خطبه59 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام لما خوف من الغيلة

وَ إِنَّ عَلَيَّ مِنَ اللَّهِ جُنَّةً حَصِينَةً- فَإِذَا جَاءَ يَوْمِي انْفَرَجَتْ عَنِّي وَ أَسْلَمَتْنِي- فَحِينَئِذٍ لَا يَطِيشُ السَّهْمُ وَ لَا يَبْرَأُ الْكَلْمُ

أقول: قد كان عليه السّلام خوّف من غيلة ابن ملجم- لعنه اللّه- مرارا. روى: أنّ الأشعث لقيه متقلّدا سيفه فقال له: ما يقلّدك السيف و ليس بأوان حرب فقال: أردت أنحربه جزور القرية. فأتى الأشعث عليّا عليه السّلام فأخبره و قال: قد عرفت ابن ملجم و فتكه فقال عليه السّلام: ما قتلنى بعد، و روى: أنّ عليّا عليه السّلام كان يخطب مرّة و يذكر أصحابه و ابن ملجم تلقاء المنبر فسمع و هو يقول: و اللّه لاريحنّهم منك. فلمّا انصرف علىّ أتوا به ملبّسا. فأشرف عليهم و قال: ما تريدون. فأخبروه بما سمعوا منه. فقال: فما قتلنى بعد، خلّوا عنه، و إنّ علىّ من اللّه جنّة. الفصل.

اللغة

و الغيلة: القتل على غفلة.

و الجنّة: ما تستر به من سلاح.

و طاش السهم: انحرف عن الغرض.

و الكلم: الجرح.

المعنى

و كنّى بالجنّة عن عناية اللّه بحفظ أسباب حياته في المدّة الممكنة له في القضاء الإلهيّ كناية بالمستعار. و وجه الاستعارة أنّ مع بقاء أسباب الحياة محفوظة لا يؤثّر فى الإنسان شي‏ء من سهام المنيّة أبدا كما أنّ لابس الجنّة محفوظ بها من آثار السهام و نحوها. و وصفها بالحصينة ترشيحا للاستعارة، و كنّى بها أيضا عن قوّة ذلك الحفظ.
و كنّى بيومه عن وقت ضرورة موته، و بانفراج الجنّة عنه عن عدم بعض أسباب الحياة المستلزم لعدم الحياة و لحوق سهام الأمراض و هو ترشيح للاستعارة أيضا، و نسب إليها إسلامها له ملاحظة لتشبيهها بمن يحفظه ثمّ يسلّمه للقتل. و قوله: و حينئذ لا يطيش السهم. استعار لفظ السهم للأمراض الّتي هى أسباب الموت، و كنّى بعدم طيشه عن إنكائه و حصول الموت عنه، و لفظ الكلم للأثر الحاصل عن تلك الأسباب، و وجه الشبه في الاولى كونهما سببين للهلاك، و في الثانية ما يستلزمانه من التألّم، و رشّح الاولى بذكر الطيش و الثانية بذكر البرء. و من الشعر المنسوب إليه في ذلك.

أيّ يومىّ من الموت أفرّ يوم لم يقدر أم يوم قدر
يوم لم يقدر فلا أرهبه‏
يوم قد قدّر لا يغنى الحذر

و هو في ذلك ملاحظ لقوله تعالى وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا«» وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ«» و باللّه التوفيق.

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 2 ، صفحه‏ى 157

خطبه58 شرح ابن میثم بحرانی

و قال عليه السّلام
لما عزم على حرب الخوارج و قيل له: إنهم قد عبروا جسر النهروان‏

القسم الأول
مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ- وَ اللَّهِ لَا يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ وَ لَا يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ

قال الشريف: يعنى بالنطفة ماء النهر، و هو أفصح، كناية و إن كان كثيرا جما.

المعنى

أقول: خلاصة هذا الخبر أنّه عليه السّلام لمّا خرج إلى أصحاب النهر جاءه رجل من أصحابه فقال: البشرى يا أمير المؤمنين إنّ القوم عبروا النهر لمّا بلغهم و صولك فابشر فقد منحك اللّه اكتافهم. فقال: اللّه أنت رأيتهم قد عبروا. فقال: نعم. فقال عليه السّلام: و اللّه ما عبروه و لن يعبروه و إنّ مصارعهم دون النطفة و الّذي فلق الحبّة و برء النسمة لم يبلغوا إلّا ثلاث و لا قصر توران حتّى يقتلهم اللّه و قد خاب من افترى. قال: ثمّ جاءه جماعة من أصحابه واحدا بعد آخر كلّهم يخبره بما أخبره الأوّل فرك عليه السّلام و سار حتّى انتهى إلى النهر فوجد القوم بأسرهم قد كسر ون سيوفهم و عرقبوا خيولهم و جثوا على الركب و حكموا تحكيمة واحدة بصوت عظيم له زجل، و روى أنّ شابّا من أصحابه قال في نفسه حين حكم عليه السّلام بما حكم من أمرهم و سار إلى النهر لبيان صدق حكمه: و اللّه لأكوننّ قريبا منه فإن كانوا عبروا النهر لأجعلنّ سنان رمحى في عينه أيّدعى علم الغيب، فلمّا وجدهم لم يعبروا نزل عن فرسه و أخبره بما روّى في نفسه، و طلب منه أن يغفر له. فقال عليه السّلام: إنّ اللّه هو الّذي يغفر الذنوب جميعا فاستغفره. فأمّا حكمه بأنّه لا يفلت منهم عشرة و لا يقتل من أصحابه عشرة. فروى أنّه قال لأبي أيّوب الأنصارى و كان على ميمنته: لما بدأت الخوارج بالقتال احملوا عليهم فو اللّه لا يفلت منهم عشرة و لا يهلك منكم عشرة فلمّا قتلهم وجد المفلت منهم تسعة و المقتول من أصحابه ثمانية. و هذان الحكمان من كراماته عليه السّلام.

و قال عليه السّلام: القسم الثاني

لما قتل الخوارج قيل له: يا أمير المؤمنين، هلك القوم بأجمعهم كَلَّا وَ اللَّهِ إِنَّهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَ قَرَارَاتِ النِّسَاءِ-

كُلَّمَا نَجَمَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ- حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ لُصُوصاً سَلَّابِينَ‏

 

اللغة

أقول: نجم: طلع.

و السلّاب: المختلس.

و كلّا: ردّ لمقالة من حكم بهلاكهم جميعا.

المعنى

و أشار بكونهم نطفا في أصلاب الرجال و قرارات النساء إلى أنّه لا بدّ من وجود قوم منهم يقولون بمثل مقالتهم و أنّهم الآن موجودون في الأصلاب و الأرحام بالقوّة. فمنهم نطف برزت إلى الأرحام، و كنّى بالقرارات عنها. و منهم نطف بعد في الأصلاب، ثمّ ألحقهم أحكاما اخر تقريرا لبقائهم. منها: أنّه سيقوم منهم رؤساء ذوو أتباع، و عبّر عمّن يظهر منهم بالقرن استعارة مرشّحا لتلك الاستعارة بقوله: نجم و قطع. لكونهما حقيقتين في النبات و جعل لتراذ لهم غاية هى كون أواخرهم لصوصا سلّابين: أى قطّاعا للطريق، و أمّا الّذين ظهروا بعده من رؤسائهم فجماعة كثيرة و ذلك أنّ التسعة الّذين سلموا يوم النهر تفرّقوا في البلاد فانهزم اثنان منهم إلى عمّان، و إثنان إلى كرمان، و إثنان إلى سجستان، و إثنان إلى الجزيرة و واحد إلى تلّ مورون، و قد كان منهم جماعة لم يظفر عليه السّلام بهم فظهرت بدعتهم في أطراف البلاد بعده فكانوا نحوا من عشرين فرقة و كبارها ستّ:

إحداها: الأزارقة أصحاب نافع بن الأزرق، و كان أكبر الفرق. خرجوا من البصرة إلى الأهواز و غلبوا عليها و على كورها و ما رءاها من بلدان فارس و كرمان في أيّام عبد اللّه بن الزبير، و كان مع نافع من أمراء الخوارج عشرة: عطيّة بن الأسود الحنفىّ، و عبد اللّه بن ما خول، و أخواه: عثمان بن الزبير، و عمر بن عمير العميرى، و قطرى بن فجاة المازنىّ، و عبدة بن الهلال الشيبانى، و صخر التميمىّ، و صالح العبدىّ، و عبد ربّه الكبير، و عبد ربّه الصغير في ثلاثين و نيّف ألف فارس منهم فانفذ إليهم المهلّب بن أبي صفرة، و لم يزل في حربهم هو و أولاده تسع عشرة سنة إلى أن فرغ من أمرهم في أيّام الحجّاج، و مات نافع قبل وقايع المهلّب و بايعوا قطريّا و سمّوه أمير المؤمنين.

الثانية: النجدات رئيسهم نجدة بن عامر الحنفىّ، و كان معه أميران يقال لأحدهما عطيّة، و الآخر أبو فديك. ففارقاه بشبهة ثمّ قتله أبو فديك و صار لكلّ واحد منهما جمع عظيم و قتلا في زمن عبد الملك بن مروان.

الثالثة: البيهسيّة أصحاب أبي بيهس الهيصم بن جابر، و كان بالحجاز و قتله عثمان بن حيّان المزنىّ بالمدينة بعد أن قطع يديه و رجليه. و ذلك في زمن الوليد بإشارة منه.

الرابعة: العجاردة أصحاب عبد الكريم بن عجرد، و تحت هذه الفرقة فرق كثيرة لكلّ منهم رئيس منهم مشهور.

الخامسة: الأباضيّة أصحاب عبد اللّه بن أباض في أيّام مروان بن محمّد فوجّه إليه عبد اللّه بن محمّد بن عطيّة فقاتله فقتله.

السادسة: الثعالبة أصحاب ثعلبة بن عامر، و تحت هذه الفرقة أيضا فرق كثيرة، و لكلّ منها رئيس مشهور. و تفصيل رؤسائهم و فرقهم و أحوالهم و من قتلهم مذكور في كتب التواريخ. و أمّا كون آخرهم لصوصا سلّابين فإشارة إلى ما كانوا يفعلونه في أطرف البلاد بإصبهان و الأهواز و سواد العراق يعيشون فيها بنهب أموال الخراج و قتل من لم يدن بدينهم جهرا و غيلة و ذلك بعد ضعفهم و تفرّقهم بوقايع المهلّب و غيرها كما هو مذكوره في مظانّه.

و قال عليه السّلام: القسم الثالث

لَا تُقَاتِلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي- فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ- كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ (يعني معاوية و أصحابه)

المعنى

أقول: نهى عن قتل الخوارج بعده، و أومى إلى علّة استحقاق القتل بأنّها طلب الباطل لأنّه باطل ليتبيّن أنّها منفيّة في حقّهم فينتفى لازمها و هو استحقاق القتل، و أشار إلى أنّ الخوارج لم يطلبوا الباطل مع العلم بكونه باطلا بل طلبوا الحقّ بالذات فوقعوا بالباطل بالعرض. و من لم يكن غرضه إلّا الحقّ لم يجز قتله، و حسن الكلام يظهر في تقدير متّصلة هكذا: لو استحقّوا: القتل بسبب طلبهم لاستحقّوه بسبب طلبهم للباطل من حيث هو باطل لكنّهم لا يستحقّونه من تلك الجهة لأنّهم ليسوا طالبين للباطل من حيث هو باطل فلا يستحقّون القتل، و فرق بين من يطلب الحقّ لذاته فيظهر عنه في صورة باطل، و بين من يطلب الباطل لذاته فيظهره في صورة الحقّ حتّى يدركه، فإنّ الثاني هو المستحقّ للقتل دون الأوّل، و و أومى بمن طلب الباطل فأدركه إلى معاوية.

ع و اعلم: أنّ هذا نصّ منه عليه السّلام بأنّهم كانوا طالبين للحقّ، و بيانه أنّ معظم رؤسائهم كانوا على غاية من المحافظة على العبادات كما نقل عن الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم حيث وصفهم فقال: حتّى أنّ صلاة أحدكم لتحتقر في جنب صلاتهم. و كانوا مشهورين بالصلاح و المواظبة على حفظ القرآن و درسه إلّا أنّهم بالغوا في التجرّى و شدّة الطلب للحقّ حتّى عبروا عن فضيلة العدل فيه إلى رذيلة الإفراط فوقعوا في الفسق و مرقوا من الدين.

فإن قلت: كيف نهى عن قتلهم.
قلت: جوابه من وجهين: أحدهما: أنّه عليه السّلام إنّما نهى عن قتلهم بعده على تقدير أن يلزم كلّ منهم نفسه و يشتغل بها و لا يعيث في الأرض فسادا و هو إنّما قتلهم حيث أفسدوا فى زمانه و قتلوا جماعة من الصالحين كعبد اللّه بن خبّاب، و شقّوا بطن امرأته و كانت حاملا و دعوا الناس إلى بدعتهم و مع ذلك كان يقول لأصحابه حين سار إليهم: لا تبدءوهم بالقتال حتّى يبدءوكم به و لم يشرع في قتلهم حتّى بدءوه بقتل جماعة من أصحابه. الثاني: أنّه يحتمل أن يقال: إنّه إنّما قتلهم لأنّه إمام عادل رأى الحقّ في ذلك، و إنّما نهى عن قتلهم بعده لأنّه علم أنّه لا يلي هذا الأمر بعده من له بحكم الشريعة أن يقتل و يتولّى أمر الحدود، و من لا يعرف مواضعها. و باللّه التوفيق.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 2 ، صفحه‏ى 153

خطبه57 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام كلم به الخوارج

أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ وَ لَا بَقِيَ مِنْكُمْ آبِرٌ- أَ بَعْدَ إِيمَانِي بِاللَّهِ وَ جِهَادِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص- أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ- لَ قَدْ

ضَلَلْتُ إِذاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ- فَأُوبُوا شَرَّ مَآبٍ وَ ارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الْأَعْقَابِ- أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلًّا شَامِلًا وَ سَيْفاً

قَاطِعاً- وَ أَثَرَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِيكُمْ سُنَّةً

قال الشريف: قوله عليه السّلام «و لا بقى منكم آبر» يروى بالباء و الراء من قولهم للذى يأبر النخل- أى: يصلحه- و يروى «آثر» و هو الذى يأثر الحديث، أى: يرويه و يحكيه، و هو أصح الوجوه عندى، كأنه عليه السّلام قال: لا بقى منكم مخبر. و يروى «آبز»- بالزاى المعجمة- و هو الواثب.
و الهالك أيضا يقال له آبز

أقول: المروىّ في السبب أنّه لمّا كتب عهد التراضى بين الحكمين بين علىّ و معاوية اعتزلت الخوارج و تنادوا من كلّ ناحية لا حكم إلّا للّه، الحكم للّه يا على لا لك، إنّ اللّه قد أمضى حكمه في معاوية و أصحابه أن يدخلوا تحت حكمنا و قد كنّاز للنا و أخطأنا حين رضينا بالتحكيم و قد بان زللنا و خطأنا و رجعنا إلى اللّه و تبنا فارجع أنت كما رجعنا و تب إليه كما تبنا. و قال بعضهم: إنّك أخطأت فاشهد على نفسك بالكفر ثمّ تب منه حتّى نطيعك. فأجابهم بهذا الكلام.

اللغة

و الحاصب: ريح شديدة ترمى بالحصباء و هى صغار الحصى.

و الأثرة بالتحريك: الاستبداد.

المعنى

فدعا عليهم أوّلا بريح تحصبهم، ثمّ بالفناء غضبا من مقالتهم، ثمّ أخذ في تقريعهم و إنكار مقالتهم و طلبهم شهادته على نفسه بالكفر في صورة سؤال أعقبه تنبيههم على خطأهم في حقّه ببيان غلطه على نفسه لو أجابهم إلى ما سئلوا فإنّ شهادة الإنسان على نفسه بالكفر ضلال عن الحقّ و عدم اهتداء في سبيل اللّه. ثمّ أردف ذلك بأمرين:

أحدهما: جذبهم بالغضب و القهر و أمرهم بالرجوع إلى الحقّ على أعقابهم: أى من حيث خرجوا من الحقّ و فارقوه. الثاني: أخبارهم بما سيلقون بعده من الذلّ الشامل و السيف القاطع. و هو كناية عمّن تقتلهم بعده كالمهلّبّ بن أبي صفرة و غيره، و هذا الإخبار لغرض استفاءتهم إليه و جذب لهم برذيلة غيره. و الأثرة الّتي تتّخذها الظالمون فيهم سنّة. إشارة إلى ما يستأثر به الملوك و العمّال عليهم من الفى‏ء و الغنايم و إهانتهم، و قد كانت دعوته عليه السّلام استجيبت فيهم فإنّهم لم يزالوا بعده في ذلّ شامل و قتل ذريع حتّى أفناهم اللّه تعالى. و أحوالهم في كيفيّة قتالهم و قتلهم من قتلهم مستوفى في كتاب الخوارج. و باللّه التوفيق.

شرح‏ نهج‏ البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 2 ، صفحه‏ى 153

 

خطبه56 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام لأصحابه

أَمَّا إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ- مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ يَأْكُلُ مَا يَجِدُ وَ يَطْلُبُ مَا لَا يَجِدُ- فَاقْتُلُوهُ وَ لَنْ تَقْتُلُوهُ- أَلَا

وَ إِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي‏ وَ الْبَرَاءَةِ مِنِّي- فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي فَإِنَّهُ لِي زَكَاةٌ وَ لَكُمْ نَجَاةٌ- وَ أَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلَا تَتَبَرَّءُوا مِنِّي-

فَإِنِّي وُلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَ سَبَقْتُ إِلَى الْإِيمَانِ وَ الْهِجْرَةِ

اللغة

أقول: رحب البلعوم: واسع مجرى الحلق. و بطن مند حق ناتى‏ء بارز.

المعنى

و في هذا الفصل إخبار بما سيكون لأصحابه من الابتلاء بسبّه. و الخطاب لأهل الكوفة.

فقوله: أمّا. يحتمل أن يكون المشدّدة. و التقدير أمّا بعد أنّه كذا، و يحتمل أن يكون مخفّفة و هى ما النافية دخلت عليها همزة الاستفهام، و التقدير أما أنّه سيظهر، و اختلف في مراده بالرجل. فقال أكثر الشارحون: المراد معاوية لأنّه كان بطينا كثير الأكل. روى أنّه كان يأكل فيمّل فيقول: ارفعوا فو اللّه ما شبعت و لكن مللت و تعبت، و كان ذلك داء أصابه بدعاء الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم. روى: أنّه بعث إليه مرّة فوجده يأكل فبعث إليه ثانية فوجده كذلك. فقال: اللهم لا تشبع بطنه. و لبعضهم في وصف آخر.

و صاحب لى بطنه كالهاوية كأنّ في أمعائه معاويةو قيل: هو زياد بن أبي سفيان، و هو زياد بن أبيه، و قيل: هو الحجّاج، و قيل: المغيرة بن شعبة. و و ظهوره عليهم بعده. استعلاؤه و تأمرّه عليهم. و أكله ما يجد مع طلبه لما لا يجد كناية عن كثرة أكله، و جعل ذلك علامة له.

و قوله: فاقتلوه. أى لما هو عليه من الفساد في الأرض، و لن تقتلوه. حكم لدنىّ اطلّع عليه. و قوله: ألا و إنّه سيأمركم بسبىّ. إلى آخره.
إشارة إلى ما سيأمرهم به في حقّه من السبّ و البراءة، و وصيّة لهم بما هو المصلحة إذن. و فرّق عليه السّلام بين سبّه و البراء منه بأن رخصّ في سبّه عند الإكراه عليه و لم يرخّص في التبرّى منه، و في الفرق بينهما لطف، و ذلك أنّ السبّ من صفات القول اللسانىّ و هو أمر يمكن إيقاعه من غير اعتقاده مع احتماله التعريض و مع ما يشتمل عليه‏

من حقن دماء المأمورين و نجاتهم بامتثال الأمر به. و أمّا التبرّء فليس بصفة قوليّة فقط بل يعود إلى المجانبة القلبيّة و المعاداة و البغض و هو المنهّى عنه هاهنا فإنّه أمر باطن يمكنهم الانتهاء عنه و لا يلحقهم بسبب تركه و عدم امتثال الأمر به ضرر. و كأنّه لحظ فيها قوله تعالى مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَ لكِنْ«» الآية و قوله في السبّ: فإنّه لى زكاة و لكم نجاة. إشارة إلى أسباب ترخيصه في سبّه أمّا نجاتهم بسبّه فظاهرة و أمّا كونه زكاة له فلوجهين: أحدهما: ما روى في الحديث أنّ ذكر المؤمن بسوء هو زكاة له، و ذمّه بما ليس فيه زيادة في جاهه و شرفه. الثاني: أنّ الطباع تحرص على ما تمنع منه و تلحّ فيه. فالناس لمّا منعوا من ذكر فضائله و الموالاة له و الزموا سبّه و بغضه ازدادوا بذلك محبّة له و إظهارا لشرفه، و لذلك إنّه عليه السّلام سبّه بنو اميّة ألف شهر على المنابر فما زاد ذكره على ذلك إلّا علوّا و لا ازداد الناس في محبّته إلّا غلوّا. و المنقول أنّ الّذي أمر بقطع سبّه عمر بن عبد العزيز، و وضع مكان سبّه من الخطبة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ الآية، و لذلك قال كثير بن عبد الرحمن يمدحه:
و ليت فلم تشتم عليّا و لم تخف برّيا و لم تقبل إساءة مجرم‏

و فيه يقول الرضىّ الموسوى:
يا ابن عبد العزيز لو بكت العين فتى من اميّة لبكيتك‏
أنت نزّهتنا عن الشتم و السبّ‏
و لو كنت مجزيا لجزيتك‏
غير أنّى أقول إنّك قد طبت و إن لم يطب و لم يزك بيتك‏

و قوله: فإنّى ولدت على الفطرة. إلى آخره.
تعليل لحسن الانتهاء عن البراءة منه و وجوبه. و أراد بالفطرة فطرة اللّه الّتي فطر الناس عليها و هى بعثهم إلى عالم الأجسام مأخوذا عليهم ميثاق العبوديّة و الاستقامة على سنن العدل في سلوك صراطه المستقيم، و أراد بسبقه إلى الإسلام و الهجرة سبقه إلى طاعة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم فيما جاء به من الدين و صحبته له و مهاجرته معه مستقيما في كلّ ذلك‏ على فطرة اللّه لم يدنّس نفسه بشي‏ء من الملكات الرديئة مدّة وقته. أمّا زمان صغره فللخبر المشهور: كلّ مولود يولد على الفطرة، و أمّا بعده فلأنّ الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم كان هو المتولّى لتربيته و تزكية نفسه بالعلوم و الإخلاص من أوّل وقته إلى أن توفّى صلى اللّه عليه و آله و سلّم كما أشرنا إليه قبل، و كما سيذكر هو بعد كيفيّته، و كان قبوله و استعداده لأنوار اللّه أمرا فطرت عليه نفسه، و جبلّت عليه طبيعته حتّى لم يلحقه في ذلك أحد من الصحابة، و ظاهر أنّ من كان بهذه الصفة من خلفاء اللّه و أولياءه كان التبرّء منه تبرّء من اللّه و رسوله. فوجب الانتهاء عنه. و باللّه التوفيق.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 2 ، صفحه‏ى 149

خطبه55 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام

وَ لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص- نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَ أَبْنَاءَنَا وَ إِخْوَانَنَا وَ أَعْمَامَنَا- مَا يَزِيدُنَا ذَلِكَ إِلَّا إِيمَاناً وَ تَسْلِيماً- وَ مُضِيّاً عَلَى

اللَّقَمِ وَ صَبْراً عَلَى مَضَضِ الْأَلَمِ- وَ جِدّاً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ- وَ لَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَ الْآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا- يَتَصَاوَلَانِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ

يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا- أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ الْمَنُونِ- فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا وَ مَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا- فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ

بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ- وَ أَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ- حَتَّى اسْتَقَرَّ الْإِسْلَامُ مُلْقِياً جِرَانَهُ وَ مُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ- وَ لَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ- مَا

قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ وَ لَا اخْضَرَّ لِلْإِيمَانِ عُودٌ- وَ ايْمُ اللَّهِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً وَ لَتُتْبِعُنَّهَا نَدَماً

أقول: المنقول أنّ هذا الكلام صدر عنه يوم صفّين حين أقرّ الناس بالصلح. و أوّله: إنّ هؤلاء القوم لم يكونوا ليفيئوا إلى الحقّ، و لا ليجيبوا إلى كلمة سواء حتّى يرموا بالمناشر تتبعها العساكر، و حتّى يرجموا بالكتائب تقفوها الجلائب، و حتّى يجرّ ببلادهم الخميس يتلوه الخميس، و حتّى تدعق الخيول في نواحى أراضيهم و بأعناء مشاربهم و مسارحهم، حتّى تشنّ عليهم الغارات من كلّ فجّ عميق، و حتّى يلقاهم قوم صدق صبر لا يزيدهم هلاك من هلك من قتلاهم و موتاهم في سبيل اللّه إلّا جدّا في طاعة اللّه و حرصا على لقاء اللّه. و لقد كنّا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم الفصل.

 

اللغة

كلمة سواء: أى عادلة.

و المنشر: خيل من المأة إلى المأتين، و يقال بل الجيش ما يمرّ بشى‏ء إلّا اقتلعه، و الخميس: الجيش.

و تدعق: تغار على أرضهم فتؤثّر فيها حوافرها.

و شنّ الغارة: آثارها.

و اللقم: منهج الطريق.

و المضض: حرقة الألم.

و يتصاولان: يتحاملان و يتطاولان.

و يتخالسان: ينتهز كلّ منهما فرصة صاحبه، و المنون: المنيّة.

و الكبت: الصرف و الإذلال.

و جر ان البعير: مقدّم عنقه من مذبحه إلى منخره.

و تبوّء وطنه: سكن فيه.

المعنى

و مقصوده في هذا الفصل توبيخ أصحابه على ترك الحرب و التقصير فيه.

فقوله: و لقد كنّا. إلى قوله: أوطانه.

بيان لفظه و كيفيّة صنيعه هو و ساير الصحابة في الجهاد بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم لغرض قيام الإسلام و ظهور أمر اللّه ليتبيّن للسامعين تقصيرهم بالنسبة إلى ما كان اولئك عليه في جهادهم يومئذ. فبدء بذكر ما كانوا يكافحونه من الشدائد، و أنّ أحدهم كان يقتل أباه و ولده طلبا لرضا اللّه و ذبّا عن دينه ثمّ لا يزيده ذلك إلّا إيمانا و تسليما لقضائه، و مضيّا على واضح سبيله، و صبرا في طاعته على مضض الآلام المتواترة، و أنّ أحدهم كان يصاول عدوّه ليختطف كلّ روح صاحبه. و تجوّز بلفظ الكأس فيما يتجرّعه الإنسان من مضض الألم حال القتل، و نبّه بقوله: مرّة لنا و مرّة لعدوّنا. على أنّ إقدامهم على القتال يومئذ لم يكن عن قوّة منهم على العدوّ و يقين بغلبة بل مع غلب العدوّ لهم و قهره. و مرّة منصوب على الظرف و تقديره فمرّة الإدالة تكون لنا من عدوّنا و مرّة تكون له منّا.

و قوله: فلمّا رأى اللّه صدقنا. إلى قوله: النصر.

 فيه تنبيه على أنّ الجود الإلهىّ لا بخل فيه و لا منع من جهته و إنّما هو عامّ الفيض على كلّ قابل استعدّ لرحمته، و أشار برؤية اللّه صدقهم إلى علمه باستحقاقهم و استعدادهم بالصبر الّذي أعدّهم به، و بإنزال النصر عليهم و الكبت لعدوّهم إلى إفاضته على كلّ منهم ما استعدّ له.

و قوله: حتّى استقرّ الإسلام. إلى قوله: أوطانه.
إشارة إلى حصول غايتهم الّتي قصدوها بجهاد العدوّ (اللّه خ) و هى استقرار الإسلام في قلوب عباد اللّه. و استعار لفظ الجران، و رشحّ تلك الاستعارة بالإلقاء ملاحظة لشبهه بالبعير الّذي أخذ مكانه، و كذلك استعار لفظ التبوّء و نسبه إلى الأوطان تشبيها له بمن كان من الناس خائفا متزلزلا لا مستقر له ثمّ اطمأنّ و استقرّ في وطنه. و استعار لفظ الأوطان لقلوب المؤمنين، و كنّى بتبوّء أوطانه عن استقراره فيها.

و قوله: و لعمرى لو كنّا نأتي. إلى قوله: عود.
 رجوع إلى مقصوده الأصلىّ و هو تنبيه أصحابه على تقصيرهم. و المعنى لو قصّرنا يومئذ كتقصيركم الآن و تخاذلكم لما حصل ما حصل من استقامة الدين، و كنّى بالعمود للدين عن قوّته و معظمه كناية بالمستعار، و كذلك باخضرار العود للايمان عن نضارته في النفوس، و لاحظ في الاولى تشبيه الإسلام بالبيت ذى العمود، و في الثانية تشبيهه الايمان بالشجرة ذات الأغصان.

و قوله: و أيم اللّه لتحتلبنّها دما.
 استعار لفظ حلب الدم لثمرة تقصيرهم و تخاذلهم عمّا يدعوهم إليه من الجهاد، و لاحظ في تلك الاستعارة تشبيههم لتقصيرهم في أفعالهم بالناقة الّتي اصيب ضرعها بآفة من تفريط صاحبها فيها، و الضمير المؤنّث مبهم يرجع في المعنى إلى أفعالهم، و كذلك الضمير في قوله: و لتتبعنّها ندما فإنّ ثمرة التفريط الندامة. و دما و ندما منصوبان على التميز. و قد اتّفق في هذا الفصل نوعان من السجع فاللقم و الألم سجع متوازى، و جرانه و أوطانه مطرّف، و كذلك عمود و عود و دما و ندما. و باللّه التوفيق.

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 2 ، صفحه‏ى 147

خطبه54 شرح ابن میثم بحرانی

 و من كلام له عليه السّلام و قد استبطأ أصحابه إذنه لهم فى القتال بصفين

أَمَّا قَوْلُكُمْ أَ كُلَّ ذَلِكَ كَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ- فَوَاللَّهِ مَا أُبَالِي- دَخَلْتُ إِلَى الْمَوْتِ أَوْ خَرَجَ الْمَوْتُ إِلَيَّ- وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ شَكّاً فِي أَهْلِ

الشَّامِ- فَوَاللَّهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً- إِلَّا وَ أَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي- وَ تَعْشُوَ إِلَى ضَوْئِي- وَ ذَلِكَ أَحَبُّ

مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلَالِهَا- وَ إِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا

اللغة

أقول: عشا إلى النار: استدلّ عليها ببصر ضعيف.

و باء بإثمه: أى رجع به.

المعنى

و هذا الفصل مناسب للّذي قبله.

و السبب فيه أنّ أصحابه لمّا طال منعه لهم عن قتال أهل الشام ألحّوا عليه في طلبه حتّى نسبه بعضهم إلى العجز و كراهيّة الموت، و نسبه بعضهم إلى الشكّ في وجوب قتال هؤلاء. فأورد عليه السّلام شبهة الأوّلين و هى قوله: أكلّ ذلك كراهيّة الموت، و روى كراهيّة بالنصب على المفعول و سدّ مسدّ الخبر.

و أجاب عنها بقوله: فو اللّه ما ابالى. إلى قوله: إلىّ، و صدق هذا الدعوى المؤكّدة بالقسم البارّ ظاهر منه فإنّ العارف بمعزل عن تقيّة الموت خصوصا نفسه القدسيّة كما سبق، و نسبة الدخول على الموت و الخروج إليه نسبة مجازيّة تستلزم ملاحظة تشبيهه بحيوان مخوف. ثمّ أورد الشبهة الثانية

و هى قوله: و أمّا قولكم شكّا في أهل الشام. و أجاب عنها بقوله: فو اللّه ما دفعت الحرب: إلي آخره، و تقريره أنّ المطلوب الأوّل من الأنبياء و الأولياء إنّما هو اهتداء الخلق بهم من ظلمة الجهل، و استقامة امورهم في معاشهم و معادهم بوجودهم، و إذا كان هذا هو المطلوب الذّاتى له عليه السّلام من طلب هذا الأمر و القتال عليه و كان تحصيل المطالب كلّما كان ألطف و أسهل من القتل و القتال كان أولى لا جرم كان انتظاره بالحرب و مدافعتها يوما فيوما إنّما هو انتظار و طمع أن يلحق به منهم من تجذب العناية الإلهيّة بذهنه إلى الحقّ فيهتدى به في طريق اللّه و يعشو إلى ضوء عمله و كماله، و كان ذلك أحبّ إليه من قتلهم على ضلالتهم و إن كان كلّ ضالّ إنّما يرجع بإثمه إلى ربّه و يكون رهين عمله كما قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ. قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ لا.

شرح‏ نهج‏ البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 2 ، صفحه‏ى 145

خطبه53 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام

فَتَدَاكُّوا عَلَيَّ تَدَاكَّ الْإِبِلِ الْهِيمِ يَوْمَ وِرْدِهَا- وَ قَدْ أَرْسَلَهَا رَاعِيهَا وَ خُلِعَتْ مَثَانِيهَا- حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ أَوْ بَعْضُهُمْ قَاتِلُ

بَعْضٍ لَدَيَّ- وَ قَدْ قَلَّبْتُ هَذَا الْأَمْرَ بَطْنَهُ وَ ظَهْرَهُ حَتَّى مَنَعَنِي النَّوْمَ- فَمَا وَجَدْتُنِي يَسَعُنِي إِلَّا قِتَالُهُمْ- أَوِ الْجُحُودُ بِمَا

جَاءَني‏ بِهِ مُحَمَّدٌ ص- فَكَانَتْ مُعَالَجَةُ الْقِتَالِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مُعَالَجَةِ الْعِقَابِ- وَ مَوْتَاتُ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ مَوْتَاتِ الْآخِرَةِ

اللغة

أقول: تداكّوا: دكّ بعضهم بعضا: أى دقّه بالضرب و الدفع.

و الهيم: الإبل العطاش.

و المثانى: جمع مثناة و هى الحبل يثنّى و يعقل به البعير.

المعنى

و اعلم أنّ قوله: فتداكّوا. إلى قوله: لدىّ.

إشارة إلى صفة أصحابه بصفّين لمّا طال منعه لهم من قتال أهل الشام، و كان عليه السّلام يمنعهم من قتالهم لأمرين: أحدهما أنّه كانت عادته في الحرب ذلك ليكون خصمه البادى فتركبه الحجّة، و الثاني أنّه كان يستخلص وجه المصلحة في كيفيّة قتالهم لا على سبيل شكّه في وجوب قتال من خالفه فإنّه عليه السّلام كان مأمورا بذلك بل على وجه استخلاص الرأى الأصلح أو انتظارا لا نجذا بهم إلى الحقّ و رجوعهم إلى طاعته لحقن دماء المسلمين كما سيصرّح به في الفصل الّذي يأتي، ثمّ أكدّ وصفهم بالزحام عليه بأمرين: أحدهما تشبيهه بزحام الإبل العطاش حين يطلقها رعاتها من مثانيها يوم توردها الماء. و وجه الشبه مالهما من شدّة الزحام، الثاني غاية ذلك الزحام و هو ظنّه عليه السّلام أن يقتلوه أو يقتل بعضهم بعضا. و قوله: و قد قلّبت هذا الأمر. إلى آخره.

إشارة إلى بعض علل منعه لهم من القتال، و هو تقليبه لوجوه الآراء في قتالهم حتّى تبيّن له ما يلزم في ترك القتال من الخطر و هو الكفر. على أنّ في الأمرين خطرا أمّا القتال ففيه بذل نفسه للقتل و هلاك جملة من المسلمين، و أمّا تركه ففيه مخالفة أمر اللّه و رسوله المستلزمة للعقاب الأليم، لكن قد علمت أنّ الدنيا لا قيمة لسعادتها و لا نسبة لشقاوتها إلى سعادة الآخرة و شقاوتها عند ذوى البصاير خصوصا مثله عليه السّلام فلذلك قال: فكانت معالجة القتال أهون علىّ من معالجة العقاب، و موتات الدنيا أهون علىّ من موتات الآخرة. و استعار لفظ الموتات للأهوال و الشدائد في الدنيا و الآخرة لما بين الموت و بينها من المناسبة في الشدّة.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 2 ، صفحه‏ى 144

خطبه52 شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام فى ذكر يوم النحر

وَ مِنْ تَمَامِ الْأُضْحِيَّةِ اسْتِشْرَافُ أُذُنِهَا وَ سَلَامَةُ عَيْنِهَا- فَإِذَا سَلِمَتِ الْأُذُنُ وَ الْعَيْنُ سَلِمَتِ الْأُضْحِيَّةُ وَ تَمَّتْ- وَ لَوْ كَانَتْ

عَضْبَاءَ الْقَرْنِ تَجُرُّ رِجْلَهَا إِلَى الْمَنْسَكِ

اللغة

أقول: الاضحية: منصوبة إلى الأضحى إذ كان ذبجها في ضحى ذلك اليوم، و قيل إنّه مشتقّ منها.

و استشراف اذنها: طولها، و كنّى بذلك عن سلامتها من القطع أو نقصان الخلقة.

و العضباء: مكسورة القرن، و قيل القرن الداخل.

و كنّى بجرّ رجلها إلى المنسك عن عرجها.

و المنسك: موضع النسك، و هو العبادة و التقرّب بذبحها.

المعنى

و اعلم أنّ المعتبر في الاضحيّة سلامتها عمّا ينقّص قيمتها، و ظاهر أنّ العمى و العور و الهزال و قطع الاذن تشويه في خلقتها و نقصان في قيمتها دون العرج و كسر القرن.

و في فضل الاضحيّة أخبار كثيرة روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم قال: ما من عمل يوم النحر أحبّ إلى اللّه عزّ وجلّ من إراقة دم، و إنّها لتأتى يوم القيامة بقرونها و أظلافها و أنّ الدم ليقع من اللّه بمكان قبل أن يقع الأرض فطيّبوا بها نفسا. و روى عنه أيضا أنّ لكم بكلّ صوفة من جلدها حسنة، و بكلّ قطرة من دمها حسنة، و أنّها لتوضع في الميزان فابشروا، و قد كانت الصحابة يبالغون في أثمان الهدى و الأضاحى، و يكرهون المماكسة فيها فإنّ أفضل ذلك أغلاه ثمنا و أنفسه عند أهله.

روى أن عمر اهدى نجيبة فطلبت منه بثلاثمائة دينار فسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم أن يبيعها و يشترى بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك، و قال: بل اهدها. و سرّ ذلك أنّ الجيّد القليل خير من الكثير الدون. فثلاث مائة دينار و إن كان قيمة ثلاثين بدنة و فيها تكثير اللحم و لكن ليس المقصود اللحم. بل المقصود تزكية النفس و تطهيرها عن صفة البخل و تزيينها بجمال التعظيم للّه ف لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى‏ مِنْكُمْ، و ذلك بمراعاة النفاسة في القيمة كثر العدد أم قلّ.

و اعلم أنّه ربما لاح من أسرار وضع الاضحيّة سنّة باقية هو أن يدوم بها التذكّر لقصّة إبراهيم عليه السّلام و ابتلائه بذبح ولده و قوّة صبره على تلك المحنة و البلاء المبين، ثمّ يلاحظ من ذلك حلاوة ثمرة الصبر على المصائب و المكاره فيتأسّى الناس به في ذلك مع ما في نحر الاضحيّة من تطهير النفس عن رذيلة البخل و استعداد النفس بها للتقرّب إلى اللّه تعالى. و باللّه التوفيق.

شرح ‏نهج‏ البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی) ، ج 2 ، صفحه‏ى 143

خطبه51 شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

أَلَا وَ إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ وَ آذَنَتْ بِانْقِضَاءٍ- وَ تَنَكَّرَ مَعْرُوفُهَا وَ أَدْبَرَتْ حَذَّاءَ- فَهِيَ تَحْفِزُ بِالْفَنَاءِ سُكَّانَهَا- وَ تَحْدُو بِالْمَوْتِ

جِيرَانَهَا- وَ قَدْ أَمَرَّ فِيهَا مَا كَانَ حُلْواً- وَ كَدِرَ مِنْهَا مَا كَانَ صَفْواً- فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا سَمَلَةٌ كَسَمَلَةِ الْإِدَاوَةِ- أَوْ جُرْعَةٌ كَجُرْعَةِ

الْمَقْلَةِ- لَوْ تَمَزَّزَهَا الصَّدْيَانُ لَمْ يَنْقَعْ- فَأَزْمِعُوا عِبَادَ اللَّهِ- الرَّحِيلَ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ الْمَقْدُورِ عَلَى أَهْلِهَا الزَّوَالُ- وَ لَا يَغْلِبَنَّكُمْ

فِيهَا الْأَمَلُ- وَ لَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ فِيهَا الْأَمَدُ- فَوَاللَّهِ لَوْ حَنَنْتُمْ حَنِينَ الْوُلَّهِ الْعِجَالِ- وَ دَعَوْتُمْ بِهَدِيلِ الْحَمَامِ- وَ جَأَرْتُمْ جُؤَارَ

مُتَبَتِّلِي الرُّهْبَانِ- وَ خَرَجْتُمْ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَ الْأَوْلَادِ- الْتِمَاسَ الْقُرْبَةِ إِلَيْهِ فِي ارْتِفَاعِ دَرَجَةٍ عِنْدَهُ- أَوْ غُفْرَانِ سَيِّئَةٍ

أَحْصَتْهَا كُتُبُهُ- وَ حَفِظَتْهَا رُسُلُهُ لَكَانَ قَلِيلًا فِيمَا أَرْجُو لَكُمْ‏ مِنْ ثَوَابِهِ- وَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ عِقَابِهِ- وَ اللَّهِ لَوِ انْمَاثَتْ قُلُوبُكُمُ

انْمِيَاثاً- وَ سَالَتْ عُيُونُكُمْ مِنْ رَغْبَةٍ إِلَيْهِ أَوْ رَهْبَةٍ مِنْهُ دَماً- ثُمَّ عُمِّرْتُمْ فِي الدُّنْيَا- مَا الدُّنْيَا بَاقِيَةٌ مَا جَزَتْ أَعْمَالُكُمْ عَنْكُمْ- وَ

لَوْ لَمْ تُبْقُوا شَيْئاً مِنْ جُهْدِكُمْ- أَنْعُمَهُ عَلَيْكُمُ الْعِظَامَ- وَ هُدَاهُ إِيَّاكُمْ لِلْإِيمَانِ

اللغة

أقول: آذنت: أعلمت.

و تنكّر معروفها: جهل.

و حذّاء: سريعة خفيفة،

و يروى بالجيم: أى مقطوعة الخبر و العلاقة.

و الحفز: السوق الحثيث.

و الحفز أيضا الطعن، و السملة بفتح الميم: البقيّة من الماء في الإناء.

و المقلة بفتح الميم و سكون القاف: حصاة يقسم بها الماء عند قلّته يعرف بها بها مقدار ما يسقى كلّ شخص.

و التمزّز: تمصّص الشراب قليلا قليلا.

و الصديان: العطشان.

و نقع ينقع: أى سكن عطشه.

و أزمعت الأمر و أزمعت عليه: أى ثبت عزمى على فعله.

و المقدور: المقدّر الّذي لا بدّ من كونه.

و الأمد: الغاية.

و الولّه العجال: جمع واله و عجول، و هما من الإبل النوق تفقد أولادها. و هديل الحمامة: نوحها.

و الجوار: الصوت المرتفع.

و التبتّل: الانقطاع إلى اللّه بإخلاص النيّة.

و انماث الشي‏ء: تحلّل و ذاب.

 

و اعلم أنّ مدار هذا الفصل على امور ثلاثة:

أحدها: التنفير عن الدنيا و التحذير منها و النهى عن تأميلها و الأمر بالرحيل عنها.

الثاني: التنبيه على عظيم ثواب اللّه و ما ينبغي أن يرجى منه و يلتفت إليه و يقصد بالرحيل بالنسبة إلى ما الناس فيه ممّا يتوهّم خيرا في الدنيا ثمّ على عظيم عقابه و ما ينبغي أن يخاف منه.

الثالث: التنبيه على عظمة نعمة اللّه على الخلق، و أنّه لا يمكن جزاءها بأبلغ المساعى و أكثر الاجتهاد.

أمّا الأوّل: التنفير عن الدنيا و التحذير منها

فأشار بقوله: الا و إنّ الدنيا قد تصرمّت. إلى قوله: فيها الأمد. و قد علمت أن تصرّمها هو تقضّى أحوالها الحاضرة شيئا فشيئا بالنسبة إلى من‏ وجد فيها في كلّ حين، و أنّ إذنها بالانقضاء هو إعلامها بلسان حالها لأذهان المعتبرين أنّها لا تبقى لأحد، فأمّا تنكّر معروفها: فمعناه تغيّره و تبدّله، و مثاله أنّ الإنسان إذا أصاب لذّة من لذّات الدنيا كصحّة أو أمن أو جاه و نحوه أنس إليه و توهّم بقاءه له و كان ذلك معروفها الّذي أسدته إليه و عرفه و ألفه منها، ثمّ إنّه عن قليل يزول و يتبدّل بضدّه فيصير بعد أن كان معروفا مجهولا. و تكون الدنيا كصديق تنكّر في صداقته و مزّجها بعداوته.

و قوله: و أدبرت حذّاء. أى ولّت حال ما لا تعلّق لأحد بشى‏ء منها مسرعة، و استعار لفظ الإدبار لانتقال خيراتها عمّن انتقلت عنه بموته أو غير ذلك من وجوه زوالها ملاحظة لشبهها بملك أعرض عن بعض رعيّته برفده و ماله و برّه.

قوله: فهى تحفز بالفناء سكّانها و تحدو بالموت جيرانها. استعار لها وصفى السائق و الحادى استعارة بالكناية. و وجه المشابهة كونهم قاطعين لمدّة العمر بالفناء و الموت فهى مصاحبته لهم بذلك كما يصحب السائق و الحادى للإبل بالسوق و الحداء، و إن اريد بالحفز الطعن فيكون قد تجوّز بنسبته إلى البلاء ملاحظة لشبه مصائب الدنيا بالرماح، و كذلك استعار لفظ الفناء و الموت لآلة السوق و الحداء و نزّلهما منزلة الحقيقة. و وجه المشابهة كون الموت هو السبب في انتقال الإنسان إلى دار الآخرة كما أنّ الصوت و السوط مثلا للذين هما آلتا الحداء و السوق هما اللذان بهما يحصل انتقال الإبل من موضع إلى موضع.

و قوله: و قد أمرّ منها ما كان حلوا، و كدر منها ما كان صفوا. كقوله: و تنكّر معروفها: أى إنّ الامور الّتي تقع لذيذة فيها و يجدها الإنسان في بعض أوقاته صافية حلوة خالية عن كدورات الأمراض و مرارة التنغيص بالعوارض الكريهة هى في معرض التغيّر و التبدّل بالمرارة و الكدر فما من شخص يخاطبه بما ذكر إلّا و يصدق عليه أنّه قد عرضت له من تلك اللذّات ما استعقب صفوها كدرا و حلاوتها مرارة إمّا من شباب يتبدّل بكبر، أو غنى بفقر، أو عزّ بذلّ، أو صحّة بسقم.

و قوله: فلم يبق منها إلا سملة. إلى قوله: لم ينقع. تقليل و تحقير لما بقى منها لكلّ شخص شخص من الناس فإنّ بقائها له على حسب بقائه فيها، و بقاء كلّ شخص فيها يسير و وقته قصير. و استعار لفظ السملة لبقيّتها، و شبّها ببقيّة الماء في الإداوة، و بجرعة المقلة، و وجه الشبه ما أشار بقوله: لو تمزّزها الصديان لم ينقع: أى كما أنّ العطشان الواجد لبقيّة الإداوة و الجرعة لو تمصّصها لم ينقع عطشه كذلك طالب الدنيا المتعطّش إليها الواجد لبقيّة عمره و لليسير من الاستمتاع فيه بلذّات الدنيا لا يشفى ذلك غليله و لا يسكن عطشه منها، فالأولى إذن تعويد النفس بالفطام عن شهواتها.

و قوله: فأزمعوا عباد اللّه الرحيل عن هذه الدار. أمر لهم بعد تحقيرها و التنفير عنها بالإزماع، و تصميم العزم على الرحيل عنها بالالتفات إلى اللّه و الإقبال على قطع عقبات الطريق إليه و هو الرحيل عن الدنيا.

و قوله: المقدور على أهلها الزوال. تذكير بما لا بدّ من مفارقتها لتحّف الرغبة فيها ثمّ أعقب ذلك بالنهى عن متابعة الأمل في لذّاتها فإنّه ينسى الآخرة كما سبقت الإشارة إليه، و ذكر لفظ المغالبة تذكير بالأنفة و استثارة للحميّة من نفوسهم ثمّ بالنهى عن توهّم طول مدّة الحياة و استبعاد الغاية الّتي هى الموت فإنّ ذلك يقسى القلب فيورث الغفلة عن ذكر اللّه كما قال تعالى فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ«».

و أمّا الثاني: فهو التنبيه على عظيم ثواب اللّه و عقابه.
فاعلم أنّه لمّا حقّر الدنيا، و حذّر منها، و أمر بالارتحال عنها. أشار بعد ذلك إلى ما ينبغي أن يعظّم و يلتفت إليه و يرجى و يخشى، و هو ثواب اللّه و عقابه، فأشار إلى تعظيمها بتحقير الأسباب و الوسائل الّتي يعتمد عليها العباد و هى غايات جهدهم بالنسبة إلى ما ينبغي أن يرجى من ثوابه و يخشى من عقابه و تلك الأسباب من شدّة الحنين و الوله إلى اللّه و الدعاء المستمرّ و التضرّع المشبه بتبتّل الرهبان. هذا في طرف العبادة.

و إنّما خصّ التشبيه بمتبتّلى الرهبان لشهرتهم بشدّة التضرّع، و كذلك الخروج إلى اللّه من الأموال: و الأولاد و هو أشدّ الزهد، و رتّب ذلك في صورة متصّلة مقدّمها قوله: و لو حننتم إلى قوله: رسله، و تاليها قوله: لكان ذلك قليلا. إلى قوله: من عقابه. و التماس: مفعول له. و خلاصة هذا المقصود بوجيز الكلام إنّكم لو أتيتم بجميع أسباب التقرّب إلى اللّه الممكنة لكم من عبادة و زهد ملتمسين بذلك التقرّب إليه في أن يرفع لكم عنده درجة أو يغفر لكم سيّئة أحصتها كتبه و ألواحه المحفوظة لكان الّذي أرجوه من ثوابه للمتقرّب إليه في أن يرفع منزلته من حضرة قدسه أكثر ممّا يتصوّر المتقرّب أنّه يصل إليه بتقرّبه، و لكان الّذي أخافه من عقابه على المتقرّب في غفران سيّئة عنده أكثر من العقاب الّذي يتوهّم أنّه يدفعه عن نفسه بتقرّبه. فينبغى لطالب الزيادة في المنزلة عند اللّه أن يخلص بكلّيته في التقرّب إليه ليصل هو إلى ما هو أعظم ممّا يتوهّم أنّه يصل إليه من المنزلة عنده، و ينبغي للهارب من ذنبه إلى اللّه أن يخلص بكلّيّته في الفرار إليه ليخلص من هول ما هو أعظم ممّا يتوهّم أنّه يدفع عن نفسه بوسيلته إليه فإنّ الأمر في معرفة ما أعدّ اللّه لعباده الصالحين من الثواب العظيم، و ما أعدّه لأعدائه الظالمين من العقاب الأليم أجّل ممّا يتصوّره عقول البشر ما دامت في عالم الغربة و إن كان عقولهم في ذلك الإدراك متفاوتة، و لمّا كانت نفسه القدسيّة أشرف نفوس الخلق في ذلك الوقت لا جرم نسب الثواب المرجوّ لهم و العقاب المخوف عليهم إلى رجائه هو و خوفه. فقال: ما أرجو لكم من ثوابه و أخاف عليكم من عقابه. و ذلك لقوّة اطّلاعه من ذلك على ما لم يطّلعوا عليه.

و أمّا الثالث: و هو التنبيه على عظيم نعمة اللّه تعالى على العباد

فنبّه عليه أنّ كلّ ما أتوا به من الأعمال الّتي بذلوا جهدهم فيها في طاعة اللّه و ما عساه يمكنهم أن يأتوا به منها فهو قاصر عن مجازاته نعمه العظام. و قد سبق بيان ذلك. و رتّب المطلوب في صورة شرطيّة متّصلة أيضا مقدّمها مركّب من امور:

أحدها: قوله: لو انماثت قلوبكم. أى ذابت خوفا منه و وجدا منه، و كنّى بذلك عن أقصى حال الخائف الراجى لربّه في عبادته.

الثاني قوله: و سالت عيونكم دما، و هو كالأوّل. الثالث قوله: ثمّ عمّرتم في الدنيا ما الدنيا باقية أى مدّة بقاء الدنيا. و تاليها قوله: و ما جزت أعمالكم. إلى آخره. و أنعمه منصوب مفعول جزت. و هداه في محلّ النصب عطفا عليه، و إنّما أفرد الهدى بالذكر و إن كان من الأنعم لشرفه إذ هو الغاية المطلوبة من العبد بكلّ نعمة افيضت عليه فإنّه لم يخلق و لم يفض عليه أنواع النعم.
الإلهيّة إلّا لتأهّل [ليستأهل خ‏] قلبه، و يستعدّ نفسه لقبول صورة الهدى من واهبها فيمشى بها في ظلمات الجهل إلى ربّه و يجوز بها عقبات صراطه المستقيم، و أكّد ملازمة هذه المتّصلة بالقسم البازّ، و كذلك المتّصلة السابقة، و فايدة هذا التنبيه بعث الخلق على الشكر و توفير الدواعي على الاجتهاد في الإخلاص للّه حياء من مقابلة عظيم إنعامه بالتقصير في شكره و التشاغل بغيره. و باللّه التوفيق.

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 2 ، صفحه‏ى 138

خطبه50شرح ابن میثم بحرانی

ومن كلام له عليه السّلام

لما غلب أصحاب معاوية أصحابه عليه السّلام على شريعة الفرات بصفين و منعوهم الماء قَدِ اسْتَطْعَمُوكُمُ الْقِتَالَ-

فَأَقِرُّوا عَلَى مَذَلَّةٍ وَ تَأْخِيرِ مَحَلَّةٍ- أَوْ رَوُّوا السُّيُوفَ مِنَ الدِّمَاءِ تَرْوَوْا مِنَ الْمَاءِ- فَالْمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ- وَ الْحَيَاةُ فِي

مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ- أَلَا وَ إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَادَ لُمَةً مِنَ الْغُوَاةِ- وَ عَمَّسَ عَلَيْهِمُ الْخَبَرَ- حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ الْمَنِيَّةِ

اللغة

أقول: اللمة بالتخفيف: الجماعة القليلة.

و عمس بالتخفيف و التشديد: عمّى و ابهم، و منه عمس الليل أظلم.

و المحلّة: المنزلة.

و في الفصل لطائف.

الاولى: قوله: قد استطعموكم القتال.
استعار لفظ الاستطعام لتحرّشهم بالقتال في منعهم للماء. و وجه الاستعارة استسهالهم للقتال و طلبهم له بمنع الماء الّذي هو في الحقيقة أقوى جذبا للقتال من طلب المأكول بالأقوال.
و لأنّهم لمّا حازوا الماء أشبهوا في ذلك من طلب الطعام له، و لمّا استلزم ذلك المنع طلبهم للقتال تعيّن أن يشبه ما طلبوا إطعامه.

الثانية: قوله: فأقرّوا على مذلّة، و تأخير محلّة. إلى قوله: الماء.
أمر لهم بأحد لازمين عن منعهم الماء و استطعامهم القتال: إمّا ترك القتال، أو إيقاعه. و إنّما أورد الكلام بصورة التخيير بين هذين اللازمين و إن لم يكن مراده إلّا القتال لعلمه بأنّهم لا يختارون ترك القتال مع ما يلزم من الإقرار بالعجز و المذلّه‏ و الاستسلام للعدوّ و تأخير المنزلة عن رتبة أهل الشرف و الشجاعة، و إنّما أورد الوصفين اللازمين لترك القتال. و هما الإقرار على المذلّة و على تأخير المحلّة لينفّر بهما عنه و يظهره لهم في صورة كريهة، و إنّما جعل الريّ من الماء الّذي هو مشتهى أصحابه في ذلك الوقت لازما لترويتهم السيوف من الدماء الّتي يلزمها القتال ليريهم القتال في صورة محبوبة تميل طباعهم إليها. و نسبة التروىّ إلى السيوف نسبة مجازيّة.

الثالثة: قوله: فالموت في حياتكم مقهورين، و الحياة في موتكم قاهرين.
من لطائف الكلام و محاسنه و هو جذب إلى القتال بأبلغ ما يكن من البلاغة فجذبهم إليه بتصويره لهم أنّ الغاية الّتي عساهم يفرّون من القتال خوفا منها و هى الموت موجودة في الغاية الّتي عساهم يطلبونها من ترك القتال و هى الحياة البدنيّة حال كونهم مقهورين. و تجوّز بلفظ الموت في الشدائد و الأهواء الّتي تلحقهم من عدوّهم لو قهرهم و هى عند العاقل أشدّ بكثير من موت البدن و أقوى مقاساة فإنّ المذلّة و سقوط المنزلة و الهضم و الاستنقاص عند ذى اللبّ موتات متعاقبة، و يحتمل أن يكون مجازا في ترك عبادة اللّه بالجهاد فإنّه موت للنفس و عدم لحياتها برضوان اللّه، و كذلك جذبه لهم أنّ الغاية الّتي تفرّون إليها بترك القتال و هى الحياة موجودة في الغاية الّتي تفرّون منها و هى الموت البدنىّ حال كونهم قاهرين أمّا في الدنيا فمن وجهين: أحدهما الذكر الباقى الجميل الّذي لا يموت و لا يفنى. الثاني أنّ طيب حياتهم الدنيا إنّما يكون بنظام أحوالهم بوجود الإمام العادل و بقاء الشريعة كما هى، و ذلك إنّما يكون بإلقاء أنفسهم في غمرات الحرب محافظة على الدين و موت بعضهم فيها. و لفظ الموت مهمل تصدق نسبته إلى الكلّ و إن وجد في البعض، و أمّا في الآخرة فالبقاء الأبدى بالمحافظة على وظائف اللّه و الحياة التامّة في جنّات عدن كما قال تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ«» و في القرينتين الاوليين السجع المتوازى و في اللتين بعدهما السجع المطرف، و في اللتين بعدهما المقابلة.

الرابعة: قوله: ألا و إنّ معاوية.

ذكر للعدوّ برذيلتين، و لأصحابه برذيلتين أمّا الأوليان فكونه قائد غواة، و كونه قد لبّس عليهم الحقّ بالباطل و أراهم الباطل في صورة الحقّ، و أمّا الاخريان لكونهم غواتا عن الحقّ، و كونهم قد انقادوا للباطل عن شبهة حتّى صار جهلهم مركّبة، و الغرض من ذلك التنفير عنهم، و قوله: حتّى جعلوا نحورهم أغراض المنيّة غاية لأصحاب معاوية من تلبيسه الحقّ عليهم. و كنّى بذلك عن تصديّهم للموت، و لفظ الغرض مستعار لنحورهم، و وجه المشابهة جعلهم لنحورهم بصدد أن تصيبها سهام المنيّة من الطعن و الضرب و الذبح و وجوه القتل فأشبهت ما ينصبه الرامى هدفا. و هى استعارة بالكناية كأنّه حاول أن يستعير للمنيّة لفظ الرامى. و باللّه التوفيق.

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 2 ، صفحه‏ى 136

 

خطبه49شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ وَ أَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ- يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ اللَّهِ- وَ يَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالًا عَلَى غَيْرِ دِينِ اللَّهِ- فَلَوْ

أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ- لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ- وَ لَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ- انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ

الْمُعَانِدِينَ- وَ لَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُخْرَجَانِ- فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ- وَ يَنْجُو الَّذِينَ

سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنى‏

 

اللغة

أقول: المرتاد: الطالب.

و الضغث: القبضة من الحشيش.

المعنى

و اعلم أنّ مبدء وقوع الفتن المؤدّية إلى خراب العالم و فساده إنّما هو اتّباع الهوى و الآراء الباطلة و الأحكام المبتدعة الخارجة عن أوامر اللّه، و ذلك أنّ المقصود من بعثة الرسل و وضع الشريعة إنّما هو نظام أحوال الخلق في أمر معاشهم و معادهم فكان كلّ رأى ابتدع أو هوى اتّبع خارجا عن كتاب اللّه و سنّة رسوله سببا لوقوع الفتنة و تبدّد نظام الموجود في هذا العالم. و ذلك كأهواء البغاة و آراء الخوارج و نحوها. و قوله: فلو أنّ الباطل خلّص من مزاج الحقّ. إلى آخره.
إشارة إلى أسباب تلك الآراء الفاسدة. و مدار تلك الأسباب على امتزاج المقدّمات الحقّة بالباطلة في الحجج الّتى يستعملها المبطلون في استعلام المجهولات فبيّن أنّ السبب هو ذلك الامتزاج بشرطيّتين متّصلتين.

إحداهما: قوله: فلو أنّ الباطل خلّص من مزاج الحقّ لم يخف على المرتادين. و وجه الملازمة في هذه المتّصلة ظاهر فإنّ مقدّمات الشبهة إذا كانت كلّها باطلة أدرك طالب الحقّ وجه فسادها بأدنى سعى و لم يخف عليه بطلانها، و أمّا استثناء نقيض تاليها فلأنّه لمّا خفى وجه البطلان فيها على طالب الحقّ لم يكن الباطل فيها خالصا من مزاج الحقّ فكان ذلك هو سبب الغلط و اتّباع الباطل لأنّ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمتين.

و الثانية: قوله: و لو أنّ الحقّ خلّص من [لبس خ‏] الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين، و وجه الملازمة أيضا كما مرّ: أى إنّ مقدّمات الحجّة الّتي استعملها المبطلون لو كانت كلّها حقّة مرتّبة ترتيبا حقّا لكانت النتيجة حقّا تنقطع ألسنتهم عن العناد فيه و المخالفة له. و قد حذف عليه السّلام كبرى هذين القياسين لأنّهما قياسا ضمير كما سبق، ثمّ أتى بالنتيجة أو ما في معناها و هو قوله: و لكن يؤخذ من هذا ضغث، و من هذا ضغث: أى من الحقّ و الباطل فيمزجان، و لفظ الضغث مستعار، و مقصوده بذلك التصريح بلزوم الآراء الباطلة و الأهواء المبتدعة لمزج الحقّ بالباطل. و لذلك قال: و هنا لك يستولى الشيطان على أوليائه: أى إنّه يزيّن لهم اتّباع الأهواء و الأحكام الخارجة عن كتاب اللّه بسبب إغوائهم عن تمييز الحقّ من الباطل فيما سلكوه من الشبهة

و ينجو الّذين سبقت لهم منّا الحسنى: أى من أخذت عناية اللّه بأيديهم في ظلمات الشبهات فقادتهم فيها بإضافة نور الهداية عليهم إلى تميّز الحقّ من الباطل و أولئك هم عن النار مبعدون

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 2 ، صفحه‏ى 135

خطبه48شرح ابن میثم بحرانی

 و من خطبة له عليه السّلام

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الْأَمُوُرِ- وَ دَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلَامُ الظُّهُورِ-وَ امْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصِيرِ- فَلَا عَيْنُ مَنْ لَمْ يَرَهُ تُنْكِرُهُ- وَ لَا

قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ يُبْصِرُهُ- سَبَقَ فِي الْعُلُوِّ فَلَا شَيْ‏ءَ أَعْلَى مِنْهُ- وَ قَرُبَ فِي الدُّنُوِّ فَلَا شَيْ‏ءَ أَقْرَبُ مِنْهُ- فَلَا اسْتِعْلَاؤُهُ بَاعَدَهُ

عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنْ خَلْقِهِ- وَ لَا قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ فِي الْمَكَانِ بِهِ- لَمْ يُطْلِعِ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ- وَ لَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ

مَعْرِفَتِهِ- فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلَامُ الْوُجُودِ- عَلَى إِقْرَارِ قَلْبِ ذِي الْجُحُودِ- تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُهُ الْمُشَبِّهُونَ بِهِ- وَ لْجَاحِدُونَ

لَهُ عُلُوّاً كَبِيراً

اللغة

أقول: يقال بطنت الوادى: دخلته.

و بطنت الأمر: علمت باطنه

. و في هذا الفصل مباحث جليلة من العلم الإلهىّ و جملة من صفات الربوبيّة:

أوّلها: كونه تعالى بطن خفيّات الامورو يفهم منه معنيان:

أحدهما: كونه داخلا في جملة الامور الخفيّة، و لمّا كان بواطن الامور الخفيّة أخفى من ظواهرها كان المفهوم من كونها بطنها أنّه أخفى منها عند العقول.

الثاني: أن يكون المعنى أنّه نفذ علمه في بواطن خفيّات الامور أمّا المعنى الأوّل فبرهانه أنّك علمت أنّ الإدراك إمّا حسىّ أو عقلىّ، و لمّا كان البارى تعالى مقدّسا عن الجسميّة منزّها عن الوضع و الجهة استحال أن يدركه شي‏ء من الحواسّ الظاهرة و الباطنة، و لمّا كانت ذاته بريئة عن أنحاء التركيب استحال أن يكون للعقل اطّلاع عليها بالكنه فخفاؤه إذن على جميع الإدراكات ظاهر، و كونه أخفى الامور الخفيّة واضح.

و أمّا الثاني: فقد سبق منّا بيان أنّه عالم الخفيّات و السرائر.

و ثانيها: كونه تعالى قد دلّت عليه أعلام الظهور

و كنّى بأعلام الظهور عن آياته و آثاره في العالم الدالّة على وجوده الظاهر في كلّ صورة منها كما قال:
و في كلّ شي‏ء له آية تدلّ على أنّه واحد.

و هى كناية بالمستعار، و وجه المشابهة ما بينهما من الاشتراك في الهداية. و إلى هذا الأعلام الإشارة بقوله تعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ«». و أعلم أنّ هذا الطريق من الاستدلال هى طريق الملّيّين و سائر فرق المتكلّمين فإنّهم يستدلّون أوّلا على حدوث الأجسام و الأعراض، ثمّ يستدلّون بحدوثها و تغيّراتها على وجود الخالق، ثمّ بالنظر في أحوال المخلوقات على صفاته واحدة واحدة. مثلا بإحكامها و إتقانها على كون فاعلها عالما حكيما. و بتخصيص بعضها بأمر ليس للآخر على كونه مريدا. و نحو ذلك، و كذلك الحكماء الطبيّعيّون يستدلّون أيضا بوجود الحركة على محرّك، و بامتناع اتّصال المتحرّكات لا إلى أوّل على وجود محرّك أوّل غير متحرّك، ثمّ يستدلّون من ذلك على وجود مبدء أوّل، و أمّا الإلهيّون فلهم في الاستدلال طريق آخر و هو أنّهم ينظرون أوّلا في مطلق الوجود أ هو واجب أو ممكن، و يستدلّون من ذلك على إثبات واجب، ثمّ بالنظر في لوازم الوجوب من الوحدة الحقيقيّة على نفى الكثرة بوجه ما المستلزمة لعدم الجسميّة و العرضيّة و الجهة و غيرها، ثمّ يستدلّون بصفاته على على كيفيّة صدور أفعاله عنه واحدا بعد آخر، و ظاهر أنّ هذا الطريق أجلّ و أشرف من الطريق الاولى، و ذلك لأنّ الاستدلال بالعلّة على المعلول أولى البراهين بإعطاء اليقين لكون العلم بالعلّة المعيّنة مستلزما للعلم بالمعلول المعيّن من غير عكس.

و لمّا كان صدر الآية المذكورة إشارة إلى الطريقة الاولى فتمامها إشارة إلى هذه الطريقة و هو قوله تعالى أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ قال بعض العلماء: و إنّه طريق الصدّيقين الّذين يستشهدون به لا عليه: أى يستدلّون بوجوده على وجود كلّ شي‏ء إذ هو منه، و لا يستدلّون عليه بوجود شي‏ء، بل هو أظهر وجودا من كلّ شي‏ء فإن خفى مع ظهوره فلشدّة ظهوره، و ظهوره سبب بطونه، و نوره هو حجاب نوره إذ كلّ ذرّة من ذرّات مبدعاته و مكوّناته فلها عدّة ألسنة تشهد بوجوده و بالحاجة إلى تدبيره و قدرته.

لا يخالف شي‏ء من الموجودات شيئا في تلك الشهادات و لا يتخصّص أحدها بعدم الحاجات، و قد ضرب العلماء الشمس مثلا لنوره في شدّة ظهوره فقالوا: إنّ أظهر الإدراكات الّتي‏ يساعد عليها الوهم إدراكات الحواسّ، و أظهرها إدراك البصر و أظهر مدرك للبصر نور الشمس المشرق على الأجسام، و قد اشكل ذلك على جماعة حتّى قالوا: الأشياء الملوّنة ليس فيها إلّا ألوانها فقط من سواد و نحوه فأمّا أنّ فيها مع ذلك ضوء يقارن اللون فلا.

فإذن اريد تنبيه هؤلاء على سهوهم. فطريقة التنبيه بالتفرقة الّتي يجدونها بين غيبة الشمس بالليل و احتجابها عن الملوّنات، و بين حضورها بالنهار و إشراقها عليها مع بقاء الألوان في الحالين. فإنّ التفرقة بين المستضي‏ء بها و بين المظلم المحجوب عنها جليّة ظاهرة فيعرف وجود النور إذن بعدمه. و لو فرضت الشمس دائمة الإشراق على الجسم الملوّن لا تغيب عنه لتعذّر على هؤلاء معرفة كون النور شيئا موجودا زايدا على الألوان مع أنّه أظهر الأشياء و به ظهورها، و لو تصوّر للّه تعالى و تقدّس عدم أو غيبة لانهدمت السماوات و الأرض، و كلّ ما انقطع نوره عنه لادركت التفرقة بين الحالين و علم وجوده قطعا، و لكن لمّا كانت الأشياء كلّها في الشهادة به متّفقة، و الأحوال كلّها على نسق واحد مطّردة متّسقة كان ذلك سببا لخفائه. فسبحان من احتجب عن الخلق بنوره و خفى عليهم بشدّة ظهوره.

ثالثها: إشارة إلى سلوب توجب ملاحظة تركيبها تعظيمه تعالى.

أحدها: كونه ممتنعا على عين البصير: أى لا يصحّ أن يدرك بحاسّة البصر.
و صدق هذا السلب ظاهر بدليل. هكذا الباري تعالى هو غير جسم و غير ذى وضع، و كلّ ما كان كذلك فيمتنع رؤيته بحاسّة البصر فينتج أنّه تعالى ممتنع الرؤية بحاسّة البصر. و المقدّمة الاولى استدلاليّة، و الثانية ضروريّة، و ربّما استدلّ عليها. و المسألة مستقصاة في الكلام. و إلى ذلك أشار القرآن الكريم لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ«»

و ثانيها: قوله: فلا عين من لم يره تنكره: أى إنّه سبحانه مع كون البصر لا يدركه بحاسّة بصره لا ينكره من جهة أنّه لا يبصره. إذ كانت فطرته شاهدة بظهور وجوده في جميع آثاره و مع ذلك ليس له سبيل إلى إنكاره من جهة عدم إبصاره إذ كان حظّ العين‏ أن يدرك بها ما صحّ إدراكه. فأمّا أن ينفى بها ما لا يدرك من جهتها فلا.

و ثالثها: قوله: و لا قلب من أثبته يبصره: أى من أثبته مع كونه مثبتا له بقلب لا يبصره، و إنّما أكّد عليه السّلام بهذين السلبين الأخيرين لأنّهما يشتملان عند الوهم في مبدء سماعها على منافات و كذب إلى أن يقهره العقل على التصديق بهما فكأنّ الوهم يقول في جواب قوله: فلا عين من لم يره تنكره: كيف لا تنكر العين شيئا لا تراه، و في جواب السلب الثاني: كيف يثبت بالقلب ما لم يبصر. فلمّا كان في صدق هذين السلبين إزعاج لأوهام السامعين مفرغ لهم إلى ملاحظة جلال اللّه و تنزيهه و عظمته عمّا لا يجوز عليه كان ذكرهما من أحسن الذكر، و يحتمل أن يريد بقوله: و لا قلب من أثبته يبصره: أى إنّه و إن أثبته من جهة وجوده فيستحيل أن يحيط به علما.

و رابعها: كونه تعالى قد سبق في العلوّ فلا شي‏ء أعلى منه،
و تقريره أنّ العلوّ يقال بالاشتراك على معان ثلاثة: الأوّل: العلوّ الحسّى المكانىّ كارتفاع بعض الأجسام على بعض. الثاني: العلوّ التخيّلى كما يقال للملك الإنسانىّ: إنّه أعلى الناس: أى أعلاهم في الرتبة المتخيّلة كمالا. الثالث: العلوّ العقلىّ كما يقال في بعض الكمالات العقليّة الّتي بعضها أعلى من بعض، و كما يقال: السبب أعلى من المسبّب. إذا عرفت ذلك فنقول: يستحيل أن يكون علوّه تعالى بالمعنى الأوّل لاستحالة كونه في المكان، و يستحيل أن يكون بالمعنى الثاني لتنزّهه سبحانه عن الكمالات الخياليّة الّتي يصدق بها العلوّ الخيالىّ إذ هي كمالات إضافيّة تتغيّر و تتبدّل بحسب الأشخاص و الأوقات، و قد يكون كمالات عند بعض الناس و نقصانات عند آخرين كدول الدنيا بالنسبة إلى العالم الزاهد، و يتطرّق إليه الزيادة و النقصان و لا شي‏ء من كمال الأوّل الواجب سبحانه كذلك لتنزّهه عن النقصان و التغيّر بوجه ما. فبقى أن يكون علوّه علوّا عقليّا مطلقا بمعنى أنّه لا رتبة فوق رتبته بل جميع المراتب العقليّة منحطّة عنه. و بيان ذلك أنّ أعلى مراتب الكمال العقلىّ هو مرتبة العلّيّة، و لمّا كانت‏ ذاته المقدّسة هي مبدء كلّ موجود حسّى و عقلىّ و علّته التامّة المطلقة لا يتصوّر النقصان فيها بوجه ما لا جرم كانت مرتبته أعلى المراتب العقليّة مطلقا، و له الفوق المطلق في الوجود العارى عن الإضافة إلى شي‏ء و عن إمكان أن يكون فوقه ما هو أعلى منه. و ذلك معنى قوله: سبق في العلوّ فلا شي‏ء أعلى منه، فسبقه في علوّه تفرّده في العلوّ المطلق و فواته لغيره أن يلحقه فيه.

و خامسها: قربه في الدنوّ فلا شي‏ء أدنى منه
و قد أورد عليه السّلام القرب هاهنا مقابلا للبعد اللازم عن السبق في العلوّ فإنّه مستلزم للبعد عن الغير فيه، و أورد الدنوّ مقابلا للعلوّ، و كما علمت أنّ العلوّ يقال على المعاني الثلاثة المذكورة بحسب الاشتراك فكذلك الدنوّ يقال على معان ثلاثة مقابلة لها. فيقال مكان فلان أدنى من مكان فلان إذا كان أسفل منه. و إن كان يقال بمعنى القرب أيضا، و يقال رتبة الملك الفلانىّ أدنى من رتبة السلطان الفلانىّ إذا كان في مرتبته أقلّ منه، و يقال رتبة المعلول أدنى من رتبة علّته.
و يقال على معنى رابع فيقال فلان أدنى إلى فلان و أقرب إليه إذا كان خصّيصا به مطّلعا على أحواله أكثر من غيره، و البارى تعالى منزّه عن أن يراد بدنوّه أحد المفهومات الثلاثة الاول بل المراد هو المفهوم الرابع فقربه في دنوّه إذن بحسب علمه الّذي لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض و لا في السماء و لا أصغر من ذلك و لا أكبر، و بهذا الاعتبار هو أقرب كلّ قريب و أدنى كلّ دانى كما قال تعالى وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ و هو أدنى إلى العبد من نفسه إذ نفس كلّ إنسان لا تعرف نفسها، و هو سبحانه العالم بها الموجد لها فهو إذن القريب في دنوّه الّذي لا شي‏ء أقرب منه، و إنّما أورده بلفظ الدنوّ لتحصل المقابلة فتنزعج النفوس السليمة عند إنكار الوهم لاجتماع القرب و البعد و العلوّ و الدنوّ في شي‏ء واحد إلى توهّم [تفهّم خ‏]، المقاصد بها و تطّلع على عظمة الحقّ سبحانه منها. و قوله: فلا استعلاؤه باعده من شي‏ء من خلقه، و لا قربه ساواهم في المكان به. تأكيد لردّ الأحكام الوهميّة بالأحكام العقليّة فإنّ الوهم يحكم بأنّ ما استعلى على الأشياء كان بعده عنها بقدر علوّه عليها. و ما قرب منها فقد ساواها في أمكنتها،و ذلك لكونه مقصورا لحكم على المحسوسات، و نحن لمّا بيّنا أنّ علوّه على خلقه و قربه منهم ليس علوّا و قربا مكانيّين بل بمعان اخرى لا جرم لم يكن استعلاؤه بذلك المعنى على مخلوقاته مباعدا له عن شي‏ء منها و لم يكن منافيا لقربه بالمعنى الّذي ذكرناه بل كان الاستعلاء و القرب مجتمعين له، و لم يكن قربه منها أيضا موجبا لمساواته لها في المكان عنادا للوهم و ردّا لأحكامه الفاسدة في صفات الجلال و نعوت الكمال.

و سادسها: كونه لم تطّلع العقول على تحديد صفته و لم يحجبها عن واجب معرفته.
و يفهم من صفته معنيان: أحدهما شرح حقيقة ذاته، و الثاني شرح ما لها من صفات الكمال المطلق. و ظاهر أنّ العقول لم تطّلع على حصر صفته و تحديدها بالمعنى الأوّل إذ لا حدّ لحقيقته، و لا بالمعنى الثاني أيضا إذ ليس لما يعتبره العقول من كماله سبحانه نهاية يقف عندها فتكون حدّا له، و أمّا أنّه سبحانه مع ذلك لم يحجبها عن و أحب معرفته فلأنّه تعالى وهب لكلّ نفس قسطا من معرفته هو الواجب لها بحسب استعدادها لقبوله حتّى نفوس الجاحدين له فإنّها أيضا معترفة بوجوده لشهادة أعلام الوجود و آيات الصنع له على نفس كلّ جاحد بصدورها عنه بحيث يحكم صريح عقلها و بديهتها بالحاجة لما يشاهده من تلك الآيات إلى صانع حكيم فهو الّذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب كلّ من جحده بأنّ جحده له إنّما هو رأى اتّبع فيه وهمه مع إقرار قلبه بالتصديق به و شهادة آيات الصنع و شواهد الآثار على صحّة ذلك الإقرار.

و اعلم أنّ الجحود على نوعين: أحدهما جحود تشبيه إذا المشبّهون للّه بخلقه و إن اختلفوا في كيفيّة التشبيه بأسرهم جاحدون له في الحقيقة. و ذلك أنّ المعنى الّذي يتصوّرونه و يبتّتونه إلها ليس هو نفس الإله مع أنّهم ينفون ما سوى ذلك فكانوا نافين للإله الحقّ في المعنى الّذي يتصوّرونه، و الثاني جحود من لم يثبت صانعا. و كلا الفريقين جاحد له من وجه، مثبت له من وجه. أمّا المشبّهون فمثبتون له صريحا جاحدون له لزوما، و أمّا الآخرون فبالعكس إذ كانوا جاحدين له صريحا من الجهة الّتي تثبته العقلاء بها و مقرّون به التزاما و اضطرارا، و لذلك نزّهه عليه السّلام على أحوال الفريقين

فقال عليه السّلام: تعالى اللّه عمّا يقول المشبّهون به و الجاحدون له علوّا كبيرا، و حكى أنّ زنديقا دخل على‏ الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام فسأله عن دليل إثبات الصانع فأعرض عليه السّلام عنه، ثمّ التفت إليه، و سأله من أين أقبلت و ما قصّتك. فقال الزنديق: إنّي كنت مسافرا في البحر فعصفت علينا الريح ذات يوم و تلعّبت بنا الأمواج من كلّ جانب فانكسرت سفينتنا فتعلّقت بخشبة منها و لم تزل الأمواج تقلّبها حتّى قذفت بها إلى الساحل و سلمت عليها. فقال له عليه السّلام: أرأيت الّذي كان قلبك إذا تكسّرت السفينة و تلاطمت عليكم أمواج البحر فزعا إليه مخلصا في التضرّع له طالبا للنجاة منه فهو إلهك، فاعترف الزنديق بذلك و حسن اعتقاده.

و بالجملة فاتّفاق العقول على الشهادة بوجود الصانع سبحانه أمر ظاهر و إن خالطها غواشى الأوهام و إليه الإشارة بقوله وَ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَ كانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً«» و قوله تعالى هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَ فَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَ جاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنْجاهُمْ«» و باللّه التوفيق.

شرح‏ نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 2 ، صفحه‏ى 128

خطبه47شرح ابن میثم بحرانی

 و من خطبة له عليه السّلام عند المسير إلى الشام

الْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّمَا وَقَبَ لَيْلٌ وَ غَسَقَ- وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّمَا لَاحَ نَجْمٌ وَ خَفَقَ- وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ غَيْرَ مَفْقُودِ الْإِنْعَامِ وَ لَا مُكَافَإِ

الْإِفْضَالِ- أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَعَثْتُ مُقَدِّمَتِي- وَ أَمَرْتُهُمْ بِلُزُومِ هَذَا الْمِلْطَاطِ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرِي- وَ قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَقْطَعَ هَذِهِ النُّطْفَةَ

إِلَى شِرْذِمَةٍ مِنْكُمْ- مُوَطِّنِينَ أَكْنَافَ دِجْلَةَ- فَأُنْهِضَهُمْ مَعَكُمْ إِلَى عَدُوِّكُمْ- وَ أَجْعَلَهُمْ مِنْ أَمْدَادِ الْقُوَّةِ لَكُمْ قال الشريف:

أقول: يعنى عليه السّلام بالملطاط السمت الذى أمرهم بنزوله و هو شاطى الفرات، و يقال ذلك الشاطى‏ء البحر، و أصله ما استوى من الأرض. و يعنى بالنطفة ماء الفرات. و هو من غريب العبارات و أعجبها أقول: روى أنّ هذه الخطبة خطب بها عليه السّلام و هو بالنخيلة خارجا من الكوفة متوجّها إلى صفّين لخمس بقين من شوال سنه سبع ثلاثين

اللغة

وقب الليل: دخل.

و غسق: أظلم.

و خفق النجم: غاب.

و مقدّمة الجيش: أوّله.

و الشرذمة: النفر اليسير.

و الأكناف: النواحى.

وطن البقعة و استوطنها: اتّخذها وطنا.

و الأمداد: جمع مدد، و هو ما يمدّ به الجيش من الجند.

المعنى

و اعلم أنّه قيّد حمد اللّه باعتبار تكرّر وقتين و دوام حالين. و المقصود و إن كان دوام الحمد للّه إلّا أنّ في التقييد بالقيود المذكورة فوايد:

الأوّل: قوله: كلّما وقب ليل و غسق. فيه تنبيه على كمال قدرة اللّه تعالى في تعاقب الليل و النهار و استحقاقه دوام الحمد بما يلزم ذلك من ضروب الامتنان.

الثاني: قوله: كلّما لاح نجم و خفق. فيه تنبيه على ما يلزم طلوع الكواكب و غروبها من الحكمة و كمال النعمة كما سبقت الإشارة إليه.

الثالث: الحمد لله حال كونه غير مفقود الإنعام. و قد تكررّت الإشارة إلى فائدة هذا القيد.

الرابع: كونه غير مكافى‏ء الإفضال. و فايدته التنبيه على أنّ إفضاله لا يمكن أن يقابل بجزاء. إذ كانت القدرة على الحمد و الثناء نعمة ثانية. و قد سبق بيان ذلك أيضا.

فأمّا قوله: أمّا بعد. إلى آخره.
فخلاصته أنّه عليه السّلام لمّا أراد التوجّه إلى صفّين بعث زياد بن النصر و شريح بن هانى في اثنى عشر ألف فارس مقدّمة له و أمرهم أن يلزموا شاطى‏ء الفرات فأخذوا شاطئها من قبل البرّ ممّا يلي الكوفة حتّى بلغوا عانات. فذلك معنى أمره لهم بلزوم الملطاط و هو سمت شاطى‏ء الفرات، و أمّا هو عليه السّلام فلمّا خرج من الكوفة انتهى إلى المدائن فحذّرهم و وعظهم ثمّ سار عنهم و خلّف عليهم عدىّ بن حاتم فاستخلص منهم ثمان مائة رجل فسار بهم و خلّف معهم ابنه زيدا فلحقه في أربعمائة رجل منهم فذلك قوله: و قد رأيت [أردت خ‏] أن أقطع هذه النطفة:

أى الفرات إلى شرذمة منكم موطنين أكناف دجلة و هم أهل المدائن. فأمّا المقدّمة فإنّه لمّا بلغهم أنّه عليه السّلام ساق على طريق الجزيرة و أنّ معاوية خرج في جموعه لاستقباله كرهوا أن يلقوهم و بينهم و بين علىّ عليه السّلام الفرات مع قلّة عددهم فرجعوا حتّى عبروا الفرات من هيت و لحقوا به فصوّب آرائهم في الرجوع إليه. و باقى الكلام ظاهر.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 2 ، صفحه‏ى 126

خطبه46شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام فى ذكر الكوفة  

كَأَنِّي بِكِ يَا كُوفَةُ تُمَدِّينَ مَدَّ الْأَدِيمِ الْعُكَاظِيِّ- تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ- وَ تُرْكَبِينَ بِالزَّلَازِلِ- وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِكِ جَبَّارٌ سُوءاً-

إِلَّا ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِشَاغِلٍ وَ رَمَاهُ بِقَاتِلٍ

اللغة

أقول: عكاظ بالضمّ: اسم موضع بناحية مكّة كانت العرب تجتمع به في كلّ‏ سنة و يقيمون به سوقا مدّة شهر، و يتبايعون و يتناشدون الأشعار، و يتفاخرون. و في ذلك قول أبي ذويب: إذا بنى القباب على عكاظ و قام البيع و اجتمع الالوف.

فلمّا جاء الإسلام رفع ذلك، و أديم عكاظىّ منسوب إليها لكثرة ما كان يباع منه بها.

و الأديم: واحد و جمعه أدم، و ربّما جمع على آدمة كرغيف و أرغفة. و العرك.

الدلك. و النوازل: المصائب

المعنى

و الخطاب هنا لشاهد حال المدينة الّتي هى الكوفة. و بك هو خبر كأنّ، و تمدّين و تعركين و تركبين في موضع النصب على الحال، و تقدير الخطاب كأنّى حاضر بك و مشاهد لحالك المستقبلة حال تجاذب أيدى الظالمين لأهلك بأنواع الظلم، و هو المكنّى عنه بمدّها. و شبّه ذلك بمدّ الأديم، و وجه الشبه شدّة ما يقع بهم من الظلم و البلاء كما أنّ الأديم مستحكم الدباغ يكون شديد المدّ. و استعار العرك ملاحظة لذلك الشبه، و لفظ الركوب ملاحظة لشبهها بشقىّ المطايا و كذلك لفظ الزلازل ملاحظة لشبهها فيما يقع لهم من الظلم الموجب لاضطراب الحال بالأرض ذات الزلازل.

ثمّ أشار إلى مشاهدة ثانية لما يقع لمن أراد بهم سوء و أوقع بهم ما أوقع من البلاء فأشار إلى كونهم جبابرة

ثمّ إلى ابتلاء اللّه بعضهم بشاغل في نفسه عمّا يريد من سوء أو يهمّ به من حادث خراب و رمى بعضهم بقاتل. فأمّا المصائب الّتي ابتلى بها أهل الكوفة و النوازل الّتي عركوا بها فكثيرة مشهورة في كتب التواريخ، و أمّا الجبابرة الّتي أرادوا بها سوءا و طغوا فيها فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ و أخذهم بِذُنُوبِهِمْ وَ ما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ فجماعة فممّن ابتلى بشاغل فيها زياد. روى أنّه كان قد جمع الناس في المسجد ليأمرهم بسبّ علىّ عليه السّلام و البراءة منه و يبتليهم بذلك فيقتل من يعصيه فيه فبيناهم مجتمعين إذ خرج حاجبه فأمرهم بالانصراف،

و قال: إنّ الأمير مشغول عنكم و كان في تلك الساعة قد رمى (أصاب خ) بالفالج، و منهم ابنه عبد اللّه و قد أصابه الجذام، و منهم الحجّاج. و قد تولّدت في بطنه الحيّات و احترق دبره حتّى هلك، و منهم عمرو بن هبيره و ابنه يوسف و قد أصابهما البرص، و منهم خالد القسرىّ و قد ضرب و حبس حتّى مات جوعا، و أمّا الّذين رماهم اللّه بقاتل فعبيد اللّه بن زياد،و مصعب بن الزبير، و المختار بن أبى عبيدة الثقفىّ، و يزيد بن المهلّب. و أحوالهم مشهورة من رامها طالع التاريخ.

شرح‏ نهج‏ البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 2 ، صفحه‏ى 124

خطبه46شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام فى ذكر الكوفة

كَأَنِّي بِكِ يَا كُوفَةُ تُمَدِّينَ مَدَّ الْأَدِيمِ الْعُكَاظِيِّ- تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ- وَ تُرْكَبِينَ بِالزَّلَازِلِ- وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ بِكِ جَبَّارٌ سُوءاً- إِلَّا ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِشَاغِلٍ وَ رَمَاهُ بِقَاتِلٍ

اللغة

أقول: عكاظ بالضمّ: اسم موضع بناحية مكّة كانت العرب تجتمع به في كلّ‏ سنة و يقيمون به سوقا مدّة شهر، و يتبايعون و يتناشدون الأشعار، و يتفاخرون. و في ذلك قول أبي ذويب:
إذا بنى القباب على عكاظ و قام البيع و اجتمع الالوف.

فلمّا جاء الإسلام رفع ذلك، و أديم عكاظىّ منسوب إليها لكثرة ما كان يباع منه بها. و الأديم: واحد و جمعه أدم، و ربّما جمع على آدمة كرغيف و أرغفة. و العرك.
الدلك. و النوازل: المصائب

المعنى

و الخطاب هنا لشاهد حال المدينة الّتي هى الكوفة. و بك هو خبر كأنّ، و تمدّين و تعركين و تركبين في موضع النصب على الحال، و تقدير الخطاب كأنّى حاضر بك و مشاهد لحالك المستقبلة حال تجاذب أيدى الظالمين لأهلك بأنواع الظلم، و هو المكنّى عنه بمدّها. و شبّه ذلك بمدّ الأديم، و وجه الشبه شدّة ما يقع بهم من الظلم و البلاء كما أنّ الأديم مستحكم الدباغ يكون شديد المدّ. و استعار العرك ملاحظة لذلك الشبه، و لفظ الركوب ملاحظة لشبهها بشقىّ المطايا و كذلك لفظ الزلازل ملاحظة لشبهها فيما يقع لهم من الظلم الموجب لاضطراب الحال بالأرض ذات الزلازل. ثمّ أشار إلى مشاهدة ثانية لما يقع لمن أراد بهم سوء و أوقع بهم ما أوقع من البلاء فأشار إلى كونهم جبابرة ثمّ إلى ابتلاء اللّه بعضهم بشاغل في نفسه عمّا يريد من سوء أو يهمّ به من حادث خراب و رمى بعضهم بقاتل. فأمّا المصائب الّتي ابتلى بها أهل الكوفة و النوازل الّتي عركوا بها فكثيرة مشهورة في كتب التواريخ، و أمّا الجبابرة الّتي أرادوا بها سوءا و طغوا فيها فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ و أخذهم بِذُنُوبِهِمْ وَ ما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ فجماعة فممّن ابتلى بشاغل فيها زياد. روى أنّه كان قد جمع الناس في المسجد ليأمرهم بسبّ علىّ عليه السّلام و البراءة منه و يبتليهم بذلك فيقتل من يعصيه فيه فبيناهم مجتمعين إذ خرج حاجبه فأمرهم بالانصراف، و قال: إنّ الأمير مشغول عنكم و كان في تلك الساعة قد رمى (أصاب خ) بالفالج، و منهم ابنه عبد اللّه و قد أصابه الجذام، و منهم الحجّاج. و قد تولّدت في بطنه الحيّات و احترق دبره حتّى هلك، و منهم عمرو بن هبيره و ابنه يوسف و قد أصابهما البرص، و منهم خالد القسرىّ و قد ضرب و حبس حتّى مات جوعا، و أمّا الّذين رماهم اللّه بقاتل فعبيد اللّه بن زياد، و مصعب بن الزبير، و المختار بن أبى عبيدة الثقفىّ، و يزيد بن المهلّب. و أحوالهم مشهورة من رامها طالع التاريخ.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم بحرانی)، ج 2 ، صفحه‏ى 125

خطبه45شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام عند عزمه على المسير إلى الشام

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ- وَ كَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَ سُوءِ الْمَنْظَرِ- فِي الْأَهْلِ وَ الْمَالِ وَ الْوَلَدِ- اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ- وَ أَنْتَ الْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ- وَ لَا يَجْمَعُهُمَا غَيْرُكَ- لِأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ لَا يَكُونُ مُسْتَصْحَباً- وَ الْمُسْتَصْحَبُ لَا يَكُونُ مُسْتَخْلَفاً أقول: روى: أنّه عليه السّلام دعا هذا الدعاء عند وضعه رجله في الركاب متوجّها إلى حرب معاوية.

اللغة

و وعثاء السفر مشقّته، و أصله المكان المتعب لكثرة رمله، و غوص الأرجل فيه.
و الكابة: الحزن.

المعنى

يشتمل هذا الفصل على اللجأ إلى اللّه في خلاص طريقه المتوجّه فيها بدءا و عودا من الموانع الصارفة عن تمام المقصود، و في سلامة الأحوال المهمّة الّتي تتعلّق النفس بها عن المشتغلات البدنيّة المعوّقة عن عبادة اللّه. و أعظمها أحوال النفس، ثمّ ما يصحبها من أهل و مال و ولد. ثمّ عقّب ذلك بالإقرار بشمول عنايته و جميل رعايته و صحبته تقريرا لقوله تعالى وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ إذ شأن الصاحب العناية بامور صاحبه، و شأن الخليفة على الشي‏ء العناية بذلك و حفظه ممّا يوجب له ضررا، و استلزم جمعه له بين هذين الحكمين و هما الخلافة و الاستصحاب بقوله: و لا يجمعهما غيرك. كونه تعالى بريئا عن الجهة و الجسميّة إذ كان اجتماعهما ممتنعا للأجسام. إذ لا يكون جسم مستصحبا مستخلفا في حال واحد، و أكّد ذلك و بيّنه بقوله: لأنّ المستخلف لا يكون مستصحبا، و المستصحب لا يكون مستخلفا فإن قلت: هذا الحصر إنّما يتمّ لو قلنا: إنّ كلّ ما ليس بذى جهة هو واجب الوجود. و هذا مذهب خاصّ. فما وجه صحّته مطلقا.

قلت: الحصر صادق على كلّ تقدير فإنّه على تقدير ثبوت امور مجرّدة عن الجسميّة و الجهة سوى الحقّ سبحانه فالمستحقّ للجمع بين هذين الأمرين بالذات و الأولى هو اللّه تعالى، و ما سواه فبالعرض. فيحمل الحصر على ذلك الاستحقاق. و لنبحث عن فايدة الدعاء و سبب إجابته فإنّه ربما تعرض لبعض الأذهان شبهة فيقول: إمّا أن يكون المطلوب بالدعاء معاوم الوقوع للّه أو معلوم اللاوقوع. و على التقديرين لا فايدة في الدعاء لأنّ ما علم اللّه وقوعه وجب و ما علم عدمه امتنع. فنقول في الجواب عن هذا الوهم: إنّ كلّ كاين فاسد موقوف في كونه و فساده على شرائط توجد و أسباب تعدّ لأحدهما لا يمكن بدونها كما علمت ذلك في مظانّه. و إذا جاز ذلك فلعلّ الدعاء من شرائط ما يطلب به. و هما و إن كانا معلومى الوقوع للّه و هو سببهما و علّتهما الاولى إلّا أنّه هو الّذي ربط أحدهما بالآخر فجعل سبب وجود ذلك الشي‏ء الدعاء كما جعل سبب صحّة المريض شرب الدواء و ما لم يشرب الدواء لم يصحّ. و أمّا سبب إجابته فقال العلماء: هو توافي الأسباب. و هو أن يتوافى سبب دعاء رجل مثلا فيما يدعو فيه و ساير أسباب وجود ذلك الشي‏ء معا عن البارى تعالى، لحكمة إلهيّة على ما قدّر و قضى. ثمّ الدعاء واجب، و توقّع الإجابة واجب. فإنّ انبعاثنا للدعاء سببه من هناك و يصير دعانا سببا للإجابة. و موافاة الدعاء لحدوث الأمر المدعوّ لأجله هما معلولا علّة واحدة، و قد يكون أحدهما بواسطة الآخر، و قد يتوهّم أنّ السماويّات تنفعل عن الأرضيّة، و ذلك أنّا ندعو فيستجاب لنا. و ذلك باطل لأنّ المعلول لا يفعل في علّته البتّة. و إذا لم يستجب الدعاء لداع و إن كان يرى أنّ العاية الّتي يدعو لأجابتها نافعة فالسبب في عدم الإجابة أنّ الغاية النافعة ربّما لا تكون نافعة بحسب مراده بل بحسب نظام الكلّ فلذلك تتأخّر إجابة دعائه أو لا يستجاب له، و بالجملة يكون عدم الإجابة لفوات شرط من شروط ذلك المطلوب حال الدعاء.

و أعلم أنّ النفس الزكيّة عند الدعاء قد يفيض عليها من الأوّل قوّة تصير بها مؤثّرة في العناصر فتطاوعها متصرّفة على إرادتها فيكون ذلك إجابة للدعاء فإنّ العناصر موضوعة لفعل. النفس فيها. و اعتبار ذلك في أبداننا فإنّا ربّما تخيّلنا شيئا فتتغيّر أبداننا بحسب ما يقتضيه أحوال نفوسنا و تخيّلاتها، و قد يمكن أن تؤثّر النفس في غير بدنها كما تؤثّر في بدنها، و قد تؤثّر في نفس غيرها، و قد أشرنا إلى ذلك في المقدّمات.
و قد يستجيب اللّه لتلك النفس إذا دعت فيما تدعو فيه إذا كانت الغاية الّتي تطلبها بالدعاء نافعه بحسب نظام الكلّ، و باللّه التوفيق.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏ميثم بحرانی)، ج 2 ، صفحه‏ى 124

خطبه44شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

الْحَمْدُ لِلَّهِ غَيْرَ مَقْنُوطٍ مِنْ رَحْمَتِهِ- وَ لَا مَخْلُوٍّ مِنْ نِعْمَتِهِ- وَ لَا مَأْيُوسٍ مِنْ مَغْفِرَتِهِ- وَ لَا مُسْتَنْكَفٍ عَنْ عِبَادَتِهِ- الَّذِي لَا تَبْرَحُ مِنْهُ رَحْمَةٌ- وَ لَا تُفْقَدُ لَهُ نِعْمَةٌ- وَ الدُّنْيَا دَارٌ مُنِيَ لَهَا الْفَنَاءُ- وَ لِأَهْلِهَا مِنْهَا الْجَلَاءُ- وَ هِيَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ- وَ قَدْ عَجِلَتْ لِلطَّالِبِ- وَ الْتَبَسَتْ بِقَلْبِ النَّاظِرِ- فَارْتَحِلُوا مِنْهَا بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ- وَ لَا تَسْأَلُوا فِيهَا فَوْقَ الْكَفَافِ- وَ لَا تَطْلُبُوا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنَ الْبَلَاغِ أقول: هذا الفصل ملتقط من خطبة طويلة له عليه السّلام خطب بها يوم الفطر. و هو غير متّسق بل بين قوله: نعمة، و قوله: و الدنيا. فصل طويل. و هذه الخطبة تنتظم الفصل المتقدّم، و هو قوله: أمّا بعد فإنّ الدنيا قد أدبرت و هو فيها بعد هذا الفصل و لم نذكرها كراهة التطويل، و لنعد إلى الشرح فنقول:

اللغة

القنوط. اليأس. و الاستنكاف: الاستكبار. و منى لها: أى قدر. و الجلاء بالفتح و المدّ: الخروج عن الوطن. و التبست: امتزجت. و الكفاف: ما كفّ عن الناس أى أغنى عنهم من المال. و البلاغ: ما بلغ مدّة الحياة منه و كفى.

المعنى

و أعلم أنّه نبّه على استحقاق اللّه تعالى للحمد و دوامه باعتبار ملاحظة ستّة أحوال: فأشار إلى الحالة الاولى بقوله: غير مقنوط من رحمته مقررّا لقوله تعالى وَ اكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ«» و لقوله لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ«» و هذه الحال ممّا يشهد بإثباتها العقل إذ كان العبد عند أخذ العناية الإلهيّة بضبعيه يعلم استناد جميع الموجودات كلّيّها و جزئيّها إلى مدبّر حكيم، و أنّه ليس شي‏ء منها خاليا عن حكمة فيستليح من ذلك أنّ ايجاده له و أخذ العهد إليه بالعبادة ليس إلّا لينجذب إلى موطنه الأصلىّ و مبدئه الأوّلى بالتوحيد المحقّق و الحمد المطلق عن نار اجّجت و جحيم سعّرت، و ما خلقت الجنّ و الإنس إلّا ليعبدون، فلا ييأس من روح اللّه عند نزول أمر واجب النزول به ممّا يعدّه شرّا بل يكون برجائه أوثق و قلبه بشموله العناية له أعلق فإنّه لا ييأس من روح اللّه إلّا الّذين عميت أبصار بصائرهم عن أسرار اللّه، فهم في طغيانهم يعمهون و اولئك هم الخاسرون.

و أشار إلى الحالة الثانية بقوله: و لا مخلوّ من نعمته. تقريرا لقوله تعالى وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فسبوغ نعمته دائم لآثار قدرته الّتي استلزمت طبائعها الحاجة إليه فوجب لها فيض جوده فاستلزم ذلك وجوب تصريحها بلسان حالها و مقالها بالثناء المطلق عليه و دوام الشكر له و إن من شي‏ء إلّا يسبّح بحمده و لكن لا تفقهون تسبيحهم.

و أشار إلى الحالة الثالثة بقوله: و لا مأيوس من مغفرته. تقريرا لقوله تعالى قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ«» الآية و هى شهادة بشمول ستره و جميل عفوه و غفره لمن جذبت بعقله أيدى شياطينه لتحطّه إلى مهاوى الهلاك فعجز عن مقاومتها بعد أن كانت له مسكة بجناب اللّه فضعفت تلك المسكة عن أن تكون منجاة له حال مجاذبته لهواه و إن كان ذلك الغفران متفاوتا بحسب قوّة تلك المسكة و ضعفها، و العقل ممّا يؤيّد ذلك و يحكم بصحّة هذه الشهادة فإنّ كلّ ذى علاقة بجناب اللّه سيخلص من العقاب و إن بعد خلاصه على ما نطق به البرهان في موضعه، و ذلك يستلزم الاعتراف بالإحسان و دوام الثناء و الحمد.

ثمّ أشار إلى الرابعة بقوله: و لا مستنكف عن عبادته تقريرا لقوله تعالى لا يستنكفون عن عبادته و لا يستكبرون و قوله لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ الآية و كونه تعالى غير مستنكف عن عبادته شاهد عظيم على كمال عظمته و أنّه المستحقّ للعبادة دون ما عداه إذ هو المجتمع للكمال المطلق فلا جهة نقصان فيه إليها يشار فيكون سببا للاستنكاف و الاستكبار. و غير، مع محالّ السلوب الثلاثة بعدها منصوبات على الحال.

و قوله: الّذي لا تبرح فيه رحمة و لا تفقد له نعمة. اعتباران آخران يستلزمان في ملاحظتهما وجوب شكره تعالى. و نبّه بقوله: لا تبرح على دوام رحمة اللّه لعباده، و قوله: لا تفقد له نعمة كقوله: و لا مخلوّ من نعمته، ثمّ أعقب ذلك بالتنبيه على معايب الدنيا للتنفير عنها فذكر وجوب الفناء لها ثمّ حذّر بذكر العيب الأكبر لها الّذي ترغب مع ذكره و ملاحظته من له أدنى بصيرة عن الركون إليها و محبّة قيناتها و هو مفارقتها الواجبة و الجلاء عنها، ثمّ أردف ذلك بذكر جهتين من جهات الميل إليها:

إحداهما منسوبة إلى القوّة الذائقة و هي حلاوتها، و الاخرى إلى القوّة الباصرة و هي خضرتها. و إطلاق لفظيهما مجاز كنّى به عن جهات الميل إليها من باب إطلاق لفظ الجزء على الكلّ. و ايراده لهذين الوصفين اللذين هما و صفا مدح في معرض ذمّها كتقدير اعتراض على ذمّها لغرض أن يجيب عنه، و لهذا عقّب ذكرهما بما يصلح جوابا و بيّنة على ما يصرف عن الميل إليها من هاتين الجهتين و هو كونها معجّلة للطالب. إذ كان من شأن المعجّل أن ينتفع به في حال تعجيله دون ما بعده خصوصا في حقّ من أحبّ ذلك المعجّل و لم يلتفت إلى ما سواه. و الدنيا كذلك كما أشار إليه بقوله: و التبست بقلب الناظر، و إنّما خصّ الناظر لتقدّم ذكر الخضرة الّتي هي من حظّ النظر فمن عجّلت له منحة و التبست بقلبه و كان لا بدّ من مفارقتها لم ينتفع بما بعدها بل بقى في عذاب الفراق منكوسا و في ظلمة الوحشة محبوسا، و إليه أشار التنزيل الإلهىّ مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً«» ثمّ لمّا نبّه على معايبها أمر بالارتحال عنها و لم يأمر به مطلقا بل لا بدّ معه من استصحاب أحسن الأزواد إذ كانت الطريق المأمور بسلوكها في غاية الوعارة مع طولها و قصر المدّة الّتي يتّخذ فيها الزاد فلا ينفع إذن إلّا التقوى الأبقى الّذي لا يتطرّق إليه فناء. و لا تفهمّن- أعدّك اللّه لافاضة رحمته- من هذا الارتحال الحسّى الحاصل لك من بعضها إلى بعض، و لا من الزاد المأكول الحيوانىّ فإنّ أحسن ما يحضرنا منه ربّما كان منهيّا عنه، بل المأمور به ارتحال آخر يتبيّنه من تصوّر سلوك طريق الآخرة. فإنّك لمّا علمت أنّ الغاية من التكاليف البشريّة هي الوصول إلى حضرة اللّه و مشاهدة جلال كبريائه علمت من ذلك أنّ الطريق إلى هذا المطلوب هى آثار جوده و شواهد آلائه و أنّ القاطع لمراحل تلك الطريق و منازلها هو قدم عقلك مقتديا بأعلامها الواضحة كلّما نزل منها منزلا أعدّته المعرفة به لاستلاحة أعلام منزل آخر أعلى و أكرم منه كما قال تعالى لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ إلى أن يستقرّ في مقعد صدق عند مليك مقتدر، و إذا تصوّرت معنى الارتحال و قد علمت أنّ لكلّ ارتحال و سفر زادا علمت أنّ أكرم الزاد و أحسنه في هذا الطريق‏ ليس إلّا التقوى و الأعمال الصالحة الّتي هى غذاء للعقول و مادّة حياتها، و إليه الإشارة بقوله وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى‏ و أشار بقوله: ما بحضرتكم. إلى ما يمكننا أن نأتي به من الأعمال الصالحة في حياتنا الدنيا، ثمّ عقّب الأمر باتّخاذ الزاد بالنهى عن طلب الزيادة على ما يقوّم به صورة البدن من متاع الدنيا إذ كان البدن بمنزلة مركوب تقطع به النفس مراحل طريقها فالزيادة على المحتاج إليه ممّا يحوج الراكب إلى الاهتمام به و العناية بحفظه المستلزم لمحبّته. و كلّ ذلك مثقل للظهر و مشغل عن الجهة المقصودة.

و ذلك معنى قوله: و لا تسألوا منها فوق الكفاف، و لا تطلبوا منها أكثر من البلاغ، و لا تمدّن أعينكم فيها إلى ما متّع المترفون فتقصروا في الرحيل و تشغلوا بطلب مثل ما شاهدتم، و باللّه التوفيق.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏ميثم بحرانی)، ج 2 ، صفحه‏ى 118

خطبه43شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام
لما هرب مصقلة بن هبيرة الشيبانى إلى معاوية، و كان قد ابتاع سبى بنى ناجية من عامل أمير المؤمنين عليه السّلام و أعتقه، فلما طالبه بالمال خاس به و هرب إلى الشام: قَبَّحَ اللَّهُ مَصْقَلَةَ- فَعَلَ فِعْلَ السَّادَةِ وَ فَرَّ فِرَارَ الْعَبِيدِ- فَمَا أَنْطَقَ مَادِحَهُ حَتَّى أَسْكَتَهُ- وَ لَا صَدَّقَ وَاصِفَهُ حَتَّى بَكَّتَهُ- وَ لَوْ أَقَامَ لَأَخَذْنَا مَيْسُورَهُ- وَ انْتَظَرْنَا بِمَالِهِ وُفُورَهُ‏

أقول: مصقلة هذا كان عاملا لعلىّ عليه السّلام على أردشير خرّه. و بنو ناجية: قبيلة نسبوا أنفسهم إلى سامة بن لوىّ بن غالب فدفعتهم قريش عن هذا النسب و سمّتهم بنى ناجية و هى امّهم امرأة سامة، و أمّا سبب هربه إلى الشام فهو أنّ الحريث أحد بنى ناجية كان قد شهد مع علىّ عليه السّلام صفّين ثمّ استهواه الشيطان فصار من الخوارج بسبب التحكيم، و خرج هو و أصحابه إلى المداين مفارقا لعلىّ عليه السّلام فوجّه إليهم معقل بن قيس في ألفى فارس من أهل البصرة و لم يزل يتبعهم بالعسكر بعد العسكر حتّى ألحقوهم بساحل فارس، و كان به جماعة كثيرة من قوم الحريث و كان فيهم من أسلم عن النصرانيّة فلمّا رأوا ذلك الاختلاف ارتدّوا و اجتمعوا عليه فزحف إليهم معقل بمن معه فقتل الحريث و جماعة منهم و سبا من كان أدرك فيهم من الرجال و النساء، و نظر فيهم فمن كان مسلما أخذ بيعته و خلّى سبيله و احتمل الباقين من النصارى و عيالهم معه و كانوا خمسمائة نفر حتّى مرّوا بمصقلة فاستغاث إليه الرجال و النساء و مجّدوه و طلبوا منه أن يعتقهم فأقسم ليتصدّقن عليهم بذلك ثمّ بعث إلى معقل بن قيس فابتاعهم منه بخمسمائة ألف درهم ثمّ وعده أن يحمل المال في أوقات مخصوصة فلمّا قدم معقل على علىّ عليه السّلام و أخبره القصّة شكر سعيه و انتظر المال من يد مصقلة فابطأ به فكتب إليه باستعجاله أو بقدومه عليه فلمّا قرأ كتابه قدم عليه و هو بالكوفة فاقراه أيّاما ثمّ طالبه بالمال فأدّى منه مائتى ألف درهم و عجز عن الباقى و خاف فلحق بمعاوية فبلغ عليّا عليه السّلام فقال الفصل. و لنرجع إلى المتن.

اللغة

قبحّه اللّه: أى نحّاه عن الخير. و التبكيت: كالتقريع و اللائمة. و الوفور: مصدر وفر المال أى نما و زاد، و يروى موفورة.

المعنى

و مقصوده عليه السّلام بعد أن قدّم الدعاء على مصقلة بيان خطأه فإنّه أشار إلى جهة الخطأ و هى جمعه بين أمرين متنافيين في العرف: و هما فعل السادة و ذى المروّة و الحميّة حيث اشترى القوم و اعتقهم، مع الفرار الّذى هو شيمة العبيد. ثمّ أكّد عليه السّلام ذلك بمثلين.
أحدهما: ما أنطق مادحه حتّى أسكته، و يفهم منه معنيان.
أحدهما: أن يكون حتّى بمعنى اللام: أى إنّه لم ينطق مادحه حتّى يقصد إسكاته بهربه فإنّ إسكات المادح لا يتصوّر قصده لو قصد إلّا بعد إنطاقه و هو لم يتمّم فعله‏ الّذي يطلب به إنطاق مادحه بمدحه من الكرم و الحميّة و الرقّة و نحوها، فكأنّه قصد إسكات مادحه بهروبه فأزوى عليه ذلك، و قال: إنّه لم ينطقه بمدحه فكيف يقصد إسكاته بهروبه، و إن كان العاقل لا يتصوّر منه قصد إسكات مادحه عن مدحه إلّا أنّه لاختياره الهروب المستلزم لإسكات المادح صار كالقاصد له فنسب إليه. الثاني: أن يكون المراد أنّه قد جمع بين غايتين متنافيتين: إنطاقه لمادحه بفداء للأسرى، مع إسكاته بهربه قبل تمام إنطاقه. و هو وصف له بسرعة إلحاقه لفضيلته برذيلته حتّى كأنّه قصد الجمع بينهما، و هذا كما تقول في وصف سرعة تفرّق الأحباب عن اجتماعهم: ما اجتمعوا حتّى افترقوا: أى لسرعة افتراقهم كأنّ الدهر قد جمع لهم بين الاجتماع و الافتراق. الثاني: قوله: و لا صدّق واصفه حتّى بكّته. و المفهوم منه كالمفهوم من الّذي قبله.

قوله: و لو أقام. إلى آخره.
لمّا أشار إلى خطأه أردفه بما يصلح جوابا لما عساه يكون عذرا له لو اعتذر و هو توهّمه التشديد عليه في أمر الباقى من المال حتّى كان ذلك الوهم سبب هزيمته، و في بعض الروايات: لو أقام لأخذنا منه ما قدر عليه فإن أعسر أنظرناه فإن عجز لم نأخذ بشي‏ء. و الأوّل هو المشهور. و باللّه التوفيق.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن‏ميثم)، ج 2 ، صفحه‏ى 117

خطبه42شرح ابن میثم بحرانی

و من كلام له عليه السّلام

و قد أشار عليه أصحابه بالاستعداد للحرب بعد إرساله جرير ابن عبد اللّه البجلى إلى معاوية إِنَّ اسْتِعْدَادِي لِحَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ وَ جَرِيرٌ عِنْدَهُمْ- إِغْلَاقٌ لِلشَّامِ وَ صَرْفٌ لِأَهْلِهِ عَنْ خَيْرٍ إِنْ أَرَادُوهُ- وَ لَكِنْ قَدْ وَقَّتُّ لِجَرِيرٍ وَقْتاً لَا يُقِيمُ بَعْدَهُ- إِلَّا مَخْدُوعاً أَوْ عَاصِياً- وَ الرَّأْيُ عِنْدِي مَعَ الْأَنَاةِ فَأَرْوِدُوا- وَ لَا أَكْرَهُ لَكُمُ الْإِعْدَادَ- وَ لَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هَذَا الْأَمْرِ وَ عَيْنَهُ- وَ قَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وَ بَطْنَهُ- فَلَمْ أَرَ لِي إِلَّا الْقِتَالَ أَوِ الْكُفْرَ- إِنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَى الْأُمَّةِ وَالٍ أَحْدَثَ أَحْدَاثاً- وَ أَوْجَدَ النَّاسَ مَقَالًا فَقَالُوا- ثُمَّ نَقَمُوا فَغَيَّرُوا

أقول: و قد كان في ظنّ كثير من الصحابة بعد ولاية علىّ عليه السّلام أنّ معاوية لا يطيع له بأمارات كثيرة، و لذلك أشار عليه أصحابه و بعد إرسال جرير إليه بالاستعداد لحربه، و روى أنّ جريرا لمّا أراد بعثه قال: و اللّه يا أمير المؤمنين ما أدّخرك من نصرتى شيئا، و ما أطمع لك في معاوية فقال عليه السّلام: قصدى حجّة أقمتها. ثمّ كتب معه: أمّا بعد فإنّ بيعتى بالمدينة لزمتك و أنت بالشام لأنّه بايعنى القوم الّذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان على ما بايعوهم عليه فلم يكن للشاهد أن يختار و لا للغائب أن يردّ، و إنّما الشورى للمهاجرين و الأنصار إذا اجتمعوا على رجل فسمّوه إماما كان ذلك رضا فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردّوه إلى ما خرج منه فإن أبى قاتلوه على اتّباع غير سبيل المؤمنين و ولّاه اللّه ما تولّى و يصليه جهنّم و ساءت مصيرا، و إنّ طلحة و الزبير بايعانى ثمّ نقضا بيعتى فكان نقضهما كردّتهما فجاهدتهما على ذلك حتّى جاء الحقّ و ظهر أمر اللّه و هم كارهون. فادخل فيما دخل فيه المسلمون فإنّ أحبّ الامور إلىّ فيك العافية إلّا أن تتعرّض للبلاء فإن تعرّضت له قاتلتك و استعنت باللّه عليك. و قد أكثرت في قتلة عثمان فادخل فيما دخل فيه الناس ثمّ حاكموا القوم إلىّ أحملك و إيّاهم على كتاب اللّه فأمّا تلك الّتي تريدها فخدعة الصبّى عن اللبن، و لعمرى و إن نظرت بعقلك دون هواك لتجدنى أبرء قريش من دم عثمان، و اعلم أنّك من الطلقاء الّذين لا يتحلّى لهم الخلافة و لا يتعرّض فيهم الشورى، و قد أرسلت إليك جرير بن عبد- اللّه و هو من أهل الايمان و الهجرة فبايع و لا قوّة إلّا باللّه. و ربّما جاء شي‏ء من هذا الكتاب في كتبه عليه السّلام إلى معاوية. فأجابه معاوية أمّا بعد فلعمرى لو بايعك القوم‏ الّذين بايعوك و أنت برى‏ء من دم عثمان كنت كأبى بكر و عمر و عثمان و لكنّك أغريت بعثمان و خذلت عنه الأنصار فأطاعك الجاهل و قوى بك الضعيف، و قد أبى أهل الشام إلّا قتالك حتّى تدفع إليهم قتلة عثمان فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين. و لعمرى ما حجّتك علىّ كحجّتك على طلحة و الزبير لأنّهما بايعاك و لم ابايعك، و ما حجّتك على أهل الشام كحجّتك على أهل البصرة لأنّهم أطاعوك و لم يطعك أهل الشام. فأمّا شرفك في الإسلام و قرابتك من النبىّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم و موضعك من قريش فلست أدفعه، و كتب في آخر الكتاب قصيدة كعب بن جميل.

أرى الشام تكره أهل العراق و أهل العراق لها كارهونا و قد ذكرنا بعضها قبل، و يروى أنّ الكتاب الّذي كتبه عليه السّلام مع جرير كانت صورته: إنّى قد عزلتك ففوّض الأمر إلى جرير و السلام. و قال لجرير: صن نفسك عن خداعه فإن سلّم إليك الأمر و توجّه إلىّ فاقم أنت بالشام، و إن تعلّل بشى‏ء فارجع.
فلمّا عرض جرير الكتاب على معاوية تعلّل بمشاورة أهل الشام و غير ذلك فرجع جرير.
فكتب معاوية في أثره على ظهر كتاب علىّ عليه السّلام: من ولّاك حتّى تعزلنى و السلام.

اللغة

و أقول: الاستعداد: التهيّؤ للأمر. و الخداع: الأخذ بالحيلة. و الأناة. الاسم من التأنّى و الرفق. و أرودوا: أمهلوا. و نقمت الأمر بفتح القاف: أنكرته.

المعنى

فقوله: إنّ استعدادى. إلى قوله: إن أرادوه.
المراد أنّ أهل الشام في زمان كون جرير عندهم هم في مقام التروّى و التفكّر في أىّ الأمرين يتّبعون. و إن لم يكن كلّهم فبعضهم كذلك فلو اعتدّ هو للحرب في تلك الحال لبلغهم ذلك فاحتاجوا إلى الاستعداد أيضا و التأهّب للقائه فكان ذلك الاستعداد سببا لغلق الشام بالكلّيّة، و صرفا لمن يكون في ذهنه تردّد في هذا الأمر أوفى قلبه اللحقوق به عمّا يريد و ذلك مناف للحزم.

و قوله: قد وقّت. إلى قوله: عاصيا.
 أى قد وقّت له وقتا يصل إلينا فيه لا يتخلّف عنه إلّا لأحد مانعين إمّا خداع فيهم له و مواعيد مخلّفة بالجواب ليهيّؤوا امورهم في تلك المدّة، و إمّا عصيان منه و مخالفة.

فإن قلت: حصر تخلّف جرير في هذين المانعين غير صحيح لجواز أن يتخلّف لمرض أو موت أو غرض آخر.
قلت: إنّه عليه السّلام لم يقصد الحصر اليقينىّ و إنّما أراد الحصر بحسب غلبة الظنّ الناشى‏ء من الأمارات و القرائن الحاليّة ثمّ كلامه عليه السّلام ليس في الأسباب الاضطراريّة الّتي من قبل اللّه تعالى فإنّ ذلك أمر مفروغ منه لا يحسن ذكره، و أمّا الموانع الاختياريّة فأمّا منهم و غالب الظنّ هو الخداع، و أمّا منه و غالب الظنّ أنّه العصيان إذ لا يتصوّر من مثل جرير و قد أرسل في مثل هذا الأمر المهمّ أن يعدل عنه إلى شغل اختيارىّ لنفسه أو لغيره إلّا أن يكون عاصيا.

و قوله: و الرأى مع الأناة.
 رأى حقّ أجمع الحكماء على صوابه فإنّ إصابة المطالب و الظفر بها في الغالب إنّما هو مع التثبّت و التأنّى في الطلب، و ذلك أنّ أناة الطالب هى مظنّة فكره في الاهتداء إلى تلخيص الوجه الأليق و الأقيس و الأشمل للمصلحة في تحصيل مطلوبه، و لذلك أكّد بعض الحكماء الأمر بالتأنّى بقوله: من لم يتثبّت في الامور لم يعد مصيبا و إن أصاب. فالغرض و إن كان هو الإصابة إلّا أنّها و إن حصلت من غير التأنّى كان مفرطا و ثمرة التفريط غالبا الندامة و عدم الإصابة، و الإصابة منه نادرة و النادر غير منتفع به و لا ملتفت إليه.

و قوله: فأرودوا و لا أكره لكم الإعداد.
 لمّا نبّههم على فضيلة الأناة أمرهم بها و إن لم يأمرهم مطلقا بل نبّههم بقوله: و لا أكره لكم الإعداد على امور ثلاثة: أحدها: أنّه ينبغي لهم أن يكونوا على يقظة من هذا الأمر حتّى يكونوا حال إشارته إليهم قريبين من الاستعداد. الثاني: أن لا يتوهّم أحد منهم فيه مداخلة ضعف عن مفارقة أهل الشام فيداخلهم بسبب ذلك فشل و ضعف عزيمة. الثالث: ذكر شارح ابن أبى الحديد هو أنّه عليه السّلام و إن كان كره الاستعدادالظاهر إلّا أنّ قوله: و لا أكره لكم الإعداد. تنبيه لهم على الاستعداد الباطن و التهيّؤ في السرّ و ربما كان فرار الشارح بهذا الوجه ممّا يتوهّم تناقضا و هو كونه قد أشار بترك الاستعداد، ثمّ قال لأصحابه: و لا أكره لكم الإعداد، و قد علمت أنّ تركه للاستعداد في ذلك الوقت و اختياره تركه لا ينافي تنبيههم على عدم كراهيّته له ليكونوا منه على يقظة كما أو مأنا إليه.

و قوله: و لقد ضربت. إلى قوله: أو الكفر.
 أقول: استعار لفظ العين و الأنف و الظهر و البطن الّتي حقايق في الحيوان لحاله مع معاوية في أمر الخلافة و خلاف أهل الشام له استعارة على سبيل الكناية.

فكنّى بالعين و الأنف عن المهمّ من هذا الأمر و خالصه فإنّ العين و الأنف أعزّ ما في الوجه، و كنّى بالضرب بهما عن قصده للمهمّ منه على سبيل الاستعارة أيضا، و كنّى بلفظ الظهر و البطن لظاهر هذا الأمر و باطنه و وجوه الرأى فيه، و لفظ التقليب لتصفّح تلك الوجوه و عرضها على العقل واحدا واحدا.

قوله: فلم أر لى إلّا القتال أو الكفر.
 تعيين لما اختاره بعد التقليب و التصفّح لوجوه المصلحة في أمر مخالفيه و هو قتالهم، و نبّه على وجه اختياره له بقوله: أو الكفر: أى أنّ أحد الأمرين لازم إمّا القتال أو الكفر، و ذلك أنّه إن لم يختر القتال لزم تركه و تركه مستلزم للكفر لكن التزام الكفر منه محال فتعيّن اختياره للقتال، و مراده بالكفر الكفر الحقيقىّ فإنّه صرّح بمثله فيما قبل حيث يقول: و قد قلّبت هذا الأمر بطنه و ظهره حتّى منعنى القوم فما وجدتنى يسعني إلّا قتالهم أو الجحود بما جاء به محمّد صلى اللّه عليه و آله و سلّم. فإن قلت: ما وجه الحصر في القتال و الجحود مع أنّ ترك القتال بدون الجحد ممكن.

قلت: بيانه من وجهين.
أحدهما: قال الشارحون: إنّ الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم كان قد أمره بقتال من خالفه، لقوله: امرت أن اقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين. فلو ترك قتالهم مع ما عليه أمر الإسلام من الخطر لكان قد خالف أمر الرسول و ظاهر أنّ مخالفة مثله عليه السّلام لأوامر الرسول لا يتصوّر إلا عن عدم اعتقاد صحّتها و ذلك جحد به و كفر. الثاني: يحتمل أن يكون قد تجوّز بلفظ الجحود في التهاون بهذا الأمر تعظيما له في نفوس السامعين و هو من المجازات الشائعة.

و قوله: إنّه قد كان. إلى آخره.
تنبيه على وجه عذره عمّا نسبه إليه معاوية و جعله سببا لعصيانه له و هو الطلب بدم عثمان و تهمته له بذلك، و أراد بالوالى عثمان. و الأحداث الّتي أحدثها هو ما نسب إليه من الأمور الّتي أنكروها عليه كما سنذكرها. و أوجد الناس مقالا: أى جعل لهم بتلك الأحداث طريقا إلى القول عليه فقالوا، ثمّ أنكروا ما فعل فعيّروه و أزالوه. فأمّا الأحداث المنقولة عنه فالمشهور منها بين أهل السير عشرة: الاولى: توليته امور المسلمين من ليس أهلا من الفسّاق مراعاة للقرابة دون حرمة الإسلام كالوليد بن عقبة حتّى ظهر منه شرب الخمر، و سعيد بن العاص حتّى ظهرت عنه الامور الّتي أخرجه أهل الكوفة منها بسببها، و عبد اللّه بن أبي سرح مع قوّة ظلمه و تظلّم المصريّين منه و هو الّذي اتّهمه المسلمون بمكاتبته بقتل محمّد بن أبي بكر، و نقل أنّهم ظفروا بالكتاب و لأجله عظم التظلّم و كثر الجمع و اشتدّ الحصار عليه. الثانية: ردّه للحكم بن أبي العاص إلى المدينة بعد طرد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم، و بعد امتناع أبي بكر و عمر من ردّه. فخالف في ذلك سنّة الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم و سيرة الشيخين، و عمل بدعواه مجرّدة من البيّنة. الثالثة: أنّه كان يؤثر أهله بالأموال العظيمة من بيت المال من غير استحقاق و ذلك في صور: منها أنّه دفع إلى أربعة نفر من قريش زوّجهم ببناته أربع مائة ألف دينار، و منها أنّه أعطى مروان مائة ألف دينار، و روى خمس إفريقيّة و ذلك مخالف لسنّة الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم و من بعده من الخلفاء. الرابعة: أنّه حمى الحمى عن المسلمين بعد تسوية الرسول بينهم في الماء و الكلاء. الخامسة: أنّه أعطى من بيت مال الصدقة المقاتلة و غيرها و ذلك ممّا لا يجوز في الدين. السادسة: أنّه ضرب عبد اللّه بن مسعود- رضي اللّه عنه- و هو من أكبر الصحابة، و علمائها حتّى كسر بعض أضلاعه و ذلك ظلم ظاهر. السابعة: أنّه جمع الناس على قراءة زيد بن ثابت خاصّة و أحرق المصاحف و أبطل ما لا شكّ أنّه من القرآن المنزل و ذلك مخالفة للّه و للرسول و لمن بعده. الثامنة: أنّه أقدم على عمّار بن ياسر- رحمه اللّه- بالضرب مع أنّه من أشرف الصحابة، و مع علمه بما قال الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم: عمّار جلدة ما بين عينىّ تقتله الفئة الباغية لا أنالها اللّه شفاعتى. حتّى أصابه الفتق، و لذلك صار عمّار مظاهرا لبعض المتظلّمين منه على قتله، و روى أنّه كان يقول: قتلناه كافرا. التاسعة: إقدامه على أبي ذر مع ثناء الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم و صحبته له، و قوله فيه: ما أقلّت الغبراء و لا أظلّت الخضراء على ذى لهجة أصدق من أبي ذر. حتّى نفاه إلى الربذة العاشرة: تعطيله الحدّ الواجب على عبيد اللّه بن عمر بن الخطاب فإنّه قتل الهرمزان مسلما بمجرّد تهمته أنّه أمر أبا لؤلؤة بقتل أبيه ثمّ لم يقده به و قد كان علىّ عليه السّلام يطلبه بذلك. فهذه هى المطاعن المشهورة فيه. و قد أجاب الناصرون لعثمان عن هذه الأحداث بأجوبة مستحسنة و هى مذكورة في المطوّلات من مظانّها و إنّما ذكرنا هذه الأحداث و أوردناها مختصرة لتعلّق المتن بذكرها.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن‏ ميثم)، ج 2 ، صفحه‏ى 110

خطبه41شرح ابن میثم بحرانی

 و من كلام له عليه السّلام

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ إثْنَانِ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَ طُولُ الْأَمَلِ- فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ- وَ أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ- أَلَا وَ إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ- فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ- اصْطَبَّهَا صَابُّهَا- أَلَا وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَنُونَ- فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَ لَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا- فَإِنَّ كُلَّ وَلَدٍ سَيُلْحَقُ بِأُمِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ- وَ إِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَ لَا حِسَابَ وَ غَداً حِسَابٌ وَ لَا عَمَلَ

اللغة

أقول: حذّاء: خفيفة مسرعة لا يتغلّق أحد منهما بشى‏ء. و الصبابة: بقيّة الماء في الإناء.

المعنى

و المقصود بهذا الفصل النهى عن الهوى و طول الأمل في الدنيا فإنّهما من أشدّ أسباب الهلاك فكان الجلاء عنهما من أشدّ أسباب النجاة كما قال تعالى فَأَمَّا مَنْ طَغى‏ وَ آثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى‏ وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى‏«» ثمّ التذكير بامور الآخره.

فاعلم أنّ الهوى هو ميل النفس الأمّارة بالسوء إلى مقتضى طباعها من اللذّات الدنيويّة إلى حدّ الخروج عن حدود الشريعة، و أمّا الأمل فقد سبق بيانه، و لمّا كانت السعادة التامّة إنّما هى في مشاهدة حضرة الربوبيّة و مجاورة الملأ الأعلى في مقعد صدق عند مليك مقتدر، و كان اتّباع النفس الأمّارة بالسوء في ميولها الطبيعيّة و الانهماك في ملذّاتها الفانية أشدّ مهلك جاذب للإنسان عن قصد الحقّ، و صادّ له عن سلوك سبيله و عن الترقىّ في ملكوت السماوات إلى حضيض جهنّم كما قال سيّد المرسلين صلى اللّه عليه و آله و سلّم: ثلاث مهلكات: شحّ مطاع، و هوى متّبع، و إعجاب المرء بنفسه، و كما قال: حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة، و قال: الدنيا و الآخرة ضرّتان بقدر ما يقرب من إحداهما يبعد من الاخرى. لا جرم كان أخوف ما ينبغي أن يخاف من الامور المهلكة اتّباع الهوى، و أمّا الأمل فمراده به أيضا الأمل لما لا ينبغي أن يمدّ الأمل فيه من المقتنيات الفانية و ظاهر أنّ طول الأمل فيها يكون مطابقا لاتّباع الهوى و به يكون نسيان الآخرة لأنّ طول توقّع الامور المحبوبة الدنيويّة يوجب دوام ملاحظتها، و دوام ملاحظتها مستلزم لدوام إعراض النفس عن ملاحظة أحوال الآخرة و هو مستعقب لا نمحاء ما تصوّر في‏ الذهن منها و ذلك معنى النسيان لها و بذلك يكون الهلاك الأبديّ و الشقاء الأشقى، و لمّا كان عليه السّلام هو المتولّى لإصلاح حال الخلق في امور معاشهم و معادهم كان الاهتمام بصلاحهم منوطا بهمّته العلّيّة فلا جرم نسب الخوف عليهم إلى نفسه.

قوله: ألا و إنّ الدنيا قد ولّت. إلى قوله: صابّها.
أقول: الدنيا بالنسبة إلى كلّ شخص مفارقة له و خفيفة سريعة الأجفال لم يبق منها بالقياس إليه إلّا اليسير، و إطلاق الصبابة هاهنا استعارة لبقيّتها القليلة، و القلّة هى وجه تشبيهها بصبابة الإناء أيضا.

و قوله: ألا و إنّ الآخرة قد أقبلت.
 لمّا نبّه على أنّ الدنيا سريعة الأجفال أردف ذلك بالتنبيه على سرعة لحوق الآخرة و إقبالها، و كلّ ذلك قطع للآمال الفانية و ردع عن اتّباع الهوى. و من آثار الصالحين: إذا كان العمر في إدبار و الموت في إقبال فما أسرع الملتقى. و الموت هو دهليز الآخرة.

و قوله: و لكلّ منهما بنون. إلى قوله: يوم القيامة.
من لطائف كلامه. فاستعار لفظ الأبناء للخلق بالنسبة إلى الدنيا و الآخرة، و لفظ الأب لهما، و وجه الاستعارة أنّ الابن لمّا كان من شأنه الميل إلى والده إمّا ميلا طبيعيّا أو بحسب تصوّر المنفعة منه. و كان الخلق منهم من يريد الدنيا. و منهم من يريد الآخرة، و يميل كلّ منهما إلى مراده مع ما يحصل من طرف الدنيا للراغبين فيها ممّا يتوهّمونه لذّة و خيرا، و ما يحصل من طرف الآخرة للراغبين فيها من اللذّة و السعادة أشبه كلّ بالنسبة إلى ما رغب فيه و استفاد منه الخير الابن بالنسبة إلى الأب. فاستعير لفظه لتلك المشابهة، و لمّا كان غرضه حثّ الخلق على السعى للآخرة و الميل إليها و الإعراض عن الدنيا، قال عليه السّلام: فكونوا من أبناء الآخرة و لا تكونوا من أبناء الدنيا ثمّ ذكر فايدة رأيه عليهم بأن يكونوا كذلك. و هى أنّ كلّ ولد سيلحق بامّه يوم القيامة، و أشار: إلى أنّ أبناء الآخرة و الطالبين لها و العاملين لأجلها مقرّبون في الآخرة لا حقوق لمراداتهم فيها، و لهم فيها ما تشتهى أنفسهم و لهم ما يدّعون نزلا من غفور رحيم، و أمّا أبناء الدنيا فانّ نفوسهم لمّا كانت مستغرقة في محبّتها و ناسية لطرف الآخرة و معرضة عنها لا جرم‏ كانت يوم القيامة مغمورة في محبّة الباطل مغلولة بسلاسل السيئات البدنيّة و الملكات الرديئة المتمكّنة من جواهرها فهى لتعلّقها بمحبّة الدنيا حيث لا يتمكّن من محبوبها بمنزلة ولد لا تعلّق له و لا مسكة إلّا بوالده و لا إلف له إلّا هو و لا انس إلّا معه، ثمّ حيل بينه و بينه مع شدّة تعلّقه به و شوقه إليه و اخذ إلى أضيق الأسجان، و بدّل بالعزّ الهوان فهو في أشدّ و له و يتم و أعظم حسرة و غمّ، و أمّا أبناء الآخرة ففي حضانة أبيهم و نعيمه قد زال عنهم بؤس الغربة و شقاء اليتم و سوء الحضن. فمن الواجب إذن تعرّف أحوال الوالدين و اتّباع أبرّهما و أدومهما شفقة و أعظمهما بركة و ما هى إلّا الآخرة فليكن ذو العقل من أبناء الآخرة و ليكن برّا بوالده متوصّلا إليه بأقوى الأسباب و أمتنها.

و قوله: و إنّ اليوم عمل. إلى آخر.
كنّى باليوم عن مدّة الحياة و بعد عمّا بعد الموت، و راعى المقابلة فقابل اليوم بالغد، و العمل بلا عمل، و لا حساب بالحساب. و اليوم: اسم إنّ، و عمل: قام مقام الخبر استعمالا للمضاف إليه مقام المضاف: أى و اليوم يوم العمل، و يحتمل أن يكون اسم إنّ ضمير الشأن، و اليوم عمل جملة من مبتدأ و خبر هى خبرها، و كذلك قوله: و غدا حساب و لا عمل، و صدق هذين الحكمين ظاهر و فايدتهما التنبيه على وقتى العمل و عدمه ليبادروا إلى العمل الّذي به يكونون من أبناء الآخرة في وقت إمكانه قبل مجي‏ء الغد الّذي هو وقت الحساب دون العمل، و باللّه التوفيق.

 

خطبه40شرح ابن میثم بحرانی

و من خطبة له عليه السّلام

إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ وَ لَا أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقَى مِنْهُ- وَ مَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ- وَ لَقَدْ أَصْبَحْنَا فِي زَمَانٍ قَدِ

اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً- وَ نَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلَى حُسْنِ الْحِيلَةِ- مَا لَهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ- قَدْ يَرَى

الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ وَ دُونَهَا مَانِعٌ- مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَ نَهْيِهِ- فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْنٍ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا- وَ يَنْتَهِزُ

فُرْصَتَهَا مَنْ لَا حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ

اللغة

أقول: الجنّة: ما استترت به من سلاح و نحوه. و القلّب الحوّل: الّذى يكثر تحوّله و تقلّبه في اختيار الامور، و تعرّف وجوهها. و الانتهاز: المبادرة إلى الأمر.
و الفرصة: وقت الإمكان. و الحريجة: التخرّج و هو التحرّز من الحرج و الإثم.

المعنى

و اعلم أنّ الوفاء ملكة نفسانيّة ينشأ من لزوم العهد كما ينبغي، و البقاء عليه، و الصدق ملكة تحصل من لزوم الأقوال المطابقة، و هما فضيلتان داخلتان تحت فضيلة العفّة متلازمتان، و لمّا كان التوأم هو الولد المقارن لولد آخر في بطن واحد اشبهه الوفاء لمقارنته الصدق تحت العفّة، فاستعار لفظه له. ثمّ لمّا كانت فضيلة الوفاء مقابلة برذيلة الغدر و فضيلة الصدق مقابلة برذيلة الكذب و رذيلتا الغدر و الكذب أيضا توأمين تحت رذيلة الفجور المقابلة لفضيلة العفّة.

قوله: و لا أعلم جنّة أوقى منه.
 حكم ظاهر فإنّ الوفاء وقاية تامّة للمرء أمّا في آخرته فللاستتارة به من عذاب اللّه الّذي هو أعظم محذور، و أمّا في دنياه فللاستتارة به من السبّ و العار و ما يلزمه عدم الوفاء من الغدر و الكذب الملطخين لوجه النفس. و إذا علمت أنّه لا نسبة لشي‏ء ممّا يجتنّ منه بالأسلحة و غيرها إلى ما يتوقّى بالوفاء علمت أنّه لا جنّة أوقى من الوفاء، و ممادح الوفاء و مذامّ الغدر كثيرة قال اللّه تعالى الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ لا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ«» وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا الآية و قال في تمدّحه بالوفاء إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ قال فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى‏ نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفى‏ بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً«» و من الخبر في ذمّ الغدر: لكلّ غادر لواء يعرف به يوم القيامة.

و قوله: و لا يغدر من علم كيف المرجع.
 أقول: العلم بكيفيّة المرجع إلى اللّه تعالى و الاطّلاع على منازل السفر إليه و على أحوال الآخرة الّتي هى المستقرّ صارف قوىّ عن ارتكاب الرذائل الّتي من جملتها الغدر و إنّما خصّ الغدر بنسبة أهله إلى الجهل بأمر المعاد لكونه في معرض مدح الوفاء و الترغيب فيه.

قوله: و لقد أصبحنا في زمان. إلى قوله: الحيلة
 أقول: إنّما اتّخذ أهل الزمان الغدر كيسا و نسبهم كثير إلى حسن الحيلة لجهل الفريقين بثمرة الغدر و لعدم تمييزهم بين الغدر و الكيس فإنّه لمّا كان الغدر كثيرا ما يستلزم الذكاء و الفطنة لوجه الحيله و ايقاعها بالمغدور به و كان الكيس أيضا عبارة عن الفطانة و الذكاء وجودة الرأى في استخراج وجوه المصالح الّتي تنبغى كانت بينهما مشاركة في استلزام مفهوميها للتفطّن و الذكاء في استخراج وجه الحيلة و ايقاع الآراء إلّا أنّ تفطّن الغادر يستعمله في استنباط الحيلة و إن خالفت القوانين الشرعيّة و فاتت المصالح الكليّة في جنب مصلحة جزئيّة تخصّه، و تفطّن الكيّس إنّما يستعمله في ايقاع رأى أو حيلة تنتظم مصلحة العالم و توافق القوانين الشرعيّة، و لدقّة الفرق بينهما استعمل الغادرون غدرهم في موضع الكيس، و نسبهم أيضا الجاهلون في غدرهم إلى حسن حيلتهم كما نسب ذلك إلى عمرو بن العاص و المغيرة بن شعبه و نحوهما، و لم يعلموا أنّ حيلة الغادر تخرجه إلى رذيلة الفجور، و أنّه لا حسن في حيلة جرّت إلى رذيلة.

و قوله: ما لهم قاتلهم اللّه قد يرى. إلى آخره.
دعاء عليهم بقتال اللّه لهم بعد استفهامه عن خوضهم في أمره استفهاما على سبيل الإنكار، و قد علمت أن قتال اللّه كناية عن عداوته و البعد عن رحمته، و ظاهر أنّ أهل الغدر بعداء عن رحمة اللّه، ثمّ أردف ذلك الدعاء بالإشارة إلى أنّه لا فضيلة لهم فيما يفتحزون به من الذكاء في استنباط وجوه الحيلة إذ كانت غايتهم الغدر و الخيانة فإنّ الحوّل القلّب في الامور قد يرى وجه الحيلة عيانا إلّا أنّه يلاحظ في العمل بها مانع من اللّه و نهيه عن ارتكابها لما يؤدّى إليه من ارتكاب الرذائل الموبقة فيتركها رأى عينه: أى حال ما هى مرئيّة له و بعد القدرة عليها خوفا من اللّه تعالى. ثمّ يراها من لا يعتقد إثما في حزم قواعد الدين فيبادر إليها حال إمكانها و ليس ذلك لفضيلة بل الفضل في الحقيقة لتاركها عن وازع الدين، و الإشارة بالحوّل القلّب إلى نفسه فإنّ شيمه الكريمة كانت كذلك.

شرح ‏نهج ‏البلاغة(ابن ‏ميثم بحرانی)، ج 2 ، صفحه‏ى 105