بكلاب‏ماء يدعى الحوأب قد نبحت بعض نسائي- ثم قال لي إياك يا حميراء أن تكونيها- فقال لها الزبير مهلا يرحمك الله- فإنا قد جزنا ماء الحوأب بفراسخ كثيرة- فقالت أ عندك من يشهد بأن هذه الكلاب النابحة- ليست على ماء الحوأب- فلفق لها الزبير و طلحة خمسين أعرابيا جعلا لهم جعلا- فحلفوا لها و شهدوا أن هذا الماء ليس بماء الحوأب- فكانت هذه أول شهادة زور في الإسلام- فسارت عائشة لوجهها- .

قال أبو مخنف و حدثنا عصام بن قدامة عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ص قال يوما لنسائه و هن عنده جميعا- ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب- تنبحها كلاب الحوأب- يقتل عن يمينها و شمالها قتلى كثيرة- كلهم في النار و تنجو بعد ما كادت- . قلت و أصحابنا المعتزلة رحمهم الله- يحملون قوله ع و تنجو على نجاتها من النار- و الإمامية يحملون ذلك على نجاتها من القتل- و محملنا أرجح- لأن لفظة في النار أقرب إليه من لفظة القتلى- و القرب معتبر في هذا الباب- أ لا ترى أن نحاة البصريين أعملوا أقرب العاملين- نظرا إلى القرب- .

قال أبو مخنف و حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس- أن الزبير و طلحة أغذا السير بعائشة- حتى انتهوا إلى حفر أبي موسى الأشعري- و هو قريب من البصرة- و كتبا إلى عثمان بن حنيف الأنصاري- و هو عامل علي ع على البصرة- أن أخل لنا دار الإمارة- فلما وصل كتابهما إليه بعث الأحنف بن قيس- فقال له إن هؤلاء القوم قدموا علينا و معهم زوجة رسول الله- و الناس إليها سراع كما ترى- فقال الأحنف‏إنهم جاءوك بها للطلب بدم عثمان- و هم الذين ألبوا على عثمان الناس و سفكوا دمه- و أراهم و الله لا يزايلون حتى يلقوا العداوة بيننا- و يسفكوا دماءنا- و أظنهم و الله سيركبون منك خاصة ما لا قبل لك به- إن لم تتأهب لهم بالنهوض إليهم- فيمن معك من أهل البصرة- فإنك اليوم الوالي عليهم- و أنت فيهم مطاع فسر إليهم بالناس- و بادرهم قبل أن يكونوا معك في دار واحدة- فيكون الناس لهم أطوع منهم لك- .

فقال عثمان بن حنيف الرأي ما رأيت- لكنني أكره الشر و أن أبدأهم به- و أرجو العافية و السلامة إلى أن يأتيني- كتاب أمير المؤمنين- و رأيه فأعمل به- ثم أتاه بعد الأحنف حكيم بن جبلة العبدي- من بني عمرو بن وديعة- فأقرأه كتاب طلحة و الزبير فقال له مثل قول الأحنف- و أجابه عثمان بمثل جوابه للأحنف- فقال له حكيم فأذن لي حتى أسير إليهم بالناس- فإن دخلوا في طاعة أمير المؤمنين- و إلا نابذتهم على سواء- . فقال عثمان لو كان ذلك رأيي لسرت إليهم نفسي- قال حكيم أما و الله إن دخلوا عليك هذا المصر- لينتقلن قلوب كثير من الناس إليهم- و ليزيلنك عن مجلسك هذا- و أنت أعلم فأبى عليه عثمان- .

قال و كتب علي إلى عثمان لما بلغه مشارفة القوم البصرة من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عثمان بن حنيف أما بعد- فإن البغاة عاهدوا الله ثم نكثوا- و توجهوا إلى مصرك- و ساقهم الشيطان لطلب ما لا يرضى الله به- و الله أشد بأسا و أشد تنكيلا- فإذا قدموا عليك فادعهم إلى الطاعة- و الرجوع إلى الوفاء بالعهد- و الميثاق الذي فارقونا عليه- فإن أجابوا فأحسن جوارهم ما دامواعندك- و إن أبو إلا التمسك بحبل النكث و الخلاف- فناجزهم القتال حتى يحكم الله بينك و بينهم- و هو خير الحاكمين- و كتبت كتابي هذا إليك من الربذة- و أنا معجل المسير إليك إن شاء الله- .

و كتبه عبيد الله بن أبي رافع في سنة ست و ثلاثين قال فلما وصل كتاب علي ع إلى عثمان- أرسل إلى أبي الأسود الدؤلي- و عمران بن الحصين الخزاعي- فأمرهما أن يسيرا حتى يأتياه بعلم القوم- و ما الذي أقدمهم- فانطلقا حتى إذا أتيا حفر أبي موسى و به معسكر القوم- فدخلا على عائشة فنالاها و وعظاها- و أذكراها و ناشداها الله- فقالت لهما القيا طلحة و الزبير- فقاما من عندها و لقيا الزبير فكلماه- فقال لهما إنا جئنا للطلب بدم عثمان- و ندعو الناس إلى أن يردوا أمر الخلافة شورى- ليختار الناس لأنفسهم- فقالا له إن عثمان لم يقتل بالبصرة ليطلب دمه فيها- و أنت تعلم قتلة عثمان من هم و أين هم- و إنك و صاحبك و عائشة كنتم أشد الناس عليه- و أعظمهم إغراء بدمه فأقيدوا من أنفسكم- و أما إعادة أمر الخلافة شورى- فكيف و قد بايعتم عليا طائعين غير مكرهين- و أنت يا أبا عبد الله لم يبعد العهد بقيامك دون هذا الرجل- يوم مات رسول الله ص- و أنت آخذ قائم سيفك تقول- ما أحد أحق بالخلافة منه و لا أولى بها منه- و امتنعت من بيعة أبي بكر- فأين ذلك الفعل من هذا القول- .

فقال لهما اذهبا فالقيا طلحة- فقاما إلى طلحة فوجداه أخشن الملمس- شديد العريكة- قوي العزم في إثارة الفتنة و إضرام نار الحرب- فانصرفا إلى عثمان بن حنيف- فأخبراه و قال له أبو الأسود-

يا ابن حنيف قد أتيت فانفر
و طاعن القوم و جالد و اصبر
و ابرز لها مستلئما و شمر

فقال ابن حنيف إي و الحرمين لأفعلن- و أمر مناديه فنادى في الناس السلاح السلاح- فاجتمعوا إليه و قال أبو الأسود-

أتينا الزبير فدانى الكلام
و طلحة كالنجم أو أبعد

و أحسن قوليهما فادح‏
يضيق به الخطب مستنكد

و قد أوعدونا بجهد الوعيد
فأهون علينا بما أوعدوا

فقلنا ركضتم و لم ترملوا
و أصدرتم قبل أن توردوا

فإن تلقحوا الحرب بين الرجال
فملقحها حده الأنكد

و إن عليا لكم مصحر
ألا إنه الأسد الأسود

أما إنه ثالث العابدين
بمكة و الله لا يعبد

فرخوا الخناق و لا تعجلوا
فإن غدا لكم موعد

قال و أقبل القوم فلما انتهوا إلى المربد- قام رجل من بني جشم فقال- أيها الناس أنا فلان الجشمي و قد أتاكم هؤلاء القوم- فإن كانوا أتوكم خائفين- لقد أتوكم من المكان الذي يأمن فيه الطير- و الوحش و السباع- و إن كانوا إنما أتوكم بطلب دم عثمان فغيرنا ولي قتله- فأطيعوني أيها الناس و ردوهم من حيث أقبلوا- فإنكم إن لم تفعلوا لم تسلموا من الحرب الضروس- و الفتنة الصماء التي لا تبقي و لا تذر- . قال فحصبه ناس من أهل البصرة فأمسك- .

قال و اجتمع أهل البصرة إلى المربد- حتى ملئوه مشاة و ركبانا- فقام طلحة فأشار إلى الناس بالسكون ليخطب- فسكتوا بعد جهد فقال أما بعد- فإن عثمان بن عفان كان من أهل السابقة و الفضيلة- و من المهاجرين الأولين الذي رضي الله عنهم و رضوا عنه-و نزل القرآن ناطقا بفضلهم- و أحد أئمة المسلمين الوالين عليكم- بعد أبي بكر و عمر صاحبي رسول الله ص- و قد كان أحدث أحداثا نقمنا عليه- فأتيناه فاستعتبناه فأعتبنا- فعدا عليه امرؤ ابتز هذه الأمة أمرها- غصبا بغير رضا منها و لا مشورة فقتله- و ساعده على ذلك قوم غير أتقياء و لا أبرار- فقتل محرما بريئا تائبا- و قد جئناكم أيها الناس نطلب بدم عثمان- و ندعوكم إلى الطلب بدمه- فإن نحن أمكننا الله من قتلته قتلناهم به- و جعلنا هذا الأمر شورى بين المسلمين- و كانت خلافة رحمة للأمة جميعا- فإن كل من أخذ الأمر من غير رضا من العامة- و لا مشورة منها ابتزازا- كان ملكه ملكا عضوضا و حدثا كثيرا- .

ثم قام الزبير فتكلم بمثل كلام طلحة- .فقام إليهما ناس من أهل البصرة- فقالوا لهما أ لم تبايعا عليا فيمن بايعه- ففيم بايعتما ثم نكثتما فقالا ما بايعنا- و ما لأحد في أعناقنا بيعة و إنما استكرهنا على بيعة- فقال ناس قد صدقا و أحسنا القول و قطعا بالثواب- و قال ناس ما صدقا و لا أصابا في القول- حتى ارتفعت الأصوات- . قال ثم أقبلت عائشة على جملها- فنادت بصوت مرتفع أيها الناس أقلوا الكلام و اسكتوا- فأسكت الناس لها فقالت- إن أمير المؤمنين عثمان قد كان غير و بدل- ثم لم يزل يغسل ذلك بالتوبة حتى قتل مظلوما تائبا- و إنما نقموا عليه ضربه بالسوط و تأميره الشبان- و حمايته موضع الغمامة- فقتلوه محرما في حرمة الشهر و حرمة البلد- ذبحا كما يذبح الجمل ألا و إن قريشا رمت غرضها بنبالها- و أدمت أفواهها بأيديها- و ما نالت بقتلها إياه شيئا- و لا سلكت به سبيلا قاصدا- أما و الله ليرونها بلايا عقيمة تنتبه النائم- و تقيم الجالس و ليسلطن عليهم قوم لا يرحمونهم- و يسومونهم سوء العذاب- .

أيها الناس- إنه ما بلغ من ذنب عثمان ما يستحل به دمه- مصتموه كما يماص الثوب الرحيض- ثم عدوتم عليه فقتلتموه بعد توبته و خروجه من ذنبه- و بايعتم ابن أبي طالب بغير مشورة من الجماعة- ابتزازا و غصبا- تراني أغضب لكم من سوط عثمان و لسانه- و لا أغضب لعثمان من سيوفكم- ألا إن عثمان قتل مظلوما فاطلبوا قتلته- فإذا ظفرتم بهم فاقتلوهم- ثم اجعلوا الأمر شورى بين الرهط- الذين اختارهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- و لا يدخل فيهم من شرك في دم عثمان- . قال فماج الناس و اختلطوا- فمن قائل القول ما قالت و من قائل يقول- و ما هي و هذا الأمر إنما هي امرأة مأمورة بلزوم بيتها- و ارتفعت الأصوات- و كثر اللغط حتى تضاربوا بالنعال و تراموا بالحصى- .

ثم إن الناس تمايزوا فصاروا فريقين- فريق مع عثمان بن حنيف و فريق مع عائشة و أصحابها- . قال و حدثنا الأشعث بن سوار عن محمد بن سيرين عن أبي الخليل قال- لما نزل طلحة و الزبير المربد- أتيتهما فوجدتهما مجتمعين- فقلت لهما ناشدتكما الله و صحبة رسول الله ص- ما الذي أقدمكما أرضنا هذه- فلم يتكلما فأعدت عليهما- فقالا بلغنا أن بأرضكم هذه دنيا فجئنا نطلبها- .

قال و قد روى محمد بن سيرين- عن الأحنف بن قيس أنه لقيهما- فقالا له مثل مقالتهما الأولى- إنما جئنا لطلب الدنيا- . وقد روى المدائني أيضا نحوا مما روى أبو مخنف قال بعث علي ع ابن عباس يوم الجمل إلى الزبير قبل الحرب- فقال له إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام- و يقول لكم أ لم تبايعني طائعا غير مكره- فما الذي رابك مني فاستحللت به قتالي- قال فلم يكن له جواب إلا أنه قال لي- إنا مع الخوف الشديد لنطمع لم يقل غير ذلكقال أبو إسحاق فسألت محمد بن علي بن الحسين ع- ما تراه يعني بقوله هذا فقال- أما و الله ما تركت ابن عباس حتى سألته عن هذا- فقال يقول إنا مع الخوف الشديد مما نحن عليه- نطمع أن نلي مثل الذي وليتموقال محمد بن إسحاق حدثني جعفر بن محمد ع عن أبيه عن ابن عباس قال بعثني علي ع يوم الجمل إلى طلحة و الزبير- و بعث معي بمصحف منشور و إن الريح لتصفق ورقه- فقال لي قل لهما هذا كتاب الله بيننا و بينكم- فما تريدان- فلم يكن لهما جواب إلا أن قالا نريد ما أراد- كأنهما يقولان الملك- فرجعت إلى علي فأخبرته- .

و قد روى قاضي القضاة رحمه الله في كتاب المغني- عن وهب بن جرير قال- قال رجل من أهل البصرة لطلحة و الزبير- إن لكما فضلا و صحبة- فأخبراني عن مسيركماهذا و قتالكما- أ شي‏ء أمركما به رسول الله ص أم رأي رأيتماه- فأما طلحة فسكت و جعل ينكت في الأرض- و أما الزبير فقال ويحك- حدثنا أن هاهنا دراهم كثيرة فجئنا لنأخذ منها- .

و جعل قاضي القضاة هذا الخبر حجة في أن طلحة تاب- و أن الزبير لم يكن مصرا على الحرب- و الاحتجاج بهذا الخبر على هذا المعنى ضعيف- و إن صح هو و ما قبله إنه لدليل على حمق شديد- و ضعف عظيم و نقص ظاهر- و ليت شعري ما الذي أحوجهما إلى هذا القول- و إذا كان هذا في أنفسهما فهلا كتماه- . ثم نعود إلى خبرهما قال أبو مخنف- فلما أقبل طلحة و الزبير من المربد- يريدان عثمان بن حنيف- فوجداه و أصحابه قد أخذوا بأفواه السكك- فمضوا حتى انتهوا إلى موضع الدباغين- فاستقبلهم أصحاب ابن حنيف- فشجرهم طلحة و الزبير و أصحابهما بالرماح- فحمل عليهم حكيم بن جبلة- فلم يزل هو و أصحابه يقاتلونهم- حتى أخرجوهم من جميع السكك- و رماهم النساء من فوق البيوت بالحجارة- فأخذوا إلى مقبرة بني مازن- فوقفوا بها مليا حتى ثابت إليهم خيلهم- ثم أخذوا على مسناة البصرة- حتى انتهوا إلى الرابوقة- ثم أتوا سبخة دار الرزق فنزلوها- .

قال و أتاهما عبد الله بن حكيم التميمي- لما نزلا السبخة بكتب كانا كتباها إليه- فقال لطلحة يا أبا محمد- أ ما هذا كتبك إلينا قال بلى- قال فكتبت أمس تدعونا إلى خلع عثمان و قتله- حتى إذا قتلته أتيتنا ثائرا بدمه- فلعمري ما هذا رأيك لا تريد إلا هذه الدنيا- مهلا إذا كان هذا رأيك- فلم قبلت من علي ما عرض عليك من البيعة-فبايعته طائعا راضيا ثم نكثت بيعتك- ثم جئت لتدخلنا في فتنتك- فقال إن عليا دعاني إلى بيعته بعد ما بايع الناس- فعلمت لو لم أقبل ما عرضه علي لم يتم لي- ثم يغرى بي من معه- .

قال ثم أصبحنا من غد فصفا للحرب- و خرج عثمان بن حنيف إليهما في أصحابه- فناشدهما الله و الإسلام- و أذكرهما بيعتهما عليا ع- فقالا نطلب بدم عثمان- فقال لهما و ما أنتما و ذاك أين بنوه- أين بنو عمه الذين هم أحق به منكم كلا و الله- و لكنكما حسدتماه حيث اجتمع الناس عليه- و كنتما ترجوان هذا الأمر و تعملان له- و هل كان أحد أشد على عثمان قولا منكما- فشتماه شتما قبيحا و ذكرا أمه- فقال للزبير أما و الله لو لا صفية و مكانها من رسول الله- فإنها أدنتك إلى الظل- و أن الأمر بيني و بينك يا ابن الصعبة يعني طلحة أعظم من القول- لأعلمتكما من أمركما ما يسوءكما- اللهم إني قد أعذرت إلى هذين الرجلين- .

ثم حمل عليهم و اقتتل الناس قتالا شديدا- ثم تحاجزوا و اصطلحوا على أن يكتب بينهم كتاب صلح فكتب- . هذا ما اصطلح عليه عثمان بن حنيف الأنصاري- و من معه من المؤمنين من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- و طلحة و الزبير- و من معهما من المؤمنين و المسلمين من شيعتهما- أن لعثمان بن حنيف دار الإمارة- و الرحبة و المسجد و بيت المال و المنبر- و أن لطلحة و الزبير و من معهما- أن ينزلوا حيث شاءوا من البصرة- و لا يضار بعضهم بعضا في طريق و لا فرضة- و لا سوق و لا شرعة و لا مرفق- حتى يقدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- فإن أحبوا دخلوا فيما دخلت فيه الأمة- و إن أحبوا لحق كل قوم بهواهم- و ما أحبوا من قتال أو سلم أو خروج أو إقامة- و على الفريقين بما كتبوا عهد الله و ميثاقه- و أشد ما أخذه على نبي من أنبيائه من عهد و ذمة- .

و ختم الكتاب- و رجع عثمان بن حنيف حتى دخل دار الإمارة- و قال لأصحابه ألحقوا رحمكم الله بأهلكم- و ضعوا سلاحكم و داووا جرحاكم- فمكثوا كذلك أياما- . ثم إن طلحة و الزبير قالا- إن قدم علي- و نحن على هذه الحال من القلة و الضعف- ليأخذن بأعناقنا- فأجمعا على مراسلة القبائل و استمالة العرب- فأرسلا إلى وجوه الناس و أهل الرئاسة و الشرف- يدعوانهم إلى الطلب بدم عثمان- و خلع علي و إخراج ابن حنيف من البصرة- فبايعهم على ذلك الأزد و ضبة و قيس بن عيلان كلها- إلا الرجل و الرجلين من القبيلة- كرهوا أمرهم فتواروا عنهم- و أرسلوا إلى هلال بن وكيع التميمي فلم يأتهم- فجاءه طلحة و الزبير إلى داره فتوارى عنهما- فقالت له أمه ما رأيت مثلك- أتاك شيخا قريش فتواريت عنهما- فلم تزل به حتى ظهر لهما- و بايعهما و معه بنو عمرو بن تميم كلهم- و بنو حنظلة إلا بني يربوع- فإن عامتهم كانوا شيعة علي ع و بايعهم بنو دارم كلهم- إلا نفرا من بني مجاشع ذوي دين و فضل- .

فلما استوسق لطلحة و الزبير أمرهما- خرجا في ليلة مظلمة ذات ريح و مطر- و معهما أصحابهما قد ألبسوهم الدروع- و ظاهروا فوقها بالثياب- فانتهوا إلى المسجد وقت الصلاة الفجر- و قد سبقهم عثمان بن حنيف إليه و أقيمت الصلاة- فتقدم عثمان ليصلي بهم- فأخره أصحاب طلحة و الزبير- و قدموا الزبير فجاءت السبابجة و هم الشرط حرس بيت المال- فأخرجوا الزبير و قدموا عثمان- فغلبهم أصحاب الزبير- فقدموا الزبير و أخروا عثمان- فلم يزالوا كذلك حتى كادت الشمس تطلع- و صاح بهم أهل المسجد- أ لا تتقون أصحاب محمد و قد طلعت الشمس- فغلب الزبير فصلى بالناس- فلما انصرف من‏ صلاته صاح بأصحابه المستسلحين- أن خذوا عثمان بن حنيف- فأخذوه بعد أن تضارب هو- و مروان بن الحكم بسيفيهما- فلما أسر ضرب ضرب الموت- و نتف حاجباه و أشفار عينيه- و كل شعرة في رأسه و وجهه- و أخذوا السبابجة و هم سبعون رجلا- فانطلقوا بهم و بعثمان بن حنيف إلى عائشة- فقالت لأبان بن عثمان اخرج إليه فاضرب عنقه- فإن الأنصار قتلت أباك و أعانت على قتله- فنادى عثمان يا عائشة و يا طلحة و يا زبير- إن أخي سهل بن حنيف خليفة علي بن أبي طالب على المدينة- و أقسم بالله إن قتلتموني- ليضعن السيف في بني أبيكم و أهليكم و رهطكم- فلا يبقى أحد منكم فكفوا عنه- و خافوا أن يقع سهل بن حنيف بعيالاتهم و أهلهم بالمدينة فتركوه- .

و أرسلت عائشة إلى الزبير أن اقتل السبابجة- فإنه قد بلغني الذي صنعوا بك- قال فذبحهم و الله الزبير كما يذبح الغنم- ولي ذلك منهم عبد الله ابنه و هم سبعون رجلا- و بقيت منهم طائفة مستمسكين ببيت المال- قالوا لا ندفعه إليكم حتى يقدم أمير المؤمنين- فسار إليهم الزبير في جيش ليلا فأوقع بهم- و أخذ منهم خمسين أسيرا فقتلهم صبرا- . قال أبو مخنف فحدثنا الصقعب بن زهير قال- كانت السبابجة القتلى يومئذ أربعمائة رجل- قال فكان غدر طلحة و الزبير بعثمان بن حنيف- أول غدر كان في الإسلام- و كان السبابجة أول قوم ضربت أعناقهم من المسلمين صبرا- قال و خيروا عثمان بن حنيف بين أن يقيم أو يلحق بعلي- فاختار الرحيل فخلوا سبيله فلحق بعلي ع- فلما رآه بكى و قال له فارقتك شيخا- و جئتك أمرد فقال علي إنا لله و إنا إليه راجعون قالها ثلاثا- .

قلت السبابجة لفظة معربة- قد ذكرها الجوهري في كتاب الصحاح- قال هم قوم من السند- كانوا بالبصرة جلاوزة و حراس السجن- و الهاء للعجمة و النسب- قال يزيد بن مفرغ الحميري-

و طماطيم من سبابيج خزر
يلبسوني مع الصباح القيودا

 قال فلما بلغ حكيم بن جبلة- ما صنع القوم بعثمان بن حنيف- خرج في ثلاثمائة من عبد القيس مخالفا لهم و منابذا- فخرجوا إليه و حملوا عائشة على جمل- فسمي ذلك اليوم يوم الجمل الأصغر- و يوم علي يوم الجمل الأكبر- . و تجالد الفريقان بالسيوف- فشد رجل من الأزد من عسكر عائشة على حكيم بن جبلة- فضرب رجله فقطعها و وقع الأزدي عن فرسه- فجثا حكيم فأخذ رجله فرمى بها الأزدي- فصرعه ثم دب إليه فقتله متكئا عليه- خانقا له حتى زهقت نفسه- فمر بحكيم إنسان و هو يجود بنفسه فقال من فعل بك- قال وسادي فنظر فإذا الأزدي تحته- و كان حكيم شجاعا مذكورا- .

قال و قتل مع حكيم إخوة له ثلاثة- و قتل أصحابه كلهم و هم ثلاثمائة من عبد القيس- و القليل منهم من بكر بن وائل- فلما صفت البصرة لطلحة و الزبير- بعد قتل حكيم و أصحابه- و طرد ابن حنيف عنهما اختلفا في الصلاة- و أراد كل منهما أن يؤم بالناس- و خاف أن تكون صلاته خلف صاحبه تسليما له و رضا بتقدمه- فأصلحت بينهما عائشة- بأن جعلت عبد الله بن الزبير و محمد بن طلحة يصليان بالناس- هذا يوما و هذا يوما- . قال أبو مخنف ثم دخلا بيت المال بالبصرة- فلما رأوا ما فيه من الأموال قال الزبير- وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ- فنحن أحق‏بها من أهل البصرة- فأخذا ذلك المال كله- فلما غلب علي ع رد تلك الأموال إلى بيت المال- و قسمها في المسلمين- . و قد ذكرنا فيما تقدم كيفية الوقعة- و مقتل الزبير فارا عن الحرب خوفا أو توبة- و نحن نقول إنها توبة- و ذكرنا مقتل طلحة و الاستيلاء على أم المؤمنين- و إحسان علي ع إليها و إلى من أسر في الحرب- أو ظفر به بعدها

منافرة بين ولدي علي و طلحة

كان القاسم بن محمد بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي- يلقب أبا بعرة ولي شرطة الكوفة- لعيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس- كلم إسماعيل بن جعفر بن محمد الصادق ع بكلام- خرجا فيه إلى المنافرة- فقال القاسم بن محمد- لم يزل فضلنا و إحساننا سابغا عليكم يا بني هاشم- و على بني عبد مناف كافة- فقال إسماعيل- أي فضل و إحسان أسديتموه إلى بني عبد مناف- أغضب أبوك جدي بقوله ليموتن محمد- و لنجولن بين خلاخيل نسائه كما جال بين خلاخيل نسائنا- فأنزل الله تعالى مراغمة لأبيك- وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ- وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً- و منع ابن عمك أمي حقها من فدك و غيرها من ميراث أبيها- و أجلب أبوك على عثمان و حصره حتى قتل- و نكث بيعة علي و شام السيف‏ في وجهه- و أفسد قلوب المسلمين عليه- فإن كان لبني عبد مناف قوم غير هؤلاء أسديتم إليهم إحسانا- فعرفني من هم جعلت فداك

منافرة عبد الله بن الزبير و عبد الله بن العباس

و تزوج عبد الله بن الزبير- أم عمرو ابنة منظور بن زبان الفزارية- فلما دخل بها قال لها تلك الليلة أ تدرين من معك في حجلتك قالت نعم- عبد الله بن الزبير بن العوام- بن خويلد بن أسد بن عبد العزى- . قال ليس غير هذا قالت فما الذي تريد- قال معك من أصبح في قريش بمنزلة الرأس من الجسد- لا بل بمنزلة العينين من الرأس- قالت أما و الله لو أن بعض بني عبد مناف حضرك لقال لك خلاف قولك- فغضب و قال الطعام و الشراب علي حرام- حتى أحضرك الهاشميين و غيرهم من بني عبد مناف- فلا يستطيعون لذلك إنكارا- قالت إن أطعتني لم تفعل و أنت أعلم و شأنك- .

فخرج إلى المسجد فرأى حلقة فيها قوم من قريش- منهم عبد الله بن العباس- و عبد الله بن الحصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف- فقال لهم ابن الزبير أحب أن تنطلقوا معي إلى منزلي- فقام القوم بأجمعهم حتى وقفوا على باب بيته- فقال ابن الزبير يا هذه اطرحي عليك سترك- فلما أخذوا مجالسهم دعا بالمائدة- فتغذى القوم فلما فرغوا قال لهم- إنما جمعتكم لحديث ردته علي صاحبة الستر- و زعمت أنه لو كان بعض بني عبد مناف حضرني- لما أقر لي بما قلت و قد حضرتم جميعا- و أنت يا ابن عباس ما تقول- إني أخبرتها أن معها في خدرها- من أصبح في قريش بمنزلةالرأس من الجسد- بل بمنزلة العينين من الرأس فردت علي مقالتي- فقال ابن عباس أراك قصدت قصدي- فإن شئت أن أقول قلت- و إن شئت أن أكف كففت- قال بل قل و ما عسى أن تقول- أ لست تعلم أني ابن الزبير حواري رسول الله ص- و أن أمي أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين- و أن عمتي خديجة سيدة نساء العالمين- و أن صفية عمة رسول الله ص جدتي- و أن عائشة أم المؤمنين خالتي- فهل تستطيع لهذا إنكارا- .

قال ابن عباس لقد ذكرت شرفا شريفا و فخرا فاخرا- غير أنك تفاخر من بفخره فخرت و بفضله سموت- قال و كيف ذلك قال لأنك لم تذكر فخرا إلا برسول الله ص- و أنا أولى بالفخر به منك- قال ابن الزبير- لو شئت لفخرت عليك بما كان قبل النبوة- قال ابن عباس

قد أنصف القارة من راماها

 نشدتكم الله أيها الحاضرون- عبد المطلب أشرف أم خويلد في قريش- قالوا عبد المطلب- قال أ فهاشم كان أشرف فيها أم أسد قالوا بل هاشم- قال أ فعبد مناف أشرف أم عبد العزى قالوا عبد مناف فقال ابن عباس

تنافرني يا ابن الزبير و قد قضى
عليك رسول الله لا قول هازل‏

و لو غيرنا يا ابن الزبير فخرته‏
و لكنما ساميت شمس الأصائل‏

قضى لنا رسول الله ص بالفضل في قوله- ما افترقت فرقتان إلا كنت في خيرهما- فقد فارقناك من بعد قصي بن كلاب- أ فنحن في فرقة الخير أم لا- إن قلت نعم خصمت و إن قلت لا كفرت- . فضحك بعض القوم فقال ابن الزبير- أما و الله لو لا تحرمك بطعامنا يا ابن عباس- لأعرقت جبينك قبل أن تقوم من مجلسك- قال ابن عباس و لم- أ بباطل فالباطل لا يغلب الحق- أم بحق فالحق لا يخشى من الباطل- . فقالت المرأة من وراء الستر- إني و الله لقد نهيته عن هذا المجلس- فأبى إلا ما ترون- . فقال ابن عباس مه أيتها المرأة اقنعي ببعلك- فما أعظم الخطر و ما أكرم الخبر- فأخذ القوم بيد ابن عباس و كان قد عمي- فقالوا انهض أيها الرجل فقد أفحمته غير مرة- فنهض و قال-

ألا يا قومنا ارتحلوا و سيروا
فلو ترك القطا لغفا و ناما

فقال ابن الزبير يا صاحب القطاة أقبل علي- فما كنت لتدعني حتى أقول- و ايم الله لقد عرف الأقوام أني سابق غير مسبوق- و ابن حواري و صديق- متبجح في الشرف الأنيق خير من طليق- . فقال ابن عباس دسعت بجرتك فلم تبق شيئا- هذا الكلام مردود من امرئ حسود- فإن كنت سابقا فإلى من سبقت- و إن كنت فاخرا فبمن فخرت- فإن كنت أدركت هذا الفخر بأسرتك دون أسرتنا- فالفخر لك علينا- و إن كنت إنما أدركته بأسرتنا فالفخر لنا عليك- و الكثكث في فمك و يديك- و أما ما ذكرت‏ من الطليق- فو الله لقد ابتلي فصبر و أنعم عليه فشكر- و إن كان و الله لوفيا كريما غير ناقض بيعة بعد توكيدها- و لا مسلم كتيبة بعد التأمر عليها- . فقال ابن الزبير أ تعير الزبير بالجبن- و الله إنك لتعلم منه خلاف ذلك- . قال ابن عباس و الله إني لا أعلم إلا أنه فر و ما كر- و حارب فما صبر و بايع فما تمم و قطع الرحم- و أنكر الفضل و رام ما ليس له بأهل- .

و أدرك منها بعض ما كان يرتجي
و قصر عن جري الكرام و بلدا

و ما كان إلا كالهجين أمامه‏
عناق فجاراه العناق فأجهدا

 فقال ابن الزبير- لم يبق يا بني هاشم غير المشاتمة و المضاربة- . فقال عبد الله بن الحصين بن الحارث- أقمناه عنك يا ابن الزبير و تأبى إلا منازعته- و الله لو نازعته من ساعتك إلى انقضاء عمرك- ما كنت إلا كالسغب الظمآن- يفتح فاه يستزيد من الريح فلا يشبع من سغب- و لا يروى من عطش فقل إن شئت أو فدع و انصرف القوم

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 9

خطبه 172 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

172 و من كلام له ع لما عزم على لقاء القوم بصفين

اللَّهُمَّ رَبَّ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَ الْجَوِّ الْمَكْفُوفِ- الَّذِي جَعَلْتَهُ مَغِيضاً لِلَّيْلِ وَ النَّهَارِ- وَ مَجْرًى لِلشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ مُخْتَلَفاً لِلنُّجُومِ السَّيَّارَةِ- وَ جَعَلْتَ سُكَّانَهُ سِبْطاً مِنْ مَلَائِكَتِكَ- لَا يَسْأَمُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ- وَ رَبَّ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي جَعَلْتَهَا قَرَاراً لِلْأَنَامِ- وَ مَدْرَجاً لِلْهَوَامِّ وَ الْأَنْعَامِ- وَ مَا لَا يُحْصَى مِمَّا يُرَى وَ مَا لَا يُرَى- وَ رَبَّ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي الَّتِي جَعَلْتَهَا لِلْأَرْضِ أَوْتَاداً- وَ لِلْخَلْقِ اعْتِمَاداً إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا- فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ وَ سَدِّدْنَا لِلْحَقِّ- وَ إِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَارْزُقْنَا الشَّهَادَةَ- وَ اعْصِمْنَا مِنَ الْفِتْنَةِ- أَيْنَ الْمَانِعُ لِلذِّمَارِ- وَ الْغَائِرُ عِنْدَ نُزُولِ الْحَقَائِقِ مِنْ أَهْلِ الْحِفَاظِ- الْعَارُ وَرَاءَكُمْ وَ الْجَنَّةُ أَمَامَكُمْ السقف المرفوع السماء- و الجو المكفوف السماء أيضا- كفه أي جمعه و ضم بعضه إلى بعض و يمر في كلامه نحو هذا- و إن السماء هواء جامد أو ماء جامد- . و جعلته مغيضا لليل و النهار أي غيضة لهما- و هي في الأصل الأجمة يجتمع إليها الماء-فتسمى غيضة و مغيضا و ينبت فيها الشجر- كأنه جعل الفلك كالغيضة- و الليل و النهار كالشجر النابت فيها- . و وجه المشاركة أن المغيض أو الغيضة يتولد منهما الشجر- و كذلك الليل و النهار يتولدان من جريان الفلك- .

ثم عاد فقال و مجرى للشمس و القمر أي موضعا لجريانهما- . و مختلفا للنجوم السيارة- أي موضعا لاختلافها و اللام مفتوحة- . ثم قال جعلت سكانه سبطا من ملائكتك أي قبيلة- قال تعالى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً- . لا يسأمون لا يملون- و قرارا للأنام أي موضع استقرارهم و سكونهم- و مدرجا للهوام- أي موضع دروجهم و سيرهم و حركاتهم- و الهوام الحشرات و المخوف من الأحناش- . و ما لا يحصى أي لا يضبط بالإحصاء و العد- مما نراه و نعرفه و ما لا نراه و لا نعرفه- . و قال بعض العلماء- إن أردت أن تعرف حقيقة قوله مما يرى و ما لا يرى- فأوقد نارا صغيرة في فلاة في ليلة صيفية- و انظر ما يجتمع عليها من الأنواع الغريبة العجيبة الخلق- التي لم تشاهدها أنت و لا غيرك قط- .

قوله و للخلق اعتمادا لأنهم يجعلونها كالمساكن لهم- فينتفعون بها و يبنون منازل إلى جانبها- فيقوم مقام جدار قد استغنوا عن بنيانه- و لأنها أمهات العيون و منابع المياه- باعتماد الخلق على مرافقهم و منافعهم و مصالحهم عليها- .

قوله و سددنا للحق أي صوبنا إليه- من قولك منهم سديد أي مصيب- و سدد السنان إلى القرن أي صوبه نحوه- . و الذمار ما يحامى عنه- و الغائر ذو الغيرة- و نزول الحقائق نزول الأمور الشديدة كالحرب و نحوها- . ثم قال العار وراءكم أي إن رجعتم القهقرى هاربين- . و الجنة أمامكم أي إن أقدمتم على العدو مجاهدين- و هذا الكلام شريف جدا

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 9

خطبه 171 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

171 و من كلام له ع كلم به بعض العرب

وَ قَدْ أَرْسَلَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَمَّا قَرُبَ ع مِنْهَا- لِيَعْلَمَ لَهُمْ مِنْهُ حَقِيقَةَ حَالِهِ مَعَ أَصْحَابِ الْجَمَلِ- لِتَزُولَ الشُّبْهَةُ مِنْ نُفُوسِهِمْ- فَبَيَّنَ لَهُ ع مِنْ أَمْرِهِ مَعَهُمْ- مَا عَلِمَ بِهِ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ- ثُمَّ قَالَ لَهُ بَايِعْ- فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ قَوْمٍ- وَ لَا أُحْدِثُ حَدَثاً حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ ع- أَ رَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الَّذِينَ وَرَاءَكَ بَعَثُوكَ رَائِداً- تَبْتَغِي لَهُمْ مَسَاقِطَ الْغَيْثِ- فَرَجَعْتَ إِلَيْهِمْ وَ أَخْبَرْتَهُمْ عَنِ الْكَلَإِ وَ الْمَاءِ- فَخَالَفُوا إِلَى الْمَعَاطِشِ وَ الْمَجَادِبِ مَا كُنْتَ صَانِعاً- قَالَ كُنْتُ تَارِكَهُمْ وَ مُخَالِفَهُمْ إِلَى الْكَلَإِ وَ الْمَاءِ- فَقَالَ ع فَامْدُدْ إِذاً يَدَكَ- فَقَالَ الرَّجُلُ- فَوَاللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْتَنِعَ عِنْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيَّ- فَبَايَعْتُهُ ع- وَ الرَّجُلُ يُعْرَفُ بِكُلَيْبٍ الْجَرْمِيِّ الجرمي منسوب إلى بني جرم بن ربان- بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة من حمير- و كان هذا الرجل بعثه قوم من أهل البصرة إليه ع-يستعلم حاله أ هو على حجة أم على شبهة- فلما رآه ع و سمع لفظه علم صدقه و برهانه- فكان بينهما ما قد شرحه ع- .

و لا شي‏ء ألطف و لا أوقع- و لا أوضح من المثال الذي ضربه ع- و هو حجة لازمة لا مدفع لها- . قوله و لا أحدث حدثا أي لا أفعل ما لم يأمروني به- إنما أمرت باستعلام حالك فقط- فأما المبايعة لك فإن أحدثتها كنت فاعلا ما لم أندب له- . و مساقط الغيث المواضع التي يسقط الغيث فيها- و الكلأ النبت إذا طال و أمكن أن يرعى- و أول ما يظهر يسمى الرطب- فإذا طال قليلا فهو الخلى- فإذا طال شيئا آخر فهو الكلأ- فإذا يبس فهو الحشيش- . و المعاطش و المجادب- مواضع العطش و الجدب و هو المحل

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 9

خطبه 170 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)( أصحاب الجمل)

170 و من خطبة له ع عند مسير أصحاب الجمل إلى البصرة

إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ رَسُولًا هَادِياً بِكِتَابٍ نَاطِقٍ وَ أَمْرٍ قَائِمٍ- لَا يَهْلِكُ عَنْهُ إِلَّا هَالِكٌ- وَ إِنَّ الْمُبْتَدَعَاتِ الْمُشَبَّهَاتِ هُنَّ الْمُهْلِكَاتُ- إِلَّا مَا حَفِظَ اللَّهُ مِنْهَا- وَ إِنَّ فِي سُلْطَانِ اللَّهِ عِصْمَةً لِأَمْرِكُمْ- فَأَعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ مُلَوَّمَةٍ وَ لَا مُسْتَكْرَهٍ بِهَا- وَ اللَّهِ لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَيَنْقُلَنَّ اللَّهُ عَنْكُمْ سُلْطَانَ الْإِسْلَامِ- ثُمَّ لَا يَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبَداً- حَتَّى يَأْرِزَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِكُمْ- إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ تَمَالَئُوا عَلَى سَخْطَةِ إِمَارَتِي- وَ سَأَصْبِرُ مَا لَمْ أَخَفْ عَلَى جَمَاعَتِكُمْ- فَإِنَّهُمْ إِنْ تَمَّمُوا عَلَى فَيَالَةِ هَذَا الرَّأْيِ- انْقَطَعَ نِظَامُ الْمُسْلِمِينَ- وَ إِنَّمَا طَلَبُوا هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَداً لِمَنْ أَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ- فَأَرَادُوا رَدَّ الْأُمُورِ عَلَى أَدْبَارِهَا- وَ لَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى- وَ سُنَّةِ رَسُولِهِ ص- وَ الْقِيَامُ بِحَقِّهِ وَ النَّعْشُ لِسُنَّتِهِ و أمر قائم أي مستقيم ليس بذي عوج- لا يهلك عنه إلا هالك- تقديره لا يهلك عادلا عنه إلا هالك- و هذا كما تقول لا يعلم هذا الفن إلا عالم- أي من قد بلغ الغاية في العلم- و استحق أن يوصف بذلك و يشار إليه فيه- كذلك لا يهلك بعدوله عنه إلا من هو أعظم الهالكين- و من يشار إليه بالهلاك و قد بلغ الغاية في الهلاك- .

ثم قال إن المبتدعات المشبهات هن المهلكات- المبتدعات ما أحدث و لم يكن على عهد الرسول- و المشبهات التي تشبه السنن و ليست منها أي المشبهات بالسنن- و روي المشبهات بالكسر أي المشبهات على الناس- يقال قد شبه عليه الأمر أي ألبس عليه- و يروى المشتبهات أي الملتبسات- لا يعرف حقها من باطلها- . قال إلا من حفظ الله- أي من عصمه الله بألطاف يمتنع لأجلها عن الخطأ- ثم أمرهم بلزوم الطاعة و اتباع السلطان- و قال إن فيه عصمة لأمركم- فأعطوه طاعتكم غير ملومة- أي مخلصين ذوي طاعة محضة لا يلام باذلها- أي لا ينسب إلى النفاق- و لا مستكره بها أي ليست عن استكراه- بل يبذلونها اختيارا و محبة- و يروى غير ملوية أي معوجة من لويت العود- .

ثم أقسم أنهم إن لم يفعلوا- و إلا نقل الله عنهم سلطان الإسلام يعني الخلافة- ثم لا يعيده إليهم أبدا- حتى يأرز الأمر إلى غيرهم- أي حتى ينقبض و ينضم و يجتمع- وفي الحديث إن الإسلام ليأرز إلى المدينة- كما تأرز الحية إلى جحرها- . فإن قلت كيف قال إنه لا يعيده إليهم أبدا- و قد عاد إليهم بالخلافة العباسية- . قلت لأن الشرط لم يقع و هو عدم الطاعة- فإن أكثرهم أطاعوه طاعة غير ملومة و لا مستكره بها- و إذا لم يتحقق الشرط لم يتحقق المشروط- .

و قد أجاب قوم عن هذا- فقالوا خاطب الشيعة الطالبية- فقال إن لم تعطوني الطاعة المحضة- نقل الله الخلافة عن هذا البيت- حتى يأرز و ينضم إلى بيت آخر- و هكذا وقع فإنها انضمت إلى بيت آخر من بني هاشم- . و أجاب قوم آخرون فقالوا أراد بقوله أبدا المبالغة- كما تقول احبس هذا الغريم أبدا- و المراد بالقوم الذين يأرز الأمر إليهم بنو أمية- كأنه قال إن لم تفعلوا نقل الله الخلافة عنكم- حتى يجعلها في قوم آخرين- و هم أعداؤكم من أهل الشام و بني أمية- و لا يعيده إليكم إلى مدة طويلة و هكذا وقع- . و قد تمالئوا قد اجتمعوا- و تساعدوا على سخطة إمارتي- على كراهيتها و بغضها- . ثم وعد بالصبر عليهم ما لم يخف من فرقة الجماعة- و انتشار حبل الإسلام- . و فيالة الرأي ضعفه و كذلك فيولته- و رجل فيل الرأي أي ضعيفه- قال

بني رب الجواد فلا تفيلوا
فما أنتم فنعذركم لفيل‏

 أي لستم على رجل ضعيف الرأي و الجمع أفيال- و يقال أيضا رجل فال قال-

رأيتك يا أخيطل إذ جرينا
و جربت الفراسة كنت فالا

 قال إن تموا على هذا الرأي الضعيف- قطعوا نظام المسلمين و فرقوا جماعتهم- . ثم ذكر أن الحسد دعاهم إلى ذلك- و أفاءها عليه ردها عليه فاء يفي‏ء رجع- و فلان سريع الفي‏ء من غضبه أي سريع الرجوع- و إنه لحسن الفيئة بالكسر- مثال الفيعة أي حسن الرجوع- و هذا الكلام لا يشعر بأنه ع كان يعتقد أن الأمر له- و أنه غلب عليه ثم رجع إليه- و لكنه محمول على أنه من رسول الله ص بمنزلة الجزء من الكل- و أنهما من جوهر واحد- فلما كان الوالي قديما و هو رسول الله ص-ثم تخلل بين ولايته ص- و ولاية أمير المؤمنين ع ولايات غريبة- سمى ولايته فيئا و رجوعا- لأنها رجعت إلى الدوحة الهاشمية- و بهذا يجب أن يتأول قوله- فأرادوا رد الأمور على أدبارها- أي أرادوا انتزاع الخلافة من بني هاشم- كما انتزعت أولا- و إقرارها في بيوت بعيدة عن هذا البيت- أسوة بما وقع من قبل- . و النعش مصدر نعش أي رفع و لا يجوز أنعش

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 9

خطبه 169 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

169 و من كلام له ع بعد ما بويع له بالخلافة

و قد قال له قوم من الصحابة- لو عاقبت قوما ممن أجلب على عثمان فقال ع: يَا إِخْوَتَاهْ إِنِّي لَسْتُ أَجْهَلُ مَا تَعْلَمُونَ- وَ لَكِنْ كَيْفَ لِي بِقُوَّةٍ وَ الْقَوْمُ الْمُجْلِبُونَ- عَلَى حَدِّ شَوْكَتِهِمْ يَمْلِكُونَنَا وَ لَا نَمْلِكُهُمْ- وَ هَا هُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ ثَارَتْ مَعَهُمْ عِبْدَانُكُمْ- وَ الْتَفَّتْ إِلَيْهِمْ أَعْرَابُكُمْ- وَ هُمْ خِلَالَكُمْ يَسُومُونَكُمْ مَا شَاءُوا- وَ هَلْ تَرَوْنَ مَوْضِعاً لِقُدْرَةٍ عَلَى شَيْ‏ءٍ تُرِيدُونَهُ- إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ أَمْرُ جَاهِلِيَّةٍ- وَ إِنَّ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مَادَّةً- إِنَّ النَّاسَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ إِذَا حُرِّكَ عَلَى أُمُورٍ- فِرْقَةٌ تَرَى مَا تَرَوْنَ وَ فِرْقَةٌ تَرَى مَا لَا تَرَوْنَ- وَ فِرْقَةٌ لَا تَرَى هَذَا وَ لَا هَذَا- فَاصْبِرُوا حَتَّى يَهْدَأَ النَّاسُ وَ تَقَعَ الْقُلُوبُ مَوَاقِعَهَا- وَ تُؤْخَذَ الْحُقُوقُ مُسْمَحَةً- فَاهْدَءُوا عَنِّي وَ انْظُرُوا مَا ذَا يَأْتِيكُمْ بِهِ أَمْرِي- وَ لَا تَفْعَلُوا فَعْلَةً تُضَعْضِعُ قُوَّةً وَ تُسْقِطُ مُنَّةً- وَ تُورِثُ وَهْناً وَ ذِلَّةً وَ سَأُمْسِكُ الْأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ- وَ إِذَا لَمْ أَجِدْ بُدّاً فَآخِرُ الدَّوَاءِ الْكَيُّ أجلب عليه أعان عليه و أجلبه أعانه- و الألف في يا إخوتاه بدل من ياء الإضافة و الهاء للسكت- .

و على حد شوكتهم شدتهم أي لم تنكسر سورتهم- . و العبدان جمع عبد بالكسر مثل جحش و جحشان- و جاء عبدان بالضم مثل تمر و تمران- و جاء عبيد مثل كلب و كليب و هو جمع عزيز- و جاء أعبد و عباد و عبدان مشددة الدال- و عبداء بالمد و عبدى بالقصر و معبوداء بالمد- و عبد بالضم مثل سقف و سقف و أنشدوا-

أنسب العبد إلى آبائه
أسود الجلدة من قوم عبد

و منه قرأ بعضهم وَ عَبَدَ الطَّاغُوتَ و أضافه- . قوله و التفت إليهم أعرابكم انضمت و اختلطت بهم- . و هم خلالكم أي بينكم يسومونكم ما شاءوا يكلفونكم- قال تعالى يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ- . و تؤخذ الحقوق مسمحة من أسمح أي ذل و انقاد- . فاهدءوا عني أي فاسكنوا- هدأ الرجل هدءا و هدوءا أي سكن و أهدأه غيره- و تضعضع قوة تضعف و تهد ضعضعت البناء هددته- و المنة القوة و الوهن الضعف- و آخر الدواء الكي مثل مشهور- و يقال آخر الطب و يغلط فيه العامة فتقول آخر الداء- و الكي ليس من الداء ليكون آخره‏

موقف علي من قتلة عثمان

و اعلم أن هذا الكلام يدل على أنه ع- كان في نفسه عقاب الذين حصروا عثمان- و الاقتصاص ممن قتله- إن كان بقي ممن باشر قتله أحد- و لهذا قال إني لست أجهل ما تعلمون- فاعترف بأنه عالم بوجوب ذلك- و اعتذر بعدم التمكن كما ينبغي و صدق ع- فإن أكثر أهل المدينة أجلبوا عليه- و كان من أهل مصر و من الكوفة- عالم عظيم حضروا من بلادهم- و طووا المسالك البعيدة لذلك- و انضم إليهم أعراب أجلاف من البادية- و كان الأمر أمر جاهلية كما قال ع- و لو حرك ساكنا لاختلف الناس و اضطربوا- فقوم يقولون أصاب و قوم يقولون أخطأ- و قوم لا يحكمون بصواب و لا خطأ بل يتوقفون و لا يأمن- لو شرع في عقوبة الناس و القبض عليهم- من تجدد فتنة أخرى كالأولى و أعظم- فكان الأصوب في التدبير- و الذي يوجبه الشرع و العقل الإمساك إلى حين سكون الفتنة- و تفرق تلك الشعوب و عود كل قوم إلى بلادهم- و كان ع يؤمل أن يطيعه معاوية و غيره- و أن يحضر بنو عثمان عنده يطالبون بدم أبيهم- و يعينون قوما بأعيانهم- بعضهم للقتل و بعضهم للحصار و بعضهم للتسور- كما جرت عادة المتظلمين إلى الإمام و القاضي- فحينئذ يتمكن من العمل بحكم الله تعالى- فلم يقع الأمر بموجب ذلك- و عصى معاوية و أهل الشام- و التجأ ورثة عثمان إليه- و فارقوا حوزة أمير المؤمنين ع- و لم يطلبوا القصاص طلبا شرعيا و إنما طلبوه مغالبة- و جعلها معاوية عصبية الجاهلية- و لم يأت أحد منهم الأمر من بابه- و قبل ذلك ما كان من أمر طلحة و الزبير- و نقضهما البيعة- و نهبهما أموال المسلمين بالبصرة- و قتلهما الصالحين من أهلها- و جرت أمور كلها تمنع الإمام عن التصدي للقصاص- و اعتماد ما يجب اعتماده- لو كان الأمر وقع على القاعدةالصحيحة من المطالبة بذلك- على وجه السكون و الحكومة- و قد قال هو ع لمعاوية فأما طلبك قتلة عثمان- فادخل في الطاعة و حاكم القوم إلي- أحملك و إياهم على كتاب الله و سنة رسوله- .

قال أصحابنا المعتزلة رحمهم الله- و هذا عين الحق و محض الصواب- لأنه يجب دخول الناس في طاعة الإمام- ثم تقع المحاكمة إليه- فإن حكم بالحق استديمت إمامته- و إن حكم بالجور انتقض أمره و تعين خلعه- . فإن قلت فما معنى قوله و سأمسك الأمر ما استمسك- فإذا لم أجد بدا فآخر الدواء الكي- .

قلت ليس معناه- و سأصبر عن معاقبة هؤلاء ما أمكن الصبر- فإذا لم أجد بدا عاقبتهم- و لكنه كلام قاله أول مسير طلحة و الزبير إلى البصرة- فإنه حينئذ أشار عليه قوم بمعاقبة المجلبين- فاعتذر بما قد ذكر ثم قال- و سأمسك الأمر ما استمسك- أي أمسك نفسي- عن محاربة هؤلاء الناكثين للبيعة ما أمكنني- و أدفع الأيام بمراسلتهم و تخويفهم و إنذارهم- و أجتهد في ردهم إلى الطاعة بالترغيب و الترهيب- فإذا لم أجد بدا من الحرب- فآخر الدواء الكي أي الحرب- لأنها الغاية التي ينتهي أمر العصاة إليها

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 9

خطبه 168 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

168 و من خطبة له ع في أول خلافته

إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سُبْحَانَهُ أَنْزَلَ كِتَاباً هَادِياً- بَيَّنَ فِيهِ الْخَيْرَ وَ الشَّرَّ- فَخُذُوا نَهْجَ الْخَيْرِ تَهْتَدُوا- وَ اصْدِفُوا عَنْ سَمْتِ الشَّرِّ تَقْصِدُوا- الْفَرَائِضَ الْفَرَائِضَ أَدُّوهَا إِلَى اللَّهِ تُؤَدِّكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ- إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ حَرَاماً غَيْرَ مَجْهُولٍ- وَ أَحَلَّ حَلَالًا غَيْرَ مَدْخُولٍ- وَ فَضَّلَ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْحُرَمِ كُلِّهَا- وَ شَدَّ بِالْإِخْلَاصِ وَ التَّوْحِيدِ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا- فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَ يَدِهِ إِلَّا بِالْحَقِّ- وَ لَا يَحِلُّ أَذَى الْمُسْلِمِ إِلَّا بِمَا يَجِبُ- بَادِرُوا أَمْرَ الْعَامَّةِ وَ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ وَ هُوَ الْمَوْتُ- فَإِنَّ النَّاسَ أَمَامَكُمْ وَ إِنَّ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ مِنْ خَلْفِكُمْ- تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ- اتَّقُوا اللَّهَ فِي عِبَادِهِ وَ بِلَادِهِ- فَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ وَ الْبَهَائِمِ- وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ لَا تَعْصُوهُ- وَ إِذَا رَأَيْتُمُ الْخَيْرَ فَخُذُوا بِهِ- وَ إِذَا رَأَيْتُمُ الشَّرَّ فَأَعْرِضُوا عَنْهُ‏

و اصدفوا عن سمت الشر أي أعرضوا عن طريقه- تقصدوا أي تعدلوا و القصد العدل- . ثم أمر بلزوم الفرائض من العبادات و المحافظة عليها- كالصلاة و الزكاة و انتصب ذلك على الإغراء- . ثم ذكر أن الحرام غير مجهول للمكلف بل معلوم- و الحلال غير مدخول أي لا عيب و لا نقص فيه- و أن حرمة المسلم أفضل من جميع الحرمات- و هذا لفظالخبر النبوي حرمة المسلم فوق كل حرمة دمه و عرضه و ماله- .

قال ع- و شد بالإخلاص و التوحيد حقوق المسلمين في معاقدها- لأن الإخلاص و التوحيد- داعيان إلى المحافظة على حقوق المسلمين- صارفان عن انتهاك محارمهم- . قال فالمسلم من سلم الناس هذا لفظ الخبر النبوي بعينه- . قوله و لا يحل أذى المسلم إلا بما يجب أي إلا بحق- و هو الكلام الأول و إنما أعاده تأكيدا- . ثم أمر بمبادرة الموت و سماه الواقعة العامة- لأنه يعم الحيوان كله ثم سماه خاصة أحدكم- لأنه و إن كان عاما إلا أن له مع كل إنسان بعينه- خصوصية زائدة على ذلك العموم- . قوله فإن الناس أمامكم أي قد سبقوكم- و الساعة تسوقكم من خلفكم- .ثم أمر بالتخفف و هو القناعة من الدنيا باليسير- و ترك الحرص عليها- فإن المسافر الخفيف أحرى بالنجاة- و لحاق أصحابه و بلوغ المنزل من الثقيل- .

و قوله فإنما ينتظر بأولكم آخركم- أي إنما ينتظر ببعث الموتى المتقدمين- أن يموت الأواخر أيضا- فيبعث الكل جميعا في وقت واحد- . ثم ذكر أنهم مسئولون عن كل شي‏ء حتى عن البقاع- لم استوطنتم هذه و زهدتم في هذه- و لم أخربتم هذه الدار و عمرتم هذه الدار- و حتى عن البهائم لم ضربتموها لم أجعتموها- . و روي فإن البأس أمامكم يعني الفتنة- و الرواية الأولى أظهر- وقد ورد في الأخبار النبوية لينتصفن للجماء من القرناءوجاء في الخبر الصحيح إن الله تعالى عذب إنسانا بهر- حبسه في بيت و أجاعه حتى هلك

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 9

خطبه 167 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

167 و من خطبة له ع

لِيَتَأَسَّ صَغِيرُكُمْ بِكَبِيرِكُمْ- وَ لْيَرْأَفْ كَبِيرُكُمْ بِصَغِيرِكُمْ- وَ لَا تَكُونُوا كَجُفَاةِ الْجَاهِلِيَّةِ- لَا فِي الدِّينِ يَتَفَقَّهُونَ وَ لَا عَنِ اللَّهِ يَعْقِلُونَ- كَقَيْضِ بَيْضٍ فِي أَدَاحٍ- يَكُونُ كَسْرُهَا وِزْراً وَ يُخْرِجُ حِضَانُهَا شَرّاً أمرهم ع أن يتأسى الصغير منهم بالكبير- في أخلاقه و آدابه- فإن الكبير لكثرة التجربة أحزم و أكيس- و أن يرأف الكبير بالصغير- و الرأفة الرحمة لأن الصغير مظنة الضعف و الرقة- .

ثم نهاهم عن خلق الجاهلية في الجفاء و القسوة- و قال إنهم لا يتفقهون في دين- و لا يعقلون عن الله ما يأمرهم به- و هذا من قول الله سبحانه- صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ- و روي تتفقهون بتاء الخطاب- . ثم شبههم ببيض الأفاعي في الأعشاش- يظن بيض القطا فلا يحل لمن رآه أن يكسره- لأنه يظنه بيض القطا- و حضانه يخرج شرا لأنه يفقص عن أفعى- .

و استعار لفظة الأداحي للأعشاش مجازا- لأن الأداحي لا تكون إلا للنعام- تدحوها بأرجلها و تبيض فيها- و دحوها توسيعها من دحوت الأرض- . و القيض الكسر و الفلق قضت القارورة و البيضة- و انقاضت هي و انقاض الجدار انقياضا- أي تصدع من غير أن يسقط- فإن سقط قيل تقيض تقيضا و تقوض تقوضا و قوضته أنا- و تقول للبيضة إذا تكسرت فلقا تقيضت تقيضا- فإن تصدعت و لم تنفلق- قلت انقاضت فهي منقاضة و القارورة مثله: مِنْهَا- افْتَرَقُوا بَعْدَ أُلْفَتِهِمْ وَ تَشَتَّتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ- فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ مَالَ مَعَهُ- عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيَجْمَعُهُمْ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ- كَمَا يَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ- يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجْمَعُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ- ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ لَهُمْ أَبْوَاباً- يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ- حَيْثُ لَمْ تَسْلَمْ عَلَيْهِ قَارَةٌ- وَ لَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ- وَ لَمْ يَرُدَّ سُنَنَهُ رَصُّ طَوْدٍ وَ لَا حِدَابُ أَرْضٍ- يُذَعْذِعُهُمُ اللَّهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَتِهِ-

ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ- يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ- وَ يُمَكِّنُ لِقَوْمٍ فِي دِيَارِ قَوْمٍ- وَ ايْمُ اللَّهِ لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ وَ التَّمْكِينِ- كَمَا تَذُوبُ الْأَلْيَةُ عَلَى النَّارِ- أَيُّهَا النَّاسُ لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ نَصْرِ الْحَقِّ- وَ لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ- لَمْ‏ يَطْمَعْ فِيكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ- وَ لَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ- لَكِنَّكُمْ تِهْتُمْ مَتَاهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ- وَ لَعَمْرِي لَيُضَعَّفَنَّ لَكُمُ التِّيْهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافاً- بِمَا خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ- وَ قَطَعْتُمُ الْأَدْنَى وَ وَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ- وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمُ الدَّاعِيَ لَكُمْ- سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِ وَ كُفِيتُمْ مَئُونَةَ الِاعْتِسَافِ- وَ نَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْفَادِحَ عَنِ الْأَعْنَاقِ هو ع يذكر حال أصحابه و شيعته بعده- فيقول افترقوا بعد ألفتهم أي بعد اجتماعهم- .

و تشتتوا عن أصلهم أي عني بعد مفارقتي فمنهم آخذ بغصن- أي يكون منهم من يتمسك بمن أخلفه بعدي من ذرية الرسول- أينما سلكوا سلكوا معهم- و تقدير الكلام و منهم من لا يكون هذه حاله لكنه لم يذكره ع- اكتفاء بذكر القسم الأول لأنه دال على القسم الثاني- . ثم قال على أن هؤلاء القوم- من ثبت منهم على عقيدته فينا و من لم يثبت- لا بد أن يجمعهم الله تعالى لشر يوم لبني أمية و كذا كان- فإن الشيعة الهاشمية اجتمعت على إزالة ملك بني مروان- من كان منهم ثابتا على ولاء علي بن أبي طالب ع- و من حاد منهم عن ذلك- و ذلك في أواخر أيام مروان الحمار- عند ظهور الدعوة الهاشمية- .

و قزع الخريف جمع قزعة- و هي سحب صغار تجتمع فتصير ركاما- و هو ما كثف‏من السحاب- و ركمت الشي‏ء أركمه إذا جمعته و ألقيت بعضه على بعض- . و مستثارهم موضع ثورتهم- . و الجنتان هما اللتان قال الله تعالى فيهما- لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ- و سلط الله عليهما السيل- قال الله تعالى فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ- فشبه ع سيلان الجيوش إلى بني أمية- بالسيل المسلط على تينك الجنتين- . فإنه لم تسلم عليه قارة و هي الجبيل الصغير و لم تثبت له أكمة و هي التلعة من الأرض- . و لم يرد سننه أي طريقه- طود مرصوص أي جبل شديد التصاق الأجزاء بعضها ببعض- و لا حداب أرض جمع حدبة و هي الروابي و النجاد- .

ثم قال يذعذعهم الله الذعذعة بالذال المعجمة مرتين- التفريق و ذعذعة الشر إذاعته- . ثم يسلكهم ينابيع في الأرض من ألفاظ القرآن- و المراد أنه كما أن الله تعالى ينزل من السماء ماء- فيستكن في أعماق الأرض- ثم يظهر منها ينابيع إلى ظاهرها كذلك هؤلاء القوم- يفرقهم الله تعالى في بطون الأودية و غوامض الأغوار- ثم‏يظهرهم بعد الاختفاء- فيأخذ بهم من قوم حقوق آخرين- و يمكن منهم قوما من ملك قوم و ديارهم- . ثم أقسم ليذوبن ما في أيدي بني أمية- بعد علوهم و تمكينهم كما تذوب الألية على النار- و همزة الألية مفتوحة و جمعها أليات بالتحريك- و التثنية أليان بغير تاء- قال الراجز

ترتج ألياه ارتجاج الوطب‏

و جمع الألية ألاء على فعال- و كبش آلى على أفعل و نعجة ألياء- و الجمع ألي على فعل- و يقال أيضا كبش أليان بالتحريك و كباش أليانات- و رجل أليأ أي عظيم الألية- و امرأة عجزاء و لا تقل ألياء و قد قاله بعضهم- و قد ألي الرجل بالكسر يألى عظمت أليته- . ثم قال لو لا تخاذلكم لم يطمع فيكم من هو دونكم- . و تهنوا مضارع وهن أي ضعف- و هو من ألفاظ القرآن أيضا- . و تهتم متاه بني إسرائيل حرتم و ضللتم الطريق- و

قد جاء في المسانيد الصحيحة أن رسول الله ص قال لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل- و القذة بالقذة- حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه- فقيل يا رسول الله اليهود و النصارى قال فمن إذاو
من الأخبار الصحيحة أيضا أ متهوكون أنتم كما تهوكت اليهود و النصارىو
في صحيحي البخاري و مسلم رحمهما الله أنه سيجاء يوم القيامة بأناس من أمتي-فيؤخذ بهم ذات الشمال فإذا رأيتهم اختلجوا دوني- قلت أي رب أصحابي فيقال لي إنك لا تدري ما عملوا بعدك- فأقول ما قال العبد الصالح- وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ- فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ- وَ أَنْتَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ

الإسناد في هذا الحديث عن ابن عباس رضي الله عنه وفي الصحيحين أيضا عن زينب بنت جحش قالت استيقظ رسول الله ص يوما من نومه محمرا وجهه- و هو يقول لا إله إلا الله- ويل للعرب من شر قد اقترب- فقلت يا رسول الله أ نهلك و فينا الصالحون- فقال نعم إذا كثر الخبث و في الصحيحين أيضا يهلك أمتي هذا الحي من قريش- قالوا يا رسول الله فما تأمرنا- قال لو أن الناس اعتزلوهم

رواه أبو هريرة عنه ص- .ثم قال ع ليضعفن لكم التيه من بعدييعني الضلال- يضعفه لكم الشيطان- و أنفسكم بما خلفتم الحق وراء ظهوركم- أي لأجل ترككم الحق- و قطعكم الأدنى يعني نفسه- و وصلكم الأبعد يعني معاوية- و يروى إن اتبعتم الراعي لكم بالراء- . و الاعتساف سلوك غير الطريق- و الفادح الثقل فدحه الدين أثقله

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 9

خطبه 166 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(عجيب خلقة الطاوس)

166 و من خطبة له ع يذكر فيها عجيب خلقة الطاوس

ابْتَدَعَهُمْ خَلْقاً عَجِيباً مِنْ حَيَوَانٍ وَ مَوَاتٍ- وَ سَاكِنٍ وَ ذِي حَرَكَاتٍ- وَ أَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ الْبَيِّنَاتِ عَلَى لَطِيفِ صَنْعَتِهِ- وَ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ- مَا انْقَادَتْ لَهُ الْعُقُولُ مُعْتَرِفَةً بِهِ وَ مَسَلِّمَةً لَهُ- وَ نَعَقَتْ فِي أَسْمَاعِنَا دَلَائِلُهُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ- وَ مَا ذَرَأَ مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ الْأَطْيَارِ- الَّتِي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ الْأَرْضِ- وَ خُرُوقَ فِجَاجِهَا وَ رَوَاسِيَ أَعْلَامِهَا- مِنْ ذَاتِ أَجْنِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وَ هَيْئَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ- مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَامِ التَّسْخِيرِ- وَ مُرَفْرِفَةٍ بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ الْجَوِّ الْمُنْفَسِحِ- وَ الْفَضَاءِ الْمُنْفَرِجِ- كَوَّنَهَا بَعْدَ إِذْ لَمْ تَكُنْ فِي عَجَائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ- وَ رَكَّبَهَا فِي حِقَاقِ مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَةٍ- وَ مَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ خَلْقِهِ أَنْ يَسْمُوَ فِي الْهَوَاءِ خُفُوفاً- وَ جَعَلَهُ يَدِفُّ دَفِيفاً- وَ نَسَقَهَا عَلَى اخْتِلَافِهَا فِي الْأَصَابِيغِ بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ- وَ دَقِيقِ صَنْعَتِهِ- فَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي قَالَبِ لَوْنٍ لَا يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِيهِ- وَ مِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي لَوْنِ صِبْغٍ قَدْ طُوِّقَ بِخِلَافِ مَا صُبِغَ بِهِ الموات بالفتح ما لا حياة فيه و أرض موات أي قفر- و الساكن هاهنا كالأرض و الجبال- و ذو الحركات كالنار و الماء الجاري و الحيوان- .

و نعقت في أسماعنا دلائله أي صاحت دلائله- لظهورها كالأصوات المسموعة التي تعلم يقينا- . و أخاديد الأرض شقوقها جمع أخدود- و فجاجها جمع فج و هو الطريق بين الجبلين- و رواسي أعلامها أثقال جبالها- . مصرفة في زمام التسخير- أي هي مسخرة تحت القدرة الإلهية- . و حقاق المفاصل جمع حق- و هو مجمع المفصلين من الأعضاء كالركبة- و جعلها محتجبة لأنها مستورة بالجلد و اللحم- . و عبالة الحيوان كثافة جسده- و الخفوف سرعة الحركة- و الدفيف للطائر طيرانه فويق الأرض- يقال عقاب دفوف قال إمرؤ القيس يصف فرسه و يشبهها بالعقاب-كأني بفتخاء الجناحين لقوة دفوف من العقبان طأطأت شملالي‏- .و نسقها رتبها- و الأصابيغ جمع أصباغ و أصباغ جمع صبغ- . و المغموس الأول هو ذو اللون الواحد كالأسود و الأحمر- و المغموس الثاني ذو اللونين- نحو أن يكون أحمر و عنقه خضراء- .

و روي قد طورق لون أي لون على لون- كما تقول طارقت بين الثوبين- . فإن قلت ما هذه الطيور التي يسكن بعضها الأخاديد- و بعضها الفجاج- و بعضها رءوس الجبال- . قلت أما الأول فكالقطا و الصدى- و الثاني كالقبج و الطيهوج- و الثالث كالصقر و العقاب‏:

وَ مِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقاً الطَّاوُسُ- الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْسَنِ تَعْدِيلٍ- وَ نَضَّدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيدٍ- بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ وَ ذَنَبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ- إِذَا دَرَجَ إِلَى الْأُنْثَى نَشَرَهُ مِنْ طَيِّهِ- وَ سَمَا بِهِ مُطِلًّا عَلَى رَأْسِهِ- كَأَنَّهُ قِلْعُ دَارِيٍّ عَنَجَهُ نُوتِيُّهُ- يَخْتَالُ بِأَلْوَانِهِ وَ يَمِيسُ بِزَيَفَانِهِ- يُفْضِي كَإِفْضَاءِ الدِّيَكَةِ- وَ يَؤُرُّ بِمَلَاقِحِهِ أَرَّ الْفُحُولِ الْمُغْتَلِمَةِ لِلضِّرَابِ- أُحِيلُكَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مُعَايَنَةٍ- لَا كَمَنْ يُحِيلُ عَلَى ضَعِيفٍ إِسْنَادُهُ- وَ لَوْ كَانَ كَزَعْمِ مَنْ يَزْعُمُ- أَنَّهُ يُلْقِحُ بِدَمْعَةٍ تَسْفَحُهَا مَدَامِعُهُ- فَتَقِفُ فِي ضَفَّتَيْ جُفُونِهِ- وَ أَنَّ أُنْثَاهُ تَطْعَمُ ذَلِكَ- ثُمَّ تَبِيضُ لَا مِنْ لِقَاحِ فَحْلٍ سِوَى الدَّمْعِ الْمُنْبَجِسِ- لَمَا كَانَ ذَلِكَ بِأَعْجَبَ مِنْ مُطَاعَمَةِ الْغُرَابِ الطاوس فاعول كالهاضوم و الكابوس و ترخيمه طويس- و نضد رتب- قوله أشرج قصبه القصب هاهنا عروق الجناح- و غضاريفه عظامه الصغار- و أشرجها ركب بعضها في بعض كما تشرج العيبة- أي يداخل بين أشراجها و هي عراها- واحدها شرج بالتحريك- .

ثم ذكر ذنب الطاوس و أنه طويل المسحب- و أن الطاوس إذا درج إلى الأنثى للسفاد نشر ذنبه من طيه- و علا به مرتفعا على رأسه- و القلع شراع السفينة و جمعه قلاع- و الداري جالب العطر في البحر من دارين- و هي فرضة بالبحرين- فيها سوق يحمل إليها المسك من الهند وفي الحديث الجليس الصالح كالداري- إن لم يحذك من عطره علقك من ريحه- قال الشاعر-

إذا التاجر الداري جاء بفأرة
من المسك راحت في مفارقهم تجري‏

 و النوتي الملاح و جمعه نواتي- . و عنجه عطفه- و عنجت خطام البعير رددته على رجليه- أعنجه بالضم و الاسم العنج بالتحريك- و في المثل عود يعلم العنج يضرب مثلا لتعليم الحاذق- . و يختال من الخيلاء و هي العجب و يميس يتبختر- . و زيفانه تبختره زاف يزيف- و منه ناقة زيافة أي مختالة قال عنترةزيافة مثل الفنيق المكدم‏- .

و كذلك ذكر الحمام عند الحمامة إذا جر الذنابى- و دفع مقدمه بمؤخره و استدار عليها- . و يفضي يسفد- و الديكة جمع ديك- كالقرطة و الجحرة جمع قرط و جحر- . و يؤر يسفد- و الأر الجماع و رجل آر كثير الجماع- و ملاقحه أدوات اللقاح و أعضاؤه و هي آلات التناسل- . قوله أر الفحول- أي أرا مثل أر الفحول ذات الغلمة و الشبق- . ثم ذكر أنه لم يقل ذلك عن إسناد- قد يضعف و يتداخله الطعن- بل قال ذلك عن عيان و مشاهدة- .

فإن قلت من أين للمدينة طواويس- و أين العرب و هذا الطائر حتى يقول أمير المؤمنين ع- أحيلك من ذلك على معاينة- لا سيما و هو يعني السفاد- و رؤية ذلك لمن تكثر الطواويس في داره- و يطول مكثها عنده نادرة- . قلت لم يشاهد أمير المؤمنين ع الطواويس بالمدينة- بل بالكوفة- و كانت يومئذ تجبى إليها ثمرات كل شي‏ء- و تأتي إليها هدايا الملوك من الآفاق- و رؤية المسافدة مع وجود الذكر و الأنثى غير مستبعدة- .

و اعلم أن قوما زعموا أن الذكر تدمع عينه- فتقف الدمعة بين أجفانه- فتأتي الأنثى فتطعمها فتلقح من تلك الدمعة- و أمير المؤمنين ع لم يحل ذلك و لكنه قال- ليس بأعجب من مطاعمة الغراب- و العرب تزعم أن الغراب لا يسفد- و من أمثالهم أخفى من سفاد الغراب- فيزعمون أن اللقاح من مطاعمة الذكر و الأنثى منهما- و انتقال جزء من الماء الذي في قانصته إليها من منقاره- و أما الحكماء فقل أن يصدقوا بذلك- على أنهم قد قالوا في كتبهم ما يقرب من هذا- قالوا في السمك البياض- إن سفاده خفي جدا- و إنه لم يظهر ظهورا يعتد به و يحكم بسببه- .

هذا لفظ ابن سينا في كتاب الشفاء- ثم قال و الناس يقولون- إن الإناث تأخذ زرع الذكور في أفواهها إلى بطونها- ثم قال و قد شوهدت الإناث منها تتبع الذكور مبتلعة للزرع- و أما عند الولادة فإن الذكور تتبع الإناث مبتلعة بيضها- . قال ابن سينا- و القبجة تحبلها ريح تهب من ناحية الحجل الذكر- و من سماع صوته- . قال و النوع المسمى مالاقيا تتلاصق بأفواهها ثم تتشابك- فذاك سفادها- و سمعت‏ أن الغراب يسفد و أنه قد شوهد سفاده- و يقول الناس إن من شاهد سفاد الغراب يثري و لا يموت- إلا و هو كثير المال موسر- . و الضفتان بفتح الضاد الجنابان و هما ضفتا النهر- و قد جاء ذلك بالكسر أيضا و الفتح أفصح- .

و المنبجس المنفجر و يسفحها يصبها- و روي تنشجها مدامعه من النشيج- و هو صوت الماء و غليانه من زق أو حب أو قدر: تَخَالُ قَصَبَهُ مَدَارِيَ مِنْ فِضَّةٍ- وَ مَا أُنْبِتَ عَلَيْهَا مِنْ عَجِيبِ دَارَاتِهِ- وَ شُمُوسِهِ خَالِصَ الْعِقْيَانِ وَ فِلَذَ الزَّبَرْجَدِ- فَإِنْ شَبَّهْتَهُ بِمَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ- قُلْتَ جَنِيٌّ جُنِيَ مِنْ زَهْرَةِ كُلِّ رَبِيعٍ- وَ إِنْ ضَاهَيْتَهُ بِالْمَلَابِسِ فَهُوَ كَمَوْشِيِّ الْحُلَلِ- أَوْ كَمُونِقِ عَصْبِ الْيَمَنِ- وَ إِنْ شَاكَلْتَهُ بِالْحُلِيِّ فَهُوَ كَفُصُوصٍ ذَاتِ أَلْوَانٍ- قَدْ نُطِّقَتْ بِاللُّجَيْنِ الْمُكَلَّلِ- يَمْشِي مَشْيَ الْمَرِحِ الْمُخْتَالِ وَ يَتَصَفَّحُ ذَنَبَهُ وَ جَنَاحَهُ- فَيُقَهْقِهُ ضَاحِكاً لِجَمَالِ سِرْبَالِهِ وَ أَصَابِيغِ وِشَاحِهِ- فَإِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى قَوَائِمِهِ- زَقَا مُعْوِلًا بِصَوْتٍ يَكَادُ يُبِينُ عَنِ اسْتِغَاثَتِهِ- وَ يَشْهَدُ بِصَادِقِ تَوَجُّعِهِ- لِأَنَّ قَوَائِمَهُ حُمْشٌ كَقَوَائِمِ الدِّيَكَةِ الْخِلَاسِيَّةِ قصبه عظام أجنحته- و المداري جمع مدرى و هو في الأصل القرن- قال النابغة يصف الثور و الكلاب-

شك الفريصة بالمدرى فأنفذها
شك المبيطر إذ يشفي من العضد

و كذلك المدراة و يقال المدرى لشي‏ء- كالمسلة تصلح بها الماشطة شعور النساء- قال الشاعر

تهلك المدراة في أكنافه
و إذا ما أرسلته يعتفر

و تمدرت المرأة أي سرحت شعرها- شبه عظام أجنحة الطاوس بمدارى من فضة لبياضها- و شبه ما أنبت الله عليها من تلك الدارات- و الشموس التي في الريش بخالص العقيان و هو الذهب- . و فلذ الزبرجد جمع فلذة و هي القطعة- و الزبرجد هذا الجوهر الذي تسميه الناس البلخش- . ثم قال إن شبهته بنبات الأرض- قلت إنه قد جني من زهرة كل ربيع في الأرض- لاختلاف ألوانه و أصباغه- . و إن ضاهيته بالملابس المضاهاة المشاكلة يهمز و لا يهمز- و قرئ يضاهون قول الذين كفروا و يُضاهِؤُنَ- و هذا ضهي هذا على فعيل أي شبيهه- . و موشي الحلل ما دبج بالوشي و هو الأرقم الملون- و العصب برود اليمن- . و الحلي جمع حلي- و هو ما تلبسه المرأة من الذهب و الفضة- مثل ثدي و ثدي و وزنه فعول- و قد تكسر الحاء لمكان الياء مثل عصي- و قرئ مِنْ حُلِيِّهِمْ بالضم و الكسر- . و نطقت باللجين جعلت الفضة كالنطاق لها- و المكلل ذو الإكليل- .

و زقا صوت يزقو زقوا و زقيا و زقاء- و كل صائح زاق و الزقية الصيحة- و هو أثقل من الزواقي أي الديكة- لأنهم كانوا يسمرون فإذا صاحت الديكة تفرقوا- . و معولا صارخا أعولت الفرس صوتت- و منه العويل و العولة- . و قوائمه حمش دقاق- و هو أحمش الساقين و حمش الساقين بالتسكين- و قد حمشت قوائمه أي دقت- و تقول العرب للغلام إذا كانت أمه بيضاء و أبوه عربيا آدم فجاء لونه بين لونيهما- . خلاسي بالكسر و الأنثى خلاسية- و قال الليث الديكة الخلاسية- هي المتولدة من الدجاج الهندي و الفارسي- . يقول ع إن الطاوس يزهى بنفسه- و يتيه إذا نظر في أعطافه و رأى ألوانه المختلفة- فإذا نظر إلى ساقيه وجم لذلك و انكسر نشاطه و زهوه- فصاح صياح العويل لحزنه- و ذلك لدقة ساقيه و نتوء عرقوبيه: وَ قَدْ نَجَمَتْ مِنْ ظُنْبُوبِ سَاقِهِ صِيصِيَةٌ خَفِيَّةٌ- وَ لَهُ فِي مَوْضِعِ الْعُرْفِ قُنْزُعَةٌ خَضْرَاءُ مُوَشَّاةٌ- وَ مَخْرَجُ عَنُقِهِ كَالْإِبْرِيقِ- وَ مَغْرِزُهَا إِلَى حَيْثُ بَطْنُهُ كَصِبْغِ الْوَسْمَةِ الْيَمَانِيَّةِ- أَوْ كَحَرِيرَةٍ مُلْبَسَةٍ مِرْآةً ذَاتَ صِقَالٍ- وَ كَأَنَّهُ مُتَلَفِّعٌ بِمِعْجَرٍ أَسْحَمَ- إِلَّا أَنَّهُ يُخَيَّلُ لِكَثْرَةِ مَائِهِ وَ شِدَّةِ بَرِيقِهِ- أَنَّ الْخُضْرَةَ النَّاضِرَةَ مُمْتَزِجَةٌ بِهِ- وَ مَعَ فَتْقِ سَمْعِهِ خَطٌّ كَمُسْتَدَقِّ الْقَلَمِ فِي لَوْنِ الْأُقْحُوَانِ- أَبْيَضُ يَقَقٌ فَهُوَ بِبَيَاضِهِ فِي سَوَادِ مَا هُنَالِكَ يَأْتَلِقُ- وَ قَلَّ صِبْغٌ إِلَّا وَ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ بِقِسْطٍ- وَ عَلَاهُ بِكَثْرَةِ صِقَالِهِ وَ بَرِيقِهِ- وَ بَصِيصِ دِيبَاجِهِ وَ رَوْنَقِهِ- فَهُوَ كَالْأَزَاهِيرِ الْمَبْثُوثَةِ لَمْ تُرَبِّهَا أَمْطَارُ رَبِيعٍ- وَ لَا شُمُوسُ قَيْظٍ نجمت ظهرت- و الظنبوب حرف الساق و هو هذا العظم اليابس- .

و الصيصية في الأصل- شوكة الحائك التي يسوي بها السداة و اللحمة- و منه قولهكوقع الصياصي في النسيج الممدد- . و نقل إلى صيصية الديك لتلك الهيئة التي في رجله- . و العرف الشعر المرتفع من عنقه على رأسه- و القنزعة واحدة القنازع و هي الشعر حوالي الرأس- وفي الحديث غطي عنا قنازعك يا أم أيمن- . و موشاة ذات وشي- . و الوسمة بكسر السين العظلم الذي يخضب به- و يجوز تسكين السين- . و الأسحم الأسود- و المتلفع الملتحف و يروى متقنع بمعجر- و هو ما تشده المرأة على رأسها كالرداء- . و الأقحوان البابونج الأبيض و جمعه أقاح- .

و أبيض يقق خالص البياض و جاء يقق بالكسر- و يأتلق يلمع- . و البصيص البريق و بص الشي‏ء لمع- . و تربها الأمطار تربيها و تجمعها- . يقول ع- كأن هذا الطائر ملتحف بملحفة سوداء- إلا أنها لكثرة رونقها- يتوهم أنه قد امتزج بها خضرة ناضرة- و قل أن يكون لون إلا و قد أخذ هذا الطائر منه بنصيب- فهو كأزاهير الربيع- إلا أن الأزهار تربيها الأمطار و الشموس- و هذا مستغن عن ذلك:

وَ قَدْ يَنْحَسِرُ مِنْ رِيشِهِ وَ يَعْرَى مِنْ لِبَاسِهِ- فَيَسْقُطُ تَتْرَى وَ يَنْبُتُ تِبَاعاً- فَيَنْحَتُّ مِنْ قَصَبِهِ انْحِتَاتَ أَوْرَاقِ الْأَغْصَانِ- ثُمَّ يَتَلَاحَقُ نَامِياً حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ سُقُوطِهِ- لَا يُخَالِفُ سَالِفَ أَلْوَانِهِ- وَ لَا يَقَعُ لَوْنٌ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ- وَ إِذَا تَصَفَّحَتْ شَعْرَةً مِنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهِ- أَرَتْكَ حُمْرَةً وَرْدِيَّةً وَ تَارَةً خُضْرَةً زَبَرْجَدِيَّةً- وَ أَحْيَاناً صُفْرَةً عَسْجَدِيَّةً- فَكَيْفَ تَصِلُ إِلَى صِفَةِ هَذَا عَمَائِقُ الْفِطَنِ- أَوْ تَبْلُغُهُ قَرَائِحُ الْعُقُولِ- أَوْ تَسْتَنْظِمُ وَصْفَهُ أَقْوَالُ الْوَاصِفِينَ- وَ أَقَلُّ أَجْزَائِهِ قَدْ أَعْجَزَ الْأَوْهَامَ أَنْ تُدْرِكَهُ- وَ الْأَلْسِنَةَ أَنْ تَصِفَهُ- فَسُبْحَانَ الَّذِي بَهَرَ الْعُقُولَ عَنْ وَصْفِ خَلْقٍ جَلَّاهُ لِلْعُيُونِ- فَأَدْرَكَتْهُ مَحْدُوداً مُكَوَّناً وَ مُؤَلَّفاً مُلَوَّناً- وَ أَعْجَزَ الْأَلْسُنَ عَنْ تَلْخِيصِ صِفَتِهِ- وَ قَعَدَ بِهَا عَنْ تَأْدِيَةِ نَعْتِهِ- وَ سُبْحَانَ مَنْ أَدْمَجَ قَوَائِمَ الذَّرَّةِ- وَ الْهَمَجَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُمَا مِنْ خَلْقِ الْحِيتَانِ وَ الْفِيَلَةِ-وَ وَأَى عَلَى نَفْسِهِ أَلَّا يَضْطَرِبَ شَبَحٌ مِمَّا أَوْلَجَ فِيهِ الرُّوحَ- إِلَّا وَ جَعَلَ الْحِمَامَ مَوْعِدَهُ وَ الْفَنَاءَ غَايَتَهُ ينحسر من ريشه ينكشف فيسقط و يروى يتحسر- .

تترى أي شيئا بعد شي‏ء- و بينهما فترة- قال الله تعالى ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا- لأنه لم يرسلهم على تراسل بل بعد فترات- و هذا مما يغلط فيه قوم- فيعتقدون أن تترى للمواصلة و الالتصاق- و أصلها الواو من الوتر و هو الفرد و فيها لغتان- تنون و لا تنون- فمن ترك صرفها للمعرفة جعل ألفها ألف تأنيث- و من نونها جعل ألفها للإلحاق- . قال ع و ينبت تباعا أي لا فترات بينهما- و كذلك حال الريش الساقط يسقط شيئا بعد شي‏ء- و ينبت جميعا- .

و ينحت يتساقط- و انحتات الورق تناثرها- و ناميا زائدا- يقول ع إذا عاد ريشه عاد مكان كل ريشة ريشة- ملونة بلون الريشة الأولى- فلا يتخالف الأوائل و الأواخر- . و الخضرة الزبرجدية منسوبة إلى الزمرد- و لفظة الزبرجد تارة تستعمل له- و تارة لهذا الحجر الأحمر المسمى بلخش- و العسجد الذهب- و عمائق الفطن‏البعيدة القعر- و القريحة الخاطر و الذهن- و بهر غلب و جلاه أظهره و يروى بالتخفيف- و أدمج القوائم أحكمها كالحبل المدمج الشديد الفتل- .

و الذرة النملة الصغيرة- و الهمجة واحدة الهمج- و هو ذباب صغير كالبعوض- يسقط على وجوه الغنم و الحمر و أعينها- . و وأى وعد و الوأي الوعد- . و اعلم أن الحكماء ذكروا في الطاوس أمورا- قالوا إنه يعيش خمسا و عشرين سنة- و هي أقصى عمره- و يبيض في السنة الثالثة من عمره عند ما ينتقش لونه- و يتم ريشه- و يبيض في السنة مرة واحدة اثنتي عشرة بيضة- في ثلاثة أيام- و يحضنها ثلاثين يوما- فيفرخ و يلقي ريشه مع سقوط ورق الشجر- و ينبته مع ابتداء نبات الورق- .

و الدجاج قد يحضن بيض الطاوس- و إنما يختار الدجاج لحضانته و إن وجدت الطاوسة- لأن الطاوس الذكر يعبث بالأنثى- و يشغلها عن الحضانة- و ربما انفقص البيض من تحتها- و لهذه العلة يخبأ كثير من الإناث محاضنها عن ذكرانها- و لا تقوى الدجاجة على أكثر من بيضتي طاوس- و ينبغي أن يتعهد الدجاجة حينئذ بتقريب العلف منها- . و قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ رحمه الله- في كتاب الحيوان- إن الطاوسة قد تبيض من الريح- بأن يكون في سفالة الريح و فوقها طاوس ذكر- فيحمل ريحه فتبيض منه و كذلك القبجة- . قال و بيض الريح قل أن يفرخ‏:

مِنْهَا فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ- فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا- لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا- مِنْ شَهَوَاتِهَا وَ لَذَّاتِهَا وَ زَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا- وَ لَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِي اصْطِفَافِ أَشْجَارٍ- غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثْبَانِ الْمِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا- وَ فِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فِي عَسَالِيجِهَا وَ أَفْنَانِهَا- وَ طُلُوعِ تِلْكَ الثِّمَارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا- تُجْنَى مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَتَأْتِي عَلَى مُنْيَةِ مُجْتَنِيهَا- وَ يُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا- بِالْأَعْسَالِ الْمُصَفَّقَةِ وَ الْخُمُورِ الْمُرَوَّقَةِ- قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الْكَرَامَةُ تَتَمَادَى بِهِمْ- حَتَّى حَلُّوا دَارَ الْقَرَارِ وَ أَمِنُوا نُقْلَةَ الْأَسْفَارِ- فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ- بِالْوُصُولِ إِلَى مَا يَهْجُمُ عَلَيْكَ مِنْ تِلْكَ الْمَنَاظِرِ الْمُونِقَةِ- لَزَهِقَتْ نَفْسُكَ شَوْقاً إِلَيْهَا- وَ لَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِي هَذَا- إِلَى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ الْقُبُورِ اسْتِعْجَالًا بِهَا- جَعَلَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْعَى بِقَلْبِهِ- إِلَى مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ بِرَحْمَتِهِ قال الرضي رحمه الله تعالى- تفسير بعض ما في هذه الخطبة من الغريب- قوله ع يؤر بملاقحه الأر كناية عن النكاح- يقال أر الرجل المرأة يؤرها إذا نكحها- . و قوله ع كأنه قلع داري عنجه نوتيه- القلع شراع السفينة- و داري منسوب إلى دارين- و هي بلدة على البحر يجلب منها الطيب- و عنجه أي عطفه- يقال عنجت الناقة أعنجها عنجا إذا عطفتها- و النوتي الملاح- .

و قوله ع ضفتي جفونه أراد جانبي جفونه- و الضفتان الجانبان- . و قوله و فلذ الزبرجد- الفلذ جمع فلذة و هي القطعة- . و قوله ع كبائس اللؤلؤ الرطب- الكباسة العذق- و العساليج الغصون واحدها عسلوج رميت ببصر قلبك أي أفكرت و تأملت- و عزفت نفسك كرهت و زهدت- و الزخارف جمع زخرف و هو الذهب و كل مموه- . و اصطفاف الأشجار انتظامها صفا- و يروى في اصطفاق أغصان أي اضطرابها- . و يأتي على منية مجتنيها لا يترك له منية أصلا- لأنه يكون قد بلغ نهاية الأماني- . و العسل المصفق المصفى تحويلا من إناء إلى إناء- و المونقة المعجبة و زهقت نفسه مات- . و اعلم أنه لا مزيد في التشويق إلى الجنة- على ما ذكره الله تعالى في كتابه- فكل الصيد في جانب الفرا- .

و قد جاء عن رسول الله ص في ذلك أخبار صحيحة-فروى أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله ص يذكر الجنة فقال- أ لا مشتر لها هي و رب الكعبة ريحانة تهتز- و نور يتلألأ و نهر يطرد- و زوجة لا تموت مع حبور و نعيم و مقام الأبدوروى أبو سعيد الخدري عنه ص أن الله سبحانه لما حوط حائط الجنة- لبنة من ذهب و لبنة من فضة و غرس غرسها- قال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون- فقال طوبى لك منزل الملوك وروى جابر بن عبد الله عنه ع إذا دخل أهل الجنة الجنة قال لهم ربهم تعالى- أ تحبون أن أزيدكم- فيقولون و هل خير مما أعطيتنا- فيقول نعم رضواني أكبروعنه ع إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل و الشرب- فقيل له فهل يكون منهم حدث أو قال خبث- قال عرق يفيض من أعراضهم- كريح المسك يضمر منه البطن-

و روى الزمخشري في ربيع الأبرار- و مذهبه في الاعتزال و نصرة أصحابنا معلوم- و كذلك في انحرافه عن الشيعة و تسخيفه لمقالاتهم-أن رسول الله محمدا ص قال لما أسري بي أخذني جبرئيل- فأقعدني على درنوك من درانيك الجنة- ثم ناولني سفرجلة فبينا أنا أقلبها انفلقت- فخرجت منها جارية لم أر أحسن منها- فسلمت فقلت من أنت قالت أنا الراضية المرضية- خلقني الجبار من ثلاثة أصناف- أعلاي من عنبر

و أوسطي من كافور و أسفلي من مسك- ثم عجنني بماء الحيوان و قال لي كوني كذا فكنت- خلقني لأخيك و ابن عمك علي بن أبي طالب
– . قلت الدرنوك ضرب من البسط ذو خمل- و يشبه به فروة البعير- قال الراجزجعد الدرانيك رفل الأجلاد

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 9

خطبه 165 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

165 و من كلام له ع لعثمان بن عفان

 قالوا لما اجتمع الناس إلى أمير المؤمنين ع- و شكوا إليه ما نقموه على عثمان- و سألوه مخاطبته و استعتابه لهم- فدخل ع على عثمان فقال: إِنَّ النَّاسَ وَرَائِي- وَ قَدِ اسْتَسْفَرُونِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ- وَ وَ اللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ- مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ- وَ لَا أَدُلُّكَ عَلَى أَمْرٍ لَا تَعْرِفُهُ- إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ- مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْ‏ءٍ فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ- وَ لَا خَلَوْنَا بِشَيْ‏ءٍ فَنُبَلِّغَكَهُ- وَ قَدْ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا وَ سَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا- وَ صَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ ص كَمَا صَحِبْنَا- وَ مَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ- وَ لَا ابْنُ الْخَطَّابِ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الْخَيْرِ مِنْكَ- وَ أَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص وَشِيجَةَ رَحِمٍ مِنْهُمَا- وَ قَدْ نِلْتَ مِنْ صِهْرِهِ مَا لَمْ يَنَالَا فَاللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ- فَإِنَّكَ وَ اللَّهِ مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمًى- وَ لَا تُعَلَّمُ مِنْ جَهْلٍ- وَ إِنَّ الطُّرُقَ لَوَاضِحَةٌ وَ إِنَّ أَعْلَامَ الدِّينِ لَقَائِمَةٌ- فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ عَادِلٌ- هُدِيَ وَ هَدَى فَأَقَامَ سُنَّةً مَعْلُومَةً- وَ أَمَاتَ بِدْعَةً مَجْهُولَةً- وَ إِنَّ السُّنَنَ لَنَيِّرَةٌ لَهَا أَعْلَامٌ- وَ إِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةٌ لَهَا أَعْلَامٌ-

وَ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَ ضُلَّ بِهِ- فَأَمَاتَ سُنَّةً مَأْخُوذَةً وَ أَحْيَا بِدْعَةً مَتْرُوكَةً- وَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ- يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْإِمَامِ الْجَائِرِ- وَ لَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَ لَا عَاذِرٌ- فَيُلْقَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى- ثُمَّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا-وَ إِنِّي أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تَكُونَ إِمَامَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَقْتُولَ- فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ- يُقْتَلُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ إِمَامٌ يَفْتَحُ عَلَيْهَا الْقَتْلَ- وَ الْقِتَالَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ- وَ يَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا وَ يَبُثُّ الْفِتَنَ فِيهَا- فَلَا يُبْصِرُونَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ- يَمُوجُونَ فِيهَا مَوْجاً وَ يَمْرُجُونَ فِيهَا مَرْجاً- فَلَا تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَيِّقَةً يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلَالِ السِّنِّ- وَ تَقَضِّي الْعُمُرِ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- كَلِّمِ النَّاسَ فِي أَنْ يُؤَجِّلُونِي- حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَظَالِمِهِمْ- فَقَالَ ع- مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلَا أَجَلَ فِيهِ- وَ مَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ إِلَيْهِ نقمت على زيد بالفتح أنقم فأنا ناقم إذا عتبت عليه- و قال الكسائي نقمت بالكسر أيضا أنقم لغة- و هذه اللفظة تجي‏ء لازمة و متعدية- قالوا نقمت الأمر أي كرهته- . و استعتبت فلانا طلبت منه العتبى و هي الرضا- و استعتابهم عثمان طلبهم منه ما يرضيهم عنه- .

و استسفروني جعلوني سفيرا و وسيطا بينك و بينهم- . ثم قال له و أقسم على ذلك- أنه لا يعلم ما ذا يقول له لأنه لا يعرف أمرا يجهله- أي من هذه الأحداث خاصة و هذا حق- لأن عليا ع لم يكن يعلم منها ما يجهله‏ عثمان- بل كان أحداث الصبيان فضلا عن العقلاء المميزين- يعلمون وجهي الصواب و الخطأ فيها- .

ثم شرع معه في مسلك الملاطفة و القول اللين- فقال ما سبقنا إلى الصحبة و لا انفردنا بالرسول دونك- و أنت مثلنا و نحن مثلك- . ثم خرج إلى ذكر الشيخين- فقال قولا معناه أنهما ليسا خيرا منك- فإنك مخصوص دونهما بقرب النسب يعني المنافية و بالصهر- و هذا كلام هو موضع المثل يسر حسوا في ارتغاء- و مراده تفضيل نفسه ع- لأن العلة التي باعتبارها- فضل عثمان عليهما محققة فيه و زيادة- لأن له مع المنافية الهاشمية فهو أقرب- . و الوشيجة عروق الشجرة- ثم حذره جانب الله تعالى و نبهه على أن الطرق واضحة- و أعلام الهدى قائمة- و أن الإمام العادل أفضل الناس عند الله- و أن الإمام الجائر شر الناس عند الله- .

ثم روى له الخبر المذكور- و روي ثم يرتبك في قعرها أي ينشب- . و خوفه أن يكون الإمام المقتول الذي يفتح الفتن بقتله- و قد كان رسول الله ص قال كلاما هو هذا أو يشبه هذا- . و مرج الدين أي فسد- و السيقة ما استاقه العدو من الدواب مثل الوسيقة- قال الشاعر-

فما أنا إلا مثل سيقة العدا
إن استقدمت بحر و إن جبأت عقر

 و الجلال بالضم الجليل- كالطوال و الطويل أي بعد السن الجليل- أي العمر الطويل- .و قوله ما كان بالمدينة فلا أجل فيه- و ما غاب فأجله وصول أمرك إليه كلام شريف فصيح- لأن الحاضر أي معنى لتأجيله- و الغائب فلا عذر بعد وصول الأمر في تأخيره- لأن السلطان لا يؤخر أمره- . و قد ذكرنا من الأحداث التي نقمت على عثمان- فيما تقدم ما فيه كفاية- و قد ذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله- في التاريخ الكبير هذا الكلام فقال- إن نفرا من أصحاب رسول الله ص تكاتبوا- فكتب بعضهم إلى بعض أن اقدموا- فإن الجهاد بالمدينة لا بالروم- و استطال الناس على عثمان و نالوا منه- و ذلك في سنة أربع و ثلاثين- و لم يكن أحد من الصحابة يذب عنه و لا ينهى إلا نفر- منهم زيد بن ثابت و أبو أسيد الساعدي- و كعب بن مالك و حسان بن ثابت- فاجتمع الناس فكلموا علي بن أبي طالب ع- و سألوه أن يكلم عثمان فدخل عليه- و قال له إن الناس…

و روى الكلام إلى آخره بألفاظه- فقال عثمان و قد علمت أنك لتقولن ما قلت- أما و الله لو كنت مكاني ما عنفتك و لا عتبت عليك- و لم آت منكرا إنما وصلت رحما- و سددت خلة و آويت ضائعا- و وليت شبيها بمن كان عمر يوليه- أنشدك الله يا علي- أ لا تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك قال بلى- قال أ فلا تعلم أن عمر ولاه قال بلى- قال فلم تلومني أن وليت ابن عامر في رحمه و قرابته- فقال علي ع إن عمر كان يطأ على صماخ من يوليه- ثم يبلغ منه إن أنكر منه أمرا أقصى العقوبة- و أنت فلا تفعل ضعفت و رققت على أقربائك- .

قال عثمان هم أقرباؤك أيضا- فقال علي لعمري إن رحمهم مني لقريبة- و لكن الفضل في غيرهم- . فقال عثمان أ فلا تعلم أن عمر ولى معاوية فقد وليته- قال علي أنشدك الله- أ لا تعلم أن معاوية كان أخوف لعمر من يرفأ غلامه له قال بلى- قال فإن معاوية يقطع الأمور دونك و يقول للناس- هذا بأمر عثمان و أنت تعلم ذلك فلا تعير عليه- .

ثم قام علي فخرج عثمان على أثره- فجلس على المنبر فخطب الناس و قال- أما بعد فإن لكل شي‏ء آفة- و لكل أمر عاهة و إن آفة هذه الأمة- و عاهة هذه النعمة عيابون طعانون يرونكم ما تحبون- و يسرون عنكم ما تكرهون يقولون لكم و تقولون- أمثال النعام يتبع أول ناعق- أحب مواردها إليها البعيد- لا يشربون إلا نغصا و لا يردون إلا عكرا- أما و الله لقد عبتم علي ما أقررتم لابن الخطاب بمثله- و لكنه وطئكم برجله و ضربكم بيده و قمعكم بلسانه- فدنتم له على ما أحببتم و كرهتم و لنت لكم- و أوطأتكم كتفي و كففت يدي و لساني عنكم فاجترأتم علي- أما و الله لأنا أقرب ناصرا و أعز نفرا و أكثر عددا- و أحرى إن قلت هلم أن يجاب صوتي- و لقد أعددت لكم أقرانا- و كشرت لكم عن نابي- و أخرجتم مني خلقا لم أكن أحسنه- و منطقا لم أكن أنطق به- فكفوا عني ألسنتكم و طعنكم و عيبكم على ولاتكم- فما الذي تفقدون من حقكم- و الله ما قصرت عن بلوغ من كان قبلي يبلغ- و ما وجدتكم تختلفون عليه فما بالكم- . فقام مروان بن الحكم فقال- و إن شئتم حكمنا بيننا و بينكم السيف- . فقال عثمان اسكت لا سكت دعني و أصحابي- ما منطقك في هذا أ لم أتقدم إليك ألا تنطق- . فسكت مروان و نزل عثمان

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 9

خطبه 164 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

164 و من خطبة له ع

الْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِقِ الْعِبَادِ وَ سَاطِحِ الْمِهَادِ- وَ مُسِيلِ الْوِهَادِ وَ مُخْصِبِ النِّجَادِ- لَيْسَ لِأَوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءٌ وَ لَا لِأَزَلِيَّتِهِ انْقِضَاءٌ- هُوَ الْأَوَّلُ وَ لَمْ يَزَلْ وَ الْبَاقِي بِلَا أَجَلٍ- خَرَّتْ لَهُ الْجِبَاهُ وَ وَحَّدَتْهُ الشِّفَاهُ- حَدَّ الْأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إِبَانَةً لَهُ مِنْ شَبَهِهَا- لَا تُقَدِّرُهُ الْأَوْهَامُ بِالْحُدُودِ وَ الْحَرَكَاتِ- وَ لَا بِالْجَوَارِحِ وَ الْأَدَوَاتِ لَا يُقَالُ لَهُ مَتَى- وَ لَا يُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ بِ حَتَّى- الظَّاهِرُ لَا يُقَالُ مِمَّ وَ الْبَاطِنُ لَا يُقَالُ فِيمَ- لَا شَبَحٌ فَيُتَقَصَّى وَ لَا مَحْجُوبٌ فَيُحْوَى- لَمْ يَقْرُبْ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْتِصَاقٍ- وَ لَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقٍ- وَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَةٍ- وَ لَا كُرُورُ لَفْظَةٍ وَ لَا ازْدِلَافُ رَبْوَةٍ- وَ لَا انْبِسَاطُ خُطْوَةٍ فِي لَيْلٍ دَاجٍ- وَ لَا غَسَقٍ سَاجٍ يَتَفَيَّأُ عَلَيْهِ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ- وَ تَعْقُبُهُ الشَّمْسُ ذَاتُ النُّورِ فِي الْأُفُولِ وَ الْكُرُورِ- وَ تَقْلِيبِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ- مِنْ إِقْبَالِ لَيْلٍ مُقْبِلٍ وَ إِدْبَارِ نَهَارٍ مُدْبِرٍ- قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ وَ مُدَّةِ وَ كُلِّ إِحْصَاءٍ وَ عِدَّةٍ- تَعَالَى عَمَّا يَنْحَلُهُ الْمُحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ الْأَقْدَارِ- وَ نِهَايَاتِ الْأَقْطَارِ وَ تَأَثُّلِ الْمَسَاكِنِ- وَ تَمَكُّنِ الْأَمَاكِنِ- فَالْحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْرُوبٌ وَ إِلَى غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ- لَمْ يَخْلُقِ الْأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَزَلِيَّةٍ- وَ لَا مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ- بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ‏ حَدَّهُ- وَ صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ- لَيْسَ لِشَيْ‏ءٍ مِنْهُ امْتِنَاعٌ وَ لَا لَهُ بِطَاعَةِ شَيْ‏ءٍ انْتِفَاعٌ- عِلْمُهُ بِالْأَمْوَاتِ الْمَاضِينَ كَعِلْمِهِ بِالْأَحْيَاءِ الْبَاقِينَ- وَ عِلْمُهُ بِمَا فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى- كَعِلْمِهِ بِمَا فِي الْأَرَضِينَ السُّفْلَى المهاد هنا هو الأرض و أصله الفراش و ساطحه باسطه- و منه تسطيح القبور خلاف تسنيمها- و منه أيضا المسطح- للموضع الذي يبسط فيه التمر ليجفف- .

و الوهاد جمع وهدة و هي المكان المطمئن- و مسيلها مجرى السيل فيها- و النجاد جمع نجد و هو ما ارتفع من الأرض- و مخصبها مروضها و جاعلها ذوات خصب

مباحث كلامية

و اعلم أنه ع أورد في هذه الخطبة- ضروبا من علم التوحيد- و كلها مبنية على ثلاثة أصول- . الأصل الأول أنه تعالى واجب الوجود لذاته- و يتفرع على هذا الأصل فروع- أولها أنه ليس لأوليته ابتداء- لأنه لو كان لأوليته ابتداء لكان محدثا- و لا شي‏ء من المحدث بواجب الوجود- لأن معنى واجب الوجود أن ذاته لا تقبل العدم- و يستحيل الجمع بين قولنا هذه الذات محدثة- أي كانت معدومة من قبل و هي في حقيقتها لا تقبل العدم- .

و ثانيها أنه ليس لأزليته انقضاء- لأنه لو صح عليه العدم لكان لعدمه سبب- فكان وجوده موقوفا على انتفاء سبب عدمه- و المتوقف على غيره يكون ممكن الذات- فلا يكون واجب الوجود- . و قوله ع هو الأول لم يزل و الباقي بلا أجل- تكرار لهذين المعنيين السابقين على سبيل التأكيد- و يدخل فيه أيضا قوله- لا يقال له متى و لا يضرب له أمد بحتى- لأن متى للزمان و واجب الوجود يرتفع عن الزمان- و حتى للغاية و واجب الوجود لا غاية له- . و يدخل أيضا فيه قوله- قبل كل غاية و مدة و كل إحصاء و عدة- .

و ثالثها أنه لا يشبه الأشياء البتة- لأن ما عداه إما جسم أو عرض أو مجرد- فلو أشبه الجسم أو العرض لكان إما جسما أو عرضا- ضرورة تساوي المتشابهين المتماثلين في حقائقهما- . و لو شابه غيره من المجردات- مع أن كل مجرد غير ممكن لكان ممكنا- و ليس واجب الوجود بممكن- فيدخل في هذا المعنى قوله ع- حد الأشياء عند خلقه لها إبانة له من شبهها- أي جعل المخلوقات ذوات حدود ليتميز هو سبحانه عنها- إذ لا حد له فبطل أن يشبهه شي‏ء منها- و دخل فيه قوله ع- لا تقدره الأوهام بالحدود و الحركات و لا بالجوارح- .

و الأدوات جمع أداة و هي ما يعتمد به- و دخل فيه قوله الظاهر فلا يقال مم- أي لا يقال من أي شي‏ء ظهر و الباطن فلا يقال فيم أي لا يقال فيما ذا بطن- و يدخل فيه قوله لا شبح فيتقصى- و الشبح الشخص و يتقصى يطلب أقصاه- . و يدخل فيه قوله و لا محجوب فيحوى- و قوله لم يقرب من الأشياء بالتصاق- و لم يبعد عنها بافتراق- لأن هذه الأمور كلها من خصائص الأجسام- و واجب الوجود لا يشبه الأجسام و لا يماثلها- . و يدخل فيه قوله ع- تعالى عما ينحله المحددون من صفات الأقدار- أي مما ينسبه إليه المشبهة- و المجسمة من صفات المقادير و ذوات المقادير- .

و نهايات الأقطار أي الجوانب- . و تأثل المساكن مجد مؤثل أي أصيل- و بيت مؤثل أي معمور- و كأن أصل الكلمة أن تبنى الدار بالأثل- و هو شجر معروف- و تمكن الأماكن ثبوتها و استقرارها- . و قوله فالحد لخلقه مضروب و إلى غيره منسوب- و قوله و لا له بطاعة شي‏ء انتفاع- لأنه إنما ينتفع الجسم الذي يصح عليه الشهوة و النفرة- كل هذا داخل تحت هذا الوجه- . الأصل الثاني أنه تعالى عالم لذاته فيعلم كل معلوم- و يدخل تحت هذا الأصل قوله ع- لا تخفى عليه من عباده شخوص لحظة- أن تسكن العين فلا تتحرك و لا كرور لفظة أي رجوعها- . و لا ازدلاف ربوة- صعود إنسان أو حيوان ربوة من الأرض- و هي الموضع المرتفع- و لا انبساط خطوة في ليل داج أي مظلم- . و لا غسق ساج أي ساكن- . ثم قال يتفيأ عليه القمر المنير- هذا من صفات الغسق و من تتمة نعته- و معنى يتفيأ عليه يتقلب ذاهبا- و جائيا في حالتي أخذه في الضوء إلى التبدر- و أخذه في النقص إلى المحاق- .

و قوله و تعقبه أي و تتعقبه فحذف إحدى التاءين- كما قال سبحانه الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ- أي تتوفاهم- و الهاء في و تعقبه ترجع إلى القمر- أي و تسير الشمس عقبه في كروره- و أفوله أي غيبوبته- و في تقليب الأزمنة و الدهور- من إقبال ليل و إدبار نهار- .

فإن قلت إذا كان قوله يتفيأ عليه القمر المنير- في موضع جر لأنه صفة غسق- فكيف تتعقب الشمس و القمر مع وجود الغسق- و هل يمكن اجتماع الشمس و الغسق- قلت لا يلزم من تعقب الشمس للقمر ثبوت الغسق- . بل قد يصدق تعقبها له و يكون الغسق معدوما- كأنه ع قال لا يخفى على الله حركة في نهار و لا ليل- يتفيأ عليه القمر و تعقبه الشمس- أي تظهر عقيبه فيزول الغسق بظهورها- .

و هذا التفسير الذي فسرناه- يقتضي أن يكون حرف الجر و هو في التي في قوله- في الكرور متعلقا بمحذوف- و يكون موضعه نصبا على الحال أي و تعقبه كارا و آفلا- و يدخل تحته أيضا قوله ع- علمه بالأموات الماضين كعلمه بالأحياء الباقين- و علمه بما في السماوات العلا- كعلمه بما في الأرضين السفلى- .

الأصل الثالث أنه تعالى قادر لذاته- فكان قادرا على كل الممكنات- و يدخل تحته قوله لم يخلق الأشياء من أصول أزلية- و لا من أوائل أبدية بل خلق ما خلق فأقام حده- و صور ما صور فأحسن صورته- و الرد في هذا على أصحاب الهيولى- و الطينة التي يزعمون قدمها- . و يدخل تحته قوله ليس لشي‏ء امتناع- لأنه متى أراد إيجاد شي‏ء أوجده- و يدخل تحته قوله خرت له الجباه أي سجدت- و وحدته الشفاه يعني الأفواه- فعبر بالجزء عن الكل مجازا- و ذلك لأن القادر لذاته- هو المستحق للعبادة لخلقه أصول النعم- كالحياة و القدرة و الشهوة- .

و اعلم أن هذا الفن هو الذي بان به أمير المؤمنين ع- عن العرب في زمانه قاطبة-و استحق به التقدم و الفضل عليهم أجمعين- و ذلك لأن الخاصة التي يتميز بها الإنسان عن البهائم- هي العقل و العلم- أ لا ترى أنه يشاركه غيره من الحيوانات- في اللحمية و الدموية و القوة و القدرة- و الحركة الكائنة على سبيل الإرادة و الاختيار- فليس الامتياز إلا بالقوة الناطقة أي العاقلة العالمة- فكلما كان الإنسان أكثر حظا منها- كانت إنسانيته أتم- و معلوم أن هذا الرجل انفرد بهذا الفن و هو أشرف العلوم- لأن معلومه أشرف المعلومات- و لم ينقل عن أحد من العرب غيره في هذا الفن حرف واحد- و لا كانت أذهانهم تصل إلى هذا- و لا يفهمونه بهذا الفن فهو منفرد فيه- و بغيره من الفنون- و هي العلوم الشرعية مشارك لهم و راجح عليهم- فكان أكمل منهم- لأنا قد بينا أن الأعلم أدخل في صورة الإنسانية- و هذا هو معنى الأفضلية
مِنْهَا- أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ السَّوِيُّ وَ الْمَنْشَأُ الْمَرْعِيُّ- فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ وَ مُضَاعَفَاتِ الْأَسْتَارِ- . بُدِئْتَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ- وَ وُضِعْتَ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ- إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ وَ أَجَلٍ مَقْسُومٍ- تَمُورُ فِي بَطْنِ أُمِّكَ جَنِيناً لَا تُحِيرُ دُعَاءً وَ لَا تَسْمَعُ نِدَاءً- ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّكَ إِلَى دَارٍ لَمْ تَشْهَدْهَا- وَ لَمْ تَعْرِفْ سُبُلَ مَنَافِعِهَا- فَمَنْ هَدَاكَ لِاجْتِرَارِ الْغِذَاءِ مِنْ ثَدْيِ أُمِّكَ- وَ عَرَّفَكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلَبِكَ وَ إِرَادَتِكَ- هَيْهَاتَ إِنَّ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ صِفَاتِ ذِي الْهَيْئَةِ وَ الْأَدَوَاتِ- فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ خَالِقِهِ أَعْجَزُ- وَ مِنْ تَنَاوُلِهِ بِحُدُودِ الْمَخْلُوقِينَ أَبْعَدُالسوي المستوي الخلقة غير ناقص- قال سبحانه فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا- و المنشأ مفعول من أنشأ أي خلق و أوجد- و المرعي المحوط المحفوظ- .

و ظلمات الأرحام و مضاعفات الأستار- مستقر النطف- و الرحم موضوعة فيما بين المثانة و المعى المستقيم- و هي مربوطة برباطات على هيئة السلسلة و جسمها عصبي- ليمكن امتدادها و اتساعها وقت الحاجة- إلى ذلك عند الولادة- و تنضم و تتقنص إذا استغني عن ذلك- و لها بطنان ينتهيان إلى فم واحد- و زائدتان يسميان قريني الرحم- و خلف هاتين الزائدتين بيضتا المرأة- و هما أصغر من بيضتي الرجل و أشد تفرطحا- و منهما ينصب مني المرأة إلى تجويف الرحم- و للرحم رقبة منتهية إلى فرج المرأة- و تلك الرقبة من المرأة بمنزلة الذكر من الرجل- فإذا امتزج مني الرجل بمني المرأة في تجويف الرحم- كان العلوق ثم ينمي و يزيد من دم الطمث- و يتصل بالجنين عروق تأتي إلى الرحم فتغذوه- حتى يتم و يكمل- فإذا تم لم يكتف بما تحته من تلك العروق- فيتحرك حركات قوية طلبا للغذاء- فتهتك أربطة الرحم التي قلنا إنها على هيئة السلسلة- و تكون منها الولادة- .

قوله بدئت من سلالة من طين- أي كان ابتداء خلقك من سلالة- و هي خلاصة الطين- لأنها سلت من بين الكدر- و فعالة بناء للقلة كالقلامة و القمامة- . و قال الحسن هي ما بين ظهراني الطين- . ثم قال و وضعت في قرار مكين- الكلام الأول لآدم الذي هو أصل البشر و الثاني لذريته- و القرار المكين الرحم متمكنة في موضعها برباطاتها- لأنها لو كانت متحركة لتعذر العلوق- .

ثم قال إلى قدر معلوم و أجل مقسوم- إلى متعلقة بمحذوف كأنه قال منتهيا إلى قدر معلوم- أي مقدرا طوله و شكله إلى أجل مقسوم مدة حياته- . ثم قال تمور في بطن أمك أي تتحرك- لا تحير أي لا ترجع جوابا أحار يحير- . إلى دار لم تشهدها يعني الدنيا- و يقال أشبه شي‏ء بحال الانتقال من الدنيا- إلى الأحوال التي بعد الموت- انتقال الجنين من ظلمة الرحم إلى فضاء الدنيا- فلو كان الجنين يعقل و يتصور- كان يظن أنه لا دار له إلا الدار التي هو فيها- و لا يشعر بما وراءها- و لا يحس بنفسه إلا و قد حصل في دار لم يعرفها- و لا تخطر بباله فبقي هو كالحائر المبهوت- و هكذا حالنا في الدنيا إذا شاهدنا ما بعد الموت- . و لقد أحسن ابن الرومي في صفة خطوب الدنيا و صروفها بقوله-

لما تؤذن الدنيا به من صروفها
يكون بكاء الطفل ساعة يولد

و إلا فما يبكيه منها و إنها
لأوسع مما كان فيه و أرغد

إذا أبصر الدنيا استهل كأنه
بما سوف يلقى من أذاها يهدد

 قال فمن هداك إلى اجترار الغذاء من ثدي أمك- اجترار امتصاص اللبن من الثدي- و ذلك بالإلهام الإلهي- . قال و عرفك عند الحاجة- أي أعلمك بموضع الحلمة عند طلبك الرضاع- فالتقمتها بفمك- .ثم قال هيهات- أي بعد أن يحيط علما بالخالق من عجز عن معرفة المخلوق- قال الشاعر-

رأيت الورى يدعون الهدى
و كم يدعي الحق خلق كثير

و ما في البرايا امرؤ عنده‏
من العلم بالحق إلا اليسير

خفي فما ناله ناظر
و ما إن أشار إليه مشير

و لا شي‏ء أظهر من ذاته‏
و كيف يرى الشمس أعمى ضرير

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 9

خطبه 163 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

163 و من كلام له ع لبعض أصحابه

و قد سأله كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام و أنتم أحق به- فقال ع: يَا أَخَا بَنِي أَسَدٍ إِنَّكَ لَقَلِقُ الْوَضِينِ- تُرْسِلُ فِي غَيْرِ سَدَدٍ- وَ لَكَ بَعْدُ ذِمَامَةُ الصِّهْرِ وَ حَقُّ الْمَسْأَلَةِ- وَ قَدِ اسْتَعْلَمْتَ فَاعْلَمْ- أَمَّا الِاسْتِبْدَادُ عَلَيْنَا بِهَذَا الْمَقَامِ- وَ نَحْنُ الْأَعْلَوْنَ نَسَباً وَ الْأَشَدُّونَ بِالرَّسُولِ ص نَوْطاً- فَإِنَّهَا كَانَتْ أَثَرَةً شَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ- وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ- وَ الْحَكَمُ اللَّهُ وَ الْمَعْوَدُ إِلَيْهِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ-

وَ دَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ فِي حَجَرَاتِهِ
وَ لَكِنْ حَدِيثاً مَا حَدِيثُ الرَّوَاحِلِ‏

 وَ هَلُمَّ الْخَطْبَ فِي ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ- فَلَقَدْ أَضْحَكَنِي الدَّهْرُ بَعْدَ إِبْكَائِهِ- وَ لَا غَرْوَ وَ اللَّهِ- فَيَا لَهُ خَطْباً يَسْتَفْرِغُ الْعَجَبَ وَ يُكْثِرُ الْأَوَدَ- حَاوَلَ الْقَوْمُ إِطْفَاءَ نُورِ اللَّهِ مِنْ مِصْبَاحِهِ- وَ سَدَّ فَوَّارِهِ مِنْ يَنْبُوعِهِ- وَ جَدَحُوا بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ شِرْباً وَبِيئاً- فَإِنْ تَرْتَفِعْ عَنَّا وَ عَنْهُمْ مِحَنُ الْبَلْوَى- أَحْمِلْهُمْ مِنَ الْحَقِّ عَلَى مَحْضِهِ وَ إِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى- فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ- إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ‏ الوضين بطان القتب و حزام السرج- و يقال للرجل المضطرب في أموره إنه لقلق الوضين- و ذلك أن الوضين إذا قلق- اضطرب القتب أو الهودج أو السرج و من عليه- . و يرسل في غير سدد- أي يتكلم في غير قصد و في غير صواب- و السدد و الاستداد الاستقامة و الصواب- و السديد الذي يصيب السدد و كذلك المسد- و استد الشي‏ء أي استقام- . و ذمامة الصهر بالكسر أي حرمته هو الذمام- قال ذو الرمة-

تكن عوجة يجزيكها الله عنده
بها الأجر أو تقضى ذمامة صاحب‏

 و يروى ماتة الصهر أي حرمته و وسيلته- مت إليه بكذا- و إنما قال ع له و لك بعد ذمامة الصهر- لأن زينب بنت جحش زوج رسول الله ص كانت أسدية- و هي زينب بنت جحش بن رباب بن يعمر- بن صبرة بن مرة بن كثير بن غنم- بن دودان بن أسد بن خزيمة- و أمها أمية بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف- فهي بنت عمة رسول الله ص- و المصاهرة المشار إليها هي هذه- . و لم يفهم القطب الراوندي ذلك فقال في الشرح- كان أمير المؤمنين ع قد تزوج في بني أسد و لم يصب- فإن عليا ع لم يتزوج في بني أسد البتة- و نحن نذكر أولاده- أما الحسن و الحسين- و زينب الكبرى و أم كلثوم الكبرى- فأمهم فاطمة بنت سيدنا رسول الله ص- و أما محمد فأمه خولة بنت إياس بن جعفر من بني حنيفة- و أما أبو بكر و عبد الله- فأمهما ليلى بنت مسعود النهشلية من تميم- و أما عمر و رقية فأمهما سبية من بني تغلب- يقال لها الصهباء سبيت في خلافة أبي بكر- و إمارة خالد بن الوليد بعين التمر- و أما يحيى و عون فأمهما أسماء بنت عميس الخثعمية- و أما جعفر و العباس و عبد الله و عبد الرحمن- فأمهم أم البنين بنت حزام بن خالد- بن ربيعة بن الوحيد من بني كلاب- و أما رملة و أم الحسن- فأمهما أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي- و أما أم كلثوم الصغرى و زينب الصغرى- و جمانة و ميمونة و خديجة و فاطمة و أم الكرام- و نفيسة و أم سلمة و أم أبيها و أمامة بنت علي ع- فهن لأمهات أولاد شتى فهؤلاء أولاده- و ليس فيهم أحد من أسدية- و لا بلغنا أنه تزوج في بني أسد و لم يولد له- و لكن الراوندي يقول ما يخطر له و لا يحقق- .

و أما حق المسألة- فلأن للسائل على المسئول حقا حيث أهله- لأن يستفيد منه- . و الاستبداد بالشي‏ء التفرد به- و النوط الالتصاق- و كانت أثرة أي استئثارا بالأمر و استبدادا به- قال النبي ص للأنصار ستلقون بعدي أثرة- . و شحت بخلت و سخت جادت- و يعني بالنفوس التي سخت نفسه و بالنفوس التي شحت- أما على قولنا فإنه- يعني نفوس أهل الشورى بعد مقتل عمر- و أما على قول الإمامية فنفوس أهل السقيفة- و ليس في الخبر ما يقتضي صرف ذلك إليهم- فالأولى أن يحمل على ما ظهر عنه من تألمه- من عبد الرحمن بن عوف و ميله إلى عثمان- . ثم قال إن الحكم هو الله- و إن الوقت الذي يعود الناس كلهم إليه هو يوم القيامة- و روي يوم بالنصب على أنه ظرف- و العامل فيه المعود على أن يكون مصدرا- . و أما البيت فهو لإمرئ القيس بن حجر الكندي- و روي أن أمير المؤمنين ع لم يستشهد إلا بصدره فقط- و أتمه الرواة

حديث عن إمرئ القيس

و كان من قصة هذا الشعر- أن إمرأ القيس لما تنقل في أحياء العرب بعد قتل أبيه- نزل على رجل من جديلة طيئ يقال له طريف بن مل‏ء- فأجاره و أكرمه و أحسن إليه فمدحه و أقام عنده- ثم إنه لم يوله نصيبا في الجبلين أجأ و سلمى- فخاف ألا يكون له منعة- فتحول و نزل على خالد بن سدوس بن أصمع النبهاني- فأغارت بنو جديلة على إمرئ القيس- و هو في جوار خالد بن سدوس فذهبوا بإبله- و كان الذي أغار عليه منهم باعث بن حويص- فلما أتى إمرأ القيس الخبر ذكر ذلك لجاره- فقال له أعطني رواحلك ألحق عليها القوم- فأرد عليك إبلك ففعل- فركب خالد في إثر القوم حتى أدركهم- فقال يا بني جديلة أغرتم على إبل جاري- فقالوا ما هو لك بجار قال بلى و الله و هذه رواحله- قالوا كذلك قال نعم فرجعوا إليه فأنزلوه عنهن- و ذهبوا بهن و بالإبل- و قيل بل انطوى خالد على الإبل فذهب بها- فقال إمرؤ القيس-

دع عنك نهبا صيح في حجراته
و لكن حديثا ما حديث الرواحل‏

كان دثارا حلقت بلبونه‏
عقاب تنوفى لا عقاب القواعل‏

تلعب باعث بذمة خالد
و أودى دثار في الخطوب الأوائل‏

و أعجبني مشي الحزقة خالد
كمشي أتان حلئت بالمناهل‏

أبت أجأ أن تسلم العام جارها
فمن شاء فلينهض لها من مقاتل‏

تبيت لبوني بالقرية أمنا
و أسرحها غبا بأكناف حائل‏

بنو ثعل جيرانها و حماتها
و تمنع من رماة سعد و نائل‏

تلاعب أولاد الوعول رباعها
دوين السماء في رءوس المجادل‏

مكللة حمراء ذات أسرة
لها حبك كأنها من وصائل‏

دثار اسم راع كان لإمرئ القيس- و تنوفى و القواعل جبال- و الحزقة القصير الضخم البطن- و اللبون الإبل ذوات الألبان- و القرية موضع معروف بين الجبلين- و حائل اسم موضع أيضا و سعد و نائل حيان من طيئ- و الرباع جمع ربع و هو ما نتج في الربيع- و المجادل القصور- و مكللة يرجع إلى المجادل مكللة بالصخر- و الأسرة الطريق و كذلك الحبك- و الوصائل جمع وصيلة- و هو ثوب أمغر الغزل فيه خطوط- و النهب الغنيمة و الجمع النهاب- و الانتهاب مصدر انتهبت المال- إذا أبحته يأخذه من شاء- و النهبى اسم ما أنهب و حجراته نواحيه- الواحدة حجرة مثل جمرات و جمرة- و صيح في حجراته صياح الغارة- و الرواحل جمع راحلة- و هي الناقة التي تصلح أن ترحل- أي يشد الرحل على ظهرها و يقال للبعير راحلة- و انتصب حديثا بإضمار فعل- أي هات حديثا أو حدثني حديثا- و يروى و لكن حديث- أي و لكن مرادي أو غرضي حديث فحذف المبتدأ- و ما هاهنا يحتمل أن تكون إبهامية- و هي التي إذا اقترنت باسم نكرة زادته إبهاما و شياعا- كقولك أعطني كتابا ما تريد أي كتاب كان- و يحتمل أن تكون صلة مؤكدة كالتي في قوله تعالى- فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ- فأما حديث الثاني فقد ينصب و قد يرفع- فمن نصب أبدله من حديث الأول- و من رفع جاز أن يجعل ما موصولة بمعنى الذي- و صلتها الجملة أي الذي هو حديث الرواحل- ثم حذف صدر الجملة- كما حذف في تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ- و يجوز أن تجعل ما استفهامية بمعنى أي- .

ثم قال و هلم الخطب هذا يقوي رواية من روى عنه- أنه ع لم يستشهد إلا بصدر البيت- كأنه قال دع عنك ما مضى- و هلم ما نحن الآن فيه من أمر معاوية- فجعل هلم ما نحن فيه من أمر معاوية- قائما مقام قول إمرئ القيس-و لكن حديثا ما حديث الرواحل‏- . و هلم لفظ يستعمل لازما و متعديا- فاللازم بمعنى تعال- قال الخليل أصله لم من قولهم لم الله شعثه أي جمعه- كأنه أراد لم نفسك إلينا أي اجمعها و اقرب منا- و جاءت ها للتنبيه قبلها و حذفت الألف لكثرة الاستعمال- و جعلت الكلمتان كلمة واحدة- يستوي فيها الواحد و الاثنان و الجمع- و المؤنث و المذكر في لغة أهل الحجاز- قال سبحانه وَ الْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا- و أهل نجد يصرفونها فيقولون للاثنين هلما- و للجمع هلموا و على ذلك- و قد يوصل إذا كان لازما باللام- فيقال هلم لك و هلم لكما كما قالوا هيت لك- و إذا قيل لك هلم إلى كذا أي تعال إليه- قلت لا أهلم مفتوحة الألف و الهاء مضمومة الميم- فأما المتعدية فهي بمعنى هات- تقول هلم كذا و كذا قال الله تعالى هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ- و تقول لمن قال لك ذلك- لا أهلمه أي لا أعطيكه- يأتي بالهاء ضمير المفعول ليتميز من الأولى- .

يقول ع و لكن هات ذكر الخطب فحذف المضاف- و الخطب الحادث الجليل- يعني الأحوال- التي أدت إلى أن صار معاوية منازعا في الرئاسة- قائما عند كثير من الناس مقامه- صالحا لأن يقع في مقابلته و أن يكون ندا له- . ثم قال فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه- يشير إلى ما كان عنده من الكآبة لتقدم من سلف عليه- فلم يقنع الدهر له بذلك- حتى جعل معاوية نظيرا له- فضحك ع‏مما تحكم به الأوقات- و يقتضيه تصرف الدهر و تقلبه- و ذلك ضحك تعجب و اعتبار- . ثم قال و لا غرو و الله أي و لا عجب و الله- . ثم فسر ذلك فقال يا له خطبا يستفرغ العجب- أي يستنفده و يفنيه- يقول قد صار العجب لا عجب- لأن هذا الخطب استغرق التعجب- فلم يبق منه ما يطلق عليه لفظ التعجب- و هذا من باب الإغراق و المبالغة في المبالغة- كما قال أبو الطيب-

أسفي على أسفي الذي دلهتني
عن علمه فبه علي خفاء

و شكيتي فقد السقام لأنه‏
قد كان لما كان لي أعضاء

 و قال ابن هاني المغربي-

قد سرت في الميدان يوم طرادهم
فعجبت حتى كدت ألا أعجبا

و الأود العوج- . ثم ذكر تمالؤ قريش عليه فقال- حاول القوم إطفاء نور الله من مصباحه- يعني ما تقدم من منابذة طلحة و الزبير و أصحابهما له- و ما شفع ذلك من معاوية و عمرو و شيعتهما- و فوار الينبوع ثقب البئر- . قوله و جدحوا بيني و بينهم شربا- أي خلطوه و مزجوه و أفسدوه- . و الوبي‏ء ذو الوباء و المرض- و هذا استعارة كأنه جعل الحال التي كانت بينه و بينهم- قد أفسدها القوم و جعلوها مظنة الوباء و السقم- كالشرب الذي يخلط بالسم أو بالصبر فيفسد و يوبئ- .

ثم قال فإن كشف الله تعالى هذه المحن- التي يحصل منها ابتلاء الصابرين و المجاهدين- و حصل لي التمكن من الأمر- حملتهم على الحق المحض الذي لا يمازجه باطل- كاللبن المحض الذي لا يخالطه شي‏ء من الماء- و إن تكن الأخرى- أي و إن لم يكشف الله تعالى هذه الغمة و مت أو قتلت- و الأمور على ما هي عليه من الفتنة و دولة الضلال- فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ- و الآية من القرآن العزيز- . و سألت أبا جعفر يحيى بن محمد العلوي نقيب البصرة- وقت قراءتي عليه عن هذا الكلام- و كان رحمه الله على ما يذهب إليه من مذهب العلوية- منصفا وافر العقل- فقلت له من يعني ع بقوله- كانت أثرة شحت عليها نفوس قوم- و سخت عنها نفوس آخرين- و من القوم الذين عناهم الأسدي بقوله- كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام و أنتم أحق به- هل المراد يوم السقيفة أو يوم الشورى- فقال يوم السقيفة- فقلت إن نفسي لا تسامحني- أن أنسب إلى الصحابة عصيان رسول الله ص و دفع النص- فقال و أنا فلا تسامحني أيضا نفسي- أن أنسب الرسول ص إلى إهمال أمر الإمامة- و أن يترك الناس فوضى سدى مهملين- و قد كان لا يغيب عن المدينة إلا و يؤمر عليها أميرا- و هو حي ليس بالبعيد عنها- فكيف لا يؤمر و هو ميت لا يقدر على استدراك ما يحدث- .

ثم قال ليس يشك أحد من الناس- أن رسول الله ص كان عاقلا كامل العقل- أما المسلمون فاعتقادهم فيه معلوم- و أما اليهود و النصارى و الفلاسفة- فيزعمون أنه حكيم تام الحكمة سديد الرأي- أقام ملة و شرع شريعة- فاستجد ملكا عظيما بعقله و تدبيره- و هذا الرجل العاقل الكامل يعرف طباع العرب و غرائزهم- و طلبها بالثارات و الذحول و لو بعد الأزمان المتطاولة- و يقتل الرجل من القبيلة رجلا من بيت آخر-فلا يزال أهل ذلك المقتول- و أقاربه يتطلبون القاتل ليقتلوه- حتى يدركوا ثارهم منه- فإن لم يظفروا به قتلوا بعض أقاربه و أهله- فإن لم يظفروا بأحدهم قتلوا واحدا- أو جماعة من تلك القبيلة به- و إن لم يكونوا رهطه الأدنين- و الإسلام لم يحل طبائعهم- و لا غير هذه السجية المركوزة في أخلاقهم- و الغرائز بحالها- فكيف يتوهم لبيب أن هذا العاقل الكامل وتر العرب- و على الخصوص قريشا- و ساعده على سفك الدماء و إزهاق الأنفس- و تقلد الضغائن ابن عمه الأدنى و صهره- و هو يعلم أنه سيموت كما يموت الناس- و يتركه بعده و عنده ابنته- و له منها ابنان يجريان عنده مجرى ابنين- من ظهره حنوا عليهما و محبة لهما- و يعدل عنه في الأمر بعده- و لا ينص عليه و لا يستخلفه- فيحقن دمه و دم بنيه و أهله باستخلافه- أ لا يعلم هذا العاقل الكامل- أنه إذا تركه و ترك بنيه و أهله سوقة و رعية- فقد عرض دماءهم للإراقة بعده- بل يكون هو ع هو الذي قتله و أشاط بدمائهم- لأنهم لا يعتصمون بعده بأمر يحميهم-

و إنما يكونون مضغة للأكل و فريسة للمفترس- يتخطفهم الناس و تبلغ فيهم الأغراض- فأما إذا جعل السلطان فيهم و الأمر إليهم- فإنه يكون قد عصمهم- و حقن دماءهم بالرئاسة التي يصولون بها- و يرتدع الناس عنهم لأجلها- و مثل هذا معلوم بالتجربة- أ لا ترى أن ملك بغداد أو غيرها من البلاد- لو قتل الناس و وترهم- و أبقى في نفوسهم الأحقاد العظيمة عليه- ثم أهمل أمر ولده و ذريته من بعده- و فسح للناس أن يقيموا ملكا من عرضهم و واحدا منهم و جعل بنيه سوقة كبعض العامة- لكان بنوه بعده قليلا بقاؤهم سريعا هلاكهم- و لوثب عليهم الناس ذوو الأحقاد و الترات من كل جهة- يقتلونهم و يشردونهم كل مشرد- و لو أنه عين ولدا من أولاده للملك- و قام خواصه و خدمه و خوله بأمره بعده- لحقنت دماء أهلبيته- و لم تطل يد أحد من الناس إليهم لناموس الملك- و أبهة السلطنة و قوة الرئاسة و حرمة الإمارة- .

أ فترى ذهب عن رسول الله ص هذا المعنى- أم أحب أن يستأصل أهله و ذريته من بعده- و أين موضع الشفقة على فاطمة العزيزة عنده- الحبيبة إلى قلبه- . أ تقول إنه أحب أن يجعلها كواحدة من فقراء المدينة- تتكفف الناس و أن يجعل عليا المكرم المعظم عنده- الذي كانت حاله معه معلومة- كأبي هريرة الدوسي و أنس بن مالك الأنصاري- يحكم الأمراء في دمه و عرضه و نفسه و ولده- فلا يستطيع الامتناع- و على رأسه مائة ألف سيف مسلول- تتلظى أكباد أصحابها عليه- و يودون أن يشربوا دمه بأفواههم- و يأكلوا لحمه بأسنانهم- قد قتل أبناءهم و إخوانهم و آباءهم و أعمامهم- و العهد لم يطل و القروح لم تتقرف- و الجروح لم تندمل- . فقلت له لقد أحسنت فيما قلت- إلا أن لفظه ع يدل على أنه لم يكن نص عليه- أ لا تراه يقول و نحن الأعلون نسبا- و الأشدون بالرسول نوطا- فجعل الاحتجاج بالنسب و شدة القرب- فلو كان عليه نص لقال عوض ذلك- و أنا المنصوص علي المخطوب باسمي- .

فقال رحمه الله- إنما أتاه من حيث يعلم لا من حيث يجهل- أ لا ترى أنه سأله- فقال كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام- و أنتم أحق به فهو إنما سأل عن دفعهم عنه- و هم أحق به من جهة اللحمة و العترة- و لم يكن الأسدي يتصور النص و لا يعتقده- و لا يخطر بباله لأنه لو كان هذا في نفسه- لقال له لم دفعك الناس عن هذا المقام- و قد نص عليك رسول الله ص و لم يقل له هذا- و إنما قال كلاما عاما لبني هاشم كافة-كيف دفعكم قومكم عن هذا و أنتم أحق به- أي باعتبار الهاشمية و القربى- فأجابه بجواب أعاد قبله- المعنى الذي تعلق به الأسدي بعينه- تمهيدا للجواب فقال- إنما فعلوا ذلك مع أنا أقرب إلى رسول الله ص من غيرنا- لأنهم استأثروا علينا و لو قال له أنا المنصوص علي- و المخطوب باسمي في حياة رسول الله ص لما كان قد أجابه- لأنه ما سأله هل أنت منصوص عليك أم لا- و لا هل نص رسول الله ص بالخلافة على أحد أم لا- و إنما قال لم دفعكم قومكم عن الأمر- و أنتم أقرب إلى ينبوعه و معدنه منهم- فأجابه جوابا ينطبق على السؤال و يلائمه أيضا- فلو أخذ يصرح له بالنص- و يعرفه تفاصيل باطن الأمر لنفر عنه- و اتهمه و لم يقبل قوله و لم ينجذب إلى تصديقه- فكان أولى الأمور في حكم السياسة و تدبير الناس- أن يجيب بما لا نفرة منه و لا مطعن عليه فيه

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 9

خطبه 162 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

162 و من خطبة له ع

ابْتَعَثَهُ بِالنُّورِ الْمُضِي‏ءِ وَ الْبُرْهَانِ الْجَلِيِّ- وَ الْمِنْهَاجِ الْبَادِي وَ الْكِتَابِ الْهَادِي- أُسْرَتُهُ خَيْرُ أُسْرَةٍ وَ شَجَرَتُهُ خَيْرُ شَجَرَةٍ- أَغْصَانُهَا مُعْتَدِلَةٌ وَ ثِمَارُهَا مُتَهَدِّلَةٌ- مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ وَ هِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ- عَلَا بِهَا ذِكْرُهُ وَ امْتَدَّ مِنْهَا صَوْتُهُ- أَرْسَلَهُ بِحُجَّةٍ كَافِيَةٍ وَ مَوْعِظَةٍ شَافِيَةٍ وَ دَعْوَةٍ مُتَلَافِيَةٍ- أَظْهَرَ بِهِ الشَّرَائِعَ الْمَجْهُولَةَ- وَ قَمَعَ بِهِ الْبِدَعَ الْمَدْخُولَةَ- وَ بَيَّنَ بِهِ الْأَحْكَامَ الْمَفْصُولَةَ- فَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دَيْناً تَتَحَقَّقْ شِقْوَتُهُ- وَ تَنْفَصِمْ عُرْوَتُهُ وَ تَعْظُمْ كَبْوَتُهُ- وَ يَكُنْ مَآبُهُ إِلَى الْحُزْنِ الطَّوِيلِ وَ الْعَذَابِ الْوَبِيلِ- وَ أَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ تَوَكُّلَ الْإِنَابَةِ إِلَيْهِ- وَ أَسْتَرْشِدُهُ السَّبِيلَ الْمُؤَدِّيَةَ إِلَى جَنَّتِهِ- الْقَاصِدَةَ إِلَى مَحَلِّ رَغْبَتِهِ بالنور المضي‏ء أي بالدين أو بالقرآن و أسرته أهله- أغصانها معتدلة- كناية عن عدم الاختلاف بينهم في الأمور الدينية- و ثمارها متهدلة أي متدلية- كناية عن سهولة اجتناء العلم منها- . و طيبة اسم المدينة كان اسمها يثرب- فسماها رسول الله ص طيبة-و مما أكفر الناس به يزيد بن معاوية- أنه سماها خبيثة مراغمة لرسول الله ص- . علا بها ذكره- لأنه ص إنما انتصر و قهر الأعداء بعد الهجرة- و دعوة متلافية- أي تتلافى ما فسد في الجاهلية من أديان البشر- .

قوله و بين به الأحكام المفصولة- ليس يعني أنها كانت مفصولة قبل أن بينها- بل المراد بين به الأحكام التي هي الآن مفصولة عندنا- و واضحة لنا لأجل بيانه لها- . و الكبوة مصدر كبا الجواد إذا عثر فوقع إلى الأرض- و المآب المرجع- و العذاب الوبيل ذو الوبال و هو الهلاك- و الإنابة الرجوع و السبيل الطريق يذكر و يؤنث- و القاصدة ضد الجائرة- فإن قلت لم عدى القاصدة ب إلى- قلت لأنها لما كانت قاصدة- تضمنت معنى الإفضاء إلى المقصد- فعداها ب إلى باعتبار المعنى:

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ- فَإِنَّهَا النَّجَاةُ غَداً وَ الْمَنْجَاةُ أَبَداً- رَهَّبَ فَأَبْلَغَ وَ رَغَّبَ فَأَسْبَغَ- وَ وَصَفَ لَكُمُ الدُّنْيَا وَ انْقِطَاعَهَا- وَ زَوَالَهَا وَ انْتِقَالَهَا- فَأَعْرِضُوا عَمَّا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا- أَقْرَبُ دَارٍ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَ أَبْعَدُهَا مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ-فَغُضُّوا عَنْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ غُمُومَهَا وَ أَشْغَالَهَا- لِمَا أَيْقَنْتُمْ بِهِ مِنْ فِرَاقِهَا وَ تَصَرُّفِ حَالَاتِهَا- فَاحْذَرُوهَا حَذَرَ الشَّفِيقِ النَّاصِحِ وَ الْمُجِدِّ الْكَادِحِ- وَ اعْتَبِرُوا بِمَا قَدْ رَأَيْتُمْ مِنْ مَصَارِعِ الْقُرُونِ قَبْلَكُمْ- قَدْ تَزَايَلَتْ أَوْصَالُهُمْ- وَ زَالَتْ أَبْصَارُهُمْ وَ أَسْمَاعُهُمْ- وَ ذَهَبَ شَرَفُهُمْ وَ عِزُّهُمْ- وَ انْقَطَعَ سُرُورُهُمْ وَ نَعِيمُهُمْ- فَبُدِّلُوا بِقُرْبِ الْأَوْلَادِ فَقْدَهَا- وَ بِصُحْبَةِ الْأَزْوَاجِ مُفَارَقَتَهَا- لَا يَتَفَاخَرُونَ وَ لَا يَتَنَاسَلُونَ- وَ لَا يَتَزَاوَرُونَ وَ لَا يَتَحَاوَرُونَ- فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللَّهِ حَذَرَ الْغَالِبِ لِنَفْسِهِ- الْمَانِعِ لِشَهْوَتِهِ النَّاظِرِ بِعَقْلِهِ- فَإِنَّ الْأَمْرَ وَاضِحٌ وَ الْعَلَمَ قَائِمٌ- وَ الطَّرِيقَ جَدَدٌ وَ السَّبِيلَ قَصْدٌ المنجاة مصدر نجا ينجو نجاة و منجاة- و النجاة الناقة ينجى عليها فاستعارها هاهنا للطاعة و التقوى- كأنها كالمطية المركوبة يخلص بها الإنسان من الهلكة- . قوله رهب فأبلغ الضمير يرجع إلى الله سبحانه- أي خوف المكلفين فأبلغ في التخويف- و رغبهم فأتم الترغيب و أسبغه- ثم أمر بالإعراض عما يسر و يروق من أمر الدنيا- لقلة ما يصحب الناس من ذلك- ثم قال إنها أقرب دار من سخط الله- و هذا نحوقول النبي ص حب الدنيا رأس كل خطيئة- .

قوله فغضوا عنكم عباد الله غمومها- أي كفوا عن أنفسكم الغم لأجلها و الاشتغال بها- يقال غضضت فلانا عن كذا أي كففته- قال تعالى وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ- قوله فاحذروها حذر الشفيق الناصح- أي فاحذروها على أنفسكم لأنفسكم- كما يحذر الشفيق الناصح على صاحبه- و كما يحذر المجد الكادح أي الساعي من خيبة سعيه- و الأوصال الأعضاء و المحاورة المخاطبة و المناجاة- و روي و لا يتجاورون بالجيم- و العلم ما يتسدل به في المفازة- و طريق جدد أي سهل واضح و السبيل قصد أي مستقيم

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 9

خطبه 161 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

161 و من خطبة له ع

أَمْرُهُ قَضَاءٌ وَ حِكْمَةٌ وَ رِضَاهُ أَمَانٌ وَ رَحْمَةُ- يَقْضِي بِعِلْمٍ وَ يَعْفُو بِحِلْمٍ- اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وَ تُعْطِي- وَ عَلَى مَا تُعَافِي وَ تَبْتَلِي- حَمْداً يَكُونُ أَرْضَى الْحَمْدِ لَكَ- وَ أَحَبَّ الْحَمْدِ إِلَيْكَ وَ أَفْضَلَ الْحَمْدِ عِنْدَكَ- حَمْداً يَمْلَأُ مَا خَلَقْتَ وَ يَبْلُغُ مَا أَرَدْتَ- حَمْداً لَا يَحْجُبُ عَنْكَ وَ لَا يُقْصَرُ دُونَكَ- حَمْداً لَا يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ وَ لَا يَفْنَى مَدَدُهُ- فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ- إِلَّا أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ حَيٌّ قَيُّومُ- لَا تَأْخُذُكَ سِنَةٌ وَ لَا نَوْمٌ- لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرٌ وَ لَمْ يُدْرِكْكَ بَصَرٌ- أَدْرَكْتَ الْأَبْصَارَ وَ أَحْصَيْتَ الْأَعْمَالَ- وَ أَخَذْتَ بِالنَّوَاصِي وَ الْأَقْدَامِ- وَ مَا الَّذِي نَرَى مِنْ خَلْقِكَ- وَ نَعْجَبُ لَهُ مِنْ قُدْرَتِكَ- وَ نَصِفُهُ مِنْ عَظِيمِ سُلْطَانِكَ- وَ مَا تَغَيَّبَ عَنَّا مِنْهُ وَ قَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ- وَ انْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ- وَ حَالَتْ سَوَاتِرُ الْغُيُوبِ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُ أَعْظَمُ- فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ وَ أَعْمَلَ فِكْرَهُ- لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ وَ كَيْفَ ذَرَأْتَ خَلْقَكَ- وَ كَيْفَ عَلَّقْتَ فِي الْهَوَاءِ سَمَاوَاتِكَ- وَ كَيْفَ مَدَدْتَ عَلَى مَوْرِ الْمَاءِ أَرْضَكَ رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِيراً- وَ عَقْلُهُ مَبْهُوراً وَ سَمْعُهُ وَالِهاً وَ فِكْرُهُ حَائِراً يجوز أن يكون أمره هاهنا هو الأمر الفعلي- لا الأمر القولي كما يقال أمر فلان مستقيم و ما أمر كذا- و قال تعالى وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ وَ ما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ- فيكون المعنى أن شأنه تعالى ليس إلا أحد شيئين- و هما أن يقول و أن يفعل- فعبر عن أن يقول بقوله قضاء لأن القضاء الحكم- و عبر عن أن يفعل بقوله و حكمة- لأن أفعاله كلها تتبع دواعي الحكمة- و يجوز أن يكون أمره هو الأمر القولي- و هو المصدر من أمر له بكذا أمرا- فيكون المعنى أن أوامره إيجاب- و إلزام بما فيه حكمة و مصلحة- و قد جاء القضاء بمعنى الإلزام و الإيجاب- في القرآن العزيز في قوله- وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ- أي أوجب و ألزم- .

قوله و رضاه أمان و رحمة- لأن من فاز بدرجة الرضا فقد أمن و حصلت له الرحمة- لأن الرضا رحمة و زيادة- . قوله يقضي بعلم أي يحكم بما يحكم به- لأنه عالم بحسن ذلك القضاء أو وجوبه في العدل- . قوله و يعفو بحلم أي لا يعفو عن عجز و ذل- كما يعفو الضعيف عن القوي- بل هو قادر على الانتقام و لكنه يحلم- . ثم حمد الله تعالى على الإعطاء و الأخذ و العافية و البلاء- لأن ذلك كله من عند الله لمصالح للمكلف- يعلمها و ما يعلمها المكلف و الحمد على المصالح واجب- .

ثم أخذ في تفخيم شأن ذلك الحمد و تعظيمه- و المبالغة في وصفه احتذاءبقول رسول الله ص الحمد لله زنة عرشه الحمد لله عدد خلقه- الحمد لله مل‏ء سمائه و أرضه- فقال ع حمدا يكون أرضى الحمد لك- أي يكون رضاك له أوفى و أعظم من رضاك بغيره- و كذلك القول في أحب و أفضل- . قوله و يبلغ ما أردت- أي هو غاية ما تنتهي إليه الإرادة- و هذا كقول الأعرابية في صفة المطر- غشينا ما شئنا و هو من فصيح الكلام- . قوله لا يحجب عنك- لأن الإخلاص يقارنه و الرياء منتف عنه- . قوله و لا يقصر دونك أي لا يحبس- أي لا مانع عن وصوله إليك و هذا من باب التوسع- و معناه أنه بري‏ء من الموانع- عن إثماره الثواب و اقتضائه إياه- و روي و لا يقصر من القصور- و روي و لا يقصر من التقصير- .

ثم أخذ في بيان أن العقول قاصرة- عن إدراك الباري سبحانه و العلم به- و أنا إنما نعلم منه صفات إضافية أو سلبية- كالعلم بأنه حي- و معنى ذلك أنه لا يستحيل على ذاته أن يعلم و يقدر- و أنه قيوم بمعنى أن ذاته لا يجوز عليها العدم- أي يقيم الأشياء و يمسكها- و كل شي‏ء يقيم الأشياء كلها و يمسكها- فليس بمحتاج إلى من يقيمه و يمسكه- و إلا لم يكن مقيما و ممسكا لكل شي‏ء- و كل من ليس بمحتاج إلى من يقيمه و يمسكه- فذاته لا يجوز عليها العدم- و أنه تعالى لا تأخذه سنة و لا نوم- لأن هذا من صفات الأجسام- و ما لا يجوز عليها العدم لا يكون جسما- و لا يوصف بخواص الأجسام و لوازمها- فإنه لا ينتهي إليه نظر لأن انتهاء النظر إليه- يستلزم مقابلته و هو تعالى منزه عن الجهة- و إلا لم يكن ذاته مستحيلا عليها العدم- و أنه لا يدركه بصر- لأن إبصار الأشياء- بانطباع أمثلتها في الرطوبة الجليدية- كانطباع أشباح المرئيات في المرآة- و الباري تعالى لا يتمثل و لا يتشبح- و إلا لم يكن‏قيوما و أنه يدرك الأبصار- لأنه إما عالم لذاته أو لأنه حي لا آفة به- و أنه يحصي الأعمال لأنه عالم لذاته- فيعلم كل شي‏ء حاضرا و ماضيا و مستقبلا- و أنه يأخذ بالنواصي و الأقدام- لأنه قادر لذاته فهو متمكن من كل مقدور- .

ثم خرج إلى فن آخر فقال- و ما الذي نعجب لأجله من قدرتك و عظيم ملكك- و الغائب عنا من عظمتك أعظم من الحاضر- مثال ذلك أن جرم الشمس- أعظم من جرم الأرض مائة و ستين مرة- و لا نسبة لجرم الشمس إلى فلكها المائل- و لا نسبة لفلكها المائل إلى فلكها المميل- و فلك تدوير المريخ- الذي فوقها أعظم من مميل الشمس- و لا نسبة لفلك تدوير المريخ إلى فلكه المميل- و فلك تدوير المشتري أعظم من مميل المريخ- و لا نسبة لفلك تدوير المشتري إلى فلكه المميل- و فلك تدوير زحل أعظم من مميل المشتري- و لا نسبة لفلك تدوير زحل إلى مميل زحل- و لا نسبة لمميل زحل إلى كرة الثوابت- و لا نسبة لكرة الثوابت إلى الفلك الأطلس الأقصى- فانظر أي نسبة تكون الأرض بكليتها- على هذا الترتيب إلى الفلك الأطلس و هذا مما تقصر العقول عن فهمه و تنتهي دونه- و تحول سواتر الغيوب بينها و بينه كما قال ع- .

ثم ذكر أن من أعمل فكره- ليعلم كيف أقام سبحانه العرش و كيف ذرأ الخلق- و كيف علق السماوات بغير علاقة و لا عمد- و كيف مد الأرض على الماء- رجع طرفه حسيرا و عقله مبهورا و هذا كله حق- و من تأمل كتبنا العقلية و اعتراضنا على الفلاسفة- الذين عللوا هذه الأمور- و زعموا أنهم استنبطوا لها أسبابا عقلية- و ادعوا وقوفهم على كنهها و حقائقها- علم صحة ما ذكره ع- من أن من حاول تقدير ملك الله تعالى- و عظيم مخلوقاته بمكيال عقله فقد ضل ضلالا مبينا- .

و روي و فكره جائرا بالجيم- أي عادلا عن الصواب- و الحسير المتعب و المبهور المغلوب و الواله المتحير: مِنْهَا- يَدَّعِي بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو اللَّهَ كَذَبَ وَ الْعَظِيمِ- مَا بَالُهُ لَا يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ- فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ- إِلَّا رَجَاءَ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ- وَ كُلُّ خَوْفٍ مُحَقَّقٌ إِلَّا خَوْفَ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ- يَرْجُو اللَّهَ فِي الْكَبِيرِ وَ يَرْجُو الْعِبَادَ فِي الصَّغِيرِ- فَيُعْطِي الْعَبْدَ مَا لَا يُعْطِي الرَّبَّ- فَمَا بَالُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ بِهِ لِعِبَادِهِ- أَ تَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً- أَوْ تَكُونَ لَا تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً- وَ كَذَلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ- أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لَا يُعْطِي رَبَّهُ- فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً- وَ خَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِمَاراً وَ وَعْداً- وَ كَذَلِكَ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ- وَ كَبُرَ مَوْقِعُهَا مِنْ قَلْبِهِ آثَرَهَا عَلَى اللَّهِ- فَانْقَطَعَ إِلَيْهَا وَ صَارَ عَبْداً لَهَا يجوزبزعمه بالضم و بزعمه بالفتح و بزعمه بالكسر- ثلاث لغات أي بقوله- فأما من زعمت أي كفلت فالمصدر الزعم بالفتح و الزعامة-ثم أقسم على كذب هذا الزاعم فقال و العظيم- و لم يقل و الله العظيم تأكيدا لعظمة البارئ سبحانه- لأن الموصوف إذا ألقي و ترك و اعتمد على الصفة- حتى صارت كالاسم- كان أدل على تحقق مفهوم الصفة كالحارث و العباس- .

ثم بين مستند هذا التكذيب فقال- ما بال هذا الزاعم أنه يرجو ربه- و لا يظهر رجاؤه في عمله- فإنا نرى من يرجو واحدا من البشر يلازم بابه- و يواظب على خدمته و يتحبب إليه- و يتقرب إلى قلبه بأنواع الوسائل و القرب- ليظفر بمراده منه و يتحقق رجاؤه فيه- و هذا الإنسان الذي يزعم أنه يرجو الله تعالى- لا يظهر من أعماله الدينية ما يدل على صدق دعواه- و مراده ع هاهنا ليس شخصا بعينه- بل كل إنسان هذه صفته فالخطاب له و الحديث معه- .

ثم قال كل رجاء إلا رجاء الله فهو مدخول أي معيب- و الدخل بالتسكين العيب و الريبة- و من كلامهم ترى الفتيان كالنخل و ما يدريك ما الدخل- و جاء الدخل بالتحريك أيضا- يقال هذا الأمر فيه دخل و دغل بمعنى قوله تعالى- وَ لا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ- أي مكرا و خديعة و هو من هذا الباب أيضا- . ثم قال و كل خوف محقق إلا خوف الله فإنه معلول- محقق أي ثابت أي كل خوف حاصل حقيقة- فإنه مع هذا الحصول و التحقق معلول- ليس بالخوف الصريح إلا خوف الله وحده و تقواه- و هيبته و سطوته و سخطه- ذلك لأن الأمر الذي يخاف من العبد سريع الانقضاء و الزوال- و الأمر الذي يخاف من الباري تعالى- لا غاية له و لا انقضاء لمحذوره- كما قيلفي الحديث المرفوع فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة- .

ثم عاد إلى الرجاء فقال- يرجو هذا الإنسان الله في الكثير- أي يرجو رحمته في الآخرة- و لا يتعلق رجاؤه بالله تعالى إلا في هذا الموضع- فأما ما عدا ذلك من أمور الدنيا- كالمكاسب و الأموال و الجاه و السلطان و اندفاع المضار- و التوصل إلى الأغراض بالشفاعات و التوسلات – فإنه لا يخطر له الله تعالى ببال- بل يعتمد في ذلك على السفراء و الوسطاء- و يرجو حصول هذه المنافع- و دفع هذه المضار من أبناء نوعه من البشر- فقد أعطى العباد من رجائه ما لم يعطه الخالق سبحانه- فهو مخطئ- لأنه إما ألا يكون هو في نفسه صالحا لأن يرجوه سبحانه- و إما ألا يكون البارئ تعالى في نفسه صالحا لأن يرجى- فإن كان الثاني فهو كفر صراح- و إن كان الأول فالعبد مخطئ- حيث لم يجعل نفسه مستعدا لفعل الصالحات- لأن يصلح لرجاء البارئ سبحانه- .

ثم انتقل ع إلى الخوف فقال- و كذلك إن خاف هذا الإنسان عبدا مثله- خافه أكثر من خوفه البارئ سبحانه- لأن كثيرا من الناس يخافون السلطان- و سطوته أكثر من خوفهم مؤاخذة البارئ سبحانه- و هذا مشاهد و معلوم من الناس- فخوف بعضهم من بعض كالنقد المعجل- و خوفهم من خالقهم ضمار و وعد- و الضمار ما لا يرجى من الوعود و الديون- قال الراعي

حمدن مزاره و أصبن منه
عطاء لم يكن عدة ضمارا

 ثم قال و كذلك من عظمت الدنيا في عينه- يختارها على الله و يستعبده حبها- و يقال كبر بالضم يكبر أي عظم- فهو كبير و كبار بالتخفيف- فإذا أفرط قيل‏كبار بالتشديد- فأما كبر بالكسر فمعناه أسن و المصدر منهما كبرا بفتح الباء: وَ لَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ص كَافٍ لَكَ فِي الْأُسْوَةِ- وَ دَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا وَ عَيْبِهَا- وَ كَثْرَةِ مَخَازِيهَا وَ مَسَاوِيهَا- إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا وَ وُطَّئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا- وَ فُطِمَ عَنْ رَضَاعِهَا وَ زُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا- وَ إِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسَى كَلِيمِ اللَّهِ ص حَيْثُ يَقُولُ- رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ- وَ اللَّهِ مَا سَأَلَهُ إِلَّا خُبْزاً يَأْكُلُهُ- لِأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الْأَرْضِ- وَ لَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِيفِ صِفَاقِ بَطْنِهِ- لِهُزَالِهِ وَ تَشَذُّبِ لَحْمِهِ- وَ إِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوُدَ ص صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ- وَ قَارِئِ أَهْلِ الْجَنَّةِ- فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخُوصِ بِيَدِهِ- وَ يَقُولُ لِجُلَسَائِهِ أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا- وَ يَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا- وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ع- فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ- وَ يَلْبَسُ الْخَشِنَ وَ يَأْكُلُ الْجَشِبَ- وَ كَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ وَ سِرَاجُهُ بِاللَّيْلِ الْقَمَرَ- وَ ظِلَالُهُ فِي الشِّتَاءِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا- وَ فَاكِهَتُهُ وَ رَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ لِلْبَهَائِمِ- وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ وَ لَا وَلَدٌ يَحْزُنُهُ- وَ لَا مَالٌ يَلْفِتُهُ وَ لَا طَمَعٌ يُذِلُّهُ- دَابَّتُهُ رِجْلَاهُ وَ خَادِمُهُ يَدَاهُ‏

يجوز أسوة و إسوة و قرئ التنزيل بهما- و المساوئ العيوب- ساءه كذا يسوؤه سوءا بالفتح و مساءة و مسائية- و سوته سواية و مساية بالتخفيف أي ساءه ما رآه مني- و سأل سيبويه الخليل عن سوائية- فقال هي فعالية بمنزلة علانية- و الذين قالوا سواية حذفوا الهمزة تخفيفا و هي في الأصل- قال و سألته عن مسائية فقال هي مقلوبة و أصلها مساوئة- فكرهوا الواو مع الهمزة- و الذين قالوا مساية حذفوا الهمزة أيضا تخفيفا- و من أمثالهم الخيل تجري في مساويها- أي أنها و إن كانت بها عيوب و أوصاب- فإن كرمها يحملها على الجري- . و المخازي جمع مخزاة و هي الأمر يستحى من ذكره لقبحه- و أكنافها جوانبها و زوى قبض- و زخارف جمع زخرف و هو الذهب-

روي عن رسول الله ص أنه قال عرضت علي كنوز الأرض- و دفعت إلي مفاتيح خزائنها- فكرهتها و اخترت الدار الآخرة- و جاء في الأخبار الصحيحة أنه كان يجوع و يشد حجرا على بطنه- و أنه ما شبع آل محمد من لحم قط- و أن فاطمة و بعلها و بنيها كانوا يأكلون خبز الشعير – و أنهم آثروا سائلا بأربعة أقراص منه- كانوا أعدوها لفطورهم و باتوا جياعا- و قد كان رسول الله ص ملك قطعة واسعة من الدنيا- فلم يتدنس منها بقليل و لا كثير- و لقد كانت الإبل التي غنمها يوم حنين- أكثر من عشرة آلاف بعير- فلم يأخذ منها وبرة لنفسه و فرقها كلها على الناس- و هكذا كانت شيمته و سيرته في جميع أحواله إلى أن توفي- .

و الصفاق- الجلد الباطن الذي فوقه الجلد الظاهر من البطن- و شفيفه رقيقه الذي يستشف ما وراءه- و بالتفسير الذي فسر ع الآية فسرها المفسرون- و قالوا إن‏ خضرة البقل كانت ترى في بطنه من الهزال- و إنه ما سأل الله إلا أكلة من الخبز- و ما في لِما أَنْزَلْتَ بمعنى أي- أي إني لأي شي‏ء أنزلت إلي قليل أو كثير غث أو سمين فقير- .

فإن قلت لم عدى فقيرا باللام- و إنما يقال فقير إلى كذا- قلت لأنه ضمن معنى سائل و مطالب- و من فسر الآية بغير ما ذكره ع- لم يحتج إلى الجواب عن هذا السؤال- فإن قوما قالوا أراد- إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إلي من خير- أي من خير الدين و هو النجاة من الظالمين- فإن ذلك رضا بالبدل السني و فرحا به و شكرا له- .

و تشذب اللحم تفرقه- و المزامير جمع مزمار و هو الآلة التي يزمر فيها- و يقال زمر يزمر و يزمر بالضم و الكسر- فهو زمار و لا يكاد يقال زامر- و يقال للمرأة زامرة و لا يقال زمارة- فأما الحديث أنه نهى عن كسب الزمارة- فقالوا إنها الزانية هاهنا- و يقال إن داود أعطي من طيب النغم و لذة ترجيع القراءة- ما كانت الطيور لأجله تقع عليه و هو في محرابه- و الوحش تسمعه فتدخل بين الناس و لا تنفر منهم- لما قد استغرقها من طيب صوته- وقال النبي ص لأبي موسى و قد سمعه يقرأ- لقد أوتيت مزمارا من مزامير داود- و كان أبو موسى شجي الصوت إذا قرأ- وورد في الخبر داود قارئ أهل الجنة- .

و سفائف الخوص جمع سفيفة و هي النسيجة منه- سففت الخوص و أسففته بمعنى- و هذا الذي ذكره ع عن داود- يجب أن يحمل على أنه شرح حاله قبل أن يملك- فإنه كان فقيرا- فأما حيث ملك فإن المعلوم من سيرته غير ذلك- . فأما عيسى فحاله كما ذكرها ع لا ريب في ذلك- على أنه أكل اللحم و شرب‏ الخمر- و ركب الحمار و خدمه التلامذة- و لكن الأغلب من حاله هي الأمور التي عددها أمير المؤمنين ع- .

و يقال حزنني الشي‏ء يحزنني بالضم- و يجوز أحزنني بالهمز يحزنني و قرئ بهما- و هو في كلامه ع في هذا الفصل بهما- و يقال لفته عن كذا يلفته بالكسر أي صرفه و لواه: فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الْأَطْيَبِ الْأَطْهَرِ ص- فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى وَ عَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى- وَ أَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ- وَ الْمُقْتَصُّ لِأَثَرِهِ- قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً وَ لَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً- أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً- وَ أَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً- عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا- وَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ- وَ حَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ وَ صَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ- وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلَّا حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ- وَ تَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ- لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً لِلَّهِ تَعَالَى وَ مُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى- وَ لَقَدْ كَانَ ص يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ- وَ يَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ وَ يَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ- وَ يَرْفَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ وَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ- وَ يُرْدِفُ خَلْفَهُ- وَ يَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ- يَا فُلَانَةُ لِإِحْدَى أَزْوَاجِهِ غَيِّبِيهِ عَنِّي- فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وَ زَخَارِفَهَا- فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ وَ أَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ- وَ أَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ- لِكَيْلَا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً وَ لَا يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً- وَ لَا يَرْجُوَ فِيهَا مُقَاماً فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ- وَ أَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ وَ غَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ-وَ كَذَلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ- وَ أَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ- وَ لَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ص- مَا يَدُلُّكُ عَلَى مَسَاوِئِ الدُّنْيَا وَ عُيُوبِهَا- إِذْ جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ- وَ زُوِيَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمِ زُلْفَتِهِ- فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ بِعَقْلِهِ- أَكْرَمَ اللَّهُ مُحَمَّداً ص بِذَلِكَ أَمْ أَهَانَهُ- فَإِنْ قَالَ أَهَانَهُ فَقَدْ كَذَبَ وَ اللَّهِ الْعَظِيمِ بِالْإِفْكِ الْعَظِيمِ- وَ إِنْ قَالَ أَكْرَمَهُ- فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ- وَ زَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ- فَتَأَسَّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ- وَ اقْتَصَّ أَثَرَهُ وَ وَلَجَ مَوْلِجَهُ- وَ إِلَّا فَلَا يَأْمَنِ الْهَلَكَةَ- فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ مُحَمَّداً ص عَلَماً لِلسَّاعَةِ- وَ مُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ وَ مُنْذِراً بِالْعُقُوبَةِ- خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً وَ وَرَدَ الآْخِرَةَ سَلِيماً- لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ- حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ وَ أَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ- فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللَّهِ عِنْدَنَا- حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ وَ قَائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ- وَ اللَّهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا- وَ لَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ أَ لَا تَنْبِذُهَا عَنْكَ- فَقُلْتُ اعْزُبْ عَنِّي فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى المقتص لأثره المتبع له- و منه قوله تعالى وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ- و قضم الدنيا تناول منها قدر الكفاف- و ما تدعو إليه الضرورة من خشن العيشة- و قال أبو ذر رحمه الله يخضمون و نقضم و الموعد الله- و أصل القضم أكل الشي‏ء اليابس بأطراف الأسنان- و الخضم أكل بكل الفم للأشياء الرطبة- و روي قصم بالصاد أي كسر-قوله أهضم أهل الدنيا كشحا- الكشح الخاصرة- و رجل أهضم بين الهضم إذا كان خميصا لقلة الأكل- .

و روي و حقر شيئا فحقره بالتخفيف و الشقاق الخلاف- و المحادة المعاداة و خصف النعل خرزها- و الرياش الزينة و المدرعة الدراعة- . و قوله عند الصباح يحمد القوم السرى- مثل يضرب لمحتمل المشقة العاجلة رجاء الراحة الآجلةنبذ من الأخبار و الآثار الواردة في البعد عن زينة الدنياجاء في الأخبار الصحيحة أنه ع قال إنما أنا عبد آكل أكل العبيد- و أجلس جلسة العبيد- و كان يأكل على الأرض و يجلس جلوس العبيد- يضع قصبتي ساقيه على الأرض- و يعتمد عليهما بباطني فخذيه- و ركوبه الحمار العاري آية التواضع و هضم النفس- و أردف غيره خلفه آكد في الدلالة على ذلك- . و جاء في الأخبار الصحيحة النهي عن التصاوير- و عن نصب الستور التي فيها التصاوير- و كان رسول الله ص إذا رأى سترا فيه التصاوير- أمر أن تقطع رأس تلك الصورة- . وجاء في الخبر من صور صورة كلف في القيامة أن ينفخ فيها الروح- فإذا قال لا أستطيع عذب-

قوله لم يضع حجرا على حجر- هو عين ما جاء في الأخبار الصحيحة- خرج رسول الله ص من الدنيا و لم يضع حجرا على حجر- . و جاء في أخبار علي ع- التي ذكرها أبو عبد الله أحمد بن حنبل في كتاب فضائله- و هو روايتي عن قريش بن السبيع بن المهنا العلوي عن نقيب الطالبيين أبي عبد الله أحمد بن علي بن المعمر عن المبارك بن عبد الجبار أحمد بن القاسم الصيرفي المعروف بابن الطيوري عن محمد بن علي بن محمد بن يوسف العلاف المزني عن أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه أبي عبد الله أحمد رحمه الله قال قيل لعلي ع يا أمير المؤمنين لم ترقع قميصك- قال ليخشع القلب و يقتدي بي المؤمنون- .

وروى أحمد رحمه الله أن عليا كان يطوف الأسواق مؤتزرا بإزار- مرتديا برداء و معه الدرة كأنه أعرابي بدوي- فطاف مرة حتى بلغ سوق الكرابيس- فقال لواحد يا شيخ بعني قميصا تكون قيمته ثلاثة دراهم- فلما عرفه الشيخ لم يشتر منه شيئا ثم أتى آخر- فلما عرفه لم يشتر منه شيئا فأتى غلاما حدثا- فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم- فلما جاء أبو الغلام أخبره فأخذ درهما- ثم جاء إلى علي ع ليدفعه إليه- فقال له ما هذا أو قال ما شابه هذا- فقال يا مولاي إن القميص الذي باعك ابني كان يساوي درهمين- فلم يأخذ الدرهم و قال باعني رضاي و أخذ رضاه وروى أحمد رحمه الله عن أبي النوار بائع الخام بالكوفة قال جاءني علي بن أبي طالب إلى السوق- و معه غلام له و هو خليفة- فاشترى مني قميصين و قال لغلامه- اختر أيهما شئت فأخذ أحدهما و أخذ علي الآخر- ثم لبسه و مد يده فوجد كمه فاضلة- فقال اقطع الفاضل فقطعته ثم كفه و ذهب- .

و روى أحمد رحمه الله عن الصمال بن عمير قال- رأيت قميص علي ع الذي أصيب فيه و هو كرابيس سبيلاني- و رأيت دمه قد سال عليه كالدردي- . و روى أحمد رحمه الله قال- لما أرسل عثمان إلى علي ع- وجده مؤتزرا بعباءة محتجزا بعقال و هو يهنأ بعيرا له- و الأخبار في هذا المعنى كثيرة و فيما ذكرناه كفاية

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 9

خطبه 160 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

160 و من خطبة له ع

وَ لَقَدْ أَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ- وَ أَحَطْتُ بِجُهْدِي مِنْ وَرَائِكُمْ- وَ أَعْتَقْتُكُمْ مِنْ رِبَقِ الذُّلِّ وَ حَلَقِ الضَّيْمِ- شُكْراً مِنِّي لِلْبِرِّ الْقَلِيلِ- وَ إِطْرَاقاً عَمَّا أَدْرَكَهُ الْبَصَرُ- وَ شَهِدَهُ الْبَدَنُ مِنَ الْمُنْكَرِ الْكَثِيرِ أحطت بجهدي من ورائكم حميتكم و حضنتكم- و الجهد بالضم الطاقة الربق جمع ربقة- و هي الحبل يربق به البهم- . و حلق الضيم جمع حلقة بالتسكين- و يجوز حلق بكسر الحاء و حلاق- فإن قلت كيف يجوز له أن يطرق و يغضي عن المنكر- .

قلت يجوز له ذلك إذا علم أو غلب على ظنه- أنه إن نهاهم عنه لم يرتدعوا- و أضافوا إليه منكرا آخر- فحينئذ يخرج الإطراق و الإغضاء- عن حد الجواز إلى حد الوجوب- لأن النهي عن المنكر يكون و الحالة هذه مفسدة

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 9