نامه 39 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

39 و من كتاب له ع إلى عمرو بن العاص

فَإِنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ دِينَكَ تَبَعاً لِدُنْيَا امْرِئٍ-  ظَاهِرٍ غَيُّهُ مَهْتُوكٍ سِتْرُهُ-  يَشِينُ الْكَرِيمَ بِمَجْلِسِهِ وَ يُسَفِّهُ الْحَلِيمَ بِخِلْطَتِهِ-  فَاتَّبَعْتَ أَثَرَهُ وَ طَلَبْتَ فَضْلَهُ-  اتِّبَاعَ الْكَلْبِ لِلضِّرْغَامِ يَلُوذُ بِمَخَالِبِهِ-  وَ يَنْتَظِرُ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْ فَضْلِ فَرِيسَتِهِ-  فَأَذْهَبْتَ دُنْيَاكَ وَ آخِرَتَكَ-  وَ لَوْ بِالْحَقِّ أَخَذْتَ أَدْرَكْتَ مَا طَلَبْتَ-  فَإِنْ يُمَكِّنِ اللَّهُ مِنْكَ وَ مِنِ ابْنِ أَبِي سُفْيَانَ-  أَجْزِكُمَا بِمَا قَدَّمْتُمَا-  وَ إِنْ تُعْجِزَا وَ تَبْقَيَا فَمَا أَمَامَكُمَا شَرٌّ لَكُمَا-  وَ السَّلَامُ كل ما قاله فيهما هو الحق الصريح بعينه-  لم يحمله بغضه لهما و غيظه منهما-  إلى أن بالغ في ذمهما به-  كما يبالغ الفصحاء عند سورة الغضب-  و تدفق الألفاظ على الألسنة-  و لا ريب عند أحد من العقلاء ذوي الإنصاف-  أن عمرا جعل دينه تبعا لدنيا معاوية-  و أنه ما بايعه و تابعه إلا على جعالة جعلها له-  و ضمان تكفل له بإيصاله-  و هي ولاية مصر مؤجلة-  و قطعة وافرة من المال معجلة-  و لولديه و غلمانه ما ملأ أعينهم- . فأما قوله ع في معاوية ظاهر غيه-  فلا ريب في ظهور ضلاله و بغيه-  و كل باغ غاو- .

 

أما مهتوك ستره فإنه كان كثير الهزل و الخلاعة-  صاحب جلساء و سمار و معاوية لم يتوقر-  و لم يلزم قانون الرئاسة إلا منذ خرج على أمير المؤمنين-  و احتاج إلى الناموس و السكينة-  و إلا فقد كان في أيام عثمان شديد التهتك-  موسوما بكل قبيح-  و كان في أيام عمر يستر نفسه قليلا خوفا منه-  إلا أنه كان يلبس الحرير و الديباج-  و يشرب في آنية الذهب و الفضة-  و يركب البغلات ذوات السروج المحلاة بها-  و عليها جلال الديباج و الوشي-  و كان حينئذ شابا و عنده نزق الصبا-  و أثر الشبيبة و سكر السلطان و الإمرة-  و نقل الناس عنه في كتب السيرة-  أنه كان يشرب الخمر في أيام عثمان في الشام-  و أما بعد وفاة أمير المؤمنين و استقرار الأمر له-  فقد اختلف فيه فقيل إنه شرب الخمر في ستر-  و قيل إنه لم يشربه-  و لا خلاف في أنه سمع الغناء و طرب عليه-  و أعطى و وصل عليه أيضا- .

و روى أبو الفرج الأصفهاني قال-  قال عمرو بن العاص لمعاوية-  في قدمة قدمها إلى المدينة أيام خلافته-  قم بنا إلى هذا الذي قد هدم شرفه و هتك ستره-  عبد الله بن جعفر-  نقف على بابه فنسمع غناء جواريه-  فقاما ليلا و معهما وردان غلام عمرو-  و وقفا بباب عبد الله بن جعفر-  فاستمعا الغناء و أحس عبد الله بوقوفهما-  ففتح الباب و عزم على معاوية أن يدخل فدخل-  فجلس على سرير عبد الله-  فدعا عبد الله له و قدم إليه يسيرا من طعام فأكل-  فلما أنس قال يا أمير المؤمنين-  أ لا تأذن لجواريك أن يتممن أصواتهن-  فإنك قطعتها عليهن-  قال فليقلن فرفعن أصواتهن-  و جعل معاوية يتحرك قليلا قليلا-  حتى ضرب برجله السرير ضربا شديدا-  فقال عمرو قم أيها الرجل-  فإن الرجل الذي جئت لتلحاه أو لتعجب من امرئ-  أحسن حالا منك-  فقال مهلا فإن الكريم طروب- .

 

أما قوله يشين الكريم بمجلسه-  و يسفه الحليم بخلطته-  فالأمر كذلك-  فإنه لم يكن في مجلسه إلا شتم بني هاشم و قذفهم-  و التعرض بذكر الإسلام و الطعن عليه-  و إن أظهر الانتماء إليه-  و أما طلب عمرو فضله و اتباعه أثره-  اتباع الكلب للأسد فظاهر-  و لم يقل الثعلب غضا من قدر عمرو-  و تشبيها له بما هو أبلغ في الإهانة و الاستخفاف- .

ثم قال و لو بالحق أخذت أدركت ما طلبت-  أي لو قعدت عن نصره و لم تشخص إليه ممالئا به على الحق-  لوصل إليك من بيت المال قدر كفايتك- . و لقائل أن يقول إن عمرا ما كان يطلب قدر الكفاية-  و علي ع ما كان يعطيه إلا حقه فقط-  و لا يعطيه بلدا و لا طرفا من الأطراف-  و الذي كان يطلب ملك مصر-  لأنه فتحها أيام عمر و وليها برهة-  و كانت حسرة في قلبه و حزازة في صدره-  فباع آخرته بها-  فالأولى أن يقال معناه لو أخذت بالحق-  أدركت ما طلبت من الآخرة- . فإن قلت إن عمرا لم يكن علي ع يعتقد أنه من أهل الآخرة-  فكيف يقول له هذا الكلام-  قلت لا خلل و لا زلل في كلامه ع-  لأنه لو أخذ بالحق-  لكان معتقدا كون علي ع على الحق-  باعتقاده صحة نبوة رسول الله ص و صحة التوحيد-  فيصير تقدير الكلام-  لو بايعتني معتقدا للزوم بيعتي لك-  لكنت في ضمن ذلك طالبا الثواب-  فكنت تدركه في الآخرة- . ثم قال مهددا لهما و متوعدا إياهما-  فإن يمكن الله منك و من ابن أبي سفيان-  و أقول لو ظفر بهما لما كان في غالب ظني يقتلهما-  فإنه كان حليما كريما-  و لكن كان يحبسهما ليحسم بحبسهما مادة فسادهما- .

 

ثم قال و إن تعجزا و تبقيا-  أي و إن لم أستطع أخذكما أو أمت قبل ذلك-  و بقيتما بعدي-  فما أمامكما شر لكما من عقوبة الدنيا-  لأن عذاب الدنيا منقطع-  و عذاب الآخرة غير منقطع- . و ذكر نصر بن مزاحم في كتاب صفين-  هذا الكتاب بزيادة لم يذكرها الرضي-  قال نصر و كتب علي ع إلى عمرو بن العاص-  من عبد الله علي أمير المؤمنين-  إلى الأبتر ابن الأبتر عمرو بن العاص بن وائل-  شانئ محمد و آل محمد في الجاهلية و الإسلام-  سلام على من اتبع الهدى-  أما بعد فإنك تركت مروءتك لامرئ فاسق مهتوك ستره-  يشين الكريم بمجلسه و يسفه الحليم بخلطته-  فصار قلبك لقلبه تبعا-  كما قيل وافق شن طبقة-  فسلبك دينك و أمانتك و دنياك و آخرتك-  و كان علم الله بالغا فيك-  فصرت كالذئب يتبع الضرغام إذا ما الليل دجى-  أو أتى الصبح يلتمس فاضل سؤره-  و حوايا فريسته-  و لكن لا نجاة من القدر-  و لو بالحق أخذت لأدركت ما رجوت-  و قد رشد من كان الحق قائده-  فإن يمكن الله منك و من ابن آكلة الأكباد-  ألحقتكما بمن قتله الله من ظلمة قريش على عهد رسول الله ص-  و إن تعجزا و تبقيا بعد فالله حسبكما-  و كفى بانتقامه انتقاما و بعقابه عقابا و السلام

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 16

 

نامه 38 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

38 و من كتاب له ع إلى أهل مصر لما ولى عليهم الأشتر

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ-  إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ غَضِبُوا لِلَّهِ-  حِينَ عُصِيَ فِي أَرْضِهِ وَ ذُهِبَ بِحَقِّهِ-  فَضَرَبَ الْجَوْرُ سُرَادِقَهُ عَلَى الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ-  وَ الْمُقِيمِ وَ الظَّاعِنِ-  فَلَا مَعْرُوفٌ يُسْتَرَاحُ إِلَيْهِ-  وَ لَا مُنْكَرٌ يُتَنَاهَى عَنْهُ-  أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَبْداً مِنْ عِبَادِ اللَّهِ-  لَا يَنَامُ أَيَّامَ الْخَوْفِ-  وَ لَا يَنْكُلُ عَنِ الْأَعْدَاءِ سَاعَاتِ الرَّوْعِ-  أَشَدَّ عَلَى الْفُجَّارِ مِنْ حَرِيقِ النَّارِ-  وَ هُوَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو مَذْحِجٍ-  فَاسْمَعُوا لَهُ وَ أَطِيعُوا أَمْرَهُ فِيمَا طَابَقَ الْحَقَّ-  فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ-  لَا كَلِيلُ الظُّبَةِ وَ لَا نَابِي الضَّرِيبَةَ-  فَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا فَانْفِرُوا-  وَ إِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تُقِيمُوا فَأَقِيمُوا-  فَإِنَّهُ لَا يُقْدِمُ وَ لَا يُحْجِمُ-  وَ لَا يُؤَخِّرُ وَ لَا يُقَدِّمُ إِلَّا عَنْ أَمْرِي-  وَ قَدْ آثَرْتُكُمْ بِهِ عَلَى نَفْسِي لِنَصِيحَتِهِ لَكُمْ-  وَ شِدَّةِ شَكِيمَتِهِ عَلَى عَدُوِّكُمْ

هذا الفصل يشكل علي تأويله-  لأن أهل مصر هم الذين قتلوا عثمان-  و إذا شهد أمير المؤمنين ع-  أنهم غضبوا لله حين عصي في الأرض-  فهذه شهادة قاطعة على عثمان بالعصيان و إتيان المنكر-  و يمكن أن يقال و إن كان متعسفا-  إن الله تعالى‏عصي في الأرض لا من عثمان-  بل من ولاته و أمرائه و أهله-  و ذهب بينهم بحق الله-  و ضرب الجور سرادقه بولايتهم-  و أمرهم على البر و الفاجر و المقيم و الظاعن-  فشاع المنكر و فقد المعروف-  يبقى أن يقال هب أن الأمر كما تأولت-  فهؤلاء الذين غضبوا لله إلى ما ذا آل أمرهم-  أ ليس الأمر آل إلى أنهم قطعوا المسافة-  من مصر إلى المدينة فقتلوا عثمان-  فلا تعدو حالهم أمرين إلا أن يكونوا أطاعوا الله بقتله-  فيكون عثمان عاصيا مستحقا للقتل-  أو يكونوا أسخطوا الله تعالى بقتله-  فعثمان إذا على حق و هم الفساق العصاة-  فكيف يجوز أن يبجلهم أو يخاطبهم خطاب الصالحين-  و يمكن أن يجاب عن ذلك بأنهم غضبوا لله-  و جاءوا من مصر-  و أنكروا على عثمان تأميره الأمراء الفساق-  و حصروه في داره-  طلبا أن يدفع إليهم مروان ليحبسوه-  أو يؤدبوه على ما كتبه في أمرهم-  فلما حصر طمع فيه مبغضوه و أعداؤه-  من أهل المدينة و غيرها-  و صار معظم الناس إلبا عليه-  و قل عدد المصريين-  بالنسبة إلى ما اجتمع من الناس على حصره-  و مطالبته بخلع نفسه-  و تسليم مروان و غيره من بني أمية إليهم-  و عزل عماله و الاستبدال بهم-  و لم يكونوا حينئذ يطلبون نفسه-  و لكن قوما منهم و من غيرهم تسوروا داره-  فرماهم بعض عبيده بالسهام فجرح بعضهم-  فقادت الضرورة إلى النزول و الإحاطة به-  و تسرع إليه واحد منهم فقتله-  ثم إن ذلك القاتل قتل في الوقت-  و قد ذكرنا ذلك فيما تقدم و شرحناه-  فلا يلزم من فسق ذلك القاتل و عصيانه-  أن يفسق الباقون لأنهم ما أنكروا إلا المنكر-  و أما القتل فلم يقع منهم-  و لا راموه و لا أرادوه-  فجاز أن يقال إنهم غضبوا لله-  و أن يثنى عليهم و يمدحهم- . ثم وصف الأشتر بما وصفه به-  و مثل قوله لا ينام أيام الخوف قولهم-  لا ينام ليلة يخاف و لا يشبع ليلة يضاف-  و قال‏

فأتت به حوش الفؤاد مبطنا
سهدا إذا ما نام ليل الهوجل‏

ثم أمرهم أن يطيعوه فيما يأمرهم به مما يطابق الحق-  و هذا من شدة دينه و صلابته ع-  لم يسامح نفسه في حق أحب الخلق إليه-  أن يهمل هذا القيد-  قال رسول الله ص لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق- . و قال أبو حنيفة قال لي الربيع في دهليز المنصور-  إن أمير المؤمنين يأمرني بالشي‏ء بعد الشي‏ء-  من أمور ملكه-  فأنفذه و أنا خائف على ديني فما تقول في ذلك-  قال و لم يقل لي ذلك إلا في ملإ الناس-  فقلت له أ فيأمر أمير المؤمنين بغير الحق قال لا-  قلت فلا بأس عليك أن تفعل بالحق-  قال أبو حنيفة فأراد أن يصطادني فاصطدته- .

و الذي صدع بالحق في هذا المقام الحسن البصري-  قال له عمر بن هبيرة أمير العراق-  في خلافة يزيد بن عبد الملك في ملإ من الناس-  منهم الشعبي و ابن سيرين-  يا أبا سعيد إن أمير المؤمنين يأمرني بالشي‏ء-  اعلم أن في تنفيذه الهلكة في الدين-  فما تقول في ذلك-  قال الحسن ما ذا أقول إن الله مانعك من يزيد-  و لن يمنعك يزيد من الله-  يا عمر خف الله-  و اذكر يوما يأتيك تتمخض ليلته عن القيامة-  أنه سينزل عليك ملك من السماء-  فيحطك عن سريرك إلى قصرك-  و يضطرك من قصرك إلى لزوم فراشك-  ثم ينقلك عن فراشك إلى قبرك-  ثم لا يغني عنك إلا عملك-

فقام عمر بن هبيرة باكيا يصطك لسانه- . قوله فإنه سيف من سيوف الله-  هذا لقب خالد بن الوليد و اختلف فيمن‏ لقبه به-  فقيل لقبه به رسول الله ص-  و الصحيح أنه لقبه به أبو بكر لقتاله أهل الردة-  و قتله مسيلمة- . و الظبة بالتخفيف حد السيف-  و النابي من السيوف الذي لا يقطع-  و أصله نبا أي ارتفع-  فلما لم يقطع كان مرتفعا فسمي نابيا-  و في الكلام حذف تقديره و لا ناب ضارب الضريبة-  و ضارب الضريبة هو حد السيف-  فأما الضريبة نفسها فهو الشي‏ء المضروب بالسيف-  و إنما دخلته الهاء و إن كان بمعنى مفعول-  لأنه صار في عداد الأسماء كالنطيحة و الأكيلة- . ثم أمرهم بأن يطيعوه في جميع ما يأمرهم به-  من الإقدام و الإحجام-  و قال إنه لا يقدم و لا يؤخر إلا عن أمري-  و هذا إن كان قاله-  مع أنه قد سنح له أن يعمل برأيه في أمور الحرب-  من غير مراجعته فهو عظيم جدا-  لأنه يكون قد أقامه مقام نفسه-

و جاز أن يقول إنه لا يفعل شيئا إلا عن أمري-  و إن كان لا يراجعه في الجزئيات على عادة العرب-  في مثل ذلك-  لأنهم يقولون فيمن يثقون به نحو ذلك-  و قد ذهب كثير من الأصوليين-  إلى أن الله تعالى قال لمحمد ص-  احكم بما شئت في الشريعة فإنك لا تحكم إلا بالحق-  و إنه كان يحكم من غير مراجعته لجبرائيل-  و إن الله تعالى قد قال في حقه-  وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏-  إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏-  و إن كان ع قال هذا القول عن الأشتر-  لأنه قد قرر معه بينه و بينه ألا يعمل شيئا قليلا و لا كثيرا-  إلا بعد مراجعته-  فيجوز و لكن هذا بعيد-  لأن المسافة طويلة بين العراق و مصر-  و كانت الأمور هناك تقف و تفسد- .

ثم ذكر أنه آثرهم به على نفسه-  و هكذا قال عمر لما أنفذ عبد الله بن مسعود إلى الكوفة-  في كتابه إليهم قد آثرتكم به على نفسي-  و ذلك أن عمر كان يستفتيه في الأحكام-  و علي ع كان يصول على الأعداء بالأشتر-  و يقوي أنفس جيوشه بمقامه بينهم-  فلما بعثه إلى مصر كان مؤثرا لأهل مصر به على نفسه

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 16

نامه 37 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

 37 و من كتاب له ع إلى معاوية

فَسُبْحَانَ اللَّهِ-  مَا أَشَدَّ لُزُومَكَ لِلْأَهْوَاءَ الْمُبْتَدَعَةِ وَ الْحَيْرَةِ الْمُتَّبَعَةِ-  مَعَ تَضْيِيعِ الْحَقَائِقِ وَ اطِّرَاحِ الْوَثَائِقِ-  الَّتِي هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى طِلْبَةٌ وَ عَلَى عِبَادِهِ حُجَّةٌ-  فَأَمَّا إِكْثَارُكَ الْحِجَاجَ عَلَى عُثْمَانَ وَ قَتَلَتِهِ-  فَإِنَّكَ إِنَّمَا نَصَرْتَ عُثْمَانَ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ لَكَ-  وَ خَذَلْتَهُ حَيْثُ كَانَ النَّصْرُ لَهُ وَ السَّلَامُ أول هذا الكتاب

 قوله أما بعد فإن الدنيا حلوة خضرة ذات زينة و بهجة-  لم يصب إليها أحد إلا و شغلته بزينتها-  عما هو أنفع له منها-  و بالآخرة أمرنا و عليها حثثنا-  فدع يا معاوية ما يفنى و اعمل لما يبقى-  و احذر الموت الذي إليه مصيرك-  و الحساب الذي إليه عاقبتك-  و اعلم أن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرا-  حال بينه و بين ما يكره و وفقه لطاعته-  و إذا أراد الله بعبد سوءا أغراه بالدنيا-  و أنساه الآخرة و بسط له أمله-  و عاقه عما فيه صلاحه-  و قد وصلني كتابك فوجدتك ترمي غير غرضك-  و تنشد غير ضالتك و تخبط في عماية-و تتيه في ضلالة و تعتصم بغير حجة-  و تلوذ بأضعف شبهة-  فأما سؤالك المتاركة و الإقرار لك على الشام-  فلو كنت فاعلا ذلك اليوم لفعلته أمس-  و أما قولك إن عمر ولاكه فقد عزل من كان ولاه صاحبه-  و عزل عثمان من كان عمر ولاه-  و لم ينصب للناس إمام-  إلا ليرى من صلاح الأمة إماما قد كان ظهر لمن قبله-  أو أخفى عنهم عيبه-  و الأمر يحدث بعده الأمر و لكل وال رأي و اجتهاد-  فسبحان الله ما أشد لزومك للأهواء المبتدعة-  و الحيرة المتبعةإلى آخر الفصل- .

و أما قوله ع إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك-  إلى آخره-  فقد روى البلاذري قال-  لما أرسل عثمان إلى معاوية يستمده-  بعث يزيد بن أسد القسري-  جد خالد بن عبد الله بن يزيد أمير العراق-  و قال له إذا أتيت ذا خشب فأقم بها و لا تتجاوزها-  و لا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب-  فإنني أنا الشاهد و أنت الغائب- . قال فأقام بذي خشب حتى قتل عثمان-  فاستقدمه حينئذ معاوية-  فعاد إلى الشام بالجيش الذي كان أرسل معه-  و إنما صنع ذلك معاوية ليقتل عثمان فيدعو إلى نفسه- . و كتب معاوية إلى ابن عباس عند صلح الحسن ع له كتابا-  يدعوه فيه إلى بيعته و يقول له فيه-  و لعمري لو قتلتك بعثمان-  رجوت أن يكون ذلك لله رضا-  و أن يكون رأيا صوابا-  فإنك من الساعين عليه و الخاذلين له-  و السافكين دمه-  و ما جرى بيني و بينك صلح فيمنعك مني-  و لا بيدك أمان- .

فكتب إليه ابن عباس جوابا طويلا يقول فيه-  و أما قولك إني من الساعين على عثمان-  و الخاذلين له و السافكين دمه-  و ما جرى بيني و بينك صلح فيمنعك مني-  فأقسم بالله لأنت المتربص بقتله و المحب لهلاكه-  و الحابس الناس قبلك عنه على بصيرة من أمره-  و لقد أتاك كتابه و صريخه يستغيث بك و يستصرخ-  فما حفلت به حتى بعثت إليه معذرا بأجرة-  أنت تعلم إنهم لن يتركوه حتى يقتل-  فقتل كما كنت أردت-  ثم علمت عند ذلك أن الناس لن يعدلوا بيننا و بينك-  فطفقت تنعى عثمان و تلزمنا دمه-  و تقول قتل مظلوما-  فإن يك قتل مظلوما فأنت أظلم الظالمين-  ثم لم تزل مصوبا و مصعدا و جاثما و رابضا-  تستغوي الجهال و تنازعنا حقنا بالسفهاء-  حتى أدركت ما طلبت-  وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ-  وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ

 شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 16

نامه 36 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

36 و من كتاب له ع إلى أخيه عقيل بن أبي طالب-  في ذكر جيش أنفذه إلى بعض الأعداء

  و هو جواب كتاب كتبه إليه عقيل- : فَسَرَّحْتُ إِلَيْهِ جَيْشاً كَثِيفاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ-  فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ شَمَّرَ هَارِباً وَ نَكَصَ نَادِماً-  فَلَحِقُوهُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ-  وَ قَدْ طَفَّلَتِ الشَّمْسُ لِلْإِيَابِ-  فَاقْتَتَلُوا شَيْئاً كَلَا وَ لَا-  فَمَا كَانَ إِلَّا كَمَوْقِفِ سَاعَةٍ حَتَّى نَجَا جَرِيضاً-  بَعْدَ مَا أُخِذَ مِنْهُ بِالْمُخَنَّقِ-  وَ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ غَيْرُ الرَّمَقِ-  فَلَأْياً بِلَأْيٍ مَا نَجَا-  فَدَعْ عَنْكَ قُرَيْشاً وَ تَرْكَاضَهُمْ فِي الضَّلَالِ-  وَ تَجْوَالَهُمْ فِي الشِّقَاقِ وَ جِمَاحَهُمْ فِي التِّيهِ-  فَإِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَرْبِي-  كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ص قَبْلِي-  فَجَزَتْ قُرَيْشاً عَنِّي الْجَوَازِي-  فَقَدْ قَطَعُوا رَحِمِي وَ سَلَبُونِي سُلْطَانَ ابْنِ أُمِّي-  وَ أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ رَأْيِي فِي الْقِتَالِ-  فَإِنَّ رَأْيِي قِتَالُ الْمُحِلِّينَ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ-  لَا يَزِيدُنِي كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي عِزَّةً-  وَ لَا تَفَرُّقُهُمْ عَنِّي وَحْشَةً-  وَ لَا تَحْسَبَنَّ ابْنَ أَبِيكَ-  وَ لَوْ أَسْلَمَهُ النَّاسُ مُتَضَرِّعاً مُتَخَشِّعاً-  وَ لَا مُقِرّاً لِلضَّيْمِ وَاهِناً-  وَ لَا سَلِسَ الزِّمَامِ لِلْقَائِدِ-  وَ لَا وَطِئَ الظَّهْرِ لِلرَّاكِبِ الْمُقْتَعِدِ-  وَ لَكِنَّهُ كَمَا قَالَ أَخُو بَنِي سَلِيمٍ- 

فَإِنْ تَسْأَلِينِي كَيْفَ أَنْتَ فَإِنَّنِي
صَبُورٌ عَلَى رَيْبِ الزَّمَانِ صَلِيبُ‏

يَعِزُّ عَلَيَّ أَنْ تُرَى بِي كَآبَةٌ
فَيَشْمَتَ عَادٍ أَوْ يُسَاءَ حَبِيبُ‏

 قد تقدم ذكر هذا الكتاب-  في اقتصاصنا ذكر حال بسر بن أرطاة-  و غارته على اليمن في أول الكتاب- . و يقال طفلت الشمس بالتشديد إذا مالت للغروب-  و طفل الليل مشددا أيضا إذا أقبل ظلامه-  و الطفل بالتحريك بعد العصر-  حين تطفل الشمس للغروب-  و يقال أتيته طفلي أي في ذلك الوقت- . و قوله ع للإياب أي للرجوع-  أي ما كانت عليه في الليلة التي قبلها-  يعني غيبوبتها تحت الأرض-  و هذا الخطاب إنما هو على قدر أفهام العرب-  كانوا يعتقدون أن الشمس منزلها و مقرها تحت الأرض-  و أنها تخرج كل يوم فتسير على العالم-  ثم تعود إلى منزلها-  فتأوي إليه كما يأوي الناس ليلا إلى منازلهم- . و قال الراوندي عند الإياب عند الزوال-  و هذا غير صحيح-  لأن ذلك الوقت لا يسمى طفلا-  ليقال إن الشمس قد طفلت فيه- . قوله ع فاقتتلوا شيئا كلا و لا-  أي شيئا قليلا-  و موضع كلا و لا نصب لأنه صفة شيئا-  و هي كلمة تقال لما يستقصر وقته جدا-  و المعروف عند أهل اللغة كلا و ذا-  قال ابن هانئ المغربي- 

  و أسرع في العين من لحظة
و أقصر في السمع من لا و ذا

و في شعر الكميت كلا و كذا تغميضة- . و قد رويت في نهج البلاغة كذلك-  إلا أن في أكثر النسخ كلا و لا-  و من الناس من يرويها كلا و لات-  و هي حرف أجري مجرى ليس-  و لا تجي‏ءحين إلا أن تحذف في شعر-  و من الرواة من يرويها كلا و لأي-  و لأي فعل معناه أبطأ- . قوله ع نجا جريضا-  أي قد غص بالريق من شدة الجهد و الكرب-  يقال جرض بريقه يجرض بالكسر-  مثال كسر يكسر-  و رجل جريض مثل قدر يقدر فهو قدير-  و يجوز أن يريد بقوله فنجا جريضا أي ذا جريض-  و الجريض الغصة نفسها-  و في المثل حال الجريض دون القريض-  قال الشاعر- 

كان الفتى لم يغن في الناس ليلة
إذا اختلف اللحيان عند الجريض‏

قال الأصمعي و يقال هو يجرض بنفسه- أي يكاد يموت- و منه قول إمرئ القيس-

و أفلتهن علباء جريضا
و لو أدركنه صفر الوطاب‏

و أجرضه الله بريقه أغصه- . قوله ع بعد ما أخذ منه بالمخنق-  هو موضع الخنق من الحيوان-  و كذلك الخناق بالضم-  يقال أخذ بخناقه-  فأما الخناق بالكسر فالحبل تخنق به الشاة-  و الرمق بقية الروح- . قوله ع فلأيا بلأي ما نجا-  أي بعد بطء و شدة-  و ما زائدة أو مصدرية-  و انتصب لأيا على المصدر القائم مقام الحال-  أي نجا مبطئا-  و العامل في المصدر محذوف أي أبطأ بطئا-  و الفائدة في تكرير اللفظة المبالغة في وصف البطء-  الذي نجا موصوفة به-  أي لأيا مقرونا بلأي‏

 و قال الراوندي-  هذه القصة و هذا الهارب جريضا و بعد لأي ما نجا-  هو معاوية-  قال و قد قيل-  إن معاوية بعث أمويا فهرب على هذه الحال-  و الأول أصح-  و هذا عجيب مضحك وددت له ألا يكون شرح هذا الكتاب- . قوله فدع عنك قريشا-  إلى قوله على حرب رسول الله ص-  هذا الكلام حق-  فإن قريشا اجتمعت على حربه-  منذ يوم بويع بغضا له و حسدا و حقدا عليه-  فأصفقوا كلهم يدا واحدة على شقاقه و حربه-  كما كانت حالهم في ابتداء الإسلام مع رسول الله ص-  لم تخرم حاله من حاله أبدا-  إلا أن ذاك عصمه الله من القتل-  فمات موتا طبيعيا و هذا اغتاله إنسان فقتله- .

قوله فجزت قريشا عني الجوازي-  فقد قطعوا رحمي و سلبوني سلطان ابن أمي-  هذه كلمة تجري مجرى المثل-  تقول لمن يسي‏ء إليك و تدعو عليه جزتك عني الجوازي-  يقال جزاه الله بما صنع و جازاه الله بما صنع-  و مصدر الأول جزاء و الثاني مجازاة-  و أصل الكلمة أن الجوازي جمع جازية-  كالجواري جمع جارية-  فكأنه يقول جزت قريشا عني بما صنعت لي كل خصلة-  من نكبة أو شدة أو مصيبة أو جائحة-  أي جعل الله هذه الدواهي كلها-  جزاء قريش بما صنعت بي-  و سلطان ابن أمي يعني به الخلافة-  و ابن أمه هو رسول الله ص-  لأنهما ابنا فاطمة بنت عمرو بن عمران بن عائذ بن مخزوم-  أم عبد الله و أبي طالب-  و لم يقل سلطان ابن أبي-  لأن غير أبي طالب من الأعمام-  يشركه في النسب إلى عبد المطلب- . قال الراوندي الجوازي جمع جازية-  و هي النفس التي تجزي-  أي جزاهم و فعل بهم-  ما يستحقون عساكر لأجلي و في نيابتي-  و كافأهم سرية تنهض إليهم-  و هذا إشارة إلى بني أمية يهلكون من بعده-  و هذا تفسير غريب طريف- .

و قال أيضا قوله سلطان ابن أمي-  يعني نفسه أي سلطانه-  لأنه ابن أم نفسه-  قال و هذا من أحسن الكلام-  و لا شبهة أنه على تفسير الراوندي لو قال-  و سلبوني سلطان ابن أخت خالتي-  أو ابن أخت عمتي-  لكان أحسن و أحسن-  و هذا الرجل قد كان يجب أن يحجر عليه-  و لا يمكن من تفسير هذا الكتاب-  و يؤخذ عليه أيمان البيعة ألا يتعرض له- . قوله فإن رأيي قتال المحلين-  أي الخارجين من الميثاق و البيعة-  يعني البغاة و مخالفي الإمام-  و يقال لكل من خرج من إسلام-  أو حارب في الحرم أو في الأشهر الحرم-  محل-  و على هذا فسر قول زهير- 

 و كم بالقنان من محل و محرم‏

أي من لا ذمة له و من له ذمة-  و كذلك قول خالد بن يزيد بن معاوية-  في زوجته رملة بنت الزبير بن العوام- 

    ألا من لقلب معنى غزل
يحب المحلة أخت المحل‏

 أي ناقضة العهد أخت المحارب في الحرم-  أو أخت ناقض بيعة بني أمية-  و روي متخضعا متضرعا بالضاد- . و مقرا للضيم و بالضيم-  أي هو راض به صابر عليه-  و واهنا أي ضعيفا- . السلس السهل و مقتعد البعير راكبه- . و الشعر ينسب إلى العباس بن مرداس السلمي-  و لم أجده في ديوانه و معناه ظاهر-  و في الأمثال الحكمية-  لا تشكون حالك إلى مخلوق مثلك-  فإنه إن كان صديقا أحزنته-  و إن كان عدوا أشمته-  و لا خير في واحد من الأمرين

 شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 16

نامه 35 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

35 و من كتاب له ع إلى عبد الله بن العباس بعد مقتل محمد بن أبي بكر

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مِصْرَ قَدِ افْتُتِحَتْ-  وَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدِ اسْتُشْهِدَ-  فَعِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُهُ وَلَداً نَاصِحاً وَ عَامِلًا كَادِحاً-  وَ سَيْفاً قَاطِعاً وَ رُكْناً دَافِعاً-  وَ قَدْ كُنْتُ حَثَثْتُ النَّاسَ عَلَى لَحَاقِهِ-  وَ أَمَرْتُهُمْ بِغِيَاثِهِ قَبْلَ الْوَقْعَةِ-  وَ دَعَوْتُهُمْ سِرّاً وَ جَهْراً وَ عَوْداً وَ بَدْءاً-  فَمِنْهُمُ الآْتِي كَارِهاً وَ مِنْهُمُ الْمُعْتَلُّ كَاذِباً-  وَ مِنْهُمُ الْقَاعِدُ خَاذِلًا-  أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ لِي مِنْهُمْ فَرَجاً عَاجِلًا-  فَوَاللَّهِ لَوْ لَا طَمَعِي عِنْدَ لِقَائِي عَدُوِّي فِي الشَّهَادَةِ-  وَ تَوْطِينِي نَفْسِي عَلَى الْمَنِيَّةِ-  لَأَحْبَبْتُ أَلَّا أَبْقَى مَعَ هَؤُلَاءِ يَوْماً وَاحِداً-  وَ لَا أَلْتَقِيَ بِهِمْ أَبَداً انظر إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادها-  و تملكه زمامها و اعجب لهذه الألفاظ المنصوبة-  يتلو بعضها بعضا كيف تواتيه و تطاوعه سلسة سهلة-  تتدفق من غير تعسف و لا تكلف-  حتى انتهى إلى آخر الفصل فقال-  يوما واحدا و لا ألتقي بهم أبدا-  و أنت و غيرك من الفصحاء إذا شرعوا في كتاب أو خطبة-  جاءت القرائن و الفواصل‏تارة مرفوعة-  و تارة مجرورة و تارة منصوبة-  فإن أرادوا قسرها بإعراب واحد-  ظهر منها في التكلف أثر بين و علامة واضحة-  و هذا الصنف من البيان أحد أنواع الإعجاز في القرآن-  ذكره عبد القاهر قال-  انظر إلى سورة النساء و بعدها سورة المائدة-  الأولى منصوبة الفواصل-  و الثانية ليس فيها منصوب أصلا-  و لو مزجت إحدى السورتين بالأخرى لم تمتزجا-  و ظهر أثر التركيب و التأليف بينهما- .

ثم إن فواصل كل واحد منهما-  تنساق سياقة بمقتضى البيان الطبيعي لا الصناعة التكلفية-  ثم انظر إلى الصفات و الموصوفات في هذا الفصل-  كيف قال ولدا ناصحا و عاملا كادحا-  و سيفا قاطعا-  و ركنا دافعا-  لو قال ولدا كادحا و عاملا ناصحا-  و كذلك ما بعده لما كان صوابا و لا في الموقع واقعا-  فسبحان من منح هذا الرجل-  هذه المزايا النفيسة و الخصائص الشريفة-  أن يكون غلام من أبناء عرب مكة-  ينشأ بين أهله لم يخالط الحكماء-  و خرج أعرف بالحكمة و دقائق العلوم الإلهية-  من أفلاطون و أرسطو-  و لم يعاشر أرباب الحكم الخلقية و الآداب النفسانية-  لأن قريشا لم يكن أحد منهم مشهورا بمثل ذلك-  و خرج أعرف بهذا الباب من سقراط و لم يرب بين الشجعان-  لأن أهل مكة كانوا ذوي تجارة-  و لم يكونوا ذوي حرب-  و خرج أشجع من كل بشر مشى على الأرض-  قيل لخلف الأحمر-  أيما أشجع عنبسة و بسطام-  أم علي بن أبي طالب-  فقال إنما يذكر عنبسة و بسطام مع البشر و الناس-  لا مع من يرتفع عن هذه الطبقة-  فقيل له فعلى كل حال-  قال و الله لو صاح في وجوههما لماتا-  قبل أن يحمل عليهما-  و خرج أفصح من سحبان و قس-  و لم تكن قريش بأفصح العرب كان غيرها أفصح منها-  قالوا أفصح العرب جرهم و إن لم تكن لهم نباهة-  و خرج أزهد الناس في الدنيا و أعفهم-  مع أن قريشا ذوو حرص و محبة للدنيا-  و لا غرو فيمن كان‏محمد ص مربيه و مخرجه-  و العناية الإلهية تمده-  و ترفده أن يكون منه ما كان- .

يقال احتسب ولده إذا مات كبيرا-  و افترط ولده إذا مات صغيرا-  قوله فمنهم الآتي-  قسم جنده أقساما-  فمنهم من أجابه و خرج كارها للخروج-  كما قال تعالى كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ-  و منهم من قعد و اعتل بعلة كاذبة كما قال تعالى-  يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ-  إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً-  و منهم من تأخر و صرح بالقعود و الخذلان-  كما قال تعالى فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ-  وَ كَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ-  و المعنى أن حاله كانت مناسبة لحال النبي ص-  و من تذكر أحوالهما و سيرتهما-  و ما جرى لهما إلى أن قبضا-  علم تحقيق ذلك- . ثم أقسم أنه لو لا طمعه في الشهادة-  لما أقام مع أهل العراق و لا صحبهم- . فإن قلت فهلا خرج إلى معاوية وحده من غير جيش-  إن كان يريد الشهادة-  قلت ذلك لا يجوز لأنه إلقاء النفس إلى التهلكة-  و للشهادة شروط متى فقدت-  فلا يجوز أن تحمل إحدى الحالتين على الأخرى

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 16

 

نامه 34 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

34 و من كتاب له ع إلى محمد بن أبي بكر

لما بلغه توجده من عزله بالأشتر عن مصر-  ثم توفي الأشتر في توجهه إلى هناك قبل وصوله إليها- : أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي مَوْجِدَتُكَ مِنْ تَسْرِيحِ الْأَشْتَرِ إِلَى عَمَلِكَ-  وَ إِنِّي لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ اسْتِبْطَاءً لَكَ فِي الْجَهْدَ-  وَ لَا ازْدِيَاداً لَكَ فِي الْجِدِّ-  وَ لَوْ نَزَعْتُ مَا تَحْتَ يَدِكَ مِنْ سُلْطَانِكَ-  لَوَلَّيْتُكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكَ مَئُونَةً-  وَ أَعْجَبُ إِلَيْكَ وِلَايَةً-  إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي كُنْتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ-  كَانَ رَجُلًا لَنَا نَاصِحاً وَ عَلَى عَدُوِّنَا شَدِيداً نَاقِماً-  فَرَحِمَهُ اللَّهُ فَلَقَدِ اسْتَكْمَلَ أَيَّامَهُ-  وَ لَاقَى حِمَامَهُ وَ نَحْنُ عَنْهُ رَاضُونَ-  أَوْلَاهُ اللَّهُ رِضْوَانَهُ وَ ضَاعَفَ الثَّوَابَ لَهُ-  فَأَصْحِرْ لِعَدُوِّكَ وَ امْضِ عَلَى بَصِيرَتِكَ-  وَ شَمِّرْ لِحَرْبِ مَنْ حَارَبَكَ وَ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ-  وَ أَكْثِرِ الِاسْتِعَانَةَ بِاللَّهِ يَكْفِكَ مَا أَهَمَّكَ-  وَ يُعِنْكَ عَلَى مَا يُنْزِلُ بِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ

محمد بن أبي بكر و بعض أخباره

أم محمد رحمه الله أسماء بنت عميس الخثعمية-  و هي أخت ميمونة زوج النبي ص-و أخت لبابة أم الفضل و عبد الله-  زوج العباس بن عبد المطلب-  و كانت من المهاجرات إلى أرض الحبشة-  و هي إذ ذاك تحت جعفر بن أبي طالب ع-  فولدت له هناك محمد بن جعفر و عبد الله و عونا-  ثم هاجرت معه إلى المدينة-  فلما قتل جعفر يوم مؤتة تزوجها أبو بكر-  فولدت له محمد بن أبي بكر هذا-  ثم مات عنها فتزوجها علي ع-  و ولدت له يحيى بن علي لا خلاف في ذلك- . و قال ابن عبد البر في الإستيعاب-  ذكر ابن الكلبي أن عون بن علي-  اسم أمه أسماء بنت عميس و لم يقل ذلك أحد غيره- . و قد روي أن أسماء كانت تحت حمزة بن عبد المطلب-  فولدت له بنتا تسمى أمة الله و قيل أمامة-  و محمد بن أبي بكر ممن ولد في عصر رسول الله ص- .

قال ابن عبد البر في كتاب الإستيعاب-  ولد عام حجة الوداع في عقب ذي القعدة بذي الحليفة-  حين توجه رسول الله ص إلى الحج-  فسمته عائشة محمدا و كنته أبا القاسم-  بعد ذلك لما ولد له ولد سماه القاسم-  و لم تكن الصحابة ترى بذلك بأسا-  ثم كان في حجر علي ع و قتل بمصر-  و كان علي ع يثني عليه و يقرظه و يفضله-  و كان لمحمد رحمه الله عبادة و اجتهاد-  و كان ممن حضر عثمان و دخل عليه فقال له-  لو رآك أبوك لم يسره هذا المقام منك-  فخرج و تركه و دخل عليه بعده من قتله-  و يقال إنه أشار إلى من كان معه فقتلوه.قوله و بلغني موجدتك أي غضبك-  وجدت على فلان موجدة-  و وجدانا لغة قليلة-  و أنشدوا

  كلانا رد صاحبه بغيظ
على حنق و وجدان شديد

 فأما في الحزن فلا يقال إلا وجدت أنا بالفتح لا غير- . و الجهد الطاقة-  أي لم أستبطئك في بذل طاقتك و وسعك-  و من رواها الجهد بالفتح فهو من قولهم-  اجهد جهدك في كذا أي أبلغ الغاية-  و لا يقال هذا الحرف هاهنا إلا مفتوحا- . ثم طيب ع نفسه بأن قال له-  لو تم الأمر الذي شرعت فيه من ولاية الأشتر مصر-  لعوضتك بما هو أخف عليك مئونة و ثقلا-  و أقل نصبا من ولاية مصر-  لأنه كان في مصر بإزاء معاوية من الشام-  و هو مدفوع إلى حربه- . ثم أكد ع ترغيبه بقوله-  و أعجب إليك ولاية- . فإن قلت ما الذي بيده مما هو أخف على محمد مئونة-  و أعجب إليه من ولاية مصر-  قلت ملك الإسلام كله كان بيد علي ع إلا الشام-  فيجوز أن يكون قد كان في عزمه-  أن يوليه اليمن أو خراسان أو أرمينية أو فارس- .

ثم أخذ في الثناء على الأشتر-  و كان علي ع شديد الاعتضاد به-  كما كان هو شديد التحقق بولايته و طاعته- . و ناقما من نقمت على فلان كذا-  إذا أنكرته عليه و كرهته منه- . ثم دعا له بالرضوان-  و لست أشك بأن الأشتر بهذه الدعوة-  يغفر الله له و يكفر ذنوبه و يدخله الجنة-  و لا فرق عندي بينها و بين دعوة رسول الله ص-  و يا طوبى لمن حصل له من علي ع بعض هذا- . قوله و أصحر لعدوك أي ابرز له-  و لا تستتر عنه بالمدينة التي أنت فيها-  أصحر الأسد من خيسه إذا خرج إلى الصحراء- . و شمر فلان للحرب إذا أخذ لها أهبتها

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 16

نامه 33 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

33 و من كتاب له ع إلى قثم بن العباس-  و هو عامله على مكة

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ عَيْنِي بِالْمَغْرِبِ كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي-  أَنَّهُ وُجِّهَ إِلَى الْمَوْسِمِ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ-  الْعُمْيِ الْقُلُوبِ الصُّمِّ الْأَسْمَاعِ الْكُمْهِ الْأَبْصَارِ-  الَّذِينَ يَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ-  وَ يُطِيعُونَ الْمَخْلُوقَ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ-  وَ يَحْتَلِبُونَ الدُّنْيَا دَرَّهَا بِالدِّينِ-  وَ يَشْتَرُونَ عَاجِلَهَا بِآجِلِ الْأَبْرَارِ الْمُتَّقِينَ-  وَ لَنْ يَفُوزَ بِالْخَيْرِ إِلَّا عَامِلُهُ-  وَ لَا يُجْزَى جَزَاءَ الشَّرِّ إِلَّا فَاعِلُهُ-  فَأَقِمْ عَلَى مَا فِي يَدَيْكَ قِيَامَ الْحَازِمِ الطَّبِيبِ-  وَ النَّاصِحِ اللَّبِيبِ-  التَّابِعِ لِسُلْطَانِهِ الْمُطِيعِ لِإِمَامِهِ-  وَ إِيَّاكَ وَ مَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ-  وَ لَا تَكُنْ عِنْدَ النَّعْمَاءِ بَطِراً-  وَ لَا عِنْدَ الْبَأْسَاءِ فَشِلًا-  وَ السَّلَامُ كان معاوية قد بعث إلى مكة دعاة في السر-  يدعون إلى طاعته-  و يثبطون العرب عن نصرة أمير المؤمنين-  و يوقعون في أنفسهم أنه إما قاتل لعثمان أو خاذل-  و إن الخلافة لا تصلح فيمن قتل أو خذل-  و ينشرون عندهم-  محاسن معاوية بزعمهم و أخلاقه و سيرته-  فكتب أمير المؤمنين ع هذا الكتاب إلى عامله بمكة-  ينبهه على ذلك ليعتمد فيه بما تقتضيه السياسة-  و لم يصرح في هذا الكتاب-  بما ذا يأمره أن يفعل إذا ظفر بهم- . قوله عيني بالمغرب-  أي أصحاب أخباره عند معاوية-  و سمى الشام مغربا لأنه من الأقاليم المغربية- . و الموسم الأيام التي يقام فيها الحج- .

و قوله و يحتلبون الدنيا درها بالدين-  دلالة على ما قلنا-  إنهم كانوا دعاة يظهرون سمت الدين-  و ناموس العبادة-  و فيه إبطال قول من ظن أن المراد بذلك السرايا-  التي كان معاوية يبعثها-  فتغير على أعمال علي ع-  و درها منصوب بالبدل من الدنيا-  و روي الذين يلتمسون الحق بالباطل أي يطلبونه-  أي يتبعون معاوية و هو على الباطل-  التماسا و طلبا للحق-  و لا يعلمون أنهم قد ضلوا- .

قوله و إياك و ما يعتذر منه-  من الكلمات الشريفة الجليلة الموقع-  و قد رويت مرفوعة و كان يقال-  ما شي‏ء أشد على الإنسان من حمل المروءة-  و المروءة ألا يعمل الإنسان في غيبة صاحبه-  ما يعتذر منه عند حضوره- . قوله و لا تكن عند النعماء بطرا-  و لا عند البأساء فشلا-  معنى مستعمل-  قال الشاعر

 فلست بمفراح إذا الدهر سرني
و لا جازع من صرفه المتقلب‏

و لا أتمنى الشر و الشر تاركي‏
و لكن متى أحمل على الشر أركب‏

 قثم بن عباس و بعض أخباره

فأما قثم بن العباس فأمه أم إخوته-  و روى ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب-  عن عبد الله بن جعفر قال كنت أنا و عبيد الله و قثم ابنا العباس نلعب-  فمر بنا رسول الله ص راكبا فقال-  ارفعوا إلي هذا الفتى يعني قثم-  فرفع إليه فأردفه خلفه-  ثم جعلني بين يديه و دعا لنا-  فاستشهد قثم بسمرقند- . قال ابن عبد البر و روى عبد الله بن عباس قال-  كان قثم آخر الناس عهدا برسول الله ص-  أي آخر من خرج من قبره ممن نزل فيه-  قال و كان المغيرة بن شعبة يدعي ذلك لنفسه-  فأنكر علي بن أبي طالب ع ذلك و قال-  بل آخر من خرج من القبر قثم بن العباس- . قال ابن عبد البر و كان قثم واليا لعلي ع على مكة-  عزل علي ع خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي-  و كان واليها لعثمان-  و ولاها أبا قتادة الأنصاري-  ثم عزله عنها و ولى مكانه قثم بن العباس-  فلم يزل واليه عليها حتى قتل علي ع-  قال هذا قول خليفة-  و قال الزبير بن بكار استعمل علي ع-  قثم بن العباس على المدينة- . قال ابن عبد البر و استشهد قثم بسمرقند-  كان خرج إليها مع سعيد بن عثمان بن عفان-  زمن معاوية فقتل هناك- . قال و كان قثم يشبه رسول الله ص-  و فيه يقول داود بن مسلم-

 عتقت من حل و من رحلة
يا ناق إن أدنيتني من قثم‏

إنك إن أدنيت منه غدا
حالفني اليسر و مات العدم‏

في كفه بحر و في وجهه
بدر و في العرنين منه شمم‏

أصم عن قيل الخنا سمعه‏
و ما على الخير به من صمم‏

لم يدر ما لا و بلا قد درى
فعافها و اعتاض منها نعم‏

 شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 16

نامه 32 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

32 و من كتاب له ع إلى معاوية

وَ أَرْدَيْتَ جِيلًا مِنَ النَّاسِ كَثِيراً-  خَدَعْتَهُمْ بِغَيِّكَ وَ أَلْقَيْتَهُمْ فِي مَوْجِ بَحْرِكَ-  تَغْشَاهُمُ الظُّلُمَاتُ وَ تَتَلَاطَمُ بِهِمُ الشُّبُهَاتُ-  فَجَارُوا عَنْ وِجْهَتِهِمْ وَ نَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ-  وَ تَوَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ وَ عَوَّلُوا عَلَى أَحْسَابِهِمْ-  إِلَّا مَنْ فَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ-  فَإِنَّهُمْ فَارَقُوكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِكَ-  وَ هَرَبُوا إِلَى اللَّهِ مِنْ مُوَازَرَتِكَ-  إِذْ حَمَلْتَهُمْ عَلَى الصَّعْبِ وَ عَدَلْتَ بِهِمْ عَنِ الْقَصْدِ-  فَاتَّقِ اللَّهَ يَا مُعَاوِيَةُ فِي نَفْسِكَ-  وَ جَاذِبِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ-  فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْكَ وَ الآْخِرَةَ قَرِيبَةٌ مِنْكَ-  وَ السَّلَامُ أرديتهم أهلكتهم-  و جيلا من الناس أي صنفا من الناس-  و الغي الضلال و جاروا عدلوا عن القصد-  و وجهتهم بكسر الواو يقال هذا وجه الرأي-  أي هو الرأي بنفسه-  و الاسم الوجه بالكسر و يجوز بالضم- . قوله و عولوا على أحسابهم أي لم يعتمدوا على الدين-  و إنما أردتهم الحمية و نخوة الجاهلية-  فأخلدوا إليها و تركوا الدين-  و الإشارة إلى بني أمية و خلفائهم-  الذين اتهموه ع بدم عثمان-  فحاموا عن الحسب-  و لم يأخذوا بموجب الشرع في تلك الواقعة-ثم استثنى قوما فاءوا أي رجعوا عن نصرة معاوية-  و قد ذكرنا في أخبار صفين من فارق معاوية-  و رجع إلى أمير المؤمنين ع-  أو فارقه و اعتزل الطائفتين- . قوله حملتهم على الصعب أي على الأمر الشاق-  و الأصل في ذلك البعير المستصعب-  يركبه الإنسان فيغرر بنفسه

ذكر بعض ما دار بين علي و معاوية من الكتب

و أول هذا الكتاب من عبد الله علي أمير المؤمنين ع-  إلى معاوية بن أبي سفيان-  أما بعد فإن الدنيا دار تجارة-  و ربحها أو خسرها الآخرة-  فالسعيد من كانت بضاعته فيها الأعمال الصالحة-  و من رأى الدنيا بعينها و قدرها بقدرها-  و إني لأعظك مع علمي بسابق العلم فيك-  مما لا مرد له دون نفاذه-  و لكن الله تعالى أخذ على العلماء أن يؤدوا الأمانة-  و أن ينصحوا الغوي و الرشيد-  فاتق الله و لا تكن ممن لا يرجو لله وقارا-  و من حقت عليه كلمة العذاب فإن الله بالمرصاد-  و إن دنياك ستدبر عنك و ستعود حسرة عليك-  فاقلع عما أنت عليه من الغي و الضلال-  على كبر سنك و فناء عمرك-  فإن حالك اليوم كحال الثوب المهيل-  الذي لا يصلح من جانب إلا فسد من آخر-  و قد أرديت جيلا من الناس كثيرا-  خدعتهم بغيك-  إلى آخر الكتاب- .

قال أبو الحسن علي بن محمد المدائني-  فكتب إليه معاوية-  من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب-  أما بعد فقد وقفت على كتابك-  و قد أبيت على الفتن إلا تماديا-  و إني لعالم أن الذي يدعوك إلى ذلك-  مصرعك الذي‏ لا بد لك منه-  و إن كنت موائلا فازدد غيا إلى غيك-  فطالما خف عقلك-  و منيت نفسك ما ليس لك-  و التويت على من هو خير منك-  ثم كانت العاقبة لغيرك-  و احتملت الوزر بما أحاط بك من خطيئتك و السلام- .

 فكتب علي ع إليه أما بعد فإن ما أتيت به من ضلالك-  ليس ببعيد الشبه مما أتى به أهلك و قومك-  الذين حملهم الكفر و تمني الأباطيل-  على حسد محمد ص حتى صرعوا مصارعهم حيث علمت-  لم يمنعوا حريما و لم يدفعوا عظيما-  و أنا صاحبهم في تلك المواطن-  الصالي بحربهم و الفال لحدهم-  و القاتل لرءوسهم و رءوس الضلالة-  و المتبع إن شاء الله خلفهم بسلفهم-  فبئس الخلف خلف أتبع سلفا محله و محطه النار-  و السلام- .

قال فكتب إليه معاوية-  أما بعد فقد طال في الغي ما استمررت أدراجك-  كما طالما تمادي عن الحرب نكوصك و إبطاؤك-  فتوعد وعيد الأسد و تروغ روغان الثعلب-  فحتام تحيد عن لقاء مباشرة الليوث الضارية-  و الأفاعي القاتلة و لا تستبعدنها-  فكل ما هو آت قريب إن شاء الله و السلام- .

 قال فكتب إليه علي ع أما بعد فما أعجب ما يأتيني منك-  و ما أعلمني بما أنت إليه صائر-  و ليس إبطائي عنك إلا ترقبا لما أنت له مكذب-  و أنا به مصدق-  و كأني بك غدا و أنت تضج من الحرب-  ضجيج الجمال من الأثقال-  و ستدعوني أنت و أصحابك إلى كتاب تعظمونه بألسنتكم-  و تجحدونه بقلوبكم و السلام- .

قال فكتب إليه معاوية-أما بعد فدعني من أساطيرك-  و اكفف عني من أحاديثك-  و اقصر عن تقولك على رسول الله ص-  و افترائك من الكذب ما لم يقل-  و غرور من معك و الخداع لهم-  فقد استغويتهم-  و يوشك أمرك أن ينكشف لهم فيعتزلوك-  و يعلموا أن ما جئت به باطل مضمحل و السلام- .

 قال فكتب إليه علي ع أما بعد-  فطالما دعوت أنت و أولياؤك أولياء الشيطان الرجيم-  الحق أساطير الأولين-  و نبذتموه وراء ظهوركم-  و جهدتم بإطفاء نور الله بأيديكم و أفواهكم-  وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ-  و لعمري ليتمن النور على كرهك-  و لينفذن العلم بصغارك و لتجازين بعملك-  فعث في دنياك المنقطعة عنك ما طاب لك-  فكأنك بباطلك و قد انقضى-  و بعملك و قد هوى-  ثم تصير إلى لظى لم يظلمك الله شيئا-  وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ- .

قال فكتب إليه معاوية-  أما بعد فما أعظم الرين على قلبك-  و الغطاء على بصرك-  الشره من شيمتك و الحسد من خليقتك-  فشمر للحرب و اصبر للضرب-  فو الله ليرجعن الأمر إلى ما علمت و العاقبة للمتقين-  هيهات هيهات أخطأك ما تمنى-  و هوى قلبك مع من هوى-  فاربع على ظلعك و قس شبرك بفترك-  لتعلم أين حالك من حال من يزن الجبال حلمه-  و يفصل بين أهل الشك علمه و السلام- .

 قال فكتب إليه علي ع-  أما بعد فإن مساوئك مع علم الله تعالى فيك-  حالت بينك و بين أن يصلح لك أمرك-  و أن يرعوي قلبك-  يا ابن الصخر اللعين زعمت أن يزن الجبال حلمك-  و يفصل بين أهل الشك علمك-  و أنت الجلف المنافق الأغلف القلب-  القليل العقل الجبان الرذل-  فإن كنت صادقا فيما تسطر-  و يعينك عليه أخو بني سهم فدع الناس جانبا-  و تيسر لما دعوتني إليه من الحرب-  و الصبر على‏  الضرب و أعف الفريقين من القتال-  ليعلم أينا المرين على قلبه المغطى على بصره-  فأنا أبو الحسن قاتل جدك و أخيك و خالك-  و ما أنت منهم ببعيد و السلام

قلت و أعجب و أطرب ما جاء به الدهر-  و إن كانت عجائبه و بدائعه جمة-  أن يفضى أمر علي ع-  إلى أن يصير معاوية ندا له و نظيرا مماثلا-  يتعارضان الكتاب و الجواب-  و يتساويان فيما يواجه به أحدهما صاحبه-  و لا يقول له علي ع كلمة إلا قال مثلها-  و أخشن مسا منها-  فليت محمدا ص كان شاهد ذلك-  ليرى عيانا لا خبرا أن الدعوة التي قام بها-  و قاسى أعظم المشاق في تحملها-  و كابد الأهوال في الذب عنها-  و ضرب بالسيوف عليها لتأييد دولتها-  و شيد أركانها و ملأ الآفاق بها-  خلصت صفوا عفوا لأعدائه الذين كذبوه-  لما دعا إليها-  و أخرجوه عن أوطانه لما حض عليها-  و أدموا وجهه و قتلوا عمه و أهله-  فكأنه كان يسعى لهم و يدأب لراحتهم-  كما قال أبو سفيان في أيام عثمان-  و قد مر بقبر حمزة و ضربه برجله و قال-  يا أبا عمارة إن الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف-  أمسى في يد غلماننا اليوم يتلعبون به-  ثم آل الأمر إلى أن يفاخر معاوية عليا-  كما يتفاخر الأكفاء و النظراء- .

 إذا عير الطائي بالبخل مادر
و قرع قسا بالفهاهة باقل‏

و قال السها للشمس أنت خفية
و قال الدجى يا صبح لونك حائل‏

و فاخرت الأرض السماء سفاهة
و كاثرت الشهب الحصى و الجنادل‏

فيا موت زر إن الحياة ذميمة
و يا نفس جدي إن دهرك هازل‏

ثم أقول ثانيا لأمير المؤمنين ع ليت شعري-  لما ذا فتح باب الكتاب‏و الجواب بينه و بين معاوية-  و إذا كانت الضرورة قد قادت إلى ذلك-  فهلا اقتصر في الكتاب إليه على الموعظة-  من غير تعرض للمفاخرة و المنافرة-  و إذا كان لا بد منهما فهلا اكتفى بهما-  من غير تعرض لأمر آخر-  يوجب المقابلة و المعارضة بمثله-  و بأشد منه-  وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ-  فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ-  و هلا دفع هذا الرجل العظيم الجليل نفسه-  عن سباب هذا السفيه الأحمق-  هذا مع أنه القائل-  من واجه الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون-  أي افتروا عليه و قالوا فيه الباطل- .

  أيها الشاتمي لتحسب مثلي
إنما أنت في الضلال تهيم‏

لا تسبنني فلست بسبي‏
إن سبي من الرجال الكريم‏

 و هكذا جرى في القنوت و اللعن-  قنت بالكوفة على معاوية و لعنه في الصلاة و خطبة الجمعة-  و أضاف إليه عمرو بن العاص و أبا موسى-  و أبا الأعور السلمي و حبيب بن مسلمة-  فبلغ ذلك معاوية بالشام فقنت عليه-  و لعنه بالصلاة و خطبة الجمعة-  و أضاف إليه الحسن و الحسين و ابن عباس و الأشتر النخعي-  و لعله ع قد كان يظهر له من المصلحة حينئذ-  ما يغيب عنا الآن و لله أمر هو بالغه

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 16

نامه 31 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)( وصيته ع للحسن ع-ترجمة الحسن بن علي و ذكر بعض أخباره)

 31 و من وصيته ع للحسن ع-  كتبها إليه بحاضرين عند انصرافه من صفين

مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ الْمُدْبِرِ الْعُمُرِ-  الْمُسْتَسْلِمِ لِلدَّهْرِ الذَّامِّ لِلدُّنْيَا-  السَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى الظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً-  إِلَى الْمَوْلُودِ الْمُؤَمِّلِ مَا لَا يُدْرِكُ-  السَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ-  غَرَضِ الْأَسْقَامِ وَ رَهِينَةِ الْأَيَّامِ-  وَ رَمِيَّةِ الْمَصَائِبِ وَ عَبْدِ الدُّنْيَا وَ تَاجِرِ الْغُرُورِ-  وَ غَرِيمِ الْمَنَايَا وَ أَسِيرِ الْمَوْتِ-  وَ حَلِيفِ الْهُمُومِ وَ قَرِينِ الْأَحْزَانِ-  وَ نُصُبِ الآْفَاتِ وَ صَرِيعِ الشَّهَوَاتِ وَ خَلِيفَةِ الْأَمْوَاتِ

ترجمة الحسن بن علي و ذكر بعض أخباره

قال الزبير بن بكار في كتاب أنساب قريش-  ولد الحسن بن علي ع للنصف من شهر رمضان-  سنة ثلاث من الهجرة-  و سماه رسول الله ص حسنا-  و توفي لليال خلون من شهر ربيع الأول سنة خمسين- . قال و المروي أن رسول الله ص-  سمى حسنا و حسينا رضي الله عنهما يوم سابعهما-  و اشتق اسم حسين من اسم حسن- .

  قال و روى جعفر بن محمد ع أن فاطمة ع حلقت حسنا و حسينا يوم سابعهما-  و وزنت شعرهما فتصدقت بوزنه فضة قال الزبير و روت زينب بنت أبي رافع قالت أتت فاطمة ع بابنيها إلى رسول الله ص-  في شكوه الذي توفي فيه-  فقالت يا رسول الله هذان ابناك فورثهما شيئا-  فقال أما حسن فإن له هيبتي و سوددي-  و أما حسين فإن له جرأتي و جودي- .

و روى محمد بن حبيب في أماليه-  أن الحسن ع حج خمس عشرة حجة ماشيا-  تقاد الجنائب معه-  و خرج من ماله مرتين-  و قاسم الله عز و جل ثلاث مرات ماله-  حتى أنه كان يعطي نعلا و يمسك نعلا-  و يعطي خفا و يمسك خفا- . و روى أبو جعفر محمد بن حبيب أيضا أن الحسن ع أعطى شاعرا-  فقال له رجل من جلسائه سبحان الله-  أ تعطي شاعرا يعصي الرحمن و يقول البهتان-  فقال يا عبد الله-  إن خير ما بذلت من مالك ما وقيت به عرضك-  و إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر- .

و روى أبو جعفر قال قال ابن عباس رحمه الله-  أول ذل دخل على العرب موت الحسن ع- . و روى أبو الحسن المدائني قال سقي الحسن ع السم أربع مرات-  فقال لقد سقيته مرارا-  فما شق علي مثل مشقته هذه المرة-  فقال له الحسين ع أخبرني من سقاك-  قال لتقتله قال نعم-  قال ما أنا بمخبرك-  إن يكن صاحبي الذي أظن فالله أشد نقمة-  و إلا فما أحب أن يقتل بي بري‏ء- .

 

و روى أبو الحسن قال-  قال معاوية لابن عباس و لقيه بمكة-  يا عجبا من وفاة الحسن-  شرب علة بماء رومة فقضى نحبة-  فوجم ابن عباس فقال معاوية لا يحزنك الله و لا يسوءك-  فقال لا يسوءني ما أبقاك الله فأمر له بمائة ألف درهم- . و روى أبو الحسن قال-  أول من نعى الحسن ع بالبصرة عبد الله بن سلمة نعاه لزياد-  فخرج الحكم بن أبي العاص الثقفي فنعاه-  فبكى الناس و أبو بكرة يومئذ مريض فسمع الضجة-  فقال ما هذا-  فقالت امرأته ميسة بنت سخام الثقفية-  مات الحسن بن علي فالحمد لله الذي أراح الناس منه-  فقال اسكتي ويحك فقد أراحه الله من شر كثير-  و فقد الناس بموته خيرا كثيرا يرحم الله حسنا- .

قال أبو الحسن المدائني و كانت وفاته في سنة تسع و أربعين-  و كان مرضه أربعين يوما-  و كانت سنه سبعا و أربعين سنة-  دس إليه معاوية سما-  على يد جعدة بنت الأشعث بن قيس زوجة الحسن-  و قال لها إن قتلتيه بالسم فلك مائة ألف-  و أزوجك يزيد ابني-  فلما مات وفى لها بالمال و لم يزوجها من يزيد-  قال أخشى أن تصنع بابني كما صنعت بابن رسول الله ص- .

و روى أبو جعفر محمد بن حبيب عن المسيب بن نجبة قال سمعت أمير المؤمنين ع يقول أنا أحدثكم عني و عن أهل بيتي-  أما عبد الله ابن أخي فصاحب لهو و سماح-  و أما الحسن فصاحب جفنة و خوان-  فتى من فتيان قريش-  و لو قد التقت حلقتا البطان-  لم يغن عنكم شيئا في الحرب-  و أما أنا و حسين فنحن منكم و أنتم منا  قال أبو جعفر و روى ابن عباس قال دخل الحسن بن علي ع على معاوية بعد عام الجماعة-  و هو جالس في مجلس ضيق فجلس عند رجليه-  فتحدث معاوية بما شاء أن يتحدث-  ثم قال عجبا لعائشة تزعم أني في غير ما أنا أهله-  و أن الذي أصبحت فيه ليس لي بحق-  ما لها و لهذا يغفر الله لها-  إنما كان ينازعني في هذا الأمر أبو هذا الجالس-  و قد استأثر الله به-  فقال الحسن أ و عجب ذلك يا معاوية قال إي و الله-  قال أ فلا أخبرك بما هو أعجب من هذا قال ما هو-  قال جلوسك في صدر المجلس و أنا عند رجليك-  فضحك معاوية و قال يا ابن أخي بلغني أن عليك دينا-  قال إن لعلي دينا قال كم هو قال مائة ألف-  فقال قد أمرنا لك بثلاثمائة ألف-  مائة منها لدينك و مائة تقسمها في أهل بيتك-  و مائة لخاصة نفسك-  فقم مكرما و اقبض صلتك-  فلما خرج الحسن ع-  قال يزيد بن معاوية لأبيه-  تالله ما رأيت رجلا استقبلك بما استقبلك به-  ثم أمرت له بثلاثمائة ألف-  قال يا بني إن الحق حقهم فمن أتاك منهم فاحث لهو روى أبو جعفر محمد بن حبيب قال قال علي ع لقد تزوج الحسن و طلق حتى خفت أن يثير عداوة-  قال أبو جعفر-  و كان الحسن إذا أراد أن يطلق امرأة جلس إليها-  فقال أ يسرك أن أهب لك كذا و كذا-  فتقول له ما شاءت-  أو نعم فيقول هو لك-  فإذا قام أرسل إليها بالطلاق و بما سمى لها- .

و روى أبو الحسن المدائني قال-  تزوج الحسن بن علي ع هندا بنت سهيل ابن عمرو-  و كانت عند عبد الله بن عامر بن كريز فطلقها-  فكتب معاوية إلى أبي هريرة أن يخطبها على يزيد بن معاوية-  فلقيه الحسن ع فقال أين تريد-  قال أخطب هندا بنت سهيل بن عمرو على يزيد بن معاوية-  قال الحسن ع‏ فاذكرني لها-  فأتاها أبو هريرة فأخبرها الخبر-  فقالت اختر لي فقال أختار لك الحسن فتزوجته-  فقدم عبد الله بن عامر المدينة-  فقال للحسن إن لي عند هند وديعة-  فدخل إليها و الحسن معه-  فخرجت حتى جلست بين يدي عبد الله بن عامر-  فرق لها رقة عظيمة-  فقال الحسن أ لا أنزل لك عنها-  فلا أراك تجد محللا خيرا لكما مني قال لا-  ثم قال لها وديعتي فأخرجت سفطين فيهما جوهر-  ففتحهما و أخذ من أحدهما قبضة و ترك الآخر عليها-  و كانت قبل ابن عامر عند عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد-  فكانت تقول سيدهم جميعا الحسن-  و أسخاهم ابن عامر و أحبهم إلي عبد الرحمن بن عتاب- .

و روى أبو الحسن المدائني-  قال تزوج الحسن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر-  و كان المنذر بن الزبير يهواها-  فأبلغ الحسن عنها شيئا فطلقها-  فخطبها المنذر فأبت أن تتزوجه-  و قالت شهر بي-  فخطبها عاصم بن عمر بن الخطاب فتزوجها-  فأبلغه المنذر عنها شيئا فطلقها-  فخطبها المنذر فقيل لها تزوجيه فقالت لا و الله ما أفعل-  و قد فعل بي ما قد فعل مرتين-  لا و الله لا يراني في منزله أبدا- . و روى المدائني عن جويرية بن أسماء قال-  لما مات الحسن ع أخرجوا جنازته-  فحمل مروان بن الحكم سريره-  فقال له الحسين ع تحمل اليوم جنازته و كنت بالأمس تجرعه الغيظ-  قال مروان نعم كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال- . و روى المدائني عن يحيى بن زكريا عن هشام بن عروة قال قال الحسن عند وفاته ادفنوني عند قبر رسول الله ص-  إلا أن تخافوا أن يكون في ذلك شر-  فلما أرادوا دفنه-  قال مروان بن الحكم لا يدفن عثمان في حش كوكب-  و يدفن الحسن هاهنا-  فاجتمع بنو هاشم و بنو أمية-  و أعان هؤلاء قوم و هؤلاء قوم و جاءوا بالسلاح-  فقال أبو هريرة لمروان-  أ تمنع الحسن أن يدفن في هذا الموضع- 

و قد سمعت رسول الله ص يقول الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة-  قال مروان دعنا منك-  لقد ضاع حديث رسول الله ص-  إذ كان لا يحفظه غيرك و غير أبي سعيد الخدري-  و إنما أسلمت أيام خيبر-  قال أبو هريرة صدقت أسلمت أيام خيبر-  و لكنني لزمت رسول الله ص و لم أكن أفارقه-  و كنت أسأله و عنيت بذلك-  حتى علمت من أحب و من أبغض-  و من قرب و من أبعد و من أقر و من نفى-  و من لعن و من دعا له-  فلما رأت عائشة السلاح و الرجال-  و خافت أن يعظم الشر بينهم و تسفك الدماء-  قالت البيت بيتي و لا آذن لأحد أن يدفن فيه-  و أبى الحسين ع أن يدفنه إلا مع جده-  فقال له محمد بن الحنفية يا أخي-  إنه لو أوصى أن ندفنه لدفناه أو نموت قبل ذلك-  و لكنه قد استثنى و قال إلا أن تخافوا الشر-  فأي شر يرى أشد مما نحن فيه فدفنوه في البقيع- . قال أبو الحسن المدائني-  وصل نعي الحسن ع إلى البصرة في يومين و ليلتين-  فقال الجارود بن أبي سبرة- 

إذا كان شر سار يوما و ليلة
و إن كان خير أخر السير أربعا

إذا ما بريد الشر أقبل نحونا
بإحدى الدواهي الربد سار و أسرعا

 و روى أبو الحسن المدائني-  قال خرج على معاوية قوم من الخوارج-  بعد دخوله الكوفة و صلح الحسن ع له-  فأرسل معاوية إلى الحسن ع-  يسأله أن يخرج فيقاتل الخوارج-  فقال الحسن سبحان الله تركت قتالك-  و هو لي حلال لصلاح الأمة و ألفتهم-  أ فتراني أقاتل معك-  فخطب معاوية أهل الكوفة-  فقال يا أهل الكوفةأ تروني قاتلتكم على الصلاة و الزكاة و الحج-  و قد علمت أنكم تصلون و تزكون و تحجون-  و لكنني قاتلتكم لأتأمر عليكم و على رقابكم-  و قد آتاني الله ذلك و أنتم كارهون-  ألا إن كل مال أو دم أصيب في هذه الفتنة فمطلول-  و كل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين-  و لا يصلح الناس إلا ثلاث إخراج العطاء عند محله-  و إقفال الجنود لوقتها و غزو العدو في داره-  فإنهم إن لم تغزوهم غزوكم ثم نزل- .

 قال المدائني فقال المسيب بن نجبة للحسن ع-  ما ينقضي عجبي منك-  بايعت معاوية و معك أربعون ألفا-  و لم تأخذ لنفسك وثيقة و عقدا ظاهرا-  أعطاك أمرا فيما بينك و بينه-  ثم قال ما قد سمعت و الله ما أراد بها غيرك-  قال فما ترى قال أرى أن ترجع إلى ما كنت عليه-  فقد نقض ما كان بينه و بينك-  فقال يا مسيب إني لو أردت بما فعلت الدنيا-  لم يكن معاوية بأصبر عند اللقاء-  و لا أثبت عند الحرب مني-  و لكني أردت صلاحكم و كف بعضكم عن بعض-  فارضوا بقدر الله و قضائه-  حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر

– . قال المدائني و دخل عبيدة بن عمرو الكندي على الحسن ع-  و كان ضرب على وجهه ضربة-  و هو مع قيس بن سعد بن عبادة-  فقال ما الذي أرى بوجهك قال أصابني مع قيس-  فالتفت حجر بن عدي إلى الحسن-  فقال لوددت أنك كنت مت قبل هذا اليوم و لم يكن ما كان-  إنا رجعنا راغمين بما كرهنا-  و رجعوا مسرورين بما أحبوا-  فتغير وجه الحسن و غمز الحسين ع حجرا فسكت-  فقال الحسن ع-  يا حجر ليس كل الناس يحب ما تحب و لا رأيه كرأيك-  و ما فعلت إلا إبقاء عليك و الله كل يوم في شأن- .

 

 قال المدائني و دخل عليه سفيان بن أبي ليلى النهدي-  فقال له السلام عليك يا مذل المؤمنين-  فقال الحسن اجلس يرحمك الله-  إن رسول الله ص رفع له ملك بني أمية-  فنظر إليهم يعلون منبره واحدا فواحدا-  فشق ذلك عليه-  فأنزل الله تعالى في ذلك قرآنا قال له-  وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ-  وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ-  و سمعت عليا أبي رحمه الله يقول-  سيلي أمر هذه الأمة رجل واسع البلعوم كبير البطن-  فسألته من هو فقال معاوية-  و قال لي إن القرآن قد نطق بملك بني أمية و مدتهم-  قال تعالى لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ-  قال أبي هذه ملك بني أمية-.

قال المدائني فلما كان عام الصلح-  أقام الحسن ع بالكوفة أياما-  ثم تجهز للشخوص إلى المدينة-  فدخل عليه المسيب بن نجبة الفزاري-  و ظبيان بن عمارة التيمي ليودعاه-  فقال الحسن: الحمد لله الغالب على أمره-  لو أجمع الخلق جميعا على ألا يكون ما هو كائن ما استطاعوا-  فقال أخوه الحسين ع: لقد كنت كارها لما كان طيب النفس على سبيل أبي-  حتى عزم علي أخي فأطعته-  و كأنما يجذ أنفي بالمواسي-  فقال المسيب إنه و الله ما يكبر علينا هذا الأمر-  إلا أن تضاموا و تنتقصوا-  فأما نحن فإنهم سيطلبون مودتنا بكل ما قدروا عليه-  فقال الحسين يا مسيب نحن نعلم أنك تحبنا-  فقال الحسن ع سمعت أبي يقول-  سمعت رسول الله ص يقول-  من أحب قوما كان معهم-  فعرض له المسيب و ظبيان بالرجوع-  فقال ليس لي إلى ذلك سبيل-  فلما كان من غد خرج-  فلما صار بدير هند نظر إلى الكوفة-  و قال

و لا عن قلى فارقت دار معاشري
هم المانعون حوزتي و ذماري‏

ثم سار إلى المدينة- . قال المدائني- فقال معاوية يومئذ للوليد بن عقبة بن أبي معيط- بعد شخوص الحسن ع- يا أبا وهب هل رمت قال نعم و سموت- . قال المدائني أراد معاوية قول الوليد بن عقبة- يحرضه على الطلب بدم عثمان-

ألا أبلغ معاوية بن حرب
فإنك من أخي ثقة مليم‏

قطعت الدهر كالسدم المعنى‏
تهدر في دمشق و لا تريم‏

فلو كنت القتيل و كان حيا
لشمر لا ألف و لا سئوم‏

و إنك و الكتاب إلى علي‏
كدابغة و قد حلم الأديم‏

و روى المدائني عن إبراهيم بن محمد عن زيد بن أسلم قال دخل رجل على الحسن ع بالمدينة و في يده صحيفة-  فقال له الرجل ما هذه قال هذا كتاب معاوية-  يتوعد فيه على أمر كذا-  فقال الرجل لقد كنت على النصف فما فعلت-  فقال له الحسن ع أجل-  و لكني خشيت أن يأتي يوم القيامة سبعون ألفا أو ثمانون ألفا-  تشخب أوداجهم دما-  كلهم يستعدي الله فيم هريق دمه- .

قال أبو الحسن و كان الحصين بن المنذر الرقاشي يقول-  و الله ما وفى معاوية للحسن بشي‏ء مما أعطاه-  قتل حجرا و أصحاب حجر-  و بايع لابنه يزيد و سم الحسن- .

 قال المدائني و روى أبو الطفيل قال قال الحسن ع لمولى له-  أ تعرف معاوية بن خديج قال نعم-  قال إذا رأيته فأعلمني-  فرآه خارجا من دار عمرو ابن حريث فقال هو هذا فدعاه-  فقال له أنت الشاتم عليا عند ابن آكلة الأكباد-  أما و الله لئن وردت الحوض و لم ترده-  لترينه مشمرا عن ساقيه-  حاسرا عن ذراعيه يذود عنه المنافقين-  قال أبو الحسن و روى هذا الخبر أيضا قيس بن الربيع-  عن بدر بن الخليل عن مولى الحسن ع- .

 قال أبو الحسن و حدثنا سليمان بن أيوب عن الأسود بن قيس العبدي إن الحسن ع لقي يوما حبيب بن مسلمة-  فقال له يا حبيب رب مسير لك في غير طاعة الله-  فقال أما مسيري إلى أبيك فليس من ذلك-  قال بلى و الله-  و لكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة زائلة-  فلئن قام بك في دنياك لقد قعد بك في آخرتك-  و لو كنت إذ فعلت شرا قلت خيرا-  كان ذلك كما قال عز و جل خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً-  و لكنك كما قال سبحانه-  كَلَّا بَلْ رانَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ‏ قال أبو الحسن طلب زياد رجلا من أصحاب الحسن-  ممن كان في كتاب الأمان-  فكتب إليه الحسن من الحسن بن علي إلى زياد-  أما بعد فقد علمت ما كنا أخذنا من الأمان لأصحابنا-  و قد ذكر لي فلان أنك تعرضت له-  فأحب ألا تعرض له إلا بخير و السلام- .

فلما أتاه الكتاب-  و ذلك بعد ادعاء معاوية إياه غضب-  حيث لم ينسبه إلى أبي سفيان فكتب إليه من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن-  أما بعد فإنه أتاني كتابك-  في فاسق تؤويه الفساق من شيعتك و شيعة أبيك-  و ايم الله لأطلبنه بين جلدك و لحمك-  و إن أحب الناس إلي لحما أن آكله-  للحم أنت منه و السلام- . فلما قرأ الحسن ع الكتاب-  بعث به إلى معاوية فلما قرأه غضب و كتب-  من معاوية بن أبي سفيان إلى زياد-  أما بعد فإن لك رأيين-  رأيا من أبي سفيان و رأيا من سمية-  فأما رأيك من أبي سفيان فحلم و حزم-  و أما رأيك من سمية فما يكون من مثلها-  إن الحسن بن علي ع كتب إلي بأنك عرضت لصاحبه-  فلا تعرض له-  فإني لم أجعل لك عليه سبيلا-  و إن الحسن ليس ممن يرمى به الرجوان-  و العجب من كتابك إليه لا تنسبه إلى أبيه أو إلى أمه-  فالآن حين اخترت له و السلام- .

قلت جرى في مجلس بعض الأكابر و أنا حاضر-  القول في أن عليا ع شرف بفاطمة ع-  فقال إنسان كان حاضر المجلس-  بل فاطمة ع شرفت به-  و خاض الحاضرون في ذلك بعد إنكارهم تلك اللفظة-  و سألني صاحب المجلس أن أذكر ما عندي في المعنى و أن أوضح-  أيما أفضل علي أم فاطمة فقلت أما أيهما أفضل-  فإن أريد بالأفضل الأجمع للمناقب التي تتفاضل بها الناس-  نحو العلم و الشجاعة و نحو ذلك فعلي أفضل-  و إن أريد بالأفضل الأرفع منزلة عند الله-  فالذي‏استقر عليه رأي المتأخرين من أصحابنا-  أن عليا أرفع المسلمين كافة عند الله تعالى-  بعد رسول الله ص من الذكور و الإناث-  و فاطمة امرأة من المسلمين-  و إن كانت سيدة نساء العالمين-  و يدل على ذلك أنه قد ثبت أنه أحب الخلق إلى الله تعالى-  بحديث الطائر-  و فاطمة من الخلق-  و أحب الخلق إليه سبحانه أعظمهم ثوابا يوم القيامة-  على ما فسره المحققون من أهل الكلام-  و إن أريد بالأفضل الأشرف نسبا ففاطمة أفضل-  لأن أباها سيد ولد آدم من الأولين و الآخرين-  فليس في آباء علي ع مثله و لا مقارنه-  و إن أريد بالأفضل من كان رسول الله ص أشد عليه حنوا و أمس به رحما-  ففاطمة أفضل لأنها ابنته-  و كان شديد الحب لها و الحنو عليها جدا-  و هي أقرب إليه نسبا من ابن العم-  لا شبهة في ذلك- .

فأما القول في أن عليا شرف بها أو شرفت به-  فإن عليا ع كانت أسباب شرفه و تميزه على الناس متنوعة-  فمنها ما هو متعلق بفاطمة ع-  و منها ما هو متعلق بأبيها ص-  و منها ما هو مستقل بنفسه- . فأما الذي هو مستقل بنفسه-  فنحو شجاعته و عفته و حلمه و قناعته-  و سجاحة أخلاقه و سماحة نفسه-  و أما الذي هو متعلق برسول الله ص-  فنحو علمه و دينه و زهده و عبادته-  و سبقه إلى الإسلام و إخباره بالغيوب- . و أما الذي يتعلق بفاطمة ع فنكاحه لها-  حتى صار بينه و بين رسول الله ص الصهر-  المضاف إلى النسب و السبب-  و حتى إن ذريته منها صارت ذرية لرسول الله ص-  و أجزاء من ذاته ع-  و ذلك لأن الولد إنما يكون من مني الرجل و دم المرأة-  و هما جزءان من ذاتي الأب و الأم-  ثم هكذا أبدا في ولد الولد و من بعده من البطون دائما-  فهذا هو القول في شرف علي ع بفاطمة- .

 

فأما شرفها به فإنها و إن كانت ابنة سيد العالمين-  إلا أن كونها زوجة علي أفادها نوعا من شرف آخر-  زائدا على ذلك الشرف الأول-  أ لا ترى أن أباها لو زوجها أبا هريرة أو أنس بن مالك-  لم يكن حالها في العظمة و الجلالة كحالها الآن-  و كذلك لو كان بنوها و ذريتها-  من أبي هريرة و أنس بن مالك-  لم يكن حالهم في أنفسهم كحالهم الآن- . قال أبو الحسن المدائني و كان الحسن كثير التزوج-  تزوج خولة بنت منظور بن زبان الفزارية-  و أمها مليكة بنت خارجة بن سنان-  فولدت له الحسن بن الحسن-  و تزوج أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله-  فولدت له ابنا سماه طلحة-  و تزوج أم بشر بنت أبي مسعود الأنصاري-  و اسم أبي مسعود عقبة بن عمر-  فولدت له زيد بن الحسن-  و تزوج جعدة بنت الأشعث بن قيس-  و هي التي سقته السم-  و تزوج هند ابنة سهيل بن عمرو-  و حفصة ابنة عبد الرحمن بن أبي بكر-  و تزوج امرأة من كلب-  و تزوج امرأة من بنات عمرو بن أهتم المنقري-  و امرأة من ثقيف فولدت له عمرا-  و تزوج امرأة من بنات علقمة ابن زرارة-  و امرأة من بني شيبان من آل همام بن مرة-  فقيل له إنها ترى رأي الخوارج فطلقها-  و قال إني أكره أن أضم إلى نحري جمرة من جمر جهنم- . و قال المدائني و خطب إلى رجل فزوجه-  و قال له إني مزوجك-  و أعلم أنك ملق طلق غلق-  و لكنك خير الناس نسبا و أرفعهم جدا و أبا- . قلت أما قوله ملق طلق فقد صدق-  و أما قوله غلق فلا-  فإن الغلق الكثير الضجر-  و كان الحسن ع أوسع الناس صدرا و أسجحهم خلقا- .

 

قال المدائني-  أحصيت زوجات الحسن بن علي فكن سبعين امرأة- . قال المدائني و لما توفي علي ع-  خرج عبد الله بن العباس بن عبد المطلب إلى الناس-  فقال إن أمير المؤمنين ع توفي و قد ترك خلفا-  فإن أحببتم خرج إليكم-  و إن كرهتم فلا أحد على أحد-  فبكى الناس و قالوا بل يخرج إلينا- فخرج الحسن ع فخطبهم-  فقال أيها الناس اتقوا الله فإنا أمراؤكم و أولياؤكم-  و إنا أهل البيت الذين قال الله تعالى فينا-  إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ-  وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً-  فبايعه الناس- .

و كان خرج إليهم و عليه ثياب سود-  ثم وجه عبد الله بن عباس-  و معه قيس بن سعد بن عبادة مقدمة له-  في اثني عشر ألفا إلى الشام-  و خرج و هو يريد المدائن-  فطعن بساباط و انتهب متاعه-  و دخل المدائن و بلغ ذلك معاوية فأشاعه-  و جعل أصحاب الحسن-  الذين وجههم مع عبد الله يتسللون إلى معاوية-  الوجوه و أهل البيوتات-  فكتب عبد الله بن العباس بذلك إلى الحسن ع-  فخطب الناس و وبخهم-  و قال خالفتم أبي حتى حكم و هو كاره-  ثم دعاكم إلى قتال أهل الشام بعد التحكيم-  فأبيتم حتى صار إلى كرامة الله-  ثم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني-  و تحاربوا من حاربني-  و قد أتاني أن أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية و بايعوه-  فحسبي منكم لا تغروني من ديني و نفسي- . و أرسل عبد الله بن الحارث بن نوفل-  بن الحارث بن عبد المطلب-  و أمه هند بنت أبي سفيان بن حرب-  إلى معاوية يسأله المسالمة-  و اشترط عليه العمل بكتاب الله و سنة نبيه-  و ألا يبايع لأحد من بعده-  و أن يكون الأمر شورى-  و أن يكون الناس أجمعون آمنين- .

و كتب بذلك كتابا-  فأبى الحسين ع و امتنع-  فكلمه الحسن حتى رضي و قدم معاوية إلى الكوفة- . قال أبو الحسن و حدثنا أبو بكر بن الأسود-  قال كتب ابن العباس إلى الحسن-  أما بعد فإن المسلمين ولوك أمرهم بعد علي ع-  فشمر للحرب و جاهد عدوك و قارب أصحابك-  و اشتر من الظنين دينه بما لا يثلم لك دينا-  و وال أهل البيوتات و الشرف-  تستصلح به عشائرهم حتى يكون الناس جماعة-  فإن بعض ما يكره الناس ما لم يتعد الحق-  و كانت عواقبه تؤدي إلى ظهور العدل و عز الدين-  خير من كثير مما يحبه الناس-  إذا كانت عواقبه تدعو إلى ظهور الجور-  و ذل المؤمنين و عز الفاجرين-  و اقتد بما جاء عن أئمة العدل-  فقد جاء عنهم أنه لا يصلح الكذب إلا في حرب أو إصلاح بين الناس-  فإن الحرب خدعة-  و لك في ذلك سعة إذا كنت محاربا ما لم تبطل حقا- .

و اعلم أن عليا أباك إنما رغب الناس عنه إلى معاوية-  أنه أساء بينهم في الفي‏ء-  و سوى بينهم في العطاء فثقل عليهم-  و اعلم أنك تحارب من حارب الله و رسوله-  في ابتداء الإسلام-  حتى ظهر أمر الله-  فلما وحد الرب و محق الشرك و عز الدين-  أظهروا الإيمان و قرءوا القرآن مستهزءين بآياته-  و قاموا إلى الصلاة و هم كسالى-  و أدوا الفرائض‏ و هم لها كارهون-  فلما رأوا أنه لا يعز في الدين إلا الأتقياء الأبرار-  توسموا بسيما الصالحين ليظن المسلمون بهم خيرا-  فما زالوا بذلك حتى شركوهم في أماناتهم-  و قالوا حسابهم على الله-  فإن كانوا صادقين فإخواننا في الدين-  و إن كانوا كاذبين كانوا بما اقترفوا هم الأخسرين-  و قد منيت بأولئك و بأبنائهم و أشباههم-  و الله ما زادهم طول العمر إلا غيا-  و لا زادهم ذلك لأهل الدين إلا مقتا-  فجاهدهم و لا ترض دنية و لا تقبل خسفا-  فإن عليا لم يجب إلى الحكومة-  حتى غلب على أمره فأجاب-  و إنهم يعلمون أنه أولى بالأمر إن حكموا بالعدل-  فلما حكموا بالهوى رجع إلى ما كان عليه-  حتى أتى عليه أجله-  و لا تخرجن من حق أنت أولى به-  حتى يحول الموت دون ذلك و السلام

 قال المدائني و كتب الحسن ع إلى معاوية من عبد الله الحسن بن علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان-  أما بعد فإن الله بعث محمدا ص رحمة للعالمين-  فأظهر به الحق و قمع به الشرك-  و أعز به العرب عامة و شرف به قريشا خاصة-  فقال وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ-  فلما توفاه الله تنازعت العرب في الأمر بعده-  فقالت قريش نحن عشيرته و أولياؤه-  فلا تنازعونا سلطانه-  فعرفت العرب لقريش ذلك-  و جاحدتنا قريش ما عرفت لها العرب-  فهيهات ما أنصفتنا قريش-  و قد كانوا ذوي فضيلة في الدين و سابقة في الإسلام-  و لا غرو إلا منازعته إيانا الأمر-  بغير حق في الدنيا معروف-  و لا أثر في الإسلام محمود-  فالله الموعد-  نسأل الله ألا يؤتينا في هذه الدنيا شيئا-  ينقصنا عنده في الآخرة-  إن عليا لما توفاه الله ولاني المسلمون الأمر بعده-  فاتق الله يا معاوية-  و انظر لأمة محمدص ما تحقن به دماءها-  و تصلح به أمرها و السلام- .

و بعث بالكتاب مع الحارث بن سويد التيمي تيم الرباب-  و جندب الأزدي-  فقدما على معاوية فدعواه إلى بيعة الحسن ع فلم يجبهما-  و كتب جوابه أما بعد-  فقد فهمت ما ذكرت به رسول الله-  و هو أحق الأولين و الآخرين بالفضل كله-  و ذكرت تنازع المسلمين الأمر بعده-  فصرحت بتهمة أبي بكر الصديق و عمر-  و أبي عبيدة الأمين و صلحاء المهاجرين-  فكرهت لك ذلك-  إن الأمة لما تنازعت الأمر بينها رأت قريشا أخلقها به-  فرأت قريش و الأنصار و ذوو الفضل و الدين من المسلمين-  أن يولوا من قريش أعلمها بالله و أخشاها له-  و أقواها على الأمر فاختاروا أبا بكر و لم يألوا-  و لو علموا مكان رجل غير أبي بكر يقوم مقامه-  و يذب عن حرم الإسلام ذبه ما عدلوا بالأمر إلى أبي بكر-  و الحال اليوم بيني و بينك على ما كانوا عليه-  فلو علمت أنك أضبط لأمر الرعية-  و أحوط على هذه الأمة و أحسن سياسة-  و أكيد للعدو و أقوى على جمع الفي‏ء-  لسلمت لك الأمر بعد أبيك-  فإن أباك سعى على عثمان حتى قتل مظلوما-  فطالب الله بدمه و من يطلبه الله فلن يفوته-  ثم ابتز الأمة أمرها و فرق جماعتها-  فخالفه نظراؤه-  من أهل السابقة و الجهاد و القدم في الإسلام-  و ادعى أنهم نكثوا بيعته-  فقاتلهم فسفكت الدماء و استحلت الحرم-  ثم أقبل إلينا لا يدعي علينا بيعة-  و لكنه يريد أن يملكنا اغترارا فحاربناه و حاربنا-  ثم صارت الحرب إلى أن اختار رجلا و اخترنا رجلا-  ليحكما بما تصلح عليه الأمة-  و تعود به الجماعة و الألفة-  و أخذنا بذلك عليهما ميثاقا-  و عليه مثله و علينا مثله على الرضا بما حكما-  فأمضى الحكمان عليه الحكم بما علمت و خلعاه-  فو الله ما رضي بالحكم و لا صبر لأمر الله-  فكيف تدعوني إلى أمر إنما تطلبه بحق أبيك-  و قد خرج منه فانظر لنفسك و لدينك و السلام- .

 

قال ثم قال للحارث و جندب-  ارجعا فليس بيني و بينكم إلا السيف-  فرجعا و أقبل إلى العراق في ستين ألفا-  و استخلف على الشام الضحاك بن قيس الفهري-  و الحسن مقيم بالكوفة لم يشخص-  حتى بلغه أن معاوية قد عبر جسر منبج-  فوجه حجر بن عدي يأمر العمال بالاحتراس-  و يذب الناس فسارعوا-  فعقد لقيس بن سعد بن عبادة على اثني عشر ألفا-  فنزل دير عبد الرحمن-  و استخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل-  بن الحارث ابن عبد المطلب-  و أمر قيس بن سعد بالمسير و ودعه و أوصاه-  فأخذ على الفرات و قرى الفلوجة ثم إلى مسكن- و ارتحل الحسن ع متوجها نحو المدائن-  فأتى ساباط فأقام بها أياما-  فلما أراد أن يرحل إلى المدائن قام فخطب الناس-  فقال أيها الناس إنكم بايعتموني-  على أن تسالموا من سالمت و تحاربوا من حاربت-  و إني و الله ما أصبحت محتملا-  على أحد من هذه الأمة ضغينة في شرق و لا غرب-  و لما تكرهون في الجماعة و الألفة و الأمن-  و صلاح ذات البين خير مما تحبون في الفرقة-  و الخوف و التباغض و العداوة-  و إن عليا أبي كان يقول-  لا تكرهوا إمارة معاوية-  فإنكم لو فارقتموه-  لرأيتم الرءوس تندر عن كواهلها كالحنظل ثم نزل- .

فقال الناس ما قال هذا القول إلا و هو خالع نفسه-  و مسلم الأمر لمعاوية-  فثاروا به فقطعوا كلامه و انتهبوا متاعه-  و انتزعوا مطرفا كان عليه-  و أخذوا جارية كانت معه-  و اختلف الناس فصارت طائفة معه و أكثرهم عليه-  فقال اللهم أنت المستعان و أمر بالرحيل فارتحل الناس-  و أتاه رجل بفرس فركبه و أطاف به بعض أصحابه-  فمنعوا الناس عنه و ساروا-  فقدمه سنان بن الجراح الأسدي إلى مظلم ساباط فأقام به-  فلما دنا منه تقدم إليه يكلمه-  و طعنه في فخذه بالمعول طعنة كادت تصل إلى العظم-  فغشي عليه و ابتدره أصحابه-  فسبق إليه عبيد الله الطائي فصرع سنانا-  و أخذ ظبيان بن عمارة المعول‏ من يده-  فضربه به فقطع أنفه-  ثم ضربه بصخرة على رأسه فقتله-  و أفاق الحسن ع من غشيته-  فعصبوا جرحه و قد نزف و ضعف-  فقدموا به المدائن-  و عليها سعد بن مسعود عم المختار بن أبي عبيد-  و أقام بالمدائن حتى برأ من جرحه- . قال المدائني و كان الحسن ع أكبر ولد علي-  و كان سيدا سخيا حليما خطيبا-  و كان رسول الله ص يحبه-  سابق يوما بين الحسين و بينه فسبق الحسن-  فأجلسه على فخذه اليمنى-  ثم أجلس الحسين على الفخذ اليسرى-  فقيل له يا رسول الله أيهما أحب إليك-  فقال أقول كما قال إبراهيم أبونا-  و قيل له أي ابنيك أحب إليك-  قال أكبرهما و هو الذي يلد ابني محمدا ص- .

و روى المدائني عن زيد بن أرقم قال خرج الحسن ع و هو صغير-  و عليه بردة و رسول الله ص يخطب-  فعثر فسقط فقطع رسول الله ص الخطبة-  و نزل مسرعا إليه و قد حمله الناس-  فتسلمه و أخذه على كتفه-  و قال إن الولد لفتنة-  لقد نزلت إليه و ما أدري ثم صعد فأتم الخطبةو روى المدائني قال لقي عمرو بن العاص الحسن ع في الطواف-  فقال له يا حسن-  زعمت أن الدين لا يقوم إلا بك و بأبيك-  فقد رأيت الله أقامه بمعاوية-  فجعله راسيا بعد ميله و بينا بعد خفائه-  أ فرضي الله بقتل عثمان-  أ و من الحق أن تطوف بالبيت كما يدور الجمل بالطحين-  عليك ثياب كغرقئ البيض-  و أنت قاتل عثمان-  و الله إنه لألم للشعث و أسهل للوعث-  أن يوردك معاوية حياض أبيك-  فقال الحسن ع إن لأهل النار علامات يعرفون بها-  إلحادا لأولياء الله و موالاة لأعداء الله-  و الله إنك‏ لتعلم أن عليا لم يرتب في الدين-  و لا يشك في الله ساعة و لا طرفة عين قط-  و ايم الله لتنتهين يا ابن أم عمرو أو لأنفذن حضنيك بنوافذ أشد من القعضبية-  فإياك و التهجم علي-  فإني من قد عرفت لست بضعيف الغمزة-  و لا هش المشاشة و لا مري‏ء المأكلة-  و إني من قريش كواسطة القلادة-  يعرف حسبي و لا أدعى لغير أبي-  و أنت من تعلم و يعلم الناس-  تحاكمت فيك رجال قريش فغلب عليك جزاروها-  ألأمهم حسبا و أعظمهم لؤما-  فإياك عني فإنك رجس-  و نحن أهل بيت الطهارة-  أذهب الله عنا الرجس و طهرنا تطهيرا-  فأفحم عمرو و انصرف كئيبا

و روى أبو الحسن المدائني قال سأل معاوية الحسن بن علي بعد الصلح-  أن يخطب الناس فامتنع-  فناشده أن يفعل فوضع له كرسي فجلس عليه-  ثم قال الحمد لله الذي توحد في ملكه و تفرد في ربوبيته-  يؤتي الملك من يشاء و ينزعه عمن يشاء-  و الحمد لله الذي أكرم بنا مؤمنكم-  و أخرج من الشرك أولكم و حقن دماء آخركم-  فبلاؤنا عندكم قديما و حديثا أحسن البلاء-  إن شكرتم أو كفرتم-  أيها الناس إن رب علي كان أعلم بعلي حين قبضه إليه-  و لقد اختصه بفضل لم تعتادوا مثله و لم تجدوا مثل سابقته-  فهيهات هيهات طالما قلبتم له الأمور-  حتى أعلاه الله عليكم و هو صاحبكم-  و عدوكم في بدر و أخواتها-  جرعكم رنقا و سقاكم علقا-  و أذل رقابكم و أشرقكم بريقكم-  فلستم بملومين على بغضه-  و ايم الله لا ترى أمة محمد خفضا-  ما كانت سادتهم و قادتهم في بني أمية-  و لقد وجه الله إليكم فتنة لن تصدروا عنها حتى تهلكوا-  لطاعتكم طواغيتكم و انضوائكم إلى شياطينكم-  فعند الله أحتسب ما مضى و ما ينتظر من سوء دعتكم-  و حيف حكمكم-  ثم قال يا أهل الكوفة-  لقد فارقكم بالأمس سهم من مرامي الله-  صائب‏على أعداء الله نكال على فجار قريش-  لم يزل آخذا بحناجرها جاثما على أنفاسها-  ليس بالملومة في أمر الله و لا بالسروقة لمال الله-  و لا بالفروقة في حرب أعداء الله-  أعطى الكتاب خواتمه و عزائمه-  دعاه فأجابه و قاده فاتبعه-  لا تأخذه في الله لومة لائم-  فصلوات الله عليه و رحمته ثم نزل-  فقال معاوية أخطأ عجل أو كاد-  و أصاب مثبت أو كاد ما ذا أردت من خطبة الحسن- .

فأما أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني-  فإنه قال كان في لسان أبي محمد الحسن ع ثقل كالفأفأة-  حدثني بذلك محمد بن الحسين الأشناني-  قال حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي-  عن مفضل بن صالح عن جابر-  قال كان في لسان الحسن ع رتة-  فكان سلمان الفارسي رحمه الله يقول-  أتته من قبل عمه موسى بن عمران ع- . قال أبو الفرج و مات شهيدا مسموما-  دس معاوية إليه و إلى سعد بن أبي وقاص-  حين أراد أن يعهد إلى يزيد ابنه بالأمر بعده سما-  فماتا منه في أيام متقاربة-  و كان الذي تولى ذلك من الحسن ع-  زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس بمال بذله لها معاوية-  و يقال إن اسمها سكينة و يقال عائشة و يقال شعثاء-  و الصحيح أن اسمها جعدة- .

قال أبو الفرج فروى عمرو بن ثابت-  قال كنت أختلف إلى أبي إسحاق‏السبيعي سنة-  أسأله عن الخطبة التي خطب بها الحسن بن علي ع عقيب وفاة أبيه-  و لا يحدثني بها-  فدخلت إليه في يوم شات و هو في الشمس-  و عليه برنسه فكأنه غول-  فقال لي من أنت فأخبرته فبكى-  و قال كيف أبوك و كيف أهلك قلت صالحون-  قال في أي شي‏ء تتردد منذ سنة-  قلت في خطبة الحسن بن علي بعد وفاه أبيه- .

 حدثني هبيرة ابن مريم قال-  خطب الحسن ع بعد وفاة أمير المؤمنين ع-  فقال قد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون-  و لا يدركه الآخرون بعمل-  لقد كان يجاهد مع رسول الله ص فيسبقه بنفسه-  و لقد كان يوجهه برايته-  فيكنفه جبرائيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره-  فلا يرجع حتى يفتح الله عليه-  و لقد توفي في الليلة التي عرج فيها بعيسى ابن مريم-  و التي توفي فيها يوشع بن نوح-  و ما خلف صفراء و لا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه-  أراد أن يبتاع بها خادما لأهله-  ثم خنقته العبرة فبكى و بكى الناس معه-  ثم قال أيها الناس من عرفني فقد عرفني-  و من لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد رسول الله ص-  أنا ابن البشير أنا ابن النذير-  أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه و السراج المنير-  أنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس-  و طهرهم تطهيرا-  و الذين افترض الله مودتهم في كتابه-  إذ يقول وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً-  فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت- .

قال أبو الفرج فلما انتهى إلى هذا الموضع من الخطبة-  قام عبد الله بن العباس بين‏يديه-  فدعا الناس إلى بيعته فاستجابوا-  و قالوا ما أحبه إلينا و أحقه بالخلافة فبايعوه-  ثم نزل من المنبر- . قال أبو الفرج و دس معاوية رجلا من حمير إلى الكوفة-  و رجلا من بني القين إلى البصرة يكتبان إليه بالأخبار-  فدل على الحميري و على القيني فأخذا و قتلا- .

و كتب الحسن ع إلى معاوية أما بعد فإنك دسست إلي الرجال كأنك تحب اللقاء-  لا أشك في ذلك فتوقعه إن شاء الله-  و بلغني أنك شمت بما لم يشمت به ذو الحجى-  و إنما مثلك في ذلك كما قال الأول- 

 فإنا و من قد مات منا لكالذي
يروح فيمسي في المبيت ليغتدي‏

فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى‏
تجهز لأخرى مثلها فكأن قد

فأجابه معاوية أما بعد فقد وصل كتابك-  و فهمت ما ذكرت فيه-  و لقد علمت بما حدث فلم أفرح و لم أحزن و لم أشمت و لم آس-  و إن عليا أباك لكما قال أعشى بني قيس ابن ثعلبة- 

فأنت الجواد و أنت الذي
إذا ما القلوب ملأن الصدورا

جدير بطعنة يوم اللقاء
يضرب منها النساء النحورا

و ما مزيد من خليج البحار
يعلو الإكام و يعلو الجسورا

بأجود منه بما عنده‏
فيعطي الألوف و يعطي البدورا

 

قال أبو الفرج-  و كتب عبد الله بن العباس من البصرة إلى معاوية-  أما بعد فإنك و دسك أخا بني القين إلى البصرة-  تلتمس من غفلات قريش بمثل ما ظفرت به من يمانيتك-  لكما قال أمية بن أبي الأسكر- 

لعمرك إني و الخزاعي طارقا
كنعجة عاد حتفها تتحفر

أثارت عليها شفرة بكراعها
فظلت بها من آخر الليل تنحر

شمت بقوم من صديقك أهلكوا
أصابهم يوم من الدهر أصفر

فأجابه معاوية أما بعد-  فإن الحسن بن علي قد كتب إلي بنحو مما كتبت به-  و أنبأني بما لم يحقق سوء ظن و رأي في-  و إنك لم تصب مثلي و مثلكم-  و إنما مثلنا كما قال طارق الخزاعي-  يجيب أمية عن هذا الشعر- 

 فو الله ما أدري و إني لصادق
إلى أي من يظنني أتعذر

أعنف إن كانت زبينة أهلكت‏
و نال بني لحيان شر فأنفروا

قال أبو الفرج-  و كان أول شي‏ء أحدثه الحسن ع أنه زاد المقاتلة مائة مائة-  و قد كان علي ع فعل ذلك يوم الجمل-  و فعله الحسن حال الاستخلاف-  فتبعه الخلفاء من بعده في ذلك- .

 قال و كتب الحسن ع إلى معاوية-  مع حرب بن عبد الله الأزدي من الحسن بن علي أمير المؤمنين-  إلى معاوية بن أبي سفيان-  سلام عليك-  فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو-  أما بعد فإن الله جل جلاله بعث محمدا رحمة للعالمين-  و منة للمؤمنين و كافة للناس أجمعين-  لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ-  فبلغ رسالات الله-  و قام بأمر الله حتى توفاه الله غير مقصر و لا وان-  و بعد أن أظهر الله به الحق و محق به الشرك-  و خص به قريشا خاصة فقال له-  وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ-  فلما توفي تنازعت سلطانه العرب-  فقالت قريش نحن قبيلته و أسرته و أولياؤه-  و لا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد و حقه-  فرأت العرب أن القول ما قالت قريش-  و أن الحجة في ذلك لهم على من نازعهم أمر محمد-  فأنعمت لهم و سلمت إليهم-  ثم حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاججت به العرب-  فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها-  إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب-  بالانتصاف و الاحتجاج-  فلما صرنا أهل بيت محمد و أولياءه إلى محاجتهم-  و طلب النصف منهم باعدونا-  و استولوا بالإجماع على ظلمنا و مراغمتنا-  و العنت منهم لنا-  فالموعد الله و هو الولي النصيرو لقد كنا تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا-  في حقنا و سلطان نبينا-  و إن كانوا ذوي فضيلة و سابقة في الإسلام-  و أمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين-  أن يجد المنافقون و الأحزاب في ذلك مغمزا يثلمونه به-  أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من إفساده-  فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية-  على أمر لست من أهله-  لا بفضل في الدين معروف-  و لا أثر في الإسلام محمود-  و أنت ابن حزب من الأحزاب-  و ابن أعدى قريش لرسول الله ص و لكتابه-  و الله حسيبك فسترد فتعلم لمن عقبى الدار-  و بالله لتلقين عن قليل ربك-  ثم ليجزينك بما قدمت يداك و ما الله بظلام للعبيد-  إن عليا لما مضى لسبيله رحمة الله عليه يوم قبض-  و يوم من الله عليه بالإسلام و يوم يبعث حيا-  ولاني المسلمون الأمر بعده-  فأسأل الله ألا يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئا-  ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامة- 

و إنما حملني على الكتاب إليك الإعذار-  فيما بيني و بين الله عز و جل في أمرك-  و لك في ذلك إن فعلته الحظ الجسيم و الصلاح للمسلمين-  فدع التمادي في الباطل-  و ادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي-  فإنك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند الله-  و عند كل أواب حفيظ-  و من له قلب منيب-  و اتق الله و دع البغي و احقن دماء المسلمين-  فو الله ما لك خير في أن تلقى الله من دمائهم-  بأكثر مما أنت لاقيه به-  و ادخل في السلم و الطاعة-  و لا تنازع الأمر أهله و من هو أحق به منك-  ليطفئ الله النائرة بذلك-  و يجمع الكلمة و يصلح ذات البين-  و إن أنت أبيت إلا التمادي في غيك-  سرت إليك بالمسلمين فحاكمتك-  حتى يحكم الله بيننا و هو خير الحاكمين- .

فكتب معاوية إليه-من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي-  سلام الله عليك-  فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو-  أما بعد فقد بلغني كتابك-  و فهمت ما ذكرت به محمدا رسول الله من الفضل-  و هو أحق الأولين و الآخرين-  بالفضل كله قديمه و حديثه و صغيره و كبيره-  و قد و الله بلغ و أدى و نصح و هدى-  حتى أنقذ الله به من الهلكة و أنار به من العمى-  و هدى به من الجهالة و الضلالة-  فجزاه الله أفضل ما جزى نبيا عن أمته-  و صلوات الله عليه يوم ولد و يوم بعث-  و يوم قبض و يوم يبعث حيا- .

و ذكرت وفاة النبي ص و تنازع المسلمين الأمر بعده-  و تغلبهم على أبيك-  فصرحت بتهمة أبي بكر الصديق و عمر الفاروق-  و أبي عبيدة الأمين و حواري رسول الله ص-  و صلحاء المهاجرين و الأنصار فكرهت ذلك لك-  إنك امرؤ عندنا و عند الناس غير الظنين-  و لا المسي‏ء و لا اللئيم-  و أنا أحب لك القول السديد و الذكر الجميل-  إن هذه الأمة لما اختلفت بعد نبيها-  لم تجهل فضلكم و لا سابقتكم-  و لا قرابتكم من نبيكم و لا مكانكم في الإسلام و أهله-  فرأت الأمة أن تخرج من هذا الأمر لقريش-  لمكانها من نبيها-  و رأى صلحاء الناس من قريش و الأنصار-  و غيرهم من سائر الناس و عوامهم-  أن يولوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلاما-  و أعلمها بالله و أحبها له و أقواها على أمر الله-  فاختاروا أبا بكر-  و كان ذلك رأي ذوي الدين و الفضل و الناظرين للأمة-  فأوقع ذلك في صدوركم لهم التهمة-  و لم يكونوا متهمين و لا فيما أتوا بالمخطئين-  و لو رأى المسلمون أن فيكم من يغني غناءه و يقوم مقامه-  و يذب عن حريم الإسلام ذبه- ما عدلوا بالأمر إلى غيره رغبة عنه-  و لكنهم علموا في ذلك بما رأوه صلاحا للإسلام و أهله-  و الله يجزيهم عن الإسلام و أهله خيرا- .

و قد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح-  و الحال فيما بيني و بينك اليوم-  مثل الحال التي كنتم عليها أنتم و أبو بكر-  بعد وفاة النبي ص-  فلو علمت أنك أضبط مني للرعية-  و أحوط على هذه الأمة و أحسن سياسة-  و أقوى على جمع الأموال و أكيد للعدو-  لأجبتك إلى ما دعوتني إليه و رأيتك لذلك أهلا-  و لكن قد علمت أني أطول منك ولاية-  و أقدم منك بهذه الأمة تجربة و أكبر منك سنا-  فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني-  فادخل في طاعتي و لك الأمر من بعدي-  و لك ما في بيت مال العراق من مال بالغا ما يبلغ-  تحمله إلى حيث أحببت-  و لك خراج أي كور العراق شئت-  معونة لك على نفقتك يجيبها أمينك-  و يحملها إليك في كل سنة-  و لك ألا نستولي عليك بالإساءة-  و لا نقضي دونك الأمور-  و لا نعصي في أمر أردت به طاعة الله-  أعاننا الله و إياك على طاعته-  إنه سميع مجيب الدعاء و السلام- . قال جندب فلما أتيت الحسن بكتاب معاوية-  قلت له إن الرجل سائر إليك-  فابدأه بالمسير حتى تقاتله في أرضه و بلاده و عمله-  فإما أن تقدر أنه ينقاد لك-  فلا و الله حتى يرى منا أعظم من يوم صفين-  فقال افعل ثم قعد عن مشورتي و تناسى قولي- .

قالوا و كتب معاوية إلى الحسن-أما بعد فإن الله يفعل في عباده ما يشاء-  لا معقب لحكمه و هو سريع الحساب-  فاحذر أن تكون منيتك على أيدي رعاع من الناس-  و ايئس من أن تجد فينا غميزة و إن أنت أعرضت عما أنت فيه و بايعتني-  وفيت لك بما وعدت-  و أجريت لك ما شرطت-  و أكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة- 

 و إن أحد أسدى إليك أمانة
فأوف بها تدعى إذا مت وافيا

و لا تحسد المولى إذا كان ذا غنى‏
و لا تجفه إن كان في المال فانيا

ثم الخلافة لك من بعدي-  فأنت أولى الناس بها و السلام- .

 فأجابه الحسن أما بعد فقد وصل إلي كتابك-  تذكر فيه ما ذكرت-  فتركت جوابك خشية البغي مني عليك-  و بالله أعوذ من ذلك-  فاتبع الحق تعلم أني من أهله-  و علي إثم أن أقول فأكذب و السلام- .

فلما وصل كتاب الحسن إلى معاوية قرأه-  ثم كتب إلى عماله على النواحي بنسخة واحدة-  من عبد الله معاوية أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان-  و من قبله من المسلمين-  سلام عليكم-  فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو-  أما بعد-  فالحمد لله الذي كفاكم مؤنة عدوكم و قتل خليفتكم-  إن الله بلطفه و حسن صنعه-  أتاح لعلي بن أبي طالب رجلا من عباده-فاغتاله فقتله فترك أصحابه متفرقين مختلفين-  و قد جاءتنا كتب أشرافهم و قادتهم-  يلتمسون الأمان لأنفسهم و عشائرهم-  فاقبلوا إلى حين يأتيكم كتابي هذا-  بجهدكم و جندكم و حسن عدتكم-  فقد أصبتم بحمد الله الثأر و بلغتم الأمل-  و أهلك الله أهل البغي و العدوان-  و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته- .

قال فاجتمعت العساكر إلى معاوية-  فسار بها قاصدا إلى العراق-  و بلغ الحسن خبره و مسيره نحوه-  و إنه قد بلغ جسر منبج فتحرك عند ذلك-  و بعث حجر بن عدي-  فأمر العمال و الناس بالتهيؤ للمسير-  و نادى المنادي الصلاة جامعة-  فأقبل الناس يثوبون و يجتمعون-  و قال الحسن إذا رضيت جماعة الناس فأعلمني-  و جاءه سعيد بن قيس الهمداني فقال له اخرج- فخرج الحسن ع و صعد المنبر-  فحمد الله و أثنى عليه ثم قال أما بعد-  فإن الله كتب الجهاد على خلقه و سماه كرها-  ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين-  اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ-  فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون-  إلا بالصبر على ما تكرهون-  بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه-  فتحرك لذلك-  اخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة-  حتى ننظر و تنظروا و نرى و تروا- .

قال و إنه في كلامه ليتخوف خذلان الناس له-  قال فسكتوا فما تكلم منهم أحد و لا أجابه بحرف-  فلما رأى ذلك عدي بن حاتم قام فقال أنا ابن حاتم-  سبحان الله ما أقبح هذا المقام-  أ لا تجيبون إمامكم و ابن بنت نبيكم-  أين خطباء مضر أين المسلمون-  أين‏الخواضون من أهل المصر-  الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة-  فإذا جد الجد فرواغون كالثعالب-  أ ما تخافون مقت الله و لا عيبها و عارها- . ثم استقبل الحسن بوجهه-  فقال أصاب الله بك المراشد و جنبك المكاره-  و وفقك لما يحمد ورده و صدره-  قد سمعنا مقالتك و انتهينا إلى أمرك-  و سمعنا لك و أطعناك فيما قلت و ما رأيت-  و هذا وجهي إلى معسكري-  فمن أحب أن يوافيني فليواف- . ثم مضى لوجهه فخرج من المسجد و دابته بالباب-  فركبها و مضى إلى النخيلة-  و أمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه-  و كان عدي بن حاتم أول الناس عسكرا. و قام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري-  و معقل بن قيس الرياحي و زياد بن صعصعة التيمي-  فأنبوا الناس و لاموهم و حرضوهم-  و كلموا الحسن ع بمثل كلام عدي بن حاتم في الإجابة و القبول-  فقال لهم الحسن ع صدقتم رحمكم الله-  ما زلت أعرفكم بصدق النية و الوفاء-  و القبول و المودة الصحيحة-  فجزاكم الله خيرا ثم نزل- . و خرج الناس فعسكروا و نشطوا للخروج-  و خرج الحسن إلى العسكر-  و استخلف على الكوفة-  المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب-  و أمره باستحثاث الناس و أشخاصهم إليه-  فجعل يستحثهم و يستخرجهم حتى يلتئم العسكر- .

و سار الحسن ع في عسكر عظيم و عدة حسنة-  حتى نزل دير عبد الرحمن-فأقام به ثلاثا حتى اجتمع الناس-  ثم دعا عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب-  فقال له يا ابن عم-  إني باعث إليك اثني عشر ألفا-  من فرسان العرب و قراء المصر-  الرجل منهم يزيد الكتيبة-  فسر بهم و ألن لهم جانبك-  و ابسط لهم وجهك و افرش لهم جناحك-  و أدنهم من مجلسك فإنهم بقية ثقات أمير المؤمنين-  و سر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات-  ثم تصير إلى مسكن-  ثم امض حتى تستقبل بهم معاوية-  فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك-  فإني على أثرك وشيكا-  و ليكن خبرك عندي كل يوم-  و شاور هذين يعني قيس بن سعد و سعيد بن قيس-  و إذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك-  فإن فعل فقاتله-  و إن أصبت فقيس بن سعد على الناس-  و إن أصيب قيس بن سعد فسعيد بن قيس على الناس- .

فسار عبيد الله حتى انتهى إلى شينور-  حتى خرج إلى شاهي-  ثم لزم الفرات و الفلوجة حتى أتى مسكن-  و أخذ الحسن على حمام عمر حتى أتى دير كعب-  ثم بكر فنزل ساباط دون القنطرة-  فلما أصبح نادى في الناس الصلاة جامعة فاجتمعوا-  فصعد المنبر فخطبهم-  فقال الحمد لله كلما حمده حامد-  و أشهد أن لا إله إلا الله كلما شهد له شاهد-  و أشهد أن محمدا رسول الله-  أرسله بالحق و ائتمنه على الوحي-  ص-  أما بعد-  فو الله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله و منه-  و أنا أنصح خلقه لخلقه-  و ما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة-  و لا مريد له بسوء و لا غائلة-  ألا و إن ما تكرهون في الجماعة خير لكم-  مما تحبون في الفرقة-  ألا و إني ناظر لكم خيرامن نظركم لأنفسكم-  فلا تخالفوا أمري و لا تردوا على رأيي-  غفر الله لي و لكم-  و أرشدني و إياكم لما فيه محبته و رضاه-  إن شاء الله ثم نزل- .

قال فنظر الناس بعضهم إلى بعض-  و قالوا ما ترونه يريد بما قال-  قالوا نظنه يريد أن يصالح معاوية-  و يكل الأمر إليه-  كفر و الله الرجل ثم شدوا على فسطاطه-  فانتهبوه حتى أخذوا مصلاه من تحته-  ثم شد عليه عبد الرحمن بن عبد الله بن جعال الأزدي-  فنزع مطرفه عن عاتقه-  فبقي جالسا متقلدا سيفا بغير رداء-  فدعا بفرسه فركبه-  و أحدق به طوائف من خاصته و شيعته-  و منعوا منه من أراده-  و لاموه و ضعفوه لما تكلم به-  فقال ادعوا إلي ربيعة و همدان-  فدعوا له فأطافوا به-  و دفعوا الناس عنه و معهم شوب من غيرهم-  فلما مر في مظلم ساباط قام إليه رجل من بني أسد-  ثم من بني نصر بن قعين يقال له جراح بن سنان-  و بيده معول فأخذ بلجام فرسه-  و قال الله أكبر يا حسن-  أشرك أبوك ثم أشركت أنت-  و طعنه بالمعول فوقعت في فخذه-  فشقته حتى بلغت أربيته-  و سقط الحسن ع إلى الأرض-  بعد أن ضرب الذي طعنه بسيف كان بيده و اعتنقه-  فخرا جميعا إلى الأرض-  فوثب عبد الله بن الأخطل الطائي-  و نزع المعول من يد جراح بن سنان فخضخضه به-  و أكب ظبيان بن عمارة عليه فقطع أنفه-  ثم أخذا له الآجر فشدخا رأسه و وجهه حتى قتلوه- .

و حمل الحسن ع على سرير إلى المدائن-  و بها سعيد بن مسعود الثقفي واليا عليها من قبله-  و قد كان علي ع ولاه المدائن-  فأقره الحسن ع عليها فأقام عنده يعالج نفسه-  فأما معاوية فإنه وافى-  حتى نزل قرية يقال لها الحلوبية بمسكن-  و أقبل عبيد الله بن عباس حتى نزل بإزائه-  فلما كان من غد وجه معاوية بخيله إليه-  فخرج إليهم عبيد الله فيمن معه-  فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم-  فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد الله بن عباس-  أن الحسن قد راسلني في الصلح-  و هو مسلم الأمر إلي-  فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعا-  و إلا دخلت و أنت تابع-  و لك إن أجبتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم-  أعجل لك في هذا الوقت نصفها-  و إذا دخلت الكوفة النصف الآخر-  فانسل عبيد الله إليه ليلا فدخل عسكر معاوية-  فوفى له بما وعده-  و أصبح الناس ينتظرون عبيد الله أن يخرج فيصلي بهم-  فلم يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه-  فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة ثم خطبهم فثبتهم-  و ذكر عبيد الله فنال منه-  ثم أمرهم بالصبر و النهوض إلى العدو-  فأجابوه بالطاعة-  و قالوا له انهض بنا إلى عدونا على اسم الله-  فنزل فنهض بهم- .و خرج إليه بسر بن أرطاة فصاح إلى أهل العراق-  ويحكم هذا أميركم عندنا قد بايع-  و إمامكم الحسن قد صالح-  فعلام تقتلون أنفسكم- .

 

فقال لهم قيس بن سعد اختاروا إحدى اثنتين-  إما القتال مع غير إمام و إما أن تبايعوا بيعة ضلال-  فقالوا بل نقاتل بلا إمام-  فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم- . فكتب معاوية إلى قيس بن سعد يدعوه و يمنيه فكتب إليه قيس-  لا و الله لا تلقاني أبدا إلا بيني و بينك الرمح-  فكتب إليه معاوية حينئذ لما يئس منه-  أما بعد فإنك يهودي ابن يهودي-  تشقي نفسك و تقتلها فيما ليس لك-  فإن ظهر أحب الفريقين إليك نبذك و غدرك-  و إن ظهر أبغضهم إليك نكل بك و قتلك-  و قد كان أبوك أوتر غير قوسه و رمى غير غرضه-  فأكثر الحز و أخطأ المفصل-  فخذله قومه و أدركه يومه-  فمات بحوران طريدا غريبا و السلام- . فكتب إليه قيس بن سعد أما بعد-  فإنما أنت وثن ابن وثن-  دخلت في الإسلام كرها-  و أقمت فيه فرقا و خرجت منه طوعا-  و لم يجعل الله لك فيه نصيبا-  لم يقدم إسلامك و لم يحدث نفاقك-  و لم تزل حربا لله و لرسوله-  و حزبا من أحزاب المشركين-  و عدوا لله و لنبيه و للمؤمنين من عباده-  و ذكرت أبي-  فلعمري ما أوتر إلا قوسه و لا رمى إلا غرضه-  فشغب عليه من لا يشق غباره و لا يبلغ كعبه-  و زعمت أني يهودي ابن يهودي-  و قد علمت و علم الناس أني و أبي أعداء الدين الذي خرجت منه-  و أنصار الدين الذي دخلت فيه و صرت إليه و السلام- .

فلما قرأ معاوية كتابه غاظه و أراد إجابته-  فقال له عمرو مهلا-  فإنك إن كاتبته أجابك بأشد من هذا-  و إن تركته دخل فيما دخل فيه الناس فأمسك عنه- . قال و بعث معاوية عبد الله بن عامر-  و عبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن للصلح-  فدعواه‏ إليه فزهداه في الأمر-  و أعطياه ما شرط له معاوية-  و ألا يتبع أحد بما مضى-  و لا ينال أحد من شيعة علي بمكروه-  و لا يذكر علي إلا بخير-  و أشياء شرطها الحسن-  فأجاب إلى ذلك-  و انصرف قيس بن سعد فيمن معه إلى الكوفة-  و انصرف الحسن أيضا إليها-  و أقبل معاوية قاصدا نحو الكوفة-  و اجتمع إلى الحسن ع وجوه الشيعة-  و أكابر أصحاب أمير المؤمنين ع يلومونه-  و يبكون إليه جزعا مما فعله قال أبو الفرج فحدثني محمد بن أحمد بن عبيد قال حدثنا الفضل بن الحسن البصري قال حدثنا ابن عمرو قال حدثنا مكي بن إبراهيم قال حدثنا السري بن إسماعيل عن الشعبي عن سفيان بن أبي ليلى قال أبو الفرج و حدثني به أيضا محمد بن الحسين الأشنانداني و علي بن العباس المقانعي عن عباد بن يعقوب عن عمرو بن ثابت عن الحسن بن الحكم عن عدي بن ثابت عن سفيان بن أبي ليلى قال أتيت الحسن بن علي حين بايع معاوية-  فوجدته بفناء داره و عنده رهط-  فقلت السلام عليك يا مذل المؤمنين- 

قال و عليك السلام يا سفيان-  و نزلت فعقلت راحلتي ثم أتيته فجلست إليه-  فقال كيف قلت يا سفيان-  قلت السلام عليك يا مذل المؤمنين-  فقال لم جرى هذا منك إلينا-  قلت أنت و الله بأبي و أمي أذللت رقابنا-  حيث أعطيت هذا الطاغية البيعة-  و سلمت الأمر إلى اللعين ابن آكلة الأكباد-  و معك مائة ألف كلهم يموت دونك-  فقد جمع الله عليك أمر الناس-  فقال يا سفيان إنا أهل بيت إذا علمنا الحق تمسكنا به-  و إني سمعت عليا يقول سمعت رسول الله ص يقول-  لا تذهب الليالي و الأيام-  حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع السرم-ضخم البلعوم يأكل و لا يشبع لا ينظر الله إليه-  و لا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر-  و لا في الأرض ناصر-  و إنه لمعاوية و إني عرفت أن الله بالغ أمره-  ثم أذن المؤذن فقمنا على حالب نحلب ناقته-  فتناول الإناء فشرب قائما ثم سقاني-  و خرجنا نمشي إلى المسجد-  فقال لي ما جاء بك يا سفيان-  قلت حبكم و الذي بعث محمدا بالهدى و دين الحق-  قال فأبشر يا سفيان فإني سمعت عليا يقول-  سمعت رسول الله ص يقول-  يرد علي الحوض أهل بيتي-  و من أحبهم من أمتي كهاتين يعني السبابتين-  أو كهاتين يعني السبابة و الوسطى-  إحداهما تفضل على الأخرى-  أبشر يا سفيان فإن الدنيا تسع البر و الفاجر-  حتى يبعث الله إمام الحق من آل محمد ص- .

قلت قوله و لا في الأرض ناصر أي ناصر ديني-  أي لا يمكن أحدا أن ينتصر له بتأويل ديني-  يتكلف به عذرا لأفعاله القبيحة- . فإن قلت قوله و إنه لمعاوية من الحديث المرفوع-  أو من كلام علي ع أو من كلام الحسن ع-  قلت الظاهر أنه من كلام الحسن ع-  فإنه قد غلب على ظنه أن معاوية صاحب هذه الصفات-  و إن كان القسمان الأولان غير ممتنعين- . فإن قلت فمن هو إمام الحق من آل محمد-  قلت أما الإمامية-  فتزعم أنه صاحبهم الذي يعتقدون أنه الآن حي في الأرض-  و أما أصحابنا فيزعمون أنه فاطمي-  يخلقه الله في آخر الزمان- .

قال أبو الفرج و سار معاوية حتى نزل النخيلة-  و جمع الناس بها فخطبهم قبل أن يدخل الكوفة-  خطبة طويلة لم ينقلها أحد من الرواة تامة-  و جاءت منقطعة في الحديث-  و سنذكر ما انتهى إلينا منها- . فأما الشعبي فإنه روى أنه قال في الخطبة-  ما اختلف أمر أمة بعد نبيها-  إلا و ظهر أهل باطلها على أهل حقها-  ثم انتبه فندم فقال إلا هذه الأمة فإنها و إنها-  و أما أبو إسحاق السبيعي-  فقال إن معاوية قال في خطبته بالنخيلة-  ألا إن كل شي‏ء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين-  لا أفي به- . قال أبو إسحاق و كان و الله غدارا- . و روى الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن سويد-  قال صلى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة ثم خطبنا-  فقال و الله إني ما قاتلتكم لتصلوا و لا لتصوموا-  و لا لتحجوا و لا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك-  و إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم-  و قد أعطاني الله ذلك و أنتم كارهون- . قال و كان عبد الرحمن بن شريك إذا حدث بذلك-  يقول هذا و الله هو التهتك- .

 قال أبو الفرج و حدثني أبو عبيد محمد بن أحمد قال حدثني الفضل بن الحسن البصري قال حدثني يحيى بن معين قال حدثني أبو حفص اللبان عن عبد الرحمن بن شريك عن إسماعيل بن أبي خالد عن حبيب بن أبي ثابت قال خطب معاوية بالكوفة حين دخلها-  و الحسن و الحسين ع جالسان تحت المنبر-  فذكر عليا ع‏فنال منه-  ثم نال من الحسن فقام الحسين ع ليرد عليه-  فأخذه الحسن بيده فأجلسه-  ثم قام فقال أيها الذاكر عليا أنا الحسن و أبي علي-  و أنت معاوية و أبوك صخر-  و أمي فاطمة و أمك هند-  و جدي رسول الله و جدك عتبة بن ربيعة-  و جدتي خديجة و جدتك قتيلة-  فلعن الله أخملنا ذكرا و ألأمنا حسبا-  و شرنا قديما و حديثا و أقدمنا كفرا و نفاقا-  فقال طوائف من أهل المسجد آمين  قال الفضل قال يحيى بن معين و أنا أقول آمين- . قال أبو الفرج قال أبو عبيد-  قال الفضل و أنا أقول آمين-  و يقول علي بن الحسين الأصفهاني آمين- . قلت و يقول عبد الحميد بن أبي الحديد مصنف هذا الكتاب-  آمين- . قال أبو الفرج و دخل معاوية الكوفة-  بعد فراغه من خطبته بالنخيلة-  و بين يديه خالد ابن عرفطة-  و معه حبيب بن حماد يحمل رايته-  فلما صار بالكوفة دخل المسجد من باب الفيل-  و اجتمع الناس إليه- .

 قال أبو الفرج فحدثني أبو عبيد الصيرفي و أحمد بن عبيد الله بن عمار عن محمد بن علي بن خلف عن محمد بن عمرو الرازي عن مالك بن سعيد عن محمد بن عبد الله الليثي عن عطاء بن السائب عن أبيه قال بينما علي بن أبي طالب ع على منبر الكوفة-  إذ دخل رجل فقال يا أمير المؤمنين-  مات خالد بن عرفطة-  فقال لا و الله ما مات و لا يموت-  حتى يدخل من باب المسجد-  و أشار إلى باب الفيل-  و معه راية ضلالة يحملها حبيب بن حماد-  قال فوثب رجل فقال يا أمير المؤمنين-  أنا حبيب بن حماد و أنا لك شيعة-  فقال‏فإنه كما أقول-  فو الله لقد قدم خالد بن عرفطة على مقدمة معاوية-  يحمل رايته حبيب بن حماد: قال أبو الفرج و قال مالك بن سعيد و حدثني الأعمش بهذا الحديث قال حدثني صاحب هذه الدار و أشار إلى دار السائب أبي عطاء إنه سمع عليا ع يقول هذا- .

قال أبو الفرج فلما تم الصلح بين الحسن و معاوية-  أرسل إلى قيس بن سعد يدعوه إلى البيعة-  فجاءه و كان رجلا طوالا يركب الفرس المشرف-  و رجلاه تخطان في الأرض-  و ما في وجهه طاقة شعر-  و كان يسمى خصي الأنصار-  فلما أرادوا إدخاله إليه-  قال إني حلفت ألا ألقاه-  إلا و بيني و بينه الرمح أو السيف-  فأمر معاوية برمح و سيف-  فوضعا بينه و بينه ليبر يمينه- . قال أبو الفرج-  و قد روي أن الحسن لما صالح معاوية-  اعتزل قيس بن سعد في أربعة آلاف فارس فأبى أن يبايع-  فلما بايع الحسن أدخل قيس ليبايع-  فأقبل على الحسن فقال أ في حل أنا من بيعتك فقال نعم-  فألقي له كرسي و جلس معاوية على سرير و الحسن معه-  فقال له معاوية أ تبايع يا قيس قال نعم-  و وضع يده على فخذه و لم يمدها إلى معاوية-  فجاء معاوية من سريره-  و أكب على قيس حتى مسح يده على يده-  و ما رفع إليه قيس يده- .

 

قال أبو الفرج ثم إن معاوية أمر الحسن أن يخطب-  فظن أنه سيحصر فقام فخطب فقال في خطبته إنما الخليفة من سار بكتاب الله و سنة نبيه-  و ليس الخليفة من سار بالجور-  ذاك رجل ملك ملكا تمتع به قليلا-  ثم تنخمه تنقطع لذته و تبقى تبعته-  وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ‏-  قال و انصرف الحسن إلى المدينة فأقام بها-  و أراد معاوية البيعة لابنه يزيد-  فلم يكن عليه شي‏ء أثقل من أمر الحسن بن علي-  و سعد بن أبي وقاص-  فدس إليهما سما فماتا منه- . قال أبو الفرج فحدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار-  عن عيسى بن مهران عن عبيد بن الصباح الخراز-  عن جرير عن مغيرة قال-  أرسل معاوية إلى بنت الأشعث بن قيس و هي تحت الحسن-  فقال لها إني مزوجك يزيد ابني على أن تسمي الحسن-  و بعث إليها بمائة ألف درهم ففعلت-  و سمت الحسن فسوغها المال و لم يزوجها منه-  فخلف عليها رجل من آل طلحة فأولدها-  فكان إذا وقع بينهم و بين بطون قريش كلام عيروهم-  و قالوا يا بني مسمة الأزواج- . قال حدثني أحمد قال حدثني يحيى بن بكير عن شعبة-  عن أبي بكر بن حفص-  قال توفي الحسن بن علي و سعد بن أبي وقاص-  في أيام متقاربة-  و ذلك بعد ما مضى من ولاية إمارة معاوية عشر سنين-  و كانوا يروون أنه سقاهما السم

 قال أبو الفرج و حدثني أحمد بن عون عن عمران بن إسحاق قال كنت مع الحسن و الحسين ع في الدار-  فدخل الحسن المخرج ثم خرج-  فقال لقد سقيت السم مرارا-  ما سقيت مثل هذه المرة-  لقد لفظت قطعة من كبدي فجعلت‏ أقلبها بعود معي-  فقال الحسين و من سقاك قال و ما تريد منه-  أ تريد أن تقتله إن يكن هو هو-  فالله أشد نقمة منك-  و إن لم يكن هو فما أحب أن يؤخذ بي بري‏ء- .

قال أبو الفرج-  دفن الحسن ع في قبر فاطمة بنت رسول الله ص في البقيع-  و قد كان أوصى أن يدفن مع النبي ص-  فمنع مروان بن الحكم من ذلك-  و ركبت بنو أمية في السلاح-  و جعل مروان يقول

 يا رب هيجا هي خير من دعه‏

  يدفن عثمان في البقيع-  و يدفن الحسن في بيت النبي ص-  و الله لا يكون ذلك أبدا و أنا أحمل السيف-  و كادت الفتنة تقع-  و أبى الحسين ع أن يدفنه إلا مع النبي ص-  فقال له عبد الله بن جعفر-  عزمت عليك يا أبا عبد الله بحقي ألا تكلم بكلمة-  فمضوا به إلى البقيع و انصرف مروان- .

 قال أبو الفرج و قد روى الزبير بن بكار أن الحسن ع أرسل إلى عائشة-  أن تأذن له أن يدفن مع النبي ص-  فقالت نعم-  فلما سمعت بنو أمية بذلك استلأموا في السلاح-  و تنادوا هم و بنو هاشم في القتال-  فبلغ ذلك الحسن فأرسل إلى بني هاشم-  أما إذا كان هذا فلا حاجة لي فيه-  ادفنوني إلى جنب أمي فدفن إلى جنب فاطمة ع- .

قال أبو الفرج فأما يحيى بن الحسن صاحب كتاب النسب-  فإنه روى أن عائشة ركبت ذلك اليوم بغلا-  و استنفرت بنو أمية مروان بن الحكم-  و من كان هناك منهم و من حشمهم-  و هو قول القائل

 فيوما على بغل و يوما على جمل‏

 قلت و ليس في رواية يحيى بن الحسن ما يؤخذ على عائشة-  لأنه لم يرو أنها استنفرت الناس لما ركبت البغل-  و إنما المستنفرون هم بنو أمية-  و يجوز أن تكون عائشة ركبت لتسكين الفتنة-  لا سيما و قد روي عنها أنه لما طلب منها الدفن قالت نعم-  فهذه الحال و القصة منقبة من مناقب عائشة- .

 قال أبو الفرج و قال جويرية بن أسماء لما مات الحسن و أخرجوا جنازته-  جاء مروان حتى دخل تحته فحمل سريره-  فقال له الحسين ع أ تحمل اليوم سريره و بالأمس كنت تجرعه الغيظ-  قال مروان كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال- . قال و قدم الحسين ع للصلاة عليه سعيد بن العاص-  و هو يومئذ أمير المدينة-  و قال تقدم فلو لا أنها سنة لما قدمتك- . قال قيل لأبي إسحاق السبيعي متى ذل الناس-  فقال حين مات الحسن-  و ادعي زياد و قتل حجر بن عدي- . قال اختلف الناس في سن الحسن ع وقت وفاته-  فقيل ابن ثمان و أربعين-  و هو المروي عن جعفر بن محمد ع في رواية هشام بن سالم-  و قيل ابن ست و أربعين-  و هو المروي أيضا عن جعفر بن محمد ع في رواية أبي بصير- .

 

قال و في الحسن ع يقول سليمان بن قتة يرثيه-  و كان محبا له- 

   يا كذب الله من نعى حسنا
ليس لتكذيب نعيه ثمن‏

كنت خليلي و كنت خالصتي‏
لكل حي من أهله سكن‏

أجول في الدار لا أراك و في
الدار أناس جوارهم غبن‏

بدلتهم منك ليت أنهم‏
أضحوا و بيني و بينهم عدن‏

ثم نرجع إلى تفسير ألفاظ الفصل-  أما قوله كتبها إليه بحاضرين-  فالذي كنا نقرؤه قديما-  كتبها إليه بالحاضرين على صيغة التثنية-  يعني حاضر حلب و حاضر قنسرين-  و هي الأرباض و الضواحي المحيطة بهذه البلاد-  ثم قرأناه بعد ذلك على جماعة من الشيوخ بغير لام-  و لم يفسروه-  و منهم من يذكره بصيغة الجمع لا بصيغة التثنية-  و منهم من يقول بخناصرين-  يظنونه تثنية خناصرة أو جمعها-  و قد طلبت هذه الكلمة في الكتب المصنفة-  سيما في البلاد و الأرضين فلم أجدها-  و لعلي أظفر بها فيما بعد فألحقها في هذا الموضع- . قوله من الوالد الفان-  حذف الياء ها هنا للازدواج بين الفان و الزمان-  و لأنه وقف-  و في الوقف على المنقوص-  يجوز مع اللام حذف الياء و إثباتها-  و الإثبات هو الوجه-  و مع عدم اللام يجوز الأمران و إسقاط الياء هو الوجه- .

قوله المقر للزمان أي المقر له بالغلبة-  كأنه جعل نفسه فيما مضى خصما للزمان بالقهر- . قوله المدبر العمر لأنه كان قد جاوز الستين-  و لم يبق بعد مجاوزة الستين إلا إدبار العمر-  لأنها نصف العمر الطبيعي الذي قل أن يبلغه أحد-  فعلى تقدير أنه‏ يبلغه-  فكل ما بعد الستين أقل مما مضى-  فلا جرم يكون العمر قد أدبر- . قوله المستسلم للدهر-  هذا آكد من قوله المقر للزمان-  لأنه قد يقر الإنسان لخصمه و لا يستسلم- . قوله الذام للدنيا-  هذا وصف لم يستحدثه عند الكبر-  بل لم يزل عليه-  و لكن يجوز أن يزيد ذمه لها-  لأن الشيخ تنقص قواه-  التي يستعين بها على الدنيا و الدين جميعا-  و لا يزال يتأفف من الدنيا- . قوله الساكن مساكن الموتى إشعار بأنه سيموت-  و هذا من قوله تعالى-  وَ سَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ- . قوله الظاعن عنها غدا-  لا يريد الغد بعينه بل يريد قرب الرحيل و الظعن- .

و هذا الكلام من أمير المؤمنين ع-  كلام من قد أيقن بالفراق-  و لا ريب في ظهور الاستكانة و الخضوع عليه-  و يدل أيضا على كرب و ضيق عطن-  لكونه لم يبلغ أربه من حرب أهل الشام-  و انعكس ما قدره بتخاذل أصحابه عنه-  و نفوذ حكم عمرو بن العاص فيه-  لحمق أبي موسى و غباوته و انحرافه أيضا- . قوله إلى المولود هذه اللفظة بإزاء الوالد- . قوله المؤمل ما لا يدرك-  لو قال قائل إنه كنى بذلك-  عن أنه لا ينال الخلافة بعد موتي-  و إن كان مؤملا لها لم يبعد-  و يكون ذلك إخبارا عن غيب-  و لكن الأظهر أنه لم يرد ذلك-  إنما أراد جنس البشر لا خصوص الحسن-  و كذلك سائر الأوصاف التي تلي هذه اللفظة-  لا تخص الحسن ع بعينه-  بل هي و إن كانت له في الظاهر-  بل هي للناس كلهم في الحقيقة-  أ لا ترى إلى قوله بعدها السالك سبيل من قد هلك-  فإن كل واحد من الناس يؤمل أمورا لا يدركها-  و كل واحد من الناس سألك سبيل من هلك قبله- .

 

قوله ع غرض الأسقام-  لأن الإنسان كالهدف لآفات الدنيا و أعراضها- . قوله ع و رهينة الأيام-  الرهينة هاهنا المهزول-  يقال إنه لرهن و إنه لرهينة إذا كان مهزولا بالياء-  قال الراجز

  أما ترى جسمي خلاء قد رهن
هزلا و ما مجد الرجال في السمن‏

 و يجوز أن يريد بالرهينة واحدة الرهائن-  يقال للأسير أو للزمن أو للعاجز عند الرحيل أنه لرهينة-  و ذلك لأن الرهائن محتبسة عند مرتهنها- . قوله و رمية المصائب الرمية ما يرمى- . قوله و عبد الدنيا-  و تاجر الغرور و غريم المنايا-  لأن الإنسان طوع شهواته فهو عبد الدنيا-  و حركاته فيها مبنية على غرور لا أصل له-  فهو تاجر الغرور لا محالة-  و لما كانت المنايا تطالبه بالرحيل عن هذه الدار-  كانت غريما له يقتضيه ما لا بد له من أدائه- . قوله و أسير الموت و حليف الهموم-  و قرين الأحزان و نصب الآفات و سريع الشهوات-  لما كان الإنسان مع الموت-  كما قال طرفة

  لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى
لكالطول المرخى و ثنياه باليد

كان أسيرا له لا محالة-  و لما كان لا بد لكل إنسان من الهم كان حليف الهموم-  و كذلك لا يخلو و لا ينفك من الحزن فكان قرينا له-  و لما كان معرضا للآفات كان نصبا لها-  و لما كان إنما يهلك بشهواته كان صريعا لها- . قوله و خليفة الأموات-  قد أخذه من قال-  إن أمرا ليس بينه و بين آدم إلا أب ميت-  لمعرق في الموت- . و اعلم أنه عد من صفات نفسه سبعا-  و عد من صفات ولده أربع عشرة صفة-  فجعل‏بإزاء كل واحدة مما له اثنتين فليلمح ذلكبعض ما قيل من الشعر في الدهر و فعله بالإنسانو من جيد ما نعى به شاعر نفسه-  و وصف ما نقص الدهر من قواه-  قول عوف بن محلم الشيباني-  في عبد الله بن طاهر أمير خراسان- 

يا ابن الذي دان له المشرقان
و ألبس الأمن به المغربان‏

إن الثمانين و بلغتها
قد أحوجت سمعي إلى ترجمان‏

و بدلتني بالشطاط انحنا
و كنت كالصعدة تحت السنان‏

و قاربت مني خطا لم تكن‏
مقاربات و ثنت من عنان‏

و عوضتني من زماع الفتى
و همه هم الجبان الهدان‏

و أنشأت بيني و بين الورى‏
عنانة من غير نسج العنان‏

و لم تدع في لمستمتع
إلا لساني و كفاني لسان‏

أدعو به الله و أثني به‏
على الأمير المصعبي الهجان‏

و من الشعر القديم الجيد في هذا المعنى- قول سالم بن عونة الضبي-

لا يبعدن عصر الشباب و لا
لذاته و نباته النضر

و المشرفات من الخدور كإيماض‏
الغمام يجوز بالقطر

و طراد خيل مثلها التقتا
لحفيظة و مقاعد الخمر

لو لا أولئك ما حلفت متى‏
عوليت في خرج إلى قبري‏

هربت زبيبة أن رأت ثرمي
و أن انحنى لتقادم ظهري‏

من بعد ما عهدت فأدلفني‏
يوم يمر و ليلة تسري‏

حتى كأني خاتل قنصا
و المرء بعد تمامه يجري‏

لا تهزئي مني زبيب فما
في ذاك من عجب و لا سخر

أ و لم تري لقمان أهلكه
ما اقتات من سنة و من شهر

و بقاء نسر كلما انقرضت‏
أيامه عادت إلى نسر

ما طال من أمد على لبد
رجعت محارته إلى قصر

و لقد حلبت الدهر أشطره‏
و علمت ما آتي من الأمر

–  أنا أستفصح قوله ما اقتات من سنة و من شهر-  جعل الزمان كالقوت له-  و من اقتات الشي‏ء فقد أكله-  و الأكل سبب المرض و المرض سبب الهلاك

 

أَمَّا بَعْدُ-  فَإِنَّ فِيمَا تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي-  وَ جُمُوحِ الدَّهْرِ عَلَيَّ وَ إِقْبَالِ الآْخِرَةِ إِلَيَّ-  مَا يَزَعُنِي عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ-  وَ الِاهْتِمَامِ بِمَا وَرَائِي-  غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِي-  فَصَدَّقَنِي رَأْيِي وَ صَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ-  وَ صَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي-  فَأَفْضَى بِي إِلَى جَدٍّ لَا يَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ-  وَ صِدْقٍ لَا يَشُوبُهُ كَذِبٌ وَجَدْتُكَ بَعْضِي-  بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي-  حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي-  وَ كَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي-  فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي-  فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي هَذَا-  مُسْتَظْهِراً بِهِ إِنْ أَنَا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ يزعني يكفني و يصدني وزعت فلانا-  و لا بد للناس من وزعة- . و سوى لفظة تقصر إذا كسرت سينها-  و تمد إذا فتحتها و هي هاهنا بمعنى غير-  و من قبلها بمعنى شي‏ء منكر-  كقوله

         رب من أنضجت غيظا قلبه‏

و التقدير غير ذكر إنسان سواي-  و يجوز أن تكون من موصولة-  و قد حذف أحد جزأي الصلة-  و التقدير عن ذكر الذي هو غيري-  كما قالوا في لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ أي هو أشد-  يقول ع إن فيما قد بان لي-  من تنكر الوقت و إدبار الدنيا و إقبال الآخرة-  شاغلا لي عن الاهتمام بأحد غيري-  و الاهتمام و الفكر في أمر الولد و غيره ممن أخلفه ورائي- .

ثم عاد فقال ألا إن همي بنفسي يقتضي اهتمامي بك-  لأنك بعضي بل كلي-  فإن كان اهتمامي بنفسي يصرفني عن غيري-  لم تكن أنت داخلا في جملة من يصرفني همي بنفسي عنهم-  لأنك لست غيري- . فإن قلت أ فهذا الهم حدث لأمير المؤمنين ع الآن-  أو من قبل لم يكن عالما بأن الدنيا مدبرة و الآخرة مقبلة- . قلت كلا بل لم يزل عالما عارفا بذلك-  و لكنه الآن تأكد و قوي-  بطريق علو السن و ضعف القوى-  و هذا أمر يحصل للإنسان على سبيل الإيجاب-  لا بد من حصوله لكل أحد-  و إن كان عالما بالحال من قبل-  و لكن ليس العيان كالخبر- . و من مستحسن ما قيل في هذا المعنى قول أبي إسحاق الصابئ- 

  أقيك الردى إني تنبهت من كرى
و سهو على طول المدى اعترياني‏

فأثبت شخصا دانيا كان خافيا
على البعد حتى صار نصب عياني‏

هو الأجل المحتوم لي جد جده
و كان يريني غفلة المتواني‏

له نذر قد آذنتني بهجمة
له لست منها آخذا بأمان‏

و لا بد منه ممهلا أو معاجلا
سيأتي فلا يثنيه عني ثان‏

 و أول هذه القصيدة و هو داخل له في هذا المعنى أيضا-

إذا ما تعدت بي و سارت محفة
لها أرجل يسعى بها رجلان‏

و ما كنت من فرسانها غير أنها
وفت لي لما خانت القدمان‏

نزلت إليها عن سراة حصاني
بحكم مشيب أو فراش حصان‏

فقد حملت مني ابن سبعين سالكا
سبيلا عليها يسلك الثقلان‏

 قوله تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي-  أي دون الهموم-  التي قد كانت تعتريني لأجل أحوال الناس- . فصدقني رأيي يقال صدقته كذا أي عن كذا-  و في المثل صدقني سن بكره-  لأنه لما نفر قال له هدع-  و هي كلمة تسكن بها صغار الإبل إذا نفرت-  و المعنى أن هذا الهم صدقني عن الصفة-  التي يجب أن يكون رأيي عليها-  و تلك الصفة هي-  ألا يفكر في‏أمر شي‏ء من الموجودات أصلا-  إلا الله تعالى و نفسه-  و فوق هذه الطبقة طبقة أخرى جدا-  و هي ألا تفكر في شي‏ء قط إلا في الله وحده-  و فوق هذه الطبقة طبقة أخرى تجل عن الذكر و التفسير-  و لا تصلح لأحد من المخلوقين إلا النادر الشاذ-  و قد ذكرها هو فيما سبق-  و هو ألا يفكر في شي‏ء أصلا-  لا في المخلوق و لا في الخالق-  لأنه قد قارب أن يتحد بالخالق-  و يستغني عن الفكر فيه- . قوله و صرفني عن هواي-  أي عن هواي و فكري في تدبير الخلافة و سياسة الرعية-  و القيام بما يقوم به الأئمة- .

قوله ع و صرح لي محض أمري-  يروى بنصب محض و رفعه-  فمن نصب فتقديره عن محض أمري-  فلما حذف الجار نصب و من رفع جعله فاعلا-  و صرح كشف أو انكشف- . قوله فأفضى بي إلى كذا-  ليس بمعنى أنه قد كان من قبل يمازج جده باللعب-  بل المعنى أن همومه الأولى-  قد كانت بحيث يمكن أن يتخللها وقت راحة-  أو دعابة لا يخرج بها عن الحق-  كما كان رسول الله ص يمزح و لا يقول إلا حقا-  فالآن قد حدث عنده هم-  لا يمكن أن يتخلله من ذلك شي‏ء أصلا-  و مدار الفرق بين الحالتين أعني الأولى و الثانية-  على إمكان اللعب لا نفس اللعب-  و ما يلزم من قوله أفضى لك بي هذا الهم-  إلى انتفاء إمكان اللعب-  أن تكون همومه الأولى قد كان يمازجها اللعب-  و لكن يلزم من ذلك-  أنها قد كانت يمكن ذلك فيها إمكانا محضا-  على أن اللعب غير منكر إذا لم يكن باطلا-  أ لا ترى إلى قول النبي ص المؤمن دعب لعب-  و كذلك القول في قوله و صدق لا يشوبه كذب-  أي لا يمكن أن يشوبه كذب-  و ليس المراد بالصدق و الكذب هاهنا مفهومهما المشهورين-  بل هو من قولهم صدقونا اللقاء-  و من قولهم حمل عليهم فما كذب-  قال زهير

  ليث بعثر يصطاد الليوث إذا
ما كذب الليث عن أقرانه صدقا

أي أفضى بي هذا الهم إلى أن صدقتني الدنيا حربها-  كأنه جعل نفسه محاربا للدنيا-  أي صدقتني الدنيا حربها و لم تكذب-  أي لم تجبن و لم تخن- . أخبر عن شدة اتحاد ولده به فقال وجدتك بعضي-  قال الشاعر

و إنما أولادنا بيننا
أكبادنا تمشي على الأرض‏

لو هبت الريح على بعضهم‏
لامتنعت عيني من الغمض‏

و غضب معاوية على ابنه يزيد فهجره-  فاستعطفه له الأحنف-  قال له يا أمير المؤمنين-  أولادنا ثمار قلوبنا و عماد ظهورنا-  و نحن لهم سماء ظليلة و أرض ذليلة-  فإن غضبوا فأرضهم و إن سألوا فأعطهم-  فلا تكن عليهم قفلا فيملوا حياتك و يتمنوا موتك- . و قيل لابنة الخس أي ولديك أحب إليك-  قالت الصغير حتى يكبر-  و المريض حتى يبرأ و الغائب حتى يقدم- . غضب الطرماح على امرأته فشفع فيها ولده-  منها صمصام و هو غلام لم يبلغ عشرا-  فقال الطرماح

       

أ صمصام إن تشفع لأمك تلقها
لها شافع في الصدر لم يتزحزح‏

هل الحب إلا أنها لو تعرضت‏
لذبحك يا صمصام قلت لها اذبحي‏

أحاذر يا صمصام إن مت أن يلي
تراثي و إياك امرؤ غير مصلح‏

إذا صك وسط القوم رأسك صكة
يقول له الناهي ملكت فأسجح‏
– و في الحديث المرفوع إن ريح الولد من ريح الجنةو في الحديث الصحيح أنه قال لحسن و حسين ع إنكم لتجبنون و إنكم لتبخلون- و إنكم لمن ريحان الله- . و من ترقيص الأعراب قول أعرابية لولدها-

يا حبذا ريح الولد
ريح الخزامى في البلد

أ هكذا كل ولد
أم لم يلد قبلي أحد

و في الحديث المرفوع من كان له صبي فليستصب له- . و أنشد الرياشي

من سره الدهر أن يرى الكبدا
يمشي على الأرض فلير الولدا

فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ أَيُّ بُنَيَّ وَ لُزُومِ أَمْرِهِ-  وَ عِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ وَ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ-  وَ أَيُّ سَبَبٍ أَوْثَقُ مِنْ سَبَبٍ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ-  إِنْ أَنْتَ أَخَذْتَ بِهِ-  أَحْيِ قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ وَ أَمِتْهُ بِالزَّهَادَةِ-  وَ قَوِّهِ بِالْيَقِينِ وَ نَوِّرْهُ بِالْحِكْمَةِ-  وَ ذَلِّلْهُ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَ قَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ-  وَ بَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا-  وَ حَذِّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وَ فُحْشَ تَقَلُّبِ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ-  وَ اعْرِضْ عَلَيْهِ أَخْبَارَ الْمَاضِينَ-  وَ ذَكِّرْهُ بِمَا أَصَابَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ-  وَ سِرْ فِي دِيَارِهِمْ وَ آثَارِهِمْ-  فَانْظُرْ فِيمَا فَعَلُوا وَ عَمَّا انْتَقَلُوا وَ أَيْنَ حَلُّوا وَ نَزَلُوا-  فَإِنَّكَ تَجِدُهُمْ انْتَقَلُوا عَنِ الْأَحِبَّةِ-  وَ حَلُّوا دَارَ الْغُرْبَةِ-  وَ كَأَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ قَدْ صِرْتَ كَأَحَدِهِمْ-فَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ وَ لَا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ-  وَ دَعِ الْقَوْلَ فِيمَا لَا تَعْرِفُ وَ الْخِطَابَ فِيمَا لَمْ تُكَلَّفْ-  وَ أَمْسِكْ عَنْ طَرِيقٍ إِذَا خِفْتَ ضَلَالَتَهُ-  فَإِنَّ الْكَفَّ عِنْدَ حَيْرَةِ الضَّلَالِ خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الْأَهْوَالِ قوله ع و أي سبب أوثق-  إشارة إلى القرآن لأنه هو المعبر عنه بقوله تعالى-  وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا- . ثم أتى بلفظتين متقابلتين و ذلك من لطيف الصنعة-  فقال أحي قلبك بالموعظة و أمته بالزهادة-  و المراد إحياء دواعيه إلى الطاعة و إماتة الشهوات عنه- . قوله ع و اعرض عليه أخبار الماضين-  معنى قد تداوله الناس-  قال الشاعر

  سل عن الماضين إن نطقت
عنهم الأجداث و الترك‏

أي دار للبلى نزلوا
و سبيل للردي سلكوا

قوله ع و دع القول فيما لا تعرف-  من قول رسول الله ص لعبد الله بن عمرو بن العاص يا عبد الله كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس-  مرجت عهودهم و أماناتهم و صار الناس هكذا-  و شبك بين أصابعه-  قال عبد الله فقلت مرني يا رسول الله-  فقال خذ ما تعرف و دع ما لا تعرف-  و عليك بخويصة نفسك- .

قوله و الخطاب فيما لم تكلف-  من قول رسول الله ص من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه-  و قال معاوية في عبد الملك بن مروان و هو حينئذ غلام-  إن لهذا الغلام لهمة-  و إنه مع ذلك تارك لثلاث آخذ بثلاث-  تارك مساءة الصديق جدا و هزلا-  تارك ما لا يعنيه تارك ما لا يعتذر منه-  آخذ بأحسن الحديث إذا حدث-  و بأحسن الاستماع إذا حدث-  و بأهون الأمرين إذا خولف- . قوله ع و أمسك عن طريق إذا خفت ضلالته-  مأخوذ من قول النبي ص دع ما يريبك إلى ما لا يريبكو في خبر آخر إذا رابك أمر فدعه

وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ-  وَ أَنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِيَدِكَ وَ لِسَانِكَ-  وَ بَايِنْ مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ-  وَ جَاهِدْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ-  وَ لَا تَأْخُذْكَ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ-  وَ خُضِ الْغَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ حَيْثُ كَانَ وَ تَفَقَّهْ فِي الدِّينِ-  وَ عَوِّدْ نَفْسَكَ الصَّبْرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ-  وَ نِعْمَ الْخُلُقُ التَّصَبُرُ فِي الْحَقِّ-  وَ أَلْجِئْ نَفْسَكَ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا إِلَى إِلَهِكَ-  فَإِنَّكَ تُلْجِئُهَا إِلَى كَهْفٍ حَرِيزٍ وَ مَانِعٍ عَزِيزٍ-  وَ أَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ-  فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَ الْحِرْمَانَ-  وَ أَكْثِرِ الِاسْتِخَارَةَ وَ تَفَهَّمْ وَصِيَّتِي-  وَ لَا تَذْهَبَنَّ عَنْكَ صَفْحاً-  فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ-  وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ-  وَ لَا يُنْتَفَعُ بِعِلْمٍ لَا يَحِقُّ تَعَلُّمُهُ‏

 

أمره يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر-  و هما واجبان عندنا-  و أحد الأصول الخمسة التي هي أصول الدين- . و معنى قوله تكن من أهله-  لأن أهل المعروف هم الأبرار الصالحون-  و يجب إنكار المنكر باللسان فإن لم ينجع فباليد-  و تفصيل ذلك و ترتيبه مذكور في كتبي الكلامية- . قوله و خض الغمرات إلى الحق-  لا شبهة أن الحسن ع لو تمكن لخاضها-  إلا أن من فقد الأنصار لا حيلة له- .

و هل ينهض البازي بغير جناح‏-  و الذي خاضها مع عدم الأنصار هو الحسين ع-  و لهذا عظم عند الناس قدره-  فقدمه قوم كثير على الحسن ع-  فإن قلت فما قول أصحابكم في ذلك-  قلت هما عندنا في الفضيلة سيان-  أما الحسن فلوقوفه مع قوله تعالى إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا-  و أما الحسين فلإعزاز الدين- . قوله فنعم التصبر قد تقدم منا كلام شاف في الصبر- . و قوله و أكثر الاستخارة-  ليس يعني-  بها ما يفعله اليوم قوم من الناس-  من سطر رقاع و جعلها في بنادق-  و إنما المراد أمره إياه بأن يطلب الخيرة من الله-  فيما يأتي و يذر- . قوله لا خير في علم لا ينفع قول حق-  لأنه إذا لم ينفع كان عبثا- .

قوله و لا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه-  أي لا يجب و لا يندب إليه-  و ذلك لأن النفع إنما هو نفع الآخرة-  فما لم يكن من العلوم مرغبا فيه إما بإيجاب أو ندب-  فلا انتفاع به في الآخرة-  و ذلك كعلم الهندسة و الأرثماطيقي و نحوهما: أَيْ بُنَيَّ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنّاً-  وَ رَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً-  بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ-  وَ أَوْرَدْتُ خِصَالًا مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي-  دُونَ أَنْ أُفْضِيَ إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي-  أَوْ أَنْ أُنْقَصَ فِي رَأْيِي كَمَا نُقِصْتُ فِي جِسْمِي-  أَوْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَ فِتَنِ الدُّنْيَا-  فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ-  وَ إِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ-  مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْ‏ءٍ قَبِلَتْهُ-  فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ-  وَ يَشْتَغِلَ لُبُّكَ لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ مِنَ الْأَمْرِ-  مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَ تَجْرِبَتَهُ-  فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَئُونَةَ الطَّلَبِ-  وَ عُوفِيتَ مِنْ عِلَاجِ التَّجْرِبَةِ-  فَأَتَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ كُنَّا نَأْتِيهِ-  وَ اسْتَبَانَ لَكَ مَا رُبَّمَا أَظْلَمَ عَلَيْنَا مِنْهُ هذه الوصية كتبها ع للحسن بعد أن تجاوز الستين- 

و روي أنه ذكر عند رسول الله ص ما بين الستين و السبعين-  فقال معترك المنايا- . قوله ع أو أن أنقص في رأيي-  هذا يدل على بطلان قول من قال-  إنه لا يجوز أن ينقص في رأيه-  و أن الإمام معصوم عن أمثال ذلك-  و كذلك قوله‏ للحسن-  أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى و فتن الدنيا-  يدل على أن الإمام لا يجب أن يعصم عن غلبات الهوى-  و لا عن فتن الدنيا- . قوله فتكون كالصعب النفور-  أي كالبعير الصعب الذي لا يمكن راكبا-  و هو مع ذلك نفور عن الأنس- . ثم ذكر أن التعلم إنما هو في الصبا-  و في المثل الغلام كالطين يقبل الختم ما دام رطبا- . و قال الشاعر

اختم و طينك رطب إن قدرت فكم
قد أمكن الختم أقواما فما ختموا

 و مثل هو ع قلب الحدث بالأرض الخالية-  ما ألقي فيها من شي‏ء قبلته-  و كان يقال التعلم في الصغر كالنقش في الحجر-  و التعلم في الكبر كالخط على الماء- . قوله فأتاك من ذلك ما كنا نأتيه-  أي الذي كنا نحن نتجشم المشقة في اكتسابه-  و نتكلف طلبه يأتيك أنت الآن صفوا عفوا: أَيْ بُنَيَّ إِنِّي وَ إِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي-  فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ وَ فَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ-  وَ سِرْتُ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ-  بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ-  قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ-  فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ وَ نَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ-  فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ جَلِيلَهُ-  وَ تَوَخَّيْتُ لَكَ‏جَمِيلَهُ وَ صَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ-  وَ رَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي الْوَالِدَ الشَّفِيقَ-  وَ أَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ-  وَ أَنْتَ مُقْبِلُ الْعُمُرِ وَ مُقْتَبَلُ الدَّهْرِ-  ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ وَ نَفْسٍ صَافِيَةٍ-  وَ أَنْ أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ-  وَ تَأْوِيلِهِ وَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَ أَحْكَامِهِ وَ حَلَالِهِ وَ حَرَامِهِ-  لَا أُجَاوِزُ ذَلِكَ بِكَ إِلَى غَيْرِهِ-  ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ-  مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَ آرَائِهِمْ-  مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ-  فَكَانَ إِحْكَامُ ذَلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ-  مِنْ إِسْلَامِكَ إِلَى أَمْرٍ لَا آمَنُ عَلَيْكَ فِيهِ الْهَلَكَةَ-  وَ رَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللَّهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ-  وَ أَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هَذِهِ هذا الفصل و ما بعده يشعر بالنهي عن علم الكلام-  حسب ما يقتضيه ظاهر لفظه-  أ لا تراه قال له-  كنت عازما على أن أعلمك القرآن و تفسيره-  و الفقه و هو المعرفة بأحكام الشريعة-  و لا أجاوز ذلك بك إلى غيره-  ثم خفت أن تدخل عليك شبهة في أصول الدين-  فيلتبس عليك في عقيدتك الأصلية-  ما التبس على غيرك من الناس-  فعدلت عن العزم الأول-  إلى أن أوصيك بوصايا تتعلق بأصول الدين- .

و معنى قوله ع و كان إحكام ذلك-  إلى قوله لا آمن عليك به الهلكة-  أي فكان إحكامي الأمور الأصلية عندك-  و تقرير الوصية التي أوصيك بها في ذهنك فيما رجع إلى النظر في العلوم الإلهية-  و إن كنت كارها للخوض معك‏ فيه-  و تنبيهك عليه أحب إلي-  من أن أتركك سدى مهملا تتلاعب بك الشبه-  و تعتورك الشكوك في أصول دينك-  فربما أفضى ذلك بك إلى الهلكة- .

فإن قلت فلما ذا كان كارها تنبيه ولده على ذلك-  و أنتم تقولون إن معرفة الله واجبة على المكلفين-  و ليس يليق بأمير المؤمنين أن يكره ما أوجبه الله تعالى-  قلت لعله علم إما من طريق وصية رسول الله ص-  أو من طريق معرفته بما يصلح أن يكون لطفا لولده و معرفته-  بما يكون مفسدة له لكثرة التجربة له-  و طول الممارسة لأخلاقه و طباعه-  أن الأصلح له ألا يخوض في علم الكلام الخوض الكلي-  و أن يقتنع بالمبادئ و الجمل-  فمصالح البشر تختلف-  فرب إنسان مصلحته في أمر ذلك الأمر بعينه مفسدة لغيره-  و نحن و إن أوجبنا المعرفة فلم نوجب منها إلا الأمور المجملة-  و أما التفصيلات الدقيقة الغامضة-  فلا تجب إلا عند ورود الشبهة-  فإذا لم تقع الشبهة في نفس المكلف-  لم يجب عليه الخوض في التفصيلات- .

قوله ع قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم-  العين مفتوحة و الميم مكسورة مخففة-  تقول عمر الرجل يعمر عمرا و عمرا على غير قياس-  لأن قياس مصدره التحريك أي عاش زمانا طويلا-  و استعمل في القسم أحدهما فقط و هو المفتوح- . قوله ع حيث عناني من أمرك أي أهمني-  قال عناني من صدودك ما عنا-  قوله و أجمعت عليه أي عزمت- . و مقتبل الدهر-  يقال اقتبل الغلام فهو مقتبل بالفتح و هو من الشواذ-  و مثله أحصن الرجل إذا تزوج فهو محصن-  و إذا عف فمحصن أيضا-  و أسهب إذا أطال الحديث فهو مسهب-  و ألفج إذا افتقر فهو ملفج-  و ينبغي أن يكون له من قوله تنبيهك له-  بمعنى‏ عليه-  أو تكون على أصلها أي ما كرهت تنبيهك لأجله- . فإن قلت إلى الآن ما فسرت-  لما ذا كره تنبيهه على هذا الفن-  قلت بلى قد أشرت إليه-  و هو أنه كره أن يعدل به عن تفسير القرآن و علم الفقه-  إلى الخوض في الأمور الأصولية-  فنبهه على أمور-  يجره النظر و تأمل الأدلة و الشبهات إليها دقيقة-  يخاف على الإنسان من الخوض فيها أن تضطرب عقيدته-  إلا أنه لم يجد به بدا من تنبيهه على أصول الديانة-  و إن كان كارها لتعريضه لخطر الشبهة-  فنبهه على أمور جملية غير مفصلة-  و أمره أن يلزم ذلك و لا يتجاوزه إلى غيره-  و أن يمسك عما يشتبه عليه-  و سيأتي ذكر ذلك: وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ-  أَنَّ أَحَبَّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِهِ إِلَيَّ مِنْ وَصِيَّتِي تَقْوَى اللَّهِ-  وَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ-  وَ الْأَخْذُ بِمَا مَضَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ آبَائِكَ-  وَ الصَّالِحُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ-  فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا أَنْ نَظَرُوا لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا أَنْتَ نَاظِرٌ-  وَ فَكَّرُوا كَمَا أَنْتَ مُفَكِّرٌ-  ثُمَّ رَدَّهُمْ آخِرُ ذَلِكَ إِلَى الْأَخْذِ بِمَا عَرَفُوا-  وَ الْإِمْسَاكِ عَمَّا لَمْ يُكَلَّفُوا-  فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ كَمَا عَلِمُوا-  فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذَلِكَ بِتَفَهُّمٍ وَ تَعَلُّمٍ-  لَا بِتَوَرُّطِ الشُّبُهَاتِ وَ عُلَقِ الْخُصُومَاتِ-  وَ ابْدَأْ قَبْلَ نَظَرِكَ فِي ذَلِكَ بِالِاسْتِعَانَةِ بِإِلَهِكَ-  وَ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ فِي تَوْفِيقِكَ-  وَ تَرْكِ كُلِّ شَائِبَةٍ أَوْلَجَتْكَ فِي شُبْهَةٍ-  أَوْ أَسْلَمَتْكَ إِلَى ضَلَالَةٍ-  فَإِنْ أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ-  وَ تَمَّ رَأْيُكَ فَاجْتَمَعَ-  وَ كَانَ هَمُّكَ فِي ذَلِكَ هَمّاً وَاحِداً-  فَانْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ-  وَ إِنْ أَنْتَ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ-  وَ فَرَاغِ نَظَرِكَ وَ فِكْرِكَ-فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ الْعَشْوَاءَ وَ تَتَوَرَّطُ الظَّلْمَاءَ-  وَ لَيْسَ طَالِبُ الدِّينِ مَنْ خَبَطَ أَوْ خَلَطَ-  وَ الْإِمْسَاكُ عَنْ ذَلِكَ أَمْثَلُ أمره أن يقتصر على القيام بالفرائض-  و أن يأخذ بسنة السلف الصالح من آبائه و أهل بيته-  فإنهم لم يقتصروا على التقليد-  بل نظروا لأنفسهم و تأملوا الأدلة-  ثم رجعوا آخر الأمر إلى الأخذ بما عرفوا-  و الإمساك عما لم يكلفوا- .

فإن قلت من سلفه هؤلاء الذين أشار إليهم-  قلت المهاجرون الأولون من بني هاشم و بني المطلب-  كحمزة و جعفر و العباس و عبيدة بن الحارث-  و كأبي طالب في قول الشيعة و كثير من أصحابنا-  و كعبد المطلب في قول الشيعة خاصة- . فإن قلت-  فهل يكون أمير المؤمنين ع نفسه معدودا من جملة هؤلاء-  قلت لا فإنه لم يكن من أهل المبادئ و الجمل-  المقتصر بهم في تكليفهم العقليات على أوائل الأدلة-  بل كان سيد أهل النظر كافة و إمامهم- . فإن قلت ما معنى قوله لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم-  قلت لأنهم إذا تأملوا الأدلة و فكروا فيها-  فقد نظروا لأنفسهم كما ينظر الإنسان لنفسه-  ليخلصها من مضرة عظيمة سبيلها أن تقع به-  إن لم ينظر في الخلاص منها-  و هذا هو الوجه في وجوب النظر في طريق معرفة الله-  و الخوف من إهمال النظر- . فإن قلت ما معنى قوله إلى الأخذ بما عرفوا-  و الإمساك عما لم يكلفوا-قلت الأخذ بما عرفوا مثل أدلة حدوث الأجسام-  و توحيد البارئ و عدله و الإمساك عما لم يكلفوا-  مثل النظر في إثبات الجزء الذي لا يتجزأ و نفيه-  و مثل الكلام في الخلإ و الملإ-  و الكلام في أن هل بين كل حركتين مستقيمتين سكون أم لا-  و أمثال ذلك مما لا يتوقف أصول التوحيد و العدل عليه-  فإنه لا يلزم أصحاب الجمل و المبادئ أن يخوضوا في ذلك-  لأنهم لم يكلفوا الخوض فيه-  و هو من وظيفة قوم آخرين- .

قوله ع فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك-  دون أن تعلم كما علموا-  هذا الموضع فيه نظر-  لأنا قد قلنا إنهم لم يعلموا التفاصيل الدقيقة-  فكيف يجعلهم عالمين بها-  و يقول أن تعلم كما علموا-  و ينبغي أن يقال إن الكاف و ما عملت فيه في موضع نصب-  لأنه صفة مصدر محذوف-  و تقديره فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك علما كما علموا-  دون أن تعلم التفاصيل الدقيقة-  و جاز انتصاب علما و العامل فيه تقبل-  لأن القبول من جنس العلم-  لأن القبول اعتقاد و العلم اعتقاد-  و ليس لقائل أن يقول-  فإذن يكون قد فصل بين الصفة و الموصوف بأجنبي-  لأن الفصل بينهما قد جاء كثيرا-  قال الشاعر

  جزى الله كفا ملئها من سعادة
سرت في هلاك المال و المال نائم‏

 و يجوز أن يقال كما علموا الآن بعد موتهم-  فإنهم بعد الموت يكونون عالمين-  بجميع ما يشتبه علمه على الناس في الحياة الدنيا-  لأن المعارف ضرورية بعد الموت-  و النفوس باقية على قول كثير من المسلمين و غيرهم- . و اعلم أن الذي يدعو إلى تكلف هذه التأويلات-  أن ظاهر الكلام كونه يأمر بتقليد النبي ص-  و الأخذ بما في القرآن و ترك النظر العقلي-  هذا هو ظاهر الكلام-  أ لا تراه كيف يقول له الاقتصار على ما فرضه الله عليك-  و الأخذ بما مضى عليه أهل‏ بيتك و سلفك-  فإنهم لما حاولوا النظر رجعوا بأخرة إلى السمعيات-  و تركوا العقليات-  لأنها أفضت بهم إلى ما لا يعرفونه-  و لا هو من تكليفهم- . ثم قال له فإن كرهت التقليد المحض-  و أحببت أن تسلك مسلكهم في النظر-  و إن أفضى بك الأمر بأخرة إلى تركه-  و العود إلى المعروف من الشرعيات-  و ما ورد به الكتاب و السنة-  فينبغي أن تنظر و أنت مجتمع الهم خال من الشبهة-  و تكون طالبا للحق غير قاصد إلى الجدل و المراء-  فلما وجدنا ظاهر اللفظ يقتضي هذه المعاني-  و لم يجز عندنا أن يأمر أمير المؤمنين ع ولده-  مع حكمته و أهلية ولده بالتقليد و ترك النظر-  رجعنا إلى تأويل كلامه على وجه يخرج به ع-  من أن يأمر بما لا يجوز لمثله أن يأمر به- .

و اعلم أنه قد أوصاه إذا هم بالشروع في النظر-  بمحض ما ذكره المتكلمون-  و ذلك أمور منها أن يرغب إلى الله في توفيقه و تسديده- . و منها أن يطلب المطلوب النظري بتفهم و تعلم-  لا بجدال و مغالبة و مراء و مخاصمة- . و منها إطراح العصبية لمذهب بعينه-  و التورط في الشبهات-  التي يحاول بها نصره ذلك المذهب- . و منها ترك الإلف و العادة-  و نصرة أمر يطلب به الرئاسة-  و هو المعني بالشوائب التي تولج في الضلال- . و منها أن يكون صافي القلب مجتمع الفكر-  غير مشغول السر بأمر من جوع‏ أو شبع-  أو شبق أو غضب-  و لا يكون ذا هموم كثيرة و أفكار موزعة مقسمة-  بل يكون فكره و همه هما واحدا- . قال فإذا اجتمع لك كل ذلك فانظر-  و إن لم يجتمع لك ذلك و نظرت-  كنت كالناقة العشواء الخابطة لا تهتدي-  و كمن يتورط في الظلماء لا يعلم أين يضع قدمه-  و ليس طالب الدين من كان خابطا أو خالطا-  و الإمساك عن ذلك أمثل و أفضل: فَتَفَهَّمْ يَا بُنَيَّ وَصِيَّتِي-  وَ اعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ الْمَوْتِ هُوَ مَالِكُ الْحَيَاةِ-  وَ أَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُمِيتُ-  وَ أَنَّ الْمُفْنِيَ هُوَ الْمُعِيدُ وَ أَنَّ الْمُبْتَلِيَ هُوَ الْمُعَافِي-  وَ أَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لِتَسْتَقِرَّ-  إِلَّا عَلَى مَا جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّعْمَاءِ وَ الِابْتِلَاءِ-  وَ الْجَزَاءِ فِي الْمَعَادِ-  أَوْ مَا شَاءَ مِمَّا لَا تَعْلَمُ-  فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْ‏ءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاحْمِلْهُ عَلَى جَهَالَتِكَ-  فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ بِهِ جَاهِلًا ثُمَّ عُلِّمْتَ-  وَ مَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الْأَمْرِ وَ يَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأْيُكَ-  وَ يَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قد تعلق بهذه اللفظة-  و هو قوله أو ما شاء مما لا تعلم قوم من التناسخية-  و قالوا المعني بها الجزاء في الهياكل التي تنتقل النفوس إليها-  و ليس ما قالوه بظاهر-  و يجوز أن يريد ع-  أن الله تعالى قد يجازي المذنب في الدنيا بنوع من العقوبة-  كالأسقام و الفقر و غيرهما-  و العقاب و إن كان مفعولا على وجه الاستحقاق و الإهانة-  فيجوز لمستحقه و هو الباري-  أن يقتصر منه على الإيلام فقط-  لأن الجميع حقه فله أن يستوفي البعض و يسقط البعض-  و قد روي أو بما شاء بالباء الزائدة-  و روي بما لا يعلم-  و أما الثواب فلا يجوز أن يجازى به المحسن في الدنيا-  لأنه على صفة لا يمكن أن تجامع التكليف-  فيحمل لفظ الجزاء على جزاء العقاب خاصة- .

ثم أعاد ع وصيته الأولى-  فقال و إن أشكل عليك شي‏ء من أمر القضاء و القدر-  و هو كون الكافر مخصوصا بالنعماء-  و المؤمن مخصوصا بضرب من الابتلاء-  و كون الجزاء قد يكون في المعاد-  و قد يكون في غير المعاد-  فلا تقدحن جهالتك به-  في سكون قلبك إلى ما عرفتك جملته-  و هو أن الله تعالى هو المحيي المميت-  المفني المعيد المبتلي المعافي-  و أن الدنيا بنيت على الابتلاء و الأنعام-  و أنهما لمصالح و أمور يستأثر الله تعالى بعلمها-  و أنه يجازي عباده إما في الآخرة أو غير الآخرة-  على حسب ما يريده و يختاره- . ثم قال له إنما خلقت في مبدإ خلقتك جاهلا-  فلا تطلبن نفسك غاية من العلم لا وصول لها إليها-  أو لها إليها وصول بعد أمور صعبة و متاعب شديدة-  فمن خلق جاهلا حقيق أن يكون جهله مدة عمره أكثر من علمه-  استصحابا للأصل- . ثم أراد أن يؤنسه بكلمة استدرك بها إيحاشه-  فقال له و عساك إذا جهلت شيئا من ذلك أن تعلمه فيما بعد-  فما أكثر ما تجهل من الأمور و تتحير فيه-  ثم تبصره و تعرفه و هذا من الطب اللطيف-  و الرقى الناجعة و السحر الحلال‏

 

 فَاعْتَصِمْ بِالَّذِي خَلَقَكَ وَ رَزَقَكَ وَ سَوَّاكَ-  فَلْيَكُنْ لَهُ تَعَبُّدُكَ-  وَ إِلَيْهِ رَغْبَتُكَ وَ مِنْهُ شَفَقَتُكَ-  وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ أَحَداً لَمْ يُنْبِئْ عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ-  كَمَا أَنْبَأَ عَلَيْهِ نَبِيُّنَا ص-  فَارْضَ بِهِ رَائِداً وَ إِلَى النَّجَاةِ قَائِداً-  فَإِنِّي لَمْ آلُكَ نَصِيحَةً-  وَ إِنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ فِي النَّظَرِ لِنَفْسِكَ-  وَ إِنِ اجْتَهَدْتَ مَبْلَغَ نَظَرِي لَكَ عاد إلى أمره باتباع الرسول ص-  و أن يعتمد على السمع-  و ما وردت به الشريعة و نطق به الكتاب-  و قال له إن أحدا لم يخبر عن الله تعالى-  كما أخبر عنه نبينا ص-  و صدق ع-  فإن التوراة و الإنجيل و غيرهما من كتب أنبياء بني إسرائيل-  لم تتضمن من الأمور الإلهية ما تضمنه القرآن-  و خصوصا في أمر المعاد-  فإنه في أحد الكتابين مسكوت عنه-  و في الآخر مذكور ذكرا مضطربا-  و الذي كشف هذا القناع في هذا المعنى-  و صرح بالأمر هو القرآن-  ثم ذكر له أنه أنصح له من كل أحد-  و أنه ليس يبلغ و إن اجتهد في النظر لنفسه-  ما يبلغه هو ع له-  لشدة حبه له و إيثاره مصلحته-  و قوله لم آلك نصحا لم أقصر في نصحك-  ألى الرجل في كذا يألو أي قصر فهو آل و الفعل لازم-  و لكنه حذف اللام فوصل الفعل إلى الضمير فنسبه-  و كان أصله لا آلو لك نصحا و نصحا منصوب على التمييز-  و ليس كما قاله الراوندي إن انتصابه على أنه مفعول ثان-  فإنه إلى مفعول واحد لا يتعدى-  فكيف إلى اثنين-و يقول هذه امرأة آلية أي مقصرة و جمعها أوال-  و في المثل إلا حظية فلا ألية-  أصله في المرأة تصلف عند بعلها-  فتوصي حيث فاتتها الحظوة ألا تألوه في التودد إليه و التحبب إلى قلبه- . قوله و منه شفقتك أي خوفك- . و رائد أصله الرجل يتقدم القوم فيرتاد بهم المرعى: وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ-  أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبِّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ-  وَ لَرَأَيْتَ آثَارَ مِلْكِهِ وَ سُلْطَانِهِ-  وَ لَعَرَفْتَ أَفْعَالَهُ وَ صِفَاتَهُ-  وَ لَكِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ-  لَا يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ وَ لَا يَزُولُ أَبَداً وَ لَمْ يَزَلْ-  أَوَّلٌ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ بِلَا أَوَّلِيَّةٍ-  وَ آخِرٌ بَعْدَ الْأَشْيَاءِ بِلَا نِهَايَةٍ-  عَظُمَ أَنْ تُثْبَتَ رُبُوبِيَّتُهُ بِإِحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَرٍ-  فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَافْعَلْ-  كَمَا يَنْبَغِي لِمِثْلِكَ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي صِغَرِ خَطَرِهِ-  وَ قِلَّةِ مَقْدِرَتِهِ وَ كَثْرَةِ عَجْزِهِ-  و عَظِيمِ حَاجَتِهِ إِلَى رَبِّهِ فِي طَلَبِ طَاعَتِهِ-  وَ الرَّهِينَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ وَ الْخَشْيَةِ مِنْ عُقُوبَتِهِ-  وَ الشَّفَقَةِ مِنْ سُخْطِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْكَ إِلَّا بِحَسَنٍ-  وَ لَمْ يَنْهَكَ إِلَّا عَنْ قَبِيحٍ يمكن أن يستدل بهذا الكلام على نفي الثاني من وجهين-  أحدهما أنه لو كان في الوجود ثان للبارئ تعالى-  لما كان القول بالوحدانية حقا-  بل كان الحق هو القول بالتثنية-  و محال ألا يكون ذلك الثاني حكيما-  و لو كان الحق هوإثبات ثان حكيم-  لوجب أن يبعث رسولا يدعو المكلفين إلى التثنية-  لأن الأنبياء كلهم دعوا إلى التوحيد-  لكن التوحيد على هذا الفرض ضلال-  فيجب على الثاني الحكيم-  أن يبعث من ينبه المكلفين على ذلك الضلال-  و يرشدهم إلى الحق و هو إثبات الثاني-  و إلا كان منسوبا في إهمال ذلك إلى السفه-  و استفساد المكلفين و ذلك لا يجوز-  و لكنا ما أتانا رسول يدعو إلى إثبات ثان في الإلهية-  فبطل كون القول بالتوحيد ضلالا-  و إذا لم يكن ضلالا كان حقا-  فنقيضه و هو القول بإثبات الثاني باطل الوجه الثاني أنه لو كان في الوجود ثان للقديم تعالى-  لوجب أن يكون لنا طريق إلى إثباته-  إما من مجرد أفعاله أو من صفات أفعاله-  أو من صفات نفسه أو لا من هذا و لا من هذا فمن التوقيف- .

و هذه هي الأقسام التي ذكرها أمير المؤمنين ع-  لأن قوله أتتك رسله هو التوقيف-  و قوله و لرأيت آثار ملكه و سلطانه هي صفات أفعاله-  و قوله و لعرفت أفعاله و صفاته هما القسمان الآخران- . أما إثبات الثاني من مجرد الفعل فباطل-  لأن الفعل إنما يدل على فاعل و لا يدل على التعدد-  و أما صفات أفعاله و هي كون أفعاله محكمة متقنة-  فإن الأحكام الذي نشاهده إنما يدل على عالم و لا يدل على التعدد-  و أما صفات ذات البارئ فالعلم بها فرع على العلم بذاته-  فلو أثبتنا ذاته بها لزم الدور- . و أما التوقيف-  فلم يأتنا رسول ذو معجزة صحيحة يدعونا إلى الثاني-  و إذا بطلت الأقسام كلها-  و قد ثبت أن ما لا طريق إلى إثباته لا يجوز إثباته-  بطل القول بإثبات الثاني- . ثم قال لا يضاده في ملكه أحد-  ليس يريد بالضد ما يريده المتكلمون من نفي ذات-  هي معاكسة لذات البارئ تعالى في صفاتها-  كمضادة السواد للبياض-  بل مراده نفي الثاني لا غير-  فإن نفي الضد بحث آخر لا دخول له بين هذا الكلام- .

 

ثم ذكر له أن البارئ تعالى قديم سابق للأشياء-  لا سبقا له حد محدود و أول معين بل لا أول له مطلقا- . ثم قال و هو مع هذا آخر الأشياء-  آخرية مطلقة ليس تنتهي إلى غاية معينة- . ثم ذكر أن له ربوبية-  جلت عن أن تحيط بها الأبصار و العقول- . و قد سبق منا خوض في هذا المعنى-  و ذكرنا من نظمنا في هذا النمط أشياء لطيفة-  و نحن نذكر هاهنا من نظمنا أيضا في هذا المعنى-  و في فننا الذي اشتهرنا به و هو المناجاة و المخاطبة-  على طريقة أرباب الطريقة ما لم نذكره هناك-  فمن ذاك قولي

 فلا و الله ما وصل ابن سينا
و لا أغنى ذكاء أبي الحسين‏

و لا رجعا بشي‏ء بعد بحث‏
و تدقيق سوى خفي حنين‏

لقد طوفت أطلبكم و لكن
يحول الوقت بينكم و بيني‏

فهل بعد انقضاء الوقت أحظى‏
بوصلكم غدا و تقر عيني‏

منى عشنا بها زمنا و كانت
تسوفنا بصدق أو بمين‏

فإن أكدت فذاك ضياع ديني‏
و إن أجدت فذاك حلول ديني‏

و منها

أ مولاي قد أحرقت قلبي فلا تكن
غدا محرقا بالنار من كان يهواكا

أ تجمع لي نارين نار محبة
و نار عذاب أنت أرحم من ذاكا

و منها

قوم موسى تاهوا سنين كما قد
جاء في النص قدرها أربعونا

و لي اليوم تائها في جوى من‏
لا أسمي و حبه خمسونا

قل لأحبابنا إلام نروم
الوصل منكم و أنتم تمنعونا
كم نناجيكم فلا ترشدونا
و نناديكم فلا تسمعونا

حسبنا علمكم بأنا مواليكم‏
و إن كنتم لنا كارهينا

فعسى تدرك السعادة أرباب
المعاصي فيصبحوا فائزينا

 و منها

و الله ما آسى من الدنيا على
مال و لا ولد و لا سلطان‏

بل في صميم القلب مني حسرة
تبقى معي و تلف في أكفاني‏

إني أراك بباطني لا ظاهري
فالحسن مشغلة عن العرفان‏

يا من سهرت مفكرا في أمره‏
خمسين حولا دائم الجولان‏

فرجعت أحمق من نعامة بيهس
و أضل سعيا من أبي غبشان‏

و منها

و حقك إن أدخلتني النار قلت
للذين بها قد كنت ممن أحبه‏

و أفنيت عمري في علوم دقيقة
و ما بغيتي إلا رضاه و قربه‏

هبوني مسيئا أوتغ الحلم جهله
و أوبقه بين البرية ذنبه‏

أ ما يقتضي شرع التكرم عتقه‏
أ يحسن أن ينسى هواه و حبه‏

أ ما كان ينوي الحق فيما يقوله
أ لم تنصر التوحيد و العدل كتبه‏

أ ما رد زيغ ابن الخطيب و شكه‏
و إلحاده إذ جل في الدين خطبه‏

أ ما قلتم من كان فينا مجاهدا
سيكرم مثواه و يعذب شربه‏

و نهديه سبلا من هدانا جهاده‏
و يدخله خير المداخل كسبه‏

فأي اجتهاد فوق ما كان صانعا
و قد أحرقت زرق الشياطين شهبه‏

و ما نال قلب الجيش جيش محمد
كما نال من أهل الضلالة قلبه‏

فإن تصفحوا يغنم و إن تتجرموا
فتعذيبكم حلو المذاقة عذبه‏

و آية صدق الصب أن يعذب الأذى‏
إذ كان من يهوى عليه يصبه‏

 و منها

إذا فكرت فيك يحار عقلي
و ألحق بالمجانين الكبار

و أصحو تارة فيشوب ذهني‏
و يقدح خاطري كشواظ نار

فيا من تاهت العقلاء فيه
فأمسوا كلهم صرعى عقار

و يا من كاعت الأفكار عنه‏
فآبت بالمتاعب و الخسار

و يا من ليس يعلمه نبي
و لا ملك و لا يدريه دار

و يا من ليس قداما و خلفا
و لا جهة اليمين و لا اليسار

و لا فوق السماء و لا تدلى
من الأرضين في لجج البحار

و يا من أمره من ذاك أجلى‏
من ابن ذكاء أو صبح النهار

سألتك باسمك المكتوم إلا
فككت النفس من رق الإسار

وجدت لها بما تهوى فأنت‏
العليم بباطن اللغز الضمار

و منها

يا رب إنك عالم
بمحبتي لك و اجتهادي‏

و تجردي للذب عنك‏
على مراغمة الأعادي‏

بالعدل و التوحيد أصدع
معلنا في كل نادي‏

و كشفت زيغ ابن الخطيب‏
و لبسه بين العباد

و نقضت سائر ما بناه
من الضلالة و الفساد

و أبنت عن إغوائه
في دين أحمد ذي الرشاد

و جعلت أوجه ناصريه‏
محممات بالسواد

و كففت من غلوائهم
بعد التمرد و العناد

فكأنما نخل الرماد
عليهم بعد الرماد

و قصدت وجهك أبتغي
حسن المثوبة في المعاد

فأفض على العبد الفقير
إليكم نور السداد

و ارزقه قبل الموت
معرفة المصائر و المبادي‏

و افكك أسير الحرص‏
باللأصفاد من أسر الصفاد

و اغسل بصفو القرب من
أبوابكم كدر البعاد

و أعضه من حر الغليل‏
بوصلكم برد الفؤاد

و ارحم عيونا فيك
هامية و قلبا فيك صاد

يا ساطح الأرض المهاد
و ممسك السبع الشداد

يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَ حَالِهَا-  وَ زَوَالِهَا وَ انْتِقَالِهَا-  وَ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الآْخِرَةِ وَ مَا أُعِدَّ لِأَهْلِهَا-  وَ ضَرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا الْأَمْثَالَ-  لِتَعْتَبِرَ بِهَا وَ تَحْذُوَ عَلَيْهَا-  إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ-  نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ-  فَأَمُّوا مَنْزِلًا خَصِيباً وَ جَنَاباً مَرِيعاً-  فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ وَ فِرَاقَ الصَّدِيقِ-  وَ خُشُونَةَ السَّفَرِ وَ جُشُوبَةَ المَطْعَمِ-  لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ وَ مَنْزِلَ قَرَارِهِمْ-  فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْ‏ءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً-  وَ لَا يَرَوْنَ نَفَقَةً فِيهِ مَغْرَماً-  وَ لَا شَيْ‏ءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ-وَ أَدْنَاهُمْ إِلَى مَحَلَّتِهِمْ-  وَ مَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلٍ خَصِيبٍ-  فَنَبَا بِهِمْ إِلَى مَنْزِلٍ جَدِيبٍ-  فَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ وَ لَا أَفْظَعَ عِنْدَهُمْ-  مِنْ مُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ-  إِلَى مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ وَ يَصِيرُونَ إِلَيْهِ حذا عليه يحذو-  و احتذى مثاله يحتذي أي اقتدى به-  و قوم سفر بالتسكين أي مسافرون- . و أموا قصدوا و المنزل الجديب ضد المنزل الخصيب- . و الجناب المريع بفتح الميم ذو الكلإ و العشب-  و قد مرع الوادي بالضم- . و الجناب الفناء و وعثاء الطريق مشقتها- . و جشوبة المطعم غلظه طعام جشيب و مجشوب-  و يقال إنه الذي لا أدم معه- . يقول مثل من عرف الدنيا و عمل فيها للآخرة-  كمن سافر من منزل جدب إلى منزل خصيب-  فلقي في طريقه مشقة-  فإنه لا يكترث بذلك في جنب ما يطلب-  و بالعكس من عمل للدنيا و أهمل أمر الآخرة-  فإنه كمن يسافر إلى منزل ضنك-  و يهجر منزلا رحيبا طيبا-  و هذا من قول رسول الله ص الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر

يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ غَيْرِكَ-  فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ-  وَ اكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا-  وَ لَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ-  وَ أَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ-  وَ اسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ-  وَ ارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ-  وَ لَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ وَ إِنْ قَلَّ مَا تَعْلَمُ-  وَ لَا تَقُلْ مَا لَا تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ-  وَ اعْلَمْ أَنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ وَ آفَةُ الْأَلْبَابِ-  فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ وَ لَا تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ-  وَ إِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ

 جاء في الحديث المرفوع لا يكمل إيمان عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه-  و يكره لأخيه ما يكره لنفسه-  و قال بعض الأسارى لبعض الملوك-  افعل معي ما تحب أن يفعل الله معك فأطلقه و هذا هو معنى قوله ع و لا تظلم كما لا تحب أن تظلم- . و قوله و أحسن-  من قول الله تعالى وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ- . و قوله و استقبح من نفسك-  سئل الأحنف عن المروءة-  فقال أن تستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك-  و روي و ارض من الناس لك و هي أحسن- . و أما العجب و ما ورد في ذمة فقد قدمنا فيه قولا مقنعا- .

قوله ع و اسع في كدحك-  أي أذهب ما اكتسبت بالإنفاق-  و الكدح هاهنا هو المال الذي كدح في حصوله-  و السعي فيه إنفاقه و هذه كلمة فصيحة-  و قد تقدم نظائر قوله و لا تكن خازنا لغيرك- . ثم أمره أن يكون أخشع ما يكون لله إذ هداه لرشده-  و ذلك لأن هدايته إياه إلى رشده نعمة عظيمة منه-  فوجب أن يقابل بالخشوع لأنه ضرب من الشكر: وَ اعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقاً ذَا مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ-  وَ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ-  وَ أَنَّهُ لَا غِنَى بِكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ الِارْتِيَادِ-  وَ قَدْرِ بَلَاغِكَ مِنَ الزَّادِ مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ-  فَلَا تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ-  فَيَكُونَ ثِقْلُ ذَلِكَ وَبَالًا عَلَيْكَ-  وَ إِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْفَاقَةِ مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ-  فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ-  فَاغْتَنِمْهُ وَ حَمِّلْهُ إِيَّاهُ-  وَ أَكْثِرْ مِنْ تَزْوِيدِهِ وَ أَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ-  فَلَعَلَّكَ تَطْلُبُهُ فَلَا تَجِدُهُ-  وَ اغْتَنِمْ مَنِ اسْتَقْرَضَكَ فِي حَالِ غِنَاكَ-  لِيَجْعَلَ قَضَاءَهُ لَكَ فِي يَوْمِ عُسْرَتِكَ-  وَ اعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ عَقَبَةً كَئُوداً-  الْمُخِفُّ فِيهَا أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْمُثْقِلِ-  وَ الْمُبْطِئُ عَلَيْهَا أَقْبَحُ أَمْراً مِنَ الْمُسْرِعِ-  وَ أَنَّ مَهْبِطَهَا بِكَ لَا مَحَالَةَ-  إِمَّا عَلَى جَنَّةٍ أَوْ عَلَى نَارٍ-  فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ وَ وَطِّئِ الْمَنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ-  فَلَيْسَ بَعْدَ الْمَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ وَ لَا إِلَى الدُّنْيَا مُنْصَرَفٌ‏

 

أمره في هذا الفصل بإنفاق المال و الصدقة و المعروف-  فقال إن بين يديك طريقا بعيد المسافة شديد المشقة-  و من سلك طريقا فلا غنى له عن أن يرتاد لنفسه-  و يتزود من الزاد قدر ما يبلغه الغاية-  و أن يكون خفيف الظهر في سفره ذلك-  فإياك أن تحمل من المال ما يثقلك-  و يكون وبالا عليك-  و إذا وجدت من الفقراء و المساكين من يحمل ذلك الثقل عنك-  فيوافيك به غدا وقت الحاجة فحمله إياه-  فلعلك تطلب مالك فلا تجده-  جاء في الحديث المرفوع خمس من أتى الله بهن أو بواحدة منهن أوجب له الجنة-  من سقى هامة صادية أو أطعم كبدا هافية-  أو كسا جلدة عارية أو حمل قدما حافية-  أو أعتق رقبة عانيةقيل لحاتم الأصم-  لو قرأت لنا شيئا من القرآن قال نعم-  فاندفع فقرأ-  الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ-  الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ-  وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ يكنزون-  فقالوا أيها الشيخ ما هكذا أنزل-  قال صدقتم و لكن هكذا أنتم: وَ اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ-  قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ-  وَ تَكَفَّلَ لَكَ بِالْإِجَابَةِ وَ أَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعْطِيَكَ-  وَ تَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ-  وَ لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَكَ مَنْ يَحْجُبُكَ عَنْهُ-  وَ لَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ-وَ لَمْ يَمْنَعْكَ إِنْ أَسَأْتَ مِنَ التَّوْبَةِ-  وَ لَمْ يُعَاجِلْكَ بِالنِّقْمَةِ-  وَ لَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ تَعَرَّضْتَ لِلْفَضِيحَةِ-  وَ لَمْ يُشَدِّدْ عَلَيْكَ فِي قَبُولِ الْإِنَابَةِ-  وَ لَمْ يُنَاقِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ-  وَ لَمْ يُؤْيِسْكَ مِنَ الرَّحْمَةِ-  بَلْ جَعَلَ نُزُوعَكَ عَنِ الذَّنْبِ حَسَنَةً-  وَ حَسَبَ سَيِّئَتَكَ وَاحِدَةً-  وَ حَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً-  وَ فَتَحَ لَكَ بَابَ الْمَتَابِ وَ بَابَ الِاسْتِعْتَابِ-  فَإِذَا نَادَيْتَهُ سَمِعَ نِدَاكَ-  وَ إِذَا نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ-  فَأَفْضَيْتَ إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ-  وَ أَبْثَثْتَهُ ذَاتَ نَفْسِكَ وَ شَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَكَ-  وَ اسْتَكْشَفْتَهُ كُرُوبَكَ وَ اسْتَعَنْتَهُ عَلَى أُمُورِكَ-  وَ سَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غَيْرُهُ-  مِنْ زِيَادَةِ الْأَعْمَارِ وَ صِحَّةِ الْأَبْدَانِ-  وَ سَعَةِ الْأَرْزَاقِ-  ثُمَّ جَعَلَ فِي يَدَيْكَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِهِ-  بِمَا أَذِنَ لَكَ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ-  فَمَتَى شِئْتَ اسْتَفْتَحْتَ بِالدُّعَاءِ أَبْوَابَ نِعْمَتِهِ-  وَ اسْتَمْطَرْتَ شَآبِيبَ رَحْمَتِهِ-  فَلَا يُقْنِطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ-  فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ-  وَ رُبَّمَا أُخِّرَتْ عَنْكَ الْإِجَابَةُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِأَجْرِ السَّائِلِ-  وَ أَجْزَلَ لِعَطَاءِ الآْمِلِ-  وَ رُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْ‏ءَ فَلَا تُعْطَاهُ-  وَ أُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا-  أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ-  فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلَاكُ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ-  فَلْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَبْقَى لَكَ جَمَالُهُ-  وَ يُنْفَى عَنْكَ وَبَالُهُ-  فَالْمَالُ لَا يَبْقَى لَكَ وَ لَا تَبْقَى لَهُ قد تقدم القول في الدعاء- . قوله بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة-  هذا متفق عليه بين أصحابنا-  و هو أن تارك القبيح لأنه قبيح يستحق الثواب- .

قوله حسب سيئتك واحدة و حسب حسنتك عشرا-  هذا إشارة إلى قوله تعالى-  مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها-  وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى‏ إِلَّا مِثْلَها- . قوله و أبثثته ذات نفسك أي حاجتك- . ثم ذكر له وجوها في سبب إبطاء الإجابة-  منها أن ذلك أمر عائد إلى النية-  فلعلها لم تكن خالصة- . و منها أنه ربما أخرت ليكون أعظم لأجر السائل-  لأن الثواب على قدر المشقة- . و منها أنه ربما أخرت ليعطي السائل خيرا مما سائل-  إما عاجلا أو آجلا أو في الحالين- . و منها أنه ربما صرف ذلك عن السائل-  لأن في إعطائه إياه مفسدة في الدين- . قوله فالمال لا يبقى لك و لا تبقى له-  لفظ شريف فصيح-  و معنى صادق محقق فيه عظة بالغة-  و قال أبو الطيب

  أين الجبابرة الأكاسرة الألى
كنزوا الكنوز فما بقين و لا بقوا

و يروى من يحجبه عنك- . و روى حيث الفضيحة أي حيث الفضيحة-  موجودة منك- . و اعلم أن في قوله قد أذن لك في الدعاء-  و تكفل لك بالإجابة-  إشارة إلى قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ- . و في قوله و أمر أن تسأله ليعطيك-  إشارة إلى قوله وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ- .

 

و في قوله و تسترحمه ليرحمك-  إشارة إلى قوله وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ- . و في قوله و لم يمنعك إن أسأت من التوبة-  إشارة إلى قوله إِلَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً-  فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ-  وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً: وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّكَ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلآْخِرَةِ لَا لِلدُّنْيَا-  وَ لِلْفَنَاءِ لَا لِلْبَقَاءِ وَ لِلْمَوْتِ لَا لِلْحَيَاةِ-  وَ أَنَّكَ فِي مَنْزِلِ قُلْعَةٍ وَ دَارِ بُلْغَةٍ-  وَ طَرِيقٍ إِلَى الآْخِرَةِ-  وَ أَنَّكَ طَرِيدُ الْمَوْتِ الَّذِي لَا يَنْجُو هَارِبُهُ-  وَ لَا يَفُوتُهُ طَالِبُهُ وَ لَا بُدَّ أَنَّهُ مُدْرِكُهُ فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرٍ أَنْ يُدْرِكَكَ وَ أَنْتَ عَلَى حَالِ سَيِّئَةٍ-  قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ-  فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ ذَلِكَ-  فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ-  يَا بُنَيَّ أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَ ذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ-  وَ تُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ-  حَتَّى يَأْتِيَكَ وَ قَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ-  وَ شَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ-  وَ لَا يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ-  وَ إِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلَادِ أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَيْهَا-  وَ تَكَالُبِهِمْ عَلَيْهَا فَقَدْ نَبَّأَكَ اللَّهُ عَنْهَا-  وَ نَعَتَتْ لَكَ نَفْسَهَا وَ تَكَشَّفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا-  فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلَابٌ عَاوِيَةٌ وَ سِبَاعٌ ضَارِيَةٌ-  يَهِرُّ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضِ وَ يَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا-  وَ يَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا-نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ وَ أُخْرَى مُهْمَلَةٌ-  قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا وَ رَكِبَتْ مَجْهُولَهَا-  سُرُوحُ عَاهَةٍ بِوَادٍ وَعْثٍ-  لَيْسَ لَهَا رَاعٍ يُقِيمُهَا وَ لَا مُسِيمٌ يُسِيمُهَا-  سَلَكَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا طَرِيقَ الْعَمَى-  وَ أَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ الْهُدَى-  فَتَاهُوا فِي حَيْرَتِهَا وَ غَرِقُوا فِي نِعْمَتِهَا-  وَ اتَّخَذُوهَا رَبّاً فَلَعِبَتْ بِهِمْ وَ لَعِبُوا بِهَا-  وَ نَسُوا مَا وَرَاءَهَا-  رُوَيْداً يُسْفِرُ الظَّلَامُ-  كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الْأَظْعَانُ-  يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَلْحَقَ يقول هذا منزل قلعة بضم القاف و سكون اللام-  أي ليس بمستوطن-  و يقال هذا مجلس قلعة-  إذا كان صاحبه يحتاج إلى أن يقوم مرة بعد مرة-  و يقال أيضا هم على قلعة أي على رحلة-  و القلعة أيضا هو المال العارية-  و في الحديث بئس المال القلعة-  و كله يرجع إلى معنى واحد- . قوله و دار بلغة و البلغة ما يتبلغ به من العيش- . قوله سروح عاهة-  و السروح جمع سرح و هو المال السارح-  و العاهة الآفة أعاه القوم أصابت ماشيتهم العاهة- . و واد وعث لا يثبت الحافر و الخف فيه بل يغيب فيه-  و يشق على من يمشي فيه- . و أوعث القوم وقعوا في الوعث- . و مسيم يسيمها راع يرعاها- . قوله رويدا يسفر الظلام إلى آخر الفصل-  ثلاثة أمثال محركة لمن عنده‏ استعداد-  و استقرأني أبو الفرج محمد بن عباد رحمه الله-  و أنا يومئذ حدث هذه الوصية-  فقرأتها عليه من حفظي-  فلما وصلت إلى هذا الموضع صاح صيحة شديدة و سقط-  و كان جبارا قاسي القلب

أقوال حكيمة في وصف الدنيا و فناء الخلق

و اعلم أنا قدمنا في وصف الدنيا و الفناء و الموت-  من محاسن كلام الصالحين و الحكماء ما فيه الشفاء-  و نذكر الآن أشياء آخر- . فمن كلام الحسن البصري-  يا ابن آدم إنما أنت أيام مجموعة-  فإذا مضى يوم مضى بعضك- . عن بعض الحكماء-  رحم الله امرأ لا يغره ما يرى من كثرة الناس-  فإنه يموت وحده و يقبر وحده و يحاسب وحده- . و قال بعضهم لا وجه لمقاساة الهموم لأجل الدنيا-  و لا الاعتداد بشي‏ء من متاعها و لا التخلي منها-  أما ترك الاهتمام لها-  فمن جهة أنه لا سبيل إلى دفع الكائن من مقدورها-  و أما ترك الاعتداد بها-  فإن مرجع كل أحد إلى تركها-  و أما ترك التخلي عنها فإن الآخرة لا تدرك إلا بها- .

و من كلام بعض الحكماء-  أفضل اختيار الإنسان ما توجه به إلى الآخرة-  و أعرض به عن الدنيا-  و قد تقدمت الحجة و أذنا بالرحيل-  و لنا من الدنيا على الدنيا دليل-  و إنما أحدنا في مدة بقائه صريع لمرض-  أو مكتئب بهم أو مطروق بمصيبة أو مترقب لمخوف-  لا يأمن المرء أصناف لذته من المطعوم و المشروب-  أن يكون موته فيه-  و لا يأمن مملوكه‏و جاريته أن يقتلاه بحديد أو سم-  و هو مع ذلك عاجز عن استدامة سلامة عقله من زوال-  و سمعه من صمم و بصره من عمى-  و لسانه من خرس-  و سائر جوارحه من زمانة و نفسه من تلف-  و ماله من بوار و حبيبه من فراق-  و كل ذلك يشهد شهادة قطعية أنه فقير إلى ربه-  ذليل في قبضته محتاج إليه-  لا يزال المرء بخير ما حاسب نفسه-  و عمر آخرته بتخريب دنياه-  و إذا اعترضته بحار المكاره-  جعل معابرها الصبر و التأسي-  و لم يغتر بتتابع النعم و إبطاء حلول النقم-  و أدام صحبة التقي و فطم النفس عن الهوى-  فإنما حياته كبضاعة ينفق من رأس المال منها-  و لا يمكنه أن يزيد فيها-  و مثل ذلك يوشك فناؤه و سرعة زواله- . و قال أبو العتاهية في ذكر الموت

ستباشر الترباء خدك
و سيضحك الباكون بعدك‏

و لينزلن بك البلى‏
و ليخلفن الموت عهدك‏

و ليفنينك مثل ما
أفنى أباك بلى و جدك‏

لو قد رحلت عن القصور
و طيبها و سكنت لحدك‏

لم تنتفع إلا بفعل
صالح قد كان عندك‏

و ترى الذين قسمت مالك
بينهم حصصا و كدك‏

يتلذذون بما جمعت‏
لهم و لا يجدون فقدك‏

وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ-  أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ-  فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَ إِنْ كَانَ وَاقِفاً-  وَ يَقْطَعُ الْمَسَافَةَ وَ إِنْ كَانَ مُقِيماً وَادِعاً-  وَ اعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ وَ لَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ-  وَ أَنَّكَ فِي سَبِيلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ-  فَخَفِّضْ فِي الطَّلَبِ وَ أَجْمِلْ فِي الْمُكْتَسَبِ-  فَإِنَّهُ رُبَّ طَلَبٍ قَدْ جَرَّ إِلَى حَرَبٍ-  وَ لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ بِمَرْزُوقٍ-  وَ لَا كُلُّ مُجْمِلٍ بِمَحْرُومٍ-  وَ أَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ-  وَ إِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ-  فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً-  وَ لَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وَ قَدْ جَعَلَكَ اللَّهُ حُرّاً-  وَ مَا خَيْرُ خَيْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِشَرٍّ-  وَ يُسْرٍ لَا يُنَالُ إِلَّا بِعُسْرٍ-  وَ إِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ بِكَ مَطَايَا الطَّمَعِ-  فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ-  وَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ ذُو نِعْمَةٍ فَافْعَلْ-  فَإِنَّكَ مُدْرِكٌ قَسْمَكَ وَ آخِذٌ سَهْمَكَ-  وَ إِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَكْرَمُ-  وَ أَعْظَمُ مِنَ الْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ-  وَ إِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ‏

 

 

مثل الكلمة الأولى قول بعض الحكماء و قد نسب أيضا إلى أمير المؤمنين ع أهل الدنيا كركب يسار بهم و هم نيام- . قوله فخفضن في الطلب من قول رسول الله ص إن روح القدس نفث في روعي-  أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها-  فأجملوا في الطلب- . و قال الشاعر

ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله
عوضا و لو نال الغنى بسؤال‏

و إذا النوال إلى السؤال قرنته‏
رجح السؤال و خف كل نوال‏

و قال آخر

رددت رونق وجهي عن صحيفته
رد الصقال بهاء الصارم الخذم‏

و ما أبالي و خير القول أصدقه‏
حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي‏

و قال آخر

و إني لأختار الزهيد على الغنى
و أجزأ بالمال القراح عن المحض‏

و أدرع الإملاق صبرا و قد أرى‏
مكان الغنى كي لا أهين له عرضي‏

و قال أبو محمد اليزيدي في المأمون

أبقى لنا الله الإمام و زاده
شرفا إلى الشرف الذي أعطاه‏

و الله أكرمنا بأنا معشر
عتقاء من نعم العباد سواه‏

 و قال آخر

كيف النهوض بما أوليت من حسن
أم كيف أشكر ما طوقت من نعم‏

ملكتني ماء وجه كاد يسكبه
ذل السؤال و لم تفجع به هممي‏

و قال آخر

لا تحرصن على الحطام فإنما
يأتيك رزقك حين يؤذن فيه‏

سبق القضاء بقدره و زمانه‏
و بأنه يأتيك أو يأتيه‏

و كان يقال ما استغنى أحد بالله إلا افتقر الناس إليه- . و قال رجل في مجلس فيه قوم من أهل العلم-  لا أدري ما يحمل من يوقن بالقدر-  على الحرص على طلب الرزق-  فقال له أحد الحاضرين يحمله القدر فسكت- . أقول لو كنت حاضرا-  لقلت لو حمله القدر لما نهاه العقلاء عن الحرص-  و لما مدحوه على العفة و القناعة-  فإن عاد و قال و أولئك ألجأهم القدر-  إلى المدح و الذم و الأمر و النهي-  فقد جعل نفسه و غيره من الناس-  بل من جميع الحيوانات بمنزلة الجمادات-  التي يحركها غيرها-  و من بلغ إلى هذا الحد لا يكلم- . و قال الشاعر

أراك تزيدك الأيام حرصا
على الدنيا كأنك لا تموت‏

فهل لك غاية إن صرت يوما
إليها قلت حسبي قد رضيت‏

 أبو العتاهية

أي عيش يكون أطيب من عيش
كفاف قوت بقدر البلاغ‏

قمرتني الأيام عقلي و مالي‏
و شبابي و صحتي و فراغي‏

 و أوصى بعض الأدباء ابنه- فكتب إليه‏

كن حسن الظن برب خلقك
بني و احمده على ما رزقك‏

و اعلم بأن الحرص يطفي رونقك‏
فجانب الحرص و حسن خلقك‏

و اصدق و صادق أبدا من صدقك
دار معاديك و مق من ومقك‏

و اجعل لأعدائك حزما ملقك‏
و جنبن حشو الكلام منطقك‏

هذي وصاة والد قد عشقك
وصاة من يقلقه ما أقلقك‏
أرشدك الله لها و وفقك‏

 أبو العتاهية

أجل الغنى مما يؤمل أسرع
و أراك تجمع دائما لا تشبع‏

قل لي لمن أصبحت تجمع دائبا
أ لبعل عرسك لا أبا لك تجمع‏

 و أوصى زياد ابنه عبيد الله عند موته-  فقال لا تدنسن عرضك و لا تبذلن وجهك-  و لا تخلقن جدتك بالطلب-  إلى من إن ردك كان رده عليك عيبا-  و إن قضى حاجتك جعلها عليك منا-  و احتمل الفقر بالتنزه عما في أيدي الناس-  و الزم القناعة بما قسم لك-  فإن سوء عمل الفقير يضع الشريف-  و يخمل الذكر و يوجب الحرمان: وَ تَلَافِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ-  أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ-  وَ حِفْظُ مَا فِي الْوِعَاءِ بِشَدِّ الْوِكَاءِ-  وَ حِفْظُ مَا فِي يَدَيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدَيْ غَيْرِكَ-  وَ مَرَارَةُ الْيَأْسِ خَيْرٌ مِنَ الطَّلَبِ إِلَى النَّاسِ-  وَ الْحِرْفَةُ مَعَ الْعِفَّةَ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى مَعَ الْفُجُورِ-  وَ الْمَرْءُ أَحْفَظُ لِسِرِّهِ وَ رُبَّ سَاعٍ فِيمَا يَضُرُّهُ-مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ وَ مَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ-  قَارِنْ أَهْلَ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ-  وَ بَايِنْ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ-  بِئْسَ الطَّعَامُ الْحَرَامُ-  وَ ظُلْمُ الضَّعِيفِ أَفْحَشُ الظُّلْمِ-  إِذَا كَانَ الرِّفْقُ خُرْقاً كَانَ الْخُرْقُ رِفْقاً-  رُبَّمَا كَانَ الدَّوَاءُ دَاءً وَ الدَّاءُ دَوَاءً-  وَ رُبَّمَا نَصَحَ غَيْرُ النَّاصِحِ وَ غَشَّ الْمُسْتَنْصَحُ-  وَ إِيَّاكَ وَ الِاتِّكَالَ عَلَى الْمُنَى فَإِنَّهَا بَضَائِعُ النَّوْكَى-  وَ الْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ-  وَ خَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ-  بَادِرِ الْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّةً-  لَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ يُصِيبُ وَ لَا كُلُّ غَائِبٍ يَئُوبُ-  وَ مِنَ الْفَسَادِ إِضَاعَةُ الزَّادِ وَ مَفْسَدَةُ الْمَعَادِ-  وَ لِكُلِّ أَمْرٍ عَاقِبَةٌ سَوْفَ يَأْتِيكَ مَا قُدِّرَ لَكَ-  التَّاجِرُ مُخَاطِرٌ وَ رُبَّ يَسِيرٍ أَنْمَى مِنْ كَثِيرٍ هذا الكلام قد اشتمل على أمثال كثيرة حكمية- . أولها قوله تلافيك ما فرط من صمتك-  أيسر من إدراكك ما فات من منطقك-  و هذا مثل قولهم أنت قادر على أن تجعل صمتك كلاما-  و لست بقادر على أن تجعل كلامك صمتا-  و هذا حق لأن الكلام يسمع و ينقل-  فلا يستطاع إعادته صمتا-  و الصمت عدم الكلام-  فالقادر على الكلام قادر على أن يبدله بالكلام-  و ليس الصمت بمنقول و لا مسموع فيتعذر استدراكه- .

 

و ثانيها قوله حفظ ما في يديك أحب إلي-  من طلب ما في أيدي غيرك-  هذا مثل قولهم في المثل البخل خير من سؤال البخيل-  و ليس مراد أمير المؤمنين ع وصايته بالإمساك و البخل-  بل نهيه عن التفريط و التبذير-  قال الله تعالى وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً-  و أحمق الناس من أضاع ماله اتكالا على مال الناس-  و ظنا أنه يقدر على الاستخلاف-  قال الشاعر

   إذا حدثتك النفس أنك قادر
على ما حوت أيدي الرجال فكذب‏

و ثالثها قوله مرارة اليأس خير من الطلب إلى الناس- من هذا أخذ الشاعر قوله

و إن كان طعم اليأس مرا فإنه
ألذ و أحلى من سؤال الأراذل‏

و قال البحتري

و اليأس إحدى الراحتين و لن ترى
تعبا كظن الخائب المغرور

 و رابعها قوله الحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور-  و الحرفة بالكسر مثل الحرف بالضم-  و هو نقصان الحظ و عدم المال-  و منه قوله رجل محارف بفتح الراء-  يقول لأن يكون المرء هكذا-  و هو عفيف الفرج و اليد خير من الغنى مع الفجور-  و ذلك لأن ألم الحرفة مع العفة و مشقتها-  إنما هي في أيام قليلة و هي أيام العمر-  و لذة الغنى إذا كان مع الفجور-  ففي مثل تلك الأيام يكون-  و لكن يستعقب عذابا طويلا-  فالحال الأولى خير لا محالة-  و أيضا ففي الدنيا خير أيضا للذكر الجميل فيها-  و الذكر القبيح في الثانية-  و للمحافظة على المروءة في الأولى و سقوط المروءة في الثانية- .

و خامسها قوله المرء أحفظ لسره-  أي الأولى ألا تبوح بسرك إلى أحد-  فأنت أحفظ له من غيرك-  فإن أذعته فانتشر فلا تلم إلا نفسك-  لأنك كنت عاجزا عن حفظ سر نفسك-  فغيرك عن حفظ سرك و هو أجنبي أعجز-  قال الشاعر

إذا ضاق أصدر المرء عن حفظ سره
فصدر الذي يستودع السر أضيق‏

و سادسها قوله رب ساع فيما يضره- قال عبد الحميد الكاتب في كتابه إلى أبي مسلم- لو أراد الله بالنملة صلاحا لما أنبت لها جناحا- . و سابعها قوله من أكثر أهجر- يقال أهجر الرجل إذا أفحش في المنطق السوء و الخنى- قال الشماخ

كماجدة الأعراق قال ابن ضرة
عليها كلاما جار فيه و أهجرا

و هذا مثل قولهم من كثر كلامه كثر سقطه- و قالوا أيضا قلما سلم مكثار أو أمن من عثار- . و ثامنها قوله من تفكر أبصر- قالت الحكماء الفكر تحديق العقل نحو المعقول- كما أن النظر البصري تحديق البصر نحو المحسوس- و كما أن من حدق نحو المبصر- و حدقته صحيحة و الموانع مرتفعة لا بد أن يبصره- كذلك من نظر بعين عقله و أفكر فكرا صحيحا- لا بد أن يدرك الأمر الذي فكر فيه و يناله- . و تاسعها قوله قارن أهل الخير تكن معهم- و باين أهل الشر تبن عنهم- كأن يقال حاجبك وجهك- و كاتبك لسانك و جليسك كلك- و قال الشاعر

عن المرء لا تسأل و سل عن قرينه
فكل قرين بالمقارن مقتد

 

و عاشرها قوله بئس الطعام الحرام-  هذا من قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى‏ ظُلْماً-  إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً- . و حادي عشرها قوله ظلم الضعيف أفحش الظلم-  رأى معاوية ابنه يزيد يضرب غلاما-  فقال يا بني كيف لا يسع حلمك من تضربه فلا يمتنع منك-  و أمر المأمون بإشخاص الخطابي القاص من البصرة-  فلما مثل بين يديه-  قال له يا سليمان أنت القائل العراق عين الدنيا-  و البصرة عين العراق و المربد عين البصرة-  و مسجدي عين المربد و أنا عين مسجدي-  و أنت أعور فإن عين الدنيا عوراء-  قال يا أمير المؤمنين لم أقل ذاك-  و لا أظن أمير المؤمنين أحضرني لذلك-  قال بلغني أنك أصبحت فوجدت على سارية من سواري مسجدك

 رحم الله عليا
إنه كان تقيا

فأمرت بمحوه-  قال يا أمير المؤمنين كان و لقد كان نبيا فأمرت بإزالته-  فقال كذبت كانت القاف أصح من عينك الصحيحة-  ثم قال و الله لو لا أن أقيم لك عند العامة سوقا لأحسنت تأديبك-  قال يا أمير المؤمنين قد ترى ما أنا عليه-  من الضعف و الزمانة و الهرم و قلة البصر-  فإن عاقبتني مظلوما-  فاذكر قول ابن عمك علي ع ظلم الضعيف أفحش الظلمو إن عاقبتني بحق-  فاذكر أيضا قوله لكل شي‏ء رأس و الحلم رأس السؤدد-  فنهض المأمون من مجلسه-  و أمر برده إلى البصرة و لم يصله بشي‏ء-  و لم يحضر أحد قط مجلس المأمون إلا وصله عدا الخطابي-  و ليس هذا هو المحدث الحافظ المشهور-  ذاك أبو سليمان أحمد بن محمد بن أحمد البستي-  كان في أيام المطيع و الطائع-  و هذا قاص بالبصرة-  كان يقال له أبو زكريا سليمان بن محمد البصري- .

و ثاني عاشرها قوله إذا كان الرفق خرقا كان الخرق رفقا-  يقول إذا كان استعمال‏الرفق مفسدة و زيادة في الشر-  فلا تستعمله-  فإنه حينئذ ليس برفق بل هو خرق-  و لكن استعمل الخرق-  فإنه يكون رفقا و الحالة هذه-  لأن الشر لا يلقى إلا بشر مثله-  قال عمرو ابن كلثوم

 ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا

و في المثل إن الحديد بالحديد يفلج- . و قال زهير

و من لا يذد عن حوضه بسلاحه
يهدم و من لا يظلم الناس يظلم‏

و قال أبو الطيب

و وضع الندى في موضع السيف بالعلى
مضر كوضع السيف في موضع الندى‏

و ثالث عشرها قوله و ربما كان الدواء داء و الداء دواء- هذا مثل قول أبي الطيب

ربما صحت الأجسام بالعلل‏

و مثله قول أبي نواس

و داوني بالتي كانت هي الداء

و مثل قول الشاعر

تداويت من ليلى بليلى فلم يكن
دواء و لكن كان سقما مخالفا

و رابع عشرها قوله ربما نصح غير الناصح و غش المستنصح-  كان المغيرة بن شعبة يبغض عليا ع-  منذ أيام رسول الله ص-  و تأكدت‏ بغضته إلى أيام أبي بكر و عثمان و عمر-  و أشار عليه يوم بويع بالخلافة-  أن يقر معاوية على الشام مدة يسيرة-  فإذا خطب له بالشام و توطأت دعوته دعاه إليه-  كما كان عمر و عثمان يدعوانه إليهما-  و صرفه فلم يقبل و كان ذلك نصيحة من عدو كاشح- . و استشار الحسين ع عبد الله بن الزبير-  و هما بمكة في الخروج عنها-  و قصد العراق ظانا أنه ينصحه فغشه-  و قال له لا تقم بمكة فليس بها من يبايعك-  و لكن دونك العراق-  فإنهم متى رأوك لم يعدلوا بك أحدا-  فخرج إلى العراق حتى كان من أمره ما كان- . و خامس عشرها قوله إياك و الاتكال على المنى-  فإنها بضائع النوكى جمع أنوك و هو الأحمق-  من هذا أخذ أبو تمام قوله

  من كان مرعى عزمه و همومه
روض الأماني لم يزل مهزولا

و من كلامهم ثلاثة تخلق العقل-  و هو أوضح دليل على الضعف-  طول التمني و سرعة الجواب و الاستغراب في الضحك-  و كان يقال التمني و الحلم سيان-  و قال آخر شرف الفتى ترك المنى- . و سادس عشرها قوله العقل حفظ التجارب-  من هذا أخذ المتكلمون قولهم-  العقل نوعان غريزي و مكتسب-  فالغريزي العلوم البديهية-  و المكتسب ما أفادته التجربة و حفظته النفس- . و سابع عشرها قوله خير ما جربت ما وعظك-  مثل هذا قول أفلاطون-  إذا لم تعظك التجربة فلم تجرب-  بل أنت ساذج كما كنت- . و ثامن عشرها قوله بادر الفرصة قبل أن تكون غصة-  حضر عبيد الله بن زياد عند هانئ بن عروة عائدا-  و قد كمن له مسلم بن عقيل-  و أمره أن يقتله إذا جلس‏ و استقر-  فلما جلس جعل مسلم يؤامر نفسه-  و يريدها على الوثوب به فلم تطعه-  و جعل هانئ ينشد كأنه يترنم بالشعر- 

 ما الانتظار بسلمى لا تحييها

و يكرر ذلك-  فأوجس عبيد الله خيفة و نهض-  فعاد إلى قصر الإمارة-  و فات مسلما منه ما كان يؤمله بإضاعة الفرصة-  حتى صار أمره إلى ما صار و تاسع عشرها قوله ليس كل طالب يصيب-  و لا كل غائب يثوب-  الأولى كقول القائل

  ما كل وقت ينال المرء ما طلبا
و لا يسوغه المقدار ما وهبا

و الثانية كقول عبيد

و كل ذي غيبة يئوب
و غائب الموت لا يئوب‏

 العشرون قوله-  من الفساد إضاعة الزاد و مفسدة المعاد-  و لا ريب أن من كان في سفر و أضاع زاده-  و أفسد الحال التي يعود إليها فإنه أحمق-  و هذا مثل ضربه للإنسان في حالتي دنياه و آخرته- . الحادي و العشرون قوله و لكل أمر عاقبة-  هذا مثل المثل المشهور لكل سائلة قرار- . الثاني و العشرون قوله سوف يأتيك ما قدر لك-  هذا من قول رسول الله ص و إن يقدر لأحدكم رزق في قبة جبل-  أو حضيض بقاع يأته- . الثالث و العشرون قوله التاجر مخاطر هذا حق-  لأنه يتعجل بإخراج الثمن و لا يعلم هل يعود أم لا-  و هذا الكلام ليس على ظاهره بل له باطن-  و هو أن من مزج الأعمال الصالحة بالأعمال السيئة-  مثل قوله خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً-فإنه مخاطر-  لأنه لا يأمن أن يكون بعض تلك السيئات تحبط أعماله الصالحة-  كما لا يأمن أن يكون بعض أعماله الصالحة-  يكفر تلك السيئات-  و المراد أنه لا يجوز للمكلف أن يفعل-  إلا الطاعة أو المباح- . الرابع و العشرون قوله رب يسير أنمى من كثير-  قد جاء في الأثر قد يجعل الله من القليل الكثير-  و يجعل من الكثير البركة-  و قال الفرزدق

فإن تميما قبل أن يلد الحصى
أقام زمانا و هو في الناس واحد

و قال أبو عثمان الجاحظ رأينا بالبصرة أخوين-  كان أبوهما يحب أحدهما و يبغض الآخر-  فأعطى محبوبه يوم موته كل ماله-  و كان أكثر من مائتي ألف درهم-  و لم يعط الآخر شيئا-  و كان يتجر في الزيت-  و يكتسب منه ما يصرفه في نفقة عياله-  ثم رأينا أولاد الأخ الموسر-  بعد موت الأخوين من عائلة ولد الأخ المعسر-  يتصدقون عليهم من فواضل أرزاقهم: لَا خَيْرَ فِي مُعِينٍ مُهِينٍ وَ لَا فِي صَدِيقٍ ظَنِينٍ-  سَاهِلِ الدَّهْرَ مَا ذَلَّ لَكَ قَعُودُهُ-  وَ لَا تُخَاطِرْ بِشَيْ‏ءٍ رَجَاءَ أَكْثَرَ مِنْهُ-  وَ إِيَّاكَ أَنْ تَجْمَحَ بِكَ مَطِيَّةُ اللَّجَاجِ-  احْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ عَلَى الصِّلَةِ-  وَ عِنْدَ صُدُودِهِ عَلَى اللُّطْفِ وَ الْمُقَارَبَةِ-  وَ عِنْدَ جُمُودِهِ عَلَى الْبَذْلِ-  وَ عِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنُوِّ-  وَ عِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى اللِّينِ-  وَ عِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْعُذْرِ-  حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ وَ كَأَنَّهُ ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ-وَ إِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ-  أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ-  لَا تَتَّخِذَنَّ عَدُوَّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ-  وَ امْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ-  حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ قَبِيحَةً-  وَ تَجَرَّعِ الْغَيْظَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ جُرْعَةً أَحْلَى مِنْهَا عَاقِبَةً-  وَ لَا أَلَذَّ مَغَبَّةً-  وَ لِنْ لِمَنْ غَالَظَكَ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَلِينَ لَكَ-  وَ خُذْ عَلَى عَدُوِّكَ بِالْفَضْلِ فَإِنَّهُ أَحَدُ الظَّفَرَيْنِ-  وَ إِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبِقْ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ-  بَقِيَّةً يَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذَلِكَ يَوْماً مَا-  وَ مَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَنَّهُ-  وَ لَا تُضِيعَنَّ حَقَّ أَخِيكَ اتِّكَالًا عَلَى مَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ-  فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِأَخٍ مَنْ أَضَعْتَ حَقَّهُ-  وَ لَا يَكُنْ أَهْلُكَ أَشْقَى الْخَلْقِ بِكَ-  وَ لَا تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ عَنْكَ-  وَ لَا يَكُونَنَّ أَخُوكَ أَقْوَى عَلَى قَطِيعَتِكَ مِنْكَ عَلَى صِلَتِهِ-  وَ لَا تَكُونَنَّ عَلَى الْإِسَاءَةِ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى الْإِحْسَانِ-  وَ لَا يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَكَ-  فَإِنَّهُ يَسْعَى فِي مَضَرَّتِهِ وَ نَفْعِكَ-  وَ لَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَنْ تَسُوءَهُ هذا الفصل قد اشتمل على كثير من الأمثال الحكمية- . فأولها قوله لا خير في معين مهين-  و لا في صديق ظنين-  مثل الكلمة الأولى قولهم

إذا تكفيت بغير كاف
وجدته للهم غير شاف‏

و من الكلمة الثانية أخذ الشاعر قوله-

فإن من الإخوان من شحط النوى
به و هو راع للوصال أمين‏

و منهم صديق العين أما لقاؤه‏
فحلو و أما غيبه فظنين‏

و ثانيها قوله ساهل الدهر ما ذلك لك قعوده- هذا استعارة- و القعود البكر حين يمكن ظهره من الركوب إلى أن يثني- و مثل هذا المعنى قولهم في المثل- من ناطح الدهر أصبح أجم- . و مثله

و در مع الدهر كيفما دارا

و مثله

و من قامر الأيام عن ثمراتها
فأحر بها أن تنجلي و لها القمر

و مثله

إذا الدهر أعطاك العنان فسر به
رويدا و لا تعنف فيصبح شامسا

و ثالثها قوله لا تخاطر بشي‏ء رجاء أكثر منه-  هذا مثل قولهم من طلب الفضل حرم الأصل- . و رابعها قوله إياك و أن تجمح بك مطية اللجاج-  هذا استعارة-  و في المثل ألج من خنفساء و ألج من زنبور-  و كان يقال اللجاج من القحة و القحة من قلة الحياء-  و قلة الحياء من قلة المروءة-  و في المثل لج صاحبك فحج- . و خامسها قوله احمل نفسك من أخيك-  إلى قوله أو تفعله بغير أهله-  اللطف بفتح اللام و الطاء-  الاسم من ألطفه بكذا أي بره به-  و جاءتنا لطفة من فلان أي هدية-  و الملاطفة المبارة-  و روي عن اللطف و هو الرفق للأمر-  و المعنى أنه أوصاه إذا قطعه أخوه أن يصله-  و إذا جفاه أن يبره-  و إذا بخل عليه أن يجود عليه إلى آخر الوصاة- . ثم قال له لا تفعل ذلك مع غير أهله-  قال الشاعر
و أن الذي بيني و بين بني أبي
و بين بني أمي لمختلف جدا

فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم‏
و إن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

و إن زجروا طيرا بنحس تمر بي
زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا

و لا أحمل الحقد القديم عليهم‏
و ليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

و قال الشاعر

إني و إن كان ابن عمي كاشحا
لمقاذف من خلفه و ورائه‏

و مفيده نصري و إن كان امرأ
متزحزحا في أرضه و سمائه‏

و أكون والي سره و أصونه
حتى يحق علي وقت أدائه‏

و إذا الحوادث أجحفت بسوامه‏
قرنت صحيحتنا إلى جربائه‏

و إذا دعا باسمي ليركب مركبا
صعبا قعدت له على سيسائه‏

و إذا أجن فليقة في خدره‏
لم أطلع مما وراء خبائه‏

و إذا ارتدى ثوبا جميلا لم أقل
يا ليت أن علي فضل ردائه‏

و سادسها قوله لا تتخذن عدو صديقك صديقا- فتعادي صديقك- قد قال الناس في هذا المعنى فأكثروا- قال بعضهم

إذا صافى صديقك من تعادي
فقد عاداك و انقطع الكلام‏

و قال آخر

صديق صديقي داخل في صداقتي
و خصم صديقي ليس لي بصديق‏

و قال آخر

تود عدوي ثم تزعم أنني
صديقك إن الرأي عنك لعازب‏

و سابعها قوله و امحض أخاك النصيحة-  حسنة كانت أو قبيحة-  ليس يعني ع بقبيحة هاهنا-  القبيح الذي يستحق به الذم و العقاب-  و إنما يريد نافعة له في العاجل كانت أو ضارة له في الأجل-  فعبر عن النفع و الضرر بالحسن و القبيح-  كقوله تعالى وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ-  إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ- . و قد فسره قوم فقالوا أراد كانت نافعة لك أو ضارة لك-  و يحتمل تفسير آخر-  و هو وصيته إياه أن يمحض أخاه النصيحة-  سواء كانت مما لا يستحيا من ذكرها و شياعها-  أو كانت مما يستحيا من ذكرها و استفاضتها بين الناس-  كمن ينصح صديقه في أهله و يشير عليه بفراقهم-  لفجور اطلع عليه منهم-  فإن الناس يسمون مثل هذا إذا شاع قبيحا- . و ثامنها قوله تجرع الغيظ-  فإني لم أر جرعة أحلى منها عاقبة و لا ألذ مغبة-  هذا مثل قولهم الحلم مرارة ساعة-  و حلاوة الدهر كله-  و كان يقال التذلل للناس مصايد الشرف- .

 قال المبرد في الكامل أوصى علي بن الحسين ابنه محمد بن علي ع-  فقال يا بني عليك بتجرع الغيظ من الرجال-  فإن أباك لا يسره بنصيبه-  من تجرع الغيظ من الرجال حمر النعم-  و الحلم أعز ناصرا و أكثر عددا- .

و تاسعها قوله لن لمن غالظك-  فإنه يوشك أن يلين لك-  هذا مثل المثل المشهور إذا عز أخوك فهن-  و الأصل في هذا قوله تعالى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ-  فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ- . و عاشرها قوله خذ على عدوك بالفضل فإنه أحد الظفرين-  هذا معنى مليح-  و منه قول ابن هانئ في المعز

  ضراب هام الروم منتقما و في
أعناقهم من جوده أعباء

لو لا انبعاث السيف و هو مسلط
في قتلهم قتلتهم النعماء

و كنت كاتبا بديوان الخلافة-  و الوزير حينئذ نصير الدين أبو الأزهر أحمد بن الناقد-  رحمه الله-  فوصل إلى حضرة الديوان-  في سنة اثنتين و ثلاثين و ستمائة-  محمد بن محمد أمير البحرين على البر-  ثم وصل بعده الهرمزي صاحب هرمز-  في دجلة بالمراكب البحرية-  و هرمز هذه فرضة في البحر نحو عمان-  و امتلأت بغداد من عرب محمد بن محمد و أصحاب الهرمزي-  و كانت تلك الأيام أياما غراء زاهرة-  لما أفاض المستنصر على الناس من عطاياه-  و الوفود تزدحم من أقطار الأرض على أبواب ديوانه-  فكتبت يوم دخول الهرمزي إلى الوزير-  أبياتا سنحت على البديهة-  و أنا متشاغل بما كنت فيه من مهام الخدمة-  و كان رحمه الله لا يزال يذكرها و ينشدها و يستحسنها- 

 يا أحمد بن محمد أنت الذي
علقت يداه بأنفس الأعلاق‏

ما أملت بغداد قبلك أن ترى‏
أبدا ملوك البحر في الأسواق‏

ولهوا عليها غيرة و تنافسوا
شغفا بها كتنافس العشاق‏

و غدت صلاتك في رقاب سراتهم‏
و نداك كالأطواق في الأعناق‏

بسديد رأيك أصلحت جمحاتهم
و تألفوا من بعد طول شقاق‏

لله همه ماجد لم تعتلق‏
بسحيل آراء و لا أحذاق‏

جلب السلاهب من أراك و بعدها
جلب المراكب من جزيرة واق‏

هذا العداء هو العداء فعد عن‏
قول ابن حجر في لأى و عناق‏

و أظنه و الظن علم أنه
سيجيئنا بممالك الآفاق‏

إما أسير صنيعة في جيده‏
بالجود غل أو أسير وثاق‏

لا زال في ظل الخليفة ما له
فان و سودده المعظم باق‏

و حادي عشرها قوله-  إن أردت قطيعة أخيك-  فاستبق له من نفسك بقية يرجع إليها-  إن بدا ذلك له يوما-  هذا مثل قولهم أحبب حبيبك هونا ما-  عسى أن يكون بغيضك يوما ما-  و أبغض بغيضك هونا ما-  عسى أن يكون حبيبك يوما ما-  و ما كان يقال إذا هويت فلا تكن غاليا-  و إذا تركت فلا تكن قاليا- . و ثاني عشرها قوله-  من ظن خيرا فصدق ظنه-  كثير من أرباب الهمم يفعلون هذا-  يقال لمن قد شدا طرفا من العلم هذا عالم هذا فاضل-  فيدعوه ما ظن فيه من ذلك إلى تحقيقه-  فيواظب على الاشتغال بالعلم-  حتى يصير عالما فاضلا حقيقة-  و كذلك يقول الناس هذا كثير العبادة هذا كثير الزهد-  لمن قد شرع في شي‏ء من ذلك-  فتحمله أقوال الناس على الالتزام بالزهد و العبادة- . و ثالث عشرها قوله-  و لا تضيعن حق أخيك اتكالا على ما بينك و بينه-  فإنه ليس لك بأخ من أضعت حقه-  من هذا النحو قول الشاعر- .

 إذا خنتم بالغيب عهدي فما لكم
تدلون إدلال المقيم على العهد

صلوا و افعلوا فعل المدل بوصله‏
و إلا فصدوا و افعلوا فعل ذي الصدى‏

 و كان يقال إضاعة الحقوق داعية العقوق- . و رابع عشرها قوله- لا ترغبن فيمن زهد فيك- الرغبة في الزاهد هي الداء العياء- قال العباس بن الأحنف-

ما زلت أزهد في مودة راغب
حتى ابتليت برغبة في زاهد

هذا هو الداء الذي ضاقت به‏
حيل الطبيب و طال يأس العائد

و قد قال الشعراء المتقدمون و المتأخرون فأكثروا- نحو قولهم

و في الناس إن رثت حبالك واصل
و في الأرض عن دار القلى متحول‏

و قول تأبط شرا-

إني إذا خلة ضنت بنائلها
و أمسكت بضعيف الحبل أحذاقي‏

نجوت منها نجائي من بجيلة إذ
ألقيت ليلة خبت الرهط أرواقي‏

و خامس عشرها قوله-  لا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته-  و لا تكونن على الإساءة أقوى منك على الإحسان-  هذا أمر له بأن يصل من قطعه-  و أن يحسن إلى من أساء إليه- . ظفر المأمون عبد الله بن هارون الرشيد بكتب-  قد كتبها محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ع-  إلى أهل الكرخ و غيرهم من أعمال أصفهان-  يدعوهم فيها إلى نفسه-  فأحضرها بين يديه و دفعها إليه-  و قال له أ تعرف هذه-  فأطرق خجلا فقال له أنت آمن-  و قد وهبت هذا الذنب لعلي و فاطمة ع-  فقم إلى منزلك و تخير ما شئت من الذنوب-  فإنا نتخير لك مثل ذلك من العفو- .

و سادس عشرها قوله-  لا يكبرن عليك ظلم من ظلمك-  فإنه يسعى في مضرته و نفعك-  و ليس جزاء من سرك أن تسوءه-  جاء في الخبر المرفوع إنه ص سمع عائشة تدعو على من سرق عقدا لها-  فقال لها لا تمسحي عنه بدعائك-  أي لا تخففي عذابه-  و قوله ع و ليس جزاء من سرك أن تسوءه-  يقول لا تنتقم ممن ظلمك-  فإنه قد نفعك في الآخرة بظلمه لك-  و ليس جزاء من ينفع إنسانا أن يسي‏ء إليه-  و هذا مقام جليل‏ لا يقدر عليه-  إلا الأفراد من الأولياء الأبرار-  و قبض بعض الجبابرة على قوم صالحين فحبسهم و قيدهم-  فلما طال عليهم الأمر زفر بعضهم زفرة شديدة-  و دعا على ذلك الجبار-  فقال له بعض أولاده و كان أفضل أهل زمانه في العبادة-  و كان مستجاب الدعوة-  لا تدع عليه فتخفف عن عذابه-  قالوا يا فلان أ لا ترى ما بنا و بك-  لا يأنف ربك لنا- 

قال إن لفلان مهبطا في النار-  لم يكن ليبلغه إلا بما ترون-  و إن لكم لمصعدا في الجنة-  لم تكونوا لتبلغوه إلا بما ترون-  قالوا فقد نال منا العذاب و الحديد-  فادع الله لنا أن يخلصنا و ينقذنا مما نحن فيه-  قال إني لأظن أني لو فعلت لفعل-  و لكن و الله لا أفعل حتى أموت هكذا-  فألقى الله فأقول له أي رب سل فلانا لم فعل بي هذا-  و من الناس من يجعل قوله ع-  و ليس جزاء من سرك أن تسوءه-  كلمة مفردة مستقلة بنفسها ليست من تمام الكلام الأول-  و الصحيح ما ذكرناه- . و سابع عشرها-  و من حقه أن يقدم ذكره قوله-  و لا يكن أهلك أشقى الخلق بك-  هذا كما يقال في المثل-  من شؤم الساحرة أنها أول ما تبدأ بأهلها-  و المراد من هذه الكلمة النهي عن قطيعة الرحم-  و إقصاء الأهل و حرمانهم-  و في الخبر المرفوع صلوا أرحامكم و لو بالسلام

وَ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ الرِّزْقَ رِزْقَانِ-  رِزْقٌ تَطْلُبُهُ وَ رِزْقٌ يَطْلُبُكَ-  فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ-  مَا أَقْبَحَ الْخُضُوعَ عِنْدَ الْحَاجَةِ-  وَ الْجَفَاءَ عِنْدَ الْغِنَى-  إِنَّمَا لَكَ مِنْ دُنْيَاكَ مَا أَصْلَحْتَ بِهِ مَثْوَاكَ-  وَ إِنْ كُنْتَ جَازِعاً عَلَى مَا تَفَلَّتَ مِنْ يَدَيْكَ-  فَاجْزَعْ عَلَى كُلِّ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ-اسْتَدِلَّ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ بِمَا قَدْ كَانَ-  فَإِنَّ الْأُمُورَ أَشْبَاهٌ-  وَ لَا تَكُونَنَّ مِمَّنْ لَا تَنْفَعُهُ الْعِظَةُ إِذَا بَالَغْتَ فِي إِيلَامِهِ-  فَإِنَّ الْعَاقِلَ يَتَّعِظُ بِالآْدَابِ-  وَ الْبَهَائِمَ لَا تَتَّعِظُ إِلَّا بِالضَّرْبِ- . اطْرَحْ عَنْكَ وَارِدَاتِ الْهُمُومِ بِعَزَائِمِ الصَّبْرِ-  وَ حُسْنِ الْيَقِينِ-  مَنْ تَرَكَ الْقَصْدَ جَارَ-  وَ الصَّاحِبُ مُنَاسِبٌ-  وَ الصَّدِيقُ مَنْ صَدَقَ غَيْبُهُ-  وَ الْهَوَى شَرِيكُ الْعَمَى-  وَ رُبَّ بَعِيدٍ أَقْرَبُ مِنْ قَرِيبٍ-  وَ قَرِيبٍ أَبْعَدُ مِنْ بَعِيدٍ-  وَ الْغَرِيبُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبِيبٌ-  مَنْ تَعَدَّى الْحَقَّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ-  وَ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِهِ كَانَ أَبْقَى لَهُ-  وَ أَوْثَقُ سَبَبٍ أَخَذْتَ بِهِ-  سَبَبٌ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ-  وَ مَنْ لَمْ يُبَالِكَ فَهُوَ عَدُوُّكَ-  قَدْ يَكُونُ الْيَأْسُ إِدْرَاكاً إِذَا كَانَ الطَّمَعُ هَلَاكاً-  لَيْسَ كُلُّ عَوْرَةٍ تَظْهَرُ وَ لَا كُلُّ فُرْصَةٍ تُصَابُ-  وَ رُبَّمَا أَخْطَأَ الْبَصِيرُ قَصْدَهُ وَ أَصَابَ الْأَعْمَى رُشْدَهُ-  أَخِّرِ الشَّرَّ فَإِنَّكَ إِذَا شِئْتَ تَعَجَّلْتَهُ-  وَ قَطِيعَةُ الْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ الْعَاقِلِ-  مَنْ أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ وَ مَنْ أَعْظَمَهُ أَهَانَهُ-  لَيْسَ كُلُّ مَنْ رَمَى أَصَابَ-  إِذَا تَغَيَّرَ السُّلْطَانُ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ-  سَلْ عَنِ الرَّفِيقِ قَبْلَ الطَّرِيقِ-  وَ عَنِ الْجَارِ قَبْلَ الدَّارِ

 

 في بعض الروايات اطرح عنك واردات الهموم بحسن الصبر و كرم العزاء-  قد مضى لنا كلام شاف في الرزق- . و روى أبو حيان قال رفع الواقدي إلى المأمون رقعة-  يذكر فيها غلبة الدين عليه-  و كثرة العيال و قلة الصبر-  فوقع المأمون عليها-  أنت رجل فيك خلتان السخاء و الحياء-  فأما السخاء فهو الذي أطلق ما في يديك-  و أما الحياء فهو الذي بلغ بك إلى ما ذكرت-  و قد أمرنا لك بمائة ألف درهم-  فإن كنا أصبنا إرادتك فازدد في بسط يدك-  و إن كنا لم نصب إرادتك فبجنايتك على نفسك-  و أنت كنت حدثتني و أنت على قضاء الرشيد عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن أنس بن مالك إن رسول الله ص قال للزبير يا زبير-  إن مفاتيح الرزق بإزاء العرش-  ينزل الله تعالى للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم-  فمن كثر كثر له و من قلل قلل له-  قال الواقدي و كنت أنسيت هذا الحديث-  و كانت مذاكرته إياي به أحب من صلته- . و اعلم أن هذا الفصل يشتمل على نكت كثيرة حكمية-  منها قوله الرزق رزقان-  رزق تطلبه و رزق يطلبك-  و هذا حق لأن ذلك إنما يكون على حسب ما يعلمه الله تعالى-  من مصلحة المكلف-  فتارة يأتيه الرزق بغير اكتساب-  و لا تكلف حركة و لا تجشم سعي-  و تارة يكون الأمر بالعكس- .

دخل عماد الدولة أبو الحسن بن بويه شيراز-  بعد أن هزم ابن ياقوت عنها-  و هو فقيرلا مال له-  فساخت إحدى قوائم فرسه في الصحراء في الأرض-  فنزل عنها و ابتدرها غلمانه فخلصوها-  فظهر لهم في ذلك الموضع نقب وسيع-  فأمرهم بحفرة فوجدوا فيه أموالا عظيمة-  و ذخائر لابن ياقوت-  ثم استلقى يوما آخر على ظهره في داره بشيراز-  التي كان ابن ياقوت يسكنها-  فرأى حية في السقف-  فأمر غلمانه بالصعود إليها و قتلها فهربت منهم-  و دخلت في خشب الكنيسة-  فأمر أن يقلع الخشب و تستخرج و تقتل-  فلما قلعوا الخشب وجدوا فيه أكثر من خمسين ألف دينار-  ذخيرة لابن ياقوت- . و احتاج أن يفصل و يخيط ثيابا له و لأهله فقيل-  هاهنا خياط حاذق كان يخيط لابن ياقوت-  و هو رجل منسوب إلى الدين و الخير-  إلا أنه أصم لا يسمع شيئا أصلا-  فأمر بإحضاره فأحضر و عنده رعب و هلع-  فلما أدخله إليه كلمه و قال-  أريد أن تخيط لنا كذا و كذا قطعة من الثياب-  فارتعد الخياط و اضطرب كلامه-  و قال و الله يا مولانا ما له عندي-  إلا أربعة صناديق ليس غيرها-  فلا تسمع قول الأعداء في-  فتعجب عماد الدولة و أمر بإحضار الصناديق-  فوجدها كلها ذهبا و حليا-  و جواهر مملوءة وديعة لابن ياقوت- .

و أما الرزق الذي يطلبه الإنسان و يسعى إليه-  فهو كثير جدا لا يحصى و منها قوله ما أقبح الخضوع عند الحاجة-  و الجفاء عند الغنى-  هذا من قول الله تعالى-  حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ-  وَ فَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ-  وَ جاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ-  وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ-  لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ-  فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ- . و من الشعر الحكمي في هذا الباب قول الشاعر- 

خلقان لا أرضاهما لفتى
تيه الغنى و مذلة الفقر

فإذا غنيت فلا تكن بطرا
و إذا افتقرت فته على الدهر

و منها قوله- إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك- هذا منكلام رسول الله ص يا ابن آدم ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت- أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيتو قال أبو العتاهية-

ليس للمتعب المكادح من دنياه
إلا الرغيف و الطمران‏

و منها قوله-  و إن كنت جازعا على ما تفلت من يديك-  فاجزع على كل ما لم يصل إليك-  يقول لا ينبغي أن تجزع على ما ذهب من مالك-  كما لا ينبغي أن تجزع على ما فاتك من المنافع و المكاسب-  فإنه لا فرق بينهما-  إلا أن هذا حصل و ذاك لم يحصل بعد-  و هذا فرق غير مؤثر-  لأن الذي تظن أنه حاصل لك غير حاصل في الحقيقة-  و إنما الحاصل على الحقيقة ما أكلته و لبسته-  و أما القنيات و المدخرات فلعلها ليست لك-  كما قال الشاعر- 

و ذي إبل يسقي و يحسبها له
أخي تعب في رعيها و دءوب‏

غدت و غدا رب سواه يسوقها
و بدل أحجارا و جال قليب‏

و منها قوله استدل على ما لم يكن بما كان- فإن للأمور أشباها- يقال إذا شئت أن تنظر للدنيا بعدك فانظرها بعد غيرك- . و قال أبو الطيب في سيف الدولة-

ذكي تظنيه طليعة عينه
يرى قلبه في يومه ما يرى غدا

و منها قوله- و لا تكونن ممن لا تنفعه العظة… إلى قوله إلا بالضرب- هو قول الشاعر-

العبد يقرع بالعصا
و الحر تكفيه الملامة

  و كان يقال اللئيم كالعبد-  و العبد كالبهيمة عتبها ضربها- . و منها قوله اطرح عنك واردات الهموم-  بحسن الصبر و كرم العزاء-  هذا كلام شريف فصيح عظيم النفع و الفائدة-  و قد أخذ عبد الله بن الزبير بعض هذه الألفاظ-  فقال في خطبته لما ورد عليه الخبر بقتل مصعب أخيه-  لقد جاءنا من العراق خبر أحزننا و سرنا-  جاءنا خبر قتل مصعب-  فأما سرورنا فلأن ذلك كان له شهادة-  و كان لنا إن شاء الله خيرة-  و أما الحزن فلوعة يجدها الحميم عند فراق حميمه-  ثم يرعوي بعدها ذو الرأي-  إلى حسن الصبر و كرم العزاء- . و منها قوله من ترك القصد جار-  القصد الطريق المعتدل يعني أن خير الأمور أوسطها-  فإن الفضائل تحيط بها الرذائل-  فمن تعدى هذه يسيرا وقع في هذه- . و منها قوله الصاحب مناسب-  كان يقال الصديق نسيب الروح و الأخ نسيب البدن-  قال أبو الطيب

ما الخل إلا من أود بقلبه
و أرى بطرف لا يرى بسوائه‏

و منها قوله الصديق من صدق غيبه- من هاهنا أخذ أبو نواس قوله في المنهوكة-

هل لك و الهل خبر
فيمن إذا غبت حضر

أو ما لك اليوم أثر
فإن رأى خيرا شكر
أو كان تقصير عذر

و منها قوله الهوى شريك العمى- هذا مثل قولهم حبك الشي‏ء يعمي و يصم- قال الشاعر-

و عين الرضا عن كل عيب كليلة
كما أن عين السخط تبدي المساويا

و منها قوله رب بعيد أقرب من قريب- و قريب أبعد من بعيد- هذا معنى مطروق- قال الشاعر

لعمرك ما يضر البعد يوما
إذا دنت القلوب من القلوب‏

و قال الأحوص-

إني لأمنحك الصدود و إنني
قسما إليك مع الصدود لأميل‏

و قال البحتري-

و نازحة و الدار منها قريبة
و ما قرب ثاو في التراب مغيب‏

 و منها قوله و الغريب من لم يكن له حبيب- يريد بالحبيب هاهنا المحب لا المحبوب- قال الشاعر

أسرة المرء والداه و فيما
بين جنبيهما الحياة تطيب‏

و إذا وليا عن المرء يوما
فهو في الناس أجنبي غريب‏

و منها قوله من تعدى الحق ضاق بمذهبه- يريد بمذهبه هاهنا طريقته و هذه استعارة- و معناه أن طريق الحق لا مشقة فيها لسالكها- و طرق الباطل فيها المشاق و المضار- و كان سالكها سالك طريقة ضيقة يتعثر فيها- و يتخبط في سلوكها- . و منها قوله من اقتصر على قدره كان أبقى له- هذا مثل قوله رحم الله امرأ عرف قدره و لم يتعد طوره و قال من جهل قدره قتل نفسه- و قال أبو الطيب-

و من جهلت نفسه قدره
رأى غيره منه ما لا يرى‏

و منها قوله أوثق سبب أخذت به-  سبب بينك و بين الله سبحانه-  هذا من قول الله تعالى-  فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ-  فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏ لَا انْفِصامَ لَها- . و منها قوله فمن لم يبالك فهو عدوك-  أي لم يكترث بك-  و هذه الوصاة خاصة بالحسن ع-  و أمثاله من الولاة و أرباب الرعايا-  و ليست عامة للسوقة من أفناء الناس-  و ذلك لأن الوالي إذا أنس من بعض رعيته-  أنه لا يباليه و لا يكترث به-  فقد أبدى صفحته-  و من أبدى لك صفحته فهو عدوك-  و أما غير الوالي من أفناء الناس-  فليس أحدهم إذا لم يبال الآخر بعدو له- . و منها قوله-  قد يكون اليأس إدراكا إذا كان الطمع هلاكا-  هذا مثل قول القائل- 

 من عاش لاقى ما يسوء
من الأمور و ما يسر

و لرب حتف فوقه‏
ذهب و ياقوت و در

و المعنى ربما كان بلوغ الأمل في الدنيا-  و الفوز بالمطلوب منها سببا للهلاك فيها-  و إذا كان كذلك كان الحرمان خيرا من الظفر- . و منها قوله ليس كل عورة تظهر و لا كل فرصة تصاب-  يقول قد تكون عورة العدو مستترة عنك فلا تظهر-  و قد تظهر لك و لا يمكنك إصابتها- . و قال بعض الحكماء الفرصة نوعان-  فرصة من عدوك و فرصة في غير عدوك-  فالفرصة من عدوك ما إذا بلغتها نفعتك-  و إن فاتتك ضرتك-  و في غير عدوك ما إذا أخطأك نفعه لم يصل إليك ضره- .

 

و منها قوله فربما أخطأ البصير قصده-  و أصاب الأعمى رشده-  من هذا النحو قولهم في المثل-  مع الخواطئ سهم صائب-  و قولهم رمية من غير رام-  و قالوا في مثل اللفظة الأولى-  الجواد يكبو و الحسام قد ينبو-  و قالوا قد يهفو الحليم و يجهل العليم- . و منها قوله أخر الشر فإنك إذا شئت تعجلته-  مثل هذا قولهم في الأمثال الطفيلية-  كل إذا وجدت فإنك على الجوع قادر-  و من الأمثال الحكمية-  ابدأ بالحسنة قبل السيئة-  فلست بمستطيع للحسنة في كل وقت-  و أنت على الإساءة متى شئت قادر- . و منها قوله قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل هذا حق-  لأن الجاهل إذا قطعك انتفعت ببعده عنك-  كما تنتفع بمواصلة الصديق العاقل لك-  و هذا كما يقول المتكلمون عدم المضرة كوجود المنفعة-  و يكاد أن يبتني على هذا قولهم-  كما أن فعل المفسدة قبيح من البارئ-  فالإخلال باللطف منه أيضا يجب أن يكون قبيحا- . و منها قوله من أمن الزمان خانه و من أعظمه أهانه-  مثل الكلمة الأولى قول الشاعر- 

و من يأمن الدنيا يكن مثل قابض
على الماء خانته فروج الأنامل‏

و قالوا احذر الدنيا ما استقامت لك-  و من الأمثال الحكمية من أمن الزمان ضيع ثغرا مخوفا-  و مثل الكلمة الثانية قولهم-  الدنيا كالأمة اللئيمة المعشوقة-  كلما ازددت لها عشقا و عليها تهالكا-  ازدادت إذلالا و عليك شطاطا- . و قال أبو الطيب- 

 و هي معشوقة على الغدر لا تحفظ
عهدا و لا تتمم وصلا

شيم الغانيات فيها فلا أدري
لذا أنث اسمها الناس أم لا

و منها قوله ليس كل من رمى أصاب- هذا معنى مشهور- قال أبو الطيب-

ما كل من طلب المعالي نافذا
فيها و لا كل الرجال فحولا

و منها قوله إذا تغير السلطان تغير الزمان-  في كتب الفرس أن أنوشروان جمع عمال السواد-  و بيده درة يقلبها-  فقال أي شي‏ء أضر بارتفاع السواد و أدعى إلى محقه-  أيكم قال ما في نفسي جعلت هذه الدرة في فيه-  فقال بعضهم انقطاع الشرب-  و قال بعضهم احتباس المطر-  و قال بعضهم استيلاء الجنوب و عدم الشمال-  فقال لوزيره قل أنت-  فإني أظن عقلك يعادل عقول الرعية كلها أو يزيد عليها-  قال تغير رأي السلطان في رعيته-  و إضمار الحيف لهم و الجور عليهم-  فقال لله أبوك-  بهذا العقل أهلك آبائي و أجدادي لما أهلوك له-  و دفع إليه الدرة فجعلها في فيه- . و منها قوله سل عن الرفيق قبل الطريق-  و عن الجار قبل الدار-  و قد روي هذا الكلام مرفوعا-  و في المثل جار السوء كلب هارش و أفعى ناهش- . و في المثل الرفيق إما رحيق أو حريق: إِيَّاكَ أَنْ تَذْكُرَ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَكُونُ مُضْحِكاً-  وَ إِنْ حَكَيْتَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِكَ-وَ إِيَّاكَ وَ مُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ-  فَإِنَّ رَأْيَهُنَّ إِلَى أَفْنٍ وَ عَزْمَهُنَّ إِلَى وَهْنٍ-  وَ اكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ بِحِجَابِكَ إِيَّاهُنَّ-  فَإِنَّ شِدَّةَ الْحِجَابِ أَبْقَى عَلَيْهِنَّ-  وَ لَيْسَ خُرُوجُهُنَّ بِأَشَدَّ-  مِنْ إِدْخَالِكَ مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ عَلَيْهِنَّ-  وَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ فَافْعَلْ-  وَ لَا تُمَلِّكِ الْمَرْأَةَ مِنْ أَمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا-  فَإِنَّ الْمَرْأَةَ رَيْحَانَةٌ وَ لَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ-  وَ لَا تَعْدُ بِكَرَامَتِهَا نَفْسَهَا وَ لَا تُطْمِعْهَا فِي أَنْ تَشْفَعَ لِغَيْرِهَا-  وَ إِيَّاكَ وَ التَّغَايُرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ غَيْرَةٍ-  فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْعُو الصَّحِيحَةَ إِلَى السَّقَمِ-  وَ الْبَرِيئَةَ إِلَى الرِّيَبِ-  وَ اجْعَلْ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ خَدَمِكَ عَمَلًا تَأْخُذُهُ بِهِ-  فَإِنَّهُ أَحْرَى أَلَّا يَتَوَاكَلُوا فِي خِدْمَتِكَ-  وَ أَكْرِمْ عَشِيرَتَكَ-  فَإِنَّهُمْ جَنَاحُكَ الَّذِي بِهِ تَطِيرُ-  وَ أَصْلُكَ الَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ وَ يَدُكَ الَّتِي بِهَا تَصُولُ-  اسْتَوْدِعِ اللَّهَ دِينَكَ وَ دُنْيَاكَ-  وَ اسْأَلْهُ خَيْرَ الْقَضَاءِ لَكَ فِي الْعَاجِلَةِ وَ الآْجِلَةِ-  وَ الدُّنْيَا وَ الآْخِرَةِ وَ السَّلَامُ نهاه أن يذكر من الكلام ما كان مضحكا-  لأن ذلك من شغل أرباب الهزل و البطالة-  و قل أن يخلو ذلك من غيبة أو سخرية- 

ثم قال و إن حكيت ذلك عن غيرك-  فإنه كما يستهجن الابتداء بذلك-  يستهجن حكايته عن الغير-  و ذلك كلام فصيح-  أ لا ترى أنه لا يجوز الابتداء بكلمة الكفر-  و يكره أيضا حكايتها-  و قال عمر لما نهاه‏رسول الله ص أن يحلف بالله-  فما حلفت به ذاكرا و لا آثرا و لا حاكيا- . و كان يقال من مازح استخف به-  و من كثر ضحكه قلت هيبته- . فأما مشاورة النساء فإنه من فعل عجزة الرجال-  قال الفضل بن الربيع أيام الحرب بين الأمين و المأمون-  في كلام يذكر فيه الأمين و يصفه بالعجز-  ينام نوم الظربان و ينتبه انتباهة الذئب-  همه بطنه و لذته فرجه-  لا يفكر في زوال نعمة و لا يروي في إمضاء رأي و لا مكيدة-  قد شمر له عبد الله عن ساقه و فوق له أشد سهامه-  يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ و الموت القاصد-  قد عبى له المنايا على متون الخيل-  و ناط له البلايا بأسنة الرماح و شفار السيوف-  فكأنه هو قال هذا الشعر-  و وصف به نفسه و أخاه- 

يقارع أتراك ابن خاقان ليله
إلى أن يرى الإصباح لا يتلعثم‏

فيصبح من طول الطراد و جسمه‏
نحيل و أضحي في النعيم أصمم‏

و همي كأس من عقار و قينة
و همته درع و رمح و مخذم‏

فشتان ما بيني و بين ابن خالد
أمية في الرزق الذي الله يقسم‏

و نحن معه نجري إلى غاية إن قصرنا عنها ذممنا-  و إن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا-  و إنما نحن شعب من أصل-  إن قوي قوينا و إن ضعف ضعفنا-  إن هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكعاء-  يشاور النساء و يعتزم على الرؤيا-  قد أمكن أهل الخسارة و اللهو من سمعه-  فهم يمنونه الظفر و يعدونه عقب الأيام-  و الهلاك أسرع إليه من السيل إلى قيعان الرمل- . قوله ع فإن رأيهن إلى أفن-  الأفن بالسكون النقص و المتأفن‏ المتنقص-  يقال فلان يتأفن فلانا أي يتنقصه و يعيبه-  و من رواه إلى أفن بالتحريك فهو ضعف الرأي-  أفن الرجل يأفن أفنا أي ضعف رأيه-  و في المثل إن الرقين تغطي أفن الأفين-  و الوهن الضعف- . قوله و اكفف عليهن من أبصارهن من هاهنا زائدة-  و هو مذهب أبي الحسن الأخفش في زيادة من في الموجب-  و يجوز أن يحمل على مذهب سيبويه-  فيعنى به فاكفف عليهن بعض أبصارهن- .

ثم ذكر فائدة الحجاب-  و نهاه أن يدخل عليهن من لا يوثق به-  و قال إن خروجهن أهون من ذلك-  و ذلك لأن من تلك صفته-  يتمكن من الخلوة ما لا يتمكن منه من يراهن في الطرقات- . ثم قال إن استطعت ألا يعرفن غيرك فافعل-  كان لبعضهم بنت حسناء فحج بها-  و كان يعصب عينيها و يكشف للناس وجهها-  فقيل له في ذلك فقال-  إنما الحذر من رؤيتها الناس-  لا من رؤية الناس لها- . قال و لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها-  أي لا تدخلها معك في تدبير و لا مشورة-  و لا تتعدين حال نفسها و ما يصلح شأنها- .

فإن المرأة ريحانة و ليست بقهرمانة-  أي إنما تصلح للمتعة و اللذة-  و ليست وكيلا في مال و لا وزيرا في رأي- . ثم أكد الوصية الأولى فقال لا تعد بكرامتها نفسها-  هذا هو قوله و لا تملكها من أمرها ما جاوز نفسها- . ثم نهاه أن يطمعها في الشفاعات- .

 

و روى الزبير بن بكار قال-  كانت الخيزران كثيرا ما تكلم موسى ابنها-  لما استخلف في الحوائج-  و كان يجيبها إلى كل ما تسأل-  حتى مضت أربعة أشهر من خلافته و تتألى الناس عليها-  و طمعوا فيها فكانت المواكب تغدو إلى بابها-  و كلمته يوما في أمر فلم يجد إلى إجابتها سبيلا-  و احتج عليها بحجة فقالت-  لا بد من إجابتي فقال لا أفعل-  قالت إني قد ضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك-  فغضب موسى و قال ويلي على ابن الفاعلة-  قد علمت أنه صاحبها-  و الله لا قضيتها لك و لا له-  قالت و الله لا أسألك حاجة أبدا-  قال إذن و الله لا أبالي-  فقامت مغضبة فقال مكانك تستوعبي كلامي-  و أنا و الله بري‏ء من قرابتي من رسول الله ص-  لئن بلغني أنه وقف أحد من قوادي و خاصتي و خدمي-  و كتابي على بابك لأضربن عنقه-  و أقبضن ماله فمن شاء فليلزم ذلك-  ما هذه المواكب التي تغدو إلى بابك كل يوم-  أ ما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك-  أو بيت يصونك-  إياك ثم إياك أن تفتحي فاك في حاجة لملي أو ذمي-  فانصرفت و ما تعقل ما تطأ عليه-  و لم تنطق عنده بحلوة و لا مرة بعدها حتى هلك- .

و أخذ هذه اللفظة منه و هي قوله-  إن المرأة ريحانة و ليست بقهرمانة-  الحجاج فقالها للوليد بن عبد الملك-  روى ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار قال-  دخل الحجاج على الوليد بن عبد الملك-  و عليه درع و عمامة سوداء و فرس عربية و كنانة-  و ذلك في أول قدمة قدمها عليه من العراق-  فبعثت أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان-  و هي تحت الوليد إليه-  من هذا الأعرابي المستلئم في السلاح عندك-  و أنت في غلالة-  فأرسل إليها هذا الحجاج-  فأعادت إليه الرسول فقال تقول لك-  و الله لأن يخلو بك ملك الموت في اليوم أحيانا-  أحب‏ إلي من أن يخلو بك الحجاج-  فأخبره الوليد بذلك و هو يمازحه-  فقال يا أمير المؤمنين-  دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول-  فإنما المرأة ريحانة و ليست بقهرمانة-  فلا تطلعها على سرك و مكايدة عدوك-  فلما دخل الوليد عليها أخبرها-  و هو يمازحها بمقالة الحجاج فقالت يا أمير المؤمنين-  حاجتي أن تأمره غدا أن يأتيني مسلما ففعل ذلك-  فأتاها الحجاج فحجبته-  فلم يزل قائما ثم أذنت له-  فقالت يا حجاج-  أنت الممتن على أمير المؤمنين-  بقتلك ابن الزبير و ابن الأشعث-  أما و الله لو لا أن الله علم أنك شر خلقه-  ما ابتلاك برمي الكعبة الحرام-  و لا بقتل ابن ذات النطاقين-  أول مولود في دار هجرة الإسلام-  و أما نهيك أمير المؤمنين عن مفاكهة النساء-  و بلوغ لذاته و أوطاره-  فإن كن ينفرجن عن مثلك فما أحقه بالأخذ منك-  و إن كن ينفرجن عن مثله-  فهو غير قابل لقولك-  أما و الله لقد نقص نساء أمير المؤمنين-  الطيب من غدائرهن فبعنه في أعطية أهل الشام-  حين كنت في أضيق من قرن-  قد أظلتك رماحهم و أثخنك كفاحهم-  و حين كان أمير المؤمنين أحب إليهم من أبنائهم و آبائهم-  فأنجاك الله من عدو أمير المؤمنين بحبهم إياه-  قاتل الله القائل حين ينظر إليك-  و سنان غزالة بين كتفيك- 

أسد علي و في الحروب نعامة
ربداء تنفر من صفير الصافر

هلا برزت إلى غزالة في الوغى‏
بل كان قلبك في جناحي طائر

قم فاخرج فقام فخرج‏
بعض ما قيل في الغيرة من الشعر

فأما قوله ع إياك و التغاير في غير موضع غيرة- فقد قيل هذا المعنى قال بعض المحدثين-

يا أيها الغائر مه لا تغر
إلا لما تدركه بالبصر

ما أنت في ذلك إلا كمن‏
بيته الدب لرمي الحجر

 و كان مسكين الدارمي أحد من يستهجن الغيرة- و يستقبح وقوعها في غير محلها- فمن شعره في هذا المعنى-

ما أحسن الغيرة في حينها
و أقبح الغيرة في غير حين‏

من لم يزل متهما عرسه‏
مناصبا فيها لرجم الظنون‏

يوشك أن يغريها بالذي
يخاف أو ينصبها للعيون‏

حسبك من تحصينها ضمها
منك إلى خيم كريم و دين‏

لا تظهرن يوما على عورة
فيتبع المقرون حبل القرين‏

و قال أيضا-

ألا أيها الغائر المستشيط
علام تغار إذ لم تغر

فما خير عرس إذا خفتها
و ما خير بيت إذا لم يزر

تغار من الناس أن ينظروا
و هل يفتن الصالحات النظر

فإني سأخلي لها بيتها
فتحفظ لي نفسها أو تذر

إذا الله لم يعطه ودها
فلن يعطي الود سوط ممر

و من ذا يراعي له عرسه‏
إذا ضمه و الركاب السقر

و قال أيضا-

و لست امرأ لا أبرح الدهر قاعدا
إلى جنب عرسي لا أفارقها شبرا

و لا مقسما لا أبرح الدهر بيتها
لأجعله قبل الممات لها قبرا

و لا حاملا ظني و لا قول قائل
على غيره حتى أحيط به خبرا

و هبني امرأ راعيت ما دمت شاهدا
فكيف إذا ما سرت من بيتها شهرا

إذا هي لم تحصن لما في فنائها
فليس بمنجيها بنائي لها قصرا

 فأما قوله-  و اجعل لكل إنسان من خدمك عملا تأخذه به-  فقد قالت الحكماء هذا المعنى-  قال أبرويز في وصيته لولده شيرويه-  و انظر إلى كتابك-  فمن كان منهم ذا ضياع قد أحسن عمارتها فوله الخراج-  و من كان منهم ذا عبيد قد أحسن سياستهم و تثقيفهم-  فوله الجند-  و من كان منهم ذا سراري و ضرائر-  قد أحسن القيام عليهن فوله النفقات و القهرمة-  و هكذا فاصنع في خدم دارك-  و لا تجعل أمرك فوضى بين خدمك فيفسد عليك ملكك- . و أما قوله فأكرم عشيرتك فإنهم جناحك-  فقد تقدم منا كلام في وجوب الاعتضاد بالعشائر

اعتزاز الفرزدق بقومه

روى أبو عبيدة قال-  كان الفرزدق لا ينشد بين يدي الخلفاء و الأمراء إلا قاعدا-فدخل على سليمان بن عبد الملك يوما-  فأنشده شعرا فخر فيه بآبائه-  و قال من جملته- 

تالله ما حملت من ناقة رجلا
مثلي إذا الريح لفتني على الكور

فقال سليمان هذا المدح لي أم لك-  قال لي و لك يا أمير المؤمنين-  فغضب سليمان و قال قم فأتمم-  و لا تنشد بعده إلا قائما-  فقال الفرزدق لا و الله أو يسقط إلى الأرض أكثري شعرا-  فقال سليمان ويلي على الأحمق ابن الفاعلة-  لا يكنى و ارتفع صوته فسمع الضوضاء بالباب-  فقال سليمان ما هذا قيل بنو تميم على الباب-  قالوا لا ينشد الفرزدق قائما-  و أيدينا في مقابض سيوفنا-  قال فلينشد قاعدا

وفود الوليد بن جابر على معاوية

و روى أبو عبيد الله محمد بن موسى بن عمران المرزباني قال-  كان الوليد بن جابر بن ظالم الطائي-  ممن وفد على رسول الله ص فأسلم-  ثم صحب عليا ع و شهد معه صفين-  و كان من رجاله المشهورين-  ثم وفد على معاوية في الاستقامة-  و كان معاوية لا يثبته معرفة بعينه-  فدخل عليه في جملة الناس فلما انتهى إليه استنسبه-  فانتسب له فقال أنت صاحب ليلة الهرير قال نعم-  قال و الله ما تخلو مسامعي من رجزك تلك الليلة-  و قد علا صوتك أصوات الناس و أنت تقول- 

شدوا فداء لكم أمي و أب
فإنما الأمر غدا لمن غلب‏

هذا ابن عم المصطفى و المنتجب‏
تنمه للعلياء سادات العرب‏

ليس بموصوم إذا نص النسب
أول من صلى و صام و اقترب‏

قال نعم أنا قائلها قال فلما ذا قلتها-  قال لأنا كنا مع رجل لا نعلم خصلة توجب الخلافة-  و لا فضيلة تصير إلى التقدمة-  إلا و هي مجموعة له-  كان أول الناس سلما و أكثرهم علما و أرجحهم حلما-  فات الجياد فلا يشق غباره-  يستولي على الأمد فلا يخاف عثاره-  و أوضح منهج الهدى فلا يبيد مناره-  و سلك القصد فلا تدرس آثاره-  فلما ابتلانا الله تعالى بافتقاده-  و حول الأمر إلى من يشاء من عباده-  دخلنا في جملة المسلمين فلم ننزع يدا عن طاعة-  و لم نصدع صفاة جماعة-  على أن لك منا ما ظهر و قلوبنا بيد الله-  و هو أملك بها منك-  فاقبل صفونا و أعرض عن كدرنا-  و لا تثر كوامن الأحقاد فإن النار تقدح بالزناد-  قال معاوية و إنك لتهددني يا أخا طيئ-  بأوباش العراق أهل النفاق و معدن الشقاق-  فقال يا معاوية هم الذين أشرقوك بالريق-  و حبسوك في المضيق و ذادوك عن سنن الطريق-  حتى لذت منهم بالمصاحف-  و دعوت إليها من صدق بها و كذبت-  و آمن بمنزلها و كفرت-  و عرف من تأويلها ما أنكرت-  فغضب معاوية و أدار طرفه فيمن حوله-  فإذا جلهم من مضر و نفر قليل من اليمن-  فقال أيها الشقي الخائن-  إني لإخال أن هذا آخر كلام تفوه به-  و كان عفير بن سيف بن ذي يزن بباب معاوية حينئذ-  فعرف موقف الطائي و مراد معاوية فخافه عليه-  فهجم عليهم الدار و أقبل على اليمانية فقال-  شاهت الوجوه ذلا و قلا و جدعا و فلا-  كشم الله هذه الأنف كشما مرعبا-  ثم التفت إلى معاوية فقال-  إني و الله يا معاوية ما أقول قولي هذا-  حبا لأهل العراق و لا جنوحا إليهم-  و لكن الحفيظة تذهب الغضب لقد رأيتك بالأمس-  خاطبت أخا ربيعة يعني صعصعة بن صوحان-  و هو أعظم جرما عندك من هذا و أنكأ لقلبك-  و أقدح في صفاتك و أجد في عداوتك-  و أشد انتصارا في حربك-  ثم أثبته و سرحته-  و أنت الآن مجمع على قتل هذا-  زعمت استصغارا لجماعتنا-  فإنا لا نمر و لا نحلي-  و لعمري لو وكلتك أبناء قحطان إلى قومك-  لكان جدك العاثر و ذكرك الداثر- و حدك المفلول و عرشك المثلول-  فاربع على ظلعك و اطونا على بلالتنا-  ليسهل لك حزننا و يتطامن لك شاردنا-  فإنا لا نرام بوقع الضيم و لا نتلمظ جرع الخسف-  و لا نغمز بغماز الفتن و لا نذر على الغضب-  فقال معاوية الغضب شيطان-  فاربع نفسك أيها الإنسان-  فإنا لم نأت إلى صاحبك مكروها-  و لم نرتكب منه مغضبا و لم ننتهك منه محرما-  فدونكه فإنه لم يضق عنه حلمنا و يسع غيره-  فأخذ عفير بيد الوليد-  و خرج به إلى منزله-  و قال له و الله لتئوبن بأكثر مما آب به معدي من معاوية-  و جمع من بدمشق من اليمانية-  و فرض على كل رجل دينارين في عطائه-  فبلغت أربعين ألفا فتعجلها من بيت المال-  و دفعها إلى الوليد و رده إلى العراق

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 16

نامه 30 شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

30 و من كتاب له ع إلى معاوية

فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا لَدَيْكَ- وَ انْظُرْ فِي حَقِّهِ عَلَيْكَ- وَ ارْجِعْ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا لَا تُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ- فَإِنَّ لِلطَّاعَةِ أَعْلَاماً وَاضِحَةً- وَ سُبُلًا نَيِّرَةً وَ مَحَجَّةً نَهْجَةً وَ غَايَةً مُطَّلَبَةً- يَرِدُهَا الْأَكْيَاسُ وَ يُخَالِفُهَا الْأَنْكَاسُ- مَنْ نَكَبَ عَنْهَا جَارَ عَنِ الْحَقِّ وَ خَبَطَ فِي التِّيهِ- وَ غَيَّرَ اللَّهُ نِعْمَتَهُ وَ أَحَلَّ بِهِ نِقْمَتَهُ- فَنَفْسَكَ نَفْسَكَ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكَ سَبِيلَكَ- وَ حَيْثُ تَنَاهَتْ بِكَ أُمُورُكَ- فَقَدْ أَجْرَيْتَ إِلَى غَايَةِ خُسْرٍ وَ مَحَلَّةِ كُفْرٍ- فَإِنَّ نَفْسَكَ قَدْ أَوْلَجَتْكَ شَرّاً وَ أَقْحَمَتْكَ غَيّاً- وَ أَوْرَدَتْكَ الْمَهَالِكَ وَ أَوْعَرَتْ عَلَيْكَ الْمَسَالِكَ قوله و غاية مطلبة أي مساعفة لطالبها بما يطلبه- تقول طلب فلان مني كذا فأطلبته أي أسعفت به- قال الراوندي مطلبة بمعنى متطلبة- يقال طلبت كذا و تطلبته- و هذا ليس بشي‏ء- و يخرج الكلام عن أن يكون له معنى- . و الأكياس العقلاء و الأنكاس جمع نكس- و هو الدني‏ء من الرجال و نكب عنها عدل- . قوله و حيث تناهت بك أمورك- الأولى ألا يكون هذا معطوفا- و لا متصلابقوله فقد بين الله لك سبيلك- بل يكون كقولهم لمن يأمرونه بالوقوف حيث أنت- أي قف حيث أنت فلا يذكرون الفعل- و مثله قولهم مكانك أي قف مكانك- .

قوله فقد أجريت- يقال فلان قد أجرى بكلامه إلى كذا- أي الغاية التي يقصدها هي كذا- مأخوذ من إجراء الخيل للمسابقة- و كذلك قد أجرى بفعله إلى كذا- أي انتهى به إلى كذا- و يروى قد أوحلتك شرا أو أورطتك في الوحل- و الغي ضد الرشاد- . و أقحمتك غيا جعلتك مقتحما له- . و أوعرت عليك المسالك جعلتها وعرة- . وأول هذا الكتاب أما بعد- فقد بلغني كتابك تذكر مشاغبتي- و تستقبح موازرتي- و تزعمني متحيرا و عن الحق مقصرا- فسبحان الله كيف تستجيز الغيبة و تستحسن العضيهة- أي لم أشاغب إلا في أمر بمعروف أو نهي عن منكر- و لم أتجبر إلا على باغ مارق أو ملحد منافق- و لم آخذ في ذلك إلا بقول الله سبحانه- لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ- يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ- وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ- و أما التقصير في حق الله تعالى فمعاذ الله- و إنما المقصر في حق الله جل ثناؤه من عطل الحقوق المؤكدة- و ركن إلى الأهواء المبتدعة- و أخلد إلى الضلالة المحيرة- و من العجب أن تصف يا معاوية الإحسان و تخالف البرهان- و تنكث الوثائق التي هي لله عز و جل طلبة- و على عباده حجة- مع نبذ الإسلام و تضييع الأحكام و طمس الأعلام-و الجري في الهوى و التهوس في الردى- فاتق الله فيما لديك و انظر في حقه عليك- الفصل المذكور في الكتاب- .

و في الخطبة زيادات يسيرة لم يذكرها الرضي رحمه الله- منهاو إن للناس جماعة يد الله عليها- و غضب الله على من خالفها- فنفسك نفسك قبل حلول رمسك- فإنك إلى الله راجع و إلى حشره مهطع- و سيبهظك كربه و يحل بك غمه- في يوم لا يغني النادم ندمه و لا يبل من المعتذر عذره- يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ‏

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏أبي ‏الحديد) ج 16