خطبه 196 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام

كلم به طلحة و الزبير بعد بيعته بالخلافة و قد عتبا [عليه‏] من ترك مشورتهما، و الاستعانة فى الأمور بهما لَقَدْ نَقَمْتُمَا يَسِيراً وَ أَرْجَأْتُمَا كَثِيراً- أَ لَا تُخْبِرَانِي أَيُّ شَيْ‏ءٍ كَانَ لَكُمَا فِيهِ حَقٌّ دَفَعْتُكُمَا عَنْهُ- أَمْ أَيُّ قَسْمٍ اسْتَأْثَرْتُ عَلَيْكُمَا بِهِ- أَمْ أَيُّ حَقٍّ رَفَعَهُ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ- ضَعُفْتُ عَنْهُ أَمْ جَهِلْتُهُ أَمْ أَخْطَأْتُ بَابَهُ- . وَ اللَّهِ مَا كَانَتْ لِي فِي الْخِلَافَةِ رَغْبَةٌ- وَ لَا فِي الْوِلَايَةِ إِرْبَةٌ- وَ لَكِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَيْهَا وَ حَمَلْتُمُونِي عَلَيْهَا- فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيَّ نَظَرْتُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ مَا وَضَعَ لَنَا- وَ أَمَرَنَا بِالْحُكْمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ- وَ مَا اسْتَنَّ النَّبِيُّ ص فَاقْتَدَيْتُهُ- فَلَمْ أَحْتَجْ فِي ذَلِكَ إِلَى رَأْيِكُمَا وَ لَا رَأْيِ غَيْرِكُمَا- وَ لَا وَقَعَ حُكْمٌ جَهِلْتُهُ فَأَسْتَشِيرَكُمَا وَ إِخْوَانِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ- وَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ أَرْغَبْ عَنْكُمَا وَ لَا عَنْ‏ غَيْرِكُمَا- . وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ الْأُسْوَةِ- فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ لَمْ أَحْكُمْ أَنَا فِيهِ بِرَأْيِي- وَ لَا وَلِيتُهُ هَوًى مِنِّي- بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَ أَنْتُمَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ص قَدْ فُرِغَ مِنْهُ- فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَيْكُمَا فِيمَا قَدْ فَرَغَ اللَّهُ مِنْ قَسْمِهِ- وَ أَمْضَى فِيهِ حُكْمَهُ- فَلَيْسَ لَكُمَا وَ اللَّهِ عِنْدِي وَ لَا لِغَيْرِكُمَا فِي هَذَا عُتْبَى- . أَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَ قُلُوبِكُمْ إِلَى الْحَقِّ- وَ أَلْهَمَنَا وَ إِيَّاكُمُ الصَّبْرَ.

اللغة

أقول: أرجأتما: أخّرتما.

و استأثر: استبدّ. و الإربة: الحاجة.

و أفضت: وصلت.

و العتبى: الرجوع عن الإساءة

المعنى

و اعلم أنّ الرجلين كانا يؤمّلان الأمر لأنفسهما فلمّا صار إليه عليه السّلام عاد إلى رجاء أن يداخلهما في أمره و أن يزد لهما في العطاء على غيرهما كما فضّل بعض الأئمّة من قبله و أن يشاركهما في أكثر الآراء المصلحيّة محبّة منهما للجاه و نظرا إلى محلّهما و شرفهما لكنّ الرجل لمّا جعل دليله الكتاب العزيز و السنّة النبويّة و كان هو القويّ على تفريع الأحكام منهما دون غيره و صاحب أسرارهما كما علمت رجوع أكابر الصحابة و الخلفاء السابقين إليه في كثير الأحكام لا جرم لم يكن به حاجة إلى الاستشارة فيما يقع إليه من الوقايع، و أشار باليسير الّذي نقماه إلى ترك مشورتهما و تسويتهما بغيرهما في العطاء و إن كان عندهما صعبا فهو لكونه عنده غير حقّ في غاية من السهولة، و الكسير الّذي أرجاه ما أخّراه من حقّه و لم يوفياه إيّاه، و روى كثيرا بالثاء بثلاث نقط، و أشار به إلى ما يعود إلى صلاح المسلمين من الآراء الّتي ينبغي أن‏ يتحدّث فيها، و يحتمل أن يريد أنّ الّذي أبدياه و نقماه بعض ممّا في أنفسهما، و قد دلّ ذلك على أنّ في أنفسهما أشياء كثيرة وراء ما ذكراه لم يقولاه.

و قوله: ألا تخبرانى. إلى قوله: بابه.
استفسار عن الحقّ الّذي نقما تركه، و أشار إلى وجوه الحقّ و جهاته المتعارفة المعتادة، و تلخيصه أنّ الحقّ الّذي تنقمان على تركه إمّا أن يكون متعلّقا بكما أو بغير كما من المسلمين، و الأوّل إمّا أن يكون قسما استأثرت به أو غيره من الحقوق دفعتكما عنه ظلما، و الثاني إمّا أن يكون تركه منّى ضعفا أو جهلا به أو خطأ لدليل الحكم فيه، و الاستفهام في الأقسام كلّها استفهام إنكار لها و مستند منعه و إنكاره لها ظاهر فإنّ التسوية في العطاء سنّة الرسول فيجب اتّباعها، و الاستشارة في الحوادث و نحوها إنّما يجب مع عدم الحكم في الواقعة أو مع جهله و لم يكن عادما لأحكام الوقايع الواردة عليه و لا جاهلا بها، و كذلك لم يترك حقّا لأحد من المسلمين عن ضعف منه لأنّه كان خليفة الوقت و لا عن جهل بحكم و لا بدليله لأنّه كان أعلم الامّة بأحكام اللّه، و لمّا كان الّذي نقماه عليه في تلك الحال من الأقسام المذكورة إنّما هو ترك مشورتهما و السوية في العطاء بينهما و بين غيرهما أشار إلى الجواب عن الأوّل بقوله: و اللّه ما كانت.
إلى قوله: و لا عن غيركما.
فقوله: و اللّه. إلى قوله: حملتمونى عليها.

كالمقدّمة في الجواب المكاسرة من توهّمهما رغبته في الخلافة و محبّته للملك و السلطان لاستيثار عليهما و نحو ذلك فإنّه إذا انكسر ذلك الوهم لم يبق علّة طلبه للولاية إلّا نصرة الحقّ و إقامته كما صرّح هو به في غير موضع و حينئذ تندفع شبهتها عنه.

و قوله: فلمّا أفضت. إلى قوله: فاقتديته.
وجه الجواب دلّ به على صغرى القياس فيه، و خلاصته: أى إنّما أحكم بالكتاب فأتّبعته و أقتدى بالسنّة، و تقدير الكبرى و كلّ من فعل ذلك فلا حاجة به في الحكم إلى الرأي.
و قوله، فلم أحتج. إلى قوله، غيركما.
كالنتيجة.

و قوله: و لا وقع حكم جهلته.
أحد الأقسام الّتي استفهم عنها على سبيل الإنكار أوّلا قد صرّح بإنكاره هاهنا و منعه على تقدير دعواهم له. ثمّ بتسليمه تسليم جدل أنّه لو وقع لم يكن يرغب عنهما و لا عن غيرهما من المسلمين و الاستشارة فيه. ثمّ ذكر الأمر الثاني ممّا نقماه عليه فقال: و أمّا ما ذكرتما من الأمر الأسوة: أى اسوتكما بغير كما في العطاء، و أجاب عنه بقوله: فإنّ ذلك أمر. إلى قوله: حكمه. فقوله: و لاولّيته هوى منّى.
أى لم أجعل الحاكم في ذلك هواى، و روى و لا ولّيته هوى منّى على أن يكون هوى مفعولا له: و خلاصته أنّ حكمى بالتسوية في القسمة لم يكن عن رأى منّى و لا هوى أتّبعته و لكن وجدته أنا و أنتم قد فرغ اللّه منه: أى من القضاء به في اللوح المحفوظ و إنزاله، و يقال للأمر الثابت الّذي لا يحتاج إلى إيجاد أو تكميل مفروغ منه، و نسبة الفراغ إلى اللّه مجاز لمناسبته ما قضاه بفعل العبد الّذي فرغ من عمله.

و قوله: فلم أحتج إليكما. إلى قوله: حكمه.
أى لمّا وجدته كذلك لم أمل إليكما بما يرضيكما مع مخالفته لما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و روى فلم أحتجّ إليكما: أى في الإرشاد إلى أحكام اللّه بعد فراغه منها.

و قوله: فليس لكما. إلى قوله. عتبى.
لازم بنتيجتى قياسيّة في الجوابين فإنّه لمّا ثبت أنّه لا حقّ لهما فيما نقماه عليه لم يكن عليه أن يعتب. ثمّ أخذ في الدعاء لهما و لنفسه بأخذ اللّه قلوبهم إلى الحقّ و إلهامهم الصبر عن الميول الباطلة و على الحقّ. ثمّ دعا برحمة اللّه لرجل‏ رأى حقّا و عدلا و أعان على العمل به، أو رأى جورا و ظلما فردّه و أعان على صاحبه جذ بالهما إلى ذلك. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 4 ، صفحه‏ى 9

دیدگاه‌ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

این سایت از اکیسمت برای کاهش هرزنامه استفاده می کند. بیاموزید که چگونه اطلاعات دیدگاه های شما پردازش می‌شوند.