خطبه 194 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَجَازٍ وَ الْآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ- فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ- وَ لَا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ- وَ أَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ- مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ- فَفِيهَا اخْتُبِرْتُمْ وَ لِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ- إِنَّ الْمَرْءَ إِذَا هَلَكَ قَالَ النَّاسُ مَا تَرَكَ- وَ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ مَا قَدَّمَ- لِلَّهِ آبَاؤُكُمْ فَقَدِّمُوا بَعْضاً يَكُنْ لَكُمْ- وَ لَا تُخْلِفُوا كُلًّا فَيَكُونَ فَرْضاً عَلَيْكُمْ

أقول: حاصل الفصل التنفير عن الدنيا و الترغيب في الآخرة بذكر الغاية من وجودهما
فتكون الدنيا مجازا: أى يسلك بها إلى الآخرة سلوكا اختياريّا كسلوك عباد اللّه الصالحين إليه، و اضطراريّا كعبور الكلّ إلى الآخرة بالموت، و أراد هنا الاضطرارىّ، و هاتان القرينتان كالمقدّمة لقوله: فخذوا من ممرّكم لمقرّكم.

و قوله: و لا تهتكوا. إلى قوله: أسراركم.أى لمجاهرته بالمعصية فإنّه إذا كان يعلم أسراركم فهو يعلم ظواهر كم أولى.

و قوله: و أخرجوا. إلى قوله: أبدانكم.
أمر لهم بالزهد في الدنيا قبل الموت، و كنّى عنه بإخراج القلوب منها. يقال: خرج فلان عن كذا، و أخرج نفسه من كذا إذا أعرض عنه و تبرّء منه.

و قوله: ففيها اختبرتم.
إشارة إلى قصد العناية الإلهيّة منها، و قد عرفت معنى الاختبار، و لغيرها خلقتم: أى لنيل السعادة في الآخرة بالذات، أو الشقاوة لمن حرّمها بالعرض.

و قوله: إنّ المرء. إلى قوله: قدّم.
أى ما ترك من متاع الدنيا أو ما قدّم من الأعمال الصالحة، و إنّما قرن ذكر الناس و ما يسئلون عنه بذكر الملائكة و ما يسئلون عنه لينبّه على شرف الأعمال المسعدة في الآخرة على متاع الدنيا لكون الأوّل مطلوب الملائكة و ما تعتنون بالفحص عنه، و كون الثاني معتنى الناس الغافلين، و في لفظ ما ترك و ما قدّم لطف شبيه [تنبيه خ‏] على أنّ متاع الدنيا مفارق متروك و الأعمال الصالحة مقدّمة باقية نافعة للمرء في معاده فينبغى أن تكون العناية بها دون المفارق المتروك.

و قوله: للّه آباؤكم.
كلمة تقولها العرب لتعظيم المخاطب بنسبته أو بنسبة أبيه إلى اللّه يقال: للّه أنت و للّه أبوك، و قيل: اللام للعاقبة: أى إلى اللّه تصير آبائكم لكن بذلك يخرج الكلام عن معنى التعجّب و الاستعظام.

و قوله: فقدّموا بعضا. إلى آخره.
أى فقدّموا بعضا من متاع الدنيا كالصدقات و نحوها يكن لكم ثوابها في الآخرة كقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يا بن آدم ليس لك من دنياك إلّا ثلاث: ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدّقت فأبقيت، و لا تخلّفوها بأسرها لغيركم فيكون عليكم وزرها، و قد علمت كيفيّة استلزام الصدقة و الزكاة و نحوها للملكات الفاضلة و الثواب الاخروى، و استلزام البخل و ادخار المال للشقاوة الاخرويّة، و إنّما خصّص‏ البعض بالتقديم لأنّ حرمان الورثة لا يجوز، و نهى عن تخليف الكلّ لأنّ ترك الزكاة و الصدقة لا يجوز، و روى يكن لكم قرضا و يكن عليكم كلّا و هو كقوله تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً«» و لفظ القرض مستعار، و وجه الاستعارة أنّ القرض يستلزم في العادة الطلب من المقترض و شكره لمقرضه و أداه إليه فأشبه ذلك تكرر أوامر اللّه الطالبة للزكاة و الصدقة و شكر اللّه للمنفقين في سبيله و جزاؤه للمتصدّقين في الآخرة بأضعاف ما بذلوه و أنفس كميّة و كيفيّة من الكلّ الّذي لا منفعة فيه مع وجود مضرّته، و لمّا كان حفظ المال و تخليفه بعد الموت كذلك لا جرم كان كلّا. و باللّه التوفيق.

شرح نهج البلاغة(ابن ميثم بحراني)، ج 4 ، صفحه‏ى 6

 

دیدگاه‌ها

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

این سایت از اکیسمت برای کاهش هرزنامه استفاده می کند. بیاموزید که چگونه اطلاعات دیدگاه های شما پردازش می‌شوند.