خطبه 99 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

99 و من خطبة له ع

الْحَمْدُ لِلَّهِ النَّاشِرِ فِي الْخَلْقِ فَضْلَهُ- وَ الْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ- نَحْمَدُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ- وَ نَسْتَعِينُهُ عَلَى رِعَايَةِ حُقُوقِهِ- وَ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ- وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صَادِعاً وَ بِذِكْرِهِ نَاطِقاً- فَأَدَّى أَمِيناً وَ مَضَى رَشِيداً- وَ خَلَّفَ فِينَا رَايَةَ الْحَقِّ- مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ- وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا زَهَقَ- وَ مَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ- دَلِيلُهَا مَكِيثُ الْكَلَامِ- بَطِي‏ءُ الْقِيَامِ سَرِيعٌ إِذَا قَامَ- فَإِذَا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقَابَكُمْ- وَ أَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِكُمْ- جَاءَهُ الْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ- فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ- حَتَّى يُطْلِعَ اللَّهُ لَكُمْ مَنْ يَجْمَعُكُمْ وَ يَضُمُّ نَشْرَكُمْ- فَلَا تَطْمَعُوا فِي غَيْرِ مُقْبِلٍ- وَ لَا تَيْأَسُوا مِنْ مُدْبِرٍ- فَإِنَّ الْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلَّ بِهِ إِحْدَى قَائِمَتَيْهِ- وَ تَثْبُتَ الْأُخْرَى فَتَرْجِعَا حَتَّى تَثْبُتَا جَمِيعاً- أَلَا إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ ص كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ- إِذَا خَوَى نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ- فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكَامَلَتْ مِنَ اللَّهِ فِيكُمُ الصَّنَائِعُ- وَ أَرَاكُمْ مَا كُنْتُمْ تَأْمُلُونَ يده هاهنا نعمته- يقال لفلان عندي يد أي نعمة و إحسان- قال الشاعر

فإن ترجع الأيام بيني و بينها
فإن لها عندي يدا لا أضيعها

و صادعا أي مظهرا و مجاهرا للمشركين- قال تعالى فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ- و راية الحق الثقلان المخلفان بعد رسول الله ص- و هما الكتاب و العترة- . و مرق خرج أي فارق الحق- و مزق السهم عن الرمية خرج من جانبها الآخر- و به سميت الخوارق مارقة- . و زهقت نفسه بالفتح زهوقا أي خرجت- قال تعالى وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كافِرُونَ- و زهقت الناقة- إذا سبقت و تقدمت أمام الركاب- و زهق الباطل اضمحل- يقول ع- من خالفها متقدما لها أو متأخرا عنها- فقد خرج عن الحق- و من لازمها فقد أصاب الحق- . ثم قال دليلها مكيث الكلام يعني نفسه ع- لأنه المشار إليه من العترة- و أعلم الناس بالكتاب- و مكيث الكلام بطيئه- و رجل مكيث أي رزين- و المكث اللبث و الانتظار- مكث و مكث بالفتح و الضم- و الاسم المكث و المكثة بالضم و كسرها- يعني أنه ذو أناة و تؤدة- ثم أكد ذلك بقوله بطي‏ء القيام- ثم قال سريع إذا قام- أي هو متأن متثبت في أحواله- فإذا نهض جد و بالغ- و هذا المعنى كثير جدا قال أبو الطيب-

و ما قلت للبدر أنت اللجين
و لا قلت للشمس أنت الذهب‏

فيقلق منه البعيد الأناة
و يغضب منه البطي‏ء الغضب‏

– يعني سيف الدولةأقوال مأثورة في مدح الأناة و ذم العجلة و من أمثالهم يريك الهوينى و الأمور تطير- يضرب لمن ظاهره الأناة- و باطنه إبرام الأمور و تنفيذها- و الحاضرون لا يشعرون- و يقولون لمن هو كذلك- وَ تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً- وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ- . و وقع ذو الرئاستين إلى عامل له- أن أسرع النار التهابا أسرعها خمودا- فتأن في أمرك-و يقال إن آدم ع أوصى ولده عند موته- فقال كل عمل تريدون أن تعملوه- فتوقفوا فيه ساعة- فإني لو توقفت لم يصبني ما أصابني- . بعض الأعراب يوصي ولده- إياكم و العجلة- فإن أبي كان يكنيها أم الندم- . و كان يقال من ورد عجلا صدر خجلا- . و قال ابن هاني المغربي-

و كل أناة في المواطن سؤدد
و لا كأناة من قدير محكم‏

و من يتبين أن للصفح موضعا
من السيف يصفح عن كثير و يحلم‏

و ما الرأي إلا بعد طول تثبت
و لا الحزم إلا بعد طول تلوم‏

و قوله ع- بطي‏ء القيام سريع إذا قام- فيه شبه من قول الشنفري-

مسبل في الحي أحوى رفل
و إذا يغزو فسمع أزل‏

و من أمثالهم في مدح الأناة و ذم العجلة- أخطأ مستعجل أو كاد- و أصاب متثبت أو كاد- .و منهاو قد يكون مع المستعجل الزلل‏- . و منها رب عجلة تهب ريثا- و قال البحتري-

حليم إذا القوم استخفت حلومهم
وقور إذا ما حادث الدهر أجلبا

قال الأحنف لرجل سبه فأفرط- يا هذا إنك منذ اليوم تحدو بجمل ثقال- . و قال الشاعر

أحلامنا تزن الجبال رجاحة
و تخالنا جنا إذا ما نجهل‏

فصل في مدح قلة الكلام و ذم كثرته

فأما قوله ع مكيث الكلام- فإن قلة الكلام من صفات المدح- و كثرته من صفات الذم- قالت جارية ابن السماك له- ما أحسن كلامك لو لا أنك تكثر ترداده- فقال أردده حتى يفهمه من لم يفهمه- قالت فإلى أن يفهمه من لم يفهمه قد مله من فهمه- . بعث عبد العزيز بن مروان بن الحكم- إلى ابن أخيه الوليد بن عبد الملك قطيفة حمراء- و كتب إليه أما بعد- فقد بعثت إليك بقطيفة حمراء حمراء حمراء- فكتب إليه الوليد أما بعد- فقد وصلت القطيفة و أنت يا عم أحمق أحمق أحمق- .

و قال المعتضد لأحمد بن الطيب السرخسي- طول لسانك دليل على قصر عقلك- . قيل للعتابي ما البلاغة- قال كل من أفهمك حاجته- من غير إعادة و لا خلسة و لا استعانة فهو بليغ- قيل له ما الاستعانة- قال أ لا ترى الرجل إذا حدث- قال يا هناه و استمع إلي و افهم و أ لست تفهم- هذا كله عي و فساد- . دخل على المأمون جماعة من بني العباس- فاستنطقهم فوجدهم لكنا مع يسار و هيئة- و من تكلم منهم أكثر و هذر- فكانت حاله أفحش من حال الساكتين- فقال ما أبين الخلة في هؤلاء- لا خلة الأيدي بل خلة الألسنة و الأحلام- .

و سئل علي ع عن اللسان- فقال معيار أطاشه الجهل- و أرجحه العقل- . سمع خالد بن صفوان مكثارا يتكلم- فقال له يا هذا ليست البلاغة بخفة اللسان- و لا بكثرة الهذيان- و لكنها إصابة المعنى و القصد إلى الحجة- . قال أبو سفيان بن حرب لعبد الله بن الزبعري- ما لك لا تسهب في شعرك- قال حسبك من الشعر غرة لائحة أو وصمة فاضحة- . و في خطبة كتاب البيان و التبيين- لشيخنا أبي عثمان- و نعوذ بك من شر السلاطة و الهذر- كما نعوذ بك من العي و الحصر- قال أحيحة بن الجلاح-

و الصمت أجمل بالفتى
ما لم يكن عي يشينه‏

و القول ذو خطل إذا
ما لم يكن لب يعينه‏

و قال الشاعر يرثي رجلا-

لقد وارى المقابر من شريك
كثير تحلم و قليل عاب‏
صموتا في المجالس غير عي
جديرا حين ينطق بالصواب‏

و كان رسول الله ص يكره التشادق و الإطالة و الهذر- و قال إياك و التشادقو قال ص أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقونو روى عمرو بن عبيد رحمه الله تعالى عن النبي ص أنا معاشر الأنبياء بكاءون قليلو الكلام- رجل بكي‏ء على فعيل- . قال و كانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله- . و قيل للخليل و قد اجتمع بابن المقفع- كيف رأيته- فقال لسانه أرجح من عقله- و قيل لابن المقفع- كيف رأيت الخليل- قال عقله أرجح من لسانه- فكان عاقبتهما أن عاش الخليل مصونا مكرما- و قتل ابن المقفع تلك القتلة- .

و سأل حفص بن سالم عمرو بن عبيد عن البلاغة- فقال ما بلغك الجنة و باعدك عن النار- و بصرك مواقع رشدك و عواقب غيك- قال ليس عن هذا أسأل- فقال كانوا يخافون من فتنة القول- و من سقطات الكلام- و لا يخافون من فتنة السكوت و سقطات الصمت- . قال أبو عثمان الجاحظ- و كان عمرو بن عبيد رحمه الله تعالى- لا يكاد يتكلم- فإن تكلم لم يكد يطيل- و كان يقول لا خير في المتكلم- إذا كان كلامه لمن شهده دون نفسه- و إذا أطال المتكلم الكلام- عرضت له أسباب التكلف- و لا خير في شي‏ء يأتيك بالتكلف- . و قال بعض الشعراء-

و إذا خطبت على الرجال فلا تكن
خطل الكلام تقوله مختالا
و اعلم بأن من السكوت إبانة
و من التكلف ما يكون خبالا

و كان يقال لسان العاقل من وراء قلبه- فإذا أراد الكلام تفكر- فإن كان له قال و إن كان عليه سكت- و قلب الجاهل من وراء لسانه- فإن هم بالكلام تكلم به- . و قال سعد بن أبي وقاص لعمرو ابنه- حين نطق مع القوم فبذهم- و قد كان غضب عليه فكلموه في الرضا عنه- هذا الذي أغضبني عليه سمعت رسول الله ص يقول يكون قوم يأكلون الدنيا بألسنتهم- كما تلحس الأرض البقر بألسنتها- .

و قال معاوية لعمرو بن العاص في أبي موسى- قد ضم إليك رجل طويل اللسان- قصير الرأي فأجد الحز- و طبق المفصل و لا تلقه برأيك كله- . و كان يقال لو كان الكلام من فضة- لكان السكوت من ذهب- . و كان يقال مقتل الرجل بين فكيه- و قيل بين لحييه- . و كان يقال- ما شي‏ء بأحق بسجن من لسان- . و قالوا اللسان سبع عقور- . و أخذ أبو بكر بطرف لسانه- و قال هذا الذي أوردني الموارد- . لما أنكح ضرار بن عمرو ابنته من معبد بن زرارة- أوصاها حين أخرجها إليه- فقال أمسكي عليك الفضلين قالت و ما هما- قال فضل الغلمة و فضل الكلام- . و سئل أعرابي كان يجالس الشعبي عن طول صمته- فقال أسمع فأعلم و أسكت فأسلم- .

وقال النبي ص و هل يكب الناس في النار على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهمتكلم رجل في مجلس النبي ص فخطل في كلامه- فقال ع ما أعطي العبد شرا من ذلاقة لسان- . قال عمر بن عبد العزيز يوم بويع بالخلافة- خالد بن عبد الله القسري- و قد أنشده متمثلا-

و إذا الدر زان حسن نحور
كان للدر حسن نحرك زينا

 إن صاحبكم أعطي مقولا و حرم معقولا- . و قيل لإياس بن عمر ادع لنا- فقال اللهم ارحمنا و عافنا و ارزقنا- فقالوا زدنا يا أبا الرحمن- فقال أعوذ بالله من الإسهاب- . و كان القباع- و هو الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي- مسهابا سريع الحديث كثيره- فقال فيه أبو الأسود الدؤلي-

أمير المؤمنين جزيت خيرا
أرحنا من قباع بني المغيرة

بلوناه و لمناه فأعيا
علينا ما يمر لنا مريره‏

على أن الفتى نكح أكول
و مسهاب مذاهبه كثيره‏

و قال أبو العتاهية-

كل امرئ في نفسه
أعلى و أشرف من قرينه‏

و الصمت أجمل بالفتى‏
من منطق في غير حينه‏

و قال الشاعر

و إياك إياك المراء فإنه
إلى الشر دعاء و للشر جالب‏

– و كان يقال العجلة قيد الكلام- .أطال خطيب بين يدي الإسكندر فزبره- قال ليس حسن الخطبة على حسب طاقة الخاطب- و لكن على حسب طاقة السامع- .محمد الباقر ع إني لأكره أن يكون مقدار لسان الرجل- فاضلا على مقدار علمه- كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلا على مقدار عقله- . أطال ربيعة الرأي الكلام- و عنده أعرابي- فلما فرغ من كلامه- قال للأعرابي ما تعدون العي و الفهاهة فيكم- قال ما كنت فيه أصلحك الله منذ اليوم- ومن كلام أمير المؤمنين ع إذا تم العقل نقص الكلام- .واصل بن عطاء- لأن يقول الله لي يوم القيامة- هلا قلت أحب إلي من أن يقول لي لم قلت- لأني إذا قلت طالبني بالبرهان- و إذا سكت لم يطالبني بشي‏ء- . نزل النعمان بن المنذر برابية- فقال له رجل من أصحابه أبيت اللعن- لو ذبح رجل على رأس هذه الرابية- إلى أين كان يبلغ دمه- فقال النعمان المذبوح و الله أنت- و لأنظرن إلى أين يبلغ دمك فذبحه- فقال رجل رب كلمة تقول دعني- . أعرابي رب منطق صدع جمعا- و رب سكوت شعب صدعا- . قالت امرأة لبعلها- ما لك إذا خرجت تطلقت و تحدثت- و إذا دخلت قعدت و سكت- قال لأني أدق عن جليلك- و تجلين عن دقيقي- . النخعي- كانوا يتعلمون السكوت كما يتعلمون الكلام- . علي بن هشام-

لعمرك إن الحلم زين لأهله
و ما الحلم إلا عادة و تحلم‏

إذا لم يكن صمت الفتى من بلادة
و عي فإن الصمت أهدى و أسلم‏

وهيب بن الورد- إن الحكمة عشرة أجزاء- تسعة منها في الصمت- و العاشرة العزلة عن الناس- .مكث الربيع بن خثيم عشرين سنة- لا يتكلم إلى أن قتل الحسين ع- فسمعت منه كلمة واحدة- قال لما بلغه ذلك أ و قد فعلوها- ثم قال اللهم فاطر السماوات و الأرض- عالم الغيب و الشهادة- أنت تحكم بين عبادك- فيما كانوا فيه يختلفون- ثم عاد إلى السكوت حتى مات- . الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب-

زعم ابن سلمى أن حلمي ضرني
ما ضر قبلي أهله الحلم‏

إنا أناس من سجيتهم‏
صدق الحديث و رأيهم حتم‏

لبسوا الحياء فإن نظرت حسبتهم
سقموا و لم يمسسهم سقم‏

إني وجدت العدم أكبره‏
عدم العقول و ذلك العدم‏

و المرء أكثر عيبه ضررا
خطل اللسان و صمته حكم‏

جاء في الحديث المرفوع عن النبي ص إذا رأيتم المؤمن صموتا فادنوا منه- فإنه يلقى الحكمة- . سفيان بن عيينة من حرم العلم فليصمت- فإن حرمها فالموت خير له- . و كان يقال إذا طلبت صلاح قلبك- فاستعن عليه بحفظ لسانكو اعلم أن هذه الخطبة خطب بها أمير المؤمنين ع- في الجمعة الثالثة من خلافته- و كنى فيها عن حال نفسه- و أعلمهم فيها أنهم سيفارقونه- و يفقدونه بعد اجتماعهم عليه و طاعتهم له- و هكذا وقع الأمر- فإنه نقل أن أهل العراق- لم يكونوا أشد اجتماعا عليه- من الشهر الذي قتل فيه ع- . و جاء في الأخبار- أنه عقد للحسن ابنه ع على عشرة آلاف- و لأبي أيوب‏الأنصاري على عشرة آلاف- و لفلان و فلان حتى اجتمع له مائة ألف سيف- و أخرج مقدمته أمامه يريد الشام- فضربه اللعين ابن ملجم- و كان من أمره ما كان- و انفضت تلك الجموع و كانت كالغنم فقد راعيها- .

و معنى قوله ألنتم له رقابكم أطعتموه- و معنى أشرتم إليه بأصابعكم أعظمتموه و أجللتموه- كالملك الذي يشار إليه بالإصبع- و لا يخاطب باللسان- ثم أخبرهم أنهم يلبثون بعده ما شاء الله- و لم يحدد ذلك بوقت معين- ثم يطلع الله لهم من يجمعهم و يضمهم- يعني من أهل البيت ع- و هذا إشارة إلى المهدي الذي يظهر في آخر الوقت- و عند أصحابنا أنه غير موجود الآن و سيوجد- و عند الإمامية أنه موجود الآن- .

قوله ع فلا تطمعوا في غير مقبل- و لا تيأسوا من مدبر- ظاهر هذا الكلام متناقض- و تأويله أنه نهاهم عن أن يطمعوا في صلاح أمورهم- على يد رئيس غير مستأنف الرئاسة- و هو معنى مقبل أي قادم تقول سوف أفعل كذا في الشهر المقبل- و في السنة المقبلة أي القادمة- يقول كل الرئاسات التي تشاهدونها- فلا تطمعوا في صلاح أموركم بشي‏ء منها- و لأن تنصلح أموركم على يد رئيس يقدم عليكم- مستأنف الرئاسة خامل الذكر- ليس أبوه بخليفة- و لا كان هو و لا أبوه مشهورين بينكم برئاسة- بل يتبع و يعلو أمره- و لم يكن قبل معروفا هو و لا أهله الأدنون- و هذه صفة المهدي الموعود به- .

و معنى قوله و لا تيأسوا من مدبر- أي و إذا مات هذا المهدي و خلفه بنوه بعده- فاضطرب أمر أحدهم فلا تيأسوا و تتشككوا- و تقولوا لعلنا أخطأنا في اتباع هؤلاء- فإن المضطرب الأمر منا ستثبت دعائمه- و تنتظم أموره- و إذا زلت إحدى رجليه- ثبتت‏ الأخرى فثبتت الأولى أيضا- و يروى فلا تطعنوا في عين مقبل- أي لا تحاربوا أحدا منا- و لا تيأسوا من إقبال من يدبر أمره منا- .

ثم ذكر ع أنهم كنجوم السماء- كلما خوى نجم طلع نجم- خوى مال للمغيب- . ثم وعدهم بقرب الفرج- فقال إن تكامل صنائع الله عندكم- و رؤية ما تأملونه أمر قد قرب وقته- و كأنكم به و قد حضر و كان- و هذا على نمط المواعيد الإلهية بقيام الساعة- فإن الكتب المنزلة كلها صرحت بقربها- و إن كانت بعيدة عندنا لأن البعيد في معلوم الله قريب- و قد قال سبحانه- إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَ نَراهُ قَرِيباً

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن‏ أبي‏ الحديد) ج 7 

خطبه 98 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

98 و من خطبة له ع

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا كَانَ- وَ نَسْتَعِينُهُ مِنْ أَمْرِنَا عَلَى مَا يَكُونُ- وَ نَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الْأَدْيَانِ- كَمَا نَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الْأَبْدَانِ- أُوصِيكُمْ بِالرَّفْضِ- لِهَذِهِ الدُّنْيَا التَّارِكَةِ لَكُمْ- وَ إِنْ لَمْ تُحِبُّوا تَرْكَهَا- وَ الْمُبْلِيَةِ لِأَجْسَامِكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا- فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَ مَثَلُهَا كَسَفْرٍ- سَلَكُوا سَبِيلًا فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ- وَ أَمُّوا عَلَماً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوهُ- وَ كَمْ عَسَى الْمُجْرِي إِلَى الْغَايَةِ- أَنْ يَجْرِيَ إِلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَهَا- وَ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ مَنْ لَهُ يَوْمٌ لَا يَعْدُوهُ- وَ طَالِبٌ حَثِيثٌ مِنَ الْمَوْتِ يَحْدُوهُ- وَ مُزْعِجٌ فِي الدُّنْيَا عَنِ الدُّنْيَا حَتَّى يُفَارِقَهَا رَغْماً- فَلَا تَنَافَسُوا فِي عِزِّ الدُّنْيَا وَ فَخْرِهَا- وَ لَا تَعْجَبُوا بِزِينَتِهَا وَ نَعِيمِهَا- وَ لَا تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا وَ بُؤْسِهَا- فَإِنَّ عِزَّهَا وَ فَخْرَهَا إِلَى انْقِطَاعٍ- وَ زِينَتَهَا وَ نَعِيمَهَا إِلَى زَوَالٍ- وَ ضَرَّاءَهَا وَ بُؤْسَهَا إِلَى نَفَادٍ- وَ كُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى انْتِهَاءٍ- وَ كُلُّ حَيٍّ فِيهَا إِلَى فَنَاءٍ- أَ وَ لَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ الْأَوَّلِينَ مُزْدَجَرٌ وَ فِي آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ تَبْصِرَةٌ وَ مُعْتَبَرٌ- إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ- أَ وَ لَمْ تَرَوْا إِلَى الْمَاضِينَ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُونَ- وَ إِلَى الْخَلَفِ الْبَاقِينَ لَا يَبْقَوْنَ- أَ وَ لَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا- يُمْسُونَ وَ يُصْبِحُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى- فَمَيْتٌ يُبْكَى وَ آخَرُ يُعَزَّى- وَ صَرِيعٌ مُبْتَلًى وَ عَائِدٌ يَعُودُ- وَ آخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ- وَ طَالِبٌ لِلدُّنْيَا وَ الْمَوْتُ يَطْلُبُهُ- وَ غَافِلٌ وَ لَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ- وَ عَلَى أَثَرِ الْمَاضِي مَا يَمْضِي الْبَاقِي- أَلَا فَاذْكُرُوا هَاذِمَ اللَّذَّاتِ- وَ مُنَغِّصَ الشَّهَوَاتِ- وَ قَاطِعَ الْأُمْنِيَّاتِ- عِنْدَ الْمُسَاوَرَةِ لِلْأَعْمَالِ الْقَبِيحَةِ- وَ اسْتَعِينُوا اللَّهَ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبِ حَقِّهِ- وَ مَا لَا يُحْصَى مِنْ أَعْدَادِ نِعَمِهِ وَ إِحْسَانِهِ لما كان الماضي معلوما جعل الحمد بإزائه- لأن المجهول لا يحمد عليه- و لما كان المستقبل غير معلوم جعل الاستعانة بإزائه- لأن الماضي لا يستعان عليه- و لقد ظرف و أبدع ع في قوله- و نسأله المعافاة في الأديان- كما نسأله المعافاة في الأبدان- و ذلك أن للأديان سقما و طبا و شفاء- كما أن للأبدان سقما و طبا و شفاء- قال محمود الوراق-

و إذا مرضت من الذنوب فداوها
بالذكر إن الذكر خير دواء

و السقم في الأبدان ليس بضائر
و السقم في الأديان شر بلاء

 و قيل لأعرابي ما تشتكي قال ذنوبي- قيل فما تشتهي قال الجنة- قيل أ فلا ندعو لك طبيبا قال الطبيب أمرضني- . سمعت عفيرة بنت الوليد البصرية العابدة رجلا يقول- ما أشد العمى على من كان بصيرا- فقالت عبد الله غفلت عن مرض الذنوب- و اهتممت بمرض الأجساد- عمى القلوب عن الله أشد من عمى العين عن الدنيا- وددت أن الله وهب لي كنه محبته- و لم يبق مني جارحة إلا تبلها- . قيل لحسان بن أبي سنان في مرضه ما مرضك- قال مرض لا يفهمه الأطباء- قيل‏ و ما هو قال مرض الذنوب- فقيل كيف تجدك الآن- قال بخير إن نجوت من النار- قيل فما تشتهي- قال ليلة طويلة بعيدة- ما بين الطرفين أحييها بذكر الله- . ابن شبرمة- عجبت ممن يحتمي من الطعام مخافة الداء- كيف لا يحتمي من الذنوب مخافة النار- قوله ع الدنيا التاركة لكم و إن لم تحبوا تركها- معنى حسن- و منه قول أبي الطيب-

كل دمع يسيل منها عليها
و بفك اليدين عنها تخلى‏

و الرفض الترك- و إبل رفض متروكة ترعى حيث شاءت- و قوم سفر أي مسافرون- و أموا قصدوا- و العلم الجبل أو المنار في الطريق يهتدى به- . و كأن في هذه المواضع كهي في قوله- كأنك بالدنيا لم تكن- و كأنك بالآخرة لم تزل- ما أقرب ذلك و أسرعه- و تقدير الكلام هاهنا- كأنهم في حال كونهم غير قاطعين له قاطعون له- و كأنهم في حال كونهم غير بالغين له بالغون له- لأنه لما قرب زمان إحدى الحالتين من زمان الأخرى- شبهوا و هم في الحال الأولى بهم أنفسهم- و هم على الحال الثانية- .

قوله ع و كم عسى المجري- أجرى فلان فرسه إلى الغاية إذا أرسلها- ثم نقل ذلك إلى كل من يقصد- بكلامه معنى أو بفعله غرضا- فقيل فلان يجري بقوله إلى كذا- أو يجري بحركته الفلانية إلى كذا- أي يقصد و ينتهي بإرادته و أغراضه- و لا يعدوه و لا يتجاوزه- . و الحثيث السريع و يحدوه يسوقه- و المنافسة المحاسدة و نفست عليه بكذا أي ضننت- و البؤس الشدة و النفاد الفناء- .

و ما في قوله على أثر الماضي ما يمضي الباقي- إما زائدة أو مصدرية- و قد أخذ هذا اللفظ الوليد بن يزيد بن عبد الملك- يوم مات مسلمة بن عبد الملك- قيل لما مات مسلمة بن عبد الملك- و اجتمع بنو أمية و رؤساء العرب ينظرون جنازته- خرج الوليد بن يزيد على الناس- و هو نشوان ثمل يجر مطرف خز- و هو يندب مسلمة و مواليه حوله- فوقف على هشام- فقال يا أمير المؤمنين- إن عقبى من بقي لحوق من مضى- و قد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن رمى- و اختل الثغر فوهى- و ارتج الطود فهوى- و على أثر من سلف ما يمضي من خلف- فتزودوا فإن خير الزاد التقوى- . قوله ع عند مساورة الأعمال القبيحة- العامل في عند قوله اذكروا- أي ليكن ذكركم الموت وقت مساورتكم- و المساورة المواثبة- و سار إليه يسور سورا وثب- قال الأخطل يصف خمرا له-

لما أتوها بمصباح و مبزلهم
سارت إليهم سئور الأبجل الضاري‏

 أي كوثوب العرق الذي قد فصد أو قطع- فلا يكاد ينقطع دمه- و يقال إن لغضبه لسورة- و هو سوار أي وثاب معربد

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن‏ أبي‏ الحديد) ج 7 

خطبه 97 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

97 و من كلام له ع

وَ اللَّهِ لَا يَزَالُونَ- حَتَّى لَا يَدَعُوا لِلَّهِ مُحَرَّماً إِلَّا اسْتَحَلُّوهُ- وَ لَا عَقْداً إِلَّا حَلُّوهُ- وَ حَتَّى لَا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَ لَا وَبَرٍ- إِلَّا دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ- وَ نَبَا بِهِ سُوءُ رِعَتِهِمْ وَ حَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ- بَاكٍ يَبْكِي لِدِينِهِ- وَ بَاكٍ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ- وَ حَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ- كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ- إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ- وَ إِذَا غَابَ اغْتَابَهُ- وَ حَتَّى يَكُونَ أَعْظَمَكُمْ فِيهَا غَنَاءً أَحْسَنُكُمْ بِاللَّهِ ظَنّاً- فَإِنْ أَتَاكُمُ اللَّهُ بِعَافِيَةٍ فَاقْبَلُوا- وَ إِنِ ابْتُلِيتُمْ فَاصْبِرُوا- فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ تقدير الكلام لا يزالون ظالمين- فحذف الخبر و هو مراد- و سدت حتى و ما بعدها مسد الخبر- و لا يصح ما ذهب إليه بعض المفسرين- من أن زال بمعنى تحرك و انتقل- فلا تكون محتاجة إلى خبر- بل تكون تامة في نفسها- لأن تلك مستقبلها يزول بالواو- و هاهنا بالألف لا يزالون- فهي الناقصة التي لم تأت تامة قط- و مثلها في أنها لا تزال ناقصة ظل و ما فتى و ليس- . و المحرم ما لا يحل انتهاكه- و كذلك المحرمة بفتح الراء و ضمها- . و بيوت المدر هي البيوت المبنية في القرى- و بيوت الوبر ما يتخذ في البادية من وبر الإبل- و الوبر لها كالصوف للضأن- و كالشعر للمعز- .

و قد وبر البعير بالكسر- فهو وبر و أوبر إذا كثر وبره- و نبا به منزله إذا ضره و لم يوافقه- و كذلك نبا به فراشه- فالفعل لازم- فإذا أردت تعديته بالهمزة قلت قد أنبى فلان على منزلي- أي جعله نابيا- و إن عديته بحرف الجر- قلت قد نبا بمنزلي فلان أي أنباه علي- و هو في هذا الموضع معدى بحرف الجر- . و سوء رعتهم أي سوء ورعهم أي تقواهم- و الورع بكسر الراء الرجل التقي- ورع يرع بالكسر فيهما ورعا و رعة- و يروى سوء رعيهم- أي سوء سياستهم و إمرتهم- و نصرة أحدكم من أحدهم أي انتصاره منه و انتقامه- فهو مصدر مضاف إلى الفاعل- و قد تقدم شرح هذا المعنى- و قد حمل قوم هذا المصدر على الإضافة إلى المفعول- و كذلك نصرة العبد- و تقدير الكلام- حتى يكون نصرة أحد هؤلاء الولاة لأحدكم- كنصرة سيد العبد السيئ الطريقة إياه- و من في الموضعين مضافة إلى محذوف- تقديره من جانب أحدهم و من جانب سيده- و هذا ضعيف لما فيه من الفصل بين العبد- و بين قوله إذا شهد أطاعه- و هو الكلام الذي إذا استمر المعنى- جعل حالا من العبد بقوله من سيده- و الضمير في قوله فيها يرجع إلى غير مذكور لفظا- و لكنه كالمذكور يعني الفتنة- أي حتى يكون أعظمكم في الفتنة غناء- . و يروى برفع أعظمكم و نصب أحسنكم- و الأول أليق و هذا الكلام كله إشارة إلى بني أمية

خطبه 7 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

خطبه 96 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

96 و من كلام له ع- :

وَ لَئِنْ أَمْهَلَ اللَّهُ الظَّالِمَ- فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُهُ- وَ هُوَ لَهُ بِالْمِرْصَادِ عَلَى مَجَازِ طَرِيقِهِ- وَ بِمَوْضِعِ الشَّجَا مِنْ مَسَاغِ رِيقِهِ- أَمَا وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- لَيَظْهَرَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَيْكُمْ- لَيْسَ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْكُمْ- وَ لَكِنْ لِإِسْرَاعِهِمْ إِلَى بَاطِلِهِمْ وَ إِبْطَائِكُمْ عَنْ حَقِّي- وَ لَقَدْ أَصْبَحَتِ الْأُمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا- وَ أَصْبَحْتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي- اسْتَنْفَرْتُكُمْ لِلْجِهَادِ فَلَمْ تَنْفِرُوا- وَ أَسْمَعْتُكُمْ فَلَمْ تَسْمَعُوا- وَ دَعَوْتُكُمْ سِرّاً وَ جَهْراً فَلَمْ تَسْتَجِيبُوا- وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا- شُهُودٌ كَغُيَّابٍ وَ عَبِيدٌ كَأَرْبَابٍ- أَتْلُو عَلَيْكُمْ الْحِكَمَ فَتَنْفِرُونَ مِنْهَا- وَ أَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْبَالِغَةِ- فَتَتَفَرَّقُونَ عَنْهَا- وَ أَحُثُّكُمْ عَلَى جِهَادِ أَهْلِ الْبَغْيِ- فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ قَوْلِي- حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا تَرْجِعُونَ إِلَى مَجَالِسِكُمْ- وَ تَتَخَادَعُونَ عَنْ مَوَاعِظِكُمْ- أُقَوِّمُكُمْ غُدْوَةً وَ تَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةً- كَظَهْرِ الْحَنِيَّةِ عَجَزَ الْمُقَوِّمُ وَ أَعْضَلَ الْمُقَوَّمُ- أَيُّهَا الْقَوْمُ الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ- الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ- الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ- الْمُبْتَلَى بِهِمْ أُمَرَاؤُهُمْ- صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللَّهَ وَ أَنْتُمْ تَعْصُونَهُ- وَ صَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللَّهَ- وَ هُمْ يُطِيعُونَهُ- لَوَدِدْتُ وَ اللَّهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُمْ- صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ- فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةَ مِنْكُمْ- وَ أَعْطَانِي رَجُلًا مِنْهُمْ-يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ- مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلَاثٍ وَ اثْنَتَيْنِ- صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ- وَ بُكْمٌ ذَوُو كَلَامٍ- وَ عُمْيٌ ذَوُو أَبْصَارٍ- لَا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ- وَ لَا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ الْبَلَاءِ- تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ- يَا أَشْبَاهَ الْإِبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُهَا- كُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ تَفَرَّقَتْ مِنْ آخَرَ- وَ اللَّهِ لَكَأَنِّي بِكُمْ فِيمَا إِخَالُكُمْ- أَنْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَى وَ حَمِيَ الضِّرَابُ- قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ- انْفِرَاجَ الْمَرْأَةِ عَنْ قُبُلِهَا- وَ إِنِّي لَعَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ مِنْهَاجٍ مِنْ نَبِيِّي- وَ إِنِّي لَعَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ- أَلْقُطُهُ لَقْطاً أمهله أخره و أخذه فاعل و المفعول محذوف- تقديره فلن يفوته- و المرصاد الطريق و هي من ألفاظ الكتاب العزيز- .

و مجاز طريقه مسلكه و موضع جوازه- و الشجا ما ينشب في الحلق من عظم أو غيره- و موضع الشجا هو الحلق نفسه- و مساغ ريقه موضع الإساغة- أسغت الشراب أوصلته إلى المعدة- و يجوز سغت الشراب أسوغه و أسيغه- و ساغ الشراب نفسه يسوغ سوغا أي سهل مدخله في الحلق- يتعدى و لا يتعدى- و هذا الكلام من باب التوسع و المجاز- لأن الله تعالى لا يجوز عليه الحصول في الجهات- و لكنه كقوله تعالى- وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ- و قوله وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ- .

ثم أقسم ع- أن أهل الشام لا بد أن يظهروا على أهل العراق- و أن ذلك ليس لأنهم على الحق- و أهل العراق على الباطل- بل لأنهم أطوع لأميرهم- و مدار النصرة في الحرب- إنما هو على طاعة الجيش و انتظام أمره- لا على اعتقاد الحق- فإنه ليس يغني في الحرب- أن يكون الجيش محقا في العقيدة- إذا كان مختلف الآراء- غير مطيع لأمر المدبر له- و لهذا تجد أهل الشرك- كثيرا ما ينتصرون على أهل التوحيد- . ثم ذكر ع نكتة لطيفة في هذا المعنى- فقال العادة أن الرعية تخاف ظلم الوالي- و أنا أخاف ظلم رعيتي- و من تأمل أحواله ع في خلافته- علم أنه كان كالمحجور عليه- لا يتمكن من بلوغ ما في نفسه- و ذلك لأن العارفين بحقيقة حاله كانوا قليلين- و كان السواد الأعظم- لا يعتقدون فيه الأمر الذي يجب اعتقاده فيه- و يرون تفضيل من تقدمه من الخلفاء عليه- و يظنون أن الأفضلية إنما هي الخلافة- و يقلد أخلافهم أسلافهم- و يقولون لو لا أن الأوائل علموا- فضل المتقدمين عليه لما قدموهم- و لا يرونه إلا بعين التبعية لمن سبقه- و أنه كان رعية لهم- و أكثرهم إنما يحارب معه بالحمية- و بنخوة العربية لا بالدين و العقيدة- و كان ع مدفوعا إلى مداراتهم و مقاربتهم- و لم يكن قادرا على إظهار ما عنده- أ لا ترى إلى كتابه إلى قضاته في الأمصار- .

وقوله فاقضوا كما كنتم تقضون- حتى تكون للناس جماعة- و أموت كما مات أصحابي و هذا الكلام لا يحتاج إلى تفسير- و معناه واضح- و هو أنه قال لهم اتبعوا عادتكم الآن بعاجل الحال- في الأحكام و القضايا التي كنتم تقضون بها- إلى أن يكون للناس جماعة- أي إلى أن تسفر هذه الأمور و الخطوب- عن الاجتماع و زوال الفرقة و سكون الفتنة- و حينئذ أعرفكم ما عندي- في هذه القضايا و الأحكام التي قد استمررتم عليها- .

ثم قال أو أموت كما مات أصحابي- فمن قائل يقول عنى بأصحابه الخلفاء المتقدمين-و من قائل يقول عنى بأصحابه شيعته- كسلمان و أبي ذر و المقداد و عمار و نحوهم- أ لا ترى إلىقوله على المنبر في أمهات الأولاد كان رأيي و رأي عمر ألا يبعن- و أنا أرى الآن بيعهن- فقام عليه عبيدة السلماني- فقال له رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك- فما أعاد عليه حرفا- فهل يدل هذا على القوة و القهر- أم على الضعف في السلطان و الرخاوة- و هل كانت المصلحة و الحكمة- تقتضي في ذلك الوقت غير السكوت و الإمساك- أ لا ترى أنه كان يقرأ في صلاة الصبح- و خلفه جماعة من أصحابه- فقرأ واحد منهم رافعا صوته- معارضا قراءة أمير المؤمنين ع- إن الحكم إلا لله يقضي بالحق و هو خير الفاصلين- فلم يضطرب ع- و لم يقطع صلاته و لم يلتفت وراءه- و لكنه قرأ معارضا له على البديهة- فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ- وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ- و هذا صبر عظيم- و أناة عجيبة و توفيق بين- و بهذا و نحوه استدل أصحابنا المتكلمون- على حسن سياسته و صحة تدبيره- لأن من مني بهذه الرعية المختلفة الأهواء- و هذا الجيش العاصي له المتمرد عليه- ثم كسر بهم الأعداء- و قتل بهم الرؤساء- فليس يبلغ أحد في حسن السياسة و صحة التدبير مبلغه- و لا يقدر أحد قدره-

و قد قال بعض المتكلمين من أصحابنا- إن سياسة علي ع إذا تأملها المنصف- متدبرا لها بالإضافة إلى أحواله- التي دفع إليها مع أصحابه- جرت مجرى المعجزات- لصعوبة الأمر و تعذره- فإن أصحابه كانوا فرقتين- إحداهما تذهب إلى أن عثمان قتل مظلوما- و تتولاه و تبرأ من أعدائه- و الأخرى و هم جمهور أصحاب الحرب- و أهل الغناء و البأس- يعتقدون أن عثمان قتل- لأحداث أوجبت عليه القتل- و قد كان منهم من يصرح بتكفيره- و كل من هاتين الفرقتين يزعم- أن عليا ع موافق لها على رأيها- و تطالبه في كل وقت بأن يبدي مذهبه في عثمان- و تسأله أن يجيب بجواب واضح في أمره- و كان ع يعلم- أنه متى وافق إحدى الطائفتين باينته الأخرى- و أسلمته و تولت عنه و خذلته- فأخذ ع يعتمد في جوابه- و يستعمل في كلامه- ما تظن به كل واحدة من الفرقتين- أنه يوافق رأيها و يماثل اعتقادها- فتارة يقول الله قتله و أنا معه- و تذهب الطائفة الموالية لعثمان- إلى أنه أراد أن الله أماته و سيميتني كما أماته- و تذهب الطائفة الأخرى- إلى أنه أراد أنه قتل عثمان مع قتل الله له أيضا- و كذلك قوله تارة أخرى ما أمرت به و لا نهيت عنه-

و قوله لو أمرت به لكنت قاتلا- و لو نهيت عنه لكنت ناصرا- و أشياء من هذا الجنس مذكورة مروية عنه- فلم يزل على هذه الوتيرة حتى قبض ع- و كل من الطائفتين موالية له معتقدة- أن رأيه في عثمان كرأيها- فلو لم يكن له من السياسة إلا هذا القدر- مع كثرة خوض الناس حينئذ في أمر عثمان- و الحاجة إلى ذكره في كل مقام- لكفاه في الدلالة على أنه أعرف الناس بها- و أحذقهم فيها- و أعلمهم بوجوه مخارج الكلام- و تدبير أحوال الرجال- .

ثم نعود إلى الشرح- قوله ع و نصحت لكم- هو الأفصح و عليه ورد لفظ القرآن- و قول العامة نصحتك ليس بالأفصح- . قوله و عبيد كأرباب- يصفهم بالكبر و التيه- . فإن قلت كيف قال عنهم- إنهم عبيد و كانوا عربا صلبية- قلت يريد أن أخلاقهم كأخلاق العبيد- من الغدر و الخلاف و دناءة الأنفس- و فيهم مع ذلك كبر السادات و الأرباب و تيههم- فقد جمعوا خصال السوء كلها- . و أيادي سبأ مثل يضرب للمتفرقين- و أصله قوله تعالى عن أهل سبإ- وَ مَزَّقْناهُمْ‏ كُلَّ مُمَزَّقٍ- و سبأ مهموز- و هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان- و يقال ذهبوا أيدي سبأ و أيادي سبأ- الياء ساكنة و كذلك الألف- و هكذا نقل المثل أي ذهبوا متفرقين- و هما اسمان جعلا واحدا مثل معديكرب- .

قوله تتخادعون عن مواعظكم- أن تمسكون عن الاتعاظ و الانزجار- و تقلعون عن ذلك- من قولهم كان فلان يعطي ثم خدع- أي أمسك و أقلع- و يجوز أن يريد- تتلونون و تختلفون في قبول الموعظة- من قولهم خلق فلان خلق خادع أي متلون- و سوق خادعة أي مختلفة متلونة- و لا يجوز أن يريد باللفظة المعنى المشهور منها- لأنه إنما يقال فلان يتخادع لفلان- إذا كان يريه أنه منخدع له- و ليس بمنخدع في الحقيقة- و هذا لا يطابق معنى الكلام- . و الحنية القوس- و قوله كظهر الحنية يريد اعوجاجهم- كما أن ظهر القوس معوج- و أعظل المقوم أي أعضل داؤه أي أعيا- و يروى أيها الشاهدة أبدانهم بحذف الموصوف- . ثم أقسم أنه يود أن معاوية صارفه بهم- فأعطاه من أهل الشام واحدا- و أخذ منه عشرة صرف الدينار بالدراهم- أخذ هذا اللفظ عبد الله بن الزبير- لما وفد إليه أهل البصرة و فيهم الأحنف- فتكلم منهم أبو حاضر الأسدي- و كان خطيبا جميلا- فقال له عبد الله بن الزبير اسكت- فو الله لوددت أن لي بكل عشرة من أهل العراق واحدا- من أهل الشام- صرف الدينار بالدراهم- فقال يا أمير المؤمنين- إن لنا و لك مثلا- أ فتأذن في ذكره قال نعم- قال مثلنا و مثلك و مثل أهل الشام قول الأعشى-

علقتها عرضا و علقت رجلا
غيري و علق أخرى غيرها الرجل‏

أحبك أهل العراق و أحببت أهل الشام- و أحب أهل الشام عبد الملك فما تصنع- ثم ذكر ع أنه مني- أي بلي منهم بثلاث و اثنتين- إنما لم يقل بخمس- لأن الثلاث إيجابية و الاثنتين سلبية- فأحب أن يفرق بين الإثبات و النفي- . و يروى لا أحرار صدق عند اللقاء جمع صادق- و لا إخوان ثقة عند البلاء أي موثوق بهم- . تربت أيديكم كلمة يدعى على الإنسان بها- أي لا أصبتم خيرا و أصل ترب أصابه التراب- فكأنه يدعو عليه- بأن يفتقر حتى يلتصق بالتراب- . قوله فما إخالكم أي فما أظنكم- و الأفصح كسر الألف و هو السماع- و بنو أسد يفتحونها و هو القياس- . قوله ألو أصله أن لو- ثم أدغمت النون في الألف فصارت كلمة واحدة- . و حمس الوغى بكسر الميم اشتد و عظم- فهو حمس و أحمس بين الحمس و الحماسة- . و الوغى في الأصل الأصوات و الجلبة- و سميت الحرب نفسها وغى لما فيها من ذلك- .

و قوله انفراج المرأة عن قبلها- أي وقت الولادة- . قوله ألقطه لقطا- يريد أن الضلال غالب على الهدى- فأنا ألتقط طريق الهدى- من بين طريق الضلال لقطا من هاهنا و هاهنا- كما يسلك الإنسان طريقا دقيقة- قد اكتنفها الشوك و العوسج من جانبيهما كليهما- فهو يلتقط النهج التقاطا: انْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ- فَالْزَمُوا سَمْتَهُمْ- وَ اتَّبِعُوا أَثَرَهُمْ- فَلَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدًى- وَ لَنْ يُعِيدُوكُمْ فِي رَدًى- فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا- وَ إِنْ نَهَضُوا فَانْهَضُوا- وَ لَا تَسْبِقُوهُمْ فَتَضِلُّوا- وَ لَا تَتَأَخَّرُوا عَنْهُمْ فَتَهْلِكُوا-لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ص- فَمَا أَرَى أَحَداً يُشْبِهُهُمْ مِنْكُمْ- لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً- وَ قَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَ قِيَاماً- يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَ خُدُودِهِمْ- وَ يَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ- كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَى- مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ- إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ هَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ- حَتَّى تَبُلَّ جُيُوبَهُمْ- وَ مَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ- خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ وَ رَجَاءً لِلثَّوَابِ السمت الطريق- و لبد الشي‏ء بالأرض يلبد بالضم لبودا التصق بها- و يصبحون شعثا غبرا- من قشف العبادة و قيام الليل- و صوم النهار و هجر الملاذ- فيراوحون بين جباههم و خدودهم- تارة يسجدون على الجباه- و تارة يضعون خدودهم على الأرض بعد الصلاة- تذللا و خضوعا- و المراوحة بين العمل- أن يعمل هذا مرة و هذا مرة- و يراوح بين رجليه- إذا قام على هذه تارة و على هذه أخرى- .

و يقال معزى لهذا الجنس من الغنم- و معز و معيز و أمعوز و معز بالتسكين- و واحد المعز ماعز كصحب و صاحب- و الأنثى ماعزة و الجمع مواعز- . و هملت أعينهم سالت تهمل و تهمل- . و يروى حتى تبل جباههم- أي يبل موضع السجود فتبتل الجبهة بملاقاته- و مادوا تحركوا و اضطربوا- إما خوفا من العقاب- كما يتحرك الرجل و يضطرب- أو رجاء للثواب كما يتحرك النشوان من الطرب- و كما يتحرك الجذل المسرور من الفرح

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 7 

خطبه 95 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

95 و من خطبة له ع- :

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَوَّلِ فَلَا شَيْ‏ءَ قَبْلَهُ- وَ الآْخِرِ فَلَا شَيْ‏ءَ بَعْدَهُ- وَ الظَّاهِرِ فَلَا شَيْ‏ءَ فَوْقَهُ- وَ الْبَاطِنِ فَلَا شَيْ‏ءَ دُونَهُ تقدير الكلام- و الظاهر فلا شي‏ء أجلى منه- و الباطن فلا شي‏ء أخفى منه- فلما كان الجلاء يستلزم العلو و الفوقية- و الخفاء يستلزم الانخفاض و التحتية- عبر عنهما بما يلازمهما- و قد تقدم الكلام في معنى الأول- و الآخر و الظاهر و الباطن- . و ذهب أكثر المتكلمين- إلى أن الله تعالى يعدم أجزاء العالم ثم يعيدها- و ذهب قوم منهم- إلى أن الإعادة إنما هي جمع الأجزاء- بعد تفريقها لا غير- . و احتج الأولون بقوله تعالى- هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ- قالوا لما كان أولا- بمعنى أنه الموجود و لا موجود معه- وجب أن يكون آخرا- بمعنى أنه سيئول الأمر إلى عدم كل شي‏ء إلا ذاته تعالى- كما كان أولا- و البحث المستقصى في هذا الباب مشروح- في كتبنا الكلامية: وَ مِنْهَا فِي ذِكْرِ الرَّسُولِ ص- مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٍّ- وَ مَنْبِتُهُ أَشْرَفُ مَنْبِتٍ- فِي مَعَادِنِ الْكَرَامَةِ- وَ مَمَاهِدِ السَّلَامَةِ- قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الْأَبْرَارِ- وَ ثُنِيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الْأَبْصَارِ- دَفَنَ اللَّهُ بِهِ الضَّغَائِنَ- وَ أَطْفَأَ بِهِ النَّوَائِرَ أَلَّفَ بِهِ إِخْوَاناً- وَ فَرَّقَ بِهِ أَقْرَاناً- وَ أَعَزَّ بِهِ الذِّلَّةَ- وَ أَذَلَّ بِهِ الْعِزَّةَ- كَلَامُهُ بَيَانٌ وَ صَمْتُهُ لِسَانٌ المهاد الفراش- و لما قال في معادن و هي جمع معدن- قال بحكم القرينة و الازدواج- و مماهد و إن لم يكن الواحد منها ممهدا- كما قالوا الغدايا و العشايا- و مأجورات و مأزوات و نحو ذلك- و يعني بالسلامة هاهنا البراءة من العيوب- أي في نسب طاهر غير مأفون و لا معيب- .

ثم قال قد صرفت نحوه- أي نحو الرسول ص- و لم يقل من صرفها- بل جعله فعلا لم يسم فاعله- فإن شئت قلت- الصارف لها هو الله تعالى لا بالجبر- كما يقوله الأشعرية- بل بالتوفيق و اللطف كما يقوله أصحابنا- و إن شئت قلت صرفها أربابها- . و الضغائن جمع ضغينة و هي الحقد- ضغنت على فلان بالكسر ضغنا- و الضغن الاسم كالضغينة- و قد تضاغنوا و اضطغنوا انطووا على الأحقاد- و دفنها أكمنها و أخفاها و ألف به إخوانا- لأن الإسلام قد ألف بين المتباعدين- و فرق بين المتقاربين- و قال‏ تعالى فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً- قطع ما بين حمزة و أبي لهب مع تقاربهما- و ألف بين علي ع و عمار مع تباعدهما- .

قوله ع و صمته لسان- لا يعني باللسان هاهنا الجارحة نفسها- بل الكلام الصادر عنها- كقول الأعشىإني أتتني لسان لا أسر بها- قالوا في تفسيره أراد الكلمة و جمعه على هذا ألسن- لأنه مؤنث كقولك ذراع و أذرع- فأما جمع لسان للجارحة فألسنة لأنه مذكر- كقولك حمار و أحمرة- يقول ع إن كلام الرسول ص بيان- و البيان إخراج الشي‏ء من حيز الخفاء- إلى حيز الوضوح- و صمته ص كلام و قول مفيد- أي أن صمته لا يخلو من فائدة- فكأنه كلام- و هذا من باب التشبيه المحذوف الأداة- كقولهم يده بحر و وجهه بدر

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 7 

خطبه 94 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

94 و من خطبة له ع- :

بَعَثَهُ وَ النَّاسُ ضُلَّالٌ فِي حَيْرَةٍ- وَ حَاطِبُونَ فِي فِتْنَةٍ- قَدِ اسْتَهْوَتْهُمُ الْأَهْوَاءُ- وَ اسْتَزَلَّتْهُمُ الْكِبْرِيَاءُ- وَ اسْتَخَفَّتْهُمُ الْجَاهِلِيَّةُ الْجَهْلَاءُ- حَيَارَى فِي زَلْزَالٍ مِنَ الْأَمْرِ- وَ بَلَاءٍ مِنَ الْجَهْلِ- فَبَالَغَ ص فِي النَّصِيحَةِ- وَ مَضَى عَلَى الطَّرِيقَةِ- وَ دَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ حاطبون في فتنة جمع حاطب و هو الذي يجمع الحطب- و يقال لمن يجمع بين الصواب و الخطإ- أو يتكلم بالغث و السمين- حاطب ليل لأنه لا يبصر ما يجمع في حبله. و يروى خابطون- . و استهوتهم الأهواء دعتهم إلى نفسها- . و استزلتهم الكبرياء- جعلتهم ذوي زلل و خطإ- و استخفتهم الجاهلية جعلتهم ذوي خفة و طيش و خرق- . و الزلزال بالفتح الاسم- بالكسر المصدر و الزلازل الشدائد- و مثله في الكسر عند الاسمية و الفتح عند المصدر القلقال

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن‏ أبي ‏الحديد) ج 7 

خطبه 93 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

93 و من خطبة له ع

فَتَبَارَكَ اللَّهُ الَّذِي لَا يَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ- وَ لَا يَنَالُهُ حَدْسُ الْفِطَنِ- الْأَوَّلُ الَّذِي لَا غَايَةَ لَهُ فَيَنْتَهِي- وَ لَا آخِرَ لَهُ فَيَنْقَضِي البركة كثرة الخير و زيادته- و تبارك الله منه و بركت أي دعوت بالبركة- و طعام بريك أي مبارك- و يقال بارك الله لزيد و في زيد و على زيد- و بارك الله زيدا يتعدى بنفسه- و منه قوله تعالى أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ- و يحتمل تبارك الله معنيين- أحدهما أن يراد تبارك خيره و زادت نعمته و إحسانه- و هذا دعاء- و ثانيهما أن يراد به تزايد و تعال في ذاته و صفاته- عن أن يقاس به غيره- و هذا تمجيد- . قوله ع لا يبلغه بعد الهمم أي بعد الأفكار و الأنظار- عبر عنها بالهمم لمشابهتها إياها- و حدس الفطن ظنها و تخمينها- حدست أحدس بالكسر- . و يسأل عن قوله لا غاية له فينتهي و لا آخر له فينقضي- فيقال إنما تدخل الفاء فيما إذا كان الثاني غير الأول- و كقولهم ما تأتينا فتحدثنا- و ليس الثاني هاهنا غير الأول- لأن الانقضاء هو الآخرية بعينها- فكأنه قال لا آخر له فيكون له آخر و هذا لغو- و كذلك القول اللفظة في الأولى- .

و ينبغي أن يقال في الجواب- إن المراد لا آخر له بالإمكان و القوة- فينقضي بالفعل فيما لا يزال- و لا هو أيضا ممكن الوجود فيما مضى- فيلزم أن يكون وجوده مسبوقا بالعدم- و هو معنى قوله فينتهي- بل هو واجب الوجود في حالين- فيما مضى و في المستقبل- و هذان مفهومان متغايران- و هما العدم و إمكان العدم- فاندفع الإشكال: فَاسْتَوْدَعَهُمْ فِي أَفْضَلِ مُسْتَوْدَعٍ- وَ أَقَرَّهُمْ فِي خَيْرِ مُسْتَقَرٍّ- تَنَاسَخَتْهُمْ كَرَائِمُ الْأَصْلَابِ إِلَى مُطَهَّرَاتِ الْأَرْحَامِ- كُلَّمَا مَضَى مِنْهُمْ سَلَفٌ- قَامَ مِنْهُمْ بِدِينِ اللَّهِ خَلَفٌ- حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ ص- فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً- وَ أَعَزِّ الْأَرُومَاتِ مَغْرِساً- مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ- وَ انْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَهُ عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ- وَ أُسْرَتُهُ خَيْرُ الْأُسَرِ وَ شَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ- نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ وَ بَسَقَتْ فِي كَرَمٍ- لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ وَ ثَمَرٌ لَا يُنَالُ- فَهُوَ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى وَ بَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى- سِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْؤُهُ وَ شِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ- وَ زَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ سِيرَتُهُ الْقَصْدُ- وَ سُنَّتُهُ الرُّشْدُ وَ كَلَامُهُ الْفَصْلُ وَ حُكْمُهُ الْعَدْلُ- أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ- وَ هَفْوَةٍ عَنِ الْعَمَلِ وَ غَبَاوَةٍ مِنَ الْأُمَمِ تناسختهم أي تناقلتهم- و التناسخ في الميراث أن يموت ورثة بعد ورثة- و أصل الميراث قائم لم يقسم- كأن ذلك تناقل من واحد إلى آخر- و منه نسخت الكتاب و انتسخته و استنسخته أي نقلت ما فيه- و يروى تناسلتهم- . و السلف المتقدمون و الخلف الباقون- و يقال خلف صدق بالتحريك و خلف سوء بالتسكين- . و أفضت كرامة الله إلى محمد ص أي انتهت- و الأرومات جمع أرومة و هي الأصل و يقال أروم بغير هاء- و صدع شق و انتجب اصطفى- و الأسرة رهط الرجل- .

و قوله نبتت في حرم- يجوز أن يعني به مكة- و يجوز أن يعني به المنعة و العز- . و بسقت طالت- و معنى قوله و ثمر لا ينال- ليس على أن يريد به أن ثمرها لا ينتفع به- لأن ذلك ليس بمدح- بل يريد به أن ثمرها لا ينال قهرا- و لا يجنى غصبا- و يجوز أن يريد بثمرها نفسه ع- و من يجري مجراه من أهل البيت ع- لأنهم ثمرة تلك الشجرة- . و لا ينال أي لا ينال مساعيهم و مآثرهم- و لا يباريهم أحد- و قد روي في الحديث عن النبي ص- في فضل قريش و بني هاشم الكثير المستفيض- نحوقوله ع قدموا قريشا و لا تقدموهاوقوله الأئمة من قريشو
قوله إن الله اصطفى من العرب معدا- و اصطفى من معد بني النضر بن كنانة- و اصطفى هاشما من بني النضر- و اصطفاني من بني هاشم
وقوله إن جبرائيل ع قال لي- يا محمد قد طفت الأرض شرقا و غربا- فلم أجد فيها أكرم منك- و لا بيتا أكرم من بني هاشمو
قوله نقلنا من الأصلاب الطاهرة- إلى الأرحام الزكيةوقوله ع إن الله تعالى لم يمسسني بسفاح في أرومتي- منذ إسماعيل بن إبراهيم إلى عبد الله‏ بن عبد المطلبوقوله ص سادة أهل محشر سادة أهل الدنيا- أنا و علي و حسن و حسين و حمزة و جعفروقوله و قد سمع رجلا ينشد-

يا أيها الرجل المحول رحله
هلا نزلت بآل عبد الدار

 أ هكذا قال يا أبا بكر منكرا لما سمع- فقال أبو بكر لا يا رسول الله- إنه لم يقل هكذا و لكنه قال-

يا أيها الرجل المحول رحله
هلا نزلت بآل عبد مناف‏

عمرو العلا هشم الثريد لقومه‏
و رجال مكة مسنتون عجاف‏

فسر ص بذلكوقوله أذل الله من أذل قريشا قالها ثلاثاوكقوله‏أنا النبي لا كذب- أنا ابن عبد المطلب‏وكقوله الناس تبع لقريش برهم لبرهم و فاجرهم لفاجرهموكقوله أنا ابن الأكرمينوقوله لبني هاشم و الله لا يبغضكم أحد- إلا أكبه الله على منخريه في الناروقوله ما بال رجال يزعمون- أن قرابتي غير نافعة- بلى إنها لنافعة- و إنه لا يبغض أحد أهلي إلا حرمه الله الجنة- .

و الأخبار الواردة في فضائل قريش و بني هاشم- و شرفهم كثيرة جدا- و لا نرى الإطالة هاهنا باستقصائها- . و سطع الصبح يسطع سطوعا أي ارتفع- و السطيع الصبح- و الزند العود تقدح به النار و هو الأعلى- و الزندة السفلى فيها ثقب و هي الأنثى- فإذا اجتمعا قيل زندان- و لم يقل زندتان تغليبا للتذكير- و الجمع زناد و أزند و أزناد- . و القصد الاعتدال- و كلامه الفصل أي الفاصل- و الفارق بين الحق و الباطل- و هو مصدر بمعنى الفاعل- كقولك رجل عدل أي عادل- . و الهفوة الزلة هفا يهفو- و الغباوة الجهل و قلة الفطنة- يقال غبيت عن الشي‏ء وغبيت‏الشي‏ء  

أيضا- أغبى غباوة إذا لم يفطن له- و غبي علي الشي‏ء كذلك إذا لم تعرفه- و فلان غبي على فعيل أي قليل الفطنة: اعْمَلُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ عَلَى أَعْلَامٍ بَيِّنَةٍ- فَالطَّرِيقُ نَهْجٌ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ- وَ أَنْتُمْ فِي دَارِ مُسْتَعْتَبٍ عَلَى مَهَلٍ وَ فَرَاغٍ- وَ الصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ- وَ الْأَقْلَامُ جَارِيَةٌ- وَ الْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ- وَ الْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ- وَ التَّوْبَةُ مَسْمُوعَةٌ- وَ الْأَعْمَالُ مَقْبُولَةٌ الطريق يذكر و يؤنث- يقال هذا الطريق الأعظم و هذه الطريق العظمى- و الجمع أطرقة و طرق- . و أعلام بينة أي منار واضح و نهج أي واضح- و دار السلام الجنة- و يروى و الطريق نهج بالواو واو الحال- . و أنتم في دار مستعتب- أي في دار يمكنكم فيها استرضاء الخالق سبحانه- و استعتابه- .

ثم شرح ذلك فقال أنتم ممهلون متفرغون- و صحف أعمالكم لم تطو بعد- و أقلام الحفظة عليكم لم تجف بعد و أبدانكم صحيحة- و ألسنتكم ما اعتقلت- كما تعتقل ألسنة المحتضرين عند الموت- و توبتكم مسموعة- و أعمالكم مقبولة- لأنكم في دار التكليف لم تخرجوا منها

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي‏ الحديد) ج 7 

خطبه 92 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

92 و من خطبة له ع

أَمَّا بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ- أَيُّهَا النَّاسُ- فَإِنِّي فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ- وَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي- بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا- وَ اشْتَدَّ كَلَبُهَا- فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي- فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- لَا تَسْأَلُونَنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ- فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ السَّاعَةِ- وَ لَا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِائَةً وَ تُضِلُّ مِائَةً- إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا- وَ قَائِدِهَا وَ سَائِقِهَا وَ مُنَاخِ رِكَابِهَا- وَ مَحَطِّ رِحَالِهَا- وَ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلًا- وَ مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً- وَ لَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي- وَ نَزَلَتْ بِكُمْ كَرَائِهُ الْأُمُورِ- وَ حَوَازِبُ الْخُطُوبِ- لَأَطْرَقَ كَثِيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ- وَ فَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْئُولِينَ- وَ ذَلِكَ إِذَا قَلَّصَتْ حَرْبُكُمْ- وَ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ- وَ كَانَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ضِيقاً- تَسْتَطِيلُونَ أَيَّامَ الْبَلَاءِ عَلَيْكُمْ- حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ لِبَقِيَّةِ الْأَبْرَارِ مِنْكُمْ- إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ- وَ إِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ- يُنْكَرْنَ مُقْبِلَاتٍ- وَ يُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ- يَحُمْنَ حَوْمَ الرِّيَاحِ يُصِبْنَ بَلَداً- وَ يُخْطِئْنَ بَلَداً- أَلَا وَ إِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي أُمَيَّةَ- فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ عَمَّتْ خُطَّتُهَا- وَ خَصَّتْ بَلِيَّتُهَا- وَ أَصَابَ الْبَلَاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا- وَ أَخْطَأَ الْبَلَاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا- وَ ايْمُ اللَّهِ لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ- أَرْبَابَ سُوءٍ بَعْدِي كَالنَّابِ الضَّرُوسِ- تَعْذِمُ‏ بِفِيهَا وَ تَخْبِطُ بِيَدِهَا- وَ تَزْبِنُ بِرِجْلِهَا وَ تَمْنَعُ دَرَّهَا- لَا يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لَا يَتْرُكُوا مِنْكُمْ إِلَّا نَافِعاً لَهُمْ- أَوْ غَيْرَ ضَائِرٍ بِهِمْ- وَ لَا يَزَالُ بَلَاؤُهُمْ عَنْكُمْ- حَتَّى لَا يَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ- إِلَّا مِثْلَ انْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ- وَ الصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ- تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهاً مَخْشِيَّةً- وَ قِطَعاً جَاهِلِيَّةً- لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدًى وَ لَا عَلَمٌ يُرَى- نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْهَا بِنَجَاةٍ وَ لَسْنَا فِيهَا بِدُعَاةٍ- ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللَّهُ عَنْكُمْ كَتَفْرِيجِ الْأَدِيمِ- بِمَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً وَ يَسُوقُهُمْ عُنْفاً- وَ يَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ لَا يُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ- وَ لَا يُحْلِسُهُمْ إِلَّا الْخَوْفَ- فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَدُّ قُرَيْشٌ بِالدُّنْيَا- وَ مَا فِيهَا لَوْ يَرَوْنَنِي مَقَاماً وَاحِداً- وَ لَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ- لِأَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أَطْلُبُ الْيَوْمَ بَعْضَهُ فَلَا يُعْطُونَنِيهِ فقأت عينه أي بخقتها- و تفقأت السحابة عن مائها- تشققت و تفقأ الدمل و القرح- و معنى فقئه ع عين الفتنة- إقدامه عليها حتى أطفأ نارها- كأنه جعل للفتنة عينا محدقة يهابها الناس- فأقدم هو عليها ففقأ عينها- فسكنت بعد حركتها و هيجانها- و هذا من باب الاستعارة- و إنما قال و لم يكن ليجترئ عليها أحد غيري- لأن الناس كلهم كانوا يهابون قتال أهل القبلة- و لا يعلمون كيف يقاتلونهم- هل يتبعون موليهم أم لا- و هل يجهزون على جريحهم أم لا- و هل يقسمون فيئهم أم لا- و كانوا يستعظمون قتال من يؤذن كأذاننا- و يصلي كصلاتنا- و استعظموا أيضا حرب عائشة- و حرب طلحة و الزبير- لمكانهم في الإسلام- و توقف جماعتهم عن الدخول في تلك الحرب- كالأحنف بن قيس و غيره- فلو لا أن عليا اجترأ على سل السيف فيها- ما أقدم أحد عليها- حتى‏ الحسن ع ابنه- أشار عليه ألا يبرح عرصة المدينة- و نهاه عن المسير إلى البصرة- حتى قال له منكرا عليه إنكاره- و لا تزال تخن خنين الأمة- و قد روى ابن هلال صاحب كتاب الغارات- أنه كلم أباه في قتال أهل البصرة بكلام أغضبه- فرماه ببيضة حديد عقرت ساقه- فعولج منها شهرين- . و الغيهب الظلمة و الجمع غياهب- و إنما قال بعد ما ماج غيهبها- لأنه أراد بعد ما عم ضلالها فشمل- فكنى عن الضلال بالغيهب- و كنى عن العموم و الشمول بالتموج- لأن الظلمة إذا تموجت شملت أماكن كثيرة- غير الأماكن التي تشملها لو كانت ساكنة- و اشتد كلبها أي شرها و أذاها- و يقال للقحط الشديد كلب- و كذلك للقر الشديد- .

ثم قال ع سلوني قبل أن تفقدوني- روى صاحب كتاب الإستيعاب- و هو أبو عمر محمد بن عبد البر- عن جماعة من الرواة و المحدثين- قالوا لم يقل أحد من الصحابة رضي الله عنهم- سلوني إلا علي بن أبي طالب- و روى شيخنا أبو جعفر الإسكافي- في كتاب نقض العثمانية- عن علي بن الجعد عن ابن شبرمة- قال ليس لأحد من الناس أن يقول على المنبر- سلوني إلا علي بن أبي طالب ع- . و الفئة الطائفة- و الهاء عوض من الياء التي نقصت من وسطه- و أصله في‏ء مثال فيع لأنه من فاء- و يجمع على فئات مثل شيات و هبات و لدات- . و ناعقها الداعي إليها من نعيق الراعي بغنمه- و هو صوته نعق ينعق بالكسر نعيقا و نعاقا- أي صاح بها و زجرها- قال الأخطل

فانعق بضأنك يا جرير فإنما
منتك نفسك في الخلاء ضلالا

فأما الغراب- فيقال نغق بالغين المعجمة ينغق بالكسر أيضا- و حكى ابن كيسان نعق الغراب أيضا بعين غير معجمه- . و الركاب الإبل واحدتها راحلة- و لا واحد لها من لفظها- و جمعها ركب مثل كتاب و كتب- و يقال زيت ركابي لأنه يحمل من الشام عليها- . و المناخ بضم الميم و محط بفتحها- يجوز أن يكونا مصدرين- و أن يكونا مكانين- أما كون المناخ مصدرا- فلأنه كالمقام الذي بمعنى الإقامة- و أما كون المحط مصدرا فلأنه كالمرد- في قوله سبحانه وَ أَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ- و أما كونهما موضعين فلأن المناخ من أنخت الجمل- لا من ناخ الجمل لأنه لم يأت- و الفعل إذا جاوز الثلاثة فالموضع منه يأتي مضموم الميم- لأنه مشبه ببنات الأربعة- نحو دحرج و هذا مدحرجنا- و من قال هذا مقام بني فلان- أي موضع مقامهم جعله كما جعلناه نحن- من أقام يقيم لا من قام يقوم- و أما المحط فإنه كالمقتل موضع القتل- يقال مقتل الرجل بين فكيه- و يقال للأعضاء التي إذا أصيب الإنسان فيها هلك مقاتل- و وجه المماثلة كونهما مضمومي العين
فصل في ذكر أمور غيبية أخبر بها الإمام ثم تحققت.

و اعلم أنه ع قد أقسم في هذا الفصل- بالله الذي نفسه بيده- أنهم لا يسألونه عن أمر يحدث بينهم- و بين القيامة إلا أخبرهم به- و أنه ما صح من طائفة من الناس- يهتدي بها مائة و تضل بها مائة إلا و هو مخبر لهم- إن سألوه برعاتها و قائدها و سائقها- و مواضع نزول ركابها و خيولها- و من يقتل منها قتلا- و من يموت منها موتا و هذه الدعوى ليست منه عليه ع ادعاء الربوبية- و لا ادعاء النبوة- و لكنه كان يقول إن رسول الله ص‏ أخبره بذلك- و لقد امتحنا إخباره فوجدناه موافقا- فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة- كإخباره عن الضربة يضرب بها في رأسه- فتخضب لحيته- و إخباره عن قتل الحسين ابنه ع- و ما قاله في كربلاء حيث مر بها- و إخباره بملك معاوية الأمر من بعده- و إخباره عن الحجاج و عن يوسف بن عمر- و ما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان- و ما قدمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يقتل منهم- و صلب من يصلب- و إخباره بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين-

و إخباره بعدة الجيش الوارد إليه من الكوفة- لما شخص ع إلى البصرة لحرب أهلها- و إخباره عن عبد الله بن الزبير- و قوله فيه خب ضب يروم أمرا و لا يدركه- ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا- و هو بعد مصلوب قريش- و كإخباره عن هلاك البصرة بالغرق- و هلاكها تارة أخرى بالزنج- و هو الذي صحفه قوم فقالوا بالريح- و كإخباره عن ظهور الرايات السود من خراسان- و تنصيصه على قوم من أهلها- يعرفون ببني رزيق بتقديم المهملة و هم آل مصعب- الذين منهم طاهر بن الحسين و ولده و إسحاق بن إبراهيم- و كانوا هم و سلفهم دعاة الدولة العباسية- و كإخباره عن الأئمة الذين ظهروا من ولده بطبرستان- كالناصر و الداعي و غيرهما-في قوله ع و إن لآل محمد بالطالقان لكنزا- سيظهره الله إذا شاء دعاؤه حتى يقوم بإذن الله- فيدعو إلى دين الله- و كإخباره عن مقتل النفس الزكية بالمدينة- و قوله إنه يقتل عند أحجار الزيت- و كقوله عن أخيه إبراهيم المقتول بباب حمزة- يقتل بعد أن يظهر و يقهر بعد أن يقهر- و قوله فيه أيضا يأتيه سهم غرب يكون فيه منيته- فيا بؤسا للرامي شلت يده و وهن عضده- و كإخباره عن قتلى وج-

و قوله فيهم هم خير أهل الأرض- و كإخباره عن المملكة العلوية بالغرب- و تصريحه بذكر كتامة- و هم الذين نصروا أبا عبد الله الداعي المعلم- و كقوله و هو يشير إلى أبي عبد الله المهدي- و هو أولهم ثم يظهرصاحب القيروان الغض البض- ذو النسب المحض المنتجب من سلالة ذي البداء- المسجى بالرداء- و كان عبيد الله المهدي أبيض مترفا مشربا بحمرة- رخص البدن تار الأطراف- و ذو البداء إسماعيل بن جعفر بن محمد ع- و هو المسجى بالرداء- لأن أباه أبا عبد الله جعفرا سجاه بردائه لما مات- و أدخل إليه وجوه الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته- و تزول عنهم الشبهة في أمره- . و كإخباره عن بني بويه- و قوله فيهم و يخرج من ديلمان بنو الصياد إشارة إليهم- و كان أبوهم صياد السمك- يصيد منه بيده ما يتقوت هو و عياله بثمنه- فأخرج الله تعالى من ولده لصلبه ملوكا ثلاثة و نشر ذريتهم حتى ضربت الأمثال بملكهم-و كقوله ع فيهم ثم يستشري أمرهم- حتى يملكوا الزوراء و يخلعوا الخلفاء-

فقال له قائل فكم مدتهم يا أمير المؤمنين فقال مائة أو تزيد قليلا- و كقوله فيهم- و المترف ابن الأجذم يقتله ابن عمه على دجلة- و هو إشارة إلى عز الدولة بختيار بن معز الدولة أبي الحسين- و كان معز الدولة أقطع اليد- قطعت يده للنكوص في الحرب- و كان ابنه عز الدول بختيار مترفا صاحب لهو و شرب- و قتله عضد الدولة فناخسرو- ابن عمه بقصر الجص على دجلة في الحرب و سلبه ملكه- فأما خلعهم للخلفاء- فإن معز الدولة خلع المستكفي- و رتب عوضه المطيع و بهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة- خلع الطائع و رتب عوضه القادر- و كانت مدة ملكهم كما أخبر به ع- . و كإخباره ع لعبد الله بن العباس رحمه الله تعالى- عن انتقال الأمر إلى أولاده- فإن علي بن عبد الله لما ولد- أخرجه أبوه عبد الله إلى علي ع- فأخذه و تفل في فيه-و حنكه بتمرة قد لاكها- و دفعه إليه و قال خذ إليك أبا الأملاك- هكذا الرواية الصحيحة- و هي التي ذكرها أبو العباس المبرد في كتاب الكامل- و ليست الرواية التي يذكر فيها العدد- بصحيحة و لا منقولة من كتاب معتمد عليه- . و كم له من الأخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى- مما لو أردنا استقصاءه- لكسرنا له كراريس كثيرة- و كتب السير تشتمل عليها مشروحة- .

فإن قلت لما ذا غلا الناس في أمير المؤمنين ع- فادعوا فيه الإلهية- لإخباره عن الغيوب التي شاهدوا صدقها عيانا- و لم يغلوا في رسول الله ص فيدعوا له الإلهية- و أخباره عن الغيوب الصادقة- قد سمعوها و علموها يقينا- و هو كان أولى بذلك لأنه الأصل المتبوع- و معجزاته أعظم و أخباره عن الغيوب أكثر- قلت إن الذين صحبوا رسول الله ص- و شاهدوا معجزاته- و سمعوا أخباره عن الغيوب الصادقة عيانا- كانوا أشد آراء و أعظم أحلاما- و أوفر عقولا من تلك الطائفة الضعيفة العقول- السخيفة الأحلام- الذين رأوا أمير المؤمنين ع في آخر أيامه- كعبد الله بن سبإ و أصحابه- فإنهم كانوا من ركاكة البصائر- و ضعفها على حال مشهورة- فلا عجب عن مثلهم أن تستخفهم المعجزات- فيعتقدوا في صاحبها أن الجوهر الإلهي قد حله- لاعتقادهم أنه لا يصح من البشر هذا إلا بالحلول- و قد قيل- إن جماعة من هؤلاء كانوا من نسل النصارى و اليهود- و قد كانوا سمعوا من آبائهم و سلفهم القول بالحلول- في أنبيائهم و رؤسائهم- فاعتقدوا فيه ع مثل ذلك- و يجوز أن يكون أصل هذه المقالة من قوم ملحدين- أرادوا إدخال الإلحاد في دين الإسلام- فذهبوا إلى ذلك- و لو كانوا في أيام رسول الله ص- لقالوا فيه مثل هذه المقالة- إضلالا لأهلالإسلام- و قصدا لإيقاع الشبهة في قلوبهم- و لم يكن في الصحابة مثل هؤلاء- و لكن قد كان فيهم منافقون و زنادقة- و لم يهتدوا إلى هذه الفتنة- و لا خطر لهم مثل هذه المكيدة- .

و مما ينقدح لي من الفرق بين هؤلاء القوم- و بين العرب الذين عاصروا رسول الله ص- أن هؤلاء من العراق و ساكني الكوفة- و طينة العراق ما زالت تنبت أرباب الأهواء- و أصحاب النحل العجيبة و المذاهب البديعة- و أهل هذا الإقليم أهل بصر و تدقيق و نظر- و بحث عن الآراء و العقائد- و شبه معترضة في المذاهب- و قد كان منهم في أيام الأكاسرة- مثل ماني و ديصان و مزدك و غيرهم- و ليست طينة الحجاز هذه الطينة- و لا أذهان أهل الحجاز هذه الأذهان- و الغالب على أهل الحجاز الجفاء- و العجرفية و خشونة الطبع- و من سكن المدن منهم- كأهل مكة و المدينة و الطائف- فطباعهم قريبة من طباع أهل البادية بالمجاورة- و لم يكن فيهم من قبل حكيم- و لا فيلسوف و لا صاحب نظر و جدل- و لا موقع شبهة و لا مبتدع نحلة- و لهذا نجد مقالة الغلاة طارئة و ناشئة- من حيث سكن علي ع بالعراق و الكوفة- لا في أيام مقامه بالمدينة- و هي أكثر عمره- . فهذا ما لاح لي من الفرق- بين الرجلين في المعنى المقدم ذكره- .

فإن قلت لما ذا قال عن فئة تهدى مائة- و ما فائدة التقييد بهذا العدد- قلت لأن ما دون المائة حقير تافه- لا يعتد به ليذكر و يخبر عنه- فكأنه قال مائة فصاعدا- . قوله ع- كرائه الأمور جمع كريهة- و هي الشدة في الحرب- و حوازب الخطوب جمع حازب- و حزبه الأمر أي دهمه- .

و فشل جبن- فإن قلت أما فشل المسئول فمعلوم- فما الوجه في إطراق السائل- قلت لشدة الأمر و صعوبته- حتى أن السائل ليبهت و يدهش فيطرق- و لا يستطيع السؤال- . قوله ع- إذا قلصت حربكم يروى بالتشديد و بالتخفيف- و يروى عن حربكم- فمن رواه مشددا أراد انضمت و اجتمعت- و ذلك لأنه يكون أشد لها- و أصعب من أن تتفرق في مواطن متباعدة- أ لا ترى أن الجيوش إذا اجتمعت كلها- و اصطدم الفيلقان- كان الأمر أصعب و أفظع- من أن تكون كل كتيبة من تلك الجيوش- تحارب كتيبة أخرى في بلاد متفرقة متباعدة- و ذلك لأن اصطدام الفيلقين بأجمعهما- هو الاستئصال الذي لا شوى له و لا بقيا بعده- و من رواها بالتخفيف أراد كثرت و تزايدت- من قولهم قلصت البئر- أي ارتفع ماؤها إلى رأسها أو دونه- و هو ماء قالص و قليص-

و من روى إذا قلصت عن حربكم- أراد إذا قلصت كرائه الأمور- و حوازب الخطوب عن حربكم- أي انكشفت عنها- و المضارع من قلص يقلص بالكسر- . قوله و شمرت عن ساق استعارة و كناية- يقال للجاد في أمره قد شمر عن ساق- و ذلك لأن سبوغ الذيل معثرة- و يمكن أن يجري اللفظ على حقيقته- و ذلك أن قوله تعالى- يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ- فسروه فقالوا الساق الشدة- فيكون قد أراد بقوله- و شمرت عن ساق- أي كشفت عن شدة و مشقة- . ثم قال تستطيلون أيام البلاء- و ذلك لأن أيام البؤس طويلة- قال الشاعر

فأيام الهموم مقصصات
و أيام السرور تطير طيرا

و قال أبو تمام-

ثم انبرت أيام هجر أردفت
بجوى أسى فكأنها أعوام‏

قوله ع إن الفتن إذا أقبلت شبهت- معناه أن الفتن عند إقبالها و ابتداء حدوثها- يلتبس أمرها و لا يعلم الحق منها من الباطل- إلى أن تنقضي و تدبر- فحينئذ ينكشف حالها- و يعلم ما كان مشتبها منها- ثم أكد ع هذا المعنى- بقوله ينكرن مقبلات و يعرفن مدبرات- و مثال ذلك فتنة الجمل و فتنة الخوارج- كان كثير من الناس فيها في مبدإ الأمر متوقفين- و اشتبه عليهم الحال- و لم يعلموا موضع الحق إلى أن انقضت الفتنة- و وضعت الحرب أوزارها- و بان لهم صاحب الضلالة من صاحب الهداية- .

ثم وصف الفتن فقال إنها تحوم حوم الرياح- يصبن بلدا و يخطئن بلدا- حام الطائر و غيره حول الشي‏ء- يحوم حوما و حومانا أي دار- . ثم ذكر أن أخوف ما يخاف عليهم فتنة بني أمية- و معنى قوله عمت خطتها و خصت بليتها- أنها عمت الناس كافة- من حيث كانت رئاسة شاملة لكل أحد- و لكن حظ أهل البيت ع و شيعتهم من بليتها أعظم- و نصيبهم فيها أوفر- .

و معنى قوله و أصاب البلاء من أبصر فيها- و أخطأ البلاء من عمي عنها- أن العالم بارتكابهم المنكر مأثوم إذ لم ينكر- و الجاهل بذلك لا إثم عليه إذا لم ينههم عن المنكر- لأن من لا يعلم المنكر منكرا لا يلزمه إنكاره- و لا يعني بالمنكر هاهنا-ما كان منكرا من الاعتقادات- و لا ما يتعلق بالأمانة- بل الزنى و شرب الخمر و نحوهما من الأفعال القبيحة- . فإن قلت أي فرق بين الأمرين- قلت لأن تلك يلحق الإثم من لا يعلمها- إذا كان متمكنا من العلم بها- و هذه لا يجب إنكارها إلا مع العلم بها- و من لا يعلمها لا يلحقه الإثم- إذا كان متمكنا من العلم بها- فافترق الموضوعان- .

ثم أقسم ع فقال و ايم الله- و أصله و ايمن الله و اختلف النحويون في هذه الكلمة- فعند الأكثرين منهم أن ألفها ألف وصل- و أن أيمن اسم وضع للقسم هكذا بألف وصل- و بضم الميم و النون- قالوا و لم يأت في الأسماء ألف وصل مفتوحة غيرها- و تدخل عليها اللام لتأكيد الابتداء- فتقول ليمن الله فتذهب الألف- قال الشاعر

فقال فريق القوم لما نشدتهم
نعم و فريق ليمن الله ما ندري‏

و هذا الاسم مرفوع بالابتداء و خبره محذوف- و التقدير ليمن الله قسمي- فإذا خاطبت قلت ليمنك- و في حديث عروة بن الزبير- ليمنك لئن كنت ابتليت لقد عافيت- و لئن كنت أخذت لقد أبقيت- و تحذف نونه فيصير ايم الله بألف وصل مفتوحة- و قد تكسر- و ربما حذفوا الياء فقالوا ام الله- و ربما أبقوا الميم وحدها مضمومة- فقالوا م الله- و قد يكسرونها لما صارت حرفا شبهوها بالباء- و ربما قالوا من الله بضم الميم و النون- و من الله بكسرهما و من الله بفتحهما- و ذهب أبو عبيد و ابن كيسان و ابن درستويه- إلى أن أيمن جمع يمين- و الألف همزة قطع- و إنما خففت‏ و طرحت في الوصل لكثرة الاستعمال- قالوا و كانت العرب تحلف باليمين- فتقول يمين الله لا أفعل- قال إمرؤ القيس

فقلت يمين الله أبرح قاعدا
و لو قطعوا رأسي لديك و أوصالي‏

قالوا و اليمين تجمع على أيمن- قال زهير

فتجمع أيمن منا و منكم
بمقسمة تمور بها الدماء

ثم حلفوا به فقالوا أيمن الله- ثم كثر في كلامهم و خف على ألسنتهم- حتى حذفوا منه النون- كما حذفوا في قوله لم يكن فقالوا لم يك- فأقسم ع لأصحابه- أنهم سيجدون بني أمية بعده لهم أرباب سوء- و صدق ص فيما قال- فإنهم ساموهم سوء العذاب قتلا و صلبا- و حبسا و تشريدا في البلاد- . ثم شبه بني أمية بالناب الضروس- و الناب الناقة المسنة و الجمع نيب- تقول لا أفعله ما حنت النيب- و الضروس السيئة الخلق تعض حالبها- . و تعذم بفيها تكدم و العذم الأكل بجفاء- و فرس عذوم يعض بأسنانه- .

و الزبن الدفع- زبنت الناقة تزبن إذا ضربت بثفناتها عند الحلب- تدفع الحالب عنها و الدر اللبن- و في المثل لا در دره الأصل لبنه- ثم قيل لكل خير و ناقة درور أي كثيرة اللبن- . ثم قال لا يزالون بكم قتلا و إفناء لكم- حتى لا يتركوا منكم إلا من ينفعهم إبقاؤه- أو لا يضرهم و لا ينفعهم- قال حتى يكون انتصار أحدكم منهم- كانتصار العبد من مولاه- أي لا انتصار لكم منهم- لأن العبد لا ينتصر من مولاه أبدا- و قد جاء في كلامه‏ع- في غير هذا الموضع- تتمة هذا المعنى إن حضر أطاعه و إن غاب سبعه- أي ثلبه و شتمه و هذه أمارة الذل- كما قال أبو الطيب

أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني
و لا أعاتبه صفحا و إهوانا

و هكذا كنت في أهلي و في وطني‏
إن النفيس نفيس أينما كانا

قال ع- و الصاحب من مستصحبه- أي و التابع من متبوعه- . و الشوه جمع شوهاء و هي القبيحة الوجه- شاهت الوجوه تشوه شوها قبحت- و شوهه الله فهو مشوه و هي شوهاء- و لا يقال للذكر أشوه و مخشية مخوفة- . و قطعا جاهلية- شبهها بقطع السحاب لتراكمها على الناس- و جعلها جاهلية لأنها كأفعال الجاهلية- الذين لم يكن لهم دين يردعهم- و يروى شوهاء و قطعاء أي نكراء كالمقطوعة اليد- . قوله نحن أهل البيت منها بمنجاة أي بمعزل- و النجاة و النجوة المكان المرتفع الذي تظن أنه نجاك- و لا يعلوه السيل- و لسنا فيها بدعاة- أي لسنا من أنصار تلك الدعوة- و أهل البيت منصوب على الاختصاص- كقولهم نحن معشر العرب نفعل كذا- و نحن آل فلان كرماء- . قوله كتفريج الأديم الأديم الجلد- و جمعه أدم مثل أفيق و أفق- و يجمع أيضا على آدمة كرغيف و أرغفة- و وجه التشبيه أن الجلد ينكشف عما تحته- فوعدهم ع بأن الله تعالى يكشف تلك الغماء- كانكشاف الجلد عن اللحم- بمن يسومهم خسفا و يوليهم ذلا- .

و العنف بالضم ضد الرفق- و كأس مصبرة ممزوجة بالصبر لهذا المر- و يجوز أن يكون مصبرة مملوءة إلى أصبارها و هي جوانبها- و في المثل أخذها بأصبارها أي تامة الواحد صبر بالضم- . و يحلسهم يلبسهم أحلست البعير ألبسته الحلس- و هو كساء رقيق يكون تحت البرذعة- يقال له حلس و حلس مثل شبه و شبه- . و الجزور من الإبل يقع على الذكر و الأنثى- و جزرها ذبحها- . و هذا الكلام إخبار عن ظهور المسودة- و انقراض ملك بني أمية- و وقع الأمر بموجب إخباره ص- حتى لقد صدق قوله لقد تود قريش الكلام إلى آخره- فإن أرباب السير كلهم نقلوا- أن مروان بن محمد قال يوم الزاب- لما شاهد عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس- بإزائه في صف خراسان- لوددت أن علي بن أبي طالب تحت هذه الراية- بدلا من هذا الفتى- و القصة طويلة و هي مشهورة- .

و هذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب السير- و هي متداولة منقولة مستفيضة- خطب بها علي ع بعد انقضاء أمر النهروان- و فيها ألفاظ لم يوردها الرضي رحمه الله- من ذلكقوله ع و لم يكن ليجترئ عليها غيري- و لو لم أك فيكم ما قوتل أصحاب الجمل و النهروان- و ايم الله لو لا أن تتكلوا فتدعوا العمل- لحدثتكم بما قضى الله عز و جل على لسان نبيكم ص- لمن قاتلهم مبصرا لضلالتهم- عارفا للهدى الذي نحن عليه- سلوني قبل أن تفقدوني- فإني ميت عن قريب أو مقتول- بل قتلا ما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه بدم و ضرب بيده إلى لحيته و منها في ذكر بني أمية يظهر أهل باطلها على أهل حقها- حتى تملأ الأرض عدوانا و ظلما و بدعا- إلى أن يضع الله عز و جل جبروتها- و يكسر عمدها و ينزع أوتادها- ألا و إنكم مدركوها فانصروا قوما- كانوا أصحاب رايات بدر و حنين- تؤجروا و لا تمالئوا عليهم عدوهم- فتصرعكم البلية- و تحل بكم النقمةو منها إلا مثل انتصار العبد من مولاه إذا رآه أطاعه- و إن توارى عنه شتمه- و ايم الله لو فرقوكم تحت كل حجر- لجمعكم الله لشر يوم لهمو منها فانظروا أهل بيت نبيكم- فإن لبدوا فالبدوا- و إن استنصروكم فانصروهم- فليفرجن الله الفتنة برجل منا أهل البيت- بأبي ابن خيرة الإماء- لا يعطيهم إلا السيف هرجا هرجا- موضوعا على عاتقه ثمانية أشهر- حتى تقول قريش لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا- يغريه الله ببني أمية حتى يجعلهم حطاما و رفاتا- مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلًا- سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ- وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا- .

فإن قيل لما ذا قال- و لو لم أك فيكم- لما قوتل أهل الجمل و أهل النهروان- و لم يذكر صفين- قيل لأن الشبهة كانت في أهل الجمل و أهل النهروان- ظاهرة الالتباس- لأن الزبير و طلحة موعودان بالجنة- و عائشة موعودة أن تكون زوجة رسول الله ص في الآخرة- كما هي زوجته في الدنيا- و حال طلحة و الزبير في السبق و الجهاد و الهجرة معلومة- و حال عائشة في محبة الرسول ص لها و ثنائه عليها- و نزول القرآن فيها معلومة- و أما أهل النهروان فكانوا أهل قرآن و عبادة و اجتهاد- و عزوف عن الدنيا و إقبال على أمور الآخرة- و هم كانوا قراء أهل العراق و زهادهم- و أما معاوية فكان فاسقا- مشهورا بقلة الدين و الانحراف عن الإسلام- و كذلك ناصره و مظاهره على أمره عمرو بن العاص- و من اتبعهما من طغام أهل الشام- و أجلافهم و جهال الأعراب- فلم يكن أمرهم خافيا في جواز محاربتهم- و استحلال قتالهم- بخلاف حال من تقدم ذكره- .

فإن قيل و من هذا الرجل الموعود به- الذي قال ع عنه بأبي ابن خيرة الإماء- قيل أما الإمامية فيزعمون أنه إمامهم الثاني عشر- و أنه ابن أمة اسمها نرجس- و أما أصحابنا فيزعمون أنه فاطمي- يولد في مستقبل الزمان لأم ولد- و ليس بموجود الآن- . فإن قيل فمن يكون من بني أمية في ذلك الوقت موجودا- حتى يقول ع في أمرهم ما قال- من انتقام هذا الرجل منهم- حتى يودوا لو أن عليا ع كان المتولي لأمرهم عوضا عنه- .

قيل أما الإمامية فيقولون بالرجعة- و يزعمون أنه سيعاد قوم بأعيانهم من بني أمية و غيرهم- إذا ظهر إمامهم المنتظر- و أنه يقطع أيدي أقوام و أرجلهم- و يسمل عيون بعضهم و يصلب قوما آخرين- و ينتقم من أعداء آل محمد ع المتقدمين و المتأخرين- و أما أصحابنا فيزعمون- أنه سيخلق الله تعالى في آخر الزمان رجلا- من ولد فاطمة ع ليس موجود الآن- و أنه يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا و ظلما- و ينتقم من الظالمين و ينكل بهم أشد النكال- و أنه لأم ولد- كما قد ورد في هذا الأثر و في غيره من الآثار- و أن اسمه محمد كاسم رسول الله ص- و أنه إنما يظهر بعد أن يستولي على كثير من الإسلام- ملك من أعقاب بني أمية- و هو السفياني الموعود به في الخبر الصحيح- من ولد أبي سفيان بن حرب بن أمية- و أن الإمام الفاطمي يقتله- و يقتل أشياعه من بني أمية و غيرهم- و حينئذ ينزل المسيح ع من السماء- و تبدو أشراط الساعة- و تظهر دابة الأرض و يبطل التكليف- و يتحقق قيام الأجساد عند نفخ الصور- كما نطق به الكتاب العزيز- .

فإن قيل فإنكم قلتم فيما تقدم- أن الوعد إنما هو بالسفاح- و بعمه عبد الله بن علي و المسودة- و ما قلتموه الآن مخالف لذلك- . قيل إن ذلك التفسير هو تفسير ما ذكره الرضي- رحمه الله تعالى من كلام أمير المؤمنين ع في نهج البلاغة- و هذا التفسير هو تفسير الزيادة التي لم يذكرها الرضي- و هي قوله بأبي ابن خيرة الإماء- و قوله لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا- فلا مناقضة بين التفسيرين

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن‏ أبي ‏الحديد) ج 7 

خطبه 91 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(لما أراده الناس على البيعة- بعد قتل عثمان رضي الله عنه)

91 و من كلام له ع لما أراده الناس على البيعة- بعد قتل عثمان رضي الله عنه

دَعُونِي وَ الْتَمِسُوا غَيْرِي- فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً- لَهُ وُجُوهٌ وَ أَلْوَانٌ- لَا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ- وَ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ- وَ إِنَّ الآْفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ- وَ الْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ- . وَ اعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ- رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ- وَ لَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَ عَتْبِ الْعَاتِبِ- وَ إِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ- وَ لَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَ أَطْوَعُكُمْ- لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ- وَ أَنَا لَكُمْ وَزِيراً- خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً في أكثر النسخ لما اراده الناس على البيعة- و وجدت في بعضها أداره الناس على البيعة- فمن روى الأول جعل على متعلقة بمحذوف- و تقديره موافقا- و من روى الثاني- جعلها متعلقة بالفعل الظاهر نفسه و هو أداره- تقول أدرت فلانا على كذا- و داورت فلانا على كذا أي عالجته- . و لا تقوم له القلوب أي لا تصبر- و أغامت الآفاق غطاها الغيم- أغامت و غامت و أغيمت و تغيمت كله بمعنى- و المحجة الطريق- و تنكرت جهلت فلم تعرف- و وزيرا و أميرا منصوبان على الحال- .

و هذا الكلام يحمله أصحابنا على ظاهره- و يقولون إنه ع لم يكن منصوصا عليه- بالإمامة من جهة الرسول ص- و إن كان أولى الناس بها و أحقهم بمنزلتها- لأنه لو كان منصوصا عليه بالإمامة- من جهة الرسول ع- لما جاز له أن يقول دعوني و التمسوا غيري- و لا أن يقول و لعلي أسمعكم و أطوعكم لمن وليتموه أمركم- و لا أن يقول و أنا لكم وزيرا خير مني لكم أميرا- و تحمله الإمامية على وجه آخر- فيقولون إن الذين أرادوه على البيعة- هم كانوا العاقدين بيعة الخلفاء من قبل- و قد كان عثمان منعهم- أو منع كثيرا منهم عن حقه من العطاء- لأن بني أمية استأصلوا الأموال في أيام عثمان- فلما قتل قالوا لعلي ع- نبايعك على أن تسير فينا سيرة أبي بكر و عمر- لأنهما كانا لا يستأثران بالمال لأنفسهما و لا لأهلهما- فطلبوا من علي ع البيعة- على أن يقسم عليهم بيوت الأموال قسمة أبي بكر و عمر- فاستعفاهم و سألهم أن يطلبوا غيره ممن يسير بسيرتهما-

و قال لهم كلاما تحته رمز- و هو قوله إنا مستقبلون أمرا له وجوه و ألوان- لا تقوم له القلوب و لا تثبت عليه العقول- و إن الآفاق قد أغامت و المحجة قد تنكرت- . قالوا و هذا كلام له باطن و غور عميق- معناه الإخبار عن غيب يعلمه هو و يجهلونه هم- و هو الإنذار بحرب المسلمين بعضهم لبعض- و اختلاف الكلمة و ظهور الفتنة- . و معنى قوله- له وجوه و ألوان- أنه موضع شبهة و تأويل- فمن قائل يقول أصاب علي- و من قائل يقول أخطأ- و كذلك القول في تصويب محاربيه- من أهل الجمل و صفين و النهروان و تخطئتهم- فإن المذاهب فيه و فيهم تشعبت و تفرقت جدا- . و معنى قوله الآفاق قد أغامت- و المحجة قد تنكرت- أن الشبهة قد استولت على العقول و القلوب- و جهل أكثر الناس محجة الحق أين هي- فأنا لكم وزيرا عن رسول الله ص- أفتي فيكم بشريعته و أحكامه- خير لكم مني أميرا محجورا عليه-مدبرا بتدبيركم- فإني أعلم أنه لا قدرة لي أن أسير فيكم بسيرة رسول الله ص- في أصحابه مستقلا بالتدبير- لفساد أحوالكم و تعذر صلاحكم- .

و قد حمل بعضهم كلامه على محمل آخر- فقال هذا كلام مستزيد شاك من أصحابه- يقول لهم دعوني و التمسوا غيري- على طريق الضجر منهم- و التبرم بهم و التسخط لأفعالهم- لأنهم كانوا عدلوا عنه من قبل- و اختاروا عليه- فلما طلبوه بعد أجابهم جواب المتسخط العاتب- . و حمل قوم منهم الكلام على وجه آخر- فقالوا إنه أخرجه مخرج التهكم و السخرية- أي أنا لكم وزيرا خير مني لكم أميرا فيما تعتقدونه- كما قال سبحانه ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ- أي تزعم لنفسك ذلك و تعتقده- .

و اعلم أن ما ذكروه ليس ببعيد أن يحمل الكلام عليه- لو كان الدليل قد دل على ذلك- فأما إذا لم يدل عليه دليل فلا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره- و نحن نتمسك بالظاهر إلا أن تقوم دلالة على مذهبهم- تصدنا عن حمل اللفظ عن ظاهره- و لو جاز أن تصرف الألفاظ عن ظواهرها- لغير دليل قاهر يصدف و يصد عنها- لم يبق وثوق بكلام الله عز و جل- و بكلام رسوله ع- و قد ذكرنا فيما تقدم كيفية الحال- التي كانت بعد قتل عثمان- و البيعة العلوية كيف وقعت فصل فيما كان من أمر طلحة و الزبير عند قسم المال و نحن نذكر هاهنا في هذه القصة- ما ذكره شيخنا أبو جعفر الإسكافي- في كتابه‏ الذي نقض فيه كتاب العثمانية- لشيخنا أبي عثمان- فإن الذي ذكره لم نورده نحن فيما تقدم- .

قال أبو جعفر- لما اجتمعت الصحابة في مسجد رسول الله ص- بعد قتل عثمان للنظر في أمر الإمامة- أشار أبو الهيثم بن التيهان- و رفاعة بن رافع و مالك بن العجلان- و أبو أيوب الأنصاري و عمار بن ياسر بعلي ع- و ذكروا فضله و سابقته و جهاده و قرابته- فأجابهم الناس إليه- فقام كل واحد منهم خطيبا يذكر فضل علي ع- فمنهم من فضله على أهل عصره خاصة- و منهم من فضله على المسلمين كلهم كافة- ثم بويع و صعد المنبر في اليوم الثاني من يوم البيعة- و هو يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقين من ذي الحجة- فحمد الله و أثنى عليه- و ذكر محمدا فصلى عليه- ثم ذكر نعمة الله على أهل الإسلام- ثم ذكر الدنيا فزهدهم فيها- و ذكر الآخرة فرغبهم إليها-

ثم قال أما بعد- فإنه لما قبض رسول الله ص استخلف الناس أبا بكر- ثم استخلف أبو بكر عمر فعمل بطريقه ثم جعلها شورى بين ستة- فأفضي الأمر منهم إلى عثمان- فعمل ما أنكرتم و عرفتم ثم حصر و قتل- ثم جئتموني طائعين فطلبتم إلي- و إنما أنا رجل منكم لي ما لكم و علي ما عليكم- و قد فتح الله الباب بينكم و بين أهل القبلة- و أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم- و لا يحمل هذا الأمر- إلا أهل الصبر و البصر و العلم بمواقع الأمر- و إني حاملكم على منهج نبيكم ص- و منفذ فيكم ما أمرت به إن استقمتم لي- و بالله المستعان- ألا إن موضعي من رسول الله ص بعد وفاته- كموضعي منه أيام حياته- فامضوا لما تؤمرون به- و قفوا عند ما تنهون عنه- و لا تعجلوا في أمر حتى نبينه لكم- فإن لنا عن كل أمر تنكرونه عذرا- ألا و إن الله عالم من فوق سمائه و عرشه- أني كنت كارها للولاية على أمة محمد- حتى اجتمع رأيكم على ذلك- لأني سمعت رسول الله ص يقول- أيما وال ولي الأمر من بعدي- أقيم على حد الصراط-و نشرت الملائكة صحيفته- فإن كان عادلا أنجاه الله بعدله- و إن كان جائرا انتفض به الصراط حتى تتزايل مفاصله ثم يهوى إلى النار- فيكون أول ما يتقيها به أنفه و حر وجهه- و لكني لما اجتمع رأيكم لم يسعني ترككم- ثم التفت ع يمينا و شمالا- فقال ألا لا يقولن رجال منكم غدا- قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار- و فجروا الأنهار و ركبوا الخيول الفارهة- و اتخذوا الوصائف الروقة- فصار ذلك عليهم عارا و شنارا- إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه- و أصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون-

فينقمون ذلك- و يستنكرون و يقولون حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا- ألا و أيما رجل من المهاجرين و الأنصار- من أصحاب رسول الله ص يرى- أن الفضل له على من سواه لصحبته- فإن الفضل النير غدا عند الله- و ثوابه و أجره على الله- و أيما رجل استجاب لله و للرسول- فصدق ملتنا و دخل في ديننا و استقبل قبلتنا- فقد استوجب حقوق الإسلام و حدوده- فأنتم عباد الله و المال مال الله يقسم بينكم بالسوية- لا فضل فيه لأحد على أحد- و للمتقين عند الله غدا أحسن الجزاء- و أفضل الثواب- لم يجعل الله الدنيا للمتقين أجرا و لا ثوابا- و ما عند الله خير للأبرار- و إذا كان غدا إن شاء الله فاغدوا علينا- فإن عندنا مالا نقسمه فيكم- و لا يتخلفن أحد منكم عربي و لا عجمي- كان من أهل العطاء أو لم يكن- إلا حضر إذا كان مسلما حرا- أقول قولي هذا- و أستغفر الله لي و لكم ثم نزل- .

قال شيخنا أبو جعفر- و كان هذا أول ما أنكروه من كلامه ع- و أورثهم الضغن عليه- و كرهوا إعطاءه و قسمه بالسوية- فلما كان من الغد غدا و غدا الناس لقبض المال- فقال لعبيد الله بن أبي رافع كاتبه- ابدأ بالمهاجرين فنادهم- و أعط كل‏ رجل ممن حضر ثلاثة دنانير- ثم ثن بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك- و من يحضر من الناس كلهم- الأحمر و الأسود فاصنع به مثل ذلك- . فقال سهل بن حنيف يا أمير المؤمنين- هذا غلامي بالأمس و قد أعتقته اليوم- فقال نعطيه كما نعطيك- فأعطى كل واحد منهما ثلاثة دنانير- و لم يفضل أحدا على أحد- و تخلف عن هذا القسم يومئذ- طلحة و الزبير و عبد الله بن عمر- و سعيد بن العاص و مروان بن الحكم- و رجال من قريش و غيرها- . قال- و سمع عبيد الله بن أبي رافع عبد الله بن الزبير- يقول لأبيه و طلحة و مروان و سعيد- ما خفي علينا أمس من كلام علي ما يريد- فقال سعيد بن العاص و التفت إلى زيد بن ثابت- إياك أعني و اسمعي يا جارة- فقال عبيد الله بن أبي رافع- لسعيد و عبد الله بن الزبير- إن الله يقول في كتابه وَ لكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ- .

ثم إن عبيد الله بن أبي رافع أخبر- عليا ع بذلك- فقال و الله إن بقيت و سلمت لهم- لأقيمنهم على المحجة البيضاء و الطريق الواضح- قاتل الله ابن العاص- لقد عرف من كلامي و نظري إليه أمس- أني أريده و أصحابه ممن هلك فيمن هلك- . قال فبينا الناس في المسجد بعد الصبح- إذ طلع الزبير و طلحة- فجلسا ناحية عن علي ع- ثم طلع مروان و سعيد و عبد الله بن الزبير- فجلسوا إليهما- ثم جاء قوم من قريش- فانضموا إليهم- فتحدثوا نجيا ساعة- ثم قام الوليد بن عقبة بن أبي معيط- فجاء إلى علي ع- فقال يا أبا الحسن- إنك قد وترتنا جميعا- أما أنا فقتلت أبي يوم بدر صبرا- و خذلت أخي يوم الدار بالأمس- و أما سعيد فقتلت أباه يوم بدر في الحرب- و كان ثور قريش- و أما مروان فسخفت أباه عند عثمان إذ ضمه إليه- و نحن إخوتك‏ و نظراؤك من بني عبد مناف- و نحن نبايعك اليوم- على أن تضع عنا ما أصبناه- من المال في أيام عثمان- و أن تقتل قتلته- و إنا إن خفناك تركناك- فالتحقنا بالشام- .

فقال أما ما ذكرتم من وتري إياكم- فالحق وتركم- و أما وضعي عنكم ما أصبتم- فليس لي أن أضع حق الله عنكم- و لا عن غيركم- و أما قتلي قتلة عثمان- فلو لزمني قتلهم اليوم لقتلتهم أمس- و لكن لكم علي- إن خفتموني أن أؤمنكم- و إن خفتكم أن أسيركم- . فقام الوليد إلى أصحابه فحدثهم- و افترقوا على إظهار العداوة و إشاعة الخلاف- فلما ظهر ذلك من أمرهم- قال عمار بن ياسر لأصحابه- قوموا بنا إلى هؤلاء النفر من إخوانكم- فإنه قد بلغنا عنهم- و رأينا منهم ما نكره من الخلاف- و الطعن على إمامهم- و قد دخل أهل الجفاء بينهم- و بين الزبير و الأعسر العاق يعني طلحة- .

فقام أبو الهيثم و عمار و أبو أيوب و سهل بن حنيف- و جماعة معهم فدخلوا على علي ع- فقالوا يا أمير المؤمنين- انظر في أمرك و عاتب قومك- هذا الحي من قريش- فإنهم قد نقضوا عهدك- و أخلفوا وعدك- و قد دعونا في السر إلى رفضك- هداك الله لرشدك- و ذاك لأنهم كرهوا الأسوة- و فقدوا الأثرة- و لما آسيت بينهم و بين الأعاجم أنكروا- و استشاروا عدوك و عظموه- و أظهروا الطلب بدم عثمان فرقة للجماعة- و تألفا لأهل الضلالة فرأيك- .

فخرج علي ع- فدخل المسجد و صعد المنبر مرتديا بطاق- مؤتزرا ببرد قطري متقلدا سيفا- متوكئا على قوس فقال أما بعد فإنا نحمد الله ربنا و إلهنا و ولينا- و ولي النعم علينا- الذي أصبحت نعمه علينا ظاهرة و باطنة- امتنانا منه بغير حول منا و لا قوة- ليبلونا أ نشكر أم نكفر- فمن شكر زاده و من كفر عذبه- فأفضل الناس عند الله منزلة- و أقربهم من الله وسيلة أطوعهم لأمره-و أعملهم بطاعته و أتبعهم لسنة رسوله- و أحياهم لكتابه- ليس لأحد عندنا فضل إلا بطاعة الله و طاعة الرسول- هذا كتاب الله بين أظهرنا- و عهد رسول الله و سيرته فينا- لا يجهل ذلك إلا جاهل عاند عن الحق منكر- قال الله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏- وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ- لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ- ثم صاح بأعلى صوته- أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أطيعوا الرَّسُولُ- فإن توليتم فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ- ثم قال يا معشر المهاجرين و الأنصار- أ تمنون على الله و رسوله بإسلامكم- بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ- أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ- ثم قال أنا أبو الحسن- و كان يقولها إذا غضب-

ثم قال ألا إن هذه الدنيا التي أصبحتم- تمنونها و ترغبون فيها- و أصبحت تغضبكم و ترضيكم- ليست بداركم و لا منزلكم الذي خلقتم له- فلا تغرنكم فقد حذرتكموها- و استتموا نعم الله عليكم بالصبر- لأنفسكم على طاعة الله- و الذل لحكمه جل ثناؤه- فأما هذا الفي‏ء فليس لأحد- على أحد فيه أثرة- و قد فرغ الله من قسمته- فهو مال الله- و أنتم عباد الله المسلمون- و هذا كتاب الله به أقررنا و له أسلمنا- و عهد نبينا بين أظهرنا- فمن لم يرض به فليتول كيف شاء- فإن العامل بطاعة الله- و الحاكم بحكم الله لا وحشة عليه- ثم نزل عن المنبر فصلى ركعتين- ثم بعث بعمار بن ياسر- و عبد الرحمن بن حنبل القرشي إلى طلحة و الزبير- و هما في ناحية المسجد فأتياهما فدعواهما- فقاما حتى جلسا إليه ع- فقال لهما نشدتكما الله- هل جئتماني طائعين للبيعة- و دعوتماني إليها- و أنا كاره لها قالا نعم- فقال غير مجبرين و لا مقسورين- فأسلمتما لي بيعتكما و أعطيتماني عهدكما-

قالا نعم- قال فما دعاكما بعد إلى ما أرى- قالا أعطيناك بيعتنا- على ألا تقضي الأمور و لا تقطعها دوننا- و أن تستشيرنا في كل أمر- و لا تستبد بذلك علينا- و لنا من الفضل على غيرنا ما قد علمت- فأنت تقسم القسم و تقطع الأمر- و تمضي الحكم بغير مشاورتنا و لا علمنا- فقال لقد نقمتما يسيرا- و أرجأتما كثيرا فاستغفرا الله يغفر لكما- أ لا تخبرانني أدفعتكما عن حق وجب لكما فظلمتكما إياه- قالا معاذ الله قال فهل استأثرت من هذا المال لنفسي بشي‏ء- قالا معاذ الله- قال أ فوقع حكم أو حق لأحد من المسلمين- فجهلته أو ضعفت عنه قالا معاذ الله- قال فما الذي كرهتما من أمري حتى رأيتما خلافي- قالا خلافك عمر بن الخطاب في القسم- أنك جعلت حقنا في القسم كحق غيرنا- و سويت بيننا و بين من لا يماثلنا- فيما أفاء الله تعالى علينا بأسيافنا و رماحنا- و أوجفنا عليه بخيلنا و رجلنا- و ظهرت عليه دعوتنا و أخذناه قسرا قهرا- ممن لا يرى الإسلام إلا كرها-

فقال فأما ما ذكرتماه من الاستشارة بكما- فو الله ما كانت لي في الولاية رغبة- و لكنكم دعوتموني إليها- و جعلتموني عليها- فخفت أن أردكم فتختلف الأمة- فلما أفضت إلي نظرت في كتاب الله و سنة رسوله- فأمضيت ما دلاني عليه و اتبعته- و لم أحتج إلى آرائكما فيه و لا رأي غيركما- و لو وقع حكم ليس في كتاب الله بيانه- و لا في السنة برهانه- و احتيج إلى المشاورة فيه لشاورتكما فيه- و أما القسم و الأسوة- فإن ذلك أمر لم أحكم فيه بادئ بدء- قد وجدت أنا و أنتما رسول الله ص يحكم بذلك- و كتاب الله ناطق به- و هو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه- و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد- و أما قولكما جعلت فيئنا- و ما أفاءته سيوفنا و رماحنا- سواء بيننا و بين غيرنا- فقديما سبق إلى الإسلام قوم- و نصروه بسيوفهم و رماحهم- فلم يفضلهم رسول الله ص في القسم و لا آثرهم بالسبق- و الله‏ سبحانه- موف السابق و المجاهد يوم القيامة أعمالهم- و ليس لكما و الله عندي و لا لغيركما إلا هذا- أخذ الله بقلوبنا و قلوبكم إلى الحق- و ألهمنا و إياكم الصبر- ثم قال رحم الله امرأ رأى حقا فأعان عليه- و رأى جورا فرده- و كان عونا للحق على من خالفه- .

قال شيخنا أبو جعفر و قد روي أنهما قالا له وقت البيعة- نبايعك على أنا شركاؤك في هذا الأمر- فقال لهما لا و لكنكما شريكاي في الفي‏ء- لا أستأثر عليكما- و لا على عبد حبشي مجدع بدرهم فما دونه- لا أنا و لا ولداي هذان- فإن أبيتما إلا لفظ الشركة- فإنما عونان لي عند العجز و الفاقة- لا عند القوة و الاستقامة- .

قال أبو جعفر- فاشترطا ما لا يجوز في عقد الأمانة- و شرط ع لهما ما يجب في الدين و الشريعة- . قال رحمه الله تعالى- و قد روي أيضا أن الزبير قال في ملإ من الناس- هذا جزاؤنا من علي- قمنا له في أمر عثمان حتى قتل- فلما بلغ بنا ما أراد- جعل فوقنا من كنا فوقه- . و قال طلحة ما اللوم إلا علينا- كنا معه أهل الشورى ثلاثة- فكرهه أحدنا يعني سعدا و بايعناه- فأعطيناه ما في أيدينا و منعنا ما في يده- فأصبحنا قد أخطأنا اليوم ما رجوناه أمس- و لا نرجو غدا ما أخطأنا اليوم- .

فإن قلت فإن أبا بكر قسم بالسواء- كما قسمه أمير المؤمنين ع- و لم ينكروا ذلك كما أنكروه أيام أمير المؤمنين ع- فما الفرق بين الحالتين- . قلت إن أبا بكر قسم محتذيا لقسم رسول الله ص- فلما ولي عمر الخلافة- و فضل قوما على قوم ألفوا ذلك- و نسوا تلك القسمة الأولى- و طالت أيام عمر-و أشربت قلوبهم حب المال و كثرة العطاء- و أما الذين اهتضموا فقنعوا و مرنوا على القناعة- و لم يخطر لأحد من الفريقين له- أن هذه الحال تنتقض أو تتغير بوجه ما- فلما ولي عثمان أجرى الأمر على ما كان عمر يجريه- فازداد وثوق القوم بذلك- و من ألف أمرا أشق عليه فراقه- و تغيير العادة فيه- فلما ولي أمير المؤمنين ع- أراد أن يرد الأمر- إلى ما كان في أيام رسول الله ص و أبي بكر- و قد نسي ذلك و رفض- و تخلل بين الزمانين اثنتان و عشرون سنة- فشق ذلك عليهم و أنكروه و أكبروه- حتى حدث ما حدث من نقض البيعة- و مفارقة الطاعة- و لله أمر هو بالغه

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي‏ الحديد) ج 7 

خطبه 90 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(خطبة الأشباح)

90 و من خطبة له ع تعرف بخطبة الأشباح و هي من جلائل خطبة ع

رَوَى مَسْعَدَةُ بْنُ صَدَقَةَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ع أَنَّهُ قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ- وَ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- صِفْ لَنَا رَبَّنَا مِثْلَ مَا نَرَاهُ عِيَاناً- لِنَزْدَادَ لَهُ حُبّاً وَ بِهِ مَعْرِفَةً- فَغَضِبَ وَ نَادَى الصَّلَاةَ جَامِعَةً- فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ حَتَّى غَصَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ- فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَ هُوَ مُغْضَبٌ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ- فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ص- ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَفِرُهُ الْمَنْعُ وَ الْجُمُودُ- وَ لَا يُكْدِيهِ الْإِعْطَاءُ وَ الْجُودُ- إِذْ كُلُّ مُعْطٍ مُنْتَقِصٌ سِوَاهُ وَ كُلُّ مَانِعٍ مَذْمُومٌ مَا خَلَاهُ- وَ هُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النِّعَمِ وَ عَوَائِدِ الْمَزِيدِ وَ الْقِسَمِ- عِيَالُهُ الْخَلَائِقُ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ- وَ نَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِبِينَ إِلَيْهِ وَ الطَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ- وَ لَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلْ- الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلٌ فَيَكُونَ شَيْ‏ءٌ قَبْلَهُ- وَ الآْخِرُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ شَيْ‏ءٌ بَعْدَهُ- وَ الرَّادِعُ أَنَاسِيَّ الْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِكَهُ- مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرٌ فَيَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ- وَ لَا كَانَ فِي مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ الأشباح الأشخاص و المراد بهم هاهنا الملائكة- لأن الخطبة تتضمن ذكر الملائكة- .

و قوله الصلاة جامعة منصوب بفعل مقدر- أي احضروا الصلاة و أقيموا الصلاة- و جامعة منصوب على الحال من الصلاة- . و غص المسجد بفتح الغين أي امتلأ و المسجد غاص بأهله- و يقال رجل مغضب بفتح الضاد- أي قد أغضب أي فعل به ما يوجب غضبه- . و يفره المنع يزيد في ماله و الموفور التام- وفرت الشي‏ء وفرا و وفر الشي‏ء نفسه وفورا- يتعدى و لا يتعدى و في أمثالهم يوفر و يحمد- هو من قولك وفرته عرضه و وفرته ماله- .

و قوله و لا يكديه الإعطاء أي لا يفقره و لا ينفد خزائنه- يقال كدت الأرض تكد و فهي كادية- إذا أبطأ نباتها و قل خيرها فهذا لازم- فإذا عديته أتيت بالهمزة- فقلت أكديت الأرض أي جعلتها كادية- و تقول أكدى الرجل إذا قل خيره- و قوله تعالى وَ أَعْطى‏ قَلِيلًا وَ أَكْدى‏ أي قطع القليل- يقول إنه سبحانه قادر على المقدورات- و ليس كالملوك من البشر الذين إذا أعطوا- نقصت خزائنهم و إن منعوا زادت- و قد شرح ذلك و قال إذ كل معط منتقص أي منقوص- و يجي‏ء انتقص لازما و متعديا- تقول انتقص الشي‏ء نفسه- و انتقصت الشي‏ء أي نقصته- و كذلك نقص يجي‏ء لازما و متعديا- .

ثم قال و كل مانع مذموم غيره و ذلك لأنه تعالى- إنما يمنع من تقتضي الحكمة و المصلحة منعه- و ليس كما يمنع البشر- و سأل رجل علي بن موسى الرضا عن الجواد- فقال إن لكلامك وجهين فإن كنت تسأل عن المخلوق- فإن الجواد هو الذي يؤدي ما افترض الله عليه- و البخيل هو الذي يبخل بما افترض الله عليه- و إن كنت تعني الخالق‏فهو الجواد إن أعطى- و هو الجواد إن منع لأنه إن أعطى عبدا أعطاه ما ليس له- و إن منعه منعه ما ليس له- .

قوله و ليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل- فيه معنى لطيف- و ذاك لأن هذا المعنى مما يختص بالبشر- لأنهم يتحركون بالسؤال و تهزهم الطلبات- فيكونون بما سألهم السائل- أجود منهم بما لم يسألهم إياه- و أما البارئ سبحانه فإن جوده ليس على هذا المنهاج- لأن جوده عام في جميع الأحوال- . ثم ذكر أن وجوده تعالى ليس بزماني- فلا يطلق عليه البعدية و القبلية- كما يطلق على الزمانيات- و إنما لم يكن وجوده زمانيا لأنه لا يقبل الحركة- و الزمان من لواحق الحركة- و إنما لم تطلق عليه البعدية و القبلية إذ لم يكن زمانيا- لأن قولنا في الشي‏ء إنه بعد الشي‏ء الفلاني- أي الموجود في زمان- حضر بعد تقضي زمان ذلك الشي‏ء الفلاني- و قولنا في الشي‏ء إنه قبل الشي‏ء الفلاني- أي إنه موجود في زمان حضر- و لم يحضر زمان ذلك الشي‏ء الفلاني بعد- فما ليس في الزمان- ليس يصدق عليه القبل و البعد الزمانيان- فيكون تقدير الكلام على هذا- الأول الذي لا يصدق عليه القبلية الزمانية- ليمكن أن يكون شي‏ء ما قبله- و الآخر الذي لا يصدق عليه البعدية الزمانية- ليمكن أن يكون شي‏ء ما بعده- .

و قد يحمل الكلام على وجه آخر أقرب متناولا من هذا الوجه- و هو أن يكون أراد الذي لم يكن محدثا- أي موجودا قد سبقه عدم- فيقال إنه مسبوق بشي‏ء من الأشياء- إما المؤثر فيه أو الزمان المقدم عليه- و أنه ليس بذات يمكن فناؤها و عدمها فيما لا يزال- فيقال إنه ينقضي و ينصرم و يكون بعده شي‏ء من الأشياء- إما الزمان أو غيره و الوجه الأول أدق و ألطف- و يؤكد كونه مرادا قوله عقيبه- ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال- و ذلك لأن واجب الوجود أعلى من الدهر و الزمان- فنسبة ذاته إلى الدهر و الزمان بجملته- و تفصيل أجزائه نسبة متحدة- .

فإن قلت إذا لم يكن قبل الأشياء بالزمان- و لا بعدها بالزمان فهو معها بالزمان- لأنه لا يبقى بعد نفي القبلية و البعدية إلا المعية- . قلت إنما يلزم ذلك فيما وجوده زماني- و أما ما ليس زمانيا- لا يلزم من نفي القبلية و البعدية إثبات المعية- كما أنه ما لم يكن وجوده مكانيا- لم يلزم من نفي كونه فوق العالم- أو تحت العالم بالمكان أن يكون مع العالم بالمكان- . ثم قال الرادع أناسي الأبصار عن أن تناله أو تدركه- الأناسي جمع إنسان و هو المثال الذي يرى في السواد- و هذا اللفظ بظاهره يشعر بمذهب الأشعرية- و هو قولهم إن الله تعالى خلق في الأبصار مانعا عن إدراكه- إلا أن الأدلة العقلية من جانبنا اقتضت تأويل هذا اللفظ- كما تأول شيوخنا قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى‏ رَبِّها ناظِرَةٌ- فقالوا إلى جنة ربها فنقول تقديره- الرادع أناسي الأبصار أن تنال أنوار جلالته- .

فإن قلت- أ تثبتون له تعالى أنوارا يمكن أن تدركها الأبصار- و هل هذا إلا قول بالتجسيم- . قلت كلا لا تجسيم في ذلك- فكما أن له عرشا و كرسيا و ليس بجسم- فكذلك أنوار عظيمة فوق العرش و ليس بجسم- فكيف تنكر الأنوار- و قد نطق الكتاب العزيز بها في غير موضع- كقوله وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها- و كقوله مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ‏: وَ لَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ- وَ ضَحِكْتَ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ مِنْ فِلِزِّ اللُّجَيْنِ وَ الْعِقْيَانِ- وَ نُثَارَةِ الدُّرِّ وَ حَصِيدِ الْمَرْجَانِ مَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ- وَ لَا أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ- وَ لَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الْأَنْعَامِ- مَا لَا تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ الْأَنَامِ- لِأَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِي لَا يَغِيضُهُ سُؤَالَ السَّائِلِينَ- وَ لَا يُبَخِّلُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ هذاالكلام من تتمة الكلام الأول- و هو قوله لا يفره المنع و لا يكديه الإعطاء و الجود- و تنفست عنه المعادن استعارة- كأنها لما أخرجته و ولدته كانت كالحيوان يتنفس- فيخرج من صدره و رئته الهواء- .

و ضحكت عنه الأصداف أي تفتحت عنه و انشقت- يقال للطلع حين ينشق الضحك بفتح الضاد- و إنما سمي الضاحك ضاحكا لأنه يفتح فاه- و الفلز اسم الأجسام الذائبة- كالذهب و الفضة و الرصاص و نحوها- و اللجين اسم الفضة جاء مصغرا كالكميت و الثريا- و العقيان الذهب الخالص- و يقال هو ما ينبت نباتا و ليس مما يحصل من الحجارة- و نثارة الدر ما تناثر منه كالسقاطة و النخالة- و تأتي فعالة تارة للجيد المختار- و تارة للساقط المتروك- فالأول نحو الخلاصة و الثاني نحو القلامة- . و حصيد المرجان- كأنه أراد المتبدد منه كما يتبدد الحب المحصود- و يجوز أن يعنى به الصلب المحكم من قولهم شي‏ء مستحصد- أي مستحصف مستحكم يعنى أنه ليس برخو و لا هش- و يروى و حصباء المرجان و الحصباء الحصى- و أرض حصبة و محصبة بالفتح ذات حصباء- و المرجان صغار اللؤلؤ و قد قيل إنه هذا الحجر- و استعمله بعض المتأخرين فقال-

أدمى لها المرجان صفحة خده
و بكى عليها اللؤلؤ المكنون‏

و تنفده تفنيه نفد الشي‏ء أي فني و أنفدته أنا- و مطالب الأنام جمع مطلب- و هو المصدر من طلبت الشي‏ء طلبا و مطلبا- . و يغيضه بفتح حرف المضارعة ينقصه- و يقال غاض الماء فهذا لازم و غاض الله الماء- فهذا متعد و جاء أغاض الله الماء- . و الإلحاح مصدر ألح على الأمر- أي أقام عليه دائما من ألح السحاب إذا دام مطره- و ألح البعير حرن كما تقول خلأت الناقة- و روي و لا يبخله بالتخفيف- تقول أبخلت زيدا أي صادفته بخيلا- و أجبنته وجدته جبانا- .

و في هذا الفصل من حسن الاستعارة- و بديع الصنعة ما لا خفاء به: فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ- فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ- وَ اسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ وَ مَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ- مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ- وَ لَا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ ص وَ أَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ- فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ- فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ اللَّهِ عَلَيْكَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ- عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ- الْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ- فَمَدَحَ اللَّهُ‏ اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ- عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً- وَ سَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ- فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً- فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ- وَ لَا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ- فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ تقول ائتم فلان بفلان أي جعله إماما و اقتدى به- فكل علمه من وكله إلى كذا وكلا و وكولا- و هذا الأمر موكول إلى رأيك- و الاقتحام الهجوم و الدخول مغالبة- و السدد المضروبة جمع سدة و هي الرتاج- .

و اعلم أن هذا الفصل يمكن أن تتعلق به الحشوية- المانعون من تأويل الآيات الواردة في الصفات- القائلين بالجمود على الظواهر- و يمكن أيضا أن يتعلق به من نفى النظر و حرمه أصلا- و نحن قبل أن نحققه و نتكلم فيه نبدأ بتفسير قوله تعالى- وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ- فنقول إن من الناس من وقف على قوله إِلَّا اللَّهَ- و منهم من لم يقف على ذلك- و هذا القول أقوى من الأول- لأنه إذا كان لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله- لم يكن في إنزاله و مخاطبة المكلفين به فائدة- بل يكون كخطاب العربي بالزنجية- و معلوم أن ذلك عيب قبيح- .فإن قلت فما الذي يكون موضع فَيَقُولُونَ من الإعراب- . قلت يمكن أن يكون نصبا على أنه حال من الراسخين- و يمكن أن يكون كلاما مستأنفا- أي هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به- .
و قد روي عن ابن عباس أنه تأول آية- فقال قائل من الصحابة وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ- فقال ابن عباس وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ- و أنا من جملة الراسخين- . ثم نعود إلى تفسير كلام أمير المؤمنين ع فنقول- إنه غضب و تغير وجهه لقول السائل- صف لنا ربنا مثل ما نراه عيانا- و إذا هذا المعنى ينصرف وصية له- بما أوصاه به من اتباع ما جاء في القرآن و السنة- و ذلك لأن العلم الحاصل من رؤية الشي‏ء عيانا- علم لا يمكن أن يتعلق مثله بالله سبحانه- لأن ذاته تعالى لا يمكن أن تعلم من حيث هي هي- كما تعلم المحسوسات- أ لا ترى أنا إذا علمنا أنه صانع العالم- و أنه قادر عالم حي سميع بصير مريد- و أنه ليس بجسم و لا جوهر و لا عرض- و علمنا جميع الأمور السلبية و الإيجابية المتعلقة به- فإنما علمنا سلوبا و إضافات- و لا شك أن ماهية الموصوف مغايرة لماهية الصفات- و الذوات المحسوسة بخلاف ذلك لأنا إذا رأينا السواد- فقد علمنا نفس حقيقة السواد لا صفة من صفات السواد- و أيضا فإنا لو قدرنا- أن العلم بوجوده و صفاته السلبية و الإيجابية- يستلزم العلم بذاته من حيث هي هي- لم يكن عالما بذاته علما جزئيا- لأنه يمكن أن يصدق هذا العلم على كثيرين على سبيل البدل- و إذا ثبت أنه يستحيل- أن يصدق على كثيرين على سبيل البدل- ثبت أنه يستحيل أن يصدق على كثيرين على سبيل الجمع- و العلم بالمحسوس يستحيل أن يصدق على كثيرين- لا على سبيل الجمع و لا على سبيل البدل- فقد بان أنه يستحيل أن يعلم الله تعالى- كما يعلم الشي‏ء المرئي عيانا- فأمير المؤمنين ع أنكر هذا السؤال- كما أنكره الله تعالى على بني إسرائيل- لما طلبوا الرؤية قال تعالى وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى‏- لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ- .

ثم قال للسائل بعد غضبه و استحالة لونه- و ظهور أثر الإنكار عليه- ما دلك القرآن عليه من صفته فخذ به- فإن لم تجده في الكتاب- فأطلبه من السنة و من مذاهب أئمة الحق- فإن لم تجد ذلك فاعلم أن الشيطان حينئذ- قد كلفك علم ما لم يكلفك الله علمه و هذا حق- لأن الكتاب و السنة قد نطقا بصفات الله- من كونه عالما قادرا حيا مريدا سميعا بصيرا- و نطقا أيضا بتنزيهه عن سمات الحدوث- كالجسمية و الحلول و الجهة و ما استلزم الجهة كالرؤية- فلا إنكار على من طلب في مدارك العقول وجوها- تعضد ما جاء به القرآن و السنة- و توفق بين بعض الآيات و بعض- و تحمل أحد اللفظين على الآخر إذا تناقضا في الظاهر- صيانة لكلام الحكيم عن التهافت و التعارض- و أما ما لم يأت الكتاب و السنة فيه بشي‏ء- فهو الذي حرم و حظر على المكلفين الفكر فيه- كالكلام في الماهية التي يذهب ضرار المتكلم إليها- و كإثبات صفات زائدة- على الصفات المعقولة لذات البارئ سبحانه- و هي على قسمين- أحدهما ما لم يرد فيه نص- كإثبات طائفة تعرف بالماتريدية صفة- سموها التكوين زائدة على القدرة و الإرادة- .

و الثاني ما ورد فيه لفظ فأخطأ بعض أهل النظر- فأثبت لأجل ذلك اللفظة- صفة غير معقولة للبارئ سبحانه- نحو قول الأشعريين إن اليدين صفة من صفات الله- و الاستواء على العرش صفة من صفات الله- و إن وجه الله صفة من صفاته أيضا- ثم قال إن الراسخين في العلم الذين غنوا بالإقرار- بما عرفوه عن الولوج و التقحم فيما لم يعرفوه- و هؤلاء هم أصحابنا المعتزلة لا شبهة في ذلك- أ لا ترى أنهم يعللون أفعال الله تعالى بالحكم و المصالح- فإذا ضاق عليهم الأمر- في تفصيل بعض المصالح في بعض المواضع- قالوا نعلم على الجملة أن لهذا وجه حكمة و مصلحة- و إن كنا لا نعرف تفصيل تلك المصلحة- كما يقولون في تكليف من يعلم الله تعالى منه أنه يكفر- و كما يقولون في اختصاص الحال- التي حدث فيها العالم بحدوثه دون ما قبلها و ما بعدها- .

و قد تأول القطب الراوندي- كلام أمير المؤمنين في هذا الفصل- فقال إنما أنكر على من يقول- لم تعبد الله المكلفين بإقامة خمس صلوات- و هلا كانت ستا أو أربعا- و لم جعل الظهر أربع ركعات و الصبح ركعتين- و هلا عكس الحال و هذا التأويل غير صحيح- لأنه ع إنما أخرج هذا الكلام مخرج المنكر- على من سأله أن يصف له البارئ سبحانه- و لم يكن السائل قد سأل عن العلة- في أعداد الصلاة و كمية أجزاء العبادات- . ثم إنه ع قد صرح في غضون الكلام بذلك- فقال فانظر أيها السائل- فما دلك القرآن عليه من صفته فائتم به- و ما لم يدلك عليه فليس عليك أن تخوض فيه- و هذا الكلام تصريح- بأن البحث إنما هو في النظر العقلي في فن الكلام- فلا يجوز أن يحمل على ما هو بمعزل عنه- . و اعلم أننا نتساهل في ألفاظ المتكلمين- فنوردها بعباراتهم كقولهم في المحسوسات- و الصواب المحسات- لأنه لفظ المفعول من أحس الرباعي- لكنا لما رأينا العدول عن ألفاظهم- إذا خضنا في مباحثهم مستهجنا- عبرنا بعبارتهم على علم منا أن العربية لا تسوغها: هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي إِذَا ارْتَمَتِ الْأَوْهَامُ- لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ- وَ حَاوَلَ الْفِكْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطْرِ الْوَسَاوِسِ- أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ فِي عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ- وَ تَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ لِتَجْرِيَ فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ- وَ غَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ لَا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ- لِتَنَاوُلِ عِلْمِ ذَاتِهِ رَدَعَهَا- وَ هِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ- فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ مُعْتَرِفَةً- بِأَنَّهُ لَا يُنَالُ بِجَوْرِ الِاعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ- وَ لَا تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلَالِ عِزَّتِهِ

ارتمت الأوهام أي ترامت- يقال ارتمى القوم بالنبل أي تراموا- فشبه جولان الأوهام و الأفكار و تعارضها بالترامي- . و خطر الوساوس بتسكين الطاء مصدر خطر له خاطر- أي عرض في قلبه و روي من خطرات الوساوس- . و تولهت القلوب إليه- اشتد عشقها حتى أصابها الوله و هو الحيرة- . و قوله لتجري في كيفية صفاته- أي لتصادف مجرى و مسلكا في ذلك- و غمضت مداخل العقول أي غمض دخولها- و دق في الأنظار العميقة- التي لا تبلغ الصفات كنهها لدقتها و غموضها- طالبة أن تنال معرفته تعالى- . و لفظة ذات لفظة قد طال فيها كلام كثير من أهل العربية- فأنكر قوم إطلاقها على الله تعالى و إضافتها إليه- أما إطلاقها فلأنها لفظة تأنيث- و البارئ سبحانه منزه عن الأسماء و الصفات المؤنثة- و أما إضافتها فلأنها عين الشي‏ء- و الشي‏ء لا يضاف إلى نفسه- و أجاز آخرون إطلاقها في البارئ تعالى و إضافتها إليه- أما استعمالها فلوجهين- أحدهما أنها قد جاءت في الشعر القديم- قال خبيب الصحابي عند صلبه-

و ذلك في ذات الإله و إن يشأ
يبارك على أوصال شلو موزع‏

و يروى ممزع و قال النابغة-

محلتهم ذات الإله و دينهم
قديم فما يخشون غير العواقب‏

و الوجه الثاني أنها لفظة اصطلاحية- فجاز استعمالها لا على أنها مؤنث ذو- بل تستعمل‏ ارتجالا في مسماها- الذي عبر عنه بها أرباب النظر الإلهي- كما استعملوا لفظ الجوهر و العرض و غيرهما- في غير ما كان أهل العربية و اللغة يستعملونها فيه- . و أما منعهم إضافتها إليه تعالى و أنه لا يقال ذاته- لأن الشي‏ء لا يضاف إلى نفسه- فباطل بقولهم أخذته نفسه و أخذته عينه- فإنه بالاتفاق جائز و فيه إضافة الشي‏ء إلى نفسه- . ثم نعود إلى التفسير- قوله ع ردعها أي كفها- و تجوب أي تقطع و المهاوي المهالك- الواحدة مهواه بالفتح- و هي ما بين جبلين أو حائطين و نحو ذلك- و السدف جمع سدفة و هي القطعة من الليل المظلم- و جبهت أي ردت و أصله من جبهته أي صككت جبهته- و الجور العدول عن الطريق- و الاعتساف قطع المسافة على غير جادة معلومة- .

و خلاصة هذا الفصل أن العقول إذا حاولت أن تدرك- متى ينقطع اقتداره على المقدرات نكصت عن ذلك- لأنه قادر أبدا دائما على ما لا يتناهى- و إذا حاول الفكر الذي قد صفا- و خلا عن الوساوس و العوائق- أن يدرك مغيبات علمه تعالى كل و حسر و رجع ناقصا أيضا- و إذا اشتد عشق النفوس له- و تولهت نحوه لتسلك مسلكا- تقف منه على كيفية صفاته عجزت عن ذلك- و إذا تغلغلت العقول- و غمضت مداخلها في دقائق العلوم النظرية الإلهية- التي لا توصف لدقتها طالبة أن تعلم حقيقة ذاته تعالى- انقطعت و أعيت و ردها سبحانه و تعالى و هي تجول- و تقطع ظلمات الغيب لتخلص إليه- فارتدت حيث جبهها و ردعها- مقرة معترفة بأن إدراكه و معرفته- لا تنال باعتساف المسافات التي بينها و بينه- و إن أرباب الأفكار و الرويات يتعذر عليهم- أن يخطر لهم خاطر يطابق ما في الخارج من تقدير جلال عزته- و لا بد من أخذ هذا القيد في الكلام- لأن أرباب الأنظار لا بد- أن تخطر لهم الخواطر في تقدير جلال عزته- و لكن تلك الخواطر لا تكون مطابقة لها في الخارج- لأنها خواطر مستندها الوهم لا العقل الصريح- و ذلك لأن الوهم قد ألف الحسيات و المحسوسات- فهو يعقل خواطر بحسب ما ألفه من ذلك- و جلال واجب الوجود أعلى و أعظم من أن يتطرق الوهم نحوه- لأنه بري‏ء من المحسوسات سبحانه- و أما العقل الصريح فلا يدرك خصوصية ذاته لما تقدم- .

و اعلم أن قوله تعالى فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى‏ مِنْ فُطُورٍ- ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ- يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ- فيه إشارة إلى هذا المعنى- و كذلك قوله يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ- وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ عِلْمِهِ: الَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ امْتَثَلَهُ- وَ لَا مِقْدَارٍ احْتَذَى عَلَيْهِ مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ كَانَ قَبْلَهُ- وَ أَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ- وَ عَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ- وَ اعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوَّتِهِ- مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ لَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ- فَظَهَرَتْ فِي الْبَدَائِعِ- الَّتِي أَحْدَثَهَا آثَارُ صَنَعْتِهِ وَ أَعْلَامُ حِكْمَتِهِ- فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ وَ دَلِيلًا عَلَيْهِ- وَ إِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ- وَ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ قَائِمَةٌ

االمساك بكسر الميم ما يمسك و يعصم به- . و قوله ابتدع الخلق على غير مثال امتثله يحتمل وجهين- أحدهما أن يريد بامتثله مثله- كما تقول صنعت و اصطنعت بمعنى- فيكون التقدير أنه لم يمثل لنفسه مثالا- قبل شروعه في خلق العالم ثم احتذى ذلك المثال- و ركب العالم على حسب ترتيبه- كالصانع الذي يصوغ حلقة من رصاص مثالا- ثم يصوغ حلقة من ذهب عليها- و كالبناء يقدر و يفرض رسوما- و تقديرات في الأرض و خطوطا ثم يبنى بحسبها- .

و الوجه الثاني- أنه يريد بامتثله احتذاه و تقبله و اتبعه- و الأصل فيه امتثال الأمر في القول- فنقل إلى احتذاء الترتيب العقلي- فيكون التقدير أنه لم يمثل له فاعل آخر قبله مثالا- اتبعه و احتذاه و فعل نظيره- كما يفعل التلميذ في الصباغة و النجارة شيئا- قد مثل له أستاذه صورته و هيئته- . و اعلم أن هذا أحد الأسئلة- التي يذكرها أصحابنا في باب كونه عالما- لأنهم لما استدلوا على كونه تعالى عالما- بطريق إحكام العلم و إتقانه سألوا أنفسهم- فقالوا لم لا يجوز أن يكون القديم سبحانه- أحدث العالم محتذيا لمثال مثله و هيئة اقتضاها- و المحتذي لا يجب كونه عالما بما يفعله- أ لا ترى أن من لا يحسن الكتابة قد يحتذي خطا مخصوصا- فيكتب قريبا منه- و كذلك من يطبع الشمع بالخاتم ثم يطبع فيه مثال الخاتم- فهو فعل الطابع و لا يجب كونه عالما- .

و أجاب أصحابنا عن ذلك فقالوا إن أول فعل محكم وقع منه- ثم احتذى عليه يكفي في ثبوت كونه عالما- و أيضا فإن المحتذي ليست العالمية بمسلوبة عنه- بل موصوف بهاأ لا ترى أنه متصور صورة ما يحتذيه- ثم يوقع الفعل مشابها له فالمحتذي عالم في الجملة- و لكن علمه يحدث شيئا فشيئا- . فأما معنى الفصل فظاهر- يقول ع إنه ابتدع الخلق على غير مثال قدمه لنفسه- و لا قدم له غيره ليحتذى عليه- و أرانا من عجائب صنعته- و من اعتراف الموجودات كلها- بأنها فقيرة محتاجة إلى أن يمسكها بقوته- ما دلنا على معرفته ضرورة- و في هذا إشارة إلى أن كل ممكن مفتقر إلى المؤثر- و لما كانت الموجودات كلها غيره سبحانه ممكنة- لم تكن غنية عنه سبحانه بل كانت فقيرة إليه- لأنها لولاه ما بقيت فهو سبحانه غني عن كل شي‏ء- و لا شي‏ء من الأشياء مطلقا بغني عنه سبحانه- و هذه من خصوصية الإلهية- و أجل ما تدركه العقول من الأنظار المتعلقة بها- .

فإن قلت في هذا الكلام إشعار بمذهب شيخكم أبي عثمان- في أن معرفته تعالى ضرورية- . قلت يكاد أن يكون الكلام مشعرا بذلك- إلا أنه غير دال عليه- لأنه لم يقل ما دلنا على معرفته باضطرار- و لكن قال ما دلنا باضطرار قيام الحجة له على معرفته- فالاضطرار راجع إلى قيام الحجة لا إلى المعرفة- . ثم قال ع و ظهرت آثار صنعته و دلائل حكمته في مخلوقاته- فكانت و هي صامتة في الصورة- ناطقة في المعنى بوجوده و ربوبيته سبحانه- و إلى هذا المعنى نظر الشاعر فقال-

فو عجبا كيف يعصى الإله
أم كيف يجحده الجاحد

و في كل شي‏ء له آية
تدل على أنه واحد

و قال في تفسير قوله تعالى وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ- وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إنه عبارة عن هذا المعنى: فَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَايُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِكَ- وَ تَلَاحُمِ حِقَاقِ مَفَاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ- لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ- وَ لَمْ يُبَاشِرْ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لَا نِدَّ لَكَ- وَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّؤُ التَّابِعِينَ عَنِ الْمَتْبُوعِينَ- إِذْ يَقُولُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ- إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ- كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِكَ إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ- وَ نَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ- وَ جَزَّءُوكَ تَجْزِئَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ- وَ قَدَّرُوكَ عَلَى الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقُوَى بِقَرَائِحِ عُقُولِهِمْ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ ساَوَاكَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ- وَ الْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ- وَ نَطَقَتْ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيِّنَاتِكَ- وَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَمْ تَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ- فَتَكُونَ فِي مَهَبِّ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً- وَ لَا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا مَحْدُوداً مُصَرَّفاً حقاق المفاصل جمع حقة- و جاء في جمعها حقاق و حقق و حق- و لما قال بتباين أعضاء خلقك و تلاحم حقاق مفاصلهم- فأوقع التلاحم في مقابلة التباين صناعة و بديعا-

و روي‏المحتجة فمن قال المحتجة- أراد أنها بما فيها من لطيف الصنعة كالمحتجة- المستدلة على التدبير الحكمي من لدنه سبحانه- و من قال المحتجبة أراد المستترة- لأن تركيبها الباطن خفي محجوب- . و الند المثل و العادلون بك- الذين جعلوا لك عديلا و نظيرا- و نحلوك أعطوك و هي النحلة- و روي لم يعقد على ما لم يسم فاعله- . و غيب ضميره بالرفع و القرائح جمع قريحة- و هي القوة التي تستنبط بها المعقولات- و أصله من قريحة البئر و هو أول مائها- .

و معنى هذا الفصل أنه ع شهد بأن المجسم كافر- و أنه لا يعرف الله- و أن من شبه الله بالمخلوقين ذوي الأعضاء المتباينة- و المفاصل المتلاحمة لم يعرفه و لم يباشر قلبه اليقين- فإنه لا ند له و لا مثل- ثم أكد ذلك بآيات من كتاب الله تعالى- و هي قوله تعالى فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ- وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ قالُوا وَ هُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ- تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ- إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ- حكى سبحانه حكاية قول الكفار في النار و هم التابعون- للذين أغووهم من الشياطين و هم المتبوعون- لقد كنا ضالين إذ سويناكم بالله تعالى و جعلناكم مثله- و وجه الحجة أنه تعالى حكى ذلك حكاية منكر- على من زعم أن شيئا من الأشياء- يجوز تسويته بالباري سبحانه- فلو كان الباري سبحانه جسما مصورا- لكان مشابها لسائر الأجسام المصورة- فلم يكن لإنكاره على من سواه بالمخلوقات معنى- .

ثم زاد ع في تأكيد هذا المعنى- فقال كذب العادلون بك المثبتون لك نظيرا و شبيها- يعنى المشبهة و المجسمة إذ قالوا إنك على صورة آدم- فشبهوك بالأصنام التي‏ كانت الجاهلية تعبدها- و أعطوك حلية المخلوقين لما اقتضت أوهامهم ذلك- من حيث لم يألفوا- أن يكون القادر الفاعل العالم إلا جسما- و جعلوك مركبا و متجزئا كما تتجزأ الأجسام- و قدروك على هذه الخلقة- يعني خلقة البشر المختلفة القوى- لأنها مركبة من عناصر مختلفة الطبائع- ثم كرر الشهادة فقال أشهد أن من ساواك بغيرك- و أثبت أنك جوهر أو جسم فهو عادل بك كافر- و قالت تلك الخارجية للحجاج أشهد أنك قاسط عادل- فلم يفهم أهل الشام حوله ما قالت حتى فسره لهم- قال ع فمن يذهب إلى هذا المذهب فهو كافر بالكتاب- و بما دلت عليه حجج العقول ثم قال و إنك أنت الله- أي و أشهد أنك أنت الله الذي لم تحط العقول بك- كإحاطتها بالأشياء المتناهية فتكون ذا كيفية- .

و قوله في مهب فكرها استعارة حسنة- ثم قال و لا في رويات خواطرها أي في أفكارها محدودا- ذا حد مصرفا أي قابلا للحركة و التغير- . و قد استدل بعض المتكلمين- على نفي كون البارئ سبحانه جسما- بما هو مأخوذ من هذا الكلام- فقال لو جاز أن يكون البارئ جسما- لجاز أن يكون القمر هو إله للعالم- لكن لا يجوز أن يكون القمر إله العالم- فلا يجوز أن يكون البارئ جسما- بيان الملازمة أنه لو جاز أن يكون البارئ سبحانه جسما- لما كان بين الإلهية و بين الجسمية منافاة عقلية- و إذا لم يكن بينهما منافاة عقلية أمكن اجتماعهما- و إذا أمكن اجتماعهما جاز أن يكون القمر هو إله العالم- لأنه لا مانع من كونه إله العالم إلا كونه جسما- يجوز عليه الحركة و الأفول- و نقصان ضوئه تارة و امتلاؤه أخرى- فإذا لم يكن ذلك منافيا للإلهية- جاز أن يكون القمر إله العالم و بيان الثاني- إجماع المسلمين على كفر من أجاز كون القمر إله العالم- و إذا ثبتت الملازمة- و ثبتت المقدمة الثانية فقد تمت الدلالة: وَ مِنْهَا- قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ وَ دَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ- وَ وَجَّهَهُ لِوِجْهَتِهِ فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ- وَ لَمْ يَقْصُرْ دُونَ الِانْتِهَاءِ إِلَى غَايَتِهِ- وَ لَمْ يَسْتَصْعِبْ إِذْ أُمِرَ بِالْمُضِيِّ عَلَى إِرَادَتِهِ- فَكَيْفَ وَ إِنَّمَا صَدَرَتِ الْأُمُورُ عَنْ مَشِيئَتِهِ- الْمُنْشِئُ أَصْنَافَ الْأَشْيَاءِ بِلَا رَوِيَّةِ فِكْرٍ آلَ إِلَيْهَا- وَ لَا قَرِيحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا- وَ لَا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ- وَ لَا شَرِيكٍ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الْأُمُورِ- فَتَمَّ خَلْقَهُ بِأَمْرِهِ وَ أَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ وَ أَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ- لَمْ يَعْتَرِضْ دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِئِ وَ لَا أَنَاةُ الْمُتَلَكِّئِ- فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوَدَهَا وَ نَهَجَ حُدُودَهَا- وَ لَاءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادِّهَا- وَ وَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا وَ فَرَّقَهَا أَجْنَاساً- مُخْتَلِفَاتٍ فِي الْحُدُودِ وَ الْأَقْدَارِ وَ الْغَرَائِزِ وَ الْهَيْئَاتِ- بَدَايَا خَلَائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا وَ فَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَ ابْتَدَعَهَا الوجهة بالكسر الجهة التي يتوجه نحوها- قال تعالى وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها- .

و الريث البطء و المتلكئ المتأخر- و الأود الاعوجاج و لاءم بين كذا و كذا أي جمع- و القرائن هنا الأنفس واحدتها قرونة و قرينة- يقال سمحت قرينته و قرونته أي أطاعته نفسه و ذلت- و تابعته على الأمر و بدايا هاهنا جمع بدية-و هي الحالة العجيبة أبدأ الرجل إذا جاء بالأمر البدي‏ء- أي المعجب و البدية أيضا الحالة المبتدأة المبتكرة- و منه قولهم فعله بادئ ذي بدي‏ء على وزن فعيل- أي أول كل شي‏ء- و يمكن أن يحمل كلامه أيضا على هذا الوجه- .

و أما خلائق فيجوز أن يكون أضاف بدايا إليها- و يجوز إلا يكون أضافه إليها- بل جعلها بدلا من أجناسا- و يروى برايا جمع برية- يقول ع إنه تعالى قدر الأشياء التي خلقها- فخلقها محكمة على حسب ما قدر- و ألطف تدبيرها أي جعله لطيفا- و أمضى الأمور إلى غاياتها و حدودها المقدرة لها- فهيأ الصقرة للاصطياد و الخيل للركوب و الطراد- و السيف للقطع و القلم للكتابة- و الفلك للدوران و نحو ذلك- و في هذا إشارة إلىقول النبي ص كل ميسر لما خلق له- فلم تتعد هذه المخلوقات حدود منزلتها- التي جعلت غايتها و لا قصرت دون الانتهاء إليها- يقول لم تقف على الغاية و لا تجاوزتها- ثم قال و لا استصعبت و امتنعت- إذا أمرها بالمضي إلى تلك الغاية- بمقتضى الإرادة الإلهية و هذا كله من باب المجاز- كقوله تعالى فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً- قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ- . و خلاصة ذلك الإبانة عن نفوذ إرادته و مشيئته- .

ثم علل نفي الاستصعاب- فقال و كيف يستصعب و إنما صدرت عن مشيئته- يقول إذا كانت مشيئته هي- المقتضية لوجود هذه المخلوقات- فكيف يستصعب عليه بلوغها إلى غاياتها- التي جعلت لأجلها و أصل وجودها إنما هو مشيئته- فإذا كان أصل وجودها بمشيئته- فكيف يستصعب عليه توجيهها لوجهتها- و هو فرع من فروع وجودها و تابع له- .

ثم أعاد معاني القول الأول- فقال إنه أنشأ الأشياء بغير روية و لا فكرة و لا غريزة- أضمر عليها خلق ما خلق عليها و لا تجربة أفادها- أي استفادها من حوادث مرت عليه من قبل- كما تكسب التجارب علوما لم تكن- و لا بمساعدة شريك أعانه عليها فتم خلقه بأمره- إشارة إلى قوله و لم يستصعب إذ أمر بالمضي- فلما أثبت هناك كونها أمرت أعاد لفظ الأمر هاهنا- و الكل مجاز و معناه نفوذ إرادته- و أنه إذا شاء أمرا استحال ألا يقع- و هذا المجاز هو المجاز المستعمل في قوله تعالى- إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ- تعبيرا بهذا اللفظ عن سرعة مواتاة الأمور له- و انقيادها تحت قدرته- .

ثم قال ليس كالواحد منا يعترض دون مراده ريث و بطء- و تأخير و التواء ثم قال و أقام العوج و أوضح الطريق- و جمع بين الأمور المتضادة- أ لا ترى أنه جمع في بدن الحيوانات و النبات- بين الكيفيات المتباينة المتنافرة- من الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة- و وصل أسباب أنفسها بتعديل أمزجتها- لأن اعتدال المزاج أو القرب من الاعتدال- سبب بقاء الروح- و فرقها أجناسا مختلفات الحدود و الأقدار- و الخلق و الأخلاق و الأشكال- أمور عجيبة بديعة مبتكرة الصنعة- غير محتذ بها حذو صانع سابق بل مخلوقة على غير مثال- قد أحكم سبحانه صنعها و خلقها على موجب ما أراد- و أخرجها من العدم المحض إلى الوجود- و هو معنى الابتداع- فإن الخلق في الاصطلاح النظري على قسمين- أحدهما صورة تخلق في مادة و الثاني ما لا مادة له- بل يكون وجود الثاني من الأول فقط من غير توسط المادة- فالأول يسمى التكوين و الثاني يسمى الإبداع- و مرتبة الإبداع أعلى من مرتبة التكوين‏

: وَ مِنْهَا فِي صِفَةِ السَّمَاءِ- وَ نَظَمَ بِلَا تَعْلِيقٍ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا- وَ لَاحَمَ صُدُوعَ انْفِرَاجِهَا وَ وَشَّجَ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ أَزْوَاجِهَا- وَ ذَلَّلَ لِلْهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ- وَ الصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ حُزُونَةَ مِعْرَاجِهَا- وَ نَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانٌ فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا- وَ فَتَقَ بَعْدَ الِارْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا- وَ أَقَامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا- وَ أَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تُمُورَ فِي خَرْقِ الْهَوَاءِ بِأَيْدِهِ- وَ أَمْرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةً لِأَمْرِهِ- وَ جَعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا- وَ قَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِهَا- وَ أَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا- وَ قَدَّرَ سَيْرَهُمَا فِي مَدَارِجِ دَرَجِهِمَا- لِيُمَيِّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ بِهِمَا- وَ لِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ وَ الْحِسَابِ بِمَقَادِيرِهِمَا- ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوِّهَا فَلَكَهَا وَ نَاطَ بِهَا زِينَتَهَا- مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيِّهَا وَ مَصَابِيحِ كَوَاكِبِهَا- وَ رَمَى مُسْتَرِقِي السَّمْعِ بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا- وَ أَجْرَاهَا عَلَى أَذْلَالِ تَسْخِيرِهَا مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا- وَ مَسِيرِ سَائِرِهَا وَ هُبُوطِهَا وَ صُعُودِهَا وَ نُحُوسِهَا وَ سُعُودِهَا الرهوات جمع رهوة- و هي المكان المرتفع و المنخفض أيضا- يجتمع فيه ماء المطر و هو من الأضداد- و الفرج جمع فرجة و هي المكان الخالي و لاحم ألصق- و الصدع الشق و وشج بالتشديد أي شبك- و وشجت العروق و الأغصان بالتخفيف اشتبكت- و بيننا رحم واشجة أي مشتبكة- .

و أزواجها أقرانها و أشباهها- قال تعالى وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً أي أصنافا ثلاثة- .و الحزونة ضد السهولة و أشراجها جمع شرج- و هو عرا العيبة و أشرجت العيبة أي أقفلت أشراجها- و تسمى مجرة السماء شرجا تشبيها بشرج العيبة- و أشراج الوادي ما انفسح منه و اتسع- . و الارتتاق الارتتاج و النقاب جمع نقب- و هو الطريق في الجبل و تمور تتحرك و تذهب و تجي‏ء- قال تعالى يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً- و الأيد القوة و ناط بها علق- و الدراري الكواكب المضيئة نسبت إلى الدر لبياضها- واحدها دري و يجوز كسر الدال مثل بحر لجي و لجي- . و الثواقب المضيئات- و تقول افعل ما أمرتك على أذلاله أي على وجهه- و دعه في أذلاله أي على حاله- و أمور الله جارية على أذلالها أي على مجاريها و طرقها- .

يقول ع كانت السماء أول ما خلقت غير منتظمة الأجزاء- بل بعضها أرفع و بعضها أخفض فنظمها سبحانه- فجعلها بسيطا واحدا نظما اقتضته القدرة الإلهية- من غير تعليق أي لا كما ينظم الإنسان ثوبا مع ثوب- أو عقدا مع عقد بالتعليق و الخياطة- و ألصق تلك الفروج و الشقوق فجعلها جسما متصلا- و سطحا أملس لا نتوات فيه و لا فرج و لا صدوع- بل جعل كل جزء منها ملتصقا بمثله- و ذلل للملائكة الهابطين بأمره- و الصاعدين بأعمال خلقه لأنهم الكتبة الحافظون لها- حزونة العروج إليها و هو الصعود- . ثم قال و ناداها بعد إذ هي روي بإضافة بعد إلى إذ- و روي بضم بعد أي و ناداها بعد ذلك إذ هي دخان- و الأول أحسن و أصوب لأنها على الضم- تكون دخانا بعد نظمه رهوات فروجها و ملاحمة صدوعها- و الحال تقتضي أن دخانها قبل ذلك لا بعده- .

فإن قلت ما هذا النداء- قلت هو قوله ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً- فهو أمر في اللفظ و نداء في المعنى- و هو على الحقيقة كناية عن سرعة الإبداع- ثم قال و فتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها- هذا صريح في أن للسماء أبوابا- و كذلك قوله على نقابها- و هو مطابق لقوله سبحانه و تعالى- لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ- و القرآن العظيم و كلام هذا الإمام المعظم- أولى بالاتباع من كلام الفلاسفة- الذين أحالوا الخرق على الفلك- و أما إقامة الرصد من الشهب الثواقب- فهو نص القرآن العزيز وَ أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها- مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً- وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ- فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً- و القول بإحراق الشهب للشياطين- اتباعا لنص الكتاب أولى من قول الفلاسفة- الذين أحالوا الانقضاض على الكواكب- .

ثم قال و أمسكها على الحركة بقوته- و أمرها بالوقوف فاستمسكت و وقفت- ثم ذكره الشمس و القمر تذكرة مأخوذ من قول الله تعالى- وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ- فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً- . ثم ذكر الحكم في جريان الشمس و القمر في مجراهما- تذكرة مأخوذ من قوله تعالى- وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها- و قوله وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ- و قوله وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ- .

ثم قال ثم علق في جوها فلكها- و هذا يقتضي أن الفلك غير السماء- و هو خلاف قول الجمهور و قد قال به قائلون- و يمكن أن نفسر ذلك إذا أردنا موافقة قول الجمهور- بأنه أراد بالفلك دائرة معدل النهار- فإنها الدائرة العظمى في الفلك الأعظم- و هي في الاصطلاح النظري تسمى فلكا- . ثم ذكر أنه زين السماء الدنيا بالكواكب- و أنها رجوم لمسترقي السمع- و هو مأخوذ من قوله تعالى- إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ- وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ- لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى‏ وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ- دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ- .

ثم شرح حال الدنيا فقال من ثبات ثابتها- يعني الكواكب التي في كرة البروج و مسير سائرها- يعني الخمسة و النيرين لأنها سائرة دائما- . ثم قال و صعودها و هبوطها- و ذلك أن للكواكب السيارة صعودا في الأوج- و هبوطا في الحضيض- فالأول هو البعد الأبعد عن المركز و الثاني البعد الأقرب- . فإن قلت ما باله ع قال و نحوسها و سعودها- و هو القائل لمن أشار عليه ألا يحارب في يوم مخصوص- المنجم كالكاهن و الكاهن كالساحر- و الساحر كالكافر و الكافر في النار- . قلت إنه ع إنما أنكر في ذلك القول على من يزعم- أن النجوم مؤثرة في الأمور الجزئية- كالذين يحكمون لأرباب المواليد و عليهم- و كمن يحكم في حرب أو سلم أو سفر أو مقام- بأنه للسعد أو النحس و أنه لم ينكر على من قال- إن النجوم تؤثر سعودا و نحوسا في الأمور الكلية- نحو أن تقتضي حرا أو بردا- أو تدل على مرض عام‏ أو قحط عام أو مطر دائم- و نحو ذلك من الأمور التي لا تخص إنسانا بعينه- و قد قدمنا في ذلك الفصل- ما يدل على تصويب هذا الرأي و إفساد ما عداه: وَ مِنْهَا فِي صِفَةِ الْمَلَائِكَةِ- ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لِإِسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ- وَ عِمَارَةِ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ- خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلَائِكَتِهِ- وَ مَلَأَ بِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا وَ حَشَى بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِهَا- وَ بَيْنَ فَجَوَاتِ تِلْكَ الْفُرُوجِ زَجَلُ الْمُسَبِّحِينَ- مِنْهُمْ فِي حَظَائِرِ الْقُدُسِ- وَ سُتُرَاتِ الْحُجُبِ وَ سُرَادِقَاتِ الْمَجْدِ- وَ وَرَاءَ ذَلِكَ الرَّجِيجِ الَّذِي تَسْتَكُّ مِنْهُ الْأَسْمَاعُ- سُبُحَاتُ نُورٍ تَرْدَعُ الْأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا- فَتَقِفُ خَاسِئَةً عَلَى حُدُودِهَا- .

وَ أَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ وَ أَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ- أُولِي أَجْنِحَةٍ تُسَبِّحُ جَلَالَ عِزَّتِهِ- لَا يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ- وَ لَا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مَعَهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ- بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ- جَعَلَهُمُ اللَّهُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الْأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ- وَ حَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ- وَ عَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ- فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ عَنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ- وَ أَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ الْمَعُونَةِ- وَ أَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ السَّكِينَةِ- وَ فَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلًا إِلَى تَمَاجِيدِهِ- وَ نَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلَى أَعْلَامِ تَوْحِيدِهِ- لَمْ تُثْقِلْهُمْ مُؤْصِرَاتُ الآْثَامِ- وَ لَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ- وَ لَمْ تَرْمِ الشُّكُوكُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ- وَ لَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ- وَ لَا قَدَحَتْ قَادِحَةُ الْإِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ- وَ لَا سَلَبَتْهُمُ الْحَيْرَةُ مَا لَاقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ- وَ مَا سَكَنَ مِنْ عَظَمَتِهِ‏ وَ هَيْبَةِ جَلَالِهِ فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ- وَ لَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَيْنِهَا عَلَى فِكْرِهِمْ- وَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَامِ الدُّلَّحِ- وَ فِي عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ وَ فِي قَتْرَةِ الظَّلَامِ الْأَيْهَمِ- وَ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الْأَرْضِ السُّفْلَى- فَهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضٍ قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ الْهَوَاءِ- وَ تَحْتَهَا رِيحٌ هَفَّافَةٌ- تَحْبِسُهَا عَلَى حَيْثُ انْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَةِ- قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ- وَ وَصَّلَتْ حَقَائِقُ الْإِيمَانِ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ- وَ قَطَعَهُمُ الْإِيقَانُ بِهِ إِلَى الْوَلَهِ إِلَيْهِ- وَ لَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ- قَدْ ذَاقُوا حَلَاوَةَ مَعْرِفَتِهِ- وَ شَرِبُوا بِالْكَأْسِ الرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ- وَ تَمَكَّنَتْ مِنْ سُوَيْدَاوَاتِ قُلُوبِهِمْ وَشِيجَةُ خِيفَتِهِ- فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ- وَ لَمْ يُنْفِدْ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ- وَ لَا أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الزُّلْفَةِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ- وَ لَمْ يَتَوَلَّهُمُ الْإِعْجَابُ فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ- وَ لَا تَرَكَتْ لَهُمُ اسْتِكَانَةُ الْإِجْلَالِ- نَصِيباً فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ- وَ لَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فِيهِمْ عَلَى طُولِ دُءُوبِهِمْ- وَ لَمْ تَغِضْ رَغَبَاتُهُمْ فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ- وَ لَمْ تَجِفَّ لِطُولِ الْمُنَاجَاةِ أَسَلَاتُ أَلْسِنَتِهِمْ- وَ لَا مَلَكَتْهُمُ الْأَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ الْجُؤَارِ إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ- وَ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي مَقَاوِمِ الطَّاعَةِ مَنَاكِبُهُمْ- وَ لَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهِمْ- . وَ لَا تَعْدُو عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِمْ بَلَادَةُ الْغَفَلَاتِ- وَ لَا تَنْتَضِلُ فِي هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ- قَدِ اتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةً لِيَوْمِ فَاقَتِهِمْ- وَ يَمَّمُوهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهِمْ- لَا يَقْطَعُونَ أَمَدَ غَايَةِ عِبَادَتِهِ- وَ لَا يَرْجِعُ بِهِمُ الِاسْتِهْتَارُبِلُزُومِ طَاعَتِهِ- إِلَّا إِلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ وَ مَخَافَتِهِ-

لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُمْ فَيَنُوا فِي جِدِّهِمْ- وَ لَمْ تَأْسِرْهُمُ الْأَطْمَاعُ- فَيُؤْثِرُوا وَشِيكَ السَّعْيِ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ- لَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ- وَ لَوِ اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ لَنَسَخَ الرَّجَاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ- وَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ- وَ لَمْ يُفَرِّقْهُمْ سُوءُ التَّقَاطُعِ وَ لَا تَوَلَّاهُمْ غِلُّ التَّحَاسُدِ- وَ لَا تَشَعَّبَتْهُمْ مَصَارِفُ الرَّيْبِ- وَ لَا اقْتَسَمَتْهُمْ أَخْيَافُ الْهِمَمِ- فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيمَانٍ لَمْ يَفُكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيْغٌ وَ لَا عُدُولٌ- وَ لَا وَنًى وَ لَا فُتُورٌ- وَ لَيْسَ فِي أَطْبَاقِ السَّمَاءِ مَوْضِعُ إِهَابٍ إِلَّا وَ عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ- أَوْ سَاعٍ حَافِدٌ يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً- وَ تَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً هذا موضع المثل إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل- إذا جاء هذا الكلام الرباني و اللفظ القدسي- بطلت فصاحة العرب و كانت نسبة الفصيح من كلامها إليه- نسبة التراب إلى النضار الخالص- و لو فرضنا أن العرب تقدر- على الألفاظ الفصيحة المناسبة- أو المقاربة لهذه الألفاظ- من أين لهم المادة التي عبرت هذه الألفاظ عنها- و من أين تعرف الجاهلية- بل الصحابة المعاصرون لرسول الله ص- هذه المعاني الغامضة السمائية- ليتهيأ لها التعبير عنها- أما الجاهلية فإنهم إنما كانت- تظهر فصاحتهم في صفة بعير أو فرس أو حمار وحش- أو ثور فلاة أو صفة جبال أو فلوات و نحو ذلك-

و أما الصحابة فالمذكورون منهم بفصاحة- إنما كان منتهى فصاحة أحدهم كلمات- لا تتجاوز السطرين أو الثلاثة- أما في موعظة تتضمن ذكر الموت أو ذم الدنيا- أو يتعلق بحرب و قتال من ترغيب أو ترهيب- فأما الكلام في الملائكة و صفاتها و صورها و عباداتها- و تسبيحها و معرفتها بخالقها و حبها له و ولهها إليه- و ما جرى مجرى ذلك مما تضمنه هذا الفصل على طوله- فإنه لم يكن معروفا عندهم على هذا التفصيل- نعم ربما علموه جملة غير مقسمة هذا التقسيم- و لا مرتبة هذا الترتيب- بما سمعوه من ذكر الملائكة في القرآن العظيم- و أما من عنده علم من هذه المادة- كعبد الله بن سلام و أمية بن أبي الصلت و غيرهم- فلم تكن لهم هذه العبارة و لا قدروا على هذه الفصاحة- فثبت أن هذه الأمور الدقيقة- في مثل هذه العبارة الفصيحة لم تحصل إلا لعلي وحده- و أقسم أن هذا الكلام إذا تأمله اللبيب اقشعر جلده- و رجف قلبه و استشعر عظمة الله العظيم في روعه و خلده- و هام نحوه و غلب الوجد عليه- و كاد أن يخرج من مسكه شوقا- و أن يفارق هيكله صبابة و وجدا- .

ثم نعود إلى التفسير- فنقول الصفيح الأعلى سطح الفلك الأعظم- و يقال لوجه كل شي‏ء عريض صفيح و صفحة- . و الفروج الأماكن الخالية و الفجاج جمع فج- و الفج الطريق الواسع بين جبلين أو حائطين- و أجوائها جمع جو و هو ما اتسع من الأودية- و يقال لما بين السماء و الأرض جو- و يروى أجوابها جمع جوبة و هي الفرجة في السحاب و غيره- و يروى أجوازها جمع جوز و هو وسط الشي‏ء- و الفجوات جمع فجوة و هي الفرجة بين الشيئين- تقول منه تفاجى الشي‏ء إذا صار له فجوة و منه الفجاء- و هو تباعد ما بين عرقوبي البعير- . و الزجل الصوت- و حظائر القدس لفظة وردت في كلام رسول الله ص- و أصل الحظيرة ما يعمل شبه البيت- للإبل من الشجر ليقيها البرد- فسمى‏ ع تلك المواطن الشريفة المقدسة العالية- التي فوق الفلك حظائر القدس- و القدس بتسكين الدال و ضمها الطهر- و التقديس التطهير و تقدس تطهر- و الأرض المقدسة المطهرة و بيت المقدس أيضا- و النسبة إليه قدسي و مقدسي و السترات جمع سترة- و الرجيج الزلزلة و الاضطراب و منه ارتج البحر- و تستك الأسماع تنسد قال النابغة-

و نبئت خير الناس أنك لمتني
و تلك التي تستك منها المسامع‏

سبحات النور بضم السين و الباء- عبارة عن جلالة الله تعالى و عظمته- و تردع الأبصار تكفها و خاسئة أي سادرة- و منه يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ- و خسا بصره خسا و خسوءا أي سدر- . و قوله على حدودها أي تقف حيث تنتهي قوتها- لأن قوتها متناهية فإذا بلغت حدها وقفت- و قوله أولي أجنحة من الألفاظ القرآنية- . و قوله لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه- أي لا يدعون الإلهية لأنفسهم- و إن كان قوم من البشر يدعونها لهم- و قوله لا يدعون أنهم يخلقون شيئا معه مما انفرد به- فيه إشارة إلى مذهب أصحابنا- في أن أفعال العباد مخلوقة لهم لأن فائدة هذا القيد- و هو قوله انفرد به إنما تظهر بذلك- . و أما الآيات المقدسة فالرواية المشهورة مُكْرَمُونَ- و قرئ مكرمون بالتشديد- و قرئ لا يسبقونه بالضم و المشهور القراءة بالكسر- و المعنى أنهم يتبعون قوله و لا يقولون شيئا حتى يقوله- فلا يسبق قولهم قوله و أراد أن يقول لا يسبقونه بقولهم- فحذف الضمير المضاف إليه و أناب اللام منابه- .

ثم قال و هم بأمره يعملون- أي كما أن قولهم تابع لقوله- فعملهم أيضا كذلك فرع على أمره- لا يعملون عملا ما لم يؤمروا به-و جاء في الخبر المرفوع عن رسول الله ص أنه رأى جبرائيل ليلة المعراج ساقطا- كالحلس من خشية الله- و الحلس الكساء الخفيف- . و الزائغ العادل عن الطريق- و الإخبات التذلل و الاستكانة- و أبوابا ذللا أي سهلة وطيئة و منه دابة ذلول- و تماجيده الثناء عليه بالمجد- و المؤصرات المثقلات و الإصر الثقل- . و تقول ارتحلت البعير أي ركبته- و العقبة النوبة و الجمع عقب- و معنى قوله و لم ترتحلهم عقب الليالي و الأيام- أي لم تؤثر فيهم نوبات الليالي و الأيام و كرورها- كما يؤثر ارتحال الإنسان البعير في ظهره- و نوازعها شهواتها النازعة المحركة- و روي نوازغها بالغين المعجمة من نزع بينهم أي أفسد- .

و لم تعترك الظنون- أي لم تزدحم الظنون على يقينهم الذي عقدوه- . و الإحن جمع إحنة و هي الحقد- يقول لم تقدح قوادح الحقد في ضمائرهم- . و ما لاق أي ما التصق- و أثناء صدورهم جمع ثني و هي التضاعيف- و الرين الدنس و الغلبة- قال تعالى كَلَّا بَلْ رانَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ- . و تقترع من الاقتراع بالسهام- بأن يتناوب كل من الوساوس عليها- و يروى فيفترع بالفاء أي تعلو برينها فرعه أي علاه- . و الغمام جمع غمامة و هي السحابة و الدلح الثقال- جاء يدلح بجملة أي جاء مثقلا به- و الجبال الشمخ العالية الشاهقة- . و قوله في قترة الظلام أي سواده- و الأيهم لا يهتدى فيه و منه‏ فلاة يهماء- و التخوم بضم التاء جمع تخم- و هو منتهى الأرض أو القرية مثل فلس و فلوس- و يروى تخوم بفتح التاء على أنها واحد- و الجمع تخم مثل صبور و صبر- . و ريح هفافة أي ساكنة طيبة- يقول كان أقدامهم التي خرقت الهواء إلى حضيض الأرض- رايات بيض تحتها ريح ساكنة ليست مضطربة- فتموج تلك الرايات- بل هي ساكنة تحبسها حيث انتهت-
و جاء في الخبر أن لإسرافيل جناحين- أحدهما في أقصى المشرق و الآخر في أقصى المغرب- و أن العرش على كاهله- و أنه ليتضاءل أحيانا لعظمة الله- حتى يعود مثل الوضع و هو العصفور- .

ثم قال قد استفرغتهم أشغال عبادته تعالى- أي جعلتهم فارغين إلا منها- و يروى و وسلت حقائق الإيمان بالسين المشددة- يقال وسل فلان إلى ربه وسيلة و الوسيلة ما يتقرب به- و الجمع وسيل و وسائل- و يقال وسلت إليه و توسلت إليه بمعنى- . و سويداوات القلوب جمع سويداء و هي حبة القلب- و الوشيجة في الأصل عرق الشجرة و هي هنا استعارة- و حنيت ضلعي أي عوجتها و الربق جمع ربقة و هي الحبل- . قوله و لم يتولهم الإعجاب أي لم يستول عليهم- و الدءوب الجد و الاجتهاد و الأسلات جمع أسلة- و هي طرف اللسان و مستدقه- و الجؤار الصوت المرتفع و الهمس الصوت الخفي- يقول ليست لهم أشغال خارجة عن العبادة- فيكون لأجلها أصواتهم المرتفعة خافية ساكنة- لا تعدو من عدا عليه إذا قهره و ظلمه و هو هاهنا استعارة- .

و لا تنتضل الخدائع في هممهم استعارة أيضا من النضال- و هو المراماة بالسهام و ذو العرش هو الله تعالى- و هذه لفظة قرآنية- قال سبحانه إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى‏ ذِي الْعَرْشِ‏ سَبِيلًا- يعني لابتغوا إلى الله تعالى سبيلا- و قال تعالى ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ- و الاستهتار مصدر استهتر فلان بكذا أي لازمه و أولع به- . و قوله فينوا أي فيضعفوا وني يني- و الجد الاجتهاد و الانكماش- . ثم قال إنهم لا يستعظمون عبادتهم- و لو أن أحدا منهم استعظم عبادته لأذهب خوفه رجاءه- الذي يتولد من استعظام تلك العبادة- يصفهم بعظم التقوى- . و الاستحواذ الغلبة و الغل الحقد- و تشعبتهم تقسمتهم و فرقتهم- و منه قيل للمنية شعوب أي مفرقة- و أخياف الهمم أي الهمم المختلفة و أصله من الخيف- و هو كحل إحدى العينين دون الأخرى- و منه المثل الناس أخياف أي مختلفون و الإهاب الجلد- و الحافد المسرع و منه الدعاء- اللهم إليك نسعى و نحفد- .

و اعلم أنه ع إنما كرر و أكد صفاتهم بما وصفهم به- ليكون ذلك مثالا يحتذي عليه أهل العرفان من البشر- فإن أعلى درجات البشر أن يتشبه بالملك- و خلاصة ذلك أمور- . منها العبادة القائمة- . و منها ألا يدعى أحد لنفسه الحول و القوة بل لا حول و لا قوة- . و منها أن يكون متواضعا ذا سكينة و وقار- . و منها أن يكون ذا يقين لا تقدح فيه الشكوك و الشبهات- . و منها ألا يكون في صدره إحنة على أحد من الناس- . و منها شدة التعظيم و الهيبة لخالق الخلق تبارك اسمه- . و منها أن تستفرغه أشغال العبادة له عن غيرها من الأشغال- .

و منها أنه لا تتجاوز رغباته مما عند الله تعالى- إلى ما عند غيره سبحانه- . و منها أن يعقد ضميره و قلبه على محبة الله تعالى- و يشرب بالكأس الروية من حبه- . و منها عظم التقوى بحيث يأمن كل شي‏ء عدا الله- و لا يهاب أحدا إلا الله- . و منها- الخشوع و الخضوع و الإخبت و الذل لجلال عزته سبحانه- . و منها ألا يستكثر الطاعة و العمل و إن جل و عظم- . و منها عظم الرجاء الواقع في مقابلة عظم الخوف- فإن الله تعالى يحب أن يرجى كما يحب أن يخاف

أبحاث تتعلق بالملائكة

و اعلم أنه يجب أن تعلم أبحاث متعددة- تتعلق بالملائكة و يقصد فيها قصد حكاية المذهب خاصة- و نكل الاحتجاج و النظر- إلى ما هو مذكور في كتبنا الكلامية- . البحث الأول في وجود الملائكة- قال قوم من الباطنية السبيل إلى إثبات الملائكة- هو الحس و المشاهدة- و ذلك أن الملائكة عندهم أهل الباطن- . و قالت الفلاسفة هي العقول المفارقة- و هي جواهر مجردة عن المادة- لا تعلق لها بالأجسام تدبيرا- و احترزوا بذلك عن النفوس- لأنها جواهر مفارقة إلا أنها تدبر الأبدان- و زعموا أنهم أثبتوها نظرا- . و قال أصحابنا المتكلمون الطريق إلى إثبات الملائكة- الخبر الصادق المدلول على صدقه- و في المتكلمين من زعم أنه أثبت الملائكة بطريق نظري- و هو أنه لما وجد خلقا من طين- وجب في العقل أن يكون في المخلوقات خلق من الهواء- و خلق من النار فالمخلوق من الهواء هو الملك- و المخلوق من النار الشيطان- .

البحث الثاني في بنية الملائكة و هيئة تركيبهم- قال أصحابنا المتكلمون أن الملائكة أجسام لطاف- و ليسوا من لحم و دم و عظام كما خلق البشر من هذه الأشياء- و قال أبو حفص المعود القرينسي من أصحابنا- إن الملائكة من أجسام من لحم و عظم- إنه لا فرق بينهم و بين البشر- و إنما لم يروا لبعد المسافة بيننا و بينهم- . و قد تبعه على هذا القول جماعة من معتزلة ما وراء النهر- و هي مقالة ضعيفة لأن القرآن يشهد بخلافه في قوله- وَ رُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ- و قوله إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ- عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ- فلو كانوا أجساما كثيفة كأجسامنا لرأيناهم- . البحث الثالث في تكليف الملائكة- حكى عن قوم من الحشوية- أنهم يقولون إن الملائكة مضطرون الله جميع أفعالهم- و ليسوا مكلفين- .

و قال جمهور أهل النظر إنهم مكلفون- . و حكى عن أبي إسحاق النظام- إنه قال إن قوما من المعتزلة قالوا- إنهم جبلوا على الطاعة لمخالفة خلقهم خلقة المكلفين- و أنهم قالوا لو كانوا مكلفين- لم يؤمن أن يعصوا فيما أمروا به- و قد قال تعالى لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ- وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ- . و قال قوم إن أكثر الملائكة مكلفون- و إن فيهم من ليس بمكلف بل هو مسخر للملائكة المكلفين- كما أن الحيوانات ما هو غير مكلف- بل هو مسخر للبشر و مخلوق لمصالحهم- . قالوا و لا ننكر أن يكون الملائكة الذين ذكر منهم- أنهم غلظ الأجسام و عظم الخلق و التركيب- بحيث تبلغ أقدامهم إلى قرار الأرض- قد جعلوا عمدا للسموات و الأرض- فهم‏ يحملونها بمنزلة الأساطين- التي تحمل السقوف العالية- و لم يرشحوا لأمر من الأمور سوى ذلك- . البحث الرابع فيما يجوز من الملائكة و ما لا يجوز- قال شيخنا أبو القاسم حكى أبو الحسن الخياط- عن قدماء المعتزلة أنه لا يجوز أن يعصي أحد من الملائكة- و لم يذكر عنهم علة في ذلك- .

و قال قوم إنهم لا يعصون و لا يجوز أن يعصوا- لأنهم غير مطيقين الشهوة و الغضب- فلا داعي لهم إلى المعصية- و الفاعل لا يفعل إلا بداع إلى الفعل- . و قال قوم إنهم لا يعصون- لأنهم يشاهدون من عجائب صنع الله و آثار هيبته- ما يبهرهم عن فعل المعصية و القصد إليها- و كذلك قال تعالى وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ- . و قال قوم إنما لم يجز أن يعصوا- لأن الله تعالى أخبر عنهم أنهم لا يعصون- و لا ينكر مع ذلك أن يكون منهم من يتغير حاله- و يتبدل بها حالة أخرى و يعصي- على ما ورد من خبر الملكين ببابل و خبر إبليس- و إنما يسلب عنهم المعصية- ما داموا على حالهم التي هي عليها- .

و قال شيوخنا أصحاب أبي هاشم رحمه الله تعالى- إن المعصية تجوز عليهم كما تجوز علينا- إلا أن الله تعالى علم أن لهم ألطافا- يمتنعون معها من القبيح لفعلها- فامتنعوا من فعل القبيح اختيارا- فكانت حالهم كحال الأنبياء من البشر- يقدرون على المعصية و لا يفعلونها-اختيارا من أنفسهم باعتبار الألطاف المفعولة لهم- و لو كان لإبليس أو فرعون أو نمرود ألطاف- يعلم الله تعالى إذا فعلها فعلوا الواجب- و امتنعوا من فعل القبيح لفعلها بهم- و لكانوا معصومين كالأنبياء و الملائكة- لكنه تعالى علم أنهم لا يؤمنون و لو فعل مهما فعل- فلا لطف في المعلوم و هذا عندهم حكم- عام لجميع المكلفين من الإنس و الجن و الملائكة- .

البحث الخامس في أن أي القبيلين أفضل- الملائكة أو الأنبياء- قال أصحابنا نوع الملائكة أفضل من نوع البشر- و الملائكة المقربون أفضل من نوع الأنبياء- و ليس كل ملك عند الإطلاق أفضل من محمد ص- بل بعض المقربين أفضل منه- و هو ع أفضل من ملائكة أخرى غير الأولين- و المراد بالأفضل الأكثر ثوابا- و كذلك القول في موسى و عيسى و غيرهما من الأنبياء- و الذي يحكيه قوم من أرباب المقالات- أن المعتزلة قالوا إن أدنى ملك في السماء- أفضل من محمد ص ليس بصحيح عنهم- . و قال أهل الحديث و الأشعرية- أن الأنبياء أفضل من الملائكة- . و قال الشيعة الأنبياء أفضل من الملائكة- و الأئمة أفضل من الملائكة- .

و قال قوم منهم و من الحشوية- إن المؤمنين أفضل من الملائكة- . البحث السادس في قدم الملائكة و حدوثهم- أما الفلاسفة القائلون بأنهم العقول المفارقة- فإنهم يذهبون إلى قدم الملائكة- .و قال غيرهم من أهل الملل إنهم محدثون- . و قال قوم من متأخري الحكماء- إن نفوس البشر إذا فارقت الأبدان بالموت- بقيت قائمة بأنفسها غير مدبرة لشي‏ء من الأبدان- فإن كانت خيرة صالحة فهي الملائكة-و إن كانت شريرة رديئة الجوهر فهي الشياطين- فالملائكة عند هؤلاء محدثون- و عندهم أن هذه النفوس تساعد نفوسا أخرى- متعلقة بتدبير الأبدان أما على الخير أو على الشر- فما ينسب في الكتب الإلهية- إلى إغواء الشياطين للناس و إضلالهم- فالمراد به تلك النفوس الشريرة و ما ينسب فيها- إلى إعانة الملائكة لهم على الخير و الصلاح- فالمراد به تلك النفوس الخيرة- . البحث السابع في إبليس أ هو من الملائكة أو ليس منها- قال شيخنا أبو عثمان و جماعة من أصحابنا- إنه من الملائكة و لذلك استثناه الله تعالى- فقال فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ- .

و قال قوم إنه كان من الملائكة بدلالة هذه الآية- لكن الله مسخه حيث خالف الأمر- فهو بعد المسخ خارج عن الملائكة- و قد كان قبل ذلك ملكا- قالوا و معنى قوله كانَ مِنَ الْجِنِّ أي من خزان الجنة- و روي ذلك عن ابن عباس- قالوا و يحمل على معناه أنه صار من الجن- فيكون كان بمعنى صار- كقوله تعالى كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا أي من صار- لأنها لو كانت كان على حقيقتها- لوجب إلا يكلم بعضهم بعضا- لأنهم كانوا صبيانا في المهود- . قالوا و معنى صيرورته من الجن صيرورته ضالا- كما أن الجن ضالون لأن الكفار بعضهم من بعض- كما قال تعالى الْمُنافِقُونَ وَ الْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ- .

و قال معظم أصحابنا إن إبليس ليس من الملائكة- و لا كان منها و إنما استثناه الله تعالى منهم- لأنه كان مأمورا بالسجود معهم- فهو مستثنى من عموم المأمورين بالسجود- لا من خصوص الملائكة- . البحث الثامن في هاروت و ماروت- هل هما من الملائكة أم لا- قال جمهور أصحابنا إنهما من الملائكة- و إن القرآن العظيم قد صرح بذلك في قوله- وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ- و إن الذي أنزل عليهما هو علم السحر- ابتلاء من الله تعالى للناس- فمن تعلمه منهم و عمل به كان كافرا- و من تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به و لكن ليتوقاه كان مؤمنا- قالوا و ما كان هذان الملكان يعلمان أحدا- حتى ينبهاه و ينهياه و ينصحاه- و يقولا له إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ أي ابتلاء و اختبار من الله- فَلا تَكْفُرْ و لا تتعلمه معتقدا أنه حق- .

و حكى عن الحسن البصري- أن هاروت و ماروت علجان أقلفان من أهل بابل- كانا يعلمان الناس السحر- و قرأ الحسن على الملكين ببابل بكسر اللام- . و قال قوم كانا من الملائكة- فعصيا الله تعالى بالحيف في الحكومة- و قد كان استقضاهما في الأرض- و ركب فيهما الشهوة و الغضب- على نحو ما ركب في البشر امتحانا لهما- لأنهما قد كانا عيرا البشر بالمعصية- فلما عصيا حبسهما الله تعالى و عاقبهما بعذاب معجل- و ألهمهما كلاما إذا تكلما به سكن بعض ما بهما من الألم- و إن السحرة يستمعون ذلك الكلام فيحفظونه- و يفرقون به بين المرء و زوجه- فإنهما يتقدمان إلى من يحضرهما- عند ما يتكلمان بالزجر عن العمل بذلك الكلام- و يقولان إِنَّما نَحْنُ‏ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ- و هما لم يكفرا و لا دعوا إلى السحر- و إن عذابهما سيقطع و قد جاء في الأخبار ما يوافق هذا- .

و قال قوم من الحشوية إنهما شربا الخمر و قتلا النفس- و زنيا بامرأة اسمها باهيد فمسخت- و هي الزهرة التي في السماء وَ مِنْهَا فِي صِفَةِ الْأَرْضِ وَ دَحْوِهَا عَلَى الْمَاءِ- كَبَسَ الْأَرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجٍ مُسْتَفْحِلَةٍ- وَ لُجَجِ بِحَارِ زَاخِرَةٍ تَلْتَطِمُ أَوَاذِيُّ أَمْوَاجِهَا- وَ تَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَثْبَاجِهَا- وَ تَرْغُو زَبَدًا كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا- فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلَاطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا- وَ سَكَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا- وَ ذَلَّ مُسْتَخْذِياً إِذْ تَمَعَّكَتْ عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا- فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ سَاجِياً مَقْهُوراً- وَ فِي حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً- وَ سَكَنَتِ الْأَرْضُ مَدْحُوَّةً فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ- وَ رَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ بَأْوِهِ وَ اعْتِلَائِهِ وَ شُمُوخِ أَنْفِهِ وَ سُمُوِّ غُلَوَائِهِ- وَ كَعَمَتْهُ عَلَى كِظَّةِ جَرْيَتِهِ فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ- وَ لَبَدَ بَعْدَ زَيَفَانِ وَثَبَاتِهِ- فَلَمَّا سَكَنَ هَيْجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِهَا- وَ حَمَلَ شَوَاهِقَ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ الْبُذَّخِ عَلَى أَكْتَافِهَا- فَجَّرَ يَنَابِيعَ الْعُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أُنُوفِهَا- وَ فَرَّقَهَا فِي سُهُوبِ بِيدِهَا وَ أَخَادِيدِهَا- وَ عَدَّلَ حَرَكَاتِهَا بِالرَّاسِيَاتِ مِنْ جَلَامِيدِهَا- وَ ذَوَاتِ الشَّنَاخِيبِ الشُّمِّ مِنْ صَيَاخِيدِهَا- فَسَكَنَتْ مِنَ الْمَيَدَانِ لِرُسُوبِ الْجِبَالِ فِي قِطَعِ أَدِيمِهَا- وَ تَغَلْغُلِهَا مُتَسَرِّبَةً فِي جَوْبَاتِ خَيَاشِيمِهَا- وَ رُكُوبِهَا أَعْنَاقَ سُهُولِ الْأَرَضِينَ وَ جَرَاثِيمِهَا- وَ فَسَحَ‏بَيْنَ الْجَوِّ وَ بَيْنَهَا وَ أَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً لِسَاكِنِهَا- وَ أَخْرَجَ إِلَيْهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَامِ مَرَافِقِهَا- ثُمَّ لَمْ يَدَعْ جُرُزَ الْأَرْضِ- الَّتِي تَقْصُرُ مِيَاهُ الْعُيُونِ عَنْ رَوَابِيهَا- وَ لَا تَجِدُ جَدَاوِلُ الْأَنْهَارِ ذَرِيعَةً إِلَى بُلُوغِهَا- حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَاتَهَا- وَ تَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا- أَلَّفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهِ وَ تَبَايُنِ قَزَعِهِ- حَتَّى إِذَا تَمَخَّضَتْ لُجَّةُ الْمُزْنِ فِيهِ وَ الْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي كُفَفِهِ- وَ لَمْ يَنَمْ وَمِيضُهُ فِي كَنَهْوَرِ رَبَابِهِ وَ مُتَرَاكِمِ سَحَابِهِ- أَرْسَلَهُ سَحّاً مُتَدَارِكاً قَدْ أَسَفَّ هَيْدَبُهُ- يَمْرِي الْجَنُوبُ دِرَرَ أَهَاضِيبِهِ وَ دُفَعَ شآبِيبِهِ- .

فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْكَ بِوَانَيْهَا- وَ بَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْ‏ءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا- أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الْأَرْضِ النَّبَاتَ- وَ مِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الْأَعْشَابَ فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا- وَ تَزْدَهِي بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطِ أَزَاهِيرِهَا- وَ حِلْيَةِ مَا سُمِطَتْ بِهِ مِنْ نَاضِرِ أَنْوَارِهَا- وَ جَعَلَ ذَلِكَ بَلَاغاً لِلْأَنَامِ وَ رِزْقاً لِلْأَنْعَامِ- وَ خَرَقَ الْفِجَاجَ فِي آفَاقِهَا- وَ أَقَامَ الْمَنَارَ لِلسَّالِكِينَ عَلَى جَوَادِّ طُرُقِهَا كبس الأرض أي أدخلها في الماء بقوة و اعتماد شديد- و يقال لضرب من التمر الكبيس- لأنه يكبس حتى يتراص- و المور مصدر مار أي ذهب و جاء- و مستفحلة هائجة هيجان الفحول- و استفحل الأمر تفاقم و اشتد- و زاخرة زخر الماء أي امتد جدا و ارتفع- . و الأواذي جمع آذي و هو الموج و تصطفق يضرب بعضها بعضا- و الأثباج هاهناأعالي الأمواج- و أصل الثبج ما بين الكاهل إلى الظهر- فنقل إلى هذا الموضع استعارة- .

و ترغو تصوت صوت البعير- و الرغاء صوت ذات الخف- و في المثل كفى برغائها مناديا- أي أن رغاء بعير المضيف- يقوم مقام ندائه للضيافة و القرى- و زبدا على هذا منصوب بفعل مقدر- تقديره و ترغو قاذفة زبدا- و الزبد ما يظهر فوق السيل- يقال قد أزبد البحر و السيل- و بحر مزبد أي مالح يقذف بالزبد- و الفحول عند هياجها فحول الإبل إذا هاجت للضراب- . و جماح الماء صعوده و غليانه و أصله من جماح الفرس- و هو أن يعز فارسه و يغلبه- و الجموح من الرجال الذي يركب هواه فلا يمكن رده- و خضع ذل و هيج الماء اضطرابه هاج هيجا و هياجا و هيجانا- و اهتاج و تهيج كله بمعنى أي ثار- و هاجه غيره يتعدى و لا يتعدى- و هيج ارتمائه يعنى تقاذفه و تلاطمه- يقال ارتمى القوم بالسهام و بالحجارة ارتماء- و كلكلها صدرها و جاء كلكل و كلكال- و ربما جاء في ضرورة الشعر مشددا قال-

كأن مهواها على الكلكل
موضع كفي راهب مصلى‏

و المستخذي الخاضع و قد يهمز- و قيل لأعرابي في مجلس أبي زيد- كيف تقول استخذأت ليتعرف منه الهمزة- فقال العرب لا تستخذئ و همزه و أكثر ما يستعمل ملينا- و أصله من خذا الشي‏ء يخذو و خذوا أي استرخى- و يجوز خذي بكسر الذال- و أذن خذواء بينة الخذاء أي مسترخية- . و تمعكت تمرغت مستعار من تمعك الدابة في الأرض- و قالوا معكت الأديم أي دلكته و كواهلها جمع كاهل- و هو ما بين الكتفين و يسمى الحارك- .

 

و اصطخاب أمواجه افتعال من الصخب- و هو الصياح و الجلبة يقال صخب الرجل فهو صخبان- و اصطخب افتعل منه قال-إن الضفادع في الغدران تصطخب‏- . و الساجي الساكن- و الحكمة ما أحاط من اللجام بحنك الدابة- و كانت العرب تتخذها من القد و الأبق- لأن الزينة لم تكن قصدهم قال زهير-

القائد الخيل منكوبا دوابرها
قد أحكمت حكمات القد و الأبقا

و استعار الحكمة هاهنا- فجعل للذل حكمة ينقاد الماء بها و يذل إليها- . و مدحوة مبسوطة قال تعالى وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها- و يجوز أن تكون مدحوة هاهنا بمعنى مقذوفة مرمية- يقال دحوت الحصاة أي قذفتها- و يقال للاعب الجوز ادح و أبعد المدى- و التيار أعظم الموج و لجته أعمقه- و البأو الكبر و الفخر- تقول بأوت على القوم أبأى بأوا قال حاتم-

فما زادنا بأوا على ذي قرابة
غنانا و لا أزرى بأحسابنا الفقر

و هذا الكلام استعارة- يقال كسرت الأرض سورة الماء الجامح- كما تكسر سورة بأو الرجل المتكبر المفتخر- و الاعتلاء التيه و التكبر و الشموخ العلو- مصدر شمخ بأنفه أي تكبر- و الجبال الشوامخ الشاهقة و السمو العلو- و سمو علوائه أي غلوه و تجاوزه الحد- .

و كعمته أي شددت فمه لما هاج- من الكعام و هو شي‏ء يجعل في فم البعير و بعير مكعوم- . و الكظة الجهد و الثقل- الذي يعتري الإنسان عند الامتلاء من الطعام- يقول كعمت الأرض الماء حال كونه مكظوظا- لشدة امتلائه و كثرته و ازدحام أمواجه- فهمد أي سكن همدت النار تهمد بالضم همودا- أي طفئت و ذهبت البتة و الخمود دون الهمود- و النزقات الخفة و الطيش نزق الرجل بالكسر- ينزق نزقا و النزقات الدفعات من ذلك- . و لبد الشي‏ء بالأرض يلبد بالضم لبودا- أي لصق بها ساكنا- و الزيفان التبختر في المشي- زاف البعير يزيف و الزيافة من النوق المختالة- و يروى و لبد بعد زفيان وثباته- و الزفيان شدة هبوب الريح- يقال زفته الريح زفيانا أي طردته- و ناقة زفيان سريعة و قوس زفيان سريعة الإرسال للسهم- و أكنافها جوانبها و كنفا الطائر جناحاه- و يقال صلاء مكنف أي أحيط به من جوانبه- و تكنفه القوم و اكتنفوه أحاطوا به- . و الجبال الشواهق العالية و مثله البذخ- و العرنين أول الأنف تحت مجتمع الحاجبين- و الينابيع جمع ينبوع- و هو ما انفجر من الأرض عن الماء- و السهوب جمع سهب و هو الفلاة- و البيد جمع بيداء و هي الفلاة أيضا- . و الأخاديد جمع أخدود و هو الشق في الأرض- قال تعالى قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ- و الراسيات الثقال- و الشناخيب رءوس الجبال- و الشم العالية و الجلاميد الصخور واحدها جلمود- و الصياخيد جمع صيخود و هي الصخرة الصلبة- .

و الميدان التحرك و الاضطراب- و ماد الرجل يميد أي تبختر- و رسوب الجبال نزولها رسب الشي‏ء في الماء أي سفل فيه- و سيف رسوب ينزل في العظام- . و قوله في قطع أديمها جمع قطعة- يريد في أجزائها و أبعاضها- و يروى في قطع أديمها بضم القاف و فتح الطاء- جمع قطعة و هي القطعة مفروزة من الأرض- و حكي أن أعرابيا قال ورثت من أبي قطعة- و يروى في قطع أديمها بسكون الطاء- و القطع طنفسة الرحل فنقل ذلك إلى هذا الموضع استعارة- كأنه جعل الأرض ناقة و جعل لها قطعا- و جعل الجبال ثابتة في ذلك القطع- . و أديم الأرض وجهها و ظاهرها- و تغلغل الماء في الشجر دخوله و تخلله في أصوله- .

و عروقه متسربة أي داخلة- تسرب الثعلب أي دخل السرب- و جوبات جمع جوبة و هي الفرجة في جبل أو غيره- و خياشيمها جمع خيشوم و هو أقصى الأنف- و تقول خشمت الرجل خشما أي كسرت خيشومه- و جراثيمها جمع جرثومة و هي أصل الشجر- . و فسح أوسع و متنسما يعني موضع النسيم- و الأرض الجرز التي لا نبات فيها لانقطاع المطر عنها- و هذه من الألفاظ القرآنية- و الروابي التلاع و ما علا من الأرض- و الجداول الأنهار الصغار جمع جدول و الذريعة الوصلة- . و ناشئة سحاب ما يبتدئ ظهوره- و الموات بفتح الميم القفر من الأرض- و اللمع جمع لمعة و هي القطعة من السحاب أو غيره- و تباين قزعه القزع قطع من السحاب رقيقة واحدها قزعة- قال الشاعر

كأن رعاله قزع الجهام‏

و في الحديث كأنهم قزع الخريف- و تباينها افتراقها و تمخضت تحركت بقوة- يقال تمخض اللبن إذا تحرك في الممخضة- و تمخض الولد تحرك في بطن الحامل- و الهاء في فيه ترجع إلى المزن- أي تحركت لجة المزن في المزن نفسه- أي تحرك من السحاب وسطه و ثبجه- . و التمع البرق و لمع أي أضاء و كففه جمع كفة- و الكفة كالدارة تكون في السحاب- . و كان الأصمعي يقول كل ما استطال فهو كفة بالضم- نحو كفة الثوب و هي حاشيته و كفة الرمل و الجمع كفاف- و كل ما استدار فهو كفة بالكسر نحو كفة الميزان- و كفة الصائد و هي حبالته و الجمع كفف- و يقال أيضا كفة الميزان بالفتح- و الوميض الضياء و اللمعان- .

و قوله لم ينم أي لم يفتر و لم ينقطع- فاستعار له لفظة النوم و الكنهور العظيم من السحاب- و الرباب الغمام الأبيض- و يقال إنه السحاب الذي تراه كأنه دون السحاب- و قد يكون أبيض و قد يكون أسود و هو جمع- و الواحدة ربابة و به سميت المرأة الرباب- . و المتراكم الذي قد ركب بعضه بعضا- و الميم بدل من الباء و سحا صبا و سحابة سحوح- و تسحسح الماء سال و مطر سحساح أي يسح شديدا- و متداركا يلحق بعضه بعضا من غير انقطاع- و أسف دنا من الأرض و هيدبه ما تهدب منه- أي تدلى كما يتدلى هدب العين على أشفارها- و يمري الجنوب و هو بمعنى يحلب و يستدر- و يروى تمريه الجنوب- . على أن يعدى الفعل إلى المفعولين- كما تقول حلبت الناقة لبنا- و يروى تمتري الجنوب و هو بمعنى تمري- من مريت الفرس و امتريته- إذا استخرجت بالسوط ما عنده من الجري- و إنما خص الجنوب بذلك- لأنها الريح التي يكون عليها المطر- و الدرر جمع درة و هي كثرة اللبن و سيلانه و صبه- و الأهاضيب جمع هضاب و الهضاب جمع هضب- و هي حلبات القطر بعد القطر- و الدفع جمع دفعة بالضم- و هي كالدفقة من المطر بالضم أيضا- و الشآبيب جمع شؤبوب و هي رشة قوية من المطر- تنزل دفعة بشدة و البرك الصدر و بوانيها- تثنية بوان على فعال بكسر الفاء و هو عمود الخيمة- و الجمع بون بالضم قال الشاعر-

أصبر من ذي ضاغط عركرك
ألقى بواني زوره للمبرك‏

و من روى بوانيها أراد لواصقها- من قولك قوص بانية إذا التصقت بالوتر- . و الرواية الأولى أصح- و بعاع السحاب ثقله بالمطر قال إمرؤ القيس-

و ألقى بصحراء الغبيط بعاعه
نزول اليماني بالعياب المثقل‏

و العب‏ء الثقل و استقلت ارتفعت و نهضت- و هوامد الأرض هي الأرضون التي لا نبات بها- و زعر الجبال جمع أزعر و المراد به قلة العشب و الخلى- و أصله من الزعر و هو قلة الشعر في الرأس قال-

من يك ذا لمة يرجلها
فإنني غير ضائري زعري‏

و قد زعر الرجل يزعر قل شعره و تبهج تسر و تفرح- تقول بهجني أمر كذا بالفتح و أبهجني معا أي سرني- و من رواه بضم الهاء أراد يحسن و يملح- من البهجة و هي الحسن يقال بهج الرجل بالضم- بهاجة فهو بهيج أي حسن- قال الله تعالى مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ- و تقول قد أبهجت الأرض بالهمزة أي بهج نباتها و حسن- .

و تزدهي أي تتكبر و هي اللغة التي حكاها ابن دريد- قال تقول زها الرجل يزهو زهوا- أي تكبر و على هذه اللغة تقول ازدهى الرجل يزدهي- كما تقول من علا اعتلى يعتلي و من رمى ارتمى يرتمي- و أما من رواها و تزدهى بما ألبسته على ما لم يسم فاعله- فهي اللغة المشهورة تقول زهي فلان علينا- و للعرب أحرف تتكلم بها على سبيل المفعول به- و إن كانت بمعنى الفاعل كقولهم عني بالأمر- و نتجت الناقة فتقول على هذه اللغة فلان يزدهى بكذا- . و الريط جمع ريطة و هي الملاءة غير ذات لفقين- و الأزاهير النور ذو الألوان- . و سمطت به علق عليها السموط جمع سمط و هو العقد- و من رواه شمطت بالشين المعجمة- أراد ما خالط سواد الرياض من النور الأبيض- كالأقحوان و نحوه فصارت الرياض كالشعر الأشمط- و الناضر ذو النضارة و هي الحسن و الطراوة- . و بلاغا للأنام أي كفاية و الآفاق النواحي و المنار الأعلام

فصول متنوعة تتعلق بالخطبة

و ينبغي أن نتكلم في هذا الموضع في فصول- . الفصل الأول في كيفية ابتداء خلق الأرض- . ظاهر كلام أمير المؤمنين ع أن الماء خلق قبل الأرض- و قد ذكرنا فيما تقدم أنه قول لبعض الحكماء- و أنه موافق لما في التوراة- إلا أن في كلامه ع في هذا الموضع إشكالا- و ذلك أن لقائل أن يقول- كلامه يشعر بأن هيجان الماء و غليانه و موجه-سكن بوضع الأرض عليه- و هذا خلاف ما يشاهد و خلاف ما يقتضيه العقل- لأن الماء الساكن إذا جعل فيه جسم ثقيل- اضطرب و تموج و صعد علوا- فكيف الماء المتموج يسكن بطرح الجسم الثقيل فيه- . و الجواب أن الماء إذا كان تموجه من قبل ريح هائجة- جاز أن يسكن هيجانه بجسم يحول بينه و بين تلك الريح- و لذلك إذا جعلنا في الإناء ماء- و روحناه بمروحة تموجه فإنه يتحرك- فإن جعلنا على سطح الماء جسما يملأ حافات الإناء- و روحنا بالمروحة فإن الماء لا يتحرك- لأن ذلك الجسم قد حال بين الهواء- المجتلب بالمروحة و بين سطح الماء- فمن الجائز أن يكون الماء الأول هائجا لأجل ريح محركة له- فإذا وضعت الأرض عليه- حال بين سطح الماء و بين تلك الريح- و قد مر في كلام أمير المؤمنين في الخطبة الأولى- ذكر هذه الريح فقال ريح اعتقم مهبها- و أدام مربها و أعصف مجراها و أبعد منشأها- فأمرها بتصفيق الماء الزخار و إثارة موج البحار- فمخضت مخض السقاء و عصفت به عصفها بالفضاء- . الفصل الثاني في بيان قوله ع- فلما سكن هيج الماء من تحت أكنافها- و حمل شواهق الجبال البذخ على أكتافها- فجر ينابيع العيون فيها- و عدل حركاتها بالراسيات من جلاميدها- .

و ذلك لأن العامل في لما- يجب أن يكون أمرا مباينا لما أضيفت إليه- مثاله لما قام زيد قام عمرو- فقام الثانية هي العاملة في لما- فيجوز أن تكون أمرا مباينا لما أضيف لما إليه- و هو قيام زيد و هاهنا قد قال ع- لما حمل الله تعالى شواهق الجبال على الأرض- عدل حركات الأرض بالجبال- و معلوم أن أحد الأمرين هو الآخر- . و الجواب أنه ليس أحد الأمرين هو الآخر بعينه- بل الثاني معلول الأول و موجب‏ عنه- لأن الأول هو حمل الجبال عليها- و الثاني تعديل حركاتها بالجبال المحمول عليها- فكأنه قال حمل عليها الجبال- فاقتضى ذلك الحمل تعديل حركاتها- و معلوم أن هذا الكلام منتظم- .

الفصل الثالث في قوله إن الجبال هي المسكنة للأرض- . فنقول إن هذا القول يخالف قول الحكماء- لأن سكون الأرض عند الحكماء لم يكن لذلك- بل لأنها تطلب المركز و هي حاصلة في حيزها الطبيعي- لكنا و إن كان مخالفا لقول الحكماء- فإنا نعتقده دينا و مذهبا- و نعدل عن قول الحكماء- لأن اتباع قوله ع أولى من اتباع أقوالهم- . الفصل الرابع في ذكر نظائر- لما وصف به المطر و السحاب- . فمن ذلك ما رواه عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه- قال سئل أعرابي عن مطر- فقال استقل سد مع انتشار الطفل فشصا و احزأل- ثم اكفهرت أرجاؤه و احمومت ارحاؤه- و انزعرت فوارقه و تضاحكت بوارقه و استطار وادقه- و أرسعت جوبه و ارتعن هيدبه و حسكت أخلافه- و استقلت أردافه و انتشرت أكنافه- فالرعد يرتجس و البرق يختلس و الماء ينبجس- فأترع الغدر و أنبت الوجر و خلط الأوعال بالآجال- و قرن الصيران بالرئال فللأودية هدير- و للشراج خرير و للتلاع زفير- و حط النبع و العنم من القلل الشم إلى القيعان الصحم- فلم يبق في القلل إلا معصم مجرنثم أو داحض محرجم- و ذلك من فضل رب العالمين على عباده المذنبين- .

قلت السد السحاب الذي يسد الأفق و أصل الجبل- و الطفل اختلاط الظلام و انتشاره حال غروب الشمس- و شصا ارتفع و علا و احزأل انتصب- و اكفهرت أرجاؤه غلظت نواحيه و جوانبه- و تراكمت و احمومت اسودت مع مخالطة حمرة- و أرجاؤه أوساطه و انزعرت تفرقت- و الفوارق قطع من السحاب تتفرق عنه مثل فرق الإبل- و هي النوق إذا أرادت الولادة فارقت الإبل- و بعدت عنها حيث لا ترى- و تضاحكت بوارقه لمعت و استطار انتشر- و الوادق ذو الودق و هو مطر كبار- و أرسعت جوبه أي تلاءمت فرجه و التحمت- و ارتعن استرخى و هيدبه ما تدلى منه- و حسكت أخلافه امتلأت ضروعه و أرادفه مآخره- و أكنافه نواحيه و يرتجس يصوت و الرجس الصوت- و يختلس يستلب البصر و ينبجس ينصب- فأترع الغدر ملأها جمع غدير- و أنبت الوجر حفرها جمع وجار و هو بيت الضبع- و الآجال جمع إجل و هو قطيع البقر و الصيران مثله- جمع صوار و الرئال جمع رأل و هو فرخ النعام- و الهدير الصوت و الشراج جمع شرج- و هو مسيل الماء إلى الحرة و خرير الماء صوته- و زفير التلاع أن تزفر بالماء لفرط امتلائها- و النبع شجر و العنم شجر آخر- و كلاهما لا ينبت إلا في رءوس الجبال- و الشم العالية و الصحم السود التي تضرب إلى الصفرة- و المعصم المعتصم الملتجئ و المجرنثم المتقبض- و الداحض الزالق الواقع و المحرجم المصروع- . و من ذلك ما رواه أبو حاتم عن الأصمعي- قال سألت أعرابيا من بني عامر بن صعصعة- عن مطر أصاب بلادهم- فقال نشأ عارضا فطلع ناهضا ثم ابتسم وامضا- فاعتن في الأقطار فأشجاها و امتد في الآفاق فغطاها- ثم ارتجس فهمهم ثم دوي فأظلم فأرك و دث و بغش و طش- ثم قطقط فأفرط ثم ديم فأغمط ثم ركد فأثجم ثم وبل فسجم- و جاد فأنعم فقمس الربا- و أفرط الزبى سيعا تباعا يريد انقشاعا- حتى إذا ارتوت الحزون و تضحضحت المتون- ساقه ربك إلى حيث يشاء كما جلبه من حيث شاء- .

قلت العارض سحاب يعترض في الأفق- و اعتن اعترض و أشجاها ملأها فكان كالشجى في حلقها- و ارتجس صوت و الهمهمة صوت الرعد و دوي أحدث دويا- فأظلم أعدم الضوء من الأرض بتكاثفه- فأرك أي مطر ركا و الرك المطر الضعيف- و كذلك الدث و البغش و الطش و فوق ذلك القطقط- و ديم صار ديمة و هي المطر أياما لا يقلع- و أغمط أي دام و أثجم أقام و وبل جاء بالوابل- و هو المطر العظيم و سجم صب- و أنعم بالغ و قمس غوص في الماء و أفرط الزبى ملأها- جمع زبية و هي حفيرة تحفر للوحوش في مكان مرتفع- و الحزون جمع حزن و هو ما غلظ من الأرض- و المتون جمع متن و هو الصلب من الأرض- و تضحضحت صار فوقها ضحضاح من الماء و هو الرقيق- . و من ذلك ما رواه أبو حاتم أيضا عن الأصمعي- قال سألت أعرابيا عن مطر أصابهم بعد جدب- فقال ارتاح لنا ربك بعد ما استولى اليأس على الظنون- و خامر القلوب القنوط- فأنشأ بنوء الجبهة قزعة كالقرص من قبل العين- فاحزألت عند ترجل النهار لأدهم السرار- حتى إذا نهضت في الأفق طالعة- أمر مسخرها الجنوب فتبسمت لها- فانتثرت أحضانها و احمومت أركانها و بسق عنانها- و اكفهرت رحاها و انبعجت كلاها- و ذمرت‏ أخراها أولاها ثم استطارت عقائقها- و ارتعجت بوارقها و تعقعقت صواعقها- ثم ارتعبت جوانبها و تداعت سواكبها و درت حوالبها- فكانت للأرض طبقا شج فهضب- و عم فأحسب فعل القيعان و ضحضح الغيطان- و صوح الأضواج و أترع الشراج- فالحمد لله الذي جعل كفاء إساءتنا إحسانا- و جزاء ظلمنا غفرانا- .

قلت نوء الجبهة محمود عندهم للمطر- و القزعة القطعة الصغيرة من السحاب- و القرص الترس و العين ما عن يمين قبلة العراق- و ترجل النهار انبساط الشمس- و الأدهم أحد ليالي السرار و الأحضان النواحي- و احمومت اسودت و بسق علا- و العنان ما يعترض من السحاب في الأفق- و انبعجت انفتقت و ذمرت حضت- و العقائق البروق و ارتعجت اهتزت و ارتعدت- و طبقا أي غطت الأرض- و هضب جاء بالمطر دفعة فدفعة- و أحسب كفى و عل القيعان سقاها مرة بعد أخرى- و الغيطان جمع غائط و هو ما سفل من الأرض- و صوح الأضواج هدم الأجواف- و أترع الشراج ملأ المسيلات- . و من ذلك ما رواه ابن دريد- عن عبد الرحمن عن عمه الأصمعي- قال سمعت أعرابيا من بني عامر يصف مطرا- قال نشأ عند القصر بنوء الغفر حيا عارضا ضاحكا وامضا- فكلا و لا ما كان حتى شجيت به أقطار الهواء- و احتجبت به السماء ثم أطرق فاكفهر- و تراكم فادلهم و بسق فازلأم- ثم حدت به الريح فخر و البرق مرتعج- و الرعد مبتوج و الحدج مبتعج- فأثجم ثلاثا متحيرا هثهاثا أخلافه حاشكة- و دفعه متواشكة و سوامه متعاركة- ثم ودع منجما و أقلع متهما- محمود البلاء مترع النهاء مشكور النعماء- بطول ذي الكبرياء- . قلت القصر العشي و الغفر من نجوم الأسد- و الحيا الداني من الأرض- .

و قوله كلا و لا أي في زمان قصير جدا- و شجيت به الأقطار صار كالشجى لهاو ازلأم انتصب- و المرتعج المتدارك و المبتوج العالي الصوت- و الحدج السحاب أول ما ينشأ و يتبعج يشقق- و أثجم دام متحيرا أي كأنه قد تحير لا وجه له يقصده- و الهثهاث المداخل و أخلافه حاشكة أي ضروعة ممتلئة- و دفعه متواشكة أي مسرعة و سوامه متعاركة- شبه قطع السحاب بسوام الإبل و منجما مقلعا- و متهما يسير نحو تهامة

الفصل الخامس في بيان أنه ع إمام أرباب صناعة البديع

و ذلك لأن هذا الفن لا يوجد منه في كلام غيره ممن تقدمه- إلا ألفاظ يسيرة غير مقصودة- و لكنها واقعة بالاتفاق- كما وقع التجنيس في القرآن العزيز اتفاقا غير مقصود- و ذلك نحو قوله يا أَسَفى‏ عَلى‏ يُوسُفَ- و كما وقعت المقابلة أيضا غير مقصودة في قوله- وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ الْمِيزانَ- على أنها ليست مقابلة في المعنى بل من اللفظ خاصة- و لما تأمل العلماء شعر إمرئ القيس- و وجدوا فيه من الاستعارة بيتا أو بيتين- نحو قوله يصف الليل-

فقلت له لما تمطى بصلبه
و أردف أعجازا و ناء بكلكل‏

و قوله-
و إن يك قد ساءتك مني خليقة
فسلي ثيابي من ثيابك تنسل‏

و لم ينشدوا مثل ذلك في أشعار الجاهلية- حكموا له بأنه إمام الشعراء و رئيسهم- . و هذا الفصل من كلام أمير المؤمنين ع- قد اشتمل من الاستعارة العجيبة- و غيرها من أبواب البديع- على ما لو كان موجودا في ديوان شاعر مكثر أو مترسل مكثر-لكان مستحق التقديم بذلك- أ لا تراه كيف وصف الأمواج بأنها مستفحلة- و أنها ترغو رغاء فحول الإبل- ثم جعل الماء جماحا ثم وصفه بالخضوع- و جعل للأرض كلكلا و جعلها واطئة للماء به- و وصف الماء بالذل و الاستخذاء- لما جعل الأرض متمعكة عليه- كما يتمعك الحمار أو الفرس- و جعل لها كواهل و جعل للذل حكمة- و جعل الماء في حكمة الذل منقادا أسيرا و ساجيا مقهورا- و جعل الماء قد كان ذا نخوة و بأو و اعتلاء- فردته الأرض خاضعا مسكينا و طأطأت من شموخ أنفه- و سمو غلوائه و جعلها كاعمة له- و جعل الماء ذا كظة بامتلائه- كما تعتري الكظة المستكثر من الأكل- ثم جعله هامدا بعد أن كانت له نزقات- و لابدا بعد أن كانت له وثبات- ثم جعل للأرض أكتافا و عرانين و أنوفا و خياشيم- ثم نفى النوم عن وميض البرق- و جعل الجنوب مارية درر السحاب- ثم جعل للسحاب صدرا و بوانا- ثم جعل الأرض مبتهجة مسرورة مزدهاة- و جعل لها ريطا من لباس الزهور و سموطا تحلى بها- فيا لله و للعجب من قوم زعموا- أن الكلام إنما يفضل بعضه بعضا- لاشتماله على أمثال هذه الصنعة- فإذا وجدوا في مائه ورقة كلمتين أو ثلاثا منها- أقاموا القيامة و نفخوا في الصور- و ملئوا الصحف بالاستحسان لذلك و الاستظراف- ثم يمرون على هذا الكلام المشحون كله- بهذه الصنعة على ألطف وجه و أرصع وجه و أرشق عبارة- و أدق معنى و أحسن مقصد- ثم يحملهم الهوى و العصبية على السكوت عن تفضيله- إذا أجملوا و أحسنوا- و لم يتعصبوا لتفضيل غيره عليه على أنه لا عجب- فإنه كلام علي ع و حظ الكلام حظ المتكلم- و أشبه امرأ بعض بزه

الجزء السابع

تتمة الخطب و الأوامر

بسم الله الرحمن الرحيم- الحمد لله الواحد العدل

تتمة خطبة 90

فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ وَ أَنْفَذَ أَمْرَهُ- اخْتَارَ آدَمَ ع خِيَرَةً مِنْ خَلْقِهِ- وَ جَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ وَ أَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ- وَ أَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ- وَ أَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ- وَ أَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ- وَ الْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ- فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ مُوَافَاةً لِسَابِقِ عِلْمِهِ- فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ- لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ- وَ لِيُقِيمَ الْحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ- وَ لَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ- مِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ- وَ يَصِلُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ- بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ- عَلَى أَلْسُنِ الْخِيَرَةِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ- وَ مُتَحَمِّلِي وَدَائِعِ رِسَالَاتِهِ- قَرْناً فَقَرْناً- حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ص حُجَّتُهُ- وَ بَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذُرُهُ وَ نُذُرُهُ مهد أرضه سواها و أصلحها- و منه المهاد و هو الفراش- و مهدت الفراش بالتخفيف مهدا أي بسطته و وطأته- و قوله خيرة من خلقه على فعلة- مثل عنبة الاسم‏

من قولك اختاره الله- يقال محمد خيرة الله من خلقه- و يجوز خيرة الله بالتسكين- و الاختيار الاصطفاء- . و الجبلة الخلق و منه قوله تعالى- وَ اتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ- وَ الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ- و يجوز الجبلة بالضم- و قرأ بها الحسن البصري- و قرئ قوله سبحانه- وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً على وجوه- فقرأ أهل المدينة بالكسر و التشديد- و قرأ أبو عمرو- جبلا كثيرا مثل قفل- و قرأ الكسائي جبلا كثيرا بضم الباء مثل حلم- و قرأ عيسى بن عمر جبلا بكسر الجيم- و قرأ الحسن و ابن أبي إسحاق- جبلا بالضم و التشديد- . قوله و أرغد فيها أكله- أي جعل أكله و هو المأكول- رغدا أي واسعا طيبا قال سبحانه- وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما- و تقرأ رغدا و رغدا بكسر الغين و ضمها- و أرغد القوم أخصبوا- و صاروا في رغد من العيش- .

قوله و أوعز إليه فيما نهاه عنه- أي تقدم إليه بالإنذار- و يجوز و وعز إليه بالتشديد توعيزا- و يجوز التخفيف أيضا وعز إليه وعزا- . و الواو في و أعلمه عاطفة على و أوعز- لا على نهاه- . قوله موافاة لسابق علمه لا يجوز أن ينتصب- لأنه مفعول له- و ذلك لأن المفعول له يكون عذرا و علة للفعل- و لا يجوز أن يكون إقدام آدم على الشجرة- لأجل الموافاة للعلم الإلهي السابق- و لا يستمر ذلك على مذاهبنا- بل يجب أن ينصب موافاة- على‏المصدرية المحضة- كأنه قال فوافى بالمعصية موافاة- و طابق بها سابق العلم مطابقة- . قوله فأهبطه بعد التوبة- قد اختلف الناس في ذلك- فقال قوم بل أهبطه قبل التوبة- ثم تاب عليه و هو في الأرض- و قال قوم تاب قبل الهبوط- و هو قول أمير المؤمنين ع- و يدل عليه قوله تعالى- فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ- فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ- قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً- فأخبر عن أنه أهبطهم- بعد تلقي الكلمات و التوبة- و قال تعالى في موضع آخر- وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ- وَ ناداهُما رَبُّهُما- أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ- وَ أَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ- قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا- وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ- قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ- وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ. فبين أن اعترافهما بالمعصية و استغفارهما- كانا قبل أمرهما بالهبوط- و قال في موضع آخر- وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏- ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى‏- قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً- فجعل الإهباط بعد الاجتباء و التوبة- و احتج الأولون بقوله تعالى- وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ- فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ- وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ- وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ- فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ- فَتابَ عَلَيْهِ- قالوا فأخبر سبحانه عن أمره لهم- بالهبوط عقيب إزلال الشيطان لهما- ثم عقب الهبوط بفاء التعقيب- في قوله فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ- فدل على أن التوبة بعد الهبوط- .

و يمكن أن يجاب عن هذا- فيقال إنه تعالى لم يقل فقلنا اهبطوا بالفاء- بل قال وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بالواو- و الواو لا تقتضي الترتيب- و لو كان عوضها فاء- لكانت صريحة في أن الإهباط كان عقيب الزلة- فأما الواو فلا تدل على ذلك- بل يجوز أن تكون التوبة قبل الإهباط- و يخبر عن الإهباط بالواو- قبل أن يخبر عن التوبة- . قوله ع و ليقيم الحجة على عباده- أي إذا كان أبوهم أخرج من الجنة- بخطيئة واحدة- فأخلق بها- ألا يدخلها ذو خطايا جمة- و هذا يؤكد مذهب أصحابنا في الوعيد- . ثم أخبر ع- أن البارئ سبحانه ما أخلى عباده بعد قبض آدم و توفيه- مما يؤكد عليهم حجج الربوبية- بل أرسل إليهم الرسل قرنا فقرنا بفتح القاف- و هو أهل الزمان الواحد- قال الشاعر

إذا ما مضى القرن الذي أنت فيهم
و خلفت في قرن فأنت غريب‏

و تعاهدهم بالحجج أي جدد العهد عندهم بها- و يروى بل تعهدهم بالتشديد- و التعهد التحفظ بالشي‏ء- تعهدت فلانا و تعهدت ضيعتي- و هو أفصح من تعاهدت- لأن التفاعل إنما يكون من شيئين- و تقول فلان يتعهده صرع- . قوله و بلغ المقطع عذره و نذره- مقطع الشي‏ء حيث ينقطع- و لا يبقى خلفه شي‏ء منه- أي لم يزل يبعث الأنبياء واحدا بعد واحد- حتى بعث محمدا ص- فتمت به حجته على الخلق أجمعين- و بلغ الأمر مقطعه أي لم يبق بعده رسول ينتظر-و انتهت عذر الله تعالى و نذره- فعذره ما بين للمكلفين من الإعذار- في عقوبته لهم إن عصوه- و نذره ما أنذرهم به من الحوادث- و من أنذرهم على لسانه من الرسل

القول في عصمة الأنبياء

و اعلم أن المتكلمين اختلفوا في عصمة الأنبياء- و نحن نذكر هاهنا طرفا من حكاية المذاهب- في هذه المسألة على سبيل الاقتصاص و نقل الآراء- لا على سبيل الحجاج- و نخص قصة آدم ع و الشجرة بنوع من النظر- إذ كانت هذه القصة مذكورة- في كلام أمير المؤمنين ع في هذا الفصل- فنقول اختلف الناس في المعصوم ما هو- فقال قوم المعصوم هو الذي لا يمكنه الإتيان بالمعاصي- و هؤلاء هم الأقلون أهل النظر- و اختلفوا في عدم التمكن كيف هو- فقال قوم منهم المعصوم هو المختص في نفسه- أو بدنه أو فيهما بخاصية تقضي امتناع إقدامه على المعاصي- . و قال قوم منهم- بل المعصوم مساو- في الخواص النفسية و البدنية لغير المعصوم- و إنما العصمة هي القدرة على الطاعة- أو عدم القدرة على المعصية- و هذا قول الأشعري نفسه- و إن كان كثير من أصحابه قد خالفه فيه- . و قال الأكثرون من أهل النظر- بل المعصوم مختار متمكن من المعصية و الطاعة- . و فسروا العصمة بتفسيرين- أحدهما أنها أمور يفعلها الله تعالى بالمكلف- فتقتضي ألا يفعل المعصية- اقتضاءغير بالغ إلى حد الإيجاب-

و فسروا هذه الأمور فقالوا إنها أربعة أشياء- أولها أن يكون لنفس الإنسان ملكة- مانعة من الفجور داعية إلى العفة- و ثانيها العلم بمثالب المعصية و مناقب الطاعة- و ثالثها تأكيد ذلك العلم- بالوحي و البيان من الله تعالى- و رابعها أنه متى صدر عنه خطأ من باب النسيان و السهو- لم يترك مهملا بل يعاقب و ينبه و يضيق عليه العذر- قالوا فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة- كان الشخص معصوما عن المعاصي لا محالة- لأن العفة إذا انضاف إليها العلم- بما في الطاعة من السعادة و ما في المعصية من الشقاوة- ثم أكد ذلك تتابع الوحي إليه و ترادفه- و تظاهر البيان عنده- و تمم ذلك خوفه من العتاب على القدر القليل- حصل من اجتماع هذه الأمور حقيقة العصمة- . و قال أصحابنا العصمة لطف- يمتنع المكلف عند فعله من القبيح اختيارا- و قد يكون ذلك اللطف خارجا عن الأمور الأربعة المعدودة- مثل أن يعلم الله تعالى أنه إن أنشأ سحابا- أو أهب ريحا أو حرك جسما- فإن زيدا يمتنع عن قبيح مخصوص اختيارا- فإنه تعالى يجب عليه فعل ذلك- و يكون هذا اللطف عصمة لزيد- و إن كان الإطلاق المشتهر في العصمة- إنما هو لمجموع ألطاف- يمتنع المكلف بها عن القبيح مدة زمان تكليفه- . و ينبغي أن يقع الكلام بعد هذه المقدمة في ثلاثة فصول

الفصل الأول في حال الأنبياء قبل البعثة و من الذي يجوز أن يرسله الله تعالى إلى العبادفالذي عليه أصحابنا المعتزلة رحمهم الله- أنه يجب أن ينزه النبي قبل البعثة- عما كان فيه تنفير عن الحق الذي يدعو إليه- و عما فيه غضاضة و عيب- .

فالأول نحو أن يكون كافرا أو فاسقا- و ذلك لأنا نجد التائب العائد إلى الصلاح- بعد أن عهد الناس منه السخف و المجون و الفسق- لا يقع أمره بالمعروف و نهيه عن المنكر- عند الناس موقعهما ممن لم يعهدوه- إلا على السداد و الصلاح- . و الثاني نحو أن يكون حجاما أو حائكا- أو محترفا بحرفه يقذرها الناس- و يستخفون بصاحبها- إلا أن يكون المبعوث إليهم- على خلاف ما هو المعهود الآن- بألا يكون من تعاطى ذلك مستهانا به عندهم- . و وافق أصحابنا في هذا القوم جمهور المتكلمين- .

و قال قوم من الخوارج- يجوز أن يبعث الله تعالى من كان كافرا قبل الرسالة- و هو قول ابن فورك من الأشعرية- لكنه زعم أن هذا الجائز لم يقع- . و قال قوم من الحشوية- قد كان محمد ص كافرا قبل البعثة- و احتجوا بقوله تعالى وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى‏- و قال برغوث المتكلم و هو أحد النجارية- لم يكن النبي ص مؤمنا بالله قبل أن يبعثه- لأنه تعالى قال له- ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ- . و روي عن السدي في قوله تعالى- وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ- قال وزره الشرك- فإنه كان على دين قومه أربعين سنة- .

و قال بعض الكرامية- في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ص-قالَ أَسْلَمْتُ إنه أسلم يومئذ- و لم يكن من قبل ذلك مسلما- و مثل ذلك قال اليمان بن رباب متكلم الخوارج- . و حكى كثير من أرباب المقالات- عن شيخنا أبي الهذيل و أبي علي- جواز أن يبعث الله تعالى- من قد ارتكب كبيرة قبل البعثة- و لم أجد في كتب أصحابنا- حكاية هذا المذهب عن الشيخ أبي الهذيل- و وجدته عن أبي علي- ذكره أبو محمد بن متويه في كتاب الكفاية- فقال منع أهل العدل كلهم- من تجويز بعثة من كان فاسقا قبل النبوة- إلا ما جرى في كلام الشيخ أبي علي رحمه الله تعالى- من ثبوت فصل بين البعثة و قبلها- فأجاز أن يكون قبل البعثة مرتكبا لكبيرة ثم يتوب- فيبعثه الله تعالى حينئذ- و هو مذهب محكي عن عبد الله بن العباس الرامهرمزي- ثم قال الشيخ أبو محمد رحمه الله تعالى- و الصحيح من قول أبي علي رحمه الله تعالى- مثل ما نختاره من التسوية بين حال البعثة و قبلها- في المنع من جواز ذلك- .

و قال قوم من الأشعرية و من أهل الظاهر و أرباب الحديث- إن ذلك جائز واقع- و استدلوا بأحوال إخوة يوسف- و منع المانعون من ذلك من ثبوت نبوة إخوة يوسف- ثم هؤلاء المجوزون- منهم من جوز عليهم فعل الكبائر مطلقا- و منهم من جوز ذلك على سبيل الندرة ثم يتوبون عنه- و يشتهر حالهم بين الخلق بالصلاح- فأما لو فرضنا إصرارهم على الكبائر- بحيث يصيرون مشهورين بالفسق و المعاصي- فإن ذلك لا يجوز- لأنه يفوت الغرض من إرسالهم و نبوتهم- على هذا التقدير- . و قالت الإمامية- لا يجوز أن يبعث الله تعالى نبيا- قد وقع منه قبيح قبل النبوة-لا صغيرا و لا كبيرا لا عمدا و لا خطأ- و لا على سبيل التأويل و الشبهة- و هذا المذهب مما تفردوا به- فإن أصحابنا و غيرهم من المانعين- للكبائر قبل النبوة- لم يمنعوا وقوع الصغائر منهم- إذا لم تكن مسخفة منفرة- . اطردت الإمامية هذا القول في الأئمة- فجعلت حكمهم في ذلك حكم الأنبياء- في وجوب العصمة المطلقة لهم قبل النبوة و بعدها

الفصل الثاني في عصمة الأنبياء في زمن النبوة عن الذنوب في أفعالهم و تروكهم عدا ما يتعلق بتبليغ الوحي و الفتوى في الأحكام
جوز قوم من الحشوية عليهم هذه الكبائر- و هم أنبياء كالزنا و اللواط و غيرهما- و فيهم من جوز ذلك بشرط الاستسرار دون الإعلان- و فيهم من جوز ذلك على الأحوال كلها- . و منع أصحابنا المعتزلة من وقوع الكبائر منهم ع أصلا- و منعوا أيضا من وقوع الصغائر المسخفة منهم- و جوزوا وقوع الصغائر التي ليست بمسخفه منهم- ثم اختلفوا فمنهم من جوز على النبي- الإقدام على المعصية الصغيرة غير المسخفة عمدا- و هو قول شيخنا أبي هاشم رحمه الله تعالى فإنه أجاز ذلك- و قال إنه لا يقدم ع على ذلك إلا على خوف و وجل- و لا يتجرأ على الله سبحانه- . و منهم من منع من تعمد إتيان الصغيرة- و قال إنهم لا يقدمون على الذنوب التي يعلمونها ذنوبا- بل على سبيل التأويل و دخول الشبهة- و هذا قول أبي علي رحمه الله تعالى- .

و حكى عن أبي إسحاق النظام و جعفر بن مبشر- أن ذنوبهم لا تكون إلا على سبيل السهو و النسيان- و أنهم مؤاخذون بذلك- و إن كان موضوعا عن أمتهم- لأن معرفتهم أقوى- و دلائلهم أكثر و أخطارهم أعظم- و يتهيأ لهم من التحفظ ما لا يتهيأ لغيرهم- . و قالت الإمامية لا تجوز عليهم الكبائر و لا الصغائر- لا عمدا و لا خطأ و لا سهوا- و لا على سبيل التأويل و الشبهة- و كذلك قولهم في الأئمة- و الخلاف بيننا و بينهم في الأنبياء يكاد يكون ساقطا- لأن أصحابنا إنما يجوزون عليهم الصغائر- لأنه لا عقاب عليها- و إنما تقتضي نقصان الثواب المستحق- على قاعدتهم في مسألة الإحباط- فقد اعترف إذا أصحابنا- بأنه لا يقع من الأنبياء ما يستحقون به ذما و لا عقابا- و الإمامية إنما تنفي عن الأنبياء الصغائر و الكبائر- من حيث كان كل شي‏ء منها يستحق فاعله به الذم و العقاب- لأن الإحباط باطل عندهم- فإذا كان استحقاق الذم و العقاب يجب أن ينفى عن الأنبياء- وجب أن ينفى عنهم سائر الذنوب- فقد صار الخلاف إذا متعلقا بمسألة الإحباط- و صارت هذه المسألة فرعا من فروعها- .

و اعلم أن القول بجواز الصغائر على الأنبياء بالتأويل و الشبهة- على ما ذهب إليه شيخنا أبو علي رحمه الله تعالى- إنما اقتضاه تفسيره لآيه آدم و الشجرة- و تكلفه إخراجها عن تعمد آدم للعصيان- فقال إن آدم نهي عن نوع تلك الشجرة لا عن عينها- بقوله تعالى وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ- و أراد سبحانه نوعها المطلق- فظن آدم أنه أراد خصوصية تلك الشجرة بعينها- و قد كان أشير إليها فلم يأكل منها بعينها- و لكنه أكل من شجرة أخرى من نوعها- فأخطأ في التأويل- و أصحاب شيخنا أبي هاشم لا يرضون هذا المذهب- و يقولون إن الإشكال باق بحاله- لأن آدم أخل بالنظر على‏ هذا القول في أن المنهي عنه- هل هو عين الشجرة أو نوعها- مع أنه قد كان مدلولا على ذلك- لأنه لو لم يكن مدلولا على ذلك- لكان تكليف الامتناع عن التناول تكليف ما لا يطاق- و إذا دل على ذلك وجب عليه النظر- و لا وجه يجب النظر لأجله إلا الخوف من تركه- و إذا لم يكن بد من كونه خائفا- فهو عالم إذا بوجوب هذا التأمل و النظر- فإذا أخل به فقد وقعت منه المعصية مع علمه- .

و كما لا يرضى أصحاب شيخنا أبي هاشم هذا المذهب- فكذلك لا يرتضون مذهب النظام و جعفر بن مبشر- و ذلك لأن القول بأن الأنبياء يؤاخذون- على ما يفعلونه سهوا متناقض- لأن السهو يزيل التكليف- و يخرج الفعل من كونه ذنبا مؤاخذا به- و لهذا لا يصح مؤاخذة المجنون و النائم- و السهو في كونه مؤثرا في رفع التكليف- جار مجرى فقد القدر و الآلات و الأدلة- فلو جاز أن يخالف حال الأنبياء حال غيرهم- في صحة تكليفهم مع السهو- جاز أن يخالف حالهم حال غيرهم- في صحة التكليف مع فقد القدر و الآلات- و ذلك باطل- .

و اعلم أن الشريف المرتضى رحمه الله تعالى- قد تكلم في كتابه المسمى بتنزيه الأنبياء و الأئمة على هذه الآية- و انتصر لمذهب الإمامية فيها- و حاول صرفها عن ظاهرها- و تأول اللفظ بتأويل مستكره غير صحيح- و أنا أحكي كلامه هاهنا- و أتكلم عليه نصرة لأصحابنا- و نصرة أيضا لأمير المؤمنين ع- فإنه قد صرح في هذا الفصل بوقوع الذنب من آدم ع- أ لا ترى إلى قوله و المخاطرة بمنزلته- و هل تكون هذه اللفظة إلا في الذنب- و كذلك سياقة الفصل من أوله إلى آخره- إذا تأمله المنصف و اطرح الهوى و التعصب- ثم إنا نذكر- كلام السيد الشريف المرتضى رحمه الله تعالى- قال رحمه الله تعالى-

أما قوله تعالى وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ- فإن المعصية مخالفة للأمر- و الأمر من الحكيم تعالى قد يكون بالواجب و بالندب معا- فلا يمتنع على هذا أن يكون آدم مندوبا- إلى ترك التناول من الشجرة- فيكون بمواقعتها تاركا فرضا و نفلا- و غير فاعل قبيحا- و ليس يمتنع أن يسمى تارك النفل عاصيا- كما يسمى بذلك تارك الواجب- فإن تسمية من خالف ما أمر به- سواء كان واجبا أو نفلا بأنه عاص ظاهر- و لهذا يقولون أمرت فلانا بكذا و كذا من الخير- فعصاني و خالفني- و إن لم يكن ما أمر به واجبا- . يقال له الكلام على هذا التأويل من وجوه- أولها أن ألفاظ الشرع يجب أن تحمل على حقائقها اللغوية- ما لم يكن لها حقائق شرعية- فإذا كان لها حقائق شرعية- وجب أن تحمل على عرف الشرع و اصطلاحه- كالصلاة و الحج و النفاق و الكفر- و نحو ذلك من الألفاظ الشرعية- و هكذا قال السيد المرتضى رحمه الله تعالى- في كتابه في أصول الفقه المعروف بالذريعة- في باب كون الأمر للوجوب- و هو الحق الذي لا مندوحة عنه- و إذا كان لفظ العصيان في الاصطلاح الشرعي- موضوعا لمخالفة الأمر الإيجابي لم يجز العدول عنه- و حمله على مخالفة الندب- .

و معلوم أن لفظ العصيان في العرف الشرعي- لا يطلق إلا على مخالفة الأمر المقتضي للوجوب- فالقول بجواز حملها على مخالفة الأمر الندبي- قول تبطله و تدفعه تلك القاعدة المقررة- التي ثبتت بالاتفاق و بالدليل- على أننا قبل أن نجيب بهذا الوجه- نمنع أصلا أنه يجوز أن يقال لتارك النفل إنه عاص- لا في أصل اللغة و لا في العرف و لا في الشرع- و ذلك لأن حقيقة النفل هو ما يقال فيه للمكلف- الأولى أن تفعل هذا و لك ألا تفعله- و معلوم أن‏ تارك مثل ذلك لا يطلق عليه أنه عاص- و يبين ذلك أن لفظ العصيان في اللغة موضوع للامتناع- و لذلك سميت العصا عصا لأنه يمتنع بها- و منه قولهم قد شق العصا- أي خرج عن الربقة المانعة من الاختلاف و التفرق- و تارك الندب لا يمتنع من أمر- لأن الأمر الندبي لا يقتضي شيئا اقتضاء اللزوم- بل معناه إن فعلت فهو أولى و يجوز ألا تفعل- فأي امتناع حدث- إذا خولف أمر الندب سمي المخالف له عاصيا- و يبين ذلك أيضا أن لفظ عاص اسم ذم- فلا يجوز إطلاقه على تارك الندب- كما لا يسمى فاسقا- و إن كان الفسق في أصل اللغة للخروج- .

ثم يسأل المرتضى رحمه الله تعالى- عما سأل عنه نفسه- فيقال له كيف يجوز أن يكون ترك الندب معصية- أ و ليس هذا يوجب أن يوصف الأنبياء- بأنهم عصاة في كل حال- و أنهم لا ينفكون عن المعصية- لأنهم لا يكادون ينفكون من ترك الندب- . و قد أجاب رحمه الله تعالى عن هذا- فقال وصف تارك الندب بأنه عاص توسع و تجوز- و المجاز لا يقاس عليه و لا يعدي عن موضعه- و لو قيل إنه حقيقة في فاعل القبيح- و تارك الأولى و الأفضل- لم يجز إطلاقه في الأنبياء إلا مع التقييد- لأن استعماله قد كثر في فاعل القبائح- فإطلاقه عن التقييد موهم- .

لكنا نقول إن أردت بوصفهم- بأنهم عصاة أنهم فعلوا القبيح فلا يجوز ذلك- و إن أردت أنهم تركوا ما لو فعلوه لاستحقوا الثواب- و لكان أولى فهم كذلك- . كذلك يقال له- ليس هذا من باب القياس على المجاز- الذي اختلف فيه أرباب أصول الفقه- لأن من قال إذا ترك زيد الندب فإنه يسمى عاصيا- يلزمه أن يقول إن عمرا إذا ترك الندب يسمى عاصيا- و ليس هذا قياسا- كما أن من قال لزيد البليد- هذاحمار قال لعمرو البليد هذا حمار- و القياس على المجاز الذي اختلف الأصوليون في جوازه- خارج عن هذا الموضع- . و مثال المسألة الأصولية المختلف فيها- وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ- هل يجوز أن يقال طأطئ لهما عنق الذل- .

و أما قوله- لو سلمنا أنه حقيقة في تارك الندب- لم يجز إطلاقه في حق الأنبياء- لأنه يوهم العصيان بل يجب أن يقيد- . فيقال له لكن البارئ سبحانه أطلقه- و لم يقيده في قوله وَ عَصى‏ آدَمُ- فيلزمك أن يكون تعالى موهما و فاعلا للقبيح- لأن إيهام القبيح قبيح- . فإن قال الدلالة العقلية على استحالة المعاصي- على الأنبياء تؤمن من الإيهام- . قيل له و تلك الدلالة بعينها تؤمن- من الإيهام في قول القائل- الأنبياء عصاة فهلا أجزت إطلاق ذلك- . و ثانيها أنه تعالى قال- فَغَوى‏ و الغي الضلال- . قال المرتضى رحمه الله تعالى معنى غوى هاهنا خاب- لأنه نعلم أنه لو فعل ما ندب إليه- من ترك التناول من الشجرة لاستحق الثواب العظيم- فإذا خالف الأمر و لم يصر إلى ما ندب إليه- فقد خاب لا محالة من حيث لم يصر إلى الثواب- الذي كان يستحقه بالامتناع- و لا شبهه في أن لفظ غوى يحتمل الخيبة- قال الشاعر

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره
و من يغو لا يعدم على الغي لائما

يقال له أ لست القائل في مصنفاتك الكلامية- إن المندوبات إنما ندب إليها- لأنها كالمسهلات و الميسرات لفعل الواجبات العقلية- و أنها ليست ألطافا في واجب عقلي- و أن ثوابها يسير جدا- بالإضافة إلى ثواب الواجب- فإذا كان آدم ع ما أخل بشي‏ء من الواجبات- و لا فعل شيئا من المقبحات- فقد استحق من الثواب العظيم- ما يستحقر ثواب المندوب بالإضافة إليه- و مثل هذا لا يقال فيه- لمن ترك المندوب إنه قد خاب- أ لا ترى أن من اكتسب مائة ألف قنطار من المال- و ترك بعد ذلك درهما واحدا- كان يمكنه اكتسابه فلم يكتسبه- لا يقال إنه خاب- . و ثالثها أن ظاهر القرآن يخالف ما ذكره- لأنه تعالى أخبر أن آدم منهي عن أكل الشجرة- بقوله وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ- فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ- و قوله أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ- و هذا يوجب أنه قد عصى بأن فعل منهيا عنه- و الشريف المرتضى رحمه الله تعالى يقول- إنه عصى بأن ترك مأمورا به- .

قال المرتضى رحمه الله تعالى مجيبا عن هذا- إن الأمر و النهي- ليسا يختصان عندنا بصيغة ليس فيها احتمال و اشتراك- و قد يؤمر عندنا بلفظ النهي و ينهى بلفظ الأمر- و إنما يكون النهي نهيا بكراهة المنهي عنه- فإذا قال تعالى لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ- و لم يكره قربهما لم يكن في الحقيقة ناهيا- كما أنه تعالى لما قال اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا- و لم يرد ذلك لم يكن أمرا به- و إذا كان قد صحب قوله لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ إرادة ترك التناول- وجب أن يكون هذا القول أمرا- و إنما سماه منهيا و سمى‏أمره له- بأنه نهي من حيث كان فيه معنى النهي- لأن في النهي ترغيبا في الامتناع من الفعل- و تزهيدا في الفعل نفسه- و لما كان الأمر ترغيبا من فعل المأمور- و تزهيدا في تركه جاز أن يسمى نهيا- . و قد يتداخل هذان الوضعان في الشاهد- فيقول أحدنا قد أمرت فلانا بألا يلقى الأمير- و إنما يريد أنه نهاه عن لقائه- و يقول نهيتك عن هجر زيد- و إنما معناه أمرتك بمواصلته- .

يقال له هذا خلاف الظاهر- فلا يجوز المصير إليه إلا بدلالة قاطعة- تصرف اللفظ عن ظاهره- و يكفي أصحاب أبي هاشم في نصرة قولهم- التمسك بالظاهر- . و اعلم أن بعض أصحابنا تأول هذه الآية- و قال إن ذلك وقع من آدم ع قبل نبوته- لأنه لو كان نبيا قبل إخراجه من الجنة- لكان إما أن يكون مرسلا إلى نفسه و هو باطل- أو إلى حواء و قد كان الخطاب يأتيها بغير واسطة- لقوله تعالى وَ لا تَقْرَبا- أو إلى الملائكة و هذا باطل- لأن الملائكة رسل الله- بدليل قوله جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا- و الرسول لا يحتاج إلى رسول آخر- أو يكون رسولا و ليس هناك من يرسل إليه و هذا محال- فثبت أن هذه الواقعة وقعت له ع- قبل نبوته و إرساله

الفصل الثالث في خطئهم في التبليغ و الفتاوي

قال أصحابنا- إن الأنبياء معصومون من كل خطإ- يتعلق بالأداء و التبليغ- فلا يجوزعليهم الكذب- و لا التغيير و لا التبديل و لا الكتمان- و لا تأخر البيان عن وقت الحاجة- و لا الغلط فيما يؤدونه عن الله تعالى- و لا السهو فيه و لا الإلغاز و لا التعمية- لأن كل ذلك إما أن ينقض دلالة المعجز على صدقه- أو يؤدى إلى تكليف ما لا يطاق- . و قال قوم من الكرامية و الحشوية- يجوز عليهم الخطأ في أقوالهم كما جاز في أفعالهم- قالوا و قد أخطأ رسول الله ص في التبليغ- حيث قال

تلك الغرانيق العلا
و إن شفاعتهن لترتجى‏

و قال قوم منهم يجوز الغلط على الأنبياء- فيما لم تكن الحجة فيه مجرد خبرهم- لأنه لا يكون في ذلك إبطال حجة الله على خلقه- كما وقع من النبي ص- في هذه الصورة- فإن قوله ذلك ليس بمبطل لحجة العقل- في أن الأصنام لا يجوز تعظيمها- و لا ترجى شفاعتها- فأما ما كان السبيل إليه مجرد السمع- فلو أمكن الغلط فيه لبطلت الحجة بإخبارهم- . و قال قوم منهم- إن الأنبياء يجوز أن يخطئوا في أقوالهم و أفعالهم- إذا لم تجر تلك الأفعال مجرى بيان الوحي- كبيانه ع لنا الشريعة- و لا يجوز عليه الخطأ في حال البيان- و إن كان يجوز عليه ذلك في غير حال البيان- كما روي من خبر ذي اليدين- حين سها النبي ص في الصلاة- و كذلك ما يكون منه من تبليغ وحي- فإنه لا يجوز عليه أن يخطئ فيه- لأنه حجة الله على عباده- فأما في أقواله الخارجة عن التبليغ- فيجوزأن يخطئ- كما روي عنه ص في نهيه- لأهل المدينة عن تأبير النخل- . فأما أصحابنا المعتزلة- فإنهم اختلفوا في الخبر المروي عنه ع في سورة النجم- فمنهم من دفع الخبر أصلا و لم يقبله و طعن في رواته- و منهم من اعترف بكونه قرآنا منزلا- و هم فريقان أحدهما القائلون بأنه كان وصفا للملائكة- فلما ظن المشركون أنه وصف آلهتهم- رفع و نهي عن تلاوته- و ثانيهما القائلون إنه خارج- على وجه الاستفهام بمعنى الإنكار- فتوهم سامعوه أنه بمعنى التحقيق- فنسخه الله تعالى و نهى عن تلاوته- .

و منهم من قال ليس بقرآن منزل- بل هو كلام تكلم به رسول الله ص- من قبل نفسه على طريق الإنكار و الهزء بقريش- فظنوا أنه يريد التحقيق- فنسخه الله بأن بين خطأ ظنهم- و هذا معنى قوله- وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ- إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ- فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ- ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ- قالوا فإلقاء الشيطان هاهنا- هو إلقاء الشبهة في قلوب المشركين- و إنما أضافه إلى أمنيته- و هي تلاوته القرآن- لأن بغرور الشيطان و وسوسته أضاف المشركون- إلى تلاوته ع ما لم يرده بها- . و أنكر أصحابنا الأخبار الواردة- التي تقتضي الطعن علي الرسول ص- قالوا و كيف يجوز أن تصدق هذه الأخبار الآحاد- على من قد قال الله تعالى له كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ- و قال له سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى‏- و قال عنه وَ لَوْ تَقَوَّلَ‏عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ- لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ- ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ- و أما خبر ذي اليدين و خبر تأبير النخل-

فقد تكلمنا عليهما في كتبنا المصنفة في أصول الفقهوَ قَدَّرَ الْأَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَ قَلَّلَهَا- وَ قَسَّمَهَا عَلَى الضِّيقِ وَ السَّعَةِ- فَعَدَّلَ فِيهَا لِيَبْتَلِيَ- مَنْ أَرَادَ بِمَيْسُورِهَا وَ مَعْسُورِهَا- وَ لِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ الشُّكْرَ وَ الصَّبْرَ مِنْ غَنِيِّهَا وَ فَقِيرِهَا- ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ فَاقَتِهَا- وَ بِسَلَامَتِهَا طَوَارِقَ آفَاتِهَا- وَ بِفُرَجِ أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا- وَ خَلَقَ الآْجَالَ فَأَطَالَهَا وَ قَصَّرَهَا وَ قَدَّمَهَا وَ أَخَّرَهَا- وَ وَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا- وَ جَعَلَهُ خَالِجاً لِأَشْطَانِهَا- وَ قَاطِعاً لِمَرَائِرِ أَقْرَانِهَا الضيق و الضيق لغتان- فأما المصدر من ضاق فالضيق بالكسر لا غير- و عدل فيها من التعديل و هو التقويم- و روي فعدل بالتخفيف من العدل نقيض الظلم- . و الميسور و المعسور مصدران- و قال سيبويه هما صفتان- و لا يجي‏ء عنده المصدر على وزن مفعول البتة- و يتأول قولهم دعه إلى ميسوره- و يقول كأنه قال دعه إلى أمر يوسر فيه- و كذلك يتأول المعقول أيضا- فيقول كأنه عقل له شي‏ء- أي حبس و أيد و سدد- .

و معنى قوله ع- ليبتلي من أراد بميسورها و معسورها- هو معنىقول النبي ص إن إعطاء هذا المال فتنة و إمساكه فتنة- .و العقابيل في الأصل الحلأ- و هو قروح صغار تخرج بالشفة من بقايا المرض- و الفاقة الفقر- . و طوارق الآفات متجددات المصائب- و أصل الطروق ما يأتي ليلا- . و الأتراح الغموم الواحد ترح- و ترحه تتريحا أي حزنه- . و خالجا جاذبا و الخلج الجذب- خلجه يخلجه بالكسر و اختلجه- و منه الخليج الحبل لأنه يجتذب به- و سمى خليج البحر خليجا- لأنه يجذب من معظم البحر- . و الأشطان الجبال واحدها شطن- و شطنت الفرس أشطنه- إذا شددته بالشطن- . و القرائن الحبال جمع قرن- و هو من شواذ الجموع قال الشاعر-

أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه
أن لدى الباب كالمشدود في قرن‏

 و مرائر القرائن جمع مرير- و هو ما لطف و طال منها و اشتد فتله- و هذا الكلام من باب الاستعارة: عَالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ- وَ نَجْوَى الْمُتَخَافِتِينَ وَ خَوَاطِرِ رَجْمِ الظُّنُونِ- وَ عُقَدِ عَزِيمَاتِ الْيَقِينِ- وَ مَسَارِقِ إِيمَاضِ الْجُفُونِ- وَ مَا ضَمِنَتْهُ أَكْنَانُ الْقُلُوبِ- وَ غَيَابَاتُ الْغُيُوبِ- وَ مَا أَصْغَتْ لاسْتِرَاقِهِ مَصَائِخُ الْأَسْمَاعِ- وَ مَصَايِفِ الذَّرِّ وَ مَشَاتِي الْهَوَامِّ- وَ رَجْعِ الْحَنِينِ مِنَ الْمُولَهَاتِ وَ هَمْسِ الْأَقْدَامِ- وَ مُنْفَسَحِ الثَّمَرَةِ مِنْ وَلَائِجِ غُلُفِ الْأَكْمَامِ- وَ مُنْقَمَعِ الْوُحُوشِ مِنْ غِيرَانِ الْجِبَالِ وَ أَوْدِيَتِهَا- وَ مُخْتَبَإِ الْبَعُوضِ بَيْنَ سُوقِ‏الْأَشْجَارِ وَ أَلْحِيَتِهَا- وَ مَغْرِزِ الْأَوْرَاقِ مِنَ الْأَفْنَانِ- وَ مَحَطِّ الْأَمْشَاجِ مِنْ مَسَارِبِ الْأَصْلَابِ- وَ نَاشِئَةِ الْغُيُومِ وَ مُتَلَاحِمِهَا- وَ دُرُورِ قَطْرِ السَّحَابِ فِي مُتَرَاكِمِهَا- وَ مَا تَسْفِي الْأَعَاصِيرُ بِذُيُولِهَا وَ تَعْفُو الْأَمْطَارُ بِسُيُولِهَا- وَ عَوْمِ بَنَاتِ الْأَرْضِ فِي كُثْبَانِ الرِّمَالِ- وَ مُسْتَقَرِّ ذَوَاتِ الْأَجْنِحَةِ بِذُرَا شَنَاخِيبِ الْجِبَالِ- وَ تَغْرِيدِ ذَوَاتِ الْمَنْطِقِ فِي دَيَاجِيرِ الْأَوْكَارِ- وَ مَا أَوْعَبَتْهُ الْأَصْدَافُ- وَ حَضَنَتْ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ الْبِحَارِ- وَ مَا غَشِيَتْهُ سُدْفَةُ لَيْلٍ أَوْ ذَرَّ عَلَيْهِ شَارِقُ نَهَارٍ- وَ مَا اعْتَقَبَتْ عَلَيْهِ أَطْبَاقُ الدَّيَاجِيرِ- وَ سُبُحَاتُ النُّورِ وَ أَثَرِ كُلِّ خَطْوَةٍ- وَ حِسِّ كُلِّ حَرَكَةٍ وَ رَجْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ- وَ تَحْرِيكِ كُلِّ شَفَةٍ وَ مُسْتَقَرِّ كُلِّ نَسَمَةٍ- وَ مِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ وَ هَمَاهِمِ كُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ- وَ مَا عَلَيْهَا مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ أَوْ سَاقِطِ وَرَقَةٍ- أَوْ قَرَارَةِ نُطْفَةٍ أَوْ نُقَاعَةِ دَمٍ وَ مُضْغَةٍ- أَوْ نَاشِئَةِ خَلْقٍ وَ سُلَالَةٍ- لَمْ يَلْحَقْهُ فِي ذَلِكَ كُلْفَةٌ- وَ لَا اعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ مَا ابْتَدَعَ مِنْ خَلْقِهِ عَارِضَةٌ- وَ لَا اعْتَوَرَتْهُ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ وَ تَدَابِيرِ الْمَخْلُوقِينَ مَلَالَةٌ وَ لَا فَتْرَةٌ- بَلْ نَفَذَهُمْ عِلْمُهُ وَ أَحْصَاهُمْ عَدَدُهُ- وَ وَسِعَهُمْ عَدْلُهُ وَ غَمَرَهُمْ فَضْلُهُ- مَعَ تَقْصِيرِهِمْ عَنْ كُنْهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ لو سمع النضر بن كنانة هذا الكلام- لقال لقائله ما قاله علي بن العباس بن جريج لإسماعيل بن بلبل-

قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم
كلا و لكن لعمري منه شيبان‏

و كم أب قد علا بابن ذرا شرف‏
كما علا برسول الله عدنان‏

 إذ كان يفخر به على عدنان و قحطان- بل كان يقر به عين أبيه إبراهيم خليل الرحمن-و يقول له إنه لم يعف ما شيدت من معالم التوحيد- بل أخرج الله تعالى لك من ظهري ولدا- ابتدع من علوم التوحيد في جاهلية العرب- ما لم تبتدعه أنت في جاهلية النبط- بل لو سمع هذا الكلام أرسطوطاليس- القائل بأنه تعالى لا يعلم الجزئيات- لخشع قلبه و قف شعره و اضطرب فكره- أ لا ترى ما عليه من الرواء و المهابة- و العظمة و الفخامة و المتانة و الجزالة- مع ما قد أشرب من الحلاوة و الطلاوة و اللطف و السلاسة- لا أرى كلاما يشبه هذا- إلا أن يكون كلام الخالق سبحانه- فإن هذا الكلام نبعة من تلك الشجرة- و جدول من ذلك البحر و جذوة من تلك النار- و كأنه شرح قوله تعالى- وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ- وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ- وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها- وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ- وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ- .

ثم نعود إلى التفسير- فنقول النجوى المسارة- تقول انتجى القوم و تناجوا أي تساروا- و انتجيت زيدا إذا خصصته بمناجاتك-و منه الحديث أنه ص أطال النجوى مع علي ع- فقال قوم لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه- فبلغه ذلك فقال إني ما انتجيته و لكن الله انتجاه- و يقال للسر نفسه النجو- يقال نجوته نجوا أي ساررته- و كذلك ناجيته مناجاة- و سمي ذلك الأمر المخصوص نجوى- لأنه يستسر به- فأما قوله تعالى وَ إِذْ هُمْ نَجْوى‏- فجعلهم هم النجوى و إنما النجوى فعلهم- فإنما هو كقولك قوم رضا و إنما الرضا فعلهم- و يقال للذي تساره النجي على فعيل- و جمعه أنجيه- قال الشاعر

إني إذا ما القوم كانوا أنجيه‏

 و قد يكون النجي جماعة مثل الصديق- قال الله تعالى خَلَصُوا نَجِيًّا- و قال الفراء قد يكون النجي و النجوى اسما و مصدرا- . و المتخافتين الذين يسرون المنطق- و هي المخافتة و التخافت و الخفت- قال الشاعر

أخاطب جهرا إذ لهن تخافت
و شتان بين الجهر و المنطق الخفت‏

و رجم الظنون القول بالظن- قال سبحانه رَجْماً بِالْغَيْبِ- و منه الحديث المرجم بالتشديد- و هو الذي لا يدرى أ حق هو أم باطل- و يقال صار رجما أي لا يوقف على حقيقة أمره- . و عقد عزيمات اليقين- العزائم التي يعقد القلب عليها و تطمئن النفس إليها- . و مسارق إيماض الجفون- ما تسترقه الأبصار حين تومض- يقال أومض البصر و البرق إيماضا إذا لمع لمعا خفيفا- و يجوز ومض بغير همز- يمض ومضا و وميضا و ومضانا- و أكنان القلوب غلفها- و الكن الستر و الجمع أكنان- قال تعالى جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً- و يروى أكنة القلوب و هي الأغطية أيضا- قال تعالى وَ جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً- و الواحد كنان- قال عمر بن أبي ربيعة

تحت عين كناننا
ظل برد مرحل‏

و يعني بالذي ضمنته أكنان القلوب الضمائر- . و غيابات الغيوب جمع غيابة- و هي قعر البئر في الأصل ثم نقلت إلى كل غامض خفي- مثل غيابة و قد روي غبابات بالباء- . و أصغت تسمعت و مالت نحوه- و لاستراقه لاستماعه في خفيه- قال تعالى إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ- . و مصائخ الأسماع- خروقها التي يصيخ بها أي يتسمع- . و مصايف الذر- المواضع التي يصيف الذر فيها- أي يقيم الصيف يقال- صاف بالمكان و اصطاف بمعنى- و الموضع مصيف و مصطاف- . و الذر جمع ذرة- و هي أصغر النمل- . و مشاتي الهوام- المواضع التي تشتو الهوام بها- يقال شتوت بموضع كذا و تشتيت- أي أقمت به الشتاء- . و الهوام جمع هامة- و لا يقع هذا الاسم- إلا على المخوف من الأحناش- .

و رجع الحنين ترجيعه و ترديده- و المولهات- النوق و النساء اللواتي حيل بينهن و بين أولادهن- . و همس الأقدام- صوت وطئها خفيا جدا- قال تعالى فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً- و منه قول الراجز- .فهن يمشين بنا هميسا- و الأسد الهموس الخفي الوطء- . و منفسح الثمرة أي موضع سعتها من الأكمام- و قد روي متفسخ- بالخاء المعجمة و تشديد السين و بتاء بعد الميم مصدرا من تفسخت الثمرة إذا انقطعت- . و الولائج المواضع الساترة و الواحدة وليجة- و هو كالكهف يستتر فيه المارة من مطر أو غيره- و يقال أيضا في جمعه ولج و أولاج- . و متقمع الوحوش موضع تقمعها و استتارها- و سمي قمعة بن إلياس بن مضر بذلك- لأنه انقمع في بيته كما زعموا- .

و غيران الجبال جمع غار- و هو كالكهف في الجبل- و المغار مثل الغار و المغارة مثله- . و مختبأ البعوض موضع اختبائها و استتارها- و سوق الأشجار جمع ساق- و ألحيتها جمع لحاء و هو القشر- . و مغرز الأوراق موضع غرزها فيها- .و الأفنان جمع فنن و هو الغصن- و الأمشاج ماء الرجل يختلط بماء المرأة و دمها- جمع مشيج كيتيم و أيتام- و محطها إما مصدر أو مكان- . و مسارب الأصلاب- المواضع التي يتسرب المني فيها من الصلب أي يسيل- . و ناشئة الغيوم أول ما ينشأ منها و هو النشي‏ء أيضا- و ناشئة الليل في قوله تعالى- إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً أول ساعاته- و يقال هي ما ينشأ في الليل من الطاعات- و متلاحمها ما يلتصق منها بعضها ببعض و يلتحم- . و درور قطر السحائب مصدر من در يدر أي سال- و ناقة درور أي كثيرة اللبن- و سحاب درور أي كثير المطر- و يقال إن لهذا السحاب لدرة أي صبا- و الجمع درور- و متراكمها المجتمع المتكاثف منها- ركمت الشي‏ء أركمه بالضم- جمعته و ألقيت بعضه على بعض- و رمل ركام و سحاب ركام أي مجتمع- .

و الأعاصير جمع إعصار- و هي ريح تثير الغبار فيرتفع إلى السماء كالعمود- و قال تعالى فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ- . و تسفي من سفت الريح التراب سفيا- إذا أذرته فهو سفي- و ذيولها هاهنا يريد به أطرافها و ما لاحف الأرض منها- . و ما تعفو الأمطار أي ما تدرس- عفت الريح المنزل أي درسته- و عفا المنزل نفسه يعفو درس- يتعدى و لا يتعدى- . و بنات الأرض الهوام و الحشرات- التي تكون في الرمال- و عومها فيها سباحتها- و يقال لسير السفينة و سير الإبل أيضا عوم- عمت في الماء بضم أوله أعوم- .

و كثبان الرمال جمع كثيب- و هو ما انصب من الرمل- و اجتمع في مكان واحد فصار تلا- و كثبت الشي‏ء أكثبه كثبا إذا جمعته- و انكثب الرمل اجتمع- . و شناخيب الجبال رءوسها واحدها شنخوب- و ذراها أعاليها جمع ذروة و ذروة بالكسر و الضم- . و التغريد التطريب بالغناء و التغرد مثله- و كذلك الغرد بفتحهما- و يقال غرد الطائر فهو غرد إذا طرب بصوته- . و ذوات المنطق هاهنا الأطيار- و سمي صوتها منطقا- و إن كان لا يطلق إلا على ألفاظ البشر مجازا- . و دياجير جمع ديجور و هو الظلام- و الأوكار جمع وكر و هو عش الطائر- و يجمع أيضا على وكور- و وكر الطائر يكر وكرا أي دخل وكره- . و قوله و ما أوعبته الأصداف أي من اللؤلؤ- و حضنت عليه أمواج البحار أي ما ضمته- كما تحضن الأنثى من الطير بيضها- و هو ما يكون في لجة- إما من سمك أو خشب أو ما يحمله البحر من العنبر- كالجماجم بين الأمواج و غير ذلك- .

و سدفة الليل ظلمته و جاء بالفتح- و قيل السدفة اختلاط الضوء و الظلمة معا- كوقت ما بين طلوع الفجر إلى الإسفار- . و غشيته غطته و ذر عليه شارق نهار- أي ما طلعت عليه الشمس- و ذرت الشمس تذر بالضم ذرورا طلعت- و ذر البقل إذا طلع من الأرض- . و شرقت الشمس طلعت- و أشرقت بالهمزة إذا أضاءت و صفت- . و اعتقبت تعاقبت- و أطباق الدياجير أطباق الظلم- و أطباقها جمع طبقة أي‏ أغطيتها- أطبقت الشي‏ء أي غطيته- و جعلته مطبقا و قد تطبق هو- و منه قولهم لو تطبقت السماء على الأرض لما فعلت كذا- و سبحات النور عطف على أطباق الدياجير- أي يعلم سبحانه ما تعاقب عليه الظلام و الضياء- و سبحات هاهنا- ليس يعني به ما يعنى بقوله سبحان وجه ربنا- لأنه هناك بمعنى ما يسبح عليه النور أي يجرى- من سبح الفرس و هو جريه و يقال فرس سابح- . و الخطوة ما بين القدمين بالضم- و خطوت خطوة بالفتح لأنه المصدر- .

و رجع كل كلمة- ما ترجع به من الكلام إلى نفسك و تردده في فكرك- . و النسمة الإنسان نفسه و جمعها نسم- و مثقال كل ذرة أي وزن كل ذرة- و مما يخطئ فيه العامة قولهم للدينار- مثقال و إنما المثقال وزن كل شي‏ء- قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ- . و هماهم كل نفس هامة الهماهم جمع همهمة- و هي ترديد الصوت في الصدر- و حمار همهيم يهمهم في صوته- و همهمت المرأة في رأس الصبي- و ذلك إذا نومته بصوت ترققه له- و النفس الهامة ذات الهمة التي تعزم على الأمر- . قوله و ما عليها أي ما على الأرض- فجاء بالضمير و لم يسبق ذكر صاحبه- اعتمادا على فهم المخاطب- كما قال تعالى كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ- . و قرارة النطفة ما يستقر فيه الماء من الأماكن- قال الشاعر

و أنتم قرارة كل معدن سوءة
و لكل سائلة تسيل قرار

و النطفة الماء نفسه-و منه قوله ع في الخوارج إن مصارعهم النطفة- أي لا يعبرون النهر- و يجوز أن يريد بالنطفة المني- و يقويه ما ذكره بعده من المضغة- .و النقاعة نقرة يجتمع فيها الدم- و مثله أنقوعة و يقال لوقبة الثريد أنقوعة- . و المضغة قطعة اللحم- و السلالة في الأصل ما استل من الشي‏ء- و سميت النطفة سلالة الإنسان- لأنها استلت منه و كذلك الولد- . و الكلفة المشقة- و اعتورته مثل عرته و نفذهم علمه- تشبيه بنفوذ السهم- و عدي الفعل بنفسه- و إن كان معدى في الأصل بحرف الجر- كقولك اخترت الرجال زيدا أي من الرجال- كأنه جعل علمه تعالى خارقا لهم و نافذا فيهم- و يروى و أحصاهم عده بالتضعيف: اللَّهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِيلِ- وَ التَّعْدَادِ الْكَثِيرِ- إِنْ تُؤَمَّلْ فَخَيْرُ مَأْمُولٍ وَ إِنْ تُرْجَ فَخَيْرُ مَرْجُوٍّ- اللَّهُمَّ فَقَدْ بَسَطْتَ لِي فِيمَا لَا أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ- وَ لَا أُثْنِي بِهِ عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ- وَ لَا أُوَجِّهُهُ إِلَى مَعَادِنِ الْخَيْبَةِ وَ مَوَاضِعِ الرِّيبَةِ- وَ عَدَلْتَ بِلِسَانِي عَنْ مَدَائِحِ الآْدَمِيِّينَ- وَ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْبُوبِينَ الْمَخْلُوقِينَ- اللَّهُمَّ وَ لِكُلِّ مُثْنٍ عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَثُوبَةٌ مِنْ جَزَاءٍ- أَوْ عَارِفَةٌ مِنْ عَطَاءٍ- وَ قَدْ رَجَوْتُكَ دَلِيلًا عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَةِ- وَ كُنُوزِ الْمَغْفِرَةِ- اللَّهُمَّ وَ هَذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَكَ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ لَكَ- وَ لَمْ يَرَ مُسْتَحِقّاً لِهَذِهِ الْمَحَامِدِ وَ الْمَمَادِحِ غَيْرَكَ- وَ بِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ لَا يَجْبُرُ مَسْكَنَتَهَا إِلَّا فَضْلُكَ- وَ لَا يَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِهَا إِلَّا مَنُّكَ وَ جُودُكَ- فَهَبْ لَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ رِضَاكَ- وَ أَغْنِنَا عَنْ مَدِّ الْأَيْدِي إِلَى سِوَاكَ- إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ

التعداد مصدر- و خير خبر مبتدإ محذوف- تقديره فأنت خير مأمول- . و معنى قوله قد بسطت لي- أي قد آتيتني لسنا و فصاحة و سعة منطق- فلا أمدح غيرك و لا أحمد سواك- . و يعني بمعادن الخيبة البشر- لأن مادحهم و مؤملهم يخيب في الأكثر- و جعلهم مواضع الريبة لأنهم لا يوثق بهم في حال- . و معنى قوله ع- و قد رجوتك دليلا على ذخائر الرحمة و كنوز المغفرة- أنه راج منه أن يدله على الأعمال التي ترضيه سبحانه- و يستوجب بها منه الرحمة و المغفرة- و كأنه جعل تلك الأعمال التي يرجو- أن يدل عليها ذخائر للرحمة و كنوزا- . و الفاقة الفقر و كذلك المسكنة- . و ينعش بالفتح يرفع- و الماضي نعش و منه النعش لارتفاعه و المن العطاء و النعمة- و المنان من أسماء الله سبحانه

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي‏ الحديد) ج 6-7

خطبه 89 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

89 و من خطبة له ع

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ وَ الْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ- الَّذِي لَمْ يَزَلْ قَائِماً دَائِماً إِذْ لَا سَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ- وَ لَا حُجُبٌ ذَاتُ إِرْتَاجٍ وَ لَا لَيْلٌ دَاجٍ وَ لَا بَحْرٌ سَاجٍ- وَ لَا جَبَلٌ ذُو فِجَاجٍ وَ لَا فَجٌّ ذُو اعْوِجَاجٍ- وَ لَا أَرْضٌ ذَاتُ مِهَادٍ وَ لَا خَلْقٌ ذُو اعْتِمَادٍ- وَ ذَلِكَ مُبْتَدِعُ الْخَلْقِ وَ وَارِثُهُ وَ إِلَهُ الْخَلْقِ وَ رَازِقُهُ- وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ دَائِبَانِ فِي مَرْضَاتِهِ- يُبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ وَ يُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ الروية الفكرة و أصلها الهمز روأت في الأمر- و قد جاء مثلها كلمات يسيرة شاذة- نحو البرية من برأ أي خلق- و الذرية من ذرأ أي خلق أيضا- و الدرية و هي ما يستتر به الصائد- أصله من درأت أي دفعت و فلان بري أصله بري‏ء- وصف الله تعالى بأنه يعرف- من غير أن تتعلق الأبصار بذاته- و يخلق من غير تفكر و ترو فيما يخلقه- . لم يزل قائما القائم و القيوم بمعنى- و هو الثابت الذي لا يزول- و يعبر عنه في الاصطلاح النظري بالواجب الوجود- و قد يفسر القائم على معنى قولهم فلان قائم بأمر كذا- أي وال و ممسك له أن يضطرب- . ثم قال هو موصوف بأنه قائم دائم من قبل أن يخلق العالم- و هذا يؤكد التفسير

الأول- لأنه إذا لم يكن العالم مخلوقا- بعد لم يصدق عليه أنه قائم بأمره إلا بالقوة لا بالفعل- كما يصدق عليه أنه سميع بصير في الأزل- أي إذا وجدت المسموعات و المبصرات سمعها و أبصرها- و لو سمي قبل خلق الكلام متكلما- على هذا التفسير لم أستبعده و إن كان أصحابنا يأبونه- . و الأبراج الأركان في اللغة العربية- . فإن قلت- فهل يطابق هذا التفسير ما يعتقده أصحاب الهيئة- و كثير من الحكماء و المتكلمين- أن السماء كرة لا زاوية فيها و لا ضلع- .

قلت نعم لا منافاة بين القولين- لأن الفلك و إن كان كرة لكن فيه من المتممات- ما يجري مجرى أركان الحصن أو السور- فصح إطلاق لفظه الأبراج عليه- و المتممات أجسام في حشو الفلك تخف في موضع- و الناس كلهم أثبتوها- . فإن قلت فهل يجوز أن يحمل لفظ الأبراج- على ما يعتقده المنجمون و أهل الهيئة- و كثير من الحكماء و المتكلمين- من كون الفلك مقسوما باثني عشر قسما- كل قسم منها يسمى برجا- .

قلت لا مانع من ذلك- لأن هذا المسمى كان معلوما متصورا قبل نزول القرآن- و كان أهل الاصطلاح قد وضعوا هذا اللفظ بإزائه- فجاز أن ينزل القرآن بموجبه- قال تعالى وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ- و أخذها علي ع منه فقال إذ لا سماء ذات أبراج- و ارتفع سماء لأنه مبتدأ و خبره محذوف- و تقديره في الوجود- .

ثم قال و لا حجب ذات إرتاج- و الإرتاج مصدر أرتج أي أغلق أي ذات إغلاق- و من رواه ذات رتاج على فعال فالرتاج الباب المغلق- و يبعد رواية من رواه‏ ذات أرتاج- لأن فعالا قل أن يجمع على أفعال- و يعني بالحجب ذات الإرتاج- حجب النور المضروبة بين عرشه العظيم و بين ملائكته- و يجوز أن يريد بالحجب السموات أنفسها- لأنها حجبت الشياطين عن أن تعلم ما الملائكة فيه- . و الليل الداجي المظلم- و البحر الساجي الساكن و الفجاج جمع فج- و هو الطريق الواسع بين جبلين و المهاد الفراش- .

قوله و لا خلق ذو اعتماد- أي و لا مخلوق يسعى برجلين فيعتمد عليهما- أو يطير بجناحيه فيعتمد عليهما- و يجوز أن يريد بالاعتماد هنا البطش و التصرف- مبتدع الخلق مخرجه من العدم المحض- كقوله تعالى بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ- و دائبان تثنية دائب و هو الجاد المجتهد المتعب- دأب في عمله أي جد و تعب دأبا- و دءوبا فهو دءيب و دأبته أنا- و سمى الشمس و القمر دائبين- لتعاقبهما على حال واحدة دائما لا يفتران و لا يسكنان-

و روي دائبين بالنصب على الحال- و يكون خبر المبتدأ يبليان و هذه من الألفاظ القرآنية: قَسَمَ أَرْزَاقَهُمْ وَ أَحْصَى آثَارَهُمْ وَ أَعْمَالَهُمْ- وَ عَدَدَ أَنْفُسِهِمْ وَ خَائِنَةَ أَعْيُنِهِمْ- وَ مَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ مِنَ الضَّمِيرِ- وَ مُسْتَقَرَّهُمْ وَ مُسْتَوْدَعَهُمْ مِنَ الْأَرْحَامِ وَ الظُّهُورِ- إِلَى أَنْ تَتَنَاهَى بِهِمُ الْغَايَاتُ آثارهم يمكن أن يعنى به آثار وطئهم في الأرض إيذانا- بأنه تعالى عالم بكل معلومكما آذن قوله سبحانه- وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها بذلك- و يمكن أن يعنى به حركاتهم و تصرفاتهم- .

و روي و عدد أنفاسهم على الإضافة- . و خائنة الأعين ما يومئ به مسارقة و خفية- و مستقرهم أي في الأرحام- و مستودعهم أي في الأصلاب و قد فسر ذلك- فتكون من متعلقة بمستودعهم و مستقرهم- على إرادة تكررها- و يمكن أن يقال أراد مستقرهم و مأواهم على ظهر الأرض- و مستودعهم في بطنها بعد الموت- و تكون من هاهنا بمعنى مذ- أي مذ زمان كونهم في الأرحام و الظهور- إلى أن تتناهى بهم الغايات- أي إلى أن يحشروا في القيامة- و على التأويل الأول يكون تناهي الغايات بهم- عبارة عن كونهم أحياء في الدنيا: هُوَ الَّذِي اشْتَدَّتْ نِقْمَتُهُ عَلَى أَعْدَائِهِ فِي سَعَةِ رَحْمَتِهِ- وَ اتَّسَعَتْ رَحْمَتُهُ لِأَوْلِيَائِهِ فِي شِدَّةِ نِقْمَتِهِ- قَاهِرُ مَنْ عَازَّهُ وَ مُدَمِّرُ مَنْ شَاقَّهُ وَ مُذِلُّ مَنْ نَاوَاهُ- وَ غَالِبُ مَنْ عَادَاهُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ وَ مَنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ- وَ مَنْ أَقْرَضَهُ قَضَاهُ وَ مَنْ شَكَرَهُ جَزَاهُ- عِبَادَ اللَّهِ زِنُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُوزَنُوا- وَ حَاسِبُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُحَاسَبُوا- وَ تَنَفَّسُوا قَبْلَ ضِيقِ الْخِنَاقِ وَ انْقَادُوا قَبْلَ عُنْفِ السِّيَاقِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ- حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظٌ وَ زَاجِرٌ- لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا لَا زَاجِرٌ وَ لَا وَاعِظٌ

يجوز نقمة و نقمة مثل كلمة و كلمة و لبنة و لبنة- و معنى الكلام أنه مع كونه واسع الرحمة في نفس الأمر- و أنه أرحم الراحمين فإنه شديد النقمة على أعدائه- و مع كونه عظيم النقمة في نفس الأمر- و كونه شديد العقاب فإنه واسع الرحمة لأوليائه- و عازه أي غالبه و عزه أي غلبه و منه وَ عَزَّنِي فِي الْخِطابِ- و في المثل من عز بز أي من غلب سلب و المدمر المهلك- دمره و دمر عليه بمعنى أي أهلكه و شاقه عاداه- قيل إن أصله من الشق و هو النصف- لأن المعادي يأخذ في شق و المعادي في شق يقابله- و ناواه أي عاداه و اللفظة مهموزة- و إنما لينها لأجل القرينة السجعية- و أصلها ناوأت الرجل مناوأة و نواء- و يقال في المثل إذا ناوأت الرجل فاصبر- . قوله زنوا أنفسكم قبل أن توزنوا- من الكلام الفصيح النادر اللطيف- يقول اعتبروا أعمالكم- و أنتم مختارون قادرون على استدراك الفارط- قبل أن يكون هذا الاعتبار فعل غيركم- و أنتم لا تقتدرون على استدراك الفارط- و مثله قوله و حاسبوها من قبل أن تحاسبوا- . ثم قال و تنفسوا قبل ضيق الخناق أي انتهزوا الفرصة- و اعملوا قبل أن يفوتكم الأمر- و يجد بكم الرحيل و يقع الندم قال الشاعر-

اختم و طينك رطب إن قدرت فكم
قد أمكن الختم أقواما فما ختموا

 ثم قال و انقادوا قبل عنف السياق- هو العنف بالضم و هو ضد الرفق- يقال عنف عليه و عنف به أيضا- و العنيف الذي لا رفق له بركوب الخيل و الجمع عنف- و اعتنفت الأمر أي أخذته بعنف- يقول انقادوا أنتم من أنفسكم- قبل أن تقادوا و تساقوا بغير اختياركم سوقا عنيفا- ثم قال من لم يعنه الله على نفسه- حتى يجعل له منها واعظا و زاجرا- لم ينفعه الزجر و الوعظ من غيرها- أخذ هذا المعنى شاعر فقال-

و أقصرت عما تعهدين و زاجر
من النفس خير من عتاب العواذل‏

 فإن قلت أ ليس في هذا الكلام إشعار ما بالجبر- . قلت إنه لا خلاف بين أصحابنا- في أن لله تعالى ألطافا يفعلها بعباده- فيقربهم من الواجب و يبعدهم من القبيح- و من يعلم الله تعالى من حاله أنه لا لطف له- لأن كل ما يعرض لطفا له فإنه لا يؤثر في حاله- و لا يزداد به إلا إصرارا على القبيح و الباطل- فهو الذي عناه أمير المؤمنين ع بقوله من لم يعن على نفسه- لأنه ما قبل المعونة و لا انقاد إلى مقتضاها- و قد روي و اعلموا أنه من لم يعن على نفسه بكسر العين- أي من لم يعن الواعظين له و المنذرين على نفسه- و لم يكن معهم إلبا عليها و قاهرا لها- لم ينتفع بالوعظ و الزجر- لأن هوى نفسه يغلب وعظ كل واعظ و زجر كل زاجر

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي‏ الحديد) ج 6 

خطبه 88 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

88 و من خطبة له ع

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ- وَ طُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَ اعْتِزَامٍ مِنَ الْفِتَنِ- وَ انْتِشَارٍ مِنَ الْأُمُورِ وَ تَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ- وَ الدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ- عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا- وَ إِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا وَ إِعْوَارٍ مِنْ مَائِهَا- قَدْ دَرَسَتْ مَنَارُ الْهُدَى وَ ظَهَرَتْ أَعْلَامُ الرَّدَى- فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لِأَهْلِهَا عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ- وَ طَعَامُهَا الْجِيفَةُ وَ شِعَارُهَا الْخَوْفُ وَ دِثَارُهَا السَّيْفُ- .

فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللَّهِ- وَ اذْكُرُوا تِيكَ الَّتِي آبَاؤُكُمْ وَ إِخْوَانُكُمْ بِهَا مُرْتَهَنُونَ- وَ عَلَيْهَا مُحَاسَبُونَ- وَ لَعَمْرِي مَا تَقَادَمَتْ بِكُمْ وَ لَا بِهِمُ الْعُهُودُ- وَ لَا خَلَتْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمُ الْأَحْقَابُ وَ الْقُرُونُ- وَ مَا أَنْتُمُ الْيَوْمَ مِنْ يَوْمَ كُنْتُمْ فِي أَصْلَابِهِمْ بِبَعِيدٍ- . وَ اللَّهِ مَا أَسْمَعَكُمُ الرَّسُولُ شَيْئاً- إِلَّا وَ هَا أَنَا ذَا الْيَوْمَ مُسْمِعُكُمُوهُ- وَ مَا أَسْمَاعُكُمْ الْيَوْمَ بِدُونِ أَسْمَاعِكُمْ بِالْأَمْسِ- وَ لَا شُقَّتْ لَهُمُ الْأَبْصَارُ- وَ لَا جُعِلَتْ لَهُمُ الْأَفْئِدَةُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ- إِلَّا وَ قَدْ أُعْطِيتُمْ مِثْلَهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ- وَ وَ اللَّهِ مَا بُصِّرْتُمْ بَعْدَهُمْ شَيْئاً جَهِلُوهُ- وَ لَا أُصْفِيتُمْ بِهِ وَ حُرِمُوهُ- وَ لَقَدْ نَزَلَتْ بِكُمُ الْبَلِيَّةُ جَائِلًا خِطَامُهَا رِخْواً بِطَانُهَا- فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ مَا أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ الْغُرُورِ- فَإِنَّمَا هُوَ ظِلٌّ مَمْدُودٌ إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٍ

الفترة بين الرسل انقطاع الرسالة و الوحي- و كذلك كان إرسال محمد ص لأن بين محمد و بين عهد المسيح ع عهدا طويلا- أكثر الناس على أنه ستمائة سنة- و لم يرسل في تلك المدة رسول- اللهم إلا ما يقال عن خالد بن سنان العبسي- و لم يكن نبيا و لا مشهورا- . و الهجعة النومة ليلا و الهجوع مثله- و كذلك التهجاع بفتح التاء فأما الهجعة بكسر الهاء- فهي الهيئة كالجلسة من الجلوس- .

قوله و اعتزام من الفتن كأنه جعل الفتن معتزمة- أي مريدة مصممة للشغب و الهرج و يروى و اعتراض- و يروى و اعترام بالراء المهملة من العرام- و هي الشرة و التلظي التلهب- . و كاسفة النور قد ذهب ضوءها كما تكسف الشمس- ثم وصفها بالتغير و ذبول الحال- فجعلها كالشجرة التي اصفر ورقها و يبس ثمرها- و أعور ماؤها و الإعوار ذهاب الماء فلاة عوراء لا ماء بها- و من رواه و إغوار من مائها بالغين المعجمة- جعله من غار الماء أي ذهب- و منه قوله تعالى أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً- . و متجهمة لأهلها كالحة في وجوههم- .

ثم قال ثمرها الفتنة أي نتيجتها و ما يتولد عنها- و طعامها الجيفة يعني أكل الجاهلية الميتة- أو يكون على وجه الاستعارة أي أكلها خبيث- و يروى الخيفة أي الخوف- ثم جعل الخوف و السيف شعارها و دثارها- فالشعار ما يلي الجسد و الدثار فوق‏ الشعار- و هذا من بديع الكلام و من جيد الصناعة- لأنه لما كان الخوف يتقدم السيف و السيف يتلوه- جعل الخوف شعارا لأنه الأقرب إلى الجسد- و جعل الدثار تاليا له- . ثم قال و اذكروا تيك كلمة إشارة إلى المؤنثة الغائبة- فيمكن أن يعنى بها الدنيا التي تقدم ذكرها- و قد جعل آباءهم و إخوانهم- مرتهنين بها و محاسبين عليها- و الارتهان الاحتباس- و يمكن أن يعنى بها الأمانة- التي عرضت على الإنسان فحملها- و المراد بالأمانة الطاعة و العبادة- و فعل الواجب و تجنب القبيح- و قال تيك و لم يجر ذكرها- كما قال تعالى الم ذلِكَ الْكِتابُ و لم يجر ذكره- لأن الإشارة إلى مثل هذا أعظم و أهيب- و أشد روعة في صدر المخاطب من التصريح- .

قوله و لا خلت فيما بينكم و بينهم الأحقاب- أي لم يطل العهد و الأحقاب المدد المتطاولة- و القرون الأمم من الناس- . و قوله من يوم كنتم يروى بفتح الميم من يوم على أنه مبني- إذ هو مضاف إليه الفعل المبني و يروى بجرها بالإضافة- على اختلاف القولين في علم العربية- . ثم اختلفت الرواية في قوله و الله ما أسمعكم- فروي بالكاف و روي أسمعهم- و كذلك اختلفت الرواية في قوله- و ما أسماعكم اليوم بدون أسماعكم بالأمس- فروي هكذا و روي بدون أسماعهم- فمن رواه بهاء الغيبة في الموضعين فالكلام منتظم- لا يحتاج إلى تأويل و من رواه بكاف الخطاب- قال إنه خاطب به من صحب النبي ص و شاهده و سمع خطابه- لأن أصحاب علي ع كانوا فريقين صحابة و تابعين- و يعضد الرواية الأولى سياق الكلام- .

و قوله و لا شقت لهم الأبصار إلا و قد أعطيتم مثلها- .و أصفيتم به منحتموه من الصفا- و هو ما يصطفيه الرئيس من المغنم لنفسه قبل القسمة- يقال صفي و صفية- . و خلاصة هذا الكلام- أن جميع ما كان رسول الله ص قاله لأصحابه- قد قلت مثله لكم فأطاع أولئك و عصيتم أنتم- و حالكم مساوية لحالهم- . قلت لو أن مجيبا منهم يجيبه لأمكن أن يقول له- المخاطبون و إن كانوا نوعا واحدا متساويا- إلا أن المخاطب مختلف الحال و ذلك لأنك- و إن كنت ابن عمه في النسب و أخاه و لحمه و دمه- و فضائلك مشتقة من فضائله- و أنت قبس من نوره و ثانيه على الحقيقة- و لا ثالث لكما- إلا أنك لم ترزق القبول الذي رزقه- و لا انفعلت نفوس الناس لك حسب انفعالها له- و تلك خاصية النبوة التي امتاز بها عنك- فإنه كان لا يسمع أحد كلامه إلا أحبه و مال إليه- و لذلك كانت قريش تسمي المسلمين قبل الهجرة الصباة- و يقولون نخاف أن يصبو الوليد بن المغيرة- إلى دين محمد ص و لئن صبا الوليد و هو ريحانة قريش- لتصبون قريش بأجمعها- و قالوا فيه ما كلامه إلا السحر- و إنه ليفعل بالألباب فوق ما تفعل الخمر- و نهوا صبيانهم عن الجلوس إليه- لئلا يستميلهم بكلامه و شمائله- و كان إذا صلى في الحجر و جهر يجعلون أصابعهم في آذانهم- خوفا أن يسحرهم و يستميلهم بقراءته و بوعظه و تذكيره- هذا هو معنى قوله تعالى جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ- وَ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ- .

و معنى قوله وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ- وَلَّوْا عَلى‏ أَدْبارِهِمْ نُفُوراً- لأنهم كانوا يهربون إذا سمعوه يتلو القرآن- خوفا أن يغير عقائدهم في أصنامهم- و لهذا أسلم أكثر الناس بمجرد سماع كلامه- و رؤيته و مشاهدة روائه و منظره- و ما ذاقوه من حلاوة لفظه و سري كلامه في آذانهم- و ملك قلوبهم و عقولهم حتى بذلوا المهج في نصرته- و هذا من أعظم معجزاته ع- و هو القبول الذي منحه الله تعالى- و الطاعة التي جعلها في قلوب الناس له- و ذلك على الحقيقة سر النبوة- الذي تفرد به ص- فكيف يروم أمير المؤمنين من الناس- أن يكونوا معه كما كان آباؤهم و إخوانهم مع النبي ص- مع اختلاف حال الرئيسين و تساوي الأثرين- كما يعتبر في تحققه تساوي حال المحلين- يعتبر في حقيقته أيضا تساوي حال العلتين- .

ثم نعود إلى التفسير- قال و لقد نزلت بكم البلية أي المحنة العظيمة- يعني فتنة معاوية و بني أمية- . و قال جائلا خطامها- لأن الناقة إذا اضطرب زمامها استصعبت على راكبها- و يسمى الزمام خطاما لكونه في مقدم الأنف- و الخطم من كل دابة مقدم أنفها و فمها- و إنما جعلها رخوا بطانها لتكون أصعب على راكبها- لأنه إذا استرخى البطان- كان الراكب في معرض السقوط عنها- و بطان القتب هو الحزام الذي يجعل تحت بطن البعير- . ثم نهاهم عن الاغترار بالدنيا و متاعها- و قال إنها ظل ممدود إلى أجل معدود- و إنما جعلها كالظل لأنه ساكن في رأي العين- و هو متحرك في الحقيقة لا يزال يتقلص- كما قال تعالى ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً- و هو أشبه شي‏ء بأحوال الدنيا- . و قال بعض الحكماء أهل الدنيا كركب سير بهم و هم نيام

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 6 

خطبه 87 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

87 و من خطبة له ع

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ قَطُّ إِلَّا بَعْدَ تَمْهِيلٍ وَ رَخَاءٍ- وَ لَمْ يَجْبُرْ عَظْمَ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا بَعْدَ أَزْلٍ وَ بَلَاءٍ- وَ فِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَتْبٍ- وَ مَا اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ- وَ مَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ وَ لَا كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيعٍ- وَ لَا كُلُّ ذِي نَاظِرٍ بِبَصِيرٍ- فَيَا عَجَباً وَ مَا لِيَ لَا أَعْجَبُ مِنْ خَطَإِ هَذِهِ الْفِرَقِ- عَلَى اخْتِلَافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا- لَا يَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِيٍّ وَ لَا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ- وَ لَا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ وَ لَا يَعِفُّونَ عَنْ عَيْبٍ- يَعْمَلُونَ فِي الشُّبُهَاتِ وَ يَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ- الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا وَ الْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا- مَفْزَعُهُمْ فِي الْمُعْضِلَاتِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ- وَ تَعْوِيلُهُمْ فِي الْمُهِمَّاتِ عَلَى آرَائِهِمْ- كَأَنَّ كُلَّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ- قَدْ أَخَذَ مِنْهَا فِيمَا يَرَى بِعُرًى ثِقَاتٍ وَ أَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ القصم بالقاف و الصاد المهملة الكسر- قصمته فانقصم و قصمته فتقصم- و رجل أقصم الثنية أي مكسورها بين القصم بفتح الصاد- . و التمهيل التأخير و يروى رجاء و هو التأخير أيضا- و الرواية المشهورة و رخاء- أي بعد إعطائهم من سعة العيش- و خصب الحال ما اقتضته المصلحة- .

و الأزل بفتح الهمزة الضيق و يقتصون يتبعون- قال سبحانه و تعالى وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ- . و يعفون بكسر العين عففت عن كذا- أعف عفا و عفة و عفافة أي كففت فأنا عف و عفيف- و امرأة عفة و عفيفة و قد أعفه الله- و استعف عن المسألة أي عف- . و تعفف الرجل أي تكلف العفة- و يروى و لا يعفون عن عيب أي لا يصفحون- . و مفزعهم ملجؤهم و فيما يرى أي فيما يظن- و يرى بفتح الياء أي فيما يراه هو و روي بعرا وثيقات- .

يقول إن عادة الله تعالى- ألا يقصم الجبابرة إلا بعد الإمهال و الاستدراج- بإضافة النعم عليهم- و ألا يجير أولياءه و ينصرهم- إلا بعد بؤس و بلاء يمتحنهم به- ثم قال لأصحابه إن في دون ما استقبلتم من عتب لمعتبر- أي من مشقة يعني بما استقبلوه- ما لاقوه في مستقبل زمانهم من الشيب- و ولاة السوء و تنكر الوقت- و سمى المشقة عتبا لأن العتب مصدر عتب عليه أي وجد عليه- فجعل الزمان كالواجد عليهم- القائم في إنزال مشاقه بهم- مقام الإنسان ذي الموجدة يعتب على صاحبه-

و روي من عتب بفتح التاء جمع عتبة- يقال لقد حمل فلان على عتبة أي أمر كريه من البلاء- و في المثل ما في هذا الأمر رتب و لا عتب أي شدة- و روي أيضا من عنت و هو الأمر الشاق- و ما استدبروه من خطب- يعني به ما تصرم عنهم من الحروب و الوقائع- التي قضوها و نضوها و استدبروها- و يروى و استدبرتم من خصب و هو رخاء العيش- و هذا يقتضي المعنى الأول- أي و ما خلفتم وراءكم من الشباب و الصحة و صفو العيشة- . ثم قال ما كل ذي قلب بلبيب الكلام إلى آخره- و هو مأخوذ من قول الله‏ تعالى- لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها- وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها- .

ثم تعجب من اختلاف حجج الفرق في الدين- و خطئهم و كونهم لا يتبعون أقوال الأنبياء- و لا أقوال الأوصياء- ثم نعى عليهم أحوالهم القبيحة- فقال إنهم لا يؤمنون بالغيب أي لا يصدقون بما لم يشاهدوه- و لا يكفون عن الأمور القبيحة لكنهم يعملون في الشبهات- أي يعملون أعمالا داخلة في الشبهات متوسطة لها- و يسيرون في الشهوات- جعل الشهوات كالطريق التي يسير فيها الإنسان- .

ثم قال المعروف فيهم ما عرفوه- أي ليس المعروف عندهم- ما دل الدليل على كونه معروفا و صوابا و حقا- بل المعروف عندهم ما ذهبوا إلى أنه حق- سواء كان حقا في نفس الأمر أو لم يكن- و المنكر عندهم ما أنكروه كما شرحناه في المعروف- . ثم قال إنهم لا يستشيرون بعالم و لا يستفتون فقيها فاضلا- بل مفزعهم في الأمور المشكلة إلى أنفسهم و آرائهم- و لقد صدق ع- فإن هذه صفات من يدعي العلم و الفضل في زماننا- و قبله بدهر طويل- و ذلك أنهم يأنفون من التعلم و الاسترشاد- فالبادئ منهم يعتقد في نفسه- أنه أفضل من البارع المنتهي- و متى ظفر الواحد منهم بمبادئ علم و حمله- شرع في التدريس و التصنيف- فمنعه التزامه بذلك من التردد إلى أبواب العلماء- و أنف من سؤالهم عن الأمور المشكلة- فدام جهله إلى أن يموت- . ثم قال كان كل واحد منهم إمام نفسه- و يروى بحذف كان و إسقاطها و هو أحسن

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن‏ أبي‏ الحديد) ج 6 

خطبه 86 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

86 و من خطبة له ع

عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَيْهِ عَبْداً- أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ- وَ تَجَلْبَبَ الْخَوْفَ فَزَهَر مِصْبَاحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ- وَ أَعَدَّ الْقِرَى لِيَوْمِهِ النَّازِلِ بِهِ- فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِيدَ وَ هَوَّنَ الشَّدِيدَ- نَظَرَ فَأَبْصَرَ وَ ذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ- وَ ارْتَوَى مِنْ عَذْبٍ فُرَاتٍ سُهِّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ- فَشَرِبَ نَهَلًا وَ سَلَكَ سَبِيلًا جَدَداً- قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ وَ تَخَلَّى عَنِ الْهُمُومِ- إِلَّا هَمّاً وَاحِداً انْفَرَدَ بِهِ فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمَى- وَ مُشَارَكَةِ أَهْلِ الْهَوَى وَ صَارَ مِنْ مَفَاتِيحِ أَبْوَابِ الْهُدَى- وَ مَغَالِيقِ أَبْوَابِ الرَّدَى- قَدْ أَبْصَرَ طَرِيقَهُ وَ سَلَكَ سَبِيلَهُ وَ عَرَفَ مَنَارَهُ- وَ قَطَعَ غِمَارَهُ وَ اسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِهَا- وَ مِنَ الْحِبَالِ بِأَمْتَنِهَا فَهُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ- قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِي أَرْفَعِ الْأُمُورِ- مِنْ إِصْدَارِ كُلِّ وَارِدٍ عَلَيْهِ وَ تَصْيِيرِ كُلِّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلِهِ- مِصْبَاحُ ظُلُمَاتٍ كَشَّافُ عَشَوَاتٍ مِفْتَاحُ مُبْهَمَاتٍ- دَفَّاعِ مُعْضِلَاتٍ دَلِيلُ فَلَوَاتٍ يَقُولُ فَيُفْهِمُ وَ يَسْكُتُ فَيَسْلَمُ- قَدْ أَخْلَصَ لِلَّهِ فَاسْتَخْلَصَهُ- فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِينِهِ وَ أَوْتَادِ أَرْضِهِ- قَدْ أَلْزَمَ‏ نَفْسَهُ الْعَدْلَ فَكَانَ أَوَّلُ عَدْلِهِ نَفْيُ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ- يَصِفُ الْحَقَّ وَ يَعْمَلُ بِهِ لَا يَدَعُ لِلْخَيْرِ غَايَةً إِلَّا أَمَّهَا- وَ لَا مَظِنَّةً إِلَّا قَصَدَهَا قَدْ أَمْكَنَ الْكِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ- فَهُوَ قَائِدُهُ وَ إِمَامُهُ يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ- وَ يَنْزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ استشعر الحزن جعله كالشعار- و هو ما يلي الجسد من الثياب- و تجلبب الخوف جعله جلبابا أي ثوبا- .

زهر مصباح الهدى أضاء و أعد القرى ليومه- أي أعد ما قدمه من الطاعات قرى- لضيف الموت النازل به و الفرات العذب- . و قوله فشرب نهلا يجوز أن يكون أراد بقوله نهلا المصدر- من نهل ينهل نهلا أي شرب حتى روي- و يجوز أن يريد بالنهل الشرب الأول خاصة- و يريد أنه اكتفى بما شربه أولا فلم يحتج إلى العلل- .

و طريق جدد لا عثار فيه لقوة أرضه و قطع غماره- يقال بحر غمر أي كثير الماء و بحار غمار- و استمسك من العرى بأوثقها أي من العقود الوثيقة- قال تعالى فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏- . و نصب نفسه لله أي أقامها- . كشاف عشوات جمع عشوة و عشوة و عشوة بالحركات الثلاث- و هي الأمر الملتبس يقال أوطأني عشوة- .

و المعضلات جمع معضلة و هي الشدائد- و الأمور التي لا يهتدي لوجهها- . دليل فلوات- أي يهتدى به كما يهتدي الركب في الفلاة بدليلهم- . أمها قصدها و مظنة الشي‏ء حيث يظن وجوده- و الثقل متاع المسافر و حشمه

فصل في العباد و الزهاد و العارفين و أحوالهم

و اعلم أن هذا الكلام منه- أخذ أصحاب علم الطريقة و الحقيقة علمهم- و هو تصريح بحال العارف و مكانته من الله تعالى- . و العرفان درجة حال رفيعة شريفة جدا مناسبة للنبوة- و يختص الله تعالى بها من يقربه إليه من خلقه- . و الأولياء على طبقات ثلاث- الطبقة الأولى حال العابد و هو صاحب الصلاة الكثيرة- و الصوم الدائم و الحج و الصدقة- . و الطبقة الثانية حال الزاهد- و هو المعرض عن ملاذ الدنيا و طيباتها- تقنعه الكسرة و تستره الخرقة لا مال و لا زوجة و لا ولد- .

و الطبقة الثالثة حال العارف- و هو الواصل إلى الله سبحانه بنفسه لا ببدنه- و البارئ سبحانه متمثل في نفسه- تمثل المعشوق في ذات العاشق- و هو أرفع الطبقات و بعده الزاهد- . و أما العابد فهو أدونها- و ذلك لأن العابد معامل كالتاجر- يعبد ليثاب و يتعب نفسه ليرتاح- فهو يعطي من نفسه شيئا و يطلب ثمنه و عوضه- و قد يكون العابد غنيا موسرا كثير المال و الولد- فليست حاله من أحوال الكمال- .

و أما الزاهد فإنه احتقر الدنيا و عروضها و قيناتها- فخلصت نفسه من دناءة المطامع‏ و صار عزيزا ملكا- لا سلطان عليه لنفسه و لا لغيره- فاستراح من الذل و الهوان- و لم يبق لنفسه شي‏ء تشتاق إليه بعد الموت- فكان أقرب إلى السلامة- و النجاة من العابد الغني الموسر- . و أما العارف فإنه بالحال التي وصفناها- و يستلزم مع وجودها أن يكون زاهدا- لأنه لا يتصور العرفان- مع تعلق النفس بملاذ الدنيا و شهواتها- نعم قد يحصل بعض العرفان لبعض العلماء الفضلاء- مع تعلقهم بشهوات الدنيا- و لكنهم لا يكونون كاملين في أحوالهم-

و إنما تحصل الحالة الكاملة- لمن رفض الدنيا و تخلى عنها- و تستلزم الحالة المذكورة أيضا- أن يكون عابدا عبادة ما- و ليس يشترط في حصول حال العرفان- أن يكون على قدم عظيمة من العبادة- بل الإكثار من العبادة حجاب كما قيل- و لكن لا بد من القيام بالفرائض و شي‏ء يسير من النوافل- .

و اعلم أن العارف هو العارف بالله تعالى- و صفاته و ملائكته و رسله و كتبه- و بالحكمة المودعة في نظام العالم- لا سيما الأفلاك و الكواكب و تركيب طبقات العناصر- و الأحكام و في تركيب الأبدان الإنسانية- . فمن حصل له ذلك فهو العارف- و إن لم يحصل له ذلك فهو ناقص العرفان- و إن انضم إلى ذلك استشعاره جلال الله تعالى و عظمته- و رياضة النفس و المجاهدة و الصبر و الرضا و التوكل- فقد ارتفع طبقة أخرى- فإن حصل له بعد ذلك الحب و الوجد فقد ارتفع طبقة أخرى- فإن حصل له بعد ذلك الإعراض عن كل شي‏ء سوى الله- و أن يصير مسلوبا عن الموجودات كلها- فلا يشعر إلا بنفسه و بالله تعالى- فقد ارتفع طبقة أخرى و هي أرفع طبقات- .

و هناك طبقة أخرى يذكرونها و هي أن يسلب عن نفسه أيضا- فلا يكون له شعور بها أصلا- و إنما يكون شاعرا بالقيوم الأول سبحانه لا غير- و هذه درجة الاتحاد بأن تصير الذاتان ذاتا واحدة- . و هذا قول قوم من الأوائل و من المتأخرين أيضا- و هو مقام صعب لا تثبت العقول لتصوره و اكتناهه- . و اعلم أن هذه الصفات و الشروط و النعوت- التي ذكرها في شرح حال العارف- إنما يعني بها نفسه ع و هو من الكلام الذي له ظاهر و باطن- فظاهره أن يشرح حال العارف المطلق- و باطنه أن يشرح حال عارف معين و هو نفسه ع- و سيأتي في آخر الخطبة ما يدل على ذلك- .

و نحن نذكر الصفات التي أشار ع إليها واحدة واحدة- فأولها أن يكون عبدا أعانه الله على نفسه- و معنى ذلك أن يخصه بألطاف- يختار عندها الحسن و يتجنب القبيح- فكأنه أقام النفس في مقام العدو- و أقام الألطاف مقام المعونة- التي يمده الله سبحانه بها- فيكسر عادية العدو المذكور- و بهذا الاعتبار سمي قوم من المتكلمين اللطف عونا- .

و ثانيها أن يستشعر الحزن- أي يحزن على الأيام الماضية إن لم يكن اكتسب فيها- من موجبات الاختصاص أضعاف ما اكتسبه- . و ثالثها أن يتجلبب الخوف أي يخاف من الإعراض عنه- بأن يصدر عنه ما يمحوه من جريدة المخلصين- . و رابعها أن يعد القرى لضعيف المنية- و ذلك بإقامة وظائف العبادة- .

و خامسها أن يقرب على نفسه البعيد- و ذلك بأن يمثل الموت بين عينيه صباحا و مساء- و ألا يطيل الأمل- . و سادسها- أن يهون عليه الشدائد و ذلك باحتمال كلف المجاهدة- و رياضة النفس على عمل المشاق- . و سابعها- أن يكون قد نظر فأبصر و ذلك بترتيب المقدمات- المطابقة لمتعلقاتها ترتيبا صحيحا- لتنتج العلم اليقيني- . و ثامنها- أن يذكر الله تعالى فيستكثر من ذكره- لأن ذكره سبحانه و الإكثار منه- يقتضي سكون النفس و طمأنينتها كما قال تعالى- أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ- . و تاسعها- أن يرتوي من حب الله تعالى و هو العذب الفرات- الذي سهل موارده على من انتخبه الله- و جعله أهلا للوصول إليه فشرب منه و نهل- و سلك طريقا لا عثار فيه و لا وعث- .

و عاشرها أن يخلع سرابيل الشهوات- لأن الشهوات تصدئ مرآة العقل- فلا تنطبع المعقولات فيها كما ينبغي و كذلك الغضب- . و حادي عشرها أن يتخلى من الهموم كلها- لأنها تزيدات و قواطع عن المطلوب- إلا هما واحدا و هو همه بمولاه- الذي لذته و سروره الاهتمام به- و التفرد بمناجاته و مطالعة أنوار عزته- فحينئذ يخرج عن صفة أهل العمى و من مشاركة أهل الهوى- لأنه قد امتاز عنهم بهذه المرتبة و الخاصية- التي حصلت له فصار مفتاحا لباب الهدى- و مغلاقا لباب الضلال و الردى- قد أبصر طريق الهدى و سلك سبيله- و عرف مناره و قطع غماره- .

و ثاني عشرها أن ينصب نفسه لله في أرفع الأمور- و هو الخلوة به و مقابلة أنوار جلاله بمرآة فكره- حتى تتكيف نفسه بتلك الكيفية العظيمة الإشراق- فهذا أرفع الأمور و أجلها و أعظمها- و قد رمز في هذا الفصل- و مزجه بكلام خرج به إلى أمر آخر- و هو فقه النفس في الدين- و الأمور الشرعية النافعة للناس في دنياهم و أخراهم- أما في دنياهم فلردع المفسد و كف الظالم- و أما في أخراهم فللفوز بالسعادة باعتبار امتثال الأوامر الإلهية- فقال في إصدار كل وارد عليه- أي في فتيا كل مستفت له و هداية كل مسترشد له في الدين- ثم قال و تصيير كل فرع إلى أصله- و يمكن أن يحتج بهذا من قال بالقياس- و يمكن أن يقال إنه لم يرد ذلك- بل أراد تخريج الفروع العقلية و ردها إلى أصولها- كما يتكلف أصحابنا القول في بيان حكمة القديم تعالى- في الآلام و ذبح الحيوانات ردا له إلى أصل العدل- و هو كونه تعالى لا يفعل القبيح- .

و ثالث عشرها أن يكون مصباحا لظلمات الضلال- كشافا لعشوات الشبه- مفتاحا لمبهمات الشكوك المستغلقة- دفاعا لمعضلات الاحتجاجات العقلية الدقيقة الغامضة- دليلا في فلوات الأنظار الصعبة المشتبهة- و لم يكن في أصحاب محمد ص أحد بهذه الصفة إلا هو- . و رابع عشرها أن يقول مخاطبا لغيره فيفهمه ما خاطبه به- و أن يسكت فيسلم و ذلك لأنه ليس كل قائل مفهما- و لا كل ساكت سالما- . و خامش عشرها أن يكون قد أخلص لله فاستخلصه الله- و الإخلاص لله مقام عظيم جدا و هو ينزه الأفعال عن الرياء- و ألا يمازج العبادة أمر لا يكون لله سبحانه- و لهذا كان بعض الصالحين- يصبح من طول العبادة نصبا قشفا- فيكتحل و يدهن ليذهب بذلك أثر العبادة عنه- .

و قوله فهو من معادن دينه و أوتاد أرضه- معادن دينه الذين يقتبس الدين منهم- كمعادن الذهب و الفضة- و هي الأرضون التي يلتقط ذلك منها- و أوتاد أرضه هم الذين لولاهم- لمادت الأرض و ارتجت بأهلها- و هذا من باب الاستعارة الفصيحة- و أهل هذا العلم يقولون- أوتاد الأرض جماعة من الصالحين- و لهم في الأوتاد و الأبدال و الأقطاب كلام مشهور في كتبهم- . و سادس عشرها أن يكون قد ألزم نفسه العدل- و العدالة ملكه تصدر بها عن النفس- الأفعال الفاضلة خلقا لا تخلقا- . و أقسام العدالة ثلاثة- هي الأصول و ما عداها من الفضائل فروع عليها- الأولى الشجاعة- و يدخل فيها السخاء لأنه شجاعة و تهوين للمال- كما أن الشجاعة الأصلية تهوين للنفس- فالشجاع في الحرب جواد بنفسه- و الجواد بالمال شجاع في إنفاقه- و لهذا قال الطائي-

أيقنت أن من السماح شجاعة
تدمي و أن من الشجاعة جودا

و الثانية الفقه- و يدخل فيها القناعة و الزهد و العزلة- . و الثالثة الحكمة و هي أشرفها- . و لم تحصل العدالة الكاملة لأحد من البشر- بعد رسول الله ص إلا لهذا الرجل و من أنصف علم صحة ذلك- فإن شجاعته و جوده- و عفته و قناعته و زهده يضرب بها الأمثال- . و أما الحكمة و البحث في الأمور الإلهية- فلم يكن من فن أحد من العرب- و لا نقل في جهاد أكابرهم و أصاغرهم شي‏ء من ذلك أصلا- و هذا فن كانت اليونان و أوائل الحكماء- و أساطين الحكمة ينفردون به- و أول من خاض فيه من العرب علي ع- و لهذا تجد المباحث الدقيقة في التوحيد و العدل- مبثوثة عنه في فرش كلامه و خطبه- و لا تجد في كلام أحد من الصحابة و التابعين- كلمة واحدة من ذلك و لا يتصورونه- و لو فهموه لم يفهموه و أنى للعرب ذلك- .

و لهذا انتسب المتكلمون- الذين لججوا في بحار المعقولات إليه خاصة دون غيره- و سموه أستاذهم و رئيسهم- و اجتذبته كل فرقة من الفرق إلى نفسها- أ لا ترى أن أصحابنا ينتمون إلى واصل بن عطاء- و واصل تلميذ أبي هاشم بن محمد بن الحنفية- و أبو هاشم تلميذ أبيه محمد و محمد تلميذ أبيه علي ع- . فأما الشيعة من الإمامية و الزيدية و الكيسانية- فانتماؤهم إليه ظاهر- . و أما الأشعرية فإنهم بأخرة ينتمون إليه أيضا- لأن أبا الحسن الأشعري- تلميذ شيخنا أبي علي رحمه الله تعالى- و أبو علي تلميذ أبي يعقوب الشحام- و أبو يعقوب تلميذ أبي الهذيل- و أبو الهذيل تلميذ أبي عثمان الطويل- و أبو عثمان الطويل تلميذ واصل بن عطاء- فعاد الأمر إلى انتهاء الأشعرية إلى علي ع- .

و أما الكرامية فإن ابن الهيصم ذكر في كتاب المقالات- أن أصل مقالتهم و عقيدتهم تنتهي إلى علي ع من طريقين- أحدهما بأنهم يسندون اعتقادهم عن شيخ بعد شيخ- إلى أن ينتهي إلى سفيان الثوري- ثم قال و سفيان الثوري من الزيدية- ثم سأل نفسه فقال إذا كان شيخكم الأكبر- الذي تنتمون إليه كان زيديا- فما بالكم لا تكونون زيدية- و أجاب بأن سفيان الثوري رحمه الله تعالى- و أن أشهر عنه الزيدية إلا أن تزيده إنما كان عبارة عن موالاة أهل البيت- و إنكار ما كان بنو أمية عليه من الظلم- و إجلال زيد بن علي و تعظيمه و تصوينه في أحكامه و أحواله- و لم ينقل عن سفيان الثوري أنه طعن في أحد من الصحابة- .

الطريق الثاني أنه عد مشايخهم واحدا فواحدا- حتى انتهى إلى علماء الكوفة من أصحاب علي- كسلمة بن كهيل و حبة العرني و سالم بن الجعد- و الفضل بن دكين و شعبة و الأعمش و علقمة و هبيرة ابن مريم- و أبي إسحاق الشعبي و غيرهم- ثم قال و هؤلاء أخذوا العلم من علي بن أبي طالب ع- فهو رئيس الجماعة يعنى أصحابه- و أقوالهم منقولة عنه و مأخوذة منه- . و أما الخوارج فانتماؤهم إليه ظاهر أيضا مع طعنهم فيه- لأنهم كانوا أصحابه و عنه مرقوا- بعد أن تعلموا عنه و اقتبسوا منه- و هم شيعته و أنصاره بالجمل و صفين- و لكن الشيطان ران على قلوبهم و أعمى بصائرهم- .

ثم إنه ع ذكر حال هذا العارف العادل- فقال أول عدله نفي الهوى عن نفسه- و ذلك لأن من يأمر و لا يأتمر و ينهى و لا ينتهي- لا تؤثر عظته و لا ينفع إرشاده- ثم شرح ذلك فقال يصف الحق و يعمل به- ثم قال لا يدع للخير غاية إلا أمها و لا مظنة إلا قصدها- و ذلك لأن الخير لذته و سروره و راحته- فمتى وجد إليه طريقا سلكها- ثم قال قد أمكن الكتاب يعني القرآن من زمامه- أي قد أطاع الأوامر الإلهية فالقرآن قائده و إمامه- يحل حيث حل و ينزل حيث نزل وَ آخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً وَ لَيْسَ بِهِ- فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وَ أَضَالِيلَ مِنْ ضُلَّالٍ- وَ نَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ وَ قَوْلِ زُورٍ- قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ- وَ عَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ- يُؤَمِّنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ وَ يُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ- يَقُولُ أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وَ فِيهَا وَقَعَ- وَ يَقُولُ أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ وَ بَيْنَهَا اضْطَجَعَ- فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ وَ الْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ- لَا يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ- وَ لَا بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ وَ ذَلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ- فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ وَ أَنَّى تُؤْفَكُونَ- وَ الْأَعْلَامُ قَائِمَةٌ وَ الآْيَاتُ وَاضِحَةٌ وَ الْمَنَارُ مَنْصُوبَةٌ- فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ وَ كَيْفَ تَعْمَهُونَ وَ بَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِيِّكُمْ- وَ هُمْ أَزِمَّةُ الْحَقِّ وَ أَعْلَامُ الدِّينِ وَ أَلْسِنَةُ الصِّدْقِ- فَأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرْآنِ- وَ رِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِيمِ الْعِطَاشِ- أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوهَا عَنْ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ ص- إِنَّهُ يَمُوتُ مِنْ مَاتَ مِنَّا وَ لَيْسَ بِمَيِّتٍ- وَ يَبْلَى مَنْ بَلِيَ مِنَّا وَ لَيْسَ بِبَالٍ- فَلَا تَقُولُوا بِمَا لَا تَعْرِفُونَ- فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحَقِّ فِيمَا تُنْكِرُونَ- وَ أَعْذِرُوا مَنْ لَا حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ وَ هُوَ أَنَا- أَ لَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالثَّقَلِ الْأَكْبَرِ- وَ أَتْرُكْ فِيكُمُ الثَّقَلَ الْأَصْغَرَ- قَدْ رَكَزْتُ فِيكُمْ رَايَةَ الْإِيمَانِ- وَ وَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ- وَ أَلْبَسْتُكُمُ الْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلِي- وَ فَرَشْتُكُمُ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِي وَ فِعْلِي- وَ أَرَيْتُكُمْ كَرَائِمَ الْأَخْلَاقِ مِنْ نَفْسِي- فَلَا تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فِيمَا لَا يُدْرِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ- وَ لَا تَتَغَلْغَلُ إِلَيْهِ الْفِكَرُ الجهائل جمع جهالة كما قالوا علاقة و علائق- و الأضاليل الضلال جمع لا واحد له من لفظه- . و قوله و قد حمل الكتاب على آرائه- يعني قد فسر الكتاب و تأوله على مقتضى هواه- و قد أوضح ذلك بقوله و عطف الحق على أهوائه- .

و قوله يؤمن الناس من العظائم- فيه تأكيد لمذهب أصحابنا في الوعيد- و تضعيف لمذهب المرجئة- الذين يؤمنون الناس من عظائم الذنوب- و يمنونهم العفو مع الإصرار و ترك التوبة-و جاء في الخبر المرفوع المشهور الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت- و الأحمق من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله- .

و قوله يقول أقف عند الشبهات- يعني أن هذا المدعي للعلم يقول لنفسه و للناس- أنا واقف عند أدنى شبهة تحرجا و تورعا-كما قال ص دع ما يريبك إلى ما لا يريبك- . ثم قال و في الشبهات وقع أي بجهله- لأن من لا يعلم الشبهة ما هي- كيف يقف عندها و يتخرج من الورطة فيها- و هو لا يأمن من كونها غير شبهة على الحقيقة- . و قوله أعتزل البدع و بينها اضطجع- إشارة إلى تضعيف مذاهب العامة- و لحشوية- الذين رفضوا النظر العقلي و قالوا نعتزل البدع- . و قوله فالصورة صورة إنسان و ما بعده- فمراده بالحيوان هاهنا- الحيوان الأخرس الحمار و الثور- و ليس يريد العموم لأن الإنسان داخل في الحيوان- و هذا مثل قوله تعالى إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا- . و قال الشاعر-

و كائن ترى من صامت لك معجب
زيادته أو نقصه في التكلم‏

لسان الفتى نصف و نصف فؤاده‏
فلم يبق إلا صورة اللحم و الدم‏

قوله و ذلك ميت الأحياء كلمة فصيحة- و قد أخذها شاعر فقال-

ليس من مات فاستراح بميت
إنما الميت ميت الأحياء

 إلا أن أمير المؤمنين ع أراد لجهله و الشاعر أراد لبؤسه- . و تؤفكون تقلبون و تصرفون- . و الأعلام المعجزات هاهنا جمع علم- و أصله الجبل أو الراية و المنارة- تنصب في الفلاة ليهتدى بها- . و قوله فأين يتاه بكم أي أين يذهب بكم في التيه- و يقال أرض تيهاء يتحير سالكها- و تعمهون تتحيرون و تضلون- . و عترة رسول الله ص أهله الأدنون و نسله- و ليس بصحيح قول من قال إنهم رهطه و إن بعدوا- و إنما قال أبو بكر يوم السقيفة أو بعده- نحن عترة رسول الله ص و بيضته التي فقئت عنه- على طريق المجاز- لأنهم بالنسبة إلى الأمصار عترة له لا في الحقيقة- أ لا ترى أن العدناني يفاخر القحطاني- فيقول له أنا ابن عم رسول الله ص- ليس يعني أنه ابن عمه على الحقيقة- بل هو بالإضافة إلى القحطاني كأنه ابن عمه- و إنما استعمل ذلك و نطق به مجازا- فإن قدر مقدر أنه على طريق حذف المضافات- أي ابن ابن عم أب الأب إلى عدد كثير في البنين و الآباء- فكذلك أراد أبو بكر أنهم عترة أجداده- على طريق حذف المضاف- و قد بين رسول الله ص عترته من هي-لما قال إني تارك فيكم الثقلينفقال عترتي أهل بيتي- و بين في مقام آخر من أهل بيته حيث طرح عليهم كساء- و قال حين نزلت- إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ‏لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب الرجس عنهم- .

فإن قلت- فمن هي العترة التي عناها أمير المؤمنين ع بهذا الكلام- . قلت نفسه و ولداه- و الأصل في الحقيقة نفسه لأن ولديه تابعان له- و نسبتهما إليه مع وجوده كنسبة الكواكب المضيئة- مع طلوع الشمس المشرقة- و قد نبه النبي ص على ذلك بقوله و أبوكما خير منكما
– . و قوله و هم أزمة الحق جمع زمام- كأنه جعل الحق دائرا معهم حيثما داروا- و ذاهبا معهم حيثما ذهبوا كما أن الناقة طوع زمامها- و قد نبه الرسول ص على صدق هذه القضية بقوله و أدر الحق معه حيث دار- .

و قوله و ألسنة الصدق من الألفاظ الشريفة القرآنية- قال الله تعالى وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ- لما كان يصدر عنهم حكم و لا قول إلا و هو موافق للحق- و الصواب جعلهم كأنهم ألسنة صدق- لا يصدر عنها قول كاذب أصلا بل هي كالمطبوعة على الصدق- . و قوله فأنزلوهم منازل القرآن تحته سر عظيم- و ذلك أنه أمر المكلفين- بأن يجروا العترة في إجلالها و إعظامها- و الانقياد لها و الطاعة لأوامرها مجرى القرآن- . فإن قلت فهذا القول منه يشعر بأن العترة معصومة- فما قول أصحابكم في ذلك- . قلت نص أبو محمد بن متويه رحمه الله تعالى- في كتاب الكفاية على أن عليا ع معصوم- و إن لم يكن واجب العصمة و لا العصمة شرط في الإمامة- لكن أدلة النصوص قد دلت على عصمته- و القطع على باطنه و مغيبه- و أن ذلك أمر اختص‏ هو به دون غيره من الصحابة- و الفرق ظاهر بين قولنا زيد معصوم- و بين قولنا زيد واجب العصمة لأنه إمام- و من شرط الإمام أن يكون معصوما- فالاعتبار الأول مذهبنا- و الاعتبار الثاني مذهب الإمامية- .

ثم قال وردوهم ورود الهيم العطاش أي كونوا ذوي حرص- و انكماش على أخذ العلم و الدين منهم- كحرص الهيم الظماء على ورود الماء- . ثم قال أيها الناس خذوها عن خاتم النبيين- إلى قوله و ليس ببال- هذا الموضع يحتاج إلى تلطف في الشرح- لأن لقائل أن يقول ظاهر هذا الكلام متناقض- لأنه قال يموت من مات منا و ليس بميت- و هذا كما تقول يتحرك المتحرك و ليس بمتحرك- و كذلك قوله و يبلى من بلي منا و ليس ببال- أ لا ترى أنه سلب و إيجاب لشي‏ء واحد- فإن قلتم أراد بقاء النفس بعد موت الجسد- كما قاله الأوائل و قوم من المتكلمين- قيل لكم فلا اختصاص للنبي و لا لعلي بذلك- بل هذه قضية عامة في جميع البشر- و الكلام خرج مخرج التمدح و الفخر- . فنقول في الجواب- إن هذا يمكن أن يحمل على وجهين- أحدهما أن يكون النبي ص و علي- و من يتلوهما من أطائب العترة أحياء- بأبدانهم التي كانت في الدنيا بأعيانها- قد رفعهم الله تعالى إلى ملكوت سماواته- و على هذا لو قدرنا أن محتفرا- احتفر تلك الأجداث الطاهرة عقب دفنهم- لم يجد الأبدان في الأرض-

و قد روي في الخبر النبوي ص مثل ذلك و هو قوله إن الأرض لم تسلط علي- و إنها لا تأكل لي لحما و لا تشرب لي دما- نعم يبقى الأشكال في قوله و يبلى من بلي منا و ليس ببال- فإنه إن صح هذا التفسير في الكلام الأول- و هو قوله يموت‏ من مات منا و ليس بميت- فليس يصح في القضية الثانية و هي حديث البلاء- لأنها تقتضي أن الأبدان تبلى و ذاك الإنسان لم يبل- فأحوج هذا الأشكال إلى تقدير فاعل محذوف- فيكون تقدير الكلام- يموت من مات حال موته و ليس بميت- فيما بعد ذلك من الأحوال و الأوقات- و يبلى كفن من بلي منا و ليس هو ببال- فحذف المضاف كقوله وَ إِلى‏ مَدْيَنَ أي و إلى أهل مدين- و لما كان الكفن كالجزء من الميت لاشتماله عليه- عبر بأحدهما عن الآخر للمجاورة و الاشتمال- كما عبروا عن المطر بالسماء- و عن الخارج المخصوص بالغائط و عن الخمر بالكأس- و يجوز أن يحذف الفاعل كقوله تعالى- حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ- و فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ-

و قول حاتم إذا حشرجت و حذف الفاعل كثير- . و الوجه الثاني- أن أكثر المتكلمين ذهبوا إلى أن للإنسان الحي الفعال- أجزاء أصلية في هذه البنية المشاهدة- و هي أقل ما يمكن أن تأتلف منه البنية- التي معها يصح كون الحي حيا- و جعلوا الخطاب متوجها نحوها- و التكليف واردا عليها و ما عداها من الأجزاء- فهي فاضلة ليست داخلة في حقيقة الإنسان- و إذا صح ذلك جاز أن ينتزع الله تلك الأجزاء الأصلية- من أبدان الأنبياء و الأوصياء- فيرفعها إليه بعد أن يخلق لها من الأجزاء الفاضلة عنها- نظير ما كان لها في الدار الأولى- كما قاله من ذهب إلى قيامة الأنفس و الأبدان معا- فتنعم عنده و تلتذ بضروب اللذات الجسمانية- و يكون هذا مخصوصا بهذه الشجرةالمباركة دون غيرها- و لا عجب فقد ورد في حق الشهداء نحو ذلك في قوله تعالى- وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً- بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ- . و على الوجه الأول- لو أن محتفرا احتفر أجداثهم لوجد الأبدان فيها- و إن لم يعلم أن أصول تلك البنى قد انتزعت منها- و نقلت إلى الرفيق الأعلى- و هذا الوجه لا يحتاج إلى تقدير ما قدرناه أولا من الحذف- لأن الجسد يبلى في القبر إلا قدر ما انتزع منه- و نقل إلى محل القدس- و كذلك أيضا يصدق على الجسد أنه ميت- و إن كان أصل بنيته لم يمت-

و قد ورد في الخبر الصحيح أن أرواح الشهداء من المؤمنين في حواصل طيور خضر- تدور في أفناء الجنان و تأكل من ثمارها- و تأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش- فإذا جاء هذا في الشهداء- فما ظنك بموالي الشهداء و ساداتهم- . فإن قلت فهل يجوز أن يتأول كلامه- فيقال لعله أراد بقاء الذكر و الصيت- .

قلت إنه لبعيد لأن غيرهم يشركهم في ذلك- و لأنه أخرج الكلام مخرج المستغرب المستعظم له- . فإن قلت فهل يمكن أن يقال- إن الضمير يعود إلى النبي ص- لأنه قد ذكره في قوله خاتم النبيين- فيكون التقدير أنه يموت من مات منا- و النبي ص ليس بميت- و يبلى من بلي منا و النبي ليس ببال- . قلت هذا أبعد من الأول- لأنه لو أراد ذلك لقال إن رسول الله ص لا تبليه الأرض- و أنه الآن حي و لم يأت بهذا الكلام الموهم- و لأنه في سياق تعظيم العترة و تبجيل أمرها- و فخره بنفسه و تمدحه بخصائصه و مزاياه- فلا يجوز أن يدخل في غضون ذلك ما ليس منه- .

فإن قلت فهل هذا الكلام منه أم قاله مرفوعا- قلت بل ذكره مرفوعا- أ لا تراه قال خذوها عن خاتم النبيين- ثم نعود إلى التفسير فنقول إنه لما قال لهم ذلك علم- أنه قال قولا عجيبا و ذكر أمرا غريبا- و علم أنهم ينكرون ذلك و يعجبون منه- فقال لهم فلا تقولوا ما لا تعرفون- أي لا تكذبوا إخباري- و لا تكذبوا إخبار رسول الله لكم بهذا- فتقولون ما لا تعلمون صحته- ثم قال فإن أكثر الحق في الأمور العجيبة- التي تنكرونها كإحياء الموتى في القيامة- و كالصراط و الميزان و النار و الجنة و سائر أحوال الآخرة- هذا إن كان خاطب من لا يعتقد الإسلام- فإن كان الخطاب لمن يعتقد الإسلام فإنه يعني بذلك- أن أكثرهم كانوا مرجئة و مشبهة و مجبرة- و من يعتقد أفضلية غيره عليه- و من يعتقد أنه شرك في دم عثمان- و من يعتقد أن معاوية صاحب حجة في حربه- أو شبهة يمكن أن يتعلق بها متعلق- و من يعتقد أنه أخطأ في التحكيم- إلى غير ذلك من ضروب الخطإ التي كان أكثرهم عليها- .

ثم قال و أعذروا من لا حجة لكم عليه و هو أنا- يقول قد عدلت فيكم- و أحسنت السيرة و أقمتكم على المحجة البيضاء- حتى لم يبق لأحد منكم حجة يحتج بها علي- ثم شرح ذلك فقال عملت فيكم بالثقل الأكبر- يعني الكتاب و خلفت فيكم الأصغر يعني ولديه- لأنهما بقية الثقل الأصغر- فجاز أن يطلق عليهما بعد ذهاب من ذهب منه- أنهما الثقل الأصغر- و إنما سمى النبي ص الكتاب و العترة الثقلين- لأن الثقل في اللغة متاع المسافر و حشمه- فكأنه ص لما شارف الانتقال إلى جوار ربه تعالى- جعل نفسه كالمسافر الذي ينتقل من منزل إلى منزل- و جعل الكتاب و العترة كمتاعه و حشمه- لأنهما أخص الأشياء به- . قوله و ركزت فيكم راية الإيمان أي غرزتها و أثبتها- و هذا من باب الاستعارة- .

و كذلك قوله- و وقفتكم على حدود الحلال و الحرام- من باب الاستعارة أيضا- مأخوذ من حدود الدار- و هي الجهات الفاصلة بينها و بين غيرها- . قوله و ألبستكم العافية من عدلي استعارة فصيحة- و أفصح منها قوله و فرشتكم المعروف من قولي و فعلي- أي جعلته لكم فراشا و فرش هاهنا متعد إلى مفعولين- يقال فرشته كذا أي أوسعته إياه- .

ثم نهاهم أن يستعملوا الرأي فيما ذكره لهم- من خصائص العترة و عجائب ما منحها الله تعالى-فقال إن أمرنا أمر صعب لا تهتدي إليه العقول- و لا تدرك الأبصار قعره و لا تتغلغل الأفكار إليه- و التغلغل الدخول من تغلغل الماء بين الشجر- إذا تخللها و دخل بين أصولها: وَ مِنْهَا حَتَّى يَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّ الدُّنْيَا مَعْقُولَةٌ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ- تَمْنَحُهُمْ دَرَّهَا وَ تُورِدُهُمْ صَفْوَهَا- وَ لَا يُرْفَعُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَوْطُهَا وَ لَا سَيْفُهَا وَ كَذَبَ الظَّانُّ لِذَلِكَ- بَلْ هِيَ مَجَّةٌ مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ يَتَطَعَّمُونَهَا بُرْهَةً- ثُمَّ يَلْفِظُونَهَا جُمْلَةً معقولة محبوسة بعقال كما تعقل الناقة- و تمنحهم تعطيهم و المنح العطاء منح يمنح بالفتح- و الاسم المنحة بالكسر و استمنحت زيدا طلبت منحته- .

و الدر في الأصل اللبن- جعل الدنيا كناقة معقولة عليهم تمنحهم لبنها- ثم استعمل‏ الدر في كل خير و نفع- فقيل لا در درة أي لا كثر خيره- و يقال في المدح لله درة أي عمله- . و مجة من لذيذ العيش مصدر مج الشراب من فيه- أي رمى به و قذفه- و يقال انمجت نقطة من القلم أي ترششت- و شيخ ماج أي كبير يمج الريق- و لا يستطيع حبسه لكبره- . و يتطعمونها أي يذوقونها- و برهة أي مدة من الزمان فيها طول- و لفظت الشي‏ء من فمي ألفظه لفظا رميته- و ذلك الشي‏ء اللفاظة و اللفاظ- أي يلفظونها كلها لا يبقى منها شي‏ء معهم- . و هذه الخطبة طويلة-

و قد حذف الرضي رحمه الله تعالى منها كثيرا و من جملتها-أما و الذي فلق الحبة و برأ النسمة- لا يرون الذي ينتظرون حتى يهلك المتمنون- و يضمحل المحلون و يتثبت المؤمنون و قليل ما يكون- و الله و الله لا ترون الذي تنتظرون- حتى لا تدعون الله إلا إشارة بأيديكم و إيماضا بحواجبكم- و حتى لا تملكون من الأرض إلا مواضع أقدامكم- و حتى يكون موضع سلاحكم على ظهوركم- فيومئذ لا ينصرني إلا الله بملائكته- و من كتب على قلبه الإيمان- و الذي نفس علي بيده- لا تقوم عصابة تطلب لي أو لغيري حقا- أو تدفع عنا ضيما إلا صرعتهم البلية- حتى تقوم عصابة شهدت مع محمد ص بدرا- لا يودى قتيلهم و لا يداوى جريحهم و لا ينعش صريعهم- قال المفسرون هم الملائكة- .و منها لقد دعوتكم إلى الحق و توليتم- و ضربتكم بالدرة فما استقمتم- و ستليكم‏ بعدي ولاة يعذبونكم بالسياط و الحديد- و سيأتيكم غلاما ثقيف أخفش و جعبوب- يقتلان و يظلمان و قليل ما يمكنان- .

قلت الأخفش الضعيف البصر خلقة- و الجعبوب القصير الذميم- و هما الحجاج و يوسف بن عمر- و في كتاب عبد الملك إلى الحجاج- قاتلك الله أخيفش العينين أصك الجاعرنين- . و من كلام الحسن البصري رحمه الله تعالى- يذكر فيه الحجاج أتانا أعيمش أخيمش- يمد بيد قصيرة البنان ما عرق فيها عنان في سبيل الله- . و كان المثل يضرب بقصر يوسف بن عمر- و كان يغضب إذا قيل له قصير- فصل له الخياط ثوبا فأبقى منه فضلة كثيرة- فقال له ما هذه- قال فضلت من قميص الأمير فضربه مائة سوط- فكان الخياطون بعد ذلك يفصلون له اليسير من الثوب- و يأخذون الباقي لأنفسهم

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن‏ أبي‏ الحديد) ج 6 

خطبه 85 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

85 و من خطبة له ع

قَدْ عَلِمَ السَّرَائِرَ وَ خَبَرَ الضَّمَائِرَ- لَهُ الْإِحَاطَةُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ الْغَلَبَةُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ- وَ الْقُوَّةُ عَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ- فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُ مِنْكُمْ فِي أَيَّامِ مَهَلِهِ قَبْلَ إِرْهَاقِ أَجَلِهِ- وَ فِي فَرَاغِهِ قَبْلَ أَوَانِ شُغُلِهِ- وَ فِي مُتَنَفَّسِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ بِكَظَمِهِ- وَ لْيُمَهِّدْ لِنَفْسِهِ وَ قَدَمِهِ وَ لْيَتَزَوَّدْ مِنْ دَارِ ظَعْنِهِ لِدَارِ إِقَامَتِهِ- فَاللَّهَ اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ فِيمَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ- وَ اسْتَوْدَعَكُمْ مِنْ حُقُوقِهِ- فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً وَ لَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدًى- وَ لَمْ يَدَعْكُمْ فِي جَهَالَةٍ وَ لَا عَمًي قَدْ سَمَّى آثَارَكُمْ- وَ عَلِمَ أَعْمَالَكُمْ وَ كَتَبَ آجَالَكُمْ- وَ أَنْزَلَ عَلَيْكُمُ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ- وَ عَمَّرَ فِيكُمْ نَبِيِّهُ أَزْمَاناَ حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ وَ لَكُمْ- فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابِهِ دِينَهُ الَّذِي رَضِيَ لِنَفْسِهِ- وَ أَنْهَى إِلَيْكُمْ عَلَى لِسَانِهِ مَحَابَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَ مَكَارِهَهُ- وَ نَوَاهِيَهُ وَ أَوَامِرَهُ وَ أَلْقَى إِلَيْكُمُ الْمَعْذِرَةَ- وَ اتَّخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ وَ قَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ- وَ أَنْذَرَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ السرائر جمع سريرة و هو ما يكتم من السر- . و خبر الضمائر بفتح الباء امتحنها و ابتلاها- و من رواه بكسر الباء أراد علم- و الاسم‏ الخبر بضم الخاء و هو العلم و الضمائر جمع ضمير- و هو ما تضمره و تكنه في نفسك- .

و في قوله له الإحاطة بكل شي‏ء- و قد بينها ثلاث مسائل في التوحيد- إحداهن أنه تعالى عالم بكل المعلومات- . و الثانية أنه لا شريك له- و إذا ثبت كونه عالما بكل شي‏ء- كان في ضمن ذلك نفي الشريك لأن الشريك لا يكون مغلوبا- . و الثالثة أنه قادر على كل ما يصح تعلق قادريته تعالى به- .و أدلة هذه المسائل مذكورة في الكتب الكلامية- .

 و قوله فليعمل العامل منكم إلى قوله- و ليتزود من دار ظعنه لدار إقامته- مأخوذ من قول رسول الله ص في خطبته المشهورة-و هي أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم- و إن لكم غاية فانتهوا إلى غايتكم- إن المؤمن بين مخافتين- بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به- و أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه- فليأخذ العبد من نفسه لنفسه و من دنياه لآخرته- و من الشبيبة قبل الهرم و من الحياة قبل الموت- فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب- و ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار- . و المهل المهلة و التؤدة و الإرهاق مصدر أرهق- تقول أرهقه قرنه في الحرب إرهاقا إذا غشيه ليقتله- و زيد مرهق قال الشاعر-

تندى أكفهم و في أبياتهم
ثقة المجاور و المضاف المرهق‏

و في متنفسه أي في سعة وقته- يقال أنت في نفس من أمرك أي في سعة- .و الكظم بفتحهما مخرج النفس و الجمع أكظام- و يجوز ظعنه و ظعنه بتحريك العين و تسكينها- و قرئ بهما يَوْمَ ظَعْنِكُمْ و ظعنكم- و نصب الله الله على الإغراء- و هو أن تقدر فعلا ينصب المفعول به أي اتقوا الله- و جعل تكرير اللفظ نائبا عن الفعل المقدر و دليلا عليه- . استحفظكم من كتابه جعلكم حفظة له جمع حافظ- . السدى المهمل و يجوز سدى بالفتح- أسديت الإبل أهملتها- و قوله قد سمى آثاركم يفسر بتفسيرين أحدهما- قد بين لكم أعمالكم خيرها و شرها- كقوله تعالى وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ- و الثاني قد أعلى مآثركم- أي رفع منازلكم إن أطعتم- و يكون سمى بمعنى أسمى- كما كان في الوجه الأول بمعنى أبان و أوضح- .

و التبيان بكسر التاء مصدر و هو شاذ- لأن المصادر إنما تجي‏ء على التفعال- بفتحها مثل التذكار و التكرار- و لم يأت بالكسر إلا حرفان و هما التبيان و التلقاء- . و قوله حتى أكمل له و لكم دينه- من قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ- وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي- . و قوله الذي رضي لنفسه من قوله تعالى- وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ- لأنه إذا ارتضى لهم فقد ارتضاه لنفسه- أي ارتضى أن ينسب إليه- فيقال هذا دين الحق و أنهى إليكم عرفكم و أعلمكم- . و محابه جمع محبة و مكارهه جمع مكرهة و هي ما تكره- و في هذا دلالة أن الله تعالى يحب الطاعة و يكره المعصية- و هو خلاف قول المجبرة- .

و الأوامر جمع آمر و أنكره قوم و قالوا هاهنا جمع أمر- كالأحاوص جمع أحوص و الأحامر جمع أحمر- يعني الكلام الآمر لهم بالطاعات و هو القرآن- . و النواهي جمع ناهية كالسواري جمع سارية- و الغوادي جمع غادية- يعني الآيات الناهية لهم عن المعاصي- و يضعف أن يكون الأوامر و النواهي جمع أمر و نهي- لأن فعلا لا يجمع على أفاعل و فواعل- و إن كان قال ذلك بعض الشواذ من أهل الأدب- .

و قوله و ألقى إليكم المعذرة كلام فصيح- و هو من قوله تعالى أَلْقى‏ إِلَيْكُمُ السَّلامَ- . و قدم إليكم بالوعيد و أنذركم بين يدي عذاب شديد- أي أمامه و قبله مأخوذ أيضا من القرآن- و معنى قوله بين يدي عذاب شديد أي أمامه و قبله- لأن ما بين يديك متقدم لك: فَاسْتَدْرِكُوا بَقِيَّةَ أَيَّامِكُمْ وَ اصْبِرُوا لَهَا أَنْفُسَكُمْ- فَإِنَّهَا قَلِيلٌ فِي كَثِيرِ الْأَيَّامِ الَّتِي تَكُونُ مِنْكُمْ فِيهَا الْغَفْلَةُ- وَ التَّشَاغُلُ عَنِ الْمَوْعِظَةِ وَ لَا تُرَخِّصُوا لِأَنْفُسِكُمْ- فَتَذْهَبَ بِكُمُ الرُّخَصُ مَذَاهِبَ الظَّلَمَةِ- وَ لَا تُدَاهِنُوا فَيَهْجُمَ بِكُمُ الْإِدْهَانُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ- عِبَادَ اللَّهِ إِنَّ أَنْصَحَ النَّاسِ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُهُمْ لِرَبِّهِ- وَ إِنَّ أَغَشَّهُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاهُمْ لِرَبِّهِ- وَ الْمَغْبُونُ مَنْ غَبَنَ نَفْسَهُ وَ الْمَغْبُوطُ مَنْ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ- وَ السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ- وَ الشَّقِيُّ مَنِ انْخَدَعَ لِهَوَاهُ وَ غُرُورِهِ-وَ اعْلَمُوا أَنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ- وَ مُجَالَسَةَ أَهْلِ الْهَوَى مَنْسَاةٌ لِلْإِيمَانِ وَ مَحْضَرَةٌ لِلشَّيْطَانِ- جَانِبُوا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ مُجَانِبٌ لِلْإِيمَانِ- الصَّادِقُ عَلَى شَفَا مَنْجَاةٍ وَ كَرَامَةٍ- وَ الْكَاذِبُ عَلَى شَرَفِ مَهْوَاةٍ وَ مَهَانَةٍ- وَ لَا تَحَاسَدُوا- فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ- وَ لَا تَبَاغَضُوا فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ- وَ اعْلَمُوا أَنَّ الْأَمَلَ يُسْهِي الْعَقْلَ- وَ يُنْسِي الذِّكْرَ فَأَكْذِبُوا الْأَمَلَ- فَإِنَّهُ غَرُورٌ وَ صَاحِبُهُ مَغْرُورٌ قوله فاستدركوا بقية أيامكم- يقال استدركت ما فات و تداركت ما فات- بمعنى و اصبروا لها أنفسكم مأخوذ من قوله تعالى- وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ- يقال صبر فلان نفسه على كذا أي حبسها عليه- يتعدى فينصب قال عنترة-

فصبرت عارفة لذلك حرة
ترسو إذا نفس الجبان تطلع‏

 أي حبست نفسا عارفة-و في الحديث النبوي في رجل أمسك رجلا و قتله الآخر- فقال ع اقتلوا القاتل و اصبروا الصابر- أي احبسوا الذي أمسكه حتى يموت- . و الضمير في فإنها قليل- عائد إلى الأيام التي أمرهم باستدراكها- يقول إن هذه الأيام التي قد بقيت من أعماركم قليلة- بالنسبة و الإضافة إلى الأيام التي تغفلون فيها عن الموعظة- .

و قوله فإنها قليل فأخبر عن المؤنث بصيغة المذكر- إنما معناه فإنها شي‏ء قليل بحذف الموصوف- كقوله وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً أي قبيلا رفيقا- . ثم قال و لا ترخصوا نهى عن الأخذ برخص المذاهب- و ذلك لأنه لا يجوز للواحد من العامة- أن يقلد كلا من أئمة الاجتهاد- فيما خف و سهل من الأحكام الشرعية- أو لا تساهلوا أنفسكم في ترك تشديد المعصية- و لا تسامحوها و ترخصوا إليها- في ارتكاب الصغائر و المحقرات من الذنوب- فتهجم بكم على الكبائر- لأن من مرن على أمر تدرج من صغيره إلى كبيره- . و المداهنة النفاق و المصانعة و الادهان مثله- قال تعالى وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ- .

قوله إن أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربه- لأنه قد صانها عن العقاب و أوجب لها الثواب- و ذلك غاية ما يمكن من نصيحتها و نفعها- . قوله و إن أغش الناس لنفسه أعصاهم لربه- لأنه ألقاها في الهلاك الدائم- و ذلك أقصى ما يمكن من غشها و الإضرار بها- . ثم قال و المغبون من غبن نفسه- أي أحق الناس أن يسمى مغبونا من غبن نفسه- يقال غبنته في البيع غبنا بالتسكين أي خدعته- و قد غبن فهو مغبون- و غبن الرجل رأيه بالكسر غبنا بالتحريك فهو غبين- أي ضعيف الرأي و فيه غبانة- و لفظ الغبن يدل على أنه من باب غبن البيع و الشراء- لأنه قال و المغبون و لم يقل و الغبين- . و المغبوط الذي يتمنى مثل حاله- و الذي يتمنى زوال حاله و انتقالها هو الحاسد-و الحسد مذموم و الغبطة غير مذمومة- يقال غبطته بما نال أغبطه غبطا و غبطة فاغتبط هو- كقولك منعته فامتنع و حبسته فاحتبس قال الشاعر-

و بينما المرء في الأحياء مغتبط
إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير

هكذا أنشدوه بكسر الباء- و قالوا فيه مغتبط أي مغبوط- . قوله و السعيد من وعظ بغيره مثل من الأمثال النبوية- . و قد ذكرنا فيما تقدم- ما جاء في ذم الرياء و تفسير كونه شركا- . و قوله ع منسأة للإيمان- أي داعية إلى نسيان الإيمان و إهماله- و الإيمان الاعتقاد و العمل- . و محضرة للشيطان موضع حضوره- كقولك مسبعة أي موضع السباع و مفعاة أي موضع الأفاعي- .

ثم نهى عن الكذب و قال إنه مجانب للإيمان- و كذا ورد في الخبر المرفوع- . و شفا منجاة أي حرف نجاة و خلاص و شفا الشي‏ء حرفه- قال تعالى وَ كُنْتُمْ عَلى‏ شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ- و أشفى على الشي‏ء و أشرف عليه بمعنى- و أكثر ما يقال ذلك في المكروه- يقال أشفى المريض على الموت- و قد استعمله هاهنا في غير المكروه- . و الشرف المكان العالي بفتح الشين- و أشرفت عليه أي اطلعت من فوق- . و المهواة موضع السقوط و المهانة الحقارة- .

ثم نهى عن الحسد و قال- إنه يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب- و قد ورد هذا الكلام في الأخبار المرفوعة- و قد تقدم منا كلام في الحسد و ذكرنا كثيرا مما جاء فيه- .ثم نهى عن المباغضة و قال إنها الحالقة- أي المستأصلة التي تأتي على القوم كالحلق للشعر- . ثم نهى عن الأمل و طوله- و قال إنه يورث العقل سهوا و ينسي الذكر- ثم أمر بإكذاب الأمل و نهى عن الاعتماد عليه- و السكون إليه فإنه من باب الغرور- . و قد ذكرنا في الأمل و طوله نكتا نافعة فيما تقدم- و يجب أن نذكر ما جاء في النهي عن الكذب

فصل في ذم الكذب و حقارة الكذابين

جاء في الخبر عن رسول الله ص إذا كذب العبد كذبة- تباعد الملك منه مسيرة ميل من نتن ما جاء به و عنه ع إياكم و الكذب- فإن الكذب يهدي إلى الفجور و الفجور يهدي إلى النار- و إن الرجل ليكذب و يتحرى الكذب- فيكتب عند الله كاذبا- و عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر- و إن البر ليهدي إلى الجنة- و إن الرجل ليصدق و يتحرى الصدق فيكتب عند الله صادقا

و روي أن رجلا قال للنبي ص أنا يا رسول الله أستسر بخلال أربع- الزنا و شرب الخمر و السرق و الكذب- فأيتهن شئت تركتها لك قال دع الكذب- فلما ولى هم بالزنا- فقال يسألني فإن جحدت نقضت ما جعلت له- و إن أقررت حددت ثم هم بالسرق ثم بشرب الخمر- ففكر في مثل ذلك فرجع إليه- فقال قد أخذت على السبيل كله فقد تركتهن أجمع

قال العباس بن عبد المطلب لابنه عبد الله يا بني أنت أفقه مني و أنا أعقل منك-و إن هذا الرجل يدنيك يعني عمر بن الخطاب- فاحفظ عني ثلاثا لا تفشين له سرا و لا تغتابن عنده أحدا- و لا يطلعن منك على كذبة- قال عبد الله فكانت هذه الثلاث- أحب إلي من ثلاث بدرات ياقوتا- قال الواثق لأحمد بن أبي داود رحمه الله تعالى- كان ابن الزيات عندي فذكرك بكل قبيح- قال الحمد لله الذي أحوجه إلى الكذب علي- و نزهني عن الصدق في أمره- .

و كان يقال أمران لا يكاد أحدهما ينفك من الكذب- كثرة المواعيد و شدة الاعتذار- . و من الحكم القديمة- إنما فضل الناطق على الأخرس بالنطق- و زين المنطق الصدق فالكاذب شر من الأخرس- . قال الرشيد للفضل بن الربيع في كلام جرى بينهما كذبت- فقال يا أمير المؤمنين- وجه الكذوب لا يقابلك و لسانه لا يحاورك- .

قيل في تفسير قوله تعالى وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ- هي في الكذابين فالويل لكل كاذب إلى يوم القيامة- . و من كلام بعض الصالحين- لو لم أترك الكذب تأثما لتركته تكرما- . أبو حيان الكذب شعار خلق- و مورد رنق و أدب سيئ و عادة فاحشة- و قل من استرسل معه إلا ألفه و قل من ألفه إلا أتلفه- و الصدق ملبس بهي و منهل غذي و شعاع منبث- و قل من اعتاده و مرن عليه إلا صحبته السكينة- و أيده التوفيق و خدمته القلوب بالمحبة- و لحظته العيون بالمهابة- .

ابن السماك لا أدري- أوجر على ترك الكذب أم لا لأني أتركه أنفة- . يحيى بن خالد رأيت شريب خمر نزع و لصا أقلع- و صاحب فواحش ارتدع و لم أر كاذبا رجع- . قالوا في تفسير هذا- إن المولع بالكذب لا يكاد يصبر عنه- فقد عوتب إنسان عليه- فقال لمعاتبه يا ابن أخي لو تغرغرت به لما صبرت عنه- . و قيل لكاذب معروف بالكذب أ صدقت قط- قال لو لا أني أخاف أن أصدق لقلت لا- .

و جاء في بعض الأخبار المرفوعة قيل له يا رسول الله أ يكون المؤمن جبانا- قال نعم قيل أ فيكون بخيلا قال نعم- قيل أ فيكون كاذبا قال لاو قال ابن عباس الحدث حدثان حدث من فيك و حدث من فرجك- . و قال بعضهم من أسرع إلى الناس بما يكرهون- قالوا فيه ما لا يعلمون أخذه شاعر فقال-

و من دعا الناس إلى ذمه
ذموه بالحق و بالباطل‏

و كان يقال خذوا عن أهل الشرف فإنهم قلما يكذبون- . و قال بعض الصالحين لو صحبني رجل- فقال لي اشترط علي خصلة واحدة لا تزيد عليها- لقلت لا تكذب- . و كان يقال خصلتان لا يجتمعان الكذب و المروءة- . كان يقال من شرف الصدق أن صاحبه يصدق على عدوه- و من دناءة الكذب أن صاحبه يكذب و إن كان صادقا- .و مثل هذا قولهم من عرف بالصدق جاز كذبه- و من عرف بالكذب لم يجز صدقه- .
و جاء في الخبر المرفوع أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب- .

و قال ابن سيرين الكلام أوسع من أن يكذب ظريف- . و قالوا في قوله تعالى لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ لم ينس- و لكنه من معاريض الكلام- و كذلك قالوا في قول إبراهيم إِنِّي سَقِيمٌ- . و قال العتبي إني لأصدق في صغار ما يضرني- فكيف لا أصدق في كبار ما ينفعني- و قال بعض الشعراء-

لا يكذب المرء إلا من مهانته
أو عادة السوء أو من قلة الأدب‏

لعض جيفة كلب خير رائحة
من كذبة المرء في جد و في لعب‏

شهد أعرابي عند معاوية بشهادة فقال له كذبت- فقال الكاذب و الله المتزمل في ثيابك- فقال معاوية هذا جزاء من عجل- . و قال معاوية يوما للأحنف و حدثه حديثا أ تكذب- فقال له الأحنف و الله ما كذبت- منذ علمت أن الكذب يشين أهله- . و دخل عبد الله بن الزبير يوما على معاوية- فقال له اسمع أبياتا قلتها و كان واجدا على معاوية- فقال هات فأنشده-

إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته
على طرف الهجران إن كان يعقل‏

و يركب حد السيف من أن تضيمه‏
إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل‏

فقال معاوية لقد شعرت بعدنا يا أبا بكر- ثم لم يلبث معاوية أن دخل عليه معن‏ بن أوس المزني- فقال أ قلت بعدنا شيئا قال نعم و أنشده-

لعمرك لا أدري و إني لأوجل
على أينا تعدو المنية أول‏

حتى صار إلى الأبيات التي أنشدها ابن الزبير- فقال معاوية يا أبا بكر- أ ما ذكرت آنفا أن هذا الشعر لك- فقال أنا أصلحت المعاني و هو ألف الشعر و بعد- فهو ظئري و ما قال من شي‏ء فهو لي- . و كان عبد الله بن الزبير مسترضعا في مزينة- . و روى أبو العباس المبرد في الكامل- أن عمر بن عبد العزيز كتب- في إشخاص إياس بن معاوية المزني- و عدي بن أرطاة الفزاري أمير البصرة و قاضيها إليه- فصار عدي إلى إياس- و قدر أنه يمزنه عند عمر بن عبد العزيز و يثني عليه- فقال له يا أبا وائلة إن لنا حقا و رحما- فقال إياس أ على الكذب تريدني- و الله ما يسرني أن كذبت كذبة يغفرها الله لي- و لا يطلع عليها هذا و أومأ إلى ابنه- و لي ما طلعت عليه الشمس- .

و روى أبو العباس أيضا- أن عمرو بن معديكرب الزبيدي كان معروفا بالكذب- . و قيل لخلف الأحمر- و كان مولى لهم و شديد التعصب لليمن- أ كان عمرو بن معديكرب يكذب- قال يكذب في المقال و يصدق في الفعال- .قال أبو العباس فروي لنا أن أهل الكوفة الأشراف- كانوا يظهرون بالكناسة- فيركبون على دوابهم حتى تطردهم الشمس- فوقف عمرو بن معديكرب الزبيدي- و خالد بن الصقعب النهدي و عمرو لا يعرفه- إنما يسمع باسمه فأقبل عمرو يحدثه- فقال أغرنا مرة على بني نهد- فخرجوا مسترعفين بخالد بن الصقعب فحملت عليه- فطعنته فأذريته ثم ملت عليه بالصمصامة فأخذت رأسه- فقال خالد بن الصقعب حلا أبا ثور- إن قتيلك هو المحدث- فقال عمرو يا هذا إذا حدثت فاستمع- فإنما نتحدث بمثل ما تستمع- لنرهب به هذه المعدية- .

قوله مسترعفين أي مقدمين له- و قوله حلا أبا ثور أي استثن- يقال حلف و لم يتحلل أي لم يستثن- و المعدية مضر و ربيعة و أياد بنو معد بن عدنان- و هم أعداء اليمن في المفاخرة و التكاثر

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 6 

خطبه 84 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

84 و من خطبة له ع

وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- الْأَوَّلُ لَا شَيْ‏ءَ قَبْلَهُ وَ الآْخِرُ لَا غَايَةَ لَهُ- لَا تَقَعُ الْأَوْهَامُ لَهُ عَلَى صِفَةٍ- وَ لَا تُعْقَدُ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّةٍ- وَ لَا تَنَالُهُ التَّجْزِئَةُ وَ التَّبْعِيضُ- وَ لَا تُحِيطُ بِهِ الْأَبْصَارُ وَ الْقُلُوبُ في هذا الفصل على قصره ثماني مسائل من مسائل التوحيد- . الأولى أنه لا ثاني له سبحانه في الإلهية- . و الثانية أنه قديم لا أول له- فإن قلت ليس يدل كلامه على القدم- لأنه قال الأول لا شي‏ء قبله- فيوهم كونه غير قديم بأن يكون محدثا و ليس قبله شي‏ء- لأنه محدث عن عدم و العدم ليس بشي‏ء- قلت إذا كان محدثا كان له محدث- فكان ذلك المحدث قبله- فثبت أنه متى صدق أنه ليس شي‏ء قبله صدق كونه قديما- . و الثالثة أنه أبدي لا انتهاء و لا انقضاء لذاته- . و الرابعة نفي الصفات عنه أعني المعاني- . و الخامسة نفي كونه مكيفا- لأن كيف إنما يسأل بها عن ذوي الهيئات و الأشكال- و هو منزه عنها- . و السادسة أنه غير متبعض لأنه ليس بجسم و لا عرض- .

و السابعة أنه لا يرى و لا يدرك- . و الثامنة أن ماهيته غير معلومة و هو مذهب الحكماء- و كثير من المتكلمين من أصحابنا و غيرهم- . و أدلة هذه المسائل مشروحة في كتبنا الكلامية- . و اعلم أن التوحيد و العدل- و المباحث الشريفة الإلهية- ما عرفت إلا من كلام هذا الرجل- و أن كلام غيره من أكابر الصحابة- لم يتضمن شيئا من ذلك أصلا- و لا كانوا يتصورونه و لو تصوروه لذكروه- و هذه الفضيلة عندي أعظم فضائله ع: وَ مِنْهَا فَاتَّعِظُوا عِبَادَ اللَّهِ بِالْعِبَرِ النَّوَافِعِ- وَ اعْتَبِرُوا بِالآْيِ السَّوَاطِعِ- وَ ازْدَجِرُوا بِالنُّذُرِ الْبَوَالِغِ- وَ انْتَفِعُوا بِالذِّكْرِ وَ الْمَوَاعِظِ- فَكَأَنْ قَدْ عَلِقَتْكُمْ مَخَالِبُ الْمَنِيَّةِ- وَ انْقَطَعَتْ مِنْكُمْ عَلَائِقُ الْأُمْنِيَّةِ- وَ دَهِمَتْكُمْ مُفْظِعَاتُ الْأُمُورِ وَ السِّيَاقَةُ إِلَى الْوِرْدِ الْمَوْرُودِ- فَكُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَ شَهِيدٌ- سَائِقٌ يَسُوقُهَا إِلَى مَحْشَرِهَا وَ شَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهَا بِعَمَلِهَا العبر جمع عبرة و هي ما يعتبر به أي يتعظ- و الآي جمع آية و يجوز أن يريدبها آي القرآن- و يجوز أن يريد بها آيات الله في خلقه- و في غرائب الحوادث في العالم- .

و السواطع المشرقة المنيرة- . و النذر جمع نذير و هو المخوف- و الأحسن أن يكون النذر هاهنا هي الإنذارات نفسها- لأنه قد وصف ذلك بالبوالغ- و فواعل لا تكون في الأكثر إلا صفة المؤنث- . و مفظعات الأمور شدائدها الشنيعة- أفظع الأمر فهو مفظع- و يجوز فظع الأمر بالضم فظاعة فهو فظيع- و أفظع الرجل على ما لم يسم فاعله أي نزل به ذلك- .

و قوله و السياقة إلى الورد المورود يعني الموت- و قوله سائق و شهيد و قد فسر ع ذلك- و قال سائق يسوقها إلى محشرها- و شاهد يشهد عليها بعملها- و قد قال بعض المفسرين إن الآية لا تقتضي كونهما اثنين- بل من الجائز أن يكون ملكا واحدا جامعا بين الأمرين- كأنه قال و جاءت كل نفس- معها ملك يسوقها و يشهد عليها- و كلام أمير المؤمنين يحتمل ذلك أيضا- لأنه لم يقل أحدهما- لكن الأظهر في الأخبار و الآثار أنهما ملكان- .

فإن قلت إذا كان تعالى عالما بكل شي‏ء- فأي حاجة إلى الملائكة التي تكتب الأعمال- كما قال سبحانه بَلى‏ وَ رُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ- و إذا كان تعالى أعدل العادلين- فأي حاجة إلى ملك يشهد على المكلف يوم القيامة- و إذا كان قادرا لذاته- فأي حاجة إلى ملك يسوق المكلف إلى المحشر- قلت يجوز أن يكون في تقرير مثل ذلك- في أنفس المكلفين في الدنيا- ألطاف و مصالح لهم في أديانهم- فيخاطبهم الله تعالى به‏ لوجوب اللطف في حكمته- و إذا خاطبهم به وجب فعله في الآخرة- لأن خبره سبحانه لا يجوز الخلف عليه: وَ مِنْهَا فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ- دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلَاتٌ وَ مَنَازِلُ مُتَفَاوِتَاتٌ- لَا يَنْقَطِعُ نَعِيمُهَا وَ لَا يَظْعَنُ مُقِيمُهَا- وَ لَا يَهْرَمُ خَالِدُهَا وَ لَا يَبْأَسُ سَاكِنُهَا الدرجات جمع درجة و هي الطبقات و المراتب- و يقال لها درجات في الجنة و دركات في النار- و إنما تفاضلت و تفاوتت بحسب الأعمال- و لا يجوز أن يقع ذلك تفضلا- لأن التفضل بالثواب قبيح- .

فإن قلت- فما قولك في الحور و الولدان و الأطفال و المجانين- قلت يكون الواصل إليهم نعيما و لذة لا شبهة في ذلك- و لكن لا ثواب لهم و لا ينالونه- و الثواب أمر أخص من المنافع و النعيم- لأنه منافع يقترن بها التعظيم و التبجيل- و هذا الأمر الأخص لا يحسن إيصاله إلا إلى أرباب العمل- .

و قوله لا ينقطع نعيمها و لا يظعن مقيمها- قول متفق عليه بين أهل الملة- إلا ما يحكى عن أبي الهذيل- أن حركات أهل الجنة تنتهي إلى سكون دائم- و قد نزهه قوم من أصحابنا عن هذا القول و أكذبوا رواته- و من أثبته منهم عنه زعم أنه لم يقل بانقطاع النعيم- لكن بانقطاع الحركة مع دوام النعيم- و إنما حمله على ذلك أنه لما استدل- على أن‏ الحركة الماضية يستحيل ألا يكون لها أول- عورض بالحركات المستقبلة لأهل الجنة و النار- فالتزم أنها متناهية و إنما استبعد هذا عنه- لأنه كان أجل قدرا من أن يذهب عليه الفرق بين الصورتين- . و يبأس مضارع بئس و جاء فيه يبئس بالكسر- و هو شاذ كشذوذ يحسب و ينعم- و معنى يبأس يصيبه البؤس و هو الشقاء

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 6 

خطبه 83 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

83 و من كلام له ع في ذكر عمرو بن العاص

عَجَباً لِابْنِ النَّابِغَةِ يَزْعُمُ لِأَهْلِ الشَّامِ أَنَّ فِيَّ دُعَابَةٌ- وَ أَنِّي امْرُؤٌ تِلْعَابَةٌ أُعَافِسُ وَ أُمَارِسُ- لَقَدْ قَالَ بَاطِلًا وَ نَطَقَ آثِماً- أَمَا وَ شَرُّ الْقَوْلِ الْكَذِبُ إِنَّهُ لَيَقُولُ فَيِكْذِبُ وَ يَعِدُ فَيُخْلِفُ- وَ يُسْأَلُ فَيَبْخَلُ وَ يَسْأَلُ فَيُلْحِفُ وَ يَخُونُ الْعَهْدَ وَ يَقْطَعُ الْإِلَّ- فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْحَرْبِ فَأَيُّ زَاجِرٍ وَ آمِرٍ هُوَ- مَا لَمْ تَأْخُذِ السُّيُوفُ مَآخِذَهَا- فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ أَكْبَرُ [أَكْبَرَ] مَكِيدَتِهِ أَنْ يَمْنَحَ الْقَوْمَ سَبَّتَهُ- أَمَا وَ اللَّهِ إِنِّي لَيَمْنَعُنِي مِنَ اللَّعِبِ ذِكْرُ الْمَوْتِ- وَ إِنَّهُ لَيَمْنَعُهُ مِنْ قَوْلِ الْحَقِّ نِسْيَانُ الآْخِرَةِ- وَ إِنَّهُ لَمْ يُبَايِعْ مُعَاوِيَةَ حَتَّى شَرَطَ لَهُ أَنْ يُؤْتِيَهُ أَتِيَّةً- وَ يَرْضَخَ لَهُ عَلَى تَرْكِ الدِّينِ رَضِيخَةً الدعابة المزاح دعب الرجل بالفتح- و رجل تلعابة بكسر التاء كثير اللعب- و التلعاب بالفتح مصدر لعب- . و المعافسة المعالجة و المصارعة- و منه الحديث عافسنا النساء و الممارسة نحوه- .

يقول ع إن عمرا يقدح في عند أهل الشام بالدعابة و اللعب- و أني كثيرالممازحة- حتى أني ألاعب النساء و أغازلهن- فعل المترف الفارغ القلب- الذي تتقضى أوقاته بملاذ نفسه- . و يلحف يلح في السؤال- قال تعالى لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً- و منه المثل ليس للملحف مثل الرد- . و الإل العهد و لما اختلف اللفظان حسن التقسيم بهما- و إن كان المعنى واحدا- . و معنى قوله ما لم تأخذ السيوف مآخذها- أي ما لم تبلغ الحرب إلى أن تخالط الرءوس- أي هو ملي‏ء بالتحريض و الإغراء قبل أن تلتحم الحرب- فإذا التحمت و اشتدت فلا يمكث و فعل فعلته التي فعل- . و السبة الاست و سبه يسبه طعنه في السبة- . و يجوز رفع أكبر و نصبه- فإن رفعت فهو الاسم و إن نصبت فهو الخبر- . و الأتية العطية و الإيتاء الإعطاء- و رضخ له رضخا أعطاه عطاء بالكثير- و هي الرضيخة لما يعطى

نسب عمرو بن العاص و طرف من أخباره

و نحن نذكر طرفا من نسب عمرو بن العاص- و أخباره إلى حين وفاته إن شاء الله- . هو عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم- بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر- بن مالك بن النضر يكنى أبا عبد الله و يقال أبو محمد- .

أبوه العاص بن وائل أحد المستهزءين برسول الله ص- و المكاشفين له بالعداوة و الأذى- و فيه و في أصحابه أنزل قوله تعالى- إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ- . و يلقب العاص بن وائل في الإسلام بالأبتر- لأنه قال لقريش سيموت هذا الأبتر غدا- فينقطع ذكره يعني رسول الله ص- لأنه لم يكن له ص ولد ذكر يعقب منه- فأنزل الله سبحانه إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ- . و كان عمرو أحد من يؤذي رسول الله ص بمكة- و يشتمه و يضع في طريقه الحجارة- لأنه كان ص يخرج من منزله ليلا فيطوف بالكعبة- و كان عمرو يجعل له الحجارة في مسلكه ليعثر بها- و هو أحد القوم الذين خرجوا إلى زينب ابنة رسول الله ص- لما خرجت مهاجرة من مكة إلى المدينة- فروعوها و قرعوا هودجها بكعوب الرماح- حتى أجهضت جنينا ميتا من أبي العاص بن الربيع بعلها- فلما بلغ ذلك رسول الله ص- نال منه و شق عليه مشقة شديدة و لعنهم- روى ذلك الواقدي- .

و روى الواقدي أيضا و غيره من أهل الحديث- أن عمرو بن العاص هجا رسول الله ص هجاء كثيرا- كان يعلمه صبيان مكة- فينشدونه و يصيحون برسول الله إذا مر بهم- رافعين أصواتهم بذلك الهجاء-فقال رسول الله ص و هو يصلي بالحجر اللهم إن عمرو بن العاص هجاني- و لست بشاعر فالعنه بعدد ما هجاني- .

و روى أهل الحديث أن النضر بن الحارث- و عقبة بن أبي معيط و عمرو بن العاص- عهدوا إلى سلي جمل فرفعوه بينهم- و وضعوه على رأس رسول الله ص و هو ساجد بفناء الكعبة- فسال عليه فصبر و لم يرفع رأسه- و بكى في سجوده و دعا عليهم-فجاءت ابنته فاطمة ع و هي باكية- فاحتضنت ذلك السلا فرفعته عنه فألقته- و قامت على رأسه تبكي فرفع رأسه ص-و قال اللهم عليك بقريش قالها ثلاثا- ثم قال رافعا صوته إني مظلوم فانتصر قالها ثلاثاثم قام فدخل منزله و ذلك بعد وفاة عمه أبي طالب بشهرين- .

و لشدة عداوة عمرو بن العاص لرسول الله ص- أرسله أهل مكة إلى النجاشي ليزهده في الدين- و ليطرد عن بلاده مهاجرة الحبشة- و ليقتل جعفر بن أبي طالب عنده إن أمكنه قتله- فكان منه في أمر جعفر هناك ما هو مذكور مشهور في السير- و سنذكر بعضه- . فأما النابغة فقد ذكر الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار- قال كانت النابغة أم عمرو بن العاص- أمة لرجل من عنزة فسبيت- فاشتراها عبد الله بن جدعان التيمي بمكة- فكانت بغيا ثم أعتقها- فوقع عليها أبو لهب بن عبد المطلب- و أمية بن خلف الجمحي و هشام بن المغيرة المخزومي- و أبو سفيان بن حرب- و العاص بن وائل السهمي في طهر واحد- فولدت عمرا فادعاه كلهم فحكمت أمه فيه- فقالت هو من العاص بن وائل- و ذاك لأن العاص بن وائل كان ينفق عليها كثيرا- قالوا و كان أشبه بأبي سفيان و في ذلك يقول أبو سفيان بن الحارث- بن عبد المطلب في عمرو بن العاص-

أبوك أبو سفيان لا شك قد بدت
لنا فيك منه بينات الشمائل‏

و قال أبو عمر بن عبد البر صاحب كتاب الإستيعاب- كان اسمها سلمى و تلقبت بالنابغة بنت حرملة- من بني جلان بن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزارأصابها سباء- فصارت إلى العاص بن وائل- بعد جماعة من قريش فأولدها عمرا- . قال أبو عمر يقال إنه جعل لرجل ألف درهم- على أن يسأل عمرا و هو على المنبر من أمه فسأله- فقال أمي سلمى بنت حرملة تلقب بالنابغة- من بني عنزة ثم أحد بني جلان- و أصابتها راح العرب فبيعت بعكاظ- فاشتراها الفاكه بن المغيرة- ثم اشتراها منه عبد الله بن جدعان- ثم صارت إلى العاص بن وائل فولدت فأنجبت- فإن كان جعل لك شي‏ء فخذ- .

و قال المبرد في كتاب الكامل اسمها ليلى- و ذكر هذا الخبر و قال إنها لم تكن في موضع مرضي- قال المبرد و قال المنذر بن الجارود مرة لعمرو بن العاص- أي رجل أنت لو لا أن أمك أمك- فقال إني أحمد الله إليك لقد فكرت البارحة فيها- فأقبلت أنقلها في قبائل العرب ممن أحب أن تكون منها- فما خطرت لي عبد القيس على بال- . و قال المبرد و دخل عمرو بن العاص مكة- فرأى قوما من قريش قد جلسوا حلقة- فلما رأوه رمقوه بأبصارهم فعدل إليهم- فقال أحسبكم كنتم في شي‏ء من ذكري قالوا أجل- كنا نمثل بينك و بين أخيك هشام بن العاص أيكما أفضل- فقال عمرو إن لهشام علي أربعة- أمه بنت هشام بن المغيرة و أمي من قد عرفتم- و كان أحب إلى أبيه مني- و قد علمتم معرفة الوالد بولده- و أسلم قبلي و استشهد و بقيت- .

و روى أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب الأنساب- أن عمرا اختصم فيه يوم‏ ولادته رجلان- أبو سفيان بن حرب و العاص بن وائل فقيل لتحكم أمه- فقالت أمه إنه من العاص بن وائل- فقال أبو سفيان أما إني لا أشك أني وضعته في رحم أمه- فأبت إلا العاص- . فقيل لها أبو سفيان أشرف نسبا- فقالت إن العاص بن وائل كثير النفقة علي- و أبو سفيان شحيح- . ففي ذلك يقول حسان بن ثابت لعمرو بن العاص- حيث هجاه مكافئا له عن هجاء رسول الله ص-

أبوك أبو سفيان لا شك قد بدت
لنا فيك منه بينات الدلائل‏

ففاخر به إما فخرت و لا تكن‏
تفاخر بالعاص الهجين بن وائل‏

و إن التي في ذاك يا عمرو حكمت
فقالت رجاء عند ذاك لنائل‏

من العاص عمرو تخبر الناس كلما
تجمعت الأقوام عند المحافل‏

مفاخرة بين الحسن بن علي و رجالات من قريش

و روى الزبير بن بكار في كتاب المفاخرات- قال اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص- و الوليد بن عقبة بن أبي معيط- و عتبة بن أبي سفيان بن حرب و المغيرة بن شعبة- و قد كان بلغهم عن الحسن بن علي ع قوارص- و بلغه عنهم مثل ذلك- فقالوا يا أمير المؤمنين- إن الحسن قد أحيا أباه و ذكره و قال فصدق و أمر فأطيع- و خفقت له النعال و إن ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه- و لا يزال يبلغنا عنه ما يسوءنا- . قال معاوية فما تريدون- قالوا ابعث عليه فليحضر لنسبه و نسب أباه و نعيره- و نوبخه و نخبره أن أباه قتل عثمان و نقرره بذلك- و لا يستطيع أن يغير علينا شيئا من ذلك- .

قال معاوية إني لا أرى ذلك و لا أفعله- قالوا عزمنا عليك يا أمير المؤمنين لتفعلن- فقال ويحكم لا تفعلوا- فو الله ما رأيته قط جالسا عندي إلا خفت مقامه و عيبه لي- قالوا ابعث إليه على كل حال- قال إن بعثت إليه لأنصفنه منكم- . فقال عمرو بن العاص أ تخشى أن يأتي باطله على حقنا- أو يربي قوله على قولنا- قال معاوية أما إني إن بعثت إليه- لآمرنه أن يتكلم بلسانه كله قالوا مره بذلك- . قال أما إذ عصيتموني و بعثتم إليه- و أبيتم إلا ذلك فلا تمرضوا له في القول- و اعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب- و لا يلصق بهم العار و لكن اقذفوه بحجره- تقولون له إن أباك قتل عثمان- و كره خلافة الخلفاء من قبله- .

فبعث إليه معاوية فجاءه رسوله- فقال إن أمير المؤمنين يدعوك- . قال من عنده فسماهم له- فقال الحسن ع ما لهم خر عليهم السقف من فوقهم- و أتاهم العذاب من حيث لا يشعرون- ثم قال يا جارية ابغيني ثيابي- اللهم إني أعوذ بك من شرورهم- و أدرأ بك في نحورهم و أستعين بك عليهم- فاكفنيهم كيف شئت و أنى شئت- بحول منك و قوة يا أرحم الراحمين- ثم قام فلما دخل على معاوية- أعظمه و أكرمه و أجلسه إلى جانبه- و قد ارتاد القوم و خطروا خطران الفحول- بغيا في أنفسهم و علوا- ثم قال يا أبا محمد إن هؤلاء بعثوا إليك و عصوني- .

فقال الحسن ع سبحان الله- الدار دارك و الإذن فيها إليك- و الله إن كنت أجبتهم إلى ما أرادوا و ما في أنفسهم- إني لأستحيي لك من الفحش- و إن كانوا غلبوك على رأيك إني لأستحيي لك من الضعف- فأيهما تقرر و أيهما تنكر- أما إني‏ لو علمت بمكانهم- جئت معي بمثلهم من بني عبد المطلب- و ما لي أن أكون مستوحشا منك و لا منهم- إن وليي الله و هو يتولى الصالحين- .

فقال معاوية يا هذا إني كرهت أن أدعوك- و لكن هؤلاء حملوني على ذلك مع كراهتي له- و إن لك منهم النصف و مني- و إنما دعوناك لنقررك أن عثمان قتل مظلوما- و أن أباك قتله فاستمع منهم ثم أجبهم- و لا تمنعك وحدتك و اجتماعهم أن تتكلم بكل لسانك- . فتكلم عمرو بن العاص فحمد الله و صلى على رسوله- ثم ذكر عليا ع- فلم يترك شيئا يعيبه به إلا قاله- و قال إنه شتم أبا بكر و كره خلافته و امتنع من بيعته- ثم بايعه مكرها و شرك في دم عمر و قتل عثمان ظلما- و ادعى من الخلافة ما ليس له- .

ثم ذكر الفتنة يعيره بها و أضاف إليه مساوئ- و قال إنكم يا بني عبد المطلب لم يكن الله- ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء- و استحلالكم ما حرم الله من الدماء- و حرصكم على الملك و إتيانكم ما لا يحل- ثم إنك يا حسن تحدث نفسك أن الخلافة صائرة إليك- و ليس عندك عقل ذلك و لا لبه- كيف ترى الله سبحانه سلبك عقلك- و تركك أحمق قريش يسخر منك و يهزأ بك- و ذلك لسوء عمل أبيك- و إنما دعوناك لنسبك و أباك- فأما أبوك فقد تفرد الله به و كفانا أمره- و أما أنت فإنك في أيدينا نختار فيك الخصال- و لو قتلناك ما كان علينا إثم من الله- و لا عيب من الناس فهل تستطيع أن ترد علينا و تكذبنا- فإن كنت ترى أنا كذبنا في شي‏ء فاردده علينا فيما قلنا- و إلا فاعلم أنك و أباك ظالمان- ثم تكلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط- فقال يا بني هاشم إنكم كنتم أخوال عثمان- فنعم الولد كان لكن فعرف حقكم- و كنتم أصهاره فنعم الصهر كان لكم- يكرمكم فكنتم‏ أول من حسده- فقتله أبوك ظلما لا عذر له و لا حجة- فكيف ترون الله طلب بدمه و أنزلكم منزلتكم- و الله إن بني أمية خير لبني هاشم من بني هاشم لبني أمية- و إن معاوية خير لك من نفسك- .

ثم تكلم عتبة بن أبي سفيان- فقال يا حسن كان أبوك شر قريش لقريش- أسفكها لدمائها و أقطعها لأرحامها- طويل السيف و اللسان- يقتل الحي و يعيب الميت- و إنك ممن قتل عثمان و نحن قاتلوك به- و أما رجاؤك الخلافة فلست في زندها قادحا- و لا في ميزانها راجحا- و إنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان- و إن في الحق أن نقتلك و أخاك به- فأما أبوك فقد كفانا الله أمره و أقاد منه و أما أنت- فو الله ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم و لا عدوان- . ثم تكلم المغيرة بن شعبة فشتم عليا- و قال و الله ما أعيبه في قضية يخون و لا في حكم يميل- و لكنه قتل عثمان ثم سكتوا- .

فتكلم الحسن بن علي ع فحمد الله و أثنى عليه- و صلى على رسوله ص- ثم قال أما بعد يا معاوية- فما هؤلاء شتموني و لكنك شتمتني- فحشا ألفته و سوء رأي عرفت به- و خلقا سيئا ثبت عليه و بغيا علينا- عداوة منك لمحمد و أهله- و لكن اسمع يا معاوية- و اسمعوا فلأقولن فيك و فيهم ما هو دون ما فيكم- أنشدكم الله أيها الرهط- أ تعلمون أن الذي شتمتموه منذ اليوم- صلى القبلتين كلتيهما و أنت يا معاوية بهما كافر- تراها ضلالة و تعبد اللات و العزى غواية- و أنشدكم الله هل تعلمون أنه بايع البيعتين كلتيهما- بيعة الفتح و بيعة الرضوان- و أنت يا معاوية بإحداهما كافر و بالأخرى ناكث- و أنشدكم الله هل تعلمون أنه أول الناس إيمانا- و أنك يا معاوية و أباك‏ من المؤلفة قلوبهم- تسرون الكفر و تظهرون الإسلام و تستمالون بالأموال- و أنشدكم الله أ لستم تعلمون- أنه كان صاحب راية رسول الله ص يوم بدر- و أن راية المشركين كانت مع معاوية و مع أبيه- ثم لقيكم يوم أحد و يوم الأحزاب و معه راية رسول الله ص- و معك و مع أبيك راية الشرك- و في كل ذلك يفتح الله له و يفلج حجته- و ينصر دعوته و يصدق حديثه- و رسول الله ص في تلك المواطن كلها عنه راض- و عليك و على أبيك ساخط- و أنشدك الله يا معاوية- أ تذكر يوما جاء أبوك على جمل أحمر و أنت تسوقه- و أخوك عتبة هذا يقوده فرآكم رسول الله ص- فقال اللهم العن الراكب و القائد و السائق- أ تنسى يا معاوية الشعر الذي كتبته إلى أبيك- لما هم أن يسلم تنهاه عن ذلك-

يا صخر لا تسلمن يوما فتفضحنا
بعد الذين ببدر أصبحوا فرقا

خالي و عمي و عم الأم ثالثهم‏
و حنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا

لا تركنن إلى أمر تكلفنا
و الراقصات به في مكة الخرقا

فالموت أهون من قول العداة لقد
حاد ابن حرب عن العزى إذا فرقا

 و الله لما أخفيت من أمرك أكبر مما أبديت- و أنشدكم الله أيها الرهط أ تعلمون- أن عليا حرم الشهوات على نفسه بين أصحاب رسول الله ص- فأنزل فيه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا- لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ- و أن رسول الله ص بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة- فنزلوا من حصنهم فهزموا فبعث عليا بالراية- فاستنزلهم على حكم الله و حكم رسوله- و فعل في خيبر مثلها-ثم قال يا معاوية أظنك لا تعلم- أني أعلم ما دعا به عليك رسول الله ص- لما أراد أن يكتب كتابا إلى بني خزيمة- فبعث إليك ابن عباس فوجدك تأكل- ثم بعثه إليك مرة أخرى فوجدك تأكل- فدعا عليك الرسول بجوعك و نهمك إلى أن تموت- و أنتم أيها الرهط نشدتكم الله- أ لا تعلمون أن رسول الله ص لعن أبا سفيان في سبعة مواطن- لا تستطيعون ردها-

أولها يوم لقي رسول الله ص خارجا من مكة إلى الطائف- يدعو ثقيفا إلى الدين- فوقع به و سبه و سفهه و شتمه و كذبه و توعده- و هم أن يبطش به- فلعنه الله و رسوله و صرف عنه-

و الثانية يوم العير- إذ عرض لها رسول الله ص و هي جائية من الشام- فطردها أبو سفيان و ساحل بها فلم يظفر المسلمون بها- و لعنه رسول الله ص و دعا عليه- فكانت وقعة بدر لأجلها-

و الثالثة يوم أحد حيث وقف تحت الجبل- و رسول الله ص في أعلاه و هو ينادي أعل هبل مرارا- فلعنه رسول الله ص عشر مرات و لعنه المسلمون-

و الرابعة يوم جاء بالأحزاب و غطفان و اليهود- فلعنه رسول الله و ابتهل-

و الخامسة يوم جاء أبو سفيان في قريش- فصدوا رسول الله ص عن المسجد الحرام- و الهدي معكوفا أن يبلغ محله ذلك يوم الحديبية- فلعن رسول الله ص أبا سفيان و لعن القادة و الأتباع- و قال ملعونون كلهم و ليس فيهم من يؤمن- فقيل يا رسول الله- أ فما يرجى الإسلام لأحد منهم فكيف باللعنة- فقال لا تصيب اللعنة أحدا من الأتباع- و أما القادة فلا يفلح منهم أحد-

و السادسة يوم الجمل الأحمر-

و السابعة يوم وقفوا لرسول الله ص في العقبة- ليستنفروا ناقته و كانوا اثني عشر رجلا منهم أبو سفيان- فهذا لك يا معاوية و أما أنت يا ابن العاص- فإن أمرك مشترك- وضعتك أمك مجهولا من عهر و سفاح- فيك أربعة من قريش فغلب عليك جزارها- ألأمهم حسبا و أخبثهم منصبا ثم قام أبوك- فقال أنا شانئ محمد الأبتر فأنزل الله فيه ما أنزل- و قاتلت رسول الله ص في جميع المشاهد- و هجوته و آذيته بمكة و كدته كيدك كله- و كنت من أشد الناس له تكذيبا و عداوة- ثم خرجت تريد النجاشي مع أصحاب السفينة- لتأتي بجعفر و أصحابه إلى أهل مكة- فلما أخطأك ما رجوت و رجعك الله خائبا- و أكذبك واشيا جعلت حدك على صاحبك عمارة بن الوليد- فوشيت به إلى النجاشي حسدا لما ارتكب مع حليلتك- ففضحك الله و فضح صاحبك- فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية و الإسلام- ثم إنك تعلم و كل هؤلاء الرهط يعلمون- أنك هجوت رسول الله ص بسبعين بيتا من الشعر-

فقال رسول الله ص اللهم إني لا أقول الشعر و لا ينبغي لي- اللهم العنه بكل حرف ألف لعنة- فعليك إذا من الله ما لا يحصى من اللعن و أما ذكرت من أمر عثمان- فأنت سعرت عليه الدنيا نارا ثم حلقت بفلسطين- فلما أتاك قتله قلت أنا أبو عبد الله- إذا نكأت قرحة أدميتها- ثم حبست نفسك إلى معاوية- و بعت دينك بدنياه فلسنا نلومك على بغض- و لا نعاتبك على ود- و بالله‏ ما نصرت عثمان حيا و لا غضبت له مقتولا- ويحك يا ابن العاص أ لست القائل في بني هاشم- لما خرجت من مكة إلى النجاشي-

تقول ابنتي أين هذا الرحيل
و ما السير مني بمستنكر

فقلت ذريني فإني امرؤ
أريد النجاشي في جعفر

لأكويه عنده كية
أقيم بها نخوة الأصعر

و شانئ أحمد من بينهم‏
و أقولهم فيه بالمنكر

و أجري إلى عتبة جاهدا
و لو كان كالذهب الأحمر

و لا أنثني عن بني هاشم‏
و ما اسطعت في الغيب و المحضر

فإن قبل العتب مني له
و إلا لويت له مشفري‏

 فهذا جوابك هل سمعته- و أما أنت يا وليد فو الله ما ألومك على بغض علي- و قد جلدك ثمانين في الخمر- و قتل أباك بين يدي رسول الله صبرا- و أنت الذي سماه الله الفاسق و سمى عليا المؤمن- حيث تفاخرتما فقلت له اسكت يا علي- فأنا أشجع منك جنانا و أطول منك لسانا- فقال لك علي اسكت يا وليد فأنا مؤمن و أنت فاسق- فأنزل الله تعالى في موافقة قوله- أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ- ثم أنزل فيك على موافقة قوله أيضا- إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا- ويحك يا وليد مهما نسيت- فلا تنس قول الشاعر فيك و فيه-

أنزل الله و الكتاب عزيز
في علي و في الوليد قرآنا

فتبوأ الوليد إذ ذاك فسقا
و علي مبوأ إيمانا

ليس من كان مؤمنا عمرك الله‏
كمن كان فاسقا خوانا

سوف يدعى الوليد بعد قليل
و علي إلى الحساب عيانا

فعلي يجزى بذاك جنانا
و وليد يجزى بذاك هوانا

رب جد لعقبة بن أبان
لابس في بلادنا تبانا

– و ما أنت و قريش إنما أنت علج من أهل صفورية- و أقسم بالله لأنت أكبر في الميلاد و أسن ممن تدعى إليه- و أما أنت يا عتبة فو الله ما أنت بحصيف فأجيبك- و لا عاقل فأحاورك و أعاتبك- و ما عندك خير يرجى و لا شر يتقى- و ما عقلك و عقل أمتك إلا سواء- و ما يضر عليا لو سببته على رءوس الأشهاد- و أما وعيدك إياي بالقتل- فهلا قتلت اللحياني إذا وجدته على فراشك- أما تستحيي من قول نصر بن حجاج فيك-

يا للرجال و حادث الأزمان
و لسبة تخزي أبا سفيان‏

نبئت عتبة خانه في عرسه‏
جبس لئيم الأصل من لحيان

 و بعد هذا ما أربأ بنفسي عن ذكره لفحشه- فكيف يخاف أحد سيفك و لم تقتل فاضحك- و كيف ألومك على بغض علي- و قد قتل خالك الوليد مبارزة يوم بدر- و شرك حمزة في قتل جدك عتبة- و أوحدك من أخيك حنظلة في مقام واحد- و أما أنت يا مغيرة فلم تكن بخليق أن تقع في هذا و شبهه- و إنما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة- استمسكي فإني طائرة عنك- فقالت النخلة و هل علمت بك واقعة علي- فأعلم بك طائرة عني-و الله ما نشعر بعداوتك إيانا- و لا اغتممنا إذ علمنا بها و لا يشق علينا كلامك- و إن حد الله في الزنا لثابت عليك- و لقد درأ عمر عنك حقا الله سائلة عنه- و لقد سألت رسول الله ص- هل ينظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها- فقال لا بأس بذلك يا مغيرة ما لم ينو الزنا- لعلمه بأنك زان-

و أما فخركم علينا بالإمارة فإن الله تعالى يقول- وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها- فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً- . ثم قام الحسن فنفض ثوبه و انصرف- فتعلق عمرو بن العاص بثوبه و قال يا أمير المؤمنين- قد شهدت قوله في و قذفه أمي بالزنا- و أنا مطالب له بحد القذف- فقال معاوية خل عنه لا جزاك الله خيرا فتركه- فقال معاوية قد أنبأتكم أنه ممن لا تطاق عارضته- و نهيتكم أن تسبوه فعصيتموني- و الله ما قام حتى أظلم على البيت قوموا عني- فلقد فضحكم الله و أخزاكم بترككم الحزم- و عدولكم عن رأي الناصح المشفق و الله المستعان

عمرو بن العاص و معاوية

و روى الشعبي- قال دخل عمرو بن العاص على معاوية يسأله حاجة- و قد كان بلغ معاوية عنه ما كرهه- فكره قضاءها و تشاغل- فقال عمرو يا معاوية إن السخاء فطنة و اللؤم تغافل- و الجفاء ليس من أخلاق المؤمنين- فقال معاوية يا عمرو- بما ذا تستحق منا قضاء الحوائج العظام- فغضب عمرو و قال بأعظم حق و أوجبه- إذ كنت في بحر عجاج- فلو لا عمرو لغرقت في أقل مائه و أرقه- و لكني دفعتك فيه دفعة فصرت في وسطه- ثم دفعتك فيه أخرى فصرت في أعلى المواضع منه- فمضى حكمك و نفذ أمرك- و انطلق‏ لسانك بعد تلجلجه- و أضاء وجهك بعد ظلمته- و طمست لك الشمس بالعهن المنفوش- و أظلمت لك القمر بالليلة المدلهمة- . فتناوم معاوية و أطبق جفنيه مليا- فخرج عمرو فاستوى معاوية جالسا- و قال لجلسائه أ رأيتم ما خرج من فم ذلك الرجل- ما عليه لو عرض ففي التعريض ما يكفي- و لكنه جبهني بكلامه و رماني بسموم سهامه- .

فقال بعض جلسائه يا أمير المؤمنين- إن الحوائج لتقضى على ثلاث خصال- إما أن يكون السائل لقضاء الحاجة مستحقا فتقضى له بحقه- و إما أن يكون السائل لئيما- فيصون الشريف نفسه عن لسانه فيقضي حاجته- و إما أن يكون المسئول كريما فيقضيها لكرمه- صغرت أو كبرت- . فقال معاوية لله أبوك ما أحسن ما نطقت- و بعث إلى عمرو فأخبره و قضى حاجته و وصله بصلة جليلة- فلما أخذها ولى منصرفا- فقال معاوية فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا- وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ- فسمعها عمرو فالتفت إليه مغضبا- و قال و الله يا معاوية لا أزال آخذ منك قهرا- و لا أطيع لك أمرا و أحفر لك بئرا عميقا- إذا وقعت فيه لم تدرك إلا رميما فضحك معاوية- فقال ما أريدك يا أبا عبد الله بالكلمة- و إنما كانت آية تلوتها من كتاب الله عرضت بقلبي- فاصنع ما شئت

عبد الله بن جعفر و عمرو بن العاص في مجلس معاوية

و روى المدائني- قال بينا معاوية يوما جالسا عنده عمرو بن العاص- إذ قال الآذن قد جاء عبد الله بن جعفر بن أبي طالب- فقال عمرو و الله لأسوءنه اليوم- فقال معاوية لا تفعل يا أبا عبد الله فإنك لا تنصف منه- و لعلك أن تظهر لنا من منقبته ما هو خفي عنا- و ما لا نحب أن نعلمه منه- .

و غشيهم عبد الله بن جعفر فأدناه معاوية و قربه- فمال عمرو إلى بعض جلساء معاوية- فنال من علي ع جهارا غير ساتر له- و ثلبه ثلبا قبيحا- . فالتمع لون عبد الله بن جعفر و اعتراه- أفكل حتى أرعدت خصائله ثم نزل عن السرير كالفنيق- فقال عمرو مه يا أبا جعفر- فقال له عبد الله مه لا أم لك- ثم قال

أظن الحلم دل علي قومي
و قد يستجهل الرجل الحليم‏

ثم حسر عن ذراعيه- و قال يا معاوية حتام نتجرع غيظك- و إلى كم الصبر على مكروه قولك- و سيئ أدبك و ذميم أخلاقك هبلتك الهبول- أ ما يزجرك ذمام المجالسة عن القذع لجليسك- إذا لم تكن لك حرمة من دينك تنهاك عما لا يجوز لك- أما و الله لو عطفتك أواصر الأرحام- أو حاميت على سهمك من الإسلام- ما أرعيت بني الإماء المتك- و العبيد الصك أعراض قومك- . و ما يجهل موضع الصفوة إلا أهل الجفوة- و إنك لتعرف وشائظ قريش و صبوة غرائزها- فلا يدعونك تصويب ما فرط من خطئك- في سفك دماء المسلمين و محاربة أمير المؤمنين- إلى التمادي فيما قد وضح لك الصواب في خلافه- فاقصد لمنهج الحق- فقد طال عمهك عن سبيل الرشد- و خبطك في بحور ظلمة الغي- .

فإن أبيت إلا تتابعنا في قبح اختيارك لنفسك- فأعفنا من سوء القالة فينا إذا ضمنا و إياك الندي- و شأنك و ما تريد إذا خلوت و الله حسيبك- فو الله لو لا ما جعل الله لنا في يديك لما أتيناك- . ثم قال إنك إن كلفتني ما لم أطق- ساءك ما سرك مني من خلق- . فقال معاوية يا أبا جعفر أقسمت عليك لتجلسن- لعن الله من أخرج ضب صدرك من وجاره- محمول لك ما قلت و لك عندنا ما أملت- فلو لم يكن محمدك و منصبك- لكان خلقك و خلقك شافعين لك إلينا- و أنت ابن ذي الجناحين و سيد بني هاشم- . فقال عبد الله كلا- بل سيد بني هاشم حسن و حسين لا ينازعهما في ذلك أحد- . فقال أبا جعفر أقسمت عليك- لما ذكرت حاجة لك إلا قضيتها كائنة ما كانت- و لو ذهبت بجميع ما أملك- فقال أما في هذا المجلس فلا ثم انصرف- . فأتبعه معاوية بصره- و قال و الله لكأنه رسول الله ص- مشيه و خلقه و خلقه و إنه لمن مشكاته- و لوددت أنه أخي بنفيس ما أملك- . ثم التفت إلى عمرو فقال أبا عبد الله- ما تراه منعه من الكلام معك- قال ما لا خفاء به عنك- قال أظنك تقول إنه هاب جوابك لا و الله- و لكنه ازدراك و استحقرك و لم يرك للكلام أهلا- أ ما رأيت إقباله علي دونك ذاهبا بنفسه عنك- . فقال عمرو فهل لك أن تسمع ما أعددته لجوابه- قال معاوية اذهب إليك أبا عبد الله- فلاة حين جواب سائر اليوم- . و نهض معاوية و تفرق الناس

عبد الله بن العباس و رجالات قريش في مجلس معاوية

و روى المدائني أيضا- قال وفد عبد الله بن عباس على معاوية مرة- فقال معاوية لابنه يزيد و لزياد بن سمية- و عتبة بن أبي سفيان و مروان بن الحكم- و عمرو بن العاص و المغيرة بن شعبة و سعيد بن العاص- و عبد الرحمن بن أم الحكم- إنه قد طال العهد بعبد الله بن عباس- و ما كان شجر بيننا و بينه و بين ابن عمه- و لقد كان نصبه للتحكيم فدفع عنه- فحركوه على الكلام لنبلغ حقيقة صفته- و نقف على كنه معرفته- و نعرف ما صرف عنا من شبا حده و زوي عنا من دهاء رأيه- فربما وصف المرء بغير ما هو فيه- و أعطي من النعت و الاسم ما لا يستحقه- . ثم أرسل إلى عبد الله بن عباس-

فلما دخل و استقر به المجلس ابتدأه ابن أبي سفيان- فقال يا ابن عباس ما منع عليا أن يوجه بك حكما- فقال أما و الله لو فعل لقرن عمرا بصعبة من الإبل- يوجع كفه مراسها و لأذهلت عقله و أجرضته بريقه- و قدحت في سويداء قلبه فلم يبرم أمرا و لم ينفض ترابا- إلا كنت منه بمرأى و مسمع- فإن أنكأه أدميت قواه- و إن أدمه فصمت عراه بغرب مقول لا يقل حده- و أصالة رأي كمتاح الأجل لا وزر منه أصدع به أديمه- و أفل به شبا حده و أشحذ به عزائم المتقين- و أزيح به شبه الشاكين- .

فقال عمرو بن العاص- هذا و الله يا أمير المؤمنين نجوم أول الشر- و أفول آخر الخير و في حسمه قطع مادته- فبادره بالحملة و انتهز منه الفرصة- و اردع بالتنكيل به غيره و شرد به من خلفه- .فقال ابن عباس يا ابن النابغة ضل و الله عقلك- و سفه حلمك و نطق الشيطان على لسانك- هلا توليت ذلك بنفسك يوم صفين حين دعيت نزال- و تكافح الأبطال‏ و كثرت الجراح و تقصفت الرماح- و برزت إلى أمير المؤمنين مصلولا- فانكفأ نحوك بالسيف حاملا- فلما رأيت الكواشر من الموت- أعددت حيلة السلامة قبل لقائه- و الانكفاء عنه بعد إجابة دعائه- فمنحته رجاء النجاة عورتك- و كشفت له خوف بأسه سوأتك- حذرا أن يصطلمك بسطوته و يلتهمك بحملته- ثم أشرت على معاوية كالناصح له بمبارزته- و حسنت له التعرض لمكافحته رجاء أن تكتفي مئونته- و تعدم صورته فعلم غل صدرك- و ما انحنت عليه من النفاق أضلعك- و عرف مقر سهمك في غرضك- .

فاكفف غرب لسانك و اقمع عوراء لفظك- فإنك لمن أسد خادر و بحر زاخر- إن تبرزت للأسد افترسك و إن عمت في البحر قمسك- . فقال مروان بن الحكم يا ابن عباس- إنك لتصرف أنيابك و توري نارك- كأنك ترجو الغلبة و تؤمل العافية- و لو لا حلم أمير المؤمنين عنكم لتناولكم بأقصر أنامله- فأوردكم منهلا بعيدا صدره- و لعمري لئن سطا بكم ليأخذن بعض حقه منكم- و لئن عفا عن جرائركم فقديما ما نسب إلى ذلك- .

فقال ابن عباس و إنك لتقول ذلك يا عدو الله- و طريد رسول الله و المباح دمه- و الداخل بين عثمان و رعيته- بما حملهم على قطع أوداجه و ركوب أثباجه- أما و الله لو طلب معاوية ثأره لأخذك به- و لو نظر في أمر عثمان لوجدك أوله و آخره- . و أما قولك لي إنك لتصرف أنيابك و توري نارك- فسل معاوية و عمرا يخبراك ليلة الهرير- كيف ثباتنا للمثلات و استخفافنا بالمعضلات- و صدق جلادنا عند المصاولة- و صبرنا على اللأواء و المطاولة- و مصافحتنا بجباهنا السيوف المرهفة- و مباشرتنا بنحورنا حد الأسنة- هل خمنا عن كرائم تلك المواقف- أم لم نبذل مهجنا للمتالف- و ليس لك إذ ذاك فيها مقام محمود- و لا يوم مشهود و لا أثر معدود- و إنهما شهدا ما لو شهدت لأقلقك- فأربع على ظلعك و لا تتعرض لما ليس لك- فإنك كالمغروز في صفد لا يهبط برجل و لا يرقى بيد- .

فقال زياد يا ابن عباس- إني لأعلم ما منع حسنا و حسينا- من الوفود معك على أمير المؤمنين- إلا ما سولت لهما أنفسهما- و غرهما به من هو عند البأساء سلمهما- و ايم الله لو وليتهما- لأدأبا في الرحلة إلى أمير المؤمنين أنفسهما- و لقل بمكانهما لبثهما- . فقال ابن عباس إذن و الله يقصر دونهما باعك- و يضيق بهما ذراعك- و لو رمت ذلك لوجدت من دونهما فئة صدقا- صبرا على البلاء لا يخيمون عن اللقاء- فلعركوك بكلاكلهم و وطئوك بمناسمهم- و أوجروك مشق رماحهم و شفار سيوفهم و و خز أسنتهم- حتى تشهد بسوء ما أتيت- و تتبين ضياع الحزم فيما جنيت- فحذار حذار من سوء النية فتكافأ برد الأمنية- و تكون سببا لفساد هذين الحيين بعد صلاحهما- و سعيا في اختلافهما بعد ائتلافهما- حيث لا يضرهما إبساسك و لا يغني عنهما إيناسك- .

فقال عبد الرحمن بن أم الحكم لله در ابن ملجم- فقد بلغ الأمل و أمن الوجل- و أحد الشفرة و الآن المهرة و أدرك الثأر و نفى العار- و فاز بالمنزلة العليا و رقي الدرجة القصوى- . فقال ابن عباس أما و الله- لقد كرع كأس حتفه بيده و عجل الله إلى النار بروحه-و لو أبدى لأمير المؤمنين صفحته- لخالطه الفحل القطم و السيف الخذم و لألعقه صابا- و سقاه سما و ألحقه بالوليد و عتبة و حنظلة- فكلهم كان أشد منه شكيمة و أمضى عزيمة- ففرى بالسيف هامهم و رملهم بدمائهم- و قرى الذئاب أشلاءهم و فرق بينهم و بين أحبائهم- أولئك حصب جهنم هم لها واردون- و هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا- و لا غرو إن ختل و لا وصمة إن قتل- فإنا لكما قال دريد بن الصمة-

فإنا للحم السيف غير مكره
و نلحمه طورا و ليس بذي نكر

يغار علينا واترين فيشتفى‏
بنا إن أصبنا أو نغير على وتر

 فقال المغيرة بن شعبة- أما و الله لقد أشرت على علي بالنصيحة فآثر رأيه- و مضى على غلوائه فكانت العاقبة عليه لا له- و إني لأحسب أن خلقه يقتدون بمنهجه- . فقال ابن عباس كان و الله- أمير المؤمنين ع أعلم بوجوه الرأي- و معاقد الحزم و تصريف الأمور- من أن يقبل مشورتك فيما نهى الله عنه و عنف عليه- قال سبحانه لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ- يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ- و لقد وقفك على ذكر مبين و آية متلوة قوله تعالى- وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ‏ عَضُداً- و هل كان يسوغ له- أن يحكم في دماء المسلمين و في‏ء المؤمنين- من ليس بمأمون عنده و لا موثوق به في نفسه- هيهات هيهات هو أعلم بفرض الله و سنة رسوله- أن يبطن خلاف ما يظهر إلا للتقية و لات حين تقية- مع وضوح الحق و ثبوت الجنان و كثرة الأنصار- يمضي كالسيف المصلت في أمر الله مؤثرا لطاعة ربه- و التقوى على آراء أهل الدنيا- . فقال يزيد بن معاوية يا ابن عباس- إنك لتنطق بلسان طلق ينبئ عن مكنون قلب حرق- فاطو ما أنت عليه كشحا فقد محا ضوء حقنا ظلمة باطلكم- .

فقال ابن عباس مهلا يزيد- فو الله ما صفت القلوب لكم- منذ تكدرت بالعداوة عليكم- و لا دنت بالمحبة إليكم مذ نأت بالبغضاء عنكم- لا رضيت اليوم منكم ما سخطت بالأمس من أفعالكم- و إن تدل الأيام نستقض ما سد عنا- و نسترجع ما ابتز منا كيلا بكيل و وزنا بوزن- و إن تكن الأخرى فكفى بالله وليا لنا- و وكيلا على المعتدين علينا- . فقال معاوية إن في نفسي منكم لحزازات يا بني هاشم- و إني لخليق أن أدرك فيكم الثأر و أنفي العار- فإن دماءنا قبلكم و ظلامتنا فيكم- .

فقال ابن عباس و الله إن رمت ذلك يا معاوية- لتثيرن عليك أسدا مخدرة و أفاعي مطرقة- لا يفثؤها كثرة السلاح و لا يعضها نكاية الجراح- يضعون أسيافهم على عواتقهم- يضربون قدما قدما من ناوأهم- يهون عليهم نباح الكلاب و عواء الذئاب-لا يفاتون بوتر و لا يسبقون إلى كريم ذكر- قد وطنوا على الموت أنفسهم- و سمت بهم إلى العلياء هممهم كما قالت الأزدية-

قوم إذا شهدوا الهياج فلا
ضرب ينهنههم و لا زجر

و كأنهم آساد غينة قد
غرثت و بل متونها القطر

فلتكونن منهم بحيث أعددت ليلة الهرير للهرب فرسك- و كان أكبر همك سلامة حشاشة نفسك- و لو لا طغام من أهل الشام وقوك بأنفسهم- و بذلوا دونك مهجهم حتى إذا ذاقوا وخز الشفار- و أيقنوا بحلول الدمار رفعوا المصاحف مستجيرين بها- و عائذين بعصمتها لكنت شلوا مطروحا بالعراء- تسفي عليك رياحها و يعتورك ذبابها- . و ما أقول هذا أريد صرفك عن عزيمتك- و لا إزالتك عن معقود نيتك- لكن الرحم التي تعطف عليك- و الأوامر التي توجب صرف النصيحة إليك- .

فقال معاوية لله درك يا ابن عباس- ما تكشف الأيام منك إلا عن سيف صقيل و رأي أصيل- و بالله لو لم يلد هاشم غيرك لما نقص عددهم- و لو لم يكن لأهلك سواك لكان الله قد كثرهم- . ثم نهض فقام ابن عباس و انصرف- . و روى أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب في أماليه- أن عمرو بن العاص قال لعتبة بن أبي سفيان يوم الحكمين- أ ما ترى ابن عباس قد فتح عينيه و نشر أذنيه- و لو قدر أن يتكلم بهما فعل- و إن غفلة أصحابه لمجبورة بفطنته- و هي ساعتنا الطولى فاكفنيه- . قال عتبة بجهدي- .

قال فقمت فقعدت إلى جانبه- فلما أخذ القوم في الكلام أقبلت عليه بالحديث- فقرع يدي و قال ليست ساعة حديث- قال فأظهرت غضبا و قلت يا ابن عباس- إن ثقتك بأحلامنا أسرعت بك إلى أعراضنا- و قد و الله تقدم من قبل العذر و كثر منا الصبر- ثم أقذعته فجاش لي مرجله و ارتفعت أصواتنا- فجاء القوم فأخذوا بأيدينا فنحوه عني و نحوني عنه- فجئت فقربت من عمرو بن العاص فرماني بمؤخر عينيه- و قال ما صنعت فقلت كفيتك التقوالة- فحمحم كما يحمحم الفرس للشعير- قال و فات ابن عباس أول الكلام فكره أن يتكلم في آخره- . و قد ذكرنا نحن هذا الخبر فيما تقدم- في أخبار صفين على وجه آخر غير هذا الوجه

عمارة بن الوليد و عمرو بن العاص في الحبشة

فأما خبر عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي- أخي خالد بن الوليد مع عمرو بن العاص- فقد ذكره ابن إسحاق في كتاب المغازي قال- كان عمارة بن الوليد بن المغيرة- و عمرو بن العاص بن وائل بعد مبعث رسول الله ص- خرجا إلى أرض الحبشة على شركهما- و كلاهما كان شاعرا عارما فاتكا- . و كان عمارة بن الوليد رجلا جميلا وسيما تهواه النساء- صاحب محادثة لهن- فركبا البحر و مع عمرو بن العاص امرأته- حتى إذا صاروا في البحر ليالي أصابا من خمر معهما- فلما انتشى عمارة قال لامرأة عمرو بن العاص قبليني- فقال لها عمرو قبلي ابن عمك فقبلته فهويها عمارة- و جعل يراودها عن نفسها فامتنعت منه- ثم إن عمرا جلس على منجاف‏ السفينة يبول- فدفعه عمارة في البحر فلما وقع عمرو سبح- حتى أخذ بمنجاف السفينة-.

فقال له عمارة أما و الله لو علمت أنك سابح ما طرحتك- و لكنني كنت أظن أنك لا تحسن السباحة- فضغن عمرو عليه في نفسه و علم أنه كان أراد قتله- و مضيا على وجههما ذلك حتى قدما أرض الحبشة- فلما نزلاها كتب عمرو إلى أبيه العاص بن وائل أن اخلعني- و تبرأ من جريرتي إلى بني المغيرة و سائر بني مخزوم- و خشي على أبيه أن يتبغ بجريرته- فلما قدم الكتاب على العاص بن وائل- مشى إلى رجال بني المغيرة و بني مخزوم- فقال إن هذين الرجلين قد خرجا حيث علمتم- و كلاهما فاتك صاحب شر غير مأمونين على أنفسهما- و لا أدري ما يكون منهما- و إني أبرأ إليكم من عمرو و جريرته فقد خلعته- فقال عند ذلك بنو المغيرة و بنو مخزوم- و أنت تخاف عمرا على عمارة- و نحن فقد خلعنا عمارة و تبرأنا إليك من جريرته- فحل بين الرجلين قال قد فعلت- فخلعوهما و برئ كل قوم من صاحبهم و ما يجري منه- .

قال فلما اطمأنا بأرض الحبشة- لم يلبث عمارة بن الوليد أن دب لامرأة النجاشي- و كان جميلا صبيحا وسيما فأدخلته فاختلف إليها- و جعل إذا رجع من مدخله ذلك يخبر عمرا بما كان من أمره- فيقول عمرو لا أصدقك أنك قدرت على هذا- إن شأن هذه المرأة أرفع من ذلك- فلما أكثر عليه عمارة بما كان يخبره- و كان عمرو قد علم صدقه و عرف أنه دخل عليها- و رأى من حاله و هيئته و ما تصنع المرأة به إذا كان معها- و بيتوتته عندها حتى يأتي إليه مع السحر ما عرف به ذلك- و كانا في منزل واحد- و لكنه كان يريد أن يأتيه بشي‏ء لا يستطاع دفعه- إن هو رفع شأنه إلى النجاشي- فقال له في بعض‏ ما يتذاكران من أمرها- إن كنت صادقا فقل لها فلتدهنك بدهن النجاشي- الذي لا يدهن به غيره فإني أعرفه- و ائتني بشي‏ء منه حتى أصدقك قال أفعل- .

فجاء في بعض ما يدخل إليها فسألها ذلك فدهنته منه- و أعطته شيئا في قارورة فلما شمه عمرو عرفه- فقال أشهد أنك قد صدقت- لقد أصبت شيئا ما أصاب أحد من العرب مثله قط- و نلت من امرأة الملك شيئا ما سمعنا بمثل هذا- و كانوا أهل جاهلية و شبانا- و ذلك في أنفسهم فضل لمن أصابه و قدر عليه- . ثم سكت عنه حتى اطمأن و دخل على النجاشي-

فقال أيها الملك إن معي سفيها من سفهاء قريش- و قد خشيت أن يعرني عندك أمره- و أردت أن أعلمك بشأنه- و ألا أرفع ذلك إليك حتى استثبت- أنه قد دخل على بعض نسائك فأكثر- و هذا دهنك قد أعطته و ادهن به- . فلما شم النجاشي الدهن قال صدقت- هذا دهني الذي لا يكون إلا عند نسائي- فلما أثبت أمره دعا بعمارة و دعا نسوة أخر- فجردوه من ثيابه- ثم أمرهن أن ينفخن في إحليله ثم خلى سبيله- . فخرج هاربا في الوحش فلم يزل في أرض الحبشة- حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب- فخرج إليه رجال من بني المغيرة- منهم عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة- و كان اسم عبد الله قبل أن يسلم بجيرا- فلما أسلم سماه رسول الله ص عبد الله- فرصدوه على ماء بأرض الحبشة كان يرده مع الوحش- فزعموا أنه أقبل في حمر من حمر الوحش ليرد معها- فلما وجد ريح الإنس هرب منه حتى إذا أجهده العطش- ورد فشرب حتى تملأ و خرجوا في طلبه- .

قال عبد الله بن أبي ربيعة فسبقت إليه فالتزمته- فجعل يقول أرسلني أني أموت إن أمسكتني- قال عبد الله فضبطته فمات في يدي مكانه- فواروه ثم انصرفوا- . و كان شعره فيما يزعمون قد غطى كل شي‏ء منه- فقال عمرو بن العاص يذكر ما كان صنع به- و ما أراد من امرأته-

تعلم عمار أن من شر سنة
على المرء أن يدعى ابن عم له ابنما

أ أن كنت ذا بردين أحوى مرجلا
فلست براع لابن عمك محرما

إذا المرء لم يترك طعاما يحبه
و لم ينه قلبا غاويا حيث يمما

قضى وطرا منه يسيرا و أصبحت‏
إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما

أمر عمرو بن العاص مع جعفر بن أبي طالب في الحبشة

و أما خبر عمرو بن العاص في شخوصه إلى الحبشة- ليكيد جعفر بن أبي طالب- و المهاجرين من المؤمنين عند النجاشي- فقد رواه كل من صنف في السيرة- قال محمد بن إسحاق في كتاب المغازي قال- حدثني محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري- عن أبي بكر بن عبد الرحمن- بن الحارث بن هشام المخزومي- عن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية- زوجة رسول الله ص- قالت لما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا بها خير جار- النجاشي أمنا على ديننا- و عبدنا الله لا نؤذى كما كنا نؤذى بمكة- و لا نسمع شيئا نكرهه- فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم- أن يبعثوا إلى النجاشي في أمرنا رجلين منهم جلدين- و أن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة- و كان من أعجب ما يأتيه منه الأدم فجمعوا أدما كثيرا- و لم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا إليه هدية- ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة- بن المغيرة المخزومي و عمرو بن العاص بن وائل السهمي- و أمروهما أمرهم و قالوا لهما ادفعا إلى كل بطريق هديته- قبل أن تكلما النجاشي فيهم- .

ثم قدما إلى النجاشي و نحن عنده في خير دار عند خير جار- فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته- قبل أن يكلما النجاشي ثم قالا للبطارقة- أنه قد فر إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء- فارقوا دين قومهم و لم يدخلوا في دينكم- و جاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن و لا أنتم- و قد بعثنا إلى الملك أشراف قومهم لنردهم إليهم- فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه- أن يسلمهم إلينا و لا يكلمهم- فإن قومهم أعلى بهم عينا- و أعلم بما عابوا عليهم فقالوا لهما نعم- .

ثم إنهما قربا هدايا الملك إليه فقبلها منهم- ثم كلماه فقالا له- أيها الملك قد فر إلى بلادك منا غلمان سفهاء- فارقوا دين قومهم و لم يدخلوا في دينك- جاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن و لا أنت- و قد بعثنا فيهم إليك أشراف قومنا- من آبائهم و أعمامهم و عشائرهم- لتردهم عليهم فهم أعلى بهم عينا- و أعلم بما عابوا عليهم و عاينوه منهم- . قالت أم سلمة و لم يكن شي‏ء أبغض- إلى عبد الله بن أبي ربيعة و عمرو بن العاص- من أن يسمع النجاشي كلامهم- . فقالت بطارقة الملك و خواصه حوله صدقا أيها الملك- قومهم أعلى بهم عينا و أعلم‏بما عابوا عليهم- فليسلمهم الملك إليهما ليرادهم إلى بلادهم و قومهم- .

فغضب الملك و قال لا ها الله إذا لا أسلمهم إليهما- و لا أخفر قوما جاوروني و نزلوا بلادي- و اختاروني على سواي- حتى أدعوهم و أسألهم عما يقول هذان في أمرهم- فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما- و رددتهم إلى قومهم و إن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم- و أحسنت جوارهم ما جاوروني- .

قالت ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ص فدعاهم- فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض- ما تقولون للرجل إذا جئتموه- قالوا نقول و الله ما علمناه- و ما أمرنا به نبينا ص كائنا في ذلك ما هو كائن- فلما جاءوه و قد دعا النجاشي أساقفته- فنشروا مصاحفهم حوله سألهم- فقال لهم ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم- و لم تدخلوا في ديني و لا في دين أحد من هذه الملل- قالت أم سلمة و كان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له- أيها الملك إنا كنا قوما في جاهلية نعبد الأصنام- و نأكل الميتة و نأتي الفواحش- و نقطع الأرحام و نسي‏ء الجوار و يأكل القوي منا الضعيف- فكنا على ذلك حتى بعث الله عز و جل علينا رسولا منا- نعرف نسبه و صدقه و أمانته و عفافه- فدعانا إلى الله لنوحده و نعبده- و نخلع ما كنا عليه نحن و آباؤنا من دونه- من الحجارة و الأوثان و أمرنا بصدق الحديث- و أداء الأمانة و صلة الرحم و حسن التجاور- و الكف عن المحارم و الدماء- و نهانا عن سائر الفواحش و قول الزور- و أكل مال اليتيم و قذف المحصنة- و أمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا- و بالصلاة و بالزكاة و الصيام- .

قالت فعدد عليه أمور الإسلام كلها فصدقناه و آمنا به- و اتبعناه على ما جاء به من الله- فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا- و حرمنا ما حرم علينا و أحللنا ما أحل لنا- فعدا علينا قومنا فعذبونا و فتنونا عن ديننا- ليردونا إلى عبادة الأصنام و الأوثان عن عبادة الله- و أن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث- فلما قهرونا و ظلمونا و ضيقوا علينا- و حالوا بيننا و بين ديننا خرجنا إلى بلدك- و اخترناك على من سواك و رغبنا في جوارك- و رجونا ألا نظلم عندك أيها الملك- .

فقال النجاشي فهل معك مما جاء به صاحبكم عن الله شي‏ء- فقال جعفر نعم فقال اقرأه علي- فقرأ عليه صدرا من كهيعص فبكى حتى اخضلت لحيته- و بكت أساقفته حتى أخضلوا لحاهم- ثم قال النجاشي و الله إن هذا و الذي جاء به عيسى- ليخرج من مشكاة واحدة و الله لا أسلمكم إليهم- . قالت أم سلمة فلما خرج القوم من عنده- قال عمرو بن العاص و الله لأعيبهم غدا عنده- بما يستأصل به خضراءهم فقال له عبد الله بن أبي ربيعة- و كان أتقى الرجلين لا تفعل- فإن لهم أرحاما و إن كانوا قد خالفوا- قال و الله لأخبرنه غدا- أنهم يقولون في عيسى ابن مريم أنه عبد- ثم غدا عليه من الغد فقال أيها الملك- إن هؤلاء يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما- فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه فأرسل إليهم- . قالت أم سلمة فما نزل بنا مثلها و اجتمع المسلمون- و قال بعضهم لبعض ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه- فقال جعفر بن أبي طالب نقول فيه و الله ما قال عز و جل- و ما جاء به نبينا ع كائنا في ذلك ما هو كائن- .

فلما دخلوا عليه قال لهم ما تقولون في عيسى ابن مريم- فقال جعفر نقول إنه عبد الله‏ و رسوله و روحه و كلمته- ألقاها إلى مريم العذراء البتول- . قالت فضرب النجاشي يديه على الأرض- و أخذ منها عودا و قال- ما عدا عيسى ابن مريم ما قال هذا العود- . قالت فقد كانت بطارقته تناخرت حوله- حين قال جعفر ما قال فقال لهم النجاشي و إن تناخرتم- . ثم قال للمسلمين اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي أي آمنون- من سبكم غرم ثم من سبكم غرم ثم من سبكم غرم- ما أحب أن لي دبرا ذهبا و أني آذيت رجلا منكم- و الدبر بلسان الحبشة الجبل- ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي فيها- فو الله ما أخذ الله مني الرشوة حتى ردني إلى ملكي- فآخذ الرشوة فيه و ما أطاع الناس في أ فأطيعهم فيه- . قالت فخرج الرجلان من عنده مقبوحين- مردودا عليهما ما جاءا به- و أقمنا عنده في خير دار مع خير جار- فو الله إنا لعلى ذلك- إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه- .

قالت أم سلمة فو الله ما أصابنا خوف و حزن قط- كان أشد من خوف و حزن نزل بنا- أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي- فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان يعرف منه- . قالت و سار إليه النجاشي و بينهما عرض النيل- فقال أصحاب رسول الله ص- من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر- فقال الزبير بن العوام أنا- و كان من أحدث المسلمين سنا- فنفخوا له قربة فجعلناها تحت صدره- ثم سبح‏ عليها حتى خرج إلى ناحية النيل- التي بها يلتقي القوم ثم انطلق حتى حضرهم- قالت و دعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه- و التمكين له في بلاده- فو الله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن- إذ طلع الزبير يسعى و يلوح بثوبه و يقول ألا أبشروا- فقد ظهر النجاشي و أهلك الله عدوه- . قالت فو الله ما أعلمنا فرحنا فرحة مثلها قط- و رجع النجاشي و قد أهلك الله عدوه- و تمكن و مكن له في بلاده و استوثق له أمر الحبشة- فكنا عنده في خير منزل و دار- إلى أن رجعنا إلى رسول الله ص بمكة- .

و روي عن عبد الله بن جعفر بن محمد ع- أنه قال لقد كاد عمرو بن العاص عمنا جعفرا- بأرض الحبشة عند النجاشي و عند كثير من رعيته- بأنواع الكيد ردها الله تعالى عنه بلطفه- رماه بالقتل و السرق و الزنا- فلم يلصق به شي‏ء من تلك العيوب- لما شاهده القوم من طهارته و عبادته- و نسكه و سيما النبوة عليه فلما نبا معوله عن صفاته- هيأ له سما قذفه إليه في طعام- فأرسل الله هرا كفأ تلك الصحفة- و قد مد يده نحو ثم مات لوقته و قد أكل منها- فتبين لجعفر كيده و غائلته فلم يأكل بعدها عنده- و ما زال ابن الجزار عدوا لنا أهل البيت

أمر عمرو بن العاص في صفين

و أما خبر عمرو في صفين و اتقائه حملة علي ع- بطرحه نفسه على الأرض و إبداء سوأته- فقد ذكره كل من صنف في السير كتابا- و خصوصا الكتب الموضوعة لصفين- .قال نصر بن مزاحم في كتاب صفين قال- حدثنا محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي عمرو- و عن عبد الرحمن بن حاطب- قال كان عمرو بن العاص عدوا للحارث بن نضر الخثعمي- و كان من أصحاب علي ع- و كان علي ع- قد تهيبته فرسان الشام و ملأ قلوبهم بشجاعته- و امتنع كل منهم من الإقدام عليه- و كان عمرو قلما جلس مجلسا- إلا ذكر فيه الحارث بن نضر الخثعمي و عابه- فقال الحارث-

ليس عمرو بتارك ذكره الحارث
بالسوء أو يلاقي عليا

واضع السيف فوق منكبه الأيمن‏
لا يحسب الفوارس شيا

ليت عمرا يلقاه في حومة النقع
و قد أمست السيوف عصيا

حيث يدعو للحرب حامية القوم‏
إذا كان بالبراز مليا

فالقه إن أردت مكرمة الدهر
أو الموت كل ذاك عليا

 فشاعت هذه الأبيات حتى بلغت عمرا- فأقسم بالله ليلقين عليا و لو مات ألف موتة- فلما اختلطت الصفوف لقيه فحمل عليه برمحه- فتقدم علي ع و هو مخترط سيفامعتقل رمحا- فلما رهقه همز فرسه ليعلو عليه- فألقى عمرو نفسه عن فرسه إلى الأرض شاغرا برجليه- كاشفا عورته فانصرف عنه لافتا وجهه مستدبرا له- فعد الناس ذلك من مكارمه و سؤدده و ضرب بها المثل- . قال نصر و حدثني محمد بن إسحاق- قال اجتمع عند معاوية في بعض ليالي صفين- عمرو بن العاص و عتبة بن أبي سفيان و الوليد بن عقبة- و مروان بن الحكم و عبد الله بن عامر- و ابن طلحة الطلحات الخزاعي- فقال عتبة إن أمرنا و أمر علي بن أبي طالب لعجب- ما فينا إلا موتور مجتاح- .

أما أنا فقتل جدي عتبة بن ربيعة و أخي حنظلة- و شرك في دم عمي شيبة يوم بدر- . و أما أنت يا وليد فقتل أباك صبرا- و أما أنت يا ابن عامر فصرع أباك و سلب عمك- . و أما أنت يا ابن طلحة- فقتل أباك يوم الجمل و أيتم إخوتك- و أما أنت يا مروان فكما قال الشاعر-

و أفلتهن علباء جريضا
و لو أدركنه صفر الوطاب‏

فقال معاوية هذا الإقرار فأين الغير- قال مروان و أي غير تريد قال أريد أن تشجروه بالرماح- قال و الله يا معاوية ما أراك إلا هاذيا أو هازئا- و ما أرانا إلا ثقلنا عليك فقال ابن عقبة-

يقول لنا معاوية بن حرب
أ ما فيكم لواتركم طلوب‏

يشد على أبي حسن علي‏
بأسمر لا تهجنه الكعوب‏

فيهتك مجمع اللبات منه
و نقع الحرب مطرد يئوب‏

فقلت له أ تلعب يا ابن هند
كأنك بيننا رجل غريب‏

أ تغرينا بحية بطن واد
إذا نهشت فليس لها طبيب‏

و ما ضبع يدب ببطن واد
أتيح له به أسد مهيب‏

بأضعف حيلة منا إذا ما
لقيناه و لقياه عجيب‏

سوى عمرو وقته خصيتاه‏
و كان لقلبه منه وجيب‏

كان القوم لما عاينوه
خلال النقع ليس لهم قلوب‏

لعمر أبي معاوية بن حرب‏
و ما ظني ستلحقه العيوب‏

لقد ناداه في الهيجا علي
فأسمعه و لكن لا يجيب‏

فغضب عمرو و قال إن كان الوليد صادقا فليلق عليا- أو فليقف حيث يسمع صوته- . و قال عمرو-

يذكرني الوليد دعا علي
و نطق المرء يملؤه الوعيد

متى تذكر مشاهده قريش‏
يطر من خوفه القلب الشديد

فأما في اللقاء فأين منه
معاوية بن حرب و الوليد

و عيرني الوليد لقاء ليث‏
إذا ما شد هابته الأسود

لقيت و لست أجهله عليا
و قد بلت من العلق اللبود

فأطعنه و يطعني خلاسا
و ما ذا بعد طعنته أريد

فرمها منه يا ابن أبي معيط
و أنت الفارس البطل النجيد

و أقسم لو سمعت ندا علي‏
لطار القلب و انتفخ الوريد

و لو لاقيته شقت جيوب
عليك و لطمت فيك الخدود

و ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإستيعاب- في باب بسر بن أرطاة قال- كان بسر من الأبطال الطغاة و كان مع معاوية بصفين- فأمره أن يلقى عليا ع في القتال- و قال له إني سمعتك تتمنى لقاءه- فلو أظفرك الله به و صرعته- حصلت على الدنيا و الآخرة- و لم يزل يشجعه و يمنيه حتى رأى عليا في الحرب فقصده- و التقيا فصرعه علي ع- و عرض له معه مثل ما عرض له- مع عمرو بن العاص في كشف السوأة- . قال أبو عمر و ذكر ابن الكلبي في كتابه في أخبار صفين- أن بسر بن أرطاة بارز عليا يوم صفين- فطعنه علي ع فصرعه فانكشف له فكف عنه- كما عرض له مثل ذلك مع عمرو بن العاص- . قال و للشعراء فيهما أشعار- مذكورة في موضعها من ذلك الكتاب- منها فيما ذكر ابن الكلبي و المدائني- قول الحارث بن نضر الخثعمي- و كان عدوا لعمرو بن العاص و بسر بن أرطاة-

أ في كل يوم فارس لك ينتهي
و عورته وسط العجاحة باديه‏

يكف لها عنه علي سنانه‏
و يضحك منها في الخلاء معاوية

بدت أمس من عمرو فقنع رأسه
و عورة بسر مثلها حذو حاذيه‏

فقولا لعمرو ثم بسر ألا انظرا
لنفسكما لا تلقيا الليث ثانيه‏

و لا تحمدا إلا الحيا و خصاكما
هما كانتا و الله للنفس واقيه‏

و لولاهما لم تنجوا من سنانه‏
و تلك بما فيها إلى العود ناهيه‏

متى تلقيا الخيل المغيرة صبحة
و فيها علي فاتركا الخيل ناحيه‏

و كونا بعيدا حيث لا يبلغ القنا
نحوركما إن التجارب كافيه‏

و روى الواقدي قال قال معاوية يوما- بعد استقرار الخلافة له لعمرو بن العاص- يا أبا عبد الله لا أراك إلا و يغلبني الضحك قال بما ذا- قال أذكر يوم حمل عليك أبو تراب في صفين- فأزريت نفسك فرقا من شبا سنانه و كشفت سوأتك له- فقال عمرو أنا منك أشد ضحكا- إني لأذكر يوم دعاك إلى البراز فانتفخ سحرك- و ربا لسانك في فمك و غصصت بريقك- و ارتعدت فرائصك و بدا منك ما أكره ذكره لك- فقال معاوية لم يكن هذا كله- و كيف يكون و دوني عك و الأشعريون- قال إنك لتعلم أن الذي وصفت دون ما أصابك- و قد نزل ذلك بك و دونك عك و الأشعريون- فكيف كانت حالك لو جمعكما مأقط الحرب- فقال يا أبا عبد الله خض بنا الهزل إلى الجد- إن الجبن و الفرار من علي لا عار على أحد فيهما

خبر إسلام عمرو بن العاص

فأما القول في إسلام عمرو بن العاص- فقد ذكره محمد بن إسحاق في كتاب المغازي قال- حدثني زيد بن أبي حبيب عن راشد مولى حبيب بن أبي أوس الثقفي عن حبيب بن أبي أوس- قال حدثني عمرو بن العاص من فيه- قال لما انصرفنا مع الأحزاب من الخندق- جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي و يسمعون مني- فقلت لهم و الله- إني لأرى أمر محمد يعلو الأمور علوا منكرا- و إني قد رأيت رأيا فما ترون فيه فقالوا ما رأيت- فقلت أرى أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده- فإن ظهر محمد على قومه أقمنا عند النجاشي- فأن نكون تحت يديه أحب إلينا- من أن نكون تحت يدي محمد- فإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتنا منهم إلا خير- قالوا إن هذا الرأي فقلت فاجمعوا ما نهدي له- و كان أحب ما يأتيه من أرضنا الأدم- فجمعنا له أدما كثيرا ثم خرجنا حتى قدمنا عليه- فو الله إنا لعنده إذ قدم عمرو بن أمية الضمري- و كان رسول الله ص بعثه إليه- في شأن جعفر بن أبي طالب و أصحابه- . قال فدخل عليه ثم خرج من عنده- فقلت لأصحابي هذا عمرو بن أمية- لو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه- فأعطانيه فضربت عنقه فإذا فعلت ذلك رأت قريش- أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد- قال فدخلت عليه فسجدت له- فقال مرحبا بصديقي‏ أهديت إلي من بلادك شيئا- قلت نعم أيها الملك قد أهديت لك أدما كثيرا- ثم قربته إليه فأعجبه و اشتهاه- ثم قلت له أيها الملك إني قد رأيت رجلا خرج من عندك- و هو رسول رجل عدو لنا فأعطنيه لأقتله- فإنه قد أصاب من أشرافنا و خيارنا- .

فغضب الملك ثم مد يده- فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره- فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقا منه- ثم قلت أيها الملك- و الله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه- فقال أ تسألني أن أعطيك رسول رجل- يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله- فقلت أيها الملك أ كذلك هو- فقال إي و الله أطعني ويحك و اتبعه فإنه و الله لعلى حق- و ليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون و جنوده- قلت فبايعني له على الإسلام فبسط يده- فبايعته على الإسلام و خرجت عامدا لرسول الله ص- فلما قدمت المدينة جئت إلى رسول الله ص- و قد أسلم خالد بن الوليد- و قد كان صحبني في الطريق إليه فقلت يا رسول الله- أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي- و لم أذكر ما تأخر-فقال بايع يا عمرو فإن الإسلام يجب ما قبله- و إن الهجرة تجب ما قبلها- فبايعته و أسلمت- . و ذكر أبو عمر في الإستيعاب أن إسلامه كان سنة ثمان- و أنه قدم و خالد بن الوليد و عثمان بن طلحة المدينة- فلما رآهم رسول الله قال رمتكم مكة بأفلاذ كبدها- . قال و قد قيل إنه أسلم بين الحديبية و خيبر- و القول الأول أصح

بعث رسول الله عمرا إلى ذات السلاسل

قال أبو عمر و بعث رسول الله عمرا إلى ذات السلاسل- من بلاد قضاعة في ثلاثمائة- و كانت أم العاص بن وائل من بلي- فبعث رسول الله ص عمرا إلى أرض بلي‏ و عذرة- يتألفهم بذلك و يدعوهم إلى الإسلام- فسار حتى إذا كان على ماء أرض جذام يقال له السلاسل- و قد سميت تلك الغزاة ذات السلاسل خاف- فكتب إلى رسول الله ص يستنجد فأمده بجيش فيه مائتا فارس- فيه أهل الشرف و السوابق من المهاجرين و الأنصار- فيهم أبو بكر و عمر و أمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح- فلما قدموا على عمرو- قال عمرو أنا أميركم و إنما أنتم مددي- فقال أبو عبيدة بل أنا أمير من معي و أنت أمير من معك- فأبى عمرو ذلك- فقال أبو عبيدة إن رسول الله ص عهد إلي- فقال إذا قدمت إلى عمرو فتطاوعا و لا تختلفا- فإن خالفتني أطعتك- قال عمرو فإني أخالفك فسلم إليه أبو عبيدة- و صلى خلفه في الجيش كله- و كان أميرا عليهم و كانوا خمسمائة

ولايات عمرو في عهد الرسول و الخلفاء

قال أبو عمر ثم ولاه رسول الله ص عمان- فلم يزل عليها حتى قبض رسول الله ص- و عمل لعمر و عثمان و معاوية- و كان عمر بن الخطاب ولاه- بعد موت يزيد بن أبي سفيان فلسطين و الأردن- و ولى معاوية دمشق و بعلبك و البلقاء- و ولى سعيد بن عامر بن خذيم حمص- ثم جمع الشام كلها لمعاوية- و كتب إلى عمرو بن العاص أن يسير إلى مصر- فسار إليها فافتتحها فلم يزل عليها واليا حتى مات عمر- فأمره عثمان عليها أربع سنين و نحوها- ثم عزله عنها و ولاها عبد الله بن سعد العامري- .

قال أبو عمر ثم إن عمرو بن العاص ادعى- على أهل الإسكندرية أنهم قد نقضوا العهد- الذي كان عاهدهم فعمد إليها فحارب أهلها و افتتحها- و قتل المقاتلة و سبى الذرية فنقم ذلك عليه عثمان- و لم يصح عنده نقضهم العهد- فأمر برد السبي الذي سبوا من القرى إلى مواضعهم- و عزل عمرا عن مصر- و ولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري‏ مصر بدله- فكان ذلك بدو الشر بين عمرو بن العاص و عثمان بن عفان- فلما بدا بينهما من الشر ما بدا- اعتزل عمرو في ناحية فلسطين بأهله- و كان يأتي المدينة أحيانا- فلما استقر الأمر لمعاوية- بالشام- بعثه إلى مصر بعد تحكيم الحكمين فافتتحها- فلم يزل بها إلى أن مات أميرا عليها- في سنة ثلاث و أربعين و قيل سنة اثنتين و أربعين- و قيل سنة ثمان و أربعين و قيل سنة إحدى و خمسين- .

قال أبو عمر و الصحيح أنه مات في سنة ثلاث و أربعين- و مات يوم عيد الفطر من هذه السنة و عمره تسعون سنة- و دفن بالمقطم من ناحية السفح و صلى عليه ابنه عبد الله- ثم رجع فصلى بالناس صلاة العيد فولاه معاوية مكانه- ثم عزله و ولى مكانه أخاه عتبة بن أبي سفيان- . قال أبو عمر و كان عمرو بن العاص من فرسان قريش- و أبطالهم في الجاهلية مذكورا فيهم بذلك- و كان شاعرا حسن الشعر- و أحد الدهاة المتقدمين في الرأي و الذكاء- و كان عمر بن الخطاب إذا استضعف رجلا في رأيه و عقله- قال أشهد أن خالقك و خالق عمرو واحد يريد خالق الأضداد

نبذ من كلام عمرو بن العاص

و نقلت أنا من كتب متفرقة كلمات حكمية- تنسب إلى عمرو بن العاص استحسنتها و أوردتها- لأني لا أجحد لفاضل فضله و إن كان دينه عندي غير مرضي- . فمن كلامه ثلاث لا أملهن جليسي ما فهم عني و ثوبي ما سترني- و دابتي ما حملت رحلي- .و قال لعبد الله بن عباس بصفين- إن هذا الأمر الذي نحن و أنتم فيه- ليس بأول أمر قاده البلاء- و قد بلغ الأمر منا و منكم ما ترى- و ما أبقت لنا هذه الحرب حياة و لا صبرا- و لسنا نقول ليت الحرب عادت- و لكنا نقول ليتها لم تكن كانت- فافعل فيما بقي بغير ما مضى- فإنك رأس هذا الأمر بعد علي- و إنما هو آمر مطاع و مأمور مطيع و مبارز مأمون و أنت هو- . و لما نصب معاوية قميص عثمان على المنبر- و بكى أهل الشام حوله قال قد هممت أن أدعه على المنبر- فقال له عمرو إنه ليس بقميص يوسف- أنه إن طال نظرهم إليه و بحثوا عن السبب- وقفوا على ما لا تحب أن يقفوا عليه- و لكن لذعهم بالنظر إليه في الأوقات- .

و قال ما وضعت سري عند أحد فأفشاه فلمته- لأني أحق باللوم منه إذ كنت أضيق به صدرا منه- . و قال ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر- لكن العاقل من يعرف خير الشرين- . و قال عمر بن الخطاب لجلسائه يوما و عمرو فيهم- ما أحسن الأشياء فقال كل منهم ما عنده- فقال ما تقول أنت يا عمرو فقالالغمرات ثم ينجلينا- و قال لعائشة لوددت أنك قتلت يوم الجمل- قالت و لم لا أبا لك- قال كنت تموتين بأجلك و تدخلين الجنة- و نجعلك أكبر التشنيع على علي بن أبي طالب ع- .

و قال لبنيه يا بني اطلبوا العلم- فإن استغنيتم كان جمالا و إن افتقرتم كان مالا- . و من كلامه أمير عادل خير من مطر وابل- و أسد حطوم خير من سلطان ظلوم- و سلطان ظلوم خير من فتنة تدوم و زلة الرجل عظم يجبر- و زلة اللسان لا تبقى و لا تذر و استراح من لا عقل له- .

و كتب إليه عمر يسأله عن البحر- فكتب إليه خلق عظيم يركبه خلق ضعيف- . دود على عود بين غرق و نزق- . و قال لعثمان و هو يخطب على المنبر يا عثمان- إنك قد ركبت بهذه الأمة نهاية من الأمر- و زغت فزاغوا فاعتدل أو اعتزل- . و من كلامه استوحش من الكريم الجائع- و من اللئيم الشبعان- فإن الكريم يصول إذا جاع و اللئيم يصول إذا شبع- . و قال جمع العجز إلى التواني فنتج بينهما الندامة- و جمع الجبن إلى الكسل فنتج بينهما الحرمان- .

و روى عبد الله بن عباس- قال دخلت على عمرو بن العاص و قد احتضر- فقلت يا أبا عبد الله- كنت تقول أشتهي أني أرى عاقلا يموت- حتى أسأله كيف تجد فما ذا تجد- قال أجد السماء كأنها مطبقة على الأرض و أنا بينهما- و أراني كأنما أتنفس من خرق إبرة- ثم قال اللهم خذ مني حتى ترضى ثم رفع يده- فقال اللهم أمرت فعصينا و نهيت فركبنا- فلا برئ فأعتذر و لا قوي فأنتصر- و لكن لا إله إلا الله فجعل يرددها حتى فاض- .

و قد روى أبو عمر بن عبد البر هذا الخبر- في كتاب الإستيعاب- قال لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة- قال اللهم أمرتني فلم آتمر و زجرتني فلم أنزجر- و وضع يده في موضع الغل- ثم قال اللهم لا قوي فأنتصر و لا برئ فأعتذر- و لا مستكبر بل مستغفر لا إله إلا أنت- فلم يزل يرددها حتى مات- . قال أبو عمر و حدثني خلف بن قاسم- قال حدثني الحسن بن رشيق قال حدثنا الطحاوي- قال حدثنا المزني قال سمعت الشافعي- يقول دخل ابن عباس على عمرو بن العاص في مرضه فسلم عليه- فقال كيف أصبحت يا أبا عبد الله- قال أصبحت و قد أصلحت من دنياي قليلا- و أفسدت من ديني كثيرا- فلو كان الذي أصلحت هو الذي‏ أفسدت- و الذي أفسدت هو الذي أصلحت لفزت- و لو كان ينفعني أن أطلب طلبت- و لو كان ينجيني أن أهرب هربت- فقد صرت كالمنخنق بين السماء و الأرض- لا أرقى بيدين و لا أهبط برجلين- فعظني بعظة أنتفع بها يا ابن أخي- فقال ابن عباس هيهات أبا عبد الله- صار ابن أخيك أخاك و لا تشاء أن تبلى إلا بليت- كيف يؤمر برحيل من هو مقيم- فقال عمرو على حينها- من حين ابن بضع و ثمانين تقنطني من رحمة ربي- اللهم إن ابن عباس يقنطني من رحمتك- فخذ مني حتى ترضى- فقال ابن عباس هيهات أبا عبد الله- أخذت جديدا و تعطى خلقا- قال عمرو ما لي و لك يا ابن عباس- ما أرسل كلمة إلا أرسلت نقيضها- .

و روى أبو عمر في كتاب الإستيعاب أيضا عن رجال- قد ذكرهم و عددهم أن عمرا لما حضرته الوفاة- قال له ابنه عبد الله و قد رآه يبكي لم تبكي- أ جزعا من الموت قال لا و الله و لكن لما بعده- فقال له لقد كنت على خير- فجعل يذكره صحبة رسول الله ص و فتوحه بالشام- فقال له عمرو تركت أفضل من ذلك شهادة أن لا إله إلا الله- إني كنت على ثلاثة أطباق- ليس منها طبق إلا عرفت نفسي فيه- كنت أول أمري كافرا- فكنت أشد الناس على رسول الله ص- فلو مت حينئذ وجبت لي النار- فلما بايعت رسول الله ص كنت أشد الناس حياء منه- فما ملأت منه عيني قط- فلو مت يومئذ قال الناس هنيئا لعمرو- أسلم و كان على خير و مات على خير أحواله- فسرحوا له بالجنة- ثم تلبثت بعد ذلك بالسلطان و بأشياء- فلا أدري‏أ علي أم لي فإذا مت فلا تبكين علي باكية- و لا يتبعني نائح و لا تقربوا من قبري نارا- و شدوا علي إزاري فإني مخاصم و شنوا علي التراب شنا- فإن جنبي الأيمن ليس بأحق من جنبي الأيسر- و لا تجعلوا في قبري خشبة و لا حجرا و إذا واريتموني- فاقعدوا عندي قدر نحر جزور و تقطيعها أستأنس بكم- .

فإن قلت- فما الذي يقوله أصحابك المعتزلة في عمرو بن العاص- قلت إنهم يحكمون على كل من شهد صفين- بما يحكم به على الباغي الخارج على الإمام العادل- و مذهبهم في صاحب الكبيرة إذا لم يتب معلوم- . فإن قلت أ ليس في هذه الأخبار ما يدل على توبته- نحو قوله و لا مستكبر بل مستغفر- و قوله اللهم خذ مني حتى ترضى- و قوله أمرت فعصيت و نهيت فركبت- . و هذا اعتراف و ندم و هو معنى التوبة- قلت إن قوله تعالى- وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ- حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ- يمنع من كون هذا توبة- و شروط التوبة و أركانها معلومة- و ليس هذا الاعتراف و التأسف منها في شي‏ء- . و قال شيخنا أبو عبد الله- أول من قال بالإرجاء المحض معاوية و عمرو بن العاص- كانا يزعمان أنه لا يضر مع الإيمان عصية- و لذلك قال معاوية لمن قال له- حاربت من تعلم و ارتكبت ما تعلم- فقال وثقت بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً-و إلى هذا المعنى أشار عمرو بقوله لابنه- تركت أفضل من ذلك شهادة أن لا إله إلا الله

فصل في شرح ما نسب إلى علي من الدعابة

فأما ما كان يقوله عمرو بن العاص في علي ع لأهل الشام- إن فيه دعابة يروم أن يعيبه بذلك عندهم- فأصل ذلك كلمة قالها عمر فتلقفها- حتى جعلها أعداؤه عيبا له و طعنا عليه- . قال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب في كتاب الأمالي- كان عبد الله بن عباس عند عمر فتنفس عمر نفسا عاليا- قال ابن عباس حتى ظننت أن أضلاعه قد انفرجت- فقلت له ما أخرج هذا النفس منك- يا أمير المؤمنين إلا هم شديد- . قال إي و الله يا ابن عباس- إني فكرت فلم أدر فيمن أجعل هذا الأمر بعدي- ثم قال لعلك ترى صاحبك لها أهلا- قلت و ما يمنعه من ذلك- مع جهاده و سابقته و قرابته و علمه- قال صدقت و لكنه امرؤ فيه دعابة- قلت فأين أنت من طلحة- قال هو ذو البأو بإصبعه المقطوعة قلت فعبد الرحمن- قال رجل ضعيف لو صار الأمر إليه- لوضع خاتمه في يد امرأته- قلت فالزبير قال شكس لقس- يلاطم في البقيع في صاع من بر- قلت فسعد بن أبي وقاص قال صاحب مقنب و سلاح- قلت فعثمان قال أوه أوه مرارا- ثم قال و الله لئن وليها- ليحملن بني أبي معيط على رقاب الناس- ثم لتنهضن إليه العرب فتقتله- ثم قال يا ابن عباس- إنه لا يصلح لهذا الأمر إلا حصيف العقدة قليل الغرة- لا تأخذه في الله لومة لائم يكون شديدا من غير عنف- لينا من‏ غير ضعف- جوادا من غير سرف ممسكا من غير وكف- قال ابن عباس و كانت هذه صفات عمر ثم أقبل علي- فقال إن أحراهم أن يحملهم على كتاب ربهم- و سنة نبيهم لصاحبك و الله لئن وليها- ليحملنهم على المحجة البيضاء و الصراط المستقيم- .

و اعلم أن الرجل ذا الخلق المخصوص- لا يرى الفضيلة إلا في ذلك الخلق- أ لا ترى أن الرجل يبخل- فيعتقد أن الفضيلة في الإمساك و البخيل- يعيب أهل السماح و الجود- و ينسبهم إلى التبذير و إضاعة الحزم- و كذلك الرجل الجواد يعيب البخلاء- و ينسبهم إلى ضيق النفس و سوء الظن و حب المال- و الجبان يعتقد أن الفضيلة في الجبن و يعيب الشجاعة- و يعتقد كونها خرقا و تغريرا بالنفس كما قال المتنبي-يرى الجبناء أن الجبن حزم‏- و الشجاع يعيب الجبان و ينسبه إلى الضعف- و يعتقد أن الجبن ذل و مهانة- و هكذا القول في جميع الأخلاق- و السجايا المقتسمة بين نوع الإنسان- و لما كان عمر شديد الغلظة وعر الجانب- خشن الملمس دائم العبوس- كان يعتقد أن ذلك هو الفضيلة و أن خلافه نقص- و لو كان سهلا طلقا مطبوعا على البشاشة و سماحة الخلق- لكان يعتقد أن ذاك هو الفضيلة و أن خلافه نقص- حتى لو قدرنا أن خلقه حاصل لعلي ع و خلق علي حاصل له- لقال في علي لو لا شراسة فيه- .

فهو غير ملوم عندي فيما قاله- و لا منسوب إلى أنه أراد الغض من علي- و القدح‏فيه و لكنه أخبر عن خلقه- ظانا أن الخلافة لا تصلح- إلا لشديد الشكيمة العظيم الوعورة- و بمقتضى ما كان يظنه من هذا المعنى- تمم خلافة أبي بكر بمشاركته إياه- في جميع تدابيراته و سياسته و سائر أحواله- لرفق و سهولة كانت في أخلاق أبي بكر- و بمقتضى هذا الخلق المتمكن عنده- كان يشير على رسول الله ص في مقامات كثيرة- و خطوب متعدة بقتل قوم كان يرى قتلهم- و كان النبي ص يرى استبقاءهم و استصلاحهم- فلم يقبل ع مشورته على هذا الخلق- . و أما إشارته عليه يوم بدر بقتل الأسرى- حيث أشار أبو بكر بالفداء- فكان الصواب مع عمر و نزل القرآن بموافقته- فلما كان في اليوم الثاني و هو يوم الحديبية- أشار بالحرب و كره الصلح فنزل القرآن بضد ذلك- فليس كل وقت يصلح تجريد السيف- و لا كل وقت يصلح إغماده- و السياسة لا تجري على منهاج واحد و لا تلزم نظاما واحدا- .

و جملة الأمر أنه رضي الله عنه لم يقصد عيب علي ع- و لا كان عنده معيبا و لا منقوصا- أ لا ترى أنه قال في آخر الخبر أن أحراهم أن وليها- أن يحملهم على كتاب الله و سنة رسوله لصاحبك- ثم أكد ذلك بأن قال إن وليهم- ليحملنهم على المحجة البيضاء و الصراط المستقيم- فلو كان أطلق تلك اللفظة- و عنى بها ما حملها عليه الخصوم- لم يقل في خاتمة كلامه ما قاله- . و أنت إذا تأملت حال علي ع في أيام رسول الله ص- وجدته بعيدا عن أن ينسب إلى الدعابة و المزاح- لأنه لم ينقل عنه شي‏ء من ذلك أصلا- لا في كتب الشيعة و لا في كتب المحدثين- و كذلك إذا تأملت حاله في أيام الخليفتين أبي بكر و عمر- لم تجد في كتب السيرة حديثا واحدا- يمكن أن يتعلق به متعلق في دعابته و مزاحه- فكيف يظن‏ بعمر أنه نسبه إلى أمر لم ينقله عنه ناقل- و لا ندد به صديق و عدو- و إنما أراد سهولة خلقه لا غير- و ظن أن ذلك مما يفضي به إلى ضعف إن ولي أمر الأمة- لاعتقاده أن قوام هذا الأمر إنما هو بالوعورة- بناء على ما قد ألفته نفسه و طبعت عليه سجيته- و الحال في أيام عثمان- و أيام ولايته ع الأمر كالحال فيما تقدم- في أنه لم يظهر منه دعابة- و لا مزاح يسمى الإنسان لأجله ذا دعابة و لعب- و من تأمل كتب السير عرف صدق هذا القول- و عرف أن عمرو بن العاص أخذ كلمة عمر- إذ لم يقصد بها العيب فجعلها عيبا- و زاد عليها أنه كثير اللعب- يعافس النساء و يمارسهن و أنه صاحب هزل- .

و لعمر الله لقد كان أبعد الناس من ذلك- و أي وقت كان يتسع لعلي ع حتى يكون فيه على هذه الصفات- فإن أزمانه كلها في العبادة و الصلاة- و الذكر و الفتاوي و العلم- و اختلاف الناس إليه في الأحكام و تفسير القرآن- و نهاره كله أو معظمه مشغول بالصوم- و ليله كله أو معظمه مشغول بالصلاة هذا في أيام سلمه- فأما أيام حربه فبالسيف الشهير و السنان الطرير- و ركوب الخيل و قود الجيش و مباشرة الحروب- .

و لقد صدق ع في قوله-إنني ليمنعني من اللعب ذكر الموت- و لكن الرجل الشريف النبيل- الذي لا يستطيع أعداؤه أن يذكروا له عيبا- أو يعدوا عليه وصمة- لا بد أن يحتالوا و يبذلوا جهدهم- في تحصيل أمر ما و إن ضعف- يجعلونه عذرا لأنفسهم في ذمه- و يتوسلون به إلى أتباعهم- في تحسينهم لهم مفارقته و الانحراف عنه- و ما زال المشركون و المنافقون- يصنعون لرسول الله ص الموضوعات- ينسبون إليه ما قد برأه الله عنه من العيوب و المطاعن- في حياته و بعد وفاته إلى زماننا هذا- و ما يزيده الله سبحانه إلا رفعة و علوا- فغير منكر أن يعيب عليا ع عمرو بن العاص- و أمثاله من أعدائه بما إذا تأمله المتأمل- علم أنهم باعتمادهم عليه و تعلقهم به- قد اجتهدوا في مدحه و الثناء عليه- لأنهم لو وجدوا عيبا غير ذلك لذكروه- و لو بالغ أمير المؤمنين و بذل جهده في أن يثنى أعداؤه- و شانئوه عليه من حيث لا يعلمون- لم يستطع إلى أن يجد إلى ذلك طريقا ألطف- من هذه الطريق التي أسلكهم الله تعالى فيها- و هداهم إلى منهاجها فظنوا أنهم يغضون منه- و إنما أعلوا شأنه و يضعون من قدره- و إنما رفعوا منزلته و مكانه

أقوال و حكايات في المزاح

و نحن نذكر من بعد- ما جاء في الأحاديث الصحاح و الآثار المستفيضة- المتفق على نقلها مزاح رسول الله ص- و مزاح الأشراف و الأفاضل و الأكابر- من أصحابه و التابعين له- ليعلم أن المزاح إذا لم يخرج عن القاعدة الشرعية- لم يكن قبيحا- .فأول ذلك ما رواه الناس قاطبة أن رسول الله ص قال إني أمزح و لا أقول إلا حقا- . و قيل لسفيان الثوري المزاح هجنة فقال بل هو سنة-لقول رسول الله ص إني أمزح و لا أقول إلا الحقو جاء في الخبر أن رسول الله ص قال لامرأة من الأنصار- الحقي زوجك فإن في عينه بياضا- فسعت نحوه مرعوبة فقال لها ما دهاك فأخبرته- فقال نعم إن في عيني بياضا لا لسوء فخفضي عليك- فهذا من مزاح رسول الله ص و أتت عجوز من الأنصار إليه ع- فسألته أن يدعو الله تعالى لها بالجنة- فقال إن الجنة لا تدخلها العجز فصاحت فتبسم ع فقال- إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا

و في الخبر أيضا أن امرأة استحملته- فقال إنا حاملوك إن شاء الله تعالى على ولد الناقة- فجعلت تقول يا رسول الله و ما أصنع بولد الناقة- و هل يستطيع أن يحملني- و هو يبتسم و يقول لا أحملك إلا عليه- حتى قال لها أخيرا و هل يلد الإبل إلا النوقو في الخبر أنه ع مر ببلال و هو نائم فضربه برجله- و قال أ نائمة أم عمرو فقال بلال مرعوبا- فضرب بيده إلى مذاكيره فقال له ما بالك- قال ظننت أني تحولت امرأة- قيل فلم يمزح رسول الله بعد هذهو في الخبر أيضا أن نغرا كان لصبي من صبيان الأنصار فطار من يده- فبكى الغلام فكان رسول الله ص يمر به- فيقول يا أبا عمير ما فعل النغير و الغلام يبكيو كان يمازح ابني بنته مزاحا مشهورا- و كان يأخذ الحسين ع فيجعله على بطنه- و هو ع نائم على ظهرهو يقول له حزقة حزقة ترق عين بقة

و في الحديث الصحيح المتفق عليه أنه مر على أصحاب الدركلة و هم يلعبون و يرقصون- فقال جدوا يا بني أرفده- حتى يعلم اليهود و النصارى أن في ديننا فسحة- .

قال أهل اللغة الدركلة بكسر الدال و الكاف- لعبة للحبش فيها ترقص- و بنو أرفدة جنس من الحبش يرقصون- .و جاء في الخبر أنه سابق عائشة فسبقته ثم سابقها فسبقها- فقال هذه بتلكو في الخبر أيضا أن أصحاب الزفافة و هم الراقصون- كانوا يقمعون باب حجرة عائشة- فتخرج إليهم مستمعة و مبصرة- فيخرج هو ع من ورائها مستترا بهاو كان نعيمان و هو من أهل بدر- أولع الناس بالمزاح عند رسول الله ص-و كان يكثر الضحك- فقال رسول الله ص يدخل الجنة و هو يضحك- .

و خرج نعيمان هو و سويبط بن عبد العزى و أبو بكر الصديق- في تجارة قبل وفاة رسول الله ص بعامين- و كان سويبط على الزاد فكان نعيمان يستطعمه- فيقول حتى يجي‏ء أبو بكر فمر بركب من نجران- فباعه نعيمان منهم على أنه عبد له بعشر قلائص- و قال لهم إنه ذو لسان و لهجة- و عساه يقول لكم أنا حر فقالوا لا عليك- . و جاءوا إليه فوضعوا عمامته في عنقه و ذهبوا به- فلما جاء أبو بكر أخبر بذلك فرده و أعاد القلائص إليهم- فضحك رسول الله ص و أصحابه من ذلك سنة- .

و روي أن أعرابيا باع نعيمان عكة عسل فاشتراها منه- فجاء بها إلى بيت عائشة في يومها و قال خذوها- فظن رسول الله ص أنه أهداها إليه و مضى نعيمان- فنزل الأعرابي على الباب- فلما طال قعوده نادى يا هؤلاء- إما أن تعطونا ثمن العسل أو تردوه علينا- فعلم رسول الله ص بالقصة و أعطى الأعرابي الثمن- و قال لنعيمان ما حملك على ما فعلت- قال رأيتك يا رسول الله تحب العسل- و رأيت العكة مع الأعرابي- فضحك رسول الله ص و لم ينكر عليه- . و سئل النخعي هل كان أصحاب رسول الله يضحكون و يمزحون- فقال نعم و الإيمان في قلوبهم مثل الجبال الرواسي- .

و جاء في الخبر أن يحيى ع لقي عيسى ع و عيسى متبسم- فقال يحيى ع ما لي أراك لاهيا كأنك آمن- فقال ع ما لي أراك عابساكأنك آيس- فقالا لا نبرح حتى ينزل علينا الوحي- فأوحى الله إليهما أحبكما إلي الطلق البسام- أحسنكما ظنا بي- . و روي عن كبراء الصحابة رضي الله تعالى عنهم- أنهم كانوا يتمازحون و يتناشدون الأشعار- فإذا خاضوا في الدين انقلبت حماليقهم- و صاروا في صور أخرى- . و روي أن عبد الله بن عمر قال لجاريته- خلقني خالق الخير و خلقك خالق الشر فبكت- فقال لا عليك- فإن الله تعالى هو خالق الخير و هو خالق الشر- . قلت يعني بالشر المرض و الغلاء و نحوهما- . و كان ابن سيرين ينشد-

نبئت أن فتاة كنت أخطبها
عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول‏

ثم يضحك حتى يسيل لعابه- . و جاء عبد الرحمن بن عوف إلى باب عمر بن الخطاب- فوجده مستلقيا على مرفقة له- رافعا إحدى رجليه على الأخرى منشدا بصوت عال-

و كيف ثوائي بالمدينة بعد ما
قضى وطرا منها جميل بن معمر

فلما دخل عبد الرحمن و جلس قال يا أبا محمد- إنا إذا خلونا قلنا كما يقول الناس- . و كان سعيد بن المسيب ينشد-

لقد أصبحت عرس الفرزدق جامحا
و لو رضيت رمح استه لاستقرت‏

و يضحك حتى يستغرق- . و كان يقال لا بأس بقليل المزاح- يخرج منه الرجل عن حد العبوس- .و من كلام بعض الأدباء و نحن نحمد الله إليك- فإن عقدة الإسلام في قلوبنا صحيحة- و أواخيه عندنا ثابتة- و قد اجتهد قوم أن يدخلوا قلوبنا من مرض قلوبهم- و أن يشوبوا يقيننا بشكهم فعصم الله منهم- و حال توفيقه دونهم و لنا بعد مذهب في الدعابة جميل- لا يشوبه أذى و لا قذى يخرج بنا إلى الأنس من العبوس- و إلى الاسترسال من القطوب- و يلحقنا بأحرار الناس الذين ارتفعوا عن لبسة الرياء- و أنفوا من التشوف بالتصنع- .

و قال ابن جريج سألت عطاء عن القراءة- على ألحان الغناء و الحداء فقال لي لا بأس بذلك- حدثني عبيد الله بن عمر الليثي- أنه كان لداود النبي ع معزفة- قد يضرب بها إذا قرأ الزبور- فتجمع إليه الطير و الوحش فيبكي و يبكي من حوله- . و قال جابر بن عبد الله الجعفي- رأيت الشعبي يقول لخياط يمازحه- عندنا حب مكسور و أحب أن تخيطه- فقال الخياط أحضر لي خيوطا من ريح لأخيطه لك- . و سئل الشعبي هل يجوز أن يؤكل الجني لو ظفر به- فقال ليتنا نخرج منه كفافا لا لنا و لا علينا- .

و سأل إنسان محمد بن سيرين عن هشام بن حسان- فقال توفي البارحة أ ما شعرت- فخرج يسترجع فلما رأى ابن سيرين جزعه- قرأ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها- . و كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في بيته و أرفثهم- و قد أباح الله تعالى الرفث إلى النساء- فقال أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى‏ نِسائِكُمْ- هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ‏وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ- و قال أهل اللغة الرفث- القول الفاحش تخاطب به المرأة حال الجماع- . و مر بالشعبي حمال على ظهره دن خل فوضع الدن- و قال له ما كان اسم امرأة إبليس- فقال الشعبي ذلك نكاح ما شهدناه- . و قال عكرمة ختن ابن عباس بنيه فأرسلني- فدعوت اللعابين فلعبوا فأعطاهم أربعة دراهم- . و تقدم رجلان إلى شريح في خصومة- فأقر أحدهما بما ادعي عليه و هو لا يدري فقضى شريح عليه- فقال أصلحك الله أ تقضي علي بغير بينة- قال بلى شهد عندي ثقة- قال و من هو قال ابن أخت خالتك- .

و جاء في الخبر أن النبي ص مر بصهيب و هو أرمد يأكل تمرا فنهاه- فقال إنما آكله عن جانب العين الصحيحة يا رسول الله- فضحك منه و لم ينكر عليهو في الخبر أنه ص مر بحسان بن ثابت- و قد رش أطماره و عنده جارية تغنيه-هل على ويحكماإن لغوت من حرج‏- فقال ص لا حرج إن شاء الله- . و قيل إن عبد الله بن جعفر- قال لحسان بن ثابت في أيام معاوية- لو غنتك فلانة جاريتي صوت كذا- لم تدرك ركابك فقال يا أبا جعفر- فكلوا منها و أطعموا البائس الفقير- .

و قال أسلم مولى عمر بن الخطاب مر بي عمر- و أنا و عاصم نغني غناء النصب فوقف و قال أعيدا علي- فأعدنا عليه و قلنا أينا أحسن صنعة يا أمير المؤمنين- فقال مثلكما كحماري العبادي قيل له أي حماريك شر- فقال هذا ثم هذا فقلت يا أمير المؤمنين- أنا الأول من الحمارين فقال أنت الثاني منهما- . و مر نعيمان و هو بدري بمخرمة بن نوفل في خلافة عثمان- و قد كف بصره فقال أ لا يقودني رجل حتى أبول- فأخذ نعيمان بيده حتى صار به إلى مؤخر المسجد- و قال هاهنا فبل فبال فصاح به الناس- فقال من قادني قيل نعيمان- قال لله علي أن أضربه بعصاي هذه فبلغ نعيمان فأتاه- فقال بلغني أنك أقسمت لتضربن نعيمان فهل لك فيه- قال نعم قال قم- فقام معه حتى وافى به عثمان بن عفان و هو يصلي- فقال دونك الرجل فجمع محرمة يديه في العصا و ضربه بها- فصاح الناس ويلك أمير المؤمنين- قال من قادني قالوا نعيمان- قال و ما لي و لنعيمان لا أعرض له أبدا- . و كان طويس يتغنى في عرس- فدخل النعمان بن بشير الأنصاري العرس و طويس يغنيهم-

أ جد بعمرة هجرانها
و تسخط أم شاننا شانها

 فأشاروا إليه بالسكوت- فقال النعمان دعوه إنه لم يقل بأسا إنما قال-

و عمرة من سروات النساء
تنفح بالمسك أردانها

و عمرة هذه أم النعمان و فيها قيل هذا النسيب- . و قد روي عن جماعة- من الصحابة و التابعين اللعب بالنرد و الشطرنج- و منهم من روي عنهم شرب النبيذ و سماع الغناء المطرب- .

فأما أمير المؤمنين علي ع- فإذا نظرت إلى كتب الحديث و السير- لم تجد أحدا من خلق الله عدوا و لا صديقا- روى عنه شيئا من هذا الفن لا قولا و لا فعلا- و لم يكن جد أعظم من جده و لا وقار أتم من وقاره- و ما هزل قط و لا لعب- و لا فارق الحق و الناموس الديني سرا و لا جهرا- و كيف يكون هازلاو من كلامه المشهور عنه ما مزح امرؤ مزحة إلا و مج معها من عقله مجة- و لكنه خلق على سجية لطيفة و أخلاق سهلة و وجه طلق- و قول حسن و بشر ظاهر و ذلك من فضائله ع- و خصائصه التي منحه الله بشرفها و اختصه بمزيتها- و إنما كانت غلظته و فظاظته فعلا لا قولا- و ضربا بالسيف لا جبها بالقول- و طعنا بالسنان لا عضها باللسان كما قال الشاعر-

و تسفه أيدينا و يحلم رأينا
و نشتم بالأفعال لا بالتكلم‏

نبذ و أقول في حسن الخلق و مدحه
فأما سوء الخلق فلم يكن من سجاياه-فقد قال النبي ص خصلتان لا يجتمعان في مؤمن البخل و سوء الخلق- و قال الله تعالى لنبيه ص وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ- و قال أيضا- وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ- .و قيل لرسول الله ص ما الشؤم فقال سوء الخلق
– . و صحب جابر رجلا في طريق مكة فآذاه سوء خلقه- فقال جابر إني لأرحمه نحن نفارقه و يبقى معه سوء خلقه- .

و قيل لعبد الله بن جعفر- كيف تجاور بني زهرة و في أخلاقهم زعارة- قال لا يكون لي قبلهم شي‏ء إلا تركته- و لا يطلبون مني شيئا إلا أعطيتهم- .و في الحديث المرفوع أنه ص قال أ لا أنبئكم بشر الناس قالوا بلى يا رسول الله- قال من نزل وحده و منع رفده و ضرب عبده- ثم قال أ لا أنبئكم بشر من ذلك قالوا بلى- قال من لم يقل عثرة و لا يقبل معذرة- .

و قال إبراهيم بن عباس الصولي- لو وزنت كلمة رسول الله ص بمحاسن الخلق كلها لرجحت-قوله إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكمو في الخبر المرفوع حسن الخلق زمام من رحمة الله في أنف صاحبه- و الزمام بيد الملك و الملك يجره إلى الخير- و الخير يجره إلى الجنة- و سوء الخلق زمام من عذاب الله في أنف صاحبه- و الزمام بيد الشيطان و الشيطان يجره إلى الشر- و الشر يجره إلى النار
و روى الحسن بن علي ع عن النبي ص أن الرجل يدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم- و إنه ليكتب جبارا و لا يملك إلا أهله
و روى أبو موسى الأشعري قال بينا رسول الله ص يمشي و امرأة بين يديه- فقلت الطريق لرسول الله ص فقالت الطريق معرض- إن شاء أخذ يمينا و إن شاء أخذ شمالا- فقال ص دعوها فإنها جبارة- .

و قال بعض السلف الحسن الخلق ذو قرابة عند الأجانب- و السيئ الخلق أجنبي عند أهله- . و من كلام الأحنف أ لا أخبركم بالمحمدة بلا مذمة- الخلق السجيح و الكف عن القبيح- أ لا أخبركم بأدوأ الداء الخلق الدني‏ء و اللسان البذي‏ء- .و في الحديث المرفوع أول ما يوضع في الميزان الخلق الحسنو جاء مرفوعا أيضا المؤمن هين لين كالجمل الأنف- إن قيد انقاد و إن أنيخ على صخرة استناخو جاء مرفوعا أيضا أ لا أخبركم بأحبكم إلي- و أقربكم مني مجالس يوم القيامة- أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا- الذين يألفون و يؤلفون- أ لا أخبركم بأبغضكم إلي- و أبعدكم مني مجالس يوم القيامة- الثرثارون المتفيهقون- . أبو رجاء العطاردي من سره أن يكون مؤمنا حقا- فليكن أذل من قعود كل من مر به ادعاه- .

فضيل بن عياض لأن يصحبني فاجر حسن الخلق- أحب إلي من أن صحبني عابد سيئ الخلق- لأن الفاسق إذا حسن خلقه خف على الناس و أحبوه- و العابد إذا ساء خلقه ثقل على الناس و مقتوه- .دخل فرقد و محمد بن واسع على رجل يعودانه- فجرى ذكر العنف و الرفق- فروى فرقد عن رسول الله ص أنه قيل له- على من حرمت النار يا رسول الله- قال على الهين اللين السهل القريب- فلم يجد محمد بن واسع بياضا يكتب ذلك فيه- فكتبه على ساقه- . عبد الله بن الداراني ما ضرب عبد بعقوبة- أعظم من قسوة القلب- .عائشة قال رسول الله ص إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم باب رفقو عنها عنه ص من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من خير الدنيا و الآخرةجرير بن عبد الله البحلي رفعه أن الله ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق- فإذا أحب الله عبدا أعطاه الرفق- و كان يقال ما دخل الرفق في شي‏ء إلا زانه- . أبو عون الأنصاري ما تكلم الإنسان بكلمة عنيفة- إلا و إلى جانبها كلمة ألين منها تجري مجراها- .

سئلت عائشة عن خلق رسول الله ص- فقالت كان خلقه القرآن- خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ‏- . و سئل ابن المبارك عن حسن الخلق- فقال بسط الوجه و كف الأذى و بذل الندى- .ابن عباس أن الخلق الحسن يذيب الخطايا- كما تذيب الشمس الجليد- و أن الخلق السيئ يفسد العمل كما يفسد الخل العسلعلي ع ما من شي‏ء في الميزان أثقل من خلق حسنو عنه ع عنوان صحيفة المؤمن حسن خلقهو عنه ع مرفوعا عليكم بحسن الخلق فإنه في الجنة- و إياكم و سوء الخلق فإنه في النار- .

قال المنصور لأخيه أبي العباس في بني حسن- لما أزمعوا الخروج عليه- آنسهم يا أمير المؤمنين بالإحسان- فإن استوحشوا فالشر يصلح ما يعجز عنه الخير- و لا تدع محمدا يمرح في أعنة العقوق- فقال أبو العباس يا أبا جعفر- إنه من شدد نفر و من لان ألف- و التغافل من سجايا الكرام

فصل في ذكر أسباب الغلظة و الفظاظة

و نحن نذكر بعد كلاما كليا- في سبب الغلظة و الفظاظة- و هو الخلق المنافي للخلق الذي كان عليه أمير المؤمنين- فنقول‏إنه قد يكون لأمر عائد إلى المزاج الجسماني- و قد يكون لأمر راجع إلى النفس- فأما الأول- فإنما يكون من غلبة الأخلاط السوداوية و ترمدها- و عدم صفاء الدم و كثرة كدرته و عكره- فإذا غلظ الدم و ثخن غلظ الروح النفساني و ثخن أيضا- لأنه متولد من الدم- فيحدث منه نوع مما يحدث لأصحاب الفطرة- من الاستيحاش و النبوة عن الناس- و عدم الاستئناس و البشاشة- و صار صاحبه ذا جفاء و أخلاق غليظة- و يشبه أن يكون هذا سببا ماديا- فإن الذي يقوى في نفسي- أن النفوس إن صحت و ثبتت مختلفة بالذات- .

و أما الراجع إلى النفس- فأن يجتمع عندها أسقاط و أنصباء من قوى مختلفة مذمومة- نحو أن تكون القوة الغضبية عندها متوافرة- و ينضاف إليها تصور الكمال في ذاتها- و توهم النقصان في غيرها- فيعتقد أن حركات غيره واقعة على غير الصواب- و أن الصواب ما توهمه- . و ينضاف إلى ذلك قلة أدب النفس- و عدم الضبط لها و استحقارها للغير- و يقل التوقير له و ينضاف إلى ذلك لجاج- و ضيق في النفس و حدة و استشاطة و قلة صبر عليه- فيتولد من مجموع هذه الأمور خلق دني- و هو الغلظة و الفظاظة و الوعورة و البادرة المكروهة- و عدم حبه الناس و لقاؤهم بالأذى و قلة المراقبة لهم- و استعمال القهر في جميع الأمور و تناول الأمر من السماء- و هو قادر على أن يتناوله من الأرض- .

و هذا الخلق خارج عن الاعتدال و داخل في حيز الجور- و لا ينبغي أن يسمى بأسماء المدح- و أعني بذلك أن قوما يسمون هذا النوع من العنف- و الخلق الوعر رجولية و شدة و شكيمة- و يذهبون به مذهب قوة النفس و شجاعتها- الذي هو بالحقيقة مدح و شتان بين الخلقين- فإن صاحب هذا الخلق الذي ذممناه- تصدر عنه أفعال كثيرة يجور فيها على نفسه ثم على إخوانه- على الأقرب فالأقرب من معامليه- حتى ينتهي إلى عبيده و حرمه- فيكون عليهم سوط عذاب لا يقيلهم عثرة- و لا يرحم لهم عبرة و إن كانوا برآء الذنوب- غير مجرمين و لا مكتسبي سوء بل يتجرم عليهم- و يهيج من أدنى سبب يجد به طريقا إليهم-حتى يبسط يده و لسانه و هم لا يمتنعون منه- و لا تجاسرون على رده عن أنفسهم- بل يذعنون له و يقرون بذنوب لم يقترفوها- استكفافا لعاديته و تسكينا لغضبه- و هو في ذلك يستمر على طريقته لا يكف يدا و لا لسانا- .

و أصل هذا الخلق الذي ذكرناه- أنه مركب من قوى مختلفة من شدة القوة الغضبية- فهي الحاملة لصاحب هذا الخلق- على ما يصدر عنه من البادرة المكروهة و الجبة و القحة- و قد رأينا و شاهدنا من تشتد القوة الغضبية فيه- فيتجاوز الغضب على نوع الإنسان- إلى البهائم التي لا تعقل و إلى الأواني التي لا تحس- و ربما قام إلى الحمار و إلى البرذون فضربهما و لكمهما- و ربما كسر الآنية لشدة غضبه- و ربما عض القفل إذا تعسر عليه- و ربما كسر القلم إذا تعلقت به شعره من الدواة- و اجتهد في إزالتها فلم تزل- .

و يحكى عن بعض ملوك اليونان المتقدمين- أنه كان يغضب على البحر إذا هاج و اضطرب- و تأخرت سفنه عن النفوذ فيه- فيقسم بمعبوده ليطمنه- و ليطرحن الجبال فيه حتى يصير أرضا- و يقف بنفسه على البحر و يهدده بذلك- و يزجره زجرا عنيفا- حتى تدر أوداجه و يشتد احمرار وجهه- و منهم من لا يسكن غضبه- حتى يصب عليه ماء بارد أو حتى يبول- و لهذا ورد في الشريعة- الأمر لمن اشتد غضبه أن يتوضأ للصلاة و يصلي- . و كان عمر بن الخطاب إذا غضب على واحد من أهله- لا يسكن غضبه حتى يعض يده عضا شديدا حتى يدميها- .

و ذكر الزبير بن بكار في الموفقيات- أن سرية جاءت لعبد الرحمن- أو لعبيد الله بن عمر بن الخطاب إليه تشكوه- فقالت يا أمير المؤمنين أ لا تعذرني من أبي عيسى- قال و من أبو عيسى قالت ابنك عبيد الله- قال ويحك و قد تكني بأبي عيسى ثم دعاه- فقال أيها اكتنيت بأبي عيسى فحذر و فزع- و أخذ يده فعضها ثم ضربه- و قال ويلك و هل لعيسى أب أ تدري ما كنى العرب- أبو سلمة أبو حنظلة أبو عرفطة أبو مرة- . قال الزبير و كان عمر إذا غضب على بعض أهله- لم يسكن غضبه حتى يعض يده عضا شديدا- و كان عبد الله بن الزبير كذلك و لقوة هذا الخلق عنده- أضمر عبد الله بن عباس في خلافته إبطال القول بالعول- و أظهره بعده فقيل له هلا قلت هذا في أيام عمر- فقال هبته و كان أميرا مهيبا- .

و لذلك قال أيضا أبو سفيان في استلحاق زياد- أخاف من هذا العير الجالس أن يخرق علي إهابي- فإذا هابه أبو سفيان- و هو من بني عبد مناف في المنزلة التي تعلم- و حوله بنو عبد شمس و هم جمرة قريش- فما ظنك بمن هو دونه- . و قد علمت حال جبلة بن الأيهم و ارتداده عن الإسلام- لتهدده له و وعيده إياه أن يضربه بالدرة- و فساد الحال بينه و بين خالد بن الوليد- بعد أن كان وليا مصافيا و منحرفا عن غيره قاليا- و الشأن الذي كان بينه و بين طلحة حتى هم أن يوقع به- و حتى هم طلحة أن يجاهره- و طلحة هو الذي قال لأبي بكر عند موته- ما ذا تقول لربك و قد وليت فينا فظا غليظا- و هو القائل له يا خليفة رسول الله- إنا كنا لا نحتمل شراسته و أنت حي تأخذ على يديه- فكيف يكون حالنا معه و أنت ميت و هو الخليفة- .

و اعلم أنا لا نريد بهذا القول ذمه رضي الله عنه- و كيف نذمه و هو أولى الناس بالمدح‏ و التعظيم- ليمن نقيبته و بركة خلافته و كثرة الفتوح في أيامه- و انتظام أمور الإسلام على يده- و لكنا أردنا أن نشرح حال العنف و الرفق- و حال سعة الخلق و ضيقه و حال البشاشة و العبوس- و حال الطلاقة و الوعورة- فنذكر كل واحد منها ذكرا كليا- لا نخص به إنسانا بعينه- فأما عمر فإنه و إن كان وعرا شديدا خشنا- فقد رزق من التوفيق و العناية الإلهية و نجح المساعي- و طاعة الرعية و نفوذ الحكم- و قوة الدين و حسن النية و صحة الرأي- ما يربي محاسنه و محامده- على ما في ذلك الخلق من نقص- و ليس الكامل المطلق إلا الله تعالى وحده- . فأما حديث الرضيخة- و ما جعل معاوية لعمرو بن العاص- من جعالة على مبايعته و نصرته- فقد تقدم ذكره في أخبار صفين- المشروحة في هذا الكتاب من قبل

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي‏ الحديد) ج 6 

خطبه 82 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(الغراء)

82 و من خطبة له ع و تسمى بالغراء

و هي من الخطب العجيبة- : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَا بِحَوْلِهِ وَ دَنَا بِطَوْلِهِ- مَانِحِ كُلِّ غَنِيمَةٍ وَ فَضْلٍ وَ كَاشِفِ كُلِّ عَظِيمَةٍ وَ أَزْلٍ- أَحْمَدُهُ عَلَى عَوَاطِفِ كَرَمِهِ وَ سَوَابِغِ نِعَمِهِ- وَ أُومِنُ بِهِ أَوَّلًا بَادِياً وَ أَسْتَهْدِيهِ قَرِيباً هَادِياً- وَ أَسْتَعِينُهُ قَاهِراً قَادِراً وَ أَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ كَافِياً نَاصِراً- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ لِإِنْفَاذِ أَمْرِهِ وَ إِنْهَاءِ عُذْرِهِ وَ تَقْدِيمِ نُذُرِهِ الحول القوة و الطول الإفضال و المانح المعطي- و الأزل بفتح الهمزة الضيق و الحبس- و العواطف جمع عاطفة و هي ما يعطفك على الغير- و يدنيه من معروفك- و السوابغ التوام الكوامل سبغ الظل إذا عم و شمل- . و أولا هاهنا منصوب على الظرفية- كأنه قال قبل كل شي‏ء- و الأول نقيض الآخر أصله أوءل على أفعل مهموز الوسط- قلبت الهمزة واوا و أدغم- يدل على ذلك قولهم هذا أول منك- و الإتيان بحرف الجر دليل على أنه أفعل- كقولهم هذا أفضل منك- و جمعه على أوائل و أوال أيضا على القلب- و قال قوم أصله وول على فوعل فقلبت الواو الأولى همزة- و إنما لم يجمع على ووال- لاستثقالهم اجتماع الواوين و بينهما ألف الجمع- .

و إذا جعلت الأول صفة لم تصرفه- تقول لقيته عاما أول لاجتماع وزن الفعل- و تقول ما رأيته مذ عام أول كلاهما بغير تنوين- فمن رفع جعله صفة لعام- كأنه قال أول من عامنا و من نصب جعله كالظرف- كأنه قال مذ عام قبل عامنا- فإن قلت ابدأ بهذا أول ضممته على الغاية- . و الإنهاء الإبلاغ أنهيت إليه الخبر فانتهى أي بلغ- و المعنى أن الله تعالى أعذر إلى خلقه و أنذرهم- فإعذاره إليهم أن عرفهم بالحجج العقلية و السمعية- أنهم إن عصوه استحقوا العقاب- فأوضح عذره لهم في عقوبته إياهم على عصيانه- و إنذاره لهم تخويفه إياهم من عقابه- و قد نظر البحتري إلى معنى قوله ع علا بحوله و دنا بطوله- فقال

دنوت تواضعا و علوت قدرا
فشأناك انخفاض و ارتفاع‏

كذاك الشمس تبعد أن تسامى‏
و يدنو النور منها و الشعاع‏

و في هذا الفصل ضروب من البديع- فمنها أن دنا في مقابلة علا لفظا و معنى- و كذلك حوله و طوله- . فإن قلت لا ريب في تقابل دنا و علا- من حيث المعنى و اللفظ- و أما حوله و طوله فإنهما يتناسبان لفظا- و ليسا متقابلين معنى- لأنهما ليسا ضدين كما في العلو و الدنو- . قلت بل فيهما معنى التضاد- لأن الحول هو القوة و هي مشعرة بالسطوة و القهر- و منه منشأ الانتقام و الطول الإفضال و التكرم- و هو نقيض الانتقام و البطش- . فإن قلت أنت و أصحابك لا تقولون- إن الله تعالى قادر بقدرة و هو عندكم قادر لذاته- فكيف تتأولون قوله ع الذي علا بحوله- أ ليس في هذا إثبات قدرة له زائدة على ذاته- و هذا يخالف مذهبكم- .

قلت إن أصحابنا لا يمتنعون من إطلاق قولهم- إن لله قوة و قدرة و حولا- و حاش لله أن يذهب ذاهب منهم إلى منع ذلك- و لكنهم يطلقونه و يعنون به حقيقته العرفية- و هي كون الله تعالى قويا قادرا كما نقول نحن و المخالف- إن لله وجودا و بقاء و قدما- و لا نعني بذلك أن وجوده أو بقاءه- أو قدمه معان زائدة على نفسه- لكنا نعني كلنا بإطلاق هذه الألفاظ عليه- كونه موجودا أو باقيا أو قديما- و هذا هو العرف المستعمل في قول الناس- لا قوة لي على ذلك و لا قدرة لي على فلان- لا يعنون نفي المعنى- بل يعنون كون الإنسان قادرا قويا على ذلك- . و منها أن مانحا في وزن كاشف- و غنيمة بإزاء عظيمة في اللفظ و ضدها في المعنى- و كذلك فضل و أزل- .

و منها أن عواطف بإزاء سوابغ و نعمه بإزاء كرمه- . و منها و هو ألطف ما يستعمله أرباب هذا الصناعة- أنه جعل قريبا هاديا مع قوله أستهديه- لأن الدليل القريب منك- أجدر بأن يهديك من البعيد النازح- و لم يجعله مع قوله و أستعينه- و جعل مع الاستعانة قاهرا قادرا- لأن القادر القاهر يليق أن يستعان و يستنجد به- و لم يجعله قادرا قاهرا مع التوكل عليه- و جعل مع التوكل كافيا ناصرا- لأن الكافي الناصر أهل لأن يتوكل عليه- . و هذه اللطائف و الدقائق من معجزاته ع- التي فات بها البلغاء و أخرس الفصحاء: أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي ضَرَبَ لَكُمُ الْأَمْثَالَ- وَ وَقَّتَ لَكُمُ الآْجَالَ وَ أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ وَ أَرْفَغَ لَكُمُ الْمَعَاشَ- وَ أَحَاطَ بِكُمُ الْإِحْصَاءَ وَ أَرْصَدَ لَكُمُ الْجَزَاءَ- وَ آثَرَكُمْ بِالنِّعَمِ السَّوَابِغِ وَ الرِّفَدِ الرَّوَافِغِ- وَ أَنْذَرَكُمْ بِالْحُجَجِ الْبَوَالِغِ فَأَحْصَاكُمْ عَدَداً- وَ وَظَّفَ لَكُمْ مُدَداً فِي قَرَارِ خِبْرَةٍ وَ دَارِ عِبْرَةٍ- أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِيهَا وَ مُحَاسَبُونَ عَلَيْهَا وقت و أقت بمعنى أي جعل الآجال لوقت مقدر- . و الرياش و الريش واحد و هو اللباس- قال تعالى يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَ رِيشاً- . و قرئ و رياشا و يقال الرياش الخصب و الغنى- و منه ارتاش فلان حسنت حاله- و يكون لفظ ألبسكم مجازا إن فسر بذلك- . و أرفغ لكم المعاش أي جعله رفيغا أي واسعا مخصبا- يقال رفغ بالضم عيشه رفاغة اتسع- فهو رافغ و رفيغ و ترفغ الرجل- و هو في رفاغية من العيش مخففا- مثل رفاهية و ثمانية- .

و قوله و أحاط بكم الإحصاء- يمكن أن ينصب الإحصاء على أنه مصدر فيه اللام- و العامل فيه غير لفظه كقوله يعجبه السخون- ثم قال حبا و ليس‏دخول اللام بمانع من ذلك- تقول ضربته الضربة كما تقول ضربته ضربا- و يجوز أن ينصب بأنه مفعول به- و يكون ذلك على وجهين- . أحدهما أن يكون من حاط ثلاثيا- تقول حاط فلان كرمه أي جعل عليه حائطا- فكأنه جعل الإحصاء و العد كالحائط المدار عليهم- لأنهم لا يبعدون منه و لا يخرجون عنه- . و الثاني أن يكون من حاط الحمار عانته يحوطها- بالواو أي جمعها فأدخل الهمزة- كأنه جعل الإحصاء يحوطهم و يجمعهم- تقول ضربت زيدا و أضربته أي جعلته ذا ضرب- فلذلك كأنه جعل ع الإحصاء- ذا تحويط عليهم بالاعتبار الأول- أو جعله ذا جمع لهم بالاعتبار الثاني- . و يمكن فيه وجه آخر- و هو أن يكون الإحصاء مفعولا له- و يكون في الكلام محذوف تقديره- و أحاط بكم حفظته و ملائكته للإحصاء- و دخول اللام في المفعول له كثير- كقوله و الهول من تهول الهبور- .

قوله و أرصد يعني أعد- و في الحديث إلا أن أرصده لدين علي- . و آثركم من الإيثار- و أصله أن تقدم غيرك على نفسك في منفعة- أنت قادر على الاختصاص بها- و هو في هذا الموضع مجاز مستحسن- . و الرفد جمع رفدة مثل كسرة و كسر- و فدرة و فدر و الرفدة و الرفد واحد- و هي العطية و الصلة و رفدت فلانا رفدا بالفتح- و المضارع أرفده بكسر الفاء و يجوز أرفدته بالهمزة- . و الروافغ الواسعة و الحجج البوالغ الظاهرة المبينة- قال سبحانه فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ- .

و وظف لكم مددا أي قدر و منه وظيفة الطعام- . و قرار خبرة بكسر الخاء أي دار بلاء و اختبار- تقول خبرت زيدا أخبره خبرة بالضم فيهما- و خبرة بالكسر إذا بلوته و اختبرته- و منه قولهم صغر الخبر الخبر- . و دار عبرة أي دار اعتبار و اتعاظ- و الضمير في فيها و عليها ليس واحدا- فإنه في فيها يرجع إلى الدار- و في عليها يرجع إلى النعم و الرفد- و يجوز أن يكون الضمير في عليها- عائدا إلى الدار على حذف المضاف أي على سكانها: فَإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا رَدِغٌ مَشْرَعُهَا- يُونِقُ مَنْظَرُهَا وَ يُوبِقُ مَخْبَرُهَا- غُرُورٌ حَائِلٌ وَ ضَوْءٌ آفِلٌ وَ ظِلٌّ زَائِلٌ وَ سِنَادٌ مَائِلٌ- حَتَّى إِذَا أَنِسَ نَافِرُهَا وَ اطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا- قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا وَ قَنَصَتْ بِأَحْبُلِهَا- وَ أَقْصَدَتْ بِأَسْهُمِهَا وَ أَعْلَقَتِ الْمَرْءَ أَوْهَاقَ الْمَنِيَّةِ- قَائِدَةً لَهُ إِلَى ضَنْكِ الْمَضْجَعِ وَ وَحْشَةِ الْمَرْجِعِ- وَ مُعَايَنَةِ الْمَحَلِّ وَ ثَوَابِ الْعَمَلِ- .

وَ كَذَلِكَ الْخَلَفُ بِعَقْبِ السَّلَفِ- لَا تُقْلِعُ الْمَنِيَّةُ اخْتِرَاماً- وَ لَا يَرْعَوِي الْبَاقُونَ اجْتِرَاماً يَحْتَذُونَ مِثَالًا- وَ يَمْضُونَ أَرْسَالًا إِلَى غَايَةِ الِانْتِهَاءِ وَ صَيُّورِ الْفَنَاءِ يقال عيش رنق بكسر النون أي كدر- و ماء رنق بالتسكين أي كدر و الرنق بفتح النون- مصدر قولك رنق الماء بالكسر- و رنقته أنا ترنيقا أي كدرته- و الرواية المشهورة في هذا الفصل رنق مشربها بالكسر- أقامه مقام قولهم عيش رنق- و من رواه رنق مشربها بالسكون- و هم الأقلون أجرى اللفظ على حقيقته- .

و يقال مشرع ردغ ذو طين و وحل- روي الردغة بالتحريك- و يجوز تسكين الدال و الجمع رداغ و ردغ- . و يونق منظرها يعجب الناظر آنقني الشي‏ء أعجبني- و يوبق مخبرها يهلك وبق الرجل يبق وبوقا- هلك و الموبق مفعل منه كالموعد مفعل- من وعد يعد و منه قوله سبحانه- وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً- و قد جاء وبق يبق بالكسر فيهما- و هو نادر كورث يرث و جاء أيضا وبق يوبق وبقا- . و الغرور بضم الغين ما يغتر به من متاع الدنيا- و الغرور بالفتح الشيطان- و الحائل الزائل و الآفل الغائب- أفل غاب يأفل و يأفل أفولا- . و السناد دعامة يسند بها السقف- و ناكرها فاعل من نكرت كذا أي أنكرته- . و قمصت بأرجلها قمص الفرس و غيره- يقمص و يقمص قمصا و قماصا أي استن- و هو أن يرفع يديه و يطرحهما معا و يعجن برجليه- و في المثل المضروب لمن ذل بعد عزة ما لعير من قماص- . و جمع فقال بأرجلها و إنما للدابة رجلان- إما لأن المثنى قد يطلق عليه صيغة الجمع- كما في قولهم امرأة ذات أوراك و مآكم و هما وركان- و إما لأنه أجرى اليدين و الرجلين مجرى واحد- فسماها كلها أرجلا و من رواه بالحاء فهو جمع رحل الناقة- . و أقصدت قتلت مكانها من غير تأخير- .

و الأوهاق جمع وهق بالتحريك و هو الحبل- و قد يسكن مثل نهر و نهر- و أعلقت المرء الأوهاق جعلت الأوهاق عالقة به- و الضنك الضيق- . و المضجع المصدر أو المكان- و الفعل ضجع الرجل جنبه بالأرض بالفتح- يضجع ضجوعا و ضجعا فهو ضاجع و مثله أضجع- . و المرجع مصدر رجع و منه قوله تعالى- ثُمَّ إِلى‏ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ و هو شاذ- لأن المصادر من فعل يفعل بكسر العين إنما يكون بالفتح- . قوله و معاينة المحل- أي الموضع الذي يحل به المكلف بعد الموت- و لا بد لكل مكلف أن يعلم عقيب الموت مصيره- أما إلى جنة و أما إلى نار- . و قوله ثواب العمل يريد جزاء العمل- و مراده الجزاء الأعم الشامل للسعادة و الشقاوة- لا الجزاء الأخص الذي هو جزاء الطاعة- و سمى الأعم ثوابا على أصل الحقيقة اللغوية- لأن الثواب في اللغة الجزاء- يقال قد أثاب فلان الشاعر لقصيدة كذا أي جازاه- .

و قوله و كذلك الخلف بعقب السلف- الخلف المتأخرون و السلف المتقدمون- و عقب هاهنا بالتسكين و هو بمعنى بعد- جئت بعقب فلان أي بعده و أصله جري الفرس بعد جريه- يقال لهذا الفرس عقب حسن- و قال ابن السكيت يقال جئت في عقب شهر كذا بالضم- إذا جئت بعد ما يمضي كله و جئت في عقب- بكسر القاف إذا جئت و قد بقيت منه بقية- و قد روي يعقب السلف أي يتبع- . و قوله لا تقلع المنية أي لا تكف- و الاخترام إذهاب الأنفس و استئصالها- .

و ارعوى كف عن الأمر و أمسك- و أصل فعله الماضي رعى يرعو أي كف عن الأمر- و فلان حسن الرعوة و الرعوة و الرعوة و الرعوى و الارعواء- و الاجترام افتعال من الجرم و هو الذنب و مثله الجريمة- يقال جرم و أجرم بمعنى- . قوله يحتذون مثالا أي يقتدون- و أصله من حذوت النعل بالنعل حذوا- إذا قدرت كل واحدة على صاحبها- . قوله و يمضون أرسالا بفتح الهمزة جمع رسل بفتح السين- و هو القطيع من الإبل أو الغنم- يقال جاءت الخيل أرسالا أي قطيعا قطيعا- . و صيور الأمر آخره و ما يئول إليه: حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ الْأُمُورُ- وَ تَقَضَّتِ الدُّهُورُ وَ أَزِفَ النُّشُورُ- أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ الْقُبُورِ وَ أَوْكَارِ الطُّيُورِ- وَ أَوْجِرَةِ السِّبَاعِ وَ مَطَارِحِ الْمَهَالِكِ سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ- مُهْطِعِينَ إِلَى مَعَادِهِ رَعِيلًا صُمُوتاً قِيَاماً صُفُوفاً- يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ وَ يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي- عَلَيْهِمْ لَبُوسُ الِاسْتِكَانَةِ وَ ضَرَعُ الِاسْتِسْلَامِ وَ الذِّلَّةِ- قَدْ ضَلَّتِ الْحِيَلُ وَ انْقَطَعَ الْأَمَلُ وَ هَوَتِ الْأَفْئِدَةُ كَاظِمَةً- وَ خَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ مُهَيْنِمَةً- وَ أَلْجَمَ الْعَرَقُ وَ عَظُمَ الشَّفَقُ وَ أُرْعِدَتِ الْأَسْمَاعُ- لِزَبْرَةِ الدَّاعِي إِلَى فَصْلِ الْخِطَابِ وَ مُقَايَضَةِ الْجَزَاءِ- وَ نَكَالِ الْعِقَابِ وَ نَوَالِ الثَّوَابَ تصرمت الأمور تقطعت و مثله تقضت الدهور- و أزف قرب و دنا يأزف أزفا- و منه قوله تعالى أَزِفَتِ الْآزِفَةُ أي القيامة- الفاعل آزف- .

و الضرائح جمع ضريح و هو الشق في وسط القبر- و اللحد ما كان في جانب القبر- و ضرحت ضرحا إذا حفرت الضريح- . و الأوكار جمع وكر يفتح الواو و هو عش الطائر- و جمع الكثرة وكور- وكر الطائر يكر وكرا أي دخل وكره- و الوكن بالفتح مثل الوكر أي العش- . و أوجرة السباع جمع وجار بكسر الواو و يجوز فتحها- و هو بيت السبع و الضبع و نحوهما- . مهطعين مسرعين و الرعيل القطعة من الخيل- . قوله ع ينفذهم البصر و يسمعهم الداعي أي هم مع كثرتهم- لا يخفى منهم أحد عن إدراك البارئ سبحانه- و هم مع هذه الكثرة أيضا لا يبقى منهم أحد- إلا إذا دعا داعي الموت سمع دعاءه و نداءه- . و اللبوس بفتح اللام ما يلبس قال-

البس لكل حالة لبوسها
إما نعيمها و إما بوسها

 و منه قوله تعالى وَ عَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ يعني الدروع- . و الاستكانة الخضوع و الضرع الخشوع و الضعف- ضرع الرجل يضرع و أضرعه غيره- . و كاظمته ساكته كظم يكظم كظوما أي سكت- و قوم كظم أي ساكتون- .و مهينمة ذات هينمة و هي الصوت الخفي- و ألجم العرق صار لجاما-و في الحديث إن العرق ليجري منهم حتى إن منهم من يبلغ ركبتيه- و منهم من يبلغ صدره و منهم من يبلغ عنقه- و منهم من يلجمه و هم أعظمهم مشقة- . و قال لي قائل ما أرىلقوله ع المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة- كثير فائدة- لأن طول العنق جدا ليس مما يرغب في مثله- فذكرت له الخبر الوارد في العرق- و قلت إذا كان الإنسان شديد طول العنق- كان عن إلجام العرق أبعد فظهرت فائدة الخبر- . و يروى و أنجم العرق أي كثر و دام- . و الشفق و الشفقة بمعنى و هو الاسم من الإشفاق- و هو الخوف و الحذر قال الشاعر-

تهوى حياتي و أهوى موتها شفقا
و الموت أكرم نزال على الحرم‏

 و أرعدت الأسماع عرتها الرعدة و زبرة الداعي صدته- و لا يقال الصوت زبرة إلا إذا خالطه زجر و انتهار- زبرته أزبره بالضم- . و قوله إلى فصل الخطاب إلى هاهنا يتعلق بالداعي- و فصل الخطاب بت الحكومة- التي بين الله و بين عباده في الموقف- رزقنا الله المسامحة فيها بمنه- و إنما خص الأسماع بالرعدة- لأنها تحدث من صوت الملك- الذي يدعو الناس إلى محاسبته- . و المقايضة المعاوضة قايضت زيدا بالمتاع- و هما قيضان كما قالوا بيعان- .

فإن قلت كيف يصح ما ذكره المسلمون من حشر الأجساد- و كيف يمكن ما أشار إليه ع من جمع الأجزاء البدنية- من أوكار الطيور و أوجرة السباع- و معلوم أنه قد يأكل الإنسان سبع- و يأكل ذلك السبع إنسان آخر- و يأكل هذا الإنسان طائر- ثم يأكل الطائر إنسان آخر- و المأكول يصير أجزاء من أجزاء بدن الآكل- فإذا حشرت‏ الحيوانات كلها على ما تزعم المعتزلة- فتلك الأجزاء المفروضة- إما أن تحشر أجزاء من بنية الإنسان- أو بنية السبع أو منهما معا- فإن كان الأول وجب إلا يحشر السبع- و إن كان الثاني وجب ألا يحشر الإنسان و الثالث محال عقلا- لأن الجزء الواحد لا يكون في موضعين- .

قلت إن في بدن كل إنسان و كل حيوان- أجزاء أصلية و أجزاء زائدة- فالأجزاء الزائدة يمكن- أن تصير أجزاء بدن حيوان إذا اغتذى بها- و الأجزاء الأصلية لا يمكن ذلك فيها- بل يحرسها الله تعالى من الاستحالة و التغيير- و إذا كان كذلك- أمكن الحشر بأن تعاد الأجزاء الأصلية إلى موضعها الأول- و لا فساد في استحالة الأجزاء الزائدة لأنه لا يجب حشرها- لأنها ليست أصل بنية المكلف فاندفع الأشكال- و أما من يقول بالنفس الناطقة من أهل الملة- فلا يلزمه الجواب عن السؤال- لأنه يقول إن الأنفس إذا أزف يوم القيامة- خلقت لها أبدان غير الأبدان الأولى- لأن المكلف المطيع و العاصي- المستحق للثواب و العقاب عندهم هو النفس- و أما البدن فآلة لها- نستعمله استعمال الكاتب للقلم و النجار للفأس: عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَاراً وَ مَرْبُوبُونَ اقْتِسَاراً- وَ مَقْبُوضُونَ احْتِضَاراً وَ مُضَمِّنُونَ أَجْدَاثاً وَ كَائِنُونَ رُفَاتاً- وَ مَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً وَ مَدِينُونَ جَزَاءً وَ مُمَيَّزُونَ حِسَاباً- قَدْ أُمْهِلُوا فِي طَلَبِ الْمَخْرَجِ وَ هُدُوا سَبِيلَ الْمَنْهَجِ- وَ عُمِّرُوا مَهَلَ الْمُسْتَعْتَبِ وَ كُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ الرِّيَبِ- وَ خُلُّوا لِمِضْمَارِ الْجِيَادِ وَ رَوِيَّةِ الِارْتِيَادِ- وَ أَنَاةِ الْمُقْتَبِسِ الْمُرْتَادِ فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ وَ مُضْطَرَبِ الْمَهَلِ مربوبون مملوكون و الاقتسار الغلبة و القهر- . و الاحتضار حضور الملائكة عند الميت و هو حينئذ محتضر- و كانت العرب تقول لبن محتضر أي فاسد ذو آفة- يعنون أن الجن حضرته يقال اللبن محتضر فغط إناءك- . و الأجداث جمع جدث و هو القبر- و اجتدث الرجل اتخذ جدثا و يقال جدف بالفاء- . و الرفات الحطام تقول منه رفت الشي‏ء فهو مرفوت- .

و مدينون أي مجزيون و الدين الجزاء- و منه مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ- . و مميزون حسابا من قوله تعالى- وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ- و من قوله تعالى وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً- كما أن قوله و مبعوثون أفرادا مأخوذ من قوله تعالى- وَ لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى‏- و أصل التمييز على الفصل و التبيين- . قوله قد أمهلوا في طلب المخرج- أي انظروا ليفيئوا إلى الطاعة و يخلصوا التوبة- لأن إخلاص التوبة هو المخرج- الذي من سلكه خرج من ربقة المعصية- و مثله قوله و هدوا سبيل المنهج و المنهج الطريق الواضح- . و المستعتب المسترضى- استعتبت زيدا إذا استرضيته عني فأنا مستعتب له- و هو مستعتب و أعتبني أي أرضاني- و إنما ضرب المثل بمهل المستعتب- لأن من يطلب رضاه في مجرى العادة- لا يرهق بالتماس الرضا منه- و إنما يمهل ليرضى بقلبه لا بلسانه- .

و السدف جمع سدفة هي القطعة من الليل المظلم- هذا في لغة أهل نجد- و أما غيرهم‏ فيجعل السدفة الضوء- و هذا اللفظ من الأضداد- و كذلك السدف بفتح السين و الدال- . و قد قيل السدفة اختلاط الضوء و الظلمة- كوقت ما بين طلوع الفجر إلى الإسفار- و السدف الصبح و إقباله و أسدف الليل أظلم- و أسدف الصبح أضاء يقال أسدف الباب- أي افتحه حتى يضي‏ء البيت- و في لغة هوازن أسدفوا أي أسرجوا من السراج- و الريب الشبهة جمع ريبة- . و المضمار الموضع الذي تضمر فيه الخيل- و المضمار أيضا المدة التي تضمر فيها- .

و التضمير أن تعلف الفرس حتى يسمن- ثم ترده إلى قوته الأولى و ذلك في أربعين يوما- و قد يطلق التضمير على نقيض ذلك- و هو التجويع حتى يهزل و يخف لحمه- ضمر الفرس بالفتح يضمر بالضم ضمورا- و جاء ضمر الفرس بالضم و أضمرته أنا- و ضمرته فاضطمر هو- و لؤلؤ مضطمر في وسطه بعض الانضمام- رجل لطيف الجسم ضمير البطن- و ناقة ضامر و ضامرة أيضا- يقول مكنهم الحكيم سبحانه و خلاهم و أعمالهم- كما تمكن الخيل التي تستبق في المضمار ليعلم أيها أسبق- . و الروية الفكرة و الارتياد الطلب- ارتاد فلان الكلأ يرتاده ارتيادا طلبه- و مثله راد الكلأ يروده رودا و ريادا-و في الحديث إذا بال أحدكم فليرتد لبوله- أي فليطلب مكانا لينا أو منحدرا- و الرائد الذي يرسله القوم في طلب الكلإ- و في المثل الرائد لا يكذب أهله- و الأناة التؤدة و الانتظار مثل القناة- . و تأنى في الأمر ترفق و استأنى فلان بفلان- أي انتظر به و جاء الأناء بالفتح و المد على فعال- قال الحطيئة

و أكريت العشاء إلى سهيل
أو الشعرى فطال بي الأناء

و المقتبس متعلم العلم هاهنا- و لا بد له من أناة و مهل ليبلغ حاجته فضرب مثلا- و جاء في بعض الروايات- و مقبوضون اختضارا بالخاء المعجمة- و هو موت الشاب غضا أخضر أي مات شابا- و كان فتيان يقولون لشيخ أ جززت يا أبا فلان- فيقول أي بني و تختضرون- أجز الحشيش آن أن يجز- و منه قيل للشيخ كاد يموت قد أجز- و الرواية الأولى أحسن لأنها أعم- . و في رواية لمضمار الخيار أي للمضمار- الذي يستبق فيه الأبرار الأتقياء إلى رضوان الله سبحانه: فَيَا لَهَا أَمْثَالًا صَائِبَةً وَ مَوَاعِظَ شَافِيَةً- لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زَاكِيَةً وَ أَسْمَاعاً وَاعِيَةً- وَ آرَاءً عَازِمَةً وَ أَلْبَاباً حَازِمَةً- فَاتَّقُوا اللَّهَ تَقِيَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ وَ اقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ- وَ وَجِلَ فَعَمِلَ وَ حَاذَرَ فَبَادَرَ وَ أَيْقَنَ فَأَحْسَنَ وَ عُبِّرَ فَاعْتَبَرَ- وَ حُذِّرَ فَحَذِرَ وَ زُجِرَ فَازْدَجَرَ وَ أَجَابَ فَأَنَابَ وَ رَاجَعَ فَتَابَ- وَ اقْتَدَى فَاحْتَذَى وَ أُرِيَ فَرَأَى فَأَسْرَعَ طَالِباً وَ نَجَا هَارِباً- فَأَفَادَ ذَخِيرَةً وَ أَطَابَ سَرِيرَةً وَ عَمَّرَ مَعَاداً- وَ اسْتَظْهَرَ زَاداً لِيَوْمِ رَحِيلِهِ وَ وَجْهِ سَبِيلِهِ وَ حَالِ حَاجَتِهِ- وَ مَوْطِنِ فَاقَتِهِ وَ قَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارِ مُقَامِهِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ جِهَةَ مَا خَلَقَكُمْ لَهُ- وَ احْذَرُوا مِنْهُ كُنْهَ مَا حَذَّرَكُمُ مِنْ نَفْسِهِ- وَ اسْتَحِقُّوا مِنْهُ مَا أَعَدَّ لَكُمْ بِالتَّنَجُّزِ لِصِدْقِ مِيعَادِهِ- وَ الْحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعَادِهِ صائبة غير عادلة عن الصواب- صاب السهم يصوب صوبة أي قصد و لم يجر-و صاب السهم القرطاس يصيبه صبيا لغة في أصابه- و في المثل مع الخواطئ سهم صائب- . و شافية تبرئ من مرض الجهل و الهوى- و القلوب الزاكية الطاهرة- و الأسماع الواعية الحافظة- و الآراء العازمة ذات العزم- و الألباب العقول و الحازمة ذات الحزم- و الحزم ضبط الرجل أمره- .

و خشع الرجل أي خضع و اقترف اكتسب- و مثله قرف يقرف بالكسر- يقال هو يقرف لعياله أي يكسب- . و وجل الرجل خاف وجلا بفتح الجيم- و مستقبلة يوجل و يأجل و ييجل و ييجل- بكسر الياء المضارعة- . و بادر سارع و عبر أي أري العبر مرارا كثيرة- لأن التشديد هاهنا دليل التكثير- . فاعتبر أي فاتعظ و الزجر النهي و المنع زجر أي منع- و ازدجر مطاوع ازدجر اللفظ فيهما واحد- تقول ازدجرت زيدا عن كذا فازدجر هو و هذا غريب- و إنما جاء مطاوع ازدجر في زجر لأنهما كالشي‏ء الواحد- و في بعض الروايات ازدجر فازدجر- فلا يحتاج مع هذه الرواية إلى تأويل- .

و أناب الرجل إلى الله أي أقبل و تاب- و اقتدى بزيد فعل مثل فعله و احتذى مثله- . قوله ع فأفاد ذخيرة أي فاستفاد و هو من الأضداد- أفدت المال زيدا أعطيته إياه- و أفدت أنا مالا أي استفدته و اكتسبته- . قوله ع فاتقوا الله عباد الله جهة ما خلقكم له- نصب جهة بفعل مقدر- تقديره و اقصدوا جهة ما خلقكم له يعني العبادة- لأنه تعالى قال وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ- فحذف الفعل و استغنى عنه بقوله فَاتَّقُوا اللَّهَ- لأن التقوى‏ ملازمة لقصد المكلف العبادة- فدلت عليه و استغنى بها عن إظهاره- . و الكنه الغاية و النهاية- تقول أعرفه كنه المعرفة أي نهايتها- .

ثم قال ع و استحقوا منه ما أعد لكم- أي اجعلوا أنفسكم مستحقين لثوابه- الذي أعده لكم إن أطعتم- . و الباء في بالتنجز متعلق باستحقوا- و يقال فلان يتنجز الحاجة- أي يستنجحها و يطلب تعجلها- و الناجز العاجل يقال ناجزا بناجز- كقولك يدا بيد أي تعجيلا بتعجيل- و التنجز من المكلفين بصدق ميعاد القديم سبحانه- و هو مواظبتهم على فعل الواجب و تجنب القبيح- و و الحذر مجرور بالعطف على التنجز- لا على الصدق لأنه لا معنى له: وَ مِنْهَا جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِيَ مَا عَنَاهَا- وَ أَبْصَاراً لِتَجْلُوَ عَنْ عَشَاهَا وَ أَشْلَاءً جَامِعَةً لِأَعْضَائِهَا- مُلَائِمَةً لِأَحْنَائِهَا فِي تَرْكِيبِ صُوَرِهَا وَ مُدَدِ عُمُرِهَا- بِأَبْدَانٍ قَائِمَةٍ بِأَرْفَاقِهَا وَ قُلُوبٍ رَائِدَةٍ لِأَرْزَاقِهَا- فِي مُجَلِّلَاتِ نِعَمِهِ وَ مُوجِبَاتِ مِنَنِهِ وَ حَوَاجِزِ عَافِيَتِهِ- وَ قَدَّرَ لَكُمْ أَعْمَاراً سَتَرَهَا عَنْكُمْ- وَ خَلَّفَ لَكُمْ عِبَراً مِنْ آثَارِ الْمَاضِينَ قَبْلَكُمْ- مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلَاقِهِمْ وَ مُسْتَفْسَحِ خَنَاقِهِمْ- أَرْهَقَتْهُمُ الْمَنَايَا دُونَ الآْمَالِ وَ شَذَّبَهُمْ عَنْهَا تَخَرُّمُ الآْجَالِ- لَمْ يَمْهَدُوا فِي سَلَامَةِ الْأَبْدَانِ- وَ لَمْ يَعْتَبِرُوا فِي أُنُفِ الْأَوَانِ‏ قوله لتعي ما عناها أي لتحفظ و تفهم ما أهمها-و منه الأثر المرفوع من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه- . و لتجلو أي لتكشف- . و عن هاهنا زائدة و يجوز أن تكون بمعنى بعد كما قال-لقحت حرب وائل عن حيال‏- . أي بعد حيال فيكون قد حذف المفعول- و حذفه جائز لأنه فضله- و يكون التقدير لتجلو الأذى بعد عشاها- و العشى مقصور مصدر عشي بكسر الشين يعشى فهو عش- إذا أبصر نهارا و لم يبصر ليلا- . و الأشلاء جمع شلو و هو العضو- .

فإن قلت فأي معنى في قوله- أعضاء تجمع أعضاء تجمع أعضاءها- و كيف يجمع الشي‏ء نفسه- قلت أراد ع بالأشلاء هاهنا الأعضاء الظاهرة- و بالأعضاء الجوارح الباطنة- و لا ريب أن الأعضاء الظاهرة- تجمع الأعضاء الباطنة و تضمها- و الملاءمة الموافقة و الأحناء الجوانب و الجهات- و وجه الموافقة و الملاءمة أن كون اليد في الجانب أولى- من كونها في الرأس أو في أسفل القدم- لأنها إذا كانت في الجانب كان البطش- و تناول ما يراد و دفع ما يؤذى أسهل- و كذلك القول في جعل العين في الموضع الذي جعلت به- لأنها كديدبان السفينة البحرية- و لو جعلت في أم الرأس- لم ينتفع بها هذا الحد من الانتفاع الآن- و إذا تأملت سائر أدوات الجسد و أعضائه وجدتها كذلك- .

ثم قال في تركيب صورها كأنه قال مركبة أو مصورة- فأتى بلفظه في كما تقول ركب بسلاحه و في سلاحه أي متسلحا- . و قوله بأرفاقها أي بمنافعها جمع رفق- بكسر الراء مثل حمل و أحمال- و أرفقت فلانا أي نفعته- و المرفق من الأمر ما ارتفقت به و انتفعت- و يروى بأرماقها و الرمق بقية الروح- . و رائدة طالبة و مجللات النعم تجلل الناس أي تعمهم- من قولهم سحاب مجلل أي يطبق الأرض- و هذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف- كقولك أنا في سابغ ظلك و عميم فضلك- كأنه قال في نعمه المجللة و كذلك القول في موجبات مننه- أي في مننه التي توجب الشكر- . و في هاهنا متعلقة بمحذوف و الموضع نصب على الحال- .

ثم قال و حواجز عافيته الحواجز الموانع- أي في عافية تحجز و تمنع عنكم المضار- . و يروى و حواجز بليته- و قد فسر قوله حواجز عافيته- على أن يراد به ما يحجز العافية- و يمنعها عن الزوال و العدم- . قوله ع من مستمتع خلاقهم الخلاق النصيب- قال تعالى وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ- و قال تعالى فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ- كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ- و تقدير الكلام خلف لكم عبرا من القرون السالفة- منها تمتعهم بنصيبهم من الدنيا ثم فناؤهم- و منها فسحة خناقهم و طول إمهالهم- ثم كانت عاقبتهم الهلكة- . و أرهقتهم المنايا أدركتهم مسرعة- .

و المرهق الذي أدرك ليقتل و شذبهم عنها قطعهم و فرقهم- من تشذيب الشجرة و هو تقشيرها- . و تخرمت زيدا المنية استأصلته و اقتطعته- . ثم قال لم يمهدوا في سلامة الأبدان أي لم يمهدوا لأنفسهم- من تمهيد الأمور و هو تسويتها و إصلاحها- . و أنف الأوان أوله يقال روضة أنف لم ترع قبل- و كأس أنف لم يشرب بها قبل: فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ الشَّبَابِ إِلَّا حَوَانِيَ الْهَرَمِ- وَ أَهْلُ غَضَارَةِ الصِّحَّةِ إِلَّا نَوَازِلَ السَّقَمِ- وَ أَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلَّا آوِنَةَ الْفَنَاءِ مَعَ قُرْبِ الزِّيَالِ- وَ أُزُوفِ الِانْتِقَالِ وَ عَلَزِ الْقَلَقِ وَ أَلَمِ الْمَضَضِ وَ غُصَصِ الْجَرَضِ- وَ تَلَفُّتِ الِاسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ الْحَفَدَةِ وَ الْأَقْرِبَاءِ- وَ الْأَعِزَّةِ وَ الْقُرَنَاءِ فَهَلْ دَفَعَتِ الْأَقَارِبُ- أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ وَ قَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الْأَمْوَاتِ رَهِيناً- وَ فِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُّ جِلْدَتَهُ- وَ أَبْلَتِ النَّوَاهِكُ جِدَّتَهُ وَ عَفَتِ الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ- وَ مَحَا الْحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ وَ صَارَتِ الْأَجْسَادُ شَحِبَةً بَعْدَ بَضَّتِهَا- وَ الْعِظَامُ نَخِرَةً بَعْدَ قُوَّتِهَا- وَ الْأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا- مُوقِنَةً بِغَيْبِ أَنْبَائِهَا لَا تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهَا- وَ لَا تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَيِّئِ زَلَلِهَا

البضاضة مصدر من بضضت يا رجل- بضضت بالفتح و الكسر بضاضة و بضوضة- و رجل بض أي ممتلئ البدن رقيق الجلد و امرأة بضة- . و حواني الهرم جمع حانية- و هي العلة التي تحني شطاط الجسد و تميله عن الاستقامة- . و الهرم الكبر و الغضارة طيب العيش- و منه المثل أباد الله غضراءهم أي خيرهم و خصبهم- . و آونة الفناء جمع أوان و هو الحين كزمان و أزمنة- و فلان يصنع ذلك الأمر آونة- كقولك تارات أي يصنعه مرارا و يدعه مرارا- . و الزيال مصدر زايله مزايلة و زيالا أي فارقه- . و الأزوف مصدر أزف أي دنا- . و العلز قلق و خفة و هلع يصيب الإنسان- و قد علز بالكسر و بات علزا أي وجعا قلقا- و المضض الوجع أمضني الجرح و مضني لغتان- و قد مضضت يا رجل بالكسر- . و الغصص جمع غصة و هي الشجا- و الغصص بالفتح مصدر قولك غصصت يا رجل تغص بالطعام- فأنت غاص و غصان و أغصصته أنا- .

و الجريض الريق يغص به- جرض بريقه بالفتح يجرض بالكسر مثل كسر يكسر- و هو أن يبلع ريقه على هم و حزن بالجهد و الجريض الغصة- و في المثل حال‏ الجريض دون القريض- و فلان يجرض بنفسه إذا كان يموت- و أجرضه الله بريقه أغصه- . و الحفدة الأعوان و الخدم و قيل ولد الولد واحدهم حافد- و الباء في بنصرة الحفدة متعلق بالاستعانة- يقول إن الميت عند نزول الأمر به- يتلفت مستغيثا بنصرة أهله و ولده- أي يستنصر يستصرخ بهم- . و النواحب جمع ناحبة و هي الرافعة صوتها بالبكاء- و يروى النوادب- . و الهوام جمع هامة و هي ما يخاف ضرره من الأحناش- كالعقارب و العناكب و نحوها- و النواهك جمع ناهكة و هي ما ينهك البدن أي يبليه- . و عفت درست و يروى بالتشديد- و شحبة هالكة و الشحب الهلاك- شحب الرجل بالكسر يشحب- و جاء شحب بالفتح يشحب بالضم أي هلك- و شحبة الله يشحبه يتعدى و لا يتعدى- . و نخرة بالية و الأعباء الأثقال واحدها عب‏ء- .

و قال موقنة بغيب أنبائها- لأن الميت يعلم بعد موته ما يصير إليه حاله من جنة أو نار- . ثم قال إنها لا تكلف بعد ذلك زيادة في العمل الصالح- و لا يطلب منها التوبة من العمل القبيح- لأن التكليف قد بطل: أَ وَ لَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَ الآْبَاءَ وَ إِخْوَانَهُمْ وَ الْأَقْرِبَاءَ- تَحْتَذُونَ أَمْثِلَتَهُمْ وَ تَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ وَ تَطَئُونَ جَادَّتَهُمْ- فَالْقُلُوبُ قَاسِيَةٌ عَنْ حَظِّهَا لَاهِيَةٌ عَنْ رُشْدِهَا-سَالِكَةٌ فِي غَيْرِ مِضْمَارِهَا كَأَنَّ الْمَعْنِيَّ سِوَاهَا- وَ كَأَنَّ الرُّشْدَ فِي إِحْرَازِ دُنْيَاهَا القدة بالدال المهملة و بكسر القاف الطريقة- و يقال لكل فرقة من الناس- إذا كانت ذات هوى على حدة قدة- و منه قوله تعالى كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً- و من رواه و يركبون قذتهم بالذال المعجمة و ضم القاف- أراد الواحدة من قذذ السهم و هي ريشة- يقال حذو القذة بالقذة و يكون معنى و تركبون قذتهم- تقتفون آثارهم و تشابهون بهم في أفعالهم- .

ثم قال و تطئون جادتهم و هذه لفظة فصيحة جدا- . ثم ذكر قساوة القلوب و ضلالها عن رشدها- و قال كأن المعني سواها-هذا مثل قول النبي ص كأن الموت فيها على غيرنا كتب- و كأن الحق فيها على غيرنا وجب وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَكُمْ عَلَى الصِّرَاطِ وَ مَزَالِقِ دَحْضِهِ- وَ أَهَاوِيلِ زَلَلِهِ وَ تَارَاتِ أَهْوَالِهِ- فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ- تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ التَّفَكُّرُ قَلْبَهُ- وَ أَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ وَ أَسْهَرَ التَّهَجُّدُ غِرَارَ نَوْمِهِ- وَ أَظْمَأَ الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ يَوْمِهِ وَ ظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ-وَ أَوْجَفَ الذِّكْرُ بِلِسَانِهِ وَ قَدَّمَ الْخَوْفَ لِأَمَانِهِ- وَ تَنَكَّبَ الْمَخَالِجَ عَنْ وَضَحِ السَّبِيلِ- وَ سَلَكَ أَقْصَدَ الْمَسَالِكِ إِلَى النَّهْجِ الْمَطْلُوبِ- وَ لَمْ تَفْتِلْهُ فَاتِلَاتُ الْغُرُورِ- وَ لَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ مُشْتَبِهَاتُ الْأُمُورِ- ظَافِراً بِفَرْحَةِ الْبُشْرَى وَ رَاحَةِ النُّعْمَى- فِي أَنْعَمِ نَوْمِهِ وَ آمَنِ يَوْمِهِ- قَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ الْعَاجِلَةِ حَمِيداً وَ قَدَّمَ زَادَ الآْجِلَةِ سَعِيداً- وَ بَادَرَ عَنْ وَجَلٍ وَ أَكْمَشَ فِي مَهَلٍ وَ رَغِبَ فِي طَلَبٍ- وَ ذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ وَ رَاقَبَ فِي يَوْمِهِ غَدَهُ- وَ رُبَّمَا نَظَرَ قُدُماً أَمَامَهُ- فَكَفَى بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً وَ نَوَالًا وَ كَفَى بِالنَّارِ عِقَاباً وَ وَبَالًا- وَ كَفَى بِاللَّهِ مُنْتَقِماً وَ نَصِيراً- وَ كَفَى بِالْكِتَابِ حَجِيجاً وَ خَصِيماً و قال أصحابنا رحمهم الله تعالى- الصراط الوارد ذكره في الكتاب العزيز- هو الطريق لأهل الجنة إلى الجنة- و لأهل النار إلى النار بعد المحاسبة- قالوا لأن أهل الجنة ممرهم على باب النار- فمن كان من أهل النار عدل به إليها و قذف فيها- و من كان من أهل الجنة- مر بالنار مرورا نجا منها إلى الجنة- و هو معنى قوله تعالى وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها- لأن ورودها هو القرب منها و الدنو إليها- و قد دل القرآن على سور مضروب بين مكان النار- و بين الموضع الذي يجتازون منه إلى الجنة في قوله- فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ- باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ- .

قالوا و لا يصح ما روي في بعض الأخبار- أن الصراط أدق من الشعر و أحد من السيف- و أن المؤمن يقطعه كمرور البرق الخاطف- و الكافر يمشي عليه حبوا- و أنه ينتفض بالذين عليه حتى تتزايل مفاصلهم- قالوا لأن مثل ذلك لا يكون طريقا للماشي- و لا يتمكن من المشي عليه- و لو أمكن لم يصح التكليف في الآخرة- ليؤمر العقلاء بالمرور عليه على وجه التعبد- . ثم سأل أصحابنا أنفسهم- فقالوا أي فائدة في عمل هذا السور- و أي فائدة في كون الطريق الذي هو الصراط- منتهيا إلى باب النار منفرجا منها إلى الجنة- أ لستم تعللون أفعال البارئ تعالى بالمصالح- و الآخرة ليست دار تكليف- ليفعل فيها هذه الأفعال للمصالح- .

و أجابوا بأن شعور المكلفين في الدنيا بهذه الأشياء- مصالح لهم و ألطاف في الواجبات العقلية- فإذا أعلم المكلفون بها- وجب إيقاعها على حسب ما وعدوا و أخبروا به- لأن الله صادق لا خلف في إخباره- . و عندي أنه لا يمتنع- أن يكون الصراط على ما وردت به الأخبار- و لا مانع من ذلك قولهم لا يكون طريقا للماشي- و لا يتمكن من المشي عليه مسلم- و لكن لم لا يجوز أن يكون في جعله على هذا الوجه- و الإخبار عن كيفيته هذه مصلحة للمكلفين في الدنيا- و ليس عدم تمكن الإنسان من المشي عليه- بمانع من إيقاعه على هذا الوجه- لأن المراد من هذا و أمثاله هو التخويف و الزجر- . و أما قولهم الآخرة ليست دار تكليف- فلقائل أن يقول لهم لم قلتم إنه تكليف- و لم لا يجوز أن يكون المكلفون مضطرين إلى سلوكه اضطرارا- فالمؤمن يخلق الله فيه الثبات و السكينة- و الحركة السريعة فينجو و يسلم- و الكافر يخلق فيه ضد ذلك فيهوي و يعطب- و لا مانع من ذلك- .

يقال مكان دحض و دحض بالتحريك أي زلق- و أدحضته أنا أزلقته فدحض هو- . و الأهاويل الأمور المفزعة- و تارات أهواله كقوله دفعات أهواله- و إنما جعل أهواله تارات- لأن الأمور الهائلة إذا استمرت- لم تكن في الإزعاج و الترويع- كما تكون إذا طرأت تارة و سكنت تارة- . و انصب الخوف بدنه أتعب و النصب التعب- و التهجد هنا صلاة الليل و أصله السهر- و قد جاء التهجد بمعنى النوم أيضا و هو من الأضداد- . الغرار قلة النوم و أصله قلة لبن الناقة- و يقال غارت الناقة تغار غرارا قل لبنها- . فإن قلت كيف توصف قلة النوم بالسهر- و إنما يوصف بالسهر الإنسان نفسه- قلت هذا من مجازات كلامهم- كقولهم ليل ساهر و ليل نائم- .

و الهواجر جمع هاجرة- و هي نصف النهار عند اشتداد الحر- يقال قد هجر النهار- و أتينا أهلنا مهجرين أي سائرين في الهاجرة- . و ظلف منع- و ظلفت نفس فلان بالكسر عن كذا أي كفت- . و أوجف أسرع- كأنه جعل الذكر لشدة تحريكه اللسان موجفا به- كما توجف الناقة براكبها و الوجيف ضرب من السير- . ثم قال و قدم الخوف لأمانه اللام هاهنا لام التعليل- أي قدم خوفه ليأمن- و المخالج الأمور المختلجة أي الجاذبة- خلجه و اختلجه أي جذبه- . و أقصد المسالك أقومها و طريق قاصد أي مستقيم- . و فتله عن كذا أي رده و صرفه و هو قلب لفت- . و يروى قد عبر معبر العاجلة حميدا- و قدم زاد الآجلة سعيدا- .

و أكمش أسرع و مثله انكمش- و رجل كمش أي سريع- و قد كمش بالضم كماشة فهو كمش و كميش- و كمشته تكميشا أعجلته- . قوله و رغب في طلب و ذهب عن هرب- أي و رغب فيما يطلب مثله- و فر عما يهرب من مثله- فأقام المصدر مقام ذي المصدر- . و نظر قدما أمامه- أي و نظر ما بين يديه مقدما لم ينثن و لم يعرج- و الدال مضمومة هاهنا- . قال الشاعر يذم امرأة-

تمضي إذا زجرت عن سوأة قدما
كأنها هدم في الجفر منقاض‏

و من رواه بالتسكين- جاز أن يعنى به هذا و يكون قد خفف كما قالوا حلم و حلم- . و جاز أن يجعله مصدرا من قدم الرجل بالفتح- يقدم قدما أي تقدم- قال الله تعالى- يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي يتقدمهم إلى ورودها- كأنه قال و نظر بين يديه متقدما لغيره- و سابقا إياه إلى ذلك- و الباء في بالجنة و بالنار- و بالله و بالكتاب زائدة- و التقدير كفى الله و كفى الكتاب‏: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي أَعْذَرَ بِمَا أَنْذَرَ وَ احْتَجَّ بِمَا نَهَجَ- وَ حَذَّرَكُمْ عَدُوّاً نَفَذَ فِي الصُّدُورِ خَفِيّاً- وَ نَفَثَ فِي الآْذَانِ نَجِيّاً فَأَضَلَّ وَ أَرْدَى وَ وَعَدَ فَمَنَّى- وَ زَيَّنَ سَيِّئَاتِ الْجَرَائِمِ وَ هَوَّنَ مُوبِقَاتِ الْعَظَائِمِ- حَتَّى إِذَا اسْتَدْرَجَ قَرِينَتَهُ وَ اسْتَغْلَقَ رَهِينَتَهُ- أَنْكَرَ مَا زَيَّنَ وَ اسْتَعْظَمَ مَا هَوَّنَ وَ حَذَّرَ مَا أَمَّنَ أعذر بما أنذر ما هاهنا مصدرية أي أعذر بإنذاره- و يجوز أن تكون بمعنى الذي- .

و العدو المذكور الشيطان- . و قوله نفذ في الصدور و نفث في الآذان كلام صحيح بديع- و في قوله نفذ في الصدور مناسبة لقوله ص الشيطان يجري من بني آدم مجرى الدم- و النجي الذي يساره و الجمع الأنجية- قالإني إذا ما القوم كانوا أنجيه‏- . و قد يكون النجي جماعة مثل الصديق- قال الله تعالى خَلَصُوا نَجِيًّا أي متناجين- . القرينة هاهنا الإنسان الذي قارنه الشيطان- و لفظه لفظ التأنيث و هو مذكر أراد القرين- قال تعالى فَبِئْسَ الْقَرِينُ- و يجوز أن يكون أراد بالقرينة النفس- و يكون‏الضمير عائدا إلى غير مذكور لفظا- لما دل المعنى عليه لأن قوله فأضل و أردى و وعد فمنى- معناه أضل الإنسان و أردى و وعده فمنى- فالمفعول محذوف لفظا- و إليه رجع الضمير على هذا الوجه- و يقال غلق الرهن- إذا لم يفتكه الراهن في الوقت المشروط- فاستحقه المرتهن- . و هذا الكلام مأخوذ من قوله تعالى- وَ قالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ- إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ- وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ- فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ- ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَ ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ الآية: وَ مِنْهَا فِي صِفَةِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ- أَمْ هَذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ وَ شُغُفِ الْأَسْتَارِ- نُطْفَةً دِهَاقاً وَ عَلَقَةً مِحَاقاً- وَ جَنِيناً وَ رَاضِعاً وَ وَلِيداً وَ يَافِعاً- ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً وَ لِسَاناً لَافِظاً وَ بَصَراً لَاحِظاً- لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً وَ يُقَصِّرَ مُزْدَجِراً- حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ وَ اسْتَوَى مِثَالُهُ- نَفَرَ مُسْتَكْبِراً وَ خَبَطَ سَادِراً مَاتِحاً فِي غَرْبِ هَوَاهُ- كَادِحاً سَعْياً لِدُنْيَاهُ فِي لَذَّاتِ طَرَبِهِ وَ بَدَوَاتِ أَرَبِهِ- ثُمَّ لَا يَحْتَسِبُ رَزِيَّةً وَ لَا يَخْشَعُ تَقِيَّةً- فَمَاتَ فِي فِتْنَتِهِ غَرِيراً وَ عَاشَ فِي هَفْوَتِهِ يَسِيراً- لَمْ يُفِدْ عِوَضاً وَ لَمْ يَقْضِ مُفْتَرَضاً- دَهِمَتْهُ فَجَعَاتُ الْمَنِيَّةِ فِي غُبَّرِ جِمَاحِهِ وَ سَنَنِ مِرَاحِهِ- فَظَلَّ سَادِراً وَ بَاتَ سَاهِراً فِي غَمَرَاتِ الآْلَامِ- وَ طَوَارِقِ الْأَوْجَاعِ وَ الْأَسْقَامِ بَيْنَ أَخٍ شَقِيقٍ وَ وَالِدٍ شَفِيقٍ-وَ دَاعِيَةٍ بِالْوَيْلِ جَزَعاً وَ لَادِمَةٍ لِلصَّدْرِ قَلَقاً- وَ الْمَرْءُ فِي سَكْرَةٍ مُلْهِثَةٍ وَ غَمْرَةٍ كَارِثَةٍ- وَ أَنَّةٍ مُوجِعَةٍ وَ جَذْبَةٍ مُكْرِبَةٍ وَ سَوْقَةٍ مُتْعِبَةٍ- ثُمَّ أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ مُبْلِساً وَ جُذِبَ مُنْقَاداً سَلِساً- ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى الْأَعْوَادِ رَجِيعَ وَصَبٍ وَ نِضْوَ سَقَمٍ- تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ الْوِلْدَانِ وَ حَشَدَةُ الْإِخْوَانِ إِلَى دَارِ غُرْبَتِهِ- وَ مُنْقَطَعِ زَوْرَتِهِ وَ مُفْرَدِ وَحْشَتِهِ- حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ الْمُشَيِّعُ وَ رَجَعَ الْمُتَفَجِّعُ- أُقْعِدَ فِي حُفْرَتِهِ نَجِيّاً لِبَهْتَةِ السُّؤَالِ وَ عَثْرَةِ الِامْتِحَانِ- وَ أَعْظَمُ مَا هُنَالِكَ بَلِيَّةً نُزُولُ الْحَمِيمِ- وَ تَصْلِيَةُ الْجَحِيمِ وَ فَوْرَاتُ السَّعِيرِ- وَ سَوْرَاتُ الزَّفِيرِ لَا فَتْرَةٌ مُرِيحَةٌ- وَ لَا دَعَةٌ مُزِيحَةٌ وَ لَا قُوَّةٌ حَاجِزَةٌ وَ لَا مَوْتَةٌ نَاجِزَةٌ وَ لَا سِنَةٌ مُسْلِيَةٌ- بَيْنَ أَطْوَارِ الْمَوْتَاتِ وَ عَذَابِ السَّاعَاتِ- إِنَّا بِاللَّهِ عَائِذُونَ أم هنا إما استفهامية على حقيقتها- كأنه قال أعظكم و أذكركم بحال الشيطان و إغوائه- أم بحال الإنسان منذ ابتدأ وجوده إلى حين مماته- و إما أن تكون منقطعة بمعنى بل- كأنه قال عادلا و تاركا لما وعظهم به- بل أتلو عليكم نبأ هذا الإنسان الذي حاله كذا- .

الشغف بالغين المعجمة جمع شغاف بفتح الشين- و أصله غلاف القلب يقال شغفه الحب أي بلغ شغافه- و قرئ قَدْ شَغَفَها حُبًّا- . و الدهاق المملوءة- و يروى دفاقا من دفقت الماء أي صببته- . قال و علقة محاقا- المحاق ثلاث ليال من آخر الشهر- و سميت محاقا لأن القمر يمتحق فيهن- أي يخفى و تبطل صورته و- إنما جعل العلقة محاقا هاهنا- لأنها لم تحصل لها الصورة الإنسانية بعد- فكانت ممحوة ممحوة ممحوقة- .

و اليافع الغلام المرتفع أيفع و هو يافع- و هذا من النوادر و غلام يفع و يفعة- و غلمان أيفاع و يفعة أيضا- . قوله و خبط سادرا خبط البعير- إذا ضرب بيديه إلى الأرض و مشى لا يتوقى شيئا- . و السادر المتحير و السادر أيضا- الذي لا يهتم و لا يبالي ما صنع- و الموضع يحتمل كلا التفسيرين- . و الماتح الذي يستقي الماء من البئر و هو على رأسها- و المائح الذي نزل البئر إذا قل ماؤها فيملأ الدلاء- و سئل بعض أئمة اللغة عن الفرق بين الماتح و المائح- فقال اعتبر نقطتي الإعجام- فالأعلى للأعلى و الأدنى للأدنى- و الغرب الدلو العظيمة- و الكدح شدة السعي و الحركة- قال تعالى يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى‏ رَبِّكَ كَدْحاً- . قوله و بدوات- أي ما يخطر له من آرائه التي تختلف فيها دواعيه- فتقدم و تحجم و مات غريرا أي شابا- و يمكن أن يراد به أنه غير مجرب للأمور- . و الهفوة الزلة هفا يهفو لم يفد عوضا أي لم يكتسب- . و غبر جماحة بقاياه قال أبو كبير الهذلي-

و مبرإ من كل غبر حيضة
و فساد مرضعة و داء مغيل‏

و الجماح الشرة و ارتكاب الهوى- و سنن مراحه السنن الطريقة- و المراح شدة الفرج و النشاط- . قوله فظل سادرا السادر هاهنا غير السادر الأول- لأنه هاهنا المغمى عليه كأنه‏ سكران- و أصله من سدر البعير من شدة الحر و كثرة الطلاء بالقطران- فيكون كالنائم لا يحس و مراده ع هاهنا أنه بدأ به المرض- و لادمة للصدر ضاربة له- و التدام النساء ضربهن الصدور عند النياحة- سكرة ملهثة تجعل الإنسان لاهثا لشدتها- لهث يلهث لهثانا و لهاثا- و يروى ملهية بالياء أي تلهي الإنسان و تشغله- . و الكارثة فاعلة من كرثه الغم يكرثه بالضم- أي اشتد عليه و بلغ منه غاية المشقة- .

الجذبة جذب الملك الروح من الجسد- أو جذب الإنسان إذا احتضر ليسجى- . و السوقة من سياق الروح عند الموت- و المبلس الذي ييئس من رحمة الله و منه سمي إبليس- و الإبلاس أيضا الانكسار و الحزن- و السلس السهل المقادة و الأعواد خشب الجنازة- و رجيع وصب الرجيع المعنى الكال- و الوصب الوجع وصب الرجل يوصب فهو واصب- و أوصبه الله فهو موصب- و الموصب بالتشديد الكثير الأوجاع و النضو الهزيل- و حشدة الإخوان جمع حاشد و هو المتأهب المستعد- و دار غربته قبره و كذلك منقطع زورته- لأن الزيارة تنقطع عنده- . و مفرد وحشته نحو ذلك- لانفراده بعمله و استيحاش الناس منه- حتى إذا انصرف المشيع و هو الخارج مع جنازته- أقعد في حفرته هذا تصريح بعذاب القبر- و سنذكر ما يصلح ذكره في هذا الموضع- . و النجي المناجي و نزول الحميم و تصلية الجحيم- من الألفاظ الشريفة القرآنية- . ثم نفى ع أن يكون في العذاب فتور يجد الإنسان معه راحة- أو سكون يزيح عنه الألم أي يزيله- أو أن الإنسان يجد في نفسه قوة تحجز بينه و بين الألم- أي تمنع و يموت موتا ناجزا معجلا- فيستريح أو ينام فيسلو وقت نومه- عما أصابه من الألم في اليقظة كما في دار الدنيا- .

ثم قال بين أطوار الموتات و هذا في ظاهره متناقض- لأنه نفى الموت مطلقا ثم قال بين أطوار الموتات- و الجواب أنه أراد بالموتات الآلام العظيمة- فسماها موتات لأن العرب تسمي المشقة العظيمة موتا- كما قالإنما الميت ميت الأحياء- . و يقولون الفقر الموت الأحمر- و استعمالهم مثل ذلك كثير جدا- . ثم قال إنا بالله عائذون- عذت بفلان و استعذت به أي التجأت إليه

فصل في ذكر القبر و سؤال منكر و نكير

و اعلم أن لقاضي القضاة في كتاب طبقات المعتزلة- في باب القبر و سؤال منكر و نكير كلاما- أنا أورد هاهنا بعضه قال رحمه الله تعالى- إن عذاب القبر إنما أنكره ضرار بن عمرو- و لما كان ضرار من أصحاب واصل بن عطاء- ظن كثير من الناس أن ذلك مما أنكرته المعتزلة- و ليس الأمر كذلك بل المعتزلة رجلان- أحدهما يجوز عذاب القبر و لا يقطع به و هم الأقلون- و الآخر يقطع على ذلك- و هم أكثر أصحابنا لظهور الأخبار الواردة فيه- و إنما تنكر المعتزلة قول طائفة من الجهلة- إنهم يعذبون و هم موتى لأن العقل يمنع من ذلك- و إذا كان الإنسان مع قرب العهد بموته- و لما يدفن يعلمون أنه لا يسمع و لا يبصر و لا يدرك- و لا يألم و لا يلتذ فكيف يجوز عليه ذلك و هو ميت في قبره- و ما روي من أن الموتى يسمعون لا يصح- إلا أن يراد به أن الله تعالى أحياهم- و قوى حاسة سمعهم فسمعوا و هم أحياء- .

قال رحمه الله تعالى و أنكر أيضا مشايخنا- أن يكون عذاب القبر دائما في كل حال- لأن الأخبار إنما وردت بذلك في الجملة- فالذي يقال به هو قدر ما تقتضيه الأخبار- دون ما زاد عليه مما لا دليل عليه- و لذلك لسنا نوقت في التعذيب وقتا- و إن كان الأقرب في الأخبار- أنها الأوقات المقارنة للدفن- و إن كان لا نعنيها بأعيانها- . هكذا قال قاضي القضاة و الذي أعرفه أنا- من مذهب كثير من شيوخنا قبل قاضي القضاة- أن الأغلب أن يكون عذاب القبر بين النفختين- .

ثم إن قاضي القضاة سأل نفسه- فقال إذا كانت الآخرة هي وقت المجازاة- فكيف يعذب في القبر في أيام الدنيا- . و أجاب بأن القليل من العقاب المستحق- قد يجوز أن يجعله الله في الدنيا لبعض المصالح- كما فعل في تعجيل إقامة الحدود على من يستحقها- فلا يمنع منه تعالى أن يفعل ذلك بالإنسان- إذا كان من أهل النار- . ثم سأل نفسه- فقال إذا كان بالموت قد زال عنه التكليف- فكيف يقولون يكون ذلك من مصالحه- . و أجاب بأنا لم نقل إن ذلك من مصالحه و هو ميت- و إنما نقول إنه مصلحة- أن نعلم في الدنيا ذلك من حال الموتى- لأنه إذا تصور أنه مات عوجل بضرب من العقاب في القبر- كان أقرب إلى أن ينصرف عن كثير من المعاصي- و قد يجوز أن يكون ذلك لطفا- للملائكة الذين يتولون هذا التعذيب- .

فأما القول في منكر و نكير- فإنه سأل نفسه رحمه الله تعالى- و قال كيف يجوز أن يسموا بأسماء الذم- و عندكم أن الملائكة أفضل من الأنبياء- .و أجاب فقال إن التسمية إذا كانت لقبا لم يقع بها ذم- لأن الذم إنما يقع لفائدة الاسم- و الألقاب كالإشارات لا فائدة تحتها- و لذا يلقب الرجل المسلم بظالم و كلب و نحو ذلك- فيجوز أن يكون هذان الاسمان من باب الألقاب- و يجوز أن يسميا بذلك من حيث يهجمان على الإنسان عند- إكمال الله تعالى عقله على وجه ينكره و يرتاع منه- فسميا منكرا و نكيرا- .

قال و قد روي في المساءلة في القبر أخبار كثيرة- و كل ذلك مما لا قبح فيه- بل يجوز أن يكون من مصالح المكلفين فلا يصح المنع عنه- . و جملة الأمر أن كل ما ثبت من ذلك بالتواتر و الإجماع- و ليس بمستحيل في القدرة- و لا قبيح في الحكمة يجب القول به- و ما عداه مما وردت به آثار و أخبار آحاد يجب أن يجوز- و يقال إنه مظنون ليس بمعلوم إذا لم يمنع منه الدليلعِبَادَ اللَّهِ أَيْنَ الَّذِينَ عُمِّرُوا فَنَعِمُوا وَ عُلِّمُوا فَفَهِمُوا- وَ أُنْظِرُوا فَلَهَوْا وَ سُلِّمُوا فَنَسُوا- أُمْهِلُوا طَوِيلًا وَ مُنِحُوا جَمِيلًا- وَ حُذِّرُوا أَلِيماً وَ وُعِدُوا جَسِيماً- احْذَرُوا الذُّنُوبَ الْمُوَرِّطَةَ وَ الْعُيُوبَ الْمُسْخِطَةَ- أُولِي الْأَبْصَارِ وَ الْأَسْمَاعِ وَ الْعَافِيَةِ وَ الْمَتَاعِ- هَلْ مِنْ مَنَاصٍ أَوْ خَلَاصٍ- أَوْ مَعَاذٍ أَوْ مَلَاذٍ أَوْ فِرَارٍ أَوْ مَحَارٍ- فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أَمْ أَيْنَ تُصْرَفُونَ أَمْ بِمَا ذَا تَغْتَرُّونَ- وَ إِنَّمَا حَظُّ أَحَدِكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ذَاتِ الطُّوْلِ وَ الْعَرْضِ- قِيدُ قَدِّهِ مُنْعَفِراً عَلَى خَدِّهِ- الآْنَ عِبَادَ اللَّهِ وَ الْخِنَاقُ مُهْمَلٌ وَ الرُّوحُ مُرْسَلٌ- فِي فَيْنَةِ الْإِرْشَادِ وَ رَاحَةِالْأَجْسَادِ وَ بَاحَةِ الِاحْتِشَادِ- وَ مَهَلِ الْبَقِيَّةِ وَ أَنْفِ الْمَشِيَّةِ وَ إِنْظَارَ التَّوْبَةِ- وَ انْفِسَاحِ الْحَوْبَةِ قَبْلَ الضَّنْكِ وَ الْمَضِيقِ- وَ الرَّوْعِ وَ الزُّهُوقِ وَ قَبْلَ قُدُومِ الْغَائِبِ الْمُنْتَظَرِ- وَ أَخْذَةِ الْعَزِيزِ الْمُقْتَدِرِ قال الرضي رحمه الله- و في الخبر أنه ع لما خطب بهذه الخطبة- اقشعرت لها الجلود و بكت العيون و رجفت القلوب- و من الناس من يسمي هذه الخطبة الغراء نعم الرجل ينعم ضد قولك بئس- و جاء شاذا نعم ينعم بالكسر و أنظروا أمهلوا- و الذنوب المورطة التي تلقي أصحابها في الورطة- و هي الهلاك قال رؤبة-فأصبحوا في ورطة الأوراط- . و أصله أرض مطمئنة لا طريق فيها- و قد أورطت زيدا و ورطته توريطا فتورط- ثم قال ع أولي الأبصار و الأسماع- ناداهم نداء ثانيا بعد النداء الذي في أول الفصل- و هو قوله عباد الله- فقال يا من منحهم الله أبصارا و أسماعا و أعطاهم عافية- و متعهم متاعا هل من مناص و هو الملجأ و المفر- يقال ناص عن قرنه مناصا أي فر و راوغ- قال سبحانه وَ لاتَ حِينَ مَناصٍ- .

و المحار المرجع من حار يحور أي رجع- قال تعالى إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ- . و يؤفكون يقلبون- أفكه يأفكه عن كذا قلبه عنه إلى غيره- و مثله يصرفون- . و قيد قده مقدار قده- يقال قرب منه قيد رمح و قاد رمح- و المراد هاهنا هو القبر لأنه بمقدار قامة الإنسان- . و المنعفر الذي قد لامس العفر و هو التراب- . ثم قال ع الآن و الخناق مهمل- تقديره اعملوا الآن و أنتم مخلون متمكنون- لم يعقد الحبل في أعناقكم و لم تقبض أرواحكم- . و الروح يذكر و يؤنث و الفينة الوقت- و يروى و فينة الارتياد و هو الطلب- . و أنف المشية أول أوقات الإرادة و الاختيار- . قوله و انفساح الحوبة أي سعة وقت الحاجة- و الحوبة الحاجة و الأرب- قال الفرزدق

فهب لي خنيسا و اتخذ فيه منة
لحوبة أم ما يسوغ شرابها

و الغائب المنتظر هو الموت- . قال شيخنا أبو عثمان رحمه الله تعالى حدثني ثمامة- قال سمعت جعفر بن يحيى و كان من أبلغ الناس و أفصحهم- يقول الكتابة ضم اللفظة إلى أختها- أ لم تسمعوا قول شاعر لشاعر و قد تفاخرا- أنا أشعر منك لأني أقول البيت و أخاه- و أنت تقول البيت و ابن عمه- ثم قال و ناهيك حسنا بقول علي بن أبي طالب ع- هل من مناص أو خلاص أو معاذ أو ملاذ أو فرار أو محار- .

قال أبو عثمان و كان جعفر يعجب أيضا بقول علي ع- أين من جد و اجتهد و جمع و احتشد و بنى فشيد و فرش فمهد- و زخرف فنجد
– قال أ لا ترى أن كل لفظة منها آخذة بعنق قرينتها- جاذبة إياها إلى نفسها دالة عليها بذاتها- قال أبو عثمان فكان جعفر يسميه فصيح قريش- . و اعلم أننا لا يتخالجنا الشك في أنه ع أفصح- من كل ناطق بلغة العرب من الأولين و الآخرين- إلا من كلام الله سبحانه و كلام رسول الله ص- و ذلك لأن فضيلة الخطيب- و الكاتب في خطابته و كتابته- تعتمد على أمرين هما مفردات الألفاظ و مركباتها- .

أما المفردات- فأن تكون سهلة سلسة غير وحشية و لا معقدة- و ألفاظه ع كلها كذلك- فأما المركبات فحسن المعنى و سرعة وصوله إلى الأفهام- و اشتماله على الصفات التي باعتبارها- فضل بعض الكلام على بعض- و تلك الصفات هي الصناعة- التي سماها المتأخرون البديع- من المقابلة و المطابقة و حسن التقسيم- و رد آخر الكلام على صدره و الترصيع و التسهيم و التوشيح- و المماثلة و الاستعارة و لطافة استعمال المجاز- و الموازنة و التكافؤ و التسميط و المشاكلة- . و لا شبهة أن هذه الصفات كلها موجودة في خطبه و كتبه- مبثوثة متفرقة في فرش كلامه ع- و ليس يوجد هذان الأمران في كلام أحد غيره- فإن كان قد تعملها و أفكر فيها- و أعمل رويته في رصفها و نثرها- فلقد أتى بالعجب العجاب- و وجب‏أن يكون إمام الناس كلهم في ذلك- لأنه ابتكره و لم يعرف من قبله و إن كان اقتضبها ابتداء- و فاضت على لسانه مرتجلة و جاش بها طبعه بديهة- من غير روية و لا اعتمال فأعجب و أعجب- . و على كلا الأمرين فلقد جاء مجليا- و الفصحاء تنقطع أنفاسهم على أثره- و بحق ما قال معاوية لمحقن الضبي- لما قال له جئتك من عند أعيا الناس يا ابن اللخناء- أ لعلي تقول هذا- و هل سن الفصاحة لقريش غيره- .

و اعلم أن تكلف الاستدلال على أن الشمس مضيئة يتعب- و صاحبه منسوب إلى السفه- و ليس جاحد الأمور المعلومة علما ضروريا بأشد سفها- ممن رام الاستدلال بالأدلة النظرية عليها

شرح ‏نهج‏ البلاغة(ابن‏ أبي ‏الحديد) ج 6 

خطبه 81 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)(في صفة الدنيا)

81 و من كلام له ع في صفة الدنيا

مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وَ آخِرُهَا فَنَاءٌ- فِي حَلَالِهَا حِسَابٌ وَ فِي حَرَامِهَا عِقَابٌ- مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ- وَ مَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ وَ مَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ- وَ مَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ وَ مَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ- وَ مَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ قال الرضي رحمه الله- أقول و إذا تأمل المتأمل قوله ع و من أبصر بها بصرته- وجد تحته من المعنى العجيب و الغرض البعيد- ما لا يبلغ غايته و لا يدرك غوره- لا سيما إذا قرن إليه قوله و من أبصر إليها أعمته- فإنه يجد الفرق بين أبصر بها- و أبصر إليها واضحا نيرا و عجيبا باهرا العناء التعب- و ساعاها جاراها سعيا و واتته طاوعته- . و نظر الرضي إلى قوله أولها عناء و آخرها فناء- فقال

و أولنا العناء إذا طلعنا
إلى الدنيا و آخرنا الذهاب‏

و نظر إلى قوله ع في حلالها حساب و في حرامها عقاب- بعض الشعراء فقال-

الدهر يومان فيوم مضى
عنك بما فيه و يوم جديد

حلال يوميك حساب و في‏
حرام يوميك عذاب شديد

تجمع ما يأكله وارث
و أنت في القبر وحيد فريد

إني لغيري واعظ تارك‏
نفسي و قولي من فعالي بعيد

حلاوة الدنيا و لذاتها
تكلف العاقل ما لا يريد

و من المعنى أيضا قول بعضهم-

حلالها حسرة تفضي إلى ندم
و في المحارم منها الغنم منزور

و نظر الحسن البصري إلى قوله ع من استغنى فيها فتن- و من افتقر فيها حزن- فقال و قد جاءه إنسان يبشره بمولود له ذكر- ليهنك الفارس يا أبا سعيد فقال بل الراجل- ثم قال لا مرحبا بمن إن كان غنيا فتنني- و إن كان فقيرا أحزنني- و إن عاش كدني و إن مات هدني- ثم لا أرضى بسعيي له سعيا و لا بكدحي له كدحا- حتى أهتم بما يصيبه بعد موتي- و أنا في حال لا ينالني بمساءته حزن و لا بسروره جذل- . و نظر ابن المعتز إلى قوله ع- من ساعاها فاتته و من قعد عنها واتته- فقال الدنيا كظلك كلما طلبته زاد منك بعدا- . و نظرت إلى قوله ع و من أبصر بها بصرته- و من أبصر إليها أعمته فقلت-

دنياك مثل الشمس تدني إليك
الضوء لكن دعوة المهلك‏

إن أنت أبصرت إلى نورها
تعش و إن تبصر به تدرك‏

فإن قلت المسموع أبصرت زيدا- و لم يسمع أبصرت إلى زيد- قلت يجوز أن يكون قوله ع و من أبصر إليها- أي و من أبصر متوجها إليها- كقوله فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى‏ فِرْعَوْنَ- و لم يقل مرسلا و يجوز أن يكون- أقام ذلك مقام قوله نظر إليها لما كان مثله- كما قالوا في دخلت البيت و دخلت إلى البيت- أجروه مجرى ولجت إلى البيت لما كان نظيره

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن‏ أبي ‏الحديد) ج 6 

خطبه 80 شرح ابن ابی الحدید (متن عربی)

80 و من كلام له ع

أَيُّهَا النَّاسُ الزَّهَادَةُ قِصَرُ الْأَمَلِ- وَ الشُّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ وَ التَّوَرُّعُ عِنْدَ الْمَحَارِمِ- فَإِنْ عَزَبَ ذَلِكَ عَنْكُمْ فَلَا يَغْلِبِ الْحَرَامُ صَبْرَكُمْ- وَ لَا تَنْسَوْا عِنْدَ النِّعَمِ شُكْرَكُمْ- فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ بِحُجَجٍ مُسْفِرَةٍ ظَاهِرَةٍ- وَ كُتُبٍ بَارِزَةِ الْعُذْرِ وَاضِحَةٍ فسر ع لفظ الزهادة- و هي الزهد بثلاثة أمور- و هي قصر الأمل- و شكر النعمة و الورع عن المحارم- فقال لا يسمى الزاهد زاهدا حتى يستكمل هذه الأمور الثلاثة- ثم قال فإن عزب ذلك عنكم أي بعد- فأمران من الثلاثة لا بد منهما و هما الورع و شكر النعم- جعلهما آكد و أهم من قصر الأمل- . و اعلم أن الزهد في العرف المشهور- هو الإعراض عن متاع الدنيا و طيباتها- لكنه لما كانت الأمور الثلاثة طريقا موطئة إلى ذلك- أطلق ع لفظ الزهد عليها على وجه المجاز- . و قوله فقد أعذر الله إليكم أي بالغ- يقال أعذر فلان في الأمر أي بالغ فيه- و يقال ضرب فلان فأعذر أي أشرف على الهلاك- و أصل اللفظة من العذر- يريد أنه‏ قد أوضح لكم بالحجج النيرة المشرقة- ما يجب اجتنابه و ما يجب فعله- فإن خالفتم استوجبتم العقوبة- فكان له في تعذيبكم العذر

الآثار و الأخبار الواردة في الزهد

و الآثار الواردة في الزهد كثيرة-قال رسول الله ص أفلح الزاهد في الدنيا- حظي بعز العاجلة و بثواب الآخرةو قال ص من أصبحت الدنيا همه و سدمه- نزع الله الغنى من قلبه و صير الفقر بين عينيه- و لم يأته من الدنيا إلا ما كتب له- و من أصبحت الآخرة همه و سدمه نزع الله الفقر عن قلبه- و صير الغنى بين عينيه و أتته الدنيا و هي راغمةو قال ع للضحاك بن سفيان ما طعامك- قال اللحم و اللبن- قال ثم يصير إلى ما ذا قال إلى ما علمت- قال فإن الله ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا- .

و كان الفضيل بن عياض يقول لأصحابه إذا فرغ من حديثه- انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيجي‏ء بهم إلى المزبلة- فيقول انظروا إلى عنبهم و سمنهم و دجاجهم و بطهم- صار إلى ما ترون- .و من الكلام المنسوب إلى المسيح ع الدنيا قنطرة فاعبروها و لا تعمروهاسئل رسول الله ص عن قوله سبحانه- فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ‏ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ- فقال إذا دخل النور القلب انفسح فذلك شرح الصدر- فقيل أ فلذلك علامة يعرف بها قال نعم- الإنابة إلى دار الخلود و التجافي عن دار الغرور- و الاستعداد للموت قبل نزوله قالوا أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء- اتخذ الدنيا ظئرا و اتخذ الآخرة أما- . الشعبي ما أعلم لنا و للدنيا مثلا إلا قول كثير-

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة
لدينا و لا مقلية إن تقلت‏

بعض الصالحين المستغني عن الدنيا بالدنيا- كالمطفئ النار بالتبن- . و في بعض الكتب القديمة الإلهية- قال الله للدنيا من خدمني فاخدميه- و من خدمك فاستخدميه- . دخل محمد بن واسع على قتيبة بن مسلم- و عليه مدرعة من صوف فقال ما هذه- فسكت فأعاد عليه السؤال- فقال أكره أن أقول زهدا فأزكي نفسي أو فقرا فأشكو ربي- . قيل في صفة الدنيا و الآخرة- هما كضرتين إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى- .

قيل لمحمد بن واسع إنك لترضى بالدون- قال إنما رضي بالدون من رضي بالدنيا- . خطب أعرابي كان عاملا لجعفر بن سليمان- على ضرية يوم جمعة خطبة- لم يسمع أوجز منها و لا أفصح- فقال إن الدنيا دار بلاغ و إن الآخرة دار قرار- فخذوا من ممركم لمستقركم- و لا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم- و أخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم- ففيها جئتم و لغيرها خلقتم- إن المرء إذا هلك قال الناس ما ترك- و قالت الملائكة ما قدم- فلله آثاركم قدموا بعضا يكن لكم-و لا تؤخروا كلا فيكون عليكم أقول قولي هذا- و أستغفر الله و المدعو له الخليفة ثم الأمير جعفر و نزل- . أبو حازم الأعرج الدنيا كلها غموم- فما كان فيها سرورا فهو ربح- . محمد بن الحنفية من عزت عليه نفسه هانت عليه الدنيا- .

قيل لعلي بن الحسين ع من أعظم الناس خطرا- قال من لم ير الدنيا لنفسه خطراقال المسيح ع لأصحابه حب الدنيا رأس كل خطيئة- و اقتناء المال فيها داء عظيم- قالوا له كيف ذلك- قال لا يسلم صاحبه من البغي و الكبر قيل فإن سلم منهما- قال يشغله إصلاحه عن ذكر اللهأشرف أبو الدرداء على أهل دمشق- فقال يا أهل دمشق تبنون ما لا تسكنون- و تجمعون ما لا تأكلون و تأملون ما لا تدركون- أين من كان قبلكم بنوا شديدا- و أملوا بعيدا و جمعوا كثيرا- فأصبحت مساكنهم قبورا و جمعهم بورا و أملهم غرورا- . قال المأمون لو سئلت الدنيا عن نفسها- لم تسطع أن تصف نفسها بأحسن من قول الشاعر-

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت
له عن عدو في ثياب صديق‏

و قال رجل يا رسول الله كيف لي أن أعلم أمري- قال إذا أردت شيئا من أمور الدنيا فعسر عليك فاعلم أنك بخير- و إذا أردت شيئا من أمر الدنيا فيسر لك- فاعلم أنه شر لكقال رجل ليونس بن عبيد- إن فلانا يعمل بعمل الحسن البصري- فقال و الله ما أعرف أحدا يقول بقوله- فكيف يعمل بعمله قيل فصفه لنا- قال كان إذا أقبل‏ فكأنه أقبل من دفن حبيب- و إذا جلس فكأنه أسير أجلس لضرب عنقه- و إذا ذكرت النار فكأنها لم تخلق إلا له- .

و قال بعض الصالحين لرجل يا فلان- هل أنت على حال أنت فيها مستعد للموت قال لا- قال فهل أنت عالم بأنك تنتقل إلى حال ترضى به قال لا- قال أ فتعلم بعد الموت دارا فيها مستعتب قال لا- قال أ فتأمن الموت أن يأتيك صباحا أو مساء قال لا- قال أ فيرضى بهذه الحال عاقل- و قال أبو الدرداء أضحكتني ثلاث و أبكتني ثلاث- أضحكني مؤمل الدنيا و الموت يطلبه- و غافل و ليس بمغفول عنه- و ضاحك مل‏ء فيه لا يدرى أ راض عنه الله أم ساخط- و أبكاني فراق محمد و حزبه و أبكاني هول الموت- و أبكاني هول الموقف يوم تبدو السرائر- حين لا أدري أ يؤخذ بي إلى جنة أم إلى نار- . و كان عبد الله بن صغير يقول- أ تضحك و لعل أكفانك قد خرجت من عند القصار- و كان يقال من أتى الذنب ضاحكا دخل النار باكيا- . و كان مالك بن دينار يقول- وددت أن رزقي في حصاة أمصها حتى أبول- فلقد اختلفت إلى الخلاء حتى استحييت من ربي- .

و قال رسول الله ص لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين- حتى يدع ما ليس به بأس حذرا عما به البأس و قال المسيح ع بحق أقول لكم إن من طلب الفردوس فخبز الشعير- و النوم على المزابل مع الكلاب له كثير- . و أوصى ابن محرز رجلا- فقال إن استطعت أن تعرف و لا تعرف و تسأل و لا تسأل- و تمشي و لا يمشى إليك فافعل- .

و قال علي ع طوبى لمن عرف الناس و لم يعرفوه تعجلت له منيته- و قل تراثه و فقد باكياته – . و كان يقال في الجوع ثلاث خصال- حياة للقلب و مذلة للنفس- و يورث العقل الدقيق من المعاني- . و قال رجل لإبراهيم بن أدهم أريد أن تقبل مني دراهم- قال إن كنت غنيا قبلتها منك- و إن كنت فقيرا لم أقبلها- قال فإني غني قال كم تملك قال ألفي درهم- قال أ فيسرك أن تكون أربعة آلاف قال نعم- قال لست بغني و دراهمك لا أقبلها- . و كان أبو حازم الأعرج إذا نظر إلى الفاكهة في السوق- قال موعدك الجنة إن شاء الله تعالى- . و مر أبو حازم بالقصابين- فقال له رجل منهم يا أبا حازم هذا سمين فاشتر منه- قال ليس عندي دراهم قال أنا أنظرك- قال فأفكر ساعة ثم قال أنا أنظر نفسي- .

نزل الحجاج في يوم حار على بعض المياه و دعا بالغداء- و قال لحاجبه انظر من يتغدى معي- و اجهد ألا يكون من أهل الدنيا- فرأى الحاجب أعرابيا نائما- عليه شملة من شعر فضربه برجله- و قال أجب الأمير فأتاه فدعاه الحجاج إلى الأكل- فقال دعاني من هو خير من الأمير فأجبته قال من هو- قال الله دعاني إلى الصوم فصمت- قال أ في هذا اليوم الحار قال نار جهنم أشد حرا- قال أفطر و تصوم غدا- قال إن ضمنت لي البقاء إلى غد قال ليس ذلك إلي- قال فكيف أدع عاجلا لآجل لا تقدر عليه- قال إنه طعام طيب- قال إنك لم تطيبه و لا الخباز و لكن العافية طيبته لك- .

و قال شبيب كنا سنة في طريق مكة- فجاء أعرابي في يوم صائف شديد الحر-و معه جارية سوداء و صحيفة- فقال أ فيكم كاتب قلنا نعم و حضر غداؤنا- فقلنا له لو دخلت فأصبت من طعامنا قال إني صائم- قلنا الحر و شدته و جفاء البادية- فقال إن الدنيا كانت و لم أكن فيها- و ستكون و لا أكون فيها و ما أحب أن أغبن أمامي- ثم نبذ إلينا الصحيفة- فقال للكاتب اكتب و لا تزد على ما أمليه عليك- هذا ما أعتق عبد الله بن عقيل الكلبي- أعتق جارية له سوداء اسمها لؤلؤة- ابتغاء وجه الله و جواز العقبة- و إنه لا سبيل له عليها إلا سبيل الولاء- و المنة لله علينا و عليها واحدة- .

قال الأصمعي فحدث بذلك الرشيد- فأمر أن يعتق عنه ألف نسمة و يكتب لهم هذا الكتاب- . و قال خالد بن صفوان بت ليلتي هذه أتمنى- فكبست البحر الأخضر بالذهب الأحمر- فإذا الذي يلقاني من ذلك رغيفان و كوزان و طمران- . و رأى رجل رجلا من ولد معاوية يعمل على بعير له- فقال هذا بعد ما كنتم فيه من الدنيا- قال رحمك الله يا ابن أخي ما فقدنا إلا الفضول- . و قال الحسن يا ابن آدم- إنما أنت أيام مجموعة كلما ذهب يوم ذهب بعضك- . قال يونس الكاتب- لو قيل بيت دريد في زاهد كان به جديرا-

قليل التشكي للمصيبات ذاكر
من اليوم أعقاب الأحاديث في غد

و قال الحسن ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل- . و قال رجل للفضيل بن عياض ما أعجب الأشياء- قال قلب عرف الله ثم عصاه- . قال وكيع ما أحسنت قط إلى أحد و لا أسأت إليه قيل كيف- قال لأن الله تعالى قال- إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهاو قال الحسن لرجل- إن استطعت ألا تسي‏ء إلى أحد ممن تحبه فافعل- قال الرجل يا أبا سعيد أ و يسي‏ء المرء إلى من يحبه- قال نعم نفسك أحب النفوس إليك- فإذا عصيت الله فقد أسأت إليها- . و كان مالك بن دينار إذا منع نفسه شيئا من الشهوات- قال اصبري فو الله ما منعك إلا لكرامتك علي- .قام رسول الله ص الليل حتى تورمت قدماه- فقيل له يا رسول الله أ تفعل هذا- و قد غفر الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر- قال أ فلا أكون عبدا شكورا- .

و قال عبد الله بن مسعود- لا يكونن أحدكم جيفة ليله قطرب نهاره- . و كان يقال من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار- . و كان مالك بن دينار يقول في قصصه- ما أشد فطام الكبر و ينشد-

أ تروض عرسك بعد ما هرمت
و من العناء رياضة الهرم‏

و قال آخر-

إن كنت تؤمن بالقيامة
و اجترأت على الخطيئة

فلقد هلكت و إن‏جحدت فذاك أعظم للبلية

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن‏ أبي‏ الحديد) ج 6