نهج البلاغه نامه ها نامه شماره 9 شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

نامه 9 صبحی صالح

9- و من كتاب له ( عليه‏ السلام  ) إلى معاوية

فَأَرَادَ قَوْمُنَا قَتْلَ نَبِيِّنَا وَ اجْتِيَاحَ أَصْلِنَا وَ هَمُّوا بِنَا الْهُمُومَ وَ فَعَلُوا بِنَا الْأَفَاعِيلَ وَ مَنَعُونَا الْعَذْبَ وَ أَحْلَسُونَا الْخَوْفَ وَ اضْطَرُّونَا إِلَى جَبَلٍ وَعْرٍ وَ أَوْقَدُوا لَنَا نَارَ الْحَرْبِ

فَعَزَمَ اللَّهُ لَنَا عَلَى الذَّبِّ عَنْ حَوْزَتِهِ وَ الرَّمْيِ مِنْ وَرَاءِ حُرْمَتِهِ

مُؤْمِنُنَا يَبْغِي بِذَلِكَ الْأَجْرَ وَ كَافِرُنَا يُحَامِي عَنِ الْأَصْلِ وَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قُرَيْشٍ خِلْوٌ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ بِحِلْفٍ يَمْنَعُهُ أَوْ عَشِيرَةٍ تَقُومُ دُونَهُ فَهُوَ مِنَ الْقَتْلِ بِمَكَانِ أَمْنٍ

وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى‏الله‏عليه‏وآله  )إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ‏

وَ أَحْجَمَ النَّاسُ قَدَّمَ أَهْلَ بَيْتِهِ فَوَقَى بِهِمْ أَصْحَابَهُ حَرَّ السُّيُوفِ وَ الْأَسِنَّةِ

فَقُتِلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ يَوْمَ بَدْرٍ وَ قُتِلَ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ وَ قُتِلَ جَعْفَرٌ يَوْمَ مُؤْتَةَ وَ أَرَادَ مَنْ لَوْ شِئْتُ ذَكَرْتُ اسْمَهُ مِثْلَ الَّذِي أَرَادُوا مِنَ الشَّهَادَةِ وَ لَكِنَّ آجَالَهُمْ عُجِّلَتْ وَ مَنِيَّتَهُ أُجِّلَتْ

فَيَا عَجَباً لِلدَّهْرِ إِذْ صِرْتُ يُقْرَنُ بِي مَنْ لَمْ يَسْعَ بِقَدَمِي وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ كَسَابِقَتِي الَّتِي لَا يُدْلِي أَحَدٌ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ مَا لَا أَعْرِفُهُ وَ لَا أَظُنُّ اللَّهَ يَعْرِفُهُ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ

وَ أَمَّا مَا سَأَلْتَ مِنْ دَفْعِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ إِلَيْكَ فَإِنِّي نَظَرْتُ فِي هَذَا الْأَمْرِ فَلَمْ أَرَهُ يَسَعُنِي دَفْعُهُمْ إِلَيْكَ وَ لَا إِلَى غَيْرِكَ

وَ لَعَمْرِي لَئِنْ لَمْ تَنْزِعْ عَنْ غَيِّكَ وَ شِقَاقِكَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ عَنْ قَلِيلٍ يَطْلُبُونَكَ لَا يُكَلِّفُونَكَ طَلَبَهُمْ فِي بَرٍّ وَ لَا بَحْرٍ وَ لَا جَبَلٍ وَ لَا سَهْلٍ إِلَّا أَنَّهُ طَلَبٌ يَسُوءُكَ وِجْدَانُهُ وَ زَوْرٌ لَا يَسُرُّكَ لُقْيَانُهُ وَ السَّلَامُ لِأَهْلِهِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج17  

و من كتاب له عليه السلام الى معاوية و هو الكتاب التاسع من باب المختار من كتبه عليه السلام و رسائله‏

فأراد قومنا قتل نبينا، و اجتياح أصلنا و هموا بنا الهموم، و فعلوا بنا الأفاعيل، و منعونا العذب، و أحلسونا الخوف، و اضطرونا إلى جبل وعر، و أوقدوا لنا نار الحرب، فعزم الله لنا على الذب عن حوزته، و الرمي من وراء حرمته، مؤمننا يبغي بذلك الأجر، و كافرنا يحامي عن الأصل، و من أسلم من قريش خلو مما نحن فيه بحلف يمنعه، أو عشيرة تقوم دونه، فهو من القتل بمكان أمن. و كان رسول الله صلى الله عليه و آله إذا احمر الباس، و أحجم الناس، قدم أهل بيته، فوقى بهم أصحابه حر السيوف و الأسنة، فقتل عبيدة ابن الحارث يوم بدر، و قتل حمزة يوم أحد، و قتل جعفر يوم موته، و أراد من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة، و لكن آجالهم عجلت، و منيته أجلت (أخرت- خ ل). فيا عجبا للدهر إذ صرت يقرن بي من لم يسع بقدمي، و لم تكن له كسابقتي التي لا يدلي أحد بمثلها إلا أن يدعي مدع ما لا أعرفه و لا أظن الله يعرفه، و الحمد لله على كل حال. و أما ما سألت من دفع قتلة عثمان إليك، فإني نظرت في هذا الأمر فلم أره يسعني دفعهم إليك و لا إلى غيرك، و لعمري لئن لم تنزع عن غيك و شقاقك، لتعرفنهم عن قليل يطلبونك، لا يكلفونك طلبهم في بر و لا بحر، و لا جبل و لا سهل، إلا أنه طلب يسوءك وجدانه، و زور لا يسرك لقيانه، و السلام لأهله‏.

«سند الكتاب و نقله على صورته الكاملة و ذكر ما» «وقع من الخلط و الشتات فيه»

ما أتى به السيد رضوان الله عليه من كتابه عليه السلام هذا فملتقط من كتاب طويل هو من محاسن كتابه عليه السلام بلا كلام كما سيتلى عليك و الرضي- ره- أسقط كثيرا من هذا الكتاب و أتى بشر ذمة قليلة منه، و هذه عادته رضوان الله عليه، لأن غرضه التقاط الفصيح و البليغ من كلامه عليه السلام.

كتبه عليه السلام إلى معاوية جواب كتابه إليه، و دفع معاوية كتابه إلى أبي مسلم الخولاني فقدم به على علي أمير المؤمنين عليه السلام الكوفة و الكتابان مذكوران في كتاب صفين لنصر بن مزاحم المنقري التميمي الكوفي المتوفى في سني المائة الثانية من الهجرة (ص 47، الطبع الناصري 1301 ه) و نقل عنه المجلسي رحمه الله في المجلد الثامن من البحار (ص 547 الطبع الكمباني) و الرضي توفي سنة 406 من الهجرة.

و نحن نورد ما أتى به نصر في كتاب صفين: نصر: عن عمر بن سعد، عن أبي روق أن أبا مسلم الخولاني قام إلى معاوية في اناس من قراء أهل الشام فقالوا يا معاوية على ما تقاتل عليا و ليس لك مثل صحبته و لا قرابته و لا سابقته؟.

قال لهم: ما اقاتل عليا و أنا أدعي أن لي في الاسلام مثل صحبته و لا هجرته و لا قرابته و لا سابقته، و لكن خبروني عنكم ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما؟

قالوا: بلى. قال: فليدع إلينا قتلته فنقتلهم به و لا قتال بيننا و بينه. قالوا:فاكتب كتابا يأتيه بعضنا.

فكتب إلى علي هذا الكتاب مع أبي مسلم الخولاني، فقدم به على علي.

ثم قام أبو مسلم خطيبا، فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: أما بعدك فانك قد قمت بأمر و توليته و الله ما احب أنه لغيرك إن أعطيت الحق من نفسك، إن عثمان قتل مسلما محرما مظلوما، فادفع إلينا قتلته و أنت أميرنا، فإن خالفك أحد من الناس كانت أيدينا لك ناصرة، و ألسنتنا لك شاهدة، و كنت ذا عذر و حجة.

فقال له علي: اغد علي غدا فخذ جواب كتابك.

فانصرف ثم رجع من الغد ليأخذ جواب كتابه، فوجد الناس قد بلغهم الذي جاء فيه، فلبست الشيعة أسلحتها، ثم غدوا فملئوا المسجد و أخذوا ينادون:كلنا قتل ابن عفان، و أذن لأبي مسلم فدخل على علي أمير المؤمنين فدفع إليه جواب كتاب معاوية.

فقال له أبو مسلم: قد رأيت قوما مالك معهم أمر، قال: و ما ذاك؟. قال:

بلغ القوم أنك تريد أن تدفع إلينا قتلة عثمان فضجوا و اجتمعوا و لبسوا السلاح و زعموا أنهم كلهم قتلة عثمان.

فقال علي عليه السلام و الله ما أردت أن أدفعهم إليك طرفة عين، لقد ضربت هذا الأمر أنفه و عينيه ما رأيته ينبغي لي أن أدفعهم إليك و لا إلى غيرك، فخرج بالكتاب و هو يقول: الان طاب الضراب.

«كتاب معاوية الى أمير المؤمنين على عليه السلام»

قال نصر بالسند المقدم: و كان كتاب معاوية إلى علي عليه السلام:

بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن الله اصطفى محمدا بعلمه و جعله الأمين على وحيه، و الرسول إلى خلقه، و اجتبى له من المسلمين أعوانا أيده الله بهم، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام.

فكان أفضلهم في إسلامه و أنصحهم لله و لرسوله الخليفة من بعده و خليفة خليفته و الثالث الخليفة المظلوم عثمان فكلهم حسدت، و على كلهم بغيت، عرفنا ذلك في نظرك الشزر و في قولك الهجر و في تنفسك الصعداء، و في إبطائك عن الخلفاء، تقاد إلى كل منهم كما يقاد الفحل المخشوش حتى تبايع و أنت كاره.

ثم لم تكن لأحد منهم بأعظم حسدا منك لابن عمك عثمان و كان أحقهم أن لا تفعل ذلك به في قرابته و صهره، فقطعت رحمه، و قبحت محاسنه، و ألبت الناس عليه، و بطنت و ظهرت حتى ضربت إليه آباط الإبل، و قيدت إليه الخيل العراب‏ و حمل عليه السلاح في حرم رسول الله صلى الله عليه و آله، فقتل معك في المحلة و أنت تسمع في داره الهائعة لا تردع الظن و التهمة عن نفسك فيه بقول و لا فعل.

فاقسم صادقا أن لو قمت فيما كان من أمره مقاما واحدا تنهنه الناس عنه ما عدل بك من قبلنا من الناس أحد، و لمحى ذلك عندهم ما كانوا يعرفونك به من المجانبة لعثمان و البغي عليه.

و اخرى أنت بها عند أنصار عثمان ظنين إيواءك قتلة عثمان، فهم عضدك و أنصارك و يدك و بطانتك، و قد ذكر لي أنك تنصل من دمه، فان كنت صادقا فأمكنا من قتلته نقتلهم به و نحن أسرع إليك، و إلا فانه ليس لك و لا لأصحابك إلا السيف.

و الذي لا إله إلا هو لنطلبن قتلة عثمان في الجبال و الرمال و البر و البحر حتى يقتلهم الله أو لتلحقن أرواحنا بالله، و السلام.

«جواب أمير المؤمنين عليه السلام الى معاوية»

قال نصر: فكتب إليه علي عليه السلام:

بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد، فإن أخا خولان قدم علي بكتاب منك تذكر فيه محمدا صلى الله عليه و آله و ما أنعم الله عليه به من الهدى و الوحي، فالحمد لله الذي صدقه الوعد، و تمم له النصر و مكن له في البلاد، و أظهره على أهل العدى و الشنان من قومه الذين و ثبوا به (و ثبوا عليه- خ ل) و شنفوا له، و أظهروا له التكذيب، و بارزوه بالعداوة، و ظاهروا على إخراجه و على إخراج أصحابه، و ألبوا عليه العرب و جامعوهم على حربه، و جهدوا في أمره كل الجهد، و قلبوا له الامور حتى ظهر أمر الله و هم كارهون، و كان أشد الناس عليه إلبة اسرته و الأدنى فالأدنى من قومه إلا من عصمه الله منهم.

يا ابن هند فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا، و لقد قدمت فأفحشت، إذ طفقت تخبرنا عن بلاء الله تعالى في نبيه محمد صلى الله عليه و آله و فينا، فكنت في ذلك كجالب التمر إلى‏ هجر، أو كداعي مسدده إلى النضال، و ذكرت أن الله اجتبى له من المسلمين أعوانا أيده الله بهم فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام، فكان أفضلهم زعمت (كما زعمت- خ ل) في الإسلام و أنصحهم لله و رسوله الخليفة و خليفة الخليفة، و لعمري إن مكانهما من الإسلام لعظيم، و إن المصاب بهما لجرح في الاسلام شديد، رحمهما الله و جزاهما بأحسن الجزاء.[2] و ذكرت أن عثمان كان في الفضل ثالثا، فان يكن عثمان محسنا فسيجزيه الله بإحسانه، و إن يكن مسيئا فسيلقى ربا غفورا لا يتعاظمه ذنب أن يغفره.

و لعمر الله‏[3] إني لأرجو إذا أعطى الله الناس على قدر فضائلهم في الاسلام و نصيحتهم لله و لرسوله أن يكون نصيبنا في ذلك الأوفر.

إن محمدا صلى الله عليه و آله لما دعا إلى الايمان بالله و التوحيد كنا أهل البيت أول من آمن به و صدق بما جاء به، فلبثنا أحوالا مجرمة و ما يعبد الله في ربع ساكن من العرب غيرنا، فأراد قومنا قتل نبينا و اجتياح أصلنا، و هموا بنا الهموم، و فعلوا بنا الأفاعيل.

فمنعونا الميرة، و أمسكوا عنا العذب، و أحلسونا الخوف، و جعلوا علينا الأرصاد و العيون، و اضطرونا إلى جبل و عر، و أوقدوا لنا نار الحرب، و كتبوا علينا بينهم كتابا لا يواكلونا، و لا يشاربونا، و لا يناكحونا، و لا يبايعونا، و لا نأمن فيهم حتى ندفع النبي صلى الله عليه و آله فيقتلونه و يمثلوا به، فلم نكن نأمن فيهم إلا من موسم إلى موسم.

فعزم الله لنا على منعه و الذب عن حوزته، و الرمي من وراء حرمته،و القيام بأسيافنا دونه في ساعات الخوف و الليل و النهار، فمؤمننا يرجو بذلك الثواب و كافرنا يحامي به عن الأصل.

فأما من أسلم من قريش بعد فانهم مما نحن فيه أخلياء فمنهم حليف ممنوع أو ذو عشيرة تدافع عنه، فلا يبغيه أحد بمثل ما بغانا به قومنا من التلف، فهم من القتل بمكان نجوة و أمن، فكان ذلك ما شاء الله أن يكون.

ثم أمر الله رسوله بالهجرة، و أذن له بعد ذلك في قتال المشركين، فكان إذا احمر البأس و دعيت نزال، أقام أهل بيته فاستقدموا، فوقى أصحابه بهم حر الأسنة و السيوف.

فقتل عبيدة يوم بدر، و حمزة يوم احد، و جعفر و زيد يوم موتة، و أراد لله من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة مع النبي صلى الله عليه و آله غير مرة إلا أن آجالهم عجلت، و منيته اخرت، و الله ولي الإحسان إليهم، و المنان عليهم بما قد أسلفوا من الصالحات.

فما سمعت بأحد و لا رأيت فيهم من هو أنصح لله في طاعة رسوله، و لا أطوع لرسوله في طاعة ربه، و لا أصبر على اللأواء و الضراء و حين البأس و مواطن المكروه مع النبي صلى الله عليه و آله من هؤلاء النفر الذين سميت لك، و في المهاجرين خير كثير نعرفه جزاهم الله بأحسن أعمالهم.

و ذكرت (فذكرت- خ ل) حسدي الخلفاء و إبطائي عنهم بغيي عليهم، فأما البغي فمعاذ الله أن يكون. و أما الإبطاء عنهم و الكراهة لأمرهم فلست أعتذر منه إلى الناس، لأن الله جل ذكره لما قبض نبيه صلى الله عليه و آله قالت قريش: منا أمير و قالت الأنصار: منا أمير، فقالت قريش: منا محمد رسول الله فنحن أحق بذلك الأمر، فعرفت ذلك الأنصار فسلمت لهم الولاية و السلطان فاذا استحقوها بمحمد صلى الله عليه و آله دون الأنصار فإن أولى الناس بمحمد صلى الله عليه و آله أحق بها منهم و إلا فإن الأنصار أعظم العرب فيها نصيبا فلا أدري أصحابي سلموا من أن يكونوا حقي أخذوا، أو الأنصار ظلموا عرفت أن حقي هو المأخوذ و قد تركته لهم تجاوز الله عنهم.

و أما ما ذكرت من أمر عثمان و قطيعتي رحمه و تأليبي عليه، فان عثمان عمل ما بلغك، فصنع الناس ما قد رأيت، و قد علمت أني كنت في عزلة عنه إلا أن تتجنى فتجن ما بدا لك.

و أما ما ذكرت من أمر قتلة عثمان فإني نظرت في هذا الأمر و ضربت أنفه و عينيه، فلم أرد فعهم إليك و لا إلى غيرك، و لعمري لئن لم تنزع عن غيك و شقاقك لتعرفنهم عن قليل يطلبونك و لا يكلفونك أن تطلبهم في بر و لا بحر و لا جبل و لا سهل و قد كان أبوك أتاني حين ولى الناس أبا بكر فقال: أنت أحق بعد محمد صلى الله عليه و آله بهذا الأمر و أنا زعيم لك بذلك على من خالف عليك، ابسط يدك ابايعك فلم أفعل.

و أنت تعلم أن أباك قد كان قال ذلك و أراده حتى كنت أنا الذي أبيت لقرب عهد الناس بالكفر، مخافة الفرقة بين أهل الإسلام، فأبوك كان أعرف بحقي منك فإن تعرف من حقي ما كان يعرف أبوك تصب رشدك، و إن لم تفعل، فسيغني (فسيغنيني ظ) الله عنك و السلام.

انتهى كتابه الشريف برمته على ما أتى به نصر في صفين و إذا قايست بينه و بين ما نقله الرضي رضوان الله عليه في النهج يظهر لك أنه- ره- أسقط كثيرا من فصول الكتاب و نقل في النهج طائفة منه.ثم يوجد بعض فقرات هذا الكتاب في الكتاب الثامن و العشرين من هذا الباب أوله قوله: و من كتاب له عليه السلام إلى معاوية جوابا و هو من محاسن الكتاب، أما بعد فقد أناني كتابك تذكر فيه اصطفاء- إلخ.

اللغة

(الاجتياح) اجوف واوي يقال: جاحه من باب قال و اجتاحه بمعنى أي أهلكه و استأصله. و الجوح: الاستيصال و الاهلاك.

(الهم) بالفتح: واحد الهموم أي القصد، أو ما تجيل لفعله و إيقاعه فكرك و الهم أيضا مصدر هممت بالشي‏ء من باب نصر إذا نويته و عزمت عليه و قصدته.

(الفعل) بالكسر اسم الحدث جمعه فعال مثل قدح و قداح و يجمع على الأفعال أيضا، و يجمع الأفعال على الأفاعيل. و قيل: الأفاعيل جمع أفعولة و هي‏ الفعل الذمي و يقال لمن أثر آثارا منكرة: فعل الأفاعيل.

(العذب) بفتح أوله و سكون ثانيه: قال الراغب: ماء عذب: طيب بارد قال تعالى: هذا عذب فرات سائغ شرابه‏- الفاطر 12». عذب الماء عذوبة من باب شرف: ساغ مشربه فهو عذوب و استعذبته رأيته عذبا و جمعه عذاب مثل سهم و سهام. و العذب أيضا: المستساغ من الطعام. و الطيب من العيش.

تشبيه (أحلسونا الخوف) قال المرزوقي في شرح الحماسة: الحلس واحد من أحلاس البيت. قال: قال الخليل: و هو ما يبسط تحت حر المتاع من مسح و جوالق و نحوهما.و في الصحاح عن الأصمعي: الحلس للبعير و هو كساء رقيق يكون تحت البرذعة، و أحلاس البيوت ما يبسط تحت حر الثياب. و في الحديث: كن حلس بيتك، أي لا تبرح، و قولهم: نحن أحلاس الخيل أي نقتنيها و نلزم ظهورها، و أحلست البعير أي ألبسته الحلس، و أحلست فلانا يمينا إذا أمررتها عليه. و أحلست السماء أي مطرت مطرا دقيقا دائما.

و في النهاية الأثيرية: و في حديث الفتن عد منها فتنة الأحلاس، الأحلاس جمع حلس و هو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب، شبهها به للزومها و دوامها و منه حديث أبي موسى قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: كونوا أحلاس بيوتكم أي ألزموها. و منه حديث أبي بكر: كن حلس بيتك حتى يأتيك يد خاطئة أو منية قاضية.

فتحصل مما قدمنا في الحلس أن المراد من قوله عليه السلام «أحلسونا الخوف» أنهم جعلوا الخوف لهم كالحلس أي جعلوه ملازما لهم من حيث إن الحلس ملازم ظهر البغير، و أحلاس البيوت ملازمة لها. أو أنهم ألبسوهم الخوف و هذا كالأول يفيد أنهم ألزموهم الخوف.(وعر) بفتح أوله و سكون ثانيه: المكان الصلب الغليظ ضد السهل، يقال و عر و طريق و عر و مطلب و عر و يقال بالفارسية: دشوار و سخت. قالت كنزة(الحماسة 241):

لهفي على القوم الذين تجمعوا بذي السيد لم يلقوا عليا و لا عمرا
فان يك ظني صادقا و هو صادقي‏ بشمله يحبسهم بها محبسا وعرا

و الوعر أيضا: المكان المخيف الوحش. و الجبل الوعر: الصعب المرتقى.

(الذب): الدفع و المنع. (حوزته) في الصحاح: الحوزة: الناحية و حوزة الملك بيضته. (الحرمة) كلقمة: ما لا يحل انتهاكه. (يبغي) أي يطلب.

و منه قوله صلى الله عليه و آله: ألا إن الله يحب بغاة العلم (ج 1 من الوافي ص 36) أي طلابه جمع باغ كهداة و هاد. (أحجم الناس) أي نكصوا و تأخروا هيبة و كفوا عن الحرب قال الجوهري: حجمته عن الشي‏ء أحجمه- بالضم- أي كففته عنه، يقال:حجمته عن الشي‏ء فأحجم أي كففته فكف، و هو من النوادر مثل كببته فأكب.

(لم يسع) من السعي. استعاره (لا يدلى) واوي من دل و، يقال: أدلى برحمه أي توسل بقرابته، و أدلى بحجته أي أحضرها و احتج بها. و أدلى إلى الحاكم بمال أي دفعه إليه ليجعله وسيلة إلى قضاء حاجته منه و في القرآن الكريم: و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل و تدلوا بها إلى الحكام‏ (البقرة- 189) و الأصل في ذلك من دلوت الدلو و أدليتها ثم استعير للتوصل إلى الشي‏ء. و في الشفاعة يقال: دلوت بفلان أي استشفعت به و لا يقال حينئذ أدليت به.

قال عصام بن عبيد الله كما في الحماسة (الحماسة 402) و على ما في البيان و التبيين (ص 316 ج 2) قال همام الرفاشي:

فقد جعلت إذا ما حاجتي نزلت‏ بباب قصرك أدلوها بأقوام‏

قال المرزوقي في معناه: إذا اتفق ما لا بد لي منك و من معونتك من حاجة أو عارض سبب فاني معتمد على غيري في التنجز و الاستعساف، و معنى «أدلوها» من قولك دلوت الدلو إذا أخرجتها من البئر، أي أتسبب بغيري و أصون من التبذل عرضي.

(لعمري) العمر بالفتح: الحياة و الدين، قال في أقرب الموارد: و منه‏ لعمري في القسم أي لديني.

(لم تنزع عن غيك) النزع عن الشي‏ء: الكف عنه. (الغي): الضلال (الشقاق) الخلاف. التكليف: الأمر بما يشق عليك من الكلفة بمعنى المشقة.

(زور) بالفتح جاء مصدرا و غير مصدر و على الثاني يستوي فيه المفرد و المثنى و الجمع و المذكر و المؤنث. يقال: رجل زور و قوم زور و نساء زور. قال الجوهري الزور، الزائرون يقال: رجل زائر و قوم زور و زوار مثل سافر و سفر و سفار، و نسوة زور أيضا. زاره زورا من باب قال: أتاه بقصد الالتقاء به.

قال زياد بن حمل كما في كتاب الحماسة لأبي تمام الطائي (الحماسة 577) أو زياد بن منقذ كما قاله الجوهري في مادة قزم من الصحاح:

زارت رويقة شعثا بعد ما هجعوا لدى نواحل في أرساغها الخدم‏
و قمت للزور مرتاعا و أرقني‏ فقلت أهي سرت أم عادني حلم‏

و الأصل في ذلك زرت فلانا أى تلقيته بزوري أو قصدت زوره نحو و جهته و الزور أعلى الصدر.

(لقيان) بضم اللام و كسرها مصدر من لقيت فلانا من باب علم أي صادقته و رأيته.

الاعراب‏

الضميران في حوزته و حرمته يرجعان إلى النبي صلى الله عليه و آله كما يدل عليه سياق الكلام، و قوله عليه السلام بعد ذلك «و القيام بأسيافنا دونه في ساعات الخوف و الليل و النهار» على ما مر في ذكر سند الكتاب.

«و من أسلم» الواو للحال فالجملة حالية، أصحابه مفعول لفعل وقى و حر السيوف مفعول ثان له.

قوله عليه السلام «أراد من» من فاعل أراد، و مثل الذى مفعوله و الضمير في منيته راجع إلى من، و في أرادوا و آجالهم إلى عبيدة و من بعده، و كلمة من في‏ من الشهادة بيانية تبين المثل.و العمر بالفتح و الضم و إن كانا مصدرين بمعنى إلا أن المفتوح منهما يستعمل في القسم، فاذا أدخلت عليه اللام رفعته بالابتداء و اللام لتوكيد الابتداء و الخبر محذوف و التقدير لعمري قسمي أو ما أقسم به، فان لم تأت باللام نصبته نصب المصادر و فتحة الفاء في «لتعرفنهم» ليست علامة النصب، بل هي لمكان النون المشددة المؤكدة، لأن آخر الفعل المخاطب المذكر إذا كان مؤكدا بنوني التأكيد يفتح لئلا يلتبس بالجمع المذكر و المفرد المؤنث إذا كانا مؤكدين بهما.

و اختلف في هذه الفتحة فقال ابن السراج و المبرد و الفارسي: بناء للتركيب و قال سيبويه و السيرافي و الزجاج: عارضة للساكنين و هما آخر الفعل و النون الأولى، و محل يطلبونك النصب مفعولا ثانيا لتعرفنهم بمعنى لتعلمنهم.«طلبهم» منصوب، أي لا يكلفونك في طلبك إياهم في بر و لا بحر- إلخ.

«لقيانه» الضمير فيه راجع إلى الزور فان كان الزور مصدرا كما هو الظاهر من سياق الكلام حيث جعل قبال الطلب فالأمر ظاهر، و إن كان اسم جمع بمعنى الزائرين فإفراد الضمير باعتبار إفراد لفظ الزور، و هذا لا يخلو من تكلف.

المعنى‏

قد أشار عليه السلام في هذا الكتاب المستطاب إلى طائفة من فضائله و حماية أهل بيت النبي من المسلم و الكافر النبي صلى الله عليه و آله عن الأعداء، و إلى نبذة مما دار بين المسلمين و المشركين و غيرها مما سنتلوها عليك. و قد أجاب عليه السلام عن كل فصل من كتاب معاوية بفصل و ذلك لما يلي:

قوله عليه السلام: (بسم الله الرحمن الرحيم من علي أمير المؤمنين- إلى قوله إلا من عصمه الله منهم) قد أشار في هذا الفصل بعد حمد الله و ثنائه إلى ما فعل أهل العدى و الشنان من قومه صلى الله عليه و آله به حيث كذبوه و بارزوه بالعداوة و شنفوا له أي أبغضوه حتى ظاهروا على إخراجه من مكة و حرضوا العرب على حربه صلى الله عليه و آله، و لم يقصروا في شي‏ء كان يؤذيه من قول أو فعل إلا فعلوه، و كانت عداوتهم به صلى الله عليه و آله و اغرة في‏ صدورهم حتى أجمعوا في قتله، و لكن الله تعالى صدقه الوعد، و تمم له النصر و مكن له في البلاد، و أظهره عليهم، قال: عز من قائل‏ كتب الله لأغلبن أنا و رسلي إن الله قوي عزيز (المجادلة- 22).

ثم ذكر أن اسرته أي أهله كانوا أشد الناس به صلى الله عليه و آله إلبة و عداوة، و فيه تعريض بما فعل أبو سفيان و شيعته به صلى الله عليه و آله من أنحاء الايذاء و أنواع المعاداة، و كان أبو سفيان يحث الناس و يحرضهم على قتاله و قتله.

ثم استثنى عليه السلام من الاسرة من عصمهم الله، أي حفظهم و وقاهم من إيذائه صلى الله عليه و آله، بل وفقهم الله بنصره و عزم لهم على منعه و الذب عن حوزته و المراد من قوله عليه السلام: «إلا من عصمهم الله منهم» هو من عصمهم الله بالاسلام منهم و كانوا يومئذ قليلين، كما في السيرة الهشامية (ص 264 ج 1 طبع مصر 1375 ه) قال ابن اسحاق: فلما بادى رسول الله صلى الله عليه و آله قومه بالاسلام و صدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه، و لم يردوا عليه- فيما بلغني- حتى ذكر آلهتهم و عابها فلما فعل ذلك أعظموه و ناكروه و أجمعوا على خلافه و عداوته إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام و هم قليل مستخفون.

أو أراد بمن عصمهم الله نفسه و أباه أبا طالب و العباس و حمزة ممن حدب على رسول الله صلى الله عليه و آله و قام دونه و وقاه عن أذى الناس و حماه و إن لم يكن بعضهم أسلم بعد كما سيتضح لك بعيد هذا.

قوله عليه السلام: (يا ابن هند فلقد- إلى قوله: أن يغفره) أجاب عليه السلام بهذا الفصل عما كتب إليه معاوية من: «أن الله تعالى اجتبى له صلى الله عليه و آله من المسلمين أعوانا أيده الله بهم فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام».

غرضه أن هذا الأمر كان له عليه السلام أوضح و أبين، و أنه عليه السلام كان أعلم به من غيره، لأنه عليه السلام كان صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه و آله في كل زحف و كان أول من آمن به، و أول من صلى معه، و ما رأى أحد من المسلمين مثل عنائه في الحروب و لم يشركه أحد في حماية الدين و الذب عن حوزته و في خذلان أهل الكفر و العدوان‏ و إرغام شيعة الشيطان.

و العجب من معاوية يخبره عليه السلام بذلك و لم يكن له سعي في الدين و لذا قال له الأمير عليه السلام تهكما به: يا ابن هند فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا.

قوله عليه السلام: «كجالب‏ التمر إلى هجر» مثل يضرب به لمن يجي‏ء بالعلم إلى من هو أعلم منه، و يأتي بشي‏ء إلى من كان أصل ذلك الشي‏ء عنده، كما يقال بالفارسية: لقمان را حكمت آموخت، قطره بدريا فرستاد، زيره بكرمان برد خرما بعربستان فرستاد، و لا ريب أن هذا العمل خطاء و عامله مخطئ.

قال الميداني في فصل الكاف المفتوحة من الباب الثاني و العشرين من مجمع الأمثال في بيان مثل «كمستبضع‏ التمر إلى هجر»: قال أبو عبيدة: هذا من الأمثال المبتذلة و من قديمها و ذلك أن هجر معدن التمر و المستبضع إليه مخطئ، و يقال أيضا: كمستبضع التمر إلى خيبر. قال النابغة الجعدي:

و إن امرأ أهدى إليك قصيدة كمستبضع تمرا إلى أهل خيبرا

و هجر محركة اسم بلد معروف باليمن. و قال آخر:

أهدى كمستبضع تمرا إلى هجر أو حامل و شي‏ء أبراد إلى يمن‏

و قوله عليه السلام: «أو كداعي مسدده إلى النضال» مثل كالأول، أي كمن يدعو من يعلمه الرمي إلى المناضلة أي المراماة.

و الغرض أن إخبار معاوية أمير المؤمنين عليا عليه السلام بأن الله اجتبى للرسول أعوانا من المسلمين أيده الله بهم، كمن جلب‏ التمر إلى هجر أو كمن‏ دعى مسدده إلى النضال‏، لأنه عليه السلام كان لرسول الله صلى الله عليه و آله ظهيرا في كل شدة و عناء من ابتداء دعوته صلى الله عليه و آله إلى الاسلام إلى لقائه الملك العلام.

و لذا قال عليه السلام: يا ابن هند فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا، و لقد قدمت فأفحشت‏ إذ طفقت تخبرنا عن بلاء الله تعال‏ى في نبيه محمد صلى الله عليه و آله و فينا، فكنت في ذلك كجالب التمر إلى هجر- إلخ، و لا يخفى لطف كلامه عليه السلام.

قوله عليه السلام: «و لعمر الله إنى لأرجو- إلى قوله: نصيبنا في ذلك الأوفر»

معنى لعمر الله، أحلف ببقاء الله و دوامه، و الغرض من هذا الفصل جواب عما قال معاوية «من أن الله اجتبى للرسول صلى الله عليه و آله أعوانا- إلى قوله: على قدر فضائلهم في الاسلام».

و لما كان أمير المؤمنين عليه السلام عونا لرسول الله صلى الله عليه و آله في الشدائد، و لم يبلغ إلى رتبة حمايته عن الدين و لا إلى قدر فضيلته في الاسلام وزنة نصيحته لله و لرسوله أحد، و لا اخال إنسانا ينكرها، قال عليه السلام: إني لأرجو إذا أعطى الله الناس على قدر فضائلهم في الاسلام و نصيحتهم لله و رسوله أن يكون نصيبنا في ذلك الأوفر.

قال المسعودي في مروج الذهب (ص 49 ج 2 طبع مصر 1246 ه):و الأشياء التي استحق بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله الفضل هي السبق إلى الإيمان، و الهجرة، و النصرة لرسول الله صلى الله عليه و آله، و القربى منه، و القناعة، و بذل النفس له و العلم بالكتاب و التنزيل، و الجهاد في سبيل الله، و الورع، و الزهد، و القضاء و الحكم، و العفة، و العلم، و كل ذلك لعلي عليه السلام منه النصيب الأوفر و الحظ الأكبر مضافا إلى ما ينفرد به من قول رسول الله صلى الله عليه و آله حين آخى بين أصحابه:

أنت أخي، و هو صلى الله عليه و آله لا ضد له و لا ند، و قوله صلى الله عليه و آله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، و قوله صلى الله عليه و آله: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه، ثم دعاه صلى الله عليه و آله و قد قدم إليه أنس الطائر: اللهم ادخل إلي أحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر فدخل عليه علي عليه السلام إلى آخر الحديث، فهذا و غيره من فضائله.

قوله عليه السلام: «إن محمدا صلى الله عليه و آله لما دعى الى الإيمان بالله و التوحيد كنا أهل البيت أول من آمن به و صدق بما جاء به» توافرت الأخبار من الفريقين أن عليا أمير المؤمنين عليه السلام كان أول ذكر أسلم مع رسول الله صلى الله عليه و آله و أول من كان صلى معه صلى الله عليه و آله. هذا لو سلمنا أنه عليه السلام لم يكن أول من أسلم معه فقد قال أبو جعفر الطبري في التاريخ (ص 56 ج 2): حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة مولى الأنصار، عن زيد بن أرقم قال:

أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه و آله علي بن أبي طالب عليه السلام. و بهذا الاسناد عن زيد بن أرقم يقول: أول رجل صلى مع رسول الله صلى الله عليه و آله علي عليه السلام.

و في السيرة الهشامية (ص 245 ج 1): قال ابن اسحاق: ثم كان أول ذكر من الناس آمن برسول الله صلى الله عليه و آله و صلى معه و صدق بما جاءه من الله تعالى: علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم رضوان الله و سلامه عليه، و هو يومئذ ابن عشر سنين.

و في السيرة الحلبية (ص 303 ج 1): في المرفوع عن سلمان أن النبي صلى الله عليه و آله قال: أول هذه الامة ورودا علي الحوض أولها اسلاما علي بن أبي طالب عليه السلام.

و قال أبو جعفر الطبري في التاريخ: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا إبراهيم ابن المختار عن شعبة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس قال: أول من صلى علي.

و قال أيضا: حدثنا زكريا بن يحيى الضرير قال: حدثنا عبد الحميد بن بحر قال: أخبرنا شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: بعث النبي صلى الله عليه و آله يوم الاثنين و صلى علي يوم الثلاثاء.

و قال اليعقوبي في التاريخ: (ص 17 ج 2): كان أول من أسلم خديجة بنت خويلد من النساء، و علي بن أبي طالب من الرجال.

و قال أبو جعفر الطبري (ص 56 ج 2): حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي قال: حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا العلاء عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: أنا عبد الله، و أخو رسوله، و أنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر، صليت مع رسول الله صلى الله عليه و آله قبل الناس بسبع سنين.

و قال: حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال: حدثنا سعيد بن خثيم عن أسد بن عبدة البجلي، عن يحيى بن عفيف، عن عفيف قال: جئت في الجاهلية إلى مكة فنزلت على العباس بن عبد المطلب قال: فلما طلعت الشمس و حلقت في السماء و أنا أنظر إلى الكعبة أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء، ثم استقبل الكعبة فقام مستقبلها فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه، قال: فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت‏ خلفهما، فركع الشاب فركع الغلام و المرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام و المرأة فخر الشاب ساجدا فسجدا معه. فقلت: يا عباس أمر عظيم فقال: أمر عظيم، أ تدري من هذا؟ فقلت: لا. قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ابن أخي، أ تدري من هذا معه؟ قلت: لا. قال: هذا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، ابن أخي. أ تدري من هذه المرأة التي خلفهما؟ قلت: لا. قال: هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخي و هذا حدثني إن ربك رب السماء أمرهم بهذا الذي تراهم عليه و أيم الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة.

أقول: و قد رواه ابن الأثير في اسد الغابة في ترجمة عفيف هذا و هو عفيف الكندي.

بيان: قوله: استقبل الكعبة، و اعلم أن الكعبة زادها الله شرفا لم تكن عندئذ قبلة، و أن النبي صلى الله عليه و آله صلى إلى بيت المقدس بعد النبوة ثلاث عشرة سنة بمكة و تسعة عشر شهرا بالمدينة، ثم صرفه الله تعالى عن البيت المقدس إلى الكعبة.و في السيرة الهشامية (ص 606 ج 1 طبع مصر 1375 ه). قال ابن اسحاق:و يقال: صرفت القبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه و آله المدينة.

و في إزاحة العلة في معرفة القبلة لأبي الفضل شاذان بن جبرئيل القمي: قال معاوية بن عمار: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: متى صرف رسول الله صلى الله عليه و آله إلى الكعبة؟ قال:بعد رجوعه من بدر و كان يصلي بالمدينة إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا ثم أعيد إلى الكعبة.و في القانون المسعودي للعلامة أبي الريحان البيروني (ص 256 ج 1 طبع حيدر آباد الدكن): صرف القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة لصلاة العصر كان في اليوم السادس عشر من شعبان.

و قول عفيف بأنه صلى الله عليه و آله قام للصلاة مستقبل الكعبة يوافق ما روي أن رسول الله صلى الله عليه و آله طول مقامه بمكة كان يجعل الكعبة بينه و بين بيت المقدس إذا أمكن كما رواه الشيخ الجليل في الاحتجاج باسناده إلى أبي محمد العسكري عليه السلام.و في السيرة النبوية لابن هشام: كان رسول الله صلى الله عليه و آله بمكة و قبلته إلي الشام فكان إذا صلى بين الركن اليماني و الحجر الأسود، و جعل الكعبة بينه و بين الشام (ص 298 ج 1 طبع مصر 1375 ه).

و لنا رسالة مفردة في الوقت و القبلة أتينا فيها بجميع ما يجب أن يعلم فيهما من طرق معرفة خط الزوال تنتهي إلى ثلاثين طريقا، و طرق تحصيل سمت القبلة و بيان أخبارهما و غيرها ببراهين هندسية و أدلة فقهية ما إخال بغاة العلم يستغنون عنها أو يبغون لها بدلا.

و قال أبو جعفر الطبري: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال: كان أول ذكر آمن برسول الله صلى الله عليه و آله علي بن أبي طالب و هو يومئذ ابن عشر سنين و كان مما أنعم الله به على علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه و آله قبل الإسلام.

و قد تظافرت الأخبار بأنه عليه السلام قد ربي في حجر رسول الله صلى الله عليه و آله قبل الاسلام ففي السيرتين و تاريخ الطبري و غير واحد من الكتب المدونة في ذلك من الفريقين و قد أتى أبو جعفر الطبري بما أتى به ابن هشام في السيرة من غير تغيير.

قال الطبري: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال: حدثني محمد بن إسحاق قال. فحدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج قال: كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب و ما صنع الله له و أراده به من الخير أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة و كان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله صلى الله عليه و آله للعباس عمه و كان من أيسر بني هاشم: يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال و قد اصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق بنا فلنحفف عنه من عياله آخذ من بنيه رجلا و تأخذ من بنيه رجلا فنكفهما عنه.

قال العباس: نعم فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا: إنا نريد أن نخفف‏ عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه.

فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله صلى الله عليه و آله عليا فضمه إليه، و أخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم يزل علي بن أبي طالب مع رسول الله صلى الله عليه و آله حتى بعثه الله نبيا فاتبعه علي فامن به و صدقه، و لم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم و استغنى عنه.

و قال: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال: فحدثني محمد بن إسحاق قال: و ذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه و آله كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة و خرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من عمه أبي طالب و جميع أعمامه و سائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فاذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا. ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما و هما يصليان، فقال لرسول الله صلى الله عليه و آله:

يا ابن أخي ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ قال: أي عم هذا دين الله و دين ملائكته و دين رسله و دين أبينا إبراهيم، أو كما قال صلى الله عليه و آله بعثني الله به رسولا إلى العباد و أنت يا عم أحق من بذلت له النصيحة و دعوته إلى الهدى و أحق من أجابني إليه و أعانني عليه، أو كما قال، فقال أبو طالب: يا ابن أخي إنى لا أستطيع أن افارق ديني و دين آبائي و ما كانوا عليه، و لكن و الله لا يخلص إليك بشي‏ء تكرهه ما حييت انتهى ما رواه أبو جعفر عن ابن اسحاق و في السيرة الهشامية أتى بمثل ما أتى به الطبري إلا أن فيه «ما بقيت» مكان «ما حييت» يعني أن أبا طالب قال له صلى الله عليه و آله و لكن لا يوصل إليك مكروه ما دام لي الحياة و البقاء، أي أدفع عنك شر الناس و أذاهم، و سنشير إلى إسلام أبي طالب إنشاء الله تعالى.

و في السيرة و تاريخ الطبري: ذكروا أن أبا طالب قال لعلي عليه السلام: أي بني ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال: يا أبت، آمنت بالله و برسول الله صلى الله عليه و آله و صدقته بما جاء به، و صليت معه لله و اتبعته، قالا: فزعموا أنه قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه.

في الإرشاد للمفيد قدس سره: فأما مناقب أمير المؤمنين علي عليه السلام الغنية لشهرتها و تواتر النقل بها و إجماع العلماء عليها عن إيراد أسانيد الأخبار فهي كثيرة يطول بشرحها الكتاب، و في رسمنا منها طرفا كفاية عن ايراد جميعها في الغرض الذي وضعنا له هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

فمن ذلك أن النبي صلى الله عليه و آله جمع خاصة أهله و عشيرته في ابتداء الدعوة إلى الإسلام، فعرض عليهم الايمان، و استنصرهم على أهل الكفر و العدوان، و ضمن لهم على ذلك الحظوة في الدنيا و الشرف و ثواب الجنان، فلم يجبه أحد منهم إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فنحله بذلك تحقيق الاخوة و الوزارة، و الوصية و الوراثة و الخلافة، و أوجب له به الجنة.

و ذلك في حديث الدار الذي أجمع على صحته نقاد (نقلة- خ ل) الاثار حين جمع رسول الله صلى الله عليه و آله بني عبد المطلب في دار أبي طالب و هم أربعون رجلا يومئذ يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا فيما ذكره الرواة، و أمر أن يصنع لهم طعاما فخذ شاة مع مد من بر و يعد لهم صاع من اللبن، و قد كان الرجل منهم معروفا بأكل الجذعة في مقام واحد و بشرب الفرق من الشراب في ذلك المقعد.

فأراد عليه و آله السلام باعداد قليل الطعام و الشراب لجماعتهم إظهار الاية لهم في شبعهم و ريهم مما كان لا يشبع واحدا منهم و لا يرويه، ثم أمر بتقديمه لهم فأكلت الجماعة كلها من ذلك اليسير حتى تملوا منه و لم يبن ما أكلوه منه و شربوه فيه فبهرهم بذلك و بين لهم آية نبوته و علامة صدقه ببرهان الله تعالى فيه.

ثم قال لهم بعد أن شبعوا من الطعام و رووا من الشراب: يا بني عبد المطلب إن الله بعثني إلى الخلق كافة و بعثني إليكم خاصة فقال «و أنذر عشيرتك الأقربين» و أنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان، تملكون بهما العرب و العجم، و تنقاد لكم بهما الأمم، و تدخلون بهما الجنة، و تنجون بهما من النار: شهادة أن لا إله إلا الله و أني رسول الله.

فمن يجيبني إلى هذا الأمر و يوازرني عليه و على القيام به يكن أخي و وصيي‏ و وزيري و وارثي و خليفتي من بعدي. فلم يجبه أحد منهم.

فقال أمير المؤمنين: فقمت بين يديه من بينهم و أنا إذ ذاك أصغرهم سنا، و أحمشهم ساقا، و أرمصهم عينا، فقلت: أنا يا رسول الله اوازرك على هذا الأمر.

فقال صلى الله عليه و آله: اجلس. ثم أعاد القول على القوم ثانية فأصمتوا، فقمت أنا و قلت مثل مقالتي الاولى، فقال: اجلس ثم أعاد القول على القوم ثالثة فلم ينطق أحد منهم بحرف فقمت و قلت: أنا اوازرك يا رسول الله على هذا الأمر، فقال: اجلس فأنت أخي و وصيي و وزيرى و وارثي و خليفتي من بعدي.

فنهض القوم و هم يقولون لأبي طالب: يا أبا طالب ليهنئك اليوم ان دخلت في دين ابن أخيك، فقد جعل ابنك أميرا عليك.

ثم قال- ره-: و هذه منقبة جليلة اختص بها أمير المؤمنين عليه السلام و لم يشركه فيها أحد من المهاجرين الأولين و لا الأنصار و لا أحد من أهل الاسلام، و ليس لغيره عدل لها من الفضل، و لا مقارب على حال، و فى الخبر بها ما يفيد أن به عليه السلام تمكن النبي صلى الله عليه و آله من تبليغ الرسالة، و إظهار الدعوة، و الصدع بالإسلام، و لولاه لم تثبت الملة، و لا استقرت الشريعة، و لاظهرت الدعوة.

فهو عليه السلام ناصر الإسلام، و وزير الداعي إليه من قبل الله عز و جل، و بضمانه لنبي الهدى عليه و آله السلام النصرة تم له في النبوة ما أراد و في ذلك من الفضل ما لا يوازنه الجبال فضلا، و لا تعادله الفضائل كلها محلا و قدرا. انتهى كلامه- ره- في الإرشاد.

تنبيه‏ :

ما نقله المفيد رحمه الله في الإرشاد أتى به أبو جعفر الطبري في التاريخ فراجع إلى- ص 62 ج 2- منه، فتبصر أن خليفة رسول الله صلى الله عليه و آله كان من بدء الأمر متعينا و صرح رسول الله صلى الله عليه و آله بأن عليا عليه السلام هو أخوه و وصيه و وزيره و وارثه و خليفته من بعده فمن قال بغيره فقد سلك غير سبيل الله و رسوله.

و قال ابن الأثير في اسد الغابة: و هو يعني أمير المؤمنين عليا عليه السلام أول الناس‏ إسلاما في قول كثير من العلماء على ما نذكره- إلى أن قال: حدثنا محمد بن عيسى حدثنا محمد بن بشار و ابن مثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة رجل من الأنصار، عن زيد بن أرقم قال: اول من أسلم علي.

و روى باسناده عن ابي بلخ عن ابن عباس قال: اول من أسلم علي.

و باسناده عن انس بن مالك قال: بعث النبي صلى الله عليه و آله يوم الإثنين و أسلم علي يوم الثلاثاء.

و باسناده عن حبة العرني قال: سمعت عليا يقول: أنا أول من صلى مع النبي صلى الله عليه و آله.

و باسناده عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: لقد صلت الملائكة علي و على علي سبع سنين و ذاك أنه لم يصل معي رجل غيره.

و الروايات من الفريقين في أنه عليه السلام كان أول من أسلم و أول من صلى معه صلى الله عليه و آله أكثر من أن يحصى.

فان قلت: قد توجد روايات في أن أبا بكر كان أول من أسلم فكيف التوفيق؟

قلت: من تتبع الجوامع علم أن المسلم عند الفحول من المحققين هو ما قدمنا و من ذهب إلى خلافه فحجته داحضة بلا مرية و ريب، و لم يرض أحد ممن جانب المراء و التعصب بتقدم إسلام أبي بكر، و كفاك في ذلك قول جل من كبار أهل السنة برد من وهم ذلك.

قال الحلبي الشافعي في كتابه انسان العيون في سيرة الأمين و المأمون المعروف بالسيرة الحلبية (ص 311- ج 1) بعد ما ذهب إلى أنه عليه السلام كان أول من أسلم: و قول بعض الحفاظ أن أبا بكر أول الناس إسلاما هو المشهور عند الجمهور من أهل السنة لا ينافي ما تقدم من أن عليا أول الناس إسلاما بعد خديجة، ثم مولاه زيد بن حارثة، لأن المراد أول رجل بالغ ليس من الموالي أبو بكر، و من الصبيان علي و من النساء خديجة، و من الموالي زيد بن حارثه، إلى آخر ما قال.

ثم إن إسلامه عليه السلام و هو ابن عشر سنين أو ابن خمس عشر سنة، أو ابن ثمان سنين و إن كان الأخير فما دونه يخالف المشهور و يضاد المعروف و روايته شاذة مطرودة إنما كان لسعة قلبه و كمال عقله و شرح صدره، و ليس ذلك ممن اجتبيه الله تعالى بمستنكر، كيف و قد نطق القرآن الحكيم بنظائره:

قال في يحيى عليه السلام: يا يحيى خذ الكتاب بقوة و آتيناه الحكم صبيا (مريم- 13) و في عيسى عليه السلام: فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب و جعلني نبيا و جعلني مباركا أين ما كنت و أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دمت حيا الايات (مريم 30- 34).

فكم ضل و نصب العداوة كالناصبة الذاهبة إلى أن ايمانه عليه السلام في تلك الحالة إنما كان على وجه التقليد و التلقين و ما كان بهذه المنزلة لم يستحق صاحبه المدحة و لم يجب له به الثواب و كان هو حينئذ ابن سبع سنين فلم يكن كامل العقل و لا مكلفا فراجع إلى البحار (ص 327 ج 9 من الطبع الكمباني).

على أن ظاهر قوله تعالى: و أنذر عشيرتك الأقربين‏ يدل على أنه عليه السلام كان في موضع التكليف و كان ممن دعاه رسول الله صلى الله عليه و آله إلى الاسلام، و قد تقرر في الفقه إمكان من بلغ عشرا عاقلا من الذكور أن يبدو منه بعض آثار التكليف من إنبات الشعر و حصول الاحتلام و علامة البلوغ ليست بمنحصرة في العدد.

ثم لو لم يكن دالا على أنه عليه السلام كان في موضع التكليف ليدل على كمال فضله و حصول معرفته بالله و برسوله و على أنه عليه السلام كان من آيات الله الخارقة للعادة و على اختصاصه و تأهيله لما رسخه الله له من الامامة و الحجة على الخلق فجرى في خرق العادة مجرى عيسى و يحيى عليهما السلام كما قدمنا، فلو لا أنه عليه السلام كان كاملا و هو من أبناء عشر فما دونها لما كلفه رسول الله صلى الله عليه و آله من الإقرار بنبوته، و لا دعاه إلى الاعتراف بحقه، و لا افتتح به الدعوة قبل جميع الرجال.

قال المسعودي في مروج الذهب (ص 400 ج 1 طبع مصر 1346 ه): و قد تنوزع في علي بن أبي طالب عليه السلام، فذهب كثير من الناس إلى أنه لم يشرك بالله شيئا فيستأنف الاسلام، بل كان تابعا للنبي صلى الله عليه و آله في جميع فعاله، مقتديا به، و بلغ و هو على ذلك. و أن الله عصمه و سدده و وفقه لتبعيته لنبيه عليه السلام، لأنهما كانا غير مضطرين، و لا مجبورين على فعل الطاعات، بل مختارين قادرين فاختارا طاعة الرب و موافقة أمره و اجتناب منهياته.

و منهم من رأى أنه أول من آمن، و أن الرسول دعاه و هو موضع التكليف بظاهر قوله عز و جل: و أنذر عشيرتك الأقربين‏ و كان بدؤه بعلي عليه السلام إذ كان أقرب الناس إليه و تبعهم له.

و منهم من رأى غير ما وصفنا، و هذا موضع قد تنازع الناس فيه من الشيعة و قد احتج كل فريق لقوله. و منهم من قال بالنص في الامامة و الاختيار. و أرض (كذا) كل فريق و كيفية إسلامه و مقدار سنيه قد أتينا على الكلام في ذلك على الشرح و الإيضاح في كتابنا المترجم بكتاب الصفوة في الإمامة، و في كتاب الاستنصار، و في كتاب الزاهي، و غيره من كتبنا في هذا المعنى. انتهى كلامه- ره-.

أقول: أما قوله- ره-: فذهب كثير من الناس إلى أنه عليه السلام لم يشرك بالله شيئا- إلخ، فكلام في غاية الحسن و الجودة و المتانة لما برهنا في شرح المختار 237 من باب الخطب أن النبي و وصيه يجب أن يكونا معصومين مطلقا فعلا و قولا و ذاتا من جميع ما يأبى و ينفر عنه الطبع السليم و العقل الناصع، و من جميع الذنوب و أنحاء الظلم و الشرك فان الشرك لظلم عظيم، و من جميع ما يعتبر في التبليغ كالعصمة عن الخطاء في تلقي الوحي و الرسالة إن كان نبيا، و العصمة عن الخطاء في التبليغ سواء كان نبيا أو وصيا.

و أما قوله: و منهم من رأى أنه‏ أول من آمن‏- إلخ، فقد دريت أنه هو الحق.قوله: و أن الرسول دعاه و هو موضع التكليف، فقد دريت تفصيل الكلام فيه و أما قوله: و كان بدؤه بعلي- إلخ، فنعم ما تمسك فيه بقوله: إذ كان‏ أقرب الناس‏ إليه.

و أما قوله: و منهم من قال بالنص- إلخ، فقد علمت من مباحثنا السالفة يجب أن يكون الإمام منصوبا و منصوصا من الله تعالى و رسوله.

و أما قوله: و غيره من كتبنا في هذا المعنى فمن ذلك الغير رسالة اثبات الوصية لعلي بن أبي طالب عليه السلام و قد عدها النجاشي و غيره من مصنفي الكتب الرجالية من كتبه و قد طبعت هذه الرسالة في عاصمة طهران سنة 1318 ه و قد شك فيها بأنها هل هي تلك الرسالة من المسعودي أو هي غيرها لغيره.

و قد عده العامة من علمائهم و على ظهر كتابه مروج الذهب المطبوع في مصر عدوه من الشافعية، و لكنه و هم، و هو- ره- من كبار علماء الإمامية و من فقهائهم، و قد نقل أقواله الفقيه صاحب الجواهر قدس سره في غير موضع. كان رحمه الله معاصرا للصدوق و هو منسوب إلى مسعود الصحابي والد عبد الله بن مسعود كما في المقالة الثالثة من الفن الثالث من الفهرست لابن النديم فراجع إلى الكتب الرجالية للامامية كفهرست النجاشي و خلاصة العلامة و جامع الرواة للأردبيلي و رجال المامقاني و في الفائدة الثانية من خاتمة المستدرك للمحدث النوري ص 310 و غيرها.

قوله عليه السلام: «فلبثنا أحوالا مجرمة و ما يعبد الله في ربع ساكن من العرب غيرنا» الحول: السنة يجمع على الأحوال، و المجرم التام الكامل أي سنين تامة و الربع: الدار و المحلة و قيل: الربع المنزل في الربيع خاصة. و قد مضى الخبر عن أبي جعفر الطبري آنفا في أن أمير المؤمنين عليه السلام صلى مع رسول الله صلى الله عليه و آله قبل الناس بسبع سنين.

قوله عليه السلام: «فأراد قومنا قتل نبينا- إلى قوله‏ و أوقدوا لنا نار الحرب» ما لقى رسول الله صلى الله عليه و آله من قومه من الأذى أكثر من أن يحصى و أشهر من أن يذكر حتى قال صلى الله عليه و آله: ما اوذي نبي مثل ما اوذيت، كيف لا و قد رموه بالسحر و الجنون و هو خاتم النبيين و أفضل الرسل و العقل الكل.

ففي السيرة النبوية لابن هشام: قال ابن اسحاق: ثم إن قريشا اشتد أمرهم‏ للشقاء الذي أصابهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه و آله و من أسلم معه منهم، فأغروا برسول الله صلى الله عليه و آله سفهاءهم، فكذبوه و آذوه و رموه بالشعر و السحر و الكهانة و الجنون، و رسول الله صلى الله عليه و آله مظهر لأمر الله لا يستخفى به، مباد لهم بما يكرهون من عيب دينهم و اعتزال أوثانهم و فراقه إياهم على كفرهم (ص 289 ج 1).

ثم قال في عدوان المشركين و قسوة قريش على من أسلم: قال ابن إسحاق:ثم إنهم عدوا على من أسلم و اتبع رسول الله صلى الله عليه و آله من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم و يعذبونهم بالضرب و الجوع و العطش، و برمضاء مكة إذا اشتد الحر من استضعفوا منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبه، و منهم من يصلب لهم و يعصمه الله منهم، ثم ذكر تعذيب قريش بلالا و عمار بن ياسر و أباه ياسرا و أمه سمية و غيرهم (ص 317 ج 1).

و قال ابن اسحاق كما في السيرة لابن هشام: حدثني حكيم بن جبير عن سعيد ابن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: أ كان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم و الله، إن كانوا ليضربون أحدهم و يجيعونه و يعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة حتى يقولوا له: اللات و العزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم حتى أن الجعل ليمر بهم فيقولون له: أ هذا الجعل إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم اقتداء منهم مما يبلغون من جهده. (ص 320 ج 1).

و بالجملة أن إيذاء القوم بالمسلمين بلغ إلى غاية، أمر رسول الله صلى الله عليه و آله المسلمين أن يهاجروا إلى أرض الحبشة، فخرجوا مخافة الفتنة و فرارا إلى الله بدينهم و أقام المسلمون بأرض الحبشة حتى ولد لهم الأولاد و جميع أولاد جعفر بن أبي طالب و لدوا بأرض الحبشة و لم يزالوا بها في أمن و سلامة. و المروي عن أحمد في مسنده عن ابن عباس قال: إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر فتعاهدوا باللات و العزى و مناة الثالثة الاخرى، و قد رأينا محمدا قمنا إليه قيام رجل واحد فلا يفارقه حتى يقتله.

قال: فأقبلت فاطمة عليهما السلام حتى دخلت عليه صلى الله عليه و آله فأخبرته بقولهم و قالت له لو قد رأوك لقتلوك و ليس منهم رجل إلا و قد عرف نصيبه من دمك، فقال: يا بني اريني وضوءا فتوضا ثم دخل عليهم المسجد فلما رأوه غضوا أبصارهم ثم قالوا:هو ذا، ثم لم يقم إليه منهم أحد فأقبل صلى الله عليه و آله حتى قام على رؤوسهم فأخذ قبضة من تراب فحصيهم بها و قال: شاهت الوجوه، فما أصاب رجل منهم شي‏ء إلا قتل يوم بدر كافرا.

قال أبو جعفر الطبري: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق‏[4] قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه و آله ما يصيب أصحابه من البلاء و ما هو فيه من العافية بمكانه من الله و عمه أبي طالب و أنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فان بها ملكا لا يظلم أحد عنده و هي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه.

فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة و فرارا إلى الله عز و جل بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الاسلام إلى أن قال:و لما استقر بالذين هاجروا إلى أرض الحبشة القرار بأرض النجاشي و اطمأنوا تامرت قريش فيما بينها في الكيد بمن ضوى إليها من المسلمين، فوجهوا عمرو بن العاص و عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي إلى النجاشي لتسليم من قبله و بأرضه من المسلمين إليهم، فشخص عمرو و عبد الله إليه في ذلك فنفذا لما أرسلهما إليه قومهما فلم يصلا إلى ما أمل قومهما من النجاشي، فرجعا مقبوحين و أسلم عمر بن الخطاب.

فلما أسلم و كان رجلا جلدا جليدا منيعا، و كان قد أسلم قبل ذلك حمزة بن عبد المطلب و وجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله في أنفسهم قوة و جعل الإسلام يفشو في القبائل، و حمى النجاشي من ضوى إلى بلده منهم.

اجتمعت قريش فائتمرت بينها أن يكتبوا بينهم كتابا يتعاقدون فيه على أن لا ينكحوا إلى بني هاشم و بني المطلب و لا ينكحوهم، و لا يبيعوهم شيئا و لا يبتاعوا منهم.

فكتبوا بذلك صحيفة و تعاهدوا و تواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا بذلك الأمر على أنفسهم.

فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم و بنو المطلب إلى أبي طالب، فدخلوا معه في شعبه و اجتمعوا إليه في شعبه، و خرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش و ظاهرهم عليه فأقاموا على ذلك من أمرهم سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا لا يصل إلى أحد منهم شي‏ء إلا سرا مستخفيا به ممن أراد صلتهم من قريش.

و في السيرة النبوية لابن هشام عن ابن إسحاق: و كان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة، و يقال: النضر بن الحارث، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه و آله فشل بعض أصابعه.

قال اليعقوبي في التاريخ (ص 22 ج 2): و همت قريش بقتل رسول الله صلى الله عليه و آله و أجمع ملاها على ذلك و بلغ أبا طالب فقال:

و الله لن يصلوا إليك بجمعهم‏ حتى أوسد في التراب دفينا
و دعوتني و زعمت أنك ناصح‏ و لقد صدقت و كنت ثم أمينا
و عرضت دينا قد علمت بأنه‏ من خير أديان البرية دينا

فلما علمت قريش أنهم لا يقدرون على قتل رسول الله صلى الله عليه و آله، و أن أبا طالب لا يسلمه و سمعت بهذا من قول أبي طالب، كتبت الصحيفة القاطعة الظالمة أن لا يبايعوا أحدا من بني هاشم و لا يناكحوهم و لا يعاملونهم حتى يدفعوا إليهم محمدا صلى الله عليه و آله فيقتلوه و تعاقدوا على ذلك و تعاهدوا و ختموا على الصحيفة بثمانين خاتما، و كان الذي كتبها منصور بن عكرمة فشلت يده.

ثم حصرت قريش رسول الله صلى الله عليه و آله و أهل بيته من بني هاشم و بني المطلب بن عبد مناف في الشعب الذي يقال له: شعب بني هاشم بعد ست سنين من مبعثه. فأقام و معه جميع بني هاشم و بني المطلب في الشعب ثلاث سنين حتى أنفق رسول الله صلى الله عليه و آله ماله، و أنفق أبو طالب ماله، و أنفقت خديجة بنت خويلد مالها، و صاروا إلى حد الضر و الفاقة.

ثم نزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه و آله فقال، إن الله بعث الأرضة على صحيفة قريش فأكلت كل ما فيها من قطيعة و لا ظلم «كذا» إلا المواضع التي فيها ذكر الله فخبر رسول الله صلى الله عليه و آله أبا طالب بذلك، ثم خرج أبو طالب و معه رسول الله و أهل بيته حتى صار إلى الكعبة فجلس بفنائها.

و أقبلت قريش من كل أوب فقالوا: قد آن لك يا أبا طالب أن تذكر العهد و أن تشتاق إلى قومك و تدع اللجاج في ابن أخيك.

فقال لهم: يا قوم احضروا صحيفتكم فلعلنا أن نجد فرجا و سببا لصلة الأرحام و ترك القطيعة، و أحضروها و هي بخواتيمهم، فقال: هذه صحيفتكم على العهد لم تنكروها؟ قالوا: نعم. قال: فهل أحدثتم فيها حدثا؟ قالوا: اللهم لا. قال: فان محمدا أعلمني عن ربه أنه بعث الأرضة فأكلت كلما فيها إلا ذكر الله أ فرأيتم إن كان صادقا ما ذا تصنعون؟ قالوا: نكف و نمسك. قال: فان كان كاذبا دفعته إليكم تقتلونه، قالوا: قد أنصفت و أجملت. و فضت الصحيفة فاذا الأرضة قد أكلت كل ما فيها إلا مواضع بسم الله عز و جل. فقالوا: ما هذا إلا سحر و ما كنا قط أجد في تكذيبه منا ساعتنا هذه، و أسلم يومئذ خلق من الناس عظيم، و خرج بنو هاشم من الشعب و بنو المطلب فلم يرجعوا إليه. انتهى كلام اليعقوبي.

و قريب مما أتى به اليعقوبي ذكره ابن هشام في السيرة ص 377 ج 1 فعلم بما نقلنا أن قريشا حصرت رسول الله صلى الله عليه و آله و أهل بيته و فعلت تلك الأفاعيل بحماته و أنصاره ليدفع إليهم رسول الله صلى الله عليه و آله فيقتلونه كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في الكتاب: حتى ندفع النبي صلى الله عليه و آله و يمثلوا به.

و الظاهر من سياق الكلام و ما نقله المورخون في ما جرى على المسلمين أن الجبل الوعر في كلامه عليه السلام هو شعب أبي طالب.

و المراد من الموسم في قوله عليه السلام: فلم نكن نأمن فيهم إلا من موسم إلى‏ موسم، هو موسم الحج و هو من أشهر الحرم و كان أهل الجاهلية أيضا يحرمون فيه الظلم و القتال لحرمته.

قوله عليه السلام: «فمؤمننا يبغي بذلك الأجر» أي من آمن برسول الله صلى الله عليه و آله من بني هاشم و بني المطلب كأبي طالب و حمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليهما يطلب بما لقى من قريش من الأذي و بالذب‏ و الدفع سيما زمن الحصر في الشعب الأجر من الله تعالى قال عز من قائل: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة و لنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون‏ (النحل- 100) و كان أبو طالب رضوان الله عليه سيد المحصورين في الشعب و رئيسهم و هو الكافل و المحامي و قد عينه رسول الله صلى الله عليه و آله بقوله: أنا و كافل اليتيم كهاتين في الجنة.

و قد روى الصدوق قدس سره في المجلس الثالث و الستين من الأمالي (ص 244 الطبع الناصري) عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد بن يحيى العطار، عن سهل بن زياد الادمي، عن سنان، عن عمرو بن ثابت، عن حبيب بن أبي ثابت رفعه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه و آله على عمه أبي طالب و هو مسجى فقال: يا عم كفلت يتيما، و ربيت صغيرا، و نصرت كبيرا، فجزاك الله عني خيرا ثم أمر عليا عليه السلام بغسله.

«اسلام أبى طالب رضوان الله عليه»

قد أجمعت أصحابنا الإمامية رضوان الله عليهم أن أبا طالب مات مسلما و قد تظافرت الروايات عن أئمتنا عليهم السلام بذلك. و إن عدم اظهاره الإسلام لم يكن من عناد، بل إنما كان من حسن تدبيره في دفع كياد القوم عنه صلى الله عليه و آله و لمصلحة الذب عن‏ رسول الله صلى الله عليه و آله و التمكن من حمايته، و لا يخفي أنه كان بذلك أقدر على إعانة النبي صلى الله عليه و آله لأنه كان زعيما نبيها حازما سياسا، فقد قال الشيخ الجليل أبو الفتح الكراجكي في كنز الفوائد (ص 84 طبع ايران 1322 ه): و روي انه قيل لأكثم بن صيفي و كان حكيم العرب: إنك لأعلم أهل زمانك و أحكمهم و أعقلهم و أحلمهم. فقال: و كيف لا أكون كذلك و قد جالست أبا طالب بن‏ عبد المطلب دهره، و هاشما دهره، و عبد مناف دهره، و قصيا دهره، و كل هؤلاء سادات أبناء سادات فتخلقت بأخلاقهم، و تعلمت من حلمهم، و اقتنيت سوددهم و اتبعت آثارهم.

فقد روي الكليني قدس سره في الكافي باسناده عن علي بن إبراهيم، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسروا الإيمان و أظهروا الشرك، فاتاهم الله أجرهم مرتين (الحديث 28 من أبواب تاريخ مولد النبي صلى الله عليه و آله و وفاته من اصول الكافي و ص 368 ج 1 من مرآة العقول للمجلسي- ره-، و ص 159 ج 2 من الوافي).

و روى هذا الخبر الشيخ الصدوق- ره- في الأمالي باسناده عن الطالقاني عن أحمد الهمداني، عن المنذر بن محمد، عن جعفر بن سليمان، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام كما في البحار ص 15 ج 9 الطبع الكمباني.

قال العلامة المجلسي في مرآة العقول في بيان الحديث: المثل بالتحريك الحال العجيبة، و قيل الايمان: التطوع القلبي بجميع ما جاء به الرسول فإن الأول لا يجتمع مع الجحد بخلاف الثاني كما قال تعالى: جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم‏ (النمل- 14). و أظهروا الشرك أي عند من تجب التقية عنده لا عند جميع الناس. مرتين مرة للإيمان و مرة للتقية عند وجوبها، فإنها من أفضل الطاعات لا سيما تقية أبي طالب عليه السلام لأنها صارت سببا لشدة اقتداره على إعانة الرسول صلى الله عليه و آله. و الخبر يدل على أن أصحاب الكهف كانوا مؤمنين و لم يحدث إيمانهم عند خروجهم، و هو المشهور أيضا بين المفسرين و غيرهم. انتهى كلامه.

أقول: الظاهر أن قوله عليه السلام: فاتاهم الله أجرهم مرتين، يشير إلى قوله تعالى: أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا (القصص آية 56) و إن كلمة مرتين لا يراد بها حقيقة التثنية، بل المراد بها كثرة الأجر، نظير قولهم: لبيك سعديك، أي كلما دعوتني فأنا ذو إجابة بعد إجابة و ذو ثبات بمكاني بعد ثبات‏ و قوله تعالى: ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا و هو حسير (الملك آية 5).

و يؤيد ما ذهب إليه من أن إخفاء أبي طالب إيمانه كان من تقية كلام اليعقوبي في تاريخه المعروف من أن معاوية لما وجه بسر بن أرطاة إلى المدينة و أمره أن يقتل من لم يكن ليدخل في طاعته، انطلق جابر بن عبد الله الأنصاري إلى ام سلمة زوج النبي صلى الله عليه و آله فقال: إني قد خشيت أن اقتل و هذه بيعة ضلال قالت: إذا فبايع فإن التقية حملت أصحاب الكهف على أن كانوا يلبسون الصلب و يحضرون الأعياد مع قومهم (ص 173 ج 2 طبع النجف).

و لكن إخفاء أبي طالب الإيمان و إن كان لمصلحة الذب عن رسول الله صلى الله عليه و آله و كان به أقدر على إعانته لكن عده تقية ليس بمرضي فان التقية كما عرفها الشهيد- ره- في القواعد: مجاملة الناس بما يعرفون و ترك ما ينكرون حذرا من غوائلهم، و موردها الطاعة و المعصية غالبا فمجاملة الظالم فيما يعتقده ظلما و الفاسق المتظاهر بفسقه اتقاء شرهما من باب المداهنة الجائزة لا تكاد تسمى تقية و كيف كان عمله تقية و قد ذب عن رسول الله صلى الله عليه و آله و أبي إلا أن يحاميه جهارا و أخبر قريشا بأنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه و آله إليهم و لا تاركه لشي‏ء أبدا حتى يهلك دونه، كما صرح به المورخون و أجمعوا عليه و منهم ابن هشام في السيرة «ص 272 ج 1» فتأمل.

و في الكافي باسناده عن الحسين بن محمد و محمد بن يحيى، عن أحمد بن إسحاق عن بكر بن محمد الأزدي، عن إسحاق بن جعفر، عن أبيه عليه السلام قال: قيل له:إنهم يزعمون أن أبا طالب كان كافرا، فقال عليه السلام: كذبوا كيف كان كافرا و هو يقول:

ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا نبيا كموسى خط في أول الكتب‏

ثم قال: الكليني: و في حديث آخر كيف يكون أبو طالب كافرا و هو يقول:

لقد علموا أن ابننا لا مكذب‏ لدينا و لا يعبأ بقول‏[5] الأباطل‏
و أبيض يستسقى الغمام بوجهه‏ ثمال اليتامى عصمة للأرامل‏

أقول: و الخبر مروي في الوافي (ص 159 ج 2) و في مرآة العقول (ص 367 ج 1) و في البحار عن الأمالى للصدوق و عن السيد فخار بن معد الموسوي عن شاذان بن جبرئيل باسناده إلى ابن الوليد «ص 15 ج 9 الطبع الكمباني».

و المراد أن أشعار أبي طالب دالة على إسلامه و اقراره بنبوة رسول الله صلى الله عليه و آله و لا فرق في ذلك بين الكلام المنظوم و المنثور.

و البيت الأول من أبيات قالها أبو طالب رضوان الله عليه في قريش حين تظاهروا على رسول الله صلى الله عليه و آله و اجتمعوا و ائتمروا بينهم أن يكتبوا صحيفة يتعاقدون فيها على بني هاشم و بني المطلب على أن لا ينكحوا إليهم و لا ينكحوهم، و لا يبيعوهم شيئا و لا يبتاعوا منهم، كما مر خبر الصحيفة آنفا.

و قد نقل الأبيات ابن هشام في السيرة النبوية (ص 352 ج 1 طبع مصر 1375 ه) و هي:

ألا أبلغا عني على ذات بيننا لؤيا و خصا من لؤي بني كعب‏
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا نبيا كموسى خط في أول الكتب‏
و أن عليه في العباد محبة و لا خير ممن خصه الله بالحب‏
و أن الذى ألصقتم من كتابكم‏ لكم كائن نحسا كراغية السقب‏
أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثرى‏ و يصبح من لم يجن ذنبا كذي الذنب‏
و لا تتبعوا أمر الوشاة و تقطعوا أو اصرنا بعد المودة و القرب‏
و تستجلبوا حربا عوانا و ربما أمر على من ذاقه جلب الحرب‏
فلسنا و رب البيت نسلم أحمدا لعزاء من عض الزمان و لا كرب‏
و لما تبن منا و منكم سوالف‏ و أيد أترت بالقساسية الشهب‏
بمعترك ضيق ترى كسر القنا به و النسور الطخم يعكفن كالشرب‏
كأن مجال الخيل في حجراته‏ و معمة الأبطال معركة الحرب‏
أ ليس أبونا هاشم شد أزره‏ و أوصى بنيه بالطعان و بالضرب‏
و لسنا نمل الحرب حتى تملنا و لا تشتكي ما قد ينوب من النكب‏
و لكننا أهل الحفائظ و النهى‏ إذا طار أرواح الكماة من الرعب‏

ثم قال ابن إسحاق: فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا لا يصل إليهم شي‏ء إلا سرا مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش.

و البيتان الاخران من أبيات قصيدته اللامية التي بلغت شهرة كالشمس في رابعة النهار، و القصيدة طويلة تنتهي إلى أكثر من تسعين بيتا أتى بها ابن هشام في السيرة «ص 282- الى- 270 ج 1» بعض أبيات تلك القصيدة ما يلي:قال ابن هشام: فلما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته التي تعوذفيها بحرم مكة و بمكانه منها و تودد فيها أشراف قومه و هو على ذلك يخبرهم و غيرهم في ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه و آله و لا تاركه لشي‏ء أبدا حتى يهلك دونه فقال:

و لما رأيت القوم لاود فيهم‏ و قد قطعوا كل العرا و الوسائل‏
و قد صار حونا بالعداوة و الأذى‏ و قد طاوعوا أمر العدو المزايل‏
و قد حالفوا قوما علينا أظنة يعضون غيضا خلفنا بالأنامل‏
صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة و أبيض عضب من تراث المقاول‏
و أحضرت عند البيت رهطي و إخوتي‏ و أمسكت من أثوابه بالوصائل‏

إلى أن قال:

كذبتم و بيت الله نترك مكة و نطعن أمركم في بلابل‏
كذبتم و بيت الله نبزى محمدا و لما نطاعن دونه و نناضل‏
و نسلمه حتى نصرع حوله‏ و نذهل عن أبنائنا و الحلائل‏

إلى أن قال:

و ما ترك قوم، لا أبالك، سيدا يحوط الذمار غير ذرب مواكل‏
و أبيض يستسقى الغمام بوجهه‏ ثمال اليتامى عصمة للأرامل‏
يلوذ به الهلاك من آل هاشم‏ فهم عنده في رحمة و فواضل‏

إلى أن قال:

لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد و إخوته دأب المحب المواصل‏
فلا زال في الدنيا جمالا لأهلها و زينا لمن والاه رب المشاكل‏
فمن مثله في الناس أي مؤمل‏ إذا قاسه الحكام عند التفاضل‏
حليم رشيد عادل غير طائش‏ يوالي إلها ليس عنه بغافل‏
فو الله لو لا أن أجي‏ء بسنة تجر على أشياخنا في المحافل‏
لكنا اتبعناه على كل حالة من الدهر جدا غير قول التهازل‏
لقد علموا أن ابننا لا مكذب‏ لدينا و لا يعنى بقول الأباطل‏
فأصبح فينا أحمد في أرومة تقصر عنه سورة المتطاول‏
حدبت بنفسي دونه و حميته‏ و دافعت عنه بالذرا و الكلاكل‏
فأيده رب العباد بنصره‏ و أظهر دينا حقه غير باطل‏

و من أبيات تدل على أن أبا طالب مات مسلما ما نقله ابن هشام في السيرة أيضا (ص 269 ج 1) قال: فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره في جهدهم معه و حدبهم عليه جعل يمدحهم و يذكر قديمهم و يذكر فضل رسول الله صلى الله عليه و آله فيهم و مكانه منهم ليشد لهم رأيهم و ليحدبوا معه على أمره فقال:

اذا اجتمعت يوما قريش لمفخر فعبد مناف سرها و صميمها
و إن حصلت أشراف عبد منافها ففي هاشم أشرافها و قديمها
و إن فخرت يوما فان محمدا هو المصطفى من سرها و كريمها
تداعت قريش غثها و سمينها علينا فلم تظفر و طاشت حلومها
و كنا قديما لا نقر ظلامة إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها
و نحمي حماها كل يوم كريهة و نضرب عن أحجارها من يرومها
بنا انتعش العود الذواء و إنما بأكنافنا تندى و تنمى أرومها

قال الطبرسي قدس سره في مجمع البيان في تفسير القرآن: قوله تعالى:

و هم ينهون عنه و ينأون عنه و إن يهلكون إلا أنفسهم و ما يشعرون‏ (الأنعام آية 26) قيل: عنى به أبا طالب بن عبد المطلب، و معناه يمنعون الناس عن أذي النبي صلى الله عليه و آله و لا يتبعونه عن عطا و مقاتل. و هذا لا يصح، لأن هذه الاية معطوفة على ما تقدمها «و منهم من يستمع إليك و جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه و في آذانهم و قرا و إن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين، و هم ينهون عنه- إلخ» و ما تأخر عنها معطوف عليها «و لو ترى إذ وقفوا على النار- إلخ». و كلها في ذم الكفار المعاندين للنبي صلى الله عليه و آله هذا.

و قد ثبت إجماع أهل البيت عليهم السلام على إيمان أبي طالب و إجماعهم حجة لأنهم أحد الثقلين الذين أمر النبي صلى الله عليه و آله بالتمسك بهما بقوله: إن تمسكتم بهما لن تضلوا.

و يدل على ذلك أيضا ما رواه ابن عمر أن أبا بكر جاء بأبيه أبي قحافة يوم الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه و آله فأسلم فقال صلى الله عليه و آله: ألا تركت الشيخ فأتيته و كان أعمى؟

فقال أبو بكر: أردت أن يأجره الله تعالى، و الذي بعثك بالحق لأنا كنت باسلام أبي طالب أشد فرحا مني باسلام أبي التمس بذلك قرة عينك. فقال صلى الله عليه و آله: صدقت.

و روى الطبري باسناده أن رؤساء قريش لما رأوا ذب أبي طالب عن النبي صلى الله عليه و آله اجتمعوا عليه و قالوا: جئناك بفتى قريش جمالا وجودا و شهامة عمارة بن الوليد ندفعه إليك و تدفع إلينا ابن أخيك الذي فرق جماعتنا و سفه أحلامنا فنقتله. فقال أبو طالب: ما أنصفتموني تعطوني ابنكم فأغذوه و أعطيكم ابني فتقتلونه بل فليأت كل امرى‏ء منكم بولده فأقتله و قال:

منعنا الرسول رسول المليك‏ ببيض تلالا كلمع البروق‏
أذود و أحمي رسول المليك‏ حماية حام عليه شفيق‏

و أقواله و أشعاره المنبئة عن إسلامه كثيرة مشهورة لا تحصى فمن ذلك قوله:

أ لم تعلموا أنا وجدنا محمدا

– البيت‏

أ ليس أبو هاشم‏

، البيت و قوله من قصيدة:

و قالوا لأحمد أنت امرؤ خلوف اللسان ضعيف السبب‏
ألا إن أحمد قد جاءهم‏ بحق و لم يأتهم بالكذب‏

و قوله في حديث الصحيفة و هو من معجزات النبي صلى الله عليه و آله:

و قد كان في أمر الصحيفة عبرة متى ما يخبر غائب القوم يعجب‏
محى الله منها كفرهم و عقوقهم‏ و ما نقموا من ناطق الحق معرب‏
و أمسى ابن عبد الله فينا مصدقا على سخط من قومنا غير معتب‏

و قوله في قصيدة يحض أخاه حمزة على اتباع النبي صلى الله عليه و آله و الصبر في طاعته.

فصبرا أبا يعلى على دين أحمد و كن مظهرا للدين وفقت صابرا
فقد سرني إذ قلت إنك مؤمن‏ فكن لرسول الله في الله ناصرا

و قوله من قصيدة:

اقيم على نصر النبي محمد اقاتل عنه بالقنا و القنابل‏

و قوله يحض النجاشي على نصر النبي صلى الله عليه و آله:

تعلم مليك الحبش أن محمدا وزير لموسى و المسيح بن مريم‏
أتى بهدى مثل الذي أتيابه‏ و كل بأمر الله يهدي و يعصم‏
و إنكم تتلونه في كتابكم‏ بصدق حديث لا حديث المرجم‏
فلا تجعلو الله ندا و أسلموا و إن طريق الحق ليس بمظلم‏

و قوله في قصيدة في وصيته و قد حضرته الوفاة:

اوصي بنصر النبي الخير مشهده‏ عليا ابني و شيخ القوم عباسا
و حمزة الأسد الحامي حقيقته‏ و جعفرا أن يذودوا دونه الناسا
كونوا فدى لكم أمي و ما ولدت‏ في نصر أحمد دون الناس أتراسا

في أمثال هذه الأبيات مما هو موجود في قصائده المشهورة و وصاياه و خطبه يطول بها الكتاب.

على أن أبا طالب لم ينأ عن النبي صلى الله عليه و آله قط بل كان يقرب منه و يخالطه و يقوم بنصرته فكيف يكون المعني بقوله: و ينأون عنه.

و قال- ره- في تفسير قوله تعالى: إنك لا تهدي من أحببت و لكن الله يهدي من يشاء و هو أعلم بالمهتدين‏ (القصص آية 56) قيل: نزلت قوله «إنك لا تهدي من أحببت» في أبي طالب فان النبي صلى الله عليه و آله كان يحب إسلامه فنزلت هذه الاية، و كان يكره إسلام وحشي قاتل حمزة فنزل فيه‏ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله‏ الاية (الزمر- 54) فلم يسلم أبو طالب و أسلم وحشي و رووا ذلك عن ابن عباس و غيره.

و في هذا نظر كما ترى، فإن النبي صلى الله عليه و آله لا يجوز أن يخالف الله سبحانه في إرادته كما لا يجوز أن يخالفه في أوامره و نواهيه، و إذا كان الله تعالى على ما زعم القوم لم يرد إيمان أبي طالب و أراد كفره، و أراد النبي إيمانه فقد حصل غاية الخلاف بين إرادتي الرسول و المرسل، فكأنه سبحانه يقول على مقتضى اعتقادهم إنك يا محمد تريد إيمانه و لا اريد إيمانه، و لا أخلق فيه الايمان مع تكلفه بنصرتك و بذل مجهودة في إعانتك و الذب عنك و محبته لك و نعمته عليك، و تكره أنت إيمان وحشي لقتله عمك حمزة و أنا اريد إيمانه و أخلق في قلبه الايمان و في هذا ما فيه.

و قد ذكرنا في سورة الأنعام أن أهل البيت عليهم السلام قد أجمعوا على أن أبا طالب مات مسلما، و تظاهرت الروايات بذلك عنهم، و أوردنا هناك طرفا من أشعاره الدالة على تصديقه للنبي صلى الله عليه و آله و توحيده، فإن استيفاء ذلك جميعه لا تتسع له الطوامير، و ما روي من ذلك في كتب المغازي و غيرها أكثر من أن يحصى. يكاشف فيها من كاشف النبي صلى الله عليه و آله و يناضل عنه و يصحح نبوته.

و قال بعض الثقات: إن قصائده في هذا المعنى التي تنفث في عقد السحر و تعير وجه شعراء الدهر يبلغ قدر مجلد و أكثر من هذا. و لا شك في أنه لم يختر تمام مجاهرة الأعداء استصلاحا لهم و حسن تدبيره في دفع كيادهم لئلا يلجئوا الرسول‏ إلى ما ألجئوه إليه بعد موته. انتهى كلامه- ره- و من تلك الأشعار قوله في أبيات كثيرة:

أنت النبي محمد قرم أعز مسود
لمسودين أكارم‏ طابوا و طاب المولد
ما زلت تنطق بالصواب‏ و أنت طفل أمرد

و من تلك الأبيات قوله يخاطب رسول الله صلى الله عليه و آله و يسكن جاشه و يحضه على إظهار الدعوة و يغريه بها:

لا يمنعنك من حق تقوم به‏ أيد تصول و لا سلق بأصوات‏
فإن كفك كفي إن مليت بهم‏ و دون نفسك نفسي في الملمات‏

و اعلم أن هذه الأشعار إن لم تكن آحادها متواترة فمجموعها يدل على تواتر معنوي أعني أنها تدل على أن أبا طالب مات مسلما. و نظيره غير عزيز، مثلا أن الأخبار الدالة على شجاعة أمير المؤمنين عليه السلام و إن لم تكن آحادها متواترة لفظا، فمجموعها يدل على أمر واحد مشترك يفيد العلم الضروري بشجاعته عليه السلام، و كذلك الكلام في سخاء حاتم و نظائرهما.

ثم نقول: من جانب المراء و الاعتساف، و نظر نظرة في تلك القصائد بعين العدل و الإنصاف. رأى أنها ما صدرت إلا من قلب مؤمن بما قال، فان الكلام الصادر عمن ليس مؤمنا به لا يتجلى بتلك التجليات الساطعة، و لا يسبك بتلك الأساليب الباهرة، بل يلوح منه التكلف و التعسف.

و في الكافي: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نصر، عن إبراهيم بن محمد الأشعري، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام. قال: لما توفي أبو طالب نزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه و آله فقال: يا محمدا خرج من مكة فليس لك فيها ناصر، و ثارت قريش بالنبي صلى الله عليه و آله فخرج هاربا حتى جاء إلى جبل بمكة يقال له الحجون فصار إليه.

(الحديث 31 من أبواب تاريخ مولد النبي صلى الله عليه و آله من اصول الكافي، ص 369، ج 1 من مرآة العقول، و في الوافي في باب ما جاء في عبد المطلب و أبي طالب ص 160 ج 2).

و روى قريبا من هذه الرواية المجلسي- ره- في البحار نقلا عن إكمال الدين باسناده عن ابن الوليد، عن الصفار، عن أيوب بن نوح، عن العباس بن عامر، عن علي بن أبي سارة، عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أبا طالب أظهر الشرك و أسر الايمان. فلما حضرته الوفاة أوحى الله عز و جل إلى رسول الله صلى الله عليه و آله اخرج منها فليس لك بها ناصر فهاجر إلى المدينة. (ص 17 ج 9 الطبع الكمباني) و في الشرح المعتزلي: روي أن علي بن الحسين عليه السلام سئل عن هذا، فقال:و اعجبا إن الله تعالى نهى رسوله أن يقر مسلمة على نكاح كافر، و قد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإسلام، و لم تزل تحت أبي طالب حتى مات.

أقول: و ذلك أن أبا طالب رضوان الله عليه توفي في آخر السنة العاشرة من المبعث بعد الخروج من الشعب بشهرين.و روي أن رجلا من رجال الشيعة و هو أبان بن محمود كتب إلى علي بن موسى الرضا عليه السلام: جعلت فداك إني قد شككت في اسلام أبي طالب، فكتب إليه‏ و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى و يتبع غير سبيل المؤمنين‏ الاية (النساء- 116) و بعدها، إن لم تقر بايمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار.

و جملة الأمر أن الأخبار من أئمتنا عليهم السلام متظافرة بأنه مامات إلا مسلما كأشعاره الدالة على ذلك، و إنما بقي في المقام أخبار مروية من القوم، بأنه مات كافرا و أتى بطائفة منها المفسرون منهم في تفسير قوله تعالى: ما كان للنبي و الذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين و لو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم و ما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه‏ الاية (التوبة- 116).

و في تفسير قوله تعالى: و هم ينهون عنه و ينأون عنه‏ الاية (الأنعام- 26).

و في تفسير قوله تعالى: إنك لا تهدي من أحببت‏ الاية (القصص- 56).

و تلك الأخبار المروية عنهم تناقض بعضها بعضا و بعضها لا يناسب ذكره في‏ نزول الايات أصلا و لا حاجة إلى نقلها و ردها و لا طائل تحت إطالة الكلام بعد وضوح الحق، فلو أن بيتا من أبي طالب رضوان الله عليه أو رواية تدل بظاهر هما على كفره فالجواب عنهما ما ذكرنا من أن اظهاره الشرك انما كان لمصلحة الذب عن رسول الله و من حسن تدبيره في دفع كياد القوم عنه صلى الله عليه و آله.

على أن مقابلهما إجماع أهل البيت عليهم السلام على إسلامه و قد علمت أن إجماعهم حجة، و أشعاره الدالة صريحة على إسلامه و ما ذا أوجب علينا أن نعرض عن أشعاره المصرحة المنصوصة على إسلامه و نتمسك بما هي تنبي‏ء بظاهرها على كفره، و ليست بدالة عليه و صريحة فيه، بل نعلم أنه أبطن الإسلام فيها ليتمكن من نصرة النبي صلى الله عليه و آله و القيام دونه جمعا بين الطائفتين من أشعاره على ما هدانا لهذا أهل بيت العصمة. أو أن نعرض عن كلام أهل البيت و هم أدرى بما في البيت و نأخذ بالمروي عن زيد و عمرو المناقض بعضه بعضا.

سبب اسلام حمزة رضوان الله عليه»

كان سبب إسلامه ما نقل ابن هشام في السيرة النبوية ج 1 ص 291 و ابن الأثير في اسد الغابة عن ابن إسحاق من أن أبا جهل اعترض رسول الله صلى الله عليه و آله عند الصفا فاذاه و شتمه و نال منه بعض ما يكره من العيب لدينه و التضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه و آله و مولاة لعبد الله بن جدعان التميمي في مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك، ثم انصرف عنه فعمد إلى ناد لقريش عند الكعبة فجلس معهم.

لم يلبث حمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه أن أقبل متوشحا قوسه راجعا من قنص له، و كان صاحب قنص يرميه و يخرج له، و كان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، و كان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف و سلم و تحدث معهم، و كان أعز فتى في قريش و أشد شكيمة، و كان يومئذ مشركا على دين قومه، فلما مر بالمولاة و قد قام رسول الله صلى الله عليه و آله فرجع إلى بيته، قالت له: يا أبا عمارة- و قد كان حمزة يكنى بابنيه: يعلى و عمارة فكنى بأبي يعلى تارة و بأبي عمارة اخرى- لو رأيت ما لقى ابن أخيك محمد آنفا من أبي‏ الحكم بن هشام- و أبو الحكم هو أبو الجهل- وجده ههنا جالسا فاذاه و سبه و بلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه و لم يكلمه محمد.

احتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى و لم يقف على أحد كما كان يصنع يريد الطواف بالبيت، معدا لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة، ثم قال: أ تشتمه و أنا على دينه أقول ما يقول، فرد ذلك علي إن استطعت؟

قامت رجال من قريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل فقالوا:ما نراك يا حمزة، إلا قد صبأت، فقال حمزة: و ما يمنعني و قد استبان لي منه ذلك أنا أشهد أنه رسول الله و أن الذي يقول الحق، فو الله لا أنزع فامنعوني إن كنتم صادقين.

قال أبو جهل: دعوا أبا عمارة فإني و الله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا.

تم حمزة رضوان الله عليه على إسلامه. فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه و آله قد عز و امتنع، و أن حمزة سيمنعه فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه.

قول: و كان قبوله الاسلام قبل حصار الشعب.وله عليه السلام: «و كافر نايحامي عن الأصل» يعنى أن رجالا من بني هاشم و بني المطلب و إن كانوا كافرين و على دين قومهم لكنهم كانوا يذبون عن رسول الله صلى الله عليه و آله و يحامون عنه و يدفعون كياد القوم عنه و يحولون بينه و بين ما أرادوا من البطش به لا من حيث الحماية عن الاسلام، بل من حيث المراعاة لأصلهم و المحافظة على نسبهم و قبيلتهم.

كان بعض هؤلاء المحامين في حصار الشعب و لم يسلم بعد: العباس، و عقيل ابن أبي طالب، و طالب بن أبي طالب، و نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، و ابنه الحارث بن نوفل، و أخوه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، و كان أبو لهب ابن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه و آله و كذلك ابنه يبغضانه، و كانا شديدين عليه‏ و نزل في أبي لهب و امرأته ام جميل عمة معاوية حمالة الحطب قوله تعالى‏ تبت يدا أبي لهب‏ السورة.

إنما أجرينا بني هاشم و بني المطلب مجرى واحدا لأنهم كانوا يدا واحدة لم يفترقوا في جاهلية و لا إسلام، و كان من المسلمين المحصورين في الشعب هاشم ابن عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف.

وله عليه السلام: «فأما من أسلم‏- إلى قوله: ما شاء الله أن يكون» يعني أن‏ من أسلم من قريش‏ كانوا آمنين‏ مما نحن‏ أهل البيت‏ فيه‏ من القتل و البلاء و الأذى و ذلك لأن بعضهم كانوا على‏ حلف‏ و عهد من الكفار، فمن أجل ذلك كانوا آمنين، و بعضهم الاخر لم يكن لهم العهد و لكنهم كانوا ذوي‏ عشيرة تقوم دونهم‏ و تمنعهم من الأعداء.

فالمراد أن البلية إنما كانت متوجهة إليه عليه السلام و إلى ساير بني هاشم و بني المطلب لم يكونوا على عهد و لم يكن لهم من يقوم دونهم، و بذلك يعلم فضيلتهم في حماية رسول الله و ذبه عن كيد الأعداء.

قوله عليه السلام: «ثم أمر الله رسوله بالهجرة» و قد تقدمت آنفا طائفة من الأخبار في أن أبا طالب رضوان الله عليه مات في آخر السنة العاشرة من المبعث بعد الخروج من الشعب بشهرين أنه لما توفي نزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه و آله فقال:يا محمد اخرج من مكة فليس لك فيها ناصر. و قد مضى كلامنا في هجرته صلى الله عليه و آله في شرح المختار 234 من باب الخطب و هو قوله عليه السلام: فجعلت اتبع مأخذ رسول الله‏- إلخ (ص 126 ج 15) فراجع.

قوله عليه السلام: «و أذن له بعد ذلك في قتال المشركين» قال الطبرسي في المجمع: إن قوله تعالى‏ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا و إن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق‏ الاية (الحج- 42 و 43) هي أول آية نزلت في القتال، و كان المشركون يؤذون المسلمين و لا يزال يجي‏ء مشجوج و مضروب إلى رسول الله صلى الله عليه و آله و يشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه و آله فيقول لهم‏ صلوات الله عليه و آله: اصبروا فإني لم اومر بالقتال حتى هاجر، فأنزل الله عليه هذه الاية، انتهى كلامه.

أقول: و قد مضى كلامنا في نزول الأمر لرسول الله صلى الله عليه و آله في القتال في شرح المختار 234 من باب الخطب أيضا (ص 131 ج 15) فراجع.كنايه- تشبيه قوله عليه السلام: «فكان إذا احمر البأس‏- إلى قوله: حر الأسنة و السيوف» بين‏ البأس‏ و الناس‏ جناس لا حق نحو قوله تعالى: ويل لكل همزة لمزة و البأس‏:الحرب، قال حسان بن ثابت في قصيدة يعدد فيها أصحاب اللواء يوم أحد:

ولي البأس منكم إذ أبيتم‏ اسرة من بني قصي صميم‏

احمرار البأس‏ كناية عن شدة الحرب و ذلك كأنما شبهت الحرب بمحارب تلطخ بالدم السائل من مقاديم بدنه بكثرة ما ورد عليه من طعن‏ السيوف و الأسنة كما أن احمرار القنا كناية عن شدة الحرب كأنه احمر من الدم السائل عليه لكثرة الطعن، قال سوار بن المضرب في حماسة 233:

يدعون سوارا إذا احمر القنا و لكل يوم كريهة سوار

أو أن الحرب شبهت بانسان غضبان احمر وجهه و يقال: موت أحمر و ميتة حمراء و سنة حمراء و سنون حمراوات يراد بها الشدة، قالت عاتكة بنت زيد في حماسة 393:

إذا أشرعت فيه الأسنة خاضها إلى الموت حتى يترك الموت أحمرا

أي حتى يخوض الموت بها فيتركه أحمر أي شديدا. و يقال: الحسن أحمر، أي طلب الجمال تتجشم فيه المشاق و الشدائد، قال بشار بن برد (ص 225 ج 1 من البيان و التبيين للجاحظ طبع مصر 1380 ه):

و خذي ملابس زينة و مصبغات فهي أفخر
و إذا دخلت تقنعي‏ بالحمر إن الحسن أحمر

قال الجوهري في الصحاح: و موت أحمر يوصف بالشدة و منه الحديث كنا إذا أحمر البأس.و أن الحرب شبهت بالنار و اتصفت بصفاتها أعني حمرة النار كقوله عليه السلام آنفا: و أوقدوا لنا نار الحرب‏.

في النهاية الأثيرية: و في الحديث لو تعلمون ما في هذه الأمة من الموت الأحمر يعني القتل لما فيه من حمرة الدم أو لشدته، يقال: موت أحمر أي شديد، و منه حديث علي كنا إذا احمر البأس‏ اتقينا برسول الله صلى الله عليه و آله‏ أي إذا اشتدت الحرب استقبلنا العدو به و جعلناه لنا وقاية، و قيل أراد إذا اضطرمت نار الحرب و تسعرت كما يقال في الشر بين القوم: اضطرمت نارهم تشبيها بحمرة النار، و كثيرا ما يطلقون الحمرة على الشدة، و منه حديث طهفة أصابتنا سنة حمراء أي شديدة الجدب، لأن آفاق السماء تحمر في سني الجدب و القحط و منه حديث حليمة أنها خرجت في سنة حمراء قد برت المال انتهى كلامه.

المعنى أن الحرب إذا اشتدت و نكص‏ الناس‏ عنها قدم رسول الله صلى الله عليه و آله أهل بيته‏ إلى القتال‏ فوقى صلى الله عليه و آله بأهل بيته أصحابه من حر الأسنة و السيوف‏.نايه [حر الأسنة و السيوف‏] و حر السيوف و الأسنة كأنه كناية عن حدة جزهما و شدة وقوعهما، أو كناية عن شدة القتال من حيث إنهما إذا حركتا غير مرة و قطعت الأبدان و الرءوس بهما و وقعتا على المبارز كثيرا حرتا و حميتا، لأن من شأن الحديد بل مطلق الجسم ذلك، أو كناية عن تعبهما، ففي النهاية الأثيرية: و في حديث علي عليه السلام أنه قال لفاطمة: لو أتيت النبي فسألته خادما تقيك حرما أنت فيه من العمل، و في رواية حار ما أنت فيه يعني التعب و المشقة من خدمة البيت لأن الحرارة مقرونة بهما كما أن البرد مقرون بالراحة و السكون، و الحار: الشاق المتعب. انتهى.

اعلم أن المتفق عند الكل أن أمير المؤمنين عليه السلام كان في جميع الشدائد المتوجهة إلى رسول الله صلى الله عليه و آله و المسلمين أسبق و أقدم في الوقاية و الحماية، و كان يجاهد مع رسول الله صلى الله عليه و آله فيقيه بنفسه و قد أقرأ عداؤه بشجاعته و سبقه على أقرانه، و ما ولى قط عن أحد مع طول ملاقاته الحروب و كثرة من لاقاه‏ من صناديد الأعداء.

كان كما قال ابنه الحسن المجتبى كما في تاريخ اليعقوبي (ص 190 ج 2 طبع النجف) و مروج الذهب للمسعودي (ص 42 ج 2) و الخرائج و الجرائح للراوندي (ص 146 طبع ايران 1301 ه) و الإرشاد للمفيد (ص 170 طهران 1377 ه) في صبيحة الليلة التي قبض فيها أمير المؤمنين عليه السلام بعد أن حمد الله و أثنى عليه و صلى على رسول الله صلى الله عليه و آله في خطبة خطب بها الناس:لقد قبض في هذه الليلة رجل ما سبقه الأولون إلا بفضل النبوة، و لا يدركه الاخرون، و أن رسول الله صلى الله عليه و آله كان يبعثه المبعث فيكتنفه جبريل عن يمينه و ميكائيل عن يساره فلا يرجع حتى يفتح الله عليه- إلخ.

وله عليه السلام: «فقتل عبيدة بن الحارث يوم بدر» قال ياقوت الحموي في كتابه المترجم بمراصد الإطلاع في معرفة الأمكنة و البقاع: بدر بالفتح ثم السكون ماء مشهور بين مكة و المدينة أسفل وادي الصفراء بينه و بين الجار و هو ساحل البحر ليلة به كانت الوقعة المشهورة بين النبي صلى الله عليه و آله و أهل مكة.

قال الجوهري في الصحاح: بدر موضع يذكر و يؤنث و هو اسم ماء، و قال الشعبي: بدر بئر كانت لرجل يدعى بدرا و منه يوم بدر.

قول: بدر أقرب إلى المدينة من مكة. و الظاهر أن القول بأنها ماء مشهور و الاخر بأنها اسم بئر يشيران إلى معنى فارد و إنما الاختلاف في التعبير.

كانت وقعة بدر يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان من سنة اثنتين من الهجرة و هي المذكورة في القرآن الكريم حيث يقول جل اسمه في الأنفال:«كما أخرجك ربك من بيتك بالحق»- إلخ، و المراد بالبيت في الاية المدينة يعني خروجه صلى الله عليه و آله منها إلى بدر.

كان سببها- كما في تاريخ اليعقوبي- أن أبا سفيان بن حرب قدم من الشام بعير لقريش تحمل تجارات و أموالا، فخرج رسول الله صلى الله عليه و آله يعارضه، و جاء الصريخ إلى قريش بمكة يخبرهم الخبر، و كان الرسول بذلك ضمضم بن عمرو الغفاري، فخرجوا نافرين مستعدين و خالف أبو سفيان الطريق فنجى بالبعير، و أقبلت قريش مستعدة لقتال رسول الله صلى الله عليه و آله و عدتهم ألف رجل و قيل تسعمائة و خمسون.

«مقتل‏ عبيدة بن الحارث‏ رضوان الله عليه»

عبيدة بضم العين و فتح الباء هو عبيدة بن الحارث‏ بن عبد المطلب بن عبد مناف، يكنى أبا الحارث و أبا معاوية. و كان أسن من رسول الله صلى الله عليه و آله بعشر سنين، و كان إسلامه قبل دخول رسول الله صلى الله عليه و آله دار الأرقم بن أبي الأرقم في مكة، و كان لعبيدة قدر و منزلة كبيرة عند رسول الله صلى الله عليه و آله، و كان عمره حين قتل ثلاثا و ستين سنة، قتله شيبة بن ربيعة.

ففي الإرشاد: روى علي بن هاشم عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه عن جده أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه و آله قال:لما أصبح الناس يوم بدر اصطفت قريش أمامها عتبة بن ربيعة و أخوه شيبة و ابنه الوليد، فنادى عتبة رسول الله صلى الله عليه و آله فقال: يا محمد اخرج إلينا أكفاءنا من قريش، فبدر إليهم ثلاثة من شبان الأنصار، فقال لهم عتبة: من أنتم؟ فانتسبوا له فقال لهم: لا حاجة بنا إلى مبارزتكم إنما طلبنا بني عمنا.

فقال رسول الله صلى الله عليه و آله للأنصار: ارجعوا إلى مواقفكم ثم قال: قم يا علي قم يا حمزة قم يا عبيدة، قاتلوا على حقكم الذي بعث الله به نبيكم إذ جاءوا بباطلهم ليطفؤا نور الله.

فقاموا فصفوا للقوم و كان عليهم البيض فلم يعرفوا فقال لهم عتبة: تكلموا فان كنتم أكفاءنا قاتلناكم، فقال‏ حمزة: أنا حمزة بن عبد المطلب أسد الله و أسد رسوله صلى الله عليه و آله، فقال عتبة: كفو كريم. و قال أمير المؤمنين عليه السلام: أنا علي بن أبي طالب ابن عبد المطلب، و قال‏ عبيدة: أنا عبيدة بن الحارث‏ بن عبد المطلب.

فقال عتبة لابنه الوليد: قم يا وليد فبرز إليه أمير المؤمنين عليه السلام و كان إذ ذاك أصغري الجماعة سنا فاختلفا ضربتين أخطأت ضربة الوليد أمير المؤمنين عليه السلام‏ و اتقى بيده اليسرى ضربة أمير المؤمنين عليه السلام فأبانتها- فروي أنه عليه السلام يذكر بدرا و قتله الوليد فقال في حديثه: كأني أنظر إلى و ميض خاتمه في شماله ثم ضربته ضربة اخرى فصرعته و سلبته فرأيت به ردعا من خلوق فعلمت أنه قريب عهد بعرس.

ثم بارز عتبة حمزة رضي الله عنه فقتله‏ حمزة، و مشى‏ عبيدة و كان أسن القوم إلى شيبة فاختلفا ضربتين فأصاب ذباب سيف شيبة عضلة ساق‏ عبيدة فقطعها، و استنقذه أمير المؤمنين و حمزة، و قتلا شيبة، و حمل‏ عبيدة من مكانه فمات بالصفراء.

و في اسد الغابة: قيل: إن‏ عبيدة كان أسن المسلمين يوم بدر فقطعت رجله فوضع رسول الله صلى الله عليه و آله رأسه على ركبته فقال: يا رسول الله لو رآني أبو طالب لعلم أني أحق بقوله منه حيث يقول:

و نسلمه حتى نصرع حوله‏ و نذهل عن أبنائنا و الحلائل‏

عاد مع رسول الله صلى الله عليه و آله من بدر فتوفي بالصفراء ..

بيان: البيض جمع بيضة يقال بالفارسية: كلاه خود. أصغري كلمة جمع اسقط نونه بالإضافة. ردعا من خلوق أي أثر منه و الخلوق ضرب من الطيب.و الصفراء اسم موضع قريب من بدر.

قوله عليه السلام: «و حمزة يوم احد» أي قتل‏ حمزة في غزوة احد و احد اسم جبل في قرب المدينة.

و كان‏ يوم احد يوم بلاء و مصيبة و تمحيص اختبر الله المؤمنين و محن به المنافقين ممن كان يظهر الايمان بلسانه و هو مستخف بالكفر في قلبه، و يوما أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة من أهل ولايته حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه و آله فدث بالحجارة حتى وقع لشقه فاصيبت رباعيته، و كلمت شفته و شج في وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه، و جعل يمسح الدم و هو يقول:يف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم و هو يدعوهم إلى ربهم، فأنزل الله عز و جل في ذلك‏ ليس لك من الأمر شي‏ء الاية (آل عمران- 123) كما نقله ابن هشام في السيرةعن ابن اسحاق و قتل في ذلك اليوم من المسلمين أحد و ثمانين رجلا، و من المشركين ثمانية و عشرون.

في السيرة لابن هشام أن‏ حمزة بن عبد المطلب قاتل‏ يوم احد حتى قتل أرطاة بن عبد شرحبيل و كان أحد النفر الذين يحملون اللواء، ثم مر به سباع بن عبد العزى فقال له‏ حمزة: هلم إلي يا ابن مقطعة البظور.

قال ابن هشام: قال وحشي: كنت غلاما لجبير بن مطعم و كان عمه طعيمة ابن عدي قد اصيب يوم بدر، فلما سارت قريش إلى‏ احد قال لي جبير: إن قتلت‏ حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق.

قال: وحشي: فخرجت مع الناس و كنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة قلما أخطى‏ء بها شيئا، فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة و أتبصره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق يهد الناس بسيفه هدا، ما يقوم له شي‏ء فو الله إني لأتهيأ له اريده و استتر منه بشجرة أو حجر ليدنو مني إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى، فلما رآه‏ حمزة قال له: هلم إلي يا ابن مقطعة البظور قال: فضربه ضربة كأن ما أخطأ رأسه.

قال: و هززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه، و ذهب لينوء نحوي فغلب و تركته و إياها حتى مات ثم أتيته فأخذت حربتي ثم رجعت إلى العسكر فقعدت فيه و لم يكن لي بغيره حاجة و إنما قتلته لاعتق. فلما قدمت مكة اعتقت.

م أقمت حتى إذا افتتح رسول الله صلى الله عليه و آله مكة هربت إلى الطائف، فمكثت بها، فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه و آله ليسلموا تعيت علي المذاهب، فقلت: ألحق بالشام، أو اليمن، أو ببعض البلاد.

والله إني لفي ذلك من همي إذ قال لي رجل: و يحك إنه و الله ما يقتل أحدا من الناس دخل في دينه و تشهد شهادته، فلما قال لي ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه و آله المدينة، فلم يرعه إلا بي قائما على رأسه أتشهد بشهادة الحق‏

لما رآني قال: أوحشي؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة، فحدثته فلما فرغت من حديثي قال: ويحك غيب وجهك فلا أرينك قال:

كنت أتنكب رسول الله صلى الله عليه و آله حيث كان لئلا يراني حتى قبضه الله صلى الله عليه و آله.

هند و تمثيلها بحمزة»

ال ابن اسحاق: و وقعت هند بنت عتبة كما حدثني صالح بن كيسان و النسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله يجد عن الاذان و الانف حتى اتخذت هند من آذان الرجال و آنفهم خدما و قلائد، و أعطت خدمها و قلائدها و قرطتها وحشيا غلام جبير بن مطعم، و بقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها، فلفظتها ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت:

نحن جزيناكم بيوم بدر و الحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر و لا أخي و عمه و بكري‏
شفيت نفسي و قضيت نذري‏ شفيت وحشي غليل صدري‏
فشكر وحشي علي عمري‏ حتى ترم أعظمي في قبري‏

فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب فقالت:

خزيت في بدر و بعد بدر يا بنت وقاع عظيم الكفر
صبحك الله غداة الفجر ملها شميين الطوال الزهر
بكل قطاع حسام يفري‏ حمزة ليثي و علي صقري‏
إذ رام شيب و أبوك غدري‏ فخضبا منه ضواحي النحر
و نذرك السوء فشر نذر

و قال محمد بن إسحاق كما في السيرة لابن هشام: و من الشعر الذي ارتجزت به هند بنت عتبة أيضا يوم احد:

شفيت من حمزة نفسي باحد حتى بقرت بطنه عن الكبد
أذهب عني ذاك ما كنت أجد من لذعة الحزن الشديد المعتمد
و الحرب تعلوكم بشؤبوب برد تقدم إقداما عليكم كالأسد

يان: قولها: ملها شميين، مخفف من الهاشميين و حذفت من لكثرة استعمالها و لا يجوز ذلك إلا فيها وحدها.

حزن الرسول (ص) على حمزة و توعده بالمشركين بالمثلة»

قال ابن إسحاق- كما في السيرة لابن هشام-: خرج رسول الله صلى الله عليه و آله فيما بلغني يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده و مثل به فجدع أنفه و اذناه.

قال: فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير: أن رسول الله صلى الله عليه و آله قال حين رأى ما رأى: لو لا أن تحزن صفية و يكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع و حواصل الطير، و لئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لامثلن بثلاثين رجلا منهم. فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه و آله و غيظه على من فعل بعمه ما فعل قالوا: و الله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب.

قال ابن هشام: و لما وقف رسول الله صلى الله عليه و آله على حمزة قال: لن اصاب بمثلك أبدا، ما وقفت موقفا قط أغيظ إلي من هذا، ثم قال صلى الله عليه و آله. جاءني جبرئيل فأخبرني أن حمزة ابن عبد المطلب مكتوب في أهل السماوات السبع حمزة بن عبد المطلب أسد الله و أسد رسوله.

«ما نزل فى النهى عن المثلة و البحث عنها و رد بعض» «الروايات المختلفة المنتسبة اليه (ص)»

قال ابن اسحاق- على ما في السيرة لابن هشام-: و حدثني بريدة بن سفيان ابن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي، و حدثني من لا أتهم عن ابن عباس أن الله عز و جل أنزل في ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه و آله و قول أصحابه: و إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم لهو خير للصابرين و اصبر و ما صبرك إلا بالله و لا تحزن عليهم و لا تك في ضيق مما يمكرون‏ (النحل الاية- 128) فعفا رسول الله صلى الله عليه و آله و صبر و نهى عن المثلة.

قال ابن اسحاق: و حدثني حميد الطويل عن الحسن عن سمرة بن جندب قال:ما قام رسول الله صلى الله عليه و آله في مقام قط ففارقه حتى يأمرنا بالصدقة و ينهانا عن المثلة أقول: كل ما نقلنا عن محمد بن اسحاق منقول عن الواقدي و غيره أيضا و قد ذكرنا في ذلك بعض الأقوال في شرح المختار 236 من الخطب (ص 246 ج 15).

و سيأتي في وصيته عليه السلام للحسن و الحسين عليهما السلام لما ضربه ابن ملجم، قوله عليه السلام: و لا يمثل بالرجل فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: إياكم و المثلة و لو بالكلب العقور.

و قال الشارح المعتزلي في شرحه: فأما المثلة فمنهي عنها أمر رسول الله صلى الله عليه و آله أن يمثل بهبار بن الأسود لأنه روع زينب حتى اجهضت، ثم نهى عن ذلك و قال: لا مثلة المثلة حرام.

و اعلم أن القول المروي بأن رسول الله صلى الله عليه و آله قال: لئن أظهرني على قريش في موطن من المواطن لامثلن بثلاثين رجلا منهم كما في السيرة، أو امثلن سبعين رجلا كما في تفسير الصافي للفيض- ره- ينافي مقام النبوة و عصمة النبي صلى الله عليه و آله.

و الصواب أن ذلك القول كان من المسلمين دون النبي صلى الله عليه و آله كما في كتاب مجمع البيان لأمين الاسلام الطبرسي- ره- حيث قال: قال المسلمون: لئن أمكننا الله منهم لنمثلن بالأحياء فضلا عن الأموات، فنزلت «و إن عاقبتم فعاقبوا» الاية.

و ظاهر الاية حيث خاطب بلفظ الجمع دون المفرد يؤيده بل يدل عليه و أما قول ابن اسحاق المذكور آنفا: و حدثني من لا أتهم عن ابن عباس: ان الله عز و جل أنزل في ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه و آله و قول أصحابه: «و ان عاقبتم» الاية، ففيه ما دريت من أن النبي أجل و أعلا من أن يختار ما لم يكن مأذونا فيه و لم ينزل فيه حكم سماوي بعد.

قال ابن الأثير في النهاية: فيه- يعني في الحديث- أنه نهى عن المثلة يقال: مثلت بالحيوان أمثل به مثلا إذا قطعت أطرافه و شوهت به، و مثلت بالقتيل‏ إذا جذعت أنفه و اذنه أو مذاكيره أو شيئا من أطرافه، و الاسم المثلة فأما مثل بالتشديد فهو للمبالغة و منه الحديث نهى أن يمثل بالدواب أي تنصب فترمى أو تقطع أطرافه و هي حية، زاد في رواية: و أن يؤكل الممثول بها.

قيل: جعل بعض الأعضاء تمثيلا باعتبار كونه مشتقا من المثل فان الممثل يصير بسبب ما فعل الجاني به من الأمر الفظيع مشهورا كالمثل.

ثم إن النهي عن المثلة إنما يصح فيما لم يكن عن قصاص، و أما المثلة قصاصا فلا بأس فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه و آله مثل بالعرنيين فقطع أيديهم و أرجلهم و سمل أعينهم لأنهم قطعوا أيدي الرعاء و أرجلهم و سملوا أعينهم، و إن قيل إن ذلك كان قبل تحريم المثلة.

و قد قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر و العبد بالعبد و الأنثى بالأنثى‏- الى قوله تعالى: و لكم في القصاص حياة يا أولي الألباب‏ (البقرة 177).

و قوله تعالى: الشهر الحرام بالشهر الحرام و الحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم و اتقوا الله و اعلموا أن الله مع المتقين‏ (البقرة 192) و قوله تعالى: و كتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس و العين بالعين و الأنف بالأنف و الأذن بالأذن و السن بالسن و الجروح قصاص‏ الاية (المائدة 50) و قد أفتى الفقهاء في قصاص الطرف بذلك و فرعوا عليه أن الاذن الصحيحة تقطع بالصماء، و الأنف الشام بالأخشم، و ذكر الشاب بذكر الشيخ، و ذكر المختون بالأغلف، و الفحل بمسلول الخصيتين و كذا يقلع عين الأعور بعين ذي العينين المماثلة لها، و إن عمى بذلك الأعور، و الأعور هو ذو العين الواحدة خلقة، أو بافة أو قصاص أو جناية، أي لو كان الجاني بعين واحدة و المجني عليه باثنتين قلعت عين الجاني و ان استلزم عماه، فان الحق أعماه.

كما نطق بذلك خبر عن أبان سأله عليه السلام عن أعور فقأ عين صحيح فقال عليه السلام:

تفقأ عينه، قال: قلت: يبقى أعمى فقال: الحق أعماه. و غيرها مما حرر في كتاب القصاص.

و ذهب غير واحد منهم إلى أن الجاني إذا جمع بين التمثيل و القتل بضربات يقتص الولي منه في الطرف ثم يقتص في النفس.

ففي الكافي و التهذيب و الفقيه عن محمد بن قيس عن أحدهما عليهما السلام في رجل فقأ عيني رجل و قطع أنفه و اذنيه ثم قتله، فقال عليه السلام: إن كان فرق بين ذلك اقتص منه ثم يقتل، و إن كان ضربة ضربة واحدة ضربت عنقه و لم يقتص منه.

و في التهذيب عن حفص بن البختري قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل ضرب على رأسه فذهب سمعه و بصره و اعتقل لسانه ثم مات فقال عليه السلام: إن كان ضربه ضربة بعد ضربة اقتص منه ثم قتل، و إن كان أصابه هذا من ضربة واحدة قتل و لم يقتص منه.

و المراد بالطرف في القصاص مادون النفس و إن لم يتعلق بالأطراف المشهورة من اليد و الرجل و الاذن و الأنف و غيرها كالجرح على البطن و الظهر و غيرهما.

و كما أن النهي عن المثلة لا يشمل المثلة قصاصا، كذلك لا يشملها اذا كانت عن حد مثل قطع الأصابع الأربع ما عدا الابهام من اليد اليمنى للسارق إذا كانت سرقته أول مرة و قطع رجله اليسرى من مفصل القدم و ترك العقب يعتمد عليه حالة المشي و الصلاة لو سرق ثانيا، قال عز من قائل: و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله‏ (المائدة 43).

و نظير ما قلنا أيضا ما ورد من النهى عن تعذيب البهائم و قتلها عبثا و مع ذلك إن جعفر بن أبي طالب في غزوة موتة إذا الحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام و لم يعب ذلك عليه أحد لأنه خاف أن يأخذها العدو فيقاتل عليها المسلمين‏.

«صلاة الرسول (ص) على حمزة رضوان الله عليه»

في الكافي و الفقيه كما في الوافي (ص 52 ج 13) باسناد عن أبان بن تغلب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الذي يقتل في سبيل الله أ يغسل و يكفن و يحنط؟

قال: يدفن كما هو في ثيابه بدمه إلا أن يكون به رمق ثم مات فانه يغسل و يكفن قال: يدفن كما هو في ثيابه بدمه إلا أن يكون به رمق ثم مات فانه يغسل و يكفن و يحنط و يصلى عليه، إن رسول الله صلى الله عليه و آله صلى على حمزة و كفنه و حنطه لأنه كان جرد.

و في الكافي باسناده عن ابن سنان عن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الذي يقتل في سبيل الله يدفن في ثيابه و لا يغسل إلا أن يدركه المسلمون و به رمق ثم يموت بعد، فانه يغسل و يكفن و يحنط، إن رسول الله صلى الله عليه و آله كفن حمزة في ثيابه و لم يغسله و لكنه صلى عليه.

و في الكافي باسناده عن إسماعيل بن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: كيف رأيت الشهيد يدفن بدمائه؟ قال. نعم في ثيابه بدمائه و لا يحنط و لا يغسل و يدفن كما هو، ثم قال: دفن رسول الله صلى الله عليه و آله عمه حمزة في ثيابه بدمائه التي اصيب فيها، و رداه النبي برداء فقصر عن رجليه فدعا له بإذخر فطرحه عليه و صلى عليه سبعين صلاة، و كبر عليه سبعين تكبيرة.

و في الكافي باسناده عن مثنى بن الوليد، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال:صلى رسول الله صلى الله عليه و آله على حمزة سبعين صلاة.

فيه باسناده عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: كبر رسول الله صلى الله عليه و آله على حمزة سبعين تكبيرة.

في السيرة النبوية لابن هشام قال: قال ابن إسحاق: و حدثني من لا أتهم عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث عن ابن عباس قال: أمر رسول الله صلى الله عليه و آله بحمزة فسجي ببردة ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات ثم أتي بالقتلى، فيوضعون إلى حمزة فصلى عليهم و عليه معهم حتى صلى عليه ثنتين و سبعين صلاة.

قول: الرواية الاولى ناطقة بأن حمزة كان جرد و كفنه رسول الله صلى الله عليه و آله‏ و الثالثة ناطقة بأنه صلى الله عليه و آله دفنه في ثيابه بدمائه التي اصيب فيها و ظاهرها أن كفنه كان ثيابه و الثانية تومئ إلى أن رسول الله صلى الله عليه و آله كفنه بثوب آخر حالكونه في ثيابه التي اصيب فيها فينافي بعضها بعضا و التوفيق بينها أن حمزة رضوان الله عليه جر دعن بعض ثيابه أي جرده المشركون عنه بعد قتله عن بعضها لا عن كلها حتى ترك عريانا، و ما بقي عليه من الثياب لم يكن كافيا لكفنه، فكفنه رسول الله صلى الله عليه و آله بثوب آخر و لم يجرده عن ما بقي عليه من الثياب لم يكن كافيا لكفنه، فكفنه رسول الله صلى الله عليه و آله بثوب آخر و لم يجرده عن ما بقي عليه من الثياب كما تومئ إليه الثانية فصح أن رسول الله صلى الله عليه و آله كفنه بثوب آخر كما صح أن حمزة دفن في ثيابه التي اصيب فيها أي دفن في بعض ثيابه و جرد عن بعضها.

ثم إن بين روايات الكافي الناطقة بأن رسول الله صلى الله عليه و آله صلى عليه سبعين صلاة و كبر عليه سبعين تكبيرة و بين ما في السيرة من أن رسول الله صلى عليه تنتين و سبعين صلاه تنافيا ظاهرا.

فنقول، إن روايات الكافي موافقة لما بلغنا من أئمتنا عليهم السلام من أن التكبير على الميت المؤمن خمس تكبيرات و إنما انتهى عددها إلى سبعين تكبيرة لأن رسول الله صلى الله عليه و آله كبر عليه خمس تكبيرات ثم كلما صلى لسائر إلى سبعين تكبيرة لأن رسول الله صلى الله عليه و آله كبر عليه خمس تكبيرات ثم كلما صل لسائر القتلى أشرك حمزة في صلاتهم كما في صحيفة الرضا عليه السلام على ما نقله الفيض في الوافي (ص 67 ج 13) باسناده إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال: رأيت النبي صلى الله عليه و آله كبر على عمه حمزة خمس تكبيرات و كبر على الشهداء بعده خمس تكبيرات فلحق حمزة بسبعين تكبيرة و وضع يده اليمنى على اليسرى، انتهى.

فصلى رسول الله صلى الله عليه و آله على حمزة أربع عشرة مرة لأنه يحصل من ضرب خمسة في أربعة عشر سبعون.

نظير ذلك صلاة أمير المؤمنين عليه السلام على سهل بن حنيف فانه عليه السلام كبر عليه خمسا و عشرين تكبيرة، ففي التهذيب باسناده إلى عمرو بن شمر قال: قلت لجعفر ابن محمد عليهما السلام: جعلت فداك إنا نتحدث بالعراق أن عليا عليه السلام صلى على سهل بن حنيف فكبر عليه ستا ثم التفت إلى من كان خلفه فقال: إنه كان بدريا قال:

فقال جعفر عليه السلام: إنه لم يكن كذا و لكنه صلى عليه خمسا ثم رفعه و مشى به ساعة ثم وضعه فكبر عليه خمسا، ففعل ذلك خمس مرات حتى كبر عليه خمسا و عشرين تكبيرة.

و في الفقيه قال أبو جعفر عليه السلام: كبر خمسا خمسا كلما أدركه الناس قالوا: يا أمير المؤمنين لم ندرك الصلاة على سهل فيضعه فيكبر عليه خمسا حتى انتهى إلى قبره خمس مرات.

و أما قول ابن إسحاق من أنه صلى الله عليه و آله صلى عليه ثنتين و سبعين صلاة فلا يوافق المذهب الحق لأنه يلزم أن يكبر عليه رسول الله صلى الله عليه و آله أربع تكبيرات و كذا كبر على الشهداء بعده أربع تكبيرات فلحق حمزة بثنتين و سبعين تكبيرة أي صلى عليه ثماني عشرة مرة و هو كما ترى مخالف لاجماعنا و الصحاح المستفيضة و غيرها المتواترة و لو معنى من أئمتنا عليهم السلام، على أن صلاة جنازة المؤمن خمس تكبيرات فما وردت بالأربع إما متأوله بالحمل على الصلاة على المنافقين ففي الكافي و التهذيب باسنادهما عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه و آله يكبر على قوم خمسا و على قوم آخرين أربعا فإذا كبر على رجل أربعا اتهم بالنفاق.

و في الكافي باسناده عن محمد بن مهاجر عن امه ام سلمة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان رسول الله صلى الله عليه و آله إذا صلى على ميت كبر فتشهد، ثم كبر فصلى على الأنبياء و دعا، ثم كبر و دعا للمؤمنين، ثم كبر و انصرف، فلما نهاه الله عز و جل عن الصلاة على المنافقين كبر فتشهد، ثم كبر فصلى على النبيين صلى الله عليهم. ثم كبر و دعا للمؤمنين، ثم كبر الرابعة و انصرف و لم يدع للميت.

و في التهذيب عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سألته عن الصلاة على الميت فقال: أما المؤمن فخمس تكبيرات، و أما المنافق فأربع و لا سلام فيها، انتهى.

و لا يخفى عليك أن أهل البيت أدرى بما فيه.و إما محمولة على التقية لأنها مذهب جميع العامة كما صرح به شيخ الطائفة قدس سره.

على أن صدر قول ابن إسحاق لا يوافق ذيله لأنه قال أولا إنه صلى الله عليه و آله صلى عليه فكبر سبع تكبيرات و لا ينتهي تكرار السبع مرة بعد اخرى إلى ثنتين و سبعين. اللهم إلا أن يقال إنه صلى عليه في الدفعة الاولى سبع تكبيرات و صلى ثلاث عشرة صلاة اخرى خمس تكبيرات، فلحق حمزة بثنتين و سبعين تكبيرة.

نحو ما روى الكشي باسناده عن الحسن بن زيد أنه قال: كبر علي بن أبي طالب عليه السلام على سهل بن حنيف سبع تكبيرات و كان بدريا، و قال: لو كبرت عليه سبعين لكان أهلا.

و إنما كبرا عليهما سبعا تشريفا لهما و إنما وقع في واقعة خاصة لا يجوز التجاوز عنها فتأمل جيدا.فان قلت: قد جاءت روايات على عدم جواز الصلاة على الميت مرتين فصاعدا ففي التهذيب باسناده عن محمد بن أحمد، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن وهب بن وهب، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أن رسول الله صلى الله عليه و آله صلى على جنازة فلما فرغ جاءه ناس فقالوا: يا رسول الله لم ندرك الصلاة عليها فقال: لا يصلى على جنازة مرتين و لكن ادعوا لها.

و فيه باسناده عن ابن كلوب، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه و آله صلى على جنازة فلما فرغ جاء قوم فقالوا فاتتنا الصلاة عليها فقال: إن الجنازة لا يصلى عليه مرتين ادعوا له و قولوا له خيرا.

ثم إن إطلاق الخبرين أو عمومهما يقتضي عدم الفرق في المنع بين ما لو صليت ثانيا جماعة أو فرادى فكيف التوفيق بين تلك الأخبار؟

قلت: يمكن أن يقال: التعدد يختص بمن له مزيد كرامة، أو يقال إن صلاة رسول الله صلى الله عليه و آله على حمزة و علي عليه السلام على سهل إنما كانت مختصة بهما فالاحتياط أن يترك التعدد في الصلاة على الجنازة.

و لم يذهب أحد منا إلى القول بحرمة الصلاة على الجنازة الواحدة مرتين فصاعدا، بل ذهب بعضهم إلى القول باستحباب التكرار على الإطلاق لها، و أفتى غير واحد بالجواز لمن لم يدرك الصلاة عليها، و لكن المشهور على كراهة الصلاة عليها مرتين فصاعدا، بل من محكي الغنية الاجماع عليها، للخبرين المنقولين في التهذيب، و لضعف سندهما حملا على الكراهة.

و في التهذيب باسناده عن الفطحية عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الميت يصلى عليه ما لم يوار بالتراب و إن كان قد صلي عليه.

و فيه عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الجنازة لم أدركها حتى بلغت القبر اصلي عليها؟ قال: إن أدركتها قبل أن يدفن فان شئت فصل عليها.

و فيه عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام- في رواية- إن رسول الله صلى الله عليه و آله خرج إلى جنازة امرأة من بني النجار فصلى عليها فوجد الحفرة لم يمكنوا فوضعوا الجنازة فلم يجي‏ء قوم إلا قال لهم: صلوا عليها. فتأمل جيدا.

و إن قلت: فما معنى الصلاة في قول أبي جعفر المروي آنفا من الكافي عن زرارة أن رسول الله صلى الله عليه و آله صلى على حمزة سبعين صلاة و مثله ما في السيرة حتى صلى عليه ثنتين و سبعين صلاة؟.

قلت: الصلاة هذه بمعنى الدعاء أي دعا له سبعين مرة بعد كل تكبيرة، و يبينه قوله الاخر المروي آنفا أيضا من الكافي عن إسماعيل بن جابر أنه صلى الله عليه و آله صلى عليه سبعين صلاة و كبر عليه سبعين تكبيرة.

و يعبر عن الدعاء للميت فيما بين التكبيرات بالصلاة ففي التهذيب باسناده عن محمد بن يزيد، عن أبي بصير قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام جالسا فدخل رجل فسأله عن التكبير على الجنائز فقال له: خمس تكبيرات، ثم دخل آخر فسأله عن الصلاة على الجنائز فقال له: أربع صلوات، فقال الأول: جعلت فداك سألتك فقلت خمسا و سألك هذا فقلت أربعا؟ فقال: إنك سألتني عن التكبير و سألني هذا عن الصلاة ثم قال: إنها خمس تكبيرات بينهن أربع صلوات، ثم بسط كفه فقال: إنهن خمس تكبيرات بينهن أربع صلوات.

«حث الرسول (ص) على طلب العلم حتى في دفن القتلى»

قال ابن هشام في السيرة (ص 89 ج 2) قال ابن اسحاق: حدثني محمد بن مسلم الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري حليف بني زهرة أن رسول الله صلى الله عليه و آله لما أشرف على القتلى يوم احد قال: أنا شهيد على هؤلاء أنه ما من جريح يجرح في الله إلا و الله يبعثه يوم القيامة يدمي جرحه اللون لون دم و الريح ريح مسك انظروا أكثر هؤلاء جمعا للقرآن فاجعلوه أمام أصحابه في القبر، و كانوا يدفنون الاثنين و الثلاثة في القبر الواحد.

قوله عليه السلام: «و جعفر و زيد يوم موتة» أي قتلا في غزوة موتة و جعفر هو ابن أبي طالب بن عبد المطلب و كان ثالث الإخوة من ولد أبي طالب أكبرهم طالب، و بعده عقيل، و بعده‏ جعفر، و بعده علي أمير المؤمنين عليه السلام و كل واحد منهم أكبر من الاخر بعشر سنين و امهم جميعا فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.

و كان‏ لجعفر رضوان الله عليه فضل كثير، فقال ابن هشام في السيرة النبوية (ص 359 ج 2): و ذكر سفيان بن عيينة عن الأجلح، عن الشعبي: أن‏ جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قدم على رسول الله صلى الله عليه و آله يوم فتح خيبر فقبل رسول الله بين عينيه و التزمه و قال: ما أدري بأيهما أنا أسر: بفتح خيبر، أم بقدوم‏ جعفر.

و كفى في فضله ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام في حقه في زمرة من مدحهم في هذا الكتاب الذي نقلناه عن نصر من أن الله ولي الاحسان إليهم و المنان عليهم بما قد أسلفوا من الصالحات، فما سمعت بأحد و لا رأيت فيهم من هو أنصح لله في طاعة رسوله و لا أطوع لرسوله في طاعة ربه و لا أصبر على اللأواء و الضراء و حين البأس و مواطن المكروه مع النبي صلى الله عليه و آله من هؤلاء النفر- إلخ.

و قال اليعقوبي في التاريخ (ص 97 ج 2 طبع النجف): كان المشبهون برسول الله صلى الله عليه و آله‏ جعفر بن أبي طالب، قال رسول الله صلى الله عليه و آله: أشبهت خلقي‏ و خلقي. إلخ.

و قال ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب: كان سن‏ جعفر يوم‏ قتل‏ إحدى و أربعين سنة و قال ابن هشام في السيرة (ص 378 ج 2): و هو ابن ثلاث و ثلاثين سنة.

و مؤتة بالهمز و حكي أيضا غير الهمز قرية من أرض البلقاء من الشام، و قيل: غزوة مؤتة تسمى أيضا غزوة جيش الامراء لكثرة جيش المسلمين فيها و ما لاقوه من الحرب الشديد مع الكفار.

و زيد هذا هو زيد بن حارثة و كان‏ جعفر و زيد و عبد الله بن رواحة امراء الجيش لرسول الله صلى الله عليه و آله و كان لعبد الله قصائد و أراجيز في غزوة مؤتة و تشجيع الناس على قتال الخصم و سنتلو بعضها عليك.

قال ابن واضح الأخباري في كتابه المعروف بتاريخ اليعقوبي (ص 49 ج 2):

و وجه- يعنى رسول الله صلى الله عليه و آله‏ جعفر بن أبي طالب، و زيد بن حارثة، و عبد الله بن رواحة في جيش إلى الشام لقتال الروم سنة ثمان و روى بعضهم أنه صلى الله عليه و آله قال:أمير الجيش زيد بن حارثة، فان قتل زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب، فان‏ قتل جعفر بن أبي طالب فعبد الله بن رواحة، فان قتل عبد الله بن رواحة فليرتض‏[1] المسلمون من أحبوا، و قيل: بل كان‏ جعفر المقدم، ثم زيد بن حارثة، ثم عبد الله بن رواحة.

صار إلى موضع يقال له‏ مؤتة من الشام من البلقاء من أرض دمشق فأخذ زيد الراية فقاتل حتى قتل. ثم أخذها جعفر فقطعت يده اليمنى فقاتل باليسرى فقطعت يده اليسرى ثم ضرب وسطه. ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقتل.

رفع لرسول الله صلى الله عليه و آله كل خفض، و خفض له كل رفع حتى رأى مصارعهم و قال:رأيت سرير جعفر المقدم فقلت يا جبريل إني كنت قدمت زيدا فقال: إن الله قدم جعفرا لقرابتك، و نعاهم رسول الله صلى الله عليه و آله فقال: أنبت الله‏ لجعفر جناحين من‏ زبرجد يطير بهما في الجنة حيث يشاء، و اشتد جزعه، و قال: على‏ جعفر فلتبك البواكي. و تأمر خالد بن الوليد على الجيش.

قالت أسماء بنت عميس الخثعمية و كانت امرأة جعفر و أم ولده جميعا: دخل علي رسول الله و يدي في عجين فقال: يا أسماء أين ولدك؟ فأتيته بعبد الله و محمد و عون فأجلسهم جميعا في حجره و ضمهم إليه و مسح على رؤوسهم و دمعت عيناه، فقلت: بأبي و أمي أنت يا رسول الله لم تفعل بولدي كما تفعل بالأيتام لعله بلغك عن‏ جعفر شي‏ء؟ فغلبته العبرة و قال: رحم الله جعفرا، فصحت و اويلاه و اسيداه، فقال: لا تدعي بويل و لا حرب و كل ما قلت فأنت صادقة، فصحت و اجعفراه و سمعت صوتي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و آله فجاءت و هي تصيح و ابن عماه، فخرج رسول الله صلى الله عليه و آله يجر رداءه ما يملك عبرته و هو يقول: على‏ جعفر فلتبك البواكي، ثم قال يا فاطمة اصنعي لعيال‏ جعفر طعاما فانهم في شغل فصنعت لهم طعاما ثلاثة أيام فصارت سنة في بني هاشم.

قال ابن اسحاق كما في السيرة لابن هشام: بعث رسول الله صلى الله عليه و آله بعثة إلى‏ مؤتة في جمادى الاولى سنة ثمان- إلى أن قال: فتجهز الناس ثم تهيؤا للخروج و هم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجهم ودع الناس امراء رسول الله صلى الله عليه و آله و سلموا عليهم- يعنى بالأمراء جعفرا و زيدا و عبد الله-.

فلما ودع عبد الله بن رواحة من ودع من امراء رسول الله صلى الله عليه و آله بكى، فقالوا:ما يبكيك يا ابن رواحة؟

فقال: أما و الله ما بي حب الدنيا و لا صبابة بكم، و لكني سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقرأ آية من كتاب الله عز و جل يذكر فيها النار و إن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (مريم- آية 74) فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود.

فقال المسلمون: صحبكم الله و دفع عنكم و ردكم إلينا صالحين فقال: عبد الله ابن رواحة:

لكنني أسأل الرحمن مغفرة و ضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء و الكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي‏ أرشده الله من غاز و قد رشدا

قال ابن اسحاق: ثم إن القوم تهيؤا للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله صلى الله عليه و آله فودعه ثم قال:

فثبت الله ما آتاك من حسن‏ تثبيت موسى و نصرا كالذي نصروا[2] إني تفرست فيك الخير نافلة
الله يعلم أني ثابت البصر[3] أنت الرسول فمن يحرم نوافله‏ و الوجه منه فقد أزرى به القدر

و هذه الأبيات في قصيدة له ثم خرج القوم و خرج رسول الله صلى الله عليه و آله حتى إذا ودعهم و انصرف عنهم قال عبد الله بن رواحة:

خلف السلام على امرى‏ء ودعته‏ في النخل خير مشيع و خليل‏

«تخوف الناس من لقاء هرقل و تشجيع ابن رواحة الناس على القتال»

ثم مضوا حتى نزلوا معان من أرض الشام فبلغ الناس أن هر قل قد نزل ماب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم و انضم اليهم من لخم و جذام و القين و بهراء و بلى مائة ألف منهم عليهم رجل من بلى ثم أحد إراشة يقال له مالك بن زافلة فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم، و قالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه و آله فنخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال و إما أن يأمرنا بأمره فنمضي له.

شجع الناس عبد الله بن رواحة و قال: يا قوم و الله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة و ما نقاتل الناس بعدد و لا قوة و لا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فانما هي إحدى الحسنيين إما ظهور، و إما شهادة.

قال الناس: قدو الله صدق ابن رواحة، فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم و العرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف ثم دنا العدو و انحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها فتعبأ لهم المسلمون فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له قطبة بن قتادة، و على ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له عباية (عبادة- خ ل) بن مالك.

م التقى الناس و اقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه و آله حتى شاط في رماح القوم.

م أخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم قاتل حتى قتل، فكان‏ جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام.

قول: و قد مضى كلامنا في البحث عن المثلة آنفا من أن جعفرا رضوان الله عليه لما ذا عقرها.

ال ابن اسحاق: و حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد قال: حدثني أبي الذي أرضعني و كان أحد بني مرة بن عوف و كان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال: و الله لكأني أنظر إلى‏ جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها ثم قاتل حتى قتل و هو يقول:

يا حبذا الجنة و اقترابها طيبة و باردا شرابها
و الروم روم قد دنى عذابها كافرة بعيدة أنسابها
علي إذ لاقيتها ضرابها

ال ابن هشام: و حدثني من أثق به من أهل العلم: أن‏ جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل رضي الله عنه و هو ابن ثلاث و ثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء.

لما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية ثم تقدم بها و هو على فرسه فجعل يستنزل نفسه و يتردد بعض التردد ثم قال:

أقسمت يا نفس لتنزلنه‏ لتنزلن أو لتكر هنه‏
إن أجلب الناس و شد و الرنه‏ مالي أراك تكرهين الجنة
قد طال ما قد كنت مطمئنة هل أنت إلا نطفة في شنه‏

و قال أيضا:

يا نفس إلا تقتلي تموتي‏ هذا حمام الموت قد صليت‏
و ما تمنيت فقد اعطيت‏ إن تفعلي فعلهما هديت‏

ريد بقوله فعلهما صاحبيه جعفرا و زيدا.

ثم نزل فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال: شد بهذا صلبك فانك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده ثم انتهس منه نهسة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال: و أنت في الدنيا، ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل.و العرق بالفتح ثم السكون: العظم الذي عليه بعض اللحم.

ثم أخذ الراية ثابت بن أقران أخو بني العجلان فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم. قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم و حاشى بهم، ثم انحاز و انحيز عنه حتى انصرف بالناس.

«تنبؤ الرسول (ص) بما حدث للمسلمين مع الروم»

قال ابن هشام في السيرة: قال ابن إسحاق: و لما اصيب القوم قال رسول الله صلى الله عليه و آله فيما بلغني: أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا. ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا، قال: ثم صمت رسول الله صلى الله عليه و آله حتى تغيرت وجوه الأنصار و ظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال: ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم قال: لقد رفعوا إلي في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت: عم هذا؟ فقيل لي: مضيا و تردد عبد الله بعض الترددثم مضى.

ثم نقل ابن إسحاق رواية أسماء بنت عميس التي نقلناها عن تاريخ اليعقوبي و الروايتان تختلفان في بعض الألفاظ- إلى أن قال: فقال صلى الله عليه و آله: لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما فانهم قد شغلوا بأمر صاحبهم.

ثم نقل رجوع الجيش إلى المدينة و تلقى الرسول لهم و غضب المسلمين عليهم فقال: حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال: لما دنوا من حول المدينة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه و آله و المسلمون، قال: و لقيهم الصبيان يشتدون و رسول الله صلى الله عليه و آله مقبل مع القوم على دابة، فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم و اعطوني ابن جعفر فاتي بعبد الله فأخذه فحمله بين يديه قال: و جعل الناس يحثون على الجيش التراب و يقولون يا فرار فررتم في سبيل الله قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه و آله ليسوا بالفرار و لكنهم الكرار إن شاء الله تعالى.

قال ابن إسحاق: و حدثني عبد الله بن أبي بكر عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن بعض آل الحارث بن هاشم و هم أخواله، عن ام سلمة زوج النبي صلى الله عليه و آله قال:قالت ام سلمة لامرأة سلمة بن هشام بن العاص بن المغيرة: مالي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه و آله و مع المسلمين؟ قالت: و الله ما يستطيع أن يخرج كلما خرج صاح به الناس يا فرار فررتم في سبيل الله حتى قعد في بيته فما يخرج.

و سمى ابن هشام في السيرة من استشهد يوم‏ مؤتة من المسلمين اثنى عشر رجلا منهم‏ جعفر بن أبي طالب، و زيد بن حارثة من بني هاشم، و عبد الله بن رواحة، و عباد بن قيس من الأنصار، ثم من بني الحارث بن الخزرج.

قوله عليه السلام: «و أراد لله من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة مع النبي غير مرة و لكن آجالهم عجلت، و منيته اجلت» أراد عليه السلام: بقوله: «من لو شئت ذكرت اسمه» نفسه، و قوله: غير مرة متعلق بقوله‏ أراد، و بين‏ عجلت و اجلت‏ جناس مضارع نحو بيني و بين كنى ليل دامس و طريق طامس.

و المراد أنه عليه السلام أخبر عن نفسه بأني أردت لله تعالى الشهادة في سبيله مع‏ النبي صلى الله عليه و آله غير مرة أي في غزوات عديدة مثل هؤلاء النفر الذين رزقوها لكن آجالهم عجلت‏، أي جاء أجلهم و قضوا نحبهم، و منيتي‏ اجلت‏، أي اخرت فان الاجال بيد الله تعالى قال عز من قائل‏ ما تسبق من أمة أجلها و ما يستأخرون‏ (الحجر- 7).

و روى الشيخ الجليل أبو الفتح الكراجكي في كنز الفوائد (ص 137 طبع ايران 1322 ه) باسناده عن خالد بن يزيد، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن أبيه، عن الحسين بن علي، عن أبيه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله يوم الأحزاب: اللهم إنك أخذت مني‏ عبيدة بن الحارث يوم بدر، و حمزة بن عبد المطلب‏ يوم احد و هذا أخي علي بن أبي طالب، رب لا تذرني فردا و أنت خير الوارثين.

قوله عليه السلام: «فيا عجبا للدهر إذ صرت يقرن بي من لم يسع بقدمي و لم تكن له كسابقتي التي لا يدلى أحد بمثلها» لما ذكر طائفة مما يدل على سابقته في الإسلام و تقدمه و أفضليته على من سواه أردفه بالتعجب من‏ الدهر حيث أنزله ثم أنزله حتى قرنه بمن لم يكن له سعي في الدفاع عن الدين، و حماية بيضة الاسلام بقدم مثل قدمه عليه السلام، و لم يكن له سابقة كسابقته التي ليس لأحد أن يتوسل‏ بمثلها، و يحتج به.

و قد قدمنا في صدر شرح هذا الكتاب أن الأشياء التي استحق بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله الفضل هي السبق إلى الإيمان، و الهجرة، و النصرة لرسول الله صلى الله عليه و آله و القربى منه، و القناعة، و بذل النفس له، و العلم بالكتاب و التنزيل، و الجهاد في سبيل الله، و الورع، و الزهد، و القضاء، و الحكم، و العفة، و العلم، و كل ذلك كان لعلي عليه السلام منه النصيب الأوفر، و الحظ الأكبر، فأين لابن آكلة الأكباد أن يوازنه و يوازيه و يقرن‏ به؟!.

ثم إذا كان له عليه السلام في جميع ما يستحق أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله فضلا النصيب الأوفر و السبق على من سواه بحيث‏ لا يدلى أحد بمثلها فأنى لغيره عليه السلام أن يتقدمه في الخلافة؟ فهل هذا إلا ازورارا عن الحق؟!.

فبما ذكرنا دريت أنه عليه السلام أشار بقوله: من لم يسع بقدمي‏- إلخ، إلى معاوية ظاهرا، و إلى من تقدم عليه من الخلفاء تلويحا و قد قال عليه السلام في الشقشقية: فيالله و للشورى متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت اقرن إلى هذه النظائر؟ و في الكافي باسناده عن السراد عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ثلاثة هم شرار الخلق ابتلى بهم خيار الخلق: أبو سفيان بن حرب أحدهم قاتل رسول الله صلى الله عليه و آله و عاداه، و معاوية قاتل عليا و عاداه، و يزيد بن معاوية لعنه الله قاتل الحسين بن علي عليهما السلام و عاداه حتى قتله. (الوافي ص 58 ج 2).

«كلام معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبى سفيان فى جده و أبيه»

و يعجبني أن نذكر في المقام ما وصف معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان في خلافته جده و أباه، فانه كان أدرى بما فيهما. نقل كلامه اليعقوبي في التاريخ (ص 226 ج 2 طبع النجف) و العلامة الشيخ بهاء الدين العاملي في الكشكول و نحن ننقل عن اليعقوبي.

قال: ثم ملك معاوية بن يزيد بن معاوية و امه ام هاشم بنت أبي هاشم ابن عتبة بن ربيعة أربعين يوما و قيل بل أربعة أشهر، و كان له مذهب جميل فخطب الناس فقال:

أما بعد حمد الله و الثناء عليه أيها الناس إنا بلينا بكم و بليتم بنا، فما نجهل كراهتكم لنا و طعنكم علينا، ألا و إن جدي معاوية بن أبي سفيان نازع الأمرين كان أولى به منه في القرابة برسول الله صلى الله عليه و آله و أحق في الإسلام، سابق المسلمين، و أول المؤمنين، و ابن عم رسول رب العالمين، و أبا بقية خاتم المرسلين، فركب منكم ما تعلمون، و ركبتم منه ما لا تنكرون حتى أتته منيته، و صار رهنا بعمله.

ثم قلد أبي و كان غير خليق للخير، فركب هواه، و استحسن خطأه، و عظم رجاؤه فأخلفه الأمل و قصر عنه الأجل، فقلت منعته، و انقطعت مدته، و صار في حفرته رهنا بذنبه، و أسيرا بجرمه، ثم بكى و قال: إن أعظم الامور علينا علمنا بسوء مصرعه، و قبح منقلبه، و قد قتل عترة الرسول صلى الله عليه و آله، و أباح الحرمة، و حرق الكعبة و ما أنا المتقلد اموركم، و لا المتحمل تبعاتكم، فشأنكم أمركم، فو الله لئن كانت الدنيا مغنما لقد نلنا منها حظا. و إن تكن شرا فحسب آل سفيان ما أصابوا منها.

قوله عليه السلام: «إلا أن يدعي مدع ما لا أعرفه و لا أظن الله يعرفه» يعني‏ أن‏ من‏ يدعي‏ خلاف ما ذكرته فهو كاذب مختلق، و دعواه باطلة زاهقة.

و لما كان عليه السلام أفضل الصحابة في جميع الصفات الكمالية فما لا يعرفها فهي داحضة، فأشار بقوله: إلا أن يدعي مدع ما لا أعرفه‏، إلى أن ما ادعاه مما لا يعزفه باطل.

و ضمير يعرفه يرجع إلى ما كضمير أعرفه‏، و المراد أن ما ادعاه‏ مدع‏ خلاف ما ذكرته غير موجودة و ما ليس بموجود لا تتعلق المعرفة بوجوده و الظن بمعنى العلم و الغرض العلم بالسلب أي الله يعلم أن ما ادعاه‏ مدع مما لا أعرفه‏ ليس بموجود.

قوله عليه السلام: «و الحمد لله على كل حال» تأسى عليه السلام في كلامه هذا برسول الله صلى الله عليه و آله، و هذا القول يؤمي إلى اغتمامه عليه السلام، و ذلك أن ثقة الاسلام الكليني رضوان الله عليه روى في الكافي باسناده عن محمد، عن ابن عيسى، عن القاسم، عن جده، عن مثنى الحناط عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه و آله إذا ورد عليه أمر يسره قال: الحمد لله على هذه النعمة، و إذا ورد عليه أمر يغتم به قال: الحمد لله على كل حال‏.

و روى هذه الرواية الفيض قدس سره في باب الشكر من أبواب جنود الايمان من الوافي (ص 68 ج 3) عن الكافي أيضا.

قوله عليه السلام: «و ذكرت حسدي الخلفاء و إبطائي عنهم، و بغيي عليهم، فأما البغي فمعاذ الله أن يكون» كلامه هذا إلى قوله: إن حقي هو المأخوذ و قد تركته لهم تجاوز الله عنهم، جواب عن قول معاوية في كتابه: فكلهم حسدت و على كلهم بغيت- إلى قوله: و في إبطائك عن الخلفاء.

و قد مضى كلامنا في البحث عن الإمامة في المختار 237 أن الامام أجل شأنا من أن يكون باغيا، فان البغي من الذنوب العظيمة و جميع الذنوب أربعة

أوجه لا خامس لها: الحرص، و الحسد، و الغضب، و الشهوة، فهذه منفية عنه، فراجع إلى (ص 44 من ج 15).

و أما اجتماع الناس في سقيفة بني ساعدة و اختلاف المهاجرين و الأنصار في البيعة و لم يغسل رسول الله صلى الله عليه و آله بعد حتى غصبوا أمير المؤمنين عليا عليه السلام حقه فقد ذكره الشارح الخوئي قدس سره في المباحث السالفة، و نحن أشرنا إلى شر ذمة منه في المجلد السادس عشر (ص 382).

و اليعقوبي في التاريخ في خبر السقيفة (ص 102 ج 2) بعد ما نقل كلام عبد الرحمن بن عوف في فضل الأنصار قال: و قام المنذر بن الأرقم فقال: ما ندفع فضل من ذكرت و إن فيهم لرجلا لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد- يعني علي بن أبي طالب عليه السلام. إلى أن قال:

و جاء البراء بن عازب فضرب الباب على بني هاشم و قال: يا معشر بني هاشم بويع أبو بكر، فقال بعضهم: ما كان المسلمون يحدثون حدثا نغيب عنه و نحن أولى بمحمد صلى الله عليه و آله، فقال العباس: فعلوها و رب الكعبة. و كان المهاجرون و الأنصار لا يشكون في علي عليه السلام فلما خرجوا من الدار قام الفضل بن العباس، و كان لسان قريش فقال: يا معشر قريش إنه ما حقت لكم الخلافة بالتموية و نحن أهلها دونكم، و صاحبنا أولى بها منكم، و قام عتبة بن أبي لهب فقال:- ما كنت أحسب أن الأمر منصرف- إلى آخر الأبياب التي نقلنا في (ج 16 ص 383) عن خزيمة بن ثابت الأنصاري.

ثم قال اليعقوبي: و تخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين و الأنصار و ما لو مع علي بن أبي طالب منهم: العباس بن عبد المطلب، و الفضل بن العباس و الزبير بن العوام بن العاص، و خالد بن سعيد، و المقداد بن عمرو، و سلمان الفارسي، و أبو ذر الغفاري، و عمار بن ياسر، و البراء بن عازب، و ابي ابن كعب.

قال: و كان خالد بن سعيد غائبا فأتى عليا فقال: هلم أبايعك فو الله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك.

قال: فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب و أبي عبيدة بن الجراح و المغيرة ابن شعبة فقال: ما الرأي؟ قالوا: الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب، فتجعل له في هذا الأمر نصيبا يكون له و لعقبه من بعده، فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب حجة لكم على علي إذا مال معكم، فانطلق أبو بكر و عمر و أبو عبيدة بن الجراح و المغيرة حتى دخلوا على العباس ليلا.

فحمد أبو بكر الله و أثنى عليه ثم قال:إن الله بعث محمدا نبيا، و للمؤمنين وليا، فمن عليهم بكونه بين أظهرهم حتى اختار له ما عنده، فخلى على الناس امورا ليختاروا أنفسهم في مصلحتهم مشفقين فاختاروني عليهم واليا، و لامورهم راعيا، فوليت ذلك و ما أخاف بعون الله و تسديده و هنا و لا حيرة و لا جبنا، و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه انيب. و ما أنفك يبلغني عن طاعن يقول الخلاف على عامة المسلمين يتخذكم لجأ فتكون حصنه المنيع و خطبه البديع، فإما دخلتم مع الناس فيما اجتمعوا عليه، و إما صرفتموهم عما مالوا إليه، و لقد جئناك و نحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا يكون لك و يكون لمن بعدك من عقبك، إذ كنت عم رسول الله صلى الله عليه و آله، و إن كان الناس قد رأوا مكانك و مكان صاحبك فعدلوا بالأمر عنكم على رسلكم بني هاشم فان رسول الله منا و منكم.

فقال عمر بن الخطاب: إي و الله، و اخرى إنا لم نأتكم لحاجة إليكم و لكن كرها أن يكون الطعن في ما اجتمع عليه المسلمون منكم، فيتفاقم الخطب بكم و بهم فانظروا لأنفسكم.

«احتجاج العباس عم رسول الله (ص) على أبى بكر و عمر فى أمر البيعة»

قال اليعقوبي: فحمد العباس الله و أثنى عليه و قال:

إن الله بعث محمدا صلى الله عليه و آله كما وصفت نبيا، و للمؤمنين وليا، فمن على امته به حتى قبض الله إليه و اختار له ما عنده، فخلى على المسلمين امورهم ليختاروا لأنفسهم مصيبين الحق، لا مائلين بزيغ الهوى، فان كنت برسول الله فحقا أخذت‏ و إن كنت بالمؤمنين فنحن منهم، فما تقدمنا في أمرك فرطا، و لا حللنا وسطا، و لا برحنا سخطا، و إن كان هذا الأمر إنما وجب لك بالمؤمنين، فما وجب إذ كنا كارهين، ما أبعد قولك من أنهم طعنوا عليك من قولك إنهم اختاروك و ما لو إليك و ما أبعد تسميتك خليفة رسول الله صلى الله عليه و آله من قولك خلى على الناس امورهم ليختاروا فاختاروك، فأما ما قلت إنك تجعله لي فإن كان حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم فيه، و إن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض، و على رسلك فإن رسول الله صلى الله عليه و آله من شجرة نحن أغصانها و أنتم جيرانها، فخرجوا من عنده.

و في الجمل للمفيد قدس سره (ص 45 طبع النجف) و قد عرفت الخاصة و العامة ما أظهره أمير المؤمنين عليه السلام من كراهته من تقدم عليه و تظلمه منهم، فقال في مقام بعد مقام: اللهم إني أستعيذك «أستعديك. ظ» على قريش فانهم ظلموني حقي و منعوني إرثي و تمالوا علي. و قال عليه السلام: لم أزل مظلوما منذ قبض رسول الله صلى الله عليه و آله، و قال: و قد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه و آله أن الامة ستغدر بي من بعده، و قال:

يا عمر لقد ظلمت الحجر و المدر. و قال: اللهم اجز قريشا عني الجوازي فقد قطعت رحمي و دفعتني عن حقي و أغرت بي سفهاء الناس و خاطرت بدمي.

قوله عليه السلام: «و أما ما ذكرت من أمر عثمان و قطيعتي رحمه و تأليبي عليه- إلى قوله: إلا أن تتجنى فتجن ما بدا لك» هذا الفصل جواب عن قول معاوية في كتابه إليه عليه السلام مخاطبا له بقوله: ثم لم تكن لأحد منهم بأعظم حسدا منك لابن عمك عثمان- إلى قوله: و قد ذكر لي أنك تنصل من دمه.

و قد ذكرنا في شرح المختار الأول من كتبه و رسائله عليه السلام الأحداث التي أحدثها عثمان مما نقمها الناس منه و طعنوا عليه و صارت أسباب قتله (ص 203 ج- 16)، و نصح أمير المؤمنين عليه السلام عثمان في ص (311 ج 16 من) الواقدي و غيره، و كذا قوله عليه السلام «ما زلت أذب عن عثمان حتى أني لأستحي» المنقول من الطبري و غيره في شرح المختار 238 من كلامه في باب الخطب (ص 183 ج 16) و قوله عليه السلام: و الله لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثما.

و قد أشرنا في (ص 351 ج 16) إلى أن عثمان قتل نفسه بأحداثه التي أحدثها و أن أمير المؤمنين عليه السلام قال: الله قتله، و أنه عليه السلام كان في عزلة عن قتله، و أنه عليه السلام نصحه و نصره غير مرة و ما أراد عثمان منه نصحا و إلا لتاب من قوادحه حقيقة و لما خدع الناس مرة بعد مرة، و أن أهل البصرة اتهموا عليا عليه السلام بدم عثمان اتباعا لتسويلات شيطانية، و أن اسناد دم عثمان إليه تهمة و بهتان ليس إلا و غيرها مما أشرنا إليها فراجع.

و قال ابن الأثير في مادة عفو من النهاية: قالت ام سلمة لعثمان: لا تعف سبيلا كان رسول الله صلى الله عليه و آله لحبها، أي لا تطمسها.

ثم قد بينا تفسير قوله عليه السلام: «إلا أن تتجنى فتجن ما بدا لك» في شرح الكتاب السادس، فراجع.

هنا انتهى المجلد السابع عشر من هذه الطبعة النفيسة فى اليوم الرابع و العشرين من شهر جمادى الثانية سنة- 1385- بتصحيح و ترتيب من العبد:– السيد ابراهيم الميانجى- عفى عنه و عن والديه، و ذلك في المطبعة المباركة الاسلامية بطهران.

يليه ان شاء الله المجلد الثامن عشر فى شرح بقية الكتاب و الحمد لله‏.

الجزء الثامن عشر

[تتمة باب المختار من كتب مولانا أمير المؤمنين و رسائله إلى أعدائه و أمراء بلاده‏]

بسم الله الرحمن الرحيم حمدا لك يا من ألهمتنا حقائق الإيمان، و هديتنا إلى جنابك بنور العلم و العرفان، و دعوتنا إلى مأدبتك القرآن الفرقان، و جعلتنا أهلا للإطلاع على درر مكنونة عند خزنة علمك، و أذنت لنا في الفحص عن أسرار مستترة عند عيبة وحيك و غيبك.

اللهم صل على نبيك الخاتم، المنزل عليه كتاب يهدي للتي هي أقوم؛ و على آله الكرام البررة، و أصحاب العصمة و المعرفة. و على جميع من اجتبيت من رسلك و أرسلتهم إلى عبادك. و على الذين احتذوا حذوهم، و اقتفوا آثارهم، و اقتدوا بهديهم.

و بعد: فيقول العبد المحتاج إلى مولاه الغني نجم الدين الحسن بن عبد الله الطبري الاملي رحمهما الله تعالى و عفى عنهما: إن ما لفظه لسان ميزان القسط و باب مدينة العلم بحر لا تنفد لالى معانيه الغالية، و ما أودعه في لطائف ألفاظه كنوز لا يزيدها الإنفاق إلا كثرة و سعة، فقد تيسر لنا بالكد و الجهد التامين استخراج قبضة من تلك اللئالي و الكنوز فهذه بضاعتنا المزجاة نهديها إلى بغاة علم الدين في شرح كلمات علي أمير المؤمنين عليه السلام، و نطلب من الله التوفيق لاتمام الشرح على النهج السديد، و نرجوه لكل خير و نستزيد.

و هذا هو المجلد الرابع من تكملة منهاج البراعة في شرحنا على نهج البلاغة فينتهى المنهاج به إلى ثامن عشر، فنقول مستعينا بواهب المعاني و الصور:

تتمة المختار التاسع من كتبه عليه السلام و رسائله‏

[تتمة المعنى‏]

قوله عليه السلام: «و أما ما سألت من دفع قتلة عثمان إليك‏- إلى قوله: و لا إلى غيرك» هذا الفصل جواب عن قوله معاوية له عليه السلام: فان كنت صادقا فأمكنا من قتلته نقتلهم به.

و قد دريت من مباحثنا السالفة أن معاوية لم يجد شيئا يستغوي به الناس و يستميل به أهواءهم إلا أن قال لهم: قتل إمامكم مظلوما فهلموا نطلب بدمه فاستجاب له جفاة طعام، عبيد قزام، جمعوا من كل أوب، و تلقطوا من كل شوب.

و أن عمار بن ياسر قال في بعض أيام صفين- كما رواه أبو جعفر الطبري في التاريخ و نقلناه في ص 286 ج 15-: أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم ابن عفان، و يزعمون أنه قتل مظلوما، و الله ما طلبتم بدمه و لكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها و استمرءوها، و علموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم و بين ما يتمرغون فيه من دنياهم، و لم يكن للقوم سابقة في الاسلام يستحقون.

طاعة الناس و الولاية عليهم، فخذعوا أتباعهم أن قالوا: إمامنا قتل مظلوما، ليكونوا بذلك جبابرة ملوكا، و تلك مكيدة بلغوا بها ما ترون، و لو لا هي ما تبعهم من الناس رجلان؛ إلخ.

و أن معاوية لم يكن ولي دم عثمان حتى يطلبه، بل كان ولده أولياء دمه و أشار أمير المؤمنين عليه السلام إليه تلويحا: فلم أره يسعني دفعهم إليك و لا إلى غيرك‏.

و أن معاوية لم يكن له ولاية شرعية على المسلمين، ثم لم يرافع إليه أحد في دم ابن عفان شيئا، و ما ترافع إليه الخصمان فيه فأنى له أن يطلب قتلة عثمان؟

و أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن شريكا في دمه، بل كان في عزلة عن قتله و لم يحضر قتل عثمان يوم قتل.

و نص أبو جعفر الطبري في التاريخ أنه لما حصر عثمان كان علي عليه السلام بخيبر فلو رأى معاوية أنه عليه السلام كان من قاتليه فهو خطأ، و علمت أن إسناد قتله إليه اختلاق بل في مروج الذهب للمسعودي أنه لما بلغ عليا عليه السلام أنهم يريدون قتله بعث بابنيه الحسن و الحسين و مواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته حتى أن القوم لما اشتبكوا جرح الحسن و شج قنبر.

و كذا قال المسعودي: لما حصر الناس عثمان في داره منعوه الماء فأشرف على الناس و قال: ألا أحد يسقينا؟ فبلغ عليا عليه السلام طلبه للماء فبعث إليه بثلاث قرب ماء- إلخ، فراجع إلى (ص 330 ج 16).

و لو رآه ولي المسلمين، و حاكم الشرع المبين طلب عنده حقا من غيره فقد كان واجبا عليه أن يرافع الدعوى إليه عليه السلام مع الشروط المعتبرة في الترافع و ما فعل معاوية ذلك.

على أنما قتله خلق كثير حتى شهد قتله ثمانمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و اله يرون أن عثمان كان يستحق القتلى بأحداثه ففي كتاب صفين لنصر بن مزاحم المنقري (ص 176 الطبع الناصري) مذكور أنما جرى بين عمار بن ياسر رضوان الله عليه و عمرو بن العاصي كلام طويل في بعض أيام صفين- إلى أن قال عمرو لعمار: فعلى م تقاتلنا؟ أو لسنا نعبد إلها واحدا، و نصلي قبلتكم، و ندعو دعوتكم، و نقرأ كتابكم، و نؤمن برسولكم؟

قال عمار: الحمد لله الذي أخرجها من فيك إنها لي و لأصحابي القبلة و الدين و عبادة الرحمن و النبي صلى الله عليه و اله و الكتاب من دونك و دون أصحابك؛ الحمد لله الذي قررك لنا بذلك دونك و دون أصحابك، و جعلك ضالا مضلا لا تعلم هاد أنت أم ضال، و جعلك أعمى و ساء خبرك على ما قاتلتك عليه أنت و أصحابك، أمرني رسول الله صلى الله عليه و اله أن اقاتل الناكثين و قد فعلت، و أمرني أن اقاتل القاسطين فأينم هم و أما المارقين فما أدري ادركهم أم لا؟[1] أيها الأبتر أ لست تعلم أن رسول الله صلى الله عليه و اله‏

قال لعلي عليه السلام: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم و ال من والاه و عاد من عاداه و أنا مولى الله و رسوله و علي بعده و ليس لك مولى.

قال عمرو: لم تشتمني يا أبا اليقظان و لست أشتمك؟

قال عمار: و بم تشتمني أ تستطيع أن تقول إني عصيت الله و رسوله يوما قط؟.

قال له عمرو: إن فيك لمسبات سوى ذلك.

فقال عمار: إن الكريم من أكرمه الله: كنت وضيعا فرفعني الله، و مملوكا فأعتقني الله، و ضعيفا فقواني الله، و فقيرا فأغناني الله.

و قال له عمرو: فما ترى في قتل عثمان؟ قال: فتح لكم باب كل سوء قال عمرو: فعلي قتله، قال عمار: بل الله رب على قتله و علي معه، قال عمرو:

كنت فيمن قتله من هنا عند ابن عقبة، قال: كنت مع من قتله و أنا اليوم اقاتل معهم، قال عمرو: فلم قتلتموه؟ قال عمار: أراد أن يغير ديننا فقتلناه، فقال عمرو:

ألا تسمعون قد اعترف بقتل عثمان؟ قال عمار: و قد قالها فرعون قبلك لقومه:

ألا تسمعون.

و بالجملة إذا كان قتلة عثمان هذا الجمع العظيم و كان فيهم كبار الصحابة من الأنصار و المهاجرين و مثل عمار بن ياسر على جلالة شأنه و علو مقامه و ثباته في الدين اعترف بالمشاركة في قتله فكيف يسع أمير المؤمنين عليه السلام دفعهم إلى معاوية أو إلى غيره أولا، و مع فرض تمكنه من ذلك كيف يسوغه الشرع قتل جمع عظيم من الأنصار و المهاجرين و كبار التابعين برجل أحدث أحداثا نقمها الناس منه و طعنوا عليه و قتلوه بها ثانيا.

و لعل قوله عليه السلام: «و أما ما ذكرت من أمر عثمان فإني نظرت في هذا الأمر و ضربت أنفه و عينيه فلم أر دفعهم إليك و لا إلى غيرك» يشير إلى الوجه الأخير خاصة.

و روى أن أبا هريرة و أبا الدرداء أتيا معاوية فقالا له: على م تقاتل علياو هو أحق بالأمر منك لفضله و سابقته؟

فقال: لست اقاتله لأني أفضل منه و لكن ليدفع إلي قتلة عثمان، فخرجا من عنده و أتيا عليا عليه السلام فقالا له: إن معاوية يزعم أن قتلة عثمان عندك و في عسرك فادفعهم إليه فإن قاتلك بعدها علمنا أنه ظالم لك.

فقال علي عليه السلام: إني لم أحضر قتل عثمان يوم قتل و لكن هل تعرفان من قتله؟.

فقالا: بلغنا أن محمد بن أبي بكر و عمارا و الأشتر و عدي بن حاتم و عمرو بن الحمق و فلانا ممن دخل عليه.

فقال علي عليه السلام: فامضيا إليهم فخذوهم، فأقبلا إلى هؤلاء النفر و قالا لهم:

أنتم من قتل عثمان و قد أمر أمير المؤمنين بأخذكم قال: فوقعت الصيحة في العسكر بهذا الخبر فوثب من عسكر علي أكثر من عشرة آلاف رجل في أيديهم السيوف و هم يقولون: كلنا قتله، فبهت أبو هريرة و أبو الدرداء ثم رجعا إلى معاوية و هما يقولان: لا يتم هذا الأمر أبدا فأخبراه بالخبر.

و قد مر قريب من هذه الرواية عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم في صدر هذا الشرح قول علي عليه السلام لأبي مسلم الخولاني: اغد علي غدا فخذ جواب كتابك- إلى قول نصر: فلبست الشيعة أسلحتها ثم غدوا فملأوا المسجد و أخذوا ينادون:كلنا قتل ابن عفان.

و في رواية اخرى: لما سئل علي عليه السلام تسليمهم قال و هو على المنبر: ليقم قتلة عثمان، فقام أكثر من عشرة آلاف رجل من المهاجرين و الأنصار و غيرهم.

فكيف يمكن تسليم أكثر من عشرة آلاف رجل جلهم من حماة الدين و قواعده إلى من يطلب بدم رجل واحد قتلوه بأحداثه التي نقموها منه؟.

قوله عليه السلام: «و لعمري لئن لم تنزع عن غيك‏- إلى قوله: و زور لا يسرك لقيانه» هذا الفصل جواب عن قول معاوية حيث قال في كتابه مخاطبا له عليه السلام:

«و الذي لا إله إلا هو لنطلبن قتلة عثمان في الجبال و الرمال و البر و البحر حتى‏ يقتلهم الله أو لتلحقن أرواحنا بالله».

و لما كان معاوية شمخ بأنفه و تجاوز عن حده و جعل الله تعالى عرضة في يمينه و هدد الأمير و شيعته بقوله الشنيع أجابة الأمير عليه السلام و أخبره عن عاقبته السؤى بقوله ذلك: أي‏ لعمري‏ قسمي‏ لئن لم‏ تنته و لم تكف عن ضلالك و خلافك لتعلمن أن هؤلاء المسلمين الذين يجاهدون في سبيل الله‏ يطلبونك‏ بعد زمان‏ قليل‏، و لا يشقون عليك أن تطلبهم في البر و البحر و الجبال و الرمال، يعني لا حاجة إلى أن تكلف نفسك في طلبهم، بل أنهم يطلبونك، فلا يخفى لطف كلامه و عذوبته في تهديده عليه السلام معاوية قبال كلامه في تهديده أمير المؤمنين عليه السلام.

ثم هدده بعاقبة هذا الطلب بقوله: أن هذا الطلب يسوءك وجدانه، و زور لا يسرك لقيانه‏، و الظاهر أن قوله عليه السلام: عن قليل يطلبونك‏، إشارة إلى ما سيوقع في وقعة صفين، و سيأتي نحو قوله هذا كلامه عليه السلام في آخر الكتاب الثامن و العشرين الذي كتبه إلى معاوية أيضا جوابا: فسيطلبك من تطلب، و يقرب منك ما تستبعد- إلخ.

قوله عليه السلام: «و قد كان أبوك أتاني حين ولى الناس أبا بكر، إلخ» قال اليعقوبي في التاريخ (ص 105 ج 2 طبع النجف) و كان فيمن تخلف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان بن حرب و قال: أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي هذا الأمر عليكم غيركم و قال لعلي بن أبي طالب: امدد يدك ابايعك و على معه قصى فقال:

بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم‏ و لا سيما تيم بن مرة أو عدي‏
فما الأمر إلا فيكم و إليكم‏ و ليس لها إلا أبو حسن علي‏
ابا حسن فاشدد بها كف حازم‏ فاتك بالأمر الذي يرتجى ملى‏
و إن امرأ يرمى قصيا وراءه‏ عزيزا الحمى و الناس من غالب قصي‏

و قال المفيد في الجمل (ص 42 طبع النجف): في الفصل المترجم بقوله:

انكار جماعة بيعة أبي بكر، بعد عد عدة من المنكرين بيعته: و قال أبو سفيان بن حرب بن صخر بأعلى صوته: يا بني هاشم أرضيتم أن يلي عليكم بنو تيم بن مرة حاكما على العرب و متى طمعت أن تتقدم بني هاشم في الأمر، انهضوا لدفع هؤلاء

القوم عما تمالوا إليه ظلما لكم، أما و الله لأن شئتم لأملأنها عليكم خيلا و رجالا ثم قال: بني هاشم، الأبيات.

و قال في الإرشاد (ص 90 طبع طهران 1377): و قد كان جاء أبو سفيان (يعنى بعد ما بدر الطلقاء بالعقد للرجل) إلى باب رسول الله صلى الله عليه و اله و علي و العباس متوفران على النظر في أمره فنادى: بني هاشم لا تطمعوا، الأبيات؛ ثم نادى بأعلى صوته: يا بني هاشم يا بني عبد مناف أرضيتم أن يلي عليكم أبو فصيل الرذل ابن الرذل أما و الله لو شئتم لأملأنها عليهم خيلا و رجلا.

فناداه أمير المؤمنين عليه السلام: ارجع يا أبا سفيان فوالله ما تريد بما تقول و ما زلت تكيد الإسلام و أهله و نحن مشاغيل برسول الله صلى الله عليه و اله و على كل امرى‏ء ما اكتسب و هو ولي ما احتقب. فانصرف أبو سفيان إلى المسجد فوجد بني امية مجتمعين فحرضهم على الأمر و لم ينهضوا له. و كانت فتنة عمت، و بلية شملت، و أسباب سوء اتفقت، تمكن بها الشيطان، و تعاون فيها أهل الإفك و العدوان، فتخاذل في انكارها أهل الايمان و كان ذلك تأويل قول الله عز و جل، و اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة.

خاتمة يذكر فيها مسئلة فقهية

و هي أنه قد تقدم في شرح هذا الكتاب (ص 383 ج 17) أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و اله في يوم احد كانوا يدفنون الاثنين و الثلاثة من القتلى في قبر واحد. و كذلك قد تظافرت الاثار في أن ابن سعد لعنة الله عليه لما رحل من كربلاء خرج قوم من بني أسد كانوا نزولا بالغاضرية إلى سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين و أصحابه روحي لهم الفداء فصلوا عليهم و دفنوا الحسين عليه السلام حيث قبره الان و دفنوا ابنه علي بن الحسين عند رجله و حفروا للشهداء من أهل بيته و أصحابه الذين صرعوا حوله مما يلي رجلي الحسين عليه السلام و جمعوهم فدفنوهم جميعا معا و دفنوا العباس بن علي عليهما السلام في موضعه الذي قتل فيه على طريق الغاضرية حيث قبره الان.

ففيهما دلالة على جواز دفن ميتين أو أكثر في قبر واحد، أما الأول فلأنه‏ كان في حضرة رسول الله صلى الله عليه و اله بل كان باذنه حيث قال صلى الله عليه و اله: انظروا أكثر هؤلاء جمعا للقرآن فاجعلوه أمام أصحابه في القبر. و قال في الخبر الاخر: المروي عنه صلى الله عليه و اله كما في مدارك الأحكام في شرح شرايع الاسلام: انه قال للأنصار يوم احد:احفروا و أوسعوا و عمقوا و اجعلوا الاثنين و الثلاثة في القبر الواحد.

و أما الثاني فلأن بني أسد كانوا مسلمين بل لعلهم كانوا مؤمنين فلو لا علمهم بجواز ذلك من الشرع لما فعلوه في المقام، على أنه لم ينكر عليهم أحد.

و الجواز لا خلاف فيه و إنما الكلام في أن جواز ذلك فيما يقتضيه الضرورة كما هي ظاهر المقامين سيما الثاني، أو أن العمل جائز مطلقا، ثم لو لا الضرورة أ كان مكروها أو محرما. و هل يفصل في المقام بين ما كان الميتان رجلين أو امرأتين و بين ما كانا رجلا و امرأة، و على الثاني بين ما كانا أجنبيين و غير أجنبيين و على التقادير كلها هل يجوز دفن أكثر من واحد في قبر ابتداء أو مطلقا.

فالمنقول عن الشيخ قدس سره في المبسوط: الأولى أن يفرد لكل واحد منهم قبر لما روي عنهم عليهم السلام أنه لا يدفن في قبر واحد اثنان. و قال فيه: فان دعت الضرورة إلى ذلك جاز أن يجمع اثنان و ثلاثة في قبر واحد كما فعل النبي صلى الله عليه و اله يوم احد. قال: فإذا اجتمع هؤلاء جعل الرجل مما يلي القبلة و الصبيان بعدهم ثم الخناثي ثم النساء، انتهى.

و في التهذيب: محمد بن الحسن الصفار قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أ يجوز أن يجعل (نجعل- معا) الميتين على جنازة واحدة و يصلى عليهما؟ فوقع عليه السلام: لا يحمل الرجل مع المرأة على سرير واحد.

و رواه في الوسائل هكذا: قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أ يجوز أن يجعل الميتين على جنازة واحدة في موضع الحاجة و قلة الناس و إن كان الميتان رجلا و امرأة يحملان على سرير واحد و يصلى عليهما؟ فوقع عليه السلام: لا يحمل الرجل مع المرأة على سرير واحد.

فيستفاد من الخبر أمران: أحدهما جواز حمل الميتين الرجلين على جنازة

و ثانيهما عدم جوازه إذا كان أحدهما رجلا و الاخر امرأة حتى حال الضرورة.

فيحكم على ذلك في دفنهما أيضا على طريق الأولوية أعني الجواز في الصورة الاولى و عدمه في الثانية.

و قد ذهب بعض العلماء إلى حرمة دفن رجل أجنبي و امرأة أجنبية في قبر واحد و لعله افتى به من ظاهر هذا الخبر و إن كان الخبر أعم شمولا فانه نهى عن حمل الرجل و المرأة الميتين في سرير مطلقا.

كما أن الشيخ قدس سره حكم بجعل الرجل مما يلي القبلة- إلخ في الدفن من الروايات الواردة في الصلاة على الجنائز المتعددة المختلفة الجنس.

و الأصل يقتضى عدم جواز دفن الميتين في قبر حال الإختيار كما هو المنقول عن ابن سعيد في الجامع و المرسل المذكور في المبسوط ظاهر في عدم الجواز.

اللهم إلا أن يقال إن ادعاء الضرورة في واقعة احد غير ثابت فاذنه صلى الله عليه و اله دليل على الجواز مطلقا من غير كراهة. لكن العلماء قد ذهبوا إلى القول بالكراهة في حال عدم الضرورة و بعدمها في الضرورة فمع الضرورة تزول الكراهة قطعا.

هذا إذا دفنا ابتداء و أما إذا استلزم دفن ميت في قبر ميت آخر بعد دفنه نبشه فحرام لتحريم النبش أولا، و لأن الأول قد ملكه بالحيازة لكن قد يناقش على الأول بأن الكلام في إباحة الدفن نفسه لا النبش و أحدهما غير الاخر، و على الثاني بعدم ثبوت حق الأول و في المسألة كلام بعد يطلب في الكتب الفقهية و الذي حري أن يقال في المقام: إن دفن الميتين في قبر واحد ابتداء مكروه إذا لم يقتض الضرورة و معها تزول الكراهة. و أما دفن ميت في قبر آخر قبل أن يصير رميما فحرام. و إذا كان الميتان رجلا و امرأة اجنبيين فلا يترك الاحتياط في أن يفرد لكل واحد منهما قبر.

الترجمة

اين كتاب نهم از باب كتب و رسائل أمير عليه السلام است كه بمعاويه نوشت.

روزى أبو مسلم خولانى با گروهى از قاريان شام كه از پيروان معاويه بودند بدو گفتند: تو كه چون علي صحبت و قرابت با پيغمبر و سابقت در اسلام و هجرت ندارى، از چه روى با وى سر كارزار دارى؟.

معاويه گفت: من ادعا نمي كنم كه در اين صفات از وي برتر يا با وى برابرم و لكن نه اين است كه عثمان بستم كشته شد؟ گفتند: آرى چنين است، گفت:

علي كشندگان عثمان را تسليم ما كند تا كار به كار زار نكشد، گفتند: در اين باره بدو نامه ‏اى نويس، معاويه نامه‏ اى بأمير عليه السلام نوشت و خولانى را براى رساندن نامه بسويش گسيل داشت.

خولانى نامه را بأمير عليه السلام رسانيد و بدو گفت: اكنون زمام توليت امور مسلمانان در دست تو است، و بخدا سوگند اگر از خود داد حق بدهى دوست ندارم كه أمر خلافت به دست ديگرى جز تو باشد؛ همانا كه عثمان مسلمان بود و خونش بستم ريخته شد تو أمير مائي كشندگانش را بما ده، چه اگر كسى بمخالفت با تو برخيزد دستهاى ما بياريت آماده، و زبانهاى ما در حقت گواه، و مر تو را نيز در نزد خدا و مردم عذر و حجت خواهد بود.

امام علي عليه السلام فرمود: فردا بيا و پاسخ نامه را بستان، چون فردا بيامد ديد كه مردم از نامه معاويه آگاه شده همگى با سلاح در مسجد گرد آمده ندا در مى ‏دهند:ما همه كشندگان عثمانيم.

خولانى بنزد أمير عليه السلام آمد، أمير بدو گفت: سوگند بخدا من نخواستم كه بيك چشم بهم زدنى آنانرا بدست تو دهم چه اين أمر را نيك نگريستم و آنرا زير و رو كردم، سزاوار نديدم كه ايشان را بدست تو يا جز تو دهم.

پس خولانى نامه بستاند و بسوى معاويه بازگشت و داستان را بدو باز نمود.

اينك‏

ترجمه نامه معاويه‏

بسم الله الرحمن الرحيم، از معاويه پور بو سفيان به علي بن أبي طالب: درود بر تو، با تو خدا را ستايش مي كنم و نعمتهاى او را سپاس مى‏ گذارم، آنكه جز او خدائى نيست؛ أما بعد همانا كه خداوند بدانش خود محمد صلى الله عليه و اله را برگزيد، و او را أمين بروحيش و رسول به خلقش گردانيد و از مسلمانان يارانى برايش برگزيد كه بدستيارى آنان نيرويش داد و تأييدش فرمود، و رتبه آنان در نزد خدا و رسول باندازه فضلشان در اسمان بود، پس در ميانشان بعد از پيمبر كسى كه در اسلام برتر و در راه خدا و رسول مخلص‏تر است جانشين پيمبر و جانشين جانشين او است، سپس جانشين سوم عثمان كه بستم كشته شد.

و تو أى علي بر همه‏ شان حسد بردى، و بهمه آنان ستم كردى، ما اين معنى را از چپ چپ نگريستن، و بخشم و تند و تيز نگاه كردن، و از گفتار زشت، و از آه كشيدن و دم بر آوردن دراز، و از درنگ و كندى نمودنت در يارى جانشينان پيمبر پى برديم.

تو آنى كه چون شتر نر مهار كرده (چوب در بينى كشيده)[2] بسوى‏ هر يك از خلفاى رسول براى بيعتت برده‏ اند سرباز زدى و از آن كاره بودى و بويژه بعثمان بيشتر از ديگران حسد ورزيده‏اى با اين كه از جهت رحامت و خويشاوندى و دامادى او به پيمبر از همه سزاوارتر بود كه با وى چنان كارى نكنى پس قطع رحم كردى، و خوبيهاى او را زشت گردانيدى، و مردم را بر او شورانيدى، و زير و رو كرده‏اى تا از هر سوى مردم بدو رو آوردند، و بر عليه او در حرم رسول خدا حمل سلاح كردند، تا او را كشتند، و تو حاضر بودى و ناله و فرياد او را مى‏ شنيدى و حرفى نزدى و كارى نكردى تا گمان بد در باره تو نبردند و تهمت بتو نزنند و بدانند كه به قتل او راضى نبودى.

براستى سوگند ياد ميكنم كه اگر به يك سو مى ‏شدى و مردم را از كشتن عثمان باز مى ‏داشتى يك تن ما از تو بر نمى‏ گشت، علاوه اين كه اين عمل تو آنچه را كه در باره تو راجع به عثمان مى ‏پنداشتند جبران مي كرد و گمان بدشان را در باره تو محو مي كرد.

و ديگر اين كه در نظر أنصار عثمان، متهمى كه كشندگانش را جا و پناه دادى كه اكنون تو را بازوان و يارانند و همدستان و دوستان خاص. و با اين همه شنيدم كه خويشتن را از خون عثمان تبرئه مى ‏نمائى، اگر راست مي گوئى ما را بر آنان دست ده تا ايشان را بقصاص خون عثمان بكشيم، آن گاه بسويت شتابيم، و گرنه تو و يارانت را طعمه شمشير گردانيم.

سوگند به آن كه جز او خدائى نيست اگر قاتلان عثمان در كوهها و ريگستانها و دشت و دريا پراكنده شوند، هر آينه بر آنان دست يابيم تا اين كه خدا آنانرا بكشد؛ يا اين كه آنان جانهاى ما را بخدا بپيوندند.

ترجمه نامه امير المؤمنين على عليه السلام در پاسخ نامه معاويه‏

بسم الله الرحمن الرحيم، از بنده خدا علي أمير مؤمنان به معاويه پور بو سفيان:

أما بعد همانا كه بو مسلم خولانى نامه ‏اى از شما آورده كه در او رسول خدا، و نعمت هدايت و وحى را كه خدا باو انعام فرموده ذكر كرده ‏اى، پس حمد خدائى را كه به وعده ‏اش در باره پيمبرش وفا كرد، و نصرتش را بر او تمام گردانيد، و مر او را در شهرها تميكن داد، و بر قوم او- كه دشمنى و كينه‏ توزى با او داشتند، و بر او حمله‏ ها كردند، و بغض او را در دل انباشتند، و به دروغ نسبتش دادند، و به قتال با او قيام كردند، و بر اخراج او و أصحابش از مكه هم پشت شدند، و عرب را بر او تحريك كردند، و آنانرا بر جنگ او گرد آوردند، و تمام كوشش در كار او نمودند، و كارها را بر او دگرگون كردند- پيروز گردانيد، تا دين خدا- با اين كه آنان از آن بيزارى داشتند- آشكار شد و غالب گرديد، و شديدترين مردم بر او قوم او بويژه خويشان نزديك او بودند؛ مگر كسانى كه خداوند آنانرا حفظ كرد.

اى فرزند هند! روزگار أمر شگفتي از شما بر ما پوشيده داشت؛ پيش آمدى و بد نمودى و ناروا كردى كه ما را از آزمايش خدا به پيمبرش محمد صلى الله عليه و اله و به ما، خبر مى‏ دهى چه در اين كار چون آن كسى كه خرما به هجر برد، يا آنكه بگستاخي استادش را كه از او تيراندازى بياموخت به تيراندازى بخواند.

در آن كتاب گفتى: «خداوند از مسلمانان يارانى براى پيمبرش برگزيد كه بدستيارى آنان نيرويش داد و تأييدش فرمود و رتبه آنان در نزد خدا و رسول باندازه فضلشان در اسلام بود پس در ميانشان بعد از پيمبر كسى كه در اسلام برتر و در راه خدا و رسول مخلص‏تر است جانشين پيمبر و جانشين جانشين او است» بجانم (يا به دينم) سوگند كه آن دو را در اسلام پايه ‏اى بزرگ است، و از تير مرگى كه بدانها رسيده زخمى سخت در پيكر اسلام پديد آمده؛ خداوند رحمتشان كناد و نيكوترين پاداش دهاد.[3]

و در آن نامه آورده ‏اى كه عثمان در فضل و رتبه سومين آنها بود؛ اگر عثمان نيكوكار بود خداوند او را به نيكو كاريش پاداش مى ‏دهد و اگر بدكار بود ديدار مى ‏كند پروردگار آمرزنده ‏اى را كه گران و بزرگ نيايد او را گناهى كه بيامرزدش.

بخداى لا يزال قسم كه همانا اميدوارم و آرزو دارم كه چون خداوند مردم را به پايه فضائل آنان در اسلام، و نصيحتشان در راه خدا و رسول پاداش عطا كند بهره ما در آن از ديگران زيادتر باشد؛ چه محمد صلى الله عليه و اله چون مبعوث برسالت شد و به ايمان بخدا و توحيد دعوت كرد ما أهل بيت او نخستين كسى بوديم كه به او ايمان آورديم، و به آن چه آورده تصديق كرديم.

و چند سال تمام بود كه در سرزمين عرب هيچ خانواده‏اى جز ما خدا را پرستش نمى‏كردند. و قوم ما خواستند كه پيغمبر ما را بكشند، و بيخ و بن ما را براندازند، در باره ما چيزها انديشيدند، و كارهايى بما روا داشتند، و آب و نان را بروى ما بستند، و توشه را از ما بريدند، و زندگى خوش را از ما بازداشتند، و ما را همنشين و همدم ترس و بيم نمودند، و جاسوسان و ديده‏بانها بر ما گماشتند، و بكوهى سخت (شعب أبو طالب) ما را مضطر گردانيدند، و براى ما آتش جنگ برافروختند، و با هم پيمان بستند و همدست شدند و نوشته بميان آوردند كه كار را چنان بر ما تنگ گيرند حتى با ما نخورند و ننوشند و ازدواج نكنند، و از ايشان در تمام مدت سال جز در موسم حج ايمن نبوديم تا اين كه پيغمبر را بدست آنها دهيم كه او را بكشند و مثله‏اش كنند.

پس خداوند متعال ما را عزيمت آن داد كه دست ستم آنانرا از سر رسول‏ بريديم، و شرشان را از ناحيه حضرتش بازداشتيم، و آنان را از حريم حرمتش دور كرديم، و در ساعات خوف، شب و روز با شمشيرها در حضور او ايستادگى نموديم.

مؤمن ما باين حفظ و حراست پيمبر طلب پاداش ميكرد، و اميدوار ثواب بود؛ و كافر ما حمايت از اصل و نسب و دودمان خود ميكرد. (مراد اين است از بني هاشم و بني مطلب آنكه ايمان برسول آورد مثل أبو طالب پدر أمير المؤمنين علي عليه السلام و حمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليهما در حمايت پيغمبر اميدوار ثواب از خدا بودند و در راه خدا دين و پيغمبر را حفظ مى ‏كردند؛ بخصوص أبو طالب رضوان الله عليه كه خدمت بسيار بزرگ به اسلام كرده و رنج و خدمت او از همه بيشتر بود و دين خود را از كفار نهان مى ‏داشت تا بهتر بتواند خدمت باسلام كند و پيغمبر او را كافل اليتيم خوانده كه فرمود: أنا و كافل اليتيم كهاتين في الجنة؛ و آنكه از بني هاشم ايمان نياورده و كافر بود چون عباس عموى پيغمبر و عقيل و طالب فرزندان أبي طالب و حارث و پدرش نوفل و عمويش أبو سفيان فرزندان حارث بن عبد المطلب كه در شعب أبو طالب با پيغمبر و مؤمنين محصور بودند و حمايت از رسول مى‏كردند نه بحساب دين و رسالت بلكه براى حفظ دودمان و اصل نسب و پس از خلاصى از شعب يكى پس از ديگرى اسلام آوردند. و از بني هاشم أبو لهب و پسرش همدست با كفار بودند و آنان را كمك مى ‏كردند).

و از قريش كسانى كه اسلام آورده بودند از خوفى كه ما داشتيم و رنجى كه در آن بوديم ايمن بودند، يا بسبب هم قسمى كه با مشركان داشتند كه آنان را از شر مشركان باز مى‏ داشت، يا بسبب عشيره‏اى كه پيش رويشان از آنها دفاع مى‏ كردند تا كسى بر آنان دست نيابد كه از قتل در أمان بودند، تا روزگارى بدين منوال بگذشت.

سپس خداوند پيغمبرش را أمر بهجرت فرمود، و بعد از آنش بقتال مشركين اذن داد. و هنگامى كه جنگ سخت مى‏شد و مردم از ترس عنان باز پس مى‏كشيدند و رو مى‏گردانيدند و دو طرف كارزار آماده جنگ مى شدند، رسول خدا أهل بيت‏ خود را بر پا مي كرد و آنان را پيش مى‏داشت كه بايشان اصحاب خود را از گرمى و سوزش نيزه‏ها و شمشيرها حفظ مي كرد، كه عبيدة بن حارث پسر عم آن حضرت در جنگ بدر كشته شد، و حمزة در روز احد، و جعفر طيار و زيد بن حارثة در جنگ موته.

و كسى كه اگر بخواهم اسمش را ببرم (مراد از اين كس خود أمير المؤمنين عليه السلام است و آن جناب خبر از خودش مى‏دهد) چندين بار در جنگها با پيغمبر صلى الله عليه و اله شهادتى را كه آن شهداء خواستند نيز خواسته و آرزوى آن را داشته است جز اين كه روزگارشان بسر آمد كه بدرجه رفيعه شهادت رسيدند ولى عمر وى بسر نيامده كه مرگش بتأخير افتاد. خداوند بايشان در ازاى آن كارهاى شايسته كه پيش فرستاده‏اند نيكو احسان كننده و نعمت دهنده است.

و كسى از حاميان پيمبر را مخلص‏تر بخدا در طاعت رسولش، و مطيع‏تر برسول در طاعت پروردگارش، و شكيباتر در محنتها و سختيها و هنگام ترس و مواطن مكروه با پيغمبر، از اين چند تن كه نام برده‏ام نديدم و در مهاجرين خير بسيار مى‏شناسيم خداوند ايشان را نيكوترين پاداش دهاد.

و در آن نامه گفتى كه «من بر خلفا حسد برده‏ام، و از بيعت بانان كندى و خوددارى نمودم، و بر ايشان ستم كردم» أما ستم معاذ الله كه چنين باشد و من بأحدى ستم كرده باشم.

و أما در خوددارى از بيعت و طاعت و در كراهت بامرشان؛ هيچ عذرى پيش كسى نياورم و پوزش نطلبم، زيرا خداوند چون قبض روح پيمبر كرد قريش گفتند أمير بايد از ما باشد و أنصار گفتند از ما؛ پس قريش گفتند: محمد رسول الله صلى الله عليه و اله از ما بود در نتيجه ما سزاواريم بأمر خلافت و أمارت، و انصار تسليم شدند و أمارت را بقريش تفويض كردند. پس سبب بر كنار شدن انصار از أمارت و استحقاق قريش آنرا اين بود كه محمد صلى الله عليه و اله از قريش بود. و بهمين بيان آنكه در ميان قريش به پيغمبر أولى و أقرب است بخلافت نيز بايد أحق و أولى باشد (مرادش از اين گفتار خود آن بزرگوار است). و گرنه انصار در ميان عرب از آن بهره بزرگ داشتند.

نمى‏دانم أصحابم بگرفتن حقم تن در دادند، يا انصار بمن ظلم كردند؟ همين قدر دانم كه حق من گرفته شد؛ واگذاشتم آنرا بر ايشان خدا از ايشان در گذرد.

أما آنچه در باره عثمان گفتى كه «قطع رحم كردم، و مردم را بر او شورانيدم» تو خود ديده‏اى كه عثمان در دين چه‏ها نمود، و با مردم چه‏ها كرد كه سرانجام كارهاى او سبب قتلش شده، و تو خود دانى كه من در قتل او شريك نبودم و از آن كناره گرفتم و عزلت اختيار كردم؛ مگر اين كه بخواهى افترا بمن زنى و بدروغ نسبت به جنايتم دهى پس هر چه خواهى بكن، و هر چه دلت خواست بگو.

اى عجب از روزگار كه با من قرين شد كسى (يعنى معاويه و خلفاى گذشته) كه در راه دين بپايه من قدم برنداشت و سابقه‏اش در اسلام چون سابقه من نبود؛ سابقه‏اى كه كسى نتواند بمثل آن توسل جويد و دعوى چنان سابقت نمايد مگر كسى ادعا كند آنچه را كه من نشناسمش، و گمان نكنم كه خداى آن را بشناسد (كنايه از اين كه جز آن چه گفته‏ام وجود ندارد و صرف ادعا است اگر كسى ادعا كند دروغ گفته است) و حمد خداى را بر هر حال.

و أما آنچه در باره قاتلان عثمان گفتى و از من طلب كردى كه ايشان را تسليم تو كنم؛ من در اين امر نظر نمودم و نيك آن را زير و رو كردم نديدم كه تسليمشان بتو و بغير تو برايم گنجايش داشته و مقدور باشد.

بجانم- يا بدينم- سوگند اگر از گمرهيت باز نايستى و از دعوى خلافت دست بر ندارى خواهى ديد كه كشندگان عثمان خودشان بطلب تو آيند و زحمتت نمى‏دهند كه در صحرا و دريا و كوه و دشت ايشان را طلب كنى؛ جز اين كه طلب كردنشان تو را طلبى است كه از آن خوشت نيايد و ديدارشان ديدارى است كه خوشنودت ننمايد (كنايه از اين كه چنان كار را بر تو سخت كنند كه دمار از روزگارت در آورند و زندگى در كام تو تلخ گردد).

اى معاويه هنگامى كه مردم ابو بكر را والى قرار دادند پدرت بو سفيان نزد من آمد و بمن گفت: «تو بعد از محمد بخلافت و امارت سزاوارى؛ برخيز و حق خود بستان و اگر كسى با تو مخالفت كند من كفالت و حمايتت نمايم، اكنون دست دراز كن تا با تو بيعت كنم» ولى من نپذيرفتم.

و تو دانى كه اين سخن را پدرت بمن گفت و از من خواست؛ ولى من بودم كه قبول نكردم از بيم اين كه مبادا تفرقه ميان مسلمانان چون قريب العهد بكفر بودند رخ دهد. پس پدرت بحق من از تو آشناتر بود و تو اگر چون پدرت حق مرا شناسى راه راست را يافته‏اى و گرنه خداوند ما را كفايت كند و از تو بى‏نياز گرداند. درود بر آنكه سزاوار آنست.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

_________________________________________________________

[1] ( 1) لم يدركهم لانه رضوان الله عليه قتل في صفين قتله الفئة الباغية معاوية و أتباعه و قدمنا ترجمة عمار فراجع الى ج 16 من ص 273 الى 299. منه

[2] ( 1) عبارت معاويه اين است:« تقاد الى كل منهم كما يقاد الفحل المخشوش حتى تبايع» و مخشوش يعنى شتر سركش كه در بينى او خشاش كرده باشند و خشاش بالكسر چوبكى است كه در بينى حيوان سركش گذارند و زمامش را بدان بندند تا رام و منقاد شود و بهتر اطاعت كند. و اين عمل را در ولايت ما با گاو كارى سركش ميكنند تا رام شود و در شخم كردن سركشى نكند؛ و گاهى بجاى چوب و ريسمان باريك در بينى آن در مى‏كشند و از دو طرف بشاخش مى ‏بندند و گويند گاو را مهار كرده است.

و ابن أثير در نهايه گويد: و في حديث الحديبية أنه أهدى في عمرتها جملا كان لابى جهل فى أنفه خشاش من ذهب. الخشاش: عويد يجعل في أنف البعير يشد به الزمام ليكون أسرع لانقياده، و منه حديث جابر فانقادت معه الشجرة كالبعير المخشوش هو الذى جعل فى انفه الخشاش و الخشاش مشتق من خش في الشي‏ء اذا دخل فيه لانه يدخل في أنف البعير.

[3] ( 1) ترجمه عبارت مطابق نسخه بحار چنين است: و در آن كتاب گفتى: خداوند از مسلمانان يارانى …. جانشين پيمبر صديق، و جانشين جانشين او فاروق است.

بجانم سوگند آنچه در نامه‏ات در باره بو بكر و عمر آوردى اگر تمام باشد آن همه صفات از تو دور است( يعنى به آنها متصف نيستى و لياقت مقام خلافت و در دست گرفتن زمام امور ملت را ندارى) و اگر ناتمام است بتو ثلمه و رخنه‏اى رو نخواهد كرد.

تو را به صديق چه رسد؟ صديق آن كس است كه حق ما را تصديق كند، و تو را چه رسد به فاروق؟ فاروق آن كسى است كه ميان ما و دشمنان ما فرق گذارد

نهج البلاغه نامه ها نامه شماره 8 شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

نامه 8 صبحی صالح

8- و من كتاب له ( عليه‏ السلام  ) إلى جرير بن عبد الله البجلي لما أرسله إلى معاوية

أَمَّا بَعْدُ فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي فَاحْمِلْ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْفَصْلِ وَ خُذْهُ بِالْأَمْرِ الْجَزْمِ

ثُمَّ خَيِّرْهُ بَيْنَ حَرْبٍ مُجْلِيَةٍ أَوْ سِلْمٍ مُخْزِيَةٍ فَإِنِ اخْتَارَ الْحَرْبَ فَانْبِذْ إِلَيْهِ وَ إِنِ اخْتَارَ السِّلْمَ فَخُذْ بَيْعَتَهُ وَ السَّلَامُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج17  

و من كتاب له عليه السلام الى جرير بن عبد الله البجلى لما أرسله الى معاوية، و هو الكتاب الثامن من باب المختار من كتبه عليه السلام و رسائله‏

أما بعد فإذا أتاك كتابي فاحمل معاوية على الفصل، و خذه بالأمر الجزم، ثم خيره بين حرب مجلية، أو سلم مخزية [أو سلم محظية- خ ل‏] فإن اختار الحرب فانبذ إليه، و إن اختار السلم فخذ بيعته، و السلام‏.

اللغة

(فاحمل معاوية على الفصل) يقال: حمله على الأمر إذا أغراه به. و الفصل القطع أي إبانة أحد الشيئين من الاخر حتى تكون بينهما فرجة يقال: فصلت الشي‏ء فانفصل أي قطعته و انقطع. و القضاء بين الحق و الباطل من حيث إنه يفصل بين الحق و الباطل، و منه قوله تعالى‏ إنه لقول فصل‏ (الطارق- 14) أي فاصل قاطع، و حديث و فد عبد القيس: فمرنا بأمر فصل، أي لا رجعة فيه و لا مرد كما في النهاية الأثيرية.

و قوله تعالى‏ هذا يوم الفصل‏ (المرسلات- 38) أي اليوم يبين الحق من الباطل و يفصل بين الناس بالحكم، فالمراد: فاحمل معاوية على الحكم القطعي من الطاعة أو العصيان و يقرب منه معنى قوله: (و خذه بالأمر الجزم) يقال: جزم الأمر أي قطع به قطعا لا عودة فيه. تقول: أمرته أمرا جزما و هذا حكم جزم و حلف يمينا جزما، فالمراد: خذه بالأمر المقطوع به إما الحرب أو السلم.

(مجلية) من الإجلاء و هو الإخراج من الوطن قهرا. يقال: أجلى فلان القوم عن بلدهم و ديارهم إذا أخرجهم عنها قهرا.(مخزية) أي مهينة مذلة فاضحة من الخزي بالكسر فالسكون بمعنى الهوان و الذل يقال: أخزاه إخزاء إذا أوقعه في الخزي، و أخزى الله فلانا أي فضحه.و في نسخة نصر في كتاب صفين الاتي ذكرها: محظية. من الحظوة بضم الحاء و كسرها، و الحظة كالعدة: المكانة و الحظ من الرزق يقال: أحظاه أي جعله ذا حظوة، و أحظاه به أي تفضل عليه به، و روي أيضا: مجزية، بالجيم أي كافية.(فانبذ إليه) نبذت الشي‏ء من يدي من باب ضرب إذا طرحته و رميت به.

قال أبو كبير الهذلي (الحماسة 12):

و إذا نبذت له الحصاة رأيته‏ فزعا لوقعتها طمور الأخيل‏

و النبذ أيضا إلقاء الخبر إلى من لا يعلمه. و قال الفيومي في المصباح: نبذت العهد لهم نقضته: و قوله تعالى: فانبذ إليهم على سواء (الأنفال- 61) معناه إذا هادنت قوما فعلمت منهم النقض للعهد فلا توقع بهم سابقا إلى النقض حتى تعلمهم أنك نقضت العهد، فيكون في علم النقض مستويين ثم أوقع بهم.

الاعراب‏

الفاء الاولى جواب أما، و الثانية جواب إذا، و الثالثة للتفصيل، و الأخيرتان جوابا الشرط كالاوليين. مجلية صفة للخرب و الحرب تؤنث و قد تذكر، قال الله تعالى: حتى تضع الحرب أوزارها (سورة محمد- 6). قال الجوهري في الصحاح قال المبرد: الحرب قد تذكر و أنشد:

و هو إذا الحرب هفا عقابه‏ مرجم حرب تلتقى حرابه‏

قال الخليل: تصغيرها حريب بلاهاء رواية عن العرب، قال المازني: لأنه في الأصل مصدر و قال الفيومي في المصباح: إنما سقطت الهاء كيلا يلتبس بمصغر الحربة التي هي كالرمح.

مخزية صفة للسلم قال الجوهري في المصباح: السلم: الصلح، يفتح و يكسر و يذكر و يؤنث قال الله تعالى: و إن جنحوا للسلم فاجنح لها (الأنفال- 64) و في أقرب الموارد: و يؤنث حملا على نقيضه الحرب و قال بعض أهل الأدب:تأنيث الحرب باعتبار المحاربة و السلم للمسالمة.

ضمير إليه يرجع إلى معاوية. و السلام مبتداء و خبره محذوف، أي و السلام لأهله ككتابه الاتي بعد هذا. أو و السلام على من اتبع الهدى و نحوهما.

«سند الكتاب»

رواه نصر بن مزاحم المنقري في كتاب صفين (ص 32 من الطبع الناصري) عن محمد بن عبيد الله و صالح بن صدقة مسندا، و على نسخة نصر كان مكان قوله عليه السلام‏ (أو سلم مخزية) أو سلم محظية، و مكان قوله‏ (فانبذ إليه) فانبذ له.

و نقل الكتاب ابن قتيبة الدينوري المتوفى سنة 276 ه في الإمامة و السياسة على صورة اخرى، قال: و ذكروا أن عليا كتب إلى جرير: أما بعد فإن معاوية إنما أراد بما طلب ألا يكون لي في عنقه بيعة و أن يختار من أمره ما أحب، و قد كان المغيرة بن شعبة أشار علي و أنا بالمدينة أن أستعمله على الشام فأبيت ذلك عليه و لم يكن الله ليراني أتخذ المضلين عضدا، فإن بايعك الرجل و إلا فأقبل (ص 95 ج 1 طبع مصر 1377 ه).

أقول: قد ذكرنا هذا الكتاب في شرح الكتاب السابع منقولا عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم. و بين النسختين اختلاف في الجملة. ثم يمكن أن يكون أنه عليه السلام أرسل إلى جرير في تلك الواقعة كتابين أو أنهما كانا كتابا واحدا فتشتت كما ذكرنا نبذا من نظائره فلا حاجة إلى جعلهما كتابا واحدا. و نقل هذا الكتاب‏ المجلسي رحمه الله في البحار عن كتاب صفين لنصر أيضا (ص 470 ج 8 من الطبع الكمباني).

المعنى‏

قال أبو العباس المبرد في الكامل (ص 190 ج 1 من طبع مصر، أول الباب 27): وجه علي بن أبي طالب عليه السلام‏ إلى معاوية يأخذه بالبيعة له فقال له: إن حولي من ترى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله من المهاجرين و الأنصار، و لكني اخترتك لقول رسول الله صلى الله عليه و آله فيك: خير ذي يمن: ائت‏ معاوية فخذه بالبيعة.

فقال‏ جرير: و الله يا أمير المؤمنين ما أدخرك من نصرتي شيئا و ما أطمع لك في معاوية. فقال علي عليه السلام: إنما قصدي حجة اقيمها عليه.

و قال اليعقوبي في التاريخ (ص 160 ج 2 طبع النجف 1358 ه): خرج علي عليه السلام من البصرة متوجها إلى الكوفة و قدم الكوفة في رجب سنة ست و ثلاثين و كان‏ جرير بن عبد الله‏ على همذان فعزله، فقال لعلي عليه السلام: وجهني إلى‏ معاوية فان جل من معه قومي فلعلي أجمعهم على طاعتك. فقال له الأشتر: يا أمير المؤمنين لا تبعثه فان هواه هواهم. فقال: دعه يتوجه فإن نصح كان ممن أدى أمانته، و إن داهن كان عليه وزر من اوتمن و لم يؤد الأمانة و وثق به فخالف الثقة و يا ويحهم مع من يميلون و يدعونني فوالله ما أردتهم إلا على إقامة حق، و لا يريدهم غيري إلا على باطل.

قال المبرد: فلما أتى‏ جرير معاوية دافعه‏ معاوية فقال له‏ جرير: إن المنافق لا يصلي حتى لا يجد من الصلاة بدا، و لا أحسبك تبايع حتى لا تجد من البيعة بدا، فقال له‏ معاوية: إنها ليست بخدعة الصبي عن اللبن، إنه أمر له ما بعده فابلعني ريقي.

فناظر عمرا- يعني عمرو بن العاصي- فطالت المناظرة بينهما، و ألح عليه‏ جرير فقال له‏ معاوية: ألقاك بالفصل في أول مجلس إن شاء الله تعالى. ثم نقل كتاب‏ معاوية إلى أمير المؤمنين عليه السلام و جوابه عليه السلام عن كتابه كما ذكرناهما في‏ شرح الكتاب السابع.

و قد نقلنا عن نصر في شرح الكتاب السابق أن‏ جريرا أبطأ عند معاوية حتى انهمه الناس، و قال علي عليه السلام: وقت لرسولي وقتا لا يقيم بعده إلا مخدوعا أو عاصيا و أبطأ على علي عليه السلام حتى أيس منه.

قال نصر: و في حديث محمد بن عبيد الله و صالح بن صدقة قالا: و كتب علي عليه السلام إلى‏ جرير بعد ذلك: أما بعد فإذا أتاك كتابي‏- إلخ.

و بالجملة لما أتى‏ جرير معاوية يأخذه بالبيعة لأمير المؤمنين عليه السلام سوف‏ معاوية و ما طل في البيعة و لما رأى أمير المؤمنين عليه السلام ذلك كتب إليه ذلك الكتاب قوله عليه السلام: (فإذا أتاك كتابي فاحمل معاوية على الفصل و خذه بالأمر الجزم) يعني لا تترك‏ معاوية يسوف في البيعة و يماطلك بها و تدعك حيران لا تدري كيف يعامل بك، بل احمله على الحكم القطعي و الأمر المقطوع به إما أن يدخل في الطاعة فيبايع، و إما أن يأذن بالحرب.

مجاز قوله عليه السلام: (ثم خيره بين حرب مجلية أو سلم محظية) لا يخفى حسن صنيعته عليه السلام حيث أمر جريرا أن يوقع‏ معاوية بين الخوف و الرجاء و التخويف و الاستعطاف أي إن عصى و تمرد عن البيعة فلا بد له من أن يحاربنا و الحرب تجليه عن التي اتخذها وطنا و هي الشام.

و هذا تهديد و تفزيع له بأنه إن اختار الحرب يجليه جنود الحق أي أنصار أمير المؤمنين علي عليه السلام و أعوانه عن بلده قهرا، فإسناد الإجلاء إلى‏ الحرب‏ مجاز و إن أسلم فاختار السلم‏ و الصلح فاعزاز و إفضال باطاعته، فنسبة الإحظاء إلى‏ السلم‏ مجاز أيضا فتفسير كلامه عليه السلام على هذا الوجه بين لا غبار عليه و لا يخلو من لطف.

و أما على نسخة المخزية، بالزاء فقيل: السلم المخزية الصلح الدال على العجز و الخطل في الرأي الموجب للخزي.

و الظاهر أن مراده من هذا التفسير هو ما ذكره الفاضل الشارح المعتزلي حيث قال: و إنما جعل‏ السلم مخزية لأن‏ معاوية امتنع أولا من البيعة، فاذا

دخل في‏ السلم‏ فإنما يدخل فيها بالبيعة، و إذا بايع بعد الامتناع فقد دخل تحت الهضيم و رضى بالضيم، و ذلك هو الخزي.

أقول: و على هذه النسخة عرض أمير المؤمنين عليه السلام له في قوله هذا بأنه سواء كان بايع أم لم يبايع مهان ذليل مقهور، لأنه إن بايع‏ فالسلم‏ تخزيه، و إن أبى و استكبر و أذن‏ بالحرب‏ فالحرب تجليه، و أما على رواية الجيم فواضح.

قوله عليه السلام: (فان اختار الحرب‏- إلخ) هذا تفصيل لقوله: ثم خيره‏. أي إذا خيرته بين‏ الحرب و السلم فإن اختار الحرب‏ فارمها إليه. و إن اختار السلم فخذ بيعته. و السلام‏ لأهله.

أو أن قوله عليه السلام: فانبذ إليه‏، إشارة إلى قوله تعالى: و إما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين‏ (الأنفال- 61) و ذلك أن المراد من الخيانة في الاية نقض العهد بدليل سياق الايات المتقدمة عليها و نظمها في ذلك، و إجماع المفسرين عليه.

و الايات المتقدمة قوله تعالى: إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة و هم لا يتقون فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون و إما تخافن‏ الاية و النبذ إلقاء الخبر إلى من لا يعلمه. و بمعنى نقض العهد أيضا كما مر.

فمعنى الاية: و إن خفت من قوم معاهدين أي قوم بينك و بينهم عهد لأن نقض العهد يدل على تقدم العهد، نقض العهد لم يظهر منهم بعد، و ذلك لأن قوله تعالى: و إن خفت، يدل على عدم ظهوره بل يخاف ذلك منهم بامارات تلوح فيه‏ فانبذ إليهم على سواء، أي ألق إليهم العهد الذي بينك و بينهم، يعني أعلمهم جهارا و أخبرهم إخبارا مكشوفا بأنك قد نقضت ما شرطت لهم على سواء، أي على سواء في العلم بمعنى أن يكون الفريقان متساويين في العلم بنقض العهد، أو معناه على طريق قصد مستوفي العداوة و هذا يرجع إلى الأول أيضا.

و بالجملة أمره الله تعالى أن لا يبدأ القوم بالقتال و هم على توهم بقاء العهد بل يعلمهم إعلاما مكشوفا بنقض العهد أولا ثم يوقع بهم، فان المناجزة قبل الاعلام به خيانة، إن الله لا يحب الخائنين.

فالمراد من قوله عليه السلام: فان اختار الحرب فانبذ إليه‏، أن‏ معاوية إن اختار الحرب‏ فاطرح إليه عهد الأمان و أعلنه أنت بالحرب أيضا مجاهرا و أخبره إخبارا مكشوفا من غير مداهنة حتى يتم الحجة عليه بإعلام نقض العهد و لا يتوهم متوهم أن مناجزتنا إياه كانت خيانة و خدعة.

إن قلت: لم يكن بينه عليه السلام و بين‏ معاوية عقد عهد حتى يستفاد هذا المعنى من قوله عليه السلام، فكيف التوفيق؟.

قلت: قد احتج أمير المؤمنين عليه السلام في الكتاب السادس عليه بأن أهل الشورى من المهاجرين و الأنصار لما اجتمعوا على خلافته و إمامته كان ذلك الإجماع لله تعالى رضى و حجة على الغائب و الشاهد كما في الخلفاء الذين سبقوه عليه السلام بالزمان حتى لو خرج‏ من إجماعهم‏ خارج بطعن أو بدعة كانوا يردونه على‏ ما خرج منه فإن أبى قاتلوه‏.

و قد بينا في شرح ذلك الكتاب أن هذا الاحتجاج إنما كان على سبيل المماشاة و الإلزام، و في اصطلاح أهل الميزان على طريق القياس الجدلي، فلزم‏ معاوية و أتباعه على قبول خلافة أمير المؤمنين عليه السلام و إمامته و التسليم و الانقياد لأمره على ما عاهده عليه أهل الحل و العقد من امة محمد صلى الله عليه و آله كما لزمهم قبول خلافة من سبق منه و التسليم لهم، فوقع بين أمير المؤمنين عليه السلام و بين‏ معاوية عهد.

جرير بن عبد الله البجلى‏ من هو؟

قال ابن الأثير في اسد الغابة: جرير بن عبد الله بن جابر البجلي أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه و آله بأربعين يوما، و كان حسن الصورة. و قال النبي صلى الله عليه و آله لما دخل عليه جرير فأكرمه: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. و كان له في الحروب بالعراق القادسية و غيرها أثر عظيم. و مات في قرقيسيا، و قيل: مات بالسراة، و روى عنه بنوه: عبيد الله، و المنذر، و ابراهيم، و روى عنه قيس بن أبي حازم، و الشعبي، و همام‏ ابن الحارث، و أبو وائل، و أبو زرعة بن عمرو بن جرير و غيرهم. و أرسله رسول الله صلى الله عليه و آله إلى ذي الخلصة و هي بيت فيه صنم لخثعم ليهدمه، فخرج في مائة و خمسين راكبا من قومه فأحرقها.

ثم روى ابن الأثير باسناده عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال:خرج علينا رسول الله صلى الله عليه و آله ليلة البدر فقال: إنكم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته.

قال: و توفى جرير سنة إحدى و خمسين، و قيل: سنة أربع و خمسين. انتهى ما أردنا من نقل كلام ابن الأثير في ترجمة جرير ملخصا.

قال نصر في صفين (ص 17 من الطبع الناصري): عن عمر بن سعد، عن نمير بن وعلة، عن عامر الشعبي أن عليا عليه السلام حين قدم من البصرة نزع جريرا عن همدان، فجاء حتى نزل الكوفة فأراد علي عليه السلام أن يبعث إلى معاوية رسولا فقال له جرير: ابعثني إلى معاوية فانه لم يزل لي مستنصحا و ودا نأتيه فأدعوه على أن يسلم لك هذا الأمر و يجامعك على الحق على أن يكون أميرا من امرائك و عاملا من عمالك ما عمل بطاعة الله و اتبع ما في كتاب الله، و أدعو أهل الشام إلى طاعتك و ولايتك، و جلهم قومي و أهل بلادي و قد رجوت أن لا يعصوني.

قال: فقال له الأشتر: لا تبعثه و دعه و لا تصدقه فوالله إني لأظن هواه هواهم و نيته نيتهم.

فقال له علي عليه السلام: حتى ننظر ما يرجع به إلينا.

نصر: صالح بن صدقة باسناده قال (ص 34): لما رجع جرير إلى علي عليه السلام كثر قول الناس في التهمة لجرير في أمر معاوية، فاجتمع جرير و الأشتر عند علي عليه السلام فقال الأشتر: أما و الله يا أمير المؤمنين لو كنت أرسلتني إلى معاوية لكنت خيرا لك من هذا الذي أرخا من خناقه و أقام حتى لم يدع بابا يرجو روحه إلا فتحه، أو يخاف غمه إلا سده.

فقال جرير: و الله لو أتيتهم لقتلوك، و خوفه بعمرو و ذي الكلاع و حوشب‏ ذي ظليم و قد زعموا أنك من قتلة عثمان.

فقال الأشتر: لو أتيته و الله يا جرير لم يعيني جوابها و لم تثقل علي محملها و لحملت معاوية على خطة أعجله فيها عن الفكر. قال: فأتهم إذا. قال: الان و قد أفسدتهم و وقع بينهم الشر.

نصر عمر بن سعد، عن نمير بن و علة، عن عامر الشعبي قال: اجتمع جرير و الأشتر عند علي عليه السلام فقال الأشتر: أليس قد نهيتك يا أمير المؤمنين أن تبعث جريرا و أخبرتك بعداوته و غشه، و أقبل الأشتر يشتمه و يقول: يا أخا بجيلة إن عثمان اشترى منك دينك بهمدان، و الله ما أنت بأهل أن تمشي فوق الأرض حيا، إنما أتيتهم لتتخذ عندهم يدك بمسيرك إليهم ثم رجعت إلينا من عندهم تهددنا بهم، و أنت و الله منهم، و لا أرى سعيك إلا لهم، و لئن أطاعني فيك أمير المؤمنين ليحبسنك و أشباهك في محبس لا تخرجوا منه حتى تستبين هذه الامور، و يهلك الله الظالمين.

قال جرير: وددت و الله أنك كنت مكاني بعثت إذا و الله لم ترجع. قال:و لما سمع جرير ذلك لحق بقرقيسا و لحق به اناس من قيس فسر من قومه و لم يشهد صفين من قيس غير تسعة عشر، و لكن أحمس شهدها منهم سبع مأئة رجل، و خرج علي إلى دار جرير فشعث منها، و حرق مجلسه و خرج أبو زرعة بن عمرو ابن جرير فقال: أصلحك الله إن فيها أرضا لغير جرير، فخرج علي منها إلى دار ثوير بن عامر فحرقها و هدم منها و كان ثوير رجلا شريفا و كان قد لحق بجرير.

قال: و قال الأشتر فيما كان من تخويف جرير إياه بعمرو و حوشب ذي ظليم و ذي الكلاع:

لعمرك يا جرير لقول عمرو و صاحبه معاوية الشامي‏
و ذي كلع و حوشب ذي ظليم‏ أخف علي من زف النعام‏
إذا اجتمعوا علي فخل عنهم‏ و عن باز مخالبه دوام‏
فلست بخائف ما خوفوني‏ و كيف أخاف أحلام النيام‏
و همهم الذى حاموا عليه‏ من الدنيا و همي ما أمامي‏
فان أسلم أعمهم بحرب‏ يشيب لهو لها رأس الغلام‏
و إن اهلك فقد قدمت أمرا أفوز بفلجه يوم الخصام‏
و قد زادوا إلى و أوعدوني‏ و من ذا مات من خوف الكلام‏

و المنقول عن ابن قتيبة في المعارف أن جريرا قدم على رسول الله صلى الله عليه و آله سنة عشر من الهجرة في شهر رمضان فبايعه و أسلم، و كان طوالا ينقل في ذروة البعير من طوله، و كانت نعله ذراعا، و كان يخضب لحيته بالزعفران من الليل و يغسلها إذا أصبح، فتخرج مثل لون التبر، و اعتزل عليا عليه السلام و معاوية و أقام بالجزيرة و نواحيها حتى توفي بالشراة سنة أربع و خمسين في ولاية الضحاك بن قيس على الكوفة.

و في شرح المعتزلي عند شرح قوله عليه السلام: أما أنه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم مند حق البطن- إلخ: أن أشعث بن قيس الكندي و جرير بن عبد الله البجلي يبغضانه و هدم علي عليه السلام دار جرير بن عبد الله، قال إسماعيل بن جرير: هدم علي عليه السلام دارنا مرتين.

و روى الحارث بن حضيرة أن رسول الله صلى الله عليه و آله دفع إلى جرير بن عبد الله نعلين من نعاله و قال: احتفظ بهما فإن ذهابهما ذهاب دينك، فلما كان يوم الجمل ذهبت إحداهما، فلما أرسله علي عليه السلام إلى معاوية ذهبت الاخرى. ثم فارق عليا عليه السلام و اعتزل الحرب‏.

بحث حكمى عقلى فى ابطال رؤيته تعالى بالابصار فى الدنيا و الاخرة و يتبعه بحث روائى فى ذلك‏

ما روى ابن الأثير عن جرير من حديث الرؤية أوجب علينا البحث عن معنى الرؤية و تحقيقها في المقام، فإن ظاهر الرواية يزل الأقدام عن صوب الصواب.

قال ابن الأثير فى مادة «ضمم» من النهاية: في حديث الرؤية: لا تضامون في رؤيته، يروى بالتشديد و التخفيف، فالتشديد معناه لا ينضم بعضكم إلى بعض تزدحمون وقت النظر إليه، و يجوز ضم التاء و فتحها على تفاعلون و تتفاعلون‏ و معنى التخفيف لا ينالكم ضيم في رؤيته فيراه بعضكم دون بعض، و الضيم: الظلم.

قال الشهرستاني في الملل و النحل عند ترجمة الطائفة الحائطية (ص 28 طبع ايران 1288 ه): و من ذلك أصحاب أحمد بن حائط، و كذلك الحدثية أصحاب فضل الحدثي كانا من أصحاب النظام، و طالعا كتب الفلاسفة أيضا، و ضما إلى مذهب النظام ثلاث بدع- إلى أن قال: البدعة الثالثة حملهما كلما ورد في الخبر من رؤية الباري تعالى مثل قوله صلى الله عليه و آله «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» على رؤية العقل الأول الذي هو أول مبدع، و هو العقل الفعال الذي منه تفيض الصور على الموجودات، و إياه عنى النبي صلى الله عليه و آله:

أول ما خلق الله العقل فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال و عزتى و جلالي ما خلقت خلقا أحسن منك، بك اعز و بك اذل، و بك أعطي، و بك أمنع، فهو الذي يظهر يوم القيامة و ترتفع الحجب بينه و بين الصور التي فاضت منه، فيرونه كمثل القمر ليلة البدر، فأما واهب العقل فلا يرى ألبتة و لا يشبه إلا مبدع. انتهى ما أردنا من نقل كلامه.

و اعلم أنما تشعبت الاراء في رؤيته تعالى على أقوال و كادت أن تنتهي إلى أكثر من عشرة أقوال، فذهبت الحكما و الإمامية و المعتزلة إلى استحالة رؤيته تعالى بالأبصار في الدنيا و الاخرة، لتجرده تعالى، و هذا هو المذهب المختار الحق ذهب إليه جل الحكماء المتألهين، و العلماء الشامخين، و بذلك شهدا العقل و حكم به جميع الأنبياء و المرسلين، و نطق القرآن الكريم، و تواترت الأخبار عن أئمتنا الهدى صلوات الله عليهم أجمعين، و سنذكر طائفة من تلك الأخبار و شرحها بعون الله تعالى.

و إنما قيدنا الرؤية بالأبصار لأن الرؤية إذا كانت بمعنى الشهود العقلي و الحضور العلمي و الانكشاف التام بالبصيرة القلبية لا بالبصر الحسي و الخيالي فلا كلام في صحتها و وقوعها للكملين من الموحدين كما سيتضح لك في البحث الاتي عن الأخبار إنشاء الله تعالي.

و ذهبت المجسمة و الكرامية إلى جواز رؤيته بالبصر مع المواجهة فقالت الكرامية و الحنابلة: يرى في جهة فوق.

قال الشهرستاني في الملل و النحل عند ترجمة الفرقة المشبهة (ص 48 طبع ايران 1288 ه): و أما مشبه الحشوية فحكى الأشعري عن محمد بن عيسى أنه حكى عن مضر و كهمش و أحمد الهجيمي أنهم أجازوا على ربهم الملامسة و المصافحة و أن المخلصين من المسلمين يعانقونه في الدنيا و الاخرة إذا بلغوا في الرياضة و الاجتهاد إلى حد الإخلاص و الاتحاد المحض.و حكى الكعبي عن بعضهم أنه كان يجوز الرؤية في الدنيا و أن يزوروه و يزورهم.

و حكى عن داور الجواري أنه قال: اعفوني عن الفرج و اللحية و اسألوني عما وراء ذلك و قال: إن معبوده جسم و لحم و دم و له جوارح و أعضاء من يد و رجل و رأس و لسان و عينين و اذنين، و مع ذلك جسم لا كالأجسام، و لحم لا كاللحوم، و دم لا كالدماء، و كذلك سائر الصفات، و هو لا يشبه شيئا من المخلوقات و لا يشبهه شي‏ء.و يحكى عنه أنه قال: هو أجوف من أعلاه إلى صدره، مصمت ما سوى ذلك و أن له وفرة سوداء، و له شعر قطط.

و أما ما ورد في التنزيل من الإستواء و اليدين و الوجه و الجنب و المجي‏ء و الاتيان و الفوقية و غير ذلك فأجروها على ظاهرها أعني ما يفهم عند الإطلاق على الأجسام. و كذلك ما ورد في الأخبار من الصورة في قوله عليه السلام: خلق الله آدم على صورة الرحمن. و قوله: حتى يضع الجبار قدمه في النار. و قوله: وضع يده أو كفه على كتفي فوجدت (حتى وجدت- خ ل) برد أنا مله بين ثديي (على كتفى- خ ل) إلى غير ذلك أجروها على ما يتعارف في صفات الأجسام.

ثم قال: و زادوا في الأخبار أكاذيب و ضعوها و نسبوها إلى النبي صلى الله عليه و آله و أكثرها مقتبسة من اليهود، فإن التشبيه فيهم طباع حتى قالوا: اشتكت عيناه‏ فعادته الملائكة و بكى على طوفان نوح عليه السلام حتى رمدت عيناه. و أن العرش ليأط من تحته كأطيط الرحل الحديد، و أنه ليفضل من كل جانب أربع أصابع.

و روت المشبهة عنه صلى الله عليه و آله أنه قال: لقيني ربي فصافحني و كافحني و وضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري. انتهى ما أردنا من نقل كلامه.

و الأشاعرة مع أنهم اعتقدوا تجرده تعالى قالوا بصحة رؤيته، و خالفوا بذلك جميع العقلاء، و لذا قالوا: إنه تعالى يرى لا كما قال هؤلاء القائلون بجسميته بل يرى و ليس فوقا، و لا تحتا، و لا يمينا، و لا شمالا، و لا أماما، و لا وراء، و لا يرى كله و لا بعضه، و لا هو في مقابلة الرائي، و لا منحرفا عنه، و لا يصح الإشارة إليه إذا رأي و مع ذلك يرى و يبصر.

قال بعض الأشاعرة: فقال: ليس مرادنا بالرؤية الانطباع أو خروج الشعاع بل الحالة التي تحصل من رؤية الشي‏ء بعد حصول العلم به، و تحذلق بعضهم فقال:

معنى الرؤية هو أن ينكشف لعباده المؤمنين في الاخرة انكشاف البدر المرئي.

نقلهما الفاضل المقداد في شرحه الموسوم بالنافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر للعلامة الحلي قدس روحهما.

و ذهب ضرار بن عمرو إلى أن الله تعالى يرى يوم القيامة بحاسة سادسة لا بهذا البصر.

و قال قوم: يجوز أن يحول الله تعالى قوة القلب إلى العين فيعلم الله تعالى بها، فيكون ذلك الإدراك علما باعتبار أنه بقوة القلب، و رؤية باعتبار أنه قد وقع بالمعنى الحال في الغير.

ثم القائلون برؤيته يوم القيامة اختلفوا في أنه هل يحوز أن يراه الكافر؟

فقال أكثرهم: إن الكفار لا يرونه، لأن رؤيته كرامة و الكافر لا كرامة له.

و قالت السالمية و بعض الحشوية: إن الكفار أيضا يرونه يوم القيامة.

و ذهب قوم إلى أنهم لا يزالون يرون الله تعالى و أن الناس كلهم كافرهم‏ و مؤمنهم يرونه و لكن لا يعرفونه. و تحذلق بعضهم فقال: لا يجوز أن يرى بعين خلقت للفناء، و إنما يرى في الاخرة بعين خلقت للبقاء.

هذه نبذة من الأقوال و الاراء في رؤيته تعالى و قد تمسك كل فرقة بظاهر بعض الايات و الأخبار، و لم يقدروا على الخروج من حكم الوهم إلى قضاء العقل و التمييز بينهما كما أشار إليه المحقق خواجه نصير الدين الطوسي في كتابه قواعد العقائد حيث قال: و عند أهل السنة إن الله تعالى يصح أن يرى مع امتناع كونه في جهة من الجهات، و احتجوا لها بالقياس على الموجودات المرئية و بنصوص القرآن و الحديث، انتهى ما أردنا من نقل كلامه.

ثم إنا لو تعرضنا لهدم بنيان ما تمسك بها كل فرقة على البسط و التفصيل لطال بنا الخطب و لخرجنا عن موضوع الكتاب، و لكن نذكر طائفة من الاصول الكلية العقلية الهادمة لما أسسوا و بنوا عليها تلك الاراء الردية ثم نعقبها بذكر ما روي عن أئمتنا المعصومين عليهم السلام لأن مقالاتهم موازين القسط في كل باب، و فيصل الخطاب في كل حكم لاولي الألباب.

و اعلم أن المعتمد في اصول الايمان هو العقل فقط و النقل إن وافقه و إلا فإن كان له محمل صحيح من وجوه الاستعارات و الكنايات و غيرهما المتداولة في لسان العرب أو غيرهم المؤيدة بالشواهد و القرائن التي لها وجه وجيه و أدركناها فنحمله عليه، و إلا إما تتوقف في تفسيره و تقريره كما لو كانت آية من آي القرآن المخالفة بظاهرها لحكم العقل الصريح و لم نصل إلى فهم مراده، و لكنا نعلم أن ظاهرها ليس بمراد كما نعلم أن لها معنى صحيحا لو رزقنا ادراكه وجدناه معاضدا لحكم العقل، و إما نعرض عنه كالخبر الواحد المخالف للعقل و القرآن.

و هدانا إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه و آله و أئمتنا عليهم السلام فقد روى الشيخ أبو الفتوح الرازي في تفسيره حديثا عن النبي صلى الله عليه و آله: إذا أتاكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله و حجة عقولكم، فان وافقهما فاقبلوه، و إلا فاضربوا به عرض الجدار.

و في باب الأخذ بالسنة و شواهد الكتاب من الكافي رويت عدة روايات في‏ذلك عن أهل بيت العصمة و الطهارة حذروا الناس عن أخذ ما خالف كتاب الله، منها:

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:قال رسول الله عليه السلام: إن على كل حق حقيقة و على كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه، و ما خالف كتاب الله فدعوه.

محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان عن عبد الله بن أبي يعفور قال: و حدثني حسين بن أبي العلاء أنه حضر ابن أبي يعفور في هذا المجلس قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن اختلاف الحديث يرويه من تثق به، و منهم من لا تثق به، قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله صلى الله عليه و آله، و إلا فالذي جاءكم به أولى به.

عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن أيوب بن الحر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كل شي‏ء مردود إلى الكتاب و السنة، و كل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف.

محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة عن أيوب بن راشد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف.

محمد بن اسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم و غيره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خطب النبي صلى الله عليه و آله بمنى فقال: أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، و ما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله.

و في باب اختلاف الحديث و الحكم من الكافي باسناده عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس الهلالي، قال: قلت لأمير المؤمنين عليه السلام: إني سمعت من سلمان و المقداد و أبي ذر شيئا من تفسير القرآن و أحاديث عن نبي الله غير ما في أيدي الناس، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، و رأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن و من الأحاديث عن نبي الله أنتم تخالفونهم فيها و تزعمون أن ذلك كله باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول الله صلى الله عليه و آله متعمدين و يفسرون‏ القرآن بارائهم؟

قال: فأقبل عليه السلام علي فقال: قد سألت فافهم الجواب إن في أيدي الناس حقا و باطلا، و صدقا و كذبا، و ناسخا و منسوخا، و عاما و خاصا، و محكما و متشابها، و حفظا و وهما، و قد كذب على رسول الله صلى الله عليه و آله على عهده حتى قام خطيبا فقال: أيها الناس قد كثرت علي الكذابة فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ثم كذب عليه من بعده و إنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس:

رجل منافق يظهر الايمان متصنع بالإسلام لا يتأثم و لا يتحرج أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه و آله متعمدا فلو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه و لم يصدقوه، و لكنهم قالوا: هذا قد صحب رسول الله صلى الله عليه و آله و رآه و سمع منه فيأخذون عنه و هم لا يعرفون حاله، و قد أخبر الله عن المنافقين بما أخبره و وصفهم بما وصفهم فقال تعالى: و إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم و إن يقولوا تسمع لقولهم‏ ثم بقوا بعده فتقربوا إلى أئمة الضلال و الدعاة إلى النار بالزور و الكذب و البهتان فولوهم الأعمال، و حملوهم على رقاب الناس، و أكلوا بهم الدنيا، و إنما الناس مع الملوك و الدنيا إلا من عصم الله، فهذا أحد الأربعة.

و رجل سمع من رسول الله صلى الله عليه و آله شيئا لم يحمله على وجهه و وهم فيه و لم يتعمد كذبا فهو في يده يقول به و يعمل به و يرويه فيقول: أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه و آله، فلو علم المسلمون أنه و هم لم يقبلوه، و لو علم هو أنه و هم لرفضه. الى آخر ما أفاد عليه السلام.

و أتى بهذه الرواية الرضي- ره- في باب الخطب من نهج البلاغة و الصدوق في الباب الخامس و الأربعين من رسالته في الاعتقادات و إنما أردنا نقل هذا المقدار من كلامه عليه السلام ليعلم أن الكذابة قد كثرت على رسول الله صلى الله عليه و آله و أن هؤلاء المتكذبين اختلقوا الأخبار، و افتروا على الله و رسوله فلا يكون كل خبر مروي على حياله حجة إلا ما يوافقه شاهد صادق كالعقل و القرآن و الأحاديث الصحيحة.

و أوضح منه في مقصودنا هذا ما روي عن الحسن بن الجهم، عن الرضا عليه السلام أتى به الفيض قدس سره في باب اختلاف الحديث و الحكم من الوافي (ص 66 ج 1) قال: قلت له عليه السلام: يجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة، قال: ما جاءك عنا فاعرضه على كتاب الله عز و جل و أحاديثنا فان كان يشبههما فهو منا و إن لم يشبههما فليس منا. الحديث.

و قال ثقة الإسلام أبو جعفر الكليني قدس سره في أوائل الكافي:يا أخي أرشدك الله أنه لا يسع أحدا تمييز شي‏ء مما اختلف الرواية فيه عن العلماء عليهم السلام برأيه إلا على ما أطلقه العالم عليه السلام بقوله: اعرضوها على كتاب الله فما وافق كتاب الله عز و جل فخذوه، و ما خالف كتاب الله فردوه.

و قال العالم الرباني أبو جعفر محمد بن بابويه الملقب بالصدوق قدس سره الشريف في الباب الأول من رسالته في الاعتقادات:اعلم أن اعتقادنا في التوحيد أن الله تعالى واحد ليس كمثله شي‏ء، قديم لم يزل و لا يزال سميعا، بصيرا، عليما، حكيما، حيا، قيوما، عزيزا، قدوسا عالما، قادرا، غنيا، لا يوصف بجوهر، و لا جسم، و لا صورة، و لا عرض، و لا خط و لا سطح، و لا ثقل، و لا خفة، و لا سكون، و لا حركة، و لا مكان، و لا زمان فإنه تعالى متعال من جميع صفات خلقه خارج عن الحدين حد الإبطال و حد التشبيه و أنه تعالى شي‏ء لا كالأشياء، أحد صمد لم يلد فيورث، و لم يولد فيشارك، و لم يكن له كفوا أحد، و لا ندله، و لا ضد، و لا شبه، و لا صاحبة، و لا مثل، و لا نظير، و لا شريك له، لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار، و لا الأوهام و هو يدركها، لا تأخذه سنة و لا نوم، و هو اللطيف الخبير، خالق كل شي‏ء لا إله إلا هو له الخلق و الأمر تبارك الله رب العالمين، و من قال بالتشبيه فهو مشرك، و من نسب إلى الامامية غير ما وصف في التوحيد فهو كاذب، و كل خبر يخالف ما ذكرت في التوحيد فهو موضوع مخترع، و كل حديث لا يوافق كتاب الله فهو باطل، و إن وجد في كتب علمائنا فهو مدلس و الأخبار التي يتوهمها الجهال تشبيها لله تعالى بخلقه فمعانيها محمولةعلى ما في القرآن من نظائرها، إلى آخر ما قال.

أقول: لله دره فانه- ره- أجاد و أفاد بما قضى به العقل الصريح و النقل الصحيح، إلا أنه رحمه الله ذهب إلى أن من قال بالتشبيه فهو مشرك.

فإن عنى بذلك الشرك المصطلح عند المتشرعة بأن يكون قائله كافرا بحيث يترتب عليه أحكامه من النجاسة و عدم حل ذبيحته و سائر أحكامه التي دونت في الكتب الفقهية كما هو ظاهر كلامه- ره- فلا نسلم، لأن القائل برؤيته تعالى بالأبصار مثلا و إن كان شبهه تعالى بالجسم و أثبت له صفات المخلوق المركب المرئي إلا أنه ذهب إليه من غير شعور بتلك التوالي الفاسدة و اللوازم الباطلة غير اللائقة بذاته تعالى، و لو تنبه بها أعرض عنها، و ذلك القائل أطاع الوهم من حيث لا يشعر فأضله السبيل حيث رأى أن الأرض و الماء و الكواكب و غيرها مرئية محسوسة أو قابلة للرؤية، قاده الوهم إلى أن كل ما هو موجود فهو مرئي محسوس فالله تعالى موجود فتصح رؤيته و ما درى أن ذلك القول ينتهي إلى التركيب و الافتقار و سائر صفات الجسم في الله تعالى و لم يعلم من الشرع أن القائل بما تترتب عليه لوازم غير بينة من حيث لا يشعر مأخوذ و محكوم بأحكام تلك اللوازم الشرعية، بل المعلوم خلافه، نعم لو كانت اللوازم بينة و مع ذلك مال إليها و شبهه تعالى بما يعلم تواليه الفاسدة المترتبة على رأيه يمكن أن يقال إنه مشبه مشرك كافر.

و إن عنى معناه اللغوي العاري عن الأحكام الشرعية توسعا، أو أن هذا قول المشرك و هو لا يعلم به أو نظائر هذين الوجهين فلا كلام فيه إلا أن نحو هذا القائل ليس بمشرك كافر.

و قال- ره- في باب ما جاء في الرؤية من كتابه القيم المفيد في التوحيد (ص 108 طبع ايران 1321 ه): و الأخبار التي رويت في هذه المعنى- يعني في الرؤية- صحيحة و إنما تركت إيرادها في هذا الباب خشية أن يقرؤها جاهل بمعانيها فيكذب بها فيكفر بالله عز و جل و هو لا يعلم.

و الأخبار التي ذكرها أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره و التي أوردها محمد بن أحمد بن يحيى في جامعه في معنى الرؤية صحيحة لا يردها إلا مكذب بالحق أو جاهل به، و ألفاظها ألفاظ القرآن، و لكل خبر منها معنى ينفي التشبيه و التعطيل و يثبت التوحيد و قد أمرنا الأئمة صلوات الله عليهم أن لا نكلم الناس إلا على قدر عقولهم.

و معنى الرؤية الواردة في الأخبار العلم، و ذلك أن الدنيا دار شكوك و ارتياب و خطرات فإذا كان يوم القيامة كشف للعباد من آيات الله و اموره في ثوابه و عقابه ما يزول به الشكوك و يعلم حقيقة قدرة الله عز و جل، و تصديق ذلك في كتاب الله عز و جل: لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (ق- 22).

فمعنى ما روي في الحديث أنه عز و جل يرى أي يعلم علما يقينيا كقوله عز و جل‏ أ لم تر إلى ربك كيف مد الظل‏ (الفرقان- 45) و قوله تعالى: أ لم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه‏ (البقرة- 258) و قوله تعالى: أ لم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم و هم ألوف حذر الموت‏ (البقرة- 243) و قوله تعالى:

أ لم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل‏ (الفيل- 2) و أشباه ذلك من رؤية القلب و ليست من رؤية العين. إلى آخر ما أفاد قدس سره و إنما نقلنا موضع الحاجة من كلامه.

أقول: قوله- ره- فيكفر بالله عز و جل و هو لا يعلم، كأنما أراد به المعنى الثاني من المعنيين المتقدمين فلا بأس أن يجعل كلامه في التوحيد قرينة على حمل كلامه في الاعتقادات على ذلك أيضا، أي و من قال بالتشبيه فهو مشرك و هو لا يعلم.

فنقول: إن ما يدرك بالقوة الباصرة لا بد من أن يكون جسما كثيفا، لأن للرؤية شروطا.

فمنها أن يكون المرئي مقابلا للرائي أو في حكم المقابل، و الثاني كرؤية الانسان وجهه في المرآة و رؤية الأعراض، لأن المقابل حقيقة هو الجسم و اعراضه مقابلة للرائي بالتبع فهي في حكم المقابل.

و منها عدم البعد المفرط.

و منها عدم القرب المفرط.

و منها عدم الصغر المفرط.

و منها عدم الحاجب بين الرائي و المرئي.

و منها أن يكون المرئي مضيئا إما من ذاته أو من غيره.

و منها أن يكون المرئي كثيفا أي مانعا للشعاع من النفوذ فيه فلو لم يكن كثيفا لا يمكن رؤيته.

سواء قيل: إن الابصار بخروج الشعاع من العين على هيئة مخروط رأسه عند مركز البصر و قاعدته عند سطح المبصر.

إما يكون ذلك المخروط مصمتا أو مركبا من خطوط شعاعية مستقيمة أطرافه التي يلي البصر مجتمعة عند مركزه ثم تمتد متفرقة إلى البصر، فما ينطبق عليه من المبصر أطراف تلك الخطوط أدركه البصر و ما وقع بين أطراف تلك الخطوط لم يدركه.

و إما لم يكن الشعاع مخروطا أصلا بل هو خط مستقيم خارج من العين فإذا انتهى إلى المرئي تحرك على سطحه في جهتي طوله و عرضه حركة في غاية السرعة و يتخيل بحركته هيئة مخروطة كما يتخيل القطر النازل خطا مستقيما و النقطة الدائرة بسرعة خطا مستديرا، و هذا قول الرياضيين ذهب إلى كل واحدة من الشعب المذكورة طائفة منهم.

و سواء قيل: إن الابصار بالانطباع و هو مذهب الطبيعيين و هو المختار عند أرسطو و أتباعه كالشيخ الرئيس حيث اختاره في الشفاء.

أو قيل: إن المشف الذي بين البصر و المرئي يتكيف بكيفية الشعاع الذي هو في البصر و يصير بذلك آلة للإبصار كما ذهب اليه طائفة من الحكماء.

أو قيل: لا انطباع و لا شعاع و إنما الابصار بمقابلة المستنير للباصرة فيقع حينئذ للنفس علم اشراقي حضوري على المبصر كما مال إليه الشيخ الاشراقي شهاب الدين السهروردي.

أو أن الإبصار بإنشاء صورة مماثلة له بقدرة الله من عالم الملكوت النفساني مجردة عن المادة الخارجية حاضرة عند النفس المدركة قائمة بها قيام الفعل بفاعله لا قيام المقبول بقابله.

و بالجملة أن المحسوس لكل حاسة هو الصورة الإدراكية المفارقة عن المادة، لا التي هي في مادة جسمانية و مع ذلك لا بد في الإبصار من مقابلة البصر لما يقع صورته عند القوة المدركة و البصر، و من تحقق سائر شروط الرؤية كما ذهب إليه المولى صدر المتألهين في السفر الرابع من الأسفار. و حجة كل طائفة مذكورة في محالها و لسنا الان في ذلك المقام.

و قد أشار إلى تلك الاراء في كيفية الابصار الحكيم السبزواري قدس سره في غرر الفرائد بقوله منظوما:

قد قيل الابصار بالانطباع‏ و قيل بالخارج من شعاع‏
مضطرب الاخر أو مخروطي‏ مصمت أو الف من خطوط
لدى الجليدية رأسه ثبت‏ قاعدة منه على المرئي حوت‏
تكيف المشف باستحالة بكيف ضوء العين بعض قاله‏
و بانتساب النفس و الاشراق‏ منها لخارج لدى الاشراقي‏
و صدر الاراء هو رأى الصدر فهو بجعل النفس رأيا يدري‏
للعضو أعداد إفاضة الصور قامت قياما عنه كالذي استتر

و كيف كان و لو جازت رؤيته تعالى بالأبصار لزم أن يكون جسما ذا جهة لأن المرئي بالعين يجب أن يكون كثيفا مقابلا للرائي. و ليس ذلك إلا الأشياء التي قبلنا، فاذن يلزم تركيبه تعالى و تحديده و افتقاره و غيرها من التوالي الباطلة و المفاسد اللازمة على هذا الرأي السخيف، تعالى الله عما يقول الجاهلون علوا كبيرا.

فلما كانت البراهين العقلية تمنعنا عن القول برويته تعالى بل برؤية المفارقات مطلقا سواء كانوا عقولا أو نفوسا بالأبصار فلا يصح لنا الأخذ بظواهر الأحاديث المروية في الرؤية بل بظاهر الايات القرآنية الناطقة فيها، و قد نعلم قطعا أن الله تعالى و حججه ما أرادوا معانيها الظاهرة، و لذلك تصدى العقلاء إلى درك معانيها الحقيقية و حمل ظاهرها على ما يوافقه صريح العقل و صحيح النقل.

مثلا أنهم بينوا في قوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة (القيامة- 23) الذي تمسك به الأشعري و أتباعه في القول بالرؤية وجوها من المعاني الصحيحة التي تناسب حكم العقل و لا يأبى عنها طباع الاية.

روى الصدوق قدس سره في الباب الحادى عشر من عيون أخبار الرضا عليه السلام باسناده عن ابراهيم بن أبي محمود قال: قال علي بن موسى الرضا عليه السلام في قول الله تعالى‏ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة يعني مشرقة ينتظر ثواب ربها.

و قال علم الهدى السيد المرتضى- ره- في كتابه غرر الفوائد و درر القلائد (ص 16 طبع طهران 1272 ه):

إن أصحابنا قد اعتمدوا فى إبطال ما ظن أصحاب الرؤية في قوله تعالى‏ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة على وجوه معروفة، لأنهم بينوا أن النظر ليس يفيد الرؤية و لا الرؤية من أجل محتملاته. و دلوا على أن النظر ينقسم إلى أقسام كثيرة منها تقليب الحدقة الصحيحة حيال المرئي طلبا لرؤيته، و منها النظر الذي هو الانتظار، و منها النظر الذي هو التعطف و الرحمة، و منها النظر الذي هو الفكر و التأمل، و قالوا: إذا لم يكن في أقسام النظر الرؤية لم يكن للقوم بظاهرها تعلق و احتجنا جميعا إلى طلب تأويل الاية من غير جهة الرؤية، و تأولها بعضهم على الانتظار للثواب و إن كان المنتظر في الحقيقة محذوفا و المنتظر منه مذكورا على عادة للعرب معروفة و سلم بعضهم أن النظر يكون الرؤية بالبصر و حمل الاية على رؤية أهل الجنة لنعم الله تعالى عليهم على سبيل حذف المرئي في الحقيقة، و هذا الكلام مشروح في مواضعه و قد بينا ما يورد عليه و ما يجاب عن الشبهة المعترضة فيه في مواضع كثيرة.

قال: و ههنا وجه غريب في الاية حكي عن بعض المتأخرين- قيل: إن ذلك البعض هو الصاحب بن عباد- لا يفتقر معتمده إلى العدول عن الظاهر أو إلى تقدير محذوف، و لا يحتاج إلى منازعتهم في أن النظر يحتمل الرؤية أولا يحتملها، بل يصح الاعتماد عليه، سواء كان النظر المذكور في الاية هو الانتظار بالقلب أو الرؤية بالعين، و هو أن يحمل قوله تعالى‏ إلى ربها على أنه أراد به نعمة ربها لأن الالاء النعم و في واحدها أربع لغات يقال: ألى مثل قفا، و إلى مثل معى و ألي مثل ظبي، و إلى مثل حسى: قال الأعشى بكر بن وائل:

255

أبيض لا يرهب الهزال و لا يقطع رحما و لا يخون إلى‏

أراد أنه لا يخون نعمة و أراد تعالى بإلى ربها نعم ربها، و اسقط التنوين للإضافة.

قال: فإن قيل: أي فرق بين هذا الوجه و بين تأويل من حمل الاية على أنه اريد بها إلى ثواب ربها ناظرة يعني رائية لنعمه و ثوابه؟

قلنا: ذلك الوجه يفتقر إلى محذوف لأنه إذا جعل إلى حرفا و لم يعلقها بالرب تعالى فلا بد من تقدير محذوف و في الجواب الذي ذكرناه لا يفتقر إلى تقدير محذوف، لأن إلى فيه اسم تتعلق به الرؤية فلا يحتاج إلى تقدير محذوف غيره، و الله أعلم بالصواب، انتهى كلامه رفع مقامه، و ذكر البيت الطبرسي- ره- أيضا فى التفسير و استشهد به بأن إلى في الاية اسم مفرد الالاء.

و جميع الايات التي تمسك بها الأشاعرة كان من هذا القبيل، و كذا الأخبار الظاهرة في الرؤية، و لو كان خبر ناصا في مقصودهم بالفرض لرفضناه و نضربه على الجدار لعلمنا بأنه موضوع و إلا لما خالف العقل و القرآن.

على أن للروايات التي تعلقوا بها أيضا معاني صحيحة كما سنشير إلى نبذة منها عند شرح الأحاديث الاتية المروية عن الأئمة عليهم السلام في إبطال رؤيته تعالى بالأبصار.

ثم إن الأشاعرة سلكوا في قولهم هذا مسلك قولهم في الكلام النفسي حيث‏ زعموا في ماهية كلامه تعالى أنه معنى قديم قائم بذاته ليس بحرف و لا صوت و لا أمر و لا نهي و لا خبر و لا استخبار و غير ذلك من أساليب الكلام، لأنهم مع ذهابهم إلى تجرده تعالى قالوا برؤيته بالأبصار و لكنه يرى لا كما يرى الاجسام بل يرى و ليس فوقا و لا تحتا و لا يمينا- الى آخر ما نقلنا من مذهبهم في الرؤية.

ثم إن بعض الأشاعرة لما التفتوا إلى سخافة رأي شيخهم في الرؤية تصدى لحمل كلامه على وجه لعله يوافق حكم العقل فقال: ليس مرادنا بالرؤية الانطباع أو خروج الشعاع، بل الحالة التي تحصل من رؤية الشي‏ء بعد حصول العلم به.

و مراده من كلامه هذا أنه ليس المراد بالرؤية هو الانكشاف التام المسلم جوزاه عند الكل، و لا ارتسام صورة المرئي في العين المسلم امتناعه عند الكل بل أمر آخر وراء ذلك يسمونه بالحالة التي تحصل من رؤية الشي‏ء بعد حصول العلم كما صرح به شارح الفصوص المنسوب إلى الفارابي، و الفخر الرازي في المحصل و الرجلان من كبار الأشاعرة.

فقال الأول (ص 126 طبع طهران 1318 ه): مذهب أهل الحق و هم الأشاعرة أن الله تعالى يجوز أن يرى منزها عن المقابلة و الجهة و المكان، و خالفهم في ذلك سائر الفرق، و لا نزاع للنافين في جواز الانكشاف التام العلمي، و لا للمثبتين في امتناع ارتسام صورة المرئي في العين، و اتصال الشعاع الخارج من العين بالمرئي إنما محل النزاع إذا عرفنا الشمس مثلا بحد أو رسم كان نوعا من الإدراك، ثم إذا بصرناها و غمضنا العين كان نوعا آخر فوق الأول، ثم إذا فتحنا العين يحصل لنا من الإدراك نوع آخر فوق الأولين نسميها الرؤية و لا يتعلق في الدنيا إلا بما هو في جهة أو مكان، فمثل هذه الحالة الادراكية هل يصح أن يقع بدون المقابلة و الجهة و أن يتعلق بذات الله تعالى منزهة عن الجهة و المكان أم لا فالأشاعرة يثبتونها و المعتزلة و سائر الفرق ينكرونها. انتهى كلامه.

و لا يخفى عليك أنه لم يأت بما يغنيهم و ينجيهم من مهالك رأيهم الكاسد، و أورد عليه الفخر في المحصل اعتراضات كثيرة مع أنه حرر البحث أيضا مثل ذلك‏ الرجل و قال: محل النزاع ذلك الأمر الاخر لا الأولان، و اختار آخر الأمر أن المعتمد في مسألة الرؤية الدلائل السمعية.

و نقل كلامه و إن كان مفضيا إلى إطناب، و لكن لما كان الرجل من أعاظم الأشعرية، و قوله يعتنى به في تقرير ما ذهبوا إليه يعجبني نقله حتى يعلم منه أنهم لما رأوا ركاكة رأي رئيسهم تصدوا إلى تحصيل مخلص، فتراهم أنهم في كل و اديهيمون، فذهب بعضهم الى أن المراد من الرؤية تلك الحالة، و الاخر إلى أنه الكشف التام، و ثالث إلى أن المعتمد الدلائل السمعية مع أن شيخهم أبا الحسن علي ابن إسماعيل الأشعري اعتقد خلاف ما بينوه.

قال الشهرستاني في الملل و النحل (ص 45 طبع ايران 1288 ه): و من مذهب الأشعري أن كل موجود فيصح أن يرى، فإن المصحح للرؤيه إنما هو الوجود، و الباري تعالى موجود فيصح أن يرى، و قد ورد السمع بأن المؤمنين يرونه في الاخرة قال الله تعالى‏ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة إلى غير ذلك من الايات و الأخبار. قال: و لا يجوز أن تتعلق به الرؤية على جهة و مكان و صورة و مقابلة و اتصال شعاع أو على سبيل انطباع فإن ذلك مستحيل.انتهى قوله.

و أقول: إن قول الأشعري يضاهي ما ذهب إليه الملحدون قديما و حديثا حيث قالوا: كل ما يرى فهو موجود، فلو كان الله موجودا كان مرئيا، فحيث لم نره فليس بموجود.

على أنه يرد على الأشعري أن المعاني و المشمومات و المسموعات و كثيرا من الأجسام كالهواء و الفلك و جميع المشف الذي ينفذ فيه نور البصر لا تصح أن ترى، اللهم إلا أن يقال: إن الرجل لما كان يعتقد بالإرادة الجزافية و يجوز تخلف المسببات عن الأسباب إلا أن عادة الله جرت باحراق النار و تبريد الماء مثلا لا أن النار سبب للإحراق، يقول في عدم رؤية تلك الأشياء أيضا بتخلفها عن أسبابها و بأن إرادة الله لم تجر برؤيتها.

أما كلام الفخر الرازي في المحصل فقال (ص 137 طبع مصر 1323 ه) «مسألة» الله تعالى يصح أن يكون مرئيا، خلافا لجميع الفرق، أما الفلاسفة و المعتزلة فلا إشكال في مخالفتهم، و أما المشبهة و الكرامية فلأنهم إنما جوزوا رؤيته لاعتقادهم كونه تعالى في المكان و الجهة و أما بتقدير أن يكون هو تعالى منزها عن الجهة فهم يحيلون رؤيته، فثبت أن هذه الرؤية المنزهة عن الكيفية مما لا يقول به أحد إلا أصحابنا.

و قبل الشروع في الدلالة لا بد في تلخيص محل النزاع.

فإن لقائل أن يقول: إن أردت بالرؤية الكشف التام فذلك مسلم، لأن المعارف تصير يوم القيامة ضرورية، و إن أردت بها الحالة التي نجدها من أنفسنا عند اتصال الشعاع الخارج من العين إلى المرئي أو عن حالة مستلزمة لارتسام الصورة أو لخروج الشعاع و كل ذلك في حق الله تعالى محال، و إن أردت به أمرا ثالثا فلا بد من إفادة تصوره، فإن التصديق مسبوق بالتصور.

و الجواب أنا إذا علمنا الشي‏ء حال مالا نراه ثم رأيناه فانا ندرك تفرقة بين الحالين. و قد عرفت أن تلك التفرقة لا يجوز عودها إلى ارتسام الشبح في العين، و لا إلى خروج الشعاع منها، فهي عائدة إلى حالة اخرى مسماة بالرؤية فندعي أن تعلق هذه الصفة بذات الله جائز، هذا هو البحث عن محل النزاع، و المعتمد أن الوجود في الشاهد علة لصحة الرؤية فيجب أن يكون في الغائب كذلك.

قال: و هذه الدلالة ضعيفة من وجوه:أحدها أن وجود الله تعالى عين ذاته، و ذاته مخالف لغيره فيكون وجوده مخالفا لوجود غيره فلم يلزم من كون وجودنا علة لصحة الرؤية كون وجوده كذلك.

سلمنا أن وجودنا يساوي وجود الله تعالى و مجرد كونه وجودا لكن لا نسلم أن صحة الرؤية في الشاهد مفتقرة إلى العلة، فإنا بينا أن الصحة ليست أمرا ثبوتيا فتكون عدمية، و قد عرفت أن العدم لا يعلل.

سلمنا أن صحة رؤيتنا معللة فلم قلت إن العلة هي الوجود؟ قالوا: لأنا نرى الجوهر و اللون قد اشتركا في صحة الرؤية، و الحكم المشترك لابد له من علة مشتركة و لا مشترك إلا الحدوث و الوجود، و الحدوث لا يصلح للعلية، لأنه عبارة عن وجود مسبوق بالعدم، و العدم نفي محض، و العدم السابق لا دخل له في التأثير فيبقى المستقل بالتأثير محض الوجود، فنقول: لا نسلم أن الجوهر مرئي على ما تقدم.

سلمناه لكن لا نسلم أن صحة كون الجوهر مرئيا يمنع حصولها في اللون مرئيا، فلم لا يجوز أن يقال: الصحتان نوعان تحت جنس الصحة، تحقيقه أن صحة كون الجوهر مرئيا يمتنع حصولها في اللون، لأن اللون يستحيل أن يرى جوهرا و الجوهر يستحيل أن يرى لونا، و هذا يدل على اختلاف هاتين الصحتين في الماهية سلمنا الاشتراك في الحكم فلم قلت: إنه يلزم من الاشتراك في الحكم الاشتراك في العلة؟ بيانه ما تقدم من جواز تعليل الحكمين المتماثلين بعلتين.

مختلفتين.

سلمنا وجوب الاشتراك فلم قلت: إنه لا مشترك سوى الحدوث و الوجود و عليكم الدلالة. ثم نحن نذكره و هو الإمكان و لا شك أن الإمكان مغاير للحدوث فان قلت: الامكان عدمي قلت: فامكان الرؤية أيضا عدمي، و لا استبعاد في تعليل عدمي بعدمي.

سلمنا أنه لا مشترك سوى الحدوث و الوجود فلم قلت: إن الحدوث لا يصلح قوله لأنه عبارة عن مجموع عدم و وجود؟ قلنا: لا نسلم بل هو عبارة عن كون الوجود مسبوقا بالعدم و مسبوقية الوجود بالعدم غير نفس العدم. و الدليل عليه أن الحدوث لا يحصل إلا في أول زمان الوجود، و في ذلك الزمان مستحيل حصول العدم فعلمنا أن الحدوث كيفية زائدة على العدم.

سلمنا أن المصحح هو الوجود فلم قلت: إنه يلزم من حصوله في حق الله تعالى حصول الصحة فان الحكم كما يعتبر في تحققه حصول المقتضي يعتبر فيه أيضا انتفاء المانع، فلعل ماهية الله تعالى أو ماهية صفة من صفاته ينافي هذا الحكم و مما يحققه إن الحياة مصححة للجهل و الشهوة، ثم إن حياة الله تعالى لا تصححها إما لأن الاشتراك ليس إلا في اللفظ، أو اشتراكا في المعنى لكن ماهية ذات الله تعالى و ماهية صفة من صفاته ينافيهما، و على التقديرين فإنه يجوز في هذه المسألة ذلك أيضا.

سلمنا أنه لم يوجد المنافي لكن لم لا يجوز أن يكون حصول هذه الرؤية في أعيننا موقوفا على شرط يمتنع تحققه بالنسبة إلى ذات الله تعالى، فإنا لا نرى المرئي إلا إذا انطبعت صورة صغيرة متساوية للمرئي في الشكل في أعيننا، و في المحتمل أن يكون حصول الحالة المسماة بالرؤية مشروطا بحصول هذه الصورة أو كان مشروطا بحصول المقابلة، و لما امتنع حصول هذه الامور بالنسبة إلى ذات الله لا حرم امتنع علينا أن نرى ذات الله تعالى و المعتمد في المسألة الدلائل السمعية:

أحدها أن رؤية الله تعالى معلقة باستقرار الجبل و هو ممكن و المعلق على الممكن ممكن فالرؤية ممكنة.

و ثانيها أن موسى عليه الصلاة و السلام سأل الرؤية و لو لم تكن الرؤية جائزة لكان سؤال موسى عبثا أو جهلا.

و ثالثها قوله تعالى‏ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة انتهى ما أردنا من نقل كلامه في المسألة فعلمت أنه صرح بأن المراد بالرؤية عند الأشعري و أتباعه ليس الانكشاف التام، و لا ارتسام صورة المرئي في العين، لعدم الخلاف في صحة الأول و بطلان الثاني بل المراد تلك الحالة الإدراكية التي فسرت.

و لما كان هذا المعنى أيضا غير مستقيم بوجوه اشير إلى بعضها عدل عنه الفخر و تمسك بظاهر الايات الثلاث، مع أنها لا تدل على مرادهم.

و العجب من الفخر كيف اعتمد على الايات في إفادة ذلك المعنى الذي يأبى عنه العقل و النقل أيضا كقوله تعالى‏ لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار و هو اللطيف الخبير. (الأنعام- 104) و كيف تدركه الأبصار و هو اللطيف الخبير. و في كلمة اللطيف في المقام لطائف يفهمها من كان له قلب.

نعم الوجه الأول الذي بينه بعض آخر منهم من أن معنى الرؤية عندهم الكشف التام أي ينكشف لعباده المؤمنين في الاخرة انكشاف البدر المرئي متين غاية المتانة، لما علمت آنفا من أن الدنيا دار شكوك و ارتياب، فاذا كان يوم القيامة كشف للعباد ما يزول به الشكوك.

قال بعض المحققين كما نقل المولى صدرا عنه في الفصل الرابع من الموقف السابع من السفر الرابع من الأسفار:إن الإنسان ما دام في مضيق البدن و سجن الدنيا مقيدا بقيود البعد و المكان و سلاسل الحركة و الزمان، لا يمكنه مشاهدة الايات الافاقية و الأنفسية على وجه التمام و لا يتلوها دفعة واحدة إلا كلمة بعد كلمة، و حرفا بعد حرف، و يوما بعد يوم و ساعة بعد ساعة.

فيتلو آية و يغيب عنه اخرى، فيتوارد عليه الأوضاع، و يتعاقب له الشئون و الأحوال، و هو على مثال من يقرأ طومارا و ينظر إلى سطر عقيب آخر، و ذلك لقصور نظره و قوة إدراكه عن الإحاطة بالتمام دفعة واحدة قال تعالى: و ذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات‏ (ابراهيم- 5).

فإذا قويت بصيرته و تكحلت عينه بنور الهداية و التوفيق كما يكون عند قيام الساعة فيتجاوز نظره عن مضيق عالم الخلق و الظلمات إلى عالم الأمر و النور فيطالع دفعة جميع ما في هذا الكتاب الجامع للايات من صور الأكوان و الأعيان كمن يطوى عنده السجل الجامع للسطور و الكلمات، و إليه الإشارة بقوله تعالى‏ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب‏ (الأنبياء- 104) و قوله: و السماوات مطويات بيمينه‏.

و إنما قال بيمينه لأن أصحاب الشمال و أهل دار النكال ليس لهم نصيب في طي السماء بالقياس إليهم و في حقهم غير مطوية أبدا، لتقيد نفوسهم بالأمكنة و الغواشي كما قال تعالى‏ لهم من جهنم مهاد و من فوقهم غواش‏ (الأعراف- 42)

فلو كانت الأشاعرة عنوا من قولهم هذا المعنى أعني ذلك الكشف التام الذي بينه ذلك البعض، فنعم الوفاق، و إلا فلا يتصور منه إلا الرؤية بالبصر و هو باطل عقلا و سمعا، و لكن قد عرفت أن هذا المعنى اللطيف الصحيح ليس بمراد الأشعري و أتباعه كما صرح به الرجلان و الشهرستاني في الملل و غيرهم.

ثم إن حمل الحائطية و الحدثية خبر رؤية الباري تعالى مثل قوله صلى الله عليه و آله «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» و أشباهه على رؤية العقل الأول كما نقل عنهما الشهرستاني في الملل على ما قدمنا آنفا فليس بصحيح أيضا.

و ذلك لأنهما حملا كلمة الرب في الحديث على العقل الأول من حيث إنه مرب لما دونه من الموجودات و هذا لا بأس به كما برهن في محله أن لكل نوع من الامور التي تلينا فردا مجردا عقلانيا على صورته يسمى رب ذلك النوع و هو تعالى رب أرباب النوعيات، و لكنهما أخطئا في هذا الرأي أيضا من حيث إنهما اختاراه حذرا من الإشكال الوارد على ظاهر الحديث أعني ما يتبارد إليه الذهن من أن كلمة الرب هو الله تعالى رب العالمين و قد كرا إلى ما فرا منه، لأن العقل الأول لا يمكن رؤيته بالأبصار، لأنه من الموجودات النورية المحضة و المجردات الصرفة، و المفارقات مطلقا سواء كانوا عقولا أو نفوسا لا يمكن رؤيتهم بالأبصار، لأنهم ليسوا بجسم و لا جسماني، و ليس لهم جهة و كثافة و ثقل و غيرها من أوصاف الجسم.

على أن الأجسام المشفة و كثيرا من الأعراض مع كونها في جهة لا ترى و حكم بما أشرنا إليه العقل و عاضده الشرع، فقد قام البرهان على أن الصادر الأول لا يكون إلا عقلا، و العقل لا يكون إلا مجردا. و قد قال الله تعالى: ثم أنزل الله سكينته على رسوله و على المؤمنين و أنزل جنودا لم تروها (التوبة- 26) و قال تعالى: فأنزل الله سكينته عليه و أيده بجنود لم تروها (التوبة- 40) و قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم‏ ريحا و جنودا لم تروها (الأحزاب- 10) و الجنود في الايات الملائكة، و ذلك أن الله تعالى قال: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة و يوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا و ضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله و على المؤمنين و أنزل جنودا لم تروها و عذب الذين كفروا و ذلك جزاء الكافرين‏ (التوبة- 25 و 26).

و من تلك المواطن بدر و قد قال الله تعالى: و لقد نصركم الله ببدر و أنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين أ لن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا و تتقوا و يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين‏ (آل عمران 121- 123).

و قال تعالى. إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين‏ (الأنفال- 10).

و قد قال أمير المؤمنين عليه السلام حين سئل عن العالم العلوي: صور عارية عن المواد، خالية عن القوة و الاستعداد، تجلى لها فأشرقت، و طالعها فتلألأت، ألقى في هويتها مثاله، و أظهر عنها أفعاله. الحديث.

و هذه الصور قد يعبر عنهم بالعقول، و قد يعبر عنهم بالملائكة، و إذا كانوا عارين عن المواد لا يمكن رؤيتهم بالأبصار، لما أشرنا إليه آنفا من أن المرئي بالبصر يجب أن يكون ماديا كثيفا، و قد قدمنا في المباحث السابقة نبذة من الكلام في ذلك (راجع ص 79 ج 2 من التكملة).

و أما جواب الأقوال التي نقلها الشهرستاني من أن داود الجواري ذهب إلى أن معبوده جسم و لحم و دم- إلخ، و أن مضر و كهمش و الهجيمي أجازوا على ربهم الملامسة و المصافحة، و أن المخلصين يعانقونه في الدارين و غيرهما من أقوال المشبهة فهو أنهم شبهوه تعالى بأنفسهم.

على حذوما أفاده مولانا الامام الخامس محمد بن علي الباقر عليه السلام: هل سمي عالما قادرا إلا لما وهب العلم للعلماء، و القدرة للقادرين؟ و كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلكم.

و في رواية اخرى عن الصادق عليه السلام: كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم، و لعل النمل الصغار تتوهم أن لله سبحانه زبانتين، فان ذلك كمالها، و تتوهم أن عدمهما نقصان لمن لا يتصف بهما، و كذا حال العقلاء فيما يصفون الله سبحانه و تعالى به.

و أما الروايات الموعودة فقد رويت عن أئمتنا المعصومين عليهم السلام في إبطال رؤيته تعالى بالأبصار مطلقا روايات لطيفة دقيقة لو تأمل فيها من كان له قلب سليم و سر نقي علم أن تلك الدقائق الحكمية و المعارف الحقة الالهية، و الاشارات التوحيدية و الاصول الكلية العقلية التي لم تبلغ إليها أفكار أوحدي الناس في تلك الأعصار فضلا عن غيرهم، و لا يدركها الراسخون في العلوم الالهية و المعارف العقلية إلا بعد تلطيف سر، و تصفية فكر، و تجريد ذهن، و مدد سماوي إنما فاضت من سماء صدور الذين هم المستضيئون بأنوار الرحمن، و العارفون ببطون القرآن، و العالمون بالعلوم اللدنية المستفاضة من لدن مبدء العالم عليهم و هم الذين فتحوا أبواب الاستدالال العقلي على العلوم الربوبية.

و المتضلع في أقوال علماء الشرع و مباحثهم الكلامية المنقولة من الخاصة و العامة علم أن قصارى استدلالهم على اصول العقائد و غيرها كانت مقصورة بمفاهيم الايات و الأحاديث الظاهرة و لم يعهد منهم إقامة نحو تلك البراهين العقلية المأثورة عن آل محمد صلى الله عليه و آله.

فعليك بما رواه عنهم ثقة الإسلام أبو جعفر الكليني في الكافي، و الشيخ الأجل الصدوق في التوحيد و الأمالي، و الشيخ الجليل الطبرسي في الاحتجاج، و بما استنبط منها المتألهون من مطالب عرشية رقيقه، و نكات عقلية أنيقة مما يضي‏ء العقل و يقويه و يحييه.

إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهبا و تعرف صدق القول من كذب أخبار
فوال أناسا قولهم و حديثهم‏ روى جدنا عن جبرئيل عن الباري‏

و دونك شرح الحكيم المتأله المولى صدر الشيرازي، و شرح الحكيم المولى محمد صالح المازندراني، و شرح الحكيم الفيض في الوافي على اصول الكافي و شرح الحكيم القاضي السعيد القمي على كتاب التوحيد للصدوق، و شروح غيرهم من فحول العلماء على الكافي و التوحيد و غيرهما مما رويت عن أئمتنا الطاهرين حتى يتبين لك أن المعارف الحقة في الاصول الإعتقادية هي التي أفادوها و بينوها لأهلها، و أن من حاد عنها فقد سلك طريقة عمياء قاده الهوى إليها، و أطاع الوهم فأضله الجادة الوسطى و أن من عزى إلى الإمامية غير ما هداهم إليها أئمتهم فقد افترى.

فقد يخلق بنا الان أن نذكر عدة روايات في ذلك الموضوع المعنون و نفسرها بقدر الوسع على الإيجاز و الاختصار، دون التطويل و الإكثار عسى أن ينفع طالب الرشاد و باغي السداد فنقول و بالله التوفيق و عليه التكلان:

إن الكليني قدس سره قد نقل في الباب التاسع من كتاب التوحيد من جامعه اصول الكافي المترجم بباب إبطال الرؤية أحاديث عنهم عليهم السلام و أتى بطائفة منها الصدوق قدس سره في التوحيد و الأمالي، و الشيخ الجليل الطبرسي- ره- في الاحتجاج، و العلامة المجلسي في البحار، و نحن اخترنا منها ما نوردها ههنا و نبحث عن معانيها و نكشف القناع عن دقائقها و لطائفها بعون الله تعالى.

الحديث الاول‏

و هو الحديث الرابع من ذلك الباب من الكافي رواه باسناده عن أحمد بن إسحاق قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام أسأله عن الرؤية و ما اختلف فيه الناس، فكتب عليه السلام: لا يجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي و المرئي هواء ينفذه البصر فاذا انقطع الهواء عن الرائي و المرئي لم تصح الرؤية، و كان في ذلك الاشتباه، لأن الرائي متى ساوى المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه‏ و كان ذلك التشبيه لأن الأسباب لا بد من اتصالها بالمسببات.

و روى الحديث الصدوق في باب ما جاء في الرؤية من كتابه التوحيد عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن أحمد بن إسحاق أيضا، و بينهما اختلاف في الجملة و على ما في التوحيد: قال: كتبت إلى أبي احسن الثالث عليه السلام عن الرؤية و ما فيه الناس- فاذا انقطع الهواء و عدم الضياء بين الرائي- و كان في في ذلك التشبيه- إلخ. و قال المجلسي- ره- في مرآة العقول: و في بعض النسخ لم ينفذه البصر.

و رواه أيضا الشيخ الجليل الطبرسي في الاحتجاج عن أحمد بن اسحاق عنه عليه السلام: قال: كتبت إلى أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام أسأله عن الرؤية و ما فيه الخلق، فكتب عليه السلام: لا يجوز الرؤية، و في وجوب اتصال الضياء بين الرائي و المرئي وجوب الاشتباه، و الله منزه عن الاشتباه، فثبت أنه لا يجوز على الله تعالى الرؤية بالأبصار، لأن الأسباب لا بد من اتصالها بالمسببات.

أقول: يعلم من عقد ذلك الباب في الكافي و التوحيد و في الغرر و الدرر للشريف المرتضى علم الهدى، و في أوائل المقالات للشيخ الأجل المفيد، و في غيرها من الكتب الكلامية و الروائية، و من سؤال الناس الأئمة عليهم السلام عن الرؤية سيما من سؤال محمد بن عبيد أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الرؤية و ما ترويه العامة و الخاصة و من سؤال عبد السلام بن صالح الهروي عنه عليه السلام رواه الطبرسي في الاحتجاج و الصدوق في أول الباب الحادى عشر من عيون أخبار الرضا عليه السلام قال: قلت لعلي بن موسى الرضا عليه السلام: يا ابن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه أهل الحديث أن المؤمنين يزورون ربهم إلخ. و من سؤال أحمد بن إسحاق أبا الحسن الثالث عليه السلام عن الرؤية و ما اختلف فيه الناس و غيرها مما سيأتي طائفة منها و بيانها أن البحث عن الرؤية كان دارجا و رائجا في تلك الأعصار جدا.

قال القاضي نور الله نور الله مرقده في المجالس عند ترجمة اسماعيل بن علي ابن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت البغدادي نقلا عن النجاشي أنه صنف كتابا في استحالة رؤية القديم.

اغتر كثير من الناس بظاهر الايات و الأخبار، و تفننت الاراء فيها و كان محضر الأئمة مختلف الناس يسألونهم عن الرؤية و كان الأئمة عليهم السلام يقودهم إلى الصراط السوي، و يهديهم إلى مناهج الصدق ببراهين متقنة متفننة على حسب اختلاف عقول الناس و وسعهم.

ثم لما كان ذلك البحث دائرا و مال غير فرقة إلى التشبيه و الرؤية بالأبصار و كانت فطرة الناس السليمة تأبى عن قبول الرؤية و التشبيه و أشباههما التجئوا إلى الأئمة الهداة المهديين لعلمهم بأنهم عليهم السلام خزنة علمه تعالى و عيبة وحيه، و بأن عندهم مفاتيح الحكمة و علم الكتاب و فصل الخطاب، فتبصر ثم استقم.

أبو الحسن الثالث هو الإمام العاشر علي بن محمد الهادي العسكري عليه السلام كما في رواية الطبرسي في الاحتجاج.

و أحمد بن إسحاق بن سهل القمي كان ثقة قال الكشي في الرجال: إنه عاش بعد وفاة أبي محمد (الحسن بن علي العسكري عليهما السلام).

سأله عليه السلام عن الرؤية هل يجوزها أم لا و عما اختلف فيه الناس من جوازها عند بعض و استحالتها عند آخر، و المراد أنه سأله عليه السلام عن المذهب الحق في ذلك فكتب عليه السلام إليه بأن رؤيته تعالى بالأبصار مستحيلة. لأن الرؤية تلازم تجسم الباري و تحيزه، و ذلك لأن الرؤية إنما تتحقق إذا كان بين الرائي و المرئي هواء نيفذه البصر، فإذا انقطع الهواء عن الرائي و المرئي بأن وقع بينهما حائل مثلا لم تصح الرؤية، فاذا لا بد أن يكون المرئي شبيها بالرائي من حيث انهما وقعا في طرفي امتداد فاصل هو الهواء و تحقق بينهما الوضع بمعنى تمام المقولة على هيئة مخصوصة لازمة للإبصار.

و المراد بالاشتباه هو هذا المعنى في المقام أي كون المرئي شبيها بالرائي في تلك الصفات الخاصة بالأجسام من الوضع و المحاذاة و التقابل و الطرف و الجهة و غيرها يقال: اشتبه الشيئان إذا أشبه كل منهما الاخر، و كان ذلك الاشتباه تشبيهه‏ تعالى بالأجسام و هو منزه عن ذلك فلا تدركه الأبصار.

و إنما يجب في الرؤية واسطة الهواء بين الرائي و المرئي و كونهما طرفي الواسطة بحيث يساوي أي يسامت الرائي المرئي، و ذلك كله يكون موجبا لكون المرئي شبيها بالأجسام، لأن الهواء المتوسط سبب للرؤية، و هي سبب لمسامتة الرائي و المرئي في طرفي الواسطة، و المسامتة سبب لكون كل منهما في حيز وجهة فهي أسباب لوجوب المشابهة بينه تعالى و الأجسام، و الأسباب لا بد أن تكون متصلة بمسبباتها غير منفكة عنها.

و بالجملة إنه عليه السلام احتج على بطلان رؤيته تعالى بالأبصار بقياسين: أحدهما قياس اقتراني مؤلف من متصلتين، و الاخر قياس استثنائي مؤلف من شرطية هي نتيجة الأول و حملية، و صورتهما:كلما كان الشي‏ء مرئيا بالأبصار وجب أن يكون طرف الهواء المتوسط و مقابلا للرائي، و كلما كان كذلك فهو جسم، ينتج كلما كان الشي‏ء مرئيا بالأبصار فهو جسم، ثم نقول: لو كان الله تعالى مرئيا بالأبصار فهو جسم، لكنه ليس بجسم فليس بمرئي.

إن قلت: قد يرى الأشياء و هي أو الرائي تحت الماء الصافية فليس بينهما إلا ماء نيفذها نور البصر، و ليس من شروط الإبصار أن يكون الواسطة هواء ليس إلا فكيف قال عليه السلام: ما لم يكن بين الرائي و المرئي هواء ينفذه البصر؟

أقول: المذهب المصنور في الإبصار سواء كان بخروج الشعاع أو الانطباع أو غيرهما أنه لا بد من توسط جسم شفاف كما سيأتي برهانه، و أما كونه هواء فقط فليس بواجب و لكن لما كان أكثر ما يبصر بالقوة الباصرة إنما كان الهواء بينهما متوسطا و كان انس الناس به آكد لهج به عليه السلام على سبيل ذكر مصداق لا على سبيل الانحصار.

و ذهب بعض أعاظم العصر إلي أن الهواء في الحديث ليس الهواء الذي هو أحد العناصر حيث قال: الهواء في لغة العرب هو الخلاء العرفي قال الله تعالى:و أفئدتهم هواء أي خالية من العقل و التدبر، و قال جرير: و مجاشع قصب هوت أجوافه أي خلت أجوافه، و في الصحاح كل خال هواء، و هدا هو المراد هنا لا الهواء المصطلح للطبيعيين و هو جسم رقيق شفاف كما حمله عليه صدر المتألهين قدس سره و هذا الهواء الذي هو جسم رقيق عند العرف بمنزلة العدم.

و الحاصل أنه لا بد للرؤية من فاصلة بين الرائي و المرئي، و يتحقق الفاصلة بعدم وجود جسم كثيف، و الأجسام الفلكية غير مانعة للرؤية لأنها أشف و أرق من هذا الهواء المكتنف للأرض، فهي بمنزلة الهواء فيكون الهواء في لغة العرب أقرب من البعد المفطور الذى يقول به بعض الفلاسفة، انتهى موضع الحاجة من نقل كلامه.

أقول: لا كلام في أن الهواء أحد معانيه ما ذكره كما قدمنا البحث عن ذلك في شرح الكتاب السابع، و لكن ليس هذا المعنى بمراد في الحديث، لبطلان الخلاء أولا، و عدم تحقق الرؤية بلا واسطة جسم شفاف بين الرائي و المرئي ثانيا و إن ذهب بعض إلى أن الواسطة كلما كانت أرق كانت الرؤية أولى و أسرع كالمرئي في الهواء و الماء ثم قال بالقياس فلو كانت الواسطة خلاء محضا لكانت الرؤية أكمل لكن حجته داحضة و الحق أن في الرؤية لا بد من توسط جسم شفاف كما اختاره الحكيم المولى صدرا قدس سره في آخر الباب الرابع من السفر الرابع من الأسفار، و أقام فيه برهانا بما لا مزيد عليه حيث قال:

«فصل» في أنه لا بد في الابصار من توسط الجسم الشفاف. و اعلم أن الحجة على ذلك أن تأثير القوى المتعلقة بالأجسام في شي‏ء و تأثرها عنه لا يكون إلا بمشاركة الوضع و منشأ ذلك أن التأثير و التأثر لا يكون إلا بين شيئين بينهما علاقة علية و معلولية، و هذه العلاقة متحققة بالذات بين القوة و ما يتعلق به من مادة أو موضوع أو بدن، لأنها إما علة ذاته أو علة تشخصه أو كماله، و متحققة بالعرض بينها و بين ماله نسبة وضعية إلى ذلك المتعلق به، فإن العلاقة الوضعية في الأجسام بمنزلة العلاقة العلية في العقليات إذ الوضع هو بعينه نحو وجود الجسم و تشخصه‏ فإذا كان الجسمان بحيث يتجاوران بأن يتصل طرفاهما فكأنهما كانا جسما واحدا فإذا وقع تأثير خارجي على أحدهما فيسري ذلك التأثير إلى الاخر كما تسخن بعض جسم بالنار فانه يتسخن بعضه الاخر أيضا بذلك التسخين، و كما استضاء سطح أحدها بضوء النير يستضي‏ء سطح آخر وضعه إلى الأول كوضعه إلى ذلك النير.

و إنما قيدنا التأثير بالخارجي لأن التأثير الباطني الذي لا يكون بحسب الوضع لا يسري فيما يجاور الشي‏ء.فإذا تقرر هذا فنقول: إن الإحساس كالإبصار و غيره هو عبارة عن تأثر القوى الحاسة من المؤثر الجسماني، و هو الأمر المحسوس الخارجي فلا بد ههنا من علاقة وضعية بين مادة القوة الحاسة و ذلك الأمر المحسوس، و تلك العلاقة لا يتحقق بمجرد المحاذاة من غير توسط جسم مادي بينهما إذ لا علاقة بين أمرين لا اتصال بينهما وضعا و لا نسبة بينهما طبعا، بل العلاقة إما ربط عقلي، أو اتصال حسي فلا بد من وجود جسم و اصل بينهما.

و ذلك الجسم إن كان جسما كثيفا مظلما تسخن فليس هو في نفسه قابلا للأثر النوري فكيف يوجب ارتباط المبصر بالبصر أو ارتباط المنير بالمستنير فإن الرابط بين الشيئين لا بد و أن يكون من قبلهما، لا أن يكون منافيا لفعلهما، فإذا لا بد أن يكون بينهما جسم مشف غير حاجز و لا مانع لوقوع أحد الأثرين أعني النور من النير إلى المستنير أو من البصر إلى المبصر أو تأدية الشبح من المبصر إلى البصر.

فعلى هذا يظهر فساد قول من قال: المتوسط كلما كان أرق كان أولى، فلو كان خلاء صرفا لكان الإبصار أكمل حتى كان يمكن ابصارنا النملة على الصماء.

لا بما ذكروه في جوابه بأن هذا باطل فليس إذا أوجب رقة المتوسط زيادة قوة في الإبصار لزم أن يكون عدمه يزيد أيضا في ذلك، فإن الرقة ليست طريقة إلى عدم الجسم لأن اشتراط الرقة في الجسم المتوسط لو كان لأجل أن لا يمنع‏ نفوذ الشعاع فصح أنه إذا كان رقة الجسم منشأ سهولة النفوش كان عدم الجسم فيما بين أولى في ذلك و كانت الرقة على هذا التقدير طريقا إلى العدم.بل فساده لأنه لو لم يكن بين الرائي و المرئي أمر وجودي متوسط موصل رابط لم يكن هناك فعل و انفعال.

فان قلت: إن الشيخ اعترف بأن هذا النوع من الفعل و الانفعال لا يحتاج إلى ملاقات الفاعل و المنفعل، فلو قدرنا الخلاء بين الحاس و المحسوس فأي إلى ملاقات الفاعل و المنفعل، فلو قدرنا الخلاء بين الحاس و المحسوس فأي محال يلزم من انطباع صورة المحسوس في الحاس، بل الخلاء محال في نفسه و الملاء واجب.؟

قلنا: إن ملاقاتهما، و إن لم يكن واجبا لكن يجب مع ذلك إما الملاقاة و إما وجود متوسط جسماني بينهما يكون مجموع المتوسط و المنفعل في حكم جسم واحد بعضه يقبل التأثير لوجود الاستعداد فيه، و بعضه لا يقبل لعدم الاستعداد فلو فرض أن ليس بين النار و الجسم المتسخن جسم متوسط لم يتحقق هناك تسخين و تسخن، لعدم الرابطة، و كذا لو لم يكن بين الشمس و الأرض جسم متوسط لم يقبل الأرض ضوء و لا سخونة، انتهى كلامه رفع مقامه.

و قد أشار إلى هذا البرهان اجمالا العلامة الخواجه نصير الدين الطوسي في شرحه على أواخر النمط الثاني من الاشارات للشيخ الرئيس بقوله: الأجسام العنصرية قد تخلو عن الكيفيات المبصرة و المسموعة و المشمومة و المذوقة و السبب في ذلك أن إحساس الحواس الأربعة بهذه المحسوسات إنما يكون بتوسط جسم ماكالهواء و الماء- إلخ.

و لعمري أن هذا كلام صدر من معدن تحقيق و فاض من عين صافية، و عليه جل علماء هذه الأعصار من افرنج و غيره أيضا، حيث ذهبوا بأن الإترهو حامل النور من الشمس و القمر و الكواكب، و هو منفوش بين السماء و الأرض، فإذا أصاب النور الأجسام الكثيفة كالأرض مثلا ينكسر قهرا، و الانكسار مولد للحرارة كما اختاره الرياضيون من سالف الدهر و بالجملة لو لم يكن بين الرائي و المرئي متوسط مشف لا يمكن الرؤية، و المتوسط إما هواء أو إتر أو غيرها، و المخالف مكابر.

ثم إن قوله عليه السلام: الأسباب لا بد من اتصالها بالمسببات. حكم كلي أصيل عقلي رد على من زعم أن القول بتأثير الأسباب و الوسائط ينافي كونه تعالى مستغنيا عن غيره، و يفضي إلى إنكار معجزات الأنبياء عليهم السلام و الشرك بالله تعالى و غيرها من الأوهام الباطلة.

كما ذهب إليه الأشاعرة و قالوا: إن استناد الاثار الصادرة عن الانسان و عن الطبائع و غيرها من الممكنات جميعا إلى واجب الوجود ابتداء من غير واسطة حتى تسخين النار و تبريد الماء، فلا النار سبب للإحراق و لا الماء للتبريد و لا الفكر لتحصيل النتيجة و هكذا الكلام في سائر الأسباب فيقول بجواز تخلف الاحراق عن النار و التبريد عن الماء و النتيجة عن المقدمات الفكرية إلا أن عادة الله جرت بترتب تلك الاثار عنها من غير تأثير لشي‏ء منها فيها.

و العقل بفطرته الأصلية يكذب هذا القول و ينفر عنه و الكلمات الالهية تنادي بأعلى صوتها بشناعته، و الموحد مع أنه يرى الكل من الله تعالى و يقول بحقائق الايمان: ليس المؤثر في الوجود إلا الله، يقول: أبى الله أن يجري الامور إلا بأسبابها، و يرى ما سواه معدات مسخرات بأمره تعالى، و المؤثر في الحقيقه هو تعالى و مع ذلك يقول: لا يجوز تخلف المسببات عن الأسباب، و نعم ما قاله الحكيم السبزواري في اللالي المنتظمة عند الأقوال في نتيجة القياس:

و الحق ان فاض من القدسي الصور و إنما إعداده من الفكر

قال تعالى في القرآن الكريم: الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء و يجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله‏ (الروم- 48) فهو تعالى أرسل الرياح ثم أسند اليها أنها تثير سحابا.

و قال تعالى: و هو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات‏

كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون‏ (الاعراف- 57).

و الايات الالهية من هذا القبيل كثيرة، و المخالف يخالف فطرته و يكذبها و نعم ما قيل:

إذا لم تكن للمرء عين صحيحة فلا غرو أن يرتاب و الصبح مسفر

الحديث الثاني‏

و هو الثاني من ذلك الباب من الكافي أيضا روى الكليني قدس سره عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث أن ادخله إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام، فاستأذنته في ذلك فأذن لي فدخل عليه، فسأله عن الحلال و الحرام و الأحكام حتى بلغ سؤاله إلى التوحيد فقال أبو قرة: إنا روينا أن الله قسم الرؤية و الكلام بين نبيين، فقسم الكلام لموسى و لمحمد الرؤية، فقال أبو الحسن عليه السلام: فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين من الجن و الانس لا تدركه الأبصار و لا يحيطون به علما و ليس كمثله شي‏ء، أليس محمد؟ قال: بلى، قال: كيف يجي‏ء رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم أنه جاء من عند الله و أنه يدعوهم إلى الله بأمر الله فيقول: لا تدركه الأبصار و لا يحيطون به علما و ليس كمثله شي‏ء ثم يقول: أنا رأيته بعيني و أحطت به علما و هو على صورة البشر، أما تستحيون ما قدرت الزنادقة أن ترميه عليه السلام بهذا أن يكون يأتي من عند الله بشي‏ء ثم يأتي بخلافه من وجه آخر.

ثم قال أبو قرة: فانه تعالى يقول «و لقد رآه نزلة أخرى‏» فقال أبو الحسن عليه السلام: إن بعد هذه الاية ما يدل على ما رأى حيث قال‏ ما كذب الفؤاد ما رأى‏ يقول ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه و آله ما رأت عيناه. ثم أخبر بما رأى فقال «لقد رأى من آيات ربه الكبرى» فايات الله غير الله، و قد قال الله: و لا يحيطون به علما، فاذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم و وقعت المعرفة.

فقال أبو قرة: فنكذب بالروايات؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها و ما أجمع المسملون عليه أنه لا يحاط به علما و لا تدركه‏ الأبصار و ليس كمثله شي‏ء، انتهى الحديث على ما في الكافي.

أقول: روى الحديث أبو جعفر محمد بن بابويه الصدوق في باب ما جاء في الرؤية من كتابه في التوحيد قال: حدثنا علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق قال: حدثنا محمد بن يعقوب الكليني، عن أحمد بن إدريس- إلخ، و فيه: بين اثنين مكان بين نبيين. إلى الثقلين الجن و الانس، ليس فيه كلمة من الجارة. قال:فكيف يجي‏ء رجل، مع كلمة الفاء، و يقول لا تدركه، مكان فيقول لا تدركه. يأتي عن الله بشي‏ء، مكان يأتي من عند الله بشي‏ء، كذبت بها مكان كذبتها و ما اجتمع المسملون مكان و ما أجمع المسلمون.

و كذا رواه الطبرسي في الاحتجاج و بين النسخ اختلاف في الألفاظ في الجملة و الحديث على ما في الكافي و التوحيد يكون على مقدار خمس ما في الأخير.

و قد صرح الشيخ الطبرسي في الاحتجاج بأن أبا قرة المحدث صاحب شبرمة و قد مضى في شرح المختار 237 في البحث الروائي عن الأخبار الناهية عن العمل بالقياس في الدين أن عبد الله بن شبرمة القاضي كان يعمل بالقياس، و قال أبو عبد الله عليه السلام: ضل علم ابن شبرمة عند الجامعة إلخ.

و لكن ابن شبرمة هذا لم يدرك أبا الحسن الرضا عليه السلام قال المحدث القمي- ره- في مادة شبرم من السفينة: ابن شبرمة هو عبد الله البجلي الكوفي الضبي كان قاضيا لأبي جعفر المنصور على سواد الكوفة و كان شاعرا توفي سنة 144 ه.

و قال الاستاذ الشعراني في تعليقته على شرح المولى صالح المازندراني على اصول الكافي: أبو قرة و شبرمة كلاهما مجهولان و ليس عبد الله بن شبرمة المتوفي سنة 144 على عهد الصادق عليه السلام لأنه لم يدرك الرضا عليه السلام، و قد ذكر ابن حجر في التقريب موسى بن طارق القاضي المكنى بأبي قرة من الطبقة التاسعة و هو معاصر للرضا عليه السلام فلعله هو. انتهى كلامه مد ظله.

و نقل في شرح المذكور عن بعض الأصحاب أن أبا قرة هذا هو علي بن أبي قرة أبو الحسن المحدث رزقه الله تعالى الاستبصار و معرفة هذا الأمر أخيرا، ثم‏

قال الشارح: و انما وصفه بالمحدث لئلا يتوهم أنه أبو قرة النصراني اسمه يوحنا صاحب جاثليق.

قوله: فدخل عليه فسأله عن الحلال و الحرام و الأحكام حتى بلع سؤاله إلى التوحيد، أقول: قد ذكرنا أن هذا الحديث يكون في الاحتجاج على مقدار خمسة أمثال ما في الكافي، على أن الطبرسي لم ينقل الحديث بتمامه و لا بأس بذكره على ما في الاحتجاج لا شتماله على فوائد عظمى في مسائل شتى.

قال الطبرسي- ره-: و عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث صاحب شبرمة أن ادخله إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام فاستأذنته فأذن له، فدخل فسأله عن أشياء من الحلال و الحرام و الأحكام و الفرائض حتى بلغ كلامه «سؤاله- خ ل» إلى التوحيد.

فقال له: أخبرني جعلني الله فداك عن كلام الله تعالى لموسى.

فقال: الله أعلم و رسوله بأي لسان كلمه بالسريانية أم بالعبرانية.

فأخذ أبو قرة بلسانه فقال: إنما أسألك عن هذا اللسان.

فقال أبو الحسن عليه السلام: سبحان الله مما تقول، و معاذ الله أن يشبه خلقه أو يتكلم بمثل ما هم به يتكلمون، و لكنه عز و جل ليس كمثله شي‏ء و لا كمثله قائل فاعل.

قال: كيف ذلك؟

قال: كلام الخالق لمخلوق ليس ككلام المخلوق لمخلوق، و لا يلفظ بشق فم و لا لسان، و لكن يقول له كن فكان بمشيته ما خاطب به موسى من الأمر و النهي من غير تردد في نفس.

فقال له أبو قرة: فما تقول في الكتب؟

فقال أبو الحسن عليه السلام: التوراة و الانجيل و الزبور و القرآن و كل كتاب انزل كان كلام الله أنزله للعالمين نورا و هدى و هي كلها محدثة و هي غير الله حيث يقول «أو يحدث لهم ذكرا» و قال «ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه‏

و هم يلعبون» و الله أحدث الكتب كلها الذي أنزلها.

فقال أبو قرة: فهل تفنى؟

فقال أبو الحسن عليه السلام: أجمع المسلمون على أن ما سوى الله فان و ما سوى الله فعل الله، و التوراة و الانجيل و الزبور و القرآن فعل الله، ألم تسمع الناس يقولون رب القرآن و أن القرآن يوم القيامة يقول يا رب هذا فلان و هو أعرف به منه قد اظمأت نهاره و أسهرت ليله فشفعنى فيه و كذلك (فكذلك- خ ل» التوراة و الانجيل و الزبور و هي كلها محدثة مربوبة أحدثها من ليس كمثله شي‏ء هدى لقوم يعقلون، فمن زعم أنهن لم يزلن فقد أظهر أن الله ليس بأول قديم و لا واحد و أن الكلام لم يزل معه، و ليس له بدؤ و ليس بإله.

قال أبو قرة: فإنا روينا أن الكتب كلها تجي‏ء يوم القيامة و الناس في صعيد واحد صفوف قيام لرب العالمين ينظرون حتى ترجع فيه لأنها منه و هي جزء منه فإليه تصير.

قال أبو الحسن عليه السلام: فهكذا قالت النصارى في المسيح إن روحه جزء منه و يرجع فيه، و كذلك قالت المجوس في النار و الشمس إنهما جزء منه و يرجع فيه تعالى ربنا أن يكون متجزيا أو مختلفا، و انما يختلف و يأتلف المتجزي لأن كل متجز متوهم و القلة و الكثرة مخلوقة دالة على خالق خلقها.

فقال أبو قرة: فاناروينا أن الله قسم الرؤية و الكلام بين نبيين، فقسم لموسى الكلام و لمحمد الرؤية- الى آخر ما نقلناه عن الكافي و بعده: و سأله عن قوله تعالى‏ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى‏.

فقال أبو الحسن عليه السلام: قد أخبر الله أنه أسرى به ثم أخبر لم اسرى به فقال‏ لنريه من آياتنا فايات الله غير الله فقد أعاد «أعذر- خ ل» و بين لم فعل ذلك به و ما رآه، و قال‏ فبأي حديث بعد الله و آياته يؤمنون‏ فأخبر أنه غير الله.

فقال أبو قرة: فأين الله؟

فقال عليه السلام: الأين مكان و هذه مسألة شاهد عن غائب، فالله ليس بغائب و لا يقدمه قادم، و هو بكل مكان موجود مدبر صانع حافظ يمسك السماوات و الأرض.

فقال أبو قرة: أليس هو فوق السماء دون ما سواها؟

فقال أبو الحسن عليه السلام: هو الله في السماوات و في الأرض و هو الذي في السماء إله و في الأرض إله، و هو الذى يصوركم في الأرحام كيف يشاء، و هو معكم أينما كنتم، و هو الذي استوى إلى السماء و هي دخان، و هو الذي استوى إلى السماء فسويهن سبع سموات، و هو الذى استوى إلى العرش قد كان و لا خلق و هو كما كان إذ لا خلق لم ينتقل مع المنتقلين.

فقال أبو قرة: فما بالكم إذا دعوتم رفعتم أيديكم إلى السماء؟

فقال أبو الحسن عليه السلام: إن الله استعبد خلقه بضروب من العبادة و لله مفازع يفزعون إليه و مستعبد فاستعبد عباده بالقول و العلم و العمل و التوجه و نحو ذلك استعبدهم بتوجه الصلاة إلى الكعبة و وجه إليها الحج و العمرة، و استعبد خلقه عند الدعاء و الطلب و التضرع ببسط الأيدي و رفعها إلى السماء لحال الاستكانة و علامة العبودية و التذلل.

قال أبو قرة: فمن أقرب إلى الله الملائكة أو أهل الأرض؟

قال أبو الحسن عليه السلام: إن كنت تقول بالشبر و الذراع فان الأشياء كلها باب واحد هي فعله لا يشتغل ببعضها عن بعض يدبر أعلى الخلق من حيث يدبر أسفله و يدبر أوله من حيث يدبر آخره، من غير عناء و كلفة، و لا مؤنة و لا مشاورة و لا نصب، و إن كنت تقول: من أقرب إليه في الوسيلة فأطوعهم له، و أنتم تروون أن أقرب ما يكون العبد إلى الله و هو ساجد، و رويتم أن أربعة أملاك التقوا:أحدهم من أعلى الخلق، و أحدهم من أسفل الخلق، و أحدهم من شرق الخلق و أحدهم من غرب الخلق، فسأل بعضهم بعضا فكلهم قال: من عند الله أرسلني بكذا و كذا، ففي هذا دليل على أن ذلك في المنزلة دون التشبيه و التمثيل.

فقال أبو قرة: أتقر أن الله محمول؟

فقال أبو الحسن عليه السلام: كل محمول مفعول و مضاف إلى غيره محتاج فالمحمول اسم نقص في اللفظ، و الحامل فاعل و هو في اللفظ ممدوح، و كذلك قول القائل: فوق و تحت و أعلى و أسفل، و قد قال الله تعالى‏ لله الأسماء الحسنى فادعوه بها (الأعراف- 180) و لم يقل في شي‏ء من كتبه انه محمول، بل هو الحامل في البر و البحر و الممسك للسماوات و الأرض، و المحمول ما سوى الله و لم نسمع أحدا آمن بالله و عظمه قط قال في دعائه: يا محمول.

قال أبو قرة: أفتكذب بالرواية إن الله إذا غضب إنما يعرف غضبه أن الملائكة الذين يحملون العرش يجدون ثقله على كواهلهم، فيخرون سجدا، فإذا ذهب الغضب خف فرجعوا إلى مواقفهم؟

فقال أبو الحسن عليه السلام: أخبرني عن الله تعالى منذ لعن إبليس إلى يومك هذا و إلى يوم القيامة غضبان هو على إبليس و أوليائه أو عنهم راض؟

فقال: نعم هو غضبان عليه.

قال: فمتى رضي فخف و هو في صفتك لم يزل غضبانا عليه و على أتباعه.

ثم قال: و يحك كيف تجتري‏ء أن تصف ربك بالتغير من حال إلى حال و أنه يجري عليه ما يجري على المخلوقين سبحانه لم يزل مع الزائلين و لم يتغير مع المتغيرين.

قال صفوان: فتحير أبو قرة و لم يحر جوابا حتى قام و خرج.

قوله «إنا روينا» بضم الراء و تشديد الواو المكسورة مبنية للمفعول من التروية قال الشهاب الفيومي في المصباح المنير: روى البعير الماء يرويه من باب رمى حمله فهو راوية، و الهاء فيه للمبالغة ثم اطلقت الراوية على كل دابة يستقى الماء عليها، و منه قيل، رويت الحديث إذا حملته و نقلته و يعدى بالتضعيف فيقال:

رويت زيدا الحديث، و يبنى للمفعول فيقال: رويت الحديث. انتهى كلامه.

قوله: «إن الله قسم الرؤية و الكلام بين نبيين فقسم الكلام لموسى و لمحمد الرؤية» فهم أبو قرة أن المراد بالرؤية رؤيته تعالى بالأبصار و لذا تصدى الإمام عليه السلام‏ على عدم صحتها مستدلا عليه بما سيأتي شرحه. فجوابه عليه السلام إنما كان على حذو زعم أبي قرة و إلا فالرؤية القلبية التي هي الانكشاف التام للمخلصين و الكملين فلا كلام في صحتها كما سيجي‏ء بيانه من الأئمة الهداة المهديين عليهم السلام ثم لما كان على مشرب العرفان للحق سبحانه و تعالى في كل خلق ظهور خاص به و هو تعالى متجل للعباد على حسب استعداداتهم المتنوعة بالعطايا الأسمائية الفائضة عليهم بالفيض المقدس، بل له تعالى بحسب كل يوم هو في شأن شئونات و تجليات في مراتبه الإلهية و قد قال الامام جعفر الصادق عليه السلام: إن الله تعالى قد يتجلى لعباده في كلامه و لكنهم لا يعلمون كما نقله عنه عليه السلام القيصري في شرحه على فصوص الحكم لمحي الدين في أول فص حكمة سبوحية في كلمة نوحية.

و لما كان وجود العالم مستندا إلى الأسماء لأن كل فرد من أفراد الموجودات تحت تربية اسم خاص من أسماء الله تعالى و قد تقرر في محله أن للأسماء دولا بحسب ظهوراتها و ظهور أحكامها اتصف كل موجود بمقتضى الاسم الخاص الغالب عليه، فبتلك الاشارات يعلم إجمالا سر اتصاف بعض الأنبياء و الأولياء ببعض الأوصاف دون بعض كما وصف آدم عليه السلام بصفي الله، و نوح عليه السلام بنجي الله، و إبراهيم عليه السلام بخليل الله،، و موسى عليه السلام بكليم الله، و مثل ما وصف الامام علي بن الحسين عليه السلام بالسجاد، و ابنه الامام أبو جعفر محمد عليه السلام بباقر العلوم.

و لما كان خاتم النبيين صلى الله عليه و آله منفردا بمقام الجمعية الإلهية الذي ما فوقه إلا مرتبة الذات الأحدية لأنه صلى الله عليه و آله مظهر اسم الله، و هو الاسم الجامع للأسماء و النعوت كلها، فتخصيص الكلام و سائر النعوت الكمالية بموسى عليه السلام و غيره من الأنبياء غير ثابتة بل هي ثابتة له صلى الله عليه و آله أيضا.

قوله: «فقال أبو الحسن عليه السلام فمن المبلغ عن الله الثقلين من الجن و الانس لا تدركه الأبصار- الى قوله- و هو على صورة البشر» لما زعم أبو قرة الرؤية بالأبصار احتج عليه الامام، أبو الحسن الرضا عليه السلام: بتلك الايات المنزلة من عند الله تعالى بلسان نبيه الخاتم و سأله على صورة الاستفهام للتقرير بأن مبلغها ليس محمد صلى الله عليه و آله؟ قال: بلى، أي هو صلى الله عليه و آله مبلغها.

ثم سأله على صورة الاستفهام للإنكار كيف يخبر الخلائق عن الله تعالى رسوله المبعوث إليهم بأن الأبصار لا تدركه ثم يقول هو: و رأيته بعيني كما تكلم المتكلمون في رؤيته صلى الله عليه و آله ربه تعالى ليلة الاسراء، فذهب بعضهم كأبي الحسن الأشعري أنه صلى الله عليه و آله رآه بعيني رأسه.

ثم إن ضمير هو في قوله: و هو على صورة البشر، يرجع إلى الله تعالى أعنى أن الجملة الأخيرة مقولة الرجل أي النبي صلى الله عليه و آله كالاوليين لا أنها مقولة الامام عليه السلام حتى تكون حالية، و إنه عليه السلام رتب ثلاثة امور على الايات الثلاث على اللف و النشر المرتبين فرتب أنا رأيته بعيني على لا تدركه الأبصار، و أحطت به علما على لا يحيطون به علما، و هو على صورة البشر على ليس كمثله شي‏ء.

أما وجه دلالة الاية الاولى على نفي الرؤية بالعين فلأن إدراك كل قوة من قوى ظاهرية كانت أو باطنية على حسبها، فإذا سمعت الاذن كلاما فقد أدركته و إذا رأت العين شيئا فقد أدركته و ان كان المدرك في الحقيقة هو النفس و القوى آلاتها، لأن الادراك إذا تعلق بما يكون ماديا تدركه النفس بالة تخصه، و إلا تدركه النفس بذاتها، و على الأول يكون حقيقة ذلك الشي‏ء متمثلة عند المدرك أي النفس بواسطة الحس بانتزاعها صورته من نفس حقيقته على تجريد بين في محله.

و لذا قال الشيخ في الاشارة الثالثة من النمط الثالث من الاشارات: إدراك الشي‏ء هو أن يكون حقيقته متمثلة عند المدرك يشاهدها ما به يدرك، و الفعل في سياق النفي كالنكرة في سياقه يفيد العموم، فالحجة أن النبي صلى الله عليه و آله أخبر عن الله بأنه لا تدركه عين فكيف يقول هو: رأيته تعالى بعيني و هل هذا إلا التناقض في قوله.

و أما الاية الثانية فوجه الاحتجاج بها أن النبي صلى الله عليه و آله أخبرهم بأنهم لا يحيطون به علما، فكيف يقول هو بالتناقض: إني أحطت به علما.

سواء كانت تلك الإحاطة بالإبصار لأن إبصار الشي‏ء إحاطة ما علمية به كما صرح به الامام عليه السلام في قوله الاتي: فاذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم و وقعت المعرفة.

أو كانت بادراك آخر من غير إبصار كالوهم و العقل فان إحاطته تعالى بأية قوة مدركة كانت مستحيلة، فالاية الثانية تدل على نفي الرؤية أيضا.

و أما الاية الثالثة فوجه الاحتجاج بها أنه تعالى أخبرهم بأمره تعالى بأنه ليس كمثله شي‏ء فكيف يقول: إنه تعالى على صورة البشر.

و هذا إشارة إلى ردما رووا عن رسول الله صلى الله عليه و آله من أن الله تعالى خلق آدم على صورته كما في الملل و النحل للشهرستاني عند الكلام في المشبهة (ص 48 طبع ايران 1288 ه)، و إلى رد ما رووا عنه صلى الله عليه و آله من أنه قال: رأيت ربي في أحسن صورة. نقله الشهرستاني أيضا في ص 49 من الكتاب. و نقل بعضهم عنه صلى الله عليه و آله انه رآه تعالى ليلة المعراج على صورة شاب حسن الوجه أو على صورة الشاب المراهق و نحوهما من المنقولات الظاهرة في أنه تعالى على صورة البشر.

روي في عيون أخبار الرضا عليه السلام للصدوق و في الاحتجاج للطبرسي قدس سرهما عن الحسين بن خالد أنه قال: قلت للرضا عليه السلام: إن الناس يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه و آله قال: إن الله خلق آدم على صورته، فقال: قاتلهم الله لقد حذفوا أول الحديث إن رسول الله صلى الله عليه و آله مر برجلين يتسابان فسمع أحدهما يقول: قبح الله وجهك و وجه من يشبهك فقال صلى الله عليه و آله له: يا عبد الله لا تقل هذا لأخيك فان الله خلق آدم على صورته.

روى لكليني في باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه من جامعه الكافي باسناده عن إبراهيم بن محمد الخزاز و محمد بن الحسين قالا: دخلنا على أبي الحسن الرضا عليه السلام فحكينا له أن محمدا صلى الله عليه و آله رأى ربه في صورة الشاب الموفق في سن أبناء ثلاثين سنة- الى أن قال: ثم قال عليه السلام: يا محمد إن رسول الله صلى الله عليه و آله حين نظر إلى عظمة ربه كان في هيئة الشاب الموفق و سن أبناء ثلاثين سنة؟! يا محمد عظم ربي عز و جل أن يكون في صفة المخلوقين- الى أن قال عليه السلام: يا محمد ما شهد له الكتاب و السنة فنحن القائلون به.

فبما حققنا دريت أن الاية الاولى مطابقة للسؤال عن الرؤية، و الأخيرتين إنما ذكرتا على نحو التمثيل و التنظير، و هذا الدأب ليس بعزيز في الاحتجاجات و إن كان مورد السؤال نفي الرؤية، على أنه يمكن إرجاع الايات الثلاث إلى دلالتها على نفي الرؤية أيضا ضمنا.

أما وجه دلالة الاوليين عليه فقد علم، و أما دلالة الأخيرة عليه فلأنه لو تعلق الادراك بالبصر عليه تعالى لزم أن يكون مماثلا لأجسام كثيفة حتى يتحقق الرؤية بالعين، لما علم في شرح الحديث الأول من أن الرؤية انما تعلق على الأجسام التي لا ينفذ عنها نور البصر، فلا تكون إلا كثيفا ذا وضع و جهة فيلزم من القول بالرؤية أن يكون له تعالى مماثل من الأجسام، لأن كلما يدرك بالأبصار فهو ذو مثل، و هذه الدقيقة مستفادة ضمنا و يؤيده قوله عليه السلام بعد ذا: فاذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم و وقعت المعرفة.

و يحتمل بعيدا أن يرجع ضمير هو في «و هو على صورة البشر» إلى الرجل أي النبي صلى الله عليه و آله بأن تكون الجملة حالية و الايات الثلاث استشهد بها لدلالتها على نفي الرؤية و منساقة اليه رأسا، لا أنه يستفاد ضمنا كما ذهب إليه جم غفير من شراح الحديث.

فيكون المعنى أنه صلى الله عليه و آله أخبرهم عن الله تعالى بأمره، لا تدركه الأبصار و لا يحيطون به علما و ليس كمثله شي‏ء، تدل كل واحدة منها على نفي رؤيته تعالى بالأبصار، ثم يقول ذلك المخبر أنا رأيت الله بعيني و أحطت به علما برؤيتي إياه بعيني أيضا و الحال أنه على صورة البشر أي إذا لم يكن للبشر إدراكه و إحاطته بالأبصار فكيف يجوز له صلى الله عليه و آله و هو من البشر أيضا.

و لكن طبع الحديث يأبى عن هذا الاحتمال جدا كما لا يخفى على المتدرب بصناعة الكلام من متن الحديث و اسلوبه، و المختار هو المتعين.

و بعض نسخ الكافي بلا ضمير هو، أي و أحطت به علما على صورة البشر فعلى‏ هذا الوجه إما أن تتعلق على بضمير الفاعل في أحطت فيكون الرائي أي النبي صلى الله عليه و آله على صورة البشر، و إما أن تتعلق بالضمير المجرور في به فيكون المرئي أي الله تعالى على صورة البشر.

و بما حققناه يعلم أن تلك النسخة ليست بصواب و اسقط الضمير من الكاتب و كم له من نظير.

قوله عليه السلام: «أما تستحيون ما قدرت الزنادقة أن ترميه عليه السلام بهذا أن يكون يأتي من عند الله بشي‏ء ثم يأتي بخلافه من وجه آخر» و في بعض النسخ أما تستحون و هي صحيحة أيضا لأنها مخففة الاولى و لغة منها. و كلمة ما في قوله:ما قدرت، نافية.

قوله: أن ترميه عليه السلام بهذا أي تنسبه به و الضمير يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه و آله و قال العلامة المجلسي- ره- في مرآة العقول: و إرجاع الضمير إلى الله بعيد جدا. و أقول: بل هو و هم رأسا لعدم مناسبته الحجة و لا لفظ الحديث.

قوله: أن يكون «اه» بدل لقوله هذا و بيان و تفصيل له. و المراد أن الزنادقة مع كفرهم و عنادهم لا ينسبونه صلى الله عليه و آله إلى ما نسبتموه إليه من المناقضة في أقواله و كذبه على الله تارة يقول من أمر الله لا تدركه الأبصار و تارة يقول إني رأيته ببصري فكيف أنتم مع اعترافكم بنبوته صلى الله عليه و آله ترمونه به.

قوله: «ثم قال أبو قرة فانه تعالى يقول و لقد رآه نزلة اخرى» لما بين الإمام عليه السلام استحالة إدراكه تعالى بالأبصار استدل أبو قرة في مقام المعارضة بقوله تعالى على أن رسول الله صلى الله عليه و آله رآه تعالى بعينه بناء على أن ضمير المفعول في رآه راجع إليه تعالى، فأجابه الإمام عليه السلام بأن القرآن يفسر بعضه بعضا و أن بعد هذه الاية ما يدل على ما رأى حيث قال تعالى‏ ما كذب الفؤاد ما رأى‏ و فسرها عليه السلام بقوله ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه، ثم استشهد بالاية التالية المبينة لما رأت عيناه صلى الله عليه و آله‏ «ما زاغ البصر و ما طغى. لقد رأى من آيات ربه الكبرى» فضمير المفعول في رآه راجع إلى المخلوق لا إلى الخالق حيث قال: لقد رأى من آيات‏ ربه الكبرى و آيات الله غير الله. ثم احتج عليه بقوله تعالى‏ و لا يحيطون به علما ثم فسره زيادة توضيح و بيان في دلالة الاية على نفى الرؤية بالأبصار بقوله:فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم و وقعت المعرفة.

ثم إن كثيرا من نسخ مخطوطة و مطبوعة من الكافي متفقة في تأنيث فعل أحاط أي «فقد أحاطت به العلم» و لكنها من تصحيف النساخ ظنا منهم أن ضمير الفعل راجع إلى الأبصار، و هو و هم لأن العلم فاعله و إلا يلزم أن يكون العلم تميزا و التميز يجب أن يكون نكرة.

قال الجوهري في الصحاح: أحاط به علمه، و أحاط به علما، و أحاطت الخيل بفلان، و احتاطت به أي أحدقت. و في الوحي الإلهي‏ و لا يحيطون به علما و أن الله قد أحاط بكل شي‏ء علما.

قوله: «فقال أبو قرة فتكذب بالروايات» لما استدل الامام عليه السلام بالدليلين العقلي و النقلي على استحالة رؤيته تعالى بالأبصار و لم يبق لأبي قرة دليل يستدل به على مطلوبه اعترض على الإمام فقال على صورة الاستفهام للانكا: أ فتكذب بالروايات؟ يعني إذا لم تكن تلك الروايات دالة على رؤيته تعالى لزم تكذيبها أي القول بعدم اسنادها إلى النبي صلى الله عليه و آله.

فأجابه الامام بالتزامه فقال: إذا كانت مخالفة للقرآن كذبتها، و ذلك لأنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فهو الأصل الصدق و المعيار الحق و لا يعارضه الأخبار المتخالفة المختلفه، و لا يجوز التجاوز في التوحيد عما في القرآن المجيد و قد أدب الأئمة عليهم السلام أصحابهم بذلك.

ففي الحديث الحادي و الثلاثين من الباب الأول من كتاب التوحيد للصدوق- ره- باسناده عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير قال: دخلت على سيدي موسى ابن جعفر عليهما السلام فقلت له: يا ابن رسول الله علمني التوحيد، فقال: يا أبا أحمد لا تتجاوز في التوحيد ما ذكره الله تعالى في كتابه فتهلك، الحديث.

فما وافقته من الأخبار و إلا تضرب بالجدار، و لا يخفى أن الأخبار التي يمكن الجمع بينها و بين الكتاب ليست بمخالفة له، و نسخة التوحيد للصدوق: كذبت بها، و هي أنسب بقول أبي قرة فتكذب بالروايات مطابقة.

قوله: «و ما أجمع المسلمون عليه أنه لا يحاط به علما، و لا تدركه الأبصار و ليس كمثله شي‏ء» قوله عليه السلام انه لا يحاط به علما إشارة إلى قوله تعالى‏ يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم و لا يحيطون به علما (طه- 111).

و لا تدركه الأبصار بعض آية 104 من الأنعام قوله تعالى: لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار و هو اللطيف الخبير.

و ليس كمثله شي‏ء بعض آية 10 من الشورى قوله تعالى: فاطر السماوات و الأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا و من الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شي‏ء و هو السميع البصير.

و كلمة ما موصولة اسمي مبتداء و خبره كل واحد من أنه لا يحاط به علما و لا تدركه الأبصار، و ليس كمثله شي‏ء، و ليست معطوفة على القرآن حتى يكون التقدير: إذا كانت الروايات مخالفة لما أجمع المسلمون عليه كذبتها، و لو كانت معطوفة عليه لوجب أن تقدم على كذبتها.

و معنى العبارة أن القرآن لما كان منزلا من عند الله تعالى و أجمع المسلمون قاطبة على تسليم ما فيه و منه قوله تعالى: لا يحيطون به علما، و لا تدركه الأبصار و ليس كمثله شي‏ء، لم يجز الاعراض عنه و خرقه بروايات تنافيه و تخالفه و من تمسك بها خالف القرآن و إجماع المسلمين.

و إلى هنا تمت الحجة على أبي قرة على أتم بيان و أكمل برهان في استحالة إدراكه تعالى بالأبصار ما فاه بشي‏ء من مناقضة أو معارضة في المسألة أصلا، بل انتقل إلى أسالة اخرى قدمناها من رواية الطبرسي في الاحتجاج و في آخرها:

قال صفوان: فتحير أبو قرة و لم يحر جوابا حتى قام و خرج.

تقديم مطالب يليق أن يشار اليها

الاول‏:

 أن قوله عليه السلام: «فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين من الجن و الإنس و قوله عليه السلام «كيف يجي‏ء رجل إلى الخلق جميعا» أفادا ثلاثة امور.

الأول: أن الثقلين بفتحتين هما الجن و الانس و عليه إجماع أهل اللغة و التفسير في قوله تعالى: سنفرغ لكم أيه الثقلان‏ (الرحمن- 33) و يفسر الثقلين بالجن و الانس آيات اخرى من سورة الرحمن كقوله تعالى‏ خلق الإنسان من صلصال كالفخار و خلق الجان من مارج من نار و قوله تعالى‏ يا معشر الجن و الإنس‏ الاية. و قوله تعالى‏ فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس و لا جان‏.

قال القاضي البيضاوي في تفسير أنوار التنزيل: الثقلان الإنس و الجن سميا بذلك لثقلهما على الأرض، أو لرزانة رأيهم و قدرهم، أو لأنهما مثقلان بالتكليف انتهى قوله.

و الجن و الانس يؤنثان باعتبار أنهما طائفة أو جماعة، قال المرزوقي في شرح قول إياس بن مالك الطائي (الحماسة 194).

كلا ثقلينا طامع بغنيمة و قد قدر الرحمن ما هو قادر

قوله: كلا ثقلينا، أي كل واحد من جماعتينا، و الثقل «بالتحريك» الجماعة. و الثقلان الجن و الانس.

الأمر الثاني: أن الجن مكلفون بما كلف بها الأنس.

الأمر الثالث: أن رسول الله صلى الله عليه و آله مبعوث إليهم أيضا، و القرآن الكريم ناطق بذين في عدة مواضع.

قال تعالى: قل لئن اجتمعت الإنس و الجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا (الاسراء- 91) وجه الاستدلال بالاية عليه أنهم لو لم يكونوا مكلفين بما كلف بها الانس و لم يكن خاتم النبيين مبعوثا إليهم أيضا لما تحديهم الله تعالى بالاتيان‏ بمثل القرآن.

و قال تعالى: و يوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس و قال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض و بلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم و كذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون يا معشر الجن و الإنس أ لم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي و ينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا و غرتهم الحياة الدنيا و شهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين‏ (الانعام- 130- 132) أي اذكر يوم يحشرهم الله تعالى، بالياء على قراءة حفص عن عاصم، و على قراءة أبي بكر عنه يوم نحشرهم بالنون، و ضميرهم لمن يحشر من الثقلين.

و وجه الاستدلال بهما بين، فان لهم حشرا و ثوابا و عقابا فهم مكلفون.

و الاية الأخيرة صريحة على أن رسلا ارسلوا إليهم، و أما أن هؤلاء الرسل المبعوثون إلى الانس فلا تدل عليه هذه الاية صريحة و إن دلت على أن رسول الله صلى الله عليه و آله مبعوث اليهم، لأنهم مخاطبون بالقرآن، و لو لا القرآن كتابهم و الرسول صلى الله عليه و آله بعث إليهم ايضا لما خوطبوا به و انما الكلام في الرسل الذين كانوا قبله صلى الله عليه و آله.

و انما قلنا لا تدل الاية عليه صريحا، لا مكان ارجاع الضمير في قوله: رسل منكم إلى الانس خاصة لما سنشير اليه بعيد هذا، و لكن الاية ظاهرة في أن لكل طائفتين نبيا من جنسهما.

و قال تعالى في سورة الملك: و لقد زينا السماء الدنيا بمصابيح و جعلناها رجوما للشياطين و أعتدنا لهم عذاب السعير و للذين كفروا بربهم عذاب جهنم و بئس المصير إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا و هي تفور تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها أ لم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا و قلنا ما نزل الله من شي‏ء إن أنتم إلا في ضلال كبير و قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير.

فالايات تدل على أن للجن ثوابا و عقابا حيث قال تعالى: و أعتدنا لهم عذاب السعير، ثم إن لهم نذيرا أيضا حيث قالوا بلى قد جاءنا نذير، و الذين كفروا يشملهم أيضا بدليل قولهم لو كنا- نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير و قال تعالى أولا: و أعتدنا لهم عذاب السعير فأصحاب السعير شامل للكافرين من الجن أيضا و تدل ايضا على أن رسول الله صلى الله عليه و آله بعث إليهم بدليل المخاطبة و الانذار، و أما أن جميع نذرهم هل كانوا منهم أو من الانس فلا تدل الاية عليه.

و نظير هذه الايات الدالة على أنه كان لهم نذير في كل زمان قوله تعالى‏ و إن من أمة إلا خلا فيها نذير (فاطر- 23) لأن الجنة امة أيضا بلا كلام و القرآن ناطق بذلك.

قال تعالى‏ فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا و شهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن و الإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف و لكن لا تعلمون و قالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون‏ الاعراف 37- 39) نعم و لقائل أن يقول: إن جميع نذرهم لم يكونوا من الانس بدليل قوله تعالى‏ و الجان خلقناه من قبل من نار السموم‏ (الحجر- 28).

وجه الاستدلال أن الجان خلق من قبل خلق الانس من نار السموم، و قال تعالى‏ و إن من أمة إلا خلا فيها نذير فكان لهم نذير و لم يكن خلق الانسان بعد، و الله تعالى أعلم، و ما اوتينا من العلم إلا قليلا.

ثم إن الشياطين في سورة الملك هم بعض من طائفة الجن و كذا قوله تعالى‏ فو ربك لنحشرنهم و الشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (مريم- 71).

و ذلك لأنه تعالى قال: و لسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها و كنا بكل شي‏ء عالمين و من الشياطين من يغوصون له و يعملون عملا دون ذلك و كنا لهم حافظين‏ (الانبياء- 82 و 83) و كذا قال: «و لقد فتنا سليمان- الى قوله: فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب و الشياطين كل بناء و غواص و آخرين مقرنين في الأصفاد (ص، 35- 39).

و إذا أضفناها إلى قوله تعالى‏ و لسليمان الريح غدوها شهر و رواحها شهر و أسلنا له عين القطر و من الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه و من يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشاء من محاريب و تماثيل و جفان كالجواب و قدور راسيات اعملوا آل داود شكرا و قليل من عبادي الشكور فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين‏ (سباء، 12- 14) و إلى قوله تعالى: و حشر لسليمان جنوده من الجن و الإنس و الطير فهم يوزعون‏ (النمل- 19) و إلى قوله تعالى: قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك‏ (النمل- 42) تنتج أن هؤلاء الشياطين كانوا من الجن.

و كذا إذا أضفنا قوله تعالى: و لقد زينا السماء الدنيا بمصابيح و جعلناها رجوما للشياطين‏ (الملك- 6) إلى قوله تعالى: قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن‏- إلى قوله تعالى مخبرا عنهم: و أنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا و شهبا و أنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (الجن، 2- 10) ينتج أن الشياطين طائفة من الجن.

و قال تعالى: سنفرغ لكم أيه الثقلان‏ (الرحمن- 33) أي سنجرد لحسابكم و جزائكم و ذلك يوم القيامة قال القاضي: و فيه تهديد مستعار من قولك لمن تهدده: سأفرغ لك فان المتجرد للشي‏ء كان أقوى عليه و أحد فيه. و وجه الاستدلال به ظاهر.

و كذا آية اخرى من تلك السورة و هي قوله تعالى‏ فيومئذ لا يسئل عن‏ ذنبه إنس و لا جان‏ بل المخاطب فيها الجن و الانس في آيات‏ فبأي آلاء ربكما تكذبان‏، بدليل قوله تعالى: سنفرغ لكم أيه الثقلان‏، و قوله تعالى: يا معشر الجن و الإنس‏، و بعض آي اخرى و عليه إجماع المفسرين، و لو لم يكن الرسول صلى الله عليه و آله مبعوثا إليهم أيضا لما خوطبوا بالقرآن الكريم.

و قال تعالى في سورة الجن: قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به و لن نشرك بربنا أحدا إلى قوله تعالى مخبرا عنهم: و أنا منا الصالحون و منا دون ذلك كنا طرائق قددا و أنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض و لن نعجزه هربا و أنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا و لا رهقا و أنا منا المسلمون و منا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا و أما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا.

و قال تعالى آخر الأحقاف: و إذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق و إلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله و آمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم و يجركم من عذاب أليم و من لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض و ليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين‏.

وجه الاستدلال بايات هاتين السورتين ظاهر و أنها تدل مع كونهم مكلفين على أن القرآن كتابهم أيضا فرسول الله صلى الله عليه و آله مبعوث اليهم أيضا، بل ما في الأحقاف تدل على أن أنبياء السلف من الانس كانوا مبعوثين إليهم أيضا حيث قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا انزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه، كما تدل على أن هؤلاء النفر من الجن كانوا يهودا ما آمنو بعيسى عليه السلام.

و لعل هؤلاء النفرهم القوم الذين أخبر الله تعالى عنهم: و من قوم موسى أمة يهدون بالحق و به يعدلون‏ (الأعراف- 161) أو أن هذه الاية تشملهم‏ أيضا كقوله الاخر: و ممن خلقنا أمة يهدون بالحق و به يعدلون‏ (الأعراف- 282) و الله تعالى أعلم.

و قال تعالى: و لقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين‏- الى قوله تعالى: قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين‏ (الأعراف، 12- 19) وجه الاستدلال به أن العقاب فرع التكليف، و قال تعالى: لأملأن جهنم منكم أجمعين، عدل عن الغيبة إلى الخطاب ليشمل الحكم و الخطاب كلا الفريقين من الجن و الانس.

نظير قوله تعالى أيضا: و إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس‏ إلى قوله: قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا (الاسراء- 64- 66) و يفسره قوله تعالى آيات آخر ص: فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر و كان من الكافرين‏ الى قوله تعالى: قال فالحق و الحق أقول لأملأن جهنم منك و ممن تبعك منهم أجمعين‏ و قوله تعالى: و تمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة و الناس أجمعين‏ (هود- 121) و قوله تعالى:و لكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة و الناس أجمعين‏ (السجدة- 15) و قوله تعالى: و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الإنس لهم قلوب لا يفقهون بها الاية (الأعراف- 180).

و كذا يبين أن المراد كلا الفريقين قول أمير المؤمنين عليه السلام (الخطبة الاولى من النهج): فقال سبحانه اسجدوا لادم فسجدوا إلا ابليس و قبيله- إلخ، و في بعض النسخ إلا ابليس و جنوده.

و بالجملة أن الايات القرآنية تدل على أن الجن مكلفون كالإنس و لا ريب أن من شرائط التكليف أن يكون المكلف عاقلا، فلهم عقل و تمييز و لذا هدى هؤلاء النفر من الجن عقولهم إلى الهداية و الرشد حيث قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به و لن نشرك بربنا أحدا و قال تعالى‏ و لقدذرأنا الاية، و القلب في القرآن بمعنى العقل.

كما تدل أنهم رجال و اناث كالانس حيث قال تعالى مخبرا عنهم: و أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن‏ (الجن- 7) و أخبر تعالى أن بعضهم فرسانا و الاخر مشاة حيث قال: و استفزز من استطعت منهم بصوتك و أجلب عليهم بخيلك و رجلك‏ (الاسراء- 67).

فالايات تنتج بأنهم ليسوا بمجردين، لأن التكثر إنما يصح فيما كان له مادة.على أن الله تعالى صرح بذلك أيضا في قوله: و خلق الجان من مارج من نار (الرحمن- 16) و قوله تعالى: و الجان خلقناه من قبل من نار السموم‏ (الحجر- 28) و قوله تعالى: و لقد فتنا سليمان‏- إلى قوله تعالى: فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب و الشياطين كل بناء و غواص و آخرين مقرنين في الأصفاد (الزمر 35- 39).

وجه الاستدلال به أن كونهم مقرنين في الأصفاد إنما يصح مع عدم تجردهم، و قال تعالى‏ و ترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (ابراهيم- 51) و الله أعلم.

و كذا القرآن يدل على أنهم يتوالدون، لدلالة النارية على ذلك، و قد قال الله تعالى: و إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أ فتتخذونه و ذريته أولياء من دوني و هم لكم عدو بئس للظالمين بدلا (الكهف- 49). و حيث قال عز من قائل: فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم و لا جان‏ (الرحمن- 58).

ثم إذا كانت الجن مادية جسمانية و مع ذلك أنا لا نراهم و هم يرونا كما قال عز من قائل: يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو و قبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون‏ (الاعراف- 28) علمنا أنهم من الأجسام‏ اللطيفة و ليس بلازم أن يدرك بالأبصار كل ما هو جسم فإن بعض الأجسام الذي قبلنا لا نراه بالعين كالهواء مثلا.

و الشيطان في الاية هو ابليس و ابليس من الجن بدليل قوله تعالى:

و إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه‏ الاية المتقدمة. و قوله تعالى‏ و كذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس و الجن‏ (الانعام- 113). و قوله تعالى‏ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين‏- إلى قوله تعالى مخبرا عنه: قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم‏- إلى قوله تعالى: فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما (الاعراف 12- 21).

و كذا إذا أضفنا قوله تعالى: و قال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق و وعدتكم فأخلفتكم و ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني و لوموا أنفسكم‏ الاية (ابراهيم- 28) إلى قوله تعالى‏ و لقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين و ما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك‏ الاية (سبأ- 21) ينتج أن الشيطان هو ابليس.

و قوله تعالى: و إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس‏- إلى قوله تعالى‏ و عدهم و ما يعدهم الشيطان إلا غرورا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان و كفى بربك وكيلا (الاسراء 64- 68) كالصريح بأن الشيطان هو ابليس.

فقد تحصل من الايات المتقدمة أن الجن مكلفون و لهم عقل و تمييز و أن رسول الله صلى الله عليه و آله مبعوث إليهم أيضا، و أن بعضهم مسلم و بعضهم قاسط و كافر كما اعترفوا في سورة الجن بذلك حيث قالوا: و أنا منا المسلمون و منا القاسطون‏ و قال تعالى في الاية المتقدمة من الكهف‏ فسجدوا إلا إبليس كان من الجن‏ إلخ، و قال تعالى‏ فسجدوا إلا إبليس أبى و استكبر و كان من الكافرين‏ (البقرة- 24)

فبعض الجن كافر.

و أن من كان من الجن و الإنس شريرا متمردا عن الله تعالى فهو شيطان قال تعالى: و إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم‏ (البقرة- 14) و قال تعالى: و كذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس و الجن‏ (الانعام- 13) و أن بعض أنبياء الانس مبعوثون إليهم أيضا، و أن نذيرا أو نذرا من جنسهم بعثوا إليهم.

ثم‏

ههنا يخلق بنا أن نبحث عن مسائل‏: منها أن أنبياء الانس كيف بعثوا إلى الجن و هما ليسا من جنس واحد، و قد مر في شرح الخطبة 237 (ص 79- 82 ج 16) البحث عن لزوم التناسب و التجانس في ذلك و قد قال تعالى: و ما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أ بعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا (الاسراء- 98).

و حيث أنكر الناس أن يكون الرسل بشرا قال تعالى لرسوله صلى الله عليه و آله «قل» جوابا لشبهتهم «لو كان في الأرض» الاية و ذلك لتمكينهم من الاجتماع بالرسول و التلقي منه. و قريب من هذه الاية قوله تعالى: و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا (الأنعام- 10).

و منها أن شياطين الإنس و الجن كيف يضلون غيرهم من الجن و الانس عن سواء الصراط ، و على أي نحو كان سلطانهم عليهم، و ما معنى قوله تعالى‏ من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة و الناس‏ . و منها لم بعث بعض الأنبياء من الانس إليهم أيضا

و بعضهم الاخر من جنسهم و ما سر التبعيض، أو أن قوله تعالى: يا معشر الجن و الإنس أ لم يأتكم رسل منكم‏ الاية (الانعام- 131).

ليس المراد أن بعث إلى كل من الثقلين رسل من جنسهم بل إنما المراد الرسل من الانس خاصة، و لكن لما جمعوا مع الجن في الخطاب صح ذلك، نظير

قوله تعالى‏ يخرج منهما اللؤلؤ و المرجان‏ و المرجان يخرج من الملح دون العذب.

أو أن الرسل من الجن رسل الرسل إليهم لقوله تعالى: ولوا إلى قومهم منذرين‏.

و منها أن الجن إذا كانوا مكلفين فلابد لهم في كل زمان من نبي‏، قال الله تعالى‏ و لو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل و نخزى‏ (طه- 136) و لما كان بدؤخلقهم قبل الانس بلا ارتياب فلابد من أن يكون لهم نبي من جنسهم من قبل بلا كلام، و يحمل قوله تعالى في سورة الأنعام‏ أ لم يأتكم رسل منكم‏ على ظاهره.

و غيرها من المسائل التي يحتاج عنوانها و حلها و البحث عنها و عن الروايات المروية في المقام إلى تدوين كتاب على حدة، و لعلنا نبحث عن بعضها في أثناء مباحثنا الاتية.

المطلب الثاني‏:

 أن احتجاجه عليه السلام على أبي قرة بقوله: إن بعد هذه الاية ما يدل على ما رأى- إلخ، تحريض الناس على التدبر في آيات القرآن الكريم، و تعليمهم باسلوب التنعم من تلك المأدبة الإلهية و قد فهمنا بعمله هذا أن القرآن يفسر بعضه بعضا.

و قد مضى الكلام من سميه و جده باب مدينة العلم أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك عند شرحنا على المختار الأول من باب الكتب و الرسائل قال عليه السلام: كتاب الله تبصرون به و تنطقون به و تسمعون به يفسر بعضه بعضا و يشهد بعضه على بعض (ص 254 ج 2 من تكملة المنهاج).

و كذلك قد تبين في (ص 89 منها) أن الله تعالى نزل القرآن تبيانا لكل شي‏ء، و قال عز من قائل: و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شي‏ء (النحل- 92) و قال تعالى‏ ما فرطنا في الكتاب من شي‏ء (الانعام- 39).

فكيف لا يكون تبيانا لنفسه. و الله تعالى حث عباده على التدبر في كلامه، قال عز من قائل: أ فلا يتدبرون القرآن و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (النساء- 85). و قال تعالى: أ فلايتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (محمد- 27). و قال سبحانه: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته و ليتذكر أولوا الألباب‏ (ص- 30).

فمما بينا دريت أن من ذهب إلى عدم جواز التدبر في آيات الله و الأخذ بها إلا بما ورد تفسيره عنهم عليهم السلام خالف كتاب الله، و قد ذهب إلى هذا القول الأخباريون على ما نقل الخوانساري في روضات الجنات عند ترجمة محمد أمين الأخباري الاسترابادي عن الشيخ عبد الله بن صالح السماهيجي البحراني في الفروق بين المجتهدين و الأخباريين.[1] حيث قال: الفرق الخامس عشر إنهم يجوزون الأخذ بظاهر الكتاب بل يرجحونه على ظاهر الخبر و الأخباريون لا يجوزون الأخذ إلا بما ورد تفسيره عنهم عليهم السلام. حتى أن بعض الأخباريين لا يعد الكتاب من الأدلة أيضا و يقتصر على السنة فقط، و هذا الفرق بينهما في التمسك بالكتاب و عدمه إنما هو في الفروع و أما في الاصول فانهم لا يجوزون أخذ العقائد من القرآن و أخبار الاحاد، و الأخباريون يقولون بعكس ذلك.

و لا يخفى عليك أن الأخباريين سلكوا في الفروع و الاصول مسلكي الافراط و التفريط. و لو قيل بجواز أخذ الاصول من الكتاب ليلزم الدور لأن اعتقاد أن رسول الله صلى الله عليه و آله مبعوث من عند الله تعالى مثلا لو كان بأخذ آية يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا الاية، مثلا إنما يصح إذا اعتقد أنه رسول الله و كلامه وحي من عنده تعالى، و لو كان الاعتقاد به من نفس هذه الاية و لم يثبت نبوته بعد مثلا لكان هو الدور.

 المطلب الثالث‏:

 أنه عليه السلام في جواب أبي قرة لما سأله فتكذب بالروايات؟

قال: إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها. و ذلك أن القرآن هو معيارالحق و ميزان الصدق، و هو الأصل في المعارف و ميزان كل شي‏ء بحسبه، فاذا كانت رواية لم يمضها القرآن و لو كانت من الكتب الأربعة لا يجوز الأخذ بها.

و ذهب الأخباريون إلى أن جملة ما فيها صحيحة، فلو كانت دعواهم أن جميع الروايات المنقولة فيها موافقة لكتاب الله ففيه القطع بأن بعضها لا يوافقه الكتاب و لا العقل، فمجرد أن الرواية منقولة فيها لا يوجب صحتها و المعيار كتاب الله كما قدمنا البحث عن ذلك في صدر هذه المسألة في الرؤية.

المطلب الرابع‏

قوله عليه السلام: و ما أجمع المسلمون عليه الى آخره دليل على حجية الاجماع ففي كل مسألة تحقق فيها إجماع المسلمين عليها فلا يجوز التخلف عنها، و أجمعوا على حجية القرآن و هو ناطق بعدم إدراك الأبصار إياه تعالى، و المتبع الإجماع المحقق.

و العجب من الأخباريين كيف يقتصرون في الأدلة على الكتاب و السنة بل بعضهم على الثاني فقط كما دريت و يدعون الإجماع و العقل مع شدة اهتمامهم بالتمسك بالأخبار، و هذا هو خبر مروي في الكافي ذهب الأخباريون إلى أن جملة ما فيه صحيحة، و ينادي الامام عليه السلام بأعلى صوته بأن ما أجمع المسلمون عليه لا يجوز الاعراض عنه، فهل هذا إلا الإعراض عن الكتاب و السنة.

المطلب الخامس‏

أن أبا قرة لما زعم من الرؤية، الرؤية بالأبصار احتج الامام عليه السلام عليه على مقدار فهمه و حذاء زعمه بعدم رؤيته تعالى بها، و إلا فسيأتي أخبار اخر في صحة رؤيته تعالى بمعنى آخر أدق و ألطف لا يعقله إلا الأوحدي من الناس.

الحديث الثالث‏

رواه الكليني قدس سره في باب إبطال الرؤية من جامعه الكافي عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أبي هاشم الجعفري، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال سألته عن الله هل يوصف؟ فقال: أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قال: أما تقرأ قوله تعالى‏ لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار قلت: بلى، قال: فتعرفون‏ الأبصار؟ قلت: بلى، قال: ماهي؟ قلت: أبصار العيون، فقال: إن أوهام القلوب أكبر من أبصار العيون، فهو لا تدركه الأوهام و هو يدرك الأوهام.

و قريب منه رواية اخرى في ذلك الباب من الكافي أيضا رواها عن محمد بن أبي عبد الله، عمن ذكره، عن محمد بن عيسى، عن داود بن القاسم أبي هاشم الجعفري قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار؟ فقال: يا أبا هاشم أوهام القلوب أدق من أبصار العيون، أنت قد تدرك بوهمك السند و الهند و البلدان التي لم تدخلها و لا تدركها ببصرك، و أوهام القلوب لا تدركه فكيف أبصار العيون.

و قد رواهما الصدوق قدس سره في باب ما جاء في الرؤية من كتابه في التوحيد فروى الأول باسناده عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن أبي هاشم الجعفري، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام.

و الثاني عن علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق، عن محمد بن أبي عبد الله على حذو ما في الكافي.

و روى في المجلس الرابع و الستين من أماليه عن الحسين بن إبراهيم بن أحمد ابن هشام المؤدب قال: حدثنا أبو الحسين محمد بن جعفر الأسدي، قال: حدثني محمد ابن إسماعيل بن بزيع، قال: قال أبو الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام في قول الله عز و جل‏ لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار قال: لا تدركه أوهام القلوب فكيف تدركه أبصار العيون.

بيان: أبو جعفر عليه السلام هو الامام التاسع محمد بن علي الرضا، بقرينة رواية أبي هاشم الجعفري عنه، و صرح به الصدوق في التوحيد حيث قال في ذلك الاسناد:عن داود بن القاسم عن أبي هاشم الجعفري قال: قلت لأبي جعفر ابن الرضا عليه السلام.

الأوهام جمع و هم و هو يطلق في الكتب الحكمية على القوة الوهمية التي من شأنها إدراك المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوسات كعداوة زيد و محبة عمرو قال الشيخ في الشفاء: القوة المسماة بالوهم هي الرئيسة الحاكمة في الحيوان حكما

ليس فصلا كالحكم العقلي، و لكن حكما تخييلا مقرونا بالجزئية و بالصورة الحسية و عنه يصدر أكثر الأفعال الحيوانية، انتهى كلامه.

و كما أن العقل رئيس الوهم و مخدومه كذلك الوهم رئيس الحواس الظاهرة و الباطنة و مستعملها و مستخدمها و لذا بينوا أن آلتها الدماغ كله و لكن الأخص بها التجويف الأوسط على التفصيل الذي بين في محله.

و لكن المراد بالوهم في تلك الروايات معناه اللغوي أي ما يقع في القلب من الخاطر. قال الطريحي في مجمع البحرين: الوهم ما يقع في الخاطر يقال:

و همت الشي‏ء أهمه و هما من باب ضرب أي وقع في خلدي. و قال الفيومي في المصباح: و همت و هما وقع في خلدي، و الجمع أوهام.

فالمراد بأوهام القلوب إدراكاتها و منه قول الصادق و الباقر عليهما السلام: كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلكم- الحديث الذي ذكرناه في صدر هذا البحث.

و قد مر غير مرة أن القلب في الايات و الأخبار بمعنى النفس و العقل. و الوهم بذلك المعنى أعني الإدراك المتعلق بالقوة العقلية المتعلقة بالمعقولات في الأخبار غير عزيز بل شائع ذائع.

و لا يبعد أن يقال: وجه التعبير بالأوهام إنما كان من جهة عدم إحاطة العقول به تعالى أعني أن هذا التعبير يشير ضمنا إلى أن تلك الادراكات في صفة الباري تعالى أوهام من الوهم بمعنى الغلط و خيالات لا أنها حقائق و معقولات صحيحة.

و إنما كان إدراكات القلوب أكبر من أبصار العيون لأن القلب أعني العقل مجرد و العقل قد لا يحتاج في إدراكه إلى المادة و الجهة و غيرهما مما يحتاج إليها غيره من القوى المدركة في إدراكاتها.

و لا يخفى أن إدراك البصر مثلا مقصور على ما هو محصور في المادة و لا بد أن يكون ذا جهة و وضع وضوء و لون و أن لا يكون بعيدا مفرطا عن محسة الرؤية و لا قريبا منها كذلك، و أن لا يكون صغيرا جدا مما يحتاج في رؤيتها إلى الالات‏ المكبرة و أن لا يكون بينهما حاجب مما قدمنا في صدر هذا البحث من شرائط الابصار و أما العقل فيدرك ما هو مجرد عن المادة و الجهة و لا يشترط في رؤيته وجود الواسطة و عدم الظلمة و عدم القرب و البعد المفرطين و لا عدم الحاجب، فانه يدرك مطلقا و لذا قال عليه السلام: أنت قد تدرك بوهمك أي بعقلك السند و الهند- إلخ، و المجرد عن المادة يكون أدق و ألطف و أكبر و أعظم وجودا من إدراكات البصر، لأن مدركاتها محبوسة محصورة.

و في نسخة مخطوطة مصححة من توحيد الصدوق موجودة عندنا: أن أوهام القلوب أكثر من أبصار العيون، بالثاء المثلثة و هذا صحيح أيضا، و الكل يشير إلى معنى واحد أي أوسع وجودا.

و بالجملة أن كل ما تدركه أوهام القلوب لا تدركه العيون، بخلاف العكس و أن العقل مجرد عن المادة و مدركاتها كذلك، و ساير القوى ليست في مرتبته، و كذلك مدركاتها.

فالمدركات العقلية أدق و أكبر و أكثر وجودا من الحسية، قل كل يعمل على شاكلته، فاذا لم يكن الوهم قادرا على إدراكه تعالى و الإحاطة به فما ظنك بالعيون التي دون الوهم بمراحل، فنفي إدراكه تعالى بالوهم الذي هو أوسع وجودا و أتم إدراكا يستلزم نفي إدراكه بالأبصار بطريق أولى، فان نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، كما أن نفي الحيوان يستلزم نفي الانسان على ما بين في صنعة الميزان.

ثم لا يخفى على من ساعده التوفيق أن هذه الأخبار الصادرة من أهل بيت العصمة تشير إلى تجرد الروح الانساني الذي به امتاز الانسان عن سائر الحيوانات و به كرم الله بني آدم عليهم، فالحيوانات و إن كانت قوية في إدراكاتها الحسية لكنها عاجزة عن نيل ما رزق به الانسان من تعقل المعقولات و إدراك الحقائق المجردة و المعاني اللطيفة الخفية من فعل العقل، و الفرق بين المعاني الحسية و بين المعاني العقلية شرفا كالفرق بين الحاسة و العقل.

و المراد من سؤال أبي هاشم الجعفري أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الله هل يوصف يعني هل يدرك سبحانه بالحواس و العقول ثم يوصف بأن يقال: إن الله ذاته كذا و صفاته كذا و لا محالة ينجر إلى محدوديته تعالى و إلى وصفه بالصورة و التخطيط و غيرها من صفات خلقه كما يستفاد من الأخبار الواردة في باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه جل و علا كما في الكافي و التوحيد و غيرهما.

ثم إن هذه الأخبار لا تفسر الأبصار بالأوهام، بل لما انجر الكلام إلى إدراك الأبصار الحق تعالى قالوا عليهم السلام: إن أوهام القلوب لا تدركه تعالى فكيف الأبصار تقدر على إدراكه، و كذا أنه تعالى يدرك أوهام القلوب مع دقتها و سعتها فكيف لا يدرك الأبصار و يظهر ما قلنا بأدنى تأمل في سياق تلك الأخبار، فقدوهم من قال إنها فسر الأبصار بأوهام القلوب.

نعم رواية اخرى منقولة في باب في قوله تعالى، لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار من الكافي و في باب ما جاء في الرؤية من توحيد الصدوق بسند واحد و متن واحد من غير اختلاف ظاهرة في أنها تفسر الأبصار بأبصار القلوب.

ففيهما باسنادهما عن محمد بن يحيى العطار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي نجران، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله‏ لا تدركه الأبصار قال: إحاطة الوهم، ألا ترى إلى قوله: «قد جاءكم بصائر من ربكم» ليس يعني بصر العيون «فمن أبصر فلنفسه» ليس يعني من البصر بعينه «و من عمي فعليها» ليس يعني عمي العيون إنما عنى إحاطة الوهم كما يقال: فلان بصير بالشعر، و فلان بصير بالفقه، و فلان بصير بالدراهم، و فلان بصير بالثياب، الله أعظم من أن يرى بالعين، انتهى.

و كأنه عليه السلام أراد من قوله هذا مفسرا كما أن للعين بصرا كذلك للقلب بصر و بصر القلب يسمى بصيرة، فالمراد من إحاطة الوهم إحاطة بصيرة القلب و مع ذلك لا يبعد أن يقال: إنه عليه السلام أراد من كلامه هذا التنبيه على إرادة أبصار القلوب بالاية أيضا لا أبصار العيون فقط، أي أن الأبصار في الاية تشمل أبصار العيون‏ و القلوب كليهما.

و أشار عليه السلام في صحة إرادة إدراك القلبي من الأبصار إلى إطلاق البصر على بصيرة القلب في القرآن الكريم بقوله: ألا ترى إلى قوله تعالى‏ قد جاءكم بصائر من ربكم‏ إلخ، و إلى إطلاقه عليها في العرف أيضا بقوله: كما يقال:فلان بصير- إلخ. و قوله: إنما عنى إحاطة الوهم، أي إنما أراد الله من قوله:لا تدركه الأبصار إحاطة الوهم.

إن قلت: هذه الأخبار تكذب إدراكه تعالى بأوهام القلب، و قد رويت أخبار اخر أن القلوب تدركه بحقائق الايمان فكيف التوفيق؟.

قلت: المراد من الأخبار النافية، إدراكه تعالى بالاكتناه و الإحاطة، و من الأخبار المثبتة إدراكه بوجه بمعنى الانكشاف التام الحضوري و الشهود العلمي من غير اكتناه كما نتلوها عليك مبينة.

«الحديث الرابع»

في الكافي عن محمد بن أبي عبد الله، عن علي بن أبي القاسم، عن يعقوب بن إسحاق قال: كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله كيف يعبد العبد ربه و هو لا يراه؟ فوقع عليه السلام يا با يوسف جل سيدي و مولاي و المنعم علي و على آبائي أن يرى، قال: و سألته هل رأى رسول الله صلى الله عليه و آله ربه؟ فوقع عليه السلام: إن الله تبارك و تعالى أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحب.

أقول: هذا هو الحديث الأول من باب في إبطال الرؤية من اصول الكافي و قريب منه الحديث الثامن منه.

قال: محمد بن يحيى و غيره عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: لما اسري بي إلى السماء بلغ بي جبرئيل مكانا لم يطأه قط جبرئيل فكشف له فأراه الله من نور عظمته ما أحب و رواه الصدوق في التوحيد عن أبيه، عن محمد العطار، عن ابن عيسى، عن البزنطي عن الرضا عليه السلام.

بيان: محمد بن أبي عبد الله هو الذي أكثر المشايخ الثلاثة رضوان الله عليهم الرواية عنه. و علي بن أبي القاسم عبد الله بن عمران البرقي المعروف أبوه بما جيلويه يكنى أبا الحسن، و ذهب المولى صالح المازندراني و المولى صدرا الشيرازي في شرحهما على اصول الكافي إلى إن يعقوب بن إسحاق هو الشيخ أبو يوسف يعقوب بن إسحاق ابن السكيت الدورقي، و ابن السكيت هذا من أكابر علماء العربية و عظماء الشيعة و هو من أصحاب الجواد و الهادي عليهما السلام، و مؤلف كتاب إصلاح المنطق.

قال ابن خلكان في وفيات الأعيان: قال بعض العلماء: ما عبر على جسر بغداد كتاب من اللغة مثل إصلاح المنطق و قال: قال أبو العباس المبرد: ما رأيت للبغداديين كتابا أحسن من كتاب ابن السكيت.

و قال الشيخ الجليل النجاشي في الفهرست: يعقوب بن إسحاق السكيت أبو يوسف كان مقدما عند أبي جعفر الثاني و أبي الحسن عليهما السلام و كان يختصانه (و كان يخصانه- ظ) و له عن أبي جعفر عليه السلام رواية و مسائل، و قتله المتوكل لأجل التشيع و أمره مشهور، و كان وجيها في علم العربية و اللغة ثقة مصدق لا يطعن عليه و له كتب ثم عد كتبه.

قال ابن النديم في الفهرست: و كان يعقوب بن السكيت يكنى بأبي يوسف و كان مؤدبا لولد المتوكل و يقال: إن المتوكل ناله بشي‏ء حتى مات في سنة ست و أربعين و مائتين، و ليعقوب ابن يقال له: يوسف نادم المعتضد و خص به، انتهى ما أردنا من نقل كلامه.

و في وفيات الأعيان و كان يميل في رأيه و اعتقاده إلى مذهب من يرى تقديم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال أحمد بن عبيد: شاورني ابن السكيت في منادمته المتوكل فنهيته، فحمل قولي على الحسد و أجاب إلى ما دعى إليه من المنادمة فبينما هو مع المتوكل يوما جاء المعتز و المؤيد فقال المتوكل: يا يعقوب أيما أحب إليك ابناي هذان أم الحسن و الحسين؟ فغض ابن السكيت من ابنيه و ذكر الحسن و الحسين رضي الله عنهما بما هما أهله، فأمر الأتراك فداسوا بطنه فحمل إلى‏ داره فمات بعد غد ذلك اليوم، و كان ذلك في سنة أربع و أربعين و مائتين- إلى أن قال:

و قد روي في قتله غير ما ذكرته أولا، فقيل: إن المتوكل كان كثير التحامل على علي بن أبي طالب رضي الله عنه و ابنيه الحسن و الحسين رضي الله عنهم أجمعين، و كان ابن السكيت من المغالين في محبتهم و التوالي لهم، فلما قال له المتوكل تلك المقالة قال ابن السكيت: و الله إن قنبر خادم علي رضي الله عنه خير منك و من ابنيك، فقال المتوكل: سلوا لسانه من قفاه، ففعلوا ذلك به فمات و ذلك في ليلة الاثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع و أربعين و مائتين، و قيل: سنة ثلاث و أربعين. و بلغ عمره ثمانيا و خمسين سنة.

و قال المجلسي- ره- في مرآة العقول: و ظن أصحاب الرجال أن يعقوب ابن إسحاق هو ابن السكيت، و الظاهر أنه غيره، لأن ابن السكيت قتله المتوكل في زمان الهادي عليه السلام و لم يلحق أبا محمد عليه السلام. انتهى كلامه- ره-.

أقول: أبو محمد في الروايات هو الحسن بن علي العسكري الامام الحادى عشر والد الامام المنتظر عليهما السلام.

قال في الكافي: ولد أبو محمد الحسن بن علي عليهما السلام في شهر رمضان و في نسخة اخرى في شهر ربيع الاخر سنة اثنتين و ثلاثين و مائتين، و قبض عليه السلام يوم الجمعة لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة ستين و مائتين و هو ابن ثمان و عشرين سنة.

و في الكافي أن والده أبا الحسن الثالث علي بن محمد الهادي الامام العاشر عليه السلام قبض سنة أربع و خمسين و مائتين فكان أبو محمد عليه السلام عند وفات أبيه الهادي عليه السلام ابن اثنتين و عشرين سنة، و عند وفاة ابن السكيت ابن اثنتين و عشر سنة، فابن السكيت لحق أبا محمد عليه السلام إلا أن نقل ابن السكيت عنه عليه السلام مستغرب في ظاهر الأمر فلا يبعد احتمال المجلسي- ره- عن الصواب.

فالظاهر أن يعقوب بن إسحاق هذا هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف الغرب المتوفي- 246 ه- و لما كان هو و ابن السكيت في الاسم و الكنية و اسم الوالد مشتركين، و كانا أيضا معاصرين اشتبه على الشراح أحدهما بالاخر.

و مما يؤيد هذا الاحتمال الاحتجاج الذي وقع بين أبي محمد عليه السلام و بين الكندي لما أخذ في تأليف تناقض القرآن على زعمه نقله المجلسي- ره- في احتجاجات البحار عن مناقب ابن شهر آشوب قال:

أبو القاسم الكوفي في كتاب التبديل إن اسحاق الكندي كان فيلسوف العراق في زمانه، أخذ في تأليف تناقض القرآن و شغل نفسه بذلك و تفرد به في منزله و أن بعض تلامذته دخل يوما على الامام الحسن العسكري عليه السلام فقال له أبو محمد عليه السلام: أما فيكم رجل رشيد يردع استاذكم الكندي عما أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟ فقال التلميذ: نحن من تلامذته كيف يجوز منا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره؟ فقال أبو محمد عليه السلام: أتؤدي إليه ما ألقيه إليك؟ قال: نعم، قال فصر إليه (فسر إليه- خ ل) و تلطف في مؤانسته و معونته على ما هو بسبيله، فاذا وقعت المؤانسة في ذلك فقل: قد حضرتني مسألة أسألك عنها فإنه يستدعي ذلك منك فقل له: إن أتاك هذا المتكلم بهذا القرآن هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم به منه غير المعاني التي ظننتها أنك ذهبت إليها؟ فانه سيقول: إنه من الجائز لأنه رجل يفهم إذا سمع، فاذا أوجب ذلك فقل له: فما يدريك لعله قد أراد غير الذي ذهبت أنت إليه فتكون واضعا لغير معانيه، فصار الرجل الى الكندي و تلطف إلى أن ألقى إليه (عليه- خ ل) هذه المسألة فقال له: أعد علي فأعاد عليه فتفكر في نفسه و رأى ذلك محتملا في اللغة و سائغا في النظر.

و مما يؤيد هذا الاحتمال أيضا أن السؤال عن نحو هذه المسألة أنسب بحال الكندي من ابن السكيت لأنه كان فيلسوفا حكيما، و قد عد ابن النديم في الفهرست من كتبه الفلسفية أكثر من عشرين كتابا، و كأنه أراد اختبار الإمام فيه تعالى فأجابه عليه السلام بما يناسبه.

و لكن مع ذلك كله ههنا كلاما يختلج بالبال و هو أن علي بن أبي القاسم لم يكن ممن يروي عن الكندي أو يكون أحد تلامذته و لم نجد في الكتب الرجالية و الفهارس من عده من تلامذته أو رواته بل عدوه من رواة ابن السكيت و منهم المولى‏ الأردبيلي- ره- في جامع الرواة.

ثم إن أبا محمد عليه السلام كان عند وفاة الكندي ابن أربع عشرة سنة لما مضى من تاريخ وفاتهما، و عند وفاة ابن السكيت ابن اثنتين و عشرة سنة كما دريت، فكان الفاصلة بين وفاة ابن السكيت و الكندي سنتين، فلو كان نقل ابن السكيت عنه عليه السلام مستغربا لكان كذلك الكلام في نقل الكندي عنه كما لا يخفى و قول المجلسي- ره- إن ابن السكيت لم يلحق أبا محمد ليس بصواب كما علم.

و قال بعضهم في تعليقة على جامع الرواة المذكور آنفا في المقام ما هذا لفظه فيه اشتباه لأن يعقوب بن إسحاق السكيت لم يروعن أبي محمد جزما إذ كما صرح المؤلف أيضا قتله المتوكل فكيف يمكن روايته عن أبي محمد عليه السلام، فالظاهر أنه يعقوب بن إسحاق البرقي لأنه من رواة العسكري كما صرح «مح» انتهى قوله.

و فيه أولا أن ابن السكيت أدرك أبا محمد عليه السلام كما علم.

و ثانيا أن يعقوب بن إسحاق البرقي لم يكن بأبي يوسف، على أنه مجهول الحال عده الشيخ- ره- في الفهرست بعنوان يعقوب بن إسحاق من أصحاب الهادي عليه السلام و بزيادة وصفه بالبرقي من أصحاب العسكري عليه السلام، و لم يعلم من هو و من روى عنه و لم يذكر أحد أن علي بن أبي القاسم روى عنه. و الله تعالى أعلم.

و أما سؤال أبي يوسف أبا محمد عليه السلام عن رؤيته تعالى ففيه كلام أيضا، لأن السائل إن كان ابن السكيت فكيف لم يكن استحالة رؤيته تعالى بالأبصار معلومة له و هو أدرك الجواد و العسكريين عليه السلام و قال النجاشي: و له عن أبي جعفر الثاني عليه السلام رواية و مسائل.

نعم إن كان السائل الكندي فلا ضير فيه لأنه سأله اختبارا و كيف كان فأجابه عليه السلام بأن الله تعالى جل أن يرى بالأبصار، لما دريت آنفا أن ما يدرك بالأبصار يجب أن يكون جسما كثيفا له ضوء و لون وجهة و مكان و سائر ما يشترط في الأبصار حتى يرى، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

ثم سأله من باب المكاتبة أيضا بدليل مقابلته بالتوقيع هل رأى رسول الله صلى الله عليه و آله‏ ربه و إنما سأل عن ذلك لأن طائفة من الروايات و بعض آيات النجم تدل على أنه صلى الله عليه و آله رآه تعالى، و يتبادر وهم العامة في أمثال هذه المعاني إلى ما يتوهمونها في الأجسام فيزعمون أن كل ما هو موجود فهو مرئي فما لم يكن بمرئي فليس بموجود، أو أن كل ما هو مرئي فهو مرئي بالأبصار فقط، و لا يعلمون أن الرؤية بعين القلب أعني العقل أتم و أكمل و أشرف و أقوى و أبقى من الرؤية بعين الرأس، و الفرق بين الرؤيتين كالفرق بين المدركين من العقل و العين.

فأجابه عليه السلام بأتم بيان بأنه تعالى أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحب نفى رؤيته تعالى بالبصر و قال: أرى رسوله بقلبه ما أحب من نور عظمته.

و رؤية القلب أشرف من رؤية العين، لعدم احتياجها إلى ما يشترط في الابصار بالعين، بل هو انكشاف تام و وصول لا يتأتى بيانه بالقلم يفهمه من كان له قلب و قال أبو الحسن الرضا عليه السلام في الحديث المقدم ذكره: فكشف له فأراه- إلخ، كأنه بيان لقول أبي محمد عليه السلام أرى بقلبه أي الإرائة ههنا هي الكشف التام.

و قوله عليه السلام: من نور عظمته، بيان لكلمة ما قدم عليها توسعة للظرف.

و اسلوب الكلام يقتضي إرجاع ضمير أحب إليه تعالى لا إلى رسوله.

و قوله عليه السلام: من نور عظمته، بيان لكلمة ما قدم عليها توسعة للظرف.

و اسلوب الكلام يقتضي إرجاع ضمير أحب إليه تعالى لا إلى رسوله.

فبما حققنا في المقام علمت أن أبا الحسن عليه السلام احتج على أبي قرة في الحديث المقدم على زنة معرفته و قدر عقله، و لو وجده الامام أهلا للاشارات الرقيقة لفسر له قوله تعالى‏ ما كذب الفؤاد ما رأى‏ بما رأى الفؤاد كما في الحديث الاتي.

و علمت أيضا أن ما جاء في الروايات بأنه صلى الله عليه و آله رآه تعالى، فالمراد رؤيته بالقلب من غير إحاطة لا بالبصر جمعا بين ما حكم به العقل الناصع و بين ظاهر النقل.

فنعم ما أشار إليه العالم الجليل الصدوق- ره- في باب ما جاء في الرؤية من كتابه في التوحيد حيث قال: حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، قال: حدثنا إبراهيم بن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن مرازم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: رأى رسول الله صلى الله عليه و آله ربه عز و جل- يعني بقلبه- و تصديق ذلك ما حدثنا به محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن عليه السلام هل رأى‏ رسول الله صلى الله عليه و آله ربه عز و جل؟ فقال: نعم بقلبه رآه. أما سمعت الله عز و جل يقول‏ ما كذب الفؤاد ما رأى‏ أي لم يره بالبصر و لكن رآه بالفؤاد. انتهى ما أفاده- ره-

الحديث الخامس‏

في الكافي: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الموصلي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء حبر إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك حين عبدته؟ قال فقال: ويلك ما كنت أعبد ربا لم أره، قال: و كيف رأيته؟ قال: ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار و لكن رأته القلوب بحقائق الايمان.

أقول: هذه الرواية جاءت في الجوامع بطرق متعددة بينها اختلاف لفظا و كما في الجملة و ما أتى به الكليني في هذا الباب من جامعه الكافي جزء مما نقل في الجوامع الاخر.

ثم إن الظاهر أن ذلك الحبر هو ذعلب اليماني و الحديث بعض حديث دعلب المشهور رواه الخاصة و العامة بألفاظ مختلفة متقاربة و أسناده متعددة.

نعم لا يبعد أن يذهب إلى أن ذلك السؤال و الجواب وقع بينه عليه السلام و بين ذلك الحبر مرة، و بينه و بين ذعلب مرة اخرى، و لكن مشاركتهما في هيئة السؤال و الجواب و نضد الألفاظ تأبيان بظاهرهما عن ذلك الاحتمال.

ففي باب التوحيد من الكافي و في الوافي ص 95 ج 1 في باب جوامع التوحيد و في مرآة العقول ص 91 ج 1: محمد بن أبي عبد الله رفعه عن أبي عبد الله عليه السلام قال:بينا أمير المؤمنين يخطب على منبر الكوفة إذ قام إليه رجل يقال له: ذعلب ذو لسان بليغ في الخطب شجاع القلب فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك؟

فقال: ويلك يا ذعلب ما كنت أعبد ربا لم أره.

فقال: يا أمير المؤمنين كيف رأيته؟

قال: ويلك يا ذعلب لم تره العيون بمشاهدة هذه الأبصار، و لكن رأته القلوب بحقايق الايمان، ويلك يا ذعلب إن ربي لطيف اللطافة لا يوصف باللطف، عظيم‏

العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، قبل كل شي‏ء لا يقال شي‏ء قبله، و بعد كل شي‏ء لا يقال له بعد، شاء (شيأ خ ل) الأشياء لا بهمة، دراك لا بخديعة، في الأشياء كلها غير متمازج بها و لا بائن منها، ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجل لا باستهلال رؤية، نائي لا بمسافة، قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا باضطرار، مقدر لا بحركة مزيد لا بهامة، سميع لا بالة، بصير لا بأداة، لا تحويه الأماكن، و لا تضمنه الأوقات و لا تحده الصفات، و لا تأخذه السنات، سبق الأوقات كونه، و العدم وجوده، و الابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، و بتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له، و بمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له، و بمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة، و اليبس بالبلل، و الخشن باللين، و الصرد بالحرور، مؤلف بين متعادياتها، مفرق بين متدانياتها، دالة بتفريقها على مفرقها و بتأليفها على مؤلفها، و ذلك قول الله تعالى‏ و من كل شي‏ء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون‏.

ففرق بين قبل و بعد ليعلم أن لا قبل له و لا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه و بين خلقه، كان ربا إذ لا مربوب، و إلها إذ لا مألوه، و عالما إذ لا معلوم و سميعا إذ لا مسموع. انتهى ما في الكافي.

و رواه الصدوق في باب إثبات حدوث العالم من كتابه في التوحيد بطريقين و كل واحد منهما يشتمل على أكثر مما في الكافي إلا أن ما في الكافي واقع في أثناء الطريق الأول و أما الطريق الثاني فمبتدأ بما في الكافي.

فعلى الثاني قال: حدثنا علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق- ره- قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البرمكي قال:حدثنا الحسين بن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن زاهر قال: حدثني الحسين بن يحيى الكوفي قال: حدثني قثم بن قتادة، عن عبد الله بن يونس، عن أبي عبد الله عليه السلام‏

قال: بينا أمير المؤمنين عليه السلام يخطب على منبر الكوفة إذ قام إليه رجل يقال له ذعلب ذرب اللسان بليغ في الخطاب شجاع القلب- إلى آخر ما في الكافي، إلا أن في التوحيد شائي الأشياء على صورة الفاعل و يمكن أن يكون ما في الكافي أيضا على اسم فاعل منون كرام. و في التوحيد: لا تصحبه الأوقات. ضاد النور بالظلمة و الجسو بالبلل، ليعلم أن لا حجاب بينه و بين خلقه غير خلقه.

و جاء ذيل الحديث بعد قوله و سميعا إذ لا مسموع أبيات على هذا الوجه: ثم أنشأ يقول:

و لم يزل سيدي بالحمد معروفا و لم يزل سيدي بالجود موصوفا
و كنت إذ ليس نور يستضاء به‏ و لا ظلام على الافاق معكوفا
و ربنا بخلاف الخلق كلهم‏ و كلما كان في الأوهام موصوفا
و من يرده على التشبيه ممتثلا يرجع أخا حصر بالعجز مكتوفا
و في المعارج يلقى موج قدرته‏ موجا يعارض طرف الروح مكفوفا
فاترك أخا جدل في الدين منعمقا قد باشر الشك فيه الرأي موؤفا
و اصحب أخا ثقة حبا لسيده‏ و بالكرامات من مولاه محفوفا
أمسى دليل الهدى في الأرض منتشرا و في السماء جميل الحال معروفا

قال: فخر ذعلب مغشيا عليه ثم أفاق و قال: ما سمعت بمثل هذا الكلام و لا أعود إلى شي‏ء من ذلك، انتهى.

أقول: و الأبيات مذكورة في الديوان المنسوب إلى الأمير عليه السلام، و بين النسختين اختلاف في الجملة.

و أما الطريق الأول فالظاهر من التوحيد- إن لم يكن صريحا- أن حديث ذعلب إنما كان من جملة ما قالها عليه السلام في أول خطبة خطب بها الناس على المنبر بعد ما بايعوه.

قال الصدوق- ره-: حدثنا أحمد بن الحسن القطان و علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق- ره- قالا: حدثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطان، قال:

حدثنا محمد بن العباس، قال: حدثني محمد بن أبي السرى قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، عن سعد الكناني، عن الأصبغ بن نباتة قال: لما جلس علي عليه السلام الخلافة و بايعه الناس خرج إلى المسجد متعمما بعمامة رسول الله صلى الله عليه و آله، لا بسا بردة رسول الله صلى الله عليه و آله، متنعلا نعل رسول الله صلى الله عليه و آله، متقلدا سيف رسول الله صلى الله عليه و آله فصعد المنبر فجلس عليه متمكنا ثم شبك أصابعه فوضعها أسفل بطنه ثم قال:

يا معاشر الناس سلوني قبل أن تفقدوني هذا سفط العلم هذا لعاب رسول الله صلى الله عليه و آله هذا ما زقني رسول الله زقازقا، سلوني فان عندي علم الأولين و الاخرين، أما و الله لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها لأفتيت لأهل التوراة بتوراتهم حتى تنطق التوراة فتقول: صدق علي ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل الله في. و أفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم حتى ينطق الانجيل فيقول: صدق علي ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل الله في. و أفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتى ينطق القرآن فيقول: صدق علي ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل الله في. و أنتم تتلون القرآن ليلا و نهارا فهل فيكم أحد يعلم ما نزل فيه، و لولا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما كان و ما يكون و ما هو كائن إلى يوم القيامة و هي هذه الاية يمحوا الله ما يشاء و يثبت و عنده أم الكتاب‏.

ثم قال: سلوني قبل أن تفقدوني فو الله الذي فلق الحبة و برأ النسمة لو سألتموني عن آية آية في ليل انزلت، أو في نهارا نزلت، مكيها، و مدنيها، سفريها لأخبرتكم.

فقام إليه رجل يقال له: ذعلب و كان ذرب اللسان بليغا في الخطب شجاع القلب فقال: لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة لأخجلنه اليوم لكم في مسألتي إياه فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك؟

قال: ويلك يا ذعلب لم أكن بالذي أعبد ربا لم أره قال: فكيف رأيته صفه لنا؟

قال: ويلك يا ذعلب إن ربي لا يوصف بالبعد، و لا بالحركة، و لا بالسكون و لا بالقيام قيام انتصاب، و لا بمجي‏ء و لا ذهاب، لطيف اللطافة لا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقة، مؤمن لا بعبادة، مدرك لا بمحسة، قائل لا باللفظ، هو في الأشياء على غير ممازجة، خارج منها على غير مباينة، فوق كل شي‏ء فلا يقال شي‏ء فوقه، و أمام كل شي‏ء و لا يقال له أمام، داخل في الأشياء لا كشي‏ء في شي‏ء داخل، و خارج منها لا كشي‏ء من شي‏ء خارج.

فخر ذعلب مغشيا ثم قال: تالله ما سمعت بمثل هذا الجواب و الله لا عدت إلى مثلها.

ثم قال عليه السلام: سلوني قبل أن تفقدوني.

فقام إليه الأشعث بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين كيف يؤخذ من المجوس الجزية و لم ينزل عليهم كتاب و لم يبعث إليهم نبي؟

قال: بلى يا أشعث قد أنزل الله عليهم كتابا، و بعث إليهم رسولا حتى كان لهم ملك سكرذات ليلة فدعا بابنته إلى فراشه فارتكبها، فلما أصبح تسامع به قومه فاجتمعوا إلى بابه فقالوا: أيها الملك دنست علينا ذيننا فأهلكته فاخرج نطهرك و نقيم عليك الحد. فقال لهم: اجتمعوا و اسمعوا كلامي فإن يكن لي مخرج مما ارتكبت و إلا فشأنكم، فاجتمعوا فقال لهم: هل علمتم أن الله لم يخلق خلقا أكرم عليه من أبينا آدم و امنا حواء؟ قالوا: صدقت أيها الملك. قال: أ فليس قد زوج بنيه بناته و بناته من بنيه؟ قالوا: صدقت هذا هو الدين فتعاقدوا على ذلك فمحى الله ما في صدورهم من العلم و رفع عنهم الكتاب، فهم الكفرة يدخلون النار بلا حساب و المنافقون أشد حالا منهم.

قال الأشعث: و الله ما سمعت لمثل هذا الجواب، و الله لاعدت إلى مثلها أبدا.

ثم قال عليه السلام: سلوني قبل أن تفقدوني.

فقام إليه رجل من أقصى المسجد متوكيا على عصاه فلم يزل يتخطى الناس‏

حتى دنا منه، فقال: يا أمير المؤمنين دلني على عمل إذا أنا عملته نجاني الله من النار.

فقال له: اسمع يا هذا ثم افهم ثم استيقن قامت الدنيا بثلاثة: بعالم ناطق مستعمل لعلمه، و بغني لا يبخل بماله على أهل دين الله، و بفقير صابر. فاذا كتم العالم علمه، و بخل الغني، و لم يصبر الققير فعندها الويل و الثبور، و عندها يعرف العارفون بالله أن الدار قد رجعت إلى بدئها أي الكفر بعد الايمان.

أيها السائل فلا تغترن بكثرة المساجد و جماعة أقوام أجسادهم مجتمعة و قلوبهم شتى.

أيها الناس إنما الناس ثلاثة: زاهد، و راغب، و صابر، فأما الزاهد فلا يفرح بشي‏ء من الدنيا أتاه و لا يحزن على شي‏ء منها فاته، و أما الصابر فيتمناها بقلبه فإن أدرك منها شيئا صرف عنها نفسه لم «لماظ» يعلم من سوء عاقبتها، و أما الراغب فلا يبالي من حل أصابها أم من حرام.

قال له: يا أمير المؤمنين فما علامة المؤمن في ذلك الزمان؟

قال: ينظر إلى ما أوجب الله عليه من حق فيتولاه، و ينظر إلى ما خلفه فيتبرأ منه و إن كان حميما قريبا.

قال: صدقت يا أمير المؤمنين ثم غاب الرجل فلم نره فطلبه الناس فلم يجدوه فتبسم علي عليه السلام على المنبر ثم قال: ما لكم هذا أخي الخضر عليه السلام.

ثم قال: سلوني قبل أن تفقدوني فلم يقم إليه أحد فحمد الله و أثنى عليه و صلى على نبيه صلى الله عليه و آله.

ثم قال للحسن عليه السلام: يا حسن قم فاصعد المنبر فتكلم بكلام لا تجهلك قريش من بعدي فيقولون: إن الحسن بن علي لا يحسن شيئا، قال الحسن عليه السلام: يا أبه كيف أصعد و أ تكلم و أنت في الناس تسمع و ترى؟ قال له: بأبي و امي و أرى «اواري ظ» نفسي عنك و أسمع و أرى و أنت لا تراني.

فصعد الحسن عليه السلام المنبر فحمد الله بمحامد بليغة شريفة و صلى على النبي صلى الله عليه و آله صلاة موجزة ثم قال:

أيها الناس سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه و آله يقول: أنا مدينة العلم و علي بابها و هل تدخل المدينة إلا من بابها، ثم نزل، فوثب إليه علي عليه السلام فحمله و ضمه إلى صدره.

ثم قال للحسين عليه السلام: يا بني قم فاصعد المنبر و تكلم بكلام لا تجهلك قريش من بعدي فيقولون: إن الحسين بن علي لا يبصر شيئا، و ليكن كلامك تبعا لكلام أخيك.

فصعد الحسين عليه السلام المنبر فحمد الله و أثنى عليه و صلى على نبيه صلاة موجزة ثم قال:

يا معاشر الناس سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله و هو يقول: إن عليا هو مدينة هدى فمن دخله نجى و من تخلف عنها هلك. فوثب إليه علي عليه السلام فضمه إلى صدره و قبله ثم قال: معاشر الناس اشهدوا أنهما فرخا رسول الله وديعته التي استودعنيها، و أنا أستودعكموها، معاشر الناس و رسول الله سائلكم عنهما. انتهى ما في التوحيد.

و روى هذا الطريق في أول المجلس الخامس و الخمسين من أماليه بهذا الاسناد في التوحيد.

و اعلم أن كلامه عليه السلام في جواب ذعلب مذكور في النهج أيضا، و هو الكلام 177 من باب الخطب أوله: و من كلامه عليه السلام و قد سأله ذعلب اليماني فقال: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السلام: أ فأعبد ما لا أرى، قال: و كيف تراه- إلخ.

لكن ما في النهج يكون قريبا من ثلث ما في الكافي و التوحيد، على أن نسخة النهج لا يوافقهما في الألفاظ و العبارات و بينهما تفاوت إلا في صدر الرواية حيث قال عليه السلام:

لا تدركه العيون بمشاهدة العيان و لكن تدركه القلوب بحقائق الايمان. و أما سائر كلامه هذا ليس بمذكور في النهج إلا أن قوله عليه السلام: قامت الدنيا بثلاثة: بعالم ناطق مستعمل علمه- إلخ، شبيه بقوله عليه السلام لجابر بن عبد الله الأنصاري: يا جابر قوام الدنيا بأربعة: عالم مستعمل علمه- إلخ، و هو الحكمة 372 من باب المختار من حكمه عليه السلام من النهج.

تنبيه‏ :

قد قدمنا في شرح المختار الأول من كتبه عليه السلام (ص 357 ج 2 من تكملة المنهاج) اختلاف الأقوال في أول خطبة خطبها عليه السلام بعد ما بويع له بالخلافة و قد حققنا هنا لك أن الخطب: 21 و 28 و 166 و 176 من النهج كانت جميعا خطبة واحدة، فبما نقلنا من رواية التوحيد ههنا علمت أن كلامه في جواب ذعلب أي ذلك الكلام 177 من باب الخطب أيضا كان منها، و أن الجميع مما قالها في جلسة واحدة حين صعد المنبر بعد ما بويع له عليه السلام بالخلافة.

و روى الكليني في ذلك الباب من الكافي حديثا عن أبي جعفر عليه السلام وقع بينه و بين رجل من الخوارج مثل ما وقع بين أمير المؤمنين عليه السلام و ذعلب فأجاب الرجل بما يقرب من كلام أمير المؤمنين عليه السلام.

قال: علي بن إبراهيم عن أبيه، عن علي بن معبد، عن عبد الله بن سنان، عن أبيه قال: حضرت أبا جعفر عليه السلام فدخل عليه رجل من الخوارج فقال: يا با جعفر أي شي‏ء تعبد؟ قال: الله، قال: رأيته؟ قال: بلى لم تره العيون بمشاهدة الأبصار و لكن رأته القلوب بحقائق الايمان، لا يعرف بالقياس، و لا يدرك بالحواس، و لا يشبه بالناس، موصوف بالايات، معروف بالعلامات، لا يجور في حكمه، ذلك الله لا إله إلا هو، قال: فخرج الرجل و هو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته. انتهى.

و رواه الصدوق في المجلس السابع و الأربعين من أماليه و في باب ما جاء في الرؤية من التوحيد أيضا. و أبو جعفر هذا هو محمد بن علي الباقر عليه السلام لا الامام التاسع بقرينة رواية سنان عنه عليه السلام صرح به في اسناد الأمالي حيث قال: عن عبد الله بن سنان عن أبيه قال: حضرت أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام.

قال الصدوق في التوحيد بعد نقل حديث ذعلب: في هذا الخبر ألفاظ قد ذكرها الرضا عليه السلام في خطبته، و هذا تصديق قولنا في الأئمة عليهم السلام أن علم كل واحد منهم مأخوذ عن أبيه حتى يتصل ذلك بالنبي صلى الله عليه و آله. انتهى قوله رحمه الله.

أقول: إن ما يجب أن يعتقد و يذعن فيهم عليهم السلام أن علمهم من معدن واحد لا يخالفون الحق و لا يختلفون فيه، و لقد أجاد الصدوق رحمه الله بما أفاد، و لكن‏ ذلك الحديث المروي في الكافي عن أبي جعفر عليه السلام منسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام على نسق واحد.

روى الطبرسي في كتاب الاحتجاج في باب احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام فيما يتعلق بتوحيد الله و تنزيهه عما لا يليق به ما هذا لفظه:

و روى أهل السير أن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الله أ رأيته حين عبدته؟ فقال له أمير المؤمنين: لم أك بالذي أعبد من لم أره، فقال له: كيف رأيته يا أمير المؤمنين؟ فقال له: ويحك لم تره العيون بمشاهدة العيان، و لكن رأته العقول بحقائق الايمان، معروف بالدلالات، منعوت بالعلامات لا يقاس بالناس، و لا يدرك بالحواس، فانصرف الرجل و هو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته، انتهى.

و الناقد في الأحاديث يرى أن ذينك الحديثين واحد قاله أحدهما عليهما السلام و وقعت تلك الواقعة لأحدهما و تعددت من سهو الراوي فتأمل و الله تعالى أعلم.

أما بيان الحديث فيجوز قراءة الأبصار بالفتح و الكسر، فعلى الأول جمع و على الثاني مصدر، و في نسختي النهج و الاحتجاج بمشاهدة العيان، و المراد بالقلوب العقول. كما في الاحتجاج، و قد بينا في شرح المختار 237 من باب الخطب أن المراد من القلب في الايات و الأخبار و اصطلاح الإلهيين هو اللطيفة القدسية الربانية التي يعبر عنها بالقوة العقلية، لا الجسم اللحمي الصنوبري.

قوله عليه السلام: لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار. قد عرفت في شرح الأحاديث المتقدمة أن ما تدركه الأبصار لا بد من أن يكون جسما ذا ضوء و لون، و ما يقبل الضوء و اللون لا بد من أن يكون كثيفا، فلزم من رؤيته تعالى بالأبصار كونه جسما، و الجسم مركب حادث ذو جهة و وضع، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

و أما قوله: و لكن رأته القلوب بحقائق الايمان فاعلم أن السائل الحبر لما سأله عليه السلام هل رأيت ربك حين عبدته و أجابه عليه السلام ما كنت أعبد ربا لم أره، حمل الرؤية على الرؤية بالعين، لأن المرتكز عند عامة الناس إنما تكون الرؤية بهذا المعنى لأنهم يتبادرون إلى الأحكام التي تحس بمحسة لحشرهم معها و انسهم بها.

و أما التوجه إلى ما وراء الطبيعة و السير إلى باطن عالم الشهود بقدم المعرفة فلا تيسر لهم إلا بعد تنبيه و ايقاظ و إرشاد، و لما رأى عليه السلام أنه حمل الرؤية على ذلك بين له أن المراد من الرؤية هو الرؤية القلبية لا العينية، و قال عليه السلام رأته القلوب بحقائق الإيمان.

و أما الرؤية القلبية بحقائق الايمان فلابد من أن نمهد مقدمة في بيانه كي يتضح المراد و هي:أن حقيقته تعالى غير معلومة لأحد بالعلم الحصولي الصوري كما أنها غير معلومة لأحد أيضا بالعلم الاكتناهي أعني إحاطته تعالى بالعقل أو الحس أو بغيرهما من القوى المدركة، و اتفق على امتناع ذينك العلمين به تعالى الحكماء الالهيون و العرفاء الشامخون.

أما الأول فلأن العلم الحصولي به تعالى إنما يتمشي فيما له ماهية حتى يصح تعدد أنحاء الوجود لتلك الماهية فيحصل نحو من وجوده في الأذهان، و العلم الحصولي هو حصول صورة الشي‏ء و ارتسامه في الذهن، و العلم بالشي‏ء ليس إلا نحو وجوده لدى الذات العاقلة المجردة، فهذا الوجود الذهني نحو من وجود ذلك الشي‏ء الخارجي، غاية الأمر أن للذهني بالنسبة إلى الخارجي تجردا ما، و لكن الواجب تعالى لما كان حقيقته وجوده العيني الخاص و تعينه عين ذاته و إنيته ماهيته لا يتطرق إليه التعدد و الكثرة، فلا يرتسم في الذهن، فلا يكون معلوما لأحد بالعلم الحصولي.

و أما الثاني فلأن ما سواه معلول له، و أنى للمعلول أن يحيط بعلته و هو دونها و شأن من شئونها، و هو تعالى لشدة نورية وجوده الغير المتناهي العيني الخاص به و نهاية كماله وسعة عظمته و قاهرية ذاته و تسلطه على من سواه حجب العقول المجردة و النفوس الكاملة، فضلا عن الأوهام و الأبصار عن الإحاطة به و اكتناه ذاته‏ لقصورها و فتورها.

و في الحديث: إن الله قد احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، و أن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم و في الكتاب الإلهي‏ لا يحيطون به علما و عنت الوجوه للحي القيوم‏ (طه- 110) و العلم به تعالى على ما هو عليه مختص به.

سبحان من تحير في ذاته سواه‏ فهم خرد بكنه كمالش نبرده راه‏
از ما قياس ساحت قدسش بود چنانك‏ مورى كند مساحت گردون ز قعر چاه‏

و كما أن أبصارنا عاجزة عن أن تملأ من نور الشمس المشرقة و عن إحاطة الرؤية بها و اكتناهها، كذلك بصيرتنا عن اكتناه ذاته تعالى.

على أن هذا التمثيل للتقريب، كيف؟ و هو تعالى أجل و أعلى عن التشبيه و التمثيل و القياس بمخلوقاته‏ و لله المثل الأعلى و هو العزيز الحكيم‏ (النحل- 61).

اى برون از وهم و قال و قيل من‏ خاك بر فرق من و تمثيل من‏

نكتة:

فاذا كان الأبصار عاجزة عن أن تملأها من نور الشمس المشرقة فما ظنك برؤية من هو في شدة نوريته فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى.

و قد روى في ذلك الكليني في باب إبطال الرؤية من جامعه الكافي و الصدوق في باب ما جاء في الرؤية من كتابه في التوحيد عن أحمد بن ادريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذاكرت أبا عبد الله عليه السلام فيما يروون من الرؤية، فقال: الشمس جزء من سبعين جزءا من نور الكرسي، و الكرسي جزء من سبعين جزءا من نور العرش، و العرش جزء من سبعين جزءا من نور الحجاب، و الحجاب جزء من سبعين جزءا من نور الستر، فان كانوا صادقين فليملئوا أعينهم من الشمس ليس دونها سحاب.

فاذا ساقنا البرهان إلى أن العلم به تعالى حصوليا و اكتناهيا محال، فلا جرم يكون المراد من الرؤية القلبية بحقائق الايمان غير هذين النحوين من العلم بل هي طور آخر أدق و ألطف و هو:أن الرؤية القلبية به تعالى هي الكشف التام الحضوري و شهوده تعالى للعبد على مقدار تقربه منه تعالى بقدم المعرفة و درج معارف العقل و عقائد حقانية برهانية، فإنه عز و جل يتجلى للعبد بقدر و عائه الوجودي، لأنه رب العباد و الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق، و هم في وجودهم و بقائهم في جميع الأحوال و العوالم ربط محض و فقر صرف، و الأول تعالى لا ينفك فيضه عليهم طرفة عين، و يفيض عليهم على مقدار قابليتهم و سعة وجودهم و تقربهم، و العارف السالك يشهده على مقدار حقائق ايمانه لا بالكنه، و هذا الشهود الوجودي و الانكشاف التام الحضوري ذو درجات‏ يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين أوتوا العلم درجات‏ (المجادلة- 12).

و تنتهي هذه الدرجات إلى مرتبة يقول العبد السالك النائل بها على لسان صدق و قول حق: لو كشف الغطاء لما ازددت يقينا.

قال يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب: إذا كانت العلة الاولى متصلة بنا لفيضه علينا و كنا غير متصلين به إلا من جهته، فقد يمكن فينا ملاحظته على قدر ما يمكن للمفاض عليه أن يلاحظ المفيض، فيجب أن لا ينسب قدر إحاطته بنا إلى قدر ملاحظتنا له، لأنها أغزر و أوفر و أشد استغراقا.

و قال المحقق الشهرزوري في الشجرة الإلهية: الواجب لذاته أجمل الأشياء و أكملها، لأن كل جمال و كمال رشح و فيض و ظل من جماله و كماله، فله الجلال الأرفع، و النور الأقهر، فهو محتجب بكمال نوريته و شدة ظهوره، و الحكماء المتألهون العارفون به يشهدونه لا بالكنه، لأن شدة ظهوره و قوة لمعانه و ضعف ذواتنا المجردة النورية يمنعنا عن مشاهدته بالكنه كما منع شدة ظهور الشمس و قوة نورها أبصارنا اكتناهها، لأن شدة نوريتها حجابها، و نحن نعرف الحق الأول و نشاهده، لكن لا نحيط به علما كما ورد في الوحي الإلهي «و لا يحيطون به علما و عنت الوجوه للحي القيوم». نقلهما صدر المتألهين عنهما في الفصل الثالث من المنهج الثاني من أول الأسفار.

و المراد من حقائق الايمان مراتبه لأن الايمان به في كل مرتبة كان حقيقة و عقيدة حقة.

فان قول الأعرابي حيث سئل عن الدليل علي وجود الصانع: البعرة تدل على البعير و آثار الأقدام تدل على المسير، أ فسماء ذات أبراج و أرض ذات فجاج لا تدل على وجود اللطيف الخبير، مرتبة من مراتب الايمان، و هو استدلال بالاثار المحوجة إلى السبب الدال على وجوده تعالى، و هو اعتقاد صدق و ايمان حق.

و قد سلك هذا المسلك أمير المؤمنين عليه السلام في مقام إرشاد من كان وعاء عقله يقتضي هذا القدر من الخطاب بقوله: البعرة تدل على البعير، و الروثة تدل على الحمير و آثار الأقدام تدل على المسير فهيكل علوي بهذه اللطافة، و مركز ثفلي بهذه الكثافة كيف لا يدلان على اللطيف الخبير؟.

و كأن قول الأعرابي مأخوذ من كلامه عليه السلام كما أشار إليه السيد نعمة الله الجزائري في تعليقته على أول كتابه الموسوم بالأنوار النعمانية.

و استدلال المتكلمين بحدوث الأجسام و الأعراض على وجود الخالق و بالنظر في أحوال الخليقة على صفاته تعالى واحدة فواحدة أيضا مرتبة من الإيمان، و هذه المرتبة حقيقة من حقائق الإيمان.

و هذا طريق إبراهيم الخليل عليه السلام في مقام هداية العباد، فانه استدل بالافول الذي هو الغيبة المستلزمة للحركة المستلزمة للحدوث المستلزم لوجود الصانع تعالى.

و ما استدل به الحكماء الطبيعيون من وجود الحركة على محرك، و بامتناع اتصال المحركات لا إلى نهاية على وجود محرك أول غير متحرك، ثم استدلوا من ذلك على وجود مبدء أول أيضا حقيقة من حقائق الايمان و مرتبة من مراتبه و ما استدل به طائفة اخرى من الإلهيين كالعرفاء الشامخين من ذاته على ذاته من غير الاستعانة بابطال الدور و التسلسل، أعني برهان الصديقين حق و حقيقة من مراتب حقائق الايمان. و اشير إليه في الكتاب الإلهي‏ سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أ و لم يكف بربك أنه على كل شي‏ء شهيد (فصلت- 55) فعرفوا بذاته ذاته و وحدانيته شهد الله أنه لا إله إلا هو، و بذاته عرفوا غيره، أو لم يكف بربك أنه على كل شي‏ء شهيد.

و اعلم أن أظهر الموجودات و أجلاها عند أهل البصيرة هو الله تعالى، و يستدلون بذاته على وجود غيره لا بالعكس كما هو دأب من لم يصل إلى تلك المرتبة العلياء و قد نطق ببرهان الصديقين على أوضح بيان إمام الموحدين سيد الشهداء أبو عبد الله الحسين عليه السلام في دعاء عرفة: كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أ يكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك، و متى بعدت حتى تكون الاثار هي التي توصل إليك- إلخ.

و نعم قال العارف الشبستري:

رهي نادان كه او خورشيد تابان‏ ز نور شمع جويد در بيابان‏

و لا يخفى أن أتم مراتب الإيمان و حقائقه هذه المرتبة الأخيرة، و هي أيضا بحسب مراتب العرفان متفاوتة، و قد كان الفائزون بهذه الرتبة العلياء و النائلون بهذه النعمة العظمى يكتمونها عن غير أهلها مخافة أن تزل أقدام لم تسلك منازل السائرين، و تضطرب أحلام لم ترق إلى مقامات العارفين.

قد روى الشيخ الجليل السعيد الصدوق قدس سره في باب ما جاء في الرؤية من كتابه في التوحيد حديثا في ذلك.

قال: حدثنا علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق، قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدثنا موسى بن عمران النخعي، عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له:أخبرني عن الله عز و جل هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ قال: نعم و قد رأوه قبل يوم القيامة. فقلت: متى؟ قال: حين قال لهم: أ لست بربكم قالوا بلى‏ (الأعراف 173) ثم سكت ساعة ثم قال: إن المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة أ لست تراه في وقتك هذا؟ قال أبو بصير: فقلت له: جعلت فداك فاحدث بهذا عنك؟

فقال: لا فانك إذا حدثت به فأنكره منكر جاهل بمعنى ما نقوله ثم قدر أن ذلك تشبيه كفر، و ليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين، تعالى الله عما يصفه المشبهون و الملحدون.

بيان: قوله: فاحدث جملة استفهامية أو أن أداة الاستفهام محذوفة أي أفاحدث بهذا عنك؟.

و قوله عليه السلام: كفر، فعل ماض جزاء للشرط أعني إذا حدثت به. و المراد بالكفر، الكفر بأهل البيت عليهم السلام، لأن الجاهل بذلك المعنى الرقيق الذي أشار إليه الامام عليه السلام يعتقد أنهم عليهم السلام قائلون بالتشبيه المحال.

و في الفتح الرابع من الفاتحة الاولى من شرح الميبدي على الديوان المنسوب إلى الأمير عليه السلام أبيات منسوبة إلى الإمام السجاد عليه السلام أنه قال:

إني لأكتم من علمي جواهره‏ كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتنا
و قد تقدم في هذا أبو حسن‏ إلى الحسين و وصى قبله الحسنا
و رب جوهر علم لو أبوح به‏ لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
و لا ستحل رجال مسلمون دمي‏ يرون أقبح ما يأتونه حسنا

أو المراد بالكفر، الكفر بالله باعتقاد تشبيهه تعالى بسائر المرئيات بالأبصار كما مر في الحديث الأول عن أبي الحسن الثالث عليه السلام أن الرائي متى ساوى المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه و كان ذلك التشبيه، و كأن الكفر بهذا المعنى أنسب بسياق العبارة.

و بما حققنا دريت أن معنى الرؤية القلبية هو الانكشاف التام الحضوري الذي شهد على صحته العقل و النقل، و أن الرؤية البصرية على أي نحو كانت محالة في حقه تعالى بشهادة العقل و النقل أيضا.

فقد أخطأ من فسر قوله تعالى: ما كذب الفؤاد ما رأى‏ (النجم- 12) بقوله: إن الله تعالى جعل بصر رسول الله في فؤاده أو خلق لفؤاده بصرا حتى رآه‏ تعالى رؤية العين. و نسب هذا الرأي إلى النواوي من العامة.

و يرد عليه جميع ما يرد على إدراكه تعالى بالعين، لأن الإدراك البصري محال فيه تعالى سواء كانت قوة الإبصار في هذه البنية المخصوصة أعني العين أو في غيرها، و جعل العين في القلب لا يخرج الرؤية عن الإدراك البصري و لا يدخلها في الرؤية القلبية، بل هي رؤية بصرية بلا كلام.

مثلا رؤيتنا زيدا في المنام و إن لم تكن بعين الرأس لكن ما يعتبر فيها حالة اليقظة معتبر في المنام أيضا، فزيد المرئي في المنام محدود ذو جهة مسامت للرائي فرؤيته في المنام بغير هذه المحسة أعني عين الرأس لا تخرج عن أحكام الرؤية العينية و لا تدخل في الرؤية القلبية المجردة عن أوصاف الجسم.

و لو أراد هذا القائل من كلامه ذلك المعنى اللطيف الصحيح الذي بيناه آنفا فنعم الوفاق و لكن صرح غير واحد بأنه لم يرده، و لفظه يأبى عن حمله عليه.

و دريت أيضا أن الذين ذهبوا إلى عكس ما ذهب إليه النواوي أي إلى جواز أن يحول الله تعالى قوة القلب إلى العين فيعلم الله تعالى بها فيكون ذلك الادراك علما باعتبار أنه بقوة القلب، و رؤية باعتبار أنه قد وقع بالمعنى الحال في العين سلكوا طريقة عمياء أيضا، و يرد عليهم الإيراد من وجوه رأينا الاعراض عنها أجدر.

و لما كان هذا البحث الحكمي العقلي حاويا لتلك النكات الأنيقة و المطالب الرقيقة، أكثرها كان مستفادا من كلمات الأئمة الهداة عليهم السلام، رأينا أن نشير إليها على حسب ما يقتضي المقام، و لعمري من ساعده التوفيق و أخذت الفطانة بيده اغتنم ذلك البحث العقلي الجامع لكثير من ضوابط عقلية تزيده بصيرة و رقيا في معرفة الله تعالى و فقها في الأخبار المروية في الرؤية و غيرها مما يغتر المنتسبون إلى العلم بظاهرها. الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله‏ .

 الترجمة

اين نامه ‏ايست كه امير المؤمنين علي عليه السلام بجرير بن عبد الله بجلي گاهى كه او را بسوى معاويه گسيل داشت تا از وى بيعت بگيرد، نوشت.

معاويه در بيعت با آن بزرگوار به تسويف و مماطله مى‏ گذرانيد و ببهانه‏ هاى بيجا امروز و فردا مى‏ كرد، و بدين سبب جرير مدتى دراز در شام سرگردان بود و أمير المؤمنين عليه السلام چون ديد كه معاويه در أمر بيعت دو دل است و به لعل و عسى روزگار مى‏ گذراند اين نامه را بجرير نوشت:

أما بعد اى جرير برسيدن نامه‏ ام، معاويه را وادار كه قبول بيعت يا امتناع آنرا يكسره كند، و فرا گيرش كه در إطاعت يا عصيان بجزم سخن گويد، پس او را ميان كارزارى كه آواره‏ اش كند، و يا گردن نهادني كه ارجش دهد و بهره‏ اش رساند[1]، مخير گردان. اگر كارزار را بر گزيد عهد أمان بسويش افكن و اعلام جنگ در ده، و اگر بصلح گرايد بيعت از وى بستان. و السلام.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

__________________________________________________________

[1] ( 1)- نقل 29 فرقا فيما اختلف فيها المجتهدون و الاخباريون من كتاب السماهيجى الموسوم بمنية الممارسين لا يخلو من فائدة فراجع،.

نهج البلاغه نامه ها نامه شماره 7 شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

نامه 7 صبحی صالح

7- و من كتاب منه ( عليه‏ السلام  ) إليه أيضا

أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَتْنِي مِنْكَ مَوْعِظَةٌ مُوَصَّلَةٌ وَ رِسَالَةٌ مُحَبَّرَةٌ نَمَّقْتَهَا بِضَلَالِكَ وَ أَمْضَيْتَهَا بِسُوءِ رَأْيِكَ

وَ كِتَابُ امْرِئٍ لَيْسَ لَهُ بَصَرٌ يَهْدِيهِ وَ لَا قَائِدٌ يُرْشِدُهُ قَدْ دَعَاهُ الْهَوَى فَأَجَابَهُ وَ قَادَهُ الضَّلَالُ فَاتَّبَعَهُ فَهَجَرَ لَاغِطاً وَ ضَلَّ خَابِطاً

وَ مِنْهُ‏لِأَنَّهَا بَيْعَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُثَنَّى فِيهَا النَّظَرُ وَ لَا يُسْتَأْنَفُ فِيهَا الْخِيَارُ الْخَارِجُ مِنْهَا طَاعِنٌ وَ الْمُرَوِّي فِيهَا مُدَاهِنٌ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج17  

و من كتاب له عليه السلام اليه أيضا. و هو الكتاب السابع من باب المختار من كتبه عليه السلام و رسائله:

أما بعد فقد أتتني منك موعظة موصلة، و رسالة محبرة، نمقتها بضلالك، و أمضيتها بسوء رأيك،

و كتاب امرء ليس له بصر يهديه، و لا قائد [و لا صالح- خ ل‏] يرشده، قد دعاه الهوى فأجابه و قاده الضلال فاتبعه، فهجر لاغطا، و ضل خابطا.

و من هذا الكتاب: لأنها بيعة واحدة لا يثني فيها النظر، و لا يستأنف فيها الخيار، الخارج منها طاعن، و المروي فيها مداهن.

اللغة

(موصلة) بصيغة المفعول من وصل الشي‏ء بالشي‏ء وصلا و وصله لأمه أي ربطه به.

(محبرة) بصيغة المفعول من تحبير الخط و الشعر و غيرهما بمعنى تحسينها قال الجوهري في الصحاح: قال الأصمعي و كان يقال لطفيل الغنوي في الجاهلية محبر لأنه كان يحسن الشعر.

قال الشهاب الفيومي في المصباح: حبرت الشي‏ء حبرا من باب قتل زينته و الحبر بالكسر اسم منه فهو محبور و حبرته بالتثقيل مبالغة.

نمق الكتاب تنميقا حسنه و زينه، فقوله عليه السلام: نمقتها بضلالك أي زينتها به. أمضيت الأمر إمضاء أي أنفذته أو بمعنى إمضاء الصكوك و الرسائل لتوقيعها البصر: العين و نفاذ القلب و حكي أن معاوية قال لابن عباس و قد كف بصره: ما لكم يا بني هاشم تصابون بأبصاركم إذا أسننتم؟ فقال: كما تصابون ببصائر كم عنده.

قاد الرجل الفرس قودا و قيادة و قيادا بالكسر: مشى أمامها آخذا بقيادها نقيض ساقه، قال الخليل- كما في مصباح الفيومي: القود أن يكون الرجل أمام الدابة آخذا بقيادها، و السوق أن يكون خلفها فإن قادها لنفسه قيل: اقتادها لنفسه. و قاد الأمير الجيش قيادة فهو قائد و جمعه قادة و قواد و قود.

(الهوى) مقصورة: إرادة النفس و ميلانها إلى ما تستلذ. و ممدودة: الهواء المكتنف للأرض. و في الصحاح: كل خال هواء. قال الشاعر:

فكيف أرحل عنها اليوم إذ جمعت‏ طيب الهوائين مقصور و ممدود

قال المبرد في الكامل: الهوى من هويت مقصور و تقديره فعل فانقلبت الياء ألفا فلذلك كان مقصورا، و إنما كان كذلك لأنك تقول هوي يهوى كما تقول فرق يفرق و هو هو كما تقول هو فرق كما ترى و كان المصدر على فعل بمنزلة الفرق و الحذر و البطر لأن الوزن واحد في الفعل و اسم الفاعل. فأما الهواء من الجو فممدود يدلك على ذلك جمعه إذا قلت أهوية، لأن أفعلة إنما تكون جمع فعال و فعال و فعيل كما تقول قذال و أقذلة و حمار و أحمرة فهواء كذلك و المقصور جمعه أهواء فاعلم لأنه على فعل و جمع فعل أفعال كما تقول جمل و أجمال و قتب و أقتاب، قال الله عز و جل: و اتبعوا أهواءهم‏ (محمد صلى الله عليه و آله- 19).

و قوله: هذا هواء يافتى في صفة الرجل إنما هو ذم يقول لا قلب له قال الله عز و جل:

و أفئدتهم هواء أي خالية و قال زهير:

كأن الرحل منها فوق صعل‏ من الظلمان جؤجؤه هواء

و هذا من هواء الجو قال الهذلي:

هواء مثل بعلك مستميت‏ على ما في وعائك كالخيال‏

(الهجر): الهذيان و قد هجر المريض يهجر هجرا من باب قتل خلط و هذى فهو هاجر و الكلام مهجور. قال الجوهري في الصحاح: قال أبو عبيد يروي عن إبراهيم ما يثبت هذا القول في قوله تعالى‏ إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (الفرقان- 33) قال: قالوا فيه غير الحق ألم تر إلى المريض إذا هجر قال غير الحق، قال: و عن مجاهد نحوه.

و الهجر: الاسم من الإهجار و هو الافحاش في المنطق أي الكلام القبيح المهجور لقبحه. و في الحديث: و لا تقولوا هجرا، قال عوف بن الخرع:

زعمتم من الهجر المضلل أنكم‏ ستنصر كم عمر و علينا و منقر

و أهجر فلان إذا أتى بهجر من الكلام عن قصد، قال الشماخ بن ضرار:

كماجدة الأعراق قال ابن ضرة عليها كلاما جار فيه و أهجرا

(اللاغط): ذو اللغط، قال في المصباح: لغط لغطا من باب نفع و اللغط بفتحتين اسم منه و هو كلام فيه جلبة و اختلاط و لا يتبين. قال عمرو بن أحمر

الباهلي (الحماسة 762):

لها لغط جنح الظلام كأنها عجارف غيث رائح متهزم‏

قال المرزوقي في الشرح: اللغط: الصوت يعني هزتها «أي هزة القدور السود المذكورة في صدر الأشعار» في الغليان، و انتصب جنح الظلام على الظرف يريد أنها تغلي إذا جنح الظلام بالعشي و ذاك وقت الضيافة و كأن لغطه صوت رعد من غيث ذي تعجرف، و العجارف شدة وقوع المطر و تتابعه يريد أنه هبت الريح فيه و صار له هزمة أي صوت شبه صوت القدر في غليانها بصوت الرعد من سحاب هكذا.

كنايه (الخبط): الحركة على غير نظام يقال: خبط الليل اذا سار فيه على غير هدى. و فلان خبط خبط عشواء أي تصرف في الامور على غير بصيرة. و قال الفيومي حقيقة الخبط الضرب و خبط البعير الأرض ضربها بيده.

و قد يكنى بالخابط عن السائل كقول زهير بن أبي سلمى في قصيدة يمدح فيها هرم بن سنان:

و ليس بمانع ذي قربى و لا حرم‏ يوما و لا معدما من خابط ورقا

استعار الورق فكنى به عن المال كما استعار الخبط فكنى به عن طلبه و الخابط عن طالبه، و أصله أن العرب تقول إذا ضرب الرجل الشجر ليحت و ينفض ورقه فيعلقه، قد خرج يختبط الشجر، و الورق المنفوض يسمى الخبط بالفتحتين و يقال للرجل: إن خابطه ليجد ورقا أي إن سائله ليجد عطاء، لكنه ليس بمراد ههنا و المقصود هو المعنى الأول.

(لا يثنى) ثنى الشي‏ء تثنية جعله اثنين، فالمعنى لا يجعل النظر في تلك البيعة اثنين بل هو نظر واحد تحقق من أهل الحل و العقد من امة محمد صلى الله عليه و آله فيها بالمدينة، فهي لازمة على غيرهم من الحاضر و الغائب.

و جاء في بعض نسخ النهج و غيره «لا يستثنى فيها النظر» مكان لا يثنى فيها النظر، يقال: استثنى الشي‏ء استثناء إذا أخرجه من حكم عام، فالمعنى على هذا الوجه لا يستثنى النظر في هذه البيعة مما قبلها أي كما أن بيعة أهل العقد و الحل قبل هذه البيعة في أبي بكر و عمر و عثمان كانت واحدة لازمة على الشاهد و الغائب و كان نظرهم في المرة الاولى لازما و ثابتا كما يعترف به الخصم فكذلك ههنا فلا يجوز أن يستثنى النظر فيها عما قبلها.

و لكن المعنى على الوجه الثاني لا يخلو من تكلف، و قوله عليه السلام: يستأنف فيها الخيار قرينة على أن الوجه الأول هو الصواب، على أن العبارة في نسختنا المصححة الخطية العتيقة و في نسخة صديقنا اللاجوردي قد قوبلت بنسخة الشريف الرضي رحمه الله هي الوجه الأول.

(المروي): من رويت في الأمر تروية أو من روأت بالهمز إذا نظرت فيه و تفكرت و أصلها من الروية و هي الفكر و التدبر. (المداهن): المصانع يقال داهنه مداهنة و أدهنه إذا خدعه و ختله و أظهر له خلاف ما يضمر قال تعالى:ودوا لو تدهن فيدهنون‏.

الاعراب‏

الباء من بضلالك سببية كأن تقول: زينت الدار بالزخرف، و كذا الباء الثانية، كتاب امرى‏ء عطف على موعظة، جملة ليس له بصر يهديه صفة لقوله امرء و كذلك الجمل التالية، يهديه صفة للبصر، و يرشده للقائد. الفاء في فهجر فصيحة و اللتان قبلها للترتيب. لاغطا و خابطا حالان لضمير الفعلين. و ضمير لأنها للقصة، كقوله تعالى: فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا أو أنها راجعة إلى البيعة المذكورة في كتابه عليه السلام كما سيجي‏ء نقل كتابه بتمامه.

اسناد هذا الكتاب و مداركه و نقل صورته الكاملة و اختلاف الاراء فيه و تحقيق أنيق فى فيصل الامر فى المقام‏ قد بينا في عدة مواضع أن الشريف الرضي رضوان الله عليه إنما عنى في النهج اجتباء محاسن كلام أمير المؤمنين عليه السلام و اجتناء ما تضمن عجائب البلاغة و غرائب الفصاحة و جواهر العربية من كلامه عليه السلام كما نص عليه في خطبته على النهج‏

بقوله: فأجمعت بتوفيق الله تعالى على الابتداء باختيار محاسن الخطب، ثم محاسن الكتب، ثم محاسن الحكم و الأدب- إلخ.

و لذلك ترى كثيرا في النهج أنه قدس سره ينقل من كتاب له عليه السلام شطرا و يدع آخر فدونك الكتاب بتمامه مع ذكر ماخذه القيمة و اختلاف نسخه المروية و بيان الحق و فصل الأمر في ذلك:

فلما فرغ جرير من خطبته «قد مضى نقلها في شرح الكتاب السادس» أمر معاوية مناديا فنادى: الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس صعد المنبر و خطب خطبة و استدعى أهل الشام إلى الطلب إلى دم عثمان فأجابوه و بايعوه على ذلك، و استحثه جرير بالبيعة بخلافة أمير المؤمنين علي عليه السلام فقال: يا جرير إنها ليست بخلسة و أنه أمر له ما بعده فابلعني ريقي حتى أنظر، و دعا ثقاته و استشارهم في ذلك فأشاروا عليه أن يكتب إلى عمرو بن العاص و كان وقتئذ بالبيع من فلسطين، و كتب كتابا آخر إلى شرحبيل، و دعا أتباعهم و أجمعوا آخر الأمر إلى حرب أهل العراق.

روى نصر بن مزاحم المنقري التميمي الكوفي في كتاب صفين (ص 30 إلى ص 34 من الطبع الناصري) عن محمد بن عبيد الله، عن الجرجاني قال: كان معاوية أتى جريرا في منزله فقال: يا جرير إني قد رأيت رأيا، قال: هاته. قال:اكتب إلى صاحبك يجعل لي الشام و مصر جباية، فاذا حضرته الوفاة لم يجعل لاحد بعده بيعة في عنقي و اسلم له هذا الأمر و أكتب إليه بالخلافة.

فقال جرير: اكتب بما أردت و أكتب معك، فكتب معاوية بذلك إلى علي فكتب علي عليه السلام إلى جرير:أما بعد فانما أراد معاوية أن لا يكون لي في عنقه بيعة، و أن يختار من أمره ما أحب، و أراد أن يرثيك حتى يذوق أهل الشام، و أن المغيرة بن شعبة قد كان أشار علي أن أستعمل معاوية على الشام و أنا بالمدينة فأبيت ذلك عليه، و لم يكن الله ليراني أتخذ المضلين عضدا، فان بايعك الرجل و إلا فاقبل.

أقول: كتابه هذا ليس بمذكور في النهج، و يقال: راث على خبرك من باب باع إذا أبطأ.

قال نصر: و في حديث صالح بن صدقة قال: أبطأ جرير عند معاوية حتى اتهمه الناس و قال علي: وقت لرسولي وقتا لا يقيم بعده إلا مخدوعا أو عاصيا، و أبطأ على علي حتى أيس منه.

قال: و في حديث محمد و صالح بن صدقة قالا: و كتب علي عليه السلام إلى جرير بعد ذلك:أما بعد فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل، و خذه بالأمر الجزم ثم خيره بين حرب مجلية أو سلم محظية، فان اختار الحرب فانبذ له، و إن اختار السلم فخذ بيعته.

أقول: نقل الرضي هذا الكتاب في النهج و هو الكتاب التالي لهذا الكتاب أعني الكتاب الثامن من باب المختار من كتبه و رسائله، و سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى.

فلما انتهى الكتاب إلى جرير أتى معاوية فأقرأه الكتاب فقال: يا معاوية إنه لا يطبع على قلب إلا بذنب، و لا ينشرح إلا بتوبة، و لا أظن قلبك إلا مطبوعا أراك قد وقفت بين الحق و الباطل كأنك تنتظر شيئا في يدي غيرك.

فقال معاوية: ألقاك بالفيصل أول مجلس إنشاء الله.

قال نصر: فلما بايع معاوية أهل الشام و ذاقهم قال: يا جرير الحق بصاحبك و كتب إليه بالحرب و كتب في أسفل كتابه: يقول كعب بن جعيل:

أرى الشام تكره ملك العراق‏ و أهل العراق لهم كارهينا
و كلا لصاحبه مبغضا يرى كل ما كان من ذاك دينا
إذا ما رمونا رميناهم‏ و دناهم مثل ما يقرضونا
فقالوا علي إمام لنا فقلنا رضينا ابن هند رضينا
و قالوا نرى أن تدينوا لنا فقلنا ألا لا نرى أن ندينا
و من دون ذلك خرط القتاد و ضرب و طعن يقر العيونا
و كل يسر بما عنده‏ يرى غث ما في يديه سمينا
و ما في علي لمستعتب‏ مقال سوا ضمه المحدثينا
و إيثاره اليوم أهل الذنوب‏ و رفع القصاص عن القاتلينا
إذا سيل عنه حدا شبهة و عمى الجواب عن السائلينا
فليس براض و لا ساخط و لا في النهاة و لا الامرينا
و لا هو ساء و لا سره‏ و لا بد من بعض ذا أن يكونا

أقول: ما ذكر نصر في صفين صورة كتاب معاوية إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام بل قال بالإجمال إنه كتب إليه عليه السلام بالحرب و كتب في أسفل كتابه أشعار كعب بن جعيل كما قدمنا، لكن أبا العباس محمد بن يزيد المبرد نقلها في الكامل و ابن قتيبة الدينوري في الامامة و السياسة.

قال المبرد: كتب معاوية إلي علي عليه السلام جوابا عن كتابه إليه:

بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية بن صخر إلى علي بن أبي طالب أما بعد فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك و أنت بري‏ء من دم عثمان كنت كأبي بكر و عمر و عثمان، و لكنك أغريت بعثمان المهاجرين و خذلت عنه الأنصار، فأطاعك الجاهل و قوى بك الضعيف، و قد أبى أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين، و لعمري ليس حجتك علي كحججك على طلحة و الزبير، لأنهما بايعاك و لم ابايعك، و ما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة، لأن أهل البصرة أطاعوك و لم يطعك أهل الشام، و أما شرفك في الاسلام و قرابتك من النبي صلى الله عليه و آله و سلم و موضعك من قريش فلست أدفعه، قال: ثم كتب في آخر كتابه بشعر كعب بن جعيل و هو: أرى الشام تكره ملك العراق- إلخ.

أقول: و قد نقل الدينوري ذيل كتاب معاوية هكذا: فإذا دفعتهم كانت شورى بين المسلمين و قد كان أهل الحجاز الحكام على الناس و في أيديهم الحق فلما تركوه صار الحق في أيدي أهل الشام، و لعمري ما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة، و لا حجتك علي كحجتك على طلحة و الزبير، لأن‏

أهل البصرة بايعوك و لم يبايعك أحد من أهل الشام، و أن طلحة و الزبير بايعاك و لم ابايعك، و أما فضلك في الاسلام و قرابتك من النبي عليه الصلاة و السلام فلعمري ما أدفعه و لا انكره، و ما نقله كان أوفق بكتاب أمير المؤمنين عليه السلام جوابا عنه كما لا يخفى.

ثم النسخ في إعراب تلك الأبيات مختلفة و نحن اخترنا نسخة الكامل للمبرد و نسخة صفين لنصر:

«و أهل العراق له كارهونا»«و كل لصاحبه مبغض»
«و قلنا نرى أن تدينوا لنا» «فقالوا لنا لا نرى أن ندينا»

ثم روى المصراع الثاني من البيت الخامس على وجه آخر و هو:

«و ضرب و طعن يفض الشئونا»

و قال أبو العباس المبرد في كتابه الكامل: و أحسن الروايتين: يفض الشئونا، ثم أخذ في شرح كتاب معاوية (و سنذكر صورة كتابه) و الأبيات فقال:

قوله: و لكنك أغريت بعثمان المهاجرين، فهو من الاغراء، و هو التحضيض عليه، يقال: أغريته به و آسدت الكلب على الصيد اوسده ايسادا، و من قال: أشليت الكلب في معنى أغريت فقد أخطأ إنما أشليته دعوته إلي، و آسدته أغريته.

و قول ابن جعيل: و أهل العراق لهم كارهينا، محمول على أرى، و من قال و أهل العراق لهم كارهونا، فالرفع من وجهين أحدهما قطع و ابتداء ثم عطف جملة على جملة بالواو و لم يحمله على أرى، و لكن كقولك كان زيد منطلقا و عمرو منطلق، الساعة خبرت بخبر بعد خبر. و الوجه الاخر أن تكون الواو و ما بعدها حالا فيكون معناها إذ كما تقول رأيت زيدا قائما و عمر و منطلق، و هذه الاية تحمل على هذا المعنى و هو قول الله عز و جل: يغشى طائفة منكم و طائفة قد أهمتهم أنفسهم‏ (آل عمران: 148) و المعنى و الله أعلم إذ طائفة في هذه الحال، و كذلك قراءة من قرأ و لو أن ما في الأرض من شجرة أقلام و البحر يمده من بعده سبعة أبحر (لقمان: 26) أي و البحر- بالرفع- هذه حاله، و من قرأ البحر- بالنصب- فعلى أن و قوله: و دناهم مثل ما يقرضونا، يقول: جزيناهم، و قال المفسرون في قوله عز و جل: مالك يوم الدين‏ قالوا: يوم الجزاء و الحساب، و من أمثال العرب: كما تدين تدان، و أنشد أبو عبيدة (الشعر ليزيد بن الصعق الكلابي):

و اعلم و أيقن أن ملكك زائل‏ و اعلم بأن كما تدين تدان‏

و للدين مواضع منها ما ذكرنا، و منها الطاعة و دين الإسلام من ذلك يقال فلان في دين فلان أي في طاعته، و يقال: كانت مكة بلدا القاحا أي لم يكونوا في دين ملك، و قال زهير:

لئن حللت بجو في بني أسد في دين عمرو و حالت بيننا فدك‏

فهذا يريد في طاعة عمرو بن هند، و الدين العادة، يقال: ما زال هذا ديني و دأبي و عادتي و ديدني و إجرياي، قال المثقب العبدي:

تقول إذا درأت لها و ضيني‏ أ هذا دينه أبدا و ديني‏
أكل الدهر حل و ارتحال‏ أما تبقى علي و ما يقيني‏

و قال الكميت بن زيد:

على ذاك إجر ياي و هي ضريبتي‏ و إن أجلبوا طرا علي و أحلبوا

و قوله: فقلنا رضينا ابن هند رضينا، يعني معاوية بن أبي سفيان و أمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف.

و قوله: أن تدينوا له أي أن تطيعوه، و تدخلوا في دينه أي في طاعته.

و قوله: و من دون ذلك خرط القتاد، فهذا مثل من أمثال العرب، و القتاد شجيرة شاكة غليظة اصول الشوك فلذلك يضرب خرطه مثلا في الأمر الشديد لأنه غاية الجهد.

و من قال: يفض الشئونا، فيفض يفرق، تقول: فضضت عليه المال. و الشئون واحدها شأن و هي مواصل قبائل الرأس و ذلك أن للرأس أربع قبائل أي قطع مشعوب بعضها إلى بعض فموضع شعبها يقول له الشئون واحدها شأن. و زعم الأصمعي قال: يقال إن مجاري الدموع منها، فلذلك يقال: استهلت شئونه و أنشد قول أوس بن حجر:

لا تحزنيني بالفراق فإنني‏ لا تستهل من الفراق شئوني‏

و من قال: يقر العيونا، ففيه قولان: أحدهما للأصمعي و كان يقول: لا يجوز

غيره يقال: قرت عينه و أقرها الله، و قال إنما هو بردت من القر و هو خلاف قولهم سخنت عينه و أسخنها الله، و غيره يقول قرت هدأت و أقرها الله أهد أها الله، و هذا قول حسن جميل، و الأول أغرب و أطرف. انتهى قوله.

كتاب أمير المؤمنين على عليه السلام الى معاوية

كتبه عليه السلام جواب الكتاب الذي كتب إليه معاوية و نقل هذا الكتاب نصر ابن مزاحم في صفين (ص 33 من الطبع الناصري) و ابن قتيبة الدينوري المتوفى سنة 276 في كتاب الإمامة و السياسة (ص 101 ج 1 طبع مصر 1377 ه) و أبو العباس المبرد المتوفى سنة 285 ه في الكامل (ص 193 ج 1 طبع مصر) و هو:

بسم الله الرحمن الرحيم من علي إلى معاوية بن صخر أما بعد فقد أتاني كتاب امرى‏ء ليس له نظر يهديه، و لا قائد يرشده، دعاه الهوى فأجابه، و قاده فاتبعه، زعمت أنه أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان و لعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين، أوردت كما أوردوا، و أصدرت كما أصدروا، و ما كان الله ليجمعهم على ضلالة، و لا ليضربهم بالعمى، و ما أمرت فيلزمني خطيئة الأمر، و لا قتلت فيجب علي القصاص.

و أما قولك: إن أهل الشام هم الحكام على أهل الحجاز، فهات رجلا من قريش الشام يقبل في الشورى أو تحل له الخلافة، فان زعمت ذلك كذبك المهاجرون و الأنصار، و إلا أتيتك به من قريش الحجاز.

و أما قولك: ادفع إلينا قتلة عثمان، فما أنت و عثمان، إنما أنت رجل من بني امية، و بنو عثمان أولى بذلك منك، فان زعمت أنك أقوى على دم أبيهم منهم فادخل في طاعتي ثم حاكم القوم إلي أحملك و إياهم على المحجة.

و أما تمييزك بين الشام و البصرة و بينك و بين طلحة و الزبير فلعمري ما الأمر فيما هناك إلا واحد، لأنها بيعة عامة لا يثنى فيها النظر، و لا يستأنف فيها الخيار.

و أما و لو عك بي في أمر عثمان فما قلت ذلك عن حق العيان و لا بعين الخبر.

و أما فضلي في الإسلام و قرابتي من النبي صلى الله عليه و آله و شرفي في قريش، فلعمري‏ لو استطعت دفع ذلك لدفعته.

قال نصر: و أمر- يعني أمر أمير المؤمنين عليه السلام- النجاشي فأجابه في الشعر، و قال المبرد: ثم دعا النجاشي أحد بني الحرث بن كعب فقال له: إن ابن جعيل شاعر أهل الشام و أنت شاعر أهل العراق فأجب الرجل، فقال: يا أمير المؤمنين أسمعني قوله قال: إذن اسمعك شعر شاعر ثم أسمعه فقال النجاشي يجيبه:

دعن يا معاوي ما لم يكونا فقد حقق الله ما تحذرونا
أتاكم علي بأهل الحجاز و أهل العراق فما تصنعونا
على كل جرداء خيفانة و أشعث نهد يسر العيونا
عليها فوارس تحسبهم‏ كأسد العرين حمين العرينا
يرون الطعان خلال العجاج‏ و ضرب الفوارس في النقع دينا
هم هزموا الجمع جمع الزبير و طلحة و المعشر الناكثينا
و قالوا يمينا على حلفة لنهدي إلى الشام حربا زبونا
تشيب النواصي قبل المشيب‏ و تلقي الحوامل منها الجنينا
فان تكرهوا الملك ملك العراق‏ فقد رضي القوم ما تكرهونا
فقل للمضلل من وائل‏ و من جعل الغث يوما سمينا
جعلتم عليا و أشياعه‏ نظير ابن هند ألا تستحونا
إلى أول الناس بعد الرسول‏ و صنو الرسول من العالمينا
و صهر الرسول و من مثله‏ إذا كان يوم يشيب القرونا

و اعلم أن بين نسختي صفين و الكامل في كتاب أمير المؤمنين عليه السلام اختلافا في الجملة فما في الكامل: فكتب إليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام جواب هذه الرسالة «يعني رسالة معاوية»: بسم الله الرحمن الرحيم من علي بن أبي طالب ..

ليس له بصر يهديه .. زعمت أنك أنما أفسد … و ما كان الله ليجمعهم على ضلال و لا ليضربهم بالعمى، و بعد فما أنت و عثمان إنما أنت رجل من بني امية، و بنو عثمان أولى بمطالبة دمه، فان زعمت أنك أقوى على ذلك فادخل فيما دخل فيه‏ المسلمون ثم حاكم القوم إلي، و أما تمييزك بينك و بين طلحة و الزبير و أهل الشام و أهل البصرة فلعمري ما الأمر فيما هناك إلا سواء، لأنها بيعة شاملة لا يستثنى فيها الخيار و لا يستأنف فيها النظر، و أما شرفي في الإسلام و قرابتي من رسول الله صلى الله عليه و آله و موضعي من قريش فلعمري لو استطعت دفعه لدفعته.

أقول: و لله در النجاشي كأنما روح القدس نفث في روعه و نطق بلسانه قائلا:

جعلتم عليا و أشياعه‏ نظير ابن هند ألا تستحونا

و قد قال أمير المؤمنين عليه السلام كما يأتي في الكتاب التاسع الذي كتبه إلى معاوية: فيا عجبا للدهر إذ صرت يقرن بي من لم يسع بقدمي و لم تكن له كسابقتي التي لا يدلى أحد بمثلها إلا أن يدعي مدع لا أعرفه، و لا أظن الله يعرفه و الحمد لله على كل حال.

و أقول: يا عجبا للدهر ثم يا عجبا للدهر قد أصبح رأى يراعة تفوه بأن لها براعة على يوح، و خنفساء شمخت بأنفها و شمزت من الروح. سبحان الله، ما للتراب و رب الأرباب، ما للذي عبد الله على حرف و الذي لو كشف الغطاء لما ازداد يقينا، ما لابن آكلة الأكباد و الذي تاهت في بيداء عظمته عقول العباد.

لحى الله هذا الدهر من شر سائس‏ عصاقيره تروى و تظمى قشاعمه‏

تبا لأشباه رجال اتبعوا أهواءهم، فضيعوا دينهم بدنياهم، فنصروا من اتخذ المضلين عضدا حتى ردوا الناس عن الإسلام القهقرى.

زعم الشارح البحراني أن ذلك الكتاب المعنون للشرح أعني الكتاب السابع ملفق من بعض عبارات كتابين أحدهما ذلك الكتاب المنقول من الثلاثة، و ثانيهما كتاب آخر.

و الحق أنه ليس جزء منهما و إن كانا مشتركين في بعض الجمل و العبارات و أنه جزء من كتاب آخر له عليه السلام جوابا عن كتاب آخر من معاوية كما سيجي‏ء نقلهما، و ذلك الكتاب المنقول من هؤلاء الثلاثة مذكور في النهج، و احتمال‏ أنهما كتاب واحد و جاء الاختلاف من النسخ بعيد عن الصواب، لأن بينهما بونا بعيدا، و مجرد الاشتراك في بعض الجمل و العبارات لا يجعلهما كتابا واحدا و لا يؤيد الاحتمال، فدونك ما قاله الشارح البحراني في شرح هذا الكتاب:

هذا جواب كتاب كتبه إليه معاوية صورته: من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب.

أما بعد فلو كنت على ما كان عليه أبو بكر و عمر إذن ما قاتلتك، و لا استحللت ذلك، و لكنه إنما أفسد عليك بيعتي خطيئتك في عثمان بن عفان، و إنما كان أهل الحجاز الحكام على الناس حين كان الحق فيهم، فلما تركوه صار أهل الشام الحكام على أهل الحجاز و غيرهم من الناس، و لعمري ما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة، و لا حجتك علي كحجتك على طلحة و الزبير، لأن أهل البصرة قد كان بايعوك و لم يبايعك أهل الشام، و أن طلحة و الزبير بايعاك و لم ابايعك، و أما فضلك في الاسلام و قرابتك من رسول الله و موضعك من هاشم فلست أدفعه، و السلام.

قال: فكتب عليه السلام جوابه: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر أما بعد فإنه أتاني كتابك كتاب امرى‏ء- إلى قوله: خابطا، ثم يتصل به أن قال: زعمت أنه إنما أفسد علي بيعتك كما أصدروا، «كذا» و ما كان الله ليجمعهم على ضلال و لا يضربهم بعمى، و أما ما زعمت أن أهل الشام الحكام على أهل الحجاز فهات رجلين من قريش الشام يقبلان في الشورى ارتحل لهما الخلافة، فان زعمت ذلك كذبك المهاجرون و الأنصار، و إلا فأنا آتيك بهما من قريش الحجاز. و أما ما ميزت بين أهل الشام و أهل البصرة و بينك و بين طلحة و الزبير فلعمري ما الأمر في ذلك إلا واحد.

قال: ثم يتصل به قوله لأنها بيعة عامة إلى آخره، ثم يتصل به: و أما فضلي في الاسلام و قرابتي من الرسول و شرفي في بني هاشم فلو استطعت دفعه لفعلت و السلام.

قال: و أما قوله: أما بعد فقد أتتني- إلى قوله: بسوء رأيك، فهو صدر كتاب آخر أجاب به معاوية عن كتاب كتبه إليه بعد الكتاب الذي ذكرناه، و ذلك أنه لما وصل إليه هذا الكتاب من علي عليه السلام كتب إليه كتابا يعظه فيه و صورته:

أما بعد فاتق الله يا علي ودع الحسد فانه طالما ينتفع به أهله، و لا تفسد سابقة قديمك بشر من حديثك فان الأعمال بخواتيمها، و لا تلحدن بباطل في حق من لا حق لك في حقه، فانك إن تفعل ذلك لا تضلل إلا نفسك، و لا تمحق إلا عملك، و لعمري أن ما مضى لك من السوابق الحسنة لحقيقة أن تردك و تردعك عما قد اجترأت عليه من سفك الدماء و إجلاء أهل الحق عن الحل و الحرام فاقرأ سورة الفلق و تعوذ بالله من شر ما خلق و من شر نفسك الحاسد إذا حسد قفل الله بقلبك، و أخذ بناصيتك، و عجل توفيقك، فاني أسعد الناس بذلك، و السلام قال: فكتب عليه السلام جوابه:

أما بعد فقد أتتني منك موعظة- إلى قوله: سوء رأيك، ثم يتصل به و كتاب ليس ببعيد الشبه منك، حملك علي الوثوب على ما ليس لك فيه حق، و لو لا علمي بك و ما قد سبق من رسول الله صلى الله عليه و آله فيك مما لا مرد له دون انفاذه إذن لو عظتك لكن عظتي لا تنفع من حقت عليه كلمة العذاب، و لم يخف الله العقاب، و لا يرجو الله و قارا، و لم يخف له حذارا، فشأنك و ما أنت عليه من الضلالة و الحيرة و الجهالة تجد الله ذلك بالمرصاد من دنيا المنقطعة و تمنيك الأباطيل، و قد علمت ما قال النبي صلى الله عليه و آله فيك و في أمك و أبيك، و السلام.

قال: و مما ينبه على أن هذا الفصل المذكور ليس من الكتاب الأول أن الأول لم يكن فيه ذكر موعظة حتى يذكرها عليه السلام في جوابه، غير أن السيد رحمه الله- أضافه إلى هذا الكتاب كما هو عادته في عدم مراعاة ذلك و أمثاله.انتهى كلامه.

أقول: و كذلك نقل هذا الكتاب من معاوية أعني قوله: أما بعد فاتق الله يا علي ودع الحسد- إلخ. و جواب أمير المؤمنين عليه السلام عنه أعني قوله: أما بعد فقد أتتني منك موعظة موصلة- إلخ، في بعض الجوامع أيضا على الصورة التي‏ نقله الشارح البحراني.

و كذا ما نقلنا قبلهما من كتاب معاوية أعني قوله: من معاوية بن صخر إلى علي بن أبي طالب: أما بعد فلعمرى لو بايعك القوم- إلخ، و جواب أمير المؤمنين عليه السلام عنه أعني قوله: من علي إلى معاوية بن صخر: أما بعد فقد أتاني كتاب امرى‏ء ليس له نظر- إلخ، كانا في سائر نسخ الجوامع على تلك الصورة التي نقلناها و الاختلاف يسير لا يعبأ به.

و لكن نصر بن مزاحم المنقري قال في كتاب صفين (ص 59 من الطبع الناصري) إن معاوية كتب كتابه: أما بعد فاتق الله يا علي ودع الحسد فانه طالما ينتفع به إلخ- جوابا عن كتاب آخر من أمير المؤمنين علي عليه السلام كتبه إلى معاوية و هو الكتاب الذي جعله السيد رحمه الله الكتاب العاشر من باب المختار من كتبه و رسائله عليه السلام أوله: و كيف أنت صانع إذا تكشفت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا قد تبهجت بزينتها- إلخ، و سيجي‏ء اختلاف النسخ و أقوال اخر فيه أيضا في شرحه إن شاء الله تعالى.

فهذا القول من نصر بن مزاحم يناقض ما ذهب إليه الشارح البحراني، و نصر كان من الأقدمين قد أدرك الامام سيد الساجدين علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام و كان قريب العهد من واقعة صفين، و كلما أتى به في كتابه فهو الأصل في ذلك و كل من أتى بعده و كتب كتابا في صفين أخذ عنه و اقتبس منه جل المطالب المهمة.

على أنه نقل في جوامع الفريقين أنه عليه السلام كتب كتابا إلى معاوية جوابا عن كتاب آخر من معاوية إليه و في ذلك الكتاب من أمير المؤمنين عليه السلام مذكور جميع ما أتى به السيد في المقام أعني في هذا الكتاب السابع المعنون للشرح بلا زيادة و نقصان أجاب عليه السلام به عن الأباطيل التي أتى بها معاوية في كتابه إليه فاندفع ما أوردها الشارح البحراني بحذافيرها.

و الحق أن كتابه عليه السلام: من علي إلى معاوية بن صخر: أما بعد فقد أتاني‏ كتاب امرى‏ء- إلخ، المنقول آنفا من نصر في صفين و المبرد في الكامل و الدينوري في الإمامة و السياسة ليس بمذكور في النهج و إن كان في بعض الجمل و العبارات مشاركا لهذا الكتاب السابع، و إن أبيت إلا جعلهما كتابا واحدا فما اعترض الشارح البحراني على السيد في المقام و ما زعم من أن هذا الكتاب ملفق من صدر كتاب و ذيل آخر فليس بصواب، فعليك بما كتب عليه السلام جواب كتاب معاوية:

نسخة كتاب أمير المؤمنين على عليه السلام الى معاوية جوابا عن كتاب كتبه معاوية اليه‏ نقلهما غير واحد من رجال الأخبار و السير في جوامعهم، و نقلهما الفاضل الشارح المعتزلي في شرحه على النهج، و قد كتبه عليه السلام إلى معاوية جوابا عن كتاب كتبه معاوية إليه عليه السلام في أواخر حرب صفين لما اشتد الأمر على معاوية و أتباعه و كادوا أن ينهزموا و يولوا الدبر.

و كان كتاب معاوية: من عبد الله معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فان الله تعالى يقول في محكم كتابه «و لقد أوحى إليك و إلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين».و إني احذرك الله أن تحبط عملك و سابقتك بشق عصا هذه الامة و تفريق جماعتها.

فاتق الله و اذكر موقف القيامة و اقلع عما أسرفت فيه من الخوض في دماء المسلمين، و إني سمعت رسول الله يقول: لو تمالأ أهل صنعاء و عدن على قتل رجل واحد من المسلمين لأكبهم الله على مناخرهم في النار، فكيف يكون حال من قتل أعلام المسلمين، و سادات المهاجرين، بله ما طحنت رحاء حربه من أهل القرآن و ذي العبادة و الإيمان من شيخ كبير، و شاب غرير، كلهم بالله تعالى مؤمن، و له مخلص، و برسوله مقر عارف.

فإن كنت أبا حسن إنما تحارب على الإمرة و الخلافة فلعمري لو صحت خلافتك لكنت قريبا من أن تعذر في حرب المسلمين، و لكنها ما صحت لك و أنى‏ بصحتها و أهل الشام لم يدخلوا فيها و لم يرتضوا بها، و خف الله و سطواته، و اتق بأسه و نكاله، و اغمد سيفك عن الناس، فقد و الله أكلتهم الحرب فلم يبق منهم إلا كالثمد في قرارة الغدير، و الله المستعان.

فكتب أمير المؤمنين علي عليه السلام جوابا عن كتابه: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان.

أما بعد فقد أتتني منك موعظة موصلة، و رسالة محبرة، نمقتها بضلالك و أمضيتها بسوء رأيك، و كتاب امرى‏ء ليس له بصر يهديه، و لا قائد يرشده، دعاه الهوى فأجابه، و قاده الضلال فاتبعه، فهجر لاغطا، و ضل خابطا.

فأما أمرك بالتقوى فأرجو أن أكون من أهلها، و أستعيذ بالله من أن أكون من الذين إذا امروا بها أخذتهم العزة بالإثم.

و أما تحذيرك إياي أن يحبط عملي و سابقتي في الاسلام، فلعمري لو كنت الباغي عليك لكان لك أن تحذرني ذلك، و لكني وجدت الله تعالى يقول «فقاتلوا التي تبغي حتى تفي‏ء إلى أمر الله» ننظرنا إلى الفئتين ما الفئة الباغية فوجدناها الفئة التي أنت فيها، لأن بيعتي بالمدينة لزمتك و أنت بالشام كما لزمتك بيعة عثمان بالمدينة و أنت أمير لعمر على الشام، و كما لزمت يزيد أخاك بيعة أبي بكر و هو أمير لأبي بكر على الشام، و أما شق عصا هذه الامة فأنا أحق أن أنهاك عنه، فأما تخويفك لي من قتل أهل البغي فان رسول الله صلى الله عليه و آله أمرني بقتالهم و قتلهم و قال لأصحابه: إن فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، و أشار إلي و أنا أولى من اتبع أمره.

و أما فولك إن بيعتي لم تصح لأن أهل الشام لم يدخلوا فيها، كيف و إنما هي بيعة واحدة تلزم الحاضر و الغائب، لا يستثنى فيها النظر، و لا يستأنف فيها الخيار، الخارج منها طاعن، و المروي فيها مداهن، فاربع على ظلعك، و انزع سربال غيك، و اترك ما لا جدوى له عليك، فليس لك عندي إلا السيف حتى تفي‏ء إلى أمر الله صاغرا، و تدخل في البيعة راغما، و السلام‏.

المعنى‏

تشبيه قوله عليه السلام: (فقد أتتني منك موعظة موصلة) كأنما شبه عليه السلام كتابه بثوب موصل أي مرقع و المراد أنها ملفقة من كلمات مختلفة و جمل غير مناسبة وصل بعضها ببعض.

أو المراد أنها موعظة مجموعة ملتقطة من ألفاظ الناس، لا أنها من منشاته و مما تكلم بها مرتجلا، و كأنما المعنى الأول أظهر.

قوله عليه السلام: (و رسالة محبرة) أي أتتني منك رسالة أتعبت نفسك في تقريرها و زينت ألفاظها بالتكلف و التصنع، لما دريت في بيان اللغة أن المحبر من يحسن الشعر و الخط و غيرهما، و بالجملة فيه إشارة لطيفة إلى أن الرجل كان في ميدان الكلام راجلا لا مرتجلا.

قوله عليه السلام: (نمقتها بضلالك) قد بينا في الاعراب أن الباء هذه سببية، و المعنى أتتني رسالة زينتها و زوقتها بسبب‏ ضلالك‏، و سر ذلك أن كل فعل إذا لم يكن على اعتقاد و حقيقة لا يقع في محله على ما ينبغي، و لا يصدر من الفاعل على ترتيب حسن و نظم متين، لأنه عمل قسري خارج عن سجية الطبع واقع بالتكلف فلا يرجى منه حسن الوقوع و النضد، نظير ما قاله أبو الحسن علي بن محمد التهامي:

و مكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار

فإذا لا بد لهذا العامل من أن غير طوية الطبع أن ينمق عمله ثانيا و يزينه ليقرب من موقع ما وقع بغير تكلف.

فنقول: لما كان معاوية عالما بأن أمير المؤمنين عليا عليه السلام كان على بينة من ربه، و أن الحق كان معه عليه السلام حيث دار كان كتابه الذي كتبه إليه عليه السلام على التكلف و التصنع لا محالة، فلو لا ضلاله عن الحق لما يحتاج كتابه إلى التنميق لأنه كان كتابا صادرا بالطبع و لم يكن مضطربا مشوشا حتى يلوح منه أثر الكلفة المحتاج إلى التزيين.

قوله عليه السلام: (و أمضيتها بسوء رأيك) أي أنفذت تلك الرسالة و بعثتها إلي بسبب‏ سوء رأيك‏ بي، و من‏ سوء رأيه به اختلق عليه عليه السلام بأنه قتل عثمان و أعرض عن‏ إجماع المهاجرين و الأنصار في المدينة على بيعته عليه السلام للخلافة و فعل ما فعل.

قوله عليه السلام: (و كتاب امرى‏ء ليس له بصر يهديه‏- إلى قوله: خابطا) عطف على موعظة أي أتاني‏ كتاب امرى‏ء ليس له‏ عقل‏ يهديه‏ إلى الحق أي يقوده إليه و الهادي هو الذي يتقدم فيدل، و الحادي هو الذي يتأخر فيسوق.

و إنما حملنا البصر على العقل لا العين لأن العقل هو لطيفة مجردة إلهية و جوهرة ثمينة نورانية ربانية يقود الانسان إلى الرشاد، و يهديه‏ إلى السداد و يدعوه إلى الاتصاف بالصفات الإلهية، و التخلق بالأخلاق الربوبية، لأن العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان، فمن لم يكن له نور العقل ينجيه من المهالك، فلا جرم يتبع الجهل و الهوى، لأن بعد الحق ليس إلا الضلال، و بعد نور العقل ليس إلا ظلمة الجهل قال عز من قائل: فما ذا بعد الحق إلا الضلال‏ (يونس- 33).

و كما أن العاقل يتفوه و ينطق بما يعنيه و هو في أقواله و أعماله على الصراط السوي، و النهج القويم كذلك تابع الهوى لفقدان بصيرته و عميان سريرته لا بد أن يهجر و يهذي في نطقه و يضل عن سبيل الله في فعله و قوله لاقتضاء الهوى ذلك ففاقد البصر يجيب داعي الهوى و يتبع‏ قائد الضلال فيلزمه أن يهجر لا غطا و يضل‏ خابطا، و بذلك ظهر سر قول أمير المؤمنين علي عليه السلام كما رواه الصدوق رضوان الله عليه في الخصال: المؤمن ينقلب في خمسة من النور: مدخله نور، و مخرجه نور، و علمه نور، و كلامه نور، و منظره يوم القيامة إلى النور.

بحث روائى مناسب للمقام‏

رواه ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني قدس سره في اصول الكافي: أحمد ابن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ما العقل؟ قال: ما عبد به الرحمن، و اكتسب به الجنان، قال:

قلت: فالذي كان في معاوية؟ فقال: تلك النكراء تلك الشيطنة و هي شبيهة بالعقل و ليست بالعقل.

بيان: سأل أبا عبد الله عليه السلام سائل عن معرفة العقل، و لما كان درك حقيقته و عرفان ذاته للسائل في غاية الصعوبة و التعسر جدا، بل قد أعجز الحكماء الراسخين و تحير عقول المتألهين النيل إلى عرفان ذاته و لذا تحيروا في تحديده و اختلفوا فيه، عرفه ببعض آثاره و خواصه، و هذا تعريف بالرسم في اصطلاح أهل الميزان.

قال المحقق الطوسي في أوائل شرحه على منطق الإشارات للشيخ الرئيس:

قد يختلف رسوم الشي‏ء باختلاف الاعتبارات، فمنها ما يكون بحسب ذاته فقط و منها ما يكون بحسب ذاته مقيسا إلى غيره كفعله أو فاعله أو غايته أو شي‏ء آخر مثلا يرسم الكوز بأنه و عاء صفري أو خزفي كذا و كذا و هو رسم بحسب ذاته، و بأنه آلة يشرب بها الماء، و هو رسم بالقياس إلى غايته و كذا في سائر الاعتبارات.انتهى كلامه.

فنقول: تعريفه عليه السلام العقل في الحديث بأنه ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان رسم له بغايته فإن ما ينبغي للسائل أن يعرفه أو يتأتي له عرفانه هذا الرسم له نحو قوله تعالى: يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس و الحج‏ (البقرة آية 187).

و إنما رسمه بذلك لأن اقتضاء العقل الناصع أعني المجرد عن شوائب الامور المادية الدنيوية الموجبة لبعده عن ساحة جناب الرب جل جلاله هو ميله و ارتقاءه إلى الله تعالى، لأنه من عالم الأمر يرتقي بالطبع إليه كما أن الحجر مثلا بالطبع يهبط إلى مكانه الطبيعي له قضاء لحكم الجنسية، و نعم ما أشار إليه العارف الرومي:

ذره ذره كاندرين أرض و سما است‏ جنس خود را همچو كاه و كهربا است‏
جان گشايد سوي بالا بالها تن زده اندر زمين چنگالها

و لذا يستلذ العقل من استفاضته من عالم القدس، و يقوي و يتسع وجودا من إفاضة الاشراقات النورية الإلهية عليه، فمقتضى طويته و سجيته التقرب إلى‏

الله تعالى و اتصافه بصفاته العلياء، فهو الهادي إليه تعالى، و لذا قال عليه السلام: ما عبد به الرحمن لأن العبادة فرع المعرفة و لذا فسروا قوله تعالى: و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون‏ (الذاريات- 57) بقولهم: ليعرفون، فبالعقل يعرف الله و يعبد فهو مبدء جميع الخيرات الموجبة للسعادة الأبدية، فبه يكتسب الجنان لما دريت من أن العقل يهدي إلى سواء السبيل، فالعاقل على الجادة الوسطى و الطريقة المثلى لا يسلك مسلكي الإفراط و التفريط، بل يعمل ما هو رضى الله تعالى.

و لذا قال الامام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق كما رواه ثقة الإسلام الكليني في اصول الكافي: من كان عاقلا كان له دين و من كان له دين دخل الجنة.

فينتج على هيئة قياس منطقي شرطي اقتراني من أعلى ضروب الشكل الاول فمن كان عاقلا دخل الجنة.

ثم إن قوله عليه السلام: ما عبد به الرحمن، إشارة إلى كمال القوة النظرية و قوله عليه السلام: و اكتسب به الجنان إلى العقل العملي، لأن الأول مقدم بالرتبة على الثاني كما عرفت، و بالقوة النظرية يعلم المعارف الكلية الإلهية، و الأحكام الشرعية. و الأخلاق الحسنة، و بالثانية يعمل بها، و هاتان القوتان بمنزلة جناحين للعقل يطير بهما من حضيض الناسوت إلى أوج القدس.

و قد تظافرت الأخبار في العقل و آثاره و خواصه بعبارات عذبة لطيفة علمية من خزنة العلم أئمتنا عليهم السلام أتى بجلها المحدث العالم لخبير الثقة الكليني رضوان الله عليه في الكافي و جعل كتابه الأول في العقل و الجهل، و من تأمل علم أن تلك الأخبار علوم لدنية فاضت من سحاب وجود الذين هم وسائط الفيض بين الله تعالى و عباده.

ثم السائل سأله عليه السلام عن الذي كان في معاوية بقوله: قلت: فالذي كان في معاوية أي فالذي كان في معاوية ما هو على أن يكون الموصول مبتداء حذف خبره، و في بعض النسخ كما في مرآة العقول للمجلسي- ره فما الذي كان في معاوية فعلى هذه النسخة فلا يحتاج إلى تقدير الخبر.

و بالجملة: أن السائل لما رأى جربزة معاوية و دهاه و مكره و احتياله في الامور و طلب الفضول في الدنيا التبس عليه الأمر فزعم أن تلك الروية الردية الدنية الدنيوية كانت في معاوية عقلا فعده من العقلاء كما يزعم الجهال لبعدهم عن الأنوار العلمية من كان له شيطنة في اقتراف الأغراض الشهوانية و الزخارف الدنياوية عاقلا، فأجابه عليه السلام دفعا لا لتباسه و توضيحا لمسألته أن تلك القوة الحاكمة على معاوية هي النكراء.

و النكراء بفتح الأول و سكون الثاني الدهاء و الفطنة و المنكر، قال الجوهري في الصحاح: النكر «بضم الأول و سكون» المنكر، قال الله تعالى: لقد جئت شيئا نكرا (الكهف- 75) و قد يحرك مثل عسر و عسر. قال الشاعر: و كانوا أتوني بشي‏ء نكر، و النكراء مثله. انتهى قوله.

أقول: و المنكر كل فعل و قول تقبحهما العقول الصحيحة الناصعة أو ما تعجز عن درك استحسانه و استقباحه فتتوقف فيه فيحكم بقبحه الشرع، فالنكراء كل ما قبحه العقل أو الشرع.

ثم أعاد عليه السلام اسم الإشارة تأكيدا و تنصيصا بأن تلك القوة النكراء شيطنة أي الأفعال البارزة من معاوية ليست مما يأمره العقل لأن العقل يسلك إلى ما فيه عبادة الرحمن و اكتساب الجنان، و كل ما ليس كذلك فلا يأمر به بل ينكره و ينهى عن ارتكابه، و منهيات العقل و منكراته ما يوسوس بفعلها الشيطان السائق إلى التمرد و العصيان.

و لما كان الجهال رأوا أن علل المعلولات المختلفة تجب أن تكون مختلفة و زعموا بالقياس أن الاثار المتقاربة و المعلولات المتشابهة تجب أن تكون مستندة إلى العلل المتشابهة أيضا، و ما زادهم ذلك القياس إلا بعدا عن الحق، و لذا يعدون معاوية و أشباهه السفهاء من العقلاء، بين الإمام عليه السلام بأن المعلولات المتشابهة قد تكون مستندة إلى العلل المختلفة أيضا. فمجرد اشتراك القوتين في بعض الاثار كجلب نفع و دفع ضر و سرعة التفطن وجودة الحدس و أمثالها لا يوجب‏ اتحادهما حقيقة، لأن المنافع مثلا قد تتعلق بالدنيا كما قد تتعلق بالاخرة فالنفع الذي يجلبه معاوية إلى نفسه مشوب بالهوى، قاده إليه الشيطنة و الضلال و هو عند اولي الألباب منكر محض و ضرر صرف، فأين هذا من ذاك؟! و لذا قال عليه السلام: هي شبيهة بالعقل، و آكده توضيحا و صرح به ثانيا بقوله: و ليست بالعقل، فبينهما بون بعيد و مسافة كثيرة. و حرف التعريف في العقل للعهد أي ليست تلك القوة الشيطنة النكراء هي تلك اللطيفة النورية الإلهية، أي العقل الذي عرفناه بالرسم بأنه ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان.

قال الجاحظ في البيان و التبيين (ص 258 ج 3 طبع مصر 1380 ه): قيل لشريك بن عبد الله: كان معاوية حليما، قال: لو كان حليما ماسفه الحق و لا قاتل عليا، و لو كان حليما ما حمل أبناء العبيد على حرمه و لما أنكح إلا الأكفاء.

قوله عليه السلام: (لأنها بيعة واحدة- إلخ) هذا رد على كلام معاوية حيث قال في كتابه المقدم ذكره: فلعمري لو صحت خلافتك لكنت قريبا من أن تعذر في حرب المسلمين و لكنها ما صحت لك و أنى بصحتها و أهل الشام لم يدخلوا فيها و لم يرتضوا به.

و بيان الرذ إنما هو على حذو ما قدمنا في شرح الكتاب السادس من أنه عليه السلام احتج على الخصم بما كان يعتقد من أن أمر الإمامة و مبنى الخلافة إنما هو بالبيعة دون النص فألزم معاوية بما أثبت به هو و الناس خلافة أبي بكر و عمر و عثمان من أن أهل الشورى من المهاجرين و الأنصار و هما أهل الحل و العقد من امة محمد صلى الله عليه و آله، كما اتفقت كلمتهم على خلافة الثلاث و اتبعهم الناس و لم ينكروا عليهم و لم يكن للشاهد أن يختار غير من اختاروا، و لا للغائب أن يرد من بايعوه للإمامة بل‏ إن خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فان أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين‏، كذلك اتفاقهم على إمامته عليه السلام بعد عثمان حجة على الشاهد و الغائب، فلا يجوز لمعاوية و أتباعه من‏ أهل الشام أن يردوا من نصبه أهل الحل و العقد من المهاجرين و الأنصار لأنها بيعة واحدة لا يثنى فيها النظر و لا يستأنف فيها الخيار كما كان الأمر في بيعة الناس مع الثلاث كذلك، فقد أهجر معاوية في قوله: و أنى بصحتها و أهل الشام لم يدخلوا فيها و لم يرتضوا بها.

قوله عليه السلام: (الخارج منها طاعن) أي‏ الخارج من‏ البيعة طاعن فيما اتفق عليه كلمة أهل العقد و الحل و إجماعهم، فعليهم‏ أن يردوه إلى ما خرج منه فان أبى‏ فعليهم أن‏ يقاتلوه‏. كأنما إشارة إلى قوله تعالى: و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون‏ (التوبة- 12).

قوله عليه السلام: (و المروي فيها مداهن) أي الذي يتفكر و يرتئي في صحة البيعة بعد تحققها و استقرارها خادع خائن منافق.

الترجمة

اين يكي از نامه‏ هاى أمير المؤمنين علي عليه السلام است كه در جواب نامه معاويه نوشت و بسويش ارسال داشت. اين نامه معاويه و جواب آن در أواخر جنگ صفين وقوع يافت و صورت آن چنين است:

چون معاويه ديد كه على و سربازانش در صفين عرصه را بر او و پيروانش چنان تنگ كردند كه راه گزيرى جز گريز بر ايشان نمانده بود بدر عجز در آمده نامه‏ اى باين مضمون به أمير المؤمنين نوشت:

اين نامه ايست كه بنده خدا معاوية بن أبي سفيان به علي بن أبي طالب نوشت أما بعد خداوند در كتاب استوارش فرمود لقد أوحي إليك و إلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين‏ (الزمر: 65) أي پيغمبر بتو و به پيغمبران پيش از تو وحي شد كه اگر شرك آوري عملت تباه خواهد شد و من تو را أى على از خدا تحذير مى ‏نمايم و بيم مى ‏دهم كه مبادا عمل و سابقه‏ات در اسلام بايجاد شكاف در وحدت أمت و پراكنده كردن جماعتشان كه همسنگ شرك‏ است تباه شود. پس از خدا بترس و موقف قيامت را بياد آر و از ريختن خون اين همه مسلمانان دست بدار كه من از پيغمبر شنيدم اگر أهل صنعاء و عدن بر كشتن مسلمانى همدست شوند خداوند همه آنانرا برو در آتش جهنم در اندازد، پس چگونه خواهد بود حال كسى كه اين همه أعلام مسلمين و بزرگان مهاجرين را كشته است.

أي على دست بدار از جنگى كه چون آسيا اين همه از أهل قرآن و عبادت كنندگان و أفراد با ايمان از پيرو جوان كه مؤمن مخلص و مقر و عارف بخدا و پيغمبرش بودند آرد كرده است.

أي أبو الحسن اگر از آن روي خويشتن را أمير و خليفه مى‏ پنداري جنگي اين چنين روا مى ‏دارى، بجانم سوگند كه اگر خلافت تو صحيح بوقوع مى ‏پيوست گويا جاى آن بود كه توان گفت در ريختن خون مسلمانان معذور باشى، و لكن چگونه بصحت رسيده باشد با اين كه أهل شام در بيعت تو در نيامدند و بدان راضي نشدند. بترس از خدا و قهرش، و بپرهيز از سخت گيرى و گوشمال دادنش و شمشير را از روى مردم در غلاف نه كه آتش جنگ مردمان را در ربود، و از آن دريا لشكر باندازه مشت آبي در تك گودالى بيش نمانده، خدا مستعان است.

أمير المؤمنين عليه السلام در جواب او نوشت:

اين نامه ‏ايست از بنده خدا علي أمير مؤمنان بمعاوية پور بو سفيان. أما بعد نامه‏ اى باندرز از تو بما آمده كه عبارات آن از گفتار اين و آن چون جامه پينه دار بهم بر دوخته، و نوشته‏ اى بتكلف انشاء شده بألفاظ نا مربوط آراسته بود آنرا بگمراهى خود زينت داده ‏اى و بانديشه بد خود فرستاده‏ اى (در شرح گفته‏ ايم كه هر عمل در لباس حقيقت نباشد ناچار بايد آنرا بيارايند تا بظاهر رنگ حقيقتش دهند و در معرض ترويجش در آورند).

نامه مردي كه نه بصيرتى دارد تا هدايتش كند و نه رهبري تا ارشادش نمايد هواى نفس دعوتش كرد، و او هم إجابتش، گمراهي افسار او را در دست گرفت و او نيز در پيش روان شد، از اين روى ژاژ خاييد و ياوه گفت و بانگ بيهوده‏ بر آورد.

أما آنكه مرا بتقوى خوانده ‏اى اميدوارم كه اهل آن بوده، و پناه مى ‏برم كه از كسانى باشم چون بتقوى دعوت شوند حميت آنانرا بگناه بدارد (اشاره است بايه كريمه 207 سوره بقره: و إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم و لبئس المهاد.

و أما پاسخ بيم دادنت مرا از خدا كه مبادا عمل و سابقه من در اسلام تباه شود اين كه بجانم سوگند اگر بر تو ستمكار بودم حق داشتى كه مرا تحذير كنى و بيم دهى، و لكن مى ‏بينم كه خدا مى ‏فرمايد فقاتلوا التي تبغي حتى تفي‏ء إلى أمر الله‏ (الحجرات- 9) يعني پس كارزار كنيد با آن فرقه‏اي كه ستم مي كنند تا بأمر خدا بر گردند، و فرقه ستم كننده كسانى‏ اند كه تو در آنهائي چه بيعت مردم با من در مدينه بر تو نيز كه در شام بودى لازم شد چنانكه بيعت با عثمان در مدينه بر تو كه از طرف عمر أمير شام بودى لازم شده بود، و چنانكه برادرت يزيد را كه از طرف أبو بكر أمير شام بود بيعت أبو بكر لازم شده بود (كذا).

أما پاسخ ايجاد شكاف در وحدت أمت اين كه من سزاوارترم كه تو را از آن نهى كنم (زيرا كه معاويه آتش فتنه بپا كرد و مردم را باختلاف و قتال كشانيد).

أما پاسخ ترساندنت مرا از كشتن ستمكاران اين كه پيغمبر صلى الله عليه و آله مرا بكارزار با آنان و كشتنشان امر كرد و فرمود «إن فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله و أشار إلي» يعنى در ميان شما كسى است كه بر تأويل قرآن قتال مي كند چنانكه من بر تنزيل آن قتال كردم و إشاره بسوى من فرمود كه آن كس علي است.

و أما پاسخ گفتارت كه بيعتت صحيح بوقوع نپيوست از آن روي كه شاميان بيعت نكردند اين كه آن يك بيعت است و بر حاضر و غائب لازم، نظر در آن دو نمى‏شود و استيناف در آن راه ندارد، هر كه از آن سر پيچيد و بدر رفت طعن در بيعت و آئين مسلمانان زد، و هركه در آن انديشه ناك و دو دل است خائن و منافق است.

(احتجاج امام عليه السلام بر سبيل مماشاة به آن چه خصم بدان معتقد است ميباشد و گرنه در امام عصمت شرط است كه بايد از جانب خدا و رسول منصوص و منصوب باشد چنانكه در شرح كتاب ششم گفته ‏ايم).

أي معاويه آرام گير، و جامه گمرهي از تن بدر كن، و آنچه كه در آن تو را سودى نيست ترك گوي، و براي تو در نزدم جز شمشير چيزى نيست تا اين كه بأمر خدا بر گردي، و بذلت در بيعت در آئي، درود بر آنكه سزاوارش است.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

نهج البلاغه نامه ها نامه شماره 6 شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

نامه 6 صبحی صالح

6- و من كتاب له ( عليه‏ السلام  ) إلى معاوية

إِنَّهُ بَايَعَنِي الْقَوْمُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ عُثْمَانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُمْ‏

عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ وَ لَا لِلْغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ

وَ إِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَ سَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ رِضًا

فَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْ بِدْعَةٍ رَدُّوهُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ فَإِنْ أَبَى قَاتَلُوهُ عَلَى اتِّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَ وَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى

وَ لَعَمْرِي يَا مُعَاوِيَةُ لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَوَاكَ لَتَجِدَنِّي أَبْرَأَ النَّاسِ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ وَ لَتَعْلَمَنَّ أَنِّي كُنْتُ فِي عُزْلَةٍ عَنْهُ إِلَّا أَنْ تَتَجَنَّى فَتَجَنَّ مَا بَدَا لَكَ وَ السَّلَامُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج17  

و من كتاب له عليه السلام الى معاوية و هو الكتاب السادس من باب المختار من كتبه عليه السلام و رسائله‏

إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، و لا للغائب أن يرد، و إنما الشورى للمهاجرين و الأنصار، فإن اجتمعوا على رجل و سموه إماما كان ذلك لله رضى، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، و ولاه الله ما تولى. و لعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان، و لتعلمن أني كنت في عزلة عنه، إلا أن تتجنى، فتجن ما بدا لك- و السلام‏.

اللغة

(الشورى) فعلى من المشاورة و هي المفاوضه في الكلام ليظهر الحق، قوله تعالى: و أمرهم شورى بينهم‏ (حمعسق- 38) أي لا يتفردون بأمر حتى يشاوروا غيرهم فيه، قال الفيومي في المصباح: شاورته في كذا و استشرته: راجعته لأرى رأيه فيه، فأشار علي بكذا أراني ما عنده فيه من المصلحة فكانت إشارته حسنة و الاسم: المشورة، و تشاور القوم و اشتوروا و الشورى اسم منه، و أمرهم شورى بينهم أي لا يستأثر أحد بشي‏ء دون غيره. انتهى.

(العزلة) بالضم اسم بمعنى الاعتزال.«تتجنى» من الجناية. التجني: طلب الجناية و هو أن يدعي عليك أحد ذنبا لم تفعله. تجنى عليه أي رماه باثم لم يفعله.

«فتجن» أمر من تتجنى بلا كلام فالكلمة بالفتحات. و قد ذهب غير واحد من الشراح و المترجمين إلى أنها بضم الجيم و النون فعل مضارع من جنه إذا ستره كتمد من مد أي تستر و تخفى ما ظهر لك، و لكنها و هم بلا ارتياب، و كانت العبارة في نسختنا المصححة العتيقة و في نسخة صديقنا اللاجوردي قد قوبلت بنسخة الرضي- رحمه الله- هي الأول على أن تتجنى قرينة قوية على أنها أمر منها، و اسلوب العبارة ينادي بأعلى صوتها على أنها أمر و أول ما تبادر ذهننا إليه قبل الفحص و الاستقراء أنها أمر من تتجنى.

الاعراب‏

الضمير في أنه للشأن، على ما بايعوهم عليه، متعلقة بقوله بايعني، اللام من لعمري لام الابتداء و عمري مبتداء و خبر المبتدأ محذوف لا يجوز إظهاره كأنه قال:لعمري قسمي أو لعمري ما أقسم به، و العمر و العمر بالفتح و الضم لغتان، و معناهما البقاء و لا يجي‏ء عمر في اليمين إلا مفتوح العين. و الباء في بطعن للسببية متعلقة بقوله خرج، و اللام في لئن موطئة للقسم و جواب لعمري لتجدني، و جواب الشرط ما دل عليه هذا الجواب، و المعنى: و بقائي لئن نظرت بعقلك فقد تجدني أبرأ الناس من دم عثمان، على و زان قول شبيب بن عوانة (الحماسة 337):

لعمري لئن سر الأعادي و أظهروا شماتا لقد مروا بربعك خاليا

أي: و بقائي لئن كان الأعادي مسرورين بموتك شامتين بذويك و عشيرتك لفقدهم لك، فقد وقعت الشماتة في وقتها و حينها و وافاهم السرور لحادث أمر عظم موقعه، لأنهم مروا بربعك خاليا كما أفاده المرزوقي في شرح الحماسة.و لتعلمن عطف على لتجدني.

«دون هواك» كلمة دون تكون هنا بمعنى سوى كما جاء في وصفه تعالى:ليس دونه منتهى، أي ليس سواه سبحانه من ينتهي إليه أمل الاملين، فهو تعالى منتهى رغبة الراغبين. و تكون بمعنى القدام كقول قيس الخطيم الأوسي (الحماسة 36):

ملكت بها كفي فأنهرت فتقها يرى قائما من دونها ما ورائها

و تكون بمعنى الظرف نحو هذا دون ذلك أي أقرب منه. أو شي‏ء من دون بالتنوين أي حقير ساقط، و على الأول قوله‏ (الحماسة 127):

ألم تريا أني حميت حقيقتي‏ و باشرت حد الموت و الموت دونها

و بهذا المعنى تصغر و يقال: دوين على نحو قولهم: قبيل و بعيد و فويق قال خلف بن خليفة (الحماسة 296):

و بالدير أشجاني و كم من شج له‏ دوين المصلى بالبقيع شجون‏

و تكون بمعنى عند و غير و خذ نحو دونكها أي خذها و بمعنى نقيض فوق و بمعنى الشريف و الخسيس و الوعيد.«إلا أن تتجنى» استثناء منقطع. «فتجن ما بدا لك» ما منصوب محلا بالمفعولية.

المعنى‏

هذا الكتاب‏ بعض ما كتب‏ عليه السلام إلى معاوية مع جرير بن عبد الله البجلي و روى الكتاب بتمامه نصر بن مزاحم المنقري الكوفي مسندا في صفين (ص 18 الطبع الناصري 1301 ه) و هذا الكتاب مروي أيضا في كتاب الفتن و المحن من البحار ص 434 و سنتلوه عليك بحذافيره.

قال نصر في صفين: إن أمير المؤمنين عليا عليه السلام لما قدم من البصرة و دخل الكوفة و أقام بها بعث إلى العمال في الافاق «يعني بهم العمال لعثمان على البلاد» و كان أهم الوجوه إليه الشام.

و روى عن محمد بن عبيد الله القرشي، عن الجرجاني قال: لما بويع علي عليه السلام و كتب إلى العمال في الافاق كتب إلى جرير بن عبد الله البجلي و كان جرير عاملا لعثمان على ثغر همدان فكتب إليه مع زحر بن قيس الجعفي:

«كتاب على عليه السلام الى جرير بن عبد الله البجلى»

أما بعد فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم و إذا أراد الله‏ بقوم سوء فلا مرد له و ما لهم من دونه من وال، و إني اخبرك عن نبا من سرنا إليه من جموح طلحة و الزبير عند نكثهم بيعتهم و ما صنعوا بعاملي عثمان بن حنيف، إني هبطت من المدينة بالمهاجرين و الأنصار حتى إذا كنت بالعذيب بعثت إلى أهل الكوفة بالحسن بن علي، و عبد الله بن عباس، و عمار بن ياسر، و قيس بن سعد ابن عبادة، فاستنفروهم فأجابوا فسرت بهم حتى نزلت بظهر البصرة، فأعذرت في الدعاء، و أقلت العثرة، و ناشدتهم عقد بيعتهم، فأبوا إلا قتالي، فاستعنت بالله عليهم فقتل من قتل، و ولوا مدبرين إلى مصرهم، فسألوني ما كنت دعوتهم إليه قبل اللقاء فقبلت العافية، و رفعت السيف، و استعملت عليهم عبد الله بن عباس، و سرت إلى الكوفة و قد بعثت إليكم زحر بن قيس فاسأل عما بدا لك.

أقول: كتابه هذا إلى جرير ليس بمذكور في النهج و هذا الكتاب مذكور أيضا في كتاب الإمامة و السياسة لابن قتيبة الدينوري المتوفى سنة- 213 ه- و بين النسختين اختلاف يسير لا يعبأ به.

ثم إن زحر بن قيس هذا هو الذي كان في خيل عمر بن سعد يوم الطف و كان ممن حمل الاسازى و رءوس الشهداء من أهل بيت الطهارة و النبوة إلى الشام و ما جرى بينه و بين الإمام السجاد عليه السلام و سائر أقواله و أفعاله مذكور في كتب المقاتل، نعوذ بالله تعالى من سوء الخاتمة.

قال نصر: فلما قرأ جرير الكتاب قام فقال: أيها الناس هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام و هو المأمون على الدين و الدنيا، و قد كان من أمره و أمر عدوه ما نحمد الله عليه، و قد بايعه السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و التابعين بإحسان، و لو جعل هذا الأمر شورى بين المسلمين كان أحقهم بها، ألا و إن البقاء في الجماعة، و الفناء في الفرقة و علي حاملكم على الحق ما استقمتم، فإن ملتم أقام ميلكم، فقال الناس: سمعا و طاعة رضينا رضينا، فأجاب جرير و كتب جواب كتابه بالطاعة.

قال: و كان مع علي رجل من طي‏ء ابن اخت لجرير، فحمل زحر بن قيس‏ شعرا له إلى خاله جرير و هو:

جرير بن عبد الله لا تردد الهدى‏ و بايع عليا إنني لك ناصح‏
فان عليا خير من وطأ الحصى‏ سوى أحمد و الموت غاد و رائح‏
ودع عنك قول الناكثين فإنما اولاك أبا عمرو كلاب نوابح‏
و بايعه إن بايعته بنصيحة و لا يك معها في ضميرك فادح‏
فانك إن تطلب به الدين تعطه‏ و إن تطلب الدنيا فبيعك رابح‏
و إن قلت عثمان بن عفان حقه‏ علي عظيم و الشكور مناصح‏
فحق علي إذ وليك كحقه‏ علي عظيم و الشكور مناصح‏
فحق علي إذ وليك كحقه‏ و شكرك ما أوليت في الناس صالح‏
و إن قلت لا نرضى عليا إمامنا فدع عنك بحرا ضل فيه السوابح‏
أبى الله إلا أنه خير دهره‏ و أفضل من ضمت عليه الأباطح‏

قال: ثم قام زحر بن قيس خطيبا فكان مما حفظ من كلامه أن قال:

الحمد لله الذي اختار الحمد لنفسه، و تولاه دون خلقه، لا شريك له في الحمد، و لا نظير له في المجد، و لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائم الدائم، إله السماء و الأرض، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، أرسله بالحق الوضح، و الحق الناطق، داعيا إلى الخير، و قائدا إلى الهدى.

ثم قال: أيها الناس إن عليا قد كتب إليكم كتابا لا يقال بعده إلا رجيع من القول، و لكن لا بد من رد الكلام، إن الناس بايعوا عليا بالمدينة من غير محاباة له ببيعتهم، لعلمه بكتاب الله و سنن الحق، و إن طلحة و الزبير نقضا بيعته على غير حدث، و ألبا عليه الناس ثم لم يرضيا حتى نصبا له الحرب، و أخرجا ام المؤمنين، فلقيهما فأعذر في الدعاء، و أحسن في البقية، و حمل الناس على ما يعرفون، هذا عيان ما غاب عنكم، و لإن سألتم الزيادة زدناكم و لا قوة إلا بالله و نقل كلامه الدينوري في الإمامة و السياسة و بين النسختين اختلاف في الجملة.

قال نصر: و قال جرير في ذلك:

أتانا كتاب علي فلم‏ نرد الكتاب بأرض العجم‏
و لم نعص ما فيه لما أتا و لما نضام و لما نلم‏
و نحن ولاة على ثغرها نضيم العزيز و نحمى الذمم‏
نساقيهم الموت عند اللفاء بكأس المنايا و نشفي القرم‏
طحناهم طحنة بالقنا و ضرب سيوف تطير اللمم‏
مضينا يقينا على ديننا و دين النبي مجلي الظلم‏
أمين الإله و برهانه‏ و عدل البرية و المعتصم‏
رسول المليك و من بعده‏ خليفتنا القائم المدعم‏
عليا عنيت وصي النبي‏ نجالد عنه غواة الامم‏
له الفضل و السبق و المكرمات‏ و بيت النبوة لا يهتضم‏

أقول: قد قدمنا في مواضع أن كثيرا من سنام المسلمين في صدر الإسلام و صفوا أمير المؤمنين عليه السلام بأنه وصي النبي، و قلنا إن هذه الكلمة الصادرة من هؤلاء الذين أدرك كثير منهم. النبي صلى الله عليه و آله مما ينبغي أن يعتنى بها و يبجلها من يطلب طريق الحق و يبحث عنه. و لعمري أن هذه الدفيقة حجة على من كان له قلب إلا أن ختم الله على قلبه و نعم ما قال العارف الرومي:

چشم باز و گوش باز و اين عمى‏ حيرتم از چشم بندي خدا

نصر: عمر بن سعد عن نمير بن و علة، عن عامر الشعبي أن عليا عليه السلام حين قدم من البصرة نزع جريرا عن همدان فجاء حتى نزل الكوفة فأراد علي عليه السلام أن يبعث إلى معاوية رسولا، فقال له جرير: ابعثني إلى معاوية فإنه لم يزل لي مستنصحا و ودا نأتيه فأدعوه على أن يسلم لك هذا الأمر و يجامعك على الحق على أن يكون أميرا من امرائك و عاملا من عمالك ما عمل بطاعة الله و اتبع ما في كتاب الله، و أدعو أهل الشام إلى طاعتك و ولايتك و جلهم قومي و أهل بلادي و قد رجوت أن لا يعصوني.

فقال له عليه السلام الأشتر: لا تبعثه و دعه و لا تصدقه فوالله إني لأظن هواه‏ هواهم و نيته نيتهم.

فقال له علي عليه السلام: دعه حتى ننظر ما يرجع به إلينا، فبعثه علي عليه السلام و قال له حين أراد أن يبعثه: إن حولي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله من أهل الدين و الرأي من قد رأيت، و قد اخترتك عليهم لقول رسول الله صلى الله عليه و آله فيك: إنك من خير ذي يمن، ايت معاوية بكتابي فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون، و إلا فانبذ إليه و أعلمه أني لا أرضى به أميرا و أن العامة لا ترضى به خليفة.

فانطلق جرير حتى أتى الشام و نزل بمعاوية فدخل عليه، فحمد الله و أثنى عليه و قال: أما بعد يا معاوية فانه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين و أهل المصرين و أهل الحجاز و أهل اليمن و أهل مصر و أهل العروض و عمان و أهل البحرين و اليمامة، فلم يبق إلا أهل هذه الحصون التي أنت فيها لو سال عليها سيل من أوديته غرقها، و قد أتيتك أدعوك إلى ما يرشدك و يهديك إلى مبايعة هذا الرجل، و دفع إليه الكتاب كتاب علي بن أبي طالب عليه السلام و فيه‏:

صورة كتابه عليه السلام الكاملة الى معاوية على ما فى كتاب نصر فى صفين (ص 18 من الطبع الناصرى) و كتاب الامامة و السياسة لابن قتيبة الدينورى (ص 93 ج 1 طبع مصر 1377 ه) بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن بيعتي لزمتك بالمدينة و أنت بالشام لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان على ما بايعوا عليه فلم يكن للشاهد أن يختار، و لا للغائب أن يرد، و إنما الشورى للمهاجرين و الأنصار، فاذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك لله رضى، فان خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردوه إلى ما خرج منه، فان أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين و ولاه الله ما تولى و يصليه جهنم و سائت مصيرا، و إن طلحة و الزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي و كان نقضهما كردهما، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق و ظهر أمر الله و هم كارهون، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإن أحب الامور إلي فيك العافية إلا أن تتعرض للبلاء، فان تعرضت له قاتلتك، و استعنت الله عليك و قد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم إلي‏ أحملك و إياهم على كتاب الله، فأما تلك التي تريدها فخدعة الصبي عن اللبن و لعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك، لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان، و اعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، و لا تعرض فيهم الشورى و قد أرسلت إليك و إلى من قبلك جرير بن عبد الله، و هو من أهل الإيمان و الهجرة فبايع و لا قوة إلا بالله.

أقول: و لا يخفى عليك أن بين نسخة النهج و بين نسخة صفين لنصر تفاوتا في الجملة كما أن بين نسختي نصر و الدينوري اختلافا يسيرا لا يعبأ به.

ثم إن قوله عليه السلام: و قد أكثرت في قتلة عثمان‏- الى قوله: فخدعة الصبي عن اللبن‏، مذكور في ذيل كتابه الاخر إلى معاوية أيضا، و هو الكتاب الرابع و الستون أوله: أما بعد فانا كنا نحن و أنتم على ما ذكرت من الالفة- إلخ.

قال نصر: فلما قرأ معاوية الكتاب قام جرير فقال:الحمد لله المحمود بالعوائد، المأمول منه الزوايد، المرتجى منه الثواب المستعان على النوائب، أحمده و أستعينه في الامور التي تحير دونه الألباب و تضمحل عندها الأرباب، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كل شي‏ء هالك إلا وجهه له الحكم و إليه ترجعون، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، أرسله بعد الفترة و بعد الرسل الماضية، و القرون الخالية، و الأبدان البالية، و الجبلة الطاغية، فبلغ الرسالة، و نصح الامة، و أدى الحق الذي استودعه الله و أمره بأدائه إلى امته، صلى الله عليه و آله و سلم من مبتعث و منتجب.

ثم قال: أيها الناس إن أمر عثمان قد أعيى من شهده فما ظنكم بما غاب عنه، و إن الناس بايعوا عليا غير و اترو لا موتور. و كان طلحة و الزبير ممن بايعه ثم نكثا بيعته على غير حدث، ألا و إن هذا الدين لا يحتمل الفتن، ألا و إن العرب لا تحتمل السيف، و قد كانت بالبصرة أمس ملحمة إن يشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للناس، و قد بايعت العامة عليا و لو ملكنا و الله امورنا لم نختر لها غيره، و من خالف هذا استعتب، فادخل يا معاوية فيما دخل فيه الناس، فان قلت: استعملني‏ عثمان ثم لم يعزلني فان هذا أمر لو جاز لم يقم لله دين، و كان لكل امرى‏ء ما في يديه، و لكن الله لم يجعل للاخر من الولاة حق الأول، و جعل تلك امورا موطاة، و حقوقا ينسخ بعضها بعضا.

فقال معاوية: انظر و ننظر و أستطلع رأي أهل الشام.

أقول: الظاهر أن هذا الكتاب هو أول كتاب أرسله عليه السلام إلى معاوية يدعوه إلى بيعته إلا أن الرضي رضي الله عنه قال في آخر هذا الباب (الكتاب 75) و من كتاب له عليه السلام إلى معاوية في أول ما بويع له، ذكره الواقدي في كتاب الجمل، من عبد الله أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان فقد علمت إعذاري فيكم و إعراضي عنكم- إلخ.

و قال ابن قتيبة الدينوري في كتاب الإمامة و السياسة المعروف بتاريخ الخلفاء (ص 82 ج 1 طبع مصر 1377 ه): و ذكروا أنه لما فرغ من وقعة الجمل بايع له القوم جميعا و بايع له أهل العراق و استقام له الأمر بها، فكتب إلى معاوية أما بعد فإن القضاء السابق و القدر النافذ ينزل من السماء كقطر المطر فتمضى أحكامه عز و جل و تنفذ مشيئته بغير تحاب المخلوقين و لا رضى الادميين، و قد بلغك ما كان من قتل عثمان و بيعة الناس عامة إياي و مصارع الناكثين لي، فادخل فيما دخل الناس فيه، و إلا فأنا الذي عرفت و حولي من تعلمه، و السلام.

و يمكن أن يكون هذه الكتب الثلاث كتابا واحدا فتفرق كما قدمنا كثيرا من نظائره، و مما يؤيده أن الدينوري بعد نقل الكتاب قال: ثم إن معاوية انتخب رجلا من عبس و كان له لسان، فكتب إلى علي عليه السلام كتابا عنوانه: من معاوية إلى علي، و داخله: بسم الله الرحمن الرحيم لا غير، فلما قدم الرسول دفع الكتاب إلى علي فعرف علي عليه السلام ما فيه و أن معاوية محارب له و أنه لا يجيبه إلى شي‏ء مما يريد.

و قد نقل قريبا من هذا الكلام الشارح المعتزلي في شرح نسخة النهج و هو:فلما جاء معاوية هذا الكتاب «يعني به الكتاب المذكور في النهج» وصل بين‏ طومارين أبيضين ثم طواهما و كتب عنوانهما من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب- قال جرير: و دفعهما معاوية إلي لا أعلم ما فيهما و لا أظنهما إلا جوابا و بعث معي رجلا من بني عبس لا أدري ما معه فخرجنا حتى قدمنا الكوفة و اجتمع الناس في المسجد لا يشكون أنها بيعة أهل الشام، فلما فتح علي عليه السلام الكتاب لم يجد شيئا- إلخ، و الله تعالى أعلم.

و قد روي أنه عليه السلام كتب إلى معاوية مع جرير: أني قد عزلتك ففوض الأمر إلى جرير، و السلام.

و قال: لجرير: صن نفسك عن خداعه فان سلم إليك الأمر و توجه إلي فأقم أنت بالشام، و ان تعلل بشي‏ء فارجع، فلما جاءه تعلل بمشاورة أهل الشام و غير ذلك، فرجع جرير فكتب معاوية في أثره على ظهر كتابه عليه السلام: من ولاك حتى تعزلني، و السلام.

قوله عليه السلام‏ (إنه بايعني‏- إلى قوله: على ما بايعوهم عليه) و اعلم أن بيعة الناس أمير المؤمنين عليا عليه السلام و إطباقهم على إمامته كان أشد و أوكد بمراحل من إطباقهم على إمامة الثلاثة قبله عليه السلام، كما أشرنا إلى نبذة من شواهده في المباحث الماضية، و كفى في ذلك قوله عليه السلام: فتداكوا علي تداك الابل الهيم يوم ورودها قد أرسلها راعيها و خلعت مثانيها، حتى ظننت أنهم قاتلي أو بعضهم قاتل بعض لدي‏ (الخطبة 54 من النهج).

و قوله عليه السلام: و بسطتم يدي فكففتها و مددتموها فقبضتها، ثم تداككتم علي تداك الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها، حتى انقطعت النعل و سقطت الرداء و وطى‏ء الضعيف و بلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي أن ابتهج بها الصغير، و هدج إليها الكبير و تحامل نحوها العليل، و حسرت إليها الكعاب‏ (الخطبة 227 من النهج).

ثم إن ذلك الكلام لا يدل على أنه عليه السلام أثبت خلافته ببيعة الناس و إجماعهم بل احتج على القوم باتفاق الناس و إجماعهم على خلافته على وجه التسليم و المماشاة و حسب مقتضى عقيدتهم بأنهم لما اعتقدوا أن مبنى الخلافة و نصب الإمام على البيعة دون النص لزمهم قبول خلافته و امامته و التسليم و الانقياد لأمره.

و لو احتج عليهم بالنص لم يقبلوا منه و لم يسلموا له و إلا فخلافته بلا فصل ثبتت بنص الله تعالى و رسوله، و قد أشرنا إلى ذلك في شرح الخطبة السابعة و الثلاثين و المأتين من أن الإمام يجب أن يكون منصوبا من الله تعالى، لأن الامامة عهده تعالى و لا يناله إلا من اجتبيه.

ثم إنه عليه السلام لو تمسك لإمامته بالنص لكان هذا طعنا على الذين سبقوه بالخلافة الظاهرية، فإذا تفسد حاله مع الذين بايعوه من المهاجرين و الأنصار في المدينة و كان المقام لا يناسب سوق الاحتجاج على سبيل النص، و لو لا مراعاة المقام لكان يصرح بما هو الحق الصريح، و الشقشقية حجة بالغة على ذلك.

قوله عليه السلام: (فلم يكن للشاهد أن يختار و لا للغائب أن يرد) هذه نتيجة لما قدم أي إذا بايعني القوم على الوجه الذي بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان و ما اختار أحد من الشاهدين في المدينة غير ما بايعوه و كذا لم يرد أحد من الغائبين عن المدينة من بايعوه بل الكل انقادوا و تسلموا فكذا لم يكن للشاهد أن يختار غيري‏ و لا للغائب أن يردني‏، بل يجب على الشاهد و الغائب جميعا الاطاعة و الانقياد.

ثم إن فيه تعريضا و طعنا على الناكثين طلحة و الزبير و أتباعهما، و على معاوية و أهل الشام من أتباعه لأن الشاهد أي الناكثين اختاروا غيره عليه السلام و الغائب أي معاوية و أهل الشام لم يقبلوا بيعته.

ثم يمكن أن يستفاد من قوله عليه السلام‏ (أن يرد) أن لا يكون هذا الكتاب أول كتاب كتبه إلى معاوية بأن يكون الأول هو الكتاب 75 من هذا الباب أو الذي نقله الدينوري في الامامة و السياسة، و لما رد معاوية كتابه و لم يقبل البيعة قال عليه السلام: و لا للغائب أن يرد، فتأمل.

قوله عليه السلام‏ (و إنما الشورى- الى قوله: و ولاه ما تولى) الشورى المشورة و إنما تفيد حصر الشورى في المهاجرين و الأنصار، و إنما حصر الشورى‏ فيهما لأنهما أهل الحل و العقد من أمة محمد صلى الله عليه و آله فمتى اتفقت كلمتهم على أمر و أجمعوا عليه كان ذلك حقا مرضيا لله تعالى فيجب على الناس اتباعه.

و من ذلك إطباقهم على إمامة علي عليه السلام كما أشار إليه بقوله: فان اجتمعوا على رجل فسموه إماما فان خرج من أمرهم‏ أحد بطعن‏ عليهم أو على من بايعوه بالامامة كمن طعن عليه عليه السلام بدم عثمان، أو ببدعة كنكث الناكثين و من بايع معاوية بالخلافة بعد ما أجمع المهاجرون و الأنصار على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام‏ ردوه‏ عما خرج إليه‏ إلى ما خرج منه‏.

فان امتنع ذلك الخارج عن الرجوع‏ إلى ما خرج منه قاتلوه‏، لأنه اتبع‏ غير سبيل المؤمنين‏ و حيث أبى و اتبع‏ غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى‏ أي يخلي بينه و بين ما اختاره لنفسه و يكله إلى من انتصر به و اتكل عليه.

و هذا إشارة الى قوله تعالى: و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى و يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى و نصله جهنم و ساءت مصيرا (النساء: 116).

و انما تهدده بكلامه هذا و توعده بالعقوبة لئلا يتبع‏ غير سبيل المؤمنين‏ و نبهه على أنه إن خالف سبيلهم‏ بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه و قاتلوه‏ على أن الله يوليه ما تولى و يصليه جهنم.

ثم إن كلامه هذا أيضا على مقتضى عقيدة القوم مداراة و مماشاة معهم بما اعتقدوا من أن أمر الخلافة إنما هو بالبيعة من أهل العقد و الحل لا بالنص، و إلا فامامته بلا فصل كانت ثابتة بالبراهين القطعية فالقياس جدلي على اصطلاح أهل الميزان، لأنه اعتبر في مقدماته التسليم من الخصم أي تبكيت الخصم و إلزامه بما سلم به.

قوله عليه السلام: (و لعمري‏- الى قوله: في عزلة عنه) قد قدمنا في أبحاثنا السالفة نقل كلام عمار بن ياسر رضوان الله عليه و شبث و غيرهما من أن معاوية لم يجد شيئا يستغوي به الناس و يستميل به أهواءهم و يستخلص به طاعتهم إلا قوله.قتل إمامكم عثمان مظلوما فنحن نطلب بدمه.

و قد روى أبو جعفر الطبري في التاريخ باسناده عن زيد بن وهب الجهني أن عمار بن ياسر قال في صفين: أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين- يعني بهم معاوية و أتباعهم- يبغون دم ابن عفان و يزعمون أنه قتل مظلوما، و الله ما طلبتم و لكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها و استمرءوها و علموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم و بين ما يتمرغون فيه من دنياهم، و لم يكن للقوم سابقة في الاسلام يستحفون بها طاعة الناس و الولاية عليهم فخدعوا أتباعهم أن قالوا: إمامنا قتل مظلوما، ليكونوا بذلك جبابرة ملوكا و تلك مكيدة بلغوا بها ما ترون، و لولا هي ما تبعهم من الناس رجلان. إلخ.

و قال عمار أيضا: أيها الناس و الله ما أسلموا- يعني معاوية و أتباعه كما مضى من قبل مسندا- و لكنهم استسلموا و أسروا الكفر فلما وجدوا له أعوانا أظهروه. و الظاهر أنه أخذ هذا القول منه عليه السلام كما سيأتي في الكلام 16 من هذا الباب.

ثم قد مضى في الخطبة 238 قوله عليه السلام: و الله لقد دفعت عنه‏- يعني عن عثمان- حتى خشيت أن أكون آثما. و قوله المنقول عن الطبري (ص 410 ج 3 طبع مصر 1357 ه) في عثمان: و الله ما زلت أذب عنه حتى أني لأستحي، و كذا برهنا في مواضع كثيرة من مباحثنا الماضية على أنه عليه السلام كان أبرأ الناس من دم عثمان.

ثم لما كانت هوى النفس قائدة إلى خلاف الحق، لأنها قرين سوء يزين كل قبيح و يقبح كل حسن و كاسفة بيضاء العقل كما قيل: «إنارة العقل مكسوف بطوع الهوى» أقسم عليه السلام بعمره لئن نظر معاوية فيما جرى على عثمان بعقله الناصع من الهوى ليجدنه أبرأ الناس من دمه، و ليعلمن أنه عليه السلام كان في عزلة عن دم عثمان.

قوله عليه السلام: (إلا أن تتجنى فتجن ما بدا لك و السلام) يعني به أنك لو خالفت هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان إلا أن تعزيني إلى الجناية افتراءو تدعي علي ذنبا لم أفعله فافتر على ما ظهر لك من الذنوب و الجفايات.

ثم إن أمير المؤمنين عليه السلام لما كان أبرأ الناس من دم عثمان و كان منزها عن جناية و ذنب رأى أن معاوية أراد استغواء الناس بذلك الافتراء، و أن الانسان المبرى عن الشين لا يبالي بأقاويل كاذبة تقال فيه، لأن الباطل يذهب جفاء قال:فتجن ما بدا لك.

و بوجه آخر أنه عليه السلام قال لمعاوية: إذا كنت تعلم أني أبرأ الناس من دم عثمان و مع ذلك تفوه بما خلافه معلوم لك و لا تستحي بالافتراء فان شئت أن تدعي علي أية جناية كانت، و أردت أن تنسب إلي أي ذنب كان: فافعل، و لا يخفى أن كلامه عليه السلام ينبى‏ء عن استخفاف أمر معاوية و استحقار تجنيه عليه.

و أما على مختار القوم، أي كون تجن مضارع جن فالمعنى أنك لو خالفت هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان إلا أن تعزيني إلى الجناية افتراء و تدعي علي ذنبا لم أفعله، ثم تأخذ ذلك الاختلاق وسيلة لأن تستر و تخفي ما ظهر لك من براءتي من دم عثمان، يعني أن براءتي من دم عثمان ظاهرة لك غير خفية إلا أنك تريد إخفاءه و الافتراء علي بدمه حتى تجعله ذريعة لك فتستغوي بها الناس و لكن الصواب هو الوجه الأول لما دريت في بيان اللغة.

قوله عليه السلام: (و السلام) أي‏ و السلام‏ على من اتبع الهدى، أو و السلام‏ على أهله أو غيرهما مما يناسبهما.

قال الفاضل الشارح المعتزلي: و اعلم أن هذا الفصل دال بصريحه على كون الاختيار طريقا إلى الإمامه كما يذكره أصحابنا المتكلمون، لأنه احتج على معاوية بيعته أهل الحل و العقد له، و لم يراع في ذلك إجماع المسلمين كلهم و قياسه على بيعة أهل الحل و العقد لأبي بكر، فانه ما روعي فيها إجماع المسلمين، لأن سعد بن عبادة لم يبايع و لا واحد من أهل بيته و ولده، و لأن عليا و بني هاشم و من انضوى إليهم لم يبايعوا في مبدء الأمر و امتنعوا، و لم يتوقف المسلمون في تصحيح إمامة أبي بكر و تنفيذ أحكامه على بيعتهم، و هذا دليل على صحة الإختيار و كونه‏ طريقا إلى الإمامة و أنه لا يقدح في إمامته امتناع معاوية من البيعة و أهل الشام.

فأما الإمامية فتحمل هذا الكتاب منه على التقية و تقول إنه ما كان يمكنه أن يصرح لمعاوية في مكتوبه بباطن الحال و يقول له: أنا منصوص علي من رسول الله صلى الله عليه و آله و معهود إلى المسلمين أن أكون خليفة فيهم بلا فصل، فيكون في ذلك طعن على الأئمة المتقدمين و تفسد حاله مع الذين بايعوه من أهل المدينة.

و هذا القول من الإمامية دعوى لو عضدها دليل لوجب أن يقال بها و يصار إليها، و لكن لا دليل لهم على ما يدهبون إليه من الاصول التي تسوقهم إلى حمل هذا الكلام على التقية.

ثم قال: فأما قوله: و قد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه المسلمون ثم حاكم القوم إلي أحملك و إياهم على كتاب الله‏، فيجب أن يذكر في شرحه ما يقول المتكلمون في هذه الواقعة.

قال أصحابنا المعتزلة: هذا الكلام حق و صواب لأن أولياء الدم يجب أن يبايعوا الإمام و يدخلوا تحت طاعته ثم يرفعوا خصومهم إليه، فان حكم بالحق استديمت إمامته، و إن حاد عن الحق انتقضت خلافته، و اولياء عثمان الذين هم بنوه لم يبايعوا عليا و لا دخلوا تحت طاعته، و كذلك معاوية ابن عم عثمان لم يبايع و لا أطاع، فمطالبتهم له بأن يقتص لهم من قاتلي عثمان قبل بيعتهم إياه و طاعتهم له ظلم منهم و عدوان.

ثم قال: فإن قلت: هب أن القصاص من قتلة عثمان موقوف على ما ذكره أما كان يجب عليه لا من طريق القصاص أن ينهى عن المنكر و أنتم تذهبون إلى أن النبي عن المنكر واجب على من هو سوقه فكيف على الامام الأعظم؟.

قلت: هذا غير وارد ههنا لأن النهي عن المنكر إنما يجب قبل وقوع المنكر لكيلا يقع، فاذا وقع المنكر فأي نهي يكون عنه، و قد نهي علي عليه السلام أهل مصر و غيرهم عن قتل عثمان قبل قتله مرارا، و نابذهم بيده و لسانه و بأولاده فلم يغن شيئا، و تفاقم الأمر حتى قتل، و لا يجب بعد القتل إلا القصاص، فاذا امتنع أولياء الدم من طاعة الامام لم يجب عليه أن يقتص من القاتلين، لأن القصاص حقهم و قد سقط ببغيهم على الإمام و خروجهم عن طاعته، و قد قلنا نحن فيما تقدم أن القصاص إنما يجب على من باشر القتل، و الذين باشروا قتل عثمان قتلوا يوم قتل عثمان في دار عثمان و الذين كان معاوية يطالبه بدم عثمان لم يباشروا القتل و إنما كثروا السواد و حصروا عثمان في الدار و أجلبوا عليه و شتموه و توعدوه و منهم من تسور عليه داره و لم ينزل إليه، و منهم من نزل فحضر قتله و لم يشرك فيه و كل هؤلاء لا يجب عليهم القصاص في الشرع.

أقول: أما قوله إن الاختيار طريق إلى الإمامة فيرده ما برهنا في عدة مواضع من مباحثنا السالفة من أن الإمامة أجل قدرا، و أعظم شأنا، و أعلا مكانا و أمنع جانبا، و أبعد غورا، من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها برأيهم، أو يقيموا إماما باختيارهم، بل انها رئاسة إلهية يجب على الله تعالى نصب من اجتبيه لها.

و أما قوله: و قياسه على بيعة أهل الحل و العقد لأبي بكر- إلخ، فيرده أن خلافة أبي بكر لم يكن بحق حتى يقاس بها، و إعراض سعد بن عبادة و أتباعه و علي عليه السلام و أشياعه عن بيعته كان على بصيرة في أمر الخلافة.

و أما قوله عليه السلام: و هذا القول‏ من الامامية دعوى لو عضدها دليل لوجب أن يقال بها- إلخ فقد قلنا آنفا في شرح هذا الكتاب إن كلامه عليه السلام هذا إنما هو على مقتضى عقيدة القوم حيث ذهبوا إلى أن أمر الامامة و الخلافة إنما هو بالبيعة لا بالنص، و أنه سيق على القياس الجدلي أعني إلزام الخصم بما اعتقد و سلم به فلا حاجة إلى حمل كلامه عليه السلام على التقية.

و إسناد هذا القول إلى الامامية لا يخلو من دغدغة، و لو مال إليه واحد منهم فقد أخطأ و لا يصح إسناده إلى الجميع و قد سبقنا بهذه الدقيقة المجلسي رحمه الله في البحار ص 528 ج 8 من الطبع الكمباني.

و أما الأدلة على كونه عليه السلام خليفة رسول الله صلى الله عليه و آله بلا فصل فتجل عن الاحصاء من العقلية و النقلبة، و قد ألف بغاة الحقيقة و الهداية في ذلك رسائل شتى و صنف أهل الفحص و التتبع من الفريقين جوامع عديدة حاوية للأخبار المأثورة عن النبي صلى الله عليه و آله في خلافته بلا فصل، و كذا في خلافة سائر الأئمة واحدا بعد واحد و لو ثنينا البيان على تفصيل ذلك لطال بنا الخطب و عظم علينا الأمر.

و لعمري‏ أن الرجل يحب أن يتشابه بالجهال، و إلا فالأمر أبلج من الشمس في رابعة النهار، و قد قدمنا أن رسول الله صلى الله عليه و آله كان أشفق على الناس من الوالد على ولده حتى أنه أرشدهم إلى امور كانت دون مرتبة ولاية الأمر بمراحل كتعليمهم تقليهم الأظفار، و آداب طلى النورة، و تسريح اللحى، و أخذ الشوارب و لبس الثياب حتى أرشدهم في قضاء الحاجة إلى امور كثيرة مندوبة و غير مندوبة فكيف يسكت عن أجل الأشياء قدرا و أشدها حاجة أعني النص على الامام الذي يتولي امورهم بعده.

و أما قوله عليه السلام: و قد أكثرت في قتلة عثمان‏- إلخ، فمذكور في ذلك الكتاب كما نقلنا صورته الكاملة عن كتاب صفين لنصر بن مزاحم.

ثم إن ما نقل الفاضل الشارح من أصحابه من أن أولياء الدم يجب أن يبايعوا الإمام و يدخلوا تحت طاعته ثم يرافعوا خصومهم إليه فان حكم بالحق استديمت إمامته، و إن حاد عن الحق انتقضت خلافته- إلخ. اعتراف منهم بانتقاض خلافة عثمان من أول ما بويع له بالخلافة، لأنه عطل الحد الواجب في عبيد الله ابن عمر قاتل جفينة و الهرمزان و ابنة أبي لؤلؤة، و قد قدمنا الكلام في ذلك في شرح الخطبة 236 و المختار الأول من باب الكتب و الرسائل، فراجع.

الترجمة

اين يكى از نامه‏ هاى أمير المؤمنين على عليه السلام است كه بسوى معاويه ارسال داشت:

همانا گروهى كه بر وجهي با أبو بكر و عمر و عثمان بيعت كردند بر آن وجه نيز با من بيعت كردند، پس حاضر- در مدينه- را نشايد كه ديگري را بامامت بر گزيند و غائب را نسزد كه از بر گزيده قوم بامامت سر باز زند.

(اين گفتار تعريض است به عمل طلحه و زبير و پيروانشان كه در مدينه بودند و بيعت كردند و نكث و نقض عهد كردند، و بكار معاويه و أتباع او كه در مدينه نبودند و از اختيار قوم و اجماع ايشان اعراض كردند).

و جز اين نيست كه مشورت در أمر خلافت براى مهاجرين و أنصار است كه آنان أهل حل و عقد از امت محمد و پيشوا و زعماى آنانند پس اگر آنان اجتماع كردند بر مردمى و او را امام خود ناميدند آن كار مرضي خداوند است، پس اگر كسى بسبب طعنى بر آنان يا بر كسى كه با او بامامت بيعت كردند، يا بسبب بدعتي در آن كار از امرشان بدر مى ‏رفت او را بسوى آنچه كه از او بدر رفت بر مى ‏گردانيدند و اگر إبا مي كرد با او كار زار مى ‏كردند چه او جز راه مؤمنين را پيروى كرده است و خداوند او را بخودش وا مى ‏گذارد.

(مراد اين است كه برخي به آن حضرت بر قتل عثمان طعن مى‏ زدند، و برخى بدعت نهادند كه معاويه را براى منصب خلافت نصب كردند، و امام عليه السلام در اين نامه تعريضا بمعاويه ارائه مى‏ دهد كه اگر سبيل مؤمنين را اتباع نكند و از اجماع مهاجر و أنصار بر امامت آن بزرگوار روي بر گرداند نخست آن قوم او را بقبول آن أمر و رجوع از خود كامى و خود سرى دعوت كنند، و اگر گردن كشد و ياغى شود با وى بقتال قيام كنند).

هر آينه قسم بزندگانى من اى معاويه! اگر بديده خرد بنگرى نه بهواى نفس أماره‏ات مرا برى ‏ترين مردم از خون عثمان مى ‏يابى، و خواهى دانست كه من از ريختن خونش بر كنار بودم جز اين كه خواهى جنايتى بافترا و بهتان بمن نسبت دهى تا آنرا دست آويز خود گردانى و آنچه را كه بر تو هويدا است بپوشانى.

(اين معنى بنا بر آن وجه است كه تجن مضارع جن باشد كه بسيارى بر آن رفته‏اند اگر چه صحيح اين است تجن امر از تتجنى است، خلاصه بنا بر مضارع‏ بودنش مراد اين كه بر معاويه معلوم بود كه امام عليه السلام از قتل عثمان دفاع ميكرد و مردم را از آن تحذير مى‏فرمود و از ريختن خونش بر كناره بود، جز اين كه مى‏خواست بهانه‏اى در دست گيرد تا بدشمنى و كينه توزى اين امر روشن و أمثال آنرا بپوشاند و انكار كند و حضرتش را بخون عثمان بيالايد).

درود بر آنكه راه حق را پيروى كند.

(و بنا بر نسخه صحيح كه تجن را امر از تتجنى بگيريم معنى چنين است) پس هر چه از افتراء و بهتان كه بخاطرت مى ‏رسد و خواهى بمن نسبت دهى بده «كه گفته‏اند: دروازه شهر را توان بست و دهن مردم را نتوان بست». و در لغت و شرح اين وجه أخير متعين و صحيح دانسته شد.

بدانكه إمام عليه السلام اين نامه را بنا بر عقيده قوم و حسب مقتضي مقام كه مماشات با آنان است تقرير فرمود كه چنانچه خلافت آن سه تن بعقيده قوم به بيعت أهل حل و عقد بود و ديگران آنرا قبول كردند و نقض بيعت نكردند و بدعت در دين ننهادند، مى‏بايستى در باره آن حضرت نيز كه أهل حل و عقد از مهاجر و أنصار بر امامت او گردن نهادند و اتفاق كردند مخالفت ننمايند، و گرنه خلافت بلا فصل آن بزرگوار و امامت حضرتش بنص خدا و رسول ثابت و مبرهن است.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

نهج البلاغه نامه ها نامه شماره 5 شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

نامه 5 صبحی صالح

5- و من كتاب له ( عليه‏ السلام  ) إلى أشعث بن قيس عامل أذربيجان‏

وَ إِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ وَ لَكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانَةٌ وَ أَنْتَ مُسْتَرْعًى لِمَنْ فَوْقَكَ

لَيْسَ لَكَ أَنْ تَفْتَاتَ فِي رَعِيَّةٍ وَ لَا تُخَاطِرَ إِلَّا بِوَثِيقَةٍ وَ فِي يَدَيْكَ مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَنْتَ مِنْ خُزَّانِهِ حَتَّى تُسَلِّمَهُ إِلَيَّ وَ لَعَلِّي أَلَّا أَكُونَ شَرَّ وُلَاتِكَ لَكَ وَ السَّلَامُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج17  

و من كتاب له عليه السلام الى الاشعث بن قيس و هو عامل آذربيجان، و هو الكتاب الخامس من باب المختار من كتبه و رسائله عليه السلام‏

و إن عملك ليس لك بطعمة، و لكنه في عنقك أمانة، و أنت مسترعى لمن فوقك، ليس لك أن تفتأت في رعية، و لا تخاطر إلا بوثيقة، و في يديك مال من مال الله عز و جل و أنت من خزاني حتى تسلمه إلي، و لعلي أن لا أكون شر ولاتك لك، و السلام‏.

اللغة

(الطعمة) بضم الطاء المهملة المشالة: المأكلة و وجه الكسب و الجمع طعم كصرد على و زان الغرفة و الغرف. (مسترعى) على هيئة المفعول أي من استرعاه آخر فوقه بمعنى أن طلب منه حفظ أمر من الامور و جعله راعيا لذلك الأمر فذلك الاخر مسترع، و منه ما في زيارة الأئمة عليهم السلام: و استرعاكم أمر خلقه، أي جعلكم رعاة و ولاة و حفظة على خلقه و جعلهم رعية لكم تحكمون بهم بما أجزتم و أمرتم، قاله الطريحي‏ في مجمع البحرين.

(تفتات) مضارع افتأت بالفاء و الهمزة من باب الافتعال و أصله فأت و في القاموس: افتأت برأيه استبد، و يصح أن يقرأ تفتات كتحتاج من الافتيات، و أصله الفوت، و الافتيات الاستبداد أي السبق إلى الشي‏ء من دون ايتمار من يؤتمر إليه و يقال بالفارسية: خود سرى كار كردن، و فلان افتات برأيه أي استبد به كافتأت بالهمزة، و فلان لا يفتات عليه أي لا يعمل شي‏ء دون أمره.

(رعية) الرعية: المرعية فعلية بمعنى مفعولة و الجمع رعايا كشظية و شظايا (تخاطر) المخاطرة: الإقدام في الامور العظام و الاشراف فيها على الهلاك يقال: خاطر بنفسه مخاطرة، إذا عرضها للخطر.

(وثيقة) الوثيقة ما يوثق به في الدين فهي فعلية بمعنى المفعول أي موثوق به لأجل الدين، و التاء فيها لنقل اللفظ من الوصفية إلى الإسمية كالحقيقة، و يقال فلان أخذ في أمره بالوثيقة أي احتاط فيه.

(خزاني) الخزان جمع الخازن كطلاب و طالب و هو الذي يتولي حفظ المال المخزون و المدخر. (و لا تك) الولاة جمع الوالي كالقضاة و القاضي و الوالي الولي كما يقال القادر و القدير و هو المتولي للشي‏ء و الفاعل له، قال جواس الكلبي (الحماسة 633):

كنا ولاة طعانها و ضرابها حتى تجلت عنكم غماها

الاعراب‏

لك متعلق بالطعمة و كذلك في عنقك بالأمانة قدما توسعا للظروف، و الباء في طعمة زائدة في خبر ليس للتأكيد. جملة أن تفتأت في رعية مأولة بالمصدر المرفوع حتى يكون اسم ليس. و جملة و لا تخاطر إلا بوثيقة معطوفة عليها. و الظاهر أن كلمة حتى بمعنى إلى أن كما أنها بهذا المعنى في البيت المقدم آنفا. و جملة أن لا أكون- إلى قوله- و السلام، مأولة بالمصدر المرفوع خبر لعل. و السلام مبتداء و خبره محذوف، و التقدير و السلام على من اتبع الهدى، أو و السلام لأهله‏ بقرينة كتبه الاتية.

المعنى‏

هذا الكتاب جزء من كتاب‏ كتبه‏ إلى الأشعث بن قيس‏ بعد انقضاء الجمل و الكتاب بتمامه مذكور مسندا في كتاب صفين لنصر بن مزاحم المنقري الكوفي (ص 13 من الطبع الناصري 1301 ه) كما سنتلوه عليك.

قال نصر في أول كتاب صفين: قال عمر بن سعد بن أبي الصيد الأسدي، عن الحارث بن حصيرة، عن عبد الرحمن بن عبيد بن أبي الكنود و غيره قالوا: لما قدم علي عليه السلام من البصرة إلى الكوفة يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة مضت من رجب سنة ثلاث و ستين‏[1] و قد أعز الله نصره و أظهره على عدوه و معه أشراف الناس من أهل البصرة و غيرهم استقبله أهل الكوفة و فيهم قراؤهم و أشرافهم، فدعوا له بالبركة و قالوا: يا أمير المؤمنين أين تنزل؟ أ ننزل القصر؟ فقال: لا، و لكني أنزل الرحبة، فنزلها و أفبل حتى دخل المسجد الأعظم فصلى فيه ركعتين ثم صعد المنبر.

أول خطبة خطبها امير المؤمنين فى الكوفة لما قدم من البصرة اليها و قد أظهره الله على أعدائه الناكثين‏ فحمد الله و أثنى عليه و صلى على رسوله و قال: أما بعد يا أهل الكوفة فإن لكم في الاسلام فضلا ما لم تبدلوا و تغيروا، دعوتكم إلى الحق فأجبتم، و بدأتم بالمنكر فغيرتم، ألا إن فضلكم فيما بينكم و بين الله في الأحكام و القسم، فأنتم أسوة من أجابكم، و دخل فيما دخلتم فيه، ألا إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى و طول الأمل‏، فأما اتباع الهوى‏ فيصد عن الحق، و أما طول الأمل‏ فينسي الاخرة، ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة، و الاخرة قد ترحلت مقبلة، و لكل‏ واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الاخرة، اليوم عمل و لا حساب، و غدا حساب و لا عمل‏، الحمد لله الذي نصر وليه و خذل عدوه، و أعز الصادق المحق، و أذل‏ الناكث المبطل.

عليكم بتقوى الله و طاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله فيه من المنتحلين المدعين المقابلين إلينا، يتفضلون بفضلنا و يجاحدونا أمرنا، و ينازعونا حقنا، و يدافعونا عنه، فقد ذاقوا و بال ما اجترحوا فسوف يلقون غيا، ألا إنه قد قعد عن نصرتي منكم رجال فأنا عليهم عاتب زار فاهجروهم، و أسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا ليعرف بذلك حزب الله عند الفرقة.

أقول: قد أتى الرضي ببعض هذه الخطبة في النهج و هي الخطبة الثانية و الأربعين من باب الخطب أولها: أيها الناس إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى و طول الأمل‏- إلخ، و بين النسختين اختلاف في الجملة.

فقام إليه مالك بن حبيب اليربوعي و كان صاحب شرطته، فقال: و الله إني لأرى الهجر و سماع المكروه لهم قليلا، و الله لئن أمرتنا لنقتلنهم، فقال علي:

سبحان الله يا مال، جزت المدى، و عدوت الحد، و أغرقت في النزع، فقال: يا أمير المؤمنين:

لبعض الغشم أبلغ في امور تنوبك من مهادنة الأعادي‏

فقال علي عليه السلام: ليس هكذا قضى الله، يا مال قتل النفس بالنفس فما بال الغشم، و قال: «و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا» و الإسراف في القتل أن تقتل غير قاتلك فقد نهى الله عنه و ذلك هو الغشم.فقام إليه أبو بردة بن عوف الأزدي و كان ممن تخلف عنه فقال: يا أمير المؤمنين أرأيت القتلى حول عائشة و الزبير و طلحة بم قتلوا؟.

قال علي عليه السلام: قتلوا شيعتي و عما لي و قتلوا أخا ربيعة العبدي رحمة الله عليه في عصابة من المسلمين قالوا: لا ننكث كما نكثتم، و لا نغدر كما غدرتم فوثبوا عليهم فقتلوهم فسألتهم أن يدفعوا إلي قتلة إخواني أقتلهم بهم ثم كتاب الله حكم بيني و بينهم فأبوا علي فقاتلوني و في أعناقهم بيعتي و دماء قريب من ألف رجل من شيعتي فقتلتهم بهم أفي شك أنت من ذلك؟

قال: قد كنت في شك فأما الان فقد عرفت و استبان لي خطؤ القوم و أنك أنت المهدي المصيب، و كان أشياخ الحي يذكرون أنه كان عثمانيا، و قد شهد مع علي على ذلك صفين لكنه بعد ما رجع كان يكاتب معاوية، فلما ظهر معاوية أقطعه قطيعة بالفلوجة و كان عليه كريما.ثم إن عليا عليه السلام تهيأ لينزل و قام رجال ليتكلموا، فلما رأوه نزل جلسوا و سكتوا.

نصر: أبو عبد الله سيف بن عمر، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة أن عليا لما دخل الكوفة قيل له: أي القصرين ننزلك؟ قال: قصر الخبال لا تنزلونيه فنزل على جعدة بن هبيرة المخزومي.

أقول: الخبال على وزن السحاب: الفساد و النقصان و أراد منه قصر دار الامارة و كانه عليه السلام سماه به لما وقع فيه قبله من امراء الجور و عمال أهل النفاق و الشقاق من الهلكة و الفساد و النقصان. و جعدة بن هبيرة كان ابن اخته عليه السلام أمه أم هاني بنت أبي طالب كانت تحت هبيرة بن أبي وهب المخزومي و قد قدمنا الكلام فيه في شرح الخطبة 231 (ص 34 ج 15) فراجع.

نصر: عن الفيض بن محمد، عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: لما قدم علي عليه السلام الكوفة نزل على باب المسجد فدخل و صلى ثم تحول فجلس إليه الناس فسأل عن رجل من أصحابه كان ينزل الكوفة؟ فقال قائل: استأثر الله به. فقال عليه السلام:

إن الله لا يستأثر بأحد من خلقه إنما أراد الله بالموت إعراز نفسه و إذلال خلقه و قرأ «و كنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم». قال: فلما لحق النقل قالوا: أي القصرين تنزل؟ فقال عليه السلام: قصر الخبال لا تنزلونيه.

نصر: عن سيف قال: حدثني اسماعيل بن أبي عميرة، عن عبد الرحمن بن عبيد ابن أبي الكنود أن سليمان بن صرد الخزاعي دخل على علي بن أبي طالب عليه السلام بعد رجعته من البصرة فعاتبه و عذله و قال له: ارتبت و تربصت و راوغت، و قد كنت من أوثق الناس في نفسى، و أسرعهم فيما أظن إلى نصرتي، فما قعد بك عن أهل بيت‏ نبيك و ما زهدك في نصرهم؟.

فقال: يا أمير المؤمنين لا تردن الامور على أعقابها، و لا تؤنبني بما مضى منها، و استبق مودتي يخلص لك نصيحتي و قد بقيت امور تعرف فيها وليك من عدوك، فسكت عنه، و جلس سليمان قليلا ثم نهض فخرج إلى الحسن بن علي عليه السلام و هو قاعد في المسجد فقال: ألا اعجبك من أمير المؤمنين و ما لقيت منه من التبكيت و التوبيخ؟ فقال الحسن عليه السلام: إنما يعاتب من ترجى مودته و نصيحته، فقال: إنه بقيت امور سيستوسق فيها القنا، و ينتضى فيها السيوف و يحتاج فيها إلى أشباهي، فلا تستبشعوا غيبتي، و لا تتهموا نصيحتي. فقال له الحسن عليه السلام: رحمك الله ما أنت عندنا بالظنين.

نصر: عن عمر يعني ابن سعد عن نمير بن وعلة، عن الشعبي، أن سعيد بن قيس دخل على علي بن أبي طالب عليه السلام فسلم عليه فقال له علي عليه السلام: و عليك، و إن كنت من المتربصين، فقال: حاش لله يا أمير المؤمنين لست من اولئك قال: فعل الله ذلك.

نصر: عن عمر بن سعد عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن مخنف قال: دخلت مع أبي على علي عليه السلام حين قدم من البصرة و هو عام بلغت الحلم، فاذا بين يديه رجال يؤنبهم و يقول لهم: ما بطأ بكم عني و أنتم أشراف قومكم؟ و الله لئن كان من ضعف النية و تقصير البصيرة إنكم لبور، و الله لئن كان من شك في فضلي و مظاهرة علي إنكم لعدو.

قالوا: حاش لله يا أمير المؤمنين نحن سلمك و حرب عدوك. ثم اعتذر القوم فمنهم من ذكر عذره، و منهم اعتل بمرض، و منهم من ذكر غيبته فنظرت إليهم فعرفتهم فإذا عبد الله بن المعتم العبسي، و إذا حنظلة بن الربيع التميمي، و كلاهما كانت له صحبة، و إذا أبو بردة بن عوف الأزدي، و إذا غريب بن شرحبيل الهمداني قال: و نظر علي عليه السلام إلى أبي فقال: لكن مخنف بن سليم و قومه لم يتخلفوا و لم يكن مثلهم مثل القوم الذين قال الله تعالى‏ و إن منكم لمن ليبطئن فإن‏ أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا و لئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم و بينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (النساء- 74) ثم إن عليا عليه السلام مكث بالكوفة.

أقول: كل ما ذكرنا و نقلنا من كلماته عليه السلام عن كتاب صفين بعد الخطبة المذكورة آنفا ما ذكرت في النهج مع أنها من محاسن كلامه عليه السلام سيما قوله عليه السلام لسليمان بن صرد الخزاعي: ارتبت و تربصت- الى قوله- و ما زهدك في نصرهم و لعل الرضي رضوان الله عليه لم يظفر بها. و الله العالم.

خطبته عليه السلام فى الجمعة بالكوفة و الاشارة الى مسألة فقهية فى المقام‏

نصر: عن أبي عبد الله سيف بن عمر، عن الوليد بن عبد الله، عن أبي طيبة، عن أبيه قال: أتم علي عليه السلام الصلاة يوم دخل الكوفة فلما كانت الجمعة و حضرت الصلاة صلى بهم و خطب خطبة.

نصر: قال أبو عبد الله عن سليمان بن المغيرة، عن علي بن الحسين خطبة علي ابن أبي طالب في الجمعة بالكوفة و المدينة أن: الحمد لله أحمده و أستعينه و أستهديه و أعوذ بالله من الضلالة، من يهدي الله فلا مضل له، و من يضلل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا صلى الله عليه و آله عبده و رسوله انتجبه لأمره و اختصه بالنبوة، أكرم خلقه عليه، و أحبهم إليه، فبلغ رسالة ربه، و نصح لأمته و أدى الذي عليه.

و اوصيكم بتقوى الله فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله و أقربه لرضوان الله و خيره في عواقب الامور عند الله، و بتقوى الله امرتم، و للإحسان و الطاعة خلقتم، فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه، فإنه حذر بأسا شديدا، و اخشوا الله خشية ليست بتعذير، و اعملوا في غير رياء و لا سمعة، فإنه من عمل لغير الله و كله الله إلى ما عمل له، و من عمل لله مخلصا تولى الله أجره، و أشفقوا من عذاب الله فانه لم يخلقكم عبثا، و لم يترك شيئا من أمركم سدى، قد سمى آثاركم‏ و علم أعمالكم، و كتب آجالكم، فلا تغتروا بالدنيا فإنها غرارة بأهلها، مغرور من اغتر بها، و إلى فناء ما هي، إن الاخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون أسأل الله منازل الشهداء، و مرافقة الأنبياء، و معيشة السعداء، فانما نحن له و به.

أقول: ذكر بعض هذه الخطبة و هو قوله عليه السلام: و اخشوه خشية ليست بتعذير و اعملوا في غير رياء و لا سمعة فإنه من عمل لغير الله و كله الله إلى ما عمل له نسأل الله منازل الشهداء و معايشة السعداء و مرافقة الأنبياء، في النهج في ضمن الخطبة 23 أولها: أما بعد فان الأمر ينزل من السماء إلى الأرض- إلخ، إلا أن في النهج ذكر مكان و كله إلى ما عمل له: يكله الله إلى من عمل له.

و كذا ذكر بعضها و هو قوله عليه السلام: فانه لم يخلقكم عبثا، و لم يترك شيئا من أمر كم سدى، قد سمى آثاركم، و علم أعمالكم، و كتب آجالكم‏، في ضمن الخطبة 84 أولها: قد علم السرائر و خبر الضمائر- إلخ.

و لكن الخطبة المذكورة بتمامها على تلك الهيئة ليست بمذكورة في النهج و شر ذمة من صدرها مذكورة في خطبة يوم الجمعة المروية في الكافي عن أبي جعفر عليه السلام.

ثم اعلم أنه يجب في صلاة الجمعة الخطبتان قبل الصلاة، لأن الخطبة شرط في صحة الجمعة، و روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ليس تكون جمعة إلا بخطبة.

و صورة الخطبتين جاءت في الجوامع على أنحاء، ففي الكافي روى عن أبي جعفر عليه السلام على صورة ثم عن أمير المؤمنين علي عليه السلام على صورة اخرى، و في الفقيه روى عنه عليه السلام أيضا على صورة اخرى غير ما في الكافي، و ذكر كل واحد منها في الوسائل للعاملي و كذا في الوافي من ص 170 الى 174 من المجلد الخامس فلا حاجة إلى نقلها ههنا.

ثم إنها تغاير الخطبة المنقولة من نصر في صفين و لم يعلم من نصر أنها الخطبة الاولي أو الثانية، و لكن ما يناسب أحكام الجمعة و ساير الروايات أن تكون‏ هي للاولى و الثانية كليهما، و ذلك لأن جمع الروايات يدل على أنهما شاملتين على حمد الله تعالى و الثناء عليه و الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله و قراءة شي‏ء من القرآن سواء كانت سورة خفيفة أو آية تامة الفائدة، و وعظ الناس، و الخطبة المذكورة حائزة لها. و إن كان الأوفق بالاحتياط في الاولى أن يحمد الله و يثنى عليه و يوصى بتقوى الله و يقرأ سورة من القرآن قصيرة، و في الثانية بعد الحمد و الثناء أن يصلى على محمد و أئمة المسلمين و يستغفر للمؤمنين، و البحث عنها على التفصيل موكول إلى الفقه أعرضنا عنه خوفا من الإطناب و الخروج عن موضوع الكتاب.

صورة كتابه بتمامه الى الاشعث بن قيس نقلا مسندا عن نصر فى صفين‏

قال نصر: ثم إن عليا عليه السلام أقام بالكوفة و استعمل العمال و بعث إلى الأشعث بن قيس الكندي.

نصر: محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال: لما بويع علي عليه السلام و كتب إلى العمال كتب إلى الأشعث بن قيس مع زياد بن مرحب الهمداني و الأشعث على آذربيجان عامل لعثمان و قد كان عمرو بن عثمان تزوج ابنة الأشعث بن قيس قبل ذلك فكتب إليه علي عليه السلام:

بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى الأشعث بن قيس أما بعد فلو لا هنات كن فيك كنت المقدم في هذا الأمر قبل الناس، و لعل أمرك يحمل بعضه بعضا إن اتقيت الله، ثم إنه كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك، و كان طلحة و الزبير ممن بايعاني ثم نقضا بيعتي على غير حدث، و أخرجا أم المؤمنين و سارا إلى البصرة فسرت إليهما فالتقينا فدعوتهم إلى أن يرجعوا فيما خرجوا منه فأبوا، فأبلغت في الدعاء و أحسنت في البقية، و إن عملك ليس لك بطعمة، و لكنه أمانة و في يديك مال من مال الله و أنت من خزان الله عليه حتى تسلمه إلي و لعلي أن لا أكون شر و لا تك لك إن استقمت، و لا قوة إلا بالله.

أقول: و قد روى الكتاب الشارح البحراني عن الشعبي و بينهما و بين ما في النهج اختلاف في بعض الكلمات و الجمل في الجملة.

فما نقل عن الشعبي: أما بعد فلو لا هنات كن منك كنت المقدم في هذا الأمر قبل الناس، و لعل آخر أمرك يحمد أوله و بعضه بعضا إن اتقيت الله، إنه قد كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك، و كان طلحة و الزبير أول من بايعني ثم نقضا بيعتي عن غير حدث، و أخرجا عايشة فساروا بها إلى البصرة فصرت اليهم في المهاجرين و الأنصار، فالتقينا فدعوتهم إلى أن يرجعوا إلى ما خرجوا منه فأبوا فأبلغت في الدعاء و أحسنت في البقية، و اعلم أن عملك- إلى آخر الفصل على ما في النهج، و كتب عبد الله بن أبي رافع في شعبان سنة ست و ثلاثين.

قال نصر: فلما قرأ الأشعث الكتاب قام زياد بن مرحب فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه من لم يكفه القليل لم يكفه الكثير، إن أمر عثمان لا ينفع فيه العيان و لا يشفي منه الخبر، غير أن من سمع به ليس كمن عاينه، إن الناس بايعوا عليا عليه السلام راضين به، و إن طلحة و الزبير نقضا بيعته على غير حدث ثم أذنا بحرب، فأخرجا أم المؤمنين فسار إليهما فلم يقاتلهم و في نفسه منهم حاجة فأورثه الله الأرض و جعل له عاقبة المتقين.

قال: ثم قام الأشعث بن قيس فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن أمير المؤمنين عثمان و لاني آذربيجان فهلك و هي في يدي، و قد بايع الناس عليا و طاعتنا له كطاعة من كان قبله، و قد كان من أمره و أمر طلحة و الزبير ما قد بلغكم، و علي المأمون على ما غاب عنا و عنكم من ذلك الأمر.

فلما أتى منزله دعا أصحابه فقال: إن كتاب علي قد أوحشني و هو آخذ بمال آذربيجان و أنا لا حق بمعاوية، فقال القوم: الموت خير لك من ذلك أتدع مصرك و جماعة قومك و تكون ذنبا لأهل الشام؟ فاستحيى فسار حتى قدم على علي عليه السلام و روي أن قوله هذا و توبيخ الناس إياه على ذلك بلغ أهل الكوفة فكتب أمير المؤمنين علي عليه السلام إليه كتابا يوبخه و يأمره بالقدوم عليه، و بعث به حجر بن عدي الكندي، فلامه حجر على ذلك و ناشده الله و قال له: أتدع قومك و أهل مصرك و أمير المؤمنين عليه السلام و تلحق بأهل الشام؟ و لم يزل به حتى أقدمه إلى الكوفة فعرض علي عليه السلام ثقلته فوجد فيها مائة ألف درهم و روي أربعمائة ألف فأخذها و كان ذلك بالنخيلة، فاستشفع الأشعث بالحسن و الحسين عليهما السلام و بعبد الله بن جعفر فأطلق له منها ثلاثين ألفا، فقال: لا تكفيني، فقال: لست بزائدك درهما واحدا و أيم الله لو تركتها لكان خيرا مما لك و ما أظنها تحل لك و لو تيقنت ذلك لما بلغتها عندي فقال الأشعث: خذ من خدعك ما أعطاك. فقال السكوني و قد خاب أن يلحق بمعاوية:

إني اعيذك بالذي هو مالك‏ بمعاذة الاباء و الأجداد
مما يظن بك الرجال و إنما ساموك خطة معشر أو غاد
إن آذربيجان التي مزقتها ليست لجدك فاشنها ببلاد
كانت بلاد خليفة ولاكها و قضاء ربك رائح أو غاد
فدع البلاد فليس فيها مطمع‏ ضربت عليك الأرض بالأسداد
فادفع بما لك دون نفسك إننا فادوك بالأموال و الأولاد
أنت الذي تثنى الخناصر دونه‏ و بكبش كندة يستهل الوادي‏
و معصب بالتاج مفرق رأسه‏ ملك لعمرك راسخ الأوتاد
و أطع زيادا إنه لك ناصح‏ لا شك في قول النصيح زياد
و انظر عليا إنه لك جنة يرشد و يهديك للسعادة هاد

قال نصر: و مما قيل على لسان الأشعث:

أتانا الرسول رسول علي‏ فسر بمقدمه المسلمونا
رسول الوصي وصي النبي‏ له الفضل و السبق في المؤمنينا
بما نصح الله و المصطفى‏ رسول الإله النبي الأمينا
يجاهد في الله لا ينثني‏ جميع الطغاة مع الجاحدينا
وزير النبي و ذو صهره‏ و سيف المنية في الظالمينا
و كم بطل ماجد قد أذا ق منية حتف من الكافرينا
و كم فارس كان سال النزال‏ فاب إلى النار في الائبينا
فذاك علي إمام الهدى‏ و غيث البرية و المفخمينا
و كان إذا ما دعي للنزال‏ كليث عرين بن ليث العرينا
أجاب السؤال بنصح و نصر و خالص ود على العالمينا
فما زال ذلك من شأنه‏ ففاز و ربي مع الفائزينا

قال: و مما قيل على لسان الأشعث أيضا:

أتانا الرسول رسول الوصي‏ علي المهذب من هاشم‏
رسول الوصي وصي النبي‏ و خير البرية من قائم‏
وزير النبي و دو صهره‏ و خير البرية في العالم‏
له الفضل و السبق بالصالحات‏ لهدي النبي به يأتم‏
محمدا أعني رسول الاله‏ و غيث البرية و الخاتم‏
أجبنا عليا بفضل له‏ و طاعة نصح له دائم‏
فقيه حليم له صولة كليث عرين بها سائم‏
حليم عفيف و ذو نجدة بعيد من الغدر و المأثم‏

تذكرة: قد تقدم منا الكلام في الذين وصفوا عليا عليه السلام و عرفوه بأنه وصي رسول الله من كبار الصحابة و غيرهم في صدر الإسلام فراجع إلى ص 19 من المجلد الأول من تكملة المنهاج. و قد مضى في باب الخطب قوله عليه السلام للأشعث:ما يدريك ما علي مما لي عليك لعنة الله- إلخ (الكلام 19 من باب الخطب).

و كان الأشعث في خلافة أمير المؤمنين عليه السلام من المنافقين المعاندين و هو كما قال الشارح المعتزلي: كان في أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام كما كان عبد الله بن أبي سلول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه و آله و قال: كل فساد كان في خلافة أمير المؤمنين و كل اضطراب حدث فأصله الأشعث و كان الأشعث خائفا من أمير المؤمنين عليه السلام و جازما بأنه عليه السلام لا يبقيه في عمله، و ذلك لهنات كن منه كما عرضها عليه السلام عليه فهو في الحقيقة كان خائفا من أعماله السيئة و كان قد استوحش من كلامه عليه السلام له: فلو لا هنات كن منك، حيث علم أن الأمير كان عارفا بها حتى دعا من الدهشة أصحابه فقال: أنا لا حق بمعاوية.

ثم الظاهر المستفاد من كلامه عليه السلام له: فلو لا هنات كن فيك «أو- منك» كنت المقدم في هذا الأمر أن أمير المؤمنين عزله عن آذربيجان بذلك الكتاب، و مما يظاهره قول المؤرخ الخبير المسعودي في كتابه مروج الذهب حيث قال (ص 15 ج 2 طبع مصر 1346 ه): و سار [علي عليه السلام بعد انقضاء الجمل‏] إلى الكوفة فكان دخوله إليها لاثنتي عشرة ليلة مضت من رجب، و بعث إلى الأشعث بن قيس يعزله عن آذربيجان و ارمينية و كان عاملا لعثمان، فكان في نفس الأشعث على ما ذكرنا من العزل و ما خاطبه به حين قدم عليه فيما اقتطع هنالك الأموال، انتهى:و مما يؤيده أيضا ما روينا عن نصر و غيره من إرادته اللحوق بمعاوية و ما جرى بينه و بين علي عليه السلام فتأمل.

في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الأشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنين عليه السلام، و ابنته جعدة سمت الحسن عليه السلام، و محمد ابنه شرك في دم الحسين عليه السلام.

و روى أبو الفرج أن الأشعث دخل على علي عليه السلام فكلمه فأغلظ علي عليه السلام له فعرض له الأشعث أنه سيفتك به، فقال علي عليه السلام: أبا لموت تخوفني أو تهددني فو الله ما ابالي وقعت على الموت أو وقع الموت علي.

قوله عليه السلام‏ (و إن عملك ليس لك بطعمة و لكنه في عنقك أمانة) ظاهر كلامه عليه السلام تنبى‏ء أن‏ الأشعث‏ اتخذ مال الله مأكلته و لم يكن أمينا عليه فنبهه على أنه‏ ليس له بطعمة أي ما جعلتك عاملا أن تدخر أموال المسلمين لنفسك و تأكل ما جنى يداك منها، بل هي‏ أمانة بيده بل ألزمها في عنقه تشديدا عليه و تنبيها له على أنها تعلقت بذمته و تكون أو زارا عليه، و ذلك لأنه كان عاملا من قبل غيره و مسترعى لمن فوقه، و كان مال المسلمين أمانة بيده فما سوغ له الشرع التصرف في بيت مال المسلمين.

قوله عليه السلام‏ (و أنت مسترعى‏- إلى قوله: بوثيقة) يعني أنت‏ رعية من هو فوقك و أميرك جعلك راعيا للناس و عاملا لهم و أمينا و حافظا على أموالهم و أملاكهم و غيرها مما جعل ولايتها بيدك فلا يجوز لك أن تسبق إلى امور الرعية من غير أن تستأذن من استرعاك و تستأمر من ائتمنك، و كذا لا يسوغ لك أن تقدم في الامور الخطيرة مما يتعلق بالمال و غيره من غير احتياط تام و وثيقة، أي من غير أن يكون للمسلمين وثوق و اعتماد في صحة ذلك العمل و عدم الإضرار بالرعية، و بالجملة لا ينبغي لك أن تقدم فيما لا يثق المسلمون ببا و لا يعتمدون عليها مما هي خلاف العقل و الشرع و العرف.

قوله عليه السلام‏ (و في يديك‏- إلى قوله: تسلمه) لعل تثنية اليد إشارة إلى تسلطه التام على الأموال حيث كان عاملا و واليا، و إنما قال: مال من‏ أموال‏ الله‏ تشديدا عليه بالحفظ و الحراسة و ترعيبا له بالمخالفة حتى لا يخون الله تعالى في ماله بأن الزكاة و الخمس‏ من مال الله‏ الذي أفاه على عباده قال تعالى‏ و اعلموا أنما غنمتم من شي‏ء فأن لله خمسه و للرسول‏ الاية، ثم قال له: و أنت من خزاني أي لا يجوز لك التصرف فيما في الخزينة إلا بإذني و يجب عليك حفظه و رعايته إلى أن تسلمها إلي.

قوله عليه السلام‏ (و لعلي أن لا أكون‏- إلخ) لما كان كلامه المصدر أولا تشديدا و مؤاخذة عليه و موجبا للوحشة و الاضطراب فانه كان يدل على أنه عليه السلام لم يره أمينا على ما ولى عليه أتى بلفظة لعل المفيد للترجي حتى يسكن جاشه و يطمعه إلى عدم المؤاخذة و التشديد لئلا يفر إلى العدو و يجعله خائفا راجيا فلا يخفى لطفه على أن الرجاء بعد الخوف ألذ في النفوس و أوقع في القلوب.

و مع ذلك كله أعلمه بأنه لو تجاوز عن الحق و خالف الدين يكون هو عليه السلام شر ولاته له، أي يجازيه بما فعل و يؤاخذ عليه بذنبه. و كلامه هذا تعريض لسائر الولاة و العمال أيضا إنهم لو عدلوا عن الحق و جعلوا أموال الناس طعمة لهم كان هو عليه السلام شر ولاة لهم أي يكافأهم على ما كان منهم، و يجازيهم به‏

الترجمة

اين كتابيست كه أمير المؤمنين عليه السلام بأشعث بن قيس نگاشت.

(أشعث از جانب عثمان عامل آذربايجان بود و أموال بسيار در دست او بود چون أمير المؤمنين عليه السلام بمسند خلافت نشست و بعد از فتح بصره بكوفه آمد اين نامه را بوي نوشت و او را تنبيه فرمود بحفظ آن، چون نامه باو رسيد سخت مستوحش و مضطرب شد و ياران خود را طلبيد، و با آنان در اين موضوع سخن بميان آورد كه نامه على عليه السلام مرا بوحشت انداخت و او از من تمامى أموالي كه از آذربايجان بدست آورده ‏ام خواهد ستاند، از اين روى بمعاويه پناه مى ‏برم كه علي عليه السلام نتواند اين أموال را از من أخذ كند، آنان گفتند بهتر آنست كه در نزد مرتضى روي و از انديشه خود سر باز زني، و در روايتي آمده كه حجر بن عدي الكندي كه فرستاده حضرت بسوى أشعث بود وى را باندرز و نرمى بكوفه آورد على عليه السلام أموال او را تفتيش كرد، چهار صد هزار درهم يافته همه آنرا اخذ كرد أشعث حسنين عليهما السلام و عبد الله بن جعفر را شفيع خود گرفت كه امام پولها را بأورد كند، امام سى هزار درهم را بأو رد كرده و هر چه الحاح و ابرام در رد بقيه نمود امام فرمود كه بيش از اين يك درم رد نخواهم كرد كه بر خلاف است. و أشعث مردي منافق بود و أكثر مصائب و شدائدى كه به امام على عليه السلام روي آورد أشعث اصل آن فتنه ‏ها و ام الفساد بود).

أي أشعث عملت طعمه تو نيست (يعني تو را عامل آن ديار نگردانيدم كه هر چه از مال مسلمين بدست تو آيد بخوري و براي خود اندوخته كنى) و لكن آن در گردن تو أمانت است كه بايد طريق ديانت را در آن رعايت كنى. كسى كه أمير و بزرگ تو است تو را حافظ و والى امور مردم كرده، لذا نشايدت كه در كار رعيت بى اذن أميرت خود سري پا پيش نهى و در كارهاى بزرگ اقدام كنى مگر اين كه مورد اعتماد و وثوق مسلمانان باشد، و در دستهاى تو مالي از مالهاى خداوند ارجمند و بزرگوار است و تو يكى از خزينه داران منى كه بايد در حفاظت آن بكوشى تا آنرا تسليم من كنى و شايد كه من بدترين واليان تو نباشم. والسلام‏

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

____________________________________________________________

[1] ( 1)- كذا في الاصل لكن الظاهر« سنة ست و ثلاثين المصحح».

نهج البلاغه نامه ها نامه شماره 4 شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

نامه 4 صبحی صالح

4- و من كتاب له ( عليه ‏السلام  ) إلى بعض أمراء جيشه‏

فَإِنْ عَادُوا إِلَى ظِلِّ الطَّاعَةِ فَذَاكَ الَّذِي نُحِبُّ وَ إِنْ تَوَافَتِ الْأُمُورُ بِالْقَوْمِ إِلَى الشِّقَاقِ وَ الْعِصْيَانِ فَانْهَدْ بِمَنْ أَطَاعَكَ إِلَى مَنْ عَصَاكَ وَ اسْتَغْنِ بِمَنِ انْقَادَ مَعَكَ عَمَّنْ تَقَاعَسَ عَنْكَ

فَإِنَّ الْمُتَكَارِهَ مَغِيبُهُ خَيْرٌ مِنْ مَشْهَدِهِ وَ قُعُودُهُ أَغْنَى مِنْ نُهُوضِهِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج17  

و من كتاب له عليه السلام الى بعض امراء جيشه و هو الكتاب الرابع من باب المختار من كتبه عليه السلام و رسائله:

فإن عادوا إلى ظل الطاعة فذاك الذي نحب، و إن توافت الامور بالقوم إلى الشقاق و العصيان فانهد بمن أطاعك إلى من عصاك، و استغن بمن انقاد معك عمن تقاعس عنك، فإن المتكاره مغيبه خير من مشهده (شهوده- خ ل) و قعوده أغنى من نهوضه‏.

اللغة

(توافت الامور) أى تتامت، (الشقاق) بالكسر: المخالفة و العداوة (انهد) أي انهض أمر من نهد إلى العدو من بابي منع و نصر أي قصد لهم و أسرع في قتالهم و نهض إليهم، و المناهدة المناهضة في الحرب يقال: نهد لعدوه و إليه نهودا و نهدا بالفتح و التحريك اذا صمد لهم. و (استغن) بالغين المعجمة أمر من الاستغناء و في كثير من النسخ جعل بالمهملة من الاستعانة و كذا مال غير واحد من المفسرين و المترجمين إلى المهملة لكنه مذهب مهمل و طريقة عمياء كما سيتضح لك وجهه في تقرير الإعراب و تحرير المعنى إنشاء الله تعالى.

(تقاعس عنك) أي أبطأ و تأخر عنك و تكاره القتال (المتكاره): المتسخط من تكارهه إذا تسخطه و لم يرض به يقال: فعله على تكاره و متكارها. و (المغيب) و (المشهد) مصدران كالغيبة و الشهود.

الاعراب‏

(الفاء) في قوله عليه السلام: فذاك رابطة للجواب، لأن جواب الشرط أعني ذاك الذي يحب جملة اسمية فهي من المواضع الستة التي لا تصلح لأن تكون شرطا فيجب دخول الفاء فيها نحو قوله تعالى: و إن يمسسك بخير فهو على كل شي‏ء قدير. و كذا الفاء في قوله: فانهد، لأن الفعل هنا إنشائي فهذه الجملة من تلك المواضع أيضا نحو قوله تعالى: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني‏.

(بمن أطاعك) الباء صلة لقوله: فانهد إما بمعنى المصاحبة و المعية. أو الاستعانة.

(إلى من عصاك) صلة لقوله فانهد أيضا لا أطاعك لما علم في اللغة أنه يقال نهد لعدوه و إليه. (عمن تقاعس) متعلق بقوله استغن أيضا و لا يصح استعمال عن مع الاستعانة.

(فان المتكاره) الفاء في مقام التعليل لقوله عليه السلام: استغن، فهي فصيحة تنبى‏ء عن محذوف يدل عليه ما قبله، و كأن الجملة جواب عن سؤال مقدر، و التقدير:و ما علة الاستغناء بمن انقاد عمن تقاعس؟ فأجاب بقوله: لأن المتكاره- إلخ.

و جملة (مغيبه خير من مشهده) خبر لاسم إن أعني المتكاره. و جملة (قعوده أغنى من نهوضه) معطوفة على الاولى.

المعنى‏

هذا الكلام هو جزء من كتاب له عليه السلام‏ كما هو من دأب الشريف الرضي رضوان الله عليه من اختيار محاسن كلامه و البليغ منه و رفض ما عداه كما نبهنا به غير مرة في شروحنا السالفة، و هذا هو الظاهر من قوله: فان عادوا إلى ظل الطاعة، إلخ و هذا لامرية فيه إلا أنا لم نظفر به في الكتب الموجودة عندنا بعد، و لكن قال الشارح البحراني و المولى فتح الله القاساني: روي أن الأمير الذي كتب إليه هو عثمان بن حنيف عامله على البصرة، و ذلك حين انتهت أصحاب الجمل إليها و عزموا على الحرب، فكتب عثمان إليه عليه السلام يخبره بحالهم، فكتب عليه السلام إليه كتابا فيه الفصل المذكور.

قوله عليه السلام‏ (فإن عادوا إلى ظل الطاعة فذاك الذي نحب) الضمير في‏ عادوا يرجع إلى ناكثي بيعته عليه السلام أعني طلحة و الزبير و أتباعهما، و قد قدمنا في مباحثنا السالفة أنه لما تم أمر البيعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام و أيس طلحة و الزبير مما كانا يرجوان به من قتل عثمان بن عفان من البيعة لأحدهما بالإمامة نقضوا العهد و نكثوا البيعة و خرجوا إلى مكة و اجتمعوا فيه و رأوا في ذلك أمرهم فتحقق عزمهم على المسير إلى البصرة، و سارت معهم عائشة بخدعتهم و مكرهم، حيث بعث طلحة و الزبير في مكة إلى عائشة عبد الله بن الزبير و قالا له: امض إلى خالتك فاهد إليها السلام منا و قل لها: إن طلحة و الزبير يقرءانك السلام و يقولان لك:

إن أمير المؤمنين عثمان قتل مظلوما و أن علي بن أبي طالب ابتز الناس أمرهم و غلبهم عليه بالسفهاء الذين تولوا قتل عثمان و نحن نخاف انتشار الأمر به فان رأيت أن تسيري معنا لعل الله يرتق بك فتق هذه الامة، و يشعب بك صدعهم، و يلم بك شعثهم، و يصلح بك امورهم.

فأتاها عبد الله فبلغها ما أرسلاه به فأظهرت الامتناع أولا ثم أجابتهما غداإلى الخروج.

فلما انتهوا إلى البصرة و عزموا على الحرب كتب عثمان بن حنيف و كان عامل أمير المؤمنين علي عليه السلام وقتئذ في البصرة إلى أمير المؤمنين بحالهم.

فكتب عليه السلام إليه: استعاره‏ فان عادوا إلى ظل الطاعة فذاك الذي نحب‏ و إنما استعار لفظ الظل‏ لأن‏ الطاعة كما قيل يستلزم السلامة و الرفاهة و الراحة عن حرارة الحرب كما يستلزم‏ الظل‏ الراحة من حرارة الشمس قال تعالى‏ و ظللنا عليكم الغمام‏ امتنانا عليهم حيث سخر لهم السحاب تسير بسيرهم في التيه و تظلهم من حرارة الشمس.

و في الحديث، السلطان ظل الله في الأرض، استعار الظل له لأنه يدفع الأذى عن الناس كما يدفع الظل أذى الشمس.

و يمكن بيانه بوجه أدق و ألطف من هذا و هو أن المراد من السلطان هو السلطان العادل الإلهي و إنما كان ظله تعالى بمعنى أنه مظهره الأتم و مجلى أسمائه الحسنى، و صفاته العليا يحكي عنه بحيث من رآه كأنما رأى الله كما يحكي الظل عن ذي الظل و قد روي عن رسول الله صلى الله عليه و آله أنه قال: من رآني فقد رأى الله.

قوله عليه السلام‏ (و إن توافت الامور- إلى قوله- من عصاك) أي‏ إن‏ تتامت‏ الامور بالقوم‏ و تهيأت لهم أسباب المخالفة و توافقت و سلكهم في‏ الشقاق و العصيان‏ فانهض و أسرع مع من انقاد لك إلى من خالفك و خرج عن طاعنك أي الناكثين و أشياعهم.

قوله عليه السلام‏ (و استغن بمن انقاد- إلخ) من نظر في كلامه عليه السلام حق النظر و تدبر فيه علم أن قوله عليه السلام: فإن المتكاره مغيبه خير من مشهده‏ اه في مقام التعليل لقوله: و استغن‏ كما قدمناه في الاعراب، و هذا لا يناسب إلا أن يكون‏ استغن‏ أمرا من الاستغناء لا بالعين المهملة من الاستعانة، فانه عليه السلام بين وجه الاستغناء بالمنقاد عن المتقاعس أي‏ المتكاره‏ بأن‏ المتكاره‏ عدم حضوره في الحرب خير من حضوره فيه، لأنه لا يقاتل على جد و اهتمام

كما يقال بالفارسية: سگ كه‏ بزورش بشكار برند از او تك نيايد، و ربما انهزم و ولى الدبر في أثناء الحرب فساعتئذ عمله هذا يوجب التخاذل و الوهن و الضعف في العسكر فيتبعونه في الفرار و نعم ما قاله السعدي بالفارسية:

آنكه جنگ آرد بخون خويش بازى مي كند روز ميدان، و آن كه بگريزد بخون لشكرى‏

فالمتكاره يوجب مغيبه عن الحرب عدم الانتفاع به فقط، و حضوره في الحرب موجب للمفسدة العظيمة التي هي تخاذل العسكر و وهنهم، فمغيبه خير من شهوده و كذا قعوده عن الحرب‏ أغنى من نهوضه‏ إليها، و مثل قوله هذا قوله تعالى: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا (التوبة- 48) و العجب من شارح البحراني و المولى فتح الله القاساني ذهبا إلى أن قوله: استعن، أمر من الاستعانة، على أن صلة الاستعانة لا تكون كلمة عن الجارة، و أما الشارح المعتزلي فلم يتفوه بشي‏ء، و الأمر بين، و المخالف مكابر.

الترجمة

يكى از نامه ‏هاى أمير المؤمنين علي عليه السلام اين كتابست كه آنرا ببعضي از سرداران لشكرش نوشته.

(اين مقدار كه در نهج البلاغه مذكور است برخى از آن نامه است كه آنرا مرحوم سيد رضي از تمام نامه اختيار كرده است زيرا آنچه كه بيشتر مورد اهتمام سيد رضى بود انتخاب كلمات فصيح و جمله‏ هاى بليغ آن حضرت است، و روايت شده كه آن سردار سپه عثمان بن حنيف بود كه در شهر بصره عامل آن حضرت بود و ارسال اين نامه بعثمان وقتى بود كه طلحه و زبير و أتباع آن دو پيمانى را كه بان حضرت بستند شكستند، و نقض بيعت كردند، و با لشكر بسيار از مكه بجانب بصره روان شدند كه فتنه جنگ جمل را بر انگيختند و عثمان بن حنيف صورت واقعه را براى امام عليه السلام مرقوم داشت، و امام در جوابش فرمود):

پس اگر آن گروه بيعت شكن برگشتند بسايه فرمانبرداري، اين خود همان است كه ما مى ‏خواهيم و دوست مى‏ داريم، و اگر كارها تمام شود بايشان يعنى أسباب و علل مخالفت براى آنها مهيا گردد كه ايشان را بمخالفت و نافرمانى كشاند پس بمعاونت كسانى كه تو را فرمان برده ‏اند قيام كن بجنگ كسانى كه نافرمانى كرده ‏اند و عاصى گشته ‏اند. و بى نيازى جو بكسانى كه گردن نهادند از كسانى كه از يارى تو و حضور در معركه كراهت دارند و باز پس مى‏ ايستند، زيرا آنكه از حضور در عرصه جنگ كاره است نبودش در جنگ بهتر از حضورش است و باز نشستنش از جنگ بى‏ نياز كننده‏ تر و سودمندتر است از نهضتش.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی

نهج البلاغه نامه ها نامه شماره 3 شرح میر حبیب الله خوئی(به قلم علامه حسن زاده آملی )

نامه 3 صبحی صالح

3 و من كتاب له ( عليه‏ السلام  ) لشريح بن الحارث قاضيه

و روي أن شريح بن الحارث قاضي أمير المؤمنين ( عليه‏ السلام  )

اشترى على عهده دارا بثمانين دينارا فبلغه ذلك فاستدعى شريحا و قال له

بَلَغَنِي أَنَّكَ ابْتَعْتَ دَاراً بِثَمَانِينَ دِينَاراً وَ كَتَبْتَ لَهَا كِتَاباً وَ أَشْهَدْتَ فِيهِ شُهُوداً

فَقَالَ له شريح قد كان ذلك يا أمير المؤمنين قال فنظر إليه نظر المغضب ثم قال له‏ يَا شُرَيْحُ أَمَا إِنَّهُ سَيَأْتِيكَ مَنْ لَا يَنْظُرُ فِي كِتَابِكَ وَ لَا يَسْأَلُكَ عَنْ بَيِّنَتِكَ حَتَّى يُخْرِجَكَ مِنْهَا شَاخِصاً وَ يُسْلِمَكَ إِلَى قَبْرِكَ خَالِصاً

فَانْظُرْ يَا شُرَيْحُ لَا تَكُونُ ابْتَعْتَ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ غَيْرِ مَالِكَ أَوْ نَقَدْتَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ حَلَالِكَ فَإِذَا أَنْتَ قَدْ خَسِرْتَ دَارَ الدُّنْيَاوَ دَارَ الْآخِرَةِ.

أَمَا إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ أَتَيْتَنِي عِنْدَ شِرَائِكَ مَا اشْتَرَيْتَ لَكَتَبْتُ لَكَ كِتَاباً عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ فَلَمْ تَرْغَبْ فِي شِرَاءِ هَذِهِ الدَّارِ بِدِرْهَمٍ فَمَا فَوْقُ وَ النُّسْخَةُ هَذِهِ

هَذَا مَا اشْتَرَى عَبْدٌ ذَلِيلٌ مِنْ مَيِّتٍ قَدْ أُزْعِجَ لِلرَّحِيلِ اشْتَرَى مِنْهُ دَاراً مِنْ دَارِ الْغُرُورِ مِنْ جَانِبِ الْفَانِينَ وَ خِطَّةِ الْهَالِكِينَ

وَ تَجْمَعُ هَذِهِ الدَّارَ حُدُودٌ أَرْبَعَةٌ الْحَدُّ الْأَوَّلُ يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي الْآفَاتِ وَ الْحَدُّ الثَّانِي يَنْتَهِي إِلَى دَوَاعِي الْمُصِيبَاتِ وَ الْحَدُّ الثَّالِثُ يَنْتَهِي إِلَى الْهَوَى الْمُرْدِي وَ الْحَدُّ الرَّابِعُ يَنْتَهِي إِلَى الشَّيْطَانِ الْمُغْوِي وَ فِيهِ يُشْرَعُ بَابُ هَذِهِ الدَّارِ

اشْتَرَى هَذَا الْمُغْتَرُّ بِالْأَمَلِ مِنْ هَذَا الْمُزْعَجِ بِالْأَجَلِ هَذِهِ الدَّارَ بِالْخُرُوجِ مِنْ عِزِّ الْقَنَاعَةِ وَ الدُّخُولِ فِي ذُلِّ الطَّلَبِ وَ الضَّرَاعَةِ فَمَا أَدْرَكَ هَذَا الْمُشْتَرِي فِيمَا اشْتَرَى مِنْهُ مِنْ دَرَكٍ

فَعَلَى مُبَلْبِلِ أَجْسَامِ الْمُلُوكِ وَ سَالِبِ نُفُوسِ الْجَبَابِرَةِ وَ مُزِيلِ مُلْكِ الْفَرَاعِنَةِ مِثْلِ كِسْرَى وَ قَيْصَرَ وَ تُبَّعٍ وَ حِمْيَرَ وَ مَنْ جَمَعَ الْمَالَ عَلَى الْمَالِ فَأَكْثَرَ وَ مَنْ بَنَى وَ شَيَّدَ وَ زَخْرَفَ وَ نَجَّدَ وَ ادَّخَرَ وَ اعْتَقَدَ وَ نَظَرَ بِزَعْمِهِ لِلْوَلَدِ إِشْخَاصُهُمْ جَمِيعاً

إِلَى مَوْقِفِ الْعَرْضِ وَ الْحِسَابِ وَ مَوْضِعِ الثَّوَابِ وَ الْعِقَابِ إِذَا وَقَعَ الْأَمْرُ بِفَصْلِ الْقَضَاءِ وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ‏

شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ الْعَقْلُ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَسْرِ الْهَوَى وَ سَلِمَ مِنْ عَلَائِقِ الدُّنْيَا

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج17  

و من كتاب له عليه السلام كتبه لشريح بن الحارث قاضيه و هو الكتاب الثالث من باب المختار من كتبه و رسائله عليه السلام‏

روي أن شريح بن الحارث قاضي أمير المؤمنين عليه السلام اشترى على عهده دارا بثمانين دينارا، فبلغه ذلك فاستدعى شريحا و قال له:

بلغني أنك ابتعت دارا بثمانين دينارا، و كتبت لها كتابا، و أشهدت فيه شهودا، فقال شريح: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين، قال: فنظر إليه نظر مغضب ثم قال له: يا شريح أما إنه سيأتيك من لا ينظر في كتابك، و لا يسئلك عن بينتك حتى يخرجك منها شاخصا و يسلمك إلى قبرك خالصا، فانظر يا شريح لا تكون ابتعت هذه الدار من غير مالك، أو نقدت الثمن من غير حلالك، فإذا أنت قد خسرت دار الدنيا و دار الاخرة، أما لو إنك كنت أتيتني عند شرائك ما شريت لكتبت لك كتابا على هذه النسخة، فلم ترغب في شراء هذه الدار بدرهم فما فوقه، و النسخة هذه:

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اشترى عبد ذليل من ميت قد أزعج للرحيل، اشترى منه دارا من دار الغرور من جانب الفانين، و خطة الهالكين، و تجمع‏ هذه الدار حدود أربعة: فالحد الأول ينتهي إلى دواعي الافات، و الحد الثاني ينتهي إلى دواعي المصيبات، و الحد الثالث ينتهي إلى الهوى المردي، و الحد الرابع ينتهي إلى الشيطان المغوي، و فيه يشرع باب هذه الدار، اشترى هذا المغتر بالأمل من هذا المزعج بالأجل هذه الدار بالخروج من عز القناعة و الدخول في ذل الطلب و الضراعة، فما أدرك هذا المشتري فيما اشترى من درك. فعلى مبلبل أجسام الملوك و سالب نفوس الجبابرة، و مزيل ملك الفراعنة، مثل كسرى و قيصر و تبع و حمير، و من جمع المال على المال فأكثر، و من بنى و شيد، و زخرف و نجد، و ادخر و اعتقد و نظر بزعمه للولد إشخاصهم جميعا إلى موقف العرض و الحساب، و مواضع الثواب و العقاب إذا وقع الأمر بفصل القضاء و خسر هنالك المبطلون. شهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى و سلم من علائق الدنيا.

أقول: نقل الكتاب في البحار (ص 632 ج 8 و ص 545 ج 9 من طبع الكمباني) نقله أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء، و العلامة الشيخ البهائي في الأربعين بلى ما نتلو عليك و سيأتي من ذي قبل بعض كلماته عليه السلام لشريح في بحثنا المعنون القضاء و القاضي في الإسلام ذيل شرح هذا الكتاب.

«وهم و رجم»

إن ما يهمنا و لا بد لنا منه ههنا قبل بيان لغة الكتاب و إعرابه تقديم مطلب‏ لم يتعرضه أحد من شراح النهج، و هو أن الحافظ أبا نعيم أحمد بن عبد الله الاصفهاني المتوفى سنة 430 ه أسند هذا الكتاب في كتابه حلية الأولياء إلى الفضيل بن عياض قاله للفيض بن إسحاق في واقعة اقتضت ذلك، و بين ما في النهج و بين الحلية اختلاف يسير في بعض الألفاظ و العبارات و لكنهما واحد بلا ارتياب و دونك ما نقله أبو نعيم:قال أبو نعيم في ترجمة الفضيل بن عياض من حلية الأولياء (ص 101 و 102 ج 8 طبع مصر 1356 ه- 1937 م) ما هذا لفظه:

حدثنا سليمان بن أحمد، ثنا بشر بن موسى، ثنا علي بن الحسين بن مخلد قال: قال الفيض بن إسحاق: اشتريت دارا و كتبت كتابا و أشهدت عدولا فبلغ ذلك الفضيل بن عياض فأرسل إلي يدعوني فلم أذهب، ثم أرسل إلي فمررت إليه فلما رآني قال: يا ابن يزيد بلغني أنك اشتريت دارا و كتبت كتابا و أشهدت عدولا؟ قلت: قد كان كذلك، قال: فانه يأتيك من لا ينظر في كتابك و لا يسأل عن بينتك حتى يخرجك منها شاخصا يسلمك إلى قبرك خالصا، فانظر أن لا تكون اشتريت هذه الدار من غير مالك، أو ورثت مالا من غير حله، فتكون قد خسرت الدنيا و الاخرة، و لو كنت حين اشتريت كتبت على هذه النسخة:

هذا ما اشترى عبد ذليل من ميت قد ازعج بالرحيل، اشترى منه دارا تعرف بدار الغرور، حد منها في زقاق الفناء إلى عسكر الهالكين، و يجمع هذه الدار حدود أربعة: الحد الأول ينتهي منها إلى دواعي العاهات، و الحد الثاني ينتهي إلى دواعي المصيبات، و الحد الثالث ينتهي منها إلى دواعي الافات، و الحد الرابع ينتهي إلى الهوى المردي و الشيطان المغوي، و فيه يشرع باب هذه الدار على الخروج من عز الطاعة إلى الدخول في ذل الطلب، فما أدركك في هذه الدار فعلى مبلبل أجسام الملوك، و سالب نفوس الجبابرة، و مزيل ملك الفراعنة مثل كسرى و قيصر، و تبع و حمير، و من جمع المال فأكثر و اتحد و نظر بزعمه الولد، و من بنى و شيد و زخرف و أشخصهم إلى موقف العرض إذا نصب الله عز و جل كرسيه لفصل القضاء، و خسر هنالك المبطلون، يشهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى، و نظر بالعينين إلى زوال الدنيا، و سمع صارخ الزهد عن عرصاتها.

ما أبين الحق لذي عينين‏ إن الرحيل أحد اليومين‏

فبادروا بصالح الأعمال فقد دنا النقلة و الزوال. انتهى.

أقول: مع فرض صحة إسناد الرواية إلى الفضيل أولا، و عدم سهو الراوي و عدم الإسقاط و الحذف ثانيا، ما كان للفضيل و أضرابه أن يسوقوا الكلام إلى ذلك الحد من الزهد في الدنيا و الرغبة عنها أو يعبروا تلك المعاني اللطيفة بتلك الألفاظ الوجيزة ثالثا، بل لا نشك في أن سبك العبارات على هذا الاسلوب البديع، و سوق المعاني على هذا النهج المنيع و التنفير عن الدنيا بهذه الغاية و الجودة و اللطافة إنما نزل من حضرة القدس العلوية.

و لا ننكر أن مثل تلك الواقعة وقع للفضيل أيضا إلا أن الفضيل لما رأى أن عمل الفيض بن إسحاق شبيه بعمل شريح و يناسبه انتقل إلى ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام لشريح فخاطب به الفيض تنبيها له، و إنما لم ينسب الكلام إليه عليه السلام إما لعلمه بأن الفيض أيضا عالم بذلك الكتاب لاشتهاره بين أهله، أو كان نقله من باب الاقتباس إن لم يتطرق إليه سقط و حذف من الراوي و كم لما قلنا من نظير و شبيه نظما و نثرا، مثلا أن العروضي نقل في كتابه المعروف ب «چهار مقاله» أى أربع مقالات، أن نوح بن منصور أمير الخراسان كتب إلى آلبتكين كتابا توعده فيه بالعقوبة و أوعده بالقتل و الأسر و النهب فلما بلغه الكتاب أمر الإسكافي الكاتب البليغ المشهور أن يجيبه عن كتابه و يستخف به و يستهين، فكتب الإسكافي: «يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما نعدنا إن كنت من الصادقين».فانظر فيه كيف اقتبس كتابه من القرآن الكريم من غير أن يتفوه باسناده إليه.

ثم لا ننكر فضل الفضيل و أن له كلمات فاضلة لأنه كان له شأن و إدراك السعادة العظمى لأنه كان من سلسلة الرواة و أتى بكثير من رواياته و كلماته الأنيقة العذبة أبو نعيم في الحلية، و لأنه أدرك أبا عبد الله عليه السلام و اغترف من بحر حقائقه‏ بقدر وسعه، و اقترف من كنوز معارفه بمبلغ كده و جهده، روى عنه عليه السلام نسخة يرويها النجاشي و لكن كلماته موجودة و نقل كثير منها في الحلية بينها و بين الكتاب بون بعيد و مسافة كثيرة لا تشابهه في سلك ألفاظه و لا تدانيه في سبك معانيه.

ثم مما يؤيد كلامنا بأن الفضيل اقتبس الكتاب منه عليه السلام ما أسند إليه أبو نعيم في الحلية أيضا و هو عن الصادق عليه السلام قال أبو نعيم (ص 100 ج 8 حلية الأولياء الطبع المذكور): حدثنا محمد بن علي، ثنا المفضل بن محمد الجندي، ثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: سمعت الفضيل ابن عياض يقول: يغفر للجاهل سبعون ذنبا ما لم يغفر للعالم ذنب واحد. انتهى.

و هذه الرواية مع أنها لا تدل على أن الفضيل قائلها تنافي ما في الكافي و نقلها الفيض في الوافي (ص 52 ج 1) في أول باب لزوم الحجة على العالم و تشديد الأمر عليه مسندا عن المنقري عن حفص بن غياث عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال يا حفص يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد.

و إن اختلج ببالك أن تنظيم قبالة الأرض و الدار على هذا النظم المتضمن للحدود لم يعهد مثله في صدر الاسلام، بل صار متعارفا معهودا بعد ذلك العصر فكيف يصح اسناد هذا الكتاب إلى الأمير عليه السلام؟.

فاعلم: أن أمثال هذه الامور الغير المعهودة الصادرة منه عليه السلام ليس بعزيز حتى يستغرب من إسناد هذا الكتاب إليه عليه السلام.

و من نظر في كتبه و رسائله حيث إنه عليه السلام يبين في بعضها آداب العامل و الوالي، و في بعضها وظائف الخليفة و الأمير، و في بعضها فنون المجاهدة و رسوم المقاتلة، و في بعضها تعيين أوقات الفرائض، و في بعضها ما يتم به صلاح الاجتماع و ما به يصير المدينة فاضلة و غيرها من المطالب المتنوعة في الموضوعات المختلفة الشاخصة التي لم تتغير بتغير الأعصار، و لم تختلف باختلاف الأمصار قط، لأنها حقائق و الحقيقة فوق الزمان و الزماني و غير متغير بتغير المادة و الماديات، علم أن جميع ما فاض من سماء علمه مما يتحير فيه العقول، و يستغرب، و أن‏ بروز نحو هذا الكتاب منه عليه السلام ليس بمستبعد.

على أنه رويت عنه عليه السلام واقعة اخرى و قبالة نظير هذه الواقعة و القبالة نقلها حسين بن معين الدين الميبدي في شرح الديوان المنسوب إلى الأمير عليه السلام (ص 448 طبع ايران 1285 ه): روى أن بعض أهل الكوفة اشترى دارا و ناول أمير المؤمنين عليه السلام رقا و قال له: اكتب لي قبالة، فكتب عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اشترى ميت عن ميت دارا في بلدة المذنبين، و سكنة الغافلين.

الحد الأول منها ينتهي إلى الموت، و الثاني إلى القبر، و الثالث إلى الحساب و الرابع إما إلى الجنة و إما إلى النار، ثم كتب في ذيلها هذه الأبيات:

النفس تبكي على الدنيا و قد علمت‏ أن السلامة منها ترك ما فيها
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت بانيها
فإن بناها بخير طاب مسكنها و إن بناها بشر خاب ثاويها
أين الملوك التي كانت مسلطة حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
لكل نفس و إن كانت على و جل‏ من المنية آمال تقويها
فالمرء يبسطها و الدهر يقبضها و النفس تنشرها و الموت تطوبها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها و دورنا لخراب الدهر نبنيها
كم من مدائن في الافاق قد بنيت‏ أمست خرابا و دون الموت أهليها

و كذا روي عن الصادق عليه السلام نحو هذا الحديث من جهة تحديد الحدود الأربعة كما في المناقب لمحمد بن شهر آشوب عن هشام بن الحكم قال: كان رجل من ملوك أهل الجبل يأتي الصادق عليه السلام في حجة كل سنة، فينزله أبو عبد الله عليه السلام في دار من دوره في المدينة، و طال حجه و نزوله فأعطى أبا عبد الله عليه السلام عشرة آلاف درهم ليشتري له دارا و خرج إلى الحج، فلما انصرف قال: جعلت فداك اشتريت لي الدار؟ قال عليه السلام: نعم، و أتى بصك فيه:بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اشترى جعفر بن محمد لفلان بن فلان الجبلي، اشترى دارا في الفردوس حدها الأول رسول الله صلى الله عليه و آله، و الحد الثاني‏ أمير المؤمنين عليه السلام، و الحد الثالث الحسن بن علي، و الحد الرابع الحسين بن علي عليهم السلام.

فلما قرأ الرجل ذلك قال: قد رضيت جعلني الله فداك قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: إني أخذت ذلك المال ففرقته في ولد الحسن و الحسين عليهما السلام و أرجو أن يتقبل الله ذلك، و يثيبك به الجنة.