خطبه23شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

وَ لَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الْحَقَّ وَ خَابَطَ الْغَيَّ- مِنْ إِدْهَانٍ وَ لَا إِيهَانٍ- فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَ فِرُّوا إِلَى اللَّهِ مِنَ اللَّهِ- وَ امْضُوا فِي الَّذِي نَهَجَهُ لَكُمْ- وَ قُومُوا بِمَا عَصَبَهُ بِكُمْ- فَعَلِيٌّ ضَامِنٌ لِفَلْجِكُمْ آجِلًا إِنْ لَمْ تُمْنَحُوهُ عَاجِلًا

اللغة

أقول: الإدهان و المداهنة: المصانعة، و الإيهان مصدر أوهنه أى أضعفه، و خابط الغيّ بلفظ المفاعلة: يخبط كلّ منهما في الآخر. و قد مرّ أنّ الخبط: هو المشي على غير استقامة، و الغيّ: الجهل. و نهجه: أى أوضحه. و عصبه بكم أي علقه بكم و ربطه. و الفلج الفوز، و المنحة: العطيّة

المعنى

و في هذا الفصل ردّ لقول من قال إنّ متابعته عليه السّلام لمحاربيه و مخالفيه و مداهنتهم أولى من محاربتهم فردّ ذلك بقوله: لعمري ما عليّ إلى قوله: و لا إيهان. أى ليس مصانعتهم بواجبة عليّ من طريق المصلحة الدينيّة، و ليسوا بمضعفين لي، و لا عليّ في قتالهم عجز.

و في ذكره عليه السّلام لهم بصفة مخالفة الحقّ و مخابطة الغيّ و البغى تنبيه للسامعين و استدراج لهم لقيام عذره في قتالهم إذ كانت مقاتلة من هذه صفته واجبة فلا يمكن إنكار وقوعها منه. ثمّ أردف ذلك بأوامر:

أوّلها: الأمر بتقوى اللَّه، و قد علمت أنّ تقوى اللَّه هي خشيته المستلزمة للإعراض عن كلّ مناهيه المبعّدة عنه و هو الزهد الحقيقي كما سبقت الإشارة إليه.

الثاني: الأمر بالفرار إلى اللَّه و هو أمر بالإقبال على اللَّه و توجيه وجه النفس إلى كعبة وجوب وجوده، و اعلم أنّ فرار العبد إلى اللَّه تعالى على مراتب: فاوليها: الفرار عن بعض آثاره إلى بعض كما يفرّ من أثر غضبه إلى أثر رحمته كما قال تعالى حكاية عن المؤمنين في التضرّع إليه «رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَ اعْفُ‏ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا»«» فكأنّهم لم يروا إلّا اللّه و أفعاله ففرُّوا إلى اللّه من بعضها إلى بعض.

الثانية: أن يفنى العبد عن مشاهدة الأفعال و يترقّى في درجات القرب و المعرفة إلى مصادر الأفعال، و هي الصفات فيفرّ من بعضها إلى بعض كما ورد عن زين العابدين عليه السّلام، اللّهم اجعلني اسوة من قد أنهضته بتجاوزك من مصارع المجرمين فأصبح طليق عفوك من اسر سخطك، و العفو و السخط صفتان فاستعاذ بإحديهما من الاخرى. الثالثة: أن يترقّى عن مقام الصفات إلى ملاحظة الذات فيفرّ منها إليها كقوله تعالى «لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ»«» و كالوارد في الدعاء في القيام إلى الصلاة: منك و بك و لك و إليك. أى منك بدء الوجود، و بك قيامه، و لك ملكه، و إليك رجوعه.

ثمّ أكّد ذلك بقوله لا ملجأ و لا منجأ و لا مفرّ منك إلّا إليك. و قد جمع الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم هذه المراتب حين امر بالقرب في قوله تعالى «وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ»«» و قال في سجوده: أعوذ بعفوك من عقابك. و هو كلام من شاهد فعل اللّه فاستعاذ ببعض أفعاله من بعض، و العفو كما يراد به صفة العافي كذلك قد يراد به الأثر الحاصل عن صفة العفو في المعفوّ عنه كالخلق و الصنع، ثمّ لمّا قرب فغنى عن مشاهدة الأفعال و تترقّى إلى مصادرها و هى الصفات قال: و أعوذ برضاك من سخطك و هما صفتان، ثمّ لمّا رأى ذلك نقصانا في التوحيد اقترب و ترقّى عن مقام مشاهدة الصفات إلى ملاحظة الذات فقال: و أعوذ بك منك، و هذا فرار إليه منه مع قطع النظر عن الأفعال و الصفات، و هو أوّل مقام الوصول إلى ساحل العزّة. ثمّ للسباحة في لجّة الوصول درجات اخر لا تتناهى. و لذلك لمّا ازداد صلى اللّه عليه و آله و سلّم قربا قال: لا احصى ثناء عليك. فكان ذلك حذفا لنفسه عن درجة الاعتبار في ذلك المقام و اعترافا منه بالعجز عن الإحاطة بما له من صفات الجلال و نعوت الكمال، و كان قوله بعد ذلك: أنت كما أثنيت على نفسك. كمالا للإخلاص و تجريدا للكمال المطلق الّذي به هو هو أجلّ من أن يلحقه لغيره حكم و هميّ أو عقليّ. إذا عرفت ذلك ظهر أنّ مقصوده عليه السّلام بقوله: و فرّو إلى اللّه من اللّه. أمر بالترقّي إلى المرتبة الثالثة من المراتب المذكورة.

الثالث: الأمر بالمضيّ فيما نهجه لهم من السبيل الواضح العدل الّذي هو واسطة بين طرفى الإفراط و التفريط، و الصراط المستقيم المدلول عليه بالأوامر الشرعيّة. و قد علمت أنّ الغرض من سلوك هذا السبيل و امتثال التكاليف الّتي الزم الإنسان بها و عصبت به إنّما هو تطويع النفس الأمّارة بالسوء للنفس المطمئنّة بحيث تصير مؤتمرة لها و متصرّفة تحت حكمها العقليّ منقادة لها عن الانهماك في ميولها الطبيعيّة و لذّاتها الفانية. و حينئذ تعلم أنّ هذه الأوامر الثلاثة هي الّتي عليها مدار الرياضة و السلوك إلى اللّه تعالى، فالأمر الأوّل و الثالث أمر بما هو معين على حذف الموانع عن الالتفات إلى اللّه تعالى، و على تطويع النفس الأمّارة، و الأمر الثاني أمر بتوجيه السير إلى اللّه. و قد تبيّن فيما مرّ أنّ هذه الامور الثلاثة هي الأغراض الّتي يتوجّه نحوها الرياضة المستلزمة لكمال الاستعداد المستلزم للوصول التامّ.

و لذلك قال عليه السّلام: فعليّ ضامن لفلحكم آجلا إن لم تمنحوه عاجلا. أى إذا قمتم بواجب ما امرتم به من هذه الأوامر كان ذلك مستلزما لفوزكم في دار القرار بجنّات تجري من تحتها الأنهار الّتي هي الغايات الحقيقية و لمثلها يعمل العاملون و فيها يتنافس المتنافسون إن لم يتمّ تأهّلكم للفوز في الدار العاجلة فمنحوه فيها، و قد يتمّ الفوز بالسعادتين العاجليّة و الآجليّة لمن وفت قوّته بالقيام بهما و كمل استحقاقه لذلك في علم اللّه. و لمّا كان حصول السعادة و الفوز عن لزوم الأوامر المذكورة أمرا واجبا واضح الوجوب في علمه عليه السّلام لا جرم كان ضامنا له.

فإن قلت: فما وجه اتّصال هذه الأوامر بصدر هذا الفصل قلت: لمّا كان مقتضى صدر الفصل إلى قوله: و لا إيهان. هو الإعذار إلى السامعين في قتال مخالفي الحقّ، و كان مفهوم ذلك هو الحثّ على جهادهم و التنفير عمّا هم عليه من الطريق الجائر كان تعقيب ذلك بذكر الطريق الواضح المأمور بسلوكه و لزوم حدود اللّه فيه لهو اللايق الواجب.

و باللّه التوفيق.

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن ‏ميثم بحرانی)، ج 2 ، صفحه‏ى 15

دیدگاه‌ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

این سایت از اکیسمت برای کاهش هرزنامه استفاده می کند. بیاموزید که چگونه اطلاعات دیدگاه های شما پردازش می‌شوند.