نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 179 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی») في ذم العاصين من أصحابه‏

خطبه 180 صبحی صالح

180- و من خطبة له ( عليه‏ السلام  ) في ذم العاصين من أصحابه‏

أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى مَا قَضَى مِنْ أَمْرٍ وَ قَدَّرَ مِنْ فِعْلٍ وَ عَلَى ابْتِلَائِي بِكُمْ أَيَّتُهَا الْفِرْقَةُ الَّتِي إِذَا أَمَرْتُ لَمْ تُطِعْ وَ إِذَا دَعَوْتُ لَمْ تُجِبْ

إِنْ أُمْهِلْتُمْ خُضْتُمْ وَ إِنْ حُورِبْتُمْ خُرْتُمْ

وَ إِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ طَعَنْتُمْ

وَ إِنْ أُجِئْتُمْ إِلَى مُشَاقَّةٍ نَكَصْتُمْ.

لَا أَبَا لِغَيْرِكُمْ مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ وَ الْجِهَادِ عَلَى حَقِّكُمْ

الْمَوْتَ أَوِ الذُّلَّ لَكُمْ

فَوَاللَّهِ لَئِنْ جَاءَ يَومِي وَ لَيَأْتِيَنِّي لَيُفَرِّقَنَّ بَيْنِي وَ بَيْنِكُمْ

وَ أَنَا لِصُحْبَتِكُمْ قَالٍ وَ بِكُمْ غَيْرُ كَثِيرٍ

لِلَّهِ أَنْتُمْ أَ مَادِينٌ يَجْمَعُكُمْ وَ لَا حَمِيَّةٌ تَشْحَذُكُمْ

أَ وَ لَيْسَ عَجَباً أَنَّ مُعَاوِيَةَ يَدْعُو الْجُفَاةَ الطَّغَامَ فَيَتَّبِعُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَعُونَةٍ وَ لَا عَطَاءٍ

وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ وَ أَنْتُمْ تَرِيكَةُ الْإِسْلَامِ وَ بَقِيَّةُ النَّاسِ إِلَى الْمَعُونَةِ أَوْ طَائِفَةٍ مِنَ الْعَطَاءِ فَتَفَرَّقُونَ عَنِّي وَ تَخْتَلِفُونَ عَلَيَّ

إِنَّهُ لَا يَخْرُجُ إِلَيْكُمْ مِنْ أَمْرِي رِضًى فَتَرْضَوْنَهُ وَ لَا سُخْطٌ فَتَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ

وَ إِنَّ أَحَبَّ مَا أَنَا لَاقٍ إِلَيَّ الْمَوْتُ

قَدْ دَارَسْتُكُمُ الْكِتَابَ وَ فَاتَحْتُكُمُ الْحِجَاجَ

وَ عَرَّفْتُكُمْ مَا أَنْكَرْتُمْ وَ سَوَّغْتُكُمْ مَا مَجَجْتُمْ

لَوْ كَانَ الْأَعْمَى يَلْحَظُ أَوِ النَّائِمُ يَسْتَيْقِظُ

وَ أَقْرِبْ بِقَوْمٍ مِنَ الْجَهْلِ بِاللَّهِ قَائِدُهُمْ مُعَاوِيَةُ وَ مُؤَدِّبُهُمُ ابْنُ النَّابِغَةِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج10  

و من خطبة له عليه السّلام في ذمّ أصحابه و هى المأة و التاسعة و السبعون من المختار في باب الخطب

أحمد اللّه على ما قضى من أمر، و قدّر من فعل، و على ابتلائي بكم أيّتها الفرقة الّتي إذا أمرت لم تطع، و إذا دعوت لم تجب، إن‏أمهلتم خضتم، و إن حوربتم خرتم، و إن اجتمع النّاس على إمام طعنتم، و إن أجبتم إلى مشاقّة نكصتم، لا أبا لغيركم، ما تنتظرون بنصركم، و الجهاد على حقّكم، الموت أو الذّلّ لكم، فو اللّه لئن جاء يومي- و ليأتينيّ- ليفرّقنّ بيني و بينكم و أنا لصحبتكم قال، و بكم غير كثير، للّه أنتم أما دين يجمعكم، و لا حميّة تشحذكم، أو ليس عجبا أنّ معاوية يدعو الجفاة الطّغام فيتّبعونه على غير معونة و لا عطاء، و أنا أدعوكم و أنتم تريكة الإسلام و بقيّة النّاس إلى المعونة أو طائفة من العطاء فتفرّقون عنّي و تختلفون عليّ، إنّه لا يخرج إليكم من أمري رضا فترضونه، و لا سخط فتجتمعون عليه، و إنّ أحبّ ما أنّا لاق إلىّ الموت، قد دارستكم الكتاب، و فاتحتكم الحجاج، و عرّفتكم ما أنكرتم، و سوّغتكم ما مججتم لو كان الأعمى يلحظ، أو النّائم يستيقظ، و أقرب بقوم من الجهل باللّه قائدهم معاوية، و مؤدّبهم ابن النّابغة.

اللغة

(أمهله) اى رفق به و أخّره و في بعض النسخ أهملتم أى تركتم و (خرتم) بالخاء المعجمة و الراء المهملة من الخور بمعنى الضعف أو من خوار الثور و هو صياحه قال تعالى: «عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ»، و عن بعض النسخ جرتم بالجيم من جار أى عدل‏عن الحقّ و (طعنتم) في بعض النسخ بالظاء المعجمة ارتحلتم و فارقتم و (أجبتم) بالجيم و الباء المعجمة على البناء على المعلوم من أجاب إجابة، و في نسخة الشارح المعتزلي اجئتم بالهمزة الساكنة بعد الجيم المكسورة و البناء على المجهول أى الجئتم قال تعالى: «فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى‏ جِذْعِ النَّخْلَةِ».

و (النكوص) الرجوع إلى ما وراء قال تعالى: «فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى‏ عَقِبَيْهِ» و (شحذت) النصل و السكين حدّتهما و (الجفاة) جمع الجافي و هو الغليظ من الناس و (الطغام) بالطاء المهملة و الغين المعجمة أراذل الناس و أوغادهم الواحد و الجمع سواء و (التريكة) بيضة النعامة يتركها في مجثمها و (درس) الكتاب قرأ و (ساغ) الشراب دخل في الحلق بسهولة قال الشاعر:

فساغ لي الشراب و كنت
قبلا أكاد أغصّ بالماء الفرات‏

و (مججته) من فمى أى رميت به.

الاعراب

يحتمل أن يكون ما في قوله: على ما قضا، مصدريّة و موصولة فيكون العايد محذوفا.
و قوله: لا أبا لغيركم قال الشارح البحراني: أصله لا أب و الالف زايدة إمّا لاستثقال توالى أربع فتحات، أو لانّهم قصدوا الاضافة و أتوا باللّام للتأكيد.

أقول: و يؤيّد الثاني ما حكاه نجم الأئمة عن سيبويه من زيادة اللّام في لا أبالك و قال الشارح المعتزلي: الأفصح لا أب بحذف الألف، و أمّا قولهم لا أبالك باثباته فدون الأوّل في الفصاحة، كأنّهم قصدوا الاضافة و أقحموا اللّام مزيدة مؤكدة

كما قالوا: يا تيم تيم عدىّ«» و هو غريب لأنّ حكم لا أن تعمل في النكرة فقط و حكم الألف أن تثبت مع الاضافة و الاضافة تعرف فاجتمع حكمان متنافيان فصار من الشواذ و قال أبو البقاء يجوز فيها وجهان آخران: أحدهما أنه أشبع فتحة الباء فنشأت الالف و الاسم باق على تنكيره و الثاني أن يكون أبا لغة من قال لها أبا في جميع أحوالها، مثل عصا و منه: إنّ أباها و أبا أباها.

و قوله: الموت أو الذّل لكم، في أكثر النسخ برفعهما و في بعضها بالنّصب أمّا الرفع فعلى الابتداء و لكم خبر و الجملة دعائيّة لا محلّ لها من الاعراب، و أمّا النصب فبتقدير أرجو و أطلب فتكون دعائية أيضا، و تحتمل الاستفهام أى أ تنتظرون.

و قوله: فو اللّه لئن جاء يومى و ليأتيّنى ليفرقنّ آه، جملة ليفرقنّ جواب للقسم و استغنى بها عن جواب الشرط، و جملة و ليأتينّى معترضة بين القسم و الشرط و جوابيهما المذكور و المحذوف و تعرف نكتة الاعتراض في بيان المعنى و جملة: و أنا لصحبتكم قال، منصوبة المحلّ على الحال، و بكم متعلّق بغير كثير قدّم عليه للتوسّع.

و قوله: للّه أنتم، قال الشارح المعتزلي: للّه في موضع رفع لأنّه خبر عن المبتدأالذى هو أنتم، و مثله للّه درّ فلان، و للّه بلاد فلان، و للّه أبوك، و اللّام ههنا فيها معنى التعجّب، و المراد بقوله للّه أنتم للّه سعيكم أو للّه عملكم كما قالوا: للّه درّك، أى عملك فحذف المضاف و أقام الضمير المنفصل المضاف اليه مقامه قال الشارح: و لا يجي‏ء هذه اللّام بمعنى التعجّب في غير لفظ اللّه كما أنّ تاء القسم لم تأت إلّا في اسم اللّه، انتهى و قال نجم الأئمة الرّضي: قولهم إنّ لام القسم يستعمل في مقام التعجّب يعنون الأمر العظيم الّذى يستحقّ أن يتعجّب منه فلا يقال للّه لقد قام زيد، بل يستعمل في الأمور العظام نحو للّه لتبعثنّ، و قيل إنّ اللّام في لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، و لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا»، للتعجّب، و الأولى أن يقال إنّها للاختصاص إذ لم يثبت لام التعجّب الّا في القسم انتهى كلامه رفع مقامه.

أقول: المستفاد من نصّ كلام الشارح أنّ لام التعجّب مختصّة بالدّخول على لفظ الجلالة، و من ظاهر كلام الرّضي أنّها ملازمة للقسم، و يشكل ذلك في نحو للّه درّه و للّه أبوك و للّه أنتم و ما ضاهاها، لأنهم اتّفقوا على أنّها في هذه الأمثلة للتعجّب مع أنّه لا معنى للقسم بل لا تصوير له فيها إذ لو كانت للقسم لاحتاجت إلى الجواب و ليس فليس.

و قد صرّح الرضىّ نفسه في مبحث التميز من شرح مختصر ابن الحاجب بأنّ معني للّه درّه فارسا، عجبا من زيد فارسا و هو يعطى أنّها فيه للتعجّب فقط لا للتعجّب و القسم على أنها لو جعلت للقسم لا يكون للّه خبرا مقدّما و درّه مبتدأ و لا يكون للدّرّ عامل رفع كما هو ظاهر لا يخفى.

و بعد اللّتيا و اللّتي فالتحقيق أن يقال: إنّ اللّام قد تكون للتعجّب مجرّدة عن القسم و لا يلزم دخولها على لفظ الجلالة كما زعمه الشارح المعتزلي بل قد تدخل عليه كما في للّه درّه فارسا و للّه أنت و قوله:

شباب و شيب و افتقار و ثروة
فللّه هذا الدّهر كيف تردّدا

و قد تدخل على غيره كما في «لِإِيلافِ قُرَيْشٍ» أى اعجبوا لايلاف قريش كما حكاه في الكشّاف عن بعضهم و في قوله:

فيا لك من ليل كأنّ نجومه
بكلّ مغار القتل بشدّت بيذبل‏

و قد تكون للتعجّب و القسم معا، و هذه مختصّة بالدّخول على لفظ الجلالة كما في للّه لا يؤخّر الأجل، و قوله تعالى: «للّه لتبعثنّ»

و قول الشاعر:

للّه يبقى على الأيّام ذو حيد
بمسمخرّ به الظبيان و الاس‏

فقد ظهر من ذلك أنّ لام القسم ملازم للتعجّب و لام التعجّب غير ملازم للقسم كما زعمه الرّضى و لا للدّخول على لفظ الجلالة كما زعمه الشارح المعتزلي هذا.
و أما تحقيق معنى التعجّب في هذه الموارد فهو ما أشار إليه الرّضي فيما حكى عنه بقوله: و أمّا معنى قولهم للّه درّك، فالدّر في الأصل ما يدرّ أى ينزل من الضّرع من اللّبن و من الغيم من المطر و هو هنا كناية عن فعل الممدوح و الصادر عنه، و إنما نسب فعله إليه قصدا للتعجّب منه لأنّ اللّه تعالى منشي‏ء العجائب، فكلّ شي‏ء عظيم يريدون التعجّب منه ينسبونه إليه تعالى و يضيفونه إليه نحو قولهم: للّه أنت، و للّه أبوك، فمعنى للّه درّه ما أعجب فعله.

و قال عز الدّين الزنجاني في محكىّ كلامه من شرح الهادى: للّه درّه كلام معناه التعجّب، و العرب إذا أعظموا الشي‏ء غاية الاعظام أضافوه إلى اللّه تعالى ايذانا بأنّ هذا الشي‏ء لا يقدر على ايجاده إلّا اللّه تعالى و بأنّ هذا جدير بأن يتعجّب منه لأنّه صادر عن فاعل قادر مصدر للأشياء العجيبة هذا.

و قوله عليه السّلام: أما دين يجمعكم، قال الشارح المعتزلي ارتفاع دين على أنه فاعل فعل مقدّر أى ما يجمعكم دين يجمعكم، اللّفظ الثاني مفسّر للأوّل كما قدرناه بعد إذا في قوله: «إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ»، و يجوز أن يكون حمية مبتدأ و الخبر محذوف تقديره أما لكم حمية، انتهى.

أقول: لزوم تقدير الفعل بعد أما إنما هو مسلم إن جعل أما مركبة حرف عرض بمنزلة لو لا، لاختصاصها بالدّخول على الفعل كما أنّ اذا مختصّة بالدّخول عليه، و لذلك احتيج الى تقديره في الاية الشريفة، و أما إذا جعلنا الهمزة للاستفهام على سبيل الانكار التوبيخى أو على سبيل التقرير و ما حرف نفى فلا حاجة إلى تقديرالفعل لأنّ ما على ذلك ماء حجازية بمعنى ليس و دين اسمها و يجمعكم خبرها.

و الظاهر من قول الشارح: أى ما يجمعكم أنه لا يجعلها حرف عرض و حينئذ فتقديره للفعل باطل، ثمّ إنّ تجويزه كون حمية مبتدأ و الخبر محذوفا فيه أنّ الأصل عدم الحذف مع وجود الجملة الصّالحة للخبريّة، و إن أراد بالتجويز مجرّد الصحّة بالقواعد الأدبيّة فلا بأس به.

و قوله: أو ليس عجبا استفهام تقريرى، و على في قوله عليه السّلام: على غير معونة، بمعنى مع كما في قوله تعالى: «وَ آتَى الْمالَ عَلى‏ حُبِّهِ»، «وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى‏ ظُلْمِهِمْ»، و إلى في قوله: إلى المعونة، متعلّق بقوله ادعوكم، و جملة: و أنتم تريكة الاسلام آه، معترضة بينهما فليس لها محلّ من الاعراب، و يحتمل كونها في محلّ النّصب على الحالية من مفعول أدعوكم و لكن الأوّل أظهر.

و الضمير في قوله: إنه للشأن، و جواب لو في قوله لو كان الأعمى يلحظ أو النائم يستيقظ محذوف بدلالة الكلام كما في قوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى‏»، أى لكان هذا القرآن.
و قوله عليه السّلام: و أقرب بقوم من الجهل باللّه، فعل تعجّب و الباء زايدة كما في أحسن بزيد قال سيبويه افعل صورته أمر و معناه الماضي من افعل أى صار ذا فعل كألحم أى صار ذا لحم، و الباء بعده زايدة في الفاعل لازمة، و قد يحذف إن كان المتعجّب منه أن وصلتها نحو أحسن أن يقوم أى أن يقوم على ما هو القياس.

و ضعّف قوله بأنّ الأمر بمعنى الماضى مما لم يعهد بل الماضي يجي‏ء بمعنى الأمر مثل اتّقى امرؤ ربّه، و بأنّ افعل بمعنى صار ذا فعل قليل و لو كان منه لجاز ألحم بزيد و أشحم به، و بأنّ زيادة الباء في الفاعل قليل و المطرد زيادتها في المفعول.

و قال الفراء و تبعه الزمخشري و غيره ان احسن امر لكل احد بأن يجعل زيدا حسنا، و انما يجعله كذلك بأن يصفه بالحسن فكأنه قيل: صفه بالحسن كيف شئت فانّ فيه منه كلّ ما يمكن أن يكون في شخص كما قال الشاعر:
و قد وجدت مكان القول ذا سعة فان وجدت لسانا قائلا فعل‏و هذا معنى مناسب للتعجّب بخلاف تقدير سيبويه و أيضا همزة الجعل أكثر من همزة صار كذا و ان لم يكن شي‏ء منهما قياسا مطردا، و على ذلك فهمزة أحسن به للجعل كهمزة ما أحسن و الباء مزيدة في المفعول و هو كثير مطرد هذا.

و إنما لم يجمع لفظ أقرب مع كون المقصود بالخطاب غير مفرد، لأنّ فعل التعجّب لا يتصرّف فيه فلا يقال أحسنا و أحسنوا و أحسنى و إن خوطب به مثنّى أو مجموع أو مؤنّث، و سهل ذلك انمحاء معنى الأمر فيه اريد به محض انشاء التعجّب و لم يبق فيه معنى الخطاب حتّى يثنّى أو يجمع أو يؤنّث.

ثمّ إنّه يجب أن يكون المتعجّب منه مختصّا فلا يقال ما أحسن رجلا، لعدم الفائدة فان خصّصته بوصف نحو رجلا رأيناه في موضع كذا جاز، و لذلك أتى بالجملة الوصفية أعنى قوله قائدهم معاوية بعد قوله بقوم، لئلّا يخلو عن الفائدة، فالجملة على ذلك في محلّ الجرّ على الصفة فافهم ذلك كلّه و اغتنم.

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام له عليه السّلام كما نبّه عليه السيّد (ره) وارد في ذمّ أصحابه و التوبيخ لهم، و الأشبه أنه عليه السّلام قاله بعد التّحكيم و انقضاء أمر الحكمين تقريعا لأصحابه على القعود عن قتال معاوية، فافتتح كلامه بحمد اللّه تعالى و ثنائه على ما جرى عليه سيرته في أغلب كلماته الواردة في مقام الخطابة فقال: (الحمد للّه على ما قضا من أمر و قدر من فعل) يحتمل أن يريد بقوله قضا و قدر معنى واحدا و كذلك الأمر و الفعل فيكونان مترادفين كالفعلين، و أن يريد بالقضاء الحكم الالهى بوجود الأشياء، و بعبارة اخرى هو عالم الأمر و لذا فسّره بقوله: من أمر، و بالقدر ما قدره من الخلق و الايجاد و بعبارة اخرى هو عالم الخلق و لذا بيّنه بقوله: من فعل، فيكون المعنى الثناء للّه على قضائه و قدره أى على أمره و فعله أو على ما قضاه و قدره على مقتضياته من الأوامر و الأحكام، و على مقدراته من الصنائع و الأفعال و قد مضى تفصيل الكلام مشبعا في معنى القضاء و القدر في شرح الفصل‏التاسع من الخطبة الأولى.

و أقول هنا: إنّ قوله عليه السّلام هذا مؤيّد لما ذهب إليه اتباع الاشراقيّين من أنّ القضاء عبارة عن وجود الصور العقلية لجميع الموجودات فايضة عنه تعالى على سبيل الابداع دفعة بلا زمان، لكونها عندهم من جملة العالم و من أفعال اللّه تعالى المباينة و ذاتها لذاته، خلافا لاتباع المشّائين كالشيخ الرئيس و من يحذو حذوه فانه عندهم عبارة عن صور علمية لازمة لذاته بلا جعل و تأثير و تأثّر، و ليست من أجزاء العالم، إذ ليست لها جهة عدمية و لا إمكانات واقعية.

و أمّا القدر فهو عبارة عن وجود صور الموجودات في العالم السماوى على الوجه الجزئي مطابقة لما في موادّها الخارجية الشخصيّة مستندة إلى أسبابها و عللها لازمة لأوقاتها المعيّنة و أمكنتها المشخّصة هذا.
و على ما استظهرناه من ورود هذا الكلام عنه عليه السّلام بعد التحكيم فيجوز أن أن يراد بما قضاه و قدره خصوص ما وقع من أمر الحكمين و إفضاء الأمر إلى معاوية، فإنّ كل ما يقع في العالم فلا يكون إلّا بقضاء من اللّه و قدر، فيكون مساق هذا الكلام مساق قوله عليه السّلام في الخطبة الخامسة و الثلاثين: الحمد للّه و ان أتى الدّهر بالخطب الفادح و الحدث الجليل.

فان قلت: فما معنى حمده على وقوع هذا الأمر مع أنه ليس نعمة موجبة للثناء قلت: اللّازم على العبد الكامل في مقام العبوديّة و البالغ في مقام العرفان أن يحمد اللّه على بلاء اللّه سبحانه كما يحمد على نعمائه حسبما عرفت توضيحه في شرح قوله: نحمده على آلائه كما نحمده على بلائه في الخطبة المأة و الاحدى و الثلاثين، و لما كان وقوع ما وقع بليّة له عليه السّلام في الحقيقة لا جرم حمد اللّه سبحانه على ذلك.

و يفيد ذلك أيضا قوله (و على ابتلائى بكم) خصوصا ما يروى في بعض النسخ على ما ابتلانى بكم (أيّتها الفرقة التي إذا أمرت لم تطع و اذا دعوت لم تجب) و الاتيان بالموصول لزيادة التقرير أعنى تقرير الغرض المسوق له الكلام، فانه لما بيّن ابتلائه بهم إجمالا عقّبه بتفصيل جهات الابتلاء، و هو كونهم مخالفين له في‏جميع الأحوال متمرّدين عن طاعته عند الأمر بالقتال، متثاقلين عن إجابته عند الدّعوة إلى الحرب و الجدال.

(إن امهلتم) و عن بعض النسخ إن اهملتم أى تركتم على حالكم (خضتم) في لهو الحديث و فى الضلالة و الأهواء الباطلة (و إن حوربتم خرتم) أى ضعفتم و جبنتم أو صحتم ضياح الثور، و عن بعض النسخ جرتم بالجيم أى عدلتم عن الحرب فرارا (و إن اجتمع الناس على إمام) أراد به نفسه (طعنتم) على المجتمعين (و إن اجبتم الى مشاقة) عدوّ أى مقاطعته و مصارمته (نكصتم) على أعقابكم و رجعتم محجمين (لا أبا لغيركم) دعاء بالذّل و فيه نوع تلطّف لهم حيث قال لغيركم و لم يقل لكم (ما تنتظرون) استفهام على سبيل التقريع و التوبيخ أى أىّ شي‏ء تنتظرونه (بنصركم) أى بتأخير نصرتكم لدين اللّه (و) بتأخير (الجهاد على حقكم) اللّازم عليكم و هو إعلاء كلمة اللّه (الموت أو الذّل لكم) قال الشارح المعتزلي: دعاء عليهم بأن يصيبهم أحد الأمرين كأنّه شرع داعيا عليهم بالفناء الكلّى و هو الموت ثمّ استدرك فقال أو الذّل، لأنّه نظير الموت في المعنى لكنه في الصّورة دونه، و لقد اجيب دعائه عليه السّلام بالدعوة الثانية فانّ شيعته ذلّوا بعده في الأيام الأمويّة.

أقول: و قد مضي له معني آخر في بيان الاعراب و على ذلك المعني ففيه اشارة إلى أنّ تأخير الجهاد إمّا مؤدّ إلى الموت على الفراش أو الذّل العظيم على سبيل منع الخلوّ، و أهل الفتوّة و المروّة لا يرضي بشي‏ء منهما، و القتل بالسيف في الجهاد عندهم ألذّ و أشهى كما مرّ بيانه في شرح المختار المأة و الثاني و العشرين.
ثمّ اقسم بالقسم البارّ بأنه إذا جاء موته ليكون مفارقته لهم عن قلى و بغض فقال (فو اللّه لئن جاء يومي) الموعود (و ليأتينّى) جملة معترضة أتي بها لدفع ايهام خلاف المقصود.

بيان ذلك أنّ لفظة إن و إذا الشرطيّتين تشتركان في إفادة الشرط في الاستقبال لكن أصل إن أن يستعمل في مقام عدم الجزم بوقوع الشرط و أصل إذا أن يستعمل في مقام الجزم بوقوعه، و لذلك كان الحكم النادر الوقوع موقعا لان لكونه غير مقطوع‏به في الغالب، و الحكم الغالب الوقوع موردا لاذا و غلب لفظ الماضي معها لدلالته على الوقوع قطعا نظرا إلى نفس اللفظ و إن نقل ههنا الى معني الاستقبال قال سبحانه مبيّنا لحال قوم موسى عليه السّلام: «فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى‏ وَ مَنْ مَعَهُ» جي‏ء في جانب الحسنة بلفظ الماضي مع إذا لأنّ المراد الحسنة المطلقة التي وقوعها مقطوع به و لذلك عرفت بلام الجنس لأنّ وقوع الجنس و الماهية كالواجب لكثرته و وسعته، و في جانب السيئة بلفظ المضارع مع إن لندرتها و قلّتها و لذلك نكرت لدلالة التنكير على التقليل.

اذا عرفت ذلك فنقول: إنّ موته عليه السّلام لما كان أمرا محقّقا معلوم الوقوع كان المقام مقتضيا للاتيان باذا، لكنه أتى بان الموهمة لعدم جزمه عليه السّلام به.
فاستدرك ذلك أوّلا بالعدول في الشرط عن الاستقبال إلى الماضي حيث قال: جاء يومي و لم يقل يجي‏ء إبرازا لغير الحاصل في معرض الحاصل و كون ما هو للوقوع كالواقع بقوّة أسبابه المعدّة له مع ما فيه من إظهار الرغبة و الاشتياق الى حصول الشرط، فانّ الطالب إذا عظمت رغبته في حصول أمر يكثر تصوّره إياه فربما يخيل ذلك الأمر إليه حاصلا فيعتبر عنه بلفظ الماضي.

و استدركه ثانيا بقوله: و ليأتينّي، فنبّه عليه السّلام بهذين الاستدراكين على أنّه جازم بمجي‏ء يومه الموعود قاطع به و أنّ مجيئه قريب الوقوع و هو مشتاق اليه و أشدّ حبّا له من الطفل بثدى امّه كما صرّح به في غير واحدة من كلماته، و هذا من لطايف البلاغة و محسّناتها البديعة الّتي لا يلتفت إليها إلّا مثله عليه السّلام هذا.

و قوله (ليفرقنّ بيني و بينكم و أنا بصحبتكم قال) يعني إذا جاء مماتى يكون فارقا بيننا و الحال أنى مبغض لكم مستنكف عن مصاحبتكم (و بكم غير كثير) أى غير كثير بسببكم قوّة و عدة لأنّ نسبتكم إلىّ كالحجر في جنب الانسان لا أعوان صدق عند مبارزة الشجعان، و لا إخوان ثقة يوم الكريهة و مناضلة الأقران (للّه أنتم) أى للّه درّكم و هو دار و في مقام التعجّب و المدح تلطفا قال العلّامة المجلسي ره: و لعلّه للتعجّب على سبيل الذمّ.

أقول: إن أراد انفهام الذمّ منه بقرينة المقام فلا بأس و إلّا فهو خلاف ما اصطلحوا عليه من استعمالها في مقام المدح حسبما عرفته تفصيلا في شرح الاعراب.
و قوله (أما دين يجمعكم و لا حميّة تشحذكم) أى تحددكم في معنى الطلب و الترغيب على الاجتماع على الدّين و ملازمة الحميّة سواء جعلنا أما حرف عرض و تحضيض أو الهمزة للاستفهام التوبيخي أو التقريرى و ما حرف نفي.
أمّا على الأول فواضح لأنّ معني التحضيض في المضارع هو الحضّ على الفعل و الطلب له فهو فيه بمعنى الأمر و قلّما يستعمل فيه إلّا في موضع التوبيخ و اللّوم على ما كان يجب أن يفعله المخاطب قبل أن يطلب.

و أمّا على جعل الهمزة للانكار التوبيخى فكذلك لاقتضائه وقوع ما بعدها و كون فاعله ملوما و لوم المخاطبين و توبيخهم على عدم الدّين و ترك الحميّة مستلزم لطلب الدّين و الحميّة منهم.
و أمّا على جعلها للتقرير فلأنّ معني التقرير هو حمل المخاطب على الاقرار بأمر قد استقرّ عنده ثبوته أو نفيه، و المراد هنا التقرير بما بعد النفي أى تقرير المخاطبين و حملهم على الاعتراف بالدّين الجامع و الحميّة الشاحذة و حملهم على الاعتراف بذلك في معنى طلبه منهم و حملهم عليهم حتى لا يكونوا كاذبين.

و إلى ذلك ينظر ما قاله العلّامة التفتازاني: من أنّ العرض مولد من الاستفهام أى ليس بابا على حدة، فالهمزة فيه همزة الاستفهام دخلت على النفي و امتنع حملها على حقيقة الاستفهام لأنه يعرف عدم النزول مثلا فالاستفهام عنه يكون طلبا للحاصل فتولد منه بقرينة الحال عرض النزول على المخاطب و طلبه، و هي في التحقيق همزة الانكار، أى لا ينبغي لك أن لا تنزل«» و إنكار النفي إثبات.

و فيه أيضا و من مجي‏ء الهمزة للانكار «أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ»، أى اللّه كاف عبده، لأنّ إنكار النفي نفي له و نفي النفي إثبات، و هذا المعني مراد من قال: إنّ الهمزة للتقرير بما بعد النفي النفي لا بالنفي، و هكذا أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، و أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً، و ماأشبه ذلك، فقد يقال: إنّ الهمزة للانكار و قد يقال إنها للتقرير و كلاهما حسن انتهى.

و من ذلك علم أنّ الهمزة في قوله (أو ليس عجبا) أيضا تحتمل الانكار و التقرير كالجملة السابقة إلّا أنّ بينهما فرقا، و هو أنّ الانكار في السابق للتوبيخ و هنا للابطال، و مقتضاه أن يكون ما بعده غير واقع و مدعيه كاذبا فيكون مفاده إنكار عدم العجب و أنّ من ادّعى عدمه فهو كاذب و يلزمه ثبوت العجب لأنّ نفي النفي إثبات كما مرّ في نحو: أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ، و أمّا على كونها للتقرير فلا فرق بينهما لأنها هنا أيضا للتقرير بما بعد النفي أى حملهم على الاقرار بثبوت العجب.

و على أىّ تقدير فالمقصود من الكلام بقرينة الحال و المقام حثّهم على رفع ما أوجب التعجّب عن قبلهم و هو تفرّقهم عنه و اختلافهم عليه.
كما أشار إلى تفصيله بقوله (إنّ معاوية يدعو الجفاة الطعام) أى الأراذل و الأوغاد من الناس (فيتّبعونه) و يجيبون دعوته (على غير معونة و لا عطاء) قال الشارح المعتزلي: الفرق بينهما انّ المعونة إلى أنجد شي‏ء يسير من المال يرسم لهم لترميم أسلحهتم و إصلاح دوابهم و يكون ذلك خارجا عن العطاء المفروض شهرا فشهرا و العطاء المفروض شهرا فشهرا يكون شيئا له مقدار يصرف في أثمان الأقوات و معونة العيال و قضاء الدّيون.

فان قلت: كيف يجتمع قوله فيتّبعونه على غير معونة و لا عطاء بما هو المعروف من بذل معاوية و أنه يمدّ جيشه بالأموال و الرغائب.
قلت: قد أجاب عنه الشارح المعتزلي بأنّ معاوية لم يكن يعطى جنده على وجه المعونة و العطاء، و إنما كان يعطي رؤساء القبايل من اليمن و ساكني الشام الأموال الجليلة تستعبدهم بها و يدعو أولئك الرؤساء أتباعهم من العرب فيطيعونه، فمنهم من يطيعهم حمية و منهم من يطيعهم دينا للطلب بدم عثمان، و لم يكن يصل إلى هولاء الأتباع من أموال معاوية قليل و لا كثير، و أما أمير المؤمنين فانه كان يقسم بين الرؤساء و الاتباع على وجه العطاء و الرزق لا يرى شريف على مشروف فضلاو إلى ذلك أشار بقوله (و أنا أدعوكم و أنتم تريكة الاسلام و بقيّة) المسلمين من (النّاس) لا يخفى ما في الاتيان بهذه الجملة من النكتة اللّطيفة و هو الالهاب لهم و التهييج على المتابعة و استعار لهم لفظ التريكة لكونهم خلف الاسلام و بقيّته كالتريكة التي يتركها النعامة، أى أدعوكم مع كونكم خلف الاسلام و بقيّة السلّف و أولى النّاس بالقيام على مراسمه و بسلوك نهج الاسلاف (إلى المعونة أو طائفة من العطاء فتفرّقون عنّي) و تقاعدون (و تختلفون علىّ) و لا تجتمعون.

و عمدة أسباب التفرّق و التقاعد هو ما أشرنا إليه هنا إجمالا و قدّمناه في شرح الخطبة الرابعة و الثلاثين تفصيلا من تسويته عليه السّلام في العطاء بين الشريف و الوضيع و الرّئيس و المرءوس و الموالي و العبيد، فكان الرؤساء من ذلك واجدين في أنفسهم فيخذلونه باطنا و ينصرونه ظاهرا، و إذا أحسّ الاتباع بتخاذل الرّؤساء تخاذلوا أيضا فلم يكن يجد عليه السّلام لما أعطى الاتباع من الرّزق ثمرة، لأنّ قتال الأتباع لا يتصوّر وقوعه مع تخاذل الرّؤساء فكان يذهب ما يعطيهم ضياعا، هذا.

و قد تحصّل من قوله عليه السّلام أو ليس عجبا، إلى قوله: تختلفون على أنّ منشأ تعجّبه عليه السّلام أمور: أوّلها أنّ داعيهم معاوية إمام القاسطين و داعي هؤلاء أمير المؤمنين إمام المتّقين و الأوّل يدعوهم إلى درك الجحيم و الثّاني يدعوهم إلى نضرة النعيم.
و ثانيها أنّ المدعوّ هناك الأوغاد الطغام مع خلوّهم غالبا عن الغيرة و الحميّة و ههنا تريكة الاسلام و بقيّة أهل التقوى و المروّة.

و ثالثها متابعة الأوّلين على إمامهم من غير معونة و لا عطاء و مخالفة الاخرين لامامهم مع المعونة و العطاء.
ثمّ أشار إلى مخالفتهم له عليه السّلام في جميع الأحوال فقال (إنه لا يخرج إليكم من أمرى رضا فترضونه و لا سخط فتجتمعون عليه) أى لا يخرج إليكم من أمرى شي‏ء من شأنه أن يرضى به كالمعونة و العطاء فترضونه أو من شأنه أن يسخط منه كالحرب و الجهاد لكراهة الموت و حبّ البقاء فتجتمعون عليه، بل لا بدّ لكم من‏المخالفة و التفرّق على الحالين أى لا تقبلون من أمرى و ما أقول لكم شيئا سواء كان فيه الرّضا أو السخط.
ثمّ قال (و إنّ أحبّ ما أنالاق إلىّ الموت) أى أحبّ الأشياء إلىّ لقاء الموت قال الشارح المعتزلي: و هذه الحال الّتي ذكرها أبو الطيّب فقال:

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا
و حسب المنايا أن يكنّ أمانيا

تمنّيتها لما تمنّيت أن أرى‏
صديقا فأعيا أو عدوّا مراجيا

ثمّ أشار عليه السّلام إلى جهة محبّته للقاء الموت و كراهته لصحبتهم، و هو تثقالهم من إجابة الحقّ و عدم قبولهم لمواعظه و نصايحه، و ذلك معنى قوله: (قد دارستكم الكتاب) أى قرأته عليكم للتعليم و قرأتم علىّ للتعلّم (و فاتحتكم الحجاج) أى حاكمتكم بالمحاجّة و المجادلة (و عرفتكم ما أنكرتم) أى عرفتكم ما كانت منكرة مجهولة عندكم من طريق الصّلاح و السّداد و ما فيه انتظام أمركم في المعاش و المعاد (و سوّغتكم ما مججتم) أى أعطيتكم من الأرزاق و الأموال ما كنتم محرومين عنها فاستعار لفظ التسويغ للاعطاء، و الجامع سهولة التناول كما استعار لفظ المجّ و هو اللّفظ من الفم للحرمان، و الجامع امتناع الانتفاع.

و قوله (لو كان الأعمى يلحظ أو النائم يستيقظ) أى لو كان الأعمى يلحظ لأبصرتم، و لو كان النائم يستيقظ لانتبهتم، و هو تعريض عليهم بأنّ لهم أعينا لا يبصرون بها، و آذانا لا يسمعون بها، و قلوبا لا يفقهون بها، فهم صمّ بكم عمى و هم لا يعقلون ثمّ تعجّب من حال أهل الشام و متابعتهم على معاوية فقال (و أقرب بقوم) قد مرّ لطف هذه اللّفظة و افادتها للمبالغة في التعجّب في بيان الاعراب أى ما أشدّ قرب قوم (من الجهل باللّه) و بشرايعه و بأحكامه (قائدهم معاوية) المنافق بن الكافر (و مؤدّبهم) و مشيرهم (ابن النابغة) الغادر الفاجر، و أراد به عمرو بن العاص اللّعين و طوى عن ذكر اسمه تحقيرا و تعريضا على خسّته و دنائته، و قدحا في نسبه على ما عرفته تفصيلا في شرح المختار الثالث و الثمانين.

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن امام أنام است عليه الصّلاة و السّلام در مذمّت أصحاب خود مى‏ فرمايد: حمد و ثنا مي كنم معبود بحق را بر آنچه قضا فرمود از هر أمر و تقدير كرد از هر فعل، و بر امتحان شدن من بشما اى گروهى كه چون أمر مى‏ كنم مرا اطاعت نمى‏ نمائيد، و اگر دعوت بكنم اجابت نمى‏ كنيد، و اگر مهمل گذاشته شويد يا مهلت داده شده باشيد غوص مى‏ كنيد در لغو و باطل، و اگر محاربه كرده شويد ضعيف مى‏ باشيد يا صدا مى‏ كنيد مثل صداى گاو، و اگر جمعيت نمايند مردم بر امامي طعنه مى ‏زنيد يا اين كه مفارقت مى‏ نمائيد، و اگر خوانده شويد يا ملجأ شويد بسوى مشقّت يعني محاربه باز مى‏ گرديد.

بى ‏پدر باشد غير شما چه انتظار مى‏ كشيد با تأخير يارى كردن و مجاهده نمودن بر حق خودتان، مرگ يا ذلّت باد از براى شما، پس سوگند بخدا اگر بيايد روز وفات من و البته خواهد آمد- هر آينه جدائى مى‏ اندازد ميان من و ميان شما در حالتى كه من دشمن گيرنده باشم صحبت شما را، و در حالتى كه من بسبب شما صاحب كثرت قوّت و زيادتي شوكت نمى ‏باشم، از براى خدا است خير شما آيا نيست دينى كه جمع نمايد شما را، آيا نيست حميّت غيرتي كه باعث حدّت شما بشود، آيا نيست عجيب اين كه معاويه دعوت مي كند جفا كاران و فرومايگان را پس متابعت مي كنند بر او بدون اين كه جيره و مواجبي به آنها بدهد، و من دعوت مي كنم شما را در حالتى كه شما پس مانده اسلام و بقيه مردمان هستيد بسوى معونت يا طائفه از عطاء پس متفرّق مى‏ شويد و اختلاف مى‏ ورزيد بر من.

بدرستى كه خارج نمى ‏شود بسوى شما از امر من چيزى كه متضمّن رضا و خوشنوديست پس خوشنود بشويد از آن، يا چيزى كه متضمّن سخط و خشم است پس اجتماع نمائيد بر آن، و بدرستى كه دوست‏ ترين چيزى كه من ملاقات كننده ‏ام بسوى من مرگ است، بتحقيق كه من درس گفتم شما را كتاب خدا را و محاكمه ‏كردم با شما با اجتماع و شناساندم شما را چيزى را كه نمى‏ دانستيد، و گوارا ساختم از براى شما چيزى را كه از دهان انداخته بوديد اگر نابينا مى‏ ديد يا اين كه خواب كننده بيدار مى‏ شد، چه قدر نزديك است قومى از جهالت بخدا كه پيشواى ايشان معاويه است و أدب دهنده ايشان پسر زن زناكار كه عبارت است از عمرو بن عاص بي‏دين.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 178 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 179 صبحی صالح

179- و من كلام له ( عليه‏ السلام  ) و قد سأله ذعلب اليماني فقال هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين

فقال ( عليه ‏السلام  ) أ فأعبد ما لا أرى فقال و كيف تراه فقال

لَا تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ وَ لَكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ

قَرِيبٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرَ مُلَابِسٍ بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرَ مُبَايِنٍ

مُتَكَلِّمٌ لَا بِرَوِيَّةٍ مُرِيدٌ لَا بِهِمَّةٍ صَانِعٌ لَا بِجَارِحَةٍ

لَطِيفٌ لَا يُوصَفُ بِالْخَفَاءِ كَبِيرٌ لَا يُوصَفُ بِالْجَفَاءِ

بَصِيرٌ لَا يُوصَفُ بِالْحَاسَّةِ

رَحِيمٌ لَا يُوصَفُ بِالرِّقَّةِ

تَعْنُو الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ وَ تَجِبُ الْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِهِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج10  

و من كلام له عليه السّلامو هو المأة و الثامن و السبعون من المختار في باب الخطب

و هو مروىّ في الأصول المعتبرة كالكافي و التوحيد و الاحتجاج و الارشاد بطرق مختلفة باجمال و تفصيل و اختلاف تطلع عليه بعد الفراغ من شرح ما أورده السيّد (ره).
و قد سئله ذعلب اليماني فقال: هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين فقال عليه السّلام: أ فأعبد ما لا أرى قال: و كيف تراه قال عليه السّلام: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، و لكن تدركه القلوب بحقايق‏الإيمان، قريب من الأشياء غير ملامس، بعيد منها غير مباين، متكلّم لا بروّية، مريد بلا همّة، صانع لا بجارحة، لطيف لا يوصف بالخفاء، كبير لا يوصف بالجفاء، بصير لا يوصف بالحاسّة، رحيم لا يوصف بالرّقّة، تعنو الوجوه لعظمته، و تجب القلوب من مخافته.

اللغة

(الذعلب) في الأصل الناقة السريعة ثمّ صار علما للانسان كما نقلوا بكرا عن فتى الابل إلى بكر بن وابل و (اليماني) منسوب إلى اليمن اقليم معروف سمّى به لكونه على يمين الكعبة و أصله يمنيّ بتشديد الياء ثمّ جعلوا الألف بدلا عن الياء الثانية فقالوا يماني بالتخفيف في يمنيّ و (جفوت) الرجل أعرضت عنه أو طردته و قد يكون مع بغض و جفا الثوب يجفو إذا غلظ فهو جاف، و منه جفاء اليد و هو غلظتهم و فظاظتهم و (عنا) يعنو عنوا من باب قعد ذلّ و خضع و الاسم العناء بالفتح و المدّ فهو عان و (وجب) الحائط و نحوه وجبة سقط و وجب القلب وجبا و وجيبا رجف.

الاعراب

قوله: أ فأعبد استفهام على سبيل الانكار و الابطال و قوله: قريب خبر لمبتدأ محذوف و قوله: غير ملامس بنصب غير كما في أكثر النسخ حال من فاعل قريب المستتر و في بعضها بالرّفع فيكون صفة لقريب، و كذلك قوله غير مباين، و مثلهما جملة لا يوصف تحتمل أن تكون في محلّ النصب على الحال، و في محلّ الرّفع على الوصف.

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام له عليه السّلام من كلماته المعروفة و قد ظهر لك في شرح الخطبةالثّانية و التسعين أنّه ملتقط من كلام طويل له عليه السّلام قدّمنا روايته هناك من توحيد الصّدوق كما ظهر أنّه عليه السّلام كلّم به مع ذعلب، فانه لما قال على المنبر غير مرّة: سلوني قبل أن تفقدوني، قام إليه ذعلب و كان رجلا ذرب اللّسان بليغا في الخطب شجاع القلب فقال: لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة لاخجلنّه اليوم لكم في مسألتي إيّاه فقال له (هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين) و كان هذا السؤال منه من باب التعنّت و التقرير بقصد التعجيز عن الجواب لا الاستفهام الحقيقي كما يدلّ عليه أوّل كلامه الّذى حكيناه.

(فقال عليه السّلام أ فأعبد ما لا أرى) إنكار لعبادة ما لا يدرك، لأنّ العبادة متضمّنة للسؤال و المخاطبة و المكالمة و طلب الرحمة و المغفرة و غير ذلك من الخضوع و الخشوع و التضرّع و التملّق و الاستكانة و هذه كلّها تستدعى حضور المعبود و إدراكه و رؤيته.

و لما توهّم السائل من كلامه عليه السّلام أنّ مراده به رؤية البصر أعاد السؤال و (قال و كيف تراه) على سبيل الاستفهام التوبيخي يعني أنّ رؤيته غير ممكنة فكيف ادّعيتها.
فأجابه و (قال عليه السّلام لا تدركه العيون بمشاهدة العيان) يعنى أنّ رؤيته ليست بالعين و بمشاهدة القوّة البصرية الجسمانية، فانّ هذه غير جايزة كما عرفت تحقيقه في شرح الخطبة التاسعة و الأربعين، و هو صريح في بطلان مذهب الأشاعرة و المشبهة و الكراميّة المجوّزين للرؤية (و لكن تدركه القلوب بحقايق الايمان) أى تدركه العقول الصافية عن ملابسة الأبدان و غواشي الطبايع و الأجرام بحقايق الايمان أى بأنوار العقليّة الناشئة من الايمان و الاذعان الخالص كما مرّ تحقيقه في شرح الخطبة التاسعة و الأربعين أيضا.
و قال الشارح البحراني: أراد بحقايق الايمان أركانه و هى التصديق بوجود اللّه و وحدانيّته و ساير صفاته و اعتبارات أسمائه الحسنى.

و قال العلامة المجلسى ره في مرآت العقول: حقايق الايمان العقائد الّتى هى حقايق أى عقايد عقلية ثابتة يقينيّة لا يتطرّق إليها الزوال و التغير أى أركان‏الايمان أى الانوار و الاثار الّتي حصلت في القلب من الايمان او التصديقات و الاذعانات الّتى تحقّ أن تسمّى ايمانا.

أو المراد بحقايق الايمان ما ينتمى إليه تلك العقائد من البراهين العقليّة، فانّ الحقيقة ما يصير إليه حقّ الأمر و وجوبه ذكره المطرزى في الغريبين انتهى.
أقول: هذه المعاني كلّها صحيحة محتملة لكن الأظهر هو المعنى الثاني المطابق لما ذكرناه.
و يؤيّده ما في الاحتجاج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنه سأله زنديق كيف يعبد اللّه الخلق و لم يروه قال عليه السّلام: رأته القلوب بنور الايمان و أثبتته العقول بيقظها إثبات العيان، و أبصرته الأبصار بما رأت من حسن التركيب و احكام التأليف، ثمّ الرّسل و آياتها و الكتب و محكماتها و اقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته قال: أليس هو قادر أن يظهر لهم حتّى يروه فيعرفوه فيعبد على يقين قال عليه السّلام: ليس للمحال جواب، هذا.

و لما نبّه على كونه سبحانه مدركا بالعقول عقّبه بذكر جملة من صفات كماله التي هى جهات ادراكه فقال (قريب من الأشياء غير ملامس) يعنى أنّ قربه منها بالاحاطة و القيوميّة لا بالالتصاق و الملامسة الّتى هى من عوارض الجسميّة (بعيد منها غير مباين) يعنى أنّ بعده منها بنفس ذاته المقدّسة لا بعنوان التعاند و المضادّة، و قد مرّ تحقيق ذلك مع سابقه في شرح الفصل السادس من الخطبة الاولى عند شرح قوله عليه السّلام: مع كلّ شي‏ء لا بمقارنة و غير كلّشى‏ء لا بمزايلة.

(متكلّم لا بروية) يعنى أنّ تكلّمه تعالى ليس بالفكر و التروّى كساير آحاد الناس فانّ كلامهم تابع للتروّى و الافكار يتفكّرون أوّلا في نظم الألفاظ و ترتيبها و دلالتها على المعاني المقصودة ثمّ يتكلّمون و اللّه سبحانه منزّه عن ذلك.
قال الشارح البحراني: و كلامه تعالى يعود إلى علمه بصور الأوامر و النواهى و ساير أنواع الكلام عند قوم و إلى المعنى النفساني عند الأشعرى و إلى خلقه الكلام في جسم النبىّ عند المعتزلة.

أقول: و ستعرف تحقيق معنى كلامه و تكلّمه سبحانه فانتظر.(مريد بلا همّة) أى ليست إرادته كإرادتنا مسبوقة بالعزم و الهمّة.
قال الشارح المعتزلي قوله: بلا همّة، أى بلا عزم، و العزم عبارة عن إرادة متقدّمة للفعل تفعل توطينا للنفس على الفعل و تمهيدا للارادة المقارنة له، و إنما يصحّ ذلك على الجسم الّذي يتردّد فيها يدعوه إليه الدّواعى، فأمّا العالم لذاته فلا يصحّ ذلك فيه.

(صانع لا بجارحة) أى ليست صنعته بالاعضاء و الجوارح الّتى هى من لواحق الجسميّة و انماه أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (لطيف لا يوصف بالخفاء) قال الشارح البحرانىّ اللطيف يطلق و يراد به رقيق القوام و يراد به صغير الجسم المستلزمين للخفاء و عديم اللّون من الأجسام و المحكم من الصنعة، و هو تعالى منزّه عن اطلاقه بأحد هذه المعاني لاستلزام الجسميّة و الامكان فيبقى إطلاقها عليه باعتبارين: أحدهما تصرّفه في الذّوات و الصفات تصرّفا خفيّا يفعل الأسباب المعدّة لها لافاضة كمالاتها.

الثاني جلالة ذاته و تنزيهها عن قبول الادراك البصرى، يعنى لاستحالة رؤيته شابه الأجسام اللطيفة فاطلق عليه لفظ اللّطيف بهذا الاعتبار.
أقول: و هنا اعتبار ثالث ذكره الشارح المعتزلي و غيره، و هو أنه لطيف بعباده كما في الكتاب العزيز أى يفعل الألطاف المقربة لهم من الطاعة المبعدة لهم عن المعصية، أو لطيف بهم بمعنى أنه يرحمهم و يرفق بهم.
و اعتبار رابع و هو علمه بالأشياء اللطيف رواه في الكافى مرفوعا عن أبى جعفر الثاني عليه السّلام قال: و كذلك سمّيناه لطيفا لعلمه بالشى‏ء اللّطيف مثل البعوضة و أخفى من ذلك و موضع النشوء منها و العقل و الشهوة للسفاد و الحدب على نسلها و اقام بعضها على بعض و نقلها الطعام و الشراب إلى أولادها في الجبال و المفاوز و الأودية و القفار فعلمنا أنّ خالقها لطيف بلا كيف، و إنما الكيفيّة للمخلوق المكيّف.

و رواه أيضا فيه مع اعتبار خامس عن الفتح بن يزيد الجرجانى عن أبى الحسن‏عليه السّلام في حديث طويل سأل فيه عنه عليه السّلام عن تفسير معنى الواحد و وحدانيّته تعالى إلى أن قال قلت: جعلت فداك فرّجت عنى فرّج اللّه عنك فقولك اللّطيف الخبير فسّره لى كما فسّرت الواحد فانّى أعلم أنّ لطفه على خلاف لطف خلقه للفصل غير أنّى احبّ أن تشرح لي ذلك فقال عليه السّلام: يا فتح إنما قلنا اللّطيف للخلق اللّطيف لعلمه بالشى‏ء اللّطيف أو لا ترى وفّقك اللّه و ثبّتك إلى أثر صنعه في النّبات اللّطيف و غير اللّطيف و من الخلق اللّطيف و من الحيوان الصّغار و من البعوض و الجرجس و ما هو أصغر منها ما لا يكاد تستبينه العيون بل لا يكاد يستبان لصغره الذكر من الانثى و الحدث المولود من القديم، فلمّا رأينا صغر ذلك في لطفه و اهتدائه للسّفاد و الهرب من الموت و الجمع لما يصلحه و ما في لجج البحار و ما في لحاء الأشجار و المفاوز و القفار و افهام بعضها عن بعض منطقها و ما يفهم به أولادها عنها و نقلها للغذاء إليها ثمّ تأليف ألوانها حمرة مع صفرة و بياض مع حمرة و أنه ما لا تكاد عيوننا تستبينه لدمامة خلقها لا تراه عيوننا و لا تلمسه أيدينا علمنا أنّ خالق هذا الخلق لطيف بخلق ما سمّيناه بلا علاج و لا أداة و لا آلة، و أنّ كلّ صانع شي‏ء فمن شي‏ء صنع و اللّه خالق اللّطيف الجليل خلق و صنع لا من شي‏ء فقد قرّر عليه السّلام أنّ اطلاق اسم اللّطيف عليه سبحانه بوجهين.

أحدهما للخلق اللّطيف يعنى لخلقه الأشياء اللّطيفة و الاعتبار الأوّل الّذى حكيناه عن البحرانى يعود إلى ذلك أو قريب منه.
و ثانيهما لعلمه بالأشياء اللّطيفة (كبير لا يوصف بالجفاء) يعنى أنّه موصوف بالكبرياء و العظمة لجلالة شأنه و عظمة سلطانه، و منزّه عمّا عليه ساير الكبراء و الأعاظم من المخلوقين كالملوك و السلاطين من الفظاظة و غلظ الطبيعة و الجفاء لمن تحت ولايتهم من الرّعية.

و قال الشارح المعتزلي: لما كان لفظ الكبير إذا استعمل في الجسم أفاد تباعد افكاره ثمّ وصف البارى بأنه كبير، أراد أن ينزّهه عمّا تدلّ لفظة كبير عليه إذا استعمل في الأجسام، انتهى- و الأظهر ما قلناه.

(بصير لا يوصف بالحاسة) أما أنه بصير فقد مرّ تحقيقه في شرح الفصل السادس من الخطبة الاولى، و أمّا تنزّهه عن الحواسّ فلأنّها من صفات الجسم (رحيم لا يوصف بالرقة) لما كان الرحمة في الخلق عبارة عن رقّة القلب و الانفعال النفساني و هما من أوصاف الممكن فحيثما يطلق عليه لفظ الرحيم يراد به ما هو لازم الرحمة من الانعام و الافضال، و كذلك ساير الأوصاف الّتي لا يصحّ اتّصافه تعالى بها باعتبار مباديها يوصف بها باعتبار غاياتها كالغضب في قوله: «غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ»، فيراد به الانتقام و العقوبة لاستلزامه له، و المكر في قوله: «وَ مَكَرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» فيراد به جزائه سبحانه لمكرهم بالجزاء السوء.

(تعنو الوجوه لعظمته) أى تذلّ و تخضع لأنه الإله المطلق لكلّ موجود و ممكن و العظيم الذي كلّ مقهور تحت مشيّته و إرادته و داخر تحت جلاله و جبروته و عظمته (و تجب القلوب من مخافته) أى ترجف و تضطرب من هيبته عند ملاحظتها لعظمة سلطانه و علوّ شأنه.
تنبيه
قد وعدناك تحقيق الكلام في معنى متكلّميّته تعالى و أنّ كلامه سبحانه حادث أو قديم فنقول: قد تواترت الأنباء عن الأنبياء و الرّسل، و أطبقت الشرائع و الملل على كونه عزّ و جلّ متكلّما لا خلاف لأحد في ذلك، و إنما الخلاف في معنى كلامه تعالى و في قدمه و حدوثه.

فذهب أهل الحق من الامامية وفاقا للمعتزلة إلى أنّ كلامه تعالى مؤلّف من حروف و أصوات قائمة بجوهر الهواء، و معنى كونه متكلّما أنه موجد للكلام في جسم من الأجسام كالملك و الشجر و نحو ذلك، و على مذهبهم فالكلام حادث لأنه مؤلّف من أجزاء مترتّبة متعاقبة في الوجود، و كلّ ما هو كذلك فهو حادث.

و قالت الحنابلة: كلامه تعالى حروف و أصوات يقومان بذاته و أنه قديم، و قدبالغ بعضهم حتّى قال جهلا بقدم الجلد و الغلاف أيضا فضلا عن المصحف.
و الكرامية وافقهم في أنّ كلامه حروف و أصوات و أنها قائمة بذاته تعالى إلّا أنّهم خالفوهم في القول بقدمها و قالوا بأنها حادثة لتجويزهم قيام الحوادث بذاته تعالى.

و ذهبت الاشاعرة إلى أنّ كلامه تعالى ليس من جنس الحروف و الأصوات بل هو معنى قديم قائم بذاته تعالى يسمّى الكلام النفسي و هو مدلول الكلام اللّفظي المركب من الحروف.
قال الشارح الجديد للتجريد: و اختلاف الأحوال مبنىّ على قياسين متعارضين احدهما أنّ كلامه تعالى صفة له و كلّما هو صفة له فهو قديم فكلامه قديم و ثانيهما أنّ كلامه مؤلّف من أجزاء مترتّبة متعاقبة في الوجود، و كلّما هو كذلك فهو حادث فكلامه حادث، فاضطرّوا إلى القدح في أحد القياسين و منع بعض المقدّمات لاستحالة حقيّة المتناقضين.
فالمعتزلة صحّحوا القياس الثاني و قدحوا في صغرى القياس الأوّل و الحنابلة صحّحوا القياس الأوّل و منعوا كبرى القياس الثاني، و الكراميّة صحّحوا القياس الثاني و قدحوا في كبرى القياس الأوّل، و الأشاعرة صحّحوا القياس الأوّل و منعوا من صغرى القياس الثّاني.

اذا عرفت ذلك فنقول: الحقّ الموافق للتحقيق من هذه الأقوال كما قلنا هو القول الأوّل، لأنّ المتبادر إلى الفهم عند اطلاق لفظ الكلام هو المؤلّف من الحروف و الألفاظ دون المعنى، و التبادر علامة الحقيقة، و اطلاق لفظ المتكلّم عليه سبحانه على ذلك ليس باعتبار قيام الكلام به، لاستلزامه إثبات الجوارح، بل باعتبار خلقه الكلام في الأجسام النباتيّة و الجماديّة و ألسن الملائكة إمّا مجازا من باب اطلاق اسم المسبّب على السّبب، أو حقيقة كما هو الأظهر لأنّ المتكلّم مشتقّ من التكلّم أو من الكلام بمعناه المصدرى كالسّلام و نحوه، و التكلّم و الكلام بهذا المعنى بمعنى ايجاد اللّفظ، و لا شكّ أنّ ايجاده قائم بالموجد كما أنّ التأثير قائم بالمؤثّرفالمتكلّم بصيغة الفاعل عبارة عن منشي‏ء الكلام و موجده، و إنشاء الكلام و ايجاده لا قيام له إلّا بالفاعل، كما أنّه بصيغة المفعول عبارة عن نفس الكلام المؤلّف و لا قيام له إلّا بجوهر الهواء.

لا يقال: التكلّم بمعنى ايجاد الكلام لم يجي‏ء فى اللّغة.
لأنّا نقول: ذلك غير مسلّم كيف و التكلّم اللّفظي عند الأشاعرة ليس إلّا بهذا الاعتبار و هم قد صرّحوا بكون الكلام مشتركا لفظا بين اللّفظى و النفسى كما ستعرفه و على هذا فيكون إطلاق المتكلّم عليه بمعنى موجد الكلام حقيقة لا مجازا.

قال صدر المتألّهين في كتاب المبدأ و المعاد: المتكلّم عبارة عن محدث الكلام في جسم من الأجسام كالهواء و غيرها، فانّا إذا تكلّمنا أحدثنا الكلام في بعض الأجسام الّتى لنا قدرة على تحريكها، فالمتكلّم ما قام به التكلّم لا ما قام به الكلام كما توهّم، و التكلّم بمعنى ما به يحصل الكلام فينا ملكة قائمة بذواتنا بها نتمكّن من إفادة مخزوناتنا العلميّة على غيرنا، و في الواجب تعالى عين ذاته من حيث انّه يخلق الأصوات و الحروف في أىّ موضع كان من الأجسام لافادة ما في قضائه السابق على من يشاء من عباده.

و ما أثبته المتكلّمون من الكلام النفسى فان كان له معنى محصّل فيرجع إلى خطرات الأوهام، أو يحتمل ما يوجد من الكلام، و لا شكّ في براءته تعالى عنه و عن ساير ما يتخيّله العوام.
و استدل الحنابلة على أنّ كلامه مؤلّف من الحروف و الأصوات بأنّ كلامه مسموع و لا مسموع إلّا الحروف و الصّوت فكلامه ليس إلّا الحروف و الصّوت أما الصّغرى فلقوله تعالى: «وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ»، و أمّا الكبرى فظاهرة، ثمّ أثبتوا كونه قديما بأنه لو كان حادثا لكان إمّا قائما بذاته أو بغيره أو لا في محلّ و الأقسام الثلاثة كلّها باطلة أمّا الأوّل فلاستلزامه كون الذات محلّا للحوادث و هو حينئذ كما ستعرفه، و أمّا الثاني فلامتناع ان يقوم صفة الشي‏ء بغيره، و أمّا الثالث فلاستحالة قيام العرض في الوجود بلا محلّ فثبت أنّه‏صفة قديمة.

و الجواب أنّ كونه حرفا و صوتا يستلزم حدوثه بالضرورة و تعليل قدمه بأنّ حدوثه مستلزم لأحد الأقسام الثلاثة الباطلة فيه ان منع بطلان القسم الثاني لم لا يجوز أن يقوم بغيره و ان اشتق له منه خلقه و لا امتناع في ذلك حسبما عرفت.

و أما الكرامية فبطلان مذهبهم بعد بطلان جواز حلول الحوادث على الذات واضح، و جهة بطلانه أنّ وجوب الوجود ينافي ذلك، لأنّ حدوث الحوادث فيه يدلّ على تغيّره و انفعاله و ذلك ينافي الوجوب الذّاتي، و لأنّ المقتضى لذلك الحادث إن كان ذاته لم يكن حادثا و إن كان غيره يلزم الافتقار، و لأنّ الحادث إن كان صفة نقص استحال اتّصاف الذات بها و إن كان صفة كمال امتنع خلوّه عنها و المفروض أنها حادثة أى موجودة بعد العدم فحيث كانت معدومة كان الذات خالية عنها.

و أما الاشاعرة فبيّنوا مرادهم من الكلام النفساني أولا و استدّلوا على اثباته ثانيا و اثبتوا كونه قديما ثالثا، ثمّ قالوا إنه واحد مع أنه أمر و نهى و خبر و استخبار و غيرها.
قال الامدى: ليس المراد من إطلاق لفظ الكلام إلّا المعني القائم بالنفس، و هو ما يجده الانسان من نفسه إذا أمر غيره أو نهاه أو أخبره أو استخبر منه، و هذه المعاني هي الّتي يدلّ عليها بالعبارات و ينبّه عليها بالاشارات.

و قال عمر النسفى و هو من أعاظم الأشاعرة في عقايده: و هو أى اللّه سبحانه متكلّم بكلام هو صفة له أزليّة ليس من جنس الحروف و الأصوات، و اللّه متكلّم بها آمرناه مخبر و القرآن كلام اللّه غير مخلوق، و هو مكتوب في مصاحفنا محفوظ في قلوبنا مقروّ بألسنتنا مسموع باذاننا غير حال فيها.

و قال التفتازانى في شرحه ما محصّله: إنّ الاجماع و التواتر قد قام على كونه تعالى متكلّما بكلام هو صفة له، ضرورة امتناع اثبات المشتقّ من غير قيام مأخذ الاشتقاق به، و هذه الصفة معنى قائم بالذات و قديمة، ضرورة امتناع قيام الحوادث بذات اللّه سبحانه، و ليس من جنس الحروف و الأصوات، ضرورة حدوثها لأنّ التكلّم‏ ببعضها مشروط بانقضاء الاخر بل عبّر عنها بها و يسمّى المعبّر به بالقرآن المركّب من الحروف و هي صفة واحدة تتكثّر إلى الأمر و النهي و الخبر باختلاف التعلّقات كالعلم و القدرة و ساير الصفات، فهذه الصفة الواحدة باعتبار تعلّقها بشي‏ء على وجه مخصوص يكون خبرا، و باعتبار تعلّقها بشي‏ء آخر على وجه آخر يكون أمرا و هكذا.

و القرآن الّذى هو كلام اللّه سبحانه القائم بذاته غير حادث و مكتوب في مصاحفنا بأشكال الكتابة و صور الحروف الدّالة عليه محفوظ في قلوبنا بألفاظ المخيلة، مقروّ بألسنتنا بحروفه الملفوظة المسموعة، مسموع باذاننا بهذه أيضا.
و مع ذلك كلّه ليس حالا في المصاحف و لا في القلوب و الألسنة و الأذهان، بل معنى قديم قائم بذات اللّه سبحانه يلفظ و يسمع بالنظم الدالّ عليه و يحفظ بالنظم المخيل و يكتب بالنقوش و صور و أشكال موضوعة للحروف الدالّة عليه كما يقال النار جوهر مجرّد يذكر باللّفظ و تكتب بالقلم و لا يلزم منه كون حقيقة النار صوتا و حرفا.

و تحقيقه انّ للشي‏ء وجودا في الأعيان، و وجودا في الأذهان و وجودا في العبارة و وجودا في الكتابة فالكتابة تدلّ على العبارة و هي على ما في الأذهان و هو على ما في الأعيان فحيث يوصف القرآن بما هو من لوازم القديم كما في قولنا: القرآن غير مخلوق، فالمراد حقيقته الموجودة في الخارج، و حيث يوصف بما هو من صفات المخلوقات و المحدثات يراد به الألفاظ المنطوقة المسموعة كما في قولنا قرأت نصف القرآن أو المخيّلة كما في قولنا حفظت القرآن أو الأشكال المنقوشة كما في قولنا يحرم للمحدث مسّ القرآن.

و لما كان دليل الأحكام الشرعيّة هو اللّفظ دون المعنى القديم عرّفه أئمة الاصول بالمكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر و جعلوه اسما للنظم و المعنى جميعا أى للنظم من حيث الدّلالة على المعنى لا لمجرّد المعنى.

ثمّ قال في آخر كلامه: و التحقيق انّ كلام اللّه اسم مشترك بين الكلام النّفسى‏القديم و معنى الاضافة كونه صفة له و بين اللّفظى الحادث و معنى الاضافة أنه مخلوق اللّه تعالى ليس من تأليفات المخلوقين فلا يصحّ نفى كونه كلام اللّه.
و ما في عبارة بعض المشايخ من أنّه مجاز فليس معناه أنه غير موضوع للنظم المؤلّف، بل معناه أنّ الكلام في التحقيق و بالذات اسم للمعنى القائم بالنفس و تسمية اللفظ به و وضعه لذلك إنما هو باعتبار دلالته على معنى، انتهى ما أهمّنا نقله من محصّل كلامه بعد ردّ أوّله إلى آخره، و هذا القدر كاف في بيان مرادهم من الكلام النفسى.

و استدلّوا على إثباته بقول الأخطل:

إنّ الکلام لفى الفؤاد و إنّما
جعل اللّسان على الفؤاد دلیلا

و قول القائل: في نفسى كلام أريد أن أذكره لك.
و بأنّ الألفاظ الذى تتكلّم بها مدلولات قائمة بالنفس، و هذه المدلولات هي الكلام النفساني و هو أمر غير العلم مدلول الخبر إذا أخبر بشى‏ء إذ ربما يخبر الرجل عما لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشكّ فيه، فالخبر عن الشي‏ء غير العلم به و غير الارادة أيضا عندنا أمر لأنه قد يأمر بما لا يريده كالمختبر لعبده هل يطيعه أم لا و كالمعتذر من ضرب عبده بعصيانه فانه قد يأمره و هو يريد أن لا يفعل المأمور به ليظهر عذره عند من يلومه، فانّ مقصود المتكلّم في هذين الأمرين ليس الاتيان بالمأمور بل مجرد الاختبار و الاعتذار و غير الكراهة أيضا إذا نهى لأنّه قد ينهى الرجل عما لا يكرهه بل يريده في صورتى الاختبار و الاعتذار.

و اعترض على دليلهم الأوّل بمنع كون البيت من الأخطل، و على تسليمه فليس حجّة لأنّه مبنىّ على اعتقاده ثبوت الكلام النفسى تقليدا أو على أنه لما كان ما في الضمير مدلولا عليه بالكلام فاطلق عليه من باب اطلاق اسم الدّال على المدلول و حصره فيه تنبيها على أنه آلة يتوصّل بها إليه فكانّه المستحقّ لاسم تلك الالة.

و على دليلهم الثاني بمنع ما ذكروه من أنّ مدلول الخبر غير العلم معلّلا بأنه قد يخبر عما لا يعلمه، إذ لقائل إن يقول: إنّ المعني النفسى الذى يدّعون أنه غير العلم‏هو ادراك مدلول الخبر أعنى حصوله في الذّهن مطلقا يقينيّا كان أو مشكوكا فلا يكون مغايرا للعلم و بعبارة اخرى انّ هذا إنما يدلّ على مغايرته للعلم اليقينى لا للعلم المطلق، ضرورة أن كلّ عاقل تصدّى للاخبار يحصل في ذهنه صورة ما اخبر به و منع انه مغاير للارادة و الكراهة عند الأمر أو النهى، إذ ما تشبّثوا به من صورتى الاختبار و الاعتذار فيه إنّ الموجود في هاتين الصّورتين صيغة الأمر و النهى لا حقيقتها إذ لا طلب فيهما أصلا و لا إرادة و لا كراهة قطعا، و بالجملة فما يدّعونه غير معقول لأنه ليس له تعالى صفة زايدة على الذات أصلا و لو كان عين الذات فمرجعه الى العلم أو الارادة أو الكراهة أو ساير الصفات.

توضيح ذلك أنه اذا صدر عن المتكلّم خبر فهناك ثلاثة أشياء احدها العبارة الصادرة و الثاني علمه بثبوت النسبة أو انتفائها بين طرفى القضيّة و الثالث ثبوت تلك النسبة أو انتفائها في الواقع، و الأخيران ليسا كلاما حقيقيّا اتفاقا، فتعيّن الأوّل و إذا صدر عنه أمر أو نهى فهناك شيئان احدهما لفظ صادر عنه و الثاني إرادة أو كراهة قائمة بنفسه متعلّقة بالمأمور به أو بالمنهىّ عنه و ليستا أيضا كلاما حقيقيّا اتّفاقا فتعيّن الأوّل.
و استدلّوا على قدمه بمثل ما استدلّ به الحنابلة من الدّليل الّذى قدّمناه و الجواب الجواب.

و استدلّوا على اتّحاده بأنه اذا ثبت الكلام النفسى كان كساير الصفات مثل العلم و القدرة فكما أنّ العلم صفة واحدة تتعلّق بمعلومات متعدّدة و كذا القدرة كذلك الكلام صفة واحدة تنقسم إلى الأمر و النهى و الخبر و الاستفهام و النداء و هذا بحسب التعلّق فذلك الكلام باعتبار تعلّقه بشي‏ء على وجه مخصوص يكون خبرا، و باعتبار تعلّقه بشي‏ء آخر أو على وجه آخر يكون أمرا و كذا البواقي.

و فيه انّ وحدته متفرّعة على ثبوت أصله و حيث عرفت فساد الأصل ففساد الفرع ظاهر.
قال العلّامة الحلّي قدّس اللّه روحه: المعقول من الكلام على ما تقدّم أنّه‏الحروف و الأصوات المسموعة و هذه الحروف المسموعة إنّما تتمّ كلاما مفهوما إذا كان الانتظام على أحد الوجوه الّتى يحصل لها الافهام، و ذلك بأن يكون خبرا أو مرا أو نهيا أو استفهاما أو تنبيها و هو الشامل للتمنّى و الترجّى و التعجّب و القسم و النداء، و لا وجود له إلّا في هذه الجزئيات.

و الّذين اثبتوا قدم الكلام اختلفوا فذهب بعضهم إلى أنّ كلامه تعالى واحد مغاير لهذه المعاني، و ذهب آخرون إلى تعدّده، و الّذين أثبتوا وحدته خالفوا جميع العقلاء في اثبات شي‏ء لا يتصوّرونه هم و لا خصومهم، و من أثبت للّه وصفا لا يعقله لا يتصوّره هو و لا غيره كيف يجوز أن يجعل إماما يقتدى به و يناط بكلامه لأحكام.

تكملة

قد اشرنا إلى أنّ هذا الكلام مروىّ عنه عليه السّلام في غير واحد من الأصول المعتبرة من طرق مختلفة مع اختلاف في متنه، و ينبغي أن نروى ما فيها على ما جرى عليه ديدننا في هذا الشرح فأقول: روى ثقة الاسلام محمّد بن يعقوب الكلينيّ قدّس اللّه روحه في باب جوامع التوحيد عن محمّد بن أبي عبد اللّه رفعه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: بينا أمير المؤمنين عليه السّلام يخطب على منبر الكوفة إذ قام إليه رجل يقال له ذعلب ذو لسان بليغ في الخطب شجاع القلب فقال: أمير المؤمنين هل رأيت ربّك فقال عليه السّلام: ويلك يا ذعلب ما كنت أعبد ربّا لم أره، فقال: يا أمير المؤمنين كيف رأيته فقال: ويلك يا ذعلب لم تره العيون بمشاهدة الأبصار و لكن رأته القلوب بحقايق الايمان، ويلك يا ذعلب إنّ ربّي لطيف الطافة لا يوصف باللّطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، قبل كلّ شي‏ء لا يقال شي‏ء قبله، و بعد كلّ شي‏ء لا يقال له بعد، شاء الأشياء لا بهمّة، درّاك لا بخديعة، في الأشياء كلّها غير متمازج‏ بها و لا باين منها، ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجلّ لا باستهلال رؤية، ناء لا بمسافة قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسّم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا باضطرار، مقدّر لا بحركة، مريد لا بهمامة، سميع لا بالة، بصير لا بأداة، لا تحويه الأماكن، و لا تضمنه الأوقات، و لا تحدّه الصّفات، و لا تأخذه السّنات، سبق الأوقات كونه، و العدم وجوده، و الابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، و بتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له، و بمضادّته بين الأشياء عرف أن لا ضدّ له، و بمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له، ضادّ النّور بالظلمة، و اليبس بالبلل، و الخشن باللّين، و الصرد بالحرور، مؤلّف بين متعادياتها، مفرّق بين متدانياتها، دالّة بتفريقها على مفرّقها و بتأليفها على مؤلّفها، و ذلك قوله تعالى: «وَ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»، ففرّق بين قبل و بعد ليعلم أن لا قبل له و لا بعد له، شاهدة بغرايزها أن لا غريزة لمغرزها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه و بين خلقه، كان ربّا إذ لا مربوب، و إلها إذ لا مألوه، و عالما إذ لا معلوم، و سميعا إذ لا مسموع.

و في الاحتجاج روى أهل السير أنّ رجلا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن اللّه أرأيته حين عبدته فقال أمير المؤمنين: لم أك بالذى أعبد من لم أره فقال له: كيف رأيته يا أمير المؤمنين فقال له: ويحك لم تره العيون بمشاهدة العيان و لكن رأته العقول بحقايق الايمان، معروف بالدّلالات منعوت بالعلامات، لا يقاس بالناس، و لا يدرك بالحواسّ.
فانصرف الرّجل و هو يقول: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته.
و في الارشاد للمفيد روى أهل السيرة و علماء النقلة أنّ رجلا جاء- و ساق الحديث إلى قوله حيث يجعل رسالته- نحو ما رويناه عن الاحتجاج.

و في الكافي في باب إبطال الرؤية عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن أبي الحسن الموصليّ عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:جاء حبر إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فقال يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك حين عبدته قال: فقال: ويلك ما كنت أعبد ربّا لم أره، قال: و كيف رأيته قال: ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار و لكن رأته القلوب بحقايق الايمان.

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن مقتداى أنام عليه الصّلاة و السّلام است كه فرموده است آن را در حالتى كه سؤال كرد از آن بزرگوار ذعلب يماني پس گفت آيا ديده پروردگار خود را اى أمير مؤمنان پس فرمود آن حضرت: آيا عبادت مي كنم چيزى را كه نمى‏ بينم گفت ذعلب: چطور مى‏ بينى او را فرمود: درك نمى ‏تواند بكند او را چشمها با مشاهده معاينه و لكن درك مي كند او را قلبها با نورهاى ايمان، نزديك است پروردگار عالمين از أشياء در حالتى كه چسبان نيست به آنها، دور است أز آنها در حالتى كه جدا نيست، صاحب تكلّم است نه با فكر و رويه، اراده كننده است بدون عزم و همّت صاحب صنعت است نه با اعضا و جوارح، لطيف است كه متّصف نيست به پنهاني، بزرگ است كه متّصف نمى‏ شود با غلظت و خشونت طبيعت، بيننده است متّصف نمى‏ شود با حاسه بصر، رحيم است موصوف نمى‏ شود با رقّت قلب، ذليل مى شود رويهاى مخلوقات از براى عظمت او، و مضطرب مى‏ شود قلبهاى خلق از ترس او.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 177 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 178 صبحی صالح

178- و من خطبة له ( عليه السلام ) في الشهادة و التقوى.
و قيل إنه خطبها بعد مقتل عثمان في أول خلافته‏
اللّه و رسوله
لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ وَ لَا يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ وَ لَا يَحْوِيهِ مَكَانٌ
وَ لَا يَصِفُهُ لِسَانٌ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ وَ لَا نُجُومِ السَّمَاءِ وَ لَا سَوَافِي الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ وَ لَا دَبِيبُ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا وَ لَا مَقِيلُ الذَّرِّ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ
يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الْأَوْرَاقِ وَ خَفِيَّ طَرْفِ‏الْأَحْدَاقِ
وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ غَيْرَ مَعْدُولٍ بِهِ وَ لَا مَشْكُوكٍ فِيهِ وَ لَا مَكْفُورٍ دِينُهُ وَ لَا مَجْحُودٍ تَكْوِينُهُ
شَهَادَةَ مَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ وَ صَفَتْ دِخْلَتُهُ وَ خَلَصَ يَقِينُهُ وَ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ
وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ الَمْجُتْبَىَ مِنْ خَلَائِقِهِ وَ الْمُعْتَامُ لِشَرْحِ حَقَائِقِهِ
وَ الْمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ كَرَامَاتِهِ وَ الْمُصْطَفَى لِكَرَائِمِ رِسَالَاتِهِ
وَ الْمُوَضَّحَةُ بِهِ أَشْرَاطُ الْهُدَى وَ الْمَجْلُوُّ بِهِ غِرْبِيبُ الْعَمَى
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الدُّنْيَا تَغُرُّ الْمُؤَمِّلَ لَهَا وَ الْمُخْلِدَ إِلَيْهَا وَ لَا تَنْفَسُ بِمَنْ نَافَسَ فِيهَا وَ تَغْلِبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا
وَ ايْمُ اللَّهِ مَا كَانَ قَوْمٌ قَطُّ فِي غَضِّ نِعْمَةٍ مِنْ عَيْشٍ فَزَالَ عَنْهُمْ إِلَّا بِذُنُوبٍ اجْتَرَحُوهَا
لِ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
وَ لَوْ أَنَّ النَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ وَ تَزُولُ عَنْهُمُ النِّعَمُ فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْقٍ مِنْ نِيَّاتِهِمْ وَ وَلَهٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ وَ أَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِدٍ
وَ إِنِّي لَأَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَةٍ
وَ قَدْ كَانَتْ أُمُورٌ مَضَتْ مِلْتُمْ فِيهَا مَيْلَةً كُنْتُمْ فِيهَا عِنْدِي غَيْرَ مَحْمُودِينَ
وَ لَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ إِنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ
وَ مَا عَلَيَّ إِلَّا الْجُهْدُ
وَ لَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج10  

و من خطبة له عليه السّلام و هى المأة و السابعة و السبعون من المختار في باب الخطب خطبها بعد قتل عثمان في أوّل خلافته كما في شرح المعتزلي و البحراني.

لا يشغله شأن، و لا يغيّره زمان، و لا يحويه مكان، و لا يصفه لسان، لا يعزب عنه عدد قطر الماء، و لا نجوم السّماء، و لا سوا في الرّيح في الهواء، و لا دبيب النّمل على الصّفاء، و لا مقيل الذّرّ في اللّيلة الظّلماء، يعلم مساقط الأوراق، و خفيّ طرف الأحداق. و أشهد أنّ لا إله إلّا اللّه غير معدول به، و لا مشكوك فيه،و لا مكفور دينه، و لا مجحود تكوينه، شهادة من صدقت نيّته، و صفت دخلته، و خلص يقينه، و ثقلت موازينه. و أشهد أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عبده و رسوله، المجتبى من خلايقه، و المعتام لشرح حقايقه، و المختصّ بعقايل كراماته، و المصطفى لكرائم رسالاته، و الموضحة به أشراط الهدى، و المجلوّ به غريب العمى. أيّها النّاس إنّ الدّنيا تغرّ المؤمّل لها، و المخلد إليها، و لا تنفس بمن نافس فيها، و تغلب من غلب عليها.

و أيم اللّه ما كان قوم قطّ في غضّ نعمة من عيش فزال عنهم إلّا بذنوب اجترحوها، لأنّ اللّه ليس بظلّام للعبيد، و لو أنّ النّاس حين تنزل بهم النّقم، و تزول عنهم النّعم، فزعوا إلى ربّهم بصدق من نيّاتهم، و وله من قلوبهم، لردّ عليهم كلّ شارد، و أصلح لهم كلّ فاسد، و إنّي لأخشى عليكم أن تكونوا في فترة، و قد كانت أمور مضت ملتم فيها ميلة كنتم فيها عندي غير محمودين، و لئن ردّ عليكم أمركم إنّكم لسعداء، و ما عليّ إلّا الجهد، و لو أشاء أن أقول لقلت: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ.

اللغة

(سفت) الريح التراب أى ذرته و (الدّخلة) بالكسر و الضمّ باطن الشي‏ء و (المعتام) بالتاء المثناة فاعل من اعتام أى اختار مأخوذ من العتمة و هو خيار المال و (الغربيب) وزان قنديل الأسود شديد السواد قال سبحانه: وَ غَرابِيبُ سُودٌ.
و (أخلد إلى الأرض) أى ركن إليها و اعتمد عليها (و ما عليّ إلّا الجهد) في نسخة الشارح البحراني بفتح الجيم و ضبطه الشارح المعتزلي بالضمّ و بهما قرء قوله سبحانه: وَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ، قال الفيومى: الجهد بالضمّ في الحجاز و بالفتح في لغة غيرهم الوسع و الطاقة، و قيل: المضموم الطاقة و المفتوح المشقّة، و الجهد بالفتح لا غير الغاية و النهاية، و هو مصدر من جهد في الأمر جهدا من باب نفع إذا طلب حتّى بلغ غايته في الطلب.

الاعراب

الظاهر تعلّق قوله في اللّيلة الظلماء بالدّبيب و المقيل على سبيل التنازع، و غير معدول بنصب غير حال من اللّه، و في في قوله: في غضّ نعمة، للظرفيّة المجازية، و الباء في قوله: بصدق، للمصاحبة، و جملة عفى اللّه عما سلف و غايته لا محلّ لها من الاعراب و على ذلك فمقول قلت محذوف، و يجوز أن يكون في محلّ النّصب مقولة للقول و الثاني أظهر لاحتياج الأوّل إلى الحذف و الأصل عدمه.

المعنى

اعلم أنّ مدار هذه الخطبة على فصول أربعة

أولها تنزيه اللّه سبحانه و تمجيده

 بجملة من أوصاف الجلال و صفات الجمال و هو قوله (لا يشغله شأن) عن شأن أى أمر عن أمر لأنّ الشغل عن الشي‏ء بشي‏ء آخر إمّا لنقصان القدرة أو العلم و هو تعالى على كلّ شي‏ء قدير و بكلّ شي‏ء محيط، فلا يشغله مقدورعن مقدور و لا معلوم عن معلوم (و لا يغيّره زمان) لأنّه تعالى واجب الوجود و المتغيّر في ذاته أو صفاته لا يكون واجبا فلا يلحقه التغيّر و لأنه خالق الزّمان و لا زمان يلحقه فلا تغيّر يلحقه بتغيّره (و لا يحويه مكان) اذ لو كان محويا يلزم أن يكون محدودا و كلّ محدود جسم، و قد عرفت في شرح الفصل الخامس من الخطبة الأولى و في شرح الخطبة المأة و الثانية و الخمسين تحقيق الكلام في تنزّهه عن المكان و عن الحدود بما لا مزيد عليه فليراجع المقامين.

و أقول هنا مضافا إلى ما سبق: إنّ المشبّهة قد تعلّقت بقوله سبحانه: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏، في أنّ معبودهم جالس على العرش و قد تقدّم في شرح الفصل الخامس من الخطبة الاولى تأويل هذه الاية و ظهر لك فساد قولهم و بطلان تمسّكهم بها، و قد أقام المتكلّمون المتألهون أدلّة عقليّة و نقليّة على فساد مذهبهم و على استغنائه تعالى عن المكان لا بأس بالاشارة إلى جملة منها.

أحدها أنّه تعالى كان و لا عرش و لا مكان، و لما خلق الخلق لم يحتج إلى مكان غنيّا عنه فهو بالصّفة التي كان لم يزل عليها إلّا أن يقال لم يزل مع اللّه شي‏ء كالعرش و هو أيضا باطل لأنه يلزم أن يخلو عن المكان عند ارتحاله عن بعضها إلى بعض فيختلف نحو وجوده بالحاجة إلى المكان و الاستغناء عنه و هو محال.

ثانيها أنّ الجالس على العرش إما أن يكون متمكنا من الانتقال و الحركة عنه أم لا، فعلى الأوّل يلزم ما ذكرنا من الاستغناء و الاختلاف في نحو الوجود أعنى التجرّد و التجسّم.
لا يقال: هذا منقوض بانتقال الانسان مثلا من مكان إلى مكان.
قلنا إنّه ينتقل على الاتّصال من مكان إلى مكان و هو فيما بينهما لم ينفكّ عن المكان و أمّا البارى جلّ ذكره فالمكان الّذي ينتقل إليه مخلوق له فلا بدّ أن يخلقه أوّلا حتى يمكن انتقاله إليه فهو فيما بين مجرّد عن المكان و على الثاني يكون كالزّمن بل أسوء حالا منه، فان الزّمن يتمكّن من الحركة على رأسه و معبودهم غير متمكّن و ثالثها أنّ الجالس على العرش لابدّ و أن يكون الجزء الحاصل منه في يمين‏ العرش غير الجزء الحاصل منه في شمال العرش فيكون مركّبا مؤلفا من الأجزاء المقدارية و مركبا من صورة زيادة، و كلّ من كان كذلك يحتاج إلى مؤلّف و مركّب و الحاجة من أوصاف الممكن، هذا.

و هذه الأدلّة الثلاث كما يبطل كونه جالسا على العرش كذلك تبطل كونه محويا للمكان أىّ مكان كان كما هو غير خفىّ على الفطن العارف فتدبّر.
(و لا يصفه لسان) أى لا يقدر لسان على وصفه و مدحه لأنّ اللّسان إنّما هو ترجمان للقلب معبّر عن المعاني المخزونة فيه، و القلب إذا كان عاجزا عن البلوغ إلى وصفه و عن تعقّل صفاته فاللّسان أعجز و ألكن.

بيان ذلك أنّ وصف الشي‏ء و الثّناء عليه إنّما يتصوّر إذا كان مطابقا لما هو عليه في نفس الأمر، و ذلك غير ممكن إلّا بتعقّل ذاته و كنهه، لكن لا يمكن للعقول تعقّل ذاته سبحانه و تعقّل ما له من صفات الكمال و نعوت الجلال، لأنّ ذلك التعقّل إمّا بحصول صورة مساوية لذاته تعالى و صفاته الحقيقيّة الذاتيّة أو بحضور حقيقته و شهود ذاته المقدّسة و الأوّل محال إذ لا مثل لذاته كما قال عزّ من قائل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ، لأنّ كلّ ما له مثل أو صورة مساوية له فهو ذو جهة كلّية و هو تعالى لا مهيّة له، و الثاني أيضا كذلك إذ كلّ ما سواه من العقول و النفوس و الذّوات و الهويّات معلول له مقهور تحت جلاله و عظمته و كبريائه كانقهار عين الخفّاش تحت نور الشمس، فلا يمكن للعقول لقصورها عن درجة الكمال الواجبي إدراك ذاته على وجه الاكتناه و الاحاطة، بل كلّ عقل له مقام معلوم لا يقدر على التعدّي عنه إلى ما فوقه، و لهذا قال جبرئيل الأمين لما تخلّف عن خير المرسلين ليلة المعراج: لو دنوت أنملة لاحترقت، فأنّى للعقول البشريّة الاطلاع على النعوت الالهيّة و الصّفات الأحديّة على ما هى عليه من كمالها.

فالقول و الكلام و إن كان في غاية الجودة و البلاغة و اللّسان و البيان و إن كان في نهاية الحدّة و الفصاحة يقف دون أدنى مراتب مدحه، و المادحون و إن صرفوا جهدهم و بذلوا وسعهم و طاقتهم في وصفه و الثناء عليه فهم بمراحل البعد عمّا هو ثناء عليه‏بما هو أهله و مستحقه.

و لهذا قال سيّد النّبيّين و أكمل المادحين: لا احصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.
ثمّ وصفه باحاطة علمه سبحانه بجميع الجزئيّات و خفيّات ما في الكون، و قد عرفت في شرح الفصل السابع من الخطبة الاولى عموم علمه تعالى بجميع الموجودات و عدد من ذلك هنا أشياء فقال (لا يعزب عنه) أى لا يغيب عن علمه (عدد قطر الماء) المنزل من السّماء و الراكد في متراكم البحار و الغدران و الابار و الجارى في الجداول و الأنهار (و لا) عدد (نجوم السّماء) من الثوابت و السّيار (و لا سوافي الرّيح في الهواء) أى التي تسفو التراب و تذروه.

و تخصيصها بالذكر من جهة أنها غالب أفرادها، فلا دلالة فيها على اختصاص علمه بها فقط، لأنّ الوصف الوارد مورد الغلبة ليس مفهومه حجّة كما صرّح به علماء الأصولية و مثله قوله تعالى: «وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ»، و يمكن أن يكون غرضه الاشارة إلى أنه لا يخفى عليه سبحانه السوافي مع ما تسفوه من التراب، فانّ التراب الّذي تحمله الرّيح و تبثّه في الجوّ لا يعلم مقداره و أجزائه و ذراته إلّا اللّه سبحانه العالم بكلّ شي‏ء.

(و لا) يعزب عنه (دبيب النمل على الصفا و لا مقيل الّذر في اللّيلة الظلماء) أى لا يخفى حركة آحاد النمل على الصّخر الأملس في اللّيلة المظلمة، و لا محلّ قيلولة صغار النّمل فيها مع فرط اختفائهما عليه سبحانه بل علمه تعالى محيط بهما و بغيرهما من خفيّات الموجودات و خبياتها.

فان قلت: لم خصّص دبيب النمل بكونه على الصفا قيل: لعدم التأثّر بالدّبيب كالتراب إذ يمكن في التراب و نحوه أن يعلم الدّبيب بالأثر.
و فيه إنّ بقاء أثر الدّبيب في التراب مسلّم إلّا أنّ حصول العلم به بذلك الأثر إمّا أن يكون في اللّيل أو في النهار، و الأوّل ممنوع لأنّ ظلمة الليل المظلم مانعةعن مشاهدة الأثر كنفس المؤثر و الصفا و التراب سيّان في اختفاء الدّبيب فيها على كلّ منهما، و الثاني مسلّم إلّا أنّه إذا كان في النّهار فهو مشاهد لكلّ أحد و معلوم بنفسه من دون حاجة إلى الاستدلال بالأثر من غير فرق أيضا في ظهوره بين كونه على الصّفا و بين كونه على التراب.

إلّا أن يقال: إنّه مع كونه في اللّيل على التراب يبقى أثره إلى النهار فيمكن حصول العلم به منه، بخلاف ما إذا كان على الصّفا فلا يكون له أثر أصلا حتّى يبقى إلى النهار و يتحصّل منه العلم.
و لكن يتوجّه عليه إنّ ظاهر القضيّة أنّه لا يخفى عليه دبيبه حين دبّه أعنى في اللّيلة المظلمة و لا مقيل الذرّ حين قيلولتها.

فان قلت: هذا مسلّم لو جعلنا قوله: في اللّيلة الظلماء قيدا لكلا الأمرين، أمّا لو جعلناه قيدا للأخير فقط لارتفع الاشكال.
قلت: لابدّ من إرجاع القيد إليهما جميعا إذ الدّبيب الحاصل في النهار مشاهد لكلّ أحد و مرئىّ معلوم و لا اختصاص لعدم اختفائه باللّه سبحانه حتّى يتمدّح به.
و الّذي يلوح للخاطر في سرّ التخصيص هو أنّ غالب أفراد الحيوان و منها النمل إذا سارت بالليل على التراب لا يظهر صوت قوائمها و حوافرها للين التراب، فيختفى سيرها غالبا على الناس، و أمّا إذا صارت على الصّفا فيطلع عليه النّاس لظهور صوت الحوافر و الأقدام، و أمّا النمل فلا يظهر دبيبه عليه أيضا لخفّة جرمه و صغر جثّته، فمدح اللّه سبحانه بأنّ النمل الّذى اختفى دبيبه على الصّفا على النّاس فضلا عن التراب لم يعزب عليه سبحانه دبيبه مع فرط خفائه فافهم جيّدا.

و كيف كان فقد ظهر من ذلك كلّه أى مما ذكره عليه السّلام هنا و ما ذكرناه و ممّا قدمه و قدّمناه أنّه لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السّماوات و لا في الأرض و لا أصغر من ذلك و لا أكبر إلّا في كتاب مبين.
فانقدح منه أنه سبحانه (يعلم مساقط الأوراق) عدل عن نفى المعزوب إلى إثبات العلم على قاعدة اليقين و تصديق علمه بمساقط الأوراق مضافة إلى غيرها قوله‏تعالى: وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.
(و) هو يدلّ أيضا لعمومه على أنّه يعلم (خفى طرف الأحداق) و أراد بالطرف انطباق أحد الجفنين على الاخر أى يعلم ما خفى من ذلك على النّاس كما قال سبحانه: يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَ ما تُخْفِي الصُّدُورُ.

الفصل الثاني في الشهادة بالتوحيد و الرسالة

و هو قوله (و أشهد أن لا إله إلّا اللّه) مضى تحقيق الكلام فيه بما لا مزيد عليه في شرح الفصل الثاني من الخطبة الثانية فليراجع ثمّة و أكّد الشهادة بالوحدانيّة بقوله (غير معدول به) أى حالكونه سبحانه لم يجعل له مثل و عديل (و لا مشكوك فيه) أى في وجوده لمنافاة الشكّ فيه بالشهادة بوحدانيّته (و لا مكفور دينه) لملازمة التصديق بالوحدانيّة بالاعتراف بالدّين المنافي للجحود و يدلّ على التلازم ما مرّ في الفصل الرابع من الخطبة الاولى من قوله: أوّل الدّين معرفته و كمال معرفته التصديق به و كمال التصديق به توحيده (و لا مجحود تكوينه) أى اتّحاده للموجودات و تكوينه لها لشهادتها جميعا بوجود مبدعها و وحدانيّة بارئها.

و وصف شهادته بكونها مثل (شهادة من صدقت نيّته) أى صادرة عن صميم القلب و عن اعتقاد جازم (وصفت دخلته) أى موصوفة بصفاء الباطن و سلامتها من كدر الرّياء و النفاق (و خلص يقينه) من رين الشكوك و الشبهات (و ثقلت موازينه) إذ الشهادة إذا كان على وجه الكمال توجب ثقل ميزان الأعمال.

و يدلّ عليه صريحا ما قدّمنا روايته في شرح الفصل الثاني من الخطبة الثانية من ثواب الأعمال عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال: قال اللّه جلّ جلاله لموسى بن عمران: يا موسى لو أنّ السّماوات و عامريهنّ عندى و الأرضين السّبع في كفّة و لا إله إلّا اللّه في كفّة مالت بهنّ لا إله إلّا اللّه.

(و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله المجتبى) المصطفى (من خلائقه) و قد عرفت توضيحه في شرح الخطبة الثّالثة و التسعين (و المعتام لشرح حقايقه) أى المختار لشرح حقايق توحيده أى لايضاح العلوم الالهيّة (و المختصّ بعقائل كراماته) النفيسة من الكمالات النفسانيّة و الأخلاق الكريمة الّتي اقتدر معها على هداية الأنام و تأسيس أساس الاسلام (و المصطفى لكرائم رسالاته) أى لرسالاته الكريمة الشريفة و جمعها باعتبار تعدّد أفراد الأوامر و الأحكام النازلة عليه، فانّ كلّ أمر أمر بتبليغه و أدائه رسالة مستقلّة و ان كان باعتبار المجموع رسالة واحدة (و الموضحة به أشراط الهدى) أى أعلام الهداية فقد أوضح بقوله و فعله و تقريره ما يوجب هداية الأنام إلى النهج القويم و الصراط المستقيم (و المجلوّ به غربيب العمى) أى المنكشف بنور نبوّته ظلمات الجهالة.

الفصل الثالث في تنبيه الراكنين إلى الدّنيا و ايقاظ الغافلين عن العقبى

و هو قوله (أيّها الناس إنّ الدّنيا تغرّ المؤمّل لها و المخلد إليها) و ذلك مشهود بالعيان معلوم بالتجربة و الوجدان، فانّا نرى كثيرا من المؤمّلين لها و الراكنين إليها تعرض لهم مطالب وهميّة خياليّة فتوجب ذلك طول أملهم فيختطفهم الموت دون نيلها و ينكشف بطلان تلك الخيالات، و قد تقدّم تفصيل ذلك في شرح الخطبة الثانية و الأربعين (و لا تنفس بمن نافس فيها) أى لا تضنن ممّن ضنن«» بها لنفاستها، بل ترميه بالنوائب و الالام و بسهام المصائب و الأسقام (و تغلب من غلب عليها) أى من ملكها و أخذها بالقهر و الغلبة فعن قليل تقهره و تهلكه.

الفصل الرابع في التنبيه على وجوب شكر النعم

و استدراكها بالفزع إلى اللّه فأقسم بالقسم‏ البارّ و هو قوله (و أيم اللّه ما كان قوم قطّ في غضّ نعمة من عيش فزال عنهم إلّا بذنوب اجترحوها) على أنّ زوال النعمة الطريّة و رغيد العيش عن العباد ليس سببه إلّا كفران النعم و الذّنوب الّتي اكتسبوها كما قال عزّ من قائل: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ، و ذلك لأنهم لو استحقّوا مع الكفران و اكتساب الاثام لافاضة النعماء لكان منعهم منها منعا للمستحقّ المستعدّ و ذلك عين الظلم و هو محال على اللّه سبحانه (لأنّ اللّه ليس بظلّام للعبيد) فعلم من ذلك أنّ سبب زوال النعمة و حصول النقمة ليس إلّا الذّنوب المكتسبة هذا.

و لا يخفى عليك أنّ هذا الكلام منه عليه السّلام محمول على الغالب و إن كان ظاهره العموم، و ذلك لأنّ كثيرا من العباد يبدّل اللّه نعمتهم بالنقمة و رخائهم بالشدّة و منحتهم بالمحنة من باب الابتلاء و الامتحان إعلاء للدّرجات و إحباطا للسّيئات و إضعافا للحسنات كما قال عزّ من قائل: «وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ» الاية.

و لمّا نبّه على أنّ علّة زوال النعمة و نزول النقمة اكتساب المعصية أرشدهم إلى طريق تداركها بقوله (و لو أنّ الناس حين تنزل بهم النقم و تزول عنهم النعم فزعوا إلى ربّهم) و تضرّعوا إليه سبحانه (بصدق من نيّاتهم) أى باخلاصها و إخلائها من شوب العجب و الرّيا (و وله من قلوبهم) أى بتحيّر منها في محبّته سبحانه و لذّة مناجاته و تفريغ ساحتها عن كلّ ما سواه تعالى (لردّ عليهم كلّ شارد) من النعم (و أصلح لهم كلّ فاسد) من الأمور.

ثمّ تخلص إلى تعريض المخاطبين بالاشارة إلى بعض حالاتهم الغير المحمودة التي كانوا عليها حثا لهم على الارتداع عنها فقال: (و إنّى لاخشى عليكم أن تكونوا في فترة) أى في حالة فترة مثل حالة أهل الجاهليّة الّذين كانوا على فترة من الرّسل أى أخاف عليكم أن تكونوا مثل هؤلاء في التعصّبات الباطلة بحسب الأهواء المختلفة و غلبة الجهل و الضّلال على الأكثرين (و قد كانت أمور مضت) و هو تخليفهم للفساق و تقديم أجلاف العرب الثلاثة عليه و أتباعهم بهم.

و حملها على اختيارهم لعثمان فقط و عدولهم عنه يوم الشورى كما في شرح المعتزلي خلاف ظاهر اللّفظ المسوق على نحو الاطلاق معتضدا بقوله (ملتم فيها ميلة كنتم فيها عندى غير محمودين) لأنّهم بسبب تقديم كلّ من الثلاثة و الاتباع عليه مالوا عن نهج الحقّ و عدلوا عن منهج الصّواب و استحقوا اللّوم و العتاب.

(و لئن ردّ عليكم أمركم) أى شغلكم الّذى كنتم عليه في زمن الرّسول صلّى اللّه عليه و آله (انكم لسعداء) أى تكونون سعيدا بعد اتصافكم بالشقاوة (و ما علىّ إلّا الجهد) أى بذل الوسع و الطاقة في الاصلاح و النصيحة (و لو أشاء أن أقول) و أشرح ما جرى من الظلم و العدوان و ما وقع منكم من التفريط و التقصير فيّ (لقلت) ذلك و شرحته و لكنّى لا استصلحه لتضمّنه التعريض على المتخلّفين و التقريع على المخاطبين و الصّلاح في العفو و الاغماض لأنّ الصفح حسن و العفو جميل فقد (عفي اللّه عمّا سلف) اقتباس من الكتاب العزيز قال تعالى: «عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ».

قال الشارح المعتزلي: و هذا الكلام يدلّ على مذهب أصحابنا في أنّ ما جرى من عبد الرّحمان و غيره يوم الشورى، و إن كان لم يقع على الوجه الأفضل فانّه معفوّ عنه مغفور لفاعله لأنّه لو كان فسقا غير مغفور لم يقل أمير المؤمنين عليه السّلام: عفى اللّه عمّا سلف.
أقول: و يتوجّه عليه أنّه بعد الاعتراف بكون ما صدر عن ابن عوف و أضرابه فسقا كما هو كذلك لكونه ظلما فاحشا في حقّه عليه السّلام فهذا الكلام لا دلالة فيه على العفو عنه و الغفران له لأنّ هذا الكلام كما يحتمل أن يكون جملة إنشائية أو غايبة أو اخبارية مسوقة لبيان حسن العفو و دليلا عليه كما عليه مبنى كلام الشارح، فكذلك يحتمل أن يكون مقولا لقوله: قلت و متّصلا به لا مقطوعا عنه.

فيكون محصّل الكلام أنّي لو شئت أن أقول عفى اللّه عمّا سلف لقلته أى لو أحببت أن أدعو بالعفو لدعوت، فعلى هذا كما يصدق الشرطيّة باستثناء عين المقدّم ينتج عين التالي فكذلك يصدق برفع المقدّم المفيد لرفع التالي، أى لكنّى لم أشاء ذلك‏فلا قلته و حينئذ لا يكون لكلامه عليه السّلام دلالة على ما رامه الشارح لو لم يكن دلالة على خلافه أظهر، فافهم و تبصّر.

الترجمة

از جمله خطب شريفه آن بزرگوار و وصيّ مختار است در وصف حضرت كردگار و نعت حضرت ختم النبيّين و نصيحت و ملامت مخاطبين مى‏ فرمايد كه: مشغول نمى ‏نمايد حق تعالى را امرى از امر ديگر، و تغيير نمى ‏دهد او را زماني و احاطه نمى ‏كند او را هيچ مكاني، و وصف نمى ‏تواند بكند او را هيچ زبانى، غايب نمى‏ شود از علم او عدد قطرهاى آب و نه ستارهاى آسمان، و نه بادهاى سخت وزنده و نه حركت مورها بر روى سنگها و نه خوابگاه مورچها در شب تاريك، و مي داند مواضع افتادن برگهاى درختان، و پنهان نگريستن چشمان را.

و شهادت مى‏ دهم باين كه هيچ معبود بحقى نيست مگر خداوند متعال در حالتى كه هيچ برابر كرده نشد باو چيزى و شك كرده نشد در وجود او و انكار كرده نشد دين او و جحود نشد ايجاد و تكوين او، مثل شهادت كسى كه صادق بشود نيّت او و صافي باشد باطن او و خالص گردد يقين او و سنگين شود ميزان اعمال او.

و شهادت مى ‏دهم باين كه محمّد مصطفى صلوات اللّه و سلامه عليه و آله بنده او است و رسول برگزيده از مخلوقات او و اختيار كرده شده از براى كشف حقايق توحيد او، و مخصوص شده بكرامتهاى نفيسه او، و برگزيده شده برسالات كريمه او، و روشن كرده شده باو علامتهاى هدايت، و جلا داده شد بنور او سوادى و سياهي ضلالت.
اى گروه مردمان بدرستى دنيا فريب مى‏دهد اميد دارنده او را و آرام گيرنده او را و بخل نمى‏كند بكسى كه بخيل باشد در محبّت او و غلبه مى‏نمايد بر كسى كه غلبه كند بر او.

و قسم بخدا كه نبودند هيچ قومى هرگز در طراوت نعمت از زندگانى دنيا پس زوال يافت آن نعمت از ايشان مگر بسبب گناههائى كه كسب گردند آن را از جهة اين كه خداوند عالم نيست صاحب ظلم بر بندگان، و اگر مردمان در وقتى كه نازل بشود بايشان عقوبتها و زايل بشود از ايشان نعمتها پناه ببرند بسوى پروردگار براستى از نيّتهاى خودشان و فرط محبّت از قلبهاشان، هر اينه باز گرداند حق سبحانه بسوى ايشان هر رميده از نعمتها را، و اصلاح مى ‏فرمايد از براى ايشان هر فاسد از اموراترا، و بدرستى كه من مى‏ترسم بر شما اين كه باشيد در حالت أهل جاهليّت، و بتحقيق كه واقع شد كارهائى كه گذشت ميل كرديد در آن امور از جادّه شريعت ميل كردني، در حالتى كه بوديد در آن امور در نزد ما پسنديده، و اگر باز گردانيده شود بر شما كار شما هر آينه مى‏باشيد از أهل سعادت، و نيست بر من مگر بذل وسع و طاقت، و اگر بخواهم بگويم هر آينه مى‏گفتم كه عفو فرمود خداى تعالى از آنچه كه گذشت.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 176 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 177 صبحی صالح

177- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) في معنى الحكمين‏

فَأَجْمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى أَنِ اخْتَارُوا رَجُلَيْنِ فَأَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَنْ يُجَعْجِعَا عِنْدَ الْقُرْآنِ وَ لَا يُجَاوِزَاهُ

وَ تَكُونَ أَلْسِنَتُهُمَا مَعَهُ وَ قُلُوبُهُمَا تَبَعَهُ

فَتَاهَا عَنْهُ وَ تَرَكَا الْحَقَّ وَ هُمَا يُبْصِرَانِهِ وَ كَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا وَ الِاعْوِجَاجُ رَأْيَهُمَا

وَ قَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي الْحُكْمِ بِالْعَدْلِ وَ الْعَمَلِ بِالْحَقِّ سُوءَ رَأْيِهِمَا وَ جَوْرَ حُكْمِهِمَا

وَ الثِّقَةُ فِي أَيْدِينَا لِأَنْفُسِنَا حِينَ خَالَفَا سَبِيلَ الْحَقِّ وَ أَتَيَا بِمَا لَا يُعْرَفُ مِنْ مَعْكُوسِ الْحُكْمِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج10  

و من كلام له عليه السّلام في معنى الحكمينو هو المأة و السادس و السبعون من المختار في باب الخطب

فأجمع رأي ملإكم على أن اختاروا رجلين فأخذنا عليهما أن يجعجعا عند القرآن و لا يجاوزاه، و تكون ألسنتهما معه، و قلوبهما تبعه، فتاها عنه، و تركا الحقّ و هما يبصرانه، و كان الجور هواهما، و الاعوجاج رأيهما، و قد سبق استثناؤنا عليهما في الحكم بالعدل و العمل بالحقّ سوء رأيهما، و جور حكمهما، و الثّقة في أيدينا لأنفسنا حين خالفا سبيل الحقّ، و أتيا بما لا يعرف من معكوس الحكم.

اللغة

(الملاء) أشراف النّاس و رؤساهم و مقدّموهم الّذين يرجع إلى قولهم قال في محكىّ النهاية: في حديث عليّ عليه السّلام أن (يجعجعا عند القرآن) أى يقيما عنده يقال: جعجع القوم إذا أناخوا بالجعجاع، و هى الأرض و الجعجاع أيضا الموضع الضيق الخشن و (التبع) محرّكة التابع يكون مفردا و جمعا و يجمع على أتباع مثل سبب و أسباب.

الاعراب

سوء رأيهما بالنّصب مفعول استثنائنا أو سبق أيضا على سبيل التنازع و الأوّل أظهر و قوله: في الحكم، متعلّق بقوله: سبق.

المعنى

قال الشارح البحراني: هذا الفصل من خطبة خطبها لما بلغه أمر الحكمين.
أقول: و الظاهر أنه ره توهّم من قول السيّد ره و من كلام له في معنى الحكمين أنّه تكلّم به حين بلغه أمرهما، فان كان ظفر بتمام الخطبة و اطلع على أنه خطبها حين بلوغ أمرهما فهو، و إلّا فالظاهر أنّ هذا الكلام من فصول الاحتجاجات الّتي كانت له مع الخوارج و قد مرّ نظير هذا الكلام منه في ذيل الكلام المأة و السابع و العشرين.

و بالمراجعة إلى شرح الكلام المذكور و شرح الكلام المأة و الخامس و العشرين المتضمّنين لاحتجاجاته معهم يظهر لك توضيح ما ذكره في هذا المقام و تعرف أنه ناظر إلى ردّ احتجاجهم الّذي احتجّوا به عليه و هو: أنك قد حكمت الرّجال في دين اللّه و لم يكن ذلك إليك ثمّ أنكرت حكمهما لما حكموا عليك.

فأجابهم عليه السّلام بقوله (فأجمع رأى ملإكم) أى عزم رؤساءكم و كبراءكم و اتّفق آراءهم (على أن اختاروا رجلين) هما أبو موسى الأشعرى و عمرو بن العاص لعنهما اللّه تعالى من غير رضى منّى بتحكيمهما بل على غاية كره منّى بذلك.
كما يدلّ قوله لابن الكوا في النهروان في الرّواية الّتي رويناها من كشف الغمّة في شرح الخطبة السادسة و الثلاثين حيث إنّه لما اعترض عليه بأمر الحكمين قال عليه السّلام له: أ لم أقل لكم إنّ أهل الشام يخدعونكم بها«» فانّ الحرب قد عضتهم فذرونى اناجزهم فأبيتم ألم ارد نصب ابن عمّي- أى عبد اللّه بن العبّاس- و قلت انّه لا ينخدع فأبيتم إلّا أبا موسى و قلتم رضينا به حكما فأجبتكم كارها و لو وجدت في ذلك الوقت أعوانا غيركم لما أجبتكم.

(فأخذنا عليهما) أى على الرّجلين الحكمين (أن يجعجعا عند القرآن) أى يقفا دونه و يجب نفسهما عليه (و لا يجاوزاه) أى لا يتجاوزا عن أوامره و نواهيه (و يكون ألسنتهما معه و قلوبهما تبعه) أى يكونان تابعين له و يعملان بحكمه (فتاها) أى ضلّا(عنه و تركا الحقّ و هما يبصرانه) أى عدلا عن القرآن و عن حكمه الحقّ الّذي هو خلافته مع علمهما و معرفتهما بحقيته كما عرفت تفصيل ذلك كلّه في شرح الخطبة الخامسة و الثلاثين.

و الحاصل أنّهما تركا الحقّ عمدا عن علم لا عن جهل و لم يكن ذلك فتنة منهما بل كان بنائهما من أوّل الأمر على ذلك (و كان الجور) و الحيف في الحكم (هواهما و الاعوجاج) عن الحقّ و الانحراف عن الدّين (رأيهما) و في بعض النسخ دأبهما و هو أولى أى لم يكن ذلك أوّل حيفهما بل كان ديدنا و عادة لهما و شيمة طبعت عليها قلوبهما.

ثمّ أجاب عمّا نقموا عليه من إنكاره التحكيم بعد رضاه به بقوله (و قد سبق استثناؤنا عليهما في الحكم بالعدل و العمل بالحقّ سوء رأيهما و جور حكمهما) أراد به ما كان شرطه على الحكمين حين عزموا على التحكيم أن يحكما بما حكم القرآن و بما أنزل اللّه فيه من فاتحته إلى خاتمته و إلّا فلا ينفذ حكمهما فيه و في أصحابه، فقد قدّم عليه السّلام إليهما أن لا يعملا برأيهما و هواهما و لا يحكما بشي‏ء من تلقاء أنفسهم الأمّارة بالسوء.

(و الثقة في أيدينا لأنفسنا) أى إنّا على برهان و ثقة من امورنا و ليس يلازم لنا اتباع حكمهما (حين خالفا سبيل الحقّ) و انحرفا عن سواء السبيل (و أتيا بما لا يعرف) أى لا يصدق به (من معكوس الحكم) يعني أنهما نبذا كتاب اللّه وراء ظهورهم و خالفاه و حكما بعكس حكم الكتاب و قد استحقّا به اللّؤم و العقاب يوم الحساب

الترجمة

از جمله كلام فصاحت نظام آن امام عليه السّلام است در ذكر أمر حكمين كه خطاب فرموده بان خوارج نهروان را در مقام اجتماع با ايشان مى‏فرمايد: پس متّفق شد رأى رؤساء و أشراف شما بر اين كه اختيار كردند دو مرد را كه‏ يكى أبو موسى أشعرى بود و يكى عمرو بن عاص پس عهد و ميثاق گرفتيم بر ايشان كه وا ايستند و حبس كنند نفس خود را در نزد قرآن و تجاوز نكنند از آن و باشد زبان ايشان با آن قرآن و قلبهاى شان تابع آن، پس هر دو گمراه شدند از قرآن و ترك كردند حق را و حال آنكه هر دو مى‏ديدند حق را، و بود جور و ظلم آرزوى ايشان و كجى و اعوجاج رأى ايشان.

و بتحقيق كه سابق شده بود استثنا كردن ما بر آن دو مرد در خصوص حكم كردن با عدالت و عمل كردن بحق بدى رأى ايشان را و ستم كردن ايشان را در حكمى كه مى‏نمايند، يعني استثناء كرده بوديم كه ايشان با رأى فاسد خود رفتار نكنند و با حكم جور حكم ننمايند، و وثوق و اعتماد در دست ما است از براى نفسهاى خود ما در وقتى كه مخالفت راه حق كردند و آوردند چيزى را كه غير معروف بود از حكمى كه بعكس حكم قرآن بود و بر خلاف شرط ما.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 175 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 176 صبحی صالح

176- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) و فيها يعظ و يبين فضل القرآن و ينهى عن البدعة

عظة الناس‏

انْتَفِعُوا بِبَيَانِ اللَّهِ وَ اتَّعِظُوا بِمَوَاعِظِ اللَّهِ وَ اقْبَلُوا نَصِيحَةَ اللَّهِ

فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْذَرَ إِلَيْكُمْ بِالْجَلِيَّةِ وَ اتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ وَ بَيَّنَ لَكُمْ مَحَابَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَ مَكَارِهَهُ مِنْهَا لِتَتَّبِعُوا هَذِهِ وَ تَجْتَنِبُوا هَذِهِ

فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ( صلى‏الله‏عليه‏وآله  )كَانَ يَقُولُ إِنَّ الْجَنَّةَ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ وَ إِنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ

وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ شَيْ‏ءٌ إِلَّا يَأْتِي فِي كُرْهٍ وَ مَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ شَيْ‏ءٌ إِلَّا يَأْتِي فِي شَهْوَةٍ

فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً نَزَعَ عَنْ شَهْوَتِهِ وَ قَمَعَ هَوَى نَفْسِهِ

فَإِنَّ هَذِهِ النَّفْسَ أَبْعَدُ شَيْ‏ءٍ مَنْزِعاً وَ إِنَّهَا لَا تَزَالُ تَنْزِعُ إِلَى مَعْصِيَةٍ فِي هَوًى

وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُصْبِحُ وَ لَا يُمْسِي إِلَّا وَ نَفْسُهُ ظَنُونٌ عِنْدَهُ

فَلَا يَزَالُ زَارِياً عَلَيْهَا وَ مُسْتَزِيداً لَهَا

فَكُونُوا كَالسَّابِقِينَ قَبْلَكُمْ وَ الْمَاضِينَ أَمَامَكُمْ

قَوَّضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَقْوِيضَ الرَّاحِلِ

وَ طَوَوْهَا طَيَّ الْمَنَازِلِ

فضل القرآن‏

وَ اعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لَا يَغُشُّ

وَ الْهَادِي الَّذِي لَا يُضِلُّ وَ الْمُحَدِّثُ الَّذِي لَا يَكْذِبُ

وَ مَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ زِيَادَةٍ فِي هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى

وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ وَ لَا لِأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنًى

فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ وَ اسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لَأْوَائِكُمْ

فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ وَ هُوَ الْكُفْرُ وَ النِّفَاقُ وَ الْغَيُّ وَ الضَّلَالُ

فَاسْأَلُوا اللَّهَ بِهِ وَ تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ وَ لَا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ

إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ

وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَ قَائِلٌ مُصَدَّقٌ

وَ أَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعَ فِيهِ

وَ مَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ

فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِي حَرْثِهِ وَ عَاقِبَةِ عَمَلِهِ غَيْرَ حَرَثَةِ الْقُرْآنِ فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَ أَتْبَاعِهِ

وَ اسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ وَ اسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ

وَ اتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ وَ اسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ

الحث على العمل

الْعَمَلَ الْعَمَلَ ثُمَّ النِّهَايَةَ النِّهَايَةَ وَ الِاسْتِقَامَةَ الِاسْتِقَامَةَ ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ وَ الْوَرَعَ الْوَرَعَ

إِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ

وَ إِنَّ لَكُمْ عَلَماً فَاهْتَدُوا بِعَلَمِكُمْ

وَ إِنَّ لِلْإِسْلَامِ غَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى‏ غَايَتِهِ

وَ اخْرُجُوا إِلَى اللَّهِ بِمَا افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّهِ وَ بَيَّنَ لَكُمْ مِنْ وَظَائِفِهِ

أَنَا شَاهِدٌ لَكُمْ وَ حَجِيجٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْكُمْ

نصائح للناس‏

أَلَا وَ إِنَّ الْقَدَرَ السَّابِقَ قَدْ وَقَعَ وَ الْقَضَاءَ الْمَاضِيَ قَدْ تَوَرَّدَ

وَ إِنِّي مُتَكَلِّمٌ بِعِدَةِ اللَّهِ وَ حُجَّتِهِ

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ‏

وَ قَدْ قُلْتُمْ رَبُّنَا اللَّهُ فَاسْتَقِيمُوا عَلَى كِتَابِهِ وَ عَلَى مِنْهَاجِ أَمْرِهِ وَ عَلَى الطَّرِيقَةِ الصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادَتِهِ

ثُمَّ لَا تَمْرُقُوا مِنْهَا وَ لَا تَبْتَدِعُوا فِيهَا وَ لَا تُخَالِفُوا عَنْهَا

فَإِنَّ أَهْلَ الْمُرُوقِ مُنْقَطَعٌ بِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

ثُمَّ إِيَّاكُمْ وَ تَهْزِيعَ الْأَخْلَاقِ وَ تَصْرِيفَهَا

وَ اجْعَلُوا اللِّسَانَ وَاحِداً وَ لْيَخْزُنِ الرَّجُلُ لِسَانَهُ فَإِنَّ هَذَا اللِّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ

وَ اللَّهِ مَا أَرَى عَبْداً يَتَّقِي تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْزُنَ لِسَانَهُ

وَ إِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ

وَ إِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ

لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ وَ إِنْ كَانَ شَرّاً وَارَاهُ

وَ إِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ لَا يَدْرِي مَا ذَا لَهُ وَ مَا ذَا عَلَيْهِ

وَ لَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى‏الله‏عليه‏وآله  )لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ

وَ لَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى‏ يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ

فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَ هُوَ نَقِيُّ الرَّاحَةِ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَ أَمْوَالِهِمْ سَلِيمُ اللِّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ فَلْيَفْعَلْ

تحريم البدع‏

وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَحِلُّ الْعَامَ مَا اسْتَحَلَّ عَاماً أَوَّلَ

وَ يُحَرِّمُ الْعَامَ مَا حَرَّمَ عَاماً أَوَّلَ وَ أَنَّ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ لَا يُحِلُّ لَكُمْ شَيْئاً مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَ لَكِنَّ الْحَلَالَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَ الْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ

فَقَدْ جَرَّبْتُمُ الْأُمُورَ وَ ضَرَّسْتُمُوهَا وَ وُعِظْتُمْ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ ضُرِبَتِ الْأَمْثَالُ لَكُمْ

وَ دُعِيتُمْ إِلَى الْأَمْرِ الْوَاضِحِ فَلَا يَصَمُّ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا أَصَمُّ وَ لَا يَعْمَى عَنْ ذَلِكَ إِلَّا أَعْمَى

وَ مَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِالْبَلَاءِ وَ التَّجَارِبِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْعِظَةِ وَ أَتَاهُ التَّقْصِيرُ مِنْ أَمَامِهِ حَتَّى يَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ وَ يُنْكِرَ مَا عَرَفَ

وَ إِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ مُتَّبِعٌ شِرْعَةً وَ مُبْتَدِعٌ بِدْعَةً لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّةٍ وَ لَا ضِيَاءُ حُجَّةٍ

القرآن‏

وَ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِظْ أَحَداً بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ

فَإِنَّهُ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَ سَبَبُهُ الْأَمِينُ وَ فِيهِ رَبِيعُ الْقَلْبِ وَ يَنَابِيعُ الْعِلْمِ

وَ مَا لِلْقَلْبِ جِلَاءٌ غَيْرُهُ

مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْمُتَذَكِّرُونَ وَ بَقِيَ النَّاسُونَ أَوِ الْمُتَنَاسُونَ

فَإِذَا رَأَيْتُمْ خَيْراً فَأَعِينُوا عَلَيْهِ وَ إِذَا رَأَيْتُمْ شَرّاً فَاذْهَبُواعَنْهُ

فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ( صلى‏الله‏عليه‏وآله  )كَانَ يَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ اعْمَلِ الْخَيْرَ وَ دَعِ الشَّرَّ فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ قَاصِدٌ

انواع الظلم‏

أَلَا وَ إِنَّ الظُّلْمَ ثَلَاثَةٌ فَظُلْمٌ لَا يُغْفَرُ وَ ظُلْمٌ لَا يُتْرَكُ وَ ظُلْمٌ مَغْفُورٌ لَا يُطْلَبُ

فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يُغْفَرُ فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ‏

وَ أَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يُغْفَرُ فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْهَنَاتِ

وَ أَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لَا يُتْرَكُ فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً

الْقِصَاصُ هُنَاكَ شَدِيدٌ لَيْسَ هُوَ جَرْحاً بِاْلمُدَى وَ لَا ضَرْباً بِالسِّيَاطِ وَ لَكِنَّهُ مَا يُسْتَصْغَرُ ذَلِكَ مَعَهُ

فَإِيَّاكُمْ وَ التَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللَّهِ فَإِنَّ جَمَاعَةً فِيمَا تَكْرَهُونَ مِنَ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ فُرْقَةٍ فِيمَا تُحِبُّونَ مِنَ الْبَاطِلِ

وَ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَةٍ خَيْراً مِمَّنْ مَضَى وَ لَا مِمَّنْ بَقِيَ

لزوم الطاعة

يَا أَيُّهَا النَّاسُ طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ

وَ طُوبَى لِمَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ وَ أَكَلَ قُوتَهُ وَ اشْتَغَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ

وَ بَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شُغُلٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج10  

و من خطبة له عليه السّلام و هى المأة و الخامسة و السبعون من المختار في باب الخطب

قال الشارح البحراني: روى انّ هذه الخطبة من أوائل الخطب التي خطب بها أيّام بويع بعد قتل عثمان، و شرحها في فصلين:
الفصل الاول
انتفعوا ببيان اللّه، و اتّعظوا بمواعظ اللّه، و اقبلوا نصيحة اللّه فإنّ اللّه قد أعذر إليكم بالجليّة، و اتّخذ عليكم بالحجّة، و بيّن لكم محابّه من الأعمال و مكارهه منها لتتّبعوا هذه و تجتنبوا هذه، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يقول: إنّ الجنّة حفّت بالمكاره و إنّ النّار حفّت بالشّهوات. و اعلموا أنّه ما من طاعة اللّه شي‏ء إلّا يأتي في كره، و ما من معصية اللّه شي‏ء إلّا يأتي في شهوة، فرحم اللّه رجلا نزع عن شهوته، و قمع هوي نفسه، فإنّ هذه النّفس أبعد شي‏ء منزعا، و إنّها لا تزال تنزع إلى معصية في هوى. و اعلموا عباد اللّه أنّ المؤمن لا يصبح و لا يمسي إلّا و نفسه ظنون عنده، فلا يزال زاريا عليها و مستزيدا لها، فكونوا كالسّابقين قبلكم،و الماضين أمامكم، قوّضوا من الدّنيا تقويض الرّاحل، و طووها طيّ المنازل.

و اعلموا أنّ هذا القرآن هو النّاصح الّذي لا يغشّ، و الهادي الّذي لا يضلّ، و المحدّث الّذي لا يكذب، و ما جالس هذا القرآن أحد إلّا قام عنه بزيادة أو نقصان، زيادة في هدى، و نقصان من عمى. و اعلموا أنّه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة، و لا لأحد قبل القرآن من غنى، فاستشفوه من أدوائكم، و استعينوا به على لاوائكم، فإنّ فيه شفاء من أكبر الدّاء و هو الكفر و النّفاق و الغيّ و الضّلال، فاسئلوا اللّه به، و توجّهوا إليه بحبّه، و لا تسئلوا به خلقه، إنّه ما توجّه العباد بمثله إلى اللّه. و اعلموا أنه شافع مشفّع، و قائل مصدّق، و أنّه من شفع له يوم القيمة شفّع فيه، و من محل به القرآن يوم القيمة صدّق عليه، فإنّه ينادي مناد يوم القيمة: ألا و إنّ كلّ حارث مبتلى في حرثه و عاقبة عمله، غير حرثة القرآن فكونوا من حرثته و أتباعه، و استدلّوه على ربّكم، و استنصحوه على أنفسكم، و اتّهموا عليه آرائكم، و استغشّوا فيه أهواءكم.

العمل العمل، ثمّ النّهاية النّهاية، و الاستقامة الاستقامة، ثمّ الصّبر الصّبر، و الورع الورع، إنّ لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، و إنّ لكم علما فاهتدوا بعلمكم، و إنّ للإسلام غاية فانتهوا إلى غايته، و اخرجوا إلى اللّه ممّا افترض عليكم من حقّه، و بيّن لكم من وظائفه، أنا شاهد لكم، و حجيج يوم القيمة عنكم، ألا و إنّ القدر السّابق قد وقع، و القضاء الماضي قد تورّد، و إنّي متكلّم بعدة اللّه و حجّته، قال اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ، و قد قلتم: ربّنا اللّه، فاستقيموا على كتابه، و على منهاج أمره، و على الطّريقة الصّالحة من عبادته، ثمّ لا تمرقوا منها، و لا تبتدعوا فيها، و لا تخالفوا عنها، فإنّ أهل المروق منقطع بهم عند اللّه يوم القيامة.

اللغة

(نزع) عن المعاصي نزوعا انتهى عنها و نزع عن الشي‏ء نزوعا كفّ و قلع عنه و المنزع يحتمل المصدر و المكان و نزع الى أهله نزاعة و نزاعا اشتاق إليه، و نازعتني نفسى إلى كذا اشتاقت إليه قال في مجمع البحرين: في الحديث النّفس الأمّارة أبعد شي‏ء منزعا، أى رجوعا عن المعصية اذ هى مجبولة على محبّة الباطل، و أمّا تفسير الشارح المعتزلي منزعا بمذهبا فلا يخفى بعده.

و (الظنون) و زان صبور إمّا مبالغة من الظنّة بالكسر بمعنى التهمة يقال: ظننت فلانا أى اتّهمته فلا يحتاج حينئذ إلى الخبر أو بمعنى الضعيف و قليل الحيلة و جعل الشارح المعتزلي الظنون بمعنى البئر لا يدرى فيها ماء أم لا غير مناسب للمقام و إن كان أحد معانيه.

و (قاض) البناء و قوضه أى هدمه أو التقويض نقض من غير هدم أو هو نقض الأعواد و الأطناب و (غشّه) يغشّه كمدّ يمدّ غشّا خلاف نصحه و (اللّأواء) و زان صحراء الشدّة و ضيق المعيشة و في مجمع البحرين في الحديث و من (محل به) القرآن يوم القيامة صدق أى سعى به يقال محل بفلان اذا قال عليه قولا يوقعه في مكروه و (تورد) الخيل البلد دخله قليلا قليلا.

الاعراب

جملة قوّضوا استيناف بياني لا محلّ لها من الاعراب، و أو في قوله بزيادة أو نقصان بمعنى الواو كما في قوله: لنفسي تقاها أو عليها فجورها.
و يؤيّده قوله زيادة في هدى، و نقصان بالواو، أو أنّ الترديد لمنع الخلوّ و الفاء في قوله: فاستشفوه فصيحة، و في قوله: فانّ فيه شفاء للتعليل و قوله: العمل العمل و ما يتلوه من المنصوبات المكرّرة انتصابها جميعا على الاغراء أو عامل النصب محذوف أى ألزموا العمل فحذف العامل و ناب أوّل اللّفظين المكرّرين منابه.

المعنى

اعلم أنّ مدار هذا الفصل من الخطبة الشريفة على الموعظة و النصيحة و ترغيب المخاطبين في الطّاعات و تحذيرهم عن السّيئات و التنبيه على جملة من فضايل كتاب الكريم و خصايص الذكر الحكيم، و صدّر الفعل بالأمر بالانتفاع بأفضل البيانات و الاتّعاظ بأحسن المواعظ و القبول لأكمل النصايح فقال: «ج 12»(انتفعوا ببيان اللّه) أى بما بيّنه في كتابه و على لسان نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فانّه لقول فصل و ما هو بالهزل، و فيه تذكرة و ذكري لاولى الألباب و هدى و بشرى بحسن الماب فمنفعته أتمّ المنافع، و فايدته أعظم الفوايد.

(و اتّعظوا بمواعظ اللّه) لتفوزوا جنّة النعيم و الفوز العظيم، و تنجوا من نار الجحيم و العذاب الأليم (و اقبلوا نصيحة اللّه) فانّها مؤدّية إلى درجات الجنات منجية من دركات الهلكات، و الاتيان بلفظ الجلالة و التصريح باسمه سبحانه في جميع الجملات مع اقتضاء ظاهر المقام للاتيان بالضمير لايهام الاستلذاذ و لإدخال الرّوع في ضمير المخاطبين و تربية المهابة و تقوية داعى المأمورين لامتثال المأمور به، و قول الشارح البحراني بأنّ ذلك أى تعدية الاسم صريحا للتعظيم فليس بشي‏ء.

و لما أمر بالاتّعاظ و الانتصاح علله (فانّ اللّه قد أعذر إليكم بالجليّة) يعني أنّه سبحانه قد أبدى العذر اليكم في عقاب العاصين منكم بالاعذار الجليّة و البراهين الواضحة من الايات الكريمة لأنّه لا يكلّف نفسا إلّا ما اتيها ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حىّ عن بيّنة.
(و اتّخذ عليكم الحجّة) بارسال الرّسول و إنزال الكتاب يعني أنّه أتمّ الحجّة على المكلّفين بما اتاهم و عرّفهم حتى لا يكون لهم عذر في ترك التكاليف و لا يكون للنّاس عليه حجّة بعد الرّسل قال عزّ من قائل: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (و بيّن لكم محابّه من الأعمال و مكارهه منها) أى بيّن في كتاب العزيز الفرائض و الواجبات من الحجّ و الجهاد و الصوم و الصّلاة و غيرها من الأعمال الصّالحات المطلوبة له و المحبوبة عنده، و المحظورات من الكذب و الغيبة و النميمة و السعاية و غيرها من الأفعال القبيحة المبغوضة له المكروهة لديه.

و انّما بيّنها (لتتّبعوا هذه) أى محابّ الأعمال (و تجتنبوا هذه) أى مكارهها (فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله) تعليل لوجوب اتّباع المحابّ و وجوب اجتناب المكاره (كان يقول: إنّ الجنّة حفّت بالمكاره و إن النّار حفّت بالشهوات) يعني أنّ الجنّة محفوفة بالصبر على مشاقّ الطاعات و الكفّ عن لذائذ السيّئات و كلاهما مكروه للنّفس،فمن صبر على ذلك المكروه يكون مصيره إلى الجنّة و كذلك النار محفوفة باطلاق عنان النفس و ارتكاب ما تشتهيها و تتمناها من الشهوات و المحرّمات، فمن أقدم عليها و أتى بها يكون عاقبته إلى النار و كفى بالجنّة ثوابا و نوالا في تسهيل تحمّل تلك المكاره، و كفى بالنار عقابا و وبالا في التنفير عن هذه الشهوات.

ثمّ بعد تسهيل المكاره التي يشتمل عليها الطاعات يكون غايتها أشرف الغايات و تحقير الشهوات الّتي يريد التنفير عنها يكون غايتها أخسّ الغايات نبّه على أنّه لا تأتى طاعته إلّا في كره و لا معصيته إلّا في شهوة، و هو قوله (و اعلموا أنه ما من طاعة اللّه شي‏ء إلّا يأتي في كره و ما من معصية اللّه شي‏ء إلّا يأتي في شهوة) لأنّ النّفس للقوّة الشهويّة أطوع من القوّة العاقلة خصوصا فيما هو أقرب إليها من اللّذات المحسوسة الّتي يلحقها العقاب عليها.
(فرحم اللّه رجلا نزع) و كفّ (عن شهوته و قمع) أى قلع (هوى نفسه فان هذه النفس) الأمّارة بالسوء (أبعد شي‏ء منزعا) أى كفا و انتهاء عن شهوة و معصية (و أنها لا تزال تنزع) أى تشتاق و تميل (إلى معصية في هوى) نبّه على وصف المؤمنين و كيفيّة معاملتهم مع نفوسهم جذبا للسامعين إلى التأسّي بهم و تحريصا لهم على اقتفاء آثارهم و هو قوله: (و اعلموا عباد اللّه أنّ المؤمن لا يصبح و لا يمسى إلّا و نفسه ظنون) أى متّهمة (عنده) أى أنها ضعيفة قليلة الحيلة لا تقدر على أن تحتال و تعالج في أن تغره و تورده موارد الهلكة بل هو غالب عليها في كلّ حال (فلا يزال زاريا) أى عايبا (عليها) في كلّ حين (و مستزيدا لها) أى مراقبا لأحوالها طالبا للزيادة لها من الأعمال الصالحة في جميع الأوقات.

(فكونوا كالسابقين قبلكم) إلى الجنّة (و الماضين أمامكم) من المؤمنين الزاهدين في الدّنيا و الرّاغبين في الاخرة (قوّضوا من الدّنيا تقويض الرّاحل) يعني أنهم قطعوا علايق الدّنيا و ارتحلوا إلى الاخرة كما أنّ الرّاحل إذا أراد الارتحال يقوّض متاعه و ينقض خيمته و يهدم بناءه (و طووها طىّ المنازل) أى طووا أيام‏الدّنيا و مدّة عمرهم كما يطوى المسافر منازل طريقه.

و محصّل الجملتين أنّ السابقين الأوّلين من المقرّبين و أصحاب اليمين لما عرفوا بعين بصائرهم أنّ الدّنيا ليست لهم بدار و أن الاخرة دار قرار لا جرم كانت همّتهم مقصورة في الوصول إليها، فجعلوا أنفسهم في الدّنيا بمنزلة المسافر، و جعلوها عندهم بمنزلة المنازل فاخذوا من ممرّهم ما يبلغهم إلى مقرّهم فلما ارتحلوا عنها لم يبق لهم علاقة فيها كما أنّ المسافر إذا ارتحل من منزل لا يبقى له شي‏ء فيه فأمر المخاطبين بأن يكونوا مثل هؤلاء في الزّهد في الدّنيا و ترك العلايق و الامنيّات و الرغبة في العقبي و الجنّات العاليات و هي أحسن منزلا و مقيلا.

ثمّ شرع في ذكر فضل القرآن و بيان ممادحه ترغيبا في الاهتداء به و الاقتباس من ضياء أنواره فقال عليه السّلام (و اعلموا أنّ هذا القرآن هو الناصح) المشفق (الّذي لا يغشّ) في إرشاده إلى وجوه المصالح كما أنّ الناصح الصديق شأنه ذلك (و الهادى الّذي لا يضلّ) من اهتدى به.

روى في الكافي عن طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إنّ هذا القرآن فيه منار الهدى و مصابيح الدّجى، فليجل جال بصره و يفتح للضياء نظره، فانّ التفكّر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظّلمات بالنور.
(و المحدّث الّذي لا يكذب) في قصصه و أحاديثه و أخباره قال أبو عبد اللّه عليه السّلام فيما روى في الكافي عن سماعة بن مهران عنه عليه السّلام انّ العزيز الجبّار أنزل عليكم كتابه و هو الصّادق البارّ فيه خبركم و خبر من قبلكم و خبر من بعدكم و خبر السماء و الأرض و لو أتاكم من يخبركم لذلك تعجّبتم.

(و ما جالس هذا القرآن أحد) استعار لفظ المجالسة لمصاحبته و ملازمته و قراءته و التدبّر في ألفاظه و معانيه (إلّا قام عنه) استعار لفظ القيام لترك قراءته و الفراغ عنها و لا يخفى ما في مقابلة الجلوس بالقيام من اللّطف و الحسن فانّ المقابلة بين الفعلين في معنييهما الحقيقين و المجازين كليهما على حدّ قوله تعالى: أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ‏أى ضالا فهديناه، فانّ الموت و الأحياء متقابلان كتقابل الضلالة و الهداية و ما ذكرناه أظهر و أولى مما قاله الشارح البحراني من أنه كنّى بمجالسة القرآن عن مجالسة حملته و قرائه لاستماعه منهم و تدبّره عنهم، لاحتياجه إلى الحذف و التكلّف الّذي لا حاجة إليه.

و كيف كان فالمراد أنّ من قام عن القرآن بعد قضاء وطره منه فانما يقوم (بزيادة أو نقصان زيادة في هدى و نقصان من عمى) اذ فيه من الايات البيّنات و البراهين الباهرات ما يزيد في بصيرة المستبصر، و ينقص من جهالة الجاهل.
(و اعلموا أنه ليس لأحد بعد القرآن من) فقر و (فاقة و لا لأحد قبل القرآن من غنى) و ثروة الظاهر أنّ المراد به أنّ من قرء القرآن و عرف ما فيه و تدبّر في معانيه و عمل بأحكامه يتمّ له الحكمة النظريّة و العمليّة و لا يبقى له بعده إلى شي‏ء حاجة و لا فقر و لا فاقة و من لم يكن كذلك فهو أحوج المحتاجين.

روى في الكافي عن معاوية بن عمار قال: قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام من قرء القرآن فهو عنيّ و لا فقر بعده و إلّا ما به غني.
قال الشاحر البحراني في شرح ذلك: نبّههم على أنّه ليس بعده على أحد فقر أى ليس بعد نزوله للنّاس و بيانه الواضح حاجة بالنّاس إلى بيان حكم في إصلاح معاشهم و معادهم، و لا لأحد قبله من غني أى قبل نزوله لا غني عنه للنّفوس الجاهلة انتهى، و الأظهر ما قلناه.
(فاستشفوه من أدوائكم) أى من أمراضكم الظاهرة و الباطنة و الرّوحانية و الجسمانيّة، فانّ فيه شفاء من كلّ ذلك قال سبحانه: وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ.

و روى في الكافي عن السّكوني عن أبي عبد اللّه عن آبائه عليهم السّلام قال: شكى رجل إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وجعا في صدره فقال: استشف بالقرآن فانّ اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ.
(و استعينوا به من لأوائكم) أى من شدائد الدّهر و محن الزمان و طوارق‏البلايا و الحدثان.
روى في الكافي عن أحمد المنقري قال: سمعت أبا إبراهيم عليه السّلام يقول من استكفى باية من القرآن من المشرق إلى المغرب كفى إذا كان بيقين.
و فيه عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال: و الّذي بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بالحقّ و أكرم أهل بيته ما من شي‏ء تطلبونه من حرز من حرق أو غرق أو سرق أو إفلات دابّة من صاحبها أو ضالّة أو آبق إلّا و هو في القرآن فمن أراد ذلك فليسألني عنه الحديث.

و أنت إذا لاحظت الروايات الواردة في خواصّ السّور و الايات تجد أنها كنز لا يفنى و بحر لا ينفد، و أنّ فيها ما به نجاة من كلّ همّ و نجاة من كلّ غمّ و عوذة من كلّ لمم و سلامة من كل ألم و خلاص من كلّ شدّة و مناص من كلّ داهية و مصيبة و فرج من ضيق المعيشة و مخرج إلى سعة العيشة إلى غير هذه مما هو خارج عن حدّ الاحصاء و متجاوز عن طور الاستقصاء، فلا شي‏ء أفضل منه للاستشفاء من الأسقام و الأدواء و لا للاستعانة من الشدائد و اللأواء.

(و انّ فيه شفاء من أكبر الدّاء و هو الكفر و النّفاق و الغىّ و الضلال) قال أبو عبد اللّه عليه السّلام في الحديث المرويّ في الكافي مرفوعا لا و اللّه لا يرجع الأمر و الخلافة إلى آل أبى بكر و عمر و لا إلى بني اميّة أبدا و لا في ولد طلحة و الزبير أبدا و ذلك إنهم نبذوا القرآن و أبطلوا السّنن و عطّلوا الأحكام.

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم القرآن هدى من الضلالة و تبيان من العمى و استقالة من العثرة و نور من الظلمة و ضياء من الأحداث و عصمة من الهلكة و رشد من الغواية و بيان من الفتن و بلاغ من الدّنيا إلى الاخرة، و فيه كمال دينكم و ما عدل أحد عن القرآن إلّا إلى النار.

(فاسألوا اللّه به و توجّهوا إليه بحبّه) يحتمل أن يكون المراد به جعله وسيلة إليه سبحانه في نيل المسائل لكونه أقوى الوسائل، و أن يتوجّه إليه بحبّه أى بحبّ السائل المتوجّه له أو بكونه محبوبا للّه تعالى في انجاح السؤلات و قضاء الحاجات، و أن يكون المراد به اعداد النفوس و إكمالها بما اشتمل عليه الكتاب العزيز من الكمالات النفسانيّة ثمّ يطلب الحاجات و يستنزل الخيرات بعد حصول الكمال لها، و على هذا فالمقصود من التوجّه إليه بحبّه تأكيد الاستكمال اذ من أحبّه استكمل بما فيه فحسن توجّهه إليه تعالى و الأظهر هو الاحتمال الأوّل بقرينة قوله (و لا تسألوا به خلقه) لظهوره في أنّ المراد به هو النهى عن جعله وسيلة للمسألة إلى الخلق.

قال أبو عبد اللّه عليه السّلام في رواية الكافي عن يعقوب الأحمر عنه عليه السّلام: إنّ من الناس من يقرأ القرآن ليقال فلان قارئ، و منهم من يقرأ القرآن ليطلب به الدّنيا و لا خير في ذلك، و منهم من يقرأ القرآن لينتفع به في صلاته و ليله و نهاره.

و فيه أيضا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قرّاء القرآن ثلاثة: رجل قرء القرآن فاتّخذه بضاعة و استدرّ به الملوك و استطال به على النّاس، و رجل قرء القرآن فحفظ حروفه و ضيّع حدوده و أقامه إقامة القدح فلا كثر اللّه هؤلاء من حملة القرآن. و رجل قرء القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه فأسهر به ليله و أظمأ به نهاره و قام به في مساجده و تجافي به عن فراشه فباولئك يدفع اللّه العزيز الجبّار البلاء، و بأولئك يديل اللّه عزّ و جلّ من الأعداء، و بأولئك ينزل اللّه تبارك و تعالى الغيث من السماء فو اللّه لهؤلاء في قرّاء القرآن أعزّ من الكبريت الأحمر.

و علّل الأمر بسؤال اللّه به بأنه (ما توجّه العباد إلى اللّه بمثله) لأنّ له كرامة عند اللّه سبحانه و مقاما يغبطه به الأوّلون و الاخرون حسبما تعرفه في الأخبار الاتية فهو أفضل الوسائل للسائل في انجاح المقاصد و المسائل الدنيويّة و الأخرويّة، فالمتوجّه به إليه سبحانه لا يردّ دعاؤه و لا يخيب رجاؤه.

(و اعلموا أنّه شافع مشفّع و قائل مصدّق) يعني أنه يشفع لقرّائه و العاملين به الحاملين له يوم القيامة فيقبل شفاعته في حقّهم، و يقول و يشهد في حقّ هؤلاء بخير و في حقّ التاركين له و النابذين به وراء ظهورهم بشرّ فيصدق فيهما كما أشار إليه بقوله:(و أنه من شفع له القرآن يوم القيامة شفع فيه) أى قبلت شفاعته (و من محل به القرآن) أى سعى به إلى اللّه تعالى و قال في حقّه قولا يضرّه و يوقعه في المكروه (يوم القيامة صدّق عليه).

قال الشارح البحراني استعار عليه السّلام لفظى الشافع و المشفع و وجه الاستعارة كون تدبّره و العمل بما فيه ماحيا لما يعرض للنفس من الهيات الرديّة من المعاصي، و ذلك مستلزم لمحو غضب اللّه كما يمحو الشفيع المشفّع أثر الذنب عن قلب المشفوع إليه و كذلك لفظ القائل المصدّق و وجه الاستعارة كونه ذا ألفاظ إذا نطق بها لا يمكن تكذيبها كالقائل الصادق، ثمّ أعاد معنى كونه شافعا مشفّعا يوم القيامة ثمّ استعار لفظ المحل للقرآن و وجه الاستعارة أنّ لسان حال القرآن شاهد في علم اللّه و حضرة ربوبيّته على من أعرض عنه بعدم اتباعه و مخالفته لما اشتمل عليه فبالواجب أن يصدّق فأشبه السّاعي إلى السّلطان في حقّ غيره بما يضرّه انتهى.

أقول: و الانصاف أنّ حمل الكلام على المجاز مع التمكّن من إرادة الحقيقة لا معنى له كما قلناه في شرح الفصل السادس من الخطبة الثانية و الثمانين، و الحمل على الحقيقة هنا ممكن بل متعيّن لدلالة غير واحد من الرّوايات على أنّه يأتي يوم القيامة بصورت إنسان في أحسن صورة و يشفع في حقّ قرّائه العاملين به، و يسعى في حقّ المعرضين عنه، و على هذا فلا وجه لحمل لفظ الشفاعة و القول و المحل على معناها المجازي و لا بأس بالاشارة إلى بعض ما يدلّ على ذلك فأقول: روى ثقة الاسلام الكليني في الكافي عن عليّ بن محمّد عن عليّ بن العباس عن الحسين بن عبد الرّحمان عن صفوان الحريرى عن أبيه عن سعد الخفاف عن أبي جعفر عليه السّلام قال: يا سعد تعلّموا القرآن فانّ القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة نظر إليها الخلق و النّاس صفوف عشرون و مأئة ألف صفّ ثمانون ألف صفّ من امّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أربعون ألف صفّ من ساير الامم فيأتي على صفّ المسلمين في صورة رجل فيسلم فينظرون إليه ثمّ يقولون لا إله إلّا اللّه الحليم الكريم إنّ هذا الرّجل من المسلمين نعرفه بنعته و صفته غير أنه كان أشدّ اجتهادا منّا في القرآن فمن هناك اعطى من‏البهاء و الجمال و النور ما لم نعطه.

ثمّ يجوز حتّى يأتي على صفّ الشهداء فينظر إليه الشهداء ثم يقولون: لا إله إلّا اللّه الرّبّ الرحيم إنّ هذا الرّجل من الشهداء نعرفه بسمته و صفته غير أنه من شهداء البحر فمن هناك اعطى من البهاء و الفضل ما لم نعطه.
قال فيجاوز حتّى يأتي صفّ شهداء البحر فينظر إليه شهداء البحر فيكثر تعجّبهم و يقولون: إنّ هذا من شهداء البحر نعرفه بسمته و صفته غير أنّ الجزيرة التي أصيب فيها كانت أعظم هولا من الجزيرة التي أصبنا فيها فمن هناك أعطى من البهاء و الجمال و النور ما لم نعطه.

ثمّ يجاوز حتّى يأتي صفّ النبيّين و المرسلين في صورة نبيّ مرسل فينظر النّبيّون و المرسلون إليه فيشتدّ لذلك تعجّبهم و يقولون: لا إله إلّا اللّه الحليم الكريم إنّ هذا النبيّ «لنبيّ خ» مرسل نعرفه بصفته و سمته غير أنه أعطى فضلا كثيرا قال: فيجتمعون فيأتون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيسألونه و يقولون: يا محمّد من هذا فيقول صلّى اللّه عليه و آله لهم: أو ما تعرفونه فيقولون ما نعرفه هذا من لم يغضب اللّه عزّ و جلّ عليه، فيقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: هذا حجّة اللّه على خلقه فيسلم.

ثمّ يجاوز حتّى يأتي على صفّ الملائكة في صورة ملك مقرّب فينظر إليه الملائكة فيشتدّ تعجّبهم و يكبر ذلك عليهم لما رأوا من فضله و يقولون: تعالى ربّنا و تقدّس إنّ هذا العبد من الملائكة نعرفه بسمته و صفته غير أنه كان أقرب الملائكة إلى اللّه عز و جلّ مقاما فمن هناك البس من النّور و الجمال ما لم نلبس.

ثمّ يجاوز حتّى ينتهى إلى ربّ العزّة تبارك و تعالى فيخرّ تحت العرش فيناديه تبارك و تعالى يا حجّتي في الأرض و كلامي الصّادق و الناطق ارفع رأسك سل تعط و اشفع تشفّع، فيرفع رأسه فيقول اللّه تبارك و تعالى: كيف رأيت عبادي فيقول: يا ربّ منهم من صانني و حافظ علىّ و لم يضيّع شيئا، و منهم من ضيّعني و استخفّ بحقّي و كذّب بي و أنا حجّتك على جميع خلقك، فيقول اللّه تبارك و تعالى: و عزّتي و جلالي و ارتفاع مكاني لاثيبنّ عليك اليوم أحسن الثواب، و لاعاقبنّ عليك اليوم‏أليم العقاب.

قال: فيرفع القرآن رأسه في صورة اخرى قال: فقلت له عليه السّلام يا أبا جعفر في أىّ صورة يرجع قال: في صورة رجل شاحب متغيّر يبصره «ينكره خ» أهل الجمع فيأتي الرّجل من شيعتنا الذي كان يعرفه و يجادل به أهل الخلاف فيقوم بين يديه فيقول ما تعرفنى فينظر إليه الرجل فيقول: ما أعرفك يا عبد اللّه.

قال: فيرجع في صورته الّتي كانت في الخلق الأوّل فيقول: ما تعرفني فيقول نعم، فيقول القرآن: أنا الّذي أسهرت ليلك و أنصبت عينك و سمعت فيّ الأذى و رجمت بالقول فيّ ألا و إنّ كلّ تاجر قد استوفي تجارته و أنا وراءك اليوم، قال فينطلق به إلى ربّ العزّة تبارك و تعالى فيقول: يا ربّ عبدك و أنت أعلم به قد كان نصبا بي مواظبا علىّ يعادي بسببي و يحبّ فيّ و يبغض، فيقول اللّه عزّ و جلّ ادخلوا عبدي جنّتي و اكسوه حلّة من حلل الجنّة، و توّجوه بتاج.
فاذا فعل به ذلك عرض على القرآن فيقال له: هل رضيت بما فعل بوليّك فيقول: يا ربّ أستقلّ هذا له فزده مزيد الخير كلّه، فيقول عزّ و جلّ: و عزّتي و جلالي و علوّى و ارتفاع مكاني لأنحلنّ له اليوم خمسة أشياء مع المزيد له و لمن كان بمنزلته: ألا إنهم شباب لا يهرمون، و أصحّاء لا يسقمون، و أغنياء لا يفتقرون، و فرحون لا يحزنون، و أحياء لا يموتون، ثمّ تلى عليه السّلام هذه الاية: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى‏.

قال قلت يا با جعفر و هل يتكلّم القرآن فتبسّم عليه السّلام ثمّ قال: رحم اللّه الضعفاء من شيعتنا إنّهم أهل تسليم، ثمّ قال: نعم يا أبا سعد و الصّلاة تتكلّم و لها صورة و خلق تأمر و تنهى، قال سعد: فتغيّر لذلك لوني و قلت: هذا شي‏ء لا أستطيع التكلّم به في النّاس، فقال أبو جعفر عليه السّلام: و هل النّاس إلّا شيعتنا فمن لم يعرف الصّلاة فقد أنكر حقنا.
ثمّ قال: يا سعد اسمعك كلام القرآن قال سعد: فقلت: بلى فقال عليه السّلام إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، فالنّهى كلام و الفحشاء و المنكررجال و نحن ذكر اللّه و نحن أكبر.

و فيه بسنده عن يونس بن عمّار قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام إنّ الدّواوين يوم القيامة ثلاثة: ديوان فيه النعم، و ديوان فيه الحسنات، و ديوان فيه السيئات، فيقابل بين ديوان النعم و ديوان الحسنات، فيستغرق النعم عامّة الحسنات، و يبقى ديوان السيئات فيدعى بابن آدم المؤمن للحسنات «للحساب خ» فيتقدّم القرآن أمامه في أحسن صورة فيقول: يا ربّ أنا القرآن و هذا عبدك المؤمن قد كان يتعب نفسه بتلاوتي و يطيل ليله بترتيلي و تفيض عيناه إذا تهجّد، فارضه كما أرضاني قال: فيقول العزيز الجبّار: عبدى ابسط يمينك، فيملوها من رضوان اللّه العزيز الجبّار، و يملأ شماله من رحمة اللّه، ثمّ يقال: هذه الجنّة مباحة لك فاقرء و اصعد فاذا قرء آية صعد درجة.

و فيه مسندا عن إسحاق بن غالب قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إذا جمع اللّه عزّ و جلّ الأوّلين و الاخرين إذا هم بشخص قد أقبل لم ير قط أحسن صورة منه، فاذا نظر إليه المؤمنون و هو القرآن قالوا هذا منّا هذا أحسن شي‏ء رأينا، فاذا انتهى إليهم جازهم، ثمّ ينظر إليه الشهداء حتّى إذا انتهى إلى آخرهم جازهم فيقولون هذا القرآن فيجوزهم كلّهم حتّى إذا انتهى إلى المرسلين فيقولون هذا القرآن فيجوزهم حتّى ينتهى إلى الملائكة فيقولون هذا القرآن فيجوزهم ثمّ ينتهى حتّى يقف عن يمين العرش، فيقول الجبّار و عزّتي و جلالي و ارتفاع مكاني لاكرمنّ اليوم من أكرمك و لاهيننّ من أهانك.

و فيه عن الفضيل بن يسار باسناده عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: تعلّموا القرآن فانّه يأتي يوم القيامة صاحبه في صورة شاب جميل شاحب اللّون فيقول له: أنا القرآن الّذي كنت أسهرت ليلك و أظمأت هواجرك و أجففت ريقك و أسلت دمعتك أؤل معك حيث ما الت، و كلّ تاجر من وراء تجارته و أنا اليوم لك من وراء تجارة كلّ تاجر، و سيأتيك كرامة من اللّه عزّ و جلّ فابشر.

فيؤتى بتاج فيوضع على رأسه و يعطى الأمان بيمينه و الخلد في الجنان بيساره‏و يكسى حلّتين ثمّ يقال له: اقرء و ارق، كلّما قرء آية صعد درجة و يكسى أبواه حلّتين إن كانا مؤمنين ثمّ يقال لهما: هذا لما علّمتماه القرآن.
إلى غيره مما لا نطيل بروايتها فقد ظهر منهم أنّه يجي‏ء يوم القيامة في صورة انسان و له لسان يشهد للناس و عليهم و يقبل شهادته نفعا و ضرّا و شفاعته في حقّ المراقبين له و ينتفع به الاخذون له و العاملون به.

(فانه ينادى مناد يوم القيامة) الظاهر أنّ المنادى من الملائكة من عند ربّ العزّة، و قول الشارحين انه لسان حال الأعمال تأويل لا داعى إليه (ألا) و (إنّ كلّ حارث) أصل الحرث إثارة الأرض للزراعة و المراد هنا مطلق الكسب و التّجارة (مبتلى في حرثه و عاقبة عمله غير حرثة القرآن).

قال الشارح البحراني: الحرث كلّ عمل تطلب به غاية و تستخرج منه ثمرة و الابتلاء ههنا ما يلحق النفس على الأعمال و عواقبها من العذاب بقدر الخروج فيها عن طاعة اللّه. و ظاهر أنّ حرث القرآن و البحث عن مقاصده لغاية الاستكمال به برى‏ء من لواحق العقوبات انتهى.
أقول: و فيه أنّ كلّ عمل كان فيه الخروج عن طاعة اللّه فعامله معذّب و مبتلى سواء كان ذلك العمل مما لا يتعلّق بالقرآن أو كان متعلّقا به كقرائته و البحث عن مقاصده و الحفظ له و نحو ذلك و إذا كان على وجه الرياء أو تحصيل حطام الدّنيا و كلّ عمل اريد به وجه اللّه و كان الغاية منه الاستكمال فعامله مأجور و مثاب من دون فرق فيه أيضا بين القرآن و غيره، و بعبارة اخرى كلّ حارث سواء كان حارث القرآن أو غيره إن لم يقصد بحرثه الخلوص فمبتلى، و إلّا فلا، فتعليل عدم ابتلاء حرثة القرآن بأنّ حرثهم للاستكمال به و ابتلاء الاخرين بأنّ في حرثهم خروجا من الطاعة شطط من الكلام كما لا يخفى.

و الّذي عندي أن يراد بقوله عليه السّلام: كلّ حارث من كان حرثه للدّنيا فهو مبتلى أى ممتحن في حرثه لأنه إن كان من حلال ففيه حساب و إن كان من حرام ففيه عقاب و أما حارث القرآن لأجل أنه قرآن و كلام اللّه عزّ و جلّ فلا ابتلاء له لأنّ حرثه‏على ذلك إنّما هو للاخرة قال اللّه تعالى: «مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ» فتأمّل.

و لما نبّه عليه السّلام على عدم ابتلاء حرثة القرآن أمر بحرثه بقوله (فكونوا من حرثته و أتباعه) و أردفه بقوله (و استدلوه على ربكم) أى اجعلوه دليلا عليه سبحانه و قائدا إليه تعالى لاشتماله على جميع صفات الجمال و الجلال و أوصاف الكبرياء و العظمة و الكمال (و استنصحوه على أنفسكم) أى اتّخذوه ناصحا لكم رادعا لأنفسكم الأمّارة عن السّوء و الفحشاء و المنكر لتضمّنه الايات الناهية المحذرة و الوعيدات الزاجرة المنذرة (و اتّهموا عليه آرائكم) أى إذا أدت آرائكم إلى شي‏ء مخالف للقرآن فاجعلوها متّهمة عندكم (و استغشوا فيه أهوائكم).

قال الشارح البحراني: و انما قال هنا استغشوا و في الاراء اتّهموا، لأنّ الهوا هو ميل النفس الأمّارة من غير مراجعة العقل فاذا حكمت النفس عن متابعتها بحكم فهو غشّ صراح، و أمّا الرأى فقد يكون بمراجعة العقل و حكمه و قد يكون بدونه، فجاز ان يكون حقا و جاز أن يكون باطلا فكان بالتهمة أولى.

ثمّ تخلّص من أوصاف القرآن و فضايله إلى الأمر بملازمة الأعمال فقال (العمل العمل) أى لازموا العمل الصّالح و رافبوا عليه (ثمّ النهاية النهاية) أى بعد القيام بالأعمال الصالحة لاحظوا نهايتها و خاتمتها و جدّوا في الوصول إليها (و الاستقامة الاستقامة) و هو أمر بالاستقامة على الجادّة الوسطى من العمل و الثبات على الصراط المستقيم المؤدّى إلى غاية الغايات و أشرف النهايات أعني روضات الجنات (ثمّ الصبر الصّبر و الورع الورع) أى بعد مواظبة الأعمال الصالحة و ملاحظة نهاياتها و الثبات على ما يوصل إليها من الأعمال لا بدّ من الصبر عن المعاصي و الكفّ عن الشّهوات و الورع عن محارم اللّه.

و مما ذكرناه ظهر لك نكتة العطف في ثاني المكرّرات الخمسة و رابعها بثمّ و في ثالثها و خامسها بالواو، توضيح ذلك أنّ النهاية لما كانت متراخية عن العمل عطفها بثمّ، و الاستقامة لما كانت كيفيّة العمل عطفها بالواو، و هذه الثلاثة أعني العمل و النّهايةو الاستقامة كلّها ناظرة إلى طرف العبادة، و لما كان الصّبر متعلّقا بالمعصية عطفه بثم لغاية الافتراق بين العبادات و المعاصي، و لما كان بين الصّبر و الورع تلازما عطف الورع بالواو أيضا.

و هذا أولى مما قاله الشّارح البحراني حيث قال: و إنّما عطف النهاية و الصّبر بثمّ لتأخّر نهاية العمل عنه و كون الصّبر أمرا عدميّا و هو في معنى المتراخي و المنفكّ عن العمل الّذى هو أمر وجوديّ، بخلاف الاستقامة على العمل فانه كيفية له و الورع فانه جزء منه، انتهى هذا.

و فصّل ما أجمل لقوله و (إنّ لكم نهاية) و هى غرفات الجنان و رضوان من اللّه المنّان (فانتهوا إلى نهايتكم) و امضوا إليها (و إنّ لكم علما) هاديا إلى تلك النهاية و هو الرّسول الأمين و أولياء الدّين أو الأعم منهم و من ساير دلائل الشّرع المبين (فاهتدوا بعلمكم) للوصول إليها (و إنّ للاسلام غاية فانتهوا إلى غايته) و هي النهاية المذكورة (و اخرجوا إلى اللّه مما افترض عليكم من حقّه و بين لكم من وظايفه) أى أخرجوا متوجّهين إليه سبحانه ممّا فرضه عليكم من حقوقه الواجبة و أوضحه لكم من عباداته و تكاليفه الموظفة المقرّرة في ساعات اللّيالي و الأيّام.

و قوله (أنا شاهد لكم و حجيج يوم القيامة عنكم) تأكيد لأداء الفرائض و الواجبات يعني انكم إذا خرجتم إلى اللّه من حقوقه و وظايفه فأنا أشهد لكم يوم القيامة بخروجكم منها و مقيم للحجّة عن جانبكم بأنّكم أقمتم بها، و قد مضى تفصيل تلك الشهادة و الاحتجاج في شرح الخطبة الحادية و السّبعين.

(ألا و إنّ القدر السابق قد وقع و القضاء الماضي قد تورّد) قد عرفت معنى القضاء و القدر مفصّلا في شرح الفصل التاسع من الخطبة الاولى، و الظاهر أنّ المراد بهما المقضىّ و المقدّر كما استظهرنا هذا المعنى منهما فيما تقدّم أيضا بالتقريب الّذي قدّمناه ثمّة، فيكون المعنى أنّ المقدّر السابق في علم اللّه سبحانه وقوعه قد وقع، و المقضىّ الماضي أى المحتوم النافذ قد تورّد أى دخل في الوجود شيئا فشيئا.

و إلى ما ذكرنا ينظر ما قاله بعض الشارحين من أنّه أراد بالقدر السابق خلافته عليه السّلام و بالقضاء الماضي الفتن و الحروب الواقعة في زمانه أو بعده الّتي دخلت في الوجود شيئا فشيئا و هو المعبّر عنه بالتورد، و قوى ارادته عليه السّلام ذلك بقرينة المقام و أنه عليه السّلام خطب بهذه الخطبة في أيّام بيعته بعد قتل عثمان.

و قوله عليه السّلام: (و انّي متكلّم بعدة اللّه و حجّته) المراد بعدته سبحانه ما وعد به في الاية الشريفة للمؤمنين المعترفين بالرّبوبيّة الموصوفين بالاستقامة من تنزّل الملائكة و بشارتهم بالجنّة و بعدم الخوف و الحزن، و الظاهر أنّ المراد بحجّته أيضا نفس هذه الاية نظرا إلى أنها كلام اللّه و هو حجّة اللّه على خلقه أو أنها دالّة بمنطوقها على أنّ دخول الجنّة إنما هو للموحّدين المستقيمين و بمفهومها على أنّ الكافرين و غير المستقيمين لا يدخلونها فهى حجّة عليهم لئلّا يقولوا يوم القيامة انّا كنّا عن هذا غافلين.

و قال الشارح البحراني: إنّ حجّته الّتي تكلّم بها هو قوله: و قد قلتم ربّنا اللّه فاستقيموا، إلى آخر ما يأتي، و الأظهر ما قلناه إذا عرفت ذلك فلنعد إلى تفسير الاية (قال اللّه تعالى إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ) اعترافا بربوبيّته و إقرارا بوحدانيّته (ثُمَّ اسْتَقامُوا) على مقتضاه.
و في المجمع عن محمّد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن الرّضا عليه السّلام عن الاستقامة فقال: هي و اللّه ما أنتم عليه.

و في الكافي عن الصادق عليه السّلام على الأئمّة واحدا بعد واحد «تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ» عند الموت رواه في المجمع عن الصّادق عليه السّلام «أَلَّا تَخافُوا» ما تقدمون عليه «وَ لا تَحْزَنُوا» ما خلّفتم «إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ» في الدّنيا.

روى في الصّافي عن تفسير الامام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لا يزال المؤمن خائفا من سوء العاقبة و لا يتيقّن الوصول إلى رضوان اللّه حتّى يكون وقت نزع روحه و ظهور ملك الموت له، و ذلك إنّ ملك الموت يرد على المؤمن و هو في شدّة علّته و عظيم ضيق صدره بما يخلفه من أمواله و بما هو عليه من اضطراب أحواله من معامليه‏ و عياله قد بقيت في نفسه حسراتها اقتطع دون أمانيّه فلم ينلها، فيقول له ملك الموت ما لك تجرع غصصك قال: لاضطراب أحوالي و اقتطاعك لي دون آمالي، فيقول له ملك الموت: و هل يحزن عاقل لفقد درهم زائف و اعتياض ألف ألف ضعف الدّنيا فيقول: لا، فيقول ملك الموت: فانظر فوقك، فينظر فيرى درجات الجنان و قصورها التي يقصر دونها الأماني فيقول ملك الموت: تلك منازلك و نعمك و أموالك و أهلك و عيالك و من كان من أهلك ههنا و ذرّيتك صالحا فهم هنالك معك أ فترضى بهم بدلا مما ههنا فيقول: بلى و اللّه، ثمّ يقول: انظر، فينظر فيرى محمّدا و عليّا و الطيّبين من آلهما سلام اللّه عليهم أجمعين في أعلا علّيين فيقول: أو تراهم هؤلاء ساداتك و أئمتك هم هنالك جلاسك و اناسك أ فما ترضى بهم بدلا مما تفارق هنا فيقول: بلى و ربّي فذلك ما قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا فيما أمامكم من الأهوال فقد كفيتموها و لا تحزنوا على ما تخلفونه من الذراري و العيال فهذا الّذي شاهدتموه في الجنان بدلا منهم، «إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ» هذه منازلكم و هؤلاء ساداتكم اناسكم و جلاسكم هذا.

و لما تكلّم عليه السّلام بالاية الشريفة المتضمّنة للعدة و الحجّة أمر المخاطبين بالقيام على مفادها و العمل على مقتضاها بقوله (و قد قلتم ربّنا اللّه) و لا بدّ لكم من اكمال هذا الاقرار بالاستقامة لاستحقاق انجاز الوعد و البشارة (فاستقيموا على كتابه) باجلاله و اعظامه و العمل بتكاليفه و أحكامه (و على منهاج أمره) بسلوكه و اتباعه (و على الطريقة الصّالحة من عبادته) باتيانها على وجه الخلوص جامعة لشرائطها المقرّرة و حدودها الموظفة (ثمّ لا تمرقوا) أى لا تخرجوا (منها) و لا تتعدّوا عنها (و لا تبتدعوا فيها) أى لا تحدثوا فيها بدعة (و لا تخالفوا عنها) أى لا تعرضوا عنها يمينا و شمالا مخالفين لها، فانكم إذا أقمتم على ذلك كلّه حصل لكم شرط الاستحقاق فينجز اللّه لكم وعده و تبشّركم الملائكة و تدخلون الجنّة البتّة، و ان لم تقيموا عليه فقدتم الشرط و بفقدانه و انتفائه ينتفي المشروط لا محالة.

و هو معنى قوله: (فانّ أهل المروق منقطع بهم عند اللّه يوم القيامة) يعني أنّهم لا يجدون بلاغا يوصلهم إلى المقصد، روى في مجمع البيان عن أنس قال: قرء علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله هذه الاية أى الاية المتقدّمة قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: قد قالها ناس ثمّ كفر أكثرهم فمن قالها حتّى يموت فهو ممّن استقام عليها.

الترجمة

از جمله خطب شريفه آن امام مبين و وليّ مؤمنين است در نصيحت مخاطبين مى‏ فرمايد: منتفع باشيد با بيان خدا و متّعظ باشيد با موعظهاى خدا و قبول نمائيد نصيحت خدا را، پس بدرستى كه خدا اظهار فرموده عذر خود را بشما با آيه‏ هاى واضحه، و اخذ فرمود بر شما حجّت را و بيان كرد از براى شما محبوب داشته شده ‏هاى خود را از عملها و مكروهها داشته شدهاى خود را از آنها تا اين كه متابعت نمائيد بان عملهاى محبوبه و اجتناب نمائيد از اين عملهاى مكروهه.

پس بدرستى كه حضرت رسول صلوات اللّه و سلامه عليه و آله مى ‏فرمود كه بهشت محفوف شده است با دشواريها و آتش محفوف شده است با شهوتها، و بدانيد كه بدرستى كه نيست از اطاعت خدا چيزى مگر اين كه مى ‏آيد با كراهت طبيعت، و نيست در معصيت خدا چيزى مگر اين كه مى ‏آيد با شهوت و رغبت، پس رحمت خدا مردى را كه بر كند از شهوت خود، و قلع كند خواهشات نفس خود را پس بدرستى كه اين نفس دورترين چيزيست از حيثيّت كنده شدن از شهوت، بدرستى كه اين نفس هميشه اشتياق دارد و ميل كند بسوى معصيت در آرزو و خواهش نفسانى.
و بدانيد اى بندگان خدا بدرستى كه مؤمن نه روز را بشب مى ‏آورد و نه شب را بروز مگر اين كه نفس او متّهمست نزد او، پس هميشه آن مؤمن ايراد كننده ‏است بر نفس خود، و طلب كننده است از براى او زيادة خيرات و مبرّات را، پس باشيد مثل سابقانى كه پيش از شما بودند و مثل گذشتگان در پيش از شما بر كندند از دنياى فاني همچو بر كندن كوچ كننده، و درنورديدند دنيا را مثل درنورديدن منزلها.

و بدانيد كه اين قرآن كريم او نصيحت كننده ‏ايست كه خيانت نمى‏ كند، و هدايت كننده ‏ايست كه گمراه نمى ‏سازد، و خبر دهنده ‏ايست كه دروغ نمى‏ گويد، و همنشين نشد اين قرآن را أحدى از شما مگر اين كه برخاست از آن با زيادتي يا كمى، زيادتي در هدايت و كمى از كورى و ضلالت.

و بدانيد نيست بر أحدى بعد از قرآن حاجتى، و نه مر أحديرا پيش از قرآن از دولتي، پس طلب شفا نمائيد از او از دردهاى ظاهرى و باطني خودتان، و طلب يارى كنيد با او بر شدّتهاى خودتان، پس بدرستى كه در او است شفا از بزرگترين دردها و آن كفر است و نفاق و گمراهى است و ضلالت، پس مسألت نمائيد از خدا بوسيله قرآن. و متوجّه باشيد بوسى پروردگار با محبت قرآن، و سؤال ننمائيد بوساطت قرآن از مخلوقي، بدرستى كه متوجّه نشد بندگان بسوى خدا با مثل قرآن.

و بدانيد كه بدرستى كه قرآن شفاعت كننده است و مقبول الشفاعة، و گوينده است تصديق شده، و بدرستى كه كسى كه شفاعت نمايد مر او را قرآن در روز قيامت شفاعت او قبول مى ‏شود در حق آن، و كسى كه بدگوئي نمايد از او قرآن در روز قيامت تصديق شده مى ‏شود بر ضرر آن.
پس بدرستى كه ندا كند ندا كننده در روز قيامت اين كه آگاه باشيد بدرستى كه هر كشت كار امتحان خواهد شد در كشت خود و در عاقبت عمل خود غير از كشت كنندگان قرآن پس باشيد از كشتكاران قرآن و تبعيّت كنندگان او و دليل أخذ نمائيد او را بر پروردگار خود، و طلب نصيحت كنيد از او بر نفسهاى خود، و متّهم داريد رأيهاى خود را كه بر خلاف او است، و مغشوش شماريد در مقابل قرآن خواهشات خود را.

مواظبت نمائيد بر عملها و مسارعت نمائيد بنهايت و عاقبت كار، و ملازمت نمائيد براستكارى پس از آن و منصف باشيد با صبر و تحمل، و ترك نكنيد ورع و پرهيزكارى را، بدرستى كه شما راست نهايت و عاقبتي پس منتهى شويد بسوى نهايت خود، و بدرستى كه شما راست علم و نشانه پس هدايت يابيد با علم خود، و بدرستى كه مر اسلام راست غايت و نهايتي پس منتهى شويد بسوى غايت او، و خارج بشويد بسوى خداوند تعالى از چيزى كه واجب نموده بر شما از حق خود و بيان نموده است شما را از وظيفهاى خود، من شاهد هستم از براى شما و حجّت آورنده‏ام در روز قيامت از جانب شما.

آگاه باشيد بدرستى كه آنچه مقدّر شده بود سابقا بتحقيق واقع گرديد، و قضاى الهى كه نافذ و ممضى است تدريجا بوجود در آيد، و بدرستى كه من تكلّم كننده‏ام بوعده خدا و بحجّت او فرموده است خدا در كتاب عزيز خود: بدرستى كه آن كسانى كه گفتند كه پروردگار ما خداست پس در آن مستقيم شدند نازل مى‏شود بر ايشان ملائكه كه نترسيد و محزون نباشيد و بشارت دهيد ببهشت عنبر سرشت كه در دنيا وعده داده شده بوديد.

و بتحقيق كه گفتيد شما پروردگار ما خداست پس مستقيم باشيد بر كتاب كريم او، و بر راه روشن امر او و بر طريقه شايسته از عبادت و بندگي او، پس از آن خارج نشويد و بيرون مرويد از آن طريقه و احداث بدعت نكنيد در آن و مخالفت نكنيد در آن پس بدرستى كه أهل خروج از عبادت بهم بريده شده‏اند از ثواب دائمي نزد خداى تعالى در روز قيامت.

الفصل الثاني منها

ثمّ إيّاكم و تهزيع الأخلاق و تصريفها، و اجعلوا اللّسان واحدا، و ليختزن الرّجل لسانه فإنّ هذا اللّسان جموح بصاحبه، و اللّه ما أرى عبدا يتّقي تقوى تنفعه حتّى يختزن لسانه، و إنّ لسان المؤمن من وراء قلبه، و إنّ قلب المنافق من وراء لسانه، لأنّ المؤمن إذا أراد أن يتكلّم بكلام تدبّره في نفسه فإن كان خيرا أبداه و إن كان شرّا واراه، و إنّ المنافق يتكلّم بما أتى على لسانه لا يدري ما ذا له و ما ذا عليه، و لقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لا يستقيم إيمان عبد حتّى يستقيم قلبه، و لا يستقيم قلبه حتّى يستقيم لسانه، فمن استطاع منكم أن يلقى اللّه سبحانه و هو نقيّ الرّاحة من دماء المسلمين و أموالهم، سليم اللّسان من أعراضهم فليفعل. و اعلموا عباد اللّه إنّ المؤمن يستحلّ العام ما استحلّ عاما أوّل، و يحرّم العام ما حرّم عاما أوّل، و إنّ ما أحدث النّاس لا يحلّ لكم شيئا ممّا حرّم عليكم، و لكنّ الحلال ما أحلّ اللّه، و الحرام ما حرّم اللّه، فقد جرّبتم الأمور و ضرّستموها و وعظتم بمن كان قبلكم، و ضربت‏الأمثال لكم، و دعيتم إلى الأمر الواضح، فلا يصمّ عن ذلك إلّا أصمّ، و لا يعمى عنه إلّا أعمى، و من لم ينفعه اللّه بالبلاء و التّجارب لم ينتفع بشي‏ء من العظة، و أتاه التّقصير من أمامه حتّى يعرف ما أنكر، و ينكر ما عرف، فإنّ النّاس رجلان: متّبع شرعة، و مبتدع بدعة، ليس معه من اللّه برهان سنّة، و لا ضياء حجّة. و إنّ اللّه سبحانه لم يعظ أحدا بمثل هذا القرآن، فانّه حبل اللّه المتين، و سببه الأمين، و فيه ربيع القلب، و ينابيع العلم، و ما للقلب جلاء غيره، مع أنّه قد ذهب المتذكّرون، و بقي النّاسون أو المتناسون، فإذا رأيتم خيرا فأعينوا عليه، و إذا رأيتم شرّا فاذهبوا عنه، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يقول: يا ابن آدم اعمل الخير و دع الشّرّ فإذا أنت جواد قاصد. ألا و إنّ الظّلم ثلاثة: فظلم لا يغفر، و ظلم لا يترك، و ظلم مغفور لا يطلب، فأمّا الظّلم الّذي لا يغفر الشّرك باللّه سبحانه قال اللّه سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، و أمّا الظّلم الّذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات، و أمّا الظّلم الّذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا، القصاص هناك شديد، ليس هو جرحا بالمدى،و لا ضربا بالسّياط، و لكنّه ما يستصغر ذلك معه، فإيّاكم و التّلوّن في دين اللّه، فإنّ جماعة فيما تكرهون من الحقّ خير من فرقة فيما تحبّون من الباطل، و إنّ اللّه سبحانه لم يعط أحدا بفرقة خيرا ممّا مضى و لا ممّا بقي. يا أيّها النّاس طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب النّاس، و طوبى لمن لزم بيته و أكل قوته و اشتغل بطاعة ربّه و بكى على خطيئته، فكان من نفسه في شغل و النّاس منه في راحة.

اللغة

(هزعت) الشجر تهزيعا كسّرته و فرّقته و (خزن) المال و اختزنه أحرزه و (ضرّسته) الحروب أى جرّبته و أحكمته و (صمّت) الاذن صمما من باب تعب بطل سمعها هكذا فسّره الأزهرى و غيره، و يسند الفعل إلى الشخص أيضا فيقال: صمّ يصمّ صمما، فالذكر أصمّ و الأنثى صمّاء و الجمع صمّ مثل أحمر و حمراء و حمر، و يتعدّى بالهمزة فيقال أصمّه اللّه و ربما استعمل الرباعي لازما على قلّة و لا يستعمل الثلاثي متعدّيا فلا يقال صمّ اللّه الاذن و لا يبنى للمفعول فلا يقال صمّت الاذن.

و (السّبب) الحبل و هو ما يتوصّل به إلى الاستعلاء ثمّ استعير لكلّ ما يتوصّل به إلى الامور فقيل هذا: سبب هذا و هذا مسبّب عن هذا و (الجواد) الفرس السابق الجيد و (هن) بالتخفيف كأخ كناية عن كل اسم جنس كما في مصباح اللغة للفيومى أو عما يستقبح ذكره و لامها محذوفة ففى لغة هى ها فيصغّر على هنيهة و منه يقال مكث هنيهة أى ساعة لطيفة، و في لغة هي واو فيصغّر في المؤنّث على هنية و الهمز خطاء إذ لا وجه له و جمعها هنوات و ربما جمعت على هنات مثل عدات هكذا في المصباح و ضبطه الفيروزآبادي بفتح الهاء و هكذا فيما رأيته من نسخ النهج و (طوبى) وزان فعلى اسم من الطيب و الواو منقلبة عن ياء و قيل اسم شجرة في الجنّة كما سنشير إليه في بيان معناه.

الاعراب

قوله: و إيّاكم و تهزيع الأخلاق، انتصاب تهزيع على التحذير قال الشارح المعتزلي: و حقيقته تقدير فعل و صورته جنّبوا أنفسكم تهزيع الأخلاق فايّاكم قائم مقام أنفسكم، و الواو عوض عن الفعل المقدّر و قد جاء بغير واو في قول الشاعر:

إيّاك أن ترضى صحابة ناقص
فتنحط قدرا من علاك و تحقرا

قوله: عاما أوّل بدون تنوين لأنّه غير منصرف للوصفيّة و وزن الفعل فانّ الصحيح أنّ أصله أوءل على وزن أفعل مهموز الوسط فقلبت الهمزة الثّانية واوا و ادغمت.
قال الجوهريّ و يدلّ على ذلك قولهم: هذا أوّل منك، و الجمع الأوائل و الاوالى أيضا على القلب، قال الشهيد في تمهيد القواعد: و له استعمالان أحدهما أن يكون اسما فيكون مصروفا و منه قولهم ماله أوّل و لا آخر، قال في الارتشاف: و في محفوظى أنّ هذا يؤنث بالتاء و يصرف أيضا فيقال أولة و آخرة بالتنوين، و الثاني أن يكون صفة أى أفعل التفضيل بمعنى الأسبق فيعطى حكم غيره من صيغ أفعل التفضيل كمنع الصرف و عدم تأنيثه بالتاء و دخول من عليه.

المعنى

اعلم أنّه عليه السّلام لما ختم الفصل السّابق بالأمر بالاستقامة و النهى عن المروق و الخروج عن جادّة الشريعة أردفه بالتحذير عن تهزيع الأخلاق الملازم للنّفاق‏

فقال: (ثمّ إيّاكم و تهزيع الأخلاق) و تفريقها (و تصريفها) و تقليبها و نقلها من حال إلى حال كما هو شأن المنافق، فانّه لا يبقى على خلق و لا يستمرّ على حالة واحدة بل قد يكون صادقا و قد يكون كاذبا، و تارة وفيّا و اخرى غادرا، و مع الظالمين ظالما و مع العدول عادلا.

روى في الكافي عن محمّد بن الفضيل قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السّلام أسأله عن مسألة، فكتب إلىّ إنّ المنافقين يخادعون اللّه و هو خادعهم و إذا قاموا إلى الصّلاة قاموا كسالى يرآؤن النّاس و لا يذكرون اللّه إلّا قليلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء و من يضلل اللّه فلم تجد له سبيلا، ليسوا من الكافرين و ليسوا من المؤمنين و ليسوا من المسلمين يظهرون الايمان و يصيرون إلى الكفر و التكذيب لعنهم اللّه.

و لما حذّر عن تصريف الأخلاق و النّفاق أمر بقوله (و اجعلوا اللّسان واحدا) على اتّحاد اللّسان اذ تعدّد اللّسان من وصف المنافق يقول في السرّ غير ما يقوله فى العلانية، و في الغياب خلاف ما يقوله في الحضور، و يتكلّم مع هذا غير ما يتكلّم مع ذلك.

روى في الكافي عن أبي جعفر عليه السّلام قال: بئس العبد عبد يكون ذا وجهين و ذا لسانين يطرى أخاه شاهدا و يأكله غايبا، إن أعطى حسده و إن ابتلى خذله.

و فيه عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن عليّ بن أسباط عن عبد الرّحمان بن حمّاد رفعه قال: قال اللّه تبارك و تعالى لعيسى عليه السّلام: يا عيسى ليكن لسانك في السرّ و العلانية لسانا واحدا و كذلك قلبك إنّي احذرك نفسك و كفى بي خبيرا لا يصلح لسانان في فم واحد و لا سيفان في غمد واحد و لا قلبان في صدر واحد و كذلك الأذهان.
قال بعض شرّاح الكافي: أمره اللّه تعالى بثلاث خصال هي امّهات جميع الخصال الفاضلة و الأعمال الصالحة: الأوّل أن يكون لسانه في جميع الأحوال واحدا يقول الحقّ و يتكلّم به فلا يقول في السرّ خلاف ما يقول في العلانية كما هو شأن الجهال، لأنّ ذلك خدعةو نفاق و حيلة و تفريق بين العباد و إغراء بينهم.
الثاني أن يكون قلبه واحدا قابلا للحقّ وحده غير متلوّث بالحيل و لا متلوّث بالمكر و الختل، فانّ ذلك يميت القلب و يبعده من الحقّ و يورثه أمراضا مهلكة.

الثالث أن يكون ذهنه واحدا و هو الذكاء و الفطنة، و لعلّ المراد به هنا الفكر في الامور الحقّة النافعة و مباديها، و بوحدته خلوصه عن الفكر في الباطل و الشرور و تحصيل مباديها و كيفيّة الوصول إليها، و بالجملة أمره أن يكون لسانه واحدا و قلبه واحدا و ذهنه واحدا و مطلبه واحدا هذا.

و لما أمرهم بجعل لسانهم واحدا أردفه بالأمر بحفظه و حرزه فقال (و ليختزن الرّجل لسانه) أى ليلازم الصّمت (فانّ هذا اللّسان جموح بصاحبه) يقحمه في المعاطب و المهالك، و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إن كان في شي‏ء الشوم ففى اللّسان، و في حديث آخر قال صلّى اللّه عليه و آله: نجاة المؤمن من حفظ لسانه رواهما في الكافي عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قد تقدّم في شرح كلماته السابعة و السّبعين فصل واف في فوائد الصّمت و آفات اللّسان و أوردنا بعض ما ورد فيه من الأخبار و أقول هنا: روى في الكافي عن ابن القداح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال لقمان لابنه: يا بنيّ إن كنت زعمت أنّ الكلام من فضّة فانّ السكوت من ذهب.

و عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: قال أبو الحسن عليه السّلام: من علامات الفقه العلم و الحلم و الصّمت إنّ الصّمت باب من أبواب الحكمة إنّ الصّمت يكسب المحبّة إنّه دليل على كلّ خير.
و عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: كان أبو ذر يقول: يا مبتغى العلم إنّ هذا اللّسان مفتاح خير و مفتاح شرّ فاختم على لسانك كما تختم على ذهبك و ورقك.
و عن عليّ بن حسن بن رباط عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: لا يزال العبد المؤمن يكتب محسنا ما دام ساكتا فاذا تكلّم كتب محسنا أو مسيئا.

فقد علم بذلك كلّه أنّ سلامة الانسان في حفظ اللّسان و أنّ نجاته من وبال‏الدّنيا و نكال الاخرة في الامساك عن فضول الكلام، و إليه أشار بقوله (و اللّه ما أرى عبدا يتقى تقوى تنفعه حتّى يختزن لسانه) فانّ التقوى النافع هو ما يحفظه من غضب الجبّار و ينجيه من عذاب النّار، و لا يحصّل ذلك إلّا بالاتّقاء من جميع المحرّمات و الموبقات الموقعة في الجحيم و السخط العظيم، و الكذب و الغيبة و الهجاء و السّعاية و النّميمة و القذف و السّب و نحوها من حصائد الألسنة من أعظم تلك الموبقات، فلا بدّ من الاتّقاء منها و اختزان اللّسان عنها.

و لما أمر باختزان اللسان و نبّه على توقّف التقوى النّافع عليه أردفه بالتنبيه على أنّ اختزانه من فضول الكلام و سقطات الألفاظ من خواصّ المؤمن و عدم اختزانه من أوصاف المنافق و ذلك قوله: (و انّ لسان المؤمن من وراء قلبه) يعني أنّ لسانه تابع لقلبه (و انّ قلب المنافق من وراء لسانه) يعني قلبه تابع للسانه.

بيان ذلك ما أشار بقوله (لأنّ المؤمن إذا أراد أن يتكلّم بكلام تدبّره في نفسه) و تفكّر في عاقبته (فان كان خيرا) و رشدا تكلّم به أى أظهره و (أبداه و ان كان شرّا) و غيّا اختزن لسانه عنه أى (واراه) و أخفاه فكان لسانه تابع قلبه حيث انه نطق به بعد حكم العقل و إجازته (و انّ المنافق) يسبق حذفات لسانه و فلتات كلامه مراجعة فكره و (يتكلّم) من دون فكر و رويّة (بما أتى على لسانه لا يدرى ما ذا له و ما ذا عليه) فكان قلبه تابع لسانه لأنه بادر إلى التكلّم من غير ملاحظة ثمّ رجع إلى قلبه فعرف أنّ ما تكلّم به مضرّة له.

ثمّ استشهد بالحديث النبوى صلّى اللّه عليه و آله على أنّ استقامة الايمان إنّما هو باستقامه اللسان على الحقّ و خزنه عن الباطل و هو قوله (و لقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لا يستقيم ايمان عبد حتّى يستقيم قلبه و لا يستقيم قلبه حتّى يستقيم لسانه) ظاهر هذا الحديث يفيد ترتّب استقامة الايمان على استقامة القلب و ترتّب استقامة القلب على استقامة اللّسان.

أمّا ترتّب الأوّل على الثّاني فلا غبار عليه، لأنّ الايمان حسبما عرفت في شرح الخطبة المأة و التاسعة عبارة عن الاعتراف باللّسان و الاذعان بالجنان فاستقامةالقلب جزء من مفهومه و هو جهة الفرق بينه و بين الاسلام كما أنه لا غبار على ترتّبه على الثالث على قول من يجعل العمل بالأركان أيضا شطرا منه.

و أمّا ترتّب الثاني على الثالث فلا يخلو من اشكال و اغلاق، لظهور أنّ اللّسان ترجمان القلب فاستقامته موقوفة على استقامته لا بالعكس، و بعد التنزّل عن ذلك فغاية الأمر تلازمهما و ارتباط كلّ منهما بالاخر، و أمّا التوقّف فلا.
و وجه التلازم أنّ القلب لما كان رئيس الأعضاء و الجوارح و من جملتها اللّسان كان استقامته مستلزمة لاستقامتها و كذلك استقامتها مستلزمة لاستقامته لأنها لو لم تكن مستقيمة بأن صدر منه الذنب و الباطل يسرى عدم استقامتها أى فسادها إلى القلب فيفسد بفسادها.

و يدلّ على ذلك ما رواه في الكافي عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: ما من عبد إلّا و في قلبه نكتة بيضاء فاذا أذنب ذنبا خرج في النكتة نكتة سوداء، فان تاب ذهب ذلك السواد، و إن تمادى في الذّنوب زاد ذلك السواد حتّى يغطى البياض، فاذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا و هو قول اللّه عزّ و جلّ «كَلَّا بَلْ رانَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ».

فانّ هذه الرّواية و الاية المستشهد بها كما ترى مضافة إلى الروايات الاخر تدل على اسوداد لوح القلب بكثرة الذنوب الصّادرة من الجوارح، فيوجب عدم استقامتها لعدم استقامته و استقامتها لاستقامته.
لكنه يتوجّه عليه أنّ غاية ما يتحصّل من هذا التقرير أنّ عدم استقامتها سبب لعدم استقامته، و أمّا أنّ استقامتها سبب لاستقامته فلا فافهم جيّدا.

مع أنّ لقائل أن يقول: إنّ مرجع صدور الذّنب عنها الموجب لعدم استقامتها في الحقيقة إلى عدم استقامته لأنّ القلب إذا كان سالما مستقيما لا يعزم على معصية و لا يريدها، و مع عدم إرادتها لا يصدر ذنب عن الأعضاء حتّى يسرى ظلمته و رينه إلى القلب.

فقد علم من ذلك كلّه أنّ استقامة اللّسان كساير الأعضاء موقوفة على استقامةالقلب و مترتّبة عليها لا بالعكس.
و بعد اللّتيا و الّتي فالّذي يخطر بالبال في حلّ الاشكال السابق أنّ معنى الحديث أنّه لا يعرف استقامة ايمان عبد إلّا بأن يعرف استقامة قلبه، و لا يعرف استقامة قلبه إلّا باستقامة لسانه، فيستدلّ باستقامة اللّسان على الحقّ أى بتنطقه على كلمة التوحيد و النبوّة و الولاية، و بامساكه عن الغيبة و النميمة و الكذب و غيرها من هفوات اللّسان على استقامة القلب أى على إذعانه بما ذكر و على خلوّه عن الأمراض النفسانية و يستدلّ باستقامته على استقامة الايمان أى على أنّ العبد مؤمن كامل.

و يقرب هذا التوجيه أنّه عليه السّلام لما ذكر أنّ لسان المؤمن من وراء قلبه و أنّ قلب المنافق من وراء لسانه عقّبه بهذا الحديث ليميّز بين المؤمن و المنافق، و يحصل لك المعرفة بها حقّ المعرفة فيسهل عليك التشخيص إذا بينهما إذ تعرف بعد ذلك البيان أنّ مستقيم اللّسان مؤمن و غير مستقيمه منافق.

قال الشارح الفقير الغريق في بحر الذّنب و التقصير: إنّي قد أطلت فكرى و أتعبت نظري في توجيه معنى الحديث و أسهرت ليلتي هذه و هي اللّيلة الثالثة عشر من شهر اللّه المبارك في حلّ إشكاله حتّى مضت من أوّل اللّيل ثماني ساعات و أثبتّ ما سنح بالخاطر و أدّى إليه النّظر القاصر، ثمّ تجلّى بحمد اللّه سبحانه و منّته نور العرفان من ألطاف صاحب الولاية المطلقة على القلب القاسى فأسفر عنه الظلام و اهتدى إلى وجه المرام فسنح بالبال توجيه وجيه هو أعذب و أحلى، و معنى لطيف هو أمتن و أصفى و هو أن يقال: إنه عليه السّلام كنّى باستقامة الايمان و القلب و اللّسان عن كمالها و أنّ مراده أنّ من أراد أن يكون ايمانه كاملا أى ايمانا نافعا في العقبى لا بدّ من أن يكمل قلبه أى يكون بريئا سالما من الأمراض النفسانيّة، و من أراد كمال قلبه فلا بدّ له من أن يكمل لسانه أى يكون محفوظا من العثرات مختزنا إلّا عن خير، ففى الحقيقة الغرض من الحديث التّنبيه و الارشاد إلى تكميل القلب و اللّسان لتحصيل كمال الايمان.

و نظيره ما رواه عن الحلبي رفعه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أمسك لسانك فانّها صدقة تصدق به على نفسك ثمّ قال: و لا يعرف عبد حقيقة الايمان حتّى يخزن من لسانه.
و على هذا التوجيه التأم أجزاء كلام الامام على أحسن ايتلاف و انسجام إذ يكون الحديث حينئذ أشدّ ارتباطا بسابقه، لأنه عليه السّلام لما أمر بأن يختزن الرجل لسانه و أكّده بأن خزن اللّسان من وظايف المؤمن لكون لسانه من وراء قلبه، عقّبه بهذا الحديث تأييدا و تقوية و استشهادا على ما أمر به من اختزان اللّسان و يكون مناسبته للاحقه أيضا أكثر و هو قوله: (فمن استطاع منكم أن يلقى اللّه سبحانه و هو نقىّ الراحة) و الكفّ (من دماء المسلمين) أى سالما من قتلهم (و أموالهم سليم اللّسان من اعراضهم) أى متجنّبا من الغيبة و الفحش و النميمة و الهجاء و نحوها (فليفعل) لأنّ ذلك من شرايط الاسلام و لوازم الايمان فانّ المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده.

قال الشارح البحراني و شرط ذلك أى الكفّ عن دماء المسلمين و أموالهم و أعراضهم بالاستطاعة لعسره و شدّته و إن كان واجب الترك على كلّ حال و أشدّها الكفّ عن الغيبة فانّه يكاد أن لا يستطاع انتهى.
أقول: الظاهر من قوله: و إن كان واجب الترك على كلّ حال، وجوب تركها حتّى مع عدم الاستطاعة و هو باطل، أو الاستطاعة مساوق للقدرة و هى شرط في جميع التكاليف الشرعية قال اللّه تعالى «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذا أمرتكم بشى‏ء فائتوا منه ما استطعتم.

ثمّ إنّه عليه السّلام نبّه على بطلان العمل بالرأى و المقاييس و نهى عن متابعة البدع فقال: (و اعلموا عباد اللّه أنّ المؤمن يستحلّ العام ما استحلّ عاما أوّل و يحرّم العام ما حرّم عاما أوّل) يعني أنّ المؤمن إذا ثبت عنده سابقا حلّية شي‏ء بالكتاب أو السنّة و حكم بحلّيته عن نصّ فيحكم بحليّته الان، و لا ينقض الحكم الثابت بالنّص برأيه و اجتهاده و كذلك إذا ثبت عنده سابقا حرمة شي‏ء بهما و حكم بحرمته عن دليل فيحكم بحرمته‏الان، و لا يخالف الحكم الثّابت و لا يتعدّى عنه بالرأى و القياس و هكذا ساير الأحكام الشرعية.

(و انّ ما أحدث الناس) من البدع بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: مثل ما صدر عن أبي بكر من طلب البيّنة من فاطمة سلام اللّه عليها في باب فدك مع كون البيّنة على المدّعي، و غصب فدك عنها مع مخالفته لنصّ الكتاب و الرّسول صلّى اللّه عليه و آله.

و ما أحدثه عمر من صلاة التراويح، و من وضع الخراج على أرض السواد، و ازدياده أى أخذه الزيادة الجزية عما قرّرها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
و ما أبدعه عثمان من التفضيل في العطاء و إحداثه الأذان يوم الجمعة زايدا عمّا سنّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و تقديمه الخطبتين في العيدين مع كون الصّلاة مقدّمة عليها في زمان الرسول صلّى اللّه عليه و آله، و إتمامه الصّلاة بمنى مع كونه مسافرا، و إعطائه من بيت المال الصّدقة المقاتلة و غيرها، و حمايته لحمى المسلمين مع أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جعلهم شرعا سواء في الماء و الكلاء إلى غير هذه من البدعات الّتي أحدثوها في الدّين و فصّلها أصحابنا رضوان اللّه عليهم في ذيل مطاعنهم.

فانّ شيئا من ذلك (لا يحلّ لكم شيئا مما حرّم عليكم) و لا يحرّم شيئا عليكم مما أحلّ لكم، يعني قول هؤلاء المبدعين المغيّرين للأحكام لا يوجب تغييرها في الواقع، فلا يجوز الاعتماد على أقوالهم و الاعتقاد بارائهم، و قد ذمّ اللّه اليهود و النّصارى بأنّهم اتّخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون اللّه، فالاخذون بقول هؤلاء المبدعين يكونون مثل اليهود و النّصارى.

روى في الوسائل عن تفسير العيّاشي عن جابر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته عن قول اللّه «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» قال عليه السّلام أما أنّهم لم يتّخذوهم آلهة إلّا أنّهم أحلّوا لهم حلالا فأخذوا به، و حرّموا حراما فأخذوا به، فكانوا أربابا لهم من دون اللّه.
و عن حذيفة قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: «اتَّخِذُوا» الاية، فقال لم يكونوايعبدونهم، و لكن كانوا إذا أحلّوا لهم شيئا استحلّوها، و إذا حرّموا عليهم حرّموها.

و في الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قلت له: اتَّخِذُوا الاية، فقال أما و اللّه ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم و لو دعوهم ما أجابوهم، و لكن أحلّوا لهم حراما و حرّموا عليهم حلالا فعبدوهم من حيث لا يشعرون.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم عند تفسير قوله تعالى «وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ» قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: نزلت في الّذين غيّروا دين اللّه و خالفوا ما أمر اللّه، هل رأيتم شاعرا قط تبعه أحد إنما عني بذلك الّذين وضعوا دينا بارائهم فتبعهم النّاس على ذلك.

و يؤكّد ذلك قوله «أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ» يعنى يناظرون بالأباطيل و يجادلون بالحجج المضلّين و فى كلّ مذهب يذهبون «وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ» قال عليه السّلام يعظون النّاس و لا يتّعظون و ينهون عن المنكر و لا ينتهون، و يأمرون بالمعروف و لا يعملون، و هم الّذين قال اللّه فيهم: «أَ لَمْ تَرَ» فيهم «أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ» أى في كلّ مذهب مذهبون «وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ» و هم الّذين غصبوا آل محمّد حقّهم.

فظهر بذلك كلّه أنّ متابعة هؤلاء حرام، و استحلالهم استحلال ما أحلّوه و استحرام ما حرّموه غيّ و ضلال، إذ ليس لهم أن يغيّروا الأحكام من تلقاء أنفسهم، و لا أن يبدّلوا الحلال بالحرام و الحرام بالحلال.
كما أشار إليه بقوله (و لكن الحلال ما أحلّ اللّه و الحرام ما حرّم اللّه) اللّام في لفظي الحلال و الحرام للجنس فتفيد قصر المسند اليه في المسند كما تقدّم تحقيقه في شرح الكلام المأة و الرابع و الأربعين عند شرح قوله عليه السّلام: ان الأئمة من قريش، و يحتمل أن تكون للعهد فتفيد الحصر أيضا كما عرفته في شرح الخطبة المأة و الثالثة و الخمسين عند شرح قوله عليه السّلام: نحن الشعار و الأصحاب، فيكون المعنى أنّ ماهية الحلال و الحرام و حقيقتهما إذا الحلال المعهود الثابت من الشريعة أى الّذي يجوز تناوله و الحرام المعهود الثابت منها أى الّذى لا يجوز ارتكابه هو منحصر فيما أحلّه اللّه سبحانه و حرّمه و أفصح عن حليّته و حرمته في كتابه الكريم و لسان نبيّه الحكيم، فغير ذلك مما أحلّه الناس و حرّموه ليس حلالا و لا حراما إذ حلال‏محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة.

كما يدلّ عليه ما رواه في الكافي عن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الحلال و الحرام فقال عليه السّلام: حلال محمّد حلال أبدا إلى يوم القيامة و حرام محمّد حرام أبدا إلى يوم القيامة لا يكون غيره و لا يجي‏ء غيره.
و قال: قال عليّ عليه السّلام: ما أحد يبدع بدعة إلّا ترك بها سنّة، هذا.

و لا يخفى عليك أنّ هذه الخطبة إن كان صدورها بعد قتل عثمان و البيعة له عليه السّلام بالخلافة كما حكيناه سابقا عن بعض الشارحين، فالأشبه على ذلك أن يكون قوله عليه السّلام: و أنّ ما أحدث النّاس إلى آخره توطئة و تمهيدا لما كان مكنونا في خاطره من تغيير البدعات المحدثات في أيام خلافة الثلاثة و إجراء الأحكام الشرعيّة على وجهها بعد استقرار أمر خلافته لو كان متمكّنا منه حتّى لا يعترض عليه النّاس و لا يطعنوا عليه، كما بان عنه في بعض كلماته الاتية في الكتاب حيث قال: لو قد استوت قدماى من هذه المداحض لغيّرت أشياء، و لكنّه عليه السّلام لم يتمكّن من التغيير.

و قد روى في البحار من التهذيب عن عليّ بن الحسن بن فضّال عن أحمد بن الحسن عن عمرو بن سعيد المدايني عن مصدّق بن صدقة عن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته عن صلاة في رمضان في المساجد قال: لما قدم أمير المؤمنين عليه السّلام الكوفة أمر الحسن بن عليّ عليهما السّلام أن ينادى في النّاس لا صلاة«» في شهر رمضان في المساجد جماعة، فنادى في النّاس الحسن بن عليّ عليهما السّلام بما أمره به أمير المؤمنين عليه السّلام، فلما سمع الناس مقالة الحسن بن عليّ عليهما السّلام، صاحوا: وا عمراه وا عمراه فلما رجع الحسن إلى أمير المؤمنين عليهما السّلام قال له: ما هذا الصّوت فقال: يا أمير المؤمنين النّاس يصيحون وا عمراه وا عمراه، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: قل لهم: صلّوا، هذا.

و لما بيّن انحصار الحلال و الحرام فيما أحلّه اللّه سبحانه و حرّمه أردفه بقوله (فقد جرّبتم الامور و ضرّستموها) أى أحكمتموها بالتجربة و الممارسة، و ظهر لكم جيّدها من رديّها و حقّها من باطلها (و وعظتم بمن كان قبلكم) أى وعظكم اللّه‏سبحانه في كتابه بالامم الماضية و بما جرى منه في حقّ المؤمنين منهم من الجزاء الجميل و ما جرى في حقّ العاصين منهم من العذاب الوبيل (و ضربت) في الفرقان الحكيم (الأمثال لكم) الكثيرة الموضحة للحقّ من الباطل و الفارقة بينهما (و دعيتم إلى الأمر الواضح) أى إلى أمر الدّين و الاسلام الّذي أوضحه كتاب اللّه و سنّة رسوله حقّ الوضوح و لم يبق عليه سترة و لا حجاب.

و المقصود من هذه الجملات تنبيه المخاطبين على أنهم بعد ما حصل لهم هذه الأمور أعنى تجربة الأمور و أحكامها و الموعظة و ضرب الأمثال الظاهرة و الدّعوة إلى الأمر الواضح يحقّ لهم أن يعرفوا أحكام الشريعة حقّ المعرفة، و أن يميّزوا بين البدعات و السّنن إذ تلك الأمور معدّة لحصول المعرفة و لوضوح الفرق بين البدعة و السنّة و بين المجعولة و الحقيقة.

(فلا يصمّ عن ذلك) أى لا يغفل عن ما ذكر من الامور أو عن الأمر الواضح الّذى دعوا إليه (إلّا) من هو (أصمّ) أى الغافل البالغ في غفلته النهاية و التنوين للتفخيم و التعظيم كما في قوله تعالى: «وَ عَلى‏ أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ» أى غشاوة عظيمة و هكذا في قوله: (و لا يعمى عنه إلّا أعمى) أى لا يضلّ عنه و لا يجهل به إلّا من هو شديد الضلال و الجهالة.
(و من لم ينفعه اللّه بالبلاء) أى بما بلاه به من المكاره و المصائب (و) ب (التجارب) المكتسبة من مزاولة الامور و مقاساة الشدائد (لم ينتفع بشي‏ء من العظة) لأنّ تأثير البلاء و التّجارب في النفس أشدّ و أقوى من تأثير النصح و الموعظة، لأنّ الموعظة احالة على الغايب، و البلية و التجربة مدركة بالحسّ فمن لا ينفعه الأقوى لا ينفعه الأضعف بالطريق الأولى (و أتاه النقص من أمامه) أى من بين يديه.

قال الشارح البحراني: لأنّ الكمالات الّتي يتوجّه إليها بوجه عقله تفوته لنقصان تجربته و وقوف عقله عنها فأشبه فوتها له مع طلبه لها إتيان النقص له من أمامه.
و قوله (حتّى يعرف ما أنكر و ينكر ما عرف) إشارة إلى غاية نقصانه، و هى الاختلاط و الحكم على غير بصيرة، فتارة يتخيّل فيما أنكره و جهله أنّه عارف بحقيقته، و تارةينكر ما كان يعرفه و يحكم بصحّته لخيال يطرأ عليه.
قال الشّارح المعتزلي: حتّى يتخيّل فيما أنكره أنّه قد عرفه و ينكر ما قد كان عارفا به و سمّى اعتقاد العرفان و تخيّله عرفانا على المجاز.

ثمّ فرّع على ما ذكر انقسام الناس إلى قسمين فقال عليه السّلام (فانّ الناس رجلان متبع شرعة) أى متشرّع آخذ بشرايع الدّين، و سالك لمنهاج الشرع المبين، و هو العامل بكتاب اللّه سبحانه و سنّته و المقتبس من نورهما و المنتفع بما فيهما من النصايح و المواعظ و الأمثال المضروبة، و هو من الّذين قال اللّه فيهم «وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ».

(و مبتدع بدعة) و هو الّذي لم ينتفع بهما بل نبذ أحكامهما ورائه و اتّبع هويه و عمل بارائه و مقايسه فأعمى اللّه قلبه عن معرفة الحقّ و أصمّه عن استماعه كما قال: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (ليس معه من) عند (اللّه) سبحانه (برهان سنّة و لا ضياء حجّة) أى ليس له فيما أحدثه من البدعة دليل عليه من سنّة و لا حجّة بيّنة واضحة من الكتاب الكريم تنجيه لوضوحها و ضيائها من ظلمة الجهل و الضلال.

قال أبو شيبة الخراساني: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: إنّ أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحقّ إلّا بعدا و انّ دين اللّه لا يصاب بالعقول، رواه في الكافي.
و فيه أيضا عن محمّد بن أبي عبد اللّه رفعه عن يونس بن عبد الرّحمان قال: قلت لأبي الحسن الأوّل عليه السّلام: بما اوحّد اللّه عزّ و جلّ فقال: يا يونس لا تكوننّ مبتدعا من نظر برأيه هلك، و من ترك أهل بيت نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ضلّ، و من ترك كتاب اللّه و قول نبيّه كفر.

و لما ذكر أنّ أصحاب البدع ليس لهم دليل من سنّة يتمسّكون به و لا نور حجّة يستضيئون به أردفه بذكر ممادح القرآن تنبيها على كونه البرهان الحقّ و النّور المضي‏ء أحقّ بالاتباع و الاهتداء، و أجدر أن يقتبس من أنواره و يتّعظ بمواعظه و نصايحه، و على أنّ الراغبين عنه التابعين لأهوائهم و الاخذين بالاراءو المقاييس تائهون في بوادى الجهالة، هائمون في فيافي الضلالة فقال: (و إنّ اللّه سبحانه لم يعظ أحدا بمثل هذا القرآن) لأنّ الغرض من جميع المواعظ المتضمّنة للوعد و الوعيد و الترغيب و التهديد هو الجذب إلى طرف الحقّ و الارشاد إلى حظيرة القدس، و القرآن أبلغ منها كلّها في إفادة ذلك الغرض و أكمل في تحصيل ذلك المقصود (فانه حبل اللّه المتين) من تمسّك به نجا و من تركه فقد هوى، و وصفه بالمتانة و الاحكام لأنه حبل ممدود من الأرض إلى السماء من استمسك به فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها (و سببه الأمين) و وصفه بالامانة لأنه لا يخون المتوصّل به في ايصاله إلى حظاير القدس و مجالس الانس و قرب الحقّ (و فيه ربيع القلب) لأنّ القلوب تلتذّ و تنشط و ترتاح بتلاوة آياته و تدبّر ما فيها من المحاسن و المزايا و تفكّر ما تضمّنته تلك الايات من النكات البديعة و اللطايف العجيبة، كما أنّ النفوس تلتذّ بأزهار الربيع و أنواره.

(و) فيه (ينابيع العلم) استعارة بالكناية حيث شبّه العلم بالماء إذ به حياة الأرواح كما أنّ بالماء حياة الأبدان، و ذكر الينابيع تخييل، و في نسخة الشارح بدل ينابيع العلم: ينابيع العلوم و المقصود واحد، و إنما كان ينابيع العلوم اذ جميع العلوم خارجة منه لتضمّنه علم ما كان و ما هو كائن و ما يكون كما قال عزّ من قائل: «وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ».

(و ما للقلب جلاء غيره) إذ فيه منار الهدى و مصابيح الدّجى و التفكّر فيه يجلو القلوب من رين الشكوكات و يرتفع به عنها صدا الشبهات كما يجلو الصيقل المرات.
فان قلت: لم جعل الجلاء مقصورا فيه مع حصوله بغيره من العلوم الحقّة قلت: لما كان القرآن ينابيع جميع العلوم حسبما عرفت يؤل حصول الجلاء بها إلى الجلاء به في الحقيقة، أو أنّ المراد نفى الكمال أى ليس للقلب جلاء كامل غيره.

و هذا الجواب أولى مما أجاب به الشارح البحراني من أنّ هذا الكلام صدرعنه عليه السّلام و لم يكن في هذا الزمان علم مدوّن و لا استفادة للمسلمين إلّا من القرآن الكريم، فلم يكن إذا جلاء للقلب غيره.
وجه الأولويّة أنّ الأحاديث النبويّة كانت موجودة بأيديهم يومئذ و الاستفادة منها كانت ممكنة لمن أرادها، و أما غير المريد لها من الّذين على قلوبهم أقفالها فالقرآن و الحديث بالنسبة إليهم أيضا على حدّ سواء كما لا يخفى.
(مع أنه قد ذهب المتذكّرون) بالقرآن المتدبّرون في معانيه المستضيئون بضيائه المقتبسون من أنواره (و بقى الناسون) له حقيقة (أو المتناسون) المظهرون للنسيان لأغراض دنيويّة.

و ارتباط هذا الكلام أعنى قوله: مع أنه آه بما سبق أنه لما ذكر ممادح القرآن و أنه أبلغ المواعظ و أجلى للقلوب، و كان الغرض منه حثّ المخاطبين و تحريصهم على اتّباعه و التذكّر به أتبعه بذلك أسفا على الماضين و تقريعا على الباقين بأنّهم لا يتذكّرون به و لا يتّبعونه و لا يتّعظون بمواعظه.
و محصّله إظهار اليأس من قبولهم للموعظة و استبعاد ذلك لما تفرّس منهم من فساد النيات و متابعة الهوى و الشهوات.

و يحتمل أن يكون توطئة و تمهيدا لما كان يريده من أمرهم باعانة الخير و تجنّب الشرّ، يعني مع أنّ المتذكّرين و أولى البصاير قد مضوا و لم يبق إلّا الغافلون الجاهلون و تأثير الموعظة فيهم صعب جدا، مع ذلك أعظكم و اذكّركم و إن لم تنفع الذكرى بقولى (فاذا رأيتم خيرا فأعينوا عليه و إذا رأيتم شرّا فاذهبوا عنه) لفظ الخير و الشرّ و إن كان مطلقا شاملا باطلاقه لكلّ خير و شرّ، إلّا أنّ الأشبه أن يكون نظره فيهما إلى الخير و الشرّ المخصوصين.

بأن يكون مراده من الخير الخير الّذي كان يريده في حقّهم و إن كان مكروها و كانوا لهم متنفرّين عنه بطبعهم من التسوية في العطاء و الحمل على جادّة الوسطى و مرّ الحقّ، و يكون المراد باعانتهم عليه تسليمهم له في كلّ ما يأمر و ينهى و رضاهم‏بكلّ ما يفعل و يريد، و سعيهم في مقاصده و ماربه.

و أن يكون مراده من الشرّ ما تفرّس منهم بل شاهده من قصدهم لنكث البيعة و ثوران الفتنة، و يكون المراد بالذّهاب عنه الاعراض عنه و الترك له.
و إنّما قلنا إنّ الأشبه ذلك لما حكيناه عن بعض الشراح من أنّ هذه الخطبة خطب بها في أوائل البيعة فقرينة الحال و المقام تشعر بما ذكرناه.

و كيف كان فلما أمر عليه السّلام بما أمر أكّده بالحديث النبويّ صلّى اللّه عليه و آله فقال (فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان يقول: يا ابن آدم اعمل الخير و دع الشرّ) أى اتركه (فاذا أنت جواد قاصد) يحتمل أن يكون المراد بالقاصد الراشد الغير المجاوز عن الحدّ في سيره بأن لا يكون سريع السّير فيتعب بسرعته، و لا بطى‏ء السّير فيفوت الغرض ببطوئه، و أن يكون المراد به السائر في قصد السّبيل أى غير الخارج عن الجادّة الوسطى، و تشبيه عامل الخير و تارك الشرّ به على الأوّل من أجل اتّصافه بالعدل في أموره و براءته من الافراط و التفريط، و على الثاني من أجل كون سلوكه على الجادّة الوسطى و الصراط المستقيم الموصل به إلى نضرة النّعيم و الفوز العظيم.

ثمّ نبّه على أقسام الظلم تلميحا إلى مظلوميته عليه السّلام و تنبيها على أنّ ظلامته لا تترك فقال (ألا و انّ الظلم ثلاثة فظلم لا يغفر، و ظلم لا يترك، و ظلم مغفور لا يطلب، فأمّا الظلم الّذي لا يغفر فالشّرك باللّه) لما (قال اللّه سبحانه إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) عدم الغفران بالشرك مشروط بعدم التوبة، لأنّ الأمة أجمعت على أنّ اللّه يغفره بالتوبة و إن كان الغفران مع التوبة عند المعتزلة على وجه الوجوب و عندنا على وجه التفضّل و الانعام كما يأتي التصريح بذلك عن مجمع البيان.

(و أمّا الظلم الّذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات) لعلّ المراد بذلك البعض الصغائر لأنّ الاجتناب عن الكباير يكون كفارة لها كما قال تعالى: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ».
و أمّا حمله على المغفرة بالتوبة أو الشفاعة ففيه انّ المغفرة بهما لا اختصاص لها ببعض الهنات السّيئات بل جميع المعاصي تكون مغفورة بعد حصول التوبة و الشفاعةعلى أنّ حمله على صورة التوبة يوجب عدم الفرق بينه و بين القسم الأوّل لما عرفت هناك من الاجماع على غفران الشرك أيضا بالتوبة كساير المعاصي صغيرة أو كبيرة فلا يكون على ذلك للتفكيك بين القسمين وجه.

و الحاصل أنّ الشرك و غيره مشتركان في الغفران بالتوبة و في عدمه بعدمها إلّا الصغائر فانّها تغفر مع عدمها أيضا إذا حصل الاجتناب عن الكباير هذا.
و لكن ظاهر قوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» هو غفران ما دون الشرك مطلقا صغيرا كان أو كبيرا، بل صرّح به في بعض الأخبار.

و هو ما رواه في الصّافي من الكافي عن الصّادق عليه السّلام في هذه الاية قال: الكبائر فما سواها.
و فيه منه و من الفقيه أنّه عليه السّلام سئل هل تدخل الكباير في مشيّة اللّه قال: نعم ذاك إليه عزّ و جلّ إن شاء عذّب و إن شاء عفى عنها.
و في تفسير عليّ بن إبراهيم عند تفسير هذه الاية قال: حدّثني أبي عن ابن أبي عمير عن هشام عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قلت له: دخلت الكبائر في الاستثناء قال: نعم.

قال الطبرسيّ في مجمع البيان في تفسيرها: معناها أنّ اللّه لا يغفر أن يشرك به أحد و لا يغفر ذنب المشرك لأحد و يغفر ما دون الشرك من الذّنوب لمن يريد قال المحقّقون: هذه الاية أرجى آية في القرآن، لأنّ فيه إدخال ما دون الشرك من جميع المعاصي في مشيّة الغفران وقف اللّه المؤمنين الموحّدين بهذه الاية بين الخوف و الرّجاء و بين العدل و الفضل، و ذلك صفة المؤمن، و لذلك قال الصادق عليه السّلام: لو وزن رجاء المؤمن و خوفه لاعتدلا.
قال الطبرسيّ: و وجه الاستدلال بهذه على أنّ اللّه يغفر الذّنوب من غير توبة أنه نفى غفران الشرك و لم ينف غفرانه على كلّ حال بل نفى أن يغفر من غير توبة لأنّ الامة اجتمعت على أنّ اللّه يغفره بالتوبة و إن كان الغفران عند المعتزلة على‏وجه الوجوب و عندنا على وجه التفضّل، و على هذا يجب أن يكون المراد بقوله: وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ، أنّه يغفر ما دون الشرك من الذنوب بغير توبة لمن يشاء من المذنبين غير الكافرين.

و لا معنى لقول المعتزلة إنّ في حمل الاية على ظاهرها و إدخال ما دون الشرك في المشيّة إغراء على المعصية، لأنّ الاغراء إنّما يحصل بالقطع على الغفران فأمّا إذا كان الغفران معلّقا بالمشيّة فلا إغراء فيه. بل يكون العبد به واقفا بين الخوف و الرجاء و بهذا وردت الأخبار الكثيرة من طريق الخاصّ و العامّ، و انعقد عليه اجماع سلف أهل الاسلام.
و من قال في غفران ذنوب البعض دون البعض ميل و محاباة و لا يجوز الميل و المحاباة على اللّه.

فجوابه أنّ اللّه متفضّل بالغفران و للمتفضّل أن يتفضّل على قوم دون قوم و انسان دون انسان، و هو عادل في تعذيب من يعذّبه، و ليس يمنع العقل و الشرع من الفضل و العدل.
و من قال منهم أنّ لفظة ما دون ذلك و إن كانت عامة في الذنوب الّتي هى دون الشرك فانما نخصّها و نحملها على الصغائر أو ما يقع منه التوبة لأجل عموم ظاهر آيات الوعيد.

فجوابه إنا نعكس عليكم ذلك فنقول: بل خصّصوا ظواهر تلك الايات لعموم هذه الاية و هذا أولى لما روى عن بعض أنّه قال إنّ هذه الاية استثناء على جميع القرآن يريد به و اللّه أعلم جميع آيات الوعيد.
و أيضا فان الصّغاير يرتفع عندكم محبطة و لا تجوز المؤاخذة بها، و ما هذا حكمه فكيف تعلّق بالمشيّة فانّ أحدا لا يقول إني أفعل الواجب إن شئت و أردّ الوديعة إن شئت، انتهى.

و بما ذكرنا ظهر لك فساد ما توهّمه الشارح المعتزلي فانّه بعد ما ذكر أنّ الكبائر حكمها حكم الشرك عند أصحابه المعتزلة في عدم المغفرة اعترض على‏نفسه بأنّ الاية صريحة في التفكيك بينها و بينه، و أجاب بما ملخّصه أنّ المراد من لفظ الغفران هو الستر في موقف القيامة و المراد أنّ اللّه لا يستر في موقف القيامة من مات مشركا بل يفضحه على رءوس الأشهاد، و أمّا من مات على كبيرة من أهل الاسلام فانّ اللّه يستره في الموقف و لا يفضحه بين الخلايق و إن كان من أهل النار، و قد يكون من أهل الكبائر ممّن يقرّ بالذّنوب من تعظم كبائره جدّا فيفضحه اللّه في الموقف كما يفضح المشرك، فهذا معنى قوله: «وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» انتهى.

وجه الفساد أنّ الغفر و إن كان في اللّغة بمعنى الستر و التغطية إلّا أنّه في الايات و الأخبار حيثما يطلق يراد به التجاوز عن الخطايا و العفو عن الذنوب و الستر عليها، فحمله على الستر المخصوص بالموقف خلاف ظاهر الاطلاق، و الأصل عدم التقييد فلا داعي إلى المصير إليه.

و أقول على رغم المعتزلة أنهم لتمسّكهم بحجزة خلفائهم الضّالين المضلّين و انحرافهم عن أولياء الدّين أساءوا ظنّهم باللّه ربّ العالمين و حكموا في مرتكبي الكباير من المسلمين بكونهم في النار معذّبين كالكفّار و المشركين، و اللّه سبحانه مجازيهم على نيّاتهم و عقيدتهم و حاشرهم يوم القيامة مع من يتولّونه ثمّ يردّهم إلى أسفل السافلين من الجحيم مخلّدين فيها و لا هم عنها يخرجون.

و أمّا نحن فلاعتصامنا بالعروة الوثقى و الحبل المتين أعني ولاية أمير المؤمنين و ولاية آله المعصومين نحسن ظنّنا باللّه و نرجو غفرانه و عفوه و الحشر مع أوليائنا و إن كان في بحار الذّنوب مغرقين، و لا نظنّ في حقّ ربّنا الغفور الرّحيم انّه يسمع في النار صوت عبد مسلم سجن فيها بمخالفته و ذاق طعم عذابها بمعصيته و حبس بين أطباقها بجرمه و جريرته و هو يضجّ إليه ضجيج مؤمّل لرحمته و يناديه بلسان أهل توحيده و يتوسّل إليه بربوبيّته، فكيف يبقى في العذاب و هو يرجو ما سلف من حلمه و رأفته، أم كيف تؤلمه النّار و هو يأمل فضله و رحمته، أم كيف يحرقه لهبها و هو يسمع صوته و يرى مكانه، أم كيف يشتمل عليه زفيرها و هو يعلم ضعفه أم كيف يتغلغل بين أطباقها و هو يعلم صدقه، أم كيف تزجره زبانيتها و هو يناديه يا ربّه، أم كيف يرجو فضله في‏عتقه منها فيتركه فيها هيهات ما هكذا الظنّ به و لا المعروف من فضله، و لا مشبه لما عامل به الموحّدين من برّه و إحسانه، فباليقين نقطع لو لا ما حكم به من تعذيب جاحديه و قضى به من إخلاد معانديه لجعل النار كلّها بردا و سلاما و ما كان لأحد من شيعة أمير المؤمنين و محبّيه مقرّا و لا مقاما.«» و لقد روى في الفقيه عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال: و لقد سمعت حبيبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: لو أنّ المؤمن خرج من الدّنيا و عليه مثل ذنوب أهل الأرض لكان الموت كفّارة لتلك الذّنوب ثمّ قال صلّى اللّه عليه و آله: و من قال لا إله إلّا اللّه باخلاص فهو برى‏ء من الشرك، و من خرج من الدّنيا لا يشرك باللّه شيئا دخل الجنّة ثمّ تلى صلّى اللّه عليه و آله هذه الاية: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» من شيعتك و محبّيك يا علي قال أمير المؤمنين عليه السّلام: فقلت: يا رسول اللّه هذا لشيعتي قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم اى و ربّي هذا لشيعتك، هذا.

(و أمّا الظلم الّذى لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا) فقد روى في الكافي عن شيخ عن النخعي قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام إني لم أزل واليا منذ زمن الحجّاج إلى يومي هذا فهل لي من توبة قال: فسكت ثمّ أعدت عليه فقال: لا حتّى تؤدّى إلى كلّ ذى حقّ حقّه.
و عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: من ظلم مظلمة أخذ بها في نفسه أو في ماله أو في ولده.
و عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قال: ما انتصر اللّه من ظالم إلّا بظالم و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ «وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً».

و فيه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام عن رسول اللّه و عن أمير المؤمنين صلوات اللّه عليهما و على آلهما: من خاف القصاص كفّ عن ظلم الناس.

(ف) انّ (القصاص هناك) أى في الاخرة مضافا إلى قصاص الدّنيا (شديد)، و يوم المظلوم على الظالم أشدّ من يوم الظالم على المظلوم، لأنّ يوم الظالم الدّنيا فقط،و يوم المظلوم الدّنيا و الاخرة و المنتقم هو اللّه سبحانه و (ليس هو) أى قصاصه و انتقامه (جرحا بالمدى) و السّكاكين (و لا ضربا بالسّياط) و العصا و نحو ذلك من مولمات الدّنيا (و لكنّه ما يستصغر ذلك معه) هو نار الجحيم و العذاب الأليم و الخزى العظيم.

قال الشارح: قد أشرت سابقا إلى أنّ في ذكره أقسام الظلم و ما يترتّب عليها من العقوبات تلميحا إلى مظلوميّته عليه السّلام و تنبيها على أنّ الظلم الذي وقع في حقّه ليس بحيث يترك و يرفع اليد عنه، بل يقتصّ من ظالميه البتّة و ينتقم بمقتضى العدل و اللّه عزيز ذو انتقام، و حيث إنّ ظلامة آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أعظم ما وقع في الأرض من المظالم حيث غصبوا خلافتهم و أحرقوا باب بيتهم و أسقطوا محسنهم و قتلوا أمير المؤمنين و ابنيه الحسن و الحسين عليهم السّلام بالسمّ و سيف العدوان و أداروا رأسه و رأس أصحابه على الرماح و السنان، و شهروا نساءه و بناته في الأصقاع و البلدان إلى غير ذلك من الظلم و الطغيان الّذي يعجز عن تقريره اللّسان و يضيق عنه البيان، فلا بدّ أن يكون قصاص ظلاماتهم أشدّ و عقوبة ظالميهم أعظم و أخزى و أحببت أن اورد بعض ما ورد فيه من الأخبار باقتضاء المقام.

فأقول: روى في البحار من كتاب الاحتجاج عن سليم بن قيس الهلالى عن سلمان الفارسي قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام في يوم بيعة أبي بكر: لست بقائل غير شي‏ء واحدا ذكّركم باللّه أيّها الأربعة- يعنيني و الزبير و أبا ذر و المقداد- أسمعتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: إنّ تابوتا من النار فيه اثنى عشر رجلا، ستّة من الأوّلين و ستّة من الاخرين في جبّ في قعر جهنّم في تابوت مقفل على ذلك الجبّ صخرة إذا أراد اللّه أن يسعر جهنّم كشف تلك الصخرة عن ذلك الجبّ فاستعاذت جهنّم من وهيج ذلك الجبّ.

فسألناه عنهم و أنتم شهود، فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله: أمّا الأوّلين فابن آدم عليه السّلام الّذي قتل أخاه، و فرعون الفراعنة، و الّذي حاجّ إبراهيم في ربّه، و رجلان من بني اسرائيل بدّلا كتابهما و غيّر اسنّتهما أمّا أحدهمافهوّد اليهود و الاخر نصّر النصارى و إبليس سادسهم و الدّجال في الاخرين.

و هؤلاء الخمسة أصحاب الصّحيفة الّذين تعاهدوا و تعاقدوا على عداوتك يا أخى و التظاهر عليك بعدي هذا و هذا حتّى عدّهم و سمّاهم، فقال سلمان: فقلنا صدقت نشهد أنّا سمعنا ذلك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
و في تفسير علىّ بن إبراهيم عن الصّادق عليه السّلام في قوله تعالى «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ» قال عليه السّلام: الفلق جبّ في جهنّم يتعوّذ أهل النّار من شدّة حرّه سأل اللّه أن يأذن له فيتنفّس فأذن له فتنفّس فأحرق جهنّم، فقال عليه السّلام: و في ذلك الجبّ صندوق من نار يتعوّذ منه أهل الجبّ من حرّ ذلك الصّندوق و هو التابوت و في ذلك ستّة من الأوّلين و ستّة من الاخرين.

فأمّا الستّة الّتي من الأوّلين فابن آدم الّذي قتل أخاه، و نمرود إبراهيم الّذي ألقى إبراهيم في النار، و فرعون موسى، و السامرى الّذي اتّخذ العجل، و الّذي هوّد اليهود، و الّذي نصّر النصارى.
و أمّا الستّة من الاخرين فهو الأوّل، و الثاني، و الثالث، و الرابع، و صاحب الجوارح، و ابن ملجم «وَ مِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ» قال عليه السّلام: الّذي يلقى الجبّ يقب فيه.

و في البحار من الخصال و عقاب الأعمال عن إسحاق بن عمّار عن موسى بن جعفر عليهما السّلام قال لي يا اسحاق إنّ في النّار لواديا يقال له سقر لم يتنفّس منذ خلق اللّه لو أذن اللّه عزّ و جلّ له في التنفس بقدر مخيط حرق ما على وجه الأرض، و إنّ أهل النار ليتعوّذون من حرّ ذلك الوادى و نتنه و قذره و ما أعدّ اللّه فيه لأهله، و انّ في ذلك الوادي جبلا يتعوّذ جميع أهل ذلك الجبل من حرّ ذلك الشعب و نتنه و قذره و ما أعدّ اللّه فيه لأهله، و انّ في ذلك الشعب لقليبا يتعوّذ جميع أهل ذلك الشعب من حرّ ذلك القليب و نتنه و قذره و ما أعدّ اللّه فيه لأهله، و انّ في ذلك القليب لحيّة يتعوّذ أهل ذلك القليب من خبث تلك الحيّة و نتنها و قذرها و ما أعدّ اللّه في أنيابها من السمّ للذعها، و انّ في جوف تلك الحيّة سبعة صناديق فيها خمسة من الأمم السالفة و اثنان‏من هذه الأمة.

قال: قلت: جعلت فداك و من الخمسة و من الاثنان قال: فأمّا الخمسة فقابيل الّذي قتل هابيل، و نمرود الّذي حاجّ إبراهيم في ربّه و قال أنا أحيي و أميت، و فرعون الّذي قال أنا ربّكم الأعلى، و يهود الّذي هوّد اليهود، و بولس الّذي نصّر النصارى، و من هذه الأمة: الأعرابيّان.

أقول: الأعرابيّان: الأوّل و الثّاني اللّذان لم يؤمنا باللّه طرفة عين.
و فيه من عقاب الأعمال عن حنّان بن سدير قال: حدّثني رجل من أصحاب أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سمعته يقول إنّ أشدّ الناس عذابا يوم القيامة لسبعة نفر أوّلهم ابن آدم الّذي قتل أخاه، و نمرود الّذي حاجّ إبراهيم في ربّه، و اثنان في بني اسرائيل هوّدا قومهما و نصّراهما، و فرعون الّذي قال أنا ربكم الأعلى، و اثنان في هذه الامة أحدهما شرّهما في تابوت من قوارير تحت الفلق في بحار من نار.

و فيه من كتاب الاختصاص عن يحيى بن محمّد الفارسي عن أبيه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام عن أبيه عن أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و آله قال: خرجت ذات يوم إلى ظهر الكوفة و بين يدىّ قنبر فقلت يا قنبر ترى ما أرى فقال: قد ضوء اللّه لك يا أمير المؤمنين عمّا عمى عنه بصرى، فقلت: يا أصحابنا ترون ما أرى فقالوا: لا قد ضوء اللّه لك يا أمير المؤمنين عمّا عمى عنه أبصارنا فقلت و الّذي فلق الحبّة و برى‏ء النسمة لترونه كما أراه و لتسمعنّ كلامه كما أسمع.

فما لبثنا أن طلع شيخ عظيم الهامة له عينان بالطول فقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته فقلت: من أين أقبلت يا لعين قال: من الاثام، فقلت: و أين تريد فقال: الاثام، فقلت. بئس الشيخ أنت، فقال: تقول: هذا يا أمير المؤمنين فو اللّه لأحدّثنك بحديث عنّى عن اللّه عزّ و جلّ ما بيننا ثالث، فقلت عنك عن اللّه عزّ و جلّ ما بينكما ثالث قال: نعم.

قال: انّه لما هبطت بخطيئتي إلى السماء الرابعة ناديت إلهى و سيّدى ما أحسبك خلقت من هو أشقى منّي، فأوحى اللّه تبارك و تعالى بلى قد خلقت من هوأشقى منك فانطلق إلى مالك يريكه، فانطلقت إلى مالك فقلت: السّلام يقرئك السّلام و يقول: أرنى من هو أشقى منّى، فانطلق بي مالك إلى النّار فرفع الطبق الأعلى فخرجت نار سوداء ظننت أنها قد أكلتني و أكلت مالكا، فقال لها: اهدئى، فهدأت، ثمّ انطلق بى إلى الطبق الثاني فخرجت نار هي أشدّ من تلك سوادا و أشدّ حمى فقال لها: أخمدى، فخمدت، إلى أن انطلق بي إلى السابع و كلّ نار يخرج من طبق يخرج أشدّ من الاولى فخرجت نار ظننت أنها قد أكلتنى و أكلت مالكا و جميع ما خلقه اللّه عزّ و جلّ فوضعت يدي على عيني و قلت: مرها يا مالك أن تخمد و إلّا خمدت فقال: أنت لم تخمد إلى الوقت المعلوم، فأمرها فخمدت، فرأيت رجلين في أعناقهما سلاسل النّيران معلّقين بها إلى فوق و على رؤوسهما قوم معهم مقامع النيران يقمعونهما بها، فقلت: يا مالك من هذان فقال: أو ما قرئت في ساق العرش و كنت قرأته قبل أن يخلق اللّه الدّنيا بألفي عام لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه أيّدته و نصرته بعلىّ، فقال: هذان عدّوا ذلك و ظالماهم.

ثمّ إنّه حذّرهم عن التلوّن في الدّين فقال (فاياكم و التلوّن في دين اللّه) تحذير لهم عن عدم الثبات على خلق واحد في أمر الدّين و عن التقلّب و التذبذب في أحكام الشرع المبين.
و الظاهر أنه راجع الى جماعة بلغه عليه السّلام من بعضهم توقّفهم في بيعته كعبد اللّه ابن عمر و سعد بن أبي وقاص و حسّان بن ثابت و اسامة بن زيد و أضرابهم، و عن بعضهم إرادة النكث و النقض للبيعة بعد توكيدها مثل طلحة و الزبير و أتباعهما.

و مرجع هذا التحذير في الحقيقة إلى التحذير عن النّفاق، لأنّ المنافق لا يستقيم على رأى واحد.
و قد ذمّ اللّه المنافقين على ذلك بقوله «مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى‏ هؤُلاءِ وَ لا إِلى‏ هؤُلاءِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا» و قال أيضا «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ»روى في الصّافي عن العياشي عن الصّادق عليه السّلام في قوله: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا» قال هما و الثالث و الرابع و عبد الرحمن و طلحة و كانوا سبعة الحديث.

و عن الصّادق عليه السّلام نزلت في فلان و فلان و فلان آمنوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أوّل الأمر «ثُمَّ كَفَرُوا» حين عرضت عليهم الولاية حيث قال من كنت مولاه فعليّ مولاه «ثُمَّ آمَنُوا» بالبيعة لأمير المؤمنين عليه السّلام حيث قالوا له بأمر اللّه و أمر رسوله فبايعوه «ثُمَّ كَفَرُوا» حيث مضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فلم يقرّوا بالبيعة «ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً» بأخذهم من بايعوه بالبيعة لهم فهؤلاء لم يبق من الايمان شي‏ء و كيف.

فلما حذّرهم عن التلوّن الملازم للنفاق و التفرّق علّله بقوله (فانّ جماعة فيما تكرهون من الحقّ خيره من فرقة فيما تحبّون من الباطل) يعني الاجتماع على الحقّ خير من الافتراق على الباطل و إن كان الأوّل مكروها لكم و الثاني محبوبا لديكم، و لعلّ المراد أنّ اجتماعكم على بيعتي و ثباتكم عليه خير لكم عاجلا و آجلا من افتراقكم عنها ابتغاء للفتنة و حبّا لها.

و أكّد ذلك بقوله (و انّ اللّه سبحانه لم يعط أحدا بفرقة خيرا ممّا مضى و لا مما بقى) لفظة با في الموضعين إمّا بمعنى من و يؤيّده ما في أكثر النسخ من لفظة من بدلها فيكون المراد أنه لم يعط أحدا من السّلف و لا من الخلف خيرا بسبب الافتراق، و إمّا بمعناها الأصلي فيكون المعنى أنّه تعالى لم يعط أحدا بسبب الافتراق خيرا من الدّنيا و لا من العقبى.
و ذلك لأنّ الانسان مدنىّ بالطبع محتاج في اصلاح أمر معاشه و معاده و انتظام اولاه و اخراه إلى التعاون و الاجتماع و الايتلاف.
و لذلك قال عليه السّلام في كلامه المأة و السابع و العشرين: و الزموا السواد الأعظم فانّ يد اللّه على الجماعة و اياكم و الفرقة فانّ الشاذّ من الناس للشيطان كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب.
و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من فارق الجماعة قدر شبر فقد خلع ربقة الاسلام عن عنقه هذا.

و لكثرة فوائد الاجتماع و الايتلاف و عظم ما يترتّب عليها من الثمرات الدّنيويّة حبّ مؤكّدا فعل الجمعة و الجماعة و الأخبار الواردة في الحثّ و الترغيب عليهما فوق حدّ الاحصاء.
(أيّها النّاس طوبى لمن شغله عيبه) و محاسبة نفسه (عن عيب الناس) و غيبتهم روى في عقاب الأعمال عن الحسن بن زيد عن جعفر عن أبيه عليهما السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ أسرع الخير ثوابا البرّ و إنّ أسرع الشرّ عقابا البغى، و كفى بالمرء عيبا أن ينظر من النّاس إلى ما يعمى عينه من نفسه، و يعير الناس بما لا يستطيع تركه و يؤذى جليسه بما لا يعنيه.

قال الطريحي في قوله تعالى «طُوبى‏ لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ» أى طيب العيش، و قيل طوبى الخير و أقصى الامنية، و قيل اسم للجنّة بلغة أهل الهند، و في الخبر عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنها شجرة في الجنّة أصلها في دارى و فرعها في دار عليّ عليه السّلام فقيل له في ذلك فقال: داري و دار عليّ في الجنّة بمكان واحد، قال و في الحديث هي شجرة في الجنّة أصلها في دار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و ليس مؤمن إلّا و في داره غصن منها لا يخطر على قلبه شهوة إلّا أتاه ذلك الغصن، و لو أنّ راكبا مجدّا سار في ظلّها مأئة عام ما خرج و لو طار من أسفلها غراب ما بلغ أعلاها حتّى سقط هرما.

(و طوبى لمن لزم بيته) قد مرّ الكلام مشبعا في فوايد العزلة و ثمراتها في شرح الفصل الثاني من الخطبة المأة و الثانية.
فان قلت: أ ليس الاعتزال و ملازمة البيت ملازما للفرقة الّتي نهى عنها سابقا فكيف يجتمع النهي عن الفرقة مع الحثّ على العزلة المستفاد من هذه الجملة الخبريّة قلت: لا تنافي بينهما، لأنّ النهى السابق محمول على الافتراق لاثارة الفتنة و طلب الباطل كما يشعر به كلامه السابق أيضا، و هذا محمول على الاعتزال لطلب الحقّ و مناجاة الرّب و تزكية النفس من رزائل الأخلاق.

كما يدلّ عليه قوله (و أكل قوته و اشتغل بطاعة ربّه و بكى على) سالف‏(خطيئته) و موبق معصيته (فكان من نفسه في شغل و النّاس منه في راحة) أى يدا و لسانا.
روى في الكافي عن أبي البلاد رفعه قال: جاء أعرابيّ إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو يريد بعض غزواته فاخذ بغرز«» راحلته فقال: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله علّمني عملا أدخل به الجنّة، فقال صلّى اللّه عليه و آله ما أحببت أن يأتيه الناس إليك فأته إليهم، و ما كرهت أن يأتيه الناس إليك فلا تأته إليهم، خلّ سبيل الراحلة.

و فيه عن عثمان بن جبلة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثلاث خصال من كنّ فيه أو واحدة منهنّ كان في ظلّ عرش اللّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه: رجل أعطى النّاس من نفسه ما هو سائلهم، و رجل لم يقدم رجلا و لم يؤخّر رجلا حتى يعلم أنّ ذلك للّه رضى، و رجل لم يعب أخاه المسلم بعيب حتّى ينفى ذلك العيب عن نفسه فانّه لا ينفى منها عيبا إلّا بدا له عيب و كفى بالمرء شغلا بنفسه عن الناس

الترجمة

پس از آن حذر نمائيد از متفرّق ساختن خلقها و از برگرداندن آنها و بگردانيد زبان را يك زبان، و بايد كه حفظ نمايد مرد زبان خود را از جهة اين كه اين زبان سركش است بصاحب خود، قسم بخدا نمي ‏بينم بنده را پرهيز كند پرهيز كارى كه منفعت بخشد او را تا اين كه نگه دارد زبانش را، پس بدرستي كه زبان مؤمن از پشت قلب او است و بدرستي كه قلب منافق از پشت زبان او است، بجهة اين كه اگر مؤمن بخواهد تكلّم بنمايد بسخني انديشه مي كند آن را در پيش نفس خود پس اگر خوب باشد آن سخن اظهار مى‏ نمايد آن را، و اگر بد باشد پنهان مى‏ سازد او را، و بدرستى كه منافق تكلّم مى ‏نمايد بهر چه زبان او مى ‏آيد و نمى ‏داند چه چيزى منفعت دارد باو و چه چيز ضرر دارد بر او.

و بتحقيق فرموده است حضرت رسالتماب صلوات اللّه و سلامه عليه و آله كه:مستقيم نشود ايمان بنده مگر اين كه مستقيم شود قلب او، و مستقيم نشود قلب او مگر اين كه مستقيم شود زبان او، پس هر كس قدرت داشته باشد از شما باين كه ملاقات كند پروردگار خود را در حالتى كه پاك باشد دست او از خونهاى مسلمانان و مالهاى ايشان و سالم باشد زبان او از عرضهاى ايشان پس بايد كه بكند آنرا.

و بدانيد اى بندگان خدا كه بدرستي مرد صاحب ايمان حلال مى‏ سازد امسال آن چيزى را كه حلال دانسته در سال گذشته و حرام مى‏ شمارد امسال چيزى را كه حرام شمرده در سال گذشته، و بدرستي چيزى كه تازه احداث كرده است آن را مردمان حلال نمى‏ نمايد از براى شما هيچ چيز از آنچه كه حرام گردانيده شده است بر شما، و لكن حلال منحصر است به آن چه كه خدا حلال فرموده، و حرام منحصر است به آن چه كه خدا حرام فرموده.

پس بتحقيق كه تجربه كرده ‏ايد كارها را، و محكم گردانيده ‏ايد آنها را، و نصيحت داده شده ‏ايد با كساني كه بوده‏ اند پيش از شما، و زده شده از براى شما مثلها، و دعوت شده ‏ايد بسوى أمر روشن، پس كر نمى‏ شود در آن مگر كسى كه زياد كر باشد، و كور نمى‏ شود از آن مگر كسى كه بغايت كور باشد، و آن كسى كه نفع نداد او را خداى تعالى با امتحان و تجربها منتفع نشد بچيزى از موعظه و آمد او را ضرر و تقصير از پيش او تا اين كه خيال مي كند معرفت چيزى را كه انكار داشت او را، و انكار مى ‏نمايد چيزى را كه معرفت داشت باو.

پس بدرستى كه مردمان دو مردند: يكى آنكه پيروى كننده است شريعت را و ديگرى آنكه اختراع كننده است بدعت را در حالتى كه نيست با او از جانب خداوند دليلي از سنّت، و نه روشني دليلي.
و بدرستى كه خداى تعالى موعظه نفرموده هيچ أحدى را بمثل اين قرآن، پس بدرستى كه قرآن ريسمان محكم خداست و ريسماني است كه ايمن است، و در او است بهار قلبها و چشمهاى علمها، و نيست مر قلب را جلاء و صيقلى غير آن با وجود «ج 15»اين كه رفتند صاحبان تذكّر، و باقي مانده است صاحبان نسيان و فراموشى يا خود را بفراموشي زنندگان، پس چون ببينيد چيز نيكوئى را پس اعانت نمائيد بر او، و چون مشاهده كنيد چيز بدى را پس كناره‏جوئى كنيد از آن پس بدرستي كه حضرت رسالتماب صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مى‏فرمود كه اى پسر آدم عمل كن خير را و ترك كن شرّ را، پس اين هنگام تو مى‏باشي پسنديده رفتار و پسنديده كردار.

آگاه باشيد بدرستى كه ظلم سه قسم است: ظلميست كه آمرزيده نمى ‏شود، و ظلمى است كه ترك كرده نمى ‏شود، و ظلميست كه آمرزيده خواهد شد.
پس أما ظلمى كه بخشيده نخواهد شد پس عبارتست از شرك آوردن بخدا خداوند تعالى فرموده: بدرستى كه خدا نمى ‏بخشد در اين كه شرك آورده باو، و اما ظلمى كه بخشيده خواهد شد پس آن ظلم كردن بنده است بر نفس خود در بعض اعمال قبيحه و معاصي، و أما ظلمى كه متروك نمى ‏شود پس آن ظلم بندگان است بعضي بر بعضي، و ديگر قصاص ظالم در آخرت سخت و با شدّتست نه از قبيل زخم زدن است با كاردها و نه زدن با تازيانها و ليكن عذابيست كه كوچك شمرده مى‏ شود اين زخم و ضرب در جنب او پس بترسيد از متلوّن شدن و دو رنگ بودن در دين خداى تعالى، پس بدرستى كه اتفاق كردن در چيزى كه ناخوش مى‏ داريد از أمر حق بهتر است از متفرّق گشتن در چيزى كه دوست مى‏ داريد از أمر باطل، و بدرستى كه خداى تعالى عطا نكرد أحدى را بسبب افتراق و اختلاف خير و منفعتي نه از گذشتگان و نه از آيندگان.

اى مردمان خوشا مر آن كسى را كه مشغول سازد او را عيب او از عيبهاى مردمان، و خوشا مر آن كسى را كه ملازم بشود خانه خود يعني منزوى شود و بخورد قوت حلال خود را و مشغول شود بطاعت پروردگار خود و گريه كند بگناهان خود، پس باشد از نفس خود در شغلى كه مشغول او شود و مردمان از او در راحت.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 174 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 175 صبحی صالح

175- من خطبة له ( عليه‏ السلام  ) في الموعظة و بيان قرباه من رسول اللّه‏

أَيُّهَا النَّاسُ غَيْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ وَ التَّارِكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ

مَا لِي أَرَاكُمْ عَنِ اللَّهِ ذَاهِبِينَ وَ إِلَى غَيْرِهِ رَاغِبِينَ

كَأَنَّكُمْ نَعَمٌ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إِلَى مَرْعًى وَبِيٍّ وَ مَشْرَبٍ دَوِيٍّ

وَ إِنَّمَا هِيَ كَالْمَعْلُوفَةِ لِلْمُدَى لَا تَعْرِفُ مَا ذَا يُرَادُ بِهَا إِذَا أُحْسِنَ إِلَيْهَا تَحْسَبُ يَوْمَهَا دَهْرَهَا وَ شِبَعَهَا أَمْرَهَا

وَ اللَّهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ وَ مَوْلِجِهِ وَ جَمِيعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ

وَ لَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فِيَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ( صلى‏الله‏عليه‏وآله  )

أَلَا وَ إِنِّي مُفْضِيهِ إِلَى الْخَاصَّةِ مِمَّنْ يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ

وَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ وَ اصْطَفَاهُ عَلَى الْخَلْقِ مَا أَنْطِقُ إِلَّا صَادِقاً

وَ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَ بِمَهْلِكِ مَنْ يَهْلِكُ وَ مَنْجَى مَنْ يَنْجُو وَ مَآلِ هَذَا الْأَمْرِ

وَ مَا أَبْقَى شَيْئاً يَمُرُّ عَلَى رَأْسِي إِلَّا أَفْرَغَهُ فِي أُذُنَيَّ وَ أَفْضَى بِهِ إِلَيَّ

أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي وَ اللَّهِ مَا أَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ إِلَّا وَ أَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا

وَ لَا أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلَّا وَ أَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج10  

و من خطبة له عليه السّلام و هى المأة و الرابعة و السبعون من المختار في باب الخطب

أيّها الغافلون غير المغفول عنهم، و التّاركون المأخوذ منهم، ما لي أريكم من اللّه ذاهبين، و إلى غيره راغبين، كأنّكم نعم أراح بها سائم إلى مرعي وبيّ، و مشرب دويّ، إنّما هي كالمعلوفة للمدى لا تعرف ما ذا يراد بها إذا أحسن إليها، تحسب يومها دهرها، و شبعها أمرها، و اللّه لو شئت أن أخبر كلّ رجل منكم بمخرجه و مولجه و جميع شأنه لفعلت، و لكن أخاف أن تكفروا فيّ برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ألا و إنّي مفضيه إلى الخاصّة ممّن يؤمن ذلك منه، و الّذي بعثه بالحقّ و اصطفاه على الخلق ما أنطق إلّا صادقا، و لقد عهد إليّ بذلك كلّه و بمهلك من يهلك و منجى من ينجو و مال هذا الأمر، و ما أبقى شيئا يمرّ على رأسي إلّا أفرغه في أذنيّ، و أفضى به إليّ، أيّها النّاس و اللّه ما أحثّكم على طاعة إلّا و أسبقكم إليها، و لا أنهيكم عن معصية إلّا و أتناهى قبلكم عنها.

اللغة

(النعم) بالتحريك جمع لا واحد له من لفظه و أكثر اطلاقه على الابل‏ و (أراح) الابل ردّها إلى المراح و هو بالضمّ مأوى الماشية باللّيل و بالفتح الموضع الّذي يروح منه القوم أو يروحون إليه و (سامت) الماشية سوما رعت بنفسها فهي سائمة و تتعدّى بالهمزة فيقال أسامها راعيها أى أرعيها و (الوبيّ) بالتشديد ذو الوباء و المرض و أصله الهمزة و (الدّوى) ذو الداء و الأصل في الدويّ دوى بالتخفيف و لكنّه شدّد للازدواج قال الجوهري: رجل دو بكسر الواو أى فاسد الجوف من داء و (المدى) بالضمّ جمع مدية و هى السكين و (الشبع) وزان عنب ضدّ الجوع.

الاعراب

غير المغفول صفة للغافلون و صحّة كون غير صفة للمعرفة مع توغّله في النكارة و عدم قبوله للتعريف و لو اضيف إلى المعارف من حيث إنّه لم يرد بالغافلين طائفة معيّنة فكان فيه شائبة الابهام و صحّ بذلك وصفه بالنكرة كما في قوله: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ على قول من يجعل غير وصفا للّذين لا بدلا منه، و الاستفهام في قوله: ما لى أراكم، للتعجّب كما في قوله: وَ تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما و سائم فاعل أراح كما يستفاد من شرح البحراني، أو صفة للفاعل المحذوف كما يستفاد من شرح المعتزلي و العلّامة المجلسيّ «ره».
و قوله: تحسب يومها دهرها و شبعها أمرها، الظاهر أنّ يومها ثاني مفعول تحسب و كذلك شبعها و التقديم على الأوّل لقصد الحصر.

المعنى

اعلم أنّ مدار هذه الخطبة الشريفة على فصلين:
الفصل الاول في ايقاظ الغافلين و تنبيه الجاهلين من رقدة الغفلة و الجهالة
و هو قوله: (أيّها الغافلون غير المغفول عنهم) الظاهر أنّ الخطاب لكلّ من اتّصف‏بالغفلة من المكلّفين أى الّذين غفلوا عمّا اريد منهم من المعارف الحقّة و التكاليف الشرعية و لم يغفل عنهم و عمّا فعلوا، لكون أعمالهم مكتوبة محفوظة في اللّوح المحفوظ و صحائف الأعمال و كلّ ما فعلوه في الزبر و كلّ صغير و كبير مستطر (و التاركون) لما امروا به من الفرائض و الواجبات (المأخوذ منهم) ما اغترّوا به من الأهل و المال و الزخارف و القينات (مالى أراكم عن اللّه ذاهبين) كناية عن اعراضهم عن اللّه سبحانه و التفاتهم إلى غيره تعالى (و إلى غيره راغبين) إشارة إلى رغبتهم في زهرة الحياة الدّنيا و إعجابهم بها.

(كأنّكم نعم أراح بها سائم إلى مرعى وبىّ و مشرب دوىّ) شبّههم بأنعام ذهب بها سائم إلى مرعى و مشرب وصفهما ما ذكر و المراد بالسائم حيوان يسوم و يرعى و هو المستفاد من الشارح المعتزلي حيث قال: شبّههم بالنّعم الّتي تتبع نعما اخرى سائمة أى راعية، و إنما قال ذلك لأنّها إذا تبعت أمثالها كان أبلغ في ضرب المثل بجهلها من الابل الّتى يسميها راعيها، انتهى.

و فسّره الشارح البحراني بالراعى أي الّذي يراعي النعم و يحفظها و يواظب عليها من الرعاية و هو المراعاة و الملاحظة قال: شبّههم بالنّعم الّتي أراح بها راعيها إلى مرعى كثير الوباء و الدّاء، و وجه الشبه أنهم لغفلتهم كالنّعم و نفوسهم الأمّارة القائدة لهم إلى المعاصى كالراعي القائد إلى المرعى الوبىّ و لذات الدّنيا و مشتهياتها و كون تلك اللّذات و المشتهيات محلّ الاثام الّتي هي مظنّة الهلاك الاخروى و الداء الدّوىّ تشبه المرعى الوبيّ و المشرب الدويّ انتهى.

أقول: و هذا أقرب لفظا و ما قاله الشارح المعتزلي أقرب معنى، و ذلك لأنّ لفظ السائم على قول المعتزلي بمعنى الراعى من الرعى و هذا لا غبار عليه من حيث المعنى إلّا أنه يحتاج حينئذ إلى حذف الموصوف أى حيوان سائم و نحوه و هو خلاف الأصل، و أمّا على قول البحراني فلا حاجة إلى الحذف إلّا أنّ كون السائم بمعنى الراعى من الرعاية مما لم يقل به أحد، و كيف كان فالمقصود تشبيههم بأنعام اشتغلت بالماء و الكلاء و غفلت عمّا في باطنهما من السمّ الناقع و دوى الدّاء.

(إنما هى كالمعلوفة للمدى) و السكاكين (لا تعرف ما ذا يراد بها إذا احسن إليها) أى تزعم و تظنّ أنّ العلف إحسان إليها على الحقيقة و لا تعرف أنّ الغرض من ذلك هو الذبح و الهلاك (تحسب يومها دهرها) يعني أنها لكثرة إعجابها لعلفها في يومها تظنّ أنّ دهرها مقصور على ذلك اليوم ليس لها وراءه يوم آخر، و قيل معناه أنها تظنّ أنّ ذلك العلف و الاطعام كما هو حاصل لها ذلك اليوم يكون حاصلا لها أبدا.

(و شبعها أمرها) أى تظنّ انحصار أمرها و شأنها في الشبع مع أنّ غرض صاحبها من إطعامها و إشباعها أمر آخر.

الفصل الثاني في الاشارة إلى بعض مناقبه الجميلة و مقاماته الجليلةو هو قوله: (و اللّه لو شئت أن اخبر كلّ رجل منكم بمخرجه و مولجه و جميع شأنه لفعلت) اى لو أشاء لأخبر كلّ واحد منكم بأنّه من اين خرج و أين دخل و كيفيّة خروجه و ولوجه و اخبر بجميع شأنه و شغله من أفعاله و أقواله و مطعمه و مشربه و ما أكله و ما ادّخره في بيته و غير ذلك مما أضمروه في قلوبهم و أسرّوه في ضمائرهم كما قال المسيح عليه السّلام: «وَ رَسُولًا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ».

(و لكن أخاف أن تكفروا فيّ برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال الشارح المعتزلي: أى أخاف عليكم الغلوّ في أمري و أن تفضّلوني على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، بل أخاف عليكم أن تدّعوا فيّ الإلهيّة كما ادّعت النصارى ذلك في المسيح لمّا أخبرهم بامور الغايبة و مع أنّه قد كتم ما علمه حذرا من أن يكفروا فيه برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقد كفر كثير منهم و ادّعوا فيه النبوّة و ادّعوا فيه أنّه شريك الرّسول في الرّسالة و ادّعوا فيه أنّه هو كان الرسول و لكن الملك غلط فيه و ادّعوا أنّه الّذي بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله الى النّاس و ادّعوا فيه الحلول و ادّعوا فيه الاتّحاد و لم يتركوا نوعا من أنواع الضلالة فيه إلّا و قالوه و اعتقدوه.

أقول: و يحتمل أن يكون مراده عليه السّلام بكفرهم فيه كفرهم باسناد التقصير إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في إظهار جلالته عليه السّلام و علوّ شأنه و سموّ مقامه، و من ذلك أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لما أفصح عن بعض فضايله عليه السّلام نسبه المنافقون إلى الضلال و إلى أنّه ينطق عن الهوى حتّى كذّبهم اللّه تعالى فقال: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏.

روى في الصّافي من المجالس عن ابن عباس قال: صلّينا العشاء الاخرة ذات ليلة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلمّا سلّم أقبل علينا بوجهه ثمّ قال: إنه سينقض كوكب من السّماء مع طلوع الفجر فيسقط في دار أحدكم فمن سقط ذلك الكوكب في داره فهو وصيّي و خليفتي و الامام بعدى، فلما كان قرب الفجر جلس كلّ واحد منّا في داره ينتظر سقوط الكوكب في داره و كان أطمع القوم في ذلك أبي العبّاس بن عبد المطلب، فلما طلع الفجر انقضّ الكوكب من الهوا فسقط في دار عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لعليّ عليه السّلام: يا عليّ و الّذي بعثني بالنبوّة لقد وجبت لك الوصيّة و الامامة و الخلافة بعدي، فقال المنافقون عبد اللّه بن أبيّ و أصحابه لقد ضلّ محمّد في محبّة ابن عمّه و غوى و ما ينطق في شأنه إلّا بالهوى، فأنزل اللّه تبارك و تعالى: وَ النَّجْمِ إِذا هَوى‏ يقول عزّ و جلّ و خالق النّجم إذا هوى «ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ» يعني في محبّة عليّ بن أبي طالب عليه السّلام «وَ ما غَوى‏ وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏» يعني في شأنه «إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏».

و من هذا الباب أيضا ما في الكافي عن أبي بصير قال: بينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جالس إذ أقبل أمير المؤمنين عليه السّلام فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ فيك شبها من عيسى بن مريم عليه السّلام لو لا أن يقول فيك طوايف من امّتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم عليه السّلام لقلت فيك قولا لا تمرّ بملاء من النّاس إلّا أخذوا التراب من تحت قدمك، قال: فغضب الاعرابيّان و المغيرة بن شعبة و عدّة من قريش معهم فقالوا: ما رضى أن يضرب لابن عمّه مثلا إلّا عيسى بن مريم، فأنزل اللّه على نبيّه «وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَ قالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ‏خَصِمُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَ جَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ» يعني من بني هاشم «مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ» قال: فغضب الحارث بن عمرو الفهرى فقال: «اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ» إنّ بني هاشم يتوارثون هرقلا بعد هرقل«» «فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» فأنزل اللّه عليه مقالة الحارث و نزلت هذه الاية «وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» ثمّ قال عليه السّلام له يا بن عمرو إمّا تبت و إمّا رحلت، فدعى براحلته فركبها فلما صار بظهر المدينة أتته جندلة فرضّت هامته فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لمن حوله من المنافقين: انطلقوا إلى صاحبكم فقد أتانا استفتح، قال اللّه عزّ و جل «وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ» هذا.

و لما ذكر أنّ إخباره ببعض المغيبات مؤدّ إلى الكفر و الضلال لقصور الاستعداد و القابليّة لاكثر النفوس البشريّة عن تحمّل الأسرار الغيبيّة استدرك ذلك بقوله (إلا و انّي مفضيه) أى مفض به و موصل له و مؤدّ إياه (إلى الخاصّة) أى إلى خواصّ أصحابي (ممّن يؤمن ذلك) أى الغلوّ و الكفر (منه) بما له من الاستعداد (و الّذى بعثه) أى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله (بالحقّ و اصطفاه على الخلق ما انطق إلّا صادقا و لقد عهد إلىّ) رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (بذلك كلّه) أى بجميع ما اخبر به (و بمهلك من يهلك و منجى من ينجو) أى بهلاك الهالكين و نجاة النّاجين أو بمكان هلاكهم و مكان نجاتهم أو زمانهما.

و المراد بالهلاك إمّا الهلاك الدّنيوى أى الموت أو القتل أو الهلاك الاخروى أعنى الضلال و الشقاء و كذلك النجاة (و) ب (مال هذا الأمر) أي أمر الخلافة أو الدّين و ملك الاسلام و ماله انتهائه بظهور القائم و ما يكون في آخر الزمان (و ما أبقى) أى الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (شيئا يمرّ على رأسي) من اغتصاب الخلافة و خروج النّاكثين و القاسطين و المارقين و قتالهم و من الشهادة بضربة ابن ملجم المرادى لعنه اللّه و غير ذلك مما جرى عليه بعده (إلّا أفرغه) أى صبّه (في اذنى و أفضي‏به) أى أوصله و ألقاه (إلىّ) و أعلمني به و أسرّه إلىّ.

ثمّ قال: (أيها النّاس و اللّه ما أحثّكم على طاعة إلّا أسبقكم إليها و لا أنهاكم عن معصية إلّا و أتناهى قبلكم عنها) لأنّ الأمر بالمعروف بعد الاتيان به و النّهي عن المنكر بعد التّناهى عنه أقوى تأثّرا و أكثر ثمرا كما مرّ في شرح الفصل الثاني من الخطبة المأة و الرّابعة، و قد لعن الامرين بالمعروف التاركين له و الناهين عن المنكر العاملين به في الخطبة المأة و التاسعة و العشرين.

تبصرة

ما تضمّنه ذيل هذه الخطبة من علمه عليه السّلام بالغيب قد مرّ تحقيق الكلام فيه في شرح الفصل الثاني من الخطبة المأة و الثّامنة و العشرين و أوردنا ثمّة بعض اخباره الغيبيّة و قدّمنا فصلا مشبعا من اخباره عن الغيوب في شرح الكلام السادس و الخمسين و شرح الخطبة الثانية و التسعين، و أحببت أن أورد طرفا صالحا منها هنا مما يناسب المقام نقلا من كتاب مدينة المعاجز تأليف السّيّد السند الشارح المحدّث السيّد هاشم البحراني قدّس سرّه فأقول: منها ما رواه عن ابن شهر آشوب بسنده عن إسماعيل بن أبي زياد قال: إنّ عليّا عليه السّلام قال للبراء بن عازب: يا براء يقتل ابني الحسين عليه السّلام و أنت حيّ لا تنصره، فلما قتل الحسين عليه السّلام كان البراء يقول: صدق و اللّه أمير المؤمنين عليه السّلام و جعل يتلهّف و منها ما رواه عن ابن شهر آشوب عن سفيان بن عيينة عن طاوس اليماني أنّه قال عليّ عليه السّلام لحجر البدري: يا حجر إذا وقعت على منبر صنعاء و امرت بسبّي و البراءة منّي قال: فقلت: أعوذ باللّه من ذلك، قال عليه السّلام و اللّه إنّه لكائن، فاذا كان كذلك فسبّني و لا تتبرّء منّي فانه من تبرّء منّي في الدّنيا تبرّأت منه في الاخرة.

قال طاوس فأخذه الحجّاج على أن يسبّ عليّا عليه السّلام فصعد المنبر و قال: أيّها النّاس إنّ أميركم هذا أمرني أن ألعن عليّا فالعنوه لعنه اللّه.

و منها ما رواه عن ابن شهر آشوب عن عبد اللّه بن أبي رافع قال: حضرت أمير المؤمنين عليه السّلام و قد وجّه أبا موسى الأشعري فقال له احكم بكتاب اللّه و لا تجاوزه، فلما أدبر قال عليه السّلام و كأنّي به و قد خدع، قلت: يا أمير المؤمنين فلم توجهه و أنت تعلم أنّه مخدوع فقال عليه السّلام: يا بنيّ لو عمل اللّه في خلقه بعلمه ما احتجّ عليهم بالرّسل.

و منها ما رواه عن ابن شهر آشوب أنه عليه السّلام أخبر بقتل جماعة منهم حجر بن عدىّ و رشيد الهجرى و كميل بن زياد و ميثم التّمار و محمّد بن اكثم و خالد بن مسعود و حبيب بن المظاهر و حويرثه و عمرو بن الحمق و مزرع و غيرهم، و وصف قاتلهم و كيفيّة قتلهم. عبد العزيز بن صهيب عن أبي العالية قال: حدّثنى مزرع بن عبد اللّه قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السّلام يقول أما و اللّه ليقبلنّ جيش حتى إذا كان بالبيداء خسف بهم فقلت: هذا علم غيب، قال: و اللّه ليكوننّ ما أخبرني به أمير المؤمنين عليه السّلام و ليأخذنّ رجل فليقتلنّ و ليصلبنّ بين شرفتين من شرف هذا المسجد، فقلت: هذا ثان، قال حدّثني الثقة المأمون عليّ بن أبي طالب عليه السّلام قال أبو العالية فما أتت علينا جمعة حتى اخذ مزرع و صلب بين الشرفتين.

و منها ما رواه عن البرسي عن محمّد بن سنان و ساق الحديث قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السّلام يقول لعمر«»: يا عمر يا مغرور إني أراك في الدّنيا قتيلا بجراحة من عبد امّ معمر تحكم عليه جورا فيقتلك توقيعا يدخل بذلك الجنّة على رغم منك.

و منها ما رواه عن ثاقب المناقب عن إبراهيم بن محمّد الأشعري عمّن رواه قال إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام أراد أن يبعث بمال إلى البصرة فعلم ذلك رجل من أصحابه فقال لو أتيته فسألته أن يبعث معى بهذا المال فاذا دفعه إلىّ أخذت طريق المكرجة فذهبت به، فأتاه عليه السّلام و قال: بلغنى أنك تريد أن تبعث بمال إلى البصرة، قال: نعم قال: فادفعه إلىّ فابلغه تجعل لي ما تجعل لمن تبعثه فقد عرفت صحبتي قال: فقال‏ له أمير المؤمنين عليه السّلام: خذ طريق المكرجة.

و منها ما رواه عن الخصيبي في هدايته باسناده عن فضيل بن الزبير قال: مرّ ميثم التمار على فرس له فاستقبل حبيب بن مظاهر عند مجلس بني أسد فتحدّثا حتّى التقت أعناق فرسيهما، ثمّ قال حبيب: لكأنّى برجل أصلع ضخم البطن يبيع البطيخ عند دار الرّزق و قد صلب في حبّ أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و يبقر بطنه على الخشبة، فقال ميثم: و إنّى لأعرف رجلا أحمر له ضفيرتان يخرج لنصرة ابن بنت نبيّه فيقتل و يجال برأسه بالكوفة و اجيز الّذي جاء به ثمّ افترقا، فقال أهل المجلس: ما رأينا أعجب من أصحاب أبي تراب يقولون إنّ عليا عليه السّلام أعلمهم بالغيب، فلم يفترق أهل المجلس حتّى أقبل رشيد الهجري ليطلبهما فسأل أهل المجلس عنهما فقالوا قد افترقا و سمعناهما يقولان كذا و كذا، قال رشيد لهم: رحم اللّه ميثما و حبيبا قد نسى أنّه يزاد في عطاء الّذي يجي‏ء برأسه مأئة درهم، ثمّ ولّى، فقال أهل المجلس: هذا و اللّه أكذبهم، فما مرّت الأيّام حتّى رأى أصحاب المجلس ميثما مصلوبا على باب عمرو بن حريث، و جي‏ء برأس حبيب بن مظاهر من كربلا و قد قتل مع الحسين بن عليّ عليهما السّلام إلى عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه، و زيد في عطاء الذي حمل رأس حبيب مأئة درهم كما ذكر و رؤى كلّما قاله أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام أخبرهم به أمير المؤمنين عليه السّلام.

و منها ما رواه عن الخصيبي مسندا عن أبي حمزة الثّمالي عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال: أرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سرية فقال: تصلون ساعة كذا و كذا من اللّيل أرضا لا تهتدون فيها سيرا فاذا وصلتم إليها فخذوا ذات الشمال فانكم تمرّون برجل فاضل خيّر فتسترشدونه فيأبي أن يرشدكم حتّى تأكلوا من طعامه و يذبح لكم كبشا فيطعمكم ثمّ يقوم معكم فيرشدكم على الطريق فاقرءوه منّي السّلام و أعلموه أنّي قد ظهرت في المدينة.
فمضوا فلمّا وصلوا إلى الموضع في الوقت ضلّوا، فقال قائل منهم: ألم يقل لكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خذوا ذات الشمال، ففعلوا فمرّوا بالرجل الّذي وصفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فاسترشدوه الطريق فقال: إنّي لا ارشدكم حتّى تأكلوا من طعامي فذبح لهم كبشا فأكلوا من طعامه و قام معهم فأرشدهم الطريق فقال: أظهر النبيّ صلوات اللّه عليه و آله‏ بالمدينة فقالوا: نعم، فأبلغوه سلامه فخلّف في شأنه من خلّف و مضى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و هو عمرو بن الحمق الخزاعى ابن الكاهن بن حبيب بن عمرو بن القين بن درّاج بن عمرو بن سعد بن كعب، فلبث معه عليه السّلام ما شاء اللّه.

ثمّ قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ارجع إلى الموضع الذي هاجرت إلىّ منه فاذا نزل أخى أمير المؤمنين عليه السّلام الكوفة و جعلها دار هجرته فاته.
فانصرف عمرو بن الحمق إلى شأنه حتّى إذا نزل أمير المؤمنين عليه السّلام أتاه فأقام معه في الكوفة.
فبينا أمير المؤمنين عليه السّلام جالس و عمرو بين يديه فقال له يا عمرو ألك دار قال: نعم، قال: بعها و اجعلها في الأزد فاني غدا لو قد غبت عنكم لطلبت فتتبعك الأزد حتّى تخرج من الكوفة متوجّها نحو الموصل.

فتمرّ برجل نصرانيّ فتقعد عنده فتستسقيه الماء فيسقيكه و يسألك عن شأنك فتخبره و ستصادفه مقعدا فادعه إلى الاسلام فانّه يسلم فاذا أسلم فامرر بيدك على ركبتيه فانّه ينهض صحيحا سليما، و يتبعك.
و تمرّ برجل محجوب جالس على الجادّة فتستسقيه الماء فيسقيك و يسألك عن قصّتك و ما الّذي أخافك و ممّن تتوقع فحدّثه بأنّ معاوية طلبك ليقتلك و يمثل بك لايمانك باللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و طاعتك لي و إخلاصك في ولايتي و نصحك للّه تعالى في دينك فادعه إلى الاسلام فانّه يسلم، فامرر يدك على عينيه فانه يرجع بصيرا باذن اللّه فيتّبعانك و يكونان معك و هما اللّذان يواريان جثّتك في الأرض.

ثمّ تصير إلى الدّير على نهر يدعى بالدّجلة فانّ فيه صديقا عنده من علم المسيح عليه السّلام ما تجده لك أعون الأعوان على سرّك و ما ذاك إلّا ليهديه اللّه لك فاذا أحسّت بك شرطة ابن امّ الحكم و هو خليفة معاوية بالجزيرة و يكون مسكنه بالموصل فاقصد إلى الصّديق الذي في الدّير في أعلى الموصل فناده فانه يمتنع عليك فاذكر اسم اللّه الذى علّمتك إيّاه فانّ الدّير يتواضع لك حتّى تصير في ذروته فاذا رآك ذلك الراهب الصديق قال لتلميذ معه ليس هذا أوان المسيح هذا شخص كريم و محمّد قدتوفاه اللّه و وصيّه قد استشهد بالكوفة و هذا من حواريه ثمّ يأتيك ذليلا خاشعا فيقول لك أيّها الشخص العظيم قد أهلتني لما لم استحقّه فبم تأمرني فتقول استر تلميذي هذين عندك و تشرف على ديرك هذا فانظر ما ذا ترى، فاذا قال لك إنّى أرى خيلا غامرة نحونا.

فخلّف تلميذيك عنده و انزل و اركب فرسك و اقصد نحو غار على شاطى‏ء الدّجلة تستتر فيه فانّه لا بدّ من أن يسترك و فيه فسقة من الجنّ و الانس، فاذا استترت فيه عرفك فاسق من مردة الجنّ يظهر لك بصورة تنّين فينهشك نهشا يبالغ في اضعافك فينفر فرسك فتبدر بك الخيل فيقولون هذا فرس عمرو و يقفون اثره.

فاذا أحسست بهم دون الغار فابرز إليهم بين دجلة و الجادّة فقف لهم في تلك البقعة فانّ اللّه جعلها حفرتك و حرمك فالقهم بسيفك فاقتل منهم ما استطعت حتّى يأتيك أمر اللّه فاذا غلبوك حزّوا رأسك و شهروه على قناة إلى معاوية و رأسك أوّل رأس يشهر في الاسلام من بلد إلى بلد.

ثمّ بكى أمير المؤمنين عليه السّلام و قال: بنفسى ريحانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و ثمرة فؤاده و قرّة عينه ابني الحسين فانّى رأيته يسير و ذراريه بعدك يا عمرو من كربلا بغربى الفرات إلى يزيد بن معاوية عليهما لعنة اللّه.
ثمّ ينزل صاحبك المحجوب و المقعد فيواريان جسدك في موضع مصرعك و هو من الدير و الموصل على مأئة و خمسين خطوة من الدّير.

إلى غير هذه مما لا نطيل بروايتها، و قد وضح و اتّضح لك مما أوردناه من الاخبار تصديق ما ذكره عليه السّلام في هذه الخطبة من علمه عليه السّلام بالغيب و أنه يعلم أعمال الناس و أفعالهم و يطلع على ما أعلنوه و ما أسرّوه، و يعرف مهلك من يهلك و منجى من ينجو، و يخبر من ذلك ما يتحمّل على من يتحمّل من خواصّه و بطانته سلام اللّه عليه و آله و شيعته.

الترجمة

از جمله خطب شريفه آن برگزيده پروردگار و وصىّ رسول مختار است‏در نصيحت مخاطبين و اظهار بعض مناقب خود مى‏ فرمايد.
اى غافلاني كه غفلت كرده نشده از رفتار و كردار ايشان، و اى ترك كنندگان تكاليف خود كه أخذ خواهد شد از ايشان آنچه بايشان داده‏اند از متاع دنيا، چيست مرا كه مى ‏بينم شما از خداوند تبارك و تعالى كنار روندگانيد و بسوى غير او رغبت كنندگان، گويا كه شما چهار پايانيد كه برده باشد شبانگاه آنها را بسوى چراگاه و با آرنده و شرابگاه بيمار كننده جز اين نيست كه آن چهار پايان مثل حيواني مى‏ باشند كه علف داده شده از براى كاردها يعني از براى كشتن كه نمى ‏شناسند چه چيز اراده مى‏شود به آنها چون احسان مى ‏شود به آنها، گمان مي كنند كه روزگار ايشان همين روز ايشان است و بس، و مى ‏پندارند كه كار ايشان منحصر بسير بودن آنها است، قسم بخدا اگر بخواهم كه خبر دهم هر مردى را از شما بمكان خروج و محلّ دخول آن و بهمه شغل و شأن آن هر اينه ممكن است بمن اين كار، و لكن مى‏ ترسم كه كافر شويد در حق من برسول مختار صلّى اللّه عليه و آله آگاه باشيد بدرستى كه من رساننده‏ام اين اخبار غيبي را بخواص أصحاب خود از آن اشخاصى كه أيمني شده باشد اين كفر از ايشان.

و قسم بذاتى كه مبعوث فرموده پيغمبر را براستي و برگزيده او را بجميع خلق سخن نمى‏ گويم مگر در حالت راستي و صدق و بتحقيق كه عهد فرموده حضرت رسالت صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بسوى من بهمه اين اخبار و بهلاكت كسى كه هلاك مى‏ شود و بنجات يافتن كسى كه نجات خواهد يافت، و به عاقبت اين امر خلافت و باقي نگذاشت چيزى را كه خواهد گذشت بر سر من از حوادث روزگار مگر اين كه ريخت آنرا در گوشهاى من و رسانيد آن را بمن، أى مردمان بحق خدا تحريص نمى‏ كنم شما را بر طاعتي مگر اين كه سبقت مى ‏نمايم بشما بسوى آن طاعت، و نهى نمي كنم شما را از معصيتي مگر اين كه خود دارى مي كنم پيش از شما از آن معصيت.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 173 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 174 صبحی صالح

174- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) في معنى طلحة بن عبيد الله

و قد قاله حين بلغه خروج طلحة و الزبير إلى البصرة لقتاله

قَدْ كُنْتُ وَ مَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ وَ لَا أُرَهَّبُ بِالضَّرْبِ وَ أَنَا عَلَى مَا قَدْ وَعَدَنِي رَبِّي مِنَ النَّصْرِ

وَ اللَّهِ مَا اسْتَعْجَلَ مُتَجَرِّداً لِلطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ إِلَّا خَوْفاً مِنْ أَنْ يُطَالَبَ بِدَمِهِ لِأَنَّهُ مَظِنَّتُهُ

وَ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْمِ أَحْرَصُ عَلَيْهِ مِنْهُ

فَأَرَادَ أَنْ يُغَالِطَ بِمَا أَجْلَبَ فِيهِ لِيَلْتَبِسَ الْأَمْرُ وَ يَقَعَ الشَّكُّ.

وَ وَ اللَّهِ مَا صَنَعَ فِي أَمْرِ عُثْمَانَ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ

لَئِنْ كَانَ ابْنُ عَفَّانَ ظَالِماً كَمَا كَانَ يَزْعُمُ لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوَازِرَ قَاتِلِيهِ وَ أَنْ يُنَابِذَ نَاصِرِيهِ.

وَ لَئِنْ كَانَ مَظْلُوماً لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُنَهْنِهِينَ عَنْهُ وَ الْمُعَذِّرِينَ فِيهِ

وَ لَئِنْ كَانَ فِي شَكٍّ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَزِلَهُ وَ يَرْكُدَ

جَانِباً وَ يَدَعَ النَّاسَ مَعَهُ فَمَا فَعَلَ وَاحِدَةً مِنَ الثَّلَاثِ وَ جَاءَ بِأَمْرٍ لَمْ يُعْرَفْ بَابُهُ وَ لَمْ تَسْلَمْ مَعَاذِيرُهُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج10  

و من خطبة له عليه السّلام في معنى طلحة بن عبيد اللّه و هى المأة و الثالثة و السبعون من المختار في باب الخطب

قد كنت و ما أهدّد بالحرب، و لا أرهّب بالضّرب، و أنا على ما وعدني ربّي من النّصر، و اللّه ما استعجل متجرّدا للطّلب بدم عثمان إلّا خوفا من أن يطالب بدمه، لأنّه مظنّته، و لم يكن في القوم أحرص عليه منه، فأراد أن يغالط بما أجلب فيه ليلبّس الأمر، و يقع الشّكّ، و و اللّه ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث: لئن كان ابن عفان ظالما كما كان يزعم لقد كان ينبغي له أن يوازر قاتليه و أن ينابذ ناصريه، و لئن كان مظلوما كان ينبغي له أن يكون من المنهنهين عنه، و المعذرين فيه، و لئن كان في شكّ من الخصلتين لقد كان ينبغي له أن يعتزله و يركد جانبا و يدع النّاس معه فما فعل واحدة من الثّلاث، و جاء بأمر لم يعرف بابه و لم تسلم معاذيره.

اللغة

(تجرّد) زيد لأمره جدّ فيه و (مظنّة) الشي‏ء بكسر الظّاء الموضع الّذي يظنّ فيه وجوده (و أجلب) فيه قال ابن الأثير في محكىّ النّهاية في حديث عليّ عليه السّلام أراد أن يغالط بما أجلب فيه يقال أجلبوا عليه إذا تجمّعوا و تألّبوا و أجلبه أى أعانه و أجلب عليه إذا صاحه و استحثّه (و لبس) عليه الأمر يلبسه من باب حسب خلطه و ألبسه غطاه و أمر ملبس و ملتبس بالأمر مشتبه و (نهنهه) عن الأمر كفّه و زجره و (عذرته) فيما صنع أى رفعت عنه اللّوم فهو معذور أى غير ملوم و أعذرته لغة.
و قال الشّارح البحراني المعذرين بالتّخفيف المعتذرين عنه و بالتّشديد المظهرين للعذر مع أنّه لا عذر.

الاعراب

قوله عليه السّلام: قد كنت قال الشارح المعتزلي كان هنا تامّة أى خلقت و وجدت و أنا بهذه الصفة و يجوز أن تكون الواو زايدة و يكون كان ناقصة و خبرها ما اهدّد كما في المثل «لقد كنت و ما أخشى الذئب» و جملة و أنا على ما وعدنى يحتمل الحال و الاستيناف.

المعنى

قال الشارح البحراني و هذا الفصل من كلام قاله عليه السّلام حين بلغه خروج طلحة و الزبير إلى البصرة و تهديدهم له عليه السّلام بالحرب.
أقول: و قد مضى في شرح الخطبة الثانية و العشرين ما ينفعك ذكره في هذا المقام إذ الخطبتان مسوقتان لغرض واحد، و متطابقتان في بعض الفقرات، فليراجع ثمّة.

إذا عرفت ذلك ظهر لك أنّ قوله عليه السّلام (قد كنت و ما اهدّد بالحرب و لا أرهّب بالضرب) جواب عن تهديدهم له و ترهيبهم إيّاه، فقد بعثوا إليه عليه السّلام أن أبرز للطعان و اصبر للجلاد فأجاب عليه السّلام بأنّ التهديد و الترهيب إنّما هو في حقّ الجبان‏الضعيف الجاش لا في حقّ الشجعان ذوى النّجدة و المراس و حاله عليه السّلام في الشجاعة كان أمرا قد اشتهر، و بان و ظهر، و تضمّنته الأخبار و السّير فاستوى في العلم به البعيد و القريب، و اتّفق على الاقرار به البغيض و الحبيب. و من كان هذا شأنه فلا يليق له التخويف و الترغيب.

و أكّد الجواب بقوله (و أنا على ما وعدنى ربّي من النّصر) يعني أنّي على يقين بما وعدني ربّي من النصرة و الغلبة، و من كان قاطعا بذلك فلا يحذر و لا يخاف البتة.
ثمّ أشار إلى نكتة خروج طلحة إلى البصرة بقوله (و اللّه ما استعجل متجرّدا للطلب بدم عثمان) أى مجدّا فيه (إلّا خوفا من أن يطالب بدمه) يعني أنّ علّة خروجه و استعجاله في طلب الدّم و تجرّده له ليست ما شهره بين الناس من أنّ عثمان قتل مظلوما و يجب الانتصار للمظلوم من الظالم حسبة، و إنّما علّته هو الخوف على نفسه من أن يطالب من دمه (لأنّه) كان (مظنّته و لم يكن في القوم أحرص عليه) أى على دم عثمان (منه) لما قد عرفت في شرح الخطبة الثانية و العشرين و شرح الكلام الثلاثين أنّه كان أوّل من ألّب الناس على عثمان و أغرى بدمه و أشدّهم إجلابا عليه.
و أقول: هنا مضافا إلى ما سبق أنّه قال الشارح المعتزلي قد كان طلحة أجهد نفسه في أمر عثمان و الاجلاب عليه و الحصر له و الاغراء به، و منّته نفسه الخلافة، بل تلبّس بها و تسلّم بيوت الأموال و أخذ مفاتيحها و قابل الناس و أحدقوا به و لم يبق إلّا أن يصفق بالخلافة على يده.

قال الشارح و روى المدايني في كتاب مقتل عثمان أنّ طلحة منع من دفنه ثلاثة أيّام و أنّ عليا عليه السّلام لم يبايع الناس إلّا بعد قتل عثمان بخمسة أيّام و أنّ حكيم ابن حزام و جبير بن مطعم استنجدا بعليّ عليه السّلام على دفنه فأقعد طلحة لهم في الطريق ناسا بالحجارة فخرج به نفر يسير من اهله و هم يريدون به حايطا بالمدينة تعرف بحشّ كوكب، كانت اليهود يدفن فيه موتاهم فلما صار هنا رجم سريره و همّوا بطرحه‏فأرسل عليّ عليه السّلام إلى الناس يعزم عليهم لتكفّوا عنه فكفّوا، فانطلقوا به حتّى دفنوه في حش كوكب.

قال و روى الواقدي قال لما قتل عثمان تكلّموا في دفنه فقال طلحة: يدفن بدير سلع يعني مقابر اليهود.
و بالجملة فهو كما قال عليه السّلام لم يكن في القوم أحرص على قتل عثمان منه لكنه أراد أن يشبه علي الناس (فأراد أن يغالط) أى يوقع في الغلط (بما أجلب فيه) أى بسبب اعانته في دمه و حثّه على قتله (ليلبس الأمر) و يخلطه و في نسخة البحراني ليلتبس الأمر أى يشتبه (و يقع الشكّ) في دخوله في قتله ثمّ احتجّ عليه السّلام و أبطل عذره في الخروج و الطلب بدمه بقضيّة شرطيّة منفصلة محصّلها أنّ عثمان عنده و على زعمه إمّا أن يكون ظالما أو مظلوما و إمّا أن يكون مجهول الحال، و على كلّ من التقادير الثلاثة كان اللّازم عليه القيام بما يقتضيه مع أنه لم يقم به كما يفصح عنه قوله عليه السّلام مؤكّدا بالقسم البارّ (و و اللّه ما صنع في أمر عثمان) خصلة (واحدة من) خصال (ثلاث) هى مقتضيات التقادير الثلاثة الّتي اشرنا إليها إجمالا و أشار إلى تفصيلها بقوله (لئن كان ابن عفّان ظالما) ظلما يوجب حلّ دمه (كما كان يزعم) ذلك حين قتله (لقد كان ينبغي له) و يجب عليه (أن يوازر قاتليه) أى يساعدهم و يحامي عنهم بعد قتل عثمان (و أن ينابذ ناصريه) و يعاندهم و يتركهم بوجوب الانكار على فاعل المنكر مع أنّه قد عكس الأمر لأنّه نابذ قاتليه و وازر ناصريه، و ثار معهم في طلب دمه (و لئن كان مظلوما) محرّم القتل كما يقوله الان و يشهّره بين النّاس لقد (كان ينبغي له أن يكون من المنهنهين عنه و المعذرين فيه و لئن كان في شكّ من الخصلتين لقد كان ينبغي له أن يعتزله و يركد) أى ليكن (جانبا) أى يتباعد عنه و لا يأمر بقتله و لا ينهى عنه (و يدع الناس معه) يفعلون ما يشاءون مع أنّه لم يفعل ذلك أيضا بل أضرم نار الفتنة و صلى بها و أصلاها غيره (فما فعل واحدة من الثلاث و جاء بأمر لم يعرف بابه و لم تسلم معاذيره) أى أتى بأمر لم يعرف وجهه و اعتذر في نكثه و خروجه بمعاذير لم تكن سالمة إذ قد عرفت في تضاعيف الشرح‏أنّ عمدة معذرته في البغى و الخروج هو المطالبة بدم عثمان و أنّه قتل مظلوما و قد أبطل عليه السّلام اعتذاره بذلك هنا بما عرفت.

الترجمة

از جمله خطب شريفه آن بزرگوار است كه توجيه خطاب در آن بسوى طلحة ابن عبيد اللّه خذله اللّه است مى ‏فرمايد: بتحقيق كه موجود بودم در حالتى كه تهديد كرده نشده ‏ام بجنگ و تخويف كرده نشده ‏ام بزدن، و من ثابت هستم بر چيزى كه وعده داده است مرا پروردگار من از نصرت و يارى، و بحقّ خدا تعجيل نكرد طلحة در حالتى كه مجدّ و مصرّ بود از براى مطالبه خون عثمان مگر از براى ترس از اين كه مطالبه كرده شود بخون او، از جهت اين كه او مورد تهمت آن خون بود، و نبود در ميان قوم حريص‏تر بر قتل عثمان از طلحه، پس خواست او كه مردم را بغلط افكند بسبب اعانت و جمع آورى او در قتل آن تا اين كه بپوشد و خلط نمايد امر را بر مردمان، و واقع شود شك.

و بحق خدا ننمود طلحه در كار عثمان يكى از سه خصلت را اگر بود پسر عفان ظالم و ستم كار چنانچه طلحه گمان مى‏ برد هر آينه بود سزاوار او را آنكه حمايت بكند قاتلين آن را، يا دشمنى آشكارا نمايد با ناصرين آن، و اگر بود مظلوم و ستم رسيده هر آينه بود سزاوار از براى او آنكه باشد از باز دارندگان مردم از كشتن او و از عذر آورند كان در حق او، و اگر بود در شك از اين دو خصلت يعني در ظالميّت و مظلوميّت عثمان هر آينه بود سزاوار مر او را آنكه اعتزال ورزد و بايستد در كنار و بگذارد مردمان را با عثمان بحال خودشان، پس نكرد هيچ يك از اين سه كار را و آورد كارى را كه شناخته نشد در آن و بسلامت نماند عذر خواهى‏ هاى او.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 172 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 173 صبحی صالح

173- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) في رسول اللّه، ( صلى ‏الله‏ عليه‏ وسلم  )، و من هو جدير بأن يكون للخلافة و في هوان الدنيا

رسول الله‏

أَمِينُ وَحْيِهِ وَ خَاتَمُ رُسُلِهِ وَ بَشِيرُ رَحْمَتِهِ وَ نَذِيرُ نِقْمَتِهِ

الجدير بالخلافة

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَيْهِ وَ أَعْلَمُهُمْ‏ بِأَمْرِ اللَّهِ فِيهِ

فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبٌ اسْتُعْتِبَ فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ

وَ لَعَمْرِي لَئِنْ كَانَتِ الْإِمَامَةُ لَا تَنْعَقِدُ حَتَّى يَحْضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ فَمَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ

وَ لَكِنْ أَهْلُهَا يَحْكُمُونَ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهَا

ثُمَّ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ وَ لَا لِلْغَائِبِ أَنْ يَخْتَارَ أَلَا وَ إِنِّي أُقَاتِلُ رَجُلَيْنِ رَجُلًا ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ وَ آخَرَ مَنَعَ الَّذِي عَلَيْهِ

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا خَيْرُ مَا تَوَاصَى الْعِبَادُ بِهِ وَ خَيْرُ عَوَاقِبِ الْأُمُورِ عِنْدَ اللَّهِ

وَ قَدْ فُتِحَ بَابُ الْحَرْبِ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ

وَ لَا يَحْمِلُ هَذَا الْعَلَمَ إِلَّا أَهْلُ الْبَصَرِ وَ الصَّبْرِ وَ الْعِلْمِ بِمَوَاضِعِ الْحَقِّ

فَامْضُوا لِمَا تُؤْمَرُونَ بِهِ وَ قِفُوا عِنْدَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ

وَ لَا تَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ حَتَّى تَتَبَيَّنُوا فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِيَراً

هوان الدنيا

أَلَا وَ إِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّوْنَهَا وَ تَرْغَبُونَ فِيهَا

وَ أَصْبَحَتْ تُغْضِبُكُمْ وَ تُرْضِيكُمْ

لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ وَ لَا مَنْزِلِكُمُ الَّذِي خُلِقْتُمْ لَهُ وَ لَا الَّذِي دُعِيتُمْ إِلَيْهِ

أَلَا وَ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاقِيَةٍ لَكُمْ وَ لَا تَبْقَوْنَ عَلَيْهَا

وَ هِيَ وَ إِنْ غَرَّتْكُمْ مِنْهَا فَقَدْ حَذَّرَتْكُمْ شَرَّهَا

فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِيرِهَا وَ أَطْمَاعَهَا لِتَخْوِيفِهَا

وَ سَابِقُوا فِيهَا إِلَى الدَّارِ الَّتِي دُعِيتُمْ إِلَيْهَا

وَ انْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا

وَ لَا يَخِنَّنَّ أَحَدُكُمْ خَنِينَ الْأَمَةِ عَلَى مَا زُوِيَ عَنْهُ مِنْهَا

وَ اسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ‏

وَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ

أَلَا وَ إِنَّهُ لَا يَضُرُّكُمْ تَضْيِيعُ شَيْ‏ءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ بَعْدَ حِفْظِكُمْ قَائِمَةَ دِينِكُمْ

أَلَا وَ إِنَّهُ لَا يَنْفَعُكُمْ بَعْدَ تَضْيِيعِ دِينِكُمْ شَيْ‏ءٌ حَافَظْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ

أَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَ قُلُوبِكُمْ إِلَى الْحَقِّ وَ أَلْهَمَنَا وَ إِيَّاكُمُ الصَّبْرَ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج10  

و من خطبة له عليه السّلام و هى المأة و الثانية و السبعون من المختار في باب الخطب

أمين وحيه، و خاتم رسله، و بشير رحمته، و نذير نقمته، أيّها النّاس إنّ أحقّ النّاس بهذا الأمر أقوايهم عليه و أعلمهم بأمر اللّه فيه فإن شغب شاغب أستعتب و إن أبى قوتل و لعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتّى تحضرها عامّة النّاس ما إلى ذلك سبيل و لكن أهلها يحكمون على من غاب عنها ثمّ ليس للشاهد أن يرجع و لا للغائب أن يختار. ألا و إنّي أقاتل رجلين: رجلا ادّعى ما ليس له و آخر منع الّذي عليه. أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه فإنّها خير ما تواصى العباد به، و خير عواقب الأمور عند اللّه، و قد فتح باب الحرب بينكم و بين أهل القبلة و لا يحمل هذا العلم إلّا أهل البصر و الصّبر، و العلم بمواقع الحقّ، فامضوا لما تؤمرون به، و قفوا عند ما تنهون عنه، و لا تعجلوا في أمر حتّى تتبيّنوا فإنّ لنا مع كلّ أمر تنكرونه غيرا. ألا و إنّ هذه الدّنيا الّتي أصبحتم تتمنّونها و ترغبون فيها و أصبحت تغضبكم و ترضيكم، ليست بداركم و لا منزلكم الّذي خلقتم له، و لاالّذي دعيتم إليه، ألا و إنّها ليست بباقية لكم، و لا تبقون عليها، و هي و إن غرّتكم منها فقد حذّرتكم شرّها. فدعوا غرورها لتحذيرها، و إطماعها لتخويفها، و سابقوا فيها إلى الدّار الّتي دعيتم إليها، و انصرفوا بقلوبكم عنها و لا يحنّن أحدكم حنين الأمة على ما زوي عنه منها، و استتمّوا نعمة اللّه عليكم بالصّبر على طاعة اللّه، و المحافظة على ما استحفظكم من كتابه. ألا و إنّه لا يضرّكم شي‏ء من دنياكم بعد حفظكم قائمة دينكم. ألا و إنّه لا ينفعكم بعد تضييع دينكم شي‏ء حافظتم عليه من أمر دنياكم. أخذ اللّه بقلوبنا و قلوبكم إلى الحقّ، و ألهمنا و إيّاكم الصّبر.

اللغة

(خاتم رسله) بفتح التاء و كسرها و (أطمعه) إطماعا أوقعه في الطمع و (حنّ) يحنّ حنينا استطرب و الحنين الشّوق و شدّة البكاء و الطرب أو صوت الطرب عن حزن أو فرح، و في بعض النسخ بالخاء المعجمة قال في القاموس و الحنين كالبكاء أو الضحك في الأنف و قد خنّ يخنّ، و قال علم الهدى في كتاب الغرر و الدّرر في قول ابن أراكة الثقفي:

فقلت لعبد اللّه إذ حنّ باكيا
تعزّ و ماء العين منهمر يجرى‏

تبين فان كان البكاء ردّ هالكا
على أحد فاجهد بكاك على عمرو

قوله: حنّ باكيا رفع صوته بالبكاء و قال: قال قوم الخنين بالخاء المعجمة من الأنف و الحنين من الصّدر، و هو صوت يخرج من كلّ واحد منهما و (زوى) الشي‏ء زيّا و زويّا جمعه و قبضه.

الاعراب

الضمير في قوله زوى عنه راجع إلى أحدكم و في بعض النسخ بدله عنها فيرجع إلى الامّة و الأوّل أظهر، و إضافة قائمة إلى دينكم لاميّة و تحتمل أن تكون بيانيّة كما نشير اليه في شرح معناه.

المعنى

اعلم أنّ مدار هذه الخطبة الشريفة على فصول:
الفصل الاول في نبذ من ممادح الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم
و هو (أمين وحيه) أى مأمون على ما اوحى إليه من الكتاب الكريم و شرايع الدّين القويم من التحريف و التبديل فيما امر بتبليغه لمكان العصمة الموجودة فيه صلوات اللّه و سلامه عليه و آله (و خاتم رسله) أى آخرهم ليس بعده رسول كما قال سبحانه: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ قال في الصّافي: آخرهم الذي ختمهم أو ختموا به على اختلاف القرائتين.

و في مجمع البحرين: و محمّد خاتم النّبيّين يجوز فيه فتح التاء و كسرها فالفتح بمعنى الزينة مأخوذ من الخاتم الذي هو زينة للابسه و بالكسر اسم فاعل بمعنى الاخر (و بشير رحمته و نذير نقمته) أى مبشّر برحمته الواسعة، و الثواب الجزيل و مخوّف من عقوبته الدّائمة و العذاب الوبيل كما قال عزّ من قائل: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً.

الفصل الثاني في الاشارة إلى بعض وظايف الخلافةو هو قوله عليه السّلام (أيّهاالنّاس إنّ أحقّ النّاس بهذا الأمر) أى أمر الخلافة و الامامة (أقواهم عليه) أى أكملهم قدرة و قوّة على السياسة المدنيّة و على كيفيّة تدبير الحرب (و أعلمهم بأمر اللّه فيه) أى أكثرهم علما بأحكامه سبحانه في هذا الأمر و في بعض النّسخ «و أعملهم بأمر اللّه» بدله هذا و يدلّ على ذلك أعني كون الأقوى و الأعلم أحقّ بالرياسة من غيره صريحا قوله سبحانه أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى‏ إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ و قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ فقد ردّ استبعادهم لتملّكه بفقره بأنّ العمدة في ذلك اصطفاء اللّه و قد اختاره عليكم و هو أعلم بالمصالح و بأنّ الشرط فيه وفور العلم ليتمكّن به من معرفة الامور السياسية، و جسامة البدن، ليكون أعظم وقعا في القلوب و أقوى على مقاومة العدوّ و مكايدة الحروب، لا ما ذكرتم.

و كيف كان فقد دلّت هذه الاية الشريفة كقول الامام عليه السّلام على بطلان ملك المفضول و خلافته مضافين إلى قوله تعالى: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ و قوله: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ.

فانقدح من ذلك فساد ما توهّمه الشارح المعتزلي من أنّ قوله عليه السّلام لا يدلّ على بطلان امامة المفضول لأنّه عليه السّلام ما قال إنّ امامة غير الأقوى فاسدة و لكنه قال إنّ الأقوى أحقّ و أصحابنا لا ينكرون أنه عليه السّلام أحقّ ممن تقدّمه بالامامة مع قولهم بصحّة امامة المتقدّمين لأنه لا منافاة بين كونه أحقّ و بين صحّة إمامة غيره.

وجه انقداح الفساد أنّ أحقّيته و إن كانت لا تنافي بحسب الوضع اللّغوي حقيقيّة غيره كما هو مقتضى وضع أفعل التفضيل إلّا أنّ الظاهر عدم إرادة الأفضليّة هنا بل نفس الفضل كما في قوله: وَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَ حيث يستدلّون به‏على حجب الأقرب للأبعد و كذلك في قوله أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ و إلّا لما استحقّ متبعو غير الأحقّ بالتوبيخ و الملام المستفاد من ظاهر الاستفهام، مضافا إلى تشديد التقريع بقوله عقيب الاية فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ.

فان قلت: حمل أفعل على غير معناه اللّغوي مجاز لا يصار إليه إلّا بقرينة تدلّ عليه فما القرينة عليه قلت: القراين المنفصلة من العقل و النقل فوق حدّ الاحصاء و أمّا القرينة المتّصلة فهي قوله: (فان شغب شاغب) أي أثار الشرّ و الفساد (استعتب) و طلب عتباه و رجوعه إلى الحقّ (فان أبى قوتل) فانّ جواز قتال الابي و قتله ليس إلّا لعدم جواز عدوله عن الأحقّ إلى غيره فيعلم منه أنّ غيره غير حقيق للقيام بالأمر كما لا يخفى، فافهم و تدبّر هذا.

و لما كان معاوية و أهل الشّام و أكثر من عدل عنه عليه السّلام و نكث عن بيعته قادحين في خلافته طاعنين في امامته بأنّه لم يكن عقد بيعته برضا العامّة و حضورها أشار إلى بطلان زعمهم و فساده بقوله: (و لعمري لئن كانت الامامة لا تنعقد حتّى تحضرها عامّة النّاس) كما يزعمه هؤلاء و يحتجّون به علىّ (ما) كان (إلى ذلك سبيل) لتعذّر اجتماع المسلمين على كثرتهم و انتشارهم في مشارق الأرض و مغاربها (و لكن أهلها) أى أهل الامامة أو البيعة الحاضرون من أهل الحلّ و العقد يعقدون البيعة و (يحكمون على من غاب عنها ثمّ ليس للشاهد أن يرجع) عن بيعته كما رجع زبير و طلحة (و لا للغائب) كمعاوية و أتباعه (أن يختار) أى يكون لهم اختيار بين التسليم و الامتناع.

قال الشّارح المعتزلي و هذا الكلام أعنى قوله عليه السّلام و لعمرى إلى آخره تصريح بمذهب أصحابنا من أنّ الاختيار طريق إلى الامامة و مبطل لما يقوله الامامية من دعوى النّص عليه و من قولهم لا طريق الى الامامة سوي النصّ أو المعجز انتهى.
و فيه نظر أمّا أوّلا فلأنّه عليه السّلام إنّما احتجّ عليهم بالاجماع إلزاما لهم لاتّفاقهم على العمل به في خلافة أبي بكر و أخويه و عدم تمسّكه عليه السّلام بالنصّ لعلمه بعدم «ج 10»

التفاتهم إليه كيف و قد أعرضوا عنه في أوّل الأمر مع قرب العهد بالرسول صلّى اللّه عليه و آله و سماعهم منه عليه السّلام و أمّا ثانيا فلأنّه عليه السّلام لم يتعرّض للنصّ نفيا و لا إثباتا فكيف يكون مبطلا لما ادّعاه الاماميّة من النصّ.
و العجب أنّه جعل هذا تصريحا بكون الاختيار طريقا إلى الامامة و نفى الدلالة في قوله عليه السّلام: إنّ أحقّ النّاس بهذا الأمر اه، على نفى إمامة المفضول مع أنّه لم يصرّح بأنّ الامامة تنعقد بالاختيار بل قال لا يشترط في انعقاد الامامة حضور العامة و لا ريب في ذلك نعم يدلّ بمفهومه على ذلك و هذا تقيّة منه عليه السّلام.

و لا يخفى على من تتبّع سيره أنّه لم يكن يمكنه إنكار خلافتهم و القدح فيها صريحا في المحافل فلذا عبّر بكلام موهم لذلك و قوله عليه السّلام: و أهلها يحكمون و إن كان موهما له أيضا لكن يمكن أن يكون المراد بالأهل الأحقّاء بالامامة و يكون الضمير فيه راجعا إليهم.

و لا يخفى أنّ ما مهدّه عليه السّلام أولا بقوله: إنّ أحقّ النّاس أقواهم يشعر بأنّ عدم صحّة رجوع الشاهد و اختيار الغايب إنّما هو في صورة الاتفاق على الأحقّ دون غيره فتأمل.

ثمّ ذكر من يسوغ له عليه السّلام قتاله فقال: (ألا و إنّي اقاتل رجلين رجلا ادّعى ما ليس له و آخر منع الّذي عليه) يحتمل أن يكون الأوّل إشارة إلى أصحاب الجمل و الثاني إلى معاوية و أتباعه و يحتمل العكس.
فعلى الأوّل فالمراد من ادّعائهم ما ليس لهم الخلافة أو المطالبة بدم عثمان فانه لم يكن لهم ذلك و إنما كان ذلك حقّا لوارثه و من منعهم بما وجب عليهم هو البيعة و بذل الطاعة.

و على الثاني فالمراد من ما ليس له أيضا الخلافة أو دعوى الولاية لدم عثمان و المطالبة به و من منع ما وجب عليه هو المضيّ على البيعة و الاستمرار عليه أو ساير الحقوق الواجبة عليهم.

الفصل الثالث في الوصيّة بما لا يزال يوصى به و الاشارة إلى أحكام البغاةإجمالا و هو قوله عليه السّلام (اوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه) الّتي هي الزاد و بها المعاد (فانّها خير ما تواصى العباد به و خير عواقب الامور عند اللّه) يعني أنّها خير أواخر الامور لكونها خير ما ختم به العمل في دار الدّنيا أو أنّ عاقبتها خير العواقب (و قد فتح باب الحرب بينكم و بين أهل القبلة) أى الاخذين بظاهر الاسلام (و لا يحمل هذا العلم) أى العلم بوجوب قتال أهل القبلة و بشرايطه و في بعض النّسخ هذا العلم محرّكة فيكون إشارة إلى حرب أهل القبلة و القيام به أى لا يحمل علم الحرب و لا يحارب (إلّا أهل البصر و الصبر) أى أهل البصيرة و العقل و أهل الصّبر و التحمّل على المكاره (و العلم بمواقع الحقّ) و ذلك لأنّ المسلمين كانوا يستعظمون حرب أهل القبلة و من أقدم منهم عليه أقدم على خوف و حذر، فقال عليه السّلام إنّ هذا العلم ليس يدركه كلّ أحد و إنّما له قوم مخصّصون.

قال الشّافعي: لولا عليّ عليه السّلام لما علم شي‏ء من أحكام أهل البغى و هو كما قال (فامضوا لما تؤمرون به و قفوا عند ما تنهون عنه و لا تعجلوا في أمر) و لا تسرعوا في إنكاره و ردّه إذا استبعدتموه بأوهامكم (حتّى تتبيّنوا) و تثبّتوا و تسألوا عن فايدته و علّته (فانّ لنا مع كلّ أمر تنكرونه) و تستبعدونه (غيرا).
قال الشّارح المعتزلي أى لست كعثمان اصرّ على ارتكاب ما أنهى عنه بل أغير كلّ ما ينكره المسلمون و يقتضى الحال و الشرع تغييره.

و قال الشارح البحرانى: أى إنّ لنا مع كلّ أمر تنكرونه قوّة على التغيير إن لم يكن في ذلك الأمر مصلحة في نفس الأمر فلا تسرعوا إلى إنكار أمر لفعله حتى تسألوا عن فائدته فانه يمكن أن يكون انكاركم لعدم علمكم بوجهه.
قال العلّامة المجلسيّ «ره» و يمكن أن يكون المعنى أنّ لنا مع كلّ أمر تنكرونه تغييرا أى ما يغيّر إنكاركم، و يمنعكم عنه من البراهين السّاطعة أو الأعم منها و من السّيوف القاطعة إن لم ينفعكم البراهين.

أقول: و ذلك مثل ما وقع منه في أمر الخوارج فانّهم لمّا نقموا عليه ما نقموا روّعهم عن الانكار عليه بالبيانات الشافية و الحجج الوافية حتّى ارتدع منهم ثمانيةآلاف و كانوا اثنى عشر ألفا و لمّا أصرّ الباقون و هم أربعة آلاف على اللّجاج، و لم ينفعهم الاحتجاج، قطع دابرهم بسيف يفلق الهام، و يطيح السواعد و الأقدام.

تذر الجماجم ضاحيا هاماتها بله الأكفّ. كأنّها لم تخلق‏حسب ما عرفته تفصيلا فى شرح الخطبة السادسة و الثلاثين و غيرها.

ثمّ أخذ في التنفير عن الدّنيا و التّزهيد فيها بقوله (ألا و إنّ هذه الدّنيا) الاتيان باسم الاشارة للتحقير كما في قوله تعالى: أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ، و في الاتيان بالموصول أعني قوله: (الّتي أصبحتم تتمنّونها و ترغبون فيها و أصبحت تغضبكم و ترضيكم) تنبيه على خطاء المخاطبين، و توبيخ لهم بأنّهم يرغبون في شي‏ء يخلصون المحبّة له و هو لا يراعي حقّهم بل يغضبهم تارة، و يرضيهم اخرى و نظير هذا الموصول المسوق للتنبيه على الخطاء ما في قوله:
إنّ الّذين ترونهم إخوانكم يشفى غليل صدورهم أن تصرعوا يعني أنّ هذه الدّنيا مع تمنّيكم لها و فرط رغبتكم فيها و مع عدم إخلاصها المحبّة لكم (ليست بداركم) الّتي يحقّ أن تسكنوا فيها (و لا منزلكم الذي خلقتم له) و للاقامة فيه (و لا الّذي دعيتم إليه) و إلى التوطن فيه (ألا و إنّها ليست بباقية لكم و لا تبقون عليها) و إلى هذا ينظر قوله عليه السّلام:

أرى الدّنيا ستؤذن بانطلاق
مشمّرة على قدم و ساق‏

فلا الدّنيا بباقية لحيّ‏
و لا حىّ على الدّنيا بباق‏

يعني أنّها دار فناء لا تدوم لأحد و لا يدوم أحد فيها (و هى و إن غرّتكم منها) بما زينتكم من زخارفها و إغفالكم عن فنائها (فقد حذّرتكم شرّها) بما أرتكم من آفاتها و فنائها و ما ابتليتم فيها من فراق الأحبّة و الأولاد و نحوها (فدعوا غرورها) اليسير (لتحذيرها) الكثير (و أطماعها) الكاذب (لتخويفها) الصّادق.

(و سابقوا فيها) بالخيرات و الأعمال الصّالحات (إلى الدّار الّتي دعيتم إليها) و هي الجنّة الّتي عرضها الأرض و السّماوات (و انصرفوا بقلوبكم عنها) إلى ما لم يخطر على قلب بشر ممّا تشتهيه الأنفس و تلذّ الأعين و جميع الامنيّات (و لا يحنن أحدكم حنين الأمة على ما زوي) و صرف (عنه منها) و هو نهى عن الأسف على الدّنياو الحزن و البكاء على ما فاته منها، و قبض عنه من قيناتها و زخارفها.

و التشبيه بحنين الأمة لأنّ الاماء كثيرا ما يضربن و يبكين و يسمع الحنين منهنّ و الحرائر يأنفن من البكاء و الحنين (و استتمّوا نعمة اللّه عليكم بالصّبر على طاعة اللّه) أى بالصبر و التحمّل على مشاقّ العبادات أو بالصبر على المصائب و البلايا طاعة له سبحانه، و على أىّ حال فهو من الشكر الموجب للمزيد (و) به يطلب تمام النعمة في الدنيا و الاخرة كما قال عز من قائل: «إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ» كما يطلب تمامها ب (المحافظة على ما استحفظكم من كتابه) أى بالمواظبة على ما طلب منكم حفظه و المواظبة عليه من التكاليف الشرعيّة الواردة في كتابه العزيز لأنّ المواظبة على التكاليف و الطاعات سبب عظيم لافاضة النعماء و الخيرات.

و أكّد الأمر بالمحافظة بقوله (ألا و إنّه لا يضرّكم تضييع شي‏ء من دنياكم بعد حفظكم قائمة دينكم) لعلّ المراد بقائمة الدّين اصوله و ما يقرب منها و على كون الاضافة بيانيّة فالمراد بقائمته نفس الدّين إذ به قوام أمر الدّنيا و الاخرة.
ثمّ نبّه على عدم المنفعة في الدّنيا مع فوات الدّين فقال: (ألا و إنّه لا ينفعكم بعد تضييع دينكم شي‏ء حافظتم عليه من أمر دنياكم) و ذلك واضح لأنّ أمور الدّنياويّة مع تضييع الدّين لا تنتفع بشي‏ء منها في الاخرة البتة.

و ختم الكلام بالدّعاء لنفسه و لهم و قال: (أخذ اللّه بقلوبنا و قلوبكم إلى الحقّ) و هدانا إلى سلوك سبيله (و ألهمنا و إيّاكم الصبر) على مصيبته و طاعته و معصيته لأنّ من صبر عند المصيبة حتى يردّها بحسن عزائها كتب اللّه له ثلاثمأة درجة ما بين الدّرجة الى الدّرجة كما بين السماء و الأرض، و من صبر على الطاعة كتب اللّه له ستمائة درجة ما بين الدّرجة الى الدّرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش، و من صبر عن المعصية كتب اللّه له تسعمائة درجة ما بين الدّرجة إلى الدّرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش.

رواه في الوسائل من الكافي عن أمير المؤمنين عليه السّلام عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قد تقدّم روايته مع أخبار اخر في فضل الصبر في شرح الخطبة الخامسة و السّبعين و وعدنا هناك إشباع الكلام فيه أى في الصبر و فضله و أقسامه فها نحن الان نفي بما وعدناك بتوفيق من اللّه سبحانه و من منّه.

فاقول: إنّ الصبر على ما عرفت فيما تقدّم عبارة عن ملكة راسخة في النفس يقتدر معها على تحمّل المكاره و قد أكثر اللّه سبحانه من مدحه في كتابه العزيز، و بشّر الصّابرين و ذكّرهم في آيات تنيف على سبعين قال سبحانه: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ، و قال: وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، و قال: وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا، و قال: وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً، إلى غير هذه مما لا نطيل بذكرها.

و أما الأخبار في فضله و فضل الصّابرين فهى فوق حدّ الاحصاء منها ما في الكافي عن العلاء بن الفضيل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: الصّبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد فاذا ذهب الرأس ذهب الجسد كذلك إذا ذهب الصّبر ذهب الايمان.

و عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول إنّ الحرّ حرّ على جميع أحواله إن نابته نائبة صبر لها و إن تداكّت عليه المصائب لم يكسره و إن اسر و قهر و استبدل باليسر عسرا كما كان يوسف الصديق الأمين عليه السّلام لم يضرره حريّته أن استعبد و قهر و اسر و لم يضرره ظلمة الجبّ و وحشته و ما ناله أن منّ اللّه جلّ و عزّ عليه فجعل الجبّار العاتي له عبدا بعد إذ كان مالكا فأرسله و رحم به اللّه و كذلك الصّبر يعقّب خيرا فاصبروا و وطّنوا أنفسكم على الصّبر توجروا.

و عن حمزة بن حمران عن أبي جعفر عليه السّلام قال: الجنّة محفوفة بالمكاره و الصّبر، فمن صبر على المكاره في الدّنيا دخل الجنّة، و جهنّم محفوفة باللّذات و الشهوات فمن أعطى نفسه لذّتها و شهوتها دخل النّار.
و عن سماعة بن مهران عن أبي الحسن عليه السّلام قال: قال لي: ما حبسك عن الحجّ قال: قلت: جعلت فداك وقع علىّ دين كثير و ذهب مالي، و ديني الّذى قد لزمني هو أعظم من ذهاب مالى فلولا أنّ رجلا من أصحابي أخرجني ما قدرت أن أخرج فقال عليه السّلام: إن تصبر تغتبط و إلّا تصبر ينفذ اللّه مقاديرها راضيا كنت أم كارها.

و عن أبي حمزة الثمالي قال: قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام من ابتلى من المؤمنين ببلاء فصبر عليه كان له مثل أجر ألف شهيد.
و عن محمّد بن عجلان قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام فشكى إليه رجل الحاجة

فقال: اصبر فانّ اللّه سيجعل لك فرجا قال: ثمّ سكت ساعة ثمّ أقبل على الرجل فقال: أخبرني عن سجن الكوفة كيف هو فقال: أصلحك اللّه ضيّق منتن و أهله بأسوء حال، قال عليه السّلام: فانّما أنت في السجن فتريد أن تكون فيه في سعة أما علمت أنّ الدّنيا سجن المؤمن، إلى غير هذه ممّا لا نطيل بذكرها.

فان قلت: ما معنى قوله في الحديث الأوّل الصّبر من الايمان بمنزلة الرّأس من الجسد قلت: لما كان قوام الجسد و تمامه و كماله إنّما هو بالرأس و به يتمّ تصرّفاته و يتمكّن من الاثار المترتّبة عليه لا جرم شبّه عليه السّلام الصّبر بالرّأس و الايمان بالجسد لأنّ كمال الايمان و تمامه إنما هو به، أمّا على القول بأنّ الايمان عبارة عن مجموع العقائد الحقّة و الأعمال فواضح، و أمّا على القول بأنّ العمل ليس جزء منه بل هو شرط الكمال فلأنّ الجسد إنّما يكمل بالرأس كما أنه يوجد بوجوه، فوجه الشّبه هو وصف الكمال فقط و لا يجب في تشبيه شي‏ء بشي‏ء وجود جميع أوصاف المشبّه به في المشبّه.

و لكنّ الظاهر من قوله: كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الايمان هو كون العمل هو جزء من الايمان المستلزم ذهابه لذهابه الّا أن يراد منه الايمان بالكمال و قد تقدّم تحقيق الكلام فيه فيما سبق.
و مما ذكرنا أيضا ظهر وجه ما روى عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من أنّ الصبر نصف الايمان و ذلك لأنّ الايمان إذا كان عبارة عن مجموع المعارف اليقينيّة الحقّة و عن العمل بمقتضى تلك المعارف، فيكون حينئذ مركبا منهما، و معلوم أنّ العمل أعنى المواظبة على الطاعات و الكفّ عن المعاصي لا يحصل إلّا بالصبر على مشاقّ الطاعة لليقين بكونها نافعة، و ترك لذائذ المعصية لليقين بكونها ضارّة فعلى هذا الاعتبار يصحّ كونه نصف الايمان.

و ذكر الغزالي له وجها آخر محصّله أن يجعل المراد من الايمان الأحوال المشمئزة للأعمال و جميع ما يلاقي العبد ينقسم إلى ما ينفعه في الدّنيا و الاخرة أو يضرّه فيهما، و له بالاضافة إلى ما يضرّه حال الصبر، و بالاضافة إلى ما ينفعه حال الشكر، فيكون الصبر أحد شطرى الايمان كما أنّ الشكر شطره الاخر و لذلك‏ روى عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مرفوعا الايمان نصفان: نصف صبر، و نصف شكر.

ثم ان الصبر تختلف أساميه باختلاف موارده و بالاضافة إلى ما يصبر عنه من مشتهيات الطبع و مقتضيات الهوى، و ما يصبر عليه مما ينفرّ عنه الطبع من المكاره و الاذي.
فان كان صبرا عن شهوة الفرج و البطن، سمّي عفة، و إن كان في مصيبة اقتصر على اسم الصّبر و تضادّه حالة تسمى الجزع، و إن كان في احتمال الغنى سمّى ضبط النفس و يضادّه البطر، و إن كان في حرب و مقاتلة سمّى شجاعة و يضادّه الجبن و إن كان في كظم الغيظ و الغضب سمّى حلما و يضادّه التذمّر و السفه و إن كان في نائبة من نوائب الزّمان سمّى سعة الصّدر و يضادّه الضجر و ضيق الصّدر، و إن كان في إخفاء كلام سمّى كتمان السرّ و إن كان عن فضول العيش سمّى زهدا، و يضادّه الحرص و إن كان على قدر يسير من الحظوظ سمّى قناعة و يضادّه الشّره.
و بالجملة فأكثر مكارم الايمان داخل في الصّبر و لأجل ذلك لمّا سئل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مرّة عن الايمان فقال: هو الصّبر لأنه اكثر أعماله و أعزّها هذا.

و أما أقسامه فقد فصّلها أبو حامد الغزالي في كتاب احياء العلوم و ملخّصها أنّ جميع ما يلقى العبد في هذه الحياة لا يخلو من نوعين أحدهما هو الّذي يوافق هواه و الاخر هو الّذي يخالفه، و هو محتاج إلى الصبر في كلّ منهما فهو إذا لا يستغنى قطّ عن الصّبر.

النوع الاول ما يوافق الهوى و هو الصّحة و السلامة و المال و الجاه و كثرة العشيرة و اتساع الاسباب و كثرة الأتباع و الأنصار و جميع ملاذّ الدّنيا و ما أحوج العبد إلى الصبر على هذه الامور فانه إن لم يضبط نفسه عن الرّكون إليها و الانهماك في ملاذّها المباحة أخرجه ذلك إلى البطر و الطغيان، فانّ الانسان ليطغى أن رآه استغنى.

النوع الثاني ما لا يوافق الهوى و هو على ثلاثة أقسام لأنه إمّا أن يرتبط باختيار العبد كالطاعات و المعاصي، و إمّا أن لا يرتبط باختياره كالالام و المصائب و إمّا أن لا يرتبط باختياره و لكن له اختيار في إزالته كالتشفّى من المؤذي بالانتقام منه.

أما القسم الاول و هو ما يرتبط باختيار العبد فعلى ضربين.
الضرب الأول الطاعات و العبد يحتاج إلى الصبر عليها، و التحمّل عن مشاقّهالأنّ النفس بالطبع تنفرّ عن العبوديّة و تشتهى الرّبوبيّة، و لذلك قال بعض العارفين ما من نفس إلّا و هى مضمرة ما أظهره فرعون من قوله أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏ و لكن فرعون وجد له مجالا و قبولا من قومه، فأظهره و أطاعوه و ما من أحد إلّا و يدعى ذلك مع عبده و خادمه و أتباعه و كلّ من هو تحت قهره و طاعته و إن كان ممتنعا من إظهاره.

ثمّ نفرة النّفس عن العبادة إمّا بسبب الكسل كالصّلاة و إمّا بسبب البخل كالزكاة أو بسببهما كالحجّ و الجهاد و العبد محتاج إلى الصّبر في جميعها.
الضرب الثاني المعاصي و تركها و الكفّ عنها أصعب عن النفس لرغبتها بالطبع إليها فيحتاج إلى الصبر عنها و أشدّ أنواع الصبر عن المعاصي الصبر على المعاصي المألوفة المعتادة كحصائد الألسنة من الكذب و الغيبة و البهتان و نحوها فمن لم يتمكن من الصّبر عنها فيجب عليه العزلة و الانفراد لأنّ الصّبر على الانفراد أهون من الصّبر على السكوت مع المخالطة، و تختلف شدّة الصّبر في آحاد المعاصي باختلاف دواعي المعصية قوّة و ضعفا.

و أما القسم الثاني و هو ما لا يرتبط باختيار العبد أصلا فكالمصائب و البلايا و الالام و الأسقام من فقد الأحبّة و موت الأعزّة و ذهاب المال و تبدّل الصحّة بالمرض و الغنى بالفقر، و البصر بالعمى، و غيرها و الصّبر على هذه هو الذي بشّر الموصوفون به في الاية الكريمة بقوله سبحانه: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ و أوحى سبحانه إلى داود عليه السّلام يا داود: تريد و اريد و إنّما يكون ما اريد فان سلّمت لما اريد كفيتك ما تريد و إن لم تسلم لما اريد أتعبتك فيما تريد ثمّ لا يكون إلّا ما اريد.

و أما القسم الثالث و هو ما لا يرتبط هجومه باختياره و له اختيار في دفعه كما لو اوذى بفعل أو قول و جنى عليه في نفسه أو ماله أو نحو ذلك فالصّبر على ذلك بترك المكافاة، و الانتقام تارة يكون واجبا و تارة يكون مندوبا قال تعالى: وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ.

و عن الانجيل قال عيسى بن مريم عليه السّلام: لقد قيل لكم من قبل إنّ السنّ‏ بالسنّ و الأنف بالأنف و أنا أقول لكم لا تقاوموا الشرّ بالشرّ بل من ضرب خدّك الأيمن فحوّل إليه الخدّ الأيسر و من أخذ رداءك فأعطه إزارك و من سخّرك لتسير معه ميلا فسر معه ميلين، و كلّ ذلك أمر بالصّبر على الأذى.

و في الكافي عن حفص بن غياث قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام يا حفص: إنّ من صبر صبر قليلا و إنّ من جزع جزع قليلا. ثمّ قال: عليك بالصّبر في جميع امورك فانّ اللّه عزّ و جلّ بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله فأمره بالصبر و الرفق فقال: «وَ اصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا وَ ذَرْنِي وَ الْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ» و قال تبارك و تعالى: وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا.

فصبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حتّى نالوه بالعظائم و رموه بها فضاق صدره فأنزل اللّه جلّ و عزّ وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ.
ثمّ كذّبوه و رموه فحزن لذلك صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأنزل اللّه عزّ و جلّ: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى‏ ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا فألزم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نفسه الصّبر فتعدّوا، فذكروا اللّه عزّ و جلّ و كذبوه فقال: قد صبرت في نفسي و أهلي و عرضي و لا صبر لي على ذكر إلهي فأنزل اللّه عزّ و جلّ: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ فصبر صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في جميع أحواله.

ثمّ بشّر في عترته بالأئمة و وصفوا بالصّبر فقال جلّ ثناؤه «وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ» فعند ذلك قال النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله الصبر من الايمان كالرأس من الجسد، فشكر اللّه عزّ و جلّ له فأنزل اللّه: وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى‏ عَلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إنّه بشرى و انتقام.

فأباح اللّه عزّ و جلّ قتال المشركين فأنزل: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ و اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ فقتلهم اللّه على يدي رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أحبائه و جعل له ثواب صبره «و عجّل اللّه الثواب خ» مع ما ادّخر له في الاخرة فمن صبر و احتسب لم يخرج من الدّنيا حتّى يقرّ اللّه جلّ و عزّ عينه في أعدائه مع ما يدّخر له في الاخرة.

اللّهمّ اجعلنا صابرين على بلائك، راضين بقضائك، شاكرين على نعمائك، متمسّكين بالعروة الوثقى و الحبل المتين من ولاية أوليائك محمّد و عترته الطّاهرين صلواتك عليهم أجمعين.

الترجمة

از جمله خطب شريفه آن ولي ربّ العالمين و وصيّ خاتم النبيّين است متضمّن مدايح حضرت رسالت صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و مبيّن بعض وظايف امامت و مشتمل بر فضيلت تقوى و پرهيزكارى و مذمّت بي وفائى دنياى فاني مى ‏فرمايد: پيغمبر خدا صلّى اللّه عليه و آله امين وحى پروردگار است، و ختم كننده پيغمبران حضرت آفريدگار، و مژده دهنده است برحمت او، و ترساننده است از عقوبت آن، اى مردمان بدرستى قابل و لايق مردمان باين أمر خلافت قوى‏ترين ايشان است بر او و داناترين ايشان است بأوامر خدا در آن، پس اگر كسى مهيّج شرّ و فساد بشود طلب مى‏شود رجوع او بسوى حق، و اگر امتناع نمايد بايد مقاتله بشود.

قسم بزندگاني خودم اگر باشد امامت اين كه منعقد نباشد تا اين كه حاضر بشود عموم خلايق نيست بسوى او هيچ طريق، و ليكن أهل امامت حكم ميكنند بهر كس كه غايب بشود در مجلس بيعت پس از آن نيست حاضر را اين كه رجوع نمايد از بيعتي كه نموده و نه غايب را اين كه صاحب اختيار باشد.
آگاه باشيد كه بدرستى كه من مقاتله ميكنم با دو كس يكى آنكه ادّعا نمايد چيزى را كه حقّ او نيست و ديگرى آنكه منع نمايد حقّي را كه بر ذمه او است.

وصيّت مي كنم من شما را اى بندگان خدا بتقوى و پرهيزكارى خدا پس بدرستى كه آن تقوى بهترين چيزيست كه وصيت كرده ‏اند بندگان بان، و بهترين عواقب اموراتست نزد خدا، و بتحقيق مفتوح شد باب جنگ در ميان شما و در ميان أهل قبله، و حامل نمى‏شود اين علم بوجوب قتال أهل قبله را مگر أهل بصيرت و صبر، و مگر صاحب علم بمواضع حق پس امضاء بكنيد هر چيزى را كه مأمور مى‏ شويد بان و توقف نمائيد نزد چيزى كه نهى كرده مى‏ شويد از آن، و تعجيل نكنيد در كارى تا اين كه درست بفهميد حقيقت آن را پس بدرستى كه ما راست با هر چيزى كه شما انكار نمائيد آن را تغيير و تبديلي.

آگاه باشيد بدرستى كه اين دنيا كه صباح كرديد شما در حالتى كه آرزو مى‏ كنيد آنرا و رغبت مى‏ نمائيد در آن، و صباح كرد آن در حالتى كه شما را گاهى بغضب مى ‏آورد و گاهى خوشنود مى‏ نمايد، نيست آن خانه شما و نه منزل شما كه خلق شده ‏ايد از براى آن منزل، و نه جائى كه خوانده شده ‏ايد بسوى آن.

آگاه باشيد كه آن دنيا باقي نخواهد ماند از براى شما، و نه شما باقي خواهيد ماند بر آن، و آن اگر چه مغرور ساخته است شما را از طرف خود، پس بتحقيق كه ترساننده است شما را از شرّ خود، پس ترك نمائيد فريفتن آنرا از براى ترساندن آن، و طمع آوردن او را از براى تخويف آن، و سبقت نمائيد در آن بسوى خانه كه دعوت شده‏ايد بسوى آن و رجوع نمائيد با قلبهاى خودتان از آن دنيا.

و البته بايد ناله نكند هيچ يك از شما مثل ناله كردن كنيز به آن چه كه بر چيده شده است از او از دنيا، و طلب نمائيد تماميّت نعمت خدا را بر خودتان با صبر كردن بر طاعت خدا و با محافظت كردن بر چيزى كه خدا طلب كرده است از شما محافظت آنرا در كتاب عزيز خود.

آگاه باشيد بدرستى كه ضرر نمى‏ رساند بشما ضايع نمودن چيزى از دنياى خودتان بعد از اين كه شما حفظ نموده باشيد ستون دين خود را، آگاه باشيد كه بدرستى كه منفعت نمى ‏بخشد بشما بعد از ضايع كردن دين خود چيزى كه محافظت‏نمائيد بان از أمر دنياى خود.
فرا گيرد خداى تبارك و تعالى قلبهاى ما و قلبهاى شما را بسوى حق و إلهام فرمايد بما و شما صبر و بردبارى را.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 171 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 172 صبحی صالح

172- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  )

حمد الله‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا تُوَارِي عَنْهُ سَمَاءٌ سَمَاءً وَ لَا أَرْضٌ أَرْضاً

يوم الشورى‏

منهاوَ قَدْ قَالَ قَائِلٌ إِنَّكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ لَحَرِيصٌ

فَقُلْتُ بَلْ أَنْتُمْ وَ اللَّهِ لَأَحْرَصُ وَ أَبْعَدُ وَ أَنَا أَخَصُّ وَ أَقْرَبُ

وَ إِنَّمَا طَلَبْتُ حَقّاً لِي وَ أَنْتُمْ تَحُولُونَ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ وَ تَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ

فَلَمَّا قَرَّعْتُهُ بِالْحُجَّةِ فِي الْمَلَإِ الْحَاضِرِينَ هَبَّ كَأَنَّهُ بُهِتَ لَا يَدْرِي مَا يُجِيبُنِي بِهِ

الاستنصار على قريش‏

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَ مَنْ أَعَانَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي وَ صَغَّرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِيَ وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي أَمْراً هُوَ لِي

ثُمَّ قَالُوا أَلَا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ وَ فِي الْحَقِّ أَنْ تَتْرُكَهُ

منها في ذكر أصحاب الجمل‏

فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى ‏الله‏ عليه ‏وآله  )كَمَا تُجَرُّ الْأَمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا مُتَوَجِّهِينَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ

فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا وَ أَبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى‏ الله‏ عليه ‏وآله  )لَهُمَا وَ لِغَيْرِهِمَا

فِي جَيْشٍ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَ قَدْ أَعْطَانِي الطَّاعَةَ وَ سَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَهٍ

فَقَدِمُوا عَلَى عَامِلِي بِهَا وَ خُزَّانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا فَقَتَلُوا طَائِفَةً صَبْراً وَ طَائِفَةً غَدْراً

فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ يُصِيبُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا رَجُلًا وَاحِداً مُعْتَمِدِينَ لِقَتْلِهِ بِلَا جُرْمٍ جَرَّهُ لَحَلَّ لِي قَتْلُ ذَلِكَ الْجَيْشِ كُلِّهِ

إِذْ حَضَرُوهُ فَلَمْ يُنْكِرُوا وَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ بِلِسَانٍ وَ لَا بِيَدٍ

دَعْ مَا أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ الْعِدَّةِ الَّتِي دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِمْ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج10  

و من خطبة له عليه السّلام و هى المأة و الحادية و السّبعون من المختار فى باب الخطب

و الظاهر أنّها ملتقطة من الخطبة الطويلة الّتي قدمنا روايتها في شرح الفصل الثّالث من الخطبة السادسة و العشرين إلّا أنّ صدرها المتضمّن للحمد على اللّه سبحانه ليس فيها.
الحمد للّه الّذي لا تواري عنه سماء سماء، و لا أرض أرضا.

منها: و قد قال لي قائل إنّك يا بن أبي طالب على هذا الأمر لحريص فقلت بل أنتم و اللّه أحرص و أبعد و أنا أخصّ و أقرب و إنّما طلبت حقّا هو لي، و أنتم تحولون بيني و بينه، و تضربون وجهي دونه، فلمّا قرعته بالحجّة في الملاء الحاضرين هبّ (بهت خ ل) كأنّه لا يدري ما يجيبني به. اللّهمّ إنّى أستعديك على قريش و من أعانهم، فإنّهم قطعوا رحمي و صغّروا عظيم منزلتي، و أجمعوا على منازعتي أمرا هو لي، ثمّ قالوا ألا إنّ في الحقّ أن نأخذه، و في الحقّ أن تتركه. و منها في ذكر أصحاب الجمل: فخرجوا يجرّون حرمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كما تجرّ الأمة عند شرائها متوجّهين بها إلى البصرة فحبسا نسائهما في بيوتهما و أبرزا حبيس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لهما و لغيرهما في جيش ما منهم رجل إلّا و قد أعطاني الطّاعة و سمح لي بالبيعة طائعا غير مكره فقدموا على عاملي بها، و خزّان بيت مال المسلمين و غيرهم من أهلها و قتلوا طائفة صبرا و طائفة غدرا فو اللّه لو لم يصيبوا من المسلمين إلّا رجلا واحدا معتمدين لقتله بلا جرم جرّه، لحلّ لي قتل ذلك الجيش كلّه إذ حضروه فلم ينكروا و لم يدفعوا بلسان و لا يد،دع ما أنّهم قد قتلوا من المسلمين مثل العدّة الّتي دخلوا بها عليهم.

اللغة

(الملاء) وزان جبل وجوه النّاس و أشرافهم الّذين يرجع إليهم لامتلائهم بالرأى و التدبير و (هبّ) من النوم انتبه و تنبّه و (سمح) الرّجل من باب منع سماحا و سماحة جاد و كرم.

الاعراب

في نسخة الشّارح المعتزلي: فو اللّه أن لو لم يصيبوا. قال الشّارح فأن زايدة و يجوز أن يكون مخفّفة من الثّقيلة، و جملة لحلّ لي جواب للقسم استغنى به عن جواب الشرط لقيامه مقامه كما في قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ و قولك و اللّه لو جئتني لجئتك، فاللّام جواب القسم لا جواب لو قال نجم الأئمة إذا تقدّم القسم أوّل الكلام ظاهرا أو مقدّرا و بعده كلمة الشرط سواء كانت أن أو لو أو لولا أو اسم الشرط فالأكثر و الأولى اعتبار القسم دون الشرط فيجعل الجواب للقسم، و ما في قوله دع ما أنّهم زايدة كما في قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ و مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ و مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ و قيل: إنّها نكرة و المجرور بدل منها.

المعنى

اعلم أنّ ما أورده السيّد «ره» من خطبته عليه السّلام في المتن يدور على فصول ثلاثة.

الفصل الاول

افتتح كلامه بحمد اللّه سبحانه باعتبار احاطة علمه بالسّماوات و الأرضين فقال: (الحمد للّه الذي لا توارى) أى لا تحجب و لا تستر عنه (سماء سماء و لا أرض أرضا) لكونه منزّها عن وصف المخلوقين الذين في إدراكهم لبعض الأجرام السماويّةو الأرضية محجوبون عمّا ورائها و ذلك لقصور ذاتهم و قصور قوّتهم المدركة و أمّا الربّ تعالى فلكمال ذاته فله العلم بكلّ ما سواء كما قد عرفت في شرح الفصل السّادس و الفصل السّابع من الخطبة الاولى و في شرح الخطبة التاسعة و الأربعين و غيرهما.

و أقول هنا مضافا إلى ما سبق روى في الكافي عن ابن اذينة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ» فقال عليه السّلام: هو واحدىّ الذات باين من خلقه، و بذلك وصف نفسه و هو بكلّ شي‏ء محيط بالأشراف و الاحاطة و القدرة لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السّماوات و لا في الأرض و لا أصغر من ذلك و لا أكبر بالاحاطة و العلم لا بالذّات لأنّ الأماكن محدودة تحويها حدود أربعة فاذا كان بالذات لزمته.
يعني أنّه سبحانه لوحدانيّة ذاته و مباينته من خلقه كما وصف به نفسه في كتابه العزيز حيث قال: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ فهو بكلّ شي‏ء محيط» لأنّ غيره من المخلوقات لكونه مكانيا يلزمه أنّ حصوله في مكان و حضوره عند جماعة يستلزم خلوّ ساير الأمكنة عنه و غيبته عن جماعة اخرى كما هو شأن المكانيّات و هو ليس كذلك بل حصوله هاهنا و حضوره لهؤلاء النفس حصوله هناك و حضوره لاولئك.

و قوله لا بالذّات يعني أنّه ليست بالذّات لانّ الأماكن محدودة بحدود أربعة و هي: القدّام، و الخلف، و اليمين، و الشّمال، لعدم تحيّزها إلّا بالاعتبار عدّ الجميع حدّين و الفوق و التّحت حدّين فصارت أربعة فلو كانت إحاطته بالذّات بأن كانت بالدّخول في الأمكنة لزم كونه محاطا بالمكان كالمتمكّن و إن كانت بالانطباق لزم كونه محيطا بالتمكن كالمكان و كلاهما باطل هذا.

و قوله: و لا أرض أرضا قال الشارح المعتزلي هذا الكلام يدلّ على اثبات أرضين بعضها فوق بعض كما أنّ السماوات كذلك و لم يأت في الكتاب العزيز ما يدلّ على هذا إلّا قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ و هو قول كثير من المسلمين و قد تأوّل ذلك أرباب المذاهب الاخر القائلون بأنهاأرض واحدة فقالوا إنها سبعة أقاليم فالمثليّة من هذا الوجه هي لا من تعدّد الأرضين في ذاته.

و يمكن أن يتأوّل مثل ذلك كلام أمير المؤمنين عليه السّلام فيقال إنها و إن كانت أرضا واحدة لكنها أقاليم و أقطار مختلفة، و هى كرية الشكل فمن على حدبة الكرة لا يرى من تحته و من تحته لا يراه و من على أحد جانبيها لا يرى من على الجانب الاخر و اللّه يدرك ذلك كلّه أجمع لا يحجب عنه بشي‏ء منها شي‏ء منها انتهى.

و نحو ذلك قال الطبرسيّ في تفسير الاية حيث قال: أى و في الأرض خلق مثلهنّ في العدد لا في الكيفية لأنّ كيفيّة السماء مخالفة لكيفيّة الأرض و ليس في القرآن آية تدلّ على أنّ الارضين سبع مثل السماوات إلّا هذه الاية و لا خلاف في السماوات أنها سماء فوق سماء و أما الأرضون فقال قوم إنها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض كالسماوات لأنها لو كانت مصمتة لكانت أرضا واحدة و في كلّ أرض خلق خلقهم اللّه كيف شاء.

و روى أبو صالح عن ابن عباس أنها سبع أرضين ليس بعضها فوق بعض يفرق بينهنّ البحار و تظلّل جميعهنّ السّماء و اللّه سبحانه أعلم بصحّة ما استأثر بعلمه و اشتبه على خلقه.
و قال الفخر الرّازيّ: قال الكلبيّ: خلق سبع سماوات بعض فوق بعض كالقبّة و من الأرض مثلهنّ في كونها طبقات متلاصقة كما هو المشهور أنّ الأرض ثلاث طبقات طبقة أرضية محضة، و طبقة طينّية و هى غير محضة و طبقة منكشفة بعضها في البرّ و بعضها في البحر، و هي كالمعمورة و لا يبعد من قوله و من الأرض مثلهنّ كونها سبعة أقاليم على سبع سماوات و سبعة كواكب فيها، و هي السيارة، فانّ لكلّ واحد من هذه الكواكب خواصّ تظهر آثار تلك الخواصّ في كلّ أقاليم الأرض فتصير سبعة بهذا الاعتبار.

الفصل الثاني منها في ذكر ما جرى له يوم الشورى

بعد مقتل عمر (و قد قال لي قائل إنّك‏يا بن أبي طالب على هذا الأمر لحريص) أى على أمر الخلافة قال الشارح المعتزلي و الّذي قال له ذلك سعد بن أبي وقاص مع روايته فيه أنت منّي بمنزلة هارون من موسى و هذا عجب فأجاب عليه السّلام بقوله (فقلت بل أنتم و اللّه أحرص و أبعد و أنا أخصّ و أقرب) فليس للبعيد التعريض على القريب و التعيير بكثرة الحرص و أراد بكونه أخصّ و أقرب مزيد اختصاصه برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و شدّة قربه منه (و إنما طلبت حقا هو لي) بنصّ الرّسول صلّى اللّه عليه و آله (و أنتم تحولون بيني و بينه و تضربون وجهي دونه) كناية عن منعهم منه و دفعهم له عنه (فلمّا قرعته) أى صدمته (بالحجّة في الملأ الحاضرين) (هبّ) أى انتبه و استيقظ عن غفلته (كأنّه بهت) هكذا في نسخة الشارح المعتزلي بزيادة بهت بعد لفظة كأنّه أى صار مبهوتا متحيّرا (لا يدرى ما يجيبني) به.

ثمّ إنّه شكى بثّه إلى اللّه سبحانه و استمدّ منه فقال: (اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش) أى أستغيثك و أستنصر منك عليهم (و) على (من أعانهم) من غيرهم (فانّهم قطعوا رحمي) و لم يراعوا قربي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (و صغّروا عظيم منزلتي) حيث جعلوني قرينا للادغال و الطغام و السفلة الأرذال (و أجمعوا على منازعتي أمرا هو لي) أى في أمر الخلافة الذي هو حقّ لي و مختصّ بي بالنصوص المستفيضة بل المتواترة الواردة فيه لا بمجرّد الأفضليّة فقطّ كما زعمه الشّارح المعتزلي وفاقا لساير المعتزلة.

(ثمّ) إنّهم لم يقتصروا على أخذ حقّي ساكتين عن الدّعوى بل (قالوا ألا إنّ في الحقّ أن نأخذه و في الحقّ أن تتركه) أي ادّعوا أنّ الحق لهم و أنّ الواجب علىّ أن أترك المنازعة فيه معهم فليتهم أخذوه مذعنين بأنه حقّي فكانت المصيبة أهون و التحمّل بها أسهل.
قال الشارح البحراني: و روى نأخذه و نتركه بالنون في الكلمتين، و عليه نسخة الرّضي و المراد أنا نتصرّف فيه كما نشاء بالأخذ و الترك دونك.

الفصل الثالث منها في ذكر أصحاب الجمل و التنبيه على ضلالهم

(فخرجوا يجرّون حرمةرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله) أى حرمه و هو في الأصل ما لا يحلّ انتهاكه، و كنّى به هنا عن زوجته عايشة (كما تجرّ الأمة عند شرائها) أى بيعها و وجه الشبه أنّ بايع الأمة يجرّها من بلد إلى بلد و يديرها في الأسواق و يعرضها على المشترين، فكذلك هؤلاء أخرجوها و أداروها في البلدان و شهّروها في الأصقاع لينالوا بذلك إلى ما راموه (متوجّهين بها إلى البصرة فحبسا) أى طلحة و الزبير (نسائهما في بيوتهما و أبرزا حبيس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو أيضا كناية عنها و في ذلك أيضا من الدّلالة على فرط ضلالهما و خطائهما ما لا يخفى لأنّ الرّسول صلّى اللّه عليه و آله أمرها بالاحتباس في بيتها بمقتضى قوله تعالى: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى‏ فهؤلاء مضافا إلى عدم رعايتهم لحرمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و حمايتهم عن عرضه و مخالفتهم لأمره خالفوا أمر اللّه سبحانه و نبذوا كتابه وراء ظهورهم حيث أبرزاها (لهما و لغيرهما) من الناس (في جيش ما منهم رجل إلّا و قد أعطاني الطاعة و سمح) أى جاد (لي بالبيعة) و هذا إشارة إلى وجه ثان لضلالهم، و هو نقضهم للعهد بعد التوكيد و نكثهم للطاعة بعد البيعة.

و قوله: (طائعا غير مكره) من باب الاحتراس الّذي مرّ ذكره في ضمن المحسنات البديعية في ديباجة الشرح و الغرض إبطال توهّم كون بيعتهم على وجه الاكراه كما ادّعاه طلحة و الزبير حسبما عرّفه في شرح الكلام الثامن و غيره (فقدموا على عاملى بها) و هو عثمان بن حنيف الانصاري كان عامله يومئذ بالبصرة (و خزّان بيت مال المسلمين) و هم سبعون رجلا أو أربعمائة رجل كما في رواية أبي مخنف الاتية (و غيرهم من أهلها فقتلوا طائفة) منهم (صبرا).
قال شيخنا في الجواهر بعد قول المحقّق و يكره قتله أى الكافر صبرا لا أجد فيه خلافا لما في صحيح الحلبي عن الصّادق عليه السّلام لم يقتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رجلا صبرا غير عقبة بن ابي معيط و طعن ابن ابي خلف فمات بعد ذلك ضرورة إشعاره بمرجوحيّته الّتي لا ينافيها وقوعه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله المحتمل رجحانه لمقارنة أمر آخر على أنّ الحكم ممّا يتسامح في مثله.

قال: و المراد بالقتل صبرا أن يقيّد يداه و رجلاه مثلا حال قتله و حينئذ فاذا اريد عدم الكراهة أطلقه و قتله و لعلّ هذا هو المراد ممّا فسّره به غير واحد بل نسبه بعض إلى المشهور من أنه الحبس للقتل.
و في القاموس: و صبر الانسان و غيره على القتل أن يحبس و يرمى حتّى يموت.
و أمّا ما قيل من أنّه التعذيب حتّى يموت أو القتل جهرا بين الناس أو التهديد بالقتل ثمّ القتل أو القتل و ينظر إليه آخر أو لا يطعم و لا يسقى حتّى يموت بالعطش و الجوع فلم أجد ما يشهد لها بل الأخير منها مناف لما سمعته من وجوب الاطعام و السقى.

و كيف كان فقد ظهر بذلك أنّ في قوله عليه السّلام فقتلوا طائفة صبرا من الدّلالة على عظم خطيئتهم ما لا يخفى لأنه إذا كان قتل الكفّار المحاربين بهذه الكيفية المخصوصة مكروها أو حراما على اختلاف تفسير الصّبر«» فكيف بالمؤمنين مضافا إلى أنّهم لم يقنعوا بذلك بل (و) قتلوا (طائفة) اخرى (غدرا) و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يجي‏ء كلّ غادر بامام يوم القيامة مائلا شدقه حتّى يدخل النّار.

و قال أمير المؤمنين عليه السّلام في حديث اصبغ بن نباته و هو يخطب على منبر الكوفة أيّها النّاس لولا كراهة الغدر لكنت من أدهى الناس الا إنّ لكلّ غدرة فجرة، و لكلّ فجرة كفرة الا و إنّ الغدر و الفجور و الخيانة في النّار هذا و سنقصّ عليك قتلهم طائفة صبرا و طائفة غدرا في ثاني التنبيهين الاتيين إنشاء اللّه.

ثمّ إنّه عليه السّلام لما أبدى العذر في قتالهم و وجوب قتلهم بثلاث كباير موبقة إحداها إخراجهم لحبيس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هتكهم لناموسه، و ثانيتها نكثهم البيعة بعد سماحهم للطاعة، و ثالثها قتلهم للمسلمين صبرا و غدرا أقسم بالقسم البارّ بحلّيّة قتلهم ازاحة للشبهة عمّن كان في قلبه مرض فقال: (فو اللّه لو لم يصيبوا من المسلمين إلّا رجلا واحدا معتمدين لقتله) أى‏معتمدين له (بلا جرم جرّه) أى بدون استحقاقه للقتل بجرم اجتراه (لحلّ لي قتل ذلك الجيش كلّه) هذا الكلام بظاهره يدلّ على جواز قتل جميع الجيش بقتل واحد من المسلمين معلّلا بقوله (إذ حضروه فلم ينكروا و لم يدفعوا عنه بلسان و لا يد) فيستفاد منه جواز قتل من ترك النهى عن المنكر مع التمكّن من إنكاره و دفعه.

فان قلت: أ فتحكمون بجواز ذلك حسبما يدلّ عليه ذلك الكلام قلت: نعم لأنّ الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر واجبان شرعا فالتارك لهما تارك للواجب و عامل للمنكر، فيجوز للامام عليه السّلام ردعه عنه بأيّ وجه أمكن كساير من ترك الواجبات و أتى بالمحرّمات فاذا علم من أوّل الأمر أنه لا يجدي في الرّدع إلّا القتل لجاز ذلك للامام اتّفاقا و ان اختلف الأصحاب في جواز ذلك أى القتل الذي هو آخر مراتب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر لغيره عليه السّلام من دون اذنه و يدلّ على ما ذكرته من أنّ في ترك إنكار المنكر إخلال بالواجب و إقدام على المنكر ما رواه الصدوق (ره) في عقاب الأعمال مسندا عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهما السّلام قال قال عليّ عليه السّلام: أيها الناس إنّ اللّه عزّ و جلّ لا يعذّب العامّة بذنب الخاصّة إذا عملت الخاصّة بالمنكر سرّا من غير أن تعلم العامّة، فاذا عملت الخاصّة بالمنكر جهارا فلم يغيّر ذلك العامّة استوجب الفريقان العقوبة من اللّه عزّ و جلّ.

و قال عليه السّلام: لا يحضرنّ أحدكم رجلا يضربه سلطان جائر ظلما و عدوانا و لا مقتولا و لا مظلوما إذا لم ينصره لأنّ نصرة المؤمن فريضة واجبة، فاذا هو حضره و العافية أوسع ما لم يلزمك الحجّة الحاضرة.
قال: و لما وقع التقصير في بني إسرائيل جعل الرّجل منهم يرى أخاه على الذنب فينهاه فلا ينتهى فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله و جليسه و شريبه حتّى ضرب اللّه عزّ و جلّ قلوب بعضهم ببعض و نزل فيهم القرآن حيث يقول عزّ و جلّ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى‏ لِسانِ داوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوايَعْتَدُونَ، كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ» الاية.

و يدلّ على جواز قتل فاعل المنكر ما يأتي في أواخر الكتاب في ضمن كلماته القصار من قوله أيّها المؤمنون إنّه من رأى عدوانا يعمل به و منكرا يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم و برء، و من أنكره بلسانه فقد أجر و هو أفضل من صاحبه و من أنكره بالسّيف لتكون كلمة اللّه هي العليا و كلمة الظالمين السّفلى فذلك الّذي أصاب سبيل الهدى، و قام على الطريق و نوّر في قلبه اليقين و رواه في الوسايل من روضة الواعظين مرسلا و يدلّ عليه أخبار اخر لا حاجة بنا إلى روايتها.

فقد ظهر بذلك كلّه أنّ تعليله عليه السّلام حلّ قتل الجيش بحضورهم قتل المسلم من دون إنكار له و دفع عنه موافق بظاهره لاصول المذهب و لقواعد الشرع و لا حاجة إلى التوجيه و تمحّل التأويلات الّتي تكلّفها شراح النهج كالشارح المعتزلي و القطب الراوندي و الشارح البحراني و لا بأس بالاشارة إلى ملخّص كلامهم و التنبيه على ما يتوجّه عليهم فاقول: قال الشارح المعتزلي و يسئل عن قوله عليه السّلام لو لم يصيبوا إلّا رجلا واحدا لحلّ لي قتل ذلك الجيش بأسره لأنّهم حضروه فلم ينكروا فيقال أ يجوز قتل من لم ينكر المنكر مع تمكّنه من إنكاره.
و الجواب أنّه يجوز قتلهم لأنّهم اعتقدوا ذلك القتل مباحا فانّهم إذا اعتقدوا إباحته فقد اعتقدوا إباحة ما حرّم اللّه فيكون حالهم حال من اعتقد أنّ الزّنا مباح و أنّ شرب الخمر مباح.

و اعترض عليه الشارح البحراني بأنّ القتل و إن وجب على من اعتقد إباحة ما علم تحريمه من الدّين ضرورة كشرب الخمر و الزّنا فلم قلت أنّه يجب على من اعتقد إباحة ما علم تحريمه من الدّين بالتأويل كقتل هؤلاء القوم لمن قتلوا، و خروجهم لما خرجوا له فانّ جميع ما فعلوه كان بتأويل لهم و ان كان معلوم الفساد فظهر الفرق بين اعتقاد حلّ الخمر و الزّنا و بين اعتقاد هؤلاء لاباحة ما فعلوه انتهى أقول: و أنت خبير بما في هذا الجواب و الاعتراض كليهما من الضعف‏

و الفساد: أما الجواب فلأنّ اعتقاد إباحة ما علم حرمته من الدّين ضرورة كقتل المسلم عمدا و إن كان مجوّزا للقتل البتّة إلّا أنّه عليه السّلام لم يعلّل جوازه بذلك، بل علّله بالحضور على قتل المسلم و عدم الانكار، و هو أعمّ من اعتقاد الاباحة و عدمه، و قد ظهر لك أنّ مجرّد ذلك كاف في جواز القتل من باب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و لا حاجة إلى التقييد أو التخصيص بصورة الاعتقاد مع عدم الداعي اليهما و كونهما خلاف الأصل.
و أما الاعتراض فلأنّ ملخّص كلام المعترض أنّ خروج الناكثين و قتلهم للمسلمين إنّما نشاء من زعمهم جواز ذلك و اعتقادهم حلّه لشبهة سنحت لهم و ان كان زعما فاسدا و اعتقادا كاسدا.

و فيه أوّلا منع كون خروجهم عن وجه الشبهة و التأويل و انما كان خروج خوارج النهروان بالتأويل و زعمهم الباطل حقّا و لذلك قال عليه السّلام في الكلام السّتين «لا تقتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه» و ثانيا هب أنّ خروجهم كان بالتأويل و شبهة مطالبة دم عثمان ظاهرا و أمّا قتلهم للمسلمين فأىّ تأويل يتصوّر فيه مع أنّ المقتولين لم يكونوا قاتلي عثمان و لا من الحاضرين لقتله و لا ناصرين لقاتليه، و لم يقع بعد حرب الجمل عند قتلهم طائفة صبرا و طائفة غدرا فلم يكن قتلهم لهؤلاء إلّا عن محض البغى و العدوان و التعدّي و الطغيان، و متعمّدين فيه، فجاز قتلهم لذلك كما يجوز قتل معتقد حلّ الخمر و الزّنا.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ التأويل المتصوّر في قتلهم هو أنّهم لما زعموا أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام بحمايته عن قتلة عثمان خلافته خلافة باطلة و إمامته إمامة جور و بيعة إمام الجور و متابعته باطلة لا جرم زعموا إباحة قتل خزّان بيت المال و من حذا حذوهم باعتبار كونهم من مبايعيه و متابعيه، مستحفظين لبيت المال لأجله عليه السّلام و حفظ بيت المال لأجل الامام الجائر إعانة الاثم على زعمهم الباطل فافهم جدّا.

و بعد الغضّ عن جميع ذلك أقول: إنّ التأويل إذا كان معلوم الفساد حسبما اعترف به الشارح نفسه لم يبق موقع للتأمّل في جواز القتل، و لذلك أمر سبحانه بقتلهم و قتالهم مطلقا في قوله: وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى‏ فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ أَمْرِ اللَّهِ.
و قال القطب الرّاوندي إن حلّ قتلهم لدخولهم في عموم قوله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا الاية.

و اعترض عليه الشارح المعتزلي بأنّه عليه السّلام علّل استحلال قتلهم بأنّهم لم ينكروا المنكر و لم يعلّل بعموم الاية.
و أورد عليه الشارح البحراني بأنّ له أن يقول إنّ قتل المسلم الذى لا ذنب له عمدا إذا صدر من بعض الجيش و لم ينكر الباقون مع تمكّنهم و حضورهم كان ذلك قرينة دالّة على الرضا من جميعهم و الراضى بالقتل شريك القاتل خصوصا إذا كان معروفا بصحبته و الاتّحاد به كاتّحاد بعض الجيش ببعض فكان خروج ذلك الجيش على الامام العادل محاربة للّه و رسوله، و قتلهم لعامله و خزّان بيت مال المسلمين و تفريق كلمة أهل المصر و فساد نظامهم سعى في الأرض بالفساد و ذلك عين مقتضى الاية.

أقول: أمّا ما قاله الراوندى فلا غبار عليه و أمّا اعتراض الشارح المعتزلي فلا وجه له لأنّه عليه السّلام و إن علّل استحلال القتل بالحضور و عدم الانكار و لم يعلّله لعموم الاية إلّا أنّ مال العلّتين واحد، و مقصود الراوندي التنبيه على أنّ مرجع العلّة المذكورة في كلامه إلى عموم الاية ففي الحقيقة التعليل بتلك العلّة تعليل بذلك العموم.
و هذا مما لا ريب فيه لظهور أنّ قتل خزّان بيت المال و إتلاف ما فيه من الأموال لم يكن إلّا من أجل نصبهم العداوة لأمير المؤمنين عليه السّلام و كونهم في مقام المحاربة معه، فيدخلون في عموم الاية.
لأنّ المراد بمحاربة اللّه و رسوله فيها هو محاربة المسلمين، جعل محاربتهم‏محاربة لهما تعظيما للفعل و تكريما للمسلم، فيجوز حينئذ قتلهم بحكم الاية.

بل و لو لم يكن المقتول منهم إلّا واحدا كما فرضه عليه السّلام في كلامه لجاز أيضا قتل جميع الجيش كلّهم لأنّ المفروض أنّ قتل ذلك الواحد إنّما كان محادّة للّه و رسوله و محاربة لوليّ المؤمنين و لمن ائتمّ به من المسلمين فحيث إنّ الباقين حضروا ذلك القتل و لم ينكروه و لم يدفعوا عنه مع تمكّنهم منه يكون ذلك كاشفا عن كونهم في مقام المحاربة أيضا.

و لعلّ هذا هو مراد الشارح البحراني بالايراد الّذي أورده على الشارح المعتزلي و إن كانت عبارته قاصرة عن تأدية المراد لظهور أنّ صدور قتل المسلم عن بعض الجيش مع حضور الاخرين و عدم إنكار منهم و إن كان قرينة على رضا الجميع بالقتل إلّا أنّ ذلك بمجرّده لا يكفى في جواز قتل الرّاضين حتّى ينضمّ إليه المقدّمة الاخرى أعني كون صدور القتل عن وجه المحاربة، و كون رضاهم بذلك كاشفا عن كونهم محاربين جميعا كما قلناه.

و على هذا فان كان مراده بقوله و الراضى بالقتل شريك القاتل هو ما ذكرناه فنعم الوفاق و إلّا فيتوجّه عليه أنّه إن أراد المشاركة في الاثم فهو مسلّم لما ورد في غير واحد من الرّوايات من أنّ الراضى بفعل قوم كالداخل فيهم، و أنّ العامل بالظلم و الراضى به و المعين به شركاء ثلاثة و أنّ من رضي أمرا فقد دخل فيه و من سخطه فقد خرج منه إلّا أنّ هذه المشاركة لا تنفعه في دفع الاعتراض.

و إن أراد المشاركة في جواز قتل الرّاضى كما يجوز قتل القاتل فهو على إطلاقه ممنوع لأنّ قتل القاتل بعنوان القصاص جايز دون الراضي.
نعم يجوز قتله من باب الحسبة على ما قلنا و من أجل كونه في مقام المحاربة حسبما قاله الراوندي كما يجوز قتل القاتل بهذين الوجهين أيضا فافهم جيّدا هذا و لما نبّه عليه السّلام على جواز قتل الجيش جميعا بقتل واحد من المسلمين أردف ذلك بالتنبيه على مزيد استحقاقهم له من حيث إقدامهم على جمع كثير منهم فقال: (دع ما أنّهم قد قتلوا من المسلمين مثل العدّة الّتي دخلوا بها عليهم).

تنبيهانالاول

قال الشّارح المعتزلي بعد الفراغ من شرح الفصل الثّاني من هذه الخطبة ما هذه عبارته و اعلم أنّه قد تواترت الأخبار عنه عليه السّلام بنحو من هذا القول نحو قوله عليه السّلام ما زلت مظلوما منذ قبض اللّه رسوله صلّى اللّه عليه و آله حتّى يوم الناس هذا و قوله عليه السّلام أللّهمّ اجز قريشا فانّها منعتني حقّي و غصبتني أمري.
و قوله عليه السّلام فجزت قريشا عنّي الجوازي فانّهم ظلموني حقّي و اغتصبوني سلطان ابن امّي.
و قوله عليه السّلام و قد سمع صارخا ينادي أنا مظلوم فقال عليه السّلام هلّم فلنصرخ معا فانّي ما زلت مظلوما.
و قوله عليه السّلام و إنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحى و قوله عليه السّلام أرى تراثي نهبا و قوله: اصفيا بانائنا و حملا الناس على رقابنا.

و قوله عليه السّلام: إنّ لنا حقّا إن نعطه نأخذه و ان نمنعه نركب أعجاز الابل و إن طال السرى.
و قوله عليه السّلام: ما زلت مستأثرا عليّ مدفوعا عمّا أستحقّه و أستوجبه.
قال الشارح و أصحابنا يحملون ذلك كلّه على ادّعائه الأمر بالأفضليّة و الأحقيّة و هو الحقّ و الصّواب فانّ حمله على الاستحقاق تكفير و تفسيق لوجوه المهاجرين و الأنصار لكنّ الاماميّة و الزيديّة حملوا هذه الأقوال على ظواهرها و ارتكبوا بها مركبا صعبا و لعمري إنّ هذه الألفاظ موهمة مغلبة على الظنّ ما يقوله القوم لكن تصفّح الأقوال يبطل ذلك الظنّ و يدرء ذلك الوهم فوجب أن يجرى مجرى الايات المتشابهات الموهمة ما لا يجوز على الباري فانّه لا نعمل بها و لا نعوّل على ظواهرها لأنّا لما تصفّحنا أدلّة العقول اقتضت العدول عن ظاهر اللّفظ و أن نحمل على التأويلات المذكورة في الكتب.

قال الشارح و حدّثني يحيى بن سعيد بن عليّ الحنبلي المعروف بابن عالية ساكن قطفثا بالجانب الغربي من بغداد واحد الشهود المعدلين بها قال كنت‏حاضرا عند الفخر إسماعيل بن عليّ الحنبلي الفقيه المعروف بغلام ابن المنى و كان الفخر إسماعيل هذا مقدّم الحنابلة ببغداد في الفقه و الخلاف و يشتغل بشي‏ء في علم المنطق و قد كان حلو العبارة و قد رأيته أنا و حضرت عنده و سمعت كلامه و توفّى سنة عشرة و ستّمأة.

قال ابن عالية و نحن عنده نتحدّث إذ دخل شخص من الحنابلة قد كان له دين على بعض أهل الكوفة فانحدر إليه يطالبه به و اتّفق أن حضره زيارة يوم الغدير و الحنبليّ المذكور بالكوفة و هذه الزيارة هي اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجّة و يجتمع بمشهد أمير المؤمنين عليه السّلام من الخلايق جموع عظيمة يتجاوز حدّ الاحصاء.
قال ابن عالية: فجعل الشيخ الفخر يسائل ذلك الشّخص ما فعلت ما رأيت هل وصل مالك إليك هل بقى منه بقيّة عند غريمك و ذلك الشخص يجاوبه حتّى قال له يا سيّدي لو شاهدت يوم الزيارة يوم الغدير و ما يجرى عند قبر عليّ بن أبي طالب عليه السّلام من الفضايح و الأقوال الشّنيعة و سبّ الصحابة جهارا بأصوات مرتفعة من غير مراقبة و لا خيفة.

فقال إسماعيل أيّ ذنب لهم و اللّه ما جراهم على ذلك و لا فتح لهم هذا الباب إلّا صاحب ذلك القبر، فقال ذلك الشخص: و من صاحب القبر قال: عليّ بن أبي طالب عليه السّلام قال: يا سيّدي هو الّذي سنّ لهم ذلك و علّمهم إيّاه و طرقهم إليه قال نعم و اللّه.
قال: يا سيّدي فان كان محقّا فما لنا نتولّى فلانا و فلانا و إن كان مبطلا فما لنا نتولّاه ينبغي أن نبرء إمّا منه أو منهما، قال ابن عالية فقام اسماعيل مسرعا و قال: لعن اللّه اسماعيل الفاعل ابن الفاعل إن كان يعرف جواب هذه المسألة و دخل دار حرمه و قمنا نحن فانصرفنا انتهى كلام الشارح.

أقول: قد مرّ في تضاعيف الشرح لا سيّما مقدّمات الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقيّة النّصوص الدالّة على خلافته عليه السّلام و بطلان خلافة غيره مضافا إلى الأدلّة العقليّة.
و العجب من الشارح المعتزلي أنّه بعد اعترافه بتواتر الأخبار الظاهرة في‏اغتصاب الخلافة و التظلّم و الشكوى من أئمة الجور كيف يصرفها عن ظواهرها من غير دليل و أيّ داع له الى الانحراف عن قصد السّبيل و لو كان هناك أقلّ دليل لتمسّك به مقدّم الحنابلة اسماعيل، و لم يعي عن الجواب، و لم يقم من مجلسه مسرعا إلى الذهاب، فحيث عجز عن جواب القائل ضاق به الخناق إلّا لعن نفسه بالفاعل ابن الفاعل.

ثمّ العجب من الشّارح أنه يعلّل ذلك تارة بأنّ حملها على ظواهرها يوجب تكفير وجوه الصّحابة و تفسيقها و هو كما ترى مصادرة على المدّعى، و اخرى بأنّ تصفّح الأقوال يبطل الظنّ الحاصل منها و ليت شعرى أىّ قول أوجب الخروج عن تلك الظواهر.
فان أراد قول أهل السنّة فليس له اعتبار و لا وقع له عند اولي الأبصار و إن أراد قول من يعوّل على قوله من النبيّ المختار و آله الأطهار فعليه البيان و علينا التسليم و الاذعان، مع أنّا قد تصفّحنا كتب التواريخ و السّير و الأخبار و الأثر فما ظفرنا بعد إلى الان على خبر واحد معتبر و لا حديث صحيح يؤثر بل الأحاديث الصحيحة النبويّة و غير النبويّة العاميّة و الخاصيّة على بطلان دعويهم متظافرة و إبطال خلافة الخلفاء متواترة متظاهرة.

و قياس ظواهر تلك الرّوايات على الايات المتشابهات قياس مع الفارق لا يقيسها إلّا كلّ بايد ناهق، لقيام الأدلّة القاطعة من العقل و النقل على وجوب تأويل هذه الايات و قيامها على لزوم تعويل ظواهر تلك الروايات.
و كفى بذلك شهيدا فضلا عن غيره ممّا تقدّم و يأتي و حديث الثقلين و خبر الحقّ مع عليّ و عليّ مع الحقّ المعروف بين الفريقين و رواية ورود الامّة على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على خمس رايات و افتراق الامّة على ثلاث و سبعين فرقة كلّها في النار غير واحدة.

و نعم ما قيل:
إذا افترقت في الدّين سبعين فرقة و نيفا كما قد جاء في واضح النقل‏و لم يك منهم ناجيا غير واحد فبيّن لنا يا ذا النباهة و الفضل‏
أ في الفرقة الهلّاك آل محمّد
أم الفرقة الناجون أيّهما قل لي‏
فان قلت هلّاكا كفرت و إن نجوا فلما ذا قدّم الغير بالفضل‏

التنبيه الثاني

في ذكر خروج عائشة و طلحة و الزبير الى البصرة، و قتلهم طائفة من المسلمين فيها صبرا و طائفة غدرا توضيحا لما أشار عليه السّلام إليه في كلامه و تفصيلا لما أجمله.
فأقول: روى الشارح المعتزلي عن أبي مخنف أنّه قال: حدّثنا إسماعيل بن خالد عن قيس بن أبي حازم و روى الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس و روى جرير ابن يزيد عن عامر الشعبي، و روى محمّد بن إسحاق عن حبيب بن عمير قالوا جميعا لمّا خرجت عائشة و طلحة و الزّبير من مكّة إلى البصرة طرقت ماء الحوأب«» و هو ماء لبني عامر بن صعصعة فنبحهم الكلاب فنفرت صعاب إبلهم فقال قائل لعن اللّه الحوأب ما أكثر كلابها.

فلمّا سمعت عائشة ذكر الحوأب قالت: أ هذا ماء الحوأب قالوا نعم، فقالت: ردّوني ردّوني، فسألوها ما شأنها ما بدا لها فقالت: إنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: كأنّى بكلاب ماء يدعا الحوأب قد نبحت بعض نسائي ثمّ قال صلّى اللّه عليه و آله لي: يا حميراء إيّاك أن تكونيها.

فقال لها الزبير مهلا يرحمك اللّه فانا قد جزنا ماء الحوأب بفراسخ كثيرة، فقالت: أ عندك من يشهد أنّ هذه الكلاب النابحة ليست على ماء الحوأب فلفق لها الزبير و طلحة خمسين أعرابيا جعلا لهم جعلا فحلفوا لها و شهدوا أنّ هذا الماء ليس بماء الحوأب فكانت هذه أوّل شهادة زور في الاسلام.
أقول: بل أوّل شهادة الزور في الاسلام ما وقعت يوم السقيفة حيث شهد منافقوا- قريش لأبي بكر بأنهم سمعوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنه يقول: إنّ اللّه لم يكن ليجمع‏لنا أهل البيت النبوّة و الخلافة حسبما تقدّم في المقدّمة الثالثة من مقدّمات الخطبة الشقشقيّة من غاية المرام من كتاب سليم بن قيس الهلالي.

قال أبو مخنف: و حدّثنا عصام بن قدامة عن عكرمة عن ابن عبّاس أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال يوما لنسائه و هنّ عنده جميعا ليت شعري أيّتكن صاحبة الجمل الأدبب تنبحها كلاب الحوأب يقتل عن يمينها و شمالها قتلى كثير كلّهم في النّار و تنجو بعد ما كادت.
قال الشارح المعتزلي: قلت: أصحابنا المعتزلة يحملون قوله و تنجو على نجاتها من النار و الاماميّة يحملون ذلك على نجاتها من القتل و محملنا أرجح لأنّ لفظة في النار أقرب إليه من لفظة القتلى و القرب معتبر في هذا الباب ألا ترى أنّ نحاة البصريين أعملوا أقرب العاملين نظرا إلى القرب.

أقول: لا أدرى ما ذا يريد الشّارح من ذكر الاختلاف في محمل الحديث و ترجيح محمل المعتزلة على محمل الامامية فان كان مقصوده بذلك الردّ على الامامية لتمسّكهم به على كون عايشة في النار حيث حملوا النجاة فيه على النجاة من القتل دون النّار ففيه أنّ الاماميّة لم يتمسّكوا به أبدا على كونها فيها لأنّ قوله صلّى اللّه عليه و آله كلّهم في النّار راجع الى المقتولين عن اليمين و الشمال لا ربط له بها بوجه حتّى يتمسّكوا به بل دليلهم على ذلك مضافا الى أخبارهم الكثيرة هو خروجها و بغيها على الامام العادل، و الخوارج و البغاة كلّهم في النار و عليه أيضا بناء المعتزلة كما صرّح به الشارح في ديباجة شرحه و إن توهّموا خروجها مع طلحة و الزبير من هذه الكلّية لدليل فاسد.

و إن كان مقصوده به اثبات نجاة عائشة من النار ففيه أنّه لا ينهض لاثباتها لأنّ قوله صلّى اللّه عليه و آله «تنجو بعد ما كادت» يحتاج إلى إضمار المتعلّق و لفظة في النار و إن كانت أقرب إليه لكنّ القرب اللّفظي لا يكفى في جعل متعلّقه النّار بل المدار في أمثال المقام على القرب الاعتباري، و غير خفيّ على المنصف الخبير بأساليب «ج 9»الكلام أنّ المتبادر من اطلاق العبارة هو أنّ المتعلّق لفظة من القتل، و سوق الكلام أيضا يفيد ذلك.

و ذلك لأنّه لمّا أخبر بأنه عليه السّلام يقتل عن يمينها و شمالها قتلى كثير و كان هناك مظنّة إصابة القتل إليها لقربه منها و إشرافها عليه، استدرك بقوله و تنجو بعد ما كادت، و هذا بخلاف قوله كلّهم في النّار فانّه لم يكن موهما لشمولها حتّى يحتاج إلى الاستدراك.
فانقدح من ذلك أنّ الظاهر من مساق الكلام مضافا إلى التبادر عرفا هو أنّ المراد منه النجاة من القتل لا النجاة من النار كما يقوله المعتزلة.

و على التنزّل و المماشاة أقول: غاية الأمر أنّ اللّفظ مجمل محتمل للأمرين فلا يكافؤ الأدلّة القاطعة المسلّمة عند أصحابنا و المعتزلة على كون البغاة جميعهم في النار، و لا يجوز رفع اليد عن عموم تلك الأدلّة و تخصيصها بهذا اللّفظ المجمل و العجب من الشارح أنه يستدلّ على مسألة اصولية كلاميّة بمسألة نحوية مع أنّ المسألة النحويّة أيضا غير مسلّمة عند علماء الأدبيّة و البصريّون و إن أعملوا أقرب العاملين نظرا إلى القرب لكنّ الكوفيّين اعملوا الأوّل منهما نظرا إلى السبق قال ابن مالك:

إن عاملان اقتضيا في اسم
عمل قبل فللواحد منهما العمل‏

فالثاني أولى عند أهل البصرة
و اختار عكسا غيرهم ذا أسرة

هذا كلّه على ما يقتضيه النظر الجليّ، و أمّا ما يقتضيه النظر الدّقيق فهو حمل الحديث على ما يقوله أصحابنا الامامية و بطلان محمل المعتزلة، و ذلك لأنّ قوله عليه السّلام «و تنجو بعد ما كادت» يفيد نجاتها بعد قربها، فان اريد بها النجاة من القتل بعد القرب منه كما يقوله الاماميّة فلا غبار عليه، و إن اريد النجاة من النّار فلا يصحّ لأنّ نجاتها منها على زعم المعتزلة كانت بسبب التوبة و لازم ذلك أنّها قبل التوبة كانت هالكة واقعة في النار أعني الاستحقاق بالفعل لها، و وقوعها فيها غير قربها منها، كما هو مفاد قوله: بعد ما كادت.

و الحاصل أنّ القرب من النار كما هو مضمون الرواية على قول المعتزلة ينافي الكون فيها على ما هو لازم محملهم فافهم جيّدا.
هذا كلّه على تسليم صحّة متن الحديث و إلّا فأقول: الظاهر أنّه وقع فيه سقط من الرواة عمدا أو سهوا أو من النساخ كما يدلّ عليه ما فى البحار عن المناقب لابن شهر آشوب قال: ذكر ابن الأعثم في الفتوح، و الماوردي في أعلام النبوّة، و شيرويه في الفردوس، و أبو يعلي في المسند، و ابن مردويه في فضايل أمير المؤمنين، و الموفّق في الأربعين، و شعبة و الشعبي و سالم بن أبي الجعد في أحاديثهم و البلاذرى و الطبري في تاريخهما أنّ عايشة لمّا سمعت نباح الكلاب قالت أيّ ماء هذا فقالوا الحوأب قالت إنّا للّه و إنّا إليه راجعون إنّي لهيه قد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عنده نساؤه يقول: ليت شعري أيّتكنّ تنبحها كلاب الحوأب.

و في رواية الماوردى أيتكنّ صاحبة الجمل الأدبب تخرج فتنبحها كلاب الحوأب يقتل من يمينها و يسارها قتلي كثير و تنجو بعد ما كادت تقتل و هذه الرّواية كما ترى صريحة في أنّ نجاتها من القتل.
و بعد هذا كلّه فغير خفيّ عليك أنّ ما تكلّفه الشارح في إنجائها من النار فانّما يجرى في حقّها فقط، و ليت شعرى ما ذا يقول في حقّ طلحة و الزبير فانّ مذهبه وفاقا لأصحابه المعتزلة نجاتهما أيضا مثلها مع أنّ الرواية كما ترى مصرّحة بأنّ كلّهم في النّار و لا شكّ في شمول هذه القضية الكلّية للرّجلين فان زعم استثنائهما أيضا من هذه الكلّية بدليل منفصل مثل حديث العشرة أو ما دلّ على توبتهما فقد علمت في شرح بعض الخطب السابقة المتقدّمة فساده بما لا مزيد عليه، هذا فلنرجع إلى ما كنا فيه.

قال أبو مخنف حدّثني الكلبي عن أبي صباح عن ابن عبّاس أنّ طلحة و الزبير أغذا السّير لعايشة حتّى انتهوا إلى حفر أبي موسى الأشعرى و هو قريب من البصرة و كتبا إلى عثمان بن حنيف الأنصاري و هو عامل عليّ عليه السّلام على البصرة أن اخل لنادار الامارة.

فلمّا وصل كتابهما إليه بعث إلى الأحنف بن قيس فقال له: إنّ هؤلاء القوم قدموا علينا و معهم زوجة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و النّاس إليها سراع كما ترى، فقال الأحنف إنّهم جاؤك بها للطلب بدم عثمان و هم الّذين ألبّوا على عثمان الناس و سفكوا دمه و أراهم و اللّه لا يزالونا حتّى يلقوا العداوة بيننا و يسفكوا دمائنا و أظنّهم و اللّه سيركبون منك خاصّة ما لا قبل لك به و إن لم تتأهّب لهم بالنّهوض إليهم فيمن معك من أهل البصرة فانّك اليوم الوالي عليهم و أنت فيهم مطاع فسر إليهم بالناس و بادرهم قبل أن يكونوا معك في دار واحدة فيكون الناس أطوع منهم لك.
فقال عثمان بن حنيف: الرأى ما رأيت لكنّني أكره أن أبدهم به و أرجو العافية و السّلامة إلى أن يأتيني كتاب أمير المؤمنين عليه السّلام و رأيه فأعمل به.

ثمّ أتاه بعد الأحنف حكيم بن جبلة العبدى فأقرأه كتاب طلحة و الزبير فقال له مثل قول الأحنف و أجابه عثمان مثل جوابه للأحنف فقال له حكيم: فأذن لي حتّى أسير اليهم بالنّاس فان دخلوا في طاعة أمير المؤمنين عليه السّلام و إلّا فانابذهم على سواء.
فقال عثمان: لو كان ذلك رأى لسرت إليهم بنفسي قال حكيم: أما و اللّه إن دخلوا عليك هذا المصر لتنقلنّ قلوب كثير من النّاس إليه و يزيلنّك عن مجلسك هذا و أنت أعلم، فأبى عليه عثمان.
قال: و كتب عليّ إلى عثمان لمّا بلغه مشارفة القوم البصرة: من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى عثمان بن حنيف فأمّا بعد: فانّ البغاة عاهدوا اللّه ثمّ نكثوا و توجّهوا إلى مصرك و ساقهم الشيطان لطلب ما لا يرضى اللّه به و اللّه أشدّ باسا و أشدّ تنكيلا فاذا قدموا عليك فادعهم إلى الطاعة و الرجوع إلى الوفاء بالعهد و الميثاق الّذي فارقونا عليه فان أجابوا فأحسن جوارهم ما داموا عندك و إن أبوا إلّا التمسّك بحبل النكث و الخلاف فناجزهم حتّى يحكم اللّه بينك و بينهم و هو خير الحاكمين و كتبت كتابي هذا إليك من الرّبذة و أنا معجّل المسير اليك إنشاء اللّه و كتب عبيد اللّه بن أبي رافع في سنة ستّ و ثلاثين.

قال: فلمّا وصل كتاب عليّ عليه السّلام إلى عثمان أرسل إلى أبي الأسود الدّئلي و عمران بن الحصين الخزاعي فأمرهما أن يسيرا حتّى يأتياه بعلم القوم و ما الّذي أقدمهم.
فانطلقا حتّى اذا أتيا حفر أبي موسى و به معسكر القوم فدخلا على عايشة فسألاها و وعظاها و أذكراها و ناشداها اللّه فقالت لهما ألقيا طلحة و الزبير.

فقاما من عندها و لقيا الزّبير فكلّماه فقال لهما: إنّا جئنا للطلب بدم عثمان و ندعو النّاس الى أن يردّوا أمر الخلافة شورى ليختار النّاس لأنفسهم فقالا له: إنّ عثمان لم يقتل بالبصرة ليطلب دمه فيها و أنت تعلم قتلة عثمان من هم و أين هم و أنّك و صاحبك و عايشة كنتم أشدّ الناس عليه و أعظمهم إغراء بدمه فأقيدوا من أنفسكم و أمّا إعادة أمر الخلافة شورى فكيف و قد بايعتم عليّا عليه السّلام طائعين غير مكرهين و أنت يا أبا عبد اللّه لم تبعد العهد لقيامك دون هذا الرّجل يوم مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أنت آخذ قائم سيفك تقول ما أحد أحقّ بالخلافة منه و لا أولى بها منه، و امتنعت من بيعة أبي بكر فأين ذلك الفعل من هذا القول فقال لهما: اذهبا فألقيا طلحة.
فقاما إلى طلحة فوجداه خشن الملمس شديد العريكة قويّ العزم في إثارة الفتنة و إضرام نار الحرب، فانصرفا إلى عثمان بن حنيف فأخبراه

و قال له أبو الأسود:

يا بن حنيف قد أتيت فانفر
و طاعن القوم و جالد و اصبر
و ابرز لها مستلهما و شمّر

فقال ابن حنيف: اى و ربّ الحرمين لأفعلنّ و أمر مناديه فنادى في الناس السلاح السلاح، فاجتمعوا إليه.
قال أبو مخنف: و أقبل القوم فلما انتهوا إلى المربد قام رجل من بني جشم فقال أيها الناس أنا فلان الجشمي و قد أتاكم هؤلاء القوم فان كانوا أتوكم خائفين لقد أتوكم من المكان الّذي يأمن فيه الطير و الوحش و السباع و إن كانوا انما أتوكم للطلب بدم عثمان فغيرنا ولى قتله فأطيعوني أيها الناس و ردّوهم من حيث أقبلوا فانكم إن لم تفعلوا لم تسلموا من الحرب الضروس و الفتنة الصماء الّتى لا تبقى و لا تذر، قال: فحصبه ناس من‏أهل البصرة فأمسك.
قال: و اجتمع أهل البصرة إلى المربد حتّى ملاؤه مشاة و ركبانا فقام طلحة و أشار إلى الناس بالسكوت ليخطب فسكتوا بعد جهد فخطب خطبة ذكر فيها قتل عثمان و حرّض الناس على الطلب بدمه، و على جعل أمر الخلافة شورى.

ثمّ قام الزبير فتكلّم بمثل كلام طلحة فقام إليهما ناس من أهل البصرة فقالوا لهما: ألم تبايعا عليّا عليه السّلام فيمن بايعه ففيم بايعتما ثمّ نكثتما فقالا، ما بايعناه و لا لأحد في أعناقنا بيعة و إنّما استكرهنا على بيعته.
فقال ناس: قد صدقا و أحسنا القول و قطعنا بالصواب، و قال ناس ما صدقا و لا أصابا في القول حتّى ارتفعت الأصوات.

قال: ثمّ أقبلت عايشة على جملها فنادت بصوت مرتفع: أيّها الناس أقلّوا الكلام و اسكتوا: فأسكت الناس لها فقالت في جملة كلام تحرّضهم فيه على القتال و الاجلاب على قتلة عثمان: ألا إنّ عثمان قتل مظلوما فاطلبوا قتلته فاذا ظفرتم بهم فاقتلوهم ثمّ اجعلوا الأمر شورى بين الرّهط الّذين اختارهم عمر بن الخطّاب و لا يدخل فيهم من شرك في دم عثمان.
قال: فماج الناس و اختلطوا فمن قائل يقول القول ما قالت و من قائل يقول و ما هى و هذا الأمر إنّما هي امرأة مأمورة بلزوم بيتها، و ارتفعت الأصوات و كثر اللغط حتى تضاربوا بالنعال و تراموا بالحصى.
ثمّ إنّ النّاس تمايزوا فصاروا فريقين فريق مع عثمان بن حنيف و فريق مع عايشة و أصحابها.
قال أبو مخنف: حدّثنا الأشعث عن محمّد بن سيرين عن أبي الجليل قال: لمّا نزل طلحة و الزّبير المربد أتيتهما فوجدتهما مجتمعين فقلت لهما ناشدتكما اللّه و صحبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما الّذي أقدمكما أرضنا هذه فلم يتكلّما فأعدت عليهما فقالا بلغنا أنّ بأرضكم هذه دنيا فجئنا نطلبها.

قال الشارح المعتزلي: و قد روى قاضي القضاة في كتاب المغني عن وهب بن‏جرير قال: قال رجل من أهل البصرة لطلحة و الزّبير، إنّ لكما فضلا و صحبة فأخبراني عن مسيركما هذا و قتالكما أ شي‏ء أمركما به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أم رأى رأيتماه فأمّا طلحة فسكت فجعل ينكت الأرض، و أمّا الزبير فقال: ويحك حدّثنا أنّ ههنا دراهم كثيرة فجئنا لنأخذ منها.

قال الشارح: و جعل قاضي القضاة هذا الخبر حجّة في أنّ طلحة تاب و إنّ الزّبير لم يكن مصرّا على الحرب.
قال: و الاحتجاج بهذا الخبر على هذا المعنى ضعيف و إن صحّ هو و ما قبله إنّه لدليل على حمق شديد، و ضعف عظيم و نقص ظاهر، و ليت شعري ما الّذي أخرجهما إلى هذا القول و إذا كان هذا في أنفسهما فهلّا كتماه.
أقول: أمّا اعتبار الخبرين فلا غبار عليه لاعتضادهما بأخبار اخر في هذا المعنى، و أمّا دلالتهما على حمق الرّجلين كما قاله الشارح فلا خفاء فيه، و أمّا سكوت طلحة و نكته الأرض فلأنّه لما رأى أنّ السائل لا يبقى و لا يذر و لم يكن له عن الجواب محيص و لا مفرّ فبهت الذي كفر، و أمّا الزبير فأعمى اللّه قلبه و أجرى مكنون خاطره على لسانه إبانة عن انحطاط مقامه، و دناءة شأنه.

قال أبو مخنف: فلمّا أقبل طلحة و الزّبير المربد يريدان عثمان بن حنيف فوجداه و أصحابه قد أخذوا بأفواه السّكك فمضوا حتّى انتهوا إلى موضع الدّباغين فاستقبلهم أصحاب ابن حنيف فشجرهم طلحة و الزبير و أصحابهما بالرّماح فحمل عليهم حكيم بن جبلة فلم يزل و أصحابه يقاتلونهم حتّى أخرجوهم من جميع السكك و رماهم النساء من فوق البيوت بالحجارة.
فأخذوا إلى مقبرة ابن بني مازن فوقفوا بها مليّا حتّى ثابت إليهم خيلهم ثمّ أخذوا على مسناة البصرة حتّى انتهوا إلى الرابوقة ثم أتوا سبخة دار البرزق فنزلوها.

قال: و أتاهما عبد اللّه بن حكيم لما نزلا السبخة بكتب كانا كتباها إليه فقال: لطلحة: يا با محمّد أما هذه كتبك قال: بلى، قال: فكتبت أمس تدعونا إلى خلع عثمان و قتله حتّى إذا قتلته أتيتنا ثائرا بدمه فلعمرى ما هذا رأيك لا تريد إلّا هذه الدّنيامهلا إذا كان هذا رأيك فلم قبلت من عليّ عليه السّلام ما عرض عليك من البيعة فبايعته طائعا راضيا ثمّ نكثت بيعتك ثمّ جئت لتدخلنا في فتنتك.

فقال: إنّ عليّا دعاني إلى البيعة بعد ما بايع فعلمت أنّي لو لم أقبل ما عرضه علىّ لم يتمّ لي ثمّ يغرى لي من معه.
قال: ثمّ أصبحا من غد فصفّا للحرب و خرج عثمان بن حنيف إليهما في أصحابه فناشدهما اللّه و الاسلام و أذكرهما بيعتهما عليّا عليه السّلام فقالا نحن نطلب بدم عثمان فقال لهما و ما أنتما و ذاك اين بنوه اين بنو عمّه الّذينهم أحقّ به منكم كلّا و اللّه و لكنكما حسدتماه حيث اجتمع النّاس عليه و كنتما ترجوان هذا الأمر و تعملان له و هل كان أحد أشدّ على عثمان قولا منكما.

فشتماه شتما قبيحا و ذكرا امّه فقال للزّبير: أما و اللّه لو لا صفيّة و مكانها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فانها أدنتك إلى الظلّ و إنّ الأمر بيني و بينك يا بن الصبغة يعني طلحة أعظم من القول لأعلمتكما من أمركما ما يسوءكما اللهمّ إنّي قد أعذرت إلى هذين الرجلين.

ثمّ حمل عليهم و اقتتل النّاس قتالا شديدا ثمّ تحاجزوا و اصطلحوا على أن يكتب بينهم كتاب صلح فكتب: هذا ما اصطلح عليه عثمان بن حنيف الأنصاري و من معه من المؤمنين من شيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و طلحة و الزبير و من معهما من المؤمنين و المسلمين من شيعتهما انّ لعثمان بن حنيف دار الامارة و الرحبة و المسجد و بيت المال و المنبر و إنّ لطلحة و الزّبير و من معهما ان ينزلوا حيث شاءوا من البصرة لا يضارّ بعضهم بعضا في طريق و لا فرضة«» و لا سوق و لا شريعة حتّى يقدم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فان أحبّوا دخلوا فيما دخلت فيه الامّة، و إن أحبّوا الحق كلّ قوم بهواهم و ما أحبّوا: من قتال أو سلم، و خروج أو إقامة، و على الفريقين بما كتبوا عهد اللّه‏و ميثاقه و أشدّ ما أخذه على نبيّ من أنبيائه من عهد و ذمّة، و ختم الكتاب.

و رجع عثمان بن حنيف حتّى دخل دار الامارة و قال لأصحابه: الحقوا رحمكم اللّه بأهلكم وضعوا سلاحكم و داووا جرحاكم، فمكثوا كذلك أيّاما.
ثمّ إنّ طلحة و الزّبير قالا: إن قدم عليّ و نحن على هذه الحال من القلّة و الضعف ليأخذنّ بأعناقنا، فأجمعا على مراسلة القبايل، و استمالة العرب فأرسلوا إلى وجوه النّاس و أهل الرّياسة و الشرف، يدعوهم إلى الطلب بدم عثمان و خلع عليّ عليه السّلام و إخراج ابن حنيف من البصرة.

فبايعهم على ذلك الأزد و ضبّة و قيس عيلان كلّها إلّا الرّجل و الرّجلين من القبيلة كرهوا أمرهم فتواروا عنهم.
و أرسلوا إلى هلال بن وكيع التميمي فلم يأتهم فجاءه طلحة و الزبير إلى داره فتواري عنهما فقالت امّه ما رأيت مثلك أتاك شيخا قريش فتواريت عنهما فلم تزل به حتّى ظهر لهما و بايعهما و معه بنو عمرو بن تميم كلّهم و بنو حنظلة إلّا بني يربوع فانّ عامتهم كانوا شيعة لعليّ عليه السّلام و بايعهم بنو دارم كلّهم إلّا نفرا من بني مجاشع ذوى دين و فضل.

فلمّا استوثق بطلحة و الزبير أمرهما خرجا في ليلة مظلمة ذات ريح و مطر و معهما أصحابهما قد ألبسوهم الدروع و ظاهروا فوقها بالثياب فانتهوا إلى المسجد وقت صلاة الفجر و قد سبقهم عثمان بن حنيف إليه و اقيمت الصّلاة فتقدّم عثمان ليصلّي بهم فأخّره أصحاب طلحة و الزّبير و قدّموا الزّبير فجاءت السّيابجة«» و هم الشرط حرس بيت المال فأخّروا الزّبير و قدّموا عثمان فغلبهم أصحاب الزّبير فقدّموه و أخّروا عثمان.

فلم يزالوا كذلك حتّى كادت الشمس تطلع و صاح بهم أهل المسجد ألا تتّقون أصحاب محمّد و قد طلعت الشّمس فغلب الزّبير فصلّى بالنّاس فلمّا انصرف من صلاته‏صاح بأصحابه المستسلحين أن خذوا عثمان بن حنيف، فأخذوه بعد أن تضارب هو و مروان بن الحكم بسيفهما.

فلمّا اسر ضرب ضرب الموت و نتف حاجباه و أشفار عينيه و كلّ شعرة في وجهه و رأسه و أخذوا السيابجة و هم سبعون رجلا فانطلقوا بهم و بعثمان بن حنيف إلى عايشة.
فقالت لأبان بن عثمان اخرج إليه فاضرب عنقه فانّ الأنصار قتلت أباك و أعان على قتله فنادى عثمان يا عايشة و يا طلحة و يا زبير إنّ أخي سهل بن حنيف خليفة عليّ بن أبي طالب عليه السّلام على المدينة و اقسم باللّه إن قتلتموني ليضعنّ السيف في بني أبيكم و أهليكم و رهطكم فلا يبقى منكم أحدا.

فكفّوا عنه و خافوا أن يوقع سهل بن حنيف بعيالاتهم و أهلهم بالمدينة فتركوه و أرسلت عايشة إلى الزبير أن اقتل السيابجة فانّه قد بلغني الّذي صنعوا بك.
قال: فذبحهم و اللّه الزبير كما يذبح الغنم ولي ذلك منهم عبد اللّه ابنه و هم سبعون رجلا و بقيت منهم طائفة مستمسكين ببيت المال قالوا لا ندفعه إليكم حتّى يقدم أمير المؤمنين عليه السّلام فسارت إليهم الزبير في جيش ليلا فأوقع بهم و أخذ منهم خمسين أسيرا فقتلهم صبرا.

قال أبو مخنف: و حدّثنا الصقعب بن زهير قال كانت السيابجة القتلي يومئذ أربعمائة رجل قال: فكان غدر طلحة و الزبير بعثمان بن حنيف أوّل غدر في الاسلام و كان السيابجة أوّل قوم ضربت أعناقهم من المسلمين صبرا.
قال: و خيّروا عثمان بن حنيف بين أن يقيم أو يلحق بعليّ عليه السّلام فاختار الرّحيل فخلّوا سبيله فلحق بعليّ عليه السّلام فلما رآه بكى و قال له فارقتك شيخا و جئتك أمرد فقال عليّ عليه السّلام: إنّا للّه و إنّا اليه راجعون قالها ثلاثا.
قال أبو مخنف: فلمّا صفت البصرة لطلحة و الزبير اختلفا في الصّلاة فاراد كلّ منهما أن يؤمّ بالناس و خاف أن يكون صلاته خلف صاحبه تسليما و رضى بتقدّمه فأصلحت بينهما عايشة بأن جعلت عبد اللّه بن زبير و محمّد بن طلحة يصلّيان الناس هذايوما و هذا يوما.

قال أبو مخنف: ثمّ دخلا بيت مال البصرة فلمّا رأوا ما فيه من الأموال قال الزّبير: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ فنحن أحقّ بها من أهل البصرة فأخذا ذلك المال كلّه فلمّا غلب عليّ عليه السّلام ردّ تلك الأموال إلى بيت المال و قسّمها في المسلمين هذا.

و قد تقدّم في شرح كلام له عليه السّلام و هو ثامن المختار من الخطب كيفيّة وقعة الجمل و مقتل الزّبير فارّا عن الحرب و تقدّم نوادر تلك الوقعة في شرح ساير الخطب و الكلمات في مواقعها اللّاحقة فلتطلب من مظانّها.

الترجمة

از جمله خطب شريفه آن امام انام و وصيّ والا مقام است مشتمل بر سه فصل: فصل اول متضمن حمد و ثنا است مر حق تعالى را مى ‏فرمايد: شكر و سپاس خداوندى را سزاست كه نمى‏ پوشد از او آسماني آسمان ديگر را و نه زميني زمين ديگر را.

فصل دوم متضمّن شكايتست از اهل شورى و غاصبان خلافت، مى‏ فرمايد: و گفت بمن گوينده كه سعد وقاص ملعون بود اى پسر ابو طالب بدرستى كه تو بأمر خلافت بسيار حريصى، پس گفتم من بلكه شما بحقّ خدا حريص‏تريد و دورتر و من اختصاصم بيشتر است و نزديكيم زيادتر، و جز اين نيست كه طلب مي كنم حقى را كه مختصّ است بمن و شما حايل و حاجب مى ‏شويد ميان من و ميان آن، و دست ردّ مى‏زنيد بروى من نزد آن، پس زمانى كه كوفتم آن گوينده را با حجت و دليل در ميان جماعت حاضران بيدار شد از خواب غفلت گوئيا كه او نمى داند چه جواب بدهد بمن.

بار خدايا بدرستى كه من طلب اعانت مي كنم از تو بر طايفه قريش و بر كساني كه اعانت كردند ايشان را پس بدرستى كه ايشان بريدند خويشى مرا و حقير شمردندبزرگي مرتبه مرا و اتفاق كردند بمنازعه من در كارى كه آن اختصاص بمن داشت پس از آن گفتند بدان كه در حق است أخذ كردن ما آن را و در حقّ است ترك كردن تو آن را.

فصل سوم در ذكر اصحاب جمل است مى‏ فرمايد: پس خروج كردند در حالتى كه مى ‏كشيدند حرم پيغمبر خدا را يعنى عايشه خاطئه را چنانچه كشيده مى‏ شود كنيز هنگام فروختن او در حالتى كه متوجّه شدند با او بسوى بصره، پس حبس كردند و نگه داشتند طلحه و زبير زنان خودشان را در خانه خود، و بيرون آوردند زن محبوس شده حضرت رسالتماب را از براى خودشان و از براى غير خودشان، در لشكرى كه نبود از ايشان هيچ مردى مگر اين كه عطا كرده بود بمن اطاعت خود را، و بخشيده بود بمن بيعت خود را، در حالتى كه بيعتشان از روى طوع و رغبت بود نه با جبر و اكراه.

پس آمدند بر حاكم من كه در بصره بود و بر خازنان بيت المال مسلمانان و بر غير ايشان از اهل بصره پس كشتند طائفه را با صبر و اسيرى، و طائفه را با مكر و حيله، پس قسم بخدا اگر نمى‏ رسيدند از مسلمانان مگر به يك نفر مرد در حالتى كه متعمّد بودند در قتل آن بدون گناه و تقصيرى كه كسب نموده آن را هر آينه حلال بود مرا كشتن جميع اين لشكر از جهة اين كه حاضر شدند بكشتن او و انكار نكردند و دفع نكردند از او كشتن را با زباني و نه با دستى بگذار كه ايشان بقتل آوردند از مسلمانان مثل عددى را كه داخل شده بودند با ايشان بر ايشان.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 170 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 171 صبحی صالح

171- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) لما عزم على لقاء القوم بصفين‏

الدعاء

اللَّهُمَّ رَبَّ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَ الْجَوِّ الْمَكْفُوفِ الَّذِي جَعَلْتَهُ مَغِيضاً لِلَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ مَجْرًى لِلشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ وَ مُخْتَلَفاً لِلنُّجُومِ السَّيَّارَةِ

وَ جَعَلْتَ سُكَّانَهُ سِبْطاً مِنْ مَلَائِكَتِكَ لَا يَسْأَمُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ

وَ رَبَّ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي جَعَلْتَهَا قَرَاراً لِلْأَنَامِ وَ مَدْرَجاً لِلْهَوَامِّ وَ الْأَنْعَامِ

وَ مَا لَا يُحْصَى مِمَّا يُرَى وَ مَا لَا يُرَى

وَ رَبَّ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي الَّتِي جَعَلْتَهَا لِلْأَرْضِ أَوْتَاداً وَ لِلْخَلْقِ اعْتِمَاداً

إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ وَ سَدِّدْنَا لِلْحَقِّ

وَ إِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَارْزُقْنَا الشَّهَادَةَ وَ اعْصِمْنَا مِنَ الْفِتْنَةِ

الدعوة للقتال‏

أَيْنَ الْمَانِعُ لِلذِّمَارِ

وَ الْغَائِرُ عِنْدَ نُزُولِ الْحَقَائِقِ مِنْ أَهْلِ الْحِفَاظِ

الْعَارُ وَرَاءَكُمْ وَ الْجَنَّةُ أَمَامَكُمْ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج10  

و من خطبة له عليه السّلامو هى المأة و السبعون من المختار فى باب الخطب

و ذلك في اليوم الرّابع من الوقعة سابع شهر صفر من سنة سبع و ثلاثين على ما يأتي في رواية نصر بن مزاحم و رويته عنه باختلاف تطلع عليه.

أللّهمّ ربّ السّقف المرفوع، و الجوّ المكفوف، الّذي جعلته مغيضا للّيل و النّهار، و مجرى للشّمس و القمر، و مختلفا للنّجوم السّيّارة، و جعلت سكانه سبطا من ملائكتك لا يسأمون من عبادتك. و ربّ هذه الأرض الّتي جعلته قرارا للأنام، و مدرجا للهوامّ و الأنعام، و ما لا يحصى ممّا يرى و ما لا يرى.
و ربّ الجبال الرّواسي الّتي جعلتها للأرض أوتادا، و للخلق اعتمادا إن أظهرتنا على عدوّنا فجنّبنا عن البغي و سدّدنا للحقّ، و إن أظهرتهم علينا فارزقنا الشّهادة، و اعصمنا من الفتنة.
أين المانع للذّمار، و الغائر عند نزول الحقائق من أهل الحفاظ العار (النّار خ ل) وراءكم و الجنّة أمامكم.

اللغة

(غاض) الماء يغيض غيضا و مغاضا قلّ و نقص قال سبحانه وَ غِيضَ الْماءُ و قال وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ أى ما تنقص من تسعة أشهر و الغيضة الأجمة و مجتمع الشجر و (الذّمار) ما يلزمك حفظه من الأهل و المال و الولد و (غار) على امرأته و هي عليه تغار غيرة و غيرا و غارا و غيارا فهو غائر و غيران و هي غيرى.

الاعراب

جملة لا يسأمون في محلّ النّصب صفة لقوله سبطا أو حال لأنّه نكرة غير محضة، فيجوز في الجملة التالية لها الوجهان كما صرّح به علماء الأدبيّة و لو وقعت بعد النكرة المحضة فوصف فقطّ و بعد المعرفة المحضة فحال لا غير.

المعنى

اعلم أنّ اللّازم على العبد أن يكون توجّهه في جميع حالاته من الشدّة و الرّخاء، و السرّاء، و الضرّاء، و الضيق و السعة، إلى معبوده لا سيّما حالة البؤس‏و الشدّة لأنّ دفع الضّرر الموجود و المتوقّع واجب عقلا و نقلا مع القدرة، و الدّعاء محصّل لذلك و هو مقدور فيجب المصير إليه.

أمّا مقدوريّته فلا غبار عليه، و أمّا أنه محصّل لذلك فلما دلّت عليه الأدلّة النقليّة من الكتاب و السنّة من أنّه يدفع به البلاء الحاصل، و يكشف به السوء النازل.
قال سبحانه: وَ ادْعُوهُ خَوْفاً وَ طَمَعاً و قال: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ.
و قال الكاظم عليه السّلام عليكم بالدّعاء فانّ الدعاء و الطّلب إلى اللّه يردّ البلاء و قد قدّر و قضى فلم يبق إلّا إمضاؤه فاذا دعى اللّه و سئل صرفه صرفه.

و روى زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال: ألا أدلّكم على شي‏ء لم يستثن فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قلت: بلى، قال: الدّعاء يردّ القضاء و قد ابرم إبراما و ضمّ أصابعه.
و عن سيّد العابدين عليه السّلام إنّ الدّعاء و البلاء ليتواقفان إلى يوم القيامة إنّ الدّعاء ليردّ البلاء و قد ابرم إبراما.
و عنه عليه السّلام الدّعاء يدفع البلاء النازل، و ما لم ينزل.

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ألا أدلّكم على سلاح ينجيكم من أعدائكم و يدرّ أرزاقكم قالوا بلى يا رسول اللّه، قال: تدعون ربّكم باللّيل و النهار و قال: سلاح المؤمن الدّعاء.
و قال أمير المؤمنين عليه السّلام الدّعاء ترس المؤمن، و متى تكثر قرع الباب يفتح لك.
و قال الصّادق عليه السّلام الدّعاء أنفذ من السنان الحديد.

هذا كلّه مضافا إلى ما تقدّمت في شرح الكلام السّادس و الأربعين من الأدلّة الواردة في الحثّ و الترغيب عليه.
إذا عرفت ذلك فأقول: لما كان مقام الحرب و الجدال، و لقاء الشجعان و الأبطال أحقّ المواقع الّتي يتوسل فيها إلى اللّه بالتخلّص إليه، و التوجّه له، و كان الدّعاءإليه بمقتضى الأدلّة السّابقة أفضل ما يتوقّى به من الدّواهي و المكاره، و ترس من الأعداء و جنّة لا شي‏ء أوقى منه، و أنفذ عليهم من السّنان الحديد، و أشدّ تأثيرا من الضرب بالمشرفيّ و المهنّد و الطعن بالخطى و القنى المسدّد لا جرم توجّه أمير المؤمنين عليه السّلام إليه سبحانه بالدّعاء لما عزم لقاء القوم بصفّين«» فقال: (أللّهمّ ربّ السقف المرفوع) أى السّماء الّتي رفعها بغير عمد ترونها، و إطلاق السقف عليها إمّا حقيقة أو من باب الاستعارة تشبيها لها بسقف البيت في الارتفاع و الاحاطة (و الجوّ المكفوف) أى الفضاء الذي كفّها بقدرته و جعله محلّا لسماواته و أرضه.

قال الشّارح البحراني بعد تفسير السقف المرفوع بالسّماء و كذلك الجوّ المكفوف قال الشارح المعتزلي الجوّ المكفوف السّماء أيضا كفّه أى جمعه و ضمّ بعضه إلى بعض، و يمرّ في كلامه عليه السّلام نحو هذا و أنّ السّماء هواء جامد أو ماء جامد انتهى.

و فيه نظر لما قد دلّت عليه الفصل الثامن من الخطبة الاولى صريحا أنّ الجوّ غير السّماء و أنّه محلّ لها حيث قال عليه السّلام هناك: ثمّ أنشأ سبحانه فتق الأجواء و شقّ الأرجاء و سكائك الهواء- إلى أن قال:- فرفعه في هواء منفتق، و جوّ منفهق فسوّى منه سبع سماوات. فانظر ما ذا ترى، هذا.

مضافا إلى أنّ كون الجوّ بمعنى السماء لم يذكره أحد من اللّغويّين و غيرهم فيما رأيتهم بل هم بين مفسّر له بالهواء و بين مفسّر بالفضاء و بعضهم بما بين السّماء و الأرض اللّهمّ إلّا أن يوجّه ما ذكره الشارحان بأنّه اريد منه في خصوص هذا المقام السّماء مجازا بعلاقة الحال و المحل أو المجاورة بقرينة قوله (الذي جعلته‏مغيضا للّيل و النهار) مع المعطوفات عليه التالية له فانّ هذه كلّها من أوصاف السّماء فلا بدّ من ارتكاب المجاز حتّى يصحّ الوصف بها إذ على إرادة الحقيقة امتنع جعلها صفاتا له و احتمال كونها صفاتا للسقف المرفوع مدفوع باستلزامه الفصل بين التابع و المتبوع بالأجنبيّ و هو خلاف القواعد الأدبيّة فافهم.

و كيف كان فمعنى كونه مغيضا للّيل و النهار أنّه محلّ لنقصان كلّ منهما مع زيادة الاخر و ذلك لأنّ حصول اللّيل إنّما هو بحركة الشّمس عن فوق الأرض إلى ما تحتها، و حصول النّهار بحركتها عن تحتها إلى ما فوقها، و بكيفيّة حركتها في الفلك يختلفان زيادة و نقصانا.

فكلّما قرب الشمس إلى المعدّل يطول النهار و يقصر اللّيل و كلّما بعدت يكون بالعكس قال سبحانه في سورة لقمان: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ و في الزّمر يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَ يُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ و لذلك ترى كلّ بلد يكون عرضه الشمالي أكثر يكون أيّامه الصّيفيّة أطول و لياليه الصّيفية أقصر و أيّامه و لياليه الشتوية بالضدّ من ذلك.

فلما كان ظلام اللّيل و ضوء النّهار و اختلافهما في الطول و القصر و الزيادة و النقصان باختلاف حركة الشّمس، و كان محلّ الحركة هو السّماء صحّ بذلك الاعتبار جعله مغيضا لهما. و يقرب ممّا ذكرته ما قاله الشارح البحراني فانّه بعد تفسيره المغيض بالمغيب قال: لأنّ الفلك بحركته المستلزمة لحركة الشمس إلى وجه الأرض يكون سببا لغيبوبة الليل و استلزام حركته لحركتها عن وجه الأرض يكون سببا لغيبوبة النهار فكان كالمغيض لهما فاستعار له لفظ المغيض.
و أمّا ما قاله الشارح المعتزلي من أنّ معناه أنّه جعله غيضة لهما و هي في الأصل الأجمة يجتمع إليها الماء و ينبت فيها الشجر كأنّه جعل الفلك كالغيضة و اللّيل و النّهار كالشجر النابت فيها، و وجه المشاركة تولّد الشجر من الغيضة و تولّد اللّيل و النهار من جريان الفلك فليس بشي‏ء كما لا يخفى هذا.

و قوله: (و مجرى للشمس و القمر) أى محلّا لجريانهما قد ظهر تفصيل الكلام‏فيه في شرح الفصل الثامن من الخطبة الاولى كما تقدّم تفصيلا و الكلام في قوله (و مختلفا للنجوم السيّارة) أى محلّا لاختلافها في السّير بالسرعة و البطؤ و الحركة المخصوصة لكلّ منها في شرح الفصل المذكور أيضا و كذا في شرح الفصل الرابع من الخطبة التسعين فليراجع المقامين (و جعلت سكّانه سبطا) أى قبيلا (من ملائكتك لا يسأمون من «عن خ» عبادتك) و قد عرفت أيضا شرح حال الملائكة و اختلاف فرقها و عدم ملالهم من عبادة الربّ سبحانه في شرح الفصل التاسع من الخطبة الأولى و الفصل الخامس من الخطبة التسعين.

(و ربّ هذه الأرض الّتي جعلتها قرارا للأنام و مدرجا للهوامّ) و الحشرات (و الأنعام) و البهايم (و ما لا يحصى) من المصنوعات العجيبة و المخلوقات الغريبة (ممّا يرى و ممّا لا يرى) و تقدّم الكلام في عجائب خلقة الأرض و دحوها على الماء و المنافع التي للنّاس فيها في شرح الفصل السادس من الخطبة التسعين.

قال الشّارح البحراني قال بعض العلماء من أراد أن يعرف حقيقة قوله ما يرى و ما لا يرى فليوقد نارا صغيرة في فلاة في ليلة صيفيّة و ينظر ما يجتمع عليها من غرائب أنواع الحيوان العجيبة الخلق لم يشاهدها هو و لا غيره قال الشارح و أقول: و يحتمل أن يريد بقوله و ما لا يرى ما ليس من شأنه أن يرى إمّا لصغره أو لشفّافيّته (و ربّ الجبال الرّواسي) أى الثابتات (الّتي جعلتها للأرض أوتادا) كما عرفت في شرح الفصل الثّالث من الخطبة الاولى (و للخلق اعتمادا) لأنّ فيها ينابيع المعادن و معادن الينابيع و فيها المرابض و المراتع، يرعون فيها الأنعام و يسرحون فيها الأغنام، و قد جعل فيها أكنانا و كهوفا و غيرانا يأوون فيها في الصّيف و الشتاء و يتوقّون بها في شدّة الحرّ و صبارة القرّ.

و يزرعون فيها الزراعات الدّيميّة، و ينالون منها بركات كثيرة فصحّ بذلك كونها اعتمادا للخلايق و كون اتّكالهم عليها بما لهم فيها من المعايش و المرافق هذا و لما نادى الربّ المتعال بما تدلّ على اتّصافه بالقدرة و العظمة و الجلال‏ تخلّص الى ما دعاه لأجله«» فقال: (إن أظهرتنا) و نصرتنا (على عدوّنا فجنّبنا عن) الظلم و (البغى و سدّدنا ل) لصواب و ا (لحقّ) و لا تجعلنا كساير المحاربين من الملوك و السلاطين يحاربون الأعداء للدّنيا لا للدّين فاذا غلبوا أعداءهم يظلمون و عن البغي و الطغيان لا يمسكون (و إن أظهرتهم) و جعلتهم غالبين (علينا فارزقنا) عظيم الزلفى و (الشهادة و اعصمنا من) الضلال و (الفتنة).

ثمّ أخذ في تحريض أصحابه على القتال بلفظ مهيج لهم على ايقاد نار الحرب و إضرامها فقال: (أين المانع للذّمار) اللّام للجنس و الاستفهام للالهاب (و الغائر عند نزول الحقائق من أهل الحفاظ) أي صاحب الغيرة و الحميّة من أهل المحافظة عند نزول الشدائد و النوازل الثابتة (العار وراءكم) و في بعض النسخ النار بدل العار (و الجنّة أمامكم) يعنى في الهرب و الادبار من الحرب عار في الأعقاب و نار يوم الحساب و في الاقبال و التقدم عليه الجنّة و حسن الماب، فمن تولّى عنه خسر و خاب و من سعى إليه نال عظيم الثواب.

تذييل

روى العلّامة المجلسيّ (ره) في البحار هذا الكلام له عليه السّلام من كتاب صفّين لنصر بن مزاحم قال: قال نصر حدّثنا عمر بن سعد عن عبد الرّحمان بن جندب عن أبيه قال: لما كان غداة الخميس لسبع خلون من صفر سنة سبع و ثلاثين و صلّى علىّ عليه السّلام الغداة فغلّس ما رأيت عليّا عليه السّلام غلّس بالغداة أشدّ من تغليسه يومئذ و خرج بالناس إلى أهل الشّام فزحف نحوهم و كان هو يبدئهم و يسير إليهم فاذا رأوه قد زحف استقبلوه بزحوفهم.

و عن عمر بن سعد عن مالك بن أعين عن زيد بن وهب قال لمّا خرج عليّ عليه السّلام‏ إليهم غداة ذلك اليوم فاستقبلوه رفع يديه إلى السماء فقال: اللّهمّ ربّ هذا السقف المحفوظ المكفوف، الذي جعلته مغيضا للّيل و النّهار و جعلت فيه مجرى الشمس و القمر، و منازل الكواكب و النجوم، و جعلت سكّانه من الملائكة لا يسأمون العبادة.
و ربّ هذه الأرض التي جعلتها قرارا للأنام و الهوامّ و الأنعام، و ما لا يحصى ممّا يرى و ممّا لا يرى من خلقك العظيم.
و ربّ الفلك الّتي تجرى في البحر بما ينفع النّاس، و ربّ السّحاب المسخّر بين السّماء و الأرض و ربّ البحر المسجور المحيط بالعالمين و ربّ الجبال الرّواسى الّتي جعلها للأرض أوتادا و للخلق متاعا إن أظهرتنا على عدوّنا فجنّبنا البغي و سدّدنا للحقّ و إن أظهرتهم علينا فارزقنا الشّهادة و اعصم بقيّة أصحابي من الفتنة.

قال: فلمّا رأوه قد أقبل تقدّموا إليه بزحوفهم و كان على ميمنته يومئذ عبد اللّه بن بديل و النّاس على راياتهم و مراكزهم و عليّ عليه السّلام في القلب في أهل المدينة جمهورهم الأنصار و معه من خزاعة و كنانة عدد حسن.
قال نصر: و رفع معاوية قبّة عظيمة و ألقى عليه الكرابيس و جلس تحتها و كان لهم قبل هذا اليوم ثلاثة أيّام و هو اليوم الرّابع من صفر، فخرج في هذا اليوم محمّد ابن الحنفيّة في جمع من أهل العراق فأخرج إليه معاوية عبيد اللّه بن عمر بن الخطاب في جمع من أهل الشام فاقتتلوا فطلب عبيد اللّه محمّدا إلى المبارزة فلمّا خرج إليه دعاه عليّ عليه السّلام و خرج بنفسه راجلا بيده سيفه و قال أنا أبارزك فهلمّ فقال عبيد اللّه لا حاجة بي إلى مبارزتك فرجع عليه السّلام إلى صفّه هذا.
و قد تقدّم جمل وقايع صفين في شرح الكلام الخامس و الستّين و غيره ممّا نبّهناك عليه هناك.

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن امام أنام است در حيني كه عزم فرمود بملاقات نمودن با قوم شام در جنگ صفّين كه بأين مضامين دعا نمود:

بار إلها اى پروردگار سقف برافراشته و آسمان باز داشته، چنان آسماني كه گردانيدى آنرا محلّ نقصان از براى شب و روز، و محلّ جريان از براى مهر و ماه و محلّ اختلاف از براى ستارهاى سير كننده، و گردانيدى ساكنان آن را قبيله از فرشتگان خود در حالتى كه ملال نمى‏آورند از عبادت تو.

و اى پروردگار اين زمين كه گردانيدي آن را قرار گاه از براى مردمان و محلّ رفتار حشرات زمين و چهارپايان و آنچه كه شمرده نمى ‏شود از مخلوقاتي كه ديده مى‏ شود، و از مخلوقاتى كه ديده نمى ‏شود.
و اى پروردگار كوههاى ثابت استوار كه گردانيدي آنها را از براى زمين ميخها و از براى خلق تكيه‏گاه اگر غالب گردانى ما را بر دشمنان ما پس كنار گردان ما را از تعدّى و ستم، و راست دار ما را از براى حقّ، و اگر غالب گردانى ايشان را بر ما پس روزي كن بما شهادت را، و حفظ كن ما را از ضلالت و فتنه.

كجا است منع كننده چيزى كه لازم است بر جوانمرد حفظ كردن آن و كجا است صاحب غيرت هنگام نازل شدن شدايد امور كه كاشف است از حقايق كار از أهل حميّت و فتوّت عار و سرزنش در پشت شما است اگر رو گردان باشيد از محاربه، و بهشت عنبر سرشت در پيش شما است اگر اقدام نمائيد بر مقاتله.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 169 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 170 صبحی صالح

170- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) في وجوب اتباع الحق عند قيام الحجة

كلّم به بعض العرب‏

و قد أرسله قوم من أهل البصرة لما قرب ( عليه ‏السلام  ) منها ليعلم لهم منه حقيقة حاله مع أصحاب الجمل لتزول الشبهة من نفوسهم

فبين له ( عليه ‏السلام  ) من أمره معهم ما علم به أنه على الحق

ثم قال له بايع فقال إني رسول قوم و لا أحدث حدثا حتى أرجع إليهم فقال ( عليه ‏السلام  )

أَ رَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الَّذِينَ وَرَاءَكَ بَعَثُوكَ رَائِداً تَبْتَغِي لَهُمْ مَسَاقِطَ الْغَيْثِ‏

فَرَجَعْتَ إِلَيْهِمْ وَ أَخْبَرْتَهُمْ عَنِ الْكَلَإِ وَ الْمَاءِ فَخَالَفُوا إِلَى الْمَعَاطِشِ وَ الْمَجَادِبِ مَا كُنْتَ صَانِعاً

قَالَ كُنْتُ تَارِكَهُمْ وَ مُخَالِفَهُمْ إِلَى الْكَلَإِ وَ الْمَاءِ

فَقَالَ ( عليه ‏السلام  )فَامْدُدْ إِذاً يَدَكَ

فَقَالَ الرَّجُلُ فَوَاللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْتَنِعَ عِنْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيَّ فَبَايَعْتُهُ ( عليه‏ السلام  )

وَ الرَّجُلُ يُعْرَفُ بِكُلَيْبٍ الْجَرْمِيِّ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج10  

و من كلام له عليه السّلام
و هو المأة و التاسع و الستّون من المختار في باب الخطب

كلّم به بعض العرب و قد أرسله قوم من أهل البصرة لمّا قرب منها ليعلم لهم منه عليه السّلام حقيقة حاله مع أصحاب الجمل لتزول الشبهة من نفوسهم، فبين له من أمره معهم ما علم به انّه على الحقّ ثمّ قال عليه السّلام له: بايع فقال: إنّي رسول قوم و لا احدث حدثا حتّى أرجع إليهم فقال: أرأيت لو أنّ الّذين وراءك بعثوك رائدا تبتغي لهم مساقط الغيث فرجعت إليهم فأخبرتهم عن الكلاء و الماء فخالفوا إلى المعاطش و المجادب ما كنت صانعا فقال كنت تاركهم و مخالفهم إلى الكلاء و الماء، فقال عليه السّلام: فامدد إذا يدك، فقال الرّجل: و اللّه ما استطعت أن أمتنع عند قيام الحجّة عليّ فبايعته. و الرّجل يعرف بكليب الجرمي.

اللغة

(الرائد) المرسل في طلب الكلاء (و الكلاء) بالهمز العشب رطبا كان أو يابسا نقله الفيّومى عن ابن فارس و غيره و الجمع أكلاء مثل سبب و أسباب.
و قال الشارح المعتزلي الكلاء النبت إذا طال و أمكن أن يرعى و أوّل ما يظهر يسمّى الرّطب فاذا طال قليلا فهو الخلاء فاذا طال شيئا آخر فهو الكلاء فاذا يبس فهو الحشيش (و الجرمى) منسوب إلى الجرم بالفتح و هو ابن زبان بطن في قضاعة.
قال الشّارح المعتزلي: منسوب إلى بني جرم بن زبان و هو علاف بن حلوان ابن عمران ابن الحافى بن قضاعة من حمير.

الاعراب

الهمزة في قوله أرأيت للتقرير و جملة تبتغى في محلّ النصب صفة لرائدا جيئت بها للايضاح و جملة ما كنت صانعا جواب لو، و قوله فامدد إذا يدك قال ابن هشام و الصّحيح أنّ نونها أى نون إذن تبدل عند الوقف عليها الفا و قيل يوقف عليها بالنّون لأنّها كنون ان و لن روى عن المازني و المبرّد، و الجمهور يكتبونها بالألف و كذا رسّمت في المصاحف و المازني و المبرّد.

المعنى

اعلم أنّ هذا الكلام كما ذكره الرّضي (كلّم عليه السّلام به بعض العرب) و هو الكليب الجرمي الذي صرّح الرّضي به آخرها (و قد أرسله قوم من أهل البصرة) إلى حضرة أمير المؤمنين (لمّا قرب عليه السّلام منها ليعلم لهم منه عليه السّلام حقيقة حاله مع أصحاب الجمل لتزول الشبهة من نفوسهم) أى نفوس أهل البصرة (فبيّن عليه السّلام) للرجل المرسل (من أمره معهم) أي مع أهل الجمل (ما) أي برهانا وافيا و دليلا شافيا (علم به) أي علم الرجل بذلك البيان و البرهان (أنه عليه السّلام على الحقّ) و أنّ أصحاب الجمل على الباطل (ثمّ قال عليه السّلام له بايع ف) اعتذر الرّجل و (قال إنّي‏رسول قوم و لا) ينبغي أن (أحدث حدثا حتّى أرجع إليهم) و اخبرهم بما جرى بيني و بينك.

فلما سمع عذره أراد دفعه بحجّة لا محيص عنها و ضرب مثلا هو ألطف المثال و أوضحها و أحسنها في مقام الاحتجاج (فقال أرأيت) أى أخبرني ما ذا رأيك (لو أنّ الّذين ورائك) أي خلفك (بعثوك رائدا تبتغى لهم مساقط الغيث) و المرعى (فرجعت إليهم فأخبرتهم عن الكلاء و الماء فخالفو) ك و ظعنو (ا إلى المعاطش و المجادب) أي مواضع العطش و الجدب (ما كنت صانعا) أ تتركهم و تخالفهم و تطلب ما شاهدت و رأيت الماء و الكلاء أم تذهب معهم إلى المجادب و المعاطش (فقال) الرّجل (كنت تاركهم و مخالفهم) متوجّها (إلى الكلاء و الماء، فقال عليه السّلام فامدد إذا يدك) لأنّك إذا كنت تارك أصحابك و مفارقهم عند وجدان الكلاء و الماء اللّذين بهما غذاء الأبدان و مادّة حياة الأجسام فتركك إيّاهم و مفارقتك منهم عند وجدان نور العلم و المعرفة و الهداية الذي هو مادّة حياة الأرواح و النفوس أحرى و أولى، (فقال الرّجل: و اللّه ما استطعت أن أمتنع) من البيعة (عند قيام الحجّة عليّ فبايعته).

أقول: هكذا يؤثر الموعظة لأهلها و يهدي اللّه لنوره من يشاء، و يضرب اللّه الأمثال، و مثل اهتداء هذا الرّجل رسول أهل البصرة بنور الولاية اهتداء رسول عايشة و اهتداء رجل آخر من بني عبد قيس رسول الزّبير و طلحة و استبصارهما بعد ما قامت عليهما الحجة.

أمّا رسول عائشة فقد روى في مجلّد الفتن من البحار و في كتاب مدينة المعاجز تأليف السيّد المحدّث السيّد الهاشم البحراني جميعا عن محمّد بن الحسن الصفّار في البصائر عن أحمد بن محمّد الحسن بن عليّ بن النعمان عن أبيه عن محمّد بن سنان رفعه قال: إنّ عايشة قالت التمسوا لي رجلا شديد العداوة لهذا الرجل حتّى أبعثه إليه قال فأتيت به فمثل بين يديها فرفعت إليه رأسها فقالت له ما بلغت من عداوتك لهذا الرّجل فقال كثيرا ما أتمنّى على ربّي أنّه و أصحابه في وسطي فضربت ضربة بالسيف يسبق «يصبغ خ ل» السّيف الدّم قالت فأنت له، اذهب بكتابي هذا فادفعه إليه‏ ظاعنا رأيته أو مقيما أما أنّك إن رأيته ظاعنا رأيته راكبا على بغلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم متنكّبا قوسه معلّقا كنانته على قربوس سرجه، و أصحابه خلفه كأنهم طير صوافّ فتعطيه كتابي هذا و إن عرض عليك طعامه و شرابه فلا تناولنّ منه شيئا فانّ فيه السّحر.

قال: فاستقبلته راكبا فناولته الكتاب ففضّ خاتمه ثمّ قرأه فقال: تبلغ إلى منازلنا فتصيب من طعامنا و شرابنا، فنكتب جواب كتابك، فقال: هذا و اللّه ما لا يكون قال: فسارّ خلفه و أحدق به أصحابه ثمّ قال له: أسألك قال: نعم، و تجيبني قال: نعم.
قال: فنشدتك اللّه هل قالت: التمسوا لى رجلا شديد العداوة لهذا الرّجل فأتيت بك فقالت لك ما بلغ من عداوتك لهذا الرّجل فقلت كثيرا ما أتمنّى على ربّي أنّه و أصحابه في وسطى و انّي ضربت ضربة سبق «صبغ خ ل» السّيف الدّم قال: اللّهمّ نعم.

قال: فنشدتك اللّه أقالت لك: اذهب بكتابي هذا فادفعه إليه ظاعنا كان أو مقيما أما إنك إن رأيته راكبا رأيته على بغلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم متنكّبا قوسه معلّقا كنانته بقربوس سرجه و أصحابه خلفه كأنهم طير صواف قال: اللّهمّ نعم.
قال عليه السّلام: فنشدتك اللّه هل قالت لك إن عرض عليك طعامه و شرابه فلا تناولنّ منه شيئا فانّ فيه السحر قال: اللّهمّ نعم.
قال: فتبلغ أنت عني فقال: اللّهمّ نعم فاني قد أتيتك و ما في الأرض خلق أبغض إلىّ منك و أنا الساعة ما في الأرض خلق أحبّ إلىّ منك فمر بي بما شئت.

قال عليه السّلام: ارجع اليها بكتابي هذا، و قل لها ما أطعت اللّه و لا رسوله حيث أمرك اللّه بلزوم بيتك فخرجت تردّدين في العسكر، و قل لهما«» ما أنصفتما اللّه و رسوله، حيث خلفتم حلائلكم في بيوتكم و أخرجتم حليلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

قال: فجاء بكتابه فطرحه إليها و أبلغها مقالته ثمّ رجع إليه فاصيب بصفّين، فقالت ما نبعث إليه بأحد إلّا أفسده علينا.

و أمّا رسول طلحة و الزّبير ففي الكافي عن محمّد بن يعقوب الكلينيّ عن عليّ ابن ابراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن سلّام بن عبد اللّه، و محمّد بن الحسن، و عليّ بن سهل بن زياد، و أبو عليّ الأشعري، عن محمّد بن حسان جميعا، عن محمّد بن عليّ عن عليّ بن أسباط عن سلام بن عبد اللّه الهاشميّ قال محمّد بن عليّ: و قد سمعته منه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: بعث طلحة و الزّبير رجلا من عبد القيس يقال له خداش إلى أمير المؤمنين عليه السّلام و قالا له: إنّا نبعثك إلى رجل طال ما نعرفه و أهل بيته بالسّحر و الكهانة و أنت أوثق من بحضرتنا من أنفسنا من أن تمتنع من ذلك و أن تحاجّه لنا حتّى تقفه على أمر معلوم.

و اعلم أنّه أعظم النّاس دعوى فلا يكسرنّك ذلك عنه، و من الأبواب التي يخدع بها النّاس الطعام و الشراب و العسل و الدّهن و أن يخالي الرجل فلا تأكل له طعاما، و لا تشرب له شرابا، و لا تمسّ له عسلا و لا دهنا، و لا تخل معه، و احذر هذا كلّه منه و انطلق على بركة اللّه.

فاذا رأيته فاقرأ آية السخرة«» و تعوّذ باللّه من كيده و كيد الشّيطان، فاذا جلست إليه فلا تمكّنه من بصرك كلّه و لا تستأنس به ثمّ قل له إنّ أخويك في الدّين و ابني عمّك في القرابة يناشدانك القطيعة، و يقولان لك أما تعلم أنا تركنا الناس لك، و خالفنا عشائرنا فيك منذ قبض اللّه عزّ و جلّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله فلمّا نلت أدنى مناك ضيّعت حرمتنا، و قطعت رجائنا.

ثمّ قد رأيت أفعالنا فيك، و قدرتنا على الناس عنك، و سعة البلاد دونك، و انّ من كان يصرفك عنا و عن صلتنا كان أقلّ لك نفعا و أضعف عنك دفعا منّا، و قد وضح الصبح لذى عينين.

و قد بلغنا انتهاك لنا و دعاء علينا فما الّذي يحملك على ذلك فقد كنّا نرى أنك أشجع فرسان العرب أتتّخذ اللّعن دينا و ترى أنّ ذلك يكسرنا عنك.
فلما أتى خداش إلى أمير المؤمنين عليه السّلام صنع ما أمراه فلمّا نظر إليه عليّ عليه السّلام و هو يناجي نفسه ضحك و قال عليه السّلام: ههنا يا أخا عبد قيس و أشار له إلى مجلس قريب منه، فقال: ما أوسع المكان اريد أن اؤدّى إليك رسالة قال عليه السّلام بل تطعم و تشرب و تحل «تخلى خ ل» ثيابك و تدّهن، ثمّ تؤدّى رسالتك، قم يا قنبر فأنزله.

قال ما بى إلى شي‏ء مما ذكرت حاجة قال فأخلو بك قال كلّ سرّ لي علانية قال فانشدك باللّه الذي هو أقرب إليك من نفسك، الحائل بينك و بين قلبك، الّذي يعلم خائنة الأعين و ما تخفى الصدور، أتقدّم عليك الزبير بما عرضت عليك قال: اللهمّ نعم.
قال: لو كتمت بعد ما سألتك ما ارتدّ إليك طرفك فأنشدك اللّه هل علّمك كلاما تقوله إذا أتيتني قال: اللهمّ نعم، قال عليه السّلام آية السخرة قال نعم.

قال: فاقرأها فقرأها و جعل عليّ عليه السّلام يكرّرها و يردّدها و يصحّح عليه إذا أخطأ حتّى إذا قرئها سبعين مرّة.
قال الرّجل ما يرى أمير المؤمنين عليه السّلام بتردّدها سبعين مرّة، قال له: أتجد قلبك اطمأنّ قال: أي و الّذي نفسي بيده قال: فما قالا لك فأخبره، فقال: قل لهما كفى بمنطقكما حجّة عليكما و لكنّ اللّه لا يهدي القوم الظالمين زعمتما أنكما أخواى في الدّين و ابنا عمّي في النسب فأمّا النسب فلا أنكره و إن كان النسب مقطوعا إلّا ما وصله اللّه بالاسلام و أمّا قولكما أنكما أخواى في الدّين، فان كنتما صادقين فقد فارقتما كتاب اللّه عزّ و جلّ، و عصيتما أمره بأفعالكما في أخيكما في الدّين، و إلّا فقد كذبتما و افتريتما بادّعائكما أنكما أخواى في الدّين.

و أمّا مفارقتكما الناس منذ قبض اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فان كنتما فارقتماهم بحقّ فقد نقضتما ذلك الحقّ بفراقكما إيّاى أخيرا و إن فارقتماهم بباطل فقد وقع إثم ذلك الباطل عليكما مع الحدث الّذي أحدثتما.

مع أنّ صفتكما بمفارقتكما الناس لم يكن إلّا لطمع الدّنيا، زعمتما و ذلك قولكما فقطعت رجائنا، لا تعيبان بحمد اللّه من ديني شيئا.
و أمّا الّذي صرفني عن صلتكما فالّذي صرفكما عن الحقّ و حملكما على خلعه من رقابكما كما يخلع الحرون لجامه، و هو اللّه ربّي لا اشرك به شيئا فلا تقولا أقلّ نفعا و أضعف دفعا فتستحقّا اسم الشرك مع النفاق.
و أمّا قولكما إنّي أشجع فرسان العرب و هربكما من لعني و دعائي، فانّ لكلّ موقف عملا و اذا اختلفت الأسنّة و ماجت لبود الخيل و ملأ سحرا كما أجوافكما فثمّ يكفيني اللّه بكمال القلب.

و أمّا اذا أبيتما بأنى أدعو اللّه فلا تجزعا من أن يدعو عليكما رجل ساحر من قوم سحرة زعمتما.
اللّهم أقعص«» الزبير بشرّ قتلة، و اسفك دمه على ضلالة، و عرّف طلحة المذلّة و ادّخر لهما في الاخرة شرا من ذلك ان كانا ظلماني و افتريا عليّ و كتما شهادتهما و عصياك و عصيا رسولك فيّ، قل آمين قال خداش: آمين.
ثمّ قال خداش لنفسه ما رأيت لحية قطّ أبين خطأ منك حامل حجّة ينقض بعضها بعضا لم يجعل اللّه لها مساكا«» أنا أبرء إلى اللّه منهما.
قال عليّ عليه السّلام ارجع إليهما و أعلمهما ما قلت قال: لا و اللّه حتّى تسئل اللّه أن يردّني إليك عاجلا و ان يوفّقني لرضاه فيك، ففعل فلم يلبث أن انصرف و قتل معه يوم الجمل رحمه اللّه.

الترجمة

از جمله كلام آن حضرتست كه تكلّم فرموده بان با بعض عرب كه كليب جرمى بود وقتى كه فرستاده بود او را قومي از اهل بصره زماني كه آن حضرت نزديك بصره بود تا بداند از براى ايشان از راى آن حضرت حقيقت حال او را با أصحاب جمل تا زايل شود شبهه از نفوس ايشان.

پس بيان فرمود بأو از كار خود با ايشان آن چيزى را كه دانست او بان چيز اين كه آن حضرت بحق است و ايشان بباطل بعد از آن فرمود باو كه بيعت كن پس گفت باو كه من ايلچى قومى هستم كارى نمي كنم بي ‏مشورت ايشان تا برگردم بطرف ايشان پس فرمود آن حضرت: خبر ده مرا اگر كساني كه در پس توأند بفرستند ترا در حالتى كه طلب كننده آب و گياه باشي كه طلب نمائى از براى ايشان مواضع افتادن باران را پس برگردى بسوى ايشان و خبر دهى ايشان را از آب و گياه پس مخالفت نمايند، و متوجه شوند بمكانهاى بى ‏آب و علف، چه كار خواهى كرد در اين صورت.

عرض كرد كه مى ‏باشم ترك كننده ايشان و مخالف ايشان، و مى‏ روم بسوى آب و گياه، پس فرمود حالا كه اين طور است دراز كن دست خود را يعني بيعت نما، پس گفت آن مرد قسم بحق خدا نتوانستم خود دارى كنم نزد تمام شدن حجّت بر من پس بيعت نمودم با آن حضرت.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 168 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 169 صبحی صالح

169- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) عند مسير أصحاب الجمل إلى البصرة

الأمور الجامعة للمسلمين‏

إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ رَسُولًا هَادِياً بِكِتَابٍ نَاطِقٍ وَ أَمْرٍ قَائِمٍ لَا يَهْلِكُ عَنْهُ‏ إِلَّا هَالِكٌ

وَ إِنَّ الْمُبْتَدَعَاتِ الْمُشَبَّهَاتِ هُنَّ الْمُهْلِكَاتُ إِلَّا مَا حَفِظَ اللَّهُ مِنْهَا

وَ إِنَّ فِي سُلْطَانِ اللَّهِ عِصْمَةً لِأَمْرِكُمْ فَأَعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ مُلَوَّمَةٍ وَ لَا مُسْتَكْرَهٍ بِهَا

وَ اللَّهِ لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَيَنْقُلَنَّ اللَّهُ عَنْكُمْ سُلْطَانَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ لَا يَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبَداً حَتَّى يَأْرِزَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِكُمْ

التنفير من خصومه‏

إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ تَمَالَئُوا عَلَى سَخْطَةِ إِمَارَتِي

وَ سَأَصْبِرُ مَا لَمْ أَخَفْ عَلَى جَمَاعَتِكُمْ

فَإِنَّهُمْ إِنْ تَمَّمُوا عَلَى فَيَالَةِ هَذَا الرَّأْيِ انْقَطَعَ نِظَامُ الْمُسْلِمِينَ

وَ إِنَّمَا طَلَبُوا هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَداً لِمَنْ أَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَرَادُوا رَدَّ الْأُمُورِ عَلَى أَدْبَارِهَا

وَ لَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَ سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ( صلى ‏الله‏ عليه ‏وآله  )وَ الْقِيَامُ بِحَقِّهِ وَ النَّعْشُ لِسُنَّتِهِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج10  

و من خطبة له عليه السّلام
و هى المأة و الثامنة و الستون من المختار في باب الخطب عند مسير أصحاب الجمل إلى البصرة: إنّ اللّه بعث رسولا هاديا بكتاب ناطق و أمر قائم، لا يهلك عنه إلّا هالك و إنّ المبتدعات المشبّهات هنّ المهلكات إلّا ما حفظ اللّه منها و إنّ في سلطان اللّه عصمة لأمركم فأعطوه طاعتكم غير ملومة، و لا مستكره بها و اللّه لتفعلنّ أو لينقلنّ اللّه عنكم سلطان الإسلام ثمّ لا ينقله إليكم أبدا حتّى يأرز الأمر إلى غيركم إنّ هؤلاء قد تمالئوا على سخطة إمارتي و سأصبر ما لم أخف على جماعتكم فإنّهم إن تمّموا على فيالة هذا الرّأي انقطع نظام المسلمين و إنّما طلبوا هذه الدّنيا حسدالمن أفائها اللّه عليه فأرادوا ردّ الامور على أدبارها و لكم علينا العمل بكتاب اللّه و سنّة رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و القيام بحقّه و النّعش لسنّته.

اللغة

(المشبّهات) في بعض النسخ بصيغة المفعول و في بعضها بصيغة الفاعل و في بعضها (المشتبهات) بدلها يقال شبّهت الشي‏ء بالشي‏ء أى جعلته شبيها به فهو مشبّه بالفتح و شبّهته عليه تشبيها مثل لبّسته تلبيسا وزنا و معنى فأنا مشبّه بالكسر و اشتبهت الامور و تشابهت التبست فلم تتميّز و لم تظهر قال سبحانه: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا و قال: وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ.

و (غير ملومة) في بعض النسخ بالتخفيف من لام يلوم و في بعضها بالتّضعيف للمبالغة، و في بعضها (ملويّة) بدلها أى غير معوّجة من لوّيت العود إذا عطفته و (أرز) يأرز من باب ضرب انقبض و اجتمع و أرزت الحيّة أي لاذت بجحرها و رجعت إليه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إنّ الاسلام ليأرز إلى المدينة كما يأرز الحيّة على جحرها و (و تمالئوا) على الأمر تعاونوا.

و قال ابن السكيت اجتمعوا و (فال) رأيه يفيل قيلولة و فيلة أخطأ و ضعف كتفيّل و رجل فيل الرّأى بالكسر و الفتح ككيس و فاله وفاء له و فاءل من غير اضافة ضعيفة جمعه أفيال و في رواية بدل فيالة (فيولة).

الاعراب

الباء في قوله بكتاب للمصاحبة كما في دخلت عليه بثياب السفر، و غير ملومة بالنصب حال من الطاعة و السين في قوله و سأصبر ليست لتخليص المضارع للاستقبال كما هو غالب موارد استعمالها و انما هي لتأكيد وقوع الصبر كما نبّه به الزّمخشري حيث قال انها إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه أفادت أنه واقع لا محالة.

و قال في تفسير قوله: «فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ» معنى السين أنّ ذلك كاين لا محالة و إن تأخر إلى حين، و في تفسير «وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ» السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة و هي تؤكّد الوعد كما تؤكّد الوعيد إذا قلت سأنتقم منك، و حسدا منصوب على المفعول لأجله.

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة حسبما ذكره الرضيّ خطبها عند مسير أصحاب الجمل إلى البصرة و الغرض منها التنبيه على ضلال الناكثين و الكشف عن فساد نيّتهم و سوء عقيدتهم و أنّ مقصودهم في الخروج و البغي عليه عليه السّلام هو الدّنيا لا الدّين و صدّرها بامور نفعها عامّ تذكيرا للمخاطبين و انقاذا لهم من الضّلالة و ايقاظا من رقدة الجهالة.
فقال عليه السّلام: (إنّ اللّه بعث رسولا هاديا) إلى شرايع الدّين و معالم الشرع المبين (بكتاب ناطق) بالحقّ لهج بالصّدق (و أمر قائم) مستقيم ليس بذي عوج أو باق حكمه بين الأمّة مستمرّا إلى يوم القيامة (لا يهلك) معرضا (عنه إلّا هالك) أى من بلغ الغاية في الهلاك فالتنكير لقصد النوع كما في قوله تعالى: «إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا».

قال العلّامة التفتازاني أى ظنّا حقيرا ضعيفا اذ الظنّ ممّا يقبل الشدّة و الضّعف فالمفعول المطلق هنا للنوعية لا للتأكيد و بهذا الاعتبار صحّ وقوعه بعد الاستثناء مفرّغا مع امتناع ما ضربته إلّا ضربا على أن يكون المصدر للتأكيد لأنّ مصدر ضربته لا يحتمل غير الضرب و المستثنى منه يجب أن يكون متعدّدا يحتمل المستثنى و غيره (و إنّ المبتدعات المشبّهات) أى البدعات المحدثات في الاسلام بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المشبّهات بالسّنن و ليس منها و الملبّسات الأمر على الناس أو الملتبسات عليهم على اختلاف روايات المتن حسبما تقدّم (هنّ المهلكات) في الاخرة لخروجها عن الكتاب و السنّة و قوله: (إلّا ما حفظ اللّه منها) استثناء من بعض متعلّقات المهلكات أى إنّها مهلكة في جميع الأحوال إلّا حال حفظ اللّه منها بالعصمة عن ارتكابها أو انّ ما بمعنى من أى مهلكة لكلّ أحد إلّا من حفظه اللّه سبحانه‏

ثمّ قال: (و إنّ في سلطان اللّه) أى سلطان دين اللّه و هو سلطان الاسلام الذي سيصرّح به أو أراد به السلطنة الالهيّة الّتي قوامها به لكونه خليفة اللّه في عباده و بلاده و وليّ أمره في أرضه فالاضافة من باب التشريف و الاعتزاز (عصمة لأمركم) و حفظا له عن التزلزل و الاختلال (فأعطوه طاعتكم غير ملومة) صاحبها (و لا مستكره بها) أي أطيعوه طوعا و بالاخلاص عن صميم القلب لا كرها و جبرا ينسب صاحبها الى الرّياء و النفاق فيستحقّ اللؤم و الملام (و اللّه لتفعلنّ) و لتطيعنّ (أو لينقلنّ اللّه عنكم سلطان الاسلام) أى الخلافة (ثمّ لا ينقله إليكم أبدا حتّى يأرز الأمر) أى ينقبض و يرجع (إلى غيركم).

فان قيل كيف قال عليه السّلام لا ينقله إليكم أبدا و قد عاد إليهم بالدّولة العبّاسية قلنا قد أجيب عنه بوجوه: أولها، ما قاله الشّارح المعتزلي و هو أنّ الشرط لم يقع و هو عدم الطاعة، فانّ أكثرهم أطاعوه غير ملومة و لا مستكره بها و اذا لم يتحقّق الشرط لم يتحقّق المشروط.

الثاني انه خاطب به الشيعة الطالبيّة فقال إن لم تعطوني الطاعة المحضة نقل الخلافة عن هذا البيت حتّى يأرز و ينضمّ إلى بيت آخر و هكذا وقع فانها انضمّت إلى بيت آخر من بني هاشم.

الثالث أنه أراد بقوله أبدا المبالغة كما تقول: احبس هذا الغريم أبدا و المراد بالقوم الّذين يأرز إليهم بنو اميّة كأنّه قال إن لم تفعلوا نقل اللّه الخلافة عنكم حتّى يجعلها في قوم آخرين و هم أعدائكم من أهل الشّام و بني اميّة و لا يعيدها إليكم إلى مدّة طويلة و هكذا وقع.

الرابع انه قيد بالغاية فقال لا يصير اليهم حتّى يصير في قوم آخرين و ظاهر أنّه كذلك بانتقاله إلى بني اميّة.
و الخامس أنّ القوم الّذين خاطبهم من أصحابه بهذا الخطاب لم ترجع الدّولة اليهم أبدا فانّ اولئك بعد انقضاء دولة بني اميّة لم يبق منهم ثمّ لم يرجع‏إلى أحد من أولادهم أصلا.

أقول و أحسنها الوجه الثالث و الرّابع و أحسنهما ثانيهما كما هو غير خفيّ على النّاقد الزكيّ.
ثمّ نبه على ضلال طلحة و الزّبير و عائشة و إيّاهم أراد بقوله (إنّ هؤلاء القوم قد تمالئوا) أى تعاونوا و تساعدوا و اجتمعوا (على سخطة إمارتي) و كراهيّتها سخيمة و مقتا (و سأصبر) على بغيهم و خروجهم (ما لم أخف على) حوزة (جماعتكم) و على انفصام حبل الاسلام (فانهم إن تمّموا) ما أرادوه و بلّغوه أجله مستقرّين (على فيالة هذا الرّأى) يعني أنهم إن أتمّوا ما تصدّوه في مسيرهم و مخالفتهم و بقوا على هذا الرّأى الضعيف (انقطع نظام المسلمين) و انفصم حبل الدّين، و تضعضع سوارى المتقين.

ثمّ بيّن علّة سخطهم لامارته بقوله (و إنما طلبوا هذه الدّنيا) يعني أنّ علة تمالؤهم عليّ ليست ما أظهروه من الطلب بدم عثمان و إنما هي تنافسهم في الدّنيا و طلبهم لها (حسدا لمن أفائها اللّه عليه) و ردّها إليه.
قال الشارح المعتزلي بعد تفسير الفي‏ء بمعنى الرجوع و هذا الكلام لا يشعر بأنه عليه السّلام كان يقتصد أنّ الأمر له و أنه غلب عليه ثمّ رجع إليه و لكنه محمول على أنه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بمنزلة الجزء من الكلّ و أنهما من جوهر واحد فلما كان الوالي قديما هو و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثمّ تخلل بين ولايتهما و لا يات غريبة سمّى ولايته فيئا و رجوعا لأنها رجعت الى الدّوحة الهاشميّة انتهى.

و أنت خبير بأنّ كلامه عليه السّلام صريح في ما ذكره الشارح أوّلا و انكار الشارح للإشعار عجيب و الحمل الذي تمحّله غريب، و كم له عليه السّلام في هذا الكتاب من كلام صريح في اغتصاب الخلافة، و انتهاب الوراثة، و كفى بذلك شهيدا الخطبة الثالثة، و الكلام السادس، و الخطبة السادسة و العشرين، فضلا عن غيرها.

بل قد ادّعى الشارح نفسه في شرح الخطبة المأة و الاحدى و السبعين تواتر الأخبار الواردة عنه عليه السّلام في هذا المعنى و هو كذلك و سنحكى كلامه إذا بلغ الشرح‏ محلّه و ما أدرى ما ذا أعدّه الشّارح للجواب يوم الحساب، مع علمه بالأخبار المتواترة في هذا الباب، لو لم يكن ما يمحّله من التكلّفات و التأويلات، تقيّة من ذوى الأذناب، و اللّه عالم بالسرائر خبير بالضمائر هذا.

و قوله (فأرادوا ردّ الامور على أدبارها) أى أرادوا انتزاع أمر الخلافة منه عليه السّلام بعد إقباله إليه كما انتزعت أوّلا أسوة بما وقع من قبل ثمّ أخبر بما لهم عليه إن قاموا بوظايف الطاعة فقال (و لكم علينا العمل بكتاب اللّه تعالى و سيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و القيام بحقه) أى بحق الرّسول صلّى اللّه عليه و آله الواجب علينا القيام به (و النعش لسنّته) أى الرفع لشريعته و الاعلاء لكلمته صلواة اللّه و سلامه عليه و آله.

الترجمة

از جمله خطب فصيحه آن وليّ مؤمنين و وصيّ خاتم النبيّين است نزد رفتن أصحاب جمل بسوى بصره مى‏ فرمايد: بدرستى كه خداى تعالى مبعوث فرمود پيغمبر را كه هدايت كننده بود بطريق نجاة با كتابي كه ناطق بود بحقّ، و با شريعتى كه باقي بود تا قيامت، هلاك نمى ‏شود از آن مگر كسى كه بالغ شود بمنتهاى هلاكت، آگاه باشيد و بدرستى كه بدعتهائى كه تشبيه شده ‏اند بسنت آنهايند هلاك كنندها مگر آنچه كه خدا حفظ فرمايد از آن.

و بدرستى كه حجت خدا نگه داشتن است مر كار شما را، پس ببخشيد بأو اطاعت خودتان را در حالتي كه ملامت كرده نشده است و بكراهت داشته نشده بان و بخدا سوگند البته بايد اطاعت آن را نمائيد و الّا هر آينه محققا نقل مي كند خداى تعالى از شما سلطنت اسلام را، پس از آن نقل نمى‏ كند آن را بسوى شما هرگز تا اين كه پناه ببرد آن أمر خلافت بسوى غير شما.

و بدرستى كه اين قوم جمل اجتماع كرده ‏اند و معين همديگر شده ‏اند بر غضب و بغض إمارت و خلافت من، و البته صبر مى ‏كنم بر اين حركت ايشان مادامى كه نترسم بر جماعت شما پس بدرستى كه ايشان اگر بانجام برسانند مقصود خودشان را بالاى آن رأى ضعيف كه دارند، بريده شود نظام مسلمانان و غير از اين نيست كه ايشان طلب كرده‏ اند اين دنيا را از روى حسد بردن بر كسى كه برگردانده حق تعالى آنرا بأو، پس اراده كردند باز گردانيدن كارها را بر پشتهاى آن، و مر شما راست بر ذمه ما عمل نمودن بكتاب إلهي و طريقه حضرت رسالت پناهى و قائم شدن بحقّ آن بزرگوار، و بلند كردن سنّت آن برگزيده پروردگار.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 167 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 168 صبحی صالح

168- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) بعد ما بويع له بالخلافة، و قد قال له قوم من الصحابة لو عاقبت قوما ممن أجلب على عثمان فقال ( عليه ‏السلام  ):

يَا إِخْوَتَاهْ إِنِّي لَسْتُ أَجْهَلُ مَا تَعْلَمُونَ وَ لَكِنْ كَيْفَ لِي بِقُوَّةٍ وَ الْقَوْمُ الْمُجْلِبُونَ عَلَى حَدِّ شَوْكَتِهِمْ يَمْلِكُونَنَا وَ لَا نَمْلِكُهُمْ

وَ هَا هُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ ثَارَتْ مَعَهُمْ عِبْدَانُكُمْ وَ الْتَفَّتْ إِلَيْهِمْ أَعْرَابُكُمْ

وَ هُمْ خِلَالَكُمْ يَسُومُونَكُمْ مَا شَاءُوا

وَ هَلْ تَرَوْنَ مَوْضِعاً لِقُدْرَةٍ عَلَى شَيْ‏ءٍ تُرِيدُونَهُ

إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ أَمْرُ جَاهِلِيَّةٍ وَ إِنَّ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مَادَّةً

إِنَّ النَّاسَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ إِذَا حُرِّكَ عَلَى أُمُورٍ فِرْقَةٌ تَرَى مَا تَرَوْنَ وَ فِرْقَةٌ تَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَ فِرْقَةٌ لَا تَرَى هَذَا وَ لَا ذَاكَ

فَاصْبِرُوا حَتَّى يَهْدَأَ النَّاسُ وَ تَقَعَ الْقُلُوبُ مَوَاقِعَهَا وَ تُؤْخَذَ الْحُقُوقُ مُسْمَحَةً

فَاهْدَءُوا عَنِّي وَ انْظُرُوا مَا ذَا يَأْتِيكُمْ بِهِ أَمْرِي وَ لَا تَفْعَلُوا فَعْلَةً تُضَعْضِعُ قُوَّةً وَ تُسْقِطُ مُنَّةً وَ تُورِثُ وَهْناً وَ ذِلَّةً

وَ سَأُمْسِكُ الْأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ وَ إِذَا لَمْ أَجِدْ بُدّاً فَآخِرُ الدَّوَاءِ الْكَيُّ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج10  

و من كلام له عليه السّلام و هو المأة و السابع و الستون من المختار في باب الخطب

بعد ما بويع بالخلافة و قد قال له قوم من الصّحابة لو عاقبت قوما ممّن أجلب على عثمان فقال عليه السّلام: يا إخوتاه إنّي لست أجهل ما تعلمون و لكن كيف لي بقوّة و القوم المجلبون على حدّ شوكتهم يملكوننا و لا نملكهم و ها هم‏هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم و التفّت إليهم أعرابكم و هم خلالكم يسومونكم ما شاءوا و هل ترون موضعا لقدرة على شي‏ء تريدونه و إنّ هذا الأمر أمر جاهليّة و إنّ لهؤلاء القوم مادّة إنّ النّاس من هذا الأمر إذا حرّك على أمور: فرقة ترى ما ترون، و فرقة ترى ما لا ترون، و فرقة لا ترى هذا، و لا هذا، فاصبروا حتّى يهدأ النّاس، و تقع القلوب مواقعها و تؤخذ الحقوق مسمحة فاهدّؤا عنّي و انظروا ما ذا يأتيكم به أمري، و لا تفعلوا فعلة تضعضع قوّة و تسقط منّة و تورث وهنا و ذلّة، و سامسك الأمر ما استمسك و إذ لم أجد بدّا فاخر الدّواء الكيّ.

اللغة

(أجلبوا) عليه أى تألّبوا و اجتمعوا (و الحدّ) منتهى الشي‏ء، و من كلّ شي‏ء حدّته، و في بعض النسخ (على جدّ) بالجيم المكسورة اسم من جدّ في الأمر من باب ضرب و قتل اذا اجتهد و سعى فيه، و منه يقال فلان محسن جدّا أى نهاية و مبالغة (و عبدان) بالكسر جمع عبد مثل جحش و جحشان و الضمّ أيضا مثل تمر و تمران و الأشهر في جمعه أعبد و عبيد و عباد و (سام) فلانا الأمر إذا كلّفه إيّاه، أكثر ما يستعمل في العذاب و الشرّ قال سبحانه يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ و (هدأ) القوم و الصوت يهدأ من باب منع سكن و (سمح) سماحة جاد و أعطى أو وافق ما اريد منه و أسمح بالالف لغة و قال الأصمعي سمح ثلاثيا بماله و أسمح بقياده و (المنّة) بالضمّ كالقوّة لفظا و معنى.

الاعراب

جواب لو في قوله لو عاقبت محذوف، بقرينة المقام و الهاء في قوله يا إخوتاه للسّكت، قال نجم الأئمة الرّضي أمّا هاء السّكت فهى هاء تزاد في آخر الكلمة الموقوف عليها إذا كان آخرها ألفا و الكلمة حرف أو اسم عريق في البناء نحو لا و ذا و هنا و ذلك لأنّ الألف حرف خفيّة فاريد بيانها فاذا جئت بعدها بهاء ساكنة- فلا بدّ من مدّ الألف إذا جئت بعدها و ذلك في الوصل بحرف آخر- تبيّن النطق بها و إذا لم تأت بعدها بشي‏ء و ذلك في الوقف خفيت حتّى ظنّ أن آخر الكلمة مفتوحة فلذا وصلت ليبيّن جوهرها.

و اختاروا أن يكون ذلك الحرف هاء لمناسبتها بالخفاء لحرف اللّين فاذا جاءت ساكنة بعد الألف فلا بدّ من تمكين مدّ الألف ليقوم ذلك مقام الحركة فيمكن الجمع بين ساكنين، فيبقين الألف بذلك التمكين و المدّ.
و قال في باب المنادى المندوب و إذا ندبت يا غلامي بسكون الياء فكذا تقول عند سيبويه يا غلامياه لأنّ أصلها الفتح عنده و أجاز المبرّد يا غلاماه بحذف الياء للساكنين قال ابن الحاجب و الحذف ليس بوجه و قال نحو وا غلاميه أوجه.

أقول: و قول أمير المؤمنين عليه السّلام مؤيّد لقول المبرّد و شاهد له.
قال نجم الأئمة إلحاق هاء السّكت بعد زيادة الندبة«» واوا كانت أو ياء أو ألفا جايز في الوقف لا واجب و بعضهم يوجبها لئلّا يلتبس المندوب بالمضاف إلى ياء المتكلّم المقلوبة ألفا نحو يا غلاما، و ينبغي أن لا يجب عند هذا القائل مع واو لأنها يكفى في الفرق بين الندبة و الندا، و ليس ما قال بوجه لأنّ الألف المنقلبة عن ياء المتكلّم قد يلحقها الهاء في الوقف كما مرّ فاللبس إذا حاصل مع الهاء أيضا و الفارق هو القرينة.
أقول: و يكفى في ردّ هذا القائل قوله عليه السّلام يا إخوتاه فانّ الألف فيه مقلوبة عن ياء المتكلّم و قد لحقها هاء السّكت كما قاله الرّضيّ.

و قوله عليه السّلام على حدّ شوكتهم ظرف مستقرّ حال من ضمير المجلبون و إضافة حدّ إلى شوكتهم لاميّة على رواية حدّ بالحاء و بمعنى في على روايته بالجيم كما هو غير خفيّ.
و الهاء في قوله عليه السّلام و ها هم هؤلاء للتّنبيه و هى تدخل الجمل و تدخل في جميع المفردات أسماء الاشارة نحو هذا و هاتا و هؤلاء و كثيرا ما يفصل بينها و بين اسم الاشارة بالقسم نحو ها اللّه ذا و بالضمير المرفوع المنفصل نحو ها أنتم اولاء و بغيرهما قليلا نحو قولهم هذا لها ها و ذا ليا أى و هذا ليا.
و ذهب الخليل إلى أنّ هاء المقدّمة في جميع ذلك كانت متّصلة باسم الاشارة أى كان القياس اللّه هذا، و أنتم هؤلاء، و الدّليل على أنّه فصل حرف التنبيه عن اسم الاشارة ما حكى أبو الخطاب عمّن يوثّق به هذا أنا أفعل في موضع ها أنا ذا أفعل، و حدّث يونس هذا أنت تقول ذا.

و جوّز بعضهم أن يكون هاء المقدّمة في نحو ها أنت ذا تفعل غير منويّ دخولها على ذا استدلالا بقوله تعالى ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ و لو كانت هي الّتي كانت مع اسم الاشارة لم تعد بعد أنتم.
قال نجم الأئمة و يجوز أن يعتذر للخليل بأنّ تلك الاعادة للبعد بينهما كما اعيد في «فلا تحسبنّهم» بعد قوله «فلا تحسبنّ الّذين يبخلون» و أيضا قوله «ثمّ أنتم هؤلاء تقتلون» دليل على أنّ المقدّم «في ها أنتم اولاء» هو الّذي كان مع اسم الاشارة، و لو كان في صدر الجملة من الأصل لجاز من غير اسم اشارة ها أنت زيد.

و ما حكى الزمخشري من قولهم ها أن زيدا منطلق، و ها أنا أفعل كذا مما لم أعثر له على شاهد فالأولى أن نقول ها التنبيه مختصّ باسم الاشارة، و قد يفصل منه كما مرّ و لم يثبت دخوله في غيره.

و قال نجم الأئمة أيضا و اعلم انّه ليس المراد من قولك ها أنا ذا أفعل أن تعرّف المخاطب نفسك و أن تعلمه أنت لست غيرك لأنّ هذا محال بل المعنى فيه و في ها أنت ذا تقول و ها هو ذا يفعل استغراب وقوع مضمون ذلك الفعل المذكور بعد اسم الاشارةمن المتكلّم أو المخاطب أو الغائب كأنّ معنى ها أنت ذا تقول أو يضربك زيد، أنت هذا الذي أرى من كنّا نتوقّع منه أن لا يقع منه أو عليه مثل هذا الغريب ثمّ بيّنت بقولك تقول و قولك يضربك زيد الّذي استغربته و لم تتوقّعه.

قال تعالى ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ فالجملة بعد اسم الاشارة لازمة لبيان الحال المستغربة و لا محلّ لها إذ هي مستأنفة.
و قوله: و هم خلالكم يسومونكم جملة هم يسومون مبتدأ و خبر في محلّ النّصب على الحال و خلالكم ظرف مستقرّ حال من مفعول يسومون قدّمت على ذيها للتوسّع.

المعنى

اعلم أنّ المستفاد من شرح المعتزلي أنّ هذا الكلام قاله عليه السّلام أوّل مسير طلحة و الزبير إلى البصرة (بعد ما بويع بالخلافة و قد قال له قوم من الصحابة لو عاقبت قوما ممّن أجلب و أعان على) قتل (عثمان) لكان حسنا لما فيه من قطع عذر الناكثين اذ عمدة متمسّكهم في النكت كان المطالبة بدم عثمان (فقال عليه السّلام:) معتذرا عمّا اشير عليه (يا إخوتاه) إنّي على غزارة علمى (لست أجهل ما تعلمون) بل أعلم ما كان و ما هو كائن و ما يكون (و لكن كيف لي بقوّة) على القصاص و الانتقام (و القوم المجلبون) المجتمعون المتألّبون (على حدّ شوكتهم) أى على غاية شوكتهم أو مع كونهم مجدّين في الشوكة مبالغين في شدّة البأس (يملكوننا و لا نملكهم) أى هم مسلّطون علينا و لسنا مسلّطين عليهم و صدقه عليه السّلام في هذا الجواب ظاهر لأنّ أكثر أهل المدينة كانوا من المجلبين عليه، و كان من أهل مصر و من الكوفة و غيرهم خلق عظيم، حضروا من بلادهم و قطعوا المسافة البعيدة لذلك، و انضمّ إليه أعراب البادية و عبيد المدينة، و ثاروا ثورة واحدة فكانوا على غاية الشوكة و لذلك اعتذر عليه السّلام بعدم التمكّن و القوّة.

و قد روى أنّه عليه السّلام جمع النّاس و وعظهم ثمّ قال لتقم قتلة عثمان فقام النّاس بأسرهم إلّا القليل و كان ذلك الفعل استشهادا منه على صدق قوله، و نبّه أيضا على‏ صدقه عليه السّلام باحالة المشيرين عليه إحالة معاينة و باشارة حضوريّة إلى كثرة المجلبين و شدّتهم فقال عليه السّلام: (و ها هم هؤلاء قد ثارت) و هاجت (معهم عبدانكم و التفّت) و انضمّت (إليهم أعرابكم و هم خلالكم) أى بينكم غير متباعدين عنكم (يسومونكم ما شاءوا) كيف شاءوا ليس لهم رادع و لا دافع (و هل ترون) و الحال هذه (موضعا لقدرة على شي‏ء تريدونه).

ثمّ قال: (إنّ هذا الأمر) أى أمر المجلبين (أمر جاهليّة) لأنّ قتلهم لعثمان كان عن عصبيّة و حميّة لا لطاعة أمر اللّه و إن كان في الواقع مطابقا له.
و يمكن أن يكون المراد به أنّ ما تريدون من معاقبة القوم أمر جاهليّة نشأ عن تعصّبكم و حميّتكم و أغراضكم الباطلة و فيه إثارة للفتنة، و تهييج للشرّ، لكنّ الأوّل أنسب بسياق الكلام إذ غرضه من إيراد تلك الوجوه إسكات الخصم و عدم تقوية شبه المخالفين الطالبين لدم عثمان.

و أكّد تأكيد تضعيف رأيهم بقوله (و إنّ لهؤلاء القوم مادّة) أى مددا و معينين و (إنّ النّاس من هذا الأمر إذا حرّك) عن موضعه و اريد معاقبة المجلبين (على امور) ثلاثة أشار إليها بقوله (فرقة منهم ترى ما ترون) و يحكمون بحسن العقاب (و فرقة ترى ما لا ترون) و تزعم أنّ في العقاب عدولا عن الصّواب (و فرقة) ثالثة (لا ترى هذا و لا هذا) و لا يحكمون فيه بصواب و لا خطاء.

و لما بيّن اختلاف الاراء و تشتّت الأهواء في التخطئة و التصويب و كان الاقتصاص و الانتقام مع وجود هذا الاختلاف مظنّة فتنة اخرى كالاولى بل و أعظم منها و كان الأصوب في التدبير و الّذي يوجبه العقل و الشرع الصبر و إمساك النكير إلى حين سكون الفتنة، و تفرّق تلك الشعوب من المدينة، لا جرم أمرهم بالصّبر فقال: (فاصبروا حتّى يهدأ الناس) و يسكنوا (و تقع القلوب مواقعها) و تؤوب إلى الناس أحلامهم (و تؤخذ الحقوق مسمحة) منقادة بسهولة (فاهدءوا) متفرّقين (عنّى و انظروا ما ذا يأتيكم به أمرى) و لا تستعجلوه و لا تسرعوا (و لا تفعلوا فعلة) أى نوع فعل (تضعضع) و تهدم (قوّة و تسقط منّة و تورث وهنا و ذلّة) فانّ الامور مرهونة بأوقاتها و مجتنى‏الثمرة لغير وقت إيناعها لا تذوق إلّا مرارة منها.

قال الشارح المعتزلي و كان عليه السّلام يؤمّل أن يطيعه معاوية و غيره و أن يحضر بنو عثمان عنده يطالبون بدم أبيهم و يعيّنون قوما بأعيانهم بعضهم للقتل و بعضهم للتسوّر كما جرت عادة المتظلّمين إلى الامام و القاضي فحينئذ يتمكّن من العمل بحكم اللّه فلم يقع الأمر بموجب ذلك و عصى معاوية و أهل الشّام و التجأ ورثة عثمان إليه و فارقوا حوزة أمير المؤمنين عليه السّلام و لم يطالبوا القصاص طلبا شرعيّا و إنّما طلبوه مغالبة و جعلها معاوية عصبيّة الجاهلية و لم يأت أحد منهم الأمر من بابه.

و قبل ذلك ما كان من أمر طلحة و الزّبير و نقضهما البيعة و نهبهما أموال المسلمين بالبصرة و قتلهما الصّالحين من أهلها و جرت امور كلّها يمنع الامام عن التصدّي للقصاص و اعتماد ما يجب اعتماده لو كان الأمر وقع على القاعدة الصحيحة من المتطالبة بذلك على وجه السكوت و الحكومة.

و قد قال هو عليه السّلام لمعاوية و أما طلبك قتلة عثمان فادخل في الطاعة و حاكم القوم إلىّ أحملك و إيّاهم على كتاب اللّه و سنّة رسوله صلّى اللّه عليه و آله هذا.
و أمّا قوله عليه السّلام (و سأمسك الأمر ما استمسك و إذا لم أجد بدّا فاخر الدّواء الكىّ) هكذا في نسخة الشارحين البحراني و المعتزلي، قال ثانيهما و هو مثل مشهور و يقال آخر الطبّ و يغلط فيه العامّة فيقول: آخر الدّاء، و الكيّ ليس من الدّاء ليكون آخره.

و في نسخة البحار: آخر الدّاء قال العلّامة المجلسيّ (ره) هكذا في أكثر النسخ المصحّحة و لعلّ المعنى بعد الدّاء الكيّ إذا اشتدّ الداء و لم يزل بأنواع المعالجات فيزول بالكيّ و ينتهى أمره إليه.
ثمّ قال الشارح المعتزلي و ليس معناه و سأصبر عن معاقبة هؤلاء ما أمكن الصبر فاذا لم أجد بدّا عاقبتهم و لكنّه كلام قاله أوّل مسير طلحة و الزّبير إلى البصرة فانّه حينئذ أشار عليه قوم بمعاقبة المجلبين فاعتذر بما قد ذكر.
ثمّ قال و سأمسك الأمر ما استمسك أى أمسك نفسي عن محاربة هؤلاءالنّاكثين للبيعة ما أمكن و أدفع الأيّام بمراسلتهم و تخويفهم و إنذارهم و أجتهد في ردّهم الى الطاعة بالترغيب و الترهيب، فاذا لم أجد بدّا من الحرب فاخر الدواء الكيّ أي الحرب لأنّها الغاية التي ينتهى أمر العصاة إليها.

قال العلّامة المجلسيّ «ره» بعد حكاية ما حكيناه عن الشارح أقول: و يحتمل أن يكون ذلك تورية منه عليه السّلام ليفهم بعض المخاطبين المعنى الأوّل و مراده المعنى الثاني.
أقول: قد تقدّم في شرح الكلام الثّلاثين تفصيلا أنّه عليه السّلام كان بنائه على إبهام المرام، و استعمال التورية في الكلام، في أمر عثمان لمصالح قاضية بذلك مانعة عن الابانة و التصريح فليراجع ثمّة.

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن امام است عليه الصّلاة و السّلام بعد از اين كه بيعت كرده شد بخلافت در حالتى كه گفتند او را گروهي از صحابه اگر عقاب بفرمائى قومى را از آن كسانى كه جمعيت نمودند بر قتل عثمان خوب مى ‏شود.

پس فرمود آن حضرت در جواب ايشان: اى برادران من بدرستى كه من نيستم كه ندانم چيزى را كه شما مى ‏دانيد و ليكن چگونه مرا قوّت باشد در انتقام و حال آنكه قومى كه جمعيت كردند بر غايت شوكت ايشان مسلّط و مالك هستند و ما بر ايشان تسلّط نداريم، و بدانيد كه ايشان اين جماعت‏اند كه هيجان آمده ‏اند با ايشان بندگان شما و پيوسته ‏اند بايشان أعراب باديه ‏نشينان شما و حال آنكه ايشان در ميان شما تكليف مى‏ كنند بشما آنچه دلشان بخواهد، و آيا مى ‏بينيد با وجود اين حالت محلى از براى قدرت بر چيزى كه مى‏ خواهيد بدرستى كه اين كار كار جاهليت است و بدرستى كه از براى آن قوم است ماده بسيار از أعوان و أنصار.

بدرستي كه مردمان در اين كار هر گاه حركت داده شود بر چند أمر مى‏باشند طايفه رأى ايشان مطابق رأى شما خواهد شد و طايفه ديگر ايشان مخالف رأى شمامي باشد و طايفه سوّم رأيشان نه اينست و نه آن، پس صبر و تحمّل نمائيد تا آرام گيرند مردمان و واقع شود قلبها در مواضع وقوع خود و گرفته شود حقّها بسهولت و آساني، پس آرام گيريد و كنار شويد از من و نظر كنيد به آن چيزى كه بيايد بشما فرمان من بان و نكنيد كارى را كه ويران كند قوّت و قدرت را، و بيندازد طاقت و توانائى را و باعث بشود بسستي و ذلّت و البته نگاهدارى ميكنم اين امر را مادامى كه نگاه داشته شود و چون چاره نيابم پس آخر دوا داغ است يعني غير از محاربه علاجى نيابم لا بدّ بايد محاربه كنم.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 166 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 167 صبحی صالح

167- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) في أوائل خلافته‏

إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْزَلَ كِتَاباً هَادِياً بَيَّنَ فِيهِ الْخَيْرَ وَ الشَّرَّ

فَخُذُوا نَهْجَ الْخَيْرِ تَهْتَدُوا وَ اصْدِفُوا عَنْ سَمْتِ الشَّرِّ تَقْصِدُوا

الْفَرَائِضَ الْفَرَائِضَ أَدُّوهَا إِلَى اللَّهِ تُؤَدِّكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ

إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ حَرَاماً غَيْرَ مَجْهُولٍ وَ أَحَلَّ حَلَالًا غَيْرَ مَدْخُولٍ

وَ فَضَّلَ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْحُرَمِ كُلِّهَا وَ شَدَّ بِالْإِخْلَاصِ وَ التَّوْحِيدِ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا

فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَ يَدِهِ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لَا يَحِلُّ أَذَى الْمُسْلِمِ إِلَّا بِمَا يَجِبُ

بَادِرُوا أَمْرَ الْعَامَّةِ وَ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ وَ هُوَ الْمَوْتُ

فَإِنَّ النَّاسَ أَمَامَكُمْ وَ إِنَّ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ مِنْ خَلْفِكُمْ

تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ

اتَّقُوا اللَّهَ فِي عِبَادِهِ وَ بِلَادِهِ فَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ وَ الْبَهَائِمِ

أَطِيعُوا اللَّهَ وَ لَا تَعْصُوهُ وَ إِذَا رَأَيْتُمُ الْخَيْرَ فَخُذُوا بِهِ وَ إِذَا رَأَيْتُمُ الشَّرَّ فَأَعْرِضُوا عَنْهُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج10  

و من خطبة له عليه السّلام و هى المأة و السادسة و الستون من المختار فى باب الخطب

و هي مروية في البحار من كامل ابن الاثير بيسير اختلاف و تغيير حسبما تطّلع عليه إنشاء اللّه.
إنّ اللّه سبحانه أنزل كتابا هاديا بيّن فيه الخير و الشّرّ، فخذوا نهج الخير تهتدوا، و اصدفوا عن سمت الشّرّ تقصدوا و الفرائض الفرائض أدّوها إلى اللّه تؤدّكم إلى الجنّة، إنّ اللّه حرّم حراما غير مجهول، و أحلّ حلالا غير مدخول، و فضّل حرمة المسلم على الحرم كلّها و شدّ بالإخلاص و التّوحيد حقوق المسلمين في معاقدها، فالمسلم من سلم‏ المسلمون من لسانه و يده إلّا بالحقّ، و لا يحلّ أذى المسلم إلّا بما يجب، بادروا أمر العامّة و خاصّة أحدكم و هو الموت، فإنّ النّاس أمامكم و إنّ السّاعة تحدوكم، تخفّفوا تلحقوا، فإنّما ينتظر بأوّلكم اخركم، إتّقوا اللّه في عباده و بلاده، فإنّكم مسئولون حتّى عن البقاع و البهائم أطيعوا اللّه و لا تعصوه و إذا رأيتم الخير فخذوا به و إذا رأيتم الشّرّ فاصدفوا عنه.

اللغة

(صدفت) عنه أصدف من باب ضرب أعرضت و (قصد) في الأمر قصدا من باب ضرب أيضا توسّط و طلب الأسدّ و لم يجاوز الحدّ و هو على قصد أى رصد و طريق قصد أى سهل و (دخل) عليه بالبناء على المفعول إذا سبق وهمه إلى شي‏ء فغلط فيه من حيث لا يشعر و (البقعة) من الأرض القطعة و تضمّ الباء في الأكثر فتجمع على بقع مثل غرفة و غرف و تفتح فتجمع على بقاع بالكسر مثل كلبة و كلاب.
الاعراب
قوله و الفرائض الفرائض بالنصب على الاغراء، و الفاء في قوله عليه السّلام فالمسلم فصيحة، و قوله خاصّة أحدكم عطف على أمر و الفاء في قوله فانّ النّاس تعليل و كذا في قوله فانكم مسؤلون.

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشريفة كما قاله السيّد «ره» و غيره خطب بها في أوّل خلافته، و صدّر كلامه بالتنبيه على فضل الكتاب المجيد فقال (إنّ اللّه سبحانه أنزل) على نبيّه أشرف المرسلين (كتابا هاديا) إلى نهج الحقّ اليقين، كما قال‏عزّ من قائل «لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» (بيّن فيه الخير) المقرّب إلى رضوانه (و الشرّ) المبعّد عن جنانه (فخذوا نهج الخير) ل (تهتدوا) إلى الصراط المستقيم المؤدّى إلى نضرة النعيم (و اصدفوا عن سمت الشرّ) أى أعرضوا عن طريقه ل (تقصدوا) أى تطلبوا السداد، و تسلكوا سبيل الرّشاد.

ثمّ حثّ على مواظبة الفرائض و الواجبات و المراقبة عليها في جميع الحالات فقال عليه السّلام: (و الفرائض الفرائض أدّوها إلى اللّه تؤدّكم إلى الجنّة) أى أوصلوها إليه سبحانه لتوصلكم إلى الجنّة، و هو من باب المشاكلة إذ المراد بايصالها إلى اللّه التقرّب بها إليه و طلب الزّلفى بها لديه، و نسبة التأدية إلى الجنّة إليها من باب المجاز العقلي و الاسناد إلى السبب (إنّ اللّه حرّم) في كتابه و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله (حراما غير مجهول) و لا خفيّ بل هو واضح جليّ فلا عذر لمن جهله (و أحلّ حلالا غير مدخول) أى ليس فيه عيب و لا ريب، فلا بأس على من تناوله (و فضّل حرمة المسلم على الحرم كلّها) كما أفصح عنه لسان النبوّة قال صلّى اللّه عليه و آله: حرمة المسلم فوق كلّ حرمة دمه و ماله و عرضه (و شدّ بالاخلاص و التوحيد حقوق المسلمين في معاقدها) أي ربطها بهما في مرابطها، فأوجب على المخلصين الموحّدين المحافظة على حقوق المسلمين و مراعات مواضعها هكذا قال الشارح البحراني و العلّامة المجلسي «ره» و هو ظاهر الشارح المعتزلي، و يجوز أن يصوبه أنه سبحانه شدّ حقّ المسلم في معقده بسبب اخلاصه الوحدانيّة و توحيده للّه سبحانه.«» يعني أنّ إسلامه و توحيده أوجب ترتيب أحكام الاسلام عليه كما قال الصادق عليه السّلام في رواية المفضّل المرويّة في الكافي: الاسلام يحقن به الدّم و تؤدّى به الأمانة و تستحلّ به الفروج.

و في رواية اخرى عن سماعة عن الصادق عليه السّلام قال: الاسلام شهادة أن لا إله إلّا اللّه‏ و التصديق برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم به حقنت الدماء و عليه جرت المناكح و المواريث هذا و لكن الأظهر ما ذكروه بقرينة التفريع بقوله (فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده إلّا بالحقّ) و إن كان يمكن توجيهه على ما ذكرناه أيضا بنوع تكلّف فافهم هذا.

و قوله إلّا بالحقّ تنبيه على أنّه لا يجب كفّ اليد و اللّسان عن المسلم إذا استحقّ عدمه و قد ورد نظير هذا الاستثناء في الكتاب العزيز قال تعالى: وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ قال المفسّرون أى بإحدى ثلاث إمّا زنا بعد إحصان أو كفر بعد إيمان أو قتل المؤمن عمدا ظلما.

و قوله: (و لا يحلّ أذى المسلم إلّا بما يجب) تأكيد لما سبق على أنّ الماء مصدرية أى لا يجوز أذاه إلّا مع وجوبه، فيكون مساقه مساق قوله إلّا بالحقّ، و يجوز أن يكون تأسيسا فانه لما دلّ الكلام السابق على جواز عدم الكفّ عنه عند الاستحقاق نبّه بهذا الكلام على أنه لا يجوز أذاه عند الاستحقاق أيضا إلّا بما يجب من الأذى كما و كيفا فتكون ما موصولة و محصّله التنبيه على جواز أذيّته من باب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر بمقدار مخصوص يستحقّه أو كيفيّة خاصّة تستحقّها على ما تقرّر في باب الحسبة هذا.

و قد تلخص مما ذكره عليه السّلام وجوب مراعات حرمة المسلم و المحافظة على حقوقه و قد اشير إليها في أخبار أهل البيت عليهم السّلام: ففي الوسائل عن الكلينيّ عن أبي المعزا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال المسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يخذله و لا يخونه، و يحقّ على المسلمين الاجتهاد في التواصل و التعاون على التعاطف، و المواساة لأهل الحاجة، و تعاطف بعضهم على بعض، حتى تكونوا كما أمركم اللّه عزّ و جلّ رحماء بينكم متراحمين مغتمين لما غاب عنكم من أمرهم، على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و عن معلّى بن خنيس عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قلت له: ما حقّ المسلم على المسلم قال: له سبع حقوق واجبات ما منهنّ حقّ إلّا و هو عليه واجب، إن‏ضيع منها شيئا خرج من ولاية اللّه و طاعته، و لم يكن للّه فيه من نصيب قلت له: جعلت فداك و ما هي قال يا معلّى إنّي عليك شفيق أخاف أن تضيّع و لا تحفظ أو تعلم و لا تعمل قلت: لا قوّة إلّا باللّه.

قال: أيسر حقّ منها أن تحبّ له ما تحبّ لنفسك، و تكره له ما تكره لنفسك

و الحقّ الثاني أن تجتنب سخطه و تتّبع مرضاته و تطيع أمره.
و الحقّ الثالث أن تعينه بنفسك و مالك و لسانك و يدك و رجلك.
و الحقّ الرّابع أن تكون عينه و دليله و مرآته.
و الحقّ الخامس أن لا تشبع و يجوع، و لا تروى و يظمأ، و لا تلبس و يعرى.
و الحقّ السّادس أن يكون لك خادم و ليس لأخيك خادم فوجب أن تبعث خادمك فيغسّل ثيابه، و يصنع طعامه، و يمهّد فراشه.
و الحقّ السابع أن تبرّ قسمه، و تجيب دعوته، و تعود مريضه، و تشهد جنازته و إذا علمت أنّ له حاجة تبادره إلى قضائها و لا تلجئه إلى أن يسألكها و لكن تبادره مبادرة فاذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته و ولايته بولايتك.
و في الوسائل عن محمّد بن عليّ الكراجكى في كنز الفوائد عن الحسين بن محمّد ابن عليّ الصّيرفي عن محمّد بن عليّ الجعابي عن القاسم بن محمّد بن جعفر العلوي عن أبيه عن آبائه عن عليّ عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للمسلم على أخيه ثلاثون حقّا لا براءة له منها إلّا بالأداء أو العفو: يغفر زلّته، و يرحم عبرته، و يستر عورته، و يقيل عثرته، و يقبل معذرته، و يردّ غيبته، و يديم نصيحته، و يحفظ خلّته، و يرعى ذمّته، و يعود مرضته، و يشهد ميتته، و يجيب دعوته، و يقبل هديته، و يكافي صلته، و يشكر نعمته، و يحسن نصرته و يحفظ حليلته، و يقضى حاجته، و يشفع مسئلته، و يسمّت عطسته، و يرشد ضالته و يردّ سلامه، و يطيب كلامه، و يبرّ إنعامه، و يصدّق أقسامه، و يوالي وليّه، و يعادى عدوّه و ينصره ظالما و مظلوما فأمّا نصرته ظالما فيردّه عن ظلمه، و أمّا نصرته‏ مظلوما فيعينه على أخذ حقّه، و لا يسلمه و لا يخذله و يحبّ له من الخير ما يحبّ لنفسه، و يكره له من الشرّ ما يكره لنفسه.

ثمّ قال عليه السّلام سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: إنّ أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئا فيطالب به يوم القيامة فيقضى له و عليه.
ثمّ أمر عليه السّلام بالمبادرة إلى الموت مؤيّدا به البدار إلى تهيّة أسبابه فقال: (و بادروا أمر العامّة و خاصّة أحدكم و هو) أى ذلك الأمر (الموت).

قال الشّارح المعتزلي سمّاه المواقعة العامّة لأنّه يعمّ الحيوان كلّه ثمّ سمّاه خاصّة أحدكم لأنّه و إن كان عامّا إلّا أنّ له مع كلّ انسان بعينه خصوصيّة زايدة على ذلك العموم (فانّ الناس أمامكم) أى سبقوكم إلى الموت، و في بعض النسخ فانّ الباس أمامكم بالباء الموحّدة أى الفتنة (و إنّ الساعة تحدوكم) أى يسوقكم من خلفكم (تخفّفوا) بالقناعة من الدّنيا باليسير و ترك الحرص عليها و ارتكاب الماثم (تلحقوا) فانّ المسافر الخفيف أحرى بلحوق أصحابه و بالنجاة (فانّما ينتظر بأوّلكم آخركم) أى للبعث و النشور.

و قد مضى هذا الكلام بعينه في الخطبة الحادية و العشرين و تقدّم شرحه هناك بما لا مزيد عليه.
ثمّ أمرهم بالتقوى لأنّه الزّاد إلى المعاد فقال: (اتّقوا اللّه في عباده) و رعاية ما يجب مراعاته من حقوقهم (و بلاده) بترك العلوّ و الفساد فيها قال اللّه تعالى تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (فانّكم مسؤلون) لقوله: وَ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ و قوله: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (حتّى عن البقاع) فيقال لم استوطنتم هذه و تركتم هذه.

و قد ورد النّهى عن إقامة بلاد الشرك مع إمكان الخروج منها و اذا لم يتمكّن من القيام بوظائف الاسلام و كذا عن مجالسة أهل البدع و المعاصي كما مرّ في‏شرح الخطبة الخامسة و الثمانين (و البهائم) فيقال: لم ضربتم هذه و أوجعتم هذه فانّه تعالى قد جعل للبهائم حقّا على صاحبها.

روى في الوسائل من عقاب الأعمال للصّدوق عن حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إنّ امرأة عذبت في هرّة ربطتها حتّى ماتت عطشا.
و من مكارم الأخلاق للحسن بن الفضل الطبرسي نقلا من كتاب المجالس عن الصّادق عليه السّلام قال أقذر الذّنوب قتل البهيمة، و حبس مهر المرأة، و منع الأجير أجره.
و في الوسائل عن الصدوق باسناده عن السكوني باسناده أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أبصر ناقة معقولة عليها جهازها فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أين صاحبها مروه فليستعدّ غدا للخصومة.

و فيه عن محمّد بن محمّد المفيد في الارشاد مسندا عن إبراهيم بن عليّ عن أبيه قال حججت مع عليّ بن الحسين عليهما السّلام فالتاثت عليه النّاقة في سيرها فأشار إليها بالقضيب، ثمّ قال آه لولا القصاص و ردّ يده عنها.
و فيه عن الصّدوق قال: روى أنه يعني أبا عبد اللّه عليه السّلام قال اضربوها على العثار و لا تضربوها على النفار، فانّها ترى ما لا ترون.

و فيه عن الصّدوق باسناده عن اسماعيل بن أبي زياد باسناده عن جعفر بن محمّد عن آبائه عليهم السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للدابّة على صاحبها خصال يبدء بعلفها اذا نزل، و يعرض عليها الماء اذا مرّ به، و لا يضرب وجهها فانّها تسبّح بحمد ربّها، و لا يقف في ظهرها الّا في سبيل اللّه و لا يحمّلها فوق طاقتها و لا يكلّفها من المشى إلّا ما تطيق.

و عن الصّدوق مرسلا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لا تتورّكوا على الدوابّ و لا تتّخذوا ظهورها مجالس.
ثمّ أمرهم بالاطاعة و نهاهم عن المعصية على سبيل الاجمال فقال: (أطيعوا اللّه و لا تعصوه و إذا رأيتم الخير فخذوا به) لأنّه ينفعكم في العاجل و الاجل‏(و إذا رأيتم الشرّ فأعرضوا عنه) لأنه يسوقكم الى الجحيم و يؤدّى إلى العذاب الأليم.

تكملة

روى في مجلّد الفتن من البحار من كامل ابن الأثير هذه الخطبة باختلاف يسير قال: قال: و بويع عليه السّلام يوم الجمعة لخمس بقين من ذى الحجّة من سنة خمس و ثلاثين من الهجرة و أوّل خطبة خطبها عليه السّلام حين استخلف حمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال عليه السّلام.

إنّ اللّه أنزل كتابا هاديا بيّن فيه الخير و الشرّ فخذوا الخير، و دعوا الشرّ الفرائض أدّوها إلى اللّه تؤدّكم إلى الجنّة إنّ اللّه حرّم حرمات غير مجهولة، و فضّل حرمة المسلم على الحرم كلّها، و شدّ بالاخلاص و التوحيد حقوق المسلمين فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده إلّا بالحقّ و لا يحلّ دم امرء مسلم إلّا بما يجب.
بادروا أمر العامّة و خاصّة أحدكم الموت، فانّ النّاس أمامكم و إنّما خلفكم السّاعة تحدوكم، تخفّفوا تلحقوا فانما ينتظر الناس باخركم.

اتّقوا اللّه عباد اللّه في عباده و بلاده، إنّكم مسؤلون حتّى عن البقاع و البهائم و أطيعوا اللّه و لا تعصوه و إذا رأيتم الخير فخذوه و إذا رأيتم الشرّ فدعوه.

الترجمة

از جمله خطب شريفه آن بزرگوار و وليّ كردگار است در اوّل خلافت خود فرموده: بدرستى كه خداى عزّ و علا نازل فرموده كتابى كه هدايت كننده است بيان فرموده در آن نيك و بد را، پس أخذ نمائيد راه خير را تا هدايت يابيد، و اعراض كنيد از راه شر تا ميانه ‏رو باشيد مواظبت نمائيد بفرائض مواظبت نمائيد بفرائض برسانيد آنها را بسوى پروردگار تا اين كه برساند آنها شما را بسوى‏ بهشت عنبر سرشت.

بدرستى كه خداوند تبارك و تعالى حرام فرموده حرامى كه مجهول نيست و حلال كرده حلالي را كه بى‏ عيب است.، و تفضيل داده احترام مسلمان را بر جميع حرمتها و بسته باخلاص و توحيد حقهاى مسلمانان را در مواضع بستن آنها، پس مرد مسلمان آن كسى است كه سلامت باشند مسلمانان از زبان آن و از دست آن مگر بوجه حقانيت و حلال، نيست اذيت و آزار مسلمان مگر به آن چه كه واجب باشد.

مبادرت نمائيد بر كارى كه عام است و شامل بهمه عالميان، و بر آنچه كه مختص است بهر يكى از شما و آن مرگست پس بدرستى كه مردم در پيش شمايند و بدرستى كه ساعت ميراند شما را از پس شما باخرت، سبكبار بشويد تا لاحق باشيد بگذشتگان پس بدرستى كه انتظار مى‏ كشد بسبب اوّل شما آخر شما.

بپرهيزيد و بترسيد از خدا در خصوص بندهاى او، و شهرهاى او، پس بتحقيق كه شما مسئول خواهيد شد از هر خوب و بد حتّى از بقعه اى زمين و از چهار پايان.
اطاعت كنيد خدا را و معصيت ننمائيد و زمانى كه به بينيد خير و خوبي را پس بگيريد آن را و أخذ نمائيد و چون مشاهده كنيد بد را پس اعراض كنيد از آن و اجتناب نمائيد.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 165 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)پیش بینی وپیشگویی حضرت امیر المومنین

خطبه 166 صبحی صالح

166- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  )

الحث على التآلف‏

لِيَتَأَسَّ صَغِيرُكُمْ بِكَبِيرِكُمْ وَ لْيَرْأَفْ كَبِيرُكُمْ بِصَغِيرِكُمْ

وَ لَا تَكُونُوا كَجُفَاةِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا فِي الدِّينِ يَتَفَقَّهُونَ وَ لَا عَنِ اللَّهِ يَعْقِلُونَ

كَقَيْضِ بَيْضٍ فِي أَدَاحٍ يَكُونُ كَسْرُهَا وِزْراً وَ يُخْرِجُ حِضَانُهَا شَرّاً

بنو أمية

و منهاافْتَرَقُوا بَعْدَ أُلْفَتِهِمْ وَ تَشَتَّتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ

فَمِنْهُمْ آخِذٌ

بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ مَالَ مَعَهُ

عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيَجْمَعُهُمْ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ كَمَا تَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ

يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجْمَعُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً

يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ

حَيْثُ لَمْ تَسْلَمْ عَلَيْهِ قَارَةٌ وَ لَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ

وَ لَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ رَصُّ طَوْدٍ وَ لَا حِدَابُ أَرْضٍ

يُذَعْذِعُهُمُ اللَّهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَتِهِ ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ

يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ وَ يُمَكِّنُ لِقَوْمٍ فِي دِيَارِ قَوْمٍ

وَ ايْمُ اللَّهِ لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ وَ التَّمْكِينِ كَمَا تَذُوبُ الْأَلْيَةُ عَلَى النَّارِ

الناس آخر الزمان‏

أَيُّهَا النَّاسُ لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ نَصْرِ الْحَقِّ وَ لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ لَمْ يَطْمَعْ فِيكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ وَ لَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ

لَكِنَّكُمْ تِهْتُمْ مَتَاهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ

وَ لَعَمْرِي لَيُضَعَّفَنَّ لَكُمُ التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافاً

بِمَا خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَ قَطَعْتُمُ الْأَدْنَى وَ وَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ

وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمُ الدَّاعِيَ لَكُمْ سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِ وَ كُفِيتُمْ مَئُونَةَ الِاعْتِسَافِ وَ نَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْفَادِحَ عَنِ الْأَعْنَاقِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج10  

و من خطبة له عليه السّلام و هى المأة و الخامسة و الستون من المختار في باب الخطب

و الظاهر أنها ملتقطة من خطبة طويلة قدّمنا روايتها في شرح الخطبة السابعة و الثمانين من الكافي فليراجع هناك و هذه متضمّن لفصلين:

الفصل الاول

ليتأسّ صغيركم بكبيركم، و ليرؤف كبيركم بصغيركم، و لا تكونوا كجفاة الجاهليّة، لا في الدّين تتفقّهون، و لا عن اللّه تعقلون، كقيض بيض في أداح يكون كسرها وزرا، و يخرج حضانها شرّا.

الفصل الثاني منها

افترقوا بعد ألفتهم، و تشتّتوا عن أصلهم، فمنهم آخذ بغصن أينما مال مال معه، على أنّ اللّه تعالى سيجمعهم لشرّ يوم لبني أميّة كما تجتمع قزع الخريف، يؤلّف اللّه بينهم ثمّ يجعلهم ركاما كركام السّحاب، ثمّ يفتح اللّه لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم كسيل الجنّتين حيث لم تسلم عليه قارة، و لم تثبت له أكمة، و لم يردّ سننه رصّ طود و لا حداب أرض، يذعذعهم اللّه في بطون أوديته ثمّ يسلكهم ينابيع في الأرض، يأخذ بهم من قوم حقوق قوم، و يمكّن لقوم في ديار قوم. و أيم اللّه ليذوبنّ ما في أيديهم بعد العلوّ و التّمكين، كما تذوب الألية على النّار. يا أيّها النّاس لو لم تتخاذلوا عن نصر الحقّ، و لم تهنوا عن توهين الباطل، لم يطمع فيكم من ليس مثلكم، و لم يقو من قوي عليكم، تهتم متاه بنى إسرائيل، و لعمرى ليضعّفنّ لكم التّيه، من بعدي أضعافا خلّفتم الحقّ وراء ظهوركم، و قطعتم الأدنى و وصلتم الأبعد، و اعلموا أنّكم إن اتّبعتم الدّاعي لكم، سلك بكم منهاج الرّسول صلّى اللّه عليه و آله،و كفيتم مؤنة الاعتساف، و نبذتم الثّقل الفادح عن الأعناق.

اللغة

(تتفقّهون) و (تعقلون) في بعض النسخ بصيغة الخطاب و في بعضها بصيغة الغيبة و (قيض البيض) بالفتح قشرة البيض العليا اليابسة و قيل الّتي خرج ما فيها من فرخ.
و قال الشارح البحراني تبعا للشارح المعتزلي: قيض البيض، كسره تقول قضت البيضة كسرتها و (انقاضت) تصدّعت من غير كسر، و (تقيّضت) تكسّرت فلقا فعلى قولهما يكون القيض مصدرا و على ما ذكرناه اسما و هذا أظهر و أولى بقرينة قوله عليه السّلام يكون كسرها وزرا فافهم.

و (الأداح) مخفّف أداحي جمع اداحى بالضمّ مثل خرطوم و خراطيم، و عرقوب و عراقيب، و قد يكسر و هو الموضع الّذي تبيض فيه النّعامة و تفرخ، و هو افعول من دحوت لانّها تدحوه برجلها أى تبسطه ثمّ تبيض فيه و ليس للنعام عشّ و (حضن) الطائر بيضه حضنا و حضانا بكسرهما ضمّه تحت جناحه فهى حاضن لأنّه وصف مختصّ و حكى (حاضنة) على الأصل و (القزع) القطع من السحاب المتفرّقة و الواحدة قزعة مثل قصب و قصبة و (الركام) بالضمّ ما تراكم من السحاب و كثف منها و بالفتح جمع شي‏ء فوق آخر و الموجود في النسخ بالضمّ و (المستثار) موضع الثوران و الهيجان و (القارة) بالقاف الجبل الصّغير و (الحداب) بالكسر جمع حدبة و هى كالحدب محرّكة ما ارتفع من الأرض قال سبحانه: وَ هُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ و (الألية) بفتح الهمزة و جمعها أليات بالتحريك و التثنية أليان بغير تاء و (المتاه) مصدر ميميّ بمعنى التيه و (فدحه) الدّين أثقله.

الاعراب

الضمير في كسرها راجع إلى القيض و التّانيث امّا لكونها بمعنى القشرة أوباعتبار كسبها التأنيث عن المضاف إليه و هي قاعدة مطّردة قال الشاعر كما شرقت صدر القناة من الدّم و حضانها بالضمّ فاعل يخرج و على في قوله «على انّ اللّه» بمعنى مع كما في قوله تعالى وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ و قوله كقيض بيض بدل من قوله كجفاة الجاهليّة و الباقي واضح.

المعنى

اعلم أنّ مدار هذه الخطبة على ما التقطها السيد رحمه اللّه على فصلين:

الفصل الاول

مسوق لنصح المخاطبين و هدايتهم على ما فيه انتظام امورهم و صلاح عملهم من حيث الدّين و الدّنيا و هو قوله (ليتأسّ صغيركم بكبيركم) أمر الصغار بتأسّي الكبار لأنّ الكبير أكثر تجربة و أكيس فهو أليق بأن يتأسّى به (و ليرؤف كبيركم بصغيركم) أمر الكبار بالرّأفة على الصغار لأنّ الصغير مظنّة الضعف فهو أحقّ بأن يرحم عليه و يرأف.

قال الكيدري في محكىّ كلامه أى ليتأسّ من صغر منزلته في العلم و العمل بمن له متانة فيهما، و ليرحم كلّ من له جاه و منزلة في الدّنيا بالمال و القوّة كلّ من دونه (و لا تكونوا كجفاة الجاهليّة) أى كأهل الجاهلية الموصوفين بالجفاء و القسوة و الفظاظة و الغلظة (لا في الدّين تتفقّهون، و لا عن اللّه تعقلون) أشار إلى وجه الشّبه الجامع بين الفرقتين و هو جهلهم بمعالم الدّين، و غفلتهم عن أحكام ربّ العالمين قال تعالى وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي و قوله: (كقيض بيض في أداح يكون كسرها وزرا و يخرج حضانها شرّا) قال الشارح المعتزلي وجه الشبه أنها إن كسرها كاسر أثم لأنّه يظنّه بيض النعام و إن لم يكسر يخرج حضانها شرا اذ يخرج أفعيا قاتلا، و استعار لفظ الأداحى للاعشاش مجازا لأنّ الأداحى لا تكون إلّا للنعام.

و قال الشارح البحراني نهاهم عليه السّلام أن يشبهوا جفاة الجاهليّة في عدم تفقّههم في الدين، فيشبهون إذا بيض الأفاعى في أعشاشها و وجه الشّبه أنه إن كسر كاسر أثم لتأذّى الحيوان به فكذلك هؤلاء إذا شبّهوا جفاة الجاهليّة لا يحلّ أذيهم لحرمة ظاهر الاسلام، و إن اهملوا و تركوا على الجهل خرجوا شياطين.

أقول: و ببيان أوضح إنّ بيض الأفاعى كما أنّ في كسرها سلامة من شرّ ما يخرج منها لو أبقيت على حالها إلّا أنّ فيه وزرا على كاسرها و في عدم كسرها لا يكون على أحد وزر إلّا أنّ ما يخرج منها تكون منشأ الشّرور و الأذى فكذلك هؤلاء إن اقيمت فيهم مراسم السّياسة المدنيّة بالتّأديب و التعزير و التّعذيب لاستقامت الامور و انتظمت وظايف الخلافة لكن في اقامتها وزرا على المقيم لأنّ فيه مخالفة لأمر اللّه سبحانه أو نهيه كما قال عليه السّلام في الكلام الثامن و الستّين: و انّي لعالم بما يصلحكم و يقيم أودكم و لكنّي لا أرى إصلاحكم بافساد نفسي، و إن تركوا على حالهم كانوا منشأ الشرور و المفاسد فيضلّون كثيرا و يضلّوا عن سواء السّبيل.

و الفصل الثاني منها

اشارة إلى اختلاف شيعته و أصحابه من بعده و هو قوله (افترقوا بعد الفتهم) أى بعد ايتلافهم و اجتماعهم عليّ (و تشتّتوا عن أصلهم) أى تفرّقوا عن امام الحقّ الذي يحقّ الائتمام به، فصار بعضهم كيسانيّا و بعضهم زيديا و بعضهم فطحيّا و غيرها (فمنهم آخذ بغصن أينما مال مال معه).

قال الشّارح المعتزلي أى يكون منهم من يتمسّك بمن أخلفه من بعدي من ذرّية الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أينما سلكوا سلكوا معهم و تقدير الكلام: و منهم من لا يكون هذه حاله لكنّه لم يذكره اكتفاء بذكر القسم الأوّل لأنّه دالّ على القسم الثّاني.

ثمّ أخبر عليه السّلام أنّ الفريقين يجتمعان فقال (على أنّ اللّه) سبحانه (سيجمعهم لشرّ يوم لبني اميّة).
قال الشارح المعتزلي و كذا كان حال الشيعة الهاشميّة اجتمعت على إزالةملك بني مروان من كان منهم ثابتا على ولاية عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و من حاد منهم عن ذلك، و ذلك في أواخر أيّام مروان الحمار عند ظهور الدّعوة الهاشميّة.

أقول: قد تقدّم في شرح الخطبة السابعة و الثمانين، أنّ ما أخبر عليه السّلام به قد وقع في سنة اثنين و ثلاثين و مأئة عند ظهور أبي مسلم المروزي الخراساني صاحب الدّعوة، و في هذه السنة ظهر السفّاح بالكوفة، و بويع له بالخلافة و كان استيصال بني امية بيده كما عرفت تفصيلا في شرح الخطبة المأة و الرابعة.

و يعجبني أن اورد هنا نادرة لم يسبق ذكرها أوردها الدّميرى في حياة الحيوان قال لما قتل إبراهيم بن الوليد بويع لمروان بن محمّد المنبوز بالحمار بالخلافة و في أيّامه ظهر أبو مسلم الخراساني، و ظهر السفّاح بالكوفة، و بويع له بالخلافة و جهّز عمّه عبد اللّه بن عليّ بن عبد اللّه بن عباس لقتال مروان بن محمّد، فالتقى الجمعان بالزاب زاب الموصل، و اقتتلوا قتالا شديدا فانهزم مروان و قتل من عسكره و غرق ما لا يحصى و تبعه عبد اللّه إلى أن وصل إلى نهر الأرون فلقي جماعة من بني امية و كانوا نيّفا و ثمانين رجلا فقتلهم عن آخرهم.

ثمّ جهّز السفاح عمّه صالح بن عليّ على طريق السماوة فلحق بأخيه عبد اللّه و قد نازل دمشق ففتحها عنوة و أباحها ثلاثة أيّام و نقض عبد اللّه ثورها حجرا حجرا و هرب مروان إلى مصر فتبعه صالح حتى وصل الى أبي صير و هي قرية عند الفيوم، قال ما اسم هذه القرية قالوا أبو صير قال فالى اللّه المصير.

ثمّ دخل الكنيسة الّتي بها فبلغه أنّ خادما نمّ عليه فأمر به فقطع رأسه و سلّ لسانه و القى على الأرض فجاءت هرّة فأكلته ثمّ بعد أيام هجم على الكنيسة التي كان نازلا بها عامر بن إسماعيل فخرج مروان من باب الكنيسة و في يده سيف و قد أحاطت به الجنود و خفقت حوله الطبول فتمثّل ببيت الحجّاج بن حكيم السلمي و هو:
متقلّدين صفايحا هندية يتركن من ضربوا كأن لم يولد

ثمّ قاتل حتى قتل فأمر عامر برأسه فقطع في ذلك المكان و سلّ لسانه و القى على الأرض فجاءت تلك الهرّة بعينها فخطفته فأكلته فقال عامر لو لم يكن في الدّنياعجب إلّا هذا لكان كافيا لسان مروان في فم هرّة و قال في ذلك شاعرهم:

قد يسّر اللّه مصرا عنوة لكم
و أهلك الكافر الجبار إذ ظلما

فلاك مقوله هرّ يجرجره‏
و كان ربّك من ذى الظلم منتقما

قال الدّميري و كان قتل مروان في سنة ثلاث و ثلاثين و مأئة و هو آخر خلفاء بني امية و أوّلهم معاوية بن أبي سفيان و كانت مدّة خلافتهم نيّفا و ثمانين سنة و هى ألف شهر و بقتل مروان انقرضت دولة بني أمية لعنهم اللّه قاطبة.

(كما تجتمع قزع الخريف) من ههنا و هناك (يؤلّف اللّه بينهم) و هو كناية عن اتفاق آرائهم و كلمتهم على ازالة ملك بني امية (ثمّ يجعلهم ركاما كركام السحاب) أى يجعلهم متراكمين مشتركين مجتمعين منضما بعضهم إلى بعض كالمتراكم من السحاب (ثمّ يفتح اللّه لهم أبوابا).

قال الشارح البحراني الأبواب إشارة إمّا إلى وجوه الاراء الّتي تكون أسباب الغلبة و الانبعاث على الاجتماع أو أعمّ منها كساير الأسباب للغلبة من إعانة بعضهم لبعض بالأنفس و الأموال و غير ذلك (يسيلون من مستثارهم) استعارة تبعيّة أى يخرجون من موضع ثورانهم و هيجانهم (كسيل الجنّتين) اللّتين أخبر اللّه بهما في كتابه العزيز و ستعرف قصّتها تفصيلا و وجه الشّبه الشدّة في الخروج و إفساد ما يأتون إليه كقوّة ذلك السيل (حيث لو تسلم عليه قارة و لم تثبت عليه اكمة) أى لم يقاوم له جبل و لا تلّ (و لم يردّ سننه) أى طريقه (رصّ طود) أى جبل مرصوص شديد الالتصاق (و لا حداب أرض) أى الرّوابي و النجا (و يذعذعهم اللّه في بطون أوديته ثمّ يسلكهم ينابيع في الأرض).

قال سبحانه أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ و المراد أنّ اللّه سبحانه كما ينزل من السّماء ماء فيكنّه في أعماق الأرض ثمّ يظهر منها ينابيع إلى ظاهرها كذلك هؤلاء القوم يفرّقهم اللّه في بطون الأودية و غوامض الأرض ثمّ يظهرهم بعد الاختفاء أو كناية عن إخفائهم بين النّاس في البلاد ثمّ اظهارهم بالاعانة و التأييد ف (يأخذ بهم من قوم) ظالمين (حقوق قوم) مظلومين‏ و المراد بهم آل الرّسول صلّى اللّه عليه و آله (و يمكّن لقوم) من بني هاشم (في ديار قوم) من بني اميّة.

ثمّ أقسم بالقسم البارّ فقال (و أيم اللّه ليذوبنّ ما في أيديهم) أى أيدي بني اميّة أو بني العباس من الملك و السلطنة (كما يذوب الألية على النّار) وجه الشبه الاضمحلال و الفناء.
ثمّ عاد إلى توبيخ المخاطبين فقال: (أيّها الناس لو لم تتخاذلوا عن نصر الحقّ) أراد به نفسه لأنّ الحقّ معه و هو مع الحقّ كما ورد في صحيح الخبر (و لم تهنوا عن توهين الباطل) أراد به معاوية و أصحابه (لم يطمع فيكم) و في بلادكم (من ليس مثلكم) في البأس و القوّة (و لم يقومن قوي عليكم) و لم يشنّ الغارات على بلادكم و أصقاعكم و لكنّكم (تهتم متاه بني إسرائيل) أى تحيّرتم مثل تحيّرهم و ستعرف تيههم إنشاء اللّه بعد الفراغ من شرح الخطبة (و لعمري ليضعفنّ لكم التّيه) و الضلال (من بعدي أضعافا) و كذا كان لأنّ تيه بني إسرائيل كان أربعين سنة و تيه هؤلاء جاوز الثمانين مدّة ملك بني امية بل زاد على ستّمأة مدّة ملك بني العباس بل ممدّ إلى ظهور الدّولة القائمية بما (خلّفتم الحقّ وراء ظهوركم) و نكبتم عن الصراط المستقيم (و قطعتم الأدنى) أى الأقرب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نسبا و صهرا و أراد به نفسه (و وصلتم الأبعد) أراد به معاوية أو من تقدّم عليه من المتخلّفين.

ثمّ أرشدهم إلى وجه الرّشاد و السداد فقال: (و اعلموا انّكم إن اتّبعتم الدّاعي لكم) أراد به نفسه أو القائم عليه السّلام و في بعض النسخ الرّاعي بالراء و قد تقدّم فيما ذكرناه سابقا انّ الامام راع لرعيّته، و ظهر لك وجه المناسبة في إطلاق الرّاعي عليه (سلك بكم منهاج الرسول) أى جادّة الشريعة (و كفيتم مؤنة الاعتساف) في طرق الضلال (و نبذتم الثقل الفادح) أى الاثم و العذاب في الاخرة (عن الأعناق).

تنبيهان

الاول في قصة قوم سبأ و سيل الجنتين

قال تعالى: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَ بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْ‏ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَ هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ.

قال عليّ بن إبراهيم القميّ قال إنّ بحرا كان في اليمن و كان سليمان عليه السّلام أمر جنوده أن يجروا لهم خليجا من البحر العذب إلى بلاد هند، ففعلوا ذلك و عقدوا له عقدة عظيمة من الصخر و الكلس حتّى تفيض على بلادهم، و كانوا إذا أرادوا أن يرسلوا منه الماء أرسلوه بقدر ما يحتاجون إليه و كانت لهم جنّتان عن يمين و شمال عن مسيرة عشرة أيّام فيها يمرّ المارّ لا تقع عليه الشمس من التفافها.

فلمّا عملوا بالمعاصي و عتوا عن أمر ربّهم و نهاهم الصالحون فلم ينتهوا، بعث اللّه على ذلك السدّ الجرذ و هي الفارة الكبيرة فكانت تقلع الصّخرة التي لا يستقلّها الرّجل و ترمى به فلمّا رأى ذلك قوم منهم هربوا و تركوا البلاد فما زال الجرذ تقلع الحجر حتّى خربوا ذلك السدّ فلم يشعروا حتّى غشيهم السّيل و خرب بلادهم و قلع أشجاهم.

و قال الطبرسي في مجمع البيان في تفسير الاية ثمّ أخبر سبحانه عن قصّة سبأ بما دلّ على حسن عاقبة الشّكور و سوء عاقبة الكفور فقال- لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ- المراد بسبا هنا القبيلة الّذينهم أولاد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان- في مسكنهم- أى في بلدهم- آية- أى حجّة على وحدانيّة اللّه عزّ و جلّ و كمال قدرته و علامة على سبوغ نعمته ثمّ فسّر سبحانه الاية فقال:- جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ- أى بستانان عن يمين من أتاهما و شماله و قيل عن يمين البلد و شماله.
و قيل انّه لم يرد جنّتين اثنتين و المراد إنه كانت ديارهم على وتيرة واحدة إذ كانت البساتين عن يمينهم و شمالهم متّصلة بعضها ببعض و كانت من كثرة النّعم أنّ المرأة تمشى و المكتل على رأسها فيمتلئ بالفواكه من غير أن تمسّ بيدها شيئا.

و قيل الاية المذكورة هي أنّه لم يكن في قريتهم بعوضة و لا ذباب و لا برغوث و لا عقرب و لا حيّة، و كان الغريب إذا دخل بلدهم و في ثيابه قمّل و دوابّ ماتت‏ عن ابن زيد.
و قيل انّ المراد بالاية خروج الأزهار و الثّمار من الأشجار على اختلاف ألوانها و طعومها.
و قيل: انها كانت ثلاث عشرة قرية في كلّ قرية نبيّ يدعوهم إلى اللّه سبحانه يقولون لهم كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ أى كلوا ممّا رزقكم اللّه في هذه الجنان و اشكروا له يزدكم من نعمه و استغفروه يغفر لكم بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ أى هذه بلدة مخصّبة نزهة أرضها عذبة تخرج النّبات و ليست بسبخة و ليس فيها شي‏ء من الهوامّ الموذية.

و قيل أراد به صحّة هواها و عذوبة مائها و سلامة تربتها و أنّه ليس فيها حرّ يؤذى في القيظ، و لا برد يؤذى في الشتاء- و ربّ غفور- أي كثير المغفرة للذّنوب- فأعرضوا- عن الحقّ و لم يشكروا اللّه سبحانه و لم يقبلوا ممّن دعاهم إلى اللّه من أنبيائه- فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ- و ذلك أنّ الماء كان يأتي أرض سبأ من أودية اليمن، و كان هناك جبلان يجتمع ماء المطر و السيول بينهما فسدّوا ما بين الجبلين فاذا احتاجوا إلى الماء نقبوا السدّ بقدر الحاجة فكانوا يسقون زروعهم و بساتينهم فلمّا كذّبوا رسلهم و تركوا أمر اللّه بعث اللّه جرذا نقب ذلك الرّدم و فاض الماء عليهم فأغرقهم عن وهب.

و قال البيضاوي سيل العرم أى سيل الأمر العرم أى الصّعب من عرم الرجل فهو عارم و عرم إذا شرس خلقه و صعب أو المطر الشديد أو الجرذ أضاف إليه لأنّه نقب عليهم سكرا ضربت لهم بلقيس، فحقنت به ماء الشجر و تركت فيه نقبا على مقدار ما يحتاجون إليه أو المسناة التي عقدت سكرا على أنّه جمع عرمة و هي الحجارة المركومة.
و قيل اسم واد جاء السيل من قبله و كان ذلك بين عيسى و محمّد- وَ بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ- اللّتين فيهما أنواع الفواكه و الخيرات- جَنَّتَيْنِ- أخراوين- فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ- مرّ بشع فانّ الخمط كلّ نبت أخذ طعما من مرارة.

و قيل الاراك أو كلّ شجر له شوك- وَ أَثْلٍ وَ شَيْ‏ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ- و الأثل الطرفا، لا ثمر له، و وصف السدر بالقلّة فان جناه و هو النبق ممّا يطيب أكله و لذلك يغرس في البساطين- ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا- بكفرانهم النّعمة أو بكفرهم بالرّسل- وَ هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ- أى البليغ في الكفران أو الكفر.

الثاني في قصة تيه بنى اسرائيل

قال تعالى حكاية عن موسى إذ قال لقومه يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ لا تَرْتَدُّوا عَلى‏ أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ، قالُوا يا مُوسى‏ إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ، وَ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ، فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَ عَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قالُوا يا مُوسى‏ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ.

روى في الصّافي عن العياشي، عن الباقر عليه السّلام قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و الّذي نفسي بيده لتركبنّ سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، و القذّة بالقذّة حتّى لا تخطاؤن طريقهم، و لا تخطأكم سنّة بني إسرائيل.

ثمّ قال أبو جعفر عليه السّلام قال موسى لقومه يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة الّتي كتب اللّه لكم فردّوا عليه و كانوا ستّمأة ألف فقالوا يا موسى إنّ فيها قوما جبّارين الايات قال فعصى أربعون ألفا و سلم هارون و ابناه و يوشع بن نون و كالب بن يوحنّا فسمّاهم اللّه فاسقين فقال لا تأس على القوم الفاسقين فتاهوا أربعين سنة لأنّهم عصوا فكانوا حذو النعل بالنعل أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لما قبض لم يكن على أمر اللّه إلّا عليّ و الحسن و الحسين و سلمان و المقداد و أبو ذر فمكثوا أربعين حتّى قام عليّ فقاتل من خالفه.

و قال الطبرسي و غيره في تفسير الاية ما ملخّصه: قوله حكاية عن خطاب موسى لقومه- يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ- هي بيت المقدس و العياشي عن الباقر عليه السّلام يعني الشام- الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ- أن تكون مسكنا- وَ لا تَرْتَدُّوا عَلى‏ أَدْبارِكُمْ- أى لا ترجعوا عن الأرض التي امرتم بدخولها- مدبرين فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ- عن ثواب الدارين- قالُوا يا مُوسى‏ إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ- شديد البطش و البأس لا يتأتّى لنا مقاومتهم.

قال ابن عباس بلغ من جبريّة هؤلاء القوم أنّه لمّا بعث موسى من قومه اثنى عشر نقيبا ليخبروه خبرهم أهمّ رجل من الجبارين يقال له عوج فأخذهم في كمّه مع فاكهة كلّها كان يحملها من بستانه و أتى بهم الملك فنثرهم بين يديه و قال للملك تعجّبا منهم هؤلاء يريدون قتالنا فقال الملك ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا.

قال و كان فاكهتهم لا يقدر على حمل عنقود منها خمسة رجال بالخشب، و يدخل في قشر نصف رمانة خمسة رجال- قالُوا يا مُوسى‏ إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها- هما يوشع بن نون و كالب بن يوحنا ابن عمّه كذا عن الباقر عليه السّلام- مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ- اللّه و يتّقونه- أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا- بالايمان و التثبت- ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ- باب قريتهم- قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ- لتعسر الكم عليهم في المضايق من عظم أجسامهم و لأنهم أجسام لا قلوب فيها- وَ عَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا- في نصرته على الجبارين- وَ إِذا قِيلَ- به و مصدّقين لوعده.

– قالُوا يا مُوسى‏ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ- قالوها استهانة باللّه و رسوله و عدم مبالاة بهما- قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي- لأنه يجيبني إذا دعوته- قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ- لا يدخلونها و لا يملكونها بسبب عصيانهم- أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ- يسيرون فيها متحيّرين- فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ- لأنّهم أحقّاء بذلك لفسقهم.

قال الطبرسيّ قال المفسرون لما عبر موسى عليه السّلام و بنو إسرائيل البحر و هلك فرعون أمرهم اللّه سبحانه بدخول الأرض المقدّسة فلما نزلوا على نهر الاردن خافوا عن الدخول فبعث من كلّ سبط رجلا و هم الذين ذكرهم اللّه تعالى في قوله وَ لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي فعاينوا من عظم شأنهم و قوّتهم شيئا عجيبا فرجعوا إلى بني إسرائيل فأخبروا موسى بذلك فأمرهم أن يكتموا فوفى اثنان منهم يوشع بن نون من سبط ابن يامين و قيل انه كان من سبط يوسف عليه السّلام و كالب بن يوحنا من سبط يهودا و عصى العشرة و اخبروا بذلك.

و قيل كتم الخمسة منهم و أظهر الباقون و فشا الخبر في الناس فقالوا إن دخلنا عليهم تكون نسائنا و أهالينا اغنمة لهم، و هموا بالانصراف إلى مصر و هموا بيوشع و كالب و أرادوا أن يرجموهما بالحجارة فاغتاظ لذلك موسى و قال قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ فأوحى اللّه إليه إنهم يتيهون في الأرض أربعين سنة و إنما يخرج منهم من لم يعص اللّه في ذلك فبقوا في التيه أربعين سنة في ستة عشر فرسخا و قيل تسع فراسخ و هم ستمائة ألف مقاتل لا تتخرّق ثيابهم و تثبت معهم و ينزل عليهم المنّ و السلوى.

و قال الطبرسي في تفسير قوله وَ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى‏: و كان السبب في إنزال المنّ و السلوى عليهم أنه لما ابتلاهم اللّه بالتيه إذ قالوا لموسى قالُوا يا مُوسى‏ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما حين أمرهم بالمسير إلى بيت المقدس و حرب العمالقة فوقعوا في التيه صاروا كلّما ساروا تاهوا في قدر خمسة فراسخ أو ستّة فكلّما أصبحوا صاروا عادين فأمسوا فاذاهم في مكانهم الذي ارتحلوا منه كذلك حتّى تمّت المدّة و بقوا في التيه أربعين سنة.

و في الصافي عن العياشي عن الصادق عليه السّلام قال فحرّم اللّه عليهم- أى دخول الأرض المقدّسة- أربعين سنة و تيههم فكان إذا كان العشاء و أخذوا في الرّحيل نادوا الرّحيل الرّحيل الوحا الوحا، فلم يزالوا كذلك حتّى تغيب الشمس حتّى إذا ارتحلوا و استوت بهم الأرض‏

قال اللّه تعالى للأرض ديرى بهم، فلم يزالوا كذلك حتّى إذا سحروا، و قارب الصبح قالوا إنّ هذا الماء قد أتيتموه فانزلوا فاذ اتيههم و منازلهم الّتي كانوا فيها بالأمس، فيقول بعضهم لبعض يا قوم لقد ضللتم و أخطأتم الطريق فلم يزالوا كذلك حتى أذن لهم فدخلوها.
و في الكافي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إنّ موسى كليم اللّه مات في التيه فصاح صائح في السماء مات موسى و أىّ نفس لا تموت.

قال الطبرسي فلمّا حصلوا في التّيه ندموا على ما فعلوا فألطف اللّه لهم بالغمام لمّا شكوا حرّ الشمس و أنزل عليهم المنّ و السلوى فكان يسقط عليهم المنّ من وقت طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس فكانوا يأخذون منها ما يكفيه ليومهم و كان اللّه تعالى يبعث لهم السّحاب بالنّهار فيدفع عنهم حرّ الشمس و كان ينزل عليهم باللّيل من السّماء عمودا من نور يضي‏ء لهم مكان السّراج و إذا ولد فيهم مولود كان عليه ثوب بطوله كالجلد و يأتي إنشاء اللّه تفصيل المنّ و السلوى في شرح الخطبة المأة و الحادية و التسعين.
و ماتت النقباء غير يوشع بن نون و كالب و مات أكثرهم و نشأ ذراريهم و خرجوا إلى حرب أريحا و فتحوها.

الترجمة

از جمله خطب شريفه آن امام مبين و وليّ مؤمنين است در نصيحت مخاطبين و إخبار از وقايع آتيه روزگار مى‏ فرمايد: بايد كه متابعت نمايد كوچكان شما ببزرگان شما، و بايد كه مهرباني نمايد بزرگان شما بر كوچكان شما، و نباشيد مثل جفاكاران أيّام جاهليت كه نه در دين دانا شويد و نه از خداى تعالى كسب معرفت نمائيد، مانند پوست بيرون تخمها در مواضع بچه بيرون آوردن كه مي باشد شكستن آن تخمها وزر و وبال و بيرون مى ‏آيد بچه‏ هاى آنها شرارت و فساد.

و از جمله فقرات اين خطبه است مى ‏فرمايد:متفرّق ميشوند بعد از ايتلاف ايشان و پراكنده مى‏ شوند از أصل خودشان، يعنى از امام مفترض الطاعة، پس بعضى از ايشان أخذ كننده باشد شاخه را از آن أصل كه هر جا ميل كند آن شاخه آن هم ميل مى‏ كند با او با وجود اين كه بدرستى خداى تبارك و تعالى زود باشد كه جمع كند ايشان را از براى بدترين روزى از براى بني اميه ملعونين چنانچه مجتمع مى ‏شود ابرهاى متفرقه در فصل پائيز.

الفت مى ‏دهد خداى تعالى در ميان ايشان پس مى ‏گرداند متراكم و بر هم نشسته مثل أبرهاى متراكم پس از آن بگشايد خداوند عزّ و جلّ از براى ايشان درهائى كه روان شوند از جاى هيجان ايشان مانند سيل دوبستان شهر سبا، بحيثيّتي كه سلامت نماند بر آن سيل كوه كوچكى و ثابت نشود مر آن را تلّي و باز نگرداند راه آن را كوه محكمي و نه پشتهاى زميني، متفرّق مى‏ سازد ايشان را خداى تعالى در درونهاى واديهاى خود، پس در برد ايشان را در چشمهاى زمين و بگيرد بايشان از قومى حقهاى قوم ديگر را و جاى دهد قومى را در ممالك قومى، و سوگند بخدا هر آينه البته گداخته مى‏ شود آنچه كه در دست بنى اميه است از ملك و سلطنت چنانچه گداخته شود دنبه بر آتش.

اى مردمان اگر خذلان نمى ‏ورزيديد از نصرت حق و سستى نمى‏ كرديد از اهانت باطل، هر آينه طمع نمى‏ كرد در شما كسانى كه مثل شما نبودند، و قوت نمى‏ يافت كسى كه قوّت يافت بر شما، و لكن شما حيران و سرگردان شديد مثل حيرانى بني إسرائيل، و قسم بزندگانى خودم هر آينه افزون كرده شود از براى شما حيرانى و سرگرداني بعد از من افزونى فراوان بسبب اين كه واپس گذاشتيد حق را در پس پشتهاى خود و بريديد نزديكتر بسوى پيغمبر را و پيوند كرديد دورتر از آن را.

و بدانيد اين كه اگر شما تبعيت نمائيد دعوت كننده خودتان را كه منم ببرد شما را براه راست پيغمبر خدا و كفايت كرده شويد از مشقت كجروى، و مى ‏اندازيد بار گران ثقيل را كه عبارت است از وزر و عذاب آخرت از گردنهاى خودتان.

قال الشّارح عفى اللّه عنه ليكن هذا آخر هذا المجلّد و هو المجلّد الرّابع من مجلّدات منهاج البراعة، في شرح نهج البلاغة و قد طال بنا شرح ما تضمّنه هذا المجلّد حتّى بلغت مدّة الاشتغال به ضعفى مدّة الاشتغال بساير المجلّدات لابتلائي بأمور تشيب الوليد، و تذيب الحديد، و تعجز الجليد، و برزايا لم يكد يشاهد مثلها على صفايح الأيّام أو يثبت على الصّحايف بالمخابر و الأقلام بل قلّما أن يؤثر نظيرها عن الامم الماضية أو ينقل قرينها عن القرون الخالية و أعظم تلك المصائب الحسد و الأذى من أقارب كالعقارب، و اجلابهم علىّ كتيبة و كتائب.

رمانى الدّهر بالارزاء حتّى
فؤادي في غشاء من نبال‏

فصرت إذا أصابتني سهام‏
تكسّرت النّصال على النّصال‏

إلى اللّه أشكو من دهر إذا أساء أصرّ على إسائته، و إذا أحسن ندم من ساعته، و من معشر جلّ بضاعتهم الأود و العناد، و كلّ صناعتهم اللّدد و الفساد، و من اللّه أسأل دفع كيد الخائنين و اصلاح نفوس الحاسدين، و انقطاع ألسن المعاندين و أسئله التوفيق لشرح المجلّدات الاتية بجاه محمّد صلّى اللّه عليه و آله و عترته الطّاهرة و قد منّ اللّه علىّ بالفراغ من هذا المجلّد بعد الأياس لتفرّق الحواس صبيحة يوم الاثنين و هو الرّابع و العشرون من شهر جمادى الاخرة من شهور ثلاث عشرة و ثلاثمأة و ألف سنة من الهجرة النبويّة على مهاجرها ألف صلاة و سلام و تحيّة و الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة و السّلام على محمّد و آله الأطيبين.

هذا هو المجلد الخامس من مجلدات منهاج البراعة فى شرح نهج البلاغة بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه الّذي سلك بنا نهج البلاغة للاهتداء إلى مناهج البيان، و ألهمنا منهاج البراعة للارتقاء إلى معارج المعان، و الصّلوة و السّلام على دوحة النّبوّة الّتي طابت فرعا و أصلا، و وشيجة الرّسالة الّتى سمت رفعة و نبلا، عين السّيادة و الفخار، و خدين الشّرف الّذي أظهر الخيلاء في مضر و نزار، محمّد المختار من سلالة عدنان، و أحمد المستأثر بمكرمات الفرقان، و آله الموصوفين بالعصمة و الطّهارة، و المهتوفين بالحكمة و الفخارة، و الموسومين بالخلافة و الإمامة، و المرسومين بالشّرافة و الكرامة، لا سيّما ابن عمّه و أخيه المنتجب و وزيره و وصيّه المنتخب، الحائز قصب السّبق في مضمار العزّ و الشّرف، و البارع على الأقران في السّؤدد فما له عنه منصرف، المخصوص بإمارة المؤمنين، و المنصوص بالإمامة من عند ربّ العالمين، على رغم كلّ ناصب جاحد، و عمى عين كلّ منافق معاند.

يا آل طه الأكرمين أليّة
بكم و ما دهري يمين فجار

إنّي منحتكم المودّة راجيا
نيلى المنى في الخمسة الأشبار

فعليكم منّي السّلام فأنتم
أقصى رجاى و منتهى ايثاري‏

أما بعد فهذا هو المجلّد الخامس من مجلّدات منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة املاء المفتاق إلى غفران ربّه الغنيّ حبيب اللّه بن محمّد بن هاشم الهاشمي العلوي الموسوي وفّقه اللّه سبحانه و أعانه على اتمامه و ختامه، ببداعة اسلوبه و نظامه و جعله ممحاة لذنوبه و آثامه، يوم حشره و قيامه، انّه لما يشاء قدير، و بالاجابة حقيق جدير.
فأقول: قال السيّد الرّضيّ رضي اللّه عنه:

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 164 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 165 صبحی صالح

165- و من خطبة له ( عليه ‏السلام ) يذكر فيها عجيب خلقة الطاوس‏

خلقة الطيور

ابْتَدَعَهُمْ خَلْقاً عَجِيباً مِنْ حَيَوَانٍ وَ مَوَاتٍ
وَ سَاكِنٍ وَ ذِي حَرَكَاتٍ
وَ أَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ الْبَيِّنَاتِ عَلَى لَطِيفِ صَنْعَتِهِ وَ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ مَا انْقَادَتْ لَهُ الْعُقُولُ مُعْتَرِفَةً بِهِ وَ مَسَلِّمَةً لَهُ
وَ نَعَقَتْ فِي أَسْمَاعِنَا دَلَائِلُهُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ
وَ مَا ذَرَأَ مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ الْأَطْيَارِ الَّتِي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ الْأَرْضِ وَ خُرُوقَ فِجَاجِهَا وَ رَوَاسِيَ أَعْلَامِهَا
مِنْ ذَاتِ أَجْنِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وَ هَيْئَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ
مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَامِ التَّسْخِيرِ وَ مُرَفْرِفَةٍ بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ الْجَوِّ الْمُنْفَسِحِ وَ الْفَضَاءِ الْمُنْفَرِجِ
كَوَّنَهَا بَعْدَ إِذْ لَمْ تَكُنْ فِي عَجَائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ وَ رَكَّبَهَا فِي حِقَاقِ مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَةٍ
وَ مَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ خَلْقِهِ أَنْ يَسْمُوَ فِي الْهَوَاءِ خُفُوفاً
وَ جَعَلَهُ يَدِفُّ دَفِيفاً
وَ نَسَقَهَا عَلَى اخْتِلَافِهَا فِي الْأَصَابِيغِ بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ وَ دَقِيقِ صَنْعَتِهِ
فَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي قَالَبِ لَوْنٍ لَا يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِيهِ
وَ مِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي لَوْنِ صِبْغٍ قَدْ طُوِّقَ بِخِلَافِ مَا صُبِغَ بِهِ

الطاوس‏

وَ مِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقاً الطَّاوُسُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْكَمِ تَعْدِيلٍ وَ نَضَّدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيدٍ
بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ وَ ذَنَبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ
إِذَا دَرَجَ إِلَى الْأُنْثَى نَشَرَهُ مِنْ طَيِّهِ وَ سَمَا بِهِ
مُطِلًّا عَلَى رَأْسِهِ كَأَنَّهُ قِلْعُ دَارِيٍّ عَنَجَهُ نُوتِيُّهُ يَخْتَالُ بِأَلْوَانِهِ وَ يَمِيسُ بِزَيَفَانِهِ
يُفْضِي كَإِفْضَاءِالدِّيَكَةِ وَ يَؤُرُّ بِمَلَاقِحِهِ أَرَّ الْفُحُولِ الْمُغْتَلِمَةِ لِلضِّرَابِ
أُحِيلُكَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مُعَايَنَةٍ لَا كَمَنْ يُحِيلُ عَلَى ضَعِيفٍ إِسْنَادُهُ
وَ لَوْ كَانَ كَزَعْمِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُلْقِحُ بِدَمْعَةٍ تَسْفَحُهَا مَدَامِعُهُ فَتَقِفُ فِي ضَفَّتَيْ جُفُونِهِ
وَ أَنَّ أُنْثَاهُ تَطْعَمُ ذَلِكَ ثُمَّ تَبِيضُ لَا مِنْ لِقَاحِ فَحْلٍ سِوَى الدَّمْعِ الْمُنْبَجِسِ
لَمَا كَانَ ذَلِكَ بِأَعْجَبَ مِنْ مُطَاعَمَةِ الْغُرَابِ
تَخَالُ قَصَبَهُ مَدَارِيَ مِنْ فِضَّةٍ وَ مَا أُنْبِتَ عَلَيْهَا مِنْ عَجِيبِ دَارَاتِهِ وَ شُمُوسِهِ خَالِصَ الْعِقْيَانِ وَ فِلَذَ الزَّبَرْجَدِ
فَإِنْ شَبَّهْتَهُ بِمَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ قُلْتَ جَنًى جُنِيَ مِنْ زَهْرَةِ كُلِّ رَبِيعٍ
وَ إِنْ ضَاهَيْتَهُ بِالْمَلَابِسِ فَهُوَ كَمَوْشِيِّ الْحُلَلِ أَوْ كَمُونِقِ عَصْبِ الْيَمَنِ
وَ إِنْ شَاكَلْتَهُ بِالْحُلِيِّ فَهُوَ كَفُصُوصٍ ذَاتِ أَلْوَانٍ قَدْ نُطِّقَتْ بِاللُّجَيْنِ الْمُكَلَّلِ
يَمْشِي مَشْيَ الْمَرِحِ الْمُخْتَالِ وَ يَتَصَفَّحُ ذَنَبَهُ وَ جَنَاحَيْهِ
فَيُقَهْقِهُ ضَاحِكاً لِجَمَالِ سِرْبَالِهِ وَ أَصَابِيغِ وِشَاحِهِ
فَإِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى قَوَائِمِهِ زَقَا مُعْوِلًا بِصَوْتٍ يَكَادُ يُبِينُ عَنِ اسْتِغَاثَتِهِ وَ يَشْهَدُ بِصَادِقِ تَوَجُّعِهِ
لِأَنَّ قَوَائِمَهُ حُمْشٌ كَقَوَائِمِ الدِّيَكَةِ الْخِلَاسِيَّةِ
وَ قَدْ نَجَمَتْ مِنْ ظُنْبُوبِ سَاقِهِ صِيصِيَةٌ خَفِيَّةٌ
وَ لَهُ فِي مَوْضِعِ الْعُرْفِ قُنْزُعَةٌ خَضْرَاءُ مُوَشَّاةٌ
وَ مَخْرَجُ عَنُقِهِ كَالْإِبْرِيقِ وَ مَغْرِزُهَا إِلَى حَيْثُ بَطْنُهُ كَصِبْغِ الْوَسِمَةِ الْيَمَانِيَّةِ أَوْكَحَرِيرَةٍ مُلْبَسَةٍ مِرْآةً ذَاتَ صِقَالٍ
وَ كَأَنَّهُ مُتَلَفِّعٌ بِمِعْجَرٍ أَسْحَمَ
إِلَّا أَنَّهُ يُخَيَّلُ لِكَثْرَةِ مَائِهِ وَ شِدَّةِ بَرِيقِهِ أَنَّ الْخُضْرَةَ النَّاضِرَةَ مُمْتَزِجَةٌ بِهِ
وَ مَعَ فَتْقِ سَمْعِهِ خَطٌّ كَمُسْتَدَقِّ الْقَلَمِ فِي لَوْنِ الْأُقْحُوَانِ
أَبْيَضُ يَقَقٌ فَهُوَ بِبَيَاضِهِ فِي سَوَادِ مَا هُنَالِكَ يَأْتَلِقُ
وَ قَلَّ صِبْغٌ إِلَّا وَ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ بِقِسْطٍ
وَ عَلَاهُ بِكَثْرَةِ صِقَالِهِ وَ بَرِيقِهِ وَ بَصِيصِ دِيبَاجِهِ وَ رَوْنَقِهِ
فَهُوَ كَالْأَزَاهِيرِ الْمَبْثُوثَةِ لَمْ تُرَبِّهَا أَمْطَارُ رَبِيعٍ وَ لَا شُمُوسُ قَيْظٍ
وَ قَدْ يَنْحَسِرُ مِنْ رِيشِهِ وَ يَعْرَى مِنْ لِبَاسِهِ فَيَسْقُطُ تَتْرَى وَ يَنْبُتُ تِبَاعاً فَيَنْحَتُّ مِنْ قَصَبِهِ انْحِتَاتَ أَوْرَاقِ الْأَغْصَانِ
ثُمَّ يَتَلَاحَقُ نَامِياً حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ سُقُوطِهِ
لَا يُخَالِفُ سَالِفَ أَلْوَانِهِ وَ لَا يَقَعُ لَوْنٌ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ
وَ إِذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرَةً مِنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهِ أَرَتْكَ حُمْرَةً وَرْدِيَّةً وَ تَارَةً خُضْرَةً زَبَرْجَدِيَّةً وَ أَحْيَاناً صُفْرَةً عَسْجَدِيَّةً
فَكَيْفَ تَصِلُ إِلَى صِفَةِ هَذَا عَمَائِقُ الْفِطَنِ أَوْ تَبْلُغُهُ قَرَائِحُ الْعُقُولِ أَوْ تَسْتَنْظِمُ وَصْفَهُ أَقْوَالُ الْوَاصِفِينَ
وَ أَقَلُّ أَجْزَائِهِ قَدْ أَعْجَزَ الْأَوْهَامَ أَنْ تُدْرِكَهُ وَ الْأَلْسِنَةَ أَنْ تَصِفَهُ
فَسُبْحَانَ الَّذِي بَهَرَ الْعُقُولَ عَنْ وَصْفِ خَلْقٍ جَلَّاهُ لِلْعُيُونِ
فَأَدْرَكَتْهُ مَحْدُوداً مُكَوَّناً وَ مُؤَلَّفاً مُلَوَّناً
وَ أَعْجَزَ الْأَلْسُنَ عَنْ تَلْخِيصِ صِفَتِهِ وَ قَعَدَ بِهَا عَنْ تَأْدِيَةِ نَعْتِهِ

صغار المخلوقات‏

وَ سُبْحَانَ مَنْ أَدْمَجَ قَوَائِمَ الذَّرَّةِ وَ الْهَمَجَةِ
إِلَى مَا فَوْقَهُمَا مِنْ خَلْقِ الْحِيتَانِ وَ الْفِيَلَةِ
وَ وَأَى عَلَى نَفْسِهِ أَلَّا يَضْطَرِبَ شَبَحٌ مِمَّا أَوْلَجَ فِيهِ الرُّوحَ إِلَّا وَ جَعَلَ الْحِمَامَ مَوْعِدَهُ وَ الْفَنَاءَ غَايَتَهُ

منها في صفة الجنة

فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَ لَذَّاتِهَا وَ زَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا
وَ لَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِي اصْطِفَاقِ أَشْجَارٍ غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثْبَانِ الْمِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا
وَ فِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فِي عَسَالِيجِهَا وَ أَفْنَانِهَا
وَ طُلُوعِ تِلْكَ الثِّمَارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا
تُجْنَى مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَتَأْتِي عَلَى مُنْيَةِ مُجْتَنِيهَا وَ يُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالْأَعْسَالِ الْمُصَفَّقَةِ وَ الْخُمُورِ الْمُرَوَّقَةِ
قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الْكَرَامَةُ تَتَمَادَى بِهِمْ حَتَّى حَلُّوا دَارَ الْقَرَارِ وَ أَمِنُوا نُقْلَةَ الْأَسْفَارِ
فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ بِالْوُصُولِ إِلَى مَا يَهْجُمُ عَلَيْكَ مِنْ تِلْكَ الْمَنَاظِرِ الْمُونِقَةِ لَزَهِقَتْ نَفْسُكَ شَوْقاً إِلَيْهَا
وَ لَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِي هَذَا إِلَى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ الْقُبُورِ اسْتِعْجَالًا بِهَا
جَعَلَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْعَى بِقَلْبِهِ إِلَى مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ بِرَحْمَتِهِ

تفسير بعض ما في هذه الخطبة من الغريب‏
قال السيد الشريف رضي الله عنه قوله ( عليه ‏السلام ) يؤر بملاقحه الأر
كناية عن النكاح يقال أر الرجل المرأة يؤرها إذا نكحها.
و قوله ( عليه‏ السلام ) كأنه قلع داري عنجه نوتيه القلع شراع السفينة و داري منسوب إلى دارين و هي بلدة على البحر يجلب منها الطيب
و عنجه أي عطفه يقال عنجت الناقة كنصرت أعنجها عنجا إذا عطفتها و النوتي الملاح.
و قوله ( عليه‏السلام ) ضفتي جفونه أراد جانبي جفونه
و الضفتان الجانبان. و قوله ( عليه‏السلام ) و فلذ الزبرجد الفلذ جمع فلذة و هي القطعة.
و قوله ( عليه‏السلام ) كبائس اللؤلؤ الرطب الكباسة العذق و العساليج الغصون واحدها عسلوج

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج10  

و من خطبة له عليه السّلام يذكر فيها خلقة الطاوس و هى المأة و الرابعة و الستون من المختار فى باب الخطب

و شرحها فى ضمن فصلين:

الفصل الاول

ابتدعهم خلقا عجيبا من حيوان و موات، و ساكن و ذي حركات، و أقام من شواهد البيّنات على لطيف صنعته و عظيم قدرته ما انقادت له العقول معترفة به، و مسلّمة له، و نعقت في أسماعنا دلائله على وحدانيّته، و ما ذرء من مختلف (إختلاف) صور الأطيار الّتي أسكنها أخاديد الأرض و خروق فجاجها، و رواسي أعلامها، من ذوات أجنحة مختلفة، و هيئات متباينة، مصرّفة في زمام التّسخير، و مرفرفة بأجنحتها في مخارق الجوّ المنفسح، و الفضاء المنفرج، كوّنها بعد إذ لم تكن في عجائب صور ظاهرة، و ركّبها في حقاق مفاصل محتجبة و منع بعضها بعبالة خلقه أن يسمو في السّماء (الهواء) خفوفا، و جعله يدفّ دفيفا، و نسقها على اختلافها في الأصابيغ، بلطيف قدرته، و دقيق صنعته، فمنها مغموس في قالب لون لا يشوبه غير لون ما غمس فيه، و منها مغموس في لون صبغ قد طوّق بخلاف ما صبغ به. و من أعجبها خلقا ألطّاوس الّذي أقامه في أحكم تعديل، و نضّد ألوانه في أحسن تنضيد، بجناح أشرج قصبه، و ذنب أطال مسحبه، و إذا درج إلى الانثى نشره من طيّه، و سما به مظلّا على رأسه، كأنّه قلع داريّ عنجه نوتيّه، يختال بألوانه، و يميس بزيفانه، يفضي كإفضاء الدّيكة، و يورّ بملاقحة أرّ الفحول المغتلمه للضرّاب، أحيلك من ذلك على معاينة لا كمن يحيل على ضعيف أسناده، و لو كان كزعم من يزعم أنّه يلقح بدمعة تسفحها (تنشجها) مدامعه فتقف في ضفّتي جفونه و أنّ أنثاه تطعّم ذلك ثمّ تبيّض لا من لقاح فحل سوى الدّمع المتبجّس (المنبجس) لما كان ذلك بأعجب من مطاعمة الغراب، تخال قصبه مدارى من فضّة، و ما أنبتت عليها من عجيب داراته و شموسه خالص العقيان و فلذ الزّبرجد. فإن شبّهته بما أنبتت الأرض قلت جنيّ جني من زهرة كلّ‏ ربيع، و إن ضاهيته بالملابس فهو كموشيّ الحلل أو مونق عصب اليمن، و إن شاكلته بالحليّ فهو كفصوص ذات ألوان قد نطّقت باللّجين المكلّل، يمشي مشي المرح المختال، و يتصفّح ذنبه و جناحه فيقهقه ضاحكا لجمال سرباله، و أصابيغ وشاحه، فإذا رمى ببصره إلى قوائمه زقا معولا بصوت يكاد يبين عن استغاثته، و يشهد بصادق توجّعه، لأنّ قوائمه حمش كقوائم الدّيكة الخلاسيّة، و قد نجمت من ظنبوب ساقه صيصية خفيّة.

و له في موضع العرف فنزعة خضراء موشاة (موشّاة)، و مخرج عنقه كالإبريق، و مغرزها إلى حيث بطنه كصبغ الوسمة اليمانيّة، أو كحريرة ملبّسة مراتا ذات صقال، و كأنّه متلفّع بمعجر أسحم إلّا أنّه يخيّل لكثرة ماءه و شدّة بريقه أنّ الخضرة النّاضرة ممتزجه به، و مع فتق سمعه خطّ كمستدقّ القلم في لون الاقحوان أبيض يقق فهو ببياضه في سواد ما هنالك يأتلق. و قلّ صبغ إلّا و قد أخذ منه بقسط، و علاه بكثرة صقاله و بريقه، و بصيص ديباجه و رونقه، فهو كالأزاهير المبثوثة لم تربّها أمطار ربيع و لا شموس قيظ، و قد يتحسّر من ريشه و يعرى من‏لباسه فيسقط تترى و ينبت تباعا فينحتّ من قصبه انحتات أوراق الأغصان، ثمّ يتلاحق ناميا حتّى يعود كهيئته قبل سقوطه، لا يخالف سالف ألوانه، و لا يقع لون في غير مكانه، و إذا تصفّحت شعرة من شعرات قصبه أرتك حمرة وردّية، و تارة خضرة زبرجديّة، و أحيانا صفرة عسجديّة. فكيف تصل إلى صفة هذا عمائق الفطن، أو تبلغه قرائح العقول، أو تستنظم وصفه أقوال الواصفين، و أقلّ أجزائه قد أعجز الأوهام أن تدركه، و الألسنة أن تصفه. فسبحان الّذي بهر العقول عن وصف خلق جلاه للعيون فأدركته محدودا مكوّنا، و مؤلّفا ملوّنا، و أعجز الألسن عن تلخيص صفته، و قعد بها عن تأدية نعته، و سبحان من أدمج قوائم الذّرّة و الهمجة إلى ما فوقهما من خلق الحيتان و الفيلة، و واى على نفسه ألّا يضطرب شبح ممّا أولج فيه الرّوح إلّا و جعل الحمام موعده، و الفناء غايته.

قال السيد (ره) بعد إيراد الخطبة بتمامها: تفسير ما جاء فيها من الغريب «و يؤرّ بملاقحة» ألارّ كناية عن النّكاح يقال أرّ المرأة يؤرّها إذا نكحها، و قوله: «كأنّه قلع داري عنجه نوتيّة» القلع شراع السفينة، و دارىّ منسوب إلى دارين و هى بلدة على البحر يجلب منها الطّيب، و عنجه أى عطفه يقال: عنجت النّاقةأعنجها عنجا إذا عطفتها، و النوتىّ الملّاح و قوله: «ضفّتى جفونه» أراد جانبي جفونه، و الضّفتان الجانبان و قوله: «و فلذ الزّبرجد» الفلذ جمع فلذة و هي القطعة و قوله: «كبائس اللّؤلؤ الرطب» الكباسة العذق «و العساليج» الغصون واحدها عسلوج.

اللغة

(الحيوان) محرّكة جنس الحىّ أصله حييان و قد تكون بمعنى الحياة و المراد هنا الأوّل و (نعق) بغنمه من بابي ضرب و منع نعقا و نعيقا و نعاقا صاح بها و زجرها هكذا في القاموس، و في مصباح اللّغة للفيومى من باب ضرب إلّا أنّ الموجود فيما رأيته من نسخ النهج نعقت بكسر العين.

و (رفرف) الطائر بسط جناحيه عند السقوط على الشي‏ء يحوم عليه لتقع فوقه و (حقاق المفاصل) بكسر الحاء جمع حقّ بالضمّ رأس الورك الّذي فيه عظم الفخذ و رأس العضد الذى فيه الوابلة قال الشّارح المعتزلي: هو مجمع المفصلين من الأعضاء فيكون أعمّ و (سحبه) على الأرض سحبا من باب منع جرّه عليها فانسحب و (طوى) الصّحيفة يطويها طيّا قال سبحانه «يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ» و انّه لحسن الطيّة بالكسر و في بعض النسخ من طيه بالكسر.
و (قلع داريّ) قال الفيومى: القلاع شراع السفينة، و الجمع قلع، مثل كتاب و كتب، و القلع مثله، و الجمع قلوع مثل حمل و حمول، و في القاموس القلع بالكسر الشراع كالقلاعة ككتابة، و الداري المنسوب إلى دارين قال البحراني: و هي جزيرة من سواحل القطيف من بلاد البحرين يقال إنّ الطيب كان يجلب اليها من الهند و هي الان خراب لا عمارة بها و لا سكنى، و فيها آثار قديمة و في القاموس الدّارين موضع بالشام.

و (ماس) في مشيه تبختر و (الزّيفان) التبختر في المشى و (الملاقحة) مفاعلة من ألقح الفحل الناقة أى أحبلها، و في بعض النسخ (بملاقحه) بصيغة الجمع‏مضافا إلى الضمير أى بالات التناسل و الأعضاء و (غلم) كفرح غلما و غلمة بالضمّ و اغتلم غلب شهوة، و غلم البعير و اغتلم أى هاج من شهوة الضرّاب، فهو غلّم و غلّيم و الاثنى غلّمة و غلّيمة و مغتلمة.

و (سفحت) الدّم أى أرقته و الدّمع أسلته و في بعض النّسخ تنشجها بدل تسفحها مضارع نشج من باب ضرب يقال نشج القدر أى غلا ما فيه حتّى سمع له صوت قال العلّامة المجلسى: و لعلّ الأوّل أوضح، فانّ الفعل ليس متعدّيا بنفسه على ما في كتب اللّغة و (تطعّم) على صيغة التفعّل بحذف إحدى التّائين و (بجّس) الماء تبجيسا فجره فتبجّس و انبجس، و في بعض النّسخ المنبجس من باب الانفعال.

و (المدارى) بالدال المهملة جمع المدرى قال ابن الأثير: المدرى و المدراة شي‏ء من حديد أو خشب على شكل سنّ من أسنان المشط و أطول منه يسرح به الشعر الملبّد و يستعمله من لا مشط له، و في نسخ الشّارح البحراني بالذّال المعجمة قال: و هي خشبة ذات أطراف كأصابع الكفّ ينقى بها الطّعام.

و (دارات) جمع الدّارة دارة القمر و غيره سمّيت بذلك لاستدارتها و (العقيان) بالكسر كما في القاموس و قال العلّامة المجلسيّ بالضمّ: الذّهب الخالص أو الذّهب النّابت من الأرض و (جنيت) التّمرة و الزّهرة و اجتنيتها و الجنيّ فعيل منه، و فى بعض النّسخ جنى كحصى و هو ما يجنى من الشّجر ما دام غصنا بمعنى فعيل و لفظة الفعل المجهول ليست في بعض النّسخ.

و (زهر) النّبات بالفتح نوره، و الواحدة زهرة كتمر و تمرة قالوا و لا يسمّى زهرا حتى تفتح و (وشيت) الثوب وشيا من باب رمى نقشته فهو موشىّ وزان مرمىّ أى منقّش، و الأصل على مفعول و (الحلل) كصرد جمع حلة بالضمّ و هي إزار و رداء من برد أو غيره فلا تكون حلّة إلّا من ثوبين أو ثوب له بطانة.

و (العصب) وزان فلس قال الفيومى برد يصنع غزله ثمّ ينسج، و لا يثنى و لا يجمع و إنّما يثنى و يجمع ما يضاف إليه فيقال: برد عصب و برود عصب، و الاضافة للتخصيص، و يجوز أن يجعل وصفا فيقال: شريت ثوبا عصبا، و قال السهلي: العصب‏صبغ لا ينبت إلّا باليمن.

و (الفصوص) جمع فصّ كفلس و فلوس قال ابن السكيت: كسر الفاء ردىّ، و كذا قال الفارابي، و في القاموس الفص الخاتم مثلثة و الكسر غير لحن و (كلل) فلانا أى ألبس الاكليل و هو بالكسر التاج و شبه عصابة زين بالجوهر و (الوشاح) ككتاب شي‏ء ينسج من أديم و يرصّع شبه القلادة تلبسه النساء.
و رجل (أحمش) الساقين أى أدقّهما و (الخلاسى) بكسر الخاء المعجمة الديك بين دجاجتين هندية و فارسية، و الولد بين أبوين أبيض و أسود و (الظنبوب) حرف العظم اليابس من قدم الساق و (الوسمة) بكسر السين كما في بعض النسخ و هي لغة الحجاز و أفصح من السكون، و أنكر الأزهرى السكون، و بالسكون كما في بعضها و (اللفاع) ككتاب الملحفة أو الكساء أو كلما تتلفّع به المرأة، و تلفع الرّجل بالثوب إذا اشتمل به و تغطى، و في بعض النسخ متقنّع من القناع و (أبيض يقق) بالتحريك و بالكسر أيضا وزان كتف شديد البياض.

و (يتحسّر) في بعض النسخ مضارع تفعل يقال: تحسّر البعير أى سقط من الاعياء، و في بعض النّسخ تنحسر على صيغة الانفعال تقول: حسره كضربه فانحسر أى كشفه فانكشف و (سالف ألوانه) في بعض النسخ بدلها ساير ألوانه و الأوّل أظهر و (العسجد) كجعفر الذّهب و (العمق) بالضمّ و الفتح قعر البئر و نحوها و (الفطن) كعنب جمع فطنة بالكسر و هي الحذق و العلم بوجوه الامور و (جلّاه) بالتّشديد و التخفيف على اختلاف النّسخ أى كشفه و (الهمجة) محرّكة واحدة الهمج بالتّحريك أيضا و هو ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الغنم و الحمير و النعاج الهرمة.

الاعراب

قوله: و نعقت جملة مستأنفة، و تحتمل أن تكون معطوفة على جملة انقادت و على الأوّل فالضمير في دلائله راجع إلى اللّه، و على الثّاني فهو راجع إلى ما، و قوله: و ما ذرأ، عطف على قوله: ما انقادت، أو على الضّمير في دلائله كما قاله‏ الشّارح البحراني و قوله: من ذوات، بيان للأطيار، و مصرّفة، و مرفرفة منصوبان على الحال، و في بعض النّسخ بالجرّ على أنّهما صفتان لذوات أجنحة.

و جملة كوّنها في المعنى تأكيد لجملة ذرأ، و لكمال الاتصال ترك العاطف بينهما، و تحتمل الاستيناف البياني، و قوله: في لون صبغ، بجرّلون مضافا إلى صبغ على الاضافة البيانيّة، و في بعض النّسخ بالجرّ و التّنوين و صبغ على صيغة الماضي المجهول، أى صبغ ذلك المغموس، و الواو في قوله: و من أعجبها، استينافيّة و قوله: بجناح، إمّا بدل من أحكم تعديل أو عطف بيان، و يحتمل تعلّقه بقوله أحسن تنضيد.

و جملة عنجه، مرفوعة المحل صفة لقلع، و مغرزها، مبتدأ خبره كصبغ الوسمة، و بطنه بالرّفع مبتدأ محذوف الخبر أى مغرزها إلى حيث بطنه موجودا و ممتدّا و منتهى إليه كصبغ.
و حيث تضاف إلى الجملة غالبا و إضافتها إلى المفرد تشذّ في الشّعر، و هو في المعنى مضافة إلى المصدر الّذي تضمّنته الجملة قالوا: حيث و إن كانت مضافة الى الجملة في الظّاهر، لكن لمّا كانت في المعنى مضافة إلى المصدر فاضافتها إليها كلا إضافة، و لذا بنيت على الضمّ كالغايات على الأعرف قال نجم الأئمة: قد حذف خبر المبتدأ الّذي بعد حيث غير قليل، و التّنوين في قوله: بقسط، للتّفخيم، و جملة: علاه عطف على جملة أخذ.

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشّريفة على غاية بلاغتها و بديع اسلوبها و عجيب نظمها مسوقة لشرح أوصاف الطّير لا سيّما الطّاؤوس، و الغرض منه التّنبيه على عظيم قدرته سبحانه و لطيف صنعته و الاشارة إلى عجايب ما أبدعه سبحانه في الملك و الملكوت، لتنبّه من رقدة الغفلة، و يتحصّل لك كمال المعرفة.

و افتتح عليه السّلام بمطلق دلائل القدرة ثمّ تخلّص إلى ذكر الطّاؤوس فقال (ابتدعهم) أى أبدع الموجودات لا عن مادّة أو على غير مثال سابق (خلقا عجيبا)على أصناف مختلفة و أنواع متكثّرة و هيئات عجيبة و أوصاف بديعة (من حيوان و موات و ساكن و ذى حركات) أى بعضها ذو حيات كأصناف الملائكة و الحيوان و الجنّ و الانس، و بعضها ذو ممات كالشّجر و الجماد و النّبات و غيرها ممّا ليس لها حياة، و بعضها متّصفة بالسكون كالأرض و الجبال، و بعضها متّصفة بالحركة الاراديّة كالانسان و الحيوان و نحوهما، أو طبيعيّة كالماء و النّار و الكواكب و الأفلاك.

(و أقام من شواهد البيّنات على لطيف صنعته و عظيم قدرته ما) أي شاهد صدق و برهان حتّى (انقادت له) أى لذلك الشّاهد (العقول معترفة به) أى بهذا الشّاهد أو باللّه سبحانه (و مسلّمة له) غير جاحدة لحقيّته (و نعقت) أى صاحت (في أسماعنا دلائله) سبحانه (على وحدانيّته) قال الشّارح البحراني استعار لفظ النّعيق في الأسماع لظهور تلك الدّلائل في صماخ العقل (و ما ذرأ) أى أقام من شواهد البيّنات أو نعقت دلائل ما ذرئه و خلقه (من اختلاف صور الأطيار الّتي أسكنها أخاديد الأرض) كالقطا و نحوه ممّا يسكن الشّقوق في الأرض (و خروق فجاجها) كالقبج و شبهه ممّا يسكن الفجاج أى الطرق الواسعة بين الجبلين (و رواسى أعلامها) كالعقبان و الصّقور تأوى في الجبال الرّاسيات أى الثّابتات المستقرّات (من ذوات أجنحة مختلفة و هيئات متباينة) فهذا غراب، و هذا عقاب، و هذا حمام، و هذا نعام خلقها اللّه سبحانه على أشكال مختلفة و طبايع متضادّة.

و لكنّها كلّها على تباين طبائعها و تضادّ أجناسها مقهورة تحت ذلّ القدرة مشدودة بربق الطّاعة (مصرّفة) و متقلّبة (في زمام التسخير) كما قال عزّ من قائل: أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.

قال الرّازي: هذا دليل على كمال قدرة اللّه و حكمته: فانّه لولا أنّه تعالى خلق الطّير خلقة معها يمكنه الطّيران فيها لما أمكن ذلك، فانّه أعطى الطّير جناحا يبسطه مرّة و يكسره اخرى، مثل ما يعمل السّابح في الماء، و خلق الهواء خلقة لطيفة رقيقة يسهل خرقه و النّفاذ فيه و لو لا ذلك لما كان الطّيران ممكنا، و جسد الطّير جسم ثقيل و الجسم الثّقيل يمتنع بقاؤه في الجوّ معلّقا من غير دعامة و لا علاقة فوقه، فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجوّ هو اللّه سبحانه.

(و مرفرفة بأجنحتها في مخارق الجوّ المنفسح و الفضاء المنفرج) أى باسطة جناحيها في أمكنتها الّتي تخرق الهواء الواسع فتدخلها قال تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَ يَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ بَصِيرٌ».

قيل في تفسيره: أى باسطات أجنحتهنّ في الجوّ عند طيرانها، فانّهنّ إذا بسطنها صففن قوادمها- و يقبضن- أى و يضممنها إذا ضربن بها جنوبهن وقتا بعد وقت للاستظهار به على التّحرّك، و لذلك عدل به إلى صيغة الفعل للتّفرقة بين الأصيل في الطيران و الطّارى عليه- ما يمسكهنّ- في الجوّ على خلاف طبعهنّ- إلّا الرّحمن- الشّامل رحمته كلّشي‏ء بأن خلقهنّ على اشكال و خصايص هيئاتهنّ للحركة فى الهواء- إنّه بكلّ شي‏ء بصير- يعلم كيف يخلق الغرائب و يدبّر العجائب.

(كوّنها) كساير المكوّنات و المخلوقات (بعد اذ لم تكن في عجائب صور ظاهرة) و هيئات بديعة غير مستورة (و ركّبها في حقاق مفاصل محتجبة) مستترة باللّحم و الجلد و نحوهما (و منع بعضها بعبالة خلقه) و ضخامة جثّته كالنّعامة و اللّقلق و نحوهما (أن يسمو في السّماء خفوفا) أى يعلو في جهة العلوّ بسرعة (و جعله يدفّ دفيفا) أى يحرّك جناحيه للطّيران قال الفيومى: معناه ضرب بهما دفّيه و هما جنباه، يقال ذلك إذا أسرع مشيا و رجلاه على وجه الأرض ثمّ يستقلّ طيرانا (و نسقها) أى نظمها (على اختلافها في الاصابيغ) و الألوان (بلطيف قدرته و دقيق صنعته) أى جعل كلّا منها على لون خاصّ على وفق حكمته البالغة (فمنها مغموس في قالب لون لا يشوبه غير لون ما غمس فيه) أى بعضها ذو لون واحد كالأسود و الأبيض و الأحمر، فعبر عنه بالغمس في قالب اللّون إشارة إلى‏إحاطة اللّون الواحد به بجميع أجزائه كما يحيط القالب بالأشياء المصنوعة بالصبّ فيه من نحاس و نحوه.

(و منها مغموس في لون صبغ قد طوّق بخلاف ما صبّغ به) أى بعضها ذو لونين فما زاد كالقبج و الفاختة و البلبل و نحوها ممّا يخالف لون عنقه لون ساير جسده، و الغرض بذلك كلّه حسبما عرفت التّنبيه على عظمة اللّه سبحانه و كمال قدرته و لطيف صنعته و بديع حكمته.

و قد شرحه الصّادق عليه السّلام و أفصح عنه في حديث المفضّل.

قال عليه السّلام: تأمّل يا مفضّل جسم الطّاير و خلقته فانّه حين قدر أن يكون طائرا في الجوّ خفّف جسمه و ادمج خلقه فاقتصر به من القوايم الأربع على اثنتين، و من الأصابع الخمس على أربع، و من منفذين للزّبل و البول على واحد يجمعهما، ثمّ خلق ذا جؤجؤ محدّد يسهل عليه أن يخرق الهواء كيف ما أخذ فيه كما جعل السّفينة بهذه الهيئة لتشقّ الماء و تنفذ فيه، و جعل في جناحيه و ذنبه ريشات طوال متان لينهض بها للطّيران، و كسى كلّه الرّيش ليداخله «ليتداخله خ ل» الهواء فيقلّه.

و لما قدّر أن يكون طعمه الحبّ و اللّحم يبلعه بلعا بلا مضغ نقص من خلقة الأسنان و خلق له منقار صلب«» جاس يتناول به طعمه فلا ينسحج من لقط الحبّ و لا يتقصّف«» من نهش اللّحم، و لما عدم الأسنان و صار يزدرد الحبّ صحيحا و اللّحم غريضا أعين بفضل حرارة في الجوف تطحن له الطعم طحنا يستغنى به عن المضغ.
و اعتبر بأنّ عجم العنب و غيره يخرج من أجواف الانس صحيحا و يطحن في أجواف الطير لا يرى له أثر.
ثمّ جعل مما يبيض بيضا و لا يلد ولادة لكيلا يثقل عن الطيران، فانه لو كانت الفرخ في جوفه تمكث حتى تستحكم لأثقلته و عاقته عن النهوض و الطيران فجعل‏كلّ شي‏ء من خلقه شاكلا للأمر الذي قدّر أن يكون عليه.

ثمّ صار الطائر السابح في هذا الجوّ يقعد على بيضه فيخرّ له اسبوعا و بعضها اسبوعين و بعضها ثلاثة أسابيع حتى يخرج الفرخ من البيضة، ثمّ يقبل عليه فيزقّه لتتّسع حوصلته للغذاء، ثمّ يربّيه و يغذيه بما يعيش به، فمن كلّفه أن يلفظ الطعم و يستخرجه بعد أن يستقرّ في حوصلته و يغذو به فراخه و لأىّ معنى يحتمل هذه المشقة و ليس بذى رويّة و لا تفكّر و لا يأمل في فراخه ما يأمل الانسان في ولده من العزّ و الرّفد و بقاء الذكر و هذا من فعل هو يشهد بأنه معطوف على فراخه لعلّة لا يعرفها و لا يفكّر فيها و هى دوام النسل و بقاؤه لطفا من اللّه تعالى ذكره.

انظر إلى الدّجاجة كيف تهيج لحضن البيض و التفريخ و ليس لها بيض مجتمع و لا وكر موطى‏ء بل تنبعث و تنتفخ و تقوقى و تمتنع من الطعم حتّى يجمع لها البيض فتحضنه و تفرخ، فلم كان ذلك منها إلّا لاقامة النّسل، و من أخذها باقامة النسل و لا رويّة و لا فكر لولا أنها مجبولة على ذلك.

و اعتبر بخلق البيضة و ما فيها من المخّ الأصفر الخاثر، و الماء الأبيض الرّقيق فبعضه لينتشر منه الفرخ، و بعضه ليغذي به إلى أن تنقاب عنه البيضة، و ما في ذلك من التدبير، فانه لو كان نشوء «نشق خ ل» الفرخ في تلك القشرة المستحضنة التي لا مساغ لشي‏ء اليها لجعل معه في جوفها من الغذاء ما يكتفى إلى وقت خروجه منها كمن يحبس في حبس حصين لا يوصل النفقة إلى من فيه فيجعل معه من القوت ما يكتفى به إلى وقت خروجه منه.
فكّر في حوصلة الطائر و ما قدّر له، فانّ مسلك الطعم إلى القانصة ضيّق لا ينفذ فيه الطعام إلّا قليلا قليلا، فلو كان الطائر لا يلقط حبة ثانية حتى تصل الاولى القانصة لطال عليه و متى كان يستوفي طعمه، فانما يختلسه اختلاسا لشدّة الحذر، فجعلت الحوصلة كالمخلاة المعلقة أمامه ليوعى فيها ما أدرك من الطعم بسرعة ثمّ تنفذه إلى القانصة على مهل، و في الحوصلة أيضا خلّة اخرى فانّ من الطائر ما يحتاج إلى أن يزقّ فراخه فيكون ردّه للطعم من قرب أسهل عليه.

قال المفضل: فقلت إنّ قوما من المعطلة يزعمون أنّ اختلاف الألوان و الأشكال في الطير إنما يكون من قبيل امتزاج الأخلاط و اختلاف مقاديرها بالمزج و الاهمال.
فقال عليه السّلام: يا مفضّل هذا الوشى الّذي تراه في الطواويس و الدّراج و التدارج على استواء و مقابلة كنحو ما يخطّ بالأقلام كيف يأتي به الامتزاج المهمل على شكل واحد لا يختلف، لو كان بالاهمال لعدم الاستواء و لكان مختلفا.

تأمّل ريش الطير كيف هو فانّك تراه منسوجا كنسج الثّوب من سلوك دقاق قد ألّف بعضه إلى بعض كتأليف الخيط إلى الخيط و الشّعرة إلى الشّعرة، ثمّ ترى ذلك النّسج إذا مددته ينفتح قليلا و لا ينشق لتداخله الرّيح فيقلّ الطّائر إذا طار، و ترى في وسط الرّيشة عمودا غليظا معيّنا قد نسج عليه الذي هو مثل الشّعر ليمسكه بصلابته، و هو القصبة التي في وسط الرّيشة، و هو مع ذلك أجوف ليخف على الطّائر و لا يعوقه عن الطيران.

هل رأيت يا مفضّل هذا الطّاير الطّويل السّاقين و عرفت ما له من المنفعة في طول ساقيه فانّه أكثر ذلك في ضحضاح«» من الماء، فتراه لساقين طويلين كانه ربيئة«» فوق يرقب و هو يتأمّل ما يدبّ في الماء، فاذا رأى ممّا يتقوّت به خطا خطوات رقيقا حتّى يتناوله، و لو كان قصير السّاقين و كان يخطو نحو الصّيد ليأخذه تصيب بطنه الماء فيثور و يذعر منه فيتفرّق عنه، فخلق له ذلك العمودان ليدرك بهما حاجته و لا يفسد عليه مطلبه.

تأمّل ضروب التّدبير في خلق الطّاير فانّك تجد كلّ طاير طويل السّاقين طويل العنق، و ذلك ليتمكّن من تناول طعمه من الأرض، و لو كان طويل السّاقين قصير العنق لما استطاع أن يتناول شيئا من الأرض، و ربما اعين مع تطول العنق بطول المناقير ليزداد الأمر عليه سهولة له و إمكانا، أفلا ترى أنّك لا تفتّش شيئامن الخلقة إلّا وجدته في «على» غاية الصّواب و الحكمة و إذا عرفت وجه التدبير و الحكمة في مطلق الطير فلنعد إلى شرح عجائب خلقة الطاوس على ما فصّله الامام عليه السّلام بقوله (و من أعجبها خلقا الطاوس الذي أقامه) اللّه سبحانه (في أحكم تعديل) أى أعطى كلّ شي‏ء منه في الخلق ما يستحقّه و خلقه على وجه الكمال خاليا من نقص (و نضّد) أى رتّب (ألوانه في أحسن تنضيد) و ترتيب كما قال الشّاعر:

سبحان من من خلقه الطاوس
طير على أشكاله رئيس‏

كأنّه في نقشه عروس‏
في الرّيش منه ركّبت فلوس‏

تشرق في داراته شموس
في الرّأس منه شجر مغروس‏

كأنّه بنفسج يميس‏
أو هو رهو«» حرم يبيس‏

فقد رتّب تعالى ألوانه (بجناح أشرج قصبه) أى ركّب عروق جناحه و اصولها بعضها في بعض كما يشرج العيبة أى يداخل بين أشراجها (و ذنب أطال مسحبه) على وجه الأرض (و إذا) أراد السفاد و (درج إلى الانثى نشره) أى نشر ذنبه (من طيّه و سما به مطلّا) أى رفعه مشرفا (على رأسه كأنه قلع داري) شبّه عليه السّلام ذنبه بشراع السفينة من باب تشبيه المحسوس بالمحسوس، لأنه عند ارادة السفاد يبسط ذنبه و ينشره ثمّ يرفعه و ينصبه فيسير كهيئة الشراع المرفوع.

و أوضح وجه الشبه بقوله (عنجه نوتيّه) و ذلك لأنّ الملّاح الذي يدبّر أمر السفينة يعطف الشراع و يصرفه تارة بالجذب و تارة بالارخاء و تارة بتحويله يمينا و شمالا بحسب انصرافه من بعض الجهات إلى بعض (يختال) أى يتكبّر و يعجب (بألوانه و يميس) أى يتبختر (بزيفانه) و التبختر بمشيته.
ثمّ وصف عليه السّلام هيئة جماعه بقوله (يفضى) و يسفد (كافضاء الدّيكة و يأرّ) أى يجامع (بملاقحة) مثل (أرّ الفحول المغتلمة) و ذات الغلم و الشبق.

ثمّ أكّد كون سفاده مثلى سفاد الدّيك و الفحل بالات التناسل كساير أصناف‏الحيوان تنبيها به على ردّ من زعم أنّ سفاده بتطعم الدّمع فقال (احيلك من ذلك على معاينة) أى مشاهدة برأى العين (لا كمن يحيل على ضعيف اسناده) و يزعم أن لقاحه بالتطعم اعتمادا على سند ضعيف و إحالة عليه.

ثمّ دفع الاستبعاد عن ذلك الزعم الفاسد بقوله (و لو كان) الأمر (كزعم من يزعم أنّه يلقح) أى يحبل (بدمعة تسفحها) و تسكبها (مدامعه فتقف في ضفّتى جفونه) و جانبيها (و أنّ انثاه تطعم ذلك ثمّ تبيض لا من لقاح فحل سوى الدّمع المتبجّس) المنفجر (لما كان ذلك بأعجب من مطاعمة الغراب) قال الشّارح المعتزلي: و اعلم أنّ قوما زعموا أنّ الطاوس الذّكر يدمع عينه فتقف الدّمعة بين أجفانه فتأتي الانثى فتطعمها فتلقح من تلك الدّمعة، و أمير المؤمنين عليه السّلام لم يحل ذلك و لكنّه قال: ليس بأعجب من مطاعمة الغراب، و العرب تزعم أنّ الغراب لا يسفد، و من أمثالهم: أخفى من سفاد الغراب، فيزعمون أنّ اللّقاح من مطاعمة الذّكر و الانثى و انتقال جزء من الماء الذي في قانصته إليها من منقاره، و أمّا الحكماء فقلّ أن يصدقوا بذلك، على أنّهم قد قالوا في كتبهم ما يقرب من هذا قال ابن سينا: و القبجة تحبلها ريح تهبّ من ناحية الحجل الذّكر و من سماع صوته، انتهى.

أقول: أمّا كلام أمير المؤمنين عليه السّلام فلا يخفى أنّ ظهوره في كون سفاد الطاوس باللّقاح، حيث شبّهه بافضاء الدّيكة و بأرّ الفحول، و عبّر عن القول الاخر بالزّعم كظهوره في كون سفاد الغراب بالمطاعمة، و أمّا المثل فلا يدلّ على أنّ الغراب لا يسفد بل الظّاهر منه خلافه، على أنّي قد شاهدت عيانا غير مرّة سفاد الغراب الأبقع، فلا بدّ من حمل كلام أمير المؤمنين عليه السّلام على ساير أصناف الغراب و إن كان ظاهره الاطلاق و اللّه العالم بحقايق الخبيئات و أولياؤه عليهم السّلام.

ثمّ أخذ عليه السّلام في وصف اجنحة الطاوس فقال (تخال قصبه) أي عظام أجنحته (مداري من فضّة) في الصّفاء و البياض (و ما أنبتت عليها من عجيب داراته و شموسه) التي في الرّيش (خالص العقيان) أى الذّهب في الصّفرة الفاقعة و الرّونق و البريق‏و الجلا (و فلذ الزبرجد) في الخضرة و النّضارة.

(فان شبّهته بما أنبتت الأرض) من الأزهار و الأنوار (قلت جنيّ جنى من زهرة كلّ ربيع) و نوره في اختلاف ألوانه و أضباعه (و إن ضاهيته) أى شاكلته و شبّهته بالملابس (فهو كموشىّ الحلل) المنقّشة بكلّ نقش في البهجة و النضارة (أو) ك (مونق عصب اليمن) أى كبرد يمانيّ مصبوغ معجب (و ان شاكلته بالحليّ فهو كفصوص ذات ألوان) مختلفة (قد نطّقت باللّجين المكلّل) أى جعلت الفضّة كالنّطاق لها.

قال الشارح البحراني: شبّهه بالفصوص المختلفة الألوان المنطّقة في الفضة أى المرصّعة في صفايح الفضّة و المكلّل الذي جعل كالاكليل بذلك الترصيع، فيكون حاصل كلامه عليه السّلام تشبيهه قصب ريشه بصفايح من فضّة رصّعت بالفصوص المختلفة الألوان، فهى كالاكليل بذلك الترصيع، و لكنّ الأظهر أنّ المكلّل وصف للّجين فافهم.

ثمّ أخذ في وصف مشيه و ضحكه فقال عليه السّلام (يمشى مشى المرح المختال) أى كمشى الفرحان المعجب بنفسه (و يتصفّح) أى يقلب جناحه و ذنبه (فيقهقه ضاحكا لجمال سرباله) أى حسن قميصه (و أصابيغ وشاحه) أى ألوان لباسه (فاذا رمى ببصره نحو قوائمه) و رأى سماحتها (زقا) و صاح (معولا بصوت) أى رافعا صوته بالبكاء و النّياح (يكاد يبين) أى يظعن و يرتحل و هو كناية عن الموت (عن استغاثته و يشهد) عويله (بصادق توجّعه) و يفصح عن شدّة تفجّعه و ذلك (لأنّ قوائمه حمش) دقاق (كقوائم الدّيكة الخلاسيّة) التي عرفت معناها (و قد نجمت) أى طلعت (من ظنبوب ساقه صيصية) و هي في الأصل شوكة الحائك التي يسوّى بها السّداة و اللّحمة، فاستعيرت لصيصية الطائر الّتي في رجله (خفيّة) ليست بجليّة كما للدّيك.

ثمّ أخذ في وصف قنزعته بقوله: (و له في موضع العرف) مستعار عن عرف الدّابة و هو شعر عنقه (قنزعة) و هى رويشات يسيرة طوال في مؤخّر رأسه بارزةعن ريش رأسه استعارة عن قنزعة الصّبي و هي الخصلة من الشّعر يترك على رأسه (خضراء موشاة).

ثمّ أخذ في وصف عنقه بقوله: (و مخرج عنقه كالابريق) أى محلّ خروج عنقه كمحلّ خروج عنق الابريق فيشعر بأنّ عنقه كالابريق أو أنّ خروجه كخروج عنق الابريق على أنه مصدر فيكون الاشعار أقوى (و مغرزها) أى مثبت عنقه، و تأنيث الضمير على لغة أهل الحجاز (إلى حيث بطنه كصبغ الوسمة اليمانيّة) في الخضرة الشديدة الضاربة إلى السواد (أو كحريرة سوداء ملبسة مرآتا ذات صقال) في لونها المخصوص و مخالفة بصيص المرآة لها (و كأنه متلفّع) أى مكتس (بمعجر أسحم) أى بثوب كالعصابة ذي سحم و سواد (إلّا أنّه يخيّل لكثرة مائه و شدّة بريقه أنّ الخضرة النّاضرة ممتزجة به).

ثمّ وصف الخطّ الأبيض عند محلّ سمعه فقال: (و مع فتق سمعه خطّ) دقيق (كمستدقّ القلم في) لون مثل (لون الاقحوان) أى البابونج (أبيض يقق فهو) أى ذلك الخطّ (ببياضه في سواد ما هنالك يأتلق) و يلمع.
ثمّ أجمل في تعديد ألوانه فقال: (و قلّ صبغ إلّا و قد أخذ منه بقسط) وافر (و علاه) أى زاد على الصبغ و غلب عليه (بكثرة صقاله و بريقه) أى جلائه و لمعانه (و بصيص ديباجه و رونقه) أى حسنه و بهائه (فهو كالأزاهير المبثوثة) المتفرّقة (لم تربّها أمطار ربيع و لا شموس قيظ) لما كان من شأن الأزاهير أنّ تربيتها و كمالها بالشّمس و المطر، و شبّه عليه السّلام ألوان هذا الطائر بالأزاهير المبثوثة أتى بهذه الجملة تنبيها على أن تربيتها ليست بالشّموس و الأمطار و إنّما هي بتدبير الفاعل المختار ففيه من الدّلالة على عظمة الصانع تعالى و قدرته ما لا يخفى.

و الظاهر أنّ الجمع في الأمطار باعتبار الدّفعات، و في الشّموس بتعدّد الاشراق في الأيام، أو باعتبار أنّ الشّمس الطالع في كلّ يوم فرد على حدة لاختلاف التّأثير في تربية الأزهار و النباتات باختلاف الحرّ و البرد و غير ذلك.
ثمّ بيّن له حالة اخرى هى محل الاعتبار في حكمة الصّانع و قدرته فقال: (و قد يتحسّر) و يتعرّى (من ريشه و يعرى من لباسه) و ذلك في الخريف عندسقوط أوراق الأشجار (فيسقط تترى) أى شيئا بعد شي‏ء (و ينبت تباعا) بدون فترة بينهما (فينحت) أى يسقط (من قصبه انحتات أوراق الأغصان ثمّ يتلاحق ناميا) و ذلك في الرّبيع إذا بدء طلوع الأوراق (حتّى يعود كهيئته قبل سقوطه لا يخالف) لون ريشه الثّاني (سالف ألوانه و لا يقع لون في غير مكانه).
ثمّ أشار إلى ما هو ألطف و أدقّ مما مضى و أعظم في الدّلالة على قدرة الصّانع المتعال فقال: (و إذا تصفّحت شعرة واحدة من شعرات قصبه أرتك) تلك الشعرة من شدّة بصيصها ألوانا مختلفة فتارة (حمرة ورديّة و تارة) أخرى (خضرة زبرجديّة و احيانا صفرة عسجديّة).

ثمّ عقّب ذلك باستبعاد وصول الأذهان الثاقبة إلى وصفه و قال: (فكيف تصل إلى صفة هذا عمائق الفطن) أى الفطن العميقة التي من شأنها إدراك دقايق الأشياء و العلم بوجوه الامور على ما ينبغي (أو تبلغه قرائح العقول) أى تناله العقول بجودة الطّبيعة من قولهم لفلان قريحة جيّدة يراد استنباط العلم بجودة الطبع (أو تستنظم وصفه أقوال الواصفين و) الحال أنّ (أقلّ أجزائه قد أعجز الأوهام أن تدركه و الألسنة أن تصفه) و لا ريب أنّ الشّعرة أقلّ الأجزاء الّتي بها قوام الحيوان.

و المراد بيان عجزها عن ادراك علل هذه الألوان على اختلافها و اختصاص كلّ من مواضعها بلون غير الاخر و علل هيئاتها و ساير ما أشار إليه، أو إظهار عجزها عن إدراك جزئيّات الأوصاف المذكورة و تشريح الهيات الظاهرة و الخصوصيات الخفيّة في خلق ذلك الحيوان، فانّ ما ذكره عليه السّلام في هذه الخطبة تشريحه و إن كان على غاية البلاغة و فوق كلّ بيان في وصف حاله إلّا أنّ فيه وراء ذلك جزئيّات لم يستثبتها الوصف.

و هذا هو الأقرب و الأنسب بما عقّبه به من تنزيهه تعالى أعني قوله: (فسبحان الّذي بهر العقول) و غلبها (عن وصف خلق جلاه للعيون فأدركته محدودا مكوّنا) أى موصوفا بالحدود و التكوين و (مؤلّفا) من الأجزاء (ملوّنا) بالألوان المختلفة(و أعجز الألسن عن تلخيص صفته و قعد بها عن تأدية نعته) و الغرض الدّلالة على عجز العقول عن إدراك ذاته سبحانه، فانّها إذا عجزت عن إدراك مخلوق ظاهر للعيون على الأوصاف المذكورة فهى بالعجز عن إدراكه سبحانه و وصفه أحرى، و كذلك الألسن عن تلخيص صفته و تأدية نعته أعجز.

(و سبحان من أدمج) أى أحكم (قوائم الذّرة) و هي صغار النّمل (و الهمجة) و هو صغير الذّباب (إلى ما فوقهما من خلق) البرّ و البحر من (الحيتان و الفيلة) و نحوها (و وأى) أى وعد و ألزم (على نفسه ألّا يضطرب شبح) و لا يتحرّك شخص (مما أولج) أى أدخل (فيه الرّوح إلّا و جعل الحمام) و الموت (موعده و الفناء غايته).

تتميم فى نوادر وصف الطاوس

روى في الكافي عن سليمان الجعفري عن أبي الحسن الرّضا عليه السّلام قال: الطاوس مسخ، كان رجلا جميلا فكابر امرئة رجل مؤمن تحبّه فوقع بها، ثمّ راسلته بعد، فمسخهما اللّه عزّ و جلّ طاوسين انثى و ذكرا فلا تأكل لحمه و لا بيضه.
و في البحار من الخرائج عن محمّد بن إبراهيم الحرث التّميمي، عن الحسين عليه السّلام أنّه قال: إذا صاح الطاوس يقول: مولاى ظلمت نفسى و اغتررت بزينتي فاغفر لي.

قال الدّميري في حياة الحيوان: الطاوس طاير معروف و تصغيره طويس بعد حذف الزّوايد، و كنيته أبو الحسن و أبو الوشى، و هو في الطير كالفرس في الدّواب عزّا و حسنا و في طبعه العفّة و حبّ الزّهو بنفسه و الخيلاء و الاعجاب بريشه، و عقده لذنبه كالطّاق لا سيّما إذا كانت الأنثى ناظرة إليه، و الأنثى تبيض بعد أن يمضي لها من العمر ثلاث سنين، و في ذلك الأوان يكمل ريش الذّكر و يتمّ لونه، و تبيض الانثى مرّة واحدة في السنة اثنتى عشرة بيضة و أقلّ و أكثر، لا تبيض متتابعا، و يسفد في أيّام الرّبيع، و يلقى ريشه في الخريف كما يلقى الشّجر ورقه، فاذا بدأ طلوع الأوراق في الشّجر طلع ريشه، و هو كثير العبث بالأنثى إذا حضنت، و ربّما كسر البيض و لهذه العلّة يحضن بيضه تحت الدّجاج و لا تقوى الدّجاجة على‏حضن أكثر من بيضتين منه، و ينبغي أن تتعاهد الدّجاجة بجميع ما تحتاج إليه من الأكل و الشّرب مخافة أن تقوم عنه فيفسده الهواء، و الفرخ الذي يخرج من حضن الدّجاجة يكون قليل الحسن و ناقص الجثّة، و مدّة حضنه ثلاثون يوما، و فرخه يخرج من البيضة كالفروخ كاسيا كاسيا، و أعجب الأمور أنّه مع حسنه يتشأمّ به، و كان هذا و اللّه أعلم إنّه لما كان سببا لدخول إبليس الجنّة و خروج آدم عليه السّلام منها و سببا لخلوّ تلك الدّار من آدم مدّة دوام الدّنيا كرهت إقامته في الدّور لذلك

الترجمة

از جمله خطب بلاغت نظام آن امام است كه ذكر مى‏ فرمايد در آن عجايب و غرايب خلقت طاوس را باين مضامين.
اختراع كرد و آفريد خداى تعالى مخلوقات را آفريدني عجيب از ذي روح و از غير ذي روح، و از ساكن و از صاحب حركت، و برپا داشت از علامات باهرات بر لطيف صنعت و عظيم قدرت خود شاهد صادقى را كه انقياد نمود مر او را عقلها در حالتى كه اعتراف كننده بودند باو، و گردن نهنده بودند بر او، و صدا كرد در گوشهاى ما دليلهاى او بر وحدانيّت و يگانگى او سبحانه، و دليلهاى آنچه كه آفريده از صورتهاى مختلفه مرغ‏هائى كه ساكن گردانيد آنها را در شكافهاى زمين، و در فرجه‏هاى واقعه در ميان كوههاى آن و در سرهاى كوههاى بلند از صاحبان بالهاى گوناگون، و هيئتهاى متباين در حالتى كه متقلبند در افسار تسخير، و گستراننده‏اند بالهاى خود را در شكافهاى هواى فسيح و فضاى وسيع.

ايجاد فرمود آنها را بعد از اين كه موجود نبودند در عجايب صورتهاى آشكار و تركيب داد آنها را در مجامع مفصلهائى كه پوشيده‏ اند در تحت پردها، و منع فرمود بعض از مرغان را بجهة سنگيني و ضخامت جثّه آن از آنكه بلند شود بهوا بسرعت و خفّت، و گردانيد آن را كه مى‏پرد بر روى زمين پريدني كه نزديك باشد بزمين تا بلند شود، و منظّم نمود مرغان را با اختلاف ايشان در رنگها با قدرت‏لطيفه خود و صنعت دقيقه خود.

پس بعضي از آنها غوطه و رشده در قالب يكرنگى كه أصلا مخلوط نيست بان غير رنگى كه غوطه‏ور شده در آن، و بعضى از آنها فرو برده شده در رنگى كه طوق گردن آن بخلاف رنگى است كه رنگ داده شده بان.
و از عجب‏ترين مرغان از حيثيّت خلقت طاوس است كه برپا داشته او را حق تعالى در محكم‏ترين تعديل أجزاء، و ترتيب داده رنگهاى آن را در أحسن ترتيب با بالى كه درهم كرده قصبها و أصلهاى آن را، و با دمى كه دراز كرده جاى كشيدن آن را، وقتي كه بگذرد طاوس نر بر طاوس ماده پراكنده سازد آن دم را از پيچيدگى آن، و بلند مى‏ كند آن را در حالتى كه مشرف باشد بر سر آن گويا كه آن دم بادبان كشتى است كه منسوبست بشهر دارين كه ميل داده است آنرا كشتيبان آن مى ‏نازد برنگهاى مختلفه خود، و مى‏ خرامد بنازشهاى خود، مباشرت ميكند همچو مباشرت خروسان، و مجامعت مى‏ كند با آلات تناسل مثل مجامعت نرهاى شديد الجماع، حواله مى‏ كنم تو را از اين أمر مذكور بر ديدن رأى العين نه مانند كسى كه حواله مى ‏كند بر سندهاى ضعيف خود، و اگر باشد اين امر مثل گمان كسى كه گمان مي كند كه طاوس آبستن مى‏ سازد ماده خود را با اشكى كه مى ‏ريزد آن را كنجهاى چشم آن پس مى‏ ايستد آن أشك در پلكهاى چشم او و آنكه ماده او مى ‏ليسد آن را پس از آن تخم مى ‏نهد نه از جماع طاوس نر غير از اشك بيرون آمده از چشم هر آينه نمى ‏باشد اين گمان عجبتر از مطاعمه زاغها كه نر و ماده منقار بمنقار مى‏ گذارند، و جزئى از آب كه در سنگدان نر است بدهن ماده مى ‏رسد و از آن آبستن مى ‏شود چنانچه اعتقاد عربها اينست، خيال مى ‏كني أصل پردهاى طاوس را شانه ‏ها از نقره بيضا و آنچه رسته بر آن از دايره‏هاى عجيبه و شمسه‏ هاى غريبه آن طلاى خالص و پارهاى زبرجد.

پس اگر تشبيه كنى طاوس را بچيزى كه رويانيده است آنرا زمين گوئى كه گلهائيست چيده شده از شكوفه هر بهارى، و اگر تشبيه كنى آن را بلباسهاپس آن همچو حلّهاى زينت داده شده است باطلا، يا همچو جامهاى برد خوش آينده يمن است، و اگر تمثيل كني آنرا بزيورها پس او مانند نگينهائيست صاحب رنگها كه كشيده در أطراف آن، يعنى مدور شده مانند نطاق بنقره مزيّن بجواهر.

راه مى‏ رود طاوس مثل راه رفتن شادى كننده متكبّر خرامان، و مى ‏نگرد بنظر دقّت بدم و بال خود پس قهقهه مى ‏زند در حالتى كه خندانست از جهة حسن پيراهن رنگين خود و رنگهاى لباس خود، پس چون اندازد نظر خود را بسوى پايهاى سياه باريك خود بانگ كند در حالتى كه گريه كننده باشد باو از بلند كه نزديك باشد روح از بدنش مفارقت نمايد از شدّت فرياد خود، زيرا كه پاهاى او زشت است و باريك همچو پاهاى خروسان خلاسى كه متولّد مى‏ شوند ميان مرغ هندى و فارسى در حالتى كه برآمده است از طرف ساق او خارى كه پنهانست چنانچه در پاى خروسان مى ‏رويد.

و مر او راست در موضع پس گردن كاكلى سبز مزيّن با نقش و نگار و موضع بيرون آمدن گردن او مانند ابريق است و جاى فرو رفتن گردن آن تا كه منتهى شود بشكم او مثل رنگ وسمه يماني است يا همچو حرير پوشيده شده بر آينه صاحب صيقل و جلا و گويا كه طاوس پيچيده است بمقنعه سياه لكن خيال كرده مى‏شود از جهة كثرت تر و تازگى او و شدت برّاقى او اين كه سبزى با طراوت آميخته است بان.

و با شكاف گوش او است خطّى مثل باريكى سر قلم در رنگ گل بابونج كه سفيد است در غايت روشنى، پس آن خط بسفيدى خود در ميان سياهى آنچه كه آن جاست مى‏درخشد، و كم رنگى است از رنگها مگر اين كه اخذ نموده است از آن بنصيب كامل، و بلند برآمده و تفوّق پيدا كرده آن رنگ بر او به بسيارى روشنى و درخشيدن آن و برّاقي زيباى آن و خوبى آن.

پس طاوس مانند شكوفهائيست گسترانيده كه تربيت نداده آنرا بارانهاى بهارى و نه آفتابهاى تابستاني، و گاهى هست كه عارى مى‏شود از پر خود و برهنه مى‏ شوداز لباس خود پس مى‏افتد آن پرها پياپى، و مى‏ رويد روئيدني، پس مى‏ريزد آن پرها از قلم پر او همچو ريختن برگهاى شاخهاى درخت، بعد از آن متلاحق مى‏شود در عقب يكديگر در حالتى كه نمو كننده است تا آنكه بر مى‏گردد بهيئت و صورتى كه پيش از ريختن داشت، مخالف نمى‏باشد رنگهاى لاحق برنگهاى سابق، و واقع نمى‏شود هيچ رنگى در غير جاى خود و چون نظر كنى بتأمّل در هر موئى از موهاى قلم أو مى‏نماياند آن موى تو را سرخى كه بلون گل سرخست و بار ديگر سبزى كه برنگ زبرجد است و گاهى زردى برنگ طلاى خالص.

پس چگونه مى‏رسد بصفت اين مرغ خوش رنگ فكرهاى عميقه، يا چگونه مى‏رسد بكنه معرفت او عقلهاى با ذكاوت، يا چگونه بنظم مى‏آورد وصف آن را أقوال وصف كنندگان و حال آنكه كمترين جزئهاى او عجز آورده است و همها را از ادراك آن و زبانها را از وصف آن.

پس پاكا پروردگارى كه غالب شد بعقلها از وصف كردن مخلوقى كه روشن و آشكار گردانيد آن را به چشمها، پس ادراك كردند آن چشمها آن مخلوق را در حالتى كه صاحب حدّ معينى بود آفريده شده و صاحب تركيبى بود برنگهاى گوناگون.

پس منزّه پروردگارى كه محكم ساخت پاهاى مورچه و پشه كوچك را با آنچه فوق آنها است از خلق ماهيها و فيلها، و وعده كرده و لازم نموده بر نفس خود كه نجنبد هيچ جنبنده از موجوداتى كه داخل فرموده روح را در آن مگر اين كه گردانيده مرگ را وعده گاه او، و فنا را پايان كار او.

الفصل الثاني منها فى صفة الجنة

فلو رميت ببصر قلبك نحو ما يوصف لك منها، لعزفت نفسك من بدايع ما أخرج إلى الدّنيا من شهواتها و لذّاتها، و زخارف مناظرها و لذهلت بالفكر في اصطفاق أشجار غيّبت عروقها في كثبان المسك على سواحل أنهارها، في تعليق كبائس اللّؤلؤ الرّطب في عساليجها و أفنانها، و طلوع تلك الثّمار مختلفة في غلف أكمامها، تجنى من غير تكلّف فتأتي على منية مجتنيها، و يطاف على نزّالها في أفنية قصورها بالأعسال المصّفقة، و الخمور المروّقة، قوم لم تزل الكرامة تتمادى بهم حتّى حلوّا دار القرار، و أمنوا نقلة الأسفار، فلو شغلت قلبك أيّها المستمع بالوصول إلى ما يهجم عليك من تلك المناظر المونقة، لزهقت نفسك شوقا إليها، و لتحمّلت من مجلسي هذا إلى مجاورة أهل القبور استعجالا بها، جعلنا اللّه و إيّاكم ممّن سعى بقلبه إلى منازل الأبرار برحمته. قال السيد (ره): قوله «كبائس اللّؤلؤ الرّطب» الكباسة العذق «و العساليج» الغصون واحدها عسلوج. «ج 4»

اللغة

(عزفت) بالعين المهملة و الزّاء المعجمة أى زهدت و انصرفت و (اصطفاق) الأشجار اضطرابها من الصّفق و هو الضّرب يسمع له صوت يقال: صفق يده على يده صفقة أى ضربها عليها، و ذلك عند وجوب البيع، و في بعض النسخ اصطفاف أشجار أى انتظامها صفّا، و في بعضها اصطفاف أغصان بدل أشجار.
و (الكباسة) العذق التام بشماريخه و رطبه و (الاكمام) كالأكمة و الكمام جمع كم و كمامة بالكسر فيهما و هو وعاء الطّلع و غطاء النّور و (فناء) البيت ما اتّسع من أمامه و الجمع أفنية و (التّصفيق) تحويل الشّراب من إناء إلى إناء ممزوجا ليصفو و (الرّواق) الصّافي من الماء و غيره و المعجب و (النّقلة) بالضمّ الانتقال.

الاعراب

قوله: رميت ببصر قلبك، الباء زايدة، و في تعليق، عطف على قوله في اصطفاق أشجار، و جملة تجنى منصوبة المحلّ حال من الثّمار، و قوم، خبر محذوف المبتدأ و جملة جعلنا اللّه، دعائيّة لا محلّ لها من الاعراب، و قوله: برحمته، متعلّق بقوله جعلنا أو بقوله: سعى.

المعنى

اعلم أنّ هذا الفصل من الخطبة حسبما ذكره الرضيّ وارد في صفة الجنّة دار النّعيم و الرّحمة قال عليه السّلام (فلو رميت ببصر قلبك) أى نظرت بعين بصيرتك (نحو ما يوصف لك منها) أى إلى جهة ما وصف اللّه لك و رسوله في الكتاب و السنّة من نعيم الجنّة و ما أعدّ اللّه فيها لأوليائه المؤمنين (لعزفت نفسك) و اعرضت (عن بدايع ما أخرج إلى الدّنيا من شهواتها و لذّاتها و زخارف مناظرها) و لم تجد لشي‏ء منها وقعا عندها (و لذهلت) مغمورة (بالفكر في) عظيم ما اعدّ في دار الخلد من (اصطفاق أشجار) و اهتزازها بريح (غيّبت عروقها في كثبان المسك) أى في تلال من المسك بدل الرّمل (على سواحل أنهارها) و لذهلت بالفكر (في تعليق‏كبائس اللّؤلؤ الرّطب في عساليجها و أفنانها) أى فروعها و اغصانها.

(و) في (طلوع تلك الثمار) و ظهورها (مختلفة في غلف أكمامها) يجوز أن يراد باختلاف الثمار اختلافها باعتبار اختلاف الأشجار بأن يحمل كلّ نوع من الشّجر نوعا من الثمر كما في أشجار الدّنيا فيكون ذكر الاختلاف اشارة إلى عدم انحصار ثمر الجنّة بنوع أو نوعين، و أن يراد به اختلافها مع وحدة الشّجرة، فذكر الاختلاف للدّلالة على عظيم قدرة المبدأ سبحانه.

و يدلّ على الاحتمال الأوّل ما في البحار من تفسير الامام عليه السّلام في قوله تعالى وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ قال عليه السّلام: هي شجرة تميّزت بين ساير أشجار الجنّة إنّ ساير أشجار الجنّة كان كلّ نوع منها يحمل نوعا من الثمار و المأكول و كانت هذه الشّجرة و جنسها تحمل البرّ و العنب و التين و العنّاب و ساير أنواع الفواكه و الثمار و الأطعمة، فلذلك اختلف الحاكون بذكر الشجرة فقال بعضهم: هى برّة و قال آخرون: هي عنبة، و قال آخرون: هى عنّابة.

و على الثاني ما في الصّافي من العيون باسناده إلى عبد السّلام بن صالح الهروي قال: قلت للرّضا عليه السّلام يا ابن رسول اللّه أخبرني عن الشّجرة الّتى نهي منها آدم و حوّاء ما كانت فقد اختلف النّاس فيها، فمنهم من يروي أنّها الحنطة، و منهم من يروى أنّها العنب، و منهم من يروى أنّها شجرة الحسد، فقال عليه السّلام: كلّ ذلك حقّ، قلت: فما معنى هذه الوجوه على اختلافها فقال عليه السّلام: يا أبا الصلت إنّ شجرة الجنّة تحمل أنواعا، و كانت شجرة الحنطة، و فيها عنب ليست كشجرة الدّنيا فافهم.

(تجنى من غير تكلّف فتأتى على منية مجتنيها) حسبما تشتهيه نفسه لا يترك له منية أصلا كما قال سبحانه وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا قال عليّ بن إبراهيم القمّي: قال: دليت عليهم ثمارها ينالها القائم و القاعد.
و في الصافي من الكافي عن النبيّ وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا من قربها منهم يتناول المؤمن من النوع الذي يشتهيه من الثمار و هو متّكى‏ء.

و قال تعالى أيضا وَ جَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ قال في مجمع البيان: الجنى الثمر المجنىّ أى تدنو الثمرة حتّى يجنيها ولىّ اللّه إن شاء قائما و إن شاء قاعدا عن ابن عباس، و قيل أثمار الجنّتين دانية إلى أفواه أربابها، فيتناولونها متّكئين، فاذا اضطجعوا نزلت بازاء أفواههم فيتناولونها مضطجعين، لا يردّ أيديهم عنها بعد و لا شوك عن مجاهد.
(و يطاف على نزّالها في أفنية قصورها بالأعسال المصفقة) المصفاة (و الخمور المروّقة) المتّصفة بالصفاء.
كما أخبر به سبحانه في كتابه العزيز بقوله «وَ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً، وَ يُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا، عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا».

و قوله «يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لا فِيها غَوْلٌ وَ لا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ» أى يطوف عليهم ولدان مخلّدون بكأس من خمر معين ظاهر للعيون جارية في أنهار ظاهرة، و قيل شديدة الجرى، و وصفها بكونها بيضاء لأنها في نهاية الرقّة و الصفاء و اللّطافة النورية الّتي بها لذيذة للشاربين ليس فيها ما يعترى خمر الدّنيا من المرارة و الكراهة، لا فيها غول أى لا يغتال عقولهم فيذهب بها، و لا يصيبهم منها وجع في البطن و لا في الرّأس و يقال للوجع غول لأنّه يؤدّى إلى الهلاك، و لا هم عنها ينزفون من نزف الرّجل فهو منزوف و نزيف إذا ذهب عقله بالسكر.
و لما وصف نعيم الجنة و ما منّ اللّه بها على نازليها أشار إلى نزّالها فقال عليه السّلام (قوم) أى هم قوم (لم تزل الكرامة تتمادى بهم) أى متمادية بهم ممتدّة لهم متوسّعة في حقّهم (حتّى حلّوا) و نزلوا (دار القرار و أمنوا نقلة الأسفار) أى من انتقالها.

و هو كناية عن خلاصهم عن مكاره عوالم الموت و البرزخ و القيامة و شدايدها و أهوالها روى في البحار من معاني الأخبار عن ابن عباس أنه قال: دار السلام الجنّة و أهلها.
لهم السلامة من جميع الافات و العاهات و الأمراض و الأسقام، و لهم السلامة من الهرم و الموت و تغيّر الأحوال عليهم، و هم المكرّمون الّذين لا يهانون أبدا، و هم‏الأعزّاء الّذين لا يذلّون أبدا، و هم الأغنياء الّذين لا يفقرون أبدا، و هم السعداء الّذين لا يشقون أبدا، و هم الفرحون المسرورون الّذين لا يغتمّون و لا يهتمون أبدا، و هم الأحياء الّذين لا يموتون أبدا فمنهم من في قصور الدرّ و المرجان أبوابها مشرعة إلى عرش الرّحمان، و الملائكة يدخلون عليهم من كلّ باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدّار.

ثمّ أخذ في تحضيض المخاطبين و تشويقهم إلى طلب الجنّة و القصد اليها بقوله (فلو شغلت قلبك أيّها المستمع بالوصول إلى ما يهجم عليك) أى يدخل عليك على غفلة منك (من تلك المناظر المونقة) المعجبة (لزهقت نفسك) أى بطلت و هو كناية عن الموت (شوقا إليها) و حرصا عليها (و لتحملت) و ارتحلت (من مجلسى هذا إلى مجاورة أهل القبور استعجالا بها) أى بتلك المناظر المونقة.

و محصّل المراد أنك لو تفكّرت في درجات الجنان و ما أعدّ اللّه سبحانه فيها لأوليائه المقرّبين، و عباده الصالحين من جميع ما تشتهيه الأنفس و تلذّ الأعين لمتّ من فرط الشوق و الشعف و لازعجت بكلّيتك عن الدّنيا، و ساكنت المقابر و جاورت أهل القبور انتظارا للموت الممدّ اليها.
ثمّ دعا عليه السّلام له و لهم بقوله (جعلنا اللّه و إيّاكم ممن سعى إلى منازل الأبرار) و مساكن الأخيار (برحمته) و منّته إنّه وليّ الاحسان و الكرم و الامتنان.

تبصرة

آيات الكتاب العزيز و الاخبار المتضمّنتان لوصف الجنة و التشويق إليها فوق حدّ الاحصاء و لنورد بعض الاخبار المتضمّنة له و المشتملة على مناقب أمير المؤمنين عليه السّلام و بعض فضايل شيعته لعدم خلوّه عن مناسبة المقام فأقول: روى الشارح المعتزلي عن الزمخشري في ربيع الأبرار قال: و مذهبه في الاعتزال و نصرة أصحابنا معلوم و كذا في انحرافه عن الشيعة و تسخيفه لمقالاتهم إنّ رسول اللّه قال: لما اسري بي أخذني جبرئيل فأقعدني على درنوك من درانيك الجنة ثمّ ناولني سفرجلة فبينما أنا أقلبها انقلقت فخرجت منها جارية لم أر أحسن‏منها فسلّمت فقلت من أنت قال أنا الرّاضية المرضيّة خلقني الجبّار من ثلاثة أصناف أعلاي من عنبر و أوسطي من كافور و أسفلي من مسك ثمّ عجنني بماء الحيوان و قال لي كوني فكنت خلقنى لأخيك و ابن عمّك عليّ بن أبي طالب.

أقول و رواه في غاية المرام من كتاب مناقب أمير المؤمنين عليه السّلام لموفق بن أحمد أخطب خوارزم مثله، و عن عيون الأخبار للصّدوق نحوه و من أمالي الصّدوق بتفاوت يسير و زيادة قليلة.
و روى في البحار من كشف الغمّة عن موفّق بن أحمد الخوارزمي أيضا بسنده عن بكر بن أحمد عن محمّد بن عليّ عن فاطمة بنت الحسين عليه السّلام عن أبيها و عمّها الحسن بن عليّ عليهما السّلام قالا أخبرنا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لما أدخلت الجنّة رأيت الشجرة تحمل الحليّ و الحلل أسفلها خيل بلق، و أوسطها حور العين، و في أعلاها الرّضوان قلت يا جبرئيل لمن هذه الشجرة قال هذه لابن عمّك أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب إذا أمر اللّه الخليقة بالدّخول إلى الجنة يؤتى بشيعة عليّ عليه السّلام حتّى ينتهى بهم إلى هذه الشجرة، فيلبسون الحليّ و الحلل، و يركبون الخيل البلق و ينادى مناد: هؤلاء شيعة عليّ صبروا في الدّنيا على الأذى فحبوا هذا اليوم.

و في ا