نامه ۲۹ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

الجزء السادس عشر

تتمه باب الکتب و الرسائل

بسم الله الرحمن الرحیم- الحمد لله الواحد العدل

۲۹ و من کتاب له ع إلى أهل البصره

وَ قَدْ کَانَ مِنِ انْتِشَارِ حَبْلِکُمْ وَ شِقَاقِکُمْ- مَا لَمْ تَغْبَوْا عَنْهُ- فَعَفَوْتُ عَنْ مُجْرِمِکُمْ وَ رَفَعْتُ السَّیْفَ عَنْ مُدْبِرِکُمْ- وَ قَبِلْتُ مِنْ مُقْبِلِکُمْ- فَإِنْ خَطَتْ بِکُمُ الْأُمُورُ الْمُرْدِیَهُ- وَ سَفَهُ الآْرَاءِ الْجَائِرَهِ إِلَى مُنَابَذَتِی وَ خِلَافِی- فَهَأَنَذَا قَدْ قَرَّبْتُ جِیَادِی وَ رَحَلُتْ رِکَابِی- وَ لَئِنْ أَلْجَأْتُمُونِی إِلَى الْمَسِیرِ إِلَیْکُمْ- لَأُوقِعَنَّ بِکُمْ وَقْعَهً- لَا یَکُونُ یَوْمُ الْجَمَلِ إِلَیْهَا إِلَّا کَلَعْقَهِ لَاعِقٍ- مَعَ أَنِّی عَارِفٌ لِذِی الطَّاعَهِ مِنْکُمْ فَضْلَهُ- وَ لِذِی النَّصِیحَهِ حَقَّهُ- غَیْرُ مُتَجَاوِزٍ مُتَّهَماً إِلَى بَرِیٍّ وَ لَا نَاکِثاً إِلَى وَفِیٍّ ما لم تغبوا عنه أی لم تسهوا عنه و لم تغفلوا- یقال غبیت عن الشی‏ء أغبی غباوه إذا لم یفطن- و غبی الشی‏ء علی کذلک إذا لم تعرفه- و فلان غبی على فعیل أی قلیل الفطنه- و قد تغابى أی تغافل- یقول لهم قد کان من خروجکم یوم الجمل عن الطاعه-و نشرکم حبل الجماعه- و شقاقکم لی ما لستم أغبیاء عنه- فغفرت و رفعت السیف و قبلت التوبه و الإنابه- . و المدبر هاهنا الهارب و المقبل الذی لم یفر- لکن جاءنا فاعتذر و تنصل- .

ثم قال فإن خطت بکم الأمور- خطا فلان خطوه یخطو و هو مقدار ما بین القدمین- فهذا لازم فإن عدیته- قلت أخطیت بفلان و خطوت به و هاهنا قد عداه بالباء- . و المردیه المهلکه و الجائره العادله عن الصواب- و المنابذه مفاعله من نبذت إلیه عهده- أی ألقیته و عدلت عن السلم إلى الحرب- أو من نبذت زیدا أی أطرحته و لم أحفل به- . قوله قربت جیادی- أی أمرت بتقریب خیلی إلى لأرکب و أسیر إلیکم- . و رحلت رکابی الرکاب الإبل- و رحلتها شددت على ظهورها الرحل- قال

رحلت سمیه غدوه أجمالها
غضبى علیک فما تقول بدا لها

کلعقه لاعق مثل یضرب للشی‏ء الحقیر التافه- و یروى بضم اللام و هی ما تأخذه الملعقه- . ثم عاد فقال مازجا الخشونه باللین- مع أنی عارف فضل ذی الطاعه منکم- و حق ذی النصیحه- و لو عاقبت لما عاقبت البری‏ء بالسقیم- و لا أخذت الوفی بالناکث- . خطب زیاد بالبصره الخطبه الغراء المشهوره- و قال فیها و الله لآخذن البری‏ء بالسقیم- و البر باللئیم و الوالد بالولد و الجار بالجار- أو تستقیم إلی قناتکم- فقام أبو بلال مرداس‏ابن أدیه یهمس- و هو حینئذ شیخ کبیر- فقال أیها الأمیر أنبأنا الله بخلاف ما قلت- و حکم بغیر ما حکمت- قال سبحانه وَ لا تَزِرُ وازِرَهٌ وِزْرَ أُخْرى‏- فقال زیاد یا أبا بلال إنی لم أجهل ما علمت- و لکنا لا نخلص إلى الحق منکم- حتى نخوض إلیه الباطل خوضا- . و فی روایه الریاشی لآخذن الولی بالولی- و المقیم بالظاعن و المقبل بالمدبر و الصحیح بالسقیم- حتى یلقى الرجل منکم أخاه- فیقول انج سعد فقد هلک سعید- أو تستقیم لی قناتکم

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۶

 

بازدیدها: ۲۲

نامه ۲۸ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۲۸ و من کتاب له ع إلى معاویه جوابا 

و هو من محاسن الکتب- : أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَانِی کِتَابُکَ- تَذْکُرُ فِیهِ اصْطِفَاءَ اللَّهِ مُحَمَّداً ص لِدِینِهِ- وَ تَأْیِیدَهُ إِیَّاهُ لِمَنْ أَیَّدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ- فَلَقَدْ خَبَّأَ لَنَا الدَّهْرُ مِنْکَ عَجَباً- إِذْ طَفِقْتَ تُخْبِرُنَا بِبَلَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا- وَ نِعْمَتِهِ عَلَیْنَا فِی نَبِیِّنَا- فَکُنْتَ فِی ذَلِکَ کَنَاقِلِ التَّمْرِ إِلَى هَجَرَ- أَوْ دَاعِی مُسَدِّدِهِ إِلَى النِّضَالِ- وَ زَعَمْتَ أَنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ فِی الْإِسْلَامِ فُلَانٌ وَ فُلَانٌ- فَذَکَرْتَ أَمْراً إِنْ تَمَّ اعْتَزَلَکَ کُلُّهُ- وَ إِنْ نَقَصَ لَمْ یَلْحَقْکَ ثَلْمُهُ- وَ مَا أَنْتَ وَ الْفَاضِلَ وَ الْمَفْضُولَ وَ السَّائِسَ وَ الْمَسُوسَ- وَ مَا لِلطُّلَقَاءِ وَ أَبْنَاءِ الطُّلَقَاءِ- وَ التَّمْیِیزَ بَیْنَ الْمُهَاجِرِینَ الْأَوَّلِینَ- وَ تَرْتِیبَ دَرَجَاتِهِمْ وَ تَعْرِیفَ طَبَقَاتِهِمْ- هَیْهَاتَ لَقَدْ حَنَّ قِدْحٌ لَیْسَ مِنْهَا- وَ طَفِقَ یَحْکُمُ فِیهَا مَنْ عَلَیْهِ الْحُکْمُ لَهَا- أَ لَا تَرْبَعُ أَیُّهَا الْإِنْسَانُ عَلَى ظَلْعِکَ- وَ تَعْرِفُ قُصُورَ ذَرْعِکَ- وَ تَتَأَخَّرُ حَیْثُ أَخَّرَکَ الْقَدَرُ- فَمَا عَلَیْکَ غَلَبَهُ الْمَغْلُوبِ وَ لَا ظَفَرُ الظَّافِرِ- فَإِنَّکَ لَذَهَّابٌ فِی التِّیهِ رَوَّاغٌ عَنِ الْقَصْدِ- أَ لَا تَرَى غَیْرَ مُخْبِرٍ لَکَ- وَ لَکِنْ بِنِعْمَهِ اللَّهِ أُحَدِّثُ- أَنَّ قَوْماً اسْتُشْهِدُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْمُهَاجِرِینَ وَ الْأَنْصَارِ- وَ لِکُلٍّ فَضْلٌ- حَتَّى إِذَا اسْتُشْهِدَ شَهِیدُنَا قِیلَ سَیِّدُ الشُّهَدَاءِ- وَ خَصَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ص بِسَبْعِینَ تَکْبِیرَهً عِنْدَ صَلَاتِهِ عَلَیْهِ-أَ وَ لَا تَرَى أَنَّ قَوْماً قُطِّعَتْ أَیْدِیهِمْ فِی سَبِیلِ اللَّهِ- وَ لِکُلٍّ فَضْلٌ- حَتَّى إِذَا فُعِلَ بِوَاحِدِنَا مَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ- قِیلَ الطَّیَّارُ فِی الْجَنَّهِ وَ ذُو الْجَنَاحَیْنِ- وَ لَوْ لَا مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ تَزْکِیَهِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ- لَذَکَرَ ذَاکِرٌ فَضَائِلَ جَمَّهً تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِینَ- وَ لَا تَمُجُّهَا آذَانُ السَّامِعِینَ- فَدَعْ عَنْکَ مَنْ مَالَتْ بِهِ الرَّمِیَّهُ- فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا وَ النَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا- لَمْ یَمْنَعْنَا قَدِیمُ عِزِّنَا- وَ لَا عَادِیُّ طَوْلِنَا عَلَى قَوْمِکَ أَنْ خَلَطْنَاکُمْ بِأَنْفُسِنَا- فَنَکَحْنَا وَ أَنْکَحْنَا- فِعْلَ الْأَکْفَاءِ وَ لَسْتُمْ هُنَاکَ- وَ أَنَّى یَکُونُ ذَلِکَ کَذَلِکَ وَ مِنَّا النَّبِیُّ وَ مِنْکُمُ الْمُکَذِّبُ- وَ مِنَّا أَسَدُ اللَّهِ وَ مِنْکُمْ أَسَدُ الْأَحْلَافِ- وَ مِنَّا سَیِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّهِ وَ مِنْکُمْ صِبْیَهُ النَّارِ- وَ مِنَّا خَیْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِینَ وَ مِنْکُمْ حَمَّالَهُ الْحَطَبِ- فِی کَثِیرٍ مِمَّا لَنَا وَ عَلَیْکُمْ- فَإِسْلَامُنَا مَا قَدْ سُمِعَ وَ جَاهِلِیَّتُنَا لَا تُدْفَعُ- وَ کِتَابُ اللَّهِ یَجْمَعُ لَنَا مَا شَذَّ عَنَّا- وَ هُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى- وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِی کِتابِ اللَّهِ- وَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِیمَ لَلَّذِینَ اتَّبَعُوهُ- وَ هذَا النَّبِیُّ وَ الَّذِینَ آمَنُوا- وَ اللَّهُ وَلِیُّ الْمُؤْمِنِینَ- فَنَحْنُ مَرَّهً أَوْلَى بِالْقَرَابَهِ وَ تَارَهً أَوْلَى بِالطَّاعَهِ- وَ لَمَّا احْتَجَّ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَارِ- یَوْمَ السَّقِیفَهِ بِرَسُولِ اللَّهِ ص فَلَجُوا عَلَیْهِمْ- فَإِنْ یَکُنِ الْفَلَجُ بِهِ فَالْحَقُّ لَنَا دُونَکُمْ- وَ إِنْ یَکُنْ بِغَیْرِهِ فَالْأَنْصَارُ عَلَى دَعْوَاهُمْ- وَ زَعَمْتَ أَنِّی لِکُلِّ الْخُلَفَاءِ حَسَدْتُ وَ عَلَى کُلِّهِمْ بَغَیْتُ- فَإِنْ یَکُنْ ذَلِکَ کَذَلِکَ فَلَیْسَتِ الْجِنَایَهُ عَلَیْکَ- فَیَکُونَ الْعُذْرُ إِلَیْکَ-وَ تِلْکَ شَکَاهٌ ظَاهِرٌ عَنْکَ عَارُهَا-

وَ قُلْتَ إِنِّی کُنْتُ أُقَادُ- کَمَا یُقَادُ الْجَمَلُ الْمَخْشُوشُ حَتَّى أُبَایِعَ- وَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَذُمَّ فَمَدَحْتَ- وَ أَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ- وَ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَهٍ فِی أَنْ یَکُونَ مَظْلُوماً- مَا لَمْ یَکُنْ شَاکّاً فِی دِینِهِ وَ لَا مُرْتَاباً بِیَقِینِهِ- وَ هَذِهِ حُجَّتِی إِلَى غَیْرِکَ قَصْدُهَا- وَ لَکِنِّی أَطْلَقْتُ لَکَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا سَنَحَ مِنْ ذِکْرِهَا- ثُمَّ ذَکَرْتَ مَا کَانَ مِنْ أَمْرِی وَ أَمْرِ عُثْمَانَ- فَلَکَ أَنْ تُجَابَ عَنْ هَذِهِ لِرَحِمِکَ مِنْهُ- فَأَیُّنَا کَانَ أَعْدَى لَهُ وَ أَهْدَى إِلَى مَقَاتِلِهِ أَ مَنْ بَذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ وَ اسْتَکَفَّهُ- أَمَّنِ اسْتَنْصَرَهُ فَتَرَاخَى عَنْهُ وَ بَثَّ الْمَنُونَ إِلَیْهِ- حَتَّى أَتَى قَدَرُهُ عَلَیْهِ- کَلَّا وَ اللَّهِ لَقَدْ یَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِینَ مِنْکُمْ- وَ الْقَائِلِینَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَیْنَا- وَ لَا یَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِیلًا- . وَ مَا کُنْتُ لِأَعْتَذِرَ مِنْ أَنِّی کُنْتُ أَنْقِمُ عَلَیْهِ أَحْدَاثاً- فَإِنْ کَانَ الذَّنْبُ إِلَیْهِ إِرْشَادِی وَ هِدَایَتِی لَهُ- فَرُبَّ مَلُومٍ لَا ذَنْبَ لَهُ- وَ قَدْ یَسْتَفِیدُ الظِّنَّهَ الْمُتَنَصِّحُ‏- وَ مَا أَرَدْتُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ- وَ مَا تَوْفِیقِی إِلَّا بِاللَّهِ عَلَیْهِ تَوَکَّلْتُ وَ إِلَیْهِ أُنِیْبُ- وَ ذَکَرْتَ أَنَّهُ لَیْسَ لِی وَ لِأَصْحَابِی عِنْدَکَ إِلَّا السَّیْفُ- فَلَقَدْ أَضْحَکْتَ بَعْدَ اسْتِعْبَارٍ- مَتَى أَلْفَیْتَ بَنِی عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنِ الْأَعْدَاءِ نَاکِلِینَ- وَ بِالسَّیْفِ مُخَوَّفِینَ-فَلَبِّثْ قَلِیلًا یَلْحَقِ الْهَیْجَا حَمَلْ‏- فَسَیَطْلُبُکَ مَنْ تَطْلُبُ- وَ یَقْرُبُ مِنْکَ مَا تَسْتَبْعِدُ- وَ أَنَا مُرْقِلٌ نَحْوَکَ فِی جَحْفَلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِینَ وَ الْأَنْصَارِ- وَ التَّابِعِینَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ- شَدِیدٍ زِحَامُهُمْ سَاطِعٍ قَتَامُهُمْ- مُتَسَرْبِلِینَ سَرَابِیلَ الْمَوْتِ- أَحَبُّ اللِّقَاءِ إِلَیْهِمْ لِقَاءُ رَبِّهِمْ- وَ قَدْ صَحِبَتْهُمْ ذُرِّیَّهٌ بَدْرِیَّهٌ وَ سُیُوفٌ هَاشِمِیَّهٌ- قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِهَا- فِی أَخِیکَ وَ خَالِکَ وَ جَدِّکَ وَ أَهْلِکَ- وَ مَا هِیَ مِنَ الظَّالِمِینَ بِبَعِیدٍ

کتاب لمعاویه إلى علی 

سألت النقیب أبا جعفر یحیى بن أبی زید- فقلت أرى هذا الجواب منطبقا على کتاب معاویه- الذی بعثه مع أبی مسلم الخولانی إلى علی ع- فإن کان هذا هو الجواب- فالجواب الذی ذکره أرباب السیره- و أورده نصر بن مزاحم فی کتاب صفین إذن غیر صحیح- و إن کان ذلک الجواب فهذا الجواب إذن غیر صحیح و لا ثابت- فقال لی بل کلاهما ثابت مروی- و کلاهما کلام أمیر المؤمنین ع و ألفاظه- ثم أمرنی أن أکتب ما علیه علی ع فکتبته- قال رحمه الله- کان معاویه یتسقط علیا- و ینعى علیه ما عساه یذکره من حال أبی بکر و عمر- و أنهما غصباه حقه- و لا یزال یکیده بالکتاب یکتبه- و الرساله یبعثها یطلب غرته- لینفث بما فی صدره من حال أبی بکر و عمر- إما مکاتبه أو مراسله- فیجعل ذلک حجه علیه عند أهل الشام- و یضیفه إلى ما قرره فی أنفسهم من ذنوبه کما زعم- فقد کان غمصه عندهم بأنه قتل عثمان و مالأ على قتله- و أنه قتل طلحه و الزبیر- و أسر عائشه و أراق دماء أهل البصره- و بقیت خصله واحده- و هو أن یثبت عندهم أنه یتبرأ من أبی بکر و عمر- و ینسبهما إلى الظلم و مخالفه الرسول فی أمر الخلافه- و أنهما وثبا علیها غلبه و غصباه إیاها- فکانت هذه الطامه الکبرى- لیست مقتصره على فساد أهل الشام علیه- بل و أهل العراق الذین هم جنده و بطانته و أنصاره- لأنهم کانوا یعتقدون إمامه الشیخین- إلا القلیل الشاذ من خواص الشیعه- فلما کتب ذلک الکتاب مع أبی مسلم الخولانی- قصد أن یغضب علیا- و یحرجه و یحوجه إذا قرأ ذکر أبی بکر- و أنه أفضل المسلمین- إلى أن یخلط خطه فی الجواب بکلمه تقتضی طعنا فی أبی بکر- فکان الجواب مجمجما غیر بین- لیس فیه تصریح بالتظلیم لهما- و لا التصریح ببراءتهما- و تاره یترحم علیهما- و تاره یقول أخذا حقی و قد ترکته لهما- فأشار عمرو بن العاص على معاویه-

أن یکتب کتابا ثانیا مناسبا للکتاب الأول- لیستفزا فیه علیا ع و یستخفاه- و یحمله الغضب منه- أن یکتب کلاما یتعلقان به- فی تقبیح حاله و تهجین مذهبه- و قال له عمرو إن علیا ع رجل نزق تیاه- و ما استطعمت منه الکلام بمثل تقریظ أبی بکر و عمر- فاکتب فکتب کتابا- أنفذه إلیه مع أبی أمامه الباهلی و هو من الصحابه- بعد أن عزم على بعثته مع أبی الدرداء- و نسخه الکتاب- من عبد الله معاویه بن أبی سفیان إلى علی بن أبی طالب- أما بعد- فإن الله تعالى جده اصطفى محمدا ع لرسالته- و اختصه بوحیه و تأدیه شریعته- فأنقذ به من العمایه و هدى به من الغوایه- ثم قبضه إلیه رشیدا حمیدا- قد بلغ الشرع و محق الشرک و أخمد نار الإفک- فأحسن الله جزاءه و ضاعف علیه نعمه و آلاءه- ثم إن الله سبحانه اختص محمدا ع بأصحاب أیدوه- و آزروه و نصروه و کانوا کما قال الله سبحانه لهم- أَشِدَّاءُ عَلَى الْکُفَّارِ رُحَماءُ بَیْنَهُمْ- فکان أفضلهم مرتبه و أعلاهم عند الله و المسلمین منزله- الخلیفه الأول الذی جمع الکلمه- و لم الدعوه و قاتل أهل الرده- ثم الخلیفه الثانی الذی فتح الفتوح- و مصر الأمصار و أذل رقاب المشرکین- ثم الخلیفه الثالث المظلوم الذی نشر المله- و طبق الآفاق بالکلمه الحنیفیه- . فلما استوثق الإسلام و ضرب بجرانه عدوت علیه- فبغیته الغوائل و نصبت له المکاید- و ضربت له بطن الأمر و ظهره- و دسست علیه و أغریت به- و قعدت حیث استنصرک عن نصره- و سألک أن تدرکه قبل أن یمزق فما أدرکته- و ما یوم المسلمین منک بواحد- .

لقد حسدت أبا بکر و التویت علیه- و رمت إفساد أمره و قعدت فی بیتک- و استغویت عصابه من الناس حتى تأخروا عن بیعته- ثم کرهت خلافه عمر و حسدته- و استطلت مدته و سررت بقتله- و أظهرت الشماته بمصابه- حتى إنک حاولت قتل ولده لأنه قتل قاتل أبیه- ثم لم تکن أشد منک حسدا لابن عمک عثمان- نشرت مقابحه و طویت محاسنه- و طعنت فی فقهه ثم فی دینه- ثم فی سیرته ثم فی عقله- و أغریت به السفهاء من أصحابک و شیعتک- حتى قتلوه بمحضر منک لا تدفع عنه بلسان و لا ید- و ما من هؤلاء إلا من بغیت علیه و تلکأت فی بیعته- حتى حملت إلیه قهرا- تساق بخزائم الاقتسار کما یساق الفحل المخشوش- ثم نهضت الآن تطلب الخلافه- و قتله عثمان خلصاؤک و سجراؤک و المحدقون بک- و تلک من أمانی النفوس و ضلالات الأهواء- .

فدع اللجاج و العبث جانبا- و ادفع إلینا قتله عثمان- و أعد الأمر شورى بین المسلمین- لیتفقوا على من هو لله رضا- فلا بیعه لک فی أعناقنا و لا طاعه لک علینا- و لا عتبى لک‏ عندنا- و لیس لک و لأصحابک عندی إلا السیف- و الذی لا إله إلا هو- لأطلبن قتله عثمان أین کانوا و حیث کانوا- حتى أقتلهم أو تلتحق روحی بالله- .

فأما ما لا تزال تمن به من سابقتک و جهادک- فإنی وجدت الله سبحانه یقول- یَمُنُّونَ عَلَیْکَ أَنْ أَسْلَمُوا- قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَیَّ إِسْلامَکُمْ بَلِ اللَّهُ یَمُنُّ عَلَیْکُمْ- أَنْ هَداکُمْ لِلْإِیمانِ إِنْ کُنْتُمْ صادِقِینَ- و لو نظرت فی حال نفسک- لوجدتها أشد الأنفس امتنانا على الله بعملها- و إذا کان الامتنان على السائل یبطل أجر الصدقه- فالامتنان على الله یبطل أجر الجهاد- و یجعله ک صَفْوانٍ عَلَیْهِ تُرابٌ- فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَکَهُ صَلْداً- لا یَقْدِرُونَ عَلى‏ شَیْ‏ءٍ مِمَّا کَسَبُوا- وَ اللَّهُ لا یَهْدِی الْقَوْمَ الْکافِرِینَ- .

قال النقیب أبو جعفر- فلما وصل هذا الکتاب إلى علی ع- مع أبی أمامه الباهلی- کلم أبا أمامه بنحو مما کلم به أبا مسلم الخولانی- و کتب معه هذا الجواب- . قال النقیب و فی کتاب معاویه هذا- ذکر لفظ الجمل المخشوش أو الفحل المخشوش- لا فی الکتاب الواصل مع أبی مسلم- و لیس فی ذلک هذه اللفظه- و إنما فیه حسدت الخلفاء و بغیت علیهم- عرفنا ذلک من نظرک الشزر و قولک الهجر- و تنفسک الصعداء و إبطائک عن الخلفاء- . قال و إنما کثیر من الناس لا یعرفون الکتابین- و المشهور عندهم کتاب أبی مسلم- فیجعلون هذه اللفظه فیه- و الصحیح أنها فی کتاب أبی أمامه- أ لا تراها عادت‏ فی جوابه- و لو کانت فی کتاب أبی مسلم لعادت فی جوابه- . انتهى کلام النقیب أبی جعفر و نحن الآن مبتدءون فی شرح ألفاظ الجواب المذکور- .

قوله فلقد خبأ لنا الدهر منک عجبا- موضع التعجب إن معاویه یخبر علیا ع- باصطفاء الله تعالى محمدا و تشریفه له و تأییده له- و هذا ظریف- لأنه یجری کإخبار زید عمرا عن حال عمرو- إذ کان النبی ص و علی ع- کالشی‏ء الواحد- و خبأ مهموز و المصدر الخب‏ء- و منه الخابیه و هی الخب‏ء إلا أنهم ترکوا همزها- و الخب‏ء أیضا و الخبی‏ء على فعیل ما خبئ- . و بلاء الله تعالى إنعامه و إحسانه- . و قوله ع کناقل التمر إلى هجر- مثل قدیم- و هجر اسم مدینه لا ینصرف للتعریف و التأنیث- و قیل هو اسم مذکر مصروف- و أصل المثل کمستبضع تمر إلى هجر- و النسبه إلیه هاجری على غیر قیاس- و هی بلده کثیره النخل یحمل منها التمر إلى غیرها- قال الشاعر فی هذا المعنى-
أهدی له طرف الکلام کما یهدى لوالی البصره التمر- .

قوله و داعی مسدده إلى النضال أی معلمه الرمی- و هذا إشاره إلى قول القائل الأول-أعلمه الرمایه کل یوم فلما استد ساعده رمانی‏- . هکذا الروایه الصحیحه بالسین المهمله- أی استقام ساعده على الرمی- و سددت فلانا علمته النضال- و سهم سدید مصیب- و رمح سدید أی قل أن تخطئ طعنته- و قد ظرف القاضی الأرجانی فی قوله لسدید الدوله- محمد بن عبد الکریم الأنباری کاتب الإنشاء-

إلى الذی نصب المکارم للورى
غرضا یلوح من المدى المتباعد

نثل الأماثل من کنانته فما
وجدت یداه سوى سدید واحد

و من الأمثال فی هذا المعنى سمن کلبک یأکلک- و منها أحشک و تروثنی- . قوله ع- و زعمت أن أفضل الناس فی الإسلام فلان و فلان- أی أبو بکر و عمر- . قوله ع فذکرت أمرا إن تم اعتزلک کله- و إن نقص لم یلحقک ثلمه من هذا المعنى قول الفرزدق لجریر- و قد کان جریر فی مهاجاته إیاه یفخر علیه بقیس عیلان- فقد کانت لجریر فی قیس خئوله- یعیره بأیامهم على بنی تمیم- فلما قتل بنو تمیم قتیبه بن مسلم الباهلی بخراسان- قال الفرزدق یفتخر

أتانی و أهلی بالمدینه وقعه
لآل تمیم أقعدت کل قائم‏

کان رءوس الناس إذ سمعوا
بها مشدخه هاماتها بالأمائم‏

و ما بین من لم یؤت سمعا و طاعه
و بین تمیم غیر جز الحلاقم‏

ثم خرج إلى خطاب جریر بعد أبیات ترکنا ذکرها- فقال

أ تغضب إن أذنا قتیبه جزتا
جهارا و لم تغضب لقتل ابن حازم‏

و ما منهما إلا نقلنا دماغه‏
إلى الشام فوق الشاحجات الرواسم‏

تذبذب فی المخلاه تحت بطونها
محذفه الأذناب جلح المقادم‏

و ما أنت من قیس فتنبح دونها
و لا من تمیم فی الرءوس الأعاظم‏

تخوفنا أیام قیس و لم تدع
لعیلان أنفا مستقیم الخیاشم‏

لقد شهدت قیس فما کان نصرها
قتیبه إلا عضها بالأباهم‏

فقوله

و ما أنت من قیس فتنبح دونها- هو معنى قول علی ع لمعاویه- فذکرت أمرا إن تم اعتزلک کله- و ابن حازم المذکور فی الشعر هو عبد الله بن حازم- من بنی سلیم- و سلیم من قیس عیلان و قتلته تمیم أیضا- و کان والی خراسان- . قوله ع و ما أنت و الفاضل و المفضول- الروایه المشهوره بالرفع- و قد رواها قوم بالنصب- فمن رفع احتج بقوله و ما أنت و بیت أبیک و الفخر- . و بقوله فما القیسی بعدک و الفخارو من نصب فعلى تأویل مالک و الفاضل- و فی ذلک معنى الفعل أی ما تصنع- لأن‏هذا الباب لا بد أن یتضمن الکلام فیه فعلا- أو معنى فعل- و أنشدوا

فما أنت و السیر فی متلف‏

– و الرفع عند النحویین أولى- . ثم قال و ما للطلقاء و أبناء الطلقاء و التمییز- النصب هاهنا لا غیر لأجل اللام فی الطلقاء- . ثم قال ع بین المهاجرین الأولین- و ترتیب درجاتهم و تعریف طبقاتهم- هذا الکلام ینقض ما یقول من یطعن فی السلف- فإن أمیر المؤمنین ع أنکر على معاویه- تعرضه بالمفاضله بین أعلام المهاجرین- و لم یذکر معاویه إلا للمفاضله بینه ع- و بین أبی بکر و عمر- فشهاده أمیر المؤمنین ع بأنهما من المهاجرین الأولین- و من ذوی الدرجات و الطبقات- التی اشتبه الحال بینهما و بینه ع- فی أی الرجال منهم أفضل- و أن قدر معاویه یصغر أن یدخل نفسه فی مثل ذلک- شهاده قاطعه على علو شأنهما و عظم منزلتهما- . قوله ع هیهات- لقد حن قدح لیس منها- هذا مثل یضرب لمن یدخل نفسه بین قوم لیس له أن یدخل بینهم- و أصله القداح من عود واحد یجعل فیها قدح من غیر ذلک الخشب- فیصوت بینها إذا أرادها المفیض- فذلک الصوت هو حنینه- .

قوله و طفق یحکم فیها من علیه الحکم لها- أی و طفق یحکم فی هذه القصه أو فی هذه القضیه من یجب أن یکون الحکم لها علیه لا له فیها- و یجوز أن یکون الضمیر یرجع إلى الطبقات- . ثم قال أ لا تربع أیها الإنسان على ظلعک- أی أ لا ترفق بنفسک و تکف- و لا تحمل علیها ما لا تطیقه- و الظلع مصدر ظلع البعیر یظلع أی غمز فی مشیه- . قوله و تعرف قصور ذرعک أصل الذرع بسط الید- یقال ضقت به ذرعا أی ضاق ذرعی به- فنقلوا الاسم من الفاعلیه فجعلوه منصوبا على التمییز- کقولهم طبت به نفسا- . قوله و تتأخر حیث أخرک القدر- مثل قولک ضع نفسک حیث وضعها الله- یقال ذلک لمن یرفع نفسه فوق استحقاقه- .

ثم قال فما علیک غلبه المغلوب- و لا علیک ظفر الظافر- یقول و ما الذی أدخلک بینی و بین أبی بکر و عمر- و أنت من بنی أمیه لست هاشمیا و لا تیمیا و لا عدویا- هذا فیما یرجع إلى أنسابنا- و لست مهاجرا و لا ذا قدم فی الإسلام- فتزاحم المهاجرین و أرباب السوابق بأعمالک و اجتهادک- فإذن لا یضرک غلبه الغالب منا و لا یسرک ظفر الظافر- و یروى أن مروان بن الحکم کان ینشد یوم مرج راهط- و الرءوس تندر عن کواهلها بینه و بین الضحاک بن قیس الفهری- و ما ضرهم غیر حین النفوس أی غلامی قریش غلب‏- .

قوله ع و إنک لذهاب فی التیه- رواغ عن القصد- یحتمل قوله ع فی التیه معنیین- أحدهما بمعنى الکبر- و الآخر التیه من قولک تاه فلان فی البیداء- و منه قوله تعالى فَإِنَّها مُحَرَّمَهٌ عَلَیْهِمْ أَرْبَعِینَ سَنَهً- یَتِیهُونَ فِی الْأَرْضِ- و هذا الثانی أحسن-یقول إنک شدید الإیغال فی الضلال- و ذهاب فعال للتکثیر- و یقال أرض متیهه مثل معیشه أی یتاه فیها- . قال ع رواغ عن القصد- أی تترک ما یلزمک فعله- و تعدل عما یجب علیک أن تجیب عنه إلى حدیث الصحابه- و ما جرى بعد موت النبی ص- و نحن إلى الکلام فی غیر هذا أحوج إلى الکلام فی البیعه- و حقن الدماء و الدخول تحت طاعه الإمام- .

ثم قال أ لا ترى غیر مخبر لک- و لکن بنعمه الله أحدث- أی لست عندی أهلا لأن أخبرک بذلک أیضا فإنک تعلمه- و من یعلم الشی‏ء لا یجوز أن یخبر به- و لکن أذکر ذلک لأنه تحدث بنعمه الله علینا- و قد أمرنا بأن نحدث بنعمته سبحانه- . قوله ع إن قوما استشهدوا فی سبیل الله- المراد هاهنا سید الشهداء حمزه رضی الله عنه- و ینبغی أن یحمل قول النبی ص فیه إنه سید الشهداء- على أنه سید الشهداء فی حیاه النبی ص- لأن علیا ع مات شهیدا- و لا یجوز أن یقال حمزه سیده- بل هو سید المسلمین کلهم- و لا خلاف بین أصحابنا رحمهم الله- أنه أفضل من حمزه و جعفر رضی الله عنهما- و قد تقدم ذکر التکبیر- الذی کبره رسول الله ص على حمزه فی قصه أحد- . قوله ع و لکل فضل- أی و لکل واحد من هؤلاء فضل لا یجحد- .

قوله أ و لا ترى أن قوما قطعت أیدیهم- هذا إشاره إلى جعفر و قد تقدم ذلک فی قصه مؤته- . قوله و لو لا ما نهى الله عنه- هذا إشاره إلى نفسه ع- .

قوله و لا تمجها آذان السامعین أی لا تقذفها- یقال مج الرجل من فیه أی قذفه- قوله ع فدع عنک من مالت به الرمیه- یقال للصید یرمی هذه الرمیه- و هی فعیله بمعنى مفعوله- و الأصل فی مثلها ألا تلحقها الهاء- نحو کف خضیب و عین کحیل- إلا أنهم أجروها مجرى الأسماء لا النعوت- کالقصیده و القطیعه- . و المعنى دع ذکر من مال إلى الدنیا و مالت به- أی أمالته إلیها- . فإن قلت فهل هذا إشاره إلى أبی بکر و عمر- قلت ینبغی أن ینزه أمیر المؤمنین ع عن ذلک- و أن تصرف هذه الکلمه إلى عثمان- لأن معاویه ذکره فی کتابه و قد أوردناه- و إذا أنصف الإنسان من نفسه- علم أنه ع لم یکن یذکرهما بما یذکر به عثمان- فإن الحال بینه و بین عثمان کانت مضطربه جدا- . قال ع فإن صنائع ربنا- و الناس بعد صنائع لنا- هذا کلام عظیم عال على الکلام- و معناه عال على المعانی- و صنیعه الملک من یصطنعه الملک و یرفع قدره- .

یقول لیس لأحد من البشر علینا نعمه- بل الله تعالى هو الذی أنعم علینا- فلیس بیننا و بینه واسطه- و الناس بأسرهم صنائعنا- فنحن الواسطه بینهم و بین الله تعالى- و هذا مقام جلیل ظاهره ما سمعت- و باطنه أنهم عبید الله و أن الناس عبیدهم- . ثم قال لم یمنعنا قدیم عزنا و عادی طولنا- الطول الفضل و عادی أی قدیم بئر عادیه- . قوله على قومک أن خلطناهم بأنفسنا- فنکحنا و أنکحنا فعل الأکفاء و لستم هناک- یقول تزوجنا فیکم و تزوجتم فینا کما یفعل الأکفاء- و لستم أکفاءنا- و ینبغی أن یحمل قوله قدیم و عادی على مجازه- لا على حقیقته- لأن بنی هاشم و بنی أمیه لم یفترقا فی الشرف- إلا مذ نشأ هاشم بن عبد مناف و عرف بأفعاله و مکارمه- و نشأ حینئذ أخوه عبد شمس و عرف بمثل ذلک- و صار لهذا بنون و لهذا بنون- و ادعى کل من الفریقین‏ أنه أشرف بالفعال من الآخر- ثم لم تکن المده بین نش‏ء هاشم و إظهار محمد ص الدعوه- إلا نحو تسعین سنه- و مثل هذه المده القصیره- لا یقال فیها قدیم عزنا و عادی طولنا- فیجب أن یحمل اللفظ على مجازه- لأن الأفعال الجمیله کما تکون عادیه بطول المده- تکون بکثره المناقب و المآثر و المفاخر- و إن کانت المده قصیره- و لفظه قدیم ترد و لا یراد بها قدم الزمان- بل من قولهم لفلان قدم صدق و قدیم أثر أی سابقه حسنه

مناکحات بنی هاشم و بنی عبد شمس 

و ینبغی أن نذکرها هاهنا مناکحات بنی هاشم و بنی عبد شمس- زوج رسول الله ص ابنتیه رقیه و أم کلثوم- من عثمان بن عفان بن أبی العاص- و زوج ابنته زینب من أبی العاص بن الربیع- بن عبد العزى بن عبد شمس فی الجاهلیه- و تزوج أبو لهب بن عبد المطلب أم جمیل بنت حرب بن أمیه- فی الجاهلیه- و تزوج رسول الله ص أم حبیبه بنت أبی سفیان بن حرب- و تزوج عبد الله بن عمرو بن عثمان فاطمه بنت الحسین بن علی بن أبی طالب ع- . و روى شیخنا أبو عثمان- عن إسحاق بن عیسى بن علی بن عبد الله بن العباس قال- قلت للمنصور أبی جعفر من أکفاؤنا- فقال أعداؤنا فقلت من هم فقال بنو أمیه- . و قال إسحاق بن سلیمان بن علی- قلت للعباس بن محمد- إذا اتسعنا من البنات و ضقنا من البنین- و خفنا بوار الأیامى فإلى من نخرجهن من قبائل قریش- فأنشدنی

عبد شمس کان یتلو ها
شما و هما بعد لأم و لأب‏

فعرفت ما أراد و سکتت- . و روى أیوب بن جعفر بن سلیمان- قال سألت الرشید عن ذلک- فقال زوج النبی ص بنی عبد شمس فأحمد صهرهم- و قال ما ذممنا من صهرنا- فإنا لا نذم صهر أبی العاص بن الربیع- . قال شیخنا أبو عثمان و لما ماتت الابنتان تحت عثمان- قال النبی ص لأصحابه- ما تنتظرون بعثمان- أ لا أبو أیم أ لا أخو أیم زوجته ابنتین- و لو أن عندی ثالثه لفعلت – قال و لذلک سمی ذا النورین ثم قال ع و أنى یکون ذلک- أی کیف یکون شرفکم کشرفنا- و منا النبی و منکم المکذب- یعنی أبا سفیان بن حرب کان عدو رسول الله- و المکذب له و المجلب علیه- و هؤلاء ثلاثه بإزاء أبی سفیان رسول الله ص- و معاویه بإزاء علی ع و یزید بإزاء الحسین ع- بینهم من العداوه ما لا تبرک علیه الإبل- .

قال و منا أسد الله یعنی حمزه- و منکم أسد الأحلاف یعنی عتبه بن ربیعه- و قد تقدم شرح ذلک فی قصه بدر- . و قال الراوندی- المکذب من کان یکذب رسول الله ص- عنادا من قریش- و أسد الأحلاف أسد بن عبد العزى- قال لأن بنی أسد بن عبد العزى کانوا أحد البطون- الذین اجتمعوا فی حلف المطیبین- و هم بنو أسد بن عبد العزى و بنو عبد مناف- و بنو تمیم بن مره و بنو زهره و بنو الحارث بن فهر- و هذا کلام طریف جدا- لأنه لم یلحظ أنه یجب أن یجعل بإزاء النبی ص مکذب-من بنی عبد شمس- فقال المکذب من کذب النبی ص من قریش عنادا- و لیس کل من کذبه ع من قریش یعیر معاویه به- ثم قال أسد الأحلاف أسد بن عبد العزى- و أی عار یلزم معاویه من ذلک- ثم إن بنی عبد مناف کانوا فی هذا الحلف- و علی و معاویه من بنی عبد مناف- و لکن الراوندی یظلم نفسه بتعرضه لما لا یعلمه- .

قوله و منا سیدا شباب أهل الجنه- یعنی حسنا و حسینا ع- و منکم صبیه النار- هی الکلمه التی قالها النبی ص لعقبه بن أبی معیط- حین قتله صبرا یوم بدر- و قد قال کالمستعطف له ع- من للصبیه یا محمد قال النار- . و عقبه بن أبی معیط من بنی عبد شمس- و لم یعلم الراوندی ما المراد بهذه الکلمه- فقال صبیه النار أولاد مروان بن الحکم- الذین صاروا من أهل النار عند البلوغ- و لما أخبر النبی ص عنهم بهذه الکلمه کانوا صبیه- ثم ترعرعوا و اختاروا الکفر- و لا شبهه أن الراوندی قد کان یفسر من خاطره ما خطر له- .

قال قوله ع و منا خیر نساء العالمین یعنی فاطمه ع- نص رسول الله ص على ذلک لا خلاف فیه- . و منکم حماله الحطب هی أم جمیل بنت حرب بن أمیه- امرأه أبی لهب الذی ورد نص القرآن فیها بما ورد- . قوله فی کثیر مما لنا و علیکم- أی أنا قادر على أن أذکر من هذا شیئا کثیرا- و لکنی أکتفی بما ذکرت- . فإن قلت فبما ذا یتعلق فی فی قوله فی کثیر- قلت بمحذوف- تقدیره هذا الکلام داخل فی جمله کلام کثیر- تتضمن ما لنا و علیکم- . قوله ع فإسلامنا ما قد سمع- و جاهلیتنا لا تدفع- کلام قد تعلق به‏بعض من یتعصب للأمویه- و قال لو کانت جاهلیه بنی هاشم فی الشرف کإسلامهم- لعد من جاهلیتهم حسب ما عد من فضیلتهم فی الإسلام

فضل بنی هاشم على بنی عبد شمس 

و ینبغی أن نذکر فی هذا الموضع فضل هاشم- على عبد شمس فی الجاهلیه- و قد یمتزج بذلک بعض ما یمتازون به فی الإسلام أیضا- فإن استقصاءه فی الإسلام کثیر- لأنه لا یمکن جحد ذلک- و کیف و الإسلام کله عباره عن محمد ص و هو هاشمی- و یدخل فی ضمن ذلک ما یحتج به الأمویه أیضا- فنقول إن شیخنا أبا عثمان قال- إن أشرف خصال قریش فی الجاهلیه اللواء و الندوه- و السقایه و الرفاده و زمزم و الحجابه- و هذه الخصال مقسومه فی الجاهلیه لبنی هاشم- و عبد الدار و عبد العزى دون بنی عبد شمس- . قال على أن معظم ذلک- صار شرفه فی الإسلام إلى بنی هاشم- لأن النبی ص لما ملک مکه صار مفتاح الکعبه بیده- فدفعه إلى عثمان بن طلحه- فالشرف راجع إلى من ملک المفتاح- لا إلى من دفع إلیه- و کذلک دفع ص اللواء إلى مصعب بن عمیر- فالذی دفع اللواء إلیه و أخذه مصعب من یدیه- أحق بشرفه و أولى بمجده- و شرفه راجع إلى رهطه من بنی هاشم- . قال و کان محمد بن عیسى المخزومی أمیرا على الیمن- فهجاه أبی بن مدلج- فقال

قل لابن عیسى المستغیث
من السهوله بالوعوره

الناطق العوراء فی‏
جل الأمور بلا بصیره

ولد المغیره تسعه
کانوا صنادید العشیره

و أبوک عاشرهم کما
نبتت مع النخل الشعیره

إن النبوه و الخلافه
و السقایه و المشوره

فی غیرکم فاکفف
إلیک یدا مجذمه قصیره

قال فانبرى له شاعر- من ولد کریز بن حبیب بن عبد شمس- کان مع محمد بن عیسى بالیمن- یهجو عنه ابن مدلج فی کلمه له طویله- قال فیها

لا لواء یعد یا ابن کریز لا
و لا رفد بیته ذی السناء

لا حجاب و لیس فیکم سوى الکبر
و بغض النبی و الشهداء

بین حاک و مخلج و طرید
و قتیل یلعنه أهل السماء

و لهم زمزم کذاک و جبریل‏
و مجد السقایه الغراء

قال شیخنا أبو عثمان فالشهداء علی و حمزه و جعفر- و الحاکی و المخلج هو الحکم بن أبی العاص- کان یحکی مشیه رسول الله ص- فالتفت یوما فرآه فدعا علیه- فلم یزل مخلج المشیه عقوبه من الله تعالى- و الطرید اثنان الحکم بن أبی العاص- و معاویه بن المغیره بن أبی العاص- و هما جدا عبد الملک بن مروان من قبل أمه و أبیه- . و کان النبی ص طرد معاویه بن المغیره هذا من المدینه- و أجله ثلاثا فحیره الله- و لم یزل یتردد فی ضلاله- حتى بعث فی أثره علیا ع و عمارا فقتلاه- فأما القتلى فکثیر- نحو شیبه و عتبه ابنی ربیعه- و الولید بن عتبه و حنظله بن أبی سفیان- و عقبه بن أبی معیط و العاص بن سعید بن أمیه- و معاویه بن المغیره و غیرهم- قال أبو عثمان و کان اسم هاشم عمرا و هاشم لقب- و کان أیضا یقال له القمر- و فی ذلک یقول مطرود الخزاعی-

إلى القمر الساری المنیر دعوته
و مطعمهم فی الأزل من قمع الجزر

قال ذلک فی شی‏ء کان بینه و بین بعض قریش- فدعاه مطرود إلى المحاکمه إلى هاشم- و قال ابن الزبعرى

کانت قریش بیضه فتفلقت
فالمخ خالصه لعبد مناف‏

الرائشون و لیس یوجد رائش‏
و القائلون هلم للأضیاف‏

عمرو العلی هشم الثرید لقومه
و رجال مکه مسنتون عجاف‏

فعم کما ترى أهل مکه بالأزل و العجف- و جعله الذی هشم لهم الخبز ثریدا- فغلب هذا اللقب على اسمه- حتى صار لا یعرف إلا به- و لیس لعبد شمس لقب کریم- و لا اشتق له من صالح أعماله اسم شریف- و لم یکن لعبد شمس ابن یأخذ بضبعه- و یرفع من قدره و یزید فی ذکره- و لهاشم عبد المطلب سید الوادی غیر مدافع- أجمل الناس جمالا- و أظهرهم جودا و أکملهم کمالا- و هو صاحب الفیل و الطیر الأبابیل- و صاحب زمزم و ساقی الحجیج- و ولد عبد شمس أمیه بن عبد شمس و أمیه فی نفسه لیس هناک- و إنما ذکر بأولاده و لا لقب له- و لعبد المطلب لقب شهیر و اسم شریف شیبه الحمد- قال مطرود الخزاعی فی مدحه

یا شیبه الحمد الذی تثنی
له أیامه من خیر ذخر الذاخر

المجد ما حجت قریش بیته‏
و دعا هذیل فوق غصن ناضر

و الله لا أنساکم و فعالکم
حتى أغیب فی سفاه القابر

و قال حذافه بن غانم العدوی و هو یمدح أبا لهب- و یوصی ابنه خارجه بن حذافه- بالانتماء إلى بنی هاشم

أ خارج إما أهلکن فلا تزل لهم
شاکرا حتى تغیب فی القبر

بنی شیبه الحمد الکریم فعاله
یضی‏ء ظلام اللیل کالقمر البدر

لساقی الحجیج ثم للشیخ هاشم‏
و عبد مناف ذلک السید الغمر

أبو عتبه الملقى إلی جواره
أغر هجان اللون من نفر غر

أبوکم قصی کان یدعى مجمعا
به جمع الله القبائل من فهر

فأبو عتبه هو أبو لهب- عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم- و ابناه عتبه و عتیبه و قال العبدی حین احتفل فی الجاهلیه فلم یترک-
لا ترى فی الناس حیا مثلنا ما خلا أولاد عبد المطلب‏- . و إنما شرف عبد شمس بأبیه عبد مناف بن قصی- و بنی ابنه أمیه بن عبد شمس- و هاشم شرف بنفسه و بأبیه عبد مناف و بابنه عبد المطلب- و الأمر فی هذا بین- و هو کما أوضحه الشاعر- فی قوله إنما عبد مناف جوهر زین الجوهر عبد المطلب‏- .

قال أبو عثمان- و لسنا نقول إن عبد شمس لم یکن شریفا فی نفسه- و لکن الشرف یتفاضل- و قد أعطى الله عبد المطلب فی زمانه- و أجرى على یدیه- و أظهر من کرامته ما لا یعرف مثله إلا لنبی مرسل- و إن فی کلامه لأبرهه صاحب الفیل- و توعده إیاه برب الکعبه- و تحقیق قوله من الله تعالى و نصره وعیده بحبس الفیل- و قتل أصحابه بالطیر الأبابیل و حجاره السجیل- حتى ترکوا کالعصف المأکول- لأعجب البرهانات و أسنى الکرامات- و إنما کان ذلک إرهاصا لنبوه النبی ص- و تأسیسا لما یریده الله به من الکرامه- و لیجعل ذلک البهاء متقدما له و مردودا علیه- و لیکون أشهر فی الآفاق- و أجل فی صدور الفراعنه و الجبابره و الأکاسره- و أجدر أن یقهر المعاند و یکشف غباوه الجاهل- و بعد فمن یناهض و یناضل رجالا ولدوا محمدا ص- و لو عزلناما أکرمه الله به من النبوه- حتى نقتصر على أخلاقه و مذاهبه و شیمه لما وفى به بشر- و لا عدله شی‏ء- و لو شئنا أن نذکر ما أعطى الله به عبد المطلب- من تفجر العیون و ینابیع الماء من تحت کلکل بعیره- و أخفافه بالأرض القسی- و بما أعطی من المساهمه و عند المقارعه من الأمور العجیبه- و الخصال البائنه لقلنا- و لکنا أحببنا ألا نحتج علیکم- إلا بالموجود فی القرآن الحکیم- و المشهور فی الشعر القدیم- الظاهر على ألسنه الخاصه و العامه- و رواه الأخبار و حمال الآثار- .

قال- و مما هو مذکور فی القرآن عدا حدیث الفیل قوله تعالى- لِإِیلافِ قُرَیْشٍ- و قد اجتمعت الرواه- على أن أول من أخذ الإیلاف لقریش- هاشم بن عبد مناف- فلما مات قام أخوه المطلب مقامه- فلما مات قام عبد شمس مقامه- فلما مات قام نوفل مقامه و کان أصغرهم- و الإیلاف هو أن هاشما کان رجلا کثیر السفر و التجاره- فکان یسافر فی الشتاء إلى الیمن- و فی الصیف إلى الشام- و شرک فی تجارته رؤساء القبائل من العرب- و من ملوک الیمن و الشام- نحو العباهله بالیمن و الیکسوم من بلاد الحبشه- و نحو ملوک الروم بالشام- فجعل لهم معه ربحا فیما یربح- و ساق لهم إبلا مع إبله- فکفاهم مئونه الأسفار- على أن یکفوه مئونه الأعداء فی طریقه و منصرفه- فکان فی ذلک صلاح عام للفریقین- و کان المقیم رابحا و المسافر محفوظا- فأخصبت قریش بذلک و حملت معه أموالها- و أتاها الخیر من البلاد السافله و العالیه- و حسنت حالها و طاب عیشها- قال و قد ذکر حدیث الإیلاف الحارث بن الحنش السلمی- و هو خال هاشم و المطلب و عبد شمس- فقال

إن أخی هاشما لیس أخا واحد
الآخذ الإیلاف والقائم للقاعد

قال أبو عثمان- و قیل إن تفسیر قوله تعالى وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ- هو خوف من کان هؤلاء الإخوه- یمرون به من القبائل و الأعداء و هم مغتربون- و معهم‏الأموال- و هذا ما فسرنا به الإیلاف آنفا- و قد فسره قوم بغیر ذلک- قالوا إن هاشما جعل على رؤساء القبائل ضرائب- یؤدونها إلیه لیحمی بها أهل مکه- فإن ذؤبان العرب و صعالیک الأحیاء- و أصحاب الغارات و طلاب الطوائل- کانوا لا یؤمنون على الحرم- لا سیما و ناس من العرب کانوا لا یرون للحرم حرمه- و لا للشهر الحرام قدرا- مثل طیئ و خثعم و قضاعه و بعض بلحارث بن کعب- و کیفما کان الإیلاف- فإن هاشما کان القائم به دون غیره من إخوته- .

قال أبو عثمان ثم حلف الفضول و جلالته و عظمته- و هو أشرف حلف کان فی العرب کلها- و أکرم عقد عقدته قریش فی قدیمها و حدیثها قبل الإسلام- لم یکن لبنی عبد شمس فیه نصیب- قال النبی ص و هو یذکر حلف الفضول لقد شهدت فی دار عبد الله بن جدعان حلفا- لو دعیت إلى مثله فی الإسلام لأجبت – و یکفی فی جلالته و شرفه- أن رسول الله ص شهده و هو غلام- و کان عتبه بن ربیعه یقول- لو أن رجلا خرج مما علیه قومه لداخلت فی حلف الفضول- لما أرى من کماله و شرفه- و لما أعلم من قدره و فضیلته- .

قال و لفضل ذلک الحلف و فضیله أهله سمی حلف الفضول- و سمیت تلک القبائل الفضول- فکان هذا الحلف فی بنی هاشم و بنی المطلب- و بنی أسد بن عبد العزى- و بنی زهره و بنی تمیم بن مره- تعاقدوا فی دار ابن جدعان فی شهر حرام قیاما- یتماسحون بأکفهم صعدا لیکونن مع المظلوم- حتى یؤدوا إلیه حقه ما بل بحر صوفه- و فی التأسی فی المعاش و التساهم بالمال- و کانت النباهه فی هذا الحلف للزبیر بن عبد المطلب- و لعبد الله بن جدعان- أما ابن جدعان فلأن الحلف عقد فی داره- و أما الزبیر فلأنه الذی نهض فیه- و دعا إلیه و حث علیه- و هو الذی سماه حلف الفضول- و ذلک لأنه لما سمع الزبیدی المظلوم‏ثمن سلعته- قد أوفى على أبی قبیس قبل طلوع الشمس- رافعا عقیرته و قریش فی أندیتها- قائلا

یا للرجال لمظلوم بضاعته
ببطن مکه نائی الحی و النفر

إن الحرام لمن تمت حرامته‏
و لا حرام لثوبی لابس الغدر

حمی و حلف لیعقدن حلفا بینه و بین بطون من قریش- یمنعون القوی من ظلم الضعیف- و القاطن من عنف الغریب- ثم قال
حلفت لنعقدن حلفا علیهم
و إن کنا جمیعا أهل دار

نسمیه الفضول إذا عقدنا
یعز به الغریب لدى الجوار

و یعلم من حوالی البیت
أنا أباه الضیم نهجر کل عار

فبنو هاشم هم الذین سموا ذلک الحلف حلف الفضول- و هم کانوا سببه- و القائمین به دون جمیع القبائل العاقده له و الشاهده لأمره- فما ظنک بمن شهده و لم یقم بأمره- . قال أبو عثمان و کان الزبیر بن عبد المطلب شجاعا أبیا- و جمیلا بهیا و کان خطیبا شاعرا و سیدا جوادا- و هو الذی یقول

و لو لا الحمس لم یلبس
رجال ثیاب أعزه حتى یموتوا

ثیابهم شمال أو عباء
بها دنس کما دنس الحمیت‏

و لکنا خلقنا إذا خلقنا لنا
الحبرات و المسک الفتیت‏

و کأس لو تبین لهم کلاما
لقالت إنما لهم سبیت‏

تبین لنا القذى إن کان فیها
رضین الحلم یشربها هبیت‏

و یقطع نخوه المختال عنا
رقیق الحد ضربته صموت‏

بکف مجرب لا عیب فیه‏
إذا لقی الکریهه یستمیت‏

قال و الزبیر هو الذی یقول-

و أسحم من راح العراق مملا
محیط علیه الجیش جلد مرائره‏

صبحت به طلقا یراح إلى الندى‏
إذا ما انتشى لم یختصره معاقره‏

ضعیف بجنب الکأس قبض بنانه
کلیل على جلد الندیم أظافره‏

قال و بنو هاشم هم الذین ردوا على الزبیدی ثمن بضاعته- و کانت عند العاص بن وائل- و أخذوا للبارقی ثمن سلعته من أبی بن خلف الجمحی- و فی ذلک یقول البارقی-

و یأبى لکم حلف الفضول ظلامتی
بنی جمح و الحق یؤخذ بالغصب‏

و هم الذین انتزعوا من نبیه بن الحجاج- قتول الحسناء بنت التاجر الخثعمی- و کان کابره علیها حین رأى جمالها- و فی ذلک یقول نبیه بن الحجاج

و خشیت الفضول حین أتونی
قد أرانی و لا أخاف الفضولا

إنی و الذی یحج له شمط
إیاد و هللوا تهلیلا

لبراء منی قتیله یا للناس
هل یتبعون إلا القتولا

و فیها أیضا یقول

لو لا الفضول و أنه
لا أمن من عروائها

لدنوت من أبیاتها
و لطفت حول خبائها

فی کلمته التی
یقول فیها

حی النخیله إذ نأت
منا على عدوائها

لا بالفراق تنیلنا
شیئا و لا بلقائها

حلت بمکه حله
فی مشیها و وطائها

فی رجال کثیر انتزعوا منهم الظلامات- و لم یکن یظلم بمکه إلا رجال أقویاء- و لهم العدد و العارضه منهم من ذکرنا قصته- . قال أبو عثمان و لهاشم أخرى لا یعد أحد مثلها- و لا یأتی بما یتعلق بها- و ذلک أن رؤساء قبائل قریش- خرجوا إلى حرب بنی عامر متساندین- فکان حرب بن أمیه على بنی عبد شمس- و کان الزبیر بن عبد المطلب على بنی هاشم- و کان عبد الله بن جدعان على بنی تیم- و کان هشام بن المغیره على بنی مخزوم- و کان على کل قبیله رئیس منها- فهم متکافئون فی التساند- و لم یحقق واحد منهم الرئاسه على الجمیع- ثم آب هاشم بما لا تبلغه ید متناول- و لا یطمع فیه طامع- و ذلک أن النبی ص قال شهدت الفجار و أنا غلام- فکنت أنبل فیه على عمومتی – فنفى مقامه ع أن تکون قریش هی التی فجرت- فسمیت تلک الحرب حرب الفجار- و ثبت أن الفجور إنما کان ممن حاربهم- و صاروا بیمنه و برکته- و لما یرید الله تعالى من إعزاز أمره و إعظامه الغالبین العالین- و لم یکن الله لیشهده فجره و لا غدره- فصار مشهده نصرا و موضعه فیهم حجه و دلیلا- . قال أبو عثمان و شرف هاشم متصل- من حیث عددت کان الشرف معک کابرا عن کابر- و لیس بنو عبد شمس کذلک- فإن الحکم بن أبی العاص کان عادیا فی الأعلام- و لم یکن له سناء فی الجاهلیه- .

و أما أمیه فلم یکن فی نفسه هناک- و إنما رفعه أبوه و کان مضعوفا- و کان صاحب عهار- یدل على ذلک قول نفیل بن عدی جد عمر بن الخطاب- حین تنافر إلیه حرب بن أمیه و عبد المطلب بن هاشم- فنفر عبد المطلب و تعجب من إقدام حرب علیه- و قال له أبوک معاهر و أبوه عف و ذاد الفیل عن بلد حرام‏- .

و ذلک أن أمیه کان تعرض لامرأه من بنی زهره- فضربه رجل منهم بالسیف- فأراد بنو أمیه و من تبعهم إخراج زهره من مکه- فقام دونهم قیس بن عدی السهمی و کانوا أخواله- و کان منیع الجانب شدید العارضه- حمی الأنفس أبی النفس- فقام دونهم و صاح أصبح لیل فذهبت مثلا- و نادى الآن الظاعن مقیم- و فی هذه القصه یقول وهب بن عبد مناف بن زهره- جد رسول الله ص-

مهلا أمی فإن البغی مهلکه
لا یکسبنک یوم شره ذکر

تبدو کواکبه و الشمس طالعه
یصب فی الکأس منه الصبر و المقر

قال أبو عثمان- و صنع أمیه فی الجاهلیه شیئا لم یصنعه أحد من العرب- زوج ابنه أبا عمرو امرأته فی حیاته منه- فأولدها أبا معیط بن أبی عمرو بن أمیه- و المقیتون فی الإسلام هم الذین نکحوا نساء آبائهم بعد موتهم- فإما أن یتزوجها فی حیاه الأب- و یبنی علیها و هو یراه- فإنه شی‏ء لم یکن قط- . قال أبو عثمان و قد أقر معاویه على نفسه و رهطه لبنی هاشم- حین قیل له أیهما کان أسود فی الجاهلیه- أنتم أم بنو هاشم- فقال کانوا أسود منا واحدا- و کناأکثر منهم سیدا فأقر و ادعى- فهو فی إقراره بالنقص مخصوم و فی ادعائه الفضل خصیم- .

و قال جحش بن رئاب الأسدی- حین نزل مکه بعد موت عبد المطلب- و الله لأتزوجن ابنه أکرم أهل هذا الوادی- و لأحالفن أعزهم- فتزوج أمیمه بنت عبد المطلب و حالف أبا سفیان بن حرب- و قد یمکن أن یکون أعزهم لیس بأکرمهم- و لا یمکن أن یکون أکرمهم لیس بأکرمهم- و قد أقر أبو جهل على نفسه و رهطه من بنی مخزوم- حین قال تحاربنا نحن و هم- حتى إذا صرنا کهاتین قالوا منا نبی- فأقر بالتقصیر ثم ادعى المساواه- أ لا تراه کیف أقر أنه لم یزل یطلب شأوهم- ثم ادعى أنه لحقهم- فهو مخصوم فی إقراره خصیم فی دعواه- و قد حکم لهاشم دغفل بن حنظله النسابه- حین سأله معاویه عن بنی هاشم- فقال هم أطعم للطعام و أضرب للهام- و هاتان خصلتان یجمعان أکثر الشرف- .

قال أبو عثمان- و العجب من منافره حرب بن أمیه عبد المطلب بن هاشم- و قد لطم حرب جارا لخلف بن أسعد- جد طلحه الطلحات- فجاء جاره فشکا ذلک إلیه- فمشى خلف إلى حرب و هو جالس عند الحجر- فلطم وجهه عنوه من غیر تحاکم و لا تراض- فما انتطح فیه عنزان- ثم قام أبو سفیان بن حرب مقام أبیه بعد موته- فحالفه أبو الأزیهر الدوسی- و کان عظیم الشأن فی الأزد- و کانت بینه و بین بنی الولید بن المغیره محاکمه- فی مصاهره کانت بین الولید و بینه- فجاءه هشام بن الولید و أبو الأزیهر قاعد- فی مقعد أبی سفیان بذی المجاز فضرب عنقه- فلم یدرک به أبو سفیان عقلا و لا قودا فی بنی المغیره- و قال حسان بن ثابت یذکر ذلک-

غدا أهل حصنی ذی المجاز بسحره
و جار ابن حرب لا یروح و لا یغدو

کساک هشام بن الولید ثیابه‏
فأبل و أخلق مثلها جددا بعد

فهذه جمله صالحه مما ذکره شیخنا أبو عثمان- . و نحن نورد من کتاب أنساب قریش- للزبیر بن بکار ما یتضمن شرحا- لما أجمله شیخنا أبو عثمان أو لبعضه- فإن کلام أبی عثمان لمحه و إشاره و لیس بالمشروح- . قال الزبیر- حدثنی عمر بن أبی بکر العدوی من بنی عدی بن کعب- قال حدثنی یزید بن عبد الملک بن المغیره بن نوفل عن أبیه- قال اصطلحت قریش على أن ولی هاشم- بعد موت أبیه عبد مناف السقایه و الرفاده- و ذلک أن عبد شمس کان یسافر- قل أن یقیم بمکه- و کان رجلا معیلا و کان له ولد کثیر- و کان هاشم رجلا موسرا- فکان إذا حضر الحج قام فی قریش- فقال یا معشر قریش- إنکم جیران الله و أهل بیته- و إنه یأتیکم فی هذا الموسم زوار الله یعظمون حرمه بیته- فهم لذلک ضیف الله- و أحق ضیف بالکرامه ضیف الله- و قد خصکم الله بذلک و أکرمکم به- ثم حفظ منکم أفضل ما حفظ جار من جاره- فأکرموا ضیفه و زواره- فإنهم یأتون شعثا غبرا من کل بلد ضوامر کالقداح- و قد أرجفوا و تفلوا و قملوا و أرملوا- فأقروهم و أعینوهم- قال فکانت قریش تترافد على ذلک- حتى إن کل أهل بیت لیرسلون بالشی‏ء الیسیر على قدر حالهم- و کان هاشم یخرج فی کل سنه مالا کثیرا- و کان قوم من قریش یترافدون- و کانوا أهل یسار- فکان کل إنسان ربما أرسل بمائه مثقال ذهب هرقلیه-و کان هاشم یأمر بحیاض من أدم- تجعل فی مواضع زمزم من قبل أن تحفر- یستقی فیها من البئار التی بمکه- فیشرب الحاج- و کان یطعمهم أول ما یطعم- قبل یوم الترویه بیوم بمکه- و بمنى و بجمع و عرفه- و کان یثرد لهم الخبز و اللحم- و السمن و السویق و التمر- و یحمل لهم الماء فیسقون بمنى- و الماء یومئذ قلیل- إلى أن یصدر الحاج من منى- ثم تنقطع الضیافه و تتفرق الناس إلى بلادهم- .

قال الزبیر و إنما سمی هاشما لهشمه الثرید- و کان اسمه عمرا- ثم قالوا عمرو العلا لمعالیه- و کان أول من سن الرحلتین- رحله إلى الحبشه و رحله إلى الشام- ثم خرج فی أربعین من قریش فبلغ غزه- فمرض بها فمات فدفنوه بها- و رجعوا بترکته إلى ولده- و یقال إن الذی رجع بترکته إلى ولده- أبو رهم عبد العزى بن أبی قیس العامری- من بنی عامر بن لؤی- . قال الزبیر و کان یقال لهاشم و المطلب البدران- و لعبد شمس و نوفل الأبهران- . قال الزبیر و قد اختلف فی أی ولد عبد مناف أسن- و الثبت عندنا أن أسنهم هاشم- و قال آدم بن عبد العزیز بن عمر- بن عمر بن عبد العزیز بن مروان-

یا أمین الله إنی قائل
قول ذی دین و بر و حسب‏

عبد شمس لا تهنها إنما
عبد شمس عم عبد المطلب‏

عبد شمس کان یتلو ها
شما و هما بعد لأم و لأب‏

قال الزبیر و حدثنی محمد بن حسن- عن محمد بن طلحه عن عثمان بن عبد الرحمن- قال قال عبد الله بن عباس- و الله لقد علمت قریش أن أول من أخذ الإیلاف- و أجاز لها العیرات لهاشم- و الله ما شدت قریش رحالا و لا حبلا بسفر- و لا أناخت بعیرا لحضرإلا بهاشم- و الله إنه أول من سقى بمکه ماء عذبا- و جعل باب الکعبه ذهبا لعبد المطلب- . قال الزبیر و کانت قریش تجارا- لا تعدو تجارتهم مکه- إنما تقدم علیهم الأعاجم بالسلع فیشترونها منهم- یتبایعون بها بینهم- و یبیعون من حولهم من العرب- حتى رحل هاشم بن عبد مناف إلى الشام فنزل بقیصر- فکان یذبح کل یوم شاه- و یصنع جفنه من ثرید و یدعو الناس فیأکلون- و کان هاشم من أحسن الناس خلقا و تماما- فذکر لقیصر- و قیل له هاهنا شاب من قریش یهشم الخبز- ثم یصب علیه المرق و یفرغ علیه اللحم و یدعو الناس- قال و إنما کانت الأعاجم و الروم تصنع المرق فی الصحاف- ثم تأتدم علیه بالخبز فدعا به قیصر- فلما رآه و کلمه أعجب به- و جعل یرسل إلیه فیدخل علیه- فلما رأى مکانه سأله أن یأذن لقریش فی القدوم علیه بالمتاجر- و أن یکتب لهم کتب الأمان فیما بینهم و بینه ففعل- فبذلک ارتفع هاشم من قریش- قال الزبیر- و کان هاشم یقوم أول نهار الیوم الأول من ذی الحجه- فیسند ظهره إلى الکعبه من تلقاء بابها- فیخطب قریشا فیقول- یا معشر قریش أنتم ساده العرب- أحسنها وجوها و أعظمها أحلاما- و أوسطها أنسابا و أقربها أرحاما- یا معشر قریش أنتم جیران بیت الله- أکرمکم بولایته- و خصکم بجواره دون بنی إسماعیل- و حفظ منکم أحسن ما حفظ منکم جار من جاره- فأکرموا ضیفه و زوار بیته- فإنهم یأتونکم شعثا غبرا من کل بلد- فو رب هذه البنیه- لو کان لی مال یحمل ذلک لکفیتموه- ألا و إنی مخرج من طیب مالی و حلاله ما لم تقطع فیه رحم- و لم یؤخذ بظلم و لم یدخل فیه حرام فواضعه- فمن شاء منکم أن یفعل مثل ذلک فعل- و أسألکم بحرمه هذا البیت- ألا یخرج منکم رجل من ماله لکرامه زوار بیت الله و معونتهم- إلا طیبا لم یؤخذ ظلما- و لم تقطع فیه رحم و لم یغتصب- قال فکانت قریش تخرج من صفو أموالها- ما تحتمله أحوالها- و تأتی بها إلى هاشم فیضعه فی دار الندوه لضیافه الحاج- .قال الزبیر و مما رثى به مطرود الخزاعی هاشما قوله-

مات الندى بالشام لما أن ثوى
أودى بغزه هاشم لا یبعد

فجفانه رذم لمن ینتابه‏
و النصر أدنى باللسان و بالید

و من مراثیه له

یا عین جودی و أذری الدمع و احتفلی
و ابکی خبیئه نفسی فی الملمات‏

و ابکی على کل فیاض أخی حسب‏
ضخم الدسیعه وهاب الجزیلات‏

ماضی الصریمه عالی الهم ذی شرف
جلد النحیزه حمال العظیمات‏

صعب المقاده لا نکس و لا وکل‏
ماض على الهول متلاف الکریمات‏

محض توسط من کعب إذا نسبوا
بحبوحه المجد فی الشم الرفیعات‏

فابکی على هاشم فی وسط بلقعه
تسقی الریاح علیه وسط غزات‏

یا عین بکی أبا الشعث الشجیات
یبکینه حسرا مثل البنیات‏

یبکین عمرو العلا إذ حان مصرعه‏
سمح السجیه بسام العشیات‏

یبکینه معولات فی معاوزها
یا طول ذلک من حزن و عولات‏

محزمات على أوساطهن لما
جر الزمان من أحداث المصیبات‏

أبیت أرعى نجوم اللیل من ألم
أبکی و تبکی معی شجوا بنیاتی‏

– . قال الزبیر- و حدثنی إبراهیم بن المنذر عن الواقدی- عن عبد الرحمن بن الحارث عن عکرمه عن ابن عباس قال- أول من سن دیه النفس مائه من الإبل عبد المطلب- فجرت فی قریش و العرب سنته- و أقرها رسول الله ص- قال و أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو بن زید بن لبید- من بنی النجار من الأنصار- و کان سبب‏تزوج هاشم- بها أنه قدم فی تجاره له المدینه- فنزل على عمرو بن زید- فجاءته سلمى بطعام فأعجبت هاشما- فخطبها إلى أبیها فأنکحه إیاها- و شرط علیه أن تلد عند أهلها- فبنى علیها بالمدینه و أقام معها سنتین- ثم ارتحل بها إلى مکه فحملت و أثقلت- فخرج بها إلى المدینه فوضعها عند أهلها- و مضى إلى الشام فمات بغزه من وجهه ذلک- و ولدت عبد المطلب- فسمته شیبه الحمد- لشعره بیضاء کانت فی ذوائبه حین ولد- فمکث بالمدینه ست سنین أو ثمانیا- ثم إن رجلا من تهامه مر بالمدینه- فإذا غلمان ینتضلون- و غلام منهم یقول کلما أصاب- أنا ابن هاشم بن عبد مناف سید البطحاء- فقال له الرجل من أنت یا غلام- قال أنا ابن هاشم بن عبد مناف-

قال ما اسمک قال شیبه الحمد- فانصرف الرجل حتى قدم مکه- فیجد المطلب بن عبد مناف جالسا فی الحجر- فقال قم إلی یا أبا الحارث فقام إلیه- فقال تعلم أنی جئت الآن من یثرب- فوجدت بها غلمانا ینتضلون- … و قص علیه ما رأى من عبد المطلب- و قال إنه أضرب غلام رأیته قط- فقال له المطلب أغفلته و الله- أما إنی لا أرجع إلى أهلی و مالی حتى آتیه- فخرج المطلب حتى أتى المدینه فأتاها عشاء- ثم خرج براحلته حتى أتى بنی عدی بن النجار- فإذا الغلمان بین ظهرانی المجلس- فلما نظر إلى ابن أخیه- قال للقوم هذا ابن هاشم قالوا نعم- و عرفه القوم فقالوا هذا ابن أخیک- فإن کنت ترید أخذه فالساعه لا نعلم أمه- فإنها إن علمت حلنا بینک و بینه فأناخ راحلته- ثم دعاه فقال یا ابن أخی أنا عمک- و قد أردت الذهاب بک إلى قومک فارکب- قال فو الله ما کذب أن جلس على عجز الراحله- و جلس المطلب على الراحله ثم بعثها فانطلقت- فلما علمت أمه قامت تدعو حزنها على ابنها- فأخبرت أنه عمه و أنه ذهب به إلى قومه- قال فانطلق به المطلب فدخل به مکه ضحوه- مردفه خلفه- و الناس فی أسواقهم و مجالسهم- فقاموا یرحبون به و یقولون من هذا الغلام معک- فیقول عبد لی ابتعته بیثرب- ثم خرج به‏حتى جاء إلى الحزوره فابتاع له حله- ثم أدخله على امرأته خدیجه بنت سعد بن سهم- فرجلت شعره ثم ألبسه الحله عشیه- فجاء به فأجلسه فی مجلس بنی عبد مناف- و أخبرهم خبره- فکان الناس بعد ذلک- إذا رأوه یطوف فی سکک مکه و هو أحسن الناس- یقولون هذا عبد المطلب- لقول المطلب هذا عبدی- فلج به الاسم و ترک به شیبه- . و روى الزبیر روایه أخرى- أن سلمى أم عبد المطلب- حالت بین المطلب و بین ابنها شیبه- و کان بینها و بینه فی أمره محاوره ثم غلبها علیه- و قال

عرفت شیبه و النجار قد حلفت
أبناؤها حوله بالنبل تنتضل‏

فأما الشعر الذی لحذافه العذری- و الذی ذکره شیخنا أبو عثمان- فقد ذکره الزبیر بن بکار فی کتاب النسب- و زاد فیه

کهولهم خیر الکهول و نسلهم
کنسل الملوک لا یبور و لا یجری‏

ملوک و أبناء الملوک و ساده
تفلق عنهم بیضه الطائر الصقر

متى تلق منهم طامحا فی عنانه
تجده على أجراء والده یجری‏

هم ملکوا البطحاء مجدا و سؤددا
و هم نکلوا عنها غواه بنی بکر

و هم یغفرون الذنب ینقم مثله
و هم ترکوا رأی السفاهه و الهجر

أ خارج إما أهلکن فلا تزل‏
لهم شاکرا حتى تغیب فی القبر

قال الزبیر- و حدثنی عن سبب هذا الشعر محمد بن حسن- عن محمد بن طلحه عن أبیه- قال إن رکبا من جذام خرجوا صادرین عن الحج من مکه- ففقدوا رجلا منهم عالیه بیوت مکه- فیلقون حذافه العذری فربطوه و انطلقوا به- فتلقاهم عبد المطلب مقبلا من الطائف- و معه ابنه أبو لهب یقود به- و عبد المطلب حینئذ قد ذهب بصره- فلما نظر إلیه حذافه بن غانم هتف به- فقال عبد المطلب لابنه‏ ویلک من هذا- قال هذا حذافه بن غانم مربوطا مع رکب- قال فالحقهم فسلهم ما شأنهم و شأنه- فلحقهم أبو لهب فأخبروه الخبر- فرجع إلى أبیه فأخبره- فقال ویحک ما معک- قال لا و الله ما معی شی‏ء- قال فالحقهم لا أم لک فأعطهم بیدک- و أطلق الرجل فلحقهم أبو لهب- فقال قد عرفتم تجارتی و مالی- و أنا أحلف لکم لأعطینکم عشرین أوقیه ذهبا- و عشرا من الإبل و فرسا و هذا ردائی رهن- فقبلوا ذلک منه و أطلقوا حذافه- فلما أقبل به و قربا من عبد المطلب- سمع عبد المطلب صوت أبی لهب- و لم یسمع صوت حذافه- فصاح به و أبی إنک لعاص ارجع لا أم لک- قال یا أبتا هذا الرجل معی- فناداه عبد المطلب یا حذافه أسمعنی صوتک- قال ها أنا ذا بأبی أنت و أمی- یا ساقى الحجیج أردفنی- فأردفه حتى دخل مکه- فقال حذافه هذا الشعر- . قال الزبیر و حدثنی عبد الله بن معاذ عن معمر- عن ابن شهاب قال- أول ما ذکر من عبد المطلب- أن قریشا خرجت فاره من الحرم- خوفا من أصحاب الفیل- و عبد المطلب یومئذ غلام شاب- فقال و الله لا أخرج من حرم الله أبغی العز فی غیره- فجلس فی البیت و أجلت قریش عنه- فقال عبد المطلب

لا هم إن المرء یمنع
رحله فامنع حلالک‏

لا یغلبن صلیبهم‏
و محالهم أبدا محالک‏

فلم یزل ثابتا فی الحرم- حتى أهلک الله الفیل و أصحابه- فرجعت قریش و قد عظم فیهم بصبره- و تعظیمه محارم الله عز و جل- فبینا هو على ذلک- و کان أکبر ولده و هو الحارث بن عبد المطلب قد بلغ الحلم- أری عبد المطلب فی المنام- فقیل له احفر زمزم خبیئه الشیخ الأعظم- فاستیقظ فقال اللهم بین لی الشیخ- فأری فی المنام مره أخرى-احفر تکتم بین الفرث و الدم فی مبحث الغراب- فی قریه النمل مستقبله الأنصاب الحمر- فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس فی المسجد الحرام- ینتظر ما سمی له من الآیات- فنحر بقره فی الحزوره- فأفلتت من جازرها بحشاشه نفسها- حتى غلب علیها الموت فی المسجد فی موضع زمزم- فاحتمل لحمها من مکانها- و أقبل غراب یهوی حتى وقع فی الفرث- فبحث عن قریه النمل- فقام عبد المطلب یحفرها- فجاءته قریش فقالت له ما هذا الصنع- إنا لم نکن نراک بالجهل لم تحفر فی مسجدنا- فقال عبد المطلب إنی لحافر هذا البئر- و مجاهد من صدنی عنها- فطفق یحفر هو و ابنه الحارث- و لیس له یومئذ ولد غیره- فیسفه علیهما الناس من قریش- فینازعونهما و یقاتلونهما- و تناهى عنه ناس من قریش- لما یعلمون من زعیق نسبه و صدقه- و اجتهاده فی دینهم یومئذ- حتى إذا أتعبه الحفر و اشتد علیه الأذى- نذر إن وفى له عشره من الولدان ینحر أحدهم- ثم حفر فأدرک سیوفا دفنت فی زمزم حین دفنت- فلما رأت قریش أنه قد أدرک السیوف قالت- یا عبد المطلب أحذنا مما وجدت- فقال عبد المطلب بل هذه السیوف لبیت الله- ثم حفر حتى أنبط الماء فحفرها فی القرار- ثم بحرها حتى لا تنزف- ثم بنى علیها حوضا- و طفق هو و ابنه ینزعان فیملآن ذلک الحوض- فیشرب منه الحاج- و یکسره قوم حسده له من قریش باللیل- فیصلحه عبد المطلب حین یصبح- فلما أکثروا فساده دعا عبد المطلب ربه فأری- فقیل له قل اللهم إنی لا أحلها لمغتسل- و هی لشارب حل و بل- ثم کفیتهم- فقام عبد المطلب حین اختلف قریش فی المسجد- فنادى بالذی أری ثم انصرف- فلم یکن یفسد حوضه علیه أحد من قریش- إلا رمی فی جسده بداء- حتى ترکوا حوضه ذلک و سقایته- ثم تزوج عبد المطلب النساء- فولد له عشره رهط فقال- اللهم إنی‏کنت نذرت لک نحر أحدهم- و إنی أقرع بینهم- فأصیب بذلک من شئت فأقرع بینهم- فطارت القرعه على عبد الله بن عبد المطلب- أبی رسول الله ص و کان أحب ولده إلیه- فقال عبد المطلب اللهم هو أحب إلیک أم مائه من الإبل- فنحرها عبد المطلب مکان عبد الله- و کان عبد الله أحسن رجل رئی فی قریش قط- . و روى الزبیر أیضا قال- حدثنی إبراهیم بن المنذر- عن عبد العزیز بن عمران- عن عبد الله بن عثمان بن سلیمان قال- سمعت أبی یقول لما حفرت زمزم- و أدرک منها عبد المطلب ما أدرک- وجدت قریش فی أنفسها مما أعطی عبد المطلب- فلقیه خویلد بن أسد بن عبد العزى فقال- یا ابن سلمى لقد سقیت ماء رغدا- و نثلت عادیه حسدا- فقال یا ابن أسد أما إنک تشرک فی فضلها- و الله لا یساعدنی أحد علیها ببر- و لا یقوم معی بارزا إلا بذلت له خیر الصهر- فقال خویلد بن أسد-

أقول و ما قولی علیهم بسبه
إلیک ابن سلمى أنت حافر زمزم‏

حفیره إبراهیم یوم ابن هاجر
و رکضه جبریل على عهد آدم‏

فقال عبد المطلب- ما وجدت أحدا ورث العلم الأقدم غیر خویلد بن أسد- . قال الزبیر فأما رکضه جبریل- فإن سعید بن المسیب قال- إن إبراهیم قدم بإسماعیل و أمه مکه فقال لهما- کلا من الشجر و اشربا من الشعاب و فارقهما- فلما ضاقت الأرض تقطعت المیاه فعطشا- فقالت له أمه اصعد و انصب فی هذا الوادی- فلا أرى موتک و لا ترى موتی ففعل- فأنزل الله تعالى ملکا من السماء على أم إسماعیل- فأمرها فصرحت به فاستجاب لها- و طار الملک فضرب بجناحیه مکان زمزم- فقال اشربا فکان سیحا یسیح- و لو ترکاه ما زال کذلک أبدا- لکنها فرقت علیه من العطش- فقرت له فی السقاء و حفرت فی البطحاء- فلما نضب الماء طویاه- ثم‏هلک الناس و دفنته السیول- ثم أری عبد المطلب فی المنام أن احفر زمزم- لا تثرب و لا تذم- تروی الحجیج الأعظم- ثم أری مره أخرى أن احفر الرواء- أعطیتها على رغم الأعداء- ثم أری مره أخرى أن احفر تکتم- بین الأنصاب الحمر فی قریه النمل- فأصبح یحفر حیث أری- فطفقت قریش یستهزءون به- حتى إذا بدا عن الطی- وجد فیها غزالا من ذهب و حلیه سیف- فضرب علیها بالسهام فخرج سهم البیت- فکان أول حلی حلى به الکعبه- . قال الزبیر- و کان حرب بن أمیه بن عبد شمس ندیم عبد المطلب- و کان عبید بن الأبرص تربه- و بلغ عبید مائه و عشرین سنه- و بقی عبد المطلب بعده عشرین سنه- . قال و قال بعض أهل العلم- توفی عبد المطلب عن خمس و تسعین سنه- و یقال کان یعرف فی عبد المطلب نور النبوه- و هیبه الملک- و فیه یقول الشاعر

إننی و اللات و البیت الذی
لز بالهبرز عبد المطلب‏

قال الزبیر حدثنی عمی مصعب بن عبد الله- قال بینا عبد المطلب یطوف بالبیت بعد ما أسن و ذهب بصره- إذ زحمه رجل فقال من هذا- فقیل رجل من بنی بکر- . قال فما منعه أن ینکب عنی- و قد رآنی لا أستطیع لأن أنکب عنه- فلما رأى بنیه قد توالوا عشره- قال لا بد لی من العصا- فإن اتخذتها طویله شقت علی- و إن اتخذتها قصیره قویت علیها- و لکن ینحدب لها ظهری و الحدبه ذل- فقال بنوه أو غیر ذلک- یوافیک کل یوم منا رجل تتوکأ علیه- فتطوف فی حوائجک- قال و لذلک قال الزبیر- و مکارم عبد المطلب أکثر من أن یحاط بها- کان سید قریش غیر مدافع نفسا و أبا و بیتا- و جمالا و بهاء و کمالا و فعالا- قال أحد بنی کنانه یمدحه-

إنی و ما سترت قریش و الذی
تعزو لآل کلهن ظباء

و و حق من رفع الجبال منیفه
و الأرض مدا فوقهن سماء

مثن و مهد لابن سلمى مدحه
فیها أداء ذمامه و وفاء

قال الزبیر- فأما أبو طالب بن عبد المطلب و اسمه عبد مناف- و هو کافل رسول الله ص- و حامیه من قریش و ناصره- و الرفیق به الشفیق علیه- و وصی عبد المطلب فیه- فکان سید بنی هاشم فی زمانه- و لم یکن أحد من قریش یسود فی الجاهلیه بمال- إلا أبو طالب و عتبه بن ربیعه- . قال الزبیر- أبو طالب أول من سن القسامه فی الجاهلیه- فی دم عمرو بن علقمه- ثم أثبتتها السنه فی الإسلام- و کانت السقایه فی الجاهلیه بید أبی طالب- ثم سلمها إلى أخیه العباس بن عبد المطلب- . قال الزبیر و کان أبو طالب شاعرا مجیدا- و کان ندیمه فی الجاهلیه- مسافر بن عمرو بن أمیه بن عبد شمس- و کان قد حبن فخرج لیتداوى بالحیره فمات بهباله- فقال أبو طالب یرثیه

فقال أبو طالب یرثیه
لیت شعری مسافر ابن أبی عمرو
و لیث یقولها المحزون‏

کیف کانت مذاقه الموت إذ مت‏
و ما ذا بعد الممات یکون‏

رحل الرکب قافلین إلینا
و خلیلی فی مرمس مدفون‏

بورک المیت الغریب کما بورک‏
نضر الریحان و الزیتون‏

رزء میت على هباله قد حالت
فیاف من دونه و حزون‏

مدره یدفع الخصوم بأید
و بوجه یزینه العرنین‏

کم خلیل و صاحب و ابن عم
و حمیم قفت علیه المنون‏

فتعزیت بالجلاده و الصبر
و إنی بصاحبی لضنین‏

قال الزبیر فلما هلک مسافر- نادم أبو طالب بعده عمرو بن عبد بن أبی قیس بن عبد ود- بن نصر بن مالک بن حسل بن عامر بن لؤی- و لذلک قال عمرو لعلی ع یوم الخندق حین بارزه إن أباک کان لی صدیقا- . قال الزبیر و حدثنی محمد بن حسن عن نصر بن مزاحم- عن معروف بن خربوذ قال- کان أبو طالب یحضر أیام الفجار- و یحضر معه النبی ص و هو غلام- فإذا جاء أبو طالب هزمت قیس- و إذا لم یجی‏ء هزمت کنانه- فقالوا لأبی طالب لا أبا لک لا تغب عنا ففعل- . قال الزبیر فأما الزبیر بن عبد المطلب- فکان من أشراف قریش و وجوهها- و هو الذی استثنته بنو قصی على بنی سهم- حین هجا عبد الله بن الزبعرى بن قصی- فأرسلت بنو قصی عتبه بن ربیعه بن عبد شمس إلى بنی سهم- فقال لهم إن قومکم قد کرهوا أن یعجلوا علیکم- فأرسلونی إلیکم فی هذا السفیه- الذی هجاهم فی غیر ذنب اجترموا إلیه- فإن کان ما صنع عن رأیکم فبئس الرأی رأیکم- و إن کان عن غیر رأیکم فادفعوه إلیهم- فقال القوم نبرأ إلى الله أن یکون عن رأینا- قال فأسلموه إلیهم- فقال بعض بنی سهم إن شئتم فعلنا- على أن من هجانا منکم دفعتموه إلینا- فقال عتبه ما یمنعنی أن أقول ما تقول- إلا أن الزبیر بن عبد المطلب غائب بالطائف-و قد عرفت أنه سیفرغ لهذا الأمر- فیقول و لم أکن أجعل الزبیر خطرا لابن الزبعرى- فقال قائل منهم أیها القوم ادفعوه إلیهم- فلعمری أن لکم مثل الذی علیکم- فکثر فی ذلک الکلام و اللغط- فلما رأى العاص بن وائل ذلک دعا برمه- فأوثق بها عبد الله بن الزبعرى- و دفعه إلى عتبه بن ربیعه- فأقبل به مربوطا حتى أتى به قومه- فأطلقه حمزه بن عبد المطلب و کساه- فأغرى ابن الزبعرى أناس من قریش بقومه بنی سهم- و قالوا له اهجهم کما أسلموک- فقال

لعمری ما جاءت بنکر عشیرتی
و إن صالحت إخوانها لا ألومها

فود جناه الشر أن سیوفنا
بأیماننا مسلوله لا نشیمها

فیقطع ذو الصهر القریب و یترکوا
غماغم منها إذ أجد یریمها

فإن قصیا أهل مجد و ثروه
و أهل فعال لا یرام قدیمها

هم منعوا یومی عکاظ نساءنا
کما منع الشول الهجان قرومها

و إن کان هیج قدموا فتقدموا
و هل یمنع المخزاه إلا حمیمها

محاشید للمقرى سراع إلى الندى
مرازبه غلب رزان حلومها

– . قال فقدم الزبیر بن عبد المطلب من الطائف- فقال قصیدته التی یقول فیها

فلو لا الحمس لم یلبس رجال
ثیاب أعزه حتى یموتوا

– . و قد ذکرنا قطعه منها فیما تقدم- . قال الزبیر- و قال الزبیر بن عبد المطلب أیضا فی هذا المعنى-
قومی بنو عبد مناف إذا
أظلم من حولی بالجندل‏

لا أسد لن یسلمونی و لا
تیم و لا زهره للنیطل‏

و لا بنو الحارث إن مر بی
یوم من الأیام لا ینجلی‏

یا أیها الشاتم قومی و لا
حق له عندهم أقبل‏

إنی لهم جار لئن أنت لم
تقصر عن الباطل أو تعدل‏

قال الزبیر و من شعر الزبیر بن عبد المطلب-

 

یا لیت شعری إذا ما حمتی وقعت
ما ذا تقول ابنتی فی النوح تنعانی‏

تنعى أبا کان معروف الدفاع عن المولى‏
المضاف و فکاکا عن العانی‏

و نعم صاحب عان کان رافده
إذا تضجع عنه العاجز الوانی‏

– . قال الزبیر- و کان الزبیر بن عبد المطلب ذا نظر و فکر- أتى فقیل له مات فلان- لرجل من قریش کان ظلوما- فقال بأی عقوبه مات- قالوا مات حتف أنفه- فقال لئن کان ما قلتموه حقا- إن للناس معادا یؤخذ فیه للمظلوم من الظالم- . قال و کان الزبیر یکنى بأبی الطاهر- و کانت صفیه بنت عبد المطلب- کنت ابنها الزبیر بن العوام أبا الطاهر- دهرا بکنیه أخیها- و کان للزبیر بن عبد المطلب ابن یقال له الطاهر- کان من أظرف فتیان مکه مات غلاما- و به سمى رسول الله ص ابنه الطاهر- و باسم الزبیر سمت أخته صفیه ابنها الزبیر- و قالت صفیه ترثی أخاها الزبیر بن عبد المطلب-

بکی زبیر الخیر إذ مات إن
کنت على ذی کرم باکیه‏

 

لو لفظته الأرض ما لمتها
أو أصبحت خاشعه عاریه‏

قد کان فی نفسی أن أترک الموتى‏
و لا أتبعهم قافیه‏

فلم أطق صبرا على رزئه
وجدته أقرب إخوانیه‏

لو لم أقل من فی قولا له‏
لقضت العبره أضلاعیه‏

فهو الشآمی و الیمانی إذا
ما خضروا ذو الشفره الدامیه‏

و قال ضرار بن الخطاب یبکیه-

بکی ضباع على أبیک
بکاء محزون ألیم‏

قد کنت أنشده فلا
رث السلاح و لا سلیم‏

کالکوکب الدری یعلو
ضوءه ضوء النجوم‏

زخرت به أعراقه‏
و نماه والده الکریم‏

بین الأغر و هاشم
فرعین قد فرعا القروم‏

فأما القتول الخثعمیه- التی اغتصبها نبیه بن الحجاج السهمی من أبیها- فقد ذکر الزبیر بن بکار قصتها فی کتاب أنساب قریش- . قال الزبیر إن رجلا من خثعم قدم مکه تاجرا- و معه ابنه یقال لها القتول- أوضأ نساء العالمین- فعلقها نبیه بن الحجاج السهمی- فلم یبرح حتى غلب أباها علیها- و نقلها إلیه- فقیل لأبیها علیک بحلف الفضول- فأتاهم فشکا إلیهم ذلک- فأتوا نبیه بن الحجاج- فقالوا له أخرج ابنه هذا الرجل- و هو یومئذ منتبذ بناحیه مکه- و هی معه و إلا فإنا من قد عرفت- فقال یا قوم متعونی بها اللیله- فقالوا قبحک الله‏ ما أجهلک- لا و الله و لا شخب لقحه- فأخرجها إلیهم فأعطوها أباها- فقال نبیه بن الحجاج فی ذلک قصیده أولها-

راح صحی و لم أحی القتولا
لم أودعهم وداعا جمیلا

إذ أجد الفضول أن یمنعوها
قد أرانی و لا أخاف الفضولا

راح صحی و لم أحی القتولا
لم أودعهم وداعا جمیلا

إذ أجد الفضول أن یمنعوها
قد أرانی و لا أخاف الفضولا

فی أبیات طویله و أما قصه البارقی فقد ذکرها الزبیر أیضا- . قال قدم رجل من ثماله من الأزد مکه- فباع سلعه من أبی بن خلف الجمحی فمطله بالثمن- و کان سیئ المخالطه- فأتى الثمالی أهل حلف الفضول فأخبرهم- فقالوا اذهب فأخبره أنک قد أتیتنا- فإن أعطاک حقک و إلا فارجع إلینا- فأتاه فأخبره بما قال أهل حلف الفضول- فأخرج إلیه حقه فأعطاه- فقال الثمالی

أ یفجر بی ببطن مکه ظالما
أبی و لا قومی لدی و لا صحبی‏

و نادیت قومی بارقا لتجیبنی‏
و کم دون قومی من فیاف و من سهب‏

و یأبى لکم حلف الفضول ظلامتی
بنی جمح و الحق یؤخذ بالغصب‏

و أما قصه حلف الفضول و شرفه- فقد ذکرها الزبیر فی کتابه أیضا- قال کان بنو سهم و بنو جمح أهل بغی و عدوان- فأکثروا من ذلک- فأجمع بنو هاشم و بنو المطلب- و بنو أسد و بنو زهره و بنو تیم- على أن تحالفوا و تعاقدوا على رد الظلم بمکه- و ألا یظلم أحدإلا منعوه و أخذوا له بحقه- و کان حلفهم فی دار عبد الله بن جدعان- قال رسول الله ص لقد شهدت فی دار عبد الله بن جدعان حلفا- ما أحب أن لی به حمر النعم- و لو دعیت به الیوم لأجبت- لا یزیده الإسلام إلا شده – .

قال الزبیر- کان رجل من بنی أسد قد قدم مکه معتمرا ببضاعه- فاشتراها منه العاص بن وائل السهمی- فآواها إلى بیته ثم تغیب- فابتغى الأسدی متاعه فلم یقدر علیه- فجاء إلى بنی سهم یستعدیهم علیه فأغلظوا له- فعرف أن لا سبیل له إلى ماله- و طوف فی قبائل قریش یستنفر بهم- فتخاذلت القبائل عنه- فلما رأى ذلک أشرف على أبی قبیس- حین أخذت قریش مجالسها- و نادى بأعلى صوته

یا للرجال لمظلوم بضاعته
ببطن مکه نائی الأهل و النفر

و محرم أشعث لم یقض عمرته‏
یا آل فهر و بین الحجر و الحجر

هل منصف من بنی سهم فمرتجع
ما غیبوا أم حلال مال معتمر

 فأعظمت ذلک قریش و تکلموا فیه

فقال المطیبون و الله إن قمنا فی هذا لیغضبن الأحلاف- و قالت الأحلاف- و الله إن قمنا فی هذا لیغضبن المطیبون- فقالت قبائل من قریش هلموا فلنحتلف حلفا جدیدا- لننصرن المظلوم على الظالم ما بل بحر صوفه- فاجتمعت هاشم و المطلب و أسد و تیم و زهره- فی دار عبد الله بن جدعان و رسول الله ص یومئذ معهم- و هو شاب ابن خمس و عشرین سنه لم یوح إلیه بعد- فتحالفوا ألا یظلم بمکه غریب و لا قریب- و لا حر و لا عبد- إلا کانوا معه حتى یأخذوا له بحقه- و یردوا إلیه مظلمته من أنفسهم و من غیرهم- ثم عمدوا إلى ماء زمزم فجعلوه فی جفنه- ثم بعثوا به إلى البیت فغسلوا به أرکانه- ثم جمعوه و أتوهم به فشربوه- ثم انطلقوا إلى العاص بن وائل-فقالوا له أد إلى هذا حقه فأدى إلیه حقه- فمکثوا کذلک دهرا- لا یظلم أحد بمکه إلا أخذوا له حقه- فکان عتبه بن ربیعه بن عبد شمس یقول- لو أن رجلا وحده خرج من قومه- لخرجت من عبد شمس- حتى أدخل فی حلف الفضول- . قال الزبیر و حدثنی محمد بن حسن عن محمد بن طلحه- عن موسى بن محمد عن أبیه- أن الحلف کان على ألا یدعوا بمکه کلها- و لا فی الأحابیش مظلوما- یدعوهم إلى نصرته إلا أنجدوه- حتى یردوا علیه ماله و مظلمته- أو یبلوا فی ذلک عذرا- و على الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر- و على التأسی فی المعاش- . قال الزبیر و یقال إنه إنما سمی حلف الفضول- لأن رجالا کانوا فی وجوههم تحالفوا على رد المظالم- یقال لهم فضیل و فضال و فضل و مفضل- فسمی هذا الحلف حلف الفضول- لأنه أحیا تلک السنه التی کانت ماتت- .

قال الزبیر- و قدم محمد بن جبیر بن مطعم على عبد الملک بن مروان- و کان من علماء قریش- فقال له یا أبا سعید أ لم نکن یعنی بنی عبد شمس- و أنتم فی حلف الفضول- فقال أمیر المؤمنین أعلم- قال لتخبرنی بالحق- قال لا و الله یا أمیر المؤمنین- لقد خرجنا نحن و أنتم منه- و ما کانت یدنا و یدکم إلا جمیعا فی الجاهلیه و الإسلام- . قال الزبیر و حدثنی محمد بن حسن عن إبراهیم بن محمد- عن یزید بن عبد الله بن الهادی اللیثی- أن محمد بن الحارث أخبره- قال کان بین الحسین بن علی ع- و بین الولید بن عتبه بن أبی سفیان کلام- فی مال کان بینهما بذی المروءه- و الولید یومئذ أمیر المدینه فی أیام معاویه- فقال الحسین ع أ یستطیل الولید علی بسلطانه-أقسم بالله لینصفنی من حقی أو لآخذن سیفی- ثم أقوم فی مسجد الله فأدعو بحلف الفضول- فبلغت کلمته عبد الله بن الزبیر- فقال أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سیفی- ثم لأقومن معه حتى ینتصف أو نموت جمیعا- فبلغت المسور بن مخرمه بن نوفل الزهری- فقال مثل ذلک- فبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبید الله التیمی- فقال مثل ذلک- فبلغ ذلک الولید بن عتبه- فأنصف الحسین ع من نفسه حتى رضی- . قال الزبیر- و قد کان للحسین ع مع معاویه قصه مثل هذه- کان بینهما کلام فی أرض للحسین ع- فقال له الحسین ع اختر منی ثلاث خصال- إما أن تشتری منی حقی و إما أن ترده علی- أو تجعل بینی و بینک ابن عمر أو ابن الزبیر حکما- و إلا فالرابعه و هی الصیلم- قال معاویه و ما هی قال أهتف بحلف الفضول- ثم قام فخرج و هو مغضب- فمر بعبد الله بن الزبیر فأخبره- فقال و الله لئن هتفت به و أنا مضطجع لأقعدن- أو قاعد لأقومن- أو قائم لأمشین أو ماش لأسعین- ثم لتنفدن روحی مع روحک أو لینصفنک- فبلغت معاویه فقال لا حاجه لنا بالصیلم- ثم أرسل إلیه أن ابعث فانتقد مالک- فقد ابتعناه منک- .

قال الزبیر و حدثنی بهذه القصه علی بن صالح- عن جدی عبد الله بن مصعب عن أبیه- قال خرج الحسین ع من عند معاویه و هو مغضب- فلقی عبد الله بن الزبیر فحدثه بما دار بینهما- و قال لأخیرنه فی خصال- فقال له ابن الزبیر ما قال ثم ذهب إلى معاویه- فقال لقد لقینی الحسین فخیرک فی ثلاث خصال- و الرابعه الصیلم قال معاویه فلا حاجه لنا بالصیلم- أظنک لقیته مغضبا فهات الثلاث- قال أن تجعلنی‏أو ابن عمر بینک و بینه- قال قد جعلتک بینی و بینه- أو جعلت ابن عمر أو جعلتکما جمیعا- قال أو تقر له بحقه ثم تسأله إیاه- قال قد أقررت له بحقه و أنا أسأله إیاه- قال أو تشریه منه قال قد اشتریته منه- فما الصیلم قال یهتف بحلف الفضول و أنا أول من یجیبه- قال فلا حاجه لنا فی ذلک- .

و بلغ الکلام عبد الله بن أبی بکر و المسور بن مخرمه- فقالا للحسین مثل ما قاله ابن الزبیر- . فأما تفجر الماء- من تحت أخفاف بعیر عبد المطلب فی الأرض الجرز- فقد ذکره محمد بن إسحاق بن یسار فی کتاب السیره- قال لما أنبط عبد المطلب الماء فی زمزم حسدته قریش- فقالت له یا عبد المطلب إنها بئر أبینا إسماعیل- و إن لنا فیها حقا فأشرکنا معک- قال ما أنا بفاعل- إن هذا الأمر أمر خصصت به دونکم- و أعطیته من بینکم- قالوا له فإنا غیر تارکیک حتى نخاصمک فیها- قال فاجعلوا بینی و بینکم حکما أحاکمکم إلیه- قالوا کاهنه بنی سعد بن هذیم قال نعم- و کانت بأشراف الشام- فرکب عبد المطلب فی نفر من بنی عبد مناف- و خرج من کل قبیله من قبائل قریش قوم- و الأرض إذ ذاک مفاوز- حتى إذا کانوا ببعض تلک المفاوز بین الحجاز و الشام- نفد ما کان مع عبد المطلب و بنی أبیه من الماء- فعطشوا عطشا شدیدا- فاستسقوا قومهم فأبوا أن یسقوهم- و قالوا نحن بمفازه و نخشى على أنفسنا مثل الذی أصابکم- فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم- و خاف على نفسه و أصحابه الهلاک- قال لأصحابه ما ترون- قالوا ما رأینا إلا تبع لرأیک فمرنا بما أحببت- قال فإنی أرى أن یحفر کل رجل منا حفره لنفسه- بما معه الآن من القوه- فکلما مات رجل دفنه أصحابه فی حفرته- حتى یکون رجل واحد- فضیعه رجل واحد أیسر من ضیعه رکب-

قالوا نعم ما أشرت- فقام کل رجل منهم فحفر حفیره لنفسه- و قعدوا ینتظرون الموت- ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه- و الله إن إلقاءنا بأیدینا کذا للموت- لا نضرب فی الأرض فنطلب الماء لعجز- قوموا فعسى الله أن یرزقنا ماء ببعض الأرض ارتحلوا- فارتحلوا و من معهم من قبائل قریش- ینظرون إلیهم ما هم صانعون- فتقدم عبد المطلب إلى راحلته فرکبها- فلما انبعثت به انفجر من تحت خفها عین- من ماء عذب- فکبر عبد المطلب و کبر أصحابه- ثم نزل فشرب و شرب أصحابه- و استقوا حتى ملئوا أسقیتهم- ثم دعا القبائل من قریش- فقال لهم هلموا إلى الماء فقد أسقانا الله- فاشربوا و استقوا فجاءوا فشربوا و استقوا- ثم قالوا قد و الله قضى الله لک علینا- و الله لا نخاصمک فی زمزم أبدا- إن الذی سقاک هذا الماء بهذه الفلاه- هو الذی سقاک زمزم- فارجع إلى سقایتک راشدا فرجع و رجعوا معه- لم یصلوا إلى الکاهنه و خلوا بینه و بین زمزم- .

و روى صاحب کتاب الواقدی- أن عبد الله بن جعفر فاخر یزید بن معاویه- بین یدی معاویه- فقال له بأی آبائک تفاخرنی- أ بحرب الذی أجرناه أم بأمیه الذی ملکناه- أم بعبد شمس الذی کفلناه- فقال معاویه لحرب بن أمیه یقال هذا- ما کنت أحسب- أن أحدا فی عصر حرب یزعم أنه أشرف من حرب- فقال عبد الله- بلى أشرف منه- من کفأ علیه إناءه و جلله بردائه- فقال معاویه لیزید رویدا یا بنی- إن عبد الله یفخر علیک بک لأنک منه و هو منک- فاستحیا عبد الله- و قال یا أمیر المؤمنین- یدان انتشطتا و أخوان اصطرعا- فلما قام عبد الله قال معاویه لیزید- یا بنی إیاک و منازعه بنی هاشم- فإنهم لا یجهلون ما علموا و لا یجد مبغضهم لهم سبا- قال أما قوله أ بحرب الذی أجرناه- فإن قریشا کانت إذا سافرت فصارت على العقبه- لم یتجاوزها أحد حتى تجوز قریش- فخرج حرب لیله- فلما صار على العقبه- لقیه رجل من بنی حاجب بن زراره تمیمی- فتنحنح حرب بن أمیه و قال أنا حرب بن أمیه- فتنحنح التمیمی و قال أنا ابن حاجب بن زراره- ثم بدر فجاز العقبه- فقال حرب لاها الله لا تدخل بعدها مکه و أنا حی- فمکث التمیمی حینا لا یدخل- و کان متجره بمکه- فاستشار بها بمن یستجیر من حرب- فأشیر علیه بعبد المطلب أو بابنه الزبیر بن عبد المطلب- فرکب ناقته و صار إلى مکه لیلا- فدخلها و أناخ ناقته بباب الزبیر بن عبد المطلب- فرغت الناقه فخرج إلیه الزبیر- فقال أ مستجیر فتجار أم طالب قرى فتقرى- فقال

لاقیت حربا بالثنیه مقبلا
و اللیل أبلج نوره للساری‏

فعلا بصوت و اکتنى لیروعنی‏
و دعا بدعوه معلن و شعار

فترکته خلفی و جزت أمامه
و کذاک کنت أکون فی الأسفار

فمضى یهددنی و یمنع مکه
إلا أحل بها بدار قرار

فترکته کالکلب ینبح وحده
و أتیت قرم مکارم و فخار

لیثا هزبرا یستجار بقربه‏
رحب المباءه مکرما للجار

و حلفت بالبیت العتیق و حجه
و بزمزم و الحجر و الأستار

إن الزبیر لمانعی بمهند
صافی الحدیده صارم بتار

فقال الزبیر اذهب إلى المنزل فقد أجرتک- فلما أصبح نادى الزبیر أخاه الغیداق-فخرجا متقلدین سیفیهما و خرج التمیمی معهما- فقالا له إنا إذا أجرنا رجلا لم نمش أمامه- فامش أمامنا ترمقک أبصارنا کی لا تختلس من خلفنا- فجعل التمیمی یشق مکه حتى دخل المسجد- فلما بصر به حرب قال- و إنک لهاهنا و سبق إلیه فلطمه- و صاح الزبیر ثکلتک أمک أ تلطمه و قد أجرته- فثنى علیه حرب فلطمه ثانیه- فانتضى الزبیر سیفه فحمل على حرب بین یدیه- و سعى الزبیر خلفه فلم یرجع عنه- حتى هجم حرب على عبد المطلب داره- فقال ما شأنک قال الزبیر- قال اجلس و کفأ علیه إناء کان هاشم یهشم فیه الثرید- و اجتمع الناس و انضم بنو عبد المطلب إلى الزبیر- و وقفوا على باب أبیهم بأیدیهم سیوفهم- فأزر عبد المطلب حربا بإزار کان له- و رداه برداء له طرفان- و أخرجه إلیهم فعلموا أن أباهم قد أجاره- .

و أما معنى قوله أم بأمیه الذی ملکناه- فإن عبد المطلب راهن أمیه بن عبد شمس على فرسین- و جعل الخطر ممن سبقت فرسه مائه من الإبل- و عشره أعبد و عشر إماء و استعباد سنه و جز الناصیه- فسبق فرس عبد المطلب- فأخذ الخطر فقسمه فی قریش- و أراد جز ناصیته- فقال أو أفتدی منک باستعباد عشر سنین ففعل- فکان أمیه بعد فی حشم عبد المطلب- و عضاریطه عشر سنین- .

و أما قوله أم بعبد شمس الذی کفلناه- فإن عبد شمس کان مملقا لا مال له- فکان أخوه هاشم یکفله و یمونه إلى أن مات هاشم- . و فی کتاب الأغانی لأبی الفرج- إن معاویه قال لدغفل النسابه- أ رأیت عبد المطلب قال نعم- قال کیف رأیته- قال رأیته رجلا نبیلا جمیلا وضیئا- کان على‏وجهه نور النبوه- قال أ فرأیت أمیه بن عبد شمس قال نعم- قال کیف رأیته قال رأیته رجلا ضئیلا منحنیا أعمى- یقوده عبده ذکوان- فقال معاویه ذلک ابنه أبو عمرو- قال أنتم تقولون ذلک- فأما قریش فلم تکن تعرف إلا أنه عبده- . و نقلت من کتاب هاشم و عبد شمس- لابن أبی رؤبه الدباس- .

قال روى هشام بن الکلبی عن أبیه- أن نوفل بن عبد مناف ظلم عبد المطلب ابن هاشم- أرکاحا له بمکه و هی الساحات- و کان بنو نوفل یدا مع عبد شمس- و عبد المطلب یدا مع هاشم- فاستنصر عبد المطلب قوما من قومه- فقصروا عن ذلک- فاستنجد أخواله من بنی النجار بیثرب- فأقبل معه سبعون راکبا- فقالوا لنوفل لا و الله یا أبا عدی- ما رأینا بهذا الغائط ناشئا أحسن وجها- و لا أمد جسما و لا أعف نفسا- و لا أبعد من کل سوء من هذا الفتى- یعنون عبد المطلب- و قد عرفت قرابته منا و قد منعته ساحات له- و نحن نحب أن ترد علیه حقه فرده علیه- فقال عبد المطلب

تأبى مازن و بنو عدی
و ذبیان بن تیم اللات ضیمی‏

و زادت مالک حتى تناهت‏
و نکب بعد نوفل عن حریمی‏

قال و یقال إن ذلک کان سبب مخالفه خزاعه عبد المطلب- . قال و روى أبو الیقظان سحیم بن حفص- أن عبد المطلب جمع بنیه عند وفاته- و هم عشره یومئذ- فأمرهم و نهاهم و أوصاهم و قال إیاکم و البغی- فو الله ما خلق الله شیئاأعجل عقوبه من البغی- و ما رأیت أحدا بقی على البغی- إلا إخوتکم من بنی عبد شمس- .

و روى الولید بن هشام بن قحذم- قال قال عثمان یوما- وددت أنی رأیت رجلا قد أدرک الملوک- یحدثنی عما مضى- فذکر له رجل بحضرموت- فبعث إلیه فحدثه حدیثا طویلا ترکنا ذکره- إلى أن قال أ رأیت عبد المطلب بن هاشم قال نعم- رأیت رجلا قعدا أبیض طویلا مقرون الحاجبین- بین عینیه غره یقال إن فیها برکه- و إن فیه برکه- قال أ فرأیت أمیه بن عبد شمس قال نعم- رأیت رجلا آدم دمیما قصیرا أعمى- یقال إنه نکد و إن فیه نکدا- فقال عثمان یکفیک من شر سماعه- و أمر بإخراج الرجل- .

و روى هشام بن الکلبی- أن أمیه بن عبد شمس لما کان غلاما کان یسرق الحاج- فسمی حارسا- . و روى ابن أبی رؤبه فی هذا الکتاب- أن أول قتیل قتله بنو هاشم من بنی عبد شمس- عفیف بن أبی العاص بن أمیه- قتله حمزه بن عبد المطلب- و لم أقف على هذا الخبر إلا من کتاب ابن أبی رؤبه- . قال و مما یصدق قول من روى- أن أمیه بن عبد شمس استعبده عبد المطلب- شعر أبی طالب بن عبد المطلب- حین تظاهرت عبد شمس و نوفل علیه و على رسول الله ص- و حصروهما فی الشعب- فقال أبو طالب

توالى علینا مولیانا کلاهما
إذا سئلا قالا إلى غیرنا الأمر

بلى لهما أمر و لکن تراجما
کما ارتجمت من رأس ذی القلع الصخر

أخص خصوصا عبد شمس و نوفلا
هما نبذانا مثل ما تنبذ الخمر

هما أغمضا للقوم فی أخویهما
فقد أصبحت أیدیهما و هما صفر

قدیما أبوهم کان عبدا لجدنا
بنی أمه شهلاء جاش بها البحر

لقد سفهوا أحلامهم فی محمد
فکانوا کجعر بئس ما ضفطت جعر

ثم نرجع إلى حکایه شیخنا أبی عثمان- و قد نمزجه بکلام آخر لنا أو لغیرنا- ممن تعاطى الموازنه بین هذین البیتین- . قال أبو عثمان- فإن قالت أمیه لنا الولید بن یزید بن عبد الملک- بن مروان بن الحکم بن أبی العاص بن أمیه- بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصی- أربعه خلفاء فی نسق- قلنا لهم و لبنی هاشم هارون الواثق بن محمد المعتصم بن هارون الرشید- بن محمد المهدی بن عبد الله المنصور- بن محمد الکامل بن علی السجاد- کان یصلی کل یوم و لیله ألف رکعه- فکان یقال له السجاد لعبادته و فضله- و کان أجمل قریش على وجه الأرض و أوسمها- ولد لیله قتل علی بن أبی طالب ع- فسمی باسمه و کنی بکنیته- فقال عبد الملک لا و الله لا أحتمل لک الاسم و لا الکنیه- فغیر أحدهما فغیر الکنیه فصیرها أبا محمد بن عبد الله و هو البحر- و هو حبر قریش- و هو المفقه فی الدین المعلم التأویل- ابن العباس ذی الرأی- و حلیم قریش بن شیبه الحمد- و هو عبد المطلب سید الوادی بن عمرو- و هو هاشم هشم الثرید- و هو القمر سمی بذلک لجماله- و لأنهم کانوا یقتدون و یهتدون برأیه- ابن المغیره و هو عبد مناف بن زید- و هو قصی و هو مجمع- فهؤلاء ثلاثه عشر سیدا لم یحرم منهم واحد- و لا قصر عن الغایه- و لیس منهم واحد- إلا و هو ملقب بلقب اشتق له من فعله الکریم- و من خلقه الجمیل- و لیس منهم إلا خلیفه- أو موضع للخلافه أو سید فی قدیم الدهر منیع- أو ناسک مقدم أو فقیه بارع- أو حلیم ظاهر الرکانه- و لیس هذا لأحد سواهم-

و منهم خمسه خلفاء فی نسق- و هم أکثر مما عدته الأمویه- و لم یکن مروان کالمنصور- لأن المنصور ملک البلاد و دوخ الأقطار- و ضبط الأطراف اثنتین و عشرین سنه- و کانت خلافه مروان على خلاف ذلک کله- و إنما بقی فی الخلافه تسعه أشهر- حتى قتلته امرأته عاتکه بنت یزید بن معاویه- حین قال لابنها خالد من بعلها الأول یا ابن الرطبه- و لئن کان مروان مستوجبا لاسم الخلافه- مع قله الأیام و کثره الاختلاف- و اضطراب البلدان فضلا عن الأطراف- فابن الزبیر أولى بذلک منه- فقد کان ملک الأرض إلا بعض الأردن- و لکن سلطان عبد الملک و أولاده- لما اتصل بسلطان مروان اتصل عند القوم ما انقطع منه- و أخفى موضع الوهن عند من لا علم له- و سنو المهدی کانت سنی سلامه- و ما زال عبد الملک فی انتقاض و انتکاث- و لم یکن ملک یزید کملک هارون- و لا ملک الولید کملک المعتصم- . قلت رحم الله أبا عثمان- لو کان الیوم لعد من خلفاء بنی هاشم تسعه فی نسق- المستعصم بن المستنصر بن الطاهر بن المستضی‏ء- بن المستنجد بن المقتفی بن المستظهر بن المقتدر- و الطالبیون بمصر یعدون عشره فی نسق- الآمر بن المستعلی بن المستنصر بن الطاهر بن الحاکم- بن العزیز بن المعتز بن المنصور بن القائم بن المهدی- .

قال أبو عثمان و تفخر علیهم بنو هاشم- بأن سنی ملکهم أکثر و مدته أطول- فإنه قد بلغت مده ملکهم إلى الیوم أربعا و تسعین سنه- و یفخرون أیضا علیهم بأنهم ملکوا بالمیراث- و بحق العصبه و العمومه- و إن ملکهم فی مغرس نبوه- و إن أسبابهم غیر أسباب بنی مروان- بل لیس لبنی مروان فیها سبب و لا بینهم و بینها نسب- إلا أن یقولوا إنا من قریش فیساووا فی هذا الاسم قریش الظواهر- لأن روایه الراوی الأئمه من قریش- واقعه على کل قرشی- و أسباب الخلافه معروفه- و ما یدعیه کل جیل معلوم- و إلى کل ذلک قد ذهب الناس- فمنهم من ادعاه لعلی ع- لاجتماع القرابه و السابقه و الوصیه- فإن کان الأمر کذلک- فلیس لآل أبی سفیان و آل مروان فیها دعوى- و إن کانت‏ إنما تنال بالوراثه- و تستحق بالعمومه و تستوجب بحق العصبه- فلیس لهم أیضا فیها دعوى- و إن کانت لا تنال إلا بالسوابق و الأعمال و الجهاد- فلیس لهم فی ذلک قدم مذکور و لا یوم مشهور- بل کانوا إذ لم تکن لهم سابقه- و لم یکن فیهم ما یستحقون به الخلافه- و لم یکن فیهم ما یمنعهم منها أشد المنع- لکان أهون و لکان الأمر علیهم أیسر- قد عرفنا کیف کان أبو سفیان فی عداوه النبی ص- و فی محاربته له- و إجلابه علیه و غزوه إیاه- و عرفنا إسلامه حیث أسلم و إخلاصه کیف أخلص- و معنى کلمته یوم الفتح- حین رأى الجنود و کلامه یوم حنین- و قوله یوم صعد بلال على الکعبه فأذن- على أنه إنما أسلم على یدی العباس رحمه الله- و العباس هو الذی منع الناس من قتله- و جاء به ردیفا إلى رسول الله ص- و سأله فیه أن یشرفه و أن یکرمه و ینوه به- و تلک ید بیضاء و نعمه غراء و مقام مشهود- و یوم حنین غیر مجحود- فکان جزاء بنی هاشم من بنیه أن حاربوا علیا- و سموا الحسن و قتلوا الحسین- و حملوا النساء على الأقتاب حواسر- و کشفوا عن عوره علی بن الحسین حین أشکل علیهم بلوغه- کما یصنع بذراری المشرکین إذا دخلت دورهم عنوه- و بعث معاویه بسر بن أرطاه إلى الیمن- فقتل ابنی عبید الله بن العباس- و هما غلامان لم یبلغا الحلم- و قتل عبید الله بن زیاد یوم الطف- تسعه من صلب علی ع- و سبعه من صلب عقیل و لذلک قال ناعیهم-

عین جودی بعبره و عویل
و اندبی إن ندبت آل الرسول‏

تسعه کلهم لصلب علی‏
قد أصیبوا و سبعه لعقیل‏

ثم إن أمیه تزعم أن عقیلا أعان معاویه على علی ع- فإن کانوا کاذبین فما أولاهم بالکذب- و إن کانوا صادقین فما جازوا عقیلا بما صنع- و ضرب عنق مسلم‏بن عقیل صبرا و غدرا بعد الأمان- و قتلوا معه هانئ بن عروه لأنه آواه و نصره- و لذلک قال الشاعر

فإن کنت لا تدرین ما الموت فانظری
إلى هانئ فی السوق و ابن عقیل‏

تری بطلا قد هشم السیف وجهه‏
و آخر یهوی من طمار قتیل‏

و أکلت هند کبد حمزه فمنهم آکله الأکباد- و منهم کهف النفاق- و منهم من نقر بین ثنیتی الحسین ع بالقضیب- و منهم القاتل یوم الحره عون بن عبد الله بن جعفر- و یوم الطف أبا بکر بن عبد الله بن جعفر- و قتل یوم الحره أیضا من بنی هاشم الفضل بن عباس- بن ربیعه بن الحارث بن عبد المطلب- و العباس بن عتبه بن أبی لهب بن عبد المطلب- و عبد الرحمن بن العباس بن ربیعه- بن الحارث بن عبد المطلب- . قلت إن أبا عثمان قایس بین مدتی ملکهما- و هو حینئذ فی أیام الواثق- ففضل هؤلاء علیهم- لأن ملکهم أطول من ملکهم بعشر سنین- فکیف به لو کان الیوم حیا- و قد امتد ملکهم خمسمائه و ست عشره سنه- و هذا أکثر من ملک البیت الثالث- من ملوک الفرس بنحو ثلاثین سنه- و أیضا فإن کان الفخر بطول مده الملک- فبنو هاشم قد کان لهم أیضا ملک بمصر- نحو مائتین و سبعین سنه- مع ما ملکوه بالمغرب قبل أن ینتقلوا إلى مصرقال أبو عثمان و قالت هاشم لأمیه- قد علم الناس ما صنعتم بنا من القتل و التشرید- لا لذنب أتیناه إلیکم- ضربتم علی بن عبد الله بن عباس بالسیاط مرتین- على أن تزوج بنت عمه الجعفریه- التی کانت عند عبد الملک- و على أن نحلتموه قتل سلیط- و سممتم أبا هاشم عبد الله بن محمد بن علی بن أبی طالب ع- و نبشتم زیدا و صلبتموه- و ألقیتم رأسه فی عرصه الدار توطأ بالأقدام- و ینقر دماغه الدجاج- حتى قال القائل

اطرد الدیک عن ذؤابه زید
طالما کان لا تطأه الدجاج‏

و قال شاعرکم أیضا

صلبنا لکم زیدا على جذع نخله
و لم نر مهدیا على الجذع یصلب‏

و قستم بعثمان علیا سفاهه
و عثمان خیر من علی و أطیب‏

– فروی أن بعض الصالحین من أهل البیت ع قال- اللهم إن کان کاذبا فسلط علیه کلبا من کلابک- فخرج یوما بسفر له فعرض له الأسد فافترسه- و قتلتم الإمام جعفرا الصادق ع- و قتلتم یحیى بن زید- و سمیتم قاتله ثائر مروان و ناصر الدین- هذا إلى ما صنع سلیمان بن حبیب بن المهلب عن أمرکم- و قولکم بعبد الله أبی جعفر المنصور قبل الخلافه- و ما صنع مروان بإبراهیم الإمام- أدخل رأسه فی جراب نوره حتى مات- فإن أنشدتم

أفاض المدامع قتلى کدى
و قتلى بکثوه لم ترمس‏

و بالزابیین نفوس ثوت‏
و أخرى بنهر أبی فطرس‏

أنشدنا نحن

و اذکروا مصرع الحسین و زیدا
و قتیلا بجانب المهراس‏

و القتیل الذی بنجران أمسى
ثاویا بین غربه و تناس‏

– و قد علمتم حال مروان أبیکم و ضعفه- و أنه کان رجلا لا فقه له- و لا یعرف بالزهد و لا الصلاح- و لا بروایه الآثار و لا بصحبه و لا ببعد همه- و إنما ولی رستاقا من رساتیق درابجرد لابن عامر- ثم ولی البحرین لمعاویه- و قد کان جمع أصحابه و من تابعه لیبایع ابن الزبیر- حتى رده عبید الله بن زیاد- و قال یوم مرج راهط- و الرءوس تندر عن کواهلها فی طاعته-

و ما ضرهم غیر حین النفوس
و أی غلامی قریش غلب‏

– هذا قول من لا یستحق أن یلی ربعا من الأرباع- و لا خمسا من الأخماس- و هو أحد من قتلته النساء لکلمه کان حتفه فیها- . و أما أبوه الحکم بن العاص فهو طرید رسول الله ص- و لعینه و المتخلج فی مشیته- الحاکی لرسول الله ص و المستمع علیه ساعه خلوته- ثم صار طریدا لأبی بکر و عمر- امتنعا عن إعادته إلى المدینه و لم یقبلا شفاعه عثمان- فلما ولی أدخله فکان أعظم الناس شؤما علیه- و من أکبر الحجج فی قتله و خلعه من الخلافه- فعبد الملک أبو هؤلاء الملوک- الذین تفتخر الأمویه بهم أعرق الناس فی الکفر- لأن أحد أبویه الحکم هذا- و الآخر من قبل أمه معاویه بن المغیره بن أبی العاص- کان النبی ص طرده من المدینه و أجله ثلاثا- فحیره الله تعالى حین خرج- و بقی مترددا متلددا حولها لا یهتدی لسبیله- حتى أرسل فی أثره علیا ع و عمارا فقتلاه- فأنتم أعرق الناس فی الکفر- و نحن أعرق الناس فی الإیمان- و لا یکون أمیر المؤمنین إلا أولاهم بالإیمان و أقدمهم فیه- . قال أبو عثمان- و تفخر هاشم بأن أحدا لم یجد تسعین عاما لا طواعین فیها- إلا منذ ملکوا قالوا لو لم یکن من برکه دعوتنا- إلا أن تعذیب الأمراء بعمال الخراج-بالتعلیق و الزهق و التجرید و التسهیر و المسالد- و النوره و الجورتین و العذراء- و الجامعه و التشطیب قد ارتفع- لکان ذلک خیرا کثیرا- و فی الطاعون یقول العمانی الراجز یذکر دولتنا-

قد رفع الله رماح الجن
و أذهب التعذیب و التجنی‏

– و العرب تسمی الطواعین رماح الجن- و فی ذلک یقول الشاعر

لعمرک ما خشیت على أبی
رماح بنی مقیده الحمار

و لکنی خشیت على أبی‏
رماح الجن أو إیاک حار

یقول بعض بنی أسد للحارث الغسانی الملک- . قال أبو عثمان- و تفخر هاشم علیهم بأنهم لم یهدموا الکعبه- و لم یحولوا القبله و لم یجعلوا الرسول دون الخلیفه- و لم یختموا فی أعناق الصحابه- و لم یغیروا أوقات الصلاه- و لم ینقشوا أکف المسلمین- و لم یأکلوا الطعام و یشربوا على منبر رسول الله ص- و لم ینهبوا الحرم- و لم یطئوا المسلمات دار فی الإسلام بالسباء- . قلت نقلت من کتاب افتراق هاشم و عبد شمس- لأبی الحسین محمد بن علی بن نصر- المعروف بابن أبی رؤبه الدباس- قال کان بنو أمیه فی ملکهم یؤذنون- و یقیمون فی العید و یخطبون بعد الصلاه- و کانوا فی سائر صلاتهم لا یجهرون بالتکبیر- فی الرکوع و السجود- و کان لهشام بن عبد الملک خصی- إذا سجد هشام و هو یصلی فی المقصوره- قال لا إله إلا الله- فیسمع الناس فیسجدون- و کانوا یقعدون فی إحدى خطبتی العید و الجمعه- و یقومون فی الأخرى-

قال و رأى کعب مروان بن الحکم یخطب قاعدا- فقال انظروا إلى هذا یخطب قاعدا- و الله تعالى یقول لرسوله وَ تَرَکُوکَ قائِماً- . قال و أول من قعد فی الخطب معاویه- و أول من أذن و أقام فی صلاه العید بشر بن مروان- و کان عمال بنی أمیه یأخذون الجزیه- ممن أسلم من أهل الذمه- و یقولون هؤلاء فروا من الجزیه- و یأخذون الصدقه من الخیل- و ربما دخلوا دار الرجل قد نفق فرسه أو باعه- فإذا أبصروا الآخیه قالوا قد کان هاهنا فرس- فهات صدقتها- و کانوا یؤخرون صلاه الجمعه تشاغلا عنها بالخطبه- و یطیلون فیها إلى أن تتجاوز وقت العصر- و تکاد الشمس تصفر- فعل ذلک الولید بن عبد الملک و یزید أخوه و الحجاج عاملهم- و وکل بهم الحجاج المسالخ معه و السیوف على رءوسهم- فلا یستطیعون أن یصلوا الجمعه فی وقتها- .

و قال الحسن البصری وا عجبا من أخیفش أعیمش- جاءنا ففتننا عن دیننا و صعد على منبرنا- فیخطب و الناس یلتفتون إلى الشمس- فیقول ما بالکم تلتفتون إلى الشمس- إنا و الله ما نصلی للشمس- إنما نصلی لرب الشمس- أ فلا تقولون یا عدو الله- إن لله حقا باللیل لا یقبله بالنهار- و حقا بالنهار لا یقبله باللیل- ثم یقول الحسن و کیف یقولون ذلک- و على رأس کل واحد منهم علج قائم بالسیف- قال و کانوا یسبون ذراری الخوارج من العرب و غیرهم- لما قتل قریب و زحاف الخارجیان سبى زیاد ذراریهما- فأعطى شقیق بن ثور السدوسی إحدى بناتهما- و أعطى عباد بن حصین الأخرى- و سبیت بنت لعبیده بن هلال الیشکری- و بنت لقطری بن الفجاءه المازنی-

فصارت هذه إلى العباس بن الولید بن عبد الملک- و اسمها أم سلمه-فوطئها بملک الیمین على رأیهم- فولدت له المؤمل و محمدا- و إبراهیم و أحمد و حصینا- بنی عباس بن الولید بن عبد الملک- و سبی واصل بن عمرو القنا و استرق- و سبی سعید الصغیر الحروری و استرق- و أم یزید بن عمر بن هبیره- و کانت من سبی عمان الذین سباهم مجاعه- و کانت بنو أمیه تبیع الرجل فی الدین یلزمه- و ترى أنه یصیر بذلک رقیقا- . کان معن أبو عمیر بن معن الکاتب حرا مولى لبنی العنبر- فبیع فی دین علیه- فاشتراه أبو سعید بن زیاد بن عمرو العتکی- و باع الحجاج علی بن بشیر بن الماحوز- لکونه قتل رسول المهلب على رجل من الأزد- . فأما الکعبه فإن الحجاج فی أیام عبد الملک هدمها- و کان الولید بن یزید یصلی- إذا صلى أوقات إفاقته من السکر إلى غیر القبله فقیل له- فقرأ فَأَیْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ- .

و خطب الحجاج بالکوفه- فذکر الذین یزورون قبر رسول الله ص بالمدینه- فقال تبا لهم إنما یطوفون بأعواد و رمه بالیه- هلا طافوا بقصر أمیر المؤمنین عبد الملک- أ لا یعلمون أن خلیفه المرء خیر من رسوله- . قال و کانت بنو أمیه تختم فی أعناق المسلمین- کما توسم الخیل علامه لاستعبادهم- . و بایع مسلم بن عقبه أهل المدینه کافه- و فیها بقایا الصحابه و أولادها و صلحاء التابعین- على أن کلا منهم عبد قن لأمیر المؤمنین یزید بن معاویه- إلا علی بن الحسین ع- فإنه بایعه على أنه أخوه و ابن عمه- . قال و نقشوا أکف المسلمین علامه لاسترقاقهم- کما یصنع بالعلوج من الروم و الحبشه- و کانت خطباء بنی أمیه تأکل و تشرب على المنبر- یوم الجمعه- لإطالتهم‏فی الخطبه- و کان المسلمون تحت منبر الخطبه یأکلون و یشربون قال أبو عثمان- و یفخر بنو العباس على بنی مروان و هاشم على عبد شمس- بأن الملک کان فی أیدیهم فانتزعوه منهم- و غلبوهم بالبطش الشدید و بالحیله اللطیفه- ثم لم ینزعوه إلا من ید أشجعهم شجاعه- و أشدهم تدبیرا و أبعدهم غورا- و من نشأ فی الحروب و ربی فی الثغور- و من لا یعرف إلا الفتوح و سیاسه الجنود- ثم أعطى الوفاء من أصحابه و الصبر من قواده- فلم یغدر منهم غادر و لا قصر منهم مقصر- کما قد بلغک عن حنظله بن نباته- و عامر بن ضباره و یزید بن عمر بن هبیره- و لا أحد من سائر قواده- حتى من أحبابه و کتابه کعبد الحمید الکاتب ثم لم یلقه- و لا لقی تلک الحروب فی عامه تلک الأیام- إلا رجال ولد العباس بأنفسهم- و لا قام بأکثر الدوله إلا مشایخهم کعبد الله بن علی- و صالح بن علی و داود بن علی و عبد الصمد بن علی- و قد لقیهم المنصور نفسه- .

قال و تفخر هاشم أیضا علیهم- بقول النبی ص و هو الصادق المصدق نقلت من الأصلاب الزاکیه إلى الأرحام الطاهره- و ما افترقت فرقتان إلا کنت فی خیرهما و قال أیضا بعثت من خیره قریش – . و معلوم أن بنی عبد مناف افترقوا- فکانت هاشم و المطلب یدا و عبد شمس و نوفل یدا- قال و إن کان الفخر بکثره العدد- فإنه من أعظم مفاخر العرب- فولد علی بن عبد الله بن العباس الیوم- مثل جمیع بنی عبد شمس- و کذلک ولد الحسین بن علی ع هذا مع قرب میلادهما- و قد قال النبی ص شوهاء ولود خیر من حسناء عقیم و قال أنا مکاثر بکم الأمموقد روى الشعبی عن جابر بن عبد الله أن النبی ص قدم من سفر-فأراد الرجال أن یطرقوا النساء لیلا- فقال أمهلوا حتى تمتشط الشعثه- و تستحد المغیبه- فإذا قدمتم فالکیس الکیس- قالوا ذهب إلى طلب الولد- و کانت العرب تفخر بکثره الولد- و تمدح الفحل القبیس و تذم العاقر و العقیم- .و قال عامر بن الطفیل یعنی نفسه

لبئس الفتى إن کنت أعور عاقرا
جبانا فما عذری لدى کل محضر

و قال علقمه بن علاثه یفخر على عامر- آمنت و کفر و وفیت و غدر و ولدت و عقر- . و قال الزبرقان

فاسأل بنی سعد و غیرهم
یوم الفخار فعندهم خبری‏

أی امرئ أنا حین یحضرنی‏
رفد العطاء و طالب النصر

و إذا هلکت ترکت وسطهم
ولدی الکرام و نابه الذکر

 و قال طرفه بن العبد

فلو شاء ربی کنت قیس بن خالد
و لو شاء ربی کنت عمرو بن مرثد

فأصبحت ذا مال کثیر و عادنی‏
بنون کرام ساده لمسود

و مدح النابغه الذبیانی ناسا فقال-

لم یحرموا طیب النساء و أمهم
طفحت علیک بناتق مذکار

و قال نهشل بن حری

على بنی یشد الله عظمهم
و النبع ینبت قضبانا فیکتهل‏

 و مکث الفرزدق زمانا لا یولد له- فعیرته امرأته فقال-

قالت أراه واحدا لا أخا له
یؤمله فی الوارثین الأباعد

لعلک یوما أن ترینی کأنما
بنی حوالی اللیوث الحوارد

فإن تمیما قبل أن یلد الحصى
أقام زمانا و هو فی الناس واحد

و قال الآخر و قد مات إخوته- و ملأ حوضه لیسقی- فجاء رجل صاحب عشیره و عتره فأخذ بضبعه فنحاه- ثم قال لراعیه اسق إبلک

لو کان حوض حمار ما شربت به
إلا بإذن حمار آخر الأبد

لکنه حوض من أودى بإخوته‏
ریب المنون فأمسى بیضه البلد

لو کان یشکی إلى الأموات ما لقی
الحیاء بعدهم من قله العدد

ثم اشتکیت لأشکانی و أنجدنی‏
قبر بسنجار أو قبر على فحد

 و قال الأعشى و هو یذکر الکثره-

و لست بالأکثر منهم حصى
و إنما العزه للکاثر

 

قال و قد ولد رجال من العرب- کل منهم یلد لصلبه أکثر من مائه- فصاروا بذلک مفخرا- منهم عبد الله بن عمیر اللیثی- و أنس بن مالک الأنصاری- و خلیفه بن بر السعدی- أتى على عامتهم الموت الجارف- و مات جعفر بن سلیمان بن علی بن عبد الله بن العباس- عن ثلاثه و أربعین ذکرا- و خمس و ثلاثین امرأه کلهم لصلبه- فما ظنک بمن مات من ولده فی حیاته- و لیس طبقه من طبقات الأسنان الموت إلیها أسرع- و فیها أعم‏و أفشى من سن الطفولیه- و أمر جعفر بن سلیمان قد عاینه عالم من الناس- و عامتهم أحیاء- و لیس خبر جعفر کخبر غیره من الناس- .

قال الهیثم بن عدی- أفضى الملک إلى ولد العباس- و جمیع ولد العباس یومئذ من الذکور ثلاثه و أربعون رجلا- و مات جعفر بن سلیمان وحده عن مثل ذلک العدد- من الرجال- و ممن قرب میلاده و کثر نسله- حتى صار کبعض القبائل و العمائر أبو بکر- صاحب رسول الله ص- و المهلب بن أبی صفره و مسلم بن عمرو الباهلی- و زیاد بن عبید أمیر العراق و مالک بن مسمع- و ولد جعفر بن سلیمان الیوم أکثر عددا- من أهل هذه القبائل- و أربعه من قریش ترک کل واحد منهم عشره بنین- مذکورین معروفین- و هم عبد المطلب بن هاشم و المطلب بن عبد مناف- و أمیه بن عبد شمس- و المغیره بن المغیره بن عبد الله بن عمر بن مخزوم- و لیس على ظهر الأرض هاشمی إلا من ولد عبد المطلب- و لا یشک أحد أن عدد الهاشمیین شبیه بعدد الجمیع- فهذا ما فی الکثره و القله- . قلت رحم الله أبا عثمان- لو کان حیا الیوم لرأى ولد الحسن و الحسین ع- أکثر من جمیع العرب الذین کانوا فی الجاهلیه- على عصر النبی ص المسلمین منهم و الکافرین- لأنهم لو أحصوا لما نقص دیوانهم عن مائتی ألف إنسان- .

قال أبو عثمان- و إن کان الفخر بنبل الرأی و صواب القول- فمن مثل عباس بن عبد المطلب و عبد الله بن العباس- و إن کان فی الحکم و السؤدد- و أصاله الرأی و الغناء العظیم فمن مثل عبد المطلب- و إن کان إلى الفقه و العلم بالتأویل و معرفه التأویل- و إلى القیاس السدید و إلى الألسنه الحداد و الخطب الطوال- فمن مثل علی بن أبی طالب ع و عبد الله بن عباس- .

قالوا خطبنا عبد الله بن عباس خطبه بمکه- أیام حصار عثمان- لو شهدها الترک و الدیلم لأسلموا- . و فی عبد الله بن العباس یقول حسان بن ثابت-

إذا قال لم یترک مقالا لقائل
بملتقطات لا ترى بینها فضلا

شفى و کفى ما فی النفوس فلم یدع‏
لذی إربه فی القول جدا و لا هزلا

 و هو البحر و هو الحبر- و کان عمر یقول له فی حداثته عند إجاله الرأی- غص یا غواص- و کان یقدمه على جله السلف- . قلت أبى أبو عثمان إلا إعراضا عن علی ع- هلا قال فیه کما قال فی عبد الله- فلعمری لو أراد لوجد مجالا- و لألفى قولا وسیعا- و هل تعلم الناس الخطب و العهود و الفصاحه- إلا من کلام علی ع- و هل أخذ عبد الله رحمه الله الفقه و تفسیر القرآن إلا عنه- فرحم الله أبا عثمان- لقد غلبت البصره و طینتها على إصابه رأیه- .

قال أبو عثمان و إن کان الفخر فی البساله و النجده- و قتل الأقران و جزر الفرسان- فمن کحمزه بن عبد المطلب و علی بن أبی طالب- و کان الأحنف إذا ذکر حمزه قال أکیس- و کان لا یرضى أن یقول شجاع- لأن العرب کانت تجعل ذلک أربع طبقات- فتقول شجاع فإذا کان فوق ذلک قالت بطل- فإذا کان فوق ذلک قالت بهمه- فإذا کان فوق ذلک قالت أکیس- و قال العجاج أکیس عن حوبائه سخی‏- و هل أکثر ما یعد الناس من جرحاهما و صرعاهما- إلا سادتکم و أعلامکم- قتل حمزه و علی ع عتبه و الولید- و قتلا شیبه أیضا شرکا عبیده بن الحارث فیه- و قتل علی ع حنظله بن أبی سفیان- فأما آباء ملوککم من بنی مروان- فإنهم کما قال‏عبد الله بن الزبیر لما أتاه خبر المصعب- إنا و الله ما نموت حبجا کما یموت آل أبی العاص- و الله ما قتل منهم قتیل فی جاهلیه و لا إسلام- و ما نموت إلا قتلا- قعصا بالرماح و موتا تحت ظلال السیوف- .

قال أبو عثمان- کأنه لم یعد قتل معاویه بن المغیره بن أبی العاص قتلا- إذ کان إنما قتل فی غیر معرکه- و کذلک قتل عثمان بن عفان إذ کان إنما قتل محاصرا- و لا قتل مروان بن الحکم لأنه قتل خنقا خنقته النساء- قال و إنما فخر عبد الله بن الزبیر بما فی بنی أسد بن عبد العزى من القتلى- لأن من شأن العرب أن یفخروا بذلک- کیف کانوا قاتلین أو مقتولین- أ لا ترى أنک لا تصیب کثره القتلى- إلا فی القوم المعروفین بالبأس و النجده- و بکثره اللقاء و المحاربه- کآل أبی طالب و آل الزبیر و آل المهلب- .

قال و فی آل الزبیر خاصه سبعه مقتولون فی نسق- و لم یوجد ذلک فی غیرهم- قتل عماره و حمزه ابنا عبد الله بن الزبیر- یوم قدید فی المعرکه- قتلهما الإباضیه- و قتل عبد الله بن الزبیر فی محاربه الحجاج- و قتل مصعب بن الزبیر بدیر الجاثلیق- فی المعرکه أکرم قتل- و بإزائه عبد الملک بن مروان- و قتل الزبیر بوادی السباع منصرفه عن وقعه الجمل- و قتل العوام بن خویلد فی حرب الفجار- و قتل خویلد بن أسد بن عبد العزى فی حرب خزاعه- فهؤلاء سبعه فی نسق- . قال و فی بنی أسد بن عبد العزى- قتلى کثیرون غیر هؤلاء- قتل المنذر بن الزبیر بمکه قتله أهل الشام فی حرب الحجاج- و هو على بغل ورد کان نفر به فأصعد به فی الجبل-و إیاه یعنی یزید بن مفرغ الحمیری- و هو یهجو صاحبکم عبید الله بن زیاد- و یعیره بفراره یوم البصره-

لابن الزبیر غداه تدمر منذرا
أولى بکل حفیظه و دفاع‏

و قتل عمرو بن الزبیر قتله أخوه عبد الله بن الزبیر- و کان فی جوار أخیه عبیده بن الزبیر فلم یغن عنه- فقال الشاعر یحرض عبیده على قتل أخیه عبد الله بن الزبیر- و یعیره بإخفاره جوار عمرو أخیهما-

 أ عبید لو کان المجیر لولولت
بعد الهدو برنه أسماء

أ عبید إنک قد أجرت و جارکم‏
تحت الصفیح تنوبه الأصداء

اضرب بسیفک ضربه مذکوره
فیها أداء أمانه و وفاء

و قتل بجیر بن العوام أخو الزبیر بن العوام- قتله سعد بن صفح الدوسی جد أبی هریره من قبل أمه- قتله بناحیه الیمامه- و قتل معه أصرم و بعلک أخویه ابنی العوام بن خویلد- و قد قتل منهم فی محاربه النبی ص قوم مشهورون- منهم زمعه بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى- کان شریفا قتل یوم بدر- و أبوه الأسود کان المثل یضرب بعزته بمکه- و فیه قال رسول الله ص و هو یذکر عاقر الناقه- کان عزیزا منیعا کأبی زمعه- و یکنى زمعه بن الأسود أبا حکیمه- و قتل الحارث بن الأسود بن المطلب یوم بدر أیضا- و قتل عبد الله بن حمید بن زهیر بن الحارث- بن الأسود بن المطلب بن أسد یوم بدر أیضا- و قتل نوفل بن خویلد یوم بدر أیضا- قتله علی بن أبی طالب ع- و قتل یوم الحره یزید بن عبد الله بن زمعه بن الأسود- ضرب عنقه مسرف بن عقبه صبرا- قال له بایع لأمیر المؤمنین یزید بن معاویه- على أنک عبد قن له- قال بل أبایعه على أنی أخوه و ابن عمه فضرب عنقه- و قتل إسماعیل بن هبار بن الأسود لیلا- و کان ادعى حیله فخرج مصرخا لمن استصرخه فقتل- فاتهم به مصعب بن عبد الله بن عبد الرحمن- فأحلفه معاویه خمسین یمینا و خلى سبیله- فقال الشاعر

و لا أجیب بلیل داعیا أبدا
أخشى الغرور کما غر ابن هبار

باتوا یجرونه فی الحش منعقرا
بئس الهدیه لابن العم و الجار

 و قتل عبد الرحمن بن العوام بن خویلد- فی خلافه عمر بن الخطاب فی بعض المغازی- و قتل ابنه عبد الرحمن یوم الدار مع عثمان- فعبد الله بن عبد الرحمن بن العوام بن خویلد قتیل- ابن قتیل ابن قتیل ابن قتیل أربعه- و من قتلاهم عیسى بن مصعب بن الزبیر- قتل بین یدی أبیه بمسکن فی حرب عبد الملک- و کان مصعب یکنى أبا عیسى و أبا عبد الله- و فیه یقول الشاعر

لتبک أبا عیسى و عیسى کلاهما
موالی قریش کهلها و صمیمها

و منهم مصعب بن عکاشه بن مصعب بن الزبیر- قتل یوم قدید فی حرب الخوارج- و قد ذکره الشاعر- فقال

قمن فاندبن رجالا قتلوا
بقدید و لنقصان العدد

ثم لا تعدلن فیها مصعبا
حین یبکى من قتیل بأحد

إنه قد کان فیها باسلا
صارما یقدم إقدام الأسد

و منهم خالد بن عثمان بن خالد بن الزبیر- خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن- فقتله أبو جعفر و صلبه- و منهم عتیق بن عامر بن عبد الله بن الزبیر- قتل بقدید أیضا- و سمی عتیقا باسم جده أبی بکر الصدیق- .

قلت هذا أیضا من تحامل أبی عثمان- هلا ذکر قتلى الطف- و هم عشرون سیدا من بیت واحد- قتلوا فی ساعه واحده- و هذا ما لم یقع مثله فی الدنیا لا فی العرب و لا فی العجم- . و لما قتل حذیفه بن بدر یوم الهباءه- و قتل معه ثلاثه أو أربعه من أهل بیته- ضربت العرب بذلک الأمثال و استعظموه- فجاء یوم الطف جرى الوادی فطم على القری- . و هلا عدد القتلى من آل أبی طالب- فإنهم إذا عدوا إلى أیام أبی عثمان کانوا عددا کثیرا- أضعاف ما ذکره من قتلى الأسدیین- قال أبو عثمان- و إن کان الفخر و الفضل فی الجود و السماح- فمن مثل عبد الله بن جعفر بن أبی طالب- و من مثل عبید الله بن العباس بن عبد المطلب- .

و قد اعترضت الأمویه هذا الموضع- فقالت إنما کان عبد الله بن جعفر یهب- ما کان معاویه و یزید یهبان له- فمن فضل جودنا جاد- . قالوا- و معاویه أول رجل فی الأرض وهب ألف ألف درهم- و ابنه أول من ضاعف ذلک- فإنه کان یجیز الحسن و الحسین ابنی علی ع فی کل عام- لکل واحد منهما بألف ألف درهم- و کذلک کان یجیز عبد الله بن العباس و عبد الله بن جعفر- فلما مات و قام یزید وفد علیه عبد الله بن جعفر- فقال له إن أمیر المؤمنین معاویه- کان یصل رحمی فی کل سنه بألف ألف درهم- قال فلک ألفا ألف درهم- فقال بأبی أنت و أمی- أما إنی ما قلتها لابن أنثى قبلک- قال فلک أربعه آلاف ألف درهم- .

و هذا الاعتراض ساقط- لأن ذلک إن صح لم یعد جودا و لا جائزه و لا صله رحم- هؤلاءقوم کان یخافهم على ملکه- و یعرف حقهم فیه و موقعهم من قلوب الأمه- فکان یدبر فی ذلک تدبیرا و یریع أمورا- و یصانع عن دولته و ملکه- و نحن لم نعد قط ما أعطى خلفاء بنی هاشم قوادهم- و کتابهم و بنی عمهم جودا- فقد وهب المأمون للحسن بن سهل غله عشره آلاف ألف- فما عد ذلک منه مکرمه- و کذلک کل ما یکون داخلا فی باب التجاره- و استماله القلوب و تدبیر الدوله- و إنما یکون الجود ما یدفعه الملوک فی الوفود- و الخطباء و الشعراء و الأشراف- و الأدباء و السمار و نحوهم- و لو لا ذلک لکان الخلیفه إذا وفى الجند أعطیاتهم- احتسب ذلک فی جوده- فالعمالات شی‏ء و الإعطاء على دفع المکروه شی‏ء- و التفضل و الجود شی‏ء- ثم إن الذین أعطاهم معاویه و یزید هو بعض حقهم- و الذی فضل علیهما أکثر مما خرج منهما- .

و إن أرید الموازنه بین ملوک بنی العباس- و ملوک بنی أمیه فی العطاء- افتضح بنو أمیه و ناصروهم فضیحه ظاهره- فإن نساء خلفاء بنی عباس أکثر معروفا- من رجال بنی أمیه- و لو ذکرت معروف أم جعفر وحدها- لأتى ذلک على جمیع صنائع بنی مروان و ذلک معروف- و لو ذکر معروف الخیزران و سلسبیل- لملئت الطوامیر الکثیره به- و ما نظن خالصه مولاتهم إلا فوق أجواد أجوادهم- و إن شئت أن تذکر موالیهم و کتابهم- فاذکر عیسى بن ماهان و ابنه علیا- و خالد بن برمک و ابنه یحیى- و ابنه جعفرا و الفضل- و کاتبهم منصور بن زیاد و محمد بن منصور و فتى العسکر- فإنک تجد لکل واحد من هؤلاء- ما یحیط بجمیع صنائع بنی عبد شمس- .

فأما ملوک الأمویه- فلیس منهم إلا من کان یبخل على الطعام- و کان جعفر بن سلیمان کثیرا ما یذکر ذلک- و کان معاویه یبغض الرجل النهم على مائدته- و کان‏المنصور إذا ذکرهم یقول- کان عبد الملک جبارا لا یبالی ما صنع- و کان الولید مجنونا- و کان سلیمان همه بطنه و فرجه- و کان عمر أعور بین عمیان- و کان هشام رجل القوم- و کان لا یذکر ابن عاتکه- و لقد کان هشام مع ما استثناه به یقول هو الأحول السراق- ما زال یدخل إعطاء الجند شهرا فی شهر و شهرا فی شهر- حتى أخذ لنفسه مقدار رزق سنه- و أنشده أبو النجم العجلی أرجوزته التی أولها-

ألحد لله الوهوب المجزل‏

فما زال یصفق بیدیه استحسانا لها- حتى صار إلى ذکر الشمس- فقال

و الشمس فی الأفق کعین الأحول‏

فأمر بوج‏ء عنقه و إخراجه- و هذا ضعف شدید و جهل عظیم- . و قال خاله إبراهیم بن هشام المخزومی- ما رأیت من هشام خطأ قط إلا مرتین- حدا به الحادی مره فقال

إن علیک أیها البختی
أکرم من تمشی به المطی‏

فقال صدقت- و قال مره و الله لأشکون سلیمان یوم القیامه- إلى أمیر المؤمنین عبد الملک- و هذا ضعف شدید و جهل مفرط- . و قال أبو عثمان و کان هشام یقول- و الله إنی لأستحیی أن أعطی رجلا أکثر من أربعه آلاف درهم- ثم أعطى عبد الله بن الحسن أربعه آلاف دینار- فاعتدها فی جوده و توسعه- و إنما اشترى بها ملکه- و حصن بها عن نفسه و ما فی یدیه- قال له أخوه مسلمه أ تطمع أن تلی الخلافه و أنت بخیل جبان- فقال و لکنی حلیم عفیف- فاعترف بالجبن و البخل- و هل تقوم الخلافه مع واحد منهما- و إن قامت فلا تقوم إلا مع الخطر العظیم و التغریر الشدید- و لو سلمت من الفساد لم تسلم من العیب- .

و لقد قدم المنصور علیهم عمر بن عبد العزیز- بقوله أعور بین عمیان- و زعمتم أنه کان ناسکا ورعا تقیا- فکیف و قد جلد خبیب بن عبد الله بن الزبیر مائه جلده- و صب على رأسه جره من ماء بارد فی یوم شات- حتى کز فمات فما أقر بدمه- و لا خرج إلى ولیه من حقه- و لا أعطى عقلا و لا قودا- و لا کان خبیب ممن أتت علیه حدود الله و أحکامه و قصاصه- فیقال کان مطیعا بإقامتها- و أنه أزهق الحد نفسه- و احتسبوا الضرب کان أدبا و تعزیرا- فما عذره فی الماء البارد فی الشتاء على أثر جلد شدید- و لقد بلغه أن سلیمان بن عبد الملک یوصی- فجاء حتى جلس على طریق من یجلس عنده أو یدخل إلیه- فقال رجاء بن حیوه فی بعض من یدخل و من یخرج- نشدتک الله أن تذکرنی لهذا الأمر- أو تشیر بی فی هذا الشأن- فو الله ما لی علیه من طاقه- فقال له رجاء قاتلک الله ما أحرصک علیها- .

و لما جاء الولید بن عبد الملک بنعی الحجاج- قال له الولید مات الحجاج یا أبا حفص- فقال و هل کان الحجاج إلا رجلا منا أهل البیت- و قال فی خلافته- لو لا بیعه فی أعناق الناس لیزید بن عاتکه- لجعلت هذا الأمر شورى بین صاحب الأعوص- إسماعیل بن أمیه بن عمرو بن سعید الأشدق- و بین أحمس قریش القاسم بن محمد بن أبی بکر- و بین سالم بن عبد الله بن عمر- فما کان علیه من الضرر و الحرج- و ما کان علیه من الوکف و النقص- أن لو قال بین علی بن العباس و علی بن الحسین بن علی- و على أنه لم یرد التیمی و لا العدوی- و إنما دبر الأمر للأموی- و لم یکن عنده أحد من هاشم یصلح للشورى- ثم دبر الأمر لیبایع لأخیه أبی بکر بن عبد العزیز من بعده- حتى عوجل بالسم- .

و قدم علیه عبد الله بن حسن بن حسن- فلما رأى کماله و بیانه و عرف نسبه و مرکبه‏ و موضعه- و کیف ذلک من قلوب المسلمین و فی صدور المؤمنین- لم یدعه یبیت بالشام لیله واحده- و قال له الحق بأهلک- فإنک لم تغنهم شیئا هو أنفس منک- و لا أرد علیهم من حیاتک- أخاف علیک طواعین الشام- و ستلحقک الحوائج على ما تشتهی و تحب- .

و إنما کره أن یروه و یسمعوا کلامه- فلعله یبذر فی قلوبهم بذرا- و یغرس فی صدورهم غرسا- و کان أعظم خلق قولا بالجبر حتى یتجاوز الجهمیه- و یربی على کل ذی غایه صاحب شنعه- و کان یصنع ذلک الکتب- مع جهله بالکلام و قله اختلافه إلى أهل النظر- و قال له شوذب الخارجی لم لا تلعن رهطک- و تذکر أباک إن کانوا عندک ظلمه فجره- فقال عمر متى عهدک بلعن فرعون قال ما لی به عهد- قال أ فیسعک أن تمسک عن لعن فرعون- و لا یسعنی أن أمسک عن لعن آبائی- فرأى أنه قد خصمه و قطع حجته- و کذلک یظنه کل من قصر عن مقدار العالم- و جاوز مقدار الجاهل- و أی شبه لفرعون بآل مروان و آل أبی سفیان- هؤلاء قوم لهم حزب و شیعه- و ناس کثیر یدینون تفضیلهم- و قد اعتورتهم الشبه فی أمرهم- و فرعون على خلاف ذلک- و ضده لا شیعه له و لا حزب و لا نسل و لا موالی و لا صنائع- و لا فی أمره شبهه- ثم إن عمر ظنین فی أمر أهله- فیحتاج إلى غسل ذلک عنه بالبراءه منهم- و شوذب لیس بظنین فی أمر فرعون- و لیس الإمساک عن لعن فرعون و البراءه منه- مما یعرفه الخوارج- فکیف استویا عنده- .

و شکا إلیه رجل من رهطه دینا فادحا و عیالا کثیرا- فاعتل علیه فقال له فهلا اعتللت على عبد الله بن الحسن- قال و متى شاورتک فی أمری- قال أو مشیراترانی- قال أو هل أعطیته إلا بعض حقه- قال و لم قصرت عن کله فأمر بإخراجه- و ما زال إلى أن مات محروما منه- . و کان عمال أهله على البلاد عماله و أصحابه- و الذی حسن أمره و شبه على الأغنیاء حاله- أنه قام بعقب قوم- قد بدلوا عامه شرائع الدین و سنن النبی ص- و کان الناس قبله من الظلم و الجور و التهاون بالإسلام- فی أمر صغر فی جنبه عاینوا منه- و ألفوه علیه- فجعلوه بما نقص من تلک الأمور الفظیعه فی عداد الأئمه الراشدین- و حسبک من ذلک أنهم کانوا یلعنون علیا ع على منابرهم- فلما نهى عمر عن ذلک عد محسنا- و یشهد لذلک قول کثیر فیه-

و لیت فلم تشتم علیا و لم تخف
بریا و لم تتبع مقاله مجرم‏

 و هذا الشعر یدل على أن شتم علی ع قد کان لهم عاده- حتى مدح من کف عنه- و لما ولی خالد بن عبد الله القسری مکه- و کان إذا خطب بها لعن علیا و الحسن و الحسین ع- قال عبید الله بن کثیر السهمی-

لعن الله من یسب علیا
و حسینا من سوقه و إمام‏

أ یسب المطهرون جدودا
و الکرام الآباء و الأعمام‏

یأمن الطیر و الحمام و لا یأمن
آل الرسول عند المقام‏

طبت بیتا و طاب أهلک أهلا
أهل بیت النبی و الإسلام‏

رحمه الله و السلام علیهم
کلما قام قائم بسلام‏

و قام عبد الله بن الولید بن عثمان بن عفان- و کان ممن یناله بزعمهم إلى هشام بن عبد الملک- و هو یخطب على المنبر بعرفه- فقال یا أمیر المؤمنین- هذا یوم کانت‏الخلفاء تستحب فیه لعن أبی تراب- فقال هشام لیس لهذا جئنا- أ لا ترى أن ذلک یدل على أنه قد کان لعنه فیهم فاشیا ظاهرا- و کان عبد الله بن الولید هذا یلعن علیا ع- و یقول قتل جدی جمیعا الزبیر و عثمان- . و قال المغیره و هو عامل معاویه یومئذ لصعصعه بن صوحان- قم فالعن علیا- فقام فقال إن أمیرکم هذا أمرنی أن ألعن علیا- فالعنوه لعنه الله و هو یضمر المغیره- .

و أما عبد الملک- فحسبک من جهله تبدیله شرائع الدین و الإسلام- و هو یرید أن یلی أمور أصحابها بذلک الدین بعینه- و حسبک من جهله- أنه رأى من أبلغ التدبیر فی منع بنى هاشم الخلافه- أن یلعن علی بن أبی طالب ع على منابره- و یرمی بالفجور فی مجالسه- و هذا قره عین عدوه و عیر ولیه- و حسبک من جهله قیامه على منبر الخلافه- قائلا إنی و الله ما أنا بالخلیفه المستضعف- و لا بالخلیفه المداهن- و لا بالخلیفه المأفون- و هؤلاء سلفه و أئمته- و بشفعتهم قام ذلک المقام- و بتقدمهم و تأسیسهم نال تلک الرئاسه- و لو لا العاده المتقدمه و الأجناد المجنده- و الصنائع القائمه- لکان أبعد خلق الله من ذلک المقام- و أقربهم إلى المهلکه إن رام ذلک الشرف- و عنى بالمستضعف عثمان- و بالمداهن معاویه و بالمأفون یزید بن معاویه- و هذا الکلام نقض لسلطانه- و عداوه لأهله و إفساد لقلوب شیعته- و لو لم یکن من عجز رأیه إلا أنه لم یقدر على إظهار قوته- إلا بأن یظهر عجز أئمته لکفاک ذلک منه- فهذا ما ذکرته هاشم لأنفسها

مفاخر بنی أمیه

قالت أمیه- لنا من نوادر الرجال فی العقل و الدهاء و الأدب و المکر- ما لیس لأحد-و لنا من الأجواد و أصحاب الصنائع ما لیس لأحد- زعم الناس أن الدهاه أربعه- معاویه بن أبی سفیان و زیاد- و عمرو بن العاص و المغیره بن شعبه- فمنا رجلان و من سائر الناس رجلان- و لنا فی الأجواد سعید بن العاص و عبد الله بن عامر- لم یوجد لهما نظیر إلى الساعه- و أما نوادر الرجال فی الرأی و التدبیر- فأبو سفیان بن حرب- و عبد الملک بن مروان و مسلمه بن عبد الملک- و على أنهم یعدون فی الحلماء و الرؤساء- فأهل الحجاز یضربون المثل فی الحلم بمعاویه- کما یضرب أهل العراق المثل فیه بالأحنف- .

فأما الفتوح و التدبیر فی الحرب فلمعاویه غیر مدافع- و کان خطیبا مصقعا و مجربا مظفرا- و کان یجید قول الشعر إذا آثر أن یقوله- و کان عبد الملک خطیبا حازما مجربا مظفرا- و کان مسلمه شجاعا مدبرا و سائسا مقدما- و کثیر الفتوح کثیر الأدب- و کان یزید بن معاویه خطیبا شاعرا- و کان الولید بن یزید خطیبا شاعرا- و کان مروان بن الحکم و عبد الرحمن بن الحکم شاعرین- و کان بشر بن مروان شاعرا ناسبا و أدیبا عالما- و کان خالد بن یزید بن معاویه خطیبا شاعرا- جید الرأی أدیبا کثیر الأدب حکیما- و کان أول من أعطى التراجمه و الفلاسفه- و قرب أهل الحکمه و رؤساء أهل کل صناعه- و ترجم کتب النجوم و الطب و الکیمیاء- و الحروب و الآداب و الآلات و الصناعات- .

قالوا و إن ذکرت البأس و الشجاعه- فالعباس بن الولید بن عبد الملک- و مروان بن محمد- و أبوه محمد بن مروان بن الحکم- و هو صاحب مصعب- و هؤلاء قوم لهم آثار بالروم لا تجهل- و آثار بإرمینیه لا تنکر- و لهم یوم العقر شهده مسلمه و العباس بن الولید- . قالوا و لنا الفتوح العظام- و لنا فارس و خراسان و إرمینیه- و سجستان و إفریقیه و جمیع فتوح عثمان- فأما فتوح بنی مروان فأکثر و أعم و أشهر- من أن‏تحتاج إلى عدد أو إلى شاهد- و الذین بلغوا فی ذلک الزمان- أقصى ما یمکن صاحب خف و حافر أن یبلغه- حتى لم یحتجز منهم إلا ببحر أو خلیج بحر- أو غیاض أو عقاب أو حصون- و صیاصی ثلاثه رجال قتیبه بن مسلم بخراسان- و موسى بن نصیر بإفریقیه- و القاسم بن محمد بن القاسم الثقفی بالسند و الهند- و هؤلاء کلهم عمالنا و صنائعنا- و یقال إن البصره کانت صنائع ثلاثه رجال- عبد الله بن عامر و زیاد و الحجاج- فرجلان من أنفسنا و الثالث صنیعنا- . قالوا و لنا فی الأجواد و أهل الأقدار- بنو عبد الله بن خالد بن أسید بن أمیه- و أخوه خالد و فی خالد یقول الشاعر-

إلى خالد حتى أنخنا بخالد
فنعم الفتى یرجى و نعم المؤمل‏

و لنا سعید بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسید- و هو عقید الندى- کان یسبت سته أشهر و یفیق سته أشهر- و یرى کحیلا من غیر اکتحال- و دهینا من غیر تدهین- و له یقول موسى شهوات-

أبا خالد أعنی سعید بن خالد
أخا العرف لا أعنی ابن بنت سعید

و لکننی أعنی ابن عائشه الذی‏
أبو أبویه خالد بن أسید

عقید الندى ما عاش یرضى به الندى
فإن مات لم یرض الندى بعقید

 قالوا و إنما تمکن فینا الشعر و جاد- لیس من قبل أن الذین مدحونا- ما کانوا غیر من مدح الناس- و لکن لما وجدوا فینا مما یتسع لأجله القول- و یصدق فیه القائل- قد مدح عبد الله بن قیس الرقیات من الناس- آل الزبیر عبد الله و مصعبا و غیرهما- فکان یقول کما یقول غیره- فلما صار إلینا قال-

ما نقموا من بنی أمیه إلا
أنهم یحلمون أن غضبوا

و أنهم معدن الملوک فما
تصلح إلا علیهم العرب‏

و قال نصیب

من النفر الشم الذین إذا انتجوا
أقرت لنجواهم لؤی بن غالب‏

یحیون بسامین طورا و تاره
یحیون عباسین شوس الحواجب‏

و قال الأخطل

شمس العداوه حتى یستقاد لهم
و أعظم الناس أحلاما إذا قدروا

 قالوا و فینا یقول شاعرکم- و المتشیع لکم الکمیت بن زید-

فالآن صرت إلى أمیه
و الأمور لها مصائر

و فی معاویه یقول أبو الجهم العدوی-

نقلبه لنخبر حالتیه
فنخبر منهما کرما و لینا

نمیل على جوانبه کأنا
إذا ملنا نمیل على أبینا

و فیه یقول

  تریع إلیه هوادی الکلام
إذا ضل خطبته المهذر

قالوا- و إذا نظرتم فی امتداح الشعراء عبد العزیز بن مروان- عرفتم صدق ما نقوله- . قالوا و فی إرسال النبی ص إلى أهل مکه عثمان- و استعماله علیها عتاب بن أسید- و هو ابن اثنتین و عشرین سنه- دلیل على موضع المنعه أن تهاب العرب و تعز قریش- وقال النبی ص قبل الفتح فتیان أضن بهما على النار- عتاب بن أسید و جبیر بن مطعم- فولى عتابا و ترک جبیر بن مطعم- .

و قال الشعبی لو ولد لی مائه ابن لسمیتهم کلهم عبد الرحمن- للذی رأیت فی قریش من أصحاب هذا الاسم- ثم عد عبد الرحمن بن عتاب بن أسید- و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام- و عبد الرحمن بن الحکم بن أبی العاص- فأما عبد الرحمن بن عتاب- فإنه صاحب الخیل یوم الجمل- و هو صاحب الکف و الخاتم- و هو الذی مر به علی و هو قتیل- فقال لهفی علیک یعسوب قریش- هذا اللباب المحض من بنی عبد مناف- فقال له قائل لشد ما أتیته الیوم یا أمیر المؤمنین- قال إنه قام عنی و عنه نسوه لم یقمن عنک- . قالوا و لنا من الخطباء معاویه بن أبی سفیان- أخطب الناس قائما و قاعدا و على منبر- و فی خطبه نکاح- و قال عمر بن الخطاب- ما یتصعدنی شی‏ء من الکلام کما یتصعدنی خطبه النکاح- و قد یکون خطیبا من لیس عنده فی حدیثه- و وصفه للشی‏ء احتجاجه فی الأمر لسان بارع- و کان معاویه یجری مع ذلک کله- .

قالوا و من خطبائنا یزید بن معاویه- کان أعرابی اللسان بدوی اللهجه- قال معاویه و خطب عنده خطیب- فأجاد لأرمینه بالخطیب الأشدق یرید یزید بن معاویه- . و من خطبائنا سعید بن العاص- لم یوجد کتحبیره تحبیر و لا کارتجاله ارتجال- . و منا عمرو بن سعید الأشدق- لقب بذلک لأنه حیث دخل على معاویه و هو غلام- بعد وفاه أبیه فسمع کلامه- فقال إن ابن سعید هذا الأشدق- . و قال له معاویه إلى من أوصى بک أبوک- قال إن أبی أوصى إلی و لم یوص بی- قال فبم أوصى إلیک- قال ألا یفقد إخوانه منه إلا وجهه- .

قالوا و منا سعید بن عمرو بن سعید- خطیب ابن خطیب ابن خطیب- تکلم الناس عند عبد الملک قیاما و تکلم قاعدا- قال عبد الملک فتکلم و أنا و الله أحب عثرته و إسکاته- فأحسن حتى استنطقته و استزدته- و کان عبد الملک خطیبا خطب‏الناس مره- فقال ما أنصفتمونا معشر رعیتنا- طلبتم منا أن نسیر فیکم- و فی أنفسنا سیره أبی بکر و عمر فی أنفسهما و رعیتهما- و لم تسیروا فینا و لا فی أنفسکم- سیره رعیه أبی بکر و عمر فیهما و فی أنفسهما- و لکل من النصفه نصیب- قالوا فکانت خطبته نافعه- . قالوا و لنا زیاد و عبید الله بن زیاد- و کانا غنیین فی صحه المعانی و جوده اللفظ- و لهما کلام کثیر محفوظ قالوا و من خطبائنا سلیمان بن عبد الملک- و الولید بن یزید بن عبد الملک- .

و من خطبائنا و نساکنا یزید بن الولید الناقص- قال عیسى بن حاضر- قلت لعمرو بن عبید ما قولک فی عمر بن عبد العزیز- فکلح ثم صرف وجهه عنی- قلت فما قولک فی یزید الناقص- فقال أو الکامل قال بالعدل و عمل بالعدل- و بذل نفسه و قتل ابن عمه فی طاعه ربه- و کان نکالا لأهله- و نقص من أعطیاتهم ما زادته الجبابره- و أظهر البراءه من آبائه- و جعل فی عهده شرطا و لم یجعله جزما- لا و الله لکأنه ینطق عن لسان أبی سعید یرید الحسن البصری- قال و کان الحسن من أنطق الناس- .

قالوا و قد قرئ فی الکتب القدیمه- یا مبذر الکنوز یا ساجدا بالأسحار- کانت ولایتک رحمه بهم و حجه علیهم- قالوا هو یزید بن الولید- . و من خطبائنا ثم من ولد سعید بن العاص عمرو بن خوله- کان ناسبا فصیحا خطیبا- . و قال ابن عائشه الأکبر- ما شهد خطیبا قط إلا و لجلج هیبه له- و معرفه بانتقاده- . و من خطبائنا عبد الله بن عامر- و عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر- و کانا من أکرم الناس و أبین الناس- کان مسلمه بن عبد الملک یقول- إنی لأنحی کور عمامتی على أذنی لأسمع کلام عبد الأعلى- .

و کانوا یقولون- أشبه قریش نعمه و جهاره و اقتدارا و بیانا بعمرو بن سعید- عبد الأعلى بن عبد الله- . قالوا و من خطبائنا و رجالنا الولید بن عبد الملک- و هو الذی کان یقال له فحل بنی مروان- کان یرکب معه ستون رجلا لصلبه- . و من ذوی آدابنا و علمائنا و أصحاب الأخبار- و روایه الأشعار و الأنساب بشر بن مروان- أمیر العراق- . قالوا و نحن أکثر نساکا منکم- منا معاویه بن یزید بن معاویه- و هو الذی قیل له فی مرضه الذی مات فیه- لو أقمت للناس ولی عهد- قال و من جعل لی هذا العهد فی أعناق الناس- و الله لو لا خوفی الفتنه لما أقمت علیها طرفه عین- و الله لا أذهب بمرارتها و تذهبون بحلاوتها- فقالت له أمه لوددت أنک حیضه- قال أنا و الله وددت ذلک- .

قالوا و منا سلیمان بن عبد الملک الذی هدم الدیماس- و رد المسیرین و أخرج المسجونین و ترک القریب- و اختار عمر بن عبد العزیز- و کان سلیمان جوادا خطیبا جمیلا- صاحب سلامه و دعه و حب للعافیه و قرب من الناس- حتى سمی المهدی و قیلت الأشعار فی ذلک- . قالوا و لنا عمر بن عبد العزیز شبه عمر بن الخطاب- قد ولده عمر و باسمه سمی- و هو أشج قریش المذکور فی الآثار المنقوله فی الکتب- العدل فی أشد الزمان- و ظلف نفسه بعد اعتیاد النعم- حتى صار مثلا و مفخرا- و قیل للحسن أ ما رویتأن رسول الله ص قال لا یزداد الزمان إلا شده و الناس إلا شحا- و لا تقوم الساعه إلا على شرار الخلق- قال بلى- قیل فما بال عمر بن عبد العزیز و عدله‏و سیرته- فقال لا بد للناس من متنفس- و کان مذکورا مع الخطباء و مع النساک و مع الفقهاء قالوا و لنا ابنه عبد الملک بن عمر بن عبد العزیز- کان ناسکا زکیا طاهرا- و کان من أتقى الناس و أحسنهم معونه لأبیه- و کان کثیرا ما یعظ أباه و ینهاه- . قالوا و لنا من لا نظیر له فی جمیع أموره- و هو صاحب الأعوص إسماعیل بن أمیه- بن عمرو بن سعید بن العاص- و هو الذی قال فیه عمر بن عبد العزیز- لو کان إلی من الأمر شی‏ء- لجعلتها شورى بین القاسم بن محمد- و سالم بن عبد الله و صاحب الأعوص- . قالوا و من نساکنا أبو حراب من بنی أمیه الصغرى- أ داود بن علی- و من نساکنا یزید بن محمد بن مروان- کان لا یهدب ثوبا و لا یصبغه- و لا یتخلق بخلوق- و لا اختار طعاما على طعام ما أطعم أکله- و کان یکره التکلف و ینهى عنه- .

قالوا و من نساکنا أبو بکر بن عبد العزیز بن مروان- أراد عمر أخوه أن یجعله ولی عهده- لما رأى من فضله و زهده فسما فیهما جمیعا- . و من نساکنا عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان- کان یصلی کل یوم ألف رکعه- و کان کثیر الصدقه- و کان إذا تصدق بصدقه قال اللهم إن هذا لوجهک- فخفف عنی الموت- فانطلق حاجا ثم تصبح بالنوم- فذهبوا ینبهونه للرحیل فوجدوه میتا- فأقاموا علیه المأتم بالمدینه- و جاء أشعب فدخل إلى المأتم- و على رأسه کبه من طین- فالتدم مع النساء و کان إلیه محسنا- . و من نساکنا عبد الرحمن بن یزید- بن معاویه بن أبی سفیان- .

قالوا فنحن نعد من الصلاح و الفضل ما سمعتموه- و ما لم نذکره أکثر- و أنتم تقولون أمیه هی الشجره الملعونه فی القرآن- و زعمتم أن الشجره الخبیثه لا تثمر الطیب- کما أن الطیب لا یثمر الخبیث- فإن کان الأمر کما تقولون فعثمان بن عفان ثمره خبیثه- . و ینبغی أن یکون النبی ص دفع ابنتیه إلى خبیث- و کذلک یزید بن أبی سفیان- صاحب مقدمه أبی بکر الصدیق على جیوش الشام- و ینبغی لأبی العاص بن الربیع- زوج زینب بنت رسول الله ص أن یکون کذلک- و ینبغی لمحمد بن عبد الله المدبج أن یکون کذلک- و إن ولدته فاطمه ع لأنه من بنی أمیه- و کذلک عبد الله بن عثمان بن عفان سبط رسول الله ص- الذی مات بعد أن شدن و نقر الدیک عینه فمات- لأنه من بنی أمیه- و کذلک ینبغی أن یکون عتاب بن أسید- بن أبی العیص بن أمیه- و إن کان النبی ص ولاه مکه أم القرى- و قبله الإسلام- معقوله ع فتیان أضن بهما عن النار- عتاب ابن أسید و جبیر بن مطعم- و کذلک ینبغی أن یکون عمر بن عبد العزیز- شبیه عمر بن الخطاب کذلک- و کذلک معاویه بن یزید بن معاویه- و کذلک یزید الناقص- و ینبغی ألا یکون النبی ص عد عثمان فی العشره- الذین بشرهم بالجنه- و ینبغی أن یکون خالد بن سعید بن العاص شهید- یوم مرج الصفر و الحبیس فی سبیل الله- و والی النبی ص على الیمن- و والی أبی بکر على جمیع أجناد الشام- و رابع أربعه فی الإسلام- و المهاجر إلى أرض الحبشه کذلک- و کذلک أبان بن سعید بن العاص المهاجر إلى المدینه- و القدیم فی الإسلام و الحبیس على الجهاد- و یجب أن یکون ملعونا خبیثا- و کذلک أبو حذیفه بن عتبه بن ربیعه- و هو بدری من المهاجرین الأولین- و کذلک أمامه بنت أبی العاص بن الربیع- و أمها زینب بنت‏رسول الله ص- و کذلک أم کلثوم بنت عقبه بن أبی معیط- و کان النبی ص یخرجها من المغازی- و یضرب لها بسهم و یصافحها- و کذلک فاطمه بنت أبی معیط- و هی من مهاجره الحبشه- .

قالوا و مما نفخر به و لیس لبنی هاشم مثله- إن منا رجلا ولی أربعین سنه منها عشرون سنه خلیفه- و هو معاویه بن أبی سفیان- و لنا أربعه إخوه خلفاء الولید و سلیمان- و هشام بنو عبد الملک- و لیس لکم و یزید إلا ثلاثه إخوه- محمد و عبد الله و أبی إسحاق أولاد هارون- . قالوا و منا رجل ولد سبعه من الخلفاء- و هو عبد الله بن یزید بن عبد الملک بن مروان- أبوه یزید بن عاتکه خلیفه- و جده عبد الملک خلیفه و أبو جده مروان الحکم خلیفه- و جده من قبل عاتکه ابنه یزید بن معاویه- أبوها یزید بن معاویه و هو خلیفه- و معاویه بن أبی سفیان و هو خلیفه فهؤلاء خمسه- و أم عبد الله هذا عاتکه بنت عبد الله بن عثمان بن عفان- و حفصه بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب- فهذان خلیفتان- فهذه سبعه من الخلفاء ولدوا هذا الرجل- .

قالوا و منا امرأه أبوها خلیفه و جدها خلیفه- و ابنها خلیفه و أخوها خلیفه و بعلها خلیفه- فهؤلاء خمسه- و هی عاتکه بنت یزید بن معاویه بن أبی سفیان- أبوها یزید بن معاویه خلیفه- و جدها معاویه بن أبی سفیان خلیفه- و ابنها یزید بن عبد الملک بن مروان خلیفه- و أخوها معاویه بن یزید خلیفه- و بعلها عبد الملک بن مروان خلیفه- . قالوا و من ولد المدبج محمد بن عبد الله الأصغر امرأه- ولدها النبی ص و أبو بکر و عمر و عثمان- و علی و طلحه و الزبیر- و هی عائشه بنت محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان- و أمها خدیجه بنت عثمان بن عروه بن الزبیر- و أم عروه أسماء ذات النطاقین بنت أبی بکر الصدیق- و أم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان- و هوالمدبج فاطمه بنت الحسین بن علی ع- و أم الحسین بن علی ع فاطمه بنت رسول الله ص- و أم فاطمه بنت الحسین بن علی ع أم إسحاق بنت طلحه بن عبد الله- و أم عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان- ابنه عبد الله بن عمر بن الخطاب- . قالوا و لنا فی الجمال و الحسن ما لیس لکم- منا المدبج و الدیباج قیل ذلک لجماله- . و منا المطرف و منا الأرجوان- فالمطرف و هو عبد الله بن عمرو بن عثمان- سمی المطرف لجماله- و فیه یقول الفرزدق

  نما الفاروق أنک و ابن أروى
أبوک فأنت منصدع النهار

 و المدبج هو الدیباج- کان أطول الناس قیاما فی الصلاه- و هلک فی سجن المنصور- . قالوا و منا ابن الخلائف الأربعه- دعی بذلک و شهر به- و هو المؤمل بن العباس بن الولید بن عبد الملک- کان هو و أخوه الحارث ابنی العباس بن الولید- من الفجاءه بنت قطری بن الفجاءه إمام الخوارج- و کانت سبیت فوقعت إلیه- فلما قام عمر بن عبد العزیز أتت وجوه بنی مازن- و فیهم حاجب بن ذبیان المازنی الشاعر- فقال حاجب

أتیناک زوارا و وفدا إلى التی
أضاءت فلا یخفى على الناس نورها

أبوها عمید الحی جمعا و أمها
من الحنظلیات الکرام حجورها

فإن تک صارت حین صارت فإنها
إلى نسب زاک کرام نفیرها

فبعث عمر بن عبد العزیز إلى العباس بن الولید- إما أن تردها إلى أهلها و إما أن تزوجها- فقال قائل ذات یوم للمؤمل یا ابن الخلائف الأربعه- قال ویلک من الرابع‏قال قطری- فأما الثلاثه فالولید و عبد الملک و مروان- و أما قطری فبویع بالخلافه- و فیه یقول الشاعر

و أبو نعامه سید الکفار

قالوا و من أین صار محمد بن علی بن عبد الله بن العباس- أحق بالدعوه و الخلافه من سائر إخوته- و من أین کان له أن یضعها فی بیته دون إخوته- و کیف صار بنو الأخ أحق بها من الأعمام- . و قالوا إن یکن هذا الأمر إنما یستحق بالمیراث- فالأقرب إلى العباس أحق- و إن کان بالسن و التجربه فالعمومه بذلک أولى- . قالوا فقد ذکرنا جملا من حال رجالنا فی الإسلام- و أما الجاهلیه فلنا الأعیاص و العنابس- . و لنا ذو العصابه أبو أحیحه سعید بن العاص- کان إذا اعتم لم یعتم بمکه أحد- و لنا حرب بن أمیه رئیس یوم الفجار- و لنا أبو سفیان بن حرب رئیس أحد و الخندق- و سید قریش کلها فی زمانه- . و قال أبو الجهم بن حذیفه العدوی لعمر- حین رأى العباس و أبا سفیان على فراشه دون الناس- ما نرانا نستریح من بنی عبد مناف على حال- قال عمر بئس أخو العشیره أنت- هذا عم رسول الله ص و هذا سید قریش- .

قالوا و لنا عتبه بن ربیعه ساد مملقا- و لا یکون السید إلا مترفا- لو لا ما رأوا عنده من البراعه و النبل و الکمال- و هو الذی لما تحاکمت بجیله و کلب فی منافره جریر و الفرافصه- و تراهنوا بسوق عکاظ- و صنعوا الرهن على یده دون جمیع من شهد على ذلک المشهد- و
قال رسول الله ص و نظر إلى قریش مقبله یوم بدر- إن یکن منهم عند أحد خیر- فعند صاحب الجمل الأحمر- و ما ظنک بشیخ طلبوا له من جمیع العسکر- عند المبارزه بیضه- فلم یقدروا على بیضه یدخل رأسه فیها- و قد قال الشاعر

و إنا أناس یملأ البیض هامنا

– قالوا و أمیه الأکبر صنفان الأعیاص و العنابس-قال الشاعر

من الأعیاص أو من آل حرب
أغر کغره الفرس الجواد

سموا بذلک فی حرب الفجار- حین حفروا لأرجلهم الحفائر و ثبتوا فیها- و قالوا نموت جمیعا أو نظفر- و إنما سموا بالعنابس لأنها أسماء الأسود- و إنما سموا الأعیاص لأنها أسماء الأصول- فالعنابس حرب و سفیان و أبو سفیان و عمرو- و الأعیاص العیص و أبو العیص- و العاص و أبو العاص و أبو عمرو- و لم یعقب من العنابس إلا حرب- و ما عقب الأعیاص إلا العیص- و لذلک کان معاویه یشکو القله- . قالوا و لیس لبنی هاشم و المطلب مثل هذه القسمه- و لا مثل هذا اللقب المشهور- و هذا ما قالته أمیه عن نفسها

ذکر الجواب عما فخرت به بنو أمیه

و نحن نذکر ما أجاب به أبو عثمان عن کلامهم- و نضیف إلیه من قبلنا أمورا لم یذکرها- فنقول قالت هاشم أما ذکرتم من الدهاء و المکر- فإن ذلک من أسماء فجار العقلاء- و لیس من أسماء أهل الصواب فی الرأی من العقلاء و الأبرار- و قد بلغ أبو بکر و عمر من التدبیر و صواب الرأی- و الخبره بالأمور العامه- و لیس من أوصافهما و لا من أسمائهما أن یقال- کانا داهیین و لا کانا مکیرین- و ما عامل معاویه و عمرو بن العاص علیا ع قط بمعامله- إلا و کان علی ع أعلم بها منهما- و لکن الرجل الذی یحارب- و لا یستعمل إلا ما یجل له أقل مذاهب- فی وجوه الحیل و التدبیر- من الرجل الذی یستعمل ما یحل و ما لا یحل- و کذلک من حدث و أخبر- أ لا ترى أن الکذاب لیس لکذبه غایه- و لا لما یولد و یصنع نهایه- و الصدوق إنما یحدث عن شی‏ء معروف- و معنى محدود- و یدل على ما قلنا أنکم عددتم أربعه فی الدهاء- و لیس واحد منهم عند المسلمین فی طریق المتقین- و لو کان الدهاء مرتبه و المکر منزله- لکان تقدم هؤلاء الجمیع السابقین الأولین- عیبا شدیدا فی السابقین الأولین- و لو أن إنسانا أراد أن یمدح أبا بکر و عمر و عثمان و علیا- ثم قال الدهاه أربعه و عدهم- لکان قد قال قولا مرغوبا عنه- لأن الدهاء و المکر لیس من صفات الصالحین- و إن علموا من غامض الأمور ما یجهله جمیع العقلاء- أ لا ترى أنه قد یحسن أن یقال- کان رسول الله ص أکرم الناس و أحلم الناس- و أجود الناس و أشجع الناس- و لا یجوز أن یقال کان أمکر الناس و أدهى الناس- و إن علمنا أن علمه قد أحاط بکل مکر و خدیعه- و بکل أدب و مکیده- .

و أما ما ذکرتم من جود سعید بن العاص و عبد الله بن عامر- فأین أنتم من عبد الله بن جعفر- و عبید الله بن العباس و الحسن بن علی- و أین أنتم من جود خلفاء بنی‏العباس- کمحمد المهدی و هارون و محمد بن زبیده- و عبد الله المأمون و جعفر المقتدر- بل لعل جود بعض صنائع هؤلاء- کبنی برمک و بنی الفرات- أعظم من جود الرجلین اللذین ذکرتموهما- بل من جمیع ما جاء به خلفاء بنی أمیه- . و أما ما ذکرتم من حلم معاویه- فلو شئنا أن نجعل جمیع ساداتنا حلماء- لکانوا محتملین لذلک- و لکن الوجه فی هذا ألا یشتق للرجل اسم- إلا من أشرف أعماله و أکرم أخلاقه- و إلا أن یتبین بذلک عند أصحابه- حتى یصیر بذلک اسما یسمى و یصیر معروفا به- کما عرف الأحنف بالحلم- و کما عرف حاتم بالجود- و کذلک هرم قالوا هرم الجواد- و لو قلتم کان أبو العاص بن أمیه أحلم الناس- لقلنا و لعله یکون قد کان حلیما- و لکن لیس کل حلم یکون صاحبه به مذکورا- و من إشکاله بائنا و إنکم لتظلمون خصومکم فی تسمیتکم معاویه بالحلم- فکیف من دونه- لأن العرب تقول أحلم الحلمین ألا یتعرض ثم یحلم- و لم یکن فی الأرض رجل أکثر تعرضا من معاویه- و التعرض هو السفه- فإن ادعیتم أن الأخبار التی جاءت فی تعرضه کلها باطله- فإن لقائل أن یقول- و کل خبر رویتموه فی حلمه باطل- و لقد شهر الأحنف بالحلم- و لکنه تکلم بکلام کثیر یجرح فی الحلم و یثلم فی العرض- و لا یستطیع أحد أن یحکی عن العباس بن عبد المطلب- و لا عن الحسن بن علی بن أبی طالب لفظا فاحشا- و لا کلمه ساقطه- و لا حرفا واحدا مما یحکى عن الأحنف و معاویه- .

و کان المأمون أحلم الناس- و کان عبد الله السفاح أحلم الناس- و بعد فمن یستطیع أن یصف هاشما أو عبد المطلب بالحلم- دون غیره من الأخلاق و الأفعال حتى یسمیه بذلک- و یخص به دون کل شی‏ء فیه من الفضل- و کیف و أخلاقهم متساویه و کلها فی الغایه- و لو أن رجلا کان أظهر الناس زهدا- و أصدقهم للعدو لقاء و أصدق الناس لسانا-و أجود الناس کفا و أفصحهم منطقا- و کان بکل ذلک مشهورا لمنع بعض ذلک من بعض- و لما کان له اسم السید المقدم و الکامل المعظم- و لم یکن الجواد أغلب على اسمه- و لا البیان و لا النجده- .

و أما ما ذکرتم من الخطابه و الفصاحه- و السؤدد و العلم بالأدب و النسب- فقد علم الناس أن بنی هاشم فی الجمله أرق ألسنه من بنی أمیه- کان أبو طالب و الزبیر شاعرین- و کان أبو سفیان بن الحارث بن عبد المطلب شاعرا- و لم یکن من أولاد أمیه بن عبد شمس لصلبه شاعر- و لم یکن فی أولاد أمیه إلا أن تعدوا فی الإسلام العرجی- من ولد عثمان بن عفان و عبد الرحمن بن الحکم- فنعد نحن الفضل بن العباس بن عتبه بن أبی لهب- و عبد الله بن معاویه بن جعفر- و لنا من المتأخرین محمد بن الحسین بن موسى المعروف بالرضی- و أخوه أبو القاسم و لنا الحمانی- و علی بن محمد صاحب الزنج- و کان إبراهیم بن الحسن صاحب باخمرى- أدیبا شاعرا فاضلا- و لنا محمد بن علی بن صالح الذی خرج فی أیام المتوکل- .

قال أبو الفرج الأصفهانی- کان من فتیان آل أبی طالب- و فتاکهم و شجعانهم و ظرافهم و شعرائهم- و إن عددتم الخطابه و البیان و الفصاحه- لم تعدوا کعلی بن أبی طالب ع و لا کعبد الله بن العباس- و لنا من الخطباء زید بن علی بن الحسین- و عبد الله بن معاویه بن عبد الله- بن معاویه بن عبد الله بن جعفر- و جعفر بن الحسین بن الحسن- و داود بن علی بن عبد الله بن العباس- و داود و سلیمان ابنا جعفر بن سلیمان- .

قالوا کان جعفر بن الحسین بن الحسن- ینازع زید بن علی بن الحسین فی الوصیه-و کان الناس یجتمعون لیستمعوا محاورتهما- و کان سلیمان بن جعفر بن سلیمان بن علی والی مکه- فکان أهل مکه یقولون لم یرد علینا أمیر- إلا و سلیمان أبین منه قاعدا و أخطب منه قائما- و کان داود إذا خطب اسحنفر فلم یرده شی‏ء- . قالوا و لنا عبد الملک بن صالح بن علی کان خطیبا بلیغا- و سأله الرشید و سلیمان بن أبی جعفر و عیسى بن جعفر حاضران- فقال له کیف رأیت أرض کذا- قال مسافی ریح و منابت شیح- قال فأرض کذا قال هضبات حمر و ربوات عفر- حتى أتى على جمیع ما سأله عنه- فقال عیسى لسلیمان- و الله ما ینبغی لنا أن نرضى لأنفسنا بالدون من الکلام- .

قالوا و أما ما ذکرتم من نساک الملوک- فلنا علی بن أبی طالب ع- و بزهده و بدینه یضرب المثل- و لنا محمد بن الواثق من خلفاء بنی العباس- و هو الملقب بالمهتدی- کان یقول إنی لآنف لبنی العباس- ألا یکون منهم مثل عمر بن عبد العزیز- فکان مثله و فوقه- و لنا القادر أبو العباس بن إسحاق بن المقتدر- و لنا القائم عبد الله بن القادر- کانا على قدم عظیمه من الزهد و الدین و النسک- و إن عددتم النساک من غیر الملوک- فأین أنتم عن علی بن الحسین زین العابدین- و أین أنتم عن علی بن عبد الله بن العباس- و أین أنتم عن علی بن الحسین بن علی بن أبی طالب ع- الذی کان یقال له علی الخیر و علی الأغر و علی العابد- و ما أقسم على الله بشی‏ء إلا و أبر قسمه- و أین أنتم عن موسى بن جعفر بن محمد- و أین أنتم عن علی بن محمد الرضا- لابس الصوف طول عمره- مع سعه أمواله و کثره ضیاعه و غلاته- .

و أما ما ذکرتم من الفتوح- فلنا الفتوح المعتصمیه التی سارت بها الرکبان- و ضربت بها الأمثال و لنا فتوح الرشید- و لنا الآثار الشریفه فی قتل بابک الخرمی- بعد أن دامت فتنته فی دار الإسلام نحو ثلاثین سنه- و إن شئت أن تعد فتوح الطالبیین بإفریقیه و مصر- و ما ملکوه من مدن الروم و الفرنج و الجلالقه- فی سنی ملکهم- عددت الکثیر الجم الذی یخرج عن الحصر- و یحتاج إلى تاریخ مفرد یشتمل على جلود کثیره- .

فأما الفقه و العلم و التفسیر و التأویل- فإن ذکرتموه لم یکن لکم فیه أحد- و کان لنا فیه مثل علی بن أبی طالب ع- و عبد الله بن العباس- و زید بن علی و محمد بن علی ابنی علی بن الحسین بن علی- و جعفر بن محمد الذی ملأ الدنیا علمه و فقهه- و یقال إن أبا حنیفه من تلامذته- و کذلک سفیان الثوری- و حسبک بهما فی هذا الباب- و لذلک نسب سفیان إلى أنه زیدی المذهب- و کذلک أبو حنیفه- . و من مثل علی بن الحسین زین العابدین- و قال الشافعی فی الرساله فی إثبات خبر الواحد- وجدت علی بن الحسین و هو أفقه أهل المدینه- یعول على أخبار الآحاد- . و من مثل محمد بن الحنفیه و ابنه أبی هاشم- الذی قرر علوم التوحید و العدل- و قالت المعتزله- غلبنا الناس کلهم بأبی هاشم الأول و أبی هاشم الثانی- . و إن ذکرتم النجده و البساله و الشجاعه- فمن مثل علی بن أبی طالب ع- و قد وقع اتفاق أولیائه و أعدائه على أنه أشجع البشر- . و من مثل حمزه بن عبد المطلب أسد الله و أسد رسوله- و من مثل الحسین بن علی ع- قالوا یوم الطف ما رأینا مکثورا- قد أفرد من إخوته و أهله و أنصاره أشجع منه- کان کاللیث المحرب یحطم الفرسان حطما- و ما ظنک برجل أبت نفسه الدنیه و أن یعطی‏ بیده- فقاتل حتى قتل هو و بنوه و إخوته و بنو عمه- بعد بذل الأمان لهم- و التوثقه بالأیمان المغلظه- و هو الذی سن للعرب الإباء- و اقتدى بعده أبناء الزبیر و بنو المهلب و غیرهم- .

و من لکم مثل محمد و إبراهیم بن عبد الله- و من لکم کزید بن علی- و قد علمتم کلمته التی قالها حیث خرج من عند هشام- ما أحب الحیاه إلا من ذل- فلما بلغت هشاما قال خارج و رب الکعبه- فخرج بالسیف و نهى عن المنکر- و دعا إلى إقامه شعائر الله حتى قتل صابرا محتسبا- . و قد بلغتکم شجاعه أبی إسحاق المعتصم- و وقوفه فی مشاهد الحرب بنفسه- حتى فتح الفتوح الجلیله- و بلغتکم شجاعه عبد الله بن علی- و هو الذی أزال ملک بنی مروان و شهد الحروب بنفسه- و کذلک صالح بن علی- و هو الذی اتبع مروان بن محمد إلى مصر حتى قتله- . قالوا و إن کان الفضل و الفخر فی تواضع الشریف- و إنصاف السید و سجاحه الخلق- و لین الجانب للعشیره و الموالی- فلیس لأحد من ذلک ما لبنی العباس- و لقد سألنا طارق بن المبارک- و هو مولى لبنی أمیه و صنیعه من صنائعهم- فقلنا أی القبیلتین أشد نخوه و أعظم کبریاء و جبریه- أ بنو مروان أم بنو العباس- فقال و الله لبنو مروان فی غیر دولتهم- أعظم کبریاء من بنی العباس فی دولتهم- و قد کان أدرک الدولتین- و لذلک قال شاعرهم

إذا نابه من عبد شمس رأیته
یتیه فرشحه لکل عظیم‏

و إن تاه تیاه سواهم فإنما
یتیه لنوک أو یتیه للوم‏

و من کلامهم من لم یکن من بنی أمیه تیاها فهو دعی قالوا و إن کان الکبر مفخرا یمدح به الرجال- و یعد من خصال الشرف و الفضل- فمولانا عماره بن حمزه أعظم کبرا- من کل أموی کان و یکون فی الدنیا- و أخباره فی کبره و تیهه مشهوره متعالمه- . قالوا و إن کان الشرف و الفخر فی الجمال و فی الکمال- و فی البسطه فی الجسم و تمام القوام- فمن کان کالعباس بن عبد المطلب- .

قالوا رأینا العباس یطوف بالبیت- و کأنه فسطاط أبیض- . و من مثل علی بن عبد الله بن العباس و ولده- و کان کل واحد منهم إذا قام إلى جنب أبیه- کان رأسه عند شحمه أذنه- و کانوا من أطول الناس- و إنک لتجد میراث ذلک الیوم فی أولادهم- . ثم الذی رواه أصحاب الأخبار و حمال الآثار- فی عبد المطلب من التمام و القوام و الجمال و البهاء- و ما کان من لقب هاشم بالقمر لجماله- و لأنهم یستضیئون برأیه- و کما رواه الناس أن عبد المطلب ولد عشره- کان الرجل منهم یأکل فی المجلس الجذعه- و یشرب الفرق و ترد آنفهم قبل شفاههم- و إن عامر بن مالک لما رآهم یطوفون بالبیت- کأنهم جمال جون- قال بهؤلاء تمنع مکه و تشرف مکه- . و قد سمعتم ما ذکره الناس من جمال السفاح و حسنه- و کذلک المهدی و ابنه هارون الرشید- و ابنه محمد بن زبیده و کذلک هارون الواثق- و محمد المنتصر و الزبیر المعتز- .

قالوا ما رئی فی العرب و لا فی العجم أحسن صوره منه- و کان المکتفی علی بن المعتضد بارع الجمال- و لذلک قال الشاعر یضرب المثل به-

و الله لا کلمته و لو أنه
کالشمس أو کالبدر أو کالمکتفی‏

 فجعله ثالث القمرین- و کان الحسن بن علی ع أصبح الناس وجها- کان یشبه برسول الله ص- و کذلک عبد الله بن الحسن المحض- . قالوا و لنا ثلاثه فی عصر بنو عم- کلهم یسمى علیا- و کلهم کان یصلح للخلافه بالفقه و النسک و المرکب- و الرأی و التجربه و الحال الرفیعه بین الناس- علی بن الحسین بن علی- و علی بن عبد الله بن العباس و علی بن عبد الله بن جعفر- کل هؤلاء کان تاما کاملا بارعا جامعا- و کانت لبابه بنت عبد الله بن العباس- عند علی بن عبد الله بن جعفر- قالت ما رأیته ضاحکا قط و لا قاطبا- و لا قال شیئا احتاج إلى أن یعتذر منه- و لا ضرب عبدا قط و لا ملکه أکثر من سنه- .

قالوا و بعد هؤلاء ثلاثه بنو عم- و هم بنو هؤلاء الثلاثه و کلهم یسمى محمدا- کما أن کل واحد من أولئک یسمى علیا- و کلهم یصلح للخلافه- بکرم النسب و شرف الخصال- محمد بن علی بن الحسین بن علی- و محمد بن علی بن عبد الله بن العباس- و محمد بن علی بن عبد الله بن جعفر- . قالوا کان محمد بن علی بن الحسین لا یسمع المبتلى الاستعاذه- و کان ینهى الجاریه و الغلام أن یقولا للمسکین یا سائل- و هو سید فقهاء الحجاز- و منه و من ابنه جعفر تعلم الناس الفقه- و هو الملقب بالباقر باقر العلم- لقبه به رسول الله ص و لم یخلق بعد و بشر به- و وعد جابر بن عبد الله برؤیته- و قال ستراه طفلا- فإذا رأیته فأبلغه عنی السلام- فعاش جابر حتى رآه و قال له ما وصى به- .

و توعد خالد بن عبد الله القسری- هشام بن عبد الملک فی رساله له إلیه- و قال و الله إنی لأعرف رجلا حجازی الأصل- شامی الدار عراقی الهوى- یرید محمد بن علی بن عبد الله بن العباس- . قالوا و أما ما ذکرتم من أمر عاتکه بنت یزید بن معاویه- فإنا نذکر فاطمه بنت رسول الله ص- و هی سیده نساء العالمین- و أمها خدیجه سیده نساء العالمین- و بعلها علی بن أبی طالب سید المسلمین کافه- و ابن عمها جعفر ذو الجناحین و ذو الهجرتین- و ابناها الحسن و الحسین سیدا شباب أهل الجنه- و جدهما أبو طالب بن عبد المطلب أشد الناس عارضه و شکیمه- و أجودهم رأیا و أشهمهم نفسا- و أمنعهم لما وراء ظهره- منع النبی ص من جمیع قریش ثم بنی هاشم و بنی المطلب- ثم منع بنی إخوانه من بنی أخواته- من بنی مخزوم الذین أسلموا- و هو أحد الذین سادوا مع الإقلال- و هو مع هذا شاعر خطیب- و من یطیق أن یفاخر بنی أبی طالب- و أمهم فاطمه بنت أسد بن هاشم- و هی أول هاشمیه ولدت لهاشمی- و هی التی ربی رسول الله فی حجرها- و کان یدعوها أمی و نزل فی قبرها- و کان یوجب حقها کما یوجب حق الأم- من یستطیع أن یسامی رجالا ولدهم هاشم مرتین- من قبل أبیهم و من قبل أمهم- قالوا و من العجائب أنها ولدت أربعه- کل منهم أسن من الآخر بعشر سنین- طالب و عقیل و جعفر و علی- . و من الذی یعد من قریش أو من غیرهم- ما یعده الطالبیون عشره فی نسق- کل واحد منهم عالم زاهد ناسک شجاع جواد طاهر زاک- فمنهم خلفاء- و منهم مرشحون ابن ابن ابن ابن هکذا إلى عشره- و هم الحسن بن علی بن محمد بن علی بن موسى بن جعفر- بن محمد بن علی بن الحسین بن علی ع- و هذا لم یتفق لبیت من بیوت العرب- و لا من بیوت العجم- .

قالوا فإن فخرتم بأن منکم اثنتین من أمهات المؤمنین- أم حبیبه بنت أبی سفیان و زینب بنت جحش- و فزینب امرأه من بنی أسد بن خزیمه- ادعیتموه بالحلف لا بالولاده- و فینا رجل ولدته أمان من أمهات المؤمنین- محمد بن عبد الله بن الحسن المحض- ولدته خدیجه أم المؤمنین و أم سلمه أم المؤمنین- و ولدته مع ذلک فاطمه بنت الحسین بن علی- و فاطمه سیده نساء العالمین ابنه رسول الله ص- و فاطمه بنت أسد بن هاشم- و کان یقال خیر النساء الفواطم و العواتک- و هن أمهاته- .

قالوا و نحن إذا ذکرنا إنسانا- فقبل أن نعد من ولده نأتی به شریفا فی نفسه- مذکورا بما فیه دون ما فی غیره- قلتم لنا عاتکه بنت یزید- و عاتکه فی نفسها کامرأه من عرض قریش- لیس فیها فی نفسها خاصه أمر تستوجب به المفاخره- و نحن نقول منا فاطمه و فاطمه سیده نساء العالمین- و کذلک أمها خدیجه الکبرى- و إنما تذکران مع مریم بنت عمران و آسیه بنت مزاحم- اللتین ذکرهما النبی ص و ذکر إحداهما القرآن- و هن المذکورات من جمیع نساء العالم من العرب و العجم- . و قلتم لنا عبد الله بن یزید بن عبد الملک- بن مروان ولده سبعه من الخلفاء- و عبد الله هذا فی نفسه لیس هناک- و نحن نقول منا محمد بن علی بن عبد الله بن العباس- بن عبد المطلب بن هاشم کلهم سید- و أمه العالیه بنت عبید الله بن العباس- و إخوته داود و صالح و سلیمان و عبد الله رجال- کلهم أغر محجل- ثم ولدت الرؤساء إبراهیم الإمام- و أخویه أبا العباس و أبا جعفر- و من جاء بعدهما من خلفاء بنی العباس- .

و قلتم منا عبد الله بن یزید- و قلنا منا الحسین بن علی سید شباب أهل الجنه-و أولى الناس بکل مکرمه و أطهرهم طهاره- مع النجده و البصیره و الفقه و الصبر و الحلم و الأنف- و أخوه الحسن سید شباب أهل الجنه- و أرفع الناس درجه- و أشبههم برسول الله خلقا و خلقا و أبوهما علی بن أبی طالب قال شیخنا أبو عثمان- و هو الذی ترک وصفه أبلغ فی وصفه- إذ کان هذا الکتاب یعجز عنه- و یحتاج إلى کتاب یفرد له- و عمهما ذو الجناحین و أمهما فاطمه و جدتهما خدیجه- و أخوالهما القاسم و عبد الله و إبراهیم- و خالاتهما زینب و رقیه و أم کلثوم- و جدتاهما آمنه بنت وهب والده رسول الله ص- و فاطمه بنت أسد بن هاشم- و جدهما رسول الله ص المخرس لکل فاخر- و الغالب لکل منافر قل ما شئت- و اذکر أی باب شئت من الفضل- فإنک تجدهم قد حووه- .

و قالت أمیه- نحن لا ننکر فخر بنی هاشم و فضلهم فی الإسلام- و لکن لا فرق بیننا فی الجاهلیه- إذ کان الناس فی ذلک الدهر لا یقولون هاشم و عبد شمس- و لا هاشم و أمیه- بل یقولون کانوا لا یزیدون فی الجمیع على عبد مناف- حتى کان أیام تمیزهم فی أمر علی و عثمان فی الشورى- ثم ما کان فی أیام تحزبهم و حربهم مع علی و معاویه- . و من تأمل الأخبار و الآثار- علم أنه ما کان یذکر فرق بین البیتین- و إنما یقال بنو عبد مناف- أ لا ترى أن أبا قحافه سمع رجه شدیده- و أصواتا مرتفعه- و هو یومئذ شیخ کبیر مکفوف- فقال ما هذا قالوا قبض رسول الله ص- قال فما صنعت قریش قالوا ولوا الأمر ابنک- قال و رضیت بذلک بنو عبد مناف قالوا نعم- قال و رضی بذلک بنو المغیره قالوا نعم- قال فلا مانع لما أعطى الله و لا معطی‏ لما منع- و لم یقل أ رضی بذلک بنو عبد شمس- و إنما جمعهم على عبد مناف لأنه کذلک کان یقال- .

و هکذا قال أبو سفیان بن حرب لعلی ع- و قد سخط إماره أبی بکر- أ رضیتم یا بنی عبد مناف أن تلی علیکم تیم- و لم یقل أ رضیتم یا بنی هاشم- و کذلک قال خالد بن سعید بن العاص حین قدم من الیمن- و قد استخلف أبو بکر- أ رضیتم معشر بنی عبد مناف أن تلی علیکم تیم- قالوا و کیف یفرقون بین هاشم و عبد شمس- و هما أخوان لأب و أم- و یدل على أن أمرهما کان واحدا- و أن اسمهم کان جامعا-قول النبی ص و صنیعه حین قال منا خیر فارس فی العرب عکاشه بن محصنو کان أسدیا- و کان حلیفا لبنی عبد شمس- و کل من شهد بدرا من بنی کبیر بن داود- کانوا حلفاء بنی عبد شمس- فقال ضرار بن الأزور الأسدی ذاک منا یا رسول الله- فقال ع بل هو منا بالحلف- فجعل حلیف بنی عبد شمس حلیف بنی هاشم- و هذا بین لا یحتاج صاحب هذه الصفه- إلى أکثر منه- . قالوا و لهذا نکح هذا البیت فی هذا البیت- فکیف صرنا نتزوج بنات النبی- و بنات بنی هاشم على وجه الدهر- إلا و نحن أکفاء و أمرنا واحد- و قد سمعتم إسحاق بن عیسى یقول لمحمد بن الحارث- أحد بنی عبد الرحمن بن عتاب بن أسید- لو لا حی أکرمهم الله بالرساله- لزعمت أنک أشرف الناس- أ فلا ترى أنه لم یقدم علینا رهطه إلا بالرساله- .

قالت هاشم- قلتم لو لا أنا کنا أکفاءکم لما أنکحتمونا نساءکم- فقد نجد القوم یستوون فی حسب الأب- و یفترقون فی حسب الأنفس- و ربما استووا فی حسب أبی‏القبیله- کاستواء قریش فی النضر بن کنانه- و یختلفون کاختلاف کعب بن لؤی و عامر بن لؤی- و کاختلاف ابن قصی و عبد مناف و عبد الدار و عبد العزى- و القوم قد یساوی بعضهم بعضا فی وجوه- و یفارقونهم فی وجوه- و یستجیزون بذلک القدر مناکحتهم- و إن کانت معانی الشرف لم تتکامل فیهم- کما تکاملت فیمن زوجهم- و قد یزوج السید ابن أخیه- و هو حارض ابن حارض على وجه صله الرحم- فیکون ذلک جائزا عندهم- و لوجوه فی هذا الباب کثیره- فلیس لکم أن تزعموا أنکم أکفاؤنا من کل وجه- و إن کنا قد زوجناکم- و ساویناکم فی بعض الآباء و الأجداد- و بعد فأنتم فی الجاهلیه و الإسلام- قد أخرجتم بناتکم إلى سائر قریش و إلى سائر العرب- أ فتزعمون أنهم أکفاؤکم عینا بعین- و أما قولکم إن الحیین کان یقال لهما عبد مناف- فقد کان یقال لهما أیضا مع غیرهما من قریش- و بنیها بنو النضر- و قال الله تعالى وَ أَنْذِرْ عَشِیرَتَکَ الْأَقْرَبِینَ- فلم یدع النبی ص أحدا من بنی عبد شمس- و کانت عشیرته الأقربون بنی هاشم و بنی المطلب- و عشیرته فوق ذاک عبد مناف و فوق ذلک قصی- و من ذلک أن النبی ص لما أتی بعبد الله بن عامر- بن کریز بن حبیب بن عبد شمس- و أم عامر بن کریز- أم حکیم البیضاء بنت عبد المطلب بن هاشم- قال ع هذا أشبه بنا منه بکم- ثم تفل فی فیه فازدرده- فقال أرجو أن تکون مشفیا فکان کما قال- ففی قوله هو أشبه بنا منه بکم خصلتان- إحداهما أن عبد شمس و هاشما لو کانا شیئا واحدا- کما أن عبد المطلب شی‏ء واحد- لما قال هو بنا أشبه به منکم- و الأخرى أن فی هذا القول- تفضیلا لبنی هاشم على بنی عبد شمس- أ لا ترون أنه خرج خطیبا جوادا نبیلا و سیدا مشفیا- له مصانع و آثار کریمه- لأنه قال و هو بنا أشبه به منکم- و أتی عبد المطلب‏ بعامر بن کریز- و هو ابن ابنته أم حکیم البیضاء فتأمله- و قال و عظام هاشم ما ولدنا ولدا أحرض منه- فکان کما قال عبد الله یحمق- و لم یقل و عظام عبد مناف- لأن شرف جده عبد مناف له فیه شرکاء- و شرف هاشم أبیه خالص له- . فأما ما ذکرتم من قول أبی سفیان و خالد بن سعید- أ رضیتم معشر بنی عبد مناف أن تلی علیکم تیم- فإن هذه الکلمه کلمه تحریض و تهییج- فکان الأبلغ فیما یرید من اجتماع قلوب الفریقین أن یدعوهم لأب- و أن یجمعهم على واحد و إن کانا مفترقین- و هذا المذهب سدید و هذا التدبیر صحیح- . قال معاویه بن صعصعه للأشهب بن رمیله و هو نهشلی- و للفرزدق بن غالب و هو مجاشعی- و لمسکن بن أنیف و هو عبدلی- أ رضیتم معشر بنی دارم أن یسب آباءکم- و یشتم أعراضکم کلب بنی کلیب- و إنما نسبهم إلى دارم الأب الأکبر- المشتمل على آباء قبائلهم- لیستووا فی الحمیه و یتفقوا على الأنف- و هذا فی مثل هذا الموضع تدبیر صحیح- . قالوا و یدل على ما قلنا ما قاله الشعراء فی هذا الباب- قبل مقتل عثمان و قبل صفین- قال حسان بن ثابت لأبی سفیان الحارث بن عبد المطلب-

و أنت منوط نیط فی آل هاشم
کما نیط خلف الراکب القدح الفرد

لم یقل نیط فی آل عبد مناف- . و قال

ما أنت من هاشم فی بیت مکرمه
و لا بنی جمح الخضر الجلاعید

و لم یقل ما أنت من آل عبد مناف- و کیف یقول هذا- و قد علم الناس أن عبد مناف ولد أربعه- هاشما و المطلب و عبد شمس و نوفلا- و أن هاشما و المطلب کانا یدا واحده- و أن عبد شمس و نوفلا کانا یدا واحده- و کان مما بطأ ببنی نوفل عن الإسلام- إبطاء إخوتهم من بنی عبد شمس- و کان مما حث بنی المطلب على الإسلام- فضل محبتهم لبنی هاشم- لأن أمر النبی ص کان بینا- و إنما کانوا یمتنعون منه من طریق الحسد و البغضه- فمن لم یکن فیه هذه العله لم یکن له دون الإسلام مانع- و لذلک لم یصحب النبی ص من بنی نوفل أحد- فضلا أن یشهدوا معه المشاهد الکریمه- و إنما صحبه حلفاؤهم کیعلى بن منبه- و عتبه بن غزوان و غیرهما- و بنو الحارث بن المطلب کلهم بدری- عبید و طفیل و حصین- و من بنی المطلب مسطح بن أثاثه بدری- . و کیف یکون الأمر کما قلتم- و أبو طالب یقول لمطعم بن عدی بن نوفل فی أمر النبی ص- لما تمالأت قریش علیه-

جزى الله عنا عبد شمس و نوفلا
جزاء مسی‏ء عاجلا غیر آجل‏

أ مطعم إما سامنی القوم خطه
فأنى متى أوکل فلست بأکل‏

أ مطعم لم أخذلک فی یوم شده
و لا مشهد عند الأمور الجلائل‏

 و لقد قسم النبی ص قسمه- فجعلها فی بنی هاشم و بنی المطلب- فأتاه عثمان بن عفان بن أبی العاص- بن أمیه بن عبد شمس بن عبد مناف- و جبیر بن مطعم بن عدی بن نوفل بن عبد مناف- فقالا له یا رسول الله- إن قرابتنا منک و قرابه بنی المطلب واحده- فکیف أعطیتهم دوننا- فقال النبی ص إنا لم نزل و بنی المطلب کهاتین- و شبک بین أصابعه- فکیف تقولون کنا شیئا واحدا- و کان الاسم الذی یجمعنا واحداثم نرجع إلى افتخار بنی هاشم- قالوا و إن کان الفخر بالأید و القوه- و اهتصار الأقران و مباطشه الرجال- فمن أین لکم کمحمد بن الحنفیه- و قد سمعتم أخباره و أنه قبض على درع فاضله- فجذبها فقطع ذیلها ما استدار منه کله- و سمعتم أیضا حدیث الأید القوی- الذی أرسله ملک الروم إلى معاویه یفخر به على العرب- و أن محمدا قعد له لیقیمه فلم یستطع- فکأنما یحرک جبلا- و أن الرومی قعد لیقیمه محمد فرفعه إلى فوق رأسه- ثم جلد به الأرض هذا مع الشجاعه المشهوره- و الفقه فی الدین و الحلم و الصبر و الفصاحه- و العلم بالملاحم و الأخبار عن الغیوب- حتى ادعی له أنه المهدی- و قد سمعتم أحادیث أبی إسحاق المعتصم- و أن أحمد بن أبی دواد عض ساعده بأسنانه- أشد العض- فلم یؤثر فیه- و أنه قال ما أظن الأسنه و لا السهام تؤثر فی جسده- و سمعتم ما قیل فی عبد الکریم المطیع- و أنه جذب ذنب ثور فاستله من بین ورکیه- . و إن کان الفخر بالبشر و طلاقه الأوجه و سجاحه الأخلاق- فمن مثل علی بن أبی طالب ع- و قد بلغ من سجاحه خلقه و طلاقه وجهه- أن عیب بالدعابه- و من الذی یسوی بین عبد شمس و بین هاشم فی ذلک- کان الولید جبارا و کان هشام شرس الأخلاق- و کان مروان بن محمد لا یزال قاطبا عابسا- و کذلک کان یزید بن الولید الناقص- و کان المهدی المنصور أسرى خلق الله و ألطفهم خلقا- و کذلک محمد الأمین و أخوه المأمون- و کان السفاح یضرب به المثل فی السرو و سجاحه الخلق- .

قالوا و نحن نعد من رهطنا رجالا لا تعدون أمثالهم أبدا- فمنا الأمراء بالدیلم الناصر الکبیر- و هو الحسن الأطروش بن علی بن الحسن بن عمر- بن علی بن عمر الأشرف‏بن زین العابدین- و هو الذی أسلمت الدیلم على یده- و الناصر الأصغر و هو أحمد بن یحیى بن الحسن- بن القاسم بن إبراهیم بن طباطبا- و أخوه محمد بن یحیى و هو الملقب بالمرتضى- و أبوه یحیى بن الحسن و هو الملقب بالهادی- و من ولد الناصر الکبیر الثائر- و هو جعفر بن محمد بن الحسن الناصر الکبیر- و هم الأمراء بطبرستان- و جیلان و جرجان و مازندران- و سائر ممالک الدیلم- ملکوا تلک الأصقاع مائه و ثلاثین سنه- و ضربوا الدنانیر و الدراهم بأسمائهم- و خطب لهم على المنابر و حاربوا الملوک السامانیه- و کسروا جیوشهم و قتلوا أمراءهم- فهؤلاء واحدهم أعظم کثیرا من ملوک بنی أمیه- و أطول مده و أعدل و أنصف و أکثر نسکا- و أشد حضا على الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر- و ممن یجری مجراهم الداعی الأکبر و الداعی الأصغر- ملکا الدیلم قادا الجیوش و اصطنعا الصنائع- .

قالوا و لنا ملوک مصر و إفریقیه- ملکوا مائتین و سبعین سنه- فتحوا الفتوح- و استردوا ما تغلب علیه الروم من مملکه الإسلام- و اصطنعوا الصنائع الجلیله- . و لهم الکتاب و الشعراء و الأمراء و القواد- فأولهم المهدی عبید الله بن میمون بن محمد بن إسماعیل- بن جعفر بن محمد بن علی بن الحسین بن علی بن أبی طالب- و آخرهم العاضد و هو عبد الله بن الأمیر أبی القاسم- بن الحافظ أبی المیمون بن المستعلی بن المستنصر- بن الطاهر بن الحاکم بن عبد العزیز بن المعز- بن المنصور بن القائم بن المهدی- فإن افتخرت الأمویه بملوکها فی الأندلس- من ولد هشام بن عبد الملک و اتصال ملکهم- و جعلوهم بإزاء ملوکنا بمصر و إفریقیه- قلنا لهم إلا أنا نحن أزلنا ملککم بالأندلس- کما أزلنا ملککم بالشام و المشرق کله- لأنه لما ملک قرطبهالظافر من بنی أمیه- و هو سلیمان بن الحکم بن سلیمان بن عبد الرحمن- الملقب بالناصر- خرج علیه علی بن حمید بن میمون بن أحمد بن علی- بن عبد الله بن عمر بن إدریس بن عبد الله بن الحسن- بن الحسن بن علی بن أبی طالب ع- فقتله و أزال ملکه- .

و ملک قرطبه دار ملک بنی أمیه و یلقب بالناصر- ثم قام بعده أخوه القاسم بن حمود و یلقب بالمعتلی- فنحن قتلناکم و أزلنا ملککم فی المشرق و المغرب- و نحن لکم على الرصد حیث کنتم- اتبعناکم فقتلناکم و شردناکم کل مشرد- و الفخر للغالب على المغلوب بهذا قضت الأمم قاطبه- قالوا و لنا من أفراد الرجال من لیس لکم مثله- منا یحیى بن محمد بن علی بن عبد الله بن العباس- کان شجاعا جریئا- و هو الذی ولی الموصل لأخیه السفاح- فاستعرض أهلها حتى ساخت الأقدام فی الدم- . و منا یعقوب بن إبراهیم بن عیسى بن أبی جعفر المنصور- کان شاعرا فصیحا و هو المعروف بأبی الأسباط- و منا محمد و جعفر ابنا سلیمان بن علی- کانا أعظم من ملوک بنی أمیه- و أجل قدرا و أکثر أموالا و مکانا عند الناس- و أهدى محمد بن سلیمان من البصره إلى الخیزران مائه وصیفه- فی ید کل واحده منهن جام من ذهب- وزنه ألف مثقال مملوء مسکا- و کان لجعفر بن سلیمان ألفا عبد من السودان خاصه- فکم یکون لیت شعری غیرهم من البیض و من الإماء- و ما رئی جعفر بن سلیمان راکبا قط إلا ظن أنه الخلیفه- . و من رجالنا محمد بن السفاح- کان جوادا أیدا شدید البطش- قالوا ما رئی أخوان‏أشد قوه من محمد و ریطه أخته- ولدی أبی العباس السفاح- کان محمد یأخذ الحدید فیلویه فتأخذه هی فترده- .

و من رجالنا محمد بن إبراهیم طباطبا صاحب أبی السرایا- کان ناسکا عابدا فقیها- عظیم القدر عند أهل بیته و عند الزیدیه- . و من رجالنا عیسى بن موسى بن محمد- بن علی بن عبد الله بن العباس- و هو الذی شید ملک المنصور و حارب ابنی عبد الله بن حسن- و أقام عمود الخلافه بعد اضطرابه- و کان فصیحا أدیبا شاعرا- . و من رجالنا عبد الوهاب بن إبراهیم الإمام- حج بالناس و ولی الشام و کان فصیحا خطیبا- . و من رجالنا عبد الله بن موسى الهادی- کان أکرم الناس و جوادا ممدوحا أدیبا شاعرا- و أخوه عیسى بن موسى الهادی- کان أکرم الناس و أجود الناس- کان یلبس الثیاب- و قد حدد ظفره فیخرقها بظفره لئلا تعاد إلیه- و عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن موسى الهادی- و کان أدیبا ظریفا- . و من رجالنا عبد الله بن المعتز بالله- کان أوحد الدنیا فی الشعر و الأدب- و الأمثال الحکمیه و السؤدد و الرئاسه- کان کما قیل فیه لما قتل-

لله درک من میت بمضیعه
ناهیک فی العلم و الأشعار و الخطب‏

ما فیه لو و لا لو لا فتنقصه‏
و إنما أدرکته حرفه الأدب‏

و من رجالنا النقیب أبو أحمد الحسین بن موسى- شیخ بنی هاشم الطالبیین و العباسیین فی عصره- و من أطاعه الخلفاء و الملوک فی أقطار الأرض و رجعوا إلى قوله- و ابناه علی و محمد و هما المرتضى و الرضی- و هما فریدا العصر فی الأدب و الشعر و الفقه و الکلام- و کان الرضی شجاعا أدیبا شدید الأنف‏ و من رجالنا القاسم بن عبد الرحیم بن عیسى بن موسى الهادی- کان شاعرا ظریفا- . و من رجالنا القاسم بن إبراهیم طباطبا- صاحب المصنفات و الورع و الدعاء إلى الله- و إلى التوحید و العدل و منابذه الظالمین- و من أولاده أمراء الیمن- . و من رجالنا محمد الفأفاء بن إبراهیم الإمام- کان سیدا مقدما- ولی الموسم و حج بالناس- و کان الرشید یسایره و هو مقنع بطیلسانه- . و من رجالنا محمد بن محمد بن زید بن علی بن الحسین- صاحب أبی السرایا- ساد حدثا و کان شاعرا أدیبا فقیها- یأمر بالمعروف و ینهى عن المنکر- و لما أسر و حمل إلى المأمون أکرمه و أفضل علیه- و رعى له فضله و نسبه- .

و من رجالنا موسى بن عیسى بن محمد- بن علی بن عبد الله بن العباس- کنیته أبو عیسى و هو أجل ولد عیسى و أنبلهم- ولی الکوفه و سوادها زمانا طویلا للمهدی ثم الهادی- و ولی المدینه و إفریقیه و مصر للرشید- قال له ابن السماک لما رأى تواضعه- إن تواضعک فی شرفک لأحب إلی من شرفک- فقال موسى إن قومنا یعنی بنی هاشم یقولون- إن التواضع أحد مصائد الشرف- . و من رجالنا موسى بن محمد أخو السفاح و المنصور- کان نبیلا عندهم هو و إبراهیم الإمام لأم واحده- رأى فی منامه قبل أن یصیر من أمرهم ما صار- أنه دخل بستانا فلم یأخذ إلا عنقودا واحدا- علیه من الحب المتراص ما ربک به علیم- فلم یولد له إلا عیسى- ثم ولد لعیسى من ظهره أحد و ثلاثون ذکرا- و عشرون أنثى- .

و من رجالنا عبد الله بن الحسن- بن الحسن بن علی بن أبی طالب ع- و هو عبد الله المحض و أبوه الحسن بن الحسن- و أمه فاطمه بنت الحسین- و کان إذا قیل من‏أجمل الناس قالوا عبد الله بن الحسن- فإذا قیل من أکرم الناس قالوا عبد الله بن الحسن- فإذا قالوا من أشرف الناس قالوا عبد الله بن الحسن- . و من رجالنا أخوه الحسن بن الحسن- و عمه زید بن الحسن و بنوه محمد و إبراهیم و موسى و یحیى- أما محمد و إبراهیم فأمرهما مشهور- و فضلهما غیر مجحود فی الفقه و الأدب- و النسک و الشجاعه و السؤدد- و أما یحیى صاحب الدیلم فکان حسن المذهب و الهدی- مقدما فی أهل بیته- بعیدا مما یعاب على مثله- و قد روى الحدیث و أکثر الروایه عن جعفر بن محمد- و روى عن أکابر المحدثین- و أوصى جعفر بن محمد إلیه لما حضرته الوفاه- و إلى ولده موسى بن جعفر- و أما موسى بن عبد الله بن الحسن- فکان شابا نجیبا صبورا شجاعا سخیا شاعرا- . و من رجالنا الحسن المثلث- و هو الحسن بن الحسن بن الحسن بن علی بن أبی طالب ع- کان متألها فاضلا ورعا- یذهب فی الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر- مذهب أهله- و إبراهیم بن الحسن بن الحسن بن علی بن أبی طالب ع- کان مقدما فی أهله- یقال إنه أشبه أهل زمانه برسول الله ص- .

و من رجالنا عیسى بن زید و یحیى بن زید أخوه- و کانا أفضل أهل زمانهما شجاعه و زهدا و فقها و نسکا- . و من رجالنا یحیى بن عمر بن یحیى- بن الحسین بن زید صاحب الدعوه- کان فقیها فاضلا شجاعا فصیحا شاعرا- و یقال إن الناس ما أحبوا طالبیا قط- دعا إلى نفسه حبهم یحیى- و لا رثی أحد منهم بمثل ما رثی به- .

قال أبو الفرج الأصفهانی- کان یحیى فارسا شجاعا شدید البدن مجتمع القلب- بعیدا عن زهو الشباب و ما یعاب به مثله- کان له عمود حدید ثقیل یصحبه فی منزله- فإذا سخط على عبد أو أمه من حشمه لواه فی عنقه- فلا یقدر أحد أن یحله عنه حتى یحله هو- . و من رجالنا محمد بن القاسم بن علی بن عمر- بن الحسین بن علی بن أبی طالب ع صاحب الطالقان- لقب بالصوفی لأنه لم یکن یلبس إلا الصوف الأبیض- و کان عالما فقیها دینا زاهدا- حسن المذهب یقول بالعدل و التوحید- . و من رجالنا محمد بن علی بن صالح بن عبد الله بن موسى- بن حسن بن حسن بن علی بن أبی طالب ع- کان من فتیان آل أبی طالب- و فتاکهم و شجعانهم و ظرفائهم و شعرائهم- و له شعر لطیف محفوظ- .

و منهم أحمد بن عیسى بن زید- کان فاضلا عالما مقدما فی عشیرته معروفا بالفضل- و قد روى الحدیث و روی عنه- . و من رجالنا موسى بن جعفر بن محمد و هو العبد الصالح- جمع من الفقه و الدین و النسک و الحلم و الصبر- و ابنه علی بن موسى المرشح للخلافه- و المخطوب له بالعهد- کان أعلم الناس و أسخى الناس- و أکرم الناس أخلاقا- . قالوا و أما ما ذکرتم من أمر الشجره الملعونه- فإن المفسرین کلهم قالوا ذلک- و رووا فیه أخبارا کثیره عن النبی ص- و لستم قادرین على جحد ذلک- و قد عرفتم تأخرکم عن الإسلام- و شده عداوتکم للرسول الداعی إلیه- و محاربتکم فی بدر و أحد و الخندق- و صدکم الهدی عن البیت- و لیس ذلک مما یوجب أن یعمکم اللعن- حتى لا یغادر واحدا- فإن زعم ذلک زاعم فقد تعدى- و أما اختصاص محمد بن علی بالوصیه و الخلافه دون إخوته- فقد علمتم أن وراثه السیاده و المرتبه- لیس من جنس وراثه الأموال- أ لا ترى أن المرأه و الصبی و المجنون یرثون الأموال- و لا یرثون المراتب و سواء فی الأموال- کان الابن حارضا بائرا أو بارعا جامعا- .

و قیل وراثه المقام سبیل وراثه اللواء- دفع رسول الله ص لواء بنی عبد الدار إلى مصعب بن عمیر- و دفع عمر بن الخطاب لواء بنی تمیم إلى وکیع بن بشر- ثم دفعه إلى الأحنف- حین لم یوجد فی بنی زراره من یستحق وراثه اللواء- فإن کان الأمر بالسن- فإنما کان بین محمد بن علی و أبیه علی بن عبد الله- أربع عشره سنه- کان علی یخضب بالسواد و محمد یخضب بالحمره- فکان القادم یقدم علیهما و الزائر یأتیهما- فیظن أکثرهم أن محمدا هو علی- و أن علیا هو محمد- حتى ربما قیل لعلی کیف أصبح الشیخ من علته- و متى رجع الشیخ إلى منزله- و أخرى أن أمه کانت العالیه بنت عبد الله بن العباس- فقد ولده العباس مرتین- و ولده جواد بنی العباس- کما والده خیرهم و حبرهم- و لم یکن لأحد من إخوته مثل ذلک- و کان بعض ولد محمد أسن من عامه ولد علی- و ولد محمد المهدی بن عبد الله المنصور- و العباس بن محمد بن علی فی عام واحد- و کذلک محمد بن سلیمان بن علی- و لم یکن لأحد من ولد علی بن عبد الله بن العباس- و إن کانوا فضلاء نجباء کرماء نبلاء- مثل عقله و لا کجماله- کان إذا دخل المدینه و مکه- جلس الناس على أبواب دورهم- و النساء على سطوحهن للنظر إلیه- و التعجب من کماله و بهائه- و قد قاتل إخوته أعداءه فی دفع الملک إلى ولده- غیر مکرهین و لا مجبرین- على أن محمدا إنما أخذ الأمر عن أساس مؤسس- و قاعده مقرره و وصیه انتقلت إلیه- من أبی هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفیه- و أخذها أبو هاشم عن أبیه محمد- و أخذها محمد عن علی بن أبی طالب أبیه- .

قالوا لما سمت بنو أمیه أبا هاشم مرض- فخرج من الشام وقیذا یؤم المدینه- فمر بالحمیمه و قد أشفى- فاستدعى محمد بن علی بن عبد الله بن العباس- فدفع الوصیه إلیه- و عرفه ما یصنع و أخبره بما سیکون من الأمر- و قال له إنی لم أدفعها إلیک من تلقاء نفسی- و لکن أبی أخبرنی عن أبیه علی بن أبی طالب ع بذلک- و أمرنی به و أعلمنی بلقائی إیاک فی هذا المکان- ثم مات فتولى محمد بن علی تجهیزه و دفنه- و بث الدعاه حینئذ فی طلب الأمر- و هو الذی قال لرجال الدعوه- و القائمین بأمر الدوله- حین اختارهم للتوجه و انتخبهم للدعاء- و حین قال بعضهم ندعو بالکوفه-

و قال بعضهم بالبصره و قال بعضهم بالجزیره- و قال بعضهم بالشام و قال بعضهم بمکه- و قال بعضهم بالمدینه- و احتج کل إنسان لرأیه و اعتل لقوله- فقال محمد أما الکوفه و سوادها فشیعه علی و ولده- و أما البصره فعثمانیه تدین بالکف- و قبیل عبد الله المقتول یدینون بجمیع الفرق- و لا یعینون أحدا- و أما الجزیره فحروریه مارقه و الخارجیه فیهم فاشیه- و أعراب کأعلاج- و مسلمون فی أخلاق النصارى- و أما الشام فلا یعرفون إلا آل أبی سفیان- و طاعه بنی مروان عداوه راسخه و جهلا متراکما- و أما مکه و المدینه فقد غلب علیهما أبو بکر و عمر- و لیس یتحرک معنا فی أمرنا هذا منهم أحد- و لا یقوم بنصرنا إلا شیعتنا أهل البیت- و لکن علیکم بخراسان- فإن هناک العدد الکثیر و الجلد الظاهر- و صدورا سلیمه و قلوبا مجتمعه- لم تتقسمها الأهواء و لم تتوزعها النحل- و لم تشغلها دیانه و لا هدم فیها فساد- و لیس لهم الیوم همم العرب- و لا فیهم تجارب کتجارب الأتباع مع السادات- و لا تحالف کتحالف القبائل- و لا عصبیه کعصبیه العشائر- و ما زالوا ینالون و یمتهون و یظلمون فیکظمون- و ینتظرون الفرج و یؤملوندوله- و هم جند لهم أبدان و أجسام و مناکب و کواهل- و هامات و لحی و شوارب و أصوات هائله- و لغات فخمه تخرج من أجواف منکره- . و بعد فکأنی أتفاءل جانب المشرق- فإن مطلع الشمس سراج الدنیا- و مصباح هذا الخلق- فجاء الأمر کما دبر و کما قدر- فإن کان الرأی الذی رأى صوابا فقد وافق الرشاد- و طبق المفصل- و إن کان ذلک عن روایه متقدمه- فلم یتلق تلک الروایه إلا عن نبوه- .

قالوا و أما قولکم إن منا رجلا مکث- أربعین سنه أمیرا و خلیفه- فإن الإماره لا تعد فخرا مع الخلافه- و لا تضم إلیها- و نحن نقول إن منا رجلا مکث سبعا و أربعین سنه خلیفه- و هو أحمد الناصر بن الحسن المستضی‏ء- و منا رجل مکث خمسا و أربعین سنه خلیفه- و هو عبد الله القائم- و مکث أبوه أحمد القادر ثلاثا و أربعین سنه خلیفه- فملکهما أکثر من ملک بنی أمیه کلهم- و هم أربع عشره خلیفه- . و یقول الطالبیون منا رجل مکث ستین سنه خلیفه- و هو معد بن الطاهر صاحب مصر- و هذه مده لم یبلغها خلیفه- و لا ملک من ملوک العرب فی قدیم الدهر و لا فی حدیثه- .

و قلتم لنا عاتکه بنت یزید یکتنفها خمسه من الخلفاء- و نحن نقول لنا زبیده بنت جعفر- یکتنفها ثمانیه من الخلفاء- جدها المنصور خلیفه و عم أبیها السفاح خلیفه- و عمها المهدی خلیفه و ابن عمها الهادی خلیفه- و بعلها الرشید خلیفه و ابنها الأمین خلیفه- و ابنا بعلها المأمون و المعتصم خلیفتان- . قالوا و أما ما ذکرتموه من الأعیاص و العنابس- فلسنا نصدقکم فیما زعمتموه أصلا بهذه التسمیه- و إنما سموا الأعیاص لمکان العیص و أبی العیص- و العاص و أبی العاص و هذه أسماؤهم- الأعلام لیست مشتقه من أفعال لهم کریمه و لا خسیسه- و أما العنابس فإنما سموا بذلک- لأن حرب بن أمیه کان اسمه عنبسه- و أما حرب فلقبه ذکر ذلک النسابون- و لما کان حرب أمثلهم سموا جماعتهم باسمه- فقیل العنابس کما یقال المهالبه و المناذره- و لهذا المعنى سمی أبو سفیان بن حرب بن عنبسه- و سمی سعید بن العاص بن عنبسه

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۵

 

بازدیدها: ۳۹۲

نامه ۲۷ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۲۷ و من عهد له ع إلى محمد بن أبی بکر رضی الله عنه- حین قلده مصر 

فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَکَ وَ أَلِنْ لَهُمْ جَانِبَکَ- وَ ابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَکَ وَ آسِ بَیْنَهُمْ فِی اللَّحْظَهِ وَ النَّظْرَهِ- حَتَّى لَا یَطْمَعَ الْعُظَمَاءُ فِی حَیْفِکَ لَهُمْ- وَ لَا یَیْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِکَ عَلَیْهِمْ- فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى یُسَائِلُکُمْ مَعْشَرَ عِبَادِهِ- عَنِ الصَّغِیرَهِ مِنْ أَعْمَالِکُمْ وَ الْکَبِیرَهِ وَ الظَّاهِرَهِ وَ الْمَسْتُورَهِ- فَإِنْ یُعَذِّبْ فَأَنْتُمْ أَظْلَمُ وَ إِنْ یَعْفُ فَهُوَ أَکْرَمُ- وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ- أَنَّ الْمُتَّقِینَ ذَهَبُوا بِعَاجِلِ الدُّنْیَا وَ آجِلِ الآْخِرَهِ- فَشَارَکُوا أَهْلَ الدُّنْیَا فِی دُنْیَاهُمْ- وَ لَمْ یُشَارِکْهُمْ أَهْلُ الدُّنْیَا فِی آخِرَتِهِمْ- سَکَنُوا الدُّنْیَا بِأَفْضَلِ مَا سُکِنَتْ وَ أَکَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُکِلَتْ- فَحَظُوا مِنَ الدُّنْیَا بِمَا حَظِیَ بِهِ الْمُتْرَفُونَ- وَ أَخَذُوا مِنْهَا مَا أَخَذَهُ الْجَبَابِرَهُ الْمُتَکَبِّرُونَ- ثُمَّ انْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ الْمُبَلِّغِ وَ الْمَتْجَرِ الرَّابِحِ- أَصَابُوا لَذَّهَ زُهْدِ الدُّنْیَا فِی دُنْیَاهُمْ- وَ تَیَقَّنُوا أَنَّهُمْ جِیرَانُ اللَّهِ غَداً فِی آخِرَتِهِمْ- لَا تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَهٌ وَ لَا یَنْقُفُ لَهُمْ نَصِیبٌ مِنْ لَذَّهٍ- فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللَّهِ الْمَوْتَ وَ قُرْبَهُ- وَ أَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ- فَإِنَّهُ یَأْتِی بِأَمْرٍ عَظِیمٍ وَ خَطْبٍ جَلِیلٍ- بِخَیْرٍ لَا یَکُونُ مَعَهُ شَرٌّ أَبَداً- أَوْ شَرٍّ لَا یَکُونُ مَعَهُ خَیْرٌ أَبَداً- فَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى الْجَنَّهِ مِنْ عَامِلِهَا- وَ مَنْ أَقْرَبُ إِلَى النَّارِ مِنْ عَامِلِهَا- وَ أَنْتُمْ طُرَدَاءُ الْمَوْتِ- إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَکُمْ وَ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أَدْرَکَکُمْ- وَ هُوَ أَلْزَمُ لَکُمْ مِنْ ظِلِّکُمْ- الْمَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِیکُمْ وَ الدُّنْیَا تُطْوَى مِنْ خَلْفِکُمْ-فَاحْذَرُوا نَاراً قَعْرُهَا بَعِیدٌ وَ حَرُّهَا شَدِیدٌ وَ عَذَابُهَا جَدِیدٌ- دَارٌ لَیْسَ فِیهَا رَحْمَهٌ- وَ لَا تَسْمَعُ فِیهَا دَعْوَهٌ وَ لَا تُفَرَّجُ فِیهَا کُرْبَهٌ- وَ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ یَشْتَدَّ خَوْفُکُمْ مِنَ اللَّهِ- وَ أَنْ یَحْسُنَ ظَنُّکُمْ بِهِ فَاجْمَعُوا بَیْنَهُمَا- فَإِنَّ الْعَبْدَ إِنَّمَا یَکُونُ حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ- عَلَى قَدْرِ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ- وَ إِنَّ أَحْسَنَ النَّاسِ ظَنّاً بِاللَّهِ أَشَدُّهُمْ خَوْفاً لِلَّهِ- وَ اعْلَمْ یَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِی بَکْرٍ- أَنِّی قَدْ وَلَّیْتُکَ أَعْظَمَ أَجْنَادِی فِی نَفْسِی أَهْلَ مِصْرَ- فَأَنْتَ مَحْقُوقٌ أَنْ تُخَالِفَ عَلَى نَفْسِکَ- وَ أَنْ تُنَافِحَ عَنْ دِینِکَ- وَ لَوْ لَمْ یَکُنْ لَکَ إِلَّا سَاعَهٌ مِنَ الدَّهْرِ- وَ لَا تُسْخِطِ اللَّهَ بِرِضَا أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ- فَإِنَّ فِی اللَّهِ خَلَفاً مِنْ غَیْرِهِ- وَ لَیْسَ مِنَ اللَّهِ خَلَفٌ فِی غَیْرِهِ- صَلِّ الصَّلَاهَ لِوَقْتِهَا الْمُؤَقَّتِ لَهَا- وَ لَا تُعَجِّلْ وَقْتَهَا لِفَرَاغٍ- وَ لَا تُؤَخِّرْهَا عَنْ وَقْتِهَا لِاشْتِغَالٍ- وَ اعْلَمْ أَنَّ کُلَّ شَیْ‏ءٍ مِنْ عَمَلِکَ تَبَعٌ لِصَلَاتِکَ آس بینهم اجعلهم أسوه- لا تفضل بعضهم على بعض فی اللحظه و النظره- و نبه بذلک على وجوب أن یجعلهم أسوه فی جمیع ما عدا ذلک- من العطاء و الإنعام و التقریب- کقوله تعالى فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ- . 

قوله حتى لا یطمع العظماء فی حیفک لهم- الضمیر فی لهم راجع إلى الرعیه لا إلى العظماء- و قد کان سبق ذکرهم فی أول الخطبه- أی إذا سلکت هذا المسلک لم یطمع العظماء- فی أن تحیف على الرعیه و تظلمهم و تدفع أموالهم إلیهم- فإن ولاه الجورهکذا یفعلون- یأخذون مال هذا فیعطونه هذا- و یجوز أن یرجع الضمیر إلى العظماء- أی حتى لا یطمع العظماء فی جورک- فی القسم الذی إنما تفعله لهم و لأجلهم- فإن ولاه الجور یطمع العظماء فیهم- أن یحیفوا فی القسمه فی الفی‏ء- و یخالفوا ما حده الله تعالى فیها- حفظا لقلوبهم و استماله لهم- و هذا التفسیر ألیق بالخطابه- لأن الضمیر فی علیهم فی الفقره الثالثه- عائد إلى الضعفاء- فیجب أن یکون الضمیر فی لهم فی الفقره الثانیه- عائدا إلى العظماء- .

قوله فإن یعذب فأنتم أظلم- أفعل هاهنا بمعنى الصفه لا بمعنى التفضیل- و إنما یراد فأنتم الظالمون- کقوله تعالى وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَیْهِ- و کقولهم الله أکبر- . ثم ذکر حال الزهاد- فقال أخذوا من الدنیا بنصیب قوی و جعلت لهم الآخره- و یروى- أن الفضیل بن عیاض کان هو و رفیق له فی بعض الصحاری- فأکلا کسره یابسه- و اغترفا بأیدیهما ماء من بعض الغدران- و قام الفضیل فحط رجلیه فی الماء- فوجد برده فالتذ به و بالحال التی هو فیها- فقال لرفیقه لو علم الملوک و أبناء الملوک ما نحن فیه- من العیش و اللذه لحسدونا- .

و روی و المتجر المربح- فالرابح فاعل من ربح ربحا- یقال بیع رابح أی یربح فیه- و المربح اسم فاعل قد عدی ماضیه بالهمزه- کقولک قام و أقمته- . قوله جیران الله غدا فی آخرتهم- ظاهر اللفظ غیر مراد- لأن البارئ تعالى لیس فی مکان و جهه لیکونوا جیرانه- و لکن لما کان الجار یکرم جاره سماهم جیران الله- لإکرامه إیاهم- و أیضا فإن الجنه إذا کانت فی السماء- و العرش هو السماء العلیا- کان فی الکلام محذوف مقدر- أی جیران عرش الله غدا- .

قوله فإنه یأتی بأمر عظیم و خطب جلیل- بخیر لا یکون معه شر أبدا و شر لا یکون معه خیر أبدا- نص صریح فی مذهب أصحابنا فی الوعید- و أن من دخل النار من جمیع المکلفین فلیس بخارج- لأنه لو خرج منها لکان الموت قد جاءه بشر معه خیر- و قد نفى نفیا عاما- أن یکون مع الشر المعقب للموت خیر البته- . قوله من عاملها أی من العامل لها- . قوله طرداء الموت جمع طرید- أی یطردکم عن أوطانکم و یخرجکم منها- لا بد من ذلک- إن أقمتم أخذکم و إن هربتم أدرککم- .

و قال الراوندی طرداء هاهنا جمع طریده- و هی ما طردت من الصید أو الوسیقه- و لیس بصحیح- لأن فعیله بالتأنیث لا تجمع على فعلاء- و قال النحویون إن قوله تعالى وَ یَجْعَلُکُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ- جاء على خلیف لا على خلیفه- و أنشدوا لأوس بن حجر بیتا استعملها جمیعا فیه- و هو إن من القوم موجودا خلیفته و ما خلیف أبی لیلى بموجود- .

قوله ألزم لکم من ظلکم- لأن الظل لا تصح مفارقته لذی الظل ما دام فی الشمس- و هذا من الأمثال المشهوره- . قوله معقود بنواصیکم أی ملازم لکم- کالشی‏ء المعقود بناصیه الإنسان أین ذهب ذهب منه- . و قال الراوندی أی الموت غالب علیکم- قال تعالى فَیُؤْخَذُ بِالنَّواصِی وَ الْأَقْدامِ- فإن الإنسان إذا أخذ بناصیته لا یمکنه الخلاص- و لیس بصحیح لأنه لم یقل أخذ بنواصیکم- . قوله و الدنیا تطوى من خلفکم- من کلام بعض الحکماء- الموت و الناس کسطورفی صحیفه- یقرؤها قارئ و یطوی ما یقرأ- فکلما ظهر سطر خفی سطر- . ثم أمره ع- بأن یجمع بین حسن الظن بالله و بین الخوف منه- و هذا مقام جلیل لا یصل إلیه إلا کل ضامر مهزول- و قد تقدم کلامنا فیه- و قال علی بن الحسین ع لو أنزل الله عز و جل کتابا أنه معذب رجلا واحدا- لرجوت أن أکونه- و أنه راحم رجلا واحدا لرجوت أن أکونه- أو أنه معذبی لا محاله ما ازددت إلا اجتهادا- لئلا أرجع إلى نفسی بلائمه – . ثم قال ولیتک أعظم أجنادی- یقال للأقالیم و الأطراف أجناد- تقول ولی جند الشام و ولی جند الأردن- و ولی جند مصر- . قوله فأنت محقوق- کقولک حقیق و جدیر و خلیق- قال الشاعر 

و إنی لمحقوق بألا یطولنی
نداه إذا طاولته بالقصائد

 و تنافح تجالد نافحت بالسیف أی خاصمت به- . قوله و لو لم یکن إلا ساعه من النهار- المراد تأکید الوصاه علیه أن یخالف على نفسه- و ألا یتبع هواها و أن یخاصم عن دینه- و أن ذلک لازم له و واجب علیه- و یلزم أن یفعله دائما- فإن لم یستطع فلیفعله و لو ساعه من النهار- و ینبغی أن یکون هذا التقیید مصروفا إلى المنافحه عن الدین- لأن الخصام فی الدین قد یمنعه عنه مانع- فأما أمره إیاه أن یخالف على نفسه- فلا یجوز صرف التقیید إلیه- لأنه یشعر بأنه مفسوح له أن یتبع هوى نفسه فی بعض الحالات- و ذلک غیر جائز- بخلاف المخاصمه و النضال عن المعتقد- .

قال و لا تسخط الله برضا أحد من خلقه- فإن فی الله خلفا من غیره- و لیس من الله خلف فی غیره- أخذه الحسن البصری- فقال لعمر بن هبیره أمیر العراق إن الله مانعک من یزید- و لم یمنعک یزید من الله یعنی یزید بن عبد الملک- . ثم أمره بأن یصلی الصلاه لوقتها أی فی وقتها- و نهاه أن یحمله الفراغ من الشغل على أن یعجلها قبل وقتها- فإنها تکون غیر مقبوله- أو أن یحمله الشغل على تأخیرها عن وقتها فیأثم- . و من کلام هشام بن عقبه أخی ذی الرمه- و کان من عقلاء الرجال- قال المبرد فی الکامل- حدثنی العباس بن الفرج الریاشی بإسناده- قال هشام لرجل أراد سفرا- اعلم أن لکل رفقه کلبا یشرکهم فی فضل الزاد- و یهر دونهم- فإن قدرت ألا تکون کلب الرفقه فافعل- و إیاک و تأخیر الصلاه عن وقتها- فإنک مصلیها لا محاله- فصلها و هی تقبل منک- .

قوله و اعلم أن کل شی‏ء من عملک تبع لصلاتک- فیه شبه من قول رسول الله ص الصلاه عماد الإیمان- و من ترکها فقد هدم الإیمان 
و قال ص أول ما یحاسب به العبد صلاته- فإن سهل علیه کان ما بعده أسهل- و إن اشتد علیه کان ما بعده أشد- . و مثل قوله و لا تسخط الله برضا أحد من خلقه- ما رواه المبرد فی الکامل عن عائشه قالت- من أرضى الله بإسخاط الناس کفاه الله ما بینه و بین الناس- و من أرضى الناس بإسخاط الله وکله الله إلى الناس- . و مثل هذا ما رواه المبرد أیضا قال- لما ولی الحسن بن زید بن الحسن المدینه- قال لابن هرمه إنی لست کمن باع لک دینه- رجاء مدحک أو خوف ذمک- فقد رزقنی‏ الله عز و جل بولاده نبیه ص الممادح- و جنبنی المقابح- و إن من حقه علی ألا أغضی على تقصیر فی حق الله- و أنا أقسم بالله- لئن أتیت بک سکران لأضربنک حدا للخمر و حدا للسکر- و لأزیدن لموضع حرمتک بی- فلیکن ترکک لها لله عز و جل تعن علیه- و لا تدعها للناس فتوکل إلیهم- فقال ابن هرمه 

نهانی ابن الرسول عن المدام
و أدبنی بآداب الکرام‏

و قال لی اصطبر عنها و دعها
لخوف الله لا خوف الأنام‏

و کیف تصبری عنها و حبی
لها حب تمکن فی عظامی‏

أرى طیب الحلال علی خبثا
و طیب النفس فی خبث الحرام‏

 وَ مِنْ هَذَا الْعَهْدِ- فَإِنَّهُ لَا سَوَاءَ إِمَامُ الْهُدَى وَ إِمَامُ الرَّدَى- وَ وَلِیُّ النَّبِیِّ وَ عَدُوُّ النَّبِیِّ- وَ لَقَدْ قَالَ لِی رَسُولُ اللَّهِ ص- إِنِّی لَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِی مُؤْمِناً وَ لَا مُشْرِکاً- أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَیَمْنَعُهُ اللَّهُ بِإِیمَانِهِ- وَ أَمَّا الْمُشْرِکُ فَیَقْمَعُهُ اللَّهُ بِشِرْکِهِ- وَ لَکِنِّی أَخَافُ عَلَیْکُمْ کُلَّ مُنَافِقِ الْجَنَانِ- عَالِمِ اللِّسَانِ- یَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ وَ یَفْعَلُ مَا تُنْکِرُونَ الإشاره بإمام الهدى إلیه نفسه- و بإمام الردى إلى معاویه- و سماه إماما کما سمى الله تعالى أهل الضلال أئمه- فقال وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّهً یَدْعُونَ إِلَى النَّارِ- ثم وصفه بصفه أخرى و هو أنه عدو النبی ص- لیس یعنی بذلک أنه کان عدوا أیام حرب النبی ص لقریش- بل یرید أنه الآن عدو النبی ص- لقوله ص له ع و عدوک عدوی و عدوی عدو الله- و أول الخبر ولیک ولیی و ولیی ولی الله – و تمامه مشهور- و لأن دلائل النفاق کانت ظاهره علیه- من فلتات لسانه و من أفعاله- و قد قال أصحابنا فی هذا المعنى أشیاء کثیره- فلتطلب من کتبهم- خصوصامن کتب شیخنا أبی عبد الله- و من کتب الشیخین أبی جعفر الإسکافی- و أبی القاسم البلخی- و قد ذکرنا بعض ذلک فیما تقدم- .

ثم قال ع إن رسول الله ص قال- إنی لا أخاف على أمتی مؤمنا و لا مشرکا- أی و لا مشرکا یظهر الشرک- قال لأن المؤمن یمنعه الله بإیمانه أن یضل الناس- و المشرک مظهر الشرک یقمعه الله بإظهار شرکه و یخذله- و یصرف قلوب الناس عن اتباعه- لأنهم ینفرون منه لإظهاره کلمه الکفر- فلا تطمئن قلوبهم إلیه- و لا تسکن نفوسهم إلى مقالته- و لکنی أخاف على أمتی المنافق- الذی یسر الکفر و الضلال- و یظهر الإیمان و الأفعال الصالحه- و یکون مع ذلک ذا لسن و فصاحه- یقول بلسانه ما تعرفون صوابه- و یفعل سرا ما تنکرونه لو اطلعتم علیه- و ذاک أن من هذه صفته تسکن نفوس الناس إلیه- لأن الإنسان إنما یحکم بالظاهر فیقلده الناس- فیضلهم و یوقعهم فی المفاسد کتاب المعتضد بالله و من الکتب المستحسنه الکتاب الذی کتبه المعتضد بالله- أبو العباس أحمد بن الموفق- أبی أحمد طلحه بن المتوکل على الله- فی سنه أربع و ثمانین و مائتین- و وزیره حینئذ عبید الله بن سلیمان- و أنا أذکره مختصرا- من تاریخ أبی جعفر محمد بن جریر الطبری- .

قال أبو جعفر و فی هذه السنه عزم المعتضد- على لعن معاویه بن أبی سفیان على المنابر- و أمر بإنشاء کتاب یقرأ على الناس- فخوفه عبید الله بن سلیمان اضطراب العامه-و أنه لا یأمن أن تکون فتنه فلم یلتفت إلیه- فکان أول شی‏ء بدأ به المعتضد من ذلک- التقدم إلى العامه بلزوم أعمالهم- و ترک الاجتماع و العصبیه- و الشهادات عند السلطان إلا أن یسألوا- و منع القصاص عن القعود على الطرقات- و أنشأ هذا الکتاب- و عملت به نسخ قرئت بالجانبین من مدینه السلام- فی الأرباع و المحال و الأسواق یوم الأربعاء- لست بقین من جمادى الأولى من هذه السنه- ثم منع یوم الجمعه لأربع بقین منه- و منع القصاص من القعود فی الجانبین- و منع أهل الحلق من القعود فی المسجدین- و نودی فی المسجد الجامع بنهی الناس عن الاجتماع و غیره- و بمنع القصاص و أهل الحلق من القعود- و نودی إن الذمه قد برئت ممن اجتمع من الناس- فی مناظره أو جدال- و تقدم إلى الشراب الذین یسقون الماء فی الجامعین- ألا یترحموا على معاویه و لا یذکروه بخیر- و کانت عادتهم جاریه بالترحم علیه- و تحدث الناس- أن الکتاب الذی قد أمر المعتضد بإنشائه بلعن معاویه- یقرأ بعد صلاه الجمعه على المنبر- فلما صلى الناس بادروا إلى المقصوره- لیسمعوا قراءه الکتاب- فلم یقرأ و قیل إن عبید الله بن سلیمان صرفه عن قراءته- و أنه أحضر یوسف بن یعقوب القاضی- و أمره أن یعمل الحیله فی إبطال ما عزم المعتضد علیه- فمضى یوسف فکلم المعتضد فی ذلک-

و قال له إنی أخاف أن تضطرب العامه- و یکون منها عند سماعها هذا الکتاب حرکه فقال إن تحرکت العامه أو نطقت- وضعت السیف فیها- فقال یا أمیر المؤمنین- فما تصنع بالطالبیین الذین یخرجون فی کل ناحیه- و یمیل إلیهم خلق کثیر لقربتهم من رسول الله ص- و ما فی هذا الکتاب من إطرائهم أو کما قال- و إذا سمع الناس هذا کانوا إلیهم أمیل- و کانوا هم أبسطألسنه و أثبت حجه منهم الیوم- فأمسک المعتضد فلم یرد إلیه جوابا- و لم یأمر بعد ذلک فی الکتاب بشی‏ء- و کان من جمله الکتاب- بعد أن قدم حمد الله و الثناء علیه- و الصلاه على رسول الله ص- أما بعد- فقد انتهى إلى أمیر المؤمنین ما علیه جماعه العامه- من شبهه قد دخلتهم فی أدیانهم- و فساد قد لحقهم فی معتقدهم- و عصبیه قد غلبت علیها أهواؤهم- و نطقت بها ألسنتهم على غیر معرفه و لا رویه- قد قلدوا فیها قاده الضلاله بلا بینه و لا بصیره- و خالفوا السنن المتبعه إلى الأهواء المبتدعه-

قال الله تعالى- وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَیْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ- إِنَّ اللَّهَ لا یَهْدِی الْقَوْمَ الظَّالِمِینَ- خروجا عن الجماعه و مسارعه إلى الفتنه- و إیثارا للفرقه و تشتیتا للکلمه- و إظهارا لموالاه من قطع الله عنه الموالاه- و بتر منه العصمه و أخرجه من المله- و أوجب علیه اللعنه و تعظیما لمن صغر الله حقه- و أوهن أمره و أضعف رکنه- من بنی أمیه الشجره الملعونه- و مخالفه لمن استنقذهم الله به من الهلکه- و أسبغ علیهم به النعمه من أهل بیت البرکه و الرحمه- وَ اللَّهُ یَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ یَشاءُ- وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِیمِ- . فأعظم أمیر المؤمنین ما انتهى إلیه من ذلک- و رأى ترک إنکاره حرجا علیه فی الدین- و فسادا لمن قلده الله أمره من المسلمین- و إهمالا لما أوجبه الله علیه من تقویم المخالفین- و تبصیر الجاهلین و إقامه الحجه على الشاکین- و بسط الید على المعاندین- و أمیر المؤمنین یخبرکم معاشر المسلمین- أن الله جل ثناؤه لما ابتعث محمدا ص بدینه- و أمره أن یصدع بأمره- بدأ بأهله و عشیرته فدعاهم إلى ربه- و أنذرهم و بشرهم-و نصح لهم و أرشدهم فکان من استجاب له- و صدق قوله- و اتبع أمره نفیر یسیر من بنی أبیه- من بین مؤمن بما أتى به من ربه- و ناصر لکلمته و إن لم یتبع دینه إعزازا له و إشفاقا علیه- فمؤمنهم مجاهد ببصیرته- و کافرهم مجاهد بنصرته و حمیته- یدفعون من نابذه و یقهرون من عازه و عانده- و یتوثقون له ممن کانفه و عاضده- و یبایعون من سمح بنصرته- و یتجسسون أخبار أعدائه- و یکیدون له بظهر الغیب کما یکیدون له برأی العین- حتى بلغ المدى و حان وقت الاهتداء- فدخلوا فی دین الله و طاعته و تصدیق رسوله- و الإیمان به بأثبت بصیره- و أحسن هدى و رغبه- فجعلهم الله أهل بیت الرحمه و أهل بیت الذین- أذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهیرا- معدن الحکمه و ورثه النبوه- و موضع الخلافه- أوجب الله لهم الفضیله و ألزم العباد لهم الطاعه- .

و کان ممن عانده و کذبه و حاربه من عشیرته- العدد الکثیر و السواد الأعظم- یتلقونه بالضرر و التثریب- و یقصدونه بالأذى و التخویف و ینابذونه بالعداوه- و ینصبون له المحاربه و یصدون من قصده- و ینالون بالتعذیب من اتبعه- و کان أشدهم فی ذلک عداوه و أعظمهم له مخالفه- أولهم فی کل حرب و مناصبه- و رأسهم فی کل إجلاب و فتنه- لا یرفع على الإسلام رایه- إلا کان صاحبها و قائدها و رئیسها أبا سفیان بن حرب- صاحب أحد و الخندق و غیرهما- و أشیاعه من بنی أمیه الملعونین فی کتاب الله- ثم الملعونین على لسان رسول الله ص فی مواطن عده- لسابق علم الله فیهم- و ماضی حکمه فی أمرهم و کفرهم و نفاقهم- فلم یزل لعنه الله یحارب مجاهدا- و یدافع مکایدا و یجلب منابذا- حتى قهره السیف و علا أمر الله و هم کارهون- فتعوذ بالإسلام غیر منطو علیه- و أسر الکفر غیر مقلع عنه- فقبله و قبل ولده على علم منه بحاله و حالهم- ثم أنزل الله‏ تعالى کتابا فیما أنزله على رسوله- یذکر فیه شأنهم- و هو قوله تعالى وَ الشَّجَرَهَ الْمَلْعُونَهَ فِی الْقُرْآنِ- و لا خلاف بین أحد- فی أنه تعالى و تبارک أراد بها بنی أمیه- . و مما ورد من ذلک فی السنه و رواه ثقات الأمه- قول رسول الله ص فیه و قد رآه مقبلا على حمار و معاویه یقوده و یزید یسوقه- لعن الله الراکب و القائد و السائق – . و منه ما روته الرواه عنه من قوله یوم بیعه عثمان- تلقفوها یا بنی عبد شمس تلقف الکره- فو الله ما من جنه و لا نار- و هذا کفر صراح یلحقه اللعنه من الله- کما لحقت الذین کفروا من بنی إسرائیل- على لسان داود و عیسى ابن مریم- ذلک بما عصوا و کانوا یعتدون- .

و منه ما یروى من وقوفه على ثنیه أحد من بعد ذهاب بصره- و قوله لقائده هاهنا رمینا محمدا و قتلنا أصحابه- . و منها الکلمه التی قالها للعباس قبل الفتح- و قد عرضت علیه الجنود- لقد أصبح ملک ابن أخیک عظیما- فقال له العباس ویحک إنه لیس بملک إنها النبوه- . و منها قوله یوم الفتح- و قد رأى بلالا على ظهر الکعبه یؤذن- و یقول أشهد أن محمدا رسول الله- لقد أسعد الله عتبه بن ربیعه إذ لم یشهد هذا المشهد- . و منه الرؤیا التی رآها رسول الله ص فوجم لها- قالوا فما رئی بعدها ضاحکا- رأى نفرا من بنی أمیه ینزون على منبره نزوه القرده- . و منها طرد رسول الله ص الحکم بن أبی العاص- لمحاکاته إیاه فی‏ مشیته- و ألحقه الله بدعوه رسول الله ص آفه باقیه- حین التفت إلیه فرآه یتخلج یحکیه- فقال کن کما أنت فبقی على ذلک سائر عمره- .

هذا إلى ما کان من مروان ابنه- فی افتتاحه أول فتنه کانت فی الإسلام- و احتقابه کل حرام سفک فیها أو أریق بعدها- . و منها ما أنزل الله تعالى على نبیه ص- لَیْلَهُ الْقَدْرِ خَیْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ- قالوا ملک بنی أمیه- . و منها أن رسول الله ص دعا معاویه لیکتب بین یدیه- فدافع بأمره و اعتل بطعامه- فقال ص لا أشبع الله بطنه – فبقی لا یشبع- و هو یقول و الله ما أترک الطعام شبعا و لکن إعیاء- .

و منها أن رسول الله ص قال یطلع من هذا الفج رجل من أمتی یحشر على غیر ملتی – فطلع معاویه- . و منها أن رسول الله ص قال إذا رأیتم معاویه على منبری فاقتلوه – . و منها الحدیث المشهور المرفوع أنه ص قال إن معاویه فی تابوت من نار- فی أسفل درک من جهنم ینادی یا حنان یا منان- فیقال له آلْآنَ وَ قَدْ عَصَیْتَ قَبْلُ- وَ کُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِینَ‏- . و منها افتراؤه بالمحاربه لأفضل المسلمین فی الإسلام مکانا- و أقدمهم إلیه سبقا- و أحسنهم فیه أثرا و ذکرا علی بن أبی طالب- ینازعه حقه بباطله و یجاهد أنصاره بضلاله أعوانه- و یحاول ما لم یزل هو و أبوه یحاولانه- من إطفاء نور الله و جحود دینه-وَ یَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ یُتِمَّ نُورَهُ- وَ لَوْ کَرِهَ الْکافِرُونَ- و یستهوی أهل الجهاله- و یموه لأهل الغباوه بمکره- و بغیه اللذین قدم رسول الله ص الخبر عنهما- فقال لعمار بن یاسر تقتلک الفئه الباغیه – تدعوهم إلى الجنه و یدعونک إلى النار- مؤثرا للعاجله کافرا بالآجله- خارجا من ربقه الإسلام- مستحلا للدم الحرام حتى سفک فی فتنته- و على سبیل غوایته و ضلالته- ما لا یحصى عدده من أخیار المسلمین- الذابین عن دین الله و الناصرین لحقه- مجاهدا فی عداوه الله- مجتهدا فی أن یعصى الله فلا یطاع- و تبطل أحکامه فلا تقام- و یخالف دینه فلا بد- و أن تعلو کلمه الضلال و ترتفع دعوه الباطل- و کلمه الله هی العلیا و دینه المنصور- و حکمه النافذ و أمره الغالب- و کید من عاداه و حاده المغلوب الداحض- حتى احتمل أوزار تلک الحروب و ما تبعها- و تطوق تلک الدماء و ما سفک بعدها- و سن سنن الفساد التی علیه إثمها و إثم من عمل بها- و أباح المحارم لمن ارتکبها و منع الحقوق أهلها- و غرته الآمال و استدرجه الإمهال- و کان مما أوجب الله علیه به اللعنه-

قتله من قتل صبرا من خیار الصحابه و التابعین- و أهل الفضل و الدین- مثل عمرو بن الحمق الخزاعی و حجر بن عدی الکندی- فیمن قتل من أمثالهم- على أن تکون له العزه و الملک و الغلبه- ثم ادعاؤه زیاد بن سمیه أخا- و نسبته إیاه إلى أبیه- و الله تعالى یقول ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ و رسول الله ص یقول ملعون من ادعى إلى غیر أبیه أو انتمى إلى غیر موالیه و قال الولد للفراش و للعاهر الحجر – فخالف حکم الله تعالى و رسوله جهارا- و جعل الولد لغیر الفراش و الحجر لغیر العاهر- فأحل بهذه الدعوه من محارم الله و رسوله- فی أم حبیبه أم المؤمنین- و فی غیرها من النساء من شعور و وجوه قدحرمها الله- و أثبت بها من قربى قد أبعدها الله- ما لم یدخل الدین خلل مثله- و لم ینل الإسلام تبدیل یشبهه- . و من ذلک إیثاره لخلافه الله على عباده ابنه یزید- السکیر الخمیر صاحب الدیکه و الفهود و القرده- و أخذ البیعه له على خیار المسلمین بالقهر و السطوه- و التوعد و الإخافه و التهدید و الرهبه- و هو یعلم سفهه و یطلع على رهقه و خبثه- و یعاین سکراته و فعلاته و فجوره و کفره- فلما تمکن قاتله الله فیما تمکن منه- طلب بثارات المشرکین و طوائلهم عند المسلمین- فأوقع بأهل المدینه فی وقعه الحره- الوقعه التی لم یکن فی الإسلام أشنع منها و لا أفحش- فشفى عند نفسه غلیله- و ظن أنه قد انتقم من أولیاء الله و بلغ الثأر لأعداء الله- فقال مجاهرا بکفره و مظهرا لشرکه-لیت أشیاخی ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل‏- .

قول من لا یرجع إلى الله و لا إلى دینه- و لا إلى رسوله و لا إلى کتابه- و لا یؤمن بالله و بما جاء من عنده- . ثم أغلظ ما انتهک- و أعظم ما اجترم سفکه دم الحسین بن علی ع- مع موقعه من رسول الله ص- و مکانه و منزلته من الدین و الفضل- و الشهاده له و لأخیه بسیاده شباب أهل الجنه- اجتراء على الله و کفرا بدینه- و عداوه لرسوله و مجاهره لعترته و استهانه لحرمته- کأنما یقتل منه و من أهل بیته- قوما من کفره الترک‏ و الدیلم- و لا یخاف من الله نقمه و لا یراقب منه سطوه- فبتر الله عمره أخبث أصله و فرعه و سلبه ما تحت یده- و أعد له من عذابه و عقوبته ما استحقه من الله بمعصیته- . هذا إلى ما کان من بنی مروان من تبدیل کتاب الله- و تعطیل أحکام الله و اتخاذ مال الله بینهم دولا- و هدم بیت الله و استحلالهم حرمه- و نصبهم المجانیق علیه و رمیهم بالنیران إیاه- لا یألون له إحراقا و إخرابا- و لما حرم الله منه استباحه و انتهاکا- و لمن لجأ إلیه قتلا و تنکیلا- و لمن أمنه الله به إخفاقه و تشریدا- حتى إذا حقت علیهم کلمه العذاب- و استحقوا من الله الانتقام- و ملئوا الأرض بالجور و العدوان- و عموا عباد بلاد الله بالظلم و الاقتسار- و حلت علیهم السخطه- و نزلت بهم من الله السطوه- أتاح الله لهم من عتره نبیه و أهل وراثته- و من استخلصه منهم لخلافته- مثل ما أتاح من أسلافهم المؤمنین- و آبائهم المجاهدین لأوائلهم الکافرین- فسفک الله به دماءهم و دماء آبائهم مرتدین- کما سفک بآبائهم مشرکین- و قطع الله دابر الذین ظلموا- و الحمد لله رب العالمین- . 

أیها الناس إن الله إنما أمر لیطاع- و مثل لیتمثل و حکم لیفعل- قال الله سبحانه و تعالى إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْکافِرِینَ- وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِیراً- و قال أُولئِکَ یَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ یَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ- . فالعنوا أیها الناس من لعنه الله و رسوله- و فارقوا من لا تنالون القربه من الله إلا بمفارقته- اللهم العن أبا سفیان بن حرب بن أمیه- و معاویه بن أبی سفیان و یزید بن معاویه- و مروان بن الحکم و ولده و ولد ولده- اللهم العن أئمه الکفر و قاده الضلال- و أعداء الدین و مجاهدی الرسول- و معطلی الأحکام و مبدلی الکتاب- و منتهکی الدم الحرام- اللهم إنا نبرأ إلیک من موالاه أعدائک- و من الإغماض لأهل معصیتک-کما قلت لا تَجِدُ قَوْماً یُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْیَوْمِ الْآخِرِ- یُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ- . أیها الناس اعرفوا الحق تعرفوا أهله- و تأملوا سبل الضلاله تعرفوا سابلها- فقفوا عند ما وقفکم الله علیه- و انفذوا کما أمرکم الله به- و أمیر المؤمنین یستعصم بالله لکم- و یسأله توفیقکم و یرغب إلیه فی هدایتکم- و الله حسبه و علیه توکله- و لا قوه إلا بالله العلی العظیم- .

قلت هکذا ذکر الطبری الکتاب- و عندی أنه الخطبه- لأن کل ما یخطب به فهو خطبه و لیس بکتاب- و الکتاب ما یکتب إلى عامل أو أمیر و نحوهما- و قد یقرأ الکتاب على المنبر فیکون کالخطبه- و لکن لیس بخطبه و لکنه کتاب قرئ على الناس- . و لعل هذا الکلام کان قد أنشئ لیکون کتابا- و یکتب به إلى الآفاق- و یؤمروا بقراءته على الناس- و ذلک بعد قراءته على أهل بغداد- و الذی یؤکد کونه کتابا و ینصر ما قاله الطبری- إن فی آخره کتب عبید الله بن سلیمان فی سنه أربع و ثمانین و مائتین- و هذا لا یکون فی الخطب بل فی الکتب- و لکن الطبری لم یذکر أنه أمر بأن یکتب إلى الآفاق- و لا قال وقع العزم على ذلک- و لم یذکر إلا وقوع العزم على أن یقرأ فی الجوامع ببغداد

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۵

بازدیدها: ۳۵

نامه ۲۶ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۲۶ و من عهد له ع إلى بعض عماله- و قد بعثه على الصدقه 

آمُرُهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِی سَرَائِرِ أَمْرِهِ وَ خَفِیَّاتِ عَمَلِهِ- حَیْثُ لَا شَاهِدَ غَیْرُهُ وَ لَا وَکِیلَ دُونَهُ- وَ آمُرُهُ أَلَّا یَعْمَلَ بِشَیْ‏ءٍ مِنْ طَاعَهِ اللَّهِ فِیمَا ظَهَرَ- فَیُخَالِفَ إِلَى غَیْرِهِ فِیمَا أَسَرَّ- وَ مَنْ لَمْ یَخْتَلِفْ سِرُّهُ وَ عَلَانِیَتُهُ وَ فِعْلُهُ وَ مَقَالَتُهُ- فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَهَ وَ أَخْلَصَ الْعِبَادَهَ- وَ آمُرُهُ أَلَّا یَجْبَهَهُمْ وَ لَا یَعْضَهَهُمْ- وَ لَا یَرْغَبَ عَنْهُمْ تَفَضُّلًا بِالْإِمَارَهِ عَلَیْهِمْ- فَإِنَّهُمُ الْإِخْوَانُ فِی الدِّینِ- وَ الْأَعْوَانُ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْحُقُوقِ- وَ إِنَّ لَکَ فِی هَذِهِ الصَّدَقَهِ نَصِیباً مَفْرُوضاً وَ حَقّاً مَعْلُوماً- وَ شُرَکَاءَ أَهْلَ مَسْکَنَهٍ وَ ضُعَفَاءَ ذَوِی فَاقَهٍ- وَ إِنَّا مُوَفُّوکَ حَقَّکَ فَوَفِّهِمْ حُقُوقَهُمْ- وَ إِلَّا تَفْعَلْ فَإِنَّکَ مِنْ أَکْثَرِ النَّاسِ خُصُوماً یَوْمَ الْقِیَامَهِ- وَ بُؤْسَى لِمَنْ خَصْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ الْفُقَرَاءُ وَ الْمَسَاکِینُ- وَ السَّائِلُونَ وَ الْمَدْفُوعُونَ وَ الْغَارِمُونَ وَ ابْنُ السَّبِیلِ- وَ مَنِ اسْتَهَانَ بِالْأَمَانَهِ وَ رَتَعَ فِی الْخِیَانَهِ- وَ لَمْ یُنَزِّهْ نَفْسَهُ وَ دِینَهُ عَنْهَا- فَقَدْ أَحَلَّ بِنَفْسِهِ الذُّلَّ وَ الْخِزْیَ فِی الدُّنْیَا- وَ هُوَ فِی الآْخِرَهِ أَذَلُّ وَ أَخْزَى- وَ إِنَّ أَعْظَمَ الْخِیَانَهِ خِیَانَهُ الْأُمَّهِ- وَ أَفْظَعَ الْغِشِّ غِشُّ الْأَئِمَّهِ وَ السَّلَامُ‏

حیث لا شهید و لا وکیل دونه یعنی یوم القیامه- . قوله ألا یعمل بشی‏ء من طاعه الله فیما ظهر- أی لا ینافق- فیعمل الطاعه فی الظاهر و المعصیه فی الباطن- . ثم ذکر أن الذین یتجنبون النفاق و الریاء هم المخلصون- . و ألا یجبههم لا یواجههم بما یکرهونه- و أصل الجبه لقاء الجبهه أو ضربها- فلما کان المواجه غیره بالکلام القبیح- کالضارب جبهته به سمی بذلک جبها- . قوله و لا یعضههم أی لا یرمیهم بالبهتان و الکذب- و هی العضیهه- و عضهت فلانا عضها- و قد عضهت یا فلان أی جئت بالبهتان- قوله و لا یرغب عنهم تفضلا- یقول لا یحقرهم ادعاء لفضله علیهم- و تمییزه عنهم بالولایه و الإمره- یقال فلان یرغب عن القوم- أی یأنف من الانتماء إلیهم أو من المخالطه لهم- . 

و کان عمر بن عبد العزیز یدخل إلیه سالم مولى بنی مخزوم- و عمر فی صدر بیته فیتنحى عن الصدر- و کان سالم رجلا صالحا- و کان عمر أراد شراءه و عتقه فأعتقه موالیه- فکان یسمیه أخی فی الله فقیل له أ تتنحى لسالم- فقال إذا دخل علیک من لا ترى لک علیه فضلا- فلا تأخذ علیه شرف المجلس- و هم السراج لیله بأن یخمد- فوثب إلیه رجاء بن حیوه لیصلحه- فأقسم علیه عمر بن عبد العزیز فجلس- ثم قام عمر فأصلحه- فقال له رجاء أ تقوم أنت یا أمیر المؤمنین قال نعم- قمت و أنا عمر بن عبد العزیز- و رجعت و أنا عمر بن عبد العزیز قال رسول الله ص لا ترفعونی فوق قدری- فتقولوا فی ما قالت النصارى فی ابن مریم- فإن الله عز و جل اتخذنی عبدا- قبل أن یتخذنی رسولا – .

ثم قال إن أرباب الأموال- الذین تجب الصدقه علیهم فی أموالهم إخوانک فی الدین- و أعوانک على استخراج الحقوق- لأن الحق إنما یمکن العامل استیفاؤه- بمعاونه رب المال و اعترافه به و دفعه إلیه- فإذا کانوا بهذه الصفه- لم یجز لک عضههم و جبههم و ادعاء الفضل علیهم- . ثم ذکر أن لهذا العامل نصیبا مفروضا من الصدقه- و ذلک بنص الکتاب العزیز- فکما نوفیک نحن حقک- یجب علیک أن توفی شرکاءک حقوقهم- و هم الفقراء و المساکین و الغارمون- و سائر الأصناف المذکوره فی القرآن- و هذا یدل على أنه ع قد فوضه- فی صرف الصدقات إلى الأصناف المعلومه- و لم یأمره بأن یحمل ما اجتمع إلیه- لیوزعه هو ع على مستحقیه کما فی الوصیه الأولى- و یجوز للإمام أن یتولى ذلک بنفسه- و أن یکله إلى من یثق به من عماله- . و انتصب أهل مسکنه لأنه صفه شرکاء- و فی التحقیق أن شرکاء صفه أیضا موصوفها محذوف- فیکون صفه بعد صفه- . و قال الراوندی انتصب أهل مسکنه- لأنه بدل من شرکاء- و هذا غلط لأنه لا یعطی معناه لیکون بدلا منه- . و قال أیضا بؤسى أی عذابا و شده- فظنه منونا و لیس کذلک- بل هو بؤسى على وزن فعلى- کفضلى و نعمى و هی لفظه مؤنثه- یقال بؤسى لفلان- قال الشاعر 

أرى الحلم بؤسى للفتى فی حیاته
و لا عیش إلا ما حباک به الجهل‏

و السائلون هاهنا هم الرقاب المذکورون فی الآیه- و هم المکاتبون یتعذر علیهم أداء مال الکتابه- فیسألون الناس لیتخلصوا من ربقه الرق- و قیل هم الأسارى یطلبون فکاک أنفسهم- و قیل بل المراد بالرقاب فی الآیه الرقیق- یسأل أن یبتاعه الأغنیاء فیعتقوه- و المدفوعون هاهنا هم الذین عناهم الله تعالى فی الآیه- بقوله وَ فِی سَبِیلِ اللَّهِ و هم فقراء الغزاه- سماهم مدفوعین لفقرهم- و المدفوع و المدفع الفقیر- لأن کل أحد یکرهه و یدفعه عن نفسه- و قیل هم الحجیج المنقطع بهم- سماهم مدفوعین لأنهم دفعوا عن إتمام حجهم- أو دفعوا عن العود إلى أهلهم- .

فإن قلت لم حملت کلام أمیر المؤمنین ع على ما فسرته به- قلت- لأنه ع إنما أراد أن یذکر الأصناف المذکوره فی الآیه- فترک ذکر المؤلفه قلوبهم- لأن سهمهم سقط بعد موت رسول الله ص- فقد کان یدفع إلیهم حین الإسلام ضعیف- و قد أعزه الله سبحانه- فاستغنى عن تألیف قلوب المشرکین- و بقیت سبعه أصناف و هم الفقراء و المساکین- و العاملون علیها و الرقاب- و الغارمون و فی سبیل الله و ابن السبیل- . فأما العاملون علیها فقد ذکرهم ع فی قوله- و إن لک فی هذه الصدقه نصیبا مفروضا- فبقیت سته أصناف- أتى ع بألفاظ القرآن فی أربعه أصناف منها- و هی الفقراء و المساکین و الغارم و ابن السبیل- و أبدل لفظتین و هما الرقاب و فی سبیل الله بلفظتین- و هما السائلون و المدفوعون- . فإن قلت ما یقوله الفقهاء فی الصدقات- هل تصرف إلى الأصناف کلها- أم یجوز صرفها إلى واحد منها- .

قلت أما أبو حنیفه فإنه یقول- الآیه قصر لجنس الصدقات على الأصناف المعدوده- فهی مختصه بها لا تتجاوزها إلى غیرها- کأنه تعالى قال إنما هی لهم لا لغیرهم- کقولک إنما الخلافه لقریش- فیجوز أن تصرف الصدقه إلى الأصناف کلها- و یجوز أن تصرف إلى بعضها- و هو مذهب ابن عباس و حذیفه- و جماعه من الصحابه و التابعین- و أما الشافعی- فلا یرى صرفها إلا إلى الأصناف المعدوده کلها- و به قال الزهری و عکرمه- . فإن قلت فمن الغارم و ابن السبیل- . قلت الغارمون الذین رکبتهم الدیون- و لا یملکون بعدها ما یبلغ النصاب- و قیل هم الذین یحملون الحمالات فدینوا فیها و غرموا- و ابن السبیل المسافر المنقطع عن ماله- فهو و إن کان غنیا حیث ماله موجود- فقیر حیث هو بعید- .

و قد سبق تفسیر الفقیر و المسکین فیما تقدم- . قوله فقد أحل بنفسه الذل و الخزی- أی جعل نفسه محلا لهما- و یروى فقد أخل بنفسه بالخاء المعجمه- و لم یذکر الذل و الخزی أی جعل نفسه مخلا- و معناه جعل نفسه فقیرا- یقال خل الرجل إذا افتقر- و أخل به غیره و بغیره أی جعل غیره فقیرا- و روی أحل بنفسه بالحاء المهمله- و لم یذکر الذل و الخزی- و معنى أحل بنفسه أباح دمه- و الروایه الأولى أصح- لأنه قال بعدها و هو فی الآخره أذل و أخزى- . و خیانه الأمه مصدر مضاف إلى المفعول به- لأن الساعی إذا خان فقد خان الأمه کلها- و کذلک غش الأئمه مصدر مضاف إلى المفعول أیضا- لأن الساعی إذا غش فی الصدقه فقد غش الإمام

 

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۵

بازدیدها: ۱۱

نامه ۲۵ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۲۵ و من وصیه له ع کان یکتبها لمن یستعمله على الصدقات 

و إنما ذکرنا هنا جملا منها- لیعلم بها أنه ع کان یقیم عماد الحق- و یشرع أمثله العدل فی صغیر الأمور و کبیرها- و دقیقها و جلیلها- : انْطَلِقْ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِیکَ لَهُ- وَ لَا تُرَوِّعَنَّ مُسْلِماً وَ لَا تَجْتَازَنَّ عَلَیْهِ کَارِهاً- وَ لَا تَأْخُذَنَّ مِنْهُ أَکْثَرَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِی مَالِهِ- فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى الْحَیِّ فَانْزِلْ بِمَائِهِمْ- مِنْ غَیْرِ أَنْ تُخَالِطَ أَبْیَاتَهُمْ- ثُمَّ امْضِ إِلَیْهِمْ بِالسَّکِینَهِ وَ الْوَقَارِ- حَتَّى تَقُومَ بَیْنَهُمْ فَتُسَلِّمَ عَلَیْهِمْ- وَ لَا تُخْدِجْ بِالتَّحِیَّهِ لَهُمْ ثُمَّ تَقُولَ عِبَادَ اللَّهِ- أَرْسَلَنِی إِلَیْکُمْ وَلِیُّ اللَّهِ وَ خَلِیفَتُهُ- لآِخُذَ مِنْکُمْ حَقَّ اللَّهِ فِی أَمْوَالِکُمْ- فَهَلْ لِلَّهِ فِی أَمْوَالِکُمْ مِنْ حَقٍّ فَتُؤَدُّوهُ إِلَى وَلِیِّهِ- فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لَا فَلَا تُرَاجِعْهُ- وَ إِنْ أَنْعَمَ لَکَ مُنْعِمٌ فَانْطَلِقْ مَعَهُ- مِنْ غَیْرِ أَنْ تُخِیفَهُ أَوْ تُوعِدَهُ- أَوْ تَعْسِفَهُ أَوْ تُرْهِقَهُ فَخُذْ مَا أَعْطَاکَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّهٍ- فَإِنْ کَانَ لَهُ مَاشِیَهٌ أَوْ إِبِلٌ فَلَا تَدْخُلْهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ- فَإِنَّ أَکْثَرَهَا لَهُ- فَإِذَا أَتَیْتَهَا فَلَا تَدْخُلْ عَلَیْهَا دُخُولَ مُتَسَلِّطٍ عَلَیْهِ- وَ لَا عَنِیفٍ بِهِ- وَ لَا تُنَفِّرَنَّ بَهِیمَهً وَ لَا تُفْزِعَنَّهَا- وَ لَا تَسُوءَنَّ صَاحِبَهَا فِیهَا- وَ اصْدَعِ الْمَالَ صَدْعَیْنِ ثُمَّ خَیِّرْهُ- فَإِذَا اخْتَارَ فَلَا تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ- ثُمَّ اصْدَعِ الْبَاقِیَ صَدْعَیْنِ ثُمَّ خَیِّرْهُ- فَإِذَا اخْتَارَ فَلَا تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ- فَلَا تَزَالُ کَذَلِکَ حَتَّى یَبْقَى مَا فِیهِ- وَفَاءٌ لِحَقِّ اللَّهِ فِی مَالِهِ- فَاقْبِضْ حَقَّ اللَّهِ مِنْهُ-فَإِنِ اسْتَقَالَکَ فَأَقِلْهُ- ثُمَّ اصْنَعْ مِثْلَ الَّذِی صَنَعْتَ أَوَّلًا- حَتَّى تَأْخُذَ حَقَّ اللَّهِ فِی مَالِهِ- وَ لَا تَأْخُذَنَّ عَوْداً وَ لَا هَرِمَهً وَ لَا مَکْسُورَهً وَ لَا مَهْلُوسَهً وَ لَا ذَاتَ عَوَارٍ- وَ لَا تَأْمَنَنَّ عَلَیْهَا إِلَّا مَنْ تَثِقُ بِدِینِهِ- رَافِقاً بِمَالِ الْمُسْلِمِینَ- حَتَّى یُوَصِّلَهُ إِلَى وَلِیِّهِمْ فَیَقْسِمَهُ بَیْنَهُمْ- وَ لَا تُوَکِّلْ بِهَا إِلَّا نَاصِحاً شَفِیقاً وَ أَمِیناً حَفِیظاً- غَیْرَ مُعْنِفٍ وَ لَا مُجْحِفٍ وَ لَا مُلْغِبٍ وَ لَا مُتْعِبٍ- ثُمَّ احْدُرْ إِلَیْنَا مَا اجْتَمَعَ عِنْدَکَ- نُصَیِّرْهُ حَیْثُ أَمَرَ اللَّهُ- فَإِذَا أَخَذَهَا أَمِینُکَ- فَأَوْعِزْ إِلَیْهِ أَلَّا یَحُولَ بَیْنَ نَاقَهٍ وَ بَیْنَ فَصِیلِهَا- وَ لَا یَمْصُرَ لَبَنَهَا فَیَضُرَّ [فَیُضِرَّ] ذَلِکَ بِوَلَدِهَا- وَ لَا یَجْهَدَنَّهَا رُکُوباً- وَ لْیَعْدِلْ بَیْنَ صَوَاحِبَاتِهَا فِی ذَلِکَ وَ بَیْنَهَا- وَ لْیُرَفِّهْ عَلَى اللَّاغِبِ- وَ لْیَسْتَأْنِ بِالنَّقِبِ وَ الظَّالِعِ- وَ لْیُورِدْهَا مَا تَمُرُّ بِهِ مِنَ الْغُدُرِ- وَ لَا یَعْدِلْ بِهَا عَنْ نَبْتِ الْأَرْضِ إِلَى جَوَادِّ الطُّرُقِ- وَ لْیُرَوِّحْهَا فِی السَّاعَاتِ- وَ لْیُمْهِلْهَا عِنْدَ النِّطَافِ وَ الْأَعْشَابِ- حَتَّى تَأْتِیَنَا بِإِذْنِ اللَّهِ بُدَّناً مُنْقِیَاتٍ- غَیْرَ مُتْعَبَاتٍ وَ لَا مَجْهُودَاتٍ- لِنَقْسِمَهَا عَلَى کِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّهِ نَبِیِّهِ ص- فَإِنَّ ذَلِکَ أَعْظَمُ لِأَجْرِکَ- وَ أَقْرَبُ لِرُشْدِکَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ و قد کرر ع قوله- لنقسمها على کتاب الله و سنه نبیه ص-

فی ثلاثه مواضع من هذا الفصل-

الأول قوله حتى یوصله إلى ولیهم لیقسمه بینهم- . 

الثانی قوله ع نصیره حیث أمر الله به- .

الثالث قوله لنقسمها على کتاب الله- و البلاغه لا تقتضی ذلک- و لکنی أظنه أحب أن یحتاط- و أن یدفع الظنه عن نفسه- فإن الزمان کان فی عهده قد فسد- و ساءت ظنون الناس- لا سیما مع ما رآه من عثمان و استئثاره بمال الفی‏ء- . و نعود إلى الشرح- قوله ع على تقوى الله- على لیست متعلقه بانطلق- بل بمحذوف تقدیره مواظبا- . قوله و لا تروعن أی لا تفزعن- و الروع الفزع رعته أروعه- و لا تروعن بتشدید الواو و ضم حرف المضارعه- من روعت للتکثیر- .

قوله ع و لا تجتازن علیه کارها- أی لا تمرن ببیوت أحد من المسلمین یکره مرورک- و روی و لا تختارن علیه- أی لا تقسم ماله و تختر أحد القسمین- و الهاء فی علیه ترجع إلى مسلما- و تفسیر هذا سیأتی فی وصیته له أن یصدع المال ثم یصدعه- فهذا هو النهی عن أن یختار على المسلم- و الروایه الأولى هی المشهوره- . قوله ع فانزل بمائهم- و ذلک لأن الغریب یحمد منه الانقباض- و یستهجن فی القادم أن یخالط بیوت الحی الذی قدم علیه- فقد یکون من النساء من لا تلیق رؤیته- و لا یحسن سماع صوته- و من الأطفال من یستهجن- أن یرى الغریب انبساطه على أبویه و أهله- و قد یکره القوم أن یطلع الغریب على مأکلهم و مشربهم- و ملبسهم و بواطن أحوالهم- و قد یکونون فقراء فیکرهون أن یعرف فقرهم فیحتقرهم- أو أغنیاء أرباب ثروه کثیره- فیکرهون أن یعلم الغریب ثروتهم فیحسدهم- ثم أمره أن یمضی إلیهم غیر متسرع- و لا عجل و لا طائش نزق- حتى یقوم بینهم فیسلم علیهمو یحییهم تحیه کامله- غیر مخدجه أی غیر ناقصه- أخدجت الناقه إذا جاءت بولدها ناقص الخلق- و إن کانت أیامه تامه- و خدجت ألقت الولد قبل تمام أیامه- و روی و لا تحدج بالتحیه و الباء زائده- .

ثم أمره أن یسألهم هل فی أموالهم حق لله تعالى- یعنی الزکاه- فإن قالوا لا فلینصرف عنهم- لأن القول قول رب المال- فلعله قد أخرج الزکاه قبل وصول المصدق إلیه- . قوله و أنعم لک أی قال نعم- . و لا تعسفه أی لا تطلب منه الصدقه عسفا- و أصله الأخذ على غیر الطریق- . و لا ترهقه لا تکلفه العسر و المشقه- . ثم أمره أن یقبض ما یدفع إلیه من الذهب و الفضه- و هذا یدل على أن المصدق کان یأخذ العین و الورق- کما یأخذ الماشیه- و أن النصاب فی العین و الورق- تدفع زکاته إلى الإمام و نوابه- و فی هذه المسأله اختلاف بین الفقهاء- .

قوله فإن أکثرها له- کلام لا مزید علیه فی الفصاحه و الرئاسه و الدین- و ذلک لأن الصدقه المستحقه جزء یسیر من النصاب- و الشریک إذا کان له الأکثر- حرم علیه أن یدخل و یتصرف إلا بإذن شریکه- فکیف إذا کان له الأقل- . قوله فلا تدخلها دخول متسلط علیه- قد علم ع أن الظلم من طبع الولاه- و خصوصا من یتولى قبض الماشیه من أربابها- على وجه الصدقه- فإنهم یدخلونها دخول متسلط حاکم قاهر- و لا یبقى لرب المال فیها تصرف- فنهى ع عن مثل ذلک- .

قوله و لا تنفرن بهیمه و لا تفزعنها- و ذلک أنهم على عاده السوء یهجهجون بالقطیع حتى تنفر الإبل- و کذلک بالشاء إظهارا للقوه و القهر- و لیتمکن أعوانهم من اختیار الجید و رفض الردی‏ء- . قوله و لا تسوءن صاحبها فیها- أی لا تغموه و لا تحزنوه- یقال سؤته فی کذا سوائیه و مسائیه- .

قوله و اصدع المال صدعین و خیره- أی شقه نصفین ثم خیره- فإذا اختار أحد النصفین فلا تعرضن لما اختار- ثم اصدع النصف الذی ما ارتضاه لنفسه صدعین و خیره- ثم لا تزال تفعل هکذا- حتى تبقی من المال بمقدار الحق الذی علیه فأقبضه منه- فإن استقالک فأقله ثم اخلط المال- ثم عد لمثل ما صنعت حتى یرضى- و ینبغی أن یکون المعیبات الخمس- و هی المهلوسه و المکسوره و أخواتهما- یخرجها المصدق من أصل المال قبل قسمته ثم یقسم- و إلا فربما وقعت فی سهم المصدق- إذا کان یعتمد ما أمره به من صدع المال مره بعد مره- .

و العود المسن من الإبل- و الهرمه المسنه أیضا- و المکسوره التی أحد قوائمها مکسوره العظم- أو ظهرها مکسور- و المهلوسه المریضه قد هلسها المرض و أفنى لحمها- و الهلاس السل- و العوار بفتح العین العیب و قد جاء بالضم- . و المعنف ذو العنف بالضم و هو ضد الرفق- و المجحف الذی یسوق المال سوقا عنیفا- فیجحف به أی یهلکه أو یذهب کثیرا من لحمه و نقیه- . و الملغب المتعب و اللغوب الإعیاء- . و حدرت السفینه و غیرها بغیر ألف أحدرها بالضم- .

قوله بین ناقه و بین فصیلها- الأفصح حذف بین الثانیه- لأن الاسمین ظاهران- و إنما تکرر إذا جاءت بعد المضمر- کقولک المال بینی و بین زید و بین عمرو- و ذلک لأن المجرور لا یعطف علیه إلا بإعاده حرف الجر- و الاسم المضاف- و قد جاء المال بین زید و عمرو- و أنشدوا 
بین السحاب و بین الریح ملحمه قعاقع و ظبی فی الجو تخترط- . و أیضا

بین الندی و بین برقه ضاحک
غیث الضریک و فارس مقدام‏

و من شعر الحماسه 

و إن الذی بینی و بین بنی أبی
و بین بنی عمی لمختلف جدا

و لیس قول من یقول- إنه عطف بین الثالثه على الضمیر المجرور بأولى- من قول من یقول بل عطف بین الثالثه على بین الثانیه- لأن المعنى یتم بکل واحد منها- . قوله ع و لا تمصر لبنها- المصر حلب ما فی الضرع جمیعه- نهاه من أن یحلب اللبن کله فیبقى الفصیل جائعا- ثم نهاه أن یجهدها رکوبا- أی یتعبها و یحملها مشقه- ثم أمره أن یعدل بین الرکاب فی ذلک- لا یخص بالرکوب واحده بعینها- لیکون ذلک أروح لهن لیرفه على اللاغب- أی لیترکه و لیعفه عن الرکوب لیستریح- و الرفاهیه الدعه و الراحه- . و النقب ذو النقب- و هو رقه خف البعیر حتى تکاد الأرض تجرحه- أمره أن یستأنی بالبعیر ذی النقب- من الأناه و هی المهله- .

و الظالع الذی ظلع أی غمز فی مشیه- . و الغدر جمع غدیر الماء- و جواد الطریق حیث لا ینبت المرعى- . و النطاف جمع نطفه و هی الماء الصافی القلیل- . و البدن بالتشدید السمان واحدها بادن- . و منقیات ذوات نقی و هو المخ فی العظم- و الشحم فی العین من السمن- و أنقت الإبل و غیرها سمنت و صار فیها نقی- و ناقه منقیه و هذه الناقه لا تنقی

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۵

 

بازدیدها: ۲۳

نامه ۲۴ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۲۴ و من وصیه له ع بما یعمل فی أمواله- کتبها بعد منصرفه من صفین 

هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِیُّ بْنُ أَبِی طَالِبٍ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ- فِی مَالِهِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ- لِیُولِجَهُ بِهِ الْجَنَّهَ وَ یُعْطِیَهُ بِهِ الْأَمَنَهَ قد عاتبت العثمانیه- و قالت إن أبا بکر مات و لم یخلف دینارا و لا درهما- و إن علیا ع مات و خلف عقارا کثیرا- یعنون نخلا- قیل لهم قد علم کل أحد- أن علیا ع استخرج عیونا بکد یده- بالمدینه و ینبع و سویعه- و أحیا بها مواتا کثیرا- ثم أخرجها عن ملکه و تصدق بها على المسلمین- و لم یمت و شی‏ء منها فی ملکه- أ لا ترى إلى ما تتضمنه کتب السیر و الأخبار- من منازعه زید بن علی و عبد الله بن الحسن فی صدقات علی ع- و لم یورث علی ع بنیه قلیلا من المال و لا کثیرا- إلا عبیده و إماءه و سبعمائه درهم من عطائه- ترکها لیشتری بها خادما لأهله- قیمتها ثمانیه و عشرون دینارا- على حسب المائه أربعه دنانیر- و هکذا کانت المعامله بالدراهم إذ ذاک- و إنما لم یترک أبو بکر قلیلا و لا کثیرا لأنه ما عاش- و لو عاش لترک- أ لا ترى أن عمر أصدق أم کلثوم أربعین ألف درهم- و دفعها إلیها- و ذلک لأن هؤلاء طالت أعمارهم- فمنهم من درت علیه أخلاف التجاره- و منهم من کان یستعمر الأرض و یزرعها- و منهم من استفضل من رزقه من الفی‏ء- .

و فضلهم أمیر المؤمنین ع بأنه کان یعمل بیده- و یحرث الأرض و یستقی الماء و یغرس النخل- کل ذلک یباشره بنفسه الشریفه- و لم یستبق منه لوقته و لا لعقبه قلیلا و لا کثیرا- و إنما کان صدقه- و قد مات رسول الله ص- و له ضیاع کثیره جلیله جدا بخیبر و فدک و بنی النضیر- و کان له وادی نخله و ضیاع أخرى کثیره بالطائف- فصارت بعد موته صدقه بالخبر الذی رواه أبو بکر- فإن کان علی ع معیبا بضیاعه و نخله- فکذلک رسول الله ص و هذا کفر و إلحاد- و إن کان رسول الله ص إنما ترک ذلک صدقه- فرسول الله ص ما روى عنه الخبر فی ذلک إلا واحد من المسلمین- و علی ع کان فی حیاته- قد أثبت عند جمیع المسلمین بالمدینه أنها صدقه- فالتهمه إلیه فی هذا الباب أبعد-

و روی و یعطینی به الأمنه و هی الأمن: مِنْهَا فَإِنَّهُ یَقُومُ بِذَلِکَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِیٍّ- یَأْکُلُ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ- وَ یُنْفِقُ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ- فَإِنْ حَدَثَ بِحَسَنٍ حَدَثٌ وَ حُسَیْنٌ حَیٌّ- قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ وَ أَصْدَرَهُ مَصْدَرَهُ- وَ إِنَّ لِابْنَیْ فَاطِمَهَ مِنْ صَدَقَهِ عَلِیٍّ مِثْلَ الَّذِی لِبَنِی عَلِیٍّ- وَ إِنِّی إِنَّمَا جَعَلْتُ الْقِیَامَ بِذَلِکَ- إِلَى ابْنَیْ فَاطِمَهَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ- وَ قُرْبَهً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص- وَ تَکْرِیماً لِحُرْمَتِهِ وَ تَشْرِیفاً لِوُصْلَتِهِ- وَ یَشْتَرِطُ عَلَى الَّذِی یَجْعَلُهُ إِلَیْهِ- أَنْ یَتْرُکَ الْمَالَ عَلَى أُصُولِهِ- وَ یُنْفِقَ مِنْ ثَمَرِهِ حَیْثُ أُمِرَ بِهِ وَ هُدِیَ لَهُ- وَ أَلَّا یَبِیعَ مِنْ أَوْلَادِ نَخِیلِ هَذِهِ الْقُرَى وَدِیَّهً- حَتَّى تُشْکِلَ أَرْضُهَا غِرَاساً-وَ مَنْ کَانَ مِنْ إِمَائِی اللَّاتِی أَطُوفُ عَلَیْهِنَّ- لَهَا وَلَدٌ أَوْ هِیَ حَامِلٌ- فَتُمْسَکُ عَلَى وَلَدِهَا وَ هِیَ مِنْ حَظِّهِ- فَإِنْ مَاتَ وَلَدُهَا وَ هِیَ حَیَّهٌ فَهِیَ عَتِیقَهٌ- قَدْ أَفْرَجَ عَنْهَا الرِّقُّ وَ حَرَّرَهَا الْعِتْقُ

قال السید الرضی رحمه الله تعالى- قوله ع فی هذه الوصیه- و ألا یبیع من نخلها ودیه الودیه الفسیله و جمعها ودی. قوله ع حتى تشکل أرضها غراسا- هو من أفصح الکلام- و المراد به أن الأرض یکثر فیها غراس النخل- حتى یراها الناظر على غیر تلک الصفه التی عرفها بها- فیشکل علیه أمرها و یحسبها غیرها جعل للحسن ابنه ع ولایه صدقات أمواله- و أذن له أن یأکل منه بالمعروف أی لا یسرف- و إنما یتناول منه مقدار الحاجه- و ما جرت بمثله عاده من یتولى الصدقات- کما قال الله تعالى وَ الْعامِلِینَ عَلَیْها- . 

ثم قال فإن مات الحسن و الحسین بعده حی- فالولایه للحسین- و الهاء فی مصدره ترجع إلى الأمر- أی یصرفه فی مصارفه التی کان الحسن یصرفه فیها- ثم ذکر أن لهذین الولدین حصه من صدقاته- أسوه بسائر البنین- و إنما قال ذلک لأنه قد یتوهم متوهم-أنهما لکونهما قد فوض إلیهما النظر فی هذه الصدقات- قد منعا أن یسهما فیها بشی‏ء- و إن الصدقات إنما یتناولها غیرهما من بنی علی ع- ممن لا ولایه له مع وجودهما- ثم بین لما ذا خصهما بالولایه- فقال إنما فعلت ذلک لشرفهما برسول الله ص- فتقربت إلى رسول الله ص- بأن جعلت لسبطیه هذه الرئاسه- و فی هذا رمز و إزراء- بمن صرف الأمر عن أهل بیت رسول الله ص- مع وجود من یصلح للأمر- أی کان الألیق بالمسلمین و الأولى- أن یجعلوا الرئاسه بعده لأهله- قربه إلى رسول الله ص- و تکریما لحرمته و طاعه له- و أنفه لقدره ص أن تکون ورثته سوقه- یلیهم الأجانب و من لیس من شجرته و أصله- أ لا ترى أن هیبه الرساله و النبوه فی صدور الناس أعظم- إذا کان السلطان و الحاکم فی الخلق من بیت النبوه- و لیس یوجد مثل هذه الهیبه و الجلال- فی نفوس الناس للنبوه- إذا کان السلطان الأعظم بعید النسب- من صاحب الدعوه ع- .

ثم اشترط على من یلی هذه الأموال أن یترکها على أصولها- و ینفق من ثمرتها- أی لا یقطع النخل و الثمر و یبیعه خشبا و عیدانا- فیفضی الأمر إلى خراب الضیاع و عطله العقار- . قوله و ألا یبیع من أولاد نخیل هذه القرى- أی من الفسلان الصغار سماها أولادا- و فی بعض النسخ لیست أولاد مذکوره- و الودیه الفسیله- .

تشکل أرضها تمتلی بالغراس- حتى لا یبقى فیه طریقه واضحه- . قوله أطوف علیهن- کنایه لطیفه عن غشیان النساء أی من السراری- و کان ع یذهب إلى حل بیع أمهات الأولاد- فقال من کان من إمائی لها ولد منی- أو هی حامل منی و قسمتم ترکتی- فلتکن أم ذلک الولد مبیعه على ذلک الولد- و یحاسب بالثمن من حصته من الترکه- فإذا بیعت علیه عتقت علیه- لأن الولد إذا اشترى الوالد عتق الوالد عنه- و هذا معنى قوله فتمسک على ولدها- أی تقوم علیه بقیمه الوقت الحاضر- و هی من حظه أی من نصیبه و قسطه من الترکه- . قال فإن مات ولدها و هی حیه بعد أن تقوم علیه- فلا یجوز بیعها- لأنها خرجت عن الرق بانتقالها إلى ولدها- فلا یجوز بیعها- . فإن قلت فلما ذا قال فإن مات ولدها و هی حیه- و هلا قال فإذا قومت علیه عتقت- .

قلت لأن موضع الاشتباه هو موت الولد و هی حیه- لأنه قد یظن ظان- أنه إنما حرم بیعها لمکان وجود ولدها- فأراد ع أن یبین أنها قد صارت حره مطلقا- سواء کان ولدها حیا أو میتا

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۵

 

بازدیدها: ۱۵

نامه ۲۳ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)(قاله قبل موته على سبیل الوصیه- لما ضربه ابن ملجم لعنه الله )

۲۳ و من کلام له ع قاله قبل موته على سبیل الوصیه- لما ضربه ابن ملجم لعنه الله 

وَصِیَّتِی لَکُمْ أَلَّا تُشْرِکُوا بِاللَّهِ شَیْئاً- وَ مُحَمَّدٌ ص فَلَا تُضَیِّعُوا سُنَّتَهُ- أَقِیمُوا هَذَیْنِ الْعَمُودَیْنِ- وَ أَوْقِدُوا هَذَیْنِ الْمِصْبَاحَیْنِ وَ خَلَاکُمْ ذَمٌّ- أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُکُمْ- وَ الْیَوْمَ عِبْرَهٌ لَکُمْ وَ غَداً مُفَارِقُکُمْ- إِنْ أَبْقَ فَأَنَا وَلِیُّ دَمِی- وَ إِنْ أَفْنَ فَالْفَنَاءُ مِیعَادِی- وَ إِنْ أَعْفُ فَالْعَفْوُ لِی قُرْبَهٌ وَ هُوَ لَکُمْ حَسَنَهٌ- فَاعْفُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ یَغْفِرَ اللَّهُ لَکُمْ- وَ اللَّهِ مَا فَجَأَنِی مِنَ الْمَوْتِ وَارِدٌ کَرِهْتُهُ- وَ لَا طَالِعٌ أَنْکَرْتُهُ- وَ مَا کُنْتُ إِلَّا کَقَارِبٍ وَرَدَ وَ طَالِبٍ وَجَدَ- وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَیْرٌ لِلْأَبْرارِ

قال الرضی رحمه الله تعالى- أقول و قد مضى بعض هذا الکلام- فیما تقدم من الخطب- إلا أن فیه هاهنا زیاده أوجبت تکریره فإن قلت لقائل أن یقول- إذا أوصاهم بالتوحید و اتباع سنه النبی ص-فلم یبق شی‏ء بعد ذلک یقول فیه- أقیموا هذین العمودین و خلاکم ذم- لأن سنه النبی ص فعل کل واجب- و تجنب کل قبیح فخلاهم ذم فما ذا یقال- .

و الجواب أن کثیرا من الصحابه کلفوا أنفسهم- أمورا من النوافل شاقه جدا- فمنهم من کان یقوم اللیل کله- و منهم من کان یصوم الدهر کله- و منهم المرابط فی الثغور- و منهم المجاهد مع سقوط الجهاد عنه لقیام غیره به- و منهم تارک النکاح و منهم تارک المطاعم و الملابس- و کانوا یتفاخرون بذلک و یتنافسون فیه- فأراد ع أن یبین لأهله و شیعته وقت الوصیه- أن المهم الأعظم هو التوحید- و القیام بما یعلم من دین محمد ص أنه واجب- و لا علیکم بالإخلال بما عدا ذلک- فلیت من المائه واحدا نهض بذلک- و المراد ترغیبهم بتخفیف وظائف التکالیف عنهم- فإن الله تعالى یقول- یُرِیدُ اللَّهُ بِکُمُ الْیُسْرَ وَ لا یُرِیدُ بِکُمُ الْعُسْرَ و قال ص بعثت بالحنیفیه السهله السمحه – .

قوله و خلاکم ذم لفظه تقال على سبیل المثل- أی قد أعذرتم و سقط عنکم الذم- . ثم قسم أیامه الثلاثه أقساما- فقال أنا بالأمس صاحبکم أی کنت أرجى و أخاف- و أنا الیوم عبره لکم أی عظه تعتبرون بها- و أنا غدا مفارقکم أکون فی دار أخرى غیر دارکم- . ثم ذکر أنه إن بقی و لم یمت من هذه الضربه فهو ولی دمه- إن شاء عفا و إن شاء اقتص- و إن لم یبق فالفناء الموعد الذی لا بد منه- . ثم عاد فقال و إن أعف- و التقسیم لیس على قاعده تقسیم المتکلمین- و المعنى منه مفهوم- و هو إما أن أسلم من هذه الضربه أو لا أسلم- فإن سلمت منها فأنا ولی دمی- إن شئت عفوت فلم أقتص و إن شئت اقتصصت- و لا یعنی بالقصاص هاهنا القتل بل ضربه بضربه- فإن سرت إلى النفس کانت السرایه مهدره کقطع الید- .

ثم أومأ إلى أنه إن سلم عفا- بقوله إن العفو لی إن عفوت قربه- . ثم عدنا إلى القسم الثانی من القسمین الأولین- و هو أنه ع لا یسلم من هذه- فولایه الدم إلى الورثه- إن شاءوا اقتصوا و إن شاءوا عفوا- . ثم أومأ إلى أن العفو منهم أحسن- بقوله و هو لکم حسنه- بل أمرهم أمرا صریحا بالعفو- فقال فاعفوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ یَغْفِرَ اللَّهُ لَکُمْ- و هذا لفظ الکتاب العزیز- و ینبغی أن یکون أمره بالعفو فی هذا الکلام محمولا على الندب- . ثم أقسم ع أنه ما فجأه من الموت أمر أنکره و لا کرهه- فجأنی الشی‏ء أتانی بغته- . ثم قال ما کنت إلا کقارب ورد- و القارب الذی یسیر إلى الماء- و قد بقی بینه و بینه لیله واحده- و الاسم القرب فهم قاربون- و لا یقال مقربون و هو حرف شاذ

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۵

بازدیدها: ۷

نامه ۲۲ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۲۲ و من کتاب له ع إلى عبد الله بن العباس رحمه الله تعالى 

و کان ابن عباس یقول- ما انتفعت بکلام بعد کلام رسول الله ص کانتفاعی بهذا الکلام- : أَمَّا بَعْدُ- فَإِنَّ الْمَرْءَ قَدْ یَسُرُّهُ دَرْکُ مَا لَمْ یَکُنْ لِیَفُوتَهُ- وَ یَسُوؤُهُ فَوْتُ مَا لَمْ یَکُنْ لِیُدْرِکَهُ- فَلْیَکُنْ سُرُورُکَ بِمَا نِلْتَ مِنْ آخِرَتِکَ- وَ لْیَکُنْ أَسَفُکَ عَلَى مَا فَاتَکَ مِنْهَا- وَ مَا نِلْتَ مِنْ دُنْیَاکَ فَلَا تُکْثِرْ بِهِ فَرَحاً- وَ مَا فَاتَکَ مِنْهَا فَلَا تَأْسَ عَلَیْهِ جَزَعاً- وَ لْیَکُنْ هَمُّکَ فِیمَا بَعْدَ الْمَوْتِ

یقول إن کل شی‏ء یصیب الإنسان فی الدنیا من نفع و ضر- فبقضاء من الله و قدره تعالى- لکن الناس لا ینظرون حق النظر فی ذلک- فیسر الواحد منهم بما یصیبه من النفع- و یساء بفوت ما یفوته منه- غیر عالم بأن ذلک النفع الذی أصابه- کان لا بد أن یصیبه- و أن ما فاته منه کان لا بد أن یفوته- و لو عرف ذلک حق المعرفه لم یفرح و لم یحزن- .

و لقائل أن یقول هب أن الأمور کلها بقضاء و قدر- فلم لا ینبغی للإنسان أن یفرح بالنفع و إن وقع بالقدر- و یساء بفوته أو بالضرر و إن وقعا بقدر- أ لیس العریان یساءبقدوم الشتاء- و إن کان لا بد من قدومه- و المحموم غبا یساء بتجدد نوبه الحمى- و إن کان لا بد من تجددها- فلیس سبب الاختیار فی الأفعال- مما یوجب أن لا یسر الإنسان و لا یساء بشی‏ء منها- .

و الجواب ینبغی أن یحمل هذا الکلام- على أن الإنسان ینبغی أن لا یعتقد فی الرزق- أنه أتاه بسعیه و حرکته فیفرح معجبا بنفسه- معتقدا أن ذلک الرزق ثمره حرکته و اجتهاده- و کذلک ینبغی ألا یساء بفوات ما یفوته من المنافع- لائما نفسه فی ذلک- ناسبا لها إلى التقصیر و فساد الحیله و الاجتهاد- لأن الرزق هو من الله تعالى- لا أثر للحرکه فیه و إن وقع عندها- و على هذا التأویل ینبغی أن یحمل قوله تعالى- ما أَصابَ مِنْ مُصِیبَهٍ فِی الْأَرْضِ- وَ لا فِی أَنْفُسِکُمْ إِلَّا فِی کِتابٍ- مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِکَ عَلَى اللَّهِ یَسِیرٌ- لِکَیْلا تَأْسَوْا عَلى‏ ما فاتَکُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاکُمْ- وَ اللَّهُ لا یُحِبُّ کُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ- . من النظم الجید الروحانی فی صفه الدنیا و التحذیر منها- و الوصاه بترک الاغترار بها و العمل لما بعدها- ما أورده أبو حیان فی کتاب الإشارات الإلهیه- و لم یسم قائله- 

 

دار الفجائع و الهموم
و دار البث و الأحزان و البلوى‏

مر المذاقه غب ما احتلبت‏
منها یداک وبیه المرعى‏

بینا الفتى منها بمنزله
إذ صار تحت ترابها ملقى‏

تقفو مساویها محاسنها
لا شی‏ء بین النعی و البشرى‏

و لقل یوم ذر شارقه
إلا سمعت بهالک ینعى‏

لا تعتبن على الزمان لما
یأتی به فلقلما یرضى‏

للمرء رزق لا یفوت
و لو جهد الخلائق دون أن یفنى‏

یا عامر الدنیا المعد لها
ما ذا عملت لدارک الأخرى‏

و ممهد الفرش الوطیئه
لا تغفل فراش الرقده الکبرى‏

لو قد دعیت لقد أجبت لما
تدعى له فانظر متى تدعى‏

أ تراک تحصی کم رأیت
من الأحیاء ثم رأیتهم موتى‏

من أصبحت دنیاه همته‏
فمتى ینال الغایه القصوى‏

سبحان من لا شی‏ء یعدله
کم من بصیر قلبه أعمى‏

و الموت لا یخفى على أحد
ممن أرى و کأنه یخفى‏

و اللیل یذهب و النهار
بأحبابی و لیس علیهما عدوى‏

 

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۵

بازدیدها: ۱۲

نامه ۲۱ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۲۱ و من کتاب له ع إلى زیاد أیضا

فَدَعِ الْإِسْرَافَ مُقْتَصِداً- وَ اذْکُرْ فِی الْیَوْمِ غَداً- وَ أَمْسِکْ مِنَ الْمَالِ بِقَدْرِ ضَرُورَتِکَ- وَ قَدِّمِ الْفَضْلَ لِیَوْمِ حَاجَتِکَ- أَ تَرْجُو أَنْ یُعْطِیَکَ اللَّهُ أَجْرَ الْمُتَوَاضِعِینَ- وَ أَنْتَ عِنْدَهُ مِنَ الْمُتَکَبِّرِینَ- وَ تَطْمَعُ وَ أَنْتَ مُتَمَرِّغٌ فِی النَّعِیمِ أَنْ تَمْنَعَهُ الضَّعِیفَ وَ الْأَرْمَلَهَ- وَ أَنْ یُوجِبَ لَکَ ثَوَابَ الْمُتَصَدِّقِینَ- وَ إِنَّمَا الْمَرْءُ مَجْزِیٌّ بِمَا أَسْلَفَ وَ قَادِمٌ عَلَى مَا قَدَّمَ وَ السَّلَامُ

المتمرغ فی النعیم المتقلب فیه- و نهاه عن الإسراف و هو التبذیر فی الإنفاق- و أمره أن یمسک من المال ما تدعو إلیه الضروره- و أن یقدم فضول أمواله- و ما لیس له إلیه حاجه ضروریه فی الصدقه- فیدخره لیوم حاجته و هو یوم البعث و النشور- . قلت قبح الله زیادا- فإنه کافأ إنعام علی ع و إحسانه إلیه و اصطناعه له- بما لا حاجه إلى شرحه من أعماله القبیحه بشیعته و محبیه- و الإسراف فی لعنه- و تهجین أفعاله- و المبالغه فی ذلک بما قد کان معاویه یرضى بالیسیر منه- و لم یکن یفعل ذلک لطلب رضا معاویه کلا- بل یفعله بطبعه و یعادیه بباطنه و ظاهره- و أبى الله إلا أن یرجع إلى أمه و یصحح نسبه- و کل إناء ینضح بما فیه- ثم جاء ابنه بعد فختم تلک الأعمال السیئه بما ختم- و إلى الله ترجع الأمور

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۵

 

بازدیدها: ۱۰

نامه ۲۰ شرح ابن ابی الحدید(متن عربی)

۲۰ و من کتاب له ع إلى زیاد بن أبیه- و هو خلیفه عامله عبد الله بن عباس على البصره- و عبد الله عامل أمیر المؤمنین ع یومئذ علیها- و على کور الأهواز و فارس و کرمان و غیرها

وَ إِنِّی أُقْسِمُ بِاللَّهِ قَسَماً صَادِقاً- لَئِنْ بَلَغَنِی أَنَّکَ خُنْتَ مِنْ فَیْ‏ءِ الْمُسْلِمِینَ شَیْئاً صَغِیراً أَوْ کَبِیراً- لَأَشُدَّنَّ عَلَیْکَ شَدَّهً تَدَعُکَ قَلِیلَ الْوَفْرِ- ثَقِیلَ الظَّهْرِ ضَئِیلَ الْأَمْرِ وَ السَّلَامُ سیأتی ذکر نسب زیاد و کیفیه استلحاق معاویه له- فیما بعد إن شاء الله تعالى- . قوله ع لأشدن علیک شده- مثل قوله لأحملن علیک حمله- و المراد تهدیده بالأخذ و استصفاء المال- . ثم وصف تلک الشده- فقال إنها تترکک قلیل الوفر- أی أفقرک بأخذ ما احتجت من بیت مال المسلمین- . و ثقیل الظهر أی مسکین لا تقدر على مئونه عیالک- . و ضئیل الأمر أی حقیر- لأنک إنما کنت نبیها بین الناس بالغنى و الثروه- فإذا افتقرت صغرت عندهم و اقتحمتک أعینهم

شرح ‏نهج ‏البلاغه(ابن ‏أبی ‏الحدید) ج ۱۵

بازدیدها: ۱۷