نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 199 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 200 صبحی صالح

200- و من كلام له ( عليه‏ السلام  ) في معاوية

وَ اللَّهِ مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي وَ لَكِنَّهُ يَغْدِرُ وَ يَفْجُرُ

وَ لَوْ لَا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ وَ لَكِنْ كُلُّ غُدَرَةٍ فُجَرَةٌ وَ كُلُّ فُجَرَةٍ كُفَرَةٌ وَ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

وَ اللَّهِ مَا أُسْتَغْفَلُ بِالْمَكِيدَةِ وَ لَا أُسْتَغْمَزُ بِالشَّدِيدَةِ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج12  

و من كلام له عليه السّلام و هو المأة و التاسع و التسعون من المختار فى باب الخطب

و اللّه ما معاوية بأدهى منّي، و لكنّه يغدر و يفجر، و لو لا كراهيّة الغدر لكنت من أدهى النّاس، و لكنّ كلّ غدرة فجرة، و كلّ فجرة كفرة، و لكلّ غادر لواء يعرف به يوم القيامة، و اللّه ما أستغفل بالمكيدة، و لا أستغمز بالشّديدة.

اللغة

(الدّهي) بسكون الهاء و الدّهاء الفكر و الارب و جودة الرّأي و (غدر) غدرا من باب ضرب و نصر نقض عهده و (فجر) يفجر من باب قتل و (الغدرة) و (الفجرة) و (الكفرة) كلّها في بعض النسخ بفتح الفاء و سكون العين وزان تمرة فالتّاء للمرّة، و في بعضها بتحريك الفاء و العين وزان مردة فيكون جمع غادر و فاجر و كافر، و في بعضها بضمّ الفاء و فتح العين وزان همزة فالتّاء للمبالغة أى الكثير الغدر و الفجور و الكفر، فان أسكنت العين فالبناء للمفعول تقول: رجل سخرة، كهمزة يسخر من الناس، و سخرة كغرفة من يسخر منه.

(و لا أستغمز) بالزاء المعجمة من الغمز و هو العصر باليد يقال غمزه غمزا من باب ضرب، و الغمز محرّكة الرّجل الضعيف قال الشارح البحراني: و روى بالرّاء المهملة أى لا استجهل بشدايد المكايد، انتهى. و لعلّه من الغمر بالتحريك و هو من لم يجرّب الامور و الأوّل أصوب و أنسب

الاعراب

الباء في قوله: بأدهى زايدة في الخبر جي‏ء بها لتأكيد معني النّفي كما في قوله تعالى وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ و قوله: بالشديدة، صفة محذوفة الموصوف أى بالدّواهى الشديدة و نحو ذلك.

المعنى

اعلم أنّ الغرض من هذا الكلام دفع توهّم من كان معتقدا أنّ معاوية أجود رأيا و أكثر تدبيرا منه، و تعرّض به على معاوية من أجل عدم تحرّزه في تدبير الامور عن الغدر و الفجور، و صدّر الكلام بالقسم البارّ تأكيدا للمقصود فقال: (و اللّه ما معاوية بأدهى منّي) أي ليس بأجود رأيا و أحسن تدبيرا و أبعد غورا و أعمق فكرا و أشدّ دهاء منّي، و إن فسّر الدّهاء بخصوص استعمال العقل و الرّأى فيما لا ينبغي فعله من الامور الدّنيويّة المعبّر عنه بالنّكراء فلا بدّ من جعل قوله عليه السّلام أدهى بمعنى أعرف بطرق الدّهاء و أبصر بها، لعدم اتّصافه بالدّهاء بهذا المعنى فضلا عن كونه أدهى.

(و لكنّه يغدر و يفجر) أى يستعمل الغدر في اموره السيّاسيّة فيزعم أهل الجهل أنّه أدهى.
و قوله: و يفجر، إشارة إلى نتيجة الغدر يعني أنّه من أجل إقدامه على الغدر يكون فاجرا، و ذلك لأنّ الغدر مقابل الوفاء، و الوفاء فضيلة داخلة تحت العفّة، فيكون الغدر رذيلة داخلة تحت الفجور.
و أيضا الوفاء توأم الصّدق و الغدر توأم الكذب حسبما عرفت تفصيلا في الخطبة الحادية و الأربعين و شرحها، و الكذب من أعظم الفجور.

و ايضاح هذه الفقرة ما تقدّم في الخطبة المذكورة حيث قال عليه السّلام هناك: و لقد أصبحنا في زمان قد اتّخذ أكثر أهله الغدر كيسا و نسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة، ما لهم قاتلهم اللّه قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة و دونه‏مانع من أمر اللّه و نهيه فيدعها رأى عن بعد القدرة عليها و ينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدّين.

و روى في الكافي في حديث مرفوع عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قلت له: ما العقل قال: ما عبد به الرّحمن و اكتسب به الجنان، قال: قلت: فالّذى كان في معاوية فقال: تلك النكراء تلك الشّيطنة، و هي شبيهة بالعقل و ليست بالعقل.

و لمّا نبّه على أنّ اتّصاف معاوية بالدّهاء من جهة عدم مبالاته بالغدر و الفجور، عقّبه بالتّنبيه على ما هو المانع من اتّصافه عليه السّلام به مع كونه أعرف و أغدر به منه فقال: (و لو لا كراهيّة الغدر) و المكر و استلزامه للكذب و الغشّ و الخيانة و الفجور المنافي لمرتبة العصمة (لكنت من أدهي النّاس) فيدلّ هذه الجملة بمقتضي مفاد لو لا الامتناعيّة على امتناع اتّصافه بالدّهاء الملازم للغدر.

و المراد بالكراهة هنا الحرمة لا معناها المعروف في مصطلح المتشرّعة كما صرّح به في عبارته الّتي نقلناها آنفا من الخطبة الحادية و الاربعين أعني قوله: قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة و دونه مانع من أمر اللّه و نهيه فيدعها رأى عين بعد القدرة عليها.

و أصرح منه ما رواه فى الكافى عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير عن هشام بن سالم رفعه قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام: لو لا أنّ المكر و الخديعة فى النّار لكنت أمكر النّاس.
و أصرح منهما قوله: (و لكن كلّ غدرة فجرة و كلّ فجرة كفرة) و قد روى نظير هذه العبارة عنه عليه السّلام فى الكافى باسناده عن الاصبغ بن نباته قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام ذات يوم و هو يخطب على المنبر بالكوفة: أيّها الناس لو لا كراهيّة الغدر كنت أدهى النّاس ألا إنّ لكلّ غدرة فجرة و لكلّ فجرة كفرة، ألا و إنّ الغدر و الفجور و الخيانة فى النّار.

قال بعض شرّاح الكافى: الظاهر أنّ اللّام فى لكلّ مفتوحة للمبالغة فى‏التأكيد، و قوله: الغدر و الخيانة فى النّار، إمّا على حذف المضاف أى صاحبها، أو المصدر بمعنى الفاعل، هذا.
فان قلت: استلزام الغدر للفجور المستفاد من قوله عليه السّلام: و لكن كلّ غدرة فجرة قد عرفنا وجهه سابقا، و أمّا استلزام الفجور للكفر المستفاد من قوله: و كلّ فجرة كفرة فما الوجه فيه، قلت: قال بعض الشّارحين: وجه لزوم الكفر هنا إنّ الغادر على وجه استباحة ذلك و استحلاله كما كان هو المشهور من حال عمرو بن العاص و معاوية في استباحة ما علم تحريمه بالضرورة من دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و جحده هو الكفر.

و قال الشارح البحراني: و يحتمل أن يريد كفر نعم اللّه و سترها باظهار معصية كما هو المفهوم اللغوى من لفظ الكفر، انتهى.
و يتوجّه على الأوّل أوّلا أنّه أخصّ من المدّعى لأنّ المدّعى هو كفر كلّ غادر كما هو ظاهر المتن لا الغادر المستبيح المستحلّ للغدر فقط، و ثانيا كون حرمة الغدر من ضروريّات الدّين غير معلوم.
و على الثّاني أنّه خلاف الظاهر.

و الأظهر أنّه داخل في القسم الرّابع من أقسام الكفر التي تقدّم تفصيلها في حديث الكافي في شرح الفصل الثامن عشر من الخطبة الاولى، فقد روينا هناك عن الكلبي باسناده عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: الكفر في كتاب اللّه عزّ و جلّ على خمسة أوجه «إلى أن قال» الوجه الرّابع من الكفر ترك ما أمر اللّه و هو قول اللّه تعالى وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَ لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ. ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى‏ تُفادُوهُمْ وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فكفرهم بترك ما أمر اللّه و نسبهم إلى الايمان و لم يقبله منهم و لم ينفعهم فقال ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ إِنْ.

و قوله (و لكلّ غادر لواء يعرف به يوم القيامة) قال الشّارح المعتزلي: حديث صحيح مرويّ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أقول: و هو تنفير عن الغدر.
و نحوه ما رواه في الكافي عن علىّ بن إبراهيم عن أبيه عن النّوفلي عن السّكوني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يجي‏ء كلّ غادر يوم القيامة بامام مايل شدقه حتّى يدخل النّار، و يجي‏ء كلّ ناكث بيعة إمام أجذم حتّى يدخل النّار، هذا.

و لمّا ذكر أنّ معاوية ليس بأدهى منه و نبّه على معرفته بطرق الدّهاء و خبرويّته بها أكّده بقوله: (و اللّه ما استغفل بالمكيدة) أى لا يطمع في اغفالي بالكيد عليّ، لأنّي أحذر من الغراب و إن كان الطامع في الكيد أروغ من الثّعلب، فانّ من كان أعرف بطرق الخداع و وجوه التّدابير و الحيل لا يتمكّن من إغفاله و لا يلحقه الغفلة عمّا يراد في حقّه من الكيد و الخديعة كما قال عليه السّلام في الكلام السّادس: و اللّه لا أكون كالضّبع تنام على طول اللّدم حتّى يصل إليها طالبها و يختلها راصدها.

(و لا استغمز بالشّديدة) أى لا استضعف بالخطوب الشّديدة و الدّواهي العظيمة لأنّى البطل الأهيس و الحازم الأكيس و الشّجاع الأسوس.
فقد اتّضح كلّ الوضوح بما أتى به في هذا الكلام بطلان توهّم من زعم أنّ معاوية كان أدهى منه عليه السّلام و أصحّ تدبيرا.
و قد بسط الكلام فى هذا المرام أبو عثمان الجاحظ على أحسن تقرير و تبيان و فصّل الشارح المعتزلي تفصيلا عجيبا أحببت نقل ما قالا، لأنه من لسانهما أحلى فأقول: أما الجاحظ فقد قال في محكيّ كلامه: و ربما رأيت بعض من بطن بنفسه العقل و التحصيل و الفهم و التمييز و هو من العامة و يظنّ أنه من الخاصة يزعم أنّ معاوية كان أبعد غورا و أصحّ فكرا و أجودرويّة و أبعد غاية و أدقّ مسلكا، و ليس الأمر كذلك و ساري إليك بجملة تعرف بها موضع غلطه و المكان الّذى دخل عليه الخطاء من قبله.

كان عليّ عليه السّلام لا يستعمل في حربه إلّا ما وافق الكتاب و السنّة.
و كان معاوية يستعمل خلاف الكتاب و السّنّة كما يستعمل الكتاب و السنة، و يستعمل جميع المكائد حلالها و حرامها و يسير في الحرب بسيرة ملك الهند إذا لاقي كسرى، و خاقان إذا لاقي رتبيل.
و عليّ عليه السّلام يقول: لا تبدءوا بالقتال حتّى يبدؤكم، و لا تتبعوا مدبرا، و لا تجهزوا على جريح، و لا تفتحوا بابا مغلقا، و هذه سيرته في ذى الكلاع و في أبي أعور السلّمي، و في عمرو بن العاص، و حبيب بن مسلمة و في جميع الرّؤساء كسيرته في الحاشية و الحشو و الأتباع و السّفلة.

و أصحاب الحروب إن قدروا على البيات تبيّتوا. و إن قدروا على رضخ الجميع بالجندل و هم نيام فعلوا و إن أمكن ذلك فى طرفة عين، و لم يؤخّروا الحرق إلى وقت الغرق، و إن أمكن الهدم لم يتكلّفوا الحصار، و لم يدعوا أن ينصبوا المجانيق و العراوات و النّقب و الشريب و الدّبابات و الكمين، و لم يدعوا دسّ السّموم و لا التضريب بين النّاس بالكذب و طرح الكتب في عساكرهم بالسّعايات و توهيم الامور و ايحاش بعضهم من بعض و قتلهم بكلّ آلة و حيلة كيف وقع القتل و كيف دارت بهم الحال.

فمن اقتصر من التدبير حفظك اللّه على ما في الكتاب و السنّة و كان قد منع نفسه الطويل العريض من التدّبير و ما لا يتناهى من المكايد، و الكذب أكثر من الصّدق و الحرام أكثر عددا من الحلال، و كذلك الايمان و الكفر و الطاعة و المعصية و الحقّ و الباطل، و كذلك الصّحة و السّقم و الصّواب و الخطاء.

فعليّ عليه السّلام كان ملجما بالورع عن جميع القول إلّا ما هو للّه عزّ و جلّ رضى، و ممنوع اليدين عن كلّ بطش إلّا ما هو للّه رضى، و لا يرى الرّضاء إلّا فيما يرضاه اللّه و يحبّه، و لا يرى الرّضاء إلّا فيما دلّ عليه الكتاب و السنّة دون ما يقول عليه أصحاب الدّهاء و النّكراء و المكايد و الاراء.

فلمّا أبصرت العوام كثرة بوادر معاوية فى المكايد، و كثرة غرايبه فى الخدع، و ما اتّفق له و تهيّأ على يده، و لم يروا ذلك من علىّ، ظنّوا بقصر عقولهم أنّ ذلك من رجحان عند معاوية و نقصان عند علىّ فقالوا لو لم ما يعدّ له من الخدع إلّا رفع المصاحف.

ثمّ انظر هل خدع بها إلّا من عصى رأى عليّ و خالف أمره، فان زعمت أنّه قد نال ما أراد من الاختلاف فقد صدقت و ليس فى هذا اختلفنا، و لا عن غرارة أصحاب علىّ عليه السّلام و عجلتهم و تسرّعهم و تنازعهم دفعنا، و إنّما كان قولنا فى التميز بينهما فى الدّهاء و النكراء و صحّة الرّأى و العقل.

على أنّا لا نصف الصالحين بالدّهاء و النكراء، و لا يقول أحد عنده شي‏ء من الخير: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أدهى العرب و العجم و أنكر قريش و أنكر كنانة.
لأنّ هذه الكلمة إنّما وضعت فى مديح أصحاب الارب و من يتعمّق فى الرأى فى توكيد أمر الدّنيا و زبرجها و تشديد أركانها.

فأمّا أصحاب الاخرة الّذين يرون النّاس لا يصلحون على تدبير البشر و انّما يصلحون على تدبير خالق البشر لا يمدحون بالدّهاء و النكراء، و لم يمنعوا إلّا ليعطوا أفضل منه.
و أما الشارح المعتزلي فقد قال: إنّ السّايس لا يتمكّن من السّياسة البالغة إلّا إذا كان يعمل برأيه و بما يرى فيه صلاح ملكه و تمهيد أمره، سواء وافق الشريعة أو لم يوافقها، و متى لم يعمل فى السّياسة بمقتضى ما قلناه فبعيد أن ينتظم أمره أو يستوسق حاله.

و أمير المؤمنين عليه السّلام كان مقيّدا بقيود الشريعة، مدفوعا إلى اتّباعها و رفض ما يصلح من آراء الحرب و الكيد و التدبير إذا لم يكن للشرع موافقا، فلم يكن قاعدة فى خلافته قاعدة غيره ممّن لم يلتزم بذلك.
و لسنا زارين بهذا القول على عمر بن الخطّاب، و لكنّه كان مجتهدا يعمل بالقياس و الاستحسان و المصالح المرسلة و يرى تخصيص عمومات النّصّ بالاراء و بالاستنباط من اصول يقتضى خلاف ما يقتضيه عموم النّصوص، و يكيد خصمه و يأمرأمراءه بالكيد و الحيلة، و يؤدّب بالدّرّة و السّوط من يتغلّب على ظنّه أنّه يستوجب ذلك، و يصفح عن آخرين قد اجترموا ما يستحقّون به التّأديب كلّ ذلك بقوّة اجتهاده و ما يؤدّيه إليه نظره.

و لم يكن أمير المؤمنين عليه السّلام يرى ذلك، و كان يقف مع النصوص و الظواهر و لا يتعدّاها إلى الاجتهاد و الأقيسة، و يطبّق امور الدّنيا على امور الدّين، و يسوق الكلّ مساقا واحدا، و لا يضع و لا يرفع إلّا بالكتاب و النّصّ، فاختلف طريقتاهما فى الخلافة و السّياسة.
و كان عمر مع ذلك شديد الغلظة، و كان علىّ عليه السّلام كثير الحلم و الصّفح و التجاوز فازدادت خلافة ذلك قوّة، و خلافة هذا لينا.

و لم يمن عمر بما منى عليّ به من فتنة عثمان الّتى أحوجته إلى مداراة أصحابه و جنده و مقاربتهم للاضطراب الواقع بطريق تلك الفتنة.
ثمّ تلى تلك الفتنة فتنة الجمل و فتنة صفّين ثمّ فتنة النّهروان و كلّ ذلك الامور مؤثرة فى اضطراب أمر الوالى و اغلال معاقد ملكه، و لم يتّفق لعمر شي‏ء من ذلك فشتّان بين الخلافتين فيما يعود إلى انتظام المملكة و صحّة تدبير الخلافة.
فان قلت: فما قولك فى سياسة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تدبيره أ ليس كان منتظما سديدا مع أنّه كان لا يعمل إلّا بالنّصوص و التوقيف من الوحى، فهلا كان تدبير عليّ عليه السّلام و سياسته كذلك.
قلت: أمّا سياسة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تدبيره فخارج عمّا نحن فيه، لأنّه معصوم لا يتطرّق العلّة إلى أفعاله، و ليس بواحد من هذين الرّجلين بواجب العصمة عندنا «إلى أن قال»: و كان أبو جعفر بن أبى زيد الحسنى نقيب البصرة إذا حدّثناه فى هذا يقول: إنّه لا فرق عند من قرء السير بين سيرة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سياسة أصحابه أيّام حياته، و بين سيرة أمير المؤمنين و سياسة أصحابه أيّام حياته، فكما أنّ عليّا عليه السّلام لم يزل أمره مضطربا معهم بالمخالفة و العصيان و الهرب إلى أعدائه و كثرة اختلافه و الحروب‏فكذلك كان النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ممنوا بنفاق المنافقين و اذاهم و خلاف أصحابه عليه و هرب بعضهم إلى أعدائه و كثرة الحروب و الفتن.

و كان يقول: أ لست ترى القرآن العزيز مملوّا بذكر المنافقين و الشّكوى منهم و التّألّم من أذاهم له، كما أنّ كلام عليّ مملوّ بالشكوى من منافقى أصحابه و التّألّم من أذاهم له.
ثمّ ذكر كثيرا من الايات المتضمنّة لنفاق المنافقين و الشكوى منهم لا حاجة بنا إلى ذكرها ثمّ قال: فمن تأمّل كتاب العزيز علم حاله صلوات اللّه عليه مع أصحابه كيف كانت و لم ينقله اللّه إلى جواره إلّا و هو مع المنافقين له و المظهرين خلاف ما يضمرون من تصديقه في جهاد شديد، حتّى لقد كاشفوه مرارا فقال لهم يوم الحديبيّة: احلقوا و انحروا، فلم يحلقوا و لم ينحروا و لم يتحرّك أحد منهم عند قوله، و قال له بعضهم و هو يقسم الغنائم: اعدل يا محمّد فانّك لم تعدل، و قالت الأنصار له مواجهة يوم حنين أ تأخذ ما أفشاه اللّه علينا بسيوفنا فتدفعه إلى أقاربك من أهل مكة، حتى أفضى إلى أن قال لهم في مرض موته: ايتونى بدواة و كتف أكتب لكم ما لا تضلّون بعده، فعصوه و لم يأتوه بذلك وليتهم اقتصروا على عصيانه و لم يقولوا له ما قالوا و هو يسمع قال: و كان أبو جعفر يقول من هذا ما يطول شرحه و القليل منه ينبى‏ء عن الكثير و كان يقول: إنّ الاسلام ما جلا عندهم و لا ثبت في قلوبهم إلّا بعد موته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين فتح عليهم الفتوح و جائتهم الغنائم و الأموال و كثرت عليهم المكاسب و ذاقو الذّة الحياة و عرفوا لذّة الدّنيا و لبسوا الناعم و أكلوا الطيب و تمتّعوا بنساء الرّوم و ملكوا خزائن كسرى، و تبدّلوا بذلك التقشّف و اللبس الخشن و أكل الضباب و القنافذ و اليرابيع و لبس الصّوف و الكرابيس أكل اللّوز ينجات و الفالوزجات و لبس الحرير و الدّيباج فاستدلّوا بما فتحه اللّه عليهم و أتاخه لهم على صحّة الدّعوة و صدق الرّسالة.

و قد كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، وعدهم بأنّه سيفتح عليهم كنوز كسرى و قيصر، فلماوجدوا الأمر قد وقع بموجب ما قاله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عظّموه و أحبّوه و انقلبت تلك الشكوى و ذلك النفاق و ذلك الاستهزاء إيمانا و يقينا و إخلاصا، و طاب لهم العيش، و تمسّكوا بالدين لأنّهم رأوه طريقا إلى نيل الدّنيا، فعظّموا ناموسه، و بالغوا في إجلاله و إجلال الرسول الذى جاء به.

ثمّ انقرض الأسلاف و جاء الأخلاف على عقيدة ممهّدة و أمر أخذوه تقليدا من أسلافهم الذين دبّوا في حجورهم، ثمّ انقرض ذلك القرن و جاء من بعدهم كذلك و هلم جرّا قال: و لو لا الفتوح و النّصر و الظفر الذى منحهم اللّه تعالى إيّاه و الدولة الّتي ساقها إليهم لا نقرض دين الاسلام بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و كان يذكر في التواريخ كما يذكر نبوّة خالد بن سنان العنسى حيث ظهر و دعا إلى الدّين و كان النّاس يعجبون من ذلك و يتذاكرونه كما يعجبون و يتذاكرون أخبار من نبغ من الرّؤساء و الملوك و الدّعاة الذين انقرض أمرهم و بقيت أخبارهم، و كان يقول: من تأمّل الرّجلين وجدهما متشابهين في جميع امورهما أو في أكثرها.

و ذلك لأنّ حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مع المشركين كانت سجالا انتصر يوم بدر و انتصر المشركون عليه يوم احد، و كان يوم الخندق كفافا خرج هو و هم سواء لاله و لا عليه، لأنّهم قتلوا رئيس الأوس و هو سعد بن معاذ و قتل منهم فارس قريش و هو عمرو بن عبدود و انصرفوا عنه بغير حرب بعد تلك السّاعة الّتي كانت، ثمّ حارب قريشا بعدها يوم الفتح فكان الظفر له.

و هكذا كانت حروب عليّ عليه السّلام انتصر يوم الجمل و خرج بينه و بين معاوية على سواء قتل من أصحابه رؤساء، و من أصحابه رؤساء و انصرف كلّ واحد من الفريقين عن صاحبه بعد الحرب على مكانه، ثمّ حارب بعد صفّين أهل النهروان فكان الظفر له قال: و من العجب أنّ أوّل حروب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كانت بدرا و كان هو المنصورفيها، و أوّل حروب عليّ عليه السّلام الجمل و كان هو المنصور.

ثمّ كان من صحيفة الصلح و الحكومة يوم صفين نظير ما كان من صحيفة الصلح و الهدنة يوم الحديبيّة ثمّ دعا معاوية في آخر أيّام عليّ عليه السّلام إلى نفسه و تسمّى بالخلافة كما أنّ مسيلمة و الأسود العنسى دعوا إلى أنفسهما في آخر أيّام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تسمّيا بالنّبوة، و اشتدّ على عليّ عليه السّلام ذلك كما اشتدّ على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أمر الأسود و مسيلمة، و بطل أمرهما بعد وفاة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كذلك بطل أمر معاوية و بني امية بعد وفاة عليّ عليه السّلام.

و لم يحارب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أحد من العرب إلّا قريش ما عدا يوم حنين، و لم يحارب عليّا عليه السّلام أحد من العرب إلّا قريش ما عدا يوم النّهروان.
و مات علىّ عليه السّلام شهيدا بالسّيف، و مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم شهيدا بالسمّ.
و هذا لم يتزوّج على خديجة امّ أولاده حتّى ماتت، و هذا لم يتزوّج على فاطمة أمّ أشرف أولاده حتّى ماتت.
مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عن ثلاث و ستّين سنة و مات عليّ عليه السّلام عن مثلها، و كان يقول: انظروا إلى أخلاقهما و خصائصهما: هذا شجاع و هذا شجاع، و هذا فصيح و هذا فصيح، و هذا سخيّ جواد و هذا سخيّ جواد، و هذا عالم بالشرايع و الامور الالهية و هذا عالم بالفقه و الشريعة و الامور الدقيقة الغامضة و هذا زاهد في الدّنيا غيرنهم عليها و لا مستكثر منها و هذا زاهد في الدّنيا تارك لها غير متمتّع بلذّاتها، و هذا مذيب نفسه في الصّلاة و العبادة و هذا مثله، و هذا غير محبّ إليه شي‏ء من الامور العاجلة إلّا النساء و هذا مثله، و هذا ابن ابن عبد المطلب بن هاشم و هذا في تعداده، و أبوهما أخوان لأب واحد دون غيرهما من بني عبد المطلب و ربّى محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حجر والده هذا و هو أبو طالب فكان عنده جاريا مجرى أحد أولاده، ثمّ لمّا شبّ و كبر استخلص من بني أبي طالب و هو غلام فربّاه في حجره مكافاة لصنيع أبي طالب به، فامتزج الخلقان و تماثلت السّجيّتان، و إذا كان القرين‏مقتديا بالقرين فما ظنك بالتّربية و التثقيف الدّهر الطويل.

فوجب أن يكون أخلاق محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كأخلاق أبي طالب، و أن يكون أخلاق علىّ كأخلاق أبي طالب أبيه و أخلاق محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مربّيه و أن يكون الكلّ شيمة واحدة وسوسا واحدا و طينة مشتركة و نفسا غير منقسمة و لا متجزيّة، و أن لا يكون بين بعض هؤلاء و بعض فرق و لا فصل لو لا أنّ اللّه اختصّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله برسالته و اصطفاه لوحيه لما يعلمه من مصالح البرية في ذلك، فامتاز رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بقوله: أخصّك بالنّبوة فلا نبوّة بعدى، و تخصم النّاس بسبع و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم له أيضا: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبىّ بعدي، فأبان نفسه بالنّبوة و أثبت له ما عداها من جميع الفضايل و الخصائص مشتركا بينهما.

قال الشّارح المعتزلي: و كان النّقيب أبو جعفر غزير العلم صحيح العقل منصفا بالجدل غير متعصّب للمذهب و إن كان علويا و كان يعترف بفضايل الصّحابة و يثنى على الشّيخين و يقول: إنهما مهّدا دين الاسلام و أرسيا قواعده و لقد كان شديد الاضطراب في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إنّما مهّداه بما تيسّر للعرب من الفتوح و الغنايم في دولتهما و كان يقول في عثمان: إنّ الدولة فى أيّامه كانت على إقبالها و علوّ جدّها بل كانت الفتوح في أيّامه أكثر و الغنايم أعظم لو لا أنّه لم يراع ناموس الشيخين و لم يستطع أن يسلك مسلكهما و كان مضعفا في أصل القاعدة مغلوبا عليه و كثير الحبّ لأهله و اتيح له من مروان وزير سوء ما أفسد القلوب عليه و حمل النّاس على خلعه و قتله.

قال الشّارح: و كان أبو جعفر لا يجحد الفاضل فضله و الحديث ذو شجون قلت له مرّة: ما سبب حبّ النّاس لعلىّ بن أبي طالب عليه السّلام و عشقهم له و تهالكهم في هواه و دعنى في الجواب من حديث الشّجاعة و العلم و الفصاحة و غير ذلك من الخصائص التي رزقه اللّه سبحانه الكثير الطيّب منها.

فضحك و قال لى: لم تجمع حرا ميزك عليّ ثمّ قال: ههنا مقدّمة ينبغي أن تعلم و هى: إنّ أكثر النّاس موتورون من الدنيا أمّا المستحقّون فلا ريب في أنّ أكثرهم محرومون.
نحو عالم يرى أنّه لا حظّ له من الدّنيا، و يرى جاهلا غيره مرزوقا موسّعا عليه.
بضروراته، و يرى غيره و هو جبان فشل ينفر من ظلّه مالكا بقطر عظيم من الدّنيا و قطعة وافرة من المال و الرزق.
و عاقل سديد الرّأى صحيح العقل قد قدر عليه رزقه و هو يرى غيره أحمق مايقا تدرّ عليه الخيرات له أخلاف الرّزق و ذى دين قويم و عبادة حسنة و اخلاص و توحيد و هو محروم ضيق الرزق و يرى غيره يهوديّا أو نصرانيا أو زنديقا كثير المال حسن الحال حتّى أنّ هذه الطبقات المستحقّة يحتاجون في أكثر الوقت إلى الطبقات الّتي لا استحقاق لها، و تدعوهم الضّرورة إلى الذلّ لهم و الخضوع بين أيديهم إمّا لدفع ضرر أو لاستجلاب نفع.

و دون هذه الطبقات من ذوى الاستحقاق أيضا ما يشاهد عيانا من تجّار حاذق أو بنّاء عالم أو نقاش بارع أو مصوّر لطيف على غاية ما يكون من ضيق رزقهم و قلّة الحيلة بهم، و يرى غيرهم ممّن ليس يجرى مجراهم و لا يلحق طبقتهم مرزوقا مرغوبا كثير المكسب طيب العيش واسع الرّزق.
فهذا حال ذوى الاستحقاق و الاستعداد.

و أما الذين ليسوا من أهل الفضايل كحثو العامّة فانّهم أيضا لا يخلون من الحقد على الدّنيا و الذمّ لها و الحنق و الغيظ منها لما يلحقهم من حسد أمثالهم و جيرانهم و لا ترى أحدا منهم قانعا بعيشه و لا راضيا بحاله يتزيّد و يطلب حالا فوق حاله قال:فاذا عرفت هذه المقدّمة فمعلوم أنّ عليّا عليه السّلام كان مستحقا محروما بل هو أمير المستحقّين المحرومين و سيّدهم و كبيرهم، و معلوم أنّ الّذين يلحقهم النّزلة و ينالهم الضّيم يتعصّب بعضهم لبعض و يكونون البا و يدا واحدة على المرزوقين الّذين ظفروا بالدّنيا لاشتراكهم في الأمر الذى ألمهم و ساءهم و عضّهم و مضّهم، و اشتراكهم في الأنفة و الحمية و الغضب و المنافسة لمن عليهم و قهر عليهم و بلغ من الدّنيا ما لم يبلغوه.
فاذا كان هؤلاء أعني المحرومين متساوين في المنزلة و المرتبة و تعصّب بعضهم لبعض فما ظنّك بما إذا كان رجل عظيم القدر جليل الخطر كامل الشرف جامع للفضايل محتو على الخصائص و المناقب و هو مع ذلك محروم محدود قد جرّعته الدّنيا علاقمها، و علته عللا بعد نهل من صابها و صبرها، و لقى منها برحا بارحا و جهدا جهيدا و علا عليه من هو دونه و حكم فيه و في بيته و أهله و رهطه من لم يكن ما ناله من الامرة و السّلطان في حسابه، و لا دائرا في خلده، و لا خاطرا بباله، و لا كان أحد من الناس يرتقب ذلك له و لا يراء له، ثم كان في آخر الامر أن قتل هذا الرجل الجليل في محرابه و قتل بنوه بعده و سبى حريمه و نساؤه و تتّبع أهله و بنو عمّه بالطرد و القتل و الشّريد و السّجون مع فضلهم و زهدهم و عبادتهم و سخائهم و انتفاع الخلق بهم.

فهل يمكن أن لا يتعصّب البشر كلّهم مع هذا الشّخص و هل تستطيع أن لا تحبّه و تهواه و تذوب فيه و تفنى في عشقه انتصارا له و حميّة من أجله و آنفة ممّا ناله و امتعاضا ممّا جرى عليه.
و هذا أمر مركوز في الطّبايع مخلوق في الغرائز كما يشاهد النّاس على الجرف إنسانا قد وقع في الماء العميق و هو لا يحسن السّباحة فانّهم بالطّبع البشرى يرقّون عليه رقّة شديدة.

و قد بلغني أنّه رمى قوم منهم أنفسهم في الماء نحوه يطلبون تخليصه و لا يتوقّعون على ذلك مجازاة منه بمال أو شكر و لا ثواب في الاخرة فقد يكون منهم من لا يعتقد أمر الاخرة، و لكنّها رقّة بشريّة و كان الواحد منهم يتخيّل في نفسه أنّه ذلك الغريق‏فكما يطلب خلاص نفسه لو كان هذا الغريق كذلك يطلب تخليص من هو في تلك الحال الصّعبة للمشاركة الجنسيّة.
و كذلك لو أنّ ملكا ظلم أهل بلد من بلاده ظلما عنيفا لكان أهل ذلك البلد يتعصّب بعضهم لبعض في الانتصار من ذلك الملك و الاستعداء عليه.
فلو كان من جملتهم رجل عظيم القدر جليل الشّأن قد ظلمه الملك أكثر من ظلمه إيّاهم و أخذ أمواله و ضياعه و قتل أولاده و أهله كان لياذهم به و انضوائهم إليه و اجتماعهم و التفافهم به أعظم و أعظم، لأنّ الطّبيعة البشريّة تدعو إلى ذلك على سبيل الايجاب و الاضطرار و لا يستطيع الانسان منه امتناعا.

قال الشّارح: هذا محصول قول النقيب أبي جعفر قد حكيته و الألفاظ لي و المعنى له، و كان لا يعتقد في الصّحابة ما يعتقده أكثر الاماميّة فيهم و يسفّه رأى من يذهب فيهم إلى النّفاق و التّكفير، و كان يقول: حكمهم حكم مسلم مؤمن عصى في بعض الافعال فحكمه إلى اللّه إن شاء أخذه و إن شاء غفر له قلت له مرّة: أ فتقول إنّهما من أهل الجنّة فقال: إى و اللّه أعتقد ذلك لأنّهما إمّا أن يعفو اللّه عنهما ابتداء أو بشفاعة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو بشفاعة علىّ أو يؤاخذهم بعقاب أو عتاب ثمّ ينقلهما إلى الجنة لا استريب في ذلك أصلا و لا أشكّ في ايمانهما برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و صحّة عقيدتهما فقلت له: فعثمان قال: و كذلك عثمان ثمّ قال: رحم اللّه عثمان و هل كان إلّا واحدا منّا و غصنا من شجرة عبد مناف، و لكن أهله كدروه علينا و أوقعوا العداوة و البغضاء بينه و بيننا قلت له: فيلزم ذلك على ما تراه في أمر هؤلاء أن يجوز دخول معاوية الجنّة لأنه لم تكن منه إلّا المخالفة و ترك امتثال أمر النبويّ.

فقال: كلّا إنّ معاوية من أهل النار لا لمخالفته عليا و لا بمحاربته ايّاه، و لكن عقيدته لم تكن صحيحة و لا ايمانه حقا كان من رءوس المنافقين هو و أبوه، و لم يسلم قلبه قطّ و إنما أسلم لسانه، و كان يذكر من حديث معاوية و من فلتات‏قوله و ما حفظ من كلام يقتضي فساد العقيدة شيئا كثيرا ليس هنا موضع ذكره فأذكره و قال لي مرّة: حاش للّه أن يثبت معاوية في جريدة الشيخين الفاضلين أبي بكر و عمر و اللّه ما هما إلّا كالذّهب الابريز و لا معاوية إلّا كالدّرهم الزايف أو قال كالدّرهم القمي.

ثمّ قال لى: فما يقول أصحابكم فيهما قلت: أما الذى استقرّ عليه رأى المعتزلة بعد اختلاف كثير بين قدمائهم فى التفضيل و غيره إنّ عليا عليه السّلام أفضل الجماعة و إنّهم تركوا الأفضل لمصلحة رأوها و إنه لم يكن هناك نصّ قاطع العذر و إنما كانت إشارة و ايماء لا يتضمّن شي‏ء منها صريح النصّ و إنّ عليا نازع ثمّ بايع، و جمح ثمّ اسحب، و لو قام على الامتناع لم نقل بصحّة البيعة له و لا بلزومها، و لو جرّد السيف كما جرّده في آخر الأمر لقلنا بفسق كلّ من خالفه على الاطلاق إنه فاسق كافر و لكن رضي بالبيعة أخيرا و دخل فى الطاعة، و بالجملة أصحابنا يقولون: إنّ الأمر كان له و كان هو المستحقّ و المتعيّن فان شاء أخذه بنفسه و إن شاء ولّاه غيره فلما رأيناه قد وافق على ولاية غيره اتبعناه و رضيناه.

فقال: قد بقي بيني و بينكم قليل أنا أذهب إلى النصّ و أنتم لا تذهبون إليه فقلت: إنه لم يثبت النصّ عندنا بطريق يوجب العلم، و ما تذكرونه أنتم صريحا فانتم تنفردون بنقله، و ما عدا ذلك من الأخبار التي نشارككم فيها فلها تأويلات معلومة.
فقال و هو ضجر: يا فلان لو فتحنا باب التأويلات لجاز أن نتأوّل قولنا لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه، دعني من التأويلات الباردة التي تعلم القلوب و النفوس أنها غير مرادة و أنّ المتكلّمين تكلّفوها و تعسّفوها، فانما أنا و أنت فى الدّار و لا ثالث لنا فيستحيى أحدنا من صاحبه أو يخافه.

قال الشارح: فلما بلغنا إلى هذا الموضع دخل قوم ممن كان يخشاه، فتركنا ذلك الاسلوب من الحديث و خضنا في غيره، انتهى.

قال الشارح المحتاج إلى رحمة ربّ العالمين المتمسّك بحبل اللّه المتين ولاية أمير المؤمنين: للّه در الشارح المعتزلي و النّقيب أبي جعفر الحسني، فلقد أجاد كلّ منهما فيما أفاد، و أسفرا النّقاب عن وجه المراد، و حقّقا ما هو الحقّ الأحقّ بالاتباع، و أفصحا عن صريح مذهب الشّيعة الاماميّة رضي اللّه عنهم لو لا إنكار الأوّل للنّص الجلي و تعصّب الثّاني في حقّ الشيخين و قوله: بأنّهما من أهل الجنّة بشفاعة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله أو بشفاعة عليّ عليه السّلام و بعبارة اخرى عدم تبرّيه من الشّيخين مع تولّيه لأمير المؤمنين فان كان ما قالاه مقتضى التّقيّة الّتي هي شعار الاماميّة أى يكون ما أضمراه خلاف ما أظهراه، فطوبى لهم و حسن ماب و جنّات خلد مفتّحة الأبواب.
و إن كان سريرتهما وفق علانيتهما فويل لهما من ديّان الدّين يوم حشر الأوّلين و الاخرين.

و ما أدرى ما ذا يعتذران به إذا لاقيا أمير المؤمنين في موقف حساب ربّ العالمين و كيف يمكن إنكار النصّ مع وجود النّصوص القاطعة المتواترة العامية و الخاصيّة حسبما عرفت في تضاعيف الشرح و تعرف أيضا في المواقع اللايقة، أم كيف يمكن اجتماع ولاية أمير المؤمنين عليه السّلام و محبّته في القلب مع محبّة الشيخين و ما جعل اللّه لرجل في جوفه من قلبين و لنعم ما

قال مجنون العامرى:

و لو كان لي قلب يذوب بحبّها
و قلب باخرى إنّها لقلوب‏

و قد تقدّم في شرح الخطبة المأة و السابعة و الأربعين أخبار كثيرة فى عدم اجتماع محبّته عليه السّلام مع محبّة غيره فليتذكّر، هذا.
مضافا إلى النصّ الذى هو مسلّم النقيب كما أنه مثبت لخلافة أمير المؤمنين ناف لخلافة المنتحلين المبطلين، و بالجملة لازمة الولاية الحقّة الثبات في عداوة الثلاثة.
و هنا لطيفة مناسبة للمقام يعجبني ذكرها و هو: إنّ الشيخ صالح بن حسن سأل عن الشيخ الأجلّ بهاء الملّة و الدّين قدّس اللّه‏روحه و قال: ما قول سيدى و سندى في هذه الأبيات لبعض النواصب فالمأمول أن تشرفوا بجواب منظوم يكسر سورته:

أهوى عليا أمير المؤمنين
و لا أرضى بسبّ أبي بكر و لا عمرا

و لا أقول إذا لم يعطيا فدكا
بنت النبيّ رسول اللّه قد كفرا

اللّه يعلم ما ذا يأتيان به
يوم القيامة من عذر إذا اعتذرا

فأجابه الشيخ قدّس سرّه العزيز: التمست أيها الأخ الأفضل الصفيّ الوفيّ أطال اللّه بقاك و أدام فى معارج العزّ ارتقاك الاجابة عما هذر به هذا المخذول فقابلت التماسك بالقبول و طفقت أقول:

يا أيها المدّعي حبّ الوصيّ
و لم تسمح بسبّ أبي بكر و لا عمرا

كذبت و اللّه فى دعوى محبّته‏
تبّت يداك ستصلى في غد سقرا

فكيف تهوى أمير المؤمنين و قد أراك
فى سبّ من عاداه مفتكرا

فان تكن صادقا فيما نطقت به‏
فابرء إلى اللّه ممّن خان أو غدرا

و أنكر النصّ في خمّ و بيعته و قال
إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد هجرا

أتيت تبغي قيام العذر فى فدك‏
أ نحسب الأمر فى التمويه مستترا

إن كان فى غصب حقّ الطهر
فاطمة سيقبل العذر ممّن جاء معتذرا

فكلّ ذنب له عذر غداة غد
و كلّ ظلم ترى فى الحشر مغتفرا

فلا تقولوا لمن أيّامه صرفت
فى سبّ شيخيكم قد ضلّ أو كفرا

بل سامحوه و قولوا لا نؤاخذه‏
عسى يكون له عذر إذا اعتذرا

فكيف و العذر مثل الشمس
اذ بزغت و الأمر متّضح كالصّبح إذ ظهرا

لكنّ إبليس أغواكم و صيّركم‏
عميا و صمّا فلا سمعا و لا بصرا

الترجمة

مى‏ فرمايد قسم بخدا نيست معاويه زيركتر از من در تدبير امورات دنيويّه،و لكن آن ملعون مكر و حيله مي كند و مرتكب فسق و فجور مى‏ شود، و اگر حيله كردن حرام نمى‏ شد هر آينه مى‏ بودم من از زيركترين خلق و لكن هر حيله كننده فاسق و فاجر است، و هر فاسق و فاجر كافر، و هر صاحب حيله را علمى است شناخته مى‏ شود با او در روز قيامت، بخدا سوگند طلب نمى ‏شود غفلت از من بجهت كيد و حيله و طمع نمى ‏شود در ضعف من بجهت شدايد و سختيهاى روزگار.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 198 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 199 صبحی صالح

199- و من كلام له ( عليه ‏السلام  ) كان يوصي به أصحابه‏

الصلاة

تَعَاهَدُوا أَمْرَ الصَّلَاةِ وَ حَافِظُوا عَلَيْهَا وَ اسْتَكْثِرُوا مِنْهَا وَ تَقَرَّبُوا بِهَا فَإِنَّهَا كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاًأَ لَا تَسْمَعُونَ إِلَى جَوَابِ أَهْلِ النَّارِ حِينَ سُئِلُوا ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ‏

وَ إِنَّهَا لَتَحُتُّ الذُّنُوبَ حَتَّ الْوَرَقِ وَ تُطْلِقُهَا إِطْلَاقَ الرِّبَقِ

وَ شَبَّهَ هَا رَسُولُ اللَّهِ ( صلى‏ الله ‏عليه ‏وآله‏ وسلم  )بِالْحَمَّةِ تَكُونُ عَلَى بَابِ الرَّجُلِ فَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا فِي الْيَوْمِ وَ اللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ فَمَا عَسَى أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَنِ

وَ قَدْ عَرَفَ حَقَّهَا رِجَالٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَا تَشْغَلُهُمْ عَنْهَا زِينَةُ مَتَاعٍ وَ لَا قُرَّةُ عَيْنٍ مِنْ وَلَدٍ وَ لَا مَالٍ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ

وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى‏الله‏عليه‏وآله  )نَصِباً بِالصَّلَاةِ بَعْدَ التَّبْشِيرِ لَهُ بِالْجَنَّةِ لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْهافَكَانَ يَأْمُرُ بِهَا أَهْلَهُ وَ يَصْبِرُ عَلَيْهَا نَفْسَهُ

الزكاة

ثُمَّ إِنَّ الزَّكَاةَ جُعِلَتْ مَعَ الصَّلَاةِ قُرْبَاناً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَمَنْ أَعْطَاهَا طَيِّبَ النَّفْسِ بِهَا فَإِنَّهَا تُجْعَلُ لَهُ كَفَّارَةً وَ مِنَ النَّارِ حِجَازاً وَ وِقَايَةً

فَلَا يُتْبِعَنَّهَا أَحَدٌ نَفْسَهُ وَ لَا يُكْثِرَنَّ عَلَيْهَا لَهَفَهُ فَإِنَّ مَنْ أَعْطَاهَا غَيْرَ طَيِّبِ النَّفْسِ بِهَا يَرْجُو بِهَا مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا فَهُوَ جَاهِلٌ بِالسُّنَّةِ مَغْبُونُ الْأَجْرِ ضَالُّ الْعَمَلِ طَوِيلُ النَّدَمِ

الأمانة

ثُمَّ أَدَاءَ الْأَمَانَةِ فَقَدْ خَابَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا إِنَّهَا عُرِضَتْ عَلَى السَّمَاوَاتِ الْمَبْنِيَّةِ وَ الْأَرَضِينَ الْمَدْحُوَّةِ وَ الْجِبَالِ ذَاتِ الطُّولِ‏الْمَنْصُوبَةِ فَلَا أَطْوَلَ وَ لَا أَعْرَضَ وَ لَا أَعْلَى وَ لَا أَعْظَمَ مِنْهَا

وَ لَوِ امْتَنَعَ شَيْ‏ءٌ بِطُولٍ أَوْ عَرْضٍ أَوْ قُوَّةٍ أَوْ عِزٍّ لَامْتَنَعْنَ وَ لَكِنْ أَشْفَقْنَ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَ عَقَلْنَ مَا جَهِلَ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُنَّ وَ هُوَ الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا

علم اللّه تعالى‏

إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا الْعِبَادُ مُقْتَرِفُونَ فِي لَيْلِهِمْ وَ نَهَارِهِمْ لَطُفَ بِهِ خُبْراً وَ أَحَاطَ بِهِ عِلْماً أَعْضَاؤُكُمْ شُهُودُهُ وَ جَوَارِحُكُمْ جُنُودُهُ وَ ضَمَائِرُكُمْ عُيُونُهُ وَ خَلَوَاتُكُمْ عِيَانُهُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج12  

و من كلام له عليه السّلام و هو المأة و الثامن و التسعون من المختار فى باب الخطب

و هو مروىّ في الكافي ببسط و اختلاف كثير تطلع عليه بعد الفراغ من شرح ما أورده السيّد (ره) هناتعاهدوا أمر الصّلاة و حافظوا عليها، و استكثروا منها، و تقرّبوا بها، فانّها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، ألا تسمعون إلى جواب أهل النّار حيث سئلوا ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلّين و انّها لتحتّ الذّنوب حتّ الورق، و تطلقها إطلاق الرّبق، و شبّهها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالحمّة تكون على باب الرّجل، فهو يغتسل منها في اليوم و اللّيلة خمس مرّات، فما عسى أن يبقى عليه من الدّرن، و قد عرف حقّها رجال من المؤمنين الّذين لا تشغلهم عنها زينة متاع، و لا قرّة عين من ولد و لا مال، يقول اللّه سبحانه: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ» و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نصبا بالصّلاة بعد التّبشير له بالجنّة، لقول اللّه سبحانه «وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها» فكان يأمر أهله و يصبّر عليها نفسه.

ثمّ إنّ الزّكاة جعلت مع الصّلاة قربانا لأهل الإسلام، فمن أعطيها طيّب النّفس بها فإنّها تعجل له كفّارة، و من النّار حجازا و وقاية، فلا يتبعنّها أحد نفسه، و لا يكثرنّ عليها لهفه، فانّ من أعطاها غير طيّب النّفس بها يرجو بها ما هو أفضل منها، فهو جاهل بالسّنّة، مغبون الاجر، ضالّ العمل، طويل النّدم.

ثمّ أداء الامانة فقد خاب من ليس من أهلها، إنّها عرضت على السّماوات المبنيّة، و الارضين المدحوّة، و الجبال ذات الطّول المنصوبة فلا أطول، و لا أعرض، و لا أعلى، و لا أعظم منها، و لو امتنع شي‏ء بطول، أو عرض، أو قوّة، أو عزّ، لامتنعن و لكن أشفقن من العقوبة، و عقلن ما جهل من هو أضعف منهنّ، و هو الانسان إنّه كان ظلوما جهولا. إنّ اللّه سبحانه لا يخفى عليه ما العباد مقترفون في ليلهم و نهارهم، لطف به خبرا، و أحاط به علما، أعضائكم شهوده، و جوارحكم جنوده، و ضمائركم عيونه، و خلواتكم عيانه.

اللغة

(تعاهدوا أمر الصّلاة) و روى تعهّدوا بدله يقال تعهّدت الشي‏ء و تعاهدته تردّدت إليه و تفقّدته و أصلحته، و حقيقته تجديد العهد به، و فى الدّعاء عند الحجر الأسود: ميثاقي تعهّدته لتشهد لي بالموافاة يوم القيامة، و في رواية العلل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام تعاهدته بدله، أى جدّدت العهد به، قال الفيومي: قال الفارابى: تعهّدته أفصح من تعاهدته، و قال ابن فارس و لا يقال تعاهدته، لأنّ التعاهد لا يكون إلّا من اثنين و يردّه كلام أمير المؤمنين عليه السّلام على رواية السيّد، و دعاء الحجر على رواية العلل و ما في الحديث من قوله: تعاهدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم.

و (حتّ) الرّجل الورق من الشجر حتا من باب مدّ أسقطه و أزاله، و تحاتت‏الشّجرة تساقط ورقها و (الرّبق) وزان عنب جمع ربق بالكسر وزان حمل حبل فيه عدّة عرى يشدّ به البهم، و كلّ عروة ربقة و (الحمة) بفتح الحاء المهملة كلّ عين فيها ماء حارّ ينبع يستشفى بها الأعلاء، و في بعض النّسخ بالجيم و هى البئر الكثيرة الماء و (الدّرن) محرّكة الوسخ.

و (اقام الصّلاة) أصله إقوام مصدر أقوم مثل أكثر أكرم إكراما، و التّاء في إقامة عوض من العين السّاقط بالاعلال، فلما اضيفت اقيمت الاضافة مقام حرف التّعويض و (نصب) نصبا كتعب وزنا و معنى فهو نصب.

و (يصبّر عليها نفسه) بالتثقيل أى يأمرها بالصّبر من صبّرته أى حملته على الصّبر بوعد الأجر، و قلت له: اصبر و يروى بالتّخفيف أى يحبس عليها نفسه و (القربان) كفرقان اسم لما يتقرّب به إلى اللّه من أعمال البرّ.

و قوله (فلا يتبعنّها) بنون التّوكيد مثقّلة من اتبعت فلانا لحقته قال تعالى فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ أى لحقهم و (العيان) بالكسر المعاينة يقال لقاه عيانا أى معاينة لم يشكّ في رؤيته إيّاه.

الاعراب

قوله: على المؤمنين، متعلّق بقوله: موقوتا قوله: فما عسى أن يبقى عليه من الدّرن، كلمة ما نافية و عسى تامّة بمعنى كاد، و أن يبقى عليه، في موضع رفع بأنّه فاعل عسى كما في قوله تعالى عَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً و فاعل يبقى محذوف و من الدّرن بيان للفاعل المحذوف أى يبقى عليه شي‏ء من الدّرن.

و قوله تعالى: رجال، فاعل يسبّح المذكور قبل ذلك، قال سبحانه يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ و على قراءة يسبّح مبنيّا للمفعول فالجار و المجرور أعني له نايب عن الفاعل و رجال مرفوع بفعل محذوف يدل عليه الفعل المذكور كأنّه بعد ما قيل يسبّح له سئل عن المسبّح فقيل: رجال، أى يسبّح له‏رجال على حدّ قول الشّاعر:

ليبك يزيد ضارع لخصومة            و مختبط ممّا تطيح الطوايح‏

أى يبكيه ضارع، و قوله: طيّب النّفس، منصوب على الحال من فاعل أعطى، و قوله: غير طيّب النّفس، و جملة يرجو بها منصوبان لفظا و محلا أيضا على الحال و قوله: لا يخفى عليه ما العباد مقترفون، كلمة ما موصولة منصوبة محلا مفعول يخفى و ما بعدها صلة لها و العايد محذوف أى مقترفون له.

المعنى

اعلم أنّ مدار هذا الكلام الشّريف على فصول ثلاثة الفصل الاول في الأمر بالصّلاة و الحثّ عليها و الفصل الثاني في الترغيب في الزّكاة و الالزام بها و الفصل الثالث في التحضيض على أداء الأمانة و التّحذير من المعاصي.

اما الفصل الاول

فهو قوله (تعاهدوا أمر الصلاة) أى جدّدوا العهد بها و راقبوا عليها في أوقاتها المخصوصة و لا تضيّعوها و لا تغفلوا عنها، لأنها عماد الدّين، و معراج المؤمنين، و قربان كلّ تقىّ و مؤمن نقيّ، و أوّل ما يحاسب به العبد إن قبلت قبل ما سواها و إن ردّت ردّ ما سواها.

و قد ذمّ اللّه أقواما توانوا عنها و استهانوا بأوقاتها فقال: «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ» قال أمير المؤمنين عليه السّلام في رواية الخصال: يعني أنهم غافلون استهانوا بأوقاتها.

(و حافظوا عليها) أى على أوقاتها و رعاية آدابها و سننها و حدودها و مراسمها و شروطها و أركانها.

فلقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من ترك صلاته متعمّدا فقد هدم دينه.

و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا تضيعوا صلاتكم فانّ من ضيع صلاته حشره اللّه تعالى مع قارون و فرعون و هامان لعنهم اللّه و أخزاهم و كان حقا على اللّه أن يدخله النار مع المنافقين فالويل لمن لم يحافظ على صلاته.

و قال أبو جعفر عليه السّلام إنّ الصلاة إذا ارتفعت في أوّل وقتها رجعت إلى صاحبها و هي بيضاء مشرقة، تقول: حفظتني حفظك اللّه و إذا ارتفعت في غير وقتها بغير حدودها رجعت إلى صاحبها و هى سوداء مظلمة، تقول: ضيّعتنى ضيّعك اللّه.

و قد أمر اللّه عزّ و جل بمحافظتها في الكتاب العزيز بقوله: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى‏ وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ.

قال أمين الاسلام الطبرسى: أى داوموا على الصلوات المكتوبات في مواقيتها بتمام أركانها، ثمّ خص الوسطى تفخيما لشأنها فقال: و الصّلوة الوسطى و قال المحدّث العلّامة المجلسى: و يدلّ بناء على كون الأمر مطلقا أو خصوص أمر القرآن للوجوب على وجوب المحافظة على جميع الصّلوات إلّا ما أخرجها الدليل، و ربما يستدلّ بها على وجوب صلاة الجمعة و العيدين و الايات، و لكن في بعض الرّوايات أنّ المراد بها الصّلوات الخمس، و على تقدير العموم يمكن تعميمها بحيث يشمل النّوافل و التّطوّعات أيضا، فلا يكون الأمر على الوجوب، و يشمل رعاية السّنن في الصلاة الواجبة أيضا كما يفهم من بعض الأخبار.

و خصّ الصلاة الوسطى بذلك بعد التعميم لشدّة الاهتمام بها لمزيد فضلها أو لكونها معرضة للضّياع من بينها فهى الوسطى بين الصلاة وقتا أو عددا او الفضلى من قولهم للأفضل الأوسط.

و قد قال بتعيين كلّ من الصلوات الخمس قوم إلّا أنّ أصحابنا لم يقولوا بغير الظهر و العصر كما يظهر من المنتهى و غيره.

فقال الشيخ في الخلاف: إنّها الظهر و تبعه جماعة من أصحابنا و به قال زيد بن ثابت عايشة و عبد اللّه بن شداد، لأنّها بين صلاتين بالنّهار، و لأنّها فى وسط النّهار، و لأنّها تقع‏ فى شدّة الحرّ و الهاجرة وقت شدّة تنازع الانسان إلى النّوم و الرّاحة فكانت أشقّ، و أفضل العبادات أحمزها، و أيضا الأمر بمحافظة ما كان أشقّ أنسب و أهمّ و لأنّها أوّل صلاة فرضت و لأنها في الساعة الّتي يفتح فيها أبواب السماء فلا تغلق حتّى تصلّى الظهر و يستجاب فيها الدّعاء.

و روى الجمهور عن زيد بن ثابت قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يصلّى الظهر بالهاجرة و لم يكن يصلّى صلاة أشدّ على أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم منها فنزلت الاية.

و روى التّرمدى و أبو داود عن عايشة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قرء حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى و صلاة العصر.

قال في المنتهى: و العطف يقتضى المغايرة لا يقال: الواو زايدة كما في قوله تعالى وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ لأنّا نقول: الزّيادة منافية للأصل فلا يصار إليه إلّا لموجب و المثال الذى ذكروه نمنع زيادة الواو فيه بل هى للعطف على بابها و قال في مجمع البيان: كونها الظهر هو المرويّ عن الباقر و الصادق عليهما السّلام و روى فيه عن عليّ عليه السّلام أنّها الجمعة يوم الجمعة و الظهر فى ساير الأيام.

و قال السيد المرتضى هى صلاة العصر و تبعه جماعة من أصحابنا، و به قال أبو هريرة و أبو أيّوب و أبو سعيد عبيدة السلمانى و الحسن و الضّحاك و أبو حنيفة و أصحابه و أحمد و نقله الجمهور عن عليّ عليه السّلام قالوا لأنّها بين صلاتي ليل و صلاتي نهار.

و احتجّ السيد ره باجماع الشيعة.

و المخالفون بما رووا عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ اللّه بيوتهم و قبورهم نارا.

و في الوسائل بعد رواية الأخبار الدّالّة على أنّها الظهر قال: و تقدّم ما يشعر بأنها العصر، و هو محمول على التّقية في الرّواية.

و قيل: إنّها إحدى الصلوات الخمس لم يعيّنها اللّه و أخفاها في جملة الصلوات‏ المكتوبة ليحافظوا على جميعها كما أخفى ليلة القدر في ليالى شهر رمضان، و اسمه الأعظم في جميع الأسماء، و ساعة الاجابة في ساعات الجمعة لئلا يتطرّق التّشاغل بغيرها بل يهتمّ غاية الاهتمام بالكلّ فيدرك كمال الفضل.

(و استكثروا منها) فانّها خير موضوع فمن شاء أقلّ و من شاء أكثر.

روى في البحار من البصاير عن محمّد بن الحسين عن عبد الرّحمن بن أبي هاشم ابن العتبة العابدة قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام و ذكر عنده الصلاة فقال: إنّ فى كتاب عليّ عليه السّلام الذى إملا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّ اللّه لا يعذّب على كثرة الصلاة و الصيام و لكن يزيده جزاء «خيرا خ» و فى الوسايل عن الشيخ باسناده عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رجل فقال: ادع اللّه أن يدخلني الجنّة فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أعنّى بكثرة السّجود.

و فيه عن الصدوق باسناده عن أبي جعفر العطار قال: سمعت الصادق جعفر ابن محمّد عليهما السّلام يقول: جاء رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: يا رسول اللّه كثرت ذنوبى و ضعف عملى، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: أكثر السّجود فانّه يحطّ الذنوب كما تحتّ الرّيح ورق الشجر.

(و تقرّبوا بها) إلى اللّه سبحانه فانّها قربان كلّ تقىّ.

كما رواه في البحار من العيون باسناده عن محمّد بن الفضيل عن الرّضا عليه السّلام قال: الصلاة قربان كلّ تقىّ.

و فيه من ثواب الأعمال باسناده عن موسى بن بكر عن أبي الحسن عليه السّلام قال: صلاة النّوافل قربان كلّ مؤمن.

بل هى أفضل ما يتقرّب به إليه تعالى.

كما يدلّ عليه ما رواه في الكافى باسناده عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن أفضل ما يتقرّب به العباد إلى ربّهم فقال: ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة، ألا ترى أنّ العبد الصالح عيسى بن مريم عليهما السّلام قال: و أوصانى‏ بالصلاة و الزّكوة ما دمت حيّا، هذا.

و لمّا أمر بتعاهدها و محافظتها و التّقرّب بها عقّب عليه السّلام ذلك و علّله بوجوه مرغبة.

أحدها قوله (فانّها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) اقتباس من الاية الشريفة فى سورة النساء.

قال في مجمع البيان: اختلف في تأويله فقيل: إنّ الصلاة كانت على المؤمنين واجبة مفروضة و هو المرويّ عن الباقر و الصادق عليهما السّلام، و قيل: معناه فرضا موقوتا أى منجما تؤدّونها في أنجمها.

و في الكافى باسناده عن داود بن فرقد قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: قوله تعالى إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً قال: كتابا ثابتا و ليس إن عجّلت قليلا أو أخّرت قليلا بالذى يضرّك ما لم تضيّع تلك الاضاعة فانّ اللّه عزّ و جلّ يقول لقوم فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا.

و فيه عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام في هذه الاية أى كتابا موجوبا «موجبا خ ل» هذا و تخصيص المؤمنين بالذكر في الاية الشريفة لتحريصهم و ترغيبهم على حفظها و حفظ أوقاتها حالتى الأمن و الخوف و مراعاة جميع حدودها في حال الأمن و ايماء بأنّ ذلك من مقتضى الايمان و شعار أهله فلا يجوز أن تفوتهم و إنّ التّساهل فيها يخلّ بالايمان و انّهم هم المنتفعون بها لعدم صحّتها من غيرهم.

الثاني قوله (ألا تسمعون إلى جواب أهل النار) و الاستفهام للتقرير بما بعد النّفى أو للتوبيخ و التقريع، و الغرض منه تنبيه المخاطبين على أنّ ترك الصلاة يوجب دخول النار و سخط الجبار ليتحرزوا من تركها و يحافظوا عليها.

و ذلك انّ أهل النار (حين سئلوا) أى سألهم أهل الجنّة على ما حكى اللّه عنهم في سورة المدّثر بقوله: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ. إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ. فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ. ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ‏وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ. وَ كُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ. وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ. حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ.

قال أمين الاسلام الطبرسى في تفسير الاية: كلّ نفس بما كسبت رهينة أى محبوسة بعملها مطالبة بما كسبته من طاعة أو معصية، ثمّ استثنى سبحانه أصحاب اليمين وهم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم و قال الباقر عليه السّلام نحن و شيعتنا أصحاب اليمين.

في جنّات يتساءلون، أى يسأل بعضهم بعضا و قيل: يسألون عن المجرمين أى عن حالهم و عن ذنوبهم الّتي استحقوا بها النار.

ما سلككم في سقر، هذا سؤال توبيخ أى تطلع أهل الجنّة على أهل النار فيقولون: ما أوقعكم في النار.

قالوا لم نك من المصلّين، أى كنا لا نصلّى الصلاة المكتوبة على ما قرّرها الشرع، و في هذا دلالة على أنّ الاخلال بالواجب يستحقّ به الذّم و العقاب، لأنهم علّقوا استحقاقهم العقاب بالاخلال بالصلاة، و فيه دلالة أيضا على أنّ الكفار مخاطبون بالعبادات الشرعيّة، لأنه حكاية عن الكفار بدليل قوله: و كنا نكذّب بيوم الدّين.

و قوله: و لم نك نطعم المسكين، معناه لم نك نخرج الزّكوات الّتى كانت واجبة علينا، و الكفارات التي وجب دفعها إلى المساكين، و هم الفقراء.

و كنّا نخوض مع الخائضين أى كلّما غوى غاو بالدّخول في الباطل غوينا معه و المعنى كنا نلوث أنفسنا في المرور بالباطل كتلويث الرّجل بالخوض، فهؤلاء لما كانوا يجرون مع من يكذّب بالحقّ مشيعين لهم فى القول كانوا خائضين معهم.

و كنا نكذّب بيوم الدّين، مع ذلك أى نجحد يوم الجزاء و هو يوم القيامة.

حتّى أتينا اليقين، أى أتانا الموت على هذه الحالة، و قيل: حتّى جاءنا علم اليقين من ذلك بأن عاينّاه، هذا.

و فى الصافى عن الكافى عن الصادق عليه السّلام في قوله: لم نك من المصلّين،قال عليه السّلام: لم نك من أتباع الأئمة الذين قال اللّه فيهم: و السابقون السابقون اولئك المقرّبون، أما ترى الناس يسمّون الذى يلي السابق في الحلبة مصلّيا، فذلك الذى عنى حيث قال: لم نك من المصلّين أى لم نك من أتباع السابقين.

و عن الكاظم عليه السّلام يعنى أنا لم نتولّ وصيّ محمّد و الأوصياء من بعده و لم نصلّ عليهم، و هذان لا ينافيان التفسير المتقدّم لأنّ المتقدّم تنزيلها و هذا تأويلها.

(و) الثالث (انها لتحتّ الذّنوب حتّ الورق) أى تسقطها من الرّقاب سقوط الأوراق من الأشجار.

كما وقع التّصريح به في رواية الوسايل من مجالس ابن الشّيخ باسناده عن سلمان الفارسى قال: كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فى ظلّ شجرة فأخذ غصنا منها فنفضه فتساقط ورقه فقال: ألا تسألونى عمّا صنعت فقالوا: أخبرنا يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: إنّ العبد المسلم إذا قام إلى الصلاة تحاطت خطاياه كما تحاطت ورق هذه الشجرة، هذا.

و التشبيه في كلامه عليه السّلام من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس، و كذلك في قوله: (و تطلقها إطلاق الرّبق) و الكلام على القلب و المراد أنّها تطلق أعناق النفوس أى تفكّها من أغلال الذّنوب إطلاق أعناق البهايم من الأرباق.

و لمّا ذكر إسقاطها للذّنوب أيّده بقوله (و شبّهها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالحمة تكون على باب الرّجل) و أشار إلى وجه الشّبه بقوله (فهو يغتسل منها) و يطهر جسده من الأوساخ (في اليوم و اللّيلة خمس مرّات فما عسى أن يبقى عليه) شي‏ء (من الدّرن) و كذلك من صلّى الصلوات الخمس لا يبقى عليه شي‏ء من الذّنوب.

و قد تقدّم في شرح الخطبة المأة و التاسعة رواية متن الحديث النّبوى من الفقيه عن الصادق عليه السّلام قال: قال النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّما مثل الصلاة فيكم كمثل السرى و هو النهر على باب أحدكم يخرج إليه في اليوم و اللّيلة يغتسل منه خمس مرّات فلم يبق الدرن على الغسل خمس مرّات، و لم يبق الذنوب على الصلاة خمس مرّات.

و الرابع ما أشار إليه بقوله (و قد عرف حقّها) و قدرها (رجال من المؤمنين) و هو عليه السّلام رئيسهم و سيّدهم و أفضلهم حسبما تطلع عليه في الأخبار الاتية و هم (الذين لا تشغلهم عنها زينة متاع و لا قرّة عين من ولد و لا مال) لعلمهم بأنّ المال و البنين زينة الحياة الدنيا و الباقيات الصالحات خير عند ربهم ثوابا و خير أملا.

(يقول اللّه سبحانه) في وصفهم في سورة النّور: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ (رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ) من عطف الخاص على العام لشمول التجارة ساير أنواع المكاسب (عن ذكر اللّه و إقام الصّلوة و ايتاء الزكاة) يخافون يوما تتقلّب فيه القلوب و الأبصار.

قال فى مجمع البيان: روى مرفوعا أنّه سئل النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لما قرء الاية أىّ بيوت هذه فقال: بيوتات الأنبياء، فقام أبو بكر فقال: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله هذا البيت منها لبيت عليّ و فاطمة، قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: نعم من أفاضلها.

و المراد بالرّفع التعظيم و رفع القدر من الأرجاس و التطهير من المعاصى، و يذكر فيها اسمه أى يتلى فيها كتابه يسبّح له فيها بالغدوّ و الاصال أى يصلّى فيها بالبكر و العشايا، رجال لا تلهيهم، أى لا تشغلهم و لا تصرفهم، تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه و إقام الصلاة، أى إقامة الصّلاة و ايتاء الزكاة أى إخلاص الطاعة للّه و قيل يريد الزكاة المفروضة.

و روى في كتاب غاية المرام من تفسير مجاهد و الى يوسف يعقوب بن سفين «كذا» قال ابن عبّاس في قوله تعالى: وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَ تَرَكُوكَ قائِماً إنّ دحية الكلبي جاء يوم الجمعة من الشّام بالمسيرة فنزل عند أحجار الزّيت ثمّ ضرب بالطبول ليأذن بقدومه و مضوا النّاس اليه إلّا علىّ و الحسن و الحسين و فاطمة و سلمان و أبو ذر و المقداد و صهيب و تركوا النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قائما يخطب على المنبر، فقال النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لقد نظر اللّه يوم الجمعة إلى مسجدى فلو لا هؤلاء الثمّانية الّذين جلسوا في مسجدى لاضطرمت المدينة على أهلها نارا و حصبوا بالحجارة كقوم لوط، فنزل فيهم: رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع.

و فيه عن محمّد بن العباس عن محمّد بن همّام عن محمّد بن إسماعيل عن عيسى بن‏ داود قال: حدّثنا الامام موسى بن جعفر عن أبيه عليهما السّلام في قول اللّه عزّ و جلّ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ الاية قال: بيوت آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بيت عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و حمزة و جعفر عليهم السّلام، قلت: بالغدوّ و الاصال، قال: الصّلاة في أوقاتها، قال: ثمّ وصفهم اللّه عزّ و جل: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ، قال: هم الرّجال لم يخلط اللّه معهم غيرهم، ثمّ قال: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، قال: ما اختصّهم به من المودّة و الطّاعة المفروضة و صيّر مأواهم الجنّة و اللّه يرزق من يشاء بغير حساب.

(و) الخامس انّ في المحافظة على الصلاة أسوة بالنّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلقد (كان رسول اللّه نصبا بالصلاة) أى تعبا بها كلّ التعب.

حتى روى انّه كان يصلّى اللّيل كلّه و يعلّق صدره بحبل حتّى لا يغلبه النّوم فعاتبه اللّه على ذلك و أنزل عليه «طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏» و أمره بأن يخفّف على نفسه و ذكر أنّه ما أنزل عليه الوحى ليتعب كلّ هذا التّعب.

روى فى الصافى من الاحتجاج عن الكاظم عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السّلام قال: لقد قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عشر سنين على أطراف أصابعه حتّى تورّمت قدماه و اصفرّ وجهه يقوم اللّيل أجمع حتّى عوتب في ذلك فقال اللّه عزّ و جلّ طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏ بل لتسعد.

قيل: الشقاء شايع بمعنى التّعب و منه أشقى من رايض المهر و سيّد القوم أشقاهم، و لعلّه عدل اليه للاشعار بأنّه انزل إليه ليسعد.

و قوله (بعد التبشير له بالجنّة) إشارة إلى أنّه لم يكن مواظبته على الصّلاة شوقا إلى الجنّة و لا خوفا من النّار بل قد كان نصبا بها مع وجود تلك البشارة متحملا كلّ التعب امتثالا (لقول اللّه سبحانه) و أمره له بالصبر عليها في سورة طه حيث قال:«»(وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها) لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً. نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَ الْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى‏.

قال في مجمع البيان: معناه و أمر يا محمّد أهل بيتك و أهل دينك بالصلاة و اصبر على فعلها، و فى الصافى و داوم عليها، لا نسألك أن ترزق نفسك و لا أهلك، بل كلّفناك العبادة و أداء الرّسالة و ضمنا رزق الجميع، نحن نرزقك و إيّاهم ففرّغ بالك للاخرة، و العاقبة المحمودة لذوى التقوى.

قال فى مجمع البيان روى أبو سعيد الخدرى قال: لمّا نزلت هذه الاية كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يأتي باب فاطمة و عليّ تسعة أشهر عند كلّ صلاة فيقول: الصلاة رحمكم اللّه إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

قال و قال أبو جعفر عليه السّلام أمره اللّه أن يخصّ أهله دون النّاس ليعلم النّاس أنّ لأهله عند اللّه منزلة ليست للنّاس، فأمرهم مع النّاس عامّة ثمّ أمرهم خاصّة.

و فى الصافى من العيون عن الرّضا عليه السّلام في هذه الاية قال: خصّنا اللّه هذه الخصوصيّة إذ أمرنا مع الامّة باقامة الصّلاة ثمّ خصّنا من دون الامّة فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يجي‏ء إلى باب علىّ و فاطمة بعد نزول هذه الاية تسعة أشهر كلّ يوم عند حضور كلّ صلاة خمس مرّات فيقول: الصّلاة رحمكم اللّه و ما أكرم اللّه أحدا من ذرارى الأنبياء بمثل هذه الكرامة الّتي أكرمنا بها و خصّنا من دون جميع أهل بيتهم.

(فكان) صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (يأمر) بها (أهله و يصبّر عليها نفسه) أى يأمر نفسه بالصبر و التحمّل على تعبها، هذا.

و قد تقدّم في شرح الخطبة المأة و التاسعة تفصيل الكلام في فضل الصّلاة و آدابها و أسرارها و عقاب تاركها. فليراجع هناك.

و أما الفصل الثاني

فقد أشار اليه بقوله (ثمّ إنّ الزكاة جعلت مع الصّلاة قربانا لأهل الاسلام)يعني كما جعل اللّه سبحانه الصّلاة قربانا للمسلمين يتقرّبون بها إليه تعالى، جعل الزكاة أيضا قربانا لهم مثلها.

و يدلّ على ذلك أنّه سبحانه عقّب الأمر باقام الصّلاة في أكثر آيات كتابه العزيز بالأمر بايتاء الزّكاة، فجعل الزكاة تالي الصّلاة في المطلوبيّة.

و يشهد به أيضا ما في الوسايل عن الصّدوق باسناده عن المجاشعي عن الرّضا عليه السّلام عن آبائه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: بني الاسلام على خمس خصال: على الشّهادتين، و القرينتين، قيل له: أمّا الشهادتان فقد عرفناهما، فما القرينتان قال: الصّلاة و الزّكاة، فانّه لا يقبل إحداهما إلّا بالاخرى، و الصيام و حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا، و ختم ذلك بالولاية.

و قد مضي الكلام في فضلها و عقوبة تاركها و أقسامها في شرح الخطبة المأة و التاسعة بما لا مزيد عليه فليراجع ثمّة.

و لما ذكر كونها قربانا لأهل الاسلام نبّه على شرط قربانيّتها و هو كون اتيانها عن وجه الخلوص و طيب النفس، و سرّ ذلك ما قدّمناه في شرح الخطبة الّتي أشرنا اليه، و محصّل ما قدّمناه أنّ الاسلام موقوف على توحيد الربّ عزّ و جلّ و كمال توحيده عبارة عن الاخلاص له، و معنى الاخلاص إفراده بالمعبوديّة و المحبوبيّة و اخلاء القلب عن محبّة ما سواه فلا يجتمع محبة المال مع محبّته تعالى.

(ف) علم من ذلك أنّ (من أعطاها طيّب النفس بها) حبّا له تعالى و امتثالا لأمره و ابتغاء لمرضاته و تقرّبا إليه عزّ و جلّ (فانها) حينئذ تقرّبه إليه و توجب حبّه تعالى له و القرب و الزّلفى لديه و (تجعل له) من الذّنوب (كفارة و من النار حجازا و وقاية) أى حاجزا مانعا من النار و وقاية من غضب الجبار.

كما يشهد به ما رواه في الفقيه عن الصادق عليه السّلام قال: خياركم سمحاؤكم و شراركم بخلاؤكم، و من خالص الايمان البرّ بالاخوان، و السعى فى حوائجهم، و انّ البارّ بالاخوان ليحبّه الرّحمن، و في ذلك مرغمة للشيطان، و تزحزح عن النيران‏ و دخول الجنان ثمّ قال عليه السّلام لجميل: يا جميل أخبر بهذا غرر«» أصحابك، قلت: جعلت فداك من غرر أصحابي قال: هم البارّون بالاخوان فى العسر و اليسر، ثمّ قال: يا جميل اعلم أنّ صاحب الكثير يهوّن عليه ذلك و إنما مدح اللّه فى ذلك صاحب القليل فقال فى كتابه وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ.

و بعد ذلك (ف) اللّازم أن (لا يتبعنها أحد) من المعطين لها (نفسه و لا يكثرنّ عليها لهفه) و تحسّره، لأنّ اتباع النّفس و إكثار اللّهف كاشف عن محبّته لها و هو ينافي محبّته تعالى فكيف يتقرّب باعطائها إليه و يبتغي القرب و الزّلفى لديه (فانّ من أعطاها) على وجه الاكراه (غير طيّب النّفس بها) و الحال أنّه (يرجو) و يتوقّع (بها ما هو أفضل منها) من رضوان اللّه تعالى و الخلد في جنانه (فهو) كاذب فى دعوى المحبّة (جاهل بالسّنة) لأنّ السّنة فى أدائها أن يكون بطيب النفس، و لذلك مدح اللّه الباذلين للمال كذلك بقوله وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ و قوله وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً. إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً.

(مغبون الأجر) لأنّ الأجر مترتّب على العمل، فاذا كان العمل لا على وجه الرّضا يكون الجزاء المترتّب عليه كذلك، و من هنا قيل: كما تدين تدان، و قد قال سبحانه وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ.

(ضالّ العمل) حيث أتا به على غير الوجه المطلوب شرعا (طويل النّدم) في الاخرة على ما فوّته على نفسه من الأجر الجزيل و الجزاء الجميل

و اما الفصل الثالث

فهو ما أشار إليه بقوله (ثمّ أداء الامانة) الّتى جعل اللّه المحافظة عليها من وصف المؤمنين الموصوفين فى قوله قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ إلى قوله وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ راعُونَ و الأخبار فى فضلها بالغة حدّ الاستفاضة.

منها ما فى البحار من الكافى عن الحسين بن أبى العلا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ لم يبعث نبيّا إلّا بصدق الحديث و أداء الامانة إلى البرّ و الفاجر.

و من قرب الاسناد عن ابن طريف عن ابن علوان عن جعفر عن أبيه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: الأمانة تجلب الغنى و الخيانة تجلب الفقر.

و من الامالى عن عمر بن يزيد قال: سمعت الصادق عليه السّلام يقول: اتّقوا اللّه و عليكم بأداء الأمانة إلى من ائتمنكم. فلو أنّ قاتل أمير المؤمنين ائتمننى على أمانة لأدّيتها إليه.

و عن الثمالى عن عليّ بن الحسين عليهما السّلام قال: سمعته عليه السّلام يقول لشيعته: عليكم بأداء الأمانة فو الذى بعث محمّدا بالحقّ نبيّا لو أنّ قاتل أبي الحسين بن عليّ عليهما السّلام ائمننى على السيف الذى قتله به لأدّيته إليه.

و عن أحمد بن محمّد الهمداني عن أبي جعفر الثّانى عن آبائه عليهم السّلام عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم و صومهم و كثرة الحجّ و المعروف و طنطنتهم باللّيل، و لكن انظروا إلى صدق الحديث و أداء الأمانة.

و عن الحسين بن أبي العلا عن الصادق عليه السّلام قال: سمعته يقول: أحبّ العباد إلى اللّه عزّ و جلّ رجل صدوق في حديثه محافظ على صلاته و ما افترض اللّه عليه مع أداء الأمانة، ثمّ قال عليه السّلام: من اؤتمن على أمانة فأدّاها فقد حلّ ألف عقدة من عنقه من عقد النّار، فبادروا بأداء الأمانة، فانّ من اؤتمن على أمانة وكّل به إبليس مأئة شيطان من مردة أعوانه ليضلّوه و يوسوسوا إليه حتّى يهلكوه إلّا من عصم اللّه عزّ و جلّ.

(فقد) علم من ذلك أنّه (خاب من ليس من أهلها) أى خسر في الدنيا و في الاخرة من لم يكن من أهلها، بل كان من أهل الخيانة، فانّ الخيانة حسبما عرفت تجلب الفقر في الدّنيا و النار في العقبى و خسر أهلها خسرانا عظيما.

و ان شئت أن تعرف عظم الخطب و مزيد ثقل التّكليف فيها فاستمع لما يتلى عليك من قوله: (إنّها عرضت على السّماوات المبنيّة و الأرضين المدحوّة) المبسوطة على الماء (و الجبال) الرّاسيات (ذات الطول المنصوبة) المرفوعة على الأرض و لكنّها مع أنّها أعظم ما خلق اللّه عزّ و جلّ في الكون (فلا أطول و لا أعرض و لا أعلى و لا أعظم منها) امتنعن من حمل هذا التكليف، أى تكليف الأمانة و أبين أن يحملنها لثقلها و صعوبتها لا للعظمة و الاستكبار عن الطاعة، بل للخوف و الاشفاق من المعصية.

(و لو امتنع شي‏ء بطول أو عرض أو قوّة أو عزّ لامتنعن) بل كنّ أولى بالامتناع بما لهنّ من أوصاف العظمة التي ليست في غيرهنّ (و لكن أشفقن من العقوبة و غفلن ما جهل من هو أضعف منهن و هو الانسان) فحملها مع ما به من الضعف و النقصان (انّه كان ظلوما جهولا) قال الشارح البحرانى: و ذكر كون السماوات مبنيّة و الأرض مدحوّة و الجبال بطولها و عرضها و عظمتها، تنبيه للانسان على جرئته على المعاصى و تضييع هذه الأمانة إذا هى لها و حملها و تعجب منه في ذلك، فكأنّه يقول: إذا كانت هذه الأجرام العلوية التي لا أعظم منها قد امتنعت من حمل هذه الأمانة حين عرضت عليها فكيف حملها من هو أضعف منها.

أقول: تحقيق هذا المقام يحتاج إلى بسط الكلام.

قال اللّه تعالى في سورة الأحزاب إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا.

و قد اختلف أقوال المفسّرين كالأخبار في تفسير هذه الاية في مواضع:

الاول

أنّ المراد بالأمانة المعروضة ما ذا فقيل: هي ما أمر اللّه به من طاعته و نهى عنه من معصيته، و بعبارة اخرى هى التكاليف و الأحكام الشرعيّة المطلوبة من الانسان، فانّ اللّه سبحانه لما اقتضت عنايته لايجاد هذه العبادة المخصوصة، و أن يجعل في الأرض خليفة لعمارتها، خلق الانسان و جعله واسطة بين الملك و الحيوان. فهو كالحيوان في الشهوة و الغضب و التناسل و ساير القوى البدنيّة المخصوصة بالحيوان، و كالملك في العقل و العلم و العبادة و ساير الكمالات النفسانيّة، فلو كان خاليا من العقل و الفهم لم يتأهل لمعرفته و عبادته الخاصة كساير أصناف الحيوان، و لو كان خاليا عن الشهوة و الغضب مثل الملك لم يصلح لعمارة الأرض و خلافته. و لذلك قال اللّه للملائكة وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ فاذا هذه العبادة الخاصة لا يصلح لها إلّا الانسان، و هى المراد بالامانة في الاية.

و يؤيد هذا القول ما في الصافى من العوالى أنّ عليّا عليه السّلام إذا حضر وقت الصّلاة يتململ و يتزلزل و يتلوّن فيقال له: ما لك يا أمير المؤمنين فيقول: جاء وقت الصلاة وقت أمانة عرضها اللّه على السموات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها.

و قيل: هى أمانات الناس و الوفاء بالعهود.

و يؤيده ما فى البحار من مشكاة الأنوار نقلا من كتاب المحاسن قال: و سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ الاية ما الذى عرض عليهنّ و ما الذى حمل الانسان و ما كان هذا قال: فقال: عرض عليهنّ الأمانة بين الناس و ذلك حين خلق الخلق.

و عن بعض أصحابه رفعه قال: قال لابنه يا بنيّ أدّ الأمانة يسلم لك دنياك و آخرتك و كن أمينا تكن غنيّا.

و قيل: إنّ المراد بها الامامة قال فى تفسير القمّي: الأمانة هى الامامةو الأمر و النّهى، و الدليل على أنّ الأمانة هى الامامة قول اللّه عزّ و جلّ للائمّة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها يعنى الامامة، فالأمانة هى الامامة عرضت على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها أن يدّعوها أو يغصبوها أهلها و أشفقن منها، و حملها الانسان، يعنى الأوّل إنّه كان ظلوما جهولا، انتهى.

و يدل على ذلك أخبار كثيرة مثل ما فى البحار من كنز الفوايد عن إسحاق ابن عمّار عن أبى عبد اللّه عليه السّلام فى هذه الاية، قال: يعنى ولاية أمير المؤمنين.

و من جامع الأخبار و العيون عن الحسين بن خالد قال: سألت الرّضا عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ الاية قال: الأمانة الولاية من ادّعاها بغير حقّ فقد كفر.

و من جامع الأخبار عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ الاية قال: الامانة الولاية و الانسان أبو الشرور المنافق.

و من البصاير عن جابر عن أبي جعفر عليه السّلام في قول اللّه تبارك و تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ قال: الولاية أبين أن يحملنها كفرا بها، و حملها الانسان، و الانسان الذى حملها أبو فلان. إلى غير هذه مما لا نطيل بروايتها.

قال المحدّث العلامة المجلسيّ بعد رواية هذه الرّوايات: على تأويلهم عليهم السّلام يكون اللام في الانسان للعهد و هو أبو الشرور أى أبو بكر أو للجنس و مصداقه الأوّل في هذا الباب أبو بكر، و المراد بالحمل الخيانة، و المراد بالولاية الخلافة و ادعائها بغير حقّ، فعرض ذلك على أهل السّماوات و الأرض أو عليهما بأن يبيّن لهم عقوبة ذلك و قيل لهم: هل تحملون ذلك، فأبوا إلّا هذا المنافق و أضرابه حيث حملوا ذلك مع ما بيّن لهم من العقاب المترتّب عليه

الثاني

اختلفوا في المراد بعرض الأمانة على السّماوات و الأرض.

فقيل: إنّ المراد به عرضها على نفس الأرض و السّماء و إنّه تعالى لمّا خلق هذه الأجرام خلق فيها فهما و قال: إنّى فرضت فريضة و خلقت جنّة لمن أطاعني و نارا لمن عصاني: فقلن: نحن مسخّرات لأمرك لا نحتمل فريضة و لا نبتغى ثوابا و لا عقابا، و لمّا خلق آدم عرض عليه مثل ذلك فحمله و كان ظلوما لنفسه بتحمّلها ما يشقّ عليها، جهولا لو خامة عاقبته.

و هذا القول أعني عرضها على نفس السّماوات و الأرض مرويّ عن ابن عبّاس و يدلّ عليه ظاهر كلام أمير المؤمنين عليه السّلام في المتن حيث قال: و عقلن ما جهل من هو أضعف منهنّ.

و يشهد به أيضا ما رواه فى البحار و غاية المرام من مناقب أبى بكر الشيرازى فى نزول القرآن فى شأن علىّ عليه السّلام بالاسناد عن مقاتل عن محمّد بن حنفيّة عن أمير المؤمنين فى قوله «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ» عرض اللّه أمانتي على السماوات السبع بالثواب و العقاب فقلن ربنا لا نحملنها بالثواب و العقاب و لكنا نحملها بلا ثواب و لا عقاب، و انّ اللّه عرض أمانتي و ولايتي على الطيور، فأوّل من آمن بها البزاة البيض و القنابر و أوّل من جحدها البوم و العنقا، فلعنهما اللّه تعالى من بين الطيور، فأما اليوم فلا تقدر أن تظهر بالنهار لبغض الطير لها، و أما العنقا فغابت فى البحار و إنّ اللّه عرض أمانتى على الأرضين فكلّ بقعة آمنت بولايتى جعلها طيبة زكية و جعل نباتها و ثمرتها حلوا عذبا و جعل ماءها زلالا، و كلّ بقعة جحدت إمامتى و أنكرت ولايتى جعلها سبخا و جعل نباتها مرّا علقما، و جعل ثمرها العوسج و الحنظل، و جعل ماءها ملحا اجاجا ثمّ قال: و حملها الانسان، يعنى امتك يا محمّد ولاية أمير المؤمنين و امامته بما فيها من الثواب و العقاب، إنه كان ظلوما لنفسه جهولا لأمر ربّه، من لم يؤدّها بحقّها ظلوم غشوم.

و محصّل هذا القول أنّ المراد بالأمانة التكليف بالعبوديّة على وجهها و التقرّب بها إلى اللّه سبحانه كما ينبغي لكلّ عبد بحسب استعداده لها، و أعظمها الولاية و الخلافة الالهيّة، ثمّ تسليم من لم يكن من أهلها لأهلها و عدم ادّعاء منزلتها لنفسه، ثمّ سايرالتكاليف الشرعية، و المراد بعرضها على السماوات و الأرض و الجبال اعتبارها بالاضافة إلى استعدادهنّ و بابائهنّ الاباء الطبيعى الذى هو عبارة عن عدم اللّياقة و الاستعداد، و بحمل الانسان قابليّته و استعداده لها و تحمّله إياها و كونه ظلوما جهولا، تقصيره فى أدائها لما غلب عليه من القوّة الشهويّة و الغضبية.

و قيل: إنّ المراد العرض على أهلها فحذف المضاف و اقيم المضاف اليه مقامه، و عرضها عليهم هو تعريفها إياهم انّ في تضييع الامانة الاثم العظيم، و كذلك فى ترك أوامر اللّه و احكامه، فبيّن سبحانه جرءة الانسان على المعاصى و اشفاق الملائكة من ذلك، فيكون المعنى عرضنا الأمانة على أهل السماوات و الأرض و الجبال من الملائكة و الجنّ و الانس فابى أهلهنّ أن يحملوا تركها و عقابها و الماثم فيها و أشفقن أهلها من حملها، و حملها الانسان إنه كان ظلوما لنفسه بارتكاب المعاصى، جهولا بموضع الامانة فى استحقاق العقاب على الخيانة فيها.

و قيل: إنه على وجه التقدير الّا أنه جرى عليه لفظ الواقع، لأنّ الواقع أبلغ من المقدّر، و المعنى انه لو كانت السماوات و الأرض و الجبال عاقلة ثمّ عرضت عليها الأمانة و هى وظايف الدّين اصولا و فروعا و بما فيها من الوعد و الوعيد، لاستثقلت ذلك مع كبر أجسامها و شدّتها و قوّتها و لامتنعت من حملها خوفا من القصور عن أداء حقّها، ثمّ حملها الانسان مع ضعف جسمه و لم يخف الوعيد لظلمه و جهله.

الثالث

قوله: و حملها الانسان.

المراد بالانسان إمّا نوع الانسان أى بنو آدم، أو خصوص امّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فالمراد بحملهم لها قبولهم للاتيان بما كلّف عليهم من الطاعات و العبادات و التسليم لامامة أئمة الدين، و كونه ظلوما جهولا لعدم خروجهم عن عهدة التكليف و عدم وفائهم بما حملوه من طاعة الأئمّة و تقصيرهم في أداء الأمانة، و هو وصف للجنس باعتبار أغلب أفراده إذ الأنبياء و الأولياء و المؤمنون القائمون بوظايف العبوديّة الرّاعون‏ لعهد الامامة خارجون من عموم الاية قطعا.

و إمّا خصوص فرد منه و هو أبو بكر حسبما تقدّم في الأخبار، و عليه فالمراد بحمله للامانة أى الخلافة ادّعائه لها لنفسه من غير استحقاق و أهليّة، و بعبارة اخرى خيانته و تقصيره فيها و ظلمه على من كان مستحقّا به و جهله بمرتبة نفسه حيث وضعها موضعا ليس له.

و قيل: إنّ المراد بالانسان هو آدم عليه السّلام، و اعترض عليه في مجمع البيان بقوله و لا يجوز أن يكون الانسان محمولا على آدم لقوله «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ» فكيف يكون من اصطفاه اللّه من بين خلقه موصوفا بالظلم و الجهل.

هذا تفصيل ما قيل أو يقال في تفسير الاية الشريفة، و قد ظهر منه اختلافهم في المراد بالأمانة المذكورة فيها على أقوال.

و أمّا في كلام أمير المؤمنين عليه السّلام فالظاهر أنّ المراد بها خصوص الأمانة المعهودة بين الخلق حسبما عرفتها فى الأخبار المتقدّمة، و انّما قلنا: إنّ الظاهر ذلك، لاشعار تقديم ذكر الصلاة و الزكاة عليها على عدم كون المراد بها مطلق التكاليف الشرعيّة، بل التكليف المخصوص الّذى في عداد الصّلاة و الزكاة القسيم لهما.

لكن الأظهر بمقتضى الحال و المقام، و أنّ وصيّته بهذا الكلام إلى أصحابه كان في مقام الحرب مع النّاكثين و القاسطين و المارقين حسبما تعرفه فى التكملة الاتية هو: أنّ المراد بها الامامة و الولاية، فيكون غرضه بقوله: ثمّ أداء الأمانة فقد خاب من ليس من أهلها آه الطعن و التعريض على المعارضين له و الجاحدين لولايته و النّاصبين له العداوة من معاوية و طلحة و الزّبير و أتباعهم و أهل النهر و أمثالهم بكونهم خائبين خاسرين، لعدم كونهم أهلا للامانة أى الخلافة و الولاية، و بأنّهم حملوا و ادّعوا ما أبت السماوات و الأرض و الجبال على كبر أجرامهما من حملها و ادّعائها، و أشفقن من ذلك، و بأنّهم كانوا متّصفين بالظّلم و الجهل حيث ظلموه عليه السّلام حقّه و جهلوا بشأنه و مقامه.

و كيف كان فلمّا أمر و أوصى أصحابه بالصّلاة و الزّكاة و أداء الأمانة، و شدّدالترغيب فيها و التحذير من مخالفتها بكون الخائن أو المقصّر ظلوما جهولا، عقّبه بالتّنبيه على أنّ كلّ ما يفعله العباد من خير أو شرّ بعين اللّه الّتي لا تنام و علمه الّذى لا تخفى عليه خافية لتأكيد تحضيض المخاطبين بمواظبة هذه العبادات الثلاث و ساير الحسنات و تحذيرهم من مخالفتها فقال: (إنّ اللّه سبحانه لا يخفى عليه) و لا يعزب عن علمه (ما العباد مقترفون) أى مكتسبون له من خير أو شرّ حسن أو قبيح (فى ليلهم و نهارهم) يعني أنّ الليل و النهار سيّان بالنسبة إلى علمه، و ليس كغيره من مخلوقاته يكون إدراكه للمحسوسات بطريق الاحساس حتّى تكون ظلمة اللّيل حجابا و حجازا عن إدراكه.

و قدّم الليل على النهار لمزيد الاهتمام من حيث كونها مظنّة لاختفاء ما يفعل فيها من المعاصي، و أردف بالنهار لدفع توهّم الاختصاص.

(لطف به خبرا) أراد به علمه بخفيّات أفعال العباد و خبرويّته بها، و اللّطيف الخبير حسبما تقدّم في شرح الخطبة السابقة من جملة أسمائه الحسنى عزّ و علا.

و تسميته باللّطيف من جهة علمه بالشي‏ء اللّطيف مثل البعوضة و أخفى منها و موضع النشوء منها و العقل و الشهوة للفساد و الحدب على نسلها و نقلها الطعام و الشراب إلى أولادها في المفاوز و الأودية و القفار.

و معنى الخبير هو الّذى لا تعزب عنه الأخبار الباطنة فلا يجرى شي‏ء في الملك و الملكوت و لا تتحرّك ذرّة و لا تضطرب نفس و لا تطمئنّ إلّا و يكون عنده خبره، و هو بمعنى العليم إلّا أنّ العلم إذا اضيف إلى الخفايا الباطنة سمّى خبرة، و قد مرّ تفصيل نفاذ علمه في خفاء الأشياء في الفصل الثامن من الخطبة التسعين.

(و أحاط به علما) و قد تقدّم في شرح غير واحدة من الخطب المتقدّمة كالخطبة الاولى و الخطبة التاسعة و الأربعين و الخامسة و الثمانين و غيرها تحقيق إحاطة علمه تعالى بالكلّيات و الجزئيات و لا حاجة إلى الاعادة.

(أعضاؤكم شهوده) يعني أنّها تشهد على العباد بما اقترفوه من المعاصي و الاثام.

(و جوارحكم جنوده) يعني أنّها تكون معينة له عليهم، و ذلك لأنّ جنودالملك عبارة عن أعوانه على أعدائه فتلك الأعضاء و الجوارح لما شهدت على المجرمين بما فعلوه صارت بمنزلة المعين له بذلك الاعتبار.

و يشهد بشهادة الأعضاء و الجوارح قول اللّه تعالى في سورة يس «الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى‏ أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أى نستنطق الأعضاء الّتي كانت لا تنطق في الدّنيا لتشهد عليهم و نختم على أفواههم الّتي عهد منها النطق و هذا حقيقة الختم يوضع على أفواه الكفار بمنعها من النطق و الكلام.

قال عليّ بن إبراهيم القمّي قال: إذا جمع اللّه عزّ و جل الخلق يوم القيامة دفع إلى كلّ انسان كتابه فينظرون فيه فينكرون أنّهم عملوا من ذلك شيئا، فتشهد عليهم الملائكة فيقولون: يا ربّ ملائكتك يشهدون لك، ثمّ يحلفون أنّهم لم يعملوا من ذلك شيئا و هو قول اللّه عزّ و جلّ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ فاذا فعلوا ذلك ختم اللّه على ألسنتهم و تنطق جوارحهم بما كانوا يكسبون و قال تعالى في سورة فصّلت وَ يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى. إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وَ قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ وَ لكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ.

قال أمين الاسلام الطبرسيّ: أى يحبس أوّلهم على آخرهم ليتلاحقوا و لا يتفرّقوا، حتّى إذا جاءوا النّار الّتي حشروا إليها شهد عليهم سمعهم بما قرعه من الدّعاء إلى الحقّ فأعرضوا عنه و لم يقبلوه، و أبصارهم بما رأوا من الايات الدّالّة على وحدانيّة اللّه تعالى فلم يؤمنوا، و ساير جلودهم بما باشروه من المعاصي و الأفعال القبيحة.

و قيل في شهادة الجوارح قولان: أحدهما أنّ اللّه تعالى يبيّنها بيّنة الحيّ و يلجئها إلى الاعتراف و الشهادة بما فعله أصحابها، و الاخر أنّ اللّه يفعل فيها الشهادة أى يجعل فيها كلاما، و إنّما نسب الكلام إليها لأنّه لا يظهر إلّا من جهتها.

و قيل فيه وجه ثالث: و هو أنّ معنى شهادتها و كلامها أنّ اللّه تعالى يجعل‏فيها من الايات ما يدلّ على أنّ أصحابها عصوا اللّه بها، فسمّى ذلك شهادة منها كما يقال: عيناك تشهدان بسهرك.

و قيل: إنّ المراد بالجلود الفروج.

أقول: و هو المروىّ فى الصافى عن الكافى عن الصادق عليه السّلام و من الفقيه عن أمير المؤمنين عليه السّلام.

ثمّ أنطق اللّه ألسنتهم فيقولون لجلودهم: لم شهدتم علينا، فتقول في جوابهم أنطقنا اللّه الّذى أنطق كلّ شي‏ء، ثمّ قال سبحانه: و هو خلقكم الاية، و ليس هذا من جواب الجلود.

و قوله: و ما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم و لا أبصاركم و لا جلودكم، معناه و ما كنتم تستخفون أى لم يكن يتهيّأ لكم أن تستتروا أعمالكم عن هذه الأعضاء لأنّكم كنتم بها تعملون، فجعلها اللّه شاهدة عليكم يوم القيامة، و لكن ظننتم أنّ اللّه لا يعلم كثيرا ممّا تعملون فاجترأتم على المعاصي لذلك، و قيل: بل معناهما كنتم تتركون المعاصي حذرا أن يشهد عليكم جوارحكم بها لأنكم ما كنتم تظنّون ذلك، و لكن ظننتم أنّ اللّه لا يعلم كثيرا ممّا تعملون، لجهلكم باللّه فهان عليكم ارتكاب المعاصي لذلك، هذا.

و فى الصافى من الكافى عن الباقر عليه السّلام و ليست تشهد الجوارح على مؤمن إنّما تشهد على من حقّت عليه كلمة العذاب، فأمّا المؤمن فيعطى كتابه بيمينه قال اللّه عزّ و جلّ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ».

و قوله (و ضمائركم عيونه) قال الشارح البحراني: أي طلايعه و جواسيسه كقوله تعالى يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ أَ لَمْ و تلك الشهادة بلسان الحال، انتهى.

أقول: يعني أنّ الضمائر لا تخفى ما فيها من الأسرار و لا تكتمها عليه تعالى كما أنّ من شأن الجاسوس المراقب بشي‏ء أن لا يكتمه ممّن و كلّه به، و على ذلك‏فالمراد بالضّماير القلوب، و يحتمل أن يكون المراد بالضّماير ما يضمره القلوب من الأسرار و الخفيّات.

و العيون جمع العين بمعنى الحاضر و هو أحد معانيه كما في القاموس و غيره، فيكون المعنى أنّ جميع ما أضمره نفوسكم فهو حاضر لديه سبحانه غير محجوب عنه كما قال تعالى وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ و قال قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ.

و محصّل المراد أنّه لا يخفى ما في النفوس عليه عزّ و جل كما يخفى على غيره، فيكون مساقه مساق قوله عليه السّلام في الخطبة التسعين: عالم السرّ من ضماير المضمرين و نجوى المتحافتين، و قوله في الخطبة المأة و السابعة: خرق علمه باطن غيب السترات و أحاط بغموض عقايد السّريرات.

و قوله (و خلواتكم عيانه) قال البحراني: كني بالخلوات عمّا يفعل فيها من معاصي اللّه مجازا، و إنّما خصصها لأنها مظنّة المعصية، و يحتمل أن يريد بالخلوة مصدر قولك خلوت اخلو لا المكان، فيكون حقيقة، و ظاهر كونها عيانا للّه أى معاينة له.

و كلّ ذلك تحذير و تنفير عن تحريك الجوارح و الخلوة بها فيما لا ينبغي من المعاصي، و باللّه التوفيق و العصمة.

تذييل

الاية الّتي استدل بها أمير المؤمنين عليه السّلام في هذا الكلام على وجوب المحافظة على الصلاة أعني قوله تعالى حكاية عن المجرمين لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ مما استدلّ بها أكثر أصحابنا الاصوليّون كالمعتزلة على أنّ الكفار مكلّفون بالفروع حسبما أشار إليه أمين الاسلام الطبرسيّ «ره» أيضا في تفسير الاية على ما حكيناه عنه سابقا، و حيث إنّ هذه المسألة من المسائل الغامضة المعظمة، و يتفرّع عليها كثير من الأحكام الشرعيّة فلا بأس بتحقيق الكلام و بسطه فيها لكونها حقيقا بذلك.

فأقول و باللّه التوفيق: المشهور بين أصحابنا بل كاد أن يكون اجماعا أنّ الكفّار مكلّفون بفروع العبادات كما أنّهم مكلّفون باصول الاعتقادات و هو مذهب جمهور العامّة أيضا، و لم ينقلوا فيها خلافا إلّا عن أبي حنيفة و لم أجد منّا مخالفا أيضا إلّا شرذمة من الأخباريّة كالأمين الاسترابادى و صاحب الحدائق و صاحب الوافي، و هو الحقّ الموافق للتحقيق، و استدلّ له بوجوه: الاول عموم الأدلّة على التكاليف مثل قوله تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ و قوله وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ و قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ و يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ و غيرها، فانّها يشمل الكافر مثل شمولها للمؤمن.

و الاعتراض عليه بحملها على المؤمنين حملا للمطلق على المقيّد و العامّ على الخاصّ كما في الحدائق فاسد، لما تطلع عليه عند ذكر أدلّة الخصم.

الثاني أنّ الكفر لا يصلح للمانعيّة حيث إنّ الكافر متمكّن من الاتيان بالايمان أوّلا حتّى يصير متمكّنا من الفروع.

و اعترض عليه صاحب الحدائق أيضا بأنّه مصادرة محضة.

و فيه مع عدم كونه مصادرة لأنّ المدعى أنّ الكفّار مكلّفون بالعبادات و مخاطبون بها، و الدّليل أنّ ما زعمه الخصم مانعا من توجّه الخطاب عليهم و من الاتيان بها على الوجه الصحيح و هو الكفر لا يصلح للمانعيّة فكيف يكون مصادرة.

و محصّله أنّ ما دلّ على التكليف بالفروع عام و لا يمنع من ذلك عدم التمكن من الصحيح حال الكفر لأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، على أنّ الايمان من شرايط الوجود الّتي يجب تحصيلها على المكلّف لا شرايط الوجوب، فلا مانع من التكليف حال عدمها مع التمكّن منها.

الثالث قوله تعالى لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ فانّه حكاية عن الكفّار و أنّهم علّلوا دخولهم النّار بتركهم للصّلاة على ما تقدّم تفصيله سابقا.

و اعترض صاحب الحدائق أيضا ما يحمل على المخالفين المقرّين بالاسلام إذ لا تصريح فيه بالكفّار، و يدلّ عليه ما ورد في تفسير عليّ بن إبراهيم من تفسيرها باتّباع الائمة، أى لم نك من أتباع الأئمة و هو مروىّ عن الصادق عليه السّلام حسبما عرفت سابقا و عن الكاظم عليه السّلام يعني أنّا لم نتولّ وصيّ محمّد من بعده و لم نصلّ عليهم.

و فيه إنّ الصلاة حقيقة شرعيّة في الأركان المخصوصة و ظاهر معنى المصلّين هو المقيمون للصلاة أى الأركان المخصوصة و الحمل على المعنى اللّغوى أى التابعين خلاف الظاهر المتبادر منه فلا وجه لحملها على المخالفين، و إنكار التصريح فيه بالكفار مورد تعجّب لأنّ قوله حكاية عنهم: و كنّا نكذّب بيوم الدّين، صريح في كونهم كافرين منكرين للمعاد فكيف يكونون مقرّين بالاسلام و أمّا الخبران المروّيان عن الصّادق و الكاظم عليهما السّلام فلا دلالة فيهما، لكونهما تفسيرا بالباطن كما قلناه عند شرح المتن فلا يوجبان رفع اليد عن الظاهر، و يشهد بذلك استدلال أمير المؤمنين عليه السّلام في هذا الكلام الّذى نحن في شرحه بظاهرها على وجوب المحافظة على الصلوات الخمس و تعاهدها.

الرابع قوله تعالى فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى. وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى.

و اعترض عليه أيضا بجواز حمل الصّلاة فيها على ما دلّت عليه الأخبار في الاية الاولى و أنّ اللفظ من الألفاظ المجملة المتشابهة المحتاج في تعيين المراد منها إلى التوقيف، فالاستدلال بها و الحال كذلك مردود بتصادم الاحتمالات و الدّخول تحت قوله فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ الاية، على أنّ ما ذكرنا من المعنى هو الموجود في تفسير عليّ بن إبراهيم كما لا يخفى على من راجعه.

و فيه أوّلا منع كون الاية من المتشابهات الّتي يتّبعها الّذين في قلوبهم زيغ، بل من المحكمات الّتي تؤخذ بظواهرها و هنّ امّ الكتاب، و ظاهر الاية كما ترى أنّه لم يصدّق بكتاب اللّه و رسوله و لا صلّى للّه و لكن كذّب بالكتاب و الرّسول و أعرض عن الايمان، و هذا وصف الكافر لا المخالف.

و يدلّ على ذلك ما فى مجمع البيان قال: و جاءت الرّواية أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أخذ بيد أبى جهل ثمّ قال له: أَوْلى‏ لَكَ فَأَوْلى‏«» فأولى. ثمّ أولى لك فقال أبو جهل: بأىّ شي‏ء تهدّدنى لا تستطيع أنت و ربّك أن تفعلا بى شيئا و انّي لأعزّ أهل هذا الوادى، فأنزل اللّه سبحانه كما قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هذا.

و أمّا ما فى تفسير علىّ بن إبراهيم من أنه كان سبب نزولها أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله دعا إلى بيعة علىّ يوم غدير خم فلمّا بلّغ الناس و أخبرهم فى علىّ ما أراد أن يخبر رجع الناس فاتكى معاوية على المغيرة بن شعبة و أبى موسى الأشعرى ثمّ أقبل يتمطّى«» نحوه و يقول: ما نقرّبا لولاية لعلىّ أبدا و لا نصدّق محمّدا مقالته، فأنزل اللّه جلّ ذكره فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى الايات، فصعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المنبر و هو يريد البراءة منه فأنزل اللّه عزّ و جلّ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

فالجواب عنه أنّ ظاهر قوله سبحانه: فلا صدّق و لا صلّى و لكن كذّب و تولّى، يفيد أنّه لم يصدّق أصلا لا ظاهرا و لا باطنا، و لم يقم الصّلاة بل كذّب و أعرض ظاهرا و باطنا، و هذا شأن الكافر لا المخالف المصدّق ظاهرا فقط، و المكذّب المعرض باطنا فقط.

و على ذلك فاللّازم ترجيح الرّواية المفيدة لكون المراد بهذه الاية هو أبو جهل الكافر كما فى مجمع البيان على ما تفسير القمىّ المفيد كون المراد بها معاوية لأنّ فى الأخذ بالرّواية الأولى إبقاء الاية على ظاهرها و الأخذ بالثانى يوجب صرفها إلى خلاف ما هو الظاهر المتبادر.

و يؤيد كون المراد به أبو جهل أنّ هذه الاية فى سورة القيامة و هى مكيّة كما صرّح به فى مجمع البيان فى تفسير هذه السورة و رواه أيضا فى تفسير سورة هل أتى فانّه يقوى الظنّ بكون نزولها بمكّة فى حقّ أبى جهل لا فى غدير خم فى حقّ معاوية، و اللّه العالم.

الخامس قوله تعالى وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ و هو نصّ صريح في المطلوب.

السادس قوله تعالى وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ذمّ اللّه المكذّبين بتركهم للرّكوع.

قال في الصّافي: روي أنها نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالصّلاة فقالوا لا نحنى، و في رواية لا نجبّى فانّها سبّة، رواها في المجمع قال: فقال: لا خير في دين ليس فيه ركوع و سجود أقول: أى لا نحنى بالمهملة و النّون أى لا نعطف ظهورنا و على الرّواية بالجيم و الباء الموحّدة المشدّدة أى لا ننكبّ على وجوهنا و هما متقاربان.

و أما ما في تفسير عليّ بن إبراهيم عن الصّادق عليه السّلام قال: إذا قيل لهم تولّوا الامام لم يتولّوه، فهو تفسير بالباطن لا يوجب صرف اليد عن الظاهر كما لا يخفى و احتج القائلون بالعدم بوجوه، فصّلها صاحب الحدائق في مبحث غسل الجنابة من الكتاب المذكور لا بأس بذكر عبارته على تفصيلها ثمّ نتبع كلّ وجه وجه بما يتوجّه عليه من وجوه الكلام و ضروب الملام.

فأقول: قال في الحدائق: المشهور بين الأصحاب رضي اللّه عنهم بل كاد أن يكون إجماعا أنّه يجب الغسل على الكافر لأنّ الكفّار مكلّفون بالفروع و لم ينقلوا في المسألة خلافا من أحد من الخاصة بل من العامة إلّا عن أبي حنيفة، قالوا: لكن لا يصحّ منه حال كفره لاشتراط الصحّة بالاسلام و لا يجبّه الاسلام و إنّ جبّ الصّلاة لخروجها بدليل خاص و ما ذكروه منظور عندي من وجوه: الاول عدم الدّليل على التّكليف المذكور و هو دليل العدم كما هو مسلّم بينهم، و ما استدلّوا به هما سيأتى ذكره مدخول بما سنذكره.

أقول: و فيه انك قد عرفت الأدلّة المحكمة على هذا التكليف كما عرفت اندفاع الاعتراضات التي اعترض بها عليها.

الثاني الأخبار الدّالة على توقف التكليف على الاقرار و التصديق بالشهادتين منها ما رواه فى الكافى في الصحيح عن زرارة قال: قلت للباقر عليه السّلام: أخبرني عن معرفة الامام منكم واجبة على جميع الخلق قال: إنّ اللّه تعالى بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى الناس أجمعين رسولا و حجّة للّه على خلقه في أرضه، فمن آمن باللّه و بمحمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و اتبعه و صدّقه فانّ معرفة الامام منّا واجبة عليه، و من لم يؤمن باللّه و رسوله و لم يتبعه و لم يصدّقه و يعرف حقّهما فكيف يجب عليه معرفة الامام، و هو لا يؤمن باللّه و رسوله و يعرف حقّهما الحديث.

و هو كما ترى صريح الدّلالة على خلاف ما ذكروه و أنه متى لم يجب معرفة الامام قبل الايمان باللّه و رسوله فبالطريق الأولى معرفة ساير الفروع التي هي متلقّاة من الامام، و الحديث صحيح السند باصطلاحهم صريح الدّلالة فلا وجه لردّه و طرحه و العمل بخلافه إلّا مع الغفلة عن الوقوف عليه.

قال: و إلى العمل بالخبر المذكور ذهب المحدّث الكاشاني حيث قال في الوافي بعد نقله ما صورته: و في هذا الحديث دلالة على أنّ الكفار ليسوا مكلّفين بشرايع الاسلام كما هو الحقّ، خلافا لما اشتهر بين أصحابنا، انتهى.

قال: و يظهر ذلك أيضا من الأمين الاسترابادى في الفوايد المدنيّة حيث صرّح فيها بأنّ حكمة اللّه اقتضت أن يكون تعلّق التكاليف بالناس على التدريج بأن يكلّفوا أوّلا بالاقرار بالشهادتين ثمّ بعد صدور الاقرار عنهم يكلّفون بساير ما جاء به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله.

و من الأحاديث الدّالة على ذلك صحيحة زرارة في الوافي ثمّ ساق الرّواية بتمامها.

قال: و قال أيضا بعد نقل جملة من أخبار الميثاق المأخوذ على العباد في عالم الذّرّ بالتوحيد و الامامة و نقل جملة من الأخبار الدّالة على فطرة الناس على التوحيد و أنّ المعرفة من صنع اللّه تعالى ما لفظه: أقول: هنا فوائد إلى أن قال: الثالثة أنه يستفاد منها أنّ ما زعمه الأشاعرة من أنّ مجرّد تصوّر الخطاب من غير سبق معرفة إلهامية بحقايق العالم، و بأنّ له رضا و سخطا و أنه لا بدّ له من معلّم من جهته ليعلّم الناس ما يصلحهم و ما يفسدهم كاف في تعلّق التكليف لهم ليس بصحيح، انتهى و اعترض عليه أوّلا بأنّ الاستدلال يتوقف على القياس بطريق الأولى، و هو ممن أنكره في مقدّمات الكتاب و أنكره أشدّ الانكار فكيف يجوز له التمسك به في هذا المقام مضافا إلى أنه مع القول بحجّيته كما هو الحقّ الحقيق بالاتباع الموافق للاية و للأخبار المسلّم عند كافّة علمائنا الأبرار حتى عند المستدلّ في مواضع عديدة و منها هذا الموضع يتوقّف على ثبوت الحكم في المقيس عليه و مسلميّته و قبوله و عدم مخالفته للضرورة، و الأمر في المقام ليس كذلك و ذلك فانّه لا خلاف و لا إشكال عند أحد حتّى عند المستدلّ حيث جعل محلّ نزاعه مع كافّة العلماء عدا أبي حنيفة في خصوص الفروع، و الامامة من الاصول لا من الفروع إجماعا منه و من علمائنا.

و ثانيا أنّ مقتضى هذه الصحيحة عدم التكليف بالامامة و ساير الفروع إلّا بتصديق اللّه و رسوله و هو حقيقة في التّصديق و الاذعان القلبي لا مجرّد الاقرار باللّسان، و على تقدير تسليم العموم فالمراد هنا التّصديق القلبي جزما لقوله عليه السّلام و يعرف حقّهما، فانّ المعرفة ليس ممّا يتوهّم فيه حصوله باللّسان خاصّة بل هو أمر قلبيّ جزما و إذعان نفسانيّ قطعا فحينئذ تدلّ هذه الصحيحة على أنّ المنافقين و منهم الخلفاء الثلاثة لم يكونوا مأمورين بالامامة و لا ساير الفروع، و مقتضى هذا أنّه لم يكن عليهم اثم في غصب الخلافة و ساير ما فعلوه بالنّسبة إلى أهل البيت من ضرب فاطمة عليها السّلام و غصب حقّها و إضرام النّار حول بيتها و إلقاء الحبل على رقبة مولينا أمير المؤمنين عليه السّلام و غير ذلك ممّا فعلوه بالنّسبة إليهم و إلى غيرهم من البدع الّتي ابتدعوها في الدّين و تضييع دين خاتم النّبيين و سيّد المرسلين، و كذا ما فعله يزيد و ساير جنود المخالفين مع سبط الرّسول الأمين و ما فعله المخالفون بالنسبة إلى شيعتهم و غير ذلك، و في جميع ذلك لم يكونوا مأثومين أصلا بل هم و غيرهم من الكفّار الّذين لم يصدر منهم شي‏ء من ذلك متساويين في عقاب واحد، و هو عدم الايمان باللّه و رسوله، و ذلك من حيث عدم تصديقهم للّه و رسوله و معرفة حقّهما فانّهم‏و إن أقرّوا باللّسان إلّا أنّهم لم يصدقوهما قلبا و لم يعرفوا حقّهما، فبمقتضى الصّحيحة نظرا إلى عدم إيمانهم باللّه و رسوله و معرفتهم حقّهما كيف يكلّفهم اللّه تعالى بالامامة و ساير الفروع، و ليس في الصحيحة أنّ مجرّد الاقرار باللّسان كان في ذلك، و على هذا لم يكن لشكاويهم عليهم السّلام عن المخالفين و الخلفاء الثلاثة و طعنهم و لعنهم و إثبات الويل عليهم و تكفيرهم من الجهات الّتي ذكرت و تفسيقهم و كذا طعن علمائنا و منهم المستدلّ عليهم وجه، بل كان لغوا محضا و يلزمه أنّه لو فعل ذلك أو شيئا من ذلك غير المنافقين من ساير الكفّار الذين لم يقروا بالاسلام بالنّسبة إلى سادة الأنام و فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سبطيه عليهما السّلام و غيرهم من شيعتهم و أولادهم و ذراريهم بالقتل و النهب و الاسر أنّه لم يكن عليهم في ذلك شي‏ء، و يكونون هم و ساير من لم يحدث أمثال هذا عنه في العقاب متساويين، و قطعيّ أنّ المستدلّ لا يقول به أيضا إذا القول بذلك من أشنع الشّنايع و أقبح الفضايح، و هل كان مراد النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله بقوله في حقّ فاطمة عليها السّلام من آذاها فقد آذاني و غير ذلك بالنّسبة إليها و إلى غيرها من الحسنين و أمير المؤمنين عليهم السّلام و أولادهم خصوص المؤمنين المصدّقين للّه و لرسوله العارفين بحقّهما، أو المراد منه الأعمّ بل ملحوظ نظره خصوص المخالفين أ فيجوّز المستدلّ ذلك بالنّسبة إلى غيرهم فيحكم بجواز اسر غيرهم للسادات و العلويّات و الفاطميّات و قتلهم و نهب أموالهم و هتك عرضهم و غير ذلك من النّاس بل الأنبياء ما هذا إلّا شي‏ء عجيب أقرب من الكفر لو لم يكن كفرا.

و ثالثا انّ المخالفين عند المستدلّ كفار حقيقة بالكفر المقابل للاسلام، فيلزمه جريان أحكامهم فيه و منها القول الذى استحدثه من عدم العقاب على ترك شي‏ء من التكاليف ما هذا إلّا أمر غريب و شي‏ء عجيب و بالجملة فانّ الصحيحة صريحة في عدم تكليف المخالفين بالامامة و لا بشي‏ء من الفروع، و يفصح عنه قوله عليه السّلام: فكيف يجب عليه معرفة الامام و هو لا يؤمن باللّه و رسوله، و يعرف حقّهما، و ذلك بالتّقريب الذى تقدّم، و نزيد حينئذ وجه دلالته على ذلك هنا فنقول: إنّ مقتضاها أنّ التّكليف بالامامة فرع الايمان باللّه و رسوله و هو على ما عرفوه و ورد به الخبر و قد ذكره في أوّل كتاب الصّلاة هو الاقرار باللّسان و التصديق بالجنان و العمل بالأركان و لا ريب في أنّ ذلك لم يتحقّق في حقّ الخلفاء الثلاث لعدم تصديقهم بالجنان، هذا أ فتجوّز أيّها العاقل أنّ الكفّار المحاربين للنّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الكاسرين لأسنانه و القاتلين للمسلمين في زمنه صلّى اللّه عليه و آله و المتصدّين لايقاع البلايا و المحن عليه أن يكونوا في جميع ذلك معذورين غير مأثومين و أنّ دعاءه صلّى اللّه عليه و آله عليهم في بعض الحروب كان عبثا و لغوا بلا منشاء و أنّ المنشأ هو عدم الاقرار مع أنّه لا وجه لدعائه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عليهم في ذلك الحين خاصّة دون غيرهم أولهم في غير تلك الحال.

و رابعا أنّ هذه الصحيحة معارضة بما في التهذيب في باب أنّ الجزية واجبة على جميع أهل الكتاب عن محمّد بن يعقوب الكليني عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن حماد عن حريز قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن صدقات أهل الذّمّة و ما يؤخذ من جزيتهم من ثمن خمورهم و لحم خنازيرهم و ميتتهم، قال عليه السّلام: عليهم الجزية في أموالهم يؤخذ منهم من ثمن لحم الخنزير أو خمر كل ما أخذوا منهم من ذلك فوزر ذلك عليهم و ثمنه للمسلمين حلال، يأخذونه في جزيتهم.

و هذا الخبر ليس في سنده من يتوقّف فيه سوى إبراهيم بن هاشم و هو على المشهور حسن كالصحيح و عند المحقّقين من المتأخّرين كما ذكره المستدلّ و ارتضاه ثقة، و السّند المشتمل عليه إذا كان الباقي من رجال السّند لا يتوقّف فيه صحيح، هذا مع أنّه لم يقل بهذا الاصطلاح الذى تصدّى لنا سلبه متأخّر و أصحابنا شكر اللّه سعيهم، فالحديث حجّة عنده و لو كان راويه من أكذب البريّة و صرّح بكذبه الأئمة و تصحيح سنده منّا تبرعيّ و سدّ لباب فرار الخصم لو ادّعى مراعاة الصّحة فى السّند بعد وقوع المعارضة بينه و بين ما صحّ سنده، و مع صحّة سنده كما ترى صريح في ثبوت الوزر عليهم في استحلالهم ثمن ما لا يحلّ ثمنه في ملّة الاسلام و مع ثبوت الوزر عليهم في ذلك يثبت في المعاصى الّتي ذكرناها الّتي هى أشدّ منها و مقتضى الأولويّة الّتي تمسّك بها في اثبات مطلبه ثبوت الوزر عليهم في المعاصى التي هى أشدّ بطريق الأولويّة هذا، مضافا إلى عدم القول بالفصل‏

 

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 12   ، صفحه‏ى 352

قال المحقّق الثاني المحقق الشيخ على بعد ذكر هذا الخبر: فيه دلالة على أنّ الكافر يؤخذ بما يستحلّه إذا كان حراما في شريعة الاسلام و أنّ ما يأخذونه على اعتقاد الحلّ حلال علينا و إن كان ذلك الأخذ حراما عندنا.

و مراده بقوله: يؤخذ بما يستحلّه المؤاخذة عليه و ايجاب ذلك العقاب لا أخذ الجزية لتبادر الأوّل من العبارة.

و به اعترف من كتاب الزّكاة في مسألة استحباب ما سوى الزّكاة من الحقوق التي فى المال من الضّغث بعد الضغث و الحفنة بعد الحفنة يوم الجذاذ حيث إنه من القائلين بالاستحباب مستندا إلى رواية معاوية بن شريح قال: سمعت الصادق عليه السّلام يقول: في الزّرع حقّ تؤخذ به و حقّ تعطيه.

حيث قال: المتبادر من هذه العبارة العقاب على تركه، و هو كناية عن الوجوب و الالزام به شرعا.

و استشهد لذلك بما في المصباح المنير من قوله: و أخذ بذنبه، عاقبه عليه، و إن كان في الاستشهاد نوع تأمّل.

و هذه الصّحيحة مع صراحتها في ذلك معتضدة بعمل كافّة العلماء إلّا أبا حنيفة على اعترافه و معتضدة بأدلّة العقلاء الّتي ديدنه التمسّك بها فكيف يعارضها التي ذكرها المستدلّ.

مضافا إلى معارضة الكتاب العزيز لها قال اللّه تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ و قد نهاهم اللّه عن القرب من المسجد الحرام و بمقتضى الصّحيحة لم يكن لهذا التّكليف وجه، و كذا تكليفهم بالجزية و أخذها منهم و ايجابها عليهم.

و يدلّ على أنّهم مكلّفون بشريعة الاسلام و فروعها زيادة على الايمان قوله عزّ من قائل: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ‏

انظر ايّدك اللّه تعالى إلى ظهور هذه الاية في كونهم مكلّفين بتحريم ما حرّم اللّه و التّدين بدين الحق بل و صراحتها في ذلك، فانّهم لو لم يكونوا مكلّفين بذلك لما كان لإرداف قوله: لا يحرّمون ما حرّم اللّه، إلى آخره بقوله: لا يؤمنون باللّه و لا باليوم الاخر و إيراد ذلك في بيان منشاء مقابلتهم و أخذ الجزية منهم وجه، إذ كان عدم الايمان كافيا في ذلك، فيصير الإرداف المذكور لغوا بحتا و خاليا عن الفايدة بالمرّة تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.

و قال سبحانه أيضا وَ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَ لا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لا يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً. يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ انظر إلى صراحة هذه الاية أيضا فجعل العذاب المضاعف جزاء لهم على الأفعال المذكورة و من جملتها قتل النفس و الزّنا، فلو لا أنّ كلا من الامور المذكورة يصير سببا لضعف العذاب يوم القيامة أو المجموع من حيث المجموع لما كان لتأخير الاشارة أى لفظة ذلك عن جميع ذلك وجه، بل كان المناسب بل اللازم دفعا لتوهّم الاشتراك إردافها بالأمر الأوّل فقط و هو الشّرك ليفيد انفراده في السّببيّة.

و الايات الظاهرة في ذلك كثيرة، و العمل بالصّحيحة يوجب ردّها بأجمعها و أىّ عاقل يرضى بهذا و قد أمروا عليهم السّلام في أخبار كثيرة مستفيضة بالأخذ بما وافق الكتاب، و هذه الأخبار متلقّاة بالقبول حتّى عند المستدلّ فالصّحيحة الموافقة له و هى ما ذكرناها ترجّح على الصحيحة المخالفة له و هى ما ذكرها.

و بعد هذا كلّه نقول: الذى يفهم من الصحيحة غير ما فهمه المستدلّ و ذكره، بل المراد منها و اللّه العالم و قائله أعلم: أنّ مخاطبة الكفّار المنكرين غير المقرّين باللّه و رسوله إلى معرفة الامام الذى هو نائبه و خليفته و من تجب إطاعته و توجيه الخطاب بذلك إليهم يكاد أن يكون ذلك لغوا، و ذلك لا يستلزم عدم إرادتها و مطلوبيّتها منهم.

و نظير ذلك في الشّرع كثير منه تكليف النائم و كذا الغافل و كذا فاقدالطهور عند المحقّقين في الأخير و عند الكلّ في الأوّلين بقضاء الصلاة التي فاتتهما الذى هو عبارة عن تدارك ما فات اتفاقا، فلو لا أنّ الصلاة مرادة و مطلوبة منهم في تلك لأحوال لما كان للأمر بالقضاء معنى.

و لذلك مثال في العرف كأن يكون لشخص عبد لا يطيعه و يعصيه فلا يأمره باطاعة وكيله مثلا، و لا يوجه إليه الخطاب باطاعة الوكيل مع أنّه لو وجّهه لا يطيعه جزما، فانّ ذلك لا يوجب عدم المطلوبيّة منه و عدم إرادته على وجه الوجوب و اللزوم لينحصرا فيما دلّ عليه الأمر الخطابىّ.

فالمراد بقوله عليه السّلام: كيف يجب عليه معرفة الامام، أنّه كيف يوجّه الخطاب إليه.

و لذلك مثال آخر و هو أنّ الأمر بالشي‏ء عند المحقّقين لا يستلزم الامر بما هو مقدّمة لوجوده، و يقولون بعدم حرمته من حيث إنّها مقدّمة و مع ذلك يقولون إنّ الخطاب بالاباحة و عدم الحرمة يكون لغوا و إن كان ما تضمّنه الخطاب حقّا، و يكون مثله كبيان الواضحات مثل أنّ النّائم لا يبصر و الأسود الزّنجى لا يعلم الغيوب و أمثال ذلك، فعدم توجّه الخطاب من حيث القبح في الصدور لا يستلزم عدم ما تضمّنه لو صدر و قبحه و ذلك واضح لا يخفى.

قال صاحب الحدائق: و منها ما رواه الثقة الجليل أحمد بن أبي طالب الطبرسي في الاحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السّلام في حديث الزّنديق الذى جاء إليه مستدّلا عليه باى القرآن قد اشتبهت حيث قال عليه السّلام: فكان أوّل ما قيّدهم به الاقرار بالوحدانيّة و الرّبوبيّة و شهادة أن لا إله إلّا اللّه، فلمّا أقرّوا بذلك تلاه بالاقرار لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله بالنّبوة و الشهادة بالرّسالة، فلمّا انقادوا لذلك فرض عليهم الصلاة ثمّ الصوم ثمّ الحجّ، الحديث.

و فيه بعد تسليم حجّيته بحسب السند حيث إنّه ليس من أخبار الكتب التي يدعى قطعيّتها، أنّ التكليفات في صدر الاسلام و أوّل البعثة صدرت تدريجا و لم ينسخ‏الشريعة السابقة دفعة، بل إنّما نسخ شيئا فشيئا، و ليس ذلك من محلّ النزاع في شي‏ء، فانّه لا ريب أنّهم متعبّدون بشريعتهم السابقة، و لكن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم ينسخها عنهم دفعة بل أبقاهم في أوّل الشريعة على شريعتهم و نسخ منها شيئا فشيئا فأوجب عليهم بعض التكاليف تدريجا، و ذلك لا يستلزم عدم كونها مكلّفين بالتكاليف في شريعتنا بعد انتساخ شريعتهم، قال: و منها ما رواه الثقة الجليل علىّ بن إبراهيم القمّى في تفسيره عن الصادق عليه السّلام في تفسير قوله تعالى وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ حيث قال عليه السّلام: أ ترى أنّ اللّه عزّ و جلّ طلب من المشركين زكاة أموالهم و هم يشركون به حيث يقول: و ويل للمشركين الذين لا يؤتون الزّكوة و هم بالاخرة هم كافرون، إنّما دعى اللّه العباد للايمان به فاذا آمنوا باللّه و رسوله افترض عليهم الفرض.

قال المحدّث الكاشاني في كتاب الصافي بعد نقل الحديث المذكور: أقول: هذا الحديث يدلّ على ما هو التحقيق عندي من أنّ الكفّار غير مكلّفين بالأحكام الشرعيّة ما داموا باقين على الكفر، انتهى.

و فيه بعد تسليم السّند الحمل على التّقيّة لكونه مذهب أبي حنيفة كما اعترف، و هو قد كان في زمان مولينا الصادق عليه السّلام و من تلامذته، و مذهبه كان مشهورا بينهم في زمانه.

و الشاهد على الحمل على التّقيّة و تعيّنه أنّه مع عدم هذا الحمل يلزم مناقضة مضمون الخبر لنصّ الاية، فانّها صريحة فى أنّ المراد بالمشركين هم الكفّار الذين لا يؤمنون بالاخرة حيث وصفهم فيها بقوله: وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ.

و حينئذ فمقتضى الخبر أنّ مورد الاية إمّا المسلمون أو الذين لا نعرفهم أولا مورد لها، و الأخيران باطلان جزما و كذلك الأوّل لأنّه يلزم أن يكون المسلمون و المؤمنون مشركين كافرين بيوم الاخر، فيحكم بنجاستهم و كفرهم و عدم قربهم من المسجد الحرام و غير ذلك من أحكام الكفر، كما فعل ذلك المستدلّ في الحكم‏ بكفر المخالفين من حيث إطلاق الكفر عليهم في الأخبار و جعلهم بذلك كفارا حقيقة بالكفر المقابل للاسلام فاذا كان مؤمن لا يؤتى الزّكاة يلزم الحكم بكفره و شركه و نجاسته و استحقاقه للخلود في النار و هو قطعىّ الفساد عند المستدلّ و عند الكلّ، هذا.

مع أنّ الشرك و الكفر بالاخرة الواقعين في الاية وصفا لمن لا يؤتي الزكاة حقيقة فيمن صدر عنه هذان الوصفان، و ليس المسلم كذلك جزما و وجدانا، و حينئذ فالعمل بالخبر يستلزم إلغاء الاية و عدم وجود مصداق لها أو القول بكفر من لا يؤت الزّكاة من المؤمنين و شركه و ترتّب أحكامهما عليه و لا أراه يقول به.

و بالجملة ظاهر الخبر مناقض لصريح الاية و قد قالوا في أخبار كثيرة: ما خالف الكتاب فاضربوه على الحائط، و أىّ مخالفة أشدّ من هذه المخالفة.

و لو قيل بكون هذا الخبر تفسيرا لها و وجوب المصير إليه لزم منه طرح تلك الأخبار و يلزم منه أن لا يوجد مصداق تلك الأخبار الامرة لضرب المخالف للقرآن على الحائط إذ كلّ خبر مخالف يحتمل أن يكون تفسيرا للقرآن و إن لم يرد في تفسيره فأىّ خبر يعلم منه المخالفة للقرآن.

و بمقتضى جميع ما ذكر يتعيّن الحمل على التقيّة الّتي هي باعتراف المستدلّ رأس كلّ آفة و بليّة.

مع أنّه يحتمل أن يكون المراد بهذا الخبر ما قدّمناه في الاعتراض على الخبر الأوّل من أنّ عدم توجّه الخطاب إليهم لا ينافي مطلوبيّته منهم، أو ما قدّمناه في الاعتراض على الخبر الثاني من أنّهم في صدر الاسلام و أوّل البعثة لم يؤمروا بذلك، و إنّما كلّفوا بالتكاليف شيئا فشيئا، و إليه يشير قوله عليه السّلام في آخر الخبر: إنّما دعا اللّه العباد للايمان، و على ذلك فلا دلالة فيه على ما رامه.

قال صاحب الحدائق: و مما يدلّ على ذلك ما ورد عن الباقر عليه السّلام في تفسير قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ حيث قال: كيف يأمر بطاعتهم و يرخّص في‏منازعتهم، إنّما قال ذلك للمأمورين الذين قيل لهم أطيعوا اللّه و أطيعوا الرّسول.

أقول: تمام الحديث ما رواه في الكافي عن بريد العجلى قال: تلا أبو جعفر عليه السّلام أطيعوا اللّه و أطيعوا الرّسول و اولى الأمر منكم فان خفتم تنازعا في الأمر فارجعوه إلى اللّه و إلى الرّسول و إلى اولى الأمر منكم، ثمّ قال: كيف يأمر بطاعتهم و يرخّص في منازعتهم إنما قال ذلك للمأمورين الذين قيل لهم أطيعوا اللّه و أطيعوا الرّسول.

و هو كما ترى لا دلالة فيه على ما رامه المستدلّ بوجه، بل محصّل معناه أنّه كان في مصحفهم عليهم السّلام فارجعوه مكان فردّوه و يحتمل أن يكون تفسيرا له كما أنّ قوله فان خفتم تنازعا للأمر تفسير لقوله فان تنازعتم في شي‏ء، و يستفاد منه أيضا أنّه كان في مصحفهم و إلى اولى الأمر منكم، فيدلّ على أنّه لا يدخل أولو الأمر في المخاطبين بقوله: إن تنازعتم، كما زعمه المفسّرون من المخالفين، فقوله: كيف يأمر بطاعتهم و يرخّص فى منازعتهم، يريد به أنّ اللّه سبحانه أمر بطاعتهم أولا بقوله: و أطيعوا الرّسول و اولى الأمر منكم، و مع ذلك فلا يجوز إدخالهم في المخاطبين بقوله: فان تنازعتم إذ وجوب الاطاعة لا يجتمع مع التّرخيص في المنازعة فلا بدّ أن يكون المقصود بالخطاب غيرهم، و هم الذين امروا أوّلا باطاعة اللّه و الرّسول و اولى الأمر، فامروا ثانيا عند التّنازع بالرّد و الرّجوع إليهم أيضا، فافهم جيّدا.

الثالث لزوم تكليف ما لا يطاق إذ تكليف الجاهل بما هو جاهل به تصوّرا و تصديقا عين تكليف ما لا يطاق، و هو ممّا منعته الأدلة العقليّة و النّقلية لعين ما تقدّم في حكم معذورية الجاهل، و إليه يشير كلام الذخيرة في مسألة الصلاة مع النّجاسة عامدا حيث نقل عن بعضهم الاشكال في إلحاق الجاهل بالعامد، و قال بعده: و الظاهر أنّ التكليف متعلّق بمقدّمات الفعل كالنّظر و السعى و التعلّم، و إلّا لزم تكليف الغافل أو التكليف بما لا يطاق، و العقاب يترتّب على ترك النظر «إلي أن قال» و لا يخفى أنّه يلزم على هذا أن لا يكون الكفّار مخاطبين بالأحكام و إنّما يكونون‏مخاطبين بمقدّمات الأحكام، و هذا خلاف ما قرّره الأصحاب رضي اللّه عنهم و تحقيق المقام من المشكلات.

قال صاحب الحدائق بعد نقل هذا الكلام: لا إشكال بحمد اللّه سبحانه فيما ذكره بعد ورود الأخبار بمعذوريّة الجاهل حسبما مرّ، و ورودها بخصوص الكافر كما نقلنا هنا، و لكنّهم يدورون مدار الشّهرة في جميع الأحكام و إن خلت عن الدّليل في المقام سيّما مع عدم الوقوف على ما يضادّها من أخبار أهل الذكر عليهم السّلام.

و فيه أوّلا أنّ هذا الدّليل أخصّ من المدّعى لا يشمل من تصوّر أحكام الاسلام و عرفه.

و ثانيا إن كان مراده بذلك الجاهل المستضعف الذى لا يعرف الاسلام، و لم يسمع صيته أصلا فلا كلام فيه.

و إن أراد من سمع صيت الاسلام و عرفه فلا نسلم أنّه جاهل تصوّرا و تصديقا بل لا ريب أنّه عالم بالشّرايع الموظفة و لو إجمالا.

نعم ليس عالما بذلك تفصيلا فهو متصوّر لما في الاسلام من شريعة و أحكام كما أنّا مثلا عارفون بدين أهل الكفر و أنّ لهم شرايع و أحكاما و إن كنّا جاهلين بذلك تفصيلا، و هذا القدر من العلم يكفى.

و لذلك انّ أصحابنا لا يعذرون الجاهل في الأحكام نظرا إلى علمه بذلك إجمالا و لو لم يكف هذا المقدار لزم أن لا يكلّف المقرّ باللّه و رسوله بمعرفة الامام و الفروع أصلا حتّى الصّلاة و الزّكاة و الحجّ و لا يعاقب بتركها أيضا، و يكون الأمر بالمعرفة الواردة في الأخبار ليس فيه فايدة، و من الفروع وجوب تحصيل المعرفة بالأحكام و على ما ذكره يلزم أن لا يكونوا مكلّفين، و هو ممّن يقول بوجوب تحصيل المعرفة على المسلمين.

و على قوله لم يكن فرق بينها و بين ساير الواجبات و المحرّمات إذ الجهل الذى هو علّة لعدم تعلّق التكليف بما وراء المعرفة من حيث استلزامه التكليف بمالا يطاق جاء في نفس المعرفة أيضا فأنّى له بالفارق، هذا.

مع أنّه لو صحّ ما ذكر يلزم قبح التكليف بالاصول أيضا لاتّحاد العلّة بل ازديادها فيها، و ذلك فانّ من تيقّن بطلان الاسلام فضلا عن أن يجهله مكلّف بالاصول جزما فتكليف من هو جاهل بها أولى كما لا يخفى.

و يلزم على ذلك خروج اكثر الكفار لو لم يكن كلّهم عن التكليف بالاسلام لاستحالة تكليف الجاهل فضلا عن العالم، و لا ريب أنّ كلّ من دان بدين إلّا من شذّ متيقّن بدينه جازم بصحّته، ففي حال الجزم و اليقين كيف يكلّف بالعلم ببطلان ما علمه و فساد ما تيقّن به.

و بذلك يظهر أنّهم ليسوا مكلّفين بالاصول و الحال أنّ المستدلّ لا يقول به، و ليت شعرى كيف لا يلتزم به مع اقتضاء دليله ذلك و جريانه فيه بل أولى بالجريان كما عرفت، هذا.

و قد يقرّر هذا الدّليل أعني لزوم التكليف بما لا يطاق بوجه آخر و هو أنّ الكافر غير قادر على الاتيان بالعبادة الصّحيحة المشروطة بالايمان.

و اجيب عنه بأنّا نقول انّهم مكلّفون بالفروع حال الكفر لا بشرط الكفر فالكفر ظرف للتّكليف لا للمكلّف فلا يلزم التكليف بما لا يطاق.

الرابع الأخبار الدّالة على وجوب طلب العلم كقولهم عليهم السّلام طلب العلم فريضة على كلّ مسلم فانّ موردها المسلم دون مجرّد البالغ العاقل.

و فيه أنّ الاستدلال بتلك الأخبار موقوف على القول بحجيّة مفهوم اللّقب و هو مع كونه خلاف التّحقيق لا يقول به المستدلّ أيضا فلا وجه لاستدلاله بها على المدّعى.

الخامس اختصاص الخطاب القرآنى بالذين آمنوا، و ورود يا أيّها النّاس في بعض و هو الأقلّ يحمل على المؤمنين حملا للمطلق على المقيّد و العام على الخاص كما هو القاعدة المسلّمة بينهم.

و الجواب ما قدّمنا في الدّليل السّابق، و هو أنّ دلالته من حيث مفهوم‏اللّقب الذى ليس بحجّة عنده و عند المحقّقين.

تكملة

هذا الكلام الشّريف له عليه السّلام حسبما أشرنا إليه مروىّ في الكافي عن على ابن إبراهيم عن أبيه عن بعض أصحابه عن أبي حمزة عن عقيل الخزاعى أنّ أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه كان إذا حضر الحرب يوصى للمسلمين بكلمات يقول: تعاهدوا الصّلاة و حافظوا عليها، و استكثروا منها، و تقرّبوا بها فانّها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، و قد علم ذلك الكفّار حين سئلوا، ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلّين و قد عرف حقّها من طرقها و أكرم بها من المؤمنين الذين لا يشغلهم عنها زين متاع و لا قرّة عين من مال و لا ولد يقول اللّه عزّ و جلّ: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم منصبا«» لنفسه بعد البشرى له بالجنّة من ربّه فقال عزّ و جلّ: وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها، الاية، فكان يأمر بها أهله و يصبر عليها نفسه.

ثمّ إنّ الزكاة جعلت مع الصلاة قربانا لأهل الاسلام على أهل الاسلام، و من لم يعطها طيب النّفس بها يرجو بها من الثّمن ما هو أفضل منها فانّه جاهل بالسنة مغبون الأجر ضالّ العمر طويل النّدم بترك أمر اللّه عزّ و جلّ و الرغبة عمّا عليه صالحو عباد اللّه يقول اللّه عزّ و جلّ: وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى من الأمانة فقد خسر من ليس من أهلها و ضلّ عمله عرضت على السّماوات المبنيّة و الأرض المهاد و الجبال المنصوبة فلا أطول و لا أعرض و لا أعلى و لا أعظم و لو امتنعن «امتنعت خ ل» من طول أو عرض أو عظم أو قوّة أو عزّة امتنعن، و لكن أشفقن من العقوبة.

ثمّ إنّ الجهاد أشرف الأعمال بعد الاسلام، و هو قوام الدّين و الأجر فيه عظيم مع العزّة و المنعة و هو الكرّة فيه الحسنات و البشرى بالجنّة بعد الشّهادة و بالرّزق غدا عند الرّب و الكرامة يقول اللّه عزّ و جلّ: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ، الاية.

ثمّ إنّ الرّعب و الخوف من جهاد المستحقّ للجهاد و المتوازرين على الضلال ضلال في الدّين و سلب للدّنيا مع الذلّ و الصّغار، و فيه استيجاب النار بالفرار من الزّحف عند حضرة القتال يقول اللّه عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ.

فحافظوا على أمر اللّه عزّ و جلّ في هذه المواطن الّتي الصّبر عليها كرم و سعادة، و نجاة في الدّنيا و الاخرة من فظيع الهول و المخافة، فانّ اللّه عزّ و جلّ لا يعبأ بما العباد مقترفون ليلهم و نهارهم لطف به علما، و كان «كل خ ل» ذلك في كتاب لا يضلّ ربّى و لا ينسى، فاصبروا و صابروا و اسألوا النّصر، و وطنوا أنفسكم على القتال و اتّقوا اللّه عزّ و جلّ، فانّ اللّه مع الّذين اتّقوا و الّذينهم محسنون.

بيان

رواه المحدّث العلامة المجلسيّ في البحار من الكافي كما رويناه و قال بعد نقله: قوله: من طرقها، لعلّه من الطروق بمعنى الاتيان باللّيل أى واظب عليها في اللّيالى و قيل: أى جعلها دأبه و صنعته من قولهم هذا طرقة رجل أى صنعته.

و لا يخفى ما فيه و لا يبعد أن يكون تصحيف طوّق بها على المجهول أى ألزمها كالطّوق بقرينة اكرم بها على بناء المجهول أيضا.

قوله على أهل الاسلام، الظاهر أنّه سقط هنا شي‏ء قوله: من الأمانة، لعلّه بيان لسبيل المؤمنين، أى المراد بسبيل المؤمنين ولاية أهل البيت عليهم السّلام و هي الامانة المعروفة.

قوله عليه السّلام: و هو الكرّة، أى الحملة على العدوّ و هي في نفسها أمر مرغوب فيه اذ ليس هو الّا مرّة واحدة و حملة فيها سعادة الأبد، و يمكن أن يقرأ الكرّة بالهاء، أى هو مكروه للطباع فيكون إشارة إلى قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ، و لعلّه أصوب.

و قال الجوهرى: زحف إليه زحفا، مشى و الزّحف الجيش يزحفون إلى العدوّ، و قوله: لطف به، الضمير راجع إلى الموصول في قوله: ما العباد مقترقون.

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن امام است وصيّت مي كرد با آن أصحاب خود را مى ‏فرمود: مواظبت نمائيد بأمر نماز و محافظت نمائيد بر آن و بسيار كنيد از گذاردن آن و تقرّب جوئيد بدرگاه پروردگار با آن، پس بدرستى كه بوده است آن نماز بر مؤمنين فرض واجب، آيا گوش نمى ‏كنيد بسوى جواب اهل آتش وقتى كه سؤال كرده شدند كه چه باعث شد بامدن شما در دوزخ، گفتند نبوديم ما در دنيا از نماز گذارندگان، و بدرستى كه آن نماز مى‏ ريزد گناهان را مثل ريختن برك از درختان و بر مى‏ دارد قيد گناهان را از گردن گناه كاران مثل برداشتن بند ريسمان از گردن حيوان.

و تشبيه فرموده است نمازهاى پنج گانه را حضرت رسالتماب صلوات اللّه و سلامه عليه و آله بچشمه آب گرمى كه باشد در خانه مرد پس بشويد آن مرد بدن خود را در آن چشمه در روز و شب پنج دفعه، پس نزديك نيست كه باقى ماند بر بدن او چركى و كثافتى، و بتحقيق كه شناخت قدر نماز را مردانى از مؤمنين كه مشغول نمى‏ كند ايشان را از آن نماز زينت متاع دنيا و نه چشم روشنى از اولاد و نه مال آن مى‏ فرمايد حق تعالى در شان ايشان: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ الاية، يعنى تسبيح كند خداوند را مردانى كه مشغول نمى‏ نمايد ايشان را تجارت و خريد و فروش از ذكر پروردگار و از اقامه نماز و از دادن زكاة و بود حضرت رسول خدا بغايت متحمل بمشقّت و زحمت نماز با وجود اين كه بشارت بهشت داده بود او را بجهت فرمايش خدا كه خطاب فرمود او را كه: امر كن اهل خود را بنماز و صبر كن برحمت آن، پس بود آن بزرگوار امر مى ‏فرمود اهل خود را و وادار مى‏ نمود نفس خود را بر آن.

پس از آن بدرستى كه زكاة گردانيده شده با نماز مايه تقرّب خدا از براى اهل اسلام پس كسى كه عطا نمايد زكاة را در حالتى كه با طيب نفس بدهد آنرا پس بدرستى كه باشد آن از براى او كفّاره گناهان و حاجب و مانع از آتش سوزان، پس البتّه نبايد احدى چشمش بر پشت آن بدوزد، و البته نبايد غمگين و پريشان شود بان از جهت اين كه هر كسى كه بدهد زكاة را با وجه إكراه و عدم طيب نفس در حالتى كه اميدوار باشد بجهت دادن آن ثوابى را كه أفضل باشد از آن پس آن كس جاهلست بسنّت، مغبونست در اجرت، گمراهست در عمل، دراز است پشيمانى و ندامت آن.

پس از آن أداء أمانت است پس بتحقيق كه نوميد شد كسى كه نبوده از أهل آن، بدرستى كه آن امانت اظهار شد بر آسمانهاى بنا شده، و بر زمينهاى فرش شده، و بر كوههائى كه صاحب بلندى و منصوبست بر زمين، پس نيست هيچ چيز درازتر و پهن‏تر و بلندتر و بزرگتر از آنها، و اگر امتناع مى‏ نمودى چيزى بجهت درازى يا پهنى يا بجهت قوّت يا عزّت هر آينه آنها امتناع مى‏ كردند، و لكن ترسيدند از عذاب پروردگار، و فهميدند چيزى را كه جاهل شد بان كسى كه ضعيفتر از ايشان بود كه عبارت باشد از انسان، بدرستى كه آن انسان بسيار ظالمست بسيار نادان، بدرستى كه خداى تعالى مخفى نمى‏ ماند بر او چيزى كه بندگان كسب نمايند آنرا در شب و روز خودشان، لطيف خبير است به كار ايشان، و محيط است با علم خود بان، أعضاء شما شاهدان اويند، و جوارح شما لشكران او، و قلبهاى شما جاسوسان او، و خلوتهاى شما آشكار است در نظر آن

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 197 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 198 صبحی صالح

198- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) ينبه على إحاطة علم اللّه بالجزئيات، ثم يحث على التقوى، و يبين فضل الإسلام و القرآن‏

يَعْلَمُ عَجِيجَ الْوُحُوشِ فِي الْفَلَوَاتِ وَ مَعَاصِيَ الْعِبَادِ فِي الْخَلَوَاتِ وَ اخْتِلَافَ النِّينَانِ فِي الْبِحَارِ الْغَامِرَاتِ وَ تَلَاطُمَ الْمَاءِ بِالرِّيَاحِ الْعَاصِفَاتِ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً نَجِيبُ اللَّهِ وَ سَفِيرُ وَحْيِهِ وَ رَسُولُ رَحْمَتِهِ

الوصية بالتقوى‏

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ وَ إِلَيْهِ يَكُونُ مَعَادُكُمْ وَ بِهِ نَجَاحُ طَلِبَتِكُمْ وَ إِلَيْهِ مُنْتَهَى رَغْبَتِكُمْ وَ نَحْوَهُ قَصْدُ سَبِيلِكُمْ وَ إِلَيْهِ مَرَامِي مَفْزَعِكُمْ

فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ وَ بَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ وَ شِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ وَ صَلَاحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ وَ طُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ وَ جِلَاءُ عَشَا أَبْصَارِكُمْ‏وَ أَمْنُ فَزَعِ جَأْشِكُمْ وَ ضِيَاءُ سَوَادِ ظُلْمَتِكُمْ

فَاجْعَلُوا طَاعَةَ اللَّهِ شِعَاراً دُونَ دِثَارِكُمْ وَ دَخِيلًا دُونَ شِعَارِكُمْ وَ لَطِيفاً بَيْنَ أَضْلَاعِكُمْ وَ أَمِيراً فَوْقَ أُمُورِكُمْ

وَ مَنْهَلًا لِحِينِ وُرُودِكُمْ وَ شَفِيعاً لِدَرَكِ طَلِبَتِكُمْ وَ جُنَّةً لِيَوْمِ فَزَعِكُمْ وَ مَصَابِيحَ لِبُطُونِ قُبُورِكُمْ وَ سَكَناً لِطُولِ وَحْشَتِكُمْ وَ نَفَساً لِكَرْبِ مَوَاطِنِكُمْ

فَإِنَّ طَاعَةَ اللَّهِ حِرْزٌ مِنْ مَتَالِفَ مُكْتَنِفَةٍ وَ مَخَاوِفَ مُتَوَقَّعَةٍ وَ أُوَارِ نِيرَانٍ مُوقَدَةٍ

فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوِّهَا وَ احْلَوْلَتْ لَهُ الْأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا وَ انْفَرَجَتْ عَنْهُ الْأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاكُمِهَا وَ أَسْهَلَتْ لَهُ الصِّعَابُ بَعْدَ إِنْصَابِهَا

وَ هَطَلَتْ عَلَيْهِ الْكَرَامَةُ بَعْدَ قُحُوطِهَا. وَ تَحَدَّبَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورِهَا وَ تَفَجَّرَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا وَ وَبَلَتْ عَلَيْهِ الْبَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا

فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي نَفَعَكُمْ بِمَوْعِظَتِهِ وَ وَعَظَكُمْ بِرِسَالَتِهِ وَ امْتَنَّ عَلَيْكُمْ بِنِعْمَتِهِ فَعَبِّدُوا أَنْفُسَكُمْ لِعِبَادَتِهِ وَ اخْرُجُوا إِلَيْهِ مِنْ حَقِّ طَاعَتِهِ

فضل الإسلام‏

ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْإِسْلَامَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ وَ اصْطَنَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ وَ أَصْفَاهُ خِيَرَةَ خَلْقِهِ وَ أَقَامَ دَعَائِمَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ

أَذَلَّ الْأَدْيَانَ‏بِعِزَّتِهِ وَ وَضَعَ الْمِلَلَ بِرَفْعِهِ وَ أَهَانَ أَعْدَاءَهُ بِكَرَامَتِهِ وَ خَذَلَ مُحَادِّيهِ بِنَصْرِهِ وَ هَدَمَ أَرْكَانَ الضَّلَالَةِ بِرُكْنِهِ وَ سَقَى مَنْ عَطِشَ مِنْ حِيَاضِهِ وَ أَتْأَقَ الْحِيَاضَ بِمَوَاتِحِهِ

ثُمَّ جَعَلَهُ لَا انْفِصَامَ لِعُرْوَتِهِ وَ لَا فَكَّ لِحَلْقَتِهِ وَ لَا انْهِدَامَ لِأَسَاسِهِ وَ لَا زَوَالَ لِدَعَائِمِهِ وَ لَا انْقِلَاعَ لِشَجَرَتِهِ وَ لَا انْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ وَ لَا عَفَاءَ لِشَرَائِعِهِ

وَ لَا جَذَّ لِفُرُوعِهِ وَ لَا ضَنْكَ لِطُرُقِهِ وَ لَا وُعُوثَةَ لِسُهُولَتِهِ وَ لَا سَوَادَ لِوَضَحِهِ وَ لَا عِوَجَ لِانْتِصَابِهِ وَ لَا عَصَلَ فِي عُودِهِ وَ لَا وَعَثَ لِفَجِّهِ وَ لَا انْطِفَاءَ لِمَصَابِيحِهِ وَ لَا مَرَارَةَ لِحَلَاوَتِهِ

فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاخَ فِي الْحَقِّ أَسْنَاخَهَا وَ ثَبَّتَ لَهَا آسَاسَهَا وَ يَنَابِيعُ غَزُرَتْ عُيُونُهَا وَ مَصَابِيحُ شَبَّتْ نِيرَانُهَا وَ مَنَارٌ اقْتَدَى بِهَا سُفَّارُهَا وَ أَعْلَامٌ قُصِدَ بِهَا فِجَاجُهَا وَ مَنَاهِلُ رَوِيَ بِهَا وُرَّادُهَا.

جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مُنْتَهَى رِضْوَانِهِ وَ ذِرْوَةَ دَعَائِمِهِ وَ سَنَامَ طَاعَتِهِ فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ وَثِيقُ الْأَرْكَانِ رَفِيعُ الْبُنْيَانِ مُنِيرُ الْبُرْهَانِ مُضِي‏ءُ النِّيرَانِ عَزِيزُ السُّلْطَانِ مُشْرِفُ الْمَنَارِ مُعْوِذُ الْمَثَارِ

فَشَرِّفُوهُ وَ اتَّبِعُوهُ وَ أَدُّوا إِلَيْهِ حَقَّهُ وَ ضَعُوهُ مَوَاضِعَهُ

الرسول الأعظم‏

ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً ( صلى‏ الله ‏عليه ‏وآله  )بِالْحَقِ‏حِينَ دَنَا مِنَ الدُّنْيَا الِانْقِطَاعُ وَ أَقْبَلَ مِنَ الْآخِرَةِ الِاطِّلَاعُ وَ أَظْلَمَتْ بَهْجَتُهَا بَعْدَ إِشْرَاقٍ وَ قَامَتْ بِأَهْلِهَا عَلَى سَاقٍ وَ خَشُنَ مِنْهَا مِهَادٌ

وَ أَزِفَ مِنْهَا قِيَادٌ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ مُدَّتِهَا وَ اقْتِرَابٍ مِنْ أَشْرَاطِهَا وَ تَصَرُّمٍ مِنْ أَهْلِهَا وَ انْفِصَامٍ مِنْ حَلْقَتِهَا وَ انْتِشَارٍ مِنْ سَبَبِهَا وَ عَفَاءٍ مِنْ أَعْلَامِهَا وَ تَكَشُّفٍ مِنْ عَوْرَاتِهَا وَ قِصَرٍ مِنْ طُولِهَا

جَعَلَهُ اللَّهُ بَلَاغاً لِرِسَالَتِهِ وَ كَرَامَةً لِأُمَّتِهِ وَ رَبِيعاً لِأَهْلِ زَمَانِهِ وَ رِفْعَةً لِأَعْوَانِهِ وَ شَرَفاً لِأَنْصَارِهِ

القرآن الكريم‏

ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ نُوراً لَا تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ وَ سِرَاجاً لَا يَخْبُو تَوَقُّدُهُ وَ بَحْراً لَا يُدْرَكُ قَعْرُهُ وَ مِنْهَاجاً لَا يُضِلُّ نَهْجُهُ وَ شُعَاعاً لَا يُظْلِمُ ضَوْءُهُ

وَ فُرْقَاناً لَا يُخْمَدُ بُرْهَانُهُ وَ تِبْيَاناً لَا تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ وَ شِفَاءً لَا تُخْشَى أَسْقَامُهُ وَ عِزّاً لَا تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ وَ حَقّاً لَا تُخْذَلُ أَعْوَانُهُ

فَهُوَ مَعْدِنُ الْإِيمَانِ وَ بُحْبُوحَتُهُ وَ يَنَابِيعُ الْعِلْمِ وَ بُحُورُهُ وَ رِيَاضُ الْعَدْلِ وَ غُدْرَانُهُ وَ أَثَافِيُّ الْإِسْلَامِ وَ بُنْيَانُهُ وَ أَوْدِيَةُ الْحَقِّ وَ غِيطَانُهُ

وَ بَحْرٌ لَا يَنْزِفُهُ الْمُسْتَنْزِفُونَ وَ عُيُونٌ لَا يُنْضِبُهَا الْمَاتِحُونَ وَ مَنَاهِلُ‏

لَا يَغِيضُهَا الْوَارِدُونَ وَ مَنَازِلُ لَا يَضِلُّ نَهْجَهَا الْمُسَافِرُونَ وَ أَعْلَامٌ لَا يَعْمَى عَنْهَا السَّائِرُونَ وَ آكَامٌ لَا يَجُوزُ عَنْهَا الْقَاصِدُونَ

جَعَلَهُ اللَّهُ رِيّاً لِعَطَشِ الْعُلَمَاءِ وَ رَبِيعاً لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ وَ مَحَاجَّ لِطُرُقِ الصُّلَحَاءِ وَ دَوَاءً لَيْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ وَ نُوراً لَيْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ وَ حَبْلًا وَثِيقاً عُرْوَتُهُ وَ مَعْقِلًا مَنِيعاً ذِرْوَتُهُ

وَ عِزّاً لِمَنْ تَوَلَّاهُ وَ سِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَ هُدًى لِمَنِ ائْتَمَّ بِهِ وَ عُذْراً لِمَنِ انْتَحَلَهُ وَ بُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ وَ شَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ وَ فَلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ

وَ حَامِلًا لِمَنْ حَمَلَهُ وَ مَطِيَّةً لِمَنْ أَعْمَلَهُ وَ آيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَ جُنَّةً لِمَنِ اسْتَلْأَمَ وَ عِلْماً لِمَنْ وَعَى وَ حَدِيثاً لِمَنْ رَوَى وَ حُكْماً لِمَنْ قَضَى

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج12  

و من خطبة له عليه السّلام و هى المأة و السابعة و التسعون من المختار فى باب الخطب

و شرحها في فصول ثلاثة:

الفصل الاول

يعلم عجيج الوحوش في الفلوات، و معاصي العباد في الخلوات، و اختلاف النّينان في البحار الغامرات، و تلاطم الماء بالرّياح العاصفات، و أشهد أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله نجيب اللّه و سفير وحيه، و رسول رحمته. أمّا بعد فإنّي أوصيكم بتقوى اللّه الّذي ابتدء خلقكم، و إليه يكون معادكم، و به نجاح طلبتكم، و إليه منتهى رغبتكم، و نحوه قصد سبيلكم، و إليه مرامي مفزعكم، فإنّ تقوى اللّه دواء داء قلوبكم، و بصر عمى أفئدتكم، و شفاء مرض أجسادكم، و صلاح فساد صدوركم و طهور دنس أنفسكم، و جلاء غشاء أبصاركم، و أمن فزع جاشكم، و ضياء سواد ظلمتكم.

فاجعلوا طاعة اللّه شعارا دون دثاركم، و دخيلا دون شعاركم، و لطيفا بين أضلاعكم، و أميرا فوق أموركم، و منهلا لحين ورودكم، و شفيعا لدرك طلبتكم، و جنّة ليوم فزعكم، و مصابيح لبطون قبوركم، و سكنا لطول وحشتكم، و نفسا لكرب مواطنكم. فإنّ طاعة اللّه حرز من متالف مكتنفة، و مخاوف متوقّعة، و أوار نيران موقدة، فمن أخذ بالتّقوى غربت «عزبت خ» عنه الشّدايد بعد دنوّها، و احلولت له الامور بعد مرارتها، و انفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها، و أسهلت له الصّعاب بعد انصابها، و هطلت عليه الكرامة بعد قحوطها، و تحدّبت عليه الرّحمة بعد نفورها، و تفجّرت عليه النّعم بعد نضوبها، و وبلت عليه البركة بعد إرذاذها. فاتّقوا اللّه الّذي نفعكم بموعظته، و وعظكم برسالته، و امتنّ عليكم بنعمته، فعبّدوا أنفسكم لعبادته، و اخرجوا إليه من حقّ طاعته.

اللغة

(عجّ) عجّا من باب ضرب و عجيجا أيضا رفع صوته بالتّلبية، و منه الحديث أفضل الأعمال إلى اللّه العجّ و الثجّ، فالعجّ رفع الصّوت في التّلبية، و الثجّ إسالة الدّماء من الذّبح و النحر في الأضاحي.

و (النّينان) جمع نون و هو الحوت قال تعالى وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباًو نهر (غامر) أى كثير الماء يغمر من يدخله أى يغطّيه و يستره، و غمره البحر من باب نصر أى إذا علاه و غطاه و (الطلبة) بكسر الّام ما طلبته.

و (غشاء) أبصاركم في بعض النسخ بالغين المعجمة و المدّ وزان كساء و هو الغطاء قال تعالى فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ أى جعلنا على أبصارهم غشاوة و غطاء و في بعضها بالعين المهملة و القصر سوء البصر بالليل و النّهار مصدر عشى يقال عشى عشى من باب تعب ضعف بصره فهو أعشى و المرأة عشواء، و (الجاش) القلب.

و (الشّعار) الثّوب الملاصق للبدن و هو الذي يلي شعر الجسد و (الدّثار) ما فوق الشّعار من الثياب و (دخلة) الرّجل و دخله و دخيلته و دخيله نيّته و مذهبه و خلده و (المنهل) المشرب و الشرب و الموضع الذى فيه المشرب و (الطلبة) بكسر اللّام كالطلب محرّكة اسم من طالبه بحقه مطالبة، و قال الشارح المعتزلي: الطلبة ما طلبته من شي‏ء فيكون اسم عين.

و (النفس) محرّكة اسم وضع موضع المصدر الحقيقي من نفس تنفيسا و نفسا أى فرّج تفريجا و (الاوار) بضمّ الهمزة وزان غراب حرّ النّار و الشّمس و العطش و اللهب و (هطل) السّماء تهطل من باب ضرب امطرت هطلا و هو بالفتح تتابع المطر المتفرّق العظيم القطر و المطر الضعيف الدائم و (نضب) الماء نضوبا غار و (وبلت) السماء تبل امطرت وابلا و هو المطر الشديد الضخم القطر و (ارذّت) السماء بتشديد الذال المعجمة أمطرت رذاذا، و هو بالفتح كسحاب المطر الضّعيف أو الساكن الدائم الصغار القطر كالغبار.

الاعراب

الباء في قوله: بالرّياح سببيّة و نحوه منصوب بنزع الخافض، و الفاء في قوله فانّ تقوى اللّه للتعليل، و في قوله: فاجعلوا فصيحة

المعنى

اعلم أنّ الغرض الأصلى من هذا الفصل من الخطبة الشريفة هو النصح و الموعظة و الوصية بالتقوى و الطاعة و الترغيب عليهما بالتنبيه على عظم ما يترتب عليهما من الثمرات و المنافع المرّغبة، و صدّر الفصل باقتضاء صناعه البلاغة و رعاية براعة الاستهلال بذكر إحاطة علمه بجزئيات الموجودات تنبيها به على أنه عزّ و جلّ لا يخفى عليه طاعة المطيعين و معصية المذنبين فقال عليه السّلام: (يعلم عجيج الوحوش في الفلوات) أى صياحها فيها بالتسبيح و رفع أصواتها إلى عزّ جنابه تبارك و تعالى بالتّقديس و تضرّعها إليه سبحانه في إنجاح طلباتها و تنفيس كرباتها و سؤالها منه لدفع شدايدها.

و فيه حثّ للمخاطبين على الطلب و السّؤال و التّضرّع و الابتهال و الانابة إليه عزّ و علا على كلّ حال، لأنهم أولى بذلك من الحيوانات العجم.

و يشهد بذلك الحديث الذي قدّمناه: أفضل الأعمال إلى اللّه العجّ و الثجّ.

و فى حديث آخر مروىّ فى الوسايل من الكافي عن حريز رفعه قال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لمّا أحرم أتاه جبرئيل فقال له: مر أصحابك بالعجّ و الثجّ، و العجّ رفع الصّوت بالتلبية، و الثجّ نحر البدن.

و فى الكافي في كتاب الدّعاء باسناده عن حنان بن سدير عن أبيه قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام: أىّ العبادة أفضل قال: ما من شي‏ء أفضل عند اللّه عزّ و جلّ من أن يسأل و يطلب ممّا عنده، و ما أحد أبغض إلى اللّه عزّ و جلّ ممّن يستكبر عن عبادته و لا يسأل ما عنده.

و فيه عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن حمّاد بن عيسى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال سمعته يقول: ادع و لا تقل قد فرغ من الأمر، فانّ الدّعاء هو العبادة إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ و قال: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.

و فيه بسنده عن ميسر بن عبد العزيز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال لي: يا ميسر ادع و لا تقل إنّ الأمر قد فرغ منه، إنّ عند اللّه عزّ و جلّ منزلة لا تنال إلّا بمسألة، و لو أنّ عبدا سدّفاه و لم يسأل لم يعط شيئا فاسأل تعط، يا ميسر إنه ليس من باب يقرع إلّا يوشك أن يفتح لصاحبه.

(و) يعلم (معاصى العباد في الخلوات) بمقتضى عموم علمه بالسرّ و الخفيّات و ما تحت الثرى و فوق الأرضين و السّماوات، و فيه تحذير للسامعين عن ارتكاب الخطيئات و حثّ لهم عن الازعاج من السيئات و تخصيصها بها لكون الخلوة مظنّة الوقوع في المعصية بعدم وجود الرّادع و الحاجز.

(و اختلاف النينان في البحار الغامرات) أى تردّدها فيها و سبحها في البحر صعودا و هبوطا طولا و عرضا (و تلاطم الماء بالرّياح العاصفات) أى اضطراب ماء البحار و تراكم أمواجها بالرّياح الشّديدة الهبوب، ثمّ عقّب بالشهادة بالرّسالة فقال: (و أشهد أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نجيب اللّه) أى الكريم الحسيب أفضل الناس حسبا و نسبا شرّفه اللّه تعالى بهذا الوصف الشامخ و اختاره به من خلقه.

(و سفير وحيه و رسول رحمته) كما قال عزّ من قائل وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ أى نعمة عليهم لأنّ ما بعث به سبب لصلاح معاشهم و معادهم موجب للسّعادة الدائمة و كونه رحمة للكفّار أمنهم به من الخسف و المسخ و عذاب الاستيصال قال في مجمع البيان: قال ابن عباس: رحمة للبرّ و الفاجر و المؤمن و الكافر فهو رحمة للمؤمن في الدنيا و الاخرة و رحمة للكافر بأن عوفى ممّا أصاب الامم من الخسف و المسخ.

قال: و روي أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لجبرئيل عليه السّلام لما نزلت هذه الاية: هل أصابك من هذه الرّحمة شي‏ء قال: نعم إنّى كنت أخشى عاقبة الأمر فامنت بك لما أثنى اللّه علىّ بقوله «ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ» و قيل: إنّ الوجه في أنّه نعمة على الكافر أنّه عرّضه للايمان و الثّواب الدائم و هداه و إن لم يهتد كمن قدّم‏الطعام إلى جائع فلم يأكل فانّه منعم عليه و إن لم يقبل.

(أمّا بعد فانّى اوصيكم) عباد اللّه (ب) ما لا أزال اوصيكم به أعنى (تقوى اللّه الذى ابتدء خلقكم) و فى الاتيان بهذه الجملة و ما يتلوها من الجملات الوصفية تعظيم لشأنه عزّ و جلّ و تأكيد للغرض المسوق له الكلام، لأنّ العلم باتّصافه بهذه الصفات يوجب مزيد الملازمة بالتقوى و المواظبة على أوامره و نواهيه عزّ و تعالى.

و المراد بهذه الجملة انّ اللّه الذى حباكم خلعة الخلقة و أخرجكم من العدم و أفاض عليكم نعمة الوجود الّتي هى أصل جميع النّعم صغيرها و كبيرها و جليلها و حقيرها أحرى بأن يخشى منه و يتّقى و لا يقابل نعمه العظام بالكفران و آلائه الجسام بالتّمرّد و الطغيان.

(و إليه يكون معادكم) أى عودكم و رجوعكم يوم حشركم و نشركم، فانّ الكلّ إليه راجعون فيجازيهم بما كانوا يعملون، و أمّا الذين اتّقوا، فأولئك هم الفائزون و أما الذين ظلموا فلا ينفع معذرتهم و لا هم يستعتبون كما قال عزّ من قائل: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَ عُيُونٍ. وَ فَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ. كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.

(و به نجاح طلبتكم و إليه منتهى رغبتكم) أى الظفر بمطالبكم و قضاء مقاصدكم و نيل حوائجكم، فانّه تعالى قاضى حوائج السائلين و منجح طلبات الرّاغبين، و من كان هذا شأنه يجب أن يطاع و يعبد لا أن يعصى لحكمه و يتمرّد.

(و نحوه قصد سبيلكم) لأنّه منتهى سير السالكين و غاية مراد المريدين، فلا بدّ من سلوك صراطه المستقيم المؤدّى إلى قربه و زلفاه، و هو صراط الملازمين لطاعته و تقواه و أمّا غيرهم فانّهم عن الصراط لناكبون، و عن لقائه محرومون.

(و إليه مرامى مفزعكم) يعنى إذا دهمكم الخوف و الفزع ترميكم الأفزاع نحوه، لأنه يجيب المضطرّ إذا دعاه و يكشف السوء عنه إذا ناداه.

و فى الحديث ليس وراء اللّه مرمى، قال الطريحي: أى مقصد ترمى إليه الامال و يوجه نحوه الرّجاء، تشبيها بالهدف الّتي ترمى إليها السّهام، و إذا كان شأنه العزيز انّه إذا فاجاكم الفزع فاليه تضرّعون، و إذا مسّكم الضرّ فاليه تجأرون، فلا بدّمن أن يطاع و لا يعصى و يذكر و لا ينسى.

ثمّ لمّا وصف اللّه عزّ و علا بأوصاف توجب منه الاتّقاء أردفه بالتنبيه على منافع التّقوى و الثمرات المترتّبة عليها في الدّين و الدّنيا لمزيد الحثّ و الترغيب إليها فقال: (فانّ تقوى اللّه دواء داء قلوبكم) يعنى أنّها رافعة للأمراض القلبيّة و الرّزائل النّفسانية الموبقة من البخل و الحسد و النفاق و العداوة و البغضاء و غيرها، لأنها مضادّة لها كما أنّ الدواء ضدّ الدّاء (و بصر عمى افئدتكم) بيان ذلك أنّ حصول وصف العمى للأعمى لمّا كان موجبا لعجزه عن إدراكه للمحسوسات، و سببا لضلاله عن الطريق، فكذلك حصول هذا الوصف للأفئدة الناشي من اتّباع الهوى و الانهماك في الشهوات، موجب لقصورها عن إدراك المعقولات، و عن الاهتدا إلى الصراط المستقيم.

و كما أنّ بحسّ البصر يرتفع عمى الأبصار الظاهرة و يحصل إدراك المحسوسات فكذلك بالتقوى يرتفع عمى الأفئدة و يتمكّن من إدراك المعقولات و يهتدى إلى الصراط المستقيم، لكونها مانعة من متابعة الهوى و انهماك الشهوات الموجبين لعماها، و هذا معنى كونها بصرا لعمى أبصار الأفئدة.

روى في الصافي في تفسير قوله تعالى أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ من التوحيد و الخصال عن السجاد عليه السّلام أنّ للعبد أربع أعين: عينان يبصر بهما أمر دينه و دنياه، و عينان يبصر بهما أمر آخرته، فاذا أراد اللّه بعبد خيرا فتح اللّه له العينين اللّتين في قلبه فأبصر بهما الغيب و أمر آخرته، و إذا أراد اللّه به غير ذلك ترك القلب بما فيه.

و فيه من الكافي عن الصادق عليه السّلام إنّما شيعتنا أصحاب الأربعة أعين: عينان في الرّأس، و عينان في القلب، ألا و إنّ الخلايق كلّهم كذلك إلّا أنّ اللّه عزّ و جلّ فتح أبصاركم و أعمى أبصارهم.

(و شفاء مرض أجسادكم) هذا وارد مورد الغالب، لأنّ عمدة سبب المرض هوالشبع و البطنة و أهل التقوى لكونه متّصفا بقلّة الأكل و قناعته بالحلال حسبما عرفت في الخطبة المأة و الثانية و التّسعين و شرحها يسلم جسده غالبا من الأمراض و الأسقام.

و يرشد إلى ذلك ما رواه المحدّث الجزائرى في زهر الرّبيع أنّ حكيما نصرانيا دخل على الصادق عليه السّلام فقال: أ فى كتاب ربّكم أم فى سنّة نبيّكم شي‏ء من الطب فقال: أما في كتاب ربّنا فقوله تعالى كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا و أما في سنّة نبيّنا: الاسراف في الاكل رأس كلّ داء و الحميّة منه أصل كلّ دواء.

و فيه أيضا عنه عليه السّلام أنه لو سئل أهل القبور عن السبب و العلّة في موتهم لقال اكثرهم: التخمة.

و فيه أيضا قال: و روى أنّ المؤمن ياكل في معاء واحد و الكافر يا كل في سبعة أمعاء.

و قد تقدّم في شرح الفصل الثاني من الخطبة المأة و التاسعة و الخمسين فصل واف في فوايد الجوع و آفات الشّبع فليراجع ثمة.

(و صلاح فساد صدوركم) لأنّ فساد الصدور و هو كونها ساقطة عن الاعتبار خالية عن المنفعة إنّما ينشأ من طريان ما يفسدها من الغلّ و الحقد و الحسد و نحوها من الوساوس النّفسانية عليها، و بالتقوى يرتفع هذه كلّها و يحصل صلاحها، و به يظهر أيضا معنى قوله: (و طهور دنس أنفسكم) لأنّ هذه الطوارى أيضا أوساخ موجبة لتدنّس النّفوس بها، و التقوى مطهرة لذلك الدّنس و الوسخ.

(و جلاء غشاء أبصاركم) يعنى أنّ التّقوى تجلو و تكشف غطاء أبصار البصاير و تستعدّ بذلك لادراك المعقولات، كما أنّ الباصرة إذا ارتفع حجابها و انجلى غشاوتها تصلح لادراك المبصرات.

(و أمن فزع جاشكم) إذ بها تحصل قوّة القلب في الدّنيا، و هى أمان من أفزاع يوم القيامة و أخاويفها كما قال تعالى في سورة الأعراف فَمَنِ اتَّقى‏ وَ أَصْلَحَ‏فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ و في سورة النّمل مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ و في سورة الأنبياء لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَ تَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (و ضياء سواد ظلمتكم) الظاهر أنّ المراد بالظلمة هو ظلمة القلوب الحاصلة لها من اكتساب الاثام و انهماك الشهوات، فانّ المعاصى توجب ظلمة القلب و اسوداد الوجه، و بالتّقوى و الطاعة يحصل له نور و ضياء و استعداد لقبول الافاضات الالهيّة، هذا.

و لا يخفى ما في هذه الفقرة و ما تقدّمت عليها من الفقرات السّبع من حسن المطابقة و لطفها.

و لمّا أوصى بالتّقوى و رغّب فيها بالتنبيه على ما يترتّب عليها من الثمرات العظيمة أكّد ذلك بالأمر بملازمة الطاعة المحصّلة لها و بالغ في المواظبة عليها فقال: (فاجعلوا طاعة اللّه شعارا دون دثاركم) أى بمنزلة الشّعار الملاصق للبدن لا الدّثار الذى فوق الشعار، و هو إشارة إلى المواظبة عليها باطنا لا ظاهرا فقط، و أكّد استبطانها بقوله: (و دخيلا دون شعاركم) أى داخلا في باطنكم تحت الشعار، و بقوله (و لطيفا بين أضلاعكم) و هو غاية المبالغة في ادخالها في الباطن، و آكد دلالة عليه من سابقيه و الغرض منه جعلها مكنونا في الخلد متمكّنا في القلوب.

و قوله: (و أميرا فوق اموركم) أى يكون ورودكم و صدوركم في اموركم الدنيويّة بأمره و نهيه كساير الامراء بالنّسبة إلى الرّعيّة.

(و منهلا لحين ورودكم) أى مشربا تشربون من صفوها و عذبها حين الورود يوم القيامة كما قال عزّ من قائل إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً. عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً.

(و شفيعا لدرك طلبتكم) أى واسطة و وسيلة لادراك مطالبكم الدّنيويّة و الاخرويةإذ بالتّقوى و الطاعة يحصل الاستعداد لدركها كما قال تعالى فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ فقد دلّ قوله: يجعل له مخرجا، على أنّها حصن حصين و حرز حريز بها يحصل النّجاة من الشدائد و الوقاية من المكاره، و قوله: و يرزقه من حيث لا يحتسب على أنّها كنز كاف بها يدرك المطالب و يفاز بالمارب، و قوله: و من يتوكل على اللّه فهو حسبه، على أنّه تعالى كاف لمن توكّل عليه و اكتفاه، قادر على إنجاح ما يبتغيه و يتمنّاه (و جنّة ليوم فزعكم) أى وقاية يوم القيامة من النّار و غضب الجبّار كما قال تعالى ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا.

و مصابيح لبطون قبوركم) فانّ القبر بيت الظّلمة، و العمل الصّالح يضي‏ء قبر صاحبه كما يضي‏ء المصباح الظلمة على ما جاء في الخبر.

(و سكنا لطول وحشتكم) أي في القبور فانّها بيت الغربة و الوحدة و الوحشة و الأعمال الصّالحة كما ورد في أخبار كثيرة تتصوّر في صور حسنة يستأنس بها صاحبها و يسكن إليها و يطيب بها نفسه و يرفع عنه وحشة القبر.

روى في الكافي بسنده عن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: ما من موضع قبر إلّا و هو ينطق كلّ يوم ثلاث مرّات: أنا بيت التراب أنا بيت البلا أنا بيت الدّود.

قال عليه السّلام: فاذا دخله عبد مؤمن قال مرحبا و أهلا أما و اللّه لقد كنت احبّك و أنت تمشي على ظهري فكيف إذا دخلت بطنى فسترى ذلك.

قال: فيفسح له مدّ البصر و يفتح له باب يرى مقعده من الجنّة.

قال: و يخرج من ذلك رجل لم تر عيناه شيئا قطّ أحسن منه فيقول: يا عبد اللّه ما رأيت شيئا قط أحسن منك فيقول: أنا رأيك الحسن الّذى كنت عليه و عملك الصّالح الّذى كنت تعمله قال: ثمّ يؤخذ روحه فتوضع في الجنّة حيث رأى منزله ثمّ يقال له: نم قرير العين فلا تزال نفحة من الجنّة يصيب جسده و يجد لذّتها و طيبها حتّى يبعث.

و فى البحار من المحاسن باسناده عن أبي بصير عن أحدهما عليها السّلام قال: إذا مات العبد المؤمن دخل معه في قبره ستّة صور فيهنّ صورة أحسنهنّ وجها و أبهاهنّ هيئة و أطيبهنّ ريحا و أنظفهنّ صورة.

قال: فيقف صورة عن يمينه و اخرى عن يساره و اخرى بين يديه و اخرى خلفه و اخرى عند رجله، و تقف الّتى هي أحسنهنّ فوق «رأسه ظ»، فان اتى عن يمينه منعته الّتى عن يمينه، ثم كذلك إلى أن يؤتى من الجهات السّتّ قال: فتقول أحسنهنّ صورة: و من أنتم جزاكم اللّه خيرا فتقول الّتى عن يساره: أنا الزكاة، و تقول الّتي بين يديه: أنا الصّيام، و تقول الّتي خلفه: أنا الحجّ و العمرة، و تقول الّتي عند رجليه: أنا برّ من وصلت من إخوانك، ثمّ يقلن: من أنت فأنت أحسننا وجها و أطيبنا ريحا و أبهانا هيئة فتقول: أنا الولاية لال محمّد صلوات اللّه عليهم أجمعين.

(و نفسا لكرب مواطنكم) أى سعة و روحا لكرب منازل الاخرة و مواقف القيامة (فانّ طاعة اللّه حرز من متالف مكتنفة) أى عوذة من المهالك المحيطة (و مخاوف متوقّعة) أى مخاوف الاخرة المنتظره الوقوع (و آوار نيران موقدة) أراد به حرّ نار الجحيم.

(فمن أخذ بالتّقوى) و عمل صالحا (غربت) أى بعدت و غابت (عنه الشّدائد بعد دنوّها) أى شدايد الاخرة و أهاويلها، و يجوز أن يراد بها الأعمّ لأنّ المتّقى بقناعته و خفّة مؤنته و اعتزاله من مخالطة أبناء الدّنيا و مجالستهم سالم غالبا من المحن و الشّدايد و ايذاء أبناء النّوع.

(و احلولت له الامور بعد مرارتها) أى صارت الأمرار الدّنيوية و الاخروية حلوا له، أمّا الدّنيوية كضيق العيش و الجوع و الفقر و العرى و ما ضاهاها فلما له من الرّضا بالقضاء، و أما الاخروية كمشاقّ الطاعات و العبادات فلكونها أحلى و ألذّ عنده من كلّ شي‏ء و إن كان مرّا في ذوقه في مبدء السلوك، و ذلك لما له من علم اليقين بأنّ هذه المشقّة القليلة توجب راحة طويلة، و تلك المرارة اليسيرة تجلب لذّة دائمة.

(و انفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها) أى انكشفت عنه أمواج الفتن الدّنيوية بعد تراكمها و كثرتها، و ذلك لأنّ الاخذ بالتقوى لكونه بمعزل من الدّنيا و أهلها سالم من الفتن و المحن التي ابتلي بها أهلها.

(و أسهلت له الصّعاب بعد انصبابها) أى صارت الامور الصعبة و المشاق النفسانية سهلة له بعد ايقاعها اياه في النصب و التعب، و ذلك لما عرفت آنفا من أنّ المتّقى لمعرفته بعظم ما يترتّب على طاعته و تقواه من الثمرات الاخروية يسهل عليه كلّ خطب و يهون له الشدائد (و هطلت عليه الكرامة بعد قحوطها) شبه كرامة اللّه سبحانه الشاملة للمتقى بالمطر العظيم القطر المتتابع على سبيل الاستعارة المكنية، و إثبات الهطل تخييل و القحوط ترشيح. و نظيرها الفقرتان المتقدّمتان فانهما أيضا من قبيل الاستعارة المكنية التخييلية الترشيحية.

و المراد أنّ أهل التقوى انصبت عليه و تتابعت في حقه كرامة اللّه العزيز عزّ و جلّ بسبب اتصافه بالتقوى بعد احتباسها و منعها عنه، و ذلك قبل أن يستعدّ بالتقوى لها و يشهد بذلك أي بافاضة كرامته على المتقي صريحا نصّ قوله سبحانه يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ.

(و تحدبت عليه الرحمة بعد نفورها) أى تعطفت عليه الرحمة الالهية بعد ما كانت نافرة عنه حين ما لم يكن متصفا بالتقوى و مستعدا لها، و هذه الفقرة أيضا مثل سوابقها حيث شبه الرحمة بالناقة العاطفة على ولدها على سبيل الاستعارة بالكناية و أثبت التحدّب تخييلا و النفور ترشيحا.

(و تفجّرت عليه النّعم بعد نضوبها) إمّا استعارة مكنية مثل ما مرّت تشبيها للنعم بالينابيع الجارية المنفجرة، فيكون ذكر التفجّر و النضوب تخييلا و ترشيحا، أى انفجرت عليه ينابيع النعم بعد اغورارها.

و يجوز أن يراد بالتفجر التتابع بعلاقة الملازمة فيكون مجازا مرسلا، و النعم قرينة التجوز أو اريد بالتفجر الافاضة و الجامع التتابع و الدوام فيكون استعارة تبعية و على هذين الاحتمالين فيراد بالنضوب الفقدان مجازا و لا يخفى على المتدبّر أنّ هذين الاحتمالين يأتيان أيضا في بعض القراين المتقدّمة كالقرينة المتأخّرة أعنى قوله:

(و وبلت عليه البركة بعد ارذاذها) فيجوز أن تكون الاستعارة بالكناية بأن يشبه البركة بالمطر الشديد العظيم القطر و الوبل و الارذاذ تخييل و ترشيح، و أن تكون استعارة تبعية بأن يستعار الوبل للفيض الكثير و الجامع الكثرة، و أن يكون مجازا مرسلا و يراد بالوبل النزول، و على التقديرين فيراد بالارذاذ القلّة و الضعف مجازا.

ثمّ بعد التنبيه على جملة من ثمرات التقوى و المنافع العظيمة المترتّبة عليها عاد إلى الأمر بها تأكيدا و تقوية لما قدّم فقال: (فاتّقوا اللّه الذي نفعكم بموعظته) و هى ما وعظكم بها في كتابه المبين و لسان نبيّه الأمين و هداكم بها إلى الجنّة و أنقذكم بها من النار و أىّ منفعة أعظم من هذه و أنفع.

(و وعظكم برسالته) التي بعث بها رسله و لم يبق عذر لعاذر بعد مواعظهم البليغة في ترك التقوى و الطاعة.

(و امتنّ عليكم بنعمته) الغير المحصاة التي لا يجوز للعاقل أن يقابلها بالكفران و يكافئها بترك التقوى و الطاعة و العصيان.

(فعبّدوا أنفسكم لعبادته) أى ذللوها لحمل أثقال العبادة.

(و اخرجوا إليه من حقّ طاعته) أى من طاعته التي هو حق عليكم و ثابت في ذمتكم، أو من طاعته التي حقيق به عزّ و جلّ أى اخرجوا إليه من كمال طاعته التي يليق بحضرته.

الترجمة

مي داند خداوند تبارك و تعالى صداى وحشيان را در بيابانها، و معصيتهاى بندگان را در مكان خلوت، و تردّد ماهيان را در درياهاى گود، و تلاطم آب درياها را با بادهاى تند و زنده، و شهادت مى ‏دهم باين كه محمّد مصطفى صلوات اللّه و سلامه عليه و آله بنده نجيب خداست و ايلچى وحى او و پيغمبر رحمت اوست.

اما پس از ثناى خدا پس بدرستى كه من وصيّت مي كنم شما را بتقوى و پرهيزكارى خداوندى كه ايجاد فرموده خلقت شما را و بسوى اوست بازگشت شماو با عنايت اوست رسيدن مطالب شما و بطرف اوست قصد راه شما و بسوى اوست نشانگاه فزع و خوف شما پس بدرستى كه تقوى دواى درد قلبهاى شماست، و چشم كورى دلهاى شما، و شفاى ناخوشى بدنهاى شما، و صلاح فساد سينهاى شما، و پاكيزگى كثافت نفسهاى شماست، و جلاى پردهاى بصرهاى شما، و خاطر جمعى خوف قلبهاى شما، و روشنى سياهى تاريكى قلب شما است.

پس بگردانيد طاعت و عبادت پروردگار را لباس باطنى خودتان نه لباس ظاهرى و داخل در باطن خود نه شعار ظاهرى، و چيزى لطيف در ميان دندهاى خودتان، و أمير حكمران بالاى جميع كارهاى خودتان و محل آب خور از براى زمان ورود آن، و واسطه از براى درك مطالب خودتان، و سپر از براى روز فزع خود و چراغها از براى بطون قبرهاى خود، و مايه انس از براى طول وحشت خود، و فرج و راحت از براى اندوه و محنت مواطن خودتان.

پس بدرستى كه طاعت خدا حرز است، از مهلكه ‏هاى محيطه و از محلّهاى خوفى كه متوقعست و از حرارت آتشهاى روشن شده، پس كسى كه اخذ نمود تقوى را غايب شد از آن شدتها بعد از نزديكى آنها باو، و شيرين شد از براى او كارها بعد از تلخى آنها، و منكشف شد از او موجها بعد از تراكم و تلاطم آنها، و آسان شد از براى او كارهاى صعب بعد از مشقت انداختن آنها، و باريد باو باران‏هاى كرامت بعد از قحطى آن، و برگشت با مهربانى بر او رحمت خدا بعد از رميدن آن، و منفجر شد بر او چشمهاى نعمتها بعد از نايابى آنها، و باريد بأو باران بركت با شدّت بعد از ضعف و قلّت آن.

پس پرهيز نمائيد از خدا چنان خداوندى كه نفع بخشيد بشما با موعظه بالغه خود، و موعظه فرمود بشما با رسالت رسولان خود، و منت گذاشت بر شما با نعمت فراوان خود، پس ذليل نمائيد نفسهاى خودتان را با بار عبادت او، و خارج شويد بسوى او از حق اطاعت او كه لايق حضرت او است

الفصل الثاني

ثمّ إنّ هذا الإسلام دين اللّه الّذي اصطفاه لنفسه، و اصطنعه على عينه، و أصفاه خيرة خلقه، و أقام دعائمه على محبّته، أذلّ الاديان بعزّته، و وضع الملل برفعه، و أهان أعدائه بكرامته، و خذل محادّيه بنصره، و هدم أركان الضّلالة بركنه، و سقى من عطش من حياضه، و أتاق الحياض بمواتحه. ثمّ جعله لا انفصام لعروته، و لا فكّ لحلقته، و لا انهدام لاساسه و لا زوال لدعائمه، و لا انقلاع لشجرته، و لا انقطاع لمدّته، و لا عفاء لشرايعه، و لا جذّ لفروعه، و لا ضنك لطرقه، و لا وعوثة لسهولته و لا سواد لوضحه، و لا عوج لانتصابه، و لا عصل فى عوده، و لا وعث لفجّه، و لا انطفاء لمصابيحه، و لا مرارة لحلاوته. فهو دعائم أساخ في الحقّ أسناخها، و ثبّت لها أساسها، و ينابيع غزرت عيونها، و مصابيح شبّت نيرانها، و منار اقتدى بها سفّارها، و أعلام قصد بها فجاجها، و مناهل روى بها ورّادها، جعل اللّه فيه منتهى رضوانه، و ذروة دعائمه، و سنام طاعته.

فهو عند اللّه وثيق الاركان، رفيع البنيان، منير البرهان، مضي‏ء النّيران، عزيز السّلطان، مشرف المنار، معوز المثار، فشرّفوه، و أدّوا إليه حقّه، وضعوه مواضعه.

اللغة

(اصطنعه على عينه) افتعال من الصنع و الصنع اتّخاذ الخير لصاحبه كذا في مجمع البيان، و قيل: من الصنيعة و هى العطية و الاحسان و الكرامة يقال اصطنعتك لنفسى اخترتك لأمر أستكفيكه و اصطنع خاتما أمر أن يصنع له قال تعالى في سورة طه مخاطبا لموسى عليه السّلام وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي. اذْهَبْ أَنْتَ وَ أَخُوكَ بِآياتِي. وَ لا تَنِيا فِي ذِكْرِي.

و قال الشارح المعتزلي: اصطنعه على عينه كلمة يقال لما يشتدّ الاهتمام به، تقول للصانع: اصنع لى خاتما على عينى، أى اصنعه صنعة كالصّنعة التي تصنعها و أنا حاضر اشاهدها.

و قال الزّمخشرى في الكشاف في تفسير قوله تعالى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ لتربى و يحسن إليك و أنا مراعيك و راقبك كما يرعى الرّجل الشي‏ء بعينه إذا اعتنى به، و تقول للصانع اصنع هذا على عينى أنظر إليك لئلّا تخالف به عن مرادى و (الخيرة) بفتح الياء وزان عنبة كالخيرة بسكونها اسم من اخترت الرّجل أى فضلته على غيره و (الدّعائم) جمع الدّعامة بالكسر عماد البيت و الخشب المنصوب للتعريش و (حادّه) محادّة عادّه و غاضبه و خالفه مأخوذ من الحدد و هو الغضب قال تعالى يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ.

و (تئق) الحوض من باب فرح امتلأ ماء و أتاق الحياض ملأها و (المواتح) جمع الماتح و هو الذى يستقى بالدّلو من المتح و هو الاستقاء يقال متحت الدّلوأى استخرجتها و (عروة) الكوز مقبضه و (الجذ) بالذّال المعجمة القطع أو القطع المستأصل، و في بعض النسخ بالحاء المهملة و هو القطع و في بعضها بالجيم و الدّال المهملة و هو القطع أيضا و الفعل في الجميع كمدّ.

و (وعث) الطريق و عوثة من باب قرب و تعب إذا شقّ على السالك فهو وعث و قيل: الوعث رمل دقيق تغيب فيه الأقدام فهو شاق، ثمّ استعير لكلّ أمر شاقّ من تعب و أثم و غير ذلك، و منه و عثاء السفر أى شدّة النصب و التعب.

و (الوضح) محرّكة بياض الصبح و القمر و محجّة الطريق و (العصل) محرّكة الاعوجاج في صلابة و منه العصال بالكسر و هو السهم المعوّج و (الفج) الطريق الواسع بين الجبلين و (ساخت) قوائمه في الأرض أى غابت و ساخت بهم الأرض أى خسفت و يعدى بالهمزة فيقال: أساخه اللّه و (الينبوع) العين ينبع منه الماء أى يخرج و قيل: الجدول الكثير الماء و هو أنسب و (غزر) الماء بضمّ الزّاء المعجمة غزارة كثر فهو غزير و (شبت نيرانها) بضمّ الشين بالبناء على المفعول أى اوقدت و (ورّادها) جمع وارد قال الشارح المعتزلي: و روى روّادها جمع رائد و هو الذى يسبق القوم فيرتاد لهم الماء و الكلاء و (ذروة) الشي‏ء بالكسر و الضمّ أعلاه و (سنام) بالفتح وزان سحاب أيضا أعلاه و (عوز) الشي‏ء عوزا من باب تعب عزّ فلم يوجد، و عزت الشي‏ء أعوزه من باب قال احتجت إليه فلم أجده، و أعوزنى مثل أعجزنى وزنا و معنى، و أعوز الرّجل إعوازا افتقر، و أعوزه الدّهر أفقره و (ثار) الغبار يثور ثورا و ثورانا هاج، و ثار به الناس أى وثبوا عليه، و فلان أثار الفتنة أى هيّجها، و المثار مصدر أو اسم للمكان.

الاعراب

قوله: على عينه ظرف مستقرّ حال من فاعل اصطنع، و قوله: على محبّة يحتمل أن يكون ظرف لغو متعلّق بقوله أقام فالضمير راجع إلى اللّه، و أن يكون ظرفا مستقرّا حالا من فاعل أقام أو من الضمير في دعائمه، فالضمير فيه على الأوّل‏أيضا راجع إلى اللّه، و على الثاني فيعود إلى الاسلام، و يجوز جعل على بمعنى اللّام للتعليل كما فى قوله تعالى وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ و على هذا فايضا ظرف لغو و الضّمير يصحّ عوده إلى اللّه و إلى الاسلام فتدبّر، و الباء في قوله: بعزّته للسّببيّة، و قوله: ثمّ جعله لا انفصام لعروته المفعول الثّاني لجعل محذوف و جملة لا انفصام لعروته صفة له.

المعنى

اعلم أنّه عليه السّلام لمّا أوصى في الفصل السّابق بالتّقوى و الطّاعة أردفه بهذا الفصل المتضمّن لشرف الاسلام و فضايله لكونهما من شئونه فقال: (ثمّ إنّ هذا الاسلام دين اللّه) أى لا دين مرضىّ عند اللّه سوى الاسلام و هو التّوحيد و التّدرّع بالشّرع الّذي جاء به محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما قال تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ و قال وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ أى من يطلب غيره دينا يدين به لن يقبل منه بل يعاقب عليه و هو من الهالكين في الاخرة، و فيه دلالة على أنّ الدّين و الاسلام واحد و هما عبارتان عن معبر واحد، و هو التّسليم و الانقياد بما جاء به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و هو (الّذي اصطفاه) اللّه و اختاره من بين ساير الأديان (لنفسه) أى لأن يكون طريقا إلى معرفته و طاعته مؤدّيا إلى جنّته.

(و اصطنعه على عينه) أى اتّخذه صنعة و اختاره حالكونه مراعيا حافظا له مراقبا عليه مشاهدا ايّاه، و يجوز جعل العين مجازا في العلم فيكون المعنى أنّه اصطنعه و أسّس قواعده على ما ينبغي و على علم منه به أى حالكونه عالما بدقايقه و نكاته أو بشرفه و فضله.

و يحتمل أن يكون معنى اصطنعه أنّه طلب صنعته أى انّه أمر بصنعته و القيام به حالكونه بمرئى منه أى كالمصنوع المشاهد له، و ذلك أنّ من صنع لغيره شيئا و هو ينظر إليه صنعه كما يحبّ و لا يتهيّأ له خلافه أو أنّه أمر بأن يصنع أي بصنعه‏و صنيعته أى بكرامته و الاتيان به على وجه الكمال.

و على هذا الاحتمال فالصّانع له أى المأمور بالصّنعة و الصنع و الصنيعة المكلّفون المطلوب منهم الاسلام.

و هذا نظير ما قاله المفسّرون في قوله تعالى وَ لِتُصْنَعَ عَلى‏ عَيْنِي على قراءة لتصنع بلفظ الأمر مبنيّا للمفعول. إنّ المعنى ليصنعك غيرك أى لتربّى و تغذّى و يحسن إليك بمرئى منّي أى يجرى امرك على ما اريد من الرّفاهة.

(و أصفاه خيرة خلقه) أى آثر و اختار للبعثة به خيرة خلقه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، أو جعل خيرة خلقه خالصا لتبليغه دون غيره.

(و أقام دعائمه على محبّته) أى أثبت أركان الاسلام فوق محبّته تعالى، فانّ من أحبّه سبحانه أسلم له، أو أنّه قام دعائم حالكونه تعالى محبّا له أو حال كون الاسلام محبوبا له تعالى، أو لأجل حبّه إياه، أو لأجل محبوبيّته عنده على الاحتمالات المتقدّمة في الاعراب.

ثمّ المراد بدعائمه إما مطلق أركانه التي يأتي تفصيلها منه عليه السّلام في أوائل باب المختار من حكمه و هو الأنسب.

أو خصوص ما اشير إليه في الحديث المرويّ في البحار من أمالى الصدوق بسنده عن المفضل عن الصادق عليه السّلام قال: بني الاسلام على خمس دعائم: على الصّلاة، و الزّكاة، و الصوم، و الحجّ، و ولاية أمير المؤمنين و الأئمّة من ولده صلوات اللّه عليهم (أذلّ الأديان بعزّته) أراد بذلّتها نسخها أو المراد ذلّة أهلها على حذف المضاف و يحتملهما قوله (و وضع الملل برفعه) و يصدّق هاتين القرينتين صريحا قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى.

(و أهان أعداءه بكرامته) أى أهان أعداء الاسلام و هم اليهود و النصارى و المشركون و كلّ من عانده و لم يتديّن به من أهل الملل المتقدّمة، و إهانتهم بالقتل و الاستيصال و أخذ الجزية و الذلّ و الصّغار.

(و خذل محادّيه بنصره) أى ترك نصرة المخالفين للاسلام المحادّين له و أخزاهم‏بنصرته للاسلام و أهله.

(و هدم أركان الضّلالة بركنه) ركن الشي‏ء جانبه الّذى يستند إليه و يقوم به، فاستعار أركان الضلالة للعقايد المضلّة أو رؤساء أهل الضّلالة أو الأصنام، و أراد بركنه أصوله و قواعده أو النّبي أو كلمة التوحيد.

(و سقى من عطش من حياضه) المراد بمن عطش الجاهل بقواعد الاسلام المبتغي له، و بالحياض النّبي و الأئمّة سلام اللّه عليهم المملوون بمياه العلوم الحقّة، أو الأعمّ الشامل للعلماء الرّاشدين أيضا و يسقيه هدايته له إلى الاستفادة و أخذ علوم الدّين عنهم عليهم السّلام.

(و أتاق الحياض بمواتحه) أى ملأ صدور اولى العلم عليهم السّلام من زلال المعارف الحقّة و العلوم الدّينية بوساطة المبلّغين من اللّه تعالى من الملائكة و روح القدس و الالهامات الالهيّة. و إن اريد بالحياض الأعمّ الشامل للعلماء فيعمّم المواتح للأئمة لأنهم يستفيدون من علومهم عليهم السّلام و يستضيئون بأنوارهم عليهم السّلام و قيل هنا: معان اخر، و الأظهر ما قلناه.

(ثمّ جعله) وثيقا (لا انفصام لعروته) كما قال تعالى قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى‏ لَا انْفِصامَ لَها.

قال أمين الاسلام الطبرسي «قد» قد ظهر الايمان من الكفر و الحقّ من الباطل، فمن يكفر بما خالف أمر اللّه و يصدق باللّه و بما جاءت به رسله فقد تمسّك و اعتصم بالعصمة الوثيقة و عقد لنفسه من الدّين عقدا وثيقا لا يحلّه شبهة، لا انفصام لها أى لا انقطاع لها كما لا ينقطع من تمسك بالعروة كذلك لا ينقطع أمر من تمسّك بالايمان، و محصّله أنّ من اعتصم بعروة الاسلام فهي تؤدّيه إلى غاية مقصده من رضاء الحقّ و رضوانه و نزول غرفات جنانه لأنّها وثيقة لا ينقطع و لا تنفصم.

(و) جعله محكما (لا فكّ لحلقته) قال الشّارح البحراني: كناية عن عدم انقهار أهله و جماعته.

(و) مشيّدا (لا انهدام لأساسه) قال البحراني: استعار لفظ الأساس للكتاب و السّنة الّذين هما أساس الاسلام، و لفظ الانهدام لاضمحلالهما انتهى، و لا بأس به، و قد يفسّر في بعض الرّوايات بالولاية.

و هو ما رواه في البحار من أمالي الشيخ باسناده عن جابر بن يزيد عن أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين عن أبيه عن جدّه عليهم السّلام قال: لمّا قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مناسكه من حجّة الوداع ركب راحلته و أنشأ يقول: لا يدخل الجنّة إلّا من كان مسلما، فقام اليه أبو ذر الغفارى فقال: يا رسول اللّه و ما الاسلام فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: الاسلام عريان و لباسه التقوى، و زينته الحياء، و ملاكه«» الورع و كماله الدّين، و ثمرته العمل، و لكلّ شي‏ء أساس و أساس الاسلام حبّنا أهل البيت.

(و) ثابتا (لا زوال لدعائمه) قال البحراني: استعار لفظ الدّعائم لعلمائه أو للكتاب و السنة و قوانينهما، و أراد بعدم زوالها عدم انقراض العلماء أو عدم القوانين الشرعيّة، انتهى.

و الأولى أن يراد بالدّعائم ما يأتي تفصيلها منه عليه السّلام في أوائل باب المختار من حكمه عليه السّلام و هو ثالث أبواب النّهج.

(و) راسخا (لا انقلاع لشجرته) الظاهر أنّه من قبيل اضافة المشبّه به على المشبّه كما في لجين الماء، و المراد أنّ الاسلام كشجرة ثابتة أصلها ثابت و فرعها فى السماء كما اشير اليه في قوله مثل كلمة طيّبة كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ الاية.

قال الطبرسي: قال ابن عبّاس: هي كلمة التوحيد شهادة أن لا إله إلّا اللّه كشجرة زاكية نامية راسخة اصولها فى الأرض عالية أغصانها، و ثمارها في السماء، و أراد به المبالغة في الرّفعة و الأصل سافل و الفرع عال إلّا أنه يتوصّل من الأصل إلى الفرع.

قال: و قيل: انّه سبحانه شبّه الايمان بالنّخلة لثبات الايمان في قلب المؤمن كثبات النخلة في منبتها، و شبّه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة،و شبّه ما يكسبه المؤمنون من بركة الايمان و ثوابه في كلّ وقت و حين بما ينال من ثمرة النخلة في أوقات السّنة كلّها من الرّطب و التّمر.

و فى البحار من علل الشرائع باسناده عن معمّر بن قتادة عن أنس بن مالك في حديث قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال حبيبي جبرئيل عليه السّلام: إنّ مثل هذا الدّين كمثل شجرة ثابتة الايمان أصلها، و الصّلاة، عروقها، و الزّكاة ماؤها، و الصّوم سعفها، و حسن الخلق ورقها، و الكفّ عن المحارم ثمرها، فلا تكمل شجرة إلّا بالثمر كذلك الايمان لا يكمل إلّا بالكفّ عن المحارم.

(و) متماديا (لا انقطاع لمدّته) لاستمراره و بقائه إلى يوم القيامة.

(و) جديدا (لا عفاء لشرايعه) أى لا اندراس لما شرع اللّه منه لعباده و لا انمحاء لطرقه و شعبه الّتي يذهب بسالكها إلى حظاير القدس و محافل الانس (و) زاكيا (لا جذّ لفروعه) أى لا ينقطع ما يتفرّع عليه من الأحكام الّتي يستنبطها المجتهدون بأفكارهم السليمة من الكتاب و السّنة، و يحتمل أن يراد بها ما يتفرّع عليه من الثّمرات و المنافع الدنيويّة و الاخروية.

(و) وسيعا (لا ضنك لطرقه) أى لا ضيق لمسالكه بحيث يشقّ على السّالكين سلوكه، و المراد أنها ملّة سمحة سهلة ليس فيها ثقل على المكلّفين كما كان في الملل السّابقة.

قال تعالى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ.

قال أمين الاسلام الطبرسي: معناه يبيح لهم المستلذّات الحسنة و يحرّم عليهم القبايح و ما تعافه الأنفس، و قيل: يحلّ لهم ما اكتسبوه من وجه طيّب و يحرّم عليهم ما اكتسبوه من وجه خبيث، و قيل: يحلّ لهم ما حرّمه عليهم رهبانيّهم و أحبارهم و ما كان يحرّمه أهل الجاهلية من البحائر و السوائب و غيرها، و يحرّم عليهم الميتة و الدّم و لحم الخنزير و ما ذكر معها.

و يضع عنهم إصرهم أى ثقلهم شبّه ما كان على بني إسرائيل من التكليف الشديدبالثقل، و ذلك إن اللّه سبحانه جعل توبتهم أن يقتل بعضهم و جعل توبة هذه الامّة الندم بالقلب حرمة للنّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و الاغلال الّتي كانت عليهم قيل: يريد بالأغلال ما امتحنوا به من قتل نفوسهم في التوبة و قرض ما يصيبه البول من أجسادهم و ما أشبه ذلك من تحريم السّبت و تحريم العروق و الشحوم و قطع الأعضاء الخاطئة و وجوب القصاص دون الدّية انتهى.

و قيل: الاصر الثقل الّذى يأصر حامله أى يحبسه فى مكانه لفرط ثقله.

و قال الزّمخشرى: هو مثل لثقل تكليفهم و صعوبته نحو اشتراط قتل الأنفس فى صحّة توبتهم، و كذلك الاغلال مثل لما كان فى شرايعهم من الأشياء الشّاقة نحو بت القضاء بالقصاص عمدا كان أو خطاء من غير شرع الدّية، و قطع الأعضاء الخاطئة، و قرض موضع النّجاسة من الجلد و الثوب و إحراق الغنايم، و تحريم العروق فى اللّحم و تحريم السبت.

و عن عطا كانت بنو اسرائيل إذا قامت تصلّى لبسوا المسوح و غلّوا أيديهم إلى الأعناق، و ربّما ثقب الرّجل ترقوته و جعل فيها طرف السّلسلة و أوثقها إلى السّارية يحبس نفسه على العبادة.

(و) سهلا (لا وعوثة لسهولته) يعني أنّه على حدّ الاعتدال من السهولة، و ليس سهلا مفرطا كالوعث من الطريق يتعسّر سلوكه و يشقّ المشى فيه لرسوب الأقدام.

(و) واضحا (لا سواد لوضحه) يعنى أنّ بياضه لا يشوبه الظلام كما قال النّبى صلّى اللّه عليه و آله: بعثت اليكم بالحنيفيّة السمحقة السهلة البيضاء، و بياضه كناية عن صفائه عن كدر الباطل.

(و) مستقيما (لا عوج لانتصابه) أى لا اعوجاج لقيامه كما قال تعالى قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ و المراد أنّه صراط مستقيم مؤدّ لسالكه إلى الجنّة، و رضوان اللّه تعالى ليس فيه عوج و لا أمت.

(و) مستويا (لا عصل فى عوده) و هو أيضا كناية عن استقامته و ادائه إلى الحقّ.

(و) يسيرا (لا وعث لفجّه) أراد بالفجّ مطلق الطريق مجازا من إطلاق المقيّدعلى المطلق و يمكن إرادة المعنى الحقيقى و يكون النظر فى التشبيه إلى أنه الجادّة الوسطى بين طرفى الافراط و التفريط، كما أنّ الفجّ هو الطريق الواسع بين الجبلين.

(و) مضيئا (لا انطفاء لمصابيحه) الظاهر أنّ المراد بمصابيحه أئمة الدّين و أعلام اليقين الذينهم مصابيح الدّجى و منار الهدى، و أراد بعدم انطفائها عدم خلوّ الأرض منهم عليهم السّلام.

(و) حلوا (لا مرارة لحلاوته) لأنه أحلى و ألذّ فى أذواق المتديّنين من كلّ حلو، و لذيذ لا يشوبه مرارة مشقّة التكليف.

كما قال الصادق عليه السّلام في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ: لذّة ما فى النداء أزال تعب العبادة و العناء.

(فهو دعائم أساخ فى الحقّ أسناخها) يعنى أنّ الاسلام دعائم العبوديّة فلا ينافي حملها عليه هنا لما تقدّم سابقا من إضافتها إليه فى قوله: أقام دعائمه على محبّته، و قوله: و لا زوال لدعائمه، نظرا إلى أنّ ظهور الاضافة في التغاير.

وجه عدم المنافاة أنّ الغرض فيما سبق تشبيه الاسلام و الدّين بالبيت فأثبت له الدّعائم على سبيل الاستعارة المكنيّة التخييلية، فهو لا ينافي كون الاسلام نفسه أيضا دعائم لكن للعبوديّة.

و يمكن دفع المنافاة بوجه آخر و هو أنّا قد بيّنا فيما سبق أنّ المراد بدعائم الاسلام إمّا الدعائم الّتي يأتي تفصيلها منه عليه السّلام في باب المختار من حكمه أو خصوص العبادات الخمس أعنى الصلاة و الزّكاة و الصّوم و الحجّ و الولاية حسبما اشير إليه في الحديث الذى رويناه من البحار و في أحاديث كثيرة غيره تركنا ذكرها، و على أىّ تقدير فلمّا كان قوام الاسلام بتلك الدّعائم و ثباته عليها حتّى أنّه بدونها لا ينتفع بشي‏ء من أجزائه فجعله نفس تلك الدّعائم مبالغة من باب زيد عدل.

و يوضح ذلك ما في البحار من الكافي عن زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث قال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: الصّلاة عمود دينكم.

و فى الكافى أيضا باسناده عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال‏رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: مثل الصّلاة مثل عمود الفسطاط إذا ثبت العمود نفعت الأطناب و الأوتاد و الغشاء، و إذا انكسر العمود لم ينفع طناب و لاوتد و لا غشاء.

و أما قوله: أساخ في الحقّ أسناخها، فمعناه أنّه تعالى أثبت اصولها في الحقّ يعني أنّه بناء محكم بني على الحقّ و ثبت قوائمة عليه دون الباطل كما قال تعالى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أى ذلك الدّين المستقيم الحقّ.

(و ثبّت لها أساسها) أى أحكم لهذه الدّعائم أبنيتها.

(و ينابيع غزرت عيونها) يعني جداول و أنهار كثيرة ماء عيونها الّتى تجريان منها، و الظاهر أنّه من التّشبيه البليغ، و المراد أنّ الاسلام بما تضمّنه من الأحكام الكثيرة الاسلاميّة بمنزلة ينابيع وصفها ما ذكر، و وجه الشّبه أنّ الينابيع منبع مادّة حياة الأبدان و الأحكام الاسلاميّة منشأ مادّة حياة الأرواح، إذ بامتثالها يحصل القرب من اللّه المحصّل لحياة الأبد.

و في وصف المشبّه به بغزارة العيون إشارة إلى ملاحظة ذلك الوصف في جانب المشبّه أيضا لأنّ الأحكام الاسلاميّة صادرة عن صدر النّبوّة و صدور الأئمة الّتي هى معادن العلوم الالهيّة و عيونها، و كفى بها كثرة و غزارة.

(و مصابيح شبّت نيرانها) و هو أيضا من التّشبيه البليغ، يعني أنّ الاسلام بما فيه من الطّاعات و العبادات الّتي من وظايفه مثل المصابيح الموقدة النّيران المشتعلة الّتي هي في غاية الاضاءة، و وجه الشّبه أنّ المصابيح الّتي وصفها ذلك كما أنها ترفع الظلام المحسوسة، فكذلك الطاعات الموظفة في دين الاسلام إذا اقيست عليها تنوّر القلوب و تجلو ظلمتها المعقولة.

(و منار اقتدى بها سفّارها) يعني أنّه بما فيه من الأدلّة السّاطعة و البراهين القاطعة الّتي يستدلّ بها العلماء في المقاصد، مثل منائر يهتدى بها المسافرون في الفلوات، و إضافة سفار إلى ضمير المنار من التّوسع.

و مثله قوله (و أعلام قصد بها فجاجها) أى مثل أعلام قصد بنصب تلك الأعلام‏إهداء المسافرين في تلك الفجاج.

(و مناهل روى بها ورّادها) يعني أنّه بما فيه من العلوم الاسلاميّة النقليّة و العقليّة بمنزلة مشارب تروى بمائها العطاش الواردون إليها.

(جعل اللّه فيه منتهى رضوانه) أى غاية رضاه لكونه أتمّ الوسايل و أكملها في الايصال إلى قربه و زلفاه كما اشير إليه في قوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ و قوله إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ.

(و ذروة دعائمه) الظاهر أنّ المراد بالدعائم العبادات التي بنيت عليها بيت العبوديّة، و لما كان دين الاسلام أشرف الأديان و أفضلها تكون العبادات الموظفة فيه أفضل العبادات و أعلاها، و إضافة الدعائم إلى اللّه من باب التّشريف و التكريم باعتبار أنّها مجعولات له سبحانه أو من أجل كونها مطلوبة له تعالى.

و به يظهر أيضا معنى قوله (و سنام طاعته) و يستفاد من بعض الأخبار أنّ ذروة الاسلام و سنامه هو خصوص الجهاد.

و هو ما رواه في البحار من الكافي باسناده عن سليمان بن خالد عن أبي جعفر عليه السّلام قال: ألا اخبرك بأصل الاسلام و فرعه و ذروة سنامه قلت: بلى جعلت فداك، قال: أمّا أصله فالصّلاة، و فرعه الزّكاة، و ذروة سنامه الجهاد.

قال المحدّث العلامة المجلسي: الاضافة في ذروة سنامه بيانيّة أو لاميّة إذ للسّنام الذى هو ذروة البعير ذروة أيضا هو أرفع أجزائه، و إنما صارت الصلاة أصل الاسلام لأنه بدونها لا يثبت على ساق، و الزّكاة فرعه لأنه بدونها لا تتمّ، و الجهاد ذروة سنامه لأنه سبب لعلوّه و ارتفاعه، و قيل: لأنه فوق كل برّ كما ورد في الخبر و كيف كان (فهو عند اللّه وثيق الأركان) لابتنائه على أدلّة محكمة و اصول متقنة (رفيع البنيان) كناية عن علوّ شأنه و رفعة قدره على ساير الأديان.

(منير البرهان) أى الدّليل الدّال على حقيّته من الايات و المعجزات الباهرة منير واضح.

(مضي‏ء النيران) كناية عن كون أنواره أى العلوم و الحكم الثاقبة التي فيه في غايةالضياء بحيث لا تخفى على الناظر المتدبّر.

(عزيز السلطان) يريد أنّ حجّته قويّة أو أنّ سلطنته غالبة على ساير الأديان كما قال تعالى لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ.

(مشرف المنار) أى مرتفع المنارة قال الشارح البحراني: و كنى به عن علوّ قدر علمائه و أئمته و انتشار فضلهم و الهداية بهم.

(معوز المثار) قيل: أى يعجز الناس ازعاجه و إثارته لقوّته و ثباته و متانته و قال البحراني: أى يعجز الخلق إثارة دفائنه و استخراج ما فيه من كنوز الحكمة و لا يمكنهم استقصاؤها، و في بعض النسخ معوز المثال أى يعجز الخلق عن الاتيان بمثله، و في بعضها معوز المنال أى يعجزون عن النيل و الوصول إلى نكاته و دقائقه و أسراره.

(فشرّفوه) أى عظّموه و عدّوه شريفا و اعتقدوه كذلك (و اتّبعوه و أدّوا إليه حقّه) أى ما يحقّه من الاتّباع الكامل (و ضعوه مواضعه) أراد به الكفّ عن تغيير أحكامه و العلم بمرتبته و مقداره الذى جعله اللّه له، أو العمل بجميع ما تضمّنه من الأوامر و النواهي، و فّقنا اللّه لذلك بجاه محمّد و آله سلام اللّه عليه و عليهم.

الترجمة

فصل ثانى از اين خطبه شريفه در وصف اسلام است و ذكر فضايل آن مى‏ فرمايد: پس بدرستى اين اسلام دين خداست كه پسند فرموده آنرا از براى خودش و برگزيده آنرا در حالتى كه عالمست بفضيلت آن، و خالص گردانيده بأو بهترين خلق خود را كه پيغمبر آخر الزّمان صلّى اللّه عليه و آله باشد، و بر پا داشته ستونهاى آن را بر بالاى محبّت خود، ذليل نموده دينها را بسبب عزيزى آن، و پست فرموده ملّتها را بجهت بلندى آن، و خوار نموده دشمنهاى خود را بجهت گرامى داشتن آن، و ذليل كرده معاندين خود را با يارى كردن آن، و خراب كرده أركان ضلالت و گمراهى را با ركن آن، و سيراب فرموده تشنگان را از حوضهاى آن، و پر كرده حوضها رابا آب كشندگان آن.

پس گردانيده آن را كه گسيخته نمى‏ شود جاى دستگير آن، و فك نمى ‏شود حلقه آن، و خرابى نيست اساس آن را و زوال نيست ستونهاى آن را، و بر كندگى نيست درخت آن را، و انقطاع نيست مدّت او را، و اندراس نيست شريعتهاى او را و بريدگى نيست شاخهاى او را، و تنگى نيست راههاى آنرا، و دشوارى نيست أز براى سهولت آن، و سياهى نيست از براى سفيدى آن، و كجى نيست أز براى استقامت آن و اعوجاج نيست از براى چوب آن، و صعوبت نيست از براى راههاى آن، و خاموشى نيست چراغهاى آن را، و تلخى نيست شيريني آنرا.

پس آن اسلام ستونهائيست كه ثابت و محكم كرده خدا در حقّ اصلهاى آنها را، و بغايت مستحكم نموده از براى آنها بنيانهاى آنها را، و نهرهاى پر آبيست كه زياده است آبهاى چشمهاى آنها، و چراغهائيست كه أفروخته شده آتشهاي آنها و مناره‏هائيست كه هدايت يافته با آنها مسافران آنها، و علمهائيست كه قصد كرده شده با آنها راه روندگان گدوكهاى آنها، و سرچشمه‏ هائيست كه سيراب شده با آنها واردين به آنها، گردانيده است خداوند تبارك و تعالى در او غايت رضاى خود را، و بلندتر ستونهاى خود را، و كوهان طاعت خود را.

پس او است در نزد خدا كه محكم است ركنهاى آن، و بلند است بنائى آن نورانى است دليل آن، روشن است آتشهاى آن، عزيز است سلطنت آن، بلند است مناره آن، نا يابست معارضه گرى آن، پس مشرّف و گرامى داريد او را، و تبعيّت نمائيد بان، و أدا كنيد بأو حقّ او را و بگذاريد او را جائى كه لايق او است

الفصل الثالث و الرابع فى بعثة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و نبذ من فضايل القران

ثمّ إنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله حين دنا من الدّنيا الانقطاع، و أقبل من الاخرة الاطّلاع، و أظلمت بهجتها بعد إشراق، و قامت بأهلها على ساق، و خشن منها مهاد، و أزف منها قياد، في انقطاع من مدّتها، و اقتراب من أشراطها، و تصرّم من أهلها، و انفصام من حلقتها، و انتشار من سببها، و عفاء من أعلامها، و تكشّف من عوراتها، و قصر من طولها جعله اللّه سبحانه بلاغا لرسالته، و كرامة لامّته، و ربيعا لاهل زمانه، و رفعة لاعوانه، و شرفا لأنصاره. ثمّ أنزل عليه الكتاب نورا لا تطفا مصابيحه، و سراجا لا يخبو توقّده و بحرا لا يدرك قعره، و منهاجا لا يضلّ نهجه، و شعاعا لا يظلم ضوئه و فرقانا لا يخمد برهانه، و بنيانا لا تهدم أركانه، و شفاء لا تخشى أسقامه و عزّا لا تهزم أنصاره، و حقّا لا تخذل أعوانه. فهو معدن الايمان و بحبوحته، و ينابيع العلم و بحوره، و رياض العدل و غدرانه و أثافيّ الاسلام و بنيانه، و أودية الحقّ و غيطانه، و بحرلا ينزفه المستنزفون «المنتزفون خ ل»، و عيون لا ينضبها الماتحون، و مناهل لا يغيضها الواردون و منازل لا يضلّ نهجها المسافرون، و أعلام لا يعمى عنها السّايرن، و آكام لا يجوز عنها القاصدون. جعله اللّه ريّا لعطش العلماء، و ربيعا لقلوب الفقهاء، و محاجّ لطرق الصّلحاء، و دواء ليس معه «بعده خ ل» داء، و نورا ليس معه ظلمة و حبلا وثيقا عروته، و معقلا منيعا ذروته، و عزّا لمن تولّاه، و سلما لمن دخله، و هدى لمن ائتمّ به، و عذرا لمن انتحله، و برهانا لمن تكلّم به، و شاهدا لمن خاصم به، و فلجا لمن حاجّ به، و حاملا لمن حمله، و مطيّة لمن أعمله، و آية لمن توسّم، و جنّة لمن استلام، و علما لمن وعى، و حديثا لمن روى، و حكما لمن قضى.

اللغة

(الاطلاع) الاشراف من موضع عال و (السّاق) الشّدّة قال تعالى وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ أى اتّصلت آخر شدّة الدّنيا بأوّل شدّة الاخرة و (المهاد) بالكسر كالمهد موضع يهيّا للصّبي و الفراش و (قاد) الرّجل الفرس قودا من باب قال و قيادا بالكسر و هو نقيض السّوق قال الخليل: القود أن يكون الرّجل أمام الدّابة آخذا بقيادها، و السّوق أن يكون خلفها، فان قادها لنفسه قيل: اقتادها، و المقود بالكسر الحبل يقاد به، و القياد مثله مثل لحاف و ملحف.

و (العورة) السوءة و كلّ أمر يستحى منه و (الطول) الامتداد يقول طال الشي‏ءطولا بالضمّ امتدّ و خلاف العرض، و في بعض النسخ من طولها وزان عنب و هو حبل تشدّ به قائمة الدّابة أو تشدّ و تمسك طرفه و ترسلها ترعى، و طال طولك و طيلك و طيالك أى عمرك أو مكثك أو غيبتك.

(و منهاجا لا يضلّ نهجه) المنهاج و النهج وزان فلس الطريق الواضح، و نهج الطريق نهجا من باب منع سلكه، و يضلّ من باب الافعال و في بعض النسخ بصيغة المجرّد.

و (الغدران) جمع الغدير و هو النهر و (الأثافي) بفتح الهمزة و تشديد الياء كاثاف جمع الاثفية بالضمّ و بالكسر و هو الحجر يوضع عليه القدر و الأثافي الأحجار الموضع عليها القدر على شكل مثلّث و (نضب) الماء نضوبا من باب قعد غار في الأرض و ينضب بالكسر من باب ضرب لغة.

و (غاض) الماء غيضا من باب سار نضب و قلّ، و غاضه اللّه بتعدّى و لا يتعدّى فالماء مغيض قال الشارح المعتزلي و روى لا يغيضها بالضمّ على قول من قال أغضت الماء و هي لغة غير مشهورة.

و (الأكمة) بالتحريك التلّ، و قيل: شرفة كالرّابية و هو ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد، و ربّما غلظ و الجمع اكم و اكمات مثل قصبة و قصب و قصبات و جمع الاكم اكام مثل جبل و جبال، و جمع الاكام اكم بضمّتين مثل كتاب و كتب و جمع الاكم أكام مثل عنق و أعناق هكذا قال الفيومي.

و (المحجّة) بالفتح جادّة الطريق و (الفلج) بالضّم اسم من الفلج و هو الظفر و الفوز و فلج بحجّته أثبتها، و أفلج اللّه حجّته أظهرها و (وعى) الحديث وعيا من باب وعد حفظه و جمعه و تدبّره.

الاعراب

قوله: في انقطاع من مدّتها ظرف لغو متعلّق بقوله أزف و في بمعنى مع و يحتمل أن يكون ظرفا مستقرّا متعلّقا بمقدّر حالا من قياد، و قوله: نورا بدل من الكتاب، و قوله: و منهاجا لا يضلّ نهجه إن كان من باب الافعال فنهجه منصوب على‏المفعول و الفاعل ضمير مستكن راجع إلى منهاجا، و إن كان بصيغة المجرّد فهو مرفوع على الفاعل و اسناد الفعل اليه من المجاز العقلي أو المصدر بمعنى الفاعل فمجاز لغويّ و الاسناد حينئذ على حقيقته.

المعنى

اعلم أنّه عليه السّلام لمّا ذكر في الفصل السّابق فضل الاسلام و شرفه أردفه بهذا الفصل و أشار فيه إلى بعثة من جاء بالاسلام، و شرح حال زمان البعثة تنبيها بذلك على عظم ما ترتّب على بعثه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من الفوائد العظيمة، ثمّ عقّب بذكر أعظم نعمة أنعم اللّه به على عباده ببعثه و هو تنزيل الكتاب العزيز و ذلك قوله: (ثمّ إن اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالهدى و دين الحقّ (حين دنا من الدّنيا الانقطاع و أقبل من الاخرة الاطلاع) الظاهر أنّ المراد به قرب انقطاع دنيا كلّ امّة و إقبال آخرتهم بحضور موتهم حسبما عرفت تفصيله فى شرح قوله: أمّا بعد فانّ الدّنيا قد أدبرت و آذنت بوداع و أنّ الاخرة قد أقبلت و أشرفت باطلاع، من الخطبة الثامنة و العشرين.

و يحتمل أن يراد به قرب زوالها بالكلّية و إشراف الاخرة و القيامة الكبرى بناء على أنّ ما مرّ من عمر الدّنيا أكثر ممّا بقى، و يعضده بعض الأخبار.

مثل ما رواه في البحار من البرسي في مشارق الأنوار عن الثمالي عن عليّ ابن الحسين عليهما السّلام قال: إنّ اللّه خلق محمّدا و عليّا و الطيّبين من ذريّتهما من نور عظمته و أقامهم أشباحا قبل المخلوقات، ثمّ قال الظنّ إنّ اللّه لم يخلق خلقا سواكم بلى و اللّه لقد خلق اللّه ألف ألف آدم و ألف ألف عالم و أنت و اللّه في آخر تلك العوالم.

و فيه أيضا من جامع الأخبار قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ موسى سأل ربّه عزّ و جلّ أن يعرّفه بدء الدّنيا منذكم خلقت فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى موسى تسألني عن غوامض علمي فقال: يا ربّ أحبّ أن أعلم ذلك، فقال: يا موسى خلقت الدّنيا منذ مأئة ألف ألف عام عشر مرات و كانت خرابا خمسين ألف عام، ثمّ بدءت في عمارتها فعمرتها خمسين ألف عام، ثمّ خلقت فيها خلقا على مثال البقر يأكلون رزقى‏و يعبدون غيرى خمسين ألف عام، ثمّ امتّهم كلّهم في ساعة واحدة، ثمّ خربت الدّنيا خمسين ألف عام، ثمّ بدءت في عمارتها فمكثت عامرة خمسين ألف عام، ثمّ خلقت فيها بحرا فمكث البحر خمسين ألف عام لا شي‏ء مجاجا من الدّنيا يشرب، ثمّ خلقت دابّة و سلّطتها على ذلك البحر فشربه بنفس واحد، ثمّ خلقت خلقا أصغر من الزّنبور و أكبر من البقّ فسلّطت ذلك الخلق على هذه الدّابّة فلدغها و قتلها، فمكثت الدّنيا خرابا خمسين ألف عام، ثمّ بدءت في عمارتها فمكثت خمسين ألف سنة، ثمّ جعلت الدّنيا كلّها آجام القصب و خلقت السّلاحف و سلّطتها عليها فأكلتها حتّى لم يبق منها شي‏ء، ثمّ أهلكتها في ساعة واحدة فمكثت الدّنيا خرابا خمسين ألف عام، ثمّ بدءت في عمارتها فمكثت عامرة خمسين ألف عام، ثمّ خلقت ثلاثين آدم ثلاثين ألف سنة من آدم إلى آدم ألف سنة، فأفنيتهم كلّهم بقضائي و قدرى، ثمّ خلقت فيها ألف ألف مدينة من الفضّة البيضاء، و خلقت في كلّ مدينة مأئة ألف ألف قصر من الذّهب الأحمر، فملئت المدن خردلا عند الهواء يومئذ ألذّ من الشهد و أحلى من العسل و أبيض من الثلج، ثمّ خلقت طيرا أعمى و جعلت طعامه في كلّ ألف سنة حبّة من الخردل أكلها كلّها حتّى فنيت، ثمّ خرّبتها فمكثت خرابا خمسين ألف عام ثمّ بدءت في عمارتها فمكثت عامرة خمسين ألف عام، ثمّ خلقت أباك آدم بيدى يوم الجمعة وقت الظهر و لم أخلق من الطين غيره، و أخرجت من صلبه النبيّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و هذان الخبران كما ترى يعضدان ما ذكرناه من كون الغابر من الدّنيا أكثر من الباقي.

لكن العلامة المجلسي «قد» قال في المجلّد التاسع من البحار بعد ايراد رواية البرسي: لا أعتمد على ما تفرّد بنقله، و قال في المجلّد الرّابع عشر بعد رواية الخبر الثاني من جامع الأخبار: هذه من روايات المخالفين أوردها صاحب الجامع فأوردتها و لم أعتمد عليها.

فعلى ذلك لا يمكن التعويل عليهما مع منافاتهما لما رواه المحدّث الجزائرى‏فى الأنوار عن ابن طاوس «ره» أنّ عمر الدّنيا مأئة ألف سنة يكون منها عشرون ألف سنة ملك جميع أهل الدّنيا، و يكون ثمانون ألف سنة منها مدّة ملك آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأولى ردّ علم ذلك إلى اللّه و الرّاسخون فى العلم عليهم السّلام هذا.

و قوله (و أظلمت بهجتها بعد اشراق) أراد به أنّه سبحانه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على حين فترة من الرّسل بعد ما كانت الدّنيا مبتهجة بوجودهم مشرقة مضيئة بأنوار هدايتهم، فأظلمت بهجتها أى ذهب حسنها و نضارتها بطول زمان الفترة و تمادى مدّة الغفلة و الضلالة.

(و قامت بأهلها على ساق) قد مضى تحقيق معنى هذه الجملة في شرح الخطبة المأة و الثامنة و الثلاثين فليراجع ثمّة و محصّل المراد بلوغها حين بعثته إلى غاية الشدّة بأهلها لما كانت عليه العرب حينئذ من ضيق العيش و الضّر و الحروب و القتل و الغارة و إثارة الفتن و تهييج الشرور و المفاسد كما قال عليه السّلام في الخطبة السّادسة و العشرين: إنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نذيرا للعالمين و أمينا على التنزيل، و أنتم معشر العرب على شرّ دين و فى شرّ دار منيخون بين حجارة خشن و حيات صمّ، تشربون الكدر، و تأكلون الجشب، و تسفكون دمائكم و تقطعون أرحامكم آه.

(و خشن منها مهاد) كناية عن عدم الاستقرار بها و فقدان طيب العيش و الرّاحة، لأنّ ذلك إنّما يتمّ بانتظام الشرائع و ثبات قوانين العدل و يرتفع بارتفاعها.

(و أزف منها قياد) أى قرب منها اقتياد أهلها و تعريضهم بالهلاك و الفناء، أو انقيادها بنفسها للعدم و الزّوال، و الثاني أظهر بملاحظة الظروف الّتي بعدها أعني قوله.

(في انقطاع من مدّتها) و انخراطها في سلك العدم.

(و اقتراب من أشراطها) أي آياتها و علاماتها الدّالّة على زوالها، و المراد بها أشراط السّاعة الّتي اشير اليها في قوله تعالى فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها و قوله وَ إِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ و قوله فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ. مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ.

و انّما جعلها من أشراط الدّنيا مع كونها من أشراط السّاعة لوقوعها في الدّنيا مع أنّها كما تدلّ على قرب القيامة تدلّ على انقطاع الدّنيا و تمامها، فتكون أشراطا لهما معا، و مضى تفصيل هذه الأشراط في شرح الخطبة المأة و التاسعة و الثمانين.

و روى في الصافي في حديث أشراط السّاعة: أوّل الايات الدّخان و نزول عيسى و نار تخرج من قعر عدن ابين تسوق النّاس إلى المحشر.

و فى البحار من مجمع البيان و روى عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: بادروا بالأعمال ستّا: طلوع الشمس من مغربها، و الدّابّة، و الدّجّال، و الدّخان، و خويصة أحدكم أى موته، و أمر العامّة يعني القيامة.

(و تصرّم من أهلها) أى انقطاع منهم (و انفصام من حلقتها) أى انكسار و اندراس من نظام أهلها و اجتماعهم على الشريعة و الدّين (و انتشار من سببها) أى تفرّق من حبلها و ربقتها المشدودة بها رقاب أهلها و هو حبل الاسلام.

(و عفاء من اعلامها) أى دروس منها و هو كناية عن فقدان الأنبياء و العلماء الصّالحين الذين يهتدى بهم في ظلمات الجهالة و يستضاء بأنوارهم في بوادى الضّلالة.

(و تكشّف من عوراتها) أى ظهور من معايبها و مساويها الّتي كانت مستورة بحجاب الشرائع و استار الاسلام.

(و قصر من طولها) أى من تماديها و امتدادها أو المراد قصر عمرها على رواية طول بكسر الطّاء و فتح الواو.

و تعديد هذه الحالات الّتي كان عليها النّاس حين بعثه صلّى اللّه عليه و آله و شرحها و بسطها تذكيرا للمخاطبين بأنّ بعثه في مثل تلك الحالات أعظم من منّ اللّه تعالى به على عباده، ليؤدّ السامعون بتذكّره و ذكراه وظايف شكر تلك النعمة العظمى، و يقوموا بمراسم حمده حيث أنقذهم ببعثه سلام اللّه عليه و آله من ورطات الكفر و الضّلال، و أنجاهم من العقاب و الوبال.

(جعله اللّه سبحانه بلاغا لرسالته) أى تبليغا لها كما في قوله تعالى قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ أى إلّا أداء الرّسالة و بيان الشريعة أو كفاية لها كما في قوله‏تعالى في وصف القرآن هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَ لِيُنْذَرُوا بِهِ أى موعظة بالغة كافية، و على المعنيين فلا بد من جعل المصدر بمعنى الفاعل أى جعله عزّ و جلّ مبلّغا للرسالة أو كافيا لها أى غير محتاج معه إلى رسول آخر، و لذلك كان صلّى اللّه عليه و آله خاتم النّبوة.

(و كرامة لامّته) أى أكرمهم عزّ و جلّ بجعله رسولا لهم و جعلهم امّة له صلّى اللّه عليه و آله و فضّلهم بذلك على ساير الامم.

(و ربيعا لأهل زمانه) تشبيهه بالرّبيع إمّا من أجل ابتهاجهم ببهجة جماله و بديع مثاله كما يبتهج النّاس بالرّبيع و نضراته و طراوته، أو من أجل أنّ أهل زمانه قد خرجوا بوجوده الشريف من ضنك المعيشة إلى الرّخا و السعة، كما أنّ الناس يخرجون في الرّبيع من جدب الشتاء و ضيق عيشها إلى الدّعة و الرفاهة.

(و رفعة لأعوانه و شرفا لأنصاره) يحتمل رجوع الضميرين الى اللّه كما في الفقرة الاولى و إلى محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما في الفقرتين الأخيرتين، و على أىّ تقدير فالمراد بالأعوان و الأنصار المسلمون أمّا كونهم أنصارا له صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فواضح، و أمّا جعلهم أنصارا و عونا للّه عزّ و جلّ على الاحتمال الأول فلكونهم أنصار دين اللّه و أعوان رسوله، أضافهما إليه تعالى تشريفا و تكريما.

و كيف كان فقد شرف اللّه تعالى المسلمين و رفع شأنهم فى الدّنيا و الاخرة بمتابعتهم لرسوله و معاونتهم له و سلّطهم على محادّيه و جاحديه لعنهم اللّه تعالى و عذّبهم عذابا أليما، هذا.

و لمّا ذكر بعثة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و أشار إلى بعض فوايد بعثه أردفه بذكر أعظم معجزات النّبوة و هو الكتاب العزيز، و أشار إلى جملة من أوصافه و مزاياه تنبيها على علوّ قدره و عزّة شأنه فقال: (ثمّ أنزل عليه الكتاب) و عدّ به اثنين و أربعين منقبة.

أولها كونه (نورا لا تطفى مصابيحه) أمّا أنّه نور فلاهتداء النّاس به من ظلمات الجهل كما يهتدى بالنور المحسوس في ظلمة اللّيل قال تعالى إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ و أمّا مصابيحه فاستعارة لطرق الاهتداء و فنون العلوم الّتي تضمّنها القرآن.

(و) الثانية كونه (سراجا لا يخبو توقده) أمّا أنّه سراجا فلما مرّ آنفا، و أمّا، أنّه لا يخبو توقّده فالمراد به عدم انقطاع اهتداء النّاس به و استضاءتهم بنوره.

(و) الثالثة كونه (بحرا لا يدرك قعره) استعارة البحر له باعتبار اشتماله على النكات البديعة و الأسرار الخفيّة و دقايق العلوم الّتي لا يدركها بعد الهمم و لا ينالها غوص الفطن كما لا يدرك الغائص قعر البحر العميق.

(و) الرابعة كونه (منهاجا لا يضلّ نهجه) أى طريقا واضحا مستقيما إلى الحقّ لا يضلّ سالكه أو لا يضلّ سلوكه.

(و) الخامسة كونه (شعاعا لا يظلم ضوءه) أى حقّا لا يدانيه شكّ و ريب أى لا يشوبه ظلمة الباطل فيغطيه و يستره كما قال تعالى ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ و قال لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.

قال الطبرسي: قيل: إنّ الباطل الشيطان و معناه لا يقدر الشيطان أن ينقص منه حقّا أو يزيد فيه باطلا، و قيل: لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات فلا تناقض في ألفاظه.

و لا كذب في اخباره و لا يعارض و لا يزاد فيه و لا يغيّر بل هو محفوظ حجة على المكلّفين إلى يوم القيامة، و يؤيّده قوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.

(و) السادسة كونه (فرقانا لا يخمد برهانه) أى فارقا بين الحقّ و الباطل و فاصلا بينهما لا ينتفي براهينه الجليّة و بيّناته الّتي بها يفرق بينهما كما قال تعالى إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَ ما هُوَ بِالْهَزْلِ و قال هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقانِ.

(و) السابعة كونه (بنيانا لا تهدم أركانه) شبّهه ببنيان مرصوص وثيق الأركان فاستعار له لفظه و الجامع انتظام الاجزاء و اتّصال بعضها ببعض، و قوله: لا تهدم أركانه، ترشيح للاستعارة، و فيه إشارة إلى أنّ البنيان الوثيق كما أنّه مأمون من التّهافت و الهدم و الانفراج فكذلك الكتاب العزيز محفوظ من طروّ النقص و الخلل و الاندراس.

(و) الثامنة كونه (شفاء لا تخشى أسقامه) يعني انّه شفاء للأبدان و الأرواح.

أمّا الأبدان فبالتجربة و العيان مضافا إلى الأحاديث الواردة في خواصّ أكثر الايات المفيدة للاستشفاء و التعويذ بها.

مثل ما في الكافي باسناده عن السّكوني عن أبي عبد اللّه عن آبائه عليهم السّلام قال: شكى رجل إلى النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وجعا في صدره فقال: استشف بالقرآن فانّ اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ.

و عن سلمة بن محرّز قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: من لم يبرءه الحمد لم يبرءه شي‏ء.

و عن إبراهيم مهزم عن رجل سمع أبا الحسن عليه السّلام يقول: من قرء آية الكرسي عند منامه لم يخف الفالج انشاء اللّه، و من قرءها في دبر كلّ فريضة لم يضرّه ذو حمة.

و فى مجمع البيان من كتاب العياشي باسناده انّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لجابر بن عبد اللّه الأنصارى: ألا اعلمك أفضل سورة أنزلها اللّه في كتابه قال: فقال له جابر: بلى بأبى أنت و أمّي يا رسول اللّه علّمنيها، قال: فعلّمه الحمد أمّ الكتاب، ثمّ قال: يا جابر ألا اخبرك عنها قال: بلى بأبى أنت و امّى فأخبرني، فقال: هى شفاء من كلّ داء إلّا السّام، و السّام الموت، إلى غير هذه ممّا لا حاجة إلى ايرادها.

و أمّا الأرواح فلأنّه بما تضمّنه من فنون العلوم شفاء لأمراض الجهل.

فقد ظهر بذلك كونه شفاء للأبدان من الأوجاع و الأسقام، و شفاء للقلوب من كلّ شك و ريب و شبهة، و يصدق ذلك قوله تعالى في سورة السجدة قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَ شِفاءٌ و في سورة بني اسرائيل وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَ لا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً.

قال أمين الاسلام الطبرسي وجه الشّفاء فيه من وجوه: منها ما فيه من البيان الّذى يزيل عمى الجهل و حيرة الشكّ.

و منها ما فيه من النظم و التأليف و الفصاحة البالغة حدّ الاعجاز الّذى يدلّ على صدق النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فهو من هذه الجهة شفاء من الجهل و الشكّ و العمى في الدّين و يكون شفاء للقلوب.

و منها أنّه يتبرّك به و بقراءته و يستعان به على دفع العلل و الأسقام و يدفع اللّه به كثيرا من المكاره و المضارّ على ما يقتضيه الحكمة.

و منها ما فيه من أدّلة التوحيد و العدل و بيان الشرائع فهو شفاء للنّاس في دنياهم‏و آخرتهم، و رحمة للمؤمنين أى نعمة لهم، و إنّما خصّهم بذلك لأنّهم المنتفعون به، انتهى.

فقد تحصّل من ذلك أنّه شفاء لا يخاف أن يعقب سقما، لأنّ الكمالات النفسانية الحاصلة من قراءته و تفكّره و تدبّر آياته تصير ملكات راسخة لا تتبدّل بأضدادها و لا تتغيّر.

(و) التاسعة كونه (عزا لا تهزم أنصاره) أى لا تغلب و لا تقهر.

(و) العاشرة كونه (حقّا لا تخذل أعوانه) و المراد بأعوانه و أنصاره هم المسلمون العارفون بحقّه العاملون بأحكامه و عدم هزمهم و خذلانهم نصّ قوله تعالى لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا.

قال في مجمع البيان فيه أقوال: أحدها أنّ المراد لن يجعل اللّه لليهود على المؤمنين نصرا و لا ظهورا.

و قيل: لن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلا بالحجّة و إن جاز أن يغلبوهم بالقوّة، لكن المؤمنين منصورون بالدّلالة و الحجّة.

و قيل: لن يجعل لهم في الاخرة عليهم سبيلا لأنّه مذكور عقيب قوله فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بيّن اللّه سبحانه أنّه إن يثبت لهم سبيل على المؤمنين في الدّنيا بالقتل و القهر و النهب و الاسر و غير ذلك من وجوه الغلبة فلن يجعل لهم يوم القيامة عليهم سبيلا.

و الحادية عشر ما أشار إليه بقوله (فهو معدن الايمان و بحبوحته).

أمّا أنّه معدن الايمان، فلأنّ المعدن عبارة عن منبت الجوهر من ذهب و فضّة و نحوهما، و لمّا كان الايمان باللّه و رسوله جوهرا نفيسا لا جوهر أنفس منه و لا أغلى عند ذوى العقول، و كان يستفاد من القرآن و يستخرج منه جعله معدنا له.

و أمّا أنّه بحبوحته و وسطه فلأنّ الايمان بجميع أجزائه و شرايطه و مراسمه يدور عليه، فهو بمنزلة القطب و المركز لدائرة الايمان كما هو ظاهر.

(و) الثانية عشر أنّه (ينابيع العلم و بحوره)أمّا أنّه ينابيع العلم فلأنّ العلوم بجميع أقسامه منه تفيض كالعيون الجارية منها الماء.و أمّا أنّه بحوره فلاحتوائه بفنون العلم كاحتواء البحر بمعظم الماء

(و) الثالثة عشر أنّه (رياض العدل و غدرانه).أمّا كونه رياض العدل فلأنّ الرّياض عبارة عن مجامع النّبات و الزّهر و الرّياحين الّتي تبتهج النفوس بخضرتها و نضرتها، و تستلذّ الطباع بحسنها و بهجتها كما قال تعالى حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ فشبّه التّكاليف الشرعيّة المجعولة عن وجه العدل و الحكمة بالزّهر و النبات الحسن لايجابها لذّة الأبد و جعل الكتاب العزيز رياضا لها لاجتماعها فيه و استنباطها منه.

و أمّا كونه غدران العدل فلأنّ الغدير عبارة عن مجمع الماء فشبّه الأحكام العدليّة بالماء لما فيها من حياة الأرواح كما أنّ بالماء حياة الأبدان و جعله غديرا لجامعيّته لها.

(و) الرابعة عشر أنّه (أثافيّ الاسلام و بنيانه) لما قد عرفت من أنّ الأثافي عبارة عن الأحجار الّتي عليها القدر، فجعله أثافى للاسلام لاستقراره و ثباته عليه مثل استقرار القدر على الأثافي.

و بهذا الاعتبار أيضا جعل الصلاة و الزّكاة و الولاية أثافية في حديث البحار من الكافي عن الصّادق عليه السّلام قال: أثافي الاسلام ثلاثة: الصلاة، و الزكاة، و الولاية لا تصحّ واحدة منهنّ إلّا بصاحبتها.

قال العلّامة المجلسيّ: و إنّما اقتصر عليها لأنها أهمّ الأجزاء و يدلّ على اشتراط قبول كلّ منها بالاخرين، و لا ريب في كون الولاية شرطا لصحّة الاخريين.

(و) الخامسة عشر أنّه (أودية الحقّ و غيطانه) يعني أنّ طالب الحقّ إنّما يجده في هذه الأودية و الأراضى المطمئنة قال الشارح البحراني: و اللّفظان مستعاران باعتبار كونه معدنا للحقّ و مظنّة له، كما أنّ الأودية و الغيطان مظانّ الكلاء و الماء.

(و) السادسة عشر أنّه (بحر لا ينزفه المستنزفون) أى لا ينزحه كلّه و لا يفنيه‏المستقون، و هو إشارة إلى عدم انتهاء العلوم المستفادة منه، فانّ فيه علم ما كان و ما يكون و ما هو كائن إلى يوم القيامة حسبما عرفت في شرح الفصل السّابع عشر من الخطبة الاولى.

(و) السابعة عشر أنّه (عيون لا ينضبها الماتحون) أى لا يغيّرها المستسقون.

(و) الثامنة عشر أنّه (مناهل لا يغيضها الواردون) أى مشارب لا ينقص مائها الواردون على كثرة ورودهم عليها.

(و) التاسعة عشر أنّه (منازل لا يضلّ نهجها المسافرون) يعني أنّه منازل السّالكين إلى اللّه لا يضلّ مسافروه منهاج تلك المنازل لكونه واضحا جليّا و جادّة مستقيمة

(و) العشرون أنّه (أعلام لا يعمى عنها السّائرون) لاستنارتها و اضاءتها.

(و) الحادية و العشرون أنّه (آكام لا يجوز عنها القاصدون) قال الشّارح البحراني: استعار لفظ الاعلام و الاكام للأدلّة و الامارات فيه على طريق إلى معرفته و احكامه باعتبار كونها هادية إليها كما تهدى الأعلام و الجبال على الطّرق.

و الثانية و العشرون أنّه (جعله اللّه تعالى ريّا لعطش العلماء) شبّه شدّة اشتياق نفوس العلماء و حرصهم على المعارف الحقّة الالهيّة بعطش العطاش، و حيث إنّ الكتاب العزيز كان رافعا لغللهم جعله مرويّا لهم كما يروى الماء الغليل.

(و) الثالثة و العشرون أنّه جعله سبحانه (ربيعا لقلوب الفقهاء) لابتهاج قلوبهم به و استلذاذهم منه كما يبتهج النّاس بالرّبيع.

(و) الرابعة و العشرون أنّه جعله (محاجّ لطرق الصلحاء) أى جواد واضحة مستقيمة لا عوج فيها و لا خفاء، لأنّه يهدى للّتي هي أقوم.

(و) الخامسة و العشرون أنّه جعله (دواء ليس معه داء) حسبما عرفته في شرح قوله: و شفاء لا تخشى أسقامه.

(و) السادسة و العشرون أنّه جعله (نورا ليس معه ظلمة) أى حقّا لا يشوبه باطل حسبما عرفته في شرح قوله، و شعاعا لا يظلم نوره.

و فى الكافى باسناده عن أبى جميلة قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: كان في وصيّة أمير المؤمنين عليه السّلام أصحابه: إنّ هذا القرآن هدى النهار و نور اللّيل المظلم على ما كان من جهد و فاقة.

و فيه عن طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إنّ هذا القرآن فيه منار الهدى و مصابيح الدّجى فليجل جال بصره و يفتح للضياء نظره فانّ التّفكّر حياة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظّلمات بالنور.

(و) السابعة و العشرون أنّه جعله (حبلا وثيقا عروته) لا يخشى من انفصامه من تمسّك به و اتّبع بأحكامه نجا و من تركه هلك.

(و) الثامنة و العشرون أنّه جعله (معقلا منيعا ذروته) أى ملجأ و حصنا حصينا يمنع الملتجى إليه من أن يناله المكروه و سوء العذاب.

(و) التاسعة و العشرون أنّه جعله (عزّا لمن تولّاه) يعني من اتّخذه وليّا و ألقى إليه أزمّة اموره و عمل بأوامره و نواهيه فهو عزّة له في الدّارين.

(و) الثلاثون أنّه جعله عزّ و جلّ (سلما لمن دخله) قال الشارح البحراني أى أمنا، و دخوله الخوض في تدبّر مقاصده و اقتباسها و بذلك الاعتبار يكون مأمنا من عذاب اللّه و من الوقوع في الشّبهات الّتي هي مهاوى الهلاك، و قيل: استعار لفظ السّلم باعتبار عدم اذاه لمن دخله فهو كالمسالم له.

(و) الحادية و الثلاثون أنّه جعله (هدى لمن ائتمّ به) و هو واضح كما قال تعالى ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ.

(و) الثانية و الثلاثون أنه جعله (عذرا لمن انتحله) و لعلّ المراد كونه عذرا منجيا من العذاب يوم القيامة لمن دان به و جعله نحلته و قيل: إنّ المراد أنّ من انتسب اليه بأن جعل نفسه من أهل القرآن و افتخر بذلك كان القرآن نفسه عذرا له، لعلوّ شأنه، و ما ذكرناه أقرب.

(و) الثالثة و الثلاثون أنّه جعله (برهانا لمن تكلّم به) أى حجّة واضحة و بيانا جليا لمن احتجّ به.

(و) الرابعة و الثلاثون أنه جعله (شاهدا لمن خاصم به) أى دليلا محكما للمستدلّ.

(و) الخامسة و الثلاثون أنّه جعله (فلجأ لمن حاجّ به) أى ظفرا و فوزا للمخاصم يعني أنّ من خاصم و احتجّ به فاز بمقصده و غلب خصمه.

روى في البحار من كنز الفوايد باسناده عن أبي جعفر عليه السّلام قال: يا معشر الشّيعة خاصموا بسورة إنّا أنزلناه في ليلة القدر تفلجوا، فو اللّه إنّها لحجّة اللّه تبارك و تعالى على الخلق بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إنّها لسيّدة دينكم و إنّها لغاية علمنا، يا معشر الشّيعة خاصموا بحم و الكتاب المبين فانّها لولاة الأمر خاصة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

(و) السادسة و الثلاثون أنه جعله (حاملا لمن حمله) يعني أنّ من حمل القرآن و حفظه و عمل به و اتّبع أحكامه حمله القرآن إلى دار القدس و غرفات الجنان.

روى في الكافي باسناده عن جابر عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: يا معاشر قرّاء القرآن اتّقوا اللّه عزّ و جلّ فيما حملكم من كتابه فاني مسئول و انكم مسئولون، إنّي مسئول عن تبليغ الرّسالة، و أما أنتم فتسألون عما حملتم من كتاب اللّه و سنّتي.

و فيه عن السكونى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: حملة القرآن عرفاء أهل الجنّة و المجتهدون قوّاد أهل الجنّة و الرّسل سادات أهل الجنّة.

و عن عمرو بن جميع عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ أحقّ النّاس بالتخشّع في السّرّ و العلانية لحامل القرآن، و إنّ أحقّ النّاس في السرّ و العلانية بالصلاة و الصّوم لحامل القرآن، ثمّ نادى بأعلى صوته يا حامل القرآن تواضع به يرفعك اللّه و لا تعزّ زبه فيذلّك اللّه، يا حامل القرآن تزيّن به للّه يزيّنك اللّه به و لا تزيّن به للنّاس فيشينك اللّه به، من ختم القرآن فكأنّما ادرجت النّبوة بين جنبيه و لكنّه لا يوحى إليه، و من جمع القرآن فنوله لا يجهل مع من يجهل عليه و لا يغضب فيمن يغضب عليه و لا يحدّ فيمن‏يحدّ عليه و لكنّه يعفو و يصفح و يغفر و يحلم لتعظيم القرآن، و من اوتى القرآن فظنّ أنّ أحدا من النّاس اوتى أفضل ممّا اوتى فقد عظّم ما حقّر اللّه، و حقّر ما عظّم اللّه.

(و) السابعة و الثلاثون أنّه جعله (مطيّة لمن أعمله) أى مركبا سريع السّير يبلغ بمن أعمله إلى منزله و مقصده، و هو حظاير القدس و مجالس الانس، و المراد باعماله هو حفظه و المواظبة عليه و عدم الغفلة عنه.

روى في الكافي باسناده عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: إنّ الرّجل إذا كان يعلم السّورة ثمّ نسيها و تركها و دخل الجنّة أشرفت عليه من فوق فى أحسن صورة فتقول: تعرفني فيقول: لا، فتقول: أنا سورة كذا و كذا لم تعمل بي و تركتني أما و اللّه لو عملت بي لبلغت بك هذه الدّرجة، و أشارت بيدها إلى فوقها.

و عن يعقوب الأحمر قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: إنّ عليّ دينا كثيرا و قد دخلني شي‏ء ما كاد القرآن يتفلّت مني، فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: القرآن القرآن إنّ الاية من القرآن و السّورة لتجي‏ء يوم القيامة حتّى تصعد ألف درجة يعني في الجنّة، فتقول: لو حفظتني لبلغت بك ههنا.

و عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: من نسي سورة من القرآن مثّلت له في صورة حسنة و درجة رفيعة في الجنّة، فاذا رآها قال: ما أنت ما أحسنك ليتك لي، فيقول: أما تعرفني أنا سورة كذا و كذا و لو لم تنسني لرفعتك إلى هذا.

(و) الثامنة و الثلاثون أنّه جعله (آية لمن توسّم) أى دلالة للمتفكّر المعتبر و علامة يستدلّ بها المتفرّس، و أصل التوسّم هو النظر في السمة أى العلامة الدّالة قال تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ أى دلالات للمتفكّرين المعتبرين.

قال في مجمع البيان: و قد صحّ عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال: اتّقوا فراسة المؤمن و انّه ينظر بنور اللّه، و قال: إن للّه عبادا يعرفون الناس بالتوسّم ثمّ قرء هذه الاية.

(و) التاسعة و الثلاثون أنه جعله (جنّة لمن استلام) أى وقاية و سلاحا لطالب‏الدّرع و السلاح، و المراد كونه وقاية لقارئه من مكاره الدّنيا و الاخرة أما الاخرة فواضحة، لأنه يوجب النجاة من النار و الخلاص من غضب الجبار جلّ جلاله.

و أما الدّنيا فيدلّ على كونه وقاية من مكارهها صريح قوله تعالى وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً.

قال الطبرسيّ: قال الكلبيّ: و هم أبو سفيان و النّضر بن الحرث و أبو جهل و امّ جميل امرأة أبي لهب، حجب اللّه رسوله عن أبصارهم و كانوا يأتونه و يمرّون به و لا يرونه.

و فى الصافى من قرب الاسناد عن الكاظم عليه السّلام انّ امّ جميل امرأة أبي لهب أتته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين نزلت سورة تبّت و مع النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أبو بكر بن أبي قحافة، فقال: يا رسول اللّه هذه امّ جميل منخفضة أو مغضبة تريدك و معها حجر تريد أن ترميك به فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّها لا تراني، فقالت لأبي بكر: أين صاحبك قال: حيث شاء اللّه، قالت: لقد جئته و لو أراه لرميته فانّه هجاني و اللّات و العزّى إنّي لشاعرة، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه لم ترك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لا، ضرب اللّه بيني و بينها حجابا مستورا.

و أما ساير النّاس فيشهد بكونه جنّة لهم من المكاره.

ما رواه في الكافي باسناده عن الاصبغ بن نباته عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال: و الّذى بعث محمّدا بالحقّ و أكرم أهل بيته ما من شي‏ء تطلبونه من حرز من حرق أو غرق أو سرق أو إفلات دابة من صاحبها أو آبق إلّا و هو في القرآن، فمن أراد ذلك فليسألني عنه.

قال: فقام اليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عمّا يؤمن من الحرق و الغرق فقال عليه السّلام: اقرء هذه الايات إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَ هُوَ… وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ-  الى قوله سُبْحانَهُ-  وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ فمن قرأها فقد أمن من الحرق و الغرق، قال: فقرأها رجل و اضطرمت النار في بيوت جيرانه و بيته وسطها فلم يصبه شي‏ء.

ثمّ قام اليه رجل آخر فقال: يا أمير المؤمنين إنّ دابتي استصعبت عليّ و أنا منها على وجل فقال: اقرء في اذنها اليمني أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً فقرأها فذلّت له دابّته.

و قام إليه آخر فقال: يا أمير المؤمنين إنّ أرضي أرض مسبعة إنّ السباع تغشى منزلي و لا تجوز حتى تأخذ فريستها فقال: اقرء لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ فقرأهما الرّجل فاجتنبته السباع.

ثمّ قام إليه آخر فقال: يا أمير المؤمنين إنّ في بطني ماء أصفر فهل من شفاء فقال: نعم بلا درهم و لا دينار و لكن اكتب على بطنك آية الكرسي و تغسلها و تشربها و تجعلها ذخيرة في بطنك فتبرء باذن اللّه عزّ و جلّ، ففعل الرّجل فبرء باذن اللّه.

ثمّ قام إليه آخر فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الضّالّة فقال عليه السّلام اقرء يس في ركعتين و قل: يا هادى الضالّة ردّ عليّ ضالّتي ففعل فردّ اللّه عليه ضالّته.

ثمّ قام إليه آخر فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الابق فقال عليه السّلام: اقرء «أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ-  إلى قوله-  وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» فقالها الرّجل فرجع إليه الابق.

ثمّ قام إليه آخر فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن السّرق فانّه لا يزال قد يسرق لي الشي‏ء بعد الشي‏ء ليلا، فقال له: اقرء إذا آويت إلى فراشك «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ-  إلى قوله-  وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً» ثمّ قال أمير المؤمنين عليه السّلام: من بات بأرض قفر فقرأ هذه الاية إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ-  إلى قوله-  تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ حرسته الملائكة و تباعدت عنه الشّياطين.

قال: فمضى الرّجل فاذا هو بقرية خراب فبات فيها و لم يقرأ هذه الاية فغشاه الشّياطين و إذا هو آخذ بخطمه فقال له صاحبه: انظره، و استيقظ الرّجل فقرأ الاية فقال الشيطان لصاحبه: ارغم اللّه أنفك احرسه الان حتّى يصبح.

فلمّا أصبح رجع الى أمير المؤمنين عليه السّلام فأخبره فقال له رأيت في كلامك الشفاء و الصّدق و مضى بعد طلوع الشمس فاذا هو بأثر شعر الشّياطين مجتمعا في الأرض.

(و) الاربعون أنّه جعله (علما لمن وعى) أى علما كاملا بالمبدإ و المعاد لمن حفظه و عقله و جعله في وعاء قلبه قال الطريحي: و في الحديث لا يعذّب اللّه قلبا وعي القرآن، أى عقل القرآن ايمانا منه و عملا، فأمّا من حفظ ألفاظه و ضيّع حدوده فهو غير واع له، و فيه: خير القلوب أوعاها، أى أحفظها للعلم و أجمعها له.

(و) الحادية و الاربعون أنّه جعله (حديثا لمن روى) قال أمين الاسلام الطبرسي في تفسير قوله تعالى اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ يعنى القرآن، و إنّما سمّاه اللّه حديثا لأنّه كلام اللّه و الكلام سمّى حديثا كما يسمّى كلام النبىّ حديثا، لأنه حديث التنزيل بعد ما تقدّمه من الكتب المنزلة على الأنبياء، و هو أحسن الحديث لفرط فصاحته و لاعجازه و لاشتماله على جميع ما يحتاج المكلّف إليه من التنبيه على أدلّة التوحيد و العدل و بيان أحكام الشرائع و غير ذلك من المواعظ و قصص الأنبياء و الترغيب و الترهيب، كتابا متشابها يشبه بعضه بعضا و يصدق بعضه بعضا ليس فيه اختلاف و تناقض، و قيل: إنه يشبه كتب اللّه المتقدّمة و ان كان أعم و أجمع و أنفع.

(و) الثانية و الاربعون أنه جعله (حكما لمن قضى) يعنى من يقضى بين الناس، فالقرآن حكم له لا حكم له غيره لأنه الحكم الحقّ و غيره باطل كما قال تعالى وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ و فى آية اخرى فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ و فى ثالثة فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ.

قيل فى توجيهه: إنّ الحاكم بغير ما أنزل اللّه إن كان لا مع الاعتقاد فهو إمّا ظالم أو فاسق، و ان حكم بذلك مع اعتقاد أنّه غير ما أنزل اللّه فهو كافر، هذا.

و قد تقدّم في شرح الفصل السابع عشر من الخطبة الاولى و غيره فصل واف في فضل الكتاب العزيز و ما يتعلّق به فليراجع هناك، و نسأل اللّه سبحانه أن يجعلنا من العارفين بفضله، و العاملين بأحكامه، و الواعين لعلمه، و الرّاوين لحديثه، و القاضين‏بحكمه بجاه محمّد و آله سلام اللّه عليه و عليهم.

الترجمة

فصل سيّم و چهارم از اين خطبة در بيان بعثت حضرت رسالتماب صلوات اللّه و سلامه عليه و آله و اشاره بر فوايد بعثت است و ذكر نزول كتاب كريم و إشاره بر مناقب آن مى‏ فرمايد: پس بدرستى كه خداوند تعالى مبعوث فرمود محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه و آله را با حقّ هنگامى كه نزديك شده از دنياى فانى بريده شدن آن، و اقبال كرده بود از آخرت مشرف بودن آن، و ظلمانى شده بود شكفتگى دنيا بعد از روشنائى آن، و بر پا ايستاده بود بأهل خود بغايت شدّت، و ناهموار شده بود از آن بساط آن، و نزديك شده بود از آن انقياد آن بزوال در انقطاع مدّت آن، و نزديكى علامتهاى فناى آن، و بريده شدن أهل آن، و گسيخته شدن حلقه آن، و تفرّق ريسمان آن، و اندراس علمهاى آن، و انكشاف قبايح آن، و كوتاهى درازى آن.

گردانيد او را حق تعالى كفايت كننده از براى رسالت خود، و كرامت از براى امّت او، و بهار از براى أهل زمان او، و سر بلندى بجهت اعوان او، و شرف مر ياران او را.

پس نازل فرمود بر آن بزرگوار كتاب عزيز خود را نورى كه خاموش نمى باشد چراغهاى آن، و چراغى كه نابود نمى‏گردد اشتعال آن، و دريائى كه درك نمى‏ شود ته آن، و جاده واضحى كه ضلالت نمى ‏افتد سالك آن، و شعائى كه تاريك نمى‏ باشد روشنائى آن، و فرقانى كه خاموش نمى‏ شود برهان و دليل آن، و بنيادى كه خراب نمى ‏شود ركنهاى آن، و شفائى كه ترسيده نمى ‏شود مرض‏هاى آن، و عزيزى كه مغلوب نمى‏ باشد ناصران آن، و حقى كه خوار نمى‏ باشد ياران آن.

پس آن كتاب معدن ايمان و وسط او است، و چشمهاى علم و درياهاى او است و باغهاى عدالت و گودالهاى آب او است، و پايهاى اسلام و بنيان او است، و بيابانهاى‏حق و گوديهاى او است، و دريائيست كه نمى ‏تواند بكشد آب آن را آب كشندگان و چشمهائيست كه تمام نمى‏ كند آب آنرا آب بردارندگان، و سرچشمه‏ هائى است كه ناقص نمى‏ نمايد آن را واردان، و منزلهائيست كه گم نمى‏ كند راه آن را مسافران، و علامتهائيست كه نابينا نمى‏ شود از آنها سير كنندگان، و تلهائيست كه تجاوز نمى‏ نمايد از آنها قاصدان.

گردانيد خداوند آن را سيرابى از براى تشنگى عالميان، و بهار از براى قلبهاى فقيهان، و راههاى روشن از براى طرق صالحان، و دوائى كه نيست بعد از آن دردى، و نورى كه نيست با وجود آن ظلمتى، و ريسمانى كه محكم است جاى دستگير آن، و پناهگاهى كه مانع است بلندى آن، و عزيزى از براى كسى كه آنرا بجهت خود دوست اخذ نموده باشد، و أمن امان أز براى كسى كه داخل آن شود و هدايت از براى كسى كه اقتدا نمايد بان، و عذر از براى كسى كه نسبت آنرا بخود بدهد، و برهان واضح بجهت كسى كه با آن تكلّم نمايد، و شاهد صادق بجهت كسى كه مخاصمه نمايد با آن، و غلبه و ظفر براى كسى كه احتجاج كند با آن، و بردارنده مر حاملان خود را، و مركب از براى كسى كه إعمال نمايد آنرا، و علامت از براى كسى كه تفكر نمايد، و زره از براى كسى كه طالب سلاح باشد، و علم كامل كسي را كه حفظ كند آنرا، و حديث صحيح كسى را كه روايت نمايد، و حكم بحق از براى كسى كه حكم نمايد.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 196 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 197 صبحی صالح

197- و من كلام له ( عليه‏ السلام  ) ينبه فيه على فضيلته لقبول قوله و أمره و نهيه‏

وَ لَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ( صلى‏ الله‏ عليه‏ وآله  )أَنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَى اللَّهِ وَ لَا عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ وَ لَقَدْ وَاسَيْتُهُ بِنَفْسِي فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تَنْكُصُ فِيهَا الْأَبْطَالُ وَ تَتَأَخَّرُ فِيهَا الْأَقْدَامُ نَجْدَةً أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِهَا

وَ لَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى‏ الله‏ عليه‏ وآله  )وَ إِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِي وَ لَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِي كَفِّي فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِي وَ لَقَدْ وُلِّيتُ غُسْلَهُ (صلى‏ الله‏ عليه‏ وآله )وَ الْمَلَائِكَةُ أَعْوَانِي

فَضَجَّتِ الدَّارُ وَ الْأَفْنِيَةُ مَلَأٌ يَهْبِطُ وَ مَلَأٌ يَعْرُجُ وَ مَا فَارَقَتْ سَمْعِي هَيْنَمَةٌ مِنْهُمْ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَارَيْنَاهُ فِي ضَرِيحِهِ فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّي حَيّاً وَ مَيِّتاً

فَانْفُذُوا عَلَى بَصَائِرِكُمْ وَ لْتَصْدُقْ‏نِيَّاتُكُمْ فِي جِهَادِ عَدُوِّكُمْ فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّي لَعَلَى جَادَّةِ الْحَقِّ وَ إِنَّهُمْ لَعَلَى مَزَلَّةِ الْبَاطِلِ أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَ لَكُمْ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج12  

و من خطبة له عليه السّلام و هى المأة و السادسة و التسعون من المختار فى باب الخطب

و لقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله أنّي لم أردّ على اللّه و لا على رسوله ساعة قطّ، و لقد واسيته بنفسي في المواطن الّتي تنكص فيها الأبطال، و تتأخّر فيها الأقدام، نجدة أكرمني اللّه بها، و لقد قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و إنّ رأسه لعلى صدري، و لقد سالت نفسه في كفّي، فأمررتها على وجهي، و لقد ولّيت غسله-  صلّى اللّه عليه و آله-  و الملائكة أعواني، فضجّت الدّار و الأفنية، ملاء يهبط، و ملاء يعرج، و ما فارقت سمعي هينمة منهم، يصلّون عليه حتّى و اريناه في ضريحه، فمن ذا أحقّ به منّي حيّا و ميّتا، فانفذواعلى بصائركم، و لتصدق نيّاتكم في جهاد عدوّكم، فو الّذي لا إله إلّا هو إنّي لعلى جادّة الحقّ، و إنّهم لعلى مزلّة الباطل، أقول ما تسمعون، و أستغفر اللّه لي و لكم.

اللغة

(المستحفظون) بصيغة المفعول من استحفظه الشي‏ء أى أودعه عنده و طلب منه أن يحفظه فهو مستحفظ و ذاك مستحفظ و (واسيته) من المواساة يقال واسيته و آسيته و بالهمزة أفصح و (نكص) عن الشي‏ء نكوصا من باب قعد أحجم عنه، و نكص على عقبيه رجع قال تعالى فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى‏ عَقِبَيْهِ».

و (النّجدة) البأس و الشدّة و الشجاعة و (النفس) بسكون الفاء الدّم و بالتحريك واحد الأنفاس و (فناء) الدّار وزان كساء ما اتّسع أمامها أو ما امتدّ من جوانبها و الجمع أفنية و فنى و (الضجيج) الصّياح عند المكروه و الجزع و (الهينمة) بفتح الهاء الصّوت الخفىّ و قيل الكلام الخفىّ لا يفهم و (الضّريح) القبر أو الشقّ وسطه و الأول هو المراد هنا و (المزلّة) الموضع الذى تزلّ فيه قدم الانسان كالمزلفة

الاعراب

الواو في قوله: و لقد في المواضع الخمسة كلّها للقسم و المقسم به محذوف و اللّام جواب القسم، قوله: نجدة، منصوب على المفعول له و العامل واسيته قال الشّارح المعتزلي: منصوب على المصدر و العامل محذوف و الأوّل أظهر.

و قوله: ملاء يهبط و ملاء يعرج، مرفوعان بالابتداء و لا يضرّ كونهما: نكرتين لتضمّن الفايدة العظيمة، و جملة و ما فارقت، في محلّ النصب على الحال من فاعل يهبط و يعرج، و جملة يصلّون استينافيّة بيانيّة و تحتمل الانتصاب محلّا على الحال‏ من هينمة أى ما فارقت سمعى هينمتهم حالكونهم يصلّون، و الأوّل أولى لاحتياج الثّاني إلى نوع تكلّف و قوله: حيّا و ميّتا، حالان من الضمير المجرور في به و الفاء في قوله: فانفذوا، فصيحة

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشريفة مسوقة لبيان جملة من مناقبة الجميلة و خصائصه المختصّة به المفيد لمزيد اختصاصه برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قربه منه استدلالا بذلك على أنّه أحقّ و أولى بالخلافة و القيام مقامه صلّى اللّه عليه و آله و أنّه على الحقّ و غيره على الباطل، و غرضه منه تنبيه المخاطبين على وجوب إطاعته فيما يأمرهم به من جهاد الأعداء المبطلين.

إذا عرفت ذلك فأقول: إنّه ذكر خمسا من فضايله و صدّر كلا بالقسم البارّ تأكيدا للغرض المسوق له الكلام و تنبيها على أنّ اتّصافه بها جميعا حقّ لا يعتريه ريب و لا يدانيه شكّ.

اولها ما أشار إليه بقوله (و لقد علم المستحفظون من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله انّى لم أردّ على اللّه و لا على رسوله ساعة قطّ) المراد بالمستحفظون خيار الصحابة المطلعون على أسرار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سيرته و معجزاته و كراماته و عهوده و مواثيقه و الملاحم الواقعة في زمانه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و نحو ذلك ممّا يتعلّق به صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، في نفسه و في أوصيائه و أتباعه من الأمور المعظمة الّتي يهتمّ بها في الشريعة و لها مدخل في قوام أركان الدّين و إعلاء لواء الشرع المبين الذين كلّفوا بحفظ ذلك كلّه و امروا بأن يبلغوها و يؤدّوها في مقام الضرورة و الحاجة.

و إنّما خصّ علم ما ذكره بهؤلاء مع عدم اختصاصه بهم لأنّ هؤلاء بمقتضى تصلّبهم في الدّين لا يكتمون الشهادة و لا يغيّرونها و لا يبدّلونها في مقام الحاجة للأغراض الدّنيويّة الفاسدة كما كتمها جمع منهم مثل زيد بن أرقم و أنس بن مالك و نظرائهم.

كما روى في البحار من الخصال و الأمالى عن جابر الجعفي عن جابر بن عبد اللّه الأنصارى قال: خطبنا عليّ بن أبي طالب عليه الصلاة و السلام فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس إنّ قدام منبركم هذا أربعة رهط من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم منهم انس بن مالك و البراء بن عازب الأنصارى و الأشعث بن قيس الكندى و خالد بن يزيد البجلى ثمّ أقبل بوجهه على أنس بن مالك فقال: يا أنس إن كنت سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: من كنت مولاه فهذا علىّ مولاه ثمّ لم تشهد لي اليوم بالولاية فلا أماتك اللّه حتّى يبتليك ببرص لا تغطيه العمامة و أمّا أنت يا أشعث فان كنت سمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو يقول: من كنت مولاه فهذا علىّ مولاه اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه ثمّ لم تشهد لى اليوم بالولاية فلا أماتك اللّه حتّى يذهب بكر يمتيك.

و أمّا أنت يا خالد بن يزيد إن كنت سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: من كنت مولاه فهذا علىّ مولاه اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه ثمّ لم تشهد لى اليوم بالولاية فلا أماتك اللّه إلّا ميتة جاهليّة.

و أمّا أنت يا براء بن عازب إن كنت سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: من كنت مولاه فهذا علىّ مولاه اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه ثمّ لم تشهد لى بالولاية فلا أماتك اللّه إلّا حيث هاجرت منه.

قال جابر بن عبد اللّه الأنصارى: و اللّه لقد رأيت أنس بن مالك قد ابتلى ببرص يغطيه بالعمامة فما يستتره.

و لقد رأيت الأشعث بن قيس و قد ذهبت كريمتاه و هو يقول: الحمد للّه الذى جعل دعاء أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب عليه السّلام بالعمى فى الدّنيا و لم يدع علىّ بالعذاب في الاخرة فأعذّب.

و أمّا خالد بن يزيد فانّه مات فأراد أهله أن يدفنوه و حفر له في منزله فسمعت بذلك كندة فجاءت بالخيل و الابل فعقرتها على باب منزله فمات ميتة جاهلية.

و أمّا البراء بن عازب فانّه ولّاه معاوية اليمن فمات بها و منها كان هاجر.

فقد ظهر بذلك أنّ المستحفظين هم المكلّفون بحفظ الامور المهمّة المعتدّ بها في أمر الدين، و أنّ تخصيصهم بالعلم لعدم كتمانهم لما حملوه لو رجع الخاطئون اليهم.

و اما أنّه عليه السّلام ما ردّ على اللّه و رسوله أبدا فهو معلوم محقّق لا خفاء فيه بل من ضروريّات المذهب لملكة العصمة المانعة من مخالفته للّه و لرسوله صلّى اللّه عليه و آله.

و قال الشّارح المعتزلي: و الظاهر أنّه يرمز في قوله عليه السّلام: لم أردّ على اللّه و لا على رسوله ساعة قط، إلى أمور وقعت من غيره كما جرى يوم الحديبيّة عند سطر كتاب الصّلح، فانّ بعض الصحابة أنكر ذلك، و قال: يا رسول اللّه أ لسنا المسلمين قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: بلى قال: أ و ليسوا الكافرين قال: بلى، قال: فكيف نعطي الدّنية من دنيانا و اللّه لو أجد أعوانا لم أعط الدّنية أبدا، فقال أبو بكر لهذا القائل: ويحك الزم غرزه«» فو اللّه إنّه لرسول اللّه و إنّ اللّه لا يضيعه، ثمّ قال له: أ قال لك أنّه سيدخلها هذا العام قال: لا، قال: فسيدخلها، فلمّا فتح النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مكّة و أخذ مفاتيح الكعبة دعاه فقال: هذا الّذى وعدتم به.

قال الشّارح: و اعلم أنّ هذا الخبر صحيح لا ريب فيه، و النّاس كلّهم رووه و ليس عندى بقبيح و لا بمستهجر أن يكون سؤال هذا الشخص رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عما سأله عنه على سبيل الاسترشاد و التماسا لطمأنينة النّفس. فقد قال اللّه تعالى لخليله إبراهيم وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏ قالَ.

و قد كانت الصحابة يراجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الامور و تسأله عمّا يثبتهم عليها و تقول له أ هذا منك أم من اللّه.

و أمّا قول أبي بكر له: الزم غرزه فو اللّه انّه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فانّما هو تاكيد و تثبيت على عقيدته الّتي في قلبه، و لا يدلّ ذلك على الشّك فقد قال اللّه تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله «وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا» و كلّ أحد لا يستغنى عن زيادة اليقين و الطمأنينة.

قال: و قد كانت وقعت من هذا القائل أمور دون هذا القصة، كقوله: دعنى أضرب عنق أبي سفيان، و قوله: دعنى أضرب عنق عبد اللّه ابن أبيّ، و قوله: دعنى أضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة، و نهي النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن التّسرع إلى ذلك و جذبه ثوب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حين قام على جنازة ابن سلول يصلّى و قوله: تستغفر لرأس المنافقين.

و ليس في ذلك جميعه ما يدلّ على وقوع القبيح منه و إنّما كان الرّجل مطبوعا على الشدّة و الشّراسة و الخشونة و كان يقول ما يقول على مقتضى السجيّة الّتي طبع عليها، و على أيّ حال كان فلقد نال الاسلام بولايته و خلافته خيرا كثيرا، انتهى.

أقول: مراد الشارح بهذا الرّجل الذى حكى عنه هذه الأباطيل هو عمر بن الخطاب، و إنّما ترك التّصريح باسمه ملاحظة لجانبه، و لقد عكس في شرح قوله عليه السّلام: فصيّرها في حوزة خشناء، من الخطبة الثالثة و قال هناك: قال عمر للنّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم تقل لنا ستدخلونها فى ألفاظ نكره حكايتها حتّى شكاه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى أبى بكر و حتى قال له أبو بكر: الزم بغرزه فو اللّه إنه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، انتهى.

فصرّح باسمه و طوى عن تحصيل مقاله و فضول كلامه استكراها و استهجانا لما صدر منه من الرّدّ و المخالفة و إساءة الأدب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و استحياء منه عليه السّلام.

و لكن غير خفىّ على المنصف البعيد عن العصبيّة و الهوى أنّ شناعة ما صدر من هذا الرّجل لا يمكن أن يتدارك بالستر و الكتمان و الابهام عن اسمه تارة و الاجمال عن هذيانه اخرى، و نعم ما قيل:

و لن يصلح العطار ما أفسد الدّهر

فلقد صدر منه من القول الشنيع القبيح ما هو أشدّ و أعظم من ذلك، و هو ما قاله لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فى مرضه الذى مات فيه لما قال صلّى اللّه عليه و آله: ائتونى بكتف و دواة اكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبدا، فقال عمر: إنّ الرّجل ليهجر.

و فى البحار من المجلّد الثاني من صحيح مسلم فقال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يهجر.

و أما ما اعتذر به الشارح عن مثالبه بأنه ليس بقبيح أن يكون سؤال هذا الرّجل على سبيل الاسترشاد و التماسا لطمأنينة النفس.

ففيه أنه لو كان غرضه الاسترشاد دون الاعتراض لا كتفى بما سمعه من النبىّ صلّى اللّه عليه و آله له و أمسك عن فضول كلامه و لم يغضبه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتى يشكو إلى أبى بكر، فعلم بذلك أنه أراد التعريض و الاعتراض كما علم عدم جواز قياس سؤاله بسؤال الخليل عليه السّلام الذى كان غرضه منه الطمأنينة كما صرّح به بقوله: بلى و لكن ليطمئنّ قلبى، و ستعرف مزيد توضيحه بما نحكيه من البحار فى التنبيه الاتى.

و أما سؤال ساير الصّحابة عنه صلّى اللّه عليه و آله في الامور و قولهم له: أ هذا من اللّه أو منك.

ففيه أنّ سؤالهم ذلك أيضا كان ناشيا عن جهالتهم، لأنّهم لو كانوا معتقدين بما أنزل اللّه في حقّه من قوله: و ما ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحى يوحى، و مذعنين بأنّ جميع ما يقوله و يفعله بوحى من اللّه سبحانه و اذن منه عزّ و جلّ، لم يكن لهم حاجة إلى السّؤال، و لسلّموا في جميع أفعاله و أقواله تسليما.

و أما التّمثيل على نفى الشّكّ عن عمر بقوله تعالى وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا.

ففيه أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله قد قامت الأدلّة القاطعة من العقل و النقل على عصمته و على رسوخه في الدّين، و الاية و إن كان الخطاب فيها ظاهرا متوجها إلى النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلّا أنّ المراد بها امّته من قبيل ايّاك أعنى و اسمعى يا جاره.

و على إبقائه على ظاهره فالمراد بتثبيته صلّى اللّه عليه و آله، هو تثبيته بالنّبوة و العصمة و الألطاف الخفيّة الالهيّة، لما قد دللنا على أنه كان معصوما، و أمّا عمر فأىّ دليل على أنّه لم يكن شاكا في الدّين حتّى يقال إنّ قول أبي بكر له: فو اللّه إنه لرسول اللّه، لم يكن لأجل الشكّ بل لتثبيته على عقيدته، فافهم جيّدا.

و اما دنس جذبه بثوب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حين إرادته الصّلاة على ابن سلول فلا يطهره النّيل و لا الرّسّ.

إذ فيه من القباحة و المخالفة و الاعتراض و سوء الأدب و التّعريض ما لا مزيد عليه.

مضافا إلى قوله: كيف تستغفر لرأس المنافقين أ كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و العياذ باللّه جاهلا بتكليفه الشّرعى فعلّمه عمر، و قد كان معالم الدّين منه ظهرت و أحكام الشّرع المبين منه اخذت، و هو صلّى اللّه عليه و آله و سلّم شارعها و صادعها.

و قيامه على جنازة ابن سلول و صلاته عليه إمّا من جهة أداء حقّ ولده و هو عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي سلول فلقد كان مؤمنا.

و إمّا من جهة أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صلّى عليه لا ترحّما له بل دعا عليه بالنار و العذاب و لم يكن به بأس.

و أمّا استغفاره صلّى اللّه عليه و آله فلكونه صلّى اللّه عليه و آله، مخيّرا بين الاستغفار و عدم الاستغفار.

و يوضح ما ذكرته ما رواه في الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان عن الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: لمّا مات عبد اللّه بن أبي سلول حضر النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جنازته فقال عمر لرسول اللّه: يا رسول اللّه أ لم ينهك اللّه أن تقوم على قبره فسكت فقال: يا رسول اللّه أ لم ينهك اللّه أن تقوم على قبره فقال له: ويلك و ما يدريك ما قلت إنّى قلت: اللهمّ احش جوفه نارا و املاء قبره نارا و اصله نارا، قال أبو عبد اللّه صلوات اللّه عليه: فأبدى من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما كان يكره.

و فى الصافى من تفسير عليّ بن إبراهيم في قوله تعالى اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ انّها نزلت لمّا رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى المدينة و مرض عبد اللّه بن أبي و كان ابنه عبد اللّه مؤمنا فجاء إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أبوه يجود بنفسه فقال: يا رسول اللّه بأبي أنت و امّي إن لم تأت أبي كان ذلك عارا علينا، فدخل عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و المنافقون عنده، فقال ابنه عبد اللّه بن عبد اللّه: يا رسول اللّه استغفر له، فاستغفر له، فقال عمر: أ لم ينهك يا رسول اللّه أن‏تصلّي عليهم أو تستغفر لهم فأعرض عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فأعاد عليه، فقال له: ويلك إنّى خيّرت إنّ اللّه يقول استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، الاية.

فلمّا مات عبد اللّه جاء ابنه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال: بأبي أنت و امّي يا رسول اللّه أ رأيت تحضر جنازته فحضر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قام على قبره فقال له عمر: يا رسول اللّه أ و لم ينهك اللّه أن تصلّى على أحد منهم مات أبدا و أن تقوم على قبره فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: ويلك و هل تدرى ما قلت، إنّما قلت: اللهمّ احش قبره نارا و جوفه نارا و اصله النار، فبدا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما لم يكن يحبّ.

و فى الصافى عن العياشي عن الباقر عليه السّلام أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لابن عبد اللّه بن أبيّ اذا فرغت من أبيك فأعلمنى، و كان قد توفّى فأتاه فأعلمه فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نعليه للقيام فقال له عمر: أ ليس قد قال اللّه تعالى: و لا تصلّ على أحد منهم مات أبدا و لا تقم على قبره، فقال صلّى اللّه عليه و آله له: ويلك أو ويحك إنّما أقول: اللهمّ املاء قبره نارا و املاء جوفه نارا، و اصله يوم القيامة نارا و فى رواية اخرى أنّه أخذ بيد ابنه في الجنازة فمضى فتصدّى له عمر ثمّ قال: أما نهاك ربك عن هذا أن تصلّي على أحد منهم مات أبدا أو تقوم على قبره فلم يجبه، فلما كان قبل أن ينتهوا به إلى القبر أعاد عمر ما قاله أوّلا، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لعمر عند ذلك: ما رأيتنا صلّينا له على جنازة و لا قمنا له على قبر.

ثمّ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ ابنه رجل من المؤمنين و كان يحقّ علينا أداء حقّه، فقال عمر: أعوذ باللّه من سخط اللّه و سخطك يا رسول اللّه.

قال فى الصّافي بعد ايراد هذه الرّوايات: أقول: و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حييا كريما كما قال اللّه عزّ و جلّ: فيستحيى منكم و اللّه لا يستحيى من الحقّ، فكان يكره أن يفتضح رجل من أصحابه ممّن يظهر الايمان، و كان يدعو على المنافق و يورّى أنّه يدعو له، و هذا معنى قوله صلّى اللّه عليه و آله لعمر: ما رأيتنا صلّينا له على جنازة و لا قمنا له على قبر، و كذا معنى قوله في حديث القمّي: خيّرت فاخترت، فورّى عليه السّلام باختيار الاستغفارو أمّا قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيه: فاستغفر له فلعلّه استغفر لابنه لمّا سأل لأبيه الاستغفار و كان يعلم أنه من أصحاب الجحيم، و يدلّ على ما قلنا قوله: فبدا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما لم يكن يحبّ، انتهى.

فقد اتّضح بما ذكرنا كلّ الوضوح نكتة قيام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على قبر ابن سلول و صلاته عليه، و علّة ما صدر منه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من الاستغفار.

و مع الغضّ عن ذلك أيضا فهو صلّى اللّه عليه و آله أعلم بعلل ما يقول و يفعل، و بوجوه المصالح الكامنة فيما يأتي و يأمر به، فلا حقّ للجلف الجافى ابن حنتمة و أمثاله من الأوغاد الطعام أن يعترضوا على سيّد الأنام و رسول الملك العلّام عليه و آله آلاف التحيّة و الاكرام.

و أما ما اعتذر به الشارح المعتزلي أخيرا من أنّ الرّجل كان مطبوعا على الشدّة و الشراسة و الخشونة و كان يقول ما يقول على مقتضى سجيّته التي طبع عليها.

فقد تقدّم جوابه في شرح الفصل الثاني من الخطبة الشقشقية.

و محصّل ما قلناه هناك إنّ خشونة سجيّته و جفاوة طبيعته إن كانت بالغة إلى مرتبة لم يبق له معها اختيار في الامساك عن فضول كلامه و سقطات لسانه و الكفّ عن هجره و هذيانه، فيتوجّه عليه أنّ من كان كذلك يعدّ في زمرة المجانين فكيف يصلح لامامة الأمة و خلافة النبوّة.

و إن لم تكن بالغة إلى تلك المرتبة فذلك الاعتذار لا يدفع عنه العار و الشنار كما لم يدفع عن ابليس استحقاق النار و سخط الجبّار، و لم يرفع عنه لؤم الاستكبار حين استكبر بمقتضى الجبلة النارية و اعتذر به في قوله: خلقتني من نار و خلقته من طين، بل استحقّ اللّعنة و الابعاد إلى يوم الدّين و خلّد في الجحيم أبد الابدين.

و أما قول الشارح و على أىّ حال كان فلقد نال الاسلام بولايته و خلافته خيرا كثيرا.

فيه أنه هب أنّ إنهاض الجيوش و بعث العساكر و فتح بعض البلاد كان في زمان‏خلافته و بأمره، و لكن إذا كان أصل الخلافة باطلة حسبما عرفته في تضاعيف الشرح مرارا فأيّ ثمر اخرويّ له في هذه الخيرات النائلة منه إلى الاسلام على فرض تسليمها لأنّه عزّ و جلّ إنّما يتقبّل من المتّقين، بل كلّ ما صدر منه في أيّام ولايته و خلافته و مخالفته للّه و لرسوله كان عليه وزرا و وبالا دون أن يكون له ثوابا و نوالا

كمطعمة الرّمان ممّا زنت به
جرت مثلا للخائن المتصدّق‏

فقال لها أهل البصيرة و التّقى‏
لك الويل لا تزنى و لا تتصدّق‏

بل لو قيست سيئة من سيئاته و هي غصب الخلافة من آل بيت الرّسول و إحراقه لباب ابنته البتول و ما كان بأمره من كسر ضلعها و سقوط جنينها، و ما نشأت من تلك الشجرة الملعونة الخبيثة و ثمرته من أعظم الظّلم في وقعة الطّف الّذي لا يتصوّر ظلم فوقه، إلى سيّئات جميع الامّة لرجحت عليها فضلا عن ساير جرايمه و بدعاته و محدثاته التي بقيت على صفحات الأيام، و استمرّت إلى يوم القيامة و القيام، فليحملنّ أوزارها كاملة و من أوزار الّذين بها يعملون، و سيعلم الذين ظلمو آل محمّد حقّهم أىّ منقلب ينقلبون.

الثانية ما أشار إليه بقوله (و لقد واسيته في المواطن الّتي تنكص) و ترجع (فيها الأبطال) و الأنجاد (و تتأخّر فيها الأقدام) من أجل (نجدة) و شجاعة (أكرمنى اللّه بها) و جعلها مخصوصة بي و آثرني بها على غيري.

قال الشّارح المعتزلي: و هذا يعني المواساة ممّا اختصّ عليه السّلام بفضيلته غير مدافع ثبت معه يوم احد و فرّ النّاس و ثبت معه يوم حنين و فرّ النّاس، و ثبت تحت رايته يوم خيبر حتّى فتحها و فرّ من كان بعث من قبله.

أقول: أوّل مواساته عليه و آله آلاف التحيّة و الثناء مبيته على فراش خاتم الأنبياء حتى باهى اللّه به ملائكة السماء، فوهب نفسه للّه تعالى و بذلها لنبيّه المصطفى و بات على فراشه لينجو به من كيد الأعداء، و يتمّ له بذلك السلامة و البقاء، و ينتظم له به الغرض في الدّعاء إلى الحنيفيّة البيضاء، فكان ذلك سبب نجاة النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و بقائه و حقن دمه حتى صدع بأمر ربّه.

و لولاه عليه السّلام لما تمّ لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم التبليغ و الأداء و لا استدام له العمر و البقاء و لظفر به الحسدة و الأعداء فلما أصبحوا و عرفوا تفرّقوا عنه و انصرفوا و قد ضلّت لهم الحيل و انقطع بهم الأمل و انتقض ما بنوه من التدبير و خابت لهم الظنون.

و كان بذلك انتظام الايمان و إرغام الشيطان و خذلان أهل الكفر و العدوان، و هذه منقبة لم يشركه عليه السّلام فيها أحد من أهل الاسلام و قد انزل فيه محكم التبيان و هو قول اللّه وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ و أما مواساته له صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في مواطن جهاده، و مواطن جدّه و اجتهاده، و مقامات جداله بالسنة الاسنة و جلاده، فهو فوق حدّ الاحصاء، متجاوز عن حدّ العدوّ الاستقصاء.

منها غزوة بدر التي هدّت قوى الشرك، و قذفت طواغيته في قليب الهلك، و دوّخت مردة الكفار، و سقتهم كاسات الدّمار و البوار، و نقلتهم من القليب إلى النار.

فيومها اليوم الذى لم يأت الدّهر بمثله، و أفاض اللّه فيه من أحسن فضله، أنزل فيه الملائكة لتأييد رسوله تفضيلا له على جميع رسله، و حباه من علوّ القدر ما لم ينله أحد من قبله، و أشرب صناديد قريش كاس أسره و قتله، و جبرئيل ينادى أقدم حيزوم لاظهار دينه على الدّين كلّه، و أمير المؤمنين كان فارس تلك الملحمة فما تعدّ الأسد الغضاب بشسع نعله، و مسعّر تلك الحرب العوان ينصب على الأعداء انصباب السحاب و وبله، و نار سطوته و نجدته تتسعّر تسعر النار في دقيق الغضا و جزله.

و قد عرفت في شرح الفصل الثامن من الخطبة المأة و الحادية و التسعين أنّ نصف القتلي في تلك الوقعة و كانوا سبعين رجلا كان قتيله باشر بنفسه قتله من دون شركة غيره له.

و منها غزوة أحد قال في كشف الغمّة في حديث عمران بن حصين قال: لمّا تفرّق النّاس عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جاء عليّ عليه السّلام متقلّدا بسيفه حتّى‏قام بين يديه فرفع رأسه إليه و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم له: ما لك لم تفرّ مع النّاس فقال: يا رسول اللّه أرجع كافرا بعد إسلامي فأشار إلى قوم انحدروا من الجبل، فحمل عليهم فهزمهم فجاء جبرئيل، و قال: يا رسول اللّه قد عجبت الملائكة من حسن مواساة عليّ لك بنفسه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ما يمنعه من ذلك و هو منّي و أنا منه فقال جبرئيل: و أنا منكما.

و فيه عن زيد بن وهب قال: قلت لابن مسعود: انهزم النّاس عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى لم يبق معه إلّا عليّ عليه السّلام و أبو دجانة و سهل قال: انهزم النّاس إلّا عليّ وحده، و ثاب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نفر كان أوّلهم عاصم بن ثابت و أبو دجانة و سهل بن حنيف، و لحقهم طلحة بن عبيد اللّه، فقلت له: فأين كان أبو بكر و عمر قال: كانا فيمن تنحّى، فقلت: فأين كان عثمان قال: جاء بعد ثالثة من الوقعة فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لقد ذهبت فيها عريضة، قلت: فأين كنت قال: فيمن تنحّى، قلت: فمن حدّثك بهذا قال: عاصم بن ثابت و سهل بن حنيف، قلت: إنّ ثبوت عليّ في ذلك المقام لعجب، قال: إن تعجب منه فقد تعجّبت منه الملائكة أما علمت أنّ جبرئيل قال في ذلك اليوم و هو يعرج إلى السّماء: لا سيف إلّا ذو الفقار لا فتى إلّا عليّ، فقلنا: و من أين علم أنّ جبرئيل قال ذلك قال: سمع النّاس النّداء بذلك و أخبرهم به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

قال كاشف الغمة: و روى عن عكرمة قال: سمعت عليّا يقول: لمّا انهزم النّاس عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوم احد لحقنى من الجزع عليه ما لم أملك نفسي و كنت أضرب بسيفي بين يديه فرجعت أطلبه فلم أره فقلت. ما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليفرّ و ما رأيته في القتلي و أظنّه رفع من بيننا إلى السّماء، فكسرت جفن سيفي و قلت: لاقاتلنّ به حتّى اقتل، و حملت على القوم فأفرجوا فاذا أنا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قد وقع مغشيّا عليه، فنظر إلىّ و قال: ما فعل النّاس يا عليّ قلت: كفروا يا رسول اللّه و ولّوا الدّبر و أسلموك، فنظر إلى كتيبة قد أقبلت فقال: ردّهم عنّي، فحملت‏عليهم أضربهم يمينا و شمالا حتّى فرّوا فقال صلّى اللّه عليه و آله: أما تسمع مديحك في السّماء إنّ ملكا اسمه رضوان ينادى: لا سيف إلّا ذو الفقار و لا فتى إلّا عليّ، فبكيت سرورا و حمدت اللّه على نعمته.

قال: و قد ذكر أهل السّير قتلى احد من المشركين و كان جمهورهم قتلي أمير المؤمنين عليه السّلام و انصرف المشركون إلى مكّة و انصرف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى المدينة فاستقبلته فاطمة و معها إناء فيه ماء فغسل به وجهه، و لحقه أمير المؤمنين عليه السّلام، و قد خضب الدّم يده إلى كتفه و معه ذو الفقار، فناوله فاطمة و قال: خذى هذا السّيف فقد صدقنى اليوم و قال عليه السّلام:

أفاطم هاك السّيف غير ذميم
فلست برعديد و لا بمليم‏

«» أميطى دماء الكفر عنه فانّه‏
سقا آل عبد الدّار كاس حميم‏

لعمرى لقد أعذرت في نصر أحمد
و طاعة ربّ بالعباد عليم‏

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: خذيه يا فاطمة فقد أدّى بعلك ما عليه، و قد قتل اللّه صناديد قريش بيده.

و منها غزوة الأحزاب المعروفة بغزاة خندق قال المفيد في الارشاد: و قد روى قيس بن الرّبيع قال: حدّثنا أبو هارون العبدى عن ربيعة السّعدى قال: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت يا أبا عبد اللّه إنّا لنتحدّث عن عليّ عليه السّلام و مناقبه فيقول لنا أهل البصرة: إنّكم لتفرطون في على عليه السّلام، فهل أنت تحدّثنى بحديث فيه قال حذيفة: يا ربيعة و ما تسألنى عن علىّ فو الذى نفسى بيده لو وضع جميع أعمال أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في كفّة الميزان منذ بعث اللّه محمّدا إلى يوم الناس هذا، و وضع عمل علىّ عليه السّلام في الكفّة الأخرى لرجح عمل علىّ عليه السّلام على جميع أعمالهم، فقال ربيعة: هذا الذى لا يقام و لا يقعد، فقال حذيفة: يا لكع و كيف لا يحمل و أين كان أبو بكر و عمر و حذيفة و جميع أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوم عمرو بن عبدود و قد دعا إلى المبارزة فأحجم الناس كلّهم ما خلاعليّا عليه السّلام، فانّه برز إليه و قتله اللّه على يده، و الذى نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجرا من عمل أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى يوم القيامة قال في كشف الغمّة: رأيت في بعض الكتب أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال حين بارز علىّ عمرو بن عبدود: خرج الاسلام كلّه إلى الشرك كلّه.

قال: و روى أنّ عبد اللّه بن مسعود كان يقرأ: و كفى اللّه المؤمنين القتال بعلىّ و كان اللّه قويّا عزيزا.

قال: و في قتل عمرو يقول حسان بن ثابت:

أمسى الفتى عمرو بن عبد يبتغى
بجنوب يثرب غارة لم تنظر

فلقد وجدت سيوفنا مشهورة
و لقد وجدت جيادنا لم تقصر

و لقد رأيت غداة بدر عصبة
ضربوك ضربا غير ضرب المحشر

أصبحت لا تدعى ليوم عظيمة
يا عمرو أو لجسيم أمر منكر

قال: و لمّا بلغ شعر حسان بنى عامر أجابه فتى منهم فقال يردّ عليه فخره:

كذبتم و بيت اللّه لا تقتلوننا
و لكن بسيف الهاشميّين فافخروا

بسيف ابن عبد اللّه أحمد في الوغا
بكفّ علىّ نلتم ذاك فاقصروا

فلم تقتلوا عمرو بن ودّ و لا ابنه
و لكنه الكفّ الجسور الغضنفر

علىّ الذى في الفخر طال بناؤه‏
فلا تكثروا الدّعوى علينا فتحقروا

ببدر خرجتم للبراز فردّكم
شيوخ قريش جهرة و تأخّروا

فلما أتاهم حمزة و عبيدة
و جاء علىّ بالمهنّد يخطر

فقالوا نعم أكفاء صدق و أقبلوا
إليهم سراعا إذ بغوا و تجبّروا

فجال علىّ جولة هاشميّة
فدمّر هم لما عتوا و تكبّروا

فليس لكم فخر علينا بغيرنا
و ليس لكم فخر يعدّ و يذكر

و منها غزوة وادى الرّمل و تسمى غزوة ذات السلسلة.

و قد كان الفتح فيها لأمير المؤمنين عليه السّلام خاصة بعد أن كان فيها من غيره من الافساد ما كان، و فيها نزل على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سورة و العاديات فتضمّنت ذكر مافعله أمير المؤمنين فيها.

قال المفيد: روى عن امّ سلمة قالت: كان نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قائلا في بيتى إذ انتبه فزعا من منامه فقلت له: اللّه جارك قال: صدقت و اللّه جارى لكن هذا جبرئيل يخبرني أنّ علينا قادم، ثمّ خرج إلى الناس فأمرهم أن يستقبلوا عليا عليه السّلام فقام المسلمون له صفّين مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فلما بصر النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ترجّل عن فرسه و أهوى إلى قدميه يقبلهما، فقال له عليه السّلام: اركب فانّ اللّه تعالى و رسوله عنك راضيان فبكى أمير المؤمنين عليه السّلام فرحا و انصرف إلى منزله، و تسلّم المسلمون الغنايم «إلى أن قال» ثمّ قال صلّى اللّه عليه و آله له: يا على لو لا أننى أشفق أن تقول فيك طوايف من امتى ما قالت النصارى فى عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالا لا تمرّ بملاء منهم إلّا أخذوا التراب من تحت قدميك.

و منها غزوة الحديبيّة.

و فيها أقبل سهيل بن عمرو إلى النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال له يا محمّد إنّ أرقاءنا لحقوا بك فارددهم علينا، فغضب رسول اللّه حتّى تبيّن الغضب فى وجهه ثمّ قال: لتنتهنّ يا معاشر قريش أو ليبعثنّ اللّه عليكم رجلا امتحن اللّه قلبه بالايمان يضرب رقابكم على الدين، فقال بعض من حضر: يا رسول اللّه أبو بكر ذلك الرّجل قال: لا، قال: فعمر، قال: لا، و لكنه خاصف النعل فى الحجرة، فتبادر الناس إلى الحجرة ينظرون من الرّجل فاذا هو أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب عليه السّلام رواه المفيد فى الارشاد، و رواه فى كشف الغمة و صحيح الترمذى نحوه.

و منها غزوة خيبر قال المفيد: ثمّ تلت الحديبيّة خيبر و كان الفتح فيها لأمير المؤمنين عليه السّلام بلا ارتياب فظهر من فضله فى هذه الغزاة ما أجمع عليه نقلة الرّواة و تفرّد فيها مناقب لم يشركه فيها أحد من الناس.

و قال كاشف الغمة: قال ابن طلحة: و تلخيص المقصد فيها على ما ذكره أبو محمّد عبد الملك بن هشام فى كتاب السيرة النبويّة يرفعه بسنده عن ابن الأكوع قال:

بعث النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أبا بكر برايته و كانت بيضاء إلى بعض حصون خيبر فقاتل ثمّ رجع و لم يكن فتح و قد جهد، ثمّ بعث عمر بن الخطاب فكان كذلك، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لاعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله يفتح اللّه على يديه ليس بفرّار، قال سلمة: فدعا عليّا و هو أرمد فتفل في عينيه ثم قال: خذ هذه الرّاية فامض بها حتّى يفتح اللّه عليك، فخرج يهرول و أنا خلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رضم«» من حجارة تحت الحصن، فاطلع عليه يهودىّ من الحصن فقال: من أنت قال: أنا علىّ بن أبي طالب فقال اليهودى: علوتم حصننا و ما انزل على موسى أو كما قال، فما رجع حتّى فتح اللّه على يديه.

و منها فتح مكّة.

قال المفيد ره: و فيما ذكرناه من أعمال أمير المؤمنين عليه السّلام، في قتل من قتل من أعداء اللّه بمكة و إخافة من أخاف و معونة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على تطهير المسجد من الأصنام و شدّة بأسه في اللّه و قطع الأرحام في طاعة اللّه عزّ و جلّ أوّل دليل على تخصيصه من الفضل بما لم يكن لأحد منهم سهم فيه حسبما قدمناه.

و منها غزوة حنين.

فاستظهر فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بكثرة الجمع، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و معه عشرة آلاف من المسلمين فظنّ أكثرهم أنهم لن يغلبوا لما شاهدوا من كثرة جمعهم و عددهم و عدّتهم و أعجب أبا بكر الكثرة يومئذ فقال لن نغلب اليوم من قلّة فكان الأمر بخلاف ما ظنّوه و عانهم«» أبو بكر.

فلمّا التقوا لم يلبثوا و انهزموا بأجمعهم فلم يبق مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلّا تسعة من بني هاشم و عاشرهم أيمن بن امّ ايمن، و قتل رحمه اللّه و ثبت التّسعة الهاشميّون رئيسهم أمير المؤمنين عليه السّلام و رجعوا بعد ذلك و تلاحقوا و كانت الكرّة لهم على المشركين فأنزل اللّه في إعجاب أبي بكر بالكثرة وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ‏ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يريد عليّا عليه السّلام و من ثبت معه من بني هاشم.

قال كاشف الغمّة بعد شرح هذه الغزوة: فانظر إلى مفاخر أمير المؤمنين عليه السّلام في هذه الغزاة و مناقبه، و جل بفكرك في بدايع فضله و عجايبه، و احكم فيها برأى صحيح الرّاى صايبه، و أعجب من ثباته حين فرّ الشّجاع على أعقابه، و لم ينظر في الأمر و عواقبه، و اعلم أنّه عليه السّلام أحقّ بالصّحبة حين لم ير مفارقة صاحبه، و تيقّن أنّه إذا حمّ الحمام لم ينتفع المرء بغير أهله و أقاربه، فاذا صحّ ذلك عندك بدلايله و بيّناته، و عرفته بشواهده و علاماته، فاقطع أنّ ثبات من ثبت من نتايج ثباته، و أنّهم كانوا أتباعا له في حروبه و مقاماته، و أنّ رجوع من رجع من هزيمته فانّما كان عند ما بان لهم من النّصر و أماراته.

قال الشارح الفقير: هذا قليل من كثير و يسير من جم غفير من مناقبه و مفاخره و مجاهداته و مواساته لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أوردته باقتضاء المقام و شرحا لمعنى قوله عليه السّلام: و لقد واسيته في المواطن الّتي تنكص فيها الأبطال و تتأخر فيها الأقدام و كم له عليه السّلام من الاثار و المناقب و الأخبار الّتي لا تستر، و المفاخر و الفضائل و المجاهدات المثبتة في كتب التواريخ و السّير، و كم له من المزايا و الخلال و البلاء المذكور في النّزال، و لا صدرت منه عليه السّلام، هذه الأفعال إلّا عن نجدة و شجاعة تذلّ لها الأبطال، و تقلّ لديها الأهوال، و لا تقوم بوصفها الأقلام و الأقوال، و لا يحتاج في اثباتها إلى تجشّم الاستدلال، و على الجملة و التفصيل فمقام بأسه و نجدته لا ينال و ما ذا بعد الحقّ إلّا الضّلال.

الثالثة ما أشار إليه بقوله (و لقد قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و انّ رأسه لعلى صدرى) قيل: لعلّه عليه السّلام أسنده صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى صدره عند اشتداد مرضه، و قيل: انّه كان رأسه على ركبته فيكون رأسه صلّى اللّه عليه و آله، في صدره عند اكبابه عليه، و الأول أظهر.

و يؤيده ما في البحار عن أمالي الشّيخ عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال: كنت‏عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم في مرضه الّذى قبض فيه و كان رأسه في حجرى و العبّاس يذبّ عن وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فاغمى عليه اغماء ثمّ فتح عينه فقال: يا عبّاس يا عمّ رسول اللّه اقبل وصيّتى و اضمن دينى و عداتى، فقال العباس: يا رسول اللّه أنت أجود من الرّيح المرسلة و ليس في مالى وفاء لدينك و عداتك، فقال النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ذلك ثلاثا يعيده عليه و العبّاس فى كلّ ذلك يجيبه بما قال أوّل مرّة.

قال: فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لأقولنّها لمن يقبلها و لا يقول يا عبّاس مثل مقالتك، فقال: يا على اقبل وصيّتى و اضمن دينى و عداتى.

قال: فخنقتنى العبرة و ارتج جسدى و نظرت إلى رأس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يذهب و يجي‏ء في حجرى فقطرت دموعى على وجهه و لم اقدر أن اجيبه، ثمّ ثنّى فقال: اقبل وصيّتى و اضمن دينى و عداتى قال: قلت: نعم بأبي و امّى قال: اجلسنى، فأجلسته فكان ظهره في صدرى فقال: يا على أنت أخي في الدّنيا و الاخرة، و وصيّى و خليفتى في أهلي.

ثمّ قال صلّى اللّه عليه و آله: يا بلال هلمّ سيفى و درعى و بغلتى و سرجها و لجامها و منطقتي الّتي أشدّ بها على درعى، فجاء بلال بهذه الأشياء فوقف بالبغلة بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: يا على قم فاقبض، فقال: قمت و قام العبّاس فجلس مكاني فقمت فقبضت ذلك، فقال: انطلق به إلى منزلك، فانطلقت ثمّ جئت فقمت بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قائما فنظر إلىّ ثمّ عمد إلى خاتمه فنزعه ثمّ دفعه إلىّ فقال: هاك يا عليّ هذا لك فى الدّنيا و الاخرة و البيت غاصّ من بني هاشم و المسلمين.

فقال: يا بنيّ هاشم يا معشر المسلمين لا تخالفوا عليّا فتضلّوا و لا تحسدوه فتكفروا، يا عبّاس قم من مكان عليّ عليه السّلام، فقال: تقيم الشيخ و تجلس الغلام فأعادها ثلاث مرّات فقام العبّاس فنهض مغضبا و جلست مكانى.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يا عبّاس يا عمّ رسول اللّه لا اخرج من الدّنيا و أنا ساخط عليك فيدخلك سخطى عليك النّار فرجع و جلس.

و من الامالي أيضا عنه عليه السّلام في حديث قال:

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يا علي أجلسني، فأجلسته و أسندته إلى صدرى قال عليّ عليه السّلام: فلقد رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليثقل ضعفا و هو يقول يسمع أهل البيت أعلاهم و أدناهم: إنّ أخي و وصيّي و وزيري و خليفتي في أهلي عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، يقضي ديني و ينجز وعدي، يا بني هاشم يا بني عبد المطلب لا تبغضوا عليّا و لا تخالفوا عن أمره فتضلّوا، و لا تحسدوه و ترغبوا عنه فتكفروا، أضجعنى يا علي فأضجعته، الحديث.

و فى البحار من الأمالي أيضا باسناده عن ابن أبي رافع عن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام قال: دخلت على نبيّ اللّه و هو مريض فاذا رأسه في حجر رجل أحسن ما رأيت من الخلق و النّبي نائم، فلمّا دخلت عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، قال الرّجل: ادن إلى ابن عمّك فأنت أحقّ به منّى، فدنوت منهما فقام الرّجل و جلست مكانه و وضعت رأس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حجرى كما كان في حجر الرّجل، فمكث ساعة ثمّ إنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله استيقظ فقال: أين الرّجل الّذى كان رأسى في حجره فقلت: لمّا دخلت عليك دعانى إليك ثمّ قال: ادن إلى ابن عمّك فأنت أحقّ به منّى ثمّ قام فجلست مكانه، فقال النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: فهل تدرى من الرّجل قلت: لا بأبي و امّى، فقال النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ذاك جبرئيل كان يحدّثنى حتّى خفّ عنّى وجعى و نمت و رأسى في حجره.

و أما كيفية وفاته صلوات اللّه و سلامه عليه و آله

ففى البحار من امالي الصّدوق باسناده عن ابن عبّاس قال: لمّا مرض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عنده أصحابه، قام إليه عمّار بن ياسر فقال له: فداك أبي و امّي يا رسول اللّه فمن يغسلك منّا إذا كان ذلك منك قال: ذلك عليّ ابن أبي طالب لأنّه لا يهم بعضو من أعضائي إلّا أعانته الملائكة على ذلك.

فقال له: فداك أبي و امّي يا رسول اللّه فمن يصلّى عليك منّا إذا كان ذلك‏منك قال: منه رحمك اللّه.

ثمّ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعليّ عليه السّلام: يا ابن أبي طالب إذا رأيت روحى قد فارقت جسدى فاغسلنى و انق غسلى و كفنى في طمرىّ هذين أو في بياض مصر حبرة و برديمان، و لا تغال في كفنى و احملونى حتّى تضعونى على شفير قبرى، فأوّل من يصلّى عليّ الجبّار جلّ جلاله من فوق عرشه، ثمّ جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل في جنود من الملائكة لا يحصى عددهم إلّا اللّه جلّ و عزّ ثمّ الحافّون بالعرش ثمّ سكّان أهل سماء فسماء ثمّ جلّ أهل بيتي و نسائي الأقربون فالأقربون يؤمون ايماء و يسلمون تسليما لا يؤذوني بصوت نادبة «نائحة خ» و لا مرنّة ثمّ قال: يا بلال هلمّ عليّ بالناس، فاجتمع الناس فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله متعصّبا بعمامته متوكئا على قوسه حتّى صعد المنبر فحمد اللّه و أثني عليه ثمّ قال: معاشر أصحابي أىّ نبيّ كنت لكم أ لم اجاهد بين أظهركم أ لم تكسر رباعيّتي أ لم يعفر جبيني أ لم تسل الدّماء على حرّ وجهى حتّى كنفت«» لحيتى أ لم اكابد الشدّة و الجهد مع جهّال قومى أ لم أربط حجر المجاعة على بطنى قالوا: بلى يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لقد كنت للّه صابرا، و عن منكر بلاء اللّه ناهيا، فجزاك اللّه عنّا أفضل الجزاء.

قال صلّى اللّه عليه و آله: و أنتم فجزاكم اللّه ثمّ قال: إنّ ربّي عزّ و جلّ حكم و اقسم أن لا يجوزه ظلم ظالم، فناشدتكم باللّه أىّ رجل منكم كانت له قبل محمّد مظلمة إلّا قام فليقتصّ منه فالقصاص في دار الدّنيا أحبّ إلىّ من القصاص في دار الاخرة على رءوس الملائكة و الأنبياء.

فقام إليه رجل من أقصى القوم يقال له: سوادة بن قيس فقال له: فداك أبي و امّى يا رسول اللّه إنّك لمّا أقبلت من الطايف استقبلتك و أنت على ناقتك الغضباء و بيدك القضيب الممشوق، فرفعت القضيب و أنت تريد الرّاحلة فأصاب بطنى فلا أدرى عمدا أو خطاء.

فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: معاذ اللّه أن أكون تعمّدت، ثمّ قال: يا بلال قم إلى منزل فاطمة فائتنى بالقضيب الممشوق.

فخرج بلال و هو ينادى في سكك المدينة: معاشر الناس من ذا الذى يعطى القصاص من نفسه قبل يوم القيامة فهذا محمّد صلّى اللّه عليه و آله يعطى القصاص من نفسه قبل يوم القيامة.

و طرق بلال الباب على فاطمة عليها السّلام و هو يقول: يا فاطمة قومى فوالدك يريد القضيب الممشوق فأقبلت فاطمة عليها السّلام و هى تقول: يا بلال و ما يصنع والدى بالقضيب و ليس هذا يوم القضيب، فقال بلال: يا فاطمة أما علمت أنّ والدك قد صعد المنبر و هو يودّع أهل الدّين و الدّنيا، فصاحت فاطمة عليها السّلام و قالت: و اغماه لغمك يا أبتاه من للفقراء و المساكين و ابن السبيل يا حبيب اللّه و حبيب القلوب، ثمّ ناولت بلالا القضيب، فخرج حتّى ناوله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أين الشيخ فقال الشيخ: ها أنا ذا يا رسول اللّه بأبي أنت و امّى فقال: فاقتصّ منّى حتى ترضى، فقال الشيخ: فاكشف لى عن بطنك يا رسول اللّه، فكشف عن بطنه فقال الشيخ: بأبي أنت و امّى يا رسول اللّه أ تأذن لى أن أضع فمى على بطنك فأذن له فقال: أعوذ بموضع القصاص من بطن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من النار.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، يا سوادة بن قيس أ تعفو أم تقتصّ فقال: بل أعفو يا رسول اللّه، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: اللهمّ اعف عن سوادة بن قيس كما عفى عن محمّد نبيك.

ثمّ قام رسول اللّه فدخل بيت امّ سلمة و هو يقول، ربّ سلّم امة محمّد من النار و يسّر عليهم الحساب، فقالت امّ سلمة: يا رسول اللّه ما لي أراك مغموما متغيّر اللون فقال صلّى اللّه عليه و آله، نعيت إلى نفسى هذه الساعة فسلام لك في الدّنيا فلا تسمعين بعد هذا اليوم صوت محمّد أبدا، فقالت أمّ سلمة: واحزناه حزنا لا تدركه الندامة عليك يا محمّد ثمّ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ادع لي حبيبة قلبي و قرّة عيني فاطمة، فجاءت فاطمة و هي تقول: نفسى لنفسك الفداء و وجهى لوجهك الوفاء يا أبتاه ألا تكلّمنى كلمة فانى أنظر إليك و أراك مفارق الدّنيا و أرى عساكر الموت تغشاك شديدا.

فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لها: يا بنية إنّى مفارقك فسلام عليك منّى، قالت: يا أبتاه فأين‏

الملتقى يوم القيامة قال صلّى اللّه عليه و آله: عند الحساب، قالت: فان لم ألقك عند الحساب قال: عند الشفاعة لامتى، قالت: فان لم ألقك عند الشفاعة لأمتك قال: عند الصراط جبرئيل عن يميني و ميكائيل عن يسارى و الملائكة خلفى و قدّامى ينادون ربّ سلم امة محمّد من النار و يسّر عليهم الحساب، قالت فاطمة: فأين والدتى خديجة قال: في قصر له أربعة أبواب إلى الجنة.

ثمّ اغمى على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فدخل بلال و هو يقول: الصّلاة رحمك اللّه، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و صلّى بالنّاس و خفّف الصّلاة.

ثمّ قال: ادعوا لى عليّ بن أبي طالب و اسامة بن زيد، فجاءا فوضع صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يده على عاتق عليّ و الاخرى على اسامة ثمّ قال: انطلقا بي إلى فاطمة، فجاءا به حتى وضع رأسه في حجرها فاذا الحسن و الحسين يبكيان و يصطرخان و هما يقولان: أنفسنا لنفسك الفداء و وجوهنا لوجهك الوقاء.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: من هذان يا عليّ فقال عليه السّلام: ابناك الحسن و الحسين، فعانقهما و قبّلهما و كان الحسن عليه السّلام أشدّ بكاء فقال صلّى اللّه عليه و آله: كفّ يا حسن فقد شققت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

فنزل ملك الموت قال: السلام عليك يا رسول اللّه قال: و عليك السّلام يا ملك الموت لي إياك حاجة، قال: و ما حاجتك يا نبيّ اللّه قال: حاجتي أن لا تقبض روحى حتى يجيئني جبرئيل فتسلم علىّ و اسلم عليه.

فخرج ملك الموت و هو يقول: يا محمّداه، فاستقبله جبرئيل فى الهواء فقال: يا ملك الموت قبضت روح محمّد قال: لا يا جبرئيل سألنى أن لا أقبضه حتى يلقاك فتسلم عليه و يسلم عليك، فقال جبرئيل: يا ملك الموت أما ترى أبواب السماء مفتّحة لروح محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أما ترى الحور العين قد تزيّن لروح محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

ثم نزل جبرئيل فقال: السلام عليك يا أبا القاسم فقال: و عليك السلام يا جبرئيل ادن منى حبيبى جبرئيل، فدنا منه، فنزل ملك الموت فقال له جبرئيل: يا ملك الموت احفظ وصية اللّه في روح محمّد، و كان جبرئيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره و ملك الموت‏

 

منهاج‏البراعةفي‏شرح‏نهج‏البلاغة(الخوئي)، ج 12   ، صفحه‏ى 236

آخذ بروحه، فلما كشف الثوب عن وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نظر إلى جبرئيل فقال له عند الشدائد تخذلني، فقال: يا محمّد إنك ميّت و انهم ميّتون، كلّ نفس ذائقة الموت.

فروى عن ابن عباس أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فى ذلك المرض كان يقول: ادعوا الى حبيبى فجعل يدعا له رجل بعد رجل فيعرض عنه فقيل لفاطمة عليها السّلام امضى إلى علىّ فما نرى رسول اللّه يريد غير عليّ، فبعث فاطمة إلى علىّ عليه السّلام فلما دخل فتح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عينيه و تهلّل وجهه ثم قال: إليّ يا علي إليّ يا علي فما زال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يدنيه حتى أخذه بيده و أجلسه عند رأسه ثمّ اغمى عليه فجاء الحسن و الحسين عليهما السّلام يصيحان و يبكيان حتى وقعا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فأراد علىّ أن ينحيهما عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأفاق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ثمّ قال يا على دعنى أشمّهما و يشمّانى و أتزوّد منهما و يتزوّدان منّي أما أنهما سيظلمان بعدي و يقتلان ظلما فلعنة اللّه على من يظلمهما يقول ذلك ثلاثا.

ثمّ مدّ يده إلى علىّ فجذبه إليه حتى أدخله تحت ثوبه الذى كان عليه، و وضع فاه على فيه و جعل يناجيه مناجاة طويلة حتى خرجت روحه الطيبة صلوات اللّه عليه و آله.

فانسلّ علىّ من تحت ثيابه و قال: اعظم اللّه اجوركم فى نبيّكم فقد قبضه اللّه إليه، فارتفعت الأصوات بالضجة و البكاء فقيل لأمير المؤمنين عليه السّلام: ما الذى ناجاك به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين أدخلك تحت ثيابه فقال: علّمنى ألف باب كلّ باب يفتح ألف باب قال الشارح عفى اللّه عنه: ما فى هذا الحديث من قصة سوادة مناف للاصول المحكمة و الأدلة القاطعة العقلية و النقلية الدّالة على كون الأنبياء معصومين من السهو و الخطاء و النسيان كعصمتهم من المعاصى مطلقا حسبما عرفته تفصيلا فى شرح الفصل الثاني عشر من الخطبة الاولى، فلا بدّ من تأويله على وجه لا ينافي العصمة أو ردّه لمخالفته لاصول مذهب الاماميّة، و لعلّ الصدوق رواه بناء على مذهبه من تجويزه السهو على النبيّ كما صرّح به فى الفقيه و غيره.

و فى كشف الغمة من كتاب أبى إسحاق الثعلبى قال: دخل أبو بكر على النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قد ثقل فقال: يا رسول اللّه متى الأجل قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: قد حضر، قال أبو بكر: اللّه المستعان على ذلك فالى ما المنقلب‏قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إلى السدرة المنتهى و الجنة المأوى و إلى الرفيق الأعلى و الكاس الأوفى و العيش المهنىّ، قال أبو بكر: فمن يلي غسلك قال: رجال أهل بيتى الأدنى فأدنى قال: ففيم نكفنك قال: فى ثيابى هذه التي عليّ أو فى حلّة يمانية أو في بياض مصر قال: كيف الصلاة عليك فارتجت الأرض بالبكاء.

فقال لهم النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: مهلا عفى اللّه عنكم إذا غسلت فكفنت فضعونى على سريرى فى بيتى على شفير قبرى ثمّ اخرجوا عنى ساعة فان اللّه تبارك و تعالى أوّل من يصلّي عليّ ثمّ يأذن الملائكة في الصّلاة علىّ، فأوّل من ينزل جبرئيل ثمّ إسرافيل ثمّ ميكائيل ثمّ ملك الموت عليهم السّلام فى جنود كثير من الملائكة بأجمعها، ثمّ ادخلوا علىّ زمرة زمرة فصلّوا عليّ و سلموا تسليما و لا تؤذوني بتزكية«» و لا رنّة، و ليبدأ بالصلاة علىّ الأدنى فالأدنى من أهل بيتى، ثمّ النساء، ثمّ الصبيان زمرا.

قال أبو بكر: فمن يدخل قبرك قال: الأدنى فالأدنى من أهل بيتى مع ملائكة لا ترونهم، قوموا فأدّوا عنّى إلى من ورائكم فقلت للحارث بن مرّة: من حدّثك بهذا الحديث قال: عبد اللّه بن مسعود عن عليّ عليه السّلام قال: كان جبرئيل ينزل على النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فى مرضه الذى قبض فيه فى كلّ يوم و ليلة فيقول: السلام عليك إنّ ربّك يقرؤك السلام فيقول: كيف تجدك و هو أعلم بك و لكنه أراد أن يزيدك كرامة و شرفا إلى ما أعطاك على الخلق و أراد أن يكون عيادة المريض سنة فى امتك.

فيقول له النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إن كان وجعا: يا جبرئيل أجدنى وجعا، فقال له جبرئيل اعلم يا محمّد أنّ اللّه لم يشدد عليك و ما من أحد من خلقه أكرم عليه منك، و لكنه أحبّ‏أن يسمع صوتك و دعاءك حتّى تلقاه مستوجبا للدّرجة و الثواب الذى أعدّ لك و الكرامة و الفضيلة على الخلق.

و إن قال له النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أجدني مريحا في عافية قال له: فاحمد اللّه على ذلك فانّه يحبّ أن تحمده و تشكره ليزيدك إلى ما أعطاك خيرا فانّه يحبّ أن يحمد و يزيد من شكر.
قال: و انّه نزل عليه في الوقت الذى كان ينزل فيه فعرفنا حسّه فقال عليّ عليه السّلام فخرج من كان في البيت غيرى، فقال له جبرئيل: يا محمّد إنّ ربّك يقرؤك السلام و يسألك و هو أعلم بك كيف تجدك فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أجدني ميّتا، قال له جبرئيل: يا محمّد ابشر فانّ اللّه إنّما أراد أن يبلّغك بما تجد ما أعدّ لك من الكرامة قال له النّبي صلّى اللّه عليه و آله: إنّ ملك الموت استأذن عليّ فأذنت له فدخل و استنظرته مجيئك فقال له جبرئيل: يا محمّد إنّ ربك إليك مشتاق فما استاذن ملك الموت على أحد قبلك و لا يستأذن على أحد بعدك فقال له النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لا تبرح يا جبرئيل حتّى يعود.

ثمّ أذن للنساء فدخلن عليه فقال لابنته: ادني منّي يا فاطمة فأكبّت عليه فناجاها فرفعت رأسها فعيناها تهملان دموعا، فقال لها: ادني منّي فدنت منه فأكبّت عليه فناجاها فرفعت رأسها و هي تضحك.
فتعجّبنا لما رأينا، فسألناها فأخبرتنا أنّه نعى إليها نفسه فبكت فقال لها يا بنيّة لا تجزعي فانّي سألت اللّه أن يجعلك أوّل أهل بيتي لحاقا بي فأخبرني أنّه قد استجاب لي فضحكت قال: ثمّ دعا النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الحسن و الحسين عليهما السّلام فقبّلهما و شمّهما و جعل يترشفهما و عيناه تهملان.

قال الشارح عفى اللّه عنه: و لقد كنت عند نقلي هذه الرّواية للثعلبي كاد أن يشرح قلبي بالسّكاكين ممّا تضمّنه صدرها من شنيع فعل أبي بكر و إصراره فى سؤال الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و من أجله و غسله و دفنه و كفنه و منقلبه فى هذه الحال من شدّةمرضه و ضعفه، و قد أحاطت به غمرات الالام، و غشيته طوارق الأوجاع و الأسقام، و كيف تمالك نفسه و لم تخنقه عبرته و بالغ فى السّؤال حتّى ارتجّت الأرض بالبكاء و ألجأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى ردعه بقوله: مهلا، فيا للّه ما أقلّ حياء الرّجل و أسوء أدبه و أقسى قلبه و أقبح فعله.

و فى البحار من المناقب عن سهل بن أبي صالح عن ابن عبّاس أنّه اغمى على النبىّ صلّى اللّه عليه و آله فى مرضه فدقّ بابه، فقالت فاطمة: من ذا قال: أنا رجل غريب أتيت أسأل رسول اللّه أ تأذنون لي في الدّخول عليه فأجابت امض رحمك اللّه لحاجتك فرسول اللّه عنك مشغول.

فمضى ثمّ رجع فدقّ الباب و قال: غريب يستأذن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أ تاذنون للغرباء فأفاق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من غشيته و قال: يا فاطمة أ تدرين من هذا قالت: لا يا رسول اللّه، قال: هذا مفرّق الجماعات و منقض «منغص» اللّذات، هذا ملك الموت ما استأذن و اللّه على أحد قبلى و لا يستأذن على أحد بعدى، استأذن عليّ لكرامتي على اللّه ائذنى له فقالت: ادخل رحمك اللّه، فدخل كريح هفافة و قال: السلام على أهل بيت رسول اللّه، فأوصى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى عليّ عليه السّلام بالصبر عن الدّنيا و بحفظ فاطمة و بجمع القرآن و بقضاء دينه و بغسله و أن يعمل حول قبره حايط و بحفظ الحسن و الحسين.

و فى كشف الغمة عن أبى جعفر عليه السّلام قال: لمّا حضرت النبيّ الوفاة استأذن عليه رجل فخرج إليه عليّ عليه السّلام فقال: ما حاجتك قال: اريد الدّخول على رسول اللّه فقال علىّ: لست تصل إليه فما حاجتك فقال الرّجل: إنه لا بدّ من الدّخول عليه، فدخل علىّ عليه السّلام فاستأذن النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فاذن له فدخل فجلس عند رأس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

ثمّ قال: يا نبيّ اللّه إنّي رسول اللّه إليك، قال: و أيّ رسل اللّه أنت قال: أنا ملك الموت أرسلنى إليك يخيّرك بين لقائه و الرّجوع إلى الدّنيا، فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فامهلنى حتّى ينزل جبرئيل فأستشيره.

و نزل جبرئيل فقال: يا رسول اللّه الاخرة خير لك من الاولى و لسوف يعطيك ربك فترضى، لقاء اللّه خير لك، فقال عليه السّلام لقاء ربّي خير لى فامض لما امرت به، فقال جبرئيل لملك الموت: لا تعجل حتى أعرج الى السماء «ربى خ» و أهبط، قال ملك الموت: لقد صارت نفسه في موضع لا أقدر على تأخيرها، فعند ذلك قال جبرئيل: يا محمّد هذا آخر هبوطى إلى الدّنيا إنما كنت أنت حاجتى فيها.

و فى البحار من كتاب اعلام الورى قال الصادق عليه السّلام: قال جبرئيل: يا محمّد هذا آخر نزولى إلى الدّنيا إنما كنت أنت حاجتى منها، قال: و صاحت فاطمة و صاح المسلمون و يضعون التراب على رؤوسهم و مات صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لليلتين بقيتا من صفر سنة عشر من الهجرة، و روى أيضا لاثنى عشر ليلة من ربيع الأوّل صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تسليما كثيرا.

الرابعة ما أشار إليه بقوله (و لقد سالت نفسه في كفّى فأمررتها على وجهى) قال الشارح البحراني: أراد بنفسه دمه يقال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قاء وقت موته دما يسيرا و إنّ عليا عليه السّلام مسح بذلك الدّم وجهه، و لا ينافي ذلك نجاسة الدّم لجواز أن يخصّص دم الرّسول كما روى أن أبا طيبة الحجام شرب دمه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين حجمه فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذا لا ينجع بطنك، انتهى كلامه، و مثله الشارح المعتزلي.

أقول: أمّا طهارة دم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلا ريب فيها كما قال الشاعر:

فان تفق الأنام و أنت منهم
فانّ المسك بعض دم الغزال‏

و يشهد بها آية التطهير فان قلت: لو كان طاهرا لم حذّر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أبا سعيد الخدرى من شربه كما رواه في البحار من تفسير الامام في حديث طويل قال فيه: و أما الدّم فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله احتجم مرّة فدفع الدّم الخارج منه إلى أبى سعيد الخدرى و قال له: غيّبه، فذهب فشربه فقال صلّى اللّه عليه و آله له: ما صنعت به قال له: شربته يا رسول اللّه، قال: أ لم أقل لك غيّبه فقال له: غيّبته في وعاء حريز، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إيّاك‏ و أن تعود لمثل هذا، ثمّ اعلم أنّ اللّه قد حرّم على النّار لحمك و دمك لما اختلط بلحمى و دمى.

قلت: لعلّ تحذيره عن شربه لأجل حرمته لا لأجل النّجاسة.
و أمّا حمل النفس في قوله عليه السّلام: و لقد سالت نفسه بمعنى الدّم فلا يخفى بعده بل ضعفه، و الأقوى عندى أن يراد بالنّفس نفسه النّاطقة القدسيّة الّتي هي مبدء الفكر و الذّكر و العلم و الحلم و النّباهة، و لها خاصيّة الحكمة و النّزاهة، فيكون محصّل المراد بالكلام أنّ روحه الطيبة الكاملة الّتي هى المصداق الحقيقى لقوله: قل الرّوح من أمر ربّى، و المقصود الأصلى بقوله: و نفخت فيه من روحى، لما فارقت جسده الطاهر فاضت بيدى فمسحت بها على وجهى.

و لعلّ هذا مراد من قال إنّ المراد بسيلان النّفس هبوب النفس عند انقطاع الأنفاس، هذا.
و انّما مسح بها على وجهه إما تيمّنا أو لحكمة عظيمة لا نعرفها.
و انما فعل عليه السّلام ذلك بوصيّة منه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما رواه في البحار من مناقب ابن شهر آشوب قال: و من طريقة أهل البيت عليهم السّلام أنّ عايشة دعت أباها فأعرض عنه و دعت حفصة أباها فأعرض عنه و دعت أمّ سلمة عليّا فناجاه طويلا ثمّ اغمى عليه فجاء الحسن و الحسين عليهما السّلام يصيحان و يبكيان حتّى وقعا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و أراد علىّ عليه السّلام أن ينحّيهما عنه، فأفاق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثمّ قال: يا عليّ دعهما أشمّهما و يشمّاني و أتزوّد منهما و يتزوّدان منّي.

ثمّ جذب عليّا عليه السّلام تحت ثوبه و وضع فاه على فيه و جعل يناجيه، فلمّا حضره الموت قال له: ضع رأسى يا على في حجرك فقد جاء أمر اللّه فاذا فاضت نفسى فتناولها بيدك و امسح بها وجهك ثمّ وجّهنى إلى القبلة و تولّ أمرى و صلّ علىّ أوّل النّاس و لا تفارقنى حتّى توارينى في رمسى و استعن باللّه عزّ و جلّ.
و أخذ علىّ برأسه فوضعه في حجره فاغمي عليه فبكت فاطمة فأومى إليها بالدنوّ منه، فأسرّ إليها شيئا تهلّل وجهها- القصّة- .

ثمّ قضى صلّى اللّه عليه و آله و مدّ أمير المؤمنين عليه السّلام يده اليمنى تحت حنكه ففاضت نفسه فيها، فرفعها إلى وجهه فمسحه بها ثمّ وجّهه و مدّ عليه ازاره و استقبل بالنّظر في أمره.
و فى البحار من كتاب اعلام الورى قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يد أمير المؤمنين اليمنى تحت حنكه، ففاضت نفسه فيها فرفعها إلى وجهه فمسحه بها ثمّ وجّهه و غمّضه و مدّ عليه ازاره و اشتغل بالنّظر في أمره.
الخامسة ما أشار إليه بقوله (و لقد وليت) أى باشرت (غسله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الملائكة أعوانى) باطنا، و الفضل بن عباس يعينه ظاهرا و كان مباشرته بغسله صلّى اللّه عليه و آله أيضا بوصيّته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
كما يدل عليه ما رواه في البحار من المناقب عن أبان بن بطة قال يزيد بن بلال قال علىّ عليه السّلام: أوصى النبّي ألّا يغسّله أحد غيرى فانّه لا يرى عورتى أحد إلّا طمست عيناه، قال: فما تناولت عضوا إلّا كأنّما يقلّبه معى ثلاثون رجلا حتى فرغت من غسله.

و روى أنّه لمّا أراد علىّ عليه السّلام غسله استدعا الفضل بن عباس ليعينه و كان مشدود العينين و قد أمره علىّ عليه السّلام بذلك إشفاقا عليه من العمى، و في هذا المعنى قال العبدى:
من ولى غسل النّبي و من لفّقه من بعد في الكفن‏

و قال آخر:

غسّله إمام صدق طاهر من دنس
الشرك و أسباب الغير

فأورث اللّه عليّا علمه‏
و كان من بعد إليه يفتقر

و فى البحار من كتاب الطرف لابن طاوس نقلا من كتاب الوصيّة للشّيخ عيسى بن المستفاد الضّرير عن موسى بن جعفر عن أبيه عليهما السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: يا على أضمنت دينى تقضيه عنّى قال: نعم. قال: اللّهمّ فاشهد، ثمّ قال: يا على تغسلنى و لا يغسلني غيرك فيعمى بصره، قال علىّ عليه السّلام و لم يا رسول اللّه قال: كذلك قال جبرئيل عن ربّى أنّه لا يرى عورتى غيرك إلّا عمى‏بصره، قال عليّ عليه السّلام فكيف أقوى عليك وحدي قال: يعينك جبرئيل و ميكائيل و اسرافيل و ملك الموت و إسماعيل صاحب السماء الدّنيا، قلت: فمن يناولني الماء قال: الفضل بن العباس من غير أن ينظر إلى شي‏ء منّى فانّه لا يحلّ له و لا لغيره من الرّجال و النساء النظر إلى عورتى، و هى حرام عليهم، فاذا فرغت من غسلى فضعنى على لوح و أفرغ علىّ من بئرى بئر غرس أربعين دلوا مفتّحة الأبواب أو قال أربعين قربة شككت أنا في ذلك ثمّ ضع يدك يا على على صدرى و احضر معك فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام من غير أن ينظروا إلى شي‏ء من عورتى ثمّ تفهّم عند ذلك تفهم ما كان و ما هو كائن إنشاء اللّه.

و من كتاب فقه الرّضا و قال جعفر عليه السّلام: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أوصى إلى علىّ أن لا يغسلني غيرك، فقال علىّ عليه السّلام: يا رسول اللّه من يناولني الماء و انّك رجل ثقيل لا استطيع أن اقلبّك فقال: جبرئيل معك يعاونك و يناولك الفضل الماء، و قل له فليغطّ عينيه فانّه لا يرى أحد عورتى غيرك إلّا انفقات عيناه، قال: كان الفضل يناوله الماء و جبرئيل يعاونه و علىّ يغسّله.

و قوله (فضجّت الدّار و الأفنية ملاء يهبط و ملاء يعرج) نسبة الضجيج إلى الدار و الأفنية من التوسّع، و الاسناد إلى المكان، و المراد به ضجيج الملائكة النّازلين فيهما حين موته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بكاؤهم عليه مثل ضجيج ساير الحاضرين لديه.

و يشهد بذلك ما في البحار من كتاب الطرف لابن طاوس في الحديث الذى قدّمنا روايته آنفا و فيه بعد قوله صلّى اللّه عليه و آله تفهم ما كان و ما هو كائن: أقبلت يا عليّ قال: نعم قال: اللّهمّ فاشهد.
قال: يا عليّ ما أنت صانع لو قد تأمّر القوم عليك بعدي وتقدّموا عليك و بعث إليك طاغيتهم يدعوك إلى البيعة ثمّ لبّبت بثوبك تقاد كما يقاد الشّارد من الابل مذموما مخذولا محزونا مهموما و بعد ذلك ينزل بهذه الذّلّ.
قال: فلمّا سمعت فاطمة ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صرخت و بكت، فبكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لبكائها و قال: يا بنيّة لا تبكين و لا تؤذين جلساءك من الملائكة، هذا جبرئيل‏بكى لبكائك و ميكائيل و صاحب سرّ اللّه إسرافيل، يا بنية لا تبكين فقد بكيت السّماوات و الأرض لبكائك.

فقال عليّ عليه السّلام: يا رسول اللّه انقاد للقوم و أصبر على ما أصابنى من غير بيعة لهم ما لم اصب أعوانا لم اناجز القوم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: اللّهمّ اشهد.
و فيه من الكتاب المذكور أيضا من كتاب الوصيّة لعيسى الضّرير عن موسى بن جعفر عن أبيه عليهما السّلام قال: لمّا كانت اللّيلة الّتي قبض النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فى صبيحتها دعى عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام و اغلق عليه و عليهم الباب، و قال: يا فاطمة و أدناها منه فناجاها من اللّيل طويلا، فلمّا طال ذلك خرج علىّ و معه الحسن و الحسين و أقاموا بالباب و الناس خلف الباب و نساء النّبي ينظرون إلى علىّ و معه ابناه.

فقالت عايشة: لأمر ما أخرجك منه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و خلا بابنته دونك في هذه السّاعة فقال علىّ عليه السّلام قد عرفت الذى خلا بها و أرادها له و هو بعض ما كنت فيه و أبوك و صاحباه ممّا قد سمّاه، فوجمت أن تردّ عليه كلمة قال عليّ عليه السّلام: فما لبثت أن نادتني فاطمة عليها السّلام فدخلت على النّبي صلّى اللّه عليه و آله و هو يجود بنفسه فبكيت و لم أملك نفسى حين رأيته بتلك الحال يجود بنفسه.

فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لي: ما يبكيك يا على ليس هذا أو ان البكاء فقد حان الفراق بينى و بينك فاستودعك اللّه يا أخى فقد اختار لي ربّي ما عنده، و إنما بكائي و غمّي و حزنى عليك و على هذه- أى فاطمة أن تضيع بعدى، فقد أجمع القوم على ظلمكم و قد استودعكم اللّه و قبلكم منّى وديعة يا عليّ قد أوصيت فاطمة ابنتي بأشياء و أمرتها أن تلقيها إليك فأنفذها فهي الصّادقة المصدّقة.

ثمّ ضمها إليه و قبّل رأسها و قال: فداك أبوك يا فاطمة، فعلا صوتها بالبكاء ثمّ ضمها إليه و قال: و اللّه لينتقمنّ اللّه ربّي و ليغضبنّ لغضبك، فالويل ثمّ الويل للظالمين ثمّ بكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم‏و قال عليّ عليه السّلام: فو اللّه لقد حسبت بضعة منّي قد ذهبت لبكائه صلّى اللّه عليه و آله حتّى هملت عيناه مثل المطر حتّى بلّت دموعه لحيته و ملاءة كانت عليه و هو يلتزم فاطمة لا يفارقها و رأسه على صدرى و أنا مسنده و الحسن و الحسين يقبلان قدميه و يبكيان بأعلى أصواتهما قال عليّ عليه السّلام: فلو قلت إنّ جبرئيل في البيت لصدقت لأنّى كنت اسمع بكاء و نغمة لا أعرفها و كنت أعلم أنّها أصوات الملائكة لا أشكّ فيها، لأنّ جبرئيل لم يكن في مثل تلك اللّيلة يفارق النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله، و لقد رأيت بكاء منها أحسب أنّ السّماوات و الأرضين قد بكت لها.

ثمّ قال لها: يا بنيّة اللّه خليفتي عليكم و هو خير خليفة.
و الّذى بعثني بالحقّ لقد بكى لبكائك عرش اللّه و ما حوله من الملائكة و السّماوات و الأرضون و ما بينهما.
يا فاطمة و الذى بعثني بالحقّ لقد حرّمت الجنّة على الخلايق حتّى أدخلها و أنّك لأوّل خلق اللّه يدخلها بعدى كاسية حالية ناعمة، يا فاطمة هنيئا لك.

و الذى بعثني بالحقّ إنّك لسيّدة من يدخلها من النّساء، و الّذى بعثني بالحقّ إنّ جهنّم لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرّب و لا نبىّ مرسل إلّا صعق، فينادى إليها أن يا جهنّم يقول لك الجبّار اسكني بعزّى و استقرّى حتّى تجوز فاطمة بنت محمّد إلى الجنان لا يغشيها قتر و لا ذلّة.
و الذي بعثني بالحقّ ليدخلنّ حسن و حسين، حسن عن يمينك و حسين عن يسارك و لتشرفنّ من أعلى الجنان بين يدي اللّه فى المقام الشريف و لواء الحمد مع علىّ بن أبي طالب يكسى إذا كسيت و يحبى إذا حبيت.
و الّذي بعثني بالحقّ لأقومنّ لخصومة أعدائك و ليندمنّ قوم أخذوا حقّك و قطعوا مودّتك و كذبوا عليّا و ليختلجنّ دوني فأقول: امّتى امّتى، فيقال: انّهم بدلوا بعدك و صاروا إلى السّعير.

قال الشارح عفى اللّه عنه: و إنّما أوردت هذه الرّواية بتمامها و طولها مع كون موضع الحاجة منها بعضها كأكثر الأخبار المتقدّمة في شرح هذه الخطبة،لكونها متضمّنة مثل ساير ما تقدّم للغرض الّذى سوق هذه الخطبة لأجله مؤكّدة له، و هو إفادة مزيد اختصاصه عليه السّلام برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قرباه منه، على أنا أحببنا أن يكون شرح هذه الخطبة متكفلا لجمل أخبار وفاة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله.

و قوله (و ما فارقت سمعى هينمة منهم) أى لم يغب أصواتهم عن سمعى و لم تخف علىّ، و يدلّ عليه عموم الأخبار المفيدة لكونه محدثا يسمع صوت الملك و لا يرى شخصه، و قد تقدّمت جملة منها فى التنبيه الثاني من شرح الفصل الثامن من الخطبة المأة و الحادية و التسعين.

و يدل عليه خصوصا بل يدلّ على رؤيته عليه السّلام لهم أيضا فى تلك الحال ما رواه فى البحار من كتاب بصاير الدّرجات عن أحمد بن محمّد و أحمد بن اسحاق عن القاسم بن يحيى عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هبط جبرئيل و معه الملائكة و الرّوح الذين كانوا يهبطون فى ليلة القدر، قال: ففتح لأمير المؤمنين بصره فرآهم فى منتهى السماوات إلى الأرض يغسّلون النبيّ معه و يصلّون عليه معه و يحفرون له، و اللّه ما حفر له غيرهم حتى إذا وضع فى قبره نزلوا مع من نزل، فوضعوه فتكلّم، و فتح لأمير المؤمنين سمعه فسمعه يوصيهم به فبكى عليه السّلام و سمعهم يقولون لا نالوه جهدا و انما هو صاحبنا بعدك إلّا أنه ليس يعايننا ببصره بعد مرّتنا هذه.

حتّى إذ مات أمير المؤمنين عليه السّلام رأى الحسن و الحسين عليهما السّلام مثل ذلك الذى رأى و رأيا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يعين الملائكة مثل الذى صنعوا بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
حتّى اذا مات الحسن عليه السّلام رأى منه الحسين مثل ذلك و رأى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عليا عليه السّلام يعينان الملائكة.

حتى إذا مات الحسين عليه السّلام رأى عليّ بن الحسين عليهما السّلام منه مثل ذلك و رأى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عليا و الحسن عليهما السّلام يعينون الملائكة.
حتّى إذا مات عليّ بن الحسين عليهما السّلام رأى محمّد بن عليّ مثل ذلك و رأى النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و عليا و الحسن و الحسين عليهم السّلام يعينون الملائكة.

حتى إذا مات محمّد بن علىّ عليهما السّلام رأى جعفر عليه السّلام مثل ذلك و رأى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عليا و الحسن و الحسين و علىّ بن الحسين عليهم السّلام يعينون الملائكة.
حتّى إذا مات جعفر عليه السّلام رأى موسى عليه السّلام منه مثل ذلك، هكذا يجري إلى آخر و قوله (يصلّون عليه) صريح في صلاة الملائكة، و قد مرّ في شرح قوله عليه السّلام: و لقد قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في رواية الأمالي إنّ أوّل من يصلّى عليه هو اللّه سبحانه ثمّ الملائكة، ثمّ المسلمون.

و روى في الكافي بسنده عن جابر عن أبي جعفر عليه السّلام قال: لما قبض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صلّت عليه الملائكة و المهاجرون و الأنصار فوجا فوجا و قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول في صحّته و سلامته: إنّما انزلت هذه الاية علىّ في الصّلاة بعد قبض اللّه لى: إنّ اللّه و ملائكته يصلّون على النّبيّ يا أيّها الّذين آمنوا صلّوا عليه و سلّموا تسليما.

و فى البحار من الاحتجاج و في رواية سليم بن قيس الهلالى عن سلمان الفارسي أنّه قال: أتيت عليّا عليه السّلام و هو يغسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قد كان أوصى أن لا يغسله غير عليّ عليه السّلام و أخبر عنه أنّه لا يريد أن يقلّب منه عضو إلّا قلب له، و قد قال أمير المؤمنين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: من يعينني على غسلك يا رسول اللّه قال: جبرئيل.
فلمّا غسّله و كفّنه أدخلنى و أدخل أبا ذر و المقداد و فاطمة و حسنا و حسينا عليهم السّلام فتقدّم و صففنا خلفه و صلّى عليه، و عايشة فى الحجرة لا تعلم قد أخذ جبرئيل ببصرها ثمّ ادخل عشرة عشرة من المهاجرين و الأنصار فيصلّون و يخرجون، حتى لم يبق أحد من المهاجرين و الأنصار إلّا صلّى عليه، الخبر.

و من كتاب اعلام الورى قال أبان: و حدّثنى أبو مريم عن أبي جعفر عليه السّلام قال قال الناس: كيف الصلاة عليه فقال عليّ عليه السّلام: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إمامنا حيا و ميتا فدخل عليه عشرة عشرة فصلّوا عليه يوم الاثنين و ليلة الثلثاء حتّى صلّى عليه كبيرهم و صغيرهم و ذكرهم و انثاهم و ضواحي المدينة بغير إمام.

و من المناقب قال أبو جعفر عليه السّلام قال الناس: كيف الصلاة فقال علىّ عليه السّلام إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إمام حيا و ميتا فدخل عليه عشرة عشرة فصلّوا عليه يوم الاثنين و ليلة الثلثاء حتى الصّباح و يوم الثلثاء حتّى صلّى عليه الأقرباء و الخواص، و لم يحضر أهل السقيفة و كان عليّ عليه السّلام أنفذ اليهم بريدة، و إنّما تمّت بيعتهم بعد دفنه و من المناقب و سئل الباقر عليه السّلام كيف كانت الصّلاة على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال لمّا غسله أمير المؤمنين و كفّنه و سجّاه و ادخل عليه عشرة فداروا حوله، ثمّ وقف أمير المؤمنين عليه السّلام في وسطهم فقال: إنّ اللّه و ملائكته، الاية فيقول القوم مثل ما يقول حتّى صلّى عليه أهل المدينة و أهل العوالى.

قال المحدّث العلامة المجلسي (قد) بعد إيراد هذه الأخبار في البحار: يظهر من مجموعها أنّ الصّلاة الحقيقيّة هي التي كان أمير المؤمنين عليه السّلام صلّاها أوّلا مع الستة المذكورين في خبر سليم، و لم يدخل في ذلك سوى الخواص من أهل بيته و أصحابه لئلّا يتقدّم أحد من لصوص الخلافة في الصلاة أو يحضر أحد من هؤلاء المنافقين فيها، ثمّ كان يدخل عشرة عشرة من الصحاب فيقرأ الاية و يدعون و يخرجون من غير صلاة.

و قوله (حتّى و اريناه في ضريحه) روى فى البحار من المناقب قال: و اختلفوا أين يدفن فقال بعضهم: في البقيع، و قال آخرون: في صحن المسجد، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: إنّ اللّه لم يقبض نبيا إلّا في أطهر البقاع فينبغي أن يدفن في البقعة التي قبض فيها، فاتّفقت الجماعة على قوله و دفن في حجرته.

و من فقه الرّضا عليه السّلام و قال جعفر عليه السّلام فلما أن فرغ من غسله و كفنه أتاه العباس فقال: يا عليّ إنّ الناس قد اجتمعوا على أن يدفن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فى بقيع المصلّى و أن يؤمّهم رجل منهم، فخرج علىّ عليه السّلام إلى الناس فقال: يا أيها الناس أما تعلمون أنّ رسول اللّه إمامنا حيا و ميتا و هل تعلمون أنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعن من جعل القبور مصلّى، و لعن من جعل مع اللّه إلها و لعن من كسر رباعيّته و شقّ لثته، قال: فقالوا: الأمر إليك فاصنع ما رأيت قال: و إنى أدفن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فى البقعة التي قبض فيها، الحديث.

و من أعلام الورى عن أبى جعفر عليه السّلام قال: و خاض المسلمون فى موضع دفنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال علىّ عليه السّلام: إنّ اللّه لم يقبض نبيا فى مكان إلّا و ارتضاه لرمسه فيه، و إنى دافنه فى حجرته التي قبض فيها، فرضى المسلمون بذلك.

فلما صلّى المسلمون عليه أنفذ العباس إلى أبى عبيدة بن الجراح و كان يحفر لأهل مكة و يضرح، و أنفذ إلى زيد بن سهل أبي طلحة و كان يحفر لأهل المدينة و يلحد فاستدعاهما و قال: اللهمّ خر لنبيك، فوجد أبو طلحة فقيل له: احفر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فحفر له لحدا و دخل أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام و العباس و الفضل و اسامة بن زيد ليتولّوا دفن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فنادت الأنصار من وراء البيت: يا على إنا نذكرك اللّه و حقّنا اليوم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يذهب ادخل منّا رجلا يكون لنا حظّ به من مواراة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقال ليدخل أوس بن خولى رجل من بنى عوف بن الخزرج و كان بدريا، فدخل البيت و قال له عليّ عليه السّلام: انزل القبر فنزل، و وضع علىّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على يديه ثمّ ولاه فى حفرته، ثمّ قال له: اخرج فخرج، و نزل علىّ عليه السّلام فكشف عن وجهه و وضع خدّه على الأرض موجّها إلى القبلة على يمينه ثمّ وضع عليه اللبن و أهال عليه التراب.

و من الدّيوان المنسوب إليه عليه السّلام في رثائه صلوات اللّه و سلامه عليه و آله:

أ من بعد تكفين النّبي و دفنه
بأثوابه آسى على هالك ثوى‏

رزئنا رسول اللّه فينا فلن نرى‏
بذاك عديلا ما حيينا من الرّدى‏

و كان لنا كالحصن من دون أهله
له معقل حرز حريز من الرّدى‏

و كنّا بمرآه نرى النّور و الهدى‏
صباحا مساء راح فينا أو اغتدى‏

لقد غشيتنا ظلمة بعد موته
نهارا فقد زادت على ظلمة الدّجى‏

فيا خير من ضمّ الجوانح و الحشا
و يا خير ميت ضمّه الترب و الثرى‏

كأنّ امور الناس بعدك ضمّنت
سفينة موج حين في البحر قد سما

و ضاق فضاء الأرض عنهم برجة
لفقد رسول اللّه إذ قيل قد مضى‏

فقد نزلت بالمسلمين مصيبة
كصدع الصفا لا شعب للصدع في الصفا

فلن يستقلّ الناس تلك مصيبة
و لم يجبر العظم الذى منهم و هى‏

و في كلّ وقت للصلاة يهيجه‏
بلال و يدعو باسمه كلّما دعا

و يطلب أقوام مواريث هالك
و فينا مواريث النّبوة و الهدى‏

و قالت فاطمة عليها السّلام في رثائه صلّى اللّه عليه و آله أيضا:

إذا اشتدّ شوقى زرت قبرك باكيا
أنوح و أشكو لا أراك مجاوبي‏

فيا ساكن الصّحراء علّمتني البكا
و ذكرك أنساني جميع المصائب‏

فان كنت عنّى في التّراب مغيّبا
فما كنت عن قلب الحزين بغائب‏

و لها صلوات اللّه و سلامه عليها أيضا:

إذا مات يوما ميّت قلّ ذكره
و ذكر أبي قد مات و اللّه أزيد

تذكّرت لمّا فرق الموت بيننا
فعزّيت نفسي بالنّبي محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم‏

فقلت لها إنّ الممات سبيلنا
و من لم يمت في يومه مات في غد

و لها أيضا ما اشتهر في الألسنة و الأفواه:

ما ذا على من شمّ تربة أحمد
أن لا يشمّ مدى الزّمان غواليا

صبّت علىّ مصائب لو أنّها
صبّت على الأيام صرن لياليا

هذا، و لمّا مهّد عليه السّلام المقدمات المفيدة لمزيد اختصاصه برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قربه منه في حال حياته و حين مماته حسبما عرفته تفصيلا تحقيقا فرّع على ذلك قوله: (فمن ذا أحقّ به منى حيّا و ميتا) و هو استفهام على سبيل الانكار و الابطال يقتضى أنّ ما بعده غير واقع و أنّ مدّعيه كاذب فيفيد كونه أولى به في حياته و أحقّ بالخلافة و الوصاية بعد موته، و هو حقّ لا ريب فيه على رغم الناصب الجاحد و المبغض المعاند.

(فانفذوا) أى أسرعوا إلى قتال عدوّكم مستقرّين (على بصائركم) و عقايدكم الحقّة (و لتصدق نياتكم في جهاد عدوّكم) أى أنهضوا إلى عدوّكم بنيّات صادقة و قلوب طاهرة سالمة من اعتراض الشك و الرّيب و الشبهة و لا يوسوسنكم‏الشيطان بكونهم من أهل القبلة و الاسلام غير جايز قتلتهم و قتالهم، لأنكم اتباع الامام الحقّ و هم تابعوا الامام الباطل (فو) اللّه (الذى لا إله الّا هو إنّى لعلي جادّة الحقّ و انّهم لعلى مزلّة الباطل) كما يشهد به النّبوى المعروف بين الفريقين: علىّ مع الحقّ و الحقّ مع علىّ.

و لا يخفى حسن المقابلة بين جادّة الحقّ و بين مزلّة الباطل كما لا يخفى لطف إضافة الجادّة إلى الحقّ و إضافة المزلّة إلى الباطل، لأنّ طريق الحقّ لما كان واضحا جليا ثابتا بالبيّنة و البرهان يوصل سالكها إلى منزل الزلفى و جنّات النعيم و طريق الباطل لما كان تمويها و تدليسا مخالفا للواقع يزلّ فيه قدم سالكه و يزلق فيهوى إلى دركات الجحيم.
(أقول ما تسمعون) من قول حقّ و كلام صدق (و أستغفر اللّه لي و لكم).

تنبيهان:الاول

روى الشارح المعتزلي في شرح هذه الخطبة من قصّة وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما هو ظاهر بل نصّ في الطعن على المتخلّفين المنتحلين للخلافة و على المتعصّبين لهم السالكين لطريقتهم من العامّة العمياء أحببت أن أذكر ملخّص ما أورده مما يطعن به عليهم فأقول: قال الشارح: قد روى من قصّة وفاة رسول اللّه عليه السّلام أنه عرضت له الشّكاة الّتي عرضت في أواخر من سنة إحدى عشرة للهجرة فجهّز جيش اسامة بن زيد بالمسير إلى البلقاء حيث أصيب زيد و جعفر من الرّوم.

و خرج صلّى اللّه عليه و آله في تلك اللّيلة إلى البقيع و قال: إنّى قد امرت بالاستغفار عليهم فقال صلّى اللّه عليه و آله: يا أهل القبور ليهنكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أوّلها ثمّ استغفر لأهل البقيع طويلا.

ثمّ انصرف إلى بيته، فخطب الناس في غده و أعلمهم بموته ثمّ نزل فصلّى‏بالناس صلاة حفيفة، ثمّ دخل بيت امّ سلمة.
ثمّ انتقل إلى بيت عايشة يعلّله النساء و الرّجال، أمّا النساء فأزواجه و بنته، و أما الرّجال فعليّ عليه السّلام و العباس و الحسن و الحسين و كانا غلامين يومئذ و كان الفضل بن العباس يدخل احيانا إليهم.
ثمّ حدث الاختلاف بين المسلمين أيّام مرضه.

فأوّل ذلك التنازع الواقع يوم قال: ايتوني بدواة و قرطاس، و تلى ذلك حديث التخلّف عن جيش اسامة، ثمّ اشتدّ به المرض و كان عند خفّة مرضه يصلّي بالناس بنفسه، فلما اشتدّ به المرض أمر أبا بكر أن يصلّي بالناس.
و قد اختلف في صلاته بهم فالشيعة تزعم أنه لم يصلّ بهم إلّا صلاة واحدة و هى الصلاة التي خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فيها يتهادى بين عليّ و الفضل فقام في المحراب مقامه و تأخّر أبو بكر، و الصحيح عندى و هو الأكثر الأشهر أنها لم تكن آخر الصلاة في حياته بالناس جماعة و أنّ أبا بكر صلّى بالناس بعد ذلك يومين.

ثمّ مات صلّى اللّه عليه و آله فمن قائل يقول توفّي لليلتين بقيتا من شهر صفر و هو الذى تقوله الشيعة، و الأكثرون أنه توفّى فى شهر ربيع الأوّل بعد مضىّ أيام منه، و قد اختلفت الرّواية في موته فأنكر عمر ذلك و قال: إنه لم يمت و إنه غاب و إنه سيعود فثناه أبو بكر هذا القول و تلى عليه الايات المتضمّنة أنه سيموت، فرجع إلى قوله و صلّوا عليه ارسالا لا يؤمّهم أحد، و قيل: إنّ عليا عليه السّلام أشار بذلك فقبلوه و أنا أعجب من ذلك لأنّ الصلاة عليه كانت بعد بيعة أبي بكر فما الذى منع من أن يتقدّم أبو بكر فيصلّي عليه إماما و تنازعوا في تلحيده و تضريحه فأرسل العباس عمّه إلى أبي عبيدة بن الجراح و كان يحفر لأهل مكة و يضرح على عادتهم رجلا و أرسل إلى أبي طلحة الأنصارى و كان يلحد لأهل المدينة على عادتهم، رجلا و قال: اللهمّ اختر لنبيّك، فجاء أبو طلحة فلحد له و ادخل في اللحد و تنازعوا فيمن ينزل معه القبر فمنع علىّ الناس أن ينزلوا معه و قال: لا ينزل‏قبره غيرى و غير العباس، ثمّ أذن في نزول الفضل و اسامة بن زيد مولاهم ثمّ ضجّت الأنصار و سألت أن ينزل منها رجل في قبره فانزلوا أوس بن خولى و كان بدريا.

فأمّا الغسل فانّ عليّا تولّاه بيده و كان الفضل يصبّ عليه الماء، انتهى ما أهمّنا نقله من كلامه و وجوه الطعن في تلك القضيّة على ما صدر من أهل الخلافة غير خفيّة على الفطن العارف إلّا أنا ننبّه على بعضها لكونها أشدّ تشنيعا و طعنا.

أولها ما أشار إليه الشارح بقوله: فأوّل ذلك التنازع الواقع يوم قال ايتونى بدواة و قرطاس، فقد روت العامّة و الخاصة أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أراد في مرضه أن يكتب لامّته كتابا لئلّا يضلّوا بعده و لا يختلفوا، فطلب دواة و كتفا أو نحو ذلك فمنع عمر من احضار ذلك و قال: إنه ليهجر، أو ما يؤدّى هذا المعنى، و قد وصفه اللّه سبحانه بأنه لا ينطق عن الهوى و أنّ كلامه ليس إلّا وحيا يوحى، و كثر اختلافهم و ارتفعت أصواتهم حتّى تسأم و تزجّر فقال بعضهم: احضروا ما طلب، و قال بعضهم: القول ما قاله عمر، و قد قال اللّه سبحانه وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً و قال تعالى فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً روى في البحار من كتاب الطرايف للسيّد عليّ بن طاوس رضى اللّه عنه أنّه قال: من أعظم طرايف المسلمين أنّهم شهدوا جميعا أنّ نبيّهم أراد عند وفاته أن يكتب لهم كتابا لا يضلّون بعده أبدا، و أنّ عمر بن الخطاب كان سبب منعه من ذلك الكتاب و سبب ضلال من ضلّ من امّته و سبب اختلافهم و سفك الدّماء بينهم و تلف الأموال و اختلاف الشريعة و هلاك اثنين و سبعين فرقة من أصل فرق الاسلام و سبب خلود من يخلد في النار منهم، و مع هذا كلّه فانّ أكثرهم أطاع عمر بن الخطاب الذى قد شهدوا عليه بهذه الأحوال في الخلافة و عظموه و كفّروا بعد ذلك من يطعن فيه و هم من جملة الطاعنين، و ضلّلوا من يذمّه و هم من جملة الضّالين،و تبرّءوا ممن يقبّح ذكره و هم من جملة المقبّحين فمن روايتهم في ذلك ما ذكره الحميدى في الجمع بين الصحيحين في الحديث الرّابع من المتفق عليه في صحّته من مسند عبد اللّه بن عباس قال: لمّا احتضر النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و في بيته رجال فيهم عمر بن الخطاب فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: هلمّوا أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا، فقال عمر بن الخطاب: إنّ النّبي قد غلبه الوجع و عندكم القرآن حسبكم كتاب ربكم.

و في رواية ابن عمر من غير كتاب الحميدى قال عمر: إنّ الرّجل ليهجر.
و في كتاب الحميدى قالوا ما شأنه هجر.
و في المجلّد الثاني من صحيح مسلم فقال: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يهجر.
قال الحميدى: فاختلف الحاضرون عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فبعضهم يقول: القول ما قاله النبي صلّى اللّه عليه و آله فقرّبوا إليه كتابا يكتب لكم، و منهم من يقول: القول ما قاله عمر.
فلمّا اكثروا اللفظ «اللّغط» و الاختلاط قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: قوموا عنّى فلا ينبغي عندى التنازع، فكان ابن عباس يبكى حتّى يبلّ دموعه الحصا و يقول: يوم الخميس و ما يوم الخميس.
قال راوى الحديث فقلت: يا ابن عباس و ما يوم الخميس فذكره عبد اللّه بن عباس يوم منع رسول اللّه من ذلك الكتاب، و كان يقول: الرّزية كلّ الرّزية ما حال بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بين كتابه.

و ثانيها حديث التخلّف عن جيش اسامة، فانّ أبا بكر و عمر و عثمان كانوا من جيشه، و قد كرّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا اشتدّ مرضه الأمر بتجهيز جيشه و لعن المتخلّف عنه فتأخّروا عنه و اشتغلوا بعقد البيعة فى سقيفة بني ساعدة و خالفوا أمره، و شملهم اللّعن و ظهر أنّهم لا يصلحون للخلافة.

قال أصحابنا: و لو تنزّلنا عن هذا المقام و قلنا بما ادّعاه بعضهم من عدم كون أبي بكر من الجيش نقول: لا خلاف أنّ عمر منهم، و قد منعه أبو بكر من النّفوذ معهم، و هذا كالأوّل في كونه معصية و مخالفة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،اما انّهم كانوا من جيش اسامة، فقد رواه علم الهدى في الشّافي بطرق كثيرة من العامّة.
قال ره: إنّ كون أبي بكر في جيش أسامة قد ذكره أصحاب السير و التواريخ.

قال: و قد روى البلادرى فى تاريخه و هو معروف ثقة كثير الضّبط و برى‏ء من ممائلة الشيعة: إنّ أبا بكر و عمر كانا معا في جيش اسامة و اورد روايات اخر من أراد الاطلاع عليها فعليه بالمراجعة إلى الكتاب المذكور، و ستطلع عليه ممّا نحكيه عن المفيد في الارشاد في الطعن الاتى.
و أما تخلّفهم عن الجيش فلا ينازع فيه أحد.
و أما أنّ ذلك قادح في خلافتهم و موجب للطعن عليهم، فلاستحقاقهم بسبب التخلف للّعن الصّريح من اللّه و من رسوله، و الملعون لا يصلح للامامة.

أمّا اللعن من اللّه فانّهم لمّا خالفوا أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بعد تأكيده و تكريره آذوه فيدخلون في عموم قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ و قوله وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ و أمّا لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فلما رواه الشهرستانى في كتاب الملل و النّحل عند ذكر الاختلافات الواقعة في مرض النّبي صلّى اللّه عليه و آله: الخلاف الثاني أنه قال جهّزوا جيش اسامة لعن اللّه من تخلّف عن جيش اسامة، فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره و اسامة قد برز من المدينة، و قال قوم: قد اشتدّ مرض النّبي فلا تسع قلوبنا لمفارقته و الحال هذه، فنصبر حتى نبصر أىّ شي‏ء يكون من أمره.

و ثالثها صلاة أبي بكر بالناس و عدم إقرار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عليها دليل على عدم قابليّته للامامة في الصلاة فكيف بامامة الامّة قال المفيد في كتاب الارشاد في قصّة وفاة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: و استمرّ به المرض في بيت عايشة أيّاما و ثقل فجاء بلال عند صلاة الصّبح و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مغمور بالمرض فنادى: الصلاة رحمكم اللّه، فاوذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بندائه فقال: يصلّي بالناس بعضهم فانّي مشغول بنفسي فقالت عايشة: مروا أبا بكر،و قالت حفصة: مروا عمر، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين سمع كلامهما و رأى حرص كلّ واحدة منهما على التنويه بأبيها و افتنانهما بذلك و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيّ: اكففن فانّكنّ صويحبات يوسف ثمّ قام عليه السّلام مبادرا خوفا من تقدّم أحد الرّجلين، و قد كان أمرهما بالخروج مع اسامة و لم يك عنده أنّهما قد تخلّفا، فلمّا سمع من عايشة و حفصة ما سمع علم أنهما متأخّران عن أمره، فبدر لكفّ الفتنة و إزالة الشّبهة فقام عليه الصلاة و السلام و أنه لا يستقلّ على الأرض من الضّعف، فأخذ بيده عليّ بن أبي طالب و الفضل بن العباس فاعتمد عليهما و رجلاه تخطان الأرض من الضّعف.

فلمّا خرج إلى المسجد وجد أبا بكر قد سبق إلى المحراب فأومأ إليه بيده أن تأخّر عنه، فتأخّر أبو بكر، و قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مقامه، فكبّر و ابتدء الصلاة الّتي كان قد ابتدأها و لم يبن على ما مضى من أفعاله، فلمّا سلّم انصرف إلى منزله.

و استدعا أبا بكر و عمر و جماعة ممّن حضر بالمسجد من المسلمين ثمّ قال: أ لم آمركم أن تنفذوا جيش اسامة فقالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: فلم تأخّرتم عن أمرى قال أبو بكر: إني خرجت ثمّ رجعت لاجدّد بك عهدا، و قال عمر: يا رسول اللّه إنّى لم أخرج لأنّنى لم أحبّ أن أسأل عنك الرّكب، فقال النّبي صلّى اللّه عليه و آله نفّذوا جيش اسامة يكرّرها ثلاث مرات.

ثمّ اغمي عليه من التّعب الذى لحقه و الأسف الذى ملكه فمكث هنيئة مغمى عليه، و بكى المسلمون و ارتفع النحيب من أزواجه و ولده و ساء المسلمين و جميع من حضر من المسلمين، فأفاق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فنظر إليهم.

ثمّ قال: ايتونى بدواة و كتف لأكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبدا، ثمّ اغمى عليه فقام بعض من حضره يلتمس دواة و كتفا فقال له عمر: ارجع فانّه يهجر فرجع و ندم من حضر على ما كان منهم من التّضجيع«» في احضار الدّواة و الكتف و تلاوموا بينهم و قالوا: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون لقد أشفقنا من خلاف رسول‏اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

فلما أفاق قال بعضهم: أ لا نأتيك بدواة و كتف يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: أ بعد الذى قلتم لا، و لكنّي اوصيكم بأهل بيتى خيرا و أعرض بوجهه عن القوم فنهضوا، انتهى ما أهمّنا نقله من كلامه رضي اللّه عنه.
و قد ذكرناه بطوله لأنّه قد ثبت أنه ثقة مقبول الكلام عند العامة و الخاصة لا مغمز فيه لأحد و لا يطعن بالعصبيّة و الهوى.

ثمّ أقول: يا اولى الأبصار انظروا بنظر الانصاف و الاعتبار إلى سوء حركات هؤلاء الأوغاد الأشرار كيف آذوا رسول اللّه في تلك الحال و قد استولت عليه غمرات الأمراض و الالام و طوارق الأوجاع و الأسقام، و لم يتركوه و حاله ليستريح في فراشه و يشغل بنفسه، حتى ألجئوه إلى الخروج إلى المسجد و رجلاه يخطان الأرض و كابدوه الغصص بالتخلف عن الجيش و نسبوه إلى الهذيان عند طلب الكتف و الدواة لعنهم اللّه و أبعدهم و عذّبهم عذابا أليما.

رابعها إنكار عمر لموته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بلوغه في الجهل إلى حيث لم يعلم بأنّ كلّ نفس ذائقة الموت و أنه يجوز الموت عليه و أنّه اسوة الأنبياء في ذلك، فقال: و اللّه ما مات حتّى يقطع أيدي رجال و أرجلهم، فقال له أبو بكر أما سمعت قول اللّه عزّ و جلّ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ و قوله تعالى وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ.

قال: فلمّا سمعت ذلك أيقنت بوفاته و سقطت إلى الأرض و علمت أنه قد مات فمن بلغ من غاية الجهل إلى هذه المرتبة كيف يليق بالخلافة الكلّية و الرّياسة الإلهيّة

الثانيلما كان هذه الخطبة الشريفة التي نحن في شرحها مسوقة لذكر مناقبه‏و خصائصه الجميلة المخصوصة به المفيدة لكونه أحقّ و أولى بالخلافة و الامامة من غيره، أحببت أن اورد رواية متضمنة لجلّ كراماته و بيناته التي لم يشركه فيها أحد تأكيدا للغرض المسوق له الخطبة الشريفة و تكميلا له و هو: ما رواه في البحار من الخصال عن القطان و السنان و الدقاق و المكتب و الوراق جميعا عن ابن زكريّا القطان عن ابن حبيب عن ابن بهلول عن سليمان بن حكيم عن ثور بن يزيد عن مكحول قال: قال أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب عليه السّلام: لقد علم المستحفظون من أصحاب النبيّ محمّد صلّى اللّه عليه و آله أنه ليس فيهم رجل له منقبة إلّا و قد شركته فيها و فضلته، و لى سبعون منقبة لم يشركني فيها أحد منهم، قلت: يا أمير المؤمنين فأخبرني بهنّ فقال عليه السّلام: إنّ أول منقبة لي أنّي لم اشرك باللّه طرفة عين و لم أعبد اللّات و العزّى و الثانية أنّي لم أشرب الخمر قطّ.

و الثالثة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله استوهبنى من أبى في صباى فكنت أكيله و شريبه و مونسه و محدّثه.
و الرابعة أنّي أوّل الناس ايمانا و اسلاما.
و الخامسة: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: يا علي أنت منّى بمنزلة هارون من موسى إلّا أنه لا نبيّ بعدي و السادسة أنّي كنت آخر الناس عهدا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و وليته في حفرته.

و السابعة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أنا مني على فراشه حيث ذهب إلى الغار و سجّانى ببرده فلما جاء المشركون ظنّوني محمّدا فأيقظوني و قالوا: ما فعل صاحبك فقلت: ذهب في حاجته، فقالوا: لو كان هرب لهرب هذا معه.

و أما الثامنة فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم علّمني ألف باب من العلم يفتح كلّ باب ألف باب، و لم يعلّم ذلك أحدا غيري.
و أما التاسعة فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لي: يا عليّ إذا حشر اللّه عزّ و جل الأوّلين و الاخرين نصب لي منبرا فوق منابر النّبيّين و نصب لك منبرا فوق منابر الوصيّين‏فترتقى عليه

و أما العاشرة فانّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: لا اعطى في القيامة شيئا إلّا سألت لك مثله.

و أما الحادية عشرة فانّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: أنت أخي و أنا أخوك يدك في يدي حتّى ندخل الجنّة.
و أما الثانية عشرة فانّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: يا عليّ مثلك في امّتي كمثل سفينة نوح من ركبهافترتقى عليه و أما العاشرة فانّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: لا اعطى في القيامة شيئا إلّا سألت لك مثله.

و أما الحادية عشرة فانّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: أنت أخي و أنا أخوك يدك في يدي حتّى ندخل الجنّة.
و أما الثانية عشرة فانّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: يا عليّ مثلك في امّتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجى و من تخلّف عنها غرق.

و أما الثالثة عشرة فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عمّمني بعمامة نفسه بيده و دعى لي بدعوات النّصر على أعداء اللّه فهزمتهم باذن اللّه عزّ و جلّ.

و أما الرابعة عشرة فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أمرنى أن امسح يدي على ضرع شاة قد يبس ضرعها فقلت: يا رسول اللّه بل امسح أنت، فقال: يا عليّ فعلك فعلي، فمسحت عليها يدي فدرّ علىّ من لبنها فسقيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله شربة، ثمّ أتت عجوز فشكت الظماء فسقيتها فقال رسول اللّه: انّى سألت اللّه عزّ و جلّ أن يبارك فى يدك ففعل

و أما الخامسة عشرة فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أوصى إليّ و قال: يا عليّ لا يلي غسلي غيرك، و لا يواري عورتي غيرك، فانّه إن رأى عورتي غيرك تفقأت عيناه، فقلت له: كيف لي بتقليبك يا رسول اللّه فقال: إنّك ستعان، فو اللّه ما أردت أن اقلّب عضوا من أعضائه إلّا قلب لي.

و أما السادسة عشرة فانّى أردت أن أجرّده عليه السّلام فنوديت: يا أخ «وصىّ خ» محمّد لا تجرّده فغسلته و القميص عليه، فلا و اللّه الذي أكرمه بالنّبوة و خصّه بالرسالة ما رأيت له عورة خصّنى اللّه بذلك من بين أصحابه.

و أما السابعة عشرة فانّ اللّه عزّ و جلّ زوّجني فاطمة و قد كان خطبها أبو بكر و عمر، فزوّجنى اللّه من فوق سبع سماواته فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: هنيئا لك يا علي فانّ اللّه عزّ و جلّ قد زوّجك فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة و هي بضعة منّى فقلت: يا رسول اللّه أ و لست منك قال: بلى يا عليّ أنت منّى و أنا منك كيميني من شمالي لا أستغنى عنك‏في الدّنيا و الاخرة.

و أما الثامنة عشرة فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: يا عليّ أنت صاحب لواء الحمد في الاخرة و أنت يوم القيامة أقرب الخلايق منّي مجلسا يبسط لي و يبسط لك فأكون في زمرة النّبيّين و تكون فى زمرة الوصيّين، و يوضع على رأسك تاج النّور و اكليل الكرامة يحف بك سبعون ألف ملك حتّى يفرغ اللّه عزّ و جلّ من حساب الخلايق

و أما التاسعة عشرة فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لي: ستقاتل النّاكثين و القاسطين و المارقين فمن قاتلك منهم فانّ لك بكلّ رجل منهم شفاعة في مأئة ألف من شيعتك فقلت يا رسول اللّه فمن الناكثون قال: طلحة و الزبير سيبايعانك بالحجاز و ينكثانك بالعراق فاذا فعلا ذلك فحاربهما فانّ في قتالهما طهارة لأهل الأرض، قلت: فمن القاسطون قال: معاوية و أصحابه، قلت: فمن المارقون قال: أصحاب ذو الثّدية و هم يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرمية فاقتلهم فانّ في قتلهم فرجا لأهل الأرض و عذابا مؤجّلا عليهم و ذخرا لك عند اللّه عزّ و جلّ يوم القيامة.

و أما العشرون فانّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: مثلك في امتي مثل باب حطة في بني إسرائيل فمن دخل في ولايتك فقد دخل الباب كما أمره اللّه عزّ و جلّ

و أما الحادية و العشرون فانّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: أنا مدينة العلم و عليّ بابها و لن يدخل المدينة إلّا من بابها، ثمّ قال: يا عليّ إنّك سترعى ذمّتي و تقاتل على سنّتي و تخالفك امّتي.

و أما الثانية و العشرون فانّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: إنّ اللّه تبارك و تعالى خلق ابنيّ الحسن و الحسين من نور ألقاه إليك و إلى فاطمة، و هما يهتزّان كما يهتزّ القرطان إذا كانا في الاذنين، و نورهما متضاعف على نور الشهداء سبعين ألف ضعف، يا عليّ إنّ اللّه عزّ و جلّ قد وعدني أن يكرمهما كرامة لا يكرم بها أحدا ما خلا النبيّين و المرسلين.

و أما الثالثة و العشرون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أعطاني خاتمه في حياته و درعه و منطقه و قلّدني سيفه و أصحابه كلّهم حضور و عمّي العبّاس حاضر، فخصّني اللّه‏عزّ و جلّ بذلك دونهم.

و أما الرابعة و العشرون فانّ اللّه عزّ و جلّ أنزل على رسوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً فكان لي دينار فبعته بعشرة دراهم فكنت إذا ناجيت رسول اللّه اصدق قبل ذلك بدرهم، و و اللّه ما فعل هذا أحد من أصحابه قبلي و لا بعدي، فأنزل اللّه عزّ و جلّ أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الاية فهل تكون التّوبة إلّا من ذنب كان

و أما الخامسة و العشرون فانّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: الجنّة محرّمة على الأنبياء حتّى أدخلها أنا و هي محرّمة على الأوصياء حتى تدخلها أنت، يا علي إنّ اللّه تبارك و تعالى بشّرني فيك ببشرى لم يبشّر بها نبيا قبلي بشّرني بأنك سيّد الأوصياء و أنّ ابنيك الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة يوم القيامة.

و أما السادسة و العشرون فانّ جعفرا أخي الطيار في الجنّة مع الملائكة المزيّن بالجناحين من درّ و ياقوت و زبرجد.

و أما السابعة و العشرون فعمّى حمزة سيّد الشهداء.

و أما الثامنة و العشرون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: إنّ اللّه تعالى وعدني فيك وعدا لن يخلفه، جعلني نبيا و جعلك وصيا، و ستلقى من امّتي من بعدي ما لقى موسى من فرعون فاصبر و احتسب حتى تلقانى، فاوالي من والاك و اعادى من عاداك

و أما التاسعة و العشرون فانّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: يا عليّ أنت صاحب الحوض لا يملكه غيرك و سيأتيك قوم فيستسقونك فتقول: لا و لا مثل ذرّة، فينصرفون مسودّة وجوههم و سترد عليك شيعتي و شيعتك فتقول روّوا رواء مرويّين فيردون مبيّضة وجوههم.

و أما الثلاثون فانّي سمعته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: يحشر امتي يوم القيامة على خمس رايات: فأوّل راية ترد عليّ راية فرعون هذه الامة و هو معاوية، و الثانية مع سامرى هذه الامة عمرو بن العاص، و الثالثة مع جاثليق هذه الامة و هو أبو موسى الأشعري و الرابعة مع أبى الأعور السلمى، و أما الخامسة فمعك يا على تحتها المؤمنون و أنت‏إمامهم، ثمّ يقول اللّه تبارك و تعالى للأربعة: ارجعوا ورائكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرّحمة، و هم شيعتى و من والاني و قاتل معي الفئة الباغية و الناكثة عن الصراط، و باب الرحمة هم شيعتى، فينادى هولاء أ لم نكن معكم قالوا: بلى و لكنكم فتنتم أنفسكم و تربّصتم و ارتبتم و غرّتكم الأمانيّ حتّى جاء أمر اللّه و غرّكم باللّه الغرور، فاليوم لا يؤخذ منكم فدية و لا من الذين كفروا مأويكم النار هى موليكم و بئس المصير ثمّ ترد امتي و شيعتي فيروون من حوض محمّد صلّى اللّه عليه و آله و بيدي عصا عوسج اطرد بها أعدائي طرد غريبة الابل.

و أما الحادية و الثلاثون فانى سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: لو لا أن يقول فيك الغالون من امتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك قولا لا تمرّ بملاء من الناس إلّا أخذوا التراب من تحت قدميك يستشفون.

و أما الثانية و الثلاثون فانّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: إنّ اللّه تبارك و تعالى نصرنى بالرّعب فسألته أن ينصرك بمثله فجعل لك من ذلك مثل الذي جعله لى.

و أما الثالثة و الثلاثون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم التقم اذني و علّمني ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة فساق اللّه عزّ و جلّ ذلك إلى لسان نبيّه.

و أما الرابعة و الثلاثون فانّ النصارى ادّعوا أمرا فأنزل اللّه عزّ و جلّ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ فكانت نفسي نفس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و النساء فاطمة و الأبناء الحسن و الحسين، ثمّ ندم القوم فسألوا الاعفاء فأعفاهم، و الذى أنزل التوراة على موسى و الفرقان على محمّد لو باهلوا لمسخوا قردة و خنازير.

و أما الخامسة و الثلاثون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وجّهنى يوم بدر فقال: ايتنى بكفّ حصياة مجموعة فى مكان واحد، فأخذتها ثمّ شممتها فاذا هي طيبة تفوح منها رايحة المسك، فأتيته بها فرمى بها وجوه المشركين و تلك الحصيات أربع منها كن من الفردوس و حصاة من المشرق و حصاة من المغرب و حصاة من تحت العرش مع كلّ حصاة مأئة ألف ملك مددا لنا، لم يكرم اللّه عزّ و جلّ بهذه الفضيلة أحدا قبل و لا بعد.

و أما السادسة و الثلاثون فانّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: ويل لقاتلك انه أشقى من ثمود و من عاقر الناقة و إنّ عرش الرّحمن ليهتزّ لقتلك فابشر يا على فانك فى زمرة الصديقين و الشهداء و الصالحين.

و أما السابعة و الثلاثون فانّ اللّه تبارك و تعالى قد خصّنى من بين أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعلم النّاسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه و الخاص و العام، و ذلك ممّا منّ اللّه به عليّ و على رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قال لي الرّسول: يا عليّ إنّ اللّه عزّ و جلّ أمرني أن ادنيك و لا أقصيك«» و اعلمك و لا أجفوك و حقّ علىّ أن اطيع ربّي و حقّ عليك أن تعى.

و أما الثامنة و الثلاثون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعثنى بعثا و دعا لى بدعوات و اطلعنى على ما يجري بعده، فحزن لذلك بعض أصحابه صلّى اللّه عليه و آله و قال: لو قدر محمّد أن يجعل ابن عمّه نبيّا لجعله، فشرّفنى اللّه بالاطلاع على ذلك على لسان نبيّه.

و أما التاسعة و الثلاثون فانّى سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: كذب من زعم أنّه يحبّنى و يبغض عليّا، لا يجتمع حبّى و حبّه إلّا في قلب مؤمن، إنّ اللّه عزّ و جلّ جعل أهل حبّى و حبّك يا علي في أوّل زمرة السابقين إلى الجنّة، و جعل أهل بغضى و بغضك في أوّل الضالّين من امّتى إلى النار.

و أما الاربعون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وجّهنى في بعض الغزوات إلى ركيّ فاذا ليس فيه ماء، فرجعت إليه فأخبرته، فقال: أ فيه طين فقلت: نعم فقال: ايتني منه، فأتيت منه بطين فتكلّم فيه ثمّ قال: ألقه في الرّكيّ فألقيته فاذا الماء قد نبع حتّى امتلأ جوانب الرّكيّ، فجئت إليه فأخبرته فقال لي وفّقت يا عليّ و ببركتك نبع الماء، فهذه المنقبة خاصّة لي من دون أصحاب النّبي.

و أما الحادية و الاربعون فانّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: ابشر يا عليّ فانّ جبرئيل عليه السّلام أتانى فقال لي: يا محمّد إنّ اللّه تبارك و تعالى نظر إلى أصحابك فوجد ابن عمّك و ختنك على ابنتك فاطمة خير أصحابك، فجعله وصيّك و المؤدّي عنك.

و أما الثانية و الاربعون فانّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: ابشر يا عليّ فانّ منزلك في الجنّة مواجه منزلي، و أنت معي في الرّفيق الأعلى في أعلى عليّين، قلت: يا رسول اللّه و ما أعلى عليّون فقال: قبّة من درّة بيضاء لها سبعون ألف مصراع مسكن لي و لك يا علي.

و أما الثالثة و الاربعون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ رسخ حبّي في قلوب المؤمنين، و كذلك رسخ حبّك يا علي في قلوب المؤمنين و رسخ بغضي و بغضك في قلوب المنافقين، فلا يحبّك إلّا مؤمن تقي، و لا يبغضك إلّا منافق كافر.

و أما الرابعة و الأربعون فانّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: لن يبغضك من العرب إلّا دعىّ، و لا من العجم إلّا شقيّ، و لا من النساء إلّا سلقلقية.

و أما الخامسة و الاربعون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دعاني و أنا رمد العين فتفل في عينى و قال: اللّهمّ اجعل حرّها في بردها و بردها في حرّها، فو اللّه ما اشتكت عيني إلى هذه السّاعة.

و أما السادسة و الاربعون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أمر أصحابه و عمومته بسدّ الأبواب و فتح بابي بأمر اللّه عزّ و جلّ، فليس لأحد منقبة مثل منقبتي.

و أما السابعة و الاربعون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أمرني في وصيّته بقضاء ديونه و عداته، فقلت: يا رسول اللّه قد علمت أنّه ليس عندي مال، فقال: سيعينك اللّه فما أردت أمرا من قضاء ديونه و عداته إلّا يسّره اللّه لي حتّى قضيت ديونه و عداته و أحصيت ذلك فبلغ ثمانين ألفا و بقى بقيّة فأوصيت الحسن أن يقضيها.

و أما الثامنة و الاربعون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أتاني في منزلي و لم يكن طعمنا منذ ثلاثة أيام فقال: يا عليّ هل عندك من شي‏ء فقلت: و الذى أكرمك بالكرامة و اصطفاك بالرّسالة ما طعمت و زوجتى و ابناى منذ ثلاثة أيّام فقال النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يا فاطمة ادخلي البيت و انظري هل تجدين شيئا، فقالت: خرجت الساعة فقلت: يا رسول اللّه أدخله أنا فقال: ادخل باسم اللّه، فدخلت فاذا بطبق موضوع‏عليه رطب و جفنة من ثريد، فحملتها إلى رسول اللّه فقال صلّى اللّه عليه و آله: يا علي رأيت الرسول الذى حمل هذا الطعام فقلت: نعم، فقال: صفه لي، فقلت: من بين أحمر و أخضر و أصفر، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: تلك خطط جناح جبرئيل مكلّلة بالدرّ و الياقوت، فأكلنا من الثريد حتى شبعنا فما راى إلّا خدش أيدينا و أصابعنا، فخصّني اللّه عزّ و جلّ بذلك من بين أصحابه «الصحابة».

و أما التاسعة و الاربعون فانّ اللّه تبارك و تعالى خصّ نبيّه بالنّبوة، و خصّني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالوصيّة، فمن أحبّنى فهو سعيد يحشر في زمرة الأنبياء عليهم السّلام.

و أما الخمسون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعث ببراءة مع أبي بكر، فلمّا مضى أتى جبرئيل فقال: يا محمّد لا يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك، فوجّهني على ناقتة الغضباء، فلحقته بذي الحليفة فأخذتها منه، فخصّني اللّه عزّ و جلّ بذلك منه.

و أما الحادية و الخمسون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أقامني للنّاس كافّة يوم غدير خم فقال: من كنت مولاه فعلىّ مولاه، فبعدا و سحقا للقوم الظالمين.

و أما الثانية و الخمسون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: يا علي ألا اعلّمك كلمات علّمنيهنّ جبرئيل فقلت: بلى، قال: قل «يا رازق المقلّين و يا راحم المساكين و يا أسمع السّامعين و يا أبصر النّاظرين و يا أرحم الرّاحمين ارحمني و ارزقني».

و أما الثالثة و الخمسون فانّ اللّه تبارك و تعالى لن يذهب بالدّنيا حتّى يقوم منّا القائم يقتل و لا يقبل الجزية و يكسر الصليب و الأصنام و يضع الحرب أوزارها، و يدعو إلى أخذ المال فيقسمه بالسّوية و يعدل في الرّعية.

و أما الرابعة و الخمسون فانّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول: يا علىّ سيلعنك بنو اميّة و يردّ عليهم ملك بكلّ لعنة ألف لعنة، فاذا قام القائم عليه السّلام لعنهم أربعين سنة.

و أما الخامسة و الخمسون سمعت أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: سيفتتن فيك طوايف من امّتى فتقول: إنّ رسول اللّه لم يخلف شيئا فبما ذا أوصى عليّا، أو ليس كتاب ربّي أفضل الأشياء بعد اللّه عزّ و جلّ، و الذي بعثني بالحقّ لأن لم تجمعه باتقان‏لم يجمع أبدا، فخصّني اللّه عزّ و جلّ بذلك من دون الصّحابة.

و أما السادسة و الخمسون فانّ اللّه تبارك و تعالى خصّني بما خصّ به أولياءه و أهل طاعته، و جعلني وارث محمّد صلّى اللّه عليه و آله فمن ساءه ساءه، و من سرّه سرّه، و أومى بيده نحو المدينة.

و أما السابعة و الخمسون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان في بعض الغزوات ففقد الماء فقال لي: يا عليّ قم إلى هذه الصّخرة و قل: أنا رسول رسول اللّه انفجري إليّ ماء، فو اللّه الذي أكرمه بالنّبوة لقد أبلغتها الرّسالة فاطلع منها مثل ثدي البقر فسال من كلّ ثدي منها ماء، فلمّا رأيت ذلك أسرعت إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله فأخبرته فقال: انطلق يا عليّ فخذ من الماء، فجاء القوم حتّى ملاؤا قربهم و أدواتهم و سقوا دوابهم و شربوا و توضّؤا، فخصّني اللّه عزّ و جلّ بذلك من دون الصّحابة.

و أما الثامنة و الخمسون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أمرني في بعض غزواته و قد نفد الماء و قال: يا علي ايت بثور، فأتيته به فوضع يده اليمنى و يدي معها في الثور، فقال: انبع، فنبع الماء من بين أصابعنا.

و أما التاسعة و الخمسون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وجّهني إلى خيبر، فلما أتيته وجدت الباب مغلقا فزعزعته شديدا فقلعته و رميت به أربعين خطوة فدخلت، فبرز إليّ مرحب فحمل إليّ و حملت عليه و سقيت الأرض دمه، و قد كان وجّه رجلين من أصحابه فرجعا منكسفين

و أما الستون فانّي قتلت عمرو بن عبدود و كان يعدّ بألف رجل.

و أما الحادية و الستون فانّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: يا عليّ مثلك في امّتي مثل قل هو اللّه أحد، فمن أحبّك بقلبه فكأنّما قرء ثلث القرآن، و من أحبّك بقلبه و أعانك بلسانه فكأنّما قرء ثلثي القرآن، و من أحبّك بقلبه و لسانه و نصرك بيده فكأنّما قرء القرآن كلّه.

و أما الثانية و الستون فانّي كنت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في جميع المواطن‏و الحروب و كانت رايته معي.

و أما الثالثة و الستون فانّي لم أفرّ من الزّحف قطّ، و لم يبارزني أحد إلّا سقيت الأرض من دمه.

و أما الرابعة و الستون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم اتي بطير مشويّ من الجنّة فدعى اللّه عزّ و جلّ أن يدخل عليه أحبّ الخلق إليه، فوفّقني اللّه تعالى للدّخول عليه حتى أكلت معه من ذلك الطير.

و أما الخامسة و الستون فانّي كنت اصلّي في المسجد فجاء سائل فسأل و أنا راكع فناولته خاتمي من اصبعي، فأنزل اللّه تبارك و تعالى إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.

و أما السادسة و الستون فانّ اللّه تبارك و تعالى ردّ عليّ الشّمس مرّتين و لم يردّها على أحد من امّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله غيري.

و أما السابعة و الستون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أمر أن ادعى بامرة المؤمنين في حياته و بعد موته، و لم يطلق ذلك لأحد غيري

و أما الثامنة و الستون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال: يا عليّ إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: أين سيّد الأنبياء فأقوم، ثمّ ينادي أين سيّد الأوصياء فتقوم و يأتيني رضوان بمفاتيح الجنّة و يأتيني مالك بمقاليد النّار فيقولان: إنّ اللّه جلّ جلاله أمرنا أن ندفعها إليك و يأمرك أن تدفعها إلى عليّ بن أبي طالب، فتكون يا علي قسيم الجنّة و النّار.

و أما التاسعة و السبعون فانّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: لولاك ما عرف المنافقون من المؤمنين.

و أما السبعون فانّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نام و نومّنى و زوجتى فاطمة و ابنيّ الحسن و الحسين و ألقى علينا عباءة قطوانيّة فأنزل اللّه تبارك و تعالى إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً و قال جبرئيل: أنا منكم يا محمّد فكان سادسنا جبرئيل

الترجمة

از جمله خطب شريفه آن امام مبين است در ذكر مزيد اختصاص خود بحضرت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و أولويّت خود بخلافت مى‏ فرمايد: و البته دانسته ‏اند مطلعان بأسرار رسالت كه مامور بحفظ آن بودند أز صحابه محمّد صلّى اللّه عليه و آله اين كه بدرستى من ردّ ننموده ‏ام بر خداى تعالى و بر رسول او هر ساعتى فرمايش آنها را، و بتحقيق مواسات نمودم من با آن بزرگوار بنفس خودم در مواردى كه پس برمي گشتند در آنها شجاعان، و تأخير مى‏ نمودند در آنها قدمها بجهت سطوت و شجاعتى كه گرامى داشته بود خداى تعالى مرا بان.

و بتحقيق كه قبض شد روح پر فتوح حضرت رسالت ماب صلّى اللّه عليه و آله و سلّم در حالتى كه سر مبارك او بالاى سينه من بود، و بتحقيق كه سيلان نمود نفس نفيس آن بر گزيده پروردگار در دست من، پس كشيدم من آن را بر روى خودم.

و بتحقيق مباشر شدم غسل آن سيّد أبرار را صلّى اللّه عليه و آله و سلّم در حالتى كه ملائكه معين من بودند، پس ناله نمود خانه و اطراف خانه، جماعتى هبوط مى‏ كردند و جماعتى عروج مى ‏نمودند، و مفارقت نكرد قوّه سامعه من از صوت ايشان، نماز مى‏ كردند بر آن تا اين كه دفن كرديم و پنهان نموديم آن برگزيده ناس را در قبر خود پس كيست كه أولى باشد بأوأز من در حالت زندگى او و در حالت مردگى او پس بشتابيد بر بصيرتهاى خودتان و بايد كه با صدق رفتار نمائيد در جهاد دشمن خودتان.

پس قسم بپروردگارى كه نيست معبود بحقى غير از او، بدرستى كه من بر راه راست حقّم و بدرستى كه ايشان بر محلّ لغزش باطلند، مى‏ گويم آن چيزى را كه مى‏ شنويد و طلب مغفرت مي كنم از پروردگار عزّ و جلّ از براى خود و از براى شما

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 195 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 196 صبحی صالح

196- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  )

بعثة النبي‏

بَعَثَهُ حِينَ لَا عَلَمٌ قَائِمٌ وَ لَا مَنَارٌ سَاطِعٌ وَ لَا مَنْهَجٌ وَاضِحٌ

العظة بالزهد

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا دَارُ شُخُوصٍ وَ مَحَلَّةُ تَنْغِيصٍ سَاكِنُهَا ظَاعِنٌ وَ قَاطِنُهَا بَائِنٌ تَمِيدُ بِأَهْلِهَا مَيَدَانَ السَّفِينَةِ تَقْصِفُهَا الْعَوَاصِفُ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ

فَمِنْهُمُ الْغَرِقُ الْوَبِقُ وَ مِنْهُمُ النَّاجِي عَلَى بُطُونِ الْأَمْوَاجِ تَحْفِزُهُ الرِّيَاحُ بِأَذْيَالِهَا وَ تَحْمِلُهُ عَلَى أَهْوَالِهَا فَمَا غَرِقَ مِنْهَا فَلَيْسَ بِمُسْتَدْرَكٍ وَ مَا نَجَا مِنْهَا فَإِلَى مَهْلَكٍ عِبَادَ اللَّهِ الْآنَ فَاعْلَمُوا وَ الْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ وَ الْأَبْدَانُ صَحِيحَةٌ وَ الْأَعْضَاءُ لَدْنَةٌ وَ الْمُنْقَلَبُ فَسِيحٌ وَ الْمَجَالُ عَرِيضٌ قَبْلَ إِرْهَاقِ الْفَوْتِ وَ حُلُولِ الْمَوْتِ فَحَقِّقُوا عَلَيْكُمْ نُزُولَهُ وَ لَا تَنْتَظِرُوا قُدُومَهُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج12  

و من كلام له عليه السّلام و هو المأة و الخامس و التسعون من المختار فى باب الخطب

بعثه حين لا علم قائم، و لا منار ساطع، و لا منهج واضح. أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه، و أحذّركم الدّنيا فإنّها دار شخوص، و محلّة تنغيص، ساكنها ظاعن، و قاطنها بائن، تميد بأهلها ميدان السّفينة بأهلها، تقصفها العواصف في لجج البحار، فمنهم الغرق الوبق، و منهم النّاجي على متون الأمواج، تحفزه الرّياح بأذيالها، و تحمله على أهوالها، فما غرق منها فليس بمستدرك، و ما نجى منها فإلى مهلك. عباد اللّه الان فاعملوا و الألسن مطلقة، و الأبدان صحيحة، و الأعضاء لدنة، و المنقلب فسيح، و المجال عريض، قبل إرهاق الفوت، و حلول الموت، فحقّقوا عليكم نزوله، و لا تنتظروا قدومه.

اللغة

(العلم) محرّكة ما ينصب فى الطريق ليهتدى به و يقال أيضا للجبل أو الجبل المرتفع و الجمع أعلام و (المنار) موضع النور و المسرجة كالمنارة و أصلها منورة و جمعه مناور و ذو المنار أبرهة تبّع بن الرّايش لأنّه أوّل من ضرب المنار على طريقه في مغازيه ليهتدى به إذا رجع.

و (سطع) الشي‏ء من باب منع سطوعا ارتفع و (شخص) من باب منع أيضا شخوصا خرج من موضع إلى غيره و (نغص) الرّجل من باب فرح لم يتمّ مراده، و البعير لم يتمّ شربه و أنغص اللّه عليه العيش و نغّصه كدّره فتنغّصت معيشته تكدّرت.

و (قصفه) يقصفه قصفا كسره، و في بعض النّسخ تصفقها بدل تقصفها من الصّفق و هو الضّرب يسمع له صوت، و منه صفق يده على يده صفقا و صفقة أى ضرب يده على يده، و ذلك عند وجوب البيع.

و (اللّجج) جمع لجّة و هي معظم البحر و (غرق) غرقا من باب فرح فهو غرق و (وبق) من باب وعد و وجل و ورث و بوقا و موبقا هلك فهو وبق و (حفزه) يحفزه من باب ضرب دفعه من خلفه و بالرّمح طعنه و عن الأمر أزعجه و أعجله و حفز اللّيل النّهار ساقه و (اللّدن) و اللّدنة اللّين من كلّ شي‏ء و الجمع لدان ولدن بالضمّ، و الفعل لدن من باب كرم لدانة ولدونة أى لان و (رهقه) من باب فرح غشيه و لحقه أو دنا منه سواء أخذه أو لم يأخذه، و الارهاق أن يحمل الانسان على ما لا يطيقه.

الاعراب

جملة تحفزه في محلّ النّصب على الحال من النّاجي، و قوله: فالى مهلك‏متعلّق بمقدّر خبر ما، و قوله: الان، منصوب على الظّرف مقدّم على عامله و هو قوله: فاعلموا، و جملة: و الألسن مطلقة، مع الجملات الأربع التّالية في موضع النّصب حال من فاعل فاعملوا، و قوله: قبل ارهاق الفوت، يجوز تعلّقه بعريض و بقوله فاعلموا، و الأوّل أقرب لفظا، و الثاني أنسب معنا.

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة مسوقة للوصيّة بالتّقوى و التنفير من الدّنيا بذكر معايبها المنفرة عنها و للأمر بالأعمال الصّالحة و المبادرة إليها قبل لحوق الفوت و نزول الموت، و قبل أن يشرع في الغرض افتتح بذكر بعثة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله لكونها أعظم ما منّ اللّه به على عباده حيث إنّها مبدء جميع الالاء و النّعماء في الاخرة، و منشأ السعادة الدّائمة فقال عليه السّلام: (بعثه حين لا علم) من أعلام الدّين (قائم) و استعاره للأنبياء و المرسلين لأنّه يستدلّ بهم في سلوك طريق الاخرة كما يستدلّ بالأعلام في طرق الدّنيا (و لا منار) للشّرع المبين (ساطع) استعاره لأولياء الدّين و قادة اليقين لأنّه يهتدى بهم و يقتبس من علومهم و أنوارهم في ظلمات الجهالة كما يهتدى بالمنار في ورطات الضلالة.

و أشار بعدم سطوع المنار و قيام العلم إلى خلوّ الأرض من الرّسل و الحجج و انقطاع الوحى حين بعثه صلّى اللّه عليه و آله، لأنّه كان زمان فترة كما قال عليه السّلام في الخطبة الثامنة و الثمانين: أرسله على حين فترة من الرّسل و طول هجعة من الامم «إلى قوله» و الدّنيا كاسفة النّور ظاهرة الغرور، و قد مضى في شرحها ما ينفعك المراجعة إليه في هذا المقام.

(و لا منهج) لليقين (واضح) و أشار به إلى اندراس نهج الحقّ و انطماس طريق السّلوك إلى اللّه و كون النّاس في خبط و ضلالة و غفلة و جهالة.

ثمّ شرع بالوصيّة بالتقوى و التّحذير من الدّنيا فقال (اوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه) فانّها اليوم الحرز و الجنّة و غدا الطريق إلى الجنّة (و أحذّركم الدّنيا فانّها) ظلّ زائل وضوء آفل و سناد مائل (دار شخوص) و ارتحال (و محلّة تنغيص) و تكدير لتكدّر عيشه بالالام و الأسقام (ساكنها ظاعن) مرتحل (و قاطنها بائن) مفترق يعني انّ السّاكن فيها ليس بساكن في الحقيقة، و المقيم بها منتقل عنها البتّة و ذلك لما بيّنا في تضاعيف شرح الخطب السّابقة أنها في الحقيقة سفر الاخرة و هى الوطن الأصلي للانسان فهو من أوّل يوم خرج من بطن امّه و وضع قدمه في هذه النشأة دائما في حركة و ازيال و ازداف و انتقال و ينقضي عمره شيئا فشيئا يبعد من المبدأ و يقرب من المنتهى فسكونها نفس زوالها، و اقامتها نفس ارتحالها، و بقاؤها عين انتقالها و وجودها حدوثها، و تجدّدها فناؤها، فانّها عند ذوى العقول كفى‏ء الظل، بينا تراه سابغا حتّى قلص، و زايدا حتّى نقص.

ثمّ ضرب للدّنيا و أهلها مثلا عجيبا بقوله (تميد بأهلها ميدان السّفينة بأهلها) حال كونها (تقصفها) القواصف و تصفقها (العواصف) من الرّياح (في لجج البحار) الغامرات المتلاطمة التيّار المتراكمة الزّخار، و هو من تشبيه المركب بالمركب على حدّ قول الشاعر:

         و كأنّ أجرام النجوم طوالعا            درر نشرن على بساط أزرق‏

شبّه عليه السّلام الدّنيا بالسّفينة التّي في اللّجج حال كونها تضربها الرّياح الشديدة العاصفة و شبّه أهل الدّنيا بأهل السّفينة، و شبه تقلّباتها بأهلها بالهموم و الأحزان و الغموم و المحن بميدان السفينة و اضطرابها بأهلها، و شبّه الأمراض و الالام و العلل و الأسقام و نحوها من الابتلاءات الدّنيويّة الموجبة للهموم و الغموم بالرّياح العاصفة الموجبة لاضطراب السّفينة، و وجه الشّبه أنّ راكبى السّفينة في لجج البحار الغامرة عند هبوب الرّيح العاصفة و الزعزع القاصفة كما لا ينفكّون من علز القلق و غصص الجرض، فكذلك أهل الدّنيا لا ينفكّون من مقاسات الشدائد و ألم المضض.

و أيضا (ف) كما أنّ راكبى السّفينة بعد ما انكسرت بالقواصف على قسمين: قسم (منهم الغرق الوبق) الهالك في غمار البحر (و) قسم (منهم النّاجي) من الغرق على بعض أخشاب السّفينة و ألواحها (على متون الأمواج) المتلاطمة المتراكمة (تحفزه) و تدفعه (الرّياح) العاصفة و الزّعازع القاصفة (بأذيالها) من جنب إلى جنب (و تحمله على أهوالها) و تسوقه من رفع إلى خفض و من خفض إلى رفع.

فكذلك أهل الدّنيا ينقسم إلى قسمين: أحدهما الهالك عاجلا بغمرات الالام و طوارق الأوجاع و الأسقام، و الثّاني النّاجي من الهلاك بعد مكابدة تعب الأمراض و مقاساة مرارة العلل.

و أيضا (ف) كما أنّ (ما غرق منها) أى من السّفينة و أراد به الغريق من أهلها مجازا (فليس بمستدرك) أى ممكن التدارك (و ما نجى منها) أى النّاجي من أهلها (ف) عاقبته (إلى مهلك) أى إلى الهلاك و إن عاش يسيرا.

فكذلك أهل الدّنيا من مات منهم لا يتدارك و لا يعود، و من حصل له البرء و الشفاء من مرضه و نجا من الموت عاجلا فماله إليه لا محالة آجلا و إن تراخى أجله قليلا.

و الغرض من هذه التشبيهات كلّها التّنفير عن الدّنيا و التنبيه على قرب زوالها و تكدّر عيشها و مرارة حياتها ليرغب بذلك كلّه إلى العمل للدّار الاخرة، و لذلك فرّع عليه قوله: (عباد اللّه الان فاعملوا) أى بادروا العمل و استقربوا الأجل و لا يغرّنّكم طول الأمل (و الألسن مطلقة) متمكنة من التّكلم بما هو فرضها من القراءة و الذكر و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و نحوها قبل ثقلها و اعتقالها بالمرض الحايل بينها و بين منطقها كما في حالة الاحتضار.

(و الأبدان صحيحة) مقتدرة على الاتيان بالتكاليف الشّرعيّة قبل سقمها و عجزها منها.

(و الأعضاء) و الجوارح (لدنة) لينة ببضاضة الشّباب و غضارة الصحّة قادرة على‏القيام بالطاعات و الحسنات قبل يبسها بنوازل السقم و عجزها بحوانى الهرم.

(و المنقلب فسيح) أى محلّ الانقلاب و التصرّف وسيع، لأنّ الخناق مهمل و الروح مرسل في راحة الاجساد و باحة الاحتشاد.

(و المجال عريض) لانفساح الحوبة و إمكان تدارك الذنوب بالتوبة قبل الضنك و الضيق و الرّوع و الزهوق.

و (قبل إرهاق الفوت) و قدوم الغائب المنتظر (و حلول الموت) و أخذة العزيز المقتدر.

(فحقّقوا عليكم نزوله) و لا تستبطئوه (و لا تنتظروا قدومه) و لا تسوّفوه، و هو أمر بالاستعداد للموت و المبادرة الى أخذ الزّاد له و لما بعده يقول: إنّ الموت قد أظلكم و أشرف عليكم فكأنّه قد أدرككم و نزل إلى ساحتكم فلا يغرّنكم الأمل و لا يطولنّ بكم الأمد، فبادروا إلى الصّالحات و استبقوا الخيرات و سارعوا إلى مغفرة من ربّكم و جنّة عرضها الأرض و السموات، نسأل اللّه سبحانه أن يجعلنا و إياكم ممّن لا يغرّه الامال، و لا تلهيه الامنيّات، انّه الموفّق و المعين.

الترجمة

از جمله كلام بلاغت نظام آن حضرتست در اشارت به بعثت و وصيّت بتقوى و تحذير از دنيا مى‏ فرمايد: مبعوث فرمود حضرت پروردگار رسول مختار را در زمانى كه نبود هيچ علمى بر پا، و نه مناره بلند، و نه راهى روشن وصيّت مى‏ كنم شما را أى بندگان خدا بتقوى و پرهيزكارى خدا، و مى‏ ترسانم شما را از دنياى بيوفا، پس بدرستى كه آن دنيا خانه رحلت است و محلّه كدورت، ساكن او كوچ كننده است، و مقيم او جدا شونده، مضطرب مى‏ شود بأهل خود مثل اضطراب كشتى در حالتى كه سخت بوزد به آن كشتى تند بادها در گردابهاى درياها، پس‏ بعضى از اهل آن كشتى غرق و هلاك شونده باشد، و بعضى ديگر نجات يابنده بر بالاى موجها در حالتى كه براند او را بادها با دامنهاى خود، و بر دارد او را به جاهاى هولناك دريا، پس كسى كه غرق شده از آن كشتى درك نمى‏شود، و كسى كه نجات يافته از آن پس عاقبت كار او بهلاكت است.

اى بندگان خدا پس مواظب عمل باشيد اين زمان در حالتى كه زبانها سلامت است، و بدنها صحيح است، و عضوها تر و تازه، و مكان تصرّف وسيع است و مجال عبادت فراخ، پيش از احاطه وفات و حلول ممات، پس محقق انكاريد بخودتان حلول آن را، و منتظر نباشيد بقدم و آمدن آن.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 194 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)

خطبه 195 صبحی صالح

195- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) يحمد اللّه و يثني على نبيه و يعظ

حمد اللّه‏

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْهَرَ مِنْ آثَارِ سُلْطَانِهِ وَ جَلَالِ كِبْرِيَائِهِ مَا حَيَّرَ مُقَلَ الْعُقُولِ مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَتِهِ وَ رَدَعَ خَطَرَاتِ هَمَاهِمِ النُّفُوسِ عَنْ عِرْفَانِ كُنْهِ صِفَتِهِ

الشهادتان‏

وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ شَهَادَةَ إِيمَانٍ وَ إِيقَانٍ وَ إِخْلَاصٍ وَ إِذْعَانٍ

وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ أَرْسَلَهُ وَ أَعْلَامُ الْهُدَى دَارِسَةٌ وَ مَنَاهِجُ الدِّينِ طَامِسَةٌ فَصَدَعَ بِالْحَقِّ وَ نَصَحَ لِلْخَلْقِ‏وَ هَدَى إِلَى الرُّشْدِ وَ أَمَرَ بِالْقَصْدِ ( صلى ‏الله‏ عليه ‏وآله ‏وسلم  )

العظة

وَ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً وَ لَمْ يُرْسِلْكُمْ هَمَلًا عَلِمَ مَبْلَغَ نِعَمِهِ عَلَيْكُمْ وَ أَحْصَى إِحْسَانَهُ إِلَيْكُمْ

فَاسْتَفْتِحُوهُ وَ اسْتَنْجِحُوهُ وَ اطْلُبُوا إِلَيْهِ وَ اسْتَمْنِحُوهُ فَمَا قَطَعَكُمْ عَنْهُ حِجَابٌ وَ لَا أُغْلِقَ عَنْكُمْ دُونَهُ بَابٌ

وَ إِنَّهُ لَبِكُلِّ مَكَانٍ وَ فِي كُلِّ حِينٍ وَ أَوَانٍ وَ مَعَ كُلِّ إِنْسٍ وَ جَانٍّ

لَا يَثْلِمُهُ الْعَطَاءُ وَ لَا يَنْقُصُهُ الْحِبَاءُ وَ لَا يَسْتَنْفِدُهُ سَائِلٌ وَ لَا يَسْتَقْصِيهِ نَائِلٌ

وَ لَا يَلْوِيهِ شَخْصٌ عَنْ شَخْصٍ وَ لَا يُلْهِيهِ صَوْتٌ عَنْ صَوْتٍ وَ لَا تَحْجُزُهُ هِبَةٌ عَنْ سَلْبٍ وَ لَا يَشْغَلُهُ غَضَبٌ عَنْ رَحْمَةٍ وَ لَا تُولِهُهُ رَحْمَةٌ عَنْ عِقَابٍ وَ لَا يُجِنُّهُ الْبُطُونُ عَنِ الظُّهُورِ وَ لَا يَقْطَعُهُ الظُّهُورُ عَنِ الْبُطُونِ

قَرُبَ فَنَأَى وَ عَلَا فَدَنَا وَ ظَهَرَ فَبَطَنَ وَ بَطَنَ فَعَلَنَ وَ دَانَ وَ لَمْ يُدَنْ

لَمْ يَذْرَأِ الْخَلْقَ بِاحْتِيَالٍ وَ لَا اسْتَعَانَ بِهِمْ لِكَلَالٍ

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا الزِّمَامُ وَ الْقِوَامُ

فَتَمَسَّكُوا بِوَثَائِقِهَا وَ اعْتَصِمُوا بِحَقَائِقِهَا تَؤُلْ بِكُمْ إِلَى أَكْنَانِ الدَّعَةِ وَ أَوْطَانِ السَّعَةِ وَ مَعَاقِلِ الْحِرْزِ وَ مَنَازِلِ الْعِزِّ فِي‏ يَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُوَ تُظْلِمُ لَهُ الْأَقْطَارُ وَ تُعَطَّلُ فِيهِ صُرُومُ الْعِشَارِ

وَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَزْهَقُ كُلُّ مُهْجَةٍ وَ تَبْكَمُ كُلُّ لَهْجَةٍ وَ تَذِلُّ الشُّمُّ الشَّوَامِخُ وَ الصُّمُّ الرَّوَاسِخُ فَيَصِيرُ صَلْدُهَا سَرَاباً رَقْرَقاً وَ مَعْهَدُهَا قَاعاً سَمْلَقاً فَلَا شَفِيعٌ يَشْفَعُ وَ لَا حَمِيمٌ يَنْفَعُ وَ لَا مَعْذِرَةٌ تَدْفَعُ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج12  

و من خطبة له عليه السّلام و هى المأة و الرابعة و التسعون من المختار فى باب الخطب

الحمد للّه الّذي أظهر من آثار سلطانه و جلال كبريائه ما حيّرمقل العيون من عجائب قدرته، و ردع خطرات هماهم النّفوس عن عرفان كنه صفته، و أشهد أن لا إله إلّا اللّه شهادة إيمان و إيقان، و إخلاص و إذعان، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، أرسله و أعلام الهدى دارسة، و مناهج الدّين طامسة، فصدع بالحقّ، و نصح للخلق و هدى إلى الرّشد، و أمر بالقصد صلّى اللّه عليه و آله.

و اعلموا عباد اللّه أنّه لم يخلقكم عبثا، و لم يرسلكم هملا، علم مبلغ نعمه عليكم، و أحصى إحسانه إليكم، فاستفتحوه، و استنجحوه، و اطلبوا إليه، و استمنحوه، فما قطعكم عنه حجاب، و لا أغلق عنكم دونه باب، و إنّه لبكلّ مكان، و في كلّ حين و أوان «زمان خ»، و مع كلّ إنس و جانّ، لا يثلمه العطاء، و لا ينقصه الحباء، و لا يستنفده سائل، و لا يستقصيه نائل، و لا يلويه شخص عن شخص، و لا يلهيه صوت عن صوت، و لا تحجزه هبة عن سلب، و لا يشغله غضب عن رحمة، و لا تولهه رحمة عن عقاب، و لا يجنّه البطون عن الظّهور، و لا يقطعه الظّهور عن البطون، قرب فناى، و علا فدنى، و ظهر فبطن، و بطن فعلن، و دان و لم يدن، لم يذرء الخلق باحتيال و لا استعان بهم لكلال.

أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه، فإنّها الزّمام و القوام، فتمسّكوا بوثائقها، و اعتصموا بحقائقها، تؤل بكم إلى أكنان الدّعة، و أوطان السّعة، و معاقل الحرز، و منازل العزّ، في يوم تشخص فيه الأبصار، و تظلم له الأقطار، و تعطّل فيه صروم العشار، و ينفخ في الصّور فتزهق كلّ مهجة، و تبكم كلّ لهجة، و تذلّ الشّمّ الشّوامخ، و الصّمّ الرّواسخ، فيصير صلدها سرابا رقرقا، و معهدها قاعا سملقا، فلا شفيع يشفع، و لا حميم يدفع، و لا معذرة تنفع.

اللغة

(المقل) جمع مقلة كغرف و غرفة و هى شحمة العين الّتي تجمع سوادها و بيضها و (الهمهمة) الكلام الخفي أو صوت يسمع و لا يفهم محصوله و تردّد الزئير في الصّدر من الهمّ و نحوه، قاله في القاموس أقول: و الزئير مأخوذ من الزئر و هو ترديد الصّوت في الجوف ثمّ مدّه، و يطلق الزئير على صوت الأسد من صدره و على كلّ صوت فيه بحح كصوت الفيلة و نحوها.

و (طمست) الشي‏ء طمسا محوته و طمس هو يتعدّى و لا يتعدّي و طمس الطريق درست و (الجانّ) اسم جمع للجنّ و أبو الجنّ و (استمنحوه) بالنّون من المنحة و هى العطيّة و في بعض النّسخ بالياء يقال استمحت الرّجل طلبت عطاءه و محت الرّجل أعطيته و (الثّلمة) في الحائط و غيره الخلل و الجمع ثلم كغرفة و غرف و (نفد) الشي‏ء ينفد من باب تعب نفادا فنى و انقطع و أنفدته أفنيته و (النّائل)العطاء كالنوال و النّال و (سلبت) ثوب زيد من باب قتل أخذته و السّلب بالتحريك الاختلاس و اسم لما يسلب و منه الحديث من قتل قتيلا فله سلبه.

و قوله (و لا يجنه البطون عن الظهور و لا يقطعه الظهور عن البطون) هكذا في نسخة الشّارح المعتزلي بتذكير الفعلين، و عليها فالبطون و الظهور مصدر بطن و ظهر، و في بعض النّسخ بتأنيثهما و على ذلك فلا بدّ من جعلهما جمعا للبطن و الظهر كما هو مقتضى القواعد الأدبيّة.

و (الدّين) الجزاء و منه الحديث كما تدين تدان أى كما تجازى تجازى بما فعلت و يقال أيضا على القهر و الغلبة قال ابن الأثير: و منه الحديث كان عليّ عليه السّلام ديّان هذه الامّة أى قاهرهم على الطّاعة و في القاموس الدّين الحساب و القهر و الغلبة و الاستعلاء و السّلطان و الملك و الحكم.

و (الكلال) العجز و الاعياء و (الاكنان) جمع كن و هو السّتر يستر من الحرّ و البرد قال تعالى مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً و (المعاقل) جمع معقل و هو الملجأ.

و (الصّروم) إمّا جمع صرمة بالكسر القطعة من الابل ما بين العشرة إلى الأربعين و القطعة من السّحاب و تجمع على صرم مثل سدرة و سدر و إمّا جمع صرم و هى الطّائفة المجتمعة من القوم ينزلون بابلهم ناحية من الماء و يجمع على أصرام مثل حمل و أحمال، أو جمع صرماء و هى النّاقة القليلة اللّبن، و تجمع على صرم وزان قفل و الأخير أظهر.

و (العشار) من الابل النّوق أتى عليها من يوم ارسل الفحل فيها عشرة شهر فزال عنها اسم المخاض و لا يزال ذلك اسمها حتّى تضع، و الواحدة عشراء، و قال الفيروز آبادى و العشراء من النّوق الّتى مضى لحملها عشرة أشهر أو ثمانية أو هى كالنّفساء من النساء و الجمع عشراوات و عشار، أو العشار اسم يقع على النّوق حتّى تنتج بعضها و بعضها ينتظر نتاجها.

(و الشمّ) جمع اشم يقول جبل اشم أى فيه شمم و ارتفاع و رجل اشم أى بأنفه ارتفاع قال في القاموس و (رقرقان) السّراب بالضم ما ترقرق منه أى تحرّك‏ و الرّقراقة التي كان الماء يجرى فى وجهها و (القاع) الأرض السهلة المطمئنة قد انفرجت عنها الجبال و الاكام و (السملق) الصفصف و هى المستوى من الأرض.

الاعراب

قوله و اطلبوا إليه، تعدية الطلب لتضمينة معنى التضرّع، و قوله: تؤل، بالجزم لوقوعه في جواب الأمر كما في نسخة الشارح المعتزلي، و في أكثر النسخ بالرفع و الظاهر أنه على الاستيناف البياني، و قوله: في يوم تشخص، متعلّق بقوله تؤل، و الفاء في قوله: فتزهق، و قوله: فيصير، و قوله: فلا شفيع، كلّها فصيحة.

المعنى

اعلم أنّ هذه الخطبة الشريفة مسوقة للنصح و الموعظة و الأمر بالتقوى مع التنبيه على جملة من صفات الكمال و العظمة و الجلال للّه عزّ و جلّ، و افتتحها بحمده و الثناء عليه و الشهادة بالتوحيد و الرّسالة فقال: (الحمد للّه الذي أظهر) في الملك و الملكوت و الانفس و الافاق و الأرض و السماوات (من آثار سلطانه و جلال كبريائه ما حيّر مقل العيون) و ابصار البصاير (من عجايب قدرته) و بدايع صنعته و قد تقدّم الاشارة إلى بعضها في شرح الخطب المسوقة لهذا الغرض و مرّ فصل واف منها في الخطبة التسعين و شرحها فانظر ما ذا ترى.

و نسبة عجائب القدرة إلى سلطانه و جلال كبريائه لأنّ الاثار العظيمة و المبدعات المحكمة المتقنة إنما يناسب صدورها بالسّلطنة الالهيّة و الجلال الالهى.

(و ردع خطرات هماهم النفوس عن عرفان كنه صفته) أى دفع و منع الافكار و الرّويات التي تخطر بالنفوس و توجب همهمتها عن معرفة كنه صفات جماله و جلاله و يحتمل أن يراد بالهماهم نفس تلك الأفكار على سبيل الاستعارة لتردّدها في الجوف مثل تردّد الهماهم.

و كيف كان فالغرض منه التنبيه على عجز العقول و المشاعر الظاهرة و الباطنة عن إدراك حقيقته و ذاته حسبما عرفته فى شرح الفصل الثاني من الخطبة التسعين و في تضاعيف الشّرح مرارا، و أردف الثّناء عليه تعالى بالشّهادة بتوحيده فقال: (و أشهد أن لا إله إلّا اللّه) و قد مضى الكلام في تحقيق معناها و الأخبار الواردة في فضلها بما لا مزيد عليه في شرح الفصل الثاني من الخطبة الثانية، و وصفها هنا بأوصاف أربعة:

أحدها كونها (شهادة ايمان) أى يطابق القول فيها للعقد القلبي.

(و) ثانيها كونها شهادة (ايقان) أى صادرة عن علم اليقين لا عن وجه التقليد و لا تكون كذلك إلّا باعتقاد أن لا إله إلّا هو مع اعتقاد أنّه لا يمكن أن يكون ذلك المعتقد إلّا كذلك.

(و) ثالثها أن تكون عن (اخلاص) أى جعلها خالصا عن شوب غيره من الرّيا و نحوه و قال الشّارح البحراني: هى أن يحذف عن ذلك المعتقد كلّ أمر عن درجة الاعتبار و لا يلاحظ معه غيره، انتهى و قد مرّ له معنى آخر في الأخبار المتقدّمة في شرح الخطبة الثانية من أنّ إخلاصها أن حجزه لا إله إلّا اللّه عمّا حرّم اللّه.

(و) رابعها أن تكون متلبّسة ب (اذعان) و انقياد لما هو من توابعها و مقتضياتها من التّكاليف و الأحكام.

و أردفها بالشهادة بالرّسالة لما عرفت في الأخبار المتقدّمة في شرح الخطبة الثّانية من فضل المقارنة بينهما فقال: (و أشهد أنّ محمّدا عبده) المرتضى (و رسوله) المصطفى (أرسله) إلى الخلق بالهدى و دين الحقّ على حين فترة من الرّسل و طول هجعة من الامم و انتقاض من المبرم (و) الحال أنّ (أعلام الهدى دارسة) استعارها للأنبياء و المرسلين و أولياء الدّين الّذين يهتدى بأنوارهم في سلوك سبيل اللّه كما يهتدى بالأعلام في الطّرق، و دروسها بما كانت من الفترة بعد عيسى إلى بعثه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (و مناهج الدّين طامسة) أى طرق المعارف الحقّة الالهيّة مندرسة منمحية بطول المدّة و بعد العهد و غلبة الغفلة.

(فصدع بالحقّ) امتثالا لما كان مامورا به بقوله عزّ و جلّ فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ و أصل الصّدع عبارة عن كسر الزّجاجة و شقّها و تفريقها، فاستعير عنه للبيان الواضح و التبليغ الكامل، و الجامع التأثّر.

و قد قيل في تفسير الاية: أنّ معناها أبن الأمر إبانة لا تنمحى كما لا يلتئم كسر الزّجاجة، و قيل: أفرق بين الحقّ و الباطل، و قيل: شقّ جماعاتهم بالتّوحيد أو بالقرآن.

(و نصح للخلق) بصرفهم عن الرّدى إلى الهدى و ردّهم عن الجحيم إلى النعيم (و هدى إلى الرّشد) أى إلى الصّواب و السّداد في القول و العمل (و أمر بالقصد) أى بالعدل في الامور المصون عن الافراط و التّفريط، و يحتمل أن يكون المراد به قصد السبيل الموصل إلى الحقّ أى الصّراط المستقيم (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم ثمّ نبّه المخاطبين على عدم كونه تعالى في خلقهم و ايجادهم لاغيا عابثا فقال (و اعلموا عباد اللّه أنّه لم يخلقكم عبثا) تعالى عن ذلك علوّا كبيرا، و انما خلقكم للمعرفة و العبوديّة كما قال «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ».

(و لم يرسلكم هملا) أى لم يترككم سدى مهملين كالبهائم و الأنعام، و إنّما كلّفكم بالتكاليف و الأحكام (علم مبلغ نعمه) و مقدارها كمّا و كيفا (عليكم و أحصى إحسانه) و فضله (إليكم) ليبلوكم أ تشكرونه أم تكفرون و من شكر فانّما يشكر لنفسه و من كفر فانّه غنىّ كريم (فاستفتحوه) أى اطلبوا منه فتح أبواب النّعم (و استنجحوه) أى اطلبوا منه نجاح عوائد المزيد و القسم (و اطلبوا) منه متضرّعين (إليه) أن يصرف عنكم ما لا يصرفه أحد غيره من عذاب النّار و سخط الجبّار.

(و استمنحوه) أى اطلبوا منه أن يعطيكم ما لا يعطيه أحد غيره من فوز الجنان و رضى الرّحمن، و طلب ذلك كلّه منه سبحانه إنما هو بالقيام بمراسم الحمد و الشكر و بالمواظبة على وظايف الطّاعات و القربات الّتي بها يستعدّ لافاضة الرّحمة و نزول الخيرات، هذا.

و لمّا أمرهم بالطّلب و السّؤال أردفه بما يشوّقهم إلى ذلك و يرغّبهم إليه بالتّنبيه على انتهاء جميع السّؤالات و الطلبات إليه و عدم رادع و مانع من وصولها إليه و هو قوله: (فما قطعكم عنه حجاب و لا اغلق عنكم دونه باب) يعني أنّ بابه مفتوح لمن دعاه و ليس بينه و بين خلقه حجاب مانع و لا باب مغلق يمنع من الوصول إليه و من عرض الحوائج و المقاصد عليه كساير الملوك و السّلاطين يأخذون لأنفسهم حجّابا و بوّابا، لأنّ ذلك من أوصاف الأجسام و صفات النّقص و الامكان و اللّه تعالى موصوف بالعظمة و الجلال منزّه عن الحيّز و المكان فلا يتصوّر أن يكون له باب أو عنده حجاب كما أفصح عن ذلك بقوله: (و انّه لبكلّ مكان) بالعلم و الاحاطة لا بالتحيّز و الحواية، فلا يخفى عليه شي‏ء من حوائج السّائلين و إنّما منظره فى القرب و البعد سواء، لم يبعد منه قريب و لم يقرب منه بعيد، و لا يحويه مكان و لا يحيط به مكان حتّى إذا كان في ذلك المكان يحجب عنه أخبار ساير الأمكنة و المكانيّات.

يوضح ذلك ما رواه في الكافي باسناده عن عيسى بن يونس قال: قال ابن أبي العوجاء لأبي عبد اللّه عليه السّلام في بعض ما كان يحاوره: ذكرت اللّه فأحلت على غايب فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: ويلك كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد و اليهم أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم و يرى أشخاصهم و يعلم أسرارهم، فقال ابن أبى العوجاء أ هو في كلّ مكان أ ليس إذا كان في السماء كيف يكون في الأرض و إذا كان في الأرض كيف يكون في السماء فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام: إنما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل عن مكان اشتغل به مكان و خلا منه مكان فلا يدرى في المكان الذي صار إليه ما حدث في المكان الذى كان فيه، فأما اللّه العظيم الشأن الملك الدّيان فلا يخلو منه مكان و لا يشتغل به مكان و لا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان.

و قد مرّ هذا الحديث في شرح الفصل السادس من الخطبة الاولى و مرّ تحقيق الكلام في تنزّهه سبحانه من المكان في شرح الفصل الخامس منها فليراجع ثمّةفانّ هناك مطالب نفيسة.

و لما نبّه على عدم خلوّ الأمكنة منه عزّ و جلّ أردفه بالتنبّه على عدم خلوّ الأزمنة منه فقال: (و في كلّ حين و زمان) بالعلم و الاحاطة أيضا لا بمعنى ظرفيّته له، لأنّ الكون فيه بمعنى الظرفية مستلزم للحدوث المنافي للوجوب، فالواجب الأوّل تعالى منزّه عن ذلك، و قد تقدّم مزيد تحقيق لذلك في شرح الخطبة المأة و الخامسة و الثمانين (و مع كلّ إنس و جانّ) لا معيّة بالاقتران بل بمعنى كونه عالما بهم شاهدا عليهم غير غايب عنهم كما قال عزّ من قائل «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى‏ مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» و قد مرّ مزيد تحقيق لهذا المعنى في شرح الفصل الخامس و السادس من الخطبة الاولى، هذا.

و لما شوّق المخاطبين إلى الطلب و السؤال بالتنبيه على عموم علمه بحالات السائلين و حاجات الطالبين و عدم خفاء شي‏ء منها عليه أكد تشويقهم بالتنبيه على سعة جوده فقال: (لا يثلمه العطاء و لا ينقصه الحباء) أى لا يوجب كثرة عطائه و مزيد حبائه خللا و نقصا في خزانة كرمه و بحر جوده، و ذلك لعدم تناهى مقدوراته.

و يوضح ذلك ما فى الحديث المرويّ فى الكافي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: فلو أنّ أهل سماواتي و أهل أرضي أمّلوا جميعا ثمّ أعطيت كلّ واحد منهم مثل ما أمّل الجميع ما انتقص من ملكي مثل عضو ذرّة، و كيف ينتقص ملك أنا قيّمه، فيا بؤسا للقانطين من رحمتي، و يا بؤسا لمن عصانى و لم يراقبني.

و بذلك الحديث أيضا اتّضح معنى قوله (لا يستنفده سائل و لا يستقصيه نائل) أى لا ينفى جوده سائل و إن بلغ الغاية فى طلبه و سؤاله، و كذا لا يبلغ القصوى و الغاية عطاؤه و نواله بل لو وهب ما تنفّست عنه معادن الجبال و ضحكت عنه أصداق البحار من فلزّ اللّجين و العقيان و نثارة الدّر و حصيد المرجان ما أثّر ذلك فى جوده و لاأنفد سعة ما عنده، و لكان عنده من ذخاير الأنعام ما لا تنفده مطالب الأنام، لأنّه الجواد الّذى لا يغيضه سؤال السّائلين، و لا يبخّله إلحاح الملحّين حسبما مرّ في الخطبة التّسعين.

(و لا يلويه) أى لا يصرفه (شخص عن شخص و لا يلهيه) أى لا يشغله (صوت عن صوت) لأنّ الصّرف و اللّهو يستلزمان الغفلة عن أمر و الفطنة لغيره بعد الغفلة عنه و هما من عوارض المزاج الحيواني و توابع الامكان.

(و لا تحجزه هبة عن سلب) أى لا يمنعه البذل و الانعام عن سلب المال و أخذه قال الشّارح المعتزلي: أى ليس كالقادرين منّا فانّ الواحد منّا يصرفه اهتمامه بعطيّة عن سلب مال عمرو حال ما يكون مهتمّا بتلك العطيّة لأنّ اشتغال القلب بأحد الأمرين يشغله عن الاخر، انتهى.

أقول: و محصّله أنّه تعالى لا يشغله شأن عن شأن، و يحتمل أن يراد به أنّه تعالى لا يمنعه هبته لأحد و إنعامه عليه عن سلب نعمة اخرى عنه كالواحد منّا إذا وهب يمنعه هبته عن سلبه، لاستلزام الهبة فينا التلطف و العطف، و استلزام السلب فينا الغيظ و الغضب، و هما أمران متضادّ ان لا يمكن اجتماعهما في شخص واحد في حالة واحدة، فلا يكون الواهب حال ما هو واهب سالبا و بالعكس، و أمّا الواجب تعالى فلمّا لم يكن منشأ هبته و سلبه العطف و الغضب لكونهما من عوارض المزاج الحيوانى و تنزّهه عنها جاز اتّصافه بهما معا.

و هذان الاحتمالان يأتيان في قوله (و لا يشغله غضب عن رحمة) و المراد بهما غايتهما، أى العقاب و الاحسان لا معناهما المعروف المستلزم للحدوث و النّقصان.

و أمّا قوله (و لا تولهه رحمة عن عقاب) فقد قال الشارح المعتزلي أى لا يحدث الرّحمة لمستحقها عنده ولها و هو التحيّر و التردّد و يصرفه عن عقاب المستحقّ، و ذلك لأنّ الواحد منّا إذا رحم انسانا حدث عنده رقّة خصوصا إذا توالت منه الرّحمة لقوم متعدّدين فانه يصير الرّحمة كالملكة عنده فلا يطيق فى تلك الحال أن ينتقم‏و البارى سبحانه بخلاف ذلك، لأنّه ليس بذى مزاج سبحانه، هذا.

و قوله (و لا يجنّه البطون عن الظّهور) قد تقدّم منّا في شرح الخطبة التّاسعة و الأربعين و الخطبة الرّابعة و السّتين ما هو كاف في شرح معنى هذه الفقرة و ما يتلوها من الفقرات الاتية إلى قوله: و بطن فعلن.

و أقول هنا مزيدا للتّوضيح: إنّ الغرض بهذه الجملات جميعا التّنبيه على كمال الحقّ المتعال عزّ و جلّ و على تنزّهه من صفات المخلوقين، فانّ البطون في الخلق مانع من الظهور، و الظهور من البطون، و القرب من البعد، و البعد من القرب، و العلوّ من الدّنوّ، و الدّنوّ من العلوّ لكون كلّ من هذه الصّفات بمعناه المعروف مضادا للاخر، فلا يمكن اتّصاف شخص واحد بهما معا في حالة واحدة و لا اجتماعهما في محلّ واحد على ما هو مقتضى التّضادّ.

أمّا اللّه الحىّ القيّوم جلّ جلاله فيتّصف بهما جميعا بمعنى آخر وراء ذلك المعنى المعروف، فهو تعالى ظاهر باطن قريب بعيد عال دان.

و على ذلك فلا يجنّه البطون عن الظهور، أى لا يستره خفاؤه بذاته عن ظهوره باياته، أو لا يستره اختفاؤه عن الأبصار عن ظهوره للعقول و البصاير، أو لا يحجبه خفاؤه عن الأبصار و الأوهام بذاته عن قهره و غلبته للأشياء بسلطانه و قدرته.

و محصّله أنّه ليس بطونه بلطافة أو اجتنان، و لا ظهوره برؤية و عيان حتّى يكون اتّصافه بأحدهما حاجبا و مانعا عن الاخر كما في المخلوق.

و على ما في بعض النّسخ من رواية لا تجنّه بصيغة التّأنيث، فالمراد أنّه لا تستره بواطن الأشياء عن ظواهرها أى لا تحجب علمه بطونها عن ظهورها، لأنّ علمه ببواطن الأشياء ليس على وجه الاستبطان و الغور فيها، و لا علمه بظواهر الأشياء من أجل كونه فوقها حتّى تحجبه البطون عن الظّهور و الظّهور عن البطون كما فينا.

و يحتمل أن يكون المراد أنّه تعالى حين ما هو عالم بالباطن عالم بالظاهر لكمال علمه و عموم إحاطته، و ليس كالمخلوق حين علمه بأحدهما يغفل عن الاخر لنقصان علمه و قصوره.

(و) بذلك كلّه ظهر أيضا معنى قوله: (لا يقطعه الظّهور عن البطون) و أمّا قوله (قرب فنأى) فالمراد به أنّه قرب من الخلق بالعلم و الاحاطة و بالرّحمة و الافاضة، و بعد عنهم بالذّات و الحقيقة و ليس قربه قربا مكانيّا حتّى ينافي لبعده، و لا بعده بعدا مكانيّا بتراخى مسافة حتّى ينافي لقربه.

(و علا فدنا) أى علا بحوله و قدرته و غلبته و سلطانه و دنا بطوله و فضله و مننه و احسانه كما مرّ التصريح به منه عليه السّلام في الخطبة الثّانية و الثمانين، و يجوز أن يراد علوّه على الأشياء بجلاله و عزّته و دنوّه منها بعلمه و احاطته، و أن يراد بالعلوّ العلوّ بالعليّة و بالدّنوّ قربه من الأشياء قرب العلّة من معلولها، و هذا هو الأولى بالارادة هنا و أنسب بعطفه الدّنوّ على العلوّ بالفاء المفيدة لتفريعه عليه فافهم جيّدا و قد مضى تحقيق ذلك في شرح الخطبة التّاسعة و الأربعين.

(و ظهر فبطن) أى ظهر على الأشياء بسلطانه و عظمته، و بطن في الأشياء بعلمه و معرفته (و بطن فعلن) أى خفى بذاته و كنهه و ظهر باثاره و آياته، و هاتان الفقرتان تأكيدتان للفقرتين المتقدّمتين، فانّه لمّا نبّه فيهما على عدم حجب بطونه عن ظهوره و ظهوره عن بطونه نبّه هنا على ما يستلزمه عدم الحجب و هو اتّصافه بهما معا روى في الكافي في باب الفرق بين المعاني الّتي تحت أسماء اللّه تعالى و أسماء المخلوقين عن عليّ بن محمّد مرسلا عن أبي الحسن الرّضا عليه السّلام قال: قال: و أمّا الظاهر فليس من أجل أنّه علا الأشياء بركوب فوقها و قعود عليها و تسنّم لذراها، و لكن ذلك لقهره و غلبته الأشياء و قدرته عليها، كقول الرّجل ظهرت على أعدائى و أظهرنى اللّه على خصمى، يخبر عن الفلج و الغلبة فهكذا ظهور اللّه على الأشياء، و وجه آخر أنّه الظّاهر لمن أراده و لا يخفى عليه شي‏ء و أنّه مدبّر لكلّ ما برء فأىّ ظاهر أظهر و أوضح من اللّه تبارك و تعالى، لأنّك لا تعدم صنعته حيثما توجّهت و فيك من آثاره ما يغنيك، و الظّاهر منّا البارز بنفسه و المعلوم بحدّه فقد جمعنا الاسم و لم يجمعنا المعنى.

و أمّا الباطن فليس على معنى الاستبطان في الأشياء بأن يغور فيها، و لكن ذلك منه على استبطانه للأشياء علما و حفظا و تدبيرا كقول القائل أبطنته يعني خبرته و علمت مكتوم سرّه، و الباطن منّا الغايب في الشي‏ء المستتر و قد جمعنا الاسم و اختلف المعنى.

(و) أمّا قوله (دان و لم يدن) فأراد به أنّه جزى العباد بأعمالهم إن خيرا فخيرا و إن شرّا فشرّا، و لم يجز، أو أنّه حاسب و لم يحاسب، أو أنّه استعلا عليهم و لم يستعل عليه، أو أنّه تسلّط على كلّ ما سواه و لم يسلّط عليه، أو أنّه ملك جميع الخلايق و لم يملك، أو أنّه قهر الكلّ و غلبهم بافتقار الكلّ إليه و استغنائه عنهم و لم يقهر عليه.

قال الرّضا عليه السّلام في الحديث الّذى قدّمناه آنفا: و أما القاهر فانّه ليس على معنى علاج و نصب «و تصلّب خ» و احتيال و مداراة و مكر كما يقهر العباد بعضهم بعضا و المقهور منهم يعود قاهرا و القاهر يكون مقهورا، و لكن ذلك من اللّه عزّ و جلّ على أنّ جميع ما خلق ملبس به الذّل لفاعله و قلّة الامتناع لما أراد به لم يخرج منه طرفة عين أن يقول له كن فيكون، و القاهر منّا على ما ذكرت و وصفت فقد جمعنا الاسم و اختلف المعنى.

(لم يذرء الخلق باحتيال) أى لم يخلقهم باستخراج وجوه الحيل و إجالة الرّأى و الفكر في استخراجها كما هو شأن البشر في صنعهم، و ذلك لأنّ الفكرة و الحركة القلبية مختصّة بذوى الضمائر، و جلال البارى تعالى شأنه منزّه عنه و إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.

(و لا استعان بهم لكلال) أى لعجز و اعياء، لأنّ منشأ الاعياء تناهي القوّة الجسمية المخصوصة بذوى الأجسام، و طلب العون و الحاجة إلى المعين من ضعف القدرة، و إذ لا ضعف و لا عجز لكمال ذاته سبحانه قوّة و قدرة فلا يتصوّر في حقه الاستعانة.

و لما فرغ من تمجيد الحقّ المتعال بما هو أهله و تنزيهه عن صفات النقص‏و الافتقار أردفه بالايصاء بما لا يزال يوصى به فقال: (اوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه فانها الزّمام) للانسان المانع له عن تقحّم المهالك الجاذب إلى أقوم المسالك و الصارف له عن الرّدى إلى الهدى و عن الجحيم إلى النعيم كما أنّ الزّمام للخيل مانع لها عن اقتحام الهلكات و تورّط الورطات (و) هي أيضا (القوام) أى قوام الدّين و نظام وظايف الشرع المبين.

(فتمسكوا بوثائقها) أى بعريها الوثيقة و حبالها المحكمة من الطاعات و القربات التي هي جزؤها.

(و اعتصموا بحقايقها) أى باصولها الثابتة الموافقة للواقع و المطابقة لغرض الشارع.

و أشار إلى ثمرة التمسك و الاعتصام بها بقوله (تؤل بكم) أى ترجعكم و تقودكم (إلى أكنان الدّعة) و مواطن الرّاحة متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا و لا زمهريرا، و دانية عليهم ظلالها و ذللت قطوفها تذليلا.

(و أوطان السعة) أى جنة عرضها السموات و الأرض مع عيش سعيد و أكل رغيد، فالدّاخل فيها في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا و اشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية.

(و معاقل الحرز) المانعة من عذاب النار و من غضب الجبار و ظلّ ذى ثلاث شعب لا ظليل و لا يغنى من اللّهب.

(و منازل العزّ) أى حظاير القدس و مجالس الانس مع النبيّين و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين من السادة الأبرار و القادة الأخيار في جنات تجرى من تحتها الأنهار، و إذا رأيت ثمّ رأيت نعيما و ملكا كبيرا عاليهم ثياب سندس خضر و استبرق و حلّوا أساور من فضّة و سقيهم ربّهم شرابا طهورا، إنّ هذا كان لكم جزاء و كان سعيكم مشكورا و لما أوصى بالتقوى و أمر بالتمسك و الاعتصام بها و رغّب فيها بالتنبيه على مالها من المنفعة العظيمة و هى إرجاعها إلى جنّة النعيم أكّد ذلك الترغيب بانجائها من الهول العظيم و أشار إلى ذلك بقوله.

(في يوم) أى اعتصموا بالتقوى تؤل بكم إلى مساكن الأمن و العزّ و السعة و الراحة في يوم القيامة و ما أعظم شدايدها و أهوالها، و قد زلزلت الأرض فيها زلزالها و أخرجت الارض أثقالها و قال الانسان ما لها.

(تشخص فيه الأبصار و تظلم له الأقطار) أما شخوص الأبصار في ذلك اليوم فهو نصّ الكتاب الكريم قال تعالى فى سورة إبراهيم وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ. مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ.

قال الطبرسيّ: معناه إنما يؤخّر عقابهم إلى يوم القيامة و هو اليوم الذي تكون الابصار فيه شاخصة عن مواضعها لا تغمض لهول ما ترى في ذلك اليوم و لا تطرف، و قيل تشخص أبصارهم إلى إجابة الدّاعي حين يدعوهم، و قيل: تبقى أبصارهم مفتوحة لا تنطبق للتحير و الرّعب.

مهطعين أى مسرعين، و قيل: يريد دائمى النظر إلى ما يرون لا يطرفون.

مقنعى رؤسهم، أى رافعى رؤوسهم إلى السماء حتى لا يرى الرّجل مكان قدمه من شدّة رفع الرّأس، و ذلك من هول يوم القيامة.

لا يرتدّ إليهم طرفهم، أى لا يرجع إليهم أعينهم و لا يطبقونها و لا يغمضونها، و إنما هو نظر دائم.

و أما ظلمة الاقطار فقد اشير إليها و إلى ما تقدّم أيضا في قوله تعالى فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ وَ خَسَفَ الْقَمَرُ وَ جُمِعَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ.

في الصّافي عن القمّي قال: يبرق البصر فلا يقدر أن يطرف و قرء بفتح الرّاء و هو لغة، أو من البريق من شدّة شخوصه، و خسف القمر ذهب ضوءه و نوره، و جمع الشّمس و القمر قال الطبرسيّ: أى جمع بينهما في ذهاب ضوئهما بالخسوف ليتكامل ظلام الأرض على أهلها حتّى يراهما كلّ أحد بغير نور و ضياء.

و في الصّافي من الاحتجاج عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم انّه سئل عن قوله «يَوْمَ تُبَدَّلُ‏ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ» و قيل له: فأين النّاس يومئذ فقال: في الظلمة دون المحشر.

(و تعطل فيه صروم العشار) قد مرّ تفسيرهما في بيان اللّغة، و قد صرّح بتعطيلها و اشير إلى ظلمة الأقطار كليهما في قوله تعالى إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ. وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ. وَ إِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ. وَ إِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ قال أمين الاسلام الطبرسيّ: أخبر اللّه سبحانه عن القيامة و شدائدها فقال: إذا الشّمس كوّرت، أى ذهب ضوءها و نورها فاظلمت و اضمحلّت، و إذا النّجوم انكدرت، أى تساقطت و تناثرت، و إذا الجبال سيّرت، عن وجه الأرض فصارت هباء منبثّا، و إذا العشار عطلت، أى النّوق الحوامل الّتي أتت عليها عشرة أشهر، و هو أنفس مال عند العرب تركت هملا بلا راع، هذا.

و لمّا ذكر جملة من أوصاف يوم القيامة و أهاويلها تحذيرا منها أردفها بذكر نفخ الصّور الذى هو من أشراط الساعة و علاماتها الدّالة على قربها تهويلا به أيضا فقال: (و ينفخ في الصّور) و قد مضى شرح وصفه و تفصيل كيفيّة النفخ فيه في شرح الفصل الثّالث من الخطبة الثّانية و الثمانين بما لا مزيد عليه.

و أراد به النّفعة الاولى كما يدلّ عليه قوله: (فتزهق كلّ مهجة و تبكم كلّ لهجة) أى تضمحلّ و تهلك كلّ قلب و تخرس كلّ لسان، و هو كناية عن هلاك العموم، و قد اشير إليه في قوله تعالى وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ.

و يدلّ عليه أيضا قوله (و تذلّ الشّم الشّوامخ) أى الجبال الرّاسيات الشّامخات العاليات (و الصّم الرّواسخ) أى الثابتات المحكمات الرّاسيات و أراد بذلّتها دكّ بعضها بعضا من هيبة جلاله عزّ و جلّ و مخوف سلطنته.

و قد اشير إلى ذلك في قوله تعالى فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ.. وَ حُمِلَتِ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً. فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ. قال السيّد المحدّث الجزائرى: إنّ النفخة الاولى الّتي هى للهلاك تأتى‏النّاس بغتة و هم في أسواقهم و طلب معايشهم، فاذا سمعوا صوت الصّور تقطعت قلوبهم و أكبادهم من شدّته فيموتوا دفعة واحدة، فيبقى الجبّار جلّ جلاله فيأمر عاصفة فتقطع الجبال من أماكنها و تلقيها في البحار، و تفور مياه البحار و كلّما في الأرض و تسطح الأرض كلّها للحساب، فلا يبقى جبل و لا شجر و لا بحر و لا وهدة و لا تلعة، فتكون أرضا بيضاء حتّى أنّه روي لو وضعت بيضة في المشرق رأيت في المغرب.

و إلى ذلك أشار بقوله (فيصير صلدها سرابا رقرقا) أى يصير صلبها مثل السّراب المترقرق المتحرّك.

(و معهدها قاعا سملقا) أى ما كان منها معهدا للنّاس و منزلا لهم أرضا خالية صفصفا مستوية ليس للجبل فيها أثر.

و قد اشير إلى هذين في قوله تعالى وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى‏ فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً و في قوله وَ بُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا و قوله يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ وَ كانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا و قد مضى تفسير هذه الايات و جملة ممّا ينفع في هذا المقام في شرح الفصل الثالث من الخطبة المأة و الثامنة، هذا.

و لمّا ذكر جملة من أهوال يوم القيامة و أفزاعها و شدائدها رتّب على ذلك قوله (فلا شفيع يشفع و لا حميم يدفع و لا معذرة تنفع) تنبيها بذلك على أنه لا ملجأ من أهاويلها و لا منجا ترغيبا به على ملازمة التقوى الّتي هى الغرض الأصلى من سوق هذا الفصل و النتيجة لتمهيد تلك المقدّمات لأنّها المعاذ و الملاذ و الملجاء و المنجا من هذه الأهاويل القائدة للاخذ بها و الملازم عليها إلى أكنان الدّعة و أوطان السّعة و غرفات الجنان و منازل الرّضوان كما قال تعالى وَ أَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى‏ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَ لا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ و قد اشير إلى عدم الشفيع و الحميم في قوله تعالى في سورة الشعرا يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ. وَ بُرِّزَتِ. الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ إلى قوله حكاية عن الغاوين فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ. وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏

قال أمين الاسلام الطبرسيّ: أى لا ينفع المال و البنون أحدا إذ لا يتهيّأ لذى مال أن يفتدى من شدائد ذلك اليوم به، و لا يتحمّل من صاحب البنين بنوه شيئا من معاصيه إلّا من أتى اللّه بقلب سليم من الشّرك و الشكّ.

و روى عن الصادق عليه السّلام أنه قال: هو القلب الذى سلم من حبّ الدّنيا، و يؤيّده قول النبي صلّى اللّه عليه و آله: حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة.

و ازلفت الجنّة للمتقين أى قربت لهم ليدخلوها، و برّزت الجحيم للغاوين.

أى أظهرت و كشف الغطاء عنها للضالين عن طريق الحقّ و الصواب.

ثمّ أظهر الغاوون الحسرة فقالوا: فما لنا من شافعين يشفعون لنا و يسألون فى أمرنا، و لا صديق حميم أى ذى قرابة يهمّه أمرنا أى ما لنا شفيع من الأباعد و لا صديق من الأقارب، و ذلك حين يشفع الملائكة و النّبيون و المؤمنون.

و اشير إلى عدم نفع المعذرة فى سورة الرّوم بقوله «فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَ لا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ» أى لا ينفع الظالمين اعتذارهم لعدم تمكنهم من الاعتذار، و لو اعتذروا لم يقبل عذرهم و لا يطلب منهم الاعتاب و الرّجوع إلى الحقّ، و فى سورة المؤمن «يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ» أى ان اعتذروا من كفرهم لم يقبل منهم و إن تابوا لم ينفعهم التّوبة.

قال الطبرسىّ: و انما نفى أن ينفعهم المعذرة فى الاخرة مع كونها نافعة فى دار الدّنيا، لأنّ الاخرة دار الالجاء إلى العمل و الملجأ غير محمود على العمل الذى الجأ اليه، و لهم اللعنة و البعد من الرّحمة، و لهم سوء الدّار جهنّم و بئس القرار، نعوذ باللّه من غضب الجبار.

بشارة

اعلم أنّ ظاهر قوله: فلا شفيع يشفع و لا حميم يدفع، عموم انتفاء الانتفاع بالشفيع و الحميم يوم القيامة على ما هو مقتضى القاعدة الاصولية المقرّرة من إفادة النّكرة في سياق النفى للعموم، لكن الأدلة القاطعة من الكتاب و السّنة قد قامت‏ على التخصيص أمّا القرابة فقد ورد في الأخبار الكثيرة المستفيضة أنّ كلّ سبب و نسب منقطع يوم القيامة إلّا سبب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و نسبه.

و أمّا الشفاعة فلا خلاف بين علماء الاسلام بل صار من ضرورىّ دين سيّد الأنام أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يشفع يوم القيامة لامّته بل لساير الامم أيضا.

و إنّما الخلاف في أنّ الشّفاعة هل هى لطلب مزيد الأجر و جلب زيادة المنفعة فمختصّة بالمؤمنين المطيعين المستحقّين للثّواب فقط، أو لدفع مضرّة العقوبة أيضا فتعمّ المجرمين المستحقّين للعقاب.

فأكثر العامّة على عدم اختصاصها بأحد الفريقين، و ذهب الخوارج و الوعيديّة من المعتزلة إلى اختصاصها بالفرقة الاولى.

و الذى ذهبت إليه أصحابنا الاماميّة رضوان اللّه عليهم من دون خلاف بينهم هو عدم الاختصاص، و قالوا: إنّه تنال الشفاعة للمذنبين من الشيعة و لو كان من أهل الكباير و الذى دلت عليه أخبارهم أيضا عدم اختصاص الشفيع برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بل الأئمّة الهداة من ذرّيته و كذا ابنته الصّديقة الكبرى سلام اللّه عليها و عليهم تترى أيضا شفعاء دار البقاء بل المستفاد من بعض الأخبار أنّ علماء الشّيعة و الصالحين منهم أيضا يشفعون.

إذا عرفت ذلك فلا بأس بايراد بعض الايات و الأخبار الواردة في هذا الباب فأقول: قال أمين الاسلام في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً معناه يقيمك ربك مقاما محمودا يحمدك فيه الأَوّلون و الاخرون، و هو مقام الشّفاعة تشرف فيه على جميع الخلايق تسأل فتعطى و تشفع فتشفع.

و قد أجمع المفسّرون على أنّ المقام المحمود هو مقام الشّفاعة، و هو المقام الذى يشفع فيه للنّاس، و هو المقام الذى يعطى فيه لواء الحمد فيوضع في كفّه و يجتمع تحته الأنبياء و الملائكة فيكون أوّل شافع و أوّل مشفّع.

و قال عليّ بن إبراهيم في تفسير هذه الاية: حدّثنى أبي عن الحسن بن محبوب عن سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: سألته‏عن شفاعة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوم القيامة قال يلجم الناس يوم القيامة بالعرق فيقولون انطلقوا بنا إلى آدم عليه السّلام يشفع لنا، فيأتون آدم عليه السّلام، فيقولون اشفع لنا عند ربك فيقول: إنّ لى ذنبا و خطيئة فعليكم بنوح عليه السّلام، فيأتون نوحا فيردهم إلى من يليه، و يردّهم كلّ نبيّ إلى من يليه حتّى ينتهوا إلى عيسى عليه السّلام فيقول: عليكم بمحمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فيعرضون أنفسهم عليه و يسألونه فيقول: انطلقوا فينطلق بهم إلى باب الجنّة و يستقبل باب الرّحمن و يخرّ ساجدا فيمكث ما شاء اللّه فيقول اللّه: ارفع رأسك و اشفع تشفّع و سل تعط، و ذلك قول اللّه عزّ و جل عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً.

و روى عليّ بن إبراهيم أيضا عن أبيه عن محمّد بن أبي عمير عن معاوية و هشام عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لو قد قمت المقام المحمود لشفعت في أبي و امّى و عمّي و أخ كان لى في الجاهليّة.

و فى الصافى عن العياشي عن أحدهما عليهما السّلام في هذه الاية قال: هى الشّفاعة.

و فيه عن روضة الواعظين عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: هو المقام الذى أشفع لامّتي.

قال و قال صلّى اللّه عليه و آله إذا قمت المقام المحمود تشفّعت في أصحاب الكباير من امّتي فيشفعنى اللّه فيهم، و اللّه لا تشفعت فيمن أذى ذرّيتى و قال الطبرسيّ في قوله تعالى وَ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ إنّه لا تنفع الشّفاعة عند اللّه إلّا لمن رضيه اللّه و ارتضاه و أذن له في الشفاعة مثل الملائكة و الأنبياء و الأولياء، و يجوز أن يكون المعنى إلّا لمن أذن اللّه في أن يشفع له فيكون مثل قوله وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى‏ و إنّما قال سبحانه ذلك، لأنّ الكفار كانوا يقولون نعبدهم ليقرّبونا إلى اللّه زلفى و هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه، فحكم اللّه ببطلان اعتقاداتهم.

و فى تفسير علىّ بن إبراهيم في هذه الاية قال: لا يشفع أحد من أنبياء اللّه و رسله يوم القيامة حتّى يأذن اللّه له إلّا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فانّ اللّه قد أذن له الشّفاعة من قبل يوم القيامة و الشفاعة له صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و للأئمة من ولده، ثمّ بعد ذلك للأنبياء صلوات‏اللّه عليهم و على محمّد و آله قال: حدّثنى أبي عن ابن أبى عمير عن معاوية بن عمّار عن أبي العبّاس المكبّر قال: دخل مولى لامرأة عليّ بن الحسين عليهما السّلام على أبي جعفر عليه السّلام يقال له أبو أيمن فقال: يا أبا جعفر تغترّون الناس و تقولون شفاعة محمّد شفاعة محمّد، فغضب أبو جعفر عليه السّلام حتّى تربد وجهه ثمّ قال: ويحك يا أبا أيمن أغرّك أن عفّ بطنك و فرجك أما لو قد رأيت أفزاع القيامة لقد احتجت إلى شفاعة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و يلك فهل يشفع إلّا لمن وجبت له النّار، ثمّ قال: ما أحد من الأوّلين و الاخرين إلّا و هو محتاج إلى شفاعة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوم القيامة ثمّ قال أبو جعفر عليه السّلام: إنّ لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الشفاعة في امّته و لنا شفاعة في شيعتنا، و لشيعتنا شفاعة في أهاليهم، ثمّ قال عليه السّلام: و إنّ المؤمن ليشفع في مثل ربيعة و مضر، و إنّ المؤمن ليشفع حتّى لخادمه و يقول: يا ربّ حقّ خدمتى كان يقينى الحرّ و البرد.

و قال الطبرسيّ فى قوله عزّ و جلّ لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً أى لا يقدرون على الشفاعة فلا يشفعون و لا يشفع لهم حين يشفع أهل الايمان بعضهم لبعض، لأنّ تلك الشفاعة على وجهين: أحدهما أن يشفع للغير، و الاخر أن يستدعى الشفاعة من غيره لنفسه، فبيّن سبحانه أنّ هؤلاء الكفار لا تنفذ شفاعتهم لغيرهم و لا شفاعة لهم لغيرهم، ثمّ استثنى سبحانه فقال: إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً، أى لا يملك الشفاعة إلّا هؤلاء، و قيل: لا يشفع إلّا لهؤلاء و العهد هو الايمان و الاقرار بوحدانيّة اللّه تعالى و تصديق أنبيائه، و قيل: هو شهادة أن لا إله إلّا اللّه و أن يتبرّء إلى اللّه من الحول و القوّة و لا يرجو إلّا اللّه.

و فى الصافى من الكافي عن الصادق عليه السّلام إلّا من دان اللّه بولاية أمير المؤمنين و الأئمّة عليهم السّلام من بعده فهو العهد عند اللّه.

و فيه من الجوامع عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنه قال لأصحابه ذات يوم:

أ يعجز أحدكم أن يتّخذ كلّ صباح و مساء عند اللّه عهدا قالوا: و كيف ذاك قال: يقول: اللّهمّ فاطر السّموات و الأرض عالم الغيب و الشّهادة إني أعهد إليك بأنّى أشهد أن لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك و أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عبدك و رسولك و أنّك إن تكلني إلى نفسى تقربنى من الشرّ و تباعدنى من الخير، و أنّى لا أثق إلّا برحمتك، فاجعل لى عندك عهدا توفينه يوم القيامة إنّك لا تخلف الميعاد، فاذا قال ذلك طبع عليه بطابع وضع تحت العرش، فاذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين لهم عند اللّه عهد فيدخلون الجنّة.

و قال الطبرسيّ في قوله تعالى فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ في الخبر المأثور عن جابر بن عبد اللّه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: إنّ الرّجل يقول في الجنّة ما فعل صديقى و صديقه في الجحيم، فيقول اللّه تعالى: أخرجوا له صديقه إلى الجنّة، فيقول من بقى في النّار: فما لنا من شافعين و لا صديق حميم.

و قال و روى العياشيّ عن حمران بن أعين عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: و اللّه لنشفعنّ لشيعتنا، و اللّه لنشفعنّ لشيعتنا، و اللّه لنشفعنّ لشيعتنا حتّى يقول النّاس: فما لنا من شافعين و لا صديق حميم فلو أنّ لنا كرّة فنكون من المؤمنين، و في رواية اخرى حتّى يقول عدوّنا.

و عن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: إنّ المؤمن ليشفع يوم القيامة لأهل بيته فيشفع فيهم حتّى يبقى خادمه فيقول و يرفع سبّا بتيه: يا ربّ خويدمى كان يقيني الحرّ و البرد، فيشفع فيه.

و فى الصافى من المحاسن عن الصادق عليه السّلام الشّافعون الأئمّة و الصّديق من المؤمنين، و اللّه لنشفعنّ من المذنبين في شيعتنا حتّى يقول أعداؤنا إذا رأوا ذلك: فما لنا من شافعين و لا صديق حميم.

و فيه من الكافي عن الباقر عليه السّلام و انّ الشّفاعة لمقبولة و لا تقبل في ناصب، و إنّ المؤمن ليشفع في جاره و ما له حسنة فيقول: يا ربّ جارى كان يكفّ عنّى الأذى فيشفع فيه فيقول اللّه تبارك و تعالى: أنا ربّك و أنا أحقّ من كافي عنك فيدخله‏ اللّه الجنّة و ماله حسنة، و إنّ أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع لثلاثين إنسانا فعند ذلك يقول أهل النار: فما لنا من شافعين و لا صديق حميم و لنقتصر بذلك في هذا المقام و نسأل اللّه سبحانه بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله الكرام عليهم السّلام أن يثبتنا على القول الثّابت في الحياة الدّنيا، و أن يخرجنا منها إلى الدّار الأخرى بموالاة أئمّة الهدى، و أن لا يحرمنا من شفاعتهم الكبرى يوم لا ينفع مال و لا بنون و لا يدفع صديق حميم إلّا من أتى اللّه بقلب سليم، إنّه الغفور الرحيم ذو الفضل العظيم.

الترجمة

از جمله خطب شريفه آن بزرگوار است در حمد و ثناى إلهى و وصيّت به تقوى و پرهيزكارى مى ‏فرمايد: سپاس خدا راست آن چنان خدائى كه آشكار كرد از آثار پادشاهى خود و بزرگى بزرگوارى خود آن چيزى را كه متحيّر گردانيد ديدهاى عقلها را از مقدورات عجيبه خود، و دفع نمود خطورات فكرهاى نفسها را از شناسائى حقيقت صفت خود و شهادت مى‏ دهم باين كه معبود بحقى نيست مگر خدا شهادتى از روى اعتقاد جازم ثابت خالص از شوب ريا ملازم طاعات و عبادات، و شهادت مى ‏دهم كه محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بنده خالص اوست و پيغمبر اوست فرستاد او را در حالتى كه نشانهاى هدايت مندرس بود، و راههاى دين محو شده بود، پس آشكار كرد حق را و نصيحت كرد خلق را و هدايت نمود براه راست، و امر نمود بعدل و قسط، صلوات خدا بر او و بر أولاد او باد.

و بدانيد اى بندگان خدا كه بتحقيق خدا خلق نفرموده شما را عبث و بى ‏فايده و رها نكرده شما را سر خود، دانسته است مقدار نعمتهاى خود را بر شما، و شمرده است انعام خود را بر شما، پس طلب فتح و نصرت كنيد از او و طلب فوز بمقصود نمائيد از او، و متوجّه شويد بسوى او در مطالب، و طلب بخشش او كنيد، پس‏نبريده است شما را از او پرده، و بسته نشده است از شما نزد او هيچ درى، و بدرستى كه او در هر مكان و در هر وقت و زمان حاضر، و با هر انسان و جانّ مصاحب.

صدمه نمى ‏رساند كرم او را بخشش و عطا، و نقصان نمى ‏رساند خزانه احسان او را كرم او، و تمام نمى ‏نمايد بحر عطاى او را هيچ سؤال كننده، و بپايان نمى‏ رساند نعمتهاى او را هيچ عطيه، پيچيده نمى‏ نمايد او را شخصى از شخصى، و مشغول نمى‏ گرداند او را آوازى از آوازى، و مانع نمى‏ شود او را بخششى از ربودنى، و رو گردان نمى ‏سازد او را غضبى از رحمتى، و حيران نمى‏ گرداند او را رأفتى از عذابى، و پنهان نمى‏ دارد پنهانى ذات او از آشكارى آثار او، و منقطع نمى‏ سازد ظهور آثار او از خفاء ذات او، نزديك شد بمخلوقات با علم و قيوميّت پس دور شد از ايشان بحسب ذات، و بلند شد بهمه چيز با استيلا و سلطنت پس نزديك شد بايشان با علم و احاطه و ظاهر شد پس از كثرت ظهور خفا بهم رساند، و مخفى گشت پس در خفايش آشكار گرديد، و لنعم ما قيل:

         از همه كان بى نياز و بر همه مشفق            و ز همه عالم نهان و بر همه پيدا

و جزا داد بهمه عباد و جزا داده نشد، و خلق نفرمود خلق را با جولان فكر و تدبير، و طلب اعانت نجست از ايشان بجهت عجز و ضعفى.

وصيّت مي كنم شما را اى بندگان خدا بتقوى و پرهيزكارى خدا پس بدرستى كه آن تقوى افساريست مانع از دخول هلاكتها، و قوام دين شما با اوست، پس بچسبيد بريسمانهاى محكم او، و چنك بزنيد بحقيقتهاى آن يعنى اعتقادات حقه يقينيه كه راجع مى‏ سازد شما را بمكان‏هاى راحت و وطنهاى با وسعت و حصارهاى محكم و منزلهاى عزت در روزى كه شاخص مى‏ شود در آن ديدها، و تاريك مى‏ شود بسبب شدت آن روز اطراف عالم، و معطل و بى صاحب مى‏ ماند در آن روز شتران كم شير كه از مدت حمل او ده ماه گذشته باشد و نزديك بزائيدن شود.

و دميده شود در صور اسرافيل پس مضمحل و هلاك مى ‏شود هر قلب، و لال مى‏ شود هر زبان، و ذليل مى ‏شود كوههاى بلند بالا و سنگهاى سخت محكم پس مى‏ گردد سنگهاى صلب آنها مثل سراب متحرّك، و قرارگاههاى آنها زمين خالى هموار بى بلند و پست، پس نباشد شفيعى كه شفاعت نمايد، و نه خويشى كه دفع عذاب كند و نه عذرى كه منفعت بخشد.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 193 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»)صفات منافقین

خطبه 194 صبحی صالح

194- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) يصف فيها المنافقين‏

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا وَفَّقَ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ وَ ذَادَ عَنْهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَ نَسْأَلُهُ لِمِنَّتِهِ تَمَاماً وَ بِحَبْلِهِ اعْتِصَاماً

وَ نَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ خَاضَ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ كُلَّ غَمْرَةٍ وَ تَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّةٍ

وَ قَدْ تَلَوَّنَ لَهُ الْأَدْنَوْنَ وَ تَأَلَّبَ عَلَيْهِ الْأَقْصَوْنَ وَ خَلَعَتْ إِلَيْهِ الْعَرَبُ أَعِنَّتَهَا وَ ضَرَبَتْ إِلَى مُحَارَبَتِهِ بُطُونَ رَوَاحِلِهَا حَتَّى أَنْزَلَتْ بِسَاحَتِهِ عَدَاوَتَهَا مِنْ أَبْعَدِ الدَّارِ وَ أَسْحَقِ الْمَزَارِ

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ أُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ النِّفَاقِ فَإِنَّهُمُ الضَّالُّونَ الْمُضِلُّونَ وَ الزَّالُّونَ الْمُزِلُّونَ

يَتَلَوَّنُونَ أَلْوَاناً وَ يَفْتَنُّونَ افْتِنَاناً وَ يَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَادٍ وَ يَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادٍ قُلُوبُهُمْ دَوِيَّةٌ وَ صِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ

يَمْشُونَ الْخَفَاءَ وَ يَدِبُّونَ الضَّرَاءَ وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ وَ قَوْلُهُمْ شِفَاءٌ وَ فِعْلُهُمُ الدَّاءُ الْعَيَاءُ حَسَدَةُ الرَّخَاءِ وَ مُؤَكِّدُو الْبَلَاءِ وَ مُقْنِطُو الرَّجَاءِ

لَهُمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ صَرِيعٌ وَ إِلَى كُلِّ قَلْبٍ شَفِيعٌ وَ لِكُلِّ شَجْوٍ دُمُوعٌ يَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءَ وَ يَتَرَاقَبُونَ الْجَزَاءَ إِنْ سَأَلُوا أَلْحَفُوا وَ إِنْ عَذَلُوا كَشَفُواوَ إِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا

قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٍّ بَاطِلًا وَ لِكُلِّ قَائِمٍ مَائِلًا وَ لِكُلِّ حَيٍّ قَاتِلًا وَ لِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحاً وَ لِكُلِّ لَيْلٍ مِصْبَاحاً

يَتَوَصَّلُونَ إِلَى الطَّمَعِ بِالْيَأْسِ لِيُقِيمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ وَ يُنْفِقُوا بِهِ أَعْلَاقَهُمْ يَقُولُونَ فَيُشَبِّهُونَ وَ يَصِفُونَ فَيُمَوِّهُونَ قَدْ هَوَّنُوا الطَّرِيقَ وَ أَضْلَعُوا الْمَضِيقَ

فَهُمْ لُمَةُ الشَّيْطَانِ وَ حُمَةُ النِّيرَانِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج12  

و من خطبة له عليه السّلام يصف فيها المنافقين و هى المأة و الثالثة و التسعون من المختار فى باب الخطب

نحمده على ما وفّق له من الطّاعة، و ذاد عنه من المعصية، و نسأله لمنّته تماما، و بحبله اعتصاما، و نشهد أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عبده و رسوله، خاض إلى رضوان اللّه كلّ غمرة، و تجرّع فيه كلّ غصّة، و قد تلوّن له الأدنون، و تألّب عليه الأقصون، و خلعت إليه العرب أعنّتها، و ضربت إلى محاربته بطون رواحلها، حتّى أنزلت بساحته عداوتها من أبعد الدّار، و أسحق المزار.

أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه، و أحذّركم أهل النّفاق، فإنّهم الضّالّون المضلّون، و الزّالّون المزلّون، يتلوّنون ألوانا، و يفتنّون افتنانا، و يعمدونكم بكلّ عماد، و يرصدونكم بكلّ مرصاد، قلوبهم دويّة، و صفاحهم نقيّة، يمشون الخفاء، و يدبّون الضّراء، وصفهم دواء، و قولهم شفاء، و فعلهم الدّآء العياء، حسدة الرّخاء، و مؤكّدواالبلاء، و مقنّطوا الرّجاء، لهم بكلّ طريق صريع، و إلى كلّ قلب شفيع، و لكلّ شجو دموع، يتقارضون الثّناء، و يتراقبون الجزاء، إن سئلوا ألحفوا، و إن عذلوا كشفوا، و إن حكموا أسرفوا، قد أعدّوا لكلّ حقّ باطلا، و لكلّ قائم مائلا، و لكلّ حيّ قاتلا، و لكلّ باب مفتاحا، و لكلّ ليل مصباحا، يتوصّلون إلى الطمع باليأس ليقيموا به أسواقهم، و ينفّقوا به أعلاقهم، يقولون فيشبّهون و يصفون فيموّهون، قد هيّؤا الطّريق، و أضلعوا المضيق، فهم لمّة الشّيطان، و حمّة النّيران، أولئك حزب الشّيطان ألا إنّ حزب الشّيطان هم الخاسرون.

اللغة

قال في محكيّ النهاية: قد تكرّر في الحديث ذكر النّفاق و ما تصرّف منه اسما و فعلا، و هو اسم لم يعرفه العرب بالمعنى المخصوص، و هو الّذي يستر كفره و يظهر ايمانه و ان كان أصله في اللغة معروفا يقال نافق ينافق منافقه و نفاقا، و هو مأخوذ من النافقاء احد جحرتي اليربوع إذا طلب من واحد هرب إلى الاخر و خرج منه، و قيل من النفق و هو السّرب الّذى يستتر فيه لستره كفره انتهى.

و قال الطريحي: المنافق هو الّذي يستر الكفر و يظهر غيره من النّفق و هو السّرب في الأرض أى يستتر بالاسلام كما يستتر في السّرب.

و (الذّود) الطّرد و الدّفع و (خاض) في الأمر دخل فيه و أصل الخوض دخول‏القدم فيما كان مايعا من الماء و الطّين، ثمّ كثر استعماله في كلّ دخول فيه اذى و (الغمرة) الشدّة و غمرات الموت شدائده، و في القاموس غمرة الشي‏ء شدّته و مزدحمه و (الغصّة) الشجي في الحلق و الجمع غصص و (سحق) المكان فهو سحيق مثل بعد فهو بعيد لفظا و معنا قال تعالى فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ أى بعدا و (المزار) المكان الّذى يزار منه أو فيه، و المراد هنا الأوّل و (زلّ) فلان عن الأمر أخطاه و أزلّه غيره أوقعه في الخطاء.

و رجل (مفنن) ذو فنون في القول و غيره (و يعمدونكم بكلّ عماد) قال الشّارح المعتزلي: أى يفدحونكم و يهدّونكم يقول عمده المرض يعمده أى هدّه بكلّ عماد أى بأمر فادح و خطب مؤلم، انتهى.

أقول: و يجوز جعل يعمدونكم بمعنى يقصدونكم و (رصدته) رصدا من باب قتل إذا قعدت له على طريقه تترقبه، و قعد فلان بالمرصد وزان جعفر و بالمرصاد بالكسر أى بطريق الارتقاب و الانتظار و (خفى) الشي‏ء يخفى خفاء بالفتح إذا استتر و (دبّ) النّمل دبيبا مشى مشيا رويدا و (الضراء) بالفتح و تخفيف الراء و المدّ الشّجر الملتف فى الوادى و (الدّاء العياء) الّذى أعيا الأطبّاء و لم ينجع فيه الدّواء و (نفق) البيع نقاقا كسحاب راج و نفّق السّلعة تنفيقا روّجها كأنفقها و (الاعلاق) جمع علق كأحبار و حبر و هو النفيس من كلّ شي‏ء و (التمويه) التزيين و موّه الشي‏ء طلاه بفضّة أو ذهب و تحته نحاس ليزيّنه به.

قوله (قد هيؤا الطريق) في بعض النسخ هيّؤا بالهمزة من التهيّاء، و في بعض بالنّون من الهيّن و هو السّهل فكانّه منقول من الواو إلى الياء، و الأصل هوّنوا الطريق أى سهّلوها و (أضلع) الشي‏ء أماله و جعله معوجا و ضلع الشي‏ء ضلعا من باب تعب أعوج و (اللّمة) بضمّ اللام و فتح الميم مخففة الجماعة و بالتشديد الصاحب و الاصحاب في السّفر و المونس يستعمل في الواحد و الجمع و (حمّة النيران) بالتشديد معظم حرّها و بالتّخفيف سمّ العقرب

الاعراب

من في قوله: من الطاعة و من المعصية بيان لما، و الضّمير في له و عنه عايد إلى ما، و قوله: خاض إلى رضوان اللّه إلى متعلّق بمقدّر حال من فاعل خاض أى متوجّها إلى رضوانه، و الخفاء و الضّراء منصوبان على الظّرفيّة المجازيّة.

المعنى

اعلم أنّ الخطبة السّابقة لما كانت في وصف المتّقين عقّبها الرّضيّ «قد» بهذه الخطبة الّتي يصف عليه السّلام فيها المنافقين ملاحظة لحسن النّظم و بديع ترتيب الكتاب، و المنافق حسبما عرفت آنفا هو الّذى يبطن الكفر و يظهر الايمان كما قال الشاعر:

للمؤمنين أمور محزية
و للمنافق سرّ دونه نفق‏

و اطلاق المنافق بهذا المعنى هو المعروف في الكتاب و السّنة، و المستفاد من بعض الأخبار أنّه قد يطلق على الناقص الايمان.

مثل ما رواه في الكافي في باب أصول الكفر و أركانه عن عدّة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن بعض أصحابه عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ثلاث من كنّ فيه كان منافقا و إن صام و صلّى و زعم أنّه مسلم: من إذا ائتمن خان، و إذا حدّث كذب، و إذا وعد أخلف إنّ اللّه عزّ و جلّ قال في كتابه وَ إِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ و قال وَ الْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ و في قوله عزّ و جلّ وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا.

و فيه في باب النفاق و المنافق باسناده عن أبي حمزة عن عليّ بن الحسين عليهما السّلام قال: إنّ المنافق ينهى و لا ينتهى و يأمر بما لا يأتي، و إذا قام إلى الصّلاة اعترض، قلت: يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ما الاعتراض قال عليه السّلام: الالتفات و إذا ركع ربض، يمسى و همّه العشاء و هو مفطر، و يصبح و همّه النوم و لم يسهر، إن حدّثك كذبك و إن ائتمنته خانك، و إن غبت اغتابك، و إن وعدك أخلفك.

إذا عرفت ذلك فأقول: إنّه عليه السّلام قبل أن يأخذ فى وصف المنافقين افتتح كلامه بما جرى عادته على الافتتاح به فى باب الخطابة من ثناء اللّه تعالى و تعظيمه و تمجيد رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال (بحمده على ما وفق له من الطاعة و ذاد عنه من المعصية) أى نحمده على ما وفّقنا له من طاعاته الموصلة الى جنانه و المحصلة لرضوانه، و على ما أبعدنا منه من سيئاته المؤدية الى نيرانه، و الموجبة لخذلانه.

و حصول هذا التوفيق منه عزّ و جلّ في حقه عليه السّلام بما أفاض عليه من القوّة العاصمة و ملكة العصمة الدّاعية إلى المعروف و الرّادعة عن المنكر.

و اما فى حقّ غيره الذين شرّكهم«» معه في ثنائه فبالأوامر و النواهى الواردة فى الكتاب و السّنة و اجتماع شرايط الطاعة و انقطاع أسباب المعصية.

(و نسأله لمنّته تماما) أى نسأل منه عزّ و جلّ أن يتمّ علينا نعمته، فانّه المنّان الذى يبدء بالنوال قبل السؤال.

و المراد بنعمته التي سأل تمامها إما خصوص نعمة التوفيق المذكورة فى الجملة السابقة أو الأعمّ منها، و الأوّل أولى بسبق العهد، و الثاني أنسب بمقام السؤال فان قلت: نعم اللّه سبحانه غير متناهية كما قال عزّ من قائل «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا» فكيف سأل تماميّتها و هى أجلّ عن أن تستقصى و أعظم من أن تستتمّ.

قلت: إن اريد بمنّته خصوص نعمة التوفيق فلا إشكال، و يراد حينئذ بتماميّتها كمالها و استمرارها إلى آخر العمر، و إن اريد الأعمّ فيراد بتماميّتها أن ينضمّ ما أنعم به عليه فى الدّنيا إلى نعمة الاخرة أى يصل نعمة الدّنيا بنعمة الاخرة كما قاله بعض المفسرين فى قوله تعالى وَ كَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلى‏ آلِ يَعْقُوبَ من أنّ المراد بقوله يتمّ نعمته أن يصل نعمة الدّنيا بنعمة الاخرة بأن يجعلهم أنبياء و ملوكا ثمّ ينقلهم إلى نعيم الاخرة و الدّرجات العلى من الجنّة (و) نسأله (بحبله اعتصاما) أى تمسّكا بكتابه المبين، فانّه حبل اللّه المتين‏ كما وصفه عليه السّلام بذلك فى الخطبة المأة و الخامسة و السبعين و كذلك وصفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أيضا به فى حديث الثقلين الذى قدّمنا روايته فى شرح الخطبة السادسة و الثمانين.

و استعير عنه أيضا فى الكتاب العزيز فى قوله «وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا» على أحد تفاسيره، و وجه الاستعارة أنّ الاعتصام و التمسك بالحبل الوثيق المحكم كما أنه سبب النجاة من المهاوى و المهالك، فكذلك بالتمسك بالقرآن يحصل النجاة من الكفر و الضلال الموجب للهلاك الدّائم و الخزى العظيم.

و روى الطريحى فى مجمع البحرين عن علىّ بن الحسين عليهما السّلام قال: الامام منّا لا يكون إلّا معصوما و ليست العصمة في ظاهر الخلقة فتعرف، قيل: فما معنى المعصوم قال عليه السّلام: المعتصم بحبل اللّه، و حبل اللّه هو القرآن لا يفترقان إلى يوم القيامة.

و بما ذكرناه ظهر أنّ جعل المراد بالحبل في المتن هو القرآن أولى و أظهر من تفسيره بالدّين القويم كما في شرح البحراني، هذا.

و لمّا حمد اللّه عزّ و جلّ بما هو أهله عقّبه بالشهادة بالرّسالة فقال (و نشهد أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عبده و رسوله) قد مرّ بيان معنى العبد و أنّ مرتبة الرّسالة فوق مرتبة العبوديّة في شرح الخطبة الاحدى و السبعين فليتذكر.

و لمّا شهد برسالته اتبعه بشرح حاله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين أداء الرّسالة فقال (خاض إلى رضوان اللّه كلّ غمرة) استعار لفظ الغمرة عن غمرة الماء و هي معظمه و مزدحمه للشدائد و المكاره الّتى ابتلى بها حين بعثته، و الجامع للاستعارة أنّ غمرة الماء كما تغمر و تغطى الخائض فيها من كلّ جانب فكذلك تلك المكاره و الشدائد حسبما تعرف كانت محيطة به صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من كلّ طرف، و رشّح الاستعارة بذكر لفظ الخوض.

و محصّل المراد انّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تحمل كلّ مكروه توجّها إلى منتهى رضاه عزّ و جلّ (و تجرّع فيه كلّ غصّة) أى تجرّع الغصص في تحصيل رضوانه تعالى، أى ابتلعها جرعة بعد جرعة و أراد بالغصص الغموم و الهموم العارضة له من مزيد أذى المشركين‏و سوء فعالهم.

(و قد تلوّن له الأدنون) أى تغيّر له أقاربه من قريش ألوانا (و تألّب عليه الأقصون) أى تجمّع على حربه الأباعد منه نسبا من أقصى البلاد (و خلعت) متوجّهة (اليه) معاشر (العرب أعنّتها و ضربت إلى محاربته بطون رواحلها) قال الشارح البحراني: هذان مثلان كنّي بهما عن المسارعة إلى حربه لأنّ أقوى عدو الخيل إذا خلعت أعنّتها و أقوى عدوّ الرّواحل إذا ضربت بطونها و فيه ايماء إلى أنّهم أتوه فرسانا و ركبانا مسرعين إلى حربه.

(حتى انزلت بساحته) و منزله (عداوتها) أى حربها و اطلاقها عليه من باب اطلاق اسم السبب على المسبب، أى أسرعوا إلى حربه صلّى اللّه عليه و آله (من أبعد الدّار و أسحق المزار) و فيه إشارة إلى غاية عداوتهم، لأنّ الظعن إلى الحرب من مكان بعيد لا يكون إلّا عن اهتمام أكيد و عناد عنيد و عداوة شديدة.

قال الشارح المعتزلي: من قرء كتب السّير علم ما لاقى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في ذات اللّه من المشقّة و استهزاء قريش به في أوّل الدّعوة و رميهم إيّاه بالحجارة حتى أدموا عقيبه و صياح الصبيان به و القاء فرث الكرش على رأسه، و فتل الثوب فى عنقه، و حصره و حصر أهله في شعب بني هاشم سنين عديدة محرّمة معاملتهم و مبايعتهم و مناكحتهم و كلامهم حتى كادوا يموتون جوعا لو لا أنّ بعض من كان يحنو عليهم لرحم أو لسبب غيره فهو يسرق الشي‏ء القليل من الدّقيق أو التمر فيلقيه إليهم ليلا.

ثمّ ضربهم أصحابه و تعذيبهم بالجوع و الوثاق في الشمس و طردهم إياه عن شعاب مكة حتى خرج من خرج منهم إلى الحبشة و خرج صلّى اللّه عليه و آله مستجيرا منهم تارة بثقيف، و تارة ببنى عامر، و تارة بربيعة الفرس و بغيرهم.

ثمّ أجمعوا إلى قتله و الفتك به ليلا حتى هرب منهم لائذا بالأوس و الخزرج، تاركا أهله و أولاده و ما حوته يده، ناجيا بحشاشة نفسه حتى وصل إلى المدينة، فناصبوه الحرب و رموه بالمناسر و الكتائب، و ضربوا له آباط الابل.

و لم يزل منهم في عناء شديد و حروب متصلة حتى أكرمه اللّه تعالى و أيّده و نصر دينه و أظهره، انتهى.

و محصّل الكلام أنه صلّى اللّه عليه و آله قد كابد الشدائد و قاسى الهموم و تجرّع الغصص لتأسيس أساس الاسلام و تشييد قوائم الدّين، هذا.

و انما مهّد عليه السّلام تلك المقدّمة أعني مقدّمة البعثة لأنّه لما كان غرضه الأصلى من هذه الخطبة التحذير من المنافقين الذين كان همّهم في إبطال الدّين و ترويج الباطل، أراد أن ينبّه على مزيد خبث طينتهم الموجب لمزيد الحذر منهم حيث إنهم يريدون ليطفؤا نور اللّه، و يبطلوا الدّين القويم الذى قد قوسي فيه هذه المكاره، و احتمل تلك المشاق الكثيرة.

و قبل التحذير منهم أوصى المخاطبين بما لا يزال يوصى به فقال (اوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه) و التصلّب في الدّين (و أحذّركم) من كيد (أهل النفاق) و خديعة الخائنين أى الذين أظهروا الاسلام و أبطنوا الكفر.

و الظاهر أنّ غرضه عليه السّلام منه التعريض على معاوية و عمرو بن العاص و أمثالهما من المنتحلين للاسلام، و يشعر بذلك قوله عليه السّلام في عهده الاتي في المتن إلى محمّد بن أبي بكر حين قلّده مصر حيث قال فيه متعرّضا على معاوية: فانه لا سواء إمام الهدى و إمام الرّدى، و وليّ النبيّ و عدوّ النبيّ، و لقد قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إني لا أخاف على امتى مؤمنا، و لا مشركا، أمّا المؤمن فيمنعه اللّه بايمانه، و أمّا المشرك فيقمعه اللّه بشركه، و لكنّي أخاف عليكم كلّ منافق الجنان، عالم اللّسان، يقول ما تعرفون، و يفعل ما تنكرون.

و لما حذّر عن المنافقين اتبعه بذكر مذامّهم و مثالبهم تنفيرا عنهم و قال (فانّهم الضالّون) عن الصراط المستقيم و النهج القويم (المضلّون) لغيرهم عنه بالشبه و التمويه (و الزّالون المزلّون) أى الخاطئون الموقعون لغيرهم فى الخطاء أيضا.

(يتلوّنون ألوانا) أى يتغيّرون فى أقوالهم و أفعالهم من حال إلى حال بحسب‏تبدّل أهوائهم الفاسدة فيلاقون كلا بوجه و لسان غير الاخر.

(و يفتنون افتنانا) أى يتشعّبون بأنحاء مختلفة فى القول و العمل على مقتضى اختلاف آرائهم الباطلة.

(و يعمدونكم بكلّ عماد) أى يقصدونكم بكلّ أمر فادح ثقيل و خطب مؤلم على وجه الخدعة و الحيلة.

(و يعمدونكم بكلّ عماد) أى يقصدونكم بكلّ أمر فادح ثقيل و خطب مؤلم على وجه الخدعة و الحيلة.

(و يرصدونكم بكلّ مرصاد) أى يترقّبونكم و يقعدون منتظرين بكلّ طريق معدّ للارتقاب، يعني أنّهم لا يغفلون عنكم و لا يدعون مراقبتكم و يهيّئون وجوه الحيل في اضلالكم و إصابتكم بكلّ مكروه.

(قلوبهم دويّة) أى فاسدة من داء أصابها و هو الدّاء النّفساني الموجب لمرضها كالحقد و الحسد و العداوة و البخل و النّفاق و الشّك و الارتياب، قد وصفهم اللّه سبحانه أيضا بهذا الوصف حيث قال «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً.

قال الطبرسى فى تفسير الاية، إنما سمى الشك في الدّين مرضا لأنّ المرض هو الخروج عن حدّ الاعتدال، فالبدن ما لم تصبه آفة يكون صحيحا سويّا، و كذلك القلب ما لم يصبه آفة من الشّكّ يكون صحيحا، و قيل: المرض هو الفتور فهو في القلب فتوره عن الحقّ كما أنّه في البدن فتور الأعضاء.

(و صفاحهم نقيّة) أى صفحات وجوههم طاهرة نظيفة، و هو كناية عن اتّصاف ظاهرهم بالبشر و البشاشة و المحبّة و النّصح و الصّداقة خلاف ما في باطنهم من الشرّ و الفساد و اللّدد و العناد.

(يمشون) في (الخفاء) أى مختفيا قال الشارح البحراني: و هو كناية عن كون حركاتهم القوليّة و الفعليّة فيما يريدونه في خفاء أفهام النّاس.

(و يدبّون الضّراء) و هو مثل يضرب لمن أراد أن يختل صاحبه يقال: فلان يدبّ له الضّراء إذا أراد بصاحبه سوء و أذى من حيث لا يعلم، كمن يمشى في الشّجر الملتف الساتر للاصطياد.

(وصفهم دواء و قولهم شفاء و فعلهم الدّاء العياء) يعني أنّهم يتّصفون ظاهرابأوصاف أهل الايمان أو أنّهم يصفون من الطاعات و الخيرات ما هو دواء الأمراض النفسانية كالمؤمنين، و يقولون من الأقوال الحسنة و المواعظ البالغة ما هو شفاء الصّدور كالنّاسكين و الزّاهدين، و يفعلون فعل الفاسقين الفاجرين الّذى هو الدّاء الأكبر المعيي للأطباء من العلاح.

و محصّله أنّهم يتّصفون ظاهرا بصفات المؤمنين، و يتكلّمون بمثل كلامهم إلّا أنّ أفعالهم خلاف أقوالهم، و باطنهم مناف لظاهرهم كما قال تعالى في وصفهم «يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ» و قال أيضا «وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى‏ شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ» و في سورة آل عمران «ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَ لا يُحِبُّونَكُمْ وَ تُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَ إِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ».

(حسدة الرّخاء) أى إن رأوا لأحد سعة و رفاهيّة في العيش و نعمة أنعم اللّه سبحانه بها عليه يحسدونه و يحزنونه به كما قال تعالى إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها (و مؤكّدوا البلاء) يعني إذا وقع أحد في بلاء و مكروه يسعون في تأكيده و تشديده بالسّعاية و النميمة و ساير أسباب التشديد، و لا يسعون في دفعه و رفعه و اصلاحه و في بعض النّسخ و مولّدوا البلاء باللّام و هو ظاهر.

(و مقنطوا الرّجاء) قال البحراني: أى إذا رجا راج أمرا ففي طباعهم أن يقنطوه و يؤيسوه، و هكذا شأن المنافق الكذّاب أن يبعّد القريب و يقرّب البعيد أقول: و يحتمل أن يكون المراد أنّهم بمقتضى خبثهم الباطني يقنّطون الرّاجين من رحمة اللّه عزّ و جلّ و يؤيسونهم منها، و ذلك لقنوطهم في أنفسهم منها بما لهم من الغيّ و الضّلال كما قال تعالى وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (لهم بكلّ طريق صريع) الظّاهر أنّ المراد به أنّ لهم في كلّ طريق من طرق البرّ صرعى أى هلكى لاضلالهم النّاس عنها، و قال الشّارح البحراني: إنّه كناية عن كثرة من يقتلونه أو يؤذونه بخديعتهم و كنّى بالطّريق إمّا عن كلّ مقصدقصدوه أو عن كلّ حيلة احتالوها و مكر مكروه، فانّه لا بدّ أن يستلزم أذى و الأظهر ما قلناه.

(و إلى كلّ قلب شفيع) أى إلى صرف كلّ قلب نحوهم و عطفه إليهم وسيلة و واسطة، و هى خلابة ألسنتهم و ملقهم و ما يظهرونه من التّلطّف و التّؤدد و التّملق أو المراد أنّ لهم إلى تحريف كلّ قلب و إضلاله عن الحقّ شفيع، و على أىّ تقدير فالمراد به التّنبيه على شدّة استيلائهم على القلوب و تمكّنهم من التّصرّف فيها بأىّ نحو كان.

(و لكلّ شجو دموع) يعني أنّهم يسكبون دموعهم و يبكون رياء عند كلّ محزون و مصاب تخييلا بأنّهم مشاركوهم في الحزن و الأسف و قصدهم بذلك التوصّل إلى حصول أغراضهم الفاسدة.

(يتقارضون الثّناء) أى يثنى أحدهم على الاخر ليثنى الاخر عليه كأنّه يقرض الثناء ليأخذ عوضه.

(و يتراقبون الجزاء) أى يترقّب كلّ واحد منهم جزاء محمدته و ثنائه من صاحبه إذا أثنى عليه و ينتظر أن يجزيه بمثل ثنائه أو بغيره من وجوه الجزاء.

(إن سألوا ألحفوا) أى أسرّوا في سؤالهم و ألحوّا فيه (و إن عذلوا كشفوا) يعني إن لاموا أحدا ببعض المعايب كشفوا عيوبه عند الأجانب و الأقارب، و ربما يظهرونها عند من لا يرضى بالاظهار عنده، و ذلك لعدم كون نصحهم عن وجه الصدق و الخلوص حتى يناصحوه في الخلوة لا فى الملاء.

(و ان حكموا أسرفوا) أى إذا ولى أحدهم ولاية أسرف فيها بالظلم و الطغيان و أفرط في الأكل و الشرب و الانهماك فى شهوات نفسه كما فعل معاوية في ولاية الشام.

و يحتمل أن يراد به أنهم إذا فوّض إليهم الحكم تعدّوا فيه و تجاوزوا عن الاعتدال كما صدر عن عمرو بن العاص و أبي موسى الأشعري في قضيّة التحكيم.

(قد أعدّوا لكلّ حقّ باطلا) أى هيّؤا لابطال الحقّ شبهة فاسدة باطلة ليموّهوا

بها كما اعتذر المنافق الثاني في زوى الخلافة عنه عليه السّلام بأنّ فيه دعابة، و تبعه على ذلك عمرو بن العاص اللّعين كما حكى عليه السّلام عنه في المختار الثالث و الثمانين بقوله: عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام إنّ فيّ دعابة و إنّي امرء تلعابة.

(و لكلّ قائم مائلا) أى أعدّوا لكلّ أمر صحيح مستقيم ليس به اعوجاج ما يوجب اعوجاجه من الشّبه و التمويهات.

(و لكلّ حىّ قاتلا) يحتمل أن يراد به خصوص ذى الحياة من نوع الانسان فيراد بالقاتل معناه المعروف و أن يراد به معناه المجازى أى هيؤا لكلّ ما له قوام و ثبات من امور الدّين ما يوجب فساده و إبطاله كما قال عليه السّلام في المختار المأة و السابع و العشرين، و انما حكم الحكمان ليحييا ما أحيى القرآن و يميتا ما أمات القرآن و إحياؤه الاجتماع عليه و إماتته الافتراق عنه.

(و لكلّ باب مفتاحا) أى لكلّ باب من أبواب الضلال مفتاحا من وجوه التدبير و الحيل يفتحونه به على الناس لاضلالهم.

(و لكلّ ليل مصباحا) أى لكلّ أمر مظلم يعيي فيه رأيا يستضاء به فيه و يهتدى به إليه كما دبّره ابن العاص عند ضيق الخناق على أهل الشام بصفّين من رفع المصاحف على الرّماح صبيحة ليلة الهرير، فأنجاهم بتلك الحيلة و المكيدة عن هذه الورطة العظيمة.

(يتوصّلون إلى الطمع باليأس) لعلّ المراد أنهم يتزهّدون و يظهرون اليأس و الاستغناء عما في أيدى الناس و صلة به إلى مطامعهم، و محصله أنهم يتركون الدنيا للدّنيا و يستغنون عن الناس تزويرا.

(ليقيموا به أسواقهم و ينفقوا به أعلاقهم) شبههم فى قصدهم إلى إضلال الناس بالتاجر الذي يجلس في السوق و يعرض متاعه على المشترين و يرغبهم إليه بحسن المعاملة قصدا إلى رواج متاعه، فجعلهم بمنزلة التاجر، و ما عندهم من متاع الضلال بمنزلة المبيع، و من يريدون إضلاله بمنزلة المشترى، و ما عنده من الهدى بمنزلة الثمن.

فيكون محصّل المعنى أنهم يظهرون اليأس من الناس جلبا لقلوبهم إليهم، و توصلا به إلى ما يطمعونه منهم من الاضلال و الاغواء و غرضهم بذلك إقامة أسواقهم أى انتظام معاملتهم معهم و ترويج ما لديهم من متاع الضلال الذي يزعمون أنه متاع نفيس مع أنه خبيث خسيس.

(يقولون فيشبهون) أى يقولون قولا فاسدا فيوقعون به الشبهة في قلوب الخلق (و يصفون فيموّهون) أى يصفون الباطل و يزيّنونه بصورة الحقّ.

(قد هيّنوا الطريق و أضلعوا المضيق) لعلّ المراد به أنهم جعلوا الطريق المؤدّى إلى الضلال سهلا هينا لمن أرادوا اسلاكهم فيه بالخدع و التمويهات، و جعلوا المسلك الضيق معوجا لمن أراد الخروج من ورطة الضلال بعد تورطه فيها، فسهولة الطريق بالنسبة إلى الوارد، و الضيق و الاعوجاج بالنسبة إلى الخارج.

(فهم لمة الشيطان) أى جماعته و أصحابه و أتباعه (وحمة النيران) أى معظم حرّها و قال الشارح البحراني مستعار لمعظم شرورهم، و وجه المشابهة استلزامها للأذى البالغ و كذلك حمة التخفيف.

(اولئك حزب الشيطان) لاضلالهم الناس عن الهدى إلى الرّدى (ألا إنّ حزب الشيطان هم الخاسرون) اقتباس من الاية الشريفة في سورة المجادلة قال تعالى اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ الاية.

قال الطبرسي في تفسيره: أى استولي عليهم يعني المنافقين و غلب عليهم لشدّة اتباعهم اياه فأنساهم ذكر اللّه حتى لا يخافون اللّه و لا يذكرونه، اولئك حزب الشيطان أى جنوده، ألا انّ حزب الشيطان هم الخاسرون، يخسرون الجنّة و يحصل لهم بدلها النار.

أقول: و بعبارة أوضح أنهم فوّتوا على أنفسهم النعيم المؤبّد و عرضوها للعذاب المخلّد بما اتّصفوا به من صفة النفاق.

روى في الكافي باسناده عن محمّد بن الفضيل قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السّلام‏ أسأله عن مسألة فكتب عليه السّلام إليّ إنّ المنافقين يخادعون اللّه و هو خادعهم و إذا قاموا إلى الصّلاة قاموا كسالى يراؤن النّاس و لا يذكرون اللّه إلّا قليلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء و من يضلل اللّه فلن تجد له سبيلا، ليسوا من الكافرين و ليسوا من المؤمنين و ليسوا من المسلمين يظهرون الايمان و يصيرون إلى الكفر و التكذيب لعنهم اللّه.

الترجمة

از جمله خطب شريفه آن حضرتست كه وصف فرموده در آن منافقين را مى‏ فرمايد: حمد مي كنم خدا را در مقابل آن چيزى كه توفيق داد مر آن چيز را در طاعت و فرمانبردارى، و دفع و منع فرمود بندگان را از آن از معصيت و گردن كشى، و در خواست مى ‏كنيم از او تمام كردن مر منّت او را، و چنگ زدن بريسمان محكم او كه عبارتست از اسلام يا قرآن.

و گواهى مى ‏دهيم اين كه محمّد بنده پسنديده و فرستاده او است، فرو رفت در هر شدايد بجهت توجّه برضاى خدا، و جرعه جرعه نوشيد هر غصّه در تحصيل رضاى إلهى و حال آنكه متغيّر و متلوّن الحال شدند از براى او نزديكان و خويشان، و جمع گشتند بر عداوت او بيگانگان، و كندند طايفه عرب بسوى حرب او لجامهاى خود را و زدند بر شكمهاى شتران باركش خودشان بجهت رفتن بسوى جنگ او تا آنكه فرود آوردند در فضاى خانه و منزل او دشمنى خودشان را از دورترين خانه و دورترين زيارتگاه وصيّت مى‏ كنم شما را اى بندگان خدا به پرهيزكارى خدا و مى‏ ترسانم شما را از أهل نفاق، پس بدرستى كه منافقان گمراهان و گمراه كنندگانند، و لغزندگان و لغزانندگانند، رنگ برنگ و مختلف الحال مى‏ شوند و خلق را تفتين مى‏ كنند، قصد مى‏ كنند شما را بهر أمر سنگين، و انتظار شما را مى‏ كشند در هر گذر گاهى،قلبهاى ايشان فاسد است، و صفحه روهاى ايشان پاك و نظيف، راه مى‏ روند در پنهانى و حركت مى‏ كنند در طرق اذيّت و اضرار.

صفت ايشان دواء است، و گفتار ايشان شفاء است، و كردار ايشان درد بى درمان حسد كنندگان رفاهيّتند، و محكم كنندگان بلا و معصيبت، و مأيوس كنندگان اميدند، ايشان را است در هر راهى افتاده، و بسوى هر قلبى واسطه، و از براى هر اندوهى اشك چشمى، بقرض مى‏ دهند بيكديگر ثنا و ستايش را، و منتظر مى ‏باشند از يكديگر جزا و احسان را.

اگر سؤال نمايند اصرار مى ‏كنند، و اگر ملامت نمايند پرده درى مى ‏كنند، و اگر حاكم نمايند ايشان را در حكومتى اسراف مى ‏نمايند، بتحقيق كه مهيّا ساخته ‏اند از براى هر حق باطلى را، و از براى هر راست كجى را، و از براى هر زنده قاتلى را، و از براى هر در كليدى را و از براى هر شب چراغى را.

يعنى صاحبان أنواع و أقسام حيله و خدعه مى‏ باشند، توصّل مى‏ كنند بسوى طمع با اظهار يأس از مردم تا اين كه بر پا كنند بسبب اظهار يأس بازار كار خودشان را و رواج دهند متاع خود را، حرف مى‏ زنند پس مشتبه مى ‏سازند خلق را، و تعريف مى ‏كنند پس زينت مى‏ دهند و آسان مى‏ گردانند راه باطل را بجهت داخلين، و كج مى‏ كنند راه تنگ را بجهت خارجين، پس ايشان جماعت شيطانند، و چشمه آتشند ايشان دسته شيطانند، آگاه باش بدرستى دسته شيطان ايشانند زيانكاران.

منهاج ‏البراعة في ‏شرح ‏نهج ‏البلاغة(الخوئي)//میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی»

نهج البلاغه خطبه ها خطبه شماره 192 (شرح میر حبیب الله خوئی«میرزا حبیب الله خوئی») همام(صفات متقین)

خطبه 193 صبحی صالح

193- و من خطبة له ( عليه ‏السلام  ) يصف فيها المتقين‏

روي أن صاحبا لأمير المؤمنين ( عليه ‏السلام  ) يقال له همام كان رجلا عابدا فقال له يا أمير المؤمنين صف لي المتقين حتى كأني أنظر إليهم فتثاقل ( عليه ‏السلام  ) عن جوابه

ثم قال يا همام اتق الله و أحسن ف إن الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون فلم يقنع همام بهذا القول حتى عزم عليه فحمد الله و أثنى عليه و صلى على النبي ( صلى ‏الله ‏عليه‏ وآله  ) ثم قال( عليه ‏السلام  )

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ لِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ وَ لَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ وَ وَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ

فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ وَ مَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ وَ مَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ

غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ وَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ

نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ وَ لَوْ لَا الْأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ

عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ فَهُمْ وَ الْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ وَ هُمْ وَ النَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ

قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ وَ أَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ وَ حَاجَاتُهُمْ‏خَفِيفَةٌ وَ أَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ

صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا وَ أَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا

أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ يَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ

فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وَ تَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ وَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَ ظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَ شَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ

فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وَ أَكُفِّهِمْ وَ رُكَبِهِمْ وَ أَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ يَطْلُبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ

وَ أَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ وَ يَقُولُ لَقَدْ خُولِطُوا وَ لَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ

لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ وَ لَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ

إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي وَ رَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي اللَّهُمَّ لَاتُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ وَ اجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ وَ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ

فَمِنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينٍ وَ حَزْماً فِي لِينٍ وَ إِيمَاناً فِي يَقِينٍ وَ حِرْصاً فِي عِلْمٍ وَ عِلْماً فِي حِلْمٍ

وَ قَصْداً فِي غِنًى وَ خُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ وَ تَجَمُّلًا فِي فَاقَةٍ وَ صَبْراً فِي شِدَّةٍ وَ طَلَباً فِي حَلَالٍ وَ نَشَاطاً فِي هُدًى وَ تَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ

يَعْمَلُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَ هُوَ عَلَى وَجَلٍ يُمْسِي وَ هَمُّهُ الشُّكْرُ وَ يُصْبِحُ وَ هَمُّهُ الذِّكْرُ يَبِيتُ حَذِراً وَ يُصْبِحُ فَرِحاً حَذِراً لِمَا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ وَ فَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَ الرَّحْمَةِ

إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا تُحِبُّ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لَا يَزُولُ وَ زَهَادَتُهُ فِيمَا لَا يَبْقَى يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَ الْقَوْلَ بِالْعَمَلِ

تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلًا زَلَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ مَنْزُوراً أَكْلُهُ سَهْلًا أَمْرُهُ حَرِيزاً دِينُهُ مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ مَكْظُوماً غَيْظُهُ الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ

إِنْ كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ وَ إِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَ يُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ

وَ يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ بَعِيداً فُحْشُهُ لَيِّناً قَوْلُهُ غَائِباً مُنْكَرُهُ حَاضِراً مَعْرُوفُهُ‏مُقْبِلًا خَيْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ

فِي الزَّلَازِلِ وَقُورٌ وَ فِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ وَ فِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ وَ لَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ

يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ لَا يُضِيعُ مَا اسْتُحْفِظَ وَ لَا يَنْسَى مَا ذُكِّرَ وَ لَا يُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ وَ لَا يُضَارُّ بِالْجَارِ وَ لَا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ

وَ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ وَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ وَ إِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ

وَ إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِآخِرَتِهِ وَ أَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ

بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَ نَزَاهَةٌ وَ دُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَ رَحْمَةٌ لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَ عَظَمَةٍ وَ لَا دُنُوُّهُ بِمَكْرٍ وَ خَدِيعَةٍ

قَالَ فَصَعِقَ همام صعقة كانت نفسه فيها

فقال أمير المؤمنين ( عليه‏ السلام  )

أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَ هَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا فقال له قائل فما بالك يا أمير المؤمنين

فقال ( عليه ‏السلام  )وَيْحَكَ إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ وَقْتاً لَا يَعْدُوهُ وَ سَبَباً لَا يَتَجَاوَزُهُ فَمَهْلًا لَا تَعُدْ لِمِثْلِهَا فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه الّذى شرح صدور المؤمنين بمصابيح العرفان و اليقين، و نوّر قلوب المتّقين بأنوار التقوى فى الدّين، فاهتدوا إلى المحجّة البيضاء و لزموا الشرع المبين، و سلكوا الجادّة الوسطى و تمسّكوا بالحبل المتين، و فاز العارفون منهم بعظيم الزلفى و حسن الماب، و خرجت أرواح الواصلين منهم من أبدانهم خوفا من العقاب و شوقا إلى الثواب.

و الصّلاة و السّلام على أشرف الأوّلين و الاخرين محمّد سيّد الأنبياء و المرسلين‏و وصيّه و وزيره الوارث لعلمه، و الحامل لسرّه، و باب مدينة علمه، و دار حكمته عليّ أمير المؤمنين و سيّد الوصيين، و آلهما الخائضين في بحار أنوار الحقائق، و الغائصين في لجج تيّار الدّقائق، أئمة المسلمين الهداة المهديّين الأطيبين الأنجبين الغرّ الميامين:

هم هداة الورى و هم اكرم
النّاس أصولا شريفة و نفوسا

معشر حبّهم يجلّي الهموم‏
و مزاياهم تحلّي طروسا

كرموا مولدا و طابوا اصولا
و زكوا محتدا و طالوا غروسا

ملاؤا بالولاء قلبي رجاء
و بمدحى لهم ملئت الطروسا

أما بعد فهذا هو المجلّد السّادس من مجلّدات منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة إملاء راجي عفو ربّه الغني «حبيب اللّه بن محمد بن هاشم الهاشمي العلوى الموسوى» وفّقه اللّه لما يتمنّاه و جعل عقباه خيرا من اولاه إنّه وليّ الاحسان و الكريم المنّان.

شرح وترجمه میر حبیب الله خوئی ج12  

و من خطبة له عليه السّلام و هى المأة و الثانية و التسعون من المختار فى باب الخطب

و هي مرويّة في الكافي في باب علامات المؤمن و صفاته باختلاف كثير تطلع عليه بعد الفراغ، من شرح ما أورده السيّد «ره» في المتن.

قال «قده» روى أنّ صاحبا لأمير المؤمنين عليه السّلام يقال له همّام: كان رجلا عابدا فقال له: يا أمير المؤمنين صف لى المتّقين حتّى كأنّي أنظر اليهم، فتثاقل عليه السّلام عن جوابه ثمّ قال عليه السّلام يا همّام:

إتّق اللّه و أحسن فإنّ اللّه مع الّذين اتّقوا و الّذينهم محسنون، فلم يقنع همّام بذلك القول حتّى عزم عليه فحمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثم قال: أمّا بعد فإنّ اللّه سبحانه خلق الخلق حين خلقهم غنيّا عن طاعتهم، آمنا من معصيتهم، لأنّه لا تضرّه معصية من عصاه، و لا تنفعه طاعة من أطاعه، فقسّم بينهم معيشتهم، و وضعهم من الدّنيا مواضعهم. فالمتّقون فيها هم أهل الفضائل، منطقهم الصّواب، و ملبسهم الإقتصاد، و مشيهم التّواضع، غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللّه عليهم، و وقفوا أسماعهم على العلم النّافع لهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالّذي نزلت في الرّخاء، و لو لا الأجل الّذي كتب اللّه لهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثّواب و خوفا عن العقاب.

عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم و الجنّة كمن قد رآها فهم فيها منعّمون، و هم و النّار كمن قد رآها فهم فيها معذّبون، قلوبهم محزونة، و شرورهم مأمونة، و أجسادهم نحيفة، و حاجاتهم خفيفة، و أنفسهم عفيفة، صبروا أيّاما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة، تجارة مربحة يسّرها لهم ربّهم، أرادتهم الدّنيا فلم‏يريدوها، و أسرتهم ففدوا أنفسهم منها.

أمّا اللّيل فصافّون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتّلونه ترتيلا يحزّنون به أنفسهم و يستثيرون به دواء دائهم، فإذا مروّا باية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، و تطلّعت نفوسهم إليها شوقا، و ظنّوا أنّها نصب أعينهم، و إذا مرّوا باية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم، و ظنّوا أنّ زفير جهنّم و شهيقها في أصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم، مفترشون لجباههم، و أكفّهم و ركبهم و أطراف أقدامهم، يطلبون إلى اللّه تعالى في فكاك رقابهم. و أمّا النّهار فحلماء، علماء، أبرار، أتقياء، قد براهم الخوف برى القداح، ينظر إليهم النّاظر فيحسبهم مرضى و ما بالقوم من مرض، و يقول: قد خولطوا و قد خالطهم أمر عظيم، لا يرضون من أعمالهم القليل، و لا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متّهمون، و من أعمالهم مشفقون، إذا زكّي أحدهم خاف ممّا يقال له فيقول أنا أعلم بنفسي من غيري و ربّي أعلم منّي بنفسي، ألّلهمّ لا تؤاخذني بما يقولون، و اجعلني أفضل ممّا يظنّون، و اغفر لي ما لا يعلمون.

فمن علامة أحدهم أنّك ترى له قوّة في دين، و حزما في لين،و إيمانا في يقين، و حرصا في علم، و علما في حلم، و قصدا في غنى، و خشوعا في عبادة، و تجمّلا في فاقة، و صبرا في شدّة، و طلبا في حلال و نشاطا في هدى، و تحرّجا عن طمع، يعمل الأعمال الصّالحة و هو على وجل، يمسي و همّه الشّكر، و يصبح و همّه الذّكر، يبيت حذرا، و يصبح فرحا: حذرا لما حذّر من الغفلة، و فرحا بما أصاب من الفضل و الرّحمة، إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحبّ قرّة عينه فيما لا يزول، و زهادته فيما لا يبقى، يمزج الحلم بالعلم، و القول بالعمل.

تراه قريبا أمله، قليلا زلله، خاشعا قلبه، قانعة نفسه، منزورا أكله «أكله خ»، سهلا أمره، حريزا دينه، ميّتة شهوته، مكظوما غيظه، الخير منه مأمول، و الشّرّ منه مأمون، إن كان في الغافلين كتب في الذّاكرين، و إن كان في الذّاكرين لم يكتب من الغافلين، يعفو عمّن ظلمه، و يعطي من حرمه، و يصل من قطعه، بعيدا فحشه، ليّنا قوله، غائبا منكره، حاضرا معروفه، مقبلا خيره مدبرا شرّه، في الزّلازل وقور، و في المكاره صبور، و في الرّخاء شكور لا يحيف على من يبغض، و لا يأثم فيمن يحبّ، يعترف بالحق‏ قبل أن يشهد عليه، لا يضيّع ما استحفظ، و لا ينسى ما ذكّر، و لا ينابز بالألقاب، و لا يضارّ بالجار، و لا يشمت بالمصائب، و لا يدخل في الباطل، و لا يخرج من الحقّ.

إن صمت لم يغمّه صمته، و إن ضحك لم يعل صوته، و إن بغي عليه صبر حتّى يكون اللّه تعالى هو الّذي ينتقم له، نفسه منه في عناء و النّاس منه في راحة، أتعب نفسه لاخرته، و أراح النّاس من نفسه، بعده عمّن تباعد عنه زهد و نزاهة، و دنوّه ممّن دنا منه لين و رحمة، ليس تباعده بكبر و عظمة، و لا دنوّه بمكر و خديعة. قال: فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها

فقال أمير المؤمنين: أما و اللّه لقد كنت أخافها عليه، ثمّ قال عليه السّلام: هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها، فقال له قائل: فما بالك يا أمير المؤمنين فقال عليه السّلام: ويحك إنّ لكلّ أجل وقتا لا يعدوه، و سببا لا يتجاوزه فمهلا لا تعد لمثلها فانما نفث الشيطان على لسانك.

اللغة

(عزم) على الأمر يعزم من باب ضرب عزما و معزما و عزمانا و عزيما و عزيمة و عزمة أراد فعله و قطع عليه أوجدّ فيه فهو عازم و عزم الأمر نفسه عزم عليه و عزم على الرّجل اقسم و (الاقتصاد) ضدّ الافراط و (صغر) من باب شرف و فرح صغارة و صغرا و صغرا و صغرانا أى حقر و انحطّ قدره فهو صغير كحقير لفظا و معنا و (ثار) ثورا و ثورانا أى هاج و أثار الغبار و استثاره هيّجه.

و (تطلّع) الى وروده استشرف و (صغى) إلى الشي‏ء كرضى مال إليه و أصغى اليه سمعه أى أماله نحوه و (حنيت) العود حنوا و حناء عطفته فانحنى و تحنّى، و حنت الناقة على ولدها حنوا عطفت و يقال لكلّ ما فيه اعوجاج من البدن كعظم اللّحى و الضلع و نحوهماالحنو بالكسر و الفتح.

و (برى) السّهم و العود و القلم يبريها بريا نحتها و (القداح) جمع القدح بالكسر فيهما و هو السّهم قبل أن يراش و ينصل و (اختلط) فلان و خولط في عقله أى فسد عقله و اختلّ فهو خلط بيّن الخلاطة أى أحمق، و خالطه مخالطة مازجه و خالطه الدّاء خامره و (تجمل) فلان تزيّن و تكلّف الجميل و (نزر) الشي‏ء ككرم نزرا و نزارة و نزورا قلّ فهو نزر و نزير و منزور أى قليل.

و (اكلة) في بعض النسخ بفتح الهمزة و سكون الكاف فيكون مصدرا و في بعضها بضمّهما و هو الرّزق و الحظّ من الدّنيا فيكون اسما و (الحريز) الحصين يقال هذا حرز حريز أى حصن حصين و الحريزة من الابل الّتي لا تباع نفاسة و (المنابزة) و التنابز التّعاير و التداعى بالألقاب و (صعق) صعقا كسمع و صعقا بالتحريك و صعقة غشى عليه و الصعق بالتحريك أيضا شدّة الصوت و (نفث) ينفث من باب ضرب و نصر نفخ.

الاعراب

قوله: حين خلقهم ظرف زمان، و في بعض النسخ حيث خلقهم بدله، و قوله: نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالّذي نزلت في الرّخاء، اختلف الشّراح في اعراب قوله كالذي، فقال الشارح المعتزلي تقدير الكلام من جهة الاعراب: نزلت أنفسهم منهم في حال البلاء نزولا كالنزول الذي نزلت منهم في حال الرّخاء، فموضع كالّذي نصب لأنّه صفة مصدر محذوف، و الذي الموصول قد حذف العايد اليه و هو الهاء في نزلته كقولك: ضربت الّذي ضربت أى ضربت الذي ضربته.

و تبعه على ذلك الشّارح البحراني حيث قال: و الّذي خلقه مصدر محذوف و الضمير العايد إليه محذوف أيضا، و التقدير: نزلت كالنّزول الّذى نزلته في الرّخاء ثمّ احتمل وجها آخر و قال: و يحتمل أن يكون المراد بالذي الذين فحذف النّون كما في قوله تعالى كَالَّذِي خاضُوا و يكون المقصود تشبيه هم حال نزول أنفسهم منهم في البلاء بالّذين نزلت أنفسهم منهم في الرّخاء.

و قال بعضهم: إنّه لا بدّ من تقدير مضاف لأنّ تشبيه الجمع بالواحد لا يصحّ، أى كلّ واحد منهم إذا نزلت في البلاء يكون كالرّجل الذي نزلت نفسه في الرّخاء و نحوه قوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ.

أقول: و أنت خبير بأنّ هذه كلّها تكلّفات يأبي عنها الذّوق السّليم مضافا إلى ما فى الوجه الاخر الذي احتمله البحراني و كذلك الوجه الأخير الذي حكيناه عن بعضهم أنّ المنساق من ظاهر كلامه عليه السّلام تشبيه إحدى حالتى المتّقين بحالتهم الاخرى لا تشبيه هم بغيرهم من أهل الرّخاء.

ثمّ بعد الغضّ عن ذلك و البناء على ما ذكر فلا حاجة في تصحيح تشبيه الجمع بالمفرد إلى تأويل ما هو المفرد ظاهرا بالجمع و المصير إلى حذف النون كما تمحّله الأوّل، أو تأويل الجمع بالمفرد بالمصير إلى تقدير المضاف كما تجشّمه الاخر، لجواز تقدير موصوف الذي لفظ الرّهط و الجمع و نحوهما ممّا يكون مفردا لفظا و جمعا في المعنى، و يكون المعنى نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالرّهط أو الجمع الذي نزلت نفسهم منهم في الرّخاء.
قال نجم الأئمة بعد ما قال بأنه قد يحذف نون الذين مستشهدا

بقول الشاعر:

و إنّ الّذي حانت بفيح دمائهم
هم القوم كلّ القوم يا امّ خالد

و يجوز في هذا أن يكون مفردا وصف به مقدّر مفرد اللّفظ مجموع المعني أى و انّ الجمع الّذى و انّ الجيش الّذى كقوله تعالى مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ فحمل على اللّفظ أى الجمع الّذى استوقد نارا، ثمّ قال: بنورهم فحمل على المعني و لو كان في الاية مخفّفا من الّذين لم يجز إفراد الضّمير العايد إليه و كذا قوله تعالى وَ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ و هذا كثير أعني ذكر الّذي مفردا موصوفا به مقدّر مفردا للّفظ مجموع المعنى و أمّا حذف النّون من الّذين فهو قليل، انتهى.

و بعد ذلك كلّه فالأقرب عندي أن يجعل الّذى مصدريّا بأن يكون حكمه حكم‏ماء المصدريّة كما ذهب اليه يونس و الأخفش في قوله سبحانه ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا أى ذلك تبشير اللّه و كذلك قالا في قوله تعالى كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا و على هذا فيكون المعني: نزلت أنفسهم منهم فى البلاء مثل نزولها في الرّخاء و هذا لا تكلّف فيه أصلا.

و قوله: تجارة مربحة، بالرّفع على أنّه خبر محذوف المبتدأ، أى تجارتهم تجارة مربحة، و في بعض النسخ بالنصب على المصدر أى اتّجروا تجارة.
و قوله: أمّا الليل فصافون، بالنصب على الظرف، و الناصب، إما لتضمّنها معني الفعل أو الخبر كما في نحو قولك: أما اليوم فأنا ذاهب و أمّا إذا قلت اما في الدّار فزيد، فالعامل هو أما لا غير كما فى قولهم أما العبيد فذو عبيد، أى مهما ذكرت العبيد فهو ذو عبيد، هذا.

و يروى بالرّفع على الابتداء فيحتاج إلى العايد في الخبر أى صافّون أقدامهم فيها و قوله: تالين حال من فاعل صافّون أو من الضمير المجرور بالاضافة في أقدامهم: و الأول أولى، و جملة يرتّلونه حال من فاعل تالين، و في بعض النسخ يرتّلونها، فالضمير عايد إلى أجزاء القرآن، و نصب أعينهم بنصب النصب على الظرفية، و يروى بالرّفع على أنه خبر انّ و المصدر بمعني المفعول.

و قوله: يطلبون إلى اللّه في فكاك رقابهم، تعدية الطلب بحرف الجرّ أعني إلى لتضمينه معني التضرع و في للظرفية المجازية، أى يتضرّعون إليه سبحانه في فكاك رقابهم.
و أما ما قاله الشارح المعتزلي من أنّ الكلام على الحقيقة مقدّر فيه حال محذوفة يتعلّق بها حرف الجرّ أى يطلبون الى اللّه سائلين فى فكاك رقابهم لأنّ طلبت لا يتعدّى بحرف الجرّ فليس بشى‏ء لأنّ تأويل الطلب بالسؤال لا ينهض باثبات ما رامه كما لا يخفى.

و فى في قوله: و قوّة في دين، ظرف لغو متعلّق بقوّة، و في قوله: و حزما في لين ظرف مستقرّ متعلّق بمقدّر صفة لقوله حزما، و فى المعطوفات بعد ذلك في بعضهاظرف لغو و فى بعضها ظرف مستقرّ وصف لسابقه، فتدبّر تفهم.

المعنى

اعلم أنه قد (روى أنّ صاحبا لأمير المؤمنين) أى رجلا من أصحابه و شيعته و مواليه (يقال له همام) بالتشديد، و هو كما في شرح المعتزلي همام بن شريح بن يزيد بن مرّة بن عمر بن جابر بن يحيى بن الأصهب بن كعب بن الحارث بن سعد ابن عمرو بن ذهل بن سيف بن سعد العشيرة.
و في البحار و الأظهر أنه همام بن عبادة بن خثيم ابن أخ الرّبيع بن خثيم أحد الزّهاد الثمانية كما رواه الكراجكي في كنزه.

و كيف كان فقد (كان رجلا عابدا) زاهدا ناسكا (فقال له يا أمير المؤمنين صف لى المتّقين) و اشرح لي حالهم (حتّى كأنى أنظر إليهم) و ابصر بهم لأقتفي آثارهم و أقتبس أنوارهم.
(فتثاقل عليه السّلام عن جوابه) قال الشارح المعتزلي تثاقله عليه السّلام عن الجواب لعلمه بأنّ المصلحة فى تأخير الجواب، و لعلّه كان فى مجلسه عليه السّلام من لا يحبّ أن يجيب و هو حاضر، فلما انصرف أجاب، أو لأنّه رأى أنّ تثاقله عنه يزيد شوق همام إلى سماعه فيكون أنجع فى موعظته، أو أنه تثاقل عنه لترتيب المعاني و نظمها فى ألفاظ مناسبة ثمّ النطق بها كما يفعله المتروّي في الخطبة و القريض.

و الأولى ما قاله الشارح البحرانى: من أنه عليه السّلام تثاقل عنه لما رأى من استعداد نفسه لأثر الموعظة و خوفه عليه أن يخرج به خوف اللّه إلى انزعاج نفسه و صعوقها.
(ثمّ) إنه عليه السّلام بعد تثاقله عن الجواب و وصف حال المتّقين تفصيلا لما رآه من المصلحة المقتضية لترك التفصيل أجابه بجواب إجمالى و (قال) له (يا همام اتّق اللّه و أحسن) يعنى أنّ الفرض عليك القيام بالتقوى و الأخذ بها على قدر ما حصل لك المعرفة به من معناها و حقيقتها من الكتاب و السنة، و تبين لك إجمالا من ماهيّتها كما يعرفها جميع المؤمنين، و الزائد عن ذلك غير مفروض عليك و لا يجب البحث عنه‏و قد تقدّم شرح معناها و حقيقتها و بعض ما يترتّب عليها من الثمرات الدنيويّة و الاخرويّة في شرح الخطبة الرّابعة و العشرين، و قد روينا هناك عن الصّادق عليه السّلام انّه قال في تفسيرها: أن لا يفقدك اللّه حيث أمرك و لا يراك حيث نهاك، هذا.

و المراد بقوله: و أحسن هو الاحسان في العمل، يعني أنّ اللازم عليك الأخذ بالتقوى و القيام بالحسنى من الأعمال الصّالحة.
و هذا الّذى قلنا أولى ممّا قاله الشارح البحراني من أنّ معني كلامه أنّه أمره بتقوى اللّه أى في نفسه أن يصيبها فادح بسبب سؤاله، و أحسن أى أحسن إليها بترك تكليفها فوق طوقها.
و كيف كان فلمّا أمره بالتّقوى و الاحسان علّله بقوله (فانّ اللّه مع الّذين اتّقوا و الّذين هم محسنون) ترغيبا له إلى القيام بهما، و هو اقتباس من الاية الشريفة خاتمة سورة النحل، يعني أنّه سبحانه مع الّذين اتّقوا ما حرّم عليهم و أحسنوا فيما فرض عليهم أى معين لهم و ناصر لهم و هو وليّهم فى الدّنيا و الاخرة.

(فلم يقنع همّام بذلك القول) و لم يكتف بالاجمال (حتّى عزم عليه عليه السّلام) و أقسم و ألحّ في السؤال.
(ف) أجاب عليه السّلام مسئوله و أنجح مأموله و (حمد اللّه) عزّ و جلّ (و أثنى عليه) بما هو أهله (و صلّى على النبيّ و آله ثمّ قال أما بعد فانّ اللّه سبحانه خلق الخلق حين خلقهم غنيا عن طاعتهم آمنا من معصيتهم).

و انما مهّد هذه المقدّمة لأنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لما كان بصدد شرح حال المتقين تفصيلا حسبما اقترحه همام و كان ربما يسبق إلى الأوهام القاصرة أنّ ما يأتي به المتّقون من مزايا الأعمال و الصالحات و ما كلّفهم اللّه سبحانه به من محامد الخصال و القربات من أجل حاجة منه تعالى عن ذلك إليها، قدّم هذه المقدّمة تنبيها على كونه سبحانه منزّها عن ذلك، متعاليا عن صفات النقص و الحاجة في الأزل كما في الأبد، و أنه لم يكن غرضه تعالى من الخلق و الايجاد تكميل ذاته بجلب المنفعة و دفع المضرّة كما فى ساير الصناع البشرية يعملون الصنائع لافتقارهم إليها و استكمالهم بها بما في ذاتهم‏من النقص و الحاجة، و أمّا اللّه الحيّ القيّوم فهو الغنىّ الكامل المطلق في ذاته و صفاته و أفعاله و لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان و لا تخوّف من عواقب زمان و لا استعانة على ندّ مثاور و لا شريك مكائر و لا ضدّ منافر حسبما عرفته في الخطبة الرّابعة و الستّين و شرحها بما لا مزيد عليه.

و هذا معنى قوله (لأنه لا تضرّه معصية من عصاه و لا تنفعه طاعة من أطاعه) و قد تقدّم فى شرح الخطبة المأة و الخامسة و الثمانين أنّ غرضه من الخلق و الايجاد و من الأمر بالطاعة و الانقياد هو ايصال النفع إلى العباد و إكمالهم بالتكاليف الشرعيّة و رفعهم بالعمل بها إلى حظاير القدس و محافل الانس.
و قوله (فقسّم بينهم معايشهم و وضعهم من الدّنيا مواضعهم) تفريع على قوله: خلق الخلق لا تقرير و تاكيد، لغناه المطلق كما قاله الشارح البحراني.

و المراد أنه تعالى أعطى كلّ شي‏ء خلقه ثمّ هدى و قسّم بينهم معيشتهم أى ما يعيشون به فى الحياة الدّنيا من أنواع الرّزق و الخير و المنافع و النعماء، و وضع كلا منهم موضعه اللّايق بحاله من الفقر و اليسار و الغنى و الافتقار و السعة و الاقتار على ما يقتضيه حكمته البالغة و توجبه المصلحة الكاملة كما اشير اليه فى قوله عزّ و جلّ أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هذا.

و انما فرّع عليه السّلام هذه الجملة على ما سبق و عقّبه بها لتكون توطئة و تمهيدا بقوله (فالمتّقون فيها هم أهل الفضايل) يعني أنّ معايش الخلق فى الدّنيا لما كانت بحسب تقسيم اللّه سبحانه و اقتضاء حكمته اقتضى العناية الالهية و النظم الأصلح فى حقّ المتّقين بمقتضى كونهم من أهل السبق و القربى أن يكون عيشهم فى الدّنيا بخلاف معايش ساير الخلق و يكون حركاتهم و سكناتهم و حالاتهم وراء حالات أبناء الدّنيا، فاتّصفوا بالفضايل النفسانية و تزيّنوا بمكارم الأخلاق و محامد الأوصاف الّتي فصّلها عليه السّلام بالبيان البديع و التفصيل العجيب.

اولها أنّ (منطقهم الصواب) و هو ضدّ الخطاء يعنى أنهم لا يسكتون عما ينبغي أن يقال فيكونون مفرّطين، و لا يقولون ما ينبغي أن يسكت عنه فيكونون مفرطين‏و يحتمل أن يراد به خصوص توحيد اللّه تعالى و تمجيده و الصّلاة على نبيّه و به فسّر في قوله سبحانه لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قالَ صَواباً.

(و) الثاني أنّ (ملبسهم الاقتصاد) أى التوسّط بين الافراط و التفريط، و في الاسناد توسّع يعنى أنّ لباسهم ليس بثمين جدا مثل لباس المترفين المتكبّرين، و لا بذلة كلباس أهل الابتذال و الخسّة و الدّنائة بل متوسّط بين الأمرين.

(و) الثالث أنّ (مشيهم التواضع) و فى الاسناد أيضا توسّع، يعنى أنهم لا يمشون على وجه الأشر و البطر و الخيلاء لنهى اللّه سبحانه عن المشى على هذا الوجه فى قوله «وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا و أمره بخلافه فى قوله «وَ اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ».

و قد روى فى الكافي عن عمرو بن أبي المقدام عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: فيما أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى داود: كما أنّ أقرب الناس من اللّه المتواضعون كذلك أبعد الناس من اللّه المتكبّرون.

(و) الرابع أنهم (غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللّه عليهم) امتثالا لأمره تعالى به فى قوله قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى‏ لَهُمْ أى يغضّوا أبصارهم عما لا يحلّ لهم النظر اليه.
و فى الوسائل من الكافى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام كلّ عين باكية يوم القيامة إلّا ثلاثة أعين: عين غضّت عن محارم اللّه، و عين سهرت في طاعة اللّه، و عين بكت في جوف اللّيل من خشية اللّه.

(و) الخامس أنّهم (وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم) في الدّنيا و الاخرة الموجب لكمال القوّة النظرية و الحكمة العمليّة، و أعرضوا عن الاصغاء إلى اللّغو و الأباطيل كالغيبة و الغناء و الفحش و الخناء و نحوها، و قد وصفهم اللّه سبحانه بذلك في قوله «وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ» و في قوله «وَ الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً».

و السادس أنّهم (نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالّذى نزلت في الرّخاء) يعني‏أنّهم موطّنون أنفسهم على ما قدّره اللّه في حقّهم من الشدّة و الرّخاء و السّراء و الضّراء و الضّيق و السّعة و المنحة و المحنة و محصّله وصفهم بالرّضاء بالقضاء.

روى في الكافي عن ابن سنان عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قلت له: بأيّ شي‏ء يعلم المؤمن بأنّه مؤمن قال عليه السّلام: بالتسليم للّه و الرّضا فيما ورد عليه من سرور أو سخط.
و فى رواية أخرى فيه عنه عليه السّلام قال: رأس طاعة اللّه الصّبر و الرّضا عن اللّه فيما أحبّ العبد أو كره، و لا يرضى عبد عن اللّه فيما أحبّ أو كره إلّا كان خيرا له فيما أحبّ أو كره.

و عن محمّد بن عذافر عن أبيه عن أبي جعفر عليه السّلام قال: بينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في بعض أسفاره إذ لقيه ركب فقالوا: السّلام عليك يا رسول اللّه، فقال: ما أنتم فقالوا: نحن المؤمنون يا رسول اللّه، قال: فما حقيقة ايمانكم قالوا: الرّضا بقضاء اللّه، و التفويض الى اللّه، و التسليم لأمر اللّه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: علماء حكماء كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء، فان كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون، و لا تجمعوا ما لا تأكلون، و اتّقوا اللّه الّذى إليه ترجعون.

(و) السابع أنه (لو لا الأجل الّذى كتب اللّه لهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب و خوفا من العقاب) و هو إشارة إلى غاية نفرتهم عن الدّنيا و فرط رغبتهم إلى الاخرة لما عرفوا من عظمة وعده و وعيده، يعني أنّهم بكليّتهم متوجّهون إلى العقبى مشتاقون إلى الانتقال إليها شدّة الاشتياق، لا مانع لهم من الانتقال إلّا الاجال المكتوبة و عدم بلوغها غايتها.
روى في الوسائل من الكافي عن أبي حمزة قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: من عرف اللّه خاف اللّه و من خاف اللّه سخت نفسه عن الدّنيا.

و الثامن أنّه (عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم) علما منهم بأنّه سبحانه موصوف بالعظمة و الكبرياء و الجلال غالب على الأشياء كلّها، قادر قاهر عليها، و انّ كلّ من سواه مقهور تحت قدرته داخر ذليل في قيد عبوديّته، فهوسبحانه عظيم السلطان عظيم الشأن و غيره أسير في ذلّ الامكان مفتقر اليه لا يقدر على شي‏ء إلّا باذنه.
و أشار عليه السّلام بهذا الوصف إلى شدّة يقين المتّقين و غاية توكّلهم و أنّ اعتصامهم في جميع امورهم به و توكلهم عليه و أنهم لا يهابون معه ممّن سواه.

روى في الكافي عن أبى بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: ليس شي‏ء إلّا و له حدّ قال: قلت: جعلت فداك فما حدّ التوكّل قال: اليقين، قلت: فما حدّ اليقين قال: ألّا تخاف مع اللّه شيئا.
و عن مفضل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى داود: ما اعتصم بي عبد من عبادى دون أحد من خلقي عرفت ذلك من نيّته ثمّ تكيده السماوات و الأرض و من فيهنّ الّا جعلت له المخرج من بينهنّ، و ما اعتصم عبد من عبادى بأحد من خلقي عرفت ذلك من نيّته إلّا قطعت أسباب السماوات من يده و أسخت الأرض من تحته و لم ابال بأيّ واد هلك، هذا.

و لما ذكر في الوصف السابع شدّة اشتياق المتّقين إلى الجنّة و خوفهم من العقاب أتبعه بقوله (فهم و الجنّة كمن قد رآها فهم فيها منعّمون و هم و النار كمن قد رآها و هم فيها معذّبون) إشارة إلى أنهم صاروا فى مقام الرّجاء و الشوق إلى الثواب و قوّة اليقين بحقايق وعده سبحانه بمنزلة من رأى بحسّ بصره الجنّة و سعادتها، فتنعّموا فيها و التذّوا بلذائذها، و فى مقام الخوف من النار و العقاب و كمال اليقين بحقايق وعيده تعالى بمنزلة من شاهد النّار و شقاوتها فتعذّبوا بعذابها و تألّموا بالامها.

و محصّله جمعهم بين مرتبتي الخوف و الرّجاء و بلوغهم فيه إلى الغاية القصوى، و هي مرتبة عين اليقين كما قال عليه السّلام مخبرا عن نفسه. لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا، و هذه المرتبة أعني مرتبة عين اليقين مقام جليل لا يبلغه إلّا الأوحدي من النّاس.

و قد روى في الكافي عن إسحاق بن عمّار قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صلّى بالنّاس الصبح فنظر إلى شاب في المسجد و هو يخفق و يهوى برأسه مصفرّا لونه قد نحف جسمه و غارت عيناه في رأسه، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:كيف أصبحت يا فلان قال: أصبحت يا رسول اللّه موقنا، فعجب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من قوله و قال: إنّ لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك فقال: إنّ يقيني يا رسول اللّه هو الّذى أحزنني و أسهر ليلى و أظمأ هو اجرى فعزفت نفسي عن الدّنيا و ما فيها حتّى كأنّي أنظر إلى عرش ربّي و قد نصب للحساب و حشر الخلايق لذلك و أنا فيهم، و كانّي أنظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون في الجنّة و يتعارفون على الأرائك يتكئون، و كأنّى أنظر إلى أهل النّار و هم فيها معذّبون مصطرخون، و كأنّى الان أسمع زفير النّار يدور فى مسامعى، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: هذا عبد نوّر اللّه قلبه بالايمان ثمّ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم له: الزم ما أنت عليه، فقال الشّاب: ادع اللّه لى يا رسول اللّه أن ارزق الشهادة معك، فدعا له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النّبي فاستشهد بعد تسعة نفر و كان هو العاشر.
و قد مرّ هذا الحديث فى شرح الخطبة المأة و الثالثة عشر، و رويناه هنا أيضا لاقتضاء المقام كما هو ظاهر.

و التاسع أنّ (قلوبهم محزونة) لما غلب عليهم من الخوف.روى فى الكافى عن معروف بن خربوز عن أبي جعفر عليه السّلام قال: صلّى أمير المؤمنين عليه السّلام بالناس الصبح بالعراق فلما انصرف و عظهم فبكى و أبكاهم من خوف اللّه ثمّ قال: أما و اللّه لقد عهدت أقواما على عهد خليلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أنهم ليصبحون و يمسون شعثا غبرا خمصا بين أعينهم كركب المعزى يبيتون لربّهم سجّدا و قياما، يراوحون بين أقدامهم و جباههم، و يناجون فى فكاك رقابهم من النار، و اللّه لقد رأيتهم مع هذا و هم خائفون مشفقون.

و فيه عن أبى حمزة عن عليّ بن الحسين عليهما السّلام قال: صلّى أمير المؤمنين عليه السّلام الفجر و لم يزل فى موضعه حتّى صارت الشمس على قدر رمح و أقبل على الناس بوجهه فقال: و اللّه لقد أدركت أقواما يبيتون لربّهم سجدا و قياما يخالفون بين جباههم و ركبهم كأنّ زفير النار فى آذانهم، إذا ذكر اللّه عندهم مادوا كما يميد الشجر كأنّما القوم باتوا غافلين، قال عليه السّلام: ثمّ قام فما رئي ضاحكا حتّى قبض.

(و) العاشر أنّ (شرورهم مأمونة) لأنّ مبدء الشرور و المفاسد كلّها و رأس كلّ خطيئة هو حبّ الدّنيا، و المتّقون زاهدون فيها معرضون عنها مجانبون عن شرّها و فسادها.

(و) الحادى عشر أنّ (أجسادهم نحيفة) لا تعاب أنفسهم بالصيام و القيام و قناعتهم بالقدر الضرورى من الطعام.

(و) الثاني عشر أنّ (حاجاتهم خفيفة) لاقتصارهم من حوائج الدّنيا على ضروريّاتها و عدم طلبهم منها أكثر من البلاغ.

(و) الثالث عشر أنّ (أنفسهم عفيفة) أى مصونة عن المحرّمات لكسرهم سورة القوّة الشهويّة.
روى في الوسائل من الكافى عن منصور بن حازم عن أبي جعفر عليه السّلام قال: ما من عبادة أفضل عند اللّه من عفّة فرج و بطن.

و عن عبد اللّه بن ميمون القداح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول: ما من عبادة أفضل من عفّة بطن و فرج

و الرابع عشر أنّهم (صبروا أياما قصيرة أعقبتهم) تلك الأيّام القصيرة (راحة طويلة) يعنى أنهم صبروا فى دار الدّنيا على طوارق المصائب و على مشاق الطاعات و عن لذّات المعاصى بل احتملوا جميع مكاره الدّنيا و استعملوا الصبر فى جميع أهوالها فأوجب ذلك السعادة الدائمة فى الدّار الاخرة.

و يدلّ على ذلك ما رواه فى الكافى عن حمزة بن حمران عن أبى جعفر عليه السّلام قال: الجنّة محفوفة بالمكاره و الصبر، فمن صبر على المكاره فى الدّنيا دخل الجنّة، و جهنّم محفوفة باللّذات و الشهوات فمن أعطى نفسه لذّتها و شهوتها دخل النار.
و فيه عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: من ابتلى من المؤمنين ببلاء فصبر عليه كان له مثل أجر ألف شهيد.

و فيه عن العزرمي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: سيأتي على النّاس زمان لا ينال فيه الملك إلّا بالقتل و التّجبّر، و لا الغنى إلّا بالغصب و البخل،و لا المحبّة إلّا باستخراج الدّين و اتباع الهوى، فمن أدرك ذلك الزّمان فصبر على الفقر و هو يقدر على الغنى، و صبر على البغضة و هو يقدر على المحبّة، و صبر على الذّل و هو يقدر على العزّ آتاه اللّه ثواب خمسين صدّيقا ممّن صدّق بي، هذا و في وصف أيّام الصبر بالقصر و الرّاحة بالطول تحريص و ترغيب اليه، و أكّد ذلك بقوله (تجارة مربحة) استعار لفظ التجارة لاكتسابهم الرّاحة في مقابل الصبر، و رشّح بلفظ الرّبح.

و كونها مربحة باعتبار قصر مدّة الصّبر على المكاره و طول مدّة الرّاحة و فناء الشّهوات الدّنيويّة و اللّذائذ النّفسانيّة و بقاء السّعادات الاخرويّة مضافة إلى خساسة الاولى في نفسها و حقارتها، و نفاسة الثّانية و شرافتها.

و أكّد ثالثا بقوله (يسّرها لهم ربّهم) يعني أنّ فوزهم بتلك النّعمة العظمى و السّعادة الدّائمة قد حصل بتوفيق اللّه سبحانه و تأييده و لطفه، ففيه ايماء إلى توجّه العناية الرّبانيّة إليهم و شمول الألطاف الالهيّة عليهم و إلى كونهم بعين رحمة اللّه و كرامته

و الخامس عشر أنّهم (أرادتهم الدّنيا فلم يريدوها) أى أرادت عجوزة الدّنيا أن تفتنهم و تغرّهم و أن يتزوّجوا بها، فأعرضوا عنها و زهدوا فيها بما كانوا يعرفونه من حالها و أنّها قتّالة غوّالة ظاهرة الغرور كاسفة النّور يونق منظرها و يوبق مخبرها قد تزيّنت بغرورها و غرّت بزينتها لا تفي بأحد من أزواجها الباقية كما لم تف بأزواجها الماضية.

(و) السادس عشر أنّ الدّنيا (أسرتهم ففدوا أنفسهم منها) الأشبه أن يكون المراد بقوله: أسرتهم، هو الاشراف على الاسر، يعني أنّهم بمقتضى المزاج الحيواني و القوى النّفسانيّة الّتي لهم كاد أن تغرّهم الدّنيا فيميلوا إليها و يقعوا في قيد اسره و سلسلة رقيّته، لكنّهم نظروا إليها بعين البصيرة و عرفوها حقّ المعرفة و غلب عقلهم على شهوتهم فرغبوا عنها و زهدوا فيها و أعرضوا عن زبرجها و زخارفها، فالمراد بفداء أنفسهم منها هو الاعراض عن الزّخارف الدّنيويّة، فكأنّهم بذلوا تلك الزّخارف‏لها و خلصوا أنفسهم منها.

و إنّما أتى بالواو في قوله: أرادتهم الدّنيا و لم يريدوها، و بالفاء في قوله: و أسرتهم ففدوا أنفسهم منها، لعدم التّرتيب بين الجملتين المتعاطفتين فى القرينة السّابقة، بخلاف هذه القرينة فانّ الفدية مترتّبة على الاسر كما لا يخفى.
و السابع عشر اتّصافهم بالتهجّد و قيام الليل و إليه أشار بقوله (أمّا الليل فصافّون أقدامهم) فيها للصّلاة علما منهم بما فيه من الفضل العظيم و الأجر الخطير و قد مدح اللّه القيام فيها و القائمين في كتابه الكريم بقوله «سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ».

قال الصّادق عليه السّلام في تفسيره: هو السّهر في الصّلاة و بقوله «أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ» و قال تعالى أيضا إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلًا».
قال الصّادق عليه السّلام فيه قيام الرّجل عن فراشه يريد به وجه اللّه تعالى عزّ و جلّ لا يريد به غيره.
و كفى فى فضله ما رواه في الفقية عن جابر بن إسماعيل عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهما السّلام أنّ رجلا سأل عليّ بن أبي طالب عن قيام اللّيل بالقرآن، فقال عليه السّلام ابشر: من صلّى من الليل عشر ليلة مخلصا ابتغاء ثواب اللّه قال اللّه لملائكته: اكتبوا لعبدي هذا من الحسنات عدد ما انبت في الليل من حبّة و ورقة و شجرة و عدد كلّ قصبة و خوص و مرعى.

و من صلّى تسع ليلة أعطاه اللّه عشر دعوات مستجابات و أعطاه اللّه كتابه بيمينه.
و من صلّى ثمن ليلة أعطاه اللّه أجر شهيد صابر صادق النّية و شفّع في أهل بيته.
و من صلّى سبع ليلة خرج من قبره يوم يبعث و وجهه كالقمر ليلة البدر حتى‏يمرّ على الصراط مع الامنين و من صلّى سدس ليلة كتب من الأوابين و غفر له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر.
و من صلّى خمس ليلة زاحم إبراهيم خليل الرّحمن في قبّته.
و من صلّى ربع ليلة كان في أوّل الفائزين حتى يمرّ على الصراط كالريح العاصف و يدخل الجنة بلا حساب.
و من صلّى ثلث ليلة لم يلق ملكا إلّا غبطه لمنزلته من اللّه و قيل ادخل من أىّ أبواب الجنة شئت.
و من صلّى نصف ليلة فلو اعطى ملؤ الأرض ذهبا سبعين ألف مرّة لم يعدل جزاه و كان له بذلك عند اللّه أفضل من سبعين رقبة يعتقها من ولد إسماعيل عليه السّلام.

و من صلّى ثلثي ليلة كان له من الحسنات قدر رمل عالج أدناها حسنة أثقل من جبل احد عشر مرّات.
و من صلّى ليلة تامّة تاليا لكتاب اللّه راكعا و ساجدا و ذاكرا اعطى من الثواب ما أدناه يخرج من الذنوب كما ولدته امّه، و يكتب له عدد ما خلق اللّه من الحسنات و مثلها درجات و يثبت النّور في قبره و ينزع الاثم و الحسد من قلبه، و يجار من عذاب القبر و يعطى براءة من النّار و يبعث من الامنين، و يقول الربّ لملائكته يا ملائكتي انظروا إلى عبدى أحيا ليله ابتغاء مرضاتي اسكنوه الفردوس و له فيها مأئة ألف مدينة فى كلّ مدينة جميع ما تشتهى الأنفس و تلذّ الأعين و لم يخطر على بال سوى ما أعددت له من الكرامة و المزيد و القربة، هذا.
و لما وصف قيامهم بالصّلاة في اللّيل أشار إلى قراءتهم و وصف قراءتهم تفصيلا بقوله (تالين لأجزاء القرآن) فانّ البيوت الّتي يتلى فيها القرآن تضي‏ء لأهل السّماء كما تضي‏ء الكواكب لأهل الأرض كما روى في غير واحد من الأخبار و تكثر بركتها و تحضرها الملائكة و تهجرها الشّياطين كما رواه في الكافي عن ابن القداح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام عن أمير المؤمنين عليه السّلام.

(يرتّلونه ترتيلا) قال في مجمع البحرين: التّرتيل في القرآن التّأني و تبيين الحروف بحيث يتمكّن السّامع من عدّها.
و فى الكافي عن عبد اللّه بن سليمان قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا قال: قال أمير المؤمنين عليه السّلام: بيّنه تبيانا و لا تهذّه هذّ الشّعر، و لا تنثره نثر الرّمل، و لكن افزعوا قلوبكم القاسية و لا يكن همّ أحدكم آخر السّورة.

و فى مجمع البحرين عن أمير المؤمنين عليه السّلام: ترتيل القرآن حفظ الوقوف و بيان الحروف، و فسّر الوقوف بالوقف التامّ و هو الوقوف على كلام لا تعلّق له بما بعده لا لفظا و لا معنا، و بالحسن و هو الّذي له تعلّق، و فسّر الثاني بالاتيان بالصّفات المعتبرة عند القراءة من الهمس و الجهر و الاستعلاء و الاطباق.

و عن الصّادق عليه السّلام الترتيل أن تتمكث فيه و تحسن به صوتك، و إذا مررت باية فيها ذكر الجنة فاسأل اللّه الجنة، و إذا مررت باية فيها ذكر النار فتعوّذ باللّه من النار.
و قوله عليه السّلام (يحزنون به أنفسهم) أى يقرؤنه بصوت حزين.
روى في الكافي عن ابن أبي عمير عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إنّ القرآن نزل بالحزن فاقرءوه بالحزن.
و فى الوسائل من الكافي عن حفص قال: ما رأيت أحدا أشدّ خوفا على نفسه من موسى بن جعفر عليهما السّلام و لا أرجى للناس منه، و كانت قراءته حزنا، فاذا قرء فكأنه يخاطب إنسانا.

و قوله: (و يستثيرون به دواء دائهم) الظاهر أنّ المراد بدائهم هو داء الذّنوب الموجب للحرمان من الجنّة و الدّخول في النّار، و بدوائه هو التّدبّر و التفكّر الموجب لقضاء ما عليهم من الحقّ و سؤال الجنّة و طلب الرّحمة و المغفرة و التعوّذ من النّار عند قراءة آيتي الوعد و الوعيد.

كما أوضحه و شرحه بقوله (فاذا مرّوا باية فيها تشويق) إلى الجنّة (ركنوا)أى مالوا و اشتاقوا (إليها طمعا و تطلعت) أى أشرفت (نفوسهم إليها شوقا و ظنّوا أنّها نصب أعينهم) أى أيقنوا أنّ تلك الاية أى الجنّة الموعودة بها معدّة لهم بين أيديهم و إنما جعلنا الظنّ بمعني اليقين لما قد مرّ من اتّصافهم بعين اليقين و أنهم و الجنّة كمن قد رآها فهم فيها منعّمون.

(و إذا مرّوا باية فيها تخويف) و تحذير من النار (أصغوا) أى أمالوا (إليها مسامع قلوبهم و ظنّوا) أى علموا (أنّ زفير جهنّم و شهيقها) أى صوت توقدها (فى اصول آذانهم) أو المراد زفير أهلها و شهيقهم، و الزّفير إدخال النفس و الشهيق إخراجه، و منه قيل: إنّ الزّفير أوّل الصوت و الشهيق آخره، و الزّفير من الصّدر و الشهيق من الحلق، و كيف كان فالمراد أنهم و النار كمن قد رآها فهم فيها معذّبون.

و محصل المراد أنّ المتّقين يقرؤن القرآن بالتّرتيل و الصوت الحسن الحزين و يشتدّ رجاؤهم عند قراءة آيات الرّجا و خوفهم عند تلاوة آيات الخوف.
روى في الوسائل عن الشيخ عن البرقي و ابن أبي عمير جميعا عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: ينبغي للعبد إذا صلّى أن يرتّل في قراءته فاذا مرّ باية فيها ذكر الجنّة و ذكر النار سأل اللّه الجنة و تعوّذ باللّه من النار، و إذا مرّ بيا أيها الناس و يا أيها الّذين آمنوا يقول لبّيك ربّنا.

و عنه عن عثمان بن عيسى عن سماعة قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام ينبغي لمن قرء القرآن إذا مرّ باية فيها مسألة أو تخويف أن يسأل عند ذلك خير ما يرجو و يسأل العافية من النار و من العذاب.
و فيه عن الكليني عن الزّهرى في حديث قال: كان عليّ بن الحسين عليهما السّلام إذا قرء مالك «ملك» يوم الدّين يكرّرها حتى يكاد أن يموت، هذا.

و لما ذكر عليه السّلام وصف قيامهم و قراءتهم أشار إلى ركوعهم بقوله (فهم حانون) أى عاطفون (على أوساطهم) يعني أنّهم يحنون ظهرهم فى الرّكوع أى يميلونه في استواء من رقبتهم و من ظهرهم من غير تقويس.

و أشار إلى سجودهم بقوله (مفترشون لجباههم واه كفّهم و ركبهم و أطراف أقدامهم)أى باسطون لهذه الأعضاء السبعة في حالة السجدة على الأرض قال سبحانه وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً.
قال في مجمع البيان روى أنّ المعتصم سأل أبا جعفر محمّد بن عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام عن هذه الاية فقال عليه السّلام: هي الأعضاء السبعة التي يسجد عليها.

و فى الوسائل عن الشيخ باسناده عن زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السّلام قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: السجود على سبعة أعظم: الجبهة، و اليدين، و الرّكبتين، و الابهامين من الرّجلين، و ترغم بأنفك إرغاما أمّا الفرض فهذه السبعة و أمّا الارغام بالأنف فسنّة من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و قوله عليه السّلام (يطلبون إلى اللّه تعالى في فكاك رقابهم) إشارة إلى العلّة الغائيّة لهم من عباداتهم الليلية، يعنى أنهم يتضرّعون اليه سبحانه و يلحّون في فكاك رقابهم من النار و ادخالهم الجنة.
و الثامن عشر اتّصافهم بأوصاف يطلع عليها النّاظرون لهم نهارا، و إليه أشار بقوله (و أمّا النّهار فحلماء علماء أبرار أتقياء) يعني أنّهم متّصفون بالحلم و العلم و البرّ و التّقوى.

أما الحلم فهو فضيلة متوسّطة بين رذيلتي المهانة و الافراط في الغضب، و هو من جنود العقل و يقابله السّفه و هو من جنود الجهل، كما في الحديث المرويّ في الكافي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام.
قال صدر المتألهين في شرح الكافي: الحلم الاناة و هو من شعب الاعتدال في الغضب، و السفه الخفّة و الطيش، و سفه فلان رأيه إذا كان مضطربا لا استقامة له فيكون من شعب الافراط في الغضب ضدّ الحلم الذي من شعب الاعتدال فيه.

و قال بعض شرّاح الكافي: الحلم الاناة و التثبّت في الامور، و هو يحصل عن الاعتدال فى القوّة الغضبية و يمنع من الانفعال عن الواردات المكروهة المؤذية، و من آثاره عدم جزع النفس عند الامور الهايلة و عدم طيشها فى المؤاخذة و عدم صدورحركات غير منتظمة منها و عدم إظهار المزية على الغير و عدم التهاون فى حفظ ما يجب حفظه شرعا و عقلا.

أقول و يشهد بفضل هذا الوصف: ما رواه فى الكافى عن جابر عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّ اللّه يحبّ الحييّ الحليم العفيف المتعفّف.
و عن سعيد بن يسار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: إذا وقع بين رجلين منازعة نزل ملكان فيقولان للسفيه منهما: قلت و قلت و أنت أهل لما قلت ستجزى بما قلت، و يقولان للحليم منهما: صبرت و حلمت سيغفر اللّه لك إن أتممت ذلك، قال: فان ردّه الحليم عليه ارتفع الملكان، هذا.

و فى بعض النسخ بدل قوله عليه السّلام فحلماء: فحكماء بالكاف فيفيد اتّصافهم بالحكمة و هو أيضا من جنود العقل، و يقابله الهوى و هو من جنود الجهل كما فى الحديث الذي أشرنا إليه.
قال صدر المتألهين فى شرح هذا الحديث من الكافى: الحكمة هى العلم بحقايق الأشياء كما هى بقدر الطاقة و العمل على طبقه، و الهوى الرّأى الفاسد و اتّباع النفس شهواتها الباطلة، و يحتمل أن يكون المراد بالحكمة ما يستعمل فى كتب الأخلاق و هو التوسط فى القوّة الفكريّة بين الافراط الذي هو الجربزة و التفريط الذى هو البلاهة فيكون المراد بالهوى الجربزة بما يلزمها من الاراء الفاسدة و العقائد الباطلة، لأنّها تضادّ الحكمة التي بهذا المعنى، و كلا المعنيين من صفات العقل و ملكاته و مقابلاتهما من صفات الجهل و توابعه.

و أما العلم فهو أيضا من جنود العقل، و يقابله الجهل كما فى الحديث المتقدّم إليه الاشارة، و المراد بكونهم علماء كما لهم في القوّة النظرية بالعلم النظرى الذي هو معرفة الصانع و صفاته و العلم الشرعى الذى هو معرفة تكاليفه و أحكامه.

و أما البر فقد يطلق و يراد به الصادق، و قد يطلق على الذى من عادته الاحسان‏و بهما فسّر قوله «انّه هو البرّ الرّحيم» و كثيرا ما يخصّ الأبرار بالأولياء و الزّهاد و العبّاد و به فسّر قوله تعالى إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ أى الأولياء المطيعون في الدّنيا و قال في مجمع البيان في تفسير قوله إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً هو جمع البرّ المطيع للّه المحسن في أفعاله، و قال الحسن: هم الّذين لا يؤذون الذّر و لا يرضون الشرّ و قيل: هم الذين يقضون الحقوق اللازمة و النّافلة.

و اما التقوى فالمراد به هنا الخوف، يعنى أنّهم خائفون من اللّه تعالى و تاركون جميع القبايح البدنيّة و النفسانيّة.
و أشار إلى كمال خوفهم بقوله (قد بريهم الخوف برى القداح) أى نحتهم مثل نحت السّهام و صاروا مثلها في الدّقة و النحافة و إنّما يفعل الخوف ذلك لاشتغال النّفس المدبّرة للبدن به عن النظر في صلاح البدن و وقوف القوّة الشّهويّة و الغاذية عن أداء بدل ما يتحلّل.

و قد كان هذا الوصف أعني كمال الخوف من اللّه سبحانه و نحول البدن من شدّته مأثورا عن عليّ بن الحسين عليهما السّلام.
فقد روى المفيد في الارشاد عن أبي جعفر عليه السّلام قال: كان عليّ بن الحسين عليهما السّلام يصلّى في اليوم و اللّيلة ألف ركعة و كانت الرّيح تميله بمنزلة السّنبلة.
و فيه أيضا عن عبد اللّه بن محمّد القرشي قال: كان عليّ بن الحسين عليهما السّلام إذا توضّأ يصفرّ لونه فيقول له أهله: ما هذا الّذي يغشاك فيقول: أ تدرون لمن أتأهّب للقيام بين يديه.

و فيه أيضا عن سعيد بن كلثوم عن الصّادق عليه السّلام في حديث مدح فيه عليّ بن أبي طالب بما هو أهله و أطراه إلى أن قال: و ما أشبهه من ولده و لا أهل بيته أحد أقرب شبها به في لباسه و فقهه من عليّ بن الحسين عليهما السّلام، و لقد دخل ابنه أبو جعفر عليه فاذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد فرآه قد اصفرّ لونه من السّهر و رمصت عيناه من البكاء و دبرت جبهته و انخرم أنفه من السّجود و ورمت ساقاه و قدماه من‏القيام في الصّلاة قال أبو جعفر: فلم أملك حين رأيته بتلك الحال البكاء فبكيت رحمة له الحديث.

و قد كان شيعتهم عليهم السّلام أيضا متّصفون بذلك.
كما رواه في الوسايل من الخصال عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه قال: قال لي أبو جعفر عليه السّلام يا أبا المقدام إنّما شيعة علىّ الشّاحبون النّاحلون الذّابلون، ذابلة شفاههم خميصة بطونهم متغيّرة ألوانهم مصفرّة وجوههم، إذا جنّهم اللّيل اتّخذوا الأرض فراشا و استقبلوا الأرض بجباههم، كثير سجودهم كثيرة دموعهم كثير دعاؤهم كثير بكاؤهم يفرح النّاس و هم محزونون.

و فيه من أمالي ابن الشيخ قال: روى انّ أمير المؤمنين خرج ذات ليلة من المسجد و كانت ليلة قمراء فأمّ الجبانة و لحقه جماعة يقفون أثره فوقف عليهم ثمّ قال: من أنتم قالوا: شيعتك يا أمير المؤمنين، فتفرّس في وجوههم قال: فما لى لا أرى عليكم سيماء الشيعة قالوا: و ما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين قال: صفر الوجوه من السهر عمش العيون من البكاء حدب الظهور من القيام خمص البطون من الصيام ذبل الشفاه من الدّعاء عليهم غبرة الخاشعين، هذا.
و لغلبة الخوف عليهم و نحول أجسادهم و انحلال أعضائهم و شحب ألوانهم من الجدّ و الاجتهاد في العبادة (ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى و) الحال أنه (ما بالقوم من مرض و) لتوجّه نفوسهم بالملاء الأعلى، و خروج أفعالهم عن المعتادة المتعارفة بين الناس (يقول) الناظر لهم إنهم (قد خولطوا) أى اختلّ عقلهم و فسد (و) الحال أنهم ما خولطوا بل (قد خالطهم) أى مازجهم (أمر عظيم) من الخوف فتولهوا لأجله.

التاسع عشر أنّهم (لا يرضون من أعمالهم القليل) أى لا يقنعون بالقليل لعلمهم بشرف الغايات المقصودة من العبادات و عظم ما يترتّب عليها من الثمرات، و هو العتق من النار و الدّخول فى الجنة و الوصول إلى رضوان اللّه الذي هو أعظم اللّذات و أشرف الغايات.

و لذلك أنّ أولياء الدّين و أئمة التقوى و اليقين كان هممهم مقصورة على الجدّ و الاجتهاد و التفرّغ للعبادة.
و لقد قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما فى رواية الاحتجاج عن الكاظم عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السّلام عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورّمت قدماه و اصفرّ وجهه يقوم اللّيل أجمع حتى عوتب فى ذلك فقال اللّه تعالى «طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏» بل لتسعد به.

و فى رواية الكافى عن أبى بصير عن الباقر عليه السّلام قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عند عايشة ليلتها فقالت: يا رسول اللّه لم تتعب نفسك و قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يا عايشة ألا أكون عبدا شكورا و كان أمير المؤمنين عليه السّلام يصلّي فى اليوم و اللّيلة ألف ركعة، و كذلك ولده عليّ بن الحسين عليهما السّلام حسبما عرفت آنفا.

و روى فى الوسايل من العلل عن أبى حمزة قال: سألت مولاة لعليّ بن الحسين عليهما السّلام بعد موته فقلت: صفى لى امور علىّ بن الحسين عليهما السّلام فقالت: اطنب أو اختصر فقلت: بل اختصري، قال: ما أتيته بطعام نهارا قطّ و لا فرشت له فراشا بليل قطّ.

و روى فيه أيضا من العيون عن عبد السلام بن صالح الهروى فى حديث انّ الرّضا عليه السّلام كان ربما يصلّى فى يومه و ليلته ألف ركعة، و انما ينفتل من صلاته ساعة فى صدر النهار و قبل الزّوال و عند اصفرار الشمس، فهو فى هذه الأوقات قاعد فى صلاة «مصلاه ظ» يناجى ربه.
إلى غير ذلك من الأخبار الواردة فى وصف عباداتهم عليهم السّلام، و كفى فى تأكد المداومة على العبادة و التفرّغ لها بقوله سبحانه وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.

روى فى الوسايل من العلل بسنده عن جميل بن درّاج قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام: جعلت فداك ما معنى قول اللّه عزّ و جلّ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فقال: خلقهم للعبادة.

و فيه عن الكليني عن عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال فى التوراة مكتوب يا ابن آدم تفرغ لعبادتى أملاء قلبك غنى و لا أكلك إلى طلبك، و علىّ أن أسدّ فاقتك و أملاء قلبك خوفا منّى.
و عن عمر بن جميع عن أبى عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أفضل النّاس من عشق العبادة فعانقها و أحبّها بقلبه و باشرها بجسده و تفرغ لها فهو لا يبالى على ما أصبح من الدّنيا على عسر أم يسر.

و عن أبى جميلة قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: قال اللّه تبارك و تعالى: يا عبادى الصّديقين تنعّموا بعبادتى فى الدّنيا فانّكم تنعّمون بها فى الاخرة.
(و) العشرون أنّهم (لا يستكثرون) من أعمالهم (الكثير) أى لا يعجبون بكثرة العمل و لا يعدّونه كثيرا و ان أتعبوا فيه أنفسهم و بلغوا غاية جهدهم، لمعرفتهم بأنّ ما أتوا به من العبادات و إن بلغت في كثرتها غاية الغايات زهيدة قليلة في جنب ما يترتّب عليها من الثّمرات، كما أشار إليه في الخطبة الثانية و الخمسين بقوله: فو اللّه لو حننتم حنين الوله العجال و دعوتهم بهديل الحمام و جأرتم جؤار المتبتّلي الرّهبان و خرجتم إلى اللّه من الأموال و الأولاد التماس القربة اليه في ارتفاع درجة عنده أو غفران سيئة أحصتها كتبه و حفظها رسله، لكان قليلا فيما أرجو لكم من ثوابه و أخاف عليكم من عقابه، هذا.

مع ما في استكثار العمل من العجب الموجب لاهباطه و للوقوع في الخزى العظيم و العذاب الأليم.
روى في الوسائل من الخصال عن سعد الاسكاف عن أبي جعفر عليه السّلام قال: ثلاث قاصمات الظّهر: رجل استكثر عمله، و نسى ذنوبه، و أعجب برأيه.

و من الخصال عن عبد الرّحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال ابليس: إذا استمكنت من ابن آدم في ثلاث لم ابال ما عمل فانّه غير مقبول: إذا استكثر عمله، و نسى ذنبه، و دخله العجب.
و فيه عن الكليني عن سماعة قال: سمعت أبا الحسن عليه السّلام يقول: لا تستكثرواالخير و لا تستقلّوا قليل الذّنوب.
و عن الكليني عن يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حديث: قال موسى بن عمران لابليس: أخبرني بالذّنب الّذى إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه قال: إذا أعجبته نفسه، و استكثر عمله، و صغر في عينه ذنبه.

و قال: قال اللّه عزّ و جلّ لداود: يا داود بشّر المذنبين و أنذر الصّديقين، قال: كيف ابشّر المذنبين و أنذر الصدّيقين قال: يا داود بشّر المذنبين أني أقبل التوبة و أعفو عن الذّنب، و أنذر الصدّيقين أن لا يعجبوا بأعمالهم فانّه ليس عبد أنصبه للحساب إلّا هلك و لمّا ذكر عدم رضاهم بالقليل و اعجابهم بالكثير فرّع عليه قوله (فهم لأنفسهم متّهمون و من أعمالهم مشفقون) يعني أنّهم يتّهمون أنفسهم و ينسبونها إلى التقصير في العبادة.

روى في الوسائل عن الكليني عن سعد بن أبي خلف عن أبي الحسن موسى عليه السّلام قال: قال لبعض ولده: يا بنيّ عليك بالجدّ و لا تخرجنّ نفسك من حدّ التقصير في عبادة اللّه عزّ و جل فانّ اللّه لا يعبد حقّ عبادته.
و عن الفضل بن يونس عن أبي الحسن عليه السّلام قال: أكثر من أن تقول: اللّهم لا تجعلني من المعارين و لا تخرجني من التقصير، قال: قلت له: أمّا المعارون فقد عرفت إنّ الرّجل يعار الدّين ثمّ يخرج منه، فما معني لا تخرجني من التقصير فقال: كلّ عمل تريد به وجه اللّه فكن فيه مقصّرا عند نفسك فانّ النّاس كلّهم في أعمالهم فيما بينهم و بين اللّه مقصّرون إلّا من عصمه اللّه.

و عن أبي عبيدة الحذاء عن أبي جعفر عليه السّلام قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: قال اللّه عزّ و جلّ: لا يتّكل العاملون لي على أعمالهم الّتي يعملونها لثوابي، فانّهم لو اجتهدوا و أتّعبوا أنفسهم أعمارهم في عباداتي كانوا مقصّرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندى من كرامتي و النعيم في جنّاتي و رفيع الدّرجات العلي في جوارى و لكن برحمتي فليتّقوا «فليثقواظ»، و فضلي فليرجوا، و الى حسن الظنّ بي فليطمئنّوا و أمّا اشفاقهم من أعمالهم فخوفهم من عدم قبولها أو من عدم كونها جامعةلشرائط الصّحة و الكمال على الوجه الّذي يليق به تعالى فيؤاخذوا به، و قد مدح اللّه سبحانه المؤمنين بذلك في قوله «وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ».
روى فى الصافى من الكافى عن الصادق عليه السّلام أنّه سئل عن هذه الاية فقال: هى اشفاقهم و رجاؤهم يخافون أن تردّ عليهم أعمالهم إن لم يطيعوا اللّه و يرجون أن تقبل منهم.

و فى مجمع البيان قال أبو عبد اللّه عليه السّلام: معناه خائفة أن لا يقبل منهم.
و فى الوسائل من الكافى عن عبد الرّحمن بن الحجاج قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام الرّجل يعمل العمل و هو خائف مشفق ثمّ يعمل شيئا من البرّ فيدخله شبه العجب به فقال عليه السّلام: هو فى حاله الأولى و هو خائف أحسن حالا منه فى حال عجبه.

الحادى و العشرون أنّه (إذا زكي أحدهم) أى وصف و مدح بما فيه من محامد الأوصاف و مكارم الأخلاق و مراقبة العبادات و مواظبة الطاعات (خاف مما يقال له) و اشمئزّ منه (فيقول أنا أعلم بنفسى) أى بعيوبها (من غيري و ربّي أعلم منّي بنفسي) و إنّما يشمئزّ و يخاف من التّزكية لكون الرّضا بها مظنّة الاعجاب بالنفس و الادلال بالعمل.
و لهذه النّكتة أيضا نهى اللّه سبحانه عن تزكية النفس قال تعالى فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى‏ أى لا تثنوا عليها بزكاء العمل و زيادة الخير و الطهارة من المعاصى و الرّذائل، فانّه يعلم التّقى و غيره منكم قبل أن يخرجكم من صلب آدم.
قال فى مجمع البيان: أى لا تعظّموها و لا تمدحوها بما ليس لها فانّى أعلم بها، و قيل: معناه لا تزكوها بما فيها من الخير ليكون أقرب إلى النسك و الخشوع، و أبعد من الرّيا هو أعلم بمن برّ و أطاع و أخلص العمل.
و روى فى الصافى من العلل عن الصّادق عليه السّلام أنّه سئل عنها قال: يقول: لا يفتخر أحدكم بكثرة صلاته و صيامه و زكاته و نسكه، لأنّ اللّه عزّ و جل أعلم بمن اتّقى منكم.

و قوله (اللهمّ لا تؤاخذني بما يقولون و اجعلنى أفضل مما يظنّون و اغفر لى‏ما لا يعلمون) أى لا تؤاخذني بتزكية المزكين التي هى مظنة الاعجاب الموجب للسخط و المؤاخذة، و اجعلنى أفضل مما يظنّون فى التّقوى و الورع، و اغفر لى الهفوات و الاثام التي أنت عالم بها و هى مستورة عنهم و على ما ذكرنا فهذه الجملة الدّعائية متمّ كلام المتّقين الذى حكاه عليه السّلام عنهم، يعنى إذا زكي أحدهم يخاف منه و يجيب المزكّى بقوله: أنا أعلم بنفسى اه، و يدعو ربه بقوله: اللهمّ لا تؤاخذني اه.

و العجب من الشارح المعتزلي حيث زعم أنّ هذه الجملة من كلام أمير المؤمنين نفسه لا حكاية عن المتّقين قال: و قوله: اللهمّ لا تؤاخذني بما يقولون، إلى آخر الكلام مفرد مستقلّ بنفسه منقول عنه عليه السّلام أنه قاله لقوم مرّ عليهم و هم مختلفون فى أمره فمنهم الحامد له و منهم الذّام فقال: اللهمّ لا تؤاخذني اه، و معناه: اللهمّ إن كان ما ينسبه الذّامون إلىّ من الأفعال الموجبة للذمّ حقا فلا تؤاخذني بذلك، و اغفر لى ما لا يعلمونه من أفعالى، و ان كان ما يقوله الحامدون حقا فاجعلنى أفضل مما يظنّونه فيّ، انتهى.

و الأظهر ما ذكرنا كما لا يخفى، هذا.
و لما ذكر جملة من أوصافهم الجميلة أردفها بساير أوصافهم التي بها يعرفون و قال: (فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوّة فى دين) أى تراه متصلّبا فيه لا يؤثّر فيه تشكيك المشكك و لا ينخدع بخداع الناس.
(و حزما في لين) أى يكون لينه عن حزم و تثبّت لا عن مهانة و قال الشارح البحراني يكون له الحزم في الامور الدّنيوية و التّثبّت فيها ممزوجا باللّين للخلق و عدم الفظاظة، و هي فضيلة العدل في المعاملة مع الخلق.

(و ايمانا في يقين) أى ايمانا مع يقين، فانّ الايمان و هو معرفة الصّانع و الرّسول و التّصديق بما جاء به من عند اللّه لما كان قابلا للشدّة و الضّعف، فتارة يكون عن وجه التقليد و هو الاعتقاد المطابق لا لموجب، و اخرى عن وجه العلم و هو الاعتقاد المطابق لموجب هو الدّليل، و ثالثة عن العلم به مع العلم بأنّه لا يكون إلّا كذلك و هو علم اليقين، أراد أنّ علمهم باصول العقائد علم يقين لا يتطرّق إليه احتمال‏و فى الكافي عن جابر قال: قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام: يا أخا جعفي انّ الايمان أفضل من الاسلام و إنّ اليقين أفضل من الايمان، و ما من شي‏ء أعزّ من اليقين.

و عن عليّ بن إبراهيم عن محمّد بن عيسى عن يونس قال: سألت أبا الحسن الرّضا عليه السّلام عن الايمان و الاسلام فقال: قال أبو جعفر عليه السّلام: إنّما هو الاسلام و الايمان فوقه بدرجة و التقوى فوق الايمان بدرجة، و اليقين فوق التقوى بدرجة، و لم يقسّم بين النّاس شي‏ء أقلّ من اليقين، قال: قلت: فأىّ شي‏ء اليقين قال: التوكّل على اللّه و التسليم للّه، و الرّضا بقضاء اللّه، و التفويض إلى اللّه، قلت: فما تفسير ذلك قال: هكذا قال أبو جعفر عليه السّلام.
قال بعض شرّاح الكافي في شرح هذا الحديث: الاسلام هو الاقرار و الايمان إما التصديق أو التّصديق مع الاقرار، و على التقديرين فهو فوق الاسلام بدرجة أما على الثاني فظاهر و أمّا على الأوّل فلأنّ التصديق القلبي أفضل و أعلى من الاقرار اللّساني كما أنّ القلب أفضل من اللّسان، و التقوى فوق الايمان بدرجة لأنّ التقوى هو التجنّب عمّا يضرّ في الاخرة و إن كان ضرره يسيرا، و اليقين فوق التقوى لأنّ التقوى قد لا يكون في مرتبة اليقين، و هي الّتي أشار إليها أمير المؤمنين عليه السّلام بقوله: لو كشف الغطاء لما ازددت يقينا.

(و حرصا في علم) أى و حرصا في طلب العلم النّافع فى الاخرة و الازدياد منه (و علما فى حلم) أى علما ممزوجا بالحلم و قد مرّ توضيحه فى شرح قوله و أمّا النّهار فعلماء حلماء.
(و قصدا فى غنى) يحتمل أن يكون المراد اقتصاده فى طلب المال و تحصيل الثروة، يعنى أنّه لا يجاوز الحدّ فى كسب المال و تحصيل الغنى بحيث يؤدّى إلى فوات بعض ما عليه من الفرائض كما هو المشاهد في أبناء الدّنيا، و أن يكون المراد أنّه مع غناه مقتصد فى حركاته و سكناته و مصارف ماله بل جميع أفعاله يعنى أنّ غناه لم يوجب طغيانه و خروجه عن القصد و تجاوزه عن الحدّ كما قال تعالى كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى‏ أَنْ رَآهُ.

(و خشوعا فى عبادة) أى خضوعا و تذللا فى عباداته، و قد وصف اللّه المؤمنين بذلك فى قوله «الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ» قال فى مجمع البيان أى خاضعون متواضعون متذلّلون لا يدفعون أبصارهم عن مواضع سجودهم و لا يلتفتون يمينا و شمالا.
و روى أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رأى رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال: أما انّه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه.

و في هذا دلالة على أنّ الخشوع في الصّلاة يكون بالقلب و بالجوارح، فأمّا بالقلب فهو أن يفرغ قلبه بجميع الهمّة لها و الاعراض عمّا سواها فلا يكون فيه غير العبادة و المعبود، و أمّا بالجوارح فهو غضّ البصر و الاقبال عليها و ترك الالتفات و العبث قال ابن عبّاس خشع فلا يعرف من على يمينه و من على يساره.
(و تجمّلا في فاقة) أى يتعفّف و يظهر الغنى في حال فقره و يترك السّؤال و يستر ما هو عليه من الفقر، و أصل التجمّل هو تكلّف الجميل.

و قد مدح اللّه سبحانه أصحاب الصفة بذلك في قوله «لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ» و كانوا نحوا من أربعمائة من فقراء المهاجرين يسكنون صفّة مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يستغرقون أوقاتهم بالتعلّم و العبادة و كانوا يخرجون في كلّ سريّة يبعثها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يظنّهم الجاهل بحالهم و باطن امورهم أغنياء من التعفّف أى من أجل التعفّف و الامتناع من السّؤال و التجمّل فى اللّباس و السّتر لما هم عليه من الفقر و سوء الحال طلبا لرضوان اللّه و جزيل ثوابه تعرفهم بسيماهم أى تعرف حالهم بما يرى فى وجوههم من علامة الفقر من رثاثة الحال و صفرة الوجه لا يسئلون النّاس أصلا فيكون إلحاح أى إصرار فى السّؤال، فهو من قبيل السّالبة بانتفاء الموضوع مثل قولك: ما رأيت مثله و أنت تريد أنّه لا مثل له فيرى، لا أنّ له مثلا ما رأيته.

قال فى مجمع البيان فى الحديث: إنّ اللّه يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده‏و يكره البؤس و التّباؤس، و يحبّ الحليم المتعفّف من عباده و يبغض البذى السّائل الملحف.«» (و صبرا فى شدّة) أى يتحمّل على شدايد الدّنيا و مكارهها و يستحقرها بجنب ما يتصوّره من الفرحة بلقاء اللّه و بما بشّر به من عظيم الأجر للصّابرين فى كتابه المبين مضافا إلى ما فيه من التّأسّي و الاتباع للسلف الصالحين من الأنبياء و المرسلين و أولياء الدّين.

روى فى الكافى عن حفص بن غياث قال: قال لى أبو عبد اللّه عليه السّلام: يا حفص إنّ من صبر صبر قليلا و انّ من جزع جزع قليلا، ثمّ قال: عليك بالصبر فى جميع امورك فانّ اللّه عزّ و جلّ بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأمره بالصبر و الرّفق فقال وَ اصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا. وَ ذَرْنِي وَ الْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ و قال تبارك و تعالى وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا فصبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتى نالوه بالعظايم و رموه بها، فضاق صدره فأنزل اللّه عزّ و جلّ وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ثمّ كذّبوه و رموه فحزن لذلك فأنزل اللّه عزّ و جلّ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ.

وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى‏ ما كُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا فألزم النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نفسه الصبر فتعدّوا فذكروا اللّه تعالى و كذّبوه فقال: قد صبرت فى نفسى و عرضى و لا صبر لى على ذكر إلهى فأنزل اللّه عزّ و جلّ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ.

فَاصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ فصبر النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فى جميع أحواله ثمّ بشر فى عترته بالأئمة و وصفوا بالصبر فقال جلّ ثناؤه «وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنالَمَّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ» فعند ذلك قال صلّى اللّه عليه و آله الصبر من الايمان كالرّأس من الجسد، فشكر اللّه عزّ و جلّ ذلك له فأنزل اللّه عزّ و جلّ وَ أَوْرَثْنَا ا